‫تتتت وسوزان في كافيتيريا مطار أورلي بباريس ننتظر إقلع الطللائرة الللتي‬

‫ستقلني إلى بلدي بعد غياب دام ست سنوات‪.‬‬
‫تتت ربع الساعة الخير هذا‪ ،‬لم تيأس سوزان من محاولة إقناعي بالبقاء في‬
‫فرنسا‪ ،‬أخذت تكرر على مسللامعي نفللس الحجلج الللتي سلمعتها منللذ شللهور‬
‫عندما أعلمتها بقراري النهائي بالعودة إلى الوطن والعمل هناك‪.‬‬
‫تت ت ابن عائلة عربية تككدين بالمسككيحية والمككذهب الكككاثوليكي‪.‬‬
‫نصف العائلة يعيش في باريس‪ ،‬لذلك كانت البواب مفتوحة أمامي للدراسللة‬
‫في هذا البلد‪ ،‬دراستي كانت سهلة وميسرة وخاصة أنني كنت أجيد الفرنسية‬
‫حلتى قبلل قلدومي إللى بلاريس‪ ،‬درسلت الخلراج السلينمائي وتفلوقت فلي‬
‫دراستي‪ .‬وها أنا أعود بعد تخرجي إلى بلدي ومدينتي‪.‬‬
‫تتتتت أيضا ابنة عائلة عربية‪ ،‬ولكن كل عائلتها كانت قد هاجرت وتعيش في‬
‫فرنسا‪ ،‬أصبحنا صديقين حميمين في السنتين الخيرتين مللن دراسللتي‪ ،‬وكللان‬
‫يمكن أن نتزوج بمباركلة العللائلتين للول إصللراري عللى العللودة إلللى الللوطن‪،‬‬
‫وإصرارها على البقاء في فرنسا‪.‬‬
‫قلت لها حسما ً لخر نقاش في الموضوع ونحن في المطار‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫سوزان ‪ ..‬أنا أحب بلدي‪ ،‬مدينتي‪ .‬أحب شوارعها وزواياهللا‪.‬‬

‫هذه ليست رومانسللية فارغللة‪ ،‬إنلله شللعور أصلليل‪ ،‬أحفللظ العبللارات‬
‫ن إليها‪.‬‬
‫المحفورة على جدران البيوت القديمة في حّينا‪ ،‬أعشقها‪ ،‬أح ّ‬
‫هذا أول ً‪ ،‬أما ثانيا ً فهو أنني أريد أن أكون مخرجا ً متميزًا‪ ،‬في رأسللي‬
‫الكثير من المشاريع والخطط‪ ،‬إن طموحي كبير‪ ،‬في فرنسا سوف‬
‫ي ببعللض‬
‫أبقللى غريبللًا‪ ،‬أعمللل كللأي لجللئ عنللدهم‪ ،‬يتفضلللون عللل ّ‬
‫الفتات ‪ ...‬ل‪ ...‬ل أريد‪ .‬في بلدي أنا صاحب حق… وليس لحد ميللزة‬
‫ل من الجهد أسللتطيع أن أثبللت وجللودي‪ ،‬هللذا إذا‬
‫ي‪ ،‬بقلي ٍ‬
‫التفضل عل ّ‬
‫حينا جانبا حاجة الوطن لي ولمثالي‪.‬‬
‫ن ّ‬
‫لذلك قلراري بللالعودة نهلائي‪ ،‬وكللل محاوللة لقنلاعي بعكلس ذللك‬
‫عبث‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫تتتت صمت اسللتمر بضللع دقللائق‪ .‬سللمعنا النللداء‪ .‬آن أوان صللعود الطللائرة‪،‬‬
‫وقفنا‪ ،‬شربنا ما تبقى في كؤوسنا من بيرة دفعة واحدة‪ ،‬نظرت إليهللا متللأثرًا‪،‬‬
‫لمحت مشروع دمعة في عينيها‪ ،‬ألقت بنفسها على صدري‪ ،‬قبلتها سريعًا‪.‬‬
‫"ل أطيق موقفا ً كهذا"‬
‫قلت‪ :‬أتمنى لك السعادة‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وأنا كذلك‪ ،‬أرجو أن تنتبه‪ ،‬حافظ على نفسك‪......‬‬

‫ت الطائرة‪.‬‬
‫وصعد ُ‬

‫صص‪:‬‬
‫يوميات متل ّ‬
‫صصا ً جنسيًا‪ ،‬وإن لللم يخ ل ُ‬
‫ل المللر‬
‫صص الذي مارسُته لم يكن تل ّ‬
‫إن التل ّ‬
‫من ذلك‪.‬‬
‫مها في السجن الصلحراوي‪ ،‬وكلمللة "كتبللت"‬
‫ت معظ َ‬
‫هذه اليوميات كتب ُ‬
‫في الجملة السابقة ليست دقيقة‪ ،‬ففللي السللجن الصللحراوي ل يوجللد‬
‫أقلم ول أوراق للكتابة‪ .‬في هذا السللجن الضللخم الللذي يحتللوي علللى‬
‫سبع ساحات إضافة إلى الساحة صفر‪ ،‬وعلللى سللبعة وثلثيللن مهجع لًا‪،‬‬
‫وعلى العديد من المهاجع الجديللدة غيللر المرقمللة والغللرف والزنللازين‬
‫م بيلن جلدرانه‬
‫الفرنسية )السيلول( في الساحة الخامسللة‪ ،‬والللذي ضل ّ‬
‫في لحظة من اللحظات أكثر من عشرة آلف سجين‪ ،‬في هذا السجن‬
‫ملـة الشهادات الجامعية في هذا‬
‫الذي كان يحتوي على أعلى نسبة لح َ‬
‫البلد‪ ،‬لم يَر السجناء ‪-‬وبعضهم قضى أكثر من عشرين عاما ً‪ -‬أية ورقلة‬
‫أو قلم‪.‬‬
‫وره السللميون‪" .‬أحلدهم كلان يحفلظ فلي‬
‫الكتابة الذهنية أسلوب طل ّ‬
‫ذهنه أكثر من عشرة آلف اسلم‪ ،‬هلم السلجناء اللذين دخلللوا السللجن‬
‫الصحراوي‪ ،‬مع أسللماء عللائلتهم‪ ،‬مللدنهم أو قراهللم‪ ،‬تاريللخ اعتقللالهم‪،‬‬
‫أحكامهم‪ ،‬مصيرهم ‪.".....‬‬

‫‪2‬‬

‫عندما قررت كتابة هذه اليوميات كنت قد اسلتطعت بالتللدريب تحويللل‬
‫الذهن إلى شللريط تسللجيل‪ ،‬سللجلت عليلله كللل مللا رأيللت‪ ،‬وبعللض ملا‬
‫سمعت‪.‬‬
‫والن أفرغ "بعض" ما احتواه هذا الشريط‪.‬‬
‫هل أنا نفللس مللا كنت ُلله قبللل ثلثللة عشللر عامللا؟!‪) .‬نعللم( و)ل(‪) .‬نعللم(‬
‫رغ وأكتب "كتابة حقيقيللة" بعض لا ً‬
‫صغيرة ‪ ..‬و)ل( كبيرة‪) .‬نعم( لنني أف ِ‬
‫من هذه اليوميات‪ .‬و)ل( لنني ل أستطيع أن أكتب وأقللول كللل شلليء‪.‬‬
‫هللذا يحتللاج إلللى عمليللة ب َللوح‪ ،‬وللبللوح شللروط‪ :‬الظللرف الموضللوعي‬
‫والطرف الخر‪.‬‬
‫‪ 20‬نككيككسكككان‬
‫وقفت على سلم الطائرة قليل ً أتمّلى أبنية المطار‪ .‬أنظُر إلى الضللواء‬
‫البعيدة‪ ،‬أضواء مدينتي‪ ..‬إنها لحظة رائعة‪.‬‬
‫س‬
‫س بالرتياح‪ ،‬إحسللا ُ‬
‫نزلت‪ ،‬أخذت حقيبتي وجواَز السفر بيدي‪ ،‬إحسا ٌ‬
‫من يعود إلى بيتلله وزوايللاه المألوفلةِ بعللد طللول غيللاب‪ ...‬طلللب منللي‬
‫الموظف النتظار‪ .‬قللرأ جللواز السللفر‪ ،‬رجللع إلللى أوراق عنللده‪ ،‬بعللدها‬
‫طلب مني النتظار‪ ،‬فانتظرت‪.‬‬
‫اثنان من رجال المن استلما جواز السفر وبلطف مبالغ فيه طلبا مني‬
‫مرافقتهما‪.‬‬
‫أنا وحقيبتي ‪ -‬التي لم أَرها بعد ذلك ‪ -‬ورحلللة فلي سليارة المللن عللى‬
‫طريق المطار الطويل‪ ،‬أرقللب الضللواء علللى جللانبي الطريللق‪ ،‬أرقللب‬
‫ت إلى رجللل المللن الجللالس إلللى جللواري‪،‬‬
‫أضواء مدينتي تقترب‪ ،‬ألت ِ‬
‫ف ُ‬
‫أسأله‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫خير إن شاء الله؟ ‪ ..‬لماذا هذه الجراءات؟!‪.‬‬

‫يصالب سبابته على شفتيه ول ينطق بأي حرف‪ ،‬يطلب مني السكوت‪،‬‬
‫فأسكت!‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫رحلة من المطار إلى ذلك المبنى الكئيب وسط العاصللمة‪ ،‬رحلللة فللي‬
‫المكان‪ ..‬ومنذ تلك اللحظة وّلى ثلثة عشر عام لا ً قادمللة!‪ ..‬رحلللة فللي‬
‫الزمان‪.‬‬
‫دهم‪ ،‬وكان طالبا ً معنللا فللي بللاريس‪ ،‬قللد كتللب‬
‫"عرفت فيما بعد أن أح َ‬
‫تقريرا ً رفعه إلى الجهة المنية التي يرتبط بها‪ ،‬يقول هذا التقرير إننللي‬
‫قد تفوهت بعبللارات معاديللة للنظللام القللائم‪ ،‬وإننللي تلفظللت بعبللارات‬
‫جارحة بحق رئيس الدولة‪ ،‬وهذا الفعل يعتبر من أكبر الجللرائم‪ ،‬يعللادل‬
‫فعل الخيانة الوطنية إن لم يكن أقسى‪ ..‬وهذا جرى قبل ثلث سنوات‬
‫على عودتي من باريس"‪.‬‬
‫ذلك التقرير قادني إلى هذا المبنى الذي يتوسط العاصللمة‪ ،‬قريبلا ً مللن‬
‫بيتنا‪ ،‬هذا المبنى الذي أعرفه جيدًا‪ ،‬فلطالما مللررت مللن أمللامه‪ .‬كنللت‬
‫مثارا ً بالغموض الذي يلفه‪ ،‬وبالحراسة الشديدة حوله‪.‬‬
‫حينها ُ‬
‫رجل المن يخفرانللي‪ ،‬اشللتدت قبضللاتهما علللى سللاعديّ عنللدما ولجنللا‬
‫الباب إلى الممر الطويل‪ .‬في آخر الممر شاب‪ ،‬صاح عندما رآنا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أهلين موسى ‪..‬شو؟! أخضر وّل أحمر؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫كّلو أخرى من بعض‪.‬‬

‫من الممر إلى ممر آخر‪ ،‬درج داخلي‪ ،‬ممّر علوي‪ ،‬غرفة إلللى اليميللن‪..‬‬
‫قََرعَ الباب‪ ...‬صوت من الداخل‪ :‬أدخل‪.‬‬
‫فتح مرافقي الباب بهدوء‪ ،‬ثم خبط الرض بقدميه بقوة‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫جْبنللاه مللن المطللار ‪..‬‬
‫احترامي سيدي ‪ ..‬هذا مطلوب ِ‬

‫سيدي‪.‬‬
‫انسّلت إلى أنفي رائحة مميزة‪ ،‬ل يوجد مثيلهللا إل فللي مكللاتب ضللباط‬
‫المن‪ ،‬هي خليط روائح‪ ،‬العطور المختلفلة‪ ،‬السللجائر الفلاخرة‪ ،‬رائحللة‬
‫العرق النساني‪ ،‬رائحة الرجل‪ ..‬كللل ذلللك ممللزوج برائحللة التعللذيب‪..‬‬
‫العذاب النساني‪ ..‬رائحة القسوة‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫ما أن تصل الرائحة إلى أنف النسللان حللتى يشللعر بالرهبللة والخللوف‪،‬‬
‫ن التباسا ً ما وراء كل هذا‪.‬‬
‫وقد شعرت بهما رغم اعتقادي أ ّ‬
‫ت إلينا شخص عملق‪ ،‬أبيلض الشلعر ذو وجله أحملر‪ ،‬لمحلت عنلد‬
‫التف َ‬
‫ب العينين‪ ،‬قال العملق‪:‬‬
‫مقرِفصا ً معصو َ‬
‫قدميه شابا ً ُ‬
‫‪-‬‬

‫خذه لعند أبو رمزت‪.‬‬

‫جذبني المرافقان‪ ،‬هذه المرة بعنف ظاهر‪ .‬ممللرات وأدراج‪ ،‬كللم يبللدو‬
‫البناء صغيرا ً من الخارج‪ ،‬بينما هو بكل هذا التساع مللن الللداخل‪ ،‬خلل‬
‫سيرنا تصلني أصلوات صلراخ إنسلاني واسللتغاثات‪ ،‬كلملا تقلدمنا أكلثر‬
‫تزداد هذه الصوات ارتفاعا ً ووضوحًا‪ ،‬نزلنا ‪-‬على ما يبللدو‪ -‬إلللى القبللو‪،‬‬
‫ي البللاب‪ ،‬رأيللت مصللدر الصللراخ والسللتغاثة‪ ،‬فاجللأتني‬
‫فت َ‬
‫ح أحد ُ مرافق ّ‬
‫ي الشللخص الممللدد أرض لا ً‬
‫صرخة ألم عالية إثر ضربة كابل على قللدم ّ‬
‫والمحشورِ فللي دولب سلليارة خللارجي‪ ،‬رجله مرتفعتللان فللي الهللواء‪.‬‬
‫"أحسست أن شيئي بين فخديّ قد ارتجف"‪.‬‬
‫ي‬
‫بينما كنت مذهول ً من رؤية الكابل السود يرتفع ثم يهوي علللى قللدم ّ‬
‫الشاب المحشور في دولب السيارة السود ثم يرتفع ناثرا ً معه نقللا َ‬
‫ط‬
‫ت مرغم لا ً إلللى‬
‫الدم ونت َ‬
‫ت زاعللق‪ .‬التف ل ّ‬
‫مللدني صللو ُ‬
‫ف اللحم الدمي‪ ،‬ج ّ‬
‫مصدره‪ ،‬في زاوية الغرفة رجل محتقن الوجه‪ ،‬محمّره‪ ،‬والزبللد يرغللي‬
‫على زاويتي فمه‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫مش عيونه ‪..‬وَْل حمار!!‪.‬‬
‫ط ّ‬

‫ي قفزتين‪ ،‬واحدة إلى المام‪ ،‬وأخرى إلى الللوراء‪ ،‬وإذا‬
‫قفز أحد مرافق ّ‬
‫ي وُيربط بمطللاط خلللف رأسللي‪ ،‬ولللم أعللد أرى‬
‫بشيء يوضع على عين ّ‬
‫شيئًا‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وقفوه على الحائط‪.‬‬

‫دفعة على ظهري‪ ،‬صفعة على رقبتي‪ ،‬يداي إلى الخلف‪ ،‬أسير مرغمًا‪،‬‬
‫يرتطم رأسي بالجدار‪ ،‬أقف‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫‪-‬‬

‫ارفعْ يديك لفوق‪ ..‬ولك كلب‪...‬‬

‫أرفعُُهما‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ارفعْ رجلك اليمين ووقف على رجلك اليسار ‪..‬يا ابللن‬

‫الشرموطة‪..‬‬
‫أرفَعُ رجلي‪ ،‬أقف‪.‬‬
‫في الخلف يستمر ما كان يجري‪ ،‬أسمع صوت الكابل‪ ،‬صوت ارتطللامه‬
‫بالقدمين‪ ،‬صوت الشاب المتألم‪ ،‬صوت لهاث الجلد‪ ،‬أكاد اسمع صوت‬
‫نتف اللحم التي رأيتها تتطاير قبللل قليللل‪ ..‬أصللوات‪ ..‬أصللوات‪ ..‬عنللد‬
‫العمى الصوت هو السيد‪.‬‬
‫الكرسي المريح في مطار أورلللي‪ ،‬سللوزان‪ ،‬مرطبللات‪ ،‬بيللرة‪ ،‬المقعللد‬
‫ة وجمللا ً‬
‫ل‪ ،‬العصللير‪..‬‬
‫الللوثير فللي الطللائرة‪ ،‬المضلليفة الللتي تفيللض رق ل ً‬
‫الشاي!!‪.‬‬
‫ت اليمنللى‬
‫تتعب رجلللي اليسللرى الللتي تحمللل كامللل جسللدي‪".‬للو بللدل ُ‬
‫باليسللرى‪ ،‬هللل سللينتبه الرجللل ذو الللوجه المحتقللن؟! وإذا انتبلله مللاذا‬
‫سيفعل؟!"‪.‬‬
‫دل!!‪ ..‬لم يحصللل‬
‫در اليسرى‪ ،‬لم أعد أستطيع الحتمال‪ ،‬أغامر‪ ..‬أب ّ‬
‫تتخ ّ‬
‫شيء‪ ،‬لم ينتبه أحد‪ ،‬أشعر بالنتصار!‪"..‬بعد سنين طويلللة مللن السللجن‬
‫مستقب ً‬
‫جان‪ ،‬كل‬
‫س ّ‬
‫ل‪ ،‬سأكتشف أنه في الصراع البديّ بين السجين وال َ‬
‫انتصارات السجين ستكون من هذا العيار!!"‪.‬‬
‫الزمن ثقيل ‪ ..‬ثقيل ‪ ..‬حالة من اللتصديق تنتابني!! ما الللذي يجللري؟!‬
‫ولم ِ أنا هنا؟! آلف السئلة‪ ،‬أحاول أن أستند بيدي إلى الحائط‪ ،‬ألمسه‬
‫برؤوس أصابعي‪ .‬فجأة يصلليح الشللاب المحشللور فللي دولب السلليارة‬
‫الخارجي السود‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫بس يا سيدي ‪..‬بس‪ ،‬مشان الله‪ ،‬ما عاد فيني أتحمل!‬

‫رح أحكي ك ّ‬
‫ل شي‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫بهدوء وبلهجة المنتصر‪ ،‬يقول الرجل ذو الوجه المحتقن‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫بس إبراهيم ‪ ..‬كافي‪ ،‬اتركه‪ ،‬طلعه من الدولب وخذه‬

‫لعند الرائد‪.‬‬
‫أسمُعه يتكلم بالهاتف مع الرائد‪ .‬فكرت‪ :‬جاء الن دوري!!‪.‬‬
‫فع ً‬
‫ل‪ ،‬سمعت صوت سماعة الهاتف تعاد إلى مكانها‪ ،‬صاح المحتقن‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ولك أيوب‪ ..‬أيوب‪.‬‬

‫نعم سيدي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫تعال شوف هذا الزبون‪.‬‬

‫س بأيوب خلفي‪.‬‬
‫أ ِ‬
‫حل ّ‬
‫عل الدولب‪ ..‬يـ الله بسرعة‪.‬‬
‫‬‫خُله َ‬
‫دَ ّ‬
‫شعرت بأن أكثر من خمسة رجال قد جذبوني وأوقعوني أرضللًا‪" .‬إلللى‬
‫الن‪ ،‬بعد أربعة عشر عاما ً مضت علللى تلللك اللحظللة‪ ،‬لللم أسللتطع أن‬
‫أفهم أو أتصور كيف أن أيوب قد حشرني في ذلك الللدولب الخللارجي‬
‫للسلليارة‪ ،‬بحيللث أصللبحت رجلي مشللرعتين فللي الهللواء‪ ،‬ل أسللتطيع‬
‫الفكاك مهما حاولت‪ ،‬ول كيف انتـَزعَ حذائي وجواربي!!"‪.‬‬
‫ سيدي ‪..‬كابل وّل خيزرانة؟‪.‬‬‫ خيزرانه ‪ ..‬خيزرانه‪ ،‬يظهر الستاذ نعنوع!‪.‬‬‫ي‪ ،‬صرخت‪ .‬قبلل انتهلاء الصلرخة كلانت‬
‫سيخ من النار لسعَ باطن قدم ّ‬
‫الخيزرانه قد لسعت مرة أخرى ‪ ..‬الضرب متواصل‪ ،‬الصراخ متواصل‪.‬‬
‫رغم ذلك سمعت صوت الرجل المحتقن‪:‬‬
‫ أيوب ‪ ..‬بس استوى ناديلي‪.‬‬‫ل أعللرف لمللاذا يضللربونني! ل أعللرف مللاذا يريللدون منللي‪ ،‬تجللرأت‬
‫وصرخت‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫لك يا أخي شو بتريد مني؟‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫‪-‬‬

‫منيك‪.‬‬
‫كول خرى‪ ..‬ول َ‬

‫هذا كان رد أيوب الذي للم أَر وجهله أبلدًا‪ .‬وبلدأت أعلد الضلربات وأنلا‬
‫أصلرخ ألملًا‪" .‬بعلد ذللك بزملن طويللل‪ ،‬أخللبرني المتمرسلون‪ :‬إن علد ّ‬
‫الضللربات أول علمللات الضللعف‪ ،‬وإن هللذا يللدل علللى أن المجاهللد أو‬
‫المناضل سينهار أمللام المحقللق!!‪ ..‬وقتهللا قلللت فللي نفسللي‪ :‬ولكننللي‬
‫لست مناضل ً ول مجاهدًا‪ .‬وأخبروني أن من الفضل في هللذه الحللالت‬
‫أن تكون لديك قدرة كبيرة علللى الللتركيز النفسللي بحيللث تركللز علللى‬
‫مسألة محببة لك‪ ،‬وتحاول أن تنسى قدميك!!"‪.‬‬
‫عنلد الرقلم أربعيلن أخطلأت العلد‪ ،‬وبلدأت أفقلد إحساسلي بجسلدي‪،‬‬
‫صراخي خفتت حدُته‪ ،‬حالة من عدم التللوازن والللدوار‪ ،‬الغمللام ‪ -‬رغللم‬
‫الطماشة ‪ -‬بدأ يطفو أمام عينللي "هللل بللدأت أفقللد وعيللي؟" غمللام ‪..‬‬
‫دوار ‪ ..‬مطلللار أورللللي ‪ ..‬العصلللير ‪ ..‬اللللبيرة ‪ ..‬الطلللائرة والمضللليفة‬
‫اللطيفة‪...‬‬
‫ب‬
‫ت اسللتيعا َ‬
‫إحسللاس مبهللم بللأن كللل شلليء قللد توقللف ‪ ..‬اسللتعد ُ‬
‫الموقف ‪ ..‬نعم حتى الضرب توقف! خدر ‪ ..‬خدر ‪..‬‬
‫دقائق قد تكون طويلة ‪ ..‬قد تكون قصيرة ‪ ..‬لست أدري!! صحوت!‪.‬‬
‫صوت الرجل ذو الوجه المحتقن ثانية‪:‬‬
‫حي وّل ل؟‪.‬‬
‫ص ِ‬
‫ شو يا أيوب ‪ِ ..‬‬‫حي ‪ ،‬بس َ‬
‫شخ تحتو!!‪.‬‬
‫‬‫ص ِ‬
‫ص ِ‬
‫حي سيدي‪ِ ،‬‬
‫ِ‬
‫ العمى بلعيونه ‪ ..‬الظاهر إنو الستاذ كتير خروق!!‪.‬‬‫ أحسست بلكزة في خاصرتي‪ ،‬وصوت المحقق‪:‬ولك شو مانك‬‫شل ّ‬
‫جال؟! العمى بعيونك ملا بتسلتحي ت ُ‬
‫خ تحتلك؟! شلو اسلمك‬
‫ر ّ‬
‫وَْل؟‪.‬‬
‫قلت له اسمي‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫سله‬
‫سه ما بّلشنا معك وصلار فيلك هيلك‪ ،‬ل ِ ّ‬
‫ ول كلب‪ ..‬شوف‪ ،‬ل ِ ّ‬‫هذا كله مزح وما بلشنا الجد‪ ،‬الفضل من البدايللة تري ّللح حالللك‬
‫وترّيحنا‪ ..‬بدك تحكللي ‪ ..‬يعنللي بللدك تحكللي!! هللون عنللدنا الكللل‬
‫طق َ‬
‫بيحكوا‪ ..‬وبدك تحكي كل شي‪ ..‬من َ‬
‫طق لل السلم عليكللم!‬
‫هاه‪..‬؟ مستعد تحكي؟‪.‬‬
‫ يا سيدي بحكي شو ما بتريد ‪ ..‬بس قولولي شو بدي أحكي!‪.‬‬‫ طيب ‪ ..‬هات لنشوف ‪ ..‬شو أسماء أسرتك وَْل؟‪.‬‬‫بدأت أعُد ّ له أسماء أهلي‪ ،‬بللدءا ً مللن والللدي ووالللدتي‪ ،‬لكنلله قللاطعني‬
‫صارخا ً مهتاجًا‪:‬‬
‫دي أسلماء أهللك!! خلراي‬
‫ي؟ أنلا بل ّ‬
‫ وَْل جحش ‪..‬عَ ْ‬‫م تجد ُْبها عل َ ّ‬
‫عليك وعلى أهلك‪ ،‬قل لي أسماء أسرتك بالتنظيم وَْل كّر‪.‬‬
‫ أي تنظيم يا سيدي؟ أي تنظيم؟‪.‬‬‫ يا أيوب ‪ ..‬يبدو هل الّتيس عم يغ ّ‬‫دو يعللذبنا ويعللذب‬
‫شم حاله!! ب ّ‬
‫حاله!!‪.‬‬
‫ يا سيدي ‪ ..‬وحياة الرب ‪ ..‬وحياة الرب ‪ ..‬مللا بعللرف عللن شللو‬‫عم تسألني! أي تنظيم هذا يّلي عم تحكي عنه؟‪.‬‬
‫صللوت خطللوات‪ ..‬شللعرت أنلله اقللترب منللي‪ ،‬أنفاسلله لفحللت وجهللي‪،‬‬
‫وبهدوء شديد قال‪:‬‬
‫ تنظيم المنايك أمثالك ‪ ..‬تنظيم الخوان المسلللمين ‪ ..‬شللو مللا‬‫بتعرف تنظيمك؟!‪.‬‬
‫"لحظت أن رائحة فمه كريهة جدًا"‪.‬‬
‫ي أن أفرح لن اللتبللاس بللدا واضللحا ً جليـلًا؟‪ ..‬أم ألعللن‬
‫لم أد ِْر‪ .‬هل عل ّ‬
‫دف اللتي‬
‫صل َ‬
‫حظي العاثر الذي أوقعني في هذا اللتباس؟‪ ..‬أم ألعللن ال ّ‬
‫ت أن أصل مباشرة إلى أبو رمللزت؟‪ ..‬لللو أنهللم فتشللوني وأخللذوا‬
‫قد َّر ْ‬

‫‪9‬‬

‫مللن أكللون ومللا هللي‬
‫أغراضي كما يفعلون مع الجميع‪ ،‬لتللبين لحللد مللا َ‬
‫ن أدخل فرع المخابرات في اللحظة الللتي كللان يللأتي‬
‫جريمتي‪ ،‬ولكن أ ْ‬
‫ت المعتقليللن ملن الخلوان المسلللمين‪ ،‬وأن‬
‫فيها إلى الفلرع يوميلا ً مئا ُ‬
‫ُأح َ‬
‫شر بينهم‪ ،‬وأن يعمل الضباط والعناصر على ملدار الربلع وعشلرين‬

‫ساعة يوميًا‪ ،‬وأن تكون الفوضللى داخللل الفللرع عارمللة لهللذه الدرجللة‪،‬‬
‫فمن المستحيل عندها أن أستطيع إزالة وتوضيح هذا اللتبللاس‪ .‬وفللوق‬
‫كل هذا "اسمي" الذي ل يوحي بأنني لست مسلمًا‪.‬‬
‫ولكن رغم ذلك‪ ،‬صرخت‪:‬‬
‫ بس سيدي أنا مسيحي‪ ..‬أنا مسيحي!!‪.‬‬‫ شو وَْل!! عم تقول مسليحي؟! العملى بعيونلك وَْل ‪..‬ليلش ملا‬‫حكيللت؟! ليللش جايبينللك لكللان؟‪ ..‬أكيللد ‪ ..‬أكيللد عامللل شللغلة‬
‫كبيرة!‪ ..‬مسيحي؟!‪.‬‬
‫ إنتو ما سألتوني يا سيدي‪ ..‬ومو بس مسيحي‪ ..‬أنا رجل ملحد‪،‬‬‫أنا ما بآمن بالله‪.‬‬
‫"إلى الن لم أجد تفسيرا ً لفذلكتي هذه‪ ،‬فما الغاية مللن إعلن إلحللادي‬
‫أمام هذا المحقق؟‪..‬‬

‫ل أعرف!"‪.‬‬

‫ت عليهِ مسحة من تفكير(‪.‬‬
‫ وملحد كمان؟!‪) ..‬سأَلها بصو ٍ‬‫ نعم سيدي‪ ..‬نعم‪ .‬والله العظيم‪ ..‬وشوف جواز سفري‪.‬‬‫سكت الرجل المحتقن لحظات بدت لي طويلللة جللدًا‪ .‬سللمعت صللوت‬
‫أقدامه تبتعد‪ ،‬وبصوت واضح قال‪:‬‬
‫مل‬
‫ قال ملحد‪ ..‬قال!! إي بس نحن دولة إسلمية!!‪ ..‬أيوب‪ ..‬ك ّ‬‫شغلك!!‪.‬‬
‫وعادت خيزرانة أيوب تواصل عملها‪.‬‬
‫" منذ اللحظات الولى لحتكاكي بهؤلء‪ ،‬استخدمت كلمة "ياأخي" عند‬
‫الجابة على سؤال ما‪ ،‬لكن أيوب صفعني قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫ وَْل كلب‪ ..‬أنا أخوك؟‪ ..‬أخوك بالخان‪.‬‬‫تداركت المر وخاطبته بل "يا أستاذ"‪ ..‬وصفعة أخرى‪.‬‬
‫ أستاذ؟‪ ..‬أستاذ ببيت أهلك‪ ..‬بين فخاذ أمك‪.‬‬‫منللذ تلللك اللحظللات علمللوني أن أقللول‪" :‬يللا سلليدي"‪ ..‬هللذه الكلمللة‬
‫لتستخدم هنا كما بين رجلين مهللذبين‪ ،‬هللذه الكلمللة ُتنطللق هنللا وهللي‬
‫تحمل كل معاني الذ ّ‬
‫ل والعبودية‪.‬‬
‫‪ 21‬نككيككسكككان‬
‫ي ببطء‪ ،‬أكاد اختنق من نتانة الروائح المحيطة بللي‪ ،‬حللولي‬
‫فتحت عين َ ّ‬
‫ى علللى الرض بيللن هللذه القللدام‬
‫غابللة مللن القللدام والرجللل‪ ،‬ملق ل ً‬
‫المكتظة‪ ،‬رائحة القدام القذرة‪ ،‬رائحة الدم‪ ،‬رائحة الجروح المتقيحللة‪،‬‬
‫رائحة الرض التي لم تنظف منذ زمن طويل‪ ..‬النفاس الثقيلة لنللاس‬
‫د‪ ،‬أننلا‬
‫يقفون متلصقين "علمت بعد قليل من خلل عملية التفقد والعل ّ‬
‫كنا ستة وثمانين رج ً‬
‫ل‪ ،‬عاينت سلقف الغرفللة وقللدرت أن مسلاحتها ل‬
‫تزيد عن ‪ 25‬مترا ً مربعًا!!"‪.‬‬
‫الحديث بين الناس يجري همسًا‪ ،‬المر الذي يولد أزيزا ً متواص لل ً يخيللم‬
‫فوق الجميع‪ .‬أردت الوقوف لستنشاق بعللض الهللواء‪.‬آلم فظيعللة فللي‬
‫ي‬
‫كامل الجسد‪ ،‬تحاملت‪ ،‬تجّلدت‪ ،‬وعندما حاولت أن أقللف علللى قللدم ّ‬
‫ت وأمسللكت بلي‬
‫صرخت ألمًا‪ .‬انتبه الناس من حولي‪ ،‬علدة أيللادٍ امتلد ّ ْ‬
‫ت مستندا ً إلى اليادي‪ ،‬قال شاب يقف‬
‫من تحت إبطي وأنهضتني‪ ،‬وقف ُ‬
‫إلى جانبي‪:‬‬
‫ اصبر يا أخي‪ ..‬اصبر‪ ،‬إنها شدة وتزول!!‪.‬‬‫قال آخر‪:‬‬
‫ من يكن مع الله فإن الله سيكون معه‪ ..‬ل تيأس يا أخي‪.‬‬‫فت اللم قلي ً‬
‫ل‪ ،‬نظللرت حللولي‪ ،‬رجللال‪ ..‬شللباب‪ ..‬ويوجللد‬
‫مع الحركة خ ّ‬
‫أطفال في الثانية عشر والثالثة عشر ‪ ..‬كهول‪ ..‬شيوخ!!‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫ت إلى الرجل الذي حاول أن يشد ّ من عزيمتي قبل قليل‪ ،‬سألته ‪:‬‬
‫التف ّ‬
‫ مين هدول الناس؟‪ ..‬ليش نحن هون؟ ليش الناس واقفين؟!‪.‬‬‫ي بحيرة تقللرب مللن البلهللة وكللأنه يقللول‪ :‬كيللف يمكللن‬
‫نظر الرجل إل ّ‬
‫شرح ما هو بديهي؟!!‪ .‬ورد ّ بسؤال‪:‬‬
‫ أنت ما بتعرف شو صاير بالبلد؟!‪.‬‬‫"كنت‪ ،‬وأنلا فلي فرنسلا‪ ،‬قلد سلمعت أنبلاًء علن اضلطرابات سياسلية‬
‫ن هنلاك حزبلا ً يلدعى الخللوان المسلللمون يقلوم ببعللض‬
‫تحصل هنا‪ ،‬وأ ّ‬
‫عْر هذه النباء أية أهمية‪ ،‬وبقَيللت‬
‫حوادث العنف هنا وهناك‪ .‬ولكني لم أ ِ‬
‫مبهمة‪ ،‬فلم أعرف التفاصيل‪ ،‬ولم أكن يوما ً من هواة نشرات الخبللار‪،‬‬
‫أو العمل السياسي المنظم‪ ،‬رغم أنني كنت في المرحلة الثانويللة ومللا‬
‫تلها قريبا ً من بعض الماركسيين ومتأثرا ً بأفكارهم‪ ،‬خاصة أفكار خالي‬
‫الللذي كللان علللى مللا يبللدو يحتللل مركللزا ً قياديللا ً مهمللا ً فللي الحللزب‬
‫الشيوعي"‪.‬‬
‫أجبته‪:‬‬
‫ ل والله ‪ ..‬ما بعرف!‪ ..‬ليش شو صاير؟‪.‬‬‫ ليش مانك عايش بالبلد؟!‪.‬‬‫وأردت أن أقط َعَ ك ّ‬
‫ل دابرِ أسئلِته‪ ،‬فأجبته دفعة واحدة عن كل ما يمكن‬
‫أن يسأله‪:‬‬
‫مللن‪...‬‬
‫ ل‪ ..‬كنللت عللايش بفرنسللا‪ ..‬واليللوم أنللا جيللت‪ ،‬يعنللي ِ‬‫)ونظرت الى ساعتي( أربع عشرة ساعة بس‪.‬‬
‫ العمى معك ساعة؟!! ‪..‬خبيها يا أخي خبيها‪ ،‬شايف كل النللاس‬‫هون‪ ،‬هدول كلهم من خيرة المؤمنين والمللدافعين عللن السلللم‬
‫بهـ البلد‪ ،‬امتحان يا أخي امتحان‪ ،‬امتحان من الله عّز وج ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫قاطعته وقد بلغ بي الحسللاس بغرابللة وضللعي وبللالُغبن والضلليق حللدا ً‬
‫كبيرًا‪ ،‬قلت محتد ًّا‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫ طيب ‪ ..‬العمى أنا شو دخلني؟! أنا مسيحي ماني مسلم‪ ،‬وأنللا‬‫ملحد ماني مؤمن!!‪.‬‬
‫" هذه هي المرة الثانية التي أعلللن فيهللا أننللي ملحللد ‪ -‬وكللانت فذلكللة‬
‫أيضا ً ‪ -‬في المرة الولى كلفتني وجبة من خيزرانة أيوب‪ ،‬بأمر من أبو‬
‫رمزت الذي ذبح المسلمين لننا نعيش في دولة إسلللمية!!!‪ .‬أمللا فللي‬
‫المرة الثانيللة فإنهللا سللتكلفني سللنوات طويلللة مللن العزلللة المطلقللة‪،‬‬
‫ومعاملة كمعاملة الحشرات‪ ،‬ل بل أسوأ منها"‪.‬‬
‫رأيت محدثي وكأنه قفز إلى الخلف‪ .‬ولكوننللا محشللورين‪ ،‬لللم يتحللرك‬
‫منه إل جزؤه العلوي فقط‪ ،‬وبشكل عفوي قال‪:‬‬
‫ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم‪ .‬ثم بصللوت أعلللى‪ :‬يللا شللباب‬‫في واحد نصراني كافر!‪ ..‬في عندنا واحد جاسوس‪.‬‬
‫ت فيه‬
‫صوَّبت نحوي مجموعة من العيون‪ ،‬في نفس الوقت الذي سمع ُ‬
‫ُ‬
‫صوتا ً آتيا ً من خلفي‪ ،‬صوتا ً آمرًا‪:‬‬
‫ مين هذا يّلي عم يرفع صلوته؟‪ ..‬سلكوت‪ ..‬سلكوت! يـل الللله‪..‬‬‫صار وقت التبديل‪.‬‬
‫لم أستطع استيعاب المر!! في الجزء البعد من الغرفللة كللانت هنللاك‬
‫مجموعة من الناس المسللتلقين علللى الرض‪ ،‬وقللد اصللطفوا بطريقللة‬
‫غريبللة ولكللن منتظمللة كمللا لللو كللانوا مجموعللة مللن لفللائف التبللغ قللد‬
‫اصللطفت فللي علبللة‪ .‬وبيللن المسللتلقين وبيننللا نحللن الللواقفين توجللد‬
‫المجموعة الثالثة‪ ،‬مجموعة المقرفصين على الرض‪.‬‬
‫بعللد كلم الرجللل الضللخم ل ل علمللت أنلله رئيللس المهجللع للل تحركـللت‬
‫المجموعات الثلث‪ .‬خلل لحظات كان النيام جميعا ً قد وقفوا واحتلللوا‬
‫الركن الذي كنا فيه تدريجيًا‪ .‬نحن قرفصللنا‪ .‬المجموعللة الثالثللة اتجهلت‬
‫الى مكان النوم‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫ يـ الله سّيف‪ ..‬سّيف‪ ،‬كل النايمين يسّيفو‪" .‬وتبين أن التسييف‬‫هو النوم على الجنب"‪.‬‬
‫الول استلقى لصق الحلائط عللى جنبله‪ ،‬ظهلره إللى الحلائط‪ ،‬الثلاني‬
‫استلقى أمامه واضعا ً البطن على البطن‪ ،‬رأس كللل واحللد منهمللا عنللد‬
‫أقدام الخر‪ .‬الثالث سّيف ووضللع ظهللره لصللق الظهللر الثللاني‪ ،‬الرابللع‬
‫بطنه على بطن الثالث‪ ،‬ودائما ً الرؤوس عند القدام‪.‬‬
‫تتابع المستلقون إلى أن وصل الصف إلى الحائط الثللاني مللن الغرفللة‬
‫ولزال هناك ستة أو سبعة أشخاص لم يبق لهم مكان‪ .‬هنا صاح رئيس‬
‫المهجع‪:‬‬
‫ يـ الله يا ك َّبيس‪ ..‬إجا شغلك!‪.‬‬‫قام الرجل الضخم الثاني بهدوء ل يبدو مصارعا ً ل ذهب إلللى أول رجللل‬
‫ق عند الحائط‪ ،‬وبهللدوء وضللع قللدميه بيللن الحللائط وبيللن الرجللل‬
‫مستل ٍ‬
‫المستلقي‪ ،‬استند بظهره إلى الحائط‪ ،‬ثم أخذ يدفع المسللتلقي ببلاطن‬
‫قدميه‪ ،‬دفعَ أكثر‪ ،‬انضغط المستلقون قلي ً‬
‫ل‪ ،‬أصبح هناك مسللافة تتسللع‬
‫لرجل آخر‪ ،‬نادى على واحد من المتبقين‪ :‬يـ الله انزل هون‪.‬‬
‫نزل الرجل مستلقيا ً على جنبه بين أقدام الكّبيللس والرجللل الول‪ ،‬ثللم‬
‫جل الجديللد‪ ،‬ومللرة أخللرى حقللق مسللافة‬
‫بدأ الكّبيس بالضغط على الر ُ‬
‫تتسع إلى آخر‪ ..‬يـ الله إنزل هون‪ ،‬ثم الضغط من جديلد ورجلل جديلد‪،‬‬
‫في النهاية تم استيعاب جميع الللذين لللم يبللق لهللم مكللان سللابقًا‪ ،‬عللاد‬
‫الكّبيس إلى مكانه بنفس الهدوء‪ ،‬وهو ينفض يديه!‪.‬‬
‫راقبت المستلقين‪ ،‬بعضهم استغرق في النوم فورًا!!‪.‬‬
‫ثلثة أيام قضيتها في تلك الغرفة‪" .‬سمعت أن بعضللهم سللابقا ً ولحقلًا‪،‬‬
‫قضى فيها شهورا ً عديدة‪ ،‬وفي بعلض الحللالت كللان العللدد يزيلد علللى‬
‫عددنا الحالي"‪ .‬خلل هذه اليام تعرفت على الغرفة جيدًا‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫بعد قليل من جلوسللنا القرفصلاء‪ ،‬أحسسللت أننللي أريلد قضلاء حاجللة‪،‬‬
‫ت إلى جاري وسألته‪:‬‬
‫التف ّ‬
‫ أين يقضي النسان حاجته؟‪.‬‬‫أشاح بللوجهه عنللي ولللم يجللب‪ ،‬سللألت الجللار الخللر‪ ،‬أيضلا ً لللم يجللب‪.‬‬
‫تذكرت أنني نصراني‪ ،‬كافر‪ ،‬جاسوس‪ ،‬وستظل تلحقني هذه التهم‪.‬‬
‫موقعي قريب من رئيس المهجع‪ ،‬سألته فدلني على المرحاض‪" ..‬إذن‬
‫في الغرفة مرحاض!"‪ .‬اضطررت للنتظار أكللثر مللن سللاعة‪ .‬مرحللاض‬
‫واحد‪ ،‬حنفية ماء واحدة‪ ،‬وستة وثمانون شخصًا‪.‬‬
‫عدت إلى موقعي‪ .‬حركة ما فوق‪ ،‬نظللرت‪ ..‬أنبللوب الصللرف الصللحي‪،‬‬
‫ويبدو أنه للبناء كّله‪ ،‬يقطع الغرفة من أولها إلللى آخرهللا‪ .‬بيللن النبللوب‬
‫وبين سقف الغرفة حوالي نصف المتر‪ .‬فوق هللذا النبللوب ينللام اثنللان‬
‫من الفتية عمر كل منهما حوالي خمسة عشللر عام لًا‪ ،‬احتضللن الواحللد‬
‫منهما النبوب بيديه وصدره وتدلت الرجل إلى السفل‪ ،‬بينمللا الللرأس‬
‫مرتاح على صوت خرير الماء داخ َ‬
‫ل النبوب‪.‬‬
‫ بحياتي ما نمت أحلى من هل النومة!!‪ ..‬قال أحدهما في اليلوم‬‫الثاني‪.‬‬

‫‪ 22‬نككيككسكككان‬
‫استيقظت!‪.‬بعد ثماني ساعات من القرفصة جاء دورنا في السللتلقاء‪.‬‬
‫بعض المقرفصين ممن لهم خبرة نبهوا بعضللهم إلللى ضللرورة الللذهاب‬
‫إلى المرحاض قبل الستلقاء‪ ،‬لنك إذا استلقيت وانتهللى الكّبيللس مللن‬
‫ت من وض لِع السللتلقاء لجللله فللإن‬
‫عمله‪ ،‬ومهما كان السب ُ‬
‫ب الذي قم َ‬
‫مكانك سُيفقد‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫جل علللى ظهللري‪ ،‬وبطللن رجللل آخللر علللى‬
‫استلقيت مضغوطا ً بظهر ر ُ‬
‫بطني‪" ،‬تذكرت صديقتي التي تحب الوضعية الفرنسية!!"‪.‬‬
‫خلف رأسي قدمان‪ ،‬وأمامه قدمان‪ .‬كيف يمكن للنسان أن ينللام وهللو‬
‫يشم هذه الرائحة؟!!‪.‬‬
‫ورغم ذلك نمت نوما ً عميقًا‪ ..‬والن اسللتيقظت‪ ..‬صللحوت تماملًا‪ ..‬كللل‬
‫شيء في جسدي مضغوط‪ ..‬لكن الضللغط علللى أسللفل بطنللي شللديد‬
‫ويكاد يكون مؤلمًا‪" .‬يبدو أن لصيقي المامي قد امتلت مثانته‪ ،‬فتحجر‬
‫عضوه‪ ،‬وطبيعي أن ينغرز في بطني أنا"‪ ،‬وفي ظل ظروف كهذه مللن‬
‫المعيب أن تفكر باحتمال آخر!!‪.‬‬
‫حاولت زحزحته فلم أفلح‪ ،‬فمع كل حركة ينغرز أكثر‪ ،‬سمعت شخيره‪،‬‬
‫فكللرت أن أمللد يلدي علللى صللعوبة ذللك‪ ،‬ولكللن خشلليت أن يسللتيقظ‬
‫لحظَتها‪ ..‬ماذا سيقول إذا استيقظ وعضوه في يدي؟!!‪.‬‬
‫انسللت من وضعية الستلقاء بصعوبة‪ ،‬وذهبت إلى المرحاض‪.‬‬
‫ثلث ليال‪ ..‬وثلث مرات يفتح الباب في اليوم ويغلق‪ ،‬وفللي كللل مللرة‬
‫ن يسمونها قصعات‪ .‬صباحا ً لكل واحد‬
‫يفتح الباب يدخل الطعام في أوا ٍ‬
‫رغيللف )مرقـللد( مللع قطعللة حلوة‪ ،‬هللذان الصللنفان يوزعهمللا رئيللس‬
‫ن أنلله شللاي"‪ ،‬وفللي‬
‫المهجع‪ ،‬وخمس قصللعات مللن سللائل أسللود "تللبي َ‬
‫المساء كذلك‪ .‬تدور القصعة من شخص لخر‪ ..‬يرفعهللا‪ ،‬يرشللف منهللا‪،‬‬
‫ة بالبرغللل‪ ،‬مللع‬
‫يناولها لمن بجانبه‪ .‬أما الظهللر‪ ،‬فتكللون القصللعات مليئ ً‬
‫ب البندورة فيه بعض الخضار‪.‬‬
‫قصعة محلول ُر ّ‬
‫ف بها الناس قطع اللحم في المرة‬
‫"لن أنسى أبدا ً الطريقة التي تخاط َ َ‬
‫الوحيللدة الللتي جلبللوا فيهللا لحم لًا‪ .‬فكللرت‪ ،‬حللتى الوجبللتين الصللباحية‬
‫والمسائية‪ ،‬لول رئيس المهجع لتحوّ َ‬
‫ل المهجع إلى غابة"‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫خلل هذه الساعات التي بدت لي بطول الدهر‪ ،‬كنت كمن يطفللو فللي‬
‫دت لي كاعتقاد راسخ بأن كل ّ‬
‫ل هللذا مللا هللو إل‬
‫الزمان والمكان‪ .‬رغب ٌ‬
‫ة بَ َ‬
‫خطأ سخيف سينتهي بعد قليل‪.‬‬
‫ي قابع فللي زاويللة بعيللدة يراقللب ول يتللدخل‪ ،‬هللذا‬
‫ح ّ‬
‫ي والفن ّ‬
‫سي المهن ّ‬
‫الحس الذي يبقى خارج حيز اللم والقلق‪ ،‬يبقى متيقظا ً ومحايدا ً مهمللا‬
‫كانت درجة آلمي النفسية أو الجسدية‪ ،‬هو يراقب ويسجل‪.‬‬
‫أتذكر قول ً لحد أساتذتي المرمللوقين‪ :‬إن الحللدث مهمللا كللان صللغيرًا‪،‬‬
‫فإن المخللرج الجيللد يسللتطيع أن يصللنع منلله فيلملا ً جيللدًا‪ ،‬الحللدث هللو‬
‫م والثياب‪.‬‬
‫الهيكل العظمي وعلى المخرج إكساؤه اللح َ‬
‫هللذا الحللس التق ل َ‬
‫س المفارقللة‬
‫ط مشللهد َ تخللاط ُ ِ‬
‫ف قط لِع اللحللم‪ ،‬وأح ل ّ‬
‫الصارخة بين مجموعة مللن الشلياء المحيطلة اللتي تلدعو للقيلاء ‪ -‬أو‬
‫على القل العزوف عن كل شيء ‪ -‬وبين الفعل المادي المماَرس مللن‬
‫قبل خاطفي قطع اللحم‪.‬‬
‫س باللباقللة والللذوق وبالتللالي بالكرامللة‬
‫ما الذي ُيف ِ‬
‫قد هؤلء الناس الح ّ‬
‫والعزة البشرية؟! هل هو الصراع من أجل البقاء؟‪ ..‬قد يكون‪.‬‬
‫ثلثة أيام بلياليها‪ ،‬أكلت نصف رغيف مع قطعة حلوة‪.‬‬
‫‪ 23‬نككيككسكككان‬
‫استيقظت!‪ .‬كان السللتلقاء الثللاني "النللوم علللى البلط" أفضللل قلي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫اسلتيقظت قبلل انتهلاء ملدة الثملاني سلاعات‪ ،‬للم أشلعر برغبلة فلي‬
‫النهوض‪ .‬حلمت أني قللد شللبعت نوملا ً ولكنللي أتللابع اسللترخاًء وترفلًا‪..‬‬
‫تمنيللت لللو أنللي أسللتطيع المطمطللة قلي ً‬
‫ل!‪ ..‬تمنيللت فنجللان قهللوة‬
‫وسيجارة‪.‬‬
‫جان‬
‫مكاني قريب من رئيس المهجع‪ .‬أسمع حديثه والكّبيس‪ ،‬فتح السلل ّ‬
‫ط ّ‬
‫لقة الباب )وهي النافللذة الصللغيرة فللي أعلللى البللاب(‪ ،‬قفللز رئيللس‬

‫‪17‬‬

‫جان الذي فتح الط ّ‬
‫لقللة‪ .‬عللاد رئس‬
‫المهجع‪ ،‬تبادل حديثا ً مطول ً مع الس ّ‬
‫المهجع‪ ،‬قال للكّبيس همسًا‪:‬‬
‫هللدول‪ ..‬اليللوم‬
‫ جاي دفعات كبيرة من المحافظات‪ ..‬وجماعتنا َ‬‫عل السجن الصحراوي‪.‬‬
‫أو بكرة راح يترحلوا َ‬
‫رد ّ الكّبيس متسائل ً باستغراب‪:‬‬
‫ العمى‪ ..‬شو راح يحطوا النللاس كلهللا بالسللجن!؟ إي مللا ض ل ّ‬‫ل‬
‫حدا ب َّرات السجن!!‪.‬‬
‫مي!!‪.‬‬
‫ ولك سكوت‪ ..‬أوعى َ‬‫حدا يسمعك‪ ..‬ما دخلنا نحن يا ع ّ‬
‫جرم التهريب"‪.‬‬
‫"رئيس المهجع والكّبيس مسجونان ب ُ‬
‫عند المساء‪ ،‬وعندما انتقلللت مجموعتنللا مللن الوقللوف إللى القرفصللة‪،‬‬
‫ت أن أقرفص قرب رئيللس المهجللع‪ .‬انتظللرت حللتى قبيللل وجبللة‬
‫تعمد ُ‬
‫ت أن يكون بشوشًا‪ ،‬قلت له‪:‬‬
‫وجهٍ حاول ُ‬
‫الطعام الثالثة‪ ،‬وب َ‬
‫ يا أستاذ‪ ..‬عفوًا‪ ..‬ممكن أحكي معك شغلة؟‪.‬‬‫ أستاذ؟!‪ ..‬من وين لوين ساويتني أستاذ؟‪ ..‬نعم شو بدك؟!‪.‬‬‫ يا سيد‪ ..‬أكيد في غلط!‪.‬‬‫ وين الغلط؟‪ ..‬يا أستاذ‪.‬‬‫ يا أخي أنلا ملاني مسلللم‪ ..‬حللتى أكللون إخللوان مسلللمين‪ ..‬أنلا‬‫مسيحي وليش حطوني هون‪ ،‬ليش جابوني أص ً‬
‫ل‪ ،‬ما بعرف!!‪.‬‬
‫ لك يا أخي الطاسة ضايعة‪ ..‬ما في حدا لحدا!‪.‬‬‫هلل‬
‫ طيب ممكن تقول لرئيللس السللجن‪ ..‬لشللي حللدا مسللؤول َ‬‫الحكي؟‪.‬‬
‫ وين أنا بدي شوف مدير السجن؟‪ ..‬خلص‪ ..‬خلص‪ ..‬هلق بيجي‬‫السجان وراح أنقل له هـ الحكي‪.‬‬
‫ده‪:‬‬
‫ت طقطقة القفل‪ ،‬وق َ‬
‫تي َ‬
‫ف رئيس المهجع‪ ،‬أمسك ُ‬
‫سمع ُ‬

‫‪18‬‬

‫ أرجو أل تنسى أن تقول له‪.‬‬‫خللل الكللل‪ .‬خللاطب‬
‫خلللوا الكللل"‪ .‬د َ َ‬
‫هّز رأسه‪ُ ،‬فتح البللاب‪" ..‬يـل الللله د ّ‬
‫س المهجع السجان‪:‬‬
‫رئي ُ‬
‫ يا سيدي‪ ...‬في عّنا واحد هون‪ ..‬عم يقول‪..‬‬‫قاطعه السجان مسرعًا‪:‬‬
‫ عم يقول ملا علم يقلول! أنلا ملا بعلرف شلي‪ ...‬هللق ببعتللك‬‫رئيس النوبة‪.‬‬
‫ددًا‪ ،‬ظهلَر شللخص‬
‫بعدما يقرب من نصف الساعة‪ ،‬طقطقة البللاب مجل ّ‬
‫وسيم‪ ،‬وبلهجة جبلية ثقيلة قال‪:‬‬
‫ شو في عندك يا رئيس المهجع؟‪.‬‬‫جذبني رئيس المهجع من كتفي‪ ،‬وقفت‪ .‬قال‪:‬‬
‫ احكي له‪ ...‬احكي له‪ ،‬لسيدنا أبو رامي!‪.‬‬‫ي‪:‬‬
‫متلعثمًا‪ ..‬متأتئًا‪ ..‬شرحت له المر‪ ،‬وبنفس اللهجة الجبلية رد ّ عل ّ‬
‫ طيللب أنللا شللو بللدي سللاوي لللك؟‪ ...‬مسلليحي؟‪ ..‬إيلله وإذا‬‫مسيحي!‪ ...‬بلكي عاونت الخوان المسلمين مث ً‬
‫ل‪ ...‬يعنللي بلكللي‬
‫ل‪ ...‬إي هيك بتكون أضرط منهم مث ً‬
‫بعتهم سلح مث ً‬
‫ل‪...‬‬
‫ت إلى السجان‪ ،‬أمره‪:‬‬
‫ثم التف َ‬
‫كر وَْل س ّ‬
‫ س ّ‬‫كر الباب‪.‬‬
‫ت أبللو رامللي إلللى النللاس فللي‬
‫وقبللل أن يغلللق السللجا ُ‬
‫ن البللاب‪ ،‬التف ل َ‬
‫المهجع‪ ،‬وبصوت عال قال‪:‬‬
‫ وَْل عرصات‪ ...‬وَْل إنتو مانكن إخللوان مسلللمين‪ ...‬إنتللو إخللوان‬‫شللياطين‪ ...‬فرجونللا شللطارتكم لشللوف‪ ...‬هللاي عنللدكم واحللد‬
‫مسلليحي‪ ...‬انشللطوا معلله‪ ...‬اهللدوه للللدين الحنيللف‪ ...‬بللس‬
‫شاطرين تقتلوا وتخربوا بلهـ البلد!!‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫أغلقَ الباب الحديدي بيده بقوة‪ ،‬وملالبث أن فتحله فلورا ً وعللى وجهله‬
‫ابتسامة عريضة‪ ،‬تعلقت كل النظار به‪ ،‬فتابع يقول‪:‬‬
‫سللنتوا تسللاووه مسلللم‪ ،‬ل تنسللوا‬
‫ ول كلب‪ ...‬عرصات‪ ...‬إذا ح ِ‬‫تنظموه بللالخوان المسلللمين‪ ،‬مشللان تصللير حبسللته محللرزة‪...‬‬
‫)وأغلق الباب بقوة(‪.‬‬
‫الستلقاء الثالث‪:‬‬
‫لصيقي الخلفي كان ذا مؤخرة عريضة وكبيرة‪ ،‬ضايقني وأراحنللي‪ ،‬إنلله‬
‫من ذوي العظام الناتئة التي تنغرز فللي جسللدك بل رحمللة عنللد‬
‫أفضل ِ‬
‫الكبس‪ .‬لصلليقي المللامي شللاب فللي العشللرينات ل تبللدو عليلله علئم‬
‫التدين‪.‬‬
‫عاصاني النوم بعد حديث أبو رامي‪ .‬كان هناك أمل كبير يعيش داخلللي‬
‫بأن أحدا ً ما سيكتشف الخطأ‪ ،‬وفللورا ً ُيصللار إلللى تصللحيح هللذا الخطللأ‪،‬‬
‫ولكن بعد هذا الحديث‪ ...‬والطاسللة ضللايعة‪ ...‬والترحيللل إلللى السللجن‬
‫الصحراوي!!‪ ...‬خالطني اليأس والخوف من المصير المجهول‪.‬‬
‫ساعتان أو ثلث‪ ...‬لست أدري‪ ...‬وأخيرا ً بدأت أهوم‪ ،‬التعب‪ ،‬الرهللاق‪،‬‬
‫النوم‪ ...‬ثم‪ ...‬أصحو تللدريجيًا‪ .‬إحسللاس بالضلليق‪ .‬أقللترب مللن الصللحو‬
‫ي مكبلتان‪ ،‬كانت قدماي قللد تورمتللا مللن خيزرانللة‬
‫أكثر‪ ،‬أشعر أن قدم ّ‬
‫أيوب‪ ،‬أصحو أكثر‪ ...‬شعور بالدفء والرطوبة يصعد من قللدمي‪ ،‬قليللل‬
‫من اللم أيضًا‪ ...‬حركللة مللا‪ ...‬أنتفللض‪ ...‬أصللحو تماملًا‪ ...‬أرفللع رأسللي‬
‫وأنظر إلى قدمي العلوية‪:‬‬
‫لصيقي المامي‪ ،‬الشاب‪ ،‬يقبض على قدمي العلويللة بكلتللا يللديه‪ ،‬وقللد‬
‫وضع أصبع قدمي الكبير في فمه وأخللذ يمصلله!! لكزتلله‪ ...‬ثللم لكزتلله‪،‬‬
‫تراخت يداه‪ ،‬سحب رأسه! تابعت اللكز‪ ،‬استيقظ الشاب تمامللًا‪ ،‬نظللر‬
‫ي بغضب واستنكار!!‪ .‬وبحدة قال‪:‬‬
‫إل ّ‬
‫‪ -‬ليش فيقتني؟!‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫ شو ليش فيقتك؟ مانك شايف شو عم تساوي؟‪.‬‬‫ي أحلى منام!!‪.‬‬
‫ يلعن سماك!! قطعت عل ّ‬‫ شو كنت شايف منام؟‪.‬‬‫ نعم‪ ...‬كنا أنا وميسون‪ ...‬وباللحظة يّلي مسكتها ومسللكتني‪...‬‬‫وبلشنا بل )‪ (.......‬حضرتك فيقتني!!‪.‬‬
‫ ومين هي ميسون‪ ....‬دخلك؟‪.‬‬‫ ميسون؟‪ ....‬ميسون خطيبتي‪.‬‬‫ عفوا ً ل تواخذني‪ ...‬ارجع نام‪ ..‬لكن ل تخربط بين إصبع رجلللي‬‫وشفايف ميسون‪.‬‬
‫شللرت‬
‫ح ِ‬
‫لم أستطع النوم بعدها‪ ...‬أسللئلة وأسللئلة‪ ،‬أي عللالم هذاالللذي ُ‬
‫فيه؟!‪ ..‬هل هذه هي البداية؟‪ ..‬ولكن إلى أين؟‪ ..‬هل بإمكان أي كللاتب‬
‫أو سيناِرست أو مخرج تخّيل عوالم كهذه؟!‪ ..‬أسئلة تطارد أسئلة!!‪...‬‬
‫{طوال ثلثة عشر عامًا‪ ،‬لللم أسللمع مللرة قرقعللة المفتللاح فللي البللاب‬
‫الحديللدي إل وأحسسللت أن قلللبي يكللاد ينخلللع!! لللم أسللتطع العتيللاد‬
‫عليها}‪.‬‬
‫قرقع المفتاح في غير وقتلله‪ ،‬قفللز رئيللس المهجللع فللي اللحظللة الللتي‬
‫انفتح فيها الباب‪ ،‬أبو رامي وإلى جانبه شخص طويل فلي الخمسلينات‬
‫يضع نظارات طبية بيضاء‪ ،‬خلفهما حللوالي العشللرين عنصللرًا‪ ،‬قللال ذو‬
‫النظارات‪:‬‬
‫ وين رئيس المهجع؟‪.‬‬‫ حاضر سيدي!‪.‬‬‫ بهدوء ونظام‪ ،‬طالعلي هدول كلهن ل َب َّره‪ ،‬اتنين اتنين‪ ،‬ما يبقللى‬‫هون إل إنت والمهرب الثاني‪ ...‬وين المهرب التاني؟‪.‬‬
‫‪ -‬حاضر سيدي‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫ خليك هون إنت كمان‪ ...‬يـ الله‪.‬‬‫وخرجنا‪ ...‬اثنين‪ ...‬اثنين‪ ...‬وكان فجر ‪ 24‬نيسان‪.‬‬
‫‪ 24‬نككيككسكككان‬
‫اليدان مقيللدتان بالقيللد الحديللدي إلللى الخلللف‪ ،‬كاحللل القللدم مربللوط‬
‫بجنزير حديدي إلى كاحل سجين آخر‪ ،‬نسير بصعوبة‪ ،‬نتعثر‪ ،‬ممللرات‪...‬‬
‫جل أسماؤنا ضمن لوائح‪.‬‬
‫أدراج‪ُ ....‬تس ّ‬
‫يتركنا ذو النظارات بضع دقائق واقفين ويذهب حامل ً اللوائح السللمية‪،‬‬
‫م ل أشللرح للله المللر‪ ،‬يقللترب منللي‪،‬‬
‫يعود‪ ،‬من المؤكد أنه ذو أهمية‪ ،‬لل َ‬
‫أعاجله‪:‬‬
‫ يا سيدي كلمة واحدة‪.‬‬‫ كول خرى‪ .....‬وَْل‪.‬‬‫وصفعة مدّوية‪.‬‬
‫ي‪ ،‬الفجر ربيعي‪ ،‬أترنح‪ ....‬أسكت‪.‬‬
‫تنبثق آلف النجوم البراقة أمام عين ّ‬
‫يسللحبوننا إلللى خللارج البنللاء‪ ،‬أرى أربللع سلليارات شللحن ذات أقفللاص‬
‫معدنية‪ ،‬السجناء يسمون هللذه السلليارات بلل "سللليارات اللحمللة"‪ .‬قللد‬
‫تكون سميت كذلك لنها تشللبه السيلللارات الللتي يوزعللون بهللا الغنللام‬
‫المذبوحللة مللن المسللالخ إلللى الجزاريللن‪ ،‬أو لن السللجناء يصللطفون‬
‫بداخلها كما تصف الذبائح داخل سيارات اللحمة الحقيقية‪.‬‬
‫ث عوارض‪ ،‬نصعد بصعوبة بسللبب الرجللل المقيللدة‬
‫سلم معدني ذو ثل ِ‬
‫وعللدم إمكانيللة السللتعانة باليللدين‪ ،‬يجلسللوننا علللى أرضللية السلليارة‪،‬‬
‫تمتلىء السيارة‪ُ ،‬يغَلق الباب بقفل كبير‪ ،‬يجلللس عنصللران مللن المللن‬
‫أمام الباب من الخارج‪.‬انتظار‪ ..‬انتظار‪ ،‬ثم تنطلق السلليارات سللوية‪...‬‬
‫نصبح خارج المدينة‪ ،‬تزداد سرعة السيارات‪ ،‬نترك الظلم وراءنا‪ ،‬شيئا ً‬
‫فشيئا ً تلوح أولى خيوط الفجر الفضية‪.‬‬
‫}هل هي رحلة من الظلم إلى النور؟ ‪ ...‬آمل ذلك}‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫سمعت أحدهم يسأل آخر‪:‬‬
‫ قديش بدنا وقت حتى نوصل؟‪.‬‬‫ تيسير الله‪ ...‬شي أربع أو خمس ساعات‪.‬‬‫ يا أخي‪ ...‬والله ما فيني أتحمل كل هـ الوقت!!‪ ...‬كنت نايم ‪..‬‬‫فيقوني من النوم وفورا ً لبّره‪ ...‬وهلق أنا كللتير محصللور‪ ....‬شللو‬
‫بدي ساوي؟!‪ ..‬مثانتي راح تطق!!‪.‬‬
‫ إذا ما فيك تصبر‪ ...‬أنا بفكلك سحاب البنطلون‪ ،‬وساويها هللون‬‫بالسيارة‪.‬‬
‫ هيك معقول ؟!!! قدام كل هـ الناس؟‪.‬‬‫ إي ‪ ...‬إي ‪ ..‬ما فيها شي‪ ،‬والحمد لله ما في نسوان بيناتنا‪.‬‬‫ت مرتفٍع متوجها ً بالحديث إلى الجميع‪:‬‬
‫ثم وبصو ٍ‬
‫ يا شباب‪ ...‬يا شباب اسمعوني‪.‬‬‫توجهت إليه النظار‪ ،‬شرح لهم المر‪ ،‬بعضهم همهم‪ ،‬وبعضللهم سللكت‪،‬‬
‫البعض وافق‪ ،‬فأدار المتكلم ظهره إلللى المحصللور‪ ،‬وبيللديه المقيللدتين‬
‫خلفًا‪ ،‬تلمس السحاب‪ ،‬ف ّ‬
‫كه‪،‬‬

‫أخرجل"له" له‪ ،‬وابتعد‪.‬‬

‫ يـ الله ‪ ...‬رّيح حالك يا أخي‪.‬‬‫بعدها وحلتى وصلولنا السلجن الصلحراوي تكلررت هلذه العمليلة أربلع‬
‫مرات‪ ،‬خمسة رجال آخرون تقيأوا فوق بركللة البللول‪" .‬القيللء كللله ذو‬
‫لون واحد"‪ .‬أما جاري‪ ،‬المقيدة رجلي إلى رجله‪ ،‬فيبدو أنه كللان يعللاني‬
‫من تعفن المعاء‪ ،‬للفلـني بغللة من روائح بطنه!‪.‬‬
‫في الثامنة صباحا ً كنا أمللام السللجن الصللحراوي‪" .‬فللي الطريللق كنللت‬
‫أنظر كثيرا ً إلى ساعتي‪ ،‬وأكثر ملن شللخص نصلحني أن أخبئهلا‪ ،‬ولكلن‬
‫أين؟‪ ...‬تركتها على معصمي"‪.‬‬
‫أمككام الكسكككجككن‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫عشرات من عناصر الشرطة العسللكرية‪ ،‬البللاب صللغير‪ ،‬تصللدم العيللن‬
‫لوحة حجرية فوق الباب مخططة بالسود النافر‪" :‬ولكم في القصللاص‬
‫حياة يا أولي اللباب"‪.‬‬
‫فتح لنا رجال المن أبواب السيارات‪ ،‬هم أنفسهم الذين كانوا يعاملوننا‬
‫بفظاظة وقسوة‪ ،‬أنزلونا من السيارات برفق مشوب بالشللفقة‪ ،‬حللتى‬
‫أن أحدهم قال‪" :‬الله يفرج عنكم!"‪ .‬وفيما بينهم كانوا يتحدثون همسلا ً‬
‫وبصوت خافت‪ ،‬يتحاشون النظر إلى عناصر الشرطة العسكرية الذين‬
‫اصطفوا حولنا بما يشبه الدائرة‪ ،‬لحظت أن لهم جميعا ً نفللس الوقفللة‬
‫تقريب لًا‪ ،‬السللاقان منفرجتللان قلي ً‬
‫ل‪ ،‬الصللدر مشللدود إلللى الللوراء‪ ،‬اليللد‬
‫اليسرى تتكىء على الخصر‪ ،‬اليد اليمنى تحمل إما عصا ً غليظة أو كبل ً‬
‫مجدول ً ملن أشلرطة الكهربلاء أو شلليئا ً مطاطيلا أسلود َ يشلبه الحلزام‬
‫"عرفت فيما بعد أنله قشلاط مروحلة محلرك الدبابلة"‪ .‬ينظلرون إلينلا‬
‫وإلى عناصر المن نظرة فوقية تحمل استخفافا ً بعناصر المن ووعيدا ً‬
‫مبطنا ً لنا‪ .‬حركاتهم تدل على نفاد الصبر ملن بطلء إجلراءات التسلليم‬
‫والستلم‪ ،‬ينقلون ثقل أجسادهم من ِرجل إلى ِرجللل‪ ،‬يه لّزون أيللاديهم‬
‫ت تللبّرم ٍ و َ‬
‫غيللظ‪ ،‬لباسلهم جميعلا ً عسلكري أنيللق‪،‬‬
‫اليمنى بما تحمل هزا ِ‬
‫أعلى رتبة بينهم مساعد أول‪ ،‬وهو الذي كان يوقع على لوائح استلمنا‪.‬‬
‫{قرأت في مكان ما أن رجال إحلدى القبلائل الفريقيلة عنلدما التقلوا‬
‫بالنسان الوربي البيض لول مرة نظروا إلى بعضهم البعض بدهشللة‪،‬‬
‫وتساءلوا‪ :‬هذا الرجل‪ ،‬لماذا قام بسلخ وجهه؟!}‪.‬‬
‫وتخيلت أن عناصر الشرطة العسكرية‪ ،‬هؤلء الذين أراهم امامي‪ ،‬ذوو‬
‫خت؟‪...‬‬
‫سلل ِ َ‬
‫وجوه مسلوخة‪ ،‬أية قلوة سللخت هلذه الوجلوه؟ ‪ ...‬كيلف ُ‬
‫لماذا؟‪ ...‬أين؟‪ ...‬لست أدري لكن ما أراه أن الوجللوه البديلللة ل تشللبه‬
‫وجوه باقي البشر‪ ،‬وجوهَ أهلنللا وأصللدقائنا!!‪ ...‬مسللحة غيللر بشللرية‪...‬‬
‫هي غير مرئية‪ ،‬صحيح‪ ،‬ولكنها قطعا ً موجودة!‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫صت مهمتكم‪.‬‬
‫سروا‪ِ ،‬‬
‫ الله يعطيكم العافية‪ ...‬خلص إنتو تي ّ‬‫خل َ‬
‫هذا ما قاله مساعد الشرطة العسكرية للرجل ذي النظارات‪ .‬كانوا قد‬
‫فكلوا قيودنلا‪ .‬السلجناء غريزيلا ً التصلقوا بعضلهم ببعلض‪ .‬ذهلب رجلال‬
‫المن‪.‬‬
‫بدأت الدائرة تضيق ‪ ....‬صمت مطبق!!‬
‫ يـ الله ‪ ...‬صفوهم تنين تنين ‪ ...‬دخلوهم‪.‬‬‫وأدخلونا من هذا الباب الصغير‪ ،‬وفوقنا منحوتللة "ولكللم فللي القصللاص‬
‫حياة يا أولي اللباب"‪ .‬اثنين اثنين‪ ،‬في رتللل طويللل داخللل سللاحة فللي‬
‫وسطها وعلى جنباتها بعض الشجار والورود الريفية‪ ،‬وهي محاطة من‬
‫جميع الجهات بغرف تشلرف عليهلا‪ .‬وقلف الرتلل أملام مسلاعد آخلر‪،‬‬
‫جلس خلف طاولة أخرى‪ ،‬ولوائح اسمية أخرى‪ ،‬أكثر مللن مللائة عنصللر‬
‫مللن عناصللر الشللرطة العسللكرية يحومللون حولنللا‪ ،‬جميللع السللجناء‬
‫يتحاشون النظر مباشرة إلى أي عنصر‪ .‬رأسللنا منخفللض قليل‪ ،‬أكتافنللا‬
‫متهدلللة‪ .‬وقفللة فيهللا خشللوع‪ ،‬وقفللة تصللاغر وذل‪ ،‬كيللف اتفللق جميللع‬
‫السجناء على هذه الوضعية وكأننا تدربنا عليها سابقا؟! لست ادري‪.‬‬
‫كأن كل واحد منا يحاول الختباء داخل ذاته!!!‪.‬‬
‫حكني رأسي من القفا‪ ،‬وكما يفعللل كللل إنسللان يحكلله رأسلله‪ ،‬مللددت‬
‫يدي عفويا ً وحككت!! وسمعت صوتا ً راعدًا‪:‬‬
‫ ولك يا جماعللة ‪ ...‬شللوفوا الكلللب شللوفوا!! عللم يحللك راسلله‬‫كمان ‪.!!...‬‬
‫ شللللوووو ‪ ! ....‬عم يحك راسه؟!‪.‬‬‫وسحبتني اليدي خارج الرتل‪ ،‬تقاذفتني صللفعا ً ولكملًا‪ ،‬لكمللة تقللذفني‪،‬‬
‫صفعة توقفني‪ ،‬النار في الرقبللة والللوجه ‪ ....‬تمنيللت لللو أبكللي قلي ً‬
‫ل‪...‬‬
‫طلبني المساعد لتسجيلي فلللم يبللق غيللري‪ ،‬سللجلني وأصللبحت نللزيل ً‬
‫رسميا ً في هذا السجن‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫مرة أخرى قادونا‪ ،‬بين غرفتين باب حديللدي صللغير‪ ،‬أصللغر مللن البللاب‬
‫الول‪" ،‬لم البواب تصغر كلما تقدمنا؟!" ومللن هللذا البللاب وَلجنللا إلللى‬
‫ساحة كلبيرة‪ ،‬إنهلا السلاحة الوللى‪ ،‬سلاحة مفروشلة بالسلفلت‪ ،‬كلل‬
‫الطرقات والساحات مفروشة بالسفلت الخشن‪ ،‬يحيط بالساحة أبنية‬
‫مللن طللابق واحللد مكتللوب عليهللا أرقللام متسلسلللة ‪ :‬المهجللع الثللالث‪،‬‬
‫المهجع الرابع ‪ ...‬المهجع السابع‪.‬‬
‫{البواب تصغر ولكن في الساحة الولى فتحلت جهنلم أوسلع أبوابهلا‪،‬‬
‫وكنا وقودها!!}‪.‬‬
‫بهدوء ودقة أوقفونا بعضنا إلى جانب بعض‪ ،‬يفصل بين الواحللد والخللر‬
‫متران أو ثلثة‪ ،‬صاح المساعد‪:‬‬
‫ هلق ‪ ...‬كل واحد منكن يشلح كل تيللابه ‪ ....‬حللط تيابللك علللى‬‫يمينك ‪ ....‬خليك بالسروال الداخلي فقط‪.‬‬
‫لحظت أنني الوحيد الذي يلبس "سليب" بعللد أن خلللع الجميللع ثيللابهم‬
‫وانتابني إحساس بالغربة!‪..‬‬

‫ووقفوا ينتظرون‪،‬‬

‫كان صوت المساعد في البداية هادئًا‪ ،‬ومع مرور اللوقت أخللذ يتصللاعد‬
‫شيئا ً فشيئًا‪ ،‬حدةً وشدة‪ ،‬وكلما تصاعد صوت المساعد كنت أحللس أن‬
‫التللوتر والعصللبية يللزدادان فللي حركللات الشللرطة‪ ...‬والخللوف والهلللع‬
‫يزدادان في نفوس السجناء‪ ،‬يغضون أبصللارهم وتتهللدل أكتللافهم أكللثر‬
‫فأكثر!‪.‬‬
‫اقترب مني شرطيان يحملن الكرابيج‪ ،‬قال أحدهم‪:‬‬
‫ نّزل الكيلوت وَْل ‪ ..‬واعمل حركتين أمان!!‪.‬‬‫أنزلت الكيلوت حتى الركبة‪ ،‬نظرت إلى الشرطيين مستفهما ً ‪...‬‬
‫ اعمل حركتين أمان وَْل‪...‬‬‫ شلون يا سيدي بدي أعمل‪ ..‬شلون حركتين المان؟‪.‬‬‫‪ -‬قرفص وقوم مرتين وَْل‪ ...‬صحيح إنك جحش!‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫"حركات المان ُتعمل خشية أن يكون السجناء قد خبأوا شيئا ً ممنوعللا ً‬
‫في شرجهم!"‪.‬‬
‫نظر أحد الشرطيين إلى الخر مبتسمًا‪ ،‬وبصوت خفيض‪:‬‬
‫ العمى ‪ ...‬شو تبعو صغير!!‪.‬‬‫س‬
‫نظرت إليل"له"‪ ،‬إلى تبعي‪ ،‬نعم لقد كان صغيرا ً جدًا!! حللتى هللو أحل ّ‬
‫بالذعر الشديد والهلع‪ ،‬فا ختبأ داخل كيسه‪ ،‬أنا لم أستطع الختباء!‪.‬‬
‫خلفي مهجع كبير كتب على بابه ‪ /‬المهجع ‪ ./ 6 - 5‬تخرج مللن جللانب‬
‫البللاب بالوعللة "صللرف صللحي" علللى وجلله الرض‪ ،‬تسلليل فللي هللذه‬
‫البالوعة مياه سوداء قذرة‪.‬‬
‫انتهى التفتيش‪ .‬جرى بدقةِ محترفين‪ ،‬حتى ثنايللا الثيلاب‪ ،‬جميللع النقللود‬
‫والوراق‪ ،‬أي شلليء معللدني‪ ،‬الحزمللة وأربطللة الحذيللة ‪ ...‬جميعهللا‬
‫صودرت‪" ،‬أنا كنت حافيًا"‪ .‬ورغم كل هذه الدقة بالتفتيش فللإن سللاعة‬
‫يدي مرت‪ ،‬لم أتعمد إخفاءها‪ ،‬فقط لللم ينتبلله لهللا أحللد‪ ،‬وعنللدما صللاح‬
‫المساعد‪:‬‬
‫ وَْل كلب ‪ ...‬كل واحد يحمل تيابه‪.‬‬‫حملللت ثيللابي ووضللعتها علللى يللدي اليسللرى‪ ،‬وفللورا ً فككللت السللاعة‬
‫ودسستها في الجيب الداخلي لسترتي‪" ،‬وشعور آخر بالنتصار!"‪.‬‬
‫البلديككككككككات‪:‬‬
‫كلمة خاصة بالسجون هنا‪ ،‬هم جنلود سللجناء ‪ ...‬الفلاّرون ملن الخدملة‬
‫العسكرية‪ ،‬الجنود الذين يرتكبون جللرائم القتللل‪ ،‬الغتصللاب‪ ،‬السللرقة‪،‬‬
‫مدمنو المخللدرات‪ ...‬كللل الجنللود المجرميللن‪ ،‬حثالللة الجيللش‪ ،‬يقضللون‬
‫فترة عقوبتهم في السجون العسكرية‪ ،‬في مثل هذا السجن‪ ،‬مهمتهللم‬
‫التنظيلف وتوزيلع الطعلام وغيلره ملن العملال‪ ...‬ملن هنلا جلاء اسلم‬
‫البلديات‪ ،‬هؤلء في السجن الصحراوي لهم مهمات أخرى‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫جمعونا في أحد أطراف السللاحة‪ ،‬تكومنللا ونحللن نحمللل ثيابنللا‪ ،‬صللوت‬
‫المساعد ارتفع كثيرًا‪ ،‬البلديات يقفون في الطرف الخر من السللاحة‪.‬‬
‫ة مربللوط بهللا حبللل‬
‫كثير من البلديات‪ ،‬البعض منهم يحمل عصلا ً غليظل ً‬
‫متدل يصل بين طرفيها‪ ،‬حبل سميك يتدلى من العصا "الفلقلة"‪ .‬صلاح‬
‫المساعد بصوت مشحون موجها ً حديثه للسجناء‪:‬‬
‫ مين فيكم ضابط؟‪ ..‬الضباط تعو لهون‪.‬‬‫خرج اثنان من بين السجناء‪ ،‬أحدهما في منتصف العمر‪ ،‬الخر شاب‪.‬‬
‫ شو رتبتك؟‪.‬‬‫ عميد‪.‬‬‫ عميد؟!!‪.‬‬‫ نعم‪.‬‬‫ وأنت شو رتبتك؟‪.‬‬‫ ملزم أول‪.‬‬‫ هلممم‪.‬‬‫التفت المساعد إلى السجناء‪ ،‬وبصوت أقوى‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫مين فيكم طبيب‪ ..‬أو مهندس أو محامي‪ ..‬يطلع لبّره‪.‬‬

‫خرج من بيننا أكثر من عشرة أشخاص‪.‬‬
‫ وّقفوا هون‪.‬‬‫ثم متوجها ً للسجناء‪:‬‬
‫ كل واحد معه شهادة جامعة ‪ ...‬يطلع لبّرات الصف‪.‬‬‫خرج أكثر من ثلثين شخصًا‪ ،‬كنت أنا بينهم‪.‬‬
‫مشى المساعد مبتعدًا‪ ،‬وقف بجوار البالوعة‪ ،‬صاح بالشرطة‪:‬‬
‫‪ -‬جيبولي سيادة العميد!!‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫انقلض أكللثر مللن عشلرة عناصللر علللى العميللد‪ ،‬وبلحظللات كللان أملام‬
‫المساعد!!‪.‬‬
‫ كيفك سيادة العميد؟‪.‬‬‫ الحمد لله‪ ...‬الذي ل يحمد على مكروه سواه‪.‬‬‫ شو سيادة العميد ‪ ...‬مانك عطشان؟‪.‬‬‫ ل ‪ ..‬شكرًا‪.‬‬‫ بللس لزم نشللربك‪ ..‬يعنللي نحللن عللرب‪ ،‬والعللرب مشللهورين‬‫بالكرم‪ ،‬يعنلي لزم نقلدم للك ضليافة‪ ...‬ملو ملن شلان شلي ‪...‬‬
‫منشان واجبك!!‪.‬‬
‫بعللد لهجللة السللتهزاء والسللخرية صللمت الثنللان قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ثللم انتفللض‬
‫المساعد‪ ،‬وقال بصوت زاعق‪:‬‬
‫ شايف البالوعة؟ ‪ ..‬انبطح واشرب منها حتى ترتوي ‪ ...‬يـ الللله‬‫وَْل كلب!!‪.‬‬
‫ ل ‪ ...‬ما راح أشرب‪.‬‬‫سا ً كهربائيا ً أصاب المساعد‪ ،‬وباستغراب صادق صرخ‪:‬‬
‫وكأن م ّ‬
‫ شلو ‪..‬شلو ‪...‬شلو؟؟!!! ما بتشرب!!!‪.‬‬‫عندها التفت إلى عناصللر الشللرطة العسللكرية ولزال وجهلله ينطللق‬
‫بالدهشة‪:‬‬
‫ شلللربوه ‪ ....‬شلللربوه عللللى طريقتكلللن وَْل كلب‪ ....‬تحركلللوا‬‫لشوف‪.‬‬
‫ف‪ ،‬وبلحظللات قليلللة اصللطبغ‬
‫العميد عارٍ إل من السروال الداخلي‪ ،‬حا ٍ‬
‫جسده بالخطوط الحمراء والزرقاء‪ ،‬أكثر مللن عشللرة عناصللر انقضللوا‬
‫ي غليظة‪ ،‬كوابل مجدولة‪ ،‬أقشطة مراوح الدبابات‬
‫عليه‪ ،‬تناوشوه‪ ،‬عص ّ‬
‫‪ ....‬كلها تنهال عليلله ملن جميللع الجهلات‪ ،‬مللن أول لحظللة بللدأ العميللد‬

