‫آية ال العظمى الشيخ مكارم الشيرازي‬

‫نفحات الولية‬
‫في شرح نهج‬
‫البلغة‬
‫جزء ‪5‬‬
‫معروف‬

‫‪1432‬‬

‫المجلد الخامس‬

‫]‪[4‬‬

‫بمساعدة مجموعة من الفضلء‬

‫‪ 1‬ـ محمد جعفر المامي‬
‫‪ 2‬ـ محمد رضا الشتياني‬
‫‪ 3‬ـ محمد جواد أرسطا‬
‫‪ 4‬ـ إبراهيم البهادري‬
‫‪ 5‬ـ سعيد داودي‬
‫‪ 6‬ـ أحمد القدسي‬

‫]‪[5‬‬

‫الخطبة)‪111 (1‬‬

‫طِبة َلُه)عليه السلم(‬
‫خ ْ‬
‫ن ُ‬
‫َوِم ْ‬

‫ِفي َذّم الّدَنيـا‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫تحدثت هذه الخطبة بصورة عاّمة ـ كما ورد في عنوانهاـ عن ذّم الدنيا‪ ،‬الدنيا التي تغرق النسان في لذاتها‬
‫وزخارفها الزائلة اللمشروعة‪ ،‬ومتعها الرخيصة‪ ،‬بحيث يتناسى ال والخلق ومصيره وعاقبته‪ ،‬الدنيا التي تغيب‬
‫فيها معاني القيم والمثل ول يعد فيها من مفهوم للحلل والحرام والظلم والعدل‪.‬‬
‫والخطبة التي نحن بصددها على أقسام‪:‬‬
‫القسم الول‪ :‬فيها يتعرض إلى خداع الدنيا وغرورها وزبرجها وظاهرها الجوف الذي ل باطن له‪.‬‬
‫القسم الثاني‪ :‬فيتناول تقلب أحوال الدنيا وعدم ثباتها‪ ،‬إلى جانب الحديث عن النعم التي قد تتبدل نقمًا والنجاحات‬
‫ل‪.‬‬
‫التي تتحول فش ً‬
‫القسم الثالث‪ :‬خاض )عليه السلم( في بيان فناء الدنيا وزوالها‪ ،‬حيث تضّمن عبارات رائعة مؤثرة‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫نقل هذه الخطبة طائفة من العلم ممن عاشوا قبل وبعد المرحوم السيد الرضي ومنهم‪ :‬ابن شعبة الحّراني في »تحف العقول«‪ ،‬وابن‬
‫سر ابن أثير ما صعب من مفرداتها في‬
‫طلحة الشافعي في »مطالب السؤول«‪ ،‬ومحمد بن عمران المرزباني في »الموفق«‪ ،‬كما ف ّ‬
‫ن هناك اختلفًا في نقله مع بعض عبارات هذه الخطبة )مصادر نهج البلغة ‪ (2/144‬وقال ابن أبي الحديد حين‬
‫كتابه »النهاية«‪ ،‬إّل أ ّ‬
‫شرحه لهذه الخطبة‪ :‬نقل هذه الخطبة أيضًا أبو عثمان الجاحظ في كتاب »البيان والتبيين« )شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد‬
‫‪.(7/236‬‬

‫]‪[6‬‬
‫تكشف النقاب عن حقيقة هذا المر‪.‬‬
‫القسم الرابع‪ :‬فكأّنه يأخذ بيد الناس ويغوص بهم في أعماق تاريخ الماضيين‪ ،‬والعاقبة المريرة التي طالت القوام‬
‫من ذات القّوة والسطوة لتهز عروشهم وتحيلهم أجسادًا خاوية قبرت تحت التراب‪.‬‬
‫وأخيرًا القسم الخامس‪ :‬الذي تطرق إلى الموت والموات الذين عاشوا دهرًا بيننا بذلك النشاط والحيوية وقد ذاع‬
‫صيتهم ليعّم الرجاء‪ ،‬والحال قد ذهبت تلك الحيوية أدراج الرياح وتبدل ذلك النشاط إلى خمول وضمور بعد أن‬
‫أتاهم الموت وأحال أجسادهم ترابًا‪.‬‬

‫طون‬
‫هذا وقد أورد المام)عليه السلم( هذه الخطبة بعبارات لطيفة بالغة التأثر شأنها إيقاظ أسوأ الفراد الذين يغ ّ‬
‫في سبات الغفلة ونفث النور والمل في أوراحهم المظلمة البائسة‪.‬‬
‫—–‬
‫]‪[7‬‬

‫القسم الول‬

‫حّلتْ‬
‫ل‪َ ،‬وَت َ‬
‫ت ِباْلَقِلي ِ‬
‫جَلِة‪َ ،‬وَراَق ْ‬
‫ت ِباْلَعا ِ‬
‫حّبَب ْ‬
‫ت‪َ ،‬وَت َ‬
‫شَهَوا ِ‬
‫ت ِبال ّ‬
‫حّف ْ‬
‫ضَرٌة‪ُ ،‬‬
‫خ ِ‬
‫حْلَوٌة َ‬
‫حّذُرُكُم الّدْنَيا; َفِإّنَها ُ‬
‫»َأّما َبْعُد‪َ ،‬فِإّني ُأ َ‬
‫حاِئَلٌة َزاِئَلٌة‪َ ،‬ناِفَدٌة َباِئَدٌة‪َ ،‬أّكاَلٌة‬
‫ضّراَرٌة‪َ ،‬‬
‫غّراَرٌة َ‬
‫جَعُتَها‪َ .‬‬
‫ن َف ْ‬
‫ل ُتْؤَم ُ‬
‫حْبَرُتَها‪َ ،‬و َ‬
‫ل َتُدوُم َ‬
‫ت ِباْلُغُروِر‪َ .‬‬
‫ل‪َ ،‬وَتَزّيَن ْ‬
‫لَما ِ‬
‫ِبا ْ‬
‫حاَنُه‪َ» :‬كَماء‬
‫سْب َ‬
‫ل َتَعاَلى ُ‬
‫لا ّ‬
‫ن َكَما َقا َ‬
‫ن َتُكو َ‬
‫ضاِء ِبَها ـ َأ ْ‬
‫غَبِة ِفيَها َوالّر َ‬
‫ل الّر ْ‬
‫ت ِإَلى ُأْمِنّيِة َأْه ِ‬
‫ل َتْعُدو ـ ِإَذا َتَناَه ْ‬
‫غّواَلٌة‪َ .‬‬
‫َ‬
‫يء ُمْقَتِدرًا«‪.‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ح َوَكا َ‬
‫شيمًا َتْذُروُه الّرَيا ُ‬
‫ح َه ِ‬
‫صَب َ‬
‫ض َفَأ ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ت ا َْ‬
‫ط ِبِه َنَبا ُ‬
‫خَتَل َ‬
‫سَماِء َفا ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫َأْنَزْلَناُه ِم َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الدنيا الغرارة!‬
‫إستهل المام)عليه السلم( الخطبة بتحذير الجميع من هذه الدنيا الفانية والغرارة‪ ،‬ثم أماط اللثام عن ماهية واقعها‬
‫وحقيقتها من خلل وصفها والتعرض لغرورها وخداعها بثمان عشرة عبارة‪ ،‬فقال)عليه السلم( أحذركم من هذه‬
‫الدنيا ذات الظاهر اللطيف الذي إنطوى على اللّذات والشهوات‪ ،‬المر الذي يجعلها تشد إليها النظار بفعل عينيتها‬
‫ل أّنها تحّلت بالمال وتزّينت بالغرور لتسوق إليها هذا النسان‪:‬‬
‫ومثولها للنسان رغم ضحالة نعمها وتفاهتها‪ ،‬إ ّ‬
‫حّبَب ْ‬
‫ت‬
‫ت‪َ ،‬وَت َ‬
‫شَهَوا ِ‬
‫ت ِبال ّ‬
‫حّف ْ‬
‫ضَرٌة‪ُ ،‬‬
‫خ ِ‬
‫حْلَوٌة َ‬
‫حّذُرُكُم الّدْنَيا; َفِإّنَها ُ‬
‫»َأّما َبْعُد‪َ ،‬فِإّني ُأ َ‬
‫]‪[8‬‬
‫ت ِباْلُغُروِر«‪.‬‬
‫ل‪َ ،‬وَتَزّيَن ْ‬
‫لَما ِ‬
‫ت ِبا ْ‬
‫حّل ْ‬
‫ل‪َ ،‬وَت َ‬
‫ت)‪ِ (1‬باْلَقِلي ِ‬
‫جَلِة‪َ ،‬وَراَق ْ‬
‫ِباْلَعا ِ‬
‫فالمام)عليه السلم( يرى خداع الدنيا في حلّو ظاهرها المحفوف بالشهوات‪ ،‬فهى محببة إلى النفوس كونها ماثلة‬
‫جَلِة«‪.‬‬
‫ت ِباْلَعا ِ‬
‫حّبَب ْ‬
‫للعيان ملموسة‪ ،‬وهذا هو المعنى المراد من العبارة »َت َ‬
‫ن الدنيا قد زينت متاعها القليل بالشكل الذي جعلها تستقطب قلوب‬
‫ل«‪ ،‬فهى إشارة إلى أ ّ‬
‫ت ِباْلَقِلي ِ‬
‫أّما العبارة »َراَق ْ‬
‫عبدة الدنيا المتكالبين على حطامها‪.‬‬
‫ل« إلى زيف هذه الزينة التي تحّلت بها الدنيا‪ ،‬حيث تفتقر إلى الواقع‪ ،‬بل‬
‫لَما ِ‬
‫ت ِبا ْ‬
‫حّل ْ‬
‫بينما أشارت العبارت »َت َ‬
‫ت ِباْلُغُروِر«‪،‬‬
‫زينت مظهرها بالمال والخيالت الفارغة الزائفة‪ ،‬وهذا هو المعنى الذي أكدته العبارة »َتَزّيَن ْ‬
‫فرصيدها الرئيسي الذي يشكل عنصر التزيين إّنما هو الغرور الخداع‪ ،‬ولعل الوقوف على عمق هذا المعنى‬

‫يتجسد من خلل النظر من بعيد إلى قصور الملوك وسلتطهم الظاهرية المرعبة‪ ،‬وسعة حجم أموالهم وثرواتهم‪،‬‬
‫وأبهة وجلل مراكبهم وملبسهم النفيسة الفاخرة وسائر الوسائل والدوات التي يعتمدونها في حياتهم ومعيشتهم‬
‫التي تخطف البصار وتسحر القلوب‪ ،‬بينما القتراب منهم والغوص في واقع حياتهم ل يرى سوى البؤس والشقاء‬
‫وسبل المصاعب والمشاكل التي تلف حياتهم ومدى القلق والضطراب الذي يسودهم من جراء المؤامرات‬
‫والدسائس التي يخطط لها أعداؤهم إلى جانب الحسد والطمع الذي تكّنه لهم بطانتهم وقرابتهم‪.‬‬
‫ن هذه العبارات إقتباس مّما صرحت به بعض اليات القرآنية‪ ،‬فقد جاء في القرآن الكريم بشأن الحياة‬
‫والواقع هو أ ّ‬
‫الدنيا‪:‬‬
‫ع اْلُغُروِر‪.(2)(...‬‬
‫ل َمَتا ُ‬
‫حَياُة الّدْنَيا ِإ ّ‬
‫)َوَما اْل َ‬
‫جَلَة‪.(3)(...‬‬
‫ن اْلَعا ِ‬
‫حّبو َ‬
‫لِء ُي ِ‬
‫ن َهُؤ َ‬
‫وجاء في موضع آخر‪ِ) :‬إ ّ‬
‫طَرِة‪.(4)(...‬‬
‫طيِر اْلُمَقْن َ‬
‫ن َواْلَقَنا ِ‬
‫ساِء َواْلَبِني َ‬
‫ن الّن َ‬
‫ت ِم ْ‬
‫شَهَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫ح ّ‬
‫س ُ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫كما جاء أيضًا‪ُ) :‬زّي َ‬
‫‪» .1‬راقت«‪ :‬من مادة »ورق« على وزن ذوق بمعنى المسرة والعجاب‪.‬‬
‫‪ .2‬سورة آل عمران ‪ ;185 /‬الحديد ‪.20 /‬‬
‫‪ .3‬سورة النسان ‪.27 /‬‬
‫‪ .4‬سورة آل عمران ‪.14 /‬‬

‫]‪[9‬‬
‫ن()‪.(1‬‬
‫ف َيْعَلُمو َ‬
‫سْو َ‬
‫ل َف َ‬
‫لَم ُ‬
‫وقال تعالى أيضًا‪َ) :‬ذْرُهْم َيْأُكُلوا َوَيَتَمّتُعوا َوُيْلِهِهْم ا َْ‬
‫ن ِنعم الدنيا وسرورها إلى إنقطاع ول دوام لها‪ ،‬وليس هناك من شخص‬
‫ثم واصل المام)عليه السلم( كلمه بأ ّ‬
‫بمنأى عن مشاكلها وفجائعها‪ ،‬ورصيدها الخداع والغرور والضرر والخسران‪ ،‬معروفة بالفناء والزوال وعاقبة‬
‫أمر سكانها وعمارها الهلك والعدم‪:‬‬
‫غّواَلٌة)‪.«(6‬‬
‫حاِئَلٌة)‪َ (3‬زاِئَلٌة‪َ ،‬ناِفَدٌة)‪َ (4‬باِئَدٌة)‪َ ،(5‬أّكاَلٌة َ‬
‫ضّراَرٌة‪َ ،‬‬
‫غّراَرٌة َ‬
‫جَعُتَها‪َ .‬‬
‫ن َف ْ‬
‫ل ُتْؤَم ُ‬
‫حْبَرُتَها)‪َ ،(2‬و َ‬
‫ل َتُدوُم َ‬
‫»َ‬
‫نقد تناول المام)عليه السلم( الدنيا ليتحدث بهذه العبارات الرائعة البيان عن تقلب أحوالها وعدم ثباتها‪ ،‬فليس‬
‫هنالك من دوام واستمرار لي من مفرداتها من قبيل حلوتها وطلوتها ونعمها وثرواتها وإمكاناتها وآمالها‬
‫لمور محكومة بالفناء والزوال‪ ،‬وبناءًا على هذا فل يركن‬
‫ورغباتها ونشاطها وعنفوان الشباب فيها‪ ،‬فكل هذه ا ُ‬
‫ل الجاهل الغافل‪.‬‬
‫إليها إ ّ‬
‫ثم اختتم )عليه السلم( كلمه ـ في هذا القسم من الخطبة ـ بالقول‪:‬‬
‫حاَنُه‪َ) :‬كَماء َأْنَزْلَناُه‬
‫سْب َ‬
‫ل َتَعاَلى ُ‬
‫لا ّ‬
‫ن َكَما َقا َ‬
‫ن َتُكو َ‬
‫ضاِء ِبَها ـ َأ ْ‬
‫غَبِة ِفيَها َوالّر َ‬
‫ل الّر ْ‬
‫ت ِإَلى ُأْمِنّيِة َأْه ِ‬
‫ل َتْعُدو ـ ِإَذا َتَناَه ْ‬
‫»َ‬
‫يء ُمْقَتِدرًا()‪.«(8‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ح َوَكا َ‬
‫شيمًا)‪َ(7‬تْذُروُه الّرَيا ُ‬
‫ح َه ِ‬
‫صَب َ‬
‫ض َفَأ ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ت ا َْ‬
‫ط ِبِه َنَبا ُ‬
‫خَتَل َ‬
‫سَماِء َفا ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ِم َ‬
‫فقد عزز المام )عليه السلم( إثبات مراده من خلل التمسك والستشهاد بالتشبيه الرائع الذي أورده القرآن في‬
‫سورة الكهف بشأن الدنيا‪ ،‬وكأّني به قد اصطحب المخاطب إلى حيث الصحراء ليريهم صورة الربيع والخريف‬
‫واهتزاز الرض وحيوتها من نزول المظر وخروج النباتات وتفتح البراعم والزهور وحمل الشجار للفاكهة‬
‫لمور ل يكتب لها‬
‫ن هذه ا ُ‬
‫والثمار‪ ،‬غير أ ّ‬

‫جر ‪.3 /‬‬
‫حْ‬
‫‪ .1‬سورة ال ِ‬
‫‪» .2‬حبرة«‪ :‬من مادة »حبر« باالفتح السرور والنعمة‪.‬‬
‫‪» .3‬حائلة«‪ :‬من مادة »حول« على وزن قول المتغيرة‪.‬‬
‫‪» .4‬نافدة«‪ :‬من مادة »نفاد« بمعنى الفناء والعدم والزوال‪.‬‬
‫‪» .5‬بائدة«‪ :‬من مادة »بيد« على وزن صيد هالكة‪.‬‬
‫‪» .6‬غوالة«‪ :‬من مادة »غول« على وزن قول الهلكة المباغتة‪.‬‬
‫سر‪.‬‬
‫‪» .7‬هشيمًا«‪ :‬من مادة »هشم« بمعنى كسر الشياء ومن هنا تطلق على النبت اليابس المك ّ‬
‫‪ .8‬سورة الكهف ‪.45 /‬‬

‫] ‪[ 10‬‬
‫الستمرار والدوام‪ ،‬فلم تشهد هذه الحالة سوى بضعة شهور لتذبل تلك الوراق وتنتهي تلك الثمار وتنقطع زقزقة‬
‫العصافير والطيور وتتبدل الخضرة يبوسة وجفافًا‪ ،‬وهذه بالضبط حقيقة الحياة الدنيا التي تعيشها البشرية حيث‬
‫يّتجه كل شيء فيها نحو الزوال فيا له من تشبيه رائع وعجيب!‬
‫—–‬
‫] ‪[ 11‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ظْهرًا; َوَلمْ‬
‫ضّراِئَها َ‬
‫ن َ‬
‫حْتُه ِم ْ‬
‫ل َمَن َ‬
‫طنًا‪ِ ،‬إ ّ‬
‫سّراِئَها َب ْ‬
‫ق ِفي َ‬
‫عْبَرٌة‪َ ،‬وَلْم َيْل َ‬
‫عَقَبْتُه َبْعَدَها َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫حْبَرة ِإ ّ‬
‫ن اْمُرٌؤ ِمْنَها ِفي َ‬
‫»َلْم َيُك ِ‬
‫جاِن ٌ‬
‫ب‬
‫ن َ‬
‫ي َلَه ُمَتَنّكَرًة‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫سَ‬
‫ن ُتْم ِ‬
‫صَرةً َأ ْ‬
‫حتْ َلُه ُمْنَت ِ‬
‫صَب َ‬
‫ي ِإَذا َأ ْ‬
‫حِر ّ‬
‫لء‪َ ،‬و َ‬
‫عَلْيِه ُمْزَنُة َب َ‬
‫ت َ‬
‫ل َهَتَن ْ‬
‫خاء‪ِ ،‬إ ّ‬
‫طّلُه ِفيَها ِدْيَمُة َر َ‬
‫َت ُ‬
‫ن َنَواِئِبَها َتَعبًا‪َ .‬و َ‬
‫ل‬
‫ل َأْرَهَقْتُه ِم ْ‬
‫غبًا‪ِ ،‬إ ّ‬
‫ضاَرِتَها َر َ‬
‫غ َ‬
‫ن َ‬
‫ل اْمُرٌؤ ِم ْ‬
‫لَيَنا ُ‬
‫ب َفَأْوَبى! َ‬
‫جاِن ٌ‬
‫حَلْوَلى‪َ ،‬أَمّر ِمْنَها َ‬
‫ب َوا ْ‬
‫عَذْوَذ َ‬
‫ِمْنَها ا ْ‬
‫خْيَر ِفي‬
‫ل َ‬
‫عَلْيَها‪َ ،‬‬
‫ن َ‬
‫غُروٌر َما ِفيَها‪َ ،‬فاِنَيٌة‪َ ،‬فان َم ْ‬
‫غّراَرٌة‪ُ ،‬‬
‫خْوف‪َ .‬‬
‫عَلى َقَواِدِم َ‬
‫ح َ‬
‫صَب َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ح َأْمن‪ِ ،‬إ ّ‬
‫جَنا ِ‬
‫سي ِمْنَها ِفي َ‬
‫ُيْم ِ‬
‫عّما َقِليل‬
‫سَتْكَثَر ِمّما ُيوِبُقُه‪َ ،‬وَزالَ َ‬
‫ن اسَْتْكَثَر ِمْنَها ا ْ‬
‫سَتْكَثَر ِمّما ُيْؤِمُنُه‪َ .‬وَم ِ‬
‫ل ِمْنَها ا ْ‬
‫ن َأَق ّ‬
‫ل الّتْقَوى‪َ .‬م ْ‬
‫ن َأْزَواِدَها ِإ ّ‬
‫ىء ِم ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫عْنُه«‪.‬‬
‫َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الدنيا كل يوم بلباس‬

‫أشار المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة مواصلة لذّم الحياة المادية الدنيوية إلى صفة أخرى من‬
‫صفاتها البارزة الخرى والمتمثلة بسرعة تغّيرها وتبّدلها‪ ،‬إلى جانب تبّدل نعمها ونقمها‪ ،‬فلم يصب أحد منها‬
‫عَقَبْتُه‬
‫حْبَرة ِإلّ َأ ْ‬
‫ن اْمُرٌؤ ِمْنَها ِفي َ‬
‫ل استشعر مرارتها‪َ» :‬لْم َيُك ِ‬
‫ل أتبعته حزنًا وحسرة‪ ،‬ولم يذق حلوتها إ ّ‬
‫سرورًا إ ّ‬
‫ظْهرًا«‪.‬‬
‫ضّراِئَها َ‬
‫ن َ‬
‫حْتُه)‪ِ (1‬م ْ‬
‫ل َمَن َ‬
‫طنًا‪ِ ،‬إ ّ‬
‫سّراِئَها َب ْ‬
‫ق ِفي َ‬
‫عْبَرٌة‪َ ،‬وَلْم َيْل َ‬
‫َبْعَدَها َ‬
‫‪» .1‬منحت«‪ :‬من مادة »منح« على وزن مدح بمعنى العطاء‪.‬‬

‫] ‪[ 12‬‬
‫ثم أّكد )عليه السلم( هذا المعنى بأّنه لم يستشعر هبوب الرياح اللطيفة والمطار الملئمة حتى يغرق في سبيل من‬
‫لء«‪.‬‬
‫عَلْيِه ُمْزَنُة)‪َ (4‬ب َ‬
‫ت)‪َ (3‬‬
‫ل َهَتَن ْ‬
‫خاء‪ِ ،‬إ ّ‬
‫طّلُه)‪ِ (1‬فيَها ِدْيَمُة)‪َ (2‬ر َ‬
‫البلء‪َ» :‬وَلْم َت ُ‬
‫ومن هنا فل وجه للغرابة والتعجب إذا انتصرت لحد صباحًا تنكرت له مساءًا‪ ،‬وإن حملت بيد ظرفًا حلوًا حملت‬
‫حَلْوَلى)‬
‫ب)‪َ (5‬وا ْ‬
‫عَذْوَذ َ‬
‫ب ِمْنَها ا ْ‬
‫جاِن ٌ‬
‫ن َ‬
‫ي َلَه ُمَتَنّكَرًة‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫سَ‬
‫ن ُتْم ِ‬
‫صَرًة َأ ْ‬
‫ت َلُه ُمْنَت ِ‬
‫ح ْ‬
‫صَب َ‬
‫ي ِإَذا َأ ْ‬
‫حِر ّ‬
‫بأخرى ظرفًا مّرا‪َ» :‬و َ‬
‫ب َفَأْوَبى!)‪.«(7‬‬
‫جاِن ٌ‬
‫‪َ ،(6‬أَمّر ِمْنَها َ‬
‫نعم‪ ،‬هذه هى طبيعة الدنيا وستكون كذلك‪ ،‬حيث تستحيل حلوتها مرارة‪ ،‬ونصرها هزمة‪ ،‬وحياتها موتًا‪ ،‬وليست‬
‫هناك أية قدرة يسعها الحيلولة دون هذه الستحالة والتغيير‪.‬‬
‫صة ورهقة‪،‬‬
‫ل أتبعته غ ّ‬
‫ن النسان ل يصيب منها لّذة ونعمة إ ّ‬
‫ثم واصل )عليه السلم( تأكيد هذه الحقيقة في أ ّ‬
‫لَيَنا ُ‬
‫ل‬
‫ودفعت به إلى ما يتعبه من الشدائد والنوائب‪ ،‬فل يكاد يتمتع بلّذة المن حتى يزعجه ألم الخوف والخطر‪َ » :‬‬
‫عَلى‬
‫ح َ‬
‫صَب َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ح َأْمن‪ِ ،‬إ ّ‬
‫جَنا ِ‬
‫سي ِمْنَها ِفي َ‬
‫ل ُيْم ِ‬
‫ن َنَواِئِبَها َتَعبًا‪َ ،‬و َ‬
‫ل َأْرَهَقْتُه)‪ِ (9‬م ْ‬
‫غبًا‪ِ ،‬إ ّ‬
‫ضاَرِتَها)‪َ (8‬ر َ‬
‫غ َ‬
‫ن َ‬
‫اْمُرٌؤ ِم ْ‬
‫خْوف«‪.‬‬
‫َقَواِدِم)‪َ (10‬‬
‫أجل‪ ،‬ليست هناك من فاصلة يؤبه بها في هذه الدنيا ل مكانية ول زمانية بين السعادة والشقاء‪ ،‬فقد تراه أحيانًا جن‬
‫عليه الليل وقد غرق في لذاته وشهواته وهنيىء عيشه ودعته في هالة من فرحه وسروره‪ ،‬ولم يكد يطلع الصبح‬
‫عليه حتى تتعالى الصوت بالنحيب والبكاء تنعى فقده ومفارقته لهذه الدنيا‪ ،‬بل لعله يتجرع كأس المنون من يد‬
‫أقرب مقربيه‪:‬‬
‫غُروٌر َما ِفيَها‪َ ،‬فاِنَيٌة‪َ ،‬فان َم ْ‬
‫ن‬
‫غّراَرٌة‪ُ ،‬‬
‫ثم استمر )عليه السلم( في الحديث عن غرور الدنيا وزوالها فقال‪َ » :‬‬
‫سَتْكَثَر ِمّما ُيْؤِمُنُه‪َ .‬وَم ِ‬
‫ن‬
‫ل ِمْنَها ا ْ‬
‫ن َأَق ّ‬
‫ل الّتْقَوى‪َ .‬م ْ‬
‫ن َأْزَواِدَها ِإ ّ‬
‫ىء ِم ْ‬
‫ش ْ‬
‫خْيَر ِفي َ‬
‫ل َ‬
‫عَلْيَها‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫‪» .1‬تطّله«‪ :‬من مادة »طل« على وزن تل المطر الخفيف ويقابله الوابل المطر الشديد‪.‬‬
‫‪» .2‬ديمة«‪ :‬من مادة »دوام« مطر دوم في سكون ل رعد ول برق معه‪.‬‬
‫‪» .3‬هتنت«‪ :‬من مادة »هتن« على وزن حتم بمعنى إنصبت‪.‬‬
‫‪» .4‬مزنة« قطعة من السحاب الممطر‪.‬‬
‫‪» .5‬اعذوذب«‪ :‬من مادة »عذب« الفرات الزلل‪.‬‬
‫‪» .6‬احلولي«‪ :‬من مادة »حلو« الطعم المعروف‪.‬‬
‫‪» .7‬أوبي«‪ :‬من مادة »وبى« المرض والهلكة‪.‬‬
‫‪» .8‬غضارة«‪ :‬من مادة »غضر« على وزن نذر كثرة النعم‪ ،‬وسعة العيش‪.‬‬
‫‪» .9‬أرهقت«‪ :‬من مادة »رهق« على وزن شفق ألبسته بالقّوة والقهر‪.‬‬

‫‪» .10‬قوادم«‪ :‬جمع »قادمة« الواحدة من الريشات في مقدم جناح الطائر‪ ،‬وهى زلقة عادة‪.‬‬

‫] ‪[ 13‬‬
‫عْنُه«‪.‬‬
‫عّما َقِليل َ‬
‫ل َ‬
‫سَتْكَثَر ِمّما ُيوِبُقُه)‪َ ،(1‬وَزا َ‬
‫سَتْكَثَر ِمْنَها ا ْ‬
‫اْ‬
‫وهكذا أورد المام )عليه السلم( هذه الصفات التي تصور تغير أحوال الدنيا وعدم ثباتها وأفول قدرتها وزوال‬
‫موفقياتها ليخلص إلى نتيجة مفادها ضرورة قناعة العاقل بالقليل منها )على قدر الكفاف( ليمهد السبل أمام أمنه‬
‫ن من طلب المزيد فيها غامر بنفسه وقذف بها في لهوات المخاطر‪ ،‬فيكون بذلك‬
‫واستقراره وراحة باله‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫قد مهد السبيل أمام شقاء نفسه وبؤسها‪.‬‬
‫—–‬
‫‪» .1‬يوبق«‪ :‬في الصل من مادة »وبوق« على وزن نبوغ‪ ،‬بمعنى الهلكة‪ ،‬وعليه فيوبقه يعني يهلكه‪.‬‬

‫] ‪[ 14‬‬
‫] ‪[ 15‬‬

‫القسم الثالث‬

‫خَوة َقْد َرّدْتُه َذِليلً‬
‫حِقيرًا‪َ ،‬وِذي َن ْ‬
‫جَعَلْتُه َ‬
‫عْتُه‪َ .‬وِذي ُأّبَهة َقْد َ‬
‫صَر َ‬
‫طَمْأِنيَنة ِإَلْيَها َقْد َ‬
‫جَعْتُه‪َ ،‬وِذي ُ‬
‫ن َواِثق ِبَها َقْد َف َ‬
‫»َكْم ِم ْ‬
‫ض َمْوت‪،‬‬
‫حّيَها ِبَعَر ِ‬
‫سَباُبَها ِرَماٌم‪َ .‬‬
‫سَماٌم‪َ ،‬وَأ ْ‬
‫غَذاُؤَها ِ‬
‫صِبٌر‪َ ،‬و ِ‬
‫حْلُوَها َ‬
‫ج‪َ ،‬و ُ‬
‫جا ٌ‬
‫عْذُبَها ُأ َ‬
‫ق‪َ ،‬و َ‬
‫شَها َرِن ٌ‬
‫عْي ُ‬
‫ل َو َ‬
‫طاُنَها ُدّو ٌ‬
‫سْل َ‬
‫ُ‬
‫ب!«‬
‫حُرو ٌ‬
‫جاُرَها َم ْ‬
‫ب‪َ .‬و َ‬
‫ب‪َ ،‬وَمْوُفوُرَها َمْنُكو ٌ‬
‫عِزيُزَها َمْغُلو ٌ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫سُلو ٌ‬
‫سْقم‪ُ .‬مْلُكَها َم ْ‬
‫ض ُ‬
‫حَها ِبَعَر ِ‬
‫حي ُ‬
‫صِ‬
‫َو َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الدنيا سند هش خاوي!‬
‫أشار المام )عليه السلم( ـ في هذا المقطع من الخطبة ـ إلى أمرين مهمين آخرين بشأن الحياة الدنيا ووضاعة‬
‫متاعها المادية‪:‬‬
‫ن ل شيء فيها يمكن العتماد عليه والوثوق به‪ ،‬فقد قال )عليه السلم( بهذا الشأن كم من وثق بهذه‬
‫المر الول‪ :‬أ ّ‬
‫الدنيا وسكن إليها فجرعته اللم والمعاناة‪ ،‬وما أكثر الفراد الذين اطمئنوا إليها فصرعتهم‪ ،‬وما أكثر الفراد الذين‬
‫طَمْأِنيَنة ِإَلْيَها َقْد‬
‫جَعْتُه‪َ ،‬وِذي ُ‬
‫ن َواِثق ِبَها َقْد َف َ‬
‫كانوا من أهل السطوة والشوكة‪ ،‬فأذاقتهم لباس الذّلة والمسكنة‪َ» :‬كْم مِ ْ‬
‫ل«‪.‬‬
‫خَوة َقْد َرّدْتُه َذِلي ً‬
‫حِقيرًا‪َ ،‬وِذي َن ْ‬
‫جَعَلْتُه َ‬
‫عْتُه‪َ .‬وِذي ُأّبَهة)‪َ (1‬قْد َ‬
‫صَر َ‬
‫َ‬

‫نعم‪ ،‬ليس هنالك من فرد مهما كان مقامه‪ ،‬وموقعه بمأمن من الحوادث الخطيرة والمكاره‬
‫‪» .1‬أبهة«‪ :‬بمعنى العظمة وقد اشتقت من مادة »أبه« بمعنين الفطنة حيث توصل ممن يتصف بها من الفراد إلى المجد والعظمة‪.‬‬

‫] ‪[ 16‬‬
‫التي تصيب النسان بغتة‪ ،‬فعظام الملوك والسلطين والبطال الشداء أصحاب رؤوس المال من أهل الجاه‬
‫والسطوة والشباب الذين يعيشون عنفوان النشاط والحيوية والجمال‪ ،‬كل هؤلء ومن شاكلهم إّنما يخضعون لهذه‬
‫الحوادث التي تجري عليهم وهم صاغرون‪ ،‬الحوادث التي تأتي على جميع النعم واللذات فتخطفها في لحظة وتذل‬
‫ن سليمان بن‬
‫العّزة والجبابرة وما التاريخ عنك ببعيد‪ ،‬فقد شحن بمثل هذه الحوادث‪ ،‬وقد ورد في تاريخ الطبري أ ّ‬
‫عبدالملك لبس ذات يوم لباسًا فاخرًا واعتم بعمة خضراء وأخذ ينظر في المرآة )وهو يتلذذ بما يشاهد من نفسه‬
‫فدفعه الفخر لن( يقول‪ :‬أنا ملك شاب سعيد الحظ‪ ،‬فلم يعمر بعد ذلك أكثر من سبعة أّيام)‪.(1‬‬
‫ق)‪،(3‬‬
‫شَها َرِن ٌ‬
‫عْي ُ‬
‫ل)‪َ(2‬و َ‬
‫طاُنَها ُدّو ٌ‬
‫سْل َ‬
‫ن حلوتها قد عجنت بالمرارة وانتصاراتها بالهزائم‪ُ » :‬‬
‫المر الثاني‪ :‬هو أ ّ‬
‫سَباُبَها ِرَماٌم)‪.«(7‬‬
‫سَماٌم)‪َ ،(6‬وَأ ْ‬
‫غَذاُؤَها ِ‬
‫صِبٌر)‪َ ،(5‬و ِ‬
‫حْلُوَها َ‬
‫ج)‪َ ،(4‬و ُ‬
‫جا ٌ‬
‫عْذُبَها ُأ َ‬
‫َو َ‬
‫ن حياته معّرض للموت والسقم والمرض يتربص بعافيته‬
‫ثم تطرق المام )عليه السلم( إلى حال ساكن الدنيا من أ ّ‬
‫وصحته‪ ،‬ملك هذه الدنيا يستبطن الزوال والفناء‪ ،‬وعزيزها آيل إلى النكسار‪ ،‬ووفرة نعمها تحمل معها مفردات‬
‫ب‪َ ،‬وَمْوُفوُرَها)‪(8‬‬
‫عِزيُزَها َمْغُلو ٌ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫سُلو ٌ‬
‫سْقم‪ُ .‬مْلُكَها َم ْ‬
‫ض ُ‬
‫حَها ِبَعَر ِ‬
‫حي ُ‬
‫صِ‬
‫ض َمْوت‪َ ،‬و َ‬
‫حّيَها ِبَعَر ِ‬
‫النفاد والنقضاء‪َ » :‬‬
‫ب!)‪.«(10‬‬
‫حُرو ٌ‬
‫جاُرَها َم ْ‬
‫ب)‪َ ،(9‬و َ‬
‫َمْنُكو ٌ‬
‫نعم‪ ،‬فمتع الدنيا ولذاتها إن وجدت‪ ،‬فهى مشوبة بأنواع المعاناة واللم‪ ،‬والحكام في ذوي القدرة والسطوة الذين‬
‫نغبطهم على مدى قدرتهم وشّدة شوكتهم وتربعهم على العرش نراهم‬
‫‪ .1‬الطبري ‪.5/305‬‬
‫‪» .2‬دول«‪ :‬بضم الدال وفتح الواو المشددة المتحول‪ ،‬الشيء الذي يتحول من يد إلى أخرى‪ ،‬ولما كانت حال الحكومات كذلك‪ ،‬فقد‬
‫اصطلح عليها بالدول أيضًا‪.‬‬
‫‪» .3‬رنق«‪ :‬صفة مشبهة من مادة »رنق« بمعنى الكدر‪.‬‬
‫‪» .4‬اجاجم«‪ :‬شديد الملوحة تلدغ حرارته الفم‪.‬‬
‫‪» .5‬صبر«‪ :‬جمع »صبرة« على وزن كلمة أو جمع صبر على وزن فقر عصارة شجرة مّرة‪ ،‬كما يطلق أحيانًا على نفس الشجرة‪.‬‬
‫‪» .6‬سمام«‪ :‬جمع »سم« المواد التي إذا خالطت بدن النسان أفسدته وأهلكته‪.‬‬
‫‪» .7‬رمام«‪ :‬جمع »رمة« بالضم القطعة البالية من العظم أو الحبل‪.‬‬
‫‪» .8‬موفور«‪ :‬من مادة »وفور« الكثير من الشيء‪.‬‬
‫‪» .9‬منكوب«‪ :‬من مادة »نكبة« بمعنى المصاب‪.‬‬
‫‪» .10‬محروب«‪ :‬من مادة »حرب« القتال والحرب‪.‬‬

‫] ‪[ 17‬‬
‫حين القتراب منهم أخوف ما يخافون حتى من مقربيهم‪ ،‬وأكثر الناس طاعة لوامرهم‪ ،‬بل هم في غاية القلق‬
‫والضطراب مّما يخبىء لهم الغد والمستقبل القريب‪.‬‬

‫صة التي تحدثت عن ذلك الفرد الذي كان يتمنى التربع على العرش السلطة ولو‬
‫ولعل هذا المر أشبه شيئًا بتلك الق ّ‬
‫ليوم واحد‪ ،‬فحققوا له ما يريد‪ ،‬غير أّنهم عقّلوا على رأسه خنجرًا حادًا ربطوه بشعرة‪ ،‬فكان يتوقع في كل آن قطع‬
‫تلك الشعرة ونزول ذلك الخنجر على هامته‪ ،‬فكان يرجو بفارغ الصبر انقضاء ذلك اليوم والخلص من مسند‬
‫العرش الذي انطوى على ذلك الخطر‪ ،‬فما أورع الصورة التي رسمها المام )عليه السلم( لهذه الدنيا الغرور‬
‫عْتُه«‪.‬‬
‫صَر َ‬
‫طَمْأِنيَنة ِإَلْيَها َقْد َ‬
‫جَعْتُه‪َ ،‬وِذي ُ‬
‫ن َواِثق ِبَها َقْد َف َ‬
‫حين قال‪َ» :‬كْم ِم ْ‬
‫فليس هنالك ما يوثق به منها ول يعتمد عليه فيها‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 18‬‬
‫] ‪[ 19‬‬

‫القسم الرابع‬

‫جُنودًا! َتَعّبُدوا ِللّدْنَيا‬
‫ف ُ‬
‫عِديدًا‪َ ،‬وَأْكَث َ‬
‫عّد َ‬
‫ل‪َ ،‬وَأ َ‬
‫عَمارًا‪َ ،‬وَأْبَقى آَثارًا‪َ ،‬وَأْبَعَد آَما ً‬
‫ل َأ ْ‬
‫طَو َ‬
‫ن َقْبَلُكْم َأ ْ‬
‫ن َكا َ‬
‫نم ْ‬
‫ساِك ِ‬
‫سُتْم ِفي َم َ‬
‫»َأَل ْ‬
‫ت َلُهْم َنْفسًا‬
‫خ ْ‬
‫سَ‬
‫ن الّدْنَيا َ‬
‫ل َبَلَغُكْم َأ ّ‬
‫طع‪َ .‬فَه ْ‬
‫ظْهر َقا ِ‬
‫ل َ‬
‫عْنَها ِبَغْيِر َزاد ُمَبّلغ َو َ‬
‫ظَعُنوا َ‬
‫ي ِإيَثار‪ُ .‬ثّم َ‬
‫ي َتَعّبد‪َ ،‬وآَثُروَها َأ ّ‬
‫َأ ّ‬
‫ضَعْتُهْم‬
‫ضْع َ‬
‫ع‪َ ،‬و َ‬
‫ح‪َ ،‬وَأْوَهَقْتُهْم ِباْلَقَواِر ِ‬
‫ل َأْرَهَقْتُهْم ِباْلَقَواِد ِ‬
‫حَبًة! َب ْ‬
‫صْ‬
‫ت َلُهْم ُ‬
‫سَن ْ‬
‫حَ‬
‫عاَنْتُهْم ِبَمُعوَنة‪َ ،‬أْو َأ ْ‬
‫ِبِفْدَية‪َ ،‬أْو َأ َ‬
‫ن َلَها‪،‬‬
‫ن َدا َ‬
‫ن‪َ .‬فَقْد َرَأْيُتْم َتَنّكَرَها ِلَم ْ‬
‫عَلْيِهْم َرْيبَ اْلَمُنو ِ‬
‫ت َ‬
‫عاَن ْ‬
‫سِم‪َ ،‬وَأ َ‬
‫طَئْتُهْم ِباْلَمَنا ِ‬
‫خِر‪َ ،‬وَو ِ‬
‫عّفَرْتُهْم ِلْلَمَنا ِ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫ِبالّنَواِئ ِ‬
‫ت َلُهْم ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ك‪َ ،‬أْو َنّوَر ْ‬
‫ضْن َ‬
‫ل ال ّ‬
‫حّلْتُهْم ِإ ّ‬
‫ب‪َ ،‬أْو َأ َ‬
‫ل السَّغ َ‬
‫ل َزّوَدْتُهْم ِإ ّ‬
‫لَبِد‪َ .‬وَه ْ‬
‫ق ا َْ‬
‫عْنَها ِلِفَرا ِ‬
‫ظَعُنوا َ‬
‫ن َ‬
‫حي َ‬
‫خَلَد َلَها‪ِ ،‬‬
‫َوآَثَرَها َوَأ ْ‬
‫ن َلْم َيّتِهْمَها‪،‬‬
‫ت الّداُر ِلَم ْ‬
‫س ِ‬
‫ن؟ َفِبْئ َ‬
‫صو َ‬
‫حِر ُ‬
‫عَلْيَها َت ْ‬
‫ن؟ َأْم َ‬
‫طَمِئّنو َ‬
‫ن‪َ ،‬أْم ِإَلْيَها َت ْ‬
‫ل الّنَداَمَة! َأَفهِذِه ُتْؤِثُرو َ‬
‫عَقَبْتُهْم ِإ ّ‬
‫ظْلَمَة‪َ ،‬أْو َأ ْ‬
‫ال ّ‬
‫جل ِمْنَها!«‬
‫عَلى َو َ‬
‫ن ِفيَها َ‬
‫َوَلْم َيُك ْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫تأملوا الماضي قلي ً‬
‫ل‬
‫واصل المام )عليه السلم( الخطبة التي أوردها في ذم الدنيا وسرعة زوالها وخداعها وغرورها مصطحبًا‬
‫لمم السالفة‪ ،‬ليصور من خللها حياة أصحاب السلطة والقدرة ممن‬
‫مخاطبيه هذه المرة ليغوص في أعماق تاريخ ا ُ‬
‫مل صيتهم الرجاء وكانت تقوم الدنيا وتقعد بين أيديهم‪ ،‬وكذلك أصحاب الثروة والمال ليتساءل )عليه السلم(‬
‫ل من كان قبلكم وتسكنون مساكنهم‪ ،‬ممن عمروا كثيرًا وتركوا آثارًا وكانت لهم أمنياتهم وآمالهم‬
‫ألستم تحلون مح ّ‬
‫ورغباتهم‪ ،‬وكانت لهم‬
‫] ‪[ 20‬‬
‫عِديدًا)‪،(1‬‬
‫عّد َ‬
‫ل‪َ ،‬وَأ َ‬
‫عَمارًا‪َ ،‬وَأْبَقى آَثارًا‪َ ،‬وَأْبَعَد آَما ً‬
‫ل َأ ْ‬
‫طَو َ‬
‫ن َقْبَلُكْم َأ ْ‬
‫ن َكا َ‬
‫نم ْ‬
‫ساِك ِ‬
‫سُتْم ِفي َم َ‬
‫جنودهم وحماتهم‪َ» :‬أَل ْ‬
‫جُنودًا!«‪.‬‬
‫ف)‪ُ (2‬‬
‫َوَأْكَث َ‬

‫فقد أشار المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة إلى خمس خصائص إمتازت بها القوام السابقة وهى‪:‬‬
‫طول العمر‪ ،‬وبقاء الثار والمخلفات‪ ،‬وطول المال‪ ،‬وكثرة السكان‪ ،‬وكثرة الجنود‪ ،‬فهى خصائص منحتهم‬
‫ن أي من هذه المتيازات لم يحل دون زحف العدم والفناء لقصورهم وأديتهم‪،‬‬
‫لأّ‬
‫التفوق على سائر من سواهم‪ ،‬وإ ّ‬
‫فكان مصيرهم أن تلشوا وتساقطوا ركوعًا للموت تساقط أوراق الشجر في فصل الخريف‪.‬‬
‫عْنَها‬
‫ظَعُنوا َ‬
‫ي ِإيَثار‪ُ .‬ثّم َ‬
‫ل كلمه بهذا الشأن‪َ» :‬تَعّبُدوا ِللّدْنَيا َأيّ َتَعّبد‪َ ،‬وآَثُروَها َأ ّ‬
‫ثم أضاف )عليه السلم( مواص ً‬
‫طع«‪.‬‬
‫ظْهر َقا ِ‬
‫ل َ‬
‫ِبَغْيِر َزاد ُمَبّلغ َو َ‬
‫ل سعيهم وجهدهم في سبيل عبادة الدنيا والذوبان فيها وتجنيد كافة قواهم وطاقاتهم في هذا التجاه‪ ،‬إلّ‬
‫نعم‪ ،‬فرغم ك ّ‬
‫أّنهم لم يصيبوا أي شيء منها‪ ،‬ثم مشوا إلى حتوفهم وقد خلت جعبهم من الزاد والمتاع ودون حمل الورع والتقوى‬
‫ل أهل الورع والتقى‪.‬‬
‫التي ل يجدي غيرها نفعًا هناك‪ ،‬فطريق الخرة شاق طويل ل يجتازه إ ّ‬
‫ن الدنيا قدمت لحدهم فدية لتنجيه من الموت أو سكراته؟ أم هل‬
‫ثم خاطب )عليه السلم( صحبه‪ :‬هل بلغكم أ ّ‬
‫ت)‪َ (3‬لُهْم َنْفسًا‬
‫خ ْ‬
‫سَ‬
‫ن الّدْنَيا َ‬
‫ل َبَلَغُكْم َأ ّ‬
‫أعانتهم بشيء في هذا السبيل؟ أم هل كانت على القل صاحبًا حسنًا لهم‪َ» :‬فَه ْ‬
‫حَبًة!«‪.‬‬
‫صْ‬
‫ت َلُهْم ُ‬
‫سَن ْ‬
‫حَ‬
‫عاَنْتُهْم ِبَمُعوَنة‪َ ،‬أْو َأ ْ‬
‫ِبِفْدَية‪َ ،‬أْو َأ َ‬
‫نعم‪ ،‬لم تقدم لهم أي عون ولم تنجيهم عن المكاره والهاويل‪ ،‬أفل يكون ذلك عبرة لم اعتبر من أبناء الدنياأ!‬
‫ح)‪َ ،(5‬وَأْوَهَقْتُهْم)‪(6‬‬
‫ل َأْرهََقْتُهم)‪ِ (4‬باْلَقَواِد ِ‬
‫ل‪َ» :‬ب ْ‬
‫ثّم واصل المام )عليه السلم( كلمه بهذا الخصوص قائ ً‬
‫‪» .1‬عديد«‪ :‬بمعنى »العدد«‪ ،‬كما ورد بمعنى الشبيه والمثيل وأريد بها المعنى الول في عبارة الخطبة‪.‬‬
‫‪» .2‬أكثف«‪ :‬تفضيل »كثيف« بمعنى الكثير‪.‬‬
‫‪» .3‬سخت«‪ :‬من مادة »السخاوة« بمعنى العطاء‪.‬‬
‫‪» .4‬أرهقت«‪ :‬من مادة »إرهاق« ستر الشيء بالقّوة‪ ،‬أرهقتهم بمعنى غشيتهم‪.‬‬
‫‪» .5‬قوادح«‪ :‬جمع »قادحة« بمعنى الفة‪.‬‬
‫‪» .6‬أوهقت«‪ :‬من مادة »وهق« حلقة توضع على رقبة الحيوان‪.‬‬

‫] ‪[ 21‬‬
‫عَلْيِهْم َرْي َ‬
‫ب‬
‫ت َ‬
‫عاَن ْ‬
‫سِم)‪َ ،(4‬وَأ َ‬
‫خِر‪َ ،‬وَوطَِئْتُهْم ِباْلَمَنا ِ‬
‫عّفَرْتُهْم)‪ِ (3‬لْلَمَنا ِ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫ضَعْتُهْم)‪ِ (2‬بالّنَواِئ ِ‬
‫ضْع َ‬
‫ع)‪َ ،(1‬و َ‬
‫ِباْلَقَواِر ِ‬
‫ن)‪.«(5‬‬
‫اْلَمُنو ِ‬
‫ن الدنيا ليس فقط لم تقدم العون والمساعدة لعبادها وأصحابها‪ ،‬بل سارعت بكل ما‬
‫فهذه العبارة المؤثرة تشير إلى أ ّ‬
‫أوتيت من وقّوة لتوجيه ضرباتها الماحقة إليهم بغية إبادتهم‪ ،‬وإستئصال شوكتهم‪ ،‬حتى جندت جميع قواها‬
‫وطاقاتها ضدهم‪.‬‬
‫ل إلى الصغرى في إطار تصويره‬
‫والطريف في بيان المام )عليه السلم( هو أّنه بدأ من المراحل الكبرى نزو ً‬
‫لعانة الدنيا وما يمكنها أن تقدمه من نصرة ومساعدة‪ ،‬بينما تدرج في أضرارها التي تصيب من تعلق بها من‬
‫المراحل السفلى إلى المراحل العليا المتمثلة بالنقضاض عليهم وإزالتهم من صحفة الوجود‪ ،‬ولعمري هذه قمة‬
‫الفصاحة والبلغة في بيان الحقائق المريرة والليمة ويكشف النقاب عن مدى وضاعة الدنيا وانحطاطها وتنكرها‬
‫لمن أخلد إليها واطمأن بها‪.‬‬
‫ل شيء وهو المر‬
‫ثم خلص)عليه السلم( إلى نتيجة مّما سبق مفادها تنكر الدنيا لصحابها ممن آثرها على ك ّ‬
‫لمم التي سبقتهم( فقد سلمتهم للقدار وساقتهم نحو الموت دون أن‬
‫الذي رأوه بأم أعينهم )أو لعلهم طالعوه بشأن ا ُ‬

‫عْنَها ِلِفَرا ِ‬
‫ق‬
‫ظَعُنوا َ‬
‫ن َ‬
‫حي َ‬
‫خَلَد)‪َ (6‬لَها‪ِ ،‬‬
‫ن َلَها‪َ ،‬وآَثَرَها َوَأ ْ‬
‫ن َدا َ‬
‫يعّدوا الزاد والمتاع لتلك الدار الخرة‪َ» :‬رَأْيُتْم َتَنّكَرَها ِلَم ْ‬
‫لَبِد«‪.‬‬
‫ا َْ‬
‫فهل أمدتهم هذه الدنيا بشيء سوى الجوع والفقر؟ وهل عرضتهم سوى للتعب والرهاق والضنك؟ وهل وهبتهم‬
‫ل الظلمة التي ليس معها نور؟ )أبدًا‪ ،‬بل أودعتهم حفرًا مظلمة‬
‫إّ‬
‫‪» .1‬قوارع«‪ :‬جمع »قارعة« بمعنى المحن والدواهى‪.‬‬
‫‪» .2‬ضعضعت«‪ :‬من مادة »ضعضعة« بمعنى الذلة والهوان‪ ،‬كما تأتي بمعنى البادة‪.‬‬

‫‪» .4‬المناسم«‪ :‬جمع »منسم« يكسر الميم وهو مقدم خف البعير‪.‬‬
‫‪» .5‬ريب المنون«‪ :‬الريب الشك الذي يكشف عنه الغطاء آخر لمر ويبلغ اليقين‪ ،‬والمنون يعني الموت‪ ،‬وريب‬
‫المنون الموت المحتمل ويراد بها أحيانًا مكاره الدهر التي تكون في البداية مشكوكة ثم يحصل بها اليقين‪.‬‬
‫ن أصحاب الدنيا قد‬
‫‪» .6‬أخلد«‪ :‬من مادة »إخلد« وأصلها من الخلود‪ ،‬والعبارة أخلد إليها بمعنى الركون‪ ،‬أي أ ّ‬
‫أبدوا منتهى الرغبة بالدنيا وكأّنهم التصقوا بها‪.‬‬
‫] ‪[ 22‬‬
‫ب‪َ ،‬أْو‬
‫سَغ َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ل َزّوَدْتُهْم ِإ ّ‬
‫موحشة تفيض رعبًا وخشية(‪ ،‬وهل بقي لديهم من شيء سوى الحسرة والندم‪َ» :‬وَه ْ‬
‫ل الّنَداَمَة!«‪.‬‬
‫عَقَبْتُهْم ِإ ّ‬
‫ظْلَمَة‪َ ،‬أْو َأ ْ‬
‫ل ال ّ‬
‫ت َلُهْم ِإ ّ‬
‫ك)‪َ ،(1‬أْو َنّوَر ْ‬
‫ضْن َ‬
‫ل ال ّ‬
‫حّلْتُهْم ِإ ّ‬
‫َأ َ‬
‫فكيف الوثوق بهذه الدنيا التي ل تضمر لمن تعلق بها سوى البؤس والشقاء والهزيمة والفشل والظلمة‪ ،‬ول تعقبه‬
‫سوى الندم؟! أم كيف له التضحية بالغالي والنفيس في سبيل الحصول على بعض حطام الدنيا وجعلها هدفًا في‬
‫حياته؟!‬
‫س ِ‬
‫ت‬
‫ن؟ َفِبْئ َ‬
‫صو َ‬
‫حِر ُ‬
‫عَلْيَها َت ْ‬
‫ن؟ َأْم َ‬
‫طَمِئّنو َ‬
‫ن‪َ ،‬أْم ِإَلْيَها َت ْ‬
‫ومن هنا تساءل المام )عليه السلم( مستنكرًا‪َ» :‬أَفهِذِه ُتْؤِثُرو َ‬
‫جل ِمْنَها!«‪.‬‬
‫عَلى َو َ‬
‫ن ِفيَها َ‬
‫ن َلْم َيّتِهْمَها‪َ ،‬وَلْم َيُك ْ‬
‫الّداُر ِلَم ْ‬
‫حقًا‪ ،‬ليست هناك من عبارات أوضح وأفصح من هذه العبارات التي وردت بشأن تفاهة الدنيا والمصير والعاقبة‬
‫المريرة التي تنتظر من تعلق بها وسكن إليها‪ ،‬وهدف المام )عليه السلم( من هذه التأكيدات المتواصلة‬
‫والعبارات المنبهة الشديدة إلى الوقوف بوجه الريح الدنيوية العاتية‪ ،‬وما إنطوت عليه من نعم جّمة أفرزتها قضية‬
‫الفتوحات السلمية والتي إستهوت قطاعات واسعة من المسلمين لتقذف بهم في أتون الرفاهية والراحة والدعة‬
‫طون في سبات الغفلة‪ ،‬عّلهم يفيقون إلى أنفسهم‬
‫بما ينسيهم القيم والمثل والمبادىء السماوية الخالدة‪ ،‬ويجعلهم يغ ّ‬
‫لّمة ـ ل‬
‫ويعودون إلى رشدهم فيهبوا لحياء القيم السلمية المغيبة‪ ،‬إلى جانب محاولة المام )عليه السلم(إعادة ا ُ‬
‫سيما أولئك الفراد الذين تكالبوا على الدنيا وثرواتها إبان عهد عثمان ـ إلى المسار السلمي الصحيح‪.‬‬
‫وما أورع هذه المواعظ والنصائح البليغة الواضحة للمتكالبين على الدنيا من أبناء عصرنا الراهن حيث يشهدون‬
‫ذات الظروف‪ ،‬بل أسوأ منها والتي عصفت بالمجتمع وجعلته يتعلق بالدنيا‪ ،‬والحق لو لم يلتفتوا إلى هذا المر‬
‫ويفكروا في علج وضعهم فل من دين ول دنيا معقولة يمكنهم أن يظفروا بها ويحصلوا عليها‪.‬‬
‫والعبارات تنسجم تمامًا وما صرحت به الحاديث النبوية الشريفة وروايات وكلمات‬
‫‪» .1‬ضنك«‪ :‬بمعنى »الضيق« والشّدة وهى مفردة تستعمل بصيغة المفرد دائمًا‪.‬‬

‫] ‪[ 23‬‬
‫المعصومين)عليهم السلم(وبالتالي اليات القرآنية‪ ،‬فققد صّرحت الية ‪ ،9‬من سورة الروم‪:‬‬
‫عَمُروَها‬
‫ض َو َ‬
‫لْر َ‬
‫شّد ِمْنُهْم ُقّوةً َوَأَثاُروا ا َْ‬
‫ن َقْبِلِهْم َكاُنوا َأ َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫عاِقَبُة اّلِذي َ‬
‫ن َ‬
‫ف َكا َ‬
‫ظُروا َكْي َ‬
‫ض َفَين ُ‬
‫لْر ِ‬
‫سيُروا ِفي ا َْ‬
‫)َأَوَلْم َي ِ‬
‫ن(‪.‬‬
‫ظِلُمو َ‬
‫سُهْم َي ْ‬
‫ن َكاُنوا َأنُف َ‬
‫ظِلَمُهْم َوَلِك ْ‬
‫ل ِلَي ْ‬
‫نا ُ‬
‫ت َفَما َكا َ‬
‫سُلُهْم ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫جاَءْتُهْم ُر ُ‬
‫عَمُروَها َو َ‬
‫َأْكَثَر ِمّما َ‬
‫كما صّرحت الية ‪ 7‬ـ ‪ 8‬من سورة يونس‪:‬‬
‫ك َمْأَواُهْم الّناُر‬
‫ن * ُأْوَلِئ َ‬
‫غاِفُلو َ‬
‫ن آَياِتَنا َ‬
‫عْ‬
‫طَمَأّنوا ِبَها َواّلِذينَ ُهْم َ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوا ْ‬
‫ضوا ِباْل َ‬
‫ن ِلَقاَءَنا َوَر ُ‬
‫جو َ‬
‫ل َيْر ُ‬
‫ن َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫)ِإ ّ‬
‫ن(‬
‫سُبو َ‬
‫ِبَما َكاُنوا َيْك ِ‬
‫طَ‬
‫ق‬
‫حكَمَة ِفي َقْلِبهِ َوَأْن َ‬
‫ل ال ِ‬
‫تا ُ‬
‫ن َزِهَد ِفي الّدنيـا َأثَب َ‬
‫وورد في الحديث عن المام الصادق)عليه السلم( أّنه قال‪َ» :‬م ْ‬
‫سلِم«)‪.(1‬‬
‫ن الّدنيـا سـاَِلمًا إلى داِر ال ّ‬
‫جُه ِم َ‬
‫ب الّدنيـا َداَءهـا َوَدواَءها َوَأخَر َ‬
‫عُيو َ‬
‫صَرُه ُ‬
‫ساَنُه َوَب ّ‬
‫ِبهـا ِل َ‬
‫شّتتَ‬
‫عيَنيِه َو َ‬
‫ن َ‬
‫ل َتعالى الَفقَر َبي َ‬
‫لا ُ‬
‫جَع َ‬
‫سى َوالّدنيـا َأْكَبُر َهّمِه َ‬
‫ح َوَأم َ‬
‫كما ورد عنه )عليه السلم( أّنه قال‪َ» :‬من َأصَب َ‬
‫جَمَع َلُه‬
‫ل الِغنى ِفي َقْلِبِه َو َ‬
‫لا ُ‬
‫جَع َ‬
‫خَرُة َأْكَبُر َهّمِه َ‬
‫سى َوال ِ‬
‫ح َوَأم َ‬
‫ل َلُه‪َ ،‬من َأصَب َ‬
‫سَم ا ُ‬
‫ل مـا َق ّ‬
‫ن الّدنيـا إ ّ‬
‫ل ِم َ‬
‫َأَمَرُه‪َ ،‬وَلم َيَن ْ‬
‫َأمَرُه«‪(2).‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬اصول الكافي ‪.2/128‬‬
‫‪ .2‬المصدر السابق ‪.319/‬‬

‫] ‪[ 24‬‬
‫] ‪[ 25‬‬

‫القسم الخامس‬

‫حِمُلوا‬
‫شّد ِمّنا ُقّوًة«‪ُ .‬‬
‫ن َأ َ‬
‫ن َقاُلوا‪َ» :‬م ْ‬
‫ظوا ِفيَها ِباّلِذْي َ‬
‫عْنَها‪َ .‬واّتِع ُ‬
‫ن َ‬
‫عُنو َ‬
‫ظا ِ‬
‫ن ـ ِبَأّنُكْم َتاِرُكوَها َو َ‬
‫عَلُموا ـ َوَأْنُتْم َتْعَلُمو َ‬
‫»َفا ْ‬
‫ن الّتَرابِ‬
‫ن‪َ ،‬وِم ْ‬
‫جَنا ٌ‬
‫ح َأ ْ‬
‫صِفي ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َلُهْم ِم َ‬
‫جِع َ‬
‫ضيَفانًا‪َ .‬و ُ‬
‫ن ِ‬
‫عْو َ‬
‫ل ُيْد َ‬
‫ث َف َ‬
‫جَدا َ‬
‫لْ‬
‫ن ُرْكَبانًا‪َ ،‬وُأْنِزُلوا ا َْ‬
‫عْو َ‬
‫ِإَلى ُقُبوِرِهْم َفل ُيْد َ‬
‫جيُدوا َلْم‬
‫ن ِ‬
‫ن َمْنَدَبًة‪ِ .‬إ ْ‬
‫ل ُيَباُلو َ‬
‫ضْيمًا‪َ ،‬و َ‬
‫ن َ‬
‫ل َيْمَنُعو َ‬
‫عيًا‪َ ،‬و َ‬
‫ن َدا ِ‬
‫جيُبو َ‬
‫ل ُي ِ‬
‫جيَرٌة َ‬
‫ن‪َ ،‬فُهْم ِ‬
‫جيرا ٌ‬
‫ت ِ‬
‫ن الّرَفا ِ‬
‫ن‪َ ،‬وِم ْ‬
‫َأْكَفا ٌ‬
‫ن‪.‬‬
‫ل َيَتَقاَرُبو َ‬
‫ن َ‬
‫ن‪َ ،‬وَقِريُبو َ‬
‫ل َيَتَزاَوُرو َ‬
‫ن َ‬
‫جيَرٌة َوُهْم َأْبَعاٌد‪ .‬مَُتَدُنو َ‬
‫حاٌد‪َ ،‬و ِ‬
‫جِميٌع َوُهْم آ َ‬
‫طوا‪َ .‬‬
‫طوا َلْم َيْقَن ُ‬
‫حُ‬
‫ن ُق ِ‬
‫حوا‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫َيْفَر ُ‬
‫لْر ِ‬
‫ض‬
‫ظْهِر ا َْ‬
‫سَتْبَدُلوا ِب َ‬
‫جى َدْفُعُهْم‪ِ ،‬ا ْ‬
‫ل ُيْر َ‬
‫جُعُهْم‪َ ،‬و َ‬
‫شى َف ْ‬
‫خَ‬
‫ل ُي ْ‬
‫حَقاُدُهْم‪َ ،‬‬
‫لُء َقْد َماَتت َأ ْ‬
‫جَه َ‬
‫ضَغاُنُهْم‪َ .‬و ُ‬
‫ت َأ ْ‬
‫حَلَماُء َقْد َذَهَب ْ‬
‫ُ‬
‫عَماِلِهْم‬
‫عْنَها بَأ ْ‬
‫ظَعُنوا َ‬
‫عَراًة‪َ ،‬قْد َ‬
‫حَفاًة ُ‬
‫جاُءوَها َكَما َفاَرُقوَها‪ُ ،‬‬
‫ظْلَمًة‪َ .‬ف َ‬
‫غْرَبًة‪َ ،‬وِبالّنوِر ُ‬
‫ل ُ‬
‫لْه ِ‬
‫ضيقًا‪َ ،‬وِبا َْ‬
‫سَعِة ِ‬
‫طَنًا‪َ ،‬وِبال ّ‬
‫َب ْ‬
‫ن««‪.‬‬
‫عِلي َ‬
‫عَلْيَنا ِإّنا ُكّنا َفا ِ‬
‫عدًا َ‬
‫خْلق ُنِعيُدُه َو ْ‬
‫ل َ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى‪َ» :‬كَما َبَدْأَنا أَّو َ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫حَياِة الّداِئَمِة َوالّداِر اْلَباقَيِة‪َ ،‬كَما َقا َ‬
‫ِإَلى اْل َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫العتبار بالموتى‬
‫إختتم المام )عليه السلم( خطبته بالحديث مّرة أخرى عن تقلب أحوال الدنيا وغدرها وتنكرها لمن تعّلق بها‪ ،‬إلى‬
‫جانب الكلم عن المصير الحتمي الذي ينتظر كل إنسان والذي يتمثل بمفارقة الدنيا والرحيل إلى عالم الخرة‪،‬‬
‫عْنَها«‪.‬‬
‫ن)‪َ (1‬‬
‫عُنو َ‬
‫ظا ِ‬
‫ن ـ ِبَأّنُكْم َتاِرُكوَها َو َ‬
‫عَلُموا ـ َوَأْنُتْم َتْعَلُمو َ‬
‫فقال )عليه السلم(‪َ» :‬فا ْ‬
‫‪» .1‬ظاعنون«‪ :‬من مادة »ظعن« على وزن دفن بمعنى السفر والرحيل‪.‬‬

‫] ‪[ 26‬‬
‫ت‪.(1)(...‬‬
‫ل َنْفس َذاِئَقُة اْلَمْو ِ‬
‫نعم‪ ،‬فلبّد لكل إنسان أن يذوق طعم الموت‪ُ) :‬ك ّ‬
‫لْكَراِم()‪.(2‬‬
‫ل َوا ِْ‬
‫لِ‬
‫جَ‬
‫ك ُذو اْل َ‬
‫جُه َرّب َ‬
‫عَلْيَها َفان *ََيْبَقى َو ْ‬
‫ن َ‬
‫ل َم ْ‬
‫وقال تعالى‪ُ) :‬ك ّ‬
‫ن()‪.(3‬‬
‫ك الَيِقي ُ‬
‫حّتى َيْأِتَي َ‬
‫ك َ‬
‫عُبْد َرّب َ‬
‫ولعل النسان يشك في كل شيء‪ ،‬غير أّنه ل يشك في حقيقة الموت‪) :‬وا ْ‬
‫لمم ممن غّرتهم قواهم‪ ،‬فلم تنفعهم‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه بضرورة التعاظ بمن كان قبلهم من ا ُ‬
‫تلك القّوة شيئًا حتى حملوا راغمين إلى قبورهم‪ ،‬فلم يحلوا ضيوفًا على تلك القبور بعد أن ورد وهاقرًا وإكراهاً‬
‫حِمُلوا ِإَلى ُقُبوِرِهْم َفل‬
‫شّد ِمّنا ُقّوًة()‪ُ .(4‬‬
‫ن َأ َ‬
‫ن َقاُلوا‪) :‬مَ ْ‬
‫ظوا ِفيَها ِباّلِذْي َ‬
‫دون أن يكون لهم أدنى إرادة واختيار‪َ» :‬واّتِع ُ‬
‫ضيَفانًا«‪.‬‬
‫ن ِ‬
‫عْو َ‬
‫ل ُيْد َ‬
‫ث)‪َ (6‬ف َ‬
‫جَدا َ‬
‫لْ‬
‫ن ُرْكَبانًا)‪َ ،(5‬وُأْنِزُلوا ا َْ‬
‫عْو َ‬
‫ُيْد َ‬
‫حّ‬
‫ق‬
‫ض ِبَغْيِر اْل َ‬
‫لْر ِ‬
‫سَتْكَبُروا ِفي ا َْ‬
‫عاٌد َفا ْ‬
‫ولعل العبارة إشارة لما ورد في الية ‪ 15‬من سورة فصلت القائلة‪َ) :‬فَأّما َ‬
‫شّد ِمّنا ُقّوًة‪.(...‬‬
‫ن َأ َ‬
‫َوَقاُلوا َم ْ‬
‫ن قوم عاد كانوا ذوي جثث ضخمة وقصور وبيوت فارهة عملقة ينحتونها وسط الجبال‪ ،‬المر الذي‬
‫فالمعروف أ ّ‬
‫جعلهم يصابون بالكبر والغرور‪ ،‬فلّما عتوا عن أمر ال وعصوه أرسل ال عليهم ريحًا عاتية فأحالت جثثهم‬
‫ل‪:‬‬
‫الضخمة إلى ما يشبه أوراق الشجار التي تتناثر على الرض‪ ،‬حيث حّدث عنهم القرآن الكريم بهذا الشأن قائ ً‬
‫خل ُمْنَقِعر(‪(7).‬‬
‫جاُز َن ْ‬
‫عَ‬
‫س َكَأّنُهْم َأ ْ‬
‫ع الّنا َ‬
‫سَتِمّر * َتنِز ُ‬
‫حس ُم ْ‬
‫صرًا ِفي َيْوِم َن ْ‬
‫صْر َ‬
‫عَلْيِهْم ِريحًا َ‬
‫سْلَنا َ‬
‫)ِإّنا َأْر َ‬
‫ن الراكب من يكون‬
‫ن ُرْكَبانًا« والركبان جمع راكب وذلك ل ّ‬
‫عْو َ‬
‫أّما قوله )عليه السلم( »َفل ُيْد َ‬
‫‪ .1‬سورة العنكبوت ‪.57 /‬‬
‫‪ .2‬سورة الرحمن ‪ 27 /‬ـ ‪.28‬‬
‫‪ .3‬سورة الحجر ‪.99 /‬‬
‫‪ .4‬سورة فصلت ‪.15 /‬‬
‫ن العرب إعتادت الصطلح بالركبان على من يركب مختارًا وله التصرف في مركوبه‪،‬‬
‫‪» .5‬ركبانا«‪ :‬صّرح بعض شّراح نهج البلغة أ ّ‬
‫فان نزلوا سموا ضيفان‪ ،‬أّما الموتى الذين يحملون إلى قبورهم فل يدعون ركباناً ول ضيفان‪.‬‬
‫‪» .6‬الجداث«‪ :‬جمع »جدث« على وزن قفص بمعنى القبور‪.‬‬
‫‪ .7‬سورة القمر ‪ 19 /‬ـ ‪.20‬‬

‫] ‪[ 27‬‬
‫ن الضيف يرد برغبته وإرادته إلى‬
‫ضيَفانًا« ل ّ‬
‫ن ِ‬
‫عْو َ‬
‫ل ُيْد َ‬
‫مختارًا‪ ،‬ول اختيار لهؤلء‪ ،‬وقوله )عليه السلم( »َف َ‬
‫حِمُلوا‬
‫المكان الذي يستقبل فيه‪ ،‬وقد ورد مثل هذا المعنى في الخطبة ‪ 188‬من نهج البلغة إذ قال )عليه السلم(‪ُ » :‬‬
‫ن«‪.‬‬
‫غْيَر َناِزِلي َ‬
‫ن‪َ ،‬وُأْنِزُلوا ِفيَها َ‬
‫غْيَر َراِكبي َ‬
‫ِإَلى ُقُبوِرِهْم َ‬
‫ن‪َ ،‬وِم ْ‬
‫ن‬
‫ب َأْكَفا ٌ‬
‫ن الّتَرا ِ‬
‫ن)‪َ ،(2‬وِم ْ‬
‫جَنا ٌ‬
‫ح)‪َ (1‬أ ْ‬
‫صِفي ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َلُهْم ِم َ‬
‫جِع َ‬
‫ثم قال المام )عليه السلم( مواصلة لوصفهم‪َ» :‬و ُ‬
‫ن«‪.‬‬
‫جيرا ٌ‬
‫ت)‪ِ (3‬‬
‫الّرَفا ِ‬
‫ن قبورهم خالية من البناء والسقوف والعمدة والبواب والنوافذ‪ ،‬فهى ليست أكثر من قبضة‬
‫فالعبارة إشارة إلى أ ّ‬
‫من الحجر والتراب على وجه الرض‪ ،‬والتعبير عن التراب بالكفن فذلك لّنه يحيط ببدن الميت ويواريه كالكفن‪،‬‬
‫وأّما ذلك الكفن الذي يلف به الميت فهو مؤقت سرعان ما يبلى ويزول‪ ،‬ول يبقى سوى الكفن الصلي وهو‬
‫التراب‪.‬‬
‫ن المام )عليه السلم( واصل كلمه بالحديث عن هؤلء الجيران وهم ليسوا أكثر من عظام‬
‫والجدير بالذكر هو أ ّ‬
‫نخرة‪ ،‬فيكشف النقاب عن حقيقة وضعهم بعبارات غاية في الجمال والروعة‪ ،‬وبما يدعو للتأمل والعتبار‪َ» :‬فُهْم‬
‫ن َمْنَدَبًة)‪.«(5‬‬
‫ل ُيَباُلو َ‬
‫ضْيمًا)‪َ ،(4‬و َ‬
‫ن َ‬
‫ل َيْمَنُعو َ‬
‫عيًا‪َ ،‬و َ‬
‫ن َدا ِ‬
‫جيُبو َ‬
‫ل ُي ِ‬
‫جيَرٌة َ‬
‫ِ‬
‫طوا َلْم‬
‫حُ‬
‫ن ُق ِ‬
‫حوا‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫جيُدوا)‪َ (6‬لْم َيْفَر ُ‬
‫ن ِ‬
‫أضف إلى ذلك فهم على درجة من عدم الكتراث بأي شيء بحيث‪ِ» :‬إ ْ‬
‫ن«‪.‬‬
‫ل َيَتَقاَرُبو َ‬
‫ن َ‬
‫ن‪َ ،‬وَقِريُبو َ‬
‫ل َيَتَزاَوُرو َ‬
‫ن َ‬
‫جيَرٌة)‪َ (7‬وُهْم َأْبَعاٌد‪ُ .‬مَتَدُنو َ‬
‫حاٌد‪َ ،‬و ِ‬
‫جِميٌع َوُهْم آ َ‬
‫طوا‪َ .‬‬
‫َيْقَن ُ‬
‫حقًا‪ ،‬أّنهم عبرة لمن اعتبر وأوضاعهم مدعاة إلى التأمل والنظر‪ ،‬فكل شأن من شؤونهم يختلف تمامًا وما عليه‬
‫الحال بالنسبة لهل الدنيا‪ ،‬فقد كانوا معًا حتى أمس القريب‪ ،‬ينجد‬
‫‪» .1‬صفيح«‪ :‬وردت هنا بمعنى وجه الرض‪ ،‬من مادة »صفح« على وزن مدح‪.‬‬
‫‪» .2‬أجنان«‪ :‬جمع »جنن« على وزن كفن بمعنى القبر‪ ،‬وأصلها بمعنى التغطية والستر‪ ،‬ولما كان القبر يستر بدن الميت فقد اطلق‬
‫عليه الجنن‪.‬‬
‫‪» .3‬رفات«‪ :‬بمعنى كل شيء بالي ومتعفن‪ ،‬كما يراد بها العظام المندقة المحطومة والمتنافرة‪.‬‬
‫‪» .4‬ضيمًا«‪ :‬له مفهوم المصدر واسم المصدر ويعني الظلم‪.‬‬
‫‪» .5‬مندبة«‪ :‬من مادة »ندبة« بمعنى البكاء‪.‬‬
‫‪» .6‬جيدوا«‪ :‬من مادة »جود« على وزن قوم مبني للمجهول بمعنى ُمطروا‪.‬‬
‫‪» .7‬جيرة«‪ :‬جمع »جار« وغالبًا ما تجمع جيران‪.‬‬

‫] ‪[ 28‬‬
‫بعضهم البعض الخر‪ ،‬يهرعون لستقبال السنين التي تدر عليهم النعم والمنافع‪ ،‬بينما كانوا ينزعجون من القحط‬
‫والجدب‪ ،‬كما كانوا يطوون المسافات القريبة والبعيدة لرؤية بعضهم البعض الخر‪ ،‬لكن دون خبر عن أوضاعهم‬
‫ن المسافة بينهما كأّنها ما بين المشرق والمغرب‪،‬‬
‫لأّ‬
‫وما عليه أحوالهم‪ ،‬قبورهم متصلة متلصقة مع بعضها‪ ،‬إ ّ‬
‫ومن كان منهم يأن ليل نهار من عذاب البرزخ فل يسمع أنينه أقرب مقربيه من صحبه من أهل القبور‪ ،‬بل حتى‬
‫لو سمع صراخه وألمه لما وسعه نجدته وتقديم العون له‪.‬‬
‫وما أروع ما كان يردده المام السجاد )عليه السلم( حين مناجاته باكيًا وهو يجسد ما أورده المام علي )عليه‬
‫السلم( بهذا الشأن‪ ،‬إذ كان يقول‪:‬‬

‫صُر‬
‫ت َوَمقـا ِ‬
‫طَل ْ‬
‫عّ‬
‫س ِمنُهم ُ‬
‫ت *** َمجاِل ُ‬
‫ب َواقَفَر ْ‬
‫حوا ِرِميمًا ِفي الّترا ِ‬
‫وأض َ‬
‫ن الُقُبوِر َتزاُوُر‬
‫سكا ِ‬
‫حّلوا ِبدار ل َتزاوُر َبيَنُهم *** َوأّنى ِل ُ‬
‫َو َ‬
‫صيُر)‪(1‬ثم واصل المام )عليه السلم( حديثه عن‬
‫عَليِه العا ِ‬
‫سّنَمًة َتسِفى َ‬
‫ى َقْد َتَووا ِبها *** ُم َ‬
‫جث ً‬
‫ل ُ‬
‫َفما أن َترى إ ّ‬
‫أصحاب القبور بأّنهم عقلء قد ذهبت عداوتهم وخصومتهم‪ ،‬وفي نفس الوقت هم جّهال قد طرحت أحقادهم‬
‫وأضغانهم‪ ،‬فلييس هناك ما يدعو للخشية من ضررهم وشرهم‪ ،‬كما ل يؤمل أن يدافعوا عن أنفسهم‪ ،‬فقد انسلخوا‬
‫حَلَماُء َقْد‬
‫من ظاهر الرض ليوطنوا باطنها‪ ،‬فاستبدلوا بتلك السعة ضيقًا وبالهل والوطن والنور غربة وظلمة‪ُ » :‬‬
‫طَنًا‪،‬‬
‫ض َب ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ظْهِر ا َْ‬
‫سَتْبَدُلوا ِب َ‬
‫جى َدْفُعُهْم‪ِ ،‬ا ْ‬
‫ل ُيْر َ‬
‫جُعُهْم‪َ ،‬و َ‬
‫شى َف ْ‬
‫خَ‬
‫ل ُي ْ‬
‫حَقاُدُهْم‪َ ،‬‬
‫لُء َقْد َماَتت َأ ْ‬
‫جَه َ‬
‫ضَغاُنُهْم‪َ .‬و ُ‬
‫ت َأ ْ‬
‫َذَهَب ْ‬
‫ظْلَمًة«‪.‬‬
‫غْرَبًة‪َ ،‬وِبالّنوِر ُ‬
‫ل ُ‬
‫لْه ِ‬
‫ضيقًا‪َ ،‬وِبا َْ‬
‫سَعِة ِ‬
‫َوِبال ّ‬
‫والعجيب في المر أّنه يصفهم في عبارة بالعقلء‪ ،‬ثم يردفها بالعبارة التالية بوصفهم بالجهلء‪ ،‬والواقع هو أّنهم‬
‫جثث خاوية قد خلت من الرواح‪ ،‬فهم ليسوا بعقلء ول جهلء‪ ،‬بل وضعهم في موضع جعلهم أشبه بالعقلء حيث‬
‫زالت العداوة بينهم‪ ،‬وفي موضع آخر تشبهوا بالجهلء حيث ماتت بينهم روح الحسد ودوافعه‪ ،‬فقد تغييرت جميع‬
‫مفرداتهم في لحظة حيث استبدلوا بظاهر الرض باطنها وبالدور الواسعة المنيرة المليئة بالهل والعيال‪ ،‬القبور‬
‫الضيقة‬
‫ل عن البداية‬
‫‪ .1‬منها البراعة ‪ ،25 /8‬وردت هذه الشعار في حاشية بحار النوار بعنوان مناجاة للمام السجاد)عليه السلم(نق ً‬
‫والنهاية‪ ،‬لبن كثير )بحار النوار ‪.(46/48‬‬

‫] ‪[ 29‬‬
‫والمظلمة الموحشة الخالية من الصخب والضجيج‪.‬‬
‫حَفاًة عَُراًة«)‪.(1‬‬
‫جاُءوَها َكَما َفاَرُقوَها‪ُ ،‬‬
‫ثم إختتم حديثه )عليه السلم( بالقول‪َ» :‬ف َ‬
‫خَرى()‪.(2‬‬
‫جُكْم َتاَرًة ُأ ْ‬
‫خِر ُ‬
‫خَلْقَناُكْم َوِفيَها ُنِعيدُُكْم َوِمْنَها ُن ْ‬
‫والعبارة مستوحاة من الية القرآنية الشريفة‪ِ) :‬مْنَها َ‬
‫نعم كما خلق آدم )عليه السلم( من التراب‪ ،‬كذلك أولده سيعودن حفاة عراة إلى هذه الرض على غرار ولدتهم‬
‫وقدومهم إليها‪ ،‬وإن حملوا معهم كفنًا‪ ،‬فهو ليس كذلك في الواقع‪ ،‬إذا سرعان ما يبلى ويزول ول يعّد له من وجود‪،‬‬
‫بالتالي سيودع هذا النسان شاء أم أبى يومًا كل ما جمعه من أموال وأعّد لنفسه من قصور ودور فارهة وحدائق‬
‫ومراكب وإمكانات ووسائل‪ ،‬لينزل تلك الحفرة حافيًا عريانًا وعليه أن يستعد لتلك الظلمة والوحشة‪.‬‬
‫ل عليه وأعظم بلء يصيبه‪ ،‬وهو المر‬
‫نعم‪ ،‬الشيء الوحيد الذي يحمله معه هو عمله والذي قد يكون أحيانًا وبا ً‬
‫حاَنُه‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫حَياةِ الّداِئَمِة َوالّداِر اْلَباقَيِة‪َ ،‬كَما َقا َ‬
‫عَماِلِهْم ِإَلى الْ َ‬
‫عْنَها بَأ ْ‬
‫ظَعُنوا َ‬
‫الذي أّكده المام )عليه السلم( فقال‪َ» :‬قْد َ‬
‫ن()‪.«(3‬‬
‫عِلي َ‬
‫عَلْيَنا ِإّنا ُكّنا َفا ِ‬
‫عدًا َ‬
‫خْلق ُنِعيُدُه َو ْ‬
‫ل َ‬
‫َوَتَعاَلى‪َ) :‬كَما َبَدْأَنا َأّو َ‬
‫ن المام )عليه السلم( أشار في ختام هذه الخطبة إلى نقطتين‪:‬‬
‫فالواقع هو أ ّ‬
‫الولى‪ :‬عودة النسان إلى الرض كما خلق منها‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬النشأة الجديدة في الخرة‪.‬‬
‫ن(‪ ،‬لكي ل‬
‫عِلي َ‬
‫عَلْيَنا ِإّنا ُكّنا َفا ِ‬
‫عدًا َ‬
‫خْلق ُنِعيُدُه َو ْ‬
‫ل َ‬
‫ثم استشهد )عليه السلم( بالية القرآنية الكريمة‪َ) :‬كَما َبَدْأَنا َأّو َ‬
‫يبقى أدنى مجال للشك في حقيقة عودة النسان إلى التراب الذي خلق منه فيرى هناك جزاء أعماله من ثواب أو‬
‫عقاب‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ .1‬اختلفت أقوال شّراح نهج البلغة لهذه العبارة‪ ،‬ويبدو النسب هو ما أوردناه سابقًا‪.‬‬
‫‪ .2‬سورة طه ‪.55 /‬‬
‫‪ .3‬سورة النبياء ‪.104 /‬‬

‫] ‪[ 30‬‬

‫تأّملن‬
‫‪ 1‬ـ سبل مواجهة التعلق بالدنيا‬
‫ن التعّلق بها‬
‫ب الدنيا كما ورد في الرواية هو رأس كل خطيئة وأساس جميع الذنوب والمعاصي‪ ،‬كما أ ّ‬
‫نح ّ‬
‫إّ‬
‫والغترار بزخارفها وحطامها يصد النسان عن رّبه وينسيه الخرة والحساب يوم القيامة‪ ،‬ومن شأن هذه الغفلة‬
‫والصدود أن تشكل أحد العوامل المهّمة التي تقذف بالنسان في وحل الخطايا والذنوب‪ ،‬وقد شهد عصر المام‬
‫أمير المؤمنين )عليه السلم( تنامي الموال والثروات إثر التقدم السريع الذي أحرزه السلم والغنائم المتحصلة‬
‫من الغزوات‪ ،‬وهو المر الذي لفت إنتباه طائفة عظيمة من المسلمين ليشّده إلى الدنيا ويدفع بها إلى التكالب عليها‪،‬‬
‫وأفضل شاهد على ذلك الفساد المالي العظيم الذي حصل على عهد عثمان‪ ،‬ومن هنا لم ينفك المام )عليه السلم(‬
‫في أغلب خطب نهج البلغة من ذّم الدنيا والتحذير من النخداع بها والركون إليها والوثوق بها‪ ،‬وقد أورد‬
‫عباراته بمنتهى الفصاحة والبلغة وبالشكل الذي يجعلها تثير حساسية أهل الغفلة ممن نسوا أنفسهم وتعّلقوا‬
‫بالدنيا‪ ،‬ول سّيما في هذه الخطبة التي مّر علينا شرحها‪ ،‬فقد سارت مواكبة للقرآن الكريم في ذّمه للدنيا‪ ،‬وقد سلك‬
‫المام )عليه السلم( مختلف الطرق من أجل بيان هذه الحقيقة منها‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ تحّدث )عليه السلم( بادىء ذي بدء عن »غدر الدنيا وعدم ثباتها« وكيف استقطبت كل من تطّلع إليها بينما‬
‫وّلت ظهرها وتنكرت له وقذفت به في وحل البؤس والشقاء‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ تحّدث أحيانًا عن »تقلب الدنيا السريع« حيث سرعان ما تتبدل القّوة ضعفًا‪ ،‬والنتصار هزيمة‪ ،‬والغنى فقرًا‪،‬‬
‫والعافية مرضًا‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ كما تحّدث أحيانًا أخرى عن إختلط النعم باللم‪ ،‬والمعافاة والعذوبة بالمرارة‪ ،‬فهنالك الشواك حيث‬
‫الزهار‪ ،‬والفاعي حيث الكنوز‪ ،‬بهدف عدم اغترار الناس بالدنيا والتعّلق بها والنخداع بزخارفها‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ كما يصحب )عليه السلم( مخاطبيه تارة أخرى ليوقفهم على نماذج عينية ملموسة للغدر وعدم الثبات الذي‬
‫تنطوي عليه طبيعة الدنيا‪ ،‬فيقول لهم‪ :‬إنظروا إلى الدنيا ماذا فعلت بمن كان أشّد منكم قّوة وأكثر جمعًا للموال‬
‫وأعظم جندًا‪.‬‬
‫] ‪[ 31‬‬
‫سام الماهر الذي أمسك بريشته وجعل يرسم على لوحته الحالت المرعبة‬
‫‪ 5‬ـ وأحيانًا أخرى يكون على غرار الر ّ‬
‫للنسان على أعتاب الموت‪ ،‬وإنفصاله عن الهل والولد والمال والثروة والجاه والمنصب‪ ،‬فيضع تلك اللوحة أمام‬
‫أعينهم ليروها عن قرب فيعتبروا ويفكروا في مصيرهم‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ كما يعمد أحيانًا أخرى لرسم لوحة صادقة معّبرة عن ضيق القبر وظلمته والذي يمثل آخر منازل الدنيا‪ ،‬فهو‬
‫يحكي عن وحدة النسان وغربته وسط ما يجاوره من قبور صامتة‪ ،‬فليس هناك من تزاور بينهم قط‪ ،‬كما ليس‬
‫لحد منهم علم عن آخر‪ ،‬إلى جانب تصويره لنقطاع النسان عن زوجته وولده ومدى عجزه وحاجته‪.‬‬

‫ل آيات القرآن الكريم‪ ،‬فأحيانًا تشير‬
‫ن جميع هذه المباحث والمضامين إّنما تتحرك في ظ ّ‬
‫والملفت للنظرها هو أ ّ‬
‫صراحة إلى تلك اليات‪ ،‬وأخرى تكون العبارات مستقاة من اليات القرآنية‪ ،‬وهذا ما يسيغ نورًا ولمسات روحية‪،‬‬
‫وجذبات معنوية على كلمات المام علي )عليه السلم(وبالتالي مضاعفة مدى تأثيرها‪.‬‬
‫ياليت أهل الدنيا ممن اغتروا بها وخدعوا بحطامها وزيفها وتزينها أن يلتفتوا لنفسهم ولو لحظة واحدة طيلة‬
‫عمرهم فيطالعوا هذه الخطبة الموقظة ويتدّبروا عباراتها ومفاهيمها‪ ،‬بل ما أحرانا نحن أيضًا أن نتأمل هذه‬
‫الخطبة وما شابهها من الخطب التي وردت في نهج البلغة لتتعمق معرفتنا بخصوص الدنيا والوقوف على مدى‬
‫ضحالتها وتفاهتها فتتجدد فينا روح الطاعة والبتعاد عن الخطيئة والمعصية‪.‬‬
‫ل اليات القرآنية والروايات الشريفة والمفاهيم‬
‫ن العديد من الدباء والشعراء قد انطلقوا أيضًا في ظ ّ‬
‫جدير بالذكر أ ّ‬
‫الدينية فانشدوا أشعارًا تهّز الضمير وتوقفه على واقع الدنيا‪ ،‬من ُاولئك الشعراء اليرانيين هو الشاعر الكبير‬
‫ن حلوتها قد‬
‫والفريد »الحافظ الشيرازي« الذي أنشد أشعارًا كثيرة بشأن سرعة زوال نعم الدنيا وغدرها وأ ّ‬
‫مزجت بالمرارة وراحتها باللم وسلمتها بالمرض والسقم‪ ،‬كما نظم قصائدًا في تقلب أحوال الدنيا وتغيرها‬
‫المفاجىء وعدم استقرارها على حال‪.‬‬
‫قصر الجديد إلى بلى *** والوصل في الدنيا انقطاعه‬
‫] ‪[ 32‬‬
‫أي اجتماع لم يعد *** يتفرق منها اجتماعه‬
‫أم أي شعب ذي إلتئام *** لم يبدده انصداعه‬
‫أم أي منتفع بشيء *** ثم تّم له انتفاعه‬
‫يا بؤس للدهر الذي *** ما زال مختلفًا طباعه‬
‫قد قيل في مثل خل *** يكفيك من شر سماعه‬
‫ومن كلم الحكيم في الدنيا‪» :‬إنا قد أصبحنا في دار رابحها خاسر‪ ،‬ونائلها قاصر‪ ،‬وعزيزها ذليل‪ ،‬وصحيحها‬
‫عليل‪ ،‬والداخل إليها مخرج‪ ،‬والمطمئن فيها مزعج‪ ،‬والذائق من شرابها سكران‪ ،‬والواثق بسرابها ظمآن‪ ،‬ظاهرها‬
‫غرور‪ ،‬وباطنها شرور‪ ،‬وطالبها مكدود‪ ،‬وتاركها محمود«‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ 2‬ـ الرّد على سؤال‬
‫حين نطالع ما أورده المام )عليه السلم( في هذه الخطبة حول »أهل القبور« في أّنهم جيرة ل يتزاورون‬
‫وقريبون ل يتقاربون وما إلى ذلك‪ ،‬يتبادر إلى الذهان هذا السؤال وهو أّنه وردت عّدة روايات صّرحت بعضها‬
‫ن لهم مجالسهم وحلقاتهم‪ ،‬ومن‬
‫ن أهل القبور يجتمعون أحيانًا مع بعضهم ويطلع كل منهم على أوضاع الخر وأ ّ‬
‫بأ ّ‬
‫ن«)‪.(1‬‬
‫حّدُثو َ‬
‫ق ُقُعوٌد َيَت َ‬
‫حَل ٌ‬
‫ق ِ‬
‫حلَ ٌ‬
‫ذلك ما ورد عن المام الصادق )عليه السلم( أّنه قال‪َ» :‬كَأّني ِبِهم ِ‬
‫فكيف الجمع بين هذه الروايات وما ورد في عبارات الخطبة المذكورة؟‬
‫ن الروايات المذكورة إّنما وردت بشأن المؤمنين‬
‫ولعل الجابة على هذا السؤال تتضح من خلل اللتفات إلى أ ّ‬
‫وأصحاب العمال الصالحة‪ ،‬وأّما ما جاء في هذه الخطبة‪ ،‬فإّنما ورد بشأن أصحاب الدنيا من أهل العمال‬
‫السيئة‪ ،‬وعليه فليس هنالك من تعارض بين هذه الخطبة وما صّرحت به الروايات‪.‬‬

‫—–‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.6/268‬‬

‫] ‪[ 33‬‬

‫الخطبة)‪(1‬‬
‫‪112‬‬

‫طِبة َلُه)عليه السلم(‬
‫خ ْ‬
‫ن ُ‬
‫َوِم ْ‬

‫ذكر فيها ملك الموت وتوفيه النفس وعجز الخلق عن وصف ال‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫ن هذه الخطبة جزء من خطبة مفصلة طويلة‪ ،‬وهى تهدف في الواقع إلى بيان هذه الحقيقة التي‬
‫تفيد بعض القرائن أ ّ‬
‫ن النسان إن عجز عن معرفة‬
‫تكمن في عجز البشرية عن إدراك كنه الذات وصفات ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ملك الموت وصفاته وطبيعة أعماله‪ ،‬فكيف يتوقع أن يقف على كنه الذات والصفات للخالق سبحانه كما هى عليه‪.‬‬
‫ن هذه الخطبة هى جرء من الخطبة المعروفة بالشباح والتي أوردها‬
‫والذي يفهم من كتاب »تمام نهج البلغة« أ ّ‬
‫ن عبارة هذه‬
‫المام علي )عليه السلم( بشأن عجز النسان عن إدراك كنه الذات والصفات اللهّية‪ ،‬والحق إ ّ‬
‫ن الخطبة التي‬
‫الخطبة تنسجم تمامًا وعبارات خطبة الشباح‪ ،‬فاذا ما وضعت الخطبتان مع بعضهما لتوصلنا إلى أ ّ‬
‫بين أيدينا هى جزء من تلك الخطبة)‪.(2‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬

‫ورد في مصادر نهج البلغة أّنه نقلها »علي بن محمد الليثي« صاحب كتاب »عيون الحكم والمواعظ« مع فارق قليل‪ ،‬وقال ابن ميثم‬
‫البحراني حين شرحه لهذه الخطبة أّنها جزء من خطبة طويلة أوردها المام علي)عليه السلم( بشأن توحيد ال سبحانه وتعالى‬
‫وتنزيهه‪.‬‬
‫ويفيد هذا الكلم أّنه نقل هذه الخطبة من مصدر آخر غير نهج البلغة )مصادر نهج البلغة ‪.(2/244‬‬
‫‪ .2‬كتاب »تمام نهج البلغة«‪ ،‬ص ‪.65‬‬

‫] ‪[ 34‬‬
‫] ‪[ 35‬‬

‫عَلْيِه ِمنْ‬
‫ج َ‬
‫ن ُأّمِه‪َ .‬أَيِل ُ‬
‫طِ‬
‫ن ِفي َب ْ‬
‫جِنْي َ‬
‫ف َيَتَوّفى اْل َ‬
‫ل َكْي َ‬
‫حدًا؟ َب ْ‬
‫ل َتَراُه ِإَذا َتَوّفى َأ َ‬
‫ل؟‪َ ،‬أْم َه ْ‬
‫ل َمْنِز ً‬
‫خَ‬
‫س ِبِه ِإَذا َد َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُت ِ‬
‫»َه ْ‬
‫صَفِة‬
‫ن ِ‬
‫عْ‬
‫جُز َ‬
‫ن َيْع َ‬
‫ف ِإلَهُه َم ْ‬
‫ص ُ‬
‫ف َي ِ‬
‫شاِئَها؟ َكْي َ‬
‫ن َمَعُه في َأحْ َ‬
‫ساِك ٌ‬
‫ن َرّبَها‪َ ،‬أْم ُهَو َ‬
‫ح َأجاَبْتُه ِبِإْذ ِ‬
‫حَها؟ َأِم الّرو ُ‬
‫جَواِر ِ‬
‫ض َ‬
‫َبْع ِ‬
‫خُلوق ِمْثِلِه!«‪.‬‬
‫َم ْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫أينما تكونوا يدرككم الموت‬
‫ن هذه الخطبة في الواقع جزء من خطبة التي تصدت لبيان صفات ال تعالى وعجز البشرية عن‬
‫كما ورد سابقًا فا ّ‬
‫إدراك كنهه وصفاته سبحانه‪ ،‬وقد استدل المام )عليه السلم( بمثال في هذه الخطبة يشخص الحقيقة المذكورة‬
‫ويبّين عجز النسان عن الوقوف على كنه ذات أغلب المخلوقات‪ ،‬وبناءًا على ما سبق فكيف يمكن توقع وقوف‬
‫هذا النسان على كنه ذات وصفات الخالق المطلق بينما ل يسعه إدراك كنه مخلوق مثله؟‬
‫حدًا؟«‪.‬‬
‫ل َتَراُه ِإَذا َتَوّفى َأ َ‬
‫ل؟‪َ ،‬أْم َه ْ‬
‫ل َمْنِز ً‬
‫خَ‬
‫س ِبِه ِإَذا َد َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُت ِ‬
‫فقد قال )عليه السلم(‪َ» :‬ه ْ‬
‫ن روح النسان تفصل عن جسده من قبل ملك الموت‪ ،‬كما صرحت بذلك العديد من اليات القرآنية‪،‬‬
‫قطعًا أ ّ‬
‫والحال ليس لدينا أي علم بولوجه من أجل قبض الروح ول خروجه‪ ،‬كما ل نراه حين يقبض الروح‪ ،‬رغم أّنه‬
‫مخلوق من مخلوقات ال سبحانه‪ ،‬وما أكثر من مثله من الملئكة الذين يتعذر علينا رؤيتهم‪.‬‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه بالتطرق إلى مورد خاص بشأن قبض الروح والذي يتصف بالتعقيد‬
‫ن ُأّمِه‪َ .‬أَيِل ُ‬
‫ج‬
‫طِ‬
‫ن ِفي َب ْ‬
‫جِنْي َ‬
‫ف َيَتَوّفى اْل َ‬
‫ل َكْي َ‬
‫والغموض‪ ،‬وهو قبض روح الجنين في بطن ُاّمه‪ ،‬فقال )عليه السلم(‪َ» :‬ب ْ‬
‫شاِئَها؟«‪.‬‬
‫حَ‬
‫ن َمَعُه في َأ ْ‬
‫ساِك ٌ‬
‫ن َرّبَها‪َ ،‬أْم ُهَو َ‬
‫ح َأجاَبْتُه ِبِإْذ ِ‬
‫حَها؟ َأِم الّرو ُ‬
‫جَواِر ِ‬
‫ض َ‬
‫ن َبْع ِ‬
‫عَلْيِه ِم ْ‬
‫َ‬
‫] ‪[ 36‬‬
‫فمن البديهي أّنه يشق على كل عالم بانتقاء أي من الجوبة الثلث على سؤال المذكور‪ ،‬فليس هنالك دليل يثبت أي‬
‫منها‪ ،‬وعليه فقضية قبض الروح بواسطة ملك الموت بحّد ذاتها قضية شائكة غاية في التعقيد يعجز عن إدراكها‬
‫ل عن قبض روح الجنين في بطن ُاّمه‪.‬‬
‫النسان فض ً‬

‫ن صَِفِة‬
‫عْ‬
‫جُز َ‬
‫ن َيْع َ‬
‫ف ِإلَهُه َم ْ‬
‫ص ُ‬
‫ف َي ِ‬
‫ثم يخلص المام )عليه السلم( من العبارات السابقة إلى هذه النتيجة‪َ» :‬كْي َ‬
‫خُلوق ِمْثِلِه!«‪.‬‬
‫َم ْ‬
‫نعم‪ ،‬فهناك اللوف المؤلفة من المخلوقات والكائنات التي عجز النسان عن إدراكها حتى بعد تطور العلوم‬
‫وتقدمها‪ ،‬فما حقيقة الروح؟ وما كيفية إرتباطها بالجسد؟ كيف تنسلخ عن الجسد؟ وأين تتجه هذه الروح بعد‬
‫انفصالها من البدن؟ ما حقيقة الحياة؟ لم استطاع العلماء جمع كافة العناصر الموجودة في الخلية الحية في‬
‫ل أّنهم عجزوا عن نفخ الروح فيها؟!‬
‫مختبراتهم بصورة صناعية إ ّ‬
‫ما حقيقة الزمان والمكان؟ ما كيفية أمواج الجاذبية التي تربط شرق العالم بغربه؟ ومئات السئلة من هذا القبيل‪.‬‬
‫فاذا عجزنا عن وصف هذه المخلوقات التي نشترك معها في كثير من المور‪ ،‬فكيف نتوقع إمكانية وصفنا ل‬
‫الذي ل يشترك معنا في أي أمر؟! بلى‪ ،‬لدينا علم إجمالي بوجوده وصفاته سبحانه‪ ،‬حيث نعلم أّنه موجود وله‬
‫ن الكل يعرب عن عجزه وفشله من اقتحام ميدان العلم التفصيلي‪ ،‬بما فيهم‬
‫لأّ‬
‫الصفة الفلنية على سبيل الجمال‪ ،‬إ ّ‬
‫أنبياء ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫—–‬

‫تأّملت‬
‫‪ 1‬ـ ملك الموت أم ملئكة الموت‬
‫هل ملك واحد أم جماعة؟ سؤال يتبادر إلى أذهان الكثيرين‪ ،‬فقد وردت بعض اليات القرآنية التي نسبت إلى ال‬
‫ن َمْوِتَها‪.(1)(...‬‬
‫حي َ‬
‫س ِ‬
‫لْنُف َ‬
‫ل َيَتَوّفى ا َْ‬
‫تعالى قبض الرواح‪) :‬ا ُ‬
‫‪ .1‬سورة الزمر ‪.42 /‬‬

‫] ‪[ 37‬‬
‫بينما نسبت البعض الخر منها قبض الروح إلى الملئكة‪ ،‬كما نسبته إلى ملك الموت الذي عّبرت عنه أيضًا‬
‫ل ِبُكْم‪ .(...‬وقالت الية‬
‫ت اّلِذي ُوّك َ‬
‫ك اْلَمْو ِ‬
‫ل َيَتَوّفاُكمْ َمَل ُ‬
‫بالملئكة‪ ،‬فقد صرحت الية ‪ 11‬من سورة السجدة قائلة‪ُ) :‬ق ْ‬
‫لِئَكُة(‪.‬‬
‫ن َتَتَوّفاُهْم اْلَم َ‬
‫‪ ،8‬من سورة النحل‪) :‬اّلِذي َ‬
‫ويعلم أرباب التفسير وأهل التحقيق قي القرآن أن ليس هنالك أي تعارض بين اليات الثلثة المذكورة‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ن‬
‫السنة اللهّية جرت في تفويض الملئكة تدبير شؤون الخلق وأمور العالم‪ ،‬وعليه فالفعل المذكور هو فعل ال‬
‫سبحانه من جانب حيث منه يصدر المر‪ ،‬وهو فعل الملئكة من جانب آخر كونها تباشر ذلك العمل‪ ،‬على سبيل‬
‫المثال يقال الحاكم الفلني جدد بناء المسجد الحرام في التاريخ الفلني‪ ،‬يعني أّنه أصدر أوامره للمهندسين‬
‫والمقاولين والبنائين بمباشرة ذلك البناء‪ ،‬هذا من جهة‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى‪ :‬لملك الموت معنى الجنس‪ ،‬ونعلم أن الجنس يستعمل في مفهوم العموم ومعنى الجمع أيضًا‪.‬‬

‫ن الملكين المأمورين بكتابة أعمال النسان هما اللذان يتوليان قبض روح النسان إذا انتهى أجله‪،‬‬
‫ويعتقد البعض بأ ّ‬
‫ولعل العبارة الواردة في الية الشريفة‪» :‬وّكل بكم« أشارت إلى هذا المعنى‪.‬‬

‫ولما كان الصلحاء والتقياء يتميزون بجميع خصائصهم عن الطلحاء والمتهتكين‪ ،‬فمن الممكن أن تختلف الملئكة‬
‫التي تتولى قبض أرواحهم‪ ،‬ولقبض الروح الطاهرة لعظماء الناس كالنبي الكرم )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬فا ّ‬
‫ن‬
‫شخص ملك عزرائيل )عليه السلم( هو الذي يتولى هذه المهّمة)‪.(1‬‬
‫—–‬

‫‪ 2‬ـ كيفية قبض الرواح‬
‫تبدو قضية قبض الروح مبهمة وغامضة لدينا على غرار البهام الذي يكتنف ولوج‬
‫‪ .1‬وردت إشارة لهذا المعنى في رواية عن علي )عليه السلم( )بحار النوار ‪ ،6/142‬ح ‪.(6‬‬

‫] ‪[ 38‬‬
‫الروح في البدن‪ ،‬وكل الذي نعرفه بهذا الخصوص هو قطع الرابطة القائمة بين الروح والجسد حين قبض الروح‪،‬‬
‫ولكن كيف يحصل ذلك وبأية صيغة؟ فهذا ما يكتنفه الغموض والبهام‪.‬‬
‫ل فليس لدينا سجناء عالم‬
‫ن كل ما ورد في الروايات السلمية يكون من قبيل التلميحات والتشبيهات‪ ،‬وإ ّ‬
‫ويبدو أ ّ‬
‫المادة من سبيل إلى مثل هذه المور المتعّلقة بعالم ما وراء الطبيعة‪.‬‬
‫فهل ملك الموت كائن في موضع ـ كما ورد في بعض الروايات ـ والدنيا لديه كالدرهم في كف اليد يقلبه كيف‬
‫ن ملئكة الموت انتشروا في كل مكان من‬
‫يشاء بحيث يتوفى كل أحد إذا ما صدر أمر وفاته‪ ،‬فيقبض روحه‪ ،‬أم أ ّ‬
‫العالم ويتجهون لقبض الرواح إذا حان أجلها؟‬
‫لقد ذكرت ثلثة احتمالت في الخطبة بشأن الطفال الذين تقبض أرواحهم وهم أجنة في بطون أمهاتهم‪:‬‬
‫لم من بعض جوارحها‪.‬‬
‫الول‪ :‬ورود ملك الموت في أحشاء ا ُ‬
‫والثاني‪ :‬يدعو روح الجنين اليه وهو في الخارج‪.‬‬
‫لم منذ البداية‪ ،‬ولذا عدم ترجيح المام)عليه السلم( أحد هذه الحتمالت‬
‫الثالث‪ :‬كونه مع الجنين في أحشاء ا ُ‬
‫ن صعوبة إدراكنا لجزئيات هذه المور بفعل وجودنا في عالم المادة‪.‬‬
‫الثلثة إشارة الى حقيقة أ ّ‬
‫وقد ركز بعض شّراح نهج البلغة على الحتمال الثاني من بين الحتمالت الثلثة المذكورة‪ ،‬ولعل دليلهم في‬
‫ذلك ما روي عن المام الصادق)عليه السلم( قال‪» :‬قيل لملك الموت)عليه السلم(‪ :‬كيف تقبض الرواح‬
‫وبعضها في المغرب وبعضها في المشرق في ساعة واحدة؟‬
‫ن الدنيا بين يدي كالقصعة بين يدي أحدكم يتناول منها ما شاء«)‬
‫فقال‪ :‬أدعوها فتجيبني‪ ،‬قال‪ :‬ثم قال ملك الموت‪ :‬إ ّ‬
‫‪.(1‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬من ل يحضره الفقيه ‪ ،1/80‬ح ‪.12‬‬

‫] ‪[ 39‬‬

‫الخطبة)‪113 (1‬‬

‫طِبة َلُه)عليه السلم(‬
‫خ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ِم ْ‬

‫في ذّم الدنيا‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫تحّدث المام )عليه السلم( في هذه الخطبة عن عّدة مسائل مهّمة مرتبطة مع بعضها البعض الخر‪.‬‬
‫فقد حذر )عليه السلم( في القسم الول من الخطبة من الدنيا‪ ،‬ثم ذكر عيوبها ومصائبها‪ ،‬حيث شّبهها بالدار اليلة‬
‫للسقوط فل ينبغي الغترار بها‪ ،‬ثم واصل في القسم الثاني كلمه بهذا الخصوص موصيًا بعدم نسيان الموت‬
‫والزهد في الدنيا من خلل عدم التعّلق بها‪.‬‬
‫ن صلح‬
‫وأخيرًا إختتم الخطبة بالشارة إلى تشتت المسلمين واختلفهم وإسناد ذلك إلى التهافت على الدنيا‪ ،‬وإ ّ‬
‫المجتمع في الحذر منها‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ذكر البعض هذه الخطبة كل من الزمخشري في أوائل كتاب »ربيع البرار« والمدي في كتاب »غرر الحكم« باختلف طفيف يفيد أّنه‬
‫نقلها من مصدر آخر غير نهج البلغة )مصادر نهج البلغة ‪.(2/247‬‬

‫] ‪[ 40‬‬
‫] ‪[ 41‬‬

‫القسم الول‬

‫عَلى َرّبَها‪،‬‬
‫ت َ‬
‫ت ِبِزْيَنِتَها‪َ .‬داٌر َهاَن ْ‬
‫غّر ْ‬
‫ت ِبُغُروِرَها‪َ ،‬و َ‬
‫جَعة‪َ .‬قْد َتَزّيَن ْ‬
‫ت ِبَداِر ُن ْ‬
‫س ْ‬
‫ل ُقْلَعة‪َ .‬وَلْي َ‬
‫حّذُرُكُم الّدْنَيا َفِإّنَها َمْنِز ُ‬
‫»َوُأ َ‬
‫ضّ‬
‫ن‬
‫لْوِلَياِئِه‪َ ،‬وَلْم َي ِ‬
‫ل َتَعاَلى َِ‬
‫صِفَها ا ّ‬
‫حْلَوَها ِبُمّرَها‪َ .‬لْم ُي ْ‬
‫حَياَتَها ِبَمْوِتَها‪َ ،‬و ُ‬
‫شّرَها‪َ ،‬و َ‬
‫خْيَرَها ِب َ‬
‫حَراِمَها‪َ ،‬و َ‬
‫لَلَها ِب َ‬
‫حَ‬
‫ط َ‬
‫خَل َ‬
‫َف َ‬
‫خْيُر َدار ُتْنَق ُ‬
‫ض‬
‫ب‪َ .‬فَما َ‬
‫خَر ُ‬
‫عاِمُرَها َي ْ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫سلَ ُ‬
‫جْمُعَها َيْنَفُد‪َ ،‬وُمْلُكَها ُي ْ‬
‫عِتيٌد‪َ .‬و َ‬
‫شّرَها َ‬
‫خْيُرَها َزِهيٌد َو َ‬
‫عَداِئِه‪َ .‬‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫ِبَها َ‬
‫طَلِبُكْم‪،‬‬
‫ن َ‬
‫عَلْيُكْم ِم ْ‬
‫ل َ‬
‫ضا ّ‬
‫جَعُلوا َما اْفَتَر َ‬
‫سْيِر! ِا ْ‬
‫ع ال ّ‬
‫طا َ‬
‫طُع اْنِق َ‬
‫عُمر َيْفَنى ِفيَها َفَناَء الّزاِد‪َ ،‬وُمّدة َتْنَق ِ‬
‫ض اْلِبَناِء‪َ ،‬و ُ‬
‫َنْق َ‬
‫عى ِبُكْم«‪.‬‬
‫ن ُيْد َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ت آَذاَنُكْم َقْب َ‬
‫عَوَة اْلَمْو ِ‬
‫سِمُعوا َد ْ‬
‫سَأَلُكْم‪َ .‬وَأ ْ‬
‫حّقِه َما َ‬
‫ن َأَداِء َ‬
‫سأُلوُه ِم ْ‬
‫َوا ْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫التحذير من الدنيا‬
‫إّتجه المام )عليه السلم( في هذا القسم من الخطبة نحو ذّم الدنيا وأصحابها المتكالبين عليها‪ ،‬ثم حّقرها وعّدد‬
‫ن الدنيا ل يمكنها أن تكون سبيل للنجاة وأداة للسعادة‪.‬‬
‫عيوبها بما يوقظ كل عاقل وينبهه إلى أ ّ‬
‫فقد استهل )عليه السلم( الخطبة بتحذير مخاطبيه بما فيهم الناس آنذاك واليوم وسائر الفراد في كل العصور من‬
‫جَعة«‪.‬‬
‫ت ِبَداِر ُن ْ‬
‫س ْ‬
‫ل ُقْلَعة‪َ .‬وَلْي َ‬
‫حّذُرُكُم الّدْنَيا َفِإّنَها َمْنِز ُ‬
‫ل‪َ» :‬وُأ َ‬
‫الدنيا قائ ً‬
‫»القلعة« بضم القاف وسكون اللم المشتقة من مادة »قلع« الموضع غير المستوطن الذي يجب أن يرحل عنه‬
‫النسان في أي زمان‪.‬‬
‫و»النجعة« بضم النون عكس سابقتها فهى تعني الموضع الذي عثر فيه النسان على الخير‬
‫] ‪[ 42‬‬
‫ن الدنيا منزل مؤقت عابر ول‬
‫والبركة‪ ،‬وقد عزم قطعًا على الستقرار فيه‪ ،‬وعليه فمفهوم كلمه )عليه السلم( أ ّ‬
‫قيمة لها لكي يتخذها النسان موضعًا للقامة والستقرار‪ ،‬ثم واصل )عليه السلم( الكلم بالشارة إلى أدّلة‬
‫حَراِمَها‪،‬‬
‫لَلَها ِب َ‬
‫حَ‬
‫ط َ‬
‫خَل َ‬
‫عَلى َرّبَها‪َ ،‬ف َ‬
‫ت َ‬
‫ت ِبِزْيَنِتَها‪َ .‬داٌر)‪َ (1‬هاَن ْ‬
‫غّر ْ‬
‫ت ِبُغُروِرَها‪َ ،‬و َ‬
‫المطلب السابق ليقول‪َ» :‬قْد َتَزّيَن ْ‬
‫حْلَوَها ِبُمّرَها«‪.‬‬
‫حَياَتَها ِبَمْوِتَها‪َ ،‬و ُ‬
‫شّرَها‪َ ،‬و َ‬
‫خْيَرَها ِب َ‬
‫َو َ‬
‫ن عليك أن تتحمل آلف المصاعب والمعاناة وأن تتجاوز الطرق‬
‫إذا أردت الحصول على الرزق الحلل فا ّ‬
‫الوعرة والمطبات الشائكة‪ ،‬كما عليك أن تعد بدنك لوخز الشواك كلما حاولت غرس الزهور‪ ،‬وإن إبتغيت العسل‬
‫ل أن تتوقع لدغ الزنابير‪ ،‬فالواقع هناك أفعى كامنة في كل كنز ومرارة في كل حلوة‪ ،‬وعلى سبيل‬
‫فما عليك إ ّ‬
‫المثال فمن لم يرزقه ال الولد عاش الهم والغم الذي يثقل كاهله ويكّدر روحه‪ ،‬ولكن ما إن يرزق الولد حتى يواجه‬
‫سيل المشاكل التي تعقب ذلك‪ ،‬وهكذا سائر النعم التي يثير فقدانها الغم ووجودها التعب والرهاق‪.‬‬
‫ثم أّكد )عليه السلم( ذلك الكلم على أّنه هو السبب الذي لم يجعل ال سبحانه يرضها ثوابًا لوليائه ولم يمنعها عن‬
‫عَداِئِه«‪.‬‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫ن)‪ِ (3‬بَها َ‬
‫ضّ‬
‫لْوِلَياِئِه‪َ ،‬وَلْم َي ِ‬
‫ل َتَعاَلى َِ‬
‫صِفَها)‪ (2‬ا ّ‬
‫أعدائه‪َ» :‬لْم ُي ْ‬
‫ص بها الحق سبحانه أولياءه وزواها عن أعدائه‪ ،‬لكّنها لما كانت زهيدة ل قيمة‬
‫نعم‪ ،‬لو كان متاع الدنيا ثمين لخ ّ‬
‫لها‪ ،‬فهو يهبها لكل شخص‪.‬‬
‫ب«‪.‬‬
‫خَر ُ‬
‫عاِمُرَها َي ْ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫سَل ُ‬
‫جْمُعَها َيْنَفُد‪َ ،‬وُمْلُكَها ُي ْ‬
‫عِتيٌد)‪َ .(4‬و َ‬
‫شّرَها َ‬
‫خْيُرَها َزِهيٌد َو َ‬
‫ثم أضاف )عليه السلم(‪َ » :‬‬

‫والعجيب ليس هناك من تدريج في هذه التغييرات وزوال النعم وانهيار الحكومات وخراب المعمور‪ ،‬بل أحياناً‬
‫يتغير كل شيء خلل ساعة‪ ،‬بل في برهة من الزمان والتاريخ مليىء بمثل هذه الحوادث المرعبة والتي تنطوي‬
‫على العبر والدروس‪.‬‬
‫فكيف والحال هذه يتعلق بالدنيا عاقل؟ ويثق بنعمها؟ ويفرح باقبالها ويحزن لدبارها؟‬
‫‪ .1‬وردت هذه العبارة في سائر النسخ بهذه الصيغة »دار هانت على رّبها«‪ ،‬بينما يبدو أّنها وردت خطأ في نسخة صبحي الصالح‬
‫والتي أقتبست منها هذه النسخة بهذه الصيغة »دارها هانت«‪.‬‬
‫‪» .2‬لم يصفها«‪ :‬من مادة »الصفاء« بمعنى الختصاص إشارة إلى تفاهة نعم الدنيا بحيث منحها ال الجميع‪.‬‬
‫‪» .3‬لم يضن«‪ :‬من مادة »الضن« بمعنى البخل‪.‬‬
‫‪» .4‬عتيد«‪ :‬من مادة »عتاد« على وزن جواب بمعنى حاضر وتأتي بمعنى الدخار‪.‬‬

‫] ‪[ 43‬‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( الكلم بهذا الخصوص من خلل طرحه على شكل سؤال‪ ،‬لينطلق الجواب عليه من‬
‫عُمر َيْفَنى ِفيَها َفَناَء الّزاِد‪،‬‬
‫ض اْلِبَناِء‪َ ،‬و ُ‬
‫ض َنْق َ‬
‫خْيُر َدار ُتْنَق ُ‬
‫باطن قلب المخاطب فيكون له أثره البالغ والعميق‪َ» :‬فَما َ‬
‫سْيِر!«‪.‬‬
‫ع ال ّ‬
‫طا َ‬
‫طُع اْنِق َ‬
‫َوُمّدة َتْنَق ِ‬
‫لقد استعمل المام )عليه السلم( قّمة الفصاحة والبلغة في هذه التشبيهات الثلث‪ ،‬فقد شّبه بادىء المر الدنيا‬
‫بدار خاوية بالية قد انفطرت جدرانها وأشرفت سقوطها على النهيار‪ ،‬ثم شّبه عمر النسان بالطعمة التي توضع‬
‫على المائدة وتأخذ بالتناقص مع مرور الزمان إثر تناولها‪ ،‬وأخيرًا شّبه فترة بقاء النسان في هذا العالم بالسفار‬
‫القصيرة التي ل يكاد المسافر يحث خطاه فيها حتى ينقطع أمدها‪.‬‬
‫عَلْيُكْم‬
‫ل َ‬
‫ضا ّ‬
‫جَعُلوا َما اْفَتَر َ‬
‫ثم إختتم )عليه السلم( هذا القسم من الخطبة بثلث وصايا خاطب بها الجميع فقال‪ِ» :‬ا ْ‬
‫عى ِبُكْم«‪.‬‬
‫ن ُيْد َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ت آَذاَنُكْم َقْب َ‬
‫عَوَة اْلَمْو ِ‬
‫سِمُعوا َد ْ‬
‫سَأَلُكْم‪َ ،‬وَأ ْ‬
‫حّقِه َما َ‬
‫ن َأَداِء َ‬
‫سأُلوُه ِم ْ‬
‫طَلِبُكْم‪َ ،‬وا ْ‬
‫ن َ‬
‫ِم ْ‬
‫لولى أن يهتم الناس على القل بالفرائض الشرعية بقدر طلباتهم الشخصية فيجدوا‬
‫فقد أوصى الناس في العبارة ا ُ‬
‫ويجتهدوا في هذا المر‪ ،‬ل أن يجعلوا الصدارة لحاجاتهم الدنيوية ويهّمشوا الفرائض اللهّية والواجبات الشرعية‪.‬‬
‫كما يحتمل أن يكون المراد اجعلوا التوفيق للتيان بالفرائض والواجبات الشرعية من حاجاتكم وطلباتكم بين يدي‬
‫ن المعنى الول يبدو هو النسب وذلك للشارة إلى هذا المعنى والتي وردت في العبارة‬
‫ال تبارك وتعالى‪ ،‬غير أ ّ‬
‫حّقِه«‪ ،‬وعليه سيكون تفسير الجملتين تكرار لمفهوم واحد‪.‬‬
‫ن َأَداِء َ‬
‫سأُلوُه ِم ْ‬
‫الثانية إذ قال‪َ» :‬وا ْ‬
‫وأخيرًا أشارت العبارة الثالثة إلى التأهب والستعداد لمواجهة الموت من خلل أداء حقوق الناس والتوبة من‬
‫ن الموت سيباغت النسان ويقذف به في عالم لم يعد العّدة لدخوله‪.‬‬
‫الذنوب وتدارك ما فرط‪ ،‬وبخلفه فا ّ‬
‫—–‬
‫] ‪[ 44‬‬
‫] ‪[ 45‬‬

‫القسم الثاني‬

‫طوا‬
‫غُتِب ُ‬
‫نا ْ‬
‫سُهْم َوِإ ِ‬
‫حوا‪َ ،‬وَيْكُثُر َمْقُتُهْم َأْنُف َ‬
‫ن َفِر ُ‬
‫حْزُنُهْم َوِإ ْ‬
‫شَتّد ُ‬
‫حُكوا‪َ ،‬وَي ْ‬
‫ضِ‬
‫ن َ‬
‫ن ِفي الّدْنَيا َتْبِكي ُقُلوُبُهْم َوِإ ْ‬
‫ن الّزاِهِدي َ‬
‫»ِإ ّ‬
‫خَرِة‪،‬‬
‫ن ال ِ‬
‫ك ِبُكْم ِم َ‬
‫ت الّدْنَيا َأْمَل َ‬
‫صاَر ِ‬
‫ل‪َ ،‬ف َ‬
‫ب الَما ِ‬
‫ضَرْتُكْم َكَواِذ ُ‬
‫ح َ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫جا ِ‬
‫لَ‬
‫ن ُقُلوِبُكْم ِذْكُر ا ْ‬
‫عْ‬
‫ب َ‬
‫غا َ‬
‫ِبَما ُرِزُقوا‪َ .‬قْد َ‬
‫سوُء الضَّماِئِر‪.‬‬
‫سَراِئِر‪َ ،‬و ُ‬
‫ث ال ّ‬
‫خْب ُ‬
‫ل ُ‬
‫ل َما َفّرقَ َبْيَنُكْم ِإ ّ‬
‫نا ّ‬
‫عَلى ِدي ِ‬
‫ن َ‬
‫خَوا ٌ‬
‫جَلِة‪َ ،‬وِإّنَما َأْنُتْم ِإ ْ‬
‫ن ال ِ‬
‫ب ِبُكْم ِم َ‬
‫جَلُة َأْذَه َ‬
‫َوالَعا ِ‬
‫ن«‪.‬‬
‫ل َتَواّدو َ‬
‫ن َو َ‬
‫ل َتَباَذُلو َ‬
‫ن‪َ ،‬و َ‬
‫حو َ‬
‫صُ‬
‫ل َتَنا َ‬
‫ن َو َ‬
‫ل َتَواَزُرو َ‬
‫َف َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫صفات الزّهاد في الدنيا‬
‫أشار المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة إلى ثلث نقاط تكمل المقطع المذكور من الخطبة وتؤّكده‪،‬‬
‫وهى مقدمة للقسم القادم من الخطبة‪.‬‬
‫ل إلى وصف الزّهاد في الدنيا ليتضح وضع كل فرد من خلل مقارنة أحوال المخاطبين مع أحوال‬
‫فقد إّتجه أو ً‬
‫حُكوا«‪.‬‬
‫ضِ‬
‫ن َ‬
‫ن ِفي الّدْنَيا َتْبِكي ُقُلوُبُهْم َوِإ ْ‬
‫ن الّزاِهِدي َ‬
‫ل‪ِ» :‬إ ّ‬
‫ُاولئك‪ ،‬فذكر ثلث خصائص يتحلى بها الزّهاد قائ ً‬
‫حوا«‪.‬‬
‫ن َفِر ُ‬
‫حْزُنُهْم َوِإ ْ‬
‫شَتّد ُ‬
‫صفتهم الثانية تكمن في شّدة حزنهم رغم فرحهم وسرورهم‪َ» :‬وَي ْ‬
‫وأّما صفتهم الثالثة فهم ناقمون على أنفسهم ساخطون عليها )وهم ليسوا راضين عن أعمالهم وطاعاتهم( رغم‬
‫طوا)‪ِ (1‬بَما ُرِزُقوا«‪.‬‬
‫غُتِب ُ‬
‫نا ْ‬
‫سُهْم َوِإ ِ‬
‫شكرهم ال سبحانه وتعالى على موفور الرزق والنعمة‪َ» :‬وَيْكُثُر َمْقُتهُْم َأْنُف َ‬
‫‪ .1‬قرأها أغلب شّراح نهج البلغة مبنية للمجهول بينما قرأها البعض الخر مبنّية للمعلوم ففهموا من العبارة شبيه ما ذكر‪ ،‬والحال‬
‫يتبّين من الرجوع إلى المتون اللغوية أن للغتباط معنى آخر هو السرور وحمد ال وشكره على نعمة )انظر لسان العرب والقاموس‬
‫وسائر المصادر اللغوية(‪.‬‬