‫‪29‬‬

‫يقاوم‪ ،‬يضرب بيديه العنصر الذي يراه أمامه‪ ،‬أصاب بعضللهم بضللربات‬
‫يديه ‪ ....‬كان يلكم ‪ ...‬يصفع ‪ ...‬يحاول جاهدا ً أن يمسلك بواحللد منهللم‪،‬‬
‫ولكنهم كانوا يضربونه وبشدة على يديه اللتين يمدهما للمساك بهم‪...‬‬
‫تزداد ضراوتهم‪ ،‬خيوط الدم تسيل من مختلف أنحاء جسده ‪ ....‬تمللزق‬
‫السروال وانقطلع المطلاط‪ ،‬أضلحى العميلد عاريلا ً تماملًا‪ ،‬إليتلاه أكلثر‬
‫بياضا ً من سائر أنحاء جسده‪ ،‬خيوط الدم أكثر وضوحا ً عليهما‪ ،‬خصيتاه‬
‫تتأرجحان مع كل ضربة أو حركللة‪ ،‬بعللد قليللل تللدلت يللداه الللى جللانبيه‬
‫وأخذتا تتأرجحان أيضًا‪ ،‬سمعت صوتا ً هامسا ً خلفي‪:‬‬
‫جللال كللتير‪ ...‬يللا‬
‫سروا إيللديه!! يللا لطيللف‪ ...‬هـل العميللد يللا رِ ّ‬
‫ تك ّ‬‫مجنون!!‪.‬‬
‫لللم ألتفللت إلللى مصللدر الكلم‪ .‬كنللت مللأخوذا ً بمللا يجللري أمللامي‪ ،‬مللع‬
‫الضرب بدأ العناصر يحاولون أن يبطحوه أرضًا‪ ،‬العميلد يقلاوم‪ ،‬يمللص‬
‫من بين أيديهم‪ ...‬تساعده دمللاؤه الللتي جعلللت جسللده لزج لًا‪ .‬تكللاثروا‬
‫عليه‪ ،‬كلما نجحوا في إحنائه قليل ً ينتفض ويتملص من قبضللاتهم‪ ،‬وبعللد‬
‫كل حركة تزداد ضراوة الضرب ‪...‬‬
‫رأيت هراوة غليظة ترتفع من خلف العميد وتهللوي بسللرعة الللبرق!!‪..‬‬
‫سمعت صوت ارتطامهللا بللرأس العميللد‪ !....‬صللوتأ ل يشللبه أي صللوت‬
‫آخر‪ !....‬حتى عناصر الشرطة العسكرية توقفللوا عللن الضللرب‪ُ ،‬‬
‫شلللوا‬
‫لدى سماعهم الصوت لثوان‪ ....‬صاحب الهللراوة تراجللع خطللوتين إلللى‬
‫مد َ العينين!!‪ ..‬العميد دار بجذعه ربللع دورة وكللأنه يريللد أن‬
‫الوراء ‪ ..‬جا ِ‬
‫م برفع‬
‫يلتفت إلى الخلف لرؤية ضاربه!! خطا خطوةً واحدة‪ ،‬وعندما هَ ّ‬
‫وما ً على السفلت الخشن!!‪.‬‬
‫رجله الثانية‪ ....‬انهار متك ّ‬
‫الصمت صفحة بيضاء صللقيلة تمتللد فللي فضللاءات السللاحة الولللى ‪...‬‬
‫شقها صوت المساعد القوي‪:‬‬
‫‪ -‬يـ الله وَْل حمير ‪ ...‬اسحبوه وخلوه يشرب!!‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫سحب عناصر الشرطة العميد‪ ،‬واحد منهم التفت إلى المساعد وقال‪:‬‬
‫ يا سيدي ‪ ..‬هذا غايب عن الوعي‪ ،‬شلون بدو يشرب؟!‪.‬‬‫ حطوا راسه بالبالوعة ‪ ..‬بيصحى ‪ ..‬بعدين شربوه‪.‬‬‫ح‪.‬‬
‫وضعوا رأس العميد بمياه البالوعة‪ ،‬ولكنه لم يص ُ‬
‫ يا سيدي ‪ ..‬يمكن أعطاك عمره!‪.‬‬‫ الله ل يرحمه ‪ ...‬اسحبوه لنص الساحة وزِّتوه هونيك‪.‬‬‫من يديه جّروه علللى ظهللره‪ ،‬رأسلله يتأرجللح‪ ،‬اختلطللت الللدماء بأشللياء‬
‫بيضاء وسوداء لزجة على وجهلله!! مسللار مللن خطللوط حمللراء قاتمللة‬
‫تمتد على السفلت الخشن من البالوعة إلللى منتصللف السللاحة حيللث‬
‫تمددت جثة العميد‪.‬‬
‫صاح المساعد وقد توترت وبرزت حبال رقبته‪:‬‬
‫ جيبولي ‪ ..‬هـ الكّر الحقير ‪ ...‬الملزم لهون‪.‬‬‫وبعد أن أصبح الملزم أمامه‪:‬‬
‫ شو يا حقير؟ ‪ ..‬بدك تشرب وَّل ل؟‪.‬‬‫ حاضر سيدي ‪ ..‬حاضر ‪ ..‬بشرب‪.‬‬‫ح الملزم على السفلت أمللام البالوعللة‪ ،‬غطللس فكيلله فللي ميللاه‬
‫انبط َ‬
‫البالوعة‪ ،‬وضع المساعد حذاءه العسكري على رأس الملزم المنبطللح‬
‫وضغطه إلى السفل قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ ما بيكفي هيك‪ .‬لزم تشرب وتبلع!!‪.‬‬‫ثم تابع المساعد موجها ً حديثه للشرطة‪:‬‬
‫ وهلق ‪ ..‬خدوا هـ الكلب عـ التشريفة ‪ ...‬بدي يكون السللتقبال‬‫تمام!‪.‬‬
‫الملزم الذي شرب وبلع المياه القللذرة بمللا فيهللا مللن بصللاق ومخللاط‬
‫ي على ظهره بسرعة مذهلة‪ ،‬ووضللع اثنللان‬
‫وبول وقاذورات أخرى‪ ،‬ألق َ‬

‫‪31‬‬

‫من البلديات قدميه في حبل الفلقة‪ ،‬لفوا الحبل علللى كللاحليه ورفعللوا‬
‫القدمين إلى أعلى‪.‬‬
‫القدمان مشرعتان في الهواء‪ ،‬ثلثة عناصر من الشرطة توزعوا أمللام‬
‫القدمين وحوَلهما بطريقة مدروسة‪ ،‬بحيث كانت كرابيجهم تهوي علللى‬
‫ج الخللرى‪،‬‬
‫القدمين بتناغم عجيب دون أن يعيقَ أح لد ُ الكرابي لِج الكرابي ل َ‬
‫وى جسللده يحللاول خلصلًا‪ ،‬ولكللن دون‬
‫ارتفع صللراخ الملزم عاليلًا‪ ،‬تلل ّ‬
‫جدوى‪.‬‬
‫اسللتفز صللرا ُ‬
‫خ الملزم واسللتغاثاُته العاليللة المسللاعد‪ ،‬مشللى باتجللاهه‬
‫طه إلللى رأس الملزم‬
‫دم ل َ‬
‫ة بللو ِ‬
‫ه مق ّ‬
‫ب كللرةِ قَ لد َم ٍ وَ ّ‬
‫جل َ‬
‫مسللرعًا‪ ،‬وكلع ل ِ‬
‫ف الكرة‪.‬‬
‫وقذ َ‬
‫ة كالعواء‪ ...‬اسُتفّز المسللاعد أكللثر‬
‫صرخ الملزم صرخة حيوانية‪ ،‬صرخ ً‬
‫م الملزم بأسللفل البللوط‪ ،‬عناصللر الشللرطة يواصلللون‬
‫فأكثر‪ ،‬سحقَ ف َ‬
‫ي الملزم‪ ،‬المسللاعد يواصللل عمللله سللحقًا‪ ،‬الللرأس‪،‬‬
‫عملهم على قدم ّ‬
‫الصللدر‪ ،‬البطللن‪ ...‬رفسللات علللى الخاصللرة ‪ ...‬حركللات هسللتيرية‬
‫للمساعد وهو يصرخ صراخا ً بالكاد يفهم‪:‬‬
‫ ولك عرصللللات‪ ...‬ولك حقيريللللن‪ ....‬عللللم تشللللتغلوا ضللللد‬‫واك ملزم بللالجيش‪...‬‬
‫الرئيللس!!‪ ...‬ولك َ‬
‫واك زلمللة‪ ...‬سلل ّ‬
‫سلل ّ‬
‫وبتشللتغل ضللده؟!!‪ ...‬ولك يللا عملء‪ ...‬يللا جواسلليس!‪ ..‬ولك‬
‫الرئيس خ ّ‬
‫لنا نشبع خللبز‪ ...‬وهلللق جلايين إنتللو يللا كلب تشللتغلوا‬
‫ضلللده؟!‪ ...‬يلللا عملء أمريكلللا‪ ...‬يلللا عملء إسلللرائيل‪ ...‬يلللا ولد‬
‫جوا؟!!‪ ...‬ب َلّره كنتللوا عللاملين حللالكن‬
‫الشرموطة‪ ...‬هلق عم تتر ّ‬
‫رجال‪ ...‬يا جبناء‪ ...‬هلق عم تصرخ ولك حقير!!‪...‬‬
‫على إيقاع صرخات المساعد و"دبيك ِلله" فللوق الملزم‪ ،‬كللانت ضللربات‬
‫ة‪ ،‬وصلرخات واسلتغاثات الملزم تخفلت‬
‫الشرطة تزداد عنفلا ً وشراسل ً‬
‫شيئا ً فشيئًا‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫بعد قليل تملد ّد َ الملزم أول إللى جلانب العميلد!!‪" .‬ل أدري حلتى الن‬
‫ماذا ح ّ‬
‫ل به؟ هل مات أم ل؟‪ ...‬هل كان لدى إدارة السجن أوامر بقتل‬
‫الضباط أثناء الستقبال أو التشريفة؟"‪.‬‬
‫والن جاء دورنا‪" ..‬إجاك الموت يا تارك الصلة!" عبارة سللمعتها فيمللا‬
‫بعد من السلميين حتى مللتها‪ ،‬ولكن فعل ً جاء دورنا‪ ،‬حملة الشهادات‬
‫الجامعية‪ ،‬ليسانس‪ ،‬بكالوريوس‪ ،‬دبلوم‪ ،‬ماجستير ‪ ..‬دكتوراه ‪..‬‬
‫الطباء شربوا من البالوعة وبلعللوا‪ ،‬المهندسللون شللربوا مللن البالوعللة‬
‫وبلعوا‪ ،‬المحامون ‪ ..‬أساتذة الجامعات ‪ ..‬وحتى المخللرج السللينمائي ‪..‬‬
‫شربت من البالوعة وبلعت‪ ..‬الطعم ‪..‬‬

‫ل يمكللن وصللفه!!‪ .‬والغريللب‬

‫أنه ل أحد َ من بين كل الشاربين تقيأ!!‪ ..‬أصبح بين هؤلء جميعا ً شلليئان‬
‫مشتركان‪ ،‬الشهادة الجامعية‪ ،‬وشرب البالوعة!!‪.‬‬
‫ثم أكثر من ثلثين‪ ،‬كل فلقة يحملها اثنان مللن البلللديات‪ ،‬أمامهللا ثلثللة‬
‫عناصر وثلث كرابيج‪ ....‬والكثير‪ ..‬الكثير‪ ..‬من القسوة‪ ،‬اللم‪ ،‬الصراخ‪.‬‬
‫اللم‪ ..‬الضعف‪ ..‬القهر‪ ..‬القسوة‪ ..‬الموت‪.!! ..‬‬
‫قدماي متورمتللان مللن آثللار خيزرانللة أيللوب‪ ،‬بالكللاد أسللتطيع المشللي‪.‬‬
‫عندما مشيت في الساحة الولى فوق السللفلت الخشللن‪ ،‬كنللت كمللن‬
‫ي إلى العلى بالفلقللة‪ ،‬ثلثللة‬
‫يمشي على المسامير‪ ،‬رفع البلديات قدم ّ‬
‫ي المتورمتين ‪ ..‬موجة داخلية عارمة من اللم تتكوم‬
‫كرابيج تلسع قدم ّ‬
‫وتتصاعد من البطللن لتنفجللر فللي الصللدر ‪ ...‬تنحبللس النفللاس عنللدما‬
‫تهوي الكرابيج ‪ ...‬الرئتان تتشنجان ‪ ...‬تنغلقان على الهللواء المحبللوس‬
‫وتتوقفللان عللن العمللل ‪ ...‬ومللع الموجللة الثانيللة لللللم وانفجللاره فللي‬
‫الصدر ‪ ...‬ينفجر الهللواء المحبللوس فللي الرئتيللن عللن صللرخة مؤلمللة‪،‬‬
‫سللها تخللرج مللن القحللف ‪ ...‬مللن العينيللن ‪ ...‬أصللرخ ‪ ...‬وأصللرخ‬
‫أح ّ‬
‫مَرتان فللي الهللواء ‪ ...‬كللل محللاولتي لتحريكهمللا ‪...‬‬
‫والقللدمان مسلل ّ‬
‫لإزاحتهما ‪ ...‬فاشلة!! تنفصلن عنللي ‪ ...‬مصللدر لللللم فقللط ‪ ...‬سلللك‬

‫‪33‬‬

‫يصل بينهما وبين أسفل البطن والصدر‪ ...‬موجات متلطمة من اللللم‪،‬‬
‫تبدأ الموجة عندهما‪ ،‬تمتد وتتصاعد مرورا بأسفل البطن ‪ ...‬البطللن ‪...‬‬
‫الصدر ‪ ...‬ثم تتكسر عند الللرأس‪ ،‬وصللرخة ألللم ورعللب ومهانللة نللاثرةً‬
‫الذهو َ‬
‫ل وعدم الفهللم والتصللديق‪ ،‬أكللثر مللن ثلثيللن صللرخة متوازيللة‪...‬‬
‫متشابكة‪ ،‬لكثر من ثلثين رج ً‬
‫ل‪ ،‬تنتشر في فضاء الساحة الولى‪.‬‬
‫في البداية اسلتنجدت بلالله لل وأنلا اللذي كنلت طلوال عملري أتبلاهى‬
‫بإلحللادي للل ولكللن الللله لللم يسللتطع أن يفعللل شلليئا ً أمللام جللبروت‬
‫الشرطة!!! فنقمت وتساءلت‪ :‬ولكن أين الللله؟ السللاحة الولللى أكللبر‬
‫دليل على عدم وجود كائن اسمه الله!!‪.‬‬
‫أكثر من ثلثين صرخة ألم ‪ ...‬قهر ‪ ...‬تخرج من أفواه أكثر مللن ثلثيللن‬
‫رجل ً مثقفا ً ‪ ..‬متعلمًا!! أكثر من ثلثين رأسًا‪ ،‬كل منها يحوي الكثير من‬
‫الطموح والمل والحلم‪ ،‬الكل كان يصرخ ‪ ...‬عواء ثلثين ذئبا ً ‪ ...‬زئيللر‬
‫أكثر من ثلثيلن أسلدا ً ‪ ...‬للن يكلون أعللى ملن صللراخ هللؤلء الرجلال‬
‫المتحضرين ‪ ...‬ولن يكون أكثر وحشية ‪ ...‬وحيوانية!!‪.‬‬
‫يضيع صراخي وسط هذه الغابة من الصراخ وأصوات ارتطام الكرابيج‬
‫بالقدام ‪ ...‬وترتفع المواج‪.‬‬
‫ي أل ّ‬
‫أستنجد برئيس الدولللة ‪ ..‬يشللتد الضللرب ‪ ..‬وأفهللم منهللم أ ّ‬
‫ن عل ل ّ‬
‫أد َّنس اسم فخامته بفمي القذر‪ .‬استنجد ُ بنبّيهم‪:‬‬
‫مد!!!‪.‬‬
‫ من شان مح ّ‬‫لطمة على الرأس وصوت المساعد الراعد‪:‬‬
‫ إي ‪ ..‬بدي نيك أمك ‪ ...‬على أم محمد!!! ليش في حدا خللّرب‬‫بيتنا غير محمد؟!‪.‬‬
‫رأيته يبتعد عني ببطء‪ ..‬فصرخت‪:‬‬
‫‪ -‬يا سيدي دخيلك ‪ ..‬دخيل أختك‪ ..‬بس كلمة واحدة!!‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫موجات اللم تتصاعد أكثر فلأكثر ‪ ...‬تتلطللم أشللد فأشللد ‪ ...‬المسللاعد‬
‫يبتعد أبعد فأبعد ‪ ...‬وأصرخ بأعلى صوتي‪:‬‬
‫ يا سيدي ‪ ...‬أنا ماني مسلم ‪ ...‬أنا مسيحي ‪ ...‬أنا مسلليحي ‪...‬‬‫يللا سلليدي دخيلللك ‪ ...‬أبللوس إيللدك ‪ ...‬أبللوس رجلللك ‪ ...‬أنللا‬
‫مسيحي!!‪.‬‬
‫وببطء شديد يقف المساعد‪ .‬لقد مّيز صوتي ضمن كل هذه الصللوات‪،‬‬
‫سللمَعه‪ ،‬يعللود ببطللء أشللد‪ ،‬يصللل قربللي‪ ،‬يرفللع يللده اليمنللى لعناصللر‬
‫الشرطة بإشارة "كفى"‪.‬‬
‫}مصيري الن كله مرتبط بكلمة مللن فللم هللذا المسللاعد الللذي بالكللاد‬
‫يعرف القراءة}‪.‬‬
‫يزّرر عينيه ويسألني‪:‬‬
‫ أنت مسيحي وَْل؟‪.‬‬‫ول عمرك‪.‬‬
‫ نعم سيدي نعم ‪ ...‬الله يخليك ويط ّ‬‫ مسيحي‪ ...‬وصاير إخوان مسلمين؟!!‪.‬‬‫ ل ‪..‬ل سيدي ل ‪ ...‬أنا ماني إخوان مسلمين‪.‬‬‫ لكن ليش جايبينك؟ ‪ ..‬هيك!! ‪ ..‬لوجه الله!! ‪ ...‬يعني تبّلي؟ ‪...‬‬‫آه يا كلب ‪ ..‬آه‪ ،‬إذا كانوا هدول العرصات يستحقوا الموت مللرة‬
‫واحدة‪ ،‬إنت لزم تموت مرتين!! ‪ ...‬يـ الله شباب زيدوا العيار لـ‬
‫هـ الكلب ‪ ...‬مسيحي وصاير إخوان مسلمين!!‪.‬‬
‫مضى‪ ،‬والعناصر الثلثة يزيدون العيار على القدمين وعنصر رابع ينهال‬
‫جه على فخديّ العاريتين‪.‬‬
‫كربا ُ‬
‫تقلصات اللم تللزداد‪ ،‬لحللم الفخللذين رقيللق ويختلللف علن لحللم بلاطن‬
‫ب الهواء الذي‬
‫القدمين‪ ،‬أختنق بصرخاتي‪ ،‬أسكت لحظات لتنفس وأع ّ‬
‫ي‪ ،‬حد ّ اللم ل يطاق‪.‬‬
‫سأصرخه‪ ،‬غمامة حمراء تتأرجح أمام عين ّ‬

‫‪35‬‬

‫ص غي ُللره‪،‬‬
‫بعد أن خذلني المساعد‪ ،‬أعود إلى الللله‪ ،‬لللم يبللق مللن مخل ّل ٍ‬
‫وساعات الضيق وانعدام المل يعود فيها النسان إلى الله‪ .‬عدت إليه‪،‬‬
‫سّرًا" أن ينجيني من الشرار‪ ،‬كنت فلي غايلة التهلذيب وأعملق‬
‫راجيا ً " ِ‬
‫درجات اليمان والخشوع‪:‬‬
‫جني من بين أيديهم‪.‬‬
‫ يا رب خلصني ‪ ...‬أنت المخلص‪ ،‬ن َ ّ‬‫قلله‪ ،‬طللاف بللذهني‪ ،‬ومنلله خللرج مسللرعا ً‬
‫قلت هللذا الكلم دون أن أنط َ‬
‫باتجاه السماء‪.‬‬
‫قواي تخللور‪ ،‬قلدرتي عللى الصلراخ تخفللت‪ ،‬يصللبح الللم حلادا ً كنصللل‬
‫الشفرة‪ ،‬أرى الكرابيج ترتفع عاليلًا‪ ،‬أتوقعهللا‪ ،‬إذا نزلللت هللذه الكرابيللج‬
‫على جسدي فأنا حتما ً سأموت!! لم يبق أي طاقة لتحمل المزيللد مللن‬
‫اللم!!‪ ..‬الموت‪ ...‬أعود إلى الله‪:‬‬
‫ يللا رب دعنللي أمللوت ‪ ...‬دعنللي أمللوت ‪ ...‬خلصللني مللن هللذا‬‫العذاب‪.‬‬
‫يصبح الموت أمنية!! أتمنى الموت صادقا ً ‪ ...‬حللتى المللوت ل أسللتطيع‬
‫الحصول عليه!!‪.‬‬
‫الكرابيللج ترتفللع وتهللوي ‪ ...‬الغمامللة الحمللراء‪ ،‬السللماء ورديللة‪ ،‬يخللف‬
‫اللم‪ ...‬يخفت الصراخ ‪ ...‬موجة ضعيفة من الخللدر والنمللل تنللزل مللن‬
‫القدمين إلى باقي أنحاء الجسم!!‪.‬‬
‫الخدر يزداد ‪ ...‬موجة من الرتيللاح اللذيللذ تغمرنللي ‪ ...‬الكرابيللج ترتفللع‬
‫وتهوي ‪ ...‬اللللم اللذيللذ ‪ ...‬أشللعر بالجسللد المتللوتر قللد ارتخللى ‪ ...‬ثللم‬
‫أغيب!!!!‪.‬‬
‫‪ 16‬تكشككريكن الكثككانكي‬
‫منذ الصباح يعم ضجيج مكبرات الصوت أرجاَء السجن وما حوله‪ ،‬تبللث‬
‫الناشلليد الوطنيللة والناشلليد الللتي تمجللد رئيللس الدولللة وتسللبغ عليلله‬
‫صفات الحكمة والشجاعة وتصفه بأوصاف عديدة‪ ،‬فهو المفدى‪ ،‬القائد‬

‫‪36‬‬

‫ملهَللم‪ ...‬تللذك ُُر أفضللاله العميمللة علللى جميللع أبنللاء‬
‫العظيم‪ ،‬المعلللم‪ ،‬ال ُ‬
‫الشعب‪ ،‬فلوله ما بزغت الشمس‪ ،‬وهو الذي يمنحنللا الهللواء لنتنفللس‪،‬‬
‫والماء لنشرب ‪. ...‬‬
‫نحن السجناء جميعا ً نقف في الساحات فللي صللفوف منتظمللة‪ ،‬ولول‬
‫مرة منذ مجيئي إلى هنا سمحوا لنا بالوقوف ضلمن السلاحة مفتلوحي‬
‫العين‪.‬‬
‫أعطوا واحللدا ً ملن السلجناء ورقللة‪ ،‬ومملا هلو مكتلوب عليهلا يهتللف‪...‬‬
‫فنهتف وراءه‪:‬‬
‫ بالروح ‪ ...‬بالدم سنفدي رئيسنا المحبوب والمعبود!‪.‬‬‫قبل قليل انتهى الحتفال‪ .‬أعادونا الى المهجع‪.‬‬
‫أشعر الن أن صحتي أصبحت جيللدة‪ ،‬لقللد مضللى الن أكللثر مللن سللتة‬
‫س‬
‫أشهر ونصف عللى اللحظلة اللتي أ َ‬
‫علد ُ‬
‫ت فيهلا فتلح عينل ّ‬
‫ي عللى رأ ٍ‬
‫حليق "على الصفر"‪ ،‬ينحني الشخص ذو الرأس الحليللق فللوقي وبيللده‬
‫مزقة قماش مبللة بالماء يحاول أن يمسح بهللا بعللض جللروح جسللدي‪،‬‬
‫لح َ‬
‫ظ صحوتي فابتسم لي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ الحمللد لللله أنللك صللحيت‪ ،‬أنللا الللدكتور زاهللي ‪ ...‬ل تحكللي ول‬‫تتحرك ‪ ..‬والحمد لله على سلمتك‪ ،‬يللا أخللوي انكتللب لللك عمللر‬
‫جديد‪ ،‬احمد الله سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫لم أستطع الكلم ول الحركلة‪ .‬لزمنلي ثلثلة أيلام أخلرى بعلد صلحوتي‬
‫الولى لتكلم‪ ،‬وأكثر مللن شللهر حللتى أسللتطيع الحركللة‪ .‬وطللوال هللذه‬
‫الفترة لزمني الدكتور زاهي بعنايته الفائقة‪ ،‬وبلهجة المنطقة الشرقية‬
‫المحببة كان يشرح لي بما يشبه التقرير الطبي أن وضعي كان خط ِللرا ً‬
‫ة بالغة قد أصللابت إحللدى الكليللتين وأننللي بقيللت‬
‫لسببين‪ :‬الول أن أذي ً‬
‫فترة لبأس بها أبو ُ‬
‫ل دمًا‪ .‬أما الثاني فهو أن مساحة الجلد المتهتك في‬
‫جسللدي قللد اقللتربت مللن حللد الخطللر‪ .‬وإن تفللاوتت النسللبة حسللب‬

‫‪37‬‬

‫المنطقة‪ .‬تهتك جلد الظهلر بكلامله تقريبلًا‪ ،‬قسللم مللن البطللن‪ ،‬الجهللة‬
‫المامية من الفخذين‪ ،‬القدمين من الجهتين العلوية والسفلية‪ .‬أما جلد‬
‫القدم اليسرى فقد انكشط من الجهة العلوية وبانت العظام‪.‬‬
‫أخبرني زاهي أنني بقيت ستة أيام غائبا ً عن الوعي ومعلقا ً بين الحيللاة‬
‫قمللة الوحيللدة المتللوفرة‪ ،‬بالملللح‬
‫والموت‪ ،‬كان الملللح هللو الملادة المع ّ‬
‫عالجني الشيخ زاهي‪ ،‬كما كان يحب أن ينادى متنازل ً عن لقللب دكتللور‬
‫بكللل طيبللة خللاطر وكللان يشللربني المللاء وقليل ً مللن المربللى المللذاب‬
‫والمخفف بالماء‪.‬‬
‫وكما شرح لللي وضللعي الصللحي فللإنه أخللبرني عللن المعلومللات الللتي‬
‫وصلتهم من المهاجع الخرى والتي تقول إن عدد أفللراد دفعتنللا كللان ‪/‬‬
‫‪ / 91‬شخصلًا‪ ،‬قتللل منهللم ثلثللة فللي السلاحة الولللى أثنللاء السللتقبال‬
‫وهؤلء لم يدخلوهم إلى المهاجع‪ ،‬وخلل فترة غيابي عن الللوعي مللات‬
‫عشرة آخرون متأثرين بجروحهم وإصاباتهم البليغة‪ ،‬واثنان من الدفعللة‬
‫أصيبا بشلل دائم نتيجة أذى كبير بالعمود الفقللري‪ ،‬واحللد فقللط أصللبح‬
‫أعمى بعد أن تلقى ضربة كرباج فقأت عينيه‪ ،‬وبعد أن انتهى زاهي من‬
‫سرد هذه المعلومات قال‪:‬‬
‫ والحمد لله على سلمتك ‪ ..‬احمد الله يا أخوي احمده‪ ..‬ورغللم‬‫سلّرا ً ركعللتين لللوجه‬
‫أن الصلة ممنوعة بللس أنللت تقللدر تصلللي ِ‬
‫الله!‪.‬‬

‫الككحككككلقككككككة‬
‫بعد تسعة أيام من صللحوتي وقللف رئيللس المهجللع فللي الصللباح وقللال‬
‫مخاطبا ً الناس في المهجع‪:‬‬
‫ يا إخوان ‪ ..‬اليوم دورنا بالحلقة‪ ،‬اصبروا وصابرو‪ ،‬سيعيننا الله‬‫‪ ..‬احملوا المرضى ويّلي ما بيحسن يمشي على البطانيات‪ ،‬كللل‬

‫‪38‬‬

‫بطانية يحملها أربعة فدائيين ‪ ...‬وقدر ما فيكم أسرعوا‪ ،‬السرعة‬
‫أفضل‪ ..‬و الله يقوينا!‪.‬‬
‫فتح الباب‪ ،‬وقللف الجميللع‪ ،‬حملنللي أربعللة أشللخاص‪ ،‬قللال لللي أحللدهم‬
‫بحماس‪:‬‬
‫ف يا أخي ل تخاف‪ ..‬راح نحميك بأجسامنا‪.‬‬
‫ ل ْتخا ْ‬‫فان من الشرطة على جانبي الباب‪ ،‬بيللن الشللرطي والخللر حللوالي‬
‫ص ّ‬
‫َ‬
‫المترين‪ ،‬كل شرطي يحمل كرباجًا‪ ،‬ما أن يصللل السللجين إلللى البللاب‬
‫حتى يبدأ الركض‪ ،‬تتلقاه كرابيج الصف اليمينلي للشلرطة ملن الملام‪،‬‬
‫الكرابيج اليسارية تطارده من الخلف‪ ،‬من يتعثر أو يقع قد يموت‪ ،‬فهللو‬
‫سَر التناغم وإيقاع الضرب‪ ،‬يقف الصف من خلفلله وتجتمللع‬
‫يكون قد ك َ‬
‫عليه الكرابيج جميعًا‪ ،‬فإذا كلان ذا بنيلة قويلة واسلتطاع النهلوض رغلم‬
‫عشللرات الكرابيللج المنهالللة عليلله‪ ،‬فقللد نجللا‪ .‬أماالضللعيف فسللتبقيه‬
‫الكرابيج لصيقا ً بالرض إلى البد‪.‬‬
‫حوالي الثلثمائة سجين من مهجعنلا ركضلوا بسلرعة‪ ،‬تلقلوا الضلربات‬
‫السللريعة والكاويللة‪ ،‬اصللطفوا فللي السللاحة ووجللوههم إلللى الحللائط‬
‫وأعينهم مغمضة‪ ،‬نحن المرضى وضعونا في منتصللف السللاحة‪ ،‬الكللثير‬
‫من عناصر الشرطة‪ ،‬الكثير من البلديات وفي أيديهم أملواس الحلقلة‬
‫للذقن وماكينات حلقة الشعر على الصفر‪.‬‬
‫الكلككككككؤم ‪....‬؟!!‪.‬‬
‫كانت هذه هي التجربة الولى للحلقة‪ ،‬وسأجربها في القادم من اليام‬
‫كثيرًا‪ ،‬ولكن منذ المللرة الولللى ونتيجللة لوضللعي كمريللض مرمللي فللي‬
‫وسط الساحة يستطيع أن يراقب كل‬

‫ما يجري فيها رغللم أن عينيلله‬

‫مغمضتان! طرَقت ذهني تساؤلت إنسانية كثيرة‪:‬‬
‫البلديات سجناء مثلنا‪ ،‬مقهللورون مثلنللا‪ ،‬صللحيح إنهللم مجرمللون‪ ،‬قتلللة‬
‫ولصوص ولوطّيون‪ ،‬ولكنهم يعانون من قهر السللجن مثلمللا نعللاني‪ ،‬ول‬

‫‪39‬‬

‫تعني لهم السياسة شيئًا‪ ...‬ولكن مللن أيللن تنبللع هللذه القسللوة اللئيمللة‬
‫والضرب المبرح اللذان يكيلهما البلديات للسجناء أثناء الحلقة؟!‪.‬‬
‫وكنت دائما أتساءل بذهول‪ :‬هل من المعقول أن يكون النسللان لئيملا ً‬
‫إلى هذه الدرجة؟!! وهذا اللؤم المجاني؟!!‪.‬‬
‫حلقللة الللذقن عمليللة تشللريح أو حراثللة للللوجه مصللحوبة بالبصللاق‬
‫والشتائم‪ ،‬وكان بعضهم يتلذذ بافتعال السعال قبل البصللق علللى وجلله‬
‫السجين كي يكون البصللاق مصللحوبا ً‬

‫بالمخللاط !!! وتلتصللق بصللقة‬

‫البلديات بالوجه! ويمنع السجين من مسحها‪.‬‬
‫أما حلقة الرأس فمع كل سحبة ماكينة على الللرأس‪ ،‬وبعللد أن ينفللض‬
‫البلديات الشعر المحلوق‪ ،‬ضربة قوية بالماكينللة نفسللها علللى المكللان‬
‫المحلوق وهو يصّر على أسنانه ويشتم‪:‬‬
‫هل القمل؟!‪.‬‬
‫ يا عرص يا ابن العرص ‪ ..‬منين جايب كل َ‬‫ ولك يا منيك ‪ ...‬شو عامل راسك مزرعة قمل؟!‪.‬‬‫ومع كل ضربة ماكينة‪ ،‬إما أن ينفللر الللدم‪ ،‬أو تظهللر كللرة صللغيرة فللي‬
‫الرأس مكان الضربة!!‪.‬‬
‫الكثير من السجناء عرف الكثير من البللديات‪ ،‬هلم ملن نفلس ُقراهلم‬
‫وبللداِتهم وملدِنهم وأحيلائهم‪ ،‬وتبقلى نفلس السلئلة مطروحلة‪ :‬ولكلن‬
‫لماذا؟‪..‬لماذا هو لئيم بهلذا القلدر؟‪ ..‬ملا هلي دوافعلله النفسلية؟‪ ..‬هللل‬
‫القسوة و السادية المتأصلة أو العارضة يمكن أن تنتقللل بالعللدوى؟ أم‬
‫هي روح القطيع؟!‪.‬‬
‫دهم"‪.‬‬
‫"وددت لو تتاح لي فرصة محادثة أح ِ‬
‫بعد أن انتهللى أحللد البلللديات مللن حلقللتي بضللربة قويللة علللى رأسللي‬
‫الحليق‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ ياكلب يا ابن الكلب ‪ ..‬كسلرتلي ضلهري!! ‪ ..‬عاملل حاللك ملا‬‫سن توقف!!‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫ب ْت ِ ْ‬

‫‪40‬‬

‫أدخلونا جميعا ً إلى المهجع بين صفي الشرطة‪ ،‬والكرابيللج تنهللال أكللثر‬
‫ما تنهللال علللى الللرؤوس الحليقللة!! اسللتلقيت فللي الركللن المخصللص‬
‫للمرضى‪ .‬إمارات السرور والفرح بادية على كللل السلللجناء‪" ...‬هللاهي‬
‫حلقة أخرى ‪ ..‬تمر بسلم ‪ ..‬ل زلنا أحياء!!"‪.‬‬

‫الككمككهككجكككع‬
‫خلل استلقائي أكثر من شهر في هذا الركن أتيح لي أن أعاين وأفهللم‬
‫الكثير من الشياء والمور في هذا المهجع الكبير‪ .‬يبلغ طول المهجللع ‪/‬‬
‫‪ / 15‬خمسللة عشلر مللترًا‪ ،‬وعرضله حلوالي سلتة أمتلار‪ ،‬بلاب حديللدي‬
‫أسود‪ ،‬في أعلى الجللدران نوافللذ صللغيرة ملصللقة للسللقف ومسلللحة‬
‫بقضبان حديدية سللميكة‪ ،‬ل يتجللاوز عللرض النافللذة خمسللين سللنتمترا ً‬
‫وطولها حوالي المتر‪ .‬أهم ما في المهجع هللو الفتحللة السللقفية‪ ،‬وهللي‬
‫فتحة في منتصف السقف طولها أربعة أمتار وعرضها متران‪ ،‬مسلللحة‬
‫أيضا بقضبان حديدية متينللة‪ ،‬هلذه الفتحللة ويسلمونها "الشلراقة" تتيللح‬
‫للحارس المسلح ببندقية والذي يقف علللى سللطح المهجللع أن يراقللب‬
‫ويعاين كل ما يجري داخل المهجع وعلى مدار سلاعات الليلل والنهلار‪،‬‬
‫فوق كل مهجع في السجن الصللحراوي حللارس مسلللح مللن الشللرطة‬
‫العسكرية‪.‬‬
‫ساعات اليوم هنا جزءان لثالث لهما‪ ،‬اثنتا عشرة ساعة نللوم إجبللاري‪،‬‬
‫اثنتا عشرة ساعة جلللوس إجبللاري‪ ،‬كللل سللجين يملللك ثلث بطانيللات‬
‫عسللكرية فقللط‪ ،‬يطللوي واحللدة ويمللدها علللى الرض فتصللبح فراشلا ً‬
‫ويتغطى باثنتين‪ ،‬من يملك ألبسة زائدة عن الثياب التي يرتديها يطويها‬
‫ويجعلها وسادة أو يضع حذاءه كوسادة‪ ،‬ومن يكن مثلللي ل يملللك ثيابلا ً‬
‫أو حذاًء فإنه ينام بل وسادة‪.‬‬
‫وعلللى كللل سللجين أن يتقيللد بالتعليمللات‪ ،‬مللن السادسللة مسللاًء إلللى‬
‫السادسة صباحا ً يجب أن يكون نائما ً ل يتحرك‪ ،‬مللن السادسللة صللباحا ً‬

‫‪41‬‬

‫إلى السادسة مساًء يجب أن يطوي البطانيات الثلث ويجلس عليها ل‬
‫يتحرك‪.‬‬
‫الذهاب إلللى المرحللاض يتللم وفللق نظللام خللاص‪ ،‬بحيللث أن الشللرطي‬
‫الحارس في أي ساعة يخطر له أن ينظر داخل المهجع يجللب أل يللرى‬
‫أكثر من شللخص واحللد يمشللي داخللل المهجللع‪ ،‬ورئيللس المهجللع وهللو‬
‫سجين أيضا ً يجب أن ينظم كل هذا تحت طائلة المسؤولية‪.‬‬
‫لللدى أي خلللل ) إذا تحللرك النللائم حركللة غيللر طبيعيللة مث ً‬
‫ل‪ ،‬إذا كللان‬
‫السجين جالسا ً بطريقة ل تعجب الحارس‪ ،‬إذا كان اثنان يتحدثان إلى‬
‫بعضهما لي ً‬
‫ل‪ ،‬إذا كان هناك أكلثر ملن شلخص يمشلي( يصليح الحلارس‬
‫برئيس المهجع‪:‬‬
‫ رئيس المهجع ‪ ....‬وَْل كّر!!‪.‬‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫هل الكلب‪.‬‬
‫ َ‬‫علللّلم ‪َ ...‬‬
‫م تعليم السجين )أي وضعُ علمةٍ مجازيةٍ عليه بمعنى‬
‫وهكذا يكون قد ت ّ‬
‫تعيينه لُيعَرف(‪.‬‬
‫نوبة كل حارس ساعتان‪ .‬وعللدد الللذين يتللم تعليمهللم تللابع لمللزاج كللل‬
‫حارس‪ ،‬وكل حارس يبّلغ من يليه فللي الحراسللة بعللدد الللذين عّلمهللم‪،‬‬
‫وفي الصباح يكون المجموع عنللد الرقيللب الللذي يحضللر إلللى السللاحة‬
‫وبصحبته عدد كبير من عناصر الشرطة العسكرية والبلديات‪ ،‬ويصيح‪:‬‬
‫ وَْل ‪ ...‬رئيلللس المهجلللع يلللا حقيلللر ‪ ...‬عنلللدك تلتلللة وتلتيلللن‬‫معّلمين ‪ ....‬طالعهن لب َّره َلشوف!‪.‬‬
‫عرفلًا‪ :‬خمسلمائة‬
‫ويخرج الفدائيون!‪" ..‬جزاء وعقوبة التعليلم أصلبحت ُ‬
‫جلدة"‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫الككطككعكككام‬
‫ثلث وجبات في اليللوم‪ ،‬رغيفللان مللن الخللبز العسللكري لكللل سللجين‪،‬‬
‫ن بلستيكية‪ ،‬العشاء على الغلب شللوربة عللدس‪،‬‬
‫الطعام يأتي في أوا ٍ‬
‫الغداء برغل ومرق البطاطا‪ ،‬البطاطا تطبخ مع رب البندورة بللدون أن‬
‫تغسل أو تفرم‪ ،‬ولذلك دائما ً هناك عدة سنتمترات من الللتراب الراقللد‬
‫في أسفل جاط المرق‪ ،‬الفطور لبنة أو زيتون وأحيان لا ً بيللض مسلللوق‪.‬‬
‫يجلب البلديات جاطات الطعام‪ ،‬يضعونها أمام المهاجع ويذهبون‪ ،‬أكللثر‬
‫من ستمائة رغيف خبز‪ ،‬حوالي العشر جاطات بلستيك مليئة بالبرغللل‬
‫وم أمام المهجع‪.‬‬
‫ومثلها من المرق‪ ،‬كلها تك ّ‬
‫ثلث مرات في اليوم يفتللح البللاب الحديللدي السللود لدخللال الطعللام‪،‬‬
‫وفي كل مرة يكون الفدائيون واقفين خلف البللاب‪ ،‬مللا أن ُيفت َللح حللتى‬
‫يصبحوا جميعا ً وبلمح البصللر عنللد الطعللام‪ ،‬وبسللرعة الللبرق يحملللونه‪،‬‬
‫فدائي واحد لكل جاط برغل‪ ،‬جاط المرق يحمله اثنان‪ ،‬الخبز يكومونه‬
‫على البطانيات وكل بطانية يحملها أربعة أشخاص‪ ،‬طوال الوقت الذي‬
‫يستغرقه إدخال الطعام تكون كرابيج الشرطة قد فعلت فعلها‪ ،‬يتفنللن‬
‫عناصر الشرطة ويبتدعون أساليب جديدة‪:‬‬
‫أمام جاط شوربة العدس الغالي‪ ،‬أمس َ‬
‫م‬
‫ك الرقيللب بالفللدائي الللذي هَل ّ‬
‫بحمل الجاط‪ .‬قال‪:‬‬
‫ اترك الجاط على الرض ‪ ...‬وَْل شرموط!‪.‬‬‫ترك السجين الجاط ووقف‪.‬‬
‫ وهلق ‪ ...‬غ ّ‬‫طس إيديك بالشوربة لشوف!‪.‬‬
‫وخرجت اليللدان مللن الشللوربة مسلللوختين‪ .‬وأجللبره بعللدها أن يحمللل‬
‫الجاط بيديه المسلوختين إلى داخل المهجع‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫كل بضعة أيام ُيقتل واحد أو أكثر أثناء إدخال الطعام إلى المهاجع‪.‬‬

‫الككفككدائككيككككون‬
‫يوجد هنا أناس من كل العمار‪ ،‬رجال في الثمانين من عمرهم‪ ،‬فتيللان‬
‫لم يتجاوزوا الخامسة عشر‪ ،‬يوجد مرضى‪ ،‬ضعفاء‪ ،‬ذوو عاهللات سللواء‬
‫كانت في الصل أو حدثت من التعذيب‪.‬‬
‫الفدائيون مجموعة من الشباب القوياء ذوي الجساد المتينة‪ ،‬تطوعوا‬
‫من تلقاء أنفسهم للقيام بالمهام الخطرة التي تحتاج إلللى قللوة تحمللل‬
‫أو سرعة‪ ،‬مثل إدخللال الطعللام إلللى المهجللع‪ ،‬أو إذا تللم "تعليللم" أحللد‬
‫المرضى أو الشيوخ من قَِبل الحراس‪ ،‬فإن أحللد الفللدائيين ينللوب عللن‬
‫هذا المريض في تلقي الخمسمائة جلدة‪ ،‬ل يعرف أحللد أي مهجللع فللي‬
‫السجن كان السّباقَ إلى ابتداع هذه الفرقة الفدائية‪ ،‬ولكن في لحظللة‬
‫مللا تللبين أن لللدى كللل مهجللع فللي السللجن فرقللة فدائيللة‪" ،‬اكتشللفت‬
‫الشللرطة فللي السللنوات اللحقللة هللذا المللر‪ ،‬ففللي أحللد اليللام كللان‬
‫الحراس يتسّلون بمراقبة أحد المهاجع وتعليللم السللجناء‪ ،‬وأصللبح عللدد‬
‫الشخاص الذين تم تعليمهم يفوق عدد أعضاء الفرقة الفدائيللة‪ ،‬وأصللر‬
‫بعض الفدائيين على الخروج مرة ثانية لتلقي خمسمائة جلللدة أخللرى‪،‬‬
‫وفورا ً اكتشف عناصر الشرطة آثار الضللرب والكللدمات الحديثللة علللى‬
‫أرجلهم‪ ،‬ولكنهم رغم ذلك لم يفعلوا شيئا حيال المر"‪.‬‬
‫سمعت أحد الفدائيين يقول لزميله‪:‬‬
‫ نحن مشروع شهادة‪.‬‬‫وهم صادقون في سعيهم إلى الستشهاد‪ ،‬وقد أنقذت الفللرق الفدائيللة‬
‫حياة الكثير‪ ،‬وعملهم يتسم بالخلص والندفاع الشديدين النابعين عللن‬
‫إيمان عميق‪.‬‬
‫دهم بعد الصلة التي أداها جالسًا‪:‬‬
‫في مرة أخرى سمعت دعاَء أح ِ‬

‫‪44‬‬

‫ اللهم إنك قادر على كل شيء‪ ،‬باسمك الجليل هبني الشهادة‪،‬‬‫وخذني إلى جنتك حيث النبّيون والمؤمنون الخيار‪.‬‬
‫بعضهم كان يقوم بعمله بتواضع شديد وصللمت‪ ،‬وعلللى بعضللهم الخللر‬
‫وف في حديثه‪.‬‬
‫كنت ألحظ نبرة ُزهُوّ وتش ّ‬

‫مككككام‬
‫الككحكك ّ‬
‫نحن في المهجع ستة مرضى ل نذهب إلى الحمللام‪ :‬أنللا‪ ،‬وزميلللي فللي‬
‫الدفعة الذي بقي غائبا ً عن الوعي طوال الفترة التي كنللت ل أسللتطيع‬
‫الحركة فيها ‪ -‬وكان قد دخل إلى هذا المهجع مللن دفعتنللا ثلثللة‪ :‬واحللد‬
‫منهم مات بعد يومين‪ ،‬أنا صحوت بعد ستة أيام‪ ،‬أما الثللالث فقللد بقللي‬
‫شهرين يتأرجللح بيللن المللوت والحيللاة‪ ،‬صللحا بعللدها وشللفي ‪ ،-‬وأربعللة‬
‫مشلولون )اثنان منهم بالصل شلل أطفللال‪ ،‬الثللالث أثنللاء السللتقبال‪،‬‬
‫ش ّ‬
‫أما الرابع فقد ُ‬
‫ل نتيجة التعذيب بل"المظلة"(‪.‬‬
‫الستحمام إجباري للجميع إل الذين ل يستطيعون الحركة‪ ،‬خاصة وقللد‬
‫كتب على باب الحمام "النظافة مللن اليمللان"‪ .‬ذهللب سللجناء المهجللع‬
‫ت فيهللا ل أسللتطيع‬
‫إلللى الحمللام مرتيللن خلل فللترة الشللهر الللتي بقيل ُ‬
‫الحركة‪ ،‬يخلعون كل ثيابهم ويبقون فقط بالسراويل الداخلية‪.‬‬
‫بعد شفائي نسبيا ً وقدرتي على الحركة ذهبت مع سجناء المهجللع إلللى‬
‫مام!‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫الكيلوت الذي كنت أرتديه عند مجيئي إما أنه تقطع أثناء السللتقبال أو‬
‫أنه ضاع‪ .‬صحوت بعد ستة أيام فوجدت نفسي مرتللديا ً سللروال ً داخليلا ً‬
‫يصل إلى الركبتين وثيابي مكومة إلى جانبي‪ ،‬وبهللذا السللروال وقفللت‬
‫مللام‪ .‬الكللل متللوجس‪،‬‬
‫بالصف داخل المهجع بانتظللار الللذهاب إلللى الح ّ‬
‫الكل خائف‪ ،‬نقف خلف الباب السود تحيط بنا الدعية والبتهالت إلى‬
‫الله‪ ،‬خلفي اثنان يتحادثان بشأن أبللواب السللجن‪ ،‬كلهللا حديديللة وكلهللا‬
‫سللوداء‪ ،‬أحللدهم يللروي للخللر عللن سللجينة اسللمها "ترفللة" كللانت قللد‬

‫‪45‬‬

‫قطعت عهدا ً على نفسها نتيجة لكثرة الستفزازات التي كانت تشكلها‬
‫البواب السوداء لها بأنها بعد خروجها من السجن ستحضر نجارا ً يخلللع‬
‫ة أبدًا‪.‬‬
‫لها كل أبواب بيتها‪ ،‬هي ل تريد أبوابا ً مغلق ً‬
‫فُِتح الباب ‪ ...‬خرجنا ركضًا‪ ،‬اثنين اثنين‪ ،‬حولنللا مللن الجللانبين الشللرطة‬
‫يحملون الكرابيج التي ترتفع عاليا ً وتهوي على من تصادفه‪ ،‬الكل حفاة‬
‫ما تشفيا جيدًا"‪ ،‬من السللاحة السادسللة عبرنللا ثلث سللاحات‬
‫"قدماي ل ّ‬
‫أخرى حتى وصلنا الحمام‪ ،‬بناء مستطيل يحوي العديد مللن المقاصللير‪،‬‬
‫وهو من مخلفات الحقبة الفرنسية‪ ،‬أدخلونا كل اثنين إلى مقصللورة بل‬
‫باب‪ ،‬وزعوا الصابون العسكري ضربا ً على الرأس‪ ،‬لكل واحد لوح مللن‬
‫الصابون ‪ ..‬صياح ‪ ...‬شللتائم ‪ ...‬تركيللز شللديد فللي هللذا الصللياح وهللذه‬
‫الشتائم حول موضوع أل نسللتغل فرصللة وجودنللا فللي الحمللام ونلللوط‬
‫بعضنا بعضا!!‪ ،‬وأنهم يعرفون أننا كلنا لوطيللون وأننللا نفعللل كللذا وكللذا‬
‫ببعضنا‪.‬‬
‫الماء النازل من "الدوش" يغلي‪ ،‬البخار يتصاعد‪ ،‬تعللديل حللرارة المللاء‬
‫غير ممكنة‪ ،‬بالكاد دهّنا أجسادنا بالماء‪ ،‬دقيقة واحدة قد تزيد أو تنقص‬
‫بضع ثوان‪ ،‬نخرج بعللدها تحللت وقللع الكرابيللج‪ ،‬الضللرب علللى الجسللاد‬
‫المبللة ذو وقع مختلف‪ ،‬يلسع لسعًا‪ ،‬نعود إلى المهجع ركضا ً نحمل آثار‬
‫الضرب فقط‪.‬‬
‫مام بعد فترة نتيجة اكتظاظ السللجن وسلليتم تحللويله‬
‫"سوف ُيلغى الح ّ‬
‫إلى مهجع يوضع فيه المعتقلون الشيوعيون"‪.‬‬
‫تابع الدكتور زاهي العناية بي وبالمرضى الخرين‪ ،‬جروحللي كلهللا علللى‬
‫وشك الشفاء عدا الجرح على ظهر القدم اليسرى‪ ،‬و نتيجة لن عظام‬
‫مشط القدم قد بانت بعللد انكشللاط الجلللد عنهللا فقللد خشللي الللدكتور‬
‫زاهي من مضاعفات أخرى‪ ،‬حضر مرة ومعه شللخص آخللر وعَلّرف بلله‬

‫‪46‬‬

‫ن بمهجعنلا‬
‫على أنه طبيب إخصائي جلدية‪ ،‬وقد أخبرني هلذا الطلبيب أ ّ‬
‫ده يوجد ثلثة وعشرون طبيبا ً من مختلف الختصاصات‪.‬‬
‫َوح َ‬
‫زميلي في الدفعة قاوم الموت أكثر مللن شللهرين‪ ،‬أخللذت صللحته فللي‬
‫نهاية هذه الفترة بالتحسن‪ ،‬أيضا بفضللل عنايللة وسللهر زاهللي‪ ،‬ثللم بللدأ‬
‫يصحو من غيبوبته تدريجيًا‪ ،‬وعندما أصبح بإمكانه تحريللك رأسلله‪ ،‬نظللر‬
‫باتجاهي وفوجيء بي تماما!!‪ ..‬أصيب بالدهشة الشديدة لثللوان قليلللة‪،‬‬
‫حتى أن زاهي الذي كللان بجللانبه‪ ،‬سللأله إذا كللان قللد رأى ديناصللورًا؟!‬
‫ولكنه تململ ولم يجب‪ .‬خلل الشهرين الولين كانت قد نشللأت بعللض‬
‫العلقات بيني وبين بعض السجناء‪ ،‬فعلقتي مع زاهي تعتبر جيدة‪ ،‬لقللد‬
‫جلسنا عدة مرات سوية نتحدث عن السجن والحرية‪ ،‬بثني العديد مللن‬
‫همومه الطبية والعائلية‪ ،‬حتى لقد كشف لي عللن خشلليته مللن تفشللي‬
‫وباء ما داخل السجن‪ ،‬وأمام انعدام الدوية والوسائل الطبيللة فللإن أي‬
‫وباء سيكون قاضيًا‪ ،‬سألته مرة عن تاريخ سللجنه ومجيئه إلللى السللجن‬
‫الصحراوي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ بعد المجزرة مباشرة!!‪.‬‬‫ وأية مجزرة تعني؟!‪.‬‬‫ َولـو يارجل !!! ‪ ...‬معقول ما سمعت بالمجزرة يا أخوي؟‪.‬‬‫ ل والله ‪ ..‬ما سمعت ‪ ..‬أنا ما كنت بالبلد‪ ،‬كنت بفرنسا‪.‬‬‫بعدها سرد علي تفاصيل ما حللدث‪ ،‬أو مللا سللمي بلل "مجللزرة السللجن‬
‫الصحراوي"‪:‬‬
‫ كان في هذا السجن قرابة اللف سللجين إسلللمي‪ ،‬وفلي يلوم‬‫حزيرانللي قللائظ‪ ،‬حطللت طللائرات الهليوكوبللتر محملللة بللالجنود‬
‫الذين يقودهم شللقيق الرئيللس‪ ،‬مللدججين بالسلللحة‪ ،‬نزلللوا مللن‬
‫الطللائرات فللي سللاحات السللجن‪ ،‬دخلللوا علللى السللجناء فللي‬

‫‪47‬‬

‫مهاجعهم وبالرشاشات حصدوهم حصدًا! جمعوا قسما ً منهم في‬
‫الساحات وقضوا عليهم جميعًا‪.‬‬
‫زاهي أتى إلى هذا السجن بعد المجزرة تمامًا‪ ،‬كللانت الللدماء والشللعر‬
‫الدمي ونتف من اللحم والدمغة لزالت لصقة علللى جللدران وأرضللية‬
‫المهجع الذي أدخلوه فيه‪.‬‬
‫يتوقف زاهي قليل ً عن السرد‪ ،‬ينظر عاليا ً خلل الشراقة نظرة ساهمة‬
‫‪ ...‬ويتابع‪:‬‬
‫ رحمهم الله جميعا ً ‪ ...‬الجميع استشهد‪ ،‬كانوا أبطال ً من الرواد‬‫الوائل‪ ،‬عليهم رحمة الله‪ ،‬تصور يا أخوي ‪ ...‬أنلله خلل المجللزرة‬
‫هجم كم واحد من الشباب المسلم علللى العسللاكر المسلللحين‪،‬‬
‫واسللتطاعوا انللتزاع بعللض السلللحة‪ ...‬هللم يعرفللون أنهللم راح‬
‫يموتللون علللى كللل الحللوال‪ ...‬ليللش مللا يقللاومون؟!‪ ..‬وظلللوا‬
‫يقاومون بالسلحة هاي حللتى استشللهدوا أو نفللذت ذخيرتهللم ‪...‬‬
‫كبدوا العساكر خسائر كللبيرة ‪ ...‬عليهللم رحمللة الللله ‪ ...‬الغريللب‬
‫إنك‬

‫ما سمعت بهذي المجزرة‪ ..‬يا أخوي!!‪.‬‬

‫وخلل هذين الشهرين لم يسألني أحد عن ديني‪ ،‬فلم يكن يخطر علللى‬
‫م‪ ،‬خاصللة وأن اسللمي ل يللوحي بللذلك‪،‬‬
‫بال أحدهم أن أكون غيللر مسللل ٍ‬
‫وبعد التجربة التي مررت بها في مركز المخابرات لم أخبر أحدا ً بللذلك‬
‫خاصة أنه سيكون خارج السياق‪.‬‬
‫بعد يومين من دهشة زميلي في الدفعة عندما رآني‪ ،‬كان المهجع كللله‬
‫قد عرف أنني‪:‬‬
‫))نصراني‪ ،‬ملحد‪ ،‬وجاسوس!!((‪.‬‬
‫ة تامة من الجميللع‪ ،‬لللم يعللد أحللد‬
‫ت مقاطع ً‬
‫ظهرت النتائج فورًا‪ .‬قوطع ُ‬
‫منهم يحّييني‪ ،‬إذا قلت لحدهم صباح الخير أشاح بللوجهه إلللى الطللرف‬

‫‪48‬‬

‫ن منهلا أو‬
‫حّييتم بتحي ّللة ف َ‬
‫الخر عكس تعاليم قرآنهم‪" :‬وإذا ُ‬
‫حّيلوا بأحسل َ‬
‫ُرّدوها"‪.‬‬
‫في اليوم الثالث للدهشة‪ ،‬تظاهر زاهي بأنه يريد الكشف على قدمي‪.‬‬
‫قال لي وهو منهمك بفحصها‪:‬‬
‫ أن تكون نصراني‪ ...‬هذا مو مشكلة‪ ،‬أنت ملن أهللل الكتلاب!‪..‬‬‫شغلة أنك تكون جاسوس للنظللام ‪ ....‬هللاي مللاتخرط ل بالعقللل‬
‫ول بالمنطق ‪ ...‬أنت كنت راح تموت بالتعذيب‪ ...‬وهذول الكلب‬
‫ما يقتلون جواسيسللهم!!‪ ...‬بللس قللولي ‪ ...‬صللحيح إنللك أعلنللت‬
‫دام كل الناس بفرع المخابرات إنك ملحد؟!‪.‬‬
‫ق ّ‬
‫ صحيح يا دكتور‪ ...‬ولكني قلتها تخلصا ً من العذاب والسجن‪.‬‬‫ هذا مبرر غير كافي‪ ،‬لكنني أظن أنك رجللل جيللد‪ ،‬لللذلك أقللول‬‫للللك ‪ ...‬خليلللك حلللذر‪...‬انتبللله!! بهلللذا المهجلللع جماعلللة ملللن‬
‫المتشللددين‪ ...‬يفكللرون إنلله مللن واجبهللم قتللل الكفللار "حيثمللا‬
‫وجدوا"‪ ،‬وإنت صار معروف للجميع إنك كللافر!!‪ ...‬وشللغلة ثانيللة‬
‫أرجو إنه ما تحاول تحكي معي‪ ...‬فأنا ل أستطيع أن أكون شللاذا ً‬
‫عن الجماعة!‪.‬‬
‫ شكرا ً يا دكتور‪ ...‬على كل شيء‪.‬‬‫ ل شكر على واجب‪.‬‬‫مضى أسبوع دون حوادث تذكر‪ ،‬وذات يوم خرجت من المرحاض وأنللا‬
‫أعرج‪ ،‬أحاط بي فورا حوالي عشرة أشخاص كلهللم شللباب فللي بدايللة‬
‫العشرينات من عمرهم‪ ...‬صّرت كلمات من بين أسنان أحدهم‪:‬‬
‫ وّقف وََلك ‪ ...‬يا نجس ‪ ..‬يا كافر ‪ ...‬هذي هي نهايتك يا كلب‪.‬‬‫ت مكللاني‪ ،‬ذهلللت‪ ...‬لجللزاء مللن الثانيللة نظللرت إلللى العيللون‬
‫تجمللد ُ‬
‫المحدقة بي‪ ،‬فللائض مللن الحقللد والكراهيللة ينفجللر مللن هللذه العيللون‪،‬‬
‫العزم‪ ..‬الصرار‪.!..‬‬

‫‪49‬‬

‫تضيق الللدائرة حللولي ‪ ...‬استسلللم كلللي‪ ،‬بللل شلللل بللالتفكير‪ .‬طللوال‬
‫ف عن الخوف‪ ،‬الخوف من المخللابرات‪ ،‬الخللوف‬
‫الفترة الماضية لم أك ُ ّ‬
‫من الشرطة العسكرية‪ ،‬الخوف لدى قرقعة المفتاح في باب المهجللع‪،‬‬
‫الخوف من الضلرب والللم والملوت ‪ ...‬أملا الن ‪ ..‬إننلي أرى الملوت‬
‫دق بي من خلل العيللن المحيطللة بللي ‪ !..‬هللل خفللت؟ ‪ ...‬ل أدري‪،‬‬
‫يح ّ‬
‫لقد كنت حجرًا‪ ...‬قطعة خشب مجردة مللن الحاسلليس والمشللاعر‪ ،‬ل‬
‫تفكير‪ ..‬ل رد فعل‪ ...‬جمود كلي‪ ...‬واستسلم تام‪.!!...‬‬
‫ي ثقيل يخيم علللى الفسللحة الصللغيرة أمللام المرحللاض‪،‬‬
‫صم ٌ‬
‫ت رصاص ّ‬
‫وهي مكللان ل يسللتطيع الحللارس علللى السللطح أن يلراه مللن َ‬
‫شلّراقة‬
‫السقف‪ ،‬كان اقترابهم مني بطيئًا‪ ،‬خطللواتهم صللغيرة جللدا ً نحللو مركللز‬
‫ملدوا تعلذيبي عللبر إطالللة عملرِ خللوفي‬
‫الللدائرة اللذي هللو أنللا‪ ،‬هللل تع ّ‬
‫زمللوا‬
‫وفزعي؟!‪ ..‬هل كانوا خائفين من ردود فعلي؟!‪ ..‬هل هللم لللم َيح ِ‬
‫أمَر موتي بعد؟!‪ ..‬لست أدري!‪.‬‬
‫سلَر الصلمت‪ ...‬و ُ‬
‫كسلر محيلط اللدائرة البشلريّ حلولي‪ ،‬قفلز‬
‫فجلأة ك ُ ِ‬
‫ت إلى المحيطين بي وبصللوت‬
‫شخص كبير السن وأحاطني بيديه‪ ،‬التف َ‬
‫ش قال‪:‬‬
‫هادىء أج ّ‬
‫ي!‪.‬‬
‫ من يعتدي على هذا الشخص فقد اعتدى عل ّ‬‫ت المهاجمون‪ ...‬توقفوا‪.‬‬
‫قالها بالفصحى‪ .‬بوِغ َ‬

‫قال أحدهم‪:‬‬

‫ يا شيخ محمود ‪ ...‬يا شيخ محمود‪ ،‬نحن نحترمللك‪ ،‬لكللن ‪ ...‬مللا‬‫إلك علقة بهذا المر!‪ ..‬أنلت شليخ ديلن‪ ،‬ولزم تكلون معنلا فلي‬
‫القضاء على الكفر والكفار!‪.‬‬
‫ ل‪ ...‬لست معكم! قلال اللله تعلالى‪" :‬ول تقتللوا النفلس اللتي‬‫ق"‪.‬‬
‫َ‬
‫ه إل بالح ّ‬
‫حّرم الل ُ‬
‫ لكن‪ ...‬هذا الشخص كافر يا شيخ محمود!‪.‬‬‫‪ -‬الله وحده يعلم ما في النفوس وسرائر القلوب‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫ لكنه نصراني‪ ...‬وجاسوس!‪.‬‬‫ "وجادلهم بالتي هي أحسن"‪ ،‬ول تأخذوا الناس بالشبهات‪.‬‬‫كل الناس بالمهجع يراقبون ما يحدث‪ ،‬ولكن لم يتجمللع حولنللا إل عللدد‬
‫ت أن أكثرهم من أنصار الشيخ محمود‪ ،‬فجأة رأيت الللدكتور‬
‫من ُ‬
‫قليل‪ ،‬خ ّ‬
‫ت إليه الشيخ محمود وقال آمرًا‪:‬‬
‫زاهي إلى جانبي‪ ،‬التف َ‬
‫ يا زاهي ‪ ...‬خود هـ الشخص لمكانه‪.‬‬‫جّرني من كتفي‪ ،‬انفتحت الدائرة حولنللا دون‬
‫سحبني الدكتور زاهي أو َ‬
‫أية ممانعة‪ ،‬أوصلني إلى فراشي وقال لي‪:‬‬
‫ اجلس مكانك ول تحكي أية كلمة!‪.‬‬‫مكان رئيس المهجع إلى جانب الباب حيث يكون جاهزا ً دوما ً عند فتللح‬
‫البللاب لمخاطبللة الشلرطة‪ ،‬وعلللى الطلرف الخلر مللن البللاب وضللعوا‬
‫فراشي بدل ً من الشخص الذي كان يحتله‪ .‬يبدوا أنهم رفضوا أن أكللون‬
‫بينهم‪ ،‬البللاب علللى يسللاري‪ ،‬الشللخص الللذي علللى يمينللي وهللو الجللار‬
‫الوحيد لي أبعد َ فراشه عن فراشي أكثر من ربع مللتر رغللم الكتظللاظ‬
‫حت مقاطعتهم لي تامللة‪ ،‬التهديللد ل زال‬
‫ج أحد‪ .‬أض َ‬
‫والزدحام‪ ،‬ولم يحت ّ‬
‫مسلطًا‪ ،‬جلست على فراشي سللاهما ً أتحاشللى النظللر إلللى أي اتجللاه‬
‫غه ُ‬
‫دد‪ .‬مع اليام بدأت تنمو حولي قوقعة بجدارين‪ :‬جدارٍ صا َ‬
‫ههم‬
‫كر ُ‬
‫مح ّ‬
‫لي )كنت أسبح في بحر مللن الكراهيللة والحقللد والشللمئزاز‪ ،‬وحللاولت‬
‫جاهدا ً أل ّ أغرق في هذا البحر(‪ ،‬والجدار الثاني صاغه خوفي منهم!‪.‬‬
‫صص على المهجللع‬
‫وفتح ُ‬
‫ت نافذة في جدار القوقعة القاسي وبدأت أتل ّ‬
‫من الداخل‪ ،‬وهو المر الوحيد الذي استطعته‪.‬‬
‫‪ 31‬ككانكككون الول‬
‫اليوم عيد رأس السنة‪ ،‬ترى أين تسهر سوزان اليوم؟! "لم أكن منتبها ً‬
‫إلى مسألة التواريخ هذه‪ ،‬فاليلام هنلا كلهلا متشلابهة‪ ،‬ولكنلي سلمعت‬
‫رئيس المهجع يقول ملحظة إلى بعض السللجناء بللأن اليللوم هللو رأس‬

‫‪51‬‬

‫السنة الميلدية وأن غدا ً هو يوم الخميس‪ ،‬ومن حسن الحظ أن هللؤلء‬
‫الظالمين يسهرون ويعربدون ويفسقون في هذا اليللوم حللتى الصللباح‪،‬‬
‫بعلللدها ينلللامون‪ ،‬ومعنلللى ذللللك ان الهليوكوبلللتر للللن تلللأتي غلللدًا‪ ،‬ل‬
‫محاكمات ‪ ...‬ل إعدامات"‪.‬‬
‫بعدها أصغيت للصوات خارج المهجع‪ ،‬يبدو أن بعض عناصللر الشللرطة‬
‫يحتفلون برأس السنة في غرفهم‪" ،‬حفل فللي الجحيللم" خطللر بللذهني‬
‫هذا العنوان‪ ،‬هل هو عنوان فيلللم؟! عنللوان روايللة؟‪ ...‬أو مسللرحية؟ ل‬
‫يهم‪.‬‬
‫سوزان‪ ،‬خلل الشهور الثمانية الماضية كللان حنينللي إليهللا يكللاد يكللون‬
‫وحشيًا!‪.‬‬
‫أهلي‪ ،‬أين هم الن؟ ماذا يفعلون؟ بماذا يفسللرون غيللابي طللوال هللذه‬
‫الفترة؟ ماذا فعلوا ليعرفوا أين أنللا؟‪ ...‬وأيللن ولمللاذا اختفيللت؟‪ ...‬أبللي‬
‫وأمي يعيشان هنا وكانا ينتظران وصولي‪ ...‬أنا لم أصل إلى اللبيت‪ ،‬إذا ً‬
‫أين أنا؟؟ يجب أن يكون هذا تساؤلهما الرئيسي!‪.‬‬
‫أبي ضابط متقاعد وله معارفه‪ ،‬وكذلك خالي فهو يملك بعللض النفللوذ‪،‬‬
‫وبعض القرباء الخرين‪ ،‬لماذا لم يتحركوا حتى الن لنتشالي من هللذا‬
‫الجحيللم؟‪ ...‬ولكللن مللا أدرانللي!! قطعللا ً إن جميعهللم الن يتحركللون‬
‫ويسعون‪ ..‬هذه الفكار أشعرتني ببعض المل!‪.‬‬
‫أحتاج إلى شخص أحادثه عن كل هذه المور‪ ،‬أسأله‪ ،‬أبثه همومي‪.‬‬
‫أنظر حولي فتصدمني الوجوه المغلقة‪ ،‬أكثر من نصف عللام م لّر علللى‬
‫مقاطعتهم لي‪ ،‬فقط بضع كلمات مللن رئيللس المهجللع عنللد الضللرورة‪،‬‬
‫وبضع كلمات من زاهي خلسللة‪ .‬فمللي مطبللق ل يفتللح إل أثنللاء إدخللال‬
‫س أن لساني قد بدأ يصدأ‪ .‬هلل يمكلن للنسلان أن ينسلى‬
‫الطعام‪ .‬أح ّ‬
‫عادةَ الكلم إذا لم يتكلم لفترة طويلة؟‪ .‬يجللب أن أتكلللم حللتى لللو مللع‬
‫نفسي وليقولوا إنني مجنون!!‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫س شيئا ً من أشيائهم‪ ،‬أجسللاَدهم‪ .‬مللرةً كنللت ماشلليا ً‬
‫ل أستطيع أن ألم َ‬
‫باتجللاه المغاسللل فاصللطدمت يللدي بيللد واحللد منهللم كللان عللائدا ً مللن‬
‫المغاسل‪ ،‬رجع واغتسل ليتطهر‪ .‬إذا استخدمت حنفية المللاء فللإن مللن‬
‫يأتي بعدي يغسلها بالصابون سبع مرات‪ ،‬لنني ببساطة "نجس"‪ .‬مللرةً‬
‫ت واحدا ً يقول للخر بلأنه ل يكفلي أن يغسلل الحنفيلة بالصلابون‬
‫سمع ُ‬
‫سبع مرات‪ ،‬إنملا يجللب أن يكلون للدينا بعلض اللتراب‪ ...‬لن الرسللول‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪:‬‬
‫سبعَ مرات إحداها بالتراب"‪.‬‬
‫ب أح ِ‬
‫"إذا وَل َغَ كل ُ‬
‫دكم في إناء‪ ،‬فليغسله َ‬
‫من يقوم بتوزيع الطعام يضع الطعام لللي أملام فراشللي ويتحاشللى أن‬
‫ي‪ ،‬كانوا يتكتمون أمللامي! ولكللن رغللم ذلللك‬
‫يلمس بطانيتي أو ينظر إل ّ‬
‫اسللتطعت أن أعللرف الكللثير عللن حيللاتهم الداخليللة ووسللائل عيشللهم‬
‫وأساليبهم داخل السجن‪.‬‬

‫الككصكككلة‬
‫الصلة ممنوعة منعا ً باتا ً بأوامر مدير السجن‪ .‬عقوبة ملن يقبلض عليلله‬
‫وتللون‬
‫متلبسا ً بجرم الصلة هي "الموت"‪ ،‬رغم ذلك فإنهم لم يكونوا يف ّ‬
‫ول صلة واحدة‪ .‬صلة الخللوف‪ ..‬يوجللد شلليء مللن هللذا فللي السلللم‪،‬‬
‫ولكن هنا طوروها بحيث أن النسان يصلي وهو جللالس فللي مكللانه أو‬
‫في أي وضعية أخرى‪ ،‬دون ركوع أو سجود‪ .‬إدارة السجن عرفللت هللذا‬
‫أيضًا‪ ،‬ويتناقلون حديثا ً لمدير السجن قللاله أمللام السللجناء الشلليوعيين‪،‬‬
‫ودائما ً حديث مدير السجن أشبه مللا يكللون بالمحاضللرات أو الخطللب‪،‬‬
‫خاطب الشيوعيين قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ هؤلء الكلب ‪ ...‬الخوان المسلللمون‪ ،‬البارحللة فقللط أمضلليت‬‫أكثر من نصف ساعة وأنا أشرح لهم وأفهمهلم أن القوميلة أهلم‬
‫من الدين‪ ،‬ولكن هلل تتصلورون أنهلم اليلوم علادوا يصلّلون؟!!!‬

‫‪53‬‬

‫عجيللب أمللر هللؤلء النللاس!! لمللاذا ذهنهللم مغلللق إلللى هللذه‬
‫الدرجة؟!‪.‬‬

‫التككصككككال‬
‫جميع المهاجع ملتصقة ببعضها‪ ،‬كل مهجع ملتصق بمهجعين آخرين من‬
‫اليمين واليسار‪ ،‬وأحيانا ً من الخلف أيضًا‪ ،‬وهذا المر سّهل التصال بين‬
‫السجناء كثيرًا‪ ،‬ويكون ذلك بالدقّ على الحائط حسب طريقة مللورس‪،‬‬
‫دقة على الحائط ‪ ...‬دقتان ‪ ...‬دقة قوية ودقللة ضللعيفة‪ ...‬نفللس رمللوز‬
‫البرقيات التي ترسل وفق طريقة مورس‪.‬‬
‫مللن مللات‪ ،‬عللدد الللذين‬
‫كل ما يجري داخل السجن‪ ،‬الللدفعات الجديللدة‪َ ،‬‬
‫أعدموا وأسماؤهم‪ ،‬الخبار خارج السللجن والللتي ينقلهللا السللجناء الللذين‬
‫جاؤوا حديثًا‪ ،‬كللل هللذه الشللياء كللانت تنتقللل عللبر المهللاجع وفللق رمللوز‬
‫المورس‪ ،‬وفي كل مهجع مجموعة مخصصة لتلقي وإرسال تلك الرموز‪،‬‬
‫تقف خلفهم مجموعة الحفظة‪.‬‬
‫بدأ الحفظ منذ بداية "المحنللة" كمللا يسللميها السلللميون‪ ،‬كللان الشلليوخ‬
‫ت القرآن على مجموعللة مللن الشللباب‪،‬‬
‫الكبار يجلسون ويتلون سوَر وآيا ِ‬
‫وهؤلء يظلون يكررونها حتى يحفظوها‪ ،‬وهكذا تولدت آلية الحفظ هللذه‪،‬‬
‫لم يبق أحد في المهجع إل وحفظ القرآن من أول حرف إلى آخر حرف‪،‬‬
‫ه‬
‫ومع كل دفعة جديدة كانت تبدأ دورة جديدة‪ ،‬ولحقا ً تطللور المللر باتجللا ٍ‬
‫آخر‪ ،‬يتم انتقاء مجموعة من الشباب صغار السن يحفظون إضللافة الللى‬
‫القرآن وأحاديث النبي محمد‪ ،‬ما يمكن تسميته بسج ّ‬
‫ل السللجن‪ ،‬أسللماء‬
‫كل من دخل هذا السجن من أعضاء الحركات السلللمية‪" .‬فللي مهجعنللا‬
‫ف‪ :‬اسم‬
‫مل ّ‬
‫شاب لم يبلغ العشرين من عمره‪ ،‬يحفظ أكثر من ثلثة آلف ِ‬
‫السللجين‪ ،‬اسللم مللدينته أو بلللدته‪ ،‬قريتلله‪ ،‬تاريللخ دخللوله السللجن ‪...‬‬
‫مون كلل ّ‬
‫ل مللن‬
‫مصيره!!"‪ .‬بعضهم متخصص بالعدامات والقتل‪ ،‬وهم يس ّ‬

‫‪54‬‬

‫دم في السجن شهيدًا‪ ،‬وهذا سللج ّ‬
‫ل الشللهداء‪ .‬أيضلا ً يحفظللون‬
‫ُيقتل أو ُيع َ‬
‫السم‪ ،‬عنوان الهل‪ ،‬تاريخ العدام أو القتل‪.‬‬
‫ت بهلذه الطريقلة وأخلذت أدرب نفسلي عليهلا‪ ،‬وبعلد أن امتلكلت‬
‫جبل ُ‬
‫أع ِ‬
‫القدرة الكافية قررت كتابة هذه اليوميات‪ ،‬أكتب الجملة ذهنيًا‪ ،‬أكررها‪...‬‬
‫أحفظها‪ ،‬أكتب الثانية‪ ...‬أحفظها‪ ،‬في آخر اليوم أكون قد كتبت وحفظلت‬
‫أهم أحداث اليوم‪ ،‬واكتشفت أنها طريقللة جيللدة لشللحذ الللذهن وتمضللية‬
‫الوقت الطويل في السجن‪ ،‬وفي صباح اليوم التالي أتلو كل مللا حفظتلله‬
‫البارحة‪.‬‬
‫عرفللت لحقللا أن مللا حفللظ حيللاتي هللو أنهللم ليسللوا مجموعللة واحللدة‪،‬‬
‫ي بللالموت‪ ،‬يوجللد التنظيللم‬
‫فبالضللافة للمتشللددين الللذين حكمللوا عللل ّ‬
‫السياسللي وهللو تنظيللم لللم يحمللل السلللح ولللم يشللارك بالعمليللات‬
‫العسكرية‪ ،‬وهناك جماعة حزب التحرير السلمي وهم جماعللة مسللالمة‬
‫ومنهللم الشلليخ محمللود وزاهللي اللللذان أنقللذا حيللاتي‪ ،‬وكللذلك جماعللات‬
‫الصوفية وهي كثيرة ومتشللعبة‪ ...‬وغيرهللم‪ .‬هللذه المجموعللات بقللدر مللا‬
‫كانت تبدو متماثلة ومتشابهة‪ ،‬يختلف بعضها عن بعضها الخر إلللى درجللة‬
‫أن هللذه الخلفللات كللانت تصللل إلللى حللد التكفيللر‪ ،‬إلللى حللد الصللطدام‬
‫والشتباك باليدي والضرب المبرح دون رحمة أو شفقة‪.‬‬
‫هم قساة إلى درجة أن بعض أعضللاء الجماعللة المتشللددة كللانوا يللروون‬
‫كيللف أنهللم أنهَللوا تللدريبهم العسللكري ببيللان عملللي قتلللوا خلللله بعللض‬
‫"الزّبالين" في الصباح الباكر أثناء قيام هللؤلء بتنظيللف الشللوراع‪ ،‬وكللان‬
‫هذا مجرد تدريب أو "عمادة بالدم"‪ .‬هؤلء أنفسهم يتحولون إلى كائنللات‬
‫في منتهى الرقة ويبكون عندما يروي قادم جديللد أن أجهللزة المخللابرات‬
‫كانت تعذب طفل ً صغيرا ً أمام والده أو والدته لجبارهم علللى العللتراف‪،‬‬
‫أو كيف تم اغتصاب إحدى الفتيات أمام والللدها لهللانته وإذلللله وإجبللاره‬
‫على الدلء بما يملك من معلومات‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫ة لللدى فلرق‬
‫شجاعتهم أسطورية في مواجهة التعللذيب والمللوت‪ ،‬وخاصل ً‬
‫الفدائيين‪ ،‬وقد رأيت أناسا ً منهم كانوا يفرحون فرحا ً حقيقيا ً وهم ذاهبون‬
‫للعدام‪ .‬ل أعتقد أن مثل هذه الشجاعة يمكن أن توجد فللي مكللان آخللر‬
‫أو لدى مجموعة بشرية أخرى‪.‬‬
‫جبن أيضًا‪ ،‬ولكن الجبن ل يلفت النظر بقدر الشجاعة‪.‬‬
‫هناك الكثير من ال ُ‬
‫ففي ظل هذا الوضع يبدو الجبن والخوف طبيعيين والشجاعة اسللتثنائية‪.‬‬
‫ولكن هنا عندما يكون الجبن مبالغا ً فيه يعزى إلى قلة اليمان بالله‪.‬‬
‫صص‪ ،‬أراقب‪،‬‬
‫س داخل قوقعتي‪ ....‬أتل ّ‬
‫ل قوقعتها‪ ،‬أجل ُ‬
‫ست بالخطر وانسحَبت داخ َ‬
‫حّ‬
‫"كسلحفاٍة أ َ‬
‫أسجّـل‪ ،‬وأنتظر فرجًا"‪.‬‬
‫‪ 31‬آب‬
‫صيفان وشتاء واحد مّروا وأنا هنا وسط هذه الصلحراء المتراميللة‪ ،‬هنلا ل‬
‫توجد فصول أربعة‪ ،‬فقلط فصللن‪ ،‬صليف وشلتاء‪ ،‬ول نلدري أيهملا أشلد‬
‫س‬
‫قسوة من الخر‪ ،‬في الصيف يبدو الشللتاء رحيم لًا‪ ،‬وأثنللاء الشللتاء ن ُ ِ‬
‫حل ّ‬
‫العكس‪.‬‬
‫نحن الن في عّز الصلليف‪ .‬الجلو لهلب‪ ،‬ل يوجلد هللواء لنتنفسله‪ ،‬الهلواء‬
‫ثقيل جدا ً بحيث نحتاج إلى جهد كبير لستنشاقه إلى داخل الرئتين‪ ،‬وهذا‬
‫ل‪ ،‬سمعت بعضللهم ممللن يعللرف المنطقللة سللابقا ً‬
‫يجعل عَرقنا يسيل سي ً‬
‫يقول‪ :‬إن درجة الحرارة قد تصل الخمسين أو حتى الستين درجة مئويللة‬
‫في الخارج‪ ،‬وفي الظل داخل المهجع ل تقل عن الخمسة وأربعين درجة‬
‫ف أحدهم‪:‬‬
‫مئوية‪ ،‬تأفّ َ‬
‫ العمى ‪ ...‬شو نحن مسجونين بفرن!!‪.‬‬‫ضوا اختناقًا‪ ،‬رئيس المهجع يدق الباب ويخبر الشرطة‬
‫بعض كبار السن ق َ‬
‫بموت أحدهم‪ ،‬يفتحون الباب‪ ،‬ويبللدو صللوت الشللرطي سللائل ً مللن شللدة‬
‫الحرارة‪:‬‬
‫‪ -‬وين هادا الفطسان؟‪ ...‬يـ الله ‪ِ ...‬زتـوه لب َّره‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫يحتللال رئيللس المهجللع لبقللاء بعللض أوانللي الطعللام البلسللتيكية داخللل‬
‫المهجع‪ ،‬ومنذ الصباح الباكر وقبل استيقاظ الناس تقوم الخدمة اليوميللة‬
‫بملء الواني بالملاء‪ ،‬جميللع السلجناء بالسللراويل الداخليلة اللتي تغطلي‬
‫"العورة" فقط‪ ،‬من السرة إلى الركبة‪ ،‬يدخل أربعة سجناء إلى الفسلحة‬
‫الصغيرة أمام المراحيض‪ ،‬يقوم أربعة من عناصر الخدمة اليومية "وهذه‬
‫الخدمة منظمة دوريا ً من السللجناء أنفسللهم‪ ،‬أنللا معفللى مللن كللل أنللواع‬
‫الخدمة!" بصب الماء على رؤوس وأجساد الربعة‪ ،‬ويخرج هؤلء سللريعا ً‬
‫والماء يقطر منهم‪ ،‬يدخل أربعة غيرهم‪ ...‬وهكذا‪.‬‬
‫ستة بطانيات مبللة بالماء‪ ،‬كل بطانية يمسكها اثنان من الخدمة‪ ،‬يقفون‬
‫علللى مسللافات متسللاوية داخللل المهجللع‪ ،‬يهللزون البطانيللات جاعلينهللا‬
‫كمراوح لتحريك الهواء وترطيب الجو‪ ،‬هذا هو اليوم الصيفي العادي‪.‬‬
‫أما اليوم الشتائي فهو يوم منكمش‪ ،‬ثياب الجميع قد اهللترأت ول يمكللن‬
‫أن تقي من البرد الصحراوي الحاد الذي ينخر العظام ويجملد المفاصللل‪،‬‬
‫ثلثلة بطانيلات تعلاقبت عليهلا اليلام واسلتخدمها قبلللي مئات السللجناء‪،‬‬
‫ألبس "ِبدلتي" الباريسية النيقة‪ ،‬السترة والبنطللال‪ ،‬وكللان الشللرطة قللد‬
‫صادروا "الكرافات"‪ ،‬سترة "الِبدلة" ل زالللت بحالللة جيلدة‪ ،‬أملا البنطلال‬
‫فقد اهترأ عند الركبللتين وفللي المللؤخرة‪ ،‬السللحاب قلد خللرب وتقطعللت‬
‫الزرار‪ ،‬ألبسه ليل ً نهارا ً وعلى مدار اليام‪ ،‬وقد َنسلت بعض الخيوط من‬
‫البطانية وجدلتها وجعلتها حزاما ً أثبت فيه فتحة البنطال بللدل ً مللن الزرار‬
‫حاب )شاهدت غيري يفعل هذا ففعلت(‪ .‬هنا ل يوجد خيطان أو إبللر‬
‫والس ّ‬
‫خياطة‪ ،‬أصبح لدي سروالن داخليان‪ ،‬أحد القادمين الجللدد إلللى المهجللع‬
‫كللان أهللله أغنيللاء جللدًا‪ ،‬وقللد اسللتطاعوا زيللارته أثنللاء وجللوده فللي فللرع‬
‫المخابرات بعد أن دفعوا ما يوازي ثلروة صلغيرة‪ ،‬كرشلوة إللى الضلابط‬
‫المسؤول‪ ،‬وهناك من نصحهم بأن يأخذوا لبنهم الكثير من الثياب‪ ،‬جلللب‬

‫‪57‬‬

‫معه أكثر من مائة غيار داخلي‪ ،‬كان نصيبي منها سروال ً داخليًا‪ ،‬أعطللاني‬
‫إياه رئيس المهجع‪:‬‬
‫ خود هذا ‪ ....‬مشان يكون عندك بدل!‪.‬‬‫البرد الصحراوي أقسى من أي بللرد آخللر‪ ،‬عشللت أياملا ً بللاردة جللدا ً فللي‬
‫فرنسا كانت الحرارة تص ُ‬
‫ل فيها إلى ما تحللت الصللفر‪ ،‬ولكللن ذلللك الللبرد‬
‫يبدو بردا ً مهذبًا‪ ،‬بينما البرد هنا وقح صفيق!‪.‬‬
‫أما مشكلة القمل فتكللون أصللعب فلي اليللوم الشللتائي‪ ،‬فل حل ّ‬
‫ل للقمللل‬
‫المنتشر بكثافة في جميع المهاجع إل أن تجلس وتخلللع كللل ثيابللك وتبللدأ‬
‫بالتفتيش عنه في ثنايا الثياب‪ ،‬الجميع هنا يفعل ذلك وفعللت مثلهلم بعلد‬
‫ج الصوت الذي يخرجونه من‬
‫أن هرش جلدي‪ ،‬ولكنني لم أستطع أن أخرِ َ‬
‫بين أسنانهم "تسه" كلما فقسوا قملة بين ظفري البهامين!!‪.‬‬
‫كل يوم بعد وجبة الفطار يخلع الجميع ثيابهم ويبدؤون "تـفلِلليـتـها" بحثا ً‬
‫عن القمل‪ ،‬وأنا أيضا ً أمسك القملة وأهرسها بين الظفريللن‪ ،‬كللان وجللود‬
‫القمل بهذه الكثافة محيرًا‪ ،‬تساءل أحدهم بغضب‪:‬‬
‫ العمى منين عم يجي كل هـ القمل؟!‪ ..‬كل يللوم ننظللف ثيابنللا‬‫منه‪ ،‬كل يوم نتوضأ خمس مرات‪ ،‬على الغلب نغسللل كللل يللوم‬
‫جسمنا بالماء البارد والصللابون‪ ،‬نغسللل ثيابنللا‪ ،‬نغسللل بطانياتنللا‪،‬‬
‫وباليوم الثاني نشوف القمل أكثر ‪ ...‬وأكثر!!‪ ..‬العمى‪ ...‬في حدا‬
‫عم يرش المهاجع بالقمل؟!!‪.‬‬
‫‪ 10‬أيككلككول‬
‫لول مرة يدور في المهجع نقاش خارج عما هو موجود في القققرآن أو السققنة النبويققة‪ ،‬نقققاش‬
‫طويققل شققارك فيققه أكققثر مققن عشققرة أشققخاص بينهققم اثنققان مققن المشققلولين‪" ،‬كققل النقاشققات‪،‬‬
‫الحوارات‪ ،‬حتى الشجارات ‪ ...‬تتم بصوت منخفض خشية أن تسمع الشرطة"‪ .‬وكان موضققوع‬
‫الحوار هو الحضارة السلمية والحضارة الغربيقة‪ ،‬بقدأ هقذا النققاش طقبيب دارس فقي أوربقا‬

‫‪58‬‬

‫ل وانتهققى‬
‫بملحظة سريعة أبداها حول الحرية وُمُثل الديمقراطية الغربية‪ ،‬استمر النقاش طققوي ً‬
‫بقول أحد المشلولين‪:‬‬
‫ تقول الحضارة الغربية!‪ ...‬انظر يا أخي حولك‪ ،‬أنققا مشققلول بالكرسققي اللمققاني‪،‬‬‫وهذا محمد علي مشلول أيضقًا برصاصققة اسققتقرت بعمققوده الفقققري مصققنوعة فققي‬
‫ي مكتوب عليها "صققنع فققي‬
‫روسيا‪ ،‬هذا السجن َبَنْتُه فرنسا‪ ،‬القيود التي كبلوا بها يد ّ‬
‫إسبانيا"‪ ،‬الضابط الذي اعتقلني يحمل مسدسًا بلجيكيًا‪ ،‬الضباط الذين يشققرفون علققى‬
‫التحقيق والتعذيب تدربوا في أمريكا وبريطانيقا وروسقيا‪ ...‬هقذه منتجقات الحضقارة‬
‫الغربية‪ ،‬وإذا أضفت إلى كل هذا الكققثير مققن الفسققق والفجققور والنحلل الخلقققي‬
‫سدة أمامك‪.‬‬
‫تكون الحضارة الغربية مج ّ‬
‫ل تحته‪ ،‬لكنه ل يريققد التسققليم بحجققج الخصققم‪،‬‬
‫ب وبلهجة من يوّد إنهاء نقاش ل طائ َ‬
‫ت َتِع ٍ‬
‫بصو ٍ‬
‫رّد الطبيب‪:‬‬
‫ إن في هذا الكقثير مقن التجنقي والجققتزاء‪ ،‬أنقا ل أققول أن نقلققد الغقرب أو نأخققذ‬‫سلبياتهم‪ ،‬في الغرب أيضًا العلوم والطب وتطور الزراعة والصناعة ‪ ...‬وفققوق كققل‬
‫هذا وأهم من كل شيء ‪ ...‬هو أن لقديهم إنسقانًا حققرًا ومحترمقًا‪ ،‬إذا أردنقا أن نتققدم‪،‬‬
‫علينا أن نتعلم منهم الكثير وخاصة احترام النسان واحترام حريته‪ ،‬وهذا ليس عيبًا‪.‬‬
‫‪ 25‬ككانككككون الول‬
‫جافاني النوم‪ .‬الساعة السادسة مقددت البطانيقة كالعقادة وتمقددت‪ .‬الواحقدة بعقد منتصقف الليقل‬
‫جنققوبي‪ ،‬جلسققت ولففققت نفسققي بالبطانيققات‪ ،‬خمققس دقققائق‬
‫مللققت الضققطجاع بعققد أن آلمتنققي ُ‬
‫وصوت الحارس من خلل الشّراقة‪:‬‬
‫ يا رئيس المهجع ‪ ..‬يا حمار‪.‬‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ عَّلملي هـ التيس القاعد جنبك‪.‬‬‫ حاضر سيدي‪.‬‬‫لقد "عَّلمني"‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫تمددت فورًا‪ ،‬غدا ً صللباحا ً سلليكون فطللوري خمسللمائة جلللدة بقشللاط‬
‫مي التي أصيبت شفيت تمام لًا‪ ،‬مللع‬
‫ي!‪ .‬إن قد ِ‬
‫مروحة الدبابة على قدم ّ‬
‫فها أكللثر مللن‬
‫دب طويل‪ ،‬ولكنها كانت تؤلمني دائما ً في أيام البرد فأل ّ‬
‫نَ ْ‬
‫غيرهللا‪ ،‬كنللت أحلللم بللزوج مللن الجللوارب الصللوفية!‪ ..‬أحللد أحلمللي‬
‫الصللغيرة‪ .‬مللاذا سلليكون مصللير هللذه القللدم المسللكينة عنللدما تتلقللى‬
‫خمسمائة جلدة؟ لم أستطع النللوم حللتى الصللباح‪ .‬وعنللدما فتللح البللاب‬
‫م تعليمهللم‪،‬‬
‫وصاح الشرطي برئيس المهجع لُيخرِ َ‬
‫ج الشخاص الللذين ت ل ّ‬
‫ت واقفًا‪ ،‬ولكن رئيس المهجع بسرعة قال‪:‬‬
‫قفز ُ‬
‫ مكانك‪ ،‬ل تتحرك‪ ،‬واحد من الشباب طلع بدل ً منك‪.‬‬‫هلت‪ ،‬واحد من الفدائيين‪ ،‬واحللد مللن المتشللددين الللذين حللاولوا قتلللي‬
‫ذُ ِ‬
‫لنني كافر يفديني الن بنفسه ويتلقى عني خمسمائة جلدة!!‪ ..‬منذ سنة‬
‫ونصف تقريبا ً لم أنطق ول كلمة‪ ،‬جلست مكاني وأنللا أنظللر إلللى رئيللس‬
‫جت كلمتان من فمي ل إراديًا‪:‬‬
‫المهجع بذهول‪ ،‬خر َ‬
‫ لكن ‪ ...‬ليش؟‪.‬‬‫ن اسللكت‪ ،‬إشللارةً فيهللا‬
‫لم يجب رئيس المهجع بشيء‪ ،‬أشار لللي بيللده أ ِ‬
‫الكثير من الحتقار والشمئزاز!!‪.‬‬
‫جل ِللدوا‪ .‬بعللد وجبللة الجلللد يعللودون ركض لا ً علللى‬
‫عللاد الشللخاص الللذين ُ‬
‫السفلت الخشن وهم حفاة‪ ،‬أكثر من واحد منهللم رمقنللي بطللرف عينلله‬
‫بنظرة ازدراء وحقد!!‪ ..‬إذا ً لماذا؟؟‪.‬‬
‫ت زمنلا ً طللويل ً حللتى اسللتطعت التوصللل إلللى تخميللن‪ :‬بمللا أننللي‬
‫"احتجل ُ‬
‫جاسوس فإنهم كللانوا حريصللين جللدا ً أل ّ أحتل ّ‬
‫ك بعناصللر الشللرطة كللي ل‬
‫أمارس جاسوسيتي!!"‪.‬‬
‫سه كان دوُر مهجعنا بالتنفس‪.‬‬
‫في اليوم نف ِ‬

‫الكتكنفككس‬
‫‪60‬‬

‫في السجون )الخرى( التنفس هو حّيز زمنللي يخللرج فيلله السللجين مللن‬
‫ة‬
‫مهجعه إلى ساحة هواؤهلا نقلي‪ ،‬بهلا بعلض الملعلب فيلترّيض‪ ،‬معّرضل ً‬
‫للشمس فيتشمس‪ ...‬يأخذ حاجته من الهواء والشمس والحركة‪.‬‬
‫هنا ‪ ...‬قبل التنفس يكون السجناء في المهجع قللد انتظمللوا فللي طللابور‬
‫متلوٍ بعضهم خلف بعض‪ ،‬تفتح الشرطة الباب‪ ،‬يخللرج الطللابور بخطللوات‬
‫بطيئة‪ ،‬الرؤوس من ّ‬
‫كسة إلى السفل‪ ،‬العيون مغمضة‪ ،‬كل سجين يمسك‬
‫بثيللاب الللذي أمللامه‪ ،‬عناصللر الشللرطة والبلللديات يحيطللون بالسللاحة‬
‫وينتشرون بها بكثافة‪ ،‬يسير الطابور سيرا ً بطيئا ً أو سللريعا ً حسللب مللزاج‬
‫وإرادة الرقيب‪.‬‬
‫الثنين والخميس يومان مختلفان عن بقية أيام السبوع هنللا‪ .‬فللي هللذين‬
‫اليومين تتم العدامات‪ ،‬لذلك عندما نخرج للتنفللس فللي هللذين اليللومين‬
‫تكون كمية التعذيب والضرب أكثر من غيرهما من اليام‪ ،‬وفللي التنفللس‬
‫يكون الضرب غالبا ً على الرأس‪:‬‬
‫ وَْل كلب‪ ...‬ليش عم ترفع راسك؟!‪.‬‬‫ويهوي الكرباج على الرأس‪.‬‬
‫ ولك ابللن الشللرموطة!!‪ ..‬ليللش عللم تفتللح عيونللك مللن تحللت‬‫لتحت؟!!‪.‬‬
‫ويهوي الكرباج على الرأس‪.‬‬
‫في الصيف يكون التعللذيب أقل ّ‬
‫ل‪ .‬حللرارة الشللمس الللتي تثقللب رؤوسللنا‬
‫تجعل عناصر الشرطة في حالة تكاسل وعدم ميل للحركة‪ ،‬فللي الشللتاء‬
‫يشتد ّ التعذيب‪.‬‬
‫أحيانا ً وبينما الطابور يدور يتجمع بعللض عناصللر الشللرطة حللول الرقبللاء‪،‬‬
‫جهللم فجللأة أمي َل َ‬
‫ل للتس لّلي بنللا‪،‬‬
‫تدور بينهم أحاديث ل نسمعها‪ ،‬يصبح مزا ُ‬
‫يصرخ الرقيب‪:‬‬

‫‪61‬‬

‫ وَْل حقير‪ ...‬إنت إنت يا طويللل‪ ...‬أطللول واحللد بالصللف‪ ،‬تعللال‬‫هون‪...‬‬
‫يركض أحد البلديات ويجلّر أطللول واحللد بيننللا‪ ،‬طللوله أكللثر مللن مللترين‪،‬‬
‫الرقيب جالس على كتلة إسمنتية أشبه بالكرسي‪ ،‬يضع ِرجل ً على ِرجل‪،‬‬
‫جع رأسه إلى الوراء والعلى‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫يشد ّ صدره‪ُ ،‬ير ِ‬
‫ وَْل حقير ‪ ..‬إنت بني آدم ول ّ زرافة؟‪.‬‬‫يضحك المتجمعون حوله بصخب‪ ،‬يتابع الرقيب‪:‬‬
‫ وهّلق ‪ ...‬اركلض حللول السلاحة خمللس دورات وطلالع صللوت‬‫متل صوت الزرافة‪ ...‬يـ الله بسرعة‪.‬‬
‫يركض السجين ويصدر أصواتًا‪ ،‬ل أحد يعللرف كيللف هللو صللوت الزرافللة‪،‬‬
‫أعتقد حتى ول الرقيب نفسه‪ ،‬يدور السجين خمس مرات‪ ،‬يتوقف‪ ،‬يقول‬
‫الرقيب‪:‬‬
‫ وَْل حقير ‪ ...‬هّلق بدك تنهق متل الحمار!‪.‬‬‫ينهق السجين الطويل‪ .‬تضحك الشرطة‪.‬‬
‫ وَْل حقير‪ ...‬هلق بدك تعوي متل الكلب!‪.‬‬‫يعوي السجين الطويللل‪ .‬تضللحك الشللرطة‪ .‬يضللحك الرقيللب وهللو يهللتز‪،‬‬
‫يقول‪:‬‬
‫ وَْل حقيللر‪ ...‬إي ‪ ...‬إي ‪ ...‬هلاي ناجحللة وكويسلله ‪ ...‬إنلت متلل‬‫الكلب فع ً‬
‫ل‪.‬‬
‫س الللرؤوس ومغمللض‬
‫ثللم يلتفللت إلللى رتللل السللجناء الللذي يسللير منك ّل َ‬
‫العينين‪ ،‬يصيح‪:‬‬
‫ ول حقير‪ ...‬إنت إنت‪ ...‬أقصر واحد بالصف ‪ ،‬تعال هون‪.‬‬‫يركض أحد البلديات‪ ،‬يجلّر أقصللر واحللد بالرتللل‪ .‬شللاب صللغير ل يتجللاوز‬
‫سع ْ‬
‫شَرةَ سنة‪ ،‬طوله أكللثر قليل ً مللن المللتر والنصللف‪ ،‬يقللف أمللام‬
‫الخم َ‬
‫الرقيب الذي يضحك ويقول‪:‬‬

‫‪62‬‬

‫م ّ‬
‫دام هـ الكلب الطويل‪.‬‬
‫ وَْل حقير‪ ...‬يا ْز ِ‬‫ك ‪ ...‬وقف قِ ّ‬
‫يقف السجين القصير أمام السجين الطويل‪ ،‬يصرخ الرقيب‪:‬‬
‫هلل الكلللب‬
‫ وَْل حقير ‪ ...‬يا طويللل ‪ ...‬هلللق بلدك تعلوي وتعلض َ‬‫يّلي قدامك وبلدك تشلليل قطعللة ملن كتفله‪ ،‬وإذا ملا شلللت هـل‬
‫القطعة ‪ ...‬ألف كرباج‪.‬‬
‫يعوي الطويل ثلث أو أربع مرات متواصلة‪ ،‬يتقدم مللن القصللير وينحنللي‬
‫مطبقا ً بفكيه على كتف القصير الذي يصرخ ألما ً ويتملص من العضة‪.‬‬
‫ وَْل حقيللر‪ ...‬يللا طويللل‪ ...‬ويللن قطعللة اللحللم؟ يللا شللرطة ‪...‬‬‫ناولوه‪.‬‬
‫ينهال رجال الشرطة بكرابيجهم ضربا ً على الطويل‪ ،‬يسقط على ركبتيه‪،‬‬
‫ث ‪ ...‬يترّنح ‪ ...‬يصرخ الرقيب‪:‬‬
‫يتساوى بالطول مع القصير وهو جا ٍ‬
‫ بس ‪) ...‬تتوقف الشرطة عن الضرب( ‪ ...‬وَْل حقير ‪ ...‬طويل‬‫‪ ...‬قوم وّقف‪.‬‬
‫يقف الطويل‪.‬‬
‫ وَْل حقير‪ ...‬قصير‪ ...‬وّقف وراءه‪.‬‬‫جع القصير إلى خلف الطويل‪.‬‬
‫َير ِ‬
‫ وهلق ‪ ...‬إنتو الثنين اشلحوا تيابكم‪.‬‬‫يخلع الثنان ثيابهما ويبقيان بالسراويل‪.‬‬
‫ وَْل حقير قصير‪ ...‬نّزل سرواله‪.‬‬‫ينزل القصير سروال الطويل إلى حد الركبتين‪.‬‬
‫ ونّزل سروالك كمان‪.‬‬‫ينزل القصير سرواله أيضًا‪.‬‬
‫ وهلق ‪ ...‬قَّرب نيكه ‪ ...‬اعمل فيه متل ما بتعملوا ببعضكم كل‬‫ليلة يا منايك‪ ...‬يـ الله قرب نيكه‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫يتلكللأ القصللير‪ ،‬تتشللنج إليتللا الطويللل‪ ،‬يشللير الرقيللب إلللى أحللد عناصللر‬
‫الشرطة‪ ،‬يقللترب هللذا ويهللوي بالكربللاج علللى ظهللر القصللير ‪ ...‬يلتصللق‬
‫القصير بالطويل من الخلف‪ ،‬يهتز الطويل‪ ،‬عضو القصير المتدلي بالكللاد‬
‫يصللل فللوق مسللتوى ركبللتي الطويللل‪ ،‬يضللحك الرقيللب وبللاقي عناصللر‬
‫الشرطة‪.‬‬
‫الرتل يسير‪ .‬الرؤوس منكسة‪ ،‬العيون مغمضلة‪ ،‬رغلم ذللك‪ ،‬الكل ّ‬
‫ل يلرى‪،‬‬
‫الك ّ‬
‫ل يسمع‪ ....‬وترتفع بيادر الحقد والذل‪.‬‬
‫يطلللب الرقيللب تبللديل المواقلع‪ ،‬يصللبح الطويللل خلللف القصللير‪ ،‬عضللوه‬
‫المرتخي والمنكمش في منتصف ظهر القصير‪ ...‬يستمر الضحك ‪...‬‬
‫الرتل يسير‪ ،‬الرؤوس منكسة‪ ،‬العيون مغمضة‪.‬‬
‫س آخللر‪ ،‬يللوم آخللر‪ ،‬رقيللب آخللر‪ ،‬شللرطة آخللرون‪ ،‬بلللديات آخللرون‪،‬‬
‫تن ّ‬
‫فل ٌ‬
‫ل‪ ،‬نقصوا قلي ً‬
‫السجناء أنفسهم ‪ ..‬زادوا قلي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫يجلس الرقيب على الكتلة السمنتية ذاِتها‪ ،‬يضع ِرجل ً على رجللل‪ ،‬يصلليح‬
‫وهو ينظر إلى الرتل الذي يسير برؤوس منكسة وعيون مغمضة‪:‬‬
‫ جيبوا لي هـ البغل ‪ ...‬السمين‪.‬‬‫ي بدين‪ ،‬يعرف الرقيب منه اسمه واسللم مللدينته‪ ،‬كللم‬
‫يأتون برجل أربعين ّ‬
‫أمضى في السجن ‪ ...‬وتفاصي َ‬
‫ل أخرى‪ ،‬ثم يسأله‪:‬‬
‫ أنت متزوج ول ّ أعزب؟‪.‬‬‫ متزوج سيدي‪.‬‬‫قل ّللك‪،‬‬
‫ أنت بتعرف شو عم تساوي زوجتك هلللق ‪ ...‬وَْل ‪ ...‬أنللا ب ُ‬‫م تشرمط‪ ،‬إنللت صللار لللك ثلث سللنين فللي السللجن ‪....‬‬
‫أكيد عَ ْ‬
‫وهي كل يوم مع واحد جديد‪.‬‬
‫السجين ساكت‪ ،‬منكس الرأس مغمض العينين‪ ،‬يتابع الرقيب‪:‬‬

‫‪64‬‬

‫دام الشلباب‬
‫ ليش سلاكت؟! ‪ ...‬احكلي ‪ ...‬وّل خجلن تقلول قل ّ‬‫وز واحلللدة شلللرموطة؟!‪ ...‬شلللو العرصلللات كملللان‬
‫إنلللك متجللل ّ‬
‫بيخجلوا؟!‪.‬‬
‫تمضي اليلام‪ ،‬يتبللدل الرقبللاء‪ ،‬لكللن السللاليب تبقللى نفسللها ‪ ...‬الزوجللة‬
‫الشرموطة‪ ..‬وإذا لم يكن السجين متزوجا ً تصبح الخللت الشللرموطة‪ ،‬أو‬
‫الم الشرموطة‪ ،‬والبنت الشرموطة إذا كان للسجين بنات‪.‬‬
‫"كنت أتساءل‪ :‬هل هي تسلللية فقللط أم أنهللا نهللج؟! ‪ ...‬الللدافع للللتركيز‬
‫قد الجنس والكبللت الشللرقية لللدى الرقبللاء‬
‫على هذا الموضوع هل هو عُ َ‬
‫يفرغونها من خلل السلطة التي يملكونها على السجناء؟! ‪ ...‬أم هو نهج‬
‫مدروس‪ ،‬الغاية منه تحطيم النسان وإذلله مللن خلل المللرأة باعتبارهللا‬
‫ما ً أو أية‬
‫أعلى قيم الشرف لدى المسلمين سواء كانت زوجة أو أختا ً أو أ ّ‬
‫قريبة أخرى؟!‪ ...‬وشرف المرأة لدى الشرقيين بالعام هو أن ل تمللارس‬
‫الجنس خارج نطاق الزوجية‪ ،‬وأي سلوك لها فلي هلذا التجلاه قلد يلدمر‬
‫العائلة بالكامل ويلحق بها العار"‪.‬‬
‫لم يكن ممكنا ً معرفة أسماء الشرطة أو الرقباء‪ ،‬ولكن السجناء أطلقللوا‬
‫عليهم أسماء من عندهم‪ .‬وهذه السللماء كللانت تعتمللد إمللا علللى علمللة‬
‫فارقة تميز هذا العنصر‪ ،‬من مثل‪ :‬الحول‪ ،‬أو "الربع شللقف" وكللان هللذا‬
‫ن قِ َ‬
‫ده تتحلرك كللل‬
‫طلعَ جسل ِ‬
‫الرقيب يهتز ويتخلع في مشيته بحيث يبدو أ ّ‬
‫منها باتجاه‪ .‬أو أن تسللتند التسللمية علللى لبللاس مللا‪ ،‬مثللل الرقيللب "أبللو‬
‫شحاطة" وهذا كان دائملا يلأتي منتعل ً الشللحاطة‪ ،‬وعلللى الغللب تسللتند‬
‫التسمية علللى عبللارة يرددهللا الرقيللب دائملًا‪ .‬فكللان هنللاك الرقيللب "وَْل‬
‫حقير"‪ ،‬والرقيب "ابن الشرموطة"‪ ،‬والرقيب "يا كّر" ‪ ...‬إلى آخره‪.‬‬
‫يسأل السجين صديقه العائد من العقوبة‪:‬‬
‫ مين اليوم في الساحة؟‪.‬‬‫‪ -‬ابن الشرموطة‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫)يقصد الرقيب الذي يظل يكرر عبارة‪ :‬ابن الشرموطة(‪.‬‬
‫‪ 22‬شكككبكاط‬
‫فلي الصلباح البلاكر وقبلل إدخلال الطعلام‪ ،‬فتلح الشلرطة بلاب المهجلع‬
‫ودخلوا بطريقة وكللأن مللائة ثللور هللائج قللد دخللل هللذا المكللان‪ ،‬الصللياح‪،‬‬
‫الضرب بالكرابيج‪ ،‬الشتم‪ ،‬وبين كل شتيمة ولسعة كرباج يصرخون‪:‬‬
‫ وجهك عـ الحيط ‪ ..‬وجهك عـ الحيط ‪ ..‬وَْل‪.‬‬‫منذ دخول أول شرطي بهذه الطريقة قفز السجناء وأداروا وجوههم إلى‬
‫الحائط‪ ،‬وقفت‬

‫ل أدري ما أفعل‪ ..‬صحوت على الكرباج يهوي علللى‬

‫خدي ويلتف على رقبتي من الخلف والشرطي يصيح‪:‬‬
‫ وجهك عـ الحيط!‪.‬‬‫ت وسلليخ اللللم يمتلد مللن وجهللي إلللى‬
‫ت وجهي نحو الحلائط‪ ،‬تخشللب ُ‬
‫أدر ُ‬
‫م الصلمت‪ ،‬ثلم صللوت أحللد‬
‫رقبللتي‪ ،‬بعلد مللا يقللرب الخمللس دقلائق خي ّل َ‬
‫الشرطة يصيح بصوت عال‪:‬‬
‫ انتبلـلله ‪ ..‬مكانك تهيأ‪.‬‬‫ف بصللوت‬
‫م الصل ّ‬
‫خبلط جميللع عناصللر الشلرطة أقلدامهم بلالرض‪ ،‬وُقلد ّ َ‬
‫أعلى‪:‬‬
‫دم‪.‬‬
‫ المهجع جاهز سّيدي المق ّ‬‫إنه مدير السجن‪ .‬أخد يتمشى من أول المهجع إلى آخره بين صفين مللن‬
‫عناصر الشرطة الواقفين وقفة استعداد عسكرية‪.‬‬
‫رك َِبني الفضللول‪ ،‬وبسلللوك عفللوي أكللثر مللن أن يكللون مقصللودا ً نظلرت‬
‫بزاوية عيني خلسة إلى المقللدم‪ ...‬رأيتلله‪ ،‬شللاب ثلثينللي أشللقر الشللعر‪،‬‬
‫مشيته فيها الكثير من التوتر‪ ،‬وكذلك كلملله‪ ،‬يتكلللم كللأنه يحللادث نفسلله‬
‫بعبارات لم أستطع فهمها أو الربط بينها‪:‬‬
‫ولها إلى جهنم ‪ ...‬شللعرة واحللدة يللروح‬
‫ أنا‪ ..‬أنا أتهدد!! ‪ ..‬سأح ّ‬‫ألف مجرم مقابلها ‪ ..‬ثم صاح بصوت شديد الحتقان‪:‬‬

‫‪66‬‬

‫سلله مللا بتعرفللوني منيللح ‪ ..‬والللله‬
‫ وَْل كلب‪ ..‬مجرمين‪ ..‬إنتللو ل ِ ّ‬‫لدبحكن دبح الغنم‪.‬‬
‫بعدها صاح بمجموعة من الشرطة واقفة بينه وبين السجناء‪:‬‬
‫ زيحوا هيك وَْل‪..‬‬‫ت علللى نفسللي لللدى سللماعها‬
‫صوت طلقات مسللدس متتابعللة‪ ،‬انكمشل ُ‬
‫وخبأت رأسي أمام صدري‪ ،‬وبسرعة فائقة خللرج المقللدم يسللحب وراءه‬
‫رتل ً من عناصر الشرطة وأغلق الباب‪.‬‬
‫أربعة عشر قتيل ً بأربع عشرة طلقة هللي كللل مايحويهللا مخللزن مسللدس‬
‫المقدم على ما يبدو‪ .‬ركض الطباء وبينهم زاهي إلى زاوية المهجع حيث‬
‫القتلى‪ ،‬فحصوهم جميعًا‪ ،‬الكل ماتوا فورًا‪ ،‬ومكان دخول الرصاصة واحد‬
‫لللدى الجميللع فللي الللرأس مللن الخلللف‪ ،‬سللحبوهم إلللى وسللط المهجللع‪،‬‬
‫تجمعت بركة من الدماء الطازجة وجلس البعض حولها يبكللون‪ ،‬الغلبيللة‬
‫جامدة مذهولة‪ ،‬الطباء في حالة حيرة ليعرفون ما يفعلون‪ ،‬وقف واحللد‬
‫من فرقة الفدائيين‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ لحول ولقوة إل بللالله ‪ ...‬إن ّللا لللله وإن ّللا إليلله راجعللون‪ ،‬عليهللم‬‫ح‬
‫رحمة الله‪ ،‬هم السابقون ونحن اللحقون‪ ،‬اللهم أس ِ‬
‫كنهم فسللي َ‬
‫جنانك‪ ،‬اللهم هؤلء شهداء في سبيل إعلء كلمتك‪ ،‬كلمة الحللق‪،‬‬
‫فارحمهم أنت الرحيم الغفور‪.‬‬
‫ت قليل ً ‪ ..‬ثم أردف موجها ً حديثه للجميع‪:‬‬
‫سك َ‬
‫ يـ الله يا إخوان ‪ ..‬خلينا نقوم بواجبنا‪.‬‬‫انت َ‬
‫ف نزيف الجثث‪ ،‬نقلوها ووضعوها قرب الباب أمامي‬
‫ظروا حتى توقّ َ‬
‫وأمام رئيس المهجع‪ ،‬بيللن القتلللى الشلليخ محمللود الللذي أنقلذ حيللاتي‪،‬‬
‫صليت عليه سرا ً‪ ،‬حزنت على الجميع فوجوههم أصبحت مألوفللة لللي‪،‬‬
‫وكان حزني كبيرا ً على الشيخ محمود‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫ن ّ‬
‫ظفوا الرض من الدماء‪ ،‬كل البطانيات الملوثللة باللدماء نظفوهلا‪ ،‬دار‬
‫نقاش بين مجموعتين عند رئيس المهجع‪ ،‬مجموعة تقول إنه يجللب أن‬
‫ي أولى من الميت‪ ،‬وجماعة تعارض ذلك‬
‫نأخذ جميع ملبسهم‪ ،‬لن الح ّ‬
‫وترى أن هذا معيب‪ .‬أخيلرا ً انتصلر اللرأي القلائل بلأن الحيلاء البلاقين‬
‫فهللا‪،‬‬
‫ة خل لعَ الملبللس وتنظي َ‬
‫بحاجللة إلللى الملبللس‪ ،‬وتكفلللت مجموع ل ٌ‬
‫خرجللت الجثللث ليل ً مللن المهجللع وهللي عاريللة ل تلبللس إل السللروال‬
‫الداخلي فقط‪.‬‬
‫"بعد ثلث سنوات سيروي أحد القللادمين الجللدد أن السللبب فللي هللذه‬
‫المجزرة هو أن التنظيم المسلح قد أرسللل تهديللدا ً بالقتللل للمقلدم إذا‬
‫سن من معاملة السجناء السلميين‪ ،‬وجللد المقللدم هللذا التهديللد‬
‫لم ي ُ َ‬
‫ح ّ‬
‫تحت ماسحة زجاج سيارته وهو ذاهب إلى الدوام صللباحًا‪ ،‬فقللام بقتللل‬
‫ب الخبَر ليسمع به التنظيم مصحوبا ً بتهديد معاكس‪:‬‬
‫سّر َ‬
‫هؤلء و َ‬
‫ست شعرة‬
‫م ّ‬
‫ت أربعة عشر واحدًا! إذا ُ‬
‫ مقابل ورقة مكتوبة قتل ُ‬‫من رأسي أو رأس شلخص يخصلني سلليكون المقابلل ملائة‪ ،‬إذا‬
‫حصل أذى أو مات أحد من أقربللائي فللإني لللن أبقللي علللى أحللد‬
‫حيًا!!"‪.‬‬
‫رد بعدها أي تهديد‪.‬‬
‫ولم ي َ ِ‬
‫مهجعنا قريب من البلاب الخلفلي ملن السلجن‪ ،‬ملن هلذا البلاب يلأتي‬
‫الطعام‪ ،‬تقف الشاحنة الروسية خلف لًا‪ ،‬ويقللوم البلللديات بللإنزال قللدور‬
‫الطعام الكبيرة‪ ،‬ومن هذا الباب وفي نفس السيارة تنقل الجثث يوميا ً‬
‫ُبعيد منتصللف الليللل‪ .‬مللن خلل سللماعنا لرتطللام الجثللث فللي أرضللية‬
‫السيارة كنا نعرف عدد الذين ماتوا فللي هللذا اليللوم‪ ،‬وفللي يللوم زيللارة‬
‫ة‪ ،‬وعللن طريلق‬
‫المقدم أحصللى السلاهرون ثلثلا ً وعشللرين خبطل َ‬
‫ة جثل ٍ‬
‫مجموعللة المللورس ذهاب لا ً وإياب لا ً تللم معرفللة الجميللع وحفظللت هللذه‬
‫المعلومات في الذهان‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫‪ 24‬آذار‬
‫نسللير‪ ...‬نللدور ‪ ...‬أمشللي فللي الرتللل الللدائر حللول السللاحة‪ ،‬منك ّللس‬
‫الرأس‪ ،‬مغمض العينين‪ ،‬ممسكا ً مطاط بيجاما مللن يتقللدمني‪ ،‬يجرنللي‬
‫خلفلله‪ .‬الرجللل الللذي خلفللي يمسللك مطللاط بيجللامتي ويشللدني إلللى‬
‫الخلف‪ ،‬نسير‪..‬ندور‪ .‬أتساءل أحيانًا‪:‬‬
‫أيّ كائن أنا؟! هل أنا إنسان؟! حيوان؟! شيء؟!‪.‬‬
‫كان لي صديق من بلدي يدرس في فرنسا‪ ،‬يصله من أهللله بدايللة كللل‬
‫شهر مبلغ من المال يكفيه حتى نهاية الشهر‪ .‬هذا الصديق بدل ً من أن‬
‫يبرمج مصروفه ويقسمه على ثلثيللن يوملا ً كللان يللدعوني إلللى سللهرة‬
‫واحدة في مطعم فخم ومشهور‪ ..‬هللذه السللهرة كللانت تكلفلله حللوالي‬
‫نصف مصروفه‪ ،‬لللذلك كللان فللي اليللام العشللرة الخيللرة مللن الشللهر‬
‫ة‪:‬‬
‫يستدين مني ومن الصدقاء حتى يأكل‪ .‬سألته مر ً‬
‫ لماذا تصرف كل هذه النقود على سهرة واحدة وليبقى معللك‬‫في الثلث الخير من الشهر فلس واحد؟!‪.‬‬
‫أجاب‪:‬‬
‫ إنني في هذه السهرة التي أقيمها مرة في الشهر أشعر أننللي‬‫إنسان! إن هللؤلء الللذين يعملللون فللي فنللادق كهللذه أو مطللاعم‬
‫مللدربون جيللدا ً كللي يشللعروك بأنللك إنسللان "كلمهللم‪ ..‬طريقللة‬
‫خدمتهم لللك‪ ..‬هيئتهللم"‪ ،‬كللل هللذه الشللياء تجعلللك تحللس بأنللك‬
‫إنسان محترم‪ ،‬أنا يا صديقي في جوٍع حقيقي إلى الشللعور بللأن‬
‫الخرين يحترمونني‪ ،‬ليهم أن أجوع بضعة أيللام كللل شللهر‪ ،‬لكللن‬
‫الشعور بأنني إنسان يكفيني لمدة شهر‪.‬‬
‫لقد راقبت هذا الصديق في كل المرات التي دعاني فيها إلى السللهرة‬
‫عند استلمه النقود المرسلة مللن أهللله‪ ،‬وفللي كللل مللرة كنللت أشللاهد‬
‫خَيلء‪.‬‬
‫إنسانا ً معتزا ً بنفسه‪ ،‬واثقًا‪ ،‬يمشي إلى جانبي في ُ‬

‫‪69‬‬

‫راقبته كذلك في المرات الثلث التي كللان مجللبرا ً فيهللا علللى مراجعللة‬
‫سفارتنا في باريس‪ ،‬وفي كل مرة كان يستعطفني ويرجللوني بحللرارة‬
‫أن أرافقه‪ ،‬رغم أنه كان يحللاول تأجيللل الللذهاب بأعللذار وحجللج واهيللة‬
‫حتى اللحظة الخيرة‪.‬‬
‫يصل السفارة وقد تغير‪ ،‬يدخل مترددًا‪ ،‬يلقي نظرة خاطفة إلى الللوراء‬
‫)عله يريد التأكد من وجودي(‪ ،‬أقللرأ فللي نظرتلله هللذه معللاني الخللوف‬
‫والقلق‪ ..‬وطلب الغوث‪.‬‬
‫ي بيللده أن أمشللي بسللرعة‪،‬‬
‫يخرج مكفهرًا‪ ..‬صامتًا‪ ..‬مسرعًا‪ ..‬يشير إل ّ‬
‫أمشي إلى جانبه صامتًا‪.‬‬
‫م لد َوّ حالمللا ابتعللدنا‬
‫في المرة الولى والثانية اكتفى بأن يبصق بصوت ُ‬
‫عن السفارة‪.‬‬
‫في المرة الثالثة‪ ،‬تكلم‪:‬‬
‫ الكلب‪ ..‬يريدون أن يجعلوا مني جاسوسًا!‪ ..‬جاسوسًا! وعلللى‬‫مللن؟! يريللدون منللي أن أتجسللس علللى يوسللف!! هللددوني‬
‫ن لللديهم خمللس زنللازين فللي مبنللى‬
‫بالعتقال والترحيل‪ ..‬قالوا إ ّ‬
‫السفارة‪ ،‬كلب‪..‬تفو‪..‬تفو!‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫نسير ‪ ..‬ندور حول الساحة‪.‬‬
‫إغماض العينين يجعل مئات الصور تتقافز في الذهن‪.‬‬
‫ت بالمطالعة كثيرًا‪ ،‬صار اسمي في البيت "فللأر‬
‫في بدايات حياتي أوِلع ُ‬
‫الكتب"‪ .‬التهمت كل ماوقع تحت يدي من قصص وروايات‪ ،‬كنت وقتها‬
‫ي أحس أن هناك آلف الحرف والكلمات تتقافز في‬
‫عندما أغمض عين ّ‬
‫الذهن‪ ..‬تتصادم‪ ..‬ترتطللم بجلدران اللرأس‪ ..‬تقلع أرضلا ً ليقفلز غيرهلا‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫أجلس ملتفا ً برطوبة قبو منزلنا الظليل ‪ -‬والذي كنت قد نظفته ورتبته‬
‫وجعلت منه مكاني المفضللل بعيللدا ً عللن الهللل وضللجيجهم ‪ -‬تعبلا ً مللن‬
‫القراءة‪ ،‬مغمض العينين‪ ،‬أمارس لعبللة الحللرف والكلمللات المتقللافزة‬
‫"يحرقني الحنين إلى جلسة صغيرة في ذلك الركن"‪.‬‬
‫في المراهقة والشباب الول‪ ،‬أصبت بلوثة السلينما‪ ،‬أخلرج ملن صللالة‬
‫لدخل أخللرى‪ ،‬كنللت أشلاهد أحيانلا ً ثلثللة أفلم فللي يلوم واحلد‪ ،‬أصللبح‬
‫اسمي "فأر السينما"‪ ،‬عرفت كل صالت العاصمة جيللدًا‪ ،‬كنللت أحفللظ‬
‫عن ظهر قلب برامج الصالت للسابيع المقبلة‪.‬‬
‫نسير ‪ ..‬ندور ‪ ..‬تحت لسع الكرابيج‪ ،‬منكسي الرؤوس‪ ،‬عيوننا مغمضة‪،‬‬
‫يمسك أحدنا ذيل الخر‪ ..‬وندور‪.‬‬
‫فأر كتب‪ ،‬فأر سينما‪ ،‬أحس الن أنني بغل‪.‬‬
‫في الكثير من الرياف وقبل انتشار محركلات ضلخ الميلاه ملن البلار‪،‬‬
‫كان يتم انتشال المياه من هذه البار بواسطة قوة محركة هي البغللال‬
‫)في بعض البلد يسمونها "الدولب" ويسمونها في أخرى "الغللّراف"(‪.‬‬
‫يربطون البغل إلى عموٍد‪ ،‬يغطون عينيلله ‪ -‬إلللى الن لللم أعللرف لمللاذا‬
‫ي البغللل ‪ -‬ويظللل يللدور‪ ..‬يسللير‪ ..‬ويللدور حللول الللبئر مللن‬
‫يغطون عينل ّ‬
‫ي بالنسللبة للبغللل!‪ ..‬ونظللل‬
‫الصباح إلى المسللاء‪ ..‬هللذا الللدوران العبللث ّ‬
‫ندور!‪.‬‬
‫فيلم غربي يصور حياة راهبة في الخامسة والعشرين من عمرها‪ ،‬كان‬
‫أهلها قد نللذروها لحيللاة الرهبنللة‪ .‬فتللاة ذات نفللس نقيللة‪ ،‬قانعللة بحيللاة‬
‫الرهبنة ومستمتعة بها‪ ،‬طاهرة كالثلج‪ ،‬تعيش في دير يقللع فلي جزيللرة‬
‫نائيللة‪ .‬تللدور أحللداث الفيلللم‪ ..‬ويهللاجم القراصللنة هللذه الجزيللرة‪ ،‬هللذه‬
‫الراهبللة البتللول تقللع بيللن يللديّ قرصللان مجللرم فاسللق‪ ،‬يلقيهللا أرض لا ً‬
‫ويغتصبها‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫ة‬
‫مشهد‪ :‬يقف القرصان بجسده الضخم ويبتعد مهمهملًا‪ ..‬لراهبلةٍ ملقللا ٍ‬
‫أرضا ً مكشوفةِ السلاقين‪ ) ،‬تقللترب الكلاميرا( خيللوط مللن دم العذريللة‬
‫تسيل على الفخذين‪ ..‬هي غائبة عن الوعي‪.‬‬
‫نسير‪ ..‬وندور حول الساحة‪ ،‬مشدودي العصاب‪ ،‬نتوقع في كل لحظللة‬
‫ة أو كرباجًا‪ ،‬رغم ذلك ننسلى أحيانلًا‪ ،‬تأخلذنا الفكلار فلي‬
‫ة أو ركل ً‬
‫صفع ً‬
‫جميع التجاهات‪ ،‬نحلم بيوم لنسمع فيه كلمة "تنفللس"‪ ،‬يللوم ٍ ل نسللير‬
‫فيلله ول نللدور‪ ،‬تحضللر الللذكريات‪ ..‬تتغلللب علللى كللل الشللد العصللبي‬
‫وتحضر‪ ،‬تداعبني وجوه الهل والصدقاء‪ ،‬المرأة بشكل خللاص‪ ،‬أمللي‪..‬‬
‫أختي‪ ..‬سوزان‪ ،‬تحضر كل نساء"ي"‪ ،‬وأحيانا ً قد ترسم ذكرى ما‪ ،‬ظ ِل ّ‬
‫ل‬
‫ابتسامةٍ على شفاهي‪.‬‬
‫نسير ‪ ..‬ندور ‪..‬‬
‫في اللغة العربية "الستنثار"‪ :‬هو إخراج المخللاط عللن طريللق فوهللات‬
‫خم" فهو استحلب المخاط إلى داخل الفم‪.‬‬
‫النف الخارجية‪ ،‬أما "التن ّ‬
‫فيما نحن نسللير‪ ..‬نللدور‪ ،‬امتللدت يللد غليظللة‪ ،‬أمسللكتني مللن سللاعدي‬
‫ق‬
‫ي جيدا ً ونكست رأسللي حللتى التص ل َ‬
‫وجرتني خارج الرتل‪ ،‬أغلقت عين ّ‬
‫بصدري‪ .‬بقي ممسكا ً بساعدي‪ ،‬اليد الخللرى أمسللكت فكللي السللفلي‬
‫ح صوته ممزوجا ً بحقد رهيب‪:‬‬
‫ورفعت رأسي إلى العلى بعنف‪ ،‬فَ ّ‬
‫مك‪ ..‬لشوف‪.‬‬
‫ ارفع راسك‪ ..‬وَْل كلب‪ ،‬افتح ت ّ‬‫خلم بقلوة‪ ،‬تنخلم‬
‫فتحت فمي‪ .‬طلب منلي أن أفتحله أكلثر‪ ،‬ففتحتله‪ .‬تن ّ‬
‫ثلث مللرات‪ ،‬ودون أن أسللتطيع رؤيتلله أحسسللت أن فملله قللد امتل ً‬
‫بالمخاط المستحلب‪ ..‬شعرت برأسلله يقللترب منللي و‪ ..‬بصللق كللل مللا‬
‫يحتويه فمه إلى‪ ..‬داخل فمي‪ .‬ب َِرد ّ فعل غريللزي حللاول فمللي التخلللص‬
‫من‬
‫محتويللاته‪ ،‬تملكتنللي حاجللة ل إراديللة بالقيللاء‪ ،‬لكنلله كللان أسللرع منللي‬
‫وأسرع من فمي‪ ،‬أغلق فمي بيد وامتدت يلده الخلرى بسلرعة اللبرق‬

‫‪72‬‬

‫ي وضللغط عليهمللا بشللدة‪ ..‬موجللة‬
‫إلى جهازي التناسلي‪ ،‬أمسك خصلليت ّ‬
‫ي إللى العللى كلادت أن تفقلدني‬
‫اللم الهائلة التي صعدت من خصليت ّ‬
‫الوعي‪ ،‬انقطع نفسي لثانيتين أو ثلث‪ ،‬كانت كافيللة لن أبتلللع مخللاطه‬
‫ي حتى تأكد أنني قد ابتلعت كل‬
‫وبصاقه كي أتنفس‪ ،‬ظل يضغط خصيت ّ‬
‫شيء‪.‬‬
‫تابعت السير‪ ..‬تابعت الدوران‪ ،‬مغمض العينين‪ ،‬منكس الرأس‪.‬‬
‫ف شلليئا ً فشلليئًا‪ ،‬الحسللاس بللأنني قللد‬
‫ألم الخصيتين المهروسللتين يخل ّ‬
‫امتلت بالقذارة يتصاعد شيئا ً فشيئًا‪.‬‬
‫تفيق الراهبة من غيبوبتها يملؤها الحساس بقذارة جوفها‪ ..‬تنتهي إلللى‬
‫الجنون‪ ..‬كانت تزداد إحساسا ً بالقذارة كلما اغتسلت‪.‬‬
‫عدنا إللى المهجلع‪ ،‬حلاولت القيلاء بشلتى السللبل‪ ،‬للم أنجللح‪ ،‬شلربت‬
‫ة من المياه ولكن الحساس بللأن جللوفي ممتلللئ بالقللذارة‬
‫ت هائل ً‬
‫كميا ٍ‬
‫يزداد‪.‬‬
‫ة من المللاء والعللرق والنبيللذ‬
‫ت هائل ً‬
‫"سأخرج من السجن وأشرب كميا ٍ‬
‫والويسكي‪ ،‬شللتى المشللروبات البلاردة والسللاخنة‪ ،‬لكللن للن أسللتطيع‬
‫التخلص من الحساس بأن مخللاط ذلللك الشللرطي ملتصللق بمعللدتي‪..‬‬
‫ببلعومي‪ ..‬وهو يأبى الخروج"‪.‬‬
‫‪ 30‬آذار‬
‫ح ما توقَعه الدكتور زاهي‪.‬‬
‫ص ّ‬
‫َ‬
‫حوالي سنتين مضتا على وجودي هنا‪ .‬معزول ومجبللور علللى الجلللوس‬
‫في مكاني ل أغادره إل إلى التنفللس أو المرحللاض‪ ،‬ل أسللتطيع النظللر‬
‫إلى أي واحد بشكل مباشر رغم أننللي‬

‫ل أعتقللد أن الجميللع راغللب‬

‫بقتلي "أو كان راغبًا"‪ ،‬ولكنني ل أستطيع أن أميز بين مللن يرغللب أو ل‬
‫يرغب‪ ،‬والمهم في هذا أن الجميع يقاطعني ول يرغلب بوجلودي بينهلم‬
‫هنا‪" ،‬وأنا أيضا ً ل أرغب بوجودي هنا"‪ ،‬طلوال هلذه الفلترة كنلت أتلوق‬

‫‪73‬‬

‫إلى من أحادثه‪ ،‬أن أجرب قللدرتي علللى الكلم مللن جديللد‪ ،‬لكللن قللوة‬
‫الكراهية كانت تلصقني بالبطانية وتلصق البطانية بالرض‪.‬‬
‫حت توقعات الدكتور زاهي أصبحت أجلللس فللي مكللاني‬
‫ص ّ‬
‫الن بعد أن َ‬
‫بإرادتي‪ ،‬ل أريد الحتكاك بأحد‪ ،‬ل أريد محادثة أحد‪.‬‬

‫إنلله التهاب السحايا‬

‫‪ .‬وتحللوّ َ‬
‫ل المللر إلللى وبللاء بسللرعة‬

‫خر‪،‬‬
‫خر ‪ ..‬ثم آ َ‬
‫مذهلة‪ ،‬بدأ المر منذ شهر تقريبًا‪ ،‬أول ً شخص واحد‪ ،‬ثم آ َ‬
‫اجتمع الطباء السجناء‪ ،‬تدارسوا المر‪ ،‬وعندما وصلوا إلى قرار موحللد‬
‫كان العدد قد جاوز عشللرة مصللابين‪ .‬التصللال الللداخلي بيللن المهللاجع‬
‫ن أن الحالة عامة في كل المهاجع‪.‬‬
‫"المورس" أخبَر واستفهم‪ ،‬تبي ّ َ‬
‫عندما وصل عدد المصابين إلى عشرين )مات منهم اثنان وفقد البصر‬
‫اثنان وليزال الباقون يتأرجحون(‪ ،‬طلب الطباء أن يجري نقللاش عللام‬
‫في المهجع‪ ،‬تكلموا وشرحوا المر بدقة وواقعية‪ ،‬ثم طلبوا من رئيللس‬
‫المهجع أن يللدق البللاب ويطلللب المسللاعد ويضللعه فللي صللورة المللر‪،‬‬
‫رفض رئيس المهجع هذا الطلب وقال إن هذا مستحيل‪ ،‬رد عليلله أحللد‬
‫الطباء بأنه خلل أيام قليلة وإذا لم يتوفر الدواء فإن كللل النللاس فللي‬
‫هذا المهجع‪ ،‬وعلى الغلب في السجن كله‪ ،‬سيصللابون‪ .‬والصللابة فللي‬
‫ظل هذه الوضاع الصحية وانعدام الدواء انعداما ً كليًا‪ ،‬يعنللي حتملا ً إمللا‬
‫الموت أو مللا يشللبه المللوت‪ ،‬وطالمللا أننللا سللنموت فللي كللل الحللوال‬
‫فلنطلب المسللاعد ونضللعه فلي صللورة المللر ولللو كللان المللل واحللدا ً‬
‫بالمليون‪.‬‬
‫ يا دكتور ‪ ..‬يا دكتور عندك شك إنه هدول يريدون موتنا؟ وإنت‬‫تتوقع من يّلي يريد قتلك إنه يعالجك؟ نحن هون مللن سللنوات ‪..‬‬
‫شفت شي طبيب عالللج مريللض بهـل السللجن؟ إنللت تتصللور إنلله‬
‫هدول عندهم ذرة واحدة من الرحمة أو النسانية؟ أو إنه يخافوا‬
‫الله؟ خلينا نموت تحت رحمة الله‪ ،‬ول نطلب الرحمة من هدول‬

‫‪74‬‬

‫الوحوش‪ ،‬والموت حق على كل مسلم ومسلمة‪ ،‬والمللوت بهللذا‬
‫الظرف رحمة من الله‪.‬‬
‫كنت أسمع كل النقاش هِلعًا‪" .‬رئيس المهجع من أكللثر الرجللال الللذين‬
‫شاهدتهم في حياتي قللوة شخصللية‪ ،‬وهللو ضللابط فللي الجيللش‪ ،‬قللوي‪،‬‬
‫صارم‪ ،‬رزين"‪.‬‬
‫لم يستسلم الطباء‪ ،‬توجه أحدهم إلى رئيس المهجع قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫جلنللا‪ ،‬لكللن الللدين يأمرنللا‬
‫ نعم ‪ ..‬الموت حق‪ ،‬كلنا راح نموت بأ َ‬‫بأل نلقي بأنفسنا إلى التهلكة‪ ،‬وطلبك المساعد قد يساعد علللى‬
‫إنقاذ الكثير من أرواح المسلمين وهذا واجب عليك وعلينا‪...‬‬
‫وفي عبارةٍ القصد ُ منها الحراج أردف الطبيب‪:‬‬
‫ إذا كنت أنت ل تستطيع أن تطلب المساعد‪ ،‬اتلرك واحللدا ً منلا‬‫يطلبه بدل ً عنك‪.‬‬
‫فّز"‪ ،‬قال‪:‬‬
‫انتفض رئيس المهجع ‪" ،‬واضح انه است ُ ِ‬
‫ طيللب يللا جماعللة أعطللوني مهلللة سللاعتين حللتى أفكللر بشللي‬‫طريقة‪.‬‬
‫ض الجتماع‪ ،‬وأعطى الطباء مجموعة من النصائح الطبية للجميللع‪.‬‬
‫انف ّ‬
‫سارعت أنا إلى سللترة بللدلتي فنزعللت أحللد جيوبهللا الداخليللة‪ ،‬نسلللت‬
‫خيطا ً من البطانية‪ ،‬صللنعت كمامللة وضللعتها علللى فمللي وأنفللي‪ ،‬نظللر‬
‫ي باحتقار‪ ،‬ولكن خلل يومين كان لدى الجميع كمامات‪.‬‬
‫الجميع إل ّ‬
‫بعد حوالي ربع الساعة وقف رئيللس المهجللع بحركللة مفللاجئة‪ ،‬نظللرت‬
‫إليلله‪ ،‬كللانت عينللاه محتقنللتين بللاللون الحمللر‪ ،‬واضللح انلله أدرك حجللم‬
‫جمللع يللده‬
‫الهانة التي وجهها إليه الطبيب‪ ،‬وقف أمام البللاب بعللزم‪ ،‬وب ُ‬
‫طرقه طرقات قوية‪.‬‬
‫سأل الرقيب المناوب من الساحة‪:‬‬
‫‪ -‬شو بدك وَْل حقير؟‪.‬‬

‫‪75‬‬

‫ بدي المساعد ‪ ..‬المر ضروري جدًا‪.‬‬‫ شو ‪ !..‬شو‪ !..‬شو‪ !..‬المساعد دفعة وحللدة؟! ول حقيللر‪ ..‬شللو‬‫بدك من المساعد؟‪.‬‬
‫اغتاظ رئيس المهجع‪ ،‬وبدأ يتمتم‪:‬‬
‫وي شللقفة‬
‫ العمى ‪ ..‬شو أنا عم أطلب رئيس الجمهورية؟!‪ ..‬ه ّ‬‫مساعد ل راح ول إجا ‪ ..‬الله يلعن هـ الزمان ‪.‬‬
‫بعدها صاح بصوت عال‪:‬‬
‫ المر خطير جدا ً ‪ ..‬جدًا‪ ،‬ولزم يجي المساعد هلق‪ ،‬لمصلحتكم‬‫مو لمصلحتنا‪.‬‬
‫بعد ربلع سلاعة فتلح البلاب وطللب المسلاعد إخلراج الجحلش رئيلس‬
‫المهجع‪ ،‬شرح له رئيس المهجع أبعاد المرض كما سمعها من الطبللاء‪،‬‬
‫وختم حديثه بقوله‪:‬‬
‫ يا سيدي ‪ ..‬العدوى بهادا المرض شديدة جدًا‪ ،‬ممكن الشرطة‬‫ينعدوا من السلجناء‪ ،‬ممكللن – لسللمح الللله – سليادتكم تنعللدوا‪،‬‬
‫نحن واجبنلا نخلبركن‪ ،‬وإذا حلبيتوا تسلمعوا أكلثر بنلادي اللدكتور‬
‫سمير‪.‬‬
‫نللادوا الللدكتور سللمير وشللرح للمسللاعد بالتفصلليل مؤيللدا ً كلم رئيللس‬
‫المهجع أن العدوى ممكن أن تنتقل إلى الشرطة‪.‬‬
‫أغلقوا الباب بعد إدخال اللدكتور سلمير ورئيلس المهجلع دون عقوبلة!‬
‫وبعد ربع ساعة أعادوا فتحه‪ ،‬وقللف المسللاعد وجميللع الشللرطة خللارج‬
‫المهجللع ودخللل ضللابط برتبللة ملزم ثللان‪ ،‬طللبيب السللجن العسللكري‪،‬‬
‫عرفنا وقتها أن في السجن طبيبَا!!‪.‬‬
‫ف عند الباب إلى جانبي‪ ،‬طلب من الجميللع الجلللوس فللي أمللاكنهم‬
‫وق َ‬
‫ة كهذه!" بعللدها طلللب مللن جميلع الطبللاء‬
‫وفتح عيونهم‪" ،‬لم نعتد لهج ً‬
‫الوقوف‪ ،‬بانت دهشة حاول إخفاَءها عندما رأى عللدد الطبللاء‪ ،‬سللألهم‬

‫‪76‬‬

‫ددوا له السباب‪ ،‬دخل إلللى زاويللة المرضللى‬
‫عن أسباب تشخيصهم فع ّ‬
‫ف والتفللت‪،‬‬
‫وألقى عليهم نظرة سريعة‪ ،‬ثم قفل راجعا ً إلى الباب‪ ،‬توقّ َ‬
‫أشار إلى اثنين من الطباء الشباب طالبا ً منهللم المجللئ إليلله‪ ،‬وعنللدما‬
‫جاؤوا سألهما دون أن يستدير‪:‬‬
‫ عرفتوني؟‪.‬‬‫ نعم‪.‬‬‫ هم م م‪..‬‬‫خللرج الطللبيب وأغلللق الشللرطة البللاب‪ ،‬اقللترب بضللعة أشللخاص مللن‬
‫الطبيبين‪ ،‬قال أحدهما‪:‬‬
‫ هذا الطبيب زميل دراستنا وتخرجنا مع بعضنا‪ ،‬هو من الساحل‬‫من طائفة الرئيس وعشيرته‪ ،‬بعد التخللرج مللا عللاد شللفناه‪ ،‬راح‬
‫على ضيعته‪.‬‬
‫بعد أقللل مللن أربللع وعشللرين سللاعة عللاد الطللبيب مللرة أخللرى‪ ،‬معلله‬
‫المساعد والشرطة والبلديات‪ ،‬نادى الدكتور سمير‪ ،‬قال له‪:‬‬
‫ إنت بدك تعالج كللل المرضللى فللي السللجن وهللادا هللو الللدواء‬‫اللزم‪ ،‬فللي عنللدنا كميللات كللبيرة منلله‪ ،‬راح يكللون معللك رقيللب‬
‫وعناصر من الشرطة‪ ،‬لزم يشوفوا كل حبة دواء تسللتهلك‪ ،‬كللل‬
‫"سيرنغ" تستخدمه لزم تسلللمه للشلرطة‪ ،‬كللل علبللة كرتلون‪...‬‬
‫إنت مستعد؟‪.‬‬
‫ نعم مستعد‪.‬‬‫وبدأ الدكتور سمير جولته على المهللاجع‪ ،‬الشللرطة ترافقلله‪ ،‬البلللديات‬
‫يحملون علب الدواء‪ ،‬كرتونة كبيرة لكل ما هو مستهلك‪ ،‬يخرج صللباحا ً‬
‫ليعود مساًء تعبا ً منهكًا‪ ،‬ورغم ذلللك اسللتمر المصللابون بالزديللاد‪ ،‬لكللن‬
‫حللالت المللوت انحسللرت وتضللاءلت‪ ..‬اليللوم انضللم إلللى المصللابين‬
‫بالمرض أول طبيب‪ ،‬الدكتور زاهي‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫‪ 1‬أيكككككككككككككككار‬
‫جلعلت‪.‬‬
‫ملات زاهلي ‪ ..‬وُفل ِ‬
‫ليس لنني أدين بحياتي له مرتين‪ ،‬مرة لعنايته الطبية بي عنللدما كنللت‬
‫مشرفا ً على الموت بعد الستقبال‪ ،‬ومرة عندما أوعللز للشلليخ محمللود‬
‫بانتشالي من بين أيدي المتشددين‪ .‬لكن لنني أحببت هذا الرجل الذي‬
‫لم يفقد ابتسامته في أحلك الظروف‪ ،‬لهجته لهجة المنطقللة الشللرقية‬
‫المحببة‪ ،‬تراه موجودا ً في كل مكان يمكن أن يقدم فيه يد المسلاعدة‪،‬‬
‫ة ثقافة نادرتين في هذا المكان‪ ،‬كنت أحس أنه موجود‬
‫ة أفق وسع َ‬
‫سع َ‬
‫فللي الموقللع الخطللأ حيللث يسللود التعصللب والتشللدد وضلليق الفللق‬
‫والضحالة الثقافية‪.‬‬
‫ي‪ ،‬حلذري‬
‫ن إنسللان ّ‬
‫شعرت بحزن عميق لم أشعر به طوال حياتي‪ ،‬حلز ٍ‬
‫المضاعف أخرجني من قوقعتي فور سماع الخبر‪ ،‬نسيت حذري منهللم‬
‫وحذري من المرض‪.‬‬
‫مشيت كالمسرنم إلى حيث يرقد زاهي‪ ،‬ركعت إلى جانبه ورفعت يده‬
‫إلى جبيني وأجهشت بالبكاء بصوت عال‪ ،‬بكيت بكللاًء م لّرًا‪ ،‬هللل تفجللر‬
‫حزني علللى زاهللي هكللذا؟ أم هللو تفجللر بسلليط للقهللر المللتراكم منللذ‬
‫عودتي إلى بلدي؟!‪.‬‬
‫بموته أحسست أنني قد فقدت آخلر سلند للي هنلاك‪ ،‬أصلبحت عاريلًا‪،‬‬
‫زاهي هو الوحيد الذي أستطيع النظللر إلللى عينلله مباشللرة‪ ،‬وغالبلا ً كنللا‬
‫ة‪ ،‬كنت أشعر أن هناك تفاهما ً خفي ّلا ً بينللي وبينلله‪،‬‬
‫نختلس النظرات خفي ً‬
‫وطالما قرأت في عينه أنه لن يتخلى عني‪.‬‬
‫زاهي ‪ ..‬كان إنسانًا‪ ..‬إنسانا ً كبيرًا‪.‬‬
‫بكيت وبكيت‪.‬‬
‫لكزنللي أحللدهم بقللدمه‪ ،‬رفعللت رأسللي ومللن خلل الللدموع رأيللت‬
‫"أحدهم"‪ ،‬صّر على أسنانه وقال‪:‬‬

‫‪78‬‬

‫ قوم ولك ‪ ..‬ل تنجس الشهداء‪.‬‬‫قمللت‪ ،‬رجعللت إلللى مكللاني‪ ،‬دخلللت قوقعللتي‪ ،‬مسللحت دمللوعي مللن‬
‫الخارج‪ ،‬تركتها تسيل إلى الداخل‪.‬‬
‫‪ 3‬أيكككككار‬
‫"يجب أن ل أجن‪ .‬كان هذا قراري منذ البداية‪ ،‬رغللم ذلللك كنللت أحللس أحيانللا‬
‫أنني على حافة الجنون‪ ،‬عندها كنت أغني‪ ..‬لكن بصمت‪ ،‬أغني بذهني ودائمللا ً‬
‫ن فرنسية‪ ،‬لم أغن أية أغنية عربية"‪.‬‬
‫أغا ٍ‬

‫ل أفتح فمي مطلقلًا‪ ،‬ل أتلفللظ بلأي حلرف‪ ،‬أجلللس طلوال اليلوم فلي‬
‫مكان واحد‪ ،‬أغادره باتجاه المغاسل والمراحيض أربع أو خمس مللرات‬
‫في اليوم‪ ،‬أتحرك فقط في اليوم الذي يكون لدينا فيه تنفس‪.‬‬
‫أجلس ‪ ..‬أفكر وأفكر‪" .‬فكرت مرة‪ :‬هل يمكن لنسللان مللا أن يوقللف‬
‫التفكير؟!"‪.‬‬
‫استعرضت الماضي عشرات المرات‪ ،‬أدق التفاصيل‪ ،‬تفاصلليل كللان ل‬
‫يمكن أن أتذكرها ولو عشت عشر حيوات خارج هلذا المكلان‪ ،‬أسلتعيد‬
‫كل ما هو سعيد ومبهج‪ ،‬كل ما هو جميل في الخارج‪.‬‬
‫أنا الن في الثلثين من عمللري‪ ،‬كنللت قللد تركللت الدراسللة بعللد نيلللي‬
‫الثانوية تحت إغراءات العمل التجاري والثراء السريع مللع صللديق لللي‪،‬‬
‫مل َ‬
‫ل الهللل مسللؤولية‬
‫أربللع سللنوات مللن العمللل التجللاري الفاشللل‪ ،‬تح ّ‬
‫تسوية الوضاع‪ ،‬بعدها إلى فرنسا والدراسة هناك‪ ،‬سللت سللنوات فللي‬
‫فرنسا‪ ،‬والن هنا‪.‬‬
‫أستعرض الماضي وأحلم بالمسللتقبل‪ ،‬تحللول المللر إلللى عللادة‪ ،‬أحلم‬
‫اليقظة‪ ،‬أستمتع بها استمتاعا ً كبيرًا‪ ،‬أصبحت مدمن أحلم يقظللة‪ ،‬أبنللي‬
‫الحلم شيئا ً فشيئًا‪ ،‬أضع التفاصيل الصغيرة والدقيقة‪ ،‬أرسمها‪ ،‬أصللحح‪،‬‬
‫أغللوص سللاعات طويلللة‪ ،‬جالسلا ً أو مسللتلقيًا‪ ،‬أغيللب عللن هللذا الواقللع‬
‫لعيش واقعا ً جميل ً كل ما فيلله حلللو وسللهل وميسللر‪ ،‬وفللي كل ّ‬
‫ل حللم ِ‬

‫‪79‬‬

‫يقظةٍ تكون المرأةُ حاضرةً دوم لًا‪ ،‬تشللتعل خليللا الجسللد‪ ،‬كللل النسللاء‬
‫اللواتي مررت بهللن أو مللررن بللي‪ ،‬أخلللط الماضللي بالمسللتقبل‪ ،‬أكللثر‬
‫اللحظات حميمية أستعيدها‪ ،‬أعيد تركيبها‪ ،‬أبتدع مشاهد جديدة أتقلللب‬
‫ويجفللوني النللوم‪ ،‬أنتظللر حللتى آخللر الليللل وأذهللب إلللى المرحللاض‬
‫للستمناء‪ ،‬هو الحل الوحيد لكي أستطيع النوم‪.‬‬
‫خص السجن بكلمة واحدة لقلت‪:‬‬
‫لحظتها لو سألني أحدهم أن أل ّ‬
‫ إن السجن هو المرأة!‪ .‬غيابها الحارق‪.‬‬‫أنظر حولي متلصصًا‪ ،‬كيف يحل هؤلء هذه المسللألة‪ ،‬وبعضللهم للم يللر‬
‫في حيلاته كاحلل املرأة غيلر أمله؟ بملاذا يفكلرون؟ ملاهي أحلمهلم؟‬
‫بعضهم مراهقون بكل جموح وتوثب خيالت المراهقة‪ .‬كانت احتلمات‬
‫صصي الليلي الدائم‪ ،‬يكون‬
‫النوم لديهم غزيرة‪ ،‬عرفت هذا من خلل تل ّ‬
‫الواحد منهم نائمًا‪ ،‬فجأةً يختلج أو يصدر صوتا ً خافت لًا‪ ،‬بعللدها يسللتيقظ‪،‬‬
‫أغلبهم يقول‪ :‬أعوذ بالله من الشيطان الرجيم‪ ،‬ثم يقوم للغتسال‪ ،‬لن‬
‫م مشللددةً بشللأن النظافللة‪ ،‬فهللو ل يسللتطيع أن يأكللل أو‬
‫لللديهم تعللالي َ‬
‫يشرب أو يصلي إن لم يكن طاهرا ً نظيفا ً تمامًا‪ ،‬والقذف بللأي طريقللة‬
‫كانت سواًء بالتصال الجسدي أو بالحتلم يوجب غسل الجسد كام ً‬
‫ل‪.‬‬
‫أنا شبه متأكللد أن كللل مللا يقللوله عناصللر الشللرطة أو ُيشلليعونه بللأنهم‬
‫يمارسللون الشلذوذ الجنسللي هللو محللض افللتراء أو كللذب‪ ،‬حللتى علللى‬
‫المستوى الواقعي هذا مستحيل‪.‬‬
‫أعود لحلمي‪ ،‬أتقلب‪ ،‬ل أعرف كم يطول هذا‪ ،‬أسمع حركللة اسللتيقاظ‬
‫ح عللى النلوم فل يلأتي أسلمع صللوت طلائرة‬
‫النللاس فلي المهجللع‪ ،‬ألل ّ‬
‫الهليوكوبتر‪.‬‬

‫طـائـرة الهليوكوبتر‪..‬‬
‫عندما نسمع صوت الهليوكوبتر يرتجف أو يتوتر كل مللن فللي السللجن‪،‬‬
‫حتى الشرطة والبلديات يتوترون‪ ،‬البعللض يسللميها طللائرة المللوت‪ ،‬أو‬

‫‪80‬‬

‫ملك الموت الهابط من السماء‪ ،‬أحد السجناء قال إن عزرائيل يجلس‬
‫في المقعد المامي للطائرة ً‬
‫لن هؤلء متعاقدون معه‪.‬‬
‫السجن يبعد عن العاصللمة عللدة مئات ملن الكيلومللترات‪ ،‬لللذلك فهيئة‬
‫المحكمة الميدانية تأتي بالطلائرة عللى الغللب مرتيلن فلي السلبوع‪،‬‬
‫الثنين والخميس‪ ،‬وهيئة المحكمة هذه قد تكون ثلثة ضباط وقد تكون‬
‫ضابطا ً واحدًا‪ ،‬يعطون إدارة السجن بعد أن يدخلوا الغرفللة المخصصللة‬
‫لهم لئحتين اسميتين‪:‬‬
‫اللئحة الولى‪ :‬تضم أسماء الللذين سلليحاكمون فللي هللذا اليللوم‪ ،‬تأخللذ‬
‫الشرطة هذه اللئحة وتدور على كل المهاجع منادية على السماء‪ ،‬ثم‬
‫يبدأ التجميع من آخر مهجع في الساحة السابعة‪ ،‬مللع الصللياح والشللتم‬
‫والكرابيج‪ ،‬الرؤوس المنكسة والعين المغمضة‪ ،‬يسوقونهم سوقا ً إلى‬
‫السللاحة صللفر حيللث ُيجلسللونهم علللى الرض أيللديهم فللوق رؤوسللهم‬
‫ورؤوسهم بين ركبهم‪.‬‬
‫خل إلى غرفللة المحكمللة أو ُ‬
‫ل اسللم نلادوا عليلله بصلفعة قويللة علللى‬
‫ُيد َ‬
‫الرقبة عند باب الغرفة‪ ،‬يسأله الضابط‪:‬‬
‫ أنت فلن ابن فلن؟‪.‬‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ طالعوه لبره‪.‬‬‫وهكذا تكون قد انتهت محللاكمته‪ ،‬ثللم يللدخل الثلاني والثللالث ‪ ..‬وهكللذا‬
‫خلل ساعتين أو ثلثة قد تتللم محاكمللة أكللثر مللن مئة شللخص‪ ،‬أحيان لا ً‬
‫تتعطل إجراءات المحاكمة‪ ،‬فالضابط يسأل السجين‪:‬‬
‫ أنت فلن ابن فلن؟‪.‬‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ ولك ابن الكلب ‪ ..‬أنت شاركت بتفجير المجمع الستهلكي؟‪.‬‬‫‪ -‬ل والله يا سيدي ‪ ..‬أنا مالي علقة بأي شي‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫ ول كلب ‪ ..‬عم تنكر كمان!! ‪ ..‬يا شرطة‪.‬‬‫يدخل عناصر الشرطة إلى الغرفة‪.‬‬
‫ حطوه بالدولب حتى يعترف‪.‬‬‫تبدأ حفلة التعذيب أمام غرفة المحكمة‪ ،‬يبدأ الضللرب والصللراخ المللر‬
‫الللذي يشللوش علللى هيئة المحكمللة‪ ،‬يتوقللف العمللل‪ ،‬تشللرب هيئة‬
‫المحكمة القهوة العربية‪ ،‬بعد قليلل يهلدأ كلل شليء ويلدخل الشلرطة‬
‫والسجين معهم يترنح‪:‬‬
‫ساُته ميّبس راسه؟!‪.‬‬
‫ شو ‪ ..‬ل ِ ّ‬‫ ل سيدي ‪ ..‬اعترف بكل شي‪.‬‬‫ إعدام ‪ ..‬طالعوه لبّره‪.‬‬‫أغلب السجناء ل تستغرق محاكمة أي منهللم لللدى المحكمللة الميدانيللة‬
‫أكثر من دقيقة واحللدة‪ ،‬أغلللب السللجناء ل يللرون القاضللي "الضلابط"‪،‬‬
‫أغلللب السللجناء ل يعرفللون الحكللام الللتي صللدرت بحقهللم وقللررت‬
‫مصيرهم‪.‬‬
‫هذه المحكمة ذات نوعين من الصللحيات‪ ،‬فهلي تمللك الحلق فلي أن‬
‫تصدر أحكاما ً بالعدام وتنفذها بالقدر الذي تشللاء‪ ،‬وتسللجن مللن تشللاء‬
‫المللدة الللتي تشللاء‪ .‬لكنهللا لتملللك الحللق فللي إخلء سللبيل أي بريللء‬
‫"معروف هنا أن المهجعين الول والثاني يسميان حتى لللدى الشللرطة‬
‫بللل"مهجللع الللبراءة"‪ ،‬المحكمللة ذاتهللا وخلل عللدة سللنوات كللانت قللد‬
‫أصدرت أحكاما ً بالبراءة على سجناء هم في الحقيقة أطفال أعمللارهم‬
‫بين ‪ / 15 – 11 /‬عاما ً قبض عليهم خطأ ولكنهم بقوا في السجن ولم‬
‫يطلق سراح أي منهم‪ ،‬وقد قضى سجناء مهجللع الللبراءة فللي السللجن‬
‫مددا ً تتراوح بين ‪ / 15 – 10 /‬سنة‪ ،‬هؤلء الطفال خرجوا من السجن‬
‫فيما بعد رجا ً‬
‫ل"‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫اللئحة الثانية‪ :‬اللئحة السمية الثانية هللي لئحللة الللذين سللينفذ فيهللم‬
‫حكم العدام شنقا ً في اليوم نفسه‪ ،‬أيضا يدور الشرطة بهللذه اللئحللة‬
‫على جميع المهللاجع طللالبين مللن الشللخاص المدرجللة أسللماؤهم فللي‬
‫اللئحة الستعداد‪.‬‬
‫اليوم هناك أربعة أشخاص من مهجعنا سيتم تنفيذ حكم العللدام بهللم‪،‬‬
‫بعد أن أبلغوهم‪ ،‬قام هؤلء الشخاص الربعة بالذهاب الللى المغاسللل‪،‬‬
‫تطهروا‪ ،‬توضؤوا‪ ،‬صّلى كل واحد منهللم صلللة عاديللة‪ ،‬أي صلللة علنيللة‬
‫ف فيهلا‪" ،‬وهلل بعلد‬
‫مكشوفة للجميع فيها سجود وركوع‪ ،‬صللةً ل خلو َ‬
‫الموت خوف؟!" بعدها طافوا المهجع وّدعوا الجميع مصافحة وتقبي ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ سامحونا يا جماعة‪ ...‬نرجوا أن تغفروا لنا أخطاءنللا‪ ،‬ادعللوا لنللا‬‫عند الله أن يأخذنا بواسع رحمته وأن يحسن ختامنا‪.‬‬
‫الشخاص الربعة أعرفهم جيدًا‪ ،‬هللم كلهللم شللباب فللي مثللل سللني أو‬
‫أكبر‪" ،‬النسبة الغالبة من الذين أعدموا هم مللن الشللباب‪ ،‬وقلللة منهللم‬
‫تكون قد تجاوزت الربعين"‪.‬‬
‫الهدوء‪ ،‬ابتسامة خفيفة‪ ،‬أراقبهم جيدًا‪ ،‬أتلصص‪ ،‬هللل هللدوؤهم حقيقللي‬
‫أم مصطنع؟ أرقب اليدين‪ ،‬زوايا الشفتين‪ ،‬العيون‪ ،‬ل ألمللح شلليئا ً يللدل‬
‫على الخوف أو الهلع‪.‬‬
‫يوّدعون ويصافحون الجميع عداي‪ ،‬يقفون إلى جللانب رئيللس المهجللع‪،‬‬
‫يخلعون كل الثياب التي ل زالت بحالة جيللدة وتصلللح لسللتخدامها مللن‬
‫قبل الحياء من بعدهم‪ ،‬يلبسون بدل ً منها ثيابا مهترئة ل تصلح لشلليء‪،‬‬
‫يسلمون الثياب الجيللدة اللى رئيللس المهجللع لتللوزع بمعرفتلله‪ ،‬يقفللون‬
‫خلف الباب الذي ل يلبث أن يفتح ‪ ...‬ويخرجون‪.‬‬
‫العدام يتم قبالة مهجعنا‪ ،‬وقد رأينا المشانق عدة مرات أثناء خروجنللا‬
‫أو دخولنا مللن التنفللس‪ ،‬وهنللاك يتللم تجميللع الللذين سلليتم تنفيللذ حكللم‬
‫العدام بهم‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫بيلن الفينللة والخلرى نسللمع صللوت التكللبير ينطلللق مللن حنللاجر عللدة‬
‫أشخاص معًا‪ ،‬يبدو أنها الدفعة التي يأتي دورها بالتنفيذ‪:‬‬
‫ الله أكبر ‪ ...‬الله أكبلل ‪.‬‬‫خلل الفترة الماضية كلها كان شعر جسدي يقف منتصبا ً كلما سللمعت‬
‫هذا الصوت ينطلق قبالة مهجعنا‪.‬‬
‫فللي الليللل يطللابق السللاهرون بيللن العللدد الللذي ورد عللبر التصللال‬
‫"المورس" وبين عدد ارتطامات الجثث على أرضية السيارة‪.‬‬
‫ صحيح ‪ ...‬خمسة وأربعون شهيدًا‪.‬‬‫في اليومين التاليين ينهمك الحفظة بحفظ أسمائهم وعناوينهم‪.‬‬
‫‪ 15‬تككمكككككككوز‬
‫من أحاِدثلـه‪.‬‬
‫الن أصبح هناك َ‬
‫في لحظة كان فيها الحارس على السطح قريبلا ً مللن الشلّراقة‪ ،‬وقللف‬
‫أحد السجناء وسط المهجع‪ ،‬وضع يده على خده كمن يمسك بسللماعة‬
‫هاتف‪ ،‬صاح‪:‬‬
‫ ألو ‪ ...‬ألو ‪ ...‬أعطوني القائد‪.‬‬‫"القائد هو لقب شقيق رئيس الدولة‪ ،‬ويقود واحدة من أقللوى وحللدات‬
‫الجيش‪ ،‬ويعتبر خليفة للرئيس"‪.‬‬
‫سكت الجميع‪ ،‬عيونهم موزعللة بيلن الحلارس والسللجين اللذي اسللتمر‬
‫يطلب القائد‪ ،‬وأحيانا ً يطلبه باسمه الول‪ ،‬ثوان قليلة وهجم عليه أربعة‬
‫موا فمه إلى حيث المغاسللل‬
‫أشخاص سحبوه من وسط المهجع وقد ك ّ‬
‫وهو المكان الذي ل يستطيع أن يراه الحللارس فيلله‪ ،‬عللاد واح لد ٌ منهللم‬
‫وقال لرئيس المهجع مبتسما ً ‪:‬‬
‫قس!‪.‬‬
‫ يبدو إّنه الخ فَ َ‬‫ ل حللول ول قللوة إل بللالله‪ ،‬اللهللم ثبللت عقولنللا‪ ،‬العقللل زينللة‬‫النسان!‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫جنونه كان لطيفًا‪ ،‬ل أذى‪ ،‬ل هياج‪ ،‬فقط يريد أن يكلم القائد‪.‬‬
‫ ماذا تريد من القائد؟‬‫ هناك موعد بيني وبينه‪ ،‬لم يأت ‪ ...‬لقد أخلف الموعد!‪.‬‬‫تخاله طبيعيًا‪ ،‬أكثر جمله وأحاديثه مترابطة‪ ،‬ولكنه خرق النظللام العللام‬
‫ة‪:‬‬
‫للمهجع في أكثر المور أهمية وحساسي ً‬
‫لم يعد يصلي‪ ،‬لم يعد يغتسل‪ ،‬وبعد عدة أيام من جنللونه فاجللأ الجميللع‬
‫وفاجأني‪ ،‬جلس قبالتي على فراشي‪ ،‬حياني قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ السلم عليكم ‪ ...‬إنت شو اسمك؟‪.‬‬‫ج كياني كله‪ ،‬لم أستطع أن أرد تحيته‪ .‬فقط كنللت أنظللر إليلله‪ ،‬إلللى‬
‫ارت ّ‬
‫عينيه الباسمتين مباشرة‪ ،‬منذ أكللثر مللن سللنتين لللم أنظللر فللي عينللي‬
‫إنسان بهذا القرب‪ ،‬أحسست بالدفء‪.‬‬
‫سكت جميع من في المهجع‪ ،‬شيء غير مألوف يحدث أمامهم!‪ ،‬جميللع‬
‫العيون منصّبة على فراشي وعلى الكائنين الجالسين عليه‪ ،‬دهشة من‬
‫نوع خاص تكسو جميع الوجوه‪ ،‬يبدو أن الجميع كان قللد نسلليني‪ ،‬ففللي‬
‫غمرة الحداث وضمن شلل الموت المتللدفق سللكنت مشللاعر العللداء‬
‫المتأججة نحوي‪ ،‬أو بالحرى غطاهللا الرمللاد‪ ،‬بقيللت مثللل الجمللر تحللت‬
‫الرماد‪.‬‬
‫لقد تعودوا على وجودي إلى جانب الباب ولم يعد هللذا الوجللود يطللرح‬
‫أسئلة عليهم‪ ،‬لون الباب أسود بشللع‪ ،‬فللي البدايللة يسللتفز لللون البللاب‬
‫الجميع‪ ،‬ولكن مع توالي اليام يألفونه ثم ينسونه‪ ،‬وكذلك وجودي إلللى‬
‫جانبه‪.‬‬
‫والن يوسف "مجنون القائد كمللا أصللبح اسللمه"‪ ،‬يعيللد تللذكيرهم بكللل‬
‫شيء‪ ،‬دهشوا‪ ،‬تفحصوا وجهي‪ ،‬كنت مهمل ً والن بفضل مجنون القللائد‬
‫أعود إلى دائرة الضواء!‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫العجزة في المهجع كثر‪ ،‬المشلولون والمجانيين‪ ،‬ثلثة عميان‪ ،‬أخللرس‬
‫واحد‪.‬‬
‫أمي َُز حالةٍ بين المجانين إضافة إلى يوسف هي حالة دكتور الجيولوجيللا‬
‫)ل أعرف هل هو جنون أم شيء آخر(‪ ،‬رجل في الخمسين من عمره‪،‬‬
‫ذهب إلى أمريكا لدراسللة الجيولوجيللا‪ ،‬نجللح فللي دراسللته وحللاز علللى‬
‫م‬
‫الدكتوراه بدرجة امتياز‪ ،‬عاد إلى البلد‪ ،‬وبعد عودته ببضع سنوات تسل ّ َ‬
‫إدارةَ واحدةٍ من أهم المؤسسات العلمية‪ ،‬كان ميال ً إلى التدين‪ ،‬يؤدي‬
‫فرائض الدين بأوقاتها‪ ،‬يصلوم ويصللي‪ ،‬ذهللب إللى مكلة للحللج‪ ،‬وإبلان‬
‫احتدام الصراع بين السلميين والسلطة كانت هذه الصفات تهمة بحد‬
‫ذاتها‪ ،‬عند فجر أحد اليام سحبه رجال المخابرات مللن وسللط عللائلته‪،‬‬
‫وماذا جرى بعد ذلك ل يعرف أحد‪.‬‬
‫يجلس دكتور الجيولوجيا على الرض متربع لا ً ووجهلله إلللى الحللائط ثللم‬
‫يغطي نفسه كامل ً بالبطانية‪ ،‬ليل ً ونهارًا‪ ،‬صلليفا ً وشللتاًء‪ ،‬حللاول كللثيرون‬
‫أن يسألوه‪ ،‬يحادثوه‪ ،‬سنوات ‪ ...‬لم يلفظ حرفا ً ‪ ...‬لم يفتح عينًا‪.‬‬
‫يرفع أحدهم بطانيته من المام قليل ً ويضع له الطعام في حجره‪ ،‬يأكل‬
‫وهو مغطى بالبطانية‪ ،‬يذهب إلى المرحاض وهو مغطى بالبطانية‪ ،‬كل‬
‫بضعة أيللام يقللوده اثنلان مللن تحللت إبطيلله لل وهللو مطيللع جللدا ً لل إللى‬
‫المغاسل‪ ،‬يخلعون ثيابه‪ ،‬يغسلون جسده‪ ،‬يعيدونه وهو مغطللى‪ ،‬مكللان‬
‫دكتور الجيولوجيا قبالتي تمامًا‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫نحن الن جائعون ‪ ...‬وجائعون بشدة‪ ،‬منذ ثلثة أشللهر هبطللت كميللات‬
‫الطعام التي تقدمها لنا إدارة السجن هبوطا ً حادًا‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫كان لكل سجين يوميا ً رغيفان من الخبز العسكري‪ ،‬الن رغيللف واحللد‬
‫لكل أربعة سللجناء‪ ،‬حصللتي اليوميللة ربللع رغيللف لثلث وجبللات‪ ،‬اليللوم‬
‫فطوري كان ثلث حبات زيتون هي كامل حصتي‪ ،‬ملعقللة صللغيرة مللن‬
‫المربى على العشاء‪ ،‬إذا كان الفطار بيضلا ً فلكلل ثلثلة سلجناء بيضلة‬
‫مسلوقة‪" ،‬نصح الطباء الجميللع بعللدم رمللي قشللر الللبيض‪ ،‬يسللحقونه‬
‫ويأكلونه للتعويض عن الكلس"‪.‬‬
‫بعد ثلثة أشهر من الجوع‪ ،‬الهزال واصفرار الوجوه بللادٍ علللى الجميللع‪،‬‬
‫قّلت حركة الجميع‪ ،‬من كان يقوم بالرياضة سرا ً أقلع عنها‪.‬‬
‫الشرطة تراقب‪ ،‬وتواصل عملها كالمعتاد‪.‬‬
‫جلس يوسف قبالتي على الفراش‪ ،‬في يده اليمنى قطعة خبز صغيرة‬
‫فوقها قليل من مربى المشمش‪ ،‬ناولني إياها‪:‬‬
‫ خود ‪ ...‬هاي إلك‪.‬‬‫ شكرا ً يا يوسف‪ ...‬هادا عشاك ولزم تاكله‪.‬‬‫ ل أنللا شللبعان ‪ ...‬وإنللت زلملله بللدك تتجللوز بكللره‪ ،‬لزم تاكللل‬‫عسل‪ ،‬قال الدكتور إن العسل مفيد‪.‬‬
‫ثم تابع الحديث دون أن يتيح لي فرصة الكلم‪:‬‬
‫ هلق إنت شو بتتمنى؟‪.‬‬‫ أتمنى أن أطلع من هون‪.‬‬‫ شوف ‪ ...‬هون كويس ‪ ...‬إنت تعرف إنه عنللدي فللرس أصلليلة‬‫لونها أحمر‪ ،‬وعندي تياب كلها بيضا‪ ،‬أبيض بأبيض ‪ ...‬استنى شي‬
‫كم يوم بتشوف أخوك يوسف لبس أبيض بأبيض ‪ ...‬وراكب عـلل‬
‫ص موسكو ‪ ..‬بالساحة الحمراء ‪..‬‬
‫الفرس الحمرا‪ ،‬وواقف بن ّ‬
‫حد ّ قلي ً‬
‫ل‪:‬‬
‫سكت لحظ ً‬
‫ة ثم أردف بصو ٍ‬
‫تأ َ‬
‫ والله ‪ ...‬والله بدنا نلد ُ ّ‬‫ك أسللوار موسللكو!‪..‬بللدنا نمسللح الكفللر‬
‫والكفار!‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫‪ 15‬أيككلككككول‬
‫أنا جائع‪ .‬أكثر من خمسة شهور مرت على بداية الجوع‪ ،‬غريزة البقللاء‪،‬‬
‫بدأت تحدث بعض المشللاجرات بيللن السللجناء بسللبب توزيللع الطعللام‪،‬‬
‫ة‪ُ ،‬تطلَرح هنللا‬
‫عهدوا بهللذا المللر إلللى أكللثر الشللخاص احتراملا ً و مهابل ً‬
‫تساؤلت كثيرة حول سبب نقص الطعام‪:‬‬
‫ هم يريدوننا أن نموت جوعًا!‪.‬‬‫ قد يكون لدى السلطة النية بإخلء سللبيلنا‪ ،‬لكنهللا ل تريللدنا أن‬‫نكون أقوياء في الخارج‪ ،‬يجب أن نكون مرضى كللي ل نسللتطيع‬
‫القيام بشيء خارجًا‪.‬‬
‫الكثير مللن التخمينللات‪ ،‬الكللثير مللن التحليلت‪ ،‬ولكللن الشللرطة كللانت‬
‫تراقب‪.‬‬
‫فتللح اليللوم عناصللر الشللرطة البللاب وطلبللوا إدخللال الطعللام‪ ،‬ركللض‬
‫الفدائيون وقاموا بإدخال كميات الطعام الهزيلة‪ ،‬ولول مللرة لللم يكللن‬
‫هناك ضرب وكرابيج‪ ،‬برز بعدها المسللاعد ووقللف علللى بللاب المهجللع‪،‬‬
‫بيده بطيخة حمراء تزن حوالي ثلثة كيلو غرام‪ ،‬صاح برئيس المهجع‪:‬‬
‫ تعال لهون‪.‬‬‫ذهب رئيس المهجع إليه مسرعًا‪.‬‬
‫ خود هـ البطيخة‪ ،‬حصة المهجع!‪.‬‬‫سكت قليل ً وبعد أن تناول رئيس المهجع البطيخة‪ ،‬قال المساعد‪:‬‬
‫ بدي شوف كيف بدك توزع هـ البطيخة على السلجناء!‪.‬‬‫تردد رئيس المهجع قليل‪ ،‬في البداية ظهرت على وجهه علئم الحيرة‪،‬‬
‫ثم أمارات التحللدي والسللتفزاز‪" ،‬أصللبحت أعرفلله جيللدا ً بحكللم قربلي‬