‫] ‪[ 46‬‬
‫لت أحيانًا‪ ،‬وإن عاشوا‬
‫نعم‪ ،‬فعيون قلوبهم باكية لما يرون في أنفسهم من نقائص وعيوب وما يبتدر منهم من ز ّ‬
‫حالة من السرور والضحك على مستوى الداب الجتماعية والخلقية‪ ،‬إّنهم يأسفون على ماضيهم ويغتمون لما‬
‫كانت في أيديهم من فرص لم يستثمروها‪ ،‬رغم ما هم عليه ظاهريًا من الفرح والسرور‪ ،‬إلى جانب ذلك فا ّ‬
‫ن‬
‫لسانهم يلهج بحمد ال وشكره على ما حباهم به من نعم مادية ومعنوية من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى فهم ل ينفكون‬
‫عن مقتهم لنفسهم وتوبيخها لشعورهم بالتقصير في عدم استثمارها بالشكل الصحيح‪.‬‬
‫وخاصة القول فهم في مقام النقد لنفسهم وإصلح نقائصهم ومعايبهم المعنوية وهذا هوالسبب في حركتهم‬
‫التكاملية نحو ال سبحانه‪ ،‬فهم ل يقنعون بوضعهم السائد قط ليكون ذلك مدعاة لتخلفهم وإنحطاطهم‪.‬‬
‫ثم شرح في النقطة الثانية وضع مخاطبيه ليقارنوا أنفسهم بالزّهاد فيقفوا على عيوبهم‪ ،‬وقد بّين لهم ثلث صفات‪:‬‬
‫جَلُة َأْذَه َ‬
‫ب‬
‫خَرِة‪َ ،‬والَعا ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫ك ِبُكْم ِم َ‬
‫ت الّدْنَيا َأْمَل َ‬
‫صاَر ِ‬
‫ل‪َ ،‬ف َ‬
‫ب الَما ِ‬
‫ضَرْتُكْم َكَواِذ ُ‬
‫ح َ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫جا ِ‬
‫لَ‬
‫ن ُقُلوِبُكْم ِذْكُر ا ْ‬
‫عْ‬
‫ب َ‬
‫غا َ‬
‫»َقْد َ‬
‫جَلِة«‪.‬‬
‫ن ال ِ‬
‫ِبُكْم ِم َ‬
‫نعم‪ ،‬فالدنيا تستولي على عقل النسان وفكره وينسى الخرة إذا ما غاب عن قلبه ذكر الموت وإنهمك في هذه‬
‫الدنيا العابرة واحاطة القلب بالماني الخيالية الكاذبة‪.‬‬

‫ق َبْيَنُكْم ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ل َما َفّر َ‬
‫نا ّ‬
‫عَلى ِدي ِ‬
‫ن َ‬
‫خَوا ٌ‬
‫ثم إختتم )عليه السلم( هذا المقطع من الخطبة ببيان هذه النتيجة‪َ» :‬وِإّنَما َأْنُتْم ِإ ْ‬
‫ن«‪.‬‬
‫ل َتَواّدو َ‬
‫ن َو َ‬
‫ل َتَباَذُلو َ‬
‫ن‪َ ،‬و َ‬
‫حو َ‬
‫صُ‬
‫ل َتَنا َ‬
‫ن)‪َ (1‬و َ‬
‫ل َتَواَزُرو َ‬
‫ضَماِئِر‪َ .‬ف َ‬
‫سوُء ال ّ‬
‫سَراِئِر‪َ ،‬و ُ‬
‫ث ال ّ‬
‫خْب ُ‬
‫ُ‬
‫فالعبارة تشير إلى توفر سبل الوحدة بينكم من خلل الخاء السلمي وقد تصدعت هذه السبل بفعل الختلفات‬
‫لفق‪ ،‬فأّدى ذلك بالتبع إلى ضعف المن الداخلي‬
‫ب الدنيا وضيق ا ُ‬
‫التي تستند إلى التعصب والحقد والحسد وح ّ‬
‫والعجز أمام العدو الخارجي وبالنتيجة قطعت عنكم البركات الجتماعية كالتعاون والموازرة وإسداء الخدمات‬
‫المتبادلة أواصر المحّبة والصداقة‪.‬‬
‫‪» .1‬ل توازرون«‪ :‬من مادة »موازرة« بمعنى التعاون والمساعدة‪.‬‬

‫] ‪[ 47‬‬
‫ب الدنيا وخبث السريرة وسوء النّية والخلق ل يفسد‬
‫نح ّ‬
‫فهذه العبارة تشير بوضوح إلى هذه الحقيقة‪ ،‬وهى أ ّ‬
‫الخرة فحسب‪ ،‬بل يحيل المجتمع البشري إلى بؤرة للتوتر والنزاع والصطدام بحيث تنعدم فيه مظاهر التعاون‬
‫والمساعدة‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 48‬‬
‫] ‪[ 49‬‬

‫القسم الثالث‬

‫ن الّدْنَيا‬
‫سيُر ِم َ‬
‫حَرُموَنُه! َوُيْقِلُقُكُم اْلَي ِ‬
‫خَرةِ ُت ْ‬
‫ن ال ِ‬
‫حُزُنُكُم اْلَكِثيُر ِم َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ن الّدْنَيا ُتْدِرُكوَنُه‪َ ،‬و َ‬
‫سيِر ِم َ‬
‫ن ِباْلَي ِ‬
‫حو َ‬
‫»َما َباُلُكْم َتْفَر ُ‬
‫عَها َباق‬
‫ن َمَتا َ‬
‫عْنُكْم! َكَأّنَها َداُر ُمَقاِمُكْم‪َ .‬وَكَأ ّ‬
‫ي ِمْنَها َ‬
‫عّما ُزِو َ‬
‫صْبِرُكْم َ‬
‫جوِهُكْم‪َ،‬وِقّلِة َ‬
‫ك ِفي ُو ُ‬
‫ن ذِل َ‬
‫حّتى َيَتَبّي َ‬
‫َيُفوُتُكْم‪َ ،‬‬
‫عَلى َرْف ِ‬
‫ض‬
‫صاَفْيُتْم َ‬
‫سَتْقِبَلُه ِبِمْثِلِه‪َ .‬قْد َت َ‬
‫ن َي ْ‬
‫خاَفةُ َأ ْ‬
‫ل َم َ‬
‫عْيِبِه‪ِ ،‬إ ّ‬
‫ن َ‬
‫ف ِم ْ‬
‫خا ُ‬
‫خاُه ِبَما َي َ‬
‫ل َأ َ‬
‫سَتْقِب َ‬
‫ن َي ْ‬
‫حَدُكْم َأ ْ‬
‫عَلْيُكْم‪َ .‬وَما َيْمَنُع َأ َ‬
‫َ‬
‫سّيِدِه«‪.‬‬
‫ضا َ‬
‫حَرَز ِر َ‬
‫عَمِلِه َوَأ ْ‬
‫ن َ‬
‫غ ِم ْ‬
‫ن َقْد َفَر َ‬
‫صِنيَع َم ْ‬
‫ساِنِه‪َ .‬‬
‫عَلى ِل َ‬
‫حِدُكْم ُلْعَقًة َ‬
‫ن َأ َ‬
‫صاَر ِدي ُ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫جِ‬
‫ب اْلَعا ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل َو ُ‬
‫جِ‬
‫ال ِ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫العود على ذّم أصحاب الدنيا‬
‫خاطب المام )عليه السلم( ـ في القسم من الخطبة والذي يمثل آخرها ـ أصحاب الدنيا وهو يسعى ليقاظهم من‬
‫ن الّدْنَيا‬
‫سيِر ِم َ‬
‫ن ِباْلَي ِ‬
‫حو َ‬
‫سباتهم وغفلتهم من خلل الذم واللوم القائم على أساس الدليل والبرهان فقال‪َ» :‬ما َباُلُكْم َتْفَر ُ‬
‫ك ِفي‬
‫ن ذِل َ‬
‫حّتى َيَتَبّي َ‬
‫ن الّدْنَيا َيُفوُتُكْم‪َ ،‬‬
‫سيُر ِم َ‬
‫حَرُموَنُه! َوُيْقِلُقُكُم اْلَي ِ‬
‫خَرِة ُت ْ‬
‫ن ال ِ‬
‫حُزُنُكُم اْلَكِثيُر ِم َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ُتْدِرُكوَنُه‪َ ،‬و َ‬
‫عَلْيُكْم«‪.‬‬
‫عَها َباق َ‬
‫ن َمَتا َ‬
‫عْنُكْم! َكَأّنَها َداُر ُمَقاِمُكْم‪َ .‬وَكَأ ّ‬
‫ي)‪ِ (1‬مْنَها َ‬
‫عّما ُزِو َ‬
‫صْبِرُكْم َ‬
‫جوِهُكْم‪َ،‬وِقّلِة َ‬
‫ُو ُ‬

‫نعم‪ ،‬هذا حال أغلب أهل الدنيا الذين ل يحزنهم فوات المور المعنوية بينما تنقلب أحوالهم لدنى ضرر مادي‬
‫يحيق بهم‪ ،‬على سبيل المثال ليس هناك ما يقلقهم إذا فاتتهم صلة الفجر‬
‫ي بمعنى الجمع والخذ والبعاد والمراد بها في العبارة الفقدان والبعاد حيث وردت بصيغة‬
‫ي« على وزن ح ّ‬
‫‪» .1‬زوي«‪ :‬من مادة »ز ّ‬
‫الفعل المجهول مقرونة بالفعل عن‪.‬‬

‫] ‪[ 50‬‬
‫لعّدة أّيام متتاليات‪ ،‬أو ل يغتمون إن حرموا لسنوات من فيوضات التهجد وقيام الليل‪ ،‬بينما يضجرهم خسران‬
‫بضعة دارهم‪ ،‬فل يتمالكون أنفسهم عن الزعيق بمن حولهم‪ ،‬ولعل هذا التفاوت الواضح والمخجل يستند إلى أحد‬
‫أمرين‪ :‬إّما ضعف إيمانهم بالخرة والوعد والوعيد اللهي‪ ،‬أو أّنهم مؤمنون بالخرة والوعد والوعيد غير أ ّ‬
‫ن‬
‫الهوى قد أحاط بقلوبهم واستولى على أنفسهم وسيطرت عليهم الغفلة بحيث لم يعودوا يروا سوى الدنيا وحطامها‬
‫ومتاعها الزائل‪.‬‬
‫لب الدنيا والتي تتمثل بعدم قدرة أي‬
‫ثم واصل )عليه السلم( كلمه بالحديث عن نقطة ضعف أخرى يمتاز بها ط ّ‬
‫ن يجابهه بنفس ذلك‬
‫ل خشية أ ّ‬
‫أحد منهم على التعرض لعيوب أخيه )بهدف الصلح والنهي عن المنكر( ما ذلك إ ّ‬
‫سَتْقِبَلُه ِبِمْثِلِه«‪.‬‬
‫ن َي ْ‬
‫خاَفُة َأ ْ‬
‫ل َم َ‬
‫عْيِبِه‪ِ ،‬إ ّ‬
‫ن َ‬
‫ف ِم ْ‬
‫خا ُ‬
‫خاُه ِبَما َي َ‬
‫ل َأ َ‬
‫سَتْقِب َ‬
‫ن َي ْ‬
‫حَدُكْم َأ ْ‬
‫العيب‪َ» :‬وَما َيْمَنُع َأ َ‬
‫فالعبارة تشير إلى حرمانهم من إصلح بعضهم البعض الخر رغم إتصافهم بكل تلك العيوب الناشئة من حبّ‬
‫الدنيا‪ ،‬وذلك لّنه ل يجرأ أحد منهم أن يتصدى للصلح فهو يخشى الرّد من الخرين الذين ينبرون له ويقولون‪:‬‬
‫ل عالجت نفسك قبل أن تهم بعلج الخرين )طبيب يداوي‬
‫ن هذا العمل أو ذاك شيئًا فلم نفعله؟ وإن كنت طبيبًا فه ّ‬
‫إّ‬
‫الناس وهو عليل(؟ وهل يصح اطلق الحجر ممن كان بيته من الزجاج؟!‬
‫ثم إختتم المام )عليه السلم( خطبته بالقول كأّنكم قد اتفقتم على نبذ الخرة والذوبان في الدنيا وقد أصبح الدين‬
‫ب‬
‫ح ّ‬
‫ل َو ُ‬
‫جِ‬
‫ض ال ِ‬
‫عَلى َرْف ِ‬
‫صاَفْيُتْم َ‬
‫لقلقة لسان‪ ،‬وأّنكم لشبه بمن قام بعمله وأحرز رضى سيده وموله‪َ» :‬قْد َت َ‬
‫سّيِدِه«‪.‬‬
‫ضا َ‬
‫حَرَز ِر َ‬
‫عَمِلِه َوَأ ْ‬
‫ن َ‬
‫غ ِم ْ‬
‫ن َقْد َفَر َ‬
‫صِنيَع َم ْ‬
‫ساِنِه‪َ .‬‬
‫عَلى ِل َ‬
‫حِدُكْم ُلْعَقًة)‪َ (1‬‬
‫ن َأ َ‬
‫صاَر ِدي ُ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫جِ‬
‫اْلَعا ِ‬
‫ل أّنها على درجة من‬
‫قد تحصل أحيانًا بعض الفعال الشائنة بين الناس دون أن يكون هناك إتفاق مسبق عليها‪ ،‬إ ّ‬
‫التناغم والتنسيق والنسجام وكأّنهم حضروا عّدة جلسات مخططة ومبرمجة‪ ،‬وقد اتفقوا على كل شيء‪ ،‬وما هذا‬
‫لمور‪،‬‬
‫ل لتشابه الدوافع في مثل هذه ا ُ‬
‫إّ‬
‫‪» .1‬لعقة«‪ :‬من مادة »لعق« على وزن فرق بمعنى لحس الشيء وتطلق اللعقة على القليل من الطعام الذي يجعله النسان بأصبعه أو‬
‫ملعقة صغيرة على لسانه ويبتلعه بسرعة‪ ،‬وهى كناية عن الشيء المختصر‪.‬‬

‫] ‪[ 51‬‬
‫وأحد مصاديقها الواضحة يتمثل بعدم المبالة بالقضايا المرتبطة بالخرة والخلود إلى الدنيا المادية‪.‬‬
‫لب للدنيا من المتدينيين ظاهريًا‪ ،‬غير أن تدينهم ل يتجاوز سلسلة من‬
‫يمكن أن يكون مثل هؤلء الفراد الط ّ‬
‫الشعارات والمزاعم واللفاظ وأحيانًا القليل من العبادات‪ ،‬والمفردة »لعقة« تشير إلى هذا المعنى‪ ،‬وقد يعيشون‬
‫أحيانًا حالة من الرضى عن أنفسهم وكأّنهم عملوا بكل تكاليفهم الشرعية ووظائفهم النسانية وقد فازوا بمقام‬
‫القرب اللهي وبلوغ رضاه‪ ،‬والواقع هذا انحراف خطير أشار المام )عليه السلم( إليه في آخر هذه الخطبة‪.‬‬
‫—–‬

‫] ‪[ 52‬‬
‫] ‪[ 53‬‬

‫الخطبة)‪114 (1‬‬

‫طِبة َلُه)عليه السلم(‬
‫خ ْ‬
‫ن ُ‬
‫َوِم ْ‬

‫وفيها مواعظ للناس‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫مزج المام )عليه السلم( القسم الول من هذه الخطبة حمد ال والثناء عليه بعبارات تكشف معالم طريق معرفة‬
‫ال تعالى وتعّلم النسان اسلوب الشهادة بالخلص‪ ،‬كما تبّين أهمّية الشهادة بالوحدانية والنبوة وذلك بعبارات‬
‫عميقة المعنى‪ ،‬وفي القسم الثاني من الخطبة دعى الجميع إلى التحلي بالورع والتقوى وتطرق إلى آثارها‬
‫وبركاتها التي تنعكس على حياة النسان‪.‬‬
‫أّما القسم الثالث فقد جرى فيه الحديث عن تقلب أحوال الدنيا وسرعة زوال النعم وعدم بلوغ الماني وقصر الحياة‬
‫الدنيا‪ ،‬وأخيرًا القسم الرابع الذي تضمن مختلف النصائح والمواعظ البالغة حيث دعى الجميع إلى طاعة ال‬
‫سبحانه وحّذرهم من نسيان الخرة والنغماس في مخالب الغفلة والغرور بالحياة الدنيا‪ ،‬ول يخفى على أحد‬
‫الترابط الوثيق بين القسام الربعة‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ورد قسم مهم من هذه الخطبة في كتاب »تحف العقول« الذي يحتمل تأليفه قبل نهج البلغة‪ ،‬وقد نقل الزمخشري مقطعها الول في‬
‫أوائل كتابه »ربيع البرار« والقسم الخر في أوائل المجلد الثاني من ذلك الكتاب‪ ،‬ويتضح من الفرق بين نقله ونقل السيد‬
‫الرضي)قدس سره( أّنه إقتبسها من مصدر آخر غير نهج البلغة‪ ،‬كما نقلها مع اختلف طفيف القاضي القضاعي )وهو من علماء‬
‫القرن الخامس ومن مقربي أحد خلفاء الدولة الفاطمية في مصر( في كتابه »دستور معالم الحكم« والمرحوم الشيخ الطوسي في‬
‫المالي )مصادر نهج البلغة ‪.(2/252‬‬

‫] ‪[ 54‬‬
‫وتبلورها في عرض سلسلة من المواعظ المتسقة‪.‬‬

‫أّما فصاحة وبلغة هذه الخطبة ولطافة وعذوبة عباراتها ليتبّين مّما صّرح به صاحب كتاب »الطراز« المام‬
‫جَزًة َلَكا َ‬
‫ن‬
‫شِر ُمْع ِ‬
‫ن َكلِم الَب َ‬
‫ن َكلٌم ِم ْ‬
‫يحيى الزيدي )من علماء القرن الثامن( في ختام هذه الخطبة إ قال‪َ» :‬لو َكا َ‬
‫ن هـذا ُهَو الّثاني«)‪.(1‬‬
‫ل َلَكا َ‬
‫ن الَكلِم َبْعَد َكلِم ا ِ‬
‫شيٌء ِم َ‬
‫جَز َ‬
‫عَ‬
‫ل َوَلو َأ ْ‬
‫لو ُ‬
‫هـذا ُهَو ا َ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬مصادر نهج البلغة ‪.2/252‬‬

‫] ‪[ 55‬‬

‫القسم الول‬

‫عَلى هِذِه‬
‫سَتِعيُنُه َ‬
‫عَلى َبلِئِه‪َ .‬وَن ْ‬
‫حَمُدُه َ‬
‫لِئِه‪َ ،‬كَما َن ْ‬
‫عَلى آ َ‬
‫حَمُدُه َ‬
‫شْكِر‪َ .‬ن ْ‬
‫حْمَد ِبالّنَعِم َوالّنَعَم ِبال ّ‬
‫ل اْل َ‬
‫صِ‬
‫ل الَوا ِ‬
‫حْمُد ِّ‬
‫»َاْل َ‬
‫غْيرُ‬
‫عْلٌم َ‬
‫صاهُ ِكَتاُبُه‪ِ :‬‬
‫ح َ‬
‫عْلُمُه‪َ ،‬وَأ ْ‬
‫ط ِبِه ِ‬
‫حا َ‬
‫سَتْغِفُرُه ِمّما َأ َ‬
‫عْنُه‪َ .‬وَن ْ‬
‫ت َ‬
‫ع ِإَلى َما ُنِهَي ْ‬
‫سَرا ِ‬
‫ت ِبِه‪ ،‬ال ّ‬
‫عّما ُأِمَر ْ‬
‫طاِء َ‬
‫س اْلِب َ‬
‫الّنفو ِ‬
‫ك‪،‬‬
‫شْر َ‬
‫صُه ال ّ‬
‫خل ُ‬
‫عوِد‪ِ ،‬إيَمانًا َنَفى ِإ ْ‬
‫عَلى اْلَمْو ُ‬
‫ف َ‬
‫ب َوَوَق َ‬
‫ن اْلُغُيو َ‬
‫عاَي َ‬
‫ن َ‬
‫ن َم ْ‬
‫ن ِبِه ِإيما َ‬
‫غْيُر ُمَغاِدر‪َ ،‬وُنْؤِم ُ‬
‫ب َ‬
‫صر‪َ ،‬وِكَتا ٌ‬
‫َقا ِ‬
‫سوُلُه‪،‬‬
‫عْبُدهُ َوَر ُ‬
‫حّمدًا)صلى ال عليه وآله وسلم( َ‬
‫ن ُم َ‬
‫ك َلُه‪َ ،‬وَأ ّ‬
‫شِري َ‬
‫ل َ‬
‫حَدُه َ‬
‫ل َو ْ‬
‫لا ّ‬
‫ل ِإلَه ِإ ّ‬
‫ن َ‬
‫شَهُد َأ ْ‬
‫ك‪َ .‬وَن ْ‬
‫شّ‬
‫َوَيِقيُنُه ال ّ‬
‫عْنُه«‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ن ُتْرَفَعا ِ‬
‫ل ِميَزا ٌ‬
‫ل َيْثُق ُ‬
‫ن ِفيِه‪َ ،‬و َ‬
‫ضَعا ِ‬
‫ن ُتو َ‬
‫ف ِميَزا ٌ‬
‫خ ّ‬
‫ل َي ِ‬
‫ل‪َ .‬‬
‫ن اْلَعَم َ‬
‫ل َوَتْرَفَعا ِ‬
‫ن اْلَقْو َ‬
‫صِعَدا ِ‬
‫ن ُت ْ‬
‫شَهاَدَتْي ِ‬
‫َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الثقة القّيمة‬
‫أشار المام )عليه السلم( في القسم الول من هذه الخطبة إلى مسائل مهّمة في جانب حمد ال والثناء عليه‬
‫حْمَد ِبالّنَعِم‬
‫ل اْل َ‬
‫صِ‬
‫ل الَوا ِ‬
‫حْمُد ِّ‬
‫والستعانة بذاته المقّدسة والستغفار من الذنوب والمعاصي‪ ،‬فقال بادىء ذي بدء‪َ» :‬اْل َ‬
‫شْكِر«‪.‬‬
‫َوالّنَعَم ِبال ّ‬
‫ن حمد ال تعالى بنعمه وشكره يجعل النسان جديرًا بالنعم‪ ،‬فهذا الحمد يجعل العباد‬
‫قرن الحمد بالنعمة يستند إلى أ ّ‬
‫ن العباد مكّلفون‬
‫ن النعمة سبب الشكر‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫يتمتعون بنعمه وأفضاله‪ ،‬كما تعود علقة النعمة بالشكر إلى أ ّ‬
‫ن الحمد يشكل السبب التكويني للنعم والنعم السبب‬
‫بشكر كل نعمة‪ ،‬فالشكر واجب على كل نعمة )الواقع هو أ ّ‬
‫حْمَد ِمْفَتاحًا ِلِذْكِرِه‪،‬‬
‫ل اْل َ‬
‫جَع َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫حْمُد ِّ‬
‫التشريعي للشكر(‪ ،‬والشاهد على ذلك ما ورد في الخطبة ‪ 157‬إذ قال‪» :‬اْل َ‬
‫ضِلِه«‪.‬‬
‫ن َف ْ‬
‫سَببًا ِلْلَمِزيِد ِم ْ‬
‫َو َ‬
‫] ‪[ 56‬‬
‫ن ما‬
‫طبعًا يمكن أن تكون هناك عّدة تفاسير أخرى للعبارتين المذكورتين من حيث تفاوت العّلة والمعلول‪ ،‬غير أ ّ‬
‫ورد هو أنسبها جميعًا‪.‬‬
‫ن البلء‬
‫عَلى َبلِئِه«‪ .‬في إشارة إلى أ ّ‬
‫حَمدُُه َ‬
‫لِئِه‪َ ،‬كَما َن ْ‬
‫عَلى آ َ‬
‫حَمُدُه َ‬
‫ثم قال )عليه السلم( في المسألة الثانية‪َ» :‬ن ْ‬
‫اللهي هو في الواقع نوع من النعم‪ ،‬كما بّينا ذلك في بحثنا لفلسفة الفات والبلء ضمن مباحث التوحيد والعدل‪،‬‬

‫فقد يكون البلء سببًا لليقظة والعودة إلى ال تعالى وترك المعاصي أحيانًا‪ ،‬وقد يكون أحيانًا أخرى بلءًا ظاهرًا‪،‬‬
‫لكّنه نعمة باطنيًا‪ ،‬غير أننا ل نميز ذلك‪ ،‬فرّبما يكون البلء كّفارة للذنوب كما قد يكون وسيلة لمعرفة قدر النعم‬
‫ل فالحكيم تبارك وتعالى ل‬
‫ل أن يفقدها ويتعرض إلى بعض الشدائد‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن النسان قد ل يعرف قيمة النعم إ ّ‬
‫وذلك ل ّ‬
‫يعّرض شخصًا للبلء عبثًا‪ ،‬وعليه فبلؤه رحمة وداؤه دواء‪.‬‬
‫عْنُه«‪.‬‬
‫ت َ‬
‫ع ِإَلى َما ُنِهَي ْ‬
‫سَرا ِ‬
‫ت ِبِه‪ ،‬ال ّ‬
‫عّما ُأِمَر ْ‬
‫طاِء)‪َ (1‬‬
‫س اْلِب َ‬
‫عَلى هِذِه الّنفو ِ‬
‫سَتِعيُنُه َ‬
‫ثم قال في المسألة الثالثة‪َ» :‬وَن ْ‬
‫إشارة إلى النفوس البشرية ما لم تبلغ المرحلة المتكاملة للنفس المطمئنة فهى ضعيفة في التيان بالوظائف‬
‫الشرعية وإمتثال الوامر اللهّية ومسارعة في مقارفة الذنوب التي تنسجم والغرائز الحيوانية‪ ،‬ويتعذر تجاوز‬
‫مرحلة النفس المارة وبلوغ مرحلة النفس اللوامة والوصول إلى النفس المطمئنة ما لم تكن هناك نصرة ال‬
‫ومدده‪.‬‬
‫غْيُر ُمَغاِدر«‪.‬‬
‫ب َ‬
‫صر‪َ ،‬وِكَتا ٌ‬
‫غْيُر َقا ِ‬
‫عْلٌم َ‬
‫صاُه ِكَتاُبُه‪ِ :‬‬
‫ح َ‬
‫عْلُمُه‪َ ،‬وَأ ْ‬
‫ط ِبِه ِ‬
‫حا َ‬
‫سَتْغِفُرُه ِمّما َأ َ‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪َ» :‬وَن ْ‬
‫فالعبارة تشير إلى أننا إن لم نستغفر من الذنوب ولم نجل صدأ القلوب فسوف لن يسعنا التخلص من وساوس‬
‫النفس والفوز بمقام القرب وبلوغ تلك المرحلة من اليمان التي سيأتي الحديث عنها لحقًا‪ ،‬والواقع هو أ ّ‬
‫ن‬
‫الستغفار تكميل للبحث السابق ومقدمة للبحث القادم‪.‬‬
‫عَلى‬
‫ف َ‬
‫ب َوَوَق َ‬
‫ن اْلُغُيو َ‬
‫عاَي َ‬
‫ن َ‬
‫ن َم ْ‬
‫ن ِبِه ِإيما َ‬
‫أّما القضية الخيرة فقد تناولت النتائج النهائية لهذا البحث فقال‪َ» :‬وُنْؤِم ُ‬
‫ك«‪.‬‬
‫شّ‬
‫ك‪َ ،‬وَيِقيُنُه ال ّ‬
‫شْر َ‬
‫صُه ال ّ‬
‫خل ُ‬
‫عوِد‪ِ ،‬إيَمانًا َنَفى ِإ ْ‬
‫اْلَمْو ُ‬
‫‪» .1‬بطاء«‪ :‬جمع »بطيئة« ضد السريعة‪.‬‬

‫] ‪[ 57‬‬
‫إشارة إلى خلص النسان من وساوس النفس إذا ما مزج حمد ال تعالى والثناء عليه بشكر النعم‪ ،‬وخرج سالماً‬
‫معافى من ميدان المتحان وتغّلب على هواه ونزع عن ذنوبه وتاب من معاصيه آنذاك له أن يبلغ كمال اليمان‪،‬‬
‫اليمان الذي يبلغ به درجة الشهود‪ ،‬وكأّنه يرى ال ببصيرته ويشاهد بُام عينيه الجّنه والنار وثواب المحسنين‬
‫وعقاب المسيئين‪ ،‬اليمان المنّزه عن كافة أشكال الشرك واليقين الذي ل يتطرق إليه الشك‪.‬‬
‫لولى وهى مرحلة التي يّتجه إليها النسان بواسطة البرهان والستدلل والتي‬
‫نعم‪ ،‬فاليقين على مراتب‪ :‬المرتبة ا ُ‬
‫يصطلح عليها باسم »علم اليقين«‪ ،‬والمرتبة الثانية وهى المرحلة التي يصلها النسان عن طريق الشهود وكأّنه‬
‫يرى من بعيد النوار اللهّية وعرصة الحشر يوم الحساب‪ ،‬وهى المرحلة المسّماة »عين اليقين« يلمس جميع‬
‫الشياء‪ ،‬فالنوار اللهّية تحيطه من كل جانب ونسيم الجّنة المنعش يداعب ظلل روحه ويتكدر لنيران جهّنم‬
‫المحرقة‪ ،‬وهى المرحلة التي تدعى »حق اليقين«‪ ،‬وعلى هذا فالمراد بالعبارة عاين ووقف هو تلك المرحلة‬
‫النهائية لليمان واليقين والتي تبلغ فيها النسان مقام الشهود عن قرب وبالمعاينة‪.‬‬
‫وأخيرًا يّتجه المام )عليه السلم( صوب الشهادة بالتوحيد والنبوة ليختتم به هذا المقطع من الخطبة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ن اْلَعَم َ‬
‫ل َوَتْرَفَعا ِ‬
‫ن اْلَقْو َ‬
‫صِعَدا ِ‬
‫ن ُت ْ‬
‫شَهاَدَتْي ِ‬
‫سوُلُه‪َ ،‬‬
‫عْبُدُه َوَر ُ‬
‫حّمدًا َ‬
‫ن ُم َ‬
‫ك َلُه‪َ ،‬وَأ ّ‬
‫شِري َ‬
‫ل َ‬
‫حَدُه َ‬
‫ل َو ْ‬
‫لا ّ‬
‫ل ِإلَه ِإ ّ‬
‫ن َ‬
‫شَهُد َأ ْ‬
‫»َوَن ْ‬
‫عْنُه«‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ن ُتْرَفَعا ِ‬
‫ل ِميَزا ٌ‬
‫ل َيْثُق ُ‬
‫ن ِفيِه‪َ ،‬و َ‬
‫ضَعا ِ‬
‫ن ُتو َ‬
‫ف ِميَزا ٌ‬
‫خ ّ‬
‫ل َي ِ‬
‫َ‬
‫ن الشهادة بالوحدانية والنبوة إن انطلقت من أعماق النفس البشرية وظهرت أثارها على القول‬
‫في إشارة إلى أ ّ‬
‫والعمل‪ ،‬فاّنها على درجة من الطهر الخلص بحيث تشكل أثقل الوزان في ميزان العمال يوم القيامة حتى ل‬
‫يخف ذلك الميزان بوجودها‪ ،‬والعكس صحيح ل ثقل لذلك الميزان مهما وضع فيه دونها‪.‬‬
‫عمرا َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ك َوَتعالى ِإلى ُموسى ب ِ‬
‫ل َتباَر َ‬
‫ورد في الحديث عن النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( أّنه قال‪» :‬أوحى ا ُ‬
‫ل ُفي َكّفة‪،‬‬
‫لا ُ‬
‫سبَع ِفي َكّفِة َول ِإَلـَه إ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ضي َ‬
‫لر ِ‬
‫عنِدي‪ ،‬وا َ‬
‫ن ِ‬
‫عاِمريِه ّ‬
‫ت َو َ‬
‫سـموا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫)عليه السلم(‪ :‬يـا موسى َلو أ ّ‬
‫ل«)‪.(1‬‬
‫لا ُ‬
‫ن ل ِإَلـَه إ ّ‬
‫ت ِبِه ّ‬
‫مـاَل ْ‬

‫لمة الخوئي ‪ (8/57‬وهذا هو الحديث الول الذي ورد في كتاب ثواب العمال‪.‬‬
‫‪ .1‬ثواب العمال‪) ،‬حيث نقل شرح نهج البلغة‪ ،‬للع ّ‬

‫] ‪[ 58‬‬
‫وبالطبع ليس المراد بالزنة هنا الوزان وما يرتبط بها عن ميزان‪ ،‬بل المراد زنة القيم على ضوء المعايير العقلية‬
‫والمعنوية‪.‬‬
‫—–‬

‫تأّمل‬
‫ُاسس الموفقية والنجاة‬
‫بّين المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة والذي يشكل في الواقع مقدمة للقسم الثاني الذي يتحدث عن‬
‫أهمّية التقوى وآثارها‪ ،‬حقيقة جذور الورع والتقوى والتي يكمن أهّمها في اليمان واليقين والمعرفة‪ ،‬واليمان‬
‫القوي والراسخ الذي يبلغ بصاحبه درجة تجعله كأّنه يرى ال ويشاهد نعم الجّنة ونيران جهّنم‪ ،‬ومّما ل شك أ ّ‬
‫ن‬
‫مثل هذا اليمان هو مادة التقوى‪.‬‬
‫ن الستعانة باللطف‬
‫أضف إلى ذلك فقد أشار إلى الموانع الصلية لهذا المر والتي تتمثل بالنفس الطائشة على أ ّ‬
‫سوِء‬
‫لّماَرٌة ِبال ّ‬
‫س َ‬
‫ن الّنْف َ‬
‫اللهي‪ ،‬هو سبيل النجاة منها وقد تطرق إلى ما ورد في سورة يوسف وشأنه مع زليخا‪ِ) :‬إ ّ‬
‫حيٌم()‪.(1‬‬
‫غُفوٌر َر ِ‬
‫ن َرّبي َ‬
‫حَم َرّبي ِإ ّ‬
‫ل َما َر ِ‬
‫ِإ ّ‬

‫—–‬
‫‪ .1‬سورة يوسف ‪.53 /‬‬

‫] ‪[ 59‬‬

‫القسم الثاني‬

‫عاَها‬
‫سَمُع َداع‪َ ،‬وَو َ‬
‫عا ِإَلْيَها َأ ْ‬
‫ح‪َ .‬د َ‬
‫جٌ‬
‫ي الّزاُد َوِبَها اْلَمَعاُذ‪َ :‬زاٌد ُمْبِلٌغ‪َ ،‬وَمَعاٌذ ُمْن ِ‬
‫ل اّلتي ِه َ‬
‫ل ِبَتْقَوى ا ّ‬
‫عَباَد ا ّ‬
‫صيُكْم ِ‬
‫»ُأو ِ‬
‫عيَها‪.‬‬
‫عيَها َوَفاَز َوا ِ‬
‫سَمَع َدا ِ‬
‫خْيُر َواع‪َ .‬فَأ ْ‬
‫َ‬
‫ظَمَأ ْ‬
‫ت‬
‫ت َلَياِلَيُهْم‪َ ،‬وَأ ْ‬
‫سَهَر ْ‬
‫حّتى َأ ْ‬
‫خافََتُه‪َ ،‬‬
‫ت ُقُلوَبُهْم َم َ‬
‫حاِرَمُه‪َ .‬وَأْلَزَم ْ‬
‫ل َم َ‬
‫ت َأْوِلَياَء ا ّ‬
‫حَم ْ‬
‫ل َ‬
‫ن َتْقَوى ا ّ‬
‫ل‪ِ ،‬إ ّ‬
‫عَباَد ا ّ‬
‫ِ‬
‫ظوا‬
‫حُ‬
‫ل َفل َ‬
‫لَم َ‬
‫ل‪َ ،‬وَكّذُبوا ا َْ‬
‫ل َفَباَدُروا اْلَعَم َ‬
‫جَ‬
‫لَ‬
‫سَتْقَرُبوا ا َْ‬
‫ظَمِإ‪َ .‬وا ْ‬
‫ي ِبال ّ‬
‫ب‪َ ،‬والّر ّ‬
‫ص ِ‬
‫حَة ِبالّن َ‬
‫خُذوا الّرا َ‬
‫جَرُهْم‪َ .‬فَأ َ‬
‫َهَوا ِ‬
‫ل«‪.‬‬
‫جَ‬
‫لَ‬
‫ا َْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫أعظم الفضائل‬
‫بعد أن فرغ المام )عليه السلم( عن تلك المقدمة الرصينة والوثيقة في المقطع الول من هذه الخطبة‪ ،‬إتجه إلى‬
‫لخروية‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أهّم فضيلة من الفضائل التي يكتسبها النسان وهى التقوى‪ ،‬فقد أشار في البداية إلى آثارها ا ُ‬
‫ح«‪.‬‬
‫جٌ‬
‫ي الّزاُد َوِبَها اْلَمَعاُذ‪َ :‬زاٌد ُمْبِلٌغ‪َ ،‬وَمَعاٌذ ُمْن ِ‬
‫ل اّلتي ِه َ‬
‫ل ِبَتْقَوى ا ّ‬
‫عَباَد ا ّ‬
‫صيُكْم ِ‬
‫»ُأو ِ‬
‫ن يحتاج النسان في أسفاره الطويلة المليئة بالخطار والمخاوف إلى شيئين‪ :‬الزاد والمتاع اللزم‬
‫من البديهي أ ّ‬
‫خْيَر الّزاِد‬
‫ن َ‬
‫والمنازل والماكن التي تحفظه من المخاطر‪ ،‬وهو ما صّرح به القرآن الكريم بقوله‪َ) :‬وَتَزّوُدوا َفِإ ّ‬
‫الّتْقَوى‪.(1)(...‬‬
‫‪ .1‬سورة البقرة ‪.179 /‬‬

‫] ‪[ 60‬‬
‫وما اقتصه من خبر يوسف )عليه السلم( حين لذ بالتقوى كسبيل للنجاة حين وقف على حافة خطر هاوية الذنب‪:‬‬
‫ل‪.(1)(...‬‬
‫ل َمَعاَذ ا ِ‬
‫)َقا َ‬
‫ن التقوى كهف حصين وأمين وراسخ إزاء السيول الجارفة لهواء النفس ووساوس الشيطان وحصن‬
‫حقًا إ ّ‬
‫حصين للنجاة من نار جهّنم يوم القيامة وأفضل زاد ومتاع في هذا السفر المليء بالخوف والخطر‪.‬‬
‫ن من دعا إليها أسمع داع نافذ الكلمة )إشارة ال‬
‫ثم واصل )عليه السلم( كلمه بالحديث عن أهمّية التقوى في أ ّ‬
‫تبارك وتعالى‪ ،‬أو النبي الكرم )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬أو جميع النبياء والولياء( وقد وعى تلك الدعوة خير واع‬
‫عيَها َوَفاَز‬
‫سَمَع َدا ِ‬
‫خْيُر َواع‪َ .‬فَأ ْ‬
‫عاَها َ‬
‫سَمُع َداع‪َ ،‬وَو َ‬
‫عا ِإَلْيَها َأ ْ‬
‫)إشارة إلى كافة التقاة وأتباع مدارس النبياء(‪َ» :‬د َ‬
‫عيَها«‪.‬‬
‫َوا ِ‬
‫ن المراد بالداع إلى التقوى قد يكون ال سبحانه وتعالى أو شخص النبي)صلى ال عليه وآله(‬
‫ذهب البعض إلى أ ّ‬
‫الذي ينطق عن ال تعالى‪ ،‬والمقصود بواع التقوى هو علي )عليه السلم(‪ ،‬ول يبعد أن يكون لهما مفهوم عام‬
‫ن المنبع الصلي هو الحق تبارك وتعالى والنبي)صلى ال عليه وآله(‬
‫يشمل جميع دعاة الحق ووعاته‪ ،‬على أ ّ‬
‫وإمام المتقين علي بن أبي طالب)عليه السلم(‪.‬‬
‫ت)‪َ (2‬أْوِلَياَء‬
‫حَم ْ‬
‫ل َ‬
‫ن َتْقَوى ا ّ‬
‫ل‪ِ ،‬إ ّ‬
‫عَباَد ا ّ‬
‫ثم خاض )عليه السلم( في الثار القّيمة للتقوى في خاصة عباد ال فقال‪ِ » :‬‬
‫جَرُهْم)‪.«(3‬‬
‫ت َهَوا ِ‬
‫ظَمَأ ْ‬
‫ت َلَياِلَيُهْم‪َ ،‬وَأ ْ‬
‫سَهَر ْ‬
‫حّتى َأ ْ‬
‫خاَفَتُه‪َ ،‬‬
‫ت ُقُلوَبُهْم َم َ‬
‫حاِرَمُه‪َ .‬وَأْلَزَم ْ‬
‫ل َم َ‬
‫ا ّ‬
‫طبعًا العبارتان المذكورتان بشأن الليل والنهار هما تعبيران كنائيان لطيفان‪ ،‬حيث المراد أصحاب الليل الذين‬
‫يفيقون في جوف الليل‪ ،‬فيقومون للعبادة والتهجد وقد أحجموا عن النوم وانهمكوا بالدعاء والمناجاة‪ ،‬إلى جانب‬
‫ن تقوى ال هى مادة الحركة نحو جميع الفضائل‬
‫صومهم نهارهم وذكرهم ال على كل حال‪ ،‬فالعبارة تشير إلى أ ّ‬
‫ن النسان حين يشعر بالمسؤولية ينطلق في الحركة نحو إمتثال الطاعات واجتناب المعاصي‬
‫والخيرات‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫‪ .1‬سورة يوسف ‪.23 /‬‬
‫‪» .2‬حمت«‪ :‬من مادة »حماية« بمعنى المنع‪ ،‬ولذلك يقال الحامي للذي يمنع عن الخرين الخصوم والعداء‪.‬‬
‫‪» .3‬هواجر«‪ :‬جمع »هاجرة« وسط النهار في الجو الحار‪.‬‬

‫] ‪[ 61‬‬
‫ل جانب من آثار خشية ال تعالى التي تسمى بالتقوى‪.‬‬
‫والمحرمات‪ ،‬وما إحياء الليل والصوم إ ّ‬
‫ثم إختتم هذا المقطع من الخطبة بوصف طريقة عبوديتهم لرّبهم بأّنهم آثروا المشقة والتعب على الراحة والكسل‬
‫ي‪ ،‬وقد شعروا بقصر الدنيا ودنو الجل وهذا ما دعاهم إلى المسارعة في الخيرات ومبادرة‬
‫والعطش على الر ّ‬
‫ب)‪،(1‬‬
‫ص ِ‬
‫حَة ِبالّن َ‬
‫خُذوا الّرا َ‬
‫العمال الصالحة‪ ،‬وعدم الخلود إلى المل بعد أن جعلوا الموت نصب أعينهم‪َ» :‬فَأ َ‬
‫ل«‪.‬‬
‫جَ‬
‫لَ‬
‫ظوا ا َْ‬
‫حُ‬
‫ل َفل َ‬
‫لَم َ‬
‫ل‪َ ،‬وَكّذُبوا ا َْ‬
‫ل َفَباَدُروا اْلَعَم َ‬
‫جَ‬
‫لَ‬
‫سَتْقَرُبوا ا َْ‬
‫ظَمِإ‪َ .‬وا ْ‬
‫ي)‪ِ (2‬بال ّ‬
‫َوالّر ّ‬
‫نعم‪ ،‬ففي الوقت الذي ينغمس فيه أهل الدعة والراحة في مختلف الذنوب والرجاس ترى هؤلء يغضون الطرف‬
‫عن الراحة بهدف مجانبة الذنوب والتيان بالصالحات‪ ،‬وهم ليسوا كأهل الدنيا الذين خدعوا بها فوقعوا في حبائلها‬
‫وآمالها الكاذبة‪.‬‬
‫ن العبارة »فبادروا« و»فلحظوا« هى نتيجة ومعلول للعبارة »واستقربوا« و»كذبوا« يعني من يرى‬
‫والواقع هو أ ّ‬
‫ن تحمل‬
‫قرب الجل وسرعة العمر يبادر بالعمل‪ ،‬ومن يكذب المال يفكر بالموت ويراه أمام عينيه‪ ،‬والطبع فا ّ‬
‫مصاعب وشدائد هذا العالم يؤّدي إلى سكينتهم الخالدة واستقرارهم التام‪ ،‬وهو ما عّبر عنه المام )عليه السلم(‬
‫طِويَلًة«)‪.(3‬‬
‫حًة َ‬
‫عَقَبْتُهْم َرا َ‬
‫صيَرًة َأ ْ‬
‫صَبُروا َأّيامًا َق ِ‬
‫في موضع آخر بقوله‪َ » :‬‬
‫—–‬
‫‪» .1‬نصب«‪ :‬بمعنى العناء والتعب‪.‬‬
‫ي«‪ :‬بمعنى الرتواء من الماء‪.‬‬
‫‪» .2‬الر ّ‬
‫‪ .3‬نهج البلغة‪ ،‬الخطبة ‪) 193‬هّمام(‪.‬‬

‫] ‪[ 62‬‬
‫] ‪[ 63‬‬

‫القسم الثالث‬

‫سى‬
‫ل ُتْؤ َ‬
‫سَهاُمُه‪َ ،‬و َ‬
‫طيُء ِ‬
‫خِ‬
‫ل ُت ْ‬
‫سُه‪َ ،‬‬
‫ن الّدْهَر ُموِتٌر َقْو َ‬
‫ن اْلَفَناِء َأ ّ‬
‫عَبر; َفِم َ‬
‫غَير َو ِ‬
‫عَناء‪َ ،‬و ِ‬
‫ن الّدْنَيا َداُر َفَناء َو َ‬
‫»ُثّم ِإ ّ‬
‫ن اْلَعَناِء َأ ّ‬
‫ن‬
‫ل َيْنَقُع‪َ .‬وِم َ‬
‫ب َ‬
‫شاِر ٌ‬
‫شَبُع‪َ ،‬و َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َ‬
‫ب‪ .‬آِك ٌ‬
‫ط ِ‬
‫ي ِباْلَع َ‬
‫جَ‬
‫سْقِم‪َ ،‬والّنا ِ‬
‫ح ِبال ّ‬
‫حي َ‬
‫صِ‬
‫ت َوال ّ‬
‫ي ِباْلَمْو ِ‬
‫حّ‬
‫حُه‪َ .‬يْرِمي اْل َ‬
‫جَرا ُ‬
‫ِ‬
‫غَيِرَها َأّن َ‬
‫ك‬
‫ن ِ‬
‫ل‪َ .‬وِم ْ‬
‫ل ِبَناًء َنَق َ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫حَم َ‬
‫ل َ‬
‫ل َما ً‬
‫ل َتَعاَلى َ‬
‫ج ِإَلى ا ّ‬
‫خُر ُ‬
‫ن‪ُ .‬ثّم َي ْ‬
‫سُك ُ‬
‫ل َوَيْبِني َمال َي ْ‬
‫ل َيْأُك ُ‬
‫جَمُع َما َ‬
‫اْلَمْرَء َي ْ‬
‫شِر ُ‬
‫ف‬
‫ن اْلَمْرَء ُي ْ‬
‫عَبِرَها َأ ّ‬
‫ن ِ‬
‫ل‪َ .‬وِم ْ‬
‫ل‪َ ،‬وُبْؤسًا َنَز َ‬
‫ل َنِعيمًا َز ّ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫س ذِل َ‬
‫حومًا; َلْي َ‬
‫ط َمْر ُ‬
‫حوَم َمْغُبوطًا‪َ ،‬واْلَمْغُبو َ‬
‫َتَرى اْلَمْر ُ‬
‫ظَمَأ ِرّيها‬
‫سُروَرَها َوَأ ْ‬
‫عّز ُ‬
‫ل َما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫ك‪َ ،‬ف ُ‬
‫ل ُيْتَر ُ‬
‫ل ُمَؤّم ٌ‬
‫ك َو َ‬
‫ل ُيْدَر ُ‬
‫ل َأَم ٌ‬
‫جِلِه‪َ .‬ف َ‬
‫ضوُر َأ َ‬
‫ح ُ‬
‫طُعُه ُ‬
‫عَلى َأَمِلِه َفَيْقَت ِ‬
‫َ‬
‫ت ِم َ‬
‫ن‬
‫حاِقِه ِبِه‪َ ،‬وَأْبَعَد اْلَمّي َ‬
‫ت ِلَل َ‬
‫ن اْلَمّي ِ‬
‫ي ِم َ‬
‫حّ‬
‫ب الْ َ‬
‫ل‪َ ،‬ما َأْقَر َ‬
‫نا ّ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫ل َماض َيْرَتّد‪َ .‬ف ُ‬
‫جاء ُيَرّد‪َ ،‬و َ‬
‫ل َ‬
‫حى َفْيَئَها‪َ ،‬‬
‫ضَ‬
‫َوَأ ْ‬
‫عْنُه!«‪.‬‬
‫عِه َ‬
‫طا ِ‬
‫لْنِق َ‬
‫ي ِ‬
‫حّ‬
‫اْل َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫العبر والعتبار‬
‫لما كان النغماس في الدنيا والتكالب عليها وفقدان النفس لتوازنها إزاء زخارف عالم المادة من أهم العوامل لعدم‬
‫التقوى‪ ،‬فقد ورد الحديث هنا عن تفاهة الدنيا وتقلب أحوالها وما تنطوي عليه من شدائد ونوازل بهدف اجتثاث‬
‫عَبر«‪.‬‬
‫غَير َو ِ‬
‫عَناء‪َ ،‬و ِ‬
‫ن الّدْنَيا َداُر َفَناء َو َ‬
‫جذور التحلل وعدم استشعار الورع والتقوى فقال )عليه السلم(‪ُ» :‬ثمّ ِإ ّ‬
‫حيث تشير العبارة إلى أربع خصائص تمتاز بها الدنيا والتي يقود التفكير بها النسان إلى التعرف على الصورة‬
‫الحقيقية للدنيا‪ ،‬ثم خاضت العبارات التالية في شرحها الواحدة بعد‬
‫] ‪[ 64‬‬
‫لخرى مع التطرق إلى بعض التفاصيل الدقيقة لكل واحدة منها‪ ،‬فأشارت في البداية إلى خاصية فناء الدنيا‪ ،‬حيث‬
‫اُ‬
‫ن الدهر يشبه الرامي الماهر الذي يطلق سهامه دون أن تطيش وتخطىء‬
‫صورت بعض علمات هذا الفناء في أ ّ‬
‫سَهاُمُه‪،‬‬
‫طيُء ِ‬
‫خِ‬
‫ل ُت ْ‬
‫سُه‪َ ،‬‬
‫ن الّدْهَر ُموِتٌر َقْو َ‬
‫ن اْلَفَناِء َأ ّ‬
‫الهدف‪ ،‬كما يتعذر علج جروح من أصابته تلك السهام‪َ» :‬فِم َ‬
‫حُه«‪.‬‬
‫جَرا ُ‬
‫سى)‪ِ (1‬‬
‫ل ُتْؤ َ‬
‫َو َ‬
‫فل خلص لحد من الموت والعجز والمشيب والمرض واللم والعناء‪ ،‬ولذلك قال المام)عليه السلم(في شرحه‬
‫ب«‪ .‬فأقوى أفراد البشر يستسلم يومًا للموت‪،‬‬
‫ط ِ‬
‫ي ِباْلَع َ‬
‫جَ‬
‫سْقِم‪َ ،‬والّنا ِ‬
‫ح ِبال ّ‬
‫حي َ‬
‫صِ‬
‫ت َوال ّ‬
‫ي ِباْلَمْو ِ‬
‫حّ‬
‫لهذه العبارة‪َ» :‬يْرِمي اْل َ‬
‫كما يمرض أصح الصحاء ويهزم حتى البطال‪.‬‬
‫ن الجميع يعرف ذلك‬
‫نعم‪ ،‬هذه طبيعة الحياة الدنيا‪ ،‬وهذا هو القانون الذي ل يعرف لستثناء‪ ،‬والغريب في المر أ ّ‬
‫ويرونه بأعينهم ورغم كل ذلك فهم يتعّلقون بالدنيا ويخلدون إليها ويغتّرون بها‪.‬‬
‫ل َيْنَقُع)‪.«(2‬‬
‫ب َ‬
‫شاِر ٌ‬
‫شَبُع‪َ ،‬و َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َ‬
‫ل‪» :‬آِك ٌ‬
‫ثم يختتم )عليه السلم( كلمه بشأن توضيح فناء الدنيا قائ ً‬
‫فقد كشف المام )عليه السلم( حقيقة فناء الدنيا من خلل العبارات الثمان التي أوردها في وصف الدنيا‪ ،‬بحيث ل‬
‫يشك من كان له أدنى عقل بفناء الدنيا وعدم دوامها‪.‬‬
‫ثم خاض )عليه السلم( في شرح وتفسير عناء الدنيا ومن ذلك جمعه الموال التي ل يستفيدها جميعًا والمباني‬
‫التي يشّيدها دون أن يسكنها وأخيرًا يودع كل ذلك وينتقل إلى عالم آخر دون أن يحمل معه شيئًا من الموال أو‬
‫ل ِبَناًء‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫حَم َ‬
‫ل َ‬
‫ل َما ً‬
‫ل َتَعاَلى َ‬
‫ج ِإَلى ا ّ‬
‫خُر ُ‬
‫ن‪ُ .‬ثّم َي ْ‬
‫سُك ُ‬
‫ل َوَيْبِني َمال َي ْ‬
‫ل َيْأُك ُ‬
‫جَمُع َما َ‬
‫ن اْلَمْرَء َي ْ‬
‫ن اْلَعَناِء َأ ّ‬
‫الدور‪َ» :‬وِم َ‬
‫ل«‪.‬‬
‫َنَق َ‬
‫ل من جزء يسير منها وما أكثر ُاولئك‬
‫ل أّنهم ل يستفيدون إ ّ‬
‫ل طائلة‪ ،‬إ ّ‬
‫نعم‪ ،‬كثيرون هم الفراد الذين يّدخرون أمو ً‬
‫ل مّدة قليلة‪ ،‬بل قد ل يسكنونها حتى ليوم واحد‪ ،‬وقد‬
‫الذين يبنون لنفسهم أعظم القصور والدور فل يقيمون فيها إ ّ‬
‫رأينا بأم أعيننا إقامة مراسم العزاء على أرواحهم في تلك القصور الفخمة‪ ،‬فهم يتركونها في خاتمة المطاف ول‬
‫يحملون من مال الدنيا‬
‫‪» .1‬توسي«‪ :‬من مادة »َاسو« بمعنى علج الجرح‪.‬‬
‫‪» .2‬ينقع«‪ :‬من مادة »نقع« على وزن نفع بمعنى إرواء وارتواء‪.‬‬

‫] ‪[ 65‬‬
‫سوى الكفن‪ ،‬بل رّبما لم يحملوا حتى ذلك الكفن‪ ،‬فتكون ثيابهم أكفانهم وبيوتهم قبورهم‪.‬‬

‫سُه َوِإّنما ُهَو َكَفُنُه‬
‫ج َثوبًا ِلَيْلَب َ‬
‫سُ‬
‫ن غـاِفل َيْن َ‬
‫ن علي )عليه السلم( قال‪َ» :‬كْم ِم ْ‬
‫لمة المجلسي أ ّ‬
‫ورد في البحار عن الع ّ‬
‫ضُع َقبِرِة«)‪.(1‬‬
‫َوَيْبِني َبيَتًا لَيسُكَنُه َوإّنما ُهَو َمو ِ‬
‫حوَم َمْغُبوطًا‪،‬‬
‫ك َتَرى اْلَمْر ُ‬
‫غَيِرَها َأّن َ‬
‫ن ِ‬
‫ثم خاض المام )عليه السلم( في شرح الصفة الثالثة للدنيا فقال‪َ» :‬وِم ْ‬
‫ل«‪.‬‬
‫ل)‪َ ،(2‬وُبْؤسًا َنَز َ‬
‫ل َنِعيمًا َز ّ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫س ذِل َ‬
‫حومًا; َلْي َ‬
‫ط َمْر ُ‬
‫َواْلَمْغُبو َ‬
‫حيث رأينا كرارًا ليس في صفحات التاريخ فحسب‪ ،‬بل في حياتنا اليومية عّدة أفراد كانوا من أهل السطوة وقمة‬
‫القدرة حتى يتمنى الجميع الحصول على شيء من قدرتهم‪ ،‬لكّنهم هووا في مستنقع السقوط بما جعل الكل يترحم‬
‫عليهم‪ ،‬وبالعكس فإننا نعرف بعض الفراد ممن يشعر من يراهم بالسى والحزن لصعوبة أوضاعهم ومعاناتهم‪،‬‬
‫بينما تسلقوا فجأة سّلم القدرة ليحظوا باعجاب الجميع وغبطتهم‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬لم يكن »قارون« لوحده الذي استعرض يومًا كل تلك القدرة و الثروة التي خطفت أبصار قصار النظر من‬
‫بني اسرائيل الذين اعتراهم الحسد والمل‪ ،‬فتمنوا الحصول على تلك الثروة بدله‪ ،‬ولم تمض مّدة حتى شقت‬
‫ل منه ولم يغدق‬
‫الرض لتبتلع كل كنوزه وثرواته‪ ،‬مّما دفع من تمنى تلك الثروة إلى شكر ال أن لم يجعلهم بد ً‬
‫عليهم الثروة والسطوة‪ ،‬أجل لقد تكررت هذه الصورة مرارًا في التاريخ ثم قال )عليه السلم( في الصفة الرابعة‬
‫ل ُيْدَر ُ‬
‫ك‬
‫ل َأَم ٌ‬
‫جِلِه‪َ .‬ف َ‬
‫ضوُر َأ َ‬
‫ح ُ‬
‫طُعُه ُ‬
‫عَلى َأَمِلِه َفَيْقَت ِ‬
‫ف َ‬
‫شِر ُ‬
‫ن اْلَمْرَء ُي ْ‬
‫عَبِرَها َأ ّ‬
‫ن ِ‬
‫للدنيا والتي تختص بكونها عبرة‪َ» :‬وِم ْ‬
‫ك«‪.‬‬
‫ل ُيْتَر ُ‬
‫ل ُمَؤّم ٌ‬
‫َو َ‬
‫فأحيانًا يعّد النسان عّدة مقدمات بغية الحصول على المال والثروة أو الجاه والمنزلة ول يكاد يقترب من الوصول‬
‫إلى أهدافه حتى يتخطفه الموت فيقضي على جميع طموحاته ورغباته ويحول دون تحقيقها‪ ،‬بل ل يدوم له حتى‬
‫المال الذي يجنيه والمنصب الذي يشغله‪.‬‬
‫ثم يعرب المام )عليه السلم( في آخر كلمه عن وحشته لمن يغتّر بمثل هذه الدنيا المليئة بالفناء والعناء‬
‫حى‬
‫ضَ‬
‫ظَمَأ ِرّيها)‪َ (3‬وَأ ْ‬
‫سُروَرَها َوَأ ْ‬
‫عّز ُ‬
‫ل َما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫والموصوفة بالغير والعبر‪َ» :‬ف ُ‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.6/132‬‬
‫‪» .2‬زّل«‪ :‬من مادة »زل« على وزن حل بمعنى النزلق والسقوط‪.‬‬
‫ي«‪ :‬بمعنى الرتواء‪.‬‬
‫‪» .3‬ر ّ‬

‫] ‪[ 66‬‬
‫ل َماض َيْرَتّد«‪.‬‬
‫جاء ُيَرّد‪َ ،‬و َ‬
‫ل َ‬
‫َفْيَئَها‪َ ،‬‬
‫نعم‪ ،‬عابرة جّدا لحظات الفرح والسرور وهى أشبه بلحظات الرتواء من النعم وزوال الفيىء والظل‪.‬‬
‫يمكن أن تكون العبارة »ل جاء يرد ول ماض يرتد« إشارة إلى الناس حيث تأتي طائفة ل يقدر أحد على صدها‪،‬‬
‫كما تنتقل طائفة من هذا العالم وليس لحد من قدرة على إعادتها‪ ،‬كما يمكن أن تكون إشارة إلى حوادث الدهر‬
‫شّرها وخيرها والتي ل يسع أحد الحيلولة دون وقوعها إن أبرمت وأصبحت قطعية حتمية‪ ،‬كما ل يمكن عودة ما‬
‫تولى من أمور ودهور‪ ،‬فل عودة للطفولة في الشباب ول الشباب في المشيب‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫نا ّ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫ل‪َ» :‬ف ُ‬
‫ثّم إختتم )عليه السلم( هذا المقطع من الخطبة بهذه العبارة التي تكمل سابقتها من العبارات قائ ً‬
‫عْنُه!«‪.‬‬
‫عِه َ‬
‫طا ِ‬
‫لْنِق َ‬
‫ي ِ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫ت ِم َ‬
‫حاِقِه ِبِه‪َ ،‬وَأْبَعَد اْلَمّي َ‬
‫ت ِلَل َ‬
‫ن اْلَمّي ِ‬
‫ي ِم َ‬
‫حّ‬
‫ب اْل َ‬
‫َما َأْقَر َ‬
‫نعم‪ ،‬فالفاصلة بين الموت والحياة قصيرة جّدا حتى صورتها الروايات بأّنها تكاد تكون كطرفة العين‪ ،‬ومن ما ورد‬
‫ظَنن ُ‬
‫ت‬
‫ل َ‬
‫عيَناي إ ّ‬
‫ت َ‬
‫طَرْف ْ‬
‫حّمد ِبَيِدهِ َما َ‬
‫س ُم ِ‬
‫في الحديث عن النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( أّنه قال‪َ» :‬واّلذي َنف ُ‬
‫ن ُلْقَمًة إ ّ‬
‫ل‬
‫ض َول َتَلّق ُ‬
‫حّتى ُاقَب َ‬
‫ضُه َ‬
‫ت َأّني حـاِف ُ‬
‫ظَنْن ُ‬
‫طرِفي و َ‬
‫ت َ‬
‫حي َول َرَفْع ُ‬
‫ل ُرو ِ‬
‫ضا ُ‬
‫حّتى َيْقِب َ‬
‫ن َ‬
‫سَفِري ل َيْلَتِقيا ِ‬
‫ن َ‬
‫َأ ّ‬
‫ت«)‪.(1‬‬
‫ن الَمو ِ‬
‫ض ِبها ِم َ‬
‫ع ّ‬
‫حّتى ُا َ‬
‫سيُغها َ‬
‫ت َأّني ل ُا ِ‬
‫ظَنْن ُ‬
‫َ‬

‫ن من له أدنى إلمام ببنية جسم النسان ليعلم بمدى قرب هذه الفاصلة‪ ،‬فيكفي تخثر مقدار قليل من الدم ليغلق منافذ‬
‫إّ‬
‫ل من‬
‫شرايين الفاصلة أوالدماغ فيؤّدي بحياة النسان‪ ،‬بل يكفي نفوذ جزء يسير من الطعام إلى لسان المزمار بد ً‬
‫إتجاهه إلى المعدة ليختنق النسان ويموت من فوره‪ ،‬كما تكفي صدمة طبيعية لهذا النسان قد توقف قلبه عن الدق‬
‫وإلى البد‪.‬‬
‫أّما بالنسبة للحوادث الخارجية فبمجّرد اهتزاز الرض للحظة قد تنقلب مدينة رأسًا على عقب‪ ،‬كما قد تأتي‬
‫عاصفة أو سيل على كل شيء فتحيله خرابًا ل حركة فيه ول حياة‪ ،‬بل لصاعقة من السماء أن تحيل كل شيء إلى‬
‫رماد‪.‬‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.7/166‬‬

‫] ‪[ 67‬‬
‫إلى جانب ذلك هنالك الحوادث اليومية في حياتنا المعاصرة من قبيل الصطدامات وسقوط الطائرات والحرائق‬
‫والنفجارات التي تنهي حياة الفراد خلل لحظات‪ ،‬نعم‪ ،‬تكاد تكون معدومة هى الفاصلة بين الحياة والموت‪،‬‬
‫ن هذه الفاصلة قد تكون في غاية البعد‪ ،‬فلو اجتمع كافة الطباء وأعّدوا مختلف الوسائل‬
‫ولكن من جانب آخر فا ّ‬
‫الطبية‪ ،‬فليس لهم أن يهبوا الحياة للموات‪ ،‬على غرار الوليد الذي ل يسعه الرجوع إلى بطون ُامه و الثمار التي‬
‫ل تعود ثانية إلى الشجار بعد سقوطها‪.‬‬
‫على‬
‫ن َ‬
‫ل َأن َينسـاُه ّ‬
‫نختتم الكلم بما ورد عن المام الصادق )عليه السلم( أّنه قال‪َ» :‬ثلَثُة َأشياء ل َينَبِغي ِلللعـاِق ِ‬
‫ن َلها«)‪.(1‬‬
‫ت اّلتي ل أما َ‬
‫ل والفا ُ‬
‫لحوا ِ‬
‫فا َ‬
‫صّر ُ‬
‫ل حـال‪َ ،‬فناُء الّدنيا َوت َ‬
‫ُك ّ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.75/238‬‬

‫] ‪[ 68‬‬
‫] ‪[ 69‬‬

‫القسم الرابع‬

‫ظمُ‬
‫عَ‬
‫عُه َأ ْ‬
‫سَما ُ‬
‫ن الّدْنيا َ‬
‫يء ِم َ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ل َثَواُبُه‪َ .‬وُك ّ‬
‫خْيِر ِإ ّ‬
‫ن اْل َ‬
‫خْير ِم َ‬
‫ي ِب َ‬
‫شٌ‬
‫س َ‬
‫عَقاُبُه‪َ ،‬وَلْي َ‬
‫ل ِ‬
‫شّر ِإ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫شّر ِم َ‬
‫يٌء ِب َ‬
‫ش ْ‬
‫س َ‬
‫»ِإّنُه َلْي َ‬
‫عَلُموا‬
‫خَبُر‪َ .‬وا ْ‬
‫ب اْل َ‬
‫ن اْلَغْي ِ‬
‫ع‪َ ،‬وِم َ‬
‫سَما ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِه‪َ .‬فْلَيْكِفُكْم ِمنَ اْلِعَيا ِ‬
‫سَما ِ‬
‫ن َ‬
‫ظُم ِم ْ‬
‫عَ‬
‫عَياُنُه َأ ْ‬
‫خَرِة ِ‬
‫لِ‬
‫نا ْ‬
‫شيء ِم َ‬
‫ل َ‬
‫عَياِنِه‪َ .‬وُك ّ‬
‫ن ِ‬
‫ِم ْ‬
‫ن َمْنُقوص َراِبح َوَمِزيد‬
‫خَرِة َوَزاَد في الّدْنَيا‪َ .‬فَكْم ِم ْ‬
‫ن ال ِ‬
‫ص ِم َ‬
‫خْيٌر ِمّما َنَق َ‬
‫خَرِة َ‬
‫ى ال ِ‬
‫ن الّدْنَيا َوَزاَد ِف ِ‬
‫ص ِم َ‬
‫ن َما َنَق َ‬
‫َأ ّ‬
‫ل ِلَما َكُثَر‪َ ،‬وَما‬
‫عَلْيُكْم‪َ .‬فَذُروا َما َق ّ‬
‫حّرَم َ‬
‫ل َلُكْم َأْكَثُر ِمّما ُ‬
‫حّ‬
‫عْنُه َوَما ُأ ِ‬
‫ن اّلِذي ُنِهْيُتْم َ‬
‫سُع ِم َ‬
‫ن اّلِذي ُأِمْرُتْم ِبِه َأْو َ‬
‫سر! ِإ ّ‬
‫خا ِ‬
‫َ‬
‫عَلْيُكْم‬
‫ض َ‬
‫ن اْلَمْفُرو ِ‬
‫طَلُبُه َأْوَلى ِبُكْم ِم َ‬
‫ن َلُكْم َ‬
‫ضُمو ُ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫ل َفل َيُكوَن ّ‬
‫ق َوُأِمْرُتْم ِباْلَعَم ِ‬
‫ل َلُكْم ِبالّرْز ِ‬
‫سَع‪َ .‬قْد َتَكّف َ‬
‫ق ِلَما اّت َ‬
‫ضا َ‬
‫َ‬
‫ن اّلِذي َقْد‬
‫عَلْيُكْم‪َ ،‬وَكَأ ّ‬
‫ض َ‬
‫ن َلُكْم َقْد ُفِر َ‬
‫ضِم َ‬
‫ن اّلِذي ُ‬
‫حّتى َكَأ ّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ل اْلَيِقي ُ‬
‫خَ‬
‫ك َوَد ِ‬
‫شّ‬
‫ض ال ّ‬
‫عَتَر َ‬
‫ل َلَقِد ا ْ‬
‫عَمُلُه‪َ ،‬مَع َأّنُه َوا ّ‬
‫َ‬
‫جى ِم ْ‬
‫ن‬
‫جَعِة اْلُعُمِر َما ُيْر َ‬
‫ن َر ْ‬
‫جى ِم ْ‬
‫ل ُيْر َ‬
‫ل‪َ ،‬فِإّنهُ َ‬
‫جِ‬
‫لَ‬
‫خاُفوا َبْغَتَة ا َْ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫عْنُكْم‪َ .‬فَباِدُروا اْلَعَم َ‬
‫ضَع َ‬
‫عَلْيُكْم َقْد ُو ِ‬
‫ض َ‬
‫ُفِر َ‬
‫جاُء‬
‫جَعُتُه‪ .‬الّر َ‬
‫ج الَيْوَم َر ْ‬
‫ن اْلُعُمِر َلْم ُيْر َ‬
‫س ِم َ‬
‫ت َأمْ ِ‬
‫غدًا ِزَياَدُتُه‪َ .‬وَما َفا َ‬
‫ي َ‬
‫جَ‬
‫ق ُر ِ‬
‫ن الّرْز ِ‬
‫ت اْلَيْوَم ِم َ‬
‫ق‪َ .‬ما َفا َ‬
‫جَعِة الّرْز ِ‬
‫َر ْ‬
‫ن«‪.‬‬
‫سِلُمو َ‬
‫ل َوَأْنُتْم ُم ْ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ل َتُموُت ّ‬
‫ق ُتَقاِتِه‪َ ،‬و َ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫ضي‪َ .‬فاّتُقوا ا ّ‬
‫س َمَع اْلَما ِ‬
‫جائي‪َ ،‬واْلَيْأ ُ‬
‫َمَع اْل َ‬

‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الحرص على الدنيا‬
‫بّين المام )عليه السلم( سلسلة من النصائح والمواعظ في هذا المقطع من الخطبة والذي يمثل آخرها بهدف‬
‫إعداد المخاطبين بحيث لو تأملها النسان وفكر فيها وسعه تحقيق السعادة والنجاة فقال‪:‬‬
‫] ‪[ 70‬‬
‫ل َثَواُبُه«‪.‬‬
‫خْيِر إِ ّ‬
‫ن اْل َ‬
‫خْير ِم َ‬
‫ي ِب َ‬
‫شٌ‬
‫س َ‬
‫عَقاُبُه‪َ ،‬وَلْي َ‬
‫ل ِ‬
‫شّر ِإ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫شّر ِم َ‬
‫يٌء ِب َ‬
‫ش ْ‬
‫س َ‬
‫»ِإّنُه َلْي َ‬
‫فالنسان بصورة عاّمة يهرب من السوء والشر ويجنح نحو الخير‪ ،‬وقد جبل على السعي نحو جني منفعة ودفع‬
‫الضرر‪ ،‬فقد اعتمد المام )عليه السلم( هذا المر الفطري ليدعو الناس إلى طاعة ال تعالى والبتعاد عن‬
‫ن السوأ من السوء هو عقاب ال تعالى ومؤاخذته على الذنوب والفضل من الخير هو‬
‫المعصية والذنب فقال إ ّ‬
‫ن المراد من الشر والخير )بقرينة الثواب والعقاب(‬
‫جزاء ال تعالى وثوابه على الطاعة والحسان‪ ،‬من الواضح أ ّ‬
‫هو المعصية والطاعة‪ ،‬بينما يتسع معنى الشر والخير إن توسعنا في معنى العقاب والثواب ليشمل العقاب والثواب‬
‫التكويني )أي جزاء وبركات العمال في الدنيا(‪.‬‬
‫شّر‬
‫ل ال ّ‬
‫عُ‬
‫خْيٌر ِمْنُه‪َ ،‬وَفا ِ‬
‫خْيِر َ‬
‫ل اْل َ‬
‫عُ‬
‫وقد أورد المام )عليه السلم( مثل هذه العبارة في موضع آخر حيث قال‪َ» :‬فا ِ‬
‫شّر ِمْنُه«)‪.(1‬‬
‫َ‬
‫ن الذي يضمره فاعل الخير والشر‬
‫لولى إلى النتائج ومن ثم إلى السباب والعلل‪ ،‬حّقا إ ّ‬
‫فقد إهتم المام في النظرة ا ُ‬
‫ن نتائج العمال خالدة بينما‬
‫أعظم مّما يقوم به من عمل‪ ،‬لّنه ل يرى توفر أرضيته وأسبابه‪ ،‬من جانب آخر فا ّ‬
‫تزول العمال وهذا بحّد ذاته دليل على أفضلية النتائج على نفس العمال‪.‬‬
‫ظُم ِمنْ‬
‫عَ‬
‫عُه َأ ْ‬
‫سَما ُ‬
‫ن الّدْنيا َ‬
‫يء ِم َ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ثم أضاف المام )عليه السلم( نقطة مهّمة أخرى بهذا الخصوص فقال‪َ» :‬وُك ّ‬
‫ن المتع المادية كالسراب له منظر خاص‬
‫عِه«‪ ،‬هذه حقيقة في أ ّ‬
‫سَما ِ‬
‫ن َ‬
‫ظُم ِم ْ‬
‫عَ‬
‫عَياُنُه َأ ْ‬
‫خَرِة ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫شيء ِم َ‬
‫ل َ‬
‫عَياِنِه‪َ .‬وُك ّ‬
‫ِ‬
‫من بعيد‪ ،‬ولكن ل يبدو شيئًا يذكر حين يصله النسان‪ ،‬فللقصور والثروات والقدرات واللذات والمتع ظاهر أنيق‬
‫من بعيد‪ ،‬ولكن ما أن يقترب منها النسان حتى يرى سيل المشاكل والمصائب‪ ،‬فيتمنى أحيانًا أّنه لم يبلغها‬
‫ت ول ُاذ ٌ‬
‫ن‬
‫ن رَأ ْ‬
‫عي ٌ‬
‫ت ِلعبـاِدي مـا ل َ‬
‫عَد ُ‬
‫ويحصل عليها‪ ،‬في حين ورد بشأن النعم اللهّية الجّمة في الخرة‪َ» :‬أ ْ‬
‫شر«)‪.(2‬‬
‫ب َب َ‬
‫عل َقل ِ‬
‫طَر َ‬
‫خَ‬
‫ت َول َ‬
‫سِمَع ْ‬
‫َ‬
‫بل ليشعر النسان بالعجز عن وصف اللذة التي يعيشها في هذه الدنيا حين مناجاته ل‬
‫‪ .1‬نهج البلغة‪ ،‬الكلمات القصار ‪.32‬‬
‫‪ .2‬بحار النوار ‪ ،8/191‬ح ‪.168‬‬

‫] ‪[ 71‬‬
‫وإحساسه بالقرب منه والفوز برضاه‪.‬‬
‫ن المر إذا كان كذلك لبّد أن يغنيكم سماع الحقائق المرتبطة بالخرة‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه بأ ّ‬
‫خَبُر«‪ ،‬من‬
‫ب اْل َ‬
‫ن اْلَغْي ِ‬
‫ع‪َ ،‬وِم َ‬
‫سَما ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن اْلِعَيا ِ‬
‫بواسطة النبياء وأولياء ال سبحانه وتعالى عن رؤيتها‪َ» :‬فْلَيْكِفُكْم ِم َ‬

‫البديهي أن يعجز النسان عن العالم الخارجي مادامه في زنزانة الجسد وفي دار الدنيا الظلماء الضيقة‪ ،‬فل سبيل‬
‫لدراك أوضاع الخرة وتفاصيلها سوى ما يوصله له هؤلء العظام من أخبار يكتفي بها‪.‬‬
‫ثم تطرق المام)عليه السلم( إلى أمرين منطقيين بهدف التشجيع على التيان بالصالحات وإجتناب السيئات فقال‪:‬‬
‫ن َمْنُقوص َراِبح‬
‫خَرِة َوَزاَد في الّدْنَيا‪َ .‬فَكْم ِم ْ‬
‫ن ال ِ‬
‫ص ِم َ‬
‫خْيٌر ِمّما َنَق َ‬
‫خَرِة َ‬
‫ى ال ِ‬
‫ن الّدْنَيا َوَزاَد ِف ِ‬
‫ص ِم َ‬
‫ن َما َنَق َ‬
‫عَلُموا َأ ّ‬
‫»َوا ْ‬
‫ن َأْمَواَلُهْم ِفي‬
‫ن ُينِفُقو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫سر!«‪ ،‬وهذا هو المر الذي أشار إليه القرآن الكريم بوضوح إذ قال‪َ) :‬مَث ُ‬
‫خا ِ‬
‫َوَمِزيد َ‬
‫حّبة‪.(1)(...‬‬
‫ل َ‬
‫ل َكَمَث ِ‬
‫لا ِ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫جّنَة‪.(2)(...‬‬
‫ن َلُهْم اْل َ‬
‫سُهْم َوَأْمَواَلُهْم ِبَأ ّ‬
‫ن َأنُف َ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫شَتَرى ِم ْ‬
‫لا ْ‬
‫نا َ‬
‫وكما قال في موضع آخر‪ِ) :‬إ ّ‬
‫وبناءًا على هذا فالموال والعمار والمكانات التي توظف في مسار الخرة إن قللت في الظاهر شيئًا من الدنيا‪،‬‬
‫ن النسان يدفع الثمن باهضاً إن أخ ّ‬
‫ل‬
‫ولكن في الواقع قد تضيف أحيانًا مئة ضعف إلى ثواب الخرة‪ ،‬وبالعكس فا ّ‬
‫بشيء من آخرته وتنازل عن دينه وإيمانه وإنهمك بدنياه لينال شيئًا من حطامها‪ ،‬قال القرآن الكريم بهذا‬
‫خَرِة‪.(3)(...‬‬
‫لِ‬
‫ق َلُهْم ِفي ا ْ‬
‫لَ‬
‫خَ‬
‫ل َ‬
‫ك َ‬
‫ل َوَأْيَماِنِهْم َثَمنًا َقِليل ُأْوَلِئ َ‬
‫ن ِبَعْهِد ا ِ‬
‫شَتُرو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫الخصوص‪ِ) :‬إ ّ‬
‫لولى المربحة بالثانية الخاسرة؟!‬
‫فهل هناك من عاقل مستعد لمعاوضة الصفقة ا ُ‬
‫ل َلُكْم َأْكَثُر ِمّما‬
‫حّ‬
‫عْنُه َوَما ُأ ِ‬
‫ن اّلِذي ُنِهْيُتْم َ‬
‫سعُ ِم َ‬
‫ن اّلِذي ُأِمْرُتْم ِبِه َأْو َ‬
‫ثم قال المام )عليه السلم( في المر الثاني‪ِ» :‬إ ّ‬
‫ل ِلَما َكُثَر«‪.‬‬
‫عَلْيُكْم‪َ .‬فَذُروا َما َق ّ‬
‫حّرَم َ‬
‫ُ‬
‫المراد من »ما أمرتم به« هنا المر في مقابل الحظر‪ ،‬يعني ما أجيز لكم بالنسبة إلى الذنوب‬
‫‪ .1‬سورة البقرة ‪.261 /‬‬
‫‪ .2‬سورة التوبة ‪.111 /‬‬
‫‪ .3‬سورة آل عمران ‪.77 /‬‬

‫] ‪[ 72‬‬
‫هو أوسع وأشمل‪ ،‬وترك الذنب ل يؤّدي بكم إلى الضيق والعسر‪ ،‬بل أمامكم مسار واسع وشامل بهدف الحصول‬
‫على الدين والدنيا‪ ،‬قطعًا إننا نصل إلى عدد محدود حين نحصي الذنوب ول سّيما الكبائر‪ ،‬بينما نواجه دائرة‬
‫واسعة جّدا إن أردنا إحصاء ما أجازه الشرع المقدس‪ ،‬ويصدق هذا المر على الحلل والحرام‪ ،‬فما أكثر الغذية‬
‫ن النساء اللتي يح ّ‬
‫ل‬
‫الحلل بالنسبه للطعام الحرام‪ ،‬وما أكثر معاملت الحلل قياسًا بمعاملت الحرام‪ ،‬كما أ ّ‬
‫الزواج منهن أكثر بكثير من تلك اللتي يحرم الزواج منهن)‪ ،(1‬وعليه فطاعة أوامر ال تعالى ورعاية الحلل‬
‫والحرام ل تجعل النسان في حرج‪ ،‬وهذا في والواقع رّد قاطع على ُاولئك الذين يرون دين ال سلسلة من‬
‫المحظورات والممنوعات‪ ،‬وهكذا يحث المام )عليه السلم( الجميع على ترك الذنوب والمعاصي والمحرمات‪،‬‬
‫وهكذا والمحدودة والحركة باتجاه السبيل الرحب للحلل والمباح‪ ،‬فليست هنالك من مشكلة في حياتهم المادية ول‬
‫المعنوية‪.‬‬
‫حَرج‪.(2)(...‬‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫عَلْيُكْم ِفي الّدي ِ‬
‫ل َ‬
‫جَع َ‬
‫ن هذه العبارة إشارة لما ورد في القرآن الكريم‪َ) :‬وَما َ‬
‫والواقع هو أ ّ‬
‫حِة«)‪.(3‬‬
‫سم َ‬
‫حَنِفيِة ال ّ‬
‫وجاء في الحديث النبوي الشريف‪َ» :‬بَعَثِني ِبال َ‬
‫ن * ِإّنَما‬
‫ن ُكْنُتْم ِإّياهُ َتْعُبُدو َ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫شُكُروا ِنْعَمَة ا ِ‬
‫طّيبًا َوا ْ‬
‫لل َ‬
‫حَ‬
‫ل َ‬
‫ل‪َ) :‬فُكُلوا ِمّما َرَزَقُكْم ا ُ‬
‫كما صّرح القرآن الكريم قائ ً‬
‫ل ِبِه‪.(4)(...‬‬
‫ل ِلَغْيِر ا ِ‬
‫خْنِزيِر َوَما ُأِه ّ‬
‫حَم اْل ِ‬
‫عَلْيُكْم اْلَمْيَتَة َوالّدَم َوَل ْ‬
‫حّرَم َ‬
‫َ‬

‫ولما كان السعي من أجل المعاش والحرص لنيل الرزق يشكل أحد العوامل المهّمة للغفلة والكسل عن التيان‬
‫ن المام)عليه السلم(أشار إلى مسألة دقيقة‪ ،‬وهى‬
‫بالفرائض اللهّية والخوض في تهذيب النفس وتزكيتها‪ ،‬فا ّ‬
‫ن ال قد ضمن أرزاقهم وأمرهم بالقيام‬
‫ضرورة علمهم بأ ّ‬
‫ن الذي أمرتم به‪ «..‬إشارة إلى الحكام التكليفية الخمسة‪ ،‬والعبارة »ما أحل لكم‪ «...‬ناظرة إلى الحكام‬
‫ن العبارة »إ ّ‬
‫‪ .1‬الواقع أ ّ‬
‫ن نعتبر العبارتين مترادفتين للتأكيد كما ذهب إلى ذلك بعض شّراح نهج البلغة‪.‬‬
‫الوضعية‪ ،‬وعليه فل داعي ل ّ‬
‫‪ .2‬سورة الحج ‪.78 /‬‬
‫‪ .3‬بحار النوار ‪.22/264‬‬
‫‪ .4‬سورة النحل ‪ 114 /‬ـ ‪.115‬‬

‫] ‪[ 73‬‬
‫ل َلُكْم‬
‫بالواجبات‪ ،‬وعليه فل ينبغي لهم منح الولوية لما ضمن والغفلة عّما يجب عليهم التيان به فقال‪َ» :‬قْد َتَكّف َ‬
‫عَمُلُه«)‪.(1‬‬
‫عَلْيُكْم َ‬
‫ض َ‬
‫ن الَْمْفُرو ِ‬
‫طَلُبُه َأْوَلى ِبُكْم ِم َ‬
‫ن َلُكْم َ‬
‫ضُمو ُ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫ل َفل َيُكوَن ّ‬
‫ق َوُأِمْرُتْم ِباْلَعَم ِ‬
‫ِبالّرْز ِ‬
‫ن لدينا شيئين‪ :‬الول تحصيل الرزق والثاني القيام بالفرائض اللهّية‪ ،‬وقد تكّفل ال تعالى‬
‫وبعبارة أخرى فا ّ‬
‫بضمان الول وقلدنا مسؤولية المر الثاني‪ ،‬ومن هنا لبّد أن نبذل ما في وسعنا بالمر الثاني‪ ،‬والحال القضية‬
‫ن أغلب الناس يركزون جهودهم ويبذلون قصارى سعيهم ويشغلون فكرهم من أجل تحصيل‬
‫على العكس في أ ّ‬
‫الرزق والمعاش ويولون ظهورهم ليتناسوا الواجبات والفرائض الملقاة على عاتقهم‪.‬‬
‫ن اّلِذي‬
‫حّتى َكَأ ّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ل)‪ (2‬اْلَيِقي ُ‬
‫خَ‬
‫ك َوَد ِ‬
‫شّ‬
‫ض ال ّ‬
‫عَتَر َ‬
‫ل َلَقِد ا ْ‬
‫ل‪َ» :‬مَع َأّنُه َوا ّ‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه قائ ً‬
‫عْنُكْم«‪.‬‬
‫ضَع َ‬
‫عَلْيُكْم َقْد ُو ِ‬
‫ض َ‬
‫ن اّلِذي َقْد ُفِر َ‬
‫عَلْيُكْم‪َ ،‬وَكَأ ّ‬
‫ض َ‬
‫ن َلُكْم َقْد ُفِر َ‬
‫ضِم َ‬
‫ُ‬
‫ن هذه العبارة تشبه ما ورد عن أمير المؤمنين علي )عليه السلم( في مقارنته لطلب العلم بطلب المال‬
‫ويبدو أ ّ‬
‫طَلبَ‬
‫ن َ‬
‫عَليُكم ِم ْ‬
‫ب َ‬
‫ج ُ‬
‫ب الِعلِم َأو َ‬
‫طَل َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبِه‪ ،‬أل َوإ ّ‬
‫ب الِعلِم َوالَعَم ُ‬
‫طَل ُ‬
‫ن َ‬
‫ل الّدي ِ‬
‫ن َكمـا َ‬
‫حيث قال‪َ» :‬أّيها الّناس اعَلُموا َأ ّ‬
‫عنَد َأهِلِه َوَقْد ُأرُتم‬
‫ن ِ‬
‫خُزو ٌ‬
‫سَيِفي َلُكم َوالِعلُم م ْ‬
‫ضِمَنُه َو َ‬
‫ل َبيَنُكم َو َ‬
‫سَمُه عاِد ٌ‬
‫ن َلُكم َقْد َق ّ‬
‫سوٌم َمضُمو ٌ‬
‫ل َمق ُ‬
‫ن الما َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫الما ِ‬
‫طُلُبوُه«)‪.(3‬‬
‫ن َأهِلِه َفا ْ‬
‫طَلِبِه ِم ْ‬
‫ِب َ‬
‫ن المقصود بالعبارات المذكورة ليس إيقاف الناس لنشطتهم القتصادية اليجابية ويتخلون عن مساعيهم‬
‫ل شك أ ّ‬
‫من أجل ضمان الحياة المشرفة‪ ،‬بل الهدف هو الحّد من الحرص‬
‫ن »طلبه« في العبارة المذكورة ليست نائب فاعل للمضمون ونائب الفاعل هو »الرزق« التي‬
‫‪ .1‬يعتقد بعض شّراح نهج البلغة أ ّ‬
‫ن هذا المطلب ينقض نسق العبارتين المذكورتين )المضمون لكم‪ ...‬المفروض‬
‫وردت في العبارات السابقة‪ ،‬وإّل أدنى تأمل يكشف أ ّ‬
‫عليكم( والحال يقتضي النسجام بين هاتين العبارتين أن يكون كل من »طلب« و»عمل« نائب فاعل أحدهما للمضمون والخرى‬
‫للمفروض‪ ،‬وعليه يصبح معنى الجملة »ل ينبغي أن تولون الهمّية للشيء الذي ضمنه لكم ال وتغفلون عّما وجب عليكم من عمل«‬
‫ن الطلب هنا بمعنى تحصيل وإعداد الرزق من جانب ال تعالى‪.‬‬
‫بعبارة أخرى فا ّ‬
‫‪» .2‬دخل«‪ :‬يعني الفساد في مثل هذه المور ودخل على وزن دعل بمعنى المور الفاسدة التي تتسلل داخل النسان فتؤثر على عقله‪.‬‬
‫‪ .3‬اصول الكافي ‪.1/30‬‬

‫] ‪[ 74‬‬
‫والتكالب على الدنيا والجنوح نحو الشره الذي يصد النسان عن العلم والمعرفة والمور المعنوية‪.‬‬

‫جَعِة‬
‫ن َر ْ‬
‫جى ِم ْ‬
‫ل ُيْر َ‬
‫ل‪َ ،‬فِإّنُه َ‬
‫جِ‬
‫لَ‬
‫خاُفوا َبْغَتَة)‪ (1‬ا َْ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫ثم خلص المام )عليه السلم( إلى هذه النتيجة‪َ» :‬فَباِدُروا اْلَعَم َ‬
‫ن اْلُعُمِر َلْم ُيْر َ‬
‫ج‬
‫س ِم َ‬
‫ت َأْم ِ‬
‫غدًا ِزَياَدُتُه‪َ .‬وَما َفا َ‬
‫ي َ‬
‫جَ‬
‫ق ُر ِ‬
‫ن الّرْز ِ‬
‫ت اْلَيْوَم ِم َ‬
‫ق‪َ .‬ما َفا َ‬
‫جَعِة الّرْز ِ‬
‫ن َر ْ‬
‫جى ِم ْ‬
‫اْلُعُمِر َما ُيْر َ‬
‫ضي«‪.‬‬
‫س َمَع الَما ِ‬
‫جاِئي َواليأ ُ‬
‫جَعُتُه«‪ ،‬نعم‪» ،‬الّرجاُء َمَع ال َ‬
‫الَيْوَم َر ْ‬
‫حقًا إّنه منطق بليغ واضح في عدم إمكانية عودة ساعات العمر بأي شكل من الشكال‪ ،‬في حين يمكن استعادة متع‬
‫الدنيا وفي كل الظروف وتداركها‪ ،‬بناءًا على هذا فالذي يقوله العقل لبّد من الحزم والحساسية تجاه المور التي‬
‫ن أغلب الناس يتصرفون على‬
‫يمكن عودتها‪ ،‬ل المور التي إن فقدت اليوم أمكن الحصول عليها بالغد‪ ،‬والحال أ ّ‬
‫العكس من هذا المر‪ ،‬فأصواتهم ترتفع بالصراخ إلى عنان السماء لمجّرد فقدانهم لشيء من حطام الدنيا‪ ،‬بينما ل‬
‫يأبهون لتصرم اليام والسابيع والشهر والسنوات‪ ،‬وهذا يدعو إلى الدهشة والعجب‪ ،‬وهذا ما دفع بالمام )عليه‬
‫السلم( للتأكيد على هذا المطلب وشبهه في هذه الخطبة وسائر الخطب‪.‬‬
‫ن شخصًا أتى إلى المام السجاد )عليه السلم( وقد شكى إليه وضعه وكأّنه كان يعاني من قّلة‬
‫ورد في الخبر أ ّ‬
‫ن بني آدم )عليه السلم( مساكين يشهدون ثلث مصائب كل يوم ول‬
‫الرزق فرد عليه المام )عليه السلم( أ ّ‬
‫يعتبرون بها ولو اعتبروا بها لهانت عليهم المصائب‪ ،‬المصيبة الولى‪ :‬كل يوم يمر عليهم يذهب من عمرهم‬
‫ل مالهم‪ ،‬والحال هناك خلف للدنيار والدرهم بينما ليس للعمر من‬
‫)لكنهم ل يأسفون على ذلك( لكنهم يحزنون إن ق ّ‬
‫ل كان فيه حساب وإن كان من‬
‫ن النسان يرتزق كل يوم فان كان رزقه حل ً‬
‫عودة قط‪ ،‬المصيبة الثانية‪ :‬هو أ ّ‬
‫حَلًة ل َيدِري‬
‫ن الخَرِة َمر َ‬
‫ل َوَقْد َدنا ِم َ‬
‫سي إ ّ‬
‫ن َيوم ُيم ِ‬
‫الحرام فيه عقاب‪ ،‬المصيبة الثالثة وهى أعظمها جميعًا‪َ» :‬ما ِم ْ‬
‫على الّناِر«)‪.(2‬‬
‫جّنة أم َ‬
‫عَلى ال َ‬
‫َ‬
‫ل َوَأْنُتْم‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ل َتُموُت ّ‬
‫ق ُتَقاِتِه َو َ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫وفي ختام الخطبة نصح الناس من خلل الوعظ باليات القرآنية فقال‪):‬فاّتُقوا ا َ‬
‫ن(‪.‬‬
‫سِلُمو َ‬
‫ُم ْ‬

‫‪ .2‬بحار النوار ‪.75/16‬‬
‫] ‪[ 75‬‬
‫ن()‬
‫سِلُمو َ‬
‫ل َوَأْنُتْم ُم ْ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ل َتُموُت ّ‬
‫ق ُتَقاِتِه َو َ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫ن آَمُنوا فاّتُقوا ا َ‬
‫والقول مستوحي من قوله تبارك وتعالى‪َ) :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫‪.(1‬‬
‫—–‬

‫تأّملت‬
‫‪ 1‬ـ غرور عن بعد ورعب من قرب‬
‫لبة ساحرة من بعيد‪ ،‬لكن ما إن يبلغها النسان حتى يراها‬
‫ن المتع الدنيوية المادية والبهرجة لهذا العالم تبدو خ ّ‬
‫إّ‬
‫ل يرى النسان من بعيد حياة الملوك فيظن لو‬
‫غاية في الصغر والضحالة‪ ،‬بل تكون مقلقة ومرعبة أحيانًا‪ ،‬مث ً‬
‫إعتلى يومًا عرش السلطة‪ ،‬فقد سيطر على العالم بأسره وقد نال السعادة والموفقية‪ ،‬ولكّنه ما إن يبلغ ذلك حتى‬
‫يشعر أّنه فقد على القل ثلثة أشياء من ركائز الحياة‪:‬‬
‫الول‪ :‬المن فهو يشعر في ذلك المنصب بالخوف من أقرب مقربيه‪ ،‬فهو مطالب بالحذر من بطانته دائمًا حتى في‬
‫قصره وغرفة نومه فل أمن ول أمان‪ ،‬فما أكثر السلطين الذين قتلوا على يد مقربيهم‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الحرية‪ ،‬على سبيل المثال ل يستطيع ممارسة حياته كالفراد العاديين من قبيل الخروج في نزهة مع‬
‫زوجته وأولده أو الحضور بحرية في المجالس والحفلت التي يقيمها الصدقاء والقرباء‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬راحة البال‪ ،‬فهو مشغول على الدوام ول يهدأ أبدًا‪ ،‬فما زلنا نذكر بعض رؤوسا الجمهويات الذين صّرحوا‬
‫علنا بأّنهم لم يذوقوا طعم النوم الهادىء طيلة ليالي حكومتهم وأن حاشيتهم كانوا يوقظونهم من نومهم ليطلعوهم‬
‫ل بعد أن تمت مّدة حكومتهم‪.‬‬
‫على الحوادث التي تقع هنا هناك من العالم‪ ،‬نعم لم يذوقوا طعم النوم إ ّ‬
‫ومثال آخر لما ذكرنا آفاق حياة الثرياء من بعيد فيظن الناظر أّنها مفعمة بالسعادة والرفاه‪ ،‬ولكن إن قّدر له أن‬
‫ن بحاجة إلى جزء يسير من هذه‬
‫يعيش ذلك الثراء فسيشعر أ ّ‬
‫‪ .1‬سورة آل عمران ‪.102 /‬‬

‫] ‪[ 76‬‬
‫الثروة في حياته بينما تثقل باقي الثروة كاهله‪ ،‬فالحرص على حفظ هذه الثروة وصيانتها من العمال الشاقة‪،‬‬
‫والعداوة والبغض الحسد الذي يعانيه من الخرين والذي يمثل كابوسًا مرعبًا يقض مضجعه‪ ،‬ومن هنا عّبر المام‬
‫ن كل شيء في الدنيا سماعه أعظم من عيانه‪،‬‬
‫)عليه السلم( بتلك العبارة الرائعة التي أوردها في هذه الخطبة في أ ّ‬
‫ن كل شيء فيها عيانه أعظم من سماعه‪ ،‬فهل لعاقل بعد كل هذا أن يؤثر الدنيا على‬
‫وبالعكس بالنسبة للخرة فا ّ‬
‫الخرة‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬إن نشد النسان المقامات المادية وثروات هذا العالم من أجل خدمة خلق ال تعالى‪ ،‬على حّد تعبير القرآن‬
‫خَرَة‪.(1)(...‬‬
‫لِ‬
‫ل الّداَر ا ْ‬
‫كا ُ‬
‫الكريم في إطار خطابه لقارون‪َ) :‬واْبَتِغ ِفيَما آَتا َ‬
‫ن أحد أصحاب‬
‫وتحمل كل ما يترتب على ذلك من مشاكل وصعاب فذلك له حساب آخر‪ ،‬فقد ورد في الخبر إ ّ‬
‫المام الصادق )عليه السلم( شكى إليه طلب الدنيا والتعلق بها‪ ،‬فقال له )عليه السلم( لم تطلب الدنيا؟ قال‪ :‬لصل‬
‫ب الخرة«‪(2).‬‬
‫طَل ُ‬
‫ب الّدنيا‪ ،‬هذا َ‬
‫س هذا طَل ُ‬
‫بها رحمي وأنفق على عيالي وأعطي وأحج وأعتمر‪ ،‬فقال‪َ» :‬لي َ‬
‫—–‬

‫‪ 2‬ـ الدنيا وآراء الناس‬
‫ن هذه الدنيا والحياة في هذا العالم ل تدوم لحد‪ ،‬فهم يرون بأم أعينهم مراحل انتقال الطفولة إلى‬
‫الكل يعلم أ ّ‬
‫الشباب ومنه إلى الكهولة ثم العالم الخر تطالعنا صفحات النعي في الصحف المسائية كل يوم بالعلن عن موت‬
‫بعض العزة الذين يثكل بهم القرباء والهل‪ ،‬ول سّيما في عصرنا الراهن الذي أصبح فيه الموت والحياة قريب‬
‫جّدا من النسان مقارنة الزمنة الماضية ومتوسط عمر النسان‪ ،‬فقد نسمع بسقوط مفاجيء لطائرة فتتناثر أجساد‬
‫لخرى التي تزيد من عدد الوفيات كل يوم وفي مختلف الماكن‪،‬‬
‫ركاّبها في الهواء لتقع هنا هناك‪ ،‬والحوادث ا ُ‬
‫ن ضحايا الوسائل النقلية في المناطق والمدن لتفوق ضحايا الحروب‪ ،‬وبغض‬
‫حتى أ ّ‬
‫‪ .1‬سورة القصص ‪.77 /‬‬
‫‪ .2‬وسائل الشيعة ‪.12/19‬‬

‫] ‪[ 77‬‬
‫ن هذه الحياة القصيرة مليئة بأنواع المعاناة واللم والمشاق‪ ،‬ويكفي في ذلك أن نلقي نظرة عابرة‬
‫النظر عما سبق فا ّ‬
‫على مستشفى لنرى مختلف المراض التي يعاني منها الطفال والشباب والكهول‪ ،‬أو نتطلع أحد السجون ونشاهد‬
‫عن كثب الفراد الذين زجت بهم المظالم والشهوات والخطاء والنزوات في ذلك المكان‪ ،‬ولكن مع ذلك أغلب‬
‫الناس يتناسون كل هذه المسائل ليحصلوا على استقرار كاذب مّزيف‪ ،‬والستقرار الذي يشبه ذلك الذي يشعر به‬
‫الحيوان الذي يخفي جسده في الرمال مخافة الصّياد‪ ،‬والحال يراه الصياد ويسارع إلى افتراسه‪.‬‬

‫ن المام )عليه السلم( يورد وصاياه في أغلب مواضع نهج البلغة بهدف التنبيه إلى تلك الغفلة‬
‫ومن هنا فا ّ‬
‫والنسيان المميت وايقاظ الضمير البشري الذي يغط في سبات عميق‪ ،‬وقد اتبع المام مختلف الساليب من أجل‬
‫تحقيق هذا الغرض فتارة يذكر الدنيا على أّنها دار عناء وفناء وغير وعبر وأخرى يذكر إنزوائها على أنواع‬
‫الشدائد والمشاكل‪،‬كما يتطرق إلى قصر المسافة بين الحياة والموت‪ ،‬إلى جانب ذلك يلفت النتباه إلى هذه الحقيقة‬
‫في عدم إمكانية عودة ما يتصرم من ساعات العمر‪ ،‬في حين يمكن تدارك كافة سائر النعم المادية‪ ،‬والحق لو تأمل‬
‫كل إنسان مّرة واحدة في السبوع هذه الخطبة لما عانى من الغفلة قط‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ 3‬ـ كيف نبحث عن سعادة الخرة في الدنيا؟‬
‫رّبما يطلب النسان الدنيا من أجل إشباع أهوائه ورغباته إلى جانب المتياز على الخرين واستغللهم‬
‫واستعمارهم‪ ،‬كما قد يطلبها بهدف الحصول على الرفاه المتوازن‪ ،‬وأحيانًا ينشدها بغية وفرة المكانات لخدمة‬
‫الخرين‪ ،‬أخيرًا قد يريدها لترسيخ دعائم اقتصاد المجتمع السلمي وتحقيق مجده وعظمته ورفعته وإبعاده عن‬
‫ن هذه الهداف تتفاوت فيما بينها تفاوتًا تامًا‪.‬‬
‫كافة أشكال التبعية للخرين‪ ،‬ومن البديهي أ ّ‬
‫فعلى ضوء الهدف الول يتصف بأبشع الصفات الرذيلة‪ ،‬والثاني يّتجه نحو الهداف‬
‫] ‪[ 78‬‬
‫المباحة والستفادة من النعم اللهّية‪ ،‬والثالث يمارس أرفع عبادة وأخيرًا الرابع يسدي أعظم الخدمات النسانية‬
‫والسلمية‪ ،‬وكل ما ورد من ذّم في هذه الخطبة وسائر الخبار والروايات عن أئمة العصمة )عليه السلم(‬
‫وكذلك القرآن الكريم إّنما يشير في والواقع إلى الطائفة الولى من الناس وهو الموصوف برأس كل خطيئة‬
‫ومصدر جميع الذنوب‪ ،‬ول عاقبة له سوى جهّنم وبئس المصير‪.‬‬
‫ن السلم يرتضي للمجتمع حالة الفقر والحرمان ويوصي‬
‫ومن هنا فل ينبغي تفسير ذّم الدنيا والمتكالبين عليها بأ ّ‬
‫ن َملُعو ٌ‬
‫ن‬
‫بذلك‪ ،‬قد ورد هذا المضمون في الروايات السلمية‪ ،‬فقد قال رسول ال )صلى ال عليه وآله(‪َ» :‬ملُعو ٌ‬
‫عبَد الّدينار والّدرهم«)‪.(1‬‬
‫َمن َ‬
‫وقال المرحوم الشيخ الصدوق في تفسير هذا الحديث‪» :‬يعني به من يمنع زكاة ماله ويبخل بمواساة إخوانه‪،‬‬
‫فيكون قد آثر عبادة الدينار والدرهم على عبادة خالقه«)‪.(2‬‬
‫ن عليًا )عليه السلم( يفخر برفاه أهل الكوفة خلل مّدة حكومته رغم ما هو عليه من الزهد‬
‫وجاء في الخبر أ ّ‬
‫ظّ‬
‫ل‬
‫س ِفي ال ّ‬
‫ل الّبَر َوَيجِل ُ‬
‫ن َأدنـاُهم َمنِزَلًة َلَيأُك ُ‬
‫عمًا‪ِ ،‬إ ّ‬
‫ل نـا ِ‬
‫حٌد إ ّ‬
‫ح ِبالُكوَفِة َأ َ‬
‫والعزوف عن الدنيا فقال‪» :‬مـا َأصَب َ‬
‫ت«)‪(3‬‬
‫ب ِمن مـاِء الُفرا ِ‬
‫َوَيشَر ُ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.7/140‬‬
‫‪ .2‬المصدر السابق‪.‬‬
‫‪ .3‬المصدر السابق ‪.40/327‬‬

‫] ‪[ 79‬‬

‫الخطبة)‪115 (1‬‬

‫طِبة َلُه)عليه السلم(‬
‫خ ْ‬
‫ن ُ‬
‫َوِم ْ‬

‫في الستسقاء‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫كما ورد في عنوان الخطبة فاّنها دعاء في الستسقاء‪ ،‬وقد أوردها المام في عصر حكومته حين أصاب الناس‬
‫الجفاف‪ ،‬حيث أشار )عليه السلم( في البداية إلى السباب التي تدعو إلى حبس المطر وشياع الجفاف في أ ّ‬
‫ن‬
‫أغلب الحوادث من هذا القبيل معلولة لمعاصي الناس وذنوبهم وسوء أعمالهم‪ ،‬ثم يبتهل إلى ال تعالى بالدعاء‬
‫ن عباراته لتخترق شغاف‬
‫ل الحق تبارك وتعالى التلطف بنزول المطر‪ ،‬حتى أ ّ‬
‫بعبارات رصينة عميقة المعنى سائ ً‬
‫القلب وتمله بالمعنويات والشد ل سبحانه‪.‬‬
‫وما أحرانا بالتوسل بهذه العبارات والمضامين الواردة في هذ الخطبة من أجل الستسقاء‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫رواها قبل السيد الرضي المرحوم الشيخ الصدوق في كتابه »من ل يحضره الفقيه« في آداب صلة الستسقاء مع اختلف كبير‬
‫ن ما نقله السيد الرضي في نهج البلغة هو بعض ما اختاره من تلك الخطبة »من ل يحضره الفقيه ‪ «2/235‬كما‬
‫وإضافات تدّل على أ ّ‬
‫نقلها المرحوم الشيخ الطوسي في »التهذيب ج ‪ ،2‬ص ‪ «151‬وفي »المصباح المتهجد« في آداب صلة الستسقاء مع اختلف وما‬
‫ورد في نقل السيد الرضي في نهج البلغة مّما يدّل على وجود مصدر آخر اعتمده الشيخ‪ ،‬ونقلها من علماء العاّمة الزمخشري في‬
‫»ربيع البرار« وابن الثير في »النهاية« )مصادر نهج البلغة ‪.(2/256‬‬

‫] ‪[ 80‬‬
‫] ‪[ 81‬‬

‫القسم الّول‬

‫عَلى‬
‫ج الّثَكاَلى َ‬
‫جي َ‬
‫عِ‬
‫ت َ‬
‫ج ْ‬
‫عّ‬
‫ضَها‪َ ،‬و َ‬
‫حّيَرتْ في َمَراِب ِ‬
‫ت َدَواّبَنا‪َ .‬وَت َ‬
‫ضَنا‪َ ،‬وَهاَم ْ‬
‫ت َأْر ُ‬
‫جَباُلَنا‪َ ،‬واغَيّر ْ‬
‫ت ِ‬
‫ح ْ‬
‫صا َ‬
‫»الّلُهّم َقِد اْن َ‬
‫حْم‬
‫حاّنِة! الّلُهّم َفاْر َ‬
‫ن اْل َ‬
‫حِني َ‬
‫لّنِة‪َ ،‬و َ‬
‫نا ْ‬
‫حْم َأِني َ‬
‫ن ِإَلى َمَواِرِدَها! الّلُهّم َفاْر َ‬
‫حِني َ‬
‫ت الّتَرّدَد ِفي َمَراِتِعَها‪َ ،‬واْل َ‬
‫َأْولِدَها‪َ ،‬وَمّل ِ‬
‫خاِي ُ‬
‫ل‬
‫خَلَفْتَنا َم َ‬
‫ن‪َ ،‬وَأ ْ‬
‫سِني َ‬
‫حَداِبيُر ال ّ‬
‫عَلْيَنا َ‬
‫ت َ‬
‫عَتكََر ْ‬
‫حين ا ْ‬
‫ك ِ‬
‫جَنا ِإَلْي َ‬
‫خَر ْ‬
‫جَها! الّلُهّم َ‬
‫حْيَرَتَها ِفي َمَذاِهِبَها‪َ ،‬وَاِنيَنَها ِفي َمَواِل ِ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ل‬
‫سَواُم‪َ ،‬أ ْ‬
‫ك ال ّ‬
‫لَناُم‪َ ،‬وُمِنَع اْلَغَماُم‪َ ،‬وَهَل َ‬
‫ط ا َْ‬
‫ن َقَن َ‬
‫حي َ‬
‫ك ِ‬
‫عو َ‬
‫س‪َ .‬نْد ُ‬
‫غ ِلْلُمْلَتِم ِ‬
‫لَ‬
‫س‪َ ،‬واْلَب َ‬
‫جاَء ِلْلُمْبَتِئ ِ‬
‫ت الّر َ‬
‫جْوِد‪َ .‬فُكْن َ‬
‫اْل َ‬
‫ق‪.‬‬
‫ت اْلُموِن ِ‬
‫ق‪َ ،‬والّنَبا ِ‬
‫ق‪َ ،‬والّرِبيِع اْلُمْغِد ِ‬
‫ب اْلُمْنَبِع ِ‬
‫سحا ِ‬
‫ك ِبال ّ‬
‫حَمَت َ‬
‫عَلْيَنا َر ْ‬
‫شْر َ‬
‫خَذَنا ِبُذُنوِبَنا‪َ .‬واْن ُ‬
‫ل َتْأ ُ‬
‫عَماِلَنا‪َ ،‬و َ‬
‫خَذَنا ِبَأ ْ‬
‫ُتَؤا ِ‬
‫ت«‪.‬‬
‫ت‪َ ،‬وَتُرّد ِبِه َما َقْد َفا َ‬
‫حِيي ِبِه َما َقْد َما َ‬
‫ل‪ُ ،‬ت ْ‬
‫حا َواِب ً‬
‫سّ‬
‫َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫المل بال في القحط والجفاف‬
‫بّين المام )عليه السلم( في بداية هذه الخطبة الوضع المأساوي الذي أصاب الناس إثر الجفاف ومع السماء‬
‫ضَنا‪،‬‬
‫ت)‪َ (2‬أْر ُ‬
‫جَباُلَنا‪َ ،‬واغَيّر ْ‬
‫ت)‪ِ (1‬‬
‫ح ْ‬
‫صا َ‬
‫ل‪» :‬الّلُهّم قَِد اْن َ‬
‫بعبارات رائعة بعيدة المعنى‪ ،‬حيث استهلها بستة جمل قائ ً‬
‫جي َ‬
‫ج‬
‫عِ‬
‫ت)‪َ (5‬‬
‫ج ْ‬
‫عّ‬
‫ضَها)‪َ ،(4‬و َ‬
‫ت في َمَراِب ِ‬
‫حّيَر ْ‬
‫ت)‪َ (3‬دَواّبَنا‪َ .‬وَت َ‬
‫َوَهاَم ْ‬
‫‪» .1‬انصاحت«‪ :‬من مادة »صوح« على وزن صوم بمعنى النشقاق وقيل بمعنى الجفاف والتشقق والزوال الملزمة لبعضها البعض‬
‫الخر‪.‬‬
‫‪» .2‬اغبرت«‪ :‬من مادة »غبار« وهى هنا إشارة إلى الجدب الذي يؤّدي إلى جفاف الرض‪.‬‬
‫‪» .3‬هامت«‪ :‬من مادة »هيم« على وزن حيف بمعنى الحيرة وتستعمل أحيانًا بشأن النسان أو الحيوان الذي ل يدري أين يذهب من‬
‫شّدة العطش‪.‬‬
‫‪» .4‬مرابض«‪ :‬جمع »مربض« موضع الماشية ومبرك الغنم‪.‬‬
‫‪» .5‬عجت«‪ :‬من مادة »عجيج« بمعنى الصراخ والصياح بأعلى الصوت‪.‬‬

‫] ‪[ 82‬‬
‫ن ِإَلى َمَواِرِدَها!«‪.‬‬
‫حِني َ‬
‫ت الّتَرّدَد ِفي َمَراِتِعَها‪َ ،‬واْل َ‬
‫عَلى َأْولِدَها‪َ ،‬وَمّل ِ‬
‫الّثَكاَلى)‪َ (1‬‬
‫فققد رسم المام )عليه السلم( صورة واضحة بعبارات فصيحة عن الجفاف الشديد الذي أصاب الناس في ذلك‬
‫ل إلى ال‪:‬‬
‫الزمان‪ ،‬وكشف النقاب عن وضع الجبال والراضي والمراتع والدواب‪ ،‬ثم رفع يديه بالدعاء مبته ً‬
‫حاّنِة!)‪.«(3‬‬
‫ن اْل َ‬
‫حِني َ‬
‫لّنِة)‪َ ،(2‬و َ‬
‫نا ْ‬
‫حْم َأِني َ‬
‫»الّلُهّم َفاْر َ‬
‫حْيَرَتَها ِفي َمَذاِهِبَها‪َ ،‬وَاِنيَنَها ِفي‬
‫حْم َ‬
‫كما شكى شّدة عطش الدواب وجوعها وصراخها في أماكنها‪» :‬الّلُهّم َفاْر َ‬
‫جَها!)‪.«(4‬‬
‫َمَواِل ِ‬
‫جْوِد)‪.«(9‬‬
‫ل)‪ (8‬اْل َ‬
‫خاِي ُ‬
‫خَلَفْتَنا)‪َ (7‬م َ‬
‫ن)‪َ ،(6‬وَأ ْ‬
‫سِني َ‬
‫حَداِبيُر ال ّ‬
‫عَلْيَنا َ‬
‫ت)‪َ (5‬‬
‫عَتَكَر ْ‬
‫حين ا ْ‬
‫ك ِ‬
‫جَنا ِإَلْي َ‬
‫خَر ْ‬
‫ل‪» :‬الّلُهّم َ‬
‫وأردف قائ ً‬
‫ن دّقة العبارات التي استخدمها المام )عليه السلم( في هذا الدعاء تشير إلى مدى حرقة المام )عليه‬
‫إّ‬
‫السلم(والناس من جانب‪ ،‬ومن جانب آخر تستبطن تصويرًا عميقًا لتلك الحادثة‪ ،‬فحدابير جمع حدبار تستخدم‬
‫بشأن الجمل الذي تبين عظام سنامه وقد حز لحمه بصورة تامة إثر شّدة الضعف )بسبب الجوع أو كثرة المشي(‪.‬‬

‫فقد شّبه المام )عليه السلم( الجفاف المتواصل بهذا الجمل‪ ،‬ومن الطبيعي أن يدعو منظره إلى السى والحزن‪،‬‬
‫ن ركوبه يبدو متعذرًا شاقًا‪.‬‬
‫كما أ ّ‬
‫لولى إلى الشاة‬
‫أّما العبارة التي تضمنت »آّنة« و»حاّنة« التي تستخدم كله منهما بشأ تألم الحيوان حيث تشير ا ُ‬
‫والثانية إلى الجمل‪ ،‬فاّنما تشير إلى حالة اللم التي كانت تعيشها جميع‬
‫‪» .1‬ثكالى«‪ :‬جمع »ثكلى« المرأة التي مات إبنها‪.‬‬
‫‪» .2‬آنة«‪:‬من مادة »أنين« وعادة ما تطلق على الشاة التي تتألم‪.‬‬
‫‪» .3‬حانة«‪ :‬من مادة »حنين« التي تطلق على الجمل حين يتألم‪.‬‬
‫‪» .4‬موالج«‪ :‬جمع »مولج« مدخل الشيء‪.‬‬
‫‪» .5‬اعتكرت«‪ :‬من مادة »عكر« على وزن مكر بمعنى الهجوم‪.‬‬
‫‪» .6‬سنين«‪ :‬اسم جمع السنوات‪ ،‬لكّنها ترد عادة في العبارات كالعبارة المذكورة بمعنى القحط والجفاف )ورد معنيان لسنين في‬
‫قاموس اللغة أحدهما بمعنى السنة والخر بمعنى الجفاف والقحط(‪.‬‬
‫‪» .7‬أخلفتنا«‪ :‬من مادة »خلف« بمعنى المخالفة‪.‬‬
‫‪» .8‬مخايل«‪ :‬جمع »مخيلة« على وزن قبيلة بمعنى الغيوم التي يأمل النسان بنزول المطر منها لكّنها ليست بماطرة‪.‬‬
‫‪» .9‬جود«‪ :‬لفتح الجيم جمع »جائد« المطر الكثير والجود بالضم بمعنى السخاء والهبة‪.‬‬

‫] ‪[ 83‬‬
‫ن القسم العظم من أراضي العراق تقع بين النهرين العظيمين‬
‫الحيوانات في ذلك القى الشديد‪ ،‬وباللتفات إلى أ ّ‬
‫ن القحط تلك السنوات على درجة من الشّدة‬
‫دجلة والفرات المروفان بوفرة المياههما مقارنة بأنهار المنطقة يتبّين أ ّ‬
‫ن المام )عليه‬
‫بحيث ضّيق على أهل العراق حتى في تلبية الحاجات الولية للحيوانات )تشير القرائن إلى أ ّ‬
‫السلم( ألقى هذه الخطبة بعد صلة الستستقاء حين كان في الكوفة(‪.‬‬

‫لل مشاكل كل طالب حاجة وقد سيطر‬
‫ثم ابتهل إلى ال سبحانه وتعالى في أّنك المل والرجاء لكل بائس وح ّ‬
‫ل تؤاخذنا‬
‫اليأس على الناس وقد منعت السماء بركاتها والغيوم مياهها وأشرفت الحيوانات على الهلكة فنسألك أ ّ‬
‫ط الََْناُم‪َ ،‬وُمِنَع‬
‫ن َقَن َ‬
‫حي َ‬
‫ك ِ‬
‫عو َ‬
‫س‪َ .‬نْد ُ‬
‫غ)‪ِ (2‬لْلُمْلَتِم ِ‬
‫لَ‬
‫س)‪َ ،(1‬واْلَب َ‬
‫جاَء ِلْلُمْبَتِئ ِ‬
‫ت الّر َ‬
‫بسيئات أعمالنا ول بوائق ذنوبنا‪َ» :‬فُكْن َ‬
‫خَذَنا ِبُذُنوِبَنا«‪.‬‬
‫ل َتْأ ُ‬
‫عَماِلَنا‪َ ،‬و َ‬
‫خَذَنا ِبَأ ْ‬
‫ل ُتَؤا ِ‬
‫ن َ‬
‫سَواُم)‪َ ،(3‬أ ْ‬
‫ك ال ّ‬
‫اْلَغَماُم‪َ ،‬وَهَل َ‬

‫ن أغلب الفات والبلء والشّدة معلولة لذنوب الناس‪ ،‬ول تزال مشاكلهم قائمة مستعصية ما لم‬
‫تفيد هذه العبارة أ ّ‬
‫يتوبوا إلى ال ويسألوه العفو والمغفرة‪ ،‬والعبارة تشبه الشكوى التي بثها نبي ال نوح )عليه السلم( إلى رّبه بشأن‬
‫عَلْيُكْم ِمْدَرارًا()‪(4‬‬
‫سَماَء َ‬
‫ل ال ّ‬
‫سْ‬
‫غّفارًا * ُيْر ِ‬
‫ن َ‬
‫سَتْغِفُروا َرّبُكْم ِإّنُه َكا َ‬
‫تا ْ‬
‫قومه‪َ) :‬فُقْل ُ‬

‫لْر ِ‬
‫ض‬
‫سَماِء َوا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫عَلْيِهْم َبَرَكات ِم ْ‬
‫حَنا َ‬
‫ل اْلُقَرى آَمُنوا َواّتَقْوا َلَفَت ْ‬
‫ن َأْه َ‬
‫كما ورد في سورة العراف قوله‪َ) :‬وَلْو َأ ّ‬
‫ن()‪.(5‬‬
‫سُبو َ‬
‫خْذَناُهْم ِبَما َكاُنوا َيْك ِ‬
‫ن َكّذُبوا َفَأ َ‬
‫َوَلِك ْ‬

‫حَمَت َ‬
‫ك‬
‫عَلْيَنا َر ْ‬
‫ل‪َ» :‬واْنشُْر َ‬
‫ثم طرح المام طلبته الصلية على الحق تبارك وتعالى قائ ً‬
‫‪» .1‬مبتئس«‪ :‬من مادة »بؤس« على وزن قرص الفقر وشدة الحاجة‪.‬‬
‫‪» .2‬البلغ«‪ :‬بمعنى الكفاية وحل المشكلة‪.‬‬
‫‪» .3‬سوام«‪ :‬وسائمة الحيوان الذي يرعى في الصحراء‪.‬‬
‫‪ .4‬سورة نوح ‪ 10 /‬ـ ‪.11‬‬
‫‪ .5‬سورة العراف ‪.96 /‬‬

‫] ‪[ 84‬‬
‫ت‪َ ،‬وَتُرّد ِبِه‬
‫حِيي ِبِه َما َقْد َما َ‬
‫ل)‪ُ ،(5‬ت ْ‬
‫حا)‪َ (4‬واِب ً‬
‫سّ‬
‫ق)‪َ .(3‬‬
‫ت اْلُموِن ِ‬
‫ق)‪َ ،(2‬والّنَبا ِ‬
‫ق)‪َ ،(1‬والّرِبيِع اْلُمْغِد ِ‬
‫ب اْلُمْنَبِع ِ‬
‫سحا ِ‬
‫ِبال ّ‬
‫ت«‪.‬‬
‫َما َقْد َفا َ‬
‫فما ورد في عبارات المام )عليه السلم( إنعكاس تام لما عاناه الناس من قحط شديد ومصائب عضال من جهة‪،‬‬
‫ومن جهة أخرى تضمنت طلبًا للغيوم الملبدة بالمطار‪ ،‬وكذلك ربيعًا مباركًا ونباتات طرية جميلة وأخيرًا تتجه‬
‫صوب نتيجة نهائية هى المطار التي تحيي الرض وتستعيد كل ما فقد؟ ول تكون تلك السنة سنة عامرة بالبركة‬
‫فحسب‪ ،‬بل سنة تتلفى سنوات الجفاف السابقة‪.‬‬
‫—–‬
‫‪» .1‬منبعق«‪ :‬من مادة »انبعاق« بمعنى انشقاق ولما كانت الغيوم حين نزول المطر تبدو منشقة وتجري منها المطار فقد استخدمت‬
‫هذه المفردة بشأن نزول المطر‪.‬‬
‫‪» .2‬مغدق«‪ :‬من مادة »غدق« على وزن شفق الماء الوفير وتستعمل كناية بشأن السنوات المفعمة بالخير والبركة‪.‬‬
‫‪» .3‬مونق«‪ :‬من مادة »أنق« على وزن شفق بمعنى السرور والعجاب بالشيء‪.‬‬
‫ح«‪ :‬بمعنى انسياب الماء الوفير وبصورة مستمرة‪.‬‬
‫‪» .4‬س ّ‬
‫‪» .5‬وابل«‪ :‬المطر الشديد الضخم القطر‪.‬‬

‫] ‪[ 85‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ضرًا َوَرُقَها‪،‬‬
‫عَها‪َ ،‬نا ِ‬
‫طّيَبًة ُمَباَرَكًة‪َ ،‬هِنيَئًة َمِريعًَة‪َ .‬زاكيًا َنْبُتَها‪َ ،‬ثاِمرًا َفْر ُ‬
‫عاّمًة‪َ ،‬‬
‫حِيَيًة ُمْرِوَيًة‪َ ،‬تاّمًة َ‬
‫ك ُم ْ‬
‫سْقَيا ِمْن َ‬
‫»الّلُهّم ُ‬
‫جِري ِبَها ِوَهاُدَنا‬
‫جاُدنا‪َ ،‬وَت ْ‬
‫ب ِبَها ِن َ‬
‫ش ُ‬
‫ك ُتْع ِ‬
‫سْقَيا ِمْن َ‬
‫ك! الّلُهّم ُ‬
‫ن ِبلِد َ‬
‫ت ِم ْ‬
‫حِيي ِبَها اْلَمّي َ‬
‫ك‪َ ،‬وُت ْ‬
‫عَباِد َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ِم ْ‬
‫ضِعي َ‬
‫ش ِبَها ال ّ‬
‫ُتْنِع ُ‬

‫حيَنا‪ِ .‬منْ‬
‫ضَوا ِ‬
‫ن ِبَها َ‬
‫سَتِعي ُ‬
‫صيَنا‪َ ،‬وَت ْ‬
‫شينا‪َ ،‬وَتْنَدى ِبَها َأَقا ِ‬
‫ش ِبَها َمَوا ِ‬
‫ل ِبَها ِثماُرَنا‪َ ،‬وَتِعي ُ‬
‫جَناُبَنا‪َ ،‬وُتْقِب ُ‬
‫ب ِبَها َ‬
‫ص ُ‬
‫خ ِ‬
‫َوُي ْ‬
‫ضَلًة‪ِ ،‬مْدَرارًا‬
‫خ ِ‬
‫سَماًء ُم ْ‬
‫عَلْيَنا َ‬
‫ل َ‬
‫ك اْلُمْهَمَلِة‪َ .‬وَأْنِز ْ‬
‫شَ‬
‫حِ‬
‫ك اْلُمْرِمَلِة‪َ ،‬وَو ْ‬
‫عَلى َبِرّيِت َ‬
‫جِزَيَلِة َ‬
‫ك اْل َ‬
‫طاَيا َ‬
‫عَ‬
‫سَعِة‪َ ،‬و َ‬
‫ك اْلَوا ِ‬
‫َبَركاِت َ‬
‫ل َقَزع َرَباُبَها‪،‬‬
‫ضَها‪َ ،‬و َ‬
‫عاِر ُ‬
‫جَهام َ‬
‫لَ‬
‫خّلب َبْرُقَها‪َ ،‬و َ‬
‫غْيَر ُ‬
‫طَر‪َ ،‬‬
‫طُر ِمْنَها اْلَق ْ‬
‫حِفُز اْلَق ْ‬
‫ق‪َ ،‬وَي ْ‬
‫ق ِمْنَها اْلَوْد َ‬
‫طَلًة‪ُ ،‬يَداِفُع اْلَوْد ُ‬
‫َها ِ‬
‫طوا‪،‬‬
‫ن َبْعِد َما َقَن ُ‬
‫ث ِم ْ‬
‫ل اْلَغْي َ‬
‫ك ُتْنِز ُ‬
‫ن‪َ ،‬فِإّن َ‬
‫سِنُتو َ‬
‫حَيا ِبَبَرَكِتَها الُْم ْ‬
‫ن‪َ ،‬وَي ْ‬
‫جِدُبو َ‬
‫عَها اُْلم ْ‬
‫لْمَرا ِ‬
‫ب ِ‬
‫ص َ‬
‫خ ِ‬
‫حّتى ُي ْ‬
‫شّفان ِذَهاُبَها‪َ ،‬‬
‫ل َ‬
‫َو َ‬
‫حِميُد«‪.‬‬
‫ي اْل َ‬
‫ت اْلَوِل ّ‬
‫ك َوَأْن َ‬
‫حَمَت َ‬
‫شُر َر ْ‬
‫َوَتْن ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الّلهم أمطرنا بوابل رحمتك‬
‫طرح المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة طلبه وصحبه الرئيسي والذي يتمثل بنزول المطر المبارك‬
‫فسأل ال سبحانه وتعالى مطرًا ذات عشرين صفة تشير كل واحدة منها إلى قضية رائعة‪ ،‬وما أورع أن يذكر‬
‫المام كل هذه الوصاف للمطر المطلوب‪ ،‬وهى الوصاف التي تجعل النسان يتواضع ويشعر بالخضوع أمام‬
‫سْقَيا ِمْن َ‬
‫ك‬
‫عظمة الخلق‪ ،‬كما تفهم السامع عمق الثار والبركات التي تختزنها هذه القطرات من المطر‪» :‬الّلُهّم ُ‬
‫عاّمًة‪،‬‬
‫حِيَيًة ُمْرِوَيًة‪َ ،‬تاّمًة َ‬
‫ُم ْ‬
‫] ‪[ 86‬‬
‫ف ِم ْ‬
‫ن‬
‫ضِعي َ‬
‫ش)‪ِ (4‬بَها ال ّ‬
‫ضرًا)‪َ (3‬وَرُقَها‪ُ ،‬تْنِع ُ‬
‫عَها‪َ ،‬نا ِ‬
‫طّيَبًة ُمَباَرَكًة‪َ ،‬هِنيَئًة َمِريَعًة)‪َ .(1‬زاكيًا َنْبُتَها‪َ ،‬ثاِمرًا)‪َ (2‬فْر ُ‬
‫َ‬
‫ك!«‪.‬‬
‫ن ِبلِد َ‬
‫ت ِم ْ‬
‫حِيي ِبَها اْلَمّي َ‬
‫ك‪َ ،‬وُت ْ‬
‫عَباِد َ‬
‫ِ‬
‫ن المام )عليه السلم( سأل ال تعالى مطرا تتوفر فيه الشرائط وبعيدًا عن كل الموانع‪ ،‬فقد لوحظ في‬
‫الواقع هو أ ّ‬
‫أغلب الحيان نزول المطار على شكل سيول‪ ،‬لكّنها تحطم كل شيء تأتي عليه‪ ،‬أو إّنها تتركز في نقطة معينة‬
‫ليست لها منفعة عامة‪ ،‬أو أّنها مصحوبة ببرد شديد قارس ل تخفى آثاره السلبية‪ ،‬أو يكون مصحوبًا ببعض‬
‫الموانع من قبيل الرياح الحارة والعواصف الشديدة والفات التي تصيب النباتات كالجراد والحشرات المؤذية‬
‫وأمثال ذلك التي تقضي على أثار المطار‪ ،‬فالمام )عليه السلم( يأخذ جميع هذه المور بنظر العتبار فيسأل ال‬
‫تعالى اجتماع كافة الشرائط ودفع جميع الموانع‪.‬‬
‫—–‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( الدعاء بذكر سبعة أوصاف أخرى ليكتمل عدد الصفات عشرين صفة فقال‪» :‬الّلُهمّ‬
‫ش ِبَها‬
‫ل ِبَها ِثماُرَنا‪َ ،‬وَتِعي ُ‬
‫جَناُبَنا)‪َ ،(8‬وُتْقِب ُ‬
‫ب)‪ِ (7‬بَها َ‬
‫ص ُ‬
‫خ ِ‬
‫جِري ِبَها ِوَهاُدَنا)‪َ (6‬وُي ْ‬
‫جاُدنا)‪َ ،(5‬وَت ْ‬
‫ب ِبَها ِن َ‬
‫ش ُ‬
‫ك ُتْع ِ‬
‫سْقَيا ِمْن َ‬
‫ُ‬
‫عَلى‬
‫جِزَيَلِة َ‬
‫ك اْل َ‬
‫طاَيا َ‬
‫عَ‬
‫سَعِة‪َ ،‬و َ‬
‫ك اْلَوا ِ‬
‫ن َبَركاِت َ‬
‫حيَنا)‪ِ .(11‬م ْ‬
‫ضَوا ِ‬
‫ن ِبَها َ‬
‫سَتِعي ُ‬
‫صيَنا)‪َ ،(10‬وَت ْ‬
‫شينا‪َ ،‬وَتْنَدى)‪ِ (9‬بَها َأَقا ِ‬
‫َمَوا ِ‬
‫ك اْلُمْهَمَلِة«‪.‬‬
‫شَ‬
‫حِ‬
‫ك اْلُمْرِمَلِة)‪َ ،(12‬وَو ْ‬
‫َبِرّيِت َ‬
‫‪» .1‬مريع«‪ :‬من مادة »مرع« على وزن فرح كثيف النبات‪.‬‬
‫‪» .2‬ثامر«‪ :‬بمعنى ذو ثمر‪.‬‬
‫‪» .3‬ناصر«‪ :‬بمعنى ذو نضرة‪.‬‬
‫‪» .4‬تنعش«‪ :‬من مادة »نعش« على وزن فرش بمعنى الثارة والقامة‪.‬‬
‫‪» .5‬نجاد«‪ :‬من مادة »نجود« على وزن سجود ما ارتفع من الرض حيث تصطلح العرب بالنجد على الرض المرتفعة‪.‬‬
‫‪» .6‬وهاد«‪ :‬جمع »وهدة« على وزن غفلة ما انخفض من الرض‪.‬‬