‫‪88‬‬

‫ت إلى داخللل المهجللع وصللاح بصللوت‬
‫منه"‪ ،‬أطرقَ برأسه قليل ً ثم التف َ‬
‫عال‪:‬‬
‫ يا مرضانين ‪ ...‬هاي البطيخة إلكم‪.‬‬‫وناولها إلى أحد السجناء‪.‬‬
‫نظر إليه المساعد لثانيتين بتمعللن شللديد‪ ،‬رجللع خطللوتين إلللى الللوراء‬
‫وصفق الباب بوجه رئيس المهجع بقوة‪.‬‬
‫م‬
‫جلس جميع السجناء‪ ،‬شعور الفخر يغمر الجميع‪ ،‬حللتى أنللا‪ ،‬لقللد ه لَز َ‬
‫س المهجع المساعد‪ ،‬يكفي أنه أغاظه‪.‬‬
‫رئي ُ‬
‫فيما الجميع منهمكون بالحدث حانت مني التفاتة إلى اليسللار وإذا بللي‬
‫أرى الساحة تُلوح أمامي‪ ،‬ساحة العدام‪ ،‬الساحة السادسة‪ .‬هناك إلى‬
‫جانب‪ ،‬كشف الباب‪ ،‬فجأة وجدت ثقبا ً غير منتظم أكبر قليل ً من حجللم‬
‫جوزة‪ ،‬هذا الثقب حدث الن!‪ .‬نظللرت حللولي فوجللدت كتلللة إسللمنتية‬
‫دته‪،‬‬
‫على طرف فراشي‪ ،‬حملتها وسددت الثقب بها فركَبت تماما ً وسلل ّ‬
‫الثقب على مستوى رأسي وأنا جالس‪.‬‬
‫عندما صفق المساعد الباب وملن قلوة الضلربة سلقطت هلذه الكتللة‬
‫السمنتية والتي يبدو أنها بالساس متشققة وأحدثت هذا الثقب‪.‬‬
‫الن أستطيع أن أرى كل ما يدور في الساحة متى أشاء ذلك‪ ،‬أستطيع‬
‫صص على الخارج كما أتلصص من ثقب قوقعتي على الداخل‪.‬‬
‫ان أتل ّ‬
‫يوسف "مجنون القائد" انقطع عن زيارتي‪ ،‬أو لم يعللودوا يسللمحوا للله‬
‫بزيارتي‪ ،‬انتبهوا لي مجددا ً بعد زياراته‪ ،‬مجموعة من الشخاص أخللذت‬
‫على عاتقها أمر الحيلولة بينه وبيللن زيللارتي‪ ،‬يراقبللونه وهللم جالسللون‬
‫حتى إذا رأوه متجها ً نحوي ناداه أحدهم أو وقف في طريقه يمازحه‪:‬‬
‫ شو يوسف ‪ ...‬ما بدك تخبر القائد؟‪.‬‬‫دي خبرو ‪ ...‬بس تلفوني مقطوع‪.‬‬
‫‪ -‬إي ‪ ..‬ب ّ‬

‫‪89‬‬

‫‪- -‬‬

‫تعال لهون ‪ ...‬أنا عندي تلفللون‪.‬‬

‫)يأخللذه إلللى مكللانه‪،‬‬

‫يحادثه إلى أن ينسى يوسف أنه كان قادما ً لعندي(‪.‬‬
‫{الجوع يقرص معدتي}‪.‬‬
‫‪ 20‬أيككلكككول‬
‫ثلثة أيام بعد اكتشاف الثقب‪ ،‬ثلثة أيام لم أستطع أن أنظر من خلله‪،‬‬
‫قلبي ينبض بشدة كلما فكرت في المر‪.‬‬
‫طوال اليوم وأنا أفكر كيف أتغلب على خللوفي مللن الشللرطة‪ ،‬والهللم‬
‫خوفي من السجناء‪ ،‬ماذا سيفعل السللجناء إذا رأونللي وأنللا أنظللر عللبر‬
‫الثقب؟!‪.‬‬
‫هبط علي الوحي عندما نظرت أمامي‪ ،‬إلى دكتور الجيولوجيا‪ ،‬لمللاذا ل‬
‫أفعل مثللله؟!! أديلر وجهللي قبالللة الحلائط وأغطللي نفسلي بالبطانيللة‪،‬‬
‫بحيث تغطي البطانية الثقب أيضًا‪ ،‬وهكذا أنظر بحريللة دون أن يلحللظ‬
‫أحد‪ ،‬وهذا يخلصللني فللي الللوقت نفسلله مللن النظللرات العدائيللة الللتي‬
‫ازدادت مؤخرًا‪ .‬ولكن يجلب أن أجلرب التغطيلة لملدة يلومين أو ثلثلة‬
‫قبل أن أغامر وأفتح الثقب وأنظر من خلله‪.‬‬
‫القمل يهرش جسدي‪ ،‬لم أستطع العتياد عليه والتعايش معه بعد‪.‬‬
‫{لجوع يشتد ويتراكم{‪.‬‬
‫‪ 30‬أيككلككككول‬
‫نجحت في أن أجعلهم يعتادون علللى رؤيللتي مغطللى بالبطانيللة ‪ ..‬منللذ‬
‫يومين مّر أحد السجناء من خلفي وأنا مغطى‪ ،‬سللمعته يقللول لرئيللس‬
‫المهجع‪:‬‬
‫ شو يا أبو محمد؟‪ ..‬كنا بواحد صرنا بللاثنين ‪ ..‬شللو القصللة؟ ‪...‬‬‫جر الطابق الفوقاني؟!‪.‬‬
‫كمان الستاذ أ ّ‬
‫‪ -‬خليها على الله‪ ...‬اللهم نسألك حسن الختام‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫لم أستطع ان أنظر من خلل الثقب ول مرة‪ ،‬لن الشرطة كللانت فللي‬
‫حالة هياج شديد‪ ،‬فقد كانت تمر فللترات نشللعر فيهللا أن قبضللة رجللال‬
‫الشرطة قد تراخت قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وفجأة تعود هذه القبضللة لتصللبح مللن حديللد‬
‫ة أحللداثا ً هامللة تللدور فللي الخللارج‪،‬‬
‫م َ‬
‫ونار‪ ،‬عندها يخمن البعض هنا أن ث ّ‬
‫رج وقللد تكللون‬
‫من َِيت بخسائر جسلليمة وأ ّ‬
‫وأن السلطة قد ُ‬
‫ن وضلَعها حل ِ‬
‫آيلة للسقوط‪ ،‬ونتيجة لعجزها عن مواجهة ما يللدور فللي الخللارج فإنهللا‬
‫تحاول التعويض عن ذلك هنا‪ ،‬فتنتقم من السجناء المسللاكين الللذين ل‬
‫حول لهم ول قوة ‪.‬‬
‫‪ 6‬تكشككريككن الول‬
‫اليوم كان مليئًا‪ .‬منذ الصباح تعج الساحة بالصوات والضلرب والصلياح‬
‫والصراخ‪ُ .‬فتللح بللاب مهجعنللا وخللرج الفللدائيون لدخللال الطعللام تحللت‬
‫ة عصللا سللقط علللى‬
‫ضرب الكرابيج والعصي‪ ،‬أحد الفدائيين تلقى ضرب َ‬
‫إثرها أرضا ً وكانت هذه آخر سقطة للله‪ ،‬بقللي فللي الخللارج وحيللدا ً بيللن‬
‫أيدي عناصر الشرطة‪ ،‬وبعد قليل صاح الرقيب‪:‬‬
‫خلوه‪.‬‬
‫ ول كلب ‪ ...‬تعوا د ّ‬‫عاد إلى المهجع محمول ً بدل ً من أن يكون حام ً‬
‫ل‪.‬‬
‫تلقفه الطباء في المهجع‪ ،‬بعد أكللثر ملن سلاعة لفللظ أنفاسلله وأسللم‬
‫الروح بعد أن أوصى صديقه بصوت متهدج‪:‬‬
‫سّلم على أبوي ‪ ...‬إذا الله فَّرج عنك ‪ ...‬احكيلوا عني ‪ ...‬وقل‬
‫ َ‬‫له يرفع راسه بابنه‪.‬‬
‫ن بادٍ عليه‪:‬‬
‫واحد من الطباء أتى إلى عند رئيس المهجع والحز ُ‬
‫ البقية بحياتك يا أبو محمد ‪...‬يللوم جديللد وشللهيد جديللد‪ ...‬الللله‬‫خّلوا محل ّ‬
‫ل بجسللمه إل وضللاربينه ‪...‬عللدة إصللابات ‪...‬‬
‫يرحمه ما َ‬
‫حتى الخصيتين مهروسات هرس‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫ عليه رحملة اللله‪ ،‬خللي الشلباب يجهلزوه مشلان نلدق البلاب‬‫ونطالعه‪.‬‬
‫انغمس المهجع بتجهيز الشهيد‪ ،‬الحللديث عللن الشللهيد‪ ،‬مللآثره‪ ،‬وصلليته‬
‫الخيللرة‪ ،‬ثللم صلللوا عليلله سلّرا ً وأحضللروه قللرب البللاب‪ ،‬وضللعوه فللي‬
‫الفسحة الفاصلة بيني وبين أبو محمد رئيس المهجع‪ .‬علـقَ واحد‪:‬‬
‫ العمللى شللو هـ ل الحالللة؟! عللم نمللوت واحللد ورا واحللد متللل‬‫الخرفان!!‪.‬‬
‫لم يرد ّ عيه أحد‪.‬‬
‫وقف أبو محمد ودق الباب بجماع يده‪ ،‬وجاء الصوت من الخارج‪:‬‬
‫ شو بدك يا ابن الشرموطة؟‪ ...‬ليش عم تدق الباب؟‪.‬‬‫ يا سيدي ‪ ...‬في عنا واحللد شللهيد!!! ‪ ...‬عفللوا ً عفللوا ً ‪ ...‬واحللد‬‫ميت‪.‬‬
‫نسي أبو محمد حذره من كثرة ترداد كلمللة شلهيد فلي المهجللع‪ ،‬انتبلله‬
‫واستدرك ولكن هذا الستدراك جاء متأخرًا‪.‬‬
‫حللت الطاقللة الصللغيرة فللي البللاب الحديللدي وظهللر رأس الرقيللب‪،‬‬
‫فُت ِ َ‬
‫وبمنتهى الهدوء توجه بالسؤال إلى أبو محمد الذي كان واقفًا‪:‬‬
‫ مين يّلي قال شهيد يا رئيس المهجع؟‪.‬‬‫ أنا سيدي‪.‬‬‫أغلق الرقيب الطاقة وصاح بالشرطة أن يفتحوا الباب‪.‬‬
‫في الثواني القليلة التي استغرقها فتح البللاب‪ ،‬التفللت أبللو محمللد إلللى‬
‫الناس وقال‪:‬‬
‫ يا شباب سامحوني ‪ ...‬ادعوا لي ‪ ...‬ويل ّللي يض ل ّ‬‫ل طي ّللب منكللم‬
‫خليه يروح لعند ولدي ويحكيلهم كيف مات أبوهم!‪.‬‬
‫ُفتح الباب‪ .‬جمهرة من الشرطة أمامه تنظر إلى الداخل‪ ،‬جمهللرة مللن‬
‫السجناء وفي المقدمة أبو محمد ينظرون إلى الخارج‪ ،‬صاح الرقيب‪:‬‬

‫‪92‬‬

‫ ول ابن الشرموطة ‪ ...‬إطلع لبّره‪.‬‬‫قذف أبو محمد نفسه بينهم‪ ،‬صاح الرقيب بالشرطة أن يغلقوا البللاب‪،‬‬
‫كل السجناء واقفون إل العجزة ودكتور الجيولوجيللا‪ ،‬جلسللت أنللا أيضلا ً‬
‫وغطيت نفسي بالبطانيلة‪ ،‬وبسلرعة وبهلدوء نزعللت الكتللة السلمنتية‬
‫قليل ً قلي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫لم أكن أعي أو أدرك ما أفعل‪ ،‬فالشرطة أمام مهجعنللا تمام لا ً والثقللب‬
‫كبير يمكن لي شرطي أن يلحظه‪ ،‬ولكني فتحت الثقب ونظرت‪.‬‬
‫أبو محمد كان ضللابطا ً سللابقًا‪ ،‬وكللان رجل ً حقيقيلًا‪ .‬منللذ فللترة وعنللدما‬
‫حدثت بعض المشاحنات في المهجع بسبب توزيع الطعام القليل أص ً‬
‫ل‪،‬‬
‫س من قبل شخص ما‪ ،‬بقي على أثرها سللبعة أيللام لللم‬
‫س أنه قد ُ‬
‫م ّ‬
‫أح ّ‬
‫يتناول خللها ول ذرة طعام‪ ،‬سلبعة أيلام بلدون طعلام بعلد أشلهر ملن‬
‫الجوع‪ .‬أتى لعنده مجموعة من كبار المشلايخ والنلاس الكللثر احتراملا ً‬
‫جللوه‬
‫في المهجع يطيبون خللاطره ويعتللذرون نيابللة عللن كللل النللاس‪َ ،‬ر َ‬
‫صلّروا عليلله أنهللم لللن يللذهبوا مللن‬
‫رجاًء خالصا ً أن ينسى كل شيء‪ ،‬وأ َ‬
‫عنده قبل أن يأكل‪ ،‬وكان مما قاله أبو محمد ردا ً عليهم‪:‬‬
‫ أبو محمد ل يمكن أن يسمح لل"لقمة أكل" أن تللذّله‪ ،‬وإذا كللان‬‫من تصرف أو سيتصرف بدناءة‪ ،‬فهذا الشللخص لللن يكللون‬
‫هناك َ‬
‫أبو محمد‪ ،‬الموت ول الذل‪.‬‬
‫ت الثقب كللان أول ملن رأيللت هلو أبلو محملد‪ ،‬بيلده عصلا ً‬
‫بعد أن فتح ُ‬
‫غليظة من المؤكد أنه انتزعها من أحد عناصر الشرطة بعد أن فاجأهم‬
‫بطريقة خروجه‪ ،‬يضرب بها ذات اليمين وذات الشمال‪ ،‬تحيط به دائرة‬
‫من عناصر الشرطة والبلديات‪ ،‬ثم رأيت واحللدا ً مللن الشللرطة ممللددا ً‬
‫على الرض‪.‬‬
‫تضيق الدائرة حوله وتنهال عليلله بعللض الضللربات مللن الجللانبين ومللن‬
‫الخلف‪ ،‬يتألم‪ ،‬يلتفت ويهجم‪ ،‬تتسع الدائرة‪ ،‬معركة حقيقية ولكنها غيللر‬

‫‪93‬‬

‫ف رج ٌ‬
‫ل يعرف أنه سيموت فللي كللل الحللوال‪،‬‬
‫متكافئة عدديًا‪ ،‬من طر ٍ‬
‫وقرر أل ّ يموت موتا ً سهل ً ورخيصًا‪ ،‬ومن الطرف الخر مجموعة كبيرة‬
‫من الشخاص اعتادوا أن يكون قتلهم للخرين سه ً‬
‫ل‪.‬‬
‫والكللثرة غلبللت الشللجاعة‪ .‬سللقط أبللو محمللد أرضلا ً بعللد زمللن قلدرته‬
‫بحوالي ربع الساعة‪ ،‬حضر أثناءها المساعد والطلبيب وملدير السلجن‪.‬‬
‫على الرض أربعة أشخاص ممددين‪ ،‬ثلثة من الشرطة بينهللم الرقيللب‬
‫صد َ أبو محمد أن يهاجمه هو رغم‬
‫"ابن الشرموطة"‪ ،‬لقد رأيت كيف تق ّ‬
‫أنه كان بعيدا ً عنه‪ ،‬وكيف نزلت عصا أبو محمد على رأسه‪.‬‬
‫فحص الطبيب الجميع‪ ،‬أسعفوا أحد العناصر بسرعة‪ ،‬الرقيب والعنصر‬
‫الخر ماتا‪،‬‬

‫أبو محمد مات‪ ،‬قدم الطبيب هذا الشرح لمدير السجن‬

‫الذي التفت إلى المساعد طالبا ً منه أن يجمع كل من في السجن مللن‬
‫عناصللر الشللرطة والبلللديات وأن يقللف جميللع الحللراس المسلللحين‬
‫الموجودين على السطح فوق مهاجع الساحة السادسة‪.‬‬
‫ه‪ .‬أغلقت الثقب جيدًا‪ ،‬وأزحت البطانية‪) .‬من‬
‫ما ينت ِ‬
‫عرفت أن المشهد ل ّ‬
‫الشياء الللتي ل يمكللن أن أنسللاها أبللدًا‪ ،‬شللجاعة العميللد فللي السللاحة‬
‫الولى وشجاعة أبو محمد في الساحة السادسللة‪ ،‬وفكللرت كمللا يفكللر‬
‫الجميع هنا‪ ،‬تساءلت‪ :‬كيلف يحلدث‪ ،‬أو لملاذا يحلدث‪ ،‬أن يوجلد ضلباط‬
‫كهؤلء في السجن‪ُ ،‬يقتلون فيله والكلل يعلرف أننلا فلي حاللة حلرب؟‬
‫ولكن فورا ً قمعت هذا التفكير‪ ،‬محوته من ذهني(‪.‬‬
‫م مديُر السجن أن ما حللدث كللان تمللردا ً وسللابقة خطيللرة‬
‫اعتبَر المقد ُ‬
‫يجب أن تجابه بكل قوة‪ ،‬بمنتهللى القسللوة والعنللف كللي تكللون درس لا ً‬
‫للجميع‪.‬‬
‫حوالي الثلثمائة سجين‪ ،‬يحيط بهم على محيط الساحة أكثر مللن هللذا‬
‫العللدد بكللثير مللن عناصللر الشللرطة والبلللديات‪ ،‬عشللرات الحللراس‬
‫المسلحين على السطح‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫ ل تتركوا أحدا ً في المهجع‪.‬‬‫جمعونا وسللط السللاحة‪ .‬فللي آخللر الصللف قريبلا ً مللن المهجللع وضللعوا‬
‫العجزة‪ ،‬ألقى مدير السجن محاضللرة نصللفها شللتائم‪ ،‬والنصللف الخللر‬
‫ده‪ ،‬قال للمساعد‪:‬‬
‫تهديد ووعيد‪ ،‬وقد ن ّ‬
‫فذ َ تهدي َ‬
‫ ما بدي حدا يفوت علللى المهجللع وهللو ماشللي‪ ،‬السللليم منهللم‬‫لزم يفوت زحف على بطنه‪.‬‬
‫"بعللض السللجناء سيسللمي هللذا اليللوم لحق لا ً يللوم التنكيللل وبعضللهم‬
‫سيسميه يوم أبو محمد"‪.‬‬
‫استمر التنكيل من ُقبيل الظهر إلى ما بعد حلللول الظلم‪ ،‬وكللان أكللثر‬
‫ما يؤلم مشهد المشلولين وهم ُيضربون‪ ،‬يحللاولون الحركللة‪ ،‬يحللاولون‬
‫تفادي الضرب‪ ،‬ويظلون مكانهم‪.‬‬
‫ف َ‬
‫ل‬
‫سه أو غيره‪ ،‬تك ّ‬
‫جر ً‬
‫ة‪ ،‬ومن لم يستطع أن ي ُ َ‬
‫جر َ‬
‫دخلنا زحفا ً و َ‬
‫جر نف َ‬
‫جر ِ‬
‫البلديات بل "قذفه" داخل المهجع‪ ،‬أخذنا نضمد جراحنا‪ ،‬نغسلها‪ ،‬نبحللث‬
‫مزقة قماش نلف بها جرحا ً ما‪.‬‬
‫عن ِ‬
‫الجوع يعضنا‪ ،‬رغم ذلك نمنا‪.‬‬
‫‪ 7‬تكشكريكن أول‬
‫في الصباح الجميع ينظر إلى الجميع‪ ،‬كل من لللديه القللدرة يحللاول أن‬
‫ن على جاره‪ ،‬الحصيلة ثلثة قتلى مللاتوا لي ً‬
‫ل‪ ،‬جراحللي خفيفللة ول‬
‫يطمئ ّ‬
‫تشكل أي خطر‪.‬‬
‫أتللى المسللاعد ومعلله الشللرطة‪ ،‬كللل مللن يسللتطيع الوقللوف وقللف‪،‬‬
‫"اكتشفت أن أبو حسين وهللو الشللخص الللذي يللوزع الطعللام ويرضللي‬
‫الجميع كان قد نقل فراشه ليل ً إلى مكان أبو محمد"‪.‬‬
‫تقدم المساعد خطوتين‪ ،‬شمل المهجع بنظرتلله‪ ،‬ابتسللامة علللى زاويللة‬
‫الفم‪ ،‬نظر إلى‬

‫ي قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ي‪ ،‬أشار إل ّ‬
‫أبو حسين‪ ،‬نظر إل ّ‬

‫‪ -‬إنت بتصير رئيس مهجع‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫ت المساعد وتراجعَ يريلد النصلراف‪ ،‬تحلرك أبلو‬
‫َ‬
‫جب‪ ،‬سك َ‬
‫ت ولم أ ِ‬
‫سك ّ‬
‫حسين مصطنعا ً الخوف‪ ،‬رفع يده عاليا ً وقال‪:‬‬
‫ يا سيدي اسمح لي بكلمة‪.‬‬‫ قول وَْل كّر‪.‬‬‫ يا سيدي هادا يّلي عّينُته رئيس مهجع ‪ ..‬يا سيدي‪ ،‬مجنون!‪.‬‬‫ي‪ ،‬سألني‪:‬‬
‫التف َ‬
‫ت المساعد إل ّ‬
‫ إنت مجنون ‪ ..‬وَْل؟‪.‬‬‫لم أجب‪ .‬لم أعرف بماذا أجيب‪ .‬قال المساعد‪:‬‬
‫ طيب ‪ ..‬أصبح إنت بدك تصير رئيس مهجع‪.‬‬‫دك سيدي ‪ ..‬بس في عندنا ثلثة ميتين‪.‬‬
‫ متل ما ب ّ‬‫ ميتين؟‪ ..‬وّل شهداء؟‪.‬‬‫ ميتين سيدي‪ ..‬ميتين‪.‬‬‫فقوا‪ ..‬وَْل جحش‪.‬‬
‫ قول ن َ‬‫ نفقوا سيدي‪ ..‬نفقوا‪.‬‬‫ يـ الله ‪ ..‬طالعوهم لب َّره‪.‬‬‫وأغلقَ الباب‪.‬‬
‫أصبح أبو حسين رئيس المهجع‪ ،‬اقترب مني بهدوء وقال‪:‬‬
‫ أنا بعرف إنك مانك جاسوس‪ ،‬وساويتك مجنون لنه للضللرورة‬‫أحكام‪.‬‬
‫"ها هو واحد آخر منهم يشعرني بالمان الى جانبه"‪.‬‬
‫‪ 24‬شكككككككبككاط‬
‫البرد يجمدنا‪ ،‬الجوع يضنينا‪.‬‬
‫أكثر من عشرة أشهر مرت ونحن جللائعون‪ ،‬ربللع رغيللف أقسللمه ثلثللة‬
‫أقسام‪ ،‬وأقاوم‪ ،‬أقاوم الرغبة بالتهامه كله دفعة واحدة‪ ،‬عشرة شللهور‬

‫‪96‬‬

‫لم يصل فيها أحد السجناء إلى الشعور بالشبع‪ ،‬الهزال بدا شديدا ً على‬
‫الجميع‪ ،‬الوجوه مصفرة وآثار سوء التغذية جلية واضحة‪.‬‬
‫في البداية تعامل الجميع مع المسألة بأنفة وعزة نفللس‪ ،‬شلليئا ً فشلليئا ً‬
‫ومع استمرار الوضع بدأت التصرفات الغريزية تطل برأسها‪ ،‬فالسللجن‬
‫أساسا ً هو عالم الشياء الصللغيرة‪ ،‬عللالم الصللغائر‪ ،‬اثنللان مللن أسللاتذة‬
‫الجامعللة‪ ،‬شخصللان محترمللان جللدًا‪ ،‬كللبيران فللي السللن‪ ،‬يتشللاجران‪،‬‬
‫يتشاتمان‪ ،‬ينتهي المر بالمقاطعة‪ ،‬والمسللألة برمتهللا تكللون قللد بللدأت‬
‫على الشكل التالي‪:‬‬
‫ يا أخي كم مرة قلت لك ل تلبس شحاطتي؟!‪.‬‬‫ إيه ‪ ...‬شو فيها إذا لبسناها؟ ‪ ..‬رح ينقص من قيمتها يعني؟!‪.‬‬‫ بينقص ما بينقص‪ ..‬ل تلبسها وبس‪ ..‬مية مرة حكينا‪ ..‬وّل إنللت‬‫ما بتفهم حكي؟!‪.‬‬
‫ أنا ما بفهم!!‪ ...‬شو شايفني حمار متل حضرتك؟!‪.‬‬‫ أنا حمار؟! ‪ ...‬إيه إنت وأبوك وكل عيلتك حمير!!‪.‬‬‫وقد يتطور المر بين الستاذين إلى الضرب إذا لم يتدخل أحللد بينهمللا‪.‬‬
‫ول يمر يوم دون مشاجرة أو أكثر موضوعها الوحيد الطعام‪:‬‬
‫ ليش أعطيتني قطعة خبز أصغر من غيري؟‪.‬‬‫ ليش تعطي لفلن ملعقة لبنة كاملة وأنا يا دوب نص ملعقة؟‪.‬‬‫ ما بيكفي إنه حصتي ثلث حبات زيتون وفوقها تكون صللغيرة‪،‬‬‫حبات غيري سمينة‪.‬‬
‫قبل شهر اجتمع الطباء )السجناء( مع رئيس المهجع أبو حسين‪ ،‬شرح‬
‫أحدهم لبو حسين أن استمرار الوضع الحالي ينذر بكارثة مرضية‪ ،‬وأن‬
‫لديهم أسبابا ً قوية من خلل ملحظاتهم وفحوصهم للعتقاد أن قسللما ً‬

‫من السجناء قد أصيب بالسل‬

‫‪ ،‬وطلبللوا منلله إبلغ ادارة السللجن‬

‫‪97‬‬

‫بالمر‪ ،‬وبعد نقاش تقرر اعتماد خطة المرحوم أبو محمد‪ .‬أبلغوا جميللع‬
‫المهللاجع بللالمر عللن طريللق "المللورس"‪ ،‬وتللبين أن الصللابات لللدى‬
‫الجميع‪ ،‬وبعد المطالبة حضر المسللاعد‪ ،‬شللرح للله أبللو حسللين الوضللع‬
‫وأردف‪:‬‬
‫ يا سيدي الطباء متأكدين إنه مرض السل‪ ..‬ومتل ما سيادتكم‬‫تعرفوا هادا مرض معدي كتير‪ ..‬ونحن وإنتو بمحلل واحللد‪ ،‬ومتللل‬
‫ما ممكن السللجين يمللرض‪ ،‬ممكللن ‪ -‬ل سللمح الللله ‪ -‬الشللرطي‬
‫كمان ينعدى‪.‬‬
‫ابتدأ العلج‪ ،‬تفاعل السلين‪ ،‬الرشيدين ‪...‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫صللص علللى سللاحة السللجن عللبر‬
‫أنا منذ أشهر مستمر بالمراقبللة والتل ّ‬
‫الثقب‪ ،‬حفظت وجوه عناصر الشللرطة كلهللم‪ ،‬شلاهدت العللدامات ‪...‬‬
‫ثمللان مشللانق ‪ ...‬كللل اثنيللن وخميللس‪ ،‬أسللمع كلم الشللرطة بوضللوح‬
‫أحيانًا‪ ،‬كان الناس هنا يتساءلون‪ :‬لماذا لم نعد نسمع صيحات الله أكبر‬
‫لللدى تنفيللذ حكللم العللدام؟‪ .‬الن عرفللت السللّر‪ ،‬فبعللد أن يخللرج‬
‫المحكومون بالعدام من المهجع يغلق الشرطة الباب ويقومون بلصق‬
‫أفللواه المحكللومين بلصللق عريللض‪ ،‬كللأن صللرخة الللله أكللبر مللن‬
‫المحكومين قبل إعدامهم تشكل تحديا ً واستفزازا ً للمحكمللة الميدانيللة‬
‫وإدارة السجن‪ ،‬فمنعوها باللصق‪.‬‬
‫المشانق غير ثابتة‪ ،‬ل تشبه المشانق العادية التي يصعد إليها المحكوم‬
‫بالعدام‪ .‬هذه المشانق هي التي تنزل إلى المحكوم‪ ،‬البلديات الشداء‬
‫يميلون المشنقة إلى أن يصللل الحبللل إلللى رقبللة المحكللوم بالعللدام‪،‬‬
‫يثبتون الحبل حول الرقبللة جيللدا ً ثللم يسللحبون المشللنقة مللن الخلللف‪،‬‬

‫‪98‬‬

‫يرتفع المحكوم عليه وتتدلى رجله فللي الهللواء‪ ،‬بعللد أن يلفللظ الللروح‬
‫ينزلللونه إلللى الرض‪ ،‬وتللأتي الدفعللة الثانيللة ثللم الثالثللة‪ .‬أغلللب الللذين‬
‫شاهدت إعدامهم كانوا هادئين‪ ،‬شاهدت أيضا ً حالت كللثيرة ظهلر فيهلا‬
‫صّرتا البول‬
‫ب الحياة والضعف النساني‪ ،‬البعض كانت ترتخي لديه ِ‬
‫ح ّ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫والبراز‪ ،‬والشرطة في هذه الحالة ينزعجون كلثيرًا‪ ،‬فالرائحلة لتطلاق‪،‬‬
‫يشللتمون ويضللربون الشللخص الللذي "عملهللا"!‪ .‬بعضللهم الخللر كللانوا‬
‫يبكللون‪ ،‬يحللاولون الكلم والتضللرع فيمنعهللم اللصللق العريللض‪ ،‬أحللد‬
‫السلجناء من صغار السن استطاع أن يفلت من بيللن أيللديهم ويركللض‬
‫في الساحة السادسة‪ ،‬وهللي سللاحة كللبيرة جللدا ً ذات فرعيللن‪ ،‬الهللرب‬
‫مستحيل واضطر الشلرطة والبللديات للركلض وراءه للدقائق إللى أن‬
‫أمسكوه‪ ،‬أوقفوه تحت المشنقة فجلس على الرض‪ ،‬رفعه اثنللان مللن‬
‫البلديات وأدخللوا رقبتله فلي الحبللل‪ ،‬بعللد قليلل "ل َعَْبل َ‬
‫ط" برجليله فلي‬
‫الهواء‪.‬‬
‫‪ 20‬آذار‬
‫علج مرضى السل مستمر‪ ،‬وجولت الدكتور سمير الذي قللام بللالعلج‬
‫أيضا ً مستمرة‪ .‬مّر شهران كاملن لكن الصللابات فللي تزايللد مسللتمر‪.‬‬
‫وص َ‬
‫ل الرقم اللى أللف وثلثملائة إصلابة فلي السلجن حسلب ملا قلال‬
‫الدكتور سمير‪ ،‬الوفيات قليلة جدًا‪.‬‬
‫كان الجميع هنا يعزو معالجة التهاب السحايا ومرض السل إلللى فضللل‬
‫طبيب السجن‪ ،‬الجميع يشيد بإنسانيته وذلك حتى عشرين يوما ً خلللت‪،‬‬
‫حيث وردت رسالة "مورس" مؤلفة من بضع كلمات‪:‬‬
‫"طللبيب السللجن قتللل اثنيللن مللن زملء دفعتلله"‪ ..‬الرسللالة واردة مللن‬
‫المهجع السابع‪.‬‬
‫بعد ثلثة أيام وردت رسالة أخرى‪:‬‬

‫‪99‬‬

‫"طللبيب السللجن قتللل ثلثللة مللن زملء دفعتلله"‪ ..‬الرسللالة واردة مللن‬
‫المهجع الرابع والعشرين‪.‬‬
‫س‬
‫أبو حسين‪ ،‬وهو شخص ديناميكي جدا ً بالضافة إلللى أنلله ذكللي‪ ،‬أح ل ّ‬
‫ث وإياهما‬
‫بالخطر‪ ،‬فدعا الطبيبين زملَء دفعة طبيب السجن إليه‪ ،‬تحد ّ َ‬
‫مطو ً‬
‫ل‪ ،‬سألهما عن أشياء كثيرة‪ ،‬كانت لديه خشية كبيرة من أن يقللوم‬
‫طبيب السجن بقتل كافة زملء دفعته ومنهم هذان الطبيبان‪ ،‬اسللتخدم‬
‫خ َ‬
‫ل الخلوف إللى قلبيهملا‪ ،‬وفلي‬
‫أبو حسين كلل لبلاقته ودهلائه كيل ُيلد ِ‬
‫الوقت نفسه كان ل يريد أن يكذب عليهما‪ .‬الحلديث كلان طلويل جلدًا‪،‬‬
‫وأهم ما فيه قول أبو حسين لهما‪:‬‬
‫ون المسألة وأكذب عليكما‪ ،‬يبللدو أن زميلكمللا‬
‫ أنا ل أريد أن أه ّ‬‫قد بدأ هناك ومن المحتمللل أن ينتهللي هنللا‪ ،‬وأرجللو مللن الللله أن‬
‫يكلون ظنلي خلاطئًا‪ ،‬ولكلن قلد يكلون دوركملا‪ -‬ل سلمح اللله –‬
‫قادمًا‪ ،‬والن هل أستطيع أنا أو غيري أن نفعل شيئًا؟‪.‬‬
‫سكت الطبيبان قليل ً ثم تناوبا على الحديث بعد ذلك‪:‬‬
‫ ليس بوسعك أو بوسعنا يا أبو حسين إل أن نقول‪ :‬حسبنا الللله‬‫ونعم الوكيل‪ ،‬وستأتي ساعة نقف فيها جميعا بين يدي الله‪ ،‬و يا‬
‫ويله من تلك الساعة‪.‬‬
‫ ولكن قول لي لماذا يفعل هذا؟ هل هو ينتقم؟ وممن؟‪.‬‬‫ والله يا أبو حسللين ل نعللرف الكللثير عنلله‪ ،‬مللا نعرفلله ويعرفلله‬‫جميع زملئنا أنه أتى إلى الجامعة وكان فقيللرا ً جللدًا‪ ،‬كللان ريفي لا ً‬
‫بسيطا ً وخجو ً‬
‫ل‪ ،‬قد يكون زملؤه أبناء المدينللة قللد تعللاملوا معلله‬
‫ض منهللم عللامله باحتقللار‪ ،‬عللرف الجميللع أنلله مللن‬
‫بفوقيللة‪ ،‬وبعل ٌ‬
‫عشيرة الرئيس وهو لم يكن يخفي هذا‪ ،‬كان يدرس الطب على‬
‫نفقة الدولة‪ ،‬قيل إنه كان يعمل مخبرا ً لدى الجهات المنية‪ ،‬كللل‬
‫أبناء المدينة تجنبوه‪ ،‬والقصة الللتي لهللا بعللض المعنللى فللي هللذا‬

‫‪100‬‬

‫المضوع هو حبه لزميلة من زميلتنا من بنات المدينة‪ ،‬بقي حتى‬
‫السنة الثالثة في الجامعة يحبها بصمت‪ ،‬ل يجرؤ علللى القللتراب‬
‫منها أو مصارحتها‪ ،‬في السللنة الثالثللة انتهلز فرصللة انفلراده بهللا‬
‫بأحد المختبرات‪ ،‬أمسك يدها وصارحها بحبه‪ ،‬قال إنه يعبللدها ‪...‬‬
‫وإنه ‪ ...‬وإنه‪.‬‬
‫الفتاة وهي من عائلة مدينية محافظللة عرفللت بللالغنى والقللوة‪ ،‬كللانت‬
‫دته‬
‫ردة فعلها عنيفة جدًا‪ ،‬وقد تكون هي السبب في كل ما يحدث‪ ،‬صلل ّ‬
‫باحتقار واشمئزاز‪ ،‬اشتكت إلى عمللادة الكليللة‪ ،‬ثللم أخللبرت أهلهللا بمللا‬
‫حدث‪.‬‬
‫عوقب من قبل الجامعة‪ ،‬ولكن ردة فعل الهل كانت أعنف‪ ،‬ثلثة مللن‬
‫أخوة الطالبة ظلوا يتجولون في أرجاء الكلية بصحبة أختهم مللدة ثلثللة‬
‫أيام‪ ،‬وكان واضللحا ً للجميللع أنهللم يخفللون أسلللحة تحللت ثيللابهم‪ ،‬كللانوا‬
‫يبحثون عنه وبنّيتهم قتله‪ ،‬هكذا قالت الطالبة فيما بعد‪ ،‬لكنلله لللم يكللن‬
‫موجودًا‪ ،‬لقد اختفى ولم يعد يحضر إلى الكلية‪.‬‬
‫ن شلليئا ً لللم يكللن‪ .‬إخللوة الطالبللة‬
‫بعللد أسللبوع حضللر إلللى الكليللة وكللأ ّ‬
‫انسحبوا‪ .‬عقوبة الدارة ألغيت‪.‬‬
‫خللل وسللاطات‪ ،‬بللاس اليللادي‬
‫ راح جاب قرايبه المخابرات‪ ،‬ود ّ‬‫حتى عفا عنه أهلي‪.‬‬
‫هكذا راحت الطالبة تشرح المر للخرين‪.‬‬
‫تابع دراسته منزويا ً ل يختلط مع أحد‪ ،‬إل طالبا ً أو طالبين من منطقتلله‪،‬‬
‫الكل كان يعامله بعللدها باحتقللار‪ ،‬وبعللض زملئنللا الطلب كللانوا أحيانلا ً‬
‫يسلقونه بتعليقاتهم اللذعة‪.‬‬
‫ لكن ‪ ...‬أقسم بالله يا أخي أبو حسين‪ ،‬نحللن هللذه المجموعللة‬‫لم نكن ننتبه لهذه المور ل من قريب ول من بعيد‪ ،‬كنا في صف‬
‫واحد أكثر من خمسللة وعشللرين شللابا ً مؤمنلا ً بللالله نحضللر بعللد‬

‫‪101‬‬

‫الدوام دروسا ً دينية في المسجد‪ ،‬ولهللذا السللبب نحللن هنللا الن‪،‬‬
‫كم من الخوة قبض عليه وكم منهللم نجللا‪ ،‬لسللت أدري ‪ ...‬كللان‬
‫الله في عون الجميع‪.‬‬
‫ هم م ‪ ...‬قلت لنفسي إنه قد يكون في المللر امللرأة‪ .‬إن هللذا‬‫الشخص يشعر بالعار‪ ،‬ولكن هل إذا َقت َ‬
‫ل شهود َ عاره‪ ،‬يمحو هذا‬
‫العار؟‪ ...‬غبي ‪...‬‬
‫وته ‪ -‬ليكفللي‪ ،‬أعتقللد ان هنللاك‬
‫ولكني أعتقد أن هذا السبب ‪ -‬علللى ق ل ّ‬
‫سببا ً آخَر ل يعرفه أحد!‪.‬‬
‫اليلوم فلي ‪ 20‬آذار‪ ،‬قبللل عيلد الربيلع بيلوم واحلد‪ ،‬كللان موعلد هلذين‬
‫الطبيبين مع زميلهما‪.‬‬
‫أخرج عناصر الشرطة الطبيبين وأغلقوا الباب‪ ،‬أسرعت إلللى بطللانيتي‬
‫والثقب‪ ،‬رأيت الطبيبين يسوقهما عناصللر الشللرطة إلللى أمللام طللبيب‬
‫السجن الذي يقف على مبعدة أربعة أو خمسة أمتار من المهجع‪ .‬يقف‬
‫ب بهما‪ :‬أهل ً وسه ً‬
‫ل‪ ،‬ثم‬
‫ح َ‬
‫الطبيب عاقدا ً يديه على صدره وهو يبتسم‪ .‬ر ّ‬
‫التفت إلى عناصر الشرطة وأمرهما‪:‬‬
‫ روحوا خّلوكم جانب البلديات‪.‬‬‫في وسط الساحة سبع من البلديات العمالقة‪ .‬وقف عناصللر الشللرطة‬
‫ث بصعوبة‪ ،‬قال طبيب السجن‪:‬‬
‫بالقرب منهم‪ ،‬أسمعُ الحدي َ‬
‫ إيه ‪ ...‬هّلق عم تقولوا لحالكم‪ :‬سبحان مغّير الحوال ‪ ...‬طّيب‬‫دو‬
‫وأنا كمان بقول هيك ‪ ...‬بدي أطلب منكم طلب‪ ،‬مين منكم بلل ّ‬
‫وزني أخته؟‪.‬‬
‫يج ّ‬
‫جب الطبيبان بشيء‪ ،‬رأساهما من ّ‬
‫كسان قلي ً‬
‫ل‪ ،‬تابع طبيب السجن‪:‬‬
‫لم ي ُ ِ‬
‫ ليش ساكتين؟! ‪ ...‬شو يا عدنان ‪ ...‬أنا عم أخطب أختك علللى‬‫سنة الله ورسوله‪ ،‬الزواج عيب شي؟‪.‬‬
‫‪ -‬بس أنا ما عندي أخت‪ ،‬والحمد لله‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫هنا قال طبيب السجن لعدنان شيئا ً لم أسمعه‪ .‬سادت فترة صمت ثللم‬
‫ت إلى الطبيب الخر وقال‪:‬‬
‫التف َ‬
‫ طيب ‪ ...‬وإنت يا زميل سليم كمان ما عندك أخت؟‪.‬‬‫ نعم ‪ ...‬عندي أخت‪.‬‬‫ طيب خطبني إياها على سنة الله ورسوله‪.‬‬‫ الزواج قسمة ونصيب‪ ،‬ونحن هلللق بوضللع مللا بيسللمح بنقللاش‬‫ي أمرها‪.‬‬
‫هيك أمور‪ ،‬وأول ً وأخيرا ً أنا ماني ول ّ‬
‫ هذا أسلوب تهّرب‪...‬‬‫ب منه وبصوت أقوى‪:‬‬
‫اقتر َ‬
‫مقام‪ ،‬إنتو ناس أغنياء وأكابر‪ ،‬نحن‬
‫ وَّل شايف إّنه ن ِ ْ‬‫مو قَد ّ ال َ‬
‫ن ُ‬
‫ح َ‬
‫فلحين‪ ،‬مو هيك؟‪.‬‬
‫صّر" علللى‬
‫ح وهو "ي ُ ِ‬
‫وح بيده أمام وجهه‪ ،‬وبصوت حاد ّ صا َ‬
‫اقترب منه ول ّ‬
‫أسنانه‪:‬‬
‫ ولك شوف ‪ ...‬افتح عيونك وطل ّللع لهللون‪ ،‬شللايف هللذا البللوط‪،‬‬‫بللوطي أحسللن منللك ومللن أختللك وأهللللك و كللل عشلليرتك‬
‫وطايفتك ‪ ...‬وَْل كلب‪.‬‬
‫ت إلى حيث البلديات وصاح‪:‬‬
‫ثم التف َ‬
‫ص الساحة‪.‬‬
‫ بلديات‪ ...‬تعوا لهون وَْلك‪ ...‬خذوهم عـ ن ُ ّ‬‫ت الطبيبين‪ .‬ومشى وراَءهم وهو يصيح‪:‬‬
‫سح َ‬
‫َ‬
‫ب البلديا ُ‬
‫ هدول نللاس أكللابر ‪ ...‬يعنللي فللوق ‪ ...‬فللوق‪ ،‬وهل ّللق نحللن بللدنا‬‫نطالعهم كمان لفوق أكثر وأكثر ‪ ...‬يـ الله لشوف‪.‬‬
‫في منتصف الساحة كنت أرى ول أسمع‪ ،‬استلقى عدنان علللى ظهللره‬
‫وأمسك به سبعة من البلديات‪ ،‬من الرجلين‪ ،‬اليدين‪ ،‬الخاصرتين‪ ،‬ومن‬
‫تحت الرأس‪ .‬إنها عقوبة المظلة‪ .‬والمظلة عقوبة تعني واحدا ً من ثلثة‬

‫‪103‬‬

‫أشياء‪ :‬إما كسورا ً مختلفة في سائر أنحاء الجسللم وعلللى الغلللب فللي‬
‫الحوض‪ ،‬أو شلل ً دائملا ً عنللدما يكللون الكسللر فلي العمللود الفقللري‪ ،‬أو‬
‫م فللي‬
‫س الجس ل َ‬
‫الموت وهو الحتمال الثالث خاصة عندما يسللبق الللرأ ُ‬
‫النللزول‪ ،‬وغالبلا ً هللذا يحللدث عنللدما يكللون عنصللر البلللديات الممسللك‬
‫بالرأس أقل قوة من الخرين‪.‬‬
‫رفع البلديات عدنان‪ ،‬وجهه إلى السماء‪ ،‬ظهره موازٍ للرض السفلتية‪،‬‬
‫أرجحوه قليل ً ثم بصوت عال‪:‬‬
‫ يـ الله‪ ..‬واحد ‪ ...‬اثنين ‪ ...‬ثلثة‪.‬‬‫وقذفوه إلى العلى‪ ،‬ثم خبطة قوية على الرض‪ ،‬لم يتحرك عدنان بعد‬
‫أن صرخ صرخة ألم رهيبة‪.‬‬
‫انتظَر طبيب السجن قلي ً‬
‫ل‪ ،‬أشعل لفافة تبغ وظهره لعدنان والخريللن‪،‬‬
‫ب نفسلا ً ملن اللفافلة وزَفلَره‪ ،‬التفلت‬
‫كان ينظر باتجاه باب مهجعنا‪ ،‬ع ّ‬
‫وأشار للبلديات الذين تقدموا ورفعوا عدنان مرة أخرى و ‪ ...‬واحللد ‪...‬‬
‫اثنين ‪ ...‬ثلثة‪ ،‬هذه المرة لم تصدر أية صرخة‪.‬‬
‫أشار لسليم إشارة وهو يتكلم كلما ً لم أسمعه‪ ،‬اقترب سللليم وانحنللى‬
‫فوق عدنان‪ ،‬وقف وقال كلما ً لطللبيب السللجن الللذي انتفللض وصللفعه‬
‫ت صللوتها وأنللا جللالس داخللل المهجللع ‪ ...‬وبللدأ‬
‫على وجهه صفعة سمع ُ‬
‫يصرخ ويشير بيديه‪.‬‬
‫تكرر نفس المر مع سليم‪.‬‬
‫ب السللجن‬
‫ي‪ .‬غللادر طللبي ُ‬
‫تركوهما وسط الساحة في حالةِ استلقاٍء أبللد ّ‬
‫الساحة‪ ،‬يحيط به موكُبه‪.‬‬
‫مجموع ما قتله طبيب السجن من زملء دفعته أربعة عشر طبيبًا‪.‬‬
‫دهم يعللرف السللباب الللتي دفعللت‬
‫ض هللؤلء الطبللاء أو أحل ُ‬
‫إذا كان بع ُ‬
‫زميلهم إلى قتلهم فإنه أخذ السر معه إلى القبر‪ ،‬لن القاتل لن يتكلم‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫وظل المر داخل السجن فللي إطللار التكهنللات‪ ،‬فل أحللد يعللرف السللر‬
‫الحقيقي‪.‬‬
‫‪ 6‬أيككككككككار‬
‫الدكتور سمير ومن خلل جولته الطويلللة داخللل السللجن اسللتطاع أن‬
‫يحقق بعض المور التي لللم يحققهللا غيلُره‪ ،‬عللرف تقسلليمات السللجن‬
‫م هائل من المعلومات عن نزلء‬
‫وتوّزع ساحاته ومهاجعه‪ ،‬أصبح لديه ك ّ‬
‫كل مهجع‪ ،‬ينقل الخبار بين المهاجع‪ ،‬فقللد يكللون هنللاك مجموعللة مللن‬
‫دهم علن‬
‫الخوة من عائلة واحلدة اعتقللوا سلوية وللم يعلد يعلرف أحل ُ‬
‫الخر شلليئًا‪ ،‬يقللوم هللو بالسللؤال عنهللم وتطميللن بعضللهم أن الخريللن‬
‫موجودون في المهجع كذا وكذا‪.‬‬
‫أهم أمر حققه أنه نال امتياز التكلم مع الشرطة وهو مفتللوح العينيللن‪،‬‬
‫فنتيجة للحتكاك الدائم تعوّد َ الشرطة أن يبدأهم هو بالحديث وهذا غير‬
‫ممكن للخرين‪.‬‬
‫الثنين الماضي جاءت الهليوكوبتر‪ ،‬دخلت هيئة المحكمة الميدانية إلللى‬
‫الغرفلة المخصصلة لهلا‪ ،‬سلّلمت اللئحلتين إللى إدارة السلجن‪ ،‬لئحلة‬
‫الذين سيحاكمون ولئحة العدام‪.‬‬
‫صللص علللى الشللرطة‬
‫جلسل ُ‬
‫ى بالبطانيللة أتل ّ‬
‫ت أمللام الثقللب وأنللا مغط ّل ً‬
‫وعمليللة العللدام الللتي أصللبحت روتينيللة بالنسللبة لللي‪ ،‬كالعللادة حضللر‬
‫ملت كللل الجللراءات‬
‫السجناء الذين سيتم تنفيللذ حكللم العلدام بهللم‪ ،‬ت ّ‬
‫جّهزت المشانق‪ ،‬البلللديات جللاهزون‪ ،‬وضللعوا أول مجموعللة‬
‫المعتادة‪ُ ،‬‬
‫ثمانية أشخاص تحت المشللانق‪ ،‬لللم يبللق إل إنللزال المشللنقة والحبللل‪،‬‬
‫عندها صاح أحد الذين لم يلصق فمهم بعد وكان الشرطي واقفا ً أمامه‬
‫واللصق بيده‪:‬‬
‫سه ما تحاكمنا‪.‬‬
‫‪ -‬ياسيدي ‪ ...‬دخيلك‪ ،‬نحن ل ِ ّ‬

‫‪105‬‬

‫انهال عليه الشرطة بالضرب والشتائم‪ ،‬فل يجوز له أن يبلدأهم الكلم‪،‬‬
‫ولكن صيحته وصلت الى المساعد الواقف عند آخر مشنقة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ اتركوه ‪ ...‬اتركوه‪.‬‬‫ثم اقترب من السجين وسأله‪:‬‬
‫م تقول ‪ ..‬وَْل؟‪.‬‬
‫ شو عَ ْ‬‫عل المحكمة‪.‬‬
‫سه ما رحنا َ‬
‫ ياسيدي نحن مانا محكمومين‪ ،‬ل ِ ّ‬‫ شو هـ الحكي!!‪.‬‬‫ت المساعد إلى الرقيب المسللؤول‪ .‬طلللب منلله اللئحللة‪ .‬تللبين أن‬
‫التف َ‬
‫هناك خطأ إداريا ً بسيطًا‪ ،‬لقد أخطأ الرقباء فأخذوا السجناء اللذين ملن‬
‫المفللترض أن ُيعللدموا إلللى المحكمللة‪ ،‬وجلبللوا الشللخاص الللذين مللن‬
‫المفترض أن يذهبوا إلى المحكمة )جلبوهم( إلى العدام‪.‬‬
‫جِلبللوا أمللام المشللانق يعرفللون أنهللم هنللا بطريللق‬
‫كل السجناء الللذين ُ‬
‫الخطأ‪ ،‬ولكن لم يتجرأ إل شخص واحد عللى تنلبيه الشلرطة إللى هلذا‬
‫الخطأ‪.‬‬
‫وب ّ َ‬
‫خ المساعد الرقيب وتم إصلح الخطأ‪.‬‬
‫بعد شهر تقريبا ً من مقتل الطبيبن عادل وسللليم‪ ،‬عللاد الللدكتور سللمير‬
‫ف قليل ً ثم جلللس‬
‫من جولته العلجية‪ ،‬دخل المهجع‪ ،‬السلم عليكم‪ ،‬وق َ‬
‫عند أبو حسين‪ ،‬بعد الحاديث المعتادة قال أبو حسين‪:‬‬
‫ شو دكتور؟‪ ...‬أنا شايف إنه عندك حكي‪.‬‬‫ إيه والله يا أبو حسين ‪ ...‬بدي نصيحتك‪.‬‬‫شرح الدكتور لبو حسين أن ل نتائج ملموسة لكل العمللل الللذي يقللوم‬
‫به‪ ،‬ومع كل يوم جديد يتفاقم وضع مرضى السل أكثر فأكثر‪" ،‬أنا كمن‬
‫يحرث الماء"‪ ،‬وإن الدواء وحده ليكفي‪ ،‬فالغذاء الذي يتناوله المريللض‬
‫شيء أساسي‪ ،‬و‪:‬‬

‫‪106‬‬

‫ متل مانك شللايف يللا أبللو حسللين ‪ ...‬النللاس جوعللانه‪ ،‬وإذا مللا‬‫هلل الملرض‪،‬‬
‫سن الكل بالسلجن‪ ،‬مسلتحيل حلدا يطيلب ملن َ‬
‫تح ّ‬
‫دو يزيد‪.‬‬
‫دو يشتد أكتر‪ ،‬وعدد المرضى ب ّ‬
‫بالعكس المرض ب ّ‬
‫وإنه يف ّ‬
‫كر جديا ً بأن َيطُلب إعفاَءه من هذا العمل‪.‬‬
‫امتد النقاش طوي ً‬
‫ل‪ ،‬شارك فيه آخرون‪ ،‬أخيرا ً ختم أبو حسللين النقللاش‬
‫مذ ّ‬
‫كرا ً الدكتور سمير بواجبه أمام الله وواجبه النسلاني طالبلا ً منله أن‬
‫سه منطلقا ً لتحسين الشروط‪ ،‬عندها سأله الدكتور‪:‬‬
‫من يأ ِ‬
‫يجعل ِ‬
‫دي أعمل؟‪.‬‬
‫ وكيف ب ّ‬‫ اطلللب طللبيب السللجن‪ ،‬اشللرح للله المللر‪ ،‬وطللالبه بتحسللين‬‫الطعام‪.‬‬
‫ طبيب السجن؟! هذا ‪ ...‬الج ّ‬‫لد!‪.‬‬
‫ نعم ‪ ..‬هذا الجلد‪ ،‬إنت اعمل اللي عليك واتللرك البللاقي علللى‬‫الله‪.‬‬
‫في صباح اليوم التالي‪ ،‬كالمعتاد فتح الشللرطة والبلللديات البللاب وهللم‬
‫محملون بالدوية‪ ،‬لم يخرج الدكتور وقال للرقيب ‪:‬‬
‫ قبل الجولة ‪ ...‬لزم شوف طبيب السجن ‪ ...‬ضروري‪.‬‬‫بعد قليل حضر طبيب السللجن‪ ،‬شللرح للله الللدكتور سللمير المللر بلغللة‬
‫ن ل جدوى مللن العلج كل ّلله إذا بقيللت‬
‫الطباء‪ ،‬وأنهى حديثه إلى نتيجةِ أ ْ‬
‫الشروط الغذائية كما هي عليه الن‪ .‬رد ّ طبيب السجن‪:‬‬
‫ اترك لي موضوع الطعام شللي يللومين ثلثللة‪ ،‬وروح إنللت تللابع‬‫العلج مثل العادة‪.‬‬
‫الزائد أخو الناقص!‪.‬‬
‫بعد أسبوع من هذه المحادثة فتح الشرطة الباب لدخال الفطللور‪ ،‬وإذا‬
‫ل من الخبز والللبيض المسلللوق‪ ،‬أدخل َ‬
‫بت ّ‬
‫ل الفلدائيون الطعللام‪ ،‬وزعللوه‪،‬‬

‫‪107‬‬

‫نصيب الشخص الواحد سبعة أرغفة مللع خمللس بيضللات مسلللوقات‪...‬‬
‫من سيأكل كل هذا؟‪.‬‬
‫ه الطباُء إلى ضرورة العتدال بالكل‪ ،‬لنه بعد كل هذا الجوع ليجوز للبطن‬
‫نب ّ َ‬
‫أن يمتلئ كثيرًا‪.‬‬

‫استمّر الجوع عاما ً كامل ً تقريبًا‪ ،‬أسماه السجناء "سلنة الجللوع"‪ ،‬وهللي‬
‫سه جليا ً مللن‬
‫سنة غي َّرت الناس كثيرًا‪ ،‬وأنا أيضا تغيرت‪ ،‬وهذا التغّير أ ِ‬
‫ح ّ‬
‫الداخل‪ .‬بعد مضي السابيع الولى من سنة الجوع‪ ،‬أصبح المر عاديللًا‪،‬‬
‫أن تكون جائعا ً أمر طبيعي لم يعد يستلزم الكثير مللن التفكيللر‪ ،‬ولكللن‬
‫مع تناقص وزن الجسد كان يتنللامى داخلللي إحسللاس عميللق بالصللفاء‬
‫والنقاء‪.‬‬
‫أذكر أنني في بواكير المراهقة أخذ إحساسي بالجسد النساني عموما ً‬
‫وجسدي خصوصا ً يكللبر شلليئا ً فشلليئًا‪ ،‬ومللن همسللات رفللاق المدرسللة‬
‫والشارع تعلمت كيف أصل إلللى انفجللار اللللذة الللذي يعصللف بالجسللد‬
‫كام ً‬
‫ل‪.‬‬
‫دخلت الحمام في منزلنا وقمت بتطبيق ما تعلمته مللن رفللاقي‪ ،‬كللدت‬
‫أصاب بالغملاء للذةً وخوفلا ً ودهشللة‪ ،‬ولكلن بعلد مضللي دقلائق قليللة‬
‫ت طهارتي ونقائي اللى‬
‫سني إحساس بالثم‪ ،‬إحساس بالتلوث‪ ،‬ف َ‬
‫تلب ّ َ‬
‫قد ُ‬
‫ت‬
‫البد‪ .‬ومنذ ذلك الحين لزمني هذا الحسللاس كظل ّللي‪ ،‬إلللى أن مللرر ُ‬
‫بسنة الجوع والتي خللها كنت أشعر أن هذا التلوث ‪ ..‬هذا الدَنس‪ ،‬قلد‬
‫بدأ يزول تدريجيًا‪ ،‬وإنني أعود إلى بساطة وبراءة الطفولة‪.‬‬
‫ضني وأحرقني هو علدم قلدرتي عللى مشلاركة أي إنسلان‬
‫"أكثر ما أم ّ‬
‫بما أحسه وأشعره‪ ،‬كان شللعوري بعللودة النقللاء فرح لا ً رافللق عللذابات‬
‫الجوع"‪.‬‬
‫حللتى أحلمللي تغيللرت‪ ،‬أحلم اليقظللة والللتي كللانت قبللل سللنة الجللوع‬
‫منصّبة كلها تقريبا ً على المرأة‪ ،‬تغيللرت وانصلّبت بمعظمهللا خلل هللذه‬

‫‪108‬‬

‫السللنة علللى الطعللام‪ ،‬الطبخللات الللتي كنللت أحبهللا‪ ،‬ابتكللرت بعللض‬
‫الطبخات‪ ،‬أحلللم بوجبللة مليئة بللاللحوم والدسللم‪ ...‬وإذا كنللت أسللتطيع‬
‫معالجة الحاجات التي تخلفها أحلم اليقظة الجنسية‪ ،‬فإنني لم أستطع‬
‫معالجة الحاجات التي خلفتها أحلم اليقظة الطعامية!‪.‬‬
‫أصبح الدكتور سمير بطل ً علللى مسلتوى السللجن كّلله‪ ،‬ولكنله بتواضلع‬
‫أصيل قال لبو حسين‪:‬‬
‫ الفضل كله إلك يا أبو حسين‪.‬‬‫وي من مرض السل‪.‬‬
‫اليوم أجَروا لي فحصًا‪ ،‬فتأكد خل ّ‬
‫‪ 14‬تككمكككككككوز‬
‫مت السيطرة على مرض السللل بنجللاح لبللأس‬
‫خلل الفترة الماضية ت ّ‬
‫به‪ ،‬الوفيات بسببه توقفت‪ ،‬يقدر الدكتور سمير أن هناك حللوالي ألفللي‬
‫شخص يعالجون من هذا المرض‪ ،‬أصبح هناك طبيب آخر يساعده فللي‬
‫جولته‪.‬‬
‫الطعام أصبح مشكلة كبيرة‪ ،‬في اليام الولى من وفرة الطعللام‪ ،‬أخللذ‬
‫السجناء يحاولون تخزين ما يمكن تخزينه خوفا ً مللن العللودة إلللى أيللام‬
‫الجوع‪ ،‬ولكن تدفق الطعام اسللتمّر بمعللدل يزيللد عللن حاجللة أو قللدرة‬
‫النسان على الكل بضعفين أو ثلثة أضعاف‪ ،‬لم يبق فراغ في المهجع‬
‫الللذي هللو مكتللظ أصلل ً إل وخللزن فيلله السللجناء الخللبز اليلابس‪ ،‬حللتى‬
‫أصبحت الحركة صعبة داخل المهجع‪ ،‬ثم استحالت ‪.‬‬
‫" في هذا السجن ليوجد قمامة‪ ،‬ممنوع منعا ً باتا ً إخراج أي قمامة من‬
‫أي مهجع"‪.‬‬
‫اشتكى السجناء لبو حسين‪:‬‬
‫ يا أبو حسين ‪ ..‬لقي لنا حل‪ ،‬شوف المساعد بلكي ياخدوا من‬‫عندنا بس الخبز اليابس‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫أبو حسين طلب من الدكتور سمير أن يتحدث بالموضوع مع المساعد‬
‫فقال سمير له في نفس اليوم‪:‬‬
‫ ياسيدي ‪ ..‬صار في عنللدنا خللبز يللابس كللتير ‪ ..‬بلكللي سلليادتك‬‫تسمح للسجناء يطالعوه ب َّرات المهجع‪ ،‬لنلله زائد عللن حاجتنللا ‪..‬‬
‫وممكن غيرنا يستفيد منه ‪ ..‬إذا في حولكم أغنام ‪ ..‬هللذا ممكللن‬
‫يصير علف جيد للغنام ‪.‬‬
‫جاء رد المساعد حاسما ً ‪:‬‬
‫ شو دكتور!!‪ ..‬شايفك صللرت عللم تتمدمللد أكللتر مللن اللزم!‪..‬‬‫شو شايفنا رعيان غنم؟! بعلدين نظلام السلجن واضلح وصلريح‪:‬‬
‫ممنوع يطلع من المهاجع ول ذرة زبالة‪ .‬هذا أو ً‬
‫ل‪ ،‬أمللا ثاني لًا‪ :‬إنتللو‬
‫يّلي طلبتوا نزيللد الكللل ‪ ..‬زدنللاه‪ ،‬وهلللق كللل شللي موجللود فللي‬
‫المهجع لزم تاكلوه‪.‬‬
‫احتدم النقاش في المهجع‪ .‬المكللان ضللاق‪ ،‬الخللبز اليللابس جلللب معلله‬
‫جّرارة من النمل والصراصير والجرذان‪.‬‬
‫قطعانا ً َ‬
‫كان السؤال كيف نسطيع التخلص من كل هذا الخللبز؟‪ ...‬وجللاء الحللل‬
‫من عند أبو حسين‪:‬‬
‫ ياشباب ‪ ..‬خّلونا نختصر‪ ،‬أنا برأيي ما في غير حل واحللد‪ ،‬ننقللع‬‫هذا الخبز بالماء وعلى دفعات‪ ،‬بعدين نمرسه حتى يصللير سللائل‬
‫بعدين نصرفه عن طريق المراحيض‪.‬‬
‫وقامت قيامة المهجع‪:‬‬
‫ هذا حرام ‪ ..‬هذا كفر ‪ ..‬نعمة الله نلقيها بالمرحاض!!‪.‬‬‫سَنة الجوع!!‪.‬‬
‫ هذا ما بيجوز من الله ‪ ..‬ياما أحلى َ‬‫ إيه والله صحيح ‪ ..‬إيه يكلون طللول سللنة الجللوع عشللر سللنين‬‫ب الخبز بجورة المرحاض!!‪.‬‬
‫أحسن من إنه الواحد يك ّ‬
‫‪ -‬يالطيف ‪ ...‬يالطيف وين وصلنا!!‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫خلل السنوات الماضية وحتى قبل سنة الجلوع كنلت ألحلظ الحلترام‬
‫الكبير الذي يعاملون الخبز فيه‪ ،‬كان واحدهم حريصا ً جدا ً على أل يوقع‬
‫أية قطعة خبز على الرض‪ ،‬وإذا صادف أن رأى قطعة خبز ملقاة على‬
‫الرض فإنه يرفعها باحترام‪ ،‬ينفضها ثم يقبلها ثللم يضللعها علللى جللبينه‪،‬‬
‫إما أن يأكلها أو يضعها في مكان عال ‪ ،‬فللخبز عندهم مكانة القداسة‪،‬‬
‫والن يتجرأ أبو حسين ويقترح أن يرموا الخللبز فللي المرحللاض‪ .‬وهللاج‬
‫الناس هياجا ً شديدًا‪.‬‬
‫"للحقيقة فإن الحل الذي اقترحه أبو حسلين كلان قلد ورد إللى ذهنلي‬
‫وأنا أستمع الى نقاشاتهم‪ ،‬وبعللد أن رأيللت الهيللاج الللذي عللم المهجللع‪،‬‬
‫م هلذا‬
‫قلت الحمد لله أني ممنوع من الكلم‪ ،‬فلو أنني كنللت اللذي قلد ّ َ‬
‫القتراح لقتلوني حتمًا"‪.‬‬
‫جهم بهللدوء شللديد‪ ،‬جلللس مكللانه‪ ،‬لللم يجللادل‪ ،‬لللم‬
‫قابل أبو حسين هيا َ‬
‫يتكلم وتركهم يوما ً آخر‪.‬‬
‫كل يوم يعني حوالي ألف رغيف خبز زيادة‪ ،‬صللار الجميللع يمشللي بيللن‬
‫تلل من الخبز‪ ،‬الوصول إلى المغاسل أو المرحاض أضحى صعبا ً جللدًا‪،‬‬
‫وأعيد فتح النقاش في اليوم التالي فلم يشارك فيلله أبللو حسللين‪ ،‬فللي‬
‫الوقت الذي كان الجميع ينتظرون رأيه ومساهمته‪ ،‬ضاق الناس ذرعللا ً‬
‫بسكوته فتوجه إليه أحدهم بالكلم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ إيه أبو حسين ‪ ..‬شايفك ساكت‪ ،‬ما إلك رأي بالموضوع وإنللت‬‫رئيس المهجع؟‪.‬‬
‫ طبعلا ً إلللي رأي! لكللن قبللل كللل شللي لزم أحكللي شللويّ مللع‬‫المشايخ‪ ،‬ياريت الشيخ فلن‪ ...‬والشليخ فلن‪ ...‬يتفضللوا لعنللدي‬
‫شوي‪.‬‬
‫ع لد ّد َ أسللماء خمسللة مشللايخ كللانوا فللي الحقيقللة يمثلللون التجاهللات‬
‫والتحزبات الموجودة في المهجع‪ ،‬وكنت قد أصبحت أعرفها جيللدا ً مللن‬

‫‪111‬‬

‫خلل تلصصي الدائم‪ ،‬كل واحلد منهلم هلو الكللثر علملا ً واحتراملا ً فلي‬
‫جماعته‪.‬‬
‫تكلم أبو حسين مطوّ ً‬
‫ل‪ ،‬بدأ حديثه بسللرد مجموعللة مللن آيللات القللرآن‬
‫وأحاديث النبي محمد‪ ،‬ثم وصف الواقع والمخاطر‪ .‬أنهى حديثه قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ نعم ‪ ...‬كلنا نعرف أن هذا نعمة من عند الللله يجللب احترامهللا‪،‬‬‫م‪ ،‬النسللان مخلللوق علللى‬
‫لكن يجب أن ل ننسى أن النسان أه ل ّ‬
‫صورة الله ولذلك هو أعلى قيمة من أي شلليء آخللر علللى وجلله‬
‫ن‬
‫البسلليطة‪" ،‬ولقللد كّرمنللا بنللي آدم"‪ ،‬ثللم ألللم يعلمنللا ديننللا أ ّ‬
‫"الضرورات تبيح المحظورات"؟‪.‬‬
‫حمًا‪ ،‬هذا الرجل ثعلب‪ ،‬ذو شخصية قيادية هائلة‪ ،‬سكت‬
‫كان منطقه مف ِ‬
‫قليل ً وعاد يتكلم‪:‬‬
‫ وأخيللرا ً يلا أفاضللل ‪ ..‬شللو بنحسللن نسلاوي؟‪ ..‬مثللل مللا بقللول‬‫المثل‪ :‬كعكة بخمسة!! هذي النعمة‪ ،‬إما نطالعها لللبّرات المهجللع‬
‫وهللذا مسللتحيل‪ ،‬أو بناكلهللا كلهللا وهللذا كمللان مسللتحيل‪ ،‬أو إنلله‬
‫صلّرفها عللن طريللق المرحللاض‪ ،‬ول تنسللوا إنلله المرحللاض هللو‬
‫ن َ‬
‫المنفذ الوحيد إلنا هون على هـ الرض‪.‬‬
‫سأله أحد المشايخ‪:‬‬
‫ إيه طيب ‪ ..‬شو المطلوب منا نحن يا أبو حسين؟‪.‬‬‫ فتوى ‪ ..‬إنتللو مشللايخ هللذا المهجللع‪ ،‬هلللق تجتمعللوا وبتطللالعوا‬‫فتوى‪ ،‬مو بس لهذا المهجع‪ ،‬فتوى لكل المهاجع‪.‬‬
‫مللت الفتللوى علللى السللجن‬
‫م َ‬
‫وصدرت فتوى بأغلبية أربعة ضد واحد‪ ،‬عُ ّ‬
‫م مهجعنللا طريقللة التخلللص مللن الكللل الللزائد‪ ،‬كللل يللوم‬
‫بكللامله‪ ،‬نظ ّل َ‬
‫ل دوريّ مهمتهلم الوحيللدة‪ :‬نقلع الخللبز‪ ،‬مرسلله‪،‬‬
‫عشرون شخصا ً بشلك ٍ‬
‫تصللريفه فللي المرحللاض‪ ،‬هللو وكللل المللواد الخللرى‪ ،‬الللرز والبرغللل‬
‫والبطاطا والبيض‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫حدثت أزمة من نوع أخر ولكنها أخف‪ ،‬أصبح على الشللخص أن ينتظللر‬
‫مللدة طويلللة حللتى يللأتي دوره فللي الللدخول إلللى المرحللاض لقضللاء‬
‫الحاجة!‪.‬‬
‫‪ 29‬أيككلككككككول‬
‫عاد يوسف "مجنون القائد" لزيارتي‪ ،‬لقد تحسن وضللعي فللي المهجللع‬
‫قليل ً منذ شهر تقريبًا‪ ،‬خفت ممانعتهم له عن زيارتي‪.‬‬
‫استيقظت في الصباح الباكر قبل موعد السللتيقاظ العللادي بسللاعة أو‬
‫ساعتين على أنين رجل يتألم بشدة‪ .‬إنه جاري في الفراش‪ ،‬كان يضللع‬
‫ملله‪،‬‬
‫ت أل ِ‬
‫يده على بطنه وهللو يتلللوى ألملًا‪ ،‬يحللاول جاهللدا ً أن يكتللم أّنلا ِ‬
‫ي مباشرة‪،‬‬
‫نظرت حولي ‪ ..‬أنا الوحيد الذي أستيقظ على أنينه‪ ،‬نظر إل ّ‬
‫هي المرة الولى اللتي تلتقلي فيهلا أعيننللا‪ ،‬نظَرت ُلله تحتللوي عللى نلداء‬
‫استغاثة لرجل يتألم بشدة‪ ،‬رغبتي بمساعدته شللديدة‪ ،‬ولكللن كيللف؟!‪.‬‬
‫ت حولي حائرًا‪ ،‬ورغم أنه كان قللد تللرك مسللافة أكللثر مللن خمسللة‬
‫تلف ّ‬
‫وعشرين سنتمترا ً بين فراشي وفراشه إل انه كان قريبا ً جللدًا‪ ،‬هممللت‬
‫أن أسأله عما به وماذا يريد‪ ،‬لكن لم أعرف كيف أفعل ذلك!‪ ،‬وبنفللس‬
‫الوقت أشاح بوجهه إلى الطرف الخر‪ ،‬دقائق كانت طويلللة‪ ،‬اسللتيقظ‬
‫العديد من السجناء‪ ،‬اقتربوا منه‪ ،‬طلب منهم أن يللأتوه بطللبيب‪ ،‬حضللر‬
‫أحد الطباء )السجناء(‪ ،‬استفسر منه وسأله وهو يفحصه عما به‪:‬‬
‫ مغص ‪ ..‬مغص شديد يا دكتور ‪ ..‬مصاريني عم تتقطع‪ ،‬ألللم مللا‬‫بينطاق ‪ ..‬راح موت يا دكتور!!‪.‬‬
‫خلل ساعة اجتمع ثلثة من الطباء عند أبو حسين رئيس المهجع‪:‬‬
‫ التهاب حاد بالزائدة الدودية‪ ،‬ل نعرف الزمللن الللذي يمكللن أن‬‫تنفجر فيه‪ ،‬إذا لللم يتللم إسلعافه سللريعا ً وإجلراء عمليلة جراحيلة‬
‫لستئصال الزائدة فهي حتما ً ستنفجر وسيموت المريض‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫نظر أبو حسين إلى الطباء‪ ،‬التفت الى المريض‪ ،‬تساءل وكأنه يحادث‬
‫نفسه‪:‬‬
‫ إيلله ‪ ..‬والحل ّ‬‫ل؟ ‪ ..‬لزم نلقللي حللل ‪ ..‬أظللن مللا فللي غيللر حللل‬
‫واحد ‪ ..‬منشان شيل خطيته من رقبللتي!‪ ..‬نللدق البللاب ونطلللب‬
‫طبيب السجن‪ ،‬هذا كل شيء أقدر أساويه ‪ ..‬بس ياهل ترى راح‬
‫يردوا علينا؟‪ ..‬ولك خلينا ندق البللاب ويل ّللي بللدو يصللير يصللير!!‪..‬‬
‫هي موتة وحدة!‪ ..‬وأكتر من القرد ما مسللخ الللله!‪ ..‬شللو رأيكللم‬
‫بهـ الحكي؟‪.‬‬
‫دك يا أبو حسين‪.‬‬
‫ متل ما ب ّ‬‫دقّ أبو حسين الباب‪ ،‬الشرطة والبلديات في السللاحة يوزعللون طعللام‬
‫الفطار‪ ،‬جاء صوت الرقيب "أبو شحاطة"‪:‬‬
‫ مين هـ الكلب يّلي عم يدق الباب؟‪.‬‬‫أخبره أبو حسين برقم المهجع‪ ،‬وأن الدكتور سمير يريد طبيب السجن‬
‫لمر هام‪.‬‬
‫فوجئ الدكتور سمير بذلك لكنه وقف إلى جللانب أبللو حسللين بانتظللار‬
‫طبيب السجن‪ ،‬قال أبو حسين لسمير‪:‬‬
‫ والله يا دكتور ‪ ...‬كيف طلع اسللمك معللي مللابعرف!!‪ ...‬يجللوز‬‫إلهام من الله‪ ،‬وإنت صاروا يعرفوك ويجوز يسمعوا منك‪.‬‬
‫كللان مللرض السللل فللي أواخللره ول زال الللدكتور سللمير يتللابع علج‬
‫عشرات الحالت التي أسماها مستعصللية‪ ،‬ولللذلك فهللو علللى احتكللاك‬
‫دائم مع الشرطة‪.‬‬
‫استغرق مجئ الطبيب أكثر من ساعة لن الوقت لزال مبكلرًا‪ ،‬جلاري‬
‫يعتصر من اللم ويحاول كبح أّناته‪ُ ،‬فتللح البللاب وظهللر أمللامه الطللبيب‬
‫والمساعد وبعض الشرطة‪ ،‬سأل الطللبيب الللدكتور سللمير عللن سللبب‬

‫‪114‬‬

‫استدعائه‪ ،‬شرح له سمير المر‪ ،‬لكن طللبيب السللجن لللم يتكلللم أبللدًا‪،‬‬
‫أدار ظهره ومشى‪ ،‬المساعد رمق سمير بنظرة طويلة وقال‪:‬‬
‫ مشان زائدة دودية عملتوا كل هـ الضجة؟!‪ ...‬صحيح هـ الكلب‬‫معه زائدة بس إنت معك ناقصة‪ ،‬وأنا من زمان حاسس إنك مللا‬
‫تنعطى وجه ‪ ..‬طلع لبّره‪.‬‬
‫س‬
‫خلرج اللدكتور سلمير إللى خللارج المهجللع‪ ،‬وخللاطب المسللاعد ُ رئيل َ‬
‫المهجع )أبو حسين(‪:‬‬
‫ مين دق الباب وَْل خرى؟‪.‬‬‫ أنا يا سيدي دقيت الباب‪.‬‬‫ طلع ل َب َّره كمان يا كلب ‪ ...‬يا ابن الكلب‪.‬‬‫خرج أبو حسين أيضا ً وأغلق الباب‪ ،‬نصف ساعة كنا نسللمع صللراخهما‪،‬‬
‫ومع مجيء الهليوكوبتر توقف الضرب وأدخلوهما المهجع‪.‬‬
‫ مشان الله يادكتور ل تواخذني!‪ ...‬أنا سببتلك هـ ل العقوبللة‪ ،‬أنللا‬‫يّلي ورطتك‪.‬‬
‫ضحك الدكتور سللمير وهللو يحجللل فلي مشلليته‪ ،‬ربللت علللى كتللف أبلو‬
‫حسين‪:‬‬
‫جُلن ديللن‬
‫س ْ‬
‫ بسيطة أبو حسين بسيطة‪ ،‬هّنن كم كرباج!‪ ..‬راح َ‬‫دام أم حسين‪ ،‬المهم‬
‫عليك واستوفيهن إن شاء الله ب َّره‪ ،‬يعني قِ ّ‬
‫هّل شو بدنا نساوي بالمريض؟‪.‬‬
‫طرح هذا السؤال على مستوى المهجع كله‪ ،‬كثرت القتراحات‪ ،‬كثرت‬
‫التعليقات والتساؤلت‪:‬‬
‫ العمى ‪ ..‬بدي أفهم!‪ ..‬ليش عالجونا من السللل‪ ،‬ومللا بعالجونللا‬‫من الزائدة الدودية؟‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫ يا أخللي ‪ ..‬لزم نفهمهللا منيللح ‪ ..‬الللزائدة شللخص واحللد‪ ،‬يعنللي‬‫فراطة‪ ،‬إذا مات‬

‫ما بتفرق معهم‪ ،‬أما السل جمللاعي‪ ،‬يعنللي‬

‫جملة‪ ،‬إذا ماتوا كل الناس هون هذا مو من مصلحة هـ الحكومللة‬
‫بنت الكلب‪ ،‬لنه نحن مثل الرهائن عنلدها‪ ،‬تضللغط عللى النلاس‬
‫يّلي بره بهـ الرهائن‪.‬‬
‫لم يدم النقاش والحوار أكثر من عَ ْ‬
‫شرِ دقللائق‪ ،‬تقللدم خللهللا طللبيب‬
‫كهل أشيب الشعر وسيم القسمات‪ ،‬عيناه صغيرتان براقتان‪ ،‬جلللس‬
‫على فراش أبو حسين‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ تعرف يا أبو حسين إني طللبيب ج لّراح‪ ،‬أنللا بحسللن هّل سللاوي‬‫عملية جراحيللة للمريللض بستأصللل الللزائدة فيهللا‪ ،‬لكللن يلزمنللي‬
‫بعض الشياء‪ ،‬وكمان لزم المريض يقول قللدام النللاس كلهللا إن‬
‫العملية على مسؤوليته هو‪.‬‬
‫دون أن يجيب أبو حسين أمسك يد الطبيب وسحبه إلى عند المريض‪،‬‬
‫انتقل مللن يسللاري إلللى يمينللي‪ ،‬جلسللا إلللى جللانبه‪ ،‬قللال أبللو حسللين‬
‫للطبيب‪:‬‬
‫ احكي له شو بدك منه‪.‬‬‫ شوف يا أخي‪ ،‬راح كون صريح معك‪ ،‬إنللت معللك التهللاب حللاد‬‫بللالزائدة الدوديللة‪ ،‬وخلل فللترة بسلليطة إذا مللا سللاوينا عمليللة‬
‫جراحية راح تنفجر وتموت‪ ،‬فللي عنللدنا فرصللة نسللاويلك عمليللة‬
‫جراحية‪ ،‬لكن بهذي الظروف خلينا نقول إنله نسلبة النجلاح أقلل‬
‫من خمسين بالمية‪ ،‬وهَّل إنت بدك تختار قدام النللاس كلهللا بيللن‬
‫الموت المؤكد‪ ،‬وبين الموت المحتمل‪.‬‬
‫ت المحتمل‪ ،‬نفى أمام الناس كللل مسللؤولية عللن‬
‫ض المو َ‬
‫واختاَر المري ُ‬
‫الطبيب‪.‬‬
‫أبلغَ الطبيب أبو حسين بمستلزمات العملية‪:‬‬

‫‪116‬‬

‫ يوجد قمللاش نظيللف‪ ،‬يوجلد كحللول‪ ،‬يوجللد ملللح‪ ،‬يوجللد بعللض‬‫حبوب المضاد الحيوي الللتي اسللتطاع الللدكتور سللمير أن يغافللل‬
‫الشرطة عنها‪ ،‬يوجد إبللر خياطللة وخيطللان‪ ،‬يوجللد نللار‪ ،‬لكللن مللا‬
‫نحتاجه هو بعض الشياء المعدنية لنحولها إلى مشارط!!‪.‬‬
‫صصي لم يللَر إل‬
‫ن أنني كنت غافل ً وأن تل ّ‬
‫مع ظهور كل هذه الشياء تبي َ‬
‫ما يظهر على السطح‪.‬‬
‫التلييللس الللداخلي للمهجللع كللان ذا إسللمنت خشللن والجميللع يللدرمون‬
‫أظفارهم بهذا السمنت‬