‫‪» .7‬يخصب«‪ :‬من مادة »خصب« على وزن فكر كثير النبات‪.‬‬
‫‪» .8‬جناب«‪ :‬ناحية الدار أو المدينة‪.‬‬
‫‪» .9‬تندي«‪ :‬من مادة »نداوة« الرطوبة وهى هنا كناية عن الجود والسخاء‪.‬‬
‫‪» .10‬أقاصي«‪ :‬جمع »أقصى« النقطة البعيدة‪.‬‬
‫‪» .11‬ضواحي«‪ :‬جمع »ضاحية« المنطقة الخارجة عن المدينة‪.‬‬
‫‪» .12‬مرملة«‪ :‬من مادة »إرمال« الفقر ونفاد المتاع والزاد‪.‬‬

‫] ‪[ 87‬‬
‫فقد كشف المام )عليه السلم( النقاب بهذا الدعاء عن سعة صدره وعمق نظره وعمومية شفقته ورحمته‪ ،‬ذلك‬
‫لّنه أخذ بنطر العتبار المناطق القاصية والدانية ولم يهمل الدواب حتى حيوانات الصحراء الوحشية‪ ،‬فدعاءه‬
‫يشمل الجميع وسؤاله يهدف حاجة الجميع وهذا هو معنى لطف إمام المسلمين ورحمته العاّمة‪.‬‬
‫—–‬

‫ل‪:‬‬
‫وأضاف المام )عليه السلم( في معرض مواصلة لطلب الماء ونزول المطر الذي يفيض بالخير والبركة قائ ً‬
‫طَر«‪.‬‬
‫طُر ِمْنَها اْلَق ْ‬
‫حِفُز)‪ (4‬اْلَق ْ‬
‫ق)‪َ ،(3‬وَي ْ‬
‫ق ِمْنَها اْلَوْد َ‬
‫طَلًة)‪ُ ،(2‬يَداِفُع اْلَوْد ُ‬
‫ضَلًة)‪ِ ،(1‬مْدَرارًا َها ِ‬
‫خ ِ‬
‫سَماًء ُم ْ‬
‫عَلْيَنا َ‬
‫ل َ‬
‫»َوَأْنِز ْ‬
‫ل َقَزع)‪َ(7‬رَباُبَها)‬
‫ضَها‪َ ،‬و َ‬
‫عاِر ُ‬
‫جَهام)‪َ (6‬‬
‫ل َ‬
‫خّلب)‪َ (5‬بْرُقَها‪َ ،‬و َ‬
‫غْيَر ُ‬
‫كما واصل )عليه السلم( وصف المطار‪َ » :‬‬
‫شّفان)‪ِ (9‬ذَهاُبَها)‪.«(10‬‬
‫ل َ‬
‫‪َ ،(8‬و َ‬
‫حَيا‬
‫ن)‪َ ،(12‬وَي ْ‬
‫جِدُبو َ‬
‫عَها)‪ (11‬اُْلم ْ‬
‫لْمَرا ِ‬
‫ب ِ‬
‫ص َ‬
‫خ ِ‬
‫حّتى ُي ْ‬
‫ل‪َ » :‬‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( الدعاء قائ ً‬
‫‪» .1‬مخضلة«‪ :‬من مادة »خضل« على وزن عمل اليلل والرطوبة وتستخدم كناية للسنوات المليئة بالمطار ونزول البركة‪.‬‬
‫‪» .2‬هاطلة«‪ :‬من مادة »هطل« على وزن سطل السيول والقطرات الضخمة‪.‬‬
‫‪» .3‬الودق«‪ :‬حبات المطر‪ ،‬كما تطلق على ذرات الماء الصغيرة التي تتعلق كغبار في الجو حين نزول المطر‪ ،‬والمعنى الول هنا‬
‫أنسب‪.‬‬
‫‪» .4‬يحفز«‪ :‬من مادة »حفز« على وزن نبض الدفع بشّدة‪.‬‬
‫لبة« وهى هنا إشارة إلى الغيوم ذات البرق والرعد الخالية من المطر‪.‬‬
‫‪» .5‬خّلب«‪ :‬بمعنى خارع من مادة »الخ ّ‬
‫‪» .6‬جهام«‪ :‬بالفتح السحاب الذي ل مطر فيه‪.‬‬
‫‪» .7‬قزع«‪ :‬القطع الصغيرة المتفرقة من السحب‪.‬‬
‫‪» .8‬رباب«‪ :‬السحاب البيض )الذي ل مطر فيه(‪.‬‬
‫‪» .9‬شفان«‪ :‬الرياح الباردة أو الجو البارد المقرون بالرطوبة )لسان العرب ومعجم دهخدا( وأصلها شفون على وزن فنون النظر‬
‫بطرف العين أو النظرة باعتراض‪ ،‬ولعل اطلقها هنا على الرياح الشديدة لّنها تسبب انزاعاج الطرف المقابل‪.‬‬
‫‪» .10‬ذهاب«‪ :‬جمع »ذهبة« بالكسر المطار القليلة‪.‬‬

‫‪» .11‬امراع«‪ :‬بمعنى كثير البركة‪.‬‬
‫‪» .12‬مجدب«‪ :‬من مادة الجفاف بسبب قطع الماء ويقال مجدب لمن ُاصيب بالجفاف والقحط‪.‬‬

‫] ‪[ 88‬‬
‫حِميُد)‪.«(2‬‬
‫ي اْل َ‬
‫ت اْلَوِل ّ‬
‫ك َوَأْن َ‬
‫حَمَت َ‬
‫شُر َر ْ‬
‫طوا‪َ ،‬وَتْن ُ‬
‫ن َبْعِد َما َقَن ُ‬
‫ث ِم ْ‬
‫ل اْلَغْي َ‬
‫ك ُتْنِز ُ‬
‫ن)‪َ ،(1‬فِإّن َ‬
‫سِنُتو َ‬
‫ِبَبَرَكِتَها اْلُم ْ‬
‫فقد بّين المام في هذه العبارة تسع أوصاف أخرى للمطار المفيدة النافعة ذات الخير والبركة‪ ،‬حيث يبلغ عدد‬
‫الصفات مع ذكر سابقًا ‪ 29‬صفة‪ ،‬حّقا إّنه لمن دواعي العجب والدهشة أن يستسقي المام )عليه السلم( ويوصف‬
‫المطر بتسع وعشرين صفة بينما يصف ذلك الطالبون عادة بصفة‪ ،‬أو صفتين فيبتهلون إلى ال سبحانه وتعالى أن‬
‫أسقنا الغيث المبارك‪ ،‬ومن هنا ل يشعر النسان سوى بالحيرة والذهول حين يتأمل عبارات أمير المؤمنين‬
‫علي)عليه السلم(‪ ،‬لقد استفرغ المام أقصى فصاحته وبلغته في هذه الخطبة وشرح طلبه إلى ال تعالى بما‬
‫ن مسار النعمة مليىء بكثير من الموانع بحيث ل يسعهم‬
‫يعّرف الناس بلطف ال تعالى وفضله ورحمته ويفهمهم أ ّ‬
‫بلوغ الكمال المنشود ما لم تشملهم رعاية ال ورحمته‪ ،‬والحق يتعذر مثل هذا المنطق على من لم يكن مؤيدًا من‬
‫عند ال ويؤيد بروح القدس‪.‬‬
‫—–‬

‫تفسير ما في هذه الخطبة من الغريب‬
‫نقرأ في ختام هذه الخطبة‪:‬‬
‫شّ‬
‫ق‬
‫ح الّثوب ِإذا اْن َ‬
‫ل‪ :‬لنصا َ‬
‫ل ُيقـا ُ‬
‫ن اَلمحو ِ‬
‫شّقَقتْ َم َ‬
‫جِبالَنا( أي َت َ‬
‫ت ِ‬
‫ح ْ‬
‫صا َ‬
‫عْنُه َقوِلِه‪) :‬ان َ‬
‫ل َ‬
‫يا ُ‬
‫ف ِرض َ‬
‫شِري ُ‬
‫سيُد ال ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫»َقا َ‬
‫ت َوالُهَياُم‪:‬‬
‫ش ْ‬
‫طَ‬
‫عِ‬
‫ت َدَواّبنا( أي َ‬
‫س ُكّلُه َوَقوُلُه )ؤزهـاَم ْ‬
‫ف َوَيِب َ‬
‫ج ّ‬
‫صّوح إذا َ‬
‫ح َو َ‬
‫ضا َ‬
‫ت َو َ‬
‫ح اّنب ُ‬
‫صا َ‬
‫ل َأيضًا‪ :‬ان َ‬
‫َوُيقـا ُ‬
‫شّبُه ِبهـا السّنة اّلتي َفشا ِفيها‬
‫سير‪َ ،‬ف َ‬
‫ي الّناقَة اّلتي أنضـاَها ال ّ‬
‫جدبار‪ ،‬وه َ‬
‫ن( جمع ِ‬
‫سني َ‬
‫حَداِبيُر ال ّ‬
‫ش‪َ ،‬وَقوُلُه ) َ‬
‫ط ُ‬
‫الَع َ‬
‫ل ذو الّرّمة‪:‬‬
‫ب‪َ ،‬قا َ‬
‫جد ُ‬
‫ال َ‬
‫ف أو َنرِمي ِبها َبَلدًا َفْقرًا‬
‫خس ِ‬
‫عَلى ال َ‬
‫خًة *** َ‬
‫ل ُمنا َ‬
‫كإّ‬
‫حداَبيُر َما َتْنّف ُ‬
‫ِ‬
‫‪» .1‬المسنت«‪ :‬هو المقحط‪.‬‬
‫حِميُد()سورة الشورى ‪.(48 /‬‬
‫ى اْل َ‬
‫حَمَتُه َوُهَو اْلَوِل ّ‬
‫شُر َر ْ‬
‫طوا َوَين ُ‬
‫ن َبْعِد َما َقَن ُ‬
‫ث ِم ْ‬
‫‪ .2‬إقتباس من الية الشريفة‪َ) :‬وُهَو اّلِذي ُيَنّزُل اْلَغْي َ‬

‫] ‪[ 89‬‬
‫سحاب‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫صغار الُمَتَفّرقة ِم َ‬
‫ل َفَزعَِرباَبها( الَقَزع‪ :‬الَقطُع ال ّ‬
‫َوَقوُلُه‪ِ) :‬و َ‬
‫لمطاُر الّلّينة‪،‬‬
‫ب‪ :‬ا َ‬
‫شّفان‪ :‬الّريح البـارَدُة‪ ،‬والّذها ُ‬
‫شّفان َذهاُبها‪ ،‬وال َ‬
‫ت َ‬
‫ل َذا َ‬
‫ن َتقديَرِه‪ :‬و َ‬
‫شّفان ِذَهاُبها( فا ّ‬
‫ل َ‬
‫َوَقوُلُه‪َ) :‬و َ‬
‫ت( ِلعلِم الساِمِع ِبِه«‪.‬‬
‫ف )ذا َ‬
‫خَذ َ‬
‫َف َ‬
‫—–‬

‫تأّملن‬

‫‪ 1‬ـ صلة الستسقاء‬
‫وقد ورد في بعض الروايات التصريح بأن يحملوا معهم إلى الصحراء الشيوخ و النساء والطفال وحتى‬
‫الحيوانات الجائعة العطشى وأن يفّرق بين الباء وأولدهم بهدف التأثير على الناس حين يّتجهون إلى ال في‬
‫الدعاء)‪.(1‬‬
‫ن تعذر عليهم القيام بكل هذه المور تابوا إلى ال واستغفروه من ذنوبهم ورفعوا أيديهم‬
‫فا ّ‬
‫‪ .1‬ذكرت آداب صلة الستسقاء في أغلب المصادر الفقهية وكتب الحديث ومنها جواهر الكلم ‪ 12/127‬وتحرير الوسيلة للمام‬
‫الخميني‪ ،‬ج ‪ 1‬و ج ‪ ،5‬ص ‪ 162‬من وسائل الشيعة‪.‬‬

‫] ‪[ 90‬‬
‫بالدعاء جمعة سائلين ال سبحانه العفو الرحمة‪.‬‬
‫حّقا إّنها لمراسم ذات آثار عجيبة أدناها حالة التضرع والخشوع التي يعيشها الداعي إلى ال تعالى‪ ،‬فهى تربط‬
‫الفرد بالذات اللهّية المقّدسة ل سبحانه الرحمن الرحيم وتؤّدي إلى نزول الرحمة وشموله بها‪.‬‬
‫ن لهذه الصلة أثارها الكبيرة في تربية النفوس والتوبة من الذنوب والعودة إلى الطهر والعفاف‪،‬‬
‫أضف إلى ذلك فا ّ‬
‫ن رسول ال‬
‫والذي يستتبع أحيانًا نزول المطر الذي يعود على الجميع بالخير والبركة ويستفاد من الروايات أ ّ‬
‫)صلى ال عليه وآله( كان يدعو بدعاء الستسقاء حين يشكو إليه الناس من القحط والجدب‪ ،‬فكانت تنزل المطار‬
‫بما يجعل الناس يطلبون توقفها)‪.(1‬‬
‫ن أمير المؤمنين )عليه السلم( أورد هذه الخطبة بعد صلة الستسقاء حيث جاء في بعض‬
‫وتفيد القرائن أ ّ‬
‫خرجنا ِإَليك« التي تكشف اتجاهه )عليه السلم(‬
‫الروايات التي نقلت هذه الخطبة بصورة تامة العبارة‪» :‬الّلهّم إّنا َ‬
‫ن عليًا )عليه‬
‫مع الناس إلى الصحراء ويختص هذا العمل عادة بصلة الستسقاء‪ ،‬وورد في بعض الروايات أ ّ‬
‫السلم( بكى آخر هذه الخطبة وقد سأل ال سبحانه وتعالى بعبارات تفيض لوعة وحرقة‪.‬‬
‫وسيأتي تفاصيل ذلك حين شرحنا للخطبة ‪ 143‬من نهج البلغة الواردة بشأن صلة الستسقاء‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ 2‬ـ الذنب وزوال البركة‬
‫وردت عّدة أبحاث في الكتب الفلسفية والكلمية والتفسيرية بشأن فلسفة الفات والبلء‪ ،‬فالذي يستفاد من القرآن‬
‫سْلَنا‬
‫ل‪َ) :‬وَما َأْر َ‬
‫لمم حين ظهور النبياء بغية إيقاظهم‪ ،‬حيث صّرح القرآن الكريم قائ ً‬
‫الكريم هو تشديد البلء على ا ُ‬
‫ن()‪.(2‬‬
‫عو َ‬
‫ضّر ُ‬
‫ضّراِء َلَعّلُهْم َي ّ‬
‫ساِء َوال ّ‬
‫خْذَنا َأْهَلَها ِباْلَبْأ َ‬
‫ل َأ َ‬
‫ى ِإ ّ‬
‫ن َنِب ّ‬
‫ِفي َقْرَية ِم ْ‬
‫‪ .1‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪ ;7/272‬بحار النوار ‪.88/329‬‬
‫‪ .2‬سورة العراف ‪.94 /‬‬

‫] ‪[ 91‬‬
‫ن هذا القانون عام ودائمي يهدف إلى الستعداد لتقبل دعوة النبياء‪ ،‬فكانت تقع الحوادث الليمة‬
‫فالية تشير إلى أ ّ‬
‫لمم‪ ،‬ورّبما‬
‫لمم وحين بروز الغفلة وذلك بهدف القضاء على تلك الغفلة وايقاظ تلك ا ُ‬
‫من جانب ال طيلة تاريخ ا ُ‬

‫تكون هذه الحوادث الليمة والمفجعة نتيجة لذنوب الناس‪ ،‬والهدف أيضًا الفساد والنابة والعودة إلى ال‪ ،‬فقد جاء‬
‫ن()‬
‫جُعو َ‬
‫عِمُلوا َلَعّلُهْم َيْر ِ‬
‫ض اّلِذي َ‬
‫ت َأْيِدي الّناسِ ِلُيِذيَقُهْم َبْع َ‬
‫سَب ْ‬
‫حِر ِبَما َك َ‬
‫ساُد ِفي اْلَبّر َواْلَب ْ‬
‫ظَهَر اْلَف َ‬
‫في الية القرآنية‪َ ) :‬‬
‫‪.(1‬‬
‫ن أحد طرق التربية اللهّية هو هذه الحوادث الليمة الطبيعية أو الجتماعية‪ ،‬والقحط يمكن أن‬
‫وهكذا يتضح أ ّ‬
‫يكون أحد هذه الحوادث‪ ،‬كما أشار المام )عليه السلم( إلى ذلك في الخطبة المذكورة‪ ،‬حيث قال في هذه الخطبة‪:‬‬
‫خَذَنا ِبُذُنوِبَنا«‪.‬‬
‫ل َتْأ ُ‬
‫عَماِلَنا‪َ ،‬و َ‬
‫خَذَنا ِبَأ ْ‬
‫ل ُتَؤا ِ‬
‫ن َ‬
‫سَواُم‪َ ،‬أ ْ‬
‫ك ال ّ‬
‫لَناُم‪َ ،‬وُمِنَع اْلَغَماُم‪َ ،‬وَهَل َ‬
‫ط ا َْ‬
‫ن َقَن َ‬
‫حي َ‬
‫ك ِ‬
‫عو َ‬
‫»َنْد ُ‬
‫وقد ورد هذا المطلب بصورة أوضح في الخطبة ‪ ،143‬حيث حذر فيه الناس حين القحط بالنزوع عن المعاصي‬
‫والحتراز من الذنوب والنابة إلى ال سبحانه وتعالى‪ ،‬واستشهد )عليه السلم(بآيات من سورة نوح بهذا‬
‫الخصوص وهذا ما سيرد ذكره إن شاء ال في محّله‪.‬‬
‫ت لّزنا‬
‫ش ْ‬
‫ت َأَبَعٌة َف َ‬
‫ظَهَر ْ‬
‫ت َأرَبَعٌة َ‬
‫ش ْ‬
‫ونختتم هذا الكلم بما ورد عن المام الصادق )عليه السلم( أنه قال‪ِ» :‬إذا َف َ‬
‫سماِء وِإذا‬
‫ن ال ّ‬
‫طُر ِم َ‬
‫ك الَق َ‬
‫سَ‬
‫حّكاُم ِفي الَقضاِء َأم َ‬
‫جاِر ال ُ‬
‫شَيُة وِإذا َ‬
‫ت الَما ِ‬
‫ت الّزكاُه َهَلَك ْ‬
‫سَك ْ‬
‫ل َوِإذا َأم َ‬
‫ت الّزلِز ُ‬
‫ظَهَر ْ‬
‫َ‬
‫ن«)‪.(2‬‬
‫عَلى الُمسِلِمي َ‬
‫ن َ‬
‫ت الّذّمُة َنصَر الُمشِرُكو َ‬
‫خَفر ْ‬
‫َ‬
‫ن المام الصادق )عليه السلم( لما سمع الفتاوى غير‬
‫لد أ ّ‬
‫وورد في الحديث المعتبر والمعروف عن أبي و ّ‬
‫سماُء مـاَءها َوَتمَنُع‬
‫س ال ّ‬
‫شبِهِه َتحِب ُ‬
‫ل هذا الَقضاِء َو ِ‬
‫الصحيحة لبي حنيفة في بعض المسائل الفقهية قال‪ِ» :‬في ِمث ِ‬
‫ض َبركاَتها«)‪.(3‬‬
‫لر ُ‬
‫اَ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سورة الروم ‪.41 /‬‬
‫‪ .2‬بحار النوار ‪ ،76/21‬ح ‪.13‬‬
‫‪ .3‬وسائل الشيعة ‪.13/256‬‬

‫] ‪[ 92‬‬
‫] ‪[ 93‬‬

‫الخطبة)‪116 (1‬‬

‫طِبة َلُه)عليه السلم(‬
‫خ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ِم ْ‬

‫وفيها ينصح أصحابه‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫تتألف هذ الخطبة في الواقع من عّدة أقسام‪:‬‬
‫القسم الول‪ :‬وصف بليغ للنبي الكرم )صلى ال عليه وآله( وجهاده العظيم في إبلغ الرسالة ودعوة الناس إلى‬
‫السلم‪.‬‬
‫القسم الثاني‪ :‬التوجه إلى الناس بالوعظ والرشاد والنصيحة‪ ،‬المواعظ المؤثرة والبالغة‪.‬‬
‫القسم الثالث‪ :‬الشكوى من الصحاب ورجاء ال في مفارقتهم وإلحاقه بصنوه من الفراد‪.‬‬
‫ل في ايقاظ‬
‫القسم الرابع والخير‪ :‬الذي يختص بالخبار عن فتنة طاغ واستعراض جانب من جناياته وجرائمه أم ً‬
‫ل سبحانه والعودة إلى وحدة ونبذ الخلفات والفرقة‪.‬‬
‫الناس والوقوف بوجه هذه الجرائم من خلل التوبة إلى ا ّ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫تتضمن الخطبة إشارة إلى موضوع خلفة الحجاج للكوفة وما إرتكب فيها من جرائم‪ ،‬وقد نقل أغلب المؤرخين والمحّدثين هذا الجانب‬
‫من الخطبة ومنهم ابن عبد ربه في العقد الفريد‪ ،‬والمسعودي في مروج الذهب‪ ،‬والزهري في تهذيب اللغة‪ ،‬وابن الفقيه في كتاب‬
‫البلدان‪ ،‬وابن أثير في النهاية‪ ،‬والديلمي في الرشاد )مصادر نهج البلغة ‪.(2/259‬‬

‫] ‪[ 94‬‬
‫] ‪[ 95‬‬

‫القسم الّول‬

‫غْيَر‬
‫عَداَءُه َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫جاَهَد ِفي ا ّ‬
‫صر‪َ ،‬و َ‬
‫ل ُمَق ّ‬
‫غْيَر َوان َو َ‬
‫ت َرّبِه َ‬
‫ل ِ‬
‫سا َ‬
‫ق‪َ .‬فَبّلَغ ِر َ‬
‫خْل ِ‬
‫عَلى اْل َ‬
‫شاِهدًا َ‬
‫ق َو َ‬
‫حّ‬
‫عيًا ِإَلى اْل َ‬
‫سَلُه َدا ِ‬
‫»َأْر َ‬
‫ن اْهَتَدى«‪.‬‬
‫صُر َم ِ‬
‫ن اّتَقى‪َ .‬وَب َ‬
‫ل ُمَعّذر‪ِ .‬إَماُم َم ِ‬
‫َواِهن َو َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫عدم التواني في الجهاد‬

‫ن هذه الخطبة جزء من خطبة طويلة حيث تطرق المام )عليه‬
‫كما صّرح البعض من شّراح نهج البلغة يبدو أ ّ‬
‫السلم( فيها إلى تشجيع صحبه على الجهاد والوقوف بوجه بغاة الشام وبين الخطار التي تتهددهم في حالة‬
‫جة عليهم‪.‬‬
‫الضعف وترك الجهاد ومقاتلة العدو فأتم الح ّ‬
‫ففي القسم الول من هذه الخطبة أشار إلى الجهود الجبارة التي بذلها رسول ال )صلى ال عليه وآله( في إبلغ‬
‫الوحي ونشر الرسالة من أجل ترقيق قلوب المخاطبين فيتعرفوا على أهمّية هذا الميراث العظيم ول يتوانوا في‬
‫ق«‪.‬‬
‫خْل ِ‬
‫عَلى اْل َ‬
‫شاِهدًا َ‬
‫ق َو َ‬
‫حّ‬
‫عيًا ِإَلى اْل َ‬
‫سَلُه َدا ِ‬
‫الدفاع عنه والتصدي لهجمات خصوم الدعوة‪ ،‬فقال )عليه السلم(‪َ» :‬أْر َ‬
‫فالواقع أخلص المام )عليه السلم( الرسالة السلمية التي نهض بها النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( في‬
‫هاتين العبارتين‪ ،‬قد دعى إلى الحق وإبلغ الحكام الشرعية من جانب‪ ،‬وأشرف على حسن تطبيقها من جانب‬
‫آخر‪ ،‬أّما شهادة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( فقد قيل المراد بها الشهادة على أعمال الناس أو الشهادة على‬
‫لِء‬
‫عَلى َهُؤ َ‬
‫ك َ‬
‫جْئَنا ِب َ‬
‫شِهيد َو ِ‬
‫ل ُأّمة ِب َ‬
‫ن ُك ّ‬
‫جْئَنا ِم ْ‬
‫ف ِإَذا ِ‬
‫النبياء في يوم القيامة حيث ورد في القرآن الكريم‪َ) :‬فَكْي َ‬
‫شِهيدًا()‪.(1‬‬
‫َ‬
‫‪ .1‬سورة النساء ‪.41 /‬‬

‫] ‪[ 96‬‬
‫ن المراد بالشهادة إطلع النبي )صلى ال عليه وآله( على أعمال‬
‫لكن ظاهر كلم المام )عليه السلم( يشير إلى أ ّ‬
‫ن وظيفة النبي )صلى ال عليه وآله( ل‬
‫الناس من أجل إمتثال الوامر اللهّية في هذه الدنيا‪ ،‬وبعبارة أخرى فا ّ‬
‫تقتصر على إبلغ الدعوة إلى الحق‪ ،‬بل تتبع إجراء وتطبيق تلك الدعوة وهذا هو معنى إمامته ووليته التشريعية‪،‬‬
‫ول مانع طبعًا من الجمع بين المعنيين في أّنه شاهد على العمال في هذا العالم وكذلك شاهد عليها في العالم‬
‫الخر‪.‬‬
‫ثم خاض في بيان أوصاف نبي السلم )صلى ال عليه وآله( ليذكر ست صفات آخر فقال‪) :‬صلى ال عليه‬
‫ن اّتَقى‪.‬‬
‫ل ُمَعّذر)‪ِ .(2‬إَماُم َم ِ‬
‫غْيَر َواِهن َو َ‬
‫عَداَءهُ َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫جاَهَد ِفي ا ّ‬
‫صر‪َ ،‬و َ‬
‫ل ُمَق ّ‬
‫غْيَر َوان)‪َ (1‬و َ‬
‫ت َرّبِه َ‬
‫ل ِ‬
‫سا َ‬
‫وسلم(َفَبّلَغ ِر َ‬
‫ن اْهَتَدى«‪.‬‬
‫صُر َم ِ‬
‫َوَب َ‬
‫فقد تضمنت هذه العبارة القصيرة جميع الخصائص التي ينبغي توفرها في القائد الشجاع المقتدر‪ ،‬عدم الضعف‬
‫والوهن والتقصير ومجاهدة العدو وعدم العتذار والتذرع‪ ،‬ومن جانب آخر فاّنه عّد النبي )صلى ال عليه وآله(‬
‫إمام المتقين ووسيلة هداية المبصرين‪ ،‬حيث يذود عنه الفراد من المفسدين ويقصي المضلين المعاندين‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬الكثيرون هم الفراد الذين يخلقون الذرائع والحجج الواهية بهدف التغطية على تقصيرهم وعدم جّدهم‬
‫واجتهادهم‪ ،‬ويستبعد ذلك من زعيم شجاع ومدير مدّبر فل يّتجه صوب الحجج والذرائع‪.‬‬
‫فالعبارات المذكورة تشير في الواقع إلى مدى ضعف أهل الكوفة ووهنهم وتركهم للجهاد وتشبثهم بالذرائع من‬
‫ن نبّيكم لم يكن كذلك فما بالكم تقيمون على‬
‫أجل الفرار من المسؤوليات‪ ،‬فالمام )صلى ال عليه وآله( يذكرهم بأ ّ‬
‫هذا الحال‪.‬‬
‫—–‬
‫‪» .1‬وان«‪ :‬من مادة »ونى« على وزن وحي بمعنى الضعف والتثاقل‪ ،‬ويقال الواني لمن يتباطىء في العمال‪.‬‬
‫‪» .2‬معذر«‪ :‬من مادة »عذر« تقال لمن يعتذر ول يثبت له عذر‪.‬‬

‫] ‪[ 97‬‬

‫القسم الثاني‬

‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫عَماِلُكْم‪َ ،‬وَتْلَتِدُمو َ‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫ن َ‬
‫ت َتْبُكو َ‬
‫صُعَدا ِ‬
‫جُتْم ِإَلى ال ّ‬
‫خَر ْ‬
‫غْيُبُه‪ِ ،‬إذًا َل َ‬
‫عْنُكْم َ‬
‫ي َ‬
‫طِو َ‬
‫عَلُم ِمّما ُ‬
‫ن َما َأ ْ‬
‫و منها‪َ» :‬لْو َتْعَلُمو َ‬
‫غْيِرَها‪.‬‬
‫ت ِإَلى َ‬
‫ل َيْلَتِف ُ‬
‫سُه‪َ ،‬‬
‫ل اْمِرىء ِمْنُكْم َنْف ُ‬
‫ت ُك ّ‬
‫عَلْيَها‪َ ،‬وَلَهّم ْ‬
‫ف َ‬
‫خاِل َ‬
‫ل َ‬
‫س َلَها َو َ‬
‫حاِر َ‬
‫ل َ‬
‫سُكْم‪َ ،‬وَلَتَرْكُتْم َأْمَواَلُكْم َ‬
‫َأْنُف ِ‬
‫ق َبْيِني‬
‫ل َفّر َ‬
‫نا ّ‬
‫ت َأ ّ‬
‫عَلْيُكْم َأْمُرُكْم‪َ .‬وَلَوِدْد ُ‬
‫ت َ‬
‫شّت َ‬
‫عْنُكْم َرْأُيُكْم‪َ ،‬وَت َ‬
‫حّذْرُتْم‪َ ،‬فَتاَه َ‬
‫سْيُتْم َما ُذّكْرُتْم‪َ ،‬وَأِمْنُتْم َما ُ‬
‫َوَلِكّنُكْم َن ِ‬
‫ي‪.‬‬
‫ك ِلْلَبْغ ِ‬
‫ق‪َ ،‬مَتاِري ُ‬
‫حّ‬
‫ل ِباْل َ‬
‫حْلِم‪َ ،‬مَقاِوي ُ‬
‫ح اْل ِ‬
‫جي ُ‬
‫ي‪َ ،‬مَرا ِ‬
‫ن الّرأ ِ‬
‫ل َمَياِمي ُ‬
‫ق ِبي ِمْنُكْم‪َ .‬قْوٌم َوا ّ‬
‫حّ‬
‫ن ُهَو َأ َ‬
‫حْقِني ِبَم ْ‬
‫َوَبْيَنُكْم‪َ ،‬وَأْل َ‬
‫ظِفُروا ِباْلُعْقَبى الّداِئَمِة‪َ ،‬واْلَكَراَمِة اْلَباِرَدِة«‪.‬‬
‫جِة‪َ ،‬ف َ‬
‫حّ‬
‫عَلى اَْلم َ‬
‫جُفوا َ‬
‫طِريَقِة َوَأْو َ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫ضْوا ُقُدمًا َ‬
‫َم َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الفات المظلمة من ورائكم‬
‫يحذر المام )صلى ال عليه وآله( في هذا المقطع من الخطبة كافة الفراد الذين يبدون الضعف في مجاهدة العدو‬
‫ن الفاق المعتمة إّنما‬
‫الغادر والغاشم‪ ،‬ويتهربون من المسؤولية من خلل اللجوء إلى بعض الحجج والعذار‪ ،‬في أ ّ‬
‫تكمن أمامكم‪ ،‬والمستقبل المظلم الذي يتسلط فيه العدو عليكم ويهيمن على مقدراتكم وسيصبون عليكم جام غضبهم‬
‫ت)‪(2‬‬
‫جُتْم ِإَلى الصُّعَدا ِ‬
‫خَر ْ‬
‫غْيُبُه‪ِ ،‬إذًا َل َ‬
‫عْنُكْم َ‬
‫ي)‪َ (1‬‬
‫طِو َ‬
‫عَلُم ِمّما ُ‬
‫ن َما َأ ْ‬
‫بما يجعلكم تفقدون صوابكم وعقلكم‪َ» :‬لْو َتْعَلُمو َ‬
‫سُكْم«‪.‬‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫ن)‪َ (3‬‬
‫عَماِلُكْم‪َ ،‬وَتْلَتِدُمو َ‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫ن َ‬
‫َتْبُكو َ‬
‫‪» .1‬طوى«‪ :‬من مادة »طي« بمعنى الكتمان والخفاء وُاريد بها هنا الكتمان‪.‬‬
‫‪» .2‬صعدات«‪ :‬جمع »صعيد« بمعنى بقعة الرض والتراب والمواضع المرتفعة من الرض‪ ،‬وهى هنا إشارة إلى الصحراء والجبل‬
‫ن صعدات جمع صعد على وزن دهل وصعدات جمع الجموع‪.‬‬
‫والسهل‪ ،‬وصّرح البعض بأ ّ‬
‫‪» .3‬تلتدمون«‪ :‬من مادة »لدم« على وزن لفظ بمعنى الضرب وإلتدام بمعنى ضرب النساء صدورهن للنياحة‪.‬‬

‫] ‪[ 98‬‬
‫سُه‪َ ،‬‬
‫ل‬
‫ل اْمِرىء ِمْنُكْم َنْف ُ‬
‫ت ُك ّ‬
‫عَلْيَها‪َ ،‬وَلَهّم ْ‬
‫ف)‪َ (1‬‬
‫خاِل َ‬
‫ل َ‬
‫س َلَها َو َ‬
‫حاِر َ‬
‫ل َ‬
‫بل قد ل تكتفون بذلك‪َ» :‬وَلَتَرْكُتْم َأْمَواَلُكْم َ‬
‫غْيِرَها«‪.‬‬
‫ت ِإَلى َ‬
‫َيْلَتِف ُ‬
‫فهذه العبارات تجسد حال الشخص الذي يبتلى بمصائب عظمية بحيث ينسى كل شيء سوى إنقاذ نفسه‪ ،‬فقد إّتجه‬
‫صوب الصحراء ويتابع لطم وجهه ورأسه يسكب دموعه ويتعالى صراخه‪ ،‬كما يسعى إلى التخلي عن أموال رغم‬
‫مالها من أهّمية لديه ومدى الجهود التي بذلها من أجل الحفاظ عليها‪ ،‬إلى جانب ذلك فهو ل يعير أهّمية لمن خلفه‬
‫حتى أّنه لينسى أعّزته وبطانته‪.‬‬
‫ن هذه العبارات ترتبط بأهوال يوم القيامة والتي وردت في مختلف اليات‬
‫ويرى بعض شّراح نهج البلغة أ ّ‬
‫القرآنية‪ ،‬لكن بالنظر إلى ذيل الخطبة الذي يتحدث عن جرائم الحجاج وسبب الخطبة الذي يفيد ضعف أهل الكوفة‬
‫ن المعنى المذكور يبدو بعيدًا‪ ،‬والظاهر أّنها ناظرة إلى سلطة بني ُامية والجرائم المروعة التي‬
‫في جهاد العدو‪ ،‬فا ّ‬
‫إرتكبها الحجاج وأمثاله‪.‬‬

‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه بالشارة إلى المصدر الرئيسي الذي انبثقت منه هذه الحوادث‪َ» :‬وَلِكّنُكْم‬
‫عَلْيُكْم َأْمُرُكْم«‪.‬‬
‫ت َ‬
‫شّت َ‬
‫عْنُكْم َرْأُيُكْم‪َ ،‬وَت َ‬
‫حّذْرُتْم‪َ ،‬فَتاَه)‪َ (2‬‬
‫سْيُتْم َما ُذّكْرُتْم‪َ ،‬وَأِمْنُتْم َما ُ‬
‫َن ِ‬
‫ن الحوادث الليمة التي تنتظركم إّنما تأتيكم بغتة‪،‬كل ليس المر كذلك‪ ،‬فقد‬
‫ل ينبغي لكم أن تتصوروا أبدًا بأ ّ‬
‫حذرتكم مرارًا‪ ،‬وأّديت لكم حق الوعظ والنصح‪ ،‬وكشفت لكم المستور‪ ،‬ثم أنذرتكم‪ ،‬لكن للسف لم تعيروا وعظي‬
‫ونصحي آدانا صاغية‪ ،‬فقد نسيتم كل ما ذكرته لكم وتجاهلتم كل الرشاد‪ ،‬ومن هنا لم تمارسوا ما ينبغي عليكم في‬
‫موقعه وأوانه ولم تعدوا الخطط اللزمة للوقوف بوجه العداء فلم تكن نتيجة ذلك الذي ل مثيل له في التاريخ‪.‬‬
‫ق ِبي ِمْنُكْم«‪.‬‬
‫حّ‬
‫ن ُهَو َأ َ‬
‫حْقِني ِبَم ْ‬
‫ق َبْيِني َوَبْيَنُكْم‪َ ،‬وَأْل َ‬
‫ل َفّر َ‬
‫نا ّ‬
‫ت َأ ّ‬
‫ثم قال المام )عليه السلم(‪َ» :‬وَلَوِدْد ُ‬
‫إشارة إلى أّنه طالما تعذر إصلحكم فيا ليتني فارقتكم‪ ،‬وليت القدر اللهي أذن بالتحاقي‬
‫‪» .1‬خالف«‪ :‬من مادة »خلوف« من يخلف في الهل والمال حين الخروج إلى السفر أو الحرب‪ ،‬كما وردت بمعنى الفرد الكثير‬
‫ن المراد هنا هو المعنى الول‪.‬‬
‫الخلف‪ ،‬إّل أ ّ‬
‫‪» .2‬تاه«‪ :‬من مادة »تيه« الحيرة والقلق‪.‬‬

‫] ‪[ 99‬‬
‫بمن ينسجم معي في الفكار والتطلعات‪.‬‬
‫ن)‪(1‬‬
‫ل َمَياِمي ُ‬
‫ثم خاض )عليه السلم( في شرح خصائص القوم الذين يراهم ينسجمون وأفكاره وتوجهاته‪َ» :‬قْوٌم َوا ّ‬
‫جِة‪،‬‬
‫حّ‬
‫عَلى اَْلم َ‬
‫جُفوا َ‬
‫طِريَقِة َوَأْو َ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫ضْوا ُقُدمًا)‪َ (4‬‬
‫ي‪َ .‬م َ‬
‫ك)‪ِ (3‬لْلَبْغ ِ‬
‫ق‪َ ،‬مَتاِري ُ‬
‫حّ‬
‫ل ِباْل َ‬
‫حْلِم‪َ ،‬مَقاِوي ُ‬
‫ح)‪ (2‬اْل ِ‬
‫جي ُ‬
‫ي‪َ ،‬مَرا ِ‬
‫الّرأ ِ‬
‫ظِفُروا ِباْلُعْقَبى الّداِئَمِة‪َ ،‬واْلَكَراَمِة اْلَباِرَدِة«‪.‬‬
‫َف َ‬
‫فهذه العبارات إشارة واضحة إلى النبي )صلى ال عليه وآله( وطائفة من صحبه ممن يتصف بالخصائص‬
‫المذكورة الست‪ ،‬صفتان في برامج الحياة )نصرة الحق ومصارعة الظلم( وصفتان في العمل )النطلق باتجاه‬
‫الحق والسرعة من أجل بلوغ الهدف( وصفتان في الفكر )التحلي بالفكر الناضج والعقل التام(‪ ،‬فبّين أيضًا نتيجة‬
‫هذه الصفات والتي تتمثل بالسعادة المطلقة والحياة الحّرة الكريمة‪.‬‬
‫—–‬

‫مظلومية أمير المؤمنين علي )عليه السلم(‬
‫ل تقتصر المظلومية على أن يقتل النسان من قبل فئة ظالمة جبارة ناقضة للعهود وغادرة في معركة ليست‬
‫متكافئة فحسب‪ ،‬بل من أسوأ نماذج المظلومية أن يرى النسان الكفوء والمدير الناجح والمر المقتدر والخبير‬
‫الماهر والسياسي اليقظ والواعي نفسه وسط طائفة ل تنسجم وأفكاره وكفاءته ول يسعها الحركة باتجاهه‪ ،‬فهى‬
‫تفعل على العكس من كل ما يقول ول تتحرك خلفه مهما حذرها وأنذرها‪ ،‬فهى فرقة مشتتة وجاهلة وضعيفة وهنة‬
‫مسلوبة الرادة‪ ،‬فابتلء مثل هذا الزعيم بمثل هؤلء التباع يؤّدي إلى ضياع القيم وتناسي الفكار‪ ،‬بل أبعد من‬
‫ذلك يذهب بعض الجّهال إلى إتهام هذا الزعيم بعدم القدرة على إدارة المور‪.‬‬
‫هذا هو أحد نماذج المظلومية والذي عاشه أمير المؤمنين )عليه السلم( في عصره‪ ،‬وقد أشار إلى ذلك‬
‫‪» .1‬ميامين«‪ :‬جمع »ميمون« بمعنى مبارك‪.‬‬
‫‪» .2‬مراجيح«‪ :‬جمع »مرجاح« على وزن مثقال ذو حلم‪.‬‬

‫‪» .3‬متاريك«‪ :‬جمع »متراك« على وزن مسواك من يترك الشيء تمامًا‪.‬‬
‫‪» .4‬قدم«‪ :‬من »مادة« قدوم بمعنى السبق‪ ،‬وهي هنا إّما ظرف بمعنى في مسار السبق وإّما معنى جمعي بمعنى السابقون‪.‬‬

‫] ‪[ 100‬‬
‫ل َأ ّ‬
‫ن‬
‫ت َوا ّ‬
‫المام نفسه )عليه السلم( في أكثر من خطبة من خطب نهج البلغة‪ ،‬فتارة يقول )عليه السلم(‪َ» :‬لَوِدْد ُ‬
‫ل ِمْنُهْم«)‪.(1‬‬
‫جً‬
‫طاِني َر ُ‬
‫عَ‬
‫شَرًة ِمْنُكْم َوَأ ْ‬
‫عَ‬
‫خَذ ِمّني َ‬
‫ف الّديَناِر ِبالّدْرَهِم‪َ ،‬فَأ َ‬
‫صْر َ‬
‫صاَرَفني ِبُكْم َ‬
‫ُمَعاِوَيَة َ‬
‫ل‪،‬‬
‫لا ّ‬
‫ت‪َ :‬يا َرسو َ‬
‫ل)صلى ال عليه وآله وسلم(‪َ ،‬فُقْل ُ‬
‫لا ّ‬
‫سو ُ‬
‫ي َر ُ‬
‫حل َ‬
‫سَن َ‬
‫س‪َ ،‬ف َ‬
‫جاِل ٌ‬
‫عْيِني َوَأَنا َ‬
‫وأخرى يقول‪َ» :‬مَلَكْتني َ‬
‫شّرا َلُهْم‬
‫خْيرًا ِمْنُهْم‪َ ،‬وأْبَدَلُهْم ِبي َ‬
‫ل ِبِهْم َ‬
‫ت‪َ :‬أْبَدَلني ا ّ‬
‫عَلْيِهْم« َفُقْل ُ‬
‫ع َ‬
‫ل‪» :‬اْد ُ‬
‫لَوِد َوالّلَدِد؟ َفَقا َ‬
‫ن ا َْ‬
‫ك ِم َ‬
‫ن ُأّمِت َ‬
‫ت ِم ْ‬
‫َماَذا َلِقي ُ‬
‫ِمّني«)‪.(2‬‬
‫ت َأّني َلْم َأَرُكْم«)‪.(3‬‬
‫ل‪َ ،‬لَوِدْد ُ‬
‫جا ِ‬
‫حَ‬
‫ت اْل ِ‬
‫ل َرّبا ِ‬
‫عُقو ُ‬
‫ل‪َ ،‬و ُ‬
‫طَفا ِ‬
‫ل ْ‬
‫حُلوُم ا َْ‬
‫ل! ُ‬
‫جا َ‬
‫ل ِر َ‬
‫ل َو َ‬
‫جا ِ‬
‫شَباَه الّر َ‬
‫ويقول في الثالثة‪» :‬يا َأ ْ‬
‫والحق لعلنا ل نعثر طيلة التاريخ على زعيم وولي من أولياء ال قد واجه في مّدة قصيرة من حكومته بكل هذه‬
‫العداوة والبغضاء والقسوة والجلدة والعنف والطغوى‪ ،‬وهذا أبشع أنواع المظلومية‪ ،‬ومن هنا قيل‪» :‬علي )عليه‬
‫السلم( أول مظلوم في العالم«‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬نهج البلغة‪ ،‬الخطبة ‪.97‬‬
‫‪ .2‬المصدر السابق‪ ،‬الخطبة ‪.70‬‬
‫‪ .3‬المصدر السابق‪ ،‬الخطبة ‪.27‬‬

‫] ‪[ 101‬‬

‫القسم الثالث‬

‫حَة!«‪.‬‬
‫حَمَتُكْم ِإيه َأبا َوَذ َ‬
‫شْ‬
‫ب َ‬
‫ضَرَتُكْم َوُيِذي ُ‬
‫خ ِ‬
‫ل َ‬
‫ل‪َ .‬يْأُك ُ‬
‫ل اْلَمّيا ُ‬
‫لُم َثِقيف الّذّيا ُ‬
‫غَ‬
‫عَلْيُكْم ُ‬
‫ن َ‬
‫طّ‬
‫سّل َ‬
‫ل َلُي َ‬
‫»َأَما َوا ّ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫النتقام اللهي‬
‫إختتم المام)عليه السلم( الخطبة باستعراض صريح ل لبس فيه للخبار عن المصير السود الذي ينتظر أهل‬
‫حَمَتُكْم«‪.‬‬
‫شْ‬
‫ب َ‬
‫ضَرَتُكْم َوُيِذي ُ‬
‫خ ِ‬
‫ل َ‬
‫ل)‪َ .(2‬يْأُك ُ‬
‫ل)‪ (1‬اْلَمّيا ُ‬
‫لُم َثِقيف الّذّيا ُ‬
‫غَ‬
‫عَلْيُكْم ُ‬
‫ن َ‬
‫طّ‬
‫سّل َ‬
‫ل َلُي َ‬
‫الكوفة فقال‪َ» :‬أَما َوا ّ‬

‫حَة!)‪.«(3‬‬
‫ثم أردفها بالقول‪ِ» :‬إيه َأبا َوَذ َ‬
‫ن المراد بغلم ثقيف هو الحجاج بن يوسف الثقفي الذي ينسب إلى قبيلة بني ثقيف‬
‫أجمع شّراح نهج البلغة على أ ّ‬
‫والذي وّلى الكوفة على عهد عبدالملك بن مروان‪ ،‬كان مشهورًا بقسوته وتعطشه للدماء وقد إختاره عبدالملك بن‬
‫مروان للنتقام من أهل الكوفة وإخماد الثورة ضد حكومة بني ُامية‪ ،‬وكما أخبر المام )عليه السلم( في هذا‬
‫لمة وسفك دماءها‪ ،‬وقد صور المام أوضاع الناس على عهده بقوله‪:‬‬
‫الكلم‪ ،‬فهو لم يرحم أحد وقد نهب أموال ا ُ‬
‫حَمَتُكْم«‪.‬‬
‫شْ‬
‫ب َ‬
‫ضَرَتُكْم َوُيِذي ُ‬
‫خ ِ‬
‫ل َ‬
‫»َيْأُك ُ‬
‫‪» .1‬الذيال«‪ :‬من ماده »ذيل« آخر كل شيء وتصطلح العرب بالذيال على الشخص الذي تخط ذيال ثوبه على الرض‪ ،‬ولما كان هذا‬
‫العمل يقوم به المتكبرون من الفراد‪ ،‬فقد أطلقت الذيال على الفراد الذين يتصفون بالكبر والنانيه‪.‬‬
‫‪» .2‬المّيال«‪ :‬من مادة »ميل« الفرد الطائش‪.‬‬
‫ن ابن أبي الحديد صّرح‬
‫‪» .3‬وذحة«‪ :‬كما سيرد في المتن بعرة الشاة أو بولها والذي يلتصق بصوفها‪ ،‬كما ورد بمعنى الخنفساء‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ن أغلب أرباب اللغة ذكروا هذا المعنى‬
‫ن المعنى الثاني لم يرد في أي من لغات العرب‪ ،‬والحال إذا رجعنا إلى متون اللغة لرأينا أ ّ‬
‫بأ ّ‬
‫لمفردة الوذحة‪.‬‬

‫] ‪[ 102‬‬
‫ن »خضرة« وإن كانت بمعنى محصول الحقول والراضي الزارعية‪ ،‬لكنها هنا تشير إلى‬
‫لبّد من اللتفات إلى أ ّ‬
‫كافة الموال التي نهبها الحجاج والعبارة يذيب شحمتكم كناية عن شدة الضغط الذي يتعرض له الناس فيصبحوا‬
‫على درجة من الضعف‪ ،‬وكأّنه لم يبق لهم سوى الجلد والعظم‪ ،‬وهذا هو مصير الفراد الذين يتمردون على القائد‬
‫لمة العادل معها كعلي )عليه السلم(‪ .‬والمفردة »أيه« بالكسر والتنوين حسب تصريح‬
‫الفذ والشفيق الرؤوف با ُ‬
‫أغلب أرباب اللغة تستخدم حين يراد تشجيع الشخص على مواصلة الكلم أو العمل وايها بتنوين الفتح تستعمل‬
‫حين يراد دعوة شخص للسكوت أوالمتناع عن العمل‪ ،‬بالنظر إلى أنّ »ايه« وردت في نسخ نهج البلغة بتنوين‬
‫مكسور فالمفهوم ضاعف يا حجاج من ضغوطك على الفراد الطلحاء وضعفاء اليمان جاحدي الحق الطغاة‬
‫ن ُاولئك الفراد يستحقون ما يحل‬
‫ن هذه المفردة كناية في أ ّ‬
‫الذين يتمردون على إمامهم العادل! وبعبارة أخرى فا ّ‬
‫بهم من عذاب إلهي‪ ،‬ل يعني ذلك رضى المام )عليه السلم( بأي مقدار من ظلم الحجاج‪.‬‬
‫ن هذا الدواء وإن كان مّرا لكنه العلج الذي يشفيك فل يصغي لما يقال له‪ ،‬فان‬
‫فالكلم أشبه بما نقوله لشخص إ ّ‬
‫ن مفهوم ذلك ليس‬
‫اشتّد ألمه وتعالى صراخه وارتفع صوته نقول له‪ :‬تألم أكثر! فهذه نتيجة عملك‪ ،‬فمن البديهي أ ّ‬
‫ن تلك هى النتيجة الطبيعية لعدم إمتثاله لوامر الطباء والحكماء‪ ،‬وهذا الكلم‬
‫رضانا بألمه ووجعه‪ ،‬بل معناه أ ّ‬
‫ن َ‬
‫ل‬
‫ل‪َ ،‬وَم ْ‬
‫طُ‬
‫ضّرهُ اْلَبا ِ‬
‫ق َي ْ‬
‫حّ‬
‫ل َوِإّنُه َمن ل َيْنَفُعُه اْل َ‬
‫شبيه ما أورده المام )عليه السلم( في الخطبة ‪ 28‬حيث قال‪َ» :‬أ َ‬
‫ل ِإَلى الّرَدى«‪.‬‬
‫ضل ُ‬
‫جّر ِبِه ال ّ‬
‫سَتِقيُم ِبِه اْلُهَدى‪َ ،‬ي ُ‬
‫َي ْ‬
‫وأّما وذحة فقد صرحت أغلب المصادر اللغوية من قبيل )لسان العرب‪ ،‬مجمع البحرين‪ ،‬أقرب الموارد(‪ ،‬أّنها‬
‫تعني الخنفساء‪ ،‬وقال البعض كصاحب القاموس والخليل بن أحمد في كتاب »العين« أّنها تعني بعرة الحيوان بوله‬
‫الذي يلتصف بصوفه‪.‬‬
‫وأّما بشأن انتخاب كنية »أبا وذحة« للحجاج فقد وردت فيها عّدة أراء ذكرتها التواريخ وشروح نهج البلغة‪،‬‬
‫ن الحجاج رأى يومًا خنفساء قرب موضع صلته فدفعها عنه‪ ،‬فأتته ثانية فدفعها‪ ،‬فلما أتته ثالثة أمسكها‬
‫أنسبها أ ّ‬
‫ن ال تعالى أراد أن يرى هذا السّفاح مدى‬
‫بيده وعصرها فعضته فورمت يده فأدى به الورم إلى الموت‪ ،‬وكأ ّ‬
‫قدرته حيث قضى عليه وبواسطة‬
‫] ‪[ 103‬‬
‫أحقر مخلوقاته‪ ،‬على غرار النمرود ذلك الطاغية المعروف والذي ولجت أنفه بعوضة قضت عليه‪.‬‬
‫ن الحجاج كان يتنفر من الخنفساء فلم تكد تقع عينيه عليها حتى يأمر غلمانه بدفعها‪ ،‬ومن هنا‬
‫وقال البعض أ ّ‬
‫ن الحجاج‬
‫إصطلحت عليه الناس أبا وذحة‪ ،‬ول يبدو مناسبًا أن نذكر هنا سائر ما ورد في هذا الشأن وخلصته أ ّ‬

‫كان يشكو من مرض جنسي‪ ،‬فكان يعالج مرضه بالخنفساء‪ ،‬وقد صّرح ابن أبي الحديد بعد ذكره لهذه الروايات‬
‫ن عادة العرب جرت على ذكر الفرد بكنيته حين الحترام‬
‫ن المام )عليه السلم( إختار هذه الكنية للحجاج ل ّ‬
‫أّ‬
‫وذلك للعظمة‪ ،‬وإن أرادواتحقيره ذكروه بالكنية أيضًا من قبيل كنية عبدالملك بن مروان بأبي الذّبان‪ ،‬حيث كان‬
‫الذباب يتجمع على فمه لخبث رائحته )أو كان حتى الذباب ينفر منه كما صّرح بذلك البعض(‪ ،‬وكذلك كنية يزيد‬
‫بن معاوية بأبي زنة)‪.(1‬‬
‫—–‬
‫قال الشريف الرضي آخر هذه الخطبة‪» :‬الوذحة الخنفساء« وهذا القول يؤمى به إلى الحجاج وله مع الوذحة‬
‫حديث ليس هذا موضع ذكره‪.‬‬
‫—–‬

‫من هو الحجاج؟‬
‫الحجاج من أبشع الطغاة الذين عرفهم التاريخ البشري‪ ،‬وقد ألفت مختلف القصص التي تعني بجرائمه وجناياته‬
‫والتي يصعق لها كل من طيلع عليها‪ ،‬كان والي عبدالملك بن مروان على الكوفة‪ ،‬وعبدالملك خامس الخلفاء بني‬
‫ُامية‪ ،‬وقيل في صفة الحجاج أّنه كان دميم الخلقة كريه المنظر قصير القامة ضعيف أعوج الرجلين أبرص ولعل‬
‫سفكه للدماء وولعه بها ناشيء من تلك العقدة والشعور بالحقارة‪ ،‬وقد ذكر المؤرخ المعروف المسعودي في‬
‫ن أعظم لذته في سفك الدماء والتيان بالفعال التي ل يقوم بها الخرون«)‬
‫»مروج الذهب«‪» :‬بأّنه كان يعترف بأ ّ‬
‫‪.(2‬‬
‫‪ .1‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪.7/279‬‬
‫‪ .2‬مروج الذهب ‪.3/125‬‬

‫] ‪[ 104‬‬
‫تولى إمارة الحجاز »مكة والمدينة« من قبل عبدالملك بن مروان لسنتين فارتكب أبشع الفضائع ومنها قصفه‬
‫الكعبة بالمنجنيق‪ ،‬ثم وضع النار على طائفة من صحابة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله(المعروفين مثل جابر‬
‫بن عبدال النصاري‪ ،‬وأنس بن مالك‪ ،‬وسهل بن الساعدي على أّنهم اشتركوا في قتل عثمان‪ ،‬ثم وجهه عبدالملك‬
‫إلى العراق ووله البصرة والكوفة‪ ،‬حكم الحجاج مّدة عشرين سنة وبلغ من قتلهم الحجاج مئة الف وعشرين من‬
‫غير الذين قتلوا على يديه وأعوانه في الحروب‪ ،‬كان في سجنه حين مات خمسون ألف رجل ثلثين ألف وإمرأة‬
‫ستة عشر ألف منهم عراة‪ ،‬وكان يضع النساء مع الرجال ولم يكن لسجنه سقف فكانوا يعانون من شّدة الحرارة في‬
‫الصيف والبرودة في الشتاء‪.‬‬
‫ن حرس السجن كانوا يرمون السجين بالحجر إن لذ بالجدار من شّدة حرارة الشمس‪ ،‬وكان‬
‫وقال ابن الجوري‪ :‬أ ّ‬
‫ل من الخبز المخلوط بالملح والرماد‪ ،‬فكان يسود وجه من يدخل السجن بحيث ل تعرفه ُامه حين تأتي‬
‫طعامهم قلي ً‬
‫لرؤيته‪.‬‬
‫ولعل أبلغ كلم قيل في الحجاج ما ذكره الشعبي حين قال‪» :‬لو أخرجت كل ُامة خبيثها وفاسقها وأخرجنا الحجاج‬
‫بمقابلتهم لغلبناهم«‪.‬‬
‫وكان موته ذا عبرة أيضًا حيث أصيب بمرض شديد فكان يصرخ بشّدة من اللم حيث كانت تسيطر عليه برودة‬
‫شديدة فيضعون قربه ظروفًا مملوءة بالنار حتى كان يحترق جلده وهو يرتعش من البرد‪.‬‬

‫نعم‪ ،‬لقد احترق بنار الدنيا قبل نار الخرة‪ ،‬توفي في الرابعة والخمسين من عمره عام ‪ 95‬هـ فإلى جهّنم وبئس‬
‫المصير‪(1).‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬مروج الذهب ‪ ;36/166‬وتاريخ ابن الجوزي حسب نقل سفينة البحار‪ ،‬وسيرة الئمة‪ ;244/ ،‬وشرح نهج البلغة للمرحوم‬
‫التستري ‪.6/12‬‬

‫] ‪[ 105‬‬

‫الخطبة)‪117 (1‬‬

‫ن َكلم َلُه)عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫ُيوّبخ البخلء بالمال والنفس‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫ن هذه الخطبة القصيرة هى جزء من خطبة طويلة فصلها المرحوم السيد الرضي‪ ،‬ومن هنا لم يتضح سبب‬
‫يبدوا أ ّ‬
‫ووردها ول أقسامها الولى‪ :‬والخرة‪ ،‬مع ذلك فهى تشتمل على عبارات مؤثرة ومعّبرة رغم قصرها‪.‬‬
‫ن المام )عليه السلم( أورد هذه العبارات ضمن خطبة في نهاية معركة صفين‬
‫ويستفاد من بعض المصادر)‪ (2‬أ ّ‬
‫فهى تناسب تلك الجواء تمامًا‪.‬‬
‫حون في بذل الموال والنفس في سبيل‬
‫ن المام )عليه السلم( عرض بالذم المخاطبيه الذين يس ّ‬
‫على كل حال فا ّ‬
‫ال سبحانه وتعالى فقال لهم اعتبروا بتاريخ أسلفكم واتعظوا بحياتهم كيف تركوا كل شيء وارتحلوا عنه‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬

‫ن أي مصدر غير نهج البلغة لم يتعرض لنقل هذه الخطبة‪ ،‬ويكتفي بالشارة إلى كلم ابن أبي الحديد‬
‫ورد في مصادر نهج البلغة أ ّ‬
‫ن هناك‬
‫في آخر هذه الخطبة وقال‪ :‬جاء في بعض الروايات »أصل اخوانكم« بدًل من »أوصل إخوانكم« ويستفاد إجماًل من هذا الكلم أ ّ‬
‫مصدرًا آخر لبن أبي الحديد في هذه الخطبة‪.‬‬
‫‪ .2‬تمام نهج البلغة‪ ،‬ص ‪.659‬‬

‫] ‪[ 106‬‬
‫] ‪[ 107‬‬

‫نا ّ‬
‫ل‬
‫عَباِدِه‪َ ،‬ول ُتْكِرُمو َ‬
‫عَلى ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ِبا ّ‬
‫خَلَقَها‪َ .‬تْكُرُمو َ‬
‫طْرُتْم ِبَها ِلّلِذي َ‬
‫خا َ‬
‫س َ‬
‫ل َأْنُف َ‬
‫ل َبَذُْلتُموَها ِلّلِذي َرَزَقَها‪َ ،‬و َ‬
‫ل َأْمَوا َ‬
‫»َف َ‬
‫خَواِنُكْم«‪.‬‬
‫ل ِإ ْ‬
‫صِ‬
‫ن َأْو َ‬
‫عْ‬
‫عُكْم َ‬
‫طا ِ‬
‫ن َقْبَلُكْم‪َ ،‬واْنِق َ‬
‫ن َكا َ‬
‫ل َم ْ‬
‫عَتِبُروا ِبُنُزوِلُكْم َمَناِز َ‬
‫عَباِدِه! َفا ْ‬
‫ِفي ِ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الفكر والعتبار‬
‫ل َأْمَوا َ‬
‫ل‬
‫إستهل المام )عليه السلم( هذه الخطبة بذّم طائفة من أصحابه وهو يعتب غليهم ويوبخهم فقال‪َ» :‬ف َ‬
‫خَلَقَها«‪.‬‬
‫طْرُتْم ِبَها ِلّلِذي َ‬
‫خا َ‬
‫س َ‬
‫ل َأْنُف َ‬
‫َبَذُْلتُموَها ِلّلِذي َرَزَقَها‪َ ،‬و َ‬
‫ن ال تبارك وتعالى خالق النفس هو المالك الصلي لهذه الموال‪ ،‬وهذه الموال والنفس أمانة‬
‫فالواقع هو أ ّ‬
‫ل أّنكم أخلدتم إليها وإلتصقتم بها وكأّنكم أنتم المالك الصلي‬
‫استودعها ال سبحانه الناس مّدة من الزمان‪ ،‬وإ ّ‬
‫والخالق لها‪ ،‬وهذا قمة الجهل بالواقع‪ ،‬فالعبارة تبدو متناسبة تمامًا وإلقاء هذا الكلم بعد معركة صفين‪ ،‬حيث كانت‬
‫هناك فئة في جيش المام )عليه السلم( لم تكن مستعدة للمخاطرة بأرواحها دفاعًا عن الحق ولم تكن حاضرة لبذل‬
‫ما في أيديها من أموال لتجهيز جند السلم‪.‬‬

‫ن هذا الزدواج لشيء عجيب في أن يتوقع النسان أن يعّزه ويكرمه الناس على أّنه عبد من عباد ال‪ ،‬بينما‬
‫حقًا إ ّ‬
‫ل يكرم أي من عبيد ال سبحانه‪ ،‬فهو ل ينفق شيئًا من ماله ول يضحي‬
‫‪ .1‬ورد الفعل تكرمون بصيغة الفعل الثلثي المجرد المعلوم الذي يعني الكرام والحترام‪ ،‬وهى هنا بمعنى انتظار الكرام‪.‬‬

‫] ‪[ 108‬‬
‫بنفسه من أجل الوقوف بوجه الظالم ونصرة المظلوم‪.‬‬
‫ثم يختتم المام )عليه السلم( كلمه بتحذيرهم وضرورة العتبار بمن سبقهم حيث سيجري عليهم نفس الحكم‪،‬‬
‫وإن كانوا رحلوا فسترحلون ويأتي قوم آخرين يسكنون مساكنكم كما سكنتم منازل من كان قبلكم كما عليهم‬

‫التعاظ بانفصام عرى القرابة حتى مع أقرب إخوانكم‪ ،‬فقد رأيتم بأعينكم ذهاب بعض أعزتكم وقريبًا ما تلحقون‬
‫خَواِنُكْم«‪.‬‬
‫ل ِإ ْ‬
‫صِ‬
‫ن َأْو َ‬
‫عْ‬
‫عُكْم َ‬
‫طا ِ‬
‫ن َقْبَلُكْم‪َ ،‬واْنِق َ‬
‫ن َكا َ‬
‫ل َم ْ‬
‫عَتِبُروا ِبُنُزوِلُكْم َمَناِز َ‬
‫بهم‪َ» :‬فا ْ‬
‫ن كافة الموال والنفس ودائع وهى مخلوقة جميعًا ل‪ ،‬وأّنه سبحانه يداول هذه الموال‬
‫فهذا دليل آخر على أ ّ‬
‫والمساكن والمناصب بين الناس إلى أجل مسمى‪ ،‬والتاريخ أعظم شاهد على هذا المر‪.‬‬
‫فلسنا أول من وطأنا هذا العالم‪ ،‬ولسنا بأخر من يغادره‪ ،‬إننا حلقة صغيرة ضمن هذه السلسلة الطويلة الممتدة منذ‬
‫بداية الخليقة حتى نهاية العالم‪ ،‬فمن الغفلة أل نرى الحلقات السابقة واللحقة‪ ،‬فل نعرف موقعنا في هذا العالم‬
‫ونرى هذه الدنيا خالدة دائمة لنا‪.‬‬
‫ن المام )عليه السلم( كشف النقاب عن المكنون بهذه العبارات بما يوقظ النائم الغافل ويقض‬
‫وزبدة الكلم فا ّ‬
‫مضجع من يشهد سكر المال والمقام والجاه‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 109‬‬

‫الخطبة)‪118 (1‬‬

‫ن َكلم لُه)عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫في الصالحين من أصحابه‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫ن المام )عليه السلم( أورد هذا الكلم بعد‬
‫كما ذكر في سند هذه الخطبة فقد صّرح بعض شّراح نهج البلغة أ ّ‬
‫معركة الجمل‪ ،‬حيث كان أصحاب المام )عليه السلم( وحدة واحدة وصفوف متراصة مطيعة لوامره‬
‫وتوجيهاته فحققوا نصرًا سريعًا باهرًا بعد أن قضوا بكل شجاعة وبسالة على فلول العدو وأخمدوا نار الفتنة‪.‬‬
‫فققد أثنى المام )عليه السلم( عليهم بهذه العبارات البليغة القصيرة‪ ،‬ثم أوصاهم بمواصلة السير على هذا النهج‪،‬‬
‫وأخيرًا إختتم خطبته بإشارة عابرة إلى مقام وليته‬
‫—–‬

‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫نقل هذه الخطبة المؤرخ المعروف الطبري في كتابه »تاريخ اُلمم والملوك«‪ ،‬وابن قتيبة الدينوري في كتاب »المام والسياسية«‪،‬‬
‫وابن أبي الحديد الذي قال في شرح هذه الخطبة‪ ،‬قال علي )عليه السلم( هذا الكلم بعد معركة الجمل‪ ،‬كما نقلها المدائني‪ ،‬والواقدي‬
‫في كتبهما )مصادر نهج البلغة ‪.(2/261‬‬

‫] ‪[ 110‬‬
‫] ‪[ 111‬‬

‫ب اْلُمْدِبَر‪،‬‬
‫ضِر ُ‬
‫س‪ِ .‬بُكْم َأ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫طاَنُة ُدو َ‬
‫س‪َ ،‬واْلِب َ‬
‫ن َيْوَم اْلَبْأ ِ‬
‫جَن ُ‬
‫ن‪َ ،‬واْل ُ‬
‫ن ِفي الّدي ِ‬
‫خَوا ُ‬
‫لْ‬
‫ق‪َ ،‬وا ِْ‬
‫حّ‬
‫عَلى اْل َ‬
‫صاُر َ‬
‫لْن َ‬
‫»َأْنُتُم ا َْ‬
‫س!«‪.‬‬
‫س ِبالّنا ِ‬
‫لْوَلى الّنا ِ‬
‫ل ِإّني َ‬
‫ب‪َ .‬فوا ّ‬
‫ن الّرْي ِ‬
‫سِليَمة ِم َ‬
‫ش‪َ ،‬‬
‫ن اْلِغ ّ‬
‫خِلّية ِم َ‬
‫حة َ‬
‫صَ‬
‫عيُنوِني ِبُمَنا َ‬
‫ل‪َ .‬فَأ ِ‬
‫عَة اْلُمْقِب ِ‬
‫طا َ‬
‫جو َ‬
‫َوَأْر ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الصحاب الوفياء‬
‫شحنت أغلب خطب نهج البلغة بالذم الشديد بالنسبة لطائفة من أصحاب المام )عليه السلم(خاصة بعد معركة‬
‫صفين على ما أبدوه من ضعف وفرقة وغدر في ميدان المعركة‪ ،‬لكن في هذه الخطبة التي وردت بعد معركة‬
‫ن المام )عليه السلم( يعرض بالمدح والثناء البليغ على أصحابه الوفياء‪ ،‬ويدل هذا بوضوح على أ ّ‬
‫ن‬
‫الجمل‪ ،‬فا ّ‬
‫المام )عليه السلم( كان على الدوام يحث المحسنين من أصحابه ويرغبهم في العمال الصالحة‪ ،‬كما كان يذم‬
‫المسيئين منهم‪ ،‬ليخلص الفريق الول في عمله ويلتصق به‪ ،‬ويرعوي الفريق الثاني ويهم بإصلح نفسه‪ ،‬فقد‬
‫ن)‪(1‬‬
‫جَن ُ‬
‫ن‪َ ،‬واْل ُ‬
‫ن ِفي الّدي ِ‬
‫خَوا ُ‬
‫لْ‬
‫ق‪َ ،‬وا ِْ‬
‫حّ‬
‫عَلى اْل َ‬
‫صاُر َ‬
‫لْن َ‬
‫خاطب المام الصالحين من صحبه بأربع عبارات‪َ» :‬أْنُتُم ا َْ‬
‫س«‪.‬‬
‫ن الّنا ِ‬
‫طاَنُة)‪ُ (2‬دو َ‬
‫س‪َ ،‬واْلِب َ‬
‫َيْوَم اْلَبْأ ِ‬
‫نعم‪ ،‬أنتم إخواني في الدين وقد أثبتم عدم تقصيركم في نصرة الحق‪ ،‬تقفون بكل شموخ في ميادين القتل بوجه‬
‫العداء‪ ،‬إلى جانب ذلك فأنتم ثقة في حفظ السرار المتعلقة بالحرب والسلم‪.‬‬
‫ل«‪.‬‬
‫عَة اْلُمْقِب ِ‬
‫طا َ‬
‫جو َ‬
‫ب اْلُمْدِبَر‪َ ،‬وَأْر ُ‬
‫ضِر ُ‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪ِ» :‬بُكْم َأ ْ‬
‫‪» .1‬جنن«‪ :‬جمع »جنة« على وزن قّوة الوقاية‪.‬‬
‫‪» .2‬بطانة«‪ :‬من مادة »بطن« صاحب السر وخاصة الرجل‪.‬‬

‫] ‪[ 112‬‬
‫ب لمقارعته ول سبيل هناك سوى التصدي له‬
‫ن الناس على صنفين‪ :‬صنف أدار ظهره للحق وه ّ‬
‫إشارة إلى أ ّ‬
‫والوقوف بوجهه‪ ،‬وأنتم النصار في هذا القتال‪ ،‬وصنف آخر أقبل على الحق ولكن ل يتمتع بالمعرفة اللزمة‬
‫والطاعة الكافية‪ ،‬وسأعمل على تربيتهم بواسطتكم لكي ينقادوا ل ويطيعوه‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬فأنتم أنصاري في مقاتلة العدو وكذلك في المجال الفكري تجاه الصديق‪ ،‬ثم نصح )عليه السلم(‬
‫ب«‪.‬‬
‫ن الّرْي ِ‬
‫سِليَمة ِم َ‬
‫ش‪َ ،‬‬
‫ن اْلِغ ّ‬
‫خِلّية ِم َ‬
‫حة َ‬
‫صَ‬
‫عيُنوِني ِبُمَنا َ‬
‫صحبه الوفياء بعبارتين عميقتين المعنى فقال‪َ» :‬فَأ ِ‬

‫ن بطانة المراء ومشاوري الحّكام غالبًا ما يقدمون مصالحهم الشخصية‬
‫ففي العبارة إشارة إلى نقطة مهّمة وهى أ ّ‬
‫حكام على أساس إرادة الخير والخدمة‪ ،‬بل أحيانًا يطرحون‬
‫أو منافع قرابتهم ومن لهم علقة بهم‪ ،‬ثم يعرضونها لل ّ‬
‫بعض القتراحات التي ل يقتنعون بها أنفسهم وهذا ما يؤّدي بدوره إلى الحباط والفشل في أغلب الخطط‪ ،‬فالمام‬
‫)عليه السلم( يؤكد على أصحابه الخلص في ما يطرحونه من أراء واقتراحات وابعادها عن كل ما يشوبها‬
‫وعدم الخذ بنظر العتبار سوى الخير وصلح دين الحق وعباد ال‪.‬‬
‫س!«‪.‬‬
‫س ِبالّنا ِ‬
‫لْوَلى الّنا ِ‬
‫ل ِإّني َ‬
‫وأخيرًا يختتم خطبته بهذه العبارة‪َ» :‬فوا ّ‬
‫ولعل هذه العبارة دليل على العبارات السابقة‪ ،‬أي إّني إن توقعت نصرتكم ووقوفكم إلى جانبي فذلك كوني ولي‬
‫أمر الناس باذن ال‪ ،‬بل إّني أولى بهم حتى من أنفسهم‪ ،‬وهذا ما ينبغي أن يجعلكم تشعرون بالرضى والسرور‬
‫على إّنكم تسيرون خلف مثل هذا المام وتطيعون أوامره‪.‬‬
‫—–‬

‫الثناء على الصحاب‬
‫أثنى المام )عليه السلم( ثناءًا بليغًا على أصحابه بعد معركة الجمل‪ ،‬حيث استطاعوا بمّدة قياسية ومن خلل‬
‫إتحادهم وصمودهم وقّوة إيمانهم من القضاء على قدرات العدو وإخماد نار الفتنة في تلك المنطقة السلمية‬
‫الحساسة )البصرة(‪.‬‬
‫] ‪[ 113‬‬
‫بينما توالت الخطب التي تعرض بالذّم لطائفة أخرى من أصحابه‪ ،‬وذلك بعد معركة صفين التي انتهت بفشلهم‬
‫بفعل اختلف كلمتهم وضعفهم في عقيدتهم وإرادتهم وعدم طاعتهم وإمتثالهم للوامر‪ ،‬ولم يكن ذيك سوى في‬
‫اللحظات الخيرة التي أوشك النصر فيها على التحقق والرسوخ‪ ،‬فذلك الثناء وهذا الذم يفيد أن كل ذلك يتّم على‬
‫أساس حساب تخطيط وليس هناك من تناقض في المر‪ ،‬كما لم تطلق كلمة في هذا المجال تتعارض والحكمة‬
‫والمصلحة‪ ،‬المر الذي رّبما يلتبس على البعض الذين ل يعلمون بشأن وورد هذه الخطبة‪.‬‬
‫لمة تجاه الحكومة‪ ،‬فيجب عليها‬
‫ن المام )عليه السلم( عين في هذا الكلم القصير وظيفة ا ُ‬
‫النقطة الخرى هى أ ّ‬
‫من جانب الوقوف من أجل استقطاب الوفياء ودفع الحاقدين‪ ،‬ومن جانب آخر التمعن في كافة النشطة السياسية‬
‫والجتماعية والعسكرية وإبداء المقترحات النافعة والنتقادات البناءة بهذا الخصوص‪.‬‬
‫ثم يشير في آخر عبارة من هذه الخطبة إلى نقطة مهّمة وهى مسألة الولية اللهّية‪ ،‬وهو المر الذي أكّده النبي‬
‫سُكم«‪ ،‬فرّد المسلمون‪ :‬بلى يا‬
‫ن َأنُف ِ‬
‫ت َأولى ِبُكم ِم ْ‬
‫الكرم )صلى ال عليه وآله( في خطبة الغدير حيث قال‪َ» :‬أَلس ُ‬
‫ل«‪. .‬هكذا قطع رسول ال )صلى ال عليه‬
‫ي مو ُ‬
‫عِل ّ‬
‫ت َمولُه َفهذا َ‬
‫ن ُكن ُ‬
‫رسول ال‪ ،‬ثّم قال )صلى ال عليه وآله(‪َ» :‬م ْ‬
‫وآله( العذار على جميع من يتشبث بالحجج الواهية ويختلق الذرائع ليقول الولي هنا بمعنى الصديق‪.‬‬
‫—–‬
‫سُكم« من‬
‫ن َأنُف ِ‬
‫ت َأولى ِبُكم ِم ْ‬
‫لمة الميني صاحب كتاب الغدير قد نقل العبارة‪َ» :‬أَلس ُ‬
‫ن الع ّ‬
‫والطريف في المر أ ّ‬
‫أربعة وستين محّدثا ومؤرخًا إسلميًا‪ ،‬وهذا ما يؤكد إتفاق الجميع على هذه العبارة)‪ ،(1‬فالمام )عليه السلم( ذكر‬
‫س!«‪.‬‬
‫س ِبالّنا ِ‬
‫لْوَلى الّنا ِ‬
‫ل ِإّني َ‬
‫ل‪َ» :‬فوا ّ‬
‫هذه النقطة في الخطبة وأقسم قائ ً‬
‫ن أوامر المام المعصوم كأوامر ال تبارك وتعالى مقدمة على رغبات‬
‫ن المراد من هذ العبارة هو أ ّ‬
‫من الواضح أ ّ‬
‫ب في طريق مصالح المجتمع ومنافعه‪.‬‬
‫الناس‪ ،‬وإن كانت هذه الوامر تص ّ‬
‫—–‬

‫‪ .1‬الغدير ‪.1/371‬‬

‫] ‪[ 114‬‬
‫] ‪[ 115‬‬

‫الخطبة)‪119 (1‬‬

‫ن َكلم لُه)عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫وقد جمع الناس وحضهم على الجهاد فسكتوا ملّيا‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫ن المام )عليه السلم( أورد هذه الخطبة إثر إحدى حملت معاوية وجيش الشام على‬
‫كما ورد في سند الخطبة فا ّ‬
‫أطراف العراق‪ ،‬فيعرض المام )عليه السلم( بالنقد اللذع في هذه الخطبة لذلك الصمت السلبي وعدم الكتراث‬
‫من قبل الناس تجاه تلك الحدث المؤذية التي تضعف معنويات جند السلم وروحياتهم‪ ،‬وحين رّد البعض على‬
‫ن وظيفة المام‬
‫المام )عليه السلم( إن سرت سرنا معك‪ ،‬شدد المام )عليه السلم(من ذّمهم وتوبيخهم على أ ّ‬
‫وزعيم الجماعة ليست في أن يدفع بشخصه لخماد أي تمّرد ومطاردة عدو وترك مركز الحكومة السلمية‬
‫والتخلي عن مختلف وظائفه‪ ،‬فالمام لبّد أن يقوم بهذا العمل في الحداث الغاية في الهمّية ويترك لبعض‬
‫لصول المسلمة للدارة والمرة وللسف لم يكن‬
‫المراء الصغار ممن دونه التعامل مع سائر الحداث‪ ،‬فهذا أحد ا ُ‬
‫أهل الكوفة على علم بذلك أو أّنهم لم يريدوا العلم بذلك‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫سر ابن الثير في »النهاية« بعض المفردات من هذه الخطبة‪ ،‬كما أشار إلى بعض عباراتها‪.‬‬
‫نقلت مصادر أخرى هذه الخطبة وكذلك ف ّ‬
‫ن المام خطبها بعد معركة صفين والنهروان بعد غارات أهل الشام على مناطق البلد‬
‫قال ابن أبي الحديد في شرح لهذه الخطبة أ ّ‬
‫السلمية‪ ،‬وهذا يفيد وجود مصدر آخر لبن أبي الحديد غير الذي إعتمده السيد الرضي )مصادر نهج البلغة ‪.(2/263‬‬

‫] ‪[ 116‬‬
‫] ‪[ 117‬‬

‫القسم الول‬

‫ن َأْنُتْم؟‬
‫سو َ‬
‫خَر ُ‬
‫ل )عليه السلم( ‪َ :‬ما َباُلُكْم َأُم ْ‬
‫»َفَقا َ‬
‫ك‪.‬‬
‫سْرَنا َمَع َ‬
‫ت ِ‬
‫سْر َ‬
‫ن ِ‬
‫ن‪ِ ،‬إ ْ‬
‫ل َقْوٌم ِمْنُهْم‪َ :‬يا َأِميَراْلُمْؤِمِني َ‬
‫َفَقا َ‬
‫خُر ُ‬
‫ج‬
‫ج؟ َوِإّنَما َي ْ‬
‫خُر َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ل هَذا َيْنَبِغي ِلي َأ ْ‬
‫صد! َأِفي ِمْث ِ‬
‫ل ُهِديُتْم ِلَق ْ‬
‫شد! َو َ‬
‫سّدْدُتْم ِلُر ْ‬
‫ل ُ‬
‫ل )عليه السلم( ‪َ :‬ما َباُلُكْم! َ‬
‫َفَقا َ‬
‫ت اْلَما ِ‬
‫ل‬
‫صَر َوَبْي َ‬
‫جْنَد َواْلِم ْ‬
‫ع اْل ُ‬
‫ن َأَد َ‬
‫ل َيْنَبِغي ِلي َأ ْ‬
‫سُكْم‪َ ،‬و َ‬
‫جَعاِنُكْم َوَذِوي َبْأ ِ‬
‫شْ‬
‫ن ُ‬
‫ضاُه ِم ْ‬
‫ن َأْر َ‬
‫ل ِمّم ْ‬
‫جُ‬
‫ل هَذا َر ُ‬
‫ِفي ِمْث ِ‬
‫ل َتَقْلُق َ‬
‫ل‬
‫خَرى‪َ ،‬أَتَقْلَق ُ‬
‫ج ِفي َكِتيَبة َأْتَبُع ُأ ْ‬
‫خُر َ‬
‫ن‪ُ ،‬ثّم َأ ْ‬
‫طاِلبي َ‬
‫ق اْلُم َ‬
‫حُقو ِ‬
‫ظَر ِفي ُ‬
‫ن‪َ ،‬والّن َ‬
‫سِلمْي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ضاَء َبْي َ‬
‫ض‪َ ،‬واْلَق َ‬
‫لْر ِ‬
‫جَباَيَة ا َْ‬
‫َو ِ‬
‫طَر َ‬
‫ب‬
‫ضَ‬
‫حاَر َمَداُرَها‪َ ،‬وا ْ‬
‫سَت َ‬
‫ي َوَأَنا ِبَمَكاِني‪َ ،‬فِإَذا َفاَرْقُتُه ا ْ‬
‫عَل ّ‬
‫حى‪َ ،‬تُدوُر َ‬
‫ب الّر َ‬
‫ط ُ‬
‫غ‪َ ،‬وِإّنَما َأنا ُق ْ‬
‫جِفيِر اْلَفاِر ِ‬
‫ح ِفي اْل َ‬
‫اْلِقْد ِ‬
‫سوُء!«‪.‬‬
‫ي ال ّ‬
‫ل الّرْأ ُ‬
‫ِثَفاُلَها‪ .‬هَذا َلَعْمُر ا ّ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫المخّلفون الضعفاء والجّهال‬
‫حين بلغ المام )عليه السلم( هجوم أعوان معاوية على بعض المناطق الحدودية‪ ،‬جمع الناس وأمرهم بالحركة‬
‫إلى الجهاد‪ ،‬لكن وكما ورد في الخطبة المذكورة سكت الناس ولم يجيبوه‪ ،‬فامتعظ المام )عليه السلم( وتأثر‬
‫ن َأْنُتْم؟‬
‫سو َ‬
‫خَر ُ‬
‫ل )عليه السلم( ‪َ» :‬ما َباُلُكْم َأُم ْ‬
‫شديدًا فقال‪َ :‬فَقا َ‬
‫ك«‪.‬‬
‫سْرَنا َمَع َ‬
‫ت ِ‬
‫سْر َ‬
‫ن ِ‬
‫ن‪ِ ،‬إ ْ‬
‫ل َقْوٌم ِمْنُهْم‪َ :‬يا َأِميَراْلُمْؤِمِني َ‬
‫َفَقا َ‬
‫فرّد عليهم المام بعنف بعدم التوفيق وبلوغ الهدف)‪ ،(1‬فل ينبغي للمام الحركة في مثل تلك‬
‫‪ .1‬هنالك خلف بين شّراح نهج البلغة بشأن هذه الجملة هل هى جملة خبرية تخبر عن وضع جماعة الكوفة الضعيفة والمسلوبة‬
‫ل ل يدعهم يتوفقون في حياتهم أبدًا‪ ،‬أم أّنها جملة إنشائية ونوع من الشمئزاز‪ ،‬يبدو المعنى الثاني هو‬
‫الرادة على أّنهم سلكوا سبي ً‬
‫النسب‪.‬‬

‫] ‪[ 118‬‬
‫ل هَذا َيْنَبِغي ِلي َأ ْ‬
‫ن‬
‫صد! َأِفي ِمْث ِ‬
‫ل هُِديُتْم ِلَق ْ‬
‫شد! َو َ‬
‫سّدْدُتْم)‪ِ (1‬لُر ْ‬
‫ل ُ‬
‫ل )عليه السلم( ‪َ :‬ما َباُلُكْم! َ‬
‫الظروف‪َ» :‬فَقا َ‬
‫سُكْم«‪.‬‬
‫جَعاِنُكْم َوَذِوي َبْأ ِ‬
‫شْ‬
‫ن ُ‬
‫ضاُه ِم ْ‬
‫ن َأْر َ‬
‫ل ِمّم ْ‬
‫جُ‬
‫ل هَذا َر ُ‬
‫ج ِفي ِمْث ِ‬
‫خُر ُ‬
‫ج؟ َوِإّنَما َي ْ‬
‫خُر َ‬
‫َأ ْ‬
‫فلم يكم متعارفًا في أي مكان من الدنيا ول عصر من العصور أن ينهض زعيم فرقة أو رئيس دولة بشخصه‬
‫للتدخل في حادثة صغيرة وبلبلة معينة‪ ،‬بل عادة ما يوجه لها أحد آمريه برفقة مجموعة من العناصر الشجاعة‬
‫ن التخلي عن مركز الحكومة من شأنه أن يقود إلى عّدة‬
‫والوفية من أجل إخماد الفتنة وحل النزاع‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫جَباَيَة‬
‫ل َو ِ‬
‫ت اْلَما ِ‬
‫صَر َوَبْي َ‬
‫جْنَد َواْلِم ْ‬
‫ع اْل ُ‬
‫ل َيْنَبِغي ِلي َأنْ َأَد َ‬
‫ل‪َ» :‬و َ‬
‫مخاطر جانبية‪ ،‬ومن هنا واصل المام كلمه قائ ً‬
‫ل)‪(3‬‬
‫ل َتَقْلُق َ‬
‫خَرى‪َ ،‬أَتَقْلَق ُ‬
‫ج ِفي َكِتيَبة)‪َ (2‬أْتَبُع ُأ ْ‬
‫خُر َ‬
‫ن‪ُ ،‬ثّم َأ ْ‬
‫طاِلبي َ‬
‫ق اْلُم َ‬
‫حُقو ِ‬
‫ظَر ِفي ُ‬
‫ن‪َ ،‬والّن َ‬
‫سِلمْي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ضاَء َبْي َ‬
‫ض‪َ ،‬واْلَق َ‬
‫لْر ِ‬
‫ا َْ‬
‫غ)‪.«(6‬‬
‫جِفيِر)‪ (5‬اْلَفاِر ِ‬
‫ح)‪ِ (4‬في اْل َ‬
‫اْلِقْد ِ‬

‫فقد أشار المام )عليه السلم( بهذه العبارة إلى ستة جوانب تتضمن الوظائف المهّمة لرئيس الدولة يمكنها النهيار‬
‫جميعًا فيما إذا شغر مركز الحكومة من ذلك الرئيس‪ ،‬وهى الشراف على الجند وأمور العسكر والجيش والحفاظ‬
‫على مركز الدولة وحفظ بين مال المسلمين وجباية الخراج والضرائب والقضاء بينهم والدفاع عن حقوق عنهم‪.‬‬
‫فمن البديهي يمكن لرئيس الدولة أن يشخص بنفسه للتعامل مع الحوادث الضحمة ويهب لمواجهة العدو‪ ،‬أّما في‬
‫غيرها من الحوادث ذات الطبيعة العادية‪ ،‬فيمكن لغيره التعامل معها‪ ،‬وتشير سيرة الرسول الكرم )صلى ال‬
‫عليه وآله( أّنه كان يشخص بنفسه الشريفة في الغزوات المهّمة المصيرية‪ ،‬فيتزعم الجند‪ ،‬وكان ينصب بعض‬
‫الفراد في الغزوات العادية فيسلمه الراية‬
‫‪» .1‬سددتم«‪ :‬من مادة »سد« المعروف المعنى ولما كان السد هو البناء المحكم فالتسديد يعني الحكام والترسيخ وسدده وفقه‬
‫للسداد‪.‬‬
‫‪» .2‬كتيبة«‪ :‬طائفة من الجيش قال بعض أرباب اللغة يتراوح عددها من مئة إلى ألف‪.‬‬
‫‪» .3‬تقلقل«‪ :‬الحركة من جانب إلى آخر‪.‬‬
‫‪» .4‬قدح«‪ :‬بكسر القاف السهم أو القطعة من الخشب وقيل أيضًا هو السهم قبل أن يراش وينصل‪.‬‬
‫‪» .5‬جفير«‪ :‬الكنانة التي توضع جانب الفرس وتوضع فيها السهام‪.‬‬
‫‪» .6‬الفراغ«‪ :‬بمعنى الخالي‪.‬‬

‫] ‪[ 119‬‬
‫ويوصيه ببعض التعاليم كما يوصي الجيش بطاعة أوامره‪ ،‬وهكذا كانت تحصل أغلب الغزوات في تاريخ السلم‬
‫ن صحابة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( كانوا‬
‫والتي يصطلح عليها عادة بالسرية‪ ،‬غاية ما في المر أ ّ‬
‫يأتمرون بأوامره بحيث يطيعونه في كل ما يقول ولم يكن يرد عليه أحد بأن سرت سرنا معك‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬صحيح لكل قسم مسؤول على أساس تقسيم وتنظيم شؤون البلد‪ ،‬لكن ل يخفى الدور الحيوي الذي يلعبه‬
‫الرئيس المشرف على ُاولئك المسؤولين في تقدم العمال والنهوض بها قدمًا‪ ،‬هذا المر واضح تمامًا‪ ،‬بل هو من‬
‫البديهيات‪ ،‬لكن ُاولئك المتقاعسون المسلوبون الرادة والضعاف الذين يتذرعون بمختلف الذرائع من أجل إجتناب‬
‫مواجهة العدو فيشترطون شرطًا غاية في البعد عن المنطق لخروجهم‪ ،‬وبعبارة أخرى شرطهم هو تعليق على‬
‫المحال‪ ،‬ويواصل المام )عليه السلم( كلمه من خلل تشبيه رائع لشخصه بقطب الرحا ومحورها والذي يفيد‬
‫ضرورة بقائه في موضعه )بحيث تدور كل المور من خلله( فان إبتعد هذا المحور عن مركزه اختلت حركة‬
‫طَر َ‬
‫ب‬
‫ضَ‬
‫حاَر)‪َ (1‬مَداُرَها‪َ ،‬وا ْ‬
‫سَت َ‬
‫ي َوَأَنا ِبَمَكاِني‪َ ،‬فِإَذا َفاَرْقُتُه ا ْ‬
‫عَل ّ‬
‫حى‪َ ،‬تُدوُر َ‬
‫ب الّر َ‬
‫ط ُ‬
‫جميع الشياء‪َ» :‬وِإّنَما َأنا ُق ْ‬
‫ِثَفاُلَها«‪.‬‬
‫فقد جرت العادة سابقًا على الستفادة من الرحى اليدوية أو المائية والهوائية من أجل طحن الحنطة والشعير‪،‬‬
‫وكانت بنية هذه الليات بسيطة وواضحة‪ ،‬فقد كانت هناك حجرة ثابتة في السفل وأخرى تتحرك في المام‬
‫بواسطة حركة اليد أو ضغط الماء الذي يعبر من تحتها أو الرياح‪ ،‬وكان وسط الحجرين قطب يدور حول محوره‬
‫الحجر لو كسر القطب لخرج الحجر عن مساره ووقع جانبًا إلى جانب ذلك كان هناك جلد كبير أو قطعة من‬
‫القماش تبسط تحت الرحا لجمع الدقيق بسهولة‪ ،‬حيث إذا خرج الدقيق من وسط الحجرين وقع عليه‪ ،‬ولو زال ذلك‬
‫القطب والمحور الصلي لوقفت الرحا عن الحركة ووقع الحجر على تلك القطعة من القماش أو الجلد‬
‫وإضطراب‪.‬‬
‫ب ِثَفاُلَها«‪ ،‬إضافة إلى ذلك فا ّ‬
‫ن‬
‫طَر َ‬
‫ضَ‬
‫حاَر َمَداُرَها‪َ ،‬وا ْ‬
‫سَت َ‬
‫هذا ما أشار إليه المام بقوله‪» :‬ا ْ‬
‫‪» .1‬استحار«‪ :‬من مادة »تحير وحيرة« بمعنى التردد والضطراب وتطلق على السحب الثقيلة التي ل تدعها الرياح تتحرك في‬
‫مسارها وكأّنها تبقى مضطربة مترددة‪.‬‬

‫] ‪[ 120‬‬
‫الشيء الذي يحرك الحجر في الرحا هو ذلك الواقع في وسط الحجر والذى يتصل من السفل بمحور أكبر يصب‬
‫عليه الماء من جانب ويحركه‪ ،‬وهكذا يكون القطب عامل حركة وعامل تنظيم‪ ،‬وهذه هى منزلة المام والقائد‪.‬‬
‫ن يشخص بنفسه لطفاء كل فتنة‬
‫ن ذلك القتراح مرفوض تمامًا في أ ّ‬
‫وأخير يخلص المام إلى النتيجة صريحة بأ ّ‬
‫سوُء!«‪.‬‬
‫ي ال ّ‬
‫ل الّرْأ ُ‬
‫هنا وهناك تاركًا لمركز الحكومة‪» :‬هَذا َلَعْمُر ا ّ‬
‫ن القائد ل يفارق موقعه ومركز ثقله‬
‫حقًا أّنه لقتراح فاشل بشهادة كل مدير ومسؤول له علم بهذه المور في أ ّ‬
‫ومهامه سوى في الحوادث المهّمة‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 121‬‬

‫القسم الثاني‬

‫طُلُبُكْم َما‬
‫عْنُكْم َفل َأ ْ‬
‫ت َ‬
‫ص ُ‬
‫خ ْ‬
‫شَ‬
‫ت ِركاِبي ُثّم َ‬
‫حّم ِلي ِلَقاُؤُه ـ َلَقّرْب ُ‬
‫عْنَد ِلَقاِئي اْلَعُدّو ـ َوَلْو َقْد ُ‬
‫شَهاَدَة ِ‬
‫جاِئي ال ّ‬
‫ل َر َ‬
‫ل َلْو َ‬
‫»َوا ّ‬
‫ع ُقُلوِبُكْم َلَقْد‬
‫جَِتما ِ‬
‫عَدِدُكْم َمَع ِقّلِة ا ْ‬
‫غَناَء ِفي َكْثَرِة َ‬
‫لَ‬
‫ن‪ِ .‬إّنُه َ‬
‫غي َ‬
‫ن َرّوا ِ‬
‫حّياِدي َ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫عّياِبي َ‬
‫ن َ‬
‫طّعاِني َ‬
‫ل; َ‬
‫شَما ٌ‬
‫ب َو َ‬
‫جُنو ٌ‬
‫ف َ‬
‫خَتَل َ‬
‫اْ‬
‫ل َفِإَلى الّناِر«‪.‬‬
‫ن َز ّ‬
‫جّنِة‪َ،‬وَم ْ‬
‫سَتَقاَم َفِإَلى اْل َ‬
‫نا ْ‬
‫ك‪َ ،‬م ِ‬
‫ل َهاِل ٌ‬
‫عَلْيَها ِإ ّ‬
‫ك َ‬
‫ل َيْهِل ُ‬
‫ح اّلتي َ‬
‫ضِ‬
‫ق اْلوا ِ‬
‫طِري ِ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫حَمْلُتُكْم َ‬
‫َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫لول رجآء الشهادة‬
‫شدد المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة من ذّمه وتوبيخه لهل الكوفة وعين نقاط ضعفهم وأعرب‬
‫حّم)‬
‫عْنَد ِلَقاِئي اْلَعُدّو ـ َوَلْو َقْد ُ‬
‫شَهاَدةَ ِ‬
‫جاِئي ال ّ‬
‫ل َر َ‬
‫ل َلْو َ‬
‫عن يأسه وعدم أمله في مستقبلهم وعاقبة أمرهم‪ ،‬فقال‪َ» :‬وا ّ‬
‫ل«‪.‬‬
‫شَما ٌ‬
‫ب َو َ‬
‫جُنو ٌ‬
‫ف َ‬
‫خَتَل َ‬
‫طُلُبُكْم َما ا ْ‬
‫عْنُكْم َفل َأ ْ‬
‫ت َ‬
‫ص ُ‬
‫خ ْ‬
‫شَ‬
‫ت ِركاِبي ُثّم َ‬
‫‪ِ (1‬لي ِلَقاُؤُه ـ َلَقّرْب ُ‬
‫ل«‪ ،‬إشارة إلى مراده أنني لم آتي إليكم أبدًا‪ ،‬فالعبارة أشبه بما ورد في إحدى‬
‫شَما ٌ‬
‫ب َو َ‬
‫جُنو ٌ‬
‫ف َ‬
‫خَتَل َ‬
‫العبارة »َما ا ْ‬
‫كلماته )عليه السلم( حين أقترح عليه عدم التسوية في العطاء من بيت مال المسلمين‪ ،‬فقال )عليه السلم(‪:‬‬
‫سَماِء‬
‫جٌم ِفي ال ّ‬
‫سِميٌر‪َ ،‬وَما َأّم َن ْ‬
‫سَمَر َ‬
‫طوُر ِبِه َما َ‬
‫ل َأ ُ‬
‫ل َ‬
‫عَلْيِه! َوا ّ‬
‫ت َ‬
‫ن ُوّلي ُ‬
‫جْوِر ِفيَم ْ‬
‫صَر ِباْل َ‬
‫ب الّن ْ‬
‫طُل َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫»َأَتْأُمُروّني َأ ْ‬
‫جمًا!«)‪.(2‬‬
‫َن ْ‬
‫ن وفقت لهذا‬
‫‪» .1‬حّم«‪ :‬من مادة »حم« على وزن غم بمعنى قّدر‪ ،‬وعليه فمفهوم العبارة قد حم لي لو قدر لي مثل هذا المر‪ ،‬أو إ ّ‬
‫المر‪.‬‬
‫‪ .2‬نهج البلغة‪ ،‬الخطبة ‪.126‬‬

‫] ‪[ 122‬‬
‫تطالعنا هنا ثلثة أسئلة تطرح نفسها‪:‬‬
‫الول‪ :‬كيف قال المام )عليه السلم( لول رجائي الشهادة لما مكثت بينكم ولتركتكم‪ ،‬بينما ذكر سابقًا ل ينبغي لي‬
‫أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين‪ ،‬فكيف‬
‫يمكن التوفيق بين هذين المرين؟‬
‫ن المام )عليه السلم( قد سمع بشارة رسول ال )صلى ال عليه وآله( له بالشهادة وكان يعلم أّنه سيقتل‬
‫الثاني أ ّ‬
‫على يدى أشقى الخرين عبدالرحمن بن ملجم‪ ،‬فكيف قال لول رجائي الشهادة عند لقائي العدو؟‬
‫الثالث‪ :‬كيف يستطيع المام )عليه السلم( التخلي عن إمامته وزعامته ويخرج من الناس؟‬
‫وللجابة على السؤال الول لبّد من القول أن نيل فيض الشهادة كان يشكل أحد الهداف المقّدسة للمام )عليه‬
‫السلم( في بقائه وسط تلك الفئة ول مانع من أن يكون له أهداف أخرى‪ ،‬حيث بين ائر تلك الهداف فلم تعد هناك‬
‫من حاجة لديه لذكرها هنا)‪.(1‬‬
‫لولى‬
‫ن لقاء العدو يشتمل على مفهوم غاية في السعة وإن بدى في الوهلة ا ُ‬
‫ونقول في الرّد على السؤال الثاني إ ّ‬
‫ن شهادة المام )عليه السلم(‬
‫يجسد مواجهة الخصم في ساحة المعركة والذي يمثل حزءًا من ذلك اللقاء‪ ،‬ونعلم أ ّ‬
‫كانت أحد مصاديق ذلك‪.‬‬
‫ن ترك فئة فاسدة ل يمكن إصلحها ل يعني التخلي عن وظائف‬
‫واّما السؤال الثالث‪ :‬فيمكن الجابة عليه بالقول بأ ّ‬
‫المامة أبدًا‪ ،‬بل يمكن للمام )عليه السلم( أن يّتجه صوب جماعة أعظم إستعدادًا‪ ،‬على غرار ما فعله رسول‬
‫ال)صلى ال عليه وآله( حين هاجر من مكة إلى المدينة‪.‬‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه بذكر الدّلة التي تدعوه إلى عدم الرتياح منهم ويبّين لهم نقاط ضعفهم على‬
‫ن)‪.«(3‬‬
‫غي َ‬
‫ن)‪َ(2‬رّوا ِ‬
‫ن‪ ،‬حَّياِدي َ‬
‫عّياِبي َ‬
‫ن َ‬
‫طّعاِني َ‬
‫أمل اللتفات إلى أنفسهم فيهموا باصلحها فقال‪َ » :‬‬
‫ن شّراح نهج البلغة لم يطرقوا هذا البحث ويردوا على هذه السئلة‪ ،‬وشذ منهم أحد أعلم القرن السادس‬
‫‪ .1‬للسف وحسب علمنا فا ّ‬
‫ن مقام‬
‫ن المام)عليه السلم( قال‪ :‬ذلك بغض النظر عن مقام المامة‪ ،‬وإلّ فا ّ‬
‫هو المرحوم البيهقي الذي أجاب عن السؤال الثالث بأ ّ‬
‫ن المام )عليه السلم( قال لول مقام المامة‬
‫المامة يقتضي من المام أن يكون بين الناس مهما كانت الشرائط‪ ،‬وبعبارة أخرى فا ّ‬
‫وكنت حرًا في هذا المر لتركتكم‪.‬‬
‫‪» .2‬حيادين«‪ :‬من مادة »حيد« على وزن حرف بمعنى النحراف ويقال الحّياد‪ ،‬لمن ينحرف كثيرًا عن جادة الحق‪.‬‬
‫‪» .3‬رواغين«‪ :‬من مادة »روغ« على وزن ذوق بمعنى الذهاب إلى هذا الطرف وذاك وهى كناية عن المكر والحيلة‪ ،‬ومن هنا‬
‫تستخدم هذه المفردة بشأن الثعلب‪ ،‬فيقال )راغ الثعلب(‪.‬‬

‫] ‪[ 123‬‬
‫فهذه الصفات الربعة على درجة من القبح والبشاعة بحيث يكفي وجود واحدة منها في فرد لتدعو للنفرة منه‬
‫ل هّمه اللتفات إلى المعايب والمثالب‪ ،‬بل يعطيها حجماً‬
‫نجّ‬
‫ل عن اجتماعها جميعًا فيه‪ ،‬أي أ ّ‬
‫والبتعاد عنه‪ ،‬فض ً‬
‫أكثر من واقعها فهو ل ينفك عن طرحها وتكرارها حتى شعر المقابل باليأس‪ ،‬فل يرى الحق حتى يولي له ظهرًا‬
‫ل عن المام المعصوم )عليه‬
‫فتختلط حياته بالمكر والسى‪ ،‬فكيف لرجل صالح أن يعيش وسط مثل هذه الفئة فض ً‬
‫السلم( الزعيم للخلق والذي ليست أمامه من نتيجة لهذا الوضع المأساوي سوى الحزن والمعاناة‪ ،‬ومن هنا يرجو‬
‫المام )عليه السلم( مفارقتهم والنفصال عنهم‪.‬‬
‫ثم أضاف المام )عليه السلم( بأّنه إلى جانب تلك العيوب الشخصية هناك عيب اجتماعي كبير فيهم والذي يتمثل‬
‫ع ُقُلوِبُكْم«‪.‬‬
‫جَِتما ِ‬
‫عَدِدُكْم َمَع ِقّلِة ا ْ‬
‫غَناَء ِفي َكْثَرةِ َ‬
‫لَ‬
‫بعدم جدوى كثرة عددهم مع قّلة اجتماع أفكارهم‪ِ» :‬إّنُه َ‬

‫ن عددكم يبدو كثيرًا في الظاهر‪ ،‬ولكن حيث تغيب الوحدة التي ينبغي أن تجمع قلوبكم وتوحدها وحيث‬
‫صحيح أ ّ‬
‫ن اجتماعكم الموتى وتجمعكم‬
‫ينفرد كل بإرادنه وقراره‪ ،‬فلم يعد هناك من خير يؤمل فيكم‪ ،‬أو بعبارة أخرى فا ّ‬
‫تجمع الوحشة‪.‬‬
‫ح اّلتي‬
‫ضِ‬
‫ق اْلوا ِ‬
‫طِري ِ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫حَمْلُتُكْم َ‬
‫ثم إختتم المام )عليه السلم( الخطبة بقوله أّني قمت بوظيفتي تجاهكم‪َ» :‬لَقْد َ‬
‫ل َفِإَلى الّناِر«‪.‬‬
‫ن َز ّ‬
‫جّنِة‪َ،‬وَم ْ‬
‫سَتَقاَم َفِإَلى اْل َ‬
‫نا ْ‬
‫ك‪َ ،‬م ِ‬
‫ل َهاِل ٌ‬
‫عَلْيَها ِإ ّ‬
‫ك َ‬
‫لَيْهِل ُ‬
‫َ‬
‫فالمام )عليه السلم( أوضح بهذه العبارة حقيقة مفادها أّني قلت لكم كل ما ينبغي قوله وأتممت عليكم الحجة وإن‬
‫تمنيت الخروج عنكم ومفارقتكم فذلك ل يعني أّني قصرت في مقام بوظيفتي تجاهكم‪ ،‬ولكن لسف إّنكم لستم‬
‫بالفراد للئقين الذين يسعكم الستفادة من البرامج التربوية التي يطرحها مرشد رّباني شفيق عليكم‪.‬‬
‫—–‬

‫القلوب الواعية‬
‫أورد مؤرخ القرن الثالث المعروف أبو اسحاق الثقفي في كتاب »الغارات« في ذيل هذه الخطبة حين خطب‬
‫المام )عليه السلم( هذه الخطبة قام »جارية بن قدامة السعدي« فقال‪» :‬يـا َأِميَر‬
‫] ‪[ 124‬‬
‫سّرحِني ِإَليِهم«‪.‬‬
‫ك َأَنا ِلهؤلء الَقوِم َف َ‬
‫ك َول َأراَنا ِفَراَق َ‬
‫سَ‬
‫ل َنْف َ‬
‫ن ل َأعَدَمنا ا ُ‬
‫الُمؤِمِني َ‬
‫سر المام )عليه السلم( لكلمه وأثنى عليه‪ ،‬من جانب آخر قام إليه »وهب بن مسعود الخثعمي« فقال‪َ» :‬أَنا‬
‫فّ‬
‫َلُهم«‪.‬‬
‫فأمر المام )عليه السلم( جارية أن يسير بألفين إلى البصرة والخثعمي بألفين إلى الكوفة‪ ،‬ثم أمرهما بتتبع بسر‬
‫بن أبي ارطاة أينما وجدوه)‪.(1‬‬
‫والذي يستفاد من هذا البحث التاريخي‪:‬‬
‫ن شّدة كلمات المام )عليه السلم( كان لها في خاتمة المطاف الثر البالغ في بعض القلوب الواعية فاستعد‬
‫ل‪ :‬إ ّ‬
‫أو ً‬
‫أصحابها لمواجهة العداء‪.‬‬
‫ن هذه الخطبة قد وردت قبل المرحوم الرضي في كتاب »الغارات«‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬يتضح أ ّ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬الغارات ‪.2/627‬‬

‫] ‪[ 125‬‬

‫الخطبة)‪120 (1‬‬

‫ن َكلم لُه)عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫يذكر فضله ويعظ الناس‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫بداية الكلمات إشارة إلى وجود أبواب الحكم وكنوز العلم لدى أهل البيت)عليهم السلم(الذين تعلموا من رسول ال‬
‫)صلى ال عليه وآله( تبليغ الرسالة وتفسير كلمات ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ثم خاض المام في إسداء مواعظه‬
‫ونصائحه النافعة وحذر الناس في ضرورة العتبار بالخرين والخوف من نار جهّنم وأن يعملوا ما يجعل الناس‬
‫يذكرونهم بكل خير بعد إيمانهم‪ ،‬فالسمعة الحسنة أفضل من الموال تلحق النسان بعد وفاته‪ ،‬الموال التي قد ل‬
‫يعرف الورثة عادة قيمتها ول يشكرون جامعها‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ن سليم بن قيس الذي عاش قبل السيد الرضي نقل القسم الول من هذه الخطبة في كتابه‪ ،‬كما‬
‫جاء في كتاب مصادر نهج البلغة أ ّ‬
‫ن ذلك يعني أّنها أخذت من‬
‫وردت سائر أجزائها بصورة متفرقة في كتاب »غرر الحكم«‪ ،‬ولما كان هناك تفاوت بين بعض عبارتها‪ ،‬فا ّ‬
‫كتاب آخر غير نهج البلغة‪ ،‬كما قال ابن أبي الحديد في شرح بعض عبارات هذه الخطبة نقلها جماعة بشكل آخر وهذا يشير إلى أّنه‬
‫كان لديه مصدرًا آخر )مصادر نهج البلغة ‪.(2/264‬‬

‫] ‪[ 126‬‬
‫] ‪[ 127‬‬

‫لْمِر‪.‬‬
‫ضَياُء ا َْ‬
‫حْكِم َو ِ‬
‫ب اْل ُ‬
‫ت ـ َأْبَوا ُ‬
‫ل اْلَبْي ِ‬
‫عْنَدَنا ـ َأْه َ‬
‫ت‪َ .‬و ِ‬
‫ت‪َ ،‬وَتَماَم اْلَكِلَما ِ‬
‫ت‪َ ،‬وِإْتَماَم اْلِعَدا ِ‬
‫سال ِ‬
‫ت َتْبِليَغ الّر َ‬
‫عّلْم ُ‬
‫ل َلَقْد ُ‬
‫»َتا ّ‬
‫خُر‬
‫عَمُلوا ِلَيْوم ُتْذ َ‬
‫ل َوَنِدَم‪ِ .‬إ ْ‬
‫ضّ‬
‫عْنَها َ‬
‫ف َ‬
‫ن َوَق َ‬
‫غِنَم‪َ ،‬ومَ ْ‬
‫ق َو َ‬
‫حَ‬
‫خَذِبها َل ِ‬
‫ن َأ َ‬
‫صَدٌة‪َ .‬م ْ‬
‫سُبَلُه َقا ِ‬
‫حَدٌة‪َ ،‬و ُ‬
‫ن َوا ِ‬
‫شَراِئَع الّدي ِ‬
‫ن َ‬
‫ل َوِإ ّ‬
‫َأ َ‬
‫حّرَها‬
‫عَوُز‪َ .‬واّتُقوا نارًا َ‬
‫غاِئُبُه َأ ْ‬
‫جُز‪َ ،‬و َ‬
‫عَ‬
‫عْنُه َأ ْ‬
‫ضُر ُلّبِه َفَعاِزُبُه َ‬
‫حا ِ‬
‫ل َيْنَفُعُه َ‬
‫ن َ‬
‫سَراِئُر‪َ .‬وَم ْ‬
‫خاِئُر‪َ ،‬وُتْبَلى ِفيِه ال ّ‬
‫َلُه الّذ َ‬
‫خْيٌر‬
‫س; َ‬
‫ل َتَعاَلى ِلْلَمْرِء ِفي الّنا ِ‬
‫جَعُلُه ا ّ‬
‫ح َي ْ‬
‫صاِل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫سا َ‬
‫ن الّل َ‬
‫ل َوِإ ّ‬
‫صِديٌد‪َ .‬أ َ‬
‫شَراُبَها َ‬
‫حِديٌد‪َ ،‬و َ‬
‫حْلَيُتَها َ‬
‫شِديٌد‪َ ،‬وَقْعُرَها َبِعيٌد‪َ ،‬و ِ‬
‫َ‬
‫حَمُدُه«‪.‬‬
‫ل َي ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ُيوِرُثُه َم ْ‬
‫ن اْلَما ِ‬
‫َلُه ِم َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫المواعظ القيمة‬
‫إستهل المام )عليه السلم( خطبته بالحديث عن العلوم التي تعلمها من رسول ال )صلى ال عليه وآله( فقال‪:‬‬
‫ت«‪.‬‬
‫ت‪َ ،‬وَتَماَم اْلَكِلَما ِ‬
‫ت‪َ ،‬وِإْتَماَم اْلِعَدا ِ‬
‫سال ِ‬
‫ت َتْبِليَغ الّر َ‬
‫عّلْم ُ‬
‫ل َلَقْد ُ‬
‫»َتا ّ‬

‫والمراد باتمام العدات »الوفاء بالعهود« تلك وعود ال تبارك وتعالى بصورة عاّمة بالنسبة لجميع المؤمنين‬
‫صَدُقوا َما‬
‫ل َ‬
‫جا ٌ‬
‫ن ِر َ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫والوعود بصورة خاصة بالنسبة له )عليه السلم(‪ ،‬كما ورد في القرآن الكريم‪ِ) :‬م ْ‬
‫ظُر َوَما َبّدُلوا َتْبِديل()‪.(1‬‬
‫ن َيْنَت ِ‬
‫حَبُه َوِمْنُهْم َم ْ‬
‫ضى َن ْ‬
‫ن َق َ‬
‫عَلْيِه َفِمْنُهْم َم ْ‬
‫ل َ‬
‫عاَهُدوا ا َ‬
‫َ‬
‫‪ .1‬سورة الحزاب ‪.23 /‬‬

‫] ‪[ 128‬‬
‫يمكن أن يكون هذا الوعد اللهي هو الوعد بالشهادة في سبيل ال‪ ،‬أو سائر الوعود من قبيل مقاتلة الناكثين‬
‫والقاسطين والمارقين‪ ،‬أو غير ذلك‪.‬‬
‫والمراد بتمام الكلمات يمكن أن يكون إشارة إلى تفسير آيات القرآن وتفسير كلمات النبي الكرم )صلى ال عليه‬
‫وآله(‪ ،‬وتبيان وإكمال كافة الكلمات التي وصلت من الكتاب والسّنة‪.‬‬
‫كما يحتمل أن يكون المراد المام )صلى ال عليه وآله( أّني أولى من جميع الفراد بخلفة النبي الكرم )صلى‬
‫ال عليه وآله(‪ ،‬وذلك لّني تعلمت طريق تبليغ الرسالة وتحقيق وعوده )صلى ال عليه وآله( وتفسير وتكميل‬
‫كلماته‪ ،‬وعليه فإّني أستطيع النهوض لمسؤولية الخلفة‪ ،‬وقد ورد في الحديث النبوي الشريف أ ّ‬
‫ن‬
‫ضي َديِني‬
‫خرةِ َوَتق ِ‬
‫خي ِفي الّدنيـا َوال ِ‬
‫صي َوَأ ِ‬
‫ت َو ِ‬
‫رسول ال )صلى ال عليه وآله( قال لعلي )عليه السلم(‪َ» :‬أْن َ‬
‫عداِتي«)‪.(1‬‬
‫جُز ِ‬
‫َوُتن ِ‬
‫ن المام )عليه السلم( أراد أن يقول أنا أولى بالخلفة‪،‬‬
‫الحتمال الخر الذي يمكن ذكره بالنسبة لهذه العبارة هو أ ّ‬
‫لّني أقدر على تبليغ جميع رسالت ال سبحانه‪ ،‬كما أستطيع العمل بالوعود التي أقطعها وكذلك أتم ما أورده من‬
‫كلمات وأحاديث‪.‬‬
‫لْمِر«‪.‬‬
‫ضَياُء ا َْ‬
‫حْكِم َو ِ‬
‫ب اْل ُ‬
‫ت ـ َأْبَوا ُ‬
‫ل اْلَبْي ِ‬
‫عْنَدَنا ـ َأْه َ‬
‫ثم واصل )عليه السلم( كلمه بالقول‪َ» :‬و ِ‬
‫والحكم بضم الحاء بمعنى الحكومةو القضاء‪ ،‬بناءًا على هذا فالمراد بالعبارة عندنا أهل البيت طرق تدبير‬
‫الحكومة وإقامة العدل وبسط المن‪ ،‬والحكم بكسر الحاء وفتح الكاف جمع الحكمة بمعنى العلوم والمعارف‪ ،‬ول‬
‫ن لدى أهل البيت)عليهم السلم(أبواب الحكمة وكنوز العلم والمعرفة‪ ،‬كما قرنهم رسول ال )صلى‬
‫شك ول ريب أ ّ‬
‫عتَرِتي«)‪.(2‬‬
‫ل َو ِ‬
‫با ِ‬
‫ن ِكتا َ‬
‫ك فيُكم الّثقََلي ِ‬
‫ال عليه وآله( فقال في حديث الثقلين المعروف‪ِ» :‬إّني تـاِر ٌ‬
‫لولى لهذه‬
‫ثم أورد المام )عليه السلم( خمس نصائح من شأنها نجاة العباد في الدنيا والخرة‪ ،‬وكأن العبارات ا ُ‬
‫الخطبة قد وردت لعداد القلوب من أجل تقبل هذه النصائح ليقول أنّ كلمي يستند إلى علم عميق ودقيق بتعاليم‬
‫لولى مسألة التحاد ووحدة الكلمة وذلك ل ّ‬
‫ن‬
‫السلم وتعاليم النبي )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬فكانت النصحية ا ُ‬
‫ل َوِإ ّ‬
‫ن‬
‫الختلف آفات سعادة النسان‪ ،‬فقال‪َ» :‬أ َ‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.36/311‬‬
‫‪ .2‬للوقوف على مصادر هذا الحديث الشريف راجع كتاب نفحات القرآن ‪ 9/62‬ـ ‪.71‬‬

‫] ‪[ 129‬‬
‫ل َوَنِدَم«‪.‬‬
‫ضّ‬
‫عْنَها َ‬
‫ف َ‬
‫ن َوَق َ‬
‫غِنَم‪َ ،‬وَم ْ‬
‫ق َو َ‬
‫حَ‬
‫خَذِبها َل ِ‬
‫ن َأ َ‬
‫صَدٌة‪َ .‬م ْ‬
‫سُبَلُه َقا ِ‬
‫حَدٌة‪َ ،‬و ُ‬
‫ن َوا ِ‬
‫شَراِئَع الّدي ِ‬
‫َ‬
‫المقصود بشرائع الدين كافة التعليمات التي صّرح بها الدين الحنيف بما فيها المعارف والعقائد والقوانين والوصايا‬
‫والمور الخلقية‪ ،‬فجذروها واحدة في جميع الديان السماوية وإن إقتضت الظروف الزمانية والتطور البشري‬
‫أن يكون هناك بعض الختلف شرحها وتفصيلها وتنوع فروعها‪.‬‬
‫كما يحتمل أن يكون المراد بشرائع الدين مختلف الطرق إلى ال سبحانه في الدين السلمي والتي تنتهي جميعًا‬
‫إلى طريق رئيسي واحد وهو القرب إلى ال والسعادة المطلقة للبشر‪ ،‬فالصلة الصوم والجهاد والحج والزكاة‬
‫وكافة مثل هذه التعليمات إلى جانب التعاليم العقائدية والخلقية تتصل وتنتهي بنقطة واحدة ويؤكد )عليه السلم(‬
‫ن الفرقة والختلف إّنها تحصل من مزج الفكار الباطلة‬
‫ن بلوغ السبيل سهل وواضح وقريب‪ ،‬وعليه فا ّ‬
‫على أ ّ‬
‫صى ِبِه‬
‫ن َما َو ّ‬
‫ن الّدي ِ‬
‫ع َلُكْم ِم ْ‬
‫شَر َ‬
‫والهواء ووساوس النفس والشيطان بشرائع الدين‪ ،‬فقال تعالى في كتابه العزيز‪َ ) :‬‬
‫ل َتَتَفّرُقوا ِفيِه‪.(1)(...‬‬
‫ن َو َ‬
‫ن َأِقيُموا الّدي َ‬
‫سى َأ ْ‬
‫عي َ‬
‫سى َو ِ‬
‫صْيَنا ِبِه ِإْبَراِهيَم َوُمو َ‬
‫ك َوَما َو ّ‬
‫حْيَنا ِإَلْي َ‬
‫ُنوحًا َواّلِذي َأْو َ‬
‫سَراِئُر«‪.‬‬
‫خاِئُر‪َ ،‬وُتْبَلى ِفيِه ال ّ‬
‫خُر َلُه الّذ َ‬
‫عَمُلوا ِلَيْوم ُتْذ َ‬
‫وقال )عليه السلم( في الموعظة الثانية‪ِ» :‬إ ْ‬
‫ل َباق‪.(2)(...‬‬
‫عْنَد ا ِ‬
‫عْنَدُكْم َينَفُد َوَما ِ‬
‫لولى إشارة إلى الية الشريفة‪َ) :‬ما ِ‬
‫العبارة ا ُ‬
‫سَراِئُر()‪.(3‬‬
‫والعبارة الثانية إشارة إلى الية القرآنية‪َ) :‬يْوَم ُتْبَلى ال ّ‬
‫ن للنسان قدرة محدودة ينبغي توظيفها في أفضل سبيل‪ ،‬فالعقل يقول‪ :‬لم تستهلك طاقتك في طريق‬
‫من البديهي أ ّ‬
‫ل يدوم أكثر من أّيام‪ ،‬لم ل تستهلكها في سبيل يرافقك على الدوام ويخلد فيه معك‪ ،‬أضف إلى ذلك يوم تبلى فيه‬
‫السرائر وكافة أعمال النسان الخفية‪ ،‬فهو يوم عصيب وفضيحة بالنسبة للطالحين‪.‬‬
‫عَوُز)‪.«(5‬‬
‫غاِئُبُه َأ ْ‬
‫جُز‪َ ،‬و َ‬
‫عَ‬
‫عْنُه َأ ْ‬
‫ضُر ُلّبِه َفَعاِزُبُه)‪َ (4‬‬
‫حا ِ‬
‫ل َيْنَفُعُه َ‬
‫ن َ‬
‫وقال )عليه السلم(‪ :‬في عظته الثالثة‪َ» :‬وَم ْ‬
‫‪ .1‬سورة الشورى ‪.13 /‬‬
‫‪ .2‬سورة النحل ‪.96 /‬‬
‫‪ .3‬سورة الطارق ‪.9 /‬‬
‫‪» .4‬عازب«‪ :‬من مادة »عزوب« بمعنى البتعاد وعازب بمعنى بعيد‪.‬‬
‫‪» .5‬أعوز«‪ :‬من مادة »عوز« على وزن مرض وعوز الشيء بمعنى لم يوجد ويراد به عدم وجودالشيء عندالحاجة‪.‬‬

‫] ‪[ 130‬‬
‫ن المام )عليه السلم( أراد بهذه العبارة مزج الدلة العقلية بالنقلية وتعبئة الجميع من أجل متابعة‬
‫فالواقع هو أ ّ‬
‫سبيل الحق‪ ،‬وقد قال المام )عليه السلم( هنا ثلثة أنواع لعقل هى‪ :‬العقل الحاضر والبعيد والغائب‪ ،‬يمكن أن‬
‫يكون الول إشارة إلى المسائل العقلية الواضحة‪ ،‬والثاني إلى المطالب النظرية التي يبلغها النسان من خلل‬
‫الطرق الستدللية الواضحة‪ ،‬و الخير إشارة إلى المواضع المعقدة التي يتعذر التوصل إليها من خلل الدليل‬
‫والبرهان‪ ،‬فمن البديهي أن يتعذر إدراك المطالب النظرية والمعقدة والبعيدة عن الفكر على من ل يستفيد من‬
‫المسائل الفكرية البسيطة‪.‬‬
‫ن آياته قد ملت جميع العالم‪،‬‬
‫ففي المسائل النظرية تتضح تمامًا معرفة ال يوم القيامة )بالمبدأ والمعاد(‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ن حسن العدل وقبح الظلم ومدح‬
‫والقيامة التي تمثل محكمته العادلة ثابتة بحكم العقل‪ ،‬وفي المسائل العلمية فا ّ‬
‫الصدق والوفاء والعفة والورع والتقوى مسلم للجميع‪ ،‬ولكن قد يحول التعصب العمى وأهواء النسان دون‬

‫الوقوف على هذه المور الواضحة‪ ،‬فأنى لمثل هذا الفرد أن يبدي رأيه في المسائل النظرية والمعقدة ويبلغ الهدف‬
‫المطلوب‪.‬‬
‫شِديٌد‪،‬‬
‫حّرَها َ‬
‫ثم خاطب المام )عليه السلم( الناس في المواعظة الرابعة بصفته منذر عالم فقال‪َ» :‬واّتُقوا نارًا َ‬
‫صِديٌد)‪.«(1‬‬
‫شَراُبَها َ‬
‫حِديٌد‪َ ،‬و َ‬
‫حْلَيُتَها َ‬
‫َوَقْعُرَها َبِعيٌد‪َ ،‬و ِ‬
‫والعبارات البليغة التي أوردها المام )عليه السلم( بشأن نار جهنم والتي تكفي كل واحدة منها لصد النسان عن‬
‫حّرا‪.(2)(...‬‬
‫شّد َ‬
‫جَهّنَم َأ َ‬
‫ل َناُر َ‬
‫الذنب إّنما ُاقتبست من اليات القرآنية والحاديث النبوية‪ ،‬فقد جاء في الية‪ُ) :‬ق ْ‬
‫ن َمِزيد‪.(3)(...‬‬
‫ل ِم ْ‬
‫ل َه ْ‬
‫ت َوَتُقو ُ‬
‫ل ِ‬
‫ل اْمَت َْ‬
‫جَهّنَم َه ْ‬
‫ل ِل َ‬
‫وجاء في أخرى‪َ) :‬يْوَم َنُقو ُ‬
‫حيَم‬
‫جِ‬
‫خُذوُه َفُغّلوُه * ُثّم اْل َ‬
‫يعني أّنها على قدر من الكبر والسعة بحيث ل تمتلىء بسهولة‪ ،‬وجاء في أية أخرى‪ُ ) :‬‬
‫سُلُكوُه()‪.(4‬‬
‫ن ِذَراعًا َفا ْ‬
‫سْبُعو َ‬
‫عَها َ‬
‫سَلة َذْر ُ‬
‫سْل ِ‬
‫صّلوُه * ُثّم ِفي ِ‬
‫َ‬
‫صِديد()‪ ،(5‬قطعًا من يؤمن‬
‫ن َماء َ‬
‫سَقى ِم ْ‬
‫جَهّنُم َوُي ْ‬
‫ن َوَراِئِه َ‬
‫وجاء في آية أخرى‪ِ) :‬م ْ‬
‫‪» .1‬صديد«‪ :‬الماء الساخن‪ ،‬كما ورد بمعنى ماء الجرح الرقيق‪.‬‬
‫‪ .2‬سورة التوبة ‪. 81 /‬‬
‫‪ .3‬سورة ق ‪.30 /‬‬
‫‪ .4‬سورة الحاقة ‪ 30 /‬ـ ‪.32‬‬
‫‪ .5‬سورة إبراهيم ‪.16 /‬‬

‫] ‪[ 131‬‬
‫بالخرة ومحكمة العدل اللهي وشيء من العذاب الليم‪ ،‬فاّنه يتحكم ويسيطر على أهوائه ويجتنب الظلم والجور‬
‫ول يقارف الذنب والمعصية‪ ،‬أّما ُاولئك الذين ليس لهم من إيمان بهذه المور ول يعتقدون بالحساب والكتاب‬
‫ف الذى عن الخرين وعدم التعرض‬
‫والثواب والعقاب‪ ،‬فليس هناك ما يدعوه إلى السيطرة على أهواءه وك ّ‬
‫لحقوقهم‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬يمكن للضمير أن يجد من هوس الفراد إلى حدود معينة‪ ،‬لكن من اليقين أن ليس لذلك من بعد عمومي‬
‫ن نبتة الضمير تذبل وتجف وتموت ما لم تسق بماء تعاليم‬
‫وشامل‪ ،‬وتأثيره يبقى متواضعًا‪ ،‬أضف إلى ذلك فا ّ‬
‫النبياء)عليهم السلم(‪.‬‬
‫ل َتعلى ِللمرِء‬
‫ح َيجَعُلُه ا ُ‬
‫صال ِ‬
‫ن الّلسان ال ّ‬
‫ل َوِإ ّ‬
‫أّما الموعظة الخيرة والخامسة فقد أشار إلى نقطة مهّمة جّدا فقال‪َ» :‬أ َ‬
‫حَمُدُه«‪.‬‬
‫ل َي ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ُيِرُثُه َم ْ‬
‫ن الَما ِ‬
‫خيٌر َلُه ِم َ‬
‫ِفي الّناس‪َ ،‬‬
‫ن أغلب الناس وبدافع حّبهم لولدهم وأزواجهم يبذلون قصارى جهدهم من أجل ضمان مستقبلهم ويفنون جانب‬
‫إّ‬
‫عظميًا من أعمارهم في هذا المجال حتى أّنهم يخلطون أحيانًا الحلل بالحرام‪ ،‬لكّنهم يغفلون عن قضية مهّمة دّلت‬
‫عليها التجربة أّنه قّلما نجد وارثًا يحمد من ورثه على ما خلفه لهم من ميراث‪ ،‬بل غالبًا ما تكون الموال الموروثة‬
‫مصدرًا للشقاق والختلف والنزاع‪ ،‬ول غرو فكل فرد يسعى لن يحصل لنفسه على السهم الوفى‪ ،‬حتى قيل‬
‫موت الغني بداية قتال الفقير‪.‬‬
‫ب الوارث والتشنيع عليه والتعرض له بالذم من جراء ما خلفه من مشاكل بسبب‬
‫بل قد يتجاوز المر ذلك لنشهد س ّ‬
‫الرث‪.‬‬

‫والحال لو تجاوز النسان وهو على قيد الحياة ذاته وأنفق قسمًا من أمواله كصدقة جارية وخدمة إنسانية وثقافية‬
‫يسديها إلى المجتمع لبقى ذكره الطيب بين النايس فلن ينسوه أبدًا‪ ،‬ويثنون عليه دائمًا ويسألون ال له المغفرة‬
‫والرحمة‪ ،‬فهذا هو ثوابه في الدنيا ولثواب الخرة أعظم‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 132‬‬
‫] ‪[ 133‬‬

‫الخطبة)‪121 (1‬‬

‫طِبة َلُه)عليه السلم(‬
‫خ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ِم ْ‬

‫بعد ليلة الهرير‬

‫ل‪:‬‬
‫خَرى ُثّم َقا َ‬
‫لْ‬
‫عَلى ا ُْ‬
‫حَدى َيَدْيِه َ‬
‫ق)عليه السلم( ِإ ْ‬
‫صّف َ‬
‫شُد؟ َف َ‬
‫ن َأْر َ‬
‫لْمَرْي ِ‬
‫ل‪ :‬ا َْ‬
‫حاِبِه َفَقا َ‬
‫صَ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫جٌ‬
‫َوَقْد َقاَم ِإَلْيِه َر ُ‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫لبّد من اللتفات إلى مناسبة وورد الخطبة من أجل الوقوف على عمق محتواها ومضمونها‪ ،‬فهذا الكلم يرتبط‬
‫بمعركة صفين حين نهى المام )عليه السلم( الناس عن قبول التسليم للتحكيم‪ ،‬ثم دعاهم إلى قبوله‪ ،‬والمعروف‬
‫ن عمرو بن العاص فكر بخدعة حين شارف جيش الشام على الهزيمة‪ ،‬فأمر برفع المصاحف‬
‫بهذا الشأن أ ّ‬
‫ووضعها على أسنة الرماح‪ ،‬ثم دعى أصحاب علي )عليه السلم( إلى تحكيم القرآن‪ ،‬فانخدع لذلك الكثير من‬
‫السذج من أصحاب علي )عليه السلم(فكفوا عن القتال واستجابوا لطلب أهل الشام‪ ،‬ثم أصروا على تحكيم القرآن‬
‫بشأن مصير‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫وردت هذه الخطبة في عّدة كتب ألفت قبل المرحوم السيد الرضي مثل كتاب »العقد الفريد« لبن عبد رّبه و»الختصاص« للشيخ‬
‫المفيد‪ ،‬والكتب التي ُالفت بعده »الكتب التي تفيد عباراتها أّنها نقلت الخطبة من مصادر أخرى غير نهج البلغة« مثل »مطالب‬
‫السؤال« لمحمد بن طلحة الشافعي‪ ،‬و»الحتجاج« للطبرسي‪ ،‬و»ربيع البرار« للزمخشري مع اختلف‪.‬‬

‫] ‪[ 134‬‬
‫المعركة في أن ينهض حكم من جيش المام )عليه السلم( وآخر من جيش معاوية‪ ،‬وبلغ بهم المر أن هددوا‬
‫المام قائلين‪» :‬إن لم تفعل قتلناك كما قتلنا عثمان«‪.‬‬
‫ن تلك مصيدة خطيرة كمنت في طريقهم ورغم مخالفته لهذا العمل‪ ،‬وإصراره على مواصلة‬
‫المام كان يعلم بأ ّ‬
‫القتال‪ ،‬غير أّنه ُاجبر على التسليم للتحكيم‪ ،‬وهذا ما دفع بالبعض للعتراض على المام علي )عليه السلم(‪،‬‬
‫وفحوى اعتراضهم إّنك نهيتنا عن التحكيم‪ ،‬واليوم تأمرنا به؟‬
‫ل‪ :‬هذه‬
‫فالخطبة رّد على هذا العتراض وقد أشار المام )عليه السلم( إلى عّدة أمور في إطار الجواب فقال أو ً‬
‫نتيجة طبيعية لفعلكم وعدم تبعيتكم لمامكم‪ ،‬فلو عملتم بما أمرتكم به وواصلتم القتال لما أصبحتم اليوم تعانون من‬
‫هذه المشكلة‪ ،‬ثم بّين المام نقاط ضعفهم التي أّدت إلى هذه المشكلة الكبيرة وفي المرحلة الثالثة ذكر طائفة من‬
‫أوائل المسلمين في صدر السلم كانت تهب مسرعة لتلبية نداء الجهاد ومواجهة العدو بفعل قّوة إيمانها‪ ،‬فكانت‬
‫تنتصر دائمًا )إشارة إلى أن طريق النصر ما سلكوه‪ ،‬ل ما أنتم عليه(‪.‬‬
‫وأخيرًا يعرض لهم بالنصح ثانية في مراقبة أنفسهم والحذر من مصائد الشيطان‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 135‬‬

‫القسم الول‬

‫خْيرًا‪َ ،‬فِإنِ‬
‫ل ِفيِه َ‬
‫لا ّ‬
‫جَع ُ‬
‫حَمْلُتُكْم عََلى اْلَمْكُروهِ اّلِذي َي ْ‬
‫ن َأَمْرُتُكْم ِبِه َ‬
‫حي َ‬
‫ل َلْو َأّني ِ‬
‫ك اْلُعْقَدَة! َأَما َوا ّ‬
‫جَزاُء َمن َتَر َ‬
‫»هَذا َ‬
‫ن ُأَداِو َ‬
‫ي‬
‫ن؟ ُأِريُد َأ ْ‬
‫ن َوِإَلى َم ْ‬
‫ن ِبَم ْ‬
‫ت اْلُوْثَقى ‪َ ،‬ولِك ْ‬
‫ن َأَبْيُتْم َتَداَرْكُتُكْم‪َ ،‬لَكاَن ِ‬
‫جُتْم َقّوْمُتُكْم‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫جْ‬
‫عَو َ‬
‫نا ْ‬
‫سَتَقْمُتْم َهَدْيُتُكْم‪َ ،‬وِإ ِ‬
‫اْ‬
‫ي‪َ ،‬وَكّل ِ‬
‫ت‬
‫طّباُء هَذا [الّداِء] الّدِو ّ‬
‫ت َأ ِ‬
‫ضْلَعَها َمَعَها! الّلّهّم َقْد َمّل ْ‬
‫ن َ‬
‫شْوَكِة‪َ ،‬وُهَو َيْعَلُم َأ ّ‬
‫شْوَكِة ِبال ّ‬
‫ش ال ّ‬
‫ِبُكْم َوَأْنُتْم َداِئي‪َ ،‬كَناِق ِ‬
‫ي!«‪.‬‬
‫ن الّرِك ّ‬
‫طا ِ‬
‫شَ‬
‫عُة ِبَأ ْ‬
‫الّنَز َ‬

‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الداء وليس الدواء‬
‫ن هذه المصيبة التي عصفت بكم إّنما أفرزها‬
‫رّد المام )عليه السلم( بجواب قاطع على من اعترض عليه في أ ّ‬
‫ك اْلُعْقدََة)‪.«!(1‬‬
‫جَزاُء َمن َتَر َ‬
‫التحكيم وهذا جزاء من ترك الرأي السليم‪» :‬هَذا َ‬
‫لقد صرخت بكم أن واصلوا القتال ول تتركوه في هذه المرحلة الحساسة فالنصر قريب‪ ،‬لكنكم وليتم ظهوركم‬
‫ل التحكيم‪ ،‬كان مكر ابن العاص في رفع المصاحف خدعة ظاهرها‬
‫واستسلمتم لخدعة عمرو بن العاص‪ ،‬فأبيتم إ ّ‬
‫اليمان وباطنها الكفر والنفاق على ضوء ما أخبر به المام )عليه السلم( في الخطبة القادمة‪.‬‬

‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه وقد أقسم بال لو أجبرتكم على الجهاد ـ والذي لم يكن يروق لكم بينما فيه‬
‫الخير الكثير ـ حين أمرتكم بقبول التحكيم )بفعل الضطرار واصرار الجّهال( لكان خيرًا لكم‪ ،‬فان سلكتم سبيل‬
‫الحق هديتكم وإن انحرفتم أعدتكم إلى الصواب‪ ،‬ولو‬
‫‪» .1‬عقدة«‪ :‬ما حصل عليه »التعاقد« والمراد بها هنا الرأي الصحيح والعهد على الطاعة‪.‬‬

‫] ‪[ 136‬‬
‫تخلفت طائفة منكم لستبدلتها بأخرى )على كل حال لو أطعتموني في مواصلة القتال( وهذا هو الحق الذي ليس‬
‫حي َ‬
‫ن‬
‫ل َلْو َأّني ِ‬
‫ل الضلل‪ ،‬لكن من المؤسف إّنكم لم تجيبوني‪ ،‬فبمن استظهر على العدو وبمن أثق؟ »َأَما َوا ّ‬
‫بعده إ ّ‬
‫ن َأَبْيُتْم‬
‫جُتْم َقّوْمُتُكْم‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫جْ‬
‫عَو َ‬
‫نا ْ‬
‫سَتَقْمُتْم َهَدْيُتُكْم‪َ ،‬وِإ ِ‬
‫نا ْ‬
‫خْيرًا‪َ ،‬فِإ ِ‬
‫ل ِفيِه َ‬
‫لا ّ‬
‫جَع ُ‬
‫عَلى اْلَمْكُروِه اّلِذي َي ْ‬
‫حَمْلُتُكْم َ‬
‫َأَمْرُتُكْم ِبِه َ‬
‫ن؟«‪.‬‬
‫ن َوِإَلى َم ْ‬
‫ن ِبَم ْ‬
‫ت اْلُوْثَقى ‪َ ،‬ولِك ْ‬
‫َتَداَرْكُتُكْم‪َ ،‬لَكاَن ِ‬
‫ن نّيتي مواصلة الجهاد حتى تحقيق النصر‪ ،‬سّيما أننا‬
‫فالمام )عليه السلم( قد بّين بهذا الرّد القاطع حقيقة في أ ّ‬
‫على أعتاب النصر‪ ،‬وكنت مستعدًا لمواصلة هذا الطريق بكل قّوة وعزم‪ ،‬ولذلك نهيتكم عن التحكيم‪ ،‬لكنكم أفراد‬
‫ضعاف ل إرادة لكم وطغاة عصاة لستم مستعدين للقيام بهذا العمل‪ ،‬وعليه فلم يكن لي من سبيل سوى قبول‬
‫ي‪.‬‬
‫التحكيم‪ ،‬والحال رجعتم الن عن رأيكم وسّولت لكم أنفسكم العتراض عل ّ‬
‫شْوَكِة‪َ ،‬وُهَو‬
‫شْوَكِة ِبال ّ‬
‫ش ال ّ‬
‫ي ِبُكْم َوَأْنُتْم َداِئي‪َ ،‬كَناِق ِ‬
‫ن ُأَداِو َ‬
‫ثم أعرب المام )عليه السلم( عن دهشته فقال‪ُ» :‬أِريُد َأ ْ‬
‫ضْلَعَها)‪َ (1‬مَعَها!«‪.‬‬
‫ن َ‬
‫َيْعَلُم َأ ّ‬
‫فالتشبيه المأخوذ من المثل المعروف تشبيه غاية في الدقة والبلغة‪ ،‬فعادة ما يخرجون الشوكة التي تغوص في‬
‫الرجل بإبرة أو منقاش‪ ،‬فان ُاريد سّلها بشوكة أخرى احتمل أن تغوص الثانية في الرجل أيضًا‪ ،‬فيزيد الطين بّلة‬
‫ن ضَْلَعَها‬
‫شْوَكِة‪َ ،‬وُهَو َيْعَلُم َأ ّ‬
‫شْوَكِة ِبال ّ‬
‫ش ال ّ‬
‫حتى أصبح المر بصيغة مثل تعارف عند العرب حيث يقول‪َ» :‬كَناِق ِ‬
‫َمَعَها«‪.‬‬
‫فالمثل يصرب لمن يحكم آخر لرفع الختلف بينه وبين شخص آخر والحال يرغب ذلك الفرد بزيادة العداوة‬
‫والنزاع‪ ،‬فمراد المام )عليه السلم( إّني ُاريد أن أدفع بكم عصاة الشام بينما أنتم العصاة الذين يجب تأديبهم‪ ،‬على‬
‫ن هذه العبارات التي تفيض معاناة تفيد مدى الوضع العصيب الذي شهده المام )عليه السلم(‪ ،‬فا ّ‬
‫ن‬
‫كل حال‪ ،‬فا ّ‬
‫أمرهم بالهجوم ومواصلة القتال خالفوه وقالوا‪ :‬عليك بالنزول لحكم القرآن‪ ،‬وإن طرح عليهم قضية التحكيم‬
‫اعترضوا عليه بالقول‪ :‬لم تسّلم لمنطق العدو؟ فلكل هواه ورأيه‪ ،‬ولكل فكره ونهجه‪ ،‬بحيث انتهى بهم المر إلى‬
‫إتهام أعظم‬
‫‪» .1‬ضلع«‪ :‬من مادة »ضلع« على وزن سبب بمعنى الميل نحو الشيء‪ ،‬وتعني هنا الشبه والمثل‪.‬‬

‫] ‪[ 137‬‬
‫ل بسبب وجود فئة سيئة من‬
‫إمام خلف رسول ال )صلى ال عليه وآله( على أّنه ضعيف في التدبير‪ ،‬وليس ذلك إ ّ‬
‫ن الحق سبحانه أراد امتحان الجميع بهذا الزعيم الفذ‪.‬‬
‫التباع الضعاف‪ ،‬لم وكيف أصبح المر كذلك؟ كأ ّ‬
‫ت)‪(2‬‬
‫ي‪َ ،‬وَكّل ِ‬
‫طّباُء هَذا الّداِء)‪ (1‬الّدِو ّ‬
‫ت َأ ِ‬
‫وأخيرًا شكى المام وعرض حاجته إلى ال سبحانه فقال‪» :‬الّلّهّم َقْد َمّل ْ‬
‫ي)‪.«!(5‬‬
‫ن)‪ (4‬الّرِك ّ‬
‫طا ِ‬
‫شَ‬
‫عُة)‪ِ (3‬بَأ ْ‬
‫الّنَز َ‬
‫ياله من تعبير بليغ وموجع في نفس الوقت‪ ،‬فان أصيب شخص بمرض عضال ولم يجد معه نفعًا كل علج يقدمه‬
‫لح الذي يجهد نفسه في‬
‫الطبيب المختص‪ ،‬فل يشعر مثل هذا الطبيب سوى بالملل والرهاق‪ ،‬على غرار الف ّ‬
‫استخراج الماء من البئر ليسقي به الرض المالحة فل تخرج بالنبات‪ ،‬وهذا بالضبط حال المام علي )عليه‬
‫السلم( حين إبتلى بتلك العصابة من الجّهال المسلوبة اليمان والرادة ل خير يرتجى فيهم‪.‬‬

‫ت الَمرضى‬
‫ن عيسى بن مريم )عليه السلم( قال‪َ» :‬داَوي ُ‬
‫ورد في الحديث عن المام الصادق )عليه السلم( أ ّ‬
‫ق َفَلم َأقَدْر‬
‫لحَم َ‬
‫تا َ‬
‫عاَلج ُ‬
‫ل َو َ‬
‫ت الَموتى فأحييُتهم بإذن ا ُ‬
‫ل ِوعـاَلج ُ‬
‫نا ِ‬
‫ص بإذ ِ‬
‫ت الكَمَه والبر َ‬
‫ل وأبرأ ُ‬
‫شَفيُتُهم ِباذن ا ِ‬
‫َف َ‬
‫حِه«)‪.(6‬‬
‫عَلى ِإصل ِ‬
‫َ‬
‫—–‬
‫‪» .1‬داء«‪ :‬من مادة »دوي« بمعنى المرض الشديد‪.‬‬
‫‪» .2‬كلت«‪ :‬من مادة »كلول« على وزن ملول بمعنى الضعف‪.‬‬
‫‪» .3‬نزعة«‪ :‬من مادة »تزع« على وزن جمع نازع بمعنى السحب‪.‬‬
‫‪» .4‬أشطان«‪ :‬جمع »شطن« على وزن وطن الحبل الطويل الذي يسحب به الماء من البئر‪.‬‬
‫‪» .5‬ركي«‪ :‬جمع »ركّية« البئر‪.‬‬
‫‪ .6‬بحار النوار ‪ ،14/323‬ح ‪.36‬‬

‫] ‪[ 138‬‬
‫] ‪[ 139‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ح ِإَلى‬
‫جَهاِد َفَوِلُهوا َوَلَه الّلَقا ِ‬
‫جوا ِإَلى اْل ِ‬
‫حَكُموُه‪َ ،‬وِهي ُ‬
‫ن َفَأ ْ‬
‫لِم َفَقِبُلوُه‪َ ،‬وَقَرُءوا اْلُقْرآ َ‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫عوا ِإَلى ا ِْ‬
‫ن ُد ُ‬
‫ن اْلَقْوُم اّلِذي َ‬
‫»َأْي َ‬
‫جا‪َ .‬‬
‫ل‬
‫ض َن َ‬
‫ك‪َ ،‬وَبْع ٌ‬
‫ض َهَل َ‬
‫صّفا‪َ .‬بْع ٌ‬
‫صّفًا َ‬
‫حفًا‪َ ،‬و َ‬
‫حفًا َز ْ‬
‫ض َز ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ف ا َْ‬
‫طَرا ِ‬
‫خُذوا ِبَأ ْ‬
‫غَماَدَها‪َ ،‬وَأ َ‬
‫ف َأ ْ‬
‫سُيو َ‬
‫سَلُبوا ال ّ‬
‫لِدَها‪َ ،‬و َ‬
‫َأْو َ‬
‫شَفاِه‬
‫ل ال ّ‬
‫صَياِم‪ُ ،‬ذُب ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ِم َ‬
‫طو ِ‬
‫ص اْلُب ُ‬
‫خْم ُ‬
‫ن اْلُبَكاِء‪ُ ،‬‬
‫ن ِم َ‬
‫ن اْلَمْوَتى [القتلى]‪ُ .‬مْرُه اْلُعُيو ِ‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫ل ُيَعّزْو َ‬
‫حَياِء‪َ ،‬و َ‬
‫لْ‬
‫ن ِبا َْ‬
‫شُرو َ‬
‫ُيَب ّ‬
‫ظَمَأ‬
‫ن َن ْ‬
‫ق َلَنا َأ ْ‬
‫حّ‬
‫ن‪َ .‬ف َ‬
‫خَواِني الّذاِهُبو َ‬
‫ك ِإ ْ‬
‫ن‪ُ .‬أولِئ َ‬
‫شِعي َ‬
‫خا ِ‬
‫غَبَرُة اْل َ‬
‫جوِهِهْم َ‬
‫عَلى ُو ُ‬
‫سَهِر‪َ .‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ِم َ‬
‫لْلَوا ِ‬
‫صْفُر ا َْ‬
‫عاِء‪ُ ،‬‬
‫ن الّد َ‬
‫ِم َ‬
‫عَلى ِفَراِقِهْم«‪.‬‬
‫ي َ‬
‫لْيِد َ‬
‫ض ا َْ‬
‫ِإَلْيِهْم‪َ ،‬وَنَع ّ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫إخوتي في الجهاد‬
‫ذكر المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة أصحابه الشجعان من أهل اليمان بهدف إثارة قدراتهم‬
‫وقواهم وحّثهم على الجهاد‪ ،‬كما ذّمهم على ضعفهم وتقصيرهم‪ ،‬أصحابه الذين تألقوا في ساحات الحرب حين‬
‫ن اْلَقْوُم اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫قتالهم للعداء وكذلك في ميدان الطاعة والعبودية حيث كانوا سّباقين في هذه الميادين فقد قال‪َ» :‬أْي َ‬
‫لِدَها‪،‬‬
‫ح)‪ِ (3‬إَلى َأْو َ‬
‫جَهاِد َفَوِلُهوا)‪َ (2‬وَلَه الّلَقا ِ‬
‫جوا)‪ِ (1‬إَلى اْل ِ‬
‫حَكُموُه‪َ ،‬وِهي ُ‬
‫ن َفَأ ْ‬
‫لِم َفَقِبُلوُه‪َ ،‬وَقَرُءوا اْلُقْرآ َ‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫عوا ِإَلى ا ِْ‬
‫ُد ُ‬
‫جا«‪.‬‬
‫ض َن َ‬
‫ك‪َ ،‬وَبْع ٌ‬
‫ض َهَل َ‬
‫صّفا‪َ .‬بْع ٌ‬
‫صّفًا َ‬
‫حفًا)‪َ ،(5‬و َ‬
‫حفًا َز ْ‬
‫ض َز ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ف ا َْ‬
‫طَرا ِ‬
‫خُذوا ِبَأ ْ‬
‫غَماَدَها)‪َ ،(4‬وَأ َ‬
‫ف َأ ْ‬
‫سُيو َ‬
‫سَلُبوا ال ّ‬
‫َو َ‬

‫‪» .1‬هيجوا«‪ :‬فعل مجهول من مادة »هيجان« وتعني هنا أّنهم كانوا يندفعون إلى الجهاد‪.‬‬
‫‪» .2‬ولهوا«‪ :‬من مادة »َوَلَه« على وزن فرح شّدة الشوق أوالحزن‪.‬‬
‫‪» .3‬لقاح«‪ :‬من مادة »لقوح« الناقة‪.‬‬
‫‪» .4‬اغماد«‪ :‬جمع »غمد« على وزن هند موضع السيف‪.‬‬
‫‪» .5‬زحف«‪ :‬تعني في الصل المشي مع الثقل‪.‬‬

‫] ‪[ 140‬‬
‫دقيقة هى الوصاف التي أوردها المام )عليه السلم( في هذه العبارة لهم‪ ،‬فقد إبتدأها باليمان بالسلم والفهم‬
‫والدراك الصحيح للقرآن والعمل به والذي الدافع الرئيسي للحركة نحو الجهاد‪ ،‬ومن ثم عشقهم للجهاد الذي يشبه‬
‫لم لولدها وولهها إليه‪ ،‬ويثني على شجاعتهم حيث لم يفكروا قط في إغماد سيوفهم والتراجع عن الجهاد‪،‬‬
‫بعشق ا ُ‬
‫وأخيرًا مدح مدى حركتهم الجماعية ـ والذين كانوا يحضرون في الميدان في أي موضع كانوا ـ والحق من يتحلى‬
‫بهذه الصفات‪ ،‬فهو منتصر على الدوام‪.‬‬
‫ثم واصل الكلم بالحديث عن سائر صفاتهم حيث يكشف النقاب عن علّو معنوياتهم ومدى زهدهم وخضوعهم‬
‫ن اْلَمْوَتى«‪.‬‬
‫عِ‬
‫ل ُيَعّزْونَ َ‬
‫حَياِء‪َ ،‬و َ‬
‫لْ‬
‫ن ِبا َْ‬
‫شُرو َ‬
‫ل ُيَب ّ‬
‫وخشوعهم ل تبارك وتعالى فقال‪َ » :‬‬
‫وهذه علمة علو روحيتهم حيث لم يكونوا بفكر قيود الحياة المادية‪ ،‬بحيث ينزعجون لفقد الحبة أو يهنى أحدهم‬
‫الخر على البقاء على قيد الحياة‪ ،‬إّنهم يفخرون بالشهادة في سبيل ال سبحانه ويرونها حلمهم في نيل السعادة‬
‫شَفاِه ِم َ‬
‫ن‬
‫ل)‪ (3‬ال ّ‬
‫صَياِم‪ُ ،‬ذُب ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ِم َ‬
‫طو ِ‬
‫ص)‪ (2‬اْلُب ُ‬
‫خْم ُ‬
‫ن اْلُبَكاِء‪ُ ،‬‬
‫ن ِم َ‬
‫لخروية‪ ،‬ومن صفاتهم أيضًا‪ُ» :‬مْرُه)‪ (1‬اْلُعُيو ِ‬
‫اُ‬
‫ن«‪.‬‬
‫شِعي َ‬
‫خا ِ‬
‫غَبَرُة اْل َ‬
‫جوِهِهْم َ‬
‫عَلى ُو ُ‬
‫سَهِر)‪َ .(5‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ِم َ‬
‫لْلَوا ِ‬
‫صْفُر)‪ (4‬ا َْ‬
‫عاِء‪ُ ،‬‬
‫الّد َ‬
‫نعم‪ ،‬فهم في ساحات المعارك يزأرون كالسد‪ ،‬وإن جن عليهم الليل ارتفعت أصواتهم بالنحيب والبكاء وجرت‬
‫دموعهم على خدهم‪ ،‬هكذا هم في الحالين‪.‬‬
‫خَواِني‬
‫ك ِإ ْ‬
‫ثم خلص المام )عليه السلم( بعد ذلك إلى الدرس والعبرة التي ينبغي الحتذاء بها فقال‪ُ» :‬أولِئ َ‬
‫عَلى ِفَراِقِهْم«‪.‬‬
‫ي َ‬
‫لْيِد َ‬
‫ض ا َْ‬
‫ظَمَأ ِإَلْيِهْم‪َ ،‬وَنَع ّ‬
‫ن َن ْ‬
‫ق َلَنا َأ ْ‬
‫حّ‬
‫ن‪َ .‬ف َ‬
‫الّذاِهُبو َ‬
‫لقد جرت عادة أرباب التربية على الستشهاد بالنماذج البارزة القّيمة من أجل تهذيب الفراد المطلوب تربيتهم‬
‫ليتمكنوا من مقارنة أنفسهم بتلك النماذج فيحذو حذوهم‪ ،‬يقفون‬
‫‪» .1‬مره«‪ :‬أمره من مضت عينه أو وجعت‪.‬‬
‫‪» .2‬خمص«‪ :‬جمع »أخمص« ضامر البطن‪.‬‬
‫‪» .3‬ذبل«‪ :‬جمع »ذابل« الجفاف والتيبس‪.‬‬
‫‪» .4‬صفر«‪ :‬جمع »أصفر« شاحب اللون‪.‬‬
‫‪» .5‬سهر«‪ :‬البقاء واعيًا في الليل‪.‬‬

‫] ‪[ 141‬‬
‫لسلوب الذي إعتمده المام )عليه السلم(في إطار‬
‫على أخطائهم فيهمون بتداركها وإصلح أنفسهم‪ ،‬وهذا هو ا ُ‬
‫تربيته للفراد‪ ،‬ولكن وللسف لم يكن ُاولئك الفراد آنذاك مستعدين لتقبل نصائحه ووصاياه وبرامجه التربوية‪،‬‬

‫ب ومعلم مهما كان بصيرًا ومشفقًا ونموذجًا ما لم يكن هناك من إستعداد في الطرف‬
‫وبالطبع ل فائدة لي مر ّ‬
‫المقابل لتقبل أفكاره والستجابة لها‪ ،‬فالمطار المفعمة بالحياة والخير والبركة تنزل على كل مكان‪ ،‬ولكن ل‬
‫ل الخبث ول يسعها الستفادة من تلك المطار‪ ،‬والشمس هى الخرى تضيىء لكل ذي‬
‫تخرج الرض المالحة إ ّ‬
‫عينين‪ ،‬ولكن ماذا يسع العمى أن يرى منها‪ ،‬والرياح المنعشة تهب في كل مكان ولكن ل تنتفع بها قبور الموتى‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 142‬‬
‫] ‪[ 143‬‬

‫القسم الثالث‬

‫عِة اْلُفْرَقَة‪َ ،‬وِباْلُفْرَقِة اْلِفْتَنَة‪.‬‬
‫جَما َ‬
‫عْقَدًة‪َ،‬وُيْعطَِيُكْم ِباْل َ‬
‫عْقَدًة ُ‬
‫ل ِديَنُكْم ُ‬
‫حّ‬
‫ن َي ُ‬
‫طُرَقُه‪َ ،‬وُيِريُد َأ ْ‬
‫سّني َلُكْم ُ‬
‫ن ُي َ‬
‫طا َ‬
‫شْي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫»ِإ ّ‬
‫سُكْم«‪.‬‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫عِقُلوَها َ‬
‫ن َأْهَداَها ِإَلْيُكْم‪َ ،‬وا ْ‬
‫حَة ِمّم ْ‬
‫صي َ‬
‫غاِتِه َوَنَفَثاِتِه‪َ ،‬واْقَبُلوا الّن ِ‬
‫ن َنَز َ‬
‫عْ‬
‫صِدُقوا َ‬
‫َفا ْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الحذار من وساوس الشيطان‬
‫إختتم المام )عليه السلم( خطبته بالحديث عن الشيطان كون وساوسه تمثل مصدر البؤس والشقاء‪ ،‬حيث حذر‬
‫صحبه ومخاطبيه من هذا المكر وضرورة مراقبة الشيطان واللتفات إلى طرق نفوذه‪ ،‬وقد بّين ذلك على شكل‬
‫طُرَقُه«‪.‬‬
‫سّني)‪َ(1‬لُكْم ُ‬
‫ن ُي َ‬
‫طا َ‬
‫شْي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫خلصة بأربع عبارات فقال‪ِ» :‬إ ّ‬
‫ولما كان الشيطان يتبع الساليب السياسية شيئًا فشيئًا فاّنه يسعى لتقويض جموح الدين والقضاء على العقائد‬
‫عْقَدًة«‪ ،‬من ضمن برامجه وخططه أيضًا إيجاد الفرقة‬
‫عْقَدًة ُ‬
‫ل ِديَنُكْم ُ‬
‫حّ‬
‫ن َي ُ‬
‫والعمال الواحدة بعد الخرى‪َ» :‬وُيِريُد َأ ْ‬
‫عِة اْلُفْرَقَة«‪ ،‬فيثير الفتن بواسطة هذه الفرقة‪َ» :‬وِباْلُفْرَقِة اْلِفْتَنَة«‪.‬‬
‫جَما َ‬
‫طَيُكْم ِباْل َ‬
‫ل من التحاد‪َ» :‬وُيْع ِ‬
‫بد ً‬
‫أجل أول برنامج للشيطان أن يبدي الطرق الوعرة والخطيرة معبدة سهلة في نظر النسان‪ ،‬فيستقطب إليه الجميع‬
‫ن سلك سبيله واّتبعه قاده‬
‫من خلل المرونة والتساهل وتصوير طريق الطاعة على أّنه معقد خطير وصعب‪ ،‬فا ّ‬
‫كل يوم إلى ترك قانون من قوانين الشرع وعهد‬
‫ي«‪ :‬من مادة »سناء« بمعنى الضياء وإن استعملت في باب التفعيل وردت بمعنى يسّهل‪.‬‬
‫‪» .1‬يسن ّ‬

‫] ‪[ 144‬‬
‫ل َتّتِبُعوا‬
‫من عهوده المقّدسة‪ ،‬وهو المر الذي أكده القرآن الكريم أربع مّرات محذرًا من اّتباع الشيطان‪َ) :‬و َ‬
‫ن‪.(1)(...‬‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬
‫ُ‬

‫شاِء َواْلُمْنَكِر‪.(2)(...‬‬
‫حَ‬
‫ن َفِإّنُه َيْأُمُر ِباْلَف ْ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬
‫ن َيّتِبْع ُ‬
‫وقال تعالى‪َ) :‬وَم ْ‬
‫فان جعل النسان غير مكترث للحكام اللهّية وسادت المجتمع الهواء‪ ،‬آنذاك يستفيد من تضارب المصالح‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫المادية والتعصبات الجاهلية ليدعو الناس إلى الفرقة‪ ،‬كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم‪ِ) :‬إّنَما ُيِريُد ال ّ‬
‫سِر‪.(3)(...‬‬
‫خْمِر َواْلَمْي ِ‬
‫ضاَء ِفي اْل َ‬
‫ُيوِقَع َبْيَنُكْم اْلَعَداَوَة َواْلَبْغ َ‬
‫ومن الطبيعي إن اشتعلت نيران الفرقة والختلف والنفاق في المجتمع استتبع ذلك ظهور الفتن‪ ،‬ومّما ل شك فيه‬
‫ن دين الفراد ودنياهم تتحطم بفعل تلك الفتن‪ ،‬ولعل هذا هو المر الذي أجراه الشيطان في أحدث معركة‬
‫فا ّ‬
‫صفين‪ ،‬فقد لقنهم الشيطان باديء المر أن قبول التحكيم هو أسهل الطرق لبلوغ الصلح والستقرار‪ ،‬ثم دعاهم‬
‫للتمرد على أوامر المحكم أميرالمؤمنين علي )عليه السلم( في مجال الجهاد‪ ،‬آنذاك بث بذور الفرقة والنفاق بين‬
‫صفوف الجيش حتى انتهى المر إلى فتنة عمرو بن العاص وأثرها فتنة الخوارج‪.‬‬
‫غاِتِه)‪َ(5‬وَنَفَثاِتِه)‬
‫ن َنَز َ‬
‫عْ‬
‫صِدُقوا)‪َ (4‬‬
‫ثم قال المام )عليه السلم( بغية عدم سقوط أصحابه في شباك الشيطان‪َ» :‬فا ْ‬
‫سُكْم«‪.‬‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫عِقُلوَها)‪َ (7‬‬
‫ن َأْهَداَها ِإَلْيُكْم‪َ ،‬وا ْ‬
‫حَة ِمّم ْ‬
‫صي َ‬
‫‪َ ،(6‬واْقَبُلوا الّن ِ‬
‫ويصدق هذا المر في عصرنا وزماننا‪ ،‬فالشيطان يري طرقه المنحرفة سهلة وبسيطة بادىء المر‪ ،‬ويسحب‬
‫الناس إليه‪ ،‬ثم يسلبهم القيم السلمية الواحدة بعد الخرى‪ ،‬ثم يبث بينهم بذور الفرقة والخلف‪ ،‬وأخيرًا تقود‬
‫الفرقة إلى اشتعال نيران الفتن السياسية والجتماعية والقتصادية‪.‬‬
‫_______________________________________________________________‬

‫‪ .2‬سورة البقرة ‪ ;208 /‬سورة النعام ‪ ;142 /‬سورة نور ‪.21 /‬‬
‫‪ .3‬سورة المائدة ‪.91 /‬‬
‫‪» .4‬اصدقوا«‪ :‬من مادة »صدق« على وزن عطف بمعنى العراض‪.‬‬
‫‪ .5‬نزغات«‪ :‬جمع »نزغة« على وزن ضربة وساوس‪.‬‬
‫‪» .6‬نفثات«‪ :‬جمع »نفثة« تعني هنا الوسوسة‪.‬‬
‫‪» .7‬اعقلوها«‪ :‬من مادة »عقل« على وزن دغل احبسوها على أنفسكم ل تتركوها فتضيع منكم‪ ،‬والعقل ربط‬
‫رجل الناقة‪.‬‬
‫] ‪[ 145‬‬

‫الخطبة)‪122 (1‬‬

‫ن َكلم لُه)عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫قاله للخوارج‪ ،‬وقد خرج إلى معسكرهم و هم مقيمون‬
‫على إنكار الحكومة‪ ،‬فقال )عليه السلم(‪:‬‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫جة‬
‫ن هذه الخطبة جانب من حديث المام )عليه السلم( قبل معركة النهروان‪ ،‬ذكره المام ح ّ‬
‫كما ورد أعله فا ّ‬
‫عليهم‪ ،‬فكان لكلمه بالغ التأثير بحيث تاب أغلب الخوارج وتراجعوا عن القتال‪ ،‬فقد قسمهم المام )عليه السلم(‬
‫بادىء المر إلى فئتين‪ ،‬وقد فرق بين صفوقهم‪ ،‬فئة شهدت صفين وأخرى لم تشهدها‪ ،‬وفي القسم الثاني ذّكر‬
‫ي مسألة التحكيم‪ ،‬والحال كنت شديد المخالفة لذلك المر‪ ،‬وقد أمرتكم‬
‫أصحاب الصفين بأّنكم أنتم من فرضتم عل ّ‬
‫بمواصلة الجهاد حتى تحقيق النصر‪.‬‬
‫وفي القسم الثالث أشار إلى مسألة وهى إننا كّنا في صدر السلم نقاتل قرابتنا حين كانوا في معسكر الكفر من‬
‫أجل نصر الدين‪ ،‬وأّما الن فالذي يقف في المعسكر المقابل إخوتنا من‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫نقل المرحوم الطبرسي في كتاب الحتجاج أقصر مّما ورد في هذه الخطبة مّما يدل على أّنه أخذها من مصدر آخر‪ ،‬وقال ابن أبي‬
‫ل لكّنه يتألف في الواقع من ثلثة أقسام منفصلة‪ ،‬وقد جرت عادة السيد الرضي على انتخاب‬
‫ن هذا الكلم وإن كان متص ً‬
‫الحديد إ ّ‬
‫الفصح من الكلمات وحذف سائر الكلمات )مصادر نهج البلغة ‪.(2/271‬‬

‫] ‪[ 146‬‬
‫ن علينا أن ندفع الشبهة عنهم لتحل‬
‫المسلمين الذين أخطأوا الطريق وقد اختلفت الظروف الشرائط‪ ،‬وعليه فا ّ‬
‫المشكلة‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 147‬‬

‫القسم الول‬

‫ن ِفْرَقًة‪،‬‬
‫شِهَد صِّفي َ‬
‫ن َ‬
‫ن َم ْ‬
‫ن‪َ ،‬فْلَيُك ْ‬
‫ل‪َ :‬فاْمَتاُزوا ِفْرَقَتْي ِ‬
‫شَهْد‪َ .‬قا َ‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫شِهَد َوِمّنا َم ْ‬
‫ن َ‬
‫ن؟ َفَقاُلوا‪ِ :‬مّنا َم ْ‬
‫صّفي َ‬
‫شِهَد َمَعَنا ِ‬
‫»َأُكّلُكْم َ‬
‫ل‪:‬‬
‫س‪َ ،‬فَقا َ‬
‫لِمِه‪َ .‬وَناَدى الّنا َ‬
‫ل ِمْنُكْم ِبَك َ‬
‫حّتى ُأَكّلَم ُك ّ‬
‫شَهْدَها ِفْرَقًة‪َ ،‬‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫َوَم ْ‬
‫ل ِبِعْلِمِه ِفيَها‪.‬‬
‫شَهاَدًة َفْلَيُق ْ‬
‫شْدَناهُ َ‬
‫ن َن َ‬
‫ي‪َ ،‬فَم ْ‬
‫صُتوا ِلَقْوِلي‪َ ،‬وَأْقِبُلوا بَأْفِئَدِتُكْم ِإَل ّ‬
‫لِم‪َ ،‬وَأْن ِ‬
‫ن اْلَك َ‬
‫عِ‬
‫سُكوا َ‬
‫َأْم ِ‬
‫ل)عليه السلم(‪:‬‬
‫ن َقا َ‬
‫جْمَلِتِه أ ْ‬
‫ن ُ‬
‫طِويل‪ِ ،‬م ْ‬
‫لم َ‬
‫ُثّم َكّلَمُهْم)عليه السلم( ِبَك َ‬

‫حوا ِإَلى‬
‫سَتَرا ُ‬
‫سَتَقاُلوَنا َوا ْ‬
‫عَوِتَنا‪ ،‬ا ْ‬
‫ل َد ْ‬
‫خَواُنَنا َوَأْه ُ‬
‫خِديَعًة‪ِ :‬إ ْ‬
‫غيَلًة‪َ ،‬وَمْكرًا َو َ‬
‫حيَلًة َو ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح َ‬
‫صا ِ‬
‫عْنَد َرْفِعِهُم اْلَم َ‬
‫َأَلْم َتُقوُلوا ِ‬
‫ن‪َ ،‬وَأّوُلُه‬
‫عْدَوا ٌ‬
‫طُنُه ُ‬
‫ن‪َ ،‬وَبا ِ‬
‫ظاِهُرهُ ِإيَما ٌ‬
‫ت َلُكْم‪ :‬هَذاَأْمٌر َ‬
‫عْنُهْم؟ َفُقْل ُ‬
‫س َ‬
‫ل ِمْنُهْم َوالّتْنِفي ُ‬
‫ي اْلَقُبو ُ‬
‫حاَنُه‪َ ،‬فالّرْأ ُ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫با ّ‬
‫ِكَتا ِ‬
‫عق‬
‫ل َتْلَتِفُتوا ِإَلى َنا ِ‬
‫جِذُكْم‪َ ،‬و َ‬
‫جَهاِد ِبَنَوا ِ‬
‫عَلى اْل ِ‬
‫ضوا َ‬
‫ع ّ‬
‫طِريَقَتُكْم‪َ ،‬و َ‬
‫شْأِنُكْم‪َ ،‬واْلَزُموا َ‬
‫عَلى َ‬
‫خُرُه َنَداَمٌة‪َ .‬فَأِقيُموا َ‬
‫حَمٌة‪َ ،‬وآ ِ‬
‫َر ْ‬
‫عَل ّ‬
‫ي‬
‫ت َ‬
‫جَب ْ‬
‫ن َأَبْيُتَها َما َو َ‬
‫ل َلِئ ْ‬
‫طْيُتُموَها‪َ .‬وا ّ‬
‫عَ‬
‫ت هِذِه الَفْعَلُة‪َ ،‬وَقْد َرَأْيُتُكْم َأ ْ‬
‫ل‪َ .‬وَقْد َكاَن ْ‬
‫ك َذ ّ‬
‫ل‪َ ،‬وِإن ُتِر َ‬
‫ضّ‬
‫ب َأ َ‬
‫جي َ‬
‫ن ُأ ِ‬
‫ق‪ِ :‬إ ْ‬
‫َنَع َ‬
‫حْبُتُه‪«:‬‬
‫صِ‬
‫ب َلَمِعي‪َ ،‬ما َفاَرْقُتُه ُمْذ َ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫ق اّلِذي ُيّتَبُع; َوِإ ّ‬
‫حّ‬
‫جْئُتَها ِإّني َلْلُم ِ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫ل َذْنَبَها‪َ .‬وَوا ّ‬
‫يا ّ‬
‫حّمَلِن َ‬
‫ل َ‬
‫ضُتَها‪َ ،‬و َ‬
‫َفِري َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫كيف وقعتم في فخ العدو‬
‫ن المخاطب بهذه الخطبة هم خوارج النهروان الذين كلمهم المام )عليه السلم(بهذا الكلم‬
‫كما ذكرنا سابقًا فا ّ‬
‫جة عليهم وهداية وإرشاد الفئة الضالة المنخدعة‪ ،‬فقال بادىء المر من‬
‫لتمام الح ّ‬
‫] ‪[ 148‬‬
‫شَهْد«‪.‬‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫شِهَد َوِمّنا َم ْ‬
‫ن َ‬
‫ن؟ َفَقاُلوا‪ِ :‬مّنا َم ْ‬
‫صّفي َ‬
‫شِهَد َمَعَنا ِ‬
‫أجل إعدادهم‪َ» :‬أُكّلُكْم َ‬
‫ن المّدة بين معركة صفين ومقاتلة خوارج النهروان لم تكن طويلة‪ ،‬لكن ل يعلم كيف اتصلت الفئة الثانية‬
‫رغم أ ّ‬
‫التي لم تشهد صفين بالفئة الولى الباغية‪ ،‬ورّبما أثرت عليها وساوس الفئة الولى سمومها التي بّثتها بين أهل‬
‫الكوفة فجعلتها تلتحق بها وتقف معها في مواقفها الفاسدة‪.‬‬
‫ل ِمْنُكْم‬
‫حّتى ُأَكّلَم ُك ّ‬
‫شَهْدَها ِفْرَقًة‪َ ،‬‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫ن ِفْرَقًة‪َ ،‬وَم ْ‬
‫صّفي َ‬
‫شِهَد ِ‬
‫ن َ‬
‫ن َم ْ‬
‫ن‪َ ،‬فْلَيُك ْ‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪َ» :‬فاْمَتاُزوا ِفْرَقَتْي ِ‬
‫لِمِه«‪.‬‬
‫ِبَك َ‬
‫ن الفصاحة والبلغة تقتضي تمييزهم‬
‫ن المخاطبين بحديث مهم إن لم يكونوا على مستوى واحد فا ّ‬
‫فالعبارة تفيد أ ّ‬
‫عن بعضهم والتحدث لكل بما يتناسب ووضعه‪ ،‬ليكون للكلم أثره المرجو والمطلوب‪ ،‬ومن هنا سلك المام )عليه‬
‫شْدَناُه)‪(1‬‬
‫ن َن َ‬
‫ي‪َ ،‬فَم ْ‬
‫صُتوا ِلَقْوِلي‪َ ،‬وَأْقِبُلوا بَأْفِئَدِتُكْم ِإَل ّ‬
‫لِم‪َ ،‬وَأْن ِ‬
‫ن اْلَك َ‬
‫عِ‬
‫سُكوا َ‬
‫ل‪َ :‬أْم ِ‬
‫س‪َ ،‬فَقا َ‬
‫السلم( هذا النهج‪َ» :‬وَناَدى الّنا َ‬
‫ل ِبِعْلِمِه ِفيَها«‪.‬‬
‫شَهاَدًة َفْلَيُق ْ‬
‫َ‬
‫ن الخوارج أو جيش المام )عليه السلم( ممن حضر هناك‪ ،‬أو كلهما‪ ،‬أّنهم كانوا‬
‫فالذي يستفاد من هذه العبارة أ ّ‬
‫مشغولين بالكلم مع بعضهم البعض الخر‪ ،‬فقد دعاهم المام )عليه السلم( إلى الصمت والستماع لما يقول‬
‫والقبال عليه بقلوبهم ليستعدوا للتفاعل مع الكلم‪ ،‬كما إختار من جمعهم بعض الشهود‪ُ» :‬ثّم َكّلَمُهْم)عليه السلم(‬
‫ل )عليه السلم(‪.(2)«:‬‬
‫ن َقا َ‬
‫جْمَلِتِه أ ْ‬
‫ن ُ‬
‫طِويل‪ِ ،‬م ْ‬
‫لم َ‬
‫ِبَك َ‬
‫فقد أخذ المام )عليه السلم( أيديهم إلى الماضي القريب وذّكرهم بكبر أخطائهم وعظم معصيتهم وتمردهم‪ ،‬ثم‬
‫خَواُنَنا‬
‫خِديَعًة‪ِ :‬إ ْ‬
‫غيَلًة)‪َ ،(3‬وَمْكرًا َو َ‬
‫حيَلًة َو ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح َ‬
‫صا ِ‬
‫عْنَد َرْفِعِهُم اْلَم َ‬
‫خاطب الفرقة التي شهدت صفين‪َ» :‬أَلْم َتُقوُلوا ِ‬
‫عْنُهْم؟«‪.‬‬
‫س)‪َ (5‬‬
‫ل ِمْنُهْم َوالّتْنِفي ُ‬
‫ي اْلَقُبو ُ‬
‫حاَنُه‪َ ،‬فالّرْأ ُ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫با ّ‬
‫حوا ِإَلى ِكَتا ِ‬
‫سَتَرا ُ‬
‫سَتَقاُلوَنا)‪َ (4‬وا ْ‬
‫عَوِتَنا‪ ،‬ا ْ‬
‫ل َد ْ‬
‫َوَأْه ُ‬
‫ن‪،‬‬
‫ظاِهُرهُ ِإيَما ٌ‬
‫ت َلُكْم‪ :‬هَذاَأْمٌر َ‬
‫بعد ذلك طرح المام )عليه السلم( رّده على تلك الخدعة‪َ» :‬فُقْل ُ‬
‫‪» .1‬نشد«‪ :‬من مادة »نشد« بمعنى النداء والسؤال والطلب وهنا بمعنى الستشهاد‪.‬‬
‫ن كلم المام‬
‫‪ .2‬هل هذه الجملة للسيد الرضي أم كلم رواي الخطبة الذي نقل عنه السيد الرضي‪ ،‬ل يعلم بالضبط‪ ،‬لكن من المسلم به أ ّ‬
‫)عليه السلم( أكثر مّما ورد في نهج البلغة وقد اعتاد السيد الرضي على اقتطاف أفصح وأبلغه‪.‬‬

‫‪» .3‬غيلة«‪ :‬بمعنى »غدر«‪.‬‬
‫‪» .4‬استقالوا«‪ :‬من مادة استقالة بمعنى عودة الشيء‪.‬‬
‫‪» .5‬تنفيس«‪ :‬بمعنى الكف والحل‪.‬‬

‫] ‪[ 149‬‬
‫خُرُه َنَداَمٌة«‪.‬‬
‫حَمٌة‪َ ،‬وآ ِ‬
‫ن‪َ ،‬وَأّوُلُه َر ْ‬
‫عْدَوا ٌ‬
‫طُنُه ُ‬
‫َوَبا ِ‬
‫ق‪ِ :‬إ ْ‬
‫ن‬
‫عق َنَع َ‬
‫ل َتْلَتِفُتوا ِإَلى َنا ِ‬
‫جِذُكْم‪َ ،‬و َ‬
‫جَهادِ ِبَنَوا ِ‬
‫عَلى اْل ِ‬
‫ضوا َ‬
‫ع ّ‬
‫طِريَقَتُكْم‪َ ،‬و َ‬
‫شْأِنُكْم‪َ ،‬واْلَزُموا َ‬
‫عَلى َ‬
‫وعليه‪َ» :‬فَأِقيُموا َ‬
‫ل«‪.‬‬
‫ك َذ ّ‬
‫ل‪َ ،‬وِإن ُتِر َ‬
‫ضّ‬
‫ب َأ َ‬
‫جي َ‬
‫ُأ ِ‬
‫لكن مع السف فقد وقعت هذه الفتنة )التحكيم( ورأيتكم استجبتم لها‪ ،‬والن قد ارتفع صوتكم بعد أن سقطتم في‬
‫طْيُتُموَها«‪.‬‬
‫عَ‬
‫ت هِذِه الَفْعَلُة‪َ ،‬وَقْد َرَأْيُتُكْم َأ ْ‬
‫الفتنة‪َ» :‬وَقْد َكاَن ْ‬
‫حّقا‪ ،‬إّنه لمن دواعي العجب! فقد عرضوا المام لشد الضغوط في اللحظات الخيرة لتلك المعركة المصيرية‬
‫والتي أشرفت على تحقيق النصر النهائي حتى فرضوا عليه الستجابة لخدعه عمرو بن العاص وقبول التحكيم‪،‬‬
‫ف عن القتال‪ ،‬ولما زالت الحجب‬
‫بل أبعد من ذلك هددوه بالقتل إن لم يصدر أمره لمالك الشتر بالنسحاب وال ّ‬
‫ل من العودة إلى‬
‫وتكشفت المور وبانت الخدعة توجهوا باللوم إلى المام )عليه السلم( لم قبلت التحكيم‪ ،‬بد ً‬
‫نفوسهم والعتذار والهم بإصلح ما بدر منهم من أخطاء(‪.‬‬
‫ن المام )عليه السلم( ميز الخوارج في بداية المر إلى فرقتين‪ ،‬فرقة شهدت صفين‬
‫الجدير بالذكر في هذا المر أ ّ‬
‫وأخرى لم تشهدها‪ ،‬لتتضح قضية وهى إن تمّرت الفرقة الثانية بفعل جهلها وعدم إحاطتها بأحداث صفين‪ ،‬فما‬
‫لسس التي دفعتكم للقدوم إلى النهروان؟ كيف‬
‫بالكم أنتم الذين شهدتم صفين وتابعتم الحداث؟ فما المنطق وا ُ‬
‫تتهموني بمسؤولية التحكيم؟‬
‫جة عليهم وعلى ُاولئك الفريق الثاني الذي خدع بالفريق الول ورافقه إلى الميدان‪ ،‬وليس هنالك‬
‫وهكذا أتّم الح ّ‬
‫أسوأ ممن ل يصغي لكلم الناصح المين المشفق‪ ،‬فان أصابته مصيبة بما قدمت يداه نسب التقصير فيها إلى ذلك‬
‫الناصح وجابهه بالعتراض‪ ،‬نعم‪ ،‬هذا هو دين الفراد البعيدين عن النصاف والذين ينسون ما يصدر منهم من‬
‫أفعال‪.‬‬
‫ثم أوضح المام )عليه السلم( حقيقة الموقف بصورة أخرى ليقسم بأّنه لو لم يقبل التحكيم لما كان عليه من‬
‫ضُتَها‪،‬‬
‫ي َفِري َ‬
‫عَل ّ‬
‫ت َ‬
‫جَب ْ‬
‫ن َأَبْيُتَها َما َو َ‬
‫ل َلِئ ْ‬
‫مسؤولية في اللتزام بلوازمها ول يحملها ال سبحانه ذنبها ووزرها‪َ» :‬وا ّ‬
‫ل َذْنَبَها«‪.‬‬
‫يا ّ‬
‫حّمَلِن َ‬
‫ل َ‬
‫َو َ‬
‫ل تجاه لوزامها ول‬
‫إشارة إلى مراده‪ :‬إن خالفت بشّدة مسألة التحكيم في بداية المر فذلك لكي ل أكون مسؤو ً‬
‫ن قضية التحكيم أّدت إلى تقوية حكومة‬
‫يلحقني وزرها; ل ّ‬
‫] ‪[ 150‬‬
‫طواغيت الشام وذهبت بدماء شهداء صفين أدراج الرياح‪ ،‬فذلت دعاة الحق وأشعرتهم باليأس‪.‬‬
‫حْبُتُه«‪.‬‬
‫ب َلَمِعي‪َ ،‬ما َفاَرْقُتُه ُمْذ صَ ِ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫ق اّلِذي ُيّتَبُع; َوِإ ّ‬
‫حّ‬
‫جْئُتَها ِإّني َلْلُم ِ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫ثم قال )عليه السلم( إثر ذلك‪َ» :‬وَوا ّ‬
‫إشارة إلى أّنه حين رأيت ما وقع بينكم من شقاق في مسألة التحكيم يتطلب أن أمنعه‪ ،‬وبخلفه لنازع أحدكم الخر‬
‫وشهر السيف في وجه صاحبه ولقاد ذلك المر إلى فضيحة كبرى‪ ،‬وهنا شعرت بالضطرار لقبول التحكيم‪.‬‬
‫أضف إلى ذلك فلو فوضتم التحكيم إلى من هو عالم به ول يفارقه ومحيط بمضمونه ولم تتجهوا صوب فرد بسيط‬
‫وجاهل كأبي موسى الشعري‪ ،‬لفشلت تلك المؤامرة وخمدت الفتنة‪ ،‬وإن كان فيها من ضرر فهو جزئي محدود‪،‬‬

‫ي التحكيم وكذلك أجبرتموني على تحكيم أبي موسى الشعري‪ ،‬فسقطتم في هذه الفتنة وتكبدتم كل‬
‫لكنكم فرضتم عل ّ‬
‫ي أن أتحمل مسؤولية تقصيركم؟ وأدفع ثمن جريمتكم؟ والذي‬
‫هذه الضرار فما تقولون بهذا الخصوص؟ فهل عل ّ‬
‫نخلص إليه ّما مّر معنا من كلم‪:‬‬
‫ن المام )عليه السلم( أقسم مّرتين في هذا المقطع من كلمه‪ ،‬سّيما في القسم الثاني الذي أردفه بالتوكيد‬
‫‪1‬ـأّ‬
‫ليبّين بعده كل البعد عن أدنى تقصير‪.‬‬
‫ل على ترديده في مسألة للتحكيم‪ ،‬بل إشارة‬
‫‪ 2‬ـ ما بّينه المام )عليه السلم( في القسمين المذكورين ليس فيه ما يد ّ‬
‫إلى حالتين مختلفتين‪ ،‬فقد كان مخالفًا بشّدة في البداية‪ ،‬لّنه كان يعتبرها مكر وحيلة خطيرة‪ ،‬ولما اختلف جيشه‬
‫ل التحكيم‪ ،‬استجاب للتحكيم دفعًا للفتنة وإبعادًا للفرقة والشقاق‪ ،‬وعليه فقد‬
‫وصحبه‪ ،‬وأبى العم الغلب منهم إ ّ‬
‫كانت مخالفته في بداية المر وموافقته تستند إلى الحكمة‪ ،‬وبغض النظر عّما سبق لو لم يصّر ذلك الفريق الجاهل‬
‫على تحكيم ذلك العنصر الفاسد كأبي موسى الشعري لما كانت المشاكل بذلك الحجم‪ ،‬فذلك الصرار الفض هو‬
‫ن هذه الفئة‬
‫الذي أّدى إلى عقم نتائج معركة صفين والمتياز الذي حصل عليه أعداء السلم‪ ،‬وبناءًا على هذا فا ّ‬
‫المتعصبة أخذت تفقد مواضعها الواحد بعد الخر حتى انتهت إلى ذلك المصير السود‪ ،‬والعجيب أّنهم استجيب‬
‫للتحكيم؟!‬
‫] ‪[ 151‬‬
‫ن منطق المام )عليه السلم( بهذا الخصوص قد أتى أكله فعادت طائفة عظيمة من‬
‫لكن وعلى كل حال‪ ،‬فا ّ‬
‫ن الغلبية الساحقة من الخوارج قد‬
‫الخوارج إلى نفسها فتابت وكفت عن القتال‪ ،‬حتى صّرحت كتب التاريخ بأ ّ‬
‫تابت ووقفت على عظيم زّلتها‪.‬‬
‫—–‬

‫نبذة عن شخصية معاوية‬
‫ن العمال التي مارسها معاوية طيلة تاريخ حياته ول سيما في مّدة حكومته لتكشف حقيقة واضحة لكل فرد‬
‫إّ‬
‫ل هّمه ترسيخ دعائم‬
‫منصف في أّنه لم يفكر بارساء العدل بين المسلمين‪ ،‬ولم يكن يهّم بنشر السلم‪ ،‬بل كان ج ّ‬
‫حكومته المتزلزلة‪ ،‬ومن هنا فقد اعتمد كافة الساليب التي يلجأ إليها جبابرة الدنيا من أجل ترسيخ حكوماتهم‪،‬‬
‫وأبسط نموذج يمكن الشارة إليه في هذا المجال إّنما يتمثل برفعه لقميص عثمان في الشام وذرف دموع التماسيح‬
‫على الخليفة المقتول ظلمًا بهدف إثارة الناس للتمرد على أميرالمؤمنين علي )عليه السلم(وسفك دماء المسلمين‪،‬‬
‫إلى جانب إغداق الرشاوي الضخمة على زعماء القبائل‪ ،‬بل حتى بعض قواد جيش المام علي )عليه السلم(‬
‫وإيجاد الفرقة والخلف بينهم وبين سائر الناس‪.‬‬
‫وكذلك توجيه الراذل إلى مختلف نواحي البلد السلمية لنهب الثروات وإشاعة أجواء التوتر القلق‪ .‬ولعل قضية‬
‫رفع المصاحف وحملها على أسنة الرماح تعّد واحدة من تلك الساليب‪ ،‬فمعاوية لم يكن مستعدًا لقبول حكم القرآن‬
‫ن معاوية قام‬
‫الكريم‪ ،‬كما لم يكن مهتمًا بهذا المر‪ ،‬وكل ما يفكر فيه هو الحكومة‪ ،‬كما ذكر شّراح نهج البلغة أ ّ‬
‫ل أّنه لم يصطدم قط بقتلة‬
‫بوجه أميرالمؤمنين علي )عليه السلم( في البداية تحت شعار الطلب بدم عثمان‪ ،‬إ ّ‬
‫عثمان بعد ظهوره عليهم‪ ،‬فقد كان يقول أحيانًا‪ ،‬ألست من قتلة عثمان؟ وأحيانًا أخرى كان يسكت‪ ،‬ويغدق عليهم‬
‫العطاء )هذا ما نقله العقاد في كتاب »معاوية« ونقل عبدالكريم الخطيب عن كتاب »علي بن أبي طالب)عليه‬
‫ن عائشة بنت عثمان طالبت معاوية بالقصاص من قتلة أبيها‪.‬‬
‫السلم(« أ ّ‬
‫ن قضية‬
‫ض الّناس« مراده أ ّ‬
‫عر ِ‬
‫ن َ‬
‫ن َتكوِني امرَأٌة ِم ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫خيٌر ِم ْ‬
‫ن َ‬
‫عّم َأِمير الُمؤِمِني َ‬
‫ن َتُكوِني ِإبَنُة َ‬
‫فأجابها معاوية‪» :‬ل ْ‬
‫الطلب َبِدِم عثمان قد انتهت‪ ،‬وكان الهدف منها الستيلء على‬
‫] ‪[ 152‬‬

‫ل الكتفاء والقناعة بأّنك ابنة‬
‫حكومة وقد حصل هذا المر‪ ،‬ولعل المطالبة بدم عثمان تهدد كياننا‪ ،‬وما عليك إ ّ‬
‫عمي‪ ،‬ابنة عم حاكم المسلمين طبعًا‪ ،‬يمكن التعرف على شخصية معاوية من خلل مقربيه‪ ،‬فقد ذكر العقاد‪ ،‬أ ّ‬
‫ن‬
‫عَليها«‪ ،‬أي‬
‫ب َ‬
‫ل الّدنيـا َنَتَكاَل ُ‬
‫ن ِهي ِإ ّ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫عِليًا ِلَفضِلنـا؟ ل َوا ِ‬
‫عمرو بن العاص قال يومًا لمعاوية‪» :‬أَترى َأننا خـاَلفنـا َ‬
‫ولم يكن الحديث عن السلم والقرآن سوى الذريعة‪.‬‬
‫ك أَّيها الَمِلك«‪.‬‬
‫عَلي َ‬
‫سلُم َ‬
‫وذكر ابن الثير أن سعد بن أبي وقاص قال لمعاوية‪» :‬ال ّ‬
‫ن«‪.‬‬
‫ي بأمير المؤِمني َ‬
‫عَل ّ‬
‫سّلم َ‬
‫فقال معاوية‪ِ» :‬لَم َلم ُت َ‬
‫ب ِإن َوّليُتها ِبمـا َوّليَتهـا«‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫ل ِإّني مـا ُأ ِ‬
‫ل‪َ» :‬وا ِ‬
‫فأجاب سعد قائ ً‬
‫ومراده أّنك وّليتها بالمكر والحيلة)‪.(1‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬في ضلل نهج البلغة‪ ،‬للمرحوم محمد جواد مغنية‪ ،‬ذيل الخطبة التي بحثها ‪.2/222‬‬

‫] ‪[ 153‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ت [القرباء]‪،‬‬
‫ن َوالَقَراَبا ِ‬
‫خَوا ِ‬
‫لْ‬
‫لْبَناِء َوا ِْ‬
‫لَباِء َوا َْ‬
‫عَلى ا ْ‬
‫ل َلَيُدوُر َ‬
‫ن اْلَقْت َ‬
‫عَلْيِه َوآِلِه‪َ ،‬وِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ّ‬
‫ل َ‬
‫لا ّ‬
‫سو ِ‬
‫»َفَلَقْد ُكّنا َمَع َر ُ‬
‫ح‪.‬‬
‫جَرا ِ‬
‫ض ال ِ‬
‫ض ِ‬
‫عَلى َم َ‬
‫صْبرًا َ‬
‫لْمِر‪َ ،‬و َ‬
‫سِليمًا ِل َْ‬
‫ق‪َ ،‬وَت ْ‬
‫حّ‬
‫عَلى ال َ‬
‫ضّيا َ‬
‫ل ِإيَمانًا‪َ ،‬وُم ِ‬
‫شّدة ِإ ّ‬
‫صيَبة َو ِ‬
‫ل ُم ِ‬
‫ى ُك ّ‬
‫عَل ِ‬
‫َفَما َنْزَداُد َ‬
‫طِمْعَنا‬
‫ل‪َ .‬فِإَذا َ‬
‫شْبَهِة َوالّتْأِوي ِ‬
‫ج‪َ ،‬وال ّ‬
‫جا ِ‬
‫عِو َ‬
‫لْ‬
‫ن الّزْيِغ َوا ِ‬
‫ل ِفيِه ِم َ‬
‫خَ‬
‫عَلى َما َد َ‬
‫لِم َ‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫خَواَنَنا ِفي ا ِْ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫حَنا ُنَقاِت ُ‬
‫صَب ْ‬
‫َولِكّنا ِإّنَما َأ ْ‬
‫سَواَها«‪.‬‬
‫عّما ِ‬
‫سْكَنا َ‬
‫غْبَنا ِفيَها‪َ ،‬وَأْم َ‬
‫شَعَثَنا‪َ ،‬وَنَتَداَنى ِبَها ِإَلى اْلَبِقّيِة ِفَيما َبْيَنَنا‪َ ،‬ر ِ‬
‫ل ِبَها َ‬
‫صَلة َيُلّم ا ّ‬
‫خ ْ‬
‫ِفي َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫بذلنا ما في الوسع من أجل الوحدة‬
‫يختتم المام )عليه السلم( خطبته بالجابة المنطقية لصحاب الخوارج‪ ،‬فقد قالوا‪ِ :‬لَم استجاب المام )عليه‬
‫السلم( إلى التحكيم؟ َلَم ل نقاتل العداء إلى آخر نفس على غرار ما فعله المسلمون من صحابة النبي )صلى ال‬
‫عليه وآله( في صدر السلم؟ هل أذعن النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( لمسألة التحكيم؟ فقد أوضح المام‬
‫ن زماننا يختلف تمامًا عن زمان النبي )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬ومن‬
‫)عليه السلم( حقيقة في إجابته على ُاولئك بأ ّ‬
‫نقاتلهم الن طائفة من المسلمين المخدوعين‪ ،‬والحال كان أعداؤنا في صدر السلم هم الكّفار والمشركون الذين‬
‫وقفوا بوجه السلم‪.‬‬
‫لْبَناِء‬
‫لَباِء َوا َْ‬
‫عَلى ا ْ‬
‫ل َلَيُدوُر َ‬
‫ن اْلَقْت َ‬
‫عَلْيِه َوآِلِه‪َ ،‬وِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ّ‬
‫ل َ‬
‫لا ّ‬
‫سو ِ‬
‫فقد قال )عليه السلم(‪َ» :‬فَلَقْد ُكّنا َمَع َر ُ‬
‫شّدة ِإ ّ‬
‫ل‬
‫صيَبة َو ِ‬
‫ل ُم ِ‬
‫ى ُك ّ‬
‫عَل ِ‬
‫ت [القرباء]‪َ ،‬فَما َنْزَداُد َ‬
‫ن َوالَقَراَبا ِ‬
‫خَوا ِ‬
‫لْ‬
‫َوا ِْ‬

‫] ‪[ 154‬‬
‫ح«‪.‬‬
‫جَرا ِ‬
‫ض)‪ (1‬ال ِ‬
‫ض ِ‬
‫عَلى َم َ‬
‫صْبرًا َ‬
‫لْمِر‪َ ،‬و َ‬
‫سِليمًا ِل َْ‬
‫ق‪َ ،‬وَت ْ‬
‫حّ‬
‫عَلى ال َ‬
‫ضّيا َ‬
‫ِإيَمانًا‪َ ،‬وُم ِ‬
‫نعم‪ ،‬لقد كّنا نهجم بشّدة آنذاك على العدو‪ ،‬وإن كان فيهم إخواننا وقرابتنا‪ ،‬فالمصاب وإن عظم علينا‪ ،‬لكن حيث‬
‫ل بالصبر والشكر‪َ» :‬ولِكّنا ِإّنَما‬
‫كان ذلك يأمر فقد كّنا نزداد إيمانًا‪ ،‬ولم نجابه كل مصائب المعارك وجراحاتها إ ّ‬
‫صَلة‬
‫خ ْ‬
‫طِمْعَنا ِفي َ‬
‫ل‪َ .‬فِإَذا َ‬
‫شْبَهِة َوالّتْأِوي ِ‬
‫ج‪َ ،‬وال ّ‬
‫جا ِ‬
‫عِو َ‬
‫لْ‬
‫ن الّزْيِغ َوا ِ‬
‫ل ِفيِه ِم َ‬
‫خَ‬
‫عَلى َما َد َ‬
‫لِم َ‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫خَواَنَنا ِفي ا ِْ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫حَنا ُنَقاِت ُ‬
‫صَب ْ‬
‫َأ ْ‬
‫سَواَها«‪.‬‬
‫عّما ِ‬
‫سْكَنا َ‬
‫غْبَنا ِفيَها‪َ ،‬وَأْم َ‬
‫شَعَثَنا)‪َ ،(3‬وَنَتَداَنى ِبَها ِإَلى اْلَبِقّيِة ِفَيما َبْيَنَنا‪َ ،‬ر ِ‬
‫ل ِبَها َ‬
‫َيُلّم)‪ (2‬ا ّ‬
‫فقد أشار المام )عليه السلم( في هذه العبارة إلى أن قياس زمانه بزمان رسول ال )صلى ال عليه وآله( هو‬
‫ن القتال ذلك الزمان كان يدور مع العدو الخارجي‪ ،‬بينما أصبح زمان المام)عليه‬
‫قياس مع الفارق‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫السلم(ضد الصدقاء المخدوعين والمنحرفين من الداخل‪ ،‬فالواقع يستند موقف المام )عليه السلم( في قبول‬
‫خَرى‬
‫لْ‬
‫عَلى ا ُْ‬
‫حَداُهَما َ‬
‫ت ِإ ْ‬
‫ن َبَغ ْ‬
‫حوا َبْيَنُهَما َفِإ ْ‬
‫صِل ُ‬
‫ن اْقَتَتُلوا َفَأ ْ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫طاِئَفَتا ِ‬
‫ن َ‬
‫التحكيم إلى الية الشريفة‪َ) :‬وِإ ْ‬
‫ن()‪.(4‬‬
‫طي َ‬
‫سِ‬
‫ب اْلُمْق ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫نا َ‬
‫طوا ِإ ّ‬
‫سُ‬
‫ل َوَأْق ِ‬
‫حوا َبْيَنُهَما ِباْلَعْد ِ‬
‫صِل ُ‬
‫ت َفَأ ْ‬
‫ن َفاَء ْ‬
‫ل َفِإ ْ‬
‫حّتى َتِفىَء ِإَلى َأْمِر ا ِ‬
‫َفَقاِتُلوا اّلِتي َتْبِغي َ‬
‫ن أصل مسألة التحكيم خدعة ولم يكن أمراء جيش الشام يعتقدون بالقرآن‪ ،‬ولهذا السبب كان المام شديد‬
‫صحيح أ ّ‬
‫المخالفة في بادىء المر‪ ،‬لكّنه استجاب لذلك المر بعد ذلك الضغط الشديد الذي مارسه السواد العظم المخدوع‬
‫من جيشه مع ذلك كان بالمكان أن تتمخض مسألة التحكيم عن نتائج مرضية لو خضعت لقيادة سليمة‪ ،‬ولكن كما‬
‫ن ضغوط الجّهال قد دفعوا التحكيم إلى مسار ل يجر عليهم سوى الضرر والخسارة‪.‬‬
‫نعلم فا ّ‬
‫—–‬
‫‪» .1‬مضض«‪ :‬اللم والحرقة‪.‬‬
‫‪» .2‬يلّم«‪ :‬من مادة »لّم« على وزن غّم بمعنى جمع‪ ،‬وتأتي أحيانًا بمعنى الجمع والصلح‪.‬‬
‫‪» .3‬شعث«‪ :‬وردت في الصل بمعنى ما يقع عليه الغبار‪ ،‬ثم يطلق على نوع من التشتت والتفرق‪.‬‬
‫‪ .4‬سورة الحجرات ‪.9 /‬‬

‫] ‪[ 155‬‬

‫الخطبة)‪123 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫قاله لصحابه في ساحة [ساعة ]الحرب »بصّفين«‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫هذه الخطبة جزء من خطبه طويلة إقتطف المرحوم السيد الرضي بعضها‪ ،‬وقد تضمنت إشارة إلى بعض النقاط‬
‫المهّمة‪ ،‬وهى‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ يجب على الفراد الذين يتمتعون بقدرات فائقة في القتال أن يدافعوا ويشدوا من أزر الضعاف‪.‬‬
‫ن الفراد الذين يهربون من الجهاد خشية الموت هم على خطأ‪ ،‬لّنه ل يمكن الفرار من الموت الذي يدرك‬
‫‪2‬ـإّ‬
‫الجميع أينا كانوا‪.‬‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫يمكن التعرف على هذا الكلم بصورة متفرقة في سائر الكتب‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ الكافي في باب فضل الجهاد‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ العقد الفريد لبن عبد ربه‪.‬‬
‫ل عن كتاب الجمل للواقدي‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ الجمل للشيخ المفيد نق ً‬
‫‪ 4‬ـ الرساد للشيخ المفيد‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ تجارب اُلمم لبن مسكويه طبق نقل تأسيس الشيعة‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ المالي للشيخ الطوسي‪.‬‬
‫)مصادر نهج البلغة ‪.(2/273‬‬

‫] ‪[ 156‬‬
‫‪ 3‬ـ ل موت أشرف وأكرم من الشهادة‪ ،‬فألف ضربة بالسيف خير من ميتة على الفراش‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ إخبار عن هوان أهل الكوفة وذّلهم في المستقبل بسبب وهنهم وضعفهم في مواجهة الظلمة‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 157‬‬

‫القسم اول‬

‫ضلِ‬
‫خيِه ِبَف ْ‬
‫ن َأ ِ‬
‫عْ‬
‫ب َ‬
‫ل‪َ ،‬فْلَيُذ ّ‬
‫شً‬
‫خَواِنِه َف َ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫حد ِم ْ‬
‫ن َأ َ‬
‫عْنَد الّلَقاِء‪َ ،‬وَرَأى ِم ْ‬
‫جْأش ِ‬
‫طَة َ‬
‫سِه َرَبا َ‬
‫ن َنْف ِ‬
‫س ِم ْ‬
‫ح ّ‬
‫ى ِمْنُكْم َأ َ‬
‫ي اْمِر ً‬
‫»َوَأ ّ‬
‫ل َيُفوُتُه اْلُمِقيُم‪َ ،‬و َ‬
‫ل‬
‫ث َ‬
‫حِثي ٌ‬
‫ب َ‬
‫طاِل ٌ‬
‫ت َ‬
‫ن اْلَمْو َ‬
‫جَعَلُه ِمْثَلُه‪ِ .‬إ ّ‬
‫ل َل َ‬
‫شاَء ا ّ‬
‫سِه‪َ ،‬فَلْو َ‬
‫ن َنْف ِ‬
‫عْ‬
‫ب َ‬
‫عَلْيِه َكَما َيُذ ّ‬
‫ل ِبَها َ‬
‫ضَ‬
‫جَدِتِه اّلِتي ُف ّ‬
‫َن ْ‬
‫ن ِميَتة‬
‫ي ِم ْ‬
‫عَل ّ‬
‫ن َ‬
‫ف َأْهَو ُ‬
‫سْي ِ‬
‫ضْرَبة ِبال ّ‬
‫ف َ‬
‫لْل ُ‬
‫طاِلب ِبَيِدِه‪َ ،‬‬
‫ن َأِبي َ‬
‫س اْب ِ‬
‫ل! َواّلِذي َنْف ُ‬
‫ت اْلَقْت ُ‬
‫ن َأْكَرَم اْلَمْو ِ‬
‫ب‪ِ .‬إ ّ‬
‫جُزُه اْلَهاِر ُ‬
‫ُيْع ِ‬
‫ل!«‪.‬‬
‫عِة ا ّ‬
‫طا َ‬
‫غْيِر َ‬
‫ش ِفي َ‬
‫عَلى اْلِفَرا ِ‬
‫َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫شكر القدرة‬
‫يشتمل هذا الكلم ـ سواء أورده المام )عليه السلم( على أعتاب معركة الصفين كما ورد آنفًا أو حسبما صّرح به‬
‫بعض المحققين على هامش معركة الجمل بعد ضجة معسكر عائشة‪ ،‬أو في المعركتين وذلك لّنه يتناسب مع كل‬
‫مهما ـ على نقاط مهّمة وردت ثلث منها في هذا القسم من الخطبة‪:‬‬
‫لولى‪ :‬لزوم التنسيق بين أفراد الجيش بحيث يتولى القوياء الدفاع عن الضعفاء للحّد من جسامة الخسائر‪ ،‬فقد‬
‫اُ‬
‫ل‪،‬‬
‫شً‬
‫خَواِنِه َف َ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫حد ِم ْ‬
‫ن َأ َ‬
‫عْنَد الّلَقاِء‪َ ،‬وَرَأى ِم ْ‬
‫جْأش ِ‬
‫طَة)‪َ (1‬‬
‫سِه َرَبا َ‬
‫ن َنْف ِ‬
‫س ِم ْ‬
‫ح ّ‬
‫ى ِمْنُكْم َأ َ‬
‫ي اْمِر ً‬
‫قال )عليه السلم(‪َ» :‬وَأ ّ‬
‫سِه«‪.‬‬
‫ن َنْف ِ‬
‫عْ‬
‫ب َ‬
‫عَلْيِه َكَما َيُذ ّ‬
‫ل ِبَها َ‬
‫ضَ‬
‫جَدِتِه)‪ (2‬اّلِتي ُف ّ‬
‫ل َن ْ‬
‫ضِ‬
‫خيِه ِبَف ْ‬
‫ن َأ ِ‬
‫عْ‬
‫ب َ‬
‫َفْلَيُذ ّ‬
‫‪» .1‬رباطة جأش«‪ :‬جأش على وزن عرش والرباطة الربط بإحكام‪ ،‬فالمراد بالعبارة قّوة القلب عند لقاء العدو‪ ،‬حيث يراد بالجأش‬
‫القلب والصدر‪.‬‬
‫‪» .2‬نجدة«‪ :‬من مادة »نجد« على وزن مجد‪ ،‬بمعنى الشجاعة‪.‬‬

‫] ‪[ 158‬‬
‫جَعَلُه ِمْثَلُه«‪.‬‬
‫ل َل َ‬
‫شاَء ا ّ‬
‫ثم أضاف )عليه السلم(‪َ» :‬فَلْو َ‬
‫ن أفعال ال وإن استندت إلى الحكمة جميعًا‪ ،‬مع ذلك‬
‫فان وهبه القّوة والصلبة فقد وجب عليه الشكر‪ ،‬والمراد أ ّ‬
‫فمن تمتع بنعم كثيرة وجب عليه الشكر بافاضتها على الخرين ليؤّدي بذلك الشكر العملي للنعمة‪.‬‬
‫ن العدو إّنما يهجم على‬
‫ن ذلك يؤّدي إلى إحباط الجميع‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫والثانية‪ :‬لو لم يكن هناك من تنسيق بين العسكر فا ّ‬
‫ف ليحاصر باقي العسكر‪ ،‬وعليه وإضافة لمسألة الشكر‬
‫ن اخترقه وقضى عليه‪ ،‬إلت ّ‬
‫الجانب الذي يشعر بضعفه‪ ،‬فا ّ‬
‫ن فنون القتال وسياسة المعركة تتطلب من الجنحة القوية من العسكر شد ظهور الجنحة الضعيفة وعدم‬
‫فا ّ‬
‫ل حركة طائفة من‬
‫التواني في الدفاع عنها‪ ،‬بحيث ل تسدد إليها ضربات العدو‪ ،‬ول سّيما إذا استطاع العدو أن يش ّ‬
‫الجيش‪ ،‬فاّنه سيتمكن من تحطيم معنويات الجميع‪.‬‬
‫ثم إتجه المام )عليه السلم( صوب نقطة مهّمة أخرى وهى ضرورة أل يتصور أحد أّنه يستطيع الفرار من‬
‫جُزُه‬
‫ل ُيْع ِ‬
‫ل َيُفوُتُه اْلُمِقيُم‪َ ،‬و َ‬
‫ث َ‬
‫حِثي ٌ‬
‫ب َ‬
‫طاِل ٌ‬
‫ت َ‬
‫ن اْلَمْو َ‬
‫مخالف الموت‪ ،‬فهو يدرك المقيم والمنتظر والهارب‪ِ» :‬إ ّ‬
‫ب«‪.‬‬
‫اْلَهاِر ُ‬
‫وهنا يطرح هذا السؤال نفسه‪ :‬الموت على نوعين‪ :‬موت حتمي‪ ،‬وموت معّلق أو مشروط‪ ،‬والذي ل يمكن تغييره‬
‫هو الموت الحتمي‪ ،‬أّما الموت المشروط‪ ،‬فهو قابل للتغيير على ضوء تغير الظروف والشرائط‪ ،‬ولعل الموت في‬
‫ساحة القتال ليس من الموت الحتمي فكيف إستدل المام )عليه السلم( بهذه المسألة وقال بشأن الموت ل يفوته‬
‫المقيم ول يعجزه الهارب‪.‬‬
‫ويمكن الجابة عن هذا السؤال بوجهين‪:‬‬

‫ن المام )عليه السلم( ناظر للموت الحتمي فقط سواء في ساحة القتال أو غير ساحة القتال فل يمكن‬
‫الول‪ :‬هو أ ّ‬
‫إجتنابه‪.‬‬
‫ن النسان يستطيع الهروب من مخالب الموت المشروط أو المعّلق‪ ،‬ولكن ما جدوى ذلك؟‬
‫والثاني‪ :‬على فرض أ ّ‬
‫فالموت الحتمي بالتالي سيدرك جميع الفراد دون استثناء‪ ،‬فل ينبغي للنسان أن يستسلم للظلمة في مقابل البقاء‬
‫عّدة أّيام)‪.(1‬‬
‫‪ .1‬مّر علينا بالتفصيل بحث الموت الحتمي والمعّلق في المجلد الثالث من هذا الكتاب‪.‬‬

‫] ‪[ 159‬‬
‫طاِلب ِبَيِدِه‪،‬‬
‫ن َأِبي َ‬
‫س اْب ِ‬
‫ل! َواّلِذي َنْف ُ‬
‫ت اْلَقْت ُ‬
‫ن َأْكَرَم اْلَمْو ِ‬
‫ثم أشار المام )عليه السلم( إلى نقطة مهّمة وقّيمة فقال‪ِ» :‬إ ّ‬
‫ل!«‪.‬‬
‫عِة ا ّ‬
‫طا َ‬
‫غْيِر َ‬
‫ش ِفي َ‬
‫عَلى اْلِفَرا ِ‬
‫ن ِميَتة)‪َ (1‬‬
‫ي ِم ْ‬
‫عَل ّ‬
‫ن َ‬
‫ف َأْهَو ُ‬
‫سْي ِ‬
‫ضْرَبة ِبال ّ‬
‫ف َ‬
‫لْل ُ‬
‫َ‬
‫ن المام )عليه السلم( يعرب عن إستعداده لتحمل ألف ضربة‬
‫فالعبارة تفيد عظمة مقام الشهداء إلى درجة أ ّ‬
‫بالسيف يؤثرها على ميتة الفراش الطبيعية‪ ،‬وهذا هو لسان حال أو قال جميع المؤمنين المخلصين والشجعان‬
‫الذين يعشقون طريق الحق‪ ،‬طبعًا ل تعني العبارة أّني ل أشعر بألم ضربات السيف ـ كما ذهب إلى لذلك بعض‬
‫ن الولى بالنسان من حيث الجانب المعنوي أن يفتح صدره لتحمل أقسى‬
‫شّراح نهج البلغة ـ بل المراد أ ّ‬
‫ن وسام الشهادة يجعل النسان يتحمل اللم والمعاناة‪ ،‬ول‬
‫ل من الموت الطبيعي على الفراش‪ ،‬ل ّ‬
‫الضربات بد ً‬
‫ن النسان بحكم الشهيد إن مات على الفراش على سلمة من دينه‪ ،‬وهو المر‬
‫ننسى هنا الروايات التي صّرحت بأ ّ‬
‫الذي أشار إليه المام )عليه السلم( في آخر العبارة‪.‬‬
‫—–‬

‫الشهادة عرس البطال‬
‫الشهادة من القيم السامية التي تضمنتها الثقافة السلمية‪ ،‬والشهيد يمثل قمة المرتبة النسانية‪ ،‬وأولياء ال كما‬
‫أورد المام )عليه السلم( في هذه الخطبة يفكرون دائمًا بالشهادة ويأبون الموت طبيعيًا على الفراش‪ ،‬ويرون‬
‫الشهادة أفضل ألف مّرة من ميتة على فراش‪ ،‬وكانوا مستعدين لتلقي آلف الضربات والفوز بالشهادة دون الموت‬
‫ن روح النسان أعظم هدية إلهّية‪ ،‬وما أروع أن تبذل هذه الهدية في سبيل ال سبحانه‪ ،‬ل‬
‫على الفراش‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ن تذهب هدرًا في الموت‪.‬‬
‫أّ‬
‫ويكفي في فضل الشهادة ما ورد في حيث النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( حين شاهد فردًا يدعو ال تعالى‬
‫طي«‪.‬‬
‫ل مـا ُتع ِ‬
‫طِني َأَفض َ‬
‫ل َفاع ِ‬
‫خيَر مـا ُتسَأ ُ‬
‫ك َ‬
‫ل‪» :‬الّلهّم ِإّني أسأُل َ‬
‫قائ ً‬
‫‪» .1‬ميتة«‪ :‬بكسر الميم بمعنى كيفية الموت‪ ،‬والميتة بفتح الميم الشخص الميت )بدًل من اللتفات هنا إلى ميت مذكر ومؤنث ميتة(‪.‬‬

‫] ‪[ 160‬‬
‫ل«)‪.(1‬‬
‫لا ِ‬
‫سِبي ِ‬
‫ك ِفي َ‬
‫ق َدُم َ‬
‫ك ُاهِري َ‬
‫ب َل َ‬
‫جي َ‬
‫ن ُاسُت ِ‬
‫فقال )صلى ال عليه وآله( ‪» :‬إ ْ‬
‫ج َمنهـا ِإ ّ‬
‫ل‬
‫خُر َ‬
‫ن َي ْ‬
‫جّنَة َفَيَتمّنى َأ ْ‬
‫ل ال َ‬
‫خُ‬
‫حد َيد ُ‬
‫ن َأ َ‬
‫كما ورد في حديث آخر عنه )صلى ال عليه وآله( أّنه قال‪» :‬مـا ِم ْ‬
‫ل«)‪.(2‬‬
‫ن َكراَمَة ا ِ‬
‫شَر َمّرلت ِمّما َيرى ِم ْ‬
‫عْ‬
‫ل َ‬
‫جَع َفُيقَت َ‬
‫ن َير َ‬
‫شِهيُد َفإّنُه َيَتمّنى َأ ْ‬
‫ال ّ‬
‫نعم‪ ،‬مقام الشهداء رفيع جّدا في التعاليم السلمية‪ ،‬وهم الذين حفظوا السلم حين الخطر‪ ،‬ولول تضحيات‬
‫الشهداء كشهداء بدر وُاحد وشهداء كربلء لما بقي من السلم اليوم شيئًا سوى اسمه‪ ،‬ويعيش أعداء السلم اليوم‬

‫ن الشهيد قد يبدد في لحظات مخططات العداء‬
‫حالة من الرعب إزاء الشهادة وفلسفتها في السلم‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫وبرامجهم التي تستوعب تكاليفًا باهضة‪.‬‬
‫ن الدوائر الصيهوينة وإثر‬
‫أضف إلى ذلك فهم ل يمتلكون أي سلح يمكنهم من مواجهة هذا السلح‪ ،‬سمع أخيرًا أ ّ‬
‫عجزها عن مواجهة انتفاضة الشعب الفلسطيني‪ ،‬قد أكدت على ضرورة إجتثاث جذور ثقافة التفكير بالشهادة‪ ،‬لبّد‬
‫من اسقاط مفردة الشهادة من كتاب الدراسة المتوسطة والثانوية‪ ،‬كما لبّد من إزالة اليات القرآنية المتعلقة‬
‫ن البلدان السلمية العميلة وما أكثرهم قد ساروا على هذا النهج‪ ،‬وقد‬
‫بالشهادة من الكتب الدينية‪ ،‬ومن المؤكد أ ّ‬
‫ن هذه‬
‫اصطلحوا على الشهادة بالنتحار والشهيد بالرهابي لتشويه هذه المفردة الطيبة‪ ،‬لكن ولحسن الحظ فا ّ‬
‫الثقافة قد إتسعت وترسخت بحيث ل يسع هذه الدعايات الوقوف بوجهها‪ ،‬حتى سارع إليها العديد من الشباب‬
‫والشابات‪ ،‬وهذا ما يشكل أعطم خطر على أعداء السلم‪ ،‬نأمل أن يتعرف المسلمون أكثر فأكثر على هذه القيمة‬
‫السامية التي تدعو إلى الفخر والعتزاز‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬مستدرك الوسائل ‪ ،11/13‬ح ‪.21‬‬
‫‪ .2‬المصدر السابق‪ ،‬ح ‪.2‬‬

‫] ‪[ 161‬‬

‫القسم الثاني‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫عاقبة السوء‬
‫ن هذا الكلم مستقل‪ ،‬ومن هنا ذكره بصورة مستقلة‪ ،‬بينما يراه البعض‬
‫يرى البعض من شّراح نهج البلغة أ ّ‬
‫ل بعدم وجود إرتباط بين هذا المقطع والمقطع‬
‫الخر استمرار للكلم السباق‪ ،‬فمن ذكره بصورة مستقلة استد ّ‬
‫السابق‪ ،‬حيث حث المام )عليه السلم( أصحابه في المقطع السابق على الجهاد والقتال ببسالة‪ ،‬بينما جرى الكلم‬
‫ن هذا‬
‫في هذا المقطع عن الهزيمة والفرار‪ ،‬وليس هنالك من إنسجام بين هذين المقطعين‪ ،‬ولكن بالنظر إلى أ ّ‬
‫المقطع يخبر عن المستقبل‪ ،‬وهو المستقبل الذي ل يكون فيه المام )عليه السلم( بين ظهرانيهم ويشهدون حالة‬
‫من الفرقة والتشتت والضعف والهوان والذّلة‪ ،‬وعليه يمكن تصور إرتباط بين هذا المقطع وسابقه‪.‬‬
‫ولكن على حال سواء كان هذا المقطع مستقل أم مرتبطًا‪ ،‬فهو كلم المام )عليه السلم( ويخبر عن المصير‬
‫ب)‪.«(1‬‬
‫ضَبا ِ‬
‫ش ال ّ‬
‫شي َ‬
‫ن َك ِ‬
‫شو َ‬
‫المرير لفراد يوثرون العافية والدعة على الجهاد‪ ،‬فقال‪َ» :‬وَكَأّني َأْنظُُر ِإَلْيُكْم َتِك ّ‬
‫فالعبارة يمكن أن تكون إشارة إلى الحيوانات المعروفة الضباب جمع ضب بالكسر والتي إن تحركت بصورة‬
‫جماعية اضطربت وإحتك بعضها بالبعض الخر فيظهر من هذا الحتكاك‬
‫‪» .1‬كشيش الضباب«‪ :‬بمعنى الصوت الذي ل يرتفع كثيرًا ويطلق على صوت الضفدع‪ ،‬والضب وصوت الناقة‪.‬‬

‫] ‪[ 162‬‬
‫صوتًا‪ ،‬والمراد أّنكم اضطربتم حين الفرار‪ ،‬بحيث إندك بعضكم بالبعض الخر وقد انبعث صوت اضطرابكم‪.‬‬
‫ضْيمًا)‪.«(1‬‬
‫ن َ‬
‫ل َتْمَنُعو َ‬
‫حّقًا‪َ ،‬و َ‬
‫ن َ‬
‫خُذو َ‬
‫ل َتْأ ُ‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪َ » :‬‬
‫أي حال أسوأ من أن يصبح النسان على درجة من الضعف والعجز بحيث ل يستطيع الدفاع عن حّقه أو عن‬
‫صحبه وقرابته وإخوته في الدين‪ ،‬كما ل يستطيع الوقوف بوجه الظلم الذي يوجه إليه وإلى الخرين‪ ،‬حّقا إّنها‬
‫لحالة مؤلمة مهينة‪.‬‬
‫حِم‪َ ،‬واْلَهَلَكةُ ِلْلُمَتَلّوِم)‪.«(2‬‬
‫جاُة ِلْلُمْقَت ِ‬
‫ق‪َ ،‬فالّن َ‬
‫طِري َ‬
‫خّليُتْم َوال ّ‬
‫ثم إختتم خطبته بالقول‪َ» :‬قْد ُ‬
‫فالعبارة قد خليتم والطريق تشير إلى إتمام الحجة الكاملة‪ ،‬فقد بّين الطريق إلى الهدف بكل وضوح من قبل زعيم‬
‫صر في هذا الطريق‪ ،‬ولذلك‬
‫عالم‪ ،‬وقد زالت الموانع التي تحول دون سلوكه‪ ،‬وعليه فلن تعد هناك من حجة لمن يق ّ‬
‫بشر سالكين هذا الطريق بالسعادة‪ ،‬بينما هدد المتباطىء بالهلكة‪.‬‬
‫—–‬
‫‪» .1‬ضيم«‪ :‬بمعنى الظلم‪.‬‬
‫‪» .2‬متلوم«‪ :‬من مادة »تلوم« بمعنى النتظار والتباطىء والتوقف‪.‬‬

‫] ‪[ 163‬‬

‫الخطبة)‪124 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫في حث أصحابه على القتال‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫وردت هذه الخطبة كما يفهم من عنوانها بشأن حث المام )عليه السلم( لصحابه على الجهاد‪ ،‬وذلك لّنه حسب‬
‫تصريح شّراح نهج البلغة أّنها وردت قبل معركة صفين‪ ،‬ومن هنا تضمنت إشارة إلى بعض المور المهّمة‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ ذكر المام )عليه السلم( في هذه الخطبة مطالب دقيقة بخصوص فنون القتال وانتخاب أفضل السبل في‬
‫ل الخسائر‪.‬‬
‫مجابهة العدو‪ ،‬بحيث يمكن التوصل إلى النتائج بأق ّ‬
‫‪ 2‬ـ حذر أصحابه في المقطع الخر من الخطبة وضمن مدحه لمقاتليه من الفرار الذي يستتبع الفضيحة والعار‪،‬‬
‫كما يتطرق إلى ذكر مقامات الشهداء‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ يلعن في المقطع الثالث أعدائه ويقوي عن هذا الطريق عزائم أصحابه المجاهدين‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫نقل هذه الخطبة نصر بن مزاحم المتوفى عام ‪ 202‬ق في كتاب صفين‪ ،‬كما نقلها المؤرخ المشهور الطبري في تاريخه عن أبي‬
‫مخنف في حوادث عام ‪ 37‬هـ‪ ،‬كما وردت في كتاب الجهاد عن الكافي وكتاب الفتوح لبن أعثم الكوفي )مصادر نهج البلغة ‪.(2/277‬‬

‫] ‪[ 164‬‬
‫] ‪[ 165‬‬

‫القسم الول‬

‫طَرا ِ‬
‫ف‬
‫ن اْلَهاِم; َواْلَتُووا ِفي َأ ْ‬
‫عِ‬
‫ف َ‬
‫سُيو ِ‬
‫س‪َ ،‬فِإّنُه َأْنَبى ِلل ّ‬
‫ضَرا ِ‬
‫ل ْ‬
‫عَلى ا َْ‬
‫ضوا َ‬
‫ع ّ‬
‫سَر‪َ ،‬و َ‬
‫حا ِ‬
‫خُروا اْل َ‬
‫ع‪َ ،‬وَأ ّ‬
‫»َفَقّدُموا الّداِر َ‬
‫طَردُ‬
‫ت‪َ ،‬فِإّنُه َأ ْ‬
‫صَوا َ‬
‫ل ْ‬
‫ب; َوَأِميُتوا ا َْ‬
‫ن ِلْلُقُلو ِ‬
‫ش‪َ ،‬وَأسَْك ُ‬
‫جْأ ِ‬
‫ط ِلْل َ‬
‫صاَر‪َ ،‬فِإّنُه َأْرَب ُ‬
‫لْب َ‬
‫ضوا ا َْ‬
‫غ ّ‬
‫سّنِة; َو ُ‬
‫لِ‬
‫ح‪َ ،‬فِإّنُه َأْمَوُر ِل َْ‬
‫الّرَما ِ‬
‫صاِبِري َ‬
‫ن‬
‫ن ال ّ‬
‫ن الّذَماَر ِمْنُكْم‪َ ،‬فِإ ّ‬
‫جَعاِنُكْم‪َ ،‬واْلَماِنِعي َ‬
‫شْ‬
‫ل ِبَأْيِدي ُ‬
‫جَعُلوَها ِإ ّ‬
‫ل َت ْ‬
‫خّلوَها‪َ ،‬و َ‬
‫ل ُت ِ‬
‫ل ُتِميُلوَها َو َ‬
‫ل‪َ .‬وَراَيَتُكْم َف َ‬
‫شِ‬
‫ِلْلَف َ‬
‫سِلُموَها‪،‬‬
‫عْنَها َفُي ْ‬
‫ن َ‬
‫خُرو َ‬
‫ل َيَتَأ ّ‬
‫حَفاَفْيَها‪َ ،‬وَوَراَءَها َوَأَماَمَها; َ‬
‫ن ِبَراَياِتِهْم‪َ ،‬وَيْكَتِنُفوَنَها‪ِ :‬‬
‫حّفو َ‬
‫ن َي ُ‬
‫ق ُهُم اّلِذي َ‬
‫حَقاِئ ِ‬
‫ل اْل َ‬
‫عَلى ُنُزو ِ‬
‫َ‬
‫عَلْيِه ِقْرُنُه‬
‫جَتِمَع َ‬
‫خيِه‪َ ،‬فَي ْ‬
‫ل ِقْرَنُه ِإَلى َأ ِ‬
‫سِه‪َ ،‬وَلمْ َيِك ْ‬
‫خاُه ِبَنْف ِ‬
‫سى َأ َ‬
‫جَزَأ اْمُرٌؤ ِقْرَنُه‪َ ،‬وآ َ‬
‫عَلْيَها َفُيْفِرُدوَها‪َ .‬أ ْ‬
‫ن َ‬
‫ل َيَتَقّدُمو َ‬
‫َو َ‬
‫خيِه«‪.‬‬
‫ن َأ ِ‬
‫َوِقْر ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫سبع وصايا في فنون القتال‬
‫عذاب َأِليم‬
‫ن َ‬
‫جيُكم ِم ْ‬
‫عَلى ِتجاَرة ُتن ِ‬
‫ل َدّلُكم َ‬
‫عّز َوج ّ‬
‫ل َ‬
‫نا َ‬
‫ن هذه الخطبة تبتدأ كالتي‪ِ» :‬إ ّ‬
‫يرى بعض كبار المحدثين أ ّ‬
‫عْدن‬
‫ت َ‬
‫جّنا ِ‬
‫طّيَبة ِفي َ‬
‫ن َ‬
‫ب َوَمساِك َ‬
‫ل َثواَبُه َمغِفَرةً ِللَذْن ِ‬
‫جَع َ‬
‫ل َو َ‬
‫لا ِ‬
‫سِبي ِ‬
‫جهاُد ِفي َ‬
‫ل َوال ِ‬
‫ن ِبا ِ‬
‫ليمـا ُ‬
‫خيِر ا ِ‬
‫عَلى ال َ‬
‫َوُتشِفي ِبُكم َ‬
‫ع‪.(2)«...‬‬
‫ص()‪َ (1‬فَقّدُموا الّداِر َ‬
‫صو ٌ‬
‫ن َمْر ُ‬
‫صّفا َكَأّنُهْم ُبنَيا ٌ‬
‫سِبيِلِه َ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ن ُيَقاِتُلو َ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫نا َ‬
‫ل‪ِ) :‬إ ّ‬
‫عّز َوج ّ‬
‫ل َ‬
‫َوَقا َ‬
‫ثم أشار في مواصلته لهذا الكلم إلى سبع وصايا هاّمة في فنون تحقيق النصر‪ ،‬فقال في‬

‫‪ .1‬سورة الصف ‪.4 /‬‬
‫‪ .2‬الكافي ‪ ،5/39‬ح ‪.4‬‬

‫] ‪[ 166‬‬
‫سَر)‪.«(2‬‬
‫حا ِ‬
‫خُروا اْل َ‬
‫ع)‪َ ،(1‬وَأ ّ‬
‫لولى بهذا الشأن‪َ» :‬فَقّدُموا الّداِر َ‬
‫وصّيته ا ُ‬
‫ل هو الضرر الذي يتعرض له من يلبس الدرع بفعل السهام والسيوف‪ ،‬ومن هنا ل يسع‬
‫فمن الطبيعي أن يكون قلي ً‬
‫العدو السيطرة عليهم‪ ،‬ومن لم يتدرع يمكنه أن يواصل قتاله وهجماته من خلفهم‪ ،‬والذي يستفاد من هذه العبارة‬
‫وجود فئة في ميدان القتال لم ترتدي الدرع‪ ،‬وذلك إّما يعود إلى الزمات والمشاكل التي يعيشها المجتمع‬
‫ن إرتداء الدرع كان يثقل على البعض ويعيق حركته في ميدان القتال‪ ،‬ولذلك كان الشداء من‬
‫السلمي‪ ،‬أو أ ّ‬
‫المقاتلين هم الذين يتدرعون‪.‬‬
‫ن اْلَهاِم)‪.«(5‬‬
‫عِ‬
‫ف َ‬
‫سُيو ِ‬
‫س)‪َ ،(3‬فِإّنُه َأْنَبى)‪ِ (4‬لل ّ‬
‫ضَرا ِ‬
‫ل ْ‬
‫عَلى ا َْ‬
‫ضوا َ‬
‫ع ّ‬
‫وقال )عليه السلم( في وصّية الثانية‪َ» :‬و َ‬
‫لولى إزالة الخوف والرعب‪ ،‬أو الحّد من‬
‫ن لهذه الخطبة فائدتان‪ ،‬ا ُ‬
‫وكما ذكرنا في شرح الخطبة الحادية عشرة أ ّ‬
‫ن النسان يعمد إلى إطباق أسنانه على بعضها حين الخوف بهدف إزالته‪،‬‬
‫ل درجة‪ ،‬ومن هنا فا ّ‬
‫هذا الخوف إلى أق ّ‬
‫والخرى تبقي على صلبة عظام الرأس فل تتأثر كثيرًا بضربات السيف‪.‬‬
‫سّنِة«‪.‬‬
‫لِ‬
‫ح‪َ ،‬فِإّنُه َأْمَوُر)‪ِ (7‬ل َْ‬
‫ف الّرَما ِ‬
‫طَرا ِ‬
‫وقال في الوصّية الثالثة‪َ» :‬واْلَتُووا)‪ِ (6‬في َأ ْ‬
‫ل‪ ،‬أي عليك بتغيير موضعك باستمرار‬
‫والوصّية أشبه بما يقال اليوم‪ ،‬إن أراد أحد أن يرميك تحرك يمينًا وشما ً‬
‫حتى ل يتمكن العدو من التصويب باتجاهك‪.‬‬
‫ن المراد بالنعطاف والنحناء حين الهجوم بالحربة على العدو‪،‬‬
‫ن بعض شّراح نهج البلغة أشار أ ّ‬
‫جدير بالذكر أ ّ‬
‫ن ذلك يضاعف من دّقة الحربة لمواجهة ضد جسد العدو‪ ،‬لكن‬
‫فا ّ‬
‫‪» .1‬الداع«‪ :‬بمعنى لبس الدرع من مادة درع على وزن فعل‪.‬‬
‫‪» .2‬الحاسر«‪ :‬من ل درع له من مادة حسر على وزن عصر بمعنى العري‪.‬‬
‫‪» .3‬أضراس«‪ :‬جمع »ضرس« على وزن حرس النسان وردت بمعنى سن العقل‪.‬‬
‫‪» .4‬أنبى«‪ :‬من مادة »نبو« على وزن عفو بمعنى عدم العمل‪.‬‬
‫‪» .5‬الهام«‪ :‬جمع »هامة« على وزن قامة رأس النسان أو رأس أي موجود حي‪.‬‬
‫‪» .6‬التووا«‪ :‬من مادة »التواء« بمعنى النعطاف أو الميل لهذا الجانب وذاك‪.‬‬
‫‪» .7‬أمور«‪ :‬من مادة »مور« على وزن غور بمعنى الحركة السريعة‪ ،‬كما وردت بمعنين الذهاب الياب والضطراب وهذا هو المعنى‬
‫المراد في العبارة‪.‬‬

‫] ‪[ 167‬‬
‫ن المعنى الول يبدو هو النسب‪،‬‬
‫باللتفات إلى الوصايا السابقة واللحقة لهذه الوصية والتي تبّين فنون الدفاع‪ ،‬فا ّ‬
‫ل سّيما التعبير بالحرف في ل يتناسب والمعنى الثاني‪ ،‬بينما يتناسب ما إخترناه حتى التعبير المور المأخوذ من‬
‫مادة مور والذي يعني الضطراب‪.‬‬

‫ضوا‬
‫غ ّ‬
‫وقال في الوصّية الرابعة بعض النظر )وعدم النظر إلى كثرة العدو وآخره( فذلك أسكن للقلب‪َ» :‬و ُ‬
‫ب«‪.‬‬
‫ن ِلْلُقُلو ِ‬
‫سَك ُ‬
‫ش)‪َ ،(1‬وَأ ْ‬
‫جْأ ِ‬
‫ط ِلْل َ‬
‫صاَر‪َ ،‬فِإّنُه َأْرَب ُ‬
‫لْب َ‬
‫ا َْ‬
‫ن روحية الجنود كلما كانت مرتفعة كان‬
‫تختلف هذه الوصّية عن سابقاتها لشتمالها على بعد نفسي ونعلم جميعًا أ ّ‬
‫المل بالنصر أكثر‪ ،‬ومن هنا أّكد المام )عليه السلم( هذا المعنى مرارًا وقد مّر علينا نموذج ذلك في الخطبة ‪11‬‬
‫و ‪.66‬‬
‫ل«‪.‬‬
‫شِ‬
‫طَرُد ِلْلَف َ‬
‫ت‪َ ،‬فِإّنُه َأ ْ‬
‫صَوا َ‬
‫ل ْ‬
‫وقال في الوصية الخامسة‪َ» :‬وَأِميُتوا ا َْ‬
‫ن النسان حين ينشغل بالحديث فاّنه يستهلك جانبًا من قواه الفكرية وكذلك جانبًا من طاقته البدنية‬
‫من الطبيعي أ ّ‬
‫ن العدو الصامت البعيد عن‬
‫ويحد من تركيزه الفكري واللتفات إلى حملت العدو المبرمجة‪ ،‬ومن هنا فا ّ‬
‫ن قريش تعجبت من قّلة عدد جيش‬
‫الضوضاء والضجيج يبدو أخطر من غيره‪ .‬ولذلك ورد بشأن معركة بدر أ ّ‬
‫ن عدد المسلمين أكثر مّماترى ولعلهم إختفوا خلف التلة حيث يردون ميدان القتال في الوقت‬
‫السلم وتصورت أ ّ‬
‫المناسب‪ ،‬فبعثوا بعمير بن وهب لينظر أطراف الميدان‪ ،‬فركب فرسه وجعل ينظر حول الصحرا ولم ير شيئًا‪،‬‬
‫ل أّني رأيتهم مستعدين للقتال ول يقوى أحد على مواجهتهم‪ ،‬أّما‬
‫فعاد وقال‪ :‬عدد المسلمين يقارب الثلثمائة‪ ،‬إ ّ‬
‫ل سيوفهم وما أراهم يولون حتى يقتلوا ول يقتلون‬
‫ترونهم خرسا ل يتكلمون‪ ،‬يتلمذون تلمذ الفاعي ما لهم ملجأ إ ّ‬
‫حتى يقتلوا بعددهم)‪.(2‬‬
‫جَعاِنُكْم‪َ ،‬واْلَماِنِعي َ‬
‫ن‬
‫شْ‬
‫ل ِبَأْيِدي ُ‬
‫جَعُلوَها ِإ ّ‬
‫ل َت ْ‬
‫خّلوَها)‪َ (3‬و َ‬
‫ل ُت ِ‬
‫ل ُتِميُلوَها َو َ‬
‫وقال في الوصّية السادسة‪َ» :‬وَراَيَتُكْم َف َ‬
‫الّذَماَر)‪ِ (4‬مْنُكْم«‪.‬‬
‫‪ .1‬فسّرت هذه المفردة سابقًا‪.‬‬
‫‪ .2‬منتهى المال‪ ،‬ج ‪ ،1‬وقائع العام الهجري الثاني‪.‬‬
‫‪» .3‬تخّلوا«‪ :‬من مادة »تخلية« بمعنى الخلء والترك‪ ،‬وعليه فالصحيح فتح الخاء لّنها من باب التفعيل‪.‬‬
‫‪» .4‬ذمار«‪ :‬بكسر الذال ما يلزم الرجل حفظه وحمايته‪.‬‬

‫] ‪[ 168‬‬
‫ن ِبَراَياِتِهْم‪َ ،‬وَيْكَتِنُفوَنَها‪:‬‬
‫حّفو َ‬
‫ن َي ُ‬
‫ق)‪ُ (1‬هُم اّلِذي َ‬
‫حَقاِئ ِ‬
‫ل اْل َ‬
‫عَلى ُنُزو ِ‬
‫ن َ‬
‫صاِبِري َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل‪َ» :‬فِإ ّ‬
‫ثم أتّم كلمه باستدلل منطقي قائ ً‬
‫عَلْيَها َفُيْفِرُدوَها«‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ل َيَتَقّدُمو َ‬
‫سِلُموَها‪َ ،‬و َ‬
‫عْنَها َفُي ْ‬
‫ن َ‬
‫خُرو َ‬
‫ل َيَتَأ ّ‬
‫حَفاَفْيَها)‪َ ،(2‬وَوَراَءَها َوَأَماَمَها; َ‬
‫ِ‬
‫كان للراية أهمّية خاصة في ميدان القتال في الزمنة الماضية‪ ،‬وذلك لدورها في إرتباط الصفوف والتحامها‪،‬‬
‫وحين كان ينهمك المقاتلون وسط الميدان وجوانبه بالقتال‪ ،‬كانوا يلتفون حين الضرورة حول الراية لعادة تنظيم‬
‫صفوفهم وشن الحملت من جديد‪ ،‬وإن سقطت الراية اضطرب العسكر وأحيانًا كان ينهار‪ ،‬ولذلك ترى العدو‬
‫ل ما‬
‫يسعى جاهدًا للحاطة بالراية‪ ،‬بينما يحاول الطرف الخر البقاء على الراية مرفوعة وهو يدافع عنها بك ّ‬
‫ن انتصاب الراية دليل على القدرة وسبب قّوة‬
‫ُاوتي من قّوة‪ ،‬فقد كان سقوطها يعني الهزيمة‪ ،‬وزبدة الكلم فا ّ‬
‫وعزيمة المقاتلين وحلقة اتصالهم مع بعضهم‪ ،‬ولهذا ما انفك المام )عليه السلم( عن التأكيد وصاياه بحفظ‬
‫ن حماتها من أشجع الفراد‪ ،‬ومن جهة ُاخرى يوصي‬
‫الراية‪ ،‬حيث أكد من جهة ضرورة ثبوت موضع الراية وأ ّ‬
‫ن يتخلفوا عنها ول يتقدمواعليها‪ ،‬ويضحوا بالغالي‬
‫حملة الراية بعدم التخلي عنها ومراقبتها من جميع الجهات‪ ،‬ل أ ّ‬
‫والنفيس من أجل حفظها بفضلها علمة القتدار والشموخ وورد في شأن غزوة خيبر التي‪.‬لف الفريقان‬
‫ن رسول ال )صلى ال عليه وآله( أعطى الراية في اليوم الول إلى أبي بكر فلم‬
‫بخصوصها عشرات الروايات أ ّ‬
‫يتمكن من فتح قلعها‪ ،‬وفي اليوم الثاني أعطاها عمر بن الخطاب‪ ،‬فلم يفلح‪ ،‬فقال )صلى ال عليه وآله(‪:‬‬
‫عَليِه«)‪.(3‬‬
‫ل َ‬
‫حا ُ‬
‫غيُر َفّرار َيفَت ِ‬
‫سوُلُه َكّرار َ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫حّبُه ا ُ‬
‫سوَلُه وُي ِ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫با َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫جً‬
‫غدًا َر ُ‬
‫ن الرايَة َ‬
‫طَي َ‬
‫لع ِ‬
‫» َُ‬

‫فامتدت العناق في اليوم التالي ليروا من هو ذلك الرجل‪ ،‬وقد تمنى كل فرد )شجاع( أن يكون هو المعني فيعطيه‬
‫رسول ال )صلى ال عليه وآله( الراية‪ ،‬نادى رسول ال )صلى ال عليه وآله( عليًا )عليه السلم( وسّلمه الراية‬
‫فلم‬
‫‪» .1‬الحقائق«‪ :‬جمع »حاقة« على وزن جادة النازلة الشديدة‪.‬‬
‫‪» .2‬حفافي«‪ :‬مثنى »حفاف« على وزن كتاب بمعنى جانب الشيء وحفافيها هنا إشارة إلى جانبي الراية يمينها وشمالها‪.‬‬
‫‪ .3‬الكامل لبن الثير ‪ ،2/219‬وتفسير الثعلبي )طبق نقل غاية المرام‪ (467/ ،‬وصحيح مسلم‪ ،‬ج ‪ 4‬كتاب الفضائل الصحبة الحديث‬
‫‪ ;32‬صحيح البخاري ‪ 5/171‬باب غزوة خيبر )طبعًا ذكرت الجملة الخيرة فقط بشأن علي )عليه السلم( في صحيح البخاري مسلم(‪.‬‬

‫] ‪[ 169‬‬
‫ل بعد أن فتح خيبر واستسلم له أهلها‪ ،‬هذه دللة على الهمّية الفائقة للراية وحاملها في ذلك الزمان‪ ،‬وقد‬
‫يرجع إ ّ‬
‫تكرر نفس هذا المعنى في عصر علي )صلى ال عليه وآله( مالك الشتر النخعي وقال له علمت بوقوفك في‬
‫القتال وشجاعتك ولول ذلك لدفعت الراية إلى غيرك‪ ،‬فرّد عليه بالقول‪» :‬لسرّنك اليوم يا مالك أو ُاقتل شهيدًا«)‬
‫‪.(1‬‬
‫ثم أشار المام )عليه السلم( في وصّيته السابعة والخيرة إلى قضية أخرى من تكتيكات الحرب أنذاك فقال‪:‬‬
‫خيِه«‪.‬‬
‫ن َأ ِ‬
‫عَلْيِه ِقْرُنُه َوِقْر ُ‬
‫جَتِمَع َ‬
‫خيِه‪َ ،‬فَي ْ‬
‫ل ِقْرَنُه ِإَلى َأ ِ‬
‫سِه‪َ ،‬وَلْم َيِك ْ‬
‫خاُه ِبَنْف ِ‬
‫سى)‪َ (3‬أ َ‬
‫جَزَأ اْمُرٌؤ ِقْرَنُه)‪َ ،(2‬وآ َ‬
‫»َأ ْ‬
‫يتضح المفهوم الدقيق لهذا الكلم فيما لو دققنا بصورة صحيحة على وضع الحروب في ذلك الزمان‪ ،‬فقد كانت‬
‫للمعركة في ذلك الوقت ثالث صور )وأحيانًا كانت تتحقق الصور الثلث في نفس المعركة(‪:‬‬
‫الولى‪ :‬أن يتقدم أحد الشجعان وسط الميدان ويدعو شجاعًا آخر من العدو لمبارزته‪ ،‬فيتبارزان حتى يهلك‬
‫أحدهما‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن يتقدم الميدان عّدة أفراد ليقف كل واحد منهم أمام خصمه فيبدأ بينهم القتال‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أن تدور المعركة بين المعسكرين بأكملهما طبعًا هناك صورة رابعة تكون المعركة فيها غادرة كأن تنهال‬
‫ن العبارة تشير إلى هذه الصورة الثانية التي يبرز‬
‫طائفة على فرد فتنزل عليه ضرباتها من كل جانب‪ ،‬ويبدو أ ّ‬
‫فيها عّدة أفراد إلى أمثالهم‪ ،‬وفي هذه الحالة ل ينبغي لحد أن يترك خصمه لخر‪ ،‬بل يبارز كل واحد خصمه‬
‫فيراعي المساواة والمواساة وتقف من خلل هذه الوصايا على مدى خبرة المام )عليه السلم( بفنون القتال حيث‬
‫يعّرف أصحابه على أدق تفاصيل القتال قبل البدء فيه‪.‬‬
‫—–‬
‫لمة التستري ‪.13/558‬‬
‫‪ .1‬شرح نهج البلغة للع ّ‬
‫‪» .2‬قرن«‪ :‬الكفؤ وعدل النسان في الشجاعة في ميدان القتال ويطلق أحيانًا القرن على كل كفو‪ ،‬وقد اشتق في الصل من قرن بفتح‬
‫القاف والقتران الذي يعني القتراب بين شيئين أو عدة أشياء‪ ،‬ومن هنا يقال للزمان الطويل قرن حيث تكون فيه طائفة من الجيال‬
‫مع بعضها‪.‬‬
‫‪» .3‬آسى«‪ :‬من مادة »وسى« على وزن مشى بمعنى عاون والمواساة تعني المعاضدة ومساعدة كل واحد الخر‪.‬‬

‫] ‪[ 170‬‬
‫] ‪[ 171‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ن ِفي‬
‫ظُم‪ِ .‬إ ّ‬
‫عَ‬
‫لْ‬
‫سَناُم ا َْ‬
‫ب‪َ ،‬وال ّ‬
‫خَرِة‪َ ،‬وَأْنُتْم َلَهاِميُم اْلَعَر ِ‬
‫لِ‬
‫فا ْ‬
‫سْي ِ‬
‫ن َ‬
‫سَلُموا ِم ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫جَلِة‪َ ،‬‬
‫ف اْلَعا ِ‬
‫سْي ِ‬
‫ن َ‬
‫ن َفَرْرُتْم ِم ْ‬
‫ل َلِئ ْ‬
‫»َواْيُم ا ّ‬
‫جوز [محجوب] َبْيَنُه َوَبْينَ‬
‫حُ‬
‫ل َم ْ‬
‫عُمِرِه‪َ ،‬و َ‬
‫ن اْلَفاّر َلَغْيُر َمِزيد ِفي ُ‬
‫ي‪َ .‬وِإ ّ‬
‫لِزَم‪َ ،‬واْلَعاَر اْلَباِق َ‬
‫ل اْل ّ‬
‫ل‪َ ،‬والّذ ّ‬
‫جَدَة ا ّ‬
‫اْلِفراِر َمْو ِ‬
‫شَو ُ‬
‫ق‬
‫لَنا َأ ْ‬
‫ل َ‬
‫خَباُر! َوا ّ‬
‫لْ‬
‫ف الَْعَواِلي! اْلَيْوَم ُتْبلى ا َْ‬
‫طَرا ِ‬
‫ت َأ ْ‬
‫ح َ‬
‫جّنُة َت ْ‬
‫ن َيِرُد اْلَماَء؟ اْل َ‬
‫ظْمآ ِ‬
‫ل َكال ّ‬
‫ح ِإَلى ا ّ‬
‫َيْوِمِه‪َ[ .‬من] الّراِئ ُ‬
‫ِإَلى ِلَقاِئِهْم ِمْنُهْم ِإَلى ِدَياِرِهْم«‪.‬‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الجّنة تحت ظلل السيوف‬
‫أشار المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة إلى ثلثة أمور بهدف إعداد الصحاب في ميدان القتال‪،‬‬
‫فأحيانًا يهددهم إن هم فروا من القتال‪ ،‬وأخرى يمدحهم ويتعرض لما يتحلون به من نقاط إيجابية يراها فيهم‪،‬‬
‫لخروي‪ ،‬وعليه يمكن إيجاز هذا المقطع من الخطبة في ثلثه‬
‫وأخيرًا يشجعهم ويحثهم على الثواب والجر ا ُ‬
‫سْي ِ‬
‫ف‬
‫ن َ‬
‫ن َفَرْرُتْم ِم ْ‬
‫ل َلِئ ْ‬
‫محاور هى‪ :‬التهديد‪ ،‬والتشجيع‪ ،‬والتمجيد‪ ،‬فقد قال على مستوى المحور الول‪َ» :‬واْيُم ا ّ‬
‫خَرِة«‪.‬‬
‫لِ‬
‫فا ْ‬
‫سْي ِ‬
‫ن َ‬
‫سَلُموا ِم ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫جَلِة‪َ ،‬‬
‫اْلَعا ِ‬
‫ن الفرار من الزحف‬
‫فالعبارة سيف الخرة إشارة إلى عذاب ال الذي يشمل الفاّرين من ميدان الجهاد‪ ،‬ول شك أ ّ‬
‫ن فرار عّدة أفراد يؤّدي إلى هزيمة عسكر جّرار ويقود حضارة عريقة إلى السقوط‬
‫من الكبائر‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫والنيهار‪ ،‬أو يجعل العدو يسدد ضرباته الموجعة إلى‬
‫] ‪[ 172‬‬
‫ظُم‪ِ .‬إنّ‬
‫عَ‬
‫سَناُم)‪ (2‬الَْ ْ‬
‫ب‪َ ،‬وال ّ‬
‫السلم‪ ،‬ثم قال على مستوى المحور الثاني‪ ،‬أ ى المدح والثناء‪َ» :‬وَأْنُتْم َلَهاِميُم)‪ (1‬اْلَعَر ِ‬
‫جوز)‪َ (4‬بْيَنُه َوَبْي َ‬
‫ن‬
‫حُ‬
‫ل َم ْ‬
‫عُمِرِه‪َ ،‬و َ‬
‫ن اْلَفاّر َلَغْيُر َمِزيد ِفي ُ‬
‫ي‪َ .‬وِإ ّ‬
‫لِزَم‪َ ،‬واْلَعاَر اْلَباِق َ‬
‫ل اْل ّ‬
‫ل‪َ ،‬والّذ ّ‬
‫جَدَة)‪ (3‬ا ّ‬
‫ِفي اْلِفراِر َمْو ِ‬
‫َيْوِمِه«‪.‬‬
‫فهو يعدهم من جانب بصفتهم مبرزي شخصيات العرب التي تشد نحوها النظار‪ ،‬من جانب آخر يذكرهم‬
‫بمساوىء عار الفرار وهى الغضب اللهي والذل الدائم والهوان والفضيحة البدية‪ ،‬على صعيد آخر ذكّرهم بهذه‬
‫ن هذا الهدف ل يحصل بالفرار‪ ،‬ذلك لّنه ل‬
‫النقطة وهى إن كان الهدف من الفرار هو التمتع بعمر أطول فا ّ‬
‫محيص من الممات واليوم الذي قدّر فيه فل يدفعه دافع‪.‬‬
‫ن المر كذلك فما قيمة هذا‬
‫نعم‪ ،‬قد يتصور النسان أّنه يحصل على عمر أطول عن طريق الفرار‪ ،‬ولو فرض أ ّ‬
‫العمر وهو يتضمن العواقب الثلث متمثلة بغضب ال والذل والهوان البدي‪ ،‬وقد خاطب القرآن الكريم ُاولئك‬
‫ل ِإَلى‬
‫عَلْيِهْم اْلَقْت ُ‬
‫ب َ‬
‫ن ُكِت َ‬
‫ل َلْو ُكْنُتْم ِفي ُبُيوِتُكْم َلَبَرَز اّلِذي َ‬
‫ل‪ُ) :‬ق ْ‬
‫الذين يشعرون بالقلق من تواجدهم في جبهات القتال قائ ً‬
‫جِعِهْم‪(5).(...‬‬
‫ضا ِ‬
‫َم َ‬
‫ح)‬
‫ثم إختتم المام )عليه السلم( كلمه بعبارة قصيرة عميقة المعنى تهدف حثهم على جهاد العدو فقال‪َ» :‬من الّراِئ ُ‬
‫ف اْلَعَواِلي)‪.«!(7‬‬
‫طَرا ِ‬
‫ت َأ ْ‬
‫ح َ‬
‫جّنُة َت ْ‬
‫ن َيِرُد اْلَماَء؟ اْل َ‬
‫ظْمآ ِ‬
‫ل َكال ّ‬
‫‪ِ (6‬إَلى ا ّ‬