‫)ل مقصات أظفار في السجن(‪ ،‬السللمنت‬

‫يسلتخدم كملبرد‪ ،‬وعللى هلذا السلمنت تلم صلنع وابتكلار العديلد ملن‬
‫الشياء‪ ،‬فمن قطع عظم صغيرة تم صنع إبر الخياطة‪ ،‬يمسللك أحللدهم‬
‫العظم ويبدأ بحكه على الجدار ‪ ..‬يوم ‪ ..‬يللومين ‪ ..‬أيللام‪ ،‬إلللى أن يأخللذ‬
‫شكل البرة‪ ،‬وبواسطة مسمار يكون قد تم برده أيض لا ً علللى الحللائط‪،‬‬
‫يقوم الشخص وبصبرٍ عجائبي بفتح ثقب البللرة‪" ،‬المسللمار هنللا يعتللبر‬
‫ثروة‪ ،‬وتبين أن هناك عشرات المسامير في المهجع"‪ ،‬الخيطان أمرها‬
‫سهل‪ ،‬ينسلون قطعة قماش‪ ،‬بصبر وهدوء يغزلللون الخيطللان الرفيعللة‬
‫من جديد وحسب الطلب‪.‬‬
‫وقتها انتبهت إلى أن معظم الثياب التي يلبسونها قللد اهللترأت‪" ،‬كيللف‬
‫لللم يخطللر علللى بللالي أن أتسللاءل عللن الوسلليلة الللتي يرقعللون بهللا‬
‫ثيللابهم؟!"‪ ،‬علم لا ً أن بنطللالي كللان قللد اهللترأ عنللد الركبللتين والللورك‬
‫س الحاجة إلى ترقيع‪.‬‬
‫وأضحى بأم ّ‬
‫الكحللول‪ :‬بعللض الطبللاء – أو بالتفللاق بينهللم جميع لا ً – قللاموا بتخميللر‬
‫المربى في بعللض المرطبانللات البلسللتكية "كيللف حصلللوا عليهللا؟؟!"‬
‫وتحول السائل إلى كحول‪ ،‬قد تكون نسبته قليلة لكنه كحول‪.‬‬
‫م أبو حسين المَر على المهجع‪:‬‬
‫م َ‬
‫ع ّ‬

‫‪117‬‬

‫ت‬
‫ كل من لديه قطعة معدنية مهمللا كللان نوعهللا أو شللكلها ليللأ ِ‬‫بها‪.‬‬
‫وظهرت المعادن‪ ،‬مسامير‪ ،‬قطعة نقدية من فئة الليللرة عليهللا صللورة‬
‫رئيس الدولة‪ ،‬أربع علب سردين فارغة! أسلللك معدنيللة‪ ،‬خللاتم ذهللبي‬
‫"خاتم زواج"‪.‬‬
‫ت يدي إلى جيب سللترتي اللداخلي‪ ،‬تحسسللت السلاعة‪ ،‬أمسلكت‬
‫مدد ُ‬
‫بها‪ ،‬يجب أن أعطيها لهم ‪ ..‬ولكن لمن؟‪ ..‬هللل سلليقبلونها؟ ‪ ..‬أم إنهللم‬
‫سلليقذفون بهللا علللى وجهللي باعتبارهللا نجسللة مللن شللخص نجللس؟!‪.‬‬
‫ساعتي مفيدة جدا ً لهذا المر‪ ،‬فل "الكستك" المعدني مؤلف من قطللع‬
‫معدنيللة رقيقللة يسللهل تحويلهللا الللى أدوات حللادة‪ ،‬وكللذلك غطاؤهللا‬
‫الخلفي‪ ،‬وحتى زجاجها إذا لزم المر‪ ،‬وطال ترددي دقائق طويلة‪ ،‬عدة‬
‫أشخاص كانوا قد انتشروا وبيللد كللل منهللم قطعللة معدنيللة ملا‪ ،‬يبردهللا‬
‫ل‬

‫م فرش بطانية أمللام المغاسللل حيللث‬
‫حسب توجيهات الطبيب‪ ،‬ت ّ‬
‫يستطيع الحارس على السطح أن يرى شيئًا‪ ،‬واسللتلقى المريلض وهللو‬
‫يتأوه على هذه البطانية‪ .‬الطللبيب الجللراح يتنللاقش مللع مجموعللة مللن‬
‫ت أملري‪ ،‬سلأغافلهم وأضلع السلاعة فلي‬
‫الطباء وسط المهجع‪ .‬حزمل ُ‬
‫مكللان يسللتطيعون فيلله أن يجللدوها بسللهولة‪ ،‬ولكللن أللن يسلألوا عللن‬
‫صاحب هذه الساعة؟ هل أستطيع أن أجيبهم بأنها لي؟‪ ..‬ل أعتقد‪.‬‬
‫لو أن يوسف "مجنون القائد" يزورني في هذه اللحظة لعطيتها له‪.‬‬
‫ليكن ما يكون‪ ،‬وقفت ومشيت باتجاه الطبيب الجراح‪ ،‬دون أيللة كلمللة‬
‫مددت يدي بالساعة إليه‪.‬‬
‫ي مباشرة‪ ،‬عيناه عسللليتان‬
‫بوِغ َ‬
‫ت الجميع‪ ،‬سكتوا‪ ،‬نظر الجراح في عين ّ‬
‫دافئتان دهشتان قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وببطء مد ّ يده وتناول الساعة مني‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ شكرًا‪.‬‬‫ت إلى الطباء وهو يقلب الساعة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ثم التف َ‬

‫‪118‬‬

‫ هل صار فينا نبدأ‪ ،‬هـ الساعة راح تساعدنا كثير‪.‬‬‫ل مللن النشللوة‪ ،‬قليل ٌ‬
‫عدت إلللى مكللاني وجلسللت‪ ،‬قليل ٌ‬
‫ل مللن الرضللى‪،‬‬
‫أسترجع وقع كلمة "شكرًا" بعد كل هذه السنوات "أحدهم" يشللكرني‪،‬‬
‫ي مباشرة‪ ،‬ل يشيح بنظره قرفللا ً‬
‫يخاطبني مباشرة وهو ينظر في عين ّ‬
‫واشمئزازا ً وحقدًا‪.‬‬
‫وزع الطلبيب قطلع السلاعة و"الكسلتك" عللى بعلض السلجناء اللذين‬
‫انهمكوا في عمليللة الللبرد والشلحذ‪ ،‬فجلأة قرقلع المفتلاح فلي البلاب‪،‬‬
‫أذيعت أسماء تسعة أشخاص من مهجعنا‪ ،‬ثلثة إعدام وسللتة محاكمللة‪،‬‬
‫تللوقفت التحضلليرات لجللراء العمليللة أكللثر مللن سللاعة‪ ،‬توضللأ خللهللا‬
‫المحكومللون بالعللدام‪ ،‬صلللوا‪ ،‬وّدعللوا النللاس‪ ،‬خلعللوا الثيللاب الجيللدة‬
‫وارتدوا ثيابا ً بالية‪ُ ،‬فتح الباب‪ ،‬خرجوا‪.‬‬
‫ اللهم أحسن ختامنا‪ ،‬عليهم رحمة الله‪ ،‬خلونا نتللابع الشللغل يللا‬‫شباب لنه المريض‬

‫ما عاد ممكن يتحمل أكثر من هيك‪.‬‬

‫ه الطبيب الجراح بهذه الكلمات إلى بعللض الطبللاء وإلللى الشللباب‬
‫تو ّ‬
‫ج َ‬
‫الللذين كللانوا يقومللون بالسللتعدادات‪ ،‬انتهللى تجهيللز المشللارط‪ ،‬تللوجه‬
‫الطبيب ومعه بعض الشباب إلى حيث يسللتلقي المريلض متألملا ً أملام‬
‫المغاسل‪.‬‬
‫تملكني الفضول‪ ،‬أريد أن أرى إجراء العملية الجراحية‪ ،‬وقلللت إن مللن‬
‫حقللي أن أرى‪ ،‬تمشلليت متمهل ً إلللى الللداخل‪ ،‬دخلللت إلللى المرحللاض‪،‬‬
‫حوالي عشرة أشلخاص منهمكلون بالتحضلير‪ ،‬خرجلت ملن المرحلاض‬
‫ي أحد‪ ،‬أخذت أراقب‪.‬‬
‫وانزويت جانبًا‪ ،‬لم ينتبه إل ّ‬
‫كيللس بلسللتيكي مملللوء بالللدهن‪ ،‬يبللدو أنهللم كللانوا يجمعللون الللدهن‬
‫المتجمللد علللى سللطح الطعللام‪ ،‬ينقللونه مللن الشللوائب ويضللعونه فللي‬
‫الكيس‪ ،‬ملوا إحدى علب السردين بالدهن وغرزوا فيه قطعللة قمللاش‬
‫ج أحدهم علبة كللبريت وأشللعل الفتيللل‪" ،‬مللن‬
‫بعد أن فتلوها جيدًا‪ ،‬أخر َ‬

‫‪119‬‬

‫أين الكبريت؟!"‪ ،‬اشتعلت النار مدخنة‪ ،‬وضعوا فوق النار علبة سردين‬
‫أخرى مملوءة بالماء وبهللا "المشللارط"‪ ،‬كللانوا ينفخللون علللى الللدخان‬
‫المتصاعد من الدهن ويحاولون توزيعه قدر المكان كللي ل يصللعد إلللى‬
‫السللطح ويشللمه الحللارس‪ ،‬بعللد قليللل غلللت الميللاه فتعقمللت أدوات‬
‫الجراحة‪.‬‬
‫في هذه الثناء كان الطبيب قد غسل بطن المريض بالماء والصللابون‪،‬‬
‫ثم أحضر ملحا ً رطبا ً فرك به نفللس المكللان‪ ،‬غسللل يللديه جيللدا ً وأصللر‬
‫على اراتللداء الكمامللة قبللل إجللراء العمليللة‪ ،‬تغيللرت نللبرة صللوته وبللدأ‬
‫بإصدار الوامر‪:‬‬
‫ ما في عنا مخدر‪ ،‬لذلك بدك تتحمل اللم ول تتحرك أبدًا‪.‬‬‫ تعالوا إنتو الربعة‪ ،‬امسكوه بقوة‪ ،‬كل واحد من طرف‪.‬‬‫ج الطبيب المشارط من علبة السردين وبللدأ بتجريبهللا واحللدا ً بعللد‬
‫أخر َ‬
‫الخر‪ ،‬اختار المشرط المصنوع من غطلاء سلاعتي‪ ،‬جربله عللى ظفلر‬
‫إبهامه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ يـ الله يا أخي‪ ،‬توكلنا على الله‪ ،‬يا شباب ثبتوه منيح ول تخلللوه‬‫يتحرك أبدًا‪.‬‬
‫ح لّز‬
‫وضع المشرط على بطن المريض "بسم الله الرحمن الرحيللم"‪ ،‬و َ‬
‫جرحا ً بطول عشرة سنتيمترات تقريبًا‪.‬‬
‫ آخ يا أمي‪.‬‬‫صاح المريض ولكنه لم يتحرك‪.‬‬
‫انتهت العملية‪ ،‬كان الطبيب يعمل بسرعة فائقة‪ ،‬وبعللد خياطللة الجللرح‬
‫مسحه ونظفه‪ ،‬فتح عدة حبات من المضاد الحيللوي وأفلرغ المسلحوق‬
‫فوق الجرح‪ ،‬ثم قطعة قماش نظيفة وربطه جيدًا‪.‬‬
‫‪ -‬إن شاء الله معافى يا أخي‪ ،‬يا شباب احملوه على فرشته‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫عدت إلى فراشي فوجدت بنطال بيجاما وقطعَتي قماش فوقهما إبرة‬
‫عظمية وخيطان‪ ،‬أمسكت بهذه الشياء‪ ،‬نظرت حولي ولكلن لللم يكلن‬
‫من وضع هذه الغراض؟ البنطال عرفته كان لحللد‬
‫هناك أحد يلحظني‪َ ،‬‬
‫الذين أعدموا اليوم‪ ،‬لكن من وضعه على فراشي؟‪ .‬بعد قليللل أدركللت‬
‫المر‪ ،‬لقد أعطوني هذه الشياء‪ ،‬هل هي مكافأة؟ هل يعني هللذا أننللي‬
‫ت إلى أبو حسين‪ ،‬رفعللت الشللياء بيللدي‬
‫لم أعد جاسوسا ً كافرًا؟! التف ّ‬
‫أمام وجهه وقبل أن أنطق بحرف قال بحدة شعرت أنها مفتعلة‪:‬‬
‫ إلك ‪ ..‬هدول إلك ‪ ..‬ماداموا على فرشتك يعني إلك‪.‬‬‫من يومها أحسست أن وضلعي قلد تحسلن قلي ً‬
‫ل‪ ،‬رقعلت بنطلالي ملن‬
‫الخلللف ومللن المللام‪ ،‬أصللبحت ألبللس بنطللال البيجامللا عنللدما أغسللل‬
‫بنطالي‪ ،‬أصبح يوسف "مجنون القائد" يزورني مجددا ً دون ممانعات‪.‬‬
‫الن وبعد مرور شهر على إجراء العمليللة فللإن الرجللل تعللافى وأصللبح‬
‫يمشي بشكل طبيعي‪.‬‬
‫دم بعد حوالي السنة شنقًا"‪.‬‬
‫"لكنه سُيع َ‬
‫‪ 1‬ككانككون الكثككانككككككي‬
‫البارحة كان عيد رأس السنة‪ ،‬أغلب الناس خارج هذا المكان يحتفلللون‬
‫بهذه المناسبة حتى الصباح‪ ،‬أما هنا فأعتقد أني الوحيد الذي يعنللي للله‬
‫هذا اليوم شيئًا‪ .‬منذ بدايللة المسللاء نللام الجميللع‪ ،‬الللبرد جللارح‪ ،‬لبسللت‬
‫بنطال البيجاما وفوقه بنطللالي والسللترة‪ ،‬تغطيللت بالبطانيللات لكللن ل‬
‫ي ‪ ..‬لففللت نفسلي جيللدا ً وغطيللت‬
‫جدوى‪ ،‬قدماي مثلجتان‪ ،‬أنفللي‪ ،‬أذنل ّ‬
‫رأسي‪ ،‬هذا البرد الصللحراوي اللعيللن‪ ،‬بللرد كنصللل الشللفرة ‪ ..‬حللاولت‬
‫الهرب منه الى أحلمي‪ ،‬رتبت سهرة لرأس سنة مللا‪ ،‬تعبللت قليل ً فللي‬
‫اختيار المكان والشخاص‪ ،‬أنللا نجللم السللهرة بل منللازع‪ ،‬المللائدة مليئة‬
‫بالطعمة والشربة‪ ،‬الموسيقا‪ ،‬الرقص ‪، ...‬جو المللرح والنكللات‪ ،‬الثلللج‬
‫يتساقط في الخارج‪ ،‬أقف خلف زجاج النافذة‪ ،‬أرقب أشللجار الصللنوبر‬

‫‪121‬‬

‫وقللد تكللللت بللاللون البيللض‪ ،‬الللدفء داخللل المنللزل يحيطنللي‪ ،‬أحللس‬
‫بالترف‪ ،‬وبنفس الوقت بالتعب‪ ،‬سرير وثير وأغطية ناعمة الملمس!!‪.‬‬
‫مستحيل ‪ ...‬غير ممكن في ظل هذا البرد أن تحلللم بالللدفء!‪ .‬أزحللت‬
‫الغطاء قلي ً‬
‫ل‪ ،‬حككت يديّ ببعضهما‪ ،‬نفخت عليهما‪ ،‬فركت قدمي بقللوة‬
‫ع ّ‬
‫ل الدماء تسري فيهما!‪.‬‬
‫عند منتصف الليل سمعت أصواتا ً في السللاحة أمللام مهجعنللا‪ ،‬تغطيللت‬
‫بالبطانية ونظرت من الثقلب‪ .‬السلاحة مضلاءة كالعلادة‪ ،‬كلل سلاحات‬
‫وسطوح ومهاجع وسللور السللجن تبقللى مضللاءة ليل ً نهللارًا‪ ،‬هنللاك فللي‬
‫الساحة جمهرة كبيرة مللن الشللرطة يصللدرون ضللجة كللبيرة‪ ،‬ضللحك‪..‬‬
‫صياح‪ ..‬شتائم‪ ..‬أمعنت النظر جيدًا‪ ،‬المساعد في وسط الساحة تحيط‬
‫به مجموعة من الرقباء‪.‬‬
‫أحسست بحركة داخل المهجع‪ ،‬نظرت من تحت البطانية كان الجميللع‬
‫قللد اسللتيقظ‪ ،‬البعللض يبسللمل ويحوقللل‪ ،‬البعللض يللردد عبللارات مثللل‪:‬‬
‫يالطيف‪ ..‬ياستار‪ ..‬اللهم مّرر هذه الليلة على خير!!‪.‬‬
‫عدت للنظر إلى الساحة‪ ،‬كان المساعد وشلللته قللد اقللتربوا قليل ً مللن‬
‫مهجعنا الذي يعتبر مللن أكللبر المهللاجع فللي هللذه السللاحة‪ ،‬طلللب مللن‬
‫الشرطة فتح الباب وإخراج السجناء الى الساحة‪.‬‬
‫خرجنا حفاة عراة‪ ،‬حتى السروال الللداخلي أمرونللا أن نخلعلله‪ ،‬صللفونا‬
‫أرتال ً وأمروا أن يبتعد الواحد عن الخر خطوتين‪ ،‬وأن ل نسلتغ ّ‬
‫عرَينلا‬
‫ل ُ‬
‫لنلو َ‬
‫ضنا!‪.‬‬
‫ط بع َ‬
‫"وردت رسالة قبل بضعة أيام عن طريق المورس من الساحة الثانيللة‬
‫تقول إن الرقيب "يا منيك" قد أجبر سجينا ً ان يلوط أخاه!!"‪.‬‬
‫] لماذا تركز الشرطة على هذه المسألة كثيرًا؟![‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫الشرطة والرقباء والمساعد جميعا ً يرتدون المعاطف العسللكرية وقللد‬
‫ة وذهابللا ً أمللام‬
‫لفوا رؤوسهم باللفحات الصوفية‪ ،‬المساعد يتمشى جيئ ً‬
‫الصف‪ ،‬الشرطة يضبطون الصطفاف‪:‬‬
‫ وّقف باستعداد وَْل ‪ ...‬ن َّزل راسك ‪..‬‬‫الريح شمالية خفيفة ولكنهللا قارسللة‪ ،‬أعتقللد أن درجللة الحللرارة تحللت‬
‫الصفر ببضع درجات‪.‬‬
‫ب َّللونا بالمياه من الرأس وحللتى إخمللص القللدمين‪ ،‬أمرونللا أل نتحللرك‪،‬‬
‫عناصللر الشللرطة يمشللون حولنللا وخلل صللفوفنا‪ ،‬وبأيللديهم الكرابيللج‬
‫ي‪.‬‬
‫والعص ّ‬
‫مل ِلله‬
‫بللدأ المسللاعد خطبللة طويلللة‪ِ ،‬وقـفـ لُته والكللثير مللن عبللاراِته و ُ‬
‫ج َ‬
‫وحركاِته هي تقليد وتكرار لحركات وأقوال مدير السللجن‪ ،‬ثلثللة أربللاع‬
‫الخطبة شتائم مقذعلة‪ ،‬وقلد بلدأها بتحميلل السلجناء مسلؤولية بقلائه‬
‫بالسجن بينما العالم كله يحتفل‪ ،‬ولول أننا موجودون هنا حاليا ً لكان هو‬
‫أيضا ً يحتفل‪ ،‬الضباط ذهبوا ليحتفلوا وتركوا كل المسؤولية على عاتقه‬
‫‪ ..‬رجل ذو أهمية تاريخية!‪.‬‬
‫أنهى خطبته وغادر الساحة وقد شد ّ صدره إلى الخلف‪ ،‬دون أن يعطي‬
‫أية تعليمات بشأننا‪.‬‬
‫صوت اصطكاك السنان مسموع بشكل واضح‪ ،‬الجميع يرتجللف بللردًا‪،‬‬
‫أنا بالكاد أتماسك لبقى واقفًا‪.‬‬
‫ف بأذهان الجميع‪:‬‬
‫أظن أن هناك سؤال ً طا َ‬
‫ ما نهاية كل هذا؟‪ ...‬مللاذا سلليفعلون بنللا؟‪ ...‬هللل هللي مقدمللة‬‫لمجزرة جديدة؟‪ ...‬هل سنعود ثانية الى مهجعل"نا"؟!‪.‬‬
‫ل كلمللة‪ ،‬ل صللراخ‪ ،‬ل شللتيمة‪ ،‬صللمت مطبللق ل يخدشلله إل صللوت‬
‫خطوات الشرطة وهي تتمشى حولنا‪ ،‬حتى أيللديهم الللتي يحملللون بهللا‬

‫‪123‬‬

‫الكرابيج والعصي دسوها في جيوبهم وبرزت العصي وتللدلت الكرابيللج‬
‫من هذه الجيوب‪.‬‬
‫الجسد ‪ ...‬الخدر يزداد وينتشر‪ ،‬اللم يتعمم ويتعمق‪ ،‬السنان تصللطك‪،‬‬
‫من اللسان وحتى المستقيم ارتجاف واحد ‪ ...‬النف‪ ،‬الذنان‪ ،‬الكفللان‪،‬‬
‫القللدمان‪ ،‬كللل هللذا ليللس مللن الجسللد‪ .‬تتسللاقط الللدموع بللردا ً وبكللاًء‬
‫فتتجمد على الخدين وزوايا الفم المرتجف‪ ،‬والسللؤال‪ :‬مللتى سأسللقط‬
‫أرضًا؟‪.‬‬
‫يسقط أحدهم قبلي‪ ،‬يقف جميللع عناصللر الشللرطة عللن الحركللة لللدى‬
‫سقوطه‪ ،‬تخرج اليدي ملن الجيلوب‪ ،‬وينطلللق بضللعة عناصللر‪ ،‬يجلرون‬
‫السجين الذي سقط إلى أمام الصف حيث يتجمع الرقبللاء‪ ،‬يقللول أحللد‬
‫الرقباء‪:‬‬
‫ يـ الله ‪ ..‬دّفوه‪.‬‬‫تنهال الكرابيج على جميللع أنحللاء جسللده المتخشللب‪ ،‬يحللاول الوقللوف‬
‫جّر إلى حيث التدفئة‪ ،‬وآخر‬
‫ولكن وقع الكرابيج يمنعه‪ ،‬يسقط آخر ‪ ...‬ي ُ َ‬
‫‪ ...‬وآخر‪.‬‬
‫أجالللد نفسللي خوفلا ً مللن السللقوط‪ ،‬يحللدث انفصللال تللام بيللن العقللل‬
‫ف تماملا ً وواٍع كل ّ‬
‫ل ملا يجلري حلولي‪ ،‬أملا جسلدي‬
‫والجسد‪ ،‬عقلي صا ٍ‬
‫درا ً وتجمللدًا‪ ،‬تختلللط الللدموع مللع المخللاط‬
‫فينفصل عني شيئا ً فشيئا ً خ َ‬
‫السائل من النف وأجد صعوبة بالتنفس‪ ،‬ل أجرؤ على رفللع يللدي إلللى‬
‫أنفي ‪ ...‬حتى لو استجابت يدي!‪.‬‬
‫وسقطت ‪ ...‬سقطت دون أن أفقد الوعي وجروني إلى أمام الصف‪.‬‬
‫لقد جربت وعاينت الكثير من صنوف اللم الجسللدي‪ ،‬لكللن أن ُتسللا َ‬
‫ط‬
‫في البرد وأنت مبلل‪ ،‬أمر ل يمكن وصفه‪.‬‬
‫خرِ شخص وتدفئته مللن قبللل الشللرطة‬
‫طآ ِ‬
‫مع بزوغ ضوء الفجر وسقو ِ‬
‫انتهت الحفلة‪ .‬دخلنا المهجع ركضا ً على إيقلاع الكرابيللج‪ ،‬ركضللنا بخفلة‬

‫‪124‬‬

‫ورشاقة وكنت أظن أنني لن أستطيع النهوض عن الرض‪ ،‬لكن مللا أن‬
‫سمعت المر بالدخول ورأيللت الكرابيللج تهللوي حللتى قفللزت‪" ،‬لطالمللا‬
‫تساءلت بيني وبين نفسي عن منبع هذه القوة!‪ ..‬المقاومة؟"‪.‬‬
‫هذه المرة رأيت فرحا ً حقيقيا ً على وجوه الناس بخلصهم من مجهللول‬
‫كانوا يخشون وقوعه في دواخلهم كثيرًا‪ ،‬وخلللف هللذا الفللرح تراكمللت‬
‫طبقة جديدة من حقد أسود‪ ،‬تزداد سماكتها بازدياد اللم والذل‪.‬‬
‫‪ 5‬حككزيككككران‬
‫قيل قديما ً "إن الله خلق للنسان فما ً واحدا ً وأذنين اثنتين حتى يسللمع‬
‫أكللثر ممللا يتكلللم"‪ ،‬أمللا أنللا فقللد كنللت طللوال هللذه السللنوات بل فللم‬
‫وبعشرات الذان‪.‬‬
‫كلم ‪ ...‬كلم ‪ ...‬كلم ‪ ...‬بيادر وأهرامات مكدسة من الكلم‪ ،‬أنقل أذنا ً‬
‫إلى زاوية المهجع البعيدة لسمع ما يتحدثون‪ ،‬الذن الخرى أنقلها إللى‬
‫ي‪ ،‬فقلط‬
‫رد رسائل ملن المهلاجع‪ ،‬ل أحلرك عينل ّ‬
‫حائط المورس‪ ،‬ماذا ي َ ِ‬
‫ي‪ ،‬الذن الثالثة تنتقل إلى حيث حلقة حفظ القلرآن‪" ،‬لقلد حفظللت‬
‫أذن ّ‬
‫الكثير جدا ً من القرآن!"‪ ،‬والذن الرابعة ‪ ...‬الخامسة‪.‬‬
‫فمي مقفل‪ ،‬أحن إلى الكلم‪ ،‬أشتاق إلللى أن أسللمع صللوتي أنلا‪ ،‬حللتى‬
‫عندما يجلس يوسف عندي ل أتكلم‪ ،‬لنه ببساطة ل يتيللح لللي المجللال‬
‫حتى أسأله شيئًا‪ ،‬ما إن يجلس حتى يبللدأ الكلم‪ ،‬أحيان لا ً تكللون الجمللل‬
‫مترابطة‪ ،‬أحيانا ً مجللرد تخللاريف‪ ،‬لكللن ل فواصللل ول توقفللات‪ ،‬وعلللى‬
‫الغلب ينهض مغادرا ً وهو يتابع الحديث‪.‬‬
‫كلم ‪ ...‬كلم ‪ ...‬كلم ‪ ...‬الجميللع يتكلللم والجميللع يسللمع‪ ،‬ولن الكلم‬
‫دائما ً يكون همسا ً أو بصوت خافت فإن مجموع هذه الهمسات يتحللول‬
‫إلى شيء ل هو بالزيز ول هو بالطنين‪ ،‬ل بالفحيح ول بالهسيس ‪ ...‬هو‬
‫شيء من كل هذا‪ ،‬يدخل الذنين ومنه إللى اللرأس اللذي يتحلول آخلر‬
‫اليوم إلى ما يشبه )الطاسة( الفارغة‪ ،‬شلليء مللا كالطبللل‪ ،‬أنقللر علللى‬

‫‪125‬‬

‫رأسي بأصابعي فأسللمع الرنيللن‪ ،‬حللتى بعللد أن ينللام الجميللع وتسللكت‬
‫الصوات كلها تبقى هذه الضللجة المكتومللة تحللوم داخللل الذن وتقللرع‬
‫جدران الرأس‪.‬‬
‫صغَُرت ك ّ‬
‫ل أحلمي‪:‬‬
‫أحلم أحد أحلمي الصغيرة‪ ،‬وقد َ‬
‫أحلم ‪ ...‬أن أعيش لو ليوم واحد فقط في زنزانة انفرادية‪ ،‬في صللمت‬
‫مطبق‪ ،‬ل ضجيج‪ ،‬ل نظرات عداء‪ ،‬ل نظرات احتقار‪ ،‬وأنام خلله نوما ً‬
‫عميقًا‪.‬‬
‫أحلم ‪ ...‬أن أستحم لو لمرة واحدة فقط فللي حمللام السللوق‪ ،‬محاط لا ً‬
‫بالبخار والمياه الساخنة المتدفقة‪ ،‬والمكّيس والمدّلك‪.‬‬
‫أحلم ‪ ...‬أن أقف على الرصيف أمللام محللل للفلفللل‪ ،‬آكللل سندويشللة‬
‫وأشرب الَعيران‪.‬‬
‫ص عاطل متب ّ‬
‫طل‪،‬‬
‫أحلم ‪ ...‬أن أسير في شارع هادىء ظليل‪ ،‬سيَر شخ ٍ‬
‫ل يقصد مكانا ً محددًا‪ ،‬وغير محدد بزمن معين‪.‬‬
‫أحلم ‪ ...‬بأمي وهي توقظني صباحًا‪ ،‬وأنا أرفللض ‪ -‬دلل ً ‪ -‬أن أسللتيقظ‪،‬‬
‫مغطيا ً رأسي باللحاف‪.‬‬
‫أحلم ‪ ...‬بشخص‪ ،‬أيّ شخص‪ ،‬يقول لي صباح الخير‪.‬‬
‫كلم ‪ ...‬كلم ‪ ...‬كلم ‪ ، ...‬منللذ عشللرة أيللام كللل الكلم يللدور حللول‬
‫موضوع واحد هو الزيارة!‪.‬‬
‫ب اثنللان مللن السللجناء فللي المهجللع رأسلليهما مللن‬
‫منذ عشرة أيام قَّر َ‬
‫رد منه الرسائل عادة‪ ،‬يسمعان النقرات ويبلغانها لربعللة‬
‫الجدار الذي ت ِ‬
‫أشخاص خلفهما‪:‬‬
‫ فاء ‪ -‬ياء "في"‪ ،‬ا‪ -‬ل ‪ -‬م ‪ -‬هل ‪ -‬ج ‪ -‬ع "المهجللع"‪ ،‬وهكللذا إلللى‬‫أن اكتملت الرسالة )البرقية(‪:‬‬
‫" في المهجع الواحد والعشرين أحد الخوة أتته زيارة‪ ،‬وقد حضر كلل ّ‬
‫ل‬
‫أهله!"‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫في البداية كان الذهول سّيد الموقللف‪ ،‬بعللد أن أذيعللت الرسللالة علللى‬
‫الجميللع سللاد الصللمت‪ ،‬البعللض ينظللر إلللى البعللض‪ ،‬أعقبتهللا نظللرات‬
‫ساهمة‪ ،‬تذكر الجميع ما كانوا قد نسوه لمعظم الوقت‪ ،‬أو ُأجبروا على‬
‫نسيانه‪ ،‬قاموس حياتهم أصبح يحتوي على عشللرات المفللردات فقللط‪،‬‬
‫تبدأ بالمرحلاض والحنفيلة والطهلارة والنجاسلة‪ ،‬وتنتهلي عنلد الكربلاج‬
‫والسماء المحلية للشرطة‪ ،‬أما الصلة والقللرآن‪ ،‬علللى مللا فيهمللا مللن‬
‫ي‪ ،‬فيصبح تردادهما آليا ً‬
‫ى لغو ّ‬
‫غن ً‬
‫تلذكر الجميلع أن هنلاك حيلاةً اخلرى خلارج هلذا المكلان‪ ،‬وخلارج هلذا‬
‫ل يستدعي إشغال الفكر‪.‬‬

‫القاموس اللغوي الضئيل‪ ،‬وأنها هي الصل‪ ،‬وما هم فيه طارئ عابر‪.‬‬
‫يذهب الخيال إلى حيث الهللل والحبللة‪ ،‬تحضللر المللرأة بقللوة مهيمنللة‪،‬‬
‫المرأة الزوجة‪ ،‬المرأة الم ‪ ...‬الخت ‪ ...‬البنة ‪ ،‬ويسود وجللوم رمللادي‬
‫ضة والحارقة عن المصائر؟!‪.‬‬
‫م ِ‬
‫م ّ‬
‫حامض‪ ،‬تثور التساؤلت ال ُ‬
‫الزمن في السللجن زمنللان‪ ،‬يسللتتبعهما إحساسللان متناقضللان‪ ،‬الزمللن‬
‫الراهن ‪ ...‬ثقيل بطيء‪ ،‬والزمن الماضي‪ ،‬ما مضى مللن أيللام وشللهور‬
‫وسنين السجن ‪ ...‬زمن خفيف سريع‪ ،‬تنتبه فجأة وتسأل نفسك‪:‬‬
‫ مللاذا؟! ‪ ...‬أصللبح لللي فللي السللجن خمللس سللنوات‪ ،‬سللبع ‪،‬‬‫عشر؟! الحقيقة لم أشعر بهذا الزمن‪ ،‬ياإلهي كيف مضللت هللذه‬
‫السنون بسرعة البرق!!‪.‬‬
‫تفكر‪ ،‬وتعرف أن هذا الحسللاس ناتللج عللن أنلله فللي زحمللة التفاصلليل‬
‫اليومية قلمللا يتللاح لللك الللوقت لتعللد اليللام والسللنوات‪ ،‬وهللذا كالجلللد‬
‫بالكرباج‪ ،‬إذا بدأت عد ّ الضربات حتما ً سوف تضعف‪ ،‬وكللذلك إذا بللدأت‬
‫عد ّ اليام وتسجيلها خطا ً وراء خط على الحائط‪ ،‬حتما ً سللوف تضللعف‪،‬‬
‫ن!‪.‬‬
‫أو ‪ ...‬ت ُ َ‬
‫ج ّ‬
‫كسر أبو حسين الصمت بعد دقائق قليلة‪ ،‬نادى أحللد جماعللة المللورس‬
‫وطلب منه التصال مللع المهجللع الواحللد والعشللرين والستفسللار عللن‬

‫‪127‬‬

‫حت الزيارات للجميع‪ ،‬أم هي بالواسللطة‪ ،‬أم‬
‫الزيارة‪ ،‬كيف أتت‪ ،‬هل فُت ِ َ‬
‫بالرشوة‪ ،‬كيف تعامل الشرطة مع المر‪ ،‬هل أحضر الهللل أغراض لا ً ‪...‬‬
‫إلخ؟‪.‬‬
‫وجاء الجللواب‪ ،‬ل يعرفللون شلليئا ً عللن آليللة الزيللارة‪ ،‬هنللاك الكللثير مللن‬
‫الغراض‪ ،‬ألبسة وأطعمة ونقود‪ ،‬السجين ذهب إلى الزيارة وعللاد دون‬
‫أن يضربه أحد‪.‬‬
‫بعد ثلثة أيلام ألقلى ملدير السلجن خطابلًا‪ ،‬تحلدث فيله علن إنسلانيته‬
‫ورحمته وأن قلبه ينفطر ألما ً عندما يرى أبناء وطنه في هلذه الحاللة!!‬
‫وقال‪:‬‬
‫ كل من تأتيه زيارة منكم عليه أن يطلب مللن أهللله إخبللار كللل‬‫من يعرفون من أهالي السجناء الخرين لكي يسعوا إلى زيللارته‬
‫وبنفس الطريقة‪.‬‬
‫لكن ماهي الطريقة؟‪ .‬لم يعرف أحد‪ ،‬ولللم يجللرؤ علللى السللؤال أحللد‪،‬‬
‫وكلانت الملرة الوللى اللتي يخاطبنللا فيهلا وعيوننلا مفتوحللة ورؤوسلنا‬
‫ليست منكسة إلى السفل‪.‬‬
‫اليللوم أتللت زيللارة لشللخص مللن مهجعنللا‪ ،‬أبللو عبللدالله‪ ،‬نللادوه باسللمه‬
‫الثلثي‪ ،‬وهنا قلما يعللرف السللم الثلثللي لشللخص مللا‪ ،‬فالكللل ينللادون‬
‫بعضهم بل "أبو"‪ ،‬أبو حسين‪ ،‬أبو عبدالله‪ ،‬أبو علي‪ ،‬أبو أحمد ‪...‬‬
‫طلب الشرطة من أبو عبدالله أن يلبللس ثياب لا ً جيللدة‪ ،‬فتبللارى الجميللع‬
‫للباس أبو عبدالله أفضل ثياب في المهجع‪ ،‬ذهب أبو عبدالله وعاد بعد‬
‫أكللثر مللن نصللف سللاعة‪ ،‬عللاد لهث لا ً مخضوض لا ً يتصللبب عرق لًا‪ ،‬وقللف‬
‫بمنتصف المهجع يتلفت وينظر إلى الجميع‪ ،‬ولكللن يبللدو كمللن ل يللرى‬
‫أحدًا‪ ،‬باب المهجع ليزال مفتوحا ً والبلديات ُيدخلون الغراض بجاطللات‬
‫بلستيك‪.‬‬
‫ن لخر‪:‬‬
‫بعد أن أغلق الشرطة الباب قال سجي ٌ‬

‫‪128‬‬

‫ ما شاء الله ‪ ...‬ما شاء الله‪ ،‬خمسة وثمانون جاطًا!!‪.‬‬‫أبو عبدالله يتلقى التهاني من الجميع وهو لزال واقفا ً كالمأخوذ‪:‬‬
‫ مبروك أبو عبدالله ‪ ...‬مبروك الزيارة‪.‬‬‫ الله يبارك فيكم ‪ ...‬عقبال عندكم‪.‬‬‫ مبروك أبو عبدالله ‪ ...‬كيف الهل؟‪.‬‬‫ الحمد لله بخير ‪ ...‬يسلمون على الجميع‪.‬‬‫قطع أبو عبدالله سلسلة الل"مبروك" والتفللت فجللأة إلللى أبللو حسللين‪،‬‬
‫قال‪:‬‬
‫ كيلو ذهب ‪ ...‬كيلو ذهب يلا أبلو حسلين!!‪ ...‬اللله وكيللك كيللو‬‫ذهب‪.‬‬
‫ن المللور قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ثللم‬
‫فوجئ أبو حسين‪ ،‬نظر إلى أبو عبدالله بتمعللن‪ ،‬وََز َ‬
‫سأل‪:‬‬
‫ خير أبو عبدالله ‪ ...‬خير‪ ،‬شو قصة هـ الكيلو ذهب؟‪.‬‬‫ الزيارة يا أبو حسين الزيارة ‪ ...‬كل زيارة بكيلو ذهب‪.‬‬‫ارتفعت عدة أصوات متسائلة إلى جانب صوت أبو حسين‪:‬‬
‫ شو!!‪ ...‬كيلو ذهب كل زيارة؟‪.‬‬‫ نعم كيلو ذهب‪ ،‬سألت أهلي قالوا لي‪ :‬لزم أمك تروح لعند أم‬‫مدير السجن تاخد معهلا كيللو ذهلب‪ ،‬وأم ملدير السلجن تعطلي‬
‫ورقة زيارة!!‪.‬‬
‫ون على أبو عبدالله‪:‬‬
‫أراد أبو حسين أن يه ّ‬
‫ وَل َوْ أبو عبدالله ‪ ...‬كيلو ذهب فداك ‪ ...‬المهم إّنه شفت أهلللك‬‫وشافوك وتطمنوا عليك‪ ،‬إيه هـ ل الشللغلة بتسللاوي أمللوال الللدنيا‬
‫سللخ إيللدين بللروح‬
‫كلها‪ ،‬الله يلعن الذهب وأبو الذهب ‪ ...‬المال وَ َ‬

‫‪129‬‬

‫م‬
‫م‪ ،‬المه ل ّ‬
‫وبيجي‪ ،‬المهم إنللت وصللحتك وأهلللك‪ ،‬الللذهب مللو مه ل ّ‬
‫البني آدم اللي بجيب الذهب‪.‬‬
‫ إيه والله صحيح ‪ ...‬إيه والله صحيح يا أبو حسين!‪.‬‬‫ي قد غامتا ‪ ...‬تشوّ َ‬
‫شتا ‪.!...‬‬
‫يومها أنا د ُ ْ‬
‫س ِ‬
‫كرت ‪ ...‬حتى إ ّ‬
‫خت ‪َ ...‬‬
‫ن عين ّ‬
‫البلديات كانوا ينقلون الجاطات حللتى بللاب المهجللع‪ ،‬يخللرج الفللدائيون‬
‫ويأخذون الجاطات منهم‪ ...‬دون أي ضرب!‪ ...‬يفرغونها داخللل المهجللع‬
‫ويسلمونها للبلديات‪ ...‬الكثير مللن اللبسللة‪ ،‬خاصللة الملبللس الداخليللة‬
‫سلّر بلآذان الهلل علن حاجاتنلا‪،‬‬
‫الصليفية والشلتوية‪ ،‬كلأن هنلاك ملن أ َ‬
‫والكثير ‪ ...‬الكثير من الخضار والفواكه التي يمكن أن تؤكل نيئة‪.‬‬
‫ما أسكرني ‪ ...‬كان الخيار ‪ ...‬الخيار بلللونه الخضللر‪ ،‬انسللابت روائحلله‬
‫وعطوره إلى أنفي‪ ،‬ثلثة جاطات من الخيللار أفرغوهللا وسللط المهجللع‬
‫غير بعيد عني مشكلة تل ً صغيرا ً أخضَر‪ ،‬إلى جانبه ت ّ‬
‫ل صغيٌر أحمُر مللن‬
‫البندورة‪ ،‬رائحة الخيار ملت المهجع‪ ،‬الجميع كللان فرح لًا‪ ،‬أبللو عبللدالله‬
‫كللان مللذهول ً ملن أثلر الزيلارة‪ ،‬ودون أن أفكللر بملا أقللوم بله أو أعيلله‬
‫مشيت وجلست إلى جانب تل الخيار الخضر‪ ،‬انحنيت وشممت بعمق‪،‬‬
‫إنها رائحة الطبيعة‪ ،‬إنها رائحللة الحيلاة‪ ،‬اخضلراره هلو اخضلرار الحيلاة‬
‫ذاتها‪ ،‬أمسكت واحللدة وأدنيتهللا مللن أنفللي وتنشللقتها بعمللق‪ ،‬أغمضللت‬
‫عيوني وأعتقد أن ملمحي كلها كانت تبتسم‪.‬‬
‫ي وإذا بغابللة مللن‬
‫كان كل هذا أشبه بزلزال‪ ،‬ارت ّ‬
‫ج كيانه كله‪ ،‬فتحت عين ّ‬
‫العيون تحدق بي ‪ ...‬لم أعبأ‪ ،‬ألقيت الخيارة على كومة الخيار‪ ،‬مشيت‬
‫إلى فراشي‪ ،‬تمددت‪ ،‬غطيت رأسي ‪ ...‬وبكيت بصمت‪.‬‬
‫ت عدة ساعات تحت البطانية‪ ،‬ل أريد أن أرى أحدًا‪ ،‬ل أريد أن أرى‬
‫بقي ُ‬
‫شيئًا‪ ،‬البكاء أراحني قليل ً ‪ ...‬ولم ألَبلث طلويل ً حلتى نملت‪ ،‬اسلتيقظت‬
‫عصرًا‪ ،‬رفعت البطانية وجلست‪ ،‬كان أمام فراشللي مجموعللة متنوعللة‬
‫من الغراض )نصف خيللارة‪ ،‬نصللف حبللة بنللدورة‪ ،‬رغيللف خللبز مللدني‪،‬‬

‫‪130‬‬

‫قطعة بقلوة فاخرة‪ ،‬بعض أنصاف حبللات الفاكهللة‪ ،‬ولكللن الهللم كللان‬
‫اللبسة ‪ ...‬بيجاما رياضية‪ ،‬غيار داخلي شتوي من الصوف‪ ،‬غيار داخلي‬
‫حاطة!(‪ ....‬طوال كللل هللذه السللنوات‬
‫صيفي‪ ،‬جوارب صوفية ‪ ...‬ثم ش ّ‬
‫ي شلليئًا‪ ،‬وقلد‬
‫ومنذ أن أخذوا حذائي بمركز المخابرات لم أنتعللل بقلدم ّ‬
‫تشكلت على كامل قدمي من السفل طبقة سميكة من اللحم الميت‬
‫المتقرن المتشقق ‪ ...‬والن ها هي شحاطة!‪.‬‬
‫نظرت حولي‪ ،‬واضح أن حصتي مساوية لحصة أي سجين آخللر منهللم‪،‬‬
‫ل أكثر ول أقل‪.‬‬
‫)هم جميعا ً يكرهونني‪ ،‬هم جميعا ً يحتقرونني‪ ،‬بعضهم يريد قتلي ‪ ...‬كل‬
‫هذا صحيح‪ ،‬ولكن في المور الحياتية ‪ ...‬كانوا عادلين معي(‪.‬‬
‫أخذت الغراض‪ ،‬رتبتها كوسادة ‪ ...‬أكلت‪ ،‬ولكن لم أشأ أن آكل نصللف‬
‫الخيارة‪.‬‬
‫‪ 6‬حككككزيكككككران‬
‫البارحللة كللان يوم لا ً حللاف ً‬
‫ل‪ ،‬لللم أسللتطع النللوم إل فللي سللاعة متللأخرة‬
‫واسللتيقظت كالعللادة صللباحًا‪ ،‬فاجللأني وجللود قطعللتين مللن الخيللار‬
‫"نصفين" إلى جانب النصف الخاص بي‪ ،‬ثلثة أنصاف‪ ...‬واستنتجت أن‬
‫ب‬
‫هناك شخصين قد تنازل عن حصتهما من الخيار لي!!‪ ...‬ظّنا أنني أح ّ‬
‫الخيار!‪ ...‬لم يعرفا أن الخيار برائحته ‪ ...‬لونه ‪ ...‬قللد استحضللر الحيللاة‬
‫بكل ثقلها إلى نفس كانت قد نسيت الحياة!‪.‬‬
‫اثنان منل "هم" يتعاطفان معي! ‪ ...‬ولكن ل يجللرؤان علللى إظهللار هللذا‬
‫التعاطف!‪.‬‬
‫داخلللي قليللل مللن الراحللة والطمئنللان‪ ،‬نظللرت حللولي‪ ،‬هللل أسللتطيع‬
‫تمييزهما؟‪.‬‬
‫كل الوجوه مغلقة‪ ،‬كل العيون كابية‪.‬‬
‫‪ 8‬آذار‬

‫‪131‬‬

‫كالعادة أخرجونا اليوم إلى الساحة‪ ،‬أوقفونا أمام مهجعنا‪ ،‬وهكللذا بقيللة‬
‫المهاجع‪ ،‬إذاعة السجن تصدح منذ الصباح بالغاني الللتي تمجللد رئيللس‬
‫الدولة وتتغنى بحكمته وشجاعته وبطولته‪ .‬أع َ‬
‫طوا أحد َ السللجناء ورقللة‬
‫مكتوبة‪ ،‬بها بعض الشعارات والهتافات‪ ،‬يصرخ بهلا ونلرّدد نحللن وراءه‪:‬‬
‫سللنفدي الرئيللس بللالروح والللدم‪ ،‬يسللقط الخللوان المسلللمون عملء‬
‫ن غضاضللة بالهتللاف ضللد أنفسللهم‪ ،‬أو‬
‫المبريالية‪ .‬لم يكن السجناء يَرو َ‬
‫على القل لم تبدر منهم أية إشارة أو ممانعللة تللدل علللى ذلللك‪ ،‬كللانوا‬
‫يهتفون بأصوات عالية جدا ً ل يست َ‬
‫ف منها أي شيء من هذا‪.‬‬
‫ش ّ‬
‫هذه الحتفالت تجري كل عام مرتين أو ثلث مللرات‪ ،‬واحتفللالت هللذا‬
‫حك ّللون‬
‫العام تختلف عن غيرها في أن السجناء اليوم كانوا ل ينفك ّللون ي ُ‬

‫ويهرشون أجسللادهم‪ :‬إنلله الجرب‬

‫‪ .‬بيللن تصللفيق وتصللفيق‪ ،‬بيللن‬

‫هتاف وآخر‪ ،‬يمد السجين يده ليحك جسده‪.‬‬
‫بدأ الجرب منلذ خمسلة أشللهر تقريبلًا‪ ،‬وكنللت قلد نجلوت ملن التهلاب‬
‫السحايا ومن السل إل انني كنت من أوائل المصللابين بللالجرب‪ ،‬الللذي‬
‫م وانتشر ليشمل السللجن كللله‪ ،‬والغريللب فللي المللر أن‬
‫سرعان ما ع ّ‬
‫الختلط بين المهاجع ممنوع منعا ً باتًا‪ ،‬فكيف يمكن أن ينتشر وبللاٌء مللا‬
‫يبدأ في أحد المهاجع ليعم السجن كله؟!!‪.‬‬
‫والغللرب مللن هللذا أن مسللتوى النظافللة هنللا يعتللبر جيللدًا‪ ،‬فالسلللجناء‬
‫عموما ً يهتمللون بالنظافللة كللثيرًا‪ ،‬خاصللة نظافللة الجسللد والثيللاب لنهلا‬
‫شللرط دينللي للطهللارة والصلللة‪ ،‬فكيللف يمكللن لشللياء مثللل القمللل‬
‫والجرب أن تنتشر بهذه الكثافة؟!‪.‬‬
‫بدأ الجرب فجأة عند بضعة أشخاص وأنا منهم‪ ،‬ظهر أول ما ظهر بيللن‬
‫الصابع ثم امتد إلى ثنيات الجسم الخلرى‪ ،‬كلان علذابا ً مضللنيًا‪ ،‬كالنلار‬
‫عندما تسري في الجسد‪ ،‬كل يوم يمر يللزداد عللدد المصللابين‪ ،‬وواضللح‬

‫‪132‬‬

‫منذ البداية أن أية عملية وقاية ل جدوى منها‪ ،‬ومهما كانت الحتياطات‬
‫المتخذة من قبل الشخص السليم فهي عبث ل طائل تحته‪.‬‬
‫منذ اليوم الول حدد الللدكتور غسللان المللر‪ ،‬هللذا الللدكتور وهللو زميللل‬
‫البورد المريكي للمراض الجلدية‪ ،‬له مؤلفات كثيرة ويعتبر عالما ً فللي‬
‫ص محترم هنا كللثيرًا‪ ،‬ل يتللدخل‬
‫اختصاصه على المستوى العالمي‪ ،‬شخ ٌ‬
‫في أي مسألة ل تعنيه‪ ،‬يترفع كثيرا ً عن الصغائر‪ ،‬وهللو المرجللع الخيللر‬
‫في الطب لكل الطباء الذين في المهجع ‪.‬‬
‫ص الحالت الولى للمرض‪ ،‬قام بهدوء ملن مكلانه واتجله لعنلد أبلو‬
‫فح َ‬
‫حسين‪ ،‬وقف بين فراشي وفراش أبو حسين‪ ،‬ألقى التحية‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫السلم عليكم يا أبو حسين‪.‬‬

‫قفز أبو حسين احتراما ً وهو يرد التحية‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫وعليكم السلم ورحمللة الللله وبركللاته‪ ،‬أهل ً وسللهل ً ‪...‬‬

‫أهلين دكتور ‪ ...‬تفضل ‪ ...‬تفضل ‪ ...‬استريح‪.‬‬
‫جلس الدكتور غسللان‪ ،‬وبمنتهللى الهللدوء بل ّلغَ المللر لبللو حسللين‪ ،‬ختللم‬
‫حديثه قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هذا الجرب سريع العدوى‪ ،‬خلل أيللام راح نكللون كلنللا‬

‫جربانين إذا ما عالجناه‪ ،‬والعلج بسيط‪ ،‬أخي أبو حسين ‪ ...‬خذ‬
‫إجراءاتك ‪ ...‬بلس أنلا خلينلي بعيلد علن هـل السلاقط طلبيب‬
‫السجن!‪ ،‬ماني طايق أحكي معه ول كلمة ‪ ...‬مفهوم؟‪.‬‬
‫أومأ أبو حسين برأسه موافقًا‪ ،‬عندها قللام الللدكتور فللورا ً إلللى فراشلله‬
‫هد جالسا ً عند أحد‪ ،‬وهللذه هللي المللرة‬
‫الذي ل يغادره أبدًا‪ ،‬فهو لم يشا َ‬
‫الولى التي يقوم فيها بالجلوس على فللراش سللجين آخللر وكللان ذلللك‬
‫للضرورة‪.‬‬
‫ت نحللوي‪ ،‬سللار خطللوتين ثللم توقللف‪ ،‬اتجلله نحللوي‪،‬‬
‫فيما هو يغادر التف َ‬
‫جلس على فراشي وهو يقول‪:‬‬

‫‪133‬‬

‫‪-‬‬

‫السلم عليكم ‪ ...‬يا أخي‪.‬‬

‫ت أنا نفسي لم أسمعه‪:‬‬
‫ل أدري كيف أجبته مبهوتا ً وبصو ٍ‬
‫‪-‬‬

‫وعليكم السلم ورحمة الله وبركاته‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ممكللن ‪ ...‬يللا أخللي مللن فضلللك‪ ...‬تمللد إيللديك حللتى‬

‫أفحصهم‪.‬‬
‫ي إلى المام‪ ،‬أمس َ‬
‫ك بهما‪ ،‬باعد بين الصللابع ثللم‬
‫بحركة آلية مددت ك ّ‬
‫ف ّ‬
‫التفت إلى أبو حسين وقال كأنه يتابع حديثا ً انقطع‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫شايف أبو حسين ‪ ..‬وهاي الخ جارك كمللان مصللاب!‪،‬‬

‫وأنا ماشي شفته عم يحك وعرفت إنه مصاب‪.‬‬
‫ل حول ول قوة إل بالله ‪ ...‬اللهم أعّنا على تحمل كللل‬
‫‬‫طنلا ظهلرا ً‬
‫طنللا ِ‬
‫حمل ً خفيفلا ً ولكللن أع ِ‬
‫هذه المحن‪ ،‬اللهللم ل ُتع ِ‬
‫قويًا‪ ،‬يارب أنت السميع المجيب‪.‬‬
‫ي‪:‬‬
‫بعد أن أنهى أبو حسين الدعاء قال الدكتور‪ :‬آمين‪ ،‬ثم التفت إل ّ‬
‫ح ّ‬
‫كك جسمك حللاول ل‬
‫‬‫يا أخي حاول أل ّ تحك ‪ ...‬مهما َ‬
‫تح ّ‬
‫ك‪ ،‬وحتى يفرجها الله ويتأمن الدواء حاول إنك تغسل إيديك‬
‫دائما ً بالماء والصابون‪ ،‬وأرجو لك من الله الشفاء‪ ،‬ول تخللاف‪،‬‬
‫هذا المرض مزعج بس مانو خطير‪.‬‬

‫)وذهب(‬

‫)يا الله‪ ...‬ما هذه العذوبة؟‪ ...‬ما هذه الرقة؟‪ ...‬مللا هللذه النسللانية؟‪...‬‬
‫هلل هلو ل يعللرف ملن أنلا؟‪ ...‬إذا كللان كلذلك فهلذا يثبللت أنله إنسلان‬
‫كبير!‪ ...‬أمللا إذا كللان يعللرف مللن أنللا فهللذا يثبللت أنلله إنسللان كللبير ‪...‬‬
‫كبير ‪ ...‬وليخشى أحدًا(‪.‬‬
‫مرت اليام‪ ،‬ثم السابيع‪ ،‬وأبو حسين يحاول مع إدارة السجن وطللبيب‬
‫م فيهللا‬
‫السجن أن يوّفروا لنا العلج ولكن دون جدوى‪ ،‬وآخللر مللرة قَ لدِ َ‬
‫الطبيب قام بزجر أبو حسين وتهديده‪:‬‬

‫‪134‬‬

‫‪-‬‬

‫العمى بعيونك ‪ ...‬صللرعتنا‪ ،‬إيلله هُلوّ جللرب! ‪ ...‬شللوّية‬

‫ح ّ‬
‫كة وينتهي المر‪ ،‬إيه ولك ‪ ...‬قاعدين ل شللغلة ول عملللة ‪...‬‬
‫أكل ومرعى وقلة صنعة‪ ،‬خليهم يتسللوا بالحل ّ‬
‫ك ‪ ...‬أحسلن ملا‬
‫يمّلوا!‪.‬‬
‫وذهب‪.‬‬
‫كانت قد مللرت أربعللة أشللهر علللى بدايللة المللرض‪ ،‬وظللل أبللو حسللين‬
‫يحاول‪ " .‬أما أنا فقلد شلفيت بعلد حلوالي الشللهر ملن بدايلة مرضلي‪،‬‬
‫ت مللا‬
‫كيف؟ ‪ ...‬ل أعرف‪ .‬كنت الحالة الوحيدة التي شفيت‪ ،‬فقط اتبع ل ُ‬
‫قاله الدكتور غسان‪ ،‬كنت كل نصف ساعة أقوم إلى المغاسللل أغسللل‬
‫كل الجزاء المصلابة بالملاء والصلابون جيللدًا‪ ،‬ثلم أصلبحت أعملد إللى‬
‫كشط الصابون الرطب اللين وأضعه على أماكن الصللابة وأتركلله إلللى‬
‫اليوم التالي‪ ،‬لم أح ّ‬
‫ضللر سللروالي‬
‫ك جسمي أبدًا‪ ،‬حللتى عنللدما أنللام أح ِ‬
‫النظيف وأضع كل يد في طرف من السللروال‪ ،‬وأظللل ألفّلله متعاكسلا ً‬
‫إلى أن يصبح السروال كالقيللد‪ ،‬وبللذلك أتأكللد أننللي ل أحللك حللتى وأنللا‬
‫ي فجأة اختفى فجأة‪ .‬واغتنمتها فرصة بعللد‬
‫نائم‪ .‬وكما ظهر المرض عل ّ‬
‫أن تأكدت من الشفاء لمحادثة الدكتور غسان‪ ،‬ذهبت إليه وأبلغته أنني‬
‫شفيت‪ ،‬اكتفى بهز رأسه!‪.‬‬
‫تطور مرض الجرب كثيرًا‪ ،‬سمعت حديثا ً للدكتور غسان مللع مجموعللة‬
‫من الطباء بحضور أبو حسين وكللان حللديثه موجه لا ً للطبللاء‪ ،‬فللاحتوى‬
‫على العديد من التعابير الطبية واللتينية التي لم أفهمها‪ ،‬وبعد أن عد ّد َ‬
‫جَلت‬
‫أنواع الجرب َ‬
‫سلل ّ‬
‫ص إلى نتيجة أنه ل يوجد عبر تاريخ الطب أ ْ‬
‫ن ُ‬
‫خل ُ َ‬
‫ن أقسللى أنللواع الجللرب هللو أن يكللون‬
‫حالت كالتي يَرونها هنا‪ ،‬وذك ََر أ ّ‬
‫ت احتلوت‬
‫سل ّ‬
‫لدى المريض ُقراَبلة ‪ / 300 /‬بلثرة‪ ،‬بينملا هنلا ُ‬
‫جَلت حلال ٌ‬
‫الواحدة منها على أكثر من ‪ / 3000 /‬بثرة تغطي كامللل الجسللم‪ ،‬وأن‬
‫هذا هو أحد السباب التي أدت إلى حدوث وفيات بللالجرب‪ ،‬ونب ّلله إلللى‬

‫‪135‬‬

‫حالة خطرة وهي انتشار المرض داخل الليلتين وعللى فوهلة الشلرج‪،‬‬
‫وأنه نتيجة للحك القاسي في تللللك المنطقللة والللذي أدى إلللى حللدوث‬
‫جلروح عديلدة تسلاوي علدد البللثرات الموجلودة حلول فتحللة الشلرج‪،‬‬
‫ونتيجة لتقارب هذه البثرات فإن الجروح قد ألصقتها ببعضها بعد تخللثر‬
‫الدم مما أدى إلى انسللداد الشللرج‪ ...‬ومللن ثللم إلللى الوفللاة لسللتحالة‬
‫طرح الفضلت من الجسم‪ ،‬وتمنى للو أن هنلاك إمكانيلة لحضلور أحلد‬
‫معاهد البحث الطللبي المتطللورة لمراقبللة ومعاينللة هلذه الحللالت غيلر‬
‫المألوفة‪.‬‬
‫طلب الدكتور غسان من أبو حسين تشكيل فرقة تمريض مهمتها ربط‬
‫المرضى الذين ينتشر الجرب لديهم فللي الشللرج مللن أيللديهم لمنعهللم‬
‫من حك أنفسهم‪ ،‬ثم طلب منه معاودة جهوده مع إدارة السجن‪.‬‬
‫منذ خمسة أيام وفي الصباح كان أبو حسين مستغرقا ً بللالتفكير‪ ،‬فجللأة‬
‫انتفض وذهللب إلللى الللدكتور غسللان‪ ،‬تحللدث معلله قليل ً والللدكتور يهللز‬
‫برأسه‪ ،‬بعدها جال أبو حسين في المهجع كله وهو يردد‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫شللباب ‪ ...‬كللل شللخص أتتلله زيللارة مللدعو للجتمللاع‬

‫عندي‪ ،‬كل أربعة ‪ ...‬خمسة ييجوا سوا‪.‬‬
‫كان هناك حوالي ثلثين شخصا ً من مهجعنا قد أتتهم زيارات‪ ،‬ولمعرفة‬
‫ن هذه الزيارة قد تكوت استثنائية ويتيمة فإنهم كللانوا يحللاولون‬
‫الهل أ ّ‬
‫تزويد سجينهم بما قد يحتاجه ولزمن مسللتقبلي طويللل‪ ،‬وبخاص لةٍ مللن‬
‫اللبسة والنقود‪ .‬وتبين لي أن أهالي السللجناء السلللميين عموملا ً هللم‬
‫من الفئة الميسورة في المجتمع‪ ،‬ولهذا فإن أقل مبلغ أعطي لسللجين‬
‫كان مئتي ألف ليرة‪ ،‬والبعض أكثر من ذللك بكللثير‪ ،‬ولللذلك أصللبح فلي‬
‫مهجعنللا ملييللن الليللرات ول مجللال لشللراء أي شلليء‪ ،‬وقللد اسللتمرت‬
‫الزيارات حوالي الستة اشهر‪"،‬كان بعض الحفظة يحصللون ويحفظللون‬
‫عدد الزيارات ليعرفوا كم كيلو ذهب أصلبح للدى ملدير السلجن‪ ،‬وفلي‬

‫‪136‬‬

‫الحصاء الخير بعد توقف الزيارات كان العدد قللد وصللل إلللى سللتمائة‬
‫وخمسة وستين كيلو ذهبًا"‪.‬‬
‫وقد توقفت الزيارات نتيجة لنتقال مدير السللجن وحلللول نللائبه محللله‬
‫في الدارة‪ ،‬ولم يكن توقف الزيارات هو النتيجة الوحيدة لنتقال مللدير‬
‫السللجن بللل كللان هنللاك نتيجللة أخللرى‪ ،‬إذ وردت برقيللة مللورس مللن‬
‫المهاجع الولى تقول‪:‬‬
‫"لقد جمع مدير السجن الجديد جميع عناصر ورقباء الشرطة العللاملين‬
‫داخل السجن وأبلغهم أنه اعتبارا ً من هذا اليوم ل يحق للعنصر العللادي‬
‫)الجندي( أن يقوم بقتل أي سجين إذا لم يكن أحد الرقباء موجودا ً في‬
‫سللحل ‪ ...‬كللل هللذا ليللس مشللكلة‪ ،‬لكللن‬
‫الساحة‪ .‬التعذيب‪ ،‬الضرب‪ ،‬ال ّ‬
‫الموت ل يجوز إل بحضور أحد الرقباء"‪.‬‬
‫اعتبر الجميع عندها أن المدير الجديد أفضل وأكثر إنسانية من المللدير‬
‫القديم‪.‬‬
‫أتت أول مجموعة من خمسة أشلخاص لعنللد أبلو حسللين‪ ،‬بعلد التحيللة‬
‫والسلللم والمجللاملت وكللأنهم يزورونلله فللي بيتلله دعللاهم للجلللوس‬
‫وبادرهم فللورا ً بفتللح الموضللوع دون مقللدمات فيمللا الجميللع يهرشللون‬
‫ويحكون‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫بدنا منكم يا شباب ‪ ..‬تبرعات في سبيل الله‪.‬‬

‫سكت الخمسة قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ثم قال أحدهم‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أبو حسين ‪ ...‬أرواحنا وأموالنا في سبيل الللله‪ ،‬بللس‬

‫دك تعملللل بلللالموال؟ المبللللغ‬
‫اشلللرح‪ ،‬قلللول أول ً شلللو بللل ّ‬
‫المطلوب؟ ‪ ...‬مو لزم نعرف؟!‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫طبعا لزم تعرفوا ‪ ...‬لكن ما بدها ذكاء كثير‪ ،‬الله خلق‬

‫الموال وأعطانا إياها منشان نصرفها ونشتري بها‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫طيب شو بدك تشتري؟‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫‪-‬‬

‫بدي أشتري طبيب ‪ ...‬دكتور‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫دكتور؟!!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم دكتور ‪ ...‬بدي أشتري طبيب السجن! ما في غيلر‬

‫)وضحك الجميع(‬

‫هذا الطريق ‪ ...‬وبسلمة فهمكم بهذه الدولة ومن فوق لتحت‬
‫كل‪ ،‬كلهللم‬
‫شل ِ‬
‫كل واحد له سعر‪ ،‬وما بظن أن هذا الدكتور غير ِ‬
‫عم يلَهطوا‪ ،‬ونحن خّلينا نمّلي جيب هـ الدكتور منشللان يجيللب‬
‫مد من هذه البلوى‪.‬‬
‫لنا دواء للجرب‪ ،‬ونخّلص أمة مح ّ‬
‫غ‬
‫وافقلله الجميللع وتتللالت الجتماعللات وأصللبح بحللوزة أبللو حسللين مبلل ٌ‬
‫محترم‪ ،‬عندها طلب من الرقيب لدى فتح الباب مجيَء الطللبيب لمللر‬
‫هام!‪.‬‬
‫كان الطبيب حانقا ً عندما فتح الباب‪ ،‬وصاح بوجه أبو حسين‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫سر عظامك‬
‫إذا كنت طالبني منشان الجرب ‪ ...‬بدي ك ّ‬

‫يا كلب‪ ،‬صار ألف مرة قلللت لللك مللا عنللدنا دواء جللرب‪ ،‬هللات‬
‫لشوف ‪ ...‬شو بدك؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ول بالك واسمعني‬
‫يا سيدي ‪ ...‬منشان الله ‪ ...‬بس ط ّ‬

‫شوي ‪ ...‬يا سيدي متل‬

‫مللا بتعللرف نحللن بللالفترة الماضللية‬

‫إجتنا زيارات وصار في عندنا مصاري كللتير ‪ ...‬ومثللل مللا إنللت‬
‫شايف ‪ ...‬نحن هون المصاري ما تلزمنللا لنلله ممنللوع نشللتري‬
‫أي شيء‪.‬‬
‫كان هذا هللو الطعللم الللذي ألقللاه أبللو حسللين للطللبيب‪ ،‬وبللدأ الطللبيب‬
‫ت إلى الشرطة الذين كانوا يحيطون بلله وأمرهللم‬
‫بالتقاط الطعم فالتف َ‬
‫بالبتعاد‪ ،‬قال‪:‬‬
‫إيه طّيب ‪ ...‬وأنللا شللو علقللتي بكللل هـ ل العلك ‪ ...‬إذا‬
‫‬‫ما عندكم ‪ ...‬شو ممكن أعمّلك؟!‪.‬‬
‫كان عندكم مصاري أو‬

‫‪138‬‬

‫‪-‬‬

‫هل الخدمه لوجه الله ‪ ...‬إنت رجل‬
‫يا سيدي ‪ ...‬اخدمنا َ‬

‫كّلك إنسانية‪ ،‬وساعدتنا كثير لوجه الللله ‪ ...‬هللذه المللرة كمللان‬
‫ساعدنا ‪ ...‬اشتري لنا الدواء على حسابنا ‪ ...‬حتى لو كان مللن‬
‫السللوق السللودا ‪ ...‬ومعليللش إذا كللان الللدواء غللالي‪ ،‬نحللن‬
‫مستعدين نشتريه بضعفين أو حتى ثلثة ‪ ...‬خدمة لوجه الله يا‬
‫سيدي‪.‬‬
‫حنق والغضب إلى اللين الثعلبي‪:‬‬
‫وتحولت لهجة الطبيب فورا ً من ال ُ‬

‫‪-‬‬

‫لكن ‪ ...‬إنت تعرف أن هذا الدوا غالي كتير؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫معليلش يلا سليدي ‪ ...‬مهملا كلان غلالي الثملن‪ ،‬بلس‬

‫يكون كافي لكل هـ الناس‪ ،‬لن الكل جربانين‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ...‬تعال لهون شوي‪.‬‬

‫ج الطبيب أبو حسللين إلللى خللارج المهجللع‪ ،‬تكّلمللا بصللوت خللافت‪،‬‬
‫أخر َ‬
‫وتمت الصفقة‪.‬‬
‫بعد يومين أتى الللدواء بالصللناديق الكرتونيللة‪ ،‬ومنللذ ثلثللة أيللام وجميللع‬
‫الناس سواء كانوا مصابين أم ل وأنا منهم‪ ،‬بدأوا العلج بللل"البنللزوات"‪،‬‬
‫بناء على تعليمات الدكتور غسان المشددة‪ ،‬وتحت رقابته الصارمة‪.‬‬
‫تم تهيئة خمس مقاصير بواسطة البطانيات‪ ،‬يدخل الواحد خلفها ويبللدأ‬
‫بفرك كل جسمه بل"البنزوات"‪.‬‬
‫خلل هذه الفترة القصيرة بدأت تظهر النتائج اليجابية‪.‬‬
‫م الصفقة مع الطبيب الذي أصللبح‬
‫تم إبلغ المهاجع الخرى‪ ،‬والجميع أت ّ‬
‫مليونيرًا‪ ،‬وعّلق أحد الشخاص‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إذا سللألوا طللبيب السللجن شللي مللرة‪ ،‬كيللف صللرت‬

‫ولني مللن شللخص جربللان إلللى‬
‫مليونير؟ لزم يقول‪ :‬الجرب ح ّ‬
‫مليونير‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫‪-‬‬

‫حظ أن الفساد في بعض الحيان يكللون‬
‫بس يا أخي ل ِ‬

‫مفيد وكوّيس!‪.‬‬
‫‪ 23‬تكككمككككككوز‬
‫رغم مرور كل هذه السنوات بقيت قابعلا ً فللي قوقعللتي أتلصللص علللى‬
‫الداخل والخارج‪ ،‬داخل المهجع وخللارجه‪ ،‬ولكللن مللع مللرور اليللام ق ل ّ‬
‫ل‬
‫ة لمعرفتي التامة بها‪.‬‬
‫اهتمامي بكثير من الشياء نتيج ً‬
‫ت وسورا ً طويلللة‬
‫حفظت القرآن جيدا ً ولطالما رددت بشكل عفوي آيا ٍ‬
‫منه‪ ،‬حفظت الصلوات كلها حتى الطارئة منهللا كصلللة الخللوف‪ ،‬صلللة‬
‫الجنازة‪ ،‬وصلة التراويح‪ ...‬استمعت إلى خلفات الجماعللات المختلفللة‬
‫حللول الحكللام الشللرعية‪ ،‬آليلةِ تفكيرهللم‪ ،‬ردودِ أفعللالهم‪ ،‬طموحللاِتهم‪،‬‬
‫آماِلهم‪ ..‬لكل هذا لم أعد أركز ذهني كثيرا ً عندما أنظر من خلل فتحللة‬
‫القوقعة‪.‬‬
‫كذلك عندما أط ِ ّ‬
‫ل بنظري من خلل الثقب إلللى خللارج المهجللع‪ ،‬مللرأى‬
‫تنفس المهاجع الخرى‪ ...‬العقوبات‪ ...‬التعذيب‪ ...‬كللله أضللحى عاديلًا‪...‬‬
‫يوميًا‪.‬‬
‫لكن كنت أداوم يوميا ً على النظر خلل الثقب انتظارا ً وتوقع لا ً لمللا هللو‬
‫غير مألوف‪ ...‬لشليء جديلد‪ ،‬وكلان عللى الغللب يوجلد شلليء جديلد‪،‬‬
‫فالتعذيب وإن كان ذا نمط معمم والكل قد تللدرب عليلله فللي مدرسللة‬
‫ت كل فللرد‪ ،‬فكللل‬
‫واحدة‪ ،‬إل أنه يبقى هناك شيء له علقة بالذات‪ ،‬ذا ِ‬
‫رقيللب ‪ ...‬كللل شللرطي ُيضللفي مللن ذاتلله شلليئا ً خاص لا ً علللى العمللل‬
‫المتشابه‪ ،‬فيخلق شلليئا ً جديللدا ً نسللتطيع أن نضلليفه إلللى خانللة البللداع‬
‫"مسحة إبداعية بالتعذيب!!"‪.‬‬
‫منذ أكثر من سنة وخلل تنفس أحد المهاجع‪ ،‬كان أحللد الرقبللاء واقف لا ً‬
‫سللها ببللوطه العسللكري‪،‬‬
‫في ظل الحائط‪ ،‬مرت فللأرة مللن أمللامه فهر َ‬
‫ست الفأرة وماتت‪ ،‬أخرج الرقيب من جيبه منللديل ً ورقيلا ً وأمسللكها‬
‫معِ َ‬
‫ُ‬

‫‪140‬‬

‫بواسطة المنديل من ذيلها‪ ،‬اقلترب ملن صللفوف السللجناء الللتي تلدور‬
‫حول الساحة‪ ،‬أمسللك بأحللدهم )ل علللى التعييللن( وأجللبره علللى ابتلع‬
‫الفأرة‪ ،‬ابتلع السجين الفأرة‪.‬‬
‫ما ً مللن وقتهللم‬
‫منذ ذلك اليوم صرف الرقباء وعناصر الشرطة جزءا ً مه ّ‬
‫لصطياد الفئران والصراصير والسحالي وإجبار السجناء على ابتلعها‪،‬‬
‫كلهم قاموا بهذا العمل ولكن ابتكاره "إبللداعه" عللائد لول رقيللب قللام‬
‫بهذا العمل‪.‬‬
‫حتى العدامات‪ ،‬رغم أنني أدمنت مراقبتها إل أنها لم تعد تحمل نفللس‬
‫الشحنة من التوجس والرهبة‪.‬‬
‫يقاد المحكوم عليهم بالعدام إلى أمام المشانق‪ ،‬يقيدون بعللد أن يتللم‬
‫تثبيت اللصق العريض على أفواههم‪ ،‬كل دفعة ثمانية أشخاص‪ ،‬ترتفللع‬
‫المشانق‪ ،‬تنحني الرقاب‪ ،‬ارتخاء الجسد‪ ،‬إنزال الدفعة الولللى‪ ،‬صللعود‬
‫الدفعة الثانية ‪...‬‬
‫كنت أراقب الجميع‪ ،‬شرطة وبلديات ومعدومين‪ ،‬تطورت مراقبتي من‬
‫مراقبة الفعلال إللى الوجلوه‪ ،‬النفعلالت‪ ،‬ردود الفعلل ‪ ...‬ملا يرتسلم‬
‫على الوجه من خوف‪ ،‬هلع‪ ،‬حقد‪ ،‬ت َ‬
‫ف‪ ،‬سرور‪ ،‬استمتاع‪ ،‬لذة ‪...‬‬
‫ش ّ‬

‫"الـــوحــش" ‪...‬‬
‫الجميع ابتداًء من رفللاقه البلللديات إلللى جميللع عناصللر الشللرطة حللتى‬
‫المساعد كانوا ينادونه الوحش‪ ،‬شاب في الخامسة والعشرين تقريبللًا‪،‬‬
‫قد ل يتجاوز طوله المائة والسللتين سللنتمترا ً ولكللن عللرض أكتللافه قللد‬
‫يتجاوز المائة والعشرين سنتمترًا‪ ،‬سماكته قد تبلللغ السللتين أو سللبعين‬
‫سنتمترًا‪ ،‬من المام والخلف يبدو كمرّبع‪ ،‬من الجللانب يبللدو كصللندوق‪،‬‬
‫مفتول العضلت‪ ،‬شاهدته في إحدى المرات يرفللع سللجينا ً بيللد واحللدة‬
‫إلى ما فوق رأسه‪ ،‬قوي جدًا‪ ،‬ل يغيب أبدا ً عللن أيللة إعللدامات‪ ،‬ويلعللب‬
‫دورا ً فعال ً فيها‪ ،‬جميع عناصر الشرطة يعتمدون عليه‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫في إحدى حفلت العدام وبعد أن أنزلوا الدفعة الولى وضعوا الحبللال‬
‫في رقاب الدفعة الثانية ورفعوهللا إلللى العلللى‪ ،‬سللبعة معللدومين مللن‬
‫ن يللأبى أن يمللوت‪،‬‬
‫ثمانية ارتخت أجسادهم‪ ،‬وبقي الثللامن يصللارع‪ ،‬كللا َ‬
‫جسده متد ّ‬
‫ل و"يَلعِبط"‪ ،‬انتظر الجميع دقائق ولكن روحه كانت عنيدة‪،‬‬
‫أبت أن تخرج‪ ،‬يحللرك رجليلله يحللاول أن يرتفللع بجسللده إلللى العلللى‪،‬‬
‫فللس ينتللاب الجميللع‪،‬‬
‫وطللال النتظللار‪ ،‬إحسللاس بالختنللاق وضلليق الن ّ َ‬
‫س رقبته بيده اليمنى وفركها‪ ،‬الجسد المعلق في الهللواء‬
‫المساعد تل ّ‬
‫م َ‬
‫ت ألهث تحت البطانية ‪ ...‬وصاح المساعد‪:‬‬
‫يصارع‪ ،‬أخذ ُ‬
‫يا وحش خّلصنا من هـ الشغلة!‪ ..‬خليه يرتاح‪.‬‬
‫‬‫تقدم الوحش‪ ،‬وقف تحته وأمسك برجليلله وأخلذ يشللده إلللى السللفل‪،‬‬
‫كان السللجين المعلللق‬

‫يلبللس ثيابلا ً رثللة‪ ،‬أسللمال ً كالعللادة‪ ،‬وللذلك‬

‫ده إلى السفل انشدت الثياب وأصبح السللجين عاري لا ً بجللزئه‬
‫عندما ش ّ‬
‫السفلي‪ ،‬تللابع الللوحش الشللد‪ ،‬يشللد ‪ ...‬ويشللد ‪ ...‬ونجللح أخيللرًا‪ ،‬مللات‬
‫ص لّرته الشللرجية قللد ارتخللت نهائيلا ً‬
‫السجين‪ ،‬لكن فور موته يبدو أن ِ‬
‫م َ‬
‫د‪ ،‬وكللانت كميللة‬
‫فأفرغ كل ما في أمعائه فوق الوحش الذي ل زال يش ّ‬
‫سلله‪ ،‬وجهَلله‪ ،‬صللدَره‪... ،‬‬
‫الفضلت كبيرة وسائلة ‪ ...‬غطت الللوحش‪ ،‬رأ َ‬
‫رجع الوحش إلى الخلف وأخذ ينظر إلى الجميع‪ ،‬قهقه المساعد وكللان‬
‫أول من استوعب المر‪ ،‬قال وهو يضحك‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫كان اسمك الوحش ‪ ...‬بس هلق صار اسمك الللوحش‬

‫خريه!‪.‬‬
‫أبو ِ‬
‫ضحك الجميع كثيرًا‪ ،‬حتى أنا ضحكت بصوت مسموع‪.‬‬
‫ملن يومهللا أصللبح للللوحش اسلمان‪ ،‬رفلاقه الللذين يخشللونه ويخلافون‬
‫بطشه ينادونه الوحش‪ ،‬ومن ل يخشاه والجنللود والرقبللاء ينلادونه "أبلو‬
‫خريه"‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫الجنود والرقباء أغلبهم من المجندين الذين يؤدون الخدمللة العسللكرية‬
‫ومدتها سنتان ونصف‪ ،‬الغلبية السللاحقة منهللم هللم مللن أبنللاء الجبللال‬
‫والساحل‪ ،‬لهجتهم ثقيلة وتصرفاتهم غليظة وجلفة‪ ،‬ويستحيل أن يوجد‬
‫بينهم واحد من أبناء المدن الكبيرة والرئيسية‪ ،‬وكونهم مجندين فللإنهم‬
‫يتغيرون بشللكل دوري‪ ،‬فللي السللنة الواحللدة يتللم تخريللج دورتيللن مللن‬
‫مدارس الشرطة العسكرية‪ ،‬لهذا فكل ستة أشللهر تللأتي دورة جديللدة‬
‫ويتم تسريح دورة قديمة‪.‬‬
‫منذ أربعة أشهر أتت آخر دورة‪ ،‬كانوا ثلثة عشللر عنصللرًا‪ ،‬ثلثللة رقبللاء‬
‫ي‪ ،‬ففلي‬
‫وعشلرة جنللود‪ ،‬عنللدما دخلللوا سللاحتنا هبللط قلللبي بيللن قلدم ّ‬
‫المقدمة كان يسير أخلي الصللغر سلامر بلبللاس الشللرطة العسلكرية‪،‬‬
‫عنما اقتربوا أكثر تبينت أنه شخص يشبه أخي كثيرًا‪ ،‬أسميته في سري‬
‫"سامر" بينما السجناء الخرون سموه "العوج " لنه كان يميل برأسه‬
‫دوما ً إلى جهة اليمين ‪.‬‬
‫في البداية ل تطلب الدارة من العناصر الجدد القيام بللأي عمللل علللى‬
‫ضللرون‬
‫صعيد التعذيب أو العدامات‪ ،‬يتركونهم حوالي الشهر فقللط َيح ُ‬
‫ويشاهدون ما يجري وهللم وقللوف‪ ،‬ودائملا ً يكللون الجللدد متهيللبين مللن‬
‫المساك بالكرباج أو العصي‪ ،‬وحتى بعد مضي الشهر وعنللدما يبللدؤون‬
‫بمشاركتهم تكون ضرباتهم خفيفة ومرتبكة‪.‬‬
‫في العدامات يوقفونهم على مبعدة من المشانق‪ ،‬ما إن تبللدأ عمليللة‬
‫الشنق حتى يكونوا قد اقللتربوا مللن بعضللهم أكللثر‪ ،‬اصللفّرت وجللوههم‪،‬‬
‫البعللض يرتجللف ويغللض النظللر والبعللض الخللر يصللاب بتقلصللات فللي‬
‫المعدة مما يجعله يتقيأ‪ .‬المسلاعد والعناصلر القلدماء يلرون كلل ذللك‬
‫فيتعاملون معه وكأنهم لم يَروا شيئًا‪ .‬ومع حفلة العدام الثانية والثالثلة‬
‫يسترخون‪ ،‬يتجرؤون‪ ،‬يصبحون طبيعيين كباقي زملئهم‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫الرقيب سامر "العوج" وكنت أراقبلله دائم لَا‪ ،‬عنللدما حضللر أول حفلللة‬
‫رج أمعللاءه‪ ،‬جلللس علللى الرض‬
‫إعدام تقيأ بشدة حتى ِ‬
‫خل ُ‬
‫ت أنلله سلُيخ ِ‬
‫ده اثنللان مللن زملئه‬
‫وقد غطى عينيه بيديه إلى نهاية العدامات‪ ،‬سللاعَ َ‬
‫على النهوض وقاداه من تحت إبطيه إلى خارج الساحة‪.‬‬
‫آخر حفلة إعدام حضرها كان نشيطا ً جدَا‪ ،‬بيده عصلا ً طولهلا أكللثر ملن‬
‫متر‪ ،‬يمازح زملءه وعلى وجهه ابتسامة دائمة‪ ،‬عنللد النتهللاء مللن آخللر‬
‫وجبة إعدام وقف أمام أحلد المشلنوقين وأخلذ يلؤرجحه‪ ،‬وضلع العصلا‬
‫س رمللل‪،‬‬
‫على الرض‪ ،‬أخذ وضعية الملكم جاعل ً من الجثة المعلقة كي َ‬
‫أخذ يوجه لها اللكمات‪ ،‬صاح على الوحش‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫وحش وَْل وحش ‪ ...‬تعال هون‪.‬‬

‫ركض الوحش لعنده‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫نعم سيدي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫شوف هـ الكلللب ‪ ...‬صللار للله ربللع سللاعة معل ّللق مللن‬

‫ده من رجليه ‪ ...‬خليه يرتاح‪.‬‬
‫سه ما مات‪ِ ،‬‬
‫ش ّ‬
‫رقبته ول ّ‬
‫ضحك العناصر والبلديات الذين سمعوا هذا الحديث متذكرين ما حصل‬
‫للوحش‪ ،‬أما الوحش فقد وجم قليل ً وهو ينظر إلى سامر‪.‬‬
‫‪ 24‬شككككبكاط‬
‫هللذا الشللتاء كللان بللاردا ً جللدًا‪ ،‬نزلللت أمطللار غزيللرة قلمللا تنللزل فللي‬
‫الصحراء‪ ،‬وخفللف حللدة الللبرد تللوفر بعللض اللبسللة وخاصللة الجللوارب‬
‫الصوفية‪.‬‬
‫مضى هذا الشتاء كما مضت الشتاءات الخرى قبله‪ ،‬عشللرة شللتاءات‬
‫وأنا جالس في نفس المكان‪ ،‬ضمن نفس الجدران‪ ،‬إلى جللانبي البللاب‬
‫السود ذاته‪ ،‬تغيرت كللثير مللن الوجللوه حللولي‪ ،‬الفرقللة الفدائيللة الللتي‬
‫كانت تقوم بإدخال الطعام والتطوع للذهاب لتلقي العقوبات بللدل ً عللن‬
‫المرضللى وكبللار السللن‪ ،‬والللتي كللانت موجللودة لحظللة قللدومي إلللى‬

‫‪144‬‬

‫ضت إما شللنقا ً أو قتل ً أو مرضلًا‪ ،‬ذهبللوا ‪...‬‬
‫المهجع‪ ،‬لم يبق منها أحد‪ ،‬قَ َ‬
‫غابوا جميعًا‪ ،‬أبو حسين رئيس المهجلع الحلالي أصلبح حاجبلاه أبيضلين‬
‫ولم يكن بهما من قب ُ‬
‫ل أية شعرة بيضاء‪ .‬ورغم أنني أرى الجميع يوميًا‪،‬‬
‫لكني باسترجاع صللورهم قبللل عشللر سللنوات‪ ،‬أسللتطيع أن ألمللح آثللار‬
‫الزمن وآثار المعاناة على وجوههم‪ ،‬ترى كيللف أصللبح وجهللي؟!‪ ...‬لللو‬
‫كسرةٌ من مرآة!‪.‬‬
‫ل نعرف شيئا ً مطلقا ً عما يجري في عالم ِ مللا هللو خللارج هللذا المهجللع‪،‬‬
‫حتى القادمين الجدد لم يكونوا يأتون من الحياة مباشرة‪ ،‬أغلبهم يكون‬
‫قد أمضى سنتين أو ثلثة أو أربعة في مراكز المخابرات‪ ،‬وهؤلء علللى‬
‫الغلللب مللن قيللادات التنظيمللات‪ ،‬يبقللونهم فللي فللروع المخللابرات‬
‫لضللرورات التحقيللق‪ ،‬رغللم ذلللك فللإن السللجناء يظلللون أيام لا ً عديللدة‬
‫يسألونهم عن الجديد من الخبار‪ ،‬فالخبار قبل سللنتين أو أربعللة تعتللبر‬
‫طازجة قياسا ً بأخبار ما قبل عشر سنوات‪.‬‬
‫من هؤلء القلادمين الجللدد "أبلو القعقلاع" واحللد مللن أمللراء الجماعللة‬
‫ِ‬
‫المتشددة‪ ،‬وكان كما فهمت بطل ً من أبطال العمليات العسكرية الللتي‬
‫قام بها التنظيم ضد السلطات الحكومية‪ ،‬وأنه كان المخطللط والمنفللذ‬
‫لمجموعة من العمال الجريئة التي ألقت الرعب فللي صللفوف رجللال‬
‫المن والمخابرات‪.‬‬
‫لكن بعد ذلك سرى هملس خلافت داخلل المهجلع بيلن أشلخاص ملن‬
‫التنظيمات الخرى تقول‪ :‬إنه كان جبانا ً جلدا ً فلي التحقيلق وإن تعلاونه‬
‫مع المخابرات واعترافاِته أمامهم أدت إللى إلقلاء القبلض عللى كامللل‬
‫اللواء الذي كان يقوده وعللدده أربعملائة مقاتلل‪ ،‬وقلد أعلدموا جميعلًا‪،‬‬
‫دوه خائنلا ً وأقسلموا‬
‫وإن هؤلء المقاتلين كانوا نلاقمين جلدا ً عليله‪ ،‬وعل ّ‬
‫يمينا ً جماعيا ً "أن أي واحد منهم سيخرج مللن السللجن فللإن أول عمللل‬

‫‪145‬‬

‫يجب أن يقوم به هو تصفية أبو القعقاع"‪ ...‬ولكلن لللم يخلرج أي واحللد‬
‫منهم‪.‬‬
‫بمجئ أبو القعقاع فقد المهجع هدوءه وسلمه الداخلي‪ .‬كللان أول مللا‬
‫فعله أبو القعقاع هلو تعرفلله علللى أعضلاء التنظيللم‪ ،‬وهلؤلء كللانوا قلد‬
‫أصبحوا أقلية في المهجع نتيجة النزيف المستمر بيللن صللفوفهم‪ ،‬وهللم‬
‫دون أربعين شخصًا‪ ،‬لم يكن يعرف في البداية أيا ً منهللم‪ ،‬فلللم‬
‫بالكاد يع ّ‬
‫ف‬
‫يسبق أن كان تحت إمرته واحللد مللن الموجللودين هنللا‪ .‬بعللد أن تعلّر َ‬
‫عليهم زارهم واحدا ً واحدًا‪ ،‬خلل يللومين كللان ينتقللل مللن فللراش إلللى‬
‫فراش‪ ،‬بعد ذلك أخذ يعقد اجتماعات‪ ،‬في أول اجتمللاع لول مجموعللة‬
‫لحظ أنهم متحفظون تجاهه‪ ،‬ودون أن يسأله أحد بللدأ بروايللة طريقللة‬
‫اعتقاله والتحقيق معه وأكثر حديثه كان بالعربية الفصحى‪:‬‬
‫"‪ ...‬وهيك أربع ساعات استمر تبادل إطلق النار بيننا وبينهم‪ ،‬كنا نحللن‬
‫في الطابق الرابع وكانوا قد احتلوا جميع السطح والشوارع المحيطللة‬
‫ببنايتنا‪ ،‬بدأت ذخيرتنا تنفد‪ ،‬وكان معي ثلثة أخللوة عليهللم رحمللة الللله‪،‬‬
‫الفاتحللة علللى روحهللم يللا إخللواني )وقللرأ جميللع الحاضللرين الفاتحللة‬
‫ومسحوا وجوههم(‪ ،‬كل واحد من الشباب اسللتلم شللباك مللن شللبابيك‬
‫البيت‪ ،‬أنا استلمت الباب‪ ،‬منعت أيا ً مللن المجرميللن الصللعود والنللزول‬
‫على الدرج‪ ،‬لكن بعد أربع ساعات استخدموا ضدنا الل "آر‪ ،‬بلي‪ ،‬جلي"‪،‬‬
‫أدخلوا القذيفة من أحد الشبابيك‪ ،‬أنا انقذفت على الللدرج ولللم أصللب‪،‬‬
‫ت قصير ‪ -‬اللهم اجعل مثواهم الجنة )آميللن(‪،‬‬
‫أما الشباب الثلثة ‪ -‬صم ٌ‬
‫عنللدها قللررت النسللحاب مللن المعركللة رغللم الحصللار‪ ،‬حملللت معللي‬
‫خمسة مخازن ونزلت على الدرج‪ ،‬كل عسكري كان قدامي بعثته إلللى‬
‫ش الطلقات يمينا ً وشللمال ً حللتى‬
‫جهنم‪ ،‬صرت بالشارع‪ ،‬ركضت وأنا أر ّ‬
‫صللبت‬
‫صبت‪ ،‬واحد كلب كان بزاوية الشارع وجه لي صلللية رصللاص‪ ،‬أ ِ‬
‫أ ِ‬
‫بثلث طلقات‪ ،‬واحللدة فللي الفخللذ بللاللحم مللا صللابت العظللم‪ ،‬واحللدة‬

‫‪146‬‬

‫مسحت راسي مسحا ً فوق الذن ‪ -‬هاي محلها ‪) -‬وأراهم خطا ً طولني لا ً‬
‫فوق الذن خاليا ً من الشعر(‪ ،‬الثالثة أصابت صدري فوق الرئة اليمنللى‬
‫وخرجت من ظهري )خلع قميصلله وبللان مكللان دخللول الطلقللة حفللرة‬
‫صغيرة‪ ،‬ومكان خروجهلا حفللرة كللبيرة(‪ ،‬وقعللت علللى الرض وطللارت‬
‫البارودة من يدي‪ ،‬مديت يدي لكي أسحب قنبلة يدويللة ‪ ...‬مللا لحقللت‪،‬‬
‫كانوا صاروا فوقي والسبطانات موجهة إلى رأسللي‪ .‬مباشللرة أخللذوني‬
‫إلى فللرع المخللابرات‪ ،‬لللم يضللمدوا جروحللي‪ ،‬ابتللدؤوا التحقيللق فللورًا‪،‬‬
‫رفضت الجابة على أي سؤال إذا لم يتللم إسللعافي إلللى المستشللفى‪،‬‬
‫قال لي ضابط التحقيق وهو يبتسم‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫تكرم شواربك وذقنك ‪ ...‬هلق راح نسعفك!‪.‬‬

‫أحضروا حبل ً رفيعا ً ومتينا ً ضموه في مسّلة كبيرة وأدخلوا المسّلة فللي‬
‫مكان دخول الطلقلة وأخرجوهلا ملن مكلان خروجهلا والحبلل وراءهلا‪،‬‬
‫سحبوا الحبلل وعقلدوه عقلدة متينلة ثلم رفعلوني وعلقلوني بواسلطة‬
‫الحبل‪ ،‬أخذ الحبللل يحللز اللحللم وأحسسللت أننللي سأشللنق‪ ،‬غبللت عللن‬
‫الللوعي عللدة مللرات وهللم يرشللقوني بالمللاء لصللحو‪ ،‬كللانوا يريللدون‬
‫معلومات سريعة‪ ،‬رغم ذلك رفضلت أن أعطيهلم حلتى اسلمي‪ ،‬كلانت‬
‫اللم فوق طاقة البشر‪ ،‬ويبدو أن عظم الكتف قد أوقف الحبل‪ ،‬أصبح‬
‫ثقل جسمي كله عليه‪ ،‬بدأ ينزاح من مكانه‪ ،‬ولحد ّ الن فإن وضع كتفي‬
‫ويدي غير طبيعي‪.‬‬
‫دم المر طلويل لنهلم فلي هلذه الفلترة كلانوا قلد فتشلوا الشلقة‬
‫لم ي َ ُ‬
‫ووجدوا جميع وثائقنا وسجلتنا‪ ،‬لطالما كنت أحذر المسلؤول الملالي لل‬
‫رحمه الله وسامحه ‪ -‬أل يحتفظ بأية وثيقة‪ ،‬لكنهم وجدوا سجل ً كان قد‬
‫دون فيه أسماء جميع الخوة ومصاريفهم‪ ،‬أجور الشقق التي يسكنونها‬
‫وعقود اليجار الخاصة بكل شقة‪ ..‬من خلل هللذا السللجل وفللي الليللل‬
‫كانوا قد اعتقلوا الجميع"‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫كان يتكلم بطريقة سردية عادية‪ ،‬ل تحمل أية نبرة للللدفاع وكللأنه غيللر‬
‫متهم البتة‪ ،‬وسرعان ما تجاوز موضوع العتقال وتللوابعه وابتللدأ حللديثا ً‬
‫دينيا ً متينا ً عن اليملان وقلوته والجهلاد وضلرورته‪ ،‬معلاني الستشلهاد‪،‬‬
‫ض هذا اليوم إل وكان قد أصبح‬
‫الدار الخرة‪ ،‬الجنة ومحتوياتها‪ ،‬ولم ينق ِ‬
‫فت الجماعة المتشددة حوله بقوة‪.‬‬
‫زعيما ً ل يناقش‪ ،‬والت ّ‬
‫خلل العشرة أيام التالية بدأ بالمجموعات الخلرى‪ ،‬خاصللة المجموعللة‬
‫التي ينتمي إليها الشيخ محمود والدكتور زاهي‪ ،‬وهي مجموعللة نقيللض‬
‫للمتشددين‪ ،‬ل تللؤمن بللالعنف والكفللاح المسلللح‪ ،‬تميللل إلللى الوسللائل‬
‫السلمية‪.‬‬
‫هاجمها بشدة مسفها ً آراءها ودعا كبللارهم إلللى سللجال ونقللاش علنللي‬
‫"لن من واجبه هدايتهم إلى الطريق القويم"‪ .‬وكللان رد فعلهللم عنيف لا ً‬
‫ومترفعًا‪ ،‬رفضوا أي حوار معه "نحن لسنا بحاجللة إلللى شللخص مثلللك‪،‬‬
‫باع نفسه للمخابرات حتى يهدينا"‪ .‬كذلك كان رد الجماعات الصللوفية‪،‬‬
‫دع فللي‬
‫الذين اتهمهم بأنهم عبللارة عللن دراويللش وجهلللة "وأصللحاب ب ِل َ‬
‫السلم" وأنهم قد أهملوا ركن الجهاد في السلم‪.‬‬
‫مت المهجللع إلللى معسللكرين‪ ،‬أبللو القعقللاع‬
‫عشللرة أيللام تقريب لا ً ق َ‬
‫سل َ‬
‫وجماعته من طللرف وبللاقي المهجللع مللن طللرف آخللر‪ ،‬واسللتطاع أبللو‬
‫القعقللاع ببراعللة أن يكسللب عللداء الجميللع‪ ،‬خاصللة أنلله اسللتمّر فللي‬
‫ديهم بعد رفضهم الدخول فلي سللجال معلله حلول جلوهر‬
‫إحراجهم وتح ّ‬
‫الدين السلمي وتعاليمه‪.‬‬
‫نعتهم بالجبن وطالب أن تكون الصلة علنية حتى أمام إدارة السللجن‪،‬‬
‫فقللوبلت دعللوته هللذه بالسللتهزاء مللن الجميللع‪ ،‬حللتى أن بعللض أفللراد‬
‫مجموعته نصحوه بالتخلي عنها‪ .‬دعا بعللد ذلللك إلللى أن تكللون الفرقللة‬
‫الفدائية مؤلفة من جميع التنظيمات وأن ل تكون طوعيللة‪ ،‬لن الجهللاد‬
‫فرض عين على كل مسلم‪ ،‬وقـلِبل الجميللع هللذا المللر‪ ،‬لكللن جمللاعته‬

‫‪148‬‬

‫م الفرقة الفدائيلة رفضللوه لنلله‬
‫والذين هم في الحقيقة كانوا دائما ً قوا َ‬
‫ة وتميزا ً طالما تمتعلوا بهملا طلوال السلنوات السلابقة‬
‫سيفقدهم مكان ً‬
‫"نحن نقوم بهذا العمل لوجه الله‪ ،‬وأجرنا عنلده‪ ،‬ول يمكلن إجبلار أحلد‬
‫على هذا"‪.‬‬
‫فشل أبو القعقاع في كل شيء ونجح في كسب عداء الجميع‪ ،‬كان قد‬
‫مضى على وجوده في المهجلع خمسللة عشلر يوملا ً عنلدما اعتقلد َ أنله‬
‫ض علللى المسللألة الللتي سلليحرج بهللا الجميللع‪،‬‬
‫قب َ‬

‫مللن‬
‫مللن ِ‬
‫ل أدري َ‬

‫مجموعته أخبره بموضوعي‪ ،‬عندها جابه الجميع‪:‬‬
‫" ‪ ...‬كيف تقولون عن أنفسكم أنكم مسلللمون وتسللمحون لجاسللوس‬
‫كافر أن يعيش بينكم؟ مع أن الله سبحانه وتعالى قللال‪" :‬واقـُتلللوهـللم‬
‫فلُتملوهلم"؟!‪.‬‬
‫قل ْ‬
‫حليـ ُ‬
‫ث َثل ِ‬
‫َ‬
‫وطالب الجميع بمحاكمتي وإنزال حد ّ الللله بللي‪ ،‬وح لد ّ الكفللر والشللرك‬
‫بالله هو القتل‪.‬‬
‫أصبحت حياتي معلقة على رد فعل المجموعللات الخللرى‪ ،‬وقللد كللانت‬
‫كلها حياديللة‪ ،‬فللالمر ل يعنيهللا وهللي بغنللى عللن تفجيللر مشللكلة غيللر‬
‫معروفة النتائج مع أبو القعقاع وجماعته‪.‬‬
‫لكن مجموعة المرحوم الشيخ محمود كللان لهللا رأي آخللر‪ ،‬ووقللف أبللو‬
‫حسين كالجبل‬

‫ل يتزحزح وأعلللن وهللو فللي منتصللف المهجللع ‪-‬‬

‫وكللان الموضللوع قللد خللرج مللن إطللار الهمللس إلللى النقللاش العلنللي‬
‫وبأصوات مرتفعة ل قال أبو حسين موجها ً كلمه إلى أبو القعقاع‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أول ً من أنت حتى تحاسللب وتحللاكم البشللر؟! إن هللذا‬

‫ي" مضللى علللى وجللوده بيننللا سللنوات‬
‫الرجل "وأشار بيللده إلل ّ‬
‫طويلة ولم نر منه شيئا ً سّيئًا‪ ،‬وهو رجللل مسللكين حللتى إنلله ل‬
‫يتكلم‪ ،‬ول أحد يعرف ملا بقلبلله‪ ،‬فبلأي حلق تحاسلبه وتحلاكمه‬

‫‪149‬‬

‫وتريد قتله؟‪ .‬اعلم يا أبو القعقاع أن له رب ّا ً يحاسللبه ويحاسللبك‬
‫ويحاسبنا جميعًا‪ ،‬وليس أنت الذي تحاسب البشر‪.‬‬
‫ثانيا اعلم يا أبو القعقاع أن الشيخ محمود رحمه الللله قلد منللع‬
‫إيذاء هذا الرجل‪ ،‬وأنه أجاره وحماه‪ ،‬ونحن ل يمكن أن نسللمح‬
‫لحد أن يؤذي شخصا ً كان الشيخ محمود قد أجاره‪.‬‬
‫ثالثا ليعلم الجميع وأنت أولهم أن أية محاولة للمسللاس بهللذا‬
‫الشخص ستقابل من جهتنا بأعنف الردود‪.‬‬
‫بينما كان أبو حسين يتكلللم نهللض أبللو القعقللاع ووقللف قبللالته‪ ،‬ودارت‬
‫معركة كلمية بين الثنين‪.‬‬
‫رد أبو القعقاع ردا ً قويًا‪ ،‬استند فيه إلى مجموعة مللن اليللات القرآنيللة‬
‫من في المهجلع‬
‫وأحاديث الرسول وحوادث من التاريخ السلمي‪ .‬كان َ‬
‫ت أنه سينجح فللي إقنللاع الجميللع‪،‬‬
‫يهزون رؤوسهم دللة الموافقة و ِ‬
‫خل ُ‬
‫لكن أبو حسين التقط الحديث وبدأ يرد عليه وقلد ارتفلع صلوته‪ ،‬وجلاء‬
‫بمجموعة أخرى من اليات القرآنية والحاديث والسيرة النبوية تدحض‬
‫وتناقض جميع ما استشهد به أبو القعقللاع‪ ،‬أيضللا كللان جميللع مللن فللي‬
‫ض من مجموعللة أبللو القعقللاع يهللزون رؤوسللهم دللللة‬
‫المهجع حتى بع ٌ‬
‫الموافقة والقتناع‪ ،‬كان رد أبو حسين مفحمًا‪ ،‬ولم يشأ أبو القعقاع أن‬
‫د‪ ،‬وأبو حسين يرّد‪ ،‬وكان كلهما مقنعا ً للجميع‪.‬‬
‫ينهزم فانبرى ير ّ‬
‫ارتفعللت الصللوات كللثيرًا‪ ،‬وفللي غمللرة النقللاش بللرز الشللرطي فللوق‬
‫الشراقة‪ ،‬صاح‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هل الصوت يا رئيس المهجع يا جحش؟‪.‬‬
‫شو َ‬

‫م الشرطي الشخصين الللواقفين‪ ،‬أبللو حسللين وأبللو القعقللاع‪ ،‬ومللن‬
‫عَل ّ َ‬
‫السطح أخبر الرقيب الموجود فللي السللاحة‪ ،‬فأخرجوهمللا وخمسللمائة‬
‫جلدة لكل منهما‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫منذ لحظة خروجهما إلى حين عودتهما ران الصمت على المهجع‪ ،‬لكن‬
‫ما إن أغلق الشرطة الباب حتى عادا إلى المعركة الكلمية‪ ،‬وبدأها أبو‬
‫حسين قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫خلاف رب ّللك يلا رجللل ‪ ...‬إنلت السللبب بالعقوبللة‪ ،‬إنللت‬

‫مبسوط هلق؟‪.‬‬
‫واستأنفا المعركة الكلمية‪ ،‬وبعد أكثر من ساعة قال أبو حسين‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫هذا حكينا وما في عندنا غيره ‪ ...‬وكل واحد يقعد على‬

‫فرشته ومو ناقصنا زعماء هون‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ما في حدا بدو يعمل زعيم ‪ ...‬وأمر الللله بللدنا نطيعلله‬

‫ونطبقه‪ ،‬سواء رضيتم أم ل‪.‬‬
‫توتر جو المهجللع كللثيرًا‪ ،‬فكللرت أنلله يجللب أن أتللدخل‪ ،‬أن أخللرج مللن‬
‫القوقعة‪ ،‬ولكن كيف؟‪ .‬أقف وأحكي لهم حكللايتي؟ ‪ ...‬أفنللد كللل التهللم‬
‫التي وجهت لي؟ ‪ ...‬أن أكون مسيحيًا‪ ..‬هللذه ليسللت تهمللة لن تعللاليم‬
‫السلللم الحقيقيللة تللأمرهم بحسللن معاملللة المسلليحين‪ .‬أن أكللون‬
‫جاسوس لًا!‪ ..‬أظللن أن هللذه التهمللة قللد سللقطت بالتقللادم‪ ،‬فلللو كنللت‬
‫جاسوسللا ً لمللا انتظللرت أكللثر مللن عشللر سللنوات حللتى أمللارس‬
‫جاسوسيتي‪ ،‬ولكن تهمة الكفر واللحاد كيللف سللأدافع عنهللا؟‪ ..‬صللحيح‬
‫أن كل من سمعني أقول إنني ملحد قد مات‪ ،‬ولكللن إذا سللألوني فللي‬
‫سياق دفاعي هل أستطيع أن أقول لهم إنني مؤمن؟!‪ ..‬ل أعتقد ذلللك‪،‬‬
‫ولم أتوصل إلى قرار‪.‬‬
‫بقي الجو مشحونا ً بالتوتر‪ ،‬وبدا أن مجموعة أبو القعقاع بصدد عمل ما‬
‫ت‪ ،‬لكن مجموعة أبو حسين اتخذت مجموعة من الجللراءات‪،‬‬
‫فاحترس ُ‬
‫طوال النهار كان ثلثة منهم يجلسللون علللى فللراش أبللو حسللين علللى‬
‫يساري‪ ،‬ثلثة آخرون يجلسون على فراش جلاري اليمينلي‪ ،‬فلي الليلل‬
‫ي فلي الممللر‪،‬‬
‫يقوم واحد منهم بنقل فراشلله فينللام أمللامي عنللد قلدم ّ‬

‫‪151‬‬

‫وهكذا أكون محاطا ً بهم‪ ،‬عندما أقوم لذهب إلى المغاسل كنت ألحظ‬
‫أن اثنيللن ملن المجموعلة يقوملان وبشلكل عفلوي يرافقلاني وكأنهملا‬
‫ذاهبان إلى المغاسل عََرضًا‪ ..‬إذن هم يحرسونني‪.‬‬
‫بقي الوضع هكذا ثلثة أيام‪ ،‬في اليوم الرابع افتعل بضعة أشخاص من‬
‫المتشللددين أمللام المغاسللل ذريعللة علللى واحللد مللن الللذين يقومللون‬
‫بحراستي واشتبكوا معه باليدي‪ ،‬خلل ثوان قليلة كانت دمللاؤه تسلليل‬
‫من أنفه‪ ،‬وكان أكثر من مئتي شخص قد وقفوا واشللتبكوا ملع بعضللهم‬
‫البعض‪ ،‬ولم يعد من الممكللن معرفللة مللن يضللرب مللن‪ ،‬أو مللن الللذي‬
‫ض المعركة التي استمرت دقللائق قليلللة سللالت خللهللا دمللاء‬
‫يحاول ف ّ‬
‫كثيرة‪ ،‬ولم يكن بالمكان إخفاء ضجة كهذه‪.‬‬
‫كنت واقفا ً إلى جانب الباب‪ ،‬لم يشترك أبو حسين ول أبو القعقاع‪ ،‬بل‬
‫الشباب الصغار فقط‪ ،‬وعنللدما فتللح عناصللر الشللرطة البللاب‪ ،‬تللوقفت‬
‫المعركة آليًا‪.‬‬
‫حللاول أبللو حسللين الّدعللاء أن بعللض الشللباب كللانوا يلعبللون!!‪ .‬صللرخ‬
‫الرقيب بوجهه شاتما ً إياه‪" :‬نحن جايبينكم مشان تلعبوا ‪ ..‬ما؟!"‪ .‬وأمر‬
‫بخروج الجميع إلى الساحة‪ ،‬فخرجوا‪ .‬وكلما رأى الرقيب شخصلا ً عليلله‬
‫آثار دماء يلتفت إلى أبو حسين ويقول‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫رياضة يا عرص مو؟ ‪ ..‬قلت لي رياضة!‪.‬‬

‫عوقب المهجع بأكمله عقابا ً شديدًا‪ ،‬وقد ضربني أحللد العناصللر بالكبللل‬
‫الرباعي على ندبة قدمي مما آلمني كثيرًا‪ ..‬أدخلونا وأغلقوا البللاب مللع‬
‫التهديد والشتائم‪.‬‬
‫كنت قد نسيت عادة الكلم‪ ،‬لكن لحظَتها اعتقلدت أننللي إذا لللم أتكلللم‬
‫ت نفسي بأقوال أبللي وخللالي الللتي يقولونهللا لللي‬
‫فسوف أختنق‪ ،‬شحن ُ‬
‫منذ صغري‪ ،‬عن ضرورة أن أكون رجل ً يتحمل المسؤولية‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫مشيت إلى منتصف المهجع ووقفت‪ ،‬وبالكللاد اسللتطعت الوقللوف مللن‬
‫اللم‪ ،‬عندما رأوني أدير نظري لشمل جميع من في المهجللع سللكتوا‪،‬‬
‫اثنان من حراسي نهضا فورا ً ووقفا إلى جانبي‪ ،‬أشرت لهمللا أن يعللودا‬
‫إلى مكانهما‪ ،‬تلكآ‪ ،‬لكنهما عادا‪.‬‬
‫لم أكن خطيبا ً في يوم من اليللام‪ ،‬ولللم أقللف أبللدا ً لتكلللم أمللام مئات‬
‫العيون المحدقة بي‪ ،‬كذلك لم اد ِّع الشللجاعة يوملًا‪ ،‬بللل علللى العكللس‬
‫فإن هذه التجربة في العتقال والسجن أظهرت لي علللى القللل أننللي‬
‫أقرب إلى الجبن‪ ،‬لكنه اللم والقهللر والعللذاب‪ ،‬الصللوم الجبللاري عللن‬
‫ت بنظري ويدي إلى أبو القعقللاع وصللرخت بصللوت قللوي‬
‫الكلم‪ ،‬توجه ُ‬
‫)أنا نفسي استنكرته( قلت‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أبو القعقاع ‪ ...‬تريللد أن تقتلنللي؟‪ ..‬تفضللل هللذا أنللا‪،‬‬

‫عاريا ً أمامك )لم أد ْرِ لماذا كنت أخاطبهم بالفصحى(‪ ..‬تفضللل‪،‬‬
‫ولكن قبل أن تقتلني أجب على أسئلتي‪ ،‬هل تريللد أن تقتلنللي‬
‫بصفتك وكيل ً عن الله في الرض؟‪ ..‬هل تستطيع أن تثبت أنك‬
‫ت ذلك‪ ،‬هل تستطيع أن تثبللت لللي وللخريللن‬
‫وكيله؟‪ ..‬وإذا أثب ّ‬
‫أنه أصدَر لك أمرا ً بقتلي؟‪ ...‬ل أعتقد ذلك‪ ،‬وأجزم أنللك لسللت‬
‫وكي َ‬
‫ل الله‪.‬‬
‫يا أبو القعقاع أنت تريد قتللي لرضلاء شلهوة القتلل للديك‪ ،‬وأرجلو ان‬
‫أكون مخطئا ً في ذلك‪ ،‬أرجو أن ل تكون شخصلا ً حاقللدا ً موتللورًا‪ ،‬أرجللو‬
‫أن ل تكون كالعقرب إن لم تجد من تلسعه فهي تلسع نفسها‪ ..‬ولكللن‬
‫أقول‪ ،‬وأشهد جميع الناس هنا‪ ،‬إذا كان قتلي يحللل المشللكلة فتفضللل‪،‬‬
‫أرسل واحدا ً من جماعتك لقتلي وأنا أسامحكم بدمي‪.‬‬
‫ت إلى مجموع الناس‪ ،‬وبصوت أقل حدة قلت‪:‬‬
‫ت قليل ً ‪ ،‬ثم التف ّ‬
‫سك ّ‬
‫ي‬
‫‬‫يللا جماعللة‪ ..‬أكللثر مللن عشللر سللنوات حكمتللم عل ل ّ‬
‫بالسكوت‪ ،‬لقد سمعتكم كثيرًا‪ ،‬والن اسمعوني لدقائق فقط‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫قلت لهم من أنا‪ ،‬وكيف أتيت إلى هنا‪ ،‬دافعت عللن نفسللي ضللد التهللم‬
‫الثلث‪ :‬المسلليحية‪ ،‬الجاسوسللية‪ ،‬وعنللدما وصلللت إلللى تهمللة اللحللاد‪،‬‬
‫عدت لمخاطبة أبو القعقاع‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أبو القعقاع ‪ ...‬إنما مسألة اليمان أو عللدم اليمللان‬

‫مسألة شخصية بحت‪ ،‬وعليك أنللت وجميللع النللاس أمثالللك أن‬
‫قه‪،‬‬
‫يفهموا ذلك‪ ،‬اليمان هو علقة خاصة بين كل شخص وخللال ِ‬
‫ي أو علللى غيللري أن يقللول‪:‬‬
‫وأنت تعرف أنلله ليللس صللعبا ً علل ّ‬
‫أشهد أن ل إله إل الله وأشهد أن محمدا ً رسول الله‪ ،‬ولكن لو‬
‫م خوف لًا‪،‬‬
‫قلت أنا ذلك لقلت أنت وأمثالك‪ :‬إنه كان ملحدا ً وأسل َ‬
‫ل‪ ..‬أنا لست خائفا منك‪ ،‬ولن أكون منافقا أو كاذبلًا‪ ،‬وإذا قلللت‬
‫لك فقط إنني مسيحي ومتمسك بديني‪ ،‬فلن تسطيع أن تفعل‬
‫شللليئا ً حيلللال ذللللك‪ ،‬لن دينلللك يلللأمرك أن تحسلللن معامللللة‬
‫المسيحيين‪ ،‬لكن حتى هذا لن أقللوله‪ ..‬لئل تقللول إنلله خللائف‪..‬‬
‫أبو القعقاع‪ :‬اسمعني جيدًا‪ ..‬أنا لست خائفا ً منك‪ ..‬أنت لسللت‬
‫حساب‪ ..‬وإذا كنت مقتنعا ً بقتلللي فهّيللا‪..‬‬
‫ف ِ‬
‫ربي لقدم لك كش َ‬
‫قم بذلك ول تخف‪.‬‬
‫ف‬
‫ت أّل تللر ّ‬
‫ت عندها‪ ،‬بقيت واقفا ً أبادل أبوالقعقاع النظرات‪ ،‬جاهد ُ‬
‫سك ّ‬
‫ت بي يد أبو حسين وقادتني إلى فراشي‪.‬‬
‫عيوني‪ ،‬ومن خلفي أمسك ْ‬

‫‪-‬‬

‫قى‪ ..‬اسكت‪ ..‬ل تتحداه أكثر من هيللك‪ ..‬أظللن‬
‫خلص ب َ َ‬

‫أن المشكلة انحلت‪ ،‬الله يعطيك العافية‪ ،‬بس هلق اسكت‪.‬‬
‫وفعل ً كما قال أبو حسين انحلت المشكلة‪ ،‬وبعد يومين انحلللت نهائيللًا‪،‬‬
‫فقد كان أحد الخميسات وخرج فيه أبو القعقاع إلى العدام‪.‬‬
‫حموا عليه‪ ،‬أما أبو حسللين فقللد عل ّللق‬
‫أقام له المهجع صلة الجنازة‪ ،‬تر ّ‬
‫موجها ً الحديث لي‪:‬‬

‫‪154‬‬

‫‪-‬‬

‫الللله يرحملله‪ ..‬ول يجللوز علللى الميللت إل الرحمللة‪،‬‬

‫واذكروا حسللنات موتللاكم‪ ،‬لكللن يللا أخللي كلهللا عشللرين يللوم‬
‫قضاها هون‪ ..‬كأنه إعصار دخلل هـل المهجلع‪ ..‬اللله يرحمله!!‪..‬‬
‫قََلب المهجع فوقاني تحتاني!‪ .‬الللله يرحملله‪ ..‬يـل الللله بتعيللش‬
‫كثير‪ ..‬بتشوف كثير‪.‬‬
‫تحسنت علقتي مللع أبللو حسللين وأخللذنا نتبللادل الحللاديث "قلللت فللي‬
‫ن أبو القعقاع أتى من زمان طويل!"‪.‬‬
‫سري‪ :‬لو أ ّ‬
‫كان أبو حسين يسألني عن فرنسا‪ ،‬والحياة في فرنسا‪ ،‬وعلى الخللص‬
‫عن نساء فرنسا‪ ،‬وكنت أتكلم‪ ..‬وأتكلم‪ ،‬أغوص بالتفاصيل‪ ،‬عندي جوع‬
‫ت إليه وأمازحه قلي ً‬
‫ل‪:‬‬
‫كبير للكلم‪ ،‬ألتف ُ‬

‫‪-‬‬

‫شو يا أبو حسين؟‪ ..‬شايفك عم تسللأل عللن النسللوان‬

‫كثير‪ ،‬مانك خايف تسمعك أم حسين؟!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫لك يا أخي‪ ..‬أم حسين على عيني وراسي‪ ،‬بس هلللق‬

‫بتكون كبرت وصارت ختيارة‪ ،‬وإذا الله فّرج عنا‪ ..‬إن شاء الله‬
‫راح أتجوز واحدة فرنساوية‪ ..‬بالله عليك قل لي‪ ..‬بفرنسا في‬
‫مسلمات؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إي طبعا ً في مسلمات‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫مْنللت‬
‫الحمللد لللله‪ ..‬الحمللد لللله "يضللحك" هلللق أ ّ‬

‫مستقبلي‪.‬‬
‫بالضللافة إلللى أبللو حسللين هنللاك أربعللة أطبللاء فقللط كسللروا الحللاجز‬
‫المضللروب حللولي‪،‬‬

‫والطبلاء الربعللة مللن خريجللي الللدول الوربيللة‪،‬‬

‫ي‬
‫أحدهم خريج فرنسا‪ ،‬بدأ يجلس عندي‪ ،‬ومن ثاني جلسللة اقللترح عل ل ّ‬
‫أن يكون حديثنا باللغة الفرنسية‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫اكتشفت أنه قد عاش حياته طول ً وعرضًا‪ ،‬وأنه لم يكللن يتبللع التعللاليم‬
‫الدينية إل في شهر رمضان‪ ،‬ففيه كان يصلوم ويصللي فقللط وملا علدا‬
‫ول بالتنظيمات ول بغيرها‪.‬‬

‫ذلك فل علقة له ل بالسياسة‬
‫قلت له بالفرنسية مستفسرًا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب‪ ..‬إذا كان المر كذلك‪ ،‬فلماذا اعتقلوك؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إذا كنت أنت تستطيع الجابة على هذا السللؤال‪ ..‬فأنللا‬

‫استطيع!‪.‬‬
‫أبو حسين يضيق ذرعا ً بالحاديث الفرنسية‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يـل الللله شللباب‪ ..‬خلصللونا‪ ..‬يكفللي تعوجللوا لسللانكم‪..‬‬

‫احكوا عربي حتى نفهم عليكم‪.‬‬
‫كانت الحاديث بالفرنسية تسكرني‪ ..‬تدوخني‪ ،‬فعَلت في داخلللي أكللثر‬
‫مما فعلت رؤية الخيار لول مرة‪.‬‬
‫نتبلادل اللذكريات علن أمكنلة زرناهلا ونعرفهلا كلنلا‪ ،‬أصللبحت علقتنلا‬
‫الثنائية علقة حميمية لحظية‪.‬‬
‫في إحدى المرات وأنا أتلللذذ وأنتشلي بالتأكيلد علللى مخلارج الحلروف‬
‫ي وباغتني بالسؤال‪:‬‬
‫الفرنسية‪ ،‬نظر إل ّ‬

‫‪-‬‬

‫يا أخي‪ ..‬مادام أنت هيك‪ ..‬يعني عاقللل!‪ ..‬ليللش كنللت‬

‫تغطـي حالك بالبطانية مثل هذا المجنون دكتور الجيولوجيا؟‪.‬‬
‫ت قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ثللم أخللبرُته بسللّري الكللبير‪ ،‬سللّر الثقللب!!‪ .‬أخللبرته بلله‬
‫سللك ّ‬
‫بالفرنسية‪ ،‬لكنه أجلاب باللغلة العربيلة بعلد أن اتسلعت عينللاه وتلدلت‬
‫شفته السفلى‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫العماااااا ش‪ ...‬ونحن كنا نقول عنك أهبل!!‪.‬‬

‫سأل إن كان يستطيع أن ينظللر ملن خلللله‪ ،‬أعلمتلله أن هللذا مسللتحيل‬
‫الن لنه سيلفت انتباه الجميع‪ ،‬ثم عرض بعد قليل أن نخبر أبو حسين‬
‫فوافقته‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫كانت ردة فعل أبو حسين شبيهة بردة فعل الللدكتور نسلليم‪ ،‬ارتسللمت‬
‫على وجهه أمارات الدهشة‪ ،‬واستخدم نفس الكلمة‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫العمللاااااش‪ ..‬والللله تاريللك مللو قليللل!‪ ..‬يللا مللا تحللت‬

‫السواهي دواهللي!‪ ..‬ولللك طلللع صللحيح إنللك جاسللوس‪ ..‬بللس‬
‫جاسوس عـ الشرطة مو للشرطة!‪.‬‬
‫بعد يومين أبلغـنا أبو حسين أنه قلرر إعلم جميلع النلاس فلي المهجلع‬
‫م‬
‫بالمر‪ ،‬حتى يمكن استخدامه بحرية‪ ،‬فكل الناس هنللا موثوقللون‪ ..‬وتل ّ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫باسللتثناء أبللو حسللين والطبللاء "وعلللى رأسللهم الللدكتور نسلليم" فللإن‬
‫الجميع بقي متحفظا ً تجاهي‪ ،‬علمللت أنهللم ناقشللوا المللر فيمللا بينهللم‪،‬‬
‫وخرجوا بنتيجة‪ :‬إن كلمي بخصلوص دفلع تهملة اللحلاد ملتبلس وغيلر‬
‫مقنع‪ ،‬وإنني لو كنت مؤمنا ً بحق سللواء بالللدين المسلليحي أو بالسلللم‬
‫لما ترددت في إعلن ذلك "فالدين يجب أن يكون جهرًا"‪.‬‬
‫لكن بالمقابل لم يبق هناك أي تهديد لحياتي‪ ،‬وهكذا فقد حصلت علللى‬
‫أول حق من حقوقي الساسية كإنسللان "حللق الحيللاة"‪ ،‬حصلللت عليلله‬
‫من السندان )الجماعة السلمية( ولكن لم أحصل عليه من المطرقللة‬
‫)الشرطة(‪ ،‬فل زال أيّ رقيب في السلاحة يسلتطيع وبضلربة عصلا أن‬
‫يرسلني إلى الحياة الخرى‪.‬‬
‫‪ 6‬تكشككريكن الول‬
‫الشهر القليلة الماضية مضت بسلرعة‪ ،‬اللدكتور نسلليم وهلو كالنسليم‬
‫فعل ً مل علي ساعات يوم السجن الطويلة‪ ،‬كنللا ل نكلاد نفللترق‪ ،‬وبعلد‬
‫فترة من تعارفنا اتفقَ مع جاري وتبادل المكنة‪ ،‬نستيقظ صللباحا ً ودون‬
‫أن نتحرك من تحت البطانية نستأنف حديثا ً للم يكتمللل البارحلة‪ ،‬نأكللل‬
‫سوية‪ ،‬نتحادث‪ ،‬قمنللا بتصللنيع أحجللار شللطرنج مللن العجيللن‪ ،‬اسللتغرق‬
‫صنعها أكثر من عشرين يومًا‪ ،‬وكان شللطرنجا ً جمي ً‬
‫ل‪ ،‬فنسلليم بجللوهره‬

‫‪157‬‬

‫فنان وشاعر‪ ،‬مرهف الحساس‪ ،‬يتلمس الجمللال فللي مللواطنه‪ ،‬كللانت‬
‫أمنية حياته أن يدرس الفن التشكيلي‪ ،‬لكن ضغط الهللل أجللبره علللى‬
‫دراسة الطب‪ ،‬ورغم ذلك فإنه ترك الطب لمدة عام كامل عندما كللان‬
‫في السنة الرابعة واشترك مع فنللان آخللر فلي متحللف ببللاريس‪ ،‬وعللاد‬
‫أبوه ليجبره على العلودة لدراسللة الطللب‪ ،‬رغللم ذلللك لللم ينقطللع علن‬
‫الرسم أبدًا‪.‬‬
‫كنا نكشط الجزاء المحروقة من الخبز ونجمعها ومنها اللللون السللود‪،‬‬
‫نضع قليل ً من مرقللة رب البنللدورة‪ ،‬نتركهللا عللدة أيللام لتتكثللف وتجللف‬
‫ومنها اللون الحمر‪ ،‬من لب الخبز العسكري نصنع العجين‪ ،‬ومللن هللذا‬
‫ون نسيم أحجار شطرنج كل من رآهللا‬
‫العجين الممزوج بهذه اللوان ك ّ‬
‫شهق‪ ،‬ثم أخذ يصيغ أشكال ً فنية مبتكرة آية في الجمال والذوق‪.‬‬
‫نتحدث بالفرنسية‪ ،‬نتحدث بالعربية‪ ،‬نلعب الشللطرنج‪ ،‬نراقللب السللاحة‬
‫من خلل الثقب‪ ،‬وبعد أن ننهي كل ذلك‪ ،‬وإذا بقي القليل مللن الللوقت‬
‫فإن نسيم يتناول قطعة من العجين ويبدأ بتشكيلها‪ ،‬وفي كل الشللكال‬
‫التي صاغها تلمس المرأة والحنين إليها "عاش نسيم قصة حب كللبيرة‬
‫ل زالت تحفر فللي وجللدانه‪ ،‬وعنللد حللديثه عنهللا اعتبرهللا معنللى حيللاته‪،‬‬
‫وأيضا ً إحدى أكبر خيباته في الحياة‪ ،‬وأولى هذه الخيبات دراسة الطلب‬
‫تحت ضغط الهل والمجتمع"‪.‬‬
‫مرة ودون مقدمات سألته فجأة ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫الن‪ ..‬هل تواظب على الصلة؟‪.‬‬

‫ببساطة شديدة قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫منذ أن أصبحت بين هؤلء‪ ..‬لم أعد أصلي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ولكن ما الذي قذف بك إلى هنا بينهم؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إنلله أخللي‪ ..‬أخللي الللذي لللم أكللن أطيقلله أو يطيقنللي‪،‬‬

‫شخص متزمت وضيق الفق‪ ،‬وحتى قبللل أن أذهللب للدراسللة‬

‫‪158‬‬

‫في فرنسا كان صياحنا اليومي يصل إلللى الشللارع‪ ،‬وغالبللأ مللا‬
‫يكون السبب محاولته التدخل في لباس أمي وأخواتي البنات‪،‬‬
‫ن ذلك‬
‫ن يعارض َ‬
‫يريد أن يفرض عليهن لباسا ً إسلميا ً أسود‪ ،‬وك ّ‬
‫ن‪ .‬فللي غللالب الحيللان كنللت وإيللاه نتضللارب‬
‫وأقف إلى جللانبه ّ‬
‫باليللدي‪ ،‬كللان فاش لل ً علللى المسللتوى الدراسللي‪ .‬ذهبللت إلللى‬
‫فرنسا‪ ،‬بقيت هناك ثماني سنوات‪ ،‬كان خللها قد انتسب إلللى‬
‫هؤلء )وأشار بيده إلللى الجماعللة المتشللددة(‪ ،‬أصللبح مطلوب لا ً‬
‫بشدة من قبل المن الذي اعتقللل والللدي ووالللدتي‪ ،‬وللخلص‬
‫من هذا المأزق ولبعاد أنظار المن داخل المدينة‪ ،‬قال والللدي‬
‫للمللن إنلله قللد هللرب إلللى فرنسللا عنللد أخيلله‪ ،‬ودون أن أدري‬
‫أصبحت مطلوبًا‪ ،‬أنهيت دراستي وعدت إلى بلللدي‪ ،‬اسللتقبلني‬
‫رجال المن في المطار يريدون مني أخللي الللذي لللم أره منللذ‬
‫ثماني سنوات‪ ،‬وها أنا أمامك في هذا السجن‪.‬‬
‫كنت ونسيم نتناوب المراقبة من خلل الثقب دون بطانية‪ ،‬لللم يتجللاوز‬
‫عدد الذين نظلروا ملن الثقللب الخمسللة‪ ،‬يبلدو أن الجميلع لزال يعتلبر‬
‫فراشي نجسًا‪ ،‬فللمراقبة من الثقب يجب على الواحد أن يجلس على‬
‫فراشي‪.‬‬
‫كنا ) نسيم وأنا( اللذين يراقبان دائمًا‪ ،‬نبلغ ما نشاهده لبو حسين وهو‬
‫بدوره يبلغه للجميع‪.‬‬
‫عادت العلقة بين المتشددين وباقي المهجللع لتصللبح وديللة‪ ،‬خاصللة أن‬
‫م شباب صلغار السلن أقلرب اللى الطيبلة والسلذاجة‬
‫المتشددين بالعا ّ‬
‫هللم‬
‫)شرط أل يظهر بينهم أبو القعقاع أو صعصعة أو أبو قتادة!(‪ ،‬ب َ ُ‬
‫قوا ُ‬
‫الكثر عطاًء وتضحية‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫فلي واحلد ٍ مللن أيلام الثنيلن تركلت الثقللب كلامل لنسلليم كلي يراقلب‬
‫العدامات‪ ،‬التصق بالثقب ولم يعد يتكلم أو يتحرك‪ ،‬كللان نسلليم يكللرر‬
‫كلمة "العمش" كثيرا ً في أحاديثه‪.‬‬
‫ي‬
‫بعد ساعتين من التصاقه بالثقب‪ ،‬قفللز إلللى الللوراء واقفلًا‪ ..‬نظللر إلل ّ‬
‫وقال‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫العمش‪ ..‬العمش ‪..‬‬

‫نظر إلى أبو حسين‪ :‬العمل‪..‬اا‪..‬ش‬
‫نظر إلى المجموع‪ :‬العمش‪ ..‬العمش‪..‬‬
‫ثم وبصوت خافت بعد أن اقترب مني‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫العمش‪ ..‬ولك شو هاد؟! ولك شلون كنت عم تتحمللل‬

‫هيك مناظر؟!‪ ..‬العمش ولك شوف‪ ..‬شوف!‪ ..‬شللو هللذا يل ّللي‬
‫عم يصير؟!‪.‬‬
‫نظرت عبر الثقب‪ ،‬كانت ثماني جثث متدلية عن الحبال‪ ،‬والعديللد مللن‬
‫الجثث على الرض‪ ،‬هذه الجثث الثمللان يبللو أنهللا آخللر وجبللة‪ ،‬اللوحش‬
‫"عنصر البلديات" يقف أمام الجثة الثانية من اليسلار وهلي جثللة رجللل‬
‫بدين‪ ،‬يمسك الوحش بيده عصا ً غليظلة ينهلال بهلا ضلربا ً عللى الجثلة‪،‬‬
‫الشرطة يراقبونه ضاحكين‪ ،‬ومع كل ضللربة عص لا ً علللى الجثللة يصللرخ‬
‫بصوت عال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫عللاش الرئيللس المفللدى‪ ..‬بللالروح بالللدم نفللديك يللا‬

‫رئيس‪" ..‬وضربة بالعصا على الجثة"‪ ..‬ولللك يللا كلللب بتشللتغل‬
‫ضد الرئيس‪ ..‬وضربة بالعصا‪ ..‬لللك يللا منيللك‪ ..‬رئيسللنا أحسللن‬
‫رئيس‪ ..‬ضربة بالعصا‪ ..‬حيدو يا منايك حيللدو‪ ..‬ضللربة بالعصللا‪..‬‬
‫الرئيللس قبللل الللله نعبللده‪ ..‬ضللربة بالعصللا‪ ..‬ويختللل اليقللاع‪..‬‬
‫ضربات عديدة بالعصا" أتسللاءل‪ :‬هللل انتهللت ذخيللرة الللوحش‬
‫الكلميللة الللتي كللان قللد حفظهللا لكللثرة تردادهللا فللي الراديللو‬

‫‪160‬‬

‫والتلفزيللون وفللي الشللوارع أثنللاء المسلليرات الللتي تنظمهللا‬
‫الدولللة؟!‪ .‬يبللدو أن المللر كللذلك لن الللوحش بللدأ يلجللأ إلللى‬
‫مها من الشوارع‪.‬‬
‫ذخيرته الكلمية الشخصية! التي ل ّ‬
‫يتوقف قليل ً عن الضرب‪ ،‬ثم ضربة قوية على الرأس أسمع من خللها‬
‫رنين العظام‪ ..‬ولك يا كلب‪ ..‬إنتو فيكللن عـل الرئيللس؟‪ ..‬ضللربة عصللا‪..‬‬
‫ولك الرئيللس أقلوى واحلد باللدنيا‪ ..‬ضللربة ‪ ..‬وللك الرئيلس بلدو ينيللك‬
‫أمهللاتكم ‪ ...‬ضللربة ‪ ...‬ولللك الرئيللس عنللدو أطللول أيللر بالللدنيا كلهللا‪..‬‬
‫ده يني ّ‬
‫كم وينيك أختكم واحد واحد‪ ..‬ضربة بالعصا‪ .‬يتوقف‬
‫ضربة‪ ..‬ولك ب ّ‬
‫ي‬
‫الوحش قليل ً وهو يلهث‪ ،‬بعدها وبحركات هسللتيرية يضللع أحللد طرف ل ّ‬
‫العصا بين إليتي الجثة ويدفع بها إلى المللام‪ ،‬تتحللرك الجثللة كلهللا إلللى‬
‫المللام‪ ،‬يسللتمر الللوحش بالضللغط‪ ،‬الطللرف الثللاني للعصللا بيللن يللديه‬
‫الثنتين‪ ،‬يركزه في موضع قضيبه ويبدأ بللدفع العصللا بيللن إليللتي الجثللة‬
‫هزًا‪ ،‬ومع كل هزة إلى المام يصيح‪:‬‬
‫َر ْ‬
‫بالروح‪ ..‬بالدم‪ ..‬نفديك يا رئيس‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫تبقى العصا بين الليتين‪ ،‬الجثللة دائمللة التأرجللح‪ ،‬الشللرطة يضللحكون‪..‬‬
‫يتقدم الرقيب "العوج" وهو يقهقه‪ ،‬يمسللك الجثللة مللن المللام ويثبتهللا‬
‫جيدا ً للوحش‪ ،‬الوحش يتابع ضغط العصا بين الليتين ويهتف‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫بالروح‪ ..‬بالدم‪ ..‬نفديك يا رئيس‪.‬‬

‫العوج يضغط من المام‪ ،‬الوحش يضللغط بالعصللا مللن الخلللف‪ ،‬وفللي‬
‫لحظة يفلت رأس الجثة من الحبل "يبدو المشهد من بعيد وكأن الجثة‬
‫حركت رأسها بحركة بارعة لتتخلص من الحبللل"‪ ،‬تسللقط الجثللة علللى‬
‫وجهها أرضًا‪ ،‬تفلت العصا من يد الوحش وتظل مغللروزة منتصللبة بيللن‬
‫إليتي الجثة‪ ،‬يقفز الوحش عاليا ً ويصيح بشعار طالما سمعه ي َُرّدد كثيرا ً‬
‫في الراديو أو التلفزيون‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يسقط الستعمار‪ ..‬تسقط المبريالية‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫يرد عليه الرقيب العوج‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫تسقط‪ ..‬تسقط‪ ..‬تسقط‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يعيش الرئيس المفدى‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يعيش‪ ..‬يعيش‪ ..‬يعيش‪.‬‬

‫وتبقى العصا مغروزة بين إليتي الجثة تتأرجح‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إلى البد‪ ..‬إلى البد‪ ..‬يعيش الرئيس‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يعيش‪ ..‬يعيش‪ ..‬يعيش ‪.‬‬

‫ومع كل كلمة "يعيش" تتأرجح العصا ذات اليمين وذات اليسار‪.‬‬
‫‪ 20‬ككككانكككون أول‪:‬‬
‫خلل الشهور الماضية توطدت علقتي كثيرا ً مع نسيم‪ ،‬وهو كان فرحا ً‬
‫بي أيضًا‪ ،‬لم يكللن نسلليم مثللل هللؤلء‪ ،‬عقللله منفتللح ومتحللرر ول يهتللم‬
‫بالمور السياسية ولم يسبق له أن فكر حللتى بالنتسللاب إلللى أي مللن‬
‫التنظيمات الدينية‪ ،‬كان وهو في الحياة خارج السللجن يللؤدي الفلرائض‬
‫الدينية بالمناسبات‪.‬‬
‫مرة قال لي شيئا ً كنت أفكر فيه أيضًا‪ .‬قال‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫كيف مرت كل هـ السنين وأنا وإنت بمحللل واحللد ومللا تعّرفنللا‬

‫على بعض؟! وبعدين نتعرف على بعض و نصير كأننا توأمان!!‪ ..‬فعل ً‬
‫أنت توأم روحي‪.‬‬
‫كنت أحس الحساس نفسه‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫لزالت ورشات البنللاء فللي السللجن الصللحراوي تقللوم بإشللادة مهللاجع‬
‫جديدة‪ ،‬رغم أن القادمين الجدد إلى هذا السللجن قللد تناقصللوا بشللكل‬
‫كبير في السنوات الثلث الخيرة‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫))من هو أول سجين في التاريخ؟‪ ..‬من الذي اخللترع السللجن؟‪ ..‬كيللف‬
‫كان شكل السجين الول؟‪ ..‬هل هناك سجين واحد في كل العالم‪ ،‬في‬
‫كل الزمان‪ ،‬في كل السجون‪ ،‬قضى في السجن عاما ً واحللدا ً أو أكللثر‪،‬‬
‫ثم عندما يخرج يكون هو‪ ..‬هللو؟!‪ .‬أيّ عبقللري هللذا الللذي أوجللد فكللرة‬
‫السللجن؟!!‪ ..‬هللل هللو الللله؟‪ ..‬يجللب أن يكللون كللذلك‪ ،‬لن فيهللا مللن‬
‫العجاز ما هو فوق قدرات العقل البشري!!‪.‬‬
‫لكن لماذا ترك الله الشيطان طليقا ً بعد العصيان ولم يسللجنه إذا كللان‬
‫الله يعرف ملا هللو السللجن؟!‪ ..‬أنلا واثللق أن الشلليطان كللان سيسللجد‬
‫مرغما ً بعد قضاء عدة شهور ل بل عدة أسابيع‪ ،‬ليس أمام آدم فحسب‬
‫إنما أمام حواء أيضًا!‪ ..‬هل يمكن أن يكون الله قد أخطأ عنللدما طلللب‬
‫من إبليس أن يسجد لدم؟!‪ ..‬لماذا لم يطلب منه أن يسجد لحواء؟!‪..‬‬
‫هل كان إبليس سيرفض السجود أمام حواء؟‪.‬‬
‫سه؟‪.‬‬
‫م نف ِ‬
‫ولكن ماذا لو سجد إبليس أمام آد َ‬
‫هل كان سيصبح إبليس نائبا ً لله؟!‪ ..‬أو شريكا ً له؟!‪.‬‬
‫"لللو لللم أكللن سللجينا ً كيللف كللان لمثللل هللذه الفكللار المضللحكة أن‬
‫تنبت؟!"((‪.‬‬
‫تنشأ في السلجن مهلاجع جديلدة "ملتى كلانت كلل المهلاجع فلي هلذا‬
‫ة أو على دفعللات متتابعللة‪ .‬بضللعة‬
‫السجن فارغة؟"‪ .‬يدخلها الناس سوي ً‬
‫أيام ويكتمل نصاب المهجع‪ .‬بضع عشرات‪ ،‬مائة‪ ..‬مئتان‪ ..‬ثلثمللائة‪ ..‬أو‬
‫يزيد! الجميع ينظر إلى الجميع‪ ،‬الوجوه متشابهة‪ ،‬ل يعلرف أحلد ٌ أحلدًا‪،‬‬
‫يبدأ التعارف بعد دقائق‪ ،‬ويستمر سنوات‪.‬‬
‫ملع التعلارف يبللدأ الفللرز‪ ،‬يبللدأ اللتفللاف والتلقللي‪ .‬فلي البدايللة تنشللأ‬
‫التجمعات على الرضية السياسللية التنظيميللة والللتي كللانت سللببا ً فللي‬
‫دخولهم السجن‪ ،‬أبناء الحزب الواحد‪ ..‬التنظيم الواحد‪ ،‬يلتقون‪ ..‬سللواًء‬
‫كللانوا يعرفللون بعضللهم سللابقا ً أم ل‪ ..‬يتعللارفون‪ ،‬يشللكلون مجموعللة‬

‫‪163‬‬

‫واحدة‪ ،‬وحياة اجتماعية مشتركة‪ ،‬لهم اجتماعاتهم وأسرارهم‪ ،‬أغلبهللا ‪-‬‬
‫إن لم يكللن كلهللا ‪ -‬وَهْللم‪ ،‬كللل مللا فللي المللر أنهللم يتسللاندون!‪ .‬يتكللئ‬
‫ما ً بللالقوة‪ ،‬وبالتللالي‬
‫بعضهم على بعض‪ ،‬الروح الجماعية تشكل لهم وَهْ َ‬
‫الحماية‪ ..‬أن تكون محميا ً بالجماعة يعطي الشعور بالمان‪.‬‬
‫تبدأ الحالة شديدة متوترة‪ ،‬تصل إلى حد التعصب وعداوة الخرين‪ ،‬مع‬
‫اليام تبدأ بالتراخي‪ ،‬خاصة إذا كان المهجع كله ذا لون تنظيمي واحد‪.‬‬
‫في الدروس التي يتلقاها ضباط المن‪ ،‬وبعد الدرس الول الذي يقول‪:‬‬
‫"أول درس فللي المخللابرات هللو أن ل تثللق برجللل المخللابرات" تللأتي‬
‫دروس عديدة‪ ،‬قد تكون صائبة وقد تكللون خللاطئة‪ .‬وفللي النللص الللذي‬
‫يحتوي على كيفية التعامل مع التنظيمات المعادية‪ ،‬هنللاك درس يبقللى‬
‫صائبا ً على الدوام‪:‬‬
‫ة"‪.‬‬
‫ضهم بعضا ً اسجنهم سوي ً‬
‫"إذا أردت لفراد تنظيم ما أن يأكلوا بع َ‬
‫الحباط‪ ،‬التباعد‪ ،‬النفور‪ ،‬الكراهيللة‪ ،‬النيللل مللن هيبللة القيللادات‪ ..‬وتبللدأ‬
‫الوشائج التنظيمية بالتراخي والتفكك‪ ،‬ومعها يبدأ التطلع إلللى المحيللط‬
‫خارج إطار التنظيم الواحد‪.‬‬
‫تمر اليام‪ ،‬السابيع‪ ،‬الشهور‪ ،‬السنوات!‪.‬‬
‫تنشأ علقات جديدة على أرضللية جديللدة "الجغرافيللا"‪ :‬أبنللاء المنطقللة‬
‫الواحدة‪ ،‬القرية‪ ،‬البلدة‪ ،‬المدينة‪ ،‬أو حتى المنطقللة الوسللع‪ ..‬المنطقللة‬
‫الشللمالية‪ ،‬المنطقللة الشللرقية‪ ،‬المنطقللة السللاحلية‪ .‬يسللتعيدون فيمللا‬
‫بينهللم الللذكريات‪ ،‬يتللذكرون المللاكن الليفللة بحنيللن بللالغ‪ :‬الطرقللات‪،‬‬
‫السهول‪ ،‬الوديان‪ ،‬الجبال‪ ،‬الشللوارع‪ ،‬الحللدائق‪ ،‬والسللاحات‪ .‬يتللذكرون‬
‫بعض الحداث العامة والمشلهورة‪ ،‬ويوملا ً بعلد يلوم تكلبر التقاطعلات‪،‬‬
‫وتكبر معرفتهم بعضهم ببعض‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫مع ازدياد المعرفة‪ ،‬وبأسئلة بريئة في الظاهر ُينبش مللا كللان محسللوبا ً‬
‫أنه من المنسيات‪ .‬فلكل شلخص أو عائللة أو عشليرة إيجابياتهلا‪ ،‬ولهلا‬
‫كذلك ما تخجل منه وتحاول نسيانه‪ ،‬أو جعل الخرين ينسونه‪.‬‬
‫لكنه السجن وله قوانينه الخاصة‪ ،‬البسيطة‪ ،‬الصريحة‪ ،‬الوقحة!‪.‬‬
‫ف عليه سؤال ً قد يكون مازحًا‪ ،‬قللد‬
‫ن مدينته الذي تعّر َ‬
‫ويسأل أح ُ‬
‫دهم اب َ‬
‫يكون بريئًا‪ ،‬قد يكون!‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أنللت مللن بيللت البيللك الللذين يسللكنون فللي المحللل‬

‫الفلني؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم أنا من بيت البيك هؤلء‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫آ ‪ .....‬آ ‪ .....‬عفوا ً ‪ .....‬ل تواخللذني‪ ،‬بللس أنللا سللمعت‬

‫مّلك الراضي صللارت عنللدكم‬
‫حكاية‪ ،‬صحيح أن رتبة البكوية و ُ‬
‫سّتك "جدتك" الكبيرة كانت صديقة للوالي العثماني؟؟‪.‬‬
‫لنه ِ‬

‫‪-‬‬

‫ل ‪ ...‬أبدا ً مو صحيح‪.‬‬

‫ينتهللي الحللديث وينكمللش شلليء مللا داخللل نفللس سللليل آل البيللك ‪..‬‬
‫ونفور!‪.‬‬
‫يسأ ُ‬
‫خَر‪:‬‬
‫خُر آ َ‬
‫لآ َ‬

‫‪-‬‬

‫أنت من قرية الحيدرية بس أنت من بيت مين؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا من بيت البيطار‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫آ ‪ ...‬البيطار ‪ ..‬قل لي ‪ ..‬سمعنا مللن كللام سللنة ‪ ...‬أن‬

‫امرأة من بيت البيطار قتلت زوجها بالشتراك مللع عشلليقها ‪..‬‬
‫بتقربك شي هلـ المرأة؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫المرأة خالتي ‪ ..‬بس القصة مو صللحيحة‪ ،‬يعنللي تهمللة‬

‫وبس!‪.‬‬
‫ينتهي الحديث وينكمللش شلليء مللا داخللل نفللس سللليل آل البيطللار ‪..‬‬
‫ونفور!‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫وتتعدد السئلة‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت ابن فلن الذي سرق صندوق البلدية؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت ابن فلنة التي ‪.......‬‬

‫وتنتهي الحاديث‪ ،‬وتنكمش أشياء كثيرة داخل النفوس ‪ ..‬ونفور!‪.‬‬
‫تمر اليام‪ ،‬السابيع‪ ،‬الشهور‪ ،‬السنوات!‪.‬‬
‫تنشأ علقات جديدة على أرضللية جديللدة‪ :‬الميللول‪ ،‬الهوايللات‪ ،‬المهللن‪،‬‬
‫المهتمين بالدب‪ ،‬الفنانين‪ ،‬المعلمين‪ ،‬الطباء ‪.....‬‬
‫تمر اليام‪ ،‬السابيع‪ ،‬الشهور‪ ،‬السنوات!‪.‬‬
‫تنشأ علقات جديدة على أرضية جديدة‪ :‬الذوق‪ ،‬اللباقة الجتماعية!‪.‬‬
‫ينفر منه ويبتعللد علن زميللله فلي التنظيللم أو المهنللة أو المنطقللة لنلله‬
‫يخرج أصواتا ً من فمه عندما يأكل‪ ..‬وهذا قلة ذوق‪.‬‬
‫ينفر منه ويبتعد عنه لنه عندما يطوي بطانياته فإنه يطويها بعنف مثيرا ً‬
‫الغبار على جاره‪ ..‬وهذا قلة ذوق‪.‬‬
‫ينفر منه ويبتعد عنه لنهما عندما يتحادثان ل يترك مسللافة كافيللة بيللن‬
‫الرأسللين‪ ،‬يقللترب منلله كللثيرا ً ويتكلللم‪ ،‬يجللبره أن يشللم رائحللة فملله‬
‫الكريهة!‪ ..‬وهذا قلة ذوق‪.‬‬
‫مئات المشاكل التي يثيرها التعايش القسللري بيللن أنللاس لللم يختللاروا‬
‫ضهم بعضًا‪ ،‬فهم من مشللارب ومنللابت مختلفللة‪ ..‬تربيللات مختلفللة‪..‬‬
‫بع َ‬
‫سويات حضارية مختلفة‪.‬‬
‫تكون السنوات قد مرت‪ .‬سنة تجثم على صدر التي قبلها‪.‬‬
‫تنشأ علقات جديدة على أرضية جديدة‪ ،‬ويبتعد الناس أكثر فللأكثر عللن‬
‫كل ما له طابع جماعي‪ ،‬رماد السنوات المنطفئة يغطللي شلليئا ً فشلليئا ً‬
‫طزاجة الذكريات عن الخارج‪ .‬يبتعللد هللذا الخللارج‪ ،‬وينغمللس الشللخص‬
‫في تفاصيل الحياة اليومية للسجن‪ ،‬تكلبر المسلاحة اللتي تحتلهلا هلذه‬
‫التفاصيل في نفس السجين‪ ،‬عللى حسلاب الخلارج اللذي يبلدو قصلي ّا ً‬

‫‪166‬‬

‫بعيد المنال!‪ ..‬وأكثر ما يبتعد هو السياسة‪ ،‬انعكاسللاتها كنللاظم لقطيللع‬
‫من البشر‪ .‬تعود الذات الفردية لتنمو على حساب اللذات الجماعيللة أو‬
‫روح القطيع‪ .‬وقد يصل المر إلى حد القطيعة أو العللداء‪ ..‬مللع التاريللخ‬
‫ي‬
‫الللذي سللاهم هللو بصللنعه!‪ ..‬خطللوة أخللرى ويصللل إلللى جل لدٍ سللاد ّ‬
‫للذات!!‪ ..‬يقول بمرارة تق ُ‬
‫طر مع الكلمات‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫لقد كان السجن ضروريا ً لنا لنكتشف الكذبللة الكللبيرة‬

‫التي كنا نعيشها‪ .‬أيّ غباٍء وأيّ وهم ٍ أوصلنا إلى هنا؟!‪..‬‬
‫وتنشأ علقات جديللدة علللى أرضللية جديللدة‪ .‬والصللداقات الثنائيللة هللي‬
‫المرحلة ما قبل الخيرة‪ ،‬و تبدأ كحالت معزولة منذ البداية ول تتحللول‬
‫إلى ظاهرة إل في المراحل المتقدمة‪ ،‬وحتى في هذه المراحللل قللد ل‬
‫تكون عامة مطلقة ولكنها تقترب من الغلبية‪.‬‬
‫المتشابهان ‪ ...‬المتناقضان ‪ ...‬التشابه والتناقض‪ ،‬علللى مللا فيهمللا مللن‬
‫تباعد فلي كللل شلليء‪ ،‬إل أنهملا يشللكلن الرضللية المناسلبة أو التربلة‬
‫المناسبة لنشوء العلقات الصداقية الثنائية!‪.‬‬
‫بعد مسيرة السنوات الطوال‪ ،‬ومن خلل التجربللة والخطللأ‪ ،‬مللن خلل‬
‫الحتكاك المستمر والدائم على مدار أربع وعشللرين سللاعة كللل يللوم‪،‬‬
‫وثلثمائة وخمس وستون يوما ً كل عام‪ ،‬يكتشف اثنان أنهما متشللابهان‬
‫في بعض الشياء‪ ..‬في الكثير من الشياء‪ ..‬في كل الشياء!‪.‬‬
‫ينجذبان إلى بعضهما البعض‪ ،‬وتبللدأ علقللة صللداقة بيللن الثنيللن‪ .‬وكمللا‬
‫المغنطيس ينجذب سالبه إلى موجبه‪ ،‬ينجللذبان إلللى بعضللهما البعللض‪.‬‬
‫هذه الصداقة تبدأ متوازنة متكافئة‪ ،‬لكل منهمللا نفللس الحقللوق وعليلله‬
‫نفس الواجبات‪ ،‬ومع توالي اليام يبدأ الخلل بين كفتي الميزان‪ ،‬بنفس‬
‫قللدر ارتفللاع الولللى تنخفللض الثانيللة‪ ،‬طللرف يبللدأ باكتسللاب القللوة‬
‫وإظهارها‪ ،‬والطرف الخللر يعتمللد أكللثر فللأكثر وفللي كللل المللور علللى‬
‫صديقه القوي‪ ،‬ليصبح هو الطرف الكثر ليونة ورقة!‪ ..‬تسللتمر العلقللة‬

‫‪167‬‬

‫بين الثنين وفق هذه المعادلة طوي ً‬
‫ل‪ ،‬القللوي والضللعيف‪ ،‬القللوي الللذي‬
‫يرعى الضعيف ويبسلط حملايته عليلله وهلو فلي غايلة السلتمتاع بهلذا‬
‫الللدور‪ ،‬والضللعيف الللذي يلللوذ تحللت جنللاحه ورعللايته وهللو فللي غايللة‬
‫الستمتاع بهذا الدور!‪.‬‬
‫بعد مسيرة السنوات الطوال‪ ،‬ومن خلل التجربللة والخطللأ‪ ،‬مللن خلل‬
‫الحتكاك المستمر والدائم على مدار أربع وعشللرين سللاعة كللل يللوم‪،‬‬
‫وثلثمائة وخمس وستين يوما ً كل عام‪ ،‬يكتشف اثنان أنهمللا متناقضللان‬
‫في بعض الشياء‪ ..‬في كثير من الشياء‪ ..‬في كل الشياء‪.‬‬
‫أقبللع فللي قوقعللتي طللوال هللذه السللنوات أحللاول أن أرقللب وأفسللر‬
‫وأسجل كل ما يحللدث أمللامي ضللمن هللذا التجمللع النسللاني‪ ،‬رصللدت‬
‫الكثير من المور وفسرتها وسجلتها‪.‬‬
‫هذه الثنائيات منلذ بدايلة تشلكلها أثلارت اهتملامي‪ ،‬راقبتهلا‪ ..‬تحولتهلا‬
‫وتطوراتهلللا‪ ،‬وفسلللرتها فلللي سلللياق الحاجلللات النسلللانية للجتملللاع‬
‫والتواصلل‪ ..‬إللى أن نشلأت الحاللة الثنائيلة بينلي وبيلن نسليم بفضلل‬
‫المرحوم أبو القعقاع‪.‬‬
‫مللن‬
‫في بداية العلقة كنت مأخوذا ً بأمر واحللد فقللط ‪ ..‬أن يكللون لللديّ َ‬
‫أحادُِثه!‪.‬‬
‫كان طبيعيا ً أن أندفع وبقوة نحو هذا الشخص الللذي ارتضللى بعللد أكللثر‬
‫مللن عشللر سللنوات مللن القطيعللة التامللة أن يحللادثني ويجلللس علللى‬
‫فراشي‪ ،‬ثم يدعوني للجلوس علللى فراشلله!‪ ..‬عللاودني الشللعور بللأني‬
‫إنسان ذو كيان يحترمه البعض‪ ،‬يحلترم شخصله ويحلترم عقلله ورأيله‪،‬‬
‫وكان هذا يمكن أن يتحقق مع أي شخص هنا يرفض مقاطعتي ويملللك‬
‫عقل ً منفتحا ً ولو بحدوده الدنيا‪.‬‬
‫لكن نسيم أكثر من ذلك بكثير‪ .‬نسيم أكبر مللن كللل أحلمللي وأمنيللاتي‬
‫بشخص ينتشلللني ممللا أنللا فيلله‪ ،‬بسللاطته ورقتلله جعلنللي أراه أمللامي‬

‫‪168‬‬

‫ساطعا ً نقيا ً كسطوع صفحة بيضاء تحت أنوار قوية‪ ،‬دخللل إلللى روحللي‬
‫خلل أيام قليلة‪ ،‬صهرها‪ ،‬سحنها‪ ،‬عجنها بروحه وجسده‪ ،‬اتحد بها!!‪ ..‬و‬
‫ت‪ ..‬ذعرت‪ ..‬ذعرت!!‪.‬‬
‫ذعر ُ‬
‫من أنا؟!‪ ..‬هل أنا أنا؟!‪ ..‬وإلى أين؟؟‪.‬‬
‫في بلدي وفي فرنسا عرفت الكثير من النساء‪ ،‬بعضهن عللابرات‪ ..‬قللد‬
‫ل أتذكر ملمحهن الن‪ ،‬والبعللض القل ّ‬
‫ل حفللرن فللي الوجللدان أثلملا ً ل‬
‫تمحى!‪.‬‬
‫ي‪ ،‬ولم يحدث أبدا ً‬
‫كنت في هذه العلقات طبيعيا ً جدًا‪ ،‬كأي إنسان عاد ّ‬
‫خلل كل الماضي أن كانت للي أي ممارسللات غيلر طبيعيلة أو شللاذة‪،‬‬
‫ولم ألحظ على نفسي أية ميول لممارسات جنسللية غيللر الممارسللات‬
‫العادية بين الرجل والمرأة‪ ،‬كما للم ألحلظ أبلدا ً أيلة ميلول مثليلة نحلو‬
‫الجنس المشابه‪ ،‬ل بل على العكس كنت أنفر منهللا نفسلليا ً حللتى فللي‬
‫فللترة المراهقللة الللتي يحللدث فيهللا أن يللداعب المراهقللون بعضللهم‬
‫مداعبات شتى ذات طابع جنسي‪ ،‬لم أتعللرض أنللا ‪ -‬وقللد يكللون بحكللم‬
‫بعض ظروفي الموضوعية ‪ -‬إلى أية تجارب من هذا النوع‪.‬‬
‫ولكن الن‪ ..‬الن ماذا يجري لي؟!‪ ..‬وماذا يمكللن أن تكللون نهايللة هللذا‬
‫المر؟‪.‬‬
‫ما أشعر به تجاه نسيم من عواطف ملتهبة لم أشعر به أبدا ً حيللال أيللة‬
‫ة‪ ،‬نتحلادث‪ ،‬نلعلب‪ ،‬نأكلل‪..‬‬
‫املرأة عرفتهلا فلي حيلاتي!‪ ..‬نجللس سلوي ً‬
‫طوال ساعات الستيقاظ‪ ،‬ينام إلى جانبي ونتابع أحاديثنا بصوت خافت‬
‫ونحن مستلقيان‪ .‬نحن‪ ،‬الثنين‪ ،‬مع بعضنا البعض طوال اليللوم‪ ..‬ورغللم‬
‫ذلك أظل مشتاقا ً إليه وبشدة!‪.‬‬
‫يغادرني أوقاتا ً قليلة‪ ،‬كأن يذهب إلللى المرحللاض أو يللذهب للغتسللال‪،‬‬
‫فتبقى عيوني معلقة على باب المغاسل الحجري إلللى أن يعللود‪ ،‬ومللن‬
‫هناك يبادلني البتسام‪ ،‬فأرتاح‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫ل أدري شيئا ً عن مشاعره‪ ،‬عواطفه‪ ،‬تفكيره في هذا الموضللوع‪ ،‬لكللن‬
‫اندفاعه نحوي في هذه العلقة الحميميللة وتللرداده الللدائم لعبللارة أنللي‬
‫"توأم روحه" كلها أمور تنبئ بأنه إما أنلله يعيللش نفللس حللالتي‪ ،‬أو أنلله‬
‫بمنتهى البراءة‪.‬‬
‫كفتا الميزان في علقتنا في الساس متفاوتة‪ ،‬هللو رقيللق جللدًا‪ ،‬وحللتى‬
‫على صعيد الشكل تقاسيمه ناعمة بها شيء من النوثة‪ .‬وأنللا متجهللم‪،‬‬
‫ث وتقاسيم حادة قاسية‪ .‬ومع تطور العلقة بيننا ازددت قوة‬
‫ذو شعر ك ّ‬
‫ورجولة بينما شاَبت حركاِته بعض النعومة والليونة‪ ..‬وأحيانا ً الدلع‪.‬‬
‫أعيش الن صراعا ً نفسيا ً رهيبا ً بين عقلللي ومحاكملاته القاسللية‪ ،‬وبيلن‬
‫عواطفي وميولي الطارئة التي أحسها أحيان لا ً أنهللا ل تسللتجيب لوامللر‬
‫العقل ونواهيه وروادعه‪.‬‬
‫م؟‪ ..‬ما هللي الفللائدة؟ أليللس‬
‫هل أناقش المر معه بصراحة؟‪ ..‬ولكن ل َ‬
‫ن سببا ً في تحطيم علقة الصداقة الرائعة هذه؟!‪.‬‬
‫هذا قد يكو ُ‬
‫مللى الحللديث أو اللعللب أن‬
‫الملمسات بيننا‪ ..‬يحدث أحيانا ً ونحن في ُ‬
‫ح ّ‬
‫أمس َ‬
‫ك يده فأشعَر براحة ومتعة غريبتين!!‪ ..‬أبقى ممسكا ً بها أكثر مما‬
‫يستوجبه الموقف!!‪.‬‬
‫ت إلللى المهجللع مجللددًا‪ ،‬أرقللب وأفسللر هللذه العلقللات الثنائيللة‬
‫ألتفِ ل ُ‬
‫المنتشرة‪ ،‬ولكن بعيون جديدة‪ ،‬عيون فاحصة تحاول أن تثقللب الجللدار‬
‫الخارجي السميك لكل واحدة من هذه العلقللات‪ ،‬ثللم تسللبر مللا تحللت‬
‫الجدار ذاك!‪ ..‬لم أتوصل إلللى أيللة معلومللة أو نتيجللة مفيللدة فللي هللذا‬
‫الشأن‪ ..‬كل العلقات ظاهرها بريء‪.‬‬
‫ت ‪ ..‬خفت كثيرًا‪.‬‬
‫و ِ‬
‫خف ُ‬
‫هل يمكن أن تكون مفاعيل السجن وتأثيراته قد غّيرت بنيتي النفسللية‬
‫بحيث تجعلني أسيُر في هذا التجاه؟ لكللن عقلللي يرفللض ذلللك رفضلا ً‬
‫باتًا‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫وخوفي الشديد‪ ..‬هل يمكن أن يكون دللة صللحة إذا كللانت مشللاعري‬
‫وعواطفي دللة مرض؟!‪.‬‬
‫ولكن ‪ ..‬هل هذا كله وهم؟ أل يمكن أني أعطي الموضوع حجمللا ً أكللبر‬
‫من حجمه الحقيقي؟ لماذا ل أدع المور تسير سيرا ً طبيعيللًا؟‪ ..‬وليكللن‬
‫ما يكون‪.‬‬
‫هذا الدمار الكامل والشامل للنسان‪ ،‬هذا الموت اليومي المعمللم‪ ..‬أل‬
‫يدفع إلى الجنون أو إلى أكثر التصرفات والسلوكيات جنونا ً وغرابة؟!‪.‬‬
‫تتجمع في حلقي بصقة كبيرة‪ ..‬إلى أين أقذفها؟‪ ..‬بوجه من؟‪.‬‬
‫‪ 24‬شككككبككاط‬
‫مؤخرا ً انتبهت إلى أمر آخر‪ ،‬فبدل ً من أن تساهم علقتي مع نسيم في‬
‫إخراجي من قوقعتي‪ ،‬قمت أنا بإدخاله إلى القوقعة‪.‬‬
‫بقي المهجع على موقفه منللي‪ ،‬وهللو المقاطعللة‪ .‬صللحيح أنهللا لللم تعللد‬
‫مقاطعة عدائية خطرة‪ ،‬لكنها أصللبحت مقاطعللة سلللبية بللادرة‪ ،‬وشلليئا ً‬
‫فشيئا ً ومع اقتصار علقتي على نسيم فقط‪ ،‬انسحب موقف المقاطعة‬
‫عليه أيضًا‪ ،‬بعض المتزمللتين اتهمنلي بلأنني أفسلدت نسليم فلي دينله‪،‬‬
‫وغير بعيد أن نسيم قد أصبح ملحدا ً أيضلًا‪ ،‬ودللللوا علللى ذللك بانقطلاع‬
‫نسليم عنهلم وقضلائه كلل اللوقت عنلدي يتحلدث معلي بلغلة الكفلار‪،‬‬
‫ت نسلليم إلللى هللذا‬
‫ونتلهى بالشطرنج بدل ً من ذكر الللله‪ ..‬وعنللدما نبه ل ُ‬
‫المر قال‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫مع ألف جهنم‪ ،‬من قبل مللا يرفضللوني هللم‪ ،‬أنللا مللن اللداخل‬

‫كنت رافضهم‪.‬‬
‫واستفاض بالحديث وتبين لي أنه ل يحبهم‪ ،‬وفي بعض الحيان عب َّر عن‬
‫اشمئزازه منهم‪ ،‬ووصللف بعللض تصللرفاتهم بللالتخلف والجهللل وأحيانلا ً‬
‫بالوضاعة‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫كنت أعتقد أن إنسانا ً مثل نسيم‪" ،‬شفافا ً وصافيًا‪ ،‬فنان لا ً صللادقًا‪ ،‬طيب لا ً‬
‫إلى أبعد الحدود"‬

‫ل يمكن أن يعللرف الكللره‪ ،‬ولكللن مللن أحللاديثه‬

‫عنهم كنت ألمس أحيانا ً بعض شذرات كراهية مترسللبة فللي أعمللاقه‪..‬‬
‫ف أو يدافع‪ ،‬قال‪:‬‬
‫صارحته بملحظتي‪ ،‬فلم ين ِ‬
‫ ل أعرف‪ ..‬النسان ل ينتبه على حاله‪ ..‬ممكللن يكللون أسللاس هللذه‬‫الكراهية أخوي‪ ..‬يعني "زميلهم"!‪.‬‬
‫نسيم دائم الندهاش يرى أمرا ً أو حدثا ً يتكرر أمامه مئات المرات لكنه‬
‫في كل مرة يبدي نفس القدر من الدهشة والستغراب‪ ،‬وإذا كان أمرا ً‬
‫يرفضه يبدي نفس القدر من الحتجاج والستنكار‪.‬‬
‫أهللم مللا يميللزه هللو ذكللاؤه ورقتلله‪ ،‬هللذه الرقللة اللمتناهيللة‪ ،‬والرهافللة‬
‫الرستقراطية‪.‬‬
‫الن مضى على نسيم ثلثة أيام ل يأكللل رغللم كللل محللاولتي لجبللاره‬
‫على الكل‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫في مهجعنا عائلتان‪ ،‬العائلة الولى تتألف من أربعة أخللوة‪ ،‬أمللا العائلللة‬
‫الثانية فهي تتألف من أب وثلثة أبناء‪.‬‬
‫عند بداية الحداث بين الحركة الدينية والسلطة‪ ،‬وبدء حملت العتقال‬
‫الواسللعة‪ ،‬اسللتطاع البنللاء الثلثللة وهللم جميع لا ً من ّ‬
‫ظمللون‪ ،‬اسللتطاعوا‬
‫الفرار والتواري عن النظار‪ ،‬وعند مداهمة المنلزل وجلد رجلال المللن‬
‫والد الفاّرين وحيدًا‪ ،‬اقتادوه معهم إللى فلرع المخلابرات‪ ،‬وهنلاك ظلل‬
‫الب أكثر من شهرين رهن التحقيق‪ ،‬يريدون منه أن يدلهم على مكان‬
‫تواجد أولده‪ ،‬وهو حقيقة لم يكن يعللرف‪ .‬وبعللد شللهرين أرسلللوه إلللى‬
‫العاصمة وهناك أيضا ً حققوا معه لكن دون جدوى‪ ،‬أخيرا ً سئم الضللابط‬

‫‪172‬‬

‫منه وقال له إنهم سلليبقونه فللي السللجن رهينللة إلللى أن يسلّلم أولُده‬
‫سهم للمن‪.‬‬
‫أنف َ‬
‫بقي الب إلى جانب الكثيرين من أمثاله والذين كان السجناء يطلقون‬
‫عليهم على سبيل المزاح اسم "تنظيم الرهائن" أو "حزب الرهائن"‪.‬‬
‫بقي الب عدة شهور في العاصمة‪ .‬بعدها تم ترحيله مع الخريللن إلللى‬
‫السللجن الصللحراوي‪ ،‬عنللدما ضللاقت سللجون وفللروع المخللابرات فللي‬
‫العاصمة‪.‬‬
‫بعد ثلثة أعوام من بدء اعتقال الب‪ ،‬أصبح جميللع أبنللائه فللي السللجن‬
‫الصحراوي‪ ،‬تللم اعتقللالهم واحللدا ً إثللر الخللر‪ ،‬وفللي النهايللة ومللن خلل‬
‫رسائل المورس عرفوا مواقع بعضهم‪ ،‬ورغم اعتقال الخوة الثلثة لللم‬
‫يتم إطلق سراح الب‪.‬‬
‫بعد ثلثة أعوام أخرى جاء دور قضيتهم لتنظر فيها المحكمة الميدانية‪.‬‬
‫كان هناك أكثر من خمسين شخصا ً سيحاكمون في ذلك اليوم‪.‬‬
‫صفا ً رباعيا ً جالسون على الرض‪ ،‬وكل واحد منهم عليه أن يشبك يديه‬
‫فوق رأسه ورأسه بين ركبتيه والعين مغمضة‪.‬‬
‫المحكمة تناديهم بالسماء‪ ،‬من يذاع اسمه يقفز ويصلليح حاضللر‪ ،‬وفللي‬
‫أقل من ثانية يجب أن يكون أمام هيئة المحكمة‪ ..‬وفي أقل من دقيقة‬
‫أو دقيقتين تتم محاكمته!!‪ ..‬وفي أقل من ثانيللة أخللرى عليلله أن يعللود‬
‫جلسته!‪.‬‬
‫إلى مكانه و ِ‬
‫ضللهم البعللض‬
‫فللي هللذا الجللو‪ ،‬ورغللم كللل شلليء رأى الب والخللوة بع َ‬
‫وتبادلوا التحيات فيما بينهم عن طريق التسلسل‪ ،‬ثم نودي عليهم فردا ً‬
‫فردًا‪.‬‬
‫بعد أن انتهللت محللاكمتهم يبلدو أن أحللد الضللباط قللد لحللظ وانتبلله أن‬
‫الكنية واحدة للربعة‪ ،‬فطلبت هيئة المحكمة من الشرطة إدخللال الب‬
‫وأبنائه‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫كانت هيئة المحكمة المؤلفة من ثلثة ضباط في حالة استرخاء ومعهم‬
‫مدير السجن قد توزعوا في أرجاء الغرفة حول المدفأة المتوهجة‪ ،‬جو‬
‫الغرفة حار نسبيًا‪ ،‬يشربون القهوة ويدخنون ويتبللادلون النكللات‪ ،‬وفللي‬
‫اللحظة التي دخل فيها الربعة إلى الغرفللة كللان مللدير السللجن يللروي‬
‫لهم نكته‪ ،‬فوقف الربعة عند بللاب الغرفللة المغلللق ِوقفللة تصللاغر‪ ،‬لللم‬
‫ي ُعِْرهم أيّ من الحاضرين اهتمامًا‪ ،‬ضحكوا بشدة‪ ..‬تبللادلوا التعليقللات‪..‬‬
‫ت أحد الضباط وأمعن النظللر بالشللخاص الربعللة‪،‬‬
‫بعد بضع دقائق التف َ‬
‫كان جو المرح لزال سائدًا‪ ،‬توجه بالحديث للب‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫شللو يللا حجللي‪ ..‬إنتللو كنيتكللم واحللدة‪ ..‬إنتللوا بتقربللوا‬