‫ل فرد ويتميز فيها الغث من السمين‪» :‬اْلَيْوَم ُتْبلى‬
‫ن اليوم تبلى أخبار وأعمال ك ّ‬
‫وأخيرًا قال )عليه السلم( بأ ّ‬
‫خَباُر!«‪.‬‬
‫لْ‬
‫ا َْ‬
‫ل شوق ورغبة وعشق الشهادة‪ ،‬كعشق‬
‫العبارة من الرائح إلى ال سبحانه إشارة إلى الفراد الذين يقبلون بك ّ‬
‫العطشان إلى الماء الزلل‪.‬‬
‫‪» .1‬لهاميم«‪ :‬جمع »لهموم« على وزن حلقوم الجواد السابق من النسان والخيل‪.‬‬
‫‪» .2‬سنام«‪ :‬أعلى الجمل ثم اطلق على كل شيء بارز‪.‬‬
‫‪» .3‬موجدة«‪ :‬من مادة »وجد« علث وزن نجد بمعنى الغضب‪ ،‬كما ورد بمعنى الحزن والمعنى الول هو النسب هنا‪.‬‬
‫‪» .4‬محجوز«‪ :‬من مادة »حجز« بمعنى المنع‪.‬‬
‫‪ .5‬سورة آل عمران ‪.154 /‬‬
‫‪» .6‬رائح«‪ :‬من مادة »رواح« الندفاع بسرعة خلف شيء‪.‬‬
‫‪» .7‬العوالي«‪ :‬جمع »العالية« تعني أسنة الرماح‪ ،‬كما تعني الرمح‪.‬‬

‫] ‪[ 173‬‬
‫ت ِإلّ‬
‫وقد أورد المام )عليه السلم( شبيه هذا المعنى في وصّيته قبل الشهادة وبعد ضربته حيث قال‪َ» :‬وَما ُكْن ُ‬
‫جَد‪ .(1)«...‬والعبارة اليوم تبلى الخبار هى في الواقع إقتباس من الية ‪ 31‬من سورة‬
‫طاِلب َو َ‬
‫َكَقاِرب َوَرَد‪َ ،‬و َ‬
‫خَباَرُكْم(‪.‬‬
‫ن َوَنْبُلَو َأ ْ‬
‫صاِبِري َ‬
‫ن ِمْنُكْم َوال ّ‬
‫جاِهِدي َ‬
‫حّتى َنْعَلَم اْلُم َ‬
‫محمد)صلى ال عليه وآله(‪َ) :‬وَلَنْبُلَوّنُكْم َ‬
‫ح َ‬
‫ت‬
‫جّنُة َت ْ‬
‫والفردة أخبار إّما تعني العمال أوالكلم والزعم والتي تبلى جميعًا في ميدان الجهاد‪ ،‬والعبارة‪» :‬اْل َ‬
‫ف اْلَعَواِلي!«‪ .‬تشبه العبارة التي أوردها رسول ال )صلى ال عليه وآله( في ميدان معركة أحد‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫طَرا ِ‬
‫َأ ْ‬
‫ف«‪.‬‬
‫سُيو ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫ظل ِ‬
‫ت ِ‬
‫جّنُة َتح َ‬
‫»ال َ‬
‫ن أحد النصار سمع هذا القول من رسول ال )صلى ال عليه وآله( وفي يده تميرات يلوكها‪،‬‬
‫الجدير بالذكر أ ّ‬
‫ل هذه التميرات‪ ،‬ثم قذفها من يده وكسر جفن سيفه وحمل على قريش فقاتل‬
‫فقال‪ :‬بخ بخ! ليس بيني وبين الجّنة إ ّ‬
‫حتى ُقتل)‪.(2‬‬
‫ق ِإَلى ِلَقاِئِهْم ِمْنُهْم ِإَلى ِدَياِرهِْم«‪.‬‬
‫شَو ُ‬
‫لَنا َأ ْ‬
‫ل َ‬
‫ثم قال في العبارة الخيرة من أجل حث صحبه على الجهاد‪َ» :‬وا ّ‬
‫بمعنى ل دافع عندهم للجهاد وهم يحرصون على العودة إلى بيوتهم‪ ،‬بينما أحرص على جهاد عدو الحق والعدالة‪،‬‬
‫ن النصر حليفكم حين تقاتلون عدوًا ل دافع له‪.‬‬
‫فالمراد هلموا لكل رغبة لميدان الجهاد واعلموا أ ّ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬نهج البلغة‪ ،‬الرسالة ‪.23‬‬
‫‪ .2‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪ 8/6‬الحديث )الجّنة تحت ظلل السيوف(‪ ،‬كما ورد الحديث في بحار النوار ‪.97/13‬‬

‫] ‪[ 174‬‬
‫] ‪[ 175‬‬

‫القسم الثالث‬

‫ن َمَواِقِفِهْم ُدو َ‬
‫ن‬
‫عْ‬
‫ن َيُزوُلوا َ‬
‫طاَياُهْم‪ِ .‬إّنُهْم َل ْ‬
‫سْلُهْم ِبخَ َ‬
‫ت َكِلَمَتُهْم‪َ ،‬وَأْب ِ‬
‫شّت ْ‬
‫عَتُهْم‪َ ،‬و َ‬
‫جَما َ‬
‫ض َ‬
‫ض ْ‬
‫ق َفاْف ُ‬
‫حّ‬
‫ن َرّدوا اْل َ‬
‫»الّلُهّم َفِإ ْ‬
‫حّتى ُيْرَمْوا‬
‫لْقَداَم; َو َ‬
‫عَد َوا َْ‬
‫سَوا ِ‬
‫ظاَم‪َ ،‬وُيْنِدُر ال ّ‬
‫ح الِْع َ‬
‫طي ُ‬
‫ق اْلَهاَم‪َ ،‬وُي ِ‬
‫ضْرب َيْفِل ُ‬
‫سيُم‪َ ،‬و َ‬
‫ج ِمْنُهُم [ِمْنُه ]الّن ِ‬
‫خُر ُ‬
‫طْعن ِدَراك‪َ ،‬ي ْ‬
‫َ‬
‫حّتى‬
‫س; َو َ‬
‫خِمي ُ‬
‫س َيْتُلوهُ اْل َ‬
‫خِمي ُ‬
‫لِدِهُم اْل َ‬
‫جّر ِبِب َ‬
‫حّتى ُي َ‬
‫ب; َو َ‬
‫لِئ ُ‬
‫حَ‬
‫ب‪َ ،‬تْقُفوَها اْل َ‬
‫جُموا ِباْلَكَتاِئ ِ‬
‫سُر; َوُيْر َ‬
‫سِر َتْتَبُعَها اْلَمَنا ِ‬
‫ِباْلَمَنا ِ‬
‫حِهْم«‪.‬‬
‫ساِر ِ‬
‫ساِرِبِهْم َوَم َ‬
‫ن َم َ‬
‫عَنا ِ‬
‫ضِهْم‪َ ،‬وِبَأ ْ‬
‫حِر َأْر ِ‬
‫ل ِفي َنَوا ِ‬
‫خُيو ُ‬
‫ق اْل ُ‬
‫عَ‬
‫َتْد َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫القضاء على آخر معاقل العدو‬
‫خاض المام علي )عليه السلم( في هذا المقطع ـ الذي يمثل المقطع الخير من الخطبة ـ في أمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬يدعو فيه على العدو‪ ،‬وهوالدعاء الذي يجر عليهم الهزيمة والعذاب اللهي ويشّد من عزيمة صحبه‬
‫طاَياُهْم«‪.‬‬
‫خَ‬
‫سْلُهْم)‪ِ (2‬ب َ‬
‫ت َكِلَمَتُهْم‪َ ،‬وَأْب ِ‬
‫شّت ْ‬
‫عَتُهْم‪َ ،‬و َ‬
‫جَما َ‬
‫ض)‪َ (1‬‬
‫ض ْ‬
‫ق َفاْف ُ‬
‫حّ‬
‫ن َرّدوا اْل َ‬
‫ويضاعف إرادتهم فقال‪» :‬الّلُهّم َفِإ ْ‬
‫ن الهدف النهائي من هذا القتال ل‬
‫ن المام )عليه السلم( اشترط اللعن بعدم قبول الحق‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫جدير ذكره أ ّ‬
‫ن قبله انتفت‬
‫يكمن في الستيلء على العدو والسلطة‪ ،‬بل ليس للمام )عليه السلم( من هدف سوى قبول الحق‪ ،‬فا ّ‬
‫الحرب‪ ،‬وهذه هى فلسفة قتال دعاة الحق وأهل اليمان طيلة التاريخ‪.‬‬
‫ض« على وزن خط بمعنى الهزيمة‪.‬‬
‫‪» .1‬افضض«‪ :‬من مادة »ف ّ‬
‫‪» .2‬أبسل«‪ :‬من مادة »بسل« على وزن نسل بمعنى المنع من الشيء أو القهر والغلبة والبسال بمعنى التسليم للهلكة والعبارة إشارة‬
‫إلى هذا المعنى‪.‬‬

‫] ‪[ 176‬‬
‫ن المام )عليه السلم( ذكر اختلف الكلمة ضمن دعائه كوسيلة لتفريق العدو وهزيمته‬
‫والمر الخر‪ :‬هو أ ّ‬
‫والذنوب من أسباب البؤس والشقاء‪ ،‬ومن هنا كان دعاؤه درسًا‪ ،‬ليس درس واحد بل دورس‪ .‬وفي القسم الخر من‬
‫هذا المقطع من الخطبة أشار إلى وصّية قتالية مهّمة أخرى فقال لهم‪ ،‬إن أردتم النتصار عليكم بتوجيه الضربات‬
‫الموجعة إلى العدو وأن تقوم كل فرقة من العسكر بمهمتها الخاصة ومتابعة العدو حين الهزيمة دون إمهاله‬
‫سيُم‪،‬‬
‫ج ِمْنُهُم الّن ِ‬
‫خُر ُ‬
‫طْعن ِدَراك)‪َ ،(1‬ي ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َمَواِقِفهِْم ُدو َ‬
‫عْ‬
‫ن َيُزوُلوا َ‬
‫ل‪ِ» :‬إّنُهْم َل ْ‬
‫ليتحقق النصر الشامل‪ ،‬فشرح ذلك قائ ً‬
‫لْقَداَم«‪.‬‬
‫عَد َوا َْ‬
‫سَوا ِ‬
‫ظاَم‪َ ،‬وُيْنِدُر)‪ (3‬ال ّ‬
‫ح)‪ (2‬اْلِع َ‬
‫طي ُ‬
‫ق اْلَهاَم‪َ ،‬وُي ِ‬
‫ضْرب َيْفِل ُ‬
‫َو َ‬
‫ثم واصل )عليه السلم( حديثه مؤكدًا على ضرورة شن الهجمات عليهم تلو الهجمات وأن تتبنى فرقة مطاردتهم‬
‫لخرى وتحمل على العدو‪ ،‬كما يقوم الفرسان بمطاردتهم حتى المدن حتى‬
‫ورميهم بالسهام‪ ،‬وأن تعاضد كل فئة ا ُ‬
‫نتدوس حوافر خيلكم آخر نقطة في أرضهم والستيلء على مسار الذهاب والياب والطرق المراي من كل‬
‫جّر‬
‫حّتى ُي َ‬
‫ب)‪َ ;(6‬و َ‬
‫لِئ ُ‬
‫حَ‬
‫ب)‪َ ،(5‬تْقُفوَها اْل َ‬
‫جُموا ِباْلَكَتاِئ ِ‬
‫سُر; َوُيْر َ‬
‫سِر)‪َ (4‬تْتَبُعَها اْلَمَنا ِ‬
‫حّتى ُيْرَمْوا ِباْلَمَنا ِ‬
‫جانب‪َ» :‬و َ‬
‫ساِرِبِهْم‬
‫ن)‪َ (10‬م َ‬
‫عَنا ِ‬
‫ضِهْم‪َ ،‬وِبَأ ْ‬
‫حِر)‪َ (9‬أْر ِ‬
‫ل ِفي َنَوا ِ‬
‫خُيو ُ‬
‫ق)‪ (8‬اْل ُ‬
‫عَ‬
‫حّتى َتْد َ‬
‫س; َو َ‬
‫خِمي ُ‬
‫س)‪َ (7‬يْتُلوُه اْل َ‬
‫خِمي ُ‬
‫لِدِهُم اْل َ‬
‫ِبِب َ‬
‫حِهْم)‪.«(11‬‬
‫ساِر ِ‬
‫َوَم َ‬

‫ن طعن الدراك بمعنى السهام التي‬
‫‪» .1‬دراك«‪ :‬من مادة »درك« متتابع متوال وكأن كل واحد منهم يدرك الخر ويصله‪ ،‬وعليه فا ّ‬
‫تطلق تبعًا على العدو‪.‬‬
‫‪» .2‬يطيح«‪ :‬من مادة »إطاحة« بمعنى السقاط‪.‬‬
‫‪» .3‬يندر«‪ :‬من مادة »اندار« بمعنى يسقط‪ ،‬كما يطلق على طرح شيء من الحساب‪.‬‬
‫‪» .4‬مناسر«‪ :‬جمع »منسر« على وزن محفل القطعة من الجيش تكون أمام الجيش العظيم ويطلق عليها الطليعة‪ ،‬ومنسر على وزن‬
‫منبر بمعنى منقار الطيور‪.‬‬
‫‪» .5‬كتائب«‪ :‬جمع »كتيبة« طائفة من الجيش من مئة إلى ألف‪.‬‬
‫‪» .6‬الحلئب«‪ :‬جمع »حليبة أو حلوبة« بمعنى الجماعة التي تجتمع على صوب‪ ،‬كما تطلق على الخّيالة‪.‬‬
‫‪» .7‬الخميس«‪ :‬بمعنى الجيش الكامل الذي يتألف من خمسة أقسام‪ ،‬المقّدمة والميمنة والميسرة والقلب والساقة‪.‬‬
‫‪ .8‬سيأتي تفسير كلمة »تدعق« في كلم السيد الرضي‪.‬‬
‫‪ .9‬سيأتي تفسير كلمة »نواحر« في كلم السيد الرضي‪.‬‬
‫‪» .10‬أعنان«‪ :‬قال صاحب لسان العرب جمع »عنن« على وزن كفن بمعنى نواحي الشيء وأطرافه‪.‬‬
‫‪» .11‬مسارب«‪ :‬جمع »مسربة« بمعنى المرعى وكذلك مسارح بمعنى المرعي‪ ،‬إّل أن بعض شّراح نهج البلغة ذهب إلى أ ّ‬
‫ن‬
‫ن السروح إّنما يكون في أول النهار‬
‫المسارب ما يسرب فيه المال والمرعى‪ ،‬والمسارح ما يسرح فيه والفرق بين مسرح ومسرب أ ّ‬
‫وليس ذلك بشرط في السروب‪) .‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪.(8/9‬‬

‫] ‪[ 177‬‬
‫فقد علم المام )عليه السلم( في هذه الخطبة جنوده الداب الفردية للقتال‪ ،‬وفي القسم الخير الداب الجماعية في‬
‫كيفية عمل الكتائب والفرق والخّيالة والمشاة وتنسيقها فيما بينهما تجاه العدو والعتماد على الساليب العلمية في‬
‫القضاء على العدو‪ ،‬ومن النقاط المهّمة التي تطرق إليها المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة هى عدم‬
‫التواني في إتمام النصر على العدو‪ ،‬ورّبما كانت للنسحابات أبعاد المباغتة‪ ،‬والهدف تشديد الحملت‪ ،‬فل يدمي‬
‫ن يشن العدو هجماته‪.‬‬
‫تعقيب العدو إلى أقصى نقاط مناطقة والستيلء على كل مكان ليزول بالمرة أي احتمال ل ّ‬
‫والحق لو عمل جيش المام )عليه السلم( بهذه الوصّية في صفين والتي أوردها المام)عليه السلم( قبل المعركة‬
‫لخمدت فتنة بني أمية إلى البد ولزال شبح ظلمهم وجور حكمهم عن المسلمين‪ ،‬ولكن واللسف فقد سمعوا كل‬
‫هذه الوصايا وضربوها عرض الحائط فتجرعوا مرارة تمردهم‪.‬‬
‫—–‬
‫الدعق‪ :‬الدق‪ ،‬أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم‪ ،‬ونواحر أرضهم‪ :‬متقابلتها ويقال‪ :‬منازل بني فلن تتناحر أي‬
‫تتقابل‪ ،‬انتهى كلم السيد الرضي‪.‬‬
‫—–‬
‫سر أغلب أرباب اللغة النواحر بمعنى المناطق البعيدة وهذا ما يناسب الخطبة‪.‬‬
‫ولكن ف ّ‬
‫—–‬
‫] ‪[ 178‬‬
‫] ‪[ 179‬‬

‫الخطبة)‪125 (1‬‬

‫ن َكلم لُه)عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫في التحكيم وذلك بعد سماعه لمر الحكمين‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫ن هذه الخطبة وردت بصورة عاّمة بشأن التحكيم بعد معركة صفين‪ ،‬وهى تتألف من عّدة‬
‫كما ورد في السابق ا ّ‬
‫أقسام‪ ،‬فقد بّين المام )عليه السلم( قبول التحكيم من خلل الستدلل باليات القرآنية‪.‬‬
‫وفي القسم الثاني يتكّفل بالرّد على العتراضات‬
‫ف عن الخلف وإعداد أنفسهم من أجل الوقوف بوجه‬
‫والقسم الثالث والخير ينصح المام )عليه السلم( بالك ّ‬
‫ظلمة الشام كما ذّمهم على ما أبدوه من تقصير واعتراض وعدم انضباط‪.‬‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ن المام )عليه السلم( أورد هذا‬
‫تطرق المؤرخ المعروف الطبري في حوادث عام ‪ 37‬هـ إلى هذه الخطبة وشأن صدورها وخلصته أ ّ‬
‫الكلم في الخوارج حين حاججهم ابن عباس‪ ،‬حيث أمر المام )عليه السلم( ابن عباس بالسكوت‪ ،‬ثم حمد ال وأثنى عليه وقال لهم‪:‬‬
‫ف عن‬
‫»من إمامكم؟ قالوا‪ :‬ابن الكواء‪ ،‬قال‪ :‬لم خالفتموني‪ ،‬قالوا‪ :‬لقبولك التحكيم في صفين‪ ،‬فقال‪ :‬ناشدتكم ال ألم تطالبوني بالك ّ‬
‫القتال حين رفعت المصاحف على أسنة الرماح‪ ،‬فقلت‪ :‬لكم إني أعلم بهم منكم‪ ،‬فل دين لهم ول قرآن‪ ،‬فلم تسمعوا قولي وأبيتم إّل‬
‫التحكيم فقبلت‪ ،‬لكّني اشترطت عليهم أن يحكموا القرآن وإّل ل نستجيب لحكمهم؟‬
‫قالوا‪ :‬أمن العدل تحكيم الفراد في دماء المسلمين؟ قال )عليه السلم(‪ :‬إننا لم نحكم الرجال بل حكمنا القرآن‪.‬‬
‫ثم أورد الطبري جانبًا من الخطبة‪ ،‬كما نقلها باختلف طفيف السبط بن الجوزي في تذكرة الخواص‪ ،‬والمرحوم المفيد في الرشاد‪،‬‬
‫والطبرسي في الحتجاج‪.‬‬

‫] ‪[ 180‬‬
‫] ‪[ 181‬‬

‫القسم الول‬

‫لُبّد َلُه‬
‫سان‪َ ،‬و َ‬
‫ق ِبِل َ‬
‫طُ‬
‫ل َيْن ِ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ن الّدّفَتْي ِ‬
‫سُتوٌر َبْي َ‬
‫ط َم ْ‬
‫خّ‬
‫ن ِإّنَما ُهَو َ‬
‫ن‪ .‬هَذا اْلُقْرآ ُ‬
‫حّكْمَنا اْلُقْرآ َ‬
‫ل‪َ ،‬وِإّنَما َ‬
‫جا َ‬
‫حّكِم الّر َ‬
‫»ِإّنا َلْم ُن َ‬
‫ن ِكَتابِ‬
‫عْ‬
‫ي َ‬
‫ق اْلُمَتَوّل َ‬
‫ن اْلَفِري َ‬
‫ن َلْم َنُك ِ‬
‫حّكَم َبْيَنَنا اْلُقْرآ َ‬
‫ن ُن َ‬
‫عاَنا اْلَقْوُم ِإَلى َأ ْ‬
‫ل‪َ .‬وَلّما َد َ‬
‫جا ُ‬
‫عْنُه الّر َ‬
‫ق َ‬
‫طُ‬
‫جَمان‪َ .‬وِإّنَما َيْن ِ‬
‫ن َتْر ُ‬
‫ِم ْ‬
‫حُكَم‬
‫ن َن ْ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ل(‪َ .‬فَرّدُه ِإَلى ا ّ‬
‫سو ِ‬
‫ل َوالّر ُ‬
‫يء َفُرّدوُه ِإَلى ا ّ‬
‫ش ْ‬
‫عُتْم ِفي َ‬
‫ن َتَناَز ْ‬
‫حاَنُه‪َ) :‬فِإ ْ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫لا ّ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى ‪َ ،‬وَقْد َقا َ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫ا ّ‬
‫سّنِة‬
‫حِكَم ِب ُ‬
‫ن ُ‬
‫س ِبِه‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫ق الّنا ِ‬
‫حّ‬
‫ن َأ َ‬
‫حُ‬
‫ل‪َ ،‬فَن ْ‬
‫با ّ‬
‫ق ِفي ِكَتا ِ‬
‫صْد ِ‬
‫حِكَم ِبال ّ‬
‫سّنِتِه; َفِإَذا ُ‬
‫خَذ ِب ُ‬
‫ن َنْأ ُ‬
‫ل َأ ْ‬
‫سو ِ‬
‫ِبِكَتاِبِه‪َ ،‬وَرّدُه ِإَلى الّر ُ‬
‫لُهْم ِبَها«‪.‬‬
‫س َوَأْو َ‬
‫ق الّنا ِ‬
‫حّ‬
‫ن َأ َ‬
‫حُ‬
‫عَلْيِه َوآِلِه‪َ ،‬فَن ْ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ّ‬
‫ل َ‬
‫لا ّ‬
‫سو ِ‬
‫َر ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الرّد على الخوارج‬
‫ن الخطبة رّد على اعتراض قبول المام )عليه السلم( للتحكيم‪ ،‬ومضمون كلم المعترضين‪ :‬لم‬
‫كما ورد سابقًا فا ّ‬
‫ل ل وليس لعامة الفراد من حق في الحكم في‬
‫قبلت تحكيم فردين في هذا المر الديني المهم؟ والحال ل حـكم إ ّ‬
‫ل‪َ ،‬وِإّنَما‬
‫جا َ‬
‫حّكِم الّر َ‬
‫الوظائف الدينية‪ ،‬أّما المام )عليه السلم( فقد أشار في رّده إلى نقطة مهّمة فقال‪ِ» :‬إّنا َلْم ُن َ‬
‫جَمان‪َ .‬وِإّنَما‬
‫ن َتْر ُ‬
‫لُبّد َلُه ِم ْ‬
‫سان‪َ ،‬و َ‬
‫ق ِبِل َ‬
‫طُ‬
‫ل َيْن ِ‬
‫ن)‪َ ،(2‬‬
‫ن الّدّفَتْي ِ‬
‫سُتوٌر)‪َ(1‬بْي َ‬
‫ط َم ْ‬
‫خّ‬
‫ن ِإّنَما ُهَو َ‬
‫ن‪ .‬هَذا اْلُقْرآ ُ‬
‫حّكْمَنا اْلُقْرآ َ‬
‫َ‬
‫ل«‪.‬‬
‫جا ُ‬
‫عْنُه الّر َ‬
‫ق َ‬
‫طُ‬
‫َيْن ِ‬
‫‪» .1‬مستور«‪ :‬الشيء الخفي‪ ،‬إّل أن هذه المفردة وردت مسطورة في بعض النسخ من مادة سطر وردت صفة للخط في العبارة وهي‬
‫أنسب‪.‬‬
‫‪» .2‬دفتين«‪ :‬مثنى »دفة« بمعنى جانب كل شيء ويقال دفتين لجانبي الكتاب أو القرآن‪.‬‬

‫] ‪[ 182‬‬
‫ن القرآن الكريم بّين طائفة من الحكام الكلية وعلى العالمين بالقرآن استنباط الحكام الجزئية وإبلغها‬
‫إشارة إلى أ ّ‬
‫إلى عموم الناس‪ ،‬أو بعبارة أخرى تطبيق تلك الكليات على المصاديق‪ ،‬على سبيل المثال قال القرآن الكريم‪َ) :‬وِإ ْ‬
‫ن‬
‫حّتى َتِفىءَ ِإَلى َأْمِر‬
‫خَرى َفَقاِتُلوا اّلِتي َتْبِغي َ‬
‫لْ‬
‫عَلى ا ُْ‬
‫حَداُهَما َ‬
‫ت ِإ ْ‬
‫ن َبَغ ْ‬
‫حوا َبْيَنُهَما َفِإ ْ‬
‫صِل ُ‬
‫ن اْقَتَتُلوا َفَأ ْ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫طاِئَفَتا ِ‬
‫َ‬
‫ن()‪.(1‬‬
‫طي َ‬
‫سِ‬
‫ب اْلُمْق ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫نا َ‬
‫طوا ِإ ّ‬
‫سُ‬
‫ل َوَأْق ِ‬
‫حوا َبْيَنُهَما ِباْلَعْد ِ‬
‫صِل ُ‬
‫ت َفَأ ْ‬
‫ن َفاَء ْ‬
‫ل َفِإ ْ‬
‫ا ِ‬
‫لمور ـ أن‬
‫ن معركة صفين أحد مصاديق هذه الية‪ ،‬ووظيفة الحكمين ـ إن كانا على الصواب وعالمين با ُ‬
‫ل شك أ ّ‬
‫لمة‬
‫ن عامة ا ُ‬
‫يقول‪ :‬لّما بايع الناس عليًا )عليه السلم( إضافة إلى نص النبي الكرم )صلى ال عليه وآله(عليه فا ّ‬
‫لمة و‬
‫والصحابة قد قبلت خلفته‪ ،‬فمن سلك غير هذا السبيل كان مصداقًا للباغي والظالم وعليه العودة إلى ا ُ‬
‫التوبة‪ ،‬فان أبى وجب على المسلمين مقاتلته حتى يرعوي عن غيه‪.‬‬
‫ومسألة التحكيم ل تشذ عن هذا المر‪ ،‬فهى ليست سوى ما يقوم به قضاة السلم‪ ،‬أي أنهم يطبقون أحكام الكتاب‬
‫والسّنة على مصاديقها ويصدرون الحكام بهذا الخصوص‪ ،‬فهل هناك من اعتراض على هذا الكلم؟ للسف لم‬
‫يدرك الخوارج الجهال هذا المطلب الواضح ولم يدعهم تعصبهم وجهلهم ليفهموا ذلك فيعوا الهدف الصلي من‬
‫الحكومة‪.‬‬

‫ن َلْم َنُك ِ‬
‫ن‬
‫حّكَم َبْيَنَنا اْلُقْرآ َ‬
‫ن ُن َ‬
‫عاَنا اْلَقْوُم ِإَلى َأ ْ‬
‫ل‪َ» :‬وَلّما َد َ‬
‫ثم خاض المام )عليه السلم( في توضيح هذا المعنى قائ ً‬
‫يء َفُرّدوُه ِإَلى ا ّ‬
‫ل‬
‫ش ْ‬
‫عُتْم ِفي َ‬
‫ن َتَناَز ْ‬
‫حاَنُه‪َ) :‬فِإ ْ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫لا ّ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى ‪َ ،‬وَقْد َقا َ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫با ّ‬
‫ن ِكَتا ِ‬
‫عْ‬
‫ي َ‬
‫ق اْلُمَتَوّل َ‬
‫اْلَفِري َ‬
‫ل()‪.«(2‬‬
‫سو ِ‬
‫َوالّر ُ‬
‫سّنِتِه; َفِإَذا‬
‫خَذ ِب ُ‬
‫ن َنْأ ُ‬
‫ل َأ ْ‬
‫سو ِ‬
‫حُكَم ِبِكَتاِبِه‪َ ،‬وَرّدهُ ِإَلى الّر ُ‬
‫ن َن ْ‬
‫ل َأ ْ‬
‫فوضح المام )عليه السلم( الية بالقول‪َ» :‬فَرّدُه ِإَلى ا ّ‬
‫ق الّنا ِ‬
‫س‬
‫حّ‬
‫ن َأ َ‬
‫حُ‬
‫عَلْيِه َوآِلِه‪َ ،‬فَن ْ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ّ‬
‫ل َ‬
‫لا ّ‬
‫سو ِ‬
‫سّنِة َر ُ‬
‫حِكَم ِب ُ‬
‫ن ُ‬
‫س ِبِه‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫ق الّنا ِ‬
‫حّ‬
‫ن َأ َ‬
‫حُ‬
‫ل‪َ ،‬فَن ْ‬
‫با ّ‬
‫ق ِفي ِكَتا ِ‬
‫صْد ِ‬
‫حِكَم ِبال ّ‬
‫ُ‬
‫لُهْم ِبَها«‪.‬‬
‫َوَأْو َ‬
‫ن تحكيم الكتاب والسّنة ل تعني سوى الرجوع إليهما‪ ،‬ولما كّنا‬
‫ومن هنا فقد أثبت المام )عليه السلم( بوضوح أ ّ‬
‫مأمورين بهذا المر‪ ،‬فليس لحد أن يعترض علينا لم قبلنا التحكيم‪ ،‬فخطأ‬
‫‪ .1‬سورة الحجرات ‪.9 /‬‬
‫‪ .2‬سورة النساء ‪.59 /‬‬

‫] ‪[ 183‬‬
‫المعترض في تصوره أننا قبلنا تحكيم الشخاص‪ ،‬والحال إننا لم نقبل سوى تحكيم كتاب ل‪.‬‬
‫وهنا سؤال يطرح نفسه‪ :‬يفهم من كلم المام )عليه السلم( هذا أّنه قبل التحكيم على ضوء رغبته ورضاه‬
‫ن التحكيم فرض على المام )عليه‬
‫ووظيفته الشرعية‪ ،‬والحال يفهم من عّدة خطب وردت في نهج البلغة أ ّ‬
‫ل هذا التناقض؟‬
‫السلم( وكان ممتعظًا من هذا المر‪ ،‬فكيف يمكن ح ّ‬
‫ن المام )عليه السلم( لم يكن مخالفًا للتحكيم قط‪ ،‬بل كان المام )عليه‬
‫لبّد من القول في الجابة عن هذا السؤال أ ّ‬
‫ن رفع المصاحف على أسنة الرماح كان خديعة ومؤامرة تهدف الحيلولة‬
‫السلم( يؤكد على أمرين‪ :‬الول‪ :‬هو أ ّ‬
‫دون انتصار جيش المام )عليه السلم( في اللحظات الخيرة من المعركة‪ ،‬وإيجاد الفرقة والختلف بين صفوف‬
‫ل فأهل الشام لم يكونوا مستعدين لقبول تحكيم القرآن الكريم‪ ،‬فلم يكونوا من أهل‬
‫عسكر المام )عليه السلم(‪ ،‬وإ ّ‬
‫الدين ول القرآن حسب تعبير المام )عليه السلم()‪.(1‬‬
‫ن المام )عليه السلم( كان معترضًا على أبي موسى الشعري كممثل له في تحكيم القرآن‪،‬‬
‫المر الخر‪ :‬هو أ ّ‬
‫وعليه فليس هنالك من تناقض بين هذه الخطبة وسائر الخطب نهج البلغة‪ ،‬والشاهد على ذلك ما فعله المام‬
‫الحسين )عليه السلم( يوم عاشوراء طبق نقل أرباب المقاتل أّنه وضع المصحف على رأسه وخاطب أهل الكوفة‪:‬‬
‫ل«)‪.(2‬‬
‫لا ِ‬
‫سو ُ‬
‫جّدي َر ُ‬
‫سّنُة َ‬
‫ل َو ُ‬
‫با ِ‬
‫ن َبيِني َوَبيَنُكم ِكتا ُ‬
‫»يـا َقوِم ِإ ّ‬
‫—–‬

‫قضية التحكيم‬
‫ن جيش معاوية حين أشرف على الهزيمة المنكرة في صفين‪ ،‬فبادر عمرو بن العاص المعروف بمكره إلى‬
‫نعلم أ ّ‬
‫توصية أهل الشام برفع المصاحف على أسنة الرماح والقول بالتسليم لحكم القرآن‪ ،‬من جانبه قال المام )عليه‬
‫ن فئة من‬
‫لأّ‬
‫ن هؤلء ل يسلمون لحكم القرآن وليس ذلك سوى خدعة بهدف منع تلك الهزيمة الحتميه‪ ،‬إ ّ‬
‫السلم(بأ ّ‬
‫جّهال عسكر المام )عليه السلم( إلى جانب‬
‫‪ .1‬كما ورد في سند هذه الخطبة‪.‬‬

‫‪ .2‬مسند المام الشهيد ‪ ،2/43‬وقد نقل هذا المر في الصل مقتل الحسين‪ ،‬للمقّرم وقد نقله عن تذكرة الخواص لبن الجوزي )مقتل‬
‫الحسين ‪.(233/‬‬

‫] ‪[ 184‬‬
‫المنافقين لم يسمعوا كلم المام )عليه السلم( وأصروا على إيقاف المعركة‪ ،‬حتى هددوا المام )عليه السلم(‬
‫بالقتل‪ ،‬فلم يكن من المام )عليه السلم( وبهدف الحيلولة دون ذلك الختلف والشقاق وبحكم الجبار إلّ أ ّ‬
‫ن‬
‫أصدر أوامره بايقاف القتال‪.‬‬
‫ثم قالوا بوجوب انتخاب فردين من العسكرين لتحكيم القرآن‪ ،‬والعجيب أن طائفة منهم بعد ذلك وقفوا بوجه المام‬
‫وهّبوا لمخالفته والعتراض عليه في قبوله للتحكيم‪ ،‬الخطأ الخر الذي بدر من الجّهال والمنافقين هو اختيارهم‬
‫حكم وفرضوه على المام )عليه السلم( وهو المر الذي أّدى إلى تلك النتكاسة‬
‫لبي موسى الشعري الجاهل ك َ‬
‫المريرة والعجيب في المر فئة بعد هذه الحادثة رفعت راية التمرد على المام )عليه السلم( معترضة على قبوله‬
‫ل()‪ ،(1‬فكان من نتائج ذلك وقوع معركة أخرى عرفت‬
‫ل ِ‬
‫حْكُم ِإ ّ‬
‫ن ال ُ‬
‫ل‪) :‬إ ِ‬
‫للتحكيم‪ ،‬في حين هذا القرآن يصّرح قائ ً‬
‫بمعركة النهروان‪ ،‬وقد رجعت طائفة منهم إلى نفسها بعد أن سمعت كلم المام )عليه السلم( فتابت إلى ال‬
‫ل فئة قليلة لم يكتب لها الدوام‪ ،‬وقد كان عمل المام )عليه السلم( واضحًا في هذا المر‬
‫سبحانه‪ ،‬ولم تبق إ ّ‬
‫للسباب التالية‪:‬‬
‫ل الخلفات العالقة بين المسلمين ليس بخفي على أحد‪ ،‬وقد أمر القرآن المسلمين صراحة‬
‫‪ 1‬ـ تحكيم القرآن في ح ّ‬
‫بالرجوع إلى كتاب ال وسّنة نبّيه )صلى ال عليه وآله( في حالة حدوث اختلف بينهم )الية ‪ 59‬من سورة النساء‬
‫التي استشهد بها المام )عليه السلم( في كلمه(‪ .‬وبناءًا على ما سبق فتحكيم القرآن واستنادًا لعقيدة كافة المسلمين‬
‫الذين للقرآن الكلمة الفصل في حل المنازعات ليست بالمر الذي يدعو إلى العتراض على المام )عليه السلم(‪،‬‬
‫لكن لم يكن من ُاولئك الجّهال إل أن يصوروا المر على أّنه نقطة ضعف في المام )عليه السلم(‪.‬‬
‫ن الذين أثاروا فتنة رفع المصاحف على أسنة الرماح لم يكن لهم من اعتقاد بحكم القرآن ول الحق‬
‫‪ 2‬ـ ل شك أ ّ‬
‫لمة والهيمنة على إمكانهاتها المادية‪،‬‬
‫والعدل‪ ،‬بل لم يكن لساسة الكفر عديمي اليمان من هّم سوى التسلط على ا ُ‬
‫وقد كشف المام )عليه السلم( اللثام منذ البداية عن كنه هذه المؤامرة‪ ،‬ولكن ما جدوى ذلك حيال الجّهال الذين‬
‫رفضوا منطق المام )عليه السلم(‪.‬‬
‫‪ .1‬سورة يوسف ‪.67 /‬‬

‫] ‪[ 185‬‬
‫‪ 3‬ـ قطعًا ليس للقرآن من دور في التحكيم من خلل نفسه‪ ،‬وإّنما يتسنى ذلك بواسطة أهل الذكر العاِلمين بالقرآن‬
‫فيجتهدون في استنباط أحكامه في كل مسألة وإبلغها إلى الناس‪ ،‬ولو حصل هذا المر في حادثة صفين لتبّين أنّ‬
‫خَرى‪ (...‬فينبغي‬
‫لْ‬
‫عَلى ا ُْ‬
‫حَداُهَما َ‬
‫ت ِإ ْ‬
‫ن َبَغ ْ‬
‫عسكر معاوية مشمولون بالية التاسعة من سورة الحجرات القائلة‪َ) :‬فِإ ْ‬
‫إدانتهم بصفتهم بغاة طغاة هّبوا للوقوف بوجه إمام المسلمين والحكومة السلمية‪.‬‬
‫ن الحكمين هما أبو موسى الشعري وعمرو بن العاص اللذان ليس لهما من علم بالقرآن‪ ،‬ونهض‬
‫والمؤسف أ ّ‬
‫ل بالقرآن وأحكامه‪ ،‬لكن حيث لم تحصل‬
‫ن ذلك ليس خلفًا فحسب‪ ،‬بل يمثل عم ً‬
‫بالمر من هو عارف بالقرآن‪ ،‬فا ّ‬
‫الشرائط اللزمة في أية مرحلة‪ ،‬وكانت النتيجة مريرة على تلك الفئة الجاهلة‪ ،‬فعمدت إلى لوم المام )عليه‬
‫ل من ذّمها لنفسها‪ ،‬فلم تعمد لصلح منظرها‪ ،‬بل اتجهت إلى كسر المرآة‪ ،‬طبعًا ل ينبغي تصور قضية‬
‫السلم( بد ً‬
‫التحكيم على أّنها ترتبط بحادثة تاريخي عابرة‪ ،‬بل هى قضية تكرر في مختلف العصور والزمنة وحتى في‬
‫عصرنا الحاضر‪ ،‬فهناك من يتستر خلف بعض المقدسات من ثم يحملوها بعض القراءات الخاطئة عن علم‬
‫وبدونه ويختارون ما يتماشى ومصالحهم اللمشورعة‪.‬‬
‫فلعمروا بن العاص وأبو موسى الشعري ـ هذان الجاهلن ـ أشباههما في كل زمان‪ ،‬وأما أكثر ما تتكرر واقعة‬
‫صفين وحمل المصاحف على السنان والتحكيم التي تتخذ لنفسها صورًا مختلفة‪ ،‬فل تتمخض سوى عن النتائج‬
‫التي تؤّدي إلى مظلومية من يسير على النهج العلوي‪.‬‬

‫—–‬
‫] ‪[ 186‬‬
‫] ‪[ 187‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ل َأ ْ‬
‫ن‬
‫ت اْلَعاِلُم; َوَلَعلّ ا ّ‬
‫ل‪َ ،‬وَيَتَثّب َ‬
‫جاِه ُ‬
‫ن اْل َ‬
‫ك ِليَتَبّي َ‬
‫ت ذِل َ‬
‫حِكيِم؟ َفِإّنَما َفَعْل ُ‬
‫ل ِفي الّت ْ‬
‫جً‬
‫ك َوَبْيَنُهْم َأ َ‬
‫ت َبْيَن َ‬
‫جَعْل َ‬
‫»َوَأّما َقْوُلُكْم‪ِ :‬لَم َ‬
‫ضَ‬
‫ل‬
‫ن َأْف َ‬
‫ي‪ِ .‬إ ّ‬
‫ل اْلَغ ّ‬
‫لّو ِ‬
‫ق‪َ ،‬وَتْنَقاَد َِ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن َتَبّي ِ‬
‫عْ‬
‫ل َ‬
‫جَ‬
‫ظاِمَها‪َ ،‬فَتْع َ‬
‫خُذ ِبَأْك َ‬
‫لُتْؤ َ‬
‫لّمِة; َو َ‬
‫ح ِفي هِذِه اْلُهْدَنِة َأْمَر هِذِه ا ُْ‬
‫صِل َ‬
‫ُي ْ‬
‫ن ُيَتاُه‬
‫جّر ِإَلْيِه َفاِئَدةً َوَزاَدُه‪َ .‬فَأْي َ‬
‫ن َ‬
‫ل َوِإ ْ‬
‫طِ‬
‫ن اْلَبا ِ‬
‫صُه َوَكَرَثُه ـ مِ َ‬
‫ن َنَق َ‬
‫ب ِإَلْيِه ـ َوِإ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ق َأ َ‬
‫حّ‬
‫ل ِباْل َ‬
‫ن اْلَعَم ُ‬
‫ن َكا َ‬
‫ل َم ْ‬
‫عْنَد ا ّ‬
‫س ِ‬
‫الّنا ِ‬
‫ن ِبِه‪،‬‬
‫ل َيْعِدُلو َ‬
‫جْوِر َ‬
‫ن ِباْل َ‬
‫عي َ‬
‫صُروَنُه‪َ ،‬وُموَز ِ‬
‫ل ُيْب ِ‬
‫ق َ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫عِ‬
‫حَياَرى َ‬
‫سيِر ِإَلى َقْوم َ‬
‫سَتِعّدوا ِلْلَم ِ‬
‫ن ُأِتيُتْم! ا ْ‬
‫ن َأْي َ‬
‫ِبُكْم! َوِم ْ‬
‫ش َناِر‬
‫شا ُ‬
‫حّ‬
‫س ُ‬
‫صُم ِإَلْيَها‪َ .‬لِبْئ َ‬
‫عّز ُيْعَت َ‬
‫ل َزَواِفَر ِ‬
‫ق ِبَها‪َ ،‬و َ‬
‫ق‪َ .‬ما َأْنُتْم ِبَوِثيَقة ُيْعَل ُ‬
‫طِري ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫ب‪ُ ،‬نُكب َ‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫عِ‬
‫جَفاة َ‬
‫ُ‬
‫عْنَد الّنَداِء [الَقاء]‪َ ،‬و َ‬
‫ل‬
‫صْدق ِ‬
‫حَراُر ِ‬
‫ل َأ ْ‬
‫جيُكْم‪َ ،‬ف َ‬
‫ت ِمْنُكْم َبْرحًا‪َ ،‬يْومًا ُأَناِديُكْم َوَيْومًا ُأَنا ِ‬
‫ف َلُكْم! َلَقْد َلِقي ُ‬
‫ب َأْنُتْم! ُأ ّ‬
‫حْر ِ‬
‫اْل َ‬
‫جاِء!«‪.‬‬
‫عْنَد الّن َ‬
‫ن ِثَقة ِ‬
‫خَوا ُ‬
‫ِإ ْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫لستم من أهل الجهاد‬
‫يتألف كلم المام )عليه السلم( في الواقع من قسمين‪ :‬الول يعالج شبهات الخوارج وأمثالهم‪ ،‬ثم يحثهم على‬
‫جهاد ظلمة الشام‪ ،‬فكلم المام )عليه السلم( في القسم الول إشارة إلى ميثاق التحكيم الذي وقع بين المام )عليه‬
‫السلم( ومعاوية )وسيأتي شرح ذلك في موضوع تأملت( وعلى ضوء العهد فقد منح الحكمان مّدة سنة لح ّ‬
‫ل‬
‫لمة دون التسرع في ذلك‪ ،‬والمعترضون الجّهال يشكلون أحيانًا على أصل التحكيم والذي أجاب عليه‬
‫اختلف ا ُ‬
‫المام )عليه السلم( في القسم السابق من الخطبة‪ ،‬وأحيانًا أخرى كانوا يشكلون على تفاصيله‪ ،‬أي مسألة المّدة‪،‬‬
‫ومن هنا رّد المام )عليه السلم( على الشكال‬
‫] ‪[ 188‬‬
‫ت)‪(1‬‬
‫ل‪َ ،‬وَيَتَثّب َ‬
‫جاِه ُ‬
‫ن اْل َ‬
‫ك ِليَتَبّي َ‬
‫ت ذِل َ‬
‫حِكيِم؟ َفِإّنَما َفَعْل ُ‬
‫ل ِفي الّت ْ‬
‫جً‬
‫ك َوَبْيَنُهْم َأ َ‬
‫ت َبْيَن َ‬
‫جَعْل َ‬
‫الخير بالقول‪َ» :‬وَأّما َقْوُلُكْم‪ِ :‬لَم َ‬
‫اْلَعاِلُم«‪.‬‬
‫ق‪،‬‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن َتَبّي ِ‬
‫عْ‬
‫ل َ‬
‫جَ‬
‫ظاِمَها)‪َ ،(3‬فَتْع َ‬
‫خُذ ِبَأْك َ‬
‫لُتْؤ َ‬
‫لّمِة; َو َ‬
‫ح ِفي هِذِه اْلُهْدَنِة)‪َ (2‬أْمَر هِذِه ا ُْ‬
‫صِل َ‬
‫ن ُي ْ‬
‫ل َأ ْ‬
‫لا ّ‬
‫ثم أضاف‪َ» :‬وَلَع ّ‬
‫ي«‪.‬‬
‫ل اْلَغ ّ‬
‫لّو ِ‬
‫َوَتْنَقاَد َِ‬
‫فقد بّين المام )عليه السلم( عّدة فوائد للجل الوارد في مسألة التحكيم‪ ،‬الولى‪ :‬أن يتريث الجّهال ويكّفوا عن‬
‫لّمة من أصحاب علي )عليه‬
‫ن يقوم القوم علماء ا ُ‬
‫شططهم وتعصبهم ويحققوا في المسألة المصيرية‪ ،‬والخرى‪ :‬أ ّ‬
‫السلم( بدراسة جوانب المسألة ويختاروا ما ينطوي على الحّد الدنى من الخسائر ويهدوا الحكمين لنتخاب‬
‫لمة بصورة كلية واجتناب‬
‫الصحيح‪ ،‬والثالثة‪ :‬التفكير خلل هذه المّدة في الطرق التي تتكّفل بإصلح أمر ا ُ‬
‫الفعال المتسرعة التي تقود إلى الضلل‪ ،‬والغريب في المر التسرع والطيش الذي مارسه الخوارج الجّهال بهذا‬

‫الشأن ليعرضوا مصير المة للخطر دون أدنى دراسة وتحقيق‪ ،‬وهذا هو ديدن الجّهال من الفراد في كل عصر‬
‫ومصر‪.‬‬
‫ظاِمَها« فهى كناية عن الحرية من أجل المطالعة واتخاذ القرار والنتخاب‪ ،‬وهى كناية‬
‫خُذ ِبَأْك َ‬
‫لُتْؤ َ‬
‫أّما العبارة‪َ » :‬‬
‫ن التسرع في القرار ضللة عادة‪.‬‬
‫ي« إشارة إلى أ ّ‬
‫ل اْلَغ ّ‬
‫لّو ِ‬
‫فصيحة وبليغة‪ .،‬والعبارة‪َ» :‬تْنَقاَد َِ‬
‫ن المراد بأول الغي رفع المصاحف على أسنة الرماح التي تعّد أول خطوة‬
‫وذهب بعض شّراح نهج البلغة إلى أ ّ‬
‫في الضلل)‪ ،(4‬ويبدو التفسير الول بقرينة الجملة التي سبقتها أنسب‪.‬‬
‫ثم خاض المام )عليه السلم( في نصحهم ووعظهم بالنقياد للحق وعدم مجابهته بالتعصب واللجاجة وملحظة‬
‫صُه َوَكَرَثُه)‪ (5‬ـ ِم َ‬
‫ن‬
‫ن َنَق َ‬
‫ب ِإَلْيِه ـ َوِإ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ق َأ َ‬
‫حّ‬
‫ل ِباْل َ‬
‫ن اْلَعَم ُ‬
‫ن َكا َ‬
‫ل َم ْ‬
‫عْنَد ا ّ‬
‫س ِ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫ضَ‬
‫ن َأْف َ‬
‫المنافع الشخصية‪ ،‬فقال‪ِ» :‬إ ّ‬
‫جّر ِإَلْيِه َفاِئَدًة َوَزاَدُه«‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ل َوِإ ْ‬
‫طِ‬
‫اْلَبا ِ‬
‫‪» .1‬يتثبت«‪ :‬من مادة »ثبت« بمعنى التحقيق‪.‬‬
‫‪» .2‬هدنة«‪ :‬من مادة »هدون« على وزن قرون بمعنى الهدوء والسكون‪ ،‬وتستعمل عادة بمعنى المصالحة بعد القتال أو وقف اطلق‬
‫النار‪.‬‬
‫‪» .3‬أكظام«‪ :‬جمع »كظم« على وزن عزم وجمع كظم على وزن قلم بمعنى مخرج الَنَفس‪.‬‬
‫لمة الخوئي ‪.8/180‬‬
‫‪ .4‬منهاج البراعة‪ ،‬للع ّ‬
‫‪» .5‬كرث«‪ :‬من مادة »كرث« بمعنى شّدة الغم‪.‬‬

‫] ‪[ 189‬‬
‫ن علمة المؤمن الحقيقي هى هذه‪ ،‬يعني ان وقف على مفترق طرق بحيث كان الحق في جانب والمنافع‬
‫الواقع إ ّ‬
‫ل فل فخر في تعصب النسان للحق‬
‫الشخصية في جانب آخر‪ ،‬ولى ظهره لمنافعه الشخصية واندفع نحو الحق‪ ،‬وإ ّ‬
‫الذي ينسجم مع حفظ مصالحه الشخصية‪ ،‬ومن هنا ذّم القرآن الكريم طائفة من اليهود التي عملت على هذا الضوء‬
‫ن ِبَبْعض َوَنْكُفُر ِبَبْعض‪ ،(1)(...‬كانت تلك الطائفة تذعن للقوانين الموافقة لميلها ورغبتها وتحقق‬
‫فقالوا‪ُ) :‬نْؤِم ُ‬
‫ن مثل هذا التفكيك ل يعني عبادة ال سبحانه‪ ،‬بل‬
‫منافعها‪ ،‬بينما تتمرد على تلك التي تتعارض ورغباتها‪ ،‬والحق إ ّ‬
‫عبادة الهوى‪ ،‬ويصدق هذا الكلم على الفراد الذين يهّبون لنصرة الباطل بدافع التعصب واللجاجة ودعم‬
‫الصدقاء والقرابة‪ ،‬وقد ورد مثل هذا الكلم عن علي )عليه السلم( في خطابه لعمرو بن العاص حيث أقسم أّنه‬
‫ل أّنه يتجاهله‪ ،‬ولم يدفعه لللتحاق بصفوف أعداء ال سبحانه سوى منافعه)‪.(2‬‬
‫يعرف الحق‪ ،‬إ ّ‬
‫ن ُأِتيُتْم)‪.«!(4‬‬
‫ن َأْي َ‬
‫ن ُيَتاُه)‪ِ (3‬بُكْم! َوِم ْ‬
‫ل‪َ» :‬فَأْي َ‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه قائ ً‬
‫آنذاك دعاهم لجهاد القوم الظالمين‪ ،‬وقد نعتهم بخمس صفات سلبية تتمثل بحيرتهم عن الحق وعدم رؤيته وقد‬
‫شجعوا على الظلم و الجور‪ ،‬ومن هنا فل يسعهم القلع عنه‪ ،‬وقد ابتعدوا عن كتاب ال وانحرفوا عن الصراط‪،‬‬
‫سيِر ِإَلى َقْوم‬
‫سَتِعّدوا ِلْلَم ِ‬
‫رغم حملهم المصاحف ووضعها على الرماح وكلمهم عن تحكيم القرآن الكريم‪» :‬ا ْ‬
‫ق«‪.‬‬
‫طِري ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫ب‪ُ ،‬نُكب)‪َ (6‬‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫عِ‬
‫جَفاة َ‬
‫ن ِبِه‪ُ ،‬‬
‫ل َيْعِدُلو َ‬
‫جْوِر َ‬
‫ن)‪ِ (5‬باْل َ‬
‫عي َ‬
‫صُروَنُه‪َ ،‬وُموَز ِ‬
‫ل ُيْب ِ‬
‫ق َ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫عِ‬
‫حَياَرى َ‬
‫َ‬
‫وهكذا أشار المام )عليه السلم( إلى إننا نمتلك خمسة أدّلة قاطعة إن أردنا قتال هؤلء وكل واحد من هذه الدلة‬
‫يكفي سببًا لقتالهم!‬
‫‪ .1‬سورة النساء ‪.150 /‬‬
‫‪ .2‬شرح نهج البلغة‪ ،‬للمرحوم التستري ‪ ;10/263‬تاريخ الطبري ‪ 4/50‬طبعة العلمي بيروت‪.‬‬

‫‪» .3‬يتاه«‪ :‬من مادة »تيه« على وزن قيد بمعنى الحيرة والضطراب‪ ،‬ويقال التيه للصحراء التي يحتار فيها النسان‪.‬‬
‫‪» .4‬اتيتم«‪ :‬من مادة »إتيان« لها معاني مختلفة وتعني هنا النخداع والتسليم للباطل‪.‬‬
‫‪» .5‬موزعين«‪ :‬من مادة »ايزاع« بمعنى التشجيع وإيجاد الرغبة في شيء وترد بمعنى اللهام والتوفيق‪ ،‬والمعنى الول هو ا لمراد‬
‫بها في هذه العبارة‪.‬‬
‫‪» .6‬نكب«‪ :‬جمع »ناكب« من مادة نكب على وزن نفى النحراف عن الشيء‪.‬‬

‫] ‪[ 190‬‬
‫فقد حادوا عن الصواب وانحرفوا عن الصراط‪ ،‬ول يكترثون للقرآن الكريم‪ ،‬اعتادوا على الظلم والجور‪ ،‬وقد‬
‫عجزت أعينهم عن رؤية الحق فأصبحوا يدورون حول ذواتهم‪.‬‬
‫ضهم لشّد الذّم واللوم‪ ،‬لعلهم يفيقون إلى‬
‫ثم لهج لسان المام )عليه السلم( بالشكوى في عباراته الخيرة وعر ّ‬
‫ش)‬
‫شا ُ‬
‫حّ‬
‫صُم ِإَلْيَها‪َ .‬لِبْئسَ ُ‬
‫عّز ُيْعَت َ‬
‫ل َزَواِفَر)‪ِ (1‬‬
‫ق ِبَها‪َ ،‬و َ‬
‫أنفسهم ويعيدون النظر في أعمالهم فقال‪َ» :‬ما َأْنُتْم ِبَوِثيَقة ُيْعَل ُ‬
‫ب َأْنُتْم!«‪.‬‬
‫حْر ِ‬
‫‪َ (2‬ناِر اْل َ‬
‫جيُكْم ‪َ ،‬ف َ‬
‫ل‬
‫ت ِمْنُكْم َبْرحًا)‪َ ،(3‬يْومًا ُأَناِديُكْم َوَيْومًا ُأَنا ِ‬
‫ف َلُكْم! َلَقْد َلِقي ُ‬
‫ثم شدد )عليه السلم( في تقريعهم فقال‪ُ» :‬أ ّ‬
‫جاِء)‪.«!(4‬‬
‫عْنَد الّن َ‬
‫ن ِثَقة ِ‬
‫خَوا ُ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫عْنَد الّنَداِء [الَقاء]‪َ ،‬و َ‬
‫صْدق ِ‬
‫حَراُر ِ‬
‫َأ ْ‬
‫فقد تطرق المام )عليه السلم(إلى حقيقة في هذه العبارات وهى إن كانت هنالك من مشكلة قد ظهرت في أمر‬
‫الجهاد وحكومته )عليه السلم( فاّنما مرد ذلك إلى عدم كفاءة جمع من صحبه‪ ،‬وذلك لّنهم كانوا يبدون الضعف‬
‫ن هناك ضرورة للصولة المقتدرة في بداية‬
‫والوهن في كل ميدان يطرقه المام )عليه السلم(‪ ،‬ومن الطبيعي أ ّ‬
‫المعركة والتي ينبغي أن تحصل من قبل الرجال الشداء والشجعان والمخلصين‪ ،‬ولم يكن من ينهض بهذا الدور‬
‫في معسكر المام )عليه السلم(‪ ،‬من جانب آخر فان القائد حين ينادي أن أحملوا! فلبّد من حركة الجميع بشكل‬
‫ل أّنهم كانوا أضعف وأوهن من ذلك‪ ،‬وإن كانت هناك من خطط حربية يطلعون عليها بصورة سرية‪،‬‬
‫منسجم‪ ،‬إ ّ‬
‫ل أّنهم لم يكونوا من حفظة السرار ويوثق بهم‪ ،‬وعليه ل يبدو من الصواب‬
‫لبّد أن يجدوا ويجتهدوا في حفظها‪ ،‬إ ّ‬
‫ن مثل هؤلء الفراد وبهذا‬
‫ل وجود مثل هؤلء الفراد‪ ،‬والعجيب في المر فا ّ‬
‫توقع حصول نصر خاطف في ظ ّ‬
‫المدى من الضعف والوهن حين يصابون بفشل‪ ،‬فهم يوعطونه إى الخارج ويحملوا المام )عليه السلم( مسؤولية‬
‫زلتهم دون أن يهموا ويفتشوا عن أسباب ذلك في أنفسهم‪ ،‬وهذه مشكلة كبرى‪.‬‬
‫—–‬
‫‪» .1‬زوافر«‪ :‬جمع »زافرة« من مادة على وزن فقر بمعنى اللم والصراخ‪ ،‬ولما كان أعوان النسان بصفتهم المواسين في اللم‬
‫والنين فقد اطلقت مفردة الزافرة على النصير وهذا هو المعنى المراد في العبارة‪.‬‬
‫‪» .2‬حشاش«‪ :‬حمع »حاش« من مادة حش على وزن شك بمعنى إيقاد النار‪ ،‬والمراد بها هنا الفراد الذين يسددون أولى الضربات‬
‫للعدو‪.‬‬
‫‪» .3‬برح«‪ :‬بفتح الباء الشّدة والغضب‪.‬‬
‫‪» .4‬نجاء«‪ :‬ونجوى الهمس في الذن والشيء الذي يقال للخرين سرًا‪.‬‬

‫] ‪[ 191‬‬

‫تأّملن‬
‫‪ 1‬ـ عهد صفين‬

‫حين استغل ظلمة الشام قضية رفع المصاحف على أسنة الرماح وخدعوا بها أهل العراق‪ ،‬ففرض الصلح على‬
‫أميرالمؤمنين علي )عليه السلم( كتب هذا العهد بين الفريقين‪:‬‬
‫عَلى َأْه ِ‬
‫ل‬
‫طالب َ‬
‫ي ِبن َأِبي َ‬
‫عَل ّ‬
‫ضي َ‬
‫ن‪ ،‬قـا ِ‬
‫سفيـا ِ‬
‫ن وَأِبي ُ‬
‫طالب)‪َ (1‬وُمعاِويُة ِب ْ‬
‫ي ِبن َأِبي َ‬
‫عَل ّ‬
‫عَليِه َ‬
‫»هـذا َما َتقـاضى َ‬
‫شام َومنْ‬
‫ل ال ّ‬
‫عَلى َأْه ِ‬
‫ن َ‬
‫سفيـا ِ‬
‫ن وَأِبي ُ‬
‫ضي ُمعاِويُة ِب ْ‬
‫ن َوقـا ِ‬
‫ن َوالِمسِلِمي َ‬
‫ن الُمؤِمِني َ‬
‫شيَعِتِه َم َ‬
‫ن ِ‬
‫ن َمَعُه ِم ْ‬
‫ن َكا َ‬
‫ق َوم ْ‬
‫الِعرا ِ‬
‫با ِ‬
‫ل‬
‫ن ِكتـا َ‬
‫ل ِإّياه وإ ّ‬
‫ل َوِكتـاِبِه َول َيجَمُع َبيَننا إ ّ‬
‫حكِم ا ِ‬
‫عْنَد ُ‬
‫ل ِ‬
‫ن َأّنا َنْنِز َ‬
‫ن َوالِمسِلِمي َ‬
‫ن الُمؤِمِني َ‬
‫شيَعِتِه َم َ‬
‫ن ِ‬
‫ن َمَعُه ِم ْ‬
‫َكا َ‬
‫ك ِفي‬
‫ن َذِل َ‬
‫ن َأ ّ‬
‫حَكما ِ‬
‫جَد ال َ‬
‫ن َو َ‬
‫ن فإ ْ‬
‫ت الُقرآ ُ‬
‫ت َما َأمـا َ‬
‫ن وُنِمي ُ‬
‫حِتِه ِإلى خـاِتَمِتِه ُنحيي َما َأحيـا الُقرآ ُ‬
‫ن َفاِت َ‬
‫سبحـاَنُه َبيَننا ِم ْ‬
‫ُ‬
‫ص«)‪.(2‬‬
‫ن العـا ِ‬
‫عمرو ِب ْ‬
‫س َو َ‬
‫ل ِبن َقْي ِ‬
‫عْبَدا ِ‬
‫ن ِ‬
‫حَكَما ِ‬
‫غيِر الُمَفّرَقِة َوال َ‬
‫سّنِة العـاِدَلِة َ‬
‫خذا ِب ّ‬
‫جداه َأ َ‬
‫ل ِإّتَبعَناُه َوإن َلْم َي ِ‬
‫با ِ‬
‫ِكَتا َ‬
‫ن المسألة‬
‫وقد نقل هذا الصلح أو العهد )أو مهما سميته( في مختلف الكتب مع اختلف طفيف‪ ،‬وكلها تشير إلى أ ّ‬
‫ن الشخاص كانوا مكّلفين باستنباط ما في‬
‫كانت مسألة تحكيم القرآن الكريم ل تحكيم الشخاص‪ ،‬وبعبارة أخرى فا ّ‬
‫القرآن بهذا الشأن وتطبيقه على مصاديقه‪ ،‬بينما اعتبرها الخوارج تحكيم للفراد في دين ال فأثاروا مختلف‬
‫الويلت والمأسي التي أفرزتها الجهل والحماقة‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ حوار المام )عليه السلم( مع الخوارج‬
‫ن أمير المؤمنين علي )عليه السلم( أرسل عبدال بن عباس إلى الخوارج وكان بمرآى منهم‬
‫روي أ ّ‬
‫ن كّتاب المام )عليه السلم( كتبوا أميرالمؤمنين إلى جانب إسمه‪ ،‬فاعترض عمرو بن العاص وقال‪ :‬لو‬
‫‪ .1‬ورد في أغلب التواريخ أ ّ‬
‫علمناك أميرًا للمؤمنين فلبد أن يكون من يعاديك أميرًا للفاسقين‪ ،‬لبّد من محو هذه الكلمة‪ ،‬فأطرق علي )عليه السلم( وذكر صلح‬
‫الحديبية فقال‪» :‬ال أكبر لقد كتبت محمد رسول ال )صلى ال عليه وآله( فاعترض الكّفار وطالبوا بمحو رسول ال‪ ،‬فلم أفعل‪ ،‬فأشار‬
‫ي النبي أن أمحوها ثم محاها بنفسه دفعًا للفتنة‪ ،‬فغضب عمرو بن العاص وقال تشبهنا بالكّفار فلن أبق في هذا المجلس ـ فقال‬
‫عل ّ‬
‫)عليه السلم(‪ :‬أسأل ال أن يطهر مجلسي من مثلك‪ ،‬ثم استمر الكلم حول كتابة لقب أمير المؤمنين حيث رأى البعض عدم محوها‬
‫وإن شهرت السيوف‪ ،‬ولكن محيت تلك الكلمة آخر المر )انظر تاريخ الطبري ‪ 4/37‬والتواريخ الخرى(‪.‬‬
‫‪ .2‬بحار النوار ‪ ;32/542‬وقد ورد هذا العهد في تاريخ الطبري ‪ 4/38‬مع بعض الختلف‪.‬‬

‫] ‪[ 192‬‬
‫ل كلها موبقة مكفرة‬
‫ومسمع ليسألهم ما الذي نقموا عليه؟ فقالوا في الجواب‪ :‬نقمنا يابن عباس على صاحبك خصا ً‬
‫تدعو إلى النار‪:‬‬
‫أّما أولها‪ :‬فاّنه محى اسمه من إمرة المؤمنين‪ ،‬ثم كتب بينه وبين معاوية فإذا لم يكن أمير المؤمنين فنحن المؤمنون‬
‫فلسنا نرضى أن يكون أميرنا‪.‬‬
‫ن كان معاويه أحق بها فأثبتاه‪ ،‬وإن كنت أولى بها‬
‫وأّما الثانية‪ :‬فاّنه شك في نفسه حين قال للحكمين‪ :‬انظر فا ّ‬
‫فأثبتاني‪ ،‬فاذا هو شك في نفسه‪ ،‬فنحن فيه أشّد شكًا‪.‬‬
‫والثالثة‪ :‬أّنه جعل الحكم إلى غيره وقد كان عندنا أحكم الناس‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬أّنه حّكم الرجال في دين ال ولم يكن ذلك إليه‪.‬‬
‫الخامسة‪ :‬أّنه قسم بيننا الكراع والسلح يوم البصرة ومنعنا النساء والذرية‪.‬‬
‫السادسة‪ :‬أّنه كان وصّيا فضّيع الوصّية‪.‬‬
‫قال ابن عباس‪ :‬قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم فأنت أحق بجوابهم‪ .‬فقال )عليه السلم(‪ :‬نعم‪ ،‬ثم قال له‪ :‬قل‬
‫لولى فقد كتبت عهد الصلح يوم الحديبية‬
‫لهم بابن عباس أترضون حكم ال ورسوله؟ فقالوا‪ :‬بلى‪ ،‬ثم قال‪ :‬أّما ا ُ‬

‫»بسم ال الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه رسول ال وأبوسفيان وسهيل بن عمرو« فقال سهيل‪ :‬إنا ل نعرف‬
‫ل‪ ،‬وثانيًا ول نقّر أّنك رسول ال‪ ،‬وثالثًا ولكّنا نحسب ذلك شرفًا لك أن تقّدم اسمك قبل‬
‫الرحمن الرحيم أو ً‬
‫ل من »بسم ال الرحمن الرحيم«‬
‫أسمائنا‪. ،‬إن كّنا أسن منك‪ ،‬فأمرني رسول ال )صلى ال عليه وآله( أن أكتب بد ً‬
‫ل من »رسول ال« »محمد بن عبدال«‪ ،‬ثم قال لي‪ :‬إّنك تدعي إلى مثلها فتجيب وأنت مكره‪،‬‬
‫»بسمك اللهم« وبد ً‬
‫وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص‪ ،‬فقال الخوارج‪ :‬هذه لك خرجت منها‪.‬‬
‫وأّما الثانية إّني شككت في نفسي حيث قلت للحكمين‪ :‬انظروا فان كان معاوية أحق بها مني فأثبتاه‪ ،‬فان ذلك لم‬
‫لل ُمِبين()‪.(1‬‬
‫ضَ‬
‫ى َأْو ِفي َ‬
‫يكن شكا مّني فقد قال القرآن‪َ) :‬وِإّنا َأْو ِإّياُكْم َلَعَلى ُهد ً‬
‫ن نبّيه على الحق‪ ،‬فقالوا‪ :‬وهذا لك‪ ،‬وأّما قولكم أّني جعلت الحكم إلى غيري وقد‬
‫ولم يكن ذلك شكًا وقد علم ال أ ّ‬
‫كنت عندكم أحكم الناس‪ ،‬فهذا رسول ال )صلى ال عليه وآله( قد جعل الحكم إلى سعد‬
‫‪ .1‬سورة سبأ ‪.24 /‬‬

‫] ‪[ 193‬‬

‫—–‬
‫‪ .1‬سورة الحزاب ‪.21 /‬‬
‫‪ .2‬سورة المائدة ‪.90 /‬‬
‫‪ .3‬الحتجاج للطبري ‪) ،1/442‬يتصرف ونقل بالمعنى( ووردت في مناقب ابن المغازلي ‪ 406/‬مع اضافة‪ ،‬وبحار النوار ‪ 33/377‬مع‬
‫اختلف‪.‬‬

‫] ‪[ 194‬‬
‫] ‪[ 195‬‬

‫الخطبة)‪126 (1‬‬

‫ن َكلم لُه)عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫عوِتب على الّتسِوَيِة ِفي الَْعطاء‬
‫لّما ُ‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫يبدو الهدف من هذه الخطبة كما يفهم من عنوانها هو جواب المام )عليه السلم( لمن أشار عليه باغداق أموال‬
‫بيت المال على الشراف وزعماء القبائل الذين يمكنهم التأثير على الحكومة‪ ،‬فيعطيهم سهمًا أكثر من غيرهم‬
‫ويميزهم بالعطاء‪ ،‬وذلك من أجل ترسيخ حكومته‪ ،‬وقد تضمنت إجابة المام )عليه السلم( الشارة إلى أمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬ليس لي قط ترسيخ دعائم حكومتي من خلل الظلم والجور والتمييز بين الناس وإعطاء حق أحد لخر‪ ،‬فل‬
‫يسعني بلوغ الحق والعدل بواسطة المعصية‪.‬‬
‫ن عاقبته جحود ُاولئك الفراد الذين أغدق عليهم‪.‬‬
‫ن من يمارس هذا الفعل فا ّ‬
‫الثاني‪ :‬أ ّ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫هذه الخطبة جزء من خطبة طويلة للمام )عليه السلم( في تقسيم بيت المال لما اعترض عليه‪ ،‬ويبدو أّنها مرتبطة بالخطبة ‪،142‬‬
‫والجزءان من خطبة واحدة‪ ،‬وقد نقلها الكثيرون ممن عاشوا قبل السيد الرضي وبعده ومنهم‪ :‬ابن قتيبة في المامة السياسة‪ ،‬وابن‬
‫شعبة في تحف العقول‪ ،‬والكليني في فروع الدين‪ ،‬والشيخ المفيد في كتاب المجالس‪ ،‬والمرحوم الشيخ الطوسي في كتاب المالي‬
‫)مصادر نهج البلغة ‪.(2/282‬‬

‫] ‪[ 196‬‬
‫] ‪[ 197‬‬

‫سَماِء‬
‫جٌم ِفي ال ّ‬
‫سِميٌر‪َ ،‬وَما َأّم َن ْ‬
‫سَمَر َ‬
‫طوُر ِبِه َما َ‬
‫ل َأ ُ‬
‫ل َ‬
‫عَلْيِه! َوا ّ‬
‫ت َ‬
‫ن ُوّلي ُ‬
‫جْوِر ِفيَم ْ‬
‫صَر ِباْل َ‬
‫ب الّن ْ‬
‫طُل َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫»َأَتْأُمُروّني َأ ْ‬
‫حّقِه َتْبِذيٌر‬
‫غْيِر َ‬
‫ل ِفي َ‬
‫طاَء اْلَما ِ‬
‫عَ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫ل َوِإ ّ‬
‫ل! َأ َ‬
‫لا ّ‬
‫ل َما ُ‬
‫ف َوِإّنَما اْلَما ُ‬
‫ت َبْيَنُهْم‪َ ،‬فَكْي َ‬
‫سّوْي ُ‬
‫ل ِلي َل َ‬
‫ن اْلَما ُ‬
‫جمًا! َلْو َكا َ‬
‫َن ْ‬
‫ضِع اْمُرٌؤ َماَلُه‬
‫ل‪َ .‬وَلْم َي َ‬
‫عْنَد ا ّ‬
‫س َوُيِهيُنُه ِ‬
‫خَرِة‪َ ،‬وُيْكِرُمُه ِفي الّنا ِ‬
‫لِ‬
‫ضُعُه ِفي ا ْ‬
‫حَبُه ِفي الّدْنَيا َوَي َ‬
‫صا ِ‬
‫ف‪َ ،‬وُهَو َيْرَفُع َ‬
‫سَرا ٌ‬
‫َوِإ ْ‬
‫ج ِإَلى‬
‫حَتا َ‬
‫ل َيْومًا َفا ْ‬
‫ت ِبِه الّنْع ُ‬
‫ن َزّل ْ‬
‫ن ِلَغْيِرِه ُودُّهْم‪َ .‬فِإ ْ‬
‫شْكَرُهْم‪َ ،‬وَكا َ‬
‫ل ُ‬
‫حَرَمُه ا ّ‬
‫ل َ‬
‫غْيِر َأْهِلِه ِإ ّ‬
‫عْنَد َ‬
‫ل ِ‬
‫حّقِه َو َ‬
‫غْيِر َ‬
‫ِفي َ‬
‫خِدين!«‪.‬‬
‫لُم َ‬
‫خِليل َوَأ َْ‬
‫شّر َ‬
‫َمُعوَنِتِهْم َف َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫المنصب والعدالة‬

‫ن جماعة من شيعة أميرالمؤمنين)عليه السلم(‬
‫أورد المرحوم الكليني في بداية نقله لهذه الخطبة عن أبي مخنف أ ّ‬
‫اقترحوا علي تقسيم أموال بيت مال المسلمين على الزعماء والشراف )في أن يعطيهم من سهمهم( لتستقر‬
‫الحكومة ومن ثّم يعود إلى التسوية في العطاء‪ ،‬فانزعج المام )عليه السلم(وأورد هذه الخطبة ليوضح لهم عدم‬
‫إمكانية الوصول إلى هدف مقّدس من خلل وسيلة ليست مقّدسة‪ ،‬فهذ المر ل ينسجم مع تعاليم السلم فقال‪:‬‬
‫عَلْيِه!«‪.‬‬
‫ت َ‬
‫ن ُوّلي ُ‬
‫جْوِر ِفيَم ْ‬
‫صَر ِباْل َ‬
‫ب الّن ْ‬
‫طُل َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫»َأَتْأُمُروّني َأ ْ‬
‫ي تثبيت هذه الحكومة بالظلم والجور؟ هذا‬
‫أو ليس الهدف من الحكومة هو بسط العدل والقسط؟ كيف تقترحون عل ّ‬
‫تناقض واضح للعيان‪ ،‬وهو أمر ل يرتضيه الحق تبارك وتعالى‪.‬‬
‫] ‪[ 198‬‬
‫جمًا!«‪.‬‬
‫سَماِء َن ْ‬
‫جٌم ِفي ال ّ‬
‫سِميٌر)‪َ ،(2‬وَما َأّم)‪َ (3‬ن ْ‬
‫سَمَر َ‬
‫طوُر)‪ِ (1‬بِه َما َ‬
‫ل َأ ُ‬
‫ل َ‬
‫ل‪َ» :‬وا ّ‬
‫ثم أضاف )عليه السلم( قائ ً‬
‫فقد بّين المام )عليه السلم( رسوخ عزمه بهذا الشأن بعبارات صريحة وقوية‪ ،‬فهو يقسم من جانب‪ ،‬ويستعمل‬
‫العبارة ل أطور من جانب آخر‪ ،‬والمراد ليس فقط ل أفعل هذا‪ ،‬بل ل أقاربه ول أحوم حوله‪ ،‬إلى جانب ذلك أشار‬
‫إلى الحركة المتواصلة والبدية للنجوم في السماء والليل والنهار في الرض‪ ،‬كناية عن مراده لو كان عمري‬
‫ت َبْيَنُهْم‪َ ،‬فَكْي َ‬
‫ف‬
‫سّوْي ُ‬
‫ل ِلي َل َ‬
‫ن اْلَما ُ‬
‫خالدًا فلست مستعدًا للمارسة مثل هذا الظلم والتمييز‪ ،‬ثم أّكد ذلك بقوله‪َ» :‬لْو َكا َ‬
‫ل!«‪.‬‬
‫لا ّ‬
‫ل َما ُ‬
‫َوِإّنَما اْلَما ُ‬
‫فالعبارة وإن بدت صعبة على الفراد الذين ليس لهم ُبعد نظر وُاولئك الذين يضحون بالحق والحقيقة من أجل‬
‫ن هذه العبارة إّنما تتفق وسّنة رسول ال )صلى ال عليه وآله( وتعاليم القرآن الكريم‬
‫ن الحق هو أ ّ‬
‫لأّ‬
‫المصلحة‪ ،‬إ ّ‬
‫والقيم السلمية العليا‪ ،‬وهذا ما سنعرض له في البحث القادم‪.‬‬
‫ل َوِإ ّ‬
‫ن‬
‫ثم أشار المام علي )عليه السلم( إلى مفاسد الظلم والجور والتقسيم غير العادل لموال بيت المال فقال‪َ» :‬أ َ‬
‫خَرِة‪َ ،‬وُيْكِرُمُه ِفي الّنا ِ‬
‫س‬
‫لِ‬
‫ضُعُه ِفي ا ْ‬
‫حَبُه ِفي الّدْنَيا َوَي َ‬
‫صا ِ‬
‫ف‪َ ،‬وُهَو َيْرَفُع َ‬
‫سَرا ٌ‬
‫حّقِه َتْبِذيٌر َوِإ ْ‬
‫غْيِر َ‬
‫ل ِفي َ‬
‫طاَء اْلَما ِ‬
‫عَ‬
‫ِإ ْ‬
‫ل«‪.‬‬
‫عْنَد ا ّ‬
‫َوُيِهيُنُه ِ‬
‫ن التبذير‬
‫ل منهما الخر تارة‪ ،‬وتارة أخرى بمعنيين‪ ،‬ل ّ‬
‫قد يكون التبذير والسراف بمعنى واحد ويرادف ك ّ‬
‫بالمعنى الواقعي يختلف عن السراف‪ ،‬فالتبذير من مادة بذر بمعنى نثر البذور وتستعمل حين يضيع النسان نعمة‬
‫ال ويطرحها جانبًا‪ ،‬وبعبارة أخرى ينفق الموال في غير موضعها‪ ،‬أّما السراف فهو المبالغة في إستهلك النعم‬
‫بحيث يخرج من حالة العتدال دون أن يضيع شيئًا ظاهريًا‪ ،‬كأن يعد طعامًا كثيرًا للغاية وفاخرًا لبضعة أفراد‪،‬‬
‫بينما يمكن‬
‫‪» .1‬أطور«‪ :‬من مادة »طور« على وزن غور بمعنى حام حول الشيء‪ ،‬والمفردة طور وجمعها أطوار وردت بمعنى نوع وحالة‬
‫وصيغة‪.‬‬
‫‪» .2‬سمير«‪ :‬من مادة »سمر« على وزن تمر حديث الليل‪ ،‬وقال البعض أن المعنى الصلي لهذه المادة هو الختلط بالنور والظلمة‪،‬‬
‫ولما كانت أحاديث الليل تتم أحيانًا في ظّل النور‪ ،‬فقد ستخدمت هذه المفردة بشأن أحاديث الليل‪ ،‬وإن اطلق السمر على بعض الفراد‬
‫ن بياض بشرتهم مشوب باللون الغامق‪.‬‬
‫فذلك ل ّ‬
‫‪» .3‬أّم«‪ :‬من مادة »أم« على ورن غم بمعنى القصد‪ ،‬والعبارة )ما أّم نجم في السماء نجمًا( كناية عن طلوع النجوم وغروبها‬
‫ن كل نجم يقصد متابعة الخر‪.‬‬
‫متتابعة‪ ،‬وكأ ّ‬

‫] ‪[ 199‬‬
‫إطعام عشرات الفراد بتلك القيمة‪ ،‬فقد أشار المام )عليه السلم( في هذا المقطع من خطبته إلى الثار المعنوية‬
‫السيئة لصرف الموال في غير مواضعها‪ ،‬حيث يمكن أن يحظى النسان في ظلهًا بمكانة معينة إلى أجل بين‬
‫الناس‪ ،‬بينما يسقط بالمرة أمام ال ويعرض نفسه لشد العقاب في يوم الجزاء‪ ،‬وأّما نعته مثل هذا العطاء بالتبذير‬
‫والسراف‪ ،‬فذلك لّنه يؤّدي إلى اشاعة التبذير والسراف في وسط المجتمع‪ ،‬فُاولئك الذين يأخذون أكثر من الحّد‬

‫اللزم‪ ،‬ل يسعهم غالبًا إفاضة جزء منه على الخرين‪ ،‬كما ل يستطيعون احتماله بأنفسهم‪ ،‬فل مناص من بروز‬
‫حالة التبذير والسراف‪.‬‬
‫ضِع اْمُرٌؤ َماَلُه‬
‫ثم إختتم المام )عليه السلم( خطبته بالشارة إلى الثار الدنيوية السيئة لذلك العمل فقال‪َ» :‬وَلْم َي َ‬
‫ج ِإَلى‬
‫حَتا َ‬
‫ل َيْومًا َفا ْ‬
‫ت ِبِه الّنْع ُ‬
‫ن َزّل ْ‬
‫ن ِلَغْيِرِه ُودُّهْم‪َ .‬فِإ ْ‬
‫شْكَرُهْم‪َ ،‬وَكا َ‬
‫ل ُ‬
‫حَرَمُه ا ّ‬
‫ل َ‬
‫غْيِر َأْهِلِه ِإ ّ‬
‫عْنَد َ‬
‫ل ِ‬
‫حّقِه َو َ‬
‫غْيِر َ‬
‫ِفي َ‬
‫خِدين)‪.«!(1‬‬
‫لُم َ‬
‫خِليل َوَأ َْ‬
‫شّر َ‬
‫َمُعوَنِتِهْم َف َ‬
‫ن ُاولئك الفراد الذين أحسن إليهم ليس فقط ل يقدمون المساعدة لمن أحسن إليهم‬
‫والعبارة ألم خدين إشارة إلى أ ّ‬
‫في يوم عوزه فحسب‪ ،‬بل تبلغ بهم الوضاعة واللؤم أن يتحولوا إلى ذاّمين‪ ،‬أّما ما فهمه بعض شّراح نهج البلغة‬
‫ن العبارة تعني اللوم والتوبيخ‪ ،‬فلعل ذلك كون الصديق هو المصداق الواضح للوضاعة حين الحاجة‪ ،‬وقد د ّ‬
‫ل‬
‫من أ ّ‬
‫التاريخ والتجارب الشخصية كرارًا ومرارًا على أن أغلب الظلمة والثرياء الذين يغدقون الموال على‬
‫أصدقائهم‪ ،‬لم يمهد أحد لهم يد العون حين ذاقوا وبال أعمالهم‪ ،‬بل نفر عنهم أقرب أصدقاؤهم القدماء‪ ،‬ولعل بيت‬
‫الشعر المعروف للشاعر المشهور حافظ الشيرازي والذي تتناقله اللسن ومضمونه »أني لم أتأثر قط بما يفعله‬
‫الجانب‪ ،‬بقدر ما أتأثر مما يفعله الصديق( إشارة إلى هذا المعنى‪.‬‬
‫—–‬

‫بحث في اسلوب تقسيم العطاء‬
‫ن المام )عليه السلم( كان شديد الحرص على تقسيم أموال بيت‬
‫يستفاد من هذه الخطبة الشريفة أ ّ‬
‫‪» .1‬خدين«‪ :‬من مادة »خدن« بمعنى الصداقة وخدن على وزن اذن بمعنى الصديق وجمع ذلك أخدان‪.‬‬

‫] ‪[ 200‬‬
‫مال المسلمين بينهم بالسوية دون أن يكون هناك أدنى امتياز لشريف على وضيع وشخصية سياسية واجتماعية‬
‫وحتى السابقين في السلم‪ ،‬بل حتى أهل الحاجة على أحد من الناس‪ ،‬وهذا ما كانت عليه الحال على عهد رسول‬
‫ال )صلى ال عليه وآله( ويبدو أّنه كان النهج الذي اعتمده الخليفة الول أيضًا‪ ،‬حتى خلفة عمر حيث إّتبع‬
‫لمور السياسية والجتماعية في تقسيم بين المال‪.‬‬
‫التمييز والخذ بنظر العتبار ا ُ‬
‫ضل السابقين على غيرهم‪،‬‬
‫قال ابن أبي الحديد‪ :‬أّما عمر فاّنه لما وّلى الخلفة فضل بعض الناس على بعض‪ ،‬فف ّ‬
‫ضل المهاجرين كافة على النصار كافة‪ ،‬وفض ّ‬
‫ل‬
‫ضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين‪ ،‬وف ّ‬
‫وف ّ‬
‫ضل الصريح على المولى‪ ،‬وقد كان أشار على أبي بكر في أّيام خلفته بذلك‪ ،‬فلم يقبل وقال‬
‫العرب على العجم‪ ،‬وف ّ‬
‫ضل آنذاك كافة قرابته وبطانته‪ ،‬فقسم بينهم‬
‫هذا خلف كتاب ال‪ ،‬ولما وّلى عثمان الخلفة بلغ التمييز قمته‪ ،‬فقد ف ّ‬
‫لمة الميني)رحمه ال( في المجلد الثامن من كتابه الغدير الصفحة )‬
‫أغلب أموال بيت المال)‪ ،(1‬وقد ذكر الع ّ‬
‫‪ (486‬عنوانًا أسماه )الفوضى في مال ال( جمع فيه الرقام الدقيقة التي روتها مختلف مصادر العاّمة بشأن هباته‬
‫ل إنسان حين يتأملها‪ ،‬فكان هذا أحد العوامل التي دعت الناس للقيام‬
‫إلى قبيلته وأعوانه‪ ،‬وهى الرقام التي تذهل ك ّ‬
‫ن رفع هذه المتياز من قبل المام )عليه السلم( كان أحد العوامل التي جعلت زعماء القبائل يتمردون‬
‫عليه‪ ،‬كما أ ّ‬
‫عليه )كما يفهم من هذه الخطبة وسائر خطب نهج البلغة()‪.(2‬‬
‫ن أصحاب المتيازات في ذلك الزمان لم يخفوا هذا المر‪ ،‬كما نقل ذلك الطبري في تاريخه‪،‬‬
‫والطريف في المر أ ّ‬
‫حيث قال رجل لبي عبدالرحمن السلمي )الذي كان معروفًا آنذاك()‪ :(3‬ناشدتك ال متى عاديت عليًا )عليه‬
‫السلم( أليس ذلك حين قسم العطاء ولم يعطك وأهلك شيئًا )وقد استغلوا بيت المال قبل ذلك(؟ قال أبو عبدالرحمن‪:‬‬
‫بلى هو كذلك‪(4).‬‬
‫‪ .1‬مّرت تفاصيل ذلك في شرحنا للخطبة الشقشقية‪.‬‬

‫‪ .2‬انظر الخطبة ‪.232‬‬
‫‪ .3‬ابو عبدالرحمن السلمي من مشاهير التابعين‪ ،‬ولم يكن من الصحابة وقال البعض كان بادىء المر من خواص أميرالمؤمنين‬
‫)عليه السلم( )الكني واللقاب(‪.‬‬
‫لمة التستري في شرحه لنهج البلغة ‪.6/491‬‬
‫ل عن الع ّ‬
‫‪ .4‬كتاب منتخب ذيل المذيل‪ ،‬ص ‪ 147‬نق ً‬

‫] ‪[ 201‬‬
‫ل حال لبّد من بحث جذور مسألة المساواة التي تأكدت على عهد رسول ال )صلى ال عليه وآله(وعلي‬
‫على ك ّ‬
‫ن الموال التي‬
‫)عليه السلم(‪ ،‬قطعًا إن ذلك يعود إلى ماهية الموال التي كانت ترد بيت المال‪ ،‬وتوضيح ذلك أ ّ‬
‫كانت ترد بيت المال تستند إلى نواحي‪:‬‬
‫ن الفارس‬
‫ن ليس هناك أي تفاوت بين المقاتلين بخصوص الغنائم الحربية‪ ،‬سوى أ ّ‬
‫الولى‪ :‬غنائم الحرب وتعلم أ ّ‬
‫كان يأخذ ضعف الراجل )بسبب التكاليف المتعلقة بالمركب‪ ،‬فهم الذين كانون يعدونه‪ ،‬إضافة إلى دور الفارس‬
‫مقارنة بدور الراجل في المعركة(‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أموال الخراج وهى الموال المتعلقة بالراضي السلمية والتي كانت تشكل أغلب بين المال على عهد‬
‫ن أراضي الخراج ملك‬
‫الخلفاء‪ ،‬فهذه الموال تتعلق بجميع المسلمين ولبّد من تقسيمها بالسوية عليهم‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫لعاّمة المسلمين وينبغي توزيعها عليهم بالسوية‪ ،‬حيث يتقسم دخل الملك المشاع بالتساوي على جميع المالكين‪،‬‬
‫ن سهم ملكية الجميع متساوي‪.‬‬
‫لّ‬
‫الثالثة‪ :‬الجزية والموال التي تجبى من غير المسلمين إزاء ما يتمتعون به من دعم وحماية من جانب الحكومة‬
‫ن مصاريف الجزية هى مصارف‬
‫السلمية إلى جانب حفظ أموالهم وأعراضهم‪ ،‬ويرى طائفه من كبار الفقهاء أ ّ‬
‫الخراج المتعلقة بجميع المسلمين‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬الزكاة التي تفرض على بعض الجناس بمقدار معين وقد تكفل القرآن الكريم ببيان مصاريفها الثمانية‪،‬‬
‫وقد قسمت بصورة عاّمة إلى الفقراء‪ ،‬والمساكين‪ ،‬حسب حاجتهم وفي موارد مصاريف الجهاد حسب الحاجات‪،‬‬
‫وعليه فالمعيار في تقسيمها الحاجة ل المساواة‪.‬‬
‫الخامسة‪ :‬الخمس وهى الموال المفروضة على كافة اليرادات بعد طرح التكاليف ومخارج السنة‪ ،‬وعلى وضوء‬
‫ن الخمس نصفان‪ ،‬نصف يتعلق بأهل الحاجة من بني هاشم‪ ،‬والنصف الخر‬
‫ما أورده القرآن الكريم والروايات فا ّ‬
‫بإمام المسلمين والذي ينفقه في حاجيات الحكومة السلمية‪.‬‬
‫السادسة‪ :‬النفال التي تشمل جميع الموال التي ليس لها ملكية خاصة كالراضي الموات والبساتين وبعض‬
‫المعادن وسواحل البحار والرضي البوار التي غادرها أصحابها وانصرفوا عنها‪ ،‬فهى الخرى جزء من أموال‬
‫الدولة وتتعلق بجميع المسلمين‪ ،‬ولكل مصدر من المصادر‬
‫] ‪[ 202‬‬
‫صل ورد في الكتب الفقهية مثل كتاب الخمس وكتاب الزكاة وكتاب الجهاد‪.‬‬
‫الست الماضية بحث مف ّ‬
‫وهنا يطرح هذا السؤال‪ :‬أي من هذه الموال الست التي ينبغي توزيعها بصورة مساوية بين المسلمين وقد عمل‬
‫بذلك رسول ال )صلى ال عليه وآله( واستمر العمل بها حتى في زمان الخليفة الول‪ ،‬وواصلها المام علي‬
‫)عليه السلم( إحياًء للسّنة بعدما إندرست على عهد الخليفة الثاني والثالث؟‬
‫ن تلك الموال هى أموال الخراج )ويحتمل إلحاق الجزية بها( والتي كانت تشكل في ذلك الزمان القسم‬
‫يبدو أ ّ‬
‫العظم من بيت المال‪ ،‬وقد كانت إلى درجة من الكثرة بحيث لم تكن هناك من أهمّية لسائر موارد بيت المال في‬
‫ن أحد البرامج الرئيسية للولة الذين يتجهون إلى مختلف المناطق جباية الخراج‪ ،‬ويستفاد هذا‬
‫مقابلها‪ ،‬ولذلك فا ّ‬
‫المعنى من أغلب الرسائل الواردة في نهج البلغة‪ ،‬ومن ذلك عهد المام )عليه السلم( إلى مالك الشتر)رضي‬
‫ال عنه( ورسالته )عليه السلم( إلى مصقلة بن هبيرة )الرسالة ‪ 53‬و ‪.(43‬‬

‫ن وزع قسم آخر من أموال بيت المال بصورة غير متساوية على أساس مصالح المسلمين‬
‫وبناءًا على ما تقدم فا ّ‬
‫والحكومة السلمية على ضوء المدارك الفقهية‪ ،‬فليس هناك من منافاة مع ما ورد في هذه الخطبة وأمثالها‪.‬‬
‫ن هناك تقسيمًا لموال بين المال على أساس مصالح المسلمين والخدمات التي يقوم بها بعض‬
‫أضف إلى ذلك فا ّ‬
‫الفراد‪ ،‬ل على أساس المصالح الشخصية كما كان يفعل ذلك معاوية‪ ،‬حيث كان يشتري زعماء القبائل بما يغدق‬
‫عليهم من أموال‪ ،‬حتى كان يغرر ببعض الفراد ضعاف اليمان من جيش المام )عليه السلم( فيغريهم بما ينفقه‬
‫عليهم من أموال كثيرة)‪ ،(1‬وهذا بحّد ذاته يمثل جناية عظمى ل يمكن تداركها والغماض عنها‪ ،‬وقد كان المام‬
‫)عليه السلم( كما ورد في هذه الخطبة يتنفر من هذا العمل‪ ،‬وقد غضب بشّدة على من اقترح عليه استمالة‬
‫الشراف وزعماء القبائل بالموال‪.‬‬
‫ن هذه مدرسة الحرار والتقياء الوفياء التي كانت وما زالت تتضاد ومدرسة سماسرة السياسة وعبدة‬
‫وبالطبع فا ّ‬
‫المناصب وأسرى الهواء‪.‬‬
‫خَرِتِه« شرج نهج‬
‫عَلى آ ِ‬
‫ب ُدنياي َ‬
‫ن ِفيِهم الماَل حّتى َتغِل َ‬
‫سَم ّ‬
‫ي ولُاق ِ‬
‫ت عل ّ‬
‫ن بالمواِل َأهَل ُثقا ِ‬
‫ل لسَتِميل ّ‬
‫‪ .1‬ورد عن معاوية أّنه قال‪» :‬وا ِ‬
‫لمة التستري ‪.6/491‬‬
‫البلغة للع ّ‬

‫] ‪[ 203‬‬

‫الخطبة)‪127 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫وفيه يبّين بعض أحكام الدين‬
‫ويكشف للخوارج الشبهة وينقض حكم الحكمين‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫خاطب المام )عليه السلم( الخوارج بهذه الخطبة‪ ،‬رغم عمومية نفع الخطبة‪ ،‬تتألف الخطبة من عّدة أقسام‪ ،‬فّند‬
‫المام )عليه السلم( في القسم الول عقيدة الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة وحكمهم بقتل عاّمة ُاّمة النبي‬
‫)صلى ال عليه وآله(‪ ،‬وذلك من خلل الدلة المحكمة‪ ،‬وأشار )عليه السلم( في القسم الثاني إلى غفلة الخوارج‬
‫وجهلهم وسلوكهم المفرط في عدوانهم‪ ،‬بينما أفرط البعض الخر منهم في موالتهم‪ ،‬فكلهما على ظللة‪ ،‬والقسم‬
‫ن شعار الخوارج‬
‫الثالث تضمن التأكيد على متابعة جميع المسلمين وعدم النفراد عنهم والتحذير من الفرقة‪ ،‬وأ ّ‬

‫هو شعار مضل وخطير‪ ،‬وأخيرًا القسم الرابع وهو إشارة إلى خطأ الحكمين‪ ،‬كما يوضح أن وظيفة الحكمين‬
‫العمل بأحكام القرآن‪ ،‬ولكّنهم ضلوا الطريق‪ ،‬وعليه فليست هنالك أية قيمة لحكمهم‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫نقل هذه الخطبة المؤرخ المعروف الطبري في حوادث سنة ‪ 37‬هـ عن أبي مخنف باختلف طفيف‪ ،‬وابن الثير في كتاب النهاية‬
‫وأشار إلى المفردة )بجر(‪) .‬مصادر نهج البلغة ‪.(2/285‬‬

‫] ‪[ 204‬‬
‫] ‪[ 205‬‬

‫القسم الول‬

‫لِلي‪،‬‬
‫ضَ‬
‫عَلْيِه َوآِلِه‪ِ ،‬ب َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ّ‬
‫حّمد َ‬
‫عاّمَة ُأّمِة ُم َ‬
‫ن َ‬
‫ظّلُلو َ‬
‫ت‪َ ،‬فِلَم ُت َ‬
‫ضَلْل ُ‬
‫ت َو َ‬
‫طْأ ُ‬
‫خَ‬
‫عُموا َأّني َأ ْ‬
‫ن َتْز ُ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ن َأَبْيُتْم ِإ ّ‬
‫»َفِإ ْ‬
‫ن َم ْ‬
‫ن‬
‫طو َ‬
‫خِل ُ‬
‫سْقِم‪َ ،‬وَت ْ‬
‫ضَع اْلُبْرِء َوال ّ‬
‫ضُعوَنَها َمَوا ِ‬
‫عَواِتِقُكْم َت َ‬
‫عَلى َ‬
‫سُيوُفُكْم َ‬
‫طِئي‪َ ،‬وُتَكّفُروَنُهْم نِبُذُنوِبي! ُ‬
‫خَ‬
‫خُذوَنُهْم ِب َ‬
‫َوَتْأ ُ‬
‫عَلْيِه‪ُ ،‬ثّم َوّرَثُه‬
‫صّلى َ‬
‫ن‪ُ ،‬ثّم َ‬
‫صَ‬
‫ح َ‬
‫ي اُْلم ْ‬
‫جَم الّزاِن َ‬
‫ل )صلى ال عليه وآله( َر َ‬
‫لا ّ‬
‫سو َ‬
‫ن َر ُ‬
‫عِلْمُتْم َأ ّ‬
‫ب‪َ .‬وَقْد َ‬
‫ن َلْم ُيْذِن ْ‬
‫ب ِبَم ْ‬
‫َأْذَن َ‬
‫حا‬
‫يِء‪َ ،‬وَنَك َ‬
‫ن اْلَف ْ‬
‫عَلْيِهَما ِم َ‬
‫سَم َ‬
‫ن‪ُ ،‬ثّم َق َ‬
‫صِ‬
‫ح َ‬
‫غْيَر اُْلم ْ‬
‫ي َ‬
‫جَلَد الّزاِن َ‬
‫ق َو َ‬
‫ساِر َ‬
‫طَع ال ّ‬
‫ث ِميَراَثُه َأْهَلُه‪َ .‬وَق َ‬
‫ل َوَوّر َ‬
‫ل اْلَقاِت َ‬
‫َأْهَلُه; َوَقَت َ‬
‫لِم‪،‬‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫ن ا ِْ‬
‫سْهَمُهْم ِم َ‬
‫ل ِفيِهْم‪َ ،‬وَلْم َيْمَنْعُهْم َ‬
‫قا ّ‬
‫ل)صلى ال عليه وآله(‪ِ ،‬بُذُنوِبِهْم‪َ ،‬وَأَقاَم حَ ّ‬
‫لا ّ‬
‫سو ُ‬
‫خَذُهْم َر ُ‬
‫ت; َفَأ َ‬
‫سِلَما ِ‬
‫اْلُم ْ‬
‫ن َأْهِلِه«‪.‬‬
‫ن َبْي ِ‬
‫سَماَءُهْم ِم ْ‬
‫ج َأ ْ‬
‫خِر ْ‬
‫َوَلْم ُي ْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫العنف الهمجي للخوارج‬
‫هذا المقطع من الخطبة ناظر إلى الرّد على شبهات الخوارج التي لحقت بهم بفعل جهلهم وتعصبهم وتقليدهم‬
‫العمى‪ ،‬فهم يعتقدون بكفر من إرتكب الكبيرة‪ ،‬والكافر يجب قتله‪ ،‬فقد صنعوا لنفسهم صغرى وكبرى وعلى‬
‫أساسهما أجازوا لنفسهم قتل أي فرد من أصحاب علي )عليه السلم( أينما وجدوهم‪ ،‬ومن هنا حمل هؤلء‬
‫الضالون المتعطشون لدماء البرياء سيوفهم على عواتقهم ليسفكوا دماء من شاءوا من البرياء في مختلف مناطق‬
‫البلد السلمية‪ ،‬فأتوا بالفعال الشنيعة التي يندى لها جبين التاريخ‪ ،‬نعم لقد ابتكروا لنفسهم صغرى وكبرى‬
‫وقالوا‪ :‬إن عليًا )عليه السلم( قبل تحكيم الفراد في مقابل القرآن‪ ،‬وعليه فقد إرتكب الذنب‪ ،‬وكل من إرتكب‬
‫الذنب فهو كافر‪ ،‬واتباع علي )عليه السلم( كذلك فهم كفرة‪ ،‬والكافر يجب قتله وقد رد المام علي )عليه السلم(‬
‫] ‪[ 206‬‬

‫بالعبارة المذكورة على خطأهم ليتم الحجة عليهم‪ ،‬فلو فرض )وفرض المحال ليس بمحال( أّنه ضل فما الذي‬
‫طْأ ُ‬
‫ت‬
‫خَ‬
‫عُموا َأّني َأ ْ‬
‫ن َتْز ُ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ن َأَبْيُتْم ِإ ّ‬
‫يدعو إلى الحكم بضللة كافة ُاّمة محمد )صلى ال عليه وآله( بضلله‪َ» :‬فِإ ْ‬
‫طِئي‪َ ،‬وُتَكّفُروَنُهْم نِبُذُنوِبي!«‪.‬‬
‫خَ‬
‫خُذوَنُهْم ِب َ‬
‫لِلي‪َ ،‬وَتْأ ُ‬
‫ضَ‬
‫عَلْيِه َوآِلِه‪ِ ،‬ب َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ّ‬
‫حّمد َ‬
‫عاّمَة ُأّمِة ُم َ‬
‫ن َ‬
‫ظّلُلو َ‬
‫ت‪َ ،‬فِلَم ُت َ‬
‫ضَلْل ُ‬
‫َو َ‬
‫ن َلْم‬
‫ب ِبَم ْ‬
‫ن َأْذَن َ‬
‫ن َم ْ‬
‫طو َ‬
‫خِل ُ‬
‫سْقِم‪َ ،‬وَت ْ‬
‫ضعَ اْلُبْرِء َوال ّ‬
‫ضُعوَنَها َمَوا ِ‬
‫عَواِتِقُكْم)‪َ (1‬ت َ‬
‫عَلى َ‬
‫سُيوُفُكْم َ‬
‫ثم واصل كلمه بالقول‪ُ » :‬‬
‫ب«‪.‬‬
‫ُيْذِن ْ‬
‫ل‪ :‬أّني‬
‫فهذا العبارات تتضمن إشارة إلى عّدة أجوبة‪ :‬الول بطلن التصور القائم على أني أحطأت وضللت‪ ،‬فأو ً‬
‫ن الحكم هو‬
‫قبلت التحكيم بفعل ضغوطكم‪ ،‬وثانيًا‪ :‬لو تّم التحكيم بصورة صحيحة لكان مطابقًا للقرآن‪ ،‬فالواقع أ ّ‬
‫القرآن‪ ،‬ومن ينهض بالتحكيم إّنما يرجع إلى القرآن ويستنبط منه حكم ال سبحانه‪ ،‬فيطبق الكليات على مصاديقها‪،‬‬
‫كما مّر ذلك في الخطب السابقة‪ ،‬وعليه فليس هنالك من عمل مخالف حكم ال حتى يؤّدي إلى الخطأ والضللة‪،‬‬
‫ثالثًا‪ :‬على فرض أّني إرتكبت خلفًا فما معنى حمل ذلك على سائر المسلمين؟ لم تكفرونهم وتريقون دماء‬
‫البرياء؟ أي قانون هذا الذي تتمسكون به؟ وبأي شرع تؤمنون؟‬
‫ثم إّتجه المام )عليه السلم( صوب خطأهم الصلي المتمثل بقولهم كل مذنب كافر‪ ،‬فرّد عليهم رّدا قاطعًا فقال‪:‬‬
‫ل اْلَقاِتلَ‬
‫عَلْيِه‪ُ ،‬ثّم َوّرَثُه َأْهَلُه; َوَقَت َ‬
‫صّلى َ‬
‫ن‪ُ ،‬ثّم َ‬
‫صَ‬
‫ح َ‬
‫ي اُْلم ْ‬
‫جَم الّزاِن َ‬
‫ل )صلى ال عليه وآله( َر َ‬
‫لا ّ‬
‫سو َ‬
‫ن َر ُ‬
‫عِلْمُتْم َأ ّ‬
‫»َوَقْد َ‬
‫ت;‬
‫سِلَما ِ‬
‫حا اْلُم ْ‬
‫يِء‪َ ،‬وَنَك َ‬
‫ن اْلَف ْ‬
‫عَلْيِهَما ِم َ‬
‫سَم َ‬
‫ن‪ُ ،‬ثّم َق َ‬
‫صِ‬
‫ح َ‬
‫غْيَر اُْلم ْ‬
‫ي َ‬
‫جَلَد الّزاِن َ‬
‫ق َو َ‬
‫ساِر َ‬
‫طَع ال ّ‬
‫ث ِميَراَثُه َأْهَلُه‪َ .‬وَق َ‬
‫َوَوّر َ‬
‫خِر ْ‬
‫ج‬
‫لِم‪َ ،‬وَلْم ُي ْ‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫ن ا ِْ‬
‫سْهَمُهْم ِم َ‬
‫ل ِفيِهْم‪َ ،‬وَلْم َيْمَنْعُهْم َ‬
‫قا ّ‬
‫حّ‬
‫ل)صلى ال عليه وآله(‪ِ ،‬بُذُنوِبِهْم‪َ ،‬وَأَقاَم َ‬
‫لا ّ‬
‫سو ُ‬
‫خَذُهْم َر ُ‬
‫َفَأ َ‬
‫ن َأْهِلِه«‪.‬‬
‫ن َبْي ِ‬
‫سَماَءُهْم ِم ْ‬
‫َأ ْ‬
‫فقد أراد المام )عليه السلم( عّدة شواهد من سّنة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( تؤكد وضوح خطأ الخوارج‪،‬‬
‫ن النبي )صلى ال عليه وآله( كان يعدم الزاني والقاتل‪ ،‬ثم يصّلي عليهما ويّورث أهلهما‪ ،‬لو كفر هؤلء‬
‫الول أ ّ‬
‫ن المسلم ل يرث الكّفار‪) ،‬هذه عقيدة‬
‫بارتكابهم الزنا وقتل النفس لما وجب توريث أهلهم لهم حسب عقيدتكم‪ ،‬ل ّ‬
‫أغلب فقهاء العاّمة(‪ ،‬كما حّد رسول ال )صلى ال عليه وآله( سائر المذنبين كالسارق‬
‫‪» .1‬عواتق«‪ :‬جمع »عاتق« قسم من الجسم يقع بين الرقبة والكتف‪.‬‬

‫] ‪[ 207‬‬
‫والزاني غير المحصن‪ ،‬فقطع يد الول وجلد الثاني‪ ،‬لكّنهم بقوا في صفوف المسلمين فأجازهم جميع الحكام‬
‫السلمية كالزواج من المسلمات وأخذهم سهمهم من بيت المال‪ ،‬والحال ل تجرى عليه أي من هذه الحكام إن‬
‫كفر بارتكاب الكبيرة‪.‬‬
‫—–‬

‫تأّملت‬
‫‪ 1‬ـ الخوارج وتكفير أهل الذنوب‬
‫ن إرتكاب الكبيرة يوجب الخروج من دين السلم‪ ،‬بناءًا على هذا‬
‫ن الخوارج يعتقدون بأ ّ‬
‫يستفاد من هذه الخطبة أ ّ‬
‫ل هؤلء الجّهال بظاهر بعض آيات‬
‫فمن إرتكب الكبيرة وكان قبل ذلك مسلمًا فهو مرتد يجب إعدامه‪ ،‬وقد استد ّ‬
‫القرآن التي لم يدركوا مفهومها‪ ،‬ومن ذلك الية الشريفة ‪ 97‬من سورة آل عمران بشأن تارك الحج والتي تقول‪:‬‬
‫ن(‪،‬‬
‫ك ُهْم اْلَكاِفُرو َ‬
‫ل َفُأْوَلِئ َ‬
‫لا ُ‬
‫حُكْم ِبَما َأنَز َ‬
‫ن لَْم َي ْ‬
‫ن(‪ ،‬والية ‪ 44‬من المائدة‪َ) :‬وَم ْ‬
‫ن اْلَعاَلِمي َ‬
‫عْ‬
‫ى َ‬
‫غِن ّ‬
‫ل َ‬
‫نا َ‬
‫ن َكَفَر َفِإ ّ‬
‫)َوَم ْ‬
‫خاِلِدي َ‬
‫ن‬
‫جَهّنَم َ‬
‫ن َلُه َناَر َ‬
‫سوَلُه َفِإ ّ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫صا َ‬
‫ن َيعْ ِ‬
‫واليه ‪ 23‬من سورة الجن التي تحدثت عن المذنبين جمعاء‪َ) :‬وَم ْ‬
‫ِفيَها َأَبد(‪.‬‬

‫فقد أطلقت هذه اليات على بعض المذنبين كلمة الكفر أحيانًا‪ ،‬وأحيانًا أخرى الخلود في جهنم الذي يختص‬
‫ن مفردة الكفر في اللغة واصطلح الشرع ل تعني على الدوام الخروج من السلم‪ ،‬بل‬
‫بالكّفار‪ ،‬وقد غفلوا عن أ ّ‬
‫الكفر درجات ومراحل‪ :‬فقد يكون بمعنى إرتكاب الذنب‪ ،‬ويكون أحيانًا أخرى بمعنى إنكار ال والعقائد الدينية‪،‬‬
‫وبعبارة أخرى الكفر بمعنى مجانبة الحق أو ستره وهو على مراحل ودرجات‪ ،‬ولكل أحكامه الخاصة‪ ،‬كما‬
‫لليمان درجات‪ ،‬لكل منها أحكامه الخاصة‪ ،‬فقد ذكر المام الصادق )عليه السلم( في الرواية المعروفة في‬
‫ن الكفر بمعنى ترك أوامر ال والعصيان‪ ،‬ثم يورد‬
‫اصول الكافي خمسة معاني للكفر الوارد في القرآن‪ ،‬أحدهما‪ :‬أ ّ‬
‫المام شواهد من القرآن الكريم على هذه المعاني الخمسة)‪.(1‬‬
‫‪ .1‬أصول الكافي ‪ ،2/389‬باب وجوه الكفر‪ ،‬ح ‪.1‬‬

‫] ‪[ 208‬‬
‫وأوضح دليل على بطلن هذه العقيدة ما أورده أمير المؤمنين علي )عليه السلم( في هذه الخطبة من كثرة عدد‬
‫المذنبين في عصر النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( والذين كان يقيم عليهم الحد‪ ،‬مع ذلك كان يجري عليهم كافة‬
‫أحكام السلم‪ ،‬حتى وإن لم يتوبوا من قبيل إقامة صلة الميت والدفن في مقابر المسلمين وأحكام الرث‪ ،‬ومن‬
‫كان حيًا بعد إقامة الحد; أجرى عليه سائر الحكام كأخذه لسهمه من بيت المال والزواج من المسلمات وأمثال‬
‫ذلك‪ ،‬هذه هى سيرة رسول ال )صلى ال عليه وآله( والتي تواصلت في العهود اللحقة حتى عصرنا الحاضر‬
‫بين جميع مسلمي العالم والتي تدل على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر بمعنى خروجه من السلم قط‪ ،‬وليس فقط‬
‫ل يراق دمه فحسب‪ ،‬بل هناك دّية على أدنى جرح يعّرض له‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ 2‬ـ جانب من جنايات الخوارج‬
‫ن أدنى مطالعة لجانب من التاريخ المظلم للخوارج تكفي لن نقف على مدى فضاعة الفئة التي وقفت بوجه أمير‬
‫إّ‬
‫لّمة‪ ،‬فليست هنالك فئة‬
‫المؤمنين علي )عليه السلم(‪ ،‬والسباب التي عاقت برامجه )عليه السلم( في النهوض با ُ‬
‫تشبه الخوارج شهدها التاريخ‪ ،‬فهى فئة متعصبة عاشت جميع التناقضات ويسفكون الدماء بكل بساطة ول‬
‫يرحمون كبيرًا ول صغيرًا حتى الجنين في بطن ُاّمه‪ ،‬كما وصفهم أمير المؤمنين )عليه السلم( في هذه الخطبة‬
‫حيث وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيريقون دم من يريدون‪ ،‬ولم يأمن أحد في منطق حكومتهم التي لم تدم طو ً‬
‫ل‬
‫لحسن الحظ‪ ،‬وكأّنهم يرون أنفسهم المالكين والناس عبيد فلهم أن يفعلوا بهم ما يشاؤون من قتل وتعذيب وتشريد‪.‬‬
‫قال ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلغة‪ :‬حين مضى الخوارج إلى النهروان أصابوا في طريقهم مسلماً‬
‫ونصرنيًا‪ ،‬فقتلوا المسلم لّنه عندهم كافر‪ ،‬إذ كان على خلف معتقدهم‪ ،‬واستوصوا بالنصراني‪ ،‬قالوا‪ :‬احفظوا‬
‫ن واصل بن عطاء )وهو من مشاهير علماء عصره( أقبل في رفقة فأحسوا بالخوارج‪،‬‬
‫ذّمة نبّيكم‪ ،‬ونحو ذلك أ ّ‬
‫ن هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني وإّياهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬شأنك‪ ،‬فخرج إليهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما‬
‫فقال واصل لهل الرفقة‪ :‬إ ّ‬
‫أنت وأصحابك؟ فقال‪ :‬قوم مشركون مستجيرون بكم‪ ،‬ليسمعوا كلم ال‪ ،‬ويفهموا حدوده‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫] ‪[ 209‬‬
‫قد أجرناكم‪ ،‬قال واصل‪ :‬فعلمونا‪ ،‬فجعلوا يعلمونهم أحكامهم‪ ،‬ويقول واصل‪ :‬قد قبلت أنا ومن معي‪ ،‬قالوا‪ :‬فمضوا‬
‫مصاحبين فقد صرتم إخواننا‪.‬‬
‫ل ُثّم َأْبِلْغُه‬
‫لَم ا ِ‬
‫سَمَع َك َ‬
‫حّتى َي ْ‬
‫جْرهُ َ‬
‫ك َفَأ ِ‬
‫جاَر َ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫شِرِكي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫حٌد ِم ْ‬
‫ن َأ َ‬
‫ن ال تعالى يقول‪َ) :‬وِإ ْ‬
‫فقال‪ :‬بل تبلغوننا مأمننا ل ّ‬
‫ن()‪.(1‬‬
‫ل َيْعَلُمو َ‬
‫ك ِبَأّنُهْم َقْوٌم َ‬
‫َمْأَمَنُه َذِل َ‬
‫فنظر بعضهم إلى بعض‪ ،‬ثم قالوا‪ :‬ذاك لكم‪ ،‬فساورا معهم بجمعهم حتى أبلغهم المأمن)‪.(2‬‬

‫ومعروفة هى قصة قتلهم صحابي النبي )صلى ال عليه وآله( المعروف‪ :‬عبدال بن خباب وقتلهم لمرأته وهى‬
‫حامل‪ ،‬وقد عرضنا لشرح ذلك سابقًا‪ ،‬وهذا غيض من فيض جرائم الخوارج‪ ،‬هذا في الوقت الذي إذا قتل أحدهم‬
‫ن الجهل والتعصب‬
‫خنزيرًا‪ ،‬واعترضوا عليه على وأن ذلك فساد في الرض وأنكروا قتل الخنزير)‪ ،(3‬يبدو أ ّ‬
‫والعجب هى العوامل الصلية لظهور هذه الفئة السّفاكة التي ل تتورع عن إرتكاب أية جريمة وجناية‪ ،‬أو ليس‬
‫جة وتوبة‬
‫جزاء هؤلء تلك الحملت المتتالية التي شنها عليهم جيش المام علي )عليه السلم( بعد إتمام الح ّ‬
‫المخدوعين منهم‪ ،‬لكي ل تبقى لهم من باقية‪ ،‬كما حدث في النهروان؟!‬
‫—–‬

‫‪ 3‬ـ الرّد على سؤال‬
‫تصدى المام )عليه السلم( في الخطبة المذكورة للرّد على الخوارج الذين يقولون بكفر من إرتكب الكبيرة‪ ،‬في‬
‫ن ذلك خلف سيرة رسول ال )صلى ال عليه وآله( في إقامته للحدود على مرتكبي الكبائر‪ ،‬وفي الموارد التي‬
‫أّ‬
‫تتطلب إعدام صاحبها من قبيل قصاص القاتل‪ ،‬فقد كان يحكم بقتلهم ويورثهم أهلهم من المسلمين‪.‬‬
‫ن المسلم ل يرث الكّفار وعليه فان إيصال إرثهم إلى وارثهم‬
‫هذا في الوقت الذي نعتقد فيه على ضوء مذهبنا بأ ّ‬
‫ل على نفي كفرهم‪ ،‬وللجابة على هذا السؤال لبّد‬
‫المسلمين ليس دلي ً‬
‫‪ .1‬سورة التوبة ‪.6 /‬‬
‫‪ .2‬سرح ابن أبي الحديد ‪ 2/279‬ـ ‪.281‬‬
‫‪ .3‬انظر نفحات الولية ‪.2/377‬‬

‫] ‪[ 210‬‬
‫ن المام )عليه السلم( أورد هذا الكلم طبق مذهب أغلب العاّمة والخوارج الذين يعتقدون بعدم إرث‬
‫من القول بأ ّ‬
‫ل على ضوء مسلمات مذهبهم‪ ،‬أّما مذهب أهل‬
‫الكافر للمسلم ول المسلم من الكافر‪ ،‬وبناءًا على هذا فقد استد ّ‬
‫البيت)عليهم السلم(الكافر ل يرث المسلم بينما يرث المسلم الكافر‪ ،‬للرواية الواردة عن أهل البيت)عليهم السلم(‪:‬‬
‫حّقِه«)‪.(1‬‬
‫عّزًا ِفي َ‬
‫ل ِ‬
‫سِلَم إ ّ‬
‫لسلَم َلم َيزد الم ُ‬
‫نا ِ‬
‫»ِإ ّ‬
‫—–‬

‫‪ .1‬وسائل الشيعة ‪.17/377‬‬

‫] ‪[ 211‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ط َيْذَهبُ‬
‫ب ُمْفِر ٌ‬
‫ح ّ‬
‫ن‪ُ :‬م ِ‬
‫صْنَفا ِ‬
‫ي ِ‬
‫ك ِف ّ‬
‫سَيْهِل ُ‬
‫ب ِبِه ِتيهَُه! َو َ‬
‫ضَر َ‬
‫ن َمَراِمَيُه‪َ ،‬و َ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫ن َرَمى ِبِه ال ّ‬
‫س‪َ ،‬وَم ْ‬
‫شَراُر الّنا ِ‬
‫»ُثّم َأْنُتْم ِ‬
‫سُ‬
‫ط‬
‫ط الَْْو َ‬
‫ل اّلنَم ُ‬
‫حا ً‬
‫ي َ‬
‫س ِف ّ‬
‫خْيُر الّنا ِ‬
‫ق‪َ ،‬و َ‬
‫حّ‬
‫غْيِر اْل َ‬
‫ض ِإَلى َ‬
‫ب ِبِه اْلُبْغ ُ‬
‫ط َيْذَه ُ‬
‫ض ُمْفِر ٌ‬
‫ق‪َ ،‬وُمْبِغ ٌ‬
‫حّ‬
‫غْيِر اْل َ‬
‫ب ِإَلى َ‬
‫ح ّ‬
‫ِبِه اْل ُ‬
‫عِة‪َ .‬وِإّياُكْم َواْلُفْرَقَة!‬
‫جَما َ‬
‫ل َمَع اْل َ‬
‫ن َيَد ا ّ‬
‫ظَم َفِإ ّ‬
‫عَ‬
‫لْ‬
‫سَواَد ا َْ‬
‫َفاْلَزُموُه‪َ ،‬واْلَزُموا ال ّ‬
‫ح َ‬
‫ت‬
‫ن َت ْ‬
‫شَعاِر َفاْقُتُلوُه‪َ ،‬وَلْو َكا َ‬
‫عا ِإَلى هَذا ال ّ‬
‫ن دَ َ‬
‫ل َم ْ‬
‫ب‪َ .‬أ َ‬
‫ن اْلَغَنِم ِللّذْئ ِ‬
‫شاّذ ِم َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‪َ ،‬كَما َأ ّ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫س ِلل ّ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫شاّذ ِم َ‬
‫ن ال ّ‬
‫َفِإ ّ‬
‫عَماَمِتي هِذِه«‪.‬‬
‫ِ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫شر الناس‬
‫طا ُ‬
‫ن‬
‫شْي َ‬
‫عَلْيِهْم ال ّ‬
‫حَوَذ َ‬
‫سَت ْ‬
‫حّقا ليس هناك من فئة في أوساط المسلمين شر من الخوارج‪ ،‬فهم مصداق الية الشريفة‪) :‬ا ْ‬
‫ن()‪.(1‬‬
‫سُرو َ‬
‫خا ِ‬
‫ن ُهْم اْل َ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ب ال ّ‬
‫حْز َ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ب ال ّ‬
‫حْز ُ‬
‫ك ِ‬
‫ل ُأْوَلِئ َ‬
‫ساُهْم ِذْكَر ا ِ‬
‫َفَأن َ‬
‫‪ .1‬سورة المجادلة ‪.19/‬‬

‫] ‪[ 212‬‬
‫سُبو َ‬
‫ن‬
‫حَ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوُهْم َي ْ‬
‫سْعُيُهْم ِفي اْل َ‬
‫ل َ‬
‫ضّ‬
‫عَمال * اّلِذينَ َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫سِري َ‬
‫خَ‬
‫لْ‬
‫ل ُنَنّبُئُكْم ِبا َْ‬
‫ل َه ْ‬
‫وهم مصداق واضح للية‪ُ) :‬ق ْ‬
‫صْنعًا()‪.(1‬‬
‫ن ُ‬
‫سُنو َ‬
‫حِ‬
‫َأّنُهْم ُي ْ‬
‫ن الفراط والتفريط شيمة الفراد الجهال‪ ،‬فمنهم من أّلهني‬
‫ثم أشار المام )عليه السلم( إلى نقطة أخرى وهى أ ّ‬
‫ق‪،‬‬
‫حّ‬
‫غْيِر اْل َ‬
‫ب ِإَلى َ‬
‫ح ّ‬
‫ب ِبِه اْل ُ‬
‫ط َيْذَه ُ‬
‫ب ُمْفِر ٌ‬
‫ح ّ‬
‫ن‪ُ :‬م ِ‬
‫صْنَفا ِ‬
‫ي ِ‬
‫ك ِف ّ‬
‫سَيْهِل ُ‬
‫ومنهم من كّفرني‪ ،‬فقال )عليه السلم(‪َ» :‬و َ‬
‫ق«‪.‬‬
‫حّ‬
‫غْيِر اْل َ‬
‫ض ِإَلى َ‬
‫ب ِبِه اْلُبْغ ُ‬
‫ط َيْذَه ُ‬
‫ض ُمْفِر ٌ‬
‫َوُمْبِغ ٌ‬
‫ن هناك من ذهب إلى عكس ذلك ـ وبدافع الجهل أيضًا ـ‬
‫فإن دفعكم جهلكم وجنايتكم لن تعتبرونني كافرًا‪ ،‬فا ّ‬
‫ن رسول ال)صلى ال عليه وآله(أخبر المام )عليه‬
‫ليقولوا بالوهيتي‪ ،‬والفئتان ضالتان‪ ،‬والطريف في المر إ ّ‬
‫ن رسول ال‬
‫السلم( منذ سنوات بهذا الفراط والتفريط تجاهه‪ ،‬فقد روى ابن عبدالمالكي في كتاب »الستيعاب« أ ّ‬
‫ك ِفي َ‬
‫ك‬
‫ل ُمناِفق‪َ ...‬وَيْهَل ُ‬
‫ضك إ ّ‬
‫ل ُمؤِمن ول ُيبِغ ُ‬
‫حّبك إ ّ‬
‫)صلى ال عليه وآله( خاطب عليًا )عليه السلم( بالقول‪» :‬ل ُي ِ‬
‫عيسى«)‪) .(2‬الحديث إشارة‬
‫ل ِفي ِ‬
‫ت َبنو ِإسرائي َ‬
‫ك َُأّمِتي َكَما افَتَرَق ْ‬
‫ق ِفي َ‬
‫ب ُمْفَتر‪َ ..‬وَتْفَتِر ُ‬
‫ط َوَكّذا ٌ‬
‫ب ُمفِر ٌ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُم ِ‬
‫جل ِ‬
‫َر ُ‬
‫ن طائفة من بني اسرائيل آمنت واعتقدت بالوهيته وطائفة لم تؤمن ورأته ابن ال والعياذ باللله(‪.‬‬
‫إلى أ ّ‬
‫وروى المرحوم السيد محسن المين في »أعيان الشيعة« عن »مسند أحمد« و»صحيح الترمذي« و»الستيعاب«‬
‫ن المعروف بين الصحابة بغض علي )عليه السلم( علمة النفاق والذي‬
‫لبن عبدالبر و»مستدرك الحاكم« أ ّ‬
‫يمييزه عن المؤمن الصادق‪.‬‬
‫ن معاوية كان يسب عليًا )عليه السلم( ويدعو الناس إلى سّبه )وعليه فمعاوية كان من‬
‫ثم أضاف والثابت تاريخيًا أ ّ‬
‫المنافقين()‪.(3‬‬
‫على كل حال فالجّهال دائمًا على الفراط والتفريط‪ ،‬الغلو أو العداوة‪.‬‬
‫سُ‬
‫ط‬
‫ط الَْْو َ‬
‫ل اّلنَم ُ‬
‫حا ً‬
‫ي َ‬
‫س ِف ّ‬
‫خْيُر الّنا ِ‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه وبالتأكيد على حفظ العتدال فقال‪َ» :‬و َ‬
‫َفاْلَزُموُه«‪.‬‬

‫‪ .1‬سورة الكهف ‪ 103 /‬ـ ‪.104‬‬
‫‪ .2‬الستيعاب ‪.3/36‬‬
‫‪ .3‬شرح نهج البلغة لمغنية ‪ ،2/247‬كما وردت في كتاب الغدير عّدة روايات من المصادر المعتبرة للعاّمة بخصوص معرفة المؤمن‬
‫ب علي )عليه السلم( والمنافق ببغضه )الغدير ‪.(3/183‬‬
‫يح ّ‬

‫] ‪[ 213‬‬
‫ق‬
‫حُ‬
‫جُع الغـاِلي َوِبِهم َيل َ‬
‫ط ِإِليِهم َير َ‬
‫ط)‪ (1‬الوس ُ‬
‫شيَعِتي اّلنم ُ‬
‫خيَر ِ‬
‫ن َ‬
‫فقد ورد عنه )عليه السلم( أّنه قال‪َ» :‬أل ِإ ّ‬
‫الّتالي«)‪.(2‬‬
‫سَواَد)‪(3‬‬
‫ثم أصدر أمرًا مهما كانت مخالفته السبب في سقوط الخوارج في وادي الضلل فقال‪َ» :‬واْلَزُموا ال ّ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫س‬
‫شاّذ)‪ِ (4‬م َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِة«‪ .‬كما بالغ في هذا التأكيد ليقول‪َ» :‬وِإّياُكْم َواْلُفْرَقَة! َفِإ ّ‬
‫جَما َ‬
‫ل َمَع اْل َ‬
‫ن َيَد ا ّ‬
‫ظَم َفِإ ّ‬
‫عَ‬
‫لْ‬
‫ا َْ‬
‫ب«‪.‬‬
‫ن اْلَغَنِم ِللّذْئ ِ‬
‫شاّذ ِم َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‪َ ،‬كَما َأ ّ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ِلل ّ‬
‫فالجماعة المؤمنة غالبًا من تنطلق في مسار الحق‪ ،‬فان ضلت طائفة منهم ذّكرتها طائفة أخرى وانقذتها من وادي‬
‫الضلل‪ ،‬أّما الفراد الشاّذون والفئات الصغيرة والمعزولة عن المجتمع السلمي فهى عرضة لنواع الخطاء‬
‫والنحرافات والشيطان غالبًا من ما يشدد من وساوسه بينهم فهم لقمة سائغة للشيطان على غرار الشاذة من الغنم‪،‬‬
‫ل ل ودعى‬
‫فتكون لقمة سائغة للذئب‪ ،‬ثم أورد في وصّيته في الخصوص تقضي بقتل كل من رفع شعار ل حكم إ ّ‬
‫شَعاِر َفاْقُتُلوُه‪َ ،‬وَلْو َكا َ‬
‫ن‬
‫عا ِإَلى هَذا ال ّ‬
‫ن َد َ‬
‫ل َم ْ‬
‫إليه الناس وإن لذ بالمام )عليه السلم( واختفى تحت عمامته‪َ» :‬أ َ‬
‫عَماَمِتي هِذِه«‪.‬‬
‫ت ِ‬
‫ح َ‬
‫َت ْ‬
‫وهكذا أصدر حكمه النهائي بشأن هذه الفئة الفاسدة والمفسدة والقاسية المتعطشة للدماء والذي ل يشكلون سوى‬
‫الخطر الجّدي على السلم والمسلمين‪ ،‬أّما ما هو مراد المام )عليه السلم( من مفردة »الشعار« التي وردت في‬
‫العبارة المذكورة فقد اختلفت فيه أقوال شّراح نهج البلغة فقيل‪ :‬المراد بالشعار التفرقة‪ ،‬قيل يعني شعار‬
‫الخوارج‪ ،‬وكان شعارهم أّنهم يحلقون وسط رؤوسهم ويبقى الشعر مستديرًا حوله كالكليل)‪ ،(5‬وقيل هو الشعار‬
‫الذي يعّد شعار الخوارج أينما حّلوا وقد إرتكبوا بواسطته ما ل يحصى من الفتن والمفاسد وأشعلوا بالنيران‬
‫المجتمع السلمي‪ ،‬والواقع قد مهدوا بهذا الشعار أسباب الفرقة‪ ،‬والقتال وسفك الدماء والفساد في‬
‫‪» .1‬النمط«‪ :‬هو الطائفة من الناس التي لها هدف واحد‪ ،‬كما تستعمل هذه المفردة أحيانًا بمعنى اُلسلوب والطريق‪.‬‬
‫‪ .2‬بحار النوار ‪.6/178‬‬
‫‪» .3‬السواد«‪ :‬تعني في الصل اللون السود‪ ،‬ولما كانت الجماعة الكثيرة والشجار المتشابكة والكثيرة تبدو سواء من بعيد فقد‬
‫وردت هذه المفردة بهذين المعنيين‪ ،‬وقد جاءت في هذه الخطبة بمعنى الجماعة‪.‬‬
‫‪» .4‬شاذ«‪ :‬من مادة »شذوذ« بمعنى القّلة والندرة ويطلق الشاذ على من يتخلف عن الجماعة وينفرد لوحده‪.‬‬
‫‪ .5‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪.8/123‬‬

‫] ‪[ 214‬‬
‫الرض‪ ،‬ومن هنا فقد حكم بالعدام على حملة هذا الشعار‪.‬‬
‫عَماَمِتي هِذِه«‪ ،‬أنسبها ما ذكرناه سابقًا‪ ،‬وهو وإن اعتصم هؤلء‬
‫ت ِ‬
‫ح َ‬
‫ن َت ْ‬
‫كما وردت عّدة تفاسير للعبارة‪َ» :‬لْو َكا َ‬
‫الفراد الفاسدين بي ولذوا بداري وكانوا تحت ثيابي‪.‬‬
‫—–‬

‫تأّملت‬
‫‪ 1‬ـ الحذر من الفراط والتفريط‬
‫من بين المسائل التي أكد عليها المام )عليه السلم( في هذه الخطبة ضللة وهلك الفئة المفرطة والمفرطة‪ ،‬وقد‬
‫ظهرت هاتان الفئتان بصورة جلية بشأن المام )عليه السلم( في أوساط المجتمع السلمي‪ ،‬الفئة التي تصّورت‬
‫المام )عليه السلم( هو ال والتي عاشت على عهده )عليه السلم( وقد تلّقت أشد العقاب من المام )عليه‬
‫السلم(‪ ،‬والفئة الخرى التي تراه ـ نعوذ بال ـ كافرًا‪ ،‬وقد عوقبت هذه الفئة أشّد العقاب أيضًا‪ ،‬فالفراط والتفريط‬
‫مذموم في كل شيء ومصدر البؤس والشقاء‪ ،‬ول يقتصر ذلك على القضايا العقائدية‪ ،‬بل يتجاوزه ليشمل الحياة‬
‫المتواضعة‪ ،‬وعادة ما يستند هذا الفراط والتفريط إلى الجهل والعصبية‪ ،‬فهناك طائفة انحرفت عن السلم‬
‫وشذت عن إتباع منهج أهل البيت)عليهم السلم(‪ ،‬فهبطت بال إلى منزلة متسافلة لتراه كالجسمانيات فصّورته‬
‫كفتى أمرد وشعر مجعد وما إلى ذلك من صفات الجسام‪ ،‬بينما رفعته فئة أخرى عن فكر البشر‪ ،‬لتقول باستحالة‬
‫معرفة ذاته لدينا‪ ،‬وأبعد من ذلك بأننا ل نعلم شيئًا من صفاته‪ ،‬وبعبارة أخرى قال بتعطيل معرفة ال‪ ،‬فئة سلكت‬
‫طريق الفراط فقالت‪ :‬بالتفويض‪ ،‬وأخرى سلكت سبيل التفريط فقالت‪ :‬بالجبر‪ ،‬أّما أئّمة الهدى)عليهم السلم(فقد‬
‫وصفوا أنفسهم بأّنهم »النمرقة الوسطى« أي الفئة المعتدلة البعيدة عن الفراط والتفريط‪ ،‬والتي ينبغي أن يعود‬
‫جُع الغـاِلي«)‪.(1‬‬
‫ق الّتالي َوإَليهـا ِيْر َ‬
‫حُ‬
‫ن الّنمَرَقُة الُوسطى ِبهـا َيْل َ‬
‫إليها المتطرفون ويلحق به المغالون‪َ» :‬نح ُ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬نهج البلغة‪ ،‬الكلمات القصار‪.109 ،‬‬

‫] ‪[ 215‬‬

‫‪ 2‬ـ يد ال مع الجماعة‬
‫ورد التأكيد في الخطبة المذكورة على مرافقة ومسايرة السواد العظم‪ ،‬أي جماعة المسلمين والبتعاد عن كافة‬
‫عِة«‪ ،‬فالجماعة السلمية كانت قوية‬
‫جَما َ‬
‫ل َمَع اْل َ‬
‫أشكال العزلة والتفرد‪ ،‬فقال )عليه السلم( صراحة‪َ» :‬يَد ا ّ‬
‫ومقتدرة ذات شوكة كما كانت متحدة ومتفقة‪ ،‬بينما عاشت الذل والهوان والضعف كلما سادها النفاق والشقاق‪،‬‬
‫فمقاطعة الجماعة السلمية وبعبارة أخرى النعزال الجتماعي يشكل أحد النحرافات والفكرية والعقائدية‪،‬‬
‫والفراد النعزاليون عادة كما يعيشون خيال العجب بالنفس فيظون أّنهم أفضل من غيرهم وعلى الخرين أن‬
‫ن‪ ،‬المر الذي‬
‫يعظموهم‪ ،‬وحيث ل يرون ذلك في الناس تشتعل في قلوبهم نيران العداوة والبغضاء وسوء الظ ّ‬
‫يجعلهم يهمون أحيانًا بالثأر وقتل البرياء والساءة إلى المثل الجتماعية‪ ،‬وأحيانًا أخرى يّدعي النبوة أو المام أو‬
‫نيابة المام لمهدي )عليه السلم( فيصبح مصدرًا لكل شقاق وفرقة ونفاق‪ ،‬ومن هنا نقف على عمق عبارة المام‬
‫ب«‪ .‬طبعًا المراد من مسايرة الجماعة بمعنى‬
‫ن اْلَغَنِم ِللّذْئ ِ‬
‫شاّذ ِم َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‪َ ،‬كَما َأ ّ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫س ِلل ّ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫شاّذ ِم َ‬
‫ن ال ّ‬
‫في قوله‪َ» :‬فِإ ّ‬
‫ل فالسلم ل يوصي بمسايرة الكثرية‬
‫الكثرية الموصوفة باليمان والقيم الخلقية والمباديء النسانية‪ ،‬وإ ّ‬
‫ى ِلقّلِة َأهِلِه«)‪ .(1‬واما الذّم الذي‬
‫ق الُهد ْ‬
‫شوا ِفي طِري ِ‬
‫حُ‬
‫سَتو ِ‬
‫الفاسدة‪ ،‬قال )عليه السلم( في موضوع آخر‪» :‬ل َت ْ‬
‫ل َ‬
‫ل‬
‫ل كان المراد بها الكثرية الفاسدة والمفسدة‪ُ) :‬ق ْ‬
‫أورده القرآن الكريم على لسان عّدة آيات بشأن الكثرية إ ّ‬
‫ن()‪.(2‬‬
‫حو َ‬
‫ب َلَعّلُكْم ُتْفِل ُ‬
‫لْلَبا ِ‬
‫ل َيا ُأوِلي ا َْ‬
‫ث َفاّتُقوا ا َ‬
‫خِبي ِ‬
‫ك َكْثَرُة اْل َ‬
‫جَب َ‬
‫عَ‬
‫ب َوَلْو َأ ْ‬
‫طّي ُ‬
‫ث َوال ّ‬
‫خِبي ُ‬
‫سَتِوي اْل َ‬
‫َي ْ‬
‫—–‬

‫‪ 3‬ـ شرار الخلق‬

‫وصف المام )عليه السلم( في هذه الخطبة الخوارج بصفتها شرار الناس‪ ،‬فهذا الكلم ليس مبالغة‪ ،‬فالحق أ ّ‬
‫ن‬
‫الخوارج شّرف فئة ظهرت في أوساط المسلمين‪ ،‬ليس فقط لتكفيرهم أشرف مؤمن‬
‫‪ .1‬نهج البلغة‪ ،‬الخطبة ‪.201‬‬
‫‪ .2‬سورة المائدة ‪.108 /‬‬

‫] ‪[ 216‬‬
‫بعد رسول ال )صلى ال عليه وآله( أي علي )عليه السلم( الذي سقى شجرة السلم بدمائه الزكية فاستقام‬
‫عودها وكثفت أغصانها‪ ،‬وليس لحملهم سيوفهم على عواتقهم وسفكهم لدماء البرياء‪ ،‬بل لّنهم أسسوا لنفسهم‬
‫بالتدريج مدرسة منحرفة من حيث العقائد‪ ،‬كما ابتعدت عن أحكام السلم والقرآن السّنة‪ ،‬ففي جانب عقائدهم‬
‫وردت عّدة أبحاث في كتب الملل والنحل تصّور مدى اختلفها وتضاربها‪ ،‬ولعل ذلك بسبب اختلف فروعهم‪ ،‬مع‬
‫ذلك فقد ذكر المؤرخ المعروف المسعودي اشتراك الخوارج في ما يلي‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ تكفير عثمان وعلي )عليه السلم( )والعياذ وبال«‬
‫‪ 2‬ـ وجوب القيام ضد المام الجائر‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ كفر من إرتكب الكبيرة )وجوب قتله(‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ أّنهم بريئون من الحكمين )أبو موسى الشعري وعمرو بن العاص(‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ كفر معاوية وأبتاعه وأتباعه‪.‬‬
‫لكّنهم يختلفون في بعض المسائل كالتوحيد والوعد والوعيد في القيامة والمامة)‪.(1‬‬
‫لّمة للخليفة سواء كان من قريش أم من غيرها‪،‬‬
‫وعّد البعض الخر من جملة عقائدهم المشتركة وجوب انتخاب ا ُ‬
‫والخرى قبولهم الخلفاء الربعة )وإن عزلوا عثمان وعلي )عليه السلم((‪ ،‬وكذلك شّدة مخالفتهم لكافة خلفاء بني‬
‫صة أّنهم يسبون بني ُامية)‪.(2‬‬
‫لمية وبني العباس‪ ،‬خا ّ‬
‫اُ‬
‫وأّما الباضية الذين ينتشرون اليوم في عمان ومراكش وليبيا والجزائر وتونس ومصر والذين يعّدون أحيانًا من‬
‫الخوارج‪ ،‬فهناك فارق كبير لعقائدهم مع عقائد الخوارج‪ ،‬وإن اشتركوا معهم في مخالفة التحكيم في صفين وعدم‬
‫اشتراط وصف القريشي في إمام المسلمين‪.‬‬
‫ولعل عقائد الباضية تشبه كثيرًا عقائد الشيعة مثل‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ صفات ال ليست زائدة على ذاته‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ استحالة رؤية ال في الخرة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ القرآن حادث ل قديم‪.‬‬
‫‪ .1‬مروج الذهب‪ ،‬طبق نقل سفينة البحار مفردة الخوارج‪.‬‬
‫‪ .2‬قاموس دهخدا‪ ،‬ذيل مفردة الخوارج‪.‬‬

‫] ‪[ 217‬‬

‫‪ 4‬ـ مرتكب الكبيرة كافر بالنعمة ل كافر ملي )يعني مثل هذا الفرد مسلم وليس خارجًا عن السلم(‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ وجوب موالة أولياء ال والبراءة من أعدائه‪.‬‬
‫ن الباضية‬
‫لأّ‬
‫ب الخليفة الول والثاني وبغض عثمان وعلي )عليه السلم( إ ّ‬
‫وروى بعض أّنهم يقولون بوجوب ح ّ‬
‫في هذا الزمان ينكرون ذلك)‪.(1‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬الملل والنحل لية ال السبحاني ‪ 5/242‬و ‪.249‬‬

‫] ‪[ 218‬‬
‫] ‪[ 219‬‬

‫القسم الثالث‬

‫عْنُه‪.‬‬
‫ق َ‬
‫لْفِتَرا ُ‬
‫عَلْيِه‪َ،‬وِإَماَتُتُه ا ِ‬
‫ع َ‬
‫جَِتما ُ‬
‫لْ‬
‫حَياُؤُه ا ِ‬
‫ن‪َ ،‬وإِ ْ‬
‫ت اْلُقْرآ ُ‬
‫ن‪َ ،‬وُيِميَتا َما َأَما َ‬
‫حَيا اْلُقْرآ ُ‬
‫حِيَيا َما َأ ْ‬
‫ن ِلُي ْ‬
‫حَكَما ِ‬
‫حّكَم اْل َ‬
‫»َفِإّنَما ُ‬
‫ن َأْمِرُكْم‪َ ،‬و َ‬
‫ل‬
‫عْ‬
‫خَتْلُتُكْم َ‬
‫ل َ‬
‫جرًا‪َ ،‬و َ‬
‫ل َأَباَلُكْم ـ ُب ْ‬
‫تـ َ‬
‫جّرُهْم ِإَلْيَنا اّتَبُعوَنا‪َ .‬فَلْم آ ِ‬
‫ن َ‬
‫ن ِإَلْيِهُم اّتَبْعَناُهْم‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫جّرَنا اْلُقْرآ ُ‬
‫ن َ‬
‫َفِإ ْ‬
‫حّ‬
‫ق‬
‫عْنُه‪َ ،‬وَتَرَكا اْل َ‬
‫ن‪َ ،‬فَتاَها َ‬
‫ل َيَتَعّدَيا اْلُقْرآ َ‬
‫ن َ‬
‫عَلْيِهَما َأ ْ‬
‫خْذَنا َ‬
‫ن‪َ ،‬أ َ‬
‫جَلْي ِ‬
‫خِتَياِر َر ُ‬
‫عَلى ا ْ‬
‫ي َمَلِئُكْم َ‬
‫جَتَمَع َرْأ ُ‬
‫عَلْيُكْم‪ِ ،‬إّنَما ا ْ‬
‫سُتُه َ‬
‫َلّب ْ‬
‫حّ‬
‫ق‬
‫ل‪َ ،‬والصّْمِد ِلْل َ‬
‫حُكوَمِة ِباْلَعْد ِ‬
‫عَلْيِهَما ـ ِفي اْل ُ‬
‫سِتْثَناُؤَنا َ‬
‫قا ْ‬
‫سَب َ‬
‫عَلْيِه‪َ .‬وَقْد َ‬
‫ضَيا َ‬
‫جْوُر َهَواُهَما َفَم َ‬
‫ن اْل َ‬
‫صَراِنِه‪َ ،‬وَكا َ‬
‫َوُهَما ُيْب ِ‬
‫حْكِمِهَما«‪.‬‬
‫جْوَر ُ‬
‫سوَء َرْأِيِهَما‪َ ،‬و َ‬
‫ـ ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫انحراف الحكمين‬
‫عاد المام )عليه السلم( في هذا القسم من الخطبة والذي يمثل آخرها إلى الدلة المنطقية ليكشف بالبراهين‬
‫القاطعة خطأ الخوارج‪.‬‬
‫ن الخوارج حين رأوا النتيجة المريرة لقضية التحكيم التي خدع فيها الماكر عمرو بن العاص أبي‬
‫توضيح ذلك أ ّ‬
‫موسى الشعري الساذج وقد حسم التحكيم لصالح معاوية‪ ،‬ارتفعت أصواتهم ليقولوا لم قبلنا التحكيم‪ ،‬ولماذا قبل‬
‫علي )عليه السلم( التحكيم‪ ،‬رغم أّنهم يعلمون‪:‬‬
‫ن التحكيم فرض على علي )عليه السلم(‪.‬‬
‫ل‪ :‬أ ّ‬
‫أو ً‬
‫ل عنه في التحكيم‪ ،‬بل كان رأيه أن يلعب‬
‫ن المام )عليه السلم( لم يكن راضيًا بأبي موسى الشعري ممث ً‬
‫ثانيًا‪ :‬أ ّ‬
‫ابن عباس ذلك الرجل العالم دور التحكيم‪ ،‬رغم ذلك أصر ُاولئك الجهال وفرضوا عليه أبي موسى الشعري‪ ،‬وقد‬
‫خاض المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة في جواب‬

‫] ‪[ 220‬‬
‫آخر على أن تحكيم الحكمين كان مشروطًا بأن يتّم على ضوء القرآن ل على أساس الهواء النفسية والعقد‬
‫حَيا‬
‫حِيَيا َما َأ ْ‬
‫ن ِلُي ْ‬
‫حَكَما ِ‬
‫حّكَم اْل َ‬
‫الشخصية‪ ،‬فلم يعمل بهذا الشرط وهذا ذنبهم ل ذنب المام )عليه السلم( فقال‪َ» :‬فِإّنَما ُ‬
‫ن«‪.‬‬
‫ت اْلُقْرآ ُ‬
‫ن‪َ ،‬وُيِميَتا َما َأَما َ‬
‫اْلُقْرآ ُ‬
‫جدير بالذكر إّنه ورد نفس هذا المطلب الذي أشار إليه المام )عليه السلم( في متن العهد الذي أشرنا إليه سابقًا‪:‬‬
‫ت«‪.‬‬
‫ت َما َأمـا َ‬
‫ن وُنِمي ُ‬
‫حِتِه ِإلى خـاِتَمِتِه ُنحيي َما َأحيـا الُقرآ ُ‬
‫ن َفاِت َ‬
‫سبحـاَنُه َبيَننا ِم ْ‬
‫ل ُ‬
‫با ِ‬
‫ن ِكتـا َ‬
‫»وإ ّ‬
‫عْنُه«‪ ،‬ووضح هذه العبارة من خلل التأكيد على‬
‫ق َ‬
‫لْفِتَرا ُ‬
‫عَلْيِه‪َ،‬وِإَماَتُتُه ا ِ‬
‫ع َ‬
‫جَِتما ُ‬
‫لْ‬
‫حَياُؤُه ا ِ‬
‫ل‪َ» :‬وِإ ْ‬
‫ثم أضاف قائ ً‬
‫جّرُهْم ِإَلْيَنا اّتَبُعوَنا«‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ن ِإَلْيِهُم اّتَبْعَناُهْم‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫جّرَنا اْلُقْرآ ُ‬
‫ن َ‬
‫مضمونها بالقول‪َ» :‬فِإ ْ‬
‫فهذا الكلم منطقي يدركه من كان له أدنى فكر وشعور‪ ،‬لكن كأن الخوارج لم يتمتعوا حتى بهذه النعمة اللهّية‪ ،‬ثم‬
‫بّين المام )عليه السلم( هذا المطلب بتعبير أوضح بحيث يبدو وكأّنه اشتاط غضبًا من جهلهم وكلمهم الذي يفتقر‬
‫جَتَمَع َرْأ ُ‬
‫ي‬
‫عَلْيُكْم‪ِ ،‬إّنَما ا ْ‬
‫سُتُه َ‬
‫ل َلّب ْ‬
‫ن أَْمِرُكْم‪َ ،‬و َ‬
‫عْ‬
‫خَتْلُتُكْم)‪َ (2‬‬
‫ل َ‬
‫جرًا)‪َ ،(1‬و َ‬
‫ل َأَباَلُكْم ـ ُب ْ‬
‫تـ َ‬
‫إلى المنطق فقال‪َ» :‬فَلْم آ ِ‬
‫ن«‪ ،‬لكّنهم فقدوا عقلهم »إيمانهم« وتركوا الحق وهم‬
‫ل َيَتَعّدَيا اْلُقْرآ َ‬
‫ن َ‬
‫عَلْيِهَما َأ ْ‬
‫خْذَنا َ‬
‫ن‪َ ،‬أ َ‬
‫جَلْي ِ‬
‫خِتَياِر َر ُ‬
‫عَلى ا ْ‬
‫َمَلِئُكْم َ‬
‫ل وقد كّنا اشترطنا عليهما قبل أن يحكما‬
‫يرونه بُام أعينهم‪ ،‬كما كان الظلم والجور ديدنهما وهواهما فاتخذوا سبي ً‬
‫جْوُر‬
‫ن اْل َ‬
‫صَراِنِه‪َ ،‬وَكا َ‬
‫ق َوُهَما ُيْب ِ‬
‫حّ‬
‫عْنُه‪َ ،‬وَتَرَكا اْل َ‬
‫بذلك الحكم الظالم أن يستندا إلى العدل ول يهمل الحق‪َ» :‬فَتاَها َ‬
‫جْوَر‬
‫سوَء)‪َ (4‬رْأِيِهَما‪َ ،‬و َ‬
‫قـ ُ‬
‫حّ‬
‫صْمِد)‪ِ (3‬لْل َ‬
‫ل‪َ ،‬وال ّ‬
‫حُكوَمِة ِباْلَعْد ِ‬
‫عَلْيِهَما ـ ِفي اْل ُ‬
‫سِتْثَناُؤَنا َ‬
‫قا ْ‬
‫سَب َ‬
‫عَلْيِه‪َ .‬وَقْد َ‬
‫ضَيا َ‬
‫َهَواُهَما َفَم َ‬
‫حْكِمِهَما«‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن زبدة الكلم المام )عليه السلم( هى‪:‬‬
‫فالواقع أ ّ‬
‫‪» .1‬بجر«‪ :‬بضم الباء الشر والمر العظيم‪ ،‬كما ورد بمعنى اتساع البطن وملها‪.‬‬
‫‪» .2‬ختلت«‪ :‬من مادة »ختل« على وزن قتل بمعنى المكر والخداع‪.‬‬
‫‪» .3‬الصمد«‪ :‬بمعنى المكان المرتفع‪ ،‬كما يرد بمعنى القصد وعدم العتماد وهذا هو المعنى المراد في العبارة‪.‬‬
‫‪» .4‬سوء«‪ :‬مفتوح مفعول سبق الذي ورد في أول العبارة ومفهوم الجملة قبل أن يبدي هؤلء الرأي الظالم والفاسد قد اشترطنا‬
‫عليهم إننا سوف لن نقبل رأيهم إن حاد عن الحق‪.‬‬

‫] ‪[ 221‬‬
‫ن انتخاب الحكمين كان على أساس ضغطكم وإصراركم على هذا المر‪ ،‬فان كان خلفًا فهو خلف منكم ل‬
‫ل‪ :‬إ ّ‬
‫أو ً‬
‫مّني‪.‬‬
‫وثانيًا‪ :‬إننا اشترطنا عليهم الحكم على ضوء اليات القرآنية‪ ،‬لكّنهم آثروا هوى أنفسهم وانحرفوا عن السبيل البّين‬
‫الذي هديناهم إليه‪ ،‬وعليه فان كان هناك من خلف فقد بدر منهما ل مّني)‪.(1‬‬
‫ولكن طبيعة الفراد الجّهال والمتعصبين حين يرتكبون مخالفة ويبتلون بسوء عواقبها شرعان ما يغرونها إلى‬
‫الخرين ويحملونها مسؤولية أخطأهم وهذا أخس الساليب‪ ،‬والحال يقتضي العقل والنصاف واليمان العتراف‬
‫بالذنب في مثل هذه الموارد والعتذار منها ومن ثم التفكير في تدراكها‪.‬‬
‫—–‬

‫تأّمل‬

‫دروس التحكيم‬
‫كثير هو الكلم بشأن قضية التحكيم وهى تنطوي على الدورس والعبر التي نقلتها التواريخ والسير ومنها‪ :‬أ ّ‬
‫ن‬
‫عمرو بن العاص اشترط على معاوية إن انتصر في معركته أن يسلمه حكومة مصر‪ ،‬وقد وفى له معاوية بهذا‬
‫الشرط وقد قّدم أكثر رشوة لعمرو بن العاص‪ ،‬ولم تمض مّدة حتى كتب معاوية لعمرو بن العاص أن إعطني‬
‫خراج مصر لهذا العام فبيت المال ل يسّد حاجات أهل الحجاز والعراق‪ ،‬فرفض عمرو ذلك من خلل شعر بعثه‬
‫لمعاوية‪ ،‬فلم يعد معاوية للحديث عن خراج مصر ـ أّما كتابه الذي ضمنه فهو‪:‬‬
‫ق ل َتعِد ِ‬
‫ل‬
‫حّ‬
‫ن ال َ‬
‫سَن َ‬
‫ن ُ‬
‫عْ‬
‫ل *** َو َ‬
‫ظي ل َتْغَف ِ‬
‫حّ‬
‫ُمعاِوى َ‬
‫ل!)‪(2‬‬
‫جنَد ِ‬
‫ن ِفي َدوَمَة ال َ‬
‫عِتي الشَعِري *** َوَما َكا َ‬
‫سى ُمخـاَد َ‬
‫َأَتن َ‬
‫صِ‬
‫ل‬
‫حساِم ِإَلى الَمف ِ‬
‫جِع ال ِ‬
‫خَر *** َكَر ْ‬
‫شَم ِ‬
‫َوَأعَليُتُه الِمنَبَر الُم َ‬
‫‪ .1‬ورد شبه هذا المعنى مع إختلف طفيف في الخطبة ‪.177‬‬
‫‪ .2‬دومة الجندل منطقة قرب تبوك انتخبت كموضع للتحكيم‪.‬‬

‫] ‪[ 222‬‬
‫جِ‬
‫ل‬
‫لر ُ‬
‫نا َ‬
‫ل ِم َ‬
‫خْلِع الّنعـا ِ‬
‫حِبِه خـاِلعًا *** َك َ‬
‫َفَأضحى ِلصـا ِ‬
‫لنُم ِ‬
‫ل‬
‫خواِتِم ِفي ا َ‬
‫ت ال َ‬
‫ك َموُروَثًة *** ُثُبو َ‬
‫َوَأثَبُتها ِفي َ‬
‫خرَد ِ‬
‫ل‬
‫طيَتِني ِزَنَة ال َ‬
‫ل *** َوَأع َ‬
‫جبا ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫ت ِلَغيِري َوز َ‬
‫َوَهب َ‬
‫سِ‬
‫ل‬
‫ج ِبال َوالُمر َ‬
‫حَت ّ‬
‫سَي ْ‬
‫خصُمنا *** َ‬
‫غدًا َ‬
‫عَلّيًا َ‬
‫ن َ‬
‫َوِإ ّ‬
‫ل)‪(1‬‬
‫حِ‬
‫ن َمْز َ‬
‫ق ِم ْ‬
‫حّ‬
‫ن ال َ‬
‫عِ‬
‫س َ‬
‫ن ُمْنج َلنا *** َفَلي َ‬
‫عَثما َ‬
‫َوَما َدُم ُ‬
‫—–‬

‫‪ .1‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪ 10/56‬بتصرف‪.‬‬

‫] ‪[ 223‬‬

‫الخطبة)‪128 (1‬‬

‫ن َكلم لُه)عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫خِبُر به عن الَملحم بالبصرة‬
‫ِفَيما ُي ْ‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫أشار المام )عليه السلم( في هذه الخطبة إلى عّدة ُامور‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ فتنة صاحب الزنج وهم جماعة من العبيد بزعامة فرد أسمى نفسه علي بن محمد العلوي وقد قاموا في زمان‬
‫خلفة المهتدي العباسي‪ ،‬وقد سفكوا الكثير من الدماء‪.‬‬
‫سرها شّراح نهج البلغة بفتنة المغول والعجيب أّنه أشار إلى أغلب صفاتهم هنا وفي‬
‫‪ 2‬ـ إشارة إلى فتنة أخرى ف ّ‬
‫القسم السابق‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ بيان المام )عليه السلم( بشأن الغيب بعد أن سأله أحد الحاضرين إّنك تعلم الغيب فتخبر عن المستقبل‪ ،‬كما‬
‫أشار إلى الفرق بين العلم الذاتي والعلم الكتسابي‪ ،‬وهو في الحقيقة تفسير لليات القرآنية التي تنفي بعضها عن‬
‫العباد علم الغيب بينما يثبته البعض الخر‪.‬‬
‫أّما المرحوم ابن ميثم فقد إختتم الخطبة في شرحه لنهج البلغة بهذه العبارة »وناظرها‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ن هذا الكلم جزء من خطبة طويلة لمام )عليه السلم( في البصرة بعد موقعة الجمل‪ ،‬وقد نقل‬
‫جاء في كتاب مصادر نهج البلغة أ ّ‬
‫المرحوم ابن ميثم البحراني في شرح نهج البلغة أجزاء منها‪ ،‬والمخاطب هو الحنف بن قيس من أشراف قومه والمعروف بحكمته‬
‫وسابقته‪ ،‬وترتبط هذه الخطبة بالخطبة رقم ‪ 110‬التي شرحت سابقًا )مصادر نهج البلغة ‪.(2/288‬‬

‫] ‪[ 224‬‬
‫بعينها« واعتبر بقية الخطبة‪ ،‬خطبة أخرى‪ ،‬وهذا ما نهجه أيضًا المرحوم الخوئي وابن أبي الحديد‪ ،‬فقد قسموا‬
‫الخطبة إلى قسمين واعتبروا كل قسم خطبة منفصلة‪ ،‬بينما اعتبرهما المرحوم مغنية في شرحه كصبحي الصالح‬
‫خطبة واحدة‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 225‬‬

‫القسم الول‬

‫خْيل‪ُ .‬يِثيُرو َ‬
‫ن‬
‫حَمُة َ‬
‫حْم َ‬
‫لَ‬
‫جم‪َ ،‬و َ‬
‫ل َقْعَقَعُة ُل ُ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫ج ٌ‬
‫ل َل َ‬
‫غَباٌر َو َ‬
‫ن َلُه ُ‬
‫ل َيُكو ُ‬
‫ش اّلِذي َ‬
‫جْي ِ‬
‫ساَر ِباْل َ‬
‫ف‪َ ،‬كَأّني ِبِه َوَقْد َ‬
‫حَن ُ‬
‫»َيا َأ ْ‬
‫ف‪ُ :‬يومئ بذلك إلى صاحب الزنج( ثّم َقال)عليه السلم(‪َ :‬وْي ٌ‬
‫ل‬
‫شِري ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ض ِبَأْقَداِمِهْم َكَأّنَها َأْقَداُم الّنَعاِم‪َ) .‬قا َ‬
‫لْر َ‬
‫ا َْ‬
‫ن َ‬
‫ل‬
‫ن ُأولِئكَ اّلِذي َ‬
‫طيِم اْلِفَيَلِة‪ِ ،‬م ْ‬
‫خَرا ِ‬
‫طيُم َك َ‬
‫خَرا ِ‬
‫سوِر‪َ ،‬و َ‬
‫حِة الّن ُ‬
‫جِن َ‬
‫حٌة َكَأ ْ‬
‫جِن َ‬
‫خَرَفِة اّلِتي َلَها َأ ْ‬
‫سَكِكُكُم اْلَعاِمَرِة‪َ ،‬والّدوِر اْلُمَز ْ‬
‫ِل ِ‬
‫ظُرَها ِبَعْيِنَها«‪.‬‬
‫جِهَها‪َ ،‬وَقاِدُرَها ِبَقْدِرَها‪َ ،‬وَنا ِ‬
‫ب الّدْنَيا ِلَو ْ‬
‫غاِئُبُهْم‪َ .‬أَنا َكا ّ‬
‫ل ُيْفَقُد َ‬
‫ب َقِتيُلُهْم‪َ ،‬و َ‬
‫ُيْنَد ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الفتنة المرعبة بالمرصاد‬
‫ف‪َ ،‬كَأّني ِبهِ‬
‫حَن ُ‬
‫خاطب المام )عليه السلم( بادىء المر الحنف بن قيس)‪ (1‬وهو من أشراف قبيلته‪ ،‬فقال‪َ» :‬يا َأ ْ‬
‫لْر َ‬
‫ض‬
‫ن ا َْ‬
‫خْيل‪ُ .‬يِثيُرو َ‬
‫حَمُة)‪َ (4‬‬
‫حْم َ‬
‫لَ‬
‫جم‪َ ،‬و َ‬
‫ل َقْعَقَعُة)‪ُ (3‬ل ُ‬
‫ب)‪َ ،(2‬و َ‬
‫ج ٌ‬
‫ل َل َ‬
‫غَباٌر َو َ‬
‫ن َلُه ُ‬
‫ل َيُكو ُ‬
‫ش اّلِذي َ‬
‫جْي ِ‬
‫ساَر ِباْل َ‬
‫َوَقْد َ‬
‫ِبَأْقَداِمِهْم َكَأّنَها َأْقَداُم الّنَعاِم)‪.«(5‬‬
‫ن رسول ال‬
‫‪ .1‬المراد بالحنف بن قيس من أشراف البصرة وأحد صحابة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( وورد في الحديث أ ّ‬
‫)صلى ال عليه وآله( سأل ال له المغفرة‪ ،‬فكان يثق بدعائه رغم أّنه رجل شريف وكريم‪ ،‬كما وجهه رسول ال )صلى ال عليه وآله(‬
‫إلى البصرة لنشر السلم‪ ،‬شهد صفين في عسكر أمير المؤمنين علي )عليه السلم( ولم يشهد الجمل بوصّية منه )عليه السلم( حيث‬
‫قال‪ :‬إن لم أشهد المعركة فلي أن أمنع عنك ستة آلف سيف فوافقه )عليه السلم(‪.‬‬
‫سفينة البحار مادة حنف وُاسد الغابة ‪ ،1/55‬وشرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪.2/249‬‬
‫‪» .2‬لجب«‪ :‬بمعنى الصياح وتطلق أحيانًا على أصوات الخيل والمقاتلين‪.‬‬
‫‪» .3‬قعقعة«‪ :‬الصوت الذي ينبعث من احتكاك الشياء اليابسة كالجام الذي ورد في الخطبة‪.‬‬
‫‪» .4‬حمحمة«‪ :‬بمعنى صوت الفرس التي ل تبلغ الصهيل المرتفع‪.‬‬
‫‪» .5‬نعام«‪ :‬حويان المعروف‪.‬‬

‫] ‪[ 226‬‬
‫ل أن القرائن الواردة في هذه العبارات وما بعدها تشير إلى‬
‫والمام )عليه السلم( لم يذكر إسمًا لزعيم الجيش‪ ،‬إ ّ‬
‫ن المراد به صاحب الزنج الذي قام في البصرة عام ‪ 255‬هـ ق وجمع حوله العبيد وقد خلق هناك فتنة عظيمة‬
‫أّ‬
‫سنعرض لتفاصيلها في البحث القادم إن شاء ال‪.‬‬
‫ل صراحة على أنّ جيش صاحب الزنج كان من المشاة‪ ،‬حيث‬
‫غَباٌر« والعبارات القادمة تد ّ‬
‫ن َلُه ُ‬
‫ل َيُكو ُ‬
‫والعبارة‪َ » :‬‬
‫لم يكن لهم من خيول ليركبوها‪ ،‬طائفة من العراة المستضعفين الذين ساءت أحوالهم فقاموا على السياد فارتكبوا‬
‫ل على أّنهم كانوا حفاة وقد اتسعت أرجلهم بسبب المشي‬
‫الجرائم الفضيعة‪ ،‬والعبارة يثيرون الرض بأقدامهم تد ّ‬
‫حفاة طيلة أعمارهم لتصبح كرجل الناقة‪ ،‬مع ذلك كانوا مخفين في السير والحركة‪ ،‬وحين وصل هنا المرحوم‬
‫ف‪ُ :‬يومئ بذلك إلى صاحب الزنج(‪.‬‬
‫شِري ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫السيد الرضي)رضي ال عنه( قال‪َ) :‬قا َ‬
‫طيُم‬
‫خَرا ِ‬
‫سوِر‪َ ،‬و َ‬
‫حِة الّن ُ‬
‫جِن َ‬
‫حٌة َكَأ ْ‬
‫جِن َ‬
‫خَرَفِة اّلِتي َلَها َأ ْ‬
‫سَكِكُكُم اْلَعاِمَرِة‪َ ،‬والّدوِر اْلُمَز ْ‬
‫ل ِل ِ‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪َ» :‬وْي ٌ‬
‫غاِئُبُهْم«‪.‬‬
‫ل ُيْفَقُد َ‬
‫ب َقِتيُلُهْم‪َ ،‬و َ‬
‫ل ُيْنَد ُ‬
‫ن َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫ن ُأولِئ َ‬
‫طيِم اْلِفَيَلِة‪ِ ،‬م ْ‬
‫خَرا ِ‬
‫َك َ‬
‫ن البصرة كانت عامرة )وإن عاش العبيد منتهى الشقاء والعسر( فقد كانت بيوتهم‬
‫والذي يستفاد من هذه العبارة أ ّ‬
‫ن كل ذلك‬
‫ل‪ ،‬وكما سيأتي فا ّ‬
‫كالقصور مزودة بالشرفات والظلل الجميلة وخراطيم المياه التي تزيدها روعة وجما ً‬

‫ل ُيْفَقُد‬
‫ب َقِتيُلُهْم‪َ ،‬و َ‬
‫ل ُيْنَد ُ‬
‫قد تحطم إثر قيام صاحب الزنج وقد ضّرج أصحاب القصور بدمائهم‪ ،‬والعبارة » َ‬
‫غاِئُبُهْم«‪.‬‬
‫َ‬
‫ن العبيد لم يكونوا ذوي زوجات وأولد‪ ،‬بل كانوا عّزابا فل نادية لهم من القرباء ليبحثوا عنهم‬
‫تشير إلى أ ّ‬
‫ويتفقدونهم ويبكون عليهم‪ ،‬وهذه هى صفات العبيد في ذلك الزمان حيث كانوا يجلبون إلى البلد السلمية وغير‬
‫صة أفريقيا‪ ،‬وخلفًا للتعاليم السلمية فقد كانوا يعاملون‬
‫السلمية بالقهر والغلبة من البلدان البعيدة خا ّ‬
‫كالحيوانات‪ ،‬فكان قيام صالحب الزنج رّد فعل تجاه المعاملة غير السلمية والنسانية‪ ،‬ثم قال آخر كلمه‪َ» :‬أَنا‬
‫ظُرَها ِبَعْيِنَها«‪.‬‬
‫جِهَها‪َ ،‬وَقاِدُرَها ِبَقْدِرَها‪َ ،‬وَنا ِ‬
‫ب)‪(1‬الّدْنَيا ِلَو ْ‬
‫َكا ّ‬
‫ن الدنيا موجود‬
‫فهذه العبارات الثلث إشارة إلى تفاهة متاع الدنيا لدى المام )عليه السلم( وكأ ّ‬
‫‪» .1‬كاب«‪ :‬من مادة »كب« على وزن خط تعني في الصل طرح الشيء على وجهه في الرض‪.‬‬

‫] ‪[ 227‬‬
‫حي شرير ل قيمة له وقد كّبه المام )عليه السلم( على وجهه وهو ينظر إليه بحقارة‪ ،‬وتشبه هذه العبارة ما ورد‬
‫ت؟‬
‫شّوْق ِ‬
‫ي َت َ‬
‫ت؟ َأْم ِإَل ّ‬
‫عّني َأِبي َتَعّرض ِ‬
‫ك َ‬
‫عن المام )عليه السلم( في قصار كلماته حيث قال‪َ» :‬يا ُدْنَيا َيا ُدْنَيا‪ِ ،‬إَلْي ِ‬
‫جَعَة ِفيَها!«)‪.(1‬‬
‫ل َر ْ‬
‫لثًا َ‬
‫ك َث َ‬
‫طّلْقُت ِ‬
‫ك‪َ ،‬قْد َ‬
‫جَة لي ِفي َ‬
‫حا َ‬
‫ل َ‬
‫غْيِري‪َ ،‬‬
‫غّري َ‬
‫ت! ُ‬
‫ك‪َ ،‬هْيَها َ‬
‫حيُن ِ‬
‫ن ِ‬
‫حا َ‬
‫لَ‬
‫َ‬
‫ولعل شقاء أهل الدنيا المتكالبين عليها إّنما يعود إلى تقييمهم الباطل للدنيا فهم يرونها بعين أخرى فيعظمونها‬
‫ويركعون لها ويضحون بالغالي والنفيس من أجلها‪ ،‬أّما ما هو الرتباط بين هذه العبارة والعبارات السابقة بشأن‬
‫ن شّراح نهج البلغة لم يخوضوا في توضيح هذا المر‪ ،‬ورّبما كان الرتباط من‬
‫أخطار صاحب الزنج‪ ،‬فيبدو أ ّ‬
‫ب الدنيا‪ ،‬فقد شّيدوا القصور واهتموا بالدور‬
‫خلل ذلك الظرف العصيب الذي أصاب أهل البصرة بسبب ح ّ‬
‫وعاشوا السراف والتبذير في حياتهم‪ ،‬في حين عانى غالبية العبيد في مدنهم ومزارعهم المّرين فسامهم الزنوج‬
‫أنواع العذاب‪.‬‬
‫—–‬

‫تأّملت‬
‫قيام صاحب الزنج‬
‫ظهر في البصرة عام ‪ 255‬هـ ق على عهد الخليفة العباسي المهتدي رجل زعم أّنه علي بن محمد ونسب نفسه‬
‫إلى المام زين العابدين وزيد بن علي)عليهما السلم( وقد دعى العبيد للقيام ضد مالكيهم ولّبوا دعوته مسرعين‬
‫بسبب صعوبة معيشتهم في الدور والمزارع في خدمة السلطين فاجتمع له مائة نفر وألف نفر‪ ،‬وقد وعدهم بعتقهم‬
‫وتسليمهم أموال مالكيهم ومزارعهم‪ ،‬وكانت الطبقية شديدة في ذلك الزمان‪ ،‬فالبعض مرفه في القصور كما أشار‬
‫إلى ذلك أمير المؤمنين علي )عليه السلم( في هذه الخطبة‪ ،‬والبعض الخر يعيش الحياة الصعبة‪ ،‬لذلك إلتحق به‬
‫جماعة من غير العبيد أيضًا‪ ،‬فاجتمع له جيش عظيم‪ ،‬لقد أشعل في قلوب العبيد والمحرومين نار‬
‫‪ .1‬نهج البلغة‪ ،‬الكلمات القصار‪ ،‬الكلمة ‪.77‬‬

‫] ‪[ 228‬‬
‫النتقام حتى أمر غلمانه بعد غلبته للثرياء بأن يضرب كل رجل منهم خمسمائة شطبة وسبي نسائهم وكان يبيع‬
‫كل واحدة منهن بدرهمين أو ثلث وملكهن العبيد‪.‬‬

‫ن صاحب الزنج قتل النساء والطفال والشيخ الفاني‬
‫قال المؤرخ المشهور المسعودي في »مروج الذهب« أ ّ‬
‫والمريض وكان يحرق أموالهم وأدواتهم ويخرب بيوتهم‪ ،‬وقد قتل في البصرة ثلثمائة ألف‪ ،‬ومن فّر إلى‬
‫الصحراء ونجى من القتل كان يأكل الكلب والقطط والفئران‪ ،‬وأحيانًا يأكلون الموات‪ ،‬إستولى على قسم عظيم‬
‫ن حركته لم تكن عابرة بل كانت‬
‫ل على أ ّ‬
‫من العراق وإيران ودام حكمه مّدة تزيد على أربع عشرة سنة )وهذا يد ّ‬
‫متجذرة في أعماق ذلك المجتمع(‪.‬‬

‫لمور‪:‬‬
‫وهنا لبّد من الشارة إلى بعض ا ُ‬
‫‪ 1‬ـ شّبه بعض الكّتاب قيام صاحب الزنج بثورة العبيد التي حدثت في ايطاليا عام ‪ 73‬قبل الميلد بزعامة‬
‫اسبارتكوس الذي جمع حول فئة عظيمة من العبيد وقد قاتل الثرياء والمرفهين وأحرز عّدة انتصارات حتى قتل‬
‫ن هناك بونًا شاسعًا بين قيامه وقيام صاحب الزنج‪ ،‬فقيام‬
‫عام ‪ 71‬قبل الميلد مع أربعين ألف من العبيد‪ ،‬لكن يبدو أ ّ‬
‫صاحب الزنج كان أوسع وأشمل وقد تمكن من تشكيل الحكومة آخر المر والتي حكمت قسمًا كبيرًا من العراق‬
‫وايران لمّدة أربع عشرة سنة‪ ،‬على كل حال فهو رجل دموي ومجرم رغم إمتلكه للحجج التي تبدو منطقية نسبيًا‬
‫من أجل قيامه وثروته‪.‬‬
‫ن صاحب الزنج أسمى نفسه علي بن محمد ومن نسل المام السجاد )عليه السلم(‪ ،‬وتلقب‬
‫‪ 2‬ـ كما ذكرنا سابقًا فا ّ‬
‫ن ذلك ل حقيقة له‪ ،‬ولم يكن هدفه سوى شرعية حركته‬
‫لأّ‬
‫بالعلوي‪ ،‬إ ّ‬
‫] ‪[ 229‬‬
‫والستفادة من مكانة آل بيت رسول ال )صلى ال عليه وآله( وأميرالمؤمنين )عليه السلم(‪ ،‬ولذلك ورد عن‬
‫ن قيام صاحب الزنج‬
‫ت«)‪ ،(1‬وكما أوردنا فا ّ‬
‫ل الَبي ِ‬
‫س ِمّنا َأه َ‬
‫ج َلي َ‬
‫ب الّزن ِ‬
‫ح َ‬
‫ن قال‪» :‬صـا ِ‬
‫المام الحسن العسكري أ ّ‬
‫كان أواخر عمر المام الحسن العسكري )عليه السلم( وتزامنًا مع الولدة المباركة لمام العصر والزمان المهدي‬
‫)عليه السلم(‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ كان ظاهر قيام صاحب الزنج وفتنته الدفاع عن العبيد والمحرومين‪ ،‬لكّنه انحرف عن هذا الهدف وتسبب في‬
‫دمار عظيم وسفك للدماء‪ ،‬حتى قال المسعودي في »مروج الذهب«)‪ (2‬أّنه قتل خمسمائة ألف من النساء‬
‫والطفال والشيوخ وهذا أقل عدد لقتله‪ ،‬وقال بعض المؤرخين أّنه دخل البصرة بعد عامين فأحرق مسجدها‬
‫الجامع وكثير من البيوت‪ ،‬وأحرق حتى المواشي وجرت الدماء في أزقة البصرة)‪.(3‬‬
‫‪ 4‬ـ رغم كل نقاط الضعف في صاحب الزنج فقد كانت فيه بعض الجوانب اليجابية ومنها خطه الجميل وضلوعه‬
‫ل على ذوقه الشعري ومن أشعاره‪:‬‬
‫بعلم النحو النجوم وقد نقلت عنه بعض الشعار التي تد ّ‬
‫ل عاص‬
‫حَوْتُه ُم ّ‬
‫صور ِببغدا *** َد َوَما َقْد َ‬
‫عَلى ُق ُ‬
‫سي َ‬
‫ف َنف ِ‬
‫َلْه َ‬
‫حراص‬
‫صي ِ‬
‫عَلى الَمعـا ِ‬
‫جال َ‬
‫جهرًا *** َوِر َ‬
‫ب َ‬
‫ك ُتشَر ُ‬
‫خُمور ُهنا َ‬
‫َو ُ‬
‫ك الِعرا ِ‬
‫ص‬
‫ل ِتل َ‬
‫حْو َ‬
‫ل َ‬
‫خي َ‬
‫ل ال َ‬
‫جِ‬
‫ن َلم *** َأ ُ‬
‫طِم الُغّر إ ْ‬
‫ت ِباِبن الَفوا ِ‬
‫َلس ُ‬
‫لقِتصاِد *** َقُثوعًا ِبِه ِذّلًة ِفي الِعباِد)‪(4‬‬
‫عَلى ا ِ‬
‫ت الُمقـاَم َ‬
‫َرَأي ُ‬
‫ومن الشعر المنسوب إليه‪:‬‬
‫سُفو ِ‬
‫ك‬
‫ن ِليوِم ُ‬
‫ضي َ‬
‫ح أسياَفنا *** إذا َما اْنَت َ‬
‫َوِإّنا َلُتصِب ُ‬
‫ك)‪(5‬‬
‫س الُمُلو ِ‬
‫ن رؤو ِ‬
‫ف *** َوَأغَمادُه ّ‬
‫لُك ِ‬
‫نا َ‬
‫طو ُ‬
‫ن ُب ُ‬
‫َمَناِبُرُه ّ‬
‫فهذان البيتان يكشفان بوضوح عن روحيته وأهدافه‪.‬‬

‫—–‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.63/197‬‬
‫‪ .2‬مروج الذهب ‪.4/120‬‬
‫‪ .3‬الكنى واللقاب ‪.2/402‬‬
‫‪ .4‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪.8/128‬‬
‫‪ .5‬المصدر السابق‪.‬‬

‫] ‪[ 230‬‬
‫] ‪[ 231‬‬

‫القسم الثاني‬

‫منه في وصف التراك‬

‫ق‪.‬‬
‫ل اْلِعَتا َ‬
‫خْي َ‬
‫ن اْل َ‬
‫ج‪َ ،‬وَيْعَتِقُبو َ‬
‫سَرقَ َوالّديَبا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫سو َ‬
‫طّرَقُة«‪َ ،‬يْلَب ُ‬
‫ن اْلُم َ‬
‫جا ّ‬
‫جوَهُهُم اَْلم َ‬
‫ن ُو ُ‬
‫»َكَأّني َأَراُهْم َقْومًا »َكَأ ّ‬
‫سوِر!«‪.‬‬
‫ن اْلَمْأ ُ‬
‫ل ِم َ‬
‫ت َأَق ّ‬
‫ن اْلُمْفِل ُ‬
‫ل‪َ ،‬وَيُكو َ‬
‫عَلى اْلَمْقُتو ِ‬
‫ح َ‬
‫جُرو ُ‬
‫ي اَْلم ْ‬
‫شَ‬
‫حّتى َيْم ِ‬
‫حَراُر َقْتل َ‬
‫سِت ْ‬
‫كا ْ‬
‫ن ُهَنا َ‬
‫َوَيُكو ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫نبوءة أخرى‬
‫خاض المام )عليه السلم( في هذا القسم من الخطبة في نبوءة عجيبة أخرى طبقها المرحوم السيد الرضي‬
‫وتقريبًا كافة شّراح نهج البلغة على المغول وحملتهم الوحشية الهّدامة‪ ،‬ومن هنا قال المرحوم السيد الرضي‪:‬‬
‫القسم الخر من الخطبة في وصف التراك )المغول(‪.‬‬
‫طّرَقُة)‪.«(2‬‬
‫ن)‪ (1‬اْلُم َ‬
‫جا ّ‬
‫جوَهُهُم اَْلم َ‬
‫ن ُو ُ‬
‫فقد قال المام )عليه السلم(‪َ» :‬كَأّني َأَراُهْم َقْومًا »َكَأ ّ‬
‫وردت المفردة »كأّني« في عّدة موارد من نبوءات أميرالمؤمنين علي )عليه السلم(‪ ،‬والمفردة أراهم إشارة إلى‬
‫الشهود الباطني والبصيرة التي كانت ترى الحوادث المستقبلية عبر القرون فيخبر عنها بصورة دقيقة‪ ،‬وتشبيه‬
‫ن وجوههم كانت عريضة وكبيرة ووصفها‬
‫وجوههم بالدروع ل ّ‬

‫‪» .1‬المجان«‪ :‬جمع »مجن« ومجنة الترس‪.‬‬
‫‪» .2‬المطرقة«‪ :‬من مادة »طرق« على وزن برق بمعنى دق الشيء بالمطرقة أو مطلق الدق‪ ،‬وعليه فالمطرقة الشيء الذي د ّ‬
‫ق‬
‫بالمطرقة‪.‬‬

‫] ‪[ 232‬‬
‫ن أغلب وجوههم كانت تشبه بالضبط موضع المطرقة على صفيحة الترس‪ ،‬ثم‬
‫بالمطرقة يمكن أن يكون إشارة أ ّ‬
‫ق)‪.«(4‬‬
‫ل اْلِعَتا َ‬
‫خْي َ‬
‫ن)‪ (3‬اْل َ‬
‫ج)‪َ ،(2‬وَيْعَتِقُبو َ‬
‫ق)‪َ (1‬والّديَبا َ‬
‫سَر َ‬
‫ن ال ّ‬
‫سو َ‬
‫قال )عليه السلم(‪َ» :‬يْلَب ُ‬
‫ل أّنهم حين يستولون على‬
‫ن هؤلء وإن كانوا فقراء وجوعى أول أمرهم يرتدون الثياب الخشنة‪ ،‬إ ّ‬
‫فالعبارة تفيد أ ّ‬
‫البلدان الغنية ويسيطرون على أموالهم وثرواتهم يتجهون صوب الثياب الفاخرة والخيول النفيسة‪ ،‬ويحتمل أن‬
‫ن لهم رغبة شديدة في القتال‪ ،‬ومن المعروف أن لبس الحرير يمنح النسان قوة القلب ويجعله أكثر‬
‫يكون المراد أ ّ‬
‫مقاومة للسيف‪ ،‬كما للخيول الخفيفة دور مهم في ميدان القتال‪ ،‬وهذا ما يجعلهم يتجهون إلى هذه المور‪.‬‬
‫ثم خاض المام )عليه السلم( في أعمالهم وأشار بعبارات قصيرة إلى أبعاد ما يرتكبونه من فاجعة فقال‪َ» :‬وَيُكو ُ‬
‫ن‬
‫سوِر)‪.«!(7‬‬
‫ن اْلَمْأ ُ‬
‫ل ِم َ‬
‫ت)‪َ (6‬أَق ّ‬
‫ن الُْمْفِل ُ‬
‫ل‪َ ،‬وَيُكو َ‬
‫عَلى اْلَمْقُتو ِ‬
‫ح َ‬
‫جُرو ُ‬
‫ي اَْلم ْ‬
‫شَ‬
‫حّتى َيْم ِ‬
‫حَراُر)‪َ (5‬قْتل َ‬
‫سِت ْ‬
‫كا ْ‬
‫ُهَنا َ‬
‫فالعبارتان تشيران إلى مدى سعة أبعاد الفاجعة‪ ،‬حيث ل يبقى في الرض مكان يسمح لعبور الجرحى‪ ،‬لبّد من‬
‫ن أدنى مطالعة في تاريخ المغول تفيد‬
‫وضع أقدامهم على أجساد القتلى‪ ،‬ومن لم يقتل يؤسر‪ ،‬وقليل هم الناجون‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن هذا الغيب الذي أخبر به علي )عليه السلم( قد‬
‫انطباق جميع هذه الوصاف عليهم‪ ،‬قال ابن أبي الحديد‪ :‬واعلم إ ّ‬
‫رأيناه نحن عيانًا ووقع في زماننا فقد فعل هؤلء القوم ما لم تحتو التواريخ منذ خلق ال تعالى آدم إلى عصرنا هذا‬
‫على مثله)‪.(8‬‬
‫وهنا يبرز هذا السؤال‪ :‬ماذا كان قصد المام )عليه السلم( بالخبار عن فتنة صاحب الزنج التي‬
‫‪» .1‬السرقة«‪ :‬بمعنى الحرير الفاخر أو الحرير البيض‪ ،‬وقال أغلب أرباب اللغة أصلها فارسي أخذ من السّره بمعنى الحسن‬
‫والخالص‪.‬‬
‫‪» .2‬الديباج«‪ :‬بمعنى القماش الحريري الملون‪ ،‬كما يستعمل أحيانًا بمعنى كل قماش حسن النقش‪ ،‬وأصله فارسي أيضًا‪.‬‬
‫‪» .3‬يعتقبون«‪ :‬من مادة »اعتقاب« يحبسون كرائم الخيل ويمنعونها غيرهم‪.‬‬
‫‪» .4‬اعتاق«‪ :‬جمع »عتيق« بمعنى كل شيء حسن وقّيم وتستعمل في الخيل الصيلة‪.‬‬
‫‪» .5‬استحرار«‪ :‬من مادة »حرارة« بمعنى الشّدة والحّدة‪.‬‬
‫‪» .6‬المفلت«‪ :‬من مادة »فلت« على وزن فرد بمعنى الهروب والفرار وتطلق مفردة المفلت على من ينجو من الشّدة‪.‬‬
‫‪» .7‬المأسور«‪ :‬بمعنى السير‪.‬‬
‫‪ .8‬شرح نهج البلغة ابن أبي الحديد ‪.8/218‬‬

‫] ‪[ 233‬‬
‫وقعت بعد مئتي سنة وفتنة المغول التي وقعت بعد ستمائة سنة؟ رّبما أراد المام )عليه السلم( أن يذّكرهم بأنّ‬
‫أعمالكم الطالحة هذه والتي تأتون بها في هذا العصر وقد وليتم ظهوركم للحق وأقبلتم على الباطل وضربتم أحكام‬
‫ن تواصلت هذه العمال في أجيالكم القادمة ستشهدون عواقب وخيمة‬
‫السلم ووقعتم أسرى هوى أنفسكم‪ ،‬فا ّ‬
‫وسيطالكم العقاب اللهي‪ ،‬كما يحتمل أن يكون المام )عليه السلم( أراد تحذيرهم من البلء العظيم الذي‬
‫ينتظرهم‪ ،‬عليكم أن تتحدوا وتركزوا قوتكم لتتمكنوا من التقليل من آثاره المخربة‪.‬‬

‫—–‬

‫فتنة المغول‬
‫المغول فرع من الترك الذين عاشوا في آسيا المركزية والشرقية في حدود الصين وهم طوائف مختلفة‪ ،‬طائفة‬
‫منهم التاتار‪ ،‬وكانوا يأتمرون عادة بأوامر سلطين الصين‪ ،‬وكان والد جنكيز أول من نهض من هذه الطائفة‬
‫وإّدعى الستقلل‪ ،‬وحين خلف جنكيز أباه ‪ 600‬هـ سعى للسيطرة على القوام المختلفة لتلك المنطقة حيث أراد‬
‫الرئاسة العاّمة لنفسه واستولى على قسم واسع من الصين وسيطر على عاصمتها بكين‪.‬‬
‫أّما السلطان محمود خوارزم شاه الذي كان يحكم أكثر الشرط الوسط وآسيا المركزية‪ ،‬فقد عقد الهدنة بادىء‬
‫المر مع جنكيز‪ ،‬ولكن لم تمض مّدة حتى نشبت بينهما عداوة فقتل رسل جنكيز‪ ،‬فما كان من جنكيز وبدافع‬
‫ل أن هجم على ايران وسائر المناطق الخاضعة لنفوذ خوارزمشاه‪.‬‬
‫النتقام إ ّ‬
‫أّما ابن أبي الحديد الذي عاش في ذلك الزمان وقد شهد تلك الحداث حسب قوله كما سمع بعضها الخر‪ ،‬فقد أفرد‬
‫‪ 25‬صفحة في شرحه لنهج البلغة وتطرق فيها بالتفصيل إلى حملة المغول على المناطق السلمية وقال‪ :‬واعلم‬
‫ن هذا الغيب الذي أخبر به المام )عليه السلم( قد رأيناه نحن عيانًا‪ ،‬ووقع في زماننا‪ ،‬وإليك الن جانب مّما‬
‫أّ‬
‫أورده ابن أبي الحديد بهذا الشأن‪:‬‬
‫هم التاتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق حتى وردت خيلهم العراق والشام‪ ،‬وقد فعلوا بالقوقاز وبلد ما رواء‬
‫النهر وبخراسان وما والها من بلد ما لم تحتو التواريخ منذ خلق‬
‫ال تعالى آدم )عليه السلم( إلى عصرنا هذا على مثله‪ ،‬رئيسهم هو جنكيز الذي كان شجاعًا عاق ً‬
‫ل‬
‫] ‪[ 234‬‬
‫موفقًا منصورًا في الحرب‪ ،‬كما كان عسكره من الفراد الشجعان وكانوا يعيشون بصورة شبه وحشية وأّنهم من‬
‫ن خيلهم ل تحتاج‬
‫أصبر الناس على القتال‪ ،‬ل يعرفون الفرار ويعلمون ما يحتاجون إلى من السلح بأيديهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن عندهم من الخيل والبقر ما ل يحصى‪ ،‬وأّنهم يأكلون‬
‫إلى الشعير‪ ،‬بل تأكل نبات الرض وعروق المراعي‪ ،‬وأ ّ‬
‫سا‪،‬‬
‫الميتة والكلب والخنازير وهم أصبر خلق ال سبحانه على الجوع والعطش والشقاء‪ ،‬وثيابهم أخشن الثياب م ّ‬
‫ومنهم من يلبس جلود الكلب والدواب والميتة‪ ،‬وأّنهم أشبه شيء بالوحش والسباع‪ ،‬كانوا يقتلون كل من يرونه‬
‫من الرجال ويغنمون الموال ويحرقون المدن ويسبون النساء الطفال‪ ،‬لقد دخلوا من شرق ايران وأشاعوا‬
‫الخوف والرعب بحيث لم يفكر أحد في مواجهتهم‪ ،‬ومن قاومهم استسلم أخيرًا لهم‪ ،‬وأحيانًا كانت تفتح لهم أبواب‬
‫المدن بعد أن يعطيهم التاتار المان حين يطلبونه‪ ،‬ولكّنهم كانوا ينقضون عهدهم ويقتلون أهالي المدن ويسبون‬
‫النساء والطفال ويعذبون الناس بأنواع العذاب في طلب المال‪ ..‬ومن العجيب في هذ الحداث أّنهم وصلوا إلى‬
‫إصفهان بعد أن سيطروا على المدن اليرانية‪ ،‬فحصلت بين الفريقين مقتلة عظيمة‪ ،‬ولم يبلغوا منها غرضًا حتى‬
‫اختلف أهل إصفهان في سنة ثلث وثلثين وستمائة وهم طائفتان‪ :‬حنفية وشافعية‪ ،‬وبينهم حروب متصلة‬
‫وعصبية ظاهرة‪ ،‬فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى ما يجاروهم ويتاخمهم من ممالك التتار‪ ،‬فقالوا لهم‪:‬‬
‫ل ذريعًا‪ ،‬ولم يقفوا‬
‫اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم‪ ،‬وفتحت أبواب المدينة فلما دخلوا البلد بدؤا بالشافعية فقتلوهم قت ً‬
‫مع العهد الذي عهدوه لهم‪ ،‬ثم قتلوا الحنفية‪ ،‬ثم قتلوا سائرالناس وسبوا النساء وشقوا بطون الحبالى ونهبوا الموال‬
‫ل من الرماد‪.‬‬
‫وصادروا الغنياء‪ ،‬ثم أضرموا النار‪ ،‬فأحرقوا إصفهان حتى صارت تلو ً‬
‫ثم ساروا إلى بلد العرب فهجموا على بغداد فتصدى لهم عسكر بغداد وثبت أحسن ثبوت ورشقوهم بالسهام‪،‬‬
‫وبعد مّدة توفي جنكيز وخلفه حفيده هولكو الذي تمكن من السيطرة على بغداد بعد أن قتل آخر خلفاء العباسيين‬
‫المستعصم بال وقد أنهى حكومتهم بذلك‪.‬‬
‫وبقي المغول في إيران والبلدان السلمية وقد فقدوا ما طبعوا عليه من وحشية بالتدريج وتأثروا بالثقافة‬
‫السلميه‪ ،‬وأسلم هولكو حتى تشيع السلطان محمد خدابنده أحد سلطين المغول)‪.(1‬‬

‫‪ .1‬شرح نهج البلغة ابن أبي الحديد ‪ 8/218‬ـ ‪ ،252‬وقاموس دهخدا مفرد المغول‪.‬‬

‫] ‪[ 235‬‬

‫القسم الثالث‬

‫ن َكْلِبّيا‪:‬‬
‫ل‪َ ،‬وَكا َ‬
‫جِ‬
‫ل ِللّر ُ‬
‫ك)عليه السلم(‪َ ،‬وَقا َ‬
‫حَ‬
‫ضِ‬
‫ب! َف َ‬
‫عْلَم اْلَغْي ِ‬
‫ن ِ‬
‫ت َيا َأِميَراْلُمْؤِمِني َ‬
‫طي َ‬
‫عِ‬
‫حاِبِه‪َ :‬لَقْد ُأ ْ‬
‫صَ‬
‫ض َأ ْ‬
‫ل َلُه َبْع ُ‬
‫»َفَقا َ‬
‫حاَنُه‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫عّدَدهُ ا ّ‬
‫عِة‪َ ،‬وَما َ‬
‫سا َ‬
‫عْلُم ال ّ‬
‫ب ِ‬
‫عْلُم اْلَغْي ِ‬
‫عْلم‪َ .‬وِإّنَما ِ‬
‫ن ِذي ِ‬
‫غْيب‪َ ،‬وِإّنَما ُهَو َتَعّلٌم ِم ْ‬
‫س ُهَو ِبِعْلِم َ‬
‫خا َكْلب‪َ ،‬لْي َ‬
‫َيا َأ َ‬
‫غدًا‪َ ،‬وَما َتْدِري‬
‫ب َ‬
‫س ُ‬
‫س َماَذا َتْك ِ‬
‫حاِم‪َ ،‬وَما َتْدِري َنْف ٌ‬
‫لْر َ‬
‫ب‪َ ،‬وَيْعَلُم َما ِفي ا َْ‬
‫ل اْلَغْي ُ‬
‫عِةَوُيَنّز ُ‬
‫سا َ‬
‫عْلُم ال ّ‬
‫عْنَدُه ِ‬
‫ل ِ‬
‫نا ّ‬
‫ِبَقْوِلِه‪ِ) :‬إ ّ‬
‫ي َأْو‬
‫خّ‬
‫سِ‬
‫جِميل‪َ ،‬و َ‬
‫حاِم ِمنْ َذَكر َأْو ُأْنَثى ‪َ ،‬وَقِبيح َأْو َ‬
‫لْر َ‬
‫حاَنُه َما ِفي ا َْ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫لَيَة‪َ ،‬فَيْعَلُم ا ّ‬
‫ت ‪ (...‬ا ْ‬
‫ي َأرض َتُمو ُ‬
‫س ِبَأ ّ‬
‫َنْف ٌ‬
‫حٌد‬
‫ل َيْعَلُمُه َأ َ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫عْلُم اْلَغْي ِ‬
‫ن ُمَراِفقًا‪َ .‬فَهَذا ِ‬
‫ن ِللّنِبّيي َ‬
‫جَنا ِ‬
‫طبًا‪َ ،‬أْو ِفي اْل ِ‬
‫حَ‬
‫ن ِفي الّناِر َ‬
‫ن َيُكو ُ‬
‫سِعيد‪َ ،‬وَم ْ‬
‫ي َأْو َ‬
‫شِق ّ‬
‫خيل‪َ ،‬و َ‬
‫َب ِ‬
‫حي«‪.‬‬
‫جَواِن ِ‬
‫عَلْيِه َ‬
‫طّم َ‬
‫ضَ‬
‫صْدِري‪َ ،‬وَت ْ‬
‫ن َيِعَيُه َ‬
‫عا ِلي ِبَأ ْ‬
‫ل َنِبّيُه َفَعّلَمِنيِه‪َ ،‬وَد َ‬
‫عّلَمُه ا ّ‬
‫ك َفِعْلٌم َ‬
‫سَوى ذِل َ‬
‫ل‪َ ،‬وَما ِ‬
‫لا ّ‬
‫ِإ ّ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الغيب ل ولكن‪...‬‬
‫حين خاض المام )عليه السلم( في تلك الحادثتين المهمتين )قيام صاحب الزنج وفتنة المغول( وذكر‬
‫ب!«‪.‬‬
‫عْلَم اْلَغْي ِ‬
‫ن ِ‬
‫ت َيا َأِميَراْلُمْؤِمِني َ‬
‫طي َ‬
‫عِ‬
‫حاِبِه‪َ :‬لَقْد ُأ ْ‬
‫صَ‬
‫ض َأ ْ‬
‫ل َلُه َبْع ُ‬
‫خصوصياتهما »َفَقا َ‬
‫فالعبارة وإن كانت على سبيل الخبار‪ ،‬لكّنها في الواقع استفهامية‪ ،‬لّنه سمع أن علم الغيب مختص بال سبحانه‪،‬‬
‫خا َكْلب‪َ ،‬لْي َ‬
‫س‬
‫ن َكْلِبّيا‪َ :‬يا َأ َ‬
‫ل‪َ ،‬وَكا َ‬
‫جِ‬
‫ل ِللّر ُ‬
‫ك )عليه السلم(‪َ ،‬وَقا َ‬
‫حَ‬
‫ضِ‬
‫ولذلك طلب توضيح المام )عليه السلم(‪َ» :‬ف َ‬
‫عْلم«‪.‬‬
‫ن ِذي ِ‬
‫غْيب‪َ ،‬وِإّنَما ُهَو َتَعّلٌم ِم ْ‬
‫ُهَو ِبِعْلِم َ‬
‫ن ضحك المام )عليه السلم( لم يكن بدافع السخرية ولم يفرزه الغرور‪ ،‬بل كان ضحك الفرح‬
‫قطعًا أ ّ‬
‫] ‪[ 236‬‬
‫والسرور‪ ،‬ولعل مرد ذلك إلى حسن المر في طرح ذلك السؤال من الرجل الكلبي ليكشف المام )عليه السلم(‬
‫ن ضحكه كان من تعجبه في أّنه ل ينبغي أن يكون مثل هذا المر بخفي‬
‫عن كنه ذلك الموضوع أمام الجميع‪ ..‬أو أ ّ‬
‫ن ذلك العلم مختص بال وهو علم‬
‫ن عبارة المام )عليه السلم( تشير إلى حقيقة في أ ّ‬
‫على أحد‪ ،‬على كل حال فا ّ‬
‫ذاتي‪ ،‬والعلم الممكن لما سوى ال‪ ،‬فهو العلم الحاصل من التعلم والذي له ُبعد إكتسابي‪ ،‬يعني يتعّلمه المام )عليه‬
‫السلم( من الّنبي )صلى ال عليه وآله( والّنبي عن طريق الوحي اللهي )سيأتي شرح هذا المطلب(‪.‬‬
‫عْلُم‬
‫عْنَدُه ِ‬
‫ل ِ‬
‫نا ّ‬
‫حاَنُه ِبَقْوِلِه‪ِ) :‬إ ّ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫عّددَهُ ا ّ‬
‫عِة‪َ ،‬وَما َ‬
‫سا َ‬
‫عْلُم ال ّ‬
‫ب ِ‬
‫عْلُم اْلَغْي ِ‬
‫ثم قال المام )عليه السلم(‪َ» :‬وِإّنَما ِ‬
‫ي َأرض‬
‫س ِبَأ ّ‬
‫غدًا‪َ ،‬وَما َتْدِري َنْف ٌ‬
‫ب َ‬
‫س ُ‬
‫س َماَذا َتْك ِ‬
‫حاِم‪َ ،‬وَما َتْدِري َنْف ٌ‬
‫لْر َ‬
‫ب‪َ ،‬وَيْعَلُم َما ِفي ا َْ‬
‫ل اْلَغْي ُ‬
‫عِةَوُيَنّز ُ‬
‫سا َ‬
‫ال ّ‬
‫ت ‪.«(1)(...‬‬
‫َتُمو ُ‬
‫خيل‪،‬‬
‫ي َأْو َب ِ‬
‫خّ‬
‫سِ‬
‫جِميل‪َ ،‬و َ‬
‫ن َذَكر َأْو ُأْنَثى ‪َ ،‬وَقِبيح َأْو َ‬
‫حاِم ِم ْ‬
‫لْر َ‬
‫حاَنُه َما ِفي ا َْ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫ل‪َ» :‬فَيْعَلُم ا ّ‬
‫ثم أوضح معنى ذلك قائ ً‬
‫ن ُمَراِفقًا«‪.‬‬
‫ن ِللّنِبّيي َ‬
‫جَنا ِ‬
‫طبًا‪َ ،‬أْو ِفي اْل ِ‬
‫حَ‬
‫ن ِفي الّناِر َ‬
‫ن َيُكو ُ‬
‫سِعيد‪َ ،‬وَم ْ‬
‫ي َأْو َ‬
‫شِق ّ‬
‫َو َ‬

‫ك َفِعْلٌم‬
‫سَوى ذِل َ‬
‫ل‪َ ،‬وَما ِ‬
‫لا ّ‬
‫حٌد ِإ ّ‬
‫ل َيْعَلُمُه َأ َ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫عْلُم اْلَغْي ِ‬
‫فخلص )عليه السلم( إلى نتيجة نهائية مؤّداها‪َ» :‬فَهَذا ِ‬
‫حي)‪.«(4‬‬
‫جَواِن ِ‬
‫عَلْيِه َ‬
‫طّم)‪َ (3‬‬
‫ضَ‬
‫صْدِري‪َ ،‬وَت ْ‬
‫ن َيِعَيُه)‪َ (2‬‬
‫عا ِلي ِبَأ ْ‬
‫ل َنِبّيُه َفَعّلَمِنيِه‪َ ،‬وَد َ‬
‫عّلَمُه ا ّ‬
‫َ‬
‫فالذي يستفاد من مجموع هذه العبارات‪:‬‬
‫ن علم الغيب علم ذاتي مختص بال سبحانه وتعالى‪ ،‬لكن العلم الكتسابي والعطائي ل يسمى بعلم الغيب‪،‬‬
‫ل‪ :‬أ ّ‬
‫أو ً‬
‫بل هو ذ لك العلم الذي عّلمه ال سبحانه نبّيه وعّلمه النبي من يراه مستعدًا لذلك العلم‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬لهذه العلوم التعليمية استثناءات وردت خمسة منها في الية الشريفة الخيرة من‬
‫‪ .1‬سورة لقمان ‪.34 /‬‬
‫‪» .2‬يعي«‪ :‬من مادة »وعي« على وزن سعي بمعنى حفظ الشيء في القلب‪ ،‬أو بعبارة أخرى التعلم واليداع في الحافظة‪.‬‬
‫‪» .3‬تضطم«‪ :‬من مادة »ضم« بمعنى جمع الشيء‪.‬‬
‫‪» .4‬جوانح«‪ :‬جمع »جانحة« الضلع تحت الترائب مّما يلي الصدر‪.‬‬

‫] ‪[ 237‬‬
‫سورة لقمان‪ ،‬وهذه مصاديق علم الغيب التي لم يعّلمها ال سبحانه أحدًا من الخلق‪.‬‬
‫—–‬

‫وهنا لبّد من طرح هذه السئلة‬
‫ن هذه العلوم الخمسة مختصة بال سبحانه؟‬
‫‪ 1‬ـ كيف يستفاد من الية الشريفة أ ّ‬
‫‪ 2‬ـ كيف تختص هذه العلوم بال والحال أخبر النبي )صلى ال عليه وآله( والئّمة)عليهم السلم(أحيانًا عن نزول‬
‫المطار والطفال في الرحام أو الزمان والمكان الذي يتوفون فيه‪ ،‬بل أحيانًا أخرى كانوا يخبرون عن العلوم‬
‫ل متى وأين سينزل المطر‪ ،‬وذلك الجنين ولد أم بنت؟‬
‫المعاصرة فمث ً‬
‫‪ 3‬ـ ما الفارق بين هذه العلوم الخمسة وسائر المور الخفية التي ل يعلمها غير ال سبحانه؟‬
‫لولى بشأن القيامة قد بّينت بوضوح إختصاص علمها بال سبحانه‪،‬‬
‫ويقال في الجابة على السؤال الول‪ :‬العبارة ا ُ‬
‫وتقديم عنده على علم الساعة دللة على الحصر‪ ،‬يعني العلم بالقيامة مختص فقط بالذات ال المقدس‪ ،‬كما تد ّ‬
‫ل‬
‫س ِبَأ ّ‬
‫ي‬
‫غدًا‪َ ،‬وَما َتْدِري َنْف ٌ‬
‫ب َ‬
‫س ُ‬
‫س َماَذا َتْك ِ‬
‫العبارة والرابعة والخامسة على الحصر أيضًا حيث قالت‪َ) :‬وَما َتْدِري َنْف ٌ‬
‫ت ‪.(...‬‬
‫َأرض َتُمو ُ‬
‫ن المورد الثاني والثالث بمقتضى وحدة السياق جزء من العلوم المختصة بال سبحانه‪،‬‬
‫وبناءًا على ما تقدم فا ّ‬
‫والروايات المتعددة الواردة عن أئمة العصمة)عليهم السلم(في تفسير الية شاهد أخر على هذا المعنى)‪.(1‬‬
‫ن العلم بهذه المور الخمسة‬
‫ن اللتفات إلى هذه النقطة ضرورة‪ ،‬وهى أ ّ‬
‫ويقال في الرّد على السؤال الثاني‪ :‬أ ّ‬
‫بصورة تفصيلية مختص بال سبحانه‪ ،‬وإن أمكن حصول العلم الجمالي للمعصومين أو بعض أولياء ال سبحانه‪،‬‬
‫ن المطر ينزل غدًا‪ ،‬أو الشخص الفلني يموت في الرض الفلنية‪ ،‬أما العلم‬
‫ل يمكن أن يعلم المعصوم أ ّ‬
‫مث ً‬
‫بجزئيات هذا المر من قبيل العلم بلحظة الشروع وحبات المطر التي تنزل في المكان‪ ،‬وكذلك العلم بلحظة الموت‬

‫والبقعة التي يموت فيها والحالت الناشئة من سكرات الموت وما إلى ذلك في أمور فهو مختص بالذات اللهّية‬
‫المقّدسة‪،‬‬
‫ل في هذا المضمار في ذيل الية الشريفة‪.‬‬
‫‪ .1‬تفسير نور الثقلين‪ ،‬ووردت أحاديث سبعة أق ّ‬

‫] ‪[ 238‬‬
‫حاِم‬
‫لْر َ‬
‫حاَنُه َما ِفي ا َْ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫والشاهد على ذلك ما أورده المام )عليه السلم( بشأن الجنين في رحم ُاّمه فقال‪َ» :‬فَيْعَلُم ا ّ‬
‫جَنا ِ‬
‫ن‬
‫طبًا‪َ ،‬أْو ِفي اْل ِ‬
‫حَ‬
‫ن ِفي الّناِر َ‬
‫ن َيُكو ُ‬
‫سِعيد‪َ ،‬وَم ْ‬
‫ي َأْو َ‬
‫شِق ّ‬
‫خيل‪َ ،‬و َ‬
‫ي َأْو َب ِ‬
‫خّ‬
‫سِ‬
‫جِميل‪َ ،‬و َ‬
‫ن َذَكر َأْو ُأْنَثى ‪َ ،‬وَقِبيح َأْو َ‬
‫ِم ْ‬
‫ن ُمَراِفقًا«‪ ،‬وسائر المور التي يقتصر علمها على ال تبارك وتعالى‪ ،‬وبناءًا هلى هذا فما يعلمه الناس من‬
‫ِللّنِبّيي َ‬
‫حالت في بعض الدوار الجنينية من خلل تعلم الغيب أو المختبرات المتداولة في الوقت المعاصر‪ ،‬فهو من قبيل‬
‫العلم الجزئي‪ ،‬والحال يختص العلم الكلي بال سبحانه‪.‬‬
‫وأّما الجابة على السؤال الثالث‪ :‬فلبّد من الذعان بأننا ل نرى من فارق بين الموارد الربعة الخرى غير‬
‫ن الية المذكورة وروايات المعصومين)عليهم السلم(تفّرق هذه المور مع‬
‫القيامة وسائر المور الخفية‪ ،‬سوى أ ّ‬
‫ن العلم التفصيلي فيها مختص بالذات اللهّية‪ ،‬ولكن في الموارد الخرى كالذي ورد‬
‫سائر المور الخفية وتقول بأ ّ‬
‫في هذه الخطبة بشأن فتنة صاحب الزنج وحملة المغول‪ ،‬فممكن أن يزود ال بعض الخواص من عباده بعلمها‬
‫الجمالي والتفصيلي‪ ،‬وعلى كل حال فاننا تبع للنصوص القرآنية وروايات المعصومين المعتبرة‪.‬‬
‫—–‬

‫علم الغيب في اليات والروايات‬
‫اختلف العلماء في قضية علم الغيب وهل هناك من يعلم الغيب سوى ال سبحانه أم ل؟ ويبدو اختلفهم يعود إلى‬
‫ن علم الغيب‬
‫اختلف ظواهر آيات القرآن والروايات السلمية‪ ،‬فبعض اليات القرآنية صّرحت علنية قائلة أ ّ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ض اْلَغْي َ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَمَوا ِ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ل َيْعَلُم َم ْ‬
‫ل َ‬
‫مختص بال تبارك وتعالى‪ ،‬مثل الية ‪ 65‬من سورة النمل‪ُ) :‬ق ْ‬
‫ل‪.(...‬‬
‫ا ُ‬
‫ل ُهَو‪ ،(...‬في حين يستفاد من‬
‫ل َيْعَلُمَها ِإ ّ‬
‫ب َ‬
‫ح اْلَغْي ِ‬
‫عْنَدُه َمَفاِت ُ‬
‫وصرحت في الية ‪ 59‬من سورة النعام قائلة‪َ) :‬و ِ‬
‫ن جانبًا من علم الغيب على القل قد زود به بعض أولياء ال تعالى‪ ،‬كما في الية ‪49‬‬
‫البعض الخر من اليات أ ّ‬
‫ن ِفي ُبُيوِتُكْم‪ ،(...‬والية‬
‫خُرو َ‬
‫ن َوَما َتّد ِ‬
‫من وسورة آل عمران بشأن السيد المسيح )عليه السلم(‪َ) :‬ءُأَنّبُئُكْم ِبَما َتْأُكُلو َ‬
‫سول‪.(...‬‬
‫ن َر ُ‬
‫ضى ِم ْ‬
‫ن اْرَت َ‬
‫ل َم ْ‬
‫حدًا * ِإ ّ‬
‫غْيِبِه َأ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ظِهُر َ‬
‫ل ُي ْ‬
‫ب َف َ‬
‫عاِلُم اْلَغْي ِ‬
‫‪ 26‬و ‪ 27‬من سورة الجن‪َ ) :‬‬
‫] ‪[ 239‬‬
‫ن المام الصادق )عليه السلم( ورد مجلسًا غاضبًا‬
‫ل جاء في الحديث أ ّ‬
‫ونرى نفس هذا التفاوت في الروايات‪ ،‬فمث ً‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ب َما َيْعَلُم الَغي َ‬
‫ن َأّنا َنعَلُم الَغي َ‬
‫عُمو َ‬
‫جبًا لقوام َيْز َ‬
‫عَ‬
‫وكان فيه أبو بصير وبعض أصحابه‪ ،‬فلما جلس قال‪َ» :‬يا َ‬
‫ل«)‪.(1‬‬
‫جّ‬
‫ل عّز َو َ‬
‫ا ُ‬
‫بينما يستفاد من عّدة روايات علم الئّمة المعصومين)عليهم السلم(بأغلب المور الخفية كالذي ورد في هذه‬
‫الخطبة بشأن فتنة صاحب الزنج والمغول‪ ،‬أو سائر خطب نهج البلغة بخصوص المور المستقبلية‪ ،‬ومّما ل شك‬
‫فيه أّنه ليس هناك من تضارب بين اليات المذكورة وأمثالها ول بين الروايات السابقة )والروايات الخرى التي‬
‫وردت بهذا المضمون( وقد ذكر المحققون عّدة آراء من أجل الجمع بين هذه اليات والروايات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ المراد بعلم الغيب الذي اختصته اليات والروايات بال تبارك وتعالى هو العلم الذاتي‪ ،‬وما يعلمه النبياء‬
‫والولياء هو العلم التعليمي من جانب ال سبحانه )وهو ما ورد في كلم المام )عليه السلم( في هذه الخطبة(‪.‬‬

‫ل هو كزمان الساعة والمور الخرى التي‬
‫‪ 2‬ـ أسرار الغيب على قسمين‪ :‬قسم يختص بال تعالى ول يعلمه أحد إ ّ‬
‫وردت في الية ‪ 24‬من سورة لقمان‪ ،‬وقد أشارت الخطبة إلى هذا الوجه في الجمع وقد تقدم شرح ذلك‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ علم ال سبحانه بأسرار الغيب بالفعل يعني يعلم كل شيء في كل زمان‪ ،‬أّما علم أولياء ال سبحانه‪ ،‬فليس‬
‫بفعلي بل حيني‪ ،‬أي إن أرادوا أن يعلموا شيئًا وتتحقق هذه الرادة باذن ال تعالى ورضاه‪ ،‬ومن هنا نقرأ في‬
‫ن يعقوب لم يكن يعلم مصير ولده في صحراء كنعان‪ ،‬والحال علم بعد سنوات بمصيره في مصر‪،‬‬
‫سورة يوسف أ ّ‬
‫فقد وجد ريح يوسف من مصر بينما لم يجده في بئر كنعانه‪ ،‬فلم يكن مأذونًا في المورد الول لن يريد فيعلم‪،‬‬
‫بينما أذن له في المورد الثاني‪.‬‬
‫ن أسرار الغيب مثبتة في موضعين‪ ،‬اللوح المحفوظ‬
‫‪ 4‬ـ الطريق الخر للجمع بين اليات والروايات المختلفة في أ ّ‬
‫ل تعالى‪ ،‬واللوح المحو والثبات وهو في الواقع علم بالمقتضيات ل‬
‫والذي ل يحدث فيه أدنى تغيير ول يعلمه إ ّ‬
‫علم بالعلة التامة‪ ،‬ومن هنا فهو قابل للتغيير‪ ،‬وما‬
‫‪ .1‬اصول الكافي ‪ ،1/257‬ح ‪ 3‬من باب »نادر فيه ذكر الغيب«‪.‬‬

‫] ‪[ 240‬‬
‫يعلمه أولياء ال إّنما يرتبط بهذا القسم‪.‬‬
‫ومن أراد المزيد من الشرح لكل من الطرق الربعة المذكورة‪ ،‬فليراجع المجلد ‪ ،19‬من تفسير المثل في تفسير‬
‫سورة الجن‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 241‬‬

‫الخطبة)‪129 (1‬‬

‫خطَبة لُه )عليه السلم(‬
‫ن ُ‬
‫َوِم ْ‬

‫في ذكر المكاييل والموازين)‪(2‬‬

‫نظرة إلى الخطبة‬

‫خاض المام )عليه السلم( في هذه الخطبة بوعظ المسلمين فأورد عّدة نصائح شافية وكافية‪ ،‬الولى وتحدث فيها‬
‫ن الناس فيها كالضيوف وستنتهي بسرعة هذه الضيافة‪ ،‬بينما تبقى تبعات أعمال النسان‬
‫عن قصر عمر الدنيا وأ ّ‬
‫حين الحساب والجزاء‪ ،‬ثم تحدث في الثانية عن سعة الفساد في ذلك العصر شاكيًا منه‪ ،‬وأشار في الثالثة إلى‬
‫الخيار والصلحاء والتقياء والسمحاء ليحذر من خلل المقارنة بضرورة إصلح النفس وإجتثاث الفساد من‬
‫المجتمع وأخيرًا إختتم الخطبة بذم المرائين الذين يأمرون بالمعروف وليسوا من أهله‪ ،‬وينهون عن المنكر ول‬
‫ينتهون عنه‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ن هذه الخطبة وإن كانت في رعاية العدل في الكيل والميزان‪ ،‬لكن ل يرى مطلب بهذا الخصوص في‬
‫ورد في مصادر نهج البلغة أ ّ‬
‫هذه الخطبة سوى إشارة قال فيها المام )عليه السلم(‪» :‬اين المتورعون في مكاسبهم«‪ ،‬وهذا يدّل على أّنها جزء من خطبة طويلة‬
‫ن المرحوم السيد الرضي كعادته يختار منها ويترك بقيتها‪ ،‬رواها الزمخشري في »ربيع‬
‫أشارت إلى هذه المسألة المهمة‪ ،‬إّل أ ّ‬
‫البرار«‪ ،‬كما ورد قسم منها في »غرر الحكم« )مصادر نهج البلغة ‪.(2/290‬‬
‫‪ .2‬مكاييل جمع مكيال‪ ،‬والموازين جمع الميزان‪.‬‬

‫] ‪[ 242‬‬
‫] ‪[ 243‬‬

‫القسم الول‬

‫ظ‪.‬‬
‫حُفو ٌ‬
‫ل َم ْ‬
‫عَم ٌ‬
‫ص‪َ ،‬و َ‬
‫ل َمْنُقو ٌ‬
‫جٌ‬
‫ن‪َ :‬أ َ‬
‫ضْو َ‬
‫ن ُمْقَت َ‬
‫ن‪َ ،‬وَمِديُنو َ‬
‫جُلو َ‬
‫ن هِذِه الّدنَيا ـ َأْثِوَياُء ُمَؤ ّ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ل‪ِ ،‬إّنُكْم ـ َوَما َتْأُمُلو َ‬
‫عَباَد ا ّ‬
‫»ِ‬
‫ل‪،‬‬
‫ل ِإْقَبا ً‬
‫شّر ِفيِه ِإ ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫ل ِإْدَبارًا‪َ ،‬و َ‬
‫خْيُر ِفيِه ِإ ّ‬
‫ل َيْزَدادُ ال َ‬
‫حُتْم ِفي َزَمن َ‬
‫صَب ْ‬
‫سٌر‪َ .‬وَقْد َأ ْ‬
‫خا ِ‬
‫ب َكاِدح َ‬
‫ضّيٌع‪َ ،‬وُر ّ‬
‫ب َداِئب ُم َ‬
‫َفُر ّ‬
‫طْرِف َ‬
‫ك‬
‫ب ِب َ‬
‫ضِر ْ‬
‫سُتُه‪ِ .‬ا ْ‬
‫ت َفِري َ‬
‫عّمتْ َمِكيَدُتُه‪َ،‬وَأْمَكَن ْ‬
‫عّدُتُه‪َ ،‬و َ‬
‫ت ُ‬
‫ن َقِوَي ْ‬
‫طَمعًا‪َ .‬فهَذا َأَوا ٌ‬
‫ل َ‬
‫س ِإ ّ‬
‫ك الّنا ِ‬
‫لِ‬
‫ن ِفي َه َ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫َو َ‬
‫خَ‬
‫ل‬
‫خَذ اْلُب ْ‬
‫ل اّت َ‬
‫خي ً‬
‫ل ُكْفرًا‪َ ،‬أْو َب ِ‬
‫ل ِنْعَمَة ا ّ‬
‫غِنّيا َبّد َ‬
‫ل َفِقيرًا ُيَكاِبُد َفْقرًا‪َ ،‬أْو َ‬
‫صُر [تنظر ]ِإ ّ‬
‫ل ُتْب ِ‬
‫س‪َ ،‬فَه ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ت ِم َ‬
‫شْئ َ‬
‫ث ِ‬
‫حْي ُ‬
‫َ‬
‫ظ َوْقرًا!«‪.‬‬
‫عِ‬
‫سْمِع اْلَمَوا ِ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ن ِبُأُذِنِه َ‬
‫ل َوْفرًا‪َ ،‬أْو ُمَتَمّردًا َكَأ ّ‬
‫قا ّ‬
‫حّ‬
‫ِب َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫التحذير من الفساد الجتماعي‬
‫كما ورد في سند الخطبة وخلفًا لما جاء في عنوان هذه الخطبة فاننا ل نشاهد في متنها ما يشير إلى رعاية العدل‬
‫ن المرحوم السيد الرضي )رضي ال عنه( قد حذف بعض‬
‫في الكيل والوزن‪ ،‬ولعل ذلك يعود إلى أحد سببين‪ :‬إّما أ ّ‬
‫جوانب الخطبة المتعلقة بالكيل والوزن حسب طريقته في اختيار الفصح‪ ،‬أو ليس هنالك من حذف في الخطبة إ ّ‬
‫ل‬

‫ن المام )عليه السلم( خطب بهذه الخطبة في ظروف حين اتسع الفساد في الكيل والوزن والتطفيف في البيع‬
‫أّ‬
‫وظلم الناس وساد ذلك في المجتمع‪ ،‬وبالنظر إلى ذلك أورد المام )عليه السلم( هذه الخطبة ليحذر المردة‪ ،‬بعبارة‬
‫ل أّنه ذكر من خلل‬
‫ن شأن وورد الخطبة قضية الكيل والميزان وإن لم يذكر ذلك صريحًا في متنها‪ ،‬إ ّ‬
‫أخرى فا ّ‬
‫الدللة اللتزامية‪ ،‬على كل حال خاطب المام )عليه السلم( عامة الناس وقد حذرهم من تقلب الدنيا‬
‫] ‪[ 244‬‬
‫جٌ‬
‫ل‬
‫ن‪َ :‬أ َ‬
‫ضْو َ‬
‫ن ُمْقَت َ‬
‫ن‪َ ،‬وَمِديُنو َ‬
‫جُلو َ‬
‫ن هِذِه الّدنَيا ـ َأْثِوَياُء)‪ُ (1‬مَؤ ّ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ل‪ِ ،‬إّنُكْم ـ َوَما َتْأُمُلو َ‬
‫عَباَد ا ّ‬
‫وفساد المجتمع فقال‪ِ » :‬‬
‫ظ«‪.‬‬
‫حُفو ٌ‬
‫ل َم ْ‬
‫عَم ٌ‬
‫ص‪َ ،‬و َ‬
‫َمْنُقو ٌ‬
‫فقد شّبه المام )عليه السلم( وضع أهل الدنيا بهذه العبارة بالضيوف الذين دعوا لمّدة معينة في ضيافة‪ ،‬وبالفراد‬
‫المدينين الذين ل يتركهم دائنوهم‪ ،‬فمن الطبيعي أل يرى الضيف دار المضيف محطته البدية‪ ،‬فهم ل يتعلق بها‬
‫أبدًا ول يثق بها ول يحرص عليها‪ ،‬وليس الشخص المدين الذي يتابع دائمًا من ِقبل الدائن من سبيل سوى منحه‬
‫ن العمر الذي منحنا ال تعالى من‬
‫ل بأن يأتي اليوم الذي يكون قد سدد فيه كل دينه‪ ،‬كأ ّ‬
‫كل ما يجد بالتدريج‪ ،‬أم ً‬
‫ن إلى جانب ذلك العمر المتقلب والذي ينقضي بسرعة أعمالنا‬
‫ديوننا التي تؤخذ مّنا كل لحظة‪ ،‬والمشكلة المهّمة أ ّ‬
‫التي نقوم بها والتي تحفظ ويجب علينا تحمل تبعاتها‪.‬‬
‫طِرها‬
‫ن َمن َ‬
‫حس ِ‬
‫ن الّدنيا! َأمن ُ‬
‫ب ِم َ‬
‫ج ُ‬
‫ف َأع َ‬
‫ورى بعض شّراح نهج البلغة عن بعض الصلحاء قوله‪َ» :‬ما َأدِري َكي َ‬
‫عَليها«)‪.(2‬‬
‫حِرُهم َ‬
‫س َلها َوَتنا ُ‬
‫ن َذّم الّنا ِ‬
‫ح َمخَبِرها َأم ِم ْ‬
‫َوُقب ِ‬
‫سٌر«‪.‬‬
‫خا ِ‬
‫ب َكاِدح)‪َ (4‬‬
‫ضّيٌع‪َ ،‬وُر ّ‬
‫ب َداِئب)‪ُ (3‬م َ‬
‫ل‪َ» :‬فُر ّ‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه قائ ً‬
‫ن هذا ليس قانونًا كليًا‪ ،‬فهناك الفراد الذين أفنوا عمرهم في‬
‫لأّ‬
‫ن السعي والجهد رمز الموفقية والنجاح‪ ،‬إ ّ‬
‫صحيح أ ّ‬
‫السعي والجد وأجهدوا أنفسهم ليل نها ولم يظفروا بشيء‪ ،‬وهذا أحد إحباطات النسان في الحياة الدنيا‪ ،‬ولعل‬
‫العبارة إشارة إلى السعي المتعلق بالمور المادية أوالمعنوية‪ ،‬لّنهم كثيرون هو الفراد الذين أجهدوا أنفسهم من‬
‫لخروية‪ ،‬ولكن تسللت إليهم أهواء النفس ووساوس الشيطان في‬
‫أجل الوصول إلى المقامات المعنوية والنجاة ا ُ‬
‫اللحظات الحساسة فاشتعلت النيران في مزارع طاعتهم وأحرقت كل شيء‪ ،‬ثم أشار إلى الوضاع المزرية‬
‫خْيُر ِفيِه ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ل َيْزَداُد ال َ‬
‫حُتْم ِفي َزَمن َ‬
‫صَب ْ‬
‫لزمانهم وإقبال الناس على المساوىء وفرارهم من الصالحات فقال‪َ» :‬وَقْد َأ ْ‬
‫ن ِفي‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫ل ِإْقَبا ً‬
‫شّر ِفيِه ِإ ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫ِإْدَبارًا‪َ ،‬و َ‬
‫‪» .1‬أثوياء«‪ :‬جمع »ثوي« على وزن قوي بمعنى الضيف وفي الصل من مادة »ثواء« بمعنى القامة في مكان‪.‬‬

‫‪» .3‬دائب«‪ :‬من مادة »دؤوب« على وزن غروب المداوم في العمل‪.‬‬
‫‪» .4‬كادح«‪ :‬من مادة »كدح« على وزن مدح الساعي بجهد ومشقة في القيام بعمل‪.‬‬
‫] ‪[ 245‬‬
‫سُتُه)‪.«(1‬‬
‫ت َفِري َ‬
‫ت َمِكيَدُتُه‪َ،‬وَأْمَكَن ْ‬
‫عّم ْ‬
‫عّدُتُه‪َ ،‬و َ‬
‫ت ُ‬
‫ن َقِوَي ْ‬
‫طَمعًا‪َ .‬فهَذا َأَوا ٌ‬
‫ل َ‬
‫س ِإ ّ‬
‫ك الّنا ِ‬
‫لِ‬
‫َه َ‬
‫فهذه العبارات الصريحة والواضحة تشير إلى مدى سقوط الوضع الخلقي للمسلمين في ذلك العصر والزمان‬
‫بفعل الحكومات المستبدة‪ ،‬ومدى الوسط المضحك الذي واجهه المام)عليه السلم(في عهده‪ ،‬نعم إن فسد مسؤولوا‬
‫ن ُمُلوِكِهم«‪.‬‬
‫على دي ِ‬
‫ن الفساد سيشمل كل شيء »الّناس َ‬
‫البلد ومن كان على رأس الحكومة فا ّ‬
‫فما الذي يمكن توقعه من الناس إن وزع الخليفة أموال بيت المال المسلمين على بطانته‪ ،‬وولى قرابته الطالحة‬
‫ل‪،‬‬
‫ونصبهم في المواقع الحساسة‪ ،‬وتعاطى عامله الشراب علنية ليدخل المحراب فيصلي بالناس جماعة ثم ً‬
‫ويمارس الخرون الرذيلة والعمال البشعة‪ ،‬أو ليست سلطة الشيطان بالتكالب على الدنيا وإبتاع الهواء؟‬

‫ن ابن عمر وبعض ولد أبي بكر وسعد‬
‫ن سادت هذه المور تيسرت حكومة الشيطان‪ ،‬فقد ورد في الخبر أ ّ‬
‫نعم‪ ،‬إ ّ‬
‫بن أبي وقاص قصدوا عليًا )عليه السلم( حين خلفته وسألوه زيادة العطاء من بين المال‪ ،‬فصعد )عليه السلم(‬
‫ن َفَيفِقدون َذل َ‬
‫ك‬
‫جُبو َ‬
‫صّيرتُهم إلى َما َيسَتو ِ‬
‫ن َو َ‬
‫ضو َ‬
‫خو ُ‬
‫ل‪ ...» :‬إذا َمنعُتُهم َما كاُنوا ِفيِه َي ُ‬
‫المنبر وخطب الناس قائ ً‬
‫ن َوُيِقيَم‬
‫حقوَقنا ـ إلى أن قال ـ َأّما َأّني َأعَلُم اّلذي ُتِريُدو َ‬
‫حَرمنا َوَمنعنا ُ‬
‫ن أبي طالب َو َ‬
‫ظَلمنا اب ُ‬
‫ن‪َ :‬‬
‫ن َوَيُقوُلو َ‬
‫َفيسَأُلو َ‬
‫سي‪.(2)«...‬‬
‫حُكم ِبَفساِد َنف ِ‬
‫صل َ‬
‫َأودكم‪َ ،‬وَلكن ل َأشَتري َ‬
‫ل ِنْعَمَة‬
‫غِنّيا َبّد َ‬
‫ل َفِقيرًا ُيَكاِبُد)‪َ(4‬فْقرًا‪َ ،‬أْو َ‬
‫صُر [تنظر ]ِإ ّ‬
‫ل ُتْب ِ‬
‫س‪َ ،‬فَه ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ت ِم َ‬
‫شْئ َ‬
‫ث ِ‬
‫حْي ُ‬
‫ك)‪َ (3‬‬
‫طْرِف َ‬
‫ب ِب َ‬
‫ضِر ْ‬
‫ثم قال‪ِ» :‬ا ْ‬
‫ظ َوْقرًا)‪.«!(6‬‬
‫عِ‬
‫سْمِع اْلَمَوا ِ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ن ِبُأُذِنِه َ‬
‫ل َوْفرًا)‪َ ،(5‬أْو ُمَتَمّردًا َكَأ ّ‬
‫قا ّ‬
‫حّ‬
‫ل ِب َ‬
‫خَ‬
‫خَذ اْلُب ْ‬
‫ل اّت َ‬
‫خي ً‬
‫ل ُكْفرًا‪َ ،‬أْو َب ِ‬
‫ا ّ‬
‫‪» .1‬فريسة«‪ :‬من مادة »فرس« على وزن قرض بمعنى الصيد‪.‬‬
‫‪ .2‬اصول الكافي ‪.8/551‬‬
‫ن الجفان تتحرك حين النظر‪.‬‬
‫‪» .3‬طرف«‪ :‬وردت أحيانًا بمعنى العين‪ ،‬وأخرى حركة جفن العين‪ ،‬كما استعملت بمعنى النظر ل ّ‬
‫‪» .4‬يكابد«‪ :‬من مادة »كبد« بمعنى تحمل المشقة وهذا هو المعنى المراد بها في العبارة‪ ،‬كما وردت بمعنى الجعل في المشقة‪.‬‬
‫‪» .5‬الوفر«‪ :‬بمعنى الوفير والكثير‪.‬‬
‫‪» .6‬الوقر«‪ :‬بمعنى الثقل‪.‬‬

‫] ‪[ 246‬‬
‫فقد ركز المام )عليه السلم( بهذه العبارات البليغة والرائعة على أربع فئات محرومة أو منحرفة تشكل أساس‬
‫فساد المجتمع وإنهياره‪:‬‬
‫ن َيُكو َ‬
‫ن‬
‫الولى‪ :‬الفقراء الذين يقعون أسرى الفقر‪ ،‬وهو الفقر الذي عبرت عنه الروايات بالقول‪َ» :‬كاَد الَفقُر َأ ْ‬
‫ُكفرًا«‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬الغنياء الذين غرقوا في النعم والملذات والشهوات حتى نسوا كل شيء وهووا في الكفر‪.‬‬
‫ن البخل سبب زيادة الثروة‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬البخلء الذين تصوروا أ ّ‬
‫الرابعة‪ :‬المتمردون الذين عاشوا الغرور ولم تعد آذانهم تسمع كلم الحق‪.‬‬
‫ت‪ «...‬فل تبصر أحدًا سوى هذه الفئات‬
‫شْئ َ‬
‫ث ِ‬
‫حْي ُ‬
‫ك)‪َ (1‬‬
‫طْرِف َ‬
‫ب ِب َ‬
‫ضِر ْ‬
‫فعبارة المام )عليه السلم( التي قال فيها‪ِ» :‬ا ْ‬
‫ن الفقر والفساد أصبح على درجة من الشمولية بحيث ظهرت أثارهما في كل مكان‪ ،‬والدليل‬
‫الربع دليل على أ ّ‬
‫على تلك السعة والشمولية ما ُاشير إليه في العبارة المذكورة‪.‬‬
‫—–‬
‫ن الجفان تتحرك حين النظر‪.‬‬
‫‪» .1‬طرف«‪ :‬وردت أحيانًا بمعنى العين‪ ،‬وأخرى حركة جفن العين‪ ،‬كما استعملت بمعنى النظر ل ّ‬

‫] ‪[ 247‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ن ِفي َمَذاِهِبِهْم!‬
‫سِبِهْم‪َ ،‬واْلُمَتَنّزُهو َ‬
‫ن ِفي َمَكا ِ‬
‫عو َ‬
‫ن اْلُمَتَوّر ُ‬
‫حاُؤُكْم! َوَأْي َ‬
‫سَم َ‬
‫حَراُرُكْم َو ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫حاُؤُكْم! َوَأْي َ‬
‫صَل َ‬
‫خَياُرُكْم َو ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫»َأْي َ‬
‫ن‪،‬‬
‫شَفَتا ِ‬
‫ل َتْلَتِقي ِبَذّمِهُم ال ّ‬
‫حَثاَلة َ‬
‫ل ِفي ُ‬
‫خِلْقُتْم ِإ ّ‬
‫ل ُ‬
‫صِة‪َ .‬وَه ْ‬
‫جَلِة اْلُمَنّغ َ‬
‫ن هِذِه الّدْنَيا الّدِنّيِة‪َ ،‬واْلَعا ِ‬
‫عْ‬
‫جِميعًا َ‬
‫ظَعُنوا َ‬
‫س َقْد َ‬
‫َأَلْي َ‬
‫جٌر‬
‫ل َزا ِ‬
‫ل ُمْنِكٌر ُمَغّيٌر‪َ ،‬و َ‬
‫ساُد(‪َ ،‬ف َ‬
‫ظَهَر اْلَف َ‬
‫ن(‪َ ) ،‬‬
‫جُعو َ‬
‫ل َوِإّنا ِإَلْيِه َرا ِ‬
‫ن ِذْكِرِهْم! فَـ)ِإّنا ِّ‬
‫عْ‬
‫صَغارًا ِلَقْدِرِهْم‪َ ،‬وَذَهابًا َ‬
‫سِت ْ‬
‫اْ‬
‫جّنِتِه‪،‬‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ل َ‬
‫عا ّ‬
‫خَد ُ‬
‫ل ُي ْ‬
‫ت! َ‬
‫عْنَدُه؟ َهْيَها َ‬
‫عّز َأْوِلَياِئِه ِ‬
‫سِه‪َ ،‬وَتُكوُنوا َأ َ‬
‫ل ِفي َداِر ُقْد ِ‬
‫جاِوُروا ا ّ‬
‫ن ُت َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫جٌر‪َ .‬أَفِبهَذا ُتِريُدو َ‬
‫ُمْزَد ِ‬
‫ن ِبِه!«‪.‬‬
‫ن اْلُمْنَكِر اْلَعاِمِلي َ‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫ن َلُه‪َ ،‬والّناِهي َ‬
‫ف الّتاِرِكي َ‬
‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫لِمِري َ‬
‫لا ْ‬
‫نا ّ‬
‫عِتِه‪َ .‬لَع َ‬
‫طا َ‬
‫ل ِب َ‬
‫ضاُتُه ِإ ّ‬
‫ل َمْر َ‬
‫ل ُتَنا ُ‬
‫َو َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫أين الخيار؟‬
‫استعمل المام )عليه السلم( عبارات بليغة رائعة في هذا المقطع من الخطبة ليكشف النقاب عن فساد الزمان‬
‫حاُؤُكْم!)‪(1‬‬
‫سَم َ‬
‫حَراُرُكْم َو ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫حاُؤُكْم! َوَأْي َ‬
‫صَل َ‬
‫خَياُرُكْم َو ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫والتولي عن الصالحات والقبال على السيئات فقال‪َ» :‬أْي َ‬
‫ن ِفي َمَذاِهِبِهْم!«‪.‬‬
‫سِبِهْم‪َ ،‬واْلُمَتَنّزُهو َ‬
‫ن)‪ِ (2‬في َمَكا ِ‬
‫عو َ‬
‫ن اْلُمَتَوّر ُ‬
‫َوَأْي َ‬
‫فقد بحث المام )عليه السلم( بهذه العبارات عن ستة طوائف في المجتمع ليدل فقد انها أنذاك على مدى النحطاط‬
‫والفساد‪ ،‬والطوائف الست هى‪ :‬الخيار‪ ،‬الصالحون‪ ،‬الحرار‪ ،‬السمحاء‪،‬‬
‫‪» .1‬سمحاء«‪ :‬جمع »سميح« الشخص الرؤوف وصاحب الكرم‪ ،‬وقيل من يبذل حين وفرة النعمة وضيقها‪.‬‬
‫‪» .2‬متورع«‪ :‬من مادة »ورع« بمعنى اجتناب الذنب والشبهة‪.‬‬

‫] ‪[ 248‬‬
‫ن افتقرت المجتمعات البشرية إلى هذه الطوائف الشريفة والنجيبة في المجتمع‪،‬‬
‫المتورعون‪ ،‬والمتنزهون‪ ،‬حّقا إ ّ‬
‫فليس هناك سوى الفساد والنحراف‪ ،‬والمراد من المتورعين في مكاسبهم‪ ،‬الفراد الذين ل يطففون في البيع ول‬
‫يغشون ول يكذبون ول يقسمون بالباطل ول يرابون والذين ينقضون عهودهم ومواثيقهم‪ ،‬فمن يرى المجتمع‬
‫الصالح العامر بالخيار والصلحاء والحرار والسمحاء على أّنهم نماذج المجتمع إّنما يشعر بالمتعاظ ل سّيما إن‬
‫ل منهم الشرار والطلحاء والسرى والبخلء فل يمتلك سوى الصراخ‪ :‬اين ُاولئك العزة؟ كيف خلى‬
‫رأى بد ً‬
‫مكانهم؟‬
‫صِة)‪.«(2‬‬
‫جَلِة اْلُمَنّغ َ‬
‫ن هِذِه الّدْنَيا الّدِنّيِة‪َ ،‬واْلَعا ِ‬
‫عْ‬
‫جِميعًا َ‬
‫ظَعُنوا)‪َ (1‬‬
‫س َقْد َ‬
‫ثم قال المام )عليه السلم(‪َ» :‬أَلْي َ‬
‫صَغارًا ِلَقْدِرِهْم‪،‬‬
‫سِت ْ‬
‫ن‪ ،‬ا ْ‬
‫شَفَتا ِ‬
‫ل َتْلَتِقي ِبَذّمِهُم ال ّ‬
‫حَثاَلة)‪َ (4‬‬
‫ل ِفي ُ‬
‫خِلْقُتْم)‪ِ (3‬إ ّ‬
‫ل ُ‬
‫فأردفها )عليه السلم( بالقول‪َ» :‬وَه ْ‬
‫ن(«‪.‬‬
‫جُعو َ‬
‫ل َوِإّنا ِإَلْيِه َرا ِ‬
‫ن ِذْكِرِهْم! فَـ)ِإّنا ِّ‬
‫عْ‬
‫َوَذَهابًا َ‬
‫وقد انبثقت هذه الظروف العصيبة والفراد المنحطين منذ انحراف الخلفة السلمية عن محورها الصلي وقد‬
‫بلغ المر ذروته على عهد عثمان‪ ،‬فقد فوضت المواقع الحساسة من الحكومة السلمية إلى أصحاب الدنيا‬
‫البعيدين عن الورع والتقوى وقد تغلغلوا في المجتمع السلمي بحيث كان من المتعذر تغييرهم ابان حكومة علي‬
‫)عليه السلم(‪ ،‬كما كان هؤلء الفراد هم السبب لكافة المعارك التي حدثت ضد المام )عليه السلم(‪.‬‬

‫ثم أشار المام )عليه السلم( إلى الوظيفة التي ينبغي أن يقوم بها أصحابه تجاه تلك الظروف والوضاع فقال‪:‬‬
‫عّز‬
‫سِه‪َ ،‬وَتُكوُنوا َأ َ‬
‫ل ِفي َداِر ُقْد ِ‬
‫جاِوُروا ا ّ‬
‫ن ُت َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫جٌر‪َ .‬أَفِبهَذا ُتِريُدو َ‬
‫جٌر ُمْزَد ِ‬
‫ل َزا ِ‬
‫ل ُمْنِكٌر ُمَغّيٌر‪َ ،‬و َ‬
‫ساُد‪َ ،‬ف َ‬
‫ظَهَر اْلَف َ‬
‫»َ‬
‫عْنَدُه؟«‪.‬‬
‫َأْوِلَياِئِه ِ‬
‫‪» .1‬ظعنوا«‪ :‬من مادة »ظعن« السفر والرحيل‪.‬‬
‫‪» .2‬المنغصة«‪ :‬من مادة »نغص« على وزن نقص الكدر وعدم الصفاء ماء الشرب‪ ،‬ثم اطلقت على كدورة العيش ومنه العيش‬
‫المنغص‪.‬‬
‫خّلفُتم« كما لم تذكر إّل في العبارة إّل بذمهم‪.‬‬
‫‪ .3‬وردت هذه المفردة في أغلب شروح نهج البلغة خلقتم التي ل تختلف كثيرًا عن » ُ‬
‫‪» .4‬حثالة«‪ :‬تعني في الصل راسب الدهن ثم استعملت بشأن الفراد الراذل الذين ل شخصية لهم‪.‬‬

‫] ‪[ 249‬‬
‫ن هذا الستفهام إستفهام استنكاري‪ ،‬والمراد على ضوء هذا الوضع الذي سلكتموه وقد سكتم إزاء الفساد أو‬
‫طبعًا إ ّ‬
‫أعنتم عليه‪ ،‬فل من أمر بمعروف ول نهي عن منكر‪ ،‬فليس لكم أن تنالوا القرب اللهي وتكونوا في صفوف أولياء‬
‫عِتِه«‪.‬‬
‫طا َ‬
‫ل ِب َ‬
‫ضاُتُه ِإ ّ‬
‫ل َمْر َ‬
‫ل ُتَنا ُ‬
‫جّنِتِه‪َ ،‬و َ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ل َ‬
‫عا ّ‬
‫خَد ُ‬
‫ل ُي ْ‬
‫ت! َ‬
‫ال‪ ،‬فأكد ذلك بالقول‪َ» :‬هْيَها َ‬
‫فُاولئك المسلمون ظاهرًا ويحسبون في صفوف أهل اليمان لكّنهم راضون بالفساد ساكتون باطنًا‪ ،‬ل يقدرون على‬
‫خداع ال العالم بأسرارهم وأعمالهم‪ ،‬لعلم يخدعون الخرين‪ ،‬بل وأنفسهم لمّدة‪ ،‬ولكن أنى لهم ذلك يوم القيامة يوم‬
‫ل يخفى على ال منهم خافية‪ ،‬فليس أمامهم سوى الندم‪.‬‬
‫ليمـا َ‬
‫ن‬
‫ن ِبالّتحّلي َول ِباّلتمّني ِوَلكن ا ِ‬
‫ورد في الحديث عن النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( أّنه قال‪َ» :‬ليسَ اليمـا ُ‬
‫ل«)‪.(1‬‬
‫لعمـا ُ‬
‫صّدَقُه ا َ‬
‫ب َو َ‬
‫ص ِفي الَقل ِ‬
‫خل َ‬
‫ما َ‬
‫ن اْلُمْنَكِر اْلَعاِمِلي َ‬
‫ن‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫ن َلُه‪َ ،‬والّناِهي َ‬
‫ف الّتاِرِكي َ‬
‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫لِمِري َ‬
‫لا ْ‬
‫نا ّ‬
‫ثم إختتم الخطبة مشددًا في التأكيد فقال‪َ» :‬لَع َ‬
‫ِبِه!«‪.‬‬
‫ن المر بالمعروف‬
‫ن عمل النسان ل يشترط في المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬وبعبارة أخرى فا ّ‬
‫صحيح أ ّ‬
‫ل بالمنكر‪.‬‬
‫والنهي عن المنكر وظيفتان مستقلتان وإن كان نفس النسان تاركًا للمعروف وعام ً‬
‫ف َوإن َلم َتفَعلوهُ َوانُهوا عن الُمنَكِر وإن َلم َتجَتِنُبوا‬
‫كما ورد عن رسول ال )صلى ال عليه وآله(‪ُ» :‬مروا ِبالَمعُرو ِ‬
‫ُكّلُه«)‪.(2‬‬
‫ولكن أن يأمر النسان بالمعروف ول يأتمر به وينهى عن المنكر ول ينتهي عنه بحّد ذاته نوع من النفاق‬
‫الواضح‪ ،‬والمنافق يستحق اللعن واللوم والعقاب‪.‬‬
‫ن اختلف الظاهر والباطن الذي يكون سببًا لخداع الناس وروح النفاق من أسوأ الصفات التي‬
‫وبعبارة أخرى فا ّ‬
‫يحعل النسان يستحق اللعن فيوجب ُبعده عن ال ورحمته‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪ ،66/72‬ح ‪.26‬‬
‫‪ .2‬كنز العمال ‪ ،3/66‬ح ‪.5522‬‬

‫] ‪[ 250‬‬

‫شكوى أهل الزمان‬
‫ل من أن يأخذ بزمام‬
‫ن عليًا )عليه السلم( بد ً‬
‫من المسائل الغاية في الصعوبة والمرارة في التاريخ السلم هو أ ّ‬
‫لمة السلمية بعد رسول ال )صلى ال عليه وآله( لينشر السلم في الشرق والغرب ويحفظ مباد ُ‬
‫ى‬
‫أمور ا ُ‬
‫لّمة السلمية عاشت النحراف عن العدالة والزهد بفعل اضطراب‬
‫السلمية‪ ،‬قد تسلم الحكومة السلمية وا ُ‬
‫عهود الخلفاء ول سّيما عهد عثمان الذي ضاعت فيه القيم السلمية وقد وضعت الموال والمناصب تحت‬
‫ل في المال والثروة والمقام والسيطرة على الناس‪ ،‬وقد‬
‫تصرف حثالة بني أمية وآل مروان‪ ،‬فهم ل يفكرون إ ّ‬
‫انتعشت أغلب مثل الجاهلية‪ ،‬فقد قام المام )عليه السلم( في ظل هذه الظروف العصيبة من أجل إحياء القيم‬
‫السلمية وسّنة رسول ال )صلى ال عليه وآله( وإطفاء فتن الجاهلية‪ ،‬من خلل الحث والتبشير أحيانًا والنذار‬
‫واللوم أحيانًا أخرى‪ ،‬ون خلل الستشهاد بحوادث عصر النبي الكرم )عليه السلم( ومقارنتها بالوضاع‬
‫السائدة‪ ،‬كما يستعين أحيانًا بتاريخ سالف النبياء والعذاب الذي صبّ على العتاة الذين تمردوا عليهم‪ ،‬وهكذا‬
‫أخذت تظهر الفضائل السلمية والنسانية شيئًا فشيئًا بين أصحاب المام )عليه السلم( حتى استقرت وتبلورت‬
‫ن تلك الجواء تعكرت‬
‫بعد أن رويت شجرتها بدم المام )عليه السلم(‪ ،‬وكادت أن تثمر‪ ،‬ولكن مع السف الشديد أ ّ‬
‫بفعل فتن الناكثين والقاسطين والمارقين‪ ،‬وقد بلغت الجريمة بأحدهم لن ينهال بالسيف على رأس المام )عليه‬
‫السلم( لتبقى تلك البرامج ناقصة‪ ،‬فتنشط من جديد الشياطين لتعيث في الرض الفساد‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 251‬‬

‫الخطبة)‪130 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫ل لّما أخرج إلى الربذة‬
‫لبي ذّر رحمه ا ّ‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫لما إنهال أزلم بني أمية وبني مروان على بيت مال المسلمين بتلويح من عثمان فجعلوا ينهبون ما يريدون‪،‬‬
‫لسوة في المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬فأصبح يشكل‬
‫واجههم أبو ذر)رحمه ال( ذلك الصحابي الشجاع وا ُ‬
‫خطرًا جّديا على منافعهم‪ ،‬فأشاروا على عثمان بنفيه إلى ربذة التي تعتبر أسوأ المناطق مناخًا‪ ،‬أّما المام )عليه‬
‫السلم( فقد أراد أن يثبت عدم شرعية هذا الحكم الجائر من جهة‪ ،‬وأن يشد من عزيمة أبي ذر من جهة أخرى‪،‬‬
‫فيعينه على تحمل ما يواجهه من صعوبات‪ ،‬ومن هنا شايع أبي ذر وقد واساه بكلمات رائعة وعميقة وأمله‬
‫بالمستقبل الزاهر الذي ينتظره‪ ،‬كما أضاف ورقة سوداء أخرى إلى سجل بني أمية ومروان المظلم‪.‬‬

‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ذكرها المرحوم الكليني في كتاب »روضة الكافي« باختلف طفيف ويستفاد من ذيلها أن ليس علي )عليه السلم( شيعه إلى الربذة‬
‫فقط‪ ،‬بل شيعه المام الحسن والحسين )عليهما السلم( وعمار )وعقيل حسب بعض الروايات(‪ ،‬وبعبارات رائعة سيأتي بيانها في‬
‫البحاث القادمة )الكافي ‪ ،8/206‬ح ‪ ،(25‬قال صاحب مصادر نهج البلغة بعد الشارة إلى رواية الكافي نقلها ابن أبي الحديد عن‬
‫كتاب »السقيفة« لحمد بن عبدالعزيز الجوهري )مصار نهج البلغة ‪.(2/291‬‬

‫] ‪[ 252‬‬
‫] ‪[ 253‬‬

‫القسم الول‬

‫ك ِفي‬
‫ك‪َ ،‬فاْتُر ْ‬
‫عَلى ِديِن َ‬
‫خْفَتُهْم َ‬
‫عَلى ُدْنَياُهْم‪َ ،‬و ِ‬
‫ك َ‬
‫خاُفو َ‬
‫ن اْلَقْوَم َ‬
‫ت َلُه‪ِ .‬إ ّ‬
‫ضْب َ‬
‫غ ِ‬
‫ن َ‬
‫ج َم ْ‬
‫ل‪َ ،‬فاْر ُ‬
‫ت ِّ‬
‫ضْب َ‬
‫غ ِ‬
‫ك َ‬
‫»َيا َأَبا َذّر‪ِ ،‬إّن َ‬
‫سَتْعَلُم‬
‫ك! َو َ‬
‫عّما َمَنُعو َ‬
‫ك َ‬
‫غَنا َ‬
‫جُهْم ِإَلى َما َمَنْعَتُهْم‪َ ،‬وَما َأ ْ‬
‫حَو َ‬
‫عَلْيِه‪َ ،‬فَما َأ ْ‬
‫خْفَتُهْم َ‬
‫ب ِمْنُهْم ِبَما ِ‬
‫عَلْيِه‪َ ،‬واْهُر ْ‬
‫ك َ‬
‫خاُفو َ‬
‫َأْيِديِهْم َما َ‬
‫ل َلُه‬
‫لا ّ‬
‫جَع َ‬
‫ل َل َ‬
‫عْبد َرْتقًا ُثّم اّتَقى ا ّ‬
‫عَلى َ‬
‫ن َكاَنَتا َ‬
‫ضي َ‬
‫لَر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سمَوا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫سرا]‪َ .‬وَلْو َأ ّ‬
‫سدًا [خ ّ‬
‫حّ‬
‫لْكَثُر ُ‬
‫غدًا‪َ ،‬وا َْ‬
‫ح َ‬
‫ن الّراِب ُ‬
‫َم ِ‬
‫ت ِمْنَها‬
‫ض َ‬
‫ك‪َ ،‬وَلْو َقَر ْ‬
‫حّبو َ‬
‫لَ‬
‫ت ُدْنَياُهْم َ‬
‫ل‪َ .‬فَلْو َقِبْل َ‬
‫طُ‬
‫ل اْلَبا ِ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫شّن َ‬
‫حَ‬
‫ل ُيو ِ‬
‫ق‪َ ،‬و َ‬
‫حّ‬
‫ل اْل َ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫سّن َ‬
‫ل ُيْؤِن َ‬
‫خَرجًا! َ‬
‫ِمْنُهَما َم ْ‬
‫ك«‪.‬‬
‫لّمُنو َ‬
‫َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫أبو ذر)رحمه ال( بطل مقارعة الفساد‬
‫ن المام )عليه السلم( أورد هذا الكلم حين نفي أبو ذر من قبل عثمان إلى الربذة‪ ،‬جاء في الخبر‪:‬‬
‫كما ذكرنا فا ّ‬
‫لما أخرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان‪ ،‬فنودي في الناس أل يكلم أحد أبا ذر ول يشيعه‪ ،‬وأمر مروان بن الحكم‬
‫ل أخاه وحسنًا وحسينًا‬
‫ل علي بن أبي طالب)عليه السلم(وعقي ً‬
‫حى عنه الناس إ ّ‬
‫أن يخرج به‪ ،‬فخرج به‪ ،‬وتن ّ‬
‫)عليهما السلم( وعمارًا )رحمه ال(‪ ،‬فاّنهم خرجوا معه يشيعونه‪ ،‬فجعل الحسن )عليه السلم(يكلم أبا ذر‪ ،‬فقال‬
‫ن أمير المؤمنين )عثمان( قد نهى عن كلم هذا الرجل‪ ،‬فان كنت ل تعلم فاعلم ذلك‪،‬‬
‫مروان إيها حسن أل تعلم أ ّ‬
‫ح لحالك ال إلى النار‪ ،‬فرجع‬
‫فحمل علي )عليه السلم( على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته وقال‪ :‬تن ّ‬
‫مروان مغضبًا إلى عثمان فأخبره الخبر)‪.(1‬‬
‫‪ .1‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪.8/252‬‬