‫بعضكم شي؟‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫نعم يا سيدي نعم‪ ..‬هدول أولدي وأنا أبوهم‪.‬‬

‫استلم دفة الحديث ضابط آخر‪..‬‬

‫‪-‬‬

‫قول لي يا حجي ‪ ..‬في عندك أولد غير هدول؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ن كل أولدي‪.‬‬
‫ل والله يا سيدي ‪ ..‬هدول هِن ّ ْ‬

‫‪-‬‬

‫يعني العائلة كلها مجرمين وعملء‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ل والله يا سيدي‪ ..‬نحن ناس على قد حالنللا‪ ..‬وحسللبنا‬

‫الله ونعم الوكيل‪.‬‬
‫تدخل مدير السجن‪ ،‬فسأل الب‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫قديش عمرك إنت‪ ..‬وَْل؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫و الله بالضبط ما بعرف يا سلليدي‪ ..‬بللس يمكللن صللار‬

‫فوق السبعين‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫فوق السبعين وباقي عندك حيل وعندك قللوة تضللرب‬

‫وتقتل؟!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي ‪ ..‬الله وكيلك ل قتلنا ول ضربنا ‪ ..‬بللس النللار‬

‫مرت من جنبنا قامت حرقتنا نحن كمان‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫‪-‬‬

‫و الله مانك سهل يا ختيار النحس‪ ..‬قللديش صللار لللك‬

‫بالحبس‪ ..‬وَْل؟‬
‫‪-‬‬

‫و الله يا سيدي ‪ ....‬صار يمكن ‪ ....‬ست سبع سنين‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ...‬بهـ السنين ‪ ...‬ما عم تشتاق لمرتك؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫هل ل الشللي‪ ..‬مللا‬
‫يا سيدي‪ ..‬النسان بعمري‪ ..‬وبعد كل َ‬

‫يطلب غير حسن الختام‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب هاي فهمناها‪ ..‬بس غيللر شللي‪ ..‬غيللر شللي‪ ..‬مللا‬

‫بتحس إّنه ناقصك شي شغلة؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إي والله يا سيدي‪ ..‬أنا صللرت زلمللة كللبير‪ ..‬وحركللتي‬

‫صللعبة كللتير‪ ..‬لللو تحطللولي أولدي معللي يخللدموني‪ ..‬بتكونللوا‬
‫ضلتوا على راسي‪.‬‬
‫ف ّ‬
‫وقتها أمر مدير السجن أن ُينقل أولُده إلى مهجعه‪.‬‬
‫عاد عضو المحكمة بعد ذلك لتوجيه الحديث‪ ،‬خاطب الب‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫شوف يا حجي‪ ..‬شو تتوقع يكون حكمكم؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي‪ ..‬رحمة الللله واسللعة‪ ،‬وإنتللوا دائملا ً بتحكمللوا‬

‫بالعدل!!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب اسمعني‪ ..‬إنتللو أربعللة أشللخاص عائلللة واحللدة‪..‬‬

‫ونحن حكمنا علللى ثلثللة منكللم بالعللدام‪ ..‬وهلللق‪ ..‬إنللت بللدك‬
‫تختار مين لزم ينعدم ومين الواحد ي َّلي لزم يعيش‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ول عمرك يا سلليدي‪ ..‬و يطللول عمللر أولدك‪..‬‬
‫الله يط ّ‬

‫إذا كللان الموضللوع هيللك فـلللِزم أسللعد يعيللش‪ ،‬ونحللن الثلثللة‬
‫يدّبرها الله!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ومين أسعد؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وي أسعد‪ ..‬مخدومك ويبوس إيدك يا سيدي‪.‬‬
‫هذا ه ّ‬

‫‪175‬‬

‫‪-‬‬

‫ليش اخترت أسعد يا حجي؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي أنا زلمة كلبير أكللت عملري‪ ،‬وسلعد وسلعيد‬

‫مللن خلل ّللف مللا مللات‪ ،‬أمللا‬
‫متجوزين من زمان وخّلفللوا أولد‪ ،‬و َ‬
‫أسعد بعدو صغير ومانو متجوز وبعدو بزهرة شبابو‪ ..‬و الزهرة‬
‫حرام تنقطف‪ ..‬مو هيك يا سيدي؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إي حجي إي‪ ..‬هيك‪ ..‬يا شللرطي‪ ..‬يللا شللرطي‪ ..‬تعللال‬

‫ح ّ‬
‫طهم بمهجع واحد‪.‬‬
‫جع َ‬
‫هل الجماعة و ُ‬
‫ر ّ‬
‫عاد جميع أفراد العائلة إلى مهجعنا‪.‬‬
‫هللذه القصللة‪ ..‬هللذا الحللوار‪ ..‬سللمعته خلل سللنتين عشللرات الملرات‪،‬‬
‫ولكن منذ خمسللة أيلام‬

‫‪ -‬وكللان أحللد أيللام الخميللس ‪ -‬ورَدت لئحللة‬

‫العدامات وبدأ الشرطي بقراءتها‪ ،‬كان أسللماء الللذين سلليعدمون مللن‬
‫مهجعنا هم )سعد وسعيد وأسعد(‪ ،‬عندها ثار الب‪.‬‬
‫أسعد كان نائما ً عند قراءة السماء‪ ،‬قام سعد وسعيد عللن فراشلليهما‪،‬‬
‫توجها إلى فراش أسعد‪ ،‬أيقظللاه‪ ،‬كانللا يناديللانه باسللمه‪ ،‬عنللدما ينللاديه‬
‫سعد يسكت سعيد ثم يناديه سعيد فيسكت سعد‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أسعد ‪ ..‬يا خاي ‪ ..‬أسعد ‪ ..‬فيق ‪ ..‬قوم ‪ ..‬يا خاي قللوم‬

‫من ّلله مهللرب ‪ ..‬يللا أسللعد ‪ ..‬يللا‬
‫‪ ..‬أسعد ‪ ..‬قوم ‪ ..‬أمر الله ومللا ِ‬
‫خاي‪.‬‬
‫ظ أسعد‪ ،‬ونظر إلى أخويه علللى جللانبي فراشلله‪ ،‬اعتللدل جالسلا ً‬
‫استيق َ‬
‫وهو ينظر إليهما نظرة ملؤها الستفهام‪ ،‬وسألهما‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫شو؟ ‪ ..‬شو في يا خاي؟ ‪ ..‬شو صار؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ملا فلي شللي ‪ ....‬بلس قلوم ‪ ....‬فيلق ‪ ....‬لزم نقلوم‬

‫نتغسل ونتوضا ونصلي‪ ،‬بعدين لزم نوّدع ناس‪.‬‬
‫تجمدت قسمات أسعد للحظات‪ ،‬ثم نظر إلى أخويه وسأل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا كمان معكم؟‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪ ..‬إنت كمان معنا!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ل حول ول قوة إل بالله ‪ ..‬حسبنا الله ونعم الوكيللل ‪..‬‬

‫توكلنا على الله‪.‬‬
‫ركت لهم فقط‪.‬‬
‫رغت وت ُ ِ‬
‫قام الثلثة باتجاه المغاسل التي كانت قد أف ِ‬
‫وح بيللديه‬
‫ي إلى الممر بيللن طرفللي المهجللع وهللو يلل ّ‬
‫قفز الب السبعين ّ‬
‫تلويحات عدم فهم وعدم تصديق!!‪ ..‬مشى إلى منتصف المهجع‪ ،‬وقف‬
‫تحت الشراقة التي يطل منها الحارس عادة ونظر إلى العلللى ‪ ..‬إلللى‬
‫السماء‪ ،‬وبصوت راعش ولكن قوي‪..‬‬

‫‪-‬‬

‫يا رب ‪ ..‬يا رب العالمين‪ ،‬أنا قضيت عمري كّله صللايم‬

‫مصلي وعم أعبدك‪،‬‬

‫دي أكفللر ‪ ..‬حاشللا لللله‬
‫يا رب أنللا مللا ب ل ّ‬

‫وأستغفر الله العظيم ‪ ..‬بس بللدي اسللأل سللؤال واحللد‪ :‬ليللش‬
‫ب إللى الصللراخ وهللو يلتفللت إللى‬
‫هيك؟ ‪"..‬وبصو ٍ‬
‫ل أقلر َ‬
‫ت علا ٍ‬
‫الناس" ‪ ..‬ولك ليش هيك؟؟ يا رب العللالمين ‪ ..‬ليللش هيللك؟؟‬
‫أنت القلوي ‪ ..‬أنلت الجبلار! ‪ ..‬ليلش علم تلترك هـل الظلالمين‬
‫ن الللله‬
‫يفظعوا فينا ‪ ..‬ليش؟ ‪ ..‬شو بدك تقللول؟ بللدك تقللول إ ّ‬
‫جع من أولدي؟‬
‫ده ير ّ‬
‫ُيمهل ول ُيهمل؟ ‪ ..‬طيب هـ الكلم مين ب ّ‬
‫‪ ..‬يا الله ‪ ...‬إنت ترضى إّنه أسعد ابن الخمس وعشرين سللنة‬
‫ينعدم على أيدي هـ الظ ُ ّ‬
‫لم؟! قّلي ‪ ..‬جاوبني ‪ ..‬ليش ساكت ‪..‬‬
‫إنت ‪ ..‬إنت ‪ ..‬أستغفر الله العظيم أستغفر الله العظيللم ‪ ...‬يللا‬
‫رب ‪ ...‬لللو كللان عنللدك ثلثللة أولد وراح يروحللوا عـ ل العللدام‬
‫بلحظة واحدة ‪ ..‬شللو كنللت تعمللل؟ ‪ ..‬هللاه؟ ‪ ..‬طيللب جللاوبني‬
‫هل السؤال الصغير بللس ‪ ..‬إنللت ‪ ..‬رب العللالمين ‪ ..‬معنللا‬
‫على َ‬
‫نحن وّل مع هـل الظللالمين؟!‪ ..‬لحللد الن كللل شللي يقللول إنللك‬
‫معهم ‪ ..‬مع الظالمين!!‪ ..‬أستغفر الللله ‪ ...‬أسللتغفر الللله ‪ ..‬يللا‬
‫جلع للي أسلعد‪ ،‬ل‬
‫رب ‪ ..‬بعزتك وجللك ‪ ..‬بلس أسلعد‪ ،‬بلس ر ّ‬

‫‪177‬‬

‫دي أسعد بس ‪ ..‬وإنللت‬
‫م قُّلك الثلثة‪ ،‬ب ّ‬
‫تخّليه يموت ‪ ..‬أنا ما عَ ْ‬
‫قادر على كل شي!‪.‬‬
‫السكون والوجوم يخيمان على المهجع‪ ،‬أبو سعد سللكت أيض لًا‪ ،‬جلللس‬
‫على الرض ووضع رأسه بين يديه‪ ،‬بعد قليل رجع الخوة الثلثة‪ ،‬ص لّلوا‬
‫آخر صلة لهم وبدؤوا بتوديع الناس‪ ،‬أبللو سللعد لللم يتحللرك مللن مكللانه‬
‫ولزال رأسه بين يديه‪ ،‬انتهى الخوة مللن وداع النللاس‪ ،‬جللاؤوا ووقفللوا‬
‫رقًا‪ ،‬جلسوا حوله ‪ ..‬سأله سعد‪:‬‬
‫أمام الب الذي لزال مط ِ‬

‫‪-‬‬

‫أبللي ‪ ...‬يللا أبللي ‪ ...‬مللا بللدك توّدعنللا؟ ‪ ...‬أبللي الللله‬

‫يخليك ‪ ...‬ل تحرق قلبنا بآخر عمرنا ‪ ...‬أبوس أيدك يا بو ‪...‬‬
‫رفع الب رأسه‪ ،‬شللملهم بنظللرة ذاهلللة حارقللة‪ ،‬رفللع يلديه باتجللاههم‪،‬‬
‫ي‬
‫التقط أولُده اليدين وأخذوا بتقبيلهما ‪ ...‬وأجهش الربعة ببكاٍء فجائع ّ‬
‫م البكاُء المهجعَ كّله ‪ ...‬أخذ الرجال جميعا ً ينشجون ويشهقون ‪...‬‬
‫‪ ...‬ع ّ‬
‫ي عاليلًا‪ ،‬وقللف أبللو حسللين فللي‬
‫ارتفللع صللوت نشلليج الرجللال الجمللاع ّ‬
‫منتصف المهجلع‪ ،‬وبكلم تقطعلله شللهقات البكللاء المتتاليللة أخللذ يرجللو‬
‫الجميع أن يخفضوا أصواتهم‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫من شان الله يا إخوان ‪ ...‬هلق ‪ ...‬نكون بشي بنصللير‬

‫بشي ‪ ...‬وطـوا الصوت يا شباب ‪ ..‬من شان الله يا شباب‪.‬‬
‫م الثلثللة بيللديه‪ ،‬ألقللى‬
‫سحب الب يديه من أيدي أبنائه وحاول أن يض ل ّ‬
‫سهم في حضن الب‪ ،‬تجمعت الرؤوس الثلثللة علللى صللدره‪،‬‬
‫البناُء أنف َ‬
‫وضع الب يديه على رؤوسللهم وقللد أغمللض الجميللع عيللونهم ولزالللت‬
‫دموعهم تسيل ولكن بصمت‪.‬‬
‫مرة أخرى بدأ المهجع يهدأ‪ ،‬مسللحنا دموعنللا جميع لا ً ونحللن شاخصللون‬
‫بأبصارنا نحللو الب وأولده‪ ،‬رفللع الب رأسلله قلي ً‬
‫ل‪ ،‬مسللح بيللديه علللى‬
‫الرؤوس الحليقة‪ ،‬حوّ َ‬
‫ل عينيه إلى الناس المحدقين به وبصللوت هللادئ‬
‫ولكنه قوي بدأ الكلم كمن يخاطب نفسه‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪178‬‬

‫‪-‬‬

‫هذا أمر الله ‪ ..‬أمر الله ما منه مهرب ‪ ..‬إنللا لللله وإنللا‬

‫اليه راجعون ‪ ..‬معليش ‪..‬‬

‫ل تخللافوا ‪ ..‬يللا ابنللي ل تخللافوا ‪..‬‬

‫خليكم سباع ‪ ..‬قلبي وقلب أمكم معاكم ‪ ..‬الله يرضى عليكللم‬
‫دنيا آخرة‪ ..‬رضا الله ورضاي معكم ‪ ..‬هذا الموت كاس ‪ ..‬نعم‬
‫كاس ‪ ..‬كل الناس بدها تشرب منه ‪...‬‬
‫سكت قلي ً‬
‫ت إلى الناس واستأنف حديثه‪:‬‬
‫ل‪ ،‬التف َ‬

‫‪-‬‬

‫لللك بللس ليللش؟‪ ..‬ليللش أولدي أنللا ‪ ..‬ليللش؟‪ ..‬يللا‬

‫جماعة ‪ ..‬يا ناس هدول أولدي ‪..‬‬

‫ما عنللدي غيرهللم ‪ ..‬آخ ‪..‬‬

‫آخ ‪ ..‬الله وكيلكم ما عندي غيرهم ‪ ..‬آخ يا أسعد ‪ ..‬آخ ‪ ..‬ولللك‬
‫يا جماعة يا ناس ‪ ..‬لك حدا منكم شاف هيك شللوفة ‪ ..‬أولدي‬
‫كلهللم قللدامي راح يتعلقللوا عـ ل المشللانق!!‪ ..‬ولللك شللي حللدا‬
‫يخبرني ‪ ..‬احكوا يا نللاس ‪ ..‬ليللش ‪ ..‬ليللش أنللا وأولدي ‪ ..‬شللو‬
‫عملت من الذنوب تحت قبة الله حتى يجازيني هيك جللزاء؟!‪..‬‬
‫آه يللا ابنللي آه ‪ ..‬يللا ريتنللي متللت مللن زمللان ول شللفت هيللك‬
‫شوفه!‪ ..‬ياريت متت ول عشللت هيللك يللوم!! ‪ ..‬آخ ‪ ..‬يللا ربللي‬
‫آخ ‪ ..‬ليش ‪ ..‬ليش ‪ ..‬ليش ‪ ..‬؟؟‪.‬‬
‫تقدم ثلثلة ملن كبلار السلن إللى حيلث جلسلت العائللة فلي منتصلف‬
‫المهجع‪ ،‬أمسكوا بالب من تحت إبطيه وأنهضوه‪ ،‬تناوبوا على الحللديث‬
‫وون عزيمته‪ ،‬يذكرونه بضرورة اليمان بحكمللة الللله أمللام أشللد‬
‫معه يق ّ‬
‫المصائب هو ً‬
‫ل‪ ،‬سحبوه بهدوء إلى فراشه‪.‬‬
‫في اللحظة التي جلس بها على الفراش قرقع مفتاح الباب ‪ ..‬انتفللض‬
‫الب واقفًا‪ ،‬أمسكه الرجال وثبتللوه مكللانه يرجللونه الهللدوء‪ .‬لللدى فتللح‬
‫البللاب وقللف جميللع النللاس فللي المهجللع‪ ،‬سللار الخللوة الثلثللة باتجللاه‬
‫الخروج وعناصر الشرطة يصرخون طالبين منهم السراع ‪ ..‬لكن عنللد‬

‫‪179‬‬

‫وصولهم إلى الباب توقفوا والتفتوا‪ ،‬توقفت نظراتهللم لثللانيتين أو ثلث‬
‫ب وراءهم!‪.‬‬
‫على والدهم‪ ،‬ثم خرجوا وأغِلق البا ُ‬
‫ي‬
‫أفل َ‬
‫ت الب نفسه من قبضة الرجال وركللض برشللاقة شللاب عشللرين ّ‬
‫يداه ممدودتان إلى المام باتجاه الباب ‪ ..‬وهو يلهث‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أولدي ‪ ..‬يا جماعة أولدي ‪ ..‬ولك يا أسعد ‪ ..‬رجللاع ‪..‬‬

‫رجاع!!‪ ..‬ولك أكيد في غلط ‪ ..‬ولك يا ابني رجاع ‪ ..‬خليني أنللا‬
‫حلـك!!‪.‬‬
‫م َ‬
‫روح َ‬
‫اعترضه أبو حسين محتضنا ً إياه‪ ،‬أحاطته يداه بقوة‪ ،‬وتعاون مع الرجال‬
‫الخرين لعادته إلى مكانه برفق ‪ ..‬أجلسللوه وجلسللوا حللوله يواسللونه‬
‫وهو شاخص بأنظاره إلى الباب‪.‬‬
‫منذ أن خللرج الخللوة الثلثللة ونسلليم ملتصللق بللالثقب يراقللب‪ ،‬ينشللج‪،‬‬
‫يمسح دموعه التي لم تتوقف!‪.‬‬
‫نهض الب من جديد‪ ،‬حاول البعض منعلله لكللن أبللو حسللين أشللار لهللم‬
‫بيده أن يتركوه وأوعز إلى اثنيلن ملن الشلباب أن يقفلوا قلرب البلاب‬
‫تحسبا ً ‪ ..‬وعندما ابتعد الب عن المجموعة قال أبو حسين‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫اتركوه ‪ ..‬اتركوه يا جماعة ‪ ،‬قلبه محروق ‪ ..‬الله يعينه‬

‫ده‪ ،‬بس ل تخّلوه يقرب علللى‬
‫ويصبره ‪ ..‬اتركوه يعمل شو ما ب ّ‬
‫الباب‪ ،‬مصيبته كبيرة وبدها جبللال حللتى تتحملهللا!‪..‬ل حللول ول‬
‫قوة إل بالله‪.‬‬
‫أخذ الب يسير سيرا ً سريعا ً وسط المهجع‪ ،‬من أوله إلى آخره‪ ،‬يتمتللم‬
‫كلما ً غير مفهللوم‪ ،‬يؤشللر بيللديه فللي جميللع التجاهللات‪ ،‬وعنللدما يصللل‬
‫بمشيته أملام فراشلي كللان يتلكلأ قليل ً ‪ ..‬ينظللر إلللى نسلليم الملتصللق‬
‫بالثقب‪ ،‬ثم يعاود المشي‪.‬‬
‫أبو حسين جلس إلى جانب نسلليم يسلأله عملا يجلري عنلد المشلانق‪،‬‬
‫ي وكنللت جالس لا ً خلللف نسلليم كللأنه‬
‫نسيم ل يجيب‪ ،‬نظر أبو حسين إل ل ّ‬

‫‪180‬‬

‫يطلب مني أن أتدخل‪ ،‬وضعت يدي على كتف نسلليم وطلبللت منلله أن‬
‫يتراجع قليل ليتيح لبللو حسللين أن ينظللر مللن الثقللب‪ ،‬لكللن نسلليم لللم‬
‫يتزحزح وأزاح يدي عن كتفه بعصبية!‪ ..‬كللانت يللده ترتجللف‪ ،‬فللي هللذه‬
‫ي ثم جثا على ركبتيه أمللامي‪،‬‬
‫اللحظة وقف الب أمام فراشي‪ ،‬نظر إل ّ‬
‫قال متضرعًا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫خلوني شوفهم ‪ ..‬من شان الله ‪ ..‬من شان محمللد ‪..‬‬

‫دعهم‪.‬‬
‫يا ناس خلوني شوف أولدي ‪ ..‬خلوني وَ ّ‬
‫أمسكه أبو حسين من يده‪ ،‬أنهضه‪ ،‬ماشاهُ وسط المهجع طالبا ً منه أن‬
‫يوك ِ َ‬
‫ل أمره إلى الله‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ابكي ‪ ..‬ابكي يا حجي ‪ ..‬ابكي ‪ ..‬و ّ‬
‫كل الله‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أبو حسللين ‪ ..‬يللا أبللو حسللين ‪ ..‬شللو بللدي أبكللي؟‪..‬‬

‫دموع؟‪ ..‬وّل دم؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫الله يصّبرك ‪ ..‬ويصّبرنا‪ ،‬إنللا لللله وإنللا إليلله راجعللون ‪..‬‬

‫الله أعطى ‪ ..‬الله أخذ‪.‬‬
‫بقي أبللو حسللين يسللير مللع الب أكللثر مللن سللاعة‪ ،‬الجميللع يسللمعون‬
‫الحديث‪ ،‬شيئا فشيئا بللدأ الب يتماسللك أكللثر‪ ،‬إللى اللحظللة الللتي أدار‬
‫فيها نسيم رأسه ونظر إلى الداخل وقد استند بظهره إلى الحائط‪ ،‬بدا‬
‫متهالكا ً ونظرته زائغة ل تعبر عن شيء‪ ،‬عندها عرف الجميع أن المللر‬
‫قد انتهى‪.‬‬
‫ت بإغلق الثقب أمام نظرات الب الذي توقف عن المشي وهو‬
‫أسرع ُ‬
‫ينظر إلى نسيم نظرة هلع‪ ،‬ثم وضع يده وصاح بصوت حارق‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا ولداه‪.!!..‬‬

‫انهللار أرضلا ً بيللن يللديّ أبللو حسللين‪ ،‬تعللاون بعللض الشللباب لنقللله إلللى‬
‫الفراش‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫بعد قليل دار أبو حسين على الجميع فللي المهجللع عارض لا ً عليهللم أداء‬
‫صلة الجنازة جماعيا ً وعلنيًا!!‪.‬‬
‫كانت هذه الفكرة في وقللت آخللر سللتبدو ضللربا ً مللن الجنللون‪ ،‬وكللانت‬
‫دها ووافق‬
‫ستلقى معارضة شديدة من الكثير‪ ،‬لكن في هذه اللحظة أي ّ َ‬
‫عليها الجميع دون استثناء‪.‬‬
‫لول مرة منذ وجودي هنا الذي مضى عليه أكثر من أحللد عشللر عاملًا‪،‬‬
‫م أكللثر مللن ثلثمللائة شللخص فللي المهجللع وصلللوا علنيللة صلللة‬
‫انتظ ل َ‬
‫واحدة!!‪.‬‬
‫وقفت معهم في الصف الخير إلى جانب نسيم وأبو حسين الذي نظر‬
‫ي متعجبا ً مستغربًا!‪ ..‬و‪" .....‬صلـيت"‪.‬‬
‫إل ّ‬
‫عاد الجميع إلى أماكنهم‪ ،‬يتمتمون بالدعية‪ ،‬الشعور بالحزن طاٍغ‪ ،‬لكن‬
‫ن قلي ٌ‬
‫ل مللن الرضللا عللن‬
‫بعد هذه الصلة الجماعية والعلنية خالط الحز َ‬
‫الذات ‪ ..‬شعور غير مرئي بالنتصار!‪.‬‬
‫جلس نسيم على فراشه بعد الصلة‪ ،‬ومنذ تلك اللحظة وحتى الن‪ ،‬لم‬
‫يتكلم أبدا ً ‪ ..‬ولم يأكل البتة!‪.‬‬
‫‪ 1‬آب‬
‫سين من أضراس العقل‪ ،‬تخلصلت ملن أسلوأ الشلياء‬
‫اليوم قلعت ِ‬
‫ضر َ‬

‫التي يمكن أن يتعرض لها السجين هنا "آلم السنان"‪.‬‬
‫إن أبي بعقليته العسكرية الصارمة أكسبنا بعض العللادات‪ ،‬فللي البدايللة‬
‫تكون قسرًا‪ ،‬ولكن مع اليام تصبح عادة ل نستطيع التخللي عنهلا‪ ،‬ملن‬
‫هذه العادات تنظيف السنان بالفرشاة ثلث مرات يوميًا‪ ،‬وقد أدمنللت‬
‫هذه العادة إلى درجة أنه كان يستحيل علي النوم مهمللا كنللت تعب لا ً إذا‬
‫لم أنظف أسناني بالفرشاة قبل النوم‪ ،‬والن مضى سنوات طويلة لللم‬
‫أَر فيها أية فرشاة‪ ،‬ولنه حلا ُ‬
‫ل الجميلع هنلا فملن الطلبيعي أن تتخلرب‬

‫‪182‬‬

‫السنان وتبدأ المعاناة‪ ،‬فآلم السنان هي السوء بيلن كلل ملا تعرضلنا‬
‫له‪ ،‬أسوء من التعذيب والموت والعدام فهذه كلها آنية ‪ ..‬لحظية‪ ،‬أمللا‬
‫ألم السنان فيبقى ملزما ً النسان في الليل والنهار يمنعلله مللن النللوم‬
‫ول يتركه يهدأ لحظة واحدة‪.‬‬
‫رغم أن أطبللاء السللنان مللن السللجناء قللد تللدخلوا‪ ،‬ومللع نمللو الحاجللة‬
‫طوروا آلتهم ووسائلهم‪ ،‬لكنهم لم يكونوا يملكون إل علجا ً واحدا ً وهللو‬
‫القلع!‪.‬‬
‫معروف كم هو مؤلم قلع السنان عند الطللبيب‪ ..‬رغللم التخللدير ورغللم‬
‫الدوات التي يملكها الطبيب يبقى القلع مؤلملا ً ومكروهلًا‪ ،‬أمللا هنللا فل‬
‫تخدير‪ ،‬ول وسائل قلع مطلقًا!‪.‬‬
‫كل ما قام به أطباء السنان هو أنهم جللدلوا خيطلا ً متينلا ً ملن الخيللوط‬
‫التركيبية الرفيعة )النايلون( والشيء الثاني الذي يقومون به هو تحديد‬
‫خر الواجب قلعه‪.‬‬
‫السن أو الضرس الن ّ ِ‬
‫في المهجع مجموعة تسمى ‪ -‬تحّببا ً ‪ -‬مجموعة الللبراعم‪ ،‬وهللي مؤلفللة‬
‫من ثمانية أشخاص أو ثمانية عمالقة ‪ ..‬أجساد ٌ ضخمة‪ ،‬ط ِللوا ُ‬
‫ل القامللة‪،‬‬
‫عضلت مفتولة‪ ،‬وهم يشكلون مجموعة طعام واحدة وبللالطبع ينللالون‬
‫حصة مضاعفة من الطعام‪.‬‬
‫دد الطللبيب الضللرس الللواجب قلعلله يللأتي دور مجموعللة‬
‫بعللد أن يحلل ّ‬
‫م آخللر‬
‫البراعم‪ ،‬يربط أحدهم الضرس الن ّ ِ‬
‫خر بالخيط المتين بينمللا برع ل ٌ‬
‫يثبت رأس المريض بكلتا يديه‪ ،‬فيجذب الول الخيلط بقلوة‪ ،‬ونلادرا ً ملا‬
‫احتاج المر إلى أكثر من شدة واحدة ليخللرج الضللرس معلق لا ً بطللرف‬
‫الخيط ‪ ..‬أنا لم أخلع أضراسي بهذه الطريقة‪.‬‬
‫تحسن موضوع الطبابة في السجن الصحراوي منذ عدة شللهور‪ ،‬فلقللد‬
‫دار المساعد على مهاجع السجن وأخبر الجميع أن مللن يريللد أن يقلللع‬
‫سنا ً أو ضرسا ً فبإمكانه فعل ذلك عند طللبيب السللنان التلابع للسللجن‪،‬‬

‫‪183‬‬

‫كللذلك المرضللى بللالمراض العاديللة يسللتطيعون أن يراجعللوا طللبيب‬
‫السجن لشراء الدوية التي يحتاجون‪.‬‬
‫هذا التحسن بدأ من سللنتين أو ثلث‪ ،‬وكللان تللدريجيا ً بطيئًا‪ ،‬وكللان هللذا‬
‫طبيعيا ً فلقد قللل علدد القللادمين الجللدد إللى السللجن‪ ،‬فبعللد أن كللانت‬
‫الدفعات تعد بالمئات أسبوعيا ً أخللذت تعللد بالعشللرات‪ ،‬ثللم قل ّللت أكللثر‬
‫فلللأكثر‪ ..‬تباعلللد َ ملللرات مجيلللء الهيلوكوبلللتر وبالتلللالي المحاكملللات‬
‫والعدامات‪ ،‬خف التوتر والشللحن فلي نفلوس عناصللر الشللرطة‪ ،‬قلققت‬
‫الحالت التي يكون فيها الضرب للضرب والقتل للقتل‪ ،‬أصبح للقتل أو الضرب سققبب علققى‬
‫ل‪ ،‬أو أن ُيرى السجين فاتحًا عينيه أثناء التنفس‪.‬‬
‫الغالب كالصلة مث ً‬
‫أما نسيم فقد ساء وضعه كثيرًا‪ ،‬بقي صائما ً عن الطعللام والكلم مللدة‬
‫خمسة أيام كاملة بعد إعدام الخوة الثلثة‪ ،‬حينها تعاوّنا أنا وأبو حسين‬
‫على إقناعه بأن يتناول قليل ً من الطعام‪ ،‬رغم ذلك دخل في حالة مللن‬
‫الكتئاب الحاد‪ ،‬عزوف عن الكلم‪ ،‬لللم يعللد يلعللب الشللطرنج‪ ،‬وتوقللف‬
‫عن العمال الفنية التي كان يشكّلها من العجين‪.‬‬
‫م الصللمت‪،‬‬
‫بعد حوالي عشرة أيام كان جالسلا ً إلللى جللانبي وهللو ملللتز ٌ‬
‫ي ببطء وقال بالفرنسية‪:‬‬
‫التف َ‬
‫ت إل ّ‬

‫‪-‬‬

‫أين يدفنون جثث الذين يعدمون أو يقتلون؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ل أعرف ‪ ..‬ول أعتقد أن أحدا ً من السجناء يعرف!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حسب رأيك ‪ ..‬هل تكون جثث سعيد وسعد وأسعد قد‬

‫تحللت؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أخي ‪ ..‬يا نسيم ‪ ..‬دعك من هذه الفكار السوداء‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫من المؤكد أن الشرطة تحفر حفللرة كللبيرة ثلم تفلرغ‬

‫فيها كل هذه الجثث وتهيل عليها التراب‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نسيم أرجوك ‪ ..‬أرجوك يكفي كلما ً بهذا الموضوع‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫‪-‬‬

‫لشك أن الديللدان تنهللش الن لحللم الخللوة الثلثللة ‪..‬‬

‫ديدان في العينين ‪ ..‬ديدان فلي البطلن ‪ ..‬ديلدان فلي الفللم ‪..‬‬
‫الديدان تخرج من فتحتي النف ‪ ..‬ديدان ‪ ..‬ديدان‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫نسيم ‪ ..‬يكفي ‪ ..‬قلت لك يكفي‪.‬‬

‫ت وغللرقَ فللي أفكللاره‪ ،‬بللاءت كللل محللاولتي لخراجلله مللن‬
‫بعدها صم َ‬
‫صمته بالفشل‪ ،‬يظل صللامتا ً أياملا ً عديللدة‪ ،‬وعنللدما يتكلللم يبللدأ بطللرح‬
‫السئلة الكبيرة‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ما هي الحياة؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ما هي الغاية من هذه الحياة؟ ‪ ..‬هل من المعقللول أن‬

‫تكون الحياة بل هدف؟‪ ..‬هل من المعقول أن هذه الحيلاة ملن‬
‫صنع الله؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ماذا يستفيد الله من خلق شخص مثل أسللعد؟‪ ..‬أتللى‬

‫به إلى هذه الحياة‪ ،‬تعذب كثيرا ً ثم أعدم ‪ ..‬مللات وهللو ليللزال‬
‫في أول حياته!!‪ ...‬حتى أنه لم يأخذ الوقت الكللافي ليثبللت إن‬
‫كان رجل ً صالحا ً أم طالحًا؟!‪.‬‬
‫الغريب أن كل تسللاؤلته وأحللاديثه حللول هللذا الموضللوع كللانت باللغللة‬
‫الفرنسية!‪.‬‬
‫كان إحساسي أقرب إلى الفجيعة‪ ،‬هو يغوص في كآبته ومتاهللاته وأنللا‬
‫أغوص أكثر فأكثر في الحزن واللم عليه‪.‬‬
‫بقي على هللذا المنللوال حللوالي الشللهرين‪ ،‬وذات صللباح‪ ،‬فتللح عناصللر‬
‫الشرطة باب المهجع‪ ..‬قبل أن يتموا فتحه كالعادة قفز نسلليم كنللابض‬
‫مضغوط تم إفلته‪ ،‬بأقل من ثانية أصبح خللارج المهجللع بعللد أن رفللس‬
‫الباب بقدمه مكمل ً فتحه!‪.‬‬
‫فوجىء عناصر الشرطة والبلديات لول وهلة‪ ،‬ولم يتخلصللوا مللن وقلع‬
‫المفاجأة الولى حتى فاجأهم ثانية بالهجوم عليهم‪.‬‬

‫‪185‬‬

‫الباب مفتوح ونحللن نراقللب مللا يحللدث بالسللاحة‪ ،‬كللان نسلليم يتحللرك‬
‫ويصرخ صراخا ً وحشيا ً كجمل هلائج‪ ،‬عناصللر الشللرطة والبلللديات أقللل‬
‫من عشرة ‪ ..‬وذهلت ‪ ..‬ما هذه القوة الهرقلية التي أظهرهللا نسلليم؟‪..‬‬
‫أين تعلم هذه الحركات القتالية؟!‪ ..‬يهاجم أحدهم‪ ،‬يقفز أمامه عاليا ً ثم‬
‫يهوي بسيف كفه على رقبته أو عللى أنفله فيلقيله أرضلًا!!‪ ..‬عنصلران‬
‫من الشرطة وواحد من البلديات ألقاهم أرضا ً خلل أق ّ‬
‫ل من دقيقة!!‪..‬‬
‫البعض ملن عناصلر الشلرطة والبللديات ابتعلدوا مسلرعين ‪ ..‬فلّروا ‪..‬‬
‫البعض الخر هجم على نسيم للمساك به‪ ،‬عل الصللياح والصللراخ فللي‬
‫الساحة‪ ،‬أط ّ‬
‫ل الحراس الموجودون على السطح‪ ،‬سرعان ما أشرعوا‬
‫قموها آخذين وضعية الرامي‪ ،‬وجهوا بنللادقهم تجللاهَ نسلليم ‪..‬‬
‫البنادق ول ّ‬
‫ي ‪ ..‬هل سيطلقون النار عليه؟‪ ..‬لكنه ملتحللم ملع‬
‫وهبط قلبي بين قدم ّ‬
‫الشرطة‪.‬‬
‫أحد الرقباء هجم عليه من الخلف وأمسكه مللن رقبتلله محللاول ً إيقللاعه‬
‫على الرض لتثبيته‪ ،‬تشجع باقي العناصر فهجموا عليه‪ ،‬لكن نسيم أخذ‬
‫يدور حول نفسه بسرعة والرقيب متعلق برقبته من الخلف‪ ،‬دار عللدة‬
‫دورات تزداد سرعتها مع كل دورة ‪ ..‬ارتفعت قدما الرقيب عن الرض‬
‫وأخذ يدور مع دوران جسم نسيم‪ ،‬توقف نسيم فجللأة وجللذب الرقيللب‬
‫فألقاه أرضًا!!‪.‬‬
‫فُِتح باب الساحة الحديديللة السللود وأخللذ عناصللر الشللرطة يتللدفقون‪،‬‬
‫العشرات منهم أحاطوا بنسيم لدرجلة أننلا للم نعلد نسلتطيع أن نلراه‪،‬‬
‫ومع هدوء حركتهم تأكدنا أنهم قد تمكنوا منه‪.‬‬
‫صاح أحد الرقباء‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫امسكوه ‪ ..‬ل تضربوه ‪ ..‬مدير السجن جاي لهون‪.‬‬

‫‪186‬‬

‫حضر مدير السجن يحيط به المسلاعد وعلدد ملن الرقبلاء والشللرطة‪،‬‬
‫ى علللى‬
‫ي طويل القامة‪ ،‬بمشللية هللادئة تقللدم حيللث نسلليم ُ‬
‫أربعين ّ‬
‫ملقل ً‬
‫الرض‪.‬‬
‫باب مهجعنا لزال مفتوحًا‪ ،‬نراقب ما يحدث دون أن نلتفللت برؤوسللنا‪،‬‬
‫ض جمع الشرطة من حول‬
‫طلب مدير السجن إحضار نسيم أمامه‪ ،‬انف ّ‬
‫ت نفسله ملن‬
‫ض وأفلل َ‬
‫نسيم وأوقفه على قدميه عنصران‪ ،‬وفجأة انتفل َ‬
‫قبضتيهما وهو يصرخ بكلم غيللر مفهللوم متقللدما ً تجللاه مللدير السللجن‪،‬‬
‫خطوة أو خطوتين وهجمت عليلله مجموعللة ملن الشلرطة أحلاطوا بلله‬
‫جيدا ً وثبتوه‪.‬‬
‫تحادث ملدير السلجن ملع المسلاعد والرقبلاء بكلم للم نسلمعه‪ ،‬أحلد‬
‫الرقباء أشار إلى مدير السجن تجاه مهجعنا فتقدم المللدير مللن البللاب‬
‫ومعه المساعد وبعض الرقباء‪ ،‬طلب أبللو حسللين و تكلللم معلله‪ ،‬طلللب‬
‫طبيبا ً من المهجع وسأله‪ ،‬تشاور قليل ً مع طبيب السللجن‪ ،‬عللاد وطلللب‬
‫طبيب المهجع سائل ً إياه عن الدواء الذي يريده‪ ،‬ثم ذهب بعللد أن أمللر‬
‫بإعادة نسيم إلى المهجع دون إزعاج‪.‬‬
‫كان تصرف مدير السجن أقرب إلى التفهم والوّد‪ ،‬أقرب إلللى تصللرف‬
‫الراعي‪ ،‬هذا المر المسللتغرب أطل َلقَ تكهنللات وتحليلت وتللأويلت لللم‬
‫ه‪.‬‬
‫تنت ِ‬
‫بعد إغلق الباب بقي نسيم لمدة ساعتين تقريبا ً يمشي مشلليا ً سللريعا ً‬
‫ة وذهابا ً وعلى دفعات‪ ،‬كل دفعة ما يقارب الخمسللة‬
‫وسط المهجع جيئ ً‬
‫دقائق‪ ،‬يقف بعدها ويبدأ الدبكة وهو يغني‪:‬‬
‫ي الغربة الوطن حنونا‬
‫يب ّ‬
‫ب ّ‬

‫على دلعونا على دلعونا‬

‫يعاود المشي السريع بعدها ‪ ..‬لم يكن ينظللر إلللى أي شللخص ول إلللى‬
‫أي مكان‪ ،‬في المشي أو في الدبكة ينظر إلى نقطة محللددة أمللامه ل‬
‫ول بصره عنها!‪.‬‬
‫يح ّ‬

‫‪187‬‬

‫حلت النافلذة الصللغيرة فلي البلاب )الطّلقللة(‪،‬‬
‫بعد هاتين السلاعتين فُت ِ َ‬
‫نودي على رئيس المهجع‪ ،‬بحذر شديد أعطى الرقيب ثلث علللب دواء‬
‫لبو حسين قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫هدول ‪ ..‬دواء المجنون!‪.‬‬

‫كان نسيم لحظتها قبالة الباب تمامًا‪ ،‬سمع العبارة التي قالها الرقيللب‪،‬‬
‫انتفض وانطلق كالسهم اتجللاه البللاب‪ ،‬شللاهده الرقيللب فللي انطلقتلله‬
‫فتراجع إلى اللوراء عفويلا ً رغلم أن البلاب مغللق ‪ ..‬وصلل نسليم إللى‬
‫الباب ‪ ..‬أخرج يده من الطلقة يحاول المساك بالرقيب وهو يصرخ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫المجنللون؟!‪ ..‬إنللت المجنللون ولللك كلللب!‪ ...‬أبللوك‬

‫المجنون ‪ ...‬أمك المجنونة ‪ ...‬ولك يا حيوان ‪ ...‬كلكم مجانين‪.‬‬
‫من الخارج سمعت صوت الرقيب يصرخ بالجندي‪:‬‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫كر ‪ ..‬العمى ‪ ..‬ناقصنا مجانين؟!‪.‬‬
‫‬‫كر ‪َ ..‬‬
‫َ‬
‫لول مرة منذ ما يقارب الثني عشر عاما ً أرى الشرطة خائفين‪ ،‬فللروا‬
‫من أملام نسلليم فلي السللاحة‪ ،‬رأيتهللم ملذعورين!‪ ..‬لول مللرة أراهللم‬
‫يتلقون الشتائم ول يطلقونها!‪ ..‬يتلقونهللا‬

‫ول يللرّدون!‪ ..‬وتسللاءلت‪:‬‬

‫"هل تحتاج هذه القوة الطاغية اللتي تمثلهلا الشلرطة إللى الجنلون ‪...‬‬
‫دها؟!"‪.‬‬
‫إلى مواجهة مجنونة ‪ ...‬حتى تقف عند ح ّ‬
‫رفض نسيم تناول الدواء من الطبيب‪ ،‬وتشاور هذا مع أبو حسللين بعللد‬
‫أن شرح له أن أي مريللض بهللذه الحالللة يرفللض تنللاول الللدواء ويجللب‬
‫إجباره على ابتلع الحبوب‪ ،‬وطلب منلله السللتعانة بمجموعللة الللبراعم‬
‫لعطائه الدواء بالقوة‪ ،‬فالمريض في حلالت كهلذه يمتلللك قلوة هائلللة‬
‫غير طبيعيللة ويحتللاج إلللى أربعللة أو خمسللة أشللخاص حللتى يسللتطيعوا‬
‫إمساكه وإجباره على ابتلع الحبوب!‪.‬‬

‫‪188‬‬

‫قبل الظهر تناول اللدواء‪ ،‬نلام عللى إثرهلا نوملا ً عميقلًا‪ ،‬اسلتيقظ بعلد‬
‫منتصف الليل وكنت أراقبه‪ ،‬ابتسم لي ابتسامة واهنللة دون أن يتحللرك‬
‫من مكانه‪ ،‬قال لي‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫كيفك ‪ ...‬كيف أحوالك؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا ممتاز ‪ ..‬إنت كيف أحوالك؟‪.‬‬

‫دي نام‪.‬‬
‫‬‫ماشي الحال ‪ ..‬بس نعسان ‪ ..‬ب ّ‬
‫نام بعدها إلى الصباح وعندما استيقظ تصرف تصللرفا ً طبيعي لا ً كمللا لللو‬
‫أنه لم يمر بأية مشكلة أو ما شلابه‪ ،‬كللان هللذا رأي الجميلع ‪ ...‬أملا أنلا‬
‫فقد لحظت الكثير من التغيرات الطفيفة والتي هي بنفس الوقت لهللا‬
‫دللتها العميقة‪ ،‬هذه الملحظات تكونت بمرور اليللام والسللابيع الللتي‬
‫تلت‪ ،‬أصبح هنلاك ابتسلامة دائملة معلقلة عللى شلفتيه‪ ،‬هلي ابتسلامة‬
‫قلد َ نسلليم‬
‫مزيفة أو أنها ممزوجة بحللزن دفيللن فللي أعمللاق النفللس‪ ،‬فَ َ‬

‫القدرة على الدهشة‬

‫التي كانت من أهم سمات شخصلليته‪ ،‬لللم يعللد‬

‫يسخط على ما ل يعجبه واستمر بإضرابه عن العمل في العجين‪.‬‬
‫أوك َ َ‬
‫ي الطبيب بصفتي صديقه وجاره أمَر إعطللائه الللدواء بانتظللام‪،‬‬
‫ل إل ّ‬
‫ددا ً على أنه يجب أن ل أنسى أبللدا ً مواعيللده‪ ،‬لن أي انقطللاع عللن‬
‫مش ّ‬
‫تناوله سيؤدي حتما ً إلى عودة حالة الهياج الشديد والعدوانية!‪.‬‬
‫بقيللت علقتنللا الثنائيللة بنفللس الحميميللة‪ ،‬اسللتأنفنا حياتنللا اليوميللة‬
‫المشتركة كالسابق‪ ،‬ومرت اليام‪ ،‬لكنه لم يتطرق بحديثه ول مرة إلى‬
‫ما حدث‪ ،‬حتى موضوع إعدام الخوة الثلثة لم يعد إلى ذكره أبدًا‪.‬‬
‫هه هي هي لم تتغير‪ ،‬لكن إحساسي يقللول‪" :‬إن‬
‫مشاعري الداخلية تجا َ‬
‫هناك شيئا ً ما داخل نسلليم قللد مللات"‪ .‬وكنللت حزين لا ً جللدا ً لمللوت هللذا‬
‫الشيء‪.‬‬
‫‪ 25‬أيككلككككول‬
‫الغبار يمل الجواء‪.‬‬

‫‪189‬‬

‫م علامي الثلاني عشلر فلي السلجن‪ ،‬لقلد‬
‫بعد ستة أشهر أو سبعة سأت ّ‬
‫عدت إلى عد ّ اليام والشهور وهذا في عرف السجناء دللة سوء‪ ،‬لكن‬
‫أل يحق لي أن أتساءل إلى متى؟‪.‬‬
‫البعللض هنللا سللبقوني بسللنوات‪ ،‬ول زالللوا!‪ ..‬إذا كللان الطفللال الللذين‬
‫حكمتهم المحكمة الميدانية بالبراءة ل زالوا يقيمون في مهجع يسللميه‬
‫ي‪،‬‬
‫عناصلر الشلرطة مهجلع اللبراءة‪ ،‬فهلل يأملل شلخص مثللي‪ ،‬منسل ّ‬
‫مل‪ ،‬ل يعرف حتى لماذا هو هنا ‪ ..‬أن يخرج من هذا الجحيللم؟‪ ..‬هللل‬
‫مه َ‬
‫الطريلق إللى هلذا السلجن ذو اتجلاه واحلد فقلط؟ هلل العبلارة اللتي‬
‫يكررها السلجناء وأكلاد أسلمعها يوميلا ً بلأن "اللداخل مفقلود والخلارج‬
‫مولود" صحيحة؟ لم أَر أي شخص دخل هذا السجن يخرج منه!‪.‬‬
‫فمتى ‪ ..‬متى يحين موعد الخلص؟‪ ..‬لست أدري‪ ،‬ومعها ‪ ..‬إمللا العجللز‬
‫الكامللل والستسلللم للقللدار‪ ،‬أو النتحللار والخلص مللن هللذا العللذاب‬
‫اليومي الذي يبدو بل نهاية‪.‬‬
‫وتجيش نفسي بالغضب‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫العجاج‪ ،‬أو كما يسميه البعض "الطوز" ‪ ..‬يثور هنا فللي هللذه الصللحراء‬
‫مرتين أو ثلث مرات كل عام‪ ،‬وفي سنوات القحط قد يزيد عللن ذلللك‬
‫مرتين أو ثلث‪ .‬تثور العواصف الرمليللة فتمل الجللواء بالغبللار ويسللتمر‬
‫ذلك يوما ً أو يومين أو ثلثة‪ ،‬سواء استمر هبوب الريللح أم توقللف فللإن‬
‫الغبار يبقى معلقا في الهواء‪ ،‬نتنفس الغبار‪ ،‬النللف‪ ..‬الفللم‪ ..‬العينللان‪..‬‬
‫تمتليء كلها بالغبار‪ ،‬ننام والغبار ما زال معلقلا ً فوقنلا وحولنلا وداخلنلا‪،‬‬
‫نستيقظ فنجد أن كل فتحات النسللان الموجللودة فللي الللرأس امتلت‬
‫بالتراب المسحوق الناعم‪ ،‬مياهنا غبار‪ ..‬طعامنا غبار‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫منذ صللباح أول البارحللة ابتللدأ هبللوب الريللاح واشللتدت عنللد الظهيللرة‪،‬‬
‫أصبحت الريللاح زوابللع‪ ،‬هللذه الزوابللع قللذفت مللن الشلّراقة الللتي فللي‬
‫مَزقا ً من أكيللاس بلسللتيكية والكللثير مللن‬
‫السقف بالضافة إلى الغبار‪ِ ،‬‬
‫القللش والعيللدان الجافللة الخفيفللة الللوزن والشللواك وشللتى النباتللات‬
‫الصحراوية اليابسة‪.‬‬
‫كللل مللن لللديه قطعللة ثيللاب زائدة حللاول لللف رأسلله بهللا‪ ،‬الكللثير مللن‬
‫الشخاص لم يعد يظهر من وجوههم سوى العينين‪.‬‬
‫فجأة قذفت الريح على القضبان الحديدية للشراقة صفحة كاملللة مللن‬
‫جريدة ‪ ..‬علقت هذه الصفحة بين القضبان!‪.‬‬
‫أنظار جميع من في المهجع تعلقت بهذه الجريدة العالقة بين القضبان‬
‫في السقف‪ ،‬تهزها الريح ويسمع الجميع صوت خشخشتها‪.‬‬
‫قط الجريللدة داخللل‬
‫سمعت البعض يدعون ويبتهلون إلللى الللله ان ُيس ل ِ‬
‫المهجع وأّل يجعَلها تطير بعيدًا!‪.‬‬
‫ل بضعة دقللائق‪ ،‬إمللا أن ي ُط ِل ّ‬
‫في الجواء الطبيعية كنا نرى الحارس ك ّ‬
‫ل‬
‫ناظرا ً من الشّراقة‪ ،‬أو يمّر من جانبها فنراه أو نرى ظله‪ ،‬حللتى عنللدما‬
‫يكون بعيدا ً عن الشراقة فإننا نسمع وقللع خطللواته وهللو يمشللي علللى‬
‫سطح المهجع جيئة وذهابًا‪ ..‬الن ل أثر للحارس‪ ،‬يبدو أنه يلللوذ بإحللدى‬
‫زوايا السطح متقيا ً الرياح والغبار‪.‬‬
‫كما تمنى الجميع تمنيت أنا أيض لا ً أن تسللقط الجريللدة داخللل المهجللع‪،‬‬
‫فمنللذ أن أصللبحت فللي بلللدي لللم أر حرف لا ً واحللدا ً مطبوع لًا!‪ ،‬الجميللع‬
‫مثلي ‪ ..‬شوق حقيقي لرؤية الحرف المتلصقة‪ ،‬الكلمات المطبوعة!‪.‬‬
‫هذه جريدة‪ ،‬وفي الجريدة أخبار‪ ،‬ونحن منذ أكثر سنتين‪ ،‬تاريللِخ قللدوم ِ‬
‫ل إلى المهجع‪ ،‬لم نسمع شيئا ً عما يللدور خللارج هللذه الجللدران‬
‫آخر نزي ٍ‬
‫الربعة‪.‬‬
‫سمعت نسيم يقول‪:‬‬

‫‪191‬‬

‫‪-‬‬

‫يارب ‪ ..‬يارب ‪ ..‬وِلك يـ الله انزلي‪.‬‬

‫كان يخاطب الجريدة‪ ..‬نظرت إليه‪ ..‬أنظاره معلقة بالجريدة عاليًا‪.‬‬
‫الكثير من الناس وقف منتصبًا‪ ،‬الكثير أزاحللوا عللن وجللوههم القمشللة‬
‫التي تلثموا بها‪ ،‬من لم يقف اعتدل في جلسته‪ ،‬بعض من وقف مشى‬
‫بشكل عفوي إلى تحللت الشلراقة‪ ،‬اللرأس مرفلوع والعيللن معلقلة ‪..‬‬
‫ص الجريدة بين القضبان!‪.‬‬
‫النظار تتابع تراق َ‬
‫واحد من الواقفين تحت الشراقة‪ ،‬وهو من الفرقة الفدائية‪ ،‬نظللر إللى‬
‫الناس وقال بصوت مسموع للجميع‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا شباب ‪ ..‬هرم؟‪.‬‬

‫على أثر سؤاله هذا قفز العديد وهم يقولون‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫هرم ‪ ..‬هرم ‪ ..‬هرم!‪.‬‬

‫ر‬
‫لم تستغرق عملية بناء الهرم البشري وإنزال الجريدة أكثر مللن عش ل ِ‬
‫ن تقريبًا‪ ،‬لكنها ثوان مرعبة ‪ ..‬خانقة وحابسة للنفاس!‪.‬‬
‫ثوا ٍ‬
‫كان من الممكن أن تكلف العديد حياتهم‪ ،‬لكنها مرت بسلم‪.‬‬
‫وأصبح لدينا جريدة!‪.‬‬
‫ي الذي أنزل الجريدة وبلهجة سريعة‪:‬‬
‫خاطب أبو حسين الفدائ ّ‬

‫‪-‬‬

‫بسللرعة ‪ ..‬بسللرعة ‪ ..‬عـ ل المراحيللض‪ ،‬اطويهللا‪ ،‬خل ّللي‬

‫واحد يقرأها ويحكينا شو فيها أخبار‪.‬‬
‫وركض الفدائي إلى المرحاض حامل ً الجريدة‪.‬‬
‫الفرحة عمت الجميع‪ ،‬فرحة حقيقية‪ ،‬الكثير تصافحوا وتعللانقوا مهنئيللن‬
‫بعضهم بعضًا‪ ..‬إنه انتصار آخر!‪.‬‬
‫ي بعد أن عانقني‪ ..‬قال‪:‬‬
‫التف َ‬
‫ت نسيم إل ّ‬

‫‪-‬‬

‫أنت تعرف أن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم هي‬

‫كلمة "اقرأ"؟‪.‬‬

‫‪192‬‬

‫‪-‬‬

‫أعرف‪ ..‬وأنت تعرف أن النجيل يبللدأ بلللل "فللي البللدء‬

‫كانت الكلمة"؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أعرف‪ ..‬بس يللا مخللرج السللينما شللو يقللول لللك هللذا‬

‫الحدث؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫تريللد أحكللي كلم كلللبير‪ ..‬مثلللل الفلم والروايللات؟‬

‫الحدث بيقول‪ :‬إن النسان مستعد أن يضحي بحياته في سبيل‬
‫المعرفة‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫صح‪ ..‬شاطر‪.‬‬

‫وضحكنا كما لم نفعل منذ شهور ‪.‬‬
‫محتويات الجريدة جاءت مخيبة للمال قلي ً‬
‫ل‪ ،‬الوجه الول من الصللفحة‬
‫هو صفحة العلنات الرسللمية‪ ،‬والللوجه الثللاني هللو الصلفحة الرياضللية‬
‫وبها أخبار الدوري العام لكرة القدم!‪ .‬وهذه الصفحة أثارت زوبعة مللن‬
‫النقاشات لم تنته حتى الن‪ ،‬فبمللا أن المهجللع يضللم أناسلا ً مللن جميللع‬
‫المحافظات‪ ،‬لذلك ‪ -‬على ضوء الخبار الرياضية الواردة في الجريدة ‪-‬‬
‫سرعان ما تكتلت جماهير كل نادٍ من النوادي وأخذت تفاخر بمنجللزات‬
‫وتاريخ انتصارات النادي الذي تشجعه‪.‬‬
‫حتى العلنات الرسمية أخذ النللاس يقرؤونهللا بعنايللة شللديدة ‪ ..‬النهللم‬
‫إلى القراءة!‪.‬‬

‫ن أبللو حسللين شخصلا ً لينظللم قللراءة الجريللدة‬
‫عي ّل َ‬

‫"بالدور" من قبللل الجميللع‪ ،‬أصللبح للجريللدة مسللؤول )أسللماه البعللض‬
‫مازحين وزيَر العلم(‪ ،‬وهو الذي ينظم دوَر قراءتها‪ ،‬ينقلها من شخص‬
‫لخر ويحدد الزمن لكل شخص‪.‬‬
‫الريح هدأت تماما ً اليوم‪ ،‬لكلن الغبلار لزال معلقلا ً بلالجو‪ ،‬حلتى داخلل‬
‫المهجع الغبار يمل كل الفراغات‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫‪193‬‬

‫*‬

‫في الصباح أعاد الشرطة للمهجع شخصا ً كللان قلد عللوقب منللذ شللهر‪،‬‬
‫ضبطوه في ساحة التنفس وعيونه مفتوحة‪ ،‬بعد أن جلللدوه ون ّ‬
‫كلللوا بلله‬
‫أمامنا فيما نحن ندور حول السللاحة‪ ،‬أمللر المسللاعد بوضللعه بالزنزانللة‬
‫النفرادية في الساحة الخامسة‪.‬‬
‫ن الشللرطة أغلقللوا البللاب‬
‫ن اطمللأن إلللى أ ّ‬
‫بعللد أ ْ‬
‫ن دخللل علينللا ومللا إ ِ‬
‫صَعداء‪ ،‬أخذ يضحك‪ ،‬جلس على الرض‪ ،‬وروى للجميع‬
‫س ال ّ‬
‫وذهبوا‪ ،‬تنف َ‬
‫رحلة الشهر التي قضاها في الساحة الخامسة‪ ،‬بدأ حديثه بالقول‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫و الله يا شباب اشتقت لكم ‪ ...‬وقللت دخلللت المهجللع‬

‫حسيت إني راجع على بيتي ‪ ..‬يا الله ‪ ..‬قديش المهجع حلللو!‪..‬‬
‫يا شباب جنة ‪ ..‬جنة ‪ ..‬نحن عايشين هون بالجنة ‪...‬‬
‫فقَ يروي ‪ ..‬ويحكي ‪ ..‬يروي ‪ ..‬ويحكي‪:‬‬
‫طَ ِ‬

‫‪-‬‬

‫ن أذى‬
‫المرحاض داخل الزنزانة النفرادية‪ ..‬ولكللي آ َ‬
‫مل َ‬

‫الجرذان أضطّر لسد ّ فتحة المرحاض بالخبز بعد عجنلله وصللنع‬
‫سدادة منه‪ ،‬أقسم أن هناك جرذانا ً بحجم الخروف الصغير!‪.‬‬
‫ثلث مرات في اليوم حفلة تعذيب أشبه ما تكللون بالسللتقبال‬
‫حين قدوم السجين إلى السجن‪.‬‬
‫يوضع الطعام في صحن قذر على بعد عشرة أمتللار مللن بللاب‬
‫الزنزانة‪ ،‬يفتحون الباب ‪ ..‬يجب أن يخرج السجين سائرا ً علللى‬
‫أربٍع كما تسللير الكلب ‪ ..‬وأن يظللل ينبللح فللي الللذهاب‪ ،‬وفللي‬
‫الياب بعد أن يحمل الصحن ‪ ..‬خلل كلل هلذا تكلون الكرابيلج‬
‫قد أكلت قطعا ً من لحم ظهره!!‪.‬‬
‫النوم على السمنت ‪ ..‬ل بطانيات ول أغطية ول أي شيء‪.‬‬
‫كللان يللروي ويضللحك ‪ ..‬وجهلله مشللرق مللن الضللحك! ‪" ..‬مللا الللذي‬
‫يضحكه؟!‪ ..‬فعل ً " َ‬
‫حك"!‪.‬‬
‫شّر البلي ّةِ ما ُيض ِ‬

‫‪194‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫الغبار لزال معلقا ً ‪ ..‬رموش الناس أصبحت بيضاء‪ ،‬الشرطة متللوترون‬
‫لكن الرقابة ضعفت‪ ،‬ضعفت من العلى من "الشراقة"‪ ،‬وضعفت ملن‬
‫السفل من الرض‪.‬‬
‫سمعت حديثا ً منذ ساعتين أثار اهتمامي ولزلت أفكر فيه‪.‬‬
‫لدينا في المهجع أربعة ملن البلدو‪ ،‬هللم أميللون ل يعرفللون القلراءة ول‬
‫الكتابة‪ ،‬مهنتهم الرئيسية رعي الغنام والجمال‪ ،‬عاشوا طللوال حيللاتهم‬
‫في هذه الصحراء المترامية يتنقلون في أرجائها من مكان لخللر طلب لا ً‬
‫للمرعللى والمللاء‪ ،‬قبللض عليهللم واعتقلللوا وجيللء بهللم إلللى السللجن‬
‫الصحراوي بتهمة مسلاعدة بعلض المطللوبين عللى الفلرار إللى دوللة‬
‫مجاورة‪ ،‬وعندما ُيسألون هنا عن ذلللك يعبسللون قليل ً ويجيللب كللبيرهم‬
‫المدعو "شنيور"‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫والله يا خوي ‪ ..‬تهمة باطلة ‪ ..‬نحن بدو بللديرة الللله ‪..‬‬

‫م )أتللوا( جماعللة علينللا ‪ ..‬وعلللى عللادة العللرب رحبنللا ب ْهُللم‪،‬‬
‫جا ّ‬
‫ضيفناهم من الميسور‪ ،‬بعدين يلا خللوي سلألونا عـل الللدرب ‪..‬‬
‫دليناهم‪ ،‬هاي فيها شيء يا خوي؟! وبعدين يقوللون لنلا ‪ ..‬إنتلو‬
‫عملء ‪ ..‬وإنتو جواسيس! عجيبة والله يا خوي! عجيبة‪.‬‬
‫اليوم بعد أن سرد شنيور هللذه القصللة للمللرة اللللف تشللعب الحللديث‬
‫كثيرا ً وكان كله منصبا ً على البدو وحياة البدو‪ .‬سأله أحد أبنللاء المدينللة‬
‫من الللذين لللم َيعرفللوا فللي حيللاتهم كلهللا سللوى ثلثللة أمكنللة "الللبيت‪،‬‬
‫الدكان‪ ،‬الجامع" عما إذا كان صحيحا ً ما يقال عن الكرم البدوي‪ ،‬وعللن‬
‫أسبابه ومسبباته‪ ،‬وختم سؤاله قائل ً بتعجب‪:‬‬

‫‪195‬‬

‫‪-‬‬

‫وكيف يا أخ شنيور ‪ ..‬إذا إجاك ضيف ومللا كللان عنللدك‬

‫غير غنمة وحدة‪ ،‬صحيح إنللك تللذبحها وتطبخهللا لتقللدمها للله؟‪..‬‬
‫وليللش هللذا الشلليء؟ إيلله ‪ ..‬عمللره وإن شللاء الللله‬

‫مللا‬

‫م‪.‬‬
‫بياكل! ‪ ..‬إن شاء الله ياكل س ّ‬
‫ه ‪ ..‬يا خوي ما يصللير تحجللي هيللج )تتكلللم‬
‫‬‫ه ‪ ..‬ل َ ْ‬
‫ه ‪ ..‬ل َ ْ‬
‫لَ ْ‬
‫هكذا(‪.‬‬
‫مضى شنيور في مداخلة طويلة يشرح ويعلل ويفسللر‪ ،‬كنللت أنصللت‬
‫إليه قسرا ً لنله جلالس بلالقرب ملن فراشلي‪ ،‬لكنله بعلد قليلل شلد‬
‫اهتمامي بفكرة!‪.‬‬
‫قال شنيور ما معناه ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إن للكرم البدوي أسللبابا ً عديللدة‪ ،‬عَلد ّد َ عللدة أسللباب‪،‬‬

‫لكنلله قللال إن أهللم السللباب هللي أن البللدوي يحللب ضلليفه ‪..‬‬
‫يعشقه!‪ ..‬وهذا بسبب أن البدوي يبقى أياما ً وأسابيعَ وشللهورا ً‬
‫يعيش في هذه البراري بين الكثبللان الرمليللة والتربللة والغبللار‬
‫في وحدة مطلقة‪ ،‬زوجته وأولده يعتللبرهم أقللل شللأنا ً مللن أن‬
‫ُيجلري حلديثا ً معهلم‪ .‬للذلك وفلي حلالت كلثيرة نلرى البلدوي‬
‫ل يسللمعه‬

‫جماله!‪ ..‬يكون في المرعللى‬
‫يحادث أغنامه أو ِ‬
‫أحد‪ ،‬ولنه يحب أغنامه فللإنه ُيجللري حللديثا ً معهللا‪ ،‬ول بللأس أن‬
‫ض الشللتائم الموجهللة إلللى الغنللام‬
‫تتخلللل هللذا الحللديث بعلل ُ‬
‫المشاغبة‪ ،‬والبدوي عندما يصل إلى درجة أن ُيجري حديثا ً مللع‬
‫الغنللم‪ ،‬يكللون هللذا دليل ً إلللى أن حللاجته إلللى النللس‪ ،‬إلللى‬
‫المؤانسللة‪ ،‬إلللى الجتمللاع مللع أي انسللان‪ ،‬قللد بلغللت مللداها‬
‫القصى‪ ،‬في هذا الوقت إذا حضر الضيف فسيجد حتما ً شخصا ً‬
‫متلهفا ً يغدق عليه الكثير الكثير مللن آيللات الللترحيب والمحبللة‪،‬‬
‫يقدم له أفضل ما عنده مللن كللل شلليء ‪ ..‬وهللذا مللن حيللث ل‬

‫‪196‬‬

‫يدري مكافأة للله علللى مجيئه‪ ،‬وإغللراًء للله للبقللاء أطللول مللدة‬
‫ممكنة‪.‬‬
‫"يبدو أن العزلة تعلّلم الحكمة‪ ،‬هذا البدوي فيلسللوف حكيللم!‪ ..‬شللكرا ً‬
‫ض مضللجعي ‪..‬‬
‫لك يا شنيور‪ ،‬لقد أزلت من نفسي قلقا ً مبهما ً كللان يق ل ّ‬
‫قد كانت عزلتي في المهجع أسوأ من عزلللة أي بللدوي فللي الصللحراء‪،‬‬
‫وفجأة أصبح نسيم ضيفي‪ ،‬مع نسيم جاء النس والمؤانسللة‪ ،‬فطللبيعي‬
‫جدا ً ‪ -‬حسب شرح شنيور ‪ -‬أن تكون عواطفي جياشة تجاهه"‪.‬‬
‫ب‪ ،‬أجابني بابتسامة "مللع السللتمرار‬
‫ت إلى نسيم بابتسامة ود ّ وح ّ‬
‫التف ّ‬
‫بتناول الدواء أصبح وضعه أقرب إلى الطبيعي"‪ ،‬قلت له‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا رايح أغسل وجهي من آثار الغبار‪.‬‬

‫اكتفى بهز رأسه‪.‬‬
‫‪ 17‬أيكككككار‬
‫ل أدري كم كان الوقت‪ ،‬أعتقد أنه بعد منتصف الليل‪ ،‬نسلليم نللائم إلللى‬
‫جانبي‪ ،‬الدواء الذي يتناوله يجعله ينام بعمق‪ ،‬لم أكن قد نمت بعد‪.‬‬
‫سمعت حركة في الساحة‪ ،‬جلست‪ ،‬نويت أن أنظر من الثقب لرى ما‬
‫يفعلون‪ ،‬قبل أن أمد يدي لفتللح الثقللب سللمعت أحللد الشللرطة يصللرخ‬
‫ل ‪ ..‬لم أفهم ماذا يقول‪ ،‬عاد لتكرار صراخه‪ ،‬إنه يقول اسما ً‬
‫بصوت عا ٍ‬
‫ت أكثر ‪ ..‬يصرخ‪:‬‬
‫ثلثيًا‪ ،‬أنص ُ‬

‫‪-‬‬

‫يا مهاجع الساحة السادسة مين عنده هذا السم؟‪.‬‬

‫وقال السم الثلثي مرة ثالثة‪.‬‬
‫إنه اسمي!!‪.‬‬
‫لجزاء من الثانية كنت أتساءل مللن هللو صللاحب هللذا السللم؟‪ ..‬وقْعُلله‬
‫ي ‪ ..‬كأنني سمعت هذا السم يوما ً ما!!‪ ..‬إنه اسمي‪.‬‬
‫ليس غريبا ً عل ّ‬
‫ما الذي يجري؟ ما هذا؟ ‪ ..‬لماذا ينادون اسمي؟ أصابني شلليء أقللرب‬
‫إلى البلهة‪ ،‬أتلفت حولي مستغربا ً متسائ ً‬
‫ل!‪.‬‬

‫‪197‬‬

‫صاح أبو حسين وكان مستيقظًا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا شباب ‪ ..‬في حدا عندنا بهـ السم؟‪.‬‬

‫رفعت سبابتي عاليا ً كما يفعل التلميلذ الصلغار‪ ،‬رفعتهلا فلي وجله أبلو‬
‫حسين دون أن أنطق حرفًا‪.‬‬
‫عاد الشرطي يصرخ بالسم مرة أخرى‪.‬‬
‫مه‪ ،‬عيناه متسعتان دهشة‪:‬‬
‫انتقلت بلهتي إلى أبو حسين‪ ،‬فَغََر ف َ‬
‫‪-‬‬

‫هذا السم اسمك؟‪.‬‬

‫هززت رأسي مومئا ً باليجاب‪.‬‬
‫وبسرعة رمى أبو حسين جسده الثقيل اتجاه الباب‪ ،‬بدأ يدقه بسللرعة‬
‫وقوة وهو يصرخ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هللون يللا سلليدي ‪ ..‬هللون ‪ ..‬هللذا السللم فللي المهجللع‬

‫الجديد رقم ‪./ 8 /‬‬
‫هدأ كل شيء ‪ ..‬فجأة لم يعد يصرخ أحد‪.‬‬
‫ح الباب‪ ،‬وقف الرقيب ومعه شرطيان‪ ،‬توجه إلللى‬
‫بعد دقيقة أو أكثر فُت ِ َ‬
‫أبو حسين سائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هذا السم عندك ‪ ..‬يا رئيس المهجع؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪ ..‬هذا هو‪.‬‬

‫ي غاضللبًا‪،‬‬
‫و أشار بأصبعه نحوي‪ ،‬اقترب الرقيللب منللي‪ ،‬نظللر إلللى عينل ّ‬
‫سأل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هذا اسمك؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي‪.‬‬

‫رفع يده عاليا ً وبكللل قللوته هللوى ببللاطن يللده علللى خللدي اليمللن‪ ،‬دار‬
‫جسدي كله ربع دوره‪ ،‬بسرعة البرق ألحقها بلطمة على خدي اليسللر‬
‫بقفا يده أعادتني إلى الوضع الطبيعي‪ ،‬عللادت النجللوم لتللتراقص أمللام‬
‫ي‪ ،‬قال غاضبًا‪:‬‬
‫عين ّ‬

‫‪198‬‬

‫‪-‬‬

‫يا جحش ‪ ....‬يا ابن الكلب ‪ ....‬صار لنا سللاعتين نللدور‬

‫عليك ونصرخ ‪ ..‬ليش ما عم تجاوب يا شرموط؟‪.‬‬
‫ت ‪ ..‬ملد ّ يللده‪ ،‬وبقللوة سللحبني مللن صللدري ليقللذف بللي خللارج‬
‫سللكلل ّ‬
‫المهجع‪ ،‬وأغلق الباب‪.‬‬
‫ُأغلق باب المهجع في وجهي إلى البد‪.‬‬
‫ضللربا ً ‪ ..‬ركضلًا‪ ،‬الرقيللب وعنصللرا الشللرطة مللن الخلللف‪ ،‬يسللوقونني‬
‫أمامهم‪ ،‬من الساحة السادسة‪ ،‬إلى الساحة صفر!‪ .‬ومنهللا إلللى البللاب‬
‫الحديدي الصغير‪ ،‬أصبحت أمام السجن‪ ،‬حللانت منللي التفاتللة صللغيرة‪،‬‬
‫لزالت المنحوتة الحجرية في مكانها‪:‬‬
‫"ولكم في القصاص حياة يا أولي اللباب"‬
‫منذ أكثر من اثنتي عشللرة سللنة قلرأت هللذه المنحللوته‪ ،‬ودخلللت‪ .‬الن‬
‫أقرأ هذه المنحوته وأخرج‪ ،‬إلى أين؟ ‪ ..‬لست أدري!!‪.‬‬
‫ثلثلة رجلال فلي اللبللاس الملدني تقلدموا منلي‪ ،‬أحلدهم طويلل جللدًا‪،‬‬
‫يزيدني بما يقارب النصف متر‪ ،‬تقدم منللي وفتللح ورقللة كللانت مطويللة‬
‫في يده وسأل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت فلن؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ابن فلن وفلنة؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت كذا ‪ ..‬كذا ‪ ..‬نعم‪ .‬أنت ‪...‬؟ ‪ ..‬نعم‪.‬‬

‫ت إلى رفيقيه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫التف َ‬
‫‪-‬‬

‫هات الكلبشة‪.‬‬

‫ناوله أحدهم الكلبشة‪ ،‬الكلبشة السبانية‪.‬‬

‫‪199‬‬

‫سللهما الكلبشللة‪ ،‬طقطقللة ناعمللة‪ ،‬أصللبحت‬
‫مددت يديّ إلى المام‪ ،‬ألب َ‬
‫ض الوراق وسحبني إلللى مسللافة‬
‫يداي مقيدتين إلى المام‪ ،‬ثم وقّعَ بع َ‬
‫خمسين مترًا‪.‬‬
‫سيارة تكسي )بيجو فرنسللية(‪ ،‬السلائق يجلللس خلللف المقلود‪ ،‬جلللس‬
‫الطويل إلى جانبه‪ ،‬جلست بين الثنين الخريللن فللي المقعللد الخلفللي‪،‬‬
‫انطلقت السيارة في عتمة الليل‪ ،‬أنوارها تشق الظلم شقًا‪.‬‬
‫لم يتكلموا بشيء‪ ،‬لم يضربوني أو يزعجوني أبدًا‪ ،‬تعاملوا وكللأني غيللر‬
‫موجللود معهللم‪ ،‬بعللد قليللل مللن انطلقللة السلليارة سللأل الطويللل عللن‬
‫الساعة فأجابوه إنها الثانية والنصف بعد منتصف الليل‪ ،‬قال إنه سينام‬
‫حوالي الساعة‪.‬‬
‫ي بمللرآة السلليارة‬
‫بعد ساعة نام الجميع عداي والسائق الذي ينظر إل ل ّ‬
‫على فترات متباعدة‪ ،‬أغمضت عيوني لوهمه أنني نائم‪ ،‬وتساءلت‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا هل ترى ‪ ..‬إلى أين؟‪.‬‬

‫قلـبت المر من جميع الوجوه‪ ،‬خرجت بنتيجللة أنلله مهمللا كللان المكللان‬
‫الذي سيأخذوني إليه فإنه حتما ً سيكون أفضل‪.‬‬
‫ارتحللت قلي ً‬
‫ل‪ ،‬فكلرت بنسليم ‪ ..‬ملاذا سلليقول‪ ،‬و ملاذا سليفعل عنللدما‬
‫يستيقظ صباحا ً فل يجدني إلى جانبه؟!‪ ..‬اشتقت إليه‪.‬‬
‫استرخيت قليل ً وكللان يمكللن أن أغفللو ولكللن فجللأة ترنحللت السلليارة‪،‬‬
‫السائق أخذ يصيح‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا لطيف ‪ ..‬يا ستار ‪ ..‬يا لطيف‪.‬‬

‫استيقظ الجميع وصرخوا‪ ،‬لقد انفجر الطار الخلفي للسيارة‪ ،‬اسللتطاع‬
‫السائق بمهارة فائقة أن يسيطر عليهللا بعللد أن خرجللت عللن الطريللق‬
‫وتوغلت في رمال الصحراء‪.‬‬
‫وصلنا العاصمة قبيل الظهر‪ ،‬استغرق إصلح الطار عدة ساعات‪ ،‬فقلد‬
‫كنا في الصحراء وأقرب نقطة إلينا تبعد عشرات الكيلومترات‪.‬‬

‫‪200‬‬

‫هذه مدينتي ‪ ..‬لم أعرف شلليئا ً فللي الشلوارع الللتي كنللا نسللير فيهلا!‪..‬‬
‫ت فيها وترعرعت وكنللت أحسللب نفسللي ضللليعا ً فللي‬
‫مدينتي التي ولد ُ‬
‫معرفتها‪ .‬لم أعرف في أي شارع نحن ول إلى أين نتجه!‪ ..‬لقد تغيللرت‬
‫إلى درجة يصعب على من غاب عنها هللذه المللدة أن يعرفهللا‪ ،‬إلللى أن‬
‫وصلنا إلى الساحة المركزية للمدينة‪ ،‬هللا أنللا أعللود إلللى مللدينتي الللتي‬
‫طيب لللي‬
‫أعرفها‪ ،‬هذه النوافير ‪ ..‬هي ‪ ..‬هي ‪ ..‬عندما كنت طفل ً كان ي ِ‬
‫أن أقف تحت رذاذها المتطاير فأشعر بالنتعللاش‪ ،‬ومللن هللذه السللاحة‬
‫عرفت أن السيارة تتجه نحو مركز المخابرات الللذي حللللت فيلله لللدى‬
‫عودتي‪.‬‬
‫ترى هل مازال أبو رمزت وأيوب هناك؟‪ ..‬خيزرانة أيوب التي تبدو لللي‬
‫الن كلعب الطفال أمام ما شاهدت وذقت ‪ ..‬هناك!‪.‬‬
‫السيارة تتوقف عند إشارات المرور‪ ،‬أنظر إلى الناس‪ ،‬أتفحص وجوههم‪ ،‬ما هذه‬
‫اللمبالة ‪ ..‬ترى كم واحدًا منهم يعرف ماذا جرى ويجري في السجن الصحراوي؟ ‪ ..‬تققرى‬
‫كم واحدًا منهم يهتّم؟ أهذا هققو الشققعب الققذي يتكلققم عنققه السياسققيون كققثيرًا؟‪ ..‬يتغنققون بققه ‪..‬‬
‫يمجدونه ‪ ..‬يؤلهونه!‪ ...‬ولكن هل من المعقول أن هذا الشعب العظيم ل يعققرف مققاذا يجققري‬
‫في بلده؟!‪ ..‬إذا لم يكن يعرف فتلققك مصققيبة‪ ،‬وإذا كققان يعققرف ولققم يفعققل شققيئًا لتغييققر ذلققك‬
‫فالمصيبة أعظم‪ ،‬اسقتنتجت أن هقذا الشقعب إمقا أن يكقون مخقدرًا ‪ ..‬أو أبلقه! ‪ ...‬شقعب مقن‬
‫البلهاء‪ ،‬هل يعرف أحد ِمن هذه الجموع ‪ ..‬هذا البقال ‪ ..‬هذه الفتاة التي تسير سققعيدة مبتسققمة‬
‫وهي تتأبط حبيبها ‪ ..‬من هو نسيم؟ ‪ ...‬نسيم الذي يقبع الن فققي السققجن الصققحراوي ينتظققر‬
‫ن لنه لم يستطع أن يتصالح مع هذا الواقع‪.‬‬
‫جّ‬
‫من يناوله دواءه‪ ،‬نسيم الذي ُ‬
‫ت سياسلليًا؟‪..‬‬
‫انتبهللت لنفسللي‪ ،‬ملالي أفكللر غاضللبا ً هكلذا! هللل أصللبح ُ‬
‫ابتسمت رغما ً عني‪ ،‬هل أتوقع أن يخرج هللذا الشللعب فللي مظللاهرات‬
‫عارمة للمطالبة بإطلق سراحي من السجن؟‪ ..‬ومن أنا؟!‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫يا إلهي ما أكثر الناس‪ ،‬أحدق في الوجوه‪ ،‬بيتنا قريب من المكان الذي‬
‫تتجه إليه السيارة‪ ،‬قد يحالفني الحظ فأحظى بمشاهدة أمي أو أبي أو‬
‫أحد أخوتي‪ ،‬ل بل يكفي أي وجه أعرفه‪.‬‬
‫انحرفت السيارة عن الطريق الذي كنت أتوقعه والذي يؤدي إلى ذلللك‬
‫المبنللى الكئيللب القريللب مللن بيتنللا‪ ،‬سللارت باتجللاه الجنللوب الغربللي‬
‫مخترقة المدينة من الشمال إلى الجنوب‪ ،‬مررنا بمعالم كثيرة أعرفها‪،‬‬
‫أحن إليها‪ ،‬هللا هللي الجامعللة والطلب والطالبللات داخليللن خللارجين‪ ،‬ل‬
‫أذكر من حياتي إل أننللي كنللت طالبلا ً والن أمشللي سللريعا ً فللي العقللد‬
‫الخامس من عمري!‪.‬‬
‫ى ضللخم‪ ،‬حراسللات مشللددة‪ ،‬اللدخول صللعب ومعقللد حللتى علللى‬
‫مبنل ً‬
‫سيارات المن‪ ،‬انتظرنا أكثر من عشر دقائق‪ ،‬اتصالت واستفسللارات‪،‬‬
‫سمحوا للسيارة بتجاوز الحاجز‪ ،‬دخلنللا وأصللبحنا أمللام البنللاء‪ ،‬أنزلللوني‬
‫أمام بللاب زجللاجي عريللض‪ ،‬البلط يلمللع‪ ،‬كللل شلليء يللوحي بالنظافللة‬
‫والنظللام‪ ،‬ذهللب الطويللل حللامل ً معلله الوراق‪ ،‬دخللل أول غرفللة إلللى‬
‫ي أو أنك ّللس رأسللي‪ ،‬لكللن‬
‫اليسار‪ ،‬لم يطلب مني أحلد أن أغملض عينل ّ‬
‫رأسي نصف منكس بحكم العادة‪ .‬عللاد الطويللل وقللال للثنيللن اللللذين‬
‫معي بعد أن ناولهما الوراق‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫نزلوه عـ السجن‪.‬‬

‫مباشرة قبالة المكان الذي كنا نقف فيلله‪ ،‬نزلنللا الدراج ‪ ..‬أدراج ‪ ..‬ثللم‬
‫نلف‪ ،‬ثم أدراج ‪ ..‬باب عبارة عن قضبان حديدية‪ ،‬قفللل ضللخم‪ ،‬يللدقون‬
‫الباب‪ ،‬يحضر سجان سمين يحمل بيده كدسللة ملن المفاتيللح‪ ،‬يعطللونه‬
‫الوراق‪ ،‬يفتح البللاب‪ ،‬يللدفعونني إلللى الللداخل‪ ،‬يغلللق البللاب‪ ،‬ينصللرف‬
‫الثنان ‪ ..‬ثم‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫انتظر هون ‪ ..‬ل تتحرك‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫يذهب حامل ً الوراق إلى غرفة في صدر رواق طويل‪ ،‬يظهر على بللاب‬
‫الغرفة التي دخل إليها‪ ،‬يناديني‪ ،‬أذهب إليه‪ ،‬يدخلني الغرفة فأرى رجل ً‬
‫ج مللن جيللوبي جميللع‬
‫أشيب وراء طاولة ينظر إلي‪ ،‬يطلب مني أن أخرِ َ‬
‫أغراضي‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ما عندي شيء‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أبدا ً ‪ ..‬أبدًا؟ ما عندك مصاري؟‪ ..‬ما عندك أغراض؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ما عندي شيء‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬ما عندك هوية؟ ‪ ..‬جواز سفر؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ل ل ما عنللدي شلليء‪ ،‬جللواز سللفري وهويللتي أخللذوها‬

‫مني في السجن الصحراوي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫جعوها إلك؟‪.‬‬
‫ما ر ّ‬

‫‪-‬‬

‫جعوها سيدي‪.‬‬
‫ل ما ر ّ‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬جسمك نظيف؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نظيف سيدي ‪ ..‬نظيف‪ ،‬البارحة تحممت‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يعني ‪ ..‬ما عندك قمل؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫قمل؟ ‪ ..‬في عندي قمل كثير ‪ ..‬سيدي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وبتقول إنك نظيف!!‪.‬‬