‫] ‪[ 254‬‬

‫وهنا وقف أبو ذر )رحمه ال( فودعه القوم‪ ،‬وخطب المام )عليه السلم( بهذه الكلمات التي تتضمن كل واحدة‬
‫منها نقطة مهّمة بهدف مواساة أبي ذر وتحمله المصاعب التي ستواجهه في المستقبل‪ ،‬فقد أشار )عليه السلم( إلى‬
‫ت َلُه«‪.‬‬
‫ضْب َ‬
‫غ ِ‬
‫ن َ‬
‫ج َم ْ‬
‫ل‪َ ،‬فاْر ُ‬
‫ت ِّ‬
‫ضْب َ‬
‫غ ِ‬
‫ك َ‬
‫ل‪َ»:‬يا َأَبا َذّر‪ِ ،‬إّن َ‬
‫ست نقاط فقال أو ً‬
‫أّما قوله )عليه السلم( فارج من غضبت له ولم يقل ارج ال‪ ،‬فالواقع بّين المام )عليه السلم( دليل ذلك المل‪،‬‬
‫ن ذلك الشخص سيقف إلى جانبه‪.‬‬
‫ن كل شخص يغضب لخر بالنسبة لشيء يؤذيه‪ ،‬فمن الطبيعي أ ّ‬
‫لّ‬
‫عَلْيِه‪َ ،‬واْهُر ْ‬
‫ب‬
‫ك َ‬
‫خاُفو َ‬
‫ك ِفي َأْيِديِهْم َما َ‬
‫ك‪َ ،‬فاْتُر ْ‬
‫عَلى ِديِن َ‬
‫خْفَتُهْم َ‬
‫عَلى ُدْنَياُهْم‪َ ،‬و ِ‬
‫ك َ‬
‫خاُفو َ‬
‫ن اْلَقْوَم َ‬
‫وقال في الثانية‪ِ» :‬إ ّ‬
‫عَلْيِه«‪.‬‬
‫خْفَتُهْم َ‬
‫ِمْنُهْم ِبَما ِ‬
‫إشارة إلى أّنهم شعروا بالخطر على حكومتهم ومنافعهم المادية إثر صراحة كلمك في المر بالمعروف والنهي‬
‫عن المنكر‪ ،‬فلم يستطيعوا تحمل وجودك في المدينة‪ ،‬لكّنك قاطعتهم ولم تقبل بذلهم‪ ،‬وذلك لّنك شعرت بالخطر‬
‫على دينك‪ ،‬فلما قمت بوظيفتك واطلعت الناس على أعمال هؤلء الحكام‪ ،‬فاتركهم واهرب بدينك وإيمانك‪.‬‬
‫غدًا‪،‬‬
‫ح َ‬
‫ن الّراِب ُ‬
‫سَتْعَلُم َم ِ‬
‫ك! َو َ‬
‫عّما َمَنُعو َ‬
‫ك َ‬
‫غَنا َ‬
‫جُهْم ِإَلى َما َمَنْعَتُهْم‪َ ،‬وَما َأ ْ‬
‫حَو َ‬
‫ثم قال المام )عليه السلم(‪َ» :‬فَما َأ ْ‬
‫سدًا«‪ ،‬فهم بحاجة إلى دينك‪ ،‬الدين الذي لم تكن مستعدًا للتضحية به من أجل دنياهم‪ ،‬لكّنك لست بحاجة‬
‫حّ‬
‫لْكَثُر ُ‬
‫َوا َْ‬
‫إلى دنياهم وإن منعوها عنك)‪ ،(1‬والعبارة »وستعلم‪ «...‬مواساة أخرى لبي ذر فعمر الدنيا قصير كأنه ويوم وغدا‬
‫تقوم القيامة‪ ،‬أنذاك سيفتضح الظلمة عبدة الدنيا ويغبطون التقياء على درجاتهم العالية‪ ،‬ثم ضاعف من ذلك‬
‫جَع َ‬
‫ل‬
‫ل َل َ‬
‫عْبد َرْتقًا)‪ُ (2‬ثّم اّتَقى ا ّ‬
‫عَلى َ‬
‫ن َكاَنَتا َ‬
‫ضي َ‬
‫لَر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سمَوا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫الرجاء في قلب أبي ذر فقال في الثالثة‪َ» :‬وَلْو َأ ّ‬
‫خَرجًا!«‪.‬‬
‫ل َلُه ِمْنُهَما َم ْ‬
‫ا ّ‬
‫ث َ‬
‫ل‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫خَرجًا * َوَيْرُزْقُه ِم ْ‬
‫ل َلُه َم ْ‬
‫جَع ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫قا َ‬
‫ن َيّت ِ‬
‫ن هذه العبارة إشارة إلى الية الشريفة‪َ) :‬وَم ْ‬
‫والواقع هو أ ّ‬
‫ب()‪.(3‬‬
‫س ُ‬
‫حَت ِ‬
‫َي ْ‬
‫‪ .1‬وعليه تفسير »ما« بالموصولة بمعنى الدين لّنهم أرادوا أن يستفيدوا من دين أبي ذر لصالح دنياهم‪ ،‬فحال أبو ذر دون ذلك‪ ،‬كما‬
‫ن هناك تقديرًا في العبارة حيث يكون المعنى ما أحوجهم إلى الدين‪ ،‬الدين الذي حذرت عليه‬
‫يحتمل أن يكون الدين بصورة مطلقة‪ ،‬إّل أ ّ‬
‫من إفسادهم له‪.‬‬
‫‪» .2‬رتق«‪:‬إلتحام شيء بآخر وتعني في العبارة إغلق طرق الخلص والفرار‪.‬‬
‫‪ .3‬سورة الطلق ‪ 2 /‬ـ ‪.3‬‬

‫] ‪[ 255‬‬
‫ل«‪.‬‬
‫طُ‬
‫ل اْلَبا ِ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫شّن َ‬
‫حَ‬
‫ل ُيو ِ‬
‫ق‪َ ،‬و َ‬
‫حّ‬
‫ل اْل َ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫سّن َ‬
‫ل ُيْؤِن َ‬
‫ثم قال في الرابعة والخامسة‪َ » :‬‬
‫فليكن أنسك في الحق ول تخشى شيئًا مادمت في هذا السبيل‪ ،‬ولتكن وحشتك من الباطل وإّنك لسعيد مادمت هارباً‬
‫من الباطل‪ ،‬فل ضير عليك إّنك قمت ل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر في ال‪ ،‬فلو قبلت دنياهم وعاونتهم‬
‫في نيل أطماعهم المادية لحّبوك‪ ،‬ولو أخذت من ذلك شيئًا وهادنتهم لمنوك‪ ،‬ولذا قال في السادسة‪َ» :‬فَلْو َقِبْل َ‬
‫ت‬
‫ك«‪ ،‬فهم تجار ظلمة ذائبون في الدنيا وأهل معاملة فيها‪ ،‬فمن وافق‬
‫لّمُنو َ‬
‫ت)‪ِ (1‬مْنَها َ‬
‫ض َ‬
‫ك‪َ ،‬وَلْو َقَر ْ‬
‫حّبو َ‬
‫لَ‬
‫ُدْنَياُهْم َ‬
‫على مظالمهم وهادنهم بقبول سهم من أموالهم‪ ،‬أحّبوه وقّدسوه ودافعوا عن ماله وعرضه‪.‬‬
‫فعبارته )عليه السلم( مواساة لبي ذر من جانب وصاعقة شديدة على الحكام الظلمة من جانب آخر‪ ،‬فالحق أن‬
‫نفي »أبوذر« ذلك العبد الصالح والزاهد الورع كان نموذجًا للمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان وصمة عار‬
‫ن لسان ذلك الصحابي الجليل يعدل مئة ألف سيف‪.‬‬
‫في جبين الحكام الظلمة وأعوانهم‪ ،‬فقد كانوا يعلمون أ ّ‬
‫—–‬

‫تأّملت‬
‫‪ 1‬ـ من هو أبو ذر)رحمه ال(‬
‫تعتبر حياة أبي ذر مليئة بالحداث مقارنة بحياة سائر صحابة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( والتي يمكنها أن‬
‫تكون أسوة لكافة المجاهدين في سبيل الحق طيلة التاريخ البشري‪ ،‬ول غرو فحياته إقتباس من حياة موله رسول‬
‫ال )صلى ال عليه وآله( وعلي )عليه السلم( مع فارق بسيط هو أّنه خضع لظروف صعبة جّدا‪ ،‬لكّنه لم يتوان‬
‫قط في المر بالمعروف والنهي عن المنكر الوقوف بوجه الظلمة والفساد‪ ،‬وإليك جانب من سيرته‪:‬‬
‫اسمه جندب وأبوه جنادة)‪ (2‬وأسماه رسول ال عبدال‪ ،‬ينسب إلى طائفة معروفة من طوائف‬
‫‪» .1‬قرضت«‪ :‬من مادة »قرض« تعني في الصل قطع الشيء ومن هنا يقال المقراض للمقص‪ ،‬كما يقال القرض لما يعطى من مال‪،‬‬
‫ووردت في العبارة المذكورة بمعنى قطعت منها جزءًا من المال لنفسك‪ ،‬ومهادنة الظالمين‪.‬‬
‫‪ .2‬روت أغلب المصادر »جندب وجنادة« بضم الجيم‪ ،‬وكنيته أبو ذر‪ ،‬حيث كان له ولد بهذا السم‪.‬‬

‫] ‪[ 256‬‬
‫العرب وهى بني غفار‪ ،‬كانت له ضيعة أطراف مّكة‪ ،‬سمع ببعث النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( فاتجه إلى‬
‫مّكة‪ ،‬فلما دخل المسجد رأى فيه طائفة من قريش وهى تتحدث عن رسول ال )صلى ال عليه وآله( وهى تسبه‬
‫وتشتمه‪ ،‬فدخل أبو طالب‪ ،‬فقالوا‪ :‬إسكتوا هذه عّمه‪ ،‬عرف أبو ذر‪ ،‬أبا طالب‪ ،‬فلما خرج من المسجد تبعه فالتفت‬
‫إلى أبو طالب وسأله هل من حاجة؟ قال‪ُ :‬اريد اليمان بالنبي )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬فقال له أبو طالب تعال هنا‬
‫غدًا‪ ،‬فقضى أبو ذر ليلته في المسجد الحرام‪ ،‬وفي اليوم التالي إلتقى حمزة‪ ،‬ثم تعرف بجعفر وعلي وأخيرًا حمله‬
‫علي )عليه السلم( إلى النبي )صلى ال عليه وآله( فأسلم وآمن طواعية‪.‬‬
‫ثم أمره رسول ال )صلى ال عليه وآله( بالرجوع إلى أهله وقال له‪ :‬فان لك ابن عم قد توفي وليس به وارث‬
‫غيرك فاستعن بتلك الموال حتى يؤذن لي بالدعوة العلنية آنذاك عد إلينا‪ ،‬كان أبو ذر من أوائل من أسلم‪ ،‬وإلتحق‬
‫بالنبي الكرم )صلى ال عليه وآله( بعد غزوة بدر وأحد و الخندق وحين أنفق كل ما لديه في سبيل ال‪ ،‬وقد‬
‫وصفه النبي )صلى ال عليه وآله( بصّديق الّمة وشبيه عيسى بن مريم‪.‬‬
‫لمة المجلسي)رحمه ال( في كتاب »عين الحياة« يستفاد من مصادر الفريقين أّنه لم يكن من بين الصاحبة‬
‫قال الع ّ‬
‫بعد المعصومين من هو أجل قدرًا من سلمان و أبي ذر والمقداد وقد قال فيه رسول ال )صلى ال عليه وآله(‪:‬‬
‫ث َوحَدُه‬
‫ت َوحَدُه َوُيبَع ُ‬
‫ش َوحَدهُ َوَيُمو ُ‬
‫ق ِمن َأِبي َذر َيعي ُ‬
‫جة َأصَد ُ‬
‫عَلى ِذي َله َ‬
‫ت الَغبَراُء َ‬
‫ت الخضَراُء ول َأَقّل ِ‬
‫ظّل ِ‬
‫»َما أ َ‬
‫جّنَة َوحَدُه«)‪.(1‬‬
‫ل ال َ‬
‫خِ‬
‫َوَيد ُ‬
‫—–‬
‫لزم أبو ذر رسول ال )صلى ال عليه وآله( في المدينة‪ ،‬ولّما ولى عثمان الخلفة وأعطى مروان من بيت المال‪،‬‬
‫سِبي ِ‬
‫ل‬
‫ل ُينِفُقوَنَها ِفي َ‬
‫ضَة َو َ‬
‫ب َواْلِف ّ‬
‫ن الّذَه َ‬
‫ن َيْكِنُزو َ‬
‫جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع‪َ) :‬واّلِذي َ‬
‫ل‪.(2)(...‬‬
‫ا ِ‬
‫في إشارة إلى عثمان وبطانته الذين أخذوا ينهبون بيت مال المسلمين‪ ،‬كان أبو ذر يردد تلك الية ويرفع بها‬
‫صوته‪ ،‬فرفع ذلك مرارًا إلى عثمان وهو ساكت‪ ،‬ولم تمض مّدة حتى صعب على الخليفة وبطانته تحمل كلم أبي‬
‫ذر‪ ،‬فأرسل إليه عثمان مولى من مواليه أن إنته عّما بلغني عنك‪ ،‬فقال أبو ذر‪ :‬أو ينهاني عثمان عن قراءة كتاب‬
‫ال تعالى؟ فوال لن أرضي ال بسخط عثمان‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.22/298‬‬

‫‪ .2‬سورة التوبة ‪.34 /‬‬

‫] ‪[ 257‬‬
‫ي وخير لي من أن أسخط ال برضا عثمان‪ ،‬فأغضب ذلك عثمان وأحفظه‪ ،‬فتطاير وتماسك‪ ،‬إلى أن قال‬
‫ب إل ّ‬
‫أح ّ‬
‫يومًا والناس حوله‪ :‬أيجوز للمام أن يأخذ من المال شيئًا قرضًا‪ ،‬فاذا أيسر قضى؟ وكان في المجلس كعب الحبار‬
‫وأبو ذر‪ ،‬فقال كعب الحبار‪ :‬ل بأس بذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أبو ذر‪ :‬يابن اليهودية أتعلمنا ديننا؟ )فمثل هذه المور ل تجوز‬
‫في بيت مال المسلمين( فقال عثمان‪ :‬قد كثر أذاك وتولعك بأصحابي‪ ،‬إلحق بالشام‪ ،‬فأخرجه إليها‪.‬‬
‫ولم يسكت أبو ذر في الشام حين شاهد الخضراء التي بناها معاوية في دمشق إلى جانب البيوت المتواضعه‬
‫للفقراء من الناس والمحرومين‪ ،‬فقال لمعاوية‪ :‬يا معاوية إن كانت هذه من مال ال فهى الخيانة‪ ،‬وإن كانت من‬
‫مالك فهى السراف‪ ،‬وال لقد حدثت أعمال ما أعرفها‪ ،‬وال ما هى في كتاب ال ول سّنة نبّيه‪ ،‬وال إّني لرى حقًا‬
‫ل يحيا‪ ،‬وصادقًا مكذبًا‪ ،‬وأثرة بغير تقى‪ ،‬وصالحًا مستأثرًا عليه‪ ،‬فثقل ذلك الكلم على معاوية‪ ،‬فكتب‬
‫يطفأ وباط ً‬
‫إلى عثمان‪ ،‬فكتب عثمان أن إحمل جندبًا إلي على أغلظ مركب وأوعره حتى قدم به المدينة‪.‬‬
‫—–‬
‫فلما دخل أبو ذر)رحمه ال( على عثمان‪ ،‬سعى عثمان لن يضطره للقول بخلف ما يريد فقال له‪ :‬أنت الذي‬
‫ن الغِنياء«‪ ،‬فقال أبو ذر‪ :‬لو كنتم ل تقولون هذا لنفقتم مال ال على عباده‪،‬‬
‫ل َفِقيٌر َوَنح ُ‬
‫نا َ‬
‫تزعم أنا نقول‪ِ» :‬إ ّ‬
‫لا ِ‬
‫ل‬
‫جَعُلوا مـا َ‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫جً‬
‫ن َر ُ‬
‫ص َثلِثي َ‬
‫ولكّني أشهد أّني سمعت رسول ال )صلى ال عليه وآله( يقول‪ِ» :‬إذا َبَلَغ َبنو العـا ِ‬
‫ل«‪ ،‬فقال عثمان لمن حضر‪ :‬أسمعتموها من رسول ال )صلى ال عليه وآله(؟‬
‫ل‪َ ،‬وِديَنُه َدخ ً‬
‫خو ً‬
‫عباَدُه ِ‬
‫ل‪َ ،‬و ِ‬
‫ُدو ً‬
‫قالوا‪ :‬ل؟ قال عثمان‪ :‬ويلك يا أبا ذر! أتكذب على رسول ال )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬ثم قال‪ :‬ادعوا لي عليًا‪ ،‬فما‬
‫جاء قال عثمان لبي ذر‪ :‬اقصص عليه حديثك في بني العاص‪ ،‬فأعاده‪ ،‬فقال عثمان لعلي أسمعت هذا من رسول‬
‫ال )صلى ال عليه وآله( قال‪ :‬ل; وقد صدق أبو ذر‪ ،‬فقال‪ :‬كيف عرفت صدقه؟ قال‪ :‬لّني سمعت رسول ال‬
‫ق ِمن َأِبي َذر‪ .«...‬فقال‬
‫جة َأصَد ُ‬
‫عَلى ِذي َله َ‬
‫ت الَغبَراُء َ‬
‫ت الخضَراُء ول َأَقّل ِ‬
‫ظّل ِ‬
‫)صلى ال عليه وآله(‪ ،‬يقول‪َ» :‬ما أ َ‬
‫من حضر‪ :‬أما هذا فقد سمعناه كّلنا من رسول ال )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬فندم عثمان‪.‬‬
‫ن عثمان بعث غلمين بمئتي دينار إلى أبي ذر وقال‪:‬‬
‫وجاء في الخبر عن المام الصادق )عليه السلم( قال‪» :‬إ ّ‬
‫ن عثمان يقرأك السلم وبعث بهذا المال لتستعن به على معيشتك‪ ،‬فقال أبو ذر‪:‬‬
‫قول له إ ّ‬
‫] ‪[ 258‬‬
‫ن عثمان يقول إّنه من خاصة مالي ولم يخالطه‬
‫فهل أعطى سائر المسلمين‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬فقال‪ :‬ل حاجة لي به‪ ،‬قال‪ :‬إ ّ‬
‫الحرام‪ ،‬فلم يقبل أبو ذر وقال‪ :‬إّنني لغنى الناس بولية علي بن أبي طالب‪ ،‬فعودا بالمبلغ إليه وال يحكم بيني‬
‫وبينه«)‪.(1‬‬
‫وأخيرًا ضاق عثمان ذرعًا بأبي ذر واستشار من حوله‪ ،‬فأشاروا عليه بنفيه من المدينة‪ ،‬فاختار أبو ذر الشام‬
‫والعراق‪ ،‬فلم يوافقوه حيث كانوا يخشون منه‪ ،‬إلى انتهى بهم المر لنفيه إلى الربذة)‪ (2‬المعروفة بسوء أحوالها‬
‫ومناخها حتى توفي فيها‪ ،‬ولم يكن لديه حتى الكفن مّرت‬
‫جماعة وفيهم مالك الشتر فأخبرتهم بنته في الطريق‪ ،‬فكفنوه وصلى عليه صحابي رسول ال)صلى ال عليه‬
‫وآله( عبدال بن مسعود‪ ،‬ثم دفنوه)‪.(3‬‬
‫—–‬

‫‪ 2‬ـ أبو ذر )رحمه ال( والشتراكية‬
‫لقد سعى البعض من المتعصبين بدافع حّبه لمعاوية وبني أمية أو لفرط ذوبانه في عثمان لثارة بعض الغبار على‬
‫ن عثمان‬
‫شخصية أبي ذر‪ ،‬وذلك لعدم إمكانية الجمع بين كون أبا ذر من أولياء ال أّنه أصدق من على الرض وأ ّ‬

‫ن أبا ذر ل يؤمن‬
‫خليفة المسلمين ومعاوية من الصحابة‪ ،‬ومن هنا فلم يروا أخف وطأة عليهم من أبي ذر فقالوا‪ :‬إ ّ‬
‫بالملكية الفردية وكانت له نزعة اشتراكيه‪.‬‬
‫وقال الرزكلي في كتاب »العلم في أبي ذر«‪» :‬ولعله أول اشتراكي طادرته الحكومات«)‪.(4‬‬
‫وهذا في الوقت الذي لم يتطرق فيه أبو ذر قط إلى نفي الملكية الفردية‪ ،‬بل شدد من حملته ضد الثرياء كمعاوية‬
‫ممن يوزعون الثروة بصورة غير عادلة‪ ،‬ولذلك لم يكن يشن مثل هذه‬
‫‪ .1‬بحار النوار ‪.22/398‬‬
‫ن الربذة من القرى الواقعة أطراف المدينة حيث تبعد عنها ثلثة أميال )حدود ‪ 150‬كيلومتر(‪.‬‬
‫‪ .2‬ورد في معجم البلدان أ ّ‬
‫‪ .3‬لخصت هذه المطالب من عّدة كتب معروفة كشرح نهج البلغة لبن أبي الحديد‪ ،‬وشرح المرحوم التستري‪ ،‬وشرح المرحوم‬
‫الخوئي‪ ،‬وبحار النوار‪.‬‬
‫‪ .4‬العلم للزركلي‪ ،‬ذيل كلمة جندب‪.‬‬

‫] ‪[ 259‬‬
‫الحملت على عهد الخيفة الول والثاني‪ ،‬قال البعض وردت عبارة »مال ال« في كلمات أبي ذر‪ ،‬فاستفادو منها‬
‫لمة‬
‫نفيه للملكية الخاصة‪ ،‬والحال التعبير بمال ال عن بيت المال هو تعبير متداول وسائد‪ ،‬فقد صّرح المرحوم الع ّ‬
‫ن التعبير بمال ال كثير في أقوال‬
‫الميني في المجلد الثامن من الغدير حين نقل نعت أبي ذر بالشتراكية أ ّ‬
‫الصحابة‪ ،‬ثم نقل عّدة روايات عن عمر عّبر فيها صريحًا بمال ال‪ ،‬كما وردت عّدة روايات عن أمير المؤمنين‬
‫علي )عليه السلم( عّبر فيها بمال ال)‪.(1‬‬
‫ل شك أّنه يمكن التعبير عن تلك الموال بمال ال‪ ،‬بل يمكن اطلق مال ال حتى على الموال الشخصية للناس‪،‬‬
‫ل اّلِذي آَتاُكْم‪.(2)(...‬‬
‫لا ِ‬
‫ن َما ِ‬
‫فقد جاء في القرآن الكريم مثل هذه التعبير‪َ) :‬وآُتوُهْم ِم ْ‬

‫والدهى من كل ذلك لجنة فتوى الزهر قد أصدرت فتوى عام ‪ 1367‬ق تحت تأثير بعض المتعصبين في نفي‬
‫الشيوعية لتنقل عقيدة أخرى لبي ذر وحكمت ببطلنها لتعتبرها معلولة لبعده عن مبادىء السلم‪ ،‬وهى أّنه كان‬
‫يعتقد بوجوب اعطاء المال الزائد عن حاجته إلى أهل الحاجة ول ينبغي أن يحتفظ بتلك الموال‪ ،‬قال المرحوم‬
‫الميني بعد ذكره لهذه الفتوى لو ُاوكل شيخ الزهر مطالعة هذه المسألة لمن هو أعرف بأبي ذر وحكموا فيها‬
‫ن ليس هناك مثل هذه العقيدة لبي ذر‪ ،‬والسوأ من ذلك ماذكروه من عذر لبي ذر بعدم‬
‫بعيدًا عن التعصب‪ ،‬لعلم أ ّ‬
‫معرفة بمبادىء السلم‪ ،‬وهذا ما يضحك الثكلى ويبكي كل مسلم غيور‪ ،‬فهل يصح مثل هذا الكلم بشأن صحابي‬
‫جليل قضى شرطًا من حياته مع رسول ال )صلى ال عليه وآله( وقد شّبهه النبي الكرم )صلى ال عليه وآله(‬
‫ن أبا ذر ثقة عند بعض‬
‫بعيسى خلقًا وخلقًا)‪ ،(4‬والطريف في المر أ ّ‬
‫‪ .1‬الغدير ‪.8/343‬‬
‫‪ .2‬سورة النور ‪.33 /‬‬
‫‪ .3‬سورة التوبة ‪.34 /‬‬
‫‪ .4‬الغدير ‪ 8/312‬و ‪.363‬‬

‫] ‪[ 260‬‬

‫المحدثين كالبخاري ومسلم حيث نقلوا عنه ‪ 81‬حديثًا)‪ ،(1‬وهذا بدوره يكشف عن مدى بعد لجنة فتوى الزهر عن‬
‫الحقيقة‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ 3‬ـ العاقبة المريرة لبي ذر‬
‫ل‪ ،‬ولكن يبدو من الضروري ذكر هذه النقطة في‬
‫ن الحديث في أبي ذر وما لم يقال فيه لكثير ويتطلب كتابًا مستق ً‬
‫إّ‬
‫ن ما منح أبي ذر القوة والصلبة وأرعب خصومه هو زهده الممزوج بصراحة لسانه‪ ،‬فهم لم يستطيعوا‬
‫أّ‬
‫العتراض عليه لزهده من جانب‪ ،‬ومن جانب آخر لم يطيقوا تحمل صراحته‪ ،‬وإليك نموذج من ذلك‪.‬‬
‫لم بن جندل الغفاري قال‪ :‬كنت غلمًا لمعاوية على قنسرين والعواصم‬
‫روى ابن أبي الحديد عن الجاحظ عن ج ّ‬
‫في خلفة عثمان‪ ،‬فجئت إليه يومًا أسأله عن حال عملي‪ ،‬إذا سمعت صارخًا على باب داره يقول‪ :‬أتتكم القطار‬
‫بحمل النار )إشارة إلى الجمال التي كانت تحمل أموال بين المال(‪ ،‬الّلهم إلعن المرين بالمعروف التراكين به‪،‬‬
‫لم أتعرف الصارخ؟ فقلت‪:‬‬
‫الّلهم إلعن الناهين عن المنكر المرتكبين له‪ ،‬فازبأر معاوية وتعّير لونه وقال‪ :‬يا ج ّ‬
‫الّلهم ل‪ .‬قال‪ :‬من عذيري من جندب بن جنادة‪ ،‬يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت! ثم قال‪ :‬أدخلوه‬
‫ي‪ ،‬فجيئى بأبي ذر بين قوم يقودونه‪ ،‬حتى وقف بين يديه‪ ،‬فقال له معاوية‪ :‬يا عدّو ال وعدّو رسوله تأتينا كل‬
‫عل ّ‬
‫ل من أصحاب محمد من غير أذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك‪،‬‬
‫ويوم فتصنع ما تصنع‪ ،‬أّما لو أني كنت قاتل رج ً‬
‫ولكني أستاذن فيك‪ .‬فقال أبو ذر‪ :‬ما أنا بعدّو ل ول لرسوله‪ ،‬بل أنت وأبوك عدّوان ل ولرسوله‪ ،‬أظهرتما السلم‬
‫وأبطنتما الكفر‪ ،‬ولقد لعنك رسول ل )صلى ال عليه وآله( ودعا عليك مرات أل تشبع‪ ..‬فغضب معاوية وأمر‬
‫بحبسه وكتب إلى عثمان فيه‪ ،‬فكتب عثمان إلى معاوية أن إحمل جندبًا على أغلظ مركب وأوعره‪ ،‬فوجه به مع‬
‫ل قتب‪ ،‬حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من‬
‫من سار به الليل والنهار‪ ،‬وحمله على شارف ليس عليها إ ّ‬
‫الجهد‪ ،‬ثم نفاه عثمان إلى الربذة)‪.(2‬‬
‫‪ .1‬العلم للرزكلي ‪.2/140‬‬
‫‪ .2‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪.8/257‬‬

‫] ‪[ 261‬‬
‫ونختتم هذا البحث بحديث نبوي شريف ورد في كتاب أسد الغابة‪ ،‬فقد أسلم أبو ذر لثلث سنوات قبل البعثة‪ ،‬وكان‬
‫ق وإرن َكا َ‬
‫ن‬
‫حّ‬
‫ل ال َ‬
‫عَلى َأن َيُقو َ‬
‫ل َلوَمَة لِئم َو َ‬
‫خُذُه ِفى ا ِ‬
‫ن ل َتأ ُ‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫يعبد ال‪َ» :‬وَباَيع الّنِبي )صلى ال عليه وآله( َ‬
‫مّرا«)‪.(1‬‬
‫—–‬

‫‪ 4‬ـ كلمات المّودعين لبي ذر‬
‫ل وحسنًا وحسينًا )عليهم السلم(وعمارًا)رحمه ال( قد ودعوا أبا ذر إلى جانب‬
‫ن عقي ً‬
‫جاء في الكتب التاريخية أ ّ‬
‫علي )عليه السلم( وكل قال في وداعه كلمة‪ ،‬فققد قال عقيل‪:‬‬
‫»ما عسى أن نقول يا أبا ذر وأنت تعلم إّنا ُنحّبك‪ ،‬وَأنت ُتحّبنا! فاتق ال فان التقوى نجاة واصبر فان الصبر‬
‫كرم«‪.‬‬
‫ثم تكّلم الحسن )عليه السلم( فقال‪:‬‬

‫»يا عّماه‪ ،‬لول أّنه ينبغي للمودع أن يسكت‪ ،‬وللمشّيع أن ينصرف‪ ،‬لقصر الكلم وإن طال السف‪ ،‬وقد أتى القوم‬
‫إليك ما ترى‪ ،‬فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها‪ ،‬وشّدة ما إشتد منها برجاء ما بعدها‪ ،‬واصبر حتى تلقى نبّيك )صلى‬
‫ال عليه وآله( وهو عنك راض«‪.‬‬
‫ثم تكّلم الحسين )عليه السلم( فقال‪:‬‬
‫»يا عّماه‪ ،‬إن ال تعالى قادر أن يغير ما قد ترى‪ ،‬وال كل يوم هو في شأن‪ ،‬وقد منعك القوم دنياهم‪ ،‬ومنعتهم‬
‫دينك‪ ،‬فما أغناك عّما منعوك وأحوجهم إلى منعتهم‪ ،‬فأسأل ال الصبر والنصر‪ ،‬واستعذ به من الجشع والجزع‪،‬‬
‫ن الصبر من الدين والكرم‪.«...‬‬
‫فا ّ‬
‫ثم تكّلم عمار )رحمه ال( فقال‪» :‬ل آنس ال من أوحشك‪ ،‬ول آمن من أخافك‪ ،‬أما وال لو أردت دنياهم لمنوك‪،‬‬
‫ل الرضا بالدنيا‪ ،‬والجزع من الموت‪ ،‬مالوا إلى ما‬
‫ولو رضيت أعمالهم لحّبوك‪ ،‬وما منع الناس أن يقولوا بقولك إ ّ‬
‫سلطان جماعتهم عليه‪ ،‬والملك لمن غلب‪ ،‬فوهبوا لهم دينهم‪ ،‬ومنحهم القوم دنياهم‪ ،‬فخسروا الدنيا والخرة‪ ،‬أل‬
‫ذلك هو الخسران المبين«‪.‬‬
‫‪ُ .1‬اسد الغابة ‪.1/301‬‬

‫] ‪[ 262‬‬
‫فبكى أبو ذر )رحمه ال( وكان شيخًا كبيرًا‪ ،‬وقال‪ :‬رحمكم ال يا أهل بيت الرحمة إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول ال‬
‫ل ال صاحبًا‪ ،‬وما أخشى مع ال‬
‫)صلى ال عليه وآله(‪ ،‬ما لي بالمدينة سكن ول شجن غيركم‪ ،‬وال ما أريد إ ّ‬
‫وحشة‪ ،‬توكلت على ال والصلة والسلم على رسول ال وآله)‪.(1‬‬
‫—–‬

‫‪ .1‬الكافي ‪ ،8/208‬بتصرف‪ ،‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪.8/253‬‬

‫] ‪[ 263‬‬

‫الخطبة)‪131 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫وفيه يبّين سبب طلبه الحكم ويصف المام الح ّ‬
‫ق‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫أشار المام علي )عليه السلم( في هذا الكلم إلى عّدة مطالب‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ قبوله الحكومة من أجل رفع راية الدين والعدل في المجتمع السلمي وإصلح البلد وأمان العباد واستقرار‬
‫المظلومين‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ أشار )عليه السلم( في جانب آخر من الخطبة إلى الختلفات الفكرية لصحابه فقال‪ :‬ل يمكن بسط العدل في‬
‫ظل هذه الظروف واعطاء الحقوق إلى أصحابها‪ ،‬ويستحيل بلوغ هذه الهداف ما لم تتحد قلوبكم وتتفق أعمالكم‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ خاض )عليه السلم( في تعريف نفسه فقال‪ :‬أني أول من سمع رسول ال )صلى ال عليه وآله( فآمنت به‪ ،‬ولم‬
‫ل رسول ال )صلى ال عليه وآله( بالصلة‪.‬‬
‫يسبقني إ ّ‬
‫‪ 4‬ـ أشار في القسم الخير من الخطبة إلى صفات الزعيم المقتدر‪ ،‬فعدد أوصافه بكل دّقة‪ ،‬وهى الوصاف التي‬
‫يؤّدي توفرها في الزعيم السلمي إلى الديمومة والثبات‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫أشار ابن الجوزي في »تذكرة الخواص« إلى هذه الخطبة وقال‪ :‬ابتدأ المام هذه الخطبة حين استوى على منبر الكوفة بالقول‪ :‬الحمد‬
‫ل وأومن به ثم خطب الخطبة‪ ،‬وأورد القاضي نعمان الفصل الخير من الخطبة في المجلد الثاني من »دعائم السلم«‪ ،‬كما أشار إلى‬
‫ن الخطبة وردت في‬
‫بعضها ابن أثير في »النهاية« في مادة ظار ومادة دعا )مصادر نهج البلغة ‪ (2/295‬وتدّل هذه المصادر على أ ّ‬
‫عّدة كتب قبل السيد الرضي‪.‬‬

‫] ‪[ 264‬‬
‫] ‪[ 265‬‬

‫القسم الول‬

‫ق َوَأْنُتْم‬
‫حّ‬
‫عَلى اْل َ‬
‫ظَأُرُكْم َ‬
‫عُقوُلُهْم‪َ ،‬أ ْ‬
‫عْنُهْم ُ‬
‫شاِهَدُة َأْبَداُنُهْم‪َ ،‬واْلَغاِئَبُة َ‬
‫شّتَتُة‪ ،‬ال ّ‬
‫ب اْلُمَت َ‬
‫خَتِلَفُة‪َ ،‬واْلُقُلو ُ‬
‫س اُْلم ْ‬
‫»َأّيُتَها الّنُفو ُ‬
‫ق««‪.‬‬
‫حّ‬
‫ج اْل َ‬
‫جا َ‬
‫عِو َ‬
‫ل‪َ ،‬أْو ُأِقيَم ا ْ‬
‫سَراَر اْلَعْد ِ‬
‫طَلَع ِبُكْم َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ت َأ ْ‬
‫سِد! َهْيَها َ‬
‫لَ‬
‫عِة ا َْ‬
‫عَو َ‬
‫ن َو ْ‬
‫عْنُه ُنُفوَر اْلِمْعَزى ِم ْ‬
‫ن َ‬
‫َتْنِفُرو َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫لستم من الصحاب الخيار‬
‫من الحوادث الليمة في التاريخ السلمي أن يبتلى إمام عالم وكفوء مقتدر كعلي )عليه السلم( بناس جّهال وعبدة‬
‫للهواء يعيشون النتاحر والفرقة‪ ،‬فقد كانوا وسائل سيئة لقامة حكومة الحق والعدل‪ ،‬وقد رأينا منذ بداية الكتاب‬
‫ن المام علي )عليه السلم(كان يتألم بشّدة من هذا المر وكان دائم‬
‫لحّد الن في مختلف خطب نهج البلغة أ ّ‬
‫الشكوى‪ ،‬باحثًا عن مختلف الساليب لعلج أمراضهم النفسية والخلقية‪ ،‬فقد قال )عليه السلم( مستهلً هذه‬
‫عُقوُلُهْم«‪.‬‬
‫عْنُهْم ُ‬
‫شاِهَدُة َأْبَداُنُهْم‪َ ،‬واْلَغاِئَبُة َ‬
‫شّتَتُة‪ ،‬ال ّ‬
‫ب اْلُمَت َ‬
‫خَتِلَفُة‪َ ،‬واْلُقُلو ُ‬
‫س اُْلم ْ‬
‫الخطبة‪َ» :‬أّيُتَها الّنُفو ُ‬
‫لمم‪ ،‬أل وهو الختلف والتشتت‬
‫فقد ركز المام )عليه السلم( هنا على الجذور الصلية لداء المجتمعات وا ُ‬
‫شاِهَدُة َأْبَداُنُهم‪ «...‬إشارة إلى حضورهم الجسماني في‬
‫والذي يؤّدي إلى النزاعات وهدر الطاقات‪ ،‬والعبارة‪» :‬ال ّ‬
‫المجتمع وغيابهم الفكري والروحي عن الحوادث الخطيرة التي تصيب المجتمع‪ ،‬أّما أهمية هذا الموضوع فقد‬
‫دفعت بالمام إلى ذكر مثل هذه العبارات مع اختلف طفيف في الخطب الخرى‪ ،‬كالذي ورد في الخطبة ‪ 29‬و‬
‫خَتِلَفُة َأْهَواُؤُهْم«‪.‬‬
‫جَتِمَعُة َأْبَداُنُهْم‪ ،‬واُْلم ْ‬
‫‪ 97‬حيث قال في الولى‪َ» :‬أّيَها الّناس‪ ،‬اُْلم ْ‬
‫] ‪[ 266‬‬
‫خَتِلَفُة َأْهَواُؤُهْم«‪.‬‬
‫عُقوُلُهْم‪ ،‬اُْلم ْ‬
‫عْنُهْم ُ‬
‫شاِهَدُة َأْبَداُنُهْم‪ ،‬اْلَغاِئَبُة َ‬
‫وقال في الثانية‪َ» :‬أّيَها اْلَقْوُم ال ّ‬
‫سِد!«‪،‬‬
‫لَ‬
‫عِة)‪(3‬ا َْ‬
‫عَو َ‬
‫ن َو ْ‬
‫عْنُه ُنُفوَر اْلِمْعَزى)‪ِ (2‬م ْ‬
‫ن َ‬
‫ق َوَأْنُتْم َتْنِفُرو َ‬
‫حّ‬
‫عَلى اْل َ‬
‫ظَأُرُكْم)‪َ (1‬‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪َ» :‬أ ْ‬
‫ن »ظأر« جاءت في اللغة بمعنى القابلة‪ ،‬فهى تشير إلى مراده أّني كالقابلة الشفيقة‬
‫العبارة »أظأركم« بالنظر إلى أ ّ‬
‫قد رويتكم على الدوام من عين الحق الجياشة‪ ،‬لكّنكم كنتم تفرون من ذلك دائمًا‪ ،‬تفرون فراركم من السد‪ ،‬وهذه‬
‫عِة‬
‫عَو َ‬
‫أسوأ حالة يمكن أن تعرض لنسان فينفر من الحق ويهرب منه بالشكل الذي يفوق التصور‪ ،‬والعبارة »َو ْ‬
‫ن هذا الحيوان على درجة من الجبن‬
‫سِد!« يعني إ ّ‬
‫لَ‬
‫عِة ا َْ‬
‫عَو َ‬
‫سِد!«‪ ،‬تعبير رائع فلم يقل »من السد« بل قال »َو ْ‬
‫لَ‬
‫ا َْ‬
‫بحيث ل ينظر إلى أطرافه ليرى هل هو أسد أم ل‪ ،‬بل يهرب لمجّرد سماعه الصوت‪ ،‬وهذا هو حال بعض‬
‫الحيوانات التي تهرب إذا سمعت زئير السد مهما كانت المسافة بعيدة في الصحراء‪.‬‬
‫ق«‪.‬‬
‫حّ‬
‫ج اْل َ‬
‫جا َ‬
‫عِو َ‬
‫ل‪َ ،‬أْو ُأِقيَم ا ْ‬
‫سَراَر)‪ (5‬اْلَعْد ِ‬
‫طَلَع)‪ِ (4‬بُكْم َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ت َأ ْ‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪َ» :‬هْيَها َ‬
‫قطعًا ليس للحق من إعوجاج ليراد قيامه‪ ،‬والمراد يخلطونه بالباطل وقد سعى أئمة الهدى)عليهم السلم( لتخليص‬
‫الحق من شوائب الباطل‪ ،‬كما ليس في العدل من ظلمة ليجلوها عنه‪ ،‬فالظلم الذي غالبًا ما يخالط العدل ويلبسه‬
‫ن إزالة الظلمة عن العدالة وتمييز الباطل عن الحق‪ ،‬يتطلب أعوانًا وأنصارًا من أهل الوعي‬
‫على حال ل شك أ ّ‬
‫والتضحية‪ ،‬ولم يكن للجهال والغدرة المشتتين كأهل الكوفة من قدرة للستعانة بهم في إزالة الظلمات وتسوية‬
‫العوجاجات‪ ،‬وهذا داء دوي عرض لمام عادل وشجاع كعلي بن أبي طالب )عليه السلم(‪.‬‬
‫—–‬

‫‪» .1‬أظأر«‪ :‬من مادة »ظأر« على وزن ضرب تعني في الصل المراقبة والمواظبة على الشيء ولما كان عمل القابلة الرضاع‬
‫ومراقبة الطفل فقد استعملت هذه المفردة لها‪.‬‬
‫‪» .2‬المعزى«‪ :‬بمعنى السخلة في مقابل الضأن بمعنى الخروف‪.‬‬
‫‪» .3‬وعوعة«‪ :‬بمعنى الضراخ والضجة والزئير‪ ،‬وتطلق على الموات المتداخلة‪.‬‬
‫‪» .4‬اطلع«‪ :‬لها معنى اللزم وهو الطلوع والظهور وكذلك معنى المتعدي‪ ،‬وهنا بالنظر لسرار مفعولها فقد وردت متعدية‪ ،‬والباء في‬
‫بكم للستعانة أو السبب‪.‬‬
‫‪» .5‬سرار«‪ :‬من مادة »سر« تعني في الصل آخر ليلة من الشهر »ليلة المحاق التام( ويراد بها شّدة الظلمة‪.‬‬

‫] ‪[ 267‬‬

‫العوامل الرئيسية للفشل‬
‫أشرنا سابقًا إلى إبتلء المام )عليه السلم( بالصحاب الذين اعتادوا الحياة المرفهة والدعة والراحة‪ ،‬وقد اعتمدوا‬
‫مختلف الذارئع للهروب من الجهاد ومقاتلة العدو‪ ،‬وقد سعى المام )عليه السلم(جاهدًا لتطهير روحيتهم من هذه‬
‫الدران عن طريق الحث والتشجيع تارة واللوم والعتاب والذم تارة أخرى‪.‬‬
‫وقد أشار في هذه الخطبة إلى نقاط ضعفهم ليخلصها في ثلث هى الختلف و التشتت وغياب العقل والهروب‬
‫من الواقع‪ ،‬ثم صّرح إثر ذلك‪ :‬كيف يمكن تطهير المجتمع من رواسب بني أمية وعناصرهم المنافقة المتبقية من‬
‫عصر الجاهلية وإقامة الحق وتسوية العوج‪ ،‬وأنتم بهذه الحوال‪.‬‬
‫وكما أراده المام )عليه السلم( في هذه الخطبة قانون كلي دائم يحكم كل عصر ومصر ويصدق في المشاريع‬
‫لمة المتحدة الواعية التي تستقبل الحق وتعمل به مهما كان مريرًا‪.‬‬
‫السياسية والجتماعية والعسكرية‪ ،‬وهى ا ُ‬
‫—–‬
‫] ‪[ 268‬‬
‫] ‪[ 269‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ن ِلَنِرَد‬
‫طاِم‪َ ،‬ولِك ْ‬
‫حَ‬
‫ل اْل ُ‬
‫ضو ِ‬
‫ن ُف ُ‬
‫ىء ِم ْ‬
‫ش ْ‬
‫س َ‬
‫ل اِْلتَما َ‬
‫طان‪َ ،‬و َ‬
‫سْل َ‬
‫سًة ِفي ُ‬
‫ن ِمّنا ُمَناَف َ‬
‫ن اّلِذي َكا َ‬
‫ك َتْعَلُم َأّنُه َلْم َيُك ِ‬
‫»الّلُهّم ِإّن َ‬
‫ك‪ .‬الّلُهّم ِإّني‬
‫حُدوِد َ‬
‫ن ُ‬
‫طَلُة ِم ْ‬
‫ك‪َ ،‬وُتَقاَم اْلُمَع ّ‬
‫عَباِد َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ظُلوُمو َ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫ك‪َ ،‬فَيْأَم َ‬
‫لِد َ‬
‫ح ِفي ِب َ‬
‫لَ‬
‫صَ‬
‫ل ْ‬
‫ظِهَر ا ِْ‬
‫ك‪َ ،‬وُن ْ‬
‫ن ِديِن َ‬
‫اْلَمَعاِلَم ِم ْ‬
‫لِة«‪.‬‬
‫صَ‬
‫ل)صلى ال عليه وآله( ِبال ّ‬
‫لا ّ‬
‫سو ُ‬
‫ل َر ُ‬
‫سِبْقِني ِإ ّ‬
‫ب‪َ ،‬لْم َي ْ‬
‫جا َ‬
‫سِمَع َوَأ َ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫ن َأَنا َ‬
‫ل َم ْ‬
‫َأّو ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الهدف هو إقامة الحق وبسط العدل‬
‫بّين المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة أهداف الحكومة السلمية ـ ومنها حكومته ـ بعبارات غاية‬
‫ك َتْعَلُم َأّنُه َلْم َيُك ِ‬
‫ن‬
‫في الروعة والدقة ليضمنها دروسًا خالدة لجميع الحّكام المؤمنين والمخلصين فقال‪» :‬الّلُهّم ِإّن َ‬
‫طاِم«‪.‬‬
‫حَ‬
‫ل اْل ُ‬
‫ضو ِ‬
‫ن ُف ُ‬
‫ىء ِم ْ‬
‫ش ْ‬
‫س َ‬
‫ل اِْلتَما َ‬
‫طان‪َ ،‬و َ‬
‫سْل َ‬
‫سًة)‪ِ (1‬في ُ‬
‫ن ِمّنا ُمَناَف َ‬
‫اّلِذي َكا َ‬
‫لمة على الخلفة‪ ،‬أو إشارة إلى المعارك التي وقعت بينه‬
‫رّبما كانت هذه العبارة إشارة إلى أصل قبول بيعة ا ُ‬
‫وبين العداء في صفين وأمثالها‪ ،‬وهى تعكس الهداف الرئيسية لحّكام الستبداد الذين يهدفون إلى أمرين‪:‬‬
‫الحصول على المنصب مهما كان الثمن والستيلء على الموال أينما كانت ومن أي كان‪ ،‬والواقع ليس ذلك‬

‫سوى حب الجاه وحب المال الذي ساد تاريخ البشر واجتاح حتى الحكومات المستبدة‪ ،‬وقد أثبت المام )عليه‬
‫السلم( عمليًا ما قال‪ ،‬فقد‬
‫‪» .1‬منافسة«‪ :‬تعني في الصل سعي فردين يريد كل منهما الظفر بشيء نفيس يمتلكه الخر‪ ،‬فالواقع هى مسابقة شريفة بين فردين‬
‫من أجل بلوغ كمال من الكمالت‪ ،‬ولكن قد تستعمل هذه المفردة في الموارد السلبية‪ ،‬كما تستعمل بشأن الفراد الذين يتسابقون من‬
‫أجل نيل المال والمقام‪ ،‬والمراد بها في الخطبة المعنى الثاني‪.‬‬

‫] ‪[ 270‬‬
‫اشترط على المام )عليه السلم( من قبل الشورى التي عينها عمر نيل الخلفة شريطة النحراف عن مسار‬
‫رسول ال )صلى ال عليه وآله( فلم يستجب المام )عليه السلم( كما وقف بقّوة بوجه طلحة والزبير وما قدماه‬
‫من اقتراح ليس بصواب‪ ،‬كيف يستجيب لهما المام )عليه السلم( هو يرى الدنيا كعطفة عنز‪ ،‬ثم بّين المام‬
‫ك‪،‬‬
‫لِد َ‬
‫ح ِفي ِب َ‬
‫لَ‬
‫صَ‬
‫ل ْ‬
‫ظِهَر ا ِْ‬
‫ك‪َ ،‬وُن ْ‬
‫ن ِديِن َ‬
‫ن ِلَنِرَد)‪ (1‬اْلَمَعاِلَم ِم ْ‬
‫أهدافه الربعة من أجل قبول الحكومة وهى‪َ» :‬ولِك ْ‬
‫ك«‪.‬‬
‫حُدوِد َ‬
‫ن ُ‬
‫طَلُة ِم ْ‬
‫ك‪َ ،‬وُتَقاَم اْلُمَع ّ‬
‫عَباِد َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ظُلوُمو َ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫َفَيْأَم َ‬
‫فالواقع أشار المام )عليه السلم( في العبارات الربع التي أوردها كدافع أصلية لقبول البيعة‪ ،‬إلى برامجه‬
‫المعنوية في الحكومة ومشاريعه المادية والظاهرية‪ ،‬فلبّد في الدرجة الولى من إعادة معالم الدين التي تعين‬
‫للناس مسيرتها نحو ال سبحانه وقد اندثرت بفعل الحكومات المستبدة‪ ،‬ومن ثم الصلحات في كافة الشؤون‬
‫الجتماعية والسياسية والقتصادية والخلقية‪ ،‬ونصرة المظلوم من الظالم وإجراء الحدود اللهّية بحيث يشعر‬
‫المظلومون بالمن والستقرار حقًا‪ ،‬وإن كان هذه الهداف الربعة هى مراد الحكومات لعاشت المجتمعات‬
‫السعادة والمادية والمعنوية‪ ،‬وإن كان هدفهم الحصول على المناصب ونيل الموال والثروات‪ ،‬فليست هناك من‬
‫نتيجة سوى الفساد والظلم وتعطيل الحدود اللهّية ومحو الخلق والدين‪ ،‬وهذا بحّد ذاته درس لجميع المسلمين‬
‫في كافة الزمنة والعصور‪ ،‬وهذه هى المور التي ذكرها القرآن الكريم كأهداف لبعثة النبياء وتشكيل الحكومة‬
‫لّمّيي َ‬
‫ن‬
‫ث ِفي ا ُْ‬
‫السلمية‪ ،‬فقد ذكر التعليم والتهذيب والنجاة من الظلل المبين كهدف للبعثة فقال‪ُ) :‬هَو اّلِذي َبَع َ‬
‫لل ُمِبين()‪ ،(2‬كما ذكر‬
‫ضَ‬
‫ل َلِفي َ‬
‫ن َقْب ُ‬
‫ن َكاُنوا ِم ْ‬
‫حْكَمَة َوِإ ْ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫عَلْيِهْم آَياِتِه َوُيَزّكيِهْم َوُيَعّلُمُهْم اْلِكَتا َ‬
‫سول ِمْنُهْم َيْتُلو َ‬
‫َر ُ‬
‫ب َواْلِميَزا َ‬
‫ن‬
‫ت َوَأْنَزْلَنا َمَعُهْم اْلِكَتا َ‬
‫سَلَنا ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫سْلَنا ُر ُ‬
‫في موضع آخر هذا الهدف المتمثل ببسط العدل والقسط‪َ) :‬لَقْد َأْر َ‬
‫لةَ َوآَتْوا الّزَكاَة َوَأَمُروا ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫ف‬
‫صَ‬
‫ض َأَقاُموا ال ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ن َمّكّناُهْم ِفي ا َْ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫ط‪ ،(3)(...‬كما قال‪) :‬اّلِذي َ‬
‫سِ‬
‫س ِباْلِق ْ‬
‫ِلَيُقوَم الّنا ُ‬
‫لُموِر()‪.(4‬‬
‫عاِقَبُة ا ُْ‬
‫ل َ‬
‫ن اْلُمْنَكِر َو ِ‬
‫عْ‬
‫َوَنَهْوا َ‬
‫ن هذه المفردة »لَنِرَد« من مادة وورد قد وردت خطأ في نسخة نهج البلغة لصبحي والصحيح لنرد بالتشديد من مادة الرد‬
‫‪ .1‬يبدو أ ّ‬
‫بمعنى العادة‪ ،‬كما وردت كذلك في أغلب نسخ نهج البلغة‪.‬‬
‫‪ .2‬سورة الجمعة ‪.2 /‬‬
‫‪ .3‬سورة الحديد ‪.25 /‬‬
‫‪ .4‬سورة الحج ‪.41 /‬‬

‫] ‪[ 271‬‬
‫ثم إختتم المام )عليه السلم( هذا المقطع من الخطبة بذكر شهادة واضحة على صدق قوله بالنسبة لداوفعه في‬
‫ل )صلى ال عليه وآله(‬
‫لا ّ‬
‫سو ُ‬
‫ل َر ُ‬
‫سِبْقِني ِإ ّ‬
‫ب‪َ ،‬لْم َي ْ‬
‫جا َ‬
‫سِمَع َوَأ َ‬
‫ب‪َ ،‬و َ‬
‫ن َأَنا َ‬
‫ل َم ْ‬
‫قبول البيعة فقال‪» :‬الّلُهّم ِإّني َأّو ُ‬
‫لِة«‪.‬‬
‫صَ‬
‫ِبال ّ‬
‫ن السلم كان غريبًا آنذاك‪ ،‬والرسول لوحده وليس إلى جانبه سوى خديجة )عليها السلم( زوجته‬
‫إشارة إلى أ ّ‬
‫الوفية‪ ،‬فكان الجهر بالسلم إزاء المشركين المتعصبين غاية في الخطورة‪ ،‬فقد بايع رسول ال )صلى ال عليه‬
‫وآله( وإنقاد له‪ ،‬فكان أول من إلتحق به‪ ،‬ولم يكن هّمه سوى طاعة ال سبحانه وإحياء الحق والتوحيد والعدل‪،‬‬
‫ومازال ذلك الهدف هوالدافع له من أجل قبول البيعة‪.‬‬

‫ليس هناك من خلف بين علماء الفريقين بشأن خديجة على أّنها أول إمرأة أمنت بالنبي الكرم )صلى ال عليه‬
‫ن عليًا )عليه السلم( أول من آمن به من الرجال‪ ،‬وإن تذرع البعض من علماء العاّمة بصغر سن علي‬
‫وآله( وأ ّ‬
‫حين أمن‪ ،‬ليسقطوا عنه تلك الفضيلة ويلصقوها بالخرين‪ ،‬ولكن يتضح خواء هذه الذريعة من خلل قبول النبي‬
‫الكرم )صلى ال عليه وآله( لسلم علي )صلى ال عليه وآله( وأبعد من ذلك تسميته بوصّيه في يوم الدار)‪.(1‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬ورد شرح إسلم علي )عليه السلم( وأّنه أول من أسلم في أغلب مصادر الفريقين والرد على التخرصات في المجلد الثالث من هذا‬
‫الكتاب‪ ،‬والمجلد التاسع‪ ،‬ص ‪ 326‬من نفحات القرآن‪.‬‬

‫] ‪[ 272‬‬
‫] ‪[ 273‬‬

‫القسم الثالث‬

‫ل‪َ ،‬فَتُكو َ‬
‫ن‬
‫خي ُ‬
‫ن اْلَب ِ‬
‫سِلِمي َ‬
‫حَكاِم‪َ ،‬وِإَماَمِة اْلُم ْ‬
‫لْ‬
‫ج َوالّدَماِء َواْلَمَغاِنِم َوا َْ‬
‫عَلى اْلُفُرو ِ‬
‫ن اْلَواِلي َ‬
‫ن َيُكو َ‬
‫ل َيْنَبِغي َأ ْ‬
‫عِلْمُتْم َأّنُه َ‬
‫»َوَقْد َ‬
‫خَذ َقْومًا ُدو َ‬
‫ن‬
‫ل َفَيّت ِ‬
‫ف ِللّدَو ِ‬
‫حاِئ ُ‬
‫ل اْل َ‬
‫جَفاِئِه‪َ ،‬و َ‬
‫طَعُهْم ِب َ‬
‫جاِفي َفَيْق َ‬
‫ل اْل َ‬
‫جْهِلِه‪َ ،‬و َ‬
‫ضّلُهْم ِب َ‬
‫ل َفُي ِ‬
‫جاِه ُ‬
‫ل اْل َ‬
‫ِفي َأْمَواِلِهْم َنْهَمُتُه‪َ ،‬و َ‬
‫لّمَة«‪.‬‬
‫ك ا ُْ‬
‫سّنِة َفُيْهِل َ‬
‫ل ِلل ّ‬
‫طُ‬
‫ل اْلُمَع ّ‬
‫طِع‪َ ،‬و َ‬
‫ن اْلَمَقا ِ‬
‫ف ِبَها ُدو َ‬
‫ق‪َ ،‬وَيِق َ‬
‫حُقو ِ‬
‫ب ِباْل ُ‬
‫حْكِم َفَيْذَه َ‬
‫شي ِفي اْل ُ‬
‫ل اْلُمْرَت ِ‬
‫َقْوم‪َ ،‬و َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫شرائط حّكام العدل‬
‫خاض المام في المقطع الخير من الخطبة في بيان خصائص ولة العدل ودعاة الحق حيث أشار إلى ست‬
‫صفات من صفاتهم‪ ،‬وهكذا يختتم هذه الخطبة التي أوردها بشأن الحكومة السلمية‪ ،‬والحذير بالذكر أنه استهل‬
‫الكلم بالعبارة »وقد علمتم« حيث يرى اللتزام بهذه الصفات من المور العقلية الواضحة والمسلمة التي يعرفها‬
‫عَلى‬
‫ن اْلَواِلي َ‬
‫ن َيُكو َ‬
‫ل َيْنَبِغي َأ ْ‬
‫عِلْمُتْم َأّنُه َ‬
‫كل شخص‪ ،‬أو على القل ينبغي معرفتها من كل شخص‪ ،‬فقال‪َ» :‬وقَْد َ‬
‫ن ِفي َأْمَواِلِهْم َنْهَمُتُه)‪.«(1‬‬
‫ل‪َ ،‬فَتُكو َ‬
‫خي ُ‬
‫ن اْلَب ِ‬
‫سِلِمي َ‬
‫حَكاِم‪َ ،‬وِإَماَمِة اْلُم ْ‬
‫لْ‬
‫ج َوالّدَماِء َواْلَمَغاِنِم َوا َْ‬
‫اْلُفُرو ِ‬
‫ن هذه المور تشكل أصول الحياة الفردية والجتماعية للناس وهى الفروج‪ ،‬والرواح‪ ،‬والموال‪،‬‬
‫والواقع هو أ ّ‬
‫والقوانين‪ ،‬وإدارت الدولة التي ينبغي لللمام المدّبر والواسع الفاق والعادل المنصف أن يؤّدي حقوقها جميعًا‪،‬‬
‫فتأمن الّمة على أرواحها وأموالها وأعراضها‪،‬‬
‫‪» .1‬النهمة«‪ :‬تعني في الصل الحاجة وشّدة الحب لشيء والمبالغة في الحرص عليه‪.‬‬

‫] ‪[ 274‬‬

‫لمة وإمامتها إلى الصالحين من أفرادها‪ ،‬فان كان إمام الخلق بخيلً‬
‫وتطبق القوانين والحكام وتوكل زعامة ا ُ‬
‫اقتصرت هّمته وشهوته على جمع الموال وضحى بكل شيء من أجل بلوغ هذا الهدف‪ ،‬فل من أمن واستقرار‪،‬‬
‫ول من احترام للقوانين والحكام‪.‬‬
‫ن العلم بالحكام‬
‫جْهِلِه«‪ ،‬فل شك أ ّ‬
‫ضّلُهْم ِب َ‬
‫ل َفُي ِ‬
‫جاِه ُ‬
‫ل اْل َ‬
‫ثم قال )عليه السلم( في بيان الصفة الثانية‪َ» :‬و َ‬
‫والموضوعات والساليب الصحيحة تعّد من أهم دعائم الحكومة وليس للجّهال من الفراد قدرة إدارة شؤون‬
‫لمة إلى المجهول بجهلهم‪.‬‬
‫الحكومة وإن صفت نّيتهم واتصفوا بالورع و التقوى‪ ،‬فهم يقودون ا ُ‬
‫جَفاِئِه«‪ ،‬فمن أبرز صفات والي العدل‬
‫طَعُهْم ِب َ‬
‫جاِفي)‪َ (1‬فَيْق َ‬
‫ل اْل َ‬
‫وقال )عليه السلم( في بيان الصفة الثالثة‪َ» :‬و َ‬
‫ن رسول ال )صلى ال عليه وآله( قد استقطب القلوب البعيدة عن‬
‫العطف والمحّبة والسماحة والمدارسة‪ ،‬ونعلم بأ ّ‬
‫ت َلُهْم‬
‫ل ِلْن َ‬
‫نا ِ‬
‫حَمة ِم ْ‬
‫الحق بهذه الشفقة والمحّبة‪ ،‬وهذه رحمة إلهّية كبرى كما وصفها القرآن الكريم بالقول‪َ) :‬فِبَما َر ْ‬
‫ك‪.(2)(...‬‬
‫حْوِل َ‬
‫ن َ‬
‫ضوا ِم ْ‬
‫لْنَف ّ‬
‫ب َ‬
‫ظ اْلَقْل ِ‬
‫غِلي َ‬
‫ظا َ‬
‫ت َف ّ‬
‫َوَلْو ُكْن َ‬
‫ن َقْوم«‪ ،‬وهذا هو البلء الذي‬
‫خَذ َقْومًا ُدو َ‬
‫ل)‪َ (4‬فَيّت ِ‬
‫ف)‪ِ (3‬للّدَو ِ‬
‫حاِئ ُ‬
‫ل اْل َ‬
‫ثم قال )عليه السلم( في الصفة الرابعة‪َ» :‬و َ‬
‫أصاب عثمان‪ ،‬وقد سّدد الضربات المهلكة للمجتمع السلمي بحيث ل يمكن معالجتها‪ ،‬فقد أغدق أموال بيت‬
‫المال المسلمين على قرابته وبطانته ومتملقيه‪ ،‬مّما أّدى إلى قيام المظلومين عليه حتى قتلوه فظهرت الخلفات‬
‫العظيمة بين الناس آنذاك وما زالت أثارها باقية‪.‬‬
‫طِع)‬
‫ن اْلَمَقا ِ‬
‫ف ِبَها ُدو َ‬
‫ق‪َ ،‬وَيِق َ‬
‫حُقو ِ‬
‫ب ِباْل ُ‬
‫حْكِم َفَيْذَه َ‬
‫شي ِفي اْل ُ‬
‫ل اْلُمْرَت ِ‬
‫ثم قال )عليه السلم( في الصفة الخامسة‪َ» :‬و َ‬
‫‪ ،«(5‬فأهم عامل للحكم بالظلم والجور هو الرشوة التي يقدمها أصحاب الثراء والقدرة فيغيرون مسار القضاء‬
‫ليصدر أحكامه لصالحهم ضد أصحاب الحق فيحولون دون إجراء الحق والعدل‪.‬‬
‫‪» .1‬الجافي«‪ :‬من مادة »جفاء« تعني قي الصل العنف وأخذ الشيء‪.‬‬
‫‪ .2‬سورة آل عمران ‪.159 /‬‬
‫‪» .3‬الحائف«‪ :‬من مادة »حيف« بمعنى الظلم والجور وتعني في الصل النحراف في الحكم التمييز‪.‬‬
‫‪» .4‬دول«‪ :‬جمع »دولة« بمعنى المال‪.‬‬
‫‪» .5‬المقاطع«‪ :‬جمع »مقطع« بمعنى أخر كل شيء‪ ،‬كما تطلق هذه المفردة أحيانًا على الحدود اللهّية التي تنتهي بجرم المجرمين‬
‫ن القاضي إن كان مرتشيًا فاّنه ل يأذن باجراء حدود ال تعالى‪.‬‬
‫وقد وردت بهذا المعنى في العبارة‪ ،‬وفي إشارة إلى أ ّ‬

‫] ‪[ 275‬‬
‫ل فالقوياء يحفظون حقوقهم‪ ،‬وإن تسللت هذه الرشوة إلى‬
‫طبعًا فلسفة القوانين والمحاكم حفظ حقوق الضعفاء‪ ،‬وإ ّ‬
‫المحكمة ونفذت إلى ذهن القاضي والتي ل يقوى على دفعها سوى الثرياء والقوياء‪ ،‬فعندما تسلب قدرة الضعفاء‬
‫على الدفاع فتضيع حقوقهم‪ ،‬وهذا هو المر الذي نشهده في كافة أنحاء عالمنا المعاصر‪ ،‬ومن الضروري اللتفات‬
‫ل أخرى كتصفية الحسابات السياسية‬
‫ن الرشوة ل تقتصر على الجانب المالي‪ ،‬فقد تتخذ أشكا ً‬
‫إلى هذه النقطة أ ّ‬
‫والوصول إلى المناصب والمقامات والشهوات الجنسية والمدح الكاذب وأمثال ذلك‪ ،‬وهكذا تتحرك عجلة المحكمة‬
‫باتجاه الظلم والجور‪.‬‬
‫لّمَة«‪ ،‬طبعًا يمكن أن يكون المراد‬
‫ك ا ُْ‬
‫سّنِة َفُيْهِل َ‬
‫ل ِلل ّ‬
‫طُ‬
‫ل اْلُمَع ّ‬
‫وقال )عليه السلم( في الصفة السادسة الخيرة‪َ» :‬و َ‬
‫بالسّنة سّنة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( أو السنن والقوانين التي أمضاها ال في عالم الخلقة أوالسنين‬
‫لّمِة«‪،‬‬
‫صُدوُر هِذِه ُْ‬
‫ل ِبَها ُ‬
‫عِم َ‬
‫حًة َ‬
‫صاِل َ‬
‫سّنًة َ‬
‫ض ُ‬
‫ل َتْنُق ْ‬
‫الجتماعية الحسنة التي أشير إليها في عهد مالك الشتر‪َ» :‬و َ‬
‫أو جميعها وإن بدا المعنى الول هو القرب‪.‬‬
‫—–‬

‫آفة الحكومات‬
‫كما ورد في بداية هذه الخطبة‪ ،‬فهى تتألف في الواقع من ثلثة أقسام مرتبطة مع بعضها تمامًا‪ ،‬الول ذم المام‬
‫)عليه السلم( القوى الجاهزة التي ينبغي لها أن تنشط في إقامة الحق والعدل‪ ،‬لكّنها عاشت الضعف والجز بفعل‬
‫الختلف وعدم توظيف العقل والفكر‪ ،‬ثم أشار إلى أهداف ودوافع حكومة العدل السلمية والنسانية‪ ،‬بينما ذكر‬
‫آخر الخطبة الركان الصلية لمواصفات حّكام العدل‪ ،‬طبعًا إن كانت القوى المؤمنة والمتحدة من جانب‪،‬‬
‫ن ذلك سيؤّدي إلى‬
‫والهداف والدوافع المقّدسة والوالي الذي يتحلى بالصفات الست المذكورة من جانب آخر‪ ،‬فا ّ‬
‫قيام حكومة من شأنها حفظ المن والستقرار وإحياء القيم النسانية‪ ،‬وبالعكس لو‪:‬‬
‫حل البخل بدل الكرم‪.‬‬
‫والجهل بدل العلم‪.‬‬
‫] ‪[ 276‬‬
‫والعنف بدل الرأفة والرحمة‪.‬‬
‫وخاض الحّكام في البذخ ونهب الموال والثروات والتمييز والظلم والجور‪ ،‬وتسللت الرشوة إلى الجهاز‬
‫القضائي‪ ،‬وعطلت السنن الحسنة‪ ،‬فتتأسس حكومة فاسدة ينعدم فيها الدين كما تزول فيها الدنيا‪ ...‬ويا له من درس‬
‫وعبرة لحّكام الحق‪–— .‬‬

‫] ‪[ 277‬‬

‫الخطبة)‪132 (1‬‬

‫خطَبة لُه )عليه السلم(‬
‫ن ُ‬
‫َوِم ْ‬

‫يعظ فيها ويزّهد في الدنيا‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫تشمتل هذه الخطبة كما ورد في عنوانها على المواعظ والرشادت والنصائح والوصية بالزهد في الدنيا‪ ،‬وتتألف‬
‫من أربعة أقسام هى‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ حمد ال والثناء عليه مع ذكر صفات ال سبحانه الخاصة والشهادة الخالصة للنبي )صلى ال عليه‬
‫وآله(بالنبوة‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ إشارة إلى انتهاء الجل وسلخ النسان من كافة ممتلكاته التي حازها في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫لمم السالفة‪ ،‬وُاولئك الذين جمعوا الموال والثروات‪ ،‬فكان عاقبة دورهم أن أصبحت‬
‫‪ 3‬ـ لزوم العتبار بحياة ا ُ‬
‫قبورهم‪ ،‬كما خّلفوا للخرين أزواجهم وأموالهم‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ ضرورة اغتنام فرض الدنيا وإعداد المتاع والزاد للخرة‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫نقلها بصورة متفرقة المدي ـ من علماء القرن الخامس ـ في كتاب »الغرر«‪ ،‬ويفهم من اختلفها مع ما ورد في نهج البلغة أّنها‬
‫كانت في مصدر آخر غير نهج البلغة‪ ،‬كما أشار ابن الثير المتوفى عام ‪ 606‬هـ في »النهاية« إلى جوانب من هذه الخطبة )مصادر‬
‫نهج البلغة ‪.(2/298‬‬

‫] ‪[ 278‬‬
‫] ‪[ 279‬‬

‫القسم الول‬

‫سِريَرة‪ .‬الَعاِلُم ِبَما ُتِك ّ‬
‫ن‬
‫ل َ‬
‫ضُر ِلُك ّ‬
‫حا ِ‬
‫خفِّية‪َ ،‬واْل َ‬
‫ل َ‬
‫ن ِلُك ّ‬
‫طُ‬
‫عَلى َما َأْبَلى َواْبَتَلى ‪ .‬اْلَبا ِ‬
‫طى ‪َ ،‬و َ‬
‫عَ‬
‫خَذ َوَأ ْ‬
‫عَلى َما َأ َ‬
‫حَمُدُه َ‬
‫»َن ْ‬
‫سّر‬
‫ق ِفيَها ال ّ‬
‫شَهاَدًة ُيَواِف ُ‬
‫جيُبُه [نجّيه] َوَبِعيُثُه َ‬
‫حّمدًا َن ِ‬
‫ن ُم َ‬
‫غْيُرُه‪َ ،‬وَأ ّ‬
‫ل ِإلَه َ‬
‫ن َ‬
‫شَهُد َأ ْ‬
‫ن‪َ .‬وَن ْ‬
‫ن اْلُعُيو ُ‬
‫خو ُ‬
‫صُدوُر‪َ ،‬وَما َت ُ‬
‫ال ّ‬
‫ن«‪.‬‬
‫سا َ‬
‫ب الّل َ‬
‫ن‪َ ،‬واْلَقْل ُ‬
‫لَ‬
‫عَ‬
‫لْ‬
‫ا ِْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫صفات ال الخاصة‬
‫خَذ‬
‫عَلى َما َأ َ‬
‫حَمُدُه َ‬
‫استهل المام )عليه السلم( الخطبة بحمد ال والثناء عليه وذكر أوصافه الخاصة فقال‪َ» :‬ن ْ‬
‫عَلى َما َأْبَلى َواْبَتَلى«‪.‬‬
‫طى ‪َ ،‬و َ‬
‫عَ‬
‫َوَأ ْ‬

‫ن وفور النعمة سبب الغرور‬
‫ن سلب النعمة قد يكون نفسه نعمة‪ ،‬ل ّ‬
‫على كل حال يستفاد من العبارات المذكورة أ ّ‬
‫ن الحمد تجاه سلب النعم علمة على التسليم المطلق لمشيئة‬
‫والبتعاد عن ال ومقاطعة الخلق‪ ،‬أضف إلى ذلك فا ّ‬
‫ال‪.‬‬
‫ثم أشار إلى ذكر ثلثة أوصاف أخرى من أوصاف ال سبحانه وتعالى والتي تشكل في‬
‫] ‪[ 280‬‬
‫ضُر‬
‫حا ِ‬
‫خِفّية)‪َ ،(1‬واْل َ‬
‫ل َ‬
‫ن ِلُك ّ‬
‫طُ‬
‫الواقع تحذيرًا لكافة الفراد الذين يراقبون أنفسهم ونّياتهم فقال )عليه السلم(‪» :‬اْلَبا ِ‬
‫ن«‪.‬‬
‫ن اْلُعُيو ُ‬
‫خو ُ‬
‫صُدوُر‪َ ،‬وَما َت ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫سِريَرة‪ .‬الَعاِلُم ِبَما ُتِك ّ‬
‫ل َ‬
‫ِلُك ّ‬
‫ن علم ال سبحانه علم حضوري‪ ،‬يعني أّنه حاضر وناظر في كل مكان‪،‬‬
‫ل بوضوح على أ ّ‬
‫فهذه الصفات تد ّ‬
‫فالخفيات والعلنيات لديه على حّد سواء‪ ،‬والحضور والغياب عنده واحد‪ ،‬فهو يعلم أسرار الصدور وخائنة العين‪،‬‬
‫وهو علم بباطن كل شخص وكل شيء‪.‬‬
‫ن العالم حاضر‬
‫ن النسان لو تأمل حقيقة الحمد والثناء وذكر هذه الصفات وأمن بها إيمانًا راسخًا لدرك أ ّ‬
‫حّقا إ ّ‬
‫عند ال تبارك وتعالى‪ ،‬ول حضور في روحه وفكره‪ ،‬ولما قارف السيئة‪ ،‬بل لما فكر فيها‪.‬‬
‫ثم إختتم هذا المقطع من الخطبة بالشهادة ل بالوحدانية وللّنبي الكرم )صلى ال عليه وآله( بالنبوة‪ ،‬فقال)عليه‬
‫ن‪،‬‬
‫علَ َ‬
‫لْ‬
‫سّر ا ِْ‬
‫ق ِفيَها ال ّ‬
‫شَهاَدةً ُيَواِف ُ‬
‫جيُبُه)‪[ (2‬نجّيه] َوَبِعيُثُه)‪َ (3‬‬
‫حّمدًا َن ِ‬
‫ن ُم َ‬
‫غْيُرُه‪َ ،‬وَأ ّ‬
‫ل ِإلَه َ‬
‫ن َ‬
‫شَهُد َأ ْ‬
‫السلم(‪َ» :‬وَن ْ‬
‫ن«‪.‬‬
‫سا َ‬
‫ب الّل َ‬
‫َواْلَقْل ُ‬
‫ن الشهادة بهذين الركنين الصليين الذين يشكلن أسس اليمان تدعو النسان إلى نفي معبود آخر وتحذر‬
‫طبيعي أ ّ‬
‫من عبادة الشيطان وهوى النفس المارة‪ ،‬كما تدعو الشهادة بالنبّوة إلى طاعة النسان لوامر النبي )صلى ال‬
‫عليه وآله(‪ ،‬ول سّيما الشهادة التي ل تقتصر على اللسان بل تتعزز بالقلب وروح النسان‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬اللم في »خفية« بمعنى في أو بمعنى مع وكذلك اللم في »لكل سريرة«‪.‬‬
‫‪» .2‬نجيب«‪ :‬من مادة »نجابة« النسان أوالشيء المصطفى والنفيس‪.‬‬
‫‪» .3‬بعيث«‪ :‬من مادة »بعثة« بمعنى مبعوث‪.‬‬

‫] ‪[ 281‬‬

‫القسم الثاني‬

‫ل َيُغّرّن َ‬
‫ك‬
‫حاِديِه‪َ .‬ف َ‬
‫ل َ‬
‫جَ‬
‫عَ‬
‫عيِه‪َ ،‬وَأ ْ‬
‫سَمَع َدا ِ‬
‫ل اْلَمْوتُ َأ ْ‬
‫ب‪َ .‬وَما ُهَو ِإ ّ‬
‫ل اْلَكِذ ُ‬
‫ق َ‬
‫حّ‬
‫ب‪َ ،‬واْل َ‬
‫ل الّلِع ُ‬
‫جّد َ‬
‫ل اْل ِ‬
‫و منَها‪َ» :‬فِإّنُه َوا ّ‬
‫ل َأَمل‬
‫طو َ‬
‫بـ ُ‬
‫ن اْلَعَواِق َ‬
‫ل‪َ ،‬وَأِم َ‬
‫لَ‬
‫لْق َ‬
‫حِذَر ا ِْ‬
‫ل َو َ‬
‫جَمَع اْلَما َ‬
‫ن َ‬
‫ك ِمّم ْ‬
‫ن َقْبَل َ‬
‫ن َكا َ‬
‫ت َم ْ‬
‫ك‪َ ،‬وَقْد َرَأْي َ‬
‫سَ‬
‫ن َنْف ِ‬
‫س ِم ْ‬
‫سَواُد الّنا ِ‬
‫َ‬
‫طى ِبِه‬
‫عَواِد اْلَمَناَيا‪َ ،‬يَتَعا َ‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫ل َ‬
‫حُمو ً‬
‫ن َمْأَمِنِه‪َ ،‬م ْ‬
‫خَذُه ِم ْ‬
‫طِنِه‪َ ،‬وَأ َ‬
‫ن َو َ‬
‫عْ‬
‫جُه َ‬
‫عَ‬
‫ت َفَأْز َ‬
‫ل ِبِه اْلَمْو ُ‬
‫ف َنَز َ‬
‫جل ـ َكْي َ‬
‫سِتْبَعاَد َأ َ‬
‫َوا ْ‬
‫جَمُعو َ‬
‫ن‬
‫شيدًا‪َ ،‬وَي ْ‬
‫ن َم ِ‬
‫ن َبِعيدًا‪َ ،‬وَيْبُنو َ‬
‫ن َيْأُمُلو َ‬
‫ل‪َ .‬أَما َرَأْيُتُم اّلِذي َ‬
‫لَناِم ِ‬
‫ساكًا ِبا َْ‬
‫ب َوِإْم َ‬
‫عَلى اْلَمَناِك ِ‬
‫ل َ‬
‫حْم ً‬
‫ل‪َ ،‬‬
‫جا َ‬
‫ل الّر َ‬
‫جا ُ‬
‫الّر َ‬

‫ل ِفي‬
‫ن; َ‬
‫خِري َ‬
‫جُهْم ِلَقْوم آ َ‬
‫ن‪َ ،‬وَأْزَوا ُ‬
‫ت َأْمَواُلُهْم ِلْلَواِرِثي َ‬
‫صار ْ‬
‫جَمُعوا ُبورًا; َو َ‬
‫ت ُبُيوُتُهْم ُقُبورًا‪َ ،‬وَما َ‬
‫ح ْ‬
‫صَب َ‬
‫ف َأ ْ‬
‫َكِثيرًا! َكْي َ‬
‫ن!«‪.‬‬
‫سَتْعِتُبو َ‬
‫سّيَئة َي ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫ن‪َ ،‬و َ‬
‫سَنة َيِزيُدو َ‬
‫حَ‬
‫َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫نزول الموت؟‬
‫ن هذه الحياة الدنيا إلى زوال ولبّد من مفارقة‬
‫حذر المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة الجميع في أ ّ‬
‫ق َ‬
‫ل‬
‫حّ‬
‫ب‪َ ،‬واْل َ‬
‫ل الّلِع ُ‬
‫جّد َ‬
‫ل اْل ِ‬
‫ل واللتحاق بالخرة وتحمل تبعات العمال فقال‪َ» :‬فِإّنُه َوا ّ‬
‫ل أم آج ً‬
‫هذه الدنيا عاج ً‬
‫حاِديِه)‪.«(2‬‬
‫ل َ‬
‫جَ‬
‫عَ‬
‫عيِه)‪َ ،(1‬وَأ ْ‬
‫سَمَع َدا ِ‬
‫ت َأ ْ‬
‫ل اْلَمْو ُ‬
‫ب‪َ .‬وَما ُهَو ِإ ّ‬
‫اْلَكِذ ُ‬
‫ولما كان الموت حقيقة واقعة بالنسبة لجميع الفراد‪ ،‬وقضية قطعية تأبى الجتناب‪ ،‬فقد‬
‫ن داعي الموت أوصل صوته ليسمع‬
‫‪ .1‬اسمع فعل وداعي فاعل وضميره يعود إلى الموت ومفعوله محذوف وهو جميع الناس‪ ،‬أي إ ّ‬
‫الجميع‪.‬‬
‫‪» .2‬حادي«‪ :‬من مادة »حداء« من يسوق الجمال بسرعة والعبارة فعل وفاعل ومفعول محذوف كالجملة السابقة‪.‬‬

‫] ‪[ 282‬‬
‫أّكد المام )عليه السلم( كلمه بأنواع التأكيدات)‪ ،(1‬والتي بلغت عشرة أنواع حسب قول بعض شّراح نهج‬
‫ن صوت داعي الموت يطرق الذن من كل جانب وقد دّوى صوت الرحيل ليمل كافة أرجاءالعالم‪،‬‬
‫البلغة‪ ،‬فقال أ ّ‬
‫وملك الموت ل يفرق بين كهل وشاب وطفل‪ ،‬فقد كمن للجميع ول يتنظر سوى أمر ال‪ ،‬ثم قال )عليه السلم(‪:‬‬
‫طو َ‬
‫ل‬
‫بـ ُ‬
‫ن اْلَعَواِق َ‬
‫ل‪َ ،‬وَأِم َ‬
‫لَ‬
‫لْق َ‬
‫حِذَر ا ِْ‬
‫ل َو َ‬
‫جَمعَ اْلَما َ‬
‫ن َ‬
‫ك ِمّم ْ‬
‫ن َقْبَل َ‬
‫ن َكا َ‬
‫ت َم ْ‬
‫ك‪َ ،‬وَقْد َرَأْي َ‬
‫سَ‬
‫ن َنْف ِ‬
‫س ِم ْ‬
‫سَواُد الّنا ِ‬
‫ك َ‬
‫ل َيُغّرّن َ‬
‫»َف َ‬
‫ن َمْأَمِنِه«‪ ،‬يمكن أن يكون للعبارة »َف َ‬
‫ل‬
‫طِنِه‪َ ،‬وَأخََذُه ِم ْ‬
‫ن َو َ‬
‫عْ‬
‫جُه)‪َ (2‬‬
‫عَ‬
‫ت َفَأْز َ‬
‫ل ِبِه اْلَمْو ُ‬
‫ف َنَز َ‬
‫جل ـ َكْي َ‬
‫سِتْبَعاَد َأ َ‬
‫َأَمل َوا ْ‬
‫س«‪ ،‬معنيان‪:‬‬
‫سَواُد الّنا ِ‬
‫ك َ‬
‫َيُغّرّن َ‬
‫الول‪ :‬إن رأيت الناس أحياء وسالمين فل يخدعك ذلك ول يغفلك من الموت‪.‬‬
‫ل«‪ ،‬ابعاد النفس‬
‫لَ‬
‫لْق َ‬
‫حِذَر ا ِْ‬
‫والثاني‪ :‬ل تخدعك جماعات الناس لن تفكر في الحياة ل الموت‪ ،‬ومفهوم العبارة‪َ» :‬و َ‬
‫ب« تعني تصور الشخص أّنه بمأمن من عاقبة‬
‫ن اْلَعَواِق َ‬
‫)حسب طنه( عن الفقر بجمع الموال‪ ،‬والعبارة‪َ» :‬وَأِم َ‬
‫ن الوقت مازال مبكرًا على الموت‪ ،‬ولكن رغم كل هذه المال والماني‪ ،‬فقد فاجأهم‬
‫عمله بسبب المال الفارغة بأ ّ‬
‫الموت وأخرجهم بسرعة وعنف من وطنهم المألوف وطردهم من مكانهم المن‪ ،‬ثم واصل المام )عليه السلم(‬
‫ن ذلك في الوقت الذي يحملون فيه على الولد وقد تناولتهم أيدي الرجال ليمسكوهم بالنامل‪ ،‬وكأّنهم‬
‫كلمه بأ ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫جا َ‬
‫ل الّر َ‬
‫جا ُ‬
‫طى ِبِه الّر َ‬
‫عَلى َأعَْواِد اْلَمَناَيا‪َ ،‬يَتَعا َ‬
‫ل َ‬
‫حُمو ً‬
‫متنفرون ومرعبون من حمل توابيتهم بكامل أيديهم‪َ» :‬م ْ‬
‫ل«‪.‬‬
‫لَناِم ِ‬
‫ساكًا ِبا َْ‬
‫ب َوِإْم َ‬
‫عَلى اْلَمَناِك ِ‬
‫ل َ‬
‫حْم ً‬
‫َ‬
‫فقد رسم المام )عليه السلم( صورة واضحة بهذه العبارات الصريحة والبليغة المؤثرة لكيفية نهاية حياة الثرياء‬
‫المرفهين والمغرورين بالجاه والمنصب‪ ،‬ولسّيما حين يدركهم الموت المفاجىء‪ ،‬فهى عبارات تمزق كافة‬
‫الحجب التي تسدل على عين النسان‪ ،‬كما توقظ كل سامع من نوم غفلته‪.‬‬
‫ن َيْأُمُلو َ‬
‫ن‬
‫ثم أضفى )عليه السلم( صورة أخرى على هذا المعنى مواصلة لكلمه فقال‪َ» :‬أَما َرَأْيُتُم اّلِذي َ‬

‫‪ .1‬هذه النواع العشرة من التأكيد هى‪» :‬ان« وضمير الشأن »إن« اعتبرنا الضمير في »أّنه« ضمير الشأن والجملة السمية والقسم‬
‫بلفظ الجللة والجد واللف واللم التي دخلت عليه ول اللعب والحق ول الكذب والستفادة من الحصر في العبارة )ما هو إّل‪.(...‬‬
‫‪» .2‬ازعج«‪ :‬من مادة »ازعاج« بمعنى القتلع والخراج‪.‬‬

‫] ‪[ 283‬‬
‫ت َأْمَواُلُهْم‬
‫صار ْ‬
‫جَمُعوا ُبورًا; َو َ‬
‫ت ُبُيوُتُهْم ُقُبورًا‪َ ،‬وَما َ‬
‫ح ْ‬
‫صَب َ‬
‫ف َأ ْ‬
‫ن َكِثيرًا! َكْي َ‬
‫جَمُعو َ‬
‫شيدًا)‪َ ،(1‬وَي ْ‬
‫ن َم ِ‬
‫َبِعيدًا‪َ ،‬وَيْبُنو َ‬
‫ن!‬
‫سَتْعِتُبو َ‬
‫سّيَئة َي ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫ن‪َ ،‬و َ‬
‫سَنة َيِزيُدو َ‬
‫حَ‬
‫ل ِفي َ‬
‫ن; َ‬
‫خِري َ‬
‫جُهْم ِلَقْوم آ َ‬
‫ن‪َ ،‬وَأْزَوا ُ‬
‫ِلْلَواِرِثي َ‬
‫نعم‪ ،‬يفيق النسان من نوم الغفلة حين يصفعه الجل‪ ،‬وفي تلك اللحظة تغلق صحف العمال تمامًا‪ ،‬فل من شيء‬
‫يمكن واضافته إلى الحسنات‪ ،‬ول يمكن تقليل شيء من السيئات‪ ،‬ولو سلب النسان حياته بينما بقيت صحف‬
‫ن المشكلة تكمن في غلق صحيفة العمال فل‬
‫لأّ‬
‫العمل مفتوحة والسبيل مشرع أمام تداركها فل عقبة ول ضير‪ ،‬إ ّ‬
‫مجال لتداركها‪ ،‬وهذا ما يجعل النسان يعيش الهم والغم‪.‬‬
‫—–‬
‫‪» .1‬مشد«‪ :‬من مادة »شيد« على وزن بيد‪ ،‬لها معنيان‪ :‬الول بمعنى الرتفاع والخر بمعنى الجص ومن هنا يطلق على القصور‬
‫المرتفعة والعالية التي تعانق السماء باقصور المشيدة‪ ،‬كما تطلق على القصور المحكمة لتبقى محصنة من حوادث الدهر )في مقابل‬
‫مساكن المستضعفين التي تبنى عادة من الطين(‪.‬‬

‫] ‪[ 284‬‬
‫] ‪[ 285‬‬

‫القسم الثالث‬

‫ق َلُكْم‬
‫خَل ْ‬
‫ن الّدْنَيا َلْم ُت ْ‬
‫عَمَلَها‪َ :‬فِإ ّ‬
‫جّنِة َ‬
‫عَمُلوا ِلْل َ‬
‫عَمُلُه‪َ .‬فاْهَتِبُلوا َهَبَلَها‪َ ،‬وا ْ‬
‫شَعَر الّتْقَوى َقْلَبُه َبّرَز [َبرز ]َمَهُلُه‪َ ،‬وَفاَز َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫»َفَم ْ‬
‫ظُهوَر‬
‫عَلى َأْوَفاز‪َ .‬وَقّرُبوا ال ّ‬
‫ل ِإَلى َداِر اْلَقَراِر‪َ .‬فُكوُنوا ِمْنَها َ‬
‫عَما َ‬
‫لْ‬
‫جازًا ِلَتَزّوُدوا ِمْنَها ا َْ‬
‫ت َلُكْم َم َ‬
‫خِلَق ْ‬
‫ل ُ‬
‫َداَر ُمَقام‪َ ،‬ب ْ‬
‫ل [للّزوال]«‪.‬‬
‫ِللّزَيا ِ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫ممر يعرف باسم الدنيا‬
‫خلص المام )عليه السلم( إلى نتيجة بعد مقدمات دقيقة أوردها في بداية ووسط هذه الخطبة بشأن علم ال بكل‬
‫شَعَر الّتْقَوى َقْلَبُه‬
‫ن َأ ْ‬
‫شيء سّيما بأعمال العباد ونّياتهم وكذلك قرب الموت والعتبار بحياة الماضين فقال‪َ» :‬فَم ْ‬
‫عَمُلُه«‪.‬‬
‫َبّرَز)‪َ[ (1‬برز ]َمَهُلُه)‪َ ،(2‬وَفاَز َ‬

‫ن التقوى إذا تجذرت في أعماق قلب النسان ظهرت ثمارها على يديه ولسانه وعينه وسمعه‪ ،‬وذلك‬
‫فمن الواضح أ ّ‬
‫ن التقوى ملكة نفسية تتمثل بخشية ال وهى الدافع القوي للتيان بالعمال الصالحة وحاجز عن الذنوب‬
‫لّ‬
‫والمعاصي‪.‬‬
‫عَمَلَها«‪ ،‬إشارة إلى أ ّ‬
‫ن‬
‫جّنِة َ‬
‫عَمُلوا ِلْل َ‬
‫ثم واصل المام كلمه فقال‪َ» :‬فاْهَتِبُلوا َهَبَلَها)‪َ ،(3‬وا ْ‬
‫ن هذه المفردة تكون أحيانًا على هيئة ثلثي مجّرد )على وزن‬
‫‪» .1‬برز«‪ :‬من مادة »بروز« بمعنى الظهور والسبقة‪ ،‬وتوضيح ذلك أ ّ‬
‫ضرب( بمعنى الظهور‪ ،‬وأحيانًا أخرى من باب تفعيل )على وزن صّرف( بمعنى السبقة‪ ،‬وقد استعملت في العبارة الثاني‪ ،‬وإن وردت‬
‫بصيغة الثلثي المجرد في بعض النسخ‪.‬‬
‫‪» .2‬مهل«‪ :‬له معنى السم المصدري وتعني الوفق والمداراة‪ ،‬كما تستعمل بمعنى الفرصة للقيام بالعمل الصالح‪.‬‬
‫‪» .3‬هبل«‪ :‬نعني أحيانًا الهلكة وفقدان الشيء أحيانًا‪ ،‬وأخرى بمعنى الغنيمة والهتبال بمعنى الخدعة‪ ،‬كما يعني الغتنام والستيلء‬
‫على شيء‪ ،‬والمعنى الثاني هوالمراد بالعبارة‪.‬‬

‫] ‪[ 286‬‬
‫الجّنة ل تعطى لحد بالمجان‪ ،‬كما ل تتأتى من خلل الظن والتصور والخيال والزعم الفارغ‪ ،‬فمفتاح الجّنة‬
‫العمال الصالحة‪ ،‬والعمال الصالحة تنبعث من التقوى‪.‬‬
‫ق َلُكْم َدارَ‬
‫خَل ْ‬
‫ن الّدْنَيا َلْم ُت ْ‬
‫ثم قال )عليه السلم( في مواصلة لشرح وضع الدنيا والخرة ومنزلة كل جماعة‪َ» :‬فِإ ّ‬
‫ل ِإَلى َداِر اْلَقَراِر«‪ ،‬فالنظرة السلمية التي تعرض لها القرآن‬
‫عَما َ‬
‫لْ‬
‫جازًا ِلَتَزّوُدوا ِمْنَها ا َْ‬
‫ت َلُكْم َم َ‬
‫خِلَق ْ‬
‫ل ُ‬
‫ُمَقام‪َ ،‬ب ْ‬
‫ن الدنيا دار ممر وأّنها قنطرة وميدان للتدريب وبالتالي فهى متجر ومقدمة‬
‫الكريم ونهج البلغة مرارًا تكمن في أ ّ‬
‫للخرة الموضوع الصلي للنسان‪ ،‬وإن اعتمدنا هذه النظرة للدنيا آنذاك سيبدو لنا كل شيء بصيغة أخرى‬
‫وستحول دون مقارفتنا للذنب والظلم‪ ،‬وتسوقنا نحو الخير والحسان‪.‬‬
‫أّما أتباع المدارس المادية التي ترى الدنيا ولذاتها هدفها النهائي‪ ،‬وقد غفلت تمامًا عن الخرة‪ ،‬فليس هناك من حد‬
‫لتلوثها بالذنوب والنزاعات من أجل الستحواذ على الموال والمناصب الظاهرية‪ ،‬وعليه فل أمل في إطفاء غائلة‬
‫عَلى َأْوَفاز)‬
‫المعارك والنزاعات بينها‪ ،‬وأخيرًا خلص المام إلى نتيجة رائعة عميقة المعنى فقال‪َ» :‬فُكوُنوا ِمْنَها َ‬
‫ن الوقت ضيق والموانع كثيرة وزمان الرحيل مجهول تمامًا‪،‬‬
‫ل)‪ ،«(2‬في إشارة إلى أ ّ‬
‫ظُهوَر ِللّزَيا ِ‬
‫‪َ .(1‬وَقّرُبوا ال ّ‬
‫ول ينبغي أن يقتصر التأهب على الكهول‪ ،‬بل لبّد أن يعيش ذلك التأهب حتى الشباب على الدوام‪ ،‬فما أكثر من‬
‫بقي من الباء الكهول والعجزة‪ ،‬بينما رحل الشبان الشداء‪.‬‬
‫—–‬

‫نتيجة الخطبة‬
‫أشار المام في هذه الخطبة إلى أمور مهّمة يمكن إيجازها في ما يلي‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ لفت النظار في بداية الخطبة إلى حضور ال سبحانه في كل مكان وعلمه بخفايا النسان وباطنه‪ ،‬ليراقب‬
‫الجميع أعمالهم‪.‬‬
‫‪» .1‬أوفاز«‪ :‬جمع »وفز« على وزن نبض السرعة والعجلة والستعداد للسفر‪.‬‬
‫‪» .2‬الزّيال«‪ :‬بمعنى الفراق والعبارة »قربوا الظهور للزّيال« تعني أعدوا المراكب للرحيل من الدنيا ولزمة ذلك التيان بالعمال‬
‫الصالحة والتوبة من الذنوب وأداء حقوق المخلوق والخالق‪.‬‬

‫] ‪[ 287‬‬
‫‪ 2‬ـ عّد الشهادة الحقيقة بالوحدانية للحق والنبوة للنبي )صلى ال عليه وآله( من العلم الذي ينسجم فيه الظاهر‬
‫والباطن وينفصل عن كل نفاق‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ إلفات إنتباه الجميع إلى قرب الموت والرحيل عن الدنيا وهو سبب اليقظة والعلم‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ دعى مخاطبيه لمطالعة تاريخ الماضين من خلل الكتب والثار التي خلفوها في المدن والمناطق‪ ،‬ليعلموا أ ّ‬
‫ن‬
‫ذلك المصير ينتظرهم مهما كانوا ومهما بلغوا‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ دعى الجميع إثر تلك المواعظ والرشادات إلى الروع والتقوى‪ ،‬التقوى التي تخترق أعماق قلب النسان‬
‫وتظهر آثارها على جميع أفعاله وممارساته‪.‬‬
‫ل به‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ يذّكر كافة مخاطبيه بهذه النقطة وهى عدم إعطاء الجّنة لحد دون حساب‪ ،‬بل لها ثمن ل يبلغها العبد إ ّ‬
‫ن الدنيا ممر ول مقر‪ ،‬متجر ينبغي للجميع التزود منه فيستعدوا في كل آن‬
‫‪ 7‬ـ يستعرض أخيرًا هذا المر في أ ّ‬
‫للرحيل والنطلق‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 288‬‬
‫] ‪[ 289‬‬

‫الخطبة)‪133 (1‬‬

‫خطَبة لُه )عليه السلم(‬
‫ن ُ‬
‫َوِم ْ‬

‫ظ الناس‬
‫ل سبحانه وَيذكر القرآن والنبي وَيع ُ‬
‫ظم ا ّ‬
‫ُيع ّ‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫يتضح من النظرة الجمالية إلى الخطبة أّنها تتألف من خمسة أقسام مهّمة هى‪:‬‬
‫القسم الول‪ :‬يتحدث عن عظمة ال وقدرته المطلقة وسجود كافة المخلوقات لذاته المقّدسة‪.‬‬

‫القسم الثاني‪ :‬إشارة إلى عظمة القرآن الكريم وخلوده‪.‬‬
‫ن ال سبحانه أرسله بعد فترة وختم به النبوة‪.‬‬
‫القسم الثالث‪ :‬في النبي )صلى ال عليه وآله( وأ ّ‬
‫القسم الرابع‪ :‬الحديث عن تفاهة الدنيا ودعوة الجميع لليقظة والتعرف على الدنيا والتزود منها‪.‬‬
‫القسم الخامس‪ :‬وعظ المخاطبين والعود على التذكير بالقرآن وعظمته ولزوم التدبر في آياته‪ ،‬وهكذا يعرض‬
‫اطروحة كاملة لهل الحق لنيل السعادة‪.‬‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ن ما ورد في هذه الخطبة جزء اقتطفه‬
‫لم يجد كاتب مصادر نهج البلغة سندًا آخر لهذه الخطبة‪ ،‬سوى ما قاله ابن أبي الحديد من أ ّ‬
‫ل على أّنه أصل الخطبة وإن لم يشر إلى سندها‪ ،‬ولكن يحتمل أن يكون كلم ابن أبي الحديد‬
‫السيد الرضي من خطبة طويلة‪ ،‬فيراه دلي ً‬
‫ن السيد الرضي بّين من خلل تعبيره »منها ومنها« والذي كرره في هذه الخطبة أّنه‬
‫استنباطًا لهذه الخطبة في نهج البلغة‪ ،‬ل ّ‬
‫ن أصل الخطبة طويل جّدا‪ ،‬وقد ذكرها المدي في »الغرر« ويحتمل أّنه نقلها من مصدر آخر‪.‬‬
‫ن عدم إرتباط أجزائها يفيد أ ّ‬
‫قطعها‪ ،‬كما أ ّ‬

‫] ‪[ 290‬‬
‫] ‪[ 291‬‬

‫القسم الول‬

‫صا ِ‬
‫ل‬
‫ل َ‬
‫ت َلُه ِباْلُغُدّو َوا ْ‬
‫جَد ْ‬
‫سَ‬
‫ن َمَقاِليَدَها‪َ ،‬و َ‬
‫ضو َ‬
‫لَر ُ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سمَوا ُ‬
‫ت ِإَلْيِه ال ّ‬
‫خَرُة ِبَأِزّمِتَها‪َ ،‬وَقَذَف ْ‬
‫لِ‬
‫ت َلُه الّدْنَيا َوا ْ‬
‫»َواْنَقاَد ْ‬
‫ت ُأُكَلَها ِبَكِلَماِتِه اّلثَماُر اْلَياِنَعُة«‪.‬‬
‫ضيَئَة‪َ ،‬وآَت ْ‬
‫ن اْلُم ِ‬
‫ضَباِنَها الّنيَرا َ‬
‫ن ُق ْ‬
‫ت َلُه ِم ْ‬
‫ح ْ‬
‫ضَرُة‪َ ،‬وَقَد َ‬
‫جاُر الّنا ِ‬
‫شَ‬
‫لْ‬
‫ا َْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫انقياد ما في الدنيا ل‬
‫خاض المام )عليه السلم( في هذا المقطع في بيان طائفة من أوصاف ال تبارك وتعالى‪ ،‬وأشار بخمس عبارات‬
‫خَرُة ِبَأِزّمِتَها)‪.«(1‬‬
‫لِ‬
‫ت َلُه الّدْنَيا َوا ْ‬
‫إلى أمور دقيقة بهذا الشأن فقال‪َ» :‬واْنَقاَد ْ‬
‫ن المام )عليه السلم( شّبه الدنيا والخرة بالحيوانات السلسة والمروضة التي أسلمت زمامها فيقودها‬
‫فالواقع هو أ ّ‬
‫ت ِإَلْيِه‬
‫حيث يشاء‪ ،‬ثم قال )عليه السلم( في العبارة الثانية مؤّكدا ذات المعنى السابق بصيغة أخرى‪َ» :‬وَقَذَف ْ‬
‫ن َمَقاِليَدَها)‪ ،«(2‬فهو يفتح ما يشاء ويغلق ما يشاء ويفعل كل ذلك على أساس الحكمة‪ ،‬وأشار‬
‫ضو َ‬
‫لَر ُ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سمَوا ُ‬
‫ال ّ‬
‫ل)‬
‫صا ِ‬
‫ل َ‬
‫ت َلُه ِباْلُغُدّو َوا ْ‬
‫جَد ْ‬
‫سَ‬
‫في العبارة الثالثة إلى سجود الشجار والناضرة لذاته المقّدسة وقال )عليه السلم(‪َ» :‬و َ‬
‫ضَرُة«‪.‬‬
‫جاُر الّنا ِ‬
‫شَ‬
‫لْ‬
‫‪ (3‬ا َْ‬
‫صبعًا التركيز على الشجار الناضرة ل يعني الحصر‪ ،‬بل نموذج من أجمل الكائنات الحية‬

‫‪» .1‬أزمة«‪ :‬جمع زمام اللجام‪.‬‬
‫ن أصلها‬
‫‪» .2‬مقاليد«‪ :‬قال أغلب أرباب اللغة مقليد وقال البعض الخر جمع مقلد بمعنى مفتاح‪ ،‬وقال صاحب »لسان العرب« أ ّ‬
‫ن المعنى الول أنسب وأكثر إنسجامًا‬
‫فارسي كليد الذي يعني المفتاح‪ ،‬كما قال صاحب »لسان العرب« تأتي أحيانًا بمعنى الخزائن إّل أ ّ‬
‫مع العبارة أزمة في الجملة السابقة وقذفت في هذه الجملة‪.‬‬
‫‪» .3‬غدو«‪ :‬جمع »غدوة« بمعنى الصباح‪ ،‬و»الصال« جمع أصل على وزن رسل وهى جمع من مادة أصل بمعنى العصر وآخر‬
‫النهار واعتبر بعض أرباب اللغة الصال والصل جمع أصيل‪.‬‬

‫] ‪[ 292‬‬
‫لعالم الخليقة‪ ،‬كما يشير الغدو والصال إلى جميع الوقات‪ ،‬كقولنا إنا في خدمة نشر المبادىء السلمية ليل‬
‫ن()‪ ،(1‬كما‬
‫جَدا ِ‬
‫جِر َيس ُ‬
‫شَ‬
‫ونهار‪ ،‬أي في جميع الحوال والوقات‪ ،‬ومن هنا أطلق القرآن الكريم القول‪) :‬والّنجِم وال ّ‬
‫يحتمل أن تكون آثار ال وعظمته أوضح في الشجار حين شروق الشمس وغروبها أكثر من أي زمان‪ ،‬ويمكن‬
‫ن نظامها الدقيق يعكس علم خالقها وقدرته المطلقة‪ ،‬كما يمكن أن يكون‬
‫أن يكون هذا السجود بلسان الحال‪ ،‬ل ّ‬
‫بلسان القال‪ ،‬وبناءًا على تمتع كافة ذرات كائنات العالم بالعلم والشعور وتسبيحها ل سبحانه عن علم وسجودها‬
‫له‪.‬‬
‫ضيَئَة«‪.‬‬
‫ن اْلُم ِ‬
‫ضَباِنَها)‪ (3‬الّنيَرا َ‬
‫ن ُق ْ‬
‫ت)‪َ (2‬لُه ِم ْ‬
‫ح ْ‬
‫وقال )عليه السلم( في العبارة الرابعة‪َ» :‬وَقَد َ‬
‫وهذا من عجائب القدرة اللهّية بأن يخلق مادة بين الماء والتراب تكون مركزًا للنور والضوء‪ ،‬وذلك الضوء الذي‬
‫تحل من خلله أغلب مشاكل النسان‪.‬‬
‫ت ُأُكَلَها ِبَكِلَماِتِه اّلثَماُر اْلَياِنَعُة)‪.«(4‬‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪َ» :‬وآَت ْ‬
‫—–‬

‫اسجام اليات والروايات‬
‫تتفق عبارات الخطبة التي تضمنت آثار التوحيد ال وعظمته وما ورد في اليات والقرآنية‪ ،‬فقد ورد في موضع‬
‫ن()‪ ،(5‬وفي موضع آخر‪َ) :‬لُه َمَقاِليُد‬
‫حْكُم َوِإَلْيِه ُتْرجَُعو َ‬
‫خَرِة َوَلُه اْل ُ‬
‫لِ‬
‫لوَلى َوا ْ‬
‫حْمُد ِفي ا ُْ‬
‫من القرآن الكريم‪َ) :‬لُه اْل َ‬
‫ن ِفي‬
‫جُد َلُه َم ْ‬
‫سُ‬
‫ل َي ْ‬
‫نا َ‬
‫ن()‪ ،(6‬وكذلك‪َ) :‬أَلْم َتَرى َأ ّ‬
‫سُرو َ‬
‫خا ِ‬
‫ك ُهْم اْل َ‬
‫ل ُأْوَلِئ َ‬
‫تا ِ‬
‫ن َكَفُروا ِبآَيا ِ‬
‫ض َواّلِذي َ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَمَوا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ب‪ ،(7)(...‬وورد أيضًا‪) :‬اّلِذي‬
‫جُر َوالّدَوا ّ‬
‫شَ‬
‫ل َوال ّ‬
‫جَبا ُ‬
‫جوُم َواْل ِ‬
‫س َواْلَقَمُر َوالّن ُ‬
‫شْم ُ‬
‫ض َوال ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َْ‬
‫ت َوَم ْ‬
‫سَمَوا ِ‬
‫ال ّ‬
‫‪ .1‬سورة الرحمن ‪.6 /‬‬
‫‪» .2‬قدحت«‪ :‬من مادة »قدح« على وزن مدح بمعنى ضرب الحجر بالسندان لتوليد شعلة النار والتي كانت شائدة سابقًا‪ ،‬ثم وردت‬
‫بمعنى اشتعلت‪.‬‬
‫‪» .3‬قضبان«‪ :‬جمع قضيب بمعنى عضن الشجرة وقضب على وزن نبظ بمعنى الفاكهة‪.‬‬
‫‪» .4‬يانعة«‪ :‬من مادة »ينع« على وزن منع بمعنى نضج الفاكهة‪.‬‬
‫‪ .5‬سورة القصص ‪.70 /‬‬
‫‪ .6‬سورة الزمر ‪.63 /‬‬
‫‪ .7‬سورة الحج ‪.18 /‬‬

‫] ‪[ 293‬‬
‫غْيرَ‬
‫شات َو َ‬
‫جّنات َمْعُرو َ‬
‫شَأ َ‬
‫ن()‪ ،(1‬وقال‪َ) :‬وُهَو اّلِذي َأْن َ‬
‫ضِر َنارًا َفِإَذا َأْنُتْم ِمْنُه ُتوِقُدو َ‬
‫خ َ‬
‫لْ‬
‫جِر ا َْ‬
‫شَ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َلُكْم ِم ْ‬
‫جَع َ‬
‫َ‬
‫ن َثَمِرِه ِإَذا َأْثَمَر‪.(2)(...‬‬
‫شاِبه ُكُلوا ِم ْ‬
‫غْيَر ُمَت َ‬
‫شاِبهًا َو َ‬
‫ن ُمَت َ‬
‫ن َوالّرّما َ‬
‫خَتِلفًا ُأُكُلُه َوالّزْيُتو َ‬
‫ع ُم ْ‬
‫ل َوالّزْر َ‬
‫خَ‬
‫شات َوالّن ْ‬
‫َمْعُرو َ‬
‫على كل حال كلما تأملنا آيات القرآن الكريم وخطب نهج البلغة كهذه الخطبة اتضحت لنا عظمة الحق تبارك‬
‫وتعالى وقدرته ونعمته فتثير الدنيا حس الشكر له لنرتوي من العين الصافية لفرات معرفته وتعرفنا على صفات‬
‫جماله وجلله‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سورة يس ‪. 80 /‬‬
‫‪ .2‬سورة النعام ‪.141 /‬‬

‫] ‪[ 294‬‬
‫] ‪[ 295‬‬

‫القسم الثاني‬

‫عَواُنُه«‪.‬‬
‫ل ُتْهَزُم َأ ْ‬
‫عّز َ‬
‫ل ُتْهَدُم َأْرَكاُنُه‪َ ،‬و ِ‬
‫ت َ‬
‫ساُنُه‪َ ،‬وَبْي ٌ‬
‫ل َيْعَيا ِل َ‬
‫ق َ‬
‫طٌ‬
‫ظُهِرُكْم َنا ِ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ل َبْي َ‬
‫با ّ‬
‫منَها‪َ» :‬وِكَتا ُ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫إعجاز القرآن‬
‫خاض المام )عليه السلم( في هذا المقطع القصير من كلمه بالحديث عن أهمّية كتاب ال القرآن الكريم‪ ،‬وقد‬
‫ت َ‬
‫ل‬
‫ساُنُه‪َ ،‬وَبْي ٌ‬
‫ل َيْعَيا)‪ِ (2‬ل َ‬
‫ق َ‬
‫طٌ‬
‫ظهُِرُكْم)‪َ(1‬نا ِ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ل َبْي َ‬
‫با ّ‬
‫أّدى حق المطلب بثلث عبارات قصيرة وبليغة‪َ» :‬وِكَتا ُ‬
‫عَواُنُه«‪.‬‬
‫ل ُتْهَزُم َأ ْ‬
‫عّز َ‬
‫ُتْهَدُم َأْرَكاُنُه‪َ ،‬و ِ‬
‫لولى إلى هداية القرآن في كل زمان ومكان وتحت أية ظروف‪ ،‬وإن بدا صامتًا‪ ،‬لكّنه تحدث‬
‫فقد أشار في العبارة ا ُ‬
‫بمئة لسان‪ ،‬وقد سمعه كل من جلس إليه ومنحه آذانًا صاغية‪ ،‬فهو ل ينفك يلقن النسان دورس الحياة السعيدة‪،‬‬
‫ن تقادم الزمان ل يؤثر مطلقًا على حقائق القرآن الكريم‪،‬‬
‫ساُنُه«‪ ،‬يمكن أن تكون إشارة إلى أ ّ‬
‫ل َيْعَيا ِل َ‬
‫والعبارة‪َ » :‬‬
‫وهو غض طري على الدوام كما صورته الخبار والروايات)‪.(3‬‬
‫وأشار في العبارة الثانية إلى نقطة أخرى حفظ القرآن الكريم‪ ،‬فكما يحفظ البيت المستحكم‬

‫ن الفراد إن أرادوا‬
‫‪» .1‬أظهر«‪ :‬جمع »ظهر« كل شيء‪ ،‬والتعبير بين أظهركم تعني في أغلب الموارد الدفاع عن الشيء‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫الدفاع عن منطقة ولوا إليها ظهورهم وإلتفوا حولها واستقبلوا العدو‪ ،‬ثم استعملت هذه المفردة حين يكون الشخص وسط جماعة‬
‫سواء دافعوا عنه أم لم يدافعوا‪ ،‬وهذا هوالمعنى المراد بها في العبارة‪.‬‬
‫‪» .2‬يعيى«‪ :‬من مادة »عي« على وزن حي بمعنى التعب والعجز‪ ،‬وقال الراغب في المفردات تعني في الصل العجز الذي يعرض‬
‫لجسم النسان إثر كثرة المشي‪ ،‬ثم اطلقت على كل تعب وعجز‪.‬‬
‫‪ .3‬ورد هذا الكلم في حديث عن المام الصادق )عليه السلم( أّنه قال‪» :‬هو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة«‬
‫)بحار النوار ‪.(2/280‬‬

‫] ‪[ 296‬‬
‫ذا العمدة القوية أصحابه من مخاطر الحوادث والحرارة والبرودة والحيوانات الوحشية والعداء واللصوص‪،‬‬
‫ن القرآن الكريم يتكفل بحفظ أتباعه من النحراف والضلل ووسوسة الخناسين وإلقاءات الشياطين‪.‬‬
‫فا ّ‬
‫ب لنصرته‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ن‬
‫ن قدرة النسان ل تقهر إن لذ بالقرآن وه ّ‬
‫وأشار في العبارة الثالثة إلى هذده الحقيقة وهى أ ّ‬
‫قدرة هداية القرآن تستند إلى قدرة ال سبحانه وقدرة ال قاهرة ل تغلب‪ ،‬وبفعل مصداق الية الشريفة‪ِ) :‬إ ْ‬
‫ن‬
‫ب َلُكْم‪ ،(1)(...‬فمن تأيد بنصر القرآن لن يهزمه عدو‪.‬‬
‫غاِل َ‬
‫ل َ‬
‫ل َف َ‬
‫صْرُكْم ا ُ‬
‫َيْن ُ‬
‫—–‬

‫القرآن الناطق‬
‫ساُنُه«‬
‫ل َيْعَيا ِل َ‬
‫ق َ‬
‫طٌ‬
‫ن »َنا ِ‬
‫لعل العبارة التي وردت في هذا المقطع من الخطبة والتي عّبرت عن القرآن الكريم بأ ّ‬
‫تشير هذا السؤال‪ :‬كيف التوفيق بين هذه العبارة وما ورد عن المام في الخطبة ‪ 158‬بشأن القرآن إذ قال )عليه‬
‫عْنُه«‪.‬‬
‫خِبُرُكْم َ‬
‫ن ُأ ْ‬
‫ق‪َ،‬وَلِك ْ‬
‫طَ‬
‫ن َيْن ِ‬
‫طُقوُه‪َ ،‬وَل ْ‬
‫سَتْن ِ‬
‫ن‪َ ،‬فا ْ‬
‫ك اْلُقْرآ ُ‬
‫السلم(‪» :‬ذِل َ‬
‫ق«‪ ،‬أو ليس‬
‫طٌ‬
‫ت َنا ِ‬
‫صاِم ٌ‬
‫جٌر‪َ ،‬و َ‬
‫ن آِمٌر َزا ِ‬
‫وكذلك العبارة التي وردت في الخطبة ‪ 183‬إذ قال )عليه السلم(‪َ» :‬فاْلُقْرآ ُ‬
‫هناك من تضاد بين هذه العبارات؟‬
‫ن العبارات المذكورة تفسر بعضها البعض‬
‫تتضج الجابة على هذا السؤال من أدنى دّقة وتأمل‪ ،‬بعبارة أخرى فا ّ‬
‫ل يمكن‬
‫ن كل تعبير ناظر لشيء‪ ،‬مث ً‬
‫ن القرآن حين يعبر عن القرآن بالصامت والناطق فمفهوم ذلك أ ّ‬
‫الخر‪ ،‬ل ّ‬
‫القول‪ :‬القرآن صامت من حيث الظاهر‪ ،‬لكّنه في الواقع تحدث بصوت جلي بليغ‪ ،‬أو أّنه صامت إزاء الفراد‬
‫السطحيين بينما ناطق هو تجاه العلماء المفكرين‪ ،‬أو أّنه ناطق في مواصلة الطرق العملية الصولية‪ ،‬أّما بالنسبة‬
‫لتطبيقها على مصاديقها استنباط الحكام الفرعية )كقضية التحكيم في حادثة معركة صفين(‪ ،‬فيجب على‬
‫المجتهدين أن ينطقوا عنه‪ ،‬ويمكن جمعها معًا في مفهوم جامع لكلم علي )عليه السلم( وسيأتي مزيد من‬
‫التوضيح في ذلك هذه الخطبة‪.‬‬
‫‪ .1‬سورة آل عمران ‪.160 /‬‬

‫] ‪[ 297‬‬

‫القسم الثالث‬

‫جاَهَد ِفي ا ّ‬
‫ل‬
‫ي‪َ ،‬ف َ‬
‫حَ‬
‫خَتَم ِبِه اْلَو ْ‬
‫ل‪َ،‬و َ‬
‫سَ‬
‫ن‪َ ،‬فَقّفى ِبِه الّر ُ‬
‫سِ‬
‫لْل ُ‬
‫ن ا َْ‬
‫ل‪َ ،‬وَتَناُزع ِم َ‬
‫سِ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ن َفْتَرة ِم َ‬
‫حي ِ‬
‫عَلى ِ‬
‫سَلُه َ‬
‫منَها‪َ» :‬أْر َ‬
‫ن ِبِه«‪.‬‬
‫عْنُه‪َ ،‬واْلَعاِدِلي َ‬
‫ن َ‬
‫اْلُمْدِبِري َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫رسالة خاتم النبياء )صلى ال عليه وآله(‬
‫تحّدث المام )عليه السلم( في المقطع الول والثاني عن صفات ال سبحانه والقرآن الكريم‪ ،‬ثم أشار هنا بعبارات‬
‫ن ال تعالى أرسله بالسلم بعد مّدة وفترة من‬
‫قصيرة عميقة المعنى إلى النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( في أ ّ‬
‫حي ِ‬
‫ن‬
‫عَلى ِ‬
‫سَلُه َ‬
‫الرسل السابقين حين كان النزاع قائمًا على قدم وساق بين الفراد في دفاع كل عن معتقده فقال‪َ» :‬أْر َ‬
‫ن«‪.‬‬
‫سِ‬
‫لْل ُ‬
‫ن ا َْ‬
‫ل‪َ ،‬وَتَناُزع ِم َ‬
‫سِ‬
‫ن الّر ُ‬
‫َفْتَرة)‪ِ (1‬م َ‬
‫ن الحوادث التي تدور بين أتباع المذهب المختلفة بما فيهم عبدة‬
‫ن«‪ ،‬إشارة إلى أ ّ‬
‫سِ‬
‫لْل ُ‬
‫ن ا َْ‬
‫فالعبارة‪َ» :‬تَناُزع ِم َ‬
‫الوثان وأهل الكتاب ومن ليس له دين وعقيدة‪ ،‬لم تكن حوارات منطقية ذات محتوى فكري وعقلي‪ ،‬بل كان كل‬
‫طر بعض اللفاظ بدافع التعصب لثبات أحقيقته‪ ،‬بل كان هذا النزاع والختلف اللفظي أحيانًا مصدر معارك‬
‫يس ّ‬
‫طاحنة وسفك دماء غزيرة‪.‬‬
‫ن رسول ال‬
‫ي«‪ ،‬فقد أشار المام إلى نقطتين‪ :‬الولى أ ّ‬
‫حَ‬
‫خَتَم ِبِه اْلَو ْ‬
‫ل‪َ،‬و َ‬
‫سَ‬
‫ثم قال )عليه السلم(‪َ» :‬فَقّفى)‪ِ (2‬بِه الّر ُ‬
‫ن مسرتهم بصورة كلية واحدة‪ ،‬والثانية أّنه بلغ‬
‫)صلى ال عليه وآله( واصل مسيرة النبياء الماضين‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ن)‬
‫عْنُه‪َ ،‬واْلَعاِدِلي َ‬
‫ن َ‬
‫ل اْلُمْدِبِري َ‬
‫جاَهَد ِفي ا ّ‬
‫بتعاليمهم الكمال وختم بهم النبّوة‪ ،‬ثم إختتم كلمه )عليه السلم( بالقول‪َ» :‬ف َ‬
‫‪ِ (3‬بِه«‪.‬‬
‫‪» .1‬فترة«‪ :‬وفتور تعني في الصل الهدوء والستقرار وتأتي أحيانًا بمعنى الضعف والفتور‪ ،‬وتطلق على الفاصلة بين حركتين أو‬
‫حادثتين أو انقلبين‪ ،‬ومن هنا عبروا بالفترة عن الفاصلة بين ظهور النبياء‪.‬‬
‫‪» .2‬قفى«‪ :‬من مادة »قفا« بمعنى ظهر‪ ،‬كما ورد بمعنى خلف الشيء في المجيىء‪.‬‬
‫‪» .3‬العادلين«‪ :‬جمع »عادل« من مادة عدل على وزن فكر بمعنى المعادل والشبيه والمثيل وإن وردت من مادة عدل على وزن نظم‬
‫عنت العدالة‪ ،‬ومن مادة العدول بمعنى النحراف والرجوع عن الشيء‪ ،‬وعليه فالعادل على ثلثة معاني‪ ،‬وأريد بها المعنى الول في‬
‫ن المعنى الول يتعدى عادة بالباء والمعنى الثالث بواسطة عن(‪.‬‬
‫الخطبة )لبّد من اللتفات إلى أ ّ‬

‫] ‪[ 298‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سورة البقرة ‪.256 /‬‬

‫] ‪[ 299‬‬

‫القسم الرابع‬

‫ن الّداَر‬
‫صُرُه‪َ ،‬وَيْعَلُم َأ ّ‬
‫صيُر َيْنُفُذَها َب َ‬
‫شْيئًا‪َ ،‬واْلَب ِ‬
‫صُر ِمّما َوَراَءَها َ‬
‫ل ُيْب ِ‬
‫عَمى ‪َ ،‬‬
‫لْ‬
‫صِر ا َْ‬
‫منَها‪َ» :‬وِإّنَما الّدْنَيا ُمْنَتَهى َب َ‬
‫عَمى َلَها ُمَتَزّوٌد«‪.‬‬
‫لْ‬
‫صيُر ِمْنَها ُمَتَزّوٌد‪َ ،‬وا َْ‬
‫ص‪َ .‬واْلَب ِ‬
‫خ ٌ‬
‫شا ِ‬
‫عَمى ِإَلْيَها َ‬
‫لْ‬
‫ص‪َ ،‬وا َْ‬
‫خ ٌ‬
‫شا ِ‬
‫صيُر ِمْنَها َ‬
‫َوَراَءَها‪َ .‬فاْلَب ِ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الدنيا غاية بصر العمى‬
‫أورد المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة كما ذكر ذلك الشارح البحراني عّدة نقاط لطيفة ورائعة رغم‬
‫عَمى«‪ .‬ثم‬
‫لْ‬
‫صِر ا َْ‬
‫اقتضابها‪ ،‬وقد لفت النظار إلى الصول التي تعد معالم حياة الفراد فقال‪َ» :‬وِإّنَما الّدْنَيا ُمْنَتَهى َب َ‬
‫ن الّداَر َوَراَءَها«‪.‬‬
‫صُرُه‪َ ،‬وَيْعَلُم َأ ّ‬
‫صيُر َيْنُفُذَها َب َ‬
‫شْيئًا‪َ ،‬واْلَب ِ‬
‫صُر ِمّما َوَراَءَها َ‬
‫ل ُيْب ِ‬
‫أكمل ذلك بقوله‪َ » :‬‬
‫نعم‪ ،‬فعّباد الدنيا وبسبب حّبهم وشغفهم بزخارف الدنيا وزبرجها كالمحبوس في سجن ل يرى سوى ما في داخل‬
‫السجن‪ ،‬فأّما نظرهم ضعيف‪ ،‬أو هناك حجب تحيط بأطرافهم‪ ،‬أو كلهما‪ ،‬وأّما دعاة الحق فنظرهم ثابت ول‬
‫حجاب لهم‪ ،‬ومن هنا فهم يرون ببصيرتهم الثاقبة الدار الخرة منزلهم البدي الخالد بكل وضوح فليس لهم من هم‬
‫سواها والحق إننا عرفنا الدنيا كما هى تبع ذلك اليمان بالخرة‪ ،‬وذلك لتعذر فهم الدنيا دون الخرة‪ ،‬فهل خلق‬
‫الخالق الحكيم كل ما في هذا العالم الواسع ليعيش النسان هذه المّدة المعينة فيأكل ويشرب وينام ويصحو بالتالي‬
‫يموت ويوارى جثمانه الثرى ويدع النسيان؟ والحال بداية عمره كنهايته ممزوجة بالضعف والعجز‪ ،‬ووسطه‬
‫الذي يمكن الستفادة منه مشوب بأنواعه المشاكل المصائب واللم والمعاناة؟ هل هناك حكيم يقوم بمثل هذا‬
‫العمل الطائش؟ ولذلك صّرح‬
‫] ‪[ 300‬‬
‫ن()‪.(1‬‬
‫غاِفُلو َ‬
‫خَرِة ُهْم َ‬
‫لِ‬
‫نا ْ‬
‫عْ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوُهْم َ‬
‫ن اْل َ‬
‫ظاِهرًا ِم ْ‬
‫ن َ‬
‫القرآن الكريم‪َ) :‬يْعَلُمو َ‬
‫عَمى ِإَلْيَها‬
‫لْ‬
‫ص‪َ ،‬وا َْ‬
‫خ ٌ‬
‫شا ِ‬
‫صيُر ِمْنَها َ‬
‫وقال في النقطة الثانية التي تمثل في الواقع نتيجة بالنسبة للنقطة الول‪َ» :‬فاْلَب ِ‬
‫ص«‪.‬‬
‫خ ٌ‬
‫شا ِ‬
‫َ‬
‫وبناءًا على هذا فقد استعمل الشاخص بمعنيين وما يصطلح عليه بالجنس التام‪ ،‬المعنى الول من مادة شخوص‬
‫بمعنى الرحيل والمفارقة‪ ،‬والمعنى الثاني التطلع وتصويب العين نحو موضع والتخلف عن الحركة‪ ،‬وكأن العين‬
‫ن الشاخص هنا يعني‬
‫تريد مغادرة الحدقة‪ ،‬وللعبارة تفسير آخر اقتصر على ذكره شّراح نهج البلغة وهو أ ّ‬
‫الراحل غاية ما في المر تطلق حين يقال »منها شاخص«‪ ،‬كما يقال »إليها شاخص« وهذا هو الفارق بين من‬
‫عَمى َلَها ُمَتَزّوٌد«‪.‬‬
‫لْ‬
‫صيُر ِمْنَها ُمَتَزّوٌد‪َ ،‬وا َْ‬
‫كانت له بصيرة والعمى‪ ،‬وقال في النقطة الثالثة والخيرة‪َ» :‬واْلَب ِ‬
‫خْيَر الّزاِد الّتْقَوى()‪،(2‬‬
‫ن َ‬
‫فهل البصيرة يتزودون من الدنيا للخرة كما صّرح بذلك القرآن الكريم‪َ) :‬وَتَزّوُدوا َفِإ ّ‬
‫بينما يتزود عمي القلوب من أجل العيش في الدنيا‪ ،‬فهناك اختلف تام بين المسيرين بتعين فقط بكلمة »منها«‬
‫و»لها«‪.‬‬
‫—–‬

‫التعامل مع الدنيا‬
‫ل لبّد من‬
‫هناك على الدوام نظرتان يمتلكها النسان تجاه الدنيا‪ ،‬فأتباع الديان السماوية يرون الدنيا بصفتها منز ً‬
‫التزود فيها إلى الخرة‪ ،‬يبلغون مرادهم بواسطة هذا الزاد والمتاع وليس لهم من مراد سوى السعادة البدية‬
‫والفوز برضوان ال سبحانه وتعالى‪ ،‬أّما أتباع المدرسة المادية )والمدارس التي تتفق معها( فهم ينظرون إلى‬
‫الدنيا على أّنها الهدف النهائي والغاية فيوظفون كافة طاقاتهم ويجندون قواهم من أجل الظفر بها‪ ،‬وأحيانًا يتفق‬
‫ن الدنيا وسيلة لنيل الخرة‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫أصحاب النظرة الولى في العمل مع أتباع النظرة الثانية‪ ،‬يعني رغم اعتقادهم بأ ّ‬
‫ن عملهم يشير إلى نسيان ذلك العتقاد وتعاملهم مع الدنيا كهدف نهائي ومن هنا وردت‬
‫أّ‬
‫‪ .1‬سورة الروم ‪.7 /‬‬
‫‪ .2‬سورة البقرة ‪.197 /‬‬

‫] ‪[ 301‬‬
‫ي ِفيُكْم‬
‫ل‪َ ،‬فَقْد ُنوِد َ‬
‫حَمُكُم ا ّ‬
‫جّهُزوا‪ ،‬ر ِ‬
‫تحذيرات أئّمة الدين التي تهدف ايقاظهم من الغفلة‪ ،‬فيقولون أحيانًا‪َ» :‬ت َ‬
‫ل«)‪.(1‬‬
‫حي ِ‬
‫ِبالّر ِ‬
‫ضّر َوَتُمّر«)‬
‫سَنِتِهم«)‪ ،(2‬كما يقولون‪» :‬الدنيا‪َ :‬تُغّر َوَت ُ‬
‫على أل ِ‬
‫ق َ‬
‫ن َلعر ٌ‬
‫عِبيُد الّدنيـا َوالّدي ُ‬
‫س َ‬
‫وأخرى يقولون‪» :‬الّنا ُ‬
‫‪.(3‬‬
‫وأخيرًا يقولون‪ :‬إّنما الدنيا منتهى بصر العمى‪ ،‬ول يبصر ما وراءها شيئًا والبصير ينفذها بصره‪ ،‬ويعلم أ ّ‬
‫ن‬
‫الدار وراءها«‪.‬‬
‫ن الدنيا ممر ل مقر‪.‬‬
‫وأعظم مانع من ال فراد‪ ،‬وأهم وظائف أئّمة الدين إيقاظ هؤلء الفراد ولفت إنتباهم إلى أ ّ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬نهج البلغعة‪ ،‬الخطبة ‪.204‬‬
‫‪ .2‬بحار النوار ‪.44/383‬‬
‫‪ .3‬نهج البلغة‪ ،‬قصار الكلمات ‪.415‬‬

‫] ‪[ 302‬‬
‫] ‪[ 303‬‬

‫القسم الخامس‬

‫حًة‪َ .‬وِإّنَما‬
‫ت َرا َ‬
‫جُد ِفي اْلَمْو ِ‬
‫ل َي ِ‬
‫حَياةَ َفِإّنُه َ‬
‫ل اْل َ‬
‫شَبُع ِمْنُه َوَيَمّلُه ِإ ّ‬
‫حُبُه َي ْ‬
‫صا ِ‬
‫ل َوَيَكاُد َ‬
‫يء ِإ ّ‬
‫ش ْ‬
‫ن َ‬
‫س ِم ْ‬
‫عَلُموا َأّنُه َلْي َ‬
‫منَها‪َ» :‬وا ْ‬
‫ن‪َ ،‬وِفيَها‬
‫ظْمآ ِ‬
‫ي ِلل ّ‬
‫صّماِء‪َ ،‬وِر ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫لُذ ِ‬
‫سْمٌع ِل ُْ‬
‫ن اْلَعْمَياِء‪َ ،‬و َ‬
‫صٌر ِلْلَعْي ِ‬
‫ت‪َ ،‬وَب َ‬
‫ب اْلَمّي ِ‬
‫حَياٌة ِلْلَقْل ِ‬
‫ي َ‬
‫حْكَمِة اّلِتي ِه َ‬
‫ك ِبَمْنِزَلِة اْل ِ‬
‫ذِل َ‬

‫ضهُ‬
‫شَهُد َبْع ُ‬
‫ضُه ِبَبْعض‪َ ،‬وَي ْ‬
‫ق َبْع ُ‬
‫طُ‬
‫ن ِبِه‪َ ،‬وَيْن ِ‬
‫سَمُعو َ‬
‫ن ِبِه‪َ ،‬وَت ْ‬
‫طُقو َ‬
‫ن ِبِه‪َ ،‬وَتْن ِ‬
‫صُرو َ‬
‫ل ُتْب ِ‬
‫با ّ‬
‫سلَمُة‪ِ .‬كَتا ُ‬
‫الِغَنى ُكّلُه َوال ّ‬
‫عى‬
‫ت اْلَمْر َ‬
‫ل ِفَيما َبْيَنُكْم‪َ ،‬وَنَب َ‬
‫عَلى اْلِغ ّ‬
‫حُتْم َ‬
‫طَل ْ‬
‫صَ‬
‫ل‪َ .‬قِد ا ْ‬
‫نا ّ‬
‫عِ‬
‫حِبِه َ‬
‫صا ِ‬
‫ف ِب َ‬
‫خاِل ُ‬
‫ل ُي َ‬
‫ل‪َ ،‬و َ‬
‫ف ِفي ا ّ‬
‫خَتِل ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫عَلى َبْعض‪َ ،‬و َ‬
‫َ‬
‫ث‪َ ،‬وَتاَه ِبُكُم اْلُغُروُر‪،‬‬
‫خِبي ُ‬
‫سَتَهاَم ِبُكُم اْل َ‬
‫ل‪َ .‬لَقِد ا ْ‬
‫لْمَوا ِ‬
‫ب ا َْ‬
‫س ِ‬
‫ل‪َ ،‬وَتَعاَدْيُتْم ِفي َك ْ‬
‫لَما ِ‬
‫با ْ‬
‫ح ّ‬
‫عَلى ُ‬
‫صاَفْيُتْم َ‬
‫عَلى ِدَمِنُكْم‪َ .‬وَت َ‬
‫َ‬
‫سُكْم«‪.‬‬
‫سي َوَأْنُف ِ‬
‫عَلى َنْف ِ‬
‫ن َ‬
‫سَتَعا ُ‬
‫ل اْلُم ْ‬
‫َوا ّ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬
‫أشار المام )عليه السلم( في هذا المقطع إلى مسائل مهّمة وقضايا مختلفة ل يبدو أّنها مرتبطة مع بضعها‪ ،‬ومن‬
‫ن هذه العبارات قطوف اختارها المرحوم السيد الرضي من خطبة طويلة‬
‫هنا يعتقد بعض شّراح نهج البلغة أ ّ‬
‫مرتبطة‪ ،‬وذلك لّنه رآها أعظم فصاحة وبلغة‪ ،‬وإلى هذا يعود سبب عدم رؤيتنا لرتباط واضح بينها‪ ،‬ومع ذلك‬
‫فهناك حكمة بالغة تختزنها هذه العبارات‪ ،‬فقد ساق في البداية تثبيتها من أجل لفت النظار إلى أهمّية العلم الذي‬
‫جُد‬
‫ل َي ِ‬
‫حَياَة َفِإّنُه َ‬
‫ل اْل َ‬
‫شَبُع ِمْنُه َوَيَمّلُه ِإ ّ‬
‫حُبُه َي ْ‬
‫صا ِ‬
‫ل َوَيَكاُد َ‬
‫يء ِإ ّ‬
‫ش ْ‬
‫ن َ‬
‫س ِم ْ‬
‫عَلُموا َأّنُه َلْي َ‬
‫يمثل حياة قلب النسان فقال‪َ» :‬وا ْ‬
‫حًة«‪.‬‬
‫ت َرا َ‬
‫ِفي اْلَمْو ِ‬
‫ل وهو‪ :‬ل ينسجم هذا التعبير مع ما ورد في‬
‫وقد صّرح أغلب شّراح نهج البلغة هنا سؤا ً‬
‫] ‪[ 304‬‬
‫بعض اليات والروايات التي تصور راحة أولياء ال سبحانه في الموت‪ ،‬ومن ذلك ما ورد في سورة الجمعة‪ُ) :‬ق ْ‬
‫ل‬
‫ن()‪ .(1‬وما ورد في‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ن ُكنُتْم َ‬
‫ت ِإ ْ‬
‫س َفَتَمّنْوا اْلَمْو َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫ل ِم ْ‬
‫عْمُتْم َأّنُكْم َأْوِلَياُء ِ‬
‫ن َز َ‬
‫ن َهاُدوا ِإ ْ‬
‫َيا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫جّنُة َنِعيم()‪.(2‬‬
‫ن َو َ‬
‫حا ٌ‬
‫ح َوَرْي َ‬
‫ن * َفَرْو ٌ‬
‫ن اْلُمَقّرِبي َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن َكا َ‬
‫سورة الواقعة‪َ) :‬فَأّما ِإ ْ‬
‫فمن الطبيعي أل يكره الموت من يرى نفسه على أعتاب الروح والريحان والجّنة المليئة بالنعم‪ ،‬وقد ورد في‬
‫ل«)‪ ،(3‬كما ورد هذا المعنى بعبارة أخرى عن المام‬
‫ن ِلقاِء ا ِ‬
‫حٌة ُدو َ‬
‫ن را َ‬
‫س ِللُمؤِم ِ‬
‫الحديث النبوي الشريف‪َ» :‬لي َ‬
‫ل«)‪.(4‬‬
‫عنَد ِلقاءر ا ِ‬
‫ل ِ‬
‫حِقيَقِة إ ّ‬
‫عَلى ال َ‬
‫ن َ‬
‫حَة ِللُمؤِم ِ‬
‫الصادق أّنه قال‪» :‬ل را َ‬
‫حياةَ ِزيـاِدًَة ِلي ِفي‬
‫وجاء في الدعاءالمعروف للمام علي بن الحسين )عليهما السلم( في يوم الثلثاء‪َ» :‬واجّعل ال َ‬
‫ن هذه العبارة‬
‫شر«‪ .‬وقد ذكرت عّدة أجوبة على هذا السؤال أوضحها جميعًا أ ّ‬
‫ل َ‬
‫ن ُك ّ‬
‫حًة ِلي ِم ْ‬
‫خير َوالَوفـاَة را َ‬
‫ل َ‬
‫ُك ّ‬
‫إشارة إلى الناس الذين يهربون عادة من الموت‪ ،‬بينما ليس لمر كذالك بالنسبة لخواص ال سبحانه‪ ،‬كما يحتمل‬
‫أن يكون المراد كراهة حتى أولياء ال تعالى للموت بفضله نهاية التزود ومواصلة مسيرتهم التكاملية‪ ،‬على كل‬
‫حال فقد أراد المام علي )عليه السلم( هذه المقدمة على أّنها نتيجة وتشيبه للعلم والمعرفة التي يرتوي منها‬
‫لُذ ِ‬
‫ن‬
‫سْمٌع ِل ُْ‬
‫ن اْلَعْمَياِء‪َ ،‬و َ‬
‫صٌر ِلْلَعْي ِ‬
‫ت‪َ ،‬وَب َ‬
‫ب اْلَمّي ِ‬
‫حَياٌة ِلْلَقْل ِ‬
‫ي َ‬
‫حْكَمِة اّلِتي ِه َ‬
‫ك ِبَمْنِزَلِة اْل ِ‬
‫النسان مطلقًا فقال‪َ» :‬وِإّنَما ذِل َ‬
‫سلَمُة«‪.‬‬
‫ن)‪َ ،(6‬وِفيَها الِغَنى ُكّلُه َوال ّ‬
‫ظْمآ ِ‬
‫ي)‪ِ (5‬لل ّ‬
‫صّماِء‪َ ،‬وِر ّ‬
‫ال ّ‬
‫فالواقع أراد المام )عليه السلم( أن هناك نوعين من الحياة حياة مادية وجسمانية والتي ل يشبع منها الناس غالبًا‪،‬‬
‫والحياة المعنوية والروحانية والفضل منها العلم والمعرفة التي ل يرتوي منها العقلء والعلماء قط‪ ،‬وبناءًا على‬
‫ن المشار إليه »ذلك« بالضبط هو ذلك الشيء الذي ورد‬
‫هذا فا ّ‬
‫‪ .1‬سورة الجمعة ‪.6 /‬‬
‫‪ .2‬سورة الواقعة ‪ 88 /‬ـ ‪. 89‬‬
‫‪ .3‬شرح نهج البلغة‪ ،‬لبن ميثم ‪.3/157‬‬
‫‪ .4‬بحار النوار ‪.69/69‬‬

‫ي«‪ :‬له معنى مصدري هو الرتواء‪.‬‬
‫‪» .5‬ر ّ‬
‫‪» .6‬الضمآن«‪ :‬من مادة »ظمأ« على وزن طمع بمعنى العطش‪.‬‬

‫] ‪[ 305‬‬
‫قبل ذلك وهو الحياة المادية التي ل يشبع منها الناس‪ ،‬والغريب هنا كما أورده شّراح نهج البلغة حيث ذكر كل‬
‫ل للعبارة المذكورة‪ ،‬الحال تفسيرها واضح وهو يشبه ما ورد في إحدى قصار الكلمات‬
‫واحد منهم احتما ً‬
‫ب ُدْنَيا«)‪.(1‬‬
‫طاِل ُ‬
‫عْلم َو َ‬
‫ب ِ‬
‫طاِل ُ‬
‫ن‪َ :‬‬
‫شَبَعا ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ن َ‬
‫لميرالمؤمنين علي )عليه السلم( إذ قال‪َ» :‬مْنُهوَما ِ‬
‫على كل حال فالمراد بالحكمة في العبارة المذكورة هو العلم والمعرفة التي تقرب النسان من ال وتنظم أموره‬
‫ن الخير الكثير يعود‬
‫المادية والمعنوية وتحول دون أعماله العبثية‪ ،‬وبعبارة قصيرة كما وردت في القرآن الكريم فا ّ‬
‫خْيرًا َكِثيرًا‪.(2)(...‬‬
‫ى َ‬
‫حْكَمَة َفَقْد ُأوِت َ‬
‫ت اْل ِ‬
‫ن ُيْؤ َ‬
‫إلى صاحبه‪َ) :‬وَم ْ‬
‫وقد يبّين المام )عليه السلم( في عبارته المذكورة العميقة المعنى الوصاف الخمسة للحكمة وكشف عن منزلتها‬
‫ن الرواح والفكار التي تصبح‬
‫ن الحكمة حياة القلب الميت‪ ،‬يعني أ ّ‬
‫لإّ‬
‫في حياة النسان المادية والمعنوية‪ ،‬فقال أو ً‬
‫ل العلم والحكمة فتحيا وتمارس‬
‫بفعل الجهل كالموات خالية من أية حركة إيجابية‪ ،‬إّنما تعود إلى الحياة في ظ ّ‬
‫الحركة‪.‬‬
‫ن الحكمة تبصر العمى وتسمع الصم وتوضح الحقائق لمن غطت الحجب بصره وأثقل الوقر أذنه‪،‬‬
‫وثانيًا وثالثًا أ ّ‬
‫بحيث يرى الحق في كافة أنحاء الخلق ويسمع نداء تسبيح الكائنات ويدرك رسالته أولياء ال سبحانه‪ ،‬وقال في‬
‫ن عطشى الحق ل يرتوون من منابع الحكمة ويجدون فيها أسباب عافيتهم وسلمتهم‪،‬‬
‫الوصف الرابع والخامس أ ّ‬
‫ل وقد اختزنته الحكمة‪.‬‬
‫وعليه فلن يبقى من الخير والبركة والسعادة شيئًا إ ّ‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه بالحديث عن القرآن الكريم والذي يراه بعض شّراح نهج البلغة أّنه جمل‬
‫استئنافية قطع إرتباطها بالعبارات السابقة بسبب ما اعتمده السيد الرضي في النتخاب)‪ ،(3‬ولكن كما أورد‬
‫ن ليس هناك إرتباط بين هذه العبارات وسابقاتها حيث بّينت أحد منافع‬
‫المرحوم البحراني فاّنه ل يمكن القول أ ّ‬
‫الحكمة المهّمة وهى القرآن الكريم‪ ،‬أو بعبارة‬
‫‪ .1‬نهج البلغة‪ ،‬قصار الكلمات ‪.466‬‬
‫‪ .2‬سورة البقرة ‪.269 /‬‬
‫‪ .3‬هذا الحتمال مختار ابن أبي الحديد والمرحوم الشارح الخوئي ومحمد عبده‪.‬‬

‫] ‪[ 306‬‬
‫ن الوصاف التي بّينتها للقرآن تشبه الوصاف‬
‫أخرى قد رّكزت على المصداق التام للحكمة‪ ،‬والجدير بالذكر أ ّ‬
‫التي بّينتها العبارات المذكورة للحكمة‪ ،‬على كل حال فقد قال كتاب ال الذي تبصرون به الحقائق وتتحدثون به‪،‬‬
‫وتسمعون به ينطق بعضه البعض الخر )وتفسر فيه المتشابهات على ضوء المحكمات( ويشهد بضعه على‬
‫ل‬
‫با ّ‬
‫البعض الخر )ويؤيد بعضه الخر( ول يختلف ما يقوله في ال‪ ،‬ومن يصحبه ل يخلف ال‪ِ» :‬كَتا ُ‬
‫ل«‪.‬‬
‫ف ِفي ا ّ‬
‫خَتِل ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫عَلى َبْعض‪َ ،‬و َ‬
‫ضُه َ‬
‫شَهُد َبْع ُ‬
‫ضُه ِبَبْعض‪َ ،‬وَي ْ‬
‫ق َبْع ُ‬
‫طُ‬
‫ن ِبِه‪َ ،‬وَيْن ِ‬
‫سَمُعو َ‬
‫ن ِبِه‪َ ،‬وَت ْ‬
‫طُقو َ‬
‫ن ِبِه‪َ ،‬وَتْن ِ‬
‫صُرو َ‬
‫ُتْب ِ‬
‫والوصاف السبعة التي بّينها المام )عليه السلم( بشأن القرآن تشبه من جهات الوصاف الخمسة التي بّينها‬
‫بصورة كلية بخصوص الحكمة‪.‬‬
‫ل على العلقة الوثيقة بينهما وأ ّ‬
‫ن‬
‫ن الحكمة اقترنت بالكتاب في غلب اليات القرآنية)‪ (1‬والذي يد ّ‬
‫والجدير بالذكر أ ّ‬
‫رسل ال سبحانه كانوا يمضون قدمًا في ظّلهما )الكتاب والحكمة(‪.‬‬

‫ن الوصاف التي تضمنتها العبارة بشأن القرآن الكريم في أّنه أساس البصر والسمع والنطق‪،‬‬
‫من جانب آخر فا ّ‬
‫ن َرّبُكْم‪.(2)(...‬‬
‫صاِئُر ِم ْ‬
‫جاَءُكْم َب َ‬
‫وقد وردت الشارة إليها في بعض اليات القرآنية ومن ذلك الية‪) :‬قَْد َ‬
‫ن اليات اللهّية ودلئل الحق قد وردت بكثرة في القرآن الكريم بحيث يسع النسان بواسطتها‬
‫ومّما ل شك فيه أ ّ‬
‫ضُه ِبَبْعض«‬
‫ق َبْع ُ‬
‫طُ‬
‫رؤية جمال الحق ويسمع نداء ال تبارك وتعالى‪ ،‬وهناك فارق واضح بين العبارة‪َ» :‬يْن ِ‬
‫ن الحديث في العبارة الولى عن آيات القرآن التي يفسر بعضها البعض‪،‬‬
‫عَلى َبْعض«‪ ،‬ل ّ‬
‫ضُه َ‬
‫شَهُد َبْع ُ‬
‫والعبارة‪َ» :‬ي ْ‬
‫ل منها يعاضد‬
‫وتتضح المتشابهات في ظل المحكمات‪ ،‬وأّما العبارة الثانية فتتحدث عن إنسجام آيات القرآن وك ّ‬
‫ل«‪ ،‬إشارة إلى عدم اختلف القرآن الكريم في بيان‬
‫ف ِفي ا ّ‬
‫خَتِل ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫الخرى وتشهد على صدقها‪ ،‬وبالعبارة‪َ» :‬و َ‬
‫صفات الجمال والجلل والتي تعّد من أهم مباحث القرآن الكريم‪ ،‬ويتحدث بجميع أياته عن تلك الذات المقّدسة‬
‫ن أي من آيات القرآن‬
‫ل«‪ .‬إشارة إلى أ ّ‬
‫نا ّ‬
‫حِبِه عَ ِ‬
‫صا ِ‬
‫ف ِب َ‬
‫خاِل ُ‬
‫ل ُي َ‬
‫الجامعة لكافة الكمالت اللمتناهية‪ ،‬والعبارة‪َ» :‬و َ‬
‫ل تبعد النسان عن مسار الحق‪ ،‬بل‬
‫‪ .1‬سورة البقرة ‪ ;151 ،129 /‬وآل عمران ‪ 81 ،48 /‬و‪...‬‬
‫‪ .2‬سورة النعام ‪.104 /‬‬

‫] ‪[ 307‬‬
‫ن اْلُقْرآ َ‬
‫ن‬
‫ل َيَتَدّبُرو َ‬
‫تأخذ بيده إليه‪ ،‬فمن تمسك بالقرآن لن يضل أبدًا‪ ،‬ومن رجاه ل يخيب‪ ،‬فالقرآن يعّرف نفسه‪َ) :‬أَف َ‬
‫لفًا َكِثيرًا()‪.(1‬‬
‫خِت َ‬
‫جُدوا ِفيِه ا ْ‬
‫ل َلَو َ‬
‫غْيِر ا ِ‬
‫عْنِد َ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫َوَلْو َكا َ‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه كطبيب حاذق وحكيم ماهر فخاض في بيان معاناة مخاطبيه المعنوية وقد‬
‫ذكرهم بنقطة مهّمة‪ ،‬كيف ولم عجزتم عن مواصلة سبيل الحق وعندكم هذا القرآن ـ وعليه ل يبدو صوابًا ما‬
‫أورده شّراح نهج البلغة من عدم إرتباط العبارات اللحقة بالعبارات السابقة‪ ،‬فقال بادىء المر كأّني بكم قد‬
‫عَلى ِدَمِنُكْم)‬
‫عى َ‬
‫ت اْلَمْر َ‬
‫ل)‪ِ (2‬فَيما َبْيَنُكْم«‪ .‬ثم قال‪َ» :‬وَنَب َ‬
‫عَلى اْلِغ ّ‬
‫حُتْم َ‬
‫طَل ْ‬
‫صَ‬
‫إتفقتم على الخيانة والحسد والحقد‪َ» :‬قِد ا ْ‬
‫‪ ،«(3‬إشارة إلى أن أعمالكم الخاطئة إّنما تفرزها أفكاركم الملوثة‪ ،‬وأضاف في بيانه لنقطة ضعفهم الرابعة‬
‫ل«‪ ،‬فنقطة اشتراككم تكمن في تعلقكم‬
‫لمَْوا ِ‬
‫ب ا َْ‬
‫س ِ‬
‫ل‪َ ،‬وَتَعاَدْيُتْم ِفي َك ْ‬
‫لَما ِ‬
‫با ْ‬
‫ح ّ‬
‫عَلى ُ‬
‫صاَفْيُتْم َ‬
‫والخامسة فقال‪َ» :‬وَت َ‬
‫بالمال والماني الفارغة‪ ،‬ونقطة اختلفكم في كسب المال‪ ،‬حيث يريد كل منك أن يختطف المال الذي في يد‬
‫غيره‪.‬‬
‫والواقع يمكن خلصة نقاط ضعفهم في أربع كلمات هى الحقد والحسد والرياء وطول المل والنزاع من أجل‬
‫ن المجتمع لن يرى المن والسقرار إن سادته هذه الرذائل‪ ،‬ول يسوده سوى النزاع والقتال‬
‫كسب المال‪ ،‬والحق أ ّ‬
‫وأنواع التوتر‪ ،‬كما ل يعيش سوى الضعف والوهن تجاه العدو الخارجي‪ ،‬وإن طالعتنا بعض مظاهر الجمال في‬
‫ن المام )عليه السلم( أراد‬
‫هذا المجتمع فهى بمثابة الزهور الجميلة التي تنبت في المزابل وجذورها عفنة‪ ،‬وكأ ّ‬
‫ن المبادىء التي سادت المجتمع الجاهلي قبل السلم والتي وردت الشارة إليها في‬
‫أن يفهمهم هذه القضية وهى أ ّ‬
‫صدر هذه الخطبة قد إنتعشت اليوم مّرة أخرى في وسطكم‪ ،‬ثم أشار المام )عليه السلم( في آخر الخطبة إلى أحد‬
‫الركان المهمة لنحرافهم والذي يتمثل بوساوس الشياطين والتي جعلتهم يضلون سبيل‬
‫‪ .1‬سورة النساء ‪. 82 /‬‬
‫‪» .2‬غل«‪ :‬من مادة »غلول« أو غلل على وزن أفول وأجل تعني في الصل النفوذ التدريجي والخفي للماء في جذور الشجار‪ ،‬ثم‬
‫اطلق الغل الذي له معنى )السم المصدري( على الخيانة لّنها تحصل بصورة تدريجية وخفية‪.‬‬
‫‪» .3‬دمن«‪ :‬جمع »دمنة« على وزن فتنة بمعنى السرقين‪ ،‬كما يطلق على الحقد القديم‪.‬‬

‫] ‪[ 308‬‬
‫سُكْم«‪ .‬قال‬
‫سي َوَأْنُف ِ‬
‫عَلى َنْف ِ‬
‫ن َ‬
‫سَتَعا ُ‬
‫ل اْلُم ْ‬
‫ث‪َ ،‬وَتاَه)‪ِ (1‬بُكُم اْلُغُروُر)‪َ ،(2‬وا ّ‬
‫خِبي ُ‬
‫سَتَهاَم ِبُكُم اْل َ‬
‫السعادة والنجاة‪َ» :‬لَقِد ا ْ‬
‫حد َأَبدًا‪ ،(3)(...‬كما قال‪:‬‬
‫ن َأ َ‬
‫حَمُتُه َما َزَكا ِمْنُكْم ِم ْ‬
‫عَلْيُكْم َوَر ْ‬
‫ل َ‬
‫لا ِ‬
‫ضُ‬
‫ل َف ْ‬
‫سبحانه وتعالى في كتابه العزيز‪َ) :‬وَلْو َ‬

‫ل َقِليل()‪ ،(4‬استهام من مادة هيام على وزن قيام خرج ل يدري‬
‫ن ِإ ّ‬
‫طا َ‬
‫شْي َ‬
‫لّتَبْعُتْم ال ّ‬
‫حَمُتُه َ‬
‫عَلْيُكْم َوَر ْ‬
‫ل َ‬
‫لا ِ‬
‫ضُ‬
‫ل َف ْ‬
‫)َوَلْو َ‬
‫أين يذهب‪ ،‬فهو يمشي دون هدف حيران فل يبلغ الهدف‪ ،‬ولّما كان العاشق حيران في حياته فقد اطلقت هذه‬
‫المفردة على العشق الشديد‪.‬‬
‫ن الشيطان يحث النسان على العبث والعشوائية ول يقود ذلك سوى للحيرة والضطراب‪ ،‬وهذا‬
‫على كل حال فا ّ‬
‫ن صفاتهم الباطنية القبيحة من جانب‪ ،‬والنقياد لوساوس‬
‫بدوره يلقي بالنسان في وادي الهلكة‪ ،‬وبالنتيجة فا ّ‬
‫الشياطين من جانب آخر قد مهدت السبيل لبؤسهم وشقائهم وسلبتهم بصيرتهم وسمعهم ونطقهم وفهم الصحيح‪،‬‬
‫وهكذا يستعرض هذا الطبيب الرباني بهذه الخطبة الغّراء جذور المراض وطرق مكافحتها وعلجها‪.‬‬
‫—–‬

‫أهمّية القرآن ودور عبادة الدنيا في الصراعات‬
‫أشار المام في هذا المقطع الخير من الخطبة إلى عّدة أمور مهّمة منها‪:‬‬
‫ن القرآن الكريم مصدر البصر السمع والنطق‪ ،‬مع ذلك هناك من لم يستثمر ذلك‪ ،‬لّنهم محجوبون وحجابهم‬
‫‪1‬ـأّ‬
‫ن هذه المور أهم حجب المعرفة‪ ،‬نعم‬
‫ب الدنيا‪ ،‬ونعلم أ ّ‬
‫فسادهم والباطني وتلوثهم وطول أملهم وغرقهم في ح ّ‬
‫فالكتب السماوية مهما ملئت الحكمة‪ ،‬ومهما تحلى الئّمة بالعلم والبلغة فل جدوى من ذلك ما لم تكن هناك قابلية‬
‫في القابل‪ ،‬فالشمس ترسل أشعتها‬
‫‪» .1‬تاه«‪ :‬من مادة »تيه« بمعنى الحيرة ومن مادة »توه« على وزن لوح بمعنى الهلكة‪ ،‬ويبدو المعنى الثاني في العبارة هو النسب‪.‬‬
‫‪» .2‬غرور«‪ :‬إن قرأ بالضم فهو الخداع والمكر‪ ،‬وإن قرأ بالفتح أفاد الوصف وعنى الشخص الخادع وقد أطلقه القرآن على الشيطان‪،‬‬
‫وقد ورد بالصيغة الولى في النسخة المعروفة لصبحي الصالح‪ ،‬بينما ورد بالصيغة الثانية في أغلب النسخ‪ ،‬وتبدو الصيغة الثانية‬
‫أنسب على ضوء تناسق العبارات‪.‬‬
‫‪ .3‬سورة النور ‪.21 /‬‬
‫‪ .4‬سورة النساء ‪83 /‬‬

‫] ‪[ 309‬‬
‫على الدوام ولكن ما جدوى هذا الشعاع بالنسبة للعمى‪ ،‬وكذلك هى المطار في لطافة طبعها لكنه ل ينبت‬
‫الزهار في كل مكان‪.‬‬
‫ب المال والثراء أساس الحروب والمعارك النزاعات ول يقتصر هذا المر على الزمان والماضي‪ ،‬بل‬
‫نح ّ‬
‫‪2‬ـإّ‬
‫تلمسه بوضوح في كل مكان في الوقت الحاضر‪ ،‬فالدول الغاشمة تصّرح دون خشية إننا دخلنا تلك الحرب من‬
‫أجل حفظ مصالحنا‪ ،‬أو لدينا بعض المصالح في البلد الفلني )طبعًا مصالح غير مشروعة( وعليه فلبّد أن يكون‬
‫لنا تواجد عسكري فيه لنرعى تلك المصالح‪ ،‬والمؤسف أن وجه الدنيا أخذ يتكدر يومًا بعد آخر والحياة أصبحت‬
‫ل«‪.‬‬
‫لْمَوا ِ‬
‫ب ا َْ‬
‫س ِ‬
‫فيها عديمة المن‪ ،‬وليس ذلك سوى ما أورده المام )عليه السلم( إذا قال‪َ» :‬وَتَعاَدْيُتْم ِفي َك ْ‬
‫—–‬
‫] ‪[ 310‬‬
‫] ‪[ 311‬‬

‫الخطبة)‪134 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫وقد شاوره عمُر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫ن المام )عليه السلم( خطب بهذا الكلم حين اّتجه قيصر بجيشه نحو ثغور‬
‫قال بعض شّراح نهج البلغة أ ّ‬
‫السلم عندما عزل خالد بن الوليد عن إمرة جيش المسلمين وقد تولى المرة أبو عبيدة الجراح وشرحبيل وقد‬
‫ضاق عليهما المر‪ ،‬لذلك عزم عمر أن يحضر بنفسه وأستشار أمير المؤمنين علي )عليه السلم()‪ ،(2‬ويفهم من‬
‫ن عمر خالف ما أشار عليه علي )عليه السلم(‪ ،‬فلّما علم الروم مقدم عمر بنفسه خافوا‬
‫كلم ابن أبي الحديد أ ّ‬
‫وسألوا الصلح على أن يؤّدوا الجزية إلى المسلمين‪ ،‬ثم روى قصة أشبه بالخرافة)‪.(3‬‬
‫ل‪ :‬ما وراه ابن أبي الحديد عن سيف وروايات سيف ل تخلو من الوضع‬
‫لمة التستري أو ً‬
‫قال المرحوم الع ّ‬
‫والتحريف‪.‬‬
‫ن هذا الكلم قاله علي )عليه السلم( حين استشارة عمر في الخروج بنفسه‬
‫ثانيًا‪ :‬ل دليل لدنيا أ ّ‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫نقل هذا الكلم عن المام )عليه السلم( باختلف طفيف ابن الثير في النهاية في مادة كنف وأبو عبيد في كتاب الموال )مصادر نهج‬
‫البلغة ‪(2/302‬‬
‫‪ .2‬شرح نهج البلغة لبن ميثم البحراني ‪.3/162‬‬
‫‪ .3‬شرح نهج البلغة‪ ،‬لبن أبي الحديد ‪.8/298‬‬

‫] ‪[ 312‬‬
‫ن الكلم في معركة القادسية أو نهاوند)‪.(1‬‬
‫لقتال الروم‪ ،‬بل ظاهر بعض كلمات الشيخ المفيد)رحمه ال( أ ّ‬
‫ن عمر كان يقبل عادة ما يشير عليه علي )عليه السلم( وكان يرى نجاته في ذلك القبول‪،‬‬
‫والجدير بالذكر هنا أ ّ‬
‫لمة التستري‪.‬‬
‫وهذا بدوره يؤيد ما أورده المرحوم الع ّ‬

‫لمة بالنصر والغلبة والمل بهذا الوعد‪،‬‬
‫على كل حال تتألف هذه الخطبة من قسمين‪ :‬الول وعد ال سبحانه لهذه ا ُ‬
‫والثاني الذي قال فيه علي )عليه السلم( لعمر‪ :‬ل تشخص بنفسك فاّنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك‪ ،‬فتلقهم‬
‫فتنكب ل يكن للمسلمين كهف دون أقصى بلدهم‪ ،‬ليس بعدك مرجع يرجعون إليه‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬شرح نهج البلغة‪ ،‬للتستري ‪ 7/421‬ـ ‪ ،423‬بتصرف‪.‬‬

‫] ‪[ 313‬‬

‫ن‪َ ،‬وَمَنَعُهْم‬
‫صُرو َ‬
‫ل َيْنَت ِ‬
‫ل َ‬
‫صَرُهْم‪َ ،‬وُهْم َقِلي ٌ‬
‫سْتِر اْلَعْوَرِة‪َ .‬واّلِذي َن َ‬
‫حْوَزِة‪َ ،‬و َ‬
‫عَزاِز اْل َ‬
‫ن ِبِإ ْ‬
‫ل هَذا الّدي ِ‬
‫لْه ِ‬
‫ل َِ‬
‫لا ّ‬
‫»َوَقْد َتَوّك َ‬
‫ت‪.‬‬
‫ل َيُمو ُ‬
‫ي َ‬
‫حّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ل َيْمَتِنُعو َ‬
‫ل َ‬
‫َوُهْم َقِلي ٌ‬
‫جٌع‬
‫س َبْعَدكَ َمْر ِ‬
‫لِدِهْم‪َ .‬لْي َ‬
‫صى ِب َ‬
‫ن َأْق َ‬
‫ن َكاِنَفٌة ُدو َ‬
‫سِلِمي َ‬
‫ن ِلْلُم ْ‬
‫ل َتُك ْ‬
‫ب‪َ ،‬‬
‫ك‪َ ،‬فَتْلَقُهْم َفُتْنَك ْ‬
‫سَ‬
‫سْر ِإَلى هَذا اْلَعُدّو ِبَنْف ِ‬
‫ك َمَتى َت ِ‬
‫ِإّن َ‬
‫ب‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫ن‬
‫ح ّ‬
‫ك َما ُت ِ‬
‫ل َفَذا َ‬
‫ظَهَر ا ّ‬
‫ن َأ ْ‬
‫حِة‪َ ،‬فِإ ْ‬
‫صي َ‬
‫ل اْلَبلِء َوالّن ِ‬
‫حِفْز َمَعُه َأْه َ‬
‫حَربًا‪ ،‬و ا ْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫جً‬
‫ث ِإَلْيِهْم َر ُ‬
‫ن ِإَلْيِه‪َ .‬فاْبَع ْ‬
‫جُعو َ‬
‫َيْر ِ‬
‫ن«‪.‬‬
‫سِلِمي َ‬
‫س َوَمَثاَبًة ِلْلُم ْ‬
‫ت ِرْدءًا ِللّنا ِ‬
‫خَرى‪ُ ،‬كْن َ‬
‫لْ‬
‫ن ا ُْ‬
‫َتُك ِ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الحضور الخطير‬
‫استهل المام )عليه السلم( كلمه للخليفة بهدف تقوية معنوياته حذرًا من خوف لقاءالعدو الغاشم كالروم بقوله‪:‬‬
‫ن ال سبحانه تكفل‬
‫سْتِر اْلَعْوَرِة«‪ ،‬والعبارة توكل تشير إلى أ ّ‬
‫حْوَزِة)‪َ ،(1‬و َ‬
‫عَزاِز اْل َ‬
‫ن ِبِإ ْ‬
‫ل هَذا الّدي ِ‬
‫لْه ِ‬
‫ل َِ‬
‫لا ّ‬
‫َوَقْد َتَوّك َ‬
‫حّ‬
‫ق‬
‫ن اْل َ‬
‫سوَلُه ِباْلُهَدى َوِدي ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫سَ‬
‫بحمايتهم والدفاع عنهم‪ ،‬وهو المر الذي أشار إليه القرآن الكريم‪) :‬هَُو اّلِذي َأْر َ‬
‫ن()‪.(2‬‬
‫شِرُكو َ‬
‫ن ُكّلِه َوَلْو َكِرَه اْلُم ْ‬
‫عَلى الّدي ِ‬
‫ظِهَرُه َ‬
‫ِلُي ْ‬
‫وهذا الوعد اللهي ـ طبق كلم المام )عليه السلم( ـ لم يكن مقتصرًا على زمان النبي )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬بل‬
‫ن العورة تعني في الصل النقاط الحدودية‬
‫سْتِر اْلَعْوَرِة«‪ ،‬بالنظر إلى أ ّ‬
‫يجري في كل عصر ومصر‪ ،‬والعبارة‪َ» :‬و َ‬
‫ن الحق تبارك وتعالى وإضافة إلى‬
‫الهشة وما يخشاه النسان ويخافه‪ ،‬فهى تشير إلى أ ّ‬
‫‪» .1‬حوزة«‪ :‬من مادة »حوز« على وزن موز تعني الجمع والتصال والمتلك وعادة ما تطلق الحوزة على كل مجموعة‪.‬‬
‫‪ .2‬سورة التوبة ‪.33 /‬‬

‫] ‪[ 314‬‬
‫تعهده بعّزة المسلمين ورفعتهم فاّنه يمنع العدو من اللتفات إلى نقاط ضعفهم أسرارهم حتى ل يتمكن من تسديد‬
‫ضرباته للمسلمين‪.‬‬

‫ن‪َ ،‬وَمَنَعُهْم‬
‫صُرو َ‬
‫ل َيْنَت ِ‬
‫ل َ‬
‫صَرُهْم‪َ ،‬وُهْم َقِلي ٌ‬
‫ثم شّد من العزائم أكثر فأتى بشاهد حي فقال )عليه السلم(‪َ» :‬واّلِذي َن َ‬
‫ت)‪.«(1‬‬
‫ل َيُمو ُ‬
‫ي َ‬
‫حّ‬
‫ن‪َ ،‬‬
‫ل َيْمَتِنُعو َ‬
‫ل َ‬
‫َوُهْم َقِلي ٌ‬
‫فقد نصر ال تعالى ُاولئك المسلمين الذين كانوا يبدون في الظاهر ضعفاء ومن حيث العّدة قلئل‪ ،‬واليوم وقد‬
‫اتسعت حوزة السلم والحمد ل وقد إنضوت عّدة أفواج تحت رايته‪ ،‬فهم مشمولون قطعًا بنصرة الحق والغلبة‬
‫ن أي موجود تثق به وتعتمد‬
‫لهم والهزيمة لعدائهم‪ ،‬فناصرهم هو ال تعالى الحي القيوم الذي ل يموت‪ ،‬طبعًا إ ّ‬
‫ن مرور الزمان يصيبه بالضعف والهن والفتور وبالتالي الزوال والفناء‪ ،‬والذات اللهّية المقّدسة الوحيدة‬
‫عليه فا ّ‬
‫التي ل تعرف للضعف الفتور من معنى والتي ل ينبغي العتماد سوى عليها‪.‬‬
‫ثم ورد المام )عليه السلم( ذى مقدمة بعد هذه المقدمة فيخلص إلى نتيجة ليؤكد على عمر عدم حضور ميدان‬
‫سْر‬
‫ك َمَتى َت ِ‬
‫ل واضحًا لذلك والذي يقبل بصورة تامة في الموارد المشابهة فقال‪ِ» :‬إّن َ‬
‫القتال بنفسه بعد أن ذكر دلي ً‬
‫جعٌ‬
‫ك َمْر ِ‬
‫س َبْعَد َ‬
‫لِدِهْم‪َ ،‬لْي َ‬
‫صى ِب َ‬
‫ن َأْق َ‬
‫ن َكاِنَفٌة)‪ُ (3‬دو َ‬
‫سِلِمي َ‬
‫ن ِلْلُم ْ‬
‫ل َتُك ْ‬
‫ب)‪َ ،(2‬‬
‫ك‪َ ،‬فَتْلَقُهْم َفُتْنَك ْ‬
‫سَ‬
‫ِإَلى هَذا اْلَعُدّو ِبَنْف ِ‬
‫ن ِإَلْيِه«‪.‬‬
‫جُعو َ‬
‫َيْر ِ‬
‫ن المجتمع‬
‫لمة مبايعة شخص آخر فا ّ‬
‫ن أرادت ا ُ‬
‫إشارة إلى هذا المر إن حضرت ميدان القتال بنفسك وقتلت فا ّ‬
‫السلمي سيفقد مركزيته وتنها المناطق النائية التي تكون عرضة للخرق أكثر من غيرها وهذا ما سيسري إلى‬
‫سائر أنحاءالبلد‪ ،‬ولما كان السلب في القضايا الجتماعية يقترن دائمًا باليجاب بغية سدالفراغ الجتماعي‪ ،‬فبعد‬
‫أن أشار عليه المام بعدم الذهاب بنفسه‪ ،‬طرح عليه البديل ببعث رجل مجرب في الحرب وطائفة ممن أبلت في‬
‫ن أتاهم النصر فذلك ما يبغي ويحب‪ ،‬وإن حدث شيء آخر )إشارة‬
‫القتال‪ ،‬من أهل النصح والخير فا ّ‬
‫‪ .1‬العبارة »والذي نصرهم‪ «...‬مبتدأ وخبرها »حي ل يموت«‪.‬‬
‫‪» .2‬تنكب«‪ :‬من مادة »نكب« على وزن نخل بمعنى النحراف عن المسير‪ ،‬وفي هذه العبارة بمعنى الهزيمة والقتل‪.‬‬
‫‪» .3‬كانفة«‪ :‬من مادة »كنف« على وزن ظرف بمعنى الحفظ‪ ،‬وعليه كانفة تقال للشخص أو الشيء العاصم الذي يحفظ الفراد‪.‬‬

‫] ‪[ 315‬‬
‫إلى الهزيمة المسلمين( فسيكون هو ملذ المسلمين وكهفهم )فيستطيع ومن خلل بعث القوى السيطرة على‬
‫حِة‪،‬‬
‫صي َ‬
‫ل اْلَبلِء)‪َ (3‬والّن ِ‬
‫حِفْز)‪َ (2‬مَعُه َأْه َ‬
‫حَربًا)‪ ،(1‬وا ْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫جً‬
‫ث ِإَلْيِهْم َر ُ‬
‫الوضاع وتحيق النصر على العدو(‪َ» :‬فاْبَع ْ‬
‫ن«‪.‬‬
‫سِلِمي َ‬
‫س َوَمَثاَبًة)‪ِ (5‬لْلُم ْ‬
‫ت ِرْدءًا)‪ِ(4‬للّنا ِ‬
‫خَرى‪ُ ،‬كْن َ‬
‫لْ‬
‫ن ا ُْ‬
‫ن َتُك ِ‬
‫ب‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ك َما ُت ِ‬
‫ل َفَذا َ‬
‫ظَهَر ا ّ‬
‫ن َأ ْ‬
‫َفِإ ْ‬
‫ن حضور زعيم جماعة في‬
‫فقد بّين المام )عليه السلم( جوابه للخليفة حين المشورة بدليل منطقي وواضح وهو أ ّ‬
‫ن من الحتمالت الواردة قتله في المعركة ونتيجة ذلك‬
‫ميدان القتال أمر خطير سوى في الموارد الستثنائية‪ ،‬ل ّ‬
‫إنيهار الجيش من جانب وتصدع كيان البلد من جانب آخر‪ ،‬بينما لو بقى مكانه كان له أن يبعث بجيوش بدل‬
‫جيش واحد ويحتفظ بقدرته وسيطرته على جميع البلد‪.‬‬
‫—–‬

‫تأّملت‬
‫‪ 1‬ـ الرّد على سؤال‬
‫طرح بعض شّراح نهج البلغة هذا السؤال أشار علي )عليه السلم( على عمر أل يشخص بنفسه‪ ،‬فما بال رسول‬
‫ال )صلى ال عليه وآله( كان يشاهد الحروب بنفسه‪ ،‬ويباشرهم بشخصه‪ ،‬وما بال أميرالمؤمنين علي)عليه‬
‫السلم( شهد حرب الجمل وصفين والنهروان بنفسه؟‬

‫ن النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( كان عالمًا عن طريق الوحي بأّنه ل يقتل‬
‫وقد أجاب بعض الشّراح بالقول أ ّ‬
‫في الحرب‪ ،‬كما كان علي )عليه السلم( عالمًا من جهة النبي )صلى ال عليه وآله( أّنه ل يقتل في هذه الحروب‪،‬‬
‫ويشهد لذلك الخبر المتفق عليه بين الناس يقاتل بعدي الناكثين‪ ،‬والقاسطين‪ ،‬والمارقين‪ ،‬وعليه‬
‫‪» .1‬محرب«‪ :‬من مادة »حرب« بمعنى المقاتل والشجاع‪.‬‬
‫‪» .2‬احفز«‪ :‬من مادة »حفز« على وزن نبض الدافع والسوق الشديد‪.‬‬
‫‪» .3‬بلء«‪ :‬بمعنى الختبار وأهل البلء أهل المهارة في الحرب‪.‬‬
‫‪» .4‬ردء«‪ :‬بالكسر من مادة »ردء« على وزن عبد بمعنى المساعدة وعليه فردء بمعنى النصير والعضيد والسند‪.‬‬
‫‪» .5‬مثابة«‪ :‬من مادة »ثوب« على وزن قوم بمعنى رجوع الشيء إلى حالته اُلولى ومثابة بمعنى المرجع ومن يعاد إليه‪.‬‬

‫] ‪[ 316‬‬

‫وبعبارة أخرى يمكن القول‪ :‬الموارد مختلفة تمامًا ولكل ميدان من ميادين القتال وشرائطه ووضع العدو حكمه‬
‫الخاص‪ ،‬ولكن غالبًا إن كان الميدان بعيدًا عن مركز الحكومة واشترك رئيس الحكومة فيه وقتل أّدى إلى عّدة‬
‫مشاكل‪ ،‬ومن هنا نهى المام )عليه السلم( الخليفة عن حضور ميدان القتال بنفسه‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ 2‬ـ شبهة أخرى‬
‫لعل هناك من يشكل‪ :‬كيف قدم المام)عليه السلم( هذه النصيحة الوّدية والمشفقة للخليفة مع أّنه يرى الحكومة من‬
‫ن الولية لعلي‬
‫حقوقه المسلمة وقد صّرح النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( واليات القرآنية بهذا المعنى في أ ّ‬
‫)عليه السلم(؟‬
‫ن المام )عليه السلم( إّنما يفكر في المصير النهائي للسلم والمسلمين ل‬
‫الجواب على هذا السؤال واضح وهو أ ّ‬
‫ن الخليفة الثاني قد تربع على مسند الحكومة وتسلم زمام المور وقد وقف إلى جانبه عوام‬
‫في شخصه‪ ،‬وهو يعلم أ ّ‬
‫ن تعرض في ظل هذه الظروف إلى أزمة عظيمة وقتال خطير ساد الهرج والمرج‬
‫الناس وطائفة من الخواص‪ ،‬فا ّ‬
‫البلد وعمتها الفوضى وتعرض كيان السلم للخطر‪ ،‬فروح علي )عليه السلم( العظيمة تقتضي نسيانه لكل‬
‫شيء وإيثاره لخير المسلمين على كل شيء‪.‬‬
‫—–‬

‫‪ 3‬ـ المانة في الستشارة‬
‫الكلم المذكور درس لجميع المسلمين بتقديم الخير والصلح حين المشورة دون الخذ بنظر العتبار قضية‬
‫المستشار وكيفية العلقة به‪.‬‬
‫] ‪[ 317‬‬

‫ن المام الصادق )عليه‬
‫ن يقبلها ويؤّدي حقها‪ ،‬فقد ورد في الحديث أ ّ‬
‫بعبارة أخرى‪ :‬إّما يرفض المشورة وإّما أ ّ‬
‫لّدي ُ‬
‫ت‬
‫ك ِمْنُه َ‬
‫ت َذِل َ‬
‫حِني َواسِتشاَرِني ُثّم َقِبْل ُ‬
‫صَ‬
‫ف َوَقاِتَلُه َلو ِإَتَمَنني واسَتن َ‬
‫سي ِ‬
‫ي ِبال ّ‬
‫عِل ّ‬
‫ب َ‬
‫ضاِر َ‬
‫ن َ‬
‫عَلم َأ ّ‬
‫السلم( قال‪» :‬ا ْ‬
‫لمـاَنَة«)‪.(1‬‬
‫اَ‬
‫—–‬

‫‪ 4‬ـ إستنتاج خاطىء‬
‫أراد بعض المخالفين التشبث بكلم المام )عليه السلم( ليقيموا الدليل على أحقّية الخليفة الثاني بالخلفة وعلى‬
‫ن الوظيفة الشرعية والعقلية وحفظًا‬
‫ن هذا الستنباط خاطىء‪ ،‬ل ّ‬
‫لسان علي )عليه السلم(‪ ،‬ولكن من الواضح أ ّ‬
‫لمصالح المسلمين تتطلب من كل شخص في مثل ظروف علي )عليه السلم( أن يقدم النصح لمن كان يمر‬
‫بظروف عمر‪ ،‬فينطق لسانه بخير المسلمين وصلحهم‪ ،‬وإن جرت المور على خلف مصالحه الشخصية‪ ،‬بل‬
‫لمة‪ ،‬بل معناها أ ّ‬
‫ن‬
‫ن ِإَلْيِه«‪ ،‬ل تعني قط أّنك أصلح ا ُ‬
‫جُعو َ‬
‫جٌع َيْر ِ‬
‫ك َمْر ِ‬
‫س َبْعَد َ‬
‫إن كانت بضرورة‪ ،‬والعبارة‪َ» :‬لْي َ‬
‫ل الظروف الفعلية ـ حّقا أم بغير حق ـ بهذه الصفة فان قتلت تطلبت البيعة لخر زمانًا طوي ً‬
‫ل‬
‫الناس عرفوك في ظ ّ‬
‫لمة‪.‬‬
‫وهنا تنهار ا ُ‬
‫—–‬
‫‪ .1‬تحف العقول ‪.374/‬‬

‫] ‪[ 318‬‬
‫] ‪[ 319‬‬

‫الخطبة)‪135 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان‬
‫فقال المغيرة بن الخنس لعثمان‪ :‬أنا أكفيكه‪ ،‬فقال علي)عليه السلم( للمغيرة‪:‬‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫ن هذه‬
‫ن هذا الكلم لم يكن بحضرة عثمان‪ ،‬وإن أفادت عبارات الخطبة أ ّ‬
‫صّرح ابن أبي الحديد وآخرون أ ّ‬
‫ن عمارًا لما سمع بخبر وفاة أبي ذر ترحم عليه بحضور‬
‫المشاجرة كانت بحضرة عثمان‪ ،‬فقد جاء في الخبر أ ّ‬
‫ي من مجالستك قال‬
‫ب إل ّ‬
‫عثمان‪ ،‬فغضب عثمان وقال‪ :‬انفوه إلى الربذة‪ ،‬فقال عّمار‪ :‬مجالسة الكلب والخنازير أح ّ‬
‫ذلك وخرج‪ ،‬فعزم عثمان على نفيه‪ ،‬فذهب بنو مخزوم إلى علي )عليه السلم( وشكوا له ضرب عثمان لعمار‬
‫ل وقعت فتنة عظيمة‪ ،‬فذهب المام علي )عليه السلم( إلى‬
‫وهو عازم الن على إبعاده فسألوه أن يكلم عثمان وإ ّ‬
‫عثمان وقال له‪ :‬نفيت أبي ذر إلى الربذة حتى مات غريبًا وهو من صحابة رسول ال )صلى ال عليه وآله( وقد‬
‫نقم عليك الناس ذلك‪ ،‬وتريد الن نفي عمار‪.‬‬
‫ل لكي ل يجرأ عمار‪ ،‬ففسادهم منك‪ ،‬فقال علي )عليه السلم(‪ :‬ل تقدر على‬
‫فغضب عثمان وقال‪ :‬لبّد من نفيك أو ً‬
‫ذلك وفساد أمثال عمار بسبب أعمالك‪ ،‬فأنت تعمل خلف دين ال تعالى فنقم‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫لم ينقل صاحب كتاب مصادر نهج البلغة من نقل هذه الخطبة سوى أحمد بن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح‪ ،‬لكّنه أورد بعض‬
‫التوضيحات بشأن وورد الخطبة عن كتاب شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد‪.‬‬

‫] ‪[ 320‬‬
‫الناس عليك‪ ،‬قال ذلك ثم خرج من عند عثمان‪ ،‬وقد أحاط الناس به وقالوا فليبعدنا عثمان جميعًا لنموت بعيدًا عن‬
‫أهلنا‪ ،‬فقال المام )عليه السلم( قولوا لعمار يلزم بيته ول يخرج‪.‬‬
‫فقال بنو مخزوم‪ :‬إن كنت معنا فليس لعثمان أن يفعل شيئًا‪ ،‬فلما بلغ ذلك عثمان شكى عليًا )عليه السلم(إلى‬
‫الناس‪ ،‬فقال له زيد بن ثابت وكان من شيعته وخاصته‪ :‬أفل أمشي إليه فأخبره بموجدتك فيما يأتي إليك‪ ،‬قال‪ :‬بلى‪،‬‬
‫فأتاه زيد معه المغيرة بن الخنس)‪ (1‬وعداده بني زهرة وُاّمه عمة عثمان‪ ،‬فحمد زيد ال وأثنى عليه ثم قال‪ :‬أّما‬
‫ن ال قدم لك سلفًا صالحًا في السلم‪ ،‬وجعلك من الرسول بالمكان الذي أنت به‪ ،‬فأنت للخير كل الخير أهل‪،‬‬
‫بعد فا ّ‬
‫لمة‪ ،‬فله عليك حقان‪ ،‬حق الولية وحق القرابة‪ ،‬وقد شكا إلينا أ ّ‬
‫ن‬
‫وأميرالمؤمنين عثمان ابن عمك ووالي هذه ا ُ‬
‫ي‪ ،‬وقد مشينا إليك نصيحة لك‪ ،‬وكراهية أن يقع بينك وبين ابن عمك أمر نكرهه‬
‫عليًا يعرض لي‪ ،‬ويرد أمري عل ّ‬
‫ب العتراض ول‬
‫لكما‪ ،‬فحمد علي )عليه السلم( ال وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال‪ :‬أّما بعد‪ ،‬فوال ما أح ّ‬
‫ن عنه ما وسعني الكف‪.‬‬
‫ل بالحق‪ ،‬ووال لكف ّ‬
‫ل أن يأبى حّقا ل ل يسعني أن أقول فيه إ ّ‬
‫الرّد عليه‪ ،‬إ ّ‬
‫ل وقاحًا‪ ،‬وكان من شيعة عثمان وخلصائه‪ :‬إّنك وال لتكفن عنه أو لتكفن‪ ،‬فاّنه‬
‫فقال المغيرة بن الخنس وكان رج ً‬
‫أقدر عليك منك عليه‪.‬‬
‫فقال له )عليه السلم(‪ :‬يابن اللعين البتر‪ ،‬والشجرة التي ل أصل لها ول فرع‪.(2)...‬‬
‫ن له‬
‫بناءًا على هذا فخلصة الكلم أّنه اعتراض شديد على المغيرة بن الخنس الذي نطق بكلم أكبر منه واعتقد أ ّ‬
‫منزلة أعظم مّما في نفسه‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬المغيرة بن الخنس وأبوه أحد المنافقين وهو غير المغيرة بن شعبة المعروف بنفاقه وعداوته لهل البيت)عليهم السلم(‪.‬‬
‫‪ .2‬شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪ 8/301‬ـ ‪ ;302‬والفتوح لبن أعثم الكوفي ‪ 1/16‬طبقًا لنقل شرح نهج بالبلغة للمرحوم‬
‫التستري ‪.9/261‬‬

‫] ‪[ 321‬‬

‫ل َقاَم‬
‫صُرُه‪َ ،‬و َ‬
‫ت َنا ِ‬
‫ن َأْن َ‬
‫ل َم ْ‬
‫عّز ا ّ‬
‫ل َما َأ َ‬
‫ت َتْكِفيِني؟ َفَوا ّ‬
‫ع‪َ ،‬أْن َ‬
‫ل َفْر َ‬
‫ل َلَها َو َ‬
‫صَ‬
‫ل َأ ْ‬
‫جَرِة اّلِتي َ‬
‫شَ‬
‫لْبَتِر‪َ ،‬وال ّ‬
‫ن ا َْ‬
‫ن الّلِعي ِ‬
‫»َياْب َ‬
‫ت!«‪.‬‬
‫ن َأْبَقْي َ‬
‫ك ِإ ْ‬
‫عَلْي َ‬
‫ل َ‬
‫ل َأْبَقى ا ّ‬
‫ك‪َ ،‬ف َ‬
‫جْهَد َ‬
‫ك‪ُ ،‬ثّم اْبُلْغ َ‬
‫ل َنَوا َ‬
‫عّنا َأْبَعَد ا ّ‬
‫ج َ‬
‫خُر ْ‬
‫ضُه‪ُ .‬ا ْ‬
‫ت ُمْنِه ُ‬
‫ن َأْن َ‬
‫َم ْ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫أنت عاجز‬
‫كان علي )عليه السلم( الكهف الحصين للمظلومين والمحرومين على عهد الخلفاء الثلث سّيما على عهد الخليفة‬
‫الثالث عثمان الذي جاوزت بطانته الحّد في الظلم والجور‪ ،‬فلم ترحم صغيرًا ولم توقر كبيرًا‪ ،‬فكان )عليه السلم(‬
‫لمة ضد‬
‫من يوصل نداء المظلومية للخليفة‪ ،‬فمن الطبيعي أن يسبب له هذا المر بعض المشاكل حيث كان يجند ا ُ‬
‫الخلفة الحاكمة‪.‬‬
‫فقد عرض المام )عليه السلم( بهذا الرّد على تهديد المغيرة بن الخنس بالذم له والستخفاف به‪ ،‬فأشار بادىء‬
‫المر إلى جذور فساده ونقاط ضعفه ليخلص إلى نتيجة تفيد عجزه عن القيام بأي عمل ضد المام )عليه السلم(‬
‫ت َتْكِفيِني؟«‪ ،‬والتعبير عن المغيرة بن الخنس‬
‫ع‪َ ،‬أْن َ‬
‫ل َفْر َ‬
‫ل َلَها َو َ‬
‫صَ‬
‫ل َأ ْ‬
‫جَرِة اّلِتي َ‬
‫شَ‬
‫لْبَتِر‪َ ،‬وال ّ‬
‫ن ا َْ‬
‫ن الّلِعي ِ‬
‫فقال‪َ» :‬ياْب َ‬
‫باللعين كونه من رؤوس النفاق حيث أظهر السلم في فتح مكة وأبطن الكفر‪ ،‬وقد حاول رسول ال )صلى ال‬
‫عليه وآله( إستمالة قلبه فأعطاه سهمًا كبيرًا من غنائم حنين‪ ،‬وأخوه أبو الحكم الذي قتله علي )عليه السلم( يوم‬
‫ُاحد‪ ،‬ومن هنا حقد المغيرة على علي)عليه السلم()‪.(1‬‬
‫وأّما وصف المام لبيه بالبتر ل أّنه لم يكن له عقب‪ ،‬بل البتر هنا تعني انقطاعه عن الخير والسعادة‪ ،‬أو أبتر‬
‫من حيث النسب حيث كان أولده ممن ل خير فيهم فكانوا كالعدم‪،‬‬
‫ن عداء آل المغيرة استمر ضد علي )عليه السلم( حتى شهد ولده عبد ال المعركة الجمل فقتل فيها )شرح نهج البلغة‬
‫‪ .1‬يقال إ ّ‬
‫للمرحوم التستري ‪.(9/266‬‬

‫] ‪[ 322‬‬
‫لسرة وُبعدها عن القيم والمثل‪ ،‬فالواقع‬
‫وأّما قوله والشجرة التي ل أصل لها ول فرع فهو كناية عن وضاعة هذه ا ُ‬
‫لْر ِ‬
‫ض‬
‫ق ا َْ‬
‫ن َفْو ِ‬
‫ت ِم ْ‬
‫جُتّث ْ‬
‫خِبيَثة ا ْ‬
‫جَرة َ‬
‫شَ‬
‫خِبيَثة َك َ‬
‫ل َكِلَمة َ‬
‫ن قول المام )عليه السلم( إقتباس من الية الشريفة‪َ) :‬وَمَث ُ‬
‫أّ‬
‫ن َقَرار()‪.(1‬‬
‫َما َلَها ِم ْ‬
‫ضُه)‪ ،«(2‬العّزة والقدرة بيد‬
‫ت ُمْنِه ُ‬
‫ن َأْن َ‬
‫ل َقاَم َم ْ‬
‫صُرُه‪َ ،‬و َ‬
‫ت َنا ِ‬
‫ن َأْن َ‬
‫ل َم ْ‬
‫عّز ا ّ‬
‫ل َما َأ َ‬
‫ثم قال المام )عليه السلم(‪َ» :‬فَوا ّ‬
‫ت َأْقَداَمُكْم()‪.(3‬‬
‫صْرُكْم َوُيَثّب ْ‬
‫ل َين ُ‬
‫صُروا ا َ‬
‫ن َتن ُ‬
‫ن آَمُنوا ِإ ْ‬
‫ال سبحانه ذلك طبقًا للية الكريمة‪َ) :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫شَهاُد()‪ ،(4‬فالعّزة ل ل للمنافقين‪ ،‬ثم‬
‫لْ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوَيْوَم َيُقوُم ا َْ‬
‫ن آَمُنوا ِفي اْل َ‬
‫سَلَنا َواّلِذي َ‬
‫صُر ُر ُ‬
‫وقوله تعالى‪ِ) :‬إّنا َلَنن ُ‬
‫ك)‬
‫عَلْي َ‬
‫ل َ‬
‫ل َأْبَقى ا ّ‬
‫ك‪َ ،‬ف َ‬
‫جْهَد َ‬
‫ك)‪ُ ،(5‬ثّم اْبُلْغ َ‬
‫ل َنَوا َ‬
‫عّنا َأْبَعَد ا ّ‬
‫ج َ‬
‫خُر ْ‬
‫إختتم الخطبة باستخفافه الشديد بالمغيرة فقال‪ُ» :‬ا ْ‬
‫ت!«‪.‬‬
‫ن َأْبَقْي َ‬
‫‪ِ (6‬إ ْ‬
‫إشارة إلى أّنك لصغر من أن تهدد عليًا )عليه السلم(‪ ،‬فافعل ما بوسعك لترى إّنك ل تقوى على شيء‪ ،‬وبائس‬
‫هو الفرد الذي أنت ناصره‪.‬‬

‫—–‬

‫سلوك المام )عليه السلم( تجاه الفرد العديم المنطق‬
‫لو أنعمنا النظر في شأن وورد هذا الكلم للمام )عليه السلم( وتتبعنا بدقة مساره التاريخي لرأينا كيف اصطدم‬
‫المام )عليه السلم( بصورة منطقية بالنحرافات في عصر الخلفاء ول سّيما على عهد عثمان‪ ،‬فلم يتوان في‬
‫تقديم الوعظ والنصح من أجل منع أي توتر واضطراب حيث كان يكتفي بالحّد الدنى من التذكير‪ ،‬أّما حين كان‬
‫يصطدم بالمنافقين والجّهال عديمي المنطق‪ ،‬فقد كان يقف بوجههم بكل شّدة وصلبة حتى ل يقتدح في أذهانهم‬
‫التفكير بالعمال الطائشة والخطيرة‪ ،‬وصدر وذيل الكلم المذكور خير شاهد على السلوكين‪.‬‬
‫‪ .1‬سورة ابراهيم ‪.26 /‬‬
‫‪» .2‬منهض«‪ :‬من مادة »نهض« القيام من المكان ومنهض من باب إفعال الشخص الذي يساعد غيره لينهض‪.‬‬
‫‪ .3‬سورة محّمد ‪.7 /‬‬
‫‪ .4‬سورة غافر ‪.51 /‬‬
‫‪» .5‬نواك«‪ :‬من مادة »نوا« والكاف ضمير متصل تعني في الصل غاية المسافر بعيدة كانت أم قريبة‪.‬‬
‫‪ .6‬فالعبارة ل أبقى ال عليك تطلق حين اللعن ليبعد عن رحمة ال‪ ،‬والعبارة إن بقيت تعني ل رحمك ال إن رحمتني‪ ،‬فهى في الواقع‬
‫استخفاف بالمخاطب‪ ،‬فافعل ما شئت إّنك ل تقدر على شيء‪.‬‬

‫] ‪[ 323‬‬

‫الخطبة)‪136 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫في أمر البيعة‬

‫نظرة إلى الخطبة‬

‫أشار المام )عليه السلم( في هذه الخطبة إلى أمور‪:‬‬
‫ن بيعتي لم تكن صدفة بعيدة عن تفكير الناس وتخطيطهم‪ ،‬وعليه فل يحق لحد نقضها لّنها بيعة عاّمة‪.‬‬
‫الول‪ :‬أ ّ‬
‫الثاني‪ :‬أّني أريدكم جنودًا لتبلور الهداف الربانية‪ ،‬لكّنكم تريدونني من أجل ضمان منافعكم الدنيوية‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أبغي من كل الفراد النصرة لستنقاذ حق المظلوم من الظالم‪ ،‬ويبّين المام )عليه السلم(عزمه القاطع‬
‫بهذا الشأن‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ن المام علي )عليه السلم( أورد هذا الكلم إمتنع البعض عن بيعة المام‬
‫قال المرحوم الشيخ المفيد)رحمه ال( في كتاب »الرشاد« أ ّ‬
‫)عليه السلم( ـ حسب رواية الشعبي ـ ومنهم عبدال بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وحسان بن ثابت واسامة بن‬
‫زيد‪ ،‬فخطب المام )عليه السلم( لبيان أحقّية بيعته )مصادر نهج البلغة ‪ (2/306‬وهكذا نقل هذه الخطبة الشيخ المفيد في إرشاده‬
‫وقد عاش قبل السيد الرضي‪ ،‬وكذلك أشار إليها ابن الثير في كتاب »النهاية« في مادة )فلت(‪.‬‬

‫] ‪[ 324‬‬
‫] ‪[ 325‬‬

‫سُكْم‪.‬‬
‫لْنُف ِ‬
‫ل‪َ ،‬وَأْنُتْم ُتِريُدوَنِني َِ‬
‫حدًا‪ِ .‬إّني ُأِريُدُكْم ِّ‬
‫س َأْمِري َوَأْمُرُكْم َوا ِ‬
‫ي َفْلَتًة‪َ ،‬وَلْي َ‬
‫ن َبْيَعُتُكْم ِإّيا َ‬
‫»َلْم َتُك ْ‬
‫حّتى ُأوِرَدُه َمْنَه َ‬
‫ل‬
‫خَزاَمِتِه َ‬
‫ظاِلَم ِب ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫لُقوَد ّ‬
‫ظاِلمِِه‪َ ،‬و َ‬
‫ن َ‬
‫ظُلوَم ِم ْ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫صَف ّ‬
‫لْن ِ‬
‫ل َُ‬
‫سُكْم‪َ ،‬واْيُم ا ّ‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫عيُنوِني َ‬
‫س‪َ ،‬أ ِ‬
‫َأّيَها الّنا ُ‬
‫ن َكاِرهًا«‪.‬‬
‫ن َكا َ‬
‫ق َوِإ ْ‬
‫حّ‬
‫اْل َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫أنصف المظلوم من الظالم‬
‫ن المام أورد هذا الكلم ـ بعبارة أخرى هذا المقطع من الخطبة ـ حين إمتنع بعض صحابة النبي‬
‫كما ورد سابقًا فا ّ‬
‫ن َبْيَعُتُكْم‬
‫الكرم )صلى ال عليه وآله( عن بيعته‪ ،‬فأتّم المام )عليه السلم( الحجة عليهم بهذا الكلم فقال‪َ» :‬لْم َتُك ْ‬
‫ي َفْلَتًة«‪ ،‬بل حين رأيتم المشاكل الناشئة من بيعة الخلفاء السابقين ولسّيما بيعة الخليفة الثالث وما ترتب عليها‬
‫ِإّيا َ‬
‫ن القلية ل تمتلك‬
‫ي فأبيتم أمرًا جديدًا في مسألة البيعة‪ ،‬وبناءًا على ما تقدم فا ّ‬
‫من آثار فقد عزمتم على القبال عل ّ‬
‫لمة‪.‬‬
‫الحق في نقض البيعة التي سارعت إليها الكثيرة من ا ُ‬
‫ن الفلتة تعني العمل الذي يقع بغتة دون روية وتدبر فقد أراد المام‪:‬‬
‫وبالنظر إلى أ ّ‬
‫لمة وزعماء القبائل مع بعضهم‪.‬‬
‫ن بيعته كانت دقيقة جّدا وقد حصلت بعد مشورة ا ُ‬
‫ل‪ :‬يوضح أ ّ‬
‫أو ً‬

‫ثانيًا‪ :‬التلميح إلى بيعة أبي بكر التي حصلت في أجواء متوترة مغلقة من قبل قّلة قليلة حتى قال عمر بهذا‬
‫ل شّرها«)‪ ،(1‬كما ورد في بعض الروايات في ذيل هذا الحديث‬
‫ت َفلَتًة‪َ ،‬وقى ا ُ‬
‫ن َبيعَة أبي َبكر َكان ْ‬
‫المضمون‪ِ» :‬إ ّ‬
‫»َفَمن عـاَد ِإلى ِمثِلها فاقُتُلوُه«)‪ ،(2‬وسنقدم شرحًا وافيًا لهذا الموضوع في البحث اقادم‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫حدًا‪ِ ،‬إّني ُأِريُدُكْم ِّ‬
‫س َأْمِري َوَأْمُرُكْم َوا ِ‬
‫ثم قال المام )عليه السلم( في مواصلة كلمه‪َ» :‬وَلْي َ‬
‫‪ .1‬صحيح البخاري ‪ 6/2505‬طبعة دارالنشر بيروت وصحيح ابن جبان ‪ ،2/148‬طبع مؤسسة الرسالة‪.‬‬
‫ل عن مناقب ابن شهر آشوب(‪.‬‬
‫‪ .2‬بحار النوار ‪) 10/248‬نق ً‬

‫] ‪[ 326‬‬
‫سُكْم«‪ ،‬فلست من قبيل طلب الدنيا من الحّكام الذين ينشدون من وراءها تأمين جللهم وأبهتهم‬
‫لْنُف ِ‬
‫َوَأْنُتْم ُتِريُدوَنِني َِ‬
‫ومصالحهم الشخصية‪ ،‬فما أريده هو إقامة الدين بواسطتكم وأن ُاؤّدي حقوق الناس وأفوز برضى ال سبحانه‪،‬‬
‫ولكنكم تريدونني لمصالكم الشخصية كالحصول على سهم كبير من بيت المال أو نيل المناصب والمقامات والرفاه‬
‫في الحياة‪ ،‬وباللتفات إلى الختلف بين هاتين النظرتين فمن الطبيعي أل تتساوى المسارات تبعًا لوسائل العمل‪،‬‬
‫سُكْم«‪ ،‬في إشارة إلى أ ّ‬
‫ن‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫عيُنوِني َ‬
‫س‪َ ،‬أ ِ‬
‫ثم دعاهم لصلح أنفسهم بعد أن وّبخهم وأيقظهم فقال‪َ» :‬أّيَها الّنا ُ‬
‫مدرستي التربوية معدة لصلحكم‪ ،‬فما ُاريده منكم وبقبول نصائحي ـ التي تستند إلى مصدر الوحي والقرآن‬
‫ن لم يكن لديكم الندفاع فل‬
‫الكريم وتعاليم النبي الكرم)صلى ال عليه وآله( ـ اللتحاق بها والتعاون معي‪ ،‬فا ّ‬
‫جدوى من أي برنامج‪ ،‬ثم أشار في الختام إلى نقطة مهّمة ووضح عزمه الراسخ فيها وهى مسألة بسط العدالة في‬
‫خَزاَمِتِه)‪(1‬‬
‫ظاِلَم ِب ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫لُقوَد ّ‬
‫ظاِلِمِه‪َ ،‬و َ‬
‫ن َ‬
‫ن اْلَمظُْلوَم ِم ْ‬
‫صَف ّ‬
‫لْن ِ‬
‫ل َُ‬
‫كافة أرجاء البلد السلمي مقاتلة الظلمة فقال‪َ» :‬واْيُم ا ّ‬
‫ن َكاِرهًا«‪ ،‬فهذا التشبيه الرائع للظلمة بالبعير الجامح الذي يمتنع حتى من‬
‫ن َكا َ‬
‫ق َوِإ ْ‬
‫حّ‬
‫ل)‪ (2‬اْل َ‬
‫حّتى ُأوِرَدُه َمْنَه َ‬
‫َ‬
‫ن الهدف من مقارعة الظلمة ل يقتصر على‬
‫شرب الماء ويريد صاحبه أن يورده مشربه كرهًا ويرويه‪ ،‬يفيد أ ّ‬
‫ن التمرد والعصيان‬
‫ن الظالم إن جاوز الحّد فا ّ‬
‫ن هذا العمل بنفعهم أيضًا‪ ،‬ل ّ‬
‫استرداد حقوق المظلومين فحسب‪ ،‬بل أ ّ‬
‫ن الظلمة أول من تحرقهم تلك النار‪ ،‬المر الذي وقع‬
‫العام سيكون كألسنة اللهب التي تحرق الخضر واليابس وأ ّ‬
‫ن أهم هدف اجتماعي للمام )عليه‬
‫في عصر عثمان قبيل حكومة المام )عليه السلم( كما يفيد من جانب آخر أ ّ‬
‫السلم( بسط العدل وأخذ حق المظلومين‪ ،‬وهذا هو الدواء الشافي المرير على ألسنة أغلب الفراد الجّهال‪ ،‬وهذا‬
‫ت َوَأْنَزْلَنا َمَعُهْم اْلِكَتا َ‬
‫ب‬
‫سَلَنا ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫سْلَنا ُر ُ‬
‫أهم هدف لبعثة النبياء والذي صوره القرآن الكريم بالقول‪َ) :‬لَقْد َأْر َ‬
‫ط‪.(3)(...‬‬
‫سِ‬
‫س ِباْلِق ْ‬
‫ن ِلَيُقوَم الّنا ُ‬
‫َواْلِميَزا َ‬
‫‪» .1‬خزامة«‪ :‬بالكسر حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير ليشد فيها الزمام ويشهل قياده‪ ،‬وقال البعض إن كان جنس الحلقة من‬
‫النحاس قيل لها البرة وإن كانت من الشعر فهى الخزامة‪.‬‬
‫‪» .2‬منهل«‪ :‬من مادة »نهل« على وزن جهل بمعنى الشربة الولى ويطلق المنهل على الموضع الذي يمكن الستفادة منه من ماء‬
‫ن سطح ماء أغلب النهار أكثر انخفاضًا من الساحل وعادة ما يشقون بعض الماكن لوصول الماء ليبلغه‬
‫النهر )لبّد من اللتفات إلى أ ّ‬
‫الناس والحيوانات بسهولة ويقال لمسير هذه الماكن الشريعة وآخرها المنهل‪.‬‬
‫‪ .3‬سورة الحديد ‪.25 /‬‬

‫] ‪[ 327‬‬

‫الخطبة)‪137 (1‬‬

‫ن َكلم لُه )عليه السلم(‬
‫َوِم ْ‬

‫في شأن طلحة والزبير وفي البيعة له‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫المحاور الصلية للخطبة هى‪:‬‬
‫جة اشتراك علي )عليه السلم( في قتل عثمان‪ ،‬والحال هم كانوا يحرضون‬
‫‪ 1‬ـ نقض طلحة والزبير للبيعة لح ّ‬
‫الناس للقيام على عثمان‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ النصيحة المشوبة بالتهديد لطلحة والزبير ليكفا عن الفتنة‪ ،‬ويلتحقا بصفوف عاّمة المسلمين‪.‬‬
‫ن المام )عليه السلم( لم يكن طالبًا للحكومة‪ ،‬بل هم الذين أصروا عليه بقبول‬
‫‪ 3‬ـ الشارة إلى مسألة البيعة وأ ّ‬
‫البيعة‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ لعن المام )عليه السلم( في ختام الخطبة طلحة والزبير وهو المر الذي جرى عليهما عمليًا فساءت‬
‫عاقبتهما‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫رواها ابن عبد البر من علماء العاّمة للقرن الخامس في كتاب »الستيعاب« في شرج سيرة طلحة‪ ،‬كما رواها ابن الثير من علماء‬
‫سر بعض أجزاءها‬
‫القرن السابع في »اسد الغابة«‪ ،‬ونقلها المرحوم الشيخ المفيد )رحمه ال( في كتاب »الجمل« عن الواقدي‪ ،‬كما ف ّ‬
‫ابن أبي الحديد عن أبي مخنف وكذلك ابن الثير في كتاب »العوذ« )مصادر نهج البلغة ‪.(2/309‬‬

‫] ‪[ 328‬‬
‫] ‪[ 329‬‬

‫القسم الول‬

‫سَفُكوُه‪َ ،‬فِإ ْ‬
‫ن‬
‫حّقا ُهْم َتَرُكوُه‪َ ،‬وَدمًا ُهْم َ‬
‫ن َ‬
‫صفًا‪َ .‬وِإّنُهْم َلَيطُْلُبو َ‬
‫جَعُلوا َبْيِني َوَبْيَنُهْم ِن ْ‬
‫ل َ‬
‫ي ُمْنَكرًا‪َ ،‬و َ‬
‫عَل ّ‬
‫ل َما َأْنَكُروا َ‬
‫»َوا ّ‬
‫حْكُم‬
‫عْدِلِهْم َلْل ُ‬
‫ل َ‬
‫ن َأّو َ‬
‫ل ِقَبَلُهْم‪َ .‬وِإ ّ‬
‫طِلَبُة ِإ ّ‬
‫ن َكاُنوا َوُلوُه [ُوّلوُه ]ُدوِني َفَما ال ّ‬
‫صيَبُهْم ِمْنُه‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫ن َلُهْم َن ِ‬
‫شِريَكُهْم ِفيِه‪َ ،‬فِإ ّ‬
‫ت َ‬
‫ُكْن ُ‬

‫شْبَهُة اْلُمْغِدَفُة;‬
‫حَمُة‪َ ،‬وال ّ‬
‫حَمُأ َواْل ُ‬
‫غَيُة; ِفيَها اْل َ‬
‫ي‪َ .‬وِإّنَها َلْلِفَئُة اْلَبا ِ‬
‫عَل ّ‬
‫س َ‬
‫ل ُلِب َ‬
‫ت َو َ‬
‫س ُ‬
‫صيَرِتي; َما َلَب ْ‬
‫ن َمِعي َلَب ِ‬
‫سِهْم‪ِ .‬إ ّ‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫َ‬
‫حُه‪،‬‬
‫حْوضًا َأَنا َماِت ُ‬
‫ن َلُهْم َ‬
‫طّ‬
‫لْفِر َ‬
‫ل َُ‬
‫شَغِبِه‪َ .‬واْيُم ا ّ‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ساُنُه َ‬
‫طَع ِل َ‬
‫صاِبِه‪َ ،‬واْنَق َ‬
‫ن ِن َ‬
‫عْ‬
‫ل َ‬
‫طُ‬
‫ح اْلَبا ِ‬
‫ح; َوَقْد َزا َ‬
‫ضٌ‬
‫لْمَر َلَوا ِ‬
‫ن ا َْ‬
‫َوِإ ّ‬
‫سي!«‪.‬‬
‫حْ‬
‫ن َبْعَدُه ِفي َ‬
‫ل َيُعّبو َ‬
‫ي‪َ ،‬و َ‬
‫عْنُه ِبِر ّ‬
‫ن َ‬
‫صُدُرو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫الحاقدون الظالمون‬
‫ن طلحة والزبير كانا من بين ُاولئك الذين أثاروا الناس ضد عثمان ويجمع العدو والصديق على‬
‫ل شبهة ول شك أ ّ‬
‫لمة‬
‫ن العجيب ما إن هبت ا ُ‬
‫لأّ‬
‫اشتراكهما في قتل عثمان‪ ،‬كما أعلنت عائشة صراحة اعتراضها على عثمان‪ ،‬إ ّ‬
‫لمبايعة علي )عليه السلم( فتسلم زمام المور حتى وقف بوجهه طلحة والزبير وكذلك عائشة‪ ،‬والعجب من ذلك‬
‫جتهم لذلك الوقوف هو الطلب بدم عثمان‪ ،‬ول زال التاريخ يحفل بالكثير من هذه العجائب والفراد الذين‬
‫نحّ‬
‫أّ‬
‫ن المام )عليه السلم( أشار في هذه الخطبة إلى هذا المطلب‬
‫يحرصون على الدنيا وزخارفها‪ ،‬على كل حال فا ّ‬
‫حّقا ُهْم‬
‫ن َ‬
‫طُلُبو َ‬
‫ل‪َ» :‬وِإّنُهْم َلَي ْ‬
‫صفًا)‪ ،«(1‬ثم أضاف قائ ً‬
‫جَعُلوا َبْيِني َوَبْيَنُهْم ِن ْ‬
‫ل َ‬
‫ي ُمْنَكرًا‪َ ،‬و َ‬
‫عَل ّ‬
‫ل َما َأْنَكُروا َ‬
‫فقال‪َ» :‬وا ّ‬
‫سَفُكوُه«‪.‬‬
‫َتَرُكوُه‪َ ،‬وَدمًا ُهْم َ‬
‫‪» .1‬نصف«‪ :‬بكسر النون وضمها النصاف‪.‬‬

‫] ‪[ 330‬‬
‫ن َكاُنوا َوُلوُه [ُوّلوُه ]ُدوِني‬
‫صيَبُهْم ِمْنُه‪َ ،‬وِإ ْ‬
‫ن َلُهْم َن ِ‬
‫شِريَكُهْم ِفيِه‪َ ،‬فِإ ّ‬
‫ت َ‬
‫ن ُكْن ُ‬
‫ل بدليل واضح على ذلك فقال‪َ» :‬فِإ ْ‬
‫ثم استد ّ‬
‫سِهْم«‪ ،‬قطعًا ليس المام )عليه السلم( من يد في قتل عثمان‪،‬‬
‫عَلى َأْنُف ِ‬
‫حْكُم َ‬
‫عْدِلِهْم َلْل ُ‬
‫ل َ‬
‫ن َأّو َ‬
‫ل ِقَبَلُهْم‪َ .‬وِإ ّ‬
‫طِلَبُة ِإ ّ‬
‫َفَما ال ّ‬
‫ن المام )عليه السلم( ليس فقط لن يشترك في هذا العمل‬
‫لأّ‬
‫ن عثمان يستحق القتل‪ ،‬إ ّ‬
‫وإن اعتبر أغلب الصحابة أ ّ‬
‫فحسب‪ ،‬بل بعث بولديه الحسن والحسين)عليهما السلم( للدفاع عنه‪ ،‬مع ذلك صّرح تجاه ذرائع طلحة والزبير‬
‫وبغية سلبهم حق المطالبة فقد قال لم يقل أحد بأّني كنت الوحيد في قتل عثمان على فرض أّني اشتركت في قتله‪،‬‬
‫فقد شركتموني فيه‪ ،‬وعليه فأي منطق يستول لكم مطالبة الخرين بأمر اشتركتم فيه معهم‪ ،‬وإن كنتما لوحدكما من‬
‫فعل ذلك‪ ،‬فالعقاب يقتصر عليكم‪ ،‬وعليكم أن تدينوا أنفسكم قبل أي شخص‪ ،‬فالمتعارف بين الساسة الشياطين أّنهم‬
‫يسعون لخلق بعض الذرائع التي يستحسنها العوام بغية التشنيع على منافعهم‪ ،‬فهم يبذلون قصارى جهدهم لتهام‬
‫ل هذه الجواء تغيب معاني المنطق والعدالة والوجدان‬
‫منافسهم بما يشوه سمعتهم لدى الرأي العام‪ ،‬وفي ظ ّ‬
‫والشرف‪ ،‬فالهدف إقصاء المنافس الخصم مهما كان الثمن‪ ،‬وهذا بالضبط هو المنهج الذي مارسه طلحة الزبير‬
‫لمة لعلي )عليه السلم( فألّبوا الكثير من الناس لقتاله )عليه السلم( حتى احترقوا بنيران تلك‬
‫وعائشة بعد بيعة ا ُ‬
‫جة وأفشل خططهم ليعلم الناس أّنهم قتلة‬
‫ن المام )عليه السلم( سلب من خصومه الح ّ‬
‫المعارك‪ ،‬على كل حال فا ّ‬
‫عثمان وقد تذرعوا بالمطالبة بدمه وهدفهم ضمان مصالحهم الشخصية‪ ،‬فهم ل يفكرون في الناس ول يهتمون بدم‬
‫الخليفة المظلوم‪.‬‬
‫ثم واصل المام )عليه السلم( كلمه بالشارة إلى حديث النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( بشأن أصحاب‬
‫حَمُأ‬
‫غَيُة; ِفيَها اْل َ‬
‫ي‪َ .‬وِإّنَها َلْلِفَئُة اْلَبا ِ‬
‫عَل ّ‬
‫س َ‬
‫ل لُِب َ‬
‫ت َو َ‬
‫س ُ‬
‫صيَرِتي)‪َ ;(1‬ما َلَب ْ‬
‫ن َمِعي َلَب ِ‬
‫الجمل الذين ينقضون البيعة‪ِ» :‬إ ّ‬
‫شَغِبِه)‪.«(2‬‬
‫ن َ‬
‫عْ‬
‫ساُنُه َ‬
‫طَع ِل َ‬
‫صاِبِه‪َ ،‬واْنَق َ‬
‫ن ِن َ‬
‫عْ‬
‫ل َ‬
‫طُ‬
‫ح اْلَبا ِ‬
‫ح; َوَقْد َزا َ‬
‫ضٌ‬
‫لْمَر َلَوا ِ‬
‫ن ا َْ‬
‫شْبَهُة اْلُمْغِدَفُة; َوِإ ّ‬
‫حَمُة‪َ ،‬وال ّ‬
‫َواْل ُ‬
‫لّيام‬
‫فهذا الكلم إشارة للحديث المعروف عن النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( أّنه قال‪» :‬ل َتذَهب الّليالي َوا َ‬
‫غية«)‪.(3‬‬
‫ن ِنسـاِئي ِفي ِفَئة َبا ِ‬
‫ب ِإمَرَأًة ِم ْ‬
‫حوَأ ُ‬
‫ل َلهـا ال َ‬
‫ق ُيَقا ُ‬
‫ب مـاء ِبالِعرا ِ‬
‫ح ِكل ُ‬
‫حّتى َتتناَب َ‬
‫ن معي لبصيرتي« في هذا الكتاب ‪.1/481‬‬
‫‪ .1‬أوردنا شرحًا تامًا للعبارة »إ ّ‬

‫‪» .2‬شغب«‪ :‬مصدر وبمعنى تهييج الشر والفساد‪.‬‬
‫‪ .3‬منهاج البراعة ‪ ;8/338‬الحتجاج ‪.1/165‬‬

‫] ‪[ 331‬‬
‫فالحديث يشير إلى الحادثة المعروفة لصحاب الجمل حين قدموا من المدينة إلى البصرة‪ ،‬فلّما بلغوا الحوأب‬
‫نبحت عائشة كلبها‪ ،‬فتذكرت حديث النبي )صلى ال عليه وآله( فقالت‪ :‬إرجعوني إلى المدينة‪ ،‬لكن الساسة‬
‫ن تلك المنطقة ليست الحوأب)‪.(1‬‬
‫المحترفين جندوا أهل تلك المنطقة ليشهدوا بأ ّ‬
‫ن رسول ال )صلى ال عليه وآله( قال‬
‫وروى ابن عساكر في »تاريخ دمشق« ومتقى الهندي في كنز العمال أ ّ‬
‫س ِمّني«)‪ ،(2‬ومن‬
‫ك َيوَمئذ َفَلي َ‬
‫صر َ‬
‫ق َفَمن َلم َين ُ‬
‫حّ‬
‫عَلى ال َ‬
‫ت َ‬
‫غيِة َوَأن َ‬
‫ل الِفَئِة الَبا ِ‬
‫ي سُتقاِت ُ‬
‫عَل ّ‬
‫لعلي )عليه السلم(‪َ» :‬يا َ‬
‫حَمُة«‪ ،‬بالنظر‬
‫حَمُأ َواْل ُ‬
‫ي‪ ،‬فالعبارة‪ِ» :‬فيَها اْل َ‬
‫ن معي لبصيرتي ما لبست ول لبس عل ّ‬
‫هنا قال المام )عليه السلم( إ ّ‬
‫ن الحمأ بمعنى المستنقع والمادة الغامقة في جرف الحواض والجداول‪ ،‬والحمة بضم ففتح بمعنى البرة‬
‫إلى أ ّ‬
‫اللسعة للعقرب والحية‪ ،‬فهى كناية عن الفراد الرجاس والخطيرين الذين كانوا من مثيري فتنة الجمل‪.‬‬
‫ن الحمأ بمعنى القرابة الحميمة والحمة بمعنى الزوج وهى كناية عن الزبير‬
‫وهنا تفسير آخر لهاتين المفردتين في أ ّ‬
‫بن العوام ابن عمة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله(‪ ،‬وعائشة إحدى أزواج النبي )صلى ال عليه وآله(‪،‬‬
‫ن المغدقة من مادة أغداق تعني في الصل التغطية إشارة إلى الضجة التي‬
‫والعبارة الشبهة المغدقة بالنظر إلى أ ّ‬
‫أقامها أصحاب الجمل بعنوان المطالبة بدم عثمان والحال أيديهم ملطخة بدم عثمان‪ ،‬بينما صوروا أنفسهم من‬
‫ن المراد هو عدم خفاء المر على‬
‫حماته‪ ،‬وهذه العبارة ل تنافي العبارة اللحقة التي قالت بوضوح المطلب‪ ،‬ل ّ‬
‫الفراد من ذوي العقول والدراك‪ ،‬لّنهم كانوا على علم بمؤامرات أصحاب الجمل ودعاياتهم المغرضة الكاذبة‪.‬‬
‫ثم إختتم المام )عليه السلم( كلمه بتوجيه تهديد شديد استهله بالقسم فقال )عليه السلم(‪َ» :‬واْيُم ا ّ‬
‫ل‬
‫ل لقضية نباح كلب الحوأب وصراخ عائشة وعزمها على‬
‫‪ .1‬أورد ابن الثير في المجلد الثاني‪ ،‬ص ‪ 315‬عن الكامل شرحًا مفص ً‬
‫الرجوع وشهادة البعض على كذب من قال تلك المنطقة هى الحوأب‪.‬‬
‫‪ .2‬تاريخ دمشق ‪ ،32/171‬طبعه بيروت; كنز العمال ‪ 12/211‬طبعة حيدر آباد )مطابق نقل أحقاق الحق ‪.(17/166‬‬

‫] ‪[ 332‬‬
‫سي!)‪.«(5‬‬
‫حْ‬
‫ن)‪َ (4‬بْعَدُه ِفي َ‬
‫ل َيُعّبو َ‬
‫ي)‪َ ،(3‬و َ‬
‫عْنُه ِبِر ّ‬
‫ن َ‬
‫صُدُرو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫حُه)‪َ ،(2‬‬
‫حْوضًا َأَنا َماِت ُ‬
‫ن)‪َ (1‬لُهْم َ‬
‫طّ‬
‫لْفِر َ‬
‫َُ‬
‫كما أوردنا في الخطبة العاشرة التي تشبه إلى حّد بعيد هذه الخطبة‪ ،‬مراد المام )عليه السلم( من هذه العبارة أّني‬
‫سأجعل من ميدان معركة الجمل مستنقعًا خطيرًا مملوءًا بالماء بحيث ل يسعهم الهروب منه وأخمد الفتنة في‬
‫ن المام )عليه السلم( حقق‬
‫مهدها حتى ل يفكروا قط في العودة إلى مثل ذلك الميدان‪ ،‬وكما ورد في التواريخ فا ّ‬
‫عمليًا ما قاله‪ ،‬فقد قتل زعماء الجمل وعادت عائشة مخذولة إلى المدينة وافتضح أصحاب الفتنة وتشتتوا في‬
‫البلد‪.‬‬
‫—–‬
‫‪» .1‬افرطن«‪ :‬من مادة »افراط« تعني في الصل تجاوز الحّد‪ ،‬لكّنها وردت أحياناً بمعنى القيام بالحّد الكثر من العمل وقد جاءت بهذا‬
‫المعنى في العبارة‪ ،‬يعني سأمل حوض المعركة للخصوم )طبعًا المراد حوض المنية( بحيث ل يبقى أمامهم من سبيل للنجاة‪ ،‬وبناءًا‬
‫على هذا فل مجال لطرح مثل هذا السؤال أو يمكن للمام )عليه السلم( أن يفرط في شيء‪.‬‬
‫‪» .2‬ماتح«‪ :‬من مادة »متح« على وزن مدح بمعنى سحب الماء من العلى كسحب الماء من البئر بواسطة الدلو‪ ،‬وعليه فالماتح‬
‫تطلق على من يطرح الدلو بواسطة الحبل في البئر ويسحب منه الماء‪.‬‬

‫ي«‪ :‬اسم مصدري ومصدره »ري« على وزن حي والباء للمعية‪.‬‬
‫‪» .3‬ر ّ‬
‫ب« بمعنى شرب الماء أو مانع أخر دون تنفس‪.‬‬
‫‪» .4‬يعبون«‪ :‬من مادة »ع ّ‬
‫‪» .5‬حسي«‪ :‬السهل من الرض الذي يتجمع فيه الماء‪.‬‬

‫] ‪[ 333‬‬

‫القسم الثاني‬

‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫إصراركم على البيعة‬
‫ل اْلُعوِذ)‪(1‬‬
‫ي ِإْقَبا َ‬
‫أشار المام )عليه السلم( في هذا المقطع من الخطبة إلى مسألة البيعة فقال‪َ» :‬فَأْقَبْلُتْم ِإَل ّ‬
‫جاَذْبُتُموَها«‪.‬‬
‫عْتُكْم َيِدي َف َ‬
‫طُتُموَها‪َ ،‬وَناَز َ‬
‫س ْ‬
‫ت َكّفي َفَب َ‬
‫ض ُ‬
‫ن‪ :‬اْلَبْيَعَة اْلَبْيَعَة! َقَب ْ‬
‫لِدَها‪َ ،‬تُقوُلو َ‬
‫عَلى َأْو َ‬
‫ل)‪َ (2‬‬
‫طاِفي ِ‬
‫اْلَم َ‬
‫ن عليكم أن تقارنوا بي الزاعمين الطالبة بدم‬
‫فقد أشار المام )عليه السلم( في الواقع إلى هذه الحقيقة وهى أ ّ‬
‫عثمان ليجعلوا ذلك ذريعة للوصول إلى الخلفة والحكومة وهم طلحة والزبير‪ ،‬فهما ل يتورعان عن أية حيلة‬
‫وخدعة من أجل تحقيق أهدافهما‪ ،‬أّما أنا فقد أريتكم منذ البداية أّني ل أطلب المقام‪ ،‬وأنتم الذين أصررتم عل ّ‬
‫ي‬
‫البيعة‪ ،‬ولن قبلت بيعتكم فإنما ذلك بسبب القيام بالمسؤولية التي تتمثل باجراء الحق وبسط العدل والقسط وإحياء‬
‫السلم فعبارات المام)عليه السلم(‬
‫‪» .1‬العوذ«‪ :‬بضم العين جمع »عائذ« النسان أو الحيوان الذي يلد حديثًا‪.‬‬
‫‪» .2‬المطافيل«‪ :‬جمع »مطفل« على وزن مسلم ذات الطفل من النسان والوحش‪ ،‬وعليه فالعوذ والمطافيل قريبة المعنى وهما هنا‬
‫للتأكيد‪.‬‬

‫] ‪[ 334‬‬
‫تكشف مدى شوق الناس للبيعة‪ ،‬وفي ذات الوقت مدى زهد المام )عليه السلم( بها‪.‬‬
‫ثم إّتجه إلى الحق تبارك وتعالى فشكى إلى ال الظلمة الذين نقضوا العهد وجعلوا من إراقة دماء البرياء وسيلة‬
‫ظَلَماِني‪َ ،‬وَنَكَثا َبْيَعِتي‪َ ،‬وَأّلَبا)‪(1‬‬
‫طَعاِني َو َ‬
‫لتحقيق أطماعهم وأغراضهم‪ ،‬ثم أخذ بالدعاء عليهم ولعنهم‪» :‬الّلُهّم ِإّنُهَما َق َ‬
‫ي«‪.‬‬
‫عَل ّ‬
‫س َ‬
‫الّنا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ل«‪ ،‬والتفت إلى الناس قائ ً‬
‫عِم َ‬
‫ل َو َ‬
‫ساَءَة ِفَيما َأّم َ‬
‫حِكْم َلُهَما َما َأْبَرَما‪َ ،‬وَأِرِهَما اْلَم َ‬
‫ل ُت ْ‬
‫عَقَدا‪َ ،‬و َ‬
‫ل َما َ‬
‫حُل ْ‬
‫ثم قال‪َ» :‬فا ْ‬
‫طا)‪ (5‬الّنْعَمَة‪َ ،‬وَرّدا اْلَعاِفَيَة«‪ ،‬لعل العبارة‬
‫ع)‪َ ،(4‬فغََم َ‬
‫ت)‪ِ (3‬بِهَما َأَماَم اْلِوَقا ِ‬
‫سَتْأَنْي ُ‬
‫ل‪َ ،‬وا ْ‬
‫ل اْلِقَتا ِ‬
‫سَتَثْبُتُهَما)‪َ (2‬قْب َ‬
‫»َوَلَقِد ا ْ‬
‫الخيرة مواصلة شكوى المام )عليه السلم( ل سبحانه‪ ،‬ويمكن أن تكون خطابًا للناس‪ ،،‬يبدو المعنى الثاني‬

‫ن هذه العبارات تبّين مدى سعي المام )عليه السلم( لجتناب الحرب وسفك الدماء وقد‬
‫أنسب‪ ،‬على كل حال فا ّ‬
‫بذل قصارى جهده لوعظ أصحاب الجمل ومثيري الفتن عّلهم يعودون إلى رشدهم وتثار حميتهم الدينية‪ ،‬فيعودا‬
‫ب الخلفة والجاه والمقام قد أعمى أبصارهم وأصم أسماعهم بحيث لم يعد لنصائح المام‬
‫نح ّ‬
‫لأّ‬
‫عن سبيل الغي‪ ،‬إ ّ‬
‫)عليه السلم( ومواعظه من تأثير عليهم‪ ،‬بالتالي حّلت عليهم لعنة المام )عليه السلم( ففشلوا في تحقيق أهدافهم‪،‬‬
‫فانهزموا شّر هزيمة وقتلوا بذلة وهوان‪.‬‬
‫—–‬

‫القاتل يطالب بالثأر‬
‫ن طلحة والزبير كانا ممن أثارا الناس ضد عثمان‪ ،‬فقد أورد ابن قتيبة في كتابه »السياسة والمامة« أ ّ‬
‫ن‬
‫ل شك أ ّ‬
‫أهل الكوفة ومصر حين قاما ضد عثمان وحاصروه في داره كان‬
‫‪» .1‬ألبا«‪ :‬من مادة »تأليب« بمعنى الفساد وإثارة الناس‪.‬‬
‫‪» .2‬استثبت«‪ :‬من مادة »ثوب« على وزن صوم بمعنى رجوع الرميض إلى العافية ومفهوم العبارة أني أردت من طلحة والزبير‬
‫الرجوع عن انحرافهما‪.‬‬
‫‪» .3‬استأنيت«‪ :‬من مادة »أناة« على وزن قناة بمعنى الصبر والنتظار ومفهوم الجملة أّني كنت أنتظر تأثير اقتراحي عليهما فيعودا‬
‫إلى رشدهما ويسلكا سبيل العافية والسلمة‪ ،‬لكن من المؤسف‪...‬‬
‫‪» .4‬وقاع«‪ :‬بمعنى الحرب وتستعمل هذه المفردة أحيانًا بمعنى المصدر وأخرى الجمع »وقيعة«‪.‬‬
‫ن طلحة‬
‫‪» .5‬غمطا«‪ :‬من مادة »غمط« على وزن غصب بمعنى استصغار الشيء وكفران النعمة والعبارة المذكورة إشارة إلى أ ّ‬
‫والزبير استخفا بما منحتهم من فرصة وكفرا بالنعمة‪.‬‬

‫] ‪[ 335‬‬
‫ن عثمان ل يهتم لمحاصرتكم طالما يحمل إليه الماء والغذاء فاقطعوا‬
‫طلحة ممن أثار الفريقين ضد عثمان ويقول‪ :‬أ ّ‬
‫عنه الماء)‪ ،(1‬كما ورد عن ابن أبي الحديد بشأن الزبير أّنه كان يقول‪ :‬اقتلوا عثمان فقد أحدث في دنيكم‪ ،‬فقالوا‬
‫له‪ :‬ابنك على باب دار عثمان يدافع عنه‪ ،‬قال‪ :‬إن قتل عثمان فليقتل ابني قبله)‪ ،(2‬فقد كان تصور طلحة العكس‬
‫لمة مستعدة لبيعتهما على حّد‬
‫حين قتل عثمان وبايع الناس عليًا )عليه السلم(فتغّيرت الوضاع تمامًا‪ ،‬ولم تكن ا ُ‬
‫قول الكاتب المصري المعروف العقاد‪ ،‬حيث لم يكن أمرهما يختلف عن عثمان)‪ ،(3‬وكانت عائشة من الناقمين‬
‫لمة لمير المؤمنين علي )عليه السلم(‬
‫ن هؤلء الفراد الثلث انقلبوا على عقبهم بعد بيعة ا ُ‬
‫لأّ‬
‫على عثمان)‪ ،(4‬إ ّ‬
‫فاصبحوا من أنصار عثمان وهبوا للمطالبة بدمه‪ ،‬وكثيرة هى هذه النقلبات التي تسود حركة الساسة المحترفين‪،‬‬
‫وبالتالي ذاق الثلث العاقبة المريرة لثارتهم الفتن‪ ،‬فقد هزم طلحة والزبير وقتل في المعركة‪ ،‬وعادت عائشة‬
‫تجر أذيال الخيبة إلى المدينة‪ ،‬وقد تناولنا بالتفصيل موقعة الجمل وطيش عائشة ودور طلحة والزبير في‬
‫المجلدات السابقة من هذا الشرح)‪.(5‬‬
‫ن اتباعهم ممن حاول توجيه أعمالهم قد خسروا أنفسهم في زواية حرجة‪ ،‬فمن جانب‬
‫ولكن ما ينبغي إضافته هنا أ ّ‬
‫اعتبروا طلحة والزبير من الصحابة‪ ،‬كما يجرون عليهم نظرية عدالة الصحابة )طهارة وقدسية جميع صحابة‬
‫النبي )صلى ال عليه وآله((‪ ،‬ومن جانب آخر يعتبرونهما من ضمن العشرة المبشرة‪ ،‬تارة يزعمون أنّهم كانوا‬
‫مجتهدين وإن أخطاؤا في اجتهادهم‪ ،‬وعليه فهم معذورون ومأجورون‪ ،‬والحال لو وجهنا أعمالهم تحت هذا‬
‫ن الجتهاد ل يقتصر على هؤلء الفراد‪ ،‬وهذا بدوره يؤّدي‬
‫الغطاء لمكن تبرير كل جريمة ومن كل فرد‪ ،‬ذلك ل ّ‬
‫إلى تجاوز البديهيات العقلية والنصوص القرآنية‪ ،‬وتارة أخرى يزعمون أّنهم تابوا‪ ،‬وتوبتهم مقبولة عند ال‪ ،‬ولكن‬
‫هل يمكن اشعال فتيل حرب تؤّدي بسبعة عشر آلف شخص ثم تنسلخ مسؤولية هذه الدماء بمجّرد لقلقة اللسان‬
‫بالقول استغفر ال؟! فهل أّدوا حق تلك الدماء لصحابها؟ أم‬

‫‪ .1‬السياسة والمامة ‪.1/38‬‬
‫‪ .2‬شرح نهج البلغة ابن أبي الحديد ‪.9/36‬‬
‫‪ .3‬في ظلل نهج البلغة ‪.2/294‬‬
‫‪ .4‬الكامل لبن الثير ‪ ;3/206‬تاريخ الطبري ‪.3/477‬‬
‫‪ .5‬ج ‪ 1‬شرح الخطبة الثالثة عشرة‪ ،‬ج ‪ 2‬شرح الخطبة الثلثون والحادية والثلثون ج ‪ ،3‬ص ‪ 209‬ـ ‪.301‬‬

‫] ‪[ 336‬‬
‫هل عوضوا تلك الموال التي ذهبت هدرًا بهذا الخصوص؟ وهل اعترف طلحة والزبير وعائشة بخطأهم أمام‬
‫المل العام؟‬
‫ن مثل هذا الدفاع العابث هو نتيجة للغماض عن الحقائق والتعصب العمى‪ ،‬أو ليس من الجدر بنا تقسيم‬
‫إّ‬
‫صحابة النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( إلى طائفتين‪ ،‬طائفة كانت صالحة على عهده وأخرى منافقة وطالحة‪،‬‬
‫كما تقسم الطائقة الصالحة إلى فئتين‪ ،‬فئة واصلت صلحها‪ ،‬وأخرى انقلبت على عقبها فجانبت الحق والعدل‬
‫ن المراد من بشارة القرآن الكريم النبي الكرم )صلى ال عليه وآله( بنجاة‬
‫واليمان والسلح‪ ،‬كما علينا أن نعلم بأ ّ‬
‫شخص أو أشخاص في ذلك الزمان هو شمولها بهذا الحكم‪ ،‬على أّنهم رّبما غيروا مسيرتهم‪ ،‬فممكن أن يقوم‬
‫النسان بعمل بحيث تجب له الجّنة‪ ،‬ثم يفعل بعد ذلك ما يوجب دخوله النار‪.‬‬
‫—–‬
‫] ‪[ 337‬‬

‫الخطبة)‪138 (1‬‬

‫خطَبة لُه )عليه السلم(‬
‫ن ُ‬
‫َوِم ْ‬

‫يومئ فيها إلى ذكر الملحم‬

‫نظرة إلى الخطبة‬
‫تتألف هذه الخطبة في الواقع من ثلثة أقسام مرتبطة مع بعضها‪:‬‬

‫القسم الول‪ :‬إشارة إلى ولي من أولياء ال سبحانه ينطلق في عمله على أساس هداية القرآن‪ ،‬ويرى أغلب شّراح‬
‫ل ال تعالى فرجه الشريف«‪.‬‬
‫ن ذلك الولي واستنادًا إلى صفاته هو المام المهدي »عج ّ‬
‫نهج البلغة أ ّ‬
‫ل الحكومة‬
‫والقسم الثاني‪ :‬إشارة إلى الحداث الدامية التي يفرزها قيام ذلك الولي من أجل بسط العدل في ظ ّ‬
‫اللهّية حيث يمل الرض بالقسط والعدل‪.‬‬
‫القسم الثالث‪ :‬إشارة إلى الحوادث دامية أخرى تظهر من الشام‪ ،‬ولعل ذلك إشارة إلى حكومة البعض من بني‬
‫مروان‪ ،‬أو ظهور بعض الفراد كالسفياني الذي يسبق ظهور المام المهدي )عليه السلم(‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سند الخطبة‪:‬‬
‫ن بعض شّراح نهج‬
‫ورد في مصادر نهج البلغة أّنه نقل جانبًا من هذه الخطبة عن المدي في »غرر الحكم« وقال بالنظر إلى أ ّ‬
‫ن ذلك يدل على أّنهم نقلوا الخطبة من مصدر آخر أشار‬
‫البلغة اعتبروا القسم الول إشارة إلى قيام المام المهدي )عليه السلم( فا ّ‬
‫إلى هذه القيام )مصادر نهج البلغة ‪ (2/302‬لكننا ل نعتقد بتوجيه هذا الستنتاج‪ ،‬ولعلهم استنبطوا ذلك من خلل بعض القرائن‬
‫الواردة في الخطبة‪.‬‬

‫] ‪[ 338‬‬
‫] ‪[ 339‬‬

‫القسم الول‬

‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫طُفوا اْلُقْرآ َ‬
‫عَ‬
‫ن ِإَذا َ‬
‫عَلى اْلُقْرآ ِ‬
‫ي َ‬
‫ف الّرْأ َ‬
‫ط ُ‬
‫عَلى اْلَهَوى‪َ ،‬وَيْع ِ‬
‫طُفوا اْلُهَدى َ‬
‫عَ‬
‫عَلى اْلُهَدى‪ِ ،‬إَذا َ‬
‫ف اْلَهَوى َ‬
‫ط ُ‬
‫»َيْع ِ‬
‫ي«‪.‬‬
‫الّرْأ ِ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫خصائص المام المهدي )عليه السلم(‬
‫لولى عّدها أغلب‬
‫ن هذه الخطبة تشير إلى الحوادث المستقبلة حيث تطرقت إلى ثلث حوادث‪ ،‬ا ُ‬
‫كما ورد سابقًا فا ّ‬
‫شّراح نهج البلغة في المام المهدي )عليه السلم(‪ ،‬لّنه قال يجعل رغبات النفس وهواجس القلب تابعة للهدى‬
‫حين يسود العكس باتباع الهدى للهوى‪ ،‬ويجعل الرأي والفكر منقادًا للقرآن في الوقت الذي يجعلون القرآن فيه‬
‫طُفوا‬
‫عَ‬
‫ن ِإَذا َ‬
‫عَلى اْلُقْرآ ِ‬
‫ي َ‬
‫ف الّرْأ َ‬
‫ط ُ‬
‫عَلى اْلَهَوى‪َ ،‬وَيْع ِ‬
‫طُفوا اْلُهَدى َ‬
‫عَ‬
‫عَلى اْلُهَدى‪ِ ،‬إَذا َ‬
‫ف)‪ (1‬اْلَهَوى َ‬
‫ط ُ‬
‫تابعًا للرأي‪َ» :‬يْع ِ‬
‫ي«‪.‬‬
‫عَلى الّرْأ ِ‬
‫ن َ‬
‫اْلُقْرآ َ‬
‫لولى إشارة إلى الهداية العقلية‬
‫ن العبارة ا ُ‬
‫والسؤال هل للعبارتان مفهوم واحد ويؤكد كل منهما الخر؟ أم أ ّ‬
‫والعبارة الثانية إلى الهداية القرآنية؟ يبدو المعنى الثاني أنسب‪ ،‬يعني في ذلك اليوم الذي يغيب فيه الناس منطق‬

‫العقل والهداية بسبب عبادة الهوى فاّنه يزيل حجب الهوى‪ ،‬ويجعل السيادة لهداية العقل‪ ،‬كما يجعل القرآن هو‬
‫ميزان التقييم بعد أن يقصي التفسير بالرأي حين يحاول ذوي الطماع تطبيق النصوص القرآنية على ضوء‬
‫تفسيرهم إّياه حسب أرائهم‬
‫‪ .1‬يعطف من مادة عطف على وزن فتح بمعنى الميل والرغبة أو الترغيب بشيء‪ ،‬وقد تستعمل أحيانًا بصيغة المتعدي فتعني‬
‫الترغيب‪ ،‬كما تتعدى أحيانًا بحرف إلى فتعني الرغبة في شيء‪ ،‬وتتعدى أيضًا بحرف على فتعني الرجوع إلى الشيء وأخيرًا تتعدى‬
‫بحرف عن فتعني النصراف عن الشيء‪.‬‬

‫] ‪[ 340‬‬
‫من أجل تحقيق أطماعهم للمشروعة‪ ،‬ولو تأملنا أسباب البؤس والشقاء لرأيناها تتمثل بهذين الدائين‪ ،‬تحكيم هو‬
‫النفس على العقل وتطبيق الرغبات الخفية على آيات القرآن من التفسير بالرأي‪ ،‬وإن زال هذان السبيلن تمهد‬
‫السبيل من أجل بلوغ حكومة العدل اللهي‪ ،‬ولعل جميع القضايا التي أصابت المسلمين منذ البداية لحّد الن إنما‬
‫تعود إلى هذين النحرافين كما يعود سبيل الصلح إلى إصلحهما‪.‬‬
‫—–‬
‫خَذ ِإَلَهُه‬
‫ن اّت َ‬
‫ت َم ْ‬
‫ن الهوى من بين حجب المعرفة‪ ،‬حيث قال القرآن الكريم‪َ) :‬أَفَرَأْي َ‬
‫ذكر العلماء في بحث المعرفة أ ّ‬
‫شاَوًة‪.(1)(...‬‬
‫غَ‬
‫صِرِه ِ‬
‫عَلى َب َ‬
‫ل َ‬
‫جَع َ‬
‫سْمِعِه َوَقْلِبِه َو َ‬
‫عَلى َ‬
‫خَتَم َ‬
‫عْلم َو َ‬
‫عَلى ِ‬
‫ل َ‬
‫ضّلُه ا ُ‬
‫َهَواُه َوَأ َ‬
‫صَرُه«‪ ،‬والتفسير‬
‫شى َب َ‬
‫عَ‬
‫شْيئًا َأ ْ‬
‫ق َ‬
‫شَ‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫وما أورع ما قال أمير المؤمنين علي )عليه السلم( في الخطبة ‪َ» :109‬وَم ْ‬
‫بالرأي وحمل اليات القرآنية عليه إحدى مكائد الشيطان الكبرى في تحريف العبارات عن معناها الواقعي وإسقاط‬
‫الوحي عن قيمته‪ ،‬ومن هنا فقد عدت الحاديث السلمية هذا العمل بمنزلة الكفر حيث قال المام الصادق )عليه‬
‫ل َفَقد َكَفَر«)‪ ،(2‬ولّما كان الوقوف بوجه هذين النحرافين من خصائص‬
‫با ِ‬
‫ن ِكَتا َ‬
‫سَر ِبَرأيِه آَيًة ِم ْ‬
‫ن َف ّ‬
‫السلم(‪َ» :‬م ْ‬
‫ن الضمير في هذه العبارات يعود كما يعتقد شّراح نهج البلغة إلى المام المهدي‬
‫المام المهدي )أرواحنا فداه( فا ّ‬
‫)عليه السلم(‪.‬‬
‫—–‬
‫‪ .1‬سورة الجاثية ‪.23 /‬‬
‫‪ .2‬بحار النوار ‪.1/19‬‬

‫] ‪[ 341‬‬

‫القسم الثاني‬

‫عاِقَبُتَها‪َ .‬أ َ‬
‫ل‬
‫عْلَقمًا َ‬
‫عَها‪َ ،‬‬
‫ضا ُ‬
‫حْلوًا َر َ‬
‫لُفَها‪ُ ،‬‬
‫خَ‬
‫جُذَها‪َ ،‬مْمُلوَءًة َأ ْ‬
‫ساق‪َ ،‬باِديًا َنَوا ِ‬
‫عَلى َ‬
‫ب ِبُكْم َ‬
‫حْر ُ‬
‫حّتى َتُقوَم اْل َ‬
‫و منَها‪َ » :‬‬
‫ج َلُه الَْْرضُ‬
‫خِر ُ‬
‫عَماِلَها‪َ ،‬وُت ْ‬
‫ى َأ ْ‬
‫ساِو ِ‬
‫عَلى َم َ‬
‫عّماَلَها َ‬
‫غْيِرَها ُ‬
‫ن َ‬
‫خُذ اْلَواِلي ِم ْ‬
‫ن ـ َيْأ ُ‬
‫ل َتْعِرُفو َ‬
‫غٌد ِبَما َ‬
‫سَيْأِتي َ‬
‫غد ـ َو َ‬
‫َوِفي َ‬
‫سّنِة«‪.‬‬
‫ب َوال ّ‬
‫ت اْلِكَتا ِ‬
‫حِيي َمّي َ‬
‫سيَرِة‪َ ،‬وُي ْ‬
‫ل ال ّ‬
‫عْد ُ‬
‫ف َ‬
‫سْلمًا َمَقاِليَدَها‪َ ،‬فُيِريُكْم َكْي َ‬
‫َأَفاِليَذ َكِبِدَها‪َ ،‬وُتْلِقي ِإَلْيِه ِ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫جانب من الحوادث المرعبة آخر الزمان‬
‫يمثل هذا القسم من الخطبة في الواقع استمرارًا للقسم السابق وهو إشارة إلى حوادث آخر الزمان يتعرض بادىء‬
‫المر فيها إلى المعارك الدموية المدمرة التي تثقل كاهل المجتمعات البشرية ويعّم الظلم والجور كافة الماكن‪ ،‬ثم‬
‫ل‪ ،‬ويوفر كافة مستلزمات الراحة‬
‫يظهر رمز العدل اللهي فينهي النزاعات والقتتال ويمل الرض قسطًا وعد ً‬
‫جُذَها)‪ ،«(1‬ثم‬
‫ساق‪َ ،‬باِديًا َنَوا ِ‬
‫عَلى َ‬
‫ب ِبُكْم َ‬
‫حْر ُ‬
‫حّتى َتُقوَم اْل َ‬
‫ن هذا الوضع سيتواصل‪َ » :‬‬
‫والرفاه‪ ،‬فقال )عليه السلم( بأ ّ‬
‫حْلوًا‬
‫لُفَها)‪ُ ،(2‬‬
‫خَ‬
‫أشار إلى النتصارات التي تتحقق في بداية الحرب والمرارة التي تختتم بها فقال‪َ» :‬مْمُلوَءةً َأ ْ‬
‫ن الحرب تنطوي على لبن حلو وفي نفس الوقت مسموم‬
‫عاِقَبُتَها«‪ ،‬وكأ ّ‬
‫عْلَقمًا)‪َ (3‬‬
‫عَها‪َ ،‬‬
‫ضا ُ‬
‫َر َ‬
‫سر بجميع السنان وهذا هو المعنى المراد منها في العبارة‪.‬‬
‫‪» .1‬نواجذ«‪ :‬جمع »ناجذ« أقصى الضراس أو النياب‪ ،‬كما ف ّ‬
‫‪» .2‬أخلف«‪ :‬جمع »خلف« بالكسر بمعنى حلمة ضرع الناقة‪ ،‬كما وردت بمعنى حلمة ضرع سائر الحيوانات كالبقرة والشاة‪.‬‬
‫‪» .3‬علقم«‪ :‬برعم شديد المرارة يطلق عليه الحنظل‪ ،‬وتطلق هذه الكلمة على كل شيء مّر‪.‬‬

‫] ‪[ 342‬‬
‫بحيث يجذب الفراد المهوسين ليأملوا بتحقيق نصر خاطف سريع‪ ،‬بينما يصرعون ويهلكون في نهاية المر‪ ،‬ثم‬
‫غْيِرَها‬
‫ن َ‬
‫خُذ اْلَواِلي ِم ْ‬
‫ن ـ َيْأ ُ‬
‫ل َتْعِرُفو َ‬
‫غٌد ِبَما َ‬
‫سَيْأِتي َ‬
‫غد ـ َو َ‬
‫ل َوِفي َ‬
‫أشار المام إلى ظهور حكومة العدل اللهي‪َ» :‬أ َ‬
‫عَماِلَها«‪.‬‬
‫ى َأ ْ‬
‫ساِو ِ‬
‫عَلى َم َ‬
‫عّماَلَها َ‬
‫ُ‬
‫لْرضُ‬
‫ج َلُه ا َْ‬
‫خِر ُ‬
‫ثم تطرق إلى ذكر الوضاع المطلوبة المفعمة بالخير والبركة والتي تحصل بعد قيامه فقال‪َ» :‬وُت ْ‬
‫سّنِة«‪ ،‬فمن جانب‪:‬‬
‫ب َوال ّ‬
‫ت اْلِكَتا ِ‬
‫حِيي َمّي َ‬
‫سيَرِة‪َ ،‬وُي ْ‬
‫ل ال ّ‬
‫عْد ُ‬
‫ف َ‬
‫سْلمًا َمَقاِليَدَها‪َ ،‬فُيِريُكْم َكْي َ‬
‫َأَفاِليَذ)‪َ (1‬كِبِدَها‪َ ،‬وُتْلِقي ِإَلْيِه ِ‬
‫يتم اكتشاف المعادن النفيسة باطن الرض بسهولة‪.‬‬
‫ومن جانب ثان‪ :‬بيده مقاليد تلك الكنوز أو مقاليد حكومة أرجاء الرض‪.‬‬
‫ومن جانب ثالث‪ :‬يبسط العدل والقسط بالستناد إلى التمتع بتلك المصادر الغنية وهذه الحكومة الشاملة‪.‬‬
‫ومن جانب رابع‪ :‬يحيى التعاليم المندرسة والقيم المغيبة للقرآن والكريم والسّنة الشريفة‪ ،‬وهكذا تسير البشرية‬
‫ل حكومة المام المهدي )عليه السلم(‪ ،‬وتحيى‬
‫باتجاه التكامل على المستوى المادي والمعنوي‪ ،‬فالعقول تتم في ظ ّ‬
‫القيم النسانية وتفيض النعم بأنواعها على الناس ويطاح بصنم الظلم والجور‪.‬‬
‫وقد وردت مثل هذه العبارات في الروايات المتعلقة بقيام المام المهدي )عليه السلم( فقد روي عن المام الباقر‬
‫ن ُكّلِه َوَلْو َكِرَه‬
‫ى الّدي ِ‬
‫عل َ‬
‫ظِهَرهُ ِدَينُه َ‬
‫ب‪ِ ،‬وُي ْ‬
‫ق والَمغِر َ‬
‫طاُنُه الَمشِر َ‬
‫سل َ‬
‫)عليه السلم( أّنه قال‪» :‬وَتظهُر َلُه الُكُنوُز وَيبُلُغ ُ‬
‫عّمَر«)‪.(2‬‬
‫ل ُ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫خرا ٌ‬
‫ض َ‬
‫لر ِ‬
‫عَلى َوجُه ا َ‬
‫ن َفل َيفَقى َ‬
‫شِركُو َ‬
‫اْلُم ْ‬
‫ض‬
‫ق الر ِ‬
‫شر َ‬
‫ل َلُه َ‬
‫حا ُ‬
‫جورًا‪َ ،‬فَيفَت ُ‬
‫ظلمًَا َو َ‬
‫ت ُ‬
‫طًا َكَما ُمِلَئ ْ‬
‫ل َوِقس َ‬
‫عد ً‬
‫ض َ‬
‫لر َ‬
‫ل ِبِه ا َ‬
‫لا ُ‬
‫وقا في موضع آخر‪َ» :‬يم ُ‬
‫غرِبهـا«)‪.(3‬‬
‫َو َ‬
‫—–‬
‫‪» .1‬أفاليذ«‪ :‬جمع »أفلذ« وهذا جمع »فلذ« على وزن فكر بمعنى كبد الناقة‪ ،‬أو كبد كل إنسان أو حيوان‪ :،‬وفلذة تعني قطعة من‬
‫الكبد‪ ،‬والمراد بها في هذه العبارة الشياء النفيسة والكنوز والمعادن الثمينة في جوف الرض‪.‬‬

‫لمة الخوئي ‪.8/353‬‬
‫‪ .2‬شرح نهج البلغة لع ّ‬
‫‪ .3‬بحار النوار ‪.52/390‬‬

‫] ‪[ 343‬‬

‫القسم الثالث‬

‫س‪َ ،‬وَفَرشَ‬
‫ضُرو ِ‬
‫ف ال ّ‬
‫ط َ‬
‫ع ْ‬
‫عَلْيَها َ‬
‫ف َ‬
‫ط َ‬
‫ن‪ ،‬فََع َ‬
‫حي ُكوَفا َ‬
‫ضَوا ِ‬
‫ص ِبَراَياِتِه ِفي َ‬
‫ح َ‬
‫شاِم‪َ،‬وَف َ‬
‫ق ِبال ّ‬
‫منَها‪َ» :‬كَأّني ِبِه َقْد َنَع َ‬
‫شّرَدّنُكْم ِفي‬
‫ل َلُي َ‬
‫صْوَلِة‪َ .‬وا ّ‬
‫ظيَم ال ّ‬
‫عِ‬
‫جْوَلِة‪َ ،‬‬
‫طَأُتُه‪َ ،‬بِعيَد اْل َ‬
‫ض َو ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ت ِفي ا َْ‬
‫غَرُتُه‪َ ،‬وَثُقَل ْ‬
‫ت َفا ِ‬
‫س‪َ .‬قْد َفَغَر ْ‬
‫ض ِبالّرُؤو ِ‬
‫لْر َ‬
‫ا َْ‬
‫عَواِز ُ‬
‫ب‬
‫ب َ‬
‫ب ِإَلى اْلَعَر ِ‬
‫حّتى َتُؤو َ‬
‫ك‪َ ،‬‬
‫ن َكذِل َ‬
‫ل َتَزاُلو َ‬
‫ن‪َ ،‬ف َ‬
‫ل ِفي اْلَعْي ِ‬
‫حِ‬
‫ل‪َ ،‬كاْلُك ْ‬
‫ل َقِلي ٌ‬
‫ل َيْبَقى ِمْنُكْم ِإ ّ‬
‫حّتى َ‬
‫ض َ‬
‫لْر ِ‬
‫ف ا َْ‬
‫طَرا ِ‬
‫َأ ْ‬
‫ن ِإّنَما‬
‫طا َ‬
‫شْي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عَلُموا َأ ّ‬
‫عَلْيِه َباِقي الّنُبّوِة‪َ .‬وا ْ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫لَثاَر اْلَبّيَنَة‪َ ،‬واْلَعْهَد اْلَقِري َ‬
‫ن اْلَقاِئَمَة‪َ ،‬وا ْ‬
‫سَن َ‬
‫لِمَها! َفاْلَزُموا ال ّ‬
‫حَ‬
‫َأ ْ‬
‫عِقَبُه«‪.‬‬
‫طُرَقُه ِلَتّتِبُعوا َ‬
‫سّني َلُكْم ُ‬
‫ُي َ‬
‫—–‬

‫الشرح والتفسير‬

‫خصائص ذلك الحاكم الدموي‬
‫ل بالشام فيشهر‬
‫أشار المام )عليه السلم( في هذا القسم من الخطبة إلى حاكم دموي وغاشم ومقتدر يظهر مستقب ً‬
‫ص)‪(2‬‬
‫ح َ‬
‫شاِم‪َ،‬وَف َ‬
‫ق)‪ِ (1‬بال ّ‬
‫سيفه ويستولي على جميع البلد السلمية‪ ،‬ثم ذكر له تسع صفات‪ ،‬فقال‪َ» :‬كَأّني ِبِه َقْد َنَع َ‬
‫ن)‪.«(4‬‬
‫حي)‪ُ (3‬كوَفا َ‬
‫ضَوا ِ‬
‫ِبَراَياِتِه ِفي َ‬
‫‪» .1‬نعق«‪ :‬من مادة »نعق« على وزن كعب تعني في الصل صوت الغراب أوالصوت الذي يخرج من الشاة حين يذودها الراعي‬
‫وتشير هنا إلى زعيق الظالم في الشام‪.‬‬
‫‪» .2‬فحص«‪ :‬من مادة »فحص« على وزن بحث تعني في الصل البحث‪ ،‬كما وردت بمعنى البسط وهذا هو ا