‫ت إلى السجان‪ ،‬طلب منه أن يأخذني إلى الحمام وبعللد أن أنتهللي‬
‫التف َ‬
‫من الحمام أن يضعني في المنفردة رقم ‪ ،/ 17 /‬ثم قال لي‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫الحمام ساخن‪ ،‬فوت عـ ل الحمللام ‪ ..‬أول شللي اغسللل‬

‫كل ثيابك بشكل جيد‪ ،‬بعد غسيل الثيللاب تحمللم إنللت ‪ ..‬بتظللل‬
‫تتحمم وتغسللل الثيللاب حللتى تحللس إن ّلله مللا ظللل عنللدك ول‬
‫قملة‪ ،‬أحسن ما تملي السجن هون قمل‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫حاضر سيدي‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫أخذني السجان‪ ،‬أدخلني الحمام المليء بالبخار‪ ،‬قبللل أن يغلللق البللاب‬
‫علي قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫اعمل مثل مللا قللال لللك المسللاعد‪ ،‬وب َللس تخل ّللص دق‬

‫الباب ‪ ..‬مفهوم؟‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫نعم سيدي‪.‬‬

‫الحمام كان ممتعًا‪ ،‬انتهيت‪ ،‬دققت الباب‪ ،‬لملمت ثيللابي الللتي غسلللتها‬
‫جيدًا‪ ،‬لم أستطع أن أعصرها بقوة لنهللا مهللترئة‪ ،‬فتللح السللجان البللاب‬
‫ورآني أحاول أن ألبس الثيلاب المغسللولة‪ ،‬أمرنلي أن أمشلي قبلل أن‬
‫ألبس ‪ ..‬قلت له ل يجوز‪ ،‬صرخ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫جللال؟‪ ..‬بعللدين علللى شللو‬
‫اطلللع وَْل ‪ ..‬شللو مانللك ر ّ‬

‫خايف؟!‪ ..‬على هـ الطيز متل طيز القرد!!‪.‬‬
‫سترت عورتي من المام بثيابي المبللة‪ ،‬مشيت خلف السجان‪ ،‬وصلللنا‬
‫بابا ً عليه رقم‬

‫‪ / 17 /‬ففتحه‪ ،‬دفعني‪ ،‬وأغلق الباب ورائي‪.‬‬

‫ها أنا وحدي ‪ ..‬في زنزانللة مطليللة بللاللون الخضللر الفاتللح‪ ،‬البطانيللات‬
‫على الرض‪ ،‬الزنزانة واسعة قد تبلغ أكثر من ثلثة أمتللار مربعللة‪ ،‬فللي‬
‫سقفها فتحتان اكتشفت أنهما للتهوية‪ ،‬واحللدة لسللحب الهلواء الفاسللد‬
‫والخرى لضخ الهواء الخارجي‪.‬‬
‫نشرت ثيابي المبللة علللى الرض‪ ،‬جلسللت علللى البطانيللات‪ ،‬تغطيللت‬
‫بواحدة ‪ ..‬الجو هنا حار‪ ،‬بعد قليل تمددت وغفوت‪.‬‬
‫استيقظت على الصوت المرعب‪ ،‬صوت قرقعة المفتاح الحديدي فللي‬
‫الباب الحديدي‪ ،‬صرير الحديد بالحديد‪ ،‬جلست وأحكمت لف البطانيللة‬
‫حول وسطي‪ ،‬انفتح الباب وظهللر رجلن‪ ،‬أحللدهما كهللل والخلر شللاب‬
‫ج ّ‬
‫ل‪ ،‬سللألني عللن اسللمي وعمللري‪ ،‬مكللان ولدتللي‪ ،‬كللل‬
‫ومعهمللا ِ‬
‫سل ِ‬
‫جَلها‪ ،‬أغلللق السلج ّ‬
‫ل وسلألني علن‬
‫سل ّ‬
‫المعلومات الخاصة المتعلقة بي َ‬

‫‪204‬‬

‫سبب نومي عاريًا‪ ،‬أجبته بلأن الثيللاب الوحيللدة اللتي أملكهلا مغسلولة‪،‬‬
‫وهي لم تجف بعد ‪ ..‬التفت إلى الشاب وقال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫روح عـ المهجع ‪ ،‬قول لهم إنلله فللي واحللد سللجين مللا‬

‫عنده ثياب‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫حاضر‪.‬‬

‫أغلق الباب‪ ،‬بعد ربع ساعة عاد الشاب حامل ً صرة من الثيلاب‪ ،‬بيجاملا‬
‫رياضية‪ ،‬غيار داخلي ‪ ..‬سليب وليس سروال ً شرعيا ً يصلل حلد الركبلة‪،‬‬
‫ت بمظهر جديد‪.‬‬
‫جميعها جديدة ‪ ..‬ظهر ُ‬
‫‪ 20‬أيككككار‬
‫ثلثة أيام منذ أن غادرت السللجن الصللحراوي ومجيئي إلللى هنللا لللم أر‬
‫خللهللا أحللدا ً غيللر السللجانين‪ ،‬ثلث مللرات فللي اليللوم يفتحللون البللاب‬
‫لدخال الطعام‪ ،‬وبعد ساعة تقريبا ً مللن إدخللال الطعللام يفتحللونه ثانيللة‬
‫لخراج الصحون وللخروج للمرحاض والمغاسل ‪ ..‬يسللمون المرحللاض‬
‫هنا "الخط" )لم أستطع أن أعرف سبب هذه التسمية!(‪.‬‬
‫الطعام هنا أفضلل ملن هنلاك‪ ،‬يصلل إللى السلجين القليلل ملن قطلع‬
‫اللحم‪ ،‬والطعام أكثر نظافة وتنوعًا‪.‬‬
‫أنتظر بقلق يزداد كلما مر يوم دون أن أعللرف سللبب نقلللي إلللى هنللا‪،‬‬
‫المعاملة هنا جيدة نسبيا ً باستثناء بعض الصفعات على الللوجه والرقبللة‬
‫أثناء الخروج إلى المرحاض أو العودة منه‪ ،‬لم أتعرض إلى أي تعللذيب‬
‫جسدي مباشر‪ ،‬لكن أصلوات التعلذيب اللتي تصلل جليلة واضلحة إللى‬
‫جميع الزنازين النفرادية )المنفردات( تغدو مع الوقت أكللثر اسللتفزازا ً‬
‫ومدعاةً للتوتر والخللوف‪ ،‬كللل يللوم مللن الثامنللة والنصللف صللباحا ً تبللدأ‬
‫صللرخات اللللم والتوسللل‪ ،‬وتنتهللي عنللد الثانيللة والنصللف‪ ،‬لتعللاود‬
‫السطوانة عزفها من السادسة مساًء وحتى ساعة متأخرة من الليل‪.‬‬
‫أحاول تجاهلها ‪ ..‬نسيانها أو التغاضي عنها ‪ ..‬ل أفلح‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫‪ 21‬أيككككار‬
‫اليوم مسللاًء فتحللوا بللاب زنزانللتي وطلللب العنصللر خروجلي‪ ،‬خرجللت‪،‬‬
‫أمسكني من يدي وقادني إلى باب الدراج ذي القضبان المعدنية‪ ،‬فتللح‬
‫الباب‪ ،‬سلمني إلى عنصر آخر كان واقفا ً أمام الباب‪ ،‬قادني هذا الخللر‬
‫مللع‪ ،‬سللحبني خلل الممللر اليمينللي إلللى‬
‫صعودًا‪ ،‬وصلنا إلى البلط المل ّ‬
‫آخر غرفة‪ ،‬أدخلني فيها‪ ،‬خرج وأغلق الباب دون أن ينطق حرفًا‪ ،‬ليللس‬
‫في الغرفة إل طاولة وكرسي واحد فقط‪.‬‬
‫دخل رجل في الربعين وبيده كدسة أوراق بيضللاء وقلللم حللبر ناشللف‪،‬‬
‫سألني إن كنت أنا ‪ ..‬أنلا‪ ،‬أجبللت نعللم أنلا‪ ،‬وضللع الوراق والقلللم علللى‬
‫الطاوللة‪ ،‬أمرنلي أن أجللس‪ ،‬جلسلت عللى الكرسلي خللف الطاوللة‪.‬‬
‫"هذه هي المرة الولللى اللتي أجللس فيهلا عللى كرسللي منلذ ‪/ 12 /‬‬
‫سنة"‪ ..‬قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هذه أوراق ‪ ..‬هذا قلم‪ ،‬نريد منك تكتللب تاريللخ حياتللك‬

‫من ولدتك وحتى الن‪ ،‬مفهوم؟‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫نعم مفهوم‪.‬‬

‫خرج‪ ،‬وبدأت أكتب ‪ ..‬أستذكر وأكتب‪ ،‬أفكر ماذا يريدون بالضللبط؟‪ ..‬ل‬
‫أعرف وأكتب‪ ،‬ساعة ‪ ..‬ساعتان وأكتللب‪ُ ،‬فتللح البللاب خللهللا مرتيللن ‪..‬‬
‫عندما يرون انهماكي في الكتابة يخرجون دون أن يقولوا شيئا ً ‪ ..‬أكتب‬
‫‪ ..‬القلم ‪ ..‬الورقة ‪ ..‬افتقدتهما سنوات طويلة‪ ،‬كانا أمرا ً عاديللًا‪ ،‬بللديهيا ً‬
‫وفي متناول اليد دائمًا‪ ،‬وعنللدما تفقللدهما ‪ ..‬تفكللر طللوي ً‬
‫ل‪ :‬كللم أنفقللت‬
‫البشرية من زمن وجهد حتى اسللتطاعت اخللتراع وإيجللاد الللورق؟ كللم‬
‫لزمها حتى اخترعت القلم الذي نكتب به بسهولة؟ كم هما عزيللزان ‪..‬‬
‫أثيران إلى قلبي‪ ،‬وأكتب ‪ ..‬أغللوص فللي التفاصلليل الصللغيرة‪ ،‬أسللتذكر‬
‫المدارس التي درست في صفوفها‪ ،‬أهلي‪ ،‬أصللدقائي ‪ ..‬أصللبحت هللذه‬
‫الكتابة متعة لي‪ ،‬ل أريد مفارقة الورقة والقلم‪.‬‬

‫‪206‬‬

‫يدخل الرجل الذي قادني ‪ ..‬يحدق بي‪ ،‬يقول‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫لو كنت عم تكتب تاريخ العالم كنت خللصت‪ ..‬العمللى‬

‫ليش لهّلق؟!‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫أعطيني كم دقيقة ‪ ..‬أكون خالص‪.‬‬

‫مه الوراق والقلم ‪ ..‬يقول لي‪:‬‬
‫بعد دقائق أسل ّ ُ‬
‫‪-‬‬

‫خليك هون‪.‬‬

‫ويذهب‪.‬‬
‫عاد بعد أقل من ساعة بقليل مع شخص ذي هيبة‪ ،‬الوراق التي كتبتهللا‬
‫ي قليل ً وقال‪:‬‬
‫بيد الشخص ذي الهيبة‪ ،‬حد ّقَ هذا ف ّ‬

‫‪-‬‬

‫كل شيء كتبته اسمه أكل خللرى‪ .‬هللاي أوراق جديللدة‬

‫وهذا قلم‪ .‬أكتب لنا المفيد والمختصر‪.‬‬

‫)رموا بالقلم‬

‫والوراق على الطاولة وذهبوا(‪.‬‬
‫ت مللا كنللت قللد كتبتلله‬
‫بدأت أكتب من جديد ولكن بنفس المتعللة‪ ،‬أعللد ُ‬
‫سابقًا‪ ،‬ليس لديّ جديد‪ ،‬لقد كنت صادقا ً في كل ما كتبت‪ ،‬طلبوا تاريخ‬
‫حياتي وقد كتبته لهم في بضع صفحات‪ ،‬وكللل مللا كتبللت كللان صللحيحا ً‬
‫فليس لدي شيء أخفيه أو أخاف من قوله‪ ،‬ولكن لماذا يطلبللون منللي‬
‫كتابة ما كنت قد كتبته سابقًا؟ ‪ ..‬لست أدري‪.‬‬
‫ومن جديد أخذوا ما كتبت‪ ،‬عاد الرجل الول بعد أقل من ساعة‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يـ الله ‪ ..‬امشي‪.‬‬

‫بنفس الطريقة عدنا‪ ،‬ودخلت إلى زنزانتي‪.‬‬
‫‪ 22‬أيكككار‬
‫اليللوم مسللاًء فتللح بللاب زنزانللتي‪ ،‬طلللب العنصللر خروجللي‪ ،‬خرجللت ‪..‬‬
‫ممرات ‪ ..‬أدراج ‪ ..‬أبواب حديدية‪ ،‬ممر إلى اليمين ملمع البلط ‪ ..‬أول‬
‫غرفة إلى اليسار‪.‬‬

‫‪207‬‬

‫رجل يضع نظللارات طبيللة‪ ،‬يجلللس وراء مكتللب أسللود‪ ،‬أمللام المكتللب‬
‫كرسي بلستيكي‪ ،‬رفللع رأسلله‪ ،‬خلللع النظللارات الطبيللة‪ ،‬أشللار لللي أن‬
‫س النظللارات‪ ،‬أمسللك‬
‫أجلس فجلست على الكرسللي‪ ،‬وبعللد قليللل ل َب ِل َ‬
‫ي‪:‬‬
‫القلم‪ ،‬يسأل‪ ،‬أجيب‪ ،‬يسجل دون أن ينظر إل ّ‬

‫‪-‬‬

‫اسمك‪ ،‬اسم أبوك‪ ،‬اسم أمك‪ ،‬أخوتك الذكور‪ ،‬أخواتك‬

‫البنللات‪ ،‬أعمامللك‪ ،‬أخوالللك‪ ،‬أصللدقاؤك هنللا‪ ،‬أصللدقاؤك فللي‬
‫فرنسا‪ ،‬أسماؤهم الثلثية جميعًا‪ ،‬انتماءاتهم الحزبية‪...‬‬
‫وعند هذا السؤال قلت‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ل أعرف‪.‬‬

‫لم يجادل‪ ،‬لم يكذبني‪ ،‬كتب على الورقة التي أمامه ‪ ..‬ل يعرف‪.‬‬
‫ثم سلألني الكللثير مللن السللئلة‪ ،‬كلهللا سياسللية ‪ ..‬علن الحلزاب الللتي‬
‫انتميت إليها‪ ،‬وأخيرا ً قال لي‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هل لديك أقوال أخرى؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ل‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫خليك هون‪.‬‬

‫لملللم أوراقلله وذهللب‪ ،‬بعللد حللوالي السللاعة أتللى عنصللر أعللادني إلللى‬
‫زنزانتي‪ ،‬جلست‪.‬‬
‫طوال الوقت أسمع صراخ امرأة ‪ ..‬إنهم يعذبونها!‪.‬‬
‫‪ 23‬أيكككار‬
‫في آخر الليل‪ ،‬أعادوني إلى الزنزانة محطمًا‪.‬‬
‫في أول الليل فتحوا باب زنزانتي وأمروني أن أخرج‪ ،‬خرجت كالعللادة‪،‬‬
‫لم يكن هناك أدراج‪ ،‬أخذوني إلى آخر غرفة في صف الزنللازين‪ ،‬وضللع‬
‫ي ودفعني إلى داخل الغرفة!‪.‬‬
‫السجان الطماشة على عين ّ‬
‫سألت نفسي ‪ :‬هل انتهى شهر العسل؟‪.‬‬
‫أوقفتني أيدي السجان‪ ،‬جاءني صوت من أمامي‪:‬‬

‫‪208‬‬

‫‪-‬‬

‫نحللن عاملنللاك معاملللة راقيللة ‪ ..‬لنلله أهلللك جماعللة‬

‫طيبين‪ ،‬بس إنت ما فيك ذوق‪ ،‬كل هـل العلك والحكللي الفلارغ‬
‫ما تقول لللي إلللى أي تنظيللم‬
‫ما ينفع‪ ،‬كلمتين ورد غطاهن‪ :‬يا إ ّ‬
‫ما خّليك تشوف نجوم الضهر ‪ ..‬ها شو قلت؟‪.‬‬
‫تنتمي ‪ ..‬يا إ ّ‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي ‪ ..‬أنا ما انتميت لي تنظيم ‪ ..‬بس أنللا رحللت‬

‫عـ السجن الصحراوي بتهمة الخوان المسلمين‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫شو إخلوان ‪ ..‬شلو خلرى!‪ ..‬شللون مسليحي وإخلوان‬

‫مسلللمين؟‪ ..‬هللذا كللان خطللأ‪ ،‬وهلللق لزم نصللحح الخطللأ‪ ،‬لي‬
‫تنظيم إنت منتسب؟‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫أنا ما انتسبت لي تنظيم‪.‬‬

‫يبدو إنك جحش ‪ ..‬ما بتفهم! ‪ ..‬إيْ ‪ ..‬أيّ واحد يحكللي‬
‫‬‫مثل الحكي يّلي إنت حاكيه لزم يكون عنده تنظيم!‪.‬‬
‫ثم سمعته يخاطب آخرين في الغرفة‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫خذوه على بساط الريح وبس يقللرر يعللترف ‪ ..‬هللاتوه‬

‫لهون!‪.‬‬
‫سحبوني بعنف‪ ،‬رغللم كللل شلليء فقللد ارتحللت قليل ً لننللي عرفللت أن‬
‫أهلي قد أصبحوا ورائي‪ ،‬ألقوني على لوح خشبي‪ ،‬ربطوني مللن جميللع‬
‫أنحللاء جسللمي‪ ،‬رفعللوا الجللزء السللفلي مللن اللللوح الخشللبي عالي لا ً ‪..‬‬
‫ثبتوه ‪ ..‬بدأ الضرب ‪ ..‬وبدأ الصراخ‪.‬‬
‫كنت أتألم بشدة‪ ،‬لكنني لم أكن خائفا ً ول هِلعًا‪ ،‬أنا الن "صاحب خللبرة‬
‫وتجربة"‪ ،‬لقد رأيت الكللثير مللن الحللالت أمللامي‪ ،‬وسللمعت أيضلا ً عللن‬
‫الكثير من الحالت‪ ..‬ومنها تعلمت وحفظت‪.‬‬
‫كما لرجال المن دروسهم وقواعدهم‪ ،‬فللإن للسللجناء أيض لا ً قواعللدهم‬
‫ووصاياهم‪ ،‬وهنا كان أهم وصيتين‪:‬‬

‫‪209‬‬

‫الولى‪ :‬مهما تألمت من التعذيب فل تعترف بشيء رجاَء التخلللص مللن‬
‫اللللم‪ ،‬لن العللتراف مهمللا كللان صللغيرا ً سلليجعلهم يعرفللون أنللك قللد‬
‫ضعفت‪ ،‬لذلك فإن كمية التعذيب ستزيد لنتزاع المزيد من العترافات‬
‫بدل ً من أن تنتهي‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬إذا طلبوا منك أن تتعاون معهم وتصبح مخبرا ً لديهم مقابللل أن‬
‫يطلقوا سراحك‪ ،‬فل تقبل مطلقلًا‪ ،‬لنلك إن قبلللت تكللون قلد تلورطت‬
‫ورطة تدوم مدى الحياة‪ ،‬وهم دائما ً يكذبون!‪.‬‬
‫كنت أتألم ‪ ..‬لكن لم أعد ّ الضربات‪ ،‬فكرت بأمور شتى‪ ،‬أهلي ‪ ..‬نسيم‬
‫‪ ..‬كل هذا وأنا أصرخ ‪ ..‬بصوت عال!‪.‬‬
‫درتا‪ ،‬إحساسي باللم خف كثيرا ً ‪..‬‬
‫ي قد تخ ّ‬
‫بعد فترة أحسست أن قدم ّ‬
‫وغدا المر ميكانيكيًا‪ ،‬يضربون‪ ،‬أتألم قلي ً‬
‫ل‪ ،‬أصرخ عاليًا‪.‬‬
‫ض الصابع لصالحي!‪ ..‬إما أنهم تعبوا‪ ،‬أو مّلوا‪ ،‬أو اقتنعللوا‬
‫انتهت لعبة ع ّ‬
‫أنني ل أنتمي لي تنظيم‪.‬‬
‫تركوني بناء على أوامر "الصوت الذي كان في الغرفة"‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫اتركوه ‪ ..‬اتركوه‪ ،‬خذوه عـ الزنزانة‪ ،‬العمى مللا أيبللس‬

‫راسه ‪ ..‬مثل راس الجحش!‪.‬‬
‫أمشي بصعوبة‪ ،‬محطما ً بدنيا ً ‪ ..‬لكن بمعنويات ج لد ّ مرتفعللة‪ ،‬أعللادوني‬
‫إلى زنزانتي‪.‬‬
‫لم ألَبث أن نمت‪.‬‬
‫‪ 24‬أيكككار‬
‫اليوم صباحا ً فتحلوا بلاب زنزانلتي‪ ،‬أخرجلوني‪ ،‬طمشلوني فلورًا‪ ،‬وملن‬
‫خلل السير عرفت أنني أصعد الدراج والسللم‪ ،‬قللادوني ل أدري بللأي‬
‫اتجللاه‪ ،‬دق العنصللر أحللد البللواب ‪ِ ..‬ادخ ل ْ‬
‫خللل ‪ ..‬خبطللة قللدم ‪..‬‬
‫ل ‪ ..‬د َ َ‬
‫احترامي سيدي‪.‬‬
‫ش ثخين‪:‬‬
‫قال صوت أج ّ‬

‫‪210‬‬

‫‪-‬‬

‫ارفع الطماشة عن عيونه ‪ ..‬وروح إنت‪.‬‬

‫رفع العنصر الطماشة‪ ،‬ثلثة رجال في منتصف العمر ‪ ..‬أحدهم يجلس‬
‫ي المكتللب‪،‬‬
‫خلللف مكت ل ٍ‬
‫ب فخللم وأنيللق‪ ،‬الخللران يجلسللان إلللى جللانب ّ‬
‫ي مباشرة‪ ،‬يفحصونني من قمللة‬
‫جميعهم صامتون‪ ،‬ستة عيون تحدق ف ّ‬
‫ي‪ ،‬ستة عيون قاسية ‪ ..‬ثاقبة ‪ ..‬أحسست أننلي‬
‫رأسي إلى أخمص قدم ّ‬
‫أتعرى من الداخل‪ ،‬ستة عيون يسيل منها مزيج من الللدهاء والللذكاء ‪..‬‬
‫مزيج من القسوة والسطوة ‪ ..‬مزيللج مللن الللترفع والعنجهيللة ‪ ..‬عيللون‬
‫رأت عشرات اللف من أمثالي ‪ ..‬عيون قد شبعت مللن كللل شلليء!‪..‬‬
‫عيون ضجرة ملولة‪.‬‬
‫فللورا ً قللدرت أن هللؤلء الرجللال الثلثللة هللم أهللم مللن قللابلتهم مللن‬
‫المسؤولين والمحققين حتى الن‪ ،‬وأن مصيري كله سيتقرر فللي هللذه‬
‫الجلسللة‪ ،‬قللررت أن أكللون جللريئا ً ‪ ..‬أن أدافللع عللن نفسللي بقللوة‪ ،‬أن‬
‫أستفيد من كل ما سللمعته ومللا مللر بللي‪ ،‬سللأواجههم‪ ،‬لللذلك وقبللل أن‬
‫يتفوهوا بأي كلمة بادرتهم بالسؤال مستجمعا ً كل شجاعتي‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إذا ممكن تسمحوا لي بسؤال ‪ ..‬أنا ليش هون؟ ‪ ..‬مللا‬

‫هي جريمتي حتى أبقى في السجن أكثر من ‪ 12‬سنة؟ ‪ ..‬شللو‬
‫عملت؟‪ ..‬ممكن واحد منكم يجاوبوني على هذا السؤال؟‪.‬‬
‫قال الرجل الجالس خلف المكتب‪ ،‬هو نفس الصوت الجش‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أول ً اخرس‪ ،‬ثانيا ً إنت هون اتجاوب علللى السللئلة مللو‬

‫تطرح أسئلة‪ ،‬ثالثا ً رغم هيك ‪ ..‬راح نقول لك ليللش إنللت هللون‬
‫وما هي جريمتك ‪ ..‬يا مجرم‪.‬‬
‫ت قليل ً ثم أردف‪:‬‬
‫سك َ‬

‫‪-‬‬

‫اسحب هـ الكرسي ‪ ..‬اجلس‪.‬‬

‫سحبت الكرسي وجلست‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إنت مخرج سينمائي ‪ ..‬وَْل؟‪.‬‬

‫‪211‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إنت عم تقللول إنللك ملا انتسللبت لي تنظيللم سياسللي‬

‫معارض للدولة ‪ ..‬أنلا راح صللدقك‪ ،‬لكلن إذا ظهلر عكللس هلذا‬
‫الكلم ‪ ..‬أنا بإيدي راح أعدمك ‪ ..‬مفهوم؟‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫نعم سيدي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬أنا راح أقللرأ لللك مجموعللة أسللماء وأي اسللم‬

‫تعرفه قول ‪ ..‬مفهوم؟‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫نعم سيدي‬

‫قرأ ثلثة أسماء ل أعرفهم‪ ،‬قرأ السم الرابع‪ ،‬السم الثلثللي لصللديقي‬
‫أنطوان‪ ،‬عندها رفعت يدي مسرعًا‪ ،‬وكأني أريد أن أثبت مصللداقيتي ‪..‬‬
‫صرخت‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫هذا يا سيدي ‪ ..‬أنطوان ‪ ..‬هو صديقي بفرنسا‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫هللاه ‪ ..‬وصلللنا لشلليء مفيللد ‪ ..‬إنللت بتعللرف إنلله هللذا‬

‫أنطوان من أخطللر النلاس؟ ‪ ..‬هللو شلليوعي معللارض للنظللام‪،‬‬
‫يعني مو مثل خالك‪ ،‬رغم أن خالك شيوعي ‪ ..‬خالك رجل كثير‬
‫وطني ومخلص‪ ،‬ونحن نحترمه كثير‪ ،‬بللس أنطللوان ‪ ..‬أنطللوان‬
‫ضك حللتى تحكللي‬
‫عميل!‪ ..‬أنطوان ضد الوطن!‪ ..‬وأكيد هو حّر َ‬
‫ضد الوطن ‪ ..‬مو هيك؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ل ‪ ..‬ل سيدي ‪ ،‬أنطوان ما كان يحكي معي بالسياسة‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫لكللن ‪ ..‬إنللت مللن ويللن جللايب هللذا الحكللي المكتللوب‬

‫بالتقرير؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أيّ حكي ‪ ..‬وأي تقرير؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫جللع راسللنا راح أقللرأ لللك‬
‫جع راسللك ‪ ..‬وتو ّ‬
‫مشان ما و ّ‬

‫التقرير‪ ،‬وبعدين تجاوبني‪ ،‬اتفقنا؟‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫طيب‪.‬‬

‫‪212‬‬

‫فتح إضبارة أمامه‪ ،‬تفحص عدة أوراق‪ ،‬سحب ورقللة منهللا‪ ،‬نظللر إليهللا‬
‫فقَ يقرأ‪.‬‬
‫مليا ً وط َ ِ‬
‫عيللت إلللى سللهرة مللع صللديقتي الفرنسللية‪،‬‬
‫" بتاريللخ كللذا ‪ ..‬وكللذا ‪ ..‬د ُ ِ‬
‫السهرة كانت في بيت الملدعو أنطللوان‪ ،‬وكللان حاضللرا ً فلي السلهرة‪،‬‬
‫فلن وفلن وفلن‪ ..‬ك ّ‬
‫ل منهم بصحبة صديقته‪..‬‬
‫توقف عن القراءة قليل ً قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫شو بدنا بكل هـ العلك ‪ ..‬وين الفقرة الخاصة فيللك ‪..‬‬

‫وين ‪ ..‬ها ‪ ..‬هذه الفقرة ‪..‬‬
‫‪ .........‬عند نهاية النقاش بقي هناك شللخص لللم يشللارك فللي‬
‫الحديث لم أعرف رأيه‪ ،‬وهو المدعو فلن الفلني‪ ،‬وهو طالب‬
‫من العاصمة يدرس الخراج السينمائي هنا فللي فرنسللا‪ ،‬وقللد‬
‫أمضللى فللترة النقللاش ينظللر إلينللا مبتسللمًا‪ ،‬وأحيانللا ً يحللادث‬
‫صديقته‪.‬‬
‫عه‬
‫توجهت إليه بالسؤال عن رأيه عما دار من حديث‪ ،‬ولكي أد َ ْ‬
‫جمي على السلطة السياسية‪.‬‬
‫يطمئن تابعت ته ّ‬
‫ضحك وقال كلملا ً جارحلا ً بحللق الرفيللق الميللن العللام رئيللس‬
‫الجمهوريللة المفللدى‪ ،‬وأنللا الن سللأورد كلملله كمللا ورد علللى‬
‫ج جللدًا‪ ،‬وأربللأ بقلمللي أن يخللط‬
‫لسانه مضطرًا‪ ،‬رغم أنني محر ٌ‬
‫عبارات كهذه!‪ ..‬وسلليادتكم تعلمللون أننللي علللى اسللتعداد لن‬
‫أقطللع لسللاني ول أدعلله يتلفللظ بعبللارات كهللذه مقذعللة بحللق‬
‫جّله ونحترمه ‪ ..‬ل بل نعبللده ‪ ..‬السلليد الرئيللس‬
‫النسان الذي ن ُ ِ‬
‫حماهُ الله ونصره‪ ،‬ولتكن أرواحنا فداًء له‪.‬‬
‫ولكللن تسللجيلي لهللذه العبللارات إنمللا الهللدف منلله أن تكللون‬
‫الجهات المنية السللاهرة علللى أمللن الللوطن علللى عللم ٍ بكللل‬

‫‪213‬‬

‫شيء‪ ،‬وأن تكون في صورة الموضوع‪ ،‬قال المللدعو فلن ردا ً‬
‫على تساؤلي ‪ ..‬و بالحرف الواحد‪:‬‬
‫أنا بالحقيقة ل أستسيغ ول أحب النقاشات السياسية‪ ،‬وكرجللل‬
‫يهوى الفن السينمائي ويعمل في مجاله‪ ،‬فإنني أهتم بالصللوت‬
‫والصلللورة‪ ،‬ل تهمنلللي الملللور القتصلللادية أو السياسلللية‪ ،‬ل‬
‫أستطيع أن أحكم على النظام أو على السككلطة مككن‬

‫خللها‪ ،‬أنا أحكم من خلل الصوت والصورة‪.‬‬
‫إذا كــانت الرســالة ُتعــرف مــن عنوانهــا‪ ،‬فــإن عنــوان هــذا النظــام هــو‬
‫الرئيــس ‪ ..‬فمــاذا يقــول الصــوت؟‪ ..‬إن صــوت هــذا الرئيــس مثــل صــوت‬
‫التيس ‪ ..‬والتيس كما تعرفون هو من أنتــن الحيوانــات وأعنــدها‪ ،‬وأنــا ل‬
‫أحب النتانة ول العناد‪ .‬أمـا الصـورة فتقـول‪ ،‬إن رأسـه مثـل رأس البغـل‪،‬‬
‫وأنا أكره البغال كـثيرًا ‪ ..‬لسـبب بسـيط هـو أنهـا ليسـت أصـيلة‪ ،‬لـو كـان‬
‫حمارًا لحببته‪ ،‬لنه في هــذه الحالــة ينتمــي إلـى ســللة الحميــر الصـيلة‬
‫والعريقة‪ .‬لهذين السببين يا أخي‪ ،‬فــإنني ل أحــب هــذا الرئيــس ول أحــب‬
‫هذا النظام‪ .‬وقد ضحك جميع الحاضرين في الجلسللة ‪ ..‬هللذا هللو‬
‫رأي ‪."..‬‬
‫ي بعملق‬
‫عند هذه العبارة توقف الصوت الجش عن القلراءة‪ ،‬نظللر إلل ّ‬
‫حقد وهو يطوي الوراق الموجودة أمامه‪ ،‬ثم قال بلهجة استهزاء‪:‬‬
‫و ِ‬

‫‪-‬‬

‫نحن قلنا لك عن سبب وجودك هون ‪ ..‬عن جريمتللك‪،‬‬

‫وإنت هل ّللق لزم تقللول لنللا لي تنظيللم منتسللب ‪ ..‬هللذا الكلم‬
‫الوارد بالتقرير كلمك وّل ل ؟ ‪ ..‬احكي‪.‬‬
‫فيما كان يقرأ التقرير كان عقلي يعمل بسللرعة مذهلللة‪ ،‬كللل حواسللي‬
‫كانت مستنفرة‪ ،‬كنت أسمع بنصف عقلي والنصللف الخللر كللان يفكللر‪،‬‬
‫حللاولت تللذكر السللهرة فلللم أفلللح!‪ ..‬التقطللت التاريللخ المللذكور فللي‬

‫‪214‬‬

‫التقرير‪ ،‬أكثر من ثلث سنوات قبل عودتي إلى بلدي‪ ،‬يضاف إليها أكثر‬
‫من اثني عشر عاما ً قضيتها في السجن!‪ ..‬كيلف للي أن أتلذكر سلهرة‬
‫من مئات السهرات التي كنا نقيمها؟‪ ..‬حتى أشخاص السهرة لم أتذكر‬
‫منهللم سللوى صللديقي أنطللوان!‪ ..‬وهللذا كنللت معلله يومي لا ً تقريب لًا‪ ،‬لللم‬
‫أتذكر ‪ ..‬لم أتذكر‪.‬‬
‫أما كلمي الوارد في التقرير فهو يندرج في عداد النكات‪ ،‬وكانت هناك‬
‫آلف النكات‪ ،‬قسم كبير منها يتناول رجال السياسة والرئيس شخصيًا‪،‬‬
‫ول تخلو سهرة من سهراتنا كطلب من عشرات النكات‪ ،‬فلمللاذا هللذه‬
‫النكتة بالذات ‪ -‬على فرض أني قلتهللا ‪ -‬يكللون ثمنهللا باهظلا ً إلللى هللذه‬
‫الدرجة؟!‪.‬‬
‫أجبت على السؤال الذي وجهه لي ‪..‬‬

‫‪-‬‬

‫هذا التقرير الذي قرأته وعمره أكثر من خمسة عشللر‬

‫عامًا‪ ،‬ل أذكر أني حكيت هيك كلم‪ ،‬وعلى فرض أني حكيتلله ‪..‬‬
‫هذه نكتة ل أكثر ول أقل ‪ ،‬وأنت تعرف أنله فلي مئات النكلات‬
‫من هذه الشاكلة‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫حتى لو كانت نكتة ‪ ..‬هذه النكتللة عقوبتهللا مللن سللنة‬

‫إلى ثلث سنوات‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫بس أنا صار لي ‪ 12‬سنة في السجن!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫اللل ‪ 12‬سللنة انسللاهم‪ ،‬هللدول نتيجللة خطللأ نحللن غيللر‬

‫مسللؤولين عنلله‪ ،‬حسللابك يبللدأ‬

‫مللن هللذه اللحظللة‪ ،‬وهلللق‬

‫احكي لنا عن تنظيمك ‪ ..‬ولي تنظيم تنتمي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا منتسب إلى تنظيم ‪ ..‬الخوان المسلمين!‪.‬‬

‫ش يللده ليكبللس زر‬
‫انفجللروا بالضللحك ‪ ..‬وم لد ّ صللاحب الصللوت الج ل ّ‬
‫الجرس‪ ،‬ظهر العنصر على الباب فورًا‪ ،‬خاطبه ولزالللت آثللار الضللحك‬
‫بادية عليه‪:‬‬

‫‪215‬‬

‫‪-‬‬

‫رجعه عـ الزنزانة‪ ،‬وقول لمدير السجن ل تزعجوه‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حاضر سيدي‪.‬‬

‫يبدو أنهم كانوا قد درسوا القضية واتخذوا قللرارًا‪ ،‬وكللل الللدلئل تشللير‬
‫إلى أن هذا القرار لصالحي‪.‬‬
‫ولكن مادور خالي في كل هذا؟ ‪ ..‬لست أدري‪.‬‬
‫‪ 10‬حككزيكككككران‬
‫أكثر من نصف شهر لم يحدث خللها شيء‪ ،‬أصللوات التعللذيب أنهكللت‬
‫ون من أن تسمع أصوات الصراخ النساني‬
‫أعصابي‪ ،‬أن تتعذب أنت أه َ‬
‫ليل ً نهارًا‪ ،‬أحلاول أن أتلهلى بقلراءة السلماء الموجلودة عللى حيطلان‬
‫الزنزانللة‪ ،‬جميعهللا مكتوبللة بواسللطة شلليء معللدني ‪ ..‬مسللمار مث ً‬
‫ل‪،‬‬
‫محفورة بللالطلء الخضللر الفاتللح‪ ،‬الكللثير مللن الشللعار‪ ،‬أسللماء ذكللور‬
‫وإناث‪ ،‬بعضهم يكتب اسم مدينته أو حزبه السياسي‪ ،‬أحدهم كان يخط‬
‫خطوطا ً متوازية إلللى جللانب اسللمه ‪ ..‬يبللدو أن كللل خللط يمثللل يوملًا‪،‬‬
‫عددتها‪ :‬ثلثة وثلثين خطًا‪.‬‬
‫‪ 21‬حككزيككككران‬
‫أخرجني السجان وهو يطلب مني أن أحمل كللل أشلليائي‪ ،‬صلعدنا إللى‬
‫فوق دون طماشة ودون قيود‪ ،‬أدخلني بالمراسيم المعتادة إلى غرفللة‬
‫"صاحب الصوت الجش" الذي بادر بأن طلب مني الجلوس‪.‬‬
‫تكلم معي أكثر مللن عشللر دقللائق‪ ،‬أفهمنللي أنهللم كللانوا ينللوون إطلق‬
‫سراحي‪ ،‬وأنهم يحترمون خالي الذي يتدخل لصالحي كثيرا ً لنه إنسللان‬
‫جيد‪ ،‬إل أن هنللاك جهللات أمنيللة أخللرى اعترضللت علللى ذلللك وطللالبت‬
‫بتسليمي إليها وأنهم مضطرون آسفين لتسليمي إليهم‪.‬‬
‫بعد ذلك استمر حوالي عشللر دقللائق أخللرى يحللاول أن يفهمنللي أمللرا ً‬
‫ة‪ ،‬وتبين لي أنه ل يريد أن يخوض فيلله صللراحة لللذلك لجللأ‬
‫ولكن مناور ً‬
‫إلى التلميح واللف والدوران‪ ..‬كل‬

‫‪216‬‬

‫ما استطعت فهمه هو أننللي‬

‫يجب أّل أدلي بمعلومات لدى الجهة المنية الخرى زيللادة عمللا أدليللت‬
‫به هنا مهما استعملوا معي من وسائل‪ ،‬وأننللي يجللب أّل أنكللر الجميللل‬
‫ي لنللتزاع المعلومللات ‪ -‬وهللذا‬
‫الذي أسدوه لي هنا بعدم ضللغطهم علل ّ‬
‫ُ‬
‫كرمى لخالي‪ -‬وذلك لنني إذا أدليللت بمعلومللات جديللدة سللوف تظهلر‬
‫الجهة المنيللة الخللرى بمظهللر الطللرف القللدر والكللثر نجاحلًا‪ ،‬وأننلي‬
‫صمة الفشلل‪.‬‬
‫عندها سوف أ ِ‬
‫م "صاح َ‬
‫ص ُ‬
‫ب الصوت الجش" وجماعَته بوَ ْ‬
‫كمللا أننللي إذا تقيللدت بهللذه التعليمللات فللإن ذلللك سلليكون لصللالحي‪،‬‬
‫وسيصب في النهاية لصالح قرار إطلق سراحي‪.‬‬
‫ختم حديثه قائ ً‬
‫ل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أتمنى لللك التوفيللق‪ ،‬إذا أطلقللوا سللراحك سلّلم علللى‬

‫جللال ‪ ..‬ل‬
‫خالك‪ ،‬قل له العميد "‪ ".....‬يسلللم عليللك‪ ،‬وخّليللك ر ّ‬
‫تخاف ‪ ..‬مع السلمة‪.‬‬
‫بعدها سّلموني إلى الجهة المنية الخرى و‪...‬عناصر أمن‪ ،‬سيارة‪ ،‬قيود‬
‫‪ ...‬ننطلق على الوتوستراد باتجاه الشرق‪.‬‬
‫‪ 24‬حكزيككران‬
‫عند الجهة المنية الخرى‪.‬‬
‫ثلثة أيام تساوي ثلث سنوات في السجن الصحراوي‪.‬‬
‫كان الضابط بانتظاري على باب غرفته‪ ،‬الغضب يقطر منه‪ ،‬لم يلتفللت‬
‫إلى تحية العناصر له‪ ،‬فقط سألني إن كنت أنا أنلا‪ ،‬أجبلت نعلم ‪ ..‬وملع‬
‫اللل"نعم" فاجأني بلكمة على أنفللي ألقتنللي علللى صللدر العنصللر الللذي‬
‫يقف خلفي‪ ،‬سندني هذا العنصر‪ ،‬عدت لقف معتد ً‬
‫ل‪ ،‬أمسكني الضابط‬
‫من صدري وشدني إلى داخل الغرفة وهو يصفعني باليد الخللرى‪ ،‬فللي‬
‫وسط الغرفة أمسكني من رقبتي ‪ ..‬من تفاحة آدم وأخذ يضغط عليها‪،‬‬
‫صر على اسنانه‪:‬‬
‫أحسست بالختناق‪ ،‬قال لي وهو ي ّ‬
‫اركع وَْل كلب ‪ ..‬اركع وَْل عرص‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫‪217‬‬

‫ب إلللى خلللف المكتللب‪ ،‬أمسل َ‬
‫ك‬
‫ت رقبتي وذه َ‬
‫ي ‪ ..‬أفل َ‬
‫ركعت على ركبت ّ‬
‫ورقة واقترب مني‪ ،‬أخذ يقرأ فقللرات منهللا ‪ ..‬مللع كللل فقللرة يضللربني‬
‫بأسفل حذائه على وجهي ‪..‬‬

‫‪-‬‬

‫الصوت والصلورة ‪" ..‬رفسلة علللى الخلد" ‪ ..‬الرسلالة‬

‫تظهر من عنوانها "رفسللة فللوق الخللد قلي ً‬
‫ل" ‪ ..‬صللوت الللتيس‬
‫دم حللذائه ضللربة علللى جنللبي ألقتنللي أرض لًا" ‪ ..‬ويتللابع‬
‫م َ‬
‫قل ّ‬
‫"ب ُ‬
‫القراءة والضرب!‪.‬‬
‫ألقاني أرضًا‪ ،‬سحق فمللي بحللذائه ثللم وضللعه علللى رقبللتي وضللغطها‪،‬‬
‫ن ما قلُته بحقّ "السلليد الرئيللس" يكفلي‬
‫عجنني برجليه ‪ ..‬فهمت منه أ ّ‬
‫ي!‪.‬‬
‫بحد ّ ذاته لشنقي من خصيت ّ‬
‫وهو يكاد يختنق بصراخه نادى على أحد العناصر‪ ،‬وأعطاه التعليمات‪.‬‬
‫ثلثة أيام لن أنساها مللا حييللت‪ ،‬الجلللد‪ ،‬الضللرب‪ ،‬فللي الللدولب‪ ،‬علللى‬
‫بسللاط الريللح‪ ،‬التعللذيب بالكهربللاء ‪ ..‬يثبللت الملقللط علللى الجللزاء‬
‫الحساسة من جسدي ويشغل الجهاز ‪ ..‬يبدأ جسدي رقصته الكهربائية‪،‬‬
‫أحللس أننللي سللألفظ أنفاسللي‪ ،‬أعجللز عللن التنفللس‪ ،‬تكللاد الرئتللان أن‬
‫ي ‪ ..‬ل أعرف مللتى يشللغل الجهللاز ومللتى‬
‫تنفجرا ‪ ..‬الطماشة على عين ّ‬
‫يوقفه‪ ،‬وأرقص ‪ ..‬أرقص تشنجا ً وألمًا‪.‬‬
‫شْبح" ‪ ..‬عندما سمعت المَر بلل" َ‬
‫في اليوم الثالث جاء دور "الل ّ‬
‫شلْبحي"‬
‫لم أفهم ماذا يعني ذلك‪ ،‬لكن عنللدما ربطللوا يلديّ عاليلا ً وجسللدي كللله‬
‫مرفوع عن الرض أكثر من نصف متر تللذكرت صلللب المسلليح ‪ ..‬دون‬
‫أن أعي صرخت‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا يسوع ‪ ..‬يا محمد ‪ ..‬يا الله‪.‬‬

‫بعدما يقارب النصف ساعة أحسست أنني قللد اسللتنفدت كللل طللاقتي‬
‫على التحمل ‪ ..‬أحسست بضعف هائل‪.‬‬

‫‪218‬‬

‫سأعترف بما يريللدون منللي أن أعللترف بلله‪ ،‬وليكللن العللدام‪ ،‬العللدام‬
‫سوف يكون أرحم!‪ ..‬ولكن مللن أيللن أخللترع لهللم تنظيملا ً معادي لا ً غيللر‬
‫ب إليه؟‪.‬‬
‫الخوان المسلمين‪ ،‬وبعد ذلك أنتس ُ‬
‫تذكرت المهجع‪ ،‬مئات الروايات عن الذين ضعفوا واعترفوا بأعمال لم‬
‫يقترفوها!‪ ..‬اعترفوا بجرائم لم يسمعوا بها إل من فللم المحقللق الللذي‬
‫يتهمهم بارتكابها!‪ ..‬ماذا كانت نتيجة اعترافاتهم؟ ‪ ..‬البعض تم إعللدامه‪،‬‬
‫الخرون يتعفنون في السجن ‪ ..‬الكثير منهم مات أو فللي طريقلله إلللى‬
‫الموت!‪ ..‬قويت عزيمتي‪ ،‬أنا لم أعد كما كنت قبللل اثنللي عشللر عاملًا‪،‬‬
‫لقللد صلـبـتلللني التجربللة‪ ،‬أخللذت أقنللع نفسللي أننللي رجللل ‪ ..‬ورجللل‬
‫شجاع ‪ ..‬رجل شجاع قادر على التحمل!‪ ..‬وتحملت‪.‬‬
‫‪ 2‬حكزيككران‬
‫هل اكتفوا باليام الثلثة من التعذيب؟‪ ..‬البارحة واليوم لم يفتحوا بللاب‬
‫زنزانللتي إل مللن أجللل الطعللام والمرحللاض‪ ،‬الطعللام ثلث مللرات فللي‬
‫اليوم‪ ،‬المرحاض ثلث مرات في اليوم ب َُعيد َ الطعام مباشرة‪.‬‬
‫لملمت نفسي قلي ً‬
‫ل‪ ،‬أترقب متوجسًا‪ ،‬هل سيعاودون الك َّرة؟‪ ..‬ومللتى؟‬
‫خدَِرتان مللن أثللر الشللبح! ‪..‬‬
‫قررت أن أسترخي وأضمد جراحي! يداي َ‬
‫أستعملهما بصعوبة‪ ،‬أحاول أن أجللري لهمللا بعللض التمللارين الرياضللية‪،‬‬
‫أجد صعوبة في تنظيف نفسي بعد انتهائي مللن قضللاء حللاجتي ‪ ..‬أريللد‬
‫مي‪.‬‬
‫مي ‪ ..‬آه يا أ ّ‬
‫أ ّ‬
‫‪ 22‬آب ‪:‬‬
‫رجل ذو هيئة أرستوقراطية ل تتناسب أبدا ً مع اللهجللة الجبليللة الثقيلللة‬
‫والبدائية التي كلمني بها وأفهمني أن أيامي لديهم قد انتهت وأن هناك‬
‫جهة أمنية ثالثة طلبت تسليمي إليها‪ ،‬وأنني أستطيع تجنب الذهاب إلى‬
‫هذه الجهة المنية الثالثة وأنني أستطيع الخروج ملن السللجن إذا كنللت‬

‫‪219‬‬

‫متفهما ً ومرنا ً وعلى استعداد لن أخدم وطني خدمة حقيقية‪ ،‬وأنه الن‬
‫سيرسلني إلى المساعد أحمد لكي نتفاهم على التفاصيل‪.‬‬
‫ن الجرس وحضر المساعد أحمد الذي قادني إلى غرفته‪.‬‬
‫ر ّ‬
‫المساعد أحمد ‪ ،‬نظرته لزجة ‪ ..‬ابتسامته لزجة ‪ ..‬كلماته لزجة!‪.‬‬
‫وضع يديه على يديّ أثناء الحديث‪ ،‬كانت تنضح عرقا ً ولزوجة‪ ،‬هو كللائن‬
‫لزج ‪ ..‬كان يمكن أن يكون بزاقة!‪.‬‬
‫ي وبطريقللة لزجللة‪ ،‬كريهللة جلدا ً وتلدعو للقيلاء‪ ،‬أن يطلقللوا‬
‫عرض علل ّ‬
‫سراحي ويعيدوني إلى باريس‪ ،‬هنلاك أنخلرط فلي صلفوف المعارضللة‬
‫مسلحا ً بتاريخ سللجني الطويللل‪ ،‬وأن أخللدم وطنللي مللن خلل التقللارير‬
‫التي أرفعها للجهات المنية المسؤولة كاشفا ً لهم عن أعداء الللوطن ‪..‬‬
‫من أبناء الوطن‪.‬‬
‫رفضت‪ ،‬متعلل ً ‪ ..‬مداورا ً ‪ ..‬ل َِبقًا‪ ،‬رفضت‪ ،‬ثللم حللاول ‪ ..‬فرفضللت‪ ،‬كللرر‬
‫المحاولة بالترغيب و الترهيب ‪ ..‬فرفضت )مستذكرا ً الدروس(‪.‬‬
‫يحاول أن يكسب رضى رؤسائه بنجللاحه فلي مهمتلله‪ ،‬يحللاول أن يبنللي‬
‫مجدا ً ذاتيا ً ‪ ..‬حاول وحاول‪.‬‬
‫لزوجتـه ‪ ..‬نعومتـه‪ ،‬تدعو للغثيللان!!‪ .‬وبقيللت أرفللض‪ ،‬أوصلللته لليللأس‪،‬‬
‫فك ّ‬
‫شَر عن أنيابه‪ ،‬غابت النعومة لتظهر الهمجية والشراسة‪.‬‬
‫لم آبـه ‪ ..‬ليكن ما يكون‪ ،‬ولن يكون أكثر مما كان!‪.‬‬
‫وقف غاضبًا‪ ،‬صفعني بلؤم‪ ،‬وبلهجة تقطر فشل ً وإحباطًا‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إنت واحللد جحللش مللا بتعللرف مصلللحتك‪ ،‬راح تتعفللن‬

‫بالسجن‪ ،‬راح نس لّلمك للجماعللة ‪ ..‬وهللدول إن شللاء الللله راح‬
‫ينيكوا أمك ‪ ..‬يا كلب يا حقير‪.‬‬
‫وسّلموني للجهة المنية الثالثة‪.‬‬

‫‪220‬‬

‫عناصر أمن‪ ،‬سيارة‪ ،‬قيود‪ ،‬تنطلق السيارة شلما ً‬
‫ل‪ ،‬نصلل إللى الشلارع‬
‫الذي ُينار بأضواٍء برتقالية محمرة‪ ..‬وزنزانللة جديللدة مقاييسللها تختلللف‬
‫عن سابقاتها!‪.‬‬
‫‪ 23‬آب‬
‫متر عرضًا‪ ،‬متر طول ً ‪ ..‬هذه هي الزنزانة الجديللدة‪ ،‬علللى ارتفللاع مللتر‬
‫تقريبا ً عن الرض يوجد بلطللة مصللممة ككرسللي تصللل بيللن حللائطين‬
‫طولها متر وعرضها نصف متر‪ ،‬الجلللوس والنللوم عليهللا‪ ،‬فللي الزنزانللة‬
‫بطانية مهترئة واحدة فقط‪ ،‬حظي جيد فالوقت صليف‪ ،‬نافلذة مشلبكة‬
‫بالقضبان والشبك الحديديين تأخذ نصف الجدار الخارجي وتطللل علللى‬
‫حديقة مركز المخابرات‪ ،‬أتنفس هواًء طبيعيًا‪.‬‬
‫‪ 1‬أيككلككول‬
‫أنا هنا منذ عشرة أيام تقريبًا‪ ،‬الثلثة أيللام الولللى لللم يسللألوني شلليئًا‪،‬‬
‫الطعام وجبة واحدة فقط توزع ظهرا ً بعد النتهللاء مللن التحقيللق الللذي‬
‫يجري قريبا ً مللن زنزانللتي‪ ،‬مللن بعللد الظهللر وحللتى حلللول الظلم هللي‬
‫الفترة الوحيدة التي ل أسمع فيها الصراخ والبكاء والشللتائم‪ ،‬وملا علدا‬
‫ذلك فالتحقيقات مستمرة وعلى مللدار الربللع والعشللرين سللاعة‪ ،‬هللذا‬
‫الفرع مشهور بين السجناء بقسوته‪.‬‬
‫في اليوم الرابع فتح السجان بللاب زنزانللتي صللباحًا‪ ،‬يقللف إلللى جللانبه‬
‫شخص آخر‪ ،‬سألني عن اسمي فأجبته ‪ ..‬قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫شوف ‪" ..‬المعّلم" طلبك‪ ،‬وإنت أكيد سمعت بالمعلم‪،‬‬

‫راح أعطيك نصيحة لوجه الله ‪ ..‬شو مللا سللألك احكللي بصللدق‬
‫وصراحة‪ ،‬ل تكون عنيد وتعمل نفسك بطل ‪ ..‬بهذا المحللل مللا‬
‫فللي أبطللال!‪ ..‬كللل النللاس بتعللرف المعلللم‪ ،‬ومنشللان تكللون‬
‫م يحقللق مللع واحللد‬
‫بالصورة ‪ ..‬مرة من المرات كان المعلم عَ ْ‬
‫أخرس ‪ ..‬أجبر الخللرس إن ّلله يحكللي!‪ ..‬الخللرس حكللى ‪ ..‬فيللا‬

‫‪221‬‬

‫أخي‪ ،‬الله يرضى عليك ‪ ..‬منشان مصلحتك‬

‫ل تخّبي شلليء‬

‫سلـم لك!‪.‬‬
‫‪ ..‬احكي كل شيء ‪ ..‬أ ْ‬
‫وأخذوني إلى عند "المعّلم"‪.‬‬
‫في غرفة النتظار ذات الثاث الفخم أمللام غرفللة "المعل ّللم" أوقفللوني‬
‫أكثر من ربع ساعة‪ ،‬حركاتهم ‪ ..‬تراكضهم ‪ ..‬الحديث بصللوت خللافت ‪..‬‬
‫خل الخوف والفزع إلى قلب الشخص الذي ينتظر‪.‬‬
‫كلها أمور ُتد ِ‬
‫أوقفني "المعّلم" أمام مكتبه دون أن يكترث بي أيضلًا‪ ،‬أكللثر مللن ربللع‬
‫ساعة‪ ،‬كان يتصللرف وكللأنه ل يرانللي‪ ،‬مشللغول بقللراءة بعللض الوراق‬
‫والملفات والرد على الهواتف‪.‬‬
‫بعد ذلك تفرغ لي كليا ً ‪ ..‬ولمدة أربعة أيام!!‪.‬‬
‫منذ الصباح إلى ما بعد الظهلر كتبلت تاريلخ حيلاتي ثلث ملرات‪ ،‬وكلل‬
‫مرة بعد انتهائي مللن الكتابللة يأخللذه منللي ويعطيلله إلللى أحللد الضللباط‬
‫الصغار الذي يعود بعد أقللل ملن نصلف سلاعة وهللو يهلز رأسله سلللبًا‪،‬‬
‫فيطلب مني إعادة الكتابة مرة أخرى‪.‬‬
‫غرفة المكتب عبارة عن قاعة فسيحة مؤثثة بشكل بللاذخ‪ ،‬لللم أشللاهد‬
‫فلي حيلاتي أثاثلا ً بمثلل هلذه الفخاملة والناقلة‪ ،‬أجلسلني إللى طاوللة‬
‫للجتماعات في ركن الغرفة حولها أربعة وعشرون كرسيًا‪.‬‬
‫خلل وجودي في غرفته وبينما أكتب تاريخ حياتي‪ ،‬أجرى التحقيللق مللع‬
‫ثلثة أشخاص‪ ،‬كان يعذبهم أمامي‪ ،‬أحللاول أن أركللز انتبللاهي علللى مللا‬
‫أكتب ‪ ..‬وسط ضربات السياط والصراخ النساني‪ ،‬وينتهللي المللر فللي‬
‫كل مرة باعتراف المعتقل‪ ،‬يللأمر "المعل ّللم" بإيقللاف التعللذيب ويطلللب‬
‫من أحد العناصر ضبط أقواله واعترافاته‪.‬‬
‫كل ما في الغرفة متسق ومتناسق‪ ،‬عداي والمعتقلين الخرين بالثياب‬
‫الرثة والمتجعدة‪ ،‬وكذلك الدولب السود وأدوات التعذيب الخرى‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫بعد الظهر لم يبق في الغرفة غيري من المعتقلين‪ ،‬خرج "المعّلم" من‬
‫ي ‪ ..‬قال‪:‬‬
‫وراء مكتبه‪ ،‬جلس قربي‪ ،‬نظر إل ّ‬
‫‪-‬‬

‫شوف ‪ ..‬كلمتين نظاف ‪ ..‬أحسن من جريدة وسخة‪.‬‬

‫بدأ من حيث انتهي الخرون‪ ،‬خّيرني بين شيئين‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إما العللذاب والعللودة إلللى السللجن الصللحراوي حيللث‬

‫سألقى العدام‪ ،‬أو ‪..‬‬

‫‪-‬‬

‫العتراف والعودة إلللى فرنسللا والعمللل بيللن صللفوف‬

‫المعارضة كمخبر‪.‬‬
‫لم أختر‪ ،‬لكن نفيت أي علقة لي مع أي تنظيم‪ ،‬ورفضت العللودة إلللى‬
‫فرنسا‪.‬‬
‫جميع الوسائل الللتي للديه جربهللا‪ ،‬البعلض منهللا كنللت قللد عرفتلله فلي‬
‫الماكن الخرى‪ ،‬لكن هنا زادوا عليها استخدام الكرسي اللماني الللذي‬
‫أحسست أنلله قللد كسللر ظهللري‪ ،‬علقللوني كفلّروج‪َ " ،‬‬
‫شلَبحوني" علللى‬
‫السلم‪ ......‬وآخر شيء هددني باستعماله في آخر يللوم أو آخللر دقيقللة‬
‫من اليام الربعة التي استغرقها التعذيب هو أنه سيدخل قنينللة كللازوز‬
‫ن الهاتف‪ ،‬تكلم على الهاتف‬
‫في شرجي‪ .‬وبعد أن أحضروا له القنينة ر ّ‬
‫ملَر بإعللادتي‬
‫بغضب‪ ،‬ثم خرج من الغرفة قبل أن ينفذ تهديده‪ ،‬بعد أن أ َ‬
‫إلى الزنزانة وإيقاف التعذيب‪.‬‬
‫أربعة أيام لم آكل‪ ،‬لم أنللم ول دقيقللة واحللدة ‪ ..‬يللتركونني بعللد الظهللر‬
‫ثلث أو أربع ساعات في الزنزانة‪ ،‬يداي مقيللدتان‪ ،‬مربوطتللان بجنزيللر‬
‫معدني‪ ،‬الجنزير معلق إلى حلقة بالسقف‪ ،‬يشدونه بحيث بالكللاد أقللف‬
‫ي‬
‫على رؤوس أصابع القدمين‪ ،‬كنت أحل ّ‬
‫س بالراحللة عنلدما يفكللون يللد ّ‬
‫ويأخذونني إلللى الللدولب أو بسللاط الريللح أو الكهربللاء ‪ ..‬كللل وسللائل‬
‫التعذيب أسهل من التعليق هذا‪.‬‬

‫‪223‬‬

‫بقيت صامدًا‪ ،‬لم أضعف مطلقا ً هذه المرة‪ ،‬كنت دائم لا ً أقللول لنفسللي‬
‫إنهلا سلاعات أللم مؤقتلة سللتزول ‪ ..‬أتلهلى بأفكلار أخللرى‪ ،‬قلد يكللون‬
‫تركيزي على أحلم اليقظللة خلل السللنوات الماضللية والسللهولة الللتي‬
‫صرت أستحضر فيها أي مللادة لتكللون حلملا ً قللد سللاعدني!‪ .‬اكتشللفت‬
‫ررت لهذا لكتشللاف‪ ،‬قلللت فللي سللري برن ّللة تحمللل بعللض‬
‫نفسي‪ ،‬و ُ‬
‫س ِ‬
‫التباهي‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫هذه معمودية صيرورتي رجل ً يحترم نفسه‪.‬‬

‫مضى الن أربعة أيام على انتهاء التعذيب‪ ،‬شبعت نومًا‪ ،‬رغم أنني أنام‬
‫وأنا جالس‪.‬‬
‫لكن وجبة واحدة من الطعام ل تكفي‪.‬‬
‫‪ 2‬ككانكون الول‬
‫السللاعة الن الواحللدة والنصللف بعللد منتصللف الليللل‪ ،‬لول مللرة منللذ‬
‫عودتي إلى بلدي مللن فرنسللا أشللعر أن النظافللة تحيللط بللي مللن كللل‬
‫جللانب‪ ،‬تغمرنللي‪ ،‬فراشللي نظيللف‪ ،‬شرشللف أبيللض نظيللف‪ ،‬بطانيللات‬
‫نظيفة‪ ،‬بيجاما جديدة‪ ،‬غيار داخلي جديد ناصع البيللاض‪ ،‬حللولي عشللرة‬
‫أشخاص نظيفين في كل شيء‪.‬‬
‫في اليام الخيرة من وجودي في الزنزانللة الللتي مسللاحتها مللتر مربللع‬
‫واحد وتحتوي على بطانية مهترئة واحدة فقط ونافذتها مفتوحللة علللى‬
‫الحديقة‪ ،‬كنت أعاني المّرين من البرد في الليل‪ ،‬لللذلك أخللذت أسللهر‬
‫طللوال الليللل وكلمللا شللعرت بللالبرد أتحللرك وأقللوم ببعللض التمللارين‬
‫ف بالبطانية وأنام في‬
‫الرياضية قدر ما تتيحه المساحة‪ ،‬عند الصباح ألت ّ‬
‫وضعية الجلوس‪.‬‬
‫أيقظتني قرقعة المفتاح الحديدي في الباب الحديللدي‪ ،‬السللجان الللذي‬
‫ت أعرفه ومعه شخصان ‪ ..‬قال‪:‬‬
‫بِ ّ‬

‫‪-‬‬

‫قوم بسرعة ‪ ..‬هات كل أغراضك يـ الله‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫خرجللت فللورًا‪ ،‬ل أغللراض لللديّ سللوى بعللض مللزق الثيللاب‪ ،‬لللم تتللأخر‬
‫الجراءات كثيرًا‪ ،‬بعد قليل أصبحنا خللارج الفللرع‪ ،‬سلليارة ميكللرو بللاص‬
‫محركها يدور تقف على بللاب الفللرع‪ ،‬قيللدوا يللدي وأمرونللي أن أصللعد‬
‫إليها‪ ،‬السائق وأربعة عناصر ‪ ..‬وأنا‪.‬‬
‫قال كبيرهم‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫تو ّ‬
‫كل على الله ‪ ..‬عـ السجن الجبلي‪.‬‬

‫انطلق الميكرو باص باتجاه الغللرب أو الشللمال الغربللي صللعودًا‪ ،‬خلل‬
‫أقل من ساعة وصلنا‪.‬‬
‫بين الجبال‪ ،‬في مكان منعللزل‪ ،‬بنللاء حللديث ضللخم‪ ،‬يتللألف مللن أربعللة‬
‫طوابق‪ ،‬مئات النوافذ ‪ ..‬إنه السجن الجبلي‪.‬‬
‫نزلنا‪ ،‬إجراءات التسليم والستلم‪ ،‬أدخلوني لعند مدير السجن‪ ،‬سألني‬
‫أسئلة كثيرة وعندما علرف أننللي مسليحي نلادى أحلد رقبلاء الشلرطة‬
‫العسكرية‪ ،‬طلب منه أن يأخذني إلى جناح الشيوعيين‪.‬‬
‫بينما كان الشرطي منهمكا ً بفتح باب الجناح كنت أنظلر مشلدوها ً إللى‬
‫السللجناء الللذين يتمشللون فللي ممللر الجنللاح‪ ،‬يسلليرون ‪ ..‬يتحللدثون ‪..‬‬
‫يضحكون ‪ ..‬صوتهم مرتفع‪ ،‬عيونهم مفتوحة‪ ،‬كل هذا والشرطي قريب‬
‫ي‪ ،‬أدخلنللي‬
‫منهم‪ ،‬وقف ثلثة أو أربعة سجناء قبالللة البللاب ينظللرون إلل ّ‬
‫الشرطي وأغلق الباب‪ ،‬بصوت خافت قلت لهم‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫السلم عليكم‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وعليكم السلم‪ ،‬أهل ً رفيق‪ ،‬هل أنت رفيق؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ل ‪ ..‬لست رفيقًا‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أهل ً بك مهما كنت ‪ ..‬تفضل ‪ ..‬تفضل‪.‬‬

‫أدخلللوني أول مهجللع‪ ،‬وقللالوا لللي‪ :‬قبللل أن تجلللس هللل أنللت بحاجللة‬
‫للدخول إلى الحمام‪ .‬أجبتهم نعللم‪ ،‬أدخلللوني الحمللام‪ ،‬صللابون معطللر‪،‬‬
‫غيار جديد‪ ،‬بيجاما جديدة‪.‬‬

‫‪225‬‬

‫خرجت‪ ،‬جلست‪ ،‬حكيللت لهللم حكللايتي ‪ ..‬ردا ً علللى أسللئلتهم‪ ،‬تجمعللت‬
‫حولي حلقة من الناس يستمعون‪.‬‬
‫أحضر أحدهم صللينية كللبيرة عليهللا بيللض مقلللي‪ ،‬بنللدورة‪ ،‬جبللن‪ ،‬زيللت‬
‫وزعتر ‪....‬‬
‫يا إلهي كما في الللبيت!‪ ...‬هللل هللذا سللجن؟‪ ..‬سللألتهم هلذا السللؤال‪،‬‬
‫ضحكوا وأجابوا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم سجن‪ ،‬لكنه سجن خمس نجوم‪.‬‬

‫ل حكلايتي ‪ ..‬وكنللت جائعلا ً‬
‫مل ُ‬
‫طلب مني أحدهم أن آكللل وبعللد ذللك أك ِ‬
‫كذئب‪.‬‬
‫أكلت أكل ً حقيقيا ً ‪ ..‬شلربت شلايا ً حقيقيلًا‪ ،‬ملع كللأس الشلاي أعطلاني‬
‫أحدهم سيجارة‪ ..‬سألني‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هل تدخن؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم كنت أدخن ‪ ..‬ولكن منذ اثني عشللر عاملا ً وسللبعة‬

‫أشهر واثني عشر يوما ً لم أدخن سيجارة‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫يبللدو أنللك نسلليت أن تحسللب السللاعات والللدقائق‬

‫والثواني‪.‬‬
‫وانقسللم النللاس حللولي إلللى قسللمين‪ ،‬قسللم يطلللب منللي أن أغتنللم‬
‫الفرصة وأترك التدخين نهائيًا‪ ،‬وقسم يقول أن ل ضير من بضع سجائر‬
‫بعد كل هذه المدة‪.‬‬
‫تناولت اللفافة وأشعلتها‪ ،‬عببت نفسين منها‪ُ ،‬دخت! ‪ ..‬سَعلت‪ ،‬تللابعت‬
‫تدخينها‪ ،‬واستمرت الجلسة منذ الصباح وحتى آخر الليل‪.‬‬
‫يسللألون‪ ،‬يستفسللرون‪ ،‬يعلقللون تعليقللات ضللاحكة‪ ،‬ورويللت لهللم كللل‬
‫ت عنه قائل ً لهم‪:‬‬
‫ت" وشعرت بارتياح فائق ‪ ..‬عّبر ُ‬
‫شيء‪" .‬فََرغْ ُ‬
‫‪-‬‬

‫هل هذه هي الجنة؟‪.‬‬

‫‪ 31‬كككانككون الول‬

‫‪226‬‬

‫اليوم رأس السللنة‪ ،‬السللتعدادات علللى قللدم وسللاق‪ ،‬الجميللع منهمللك‬
‫بالتحضللير للحتفللال بللرأس السللنة‪ ،‬الشللرائط الملونللة والبالونللات‪،‬‬
‫الرسوم والتلوينات‪ ،‬اللحوم والمآكل الطيبة‪ ،‬و ‪ ...‬المشروبات‪ ،‬لللديهم‬
‫نبيذ وعرق وكلها تصنيع محلي!‪.‬‬
‫أعيلش بيلن هلؤلء النلاس منلذ شلهر تقريبلًا‪ ،‬أكلثرهم علرف صلديقي‬
‫أنطللوان عنللدما ذكرتلله عرض لا ً فللي سللياق الحللديث‪ ،‬بعضللهم قللال إن‬
‫قه‪ ،‬كلهم عرفوا خالي‪ ،‬وكلهم يحملون رأيًا سلبيًا فيه لنه يتعققاون مققع هققذا‬
‫أنطوان صدي ُ‬
‫النظام‪ ،‬لكن الذي فاجأني أن خالي أصبح وزيرًا في الوزارة الحاليققة!‪..‬وقققد صققاح الشققخص‬
‫الذي كنت أتحادث معه‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫هل فلن خالك؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم خالي‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫لكن كيف ل يسعى لخراجك من السجن وقد أصبح وزيرًا؟!‪ ..‬يقولون‬

‫عنه إنه انتهازي‪ ،‬وإنه قد باع نفسه للشيطان هو وكقل حزبققه‪ ،‬وإن حزبققه يتحمققل‬
‫المسؤولية عن سجني وسجن الخرين وعن كل مققا يجققري داخققل البلققد مققن قتققل‬
‫وتدمير وقمع بنفس درجة مشاركتهم بالحكم‪.‬‬
‫خالي وزير؟‪ ..‬خبٌر أصابني بالدوار!‪.‬‬
‫‪ 6‬ككانكون الكثكانكي‬
‫رغم عدم وجود نساء فإن حفلة رأس السنة كانت حلوة بكل المعايير‪،‬‬
‫لديهم الكثير من النبيذ والعلرق وبعلض المشلروبات الكحوليلة اللتي ل‬
‫اسم لها‪ ،‬وكلها من صنعهم هنا ‪ ..‬من العنب والفللواكه والمربللى كللانوا‬
‫يصنعون هذه المشروبات ‪ ..‬شربنا‪ ،‬أكلنا‪ ،‬غنينا ورقصللنا حللتى الصللباح‪،‬‬
‫الجميع كانوا فرحين‪ ،‬شاركوا بكل جوارحهم‪.‬‬
‫كنت أجلس فلي إحلدى زوايلا المهجلع أحتسلي المشلروبات وأراقلب‪،‬‬
‫صص على دواخلهم!‪..‬‬
‫أراقب أفعالهم وفرحهم وضحكهم‪ ،‬أحاول أن أتل ّ‬
‫وأتساءل‪ :‬هل يمكن أن يكون هذا الفرح حقيقيًا؟‪ ..‬أل يحمل كل منهللم‬

‫‪227‬‬

‫بين دفتي صدره امرأة ما‪ ،‬زوجة‪ ،‬خطيبة‪ ،‬حبيبللة؟ أل يتمنللى فللي هللذه‬
‫اللحظة أن تكون هللذه المللرأة موجللودة معلله يراقصللها‪ ،‬يعانقهللا؟‪ ..‬أل‬
‫يشكل هذا الغياب الجارح لهذه المللرأة مللرارة وألم لًا؟‪ ..‬إذن مللن أيللن‬
‫ينبع كل هذا الفرح المتطاير في أجواء السهرة؟‪.‬‬
‫كان كل شيء يوحي بالبسللاطة والمحبللة‪ ،‬لكللن لللم أسللتطع أن أكللون‬
‫صافيًا‪ ،‬جبال من الحزن والكآبة تجثم على صدري‪ ،‬حاولت أن أشللارك‬
‫ن هناك شيئا ً في داخللي يرفلض الفلرح‪ ،‬يرفلض لنله ل‬
‫بكل كياني‪ ،‬لك ّ‬
‫ل وصلللدٍ مللن الحللزن‬
‫يسللتطيع‪ ،‬ل يسللتطيع أن يقفللز فللوق جللدارٍ عللا ٍ‬
‫المتراكم طوال هذه السنوات‪.‬‬
‫هناك ‪ ..‬في السجن الصحراوي‪ ،‬في الليالي الموحشة الكئيبة‪ ،‬الليللالي‬
‫التي تبدو بل نهاية‪ ،‬عندما تترسللخ القناعللات بللأن ل خللروج مللن هنللا!‪..‬‬
‫عندما يتساوى الموت والحياة!‪ ..‬وفي لحظات يصبح الموت أمنية!‪....‬‬
‫حهللا الوضلعَ الللذي أنللا‬
‫لم يكن لكثر أحلمي وردي ً‬
‫ة آنذاك أن تبل ُغَ مطام ُ‬
‫فيه الن!‪ ..‬لم أكن أستطيع أن أصللل إلللى قناعللة حقيقيللة ‪ -‬رغللم كللل‬
‫أحلم اليقظة ‪ -‬أنني قد أكون في يوم‬

‫مللا وسللط جللو مللن الفللرح‬

‫كسهرة رأس السنة التي عشتها هنا في هذا السللجن الجبلللي!‪ ..‬رغللم‬
‫ذلللك لللم أسللتطع الفللرح‪ ،‬لللم أسللتطع أن أضللحك ضللحكة واحلدة مللن‬
‫القلب!‪ ..‬هل مات الفرح داخلي في زحمة الموت تلك؟‪ ..‬هل سللأبقى‬
‫ة على قلللبي‬
‫هكذا ‪ ..‬ولماذا؟‪ ..‬هل سأحمل بيادر العذاب والموت جاثم ً‬
‫دائما ً لتخنق كل ما هو جميل بالحياة؟!‪ ..‬لست أدري‪.‬‬
‫‪ 2‬آذار‬
‫وأخيرا ً بدأت جهود خالي ‪ -‬على ما يبدو ‪ -‬تؤتي ثمارها‪.‬‬
‫من بين الشياء الولى التي قمت بها في أول يللوم لللدى قللدومي إلللى‬
‫السللجن الجبلللي هللي أن نظللرت إلللى نفسللي بللالمرآة ‪ ..‬وأحسسللت‬
‫بالخوف‪ ،‬صلع في مقدمة الرأس‪ ،‬الشعر وقد طال كثيرا ً خلل وجودي‬

‫‪228‬‬

‫ض‬
‫بالفرع أصبح ميال ً إلى اللللون البيللض‪ ،‬الشللاربان متهللدلن وقللد ابي َل ّ‬
‫أكثر من نصفهما‪ ،‬العينان غائرتان تحيط بهما هالتللان سللوداوان‪ ،‬اللللم‬
‫ة عللى الجللبين وحللول‬
‫والقهر والخوف والذل قد حفرت أخاديلد َ عميقل ً‬
‫ت المرآة بسرعة‪.‬‬
‫العينين! ‪ ..‬أبعد ُ‬
‫اليوم في العاشرة صباحا ً حضر شرطي إلى بللاب الجنللاح يحمللل بيللده‬
‫ورقة‪ ،‬نادى على اسمي وقال لبو وجيه رئيس الجناح‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ب َّلغ هذا ‪ ..‬عنده زيارة‪.‬‬

‫انشغل أكثر من عشرة أشخاص بمسللألة تجهيللزي وإعللدادي للزيللارة‪،‬‬
‫حلقة الذقن‪ ،‬تشذيب الشاربين‪ ،‬البنطال والقميص‪ ،‬الحللذاء "سللألوني‬
‫عن نمرة حذائي وأتـوني بحذاء نمرته ‪ 42‬بناًء على طلللبي‪ ،‬لكنلله كللان‬
‫صغيرًا‪ ،‬ولم تدخل قدمي إل في حللذاء نمرتلله ‪ ،44‬لقللد كللبرت قللدمي‬
‫نمرتين!"‪.‬‬
‫وكانت هذه المرةَ الولى التي ألبس فيها حذاًء منللذ حللوالي ‪ 13‬عاملًا‪،‬‬
‫مثلما كانت المرة الولى التي أرى فيها مرآة طوال نفس المدة‪.‬‬
‫بعد أن ألبسوني كما ُيلِبسون العريس‪ ،‬ر ّ‬
‫شوني بالعطور‪ ،‬كنت متللوترًا‪،‬‬
‫يداي ترتجفان‪ ،‬دخنت سيجارة إلى حين مجيللء السللجان لخللذي إلللى‬
‫الزيارة‪.‬‬
‫مشيت إلى جانب السجان متوجسا ً مرتبكًا‪ ،‬كللدت أقللع مرتيللن بعللد أن‬
‫سه "ما أصعب المشي بالحللذاء"‪ ..‬وصلللنا إلللى‬
‫تعثرت بالحذاء الذي ألب ُ‬
‫غرفة بابها مفتوح يجلس فيها رجل كهللل أبيللض الشللعر وامللرأة شللابة‬
‫تحمل على صدرها طفل ً رضيعًا‪ ،‬وضع السجان يده على ظهري بلطف‬
‫وقال‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫تفضل ‪ ..‬ادخل‪.‬‬

‫‪229‬‬

‫ن‬
‫دخلت ‪ ..‬احتا َ‬
‫ج المر إلى عدة ثوان من التحديق حتى اسللتطعت تللبي ّ َ‬
‫ملمِح أخي الكبر!‪ ..‬هللو أيضلا ً لللم يعرفنللي لول وهلللة "مضللى تسللعة‬
‫عشر عاما ً منذ أن رأيته آخر مرة"‪.‬‬
‫صرخت اسمه وأنا أتقدم نحوه ‪ ..‬احتضنني وأجهشنا بالبكاء‪.‬‬
‫ة‬
‫تعانقنا ونحن نبكي أكثر من دقيقة‪ ،‬رأسي على كتف أخي‪ ،‬أبكي لوعل ً‬
‫‪ ..‬اشتياقا ً ‪ ..‬ألما ً ‪ ..‬وفرحا ً ‪ ..‬أبكي ارتياحًا‪ ،‬هنا بر المان‪.‬‬
‫ابتعد أخي قلي ً‬
‫ل‪ ،‬مسح دموعه ونلاولني منلديل ً ورقيلا ً لمسلح دملوعي‪،‬‬
‫ت إلى حيث المرأة الشابة‪ ،‬كانت قد وضعت رضيعها على كرسللي‬
‫التف ّ‬
‫وجلست على آخر‪ ،‬تبكللي وتنشللج‪ ،‬تبكللي بحرقللة شللديدة وقللد غطللت‬
‫ت إلى أخي مستفهمًا‪ ،‬وبحركللة مللن رأسللي‬
‫وجهها وعينيها بيديها‪ ،‬نظر ُ‬
‫سألته عنها‪ ،‬من تكون؟‪.‬‬
‫ووسط عينيه الدامعتين لح شبح ابتسامة خفيفة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫مللا عرفتهللا؟ ‪ ..‬أكيللد مللا راح تعرفهللا ‪ ..‬يللا أخللي هللذه‬

‫بنتي ‪ ..‬بنتي لينا‪.‬‬
‫ت إليها وكانت قد رفعللت رأسللها‪ ..‬احمللرار البكللاء يحيللط ببؤبؤيهللا‬
‫التف ّ‬
‫الخضرين‪ .‬قال أخي‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا لينا ‪ ..‬قومي سلمي على عمك‪.‬‬

‫ألقت لينا نفسها بأحضللاني‪ ،‬اعتصللرتني واعتصللرُتها ونحللن نللدور حللول‬
‫نفسينا‪ ،‬أحسست بدوار قوي‪ ،‬كنت بل وزن أطوف في الفضاء الرحب‬
‫‪ ..‬ل أرى شيئًا‪ ،‬ل أدري كيف جلست على أحد المقاعد‪ ،‬لينا تجلس في‬
‫حجري كما كانت تفعل وهي صغيرة‪ ،‬تمسح دموعي‪ ،‬تقبلنللي وتقبلنللي‬
‫وهي تهمس‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫مو ‪ ..‬آخ يا‬
‫مو ‪ ..‬شو عاملين فيك ‪ ..‬يا ع ّ‬
‫مو ‪ ..‬يا ع ّ‬
‫يا ع ّ‬

‫مللو ‪ ..‬آخ ‪ ..‬والللله العظيللم أنللا اشللتقت لللك كللثير ‪ ..‬شلللون‬
‫ع ّ‬
‫هيك ‪ ..‬شلون؟!‪..‬‬

‫‪230‬‬

‫لينا ‪ ..‬بؤبؤ الروح‪.‬‬
‫عندما ولدت لينللا‪ ،‬أنللا الللذي اخللترت لهللا هللذا السللم‪ ،‬ومنللذ أن أصللبح‬
‫عمرهللا سللتنين كللانت‬

‫ل تفللارقني "لينللا حبيبللة عمهللا ‪ ..‬هكللذا كللان‬

‫الجميع يقول"‪ .‬تنام معي في السرير‪ ،‬حللتى لللو تللأخرت فللي المجيللء‬
‫إلى البيت ونامت هي قبلي‪ ،‬كنت أسللتيقظ صللباحا ً لجللدها نائمللة إلللى‬
‫جانبي‪ ،‬تستيقظ عدة مرات في الليل‪ ،‬تتفقدني‪ ،‬وعندما أعللود وسللواًء‬
‫أكنت صاحيا ً أم نائما ً تندس إلى جانبي‪.‬‬
‫عندما ذهبت إلى فرنسا كللان عمرهللا أكللثر قليل ً مللن خمللس سللنوات‪،‬‬
‫وهاهي الن امرأة كاملة‪ ،‬وأم أيضًا‪.‬‬
‫أمس َ‬
‫ف لينا وهّزها قائل ً وهو يضحك‪:‬‬
‫ك أخي كت َ‬

‫‪-‬‬

‫قومي انزلي من حضللن عمللك‪ ،‬كسللرتي رجليلله‪ ،‬شللو‬

‫سه؟!‪.‬‬
‫ظاّنة حالك صغيرة ل ّ‬
‫جلست لينا إلى جانبي مبقية يدي بين يللديها‪ ،‬تعصللر لينللا يللدي وتقبلهللا‬
‫ن خللالي يبللذل جهللودا ً جبللارة‬
‫بينمللا أخللي يحللاول أن يطمئننللي ‪ ..‬وأ ّ‬
‫لخراجي من السللجن وأنهللم ورائي ولللم يللتركوني أبللدًا‪ ،‬وأفهمنللي أن‬
‫خروجي من السجن مرتبط بموافقة رئيللس الجمهوريللة!!‪ ..‬وأنلله منللذ‬
‫أكثر من عشر سنوات جرت العادة أن أي مسؤول فللي أجهللزة المللن‬
‫يستطيع أن يسلجن ملن يشلاء‪ ،‬لكلن خلروج أي سلجين يجلب أن يتللم‬
‫بموافقة رئيس الدولللة اللذي يحتفللظ بسللجلت اسلمية لكللل السللجناء‬
‫السياسين!‪.‬‬
‫سألته عن صحة أمي وأبي‪ ،‬فقال إنهما بخير‪.‬‬
‫انتهت الزيارة ولينا متعلقة بيدي ‪ ..‬تعصرها وتقبلها‪.‬‬
‫عدت إلى الجنللاح‪ ،‬إلللى المهجللع ‪ ..‬اسللتقبلني أبللو وجيلله مبتسللمًا‪ ،‬و ‪..‬‬
‫الحمد لله على السلمة‪ ،‬مبروك الزيارة‪.‬‬

‫‪231‬‬

‫يتكلمون معي‪ ،‬أجيب ‪ ..‬وأنا في حالة انعللدام وزن‪ ،‬فللي خفللة الريشللة‬
‫كنت!‪.‬‬
‫لحظوا حالي‪ ،‬جلب لي أحدهم كأسا ً من العرق ‪ ..‬شربته دفعة واحدة‪،‬‬
‫ضحك‪ ،‬جلب لي كأسا ً آخر‪ ..‬شربته على دفعات‪ ،‬سألت أبو وجيه مللاذا‬
‫أفعل بالنقود التي أعطانيها أخي‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إذا شئت ضعها في الصندوق‪.‬‬

‫هنللا ل يحتفللظ أحللد بنقللوده وكللل شلليء مشللترك "نقللودهم مشللتركة‬
‫وتوضع في صندوق واحد‪ ،‬طعامهم مشترك‪ ،‬لباسهم مشترك"‪ .‬عشرة‬
‫آلف ليرة وضعتها في الصندوق‪ ،‬قال الشخص الذي أخذ النقللود إننللي‬
‫شخص غني‪ ،‬لن الناس هنا كلهم فقراء‪ ،‬وأكبر مبلغ يتسلللمه السللجين‬
‫من أهللله هللو ألفللا ليللرة‪ ،‬قلللت إن فللي السللجن الصللحراوي أشخاصلا ً‬
‫جللب‬
‫أعطاهم أهلهم نصف مليون ليرة ‪ ..‬أطلق هذا الشخص صفرةَ تع ّ‬
‫من بين شفتيه‪.‬‬
‫تممدت على فراشي‪ ،‬غطيت رأسي بالبطانيات ‪ ..‬نمت‪.‬‬
‫ث طويلةٍ وممتدة علللى فللترة طويلللة‪ ،‬عرفللت هنللا مللن‬
‫ة لحادي َ‬
‫)حصيل ً‬
‫الشباب "كما يحبون أن يسموا أنفسهم" أن السبب الرئيس للتحقيللق‬
‫معي لدى جهات أمنية متعددة هو الصراع الشرس بين هللذه الجهللزة‪،‬‬
‫وقد شرحوا لي مع استخدام الكثير من التعللابير السياسللية مايسللمونه‬
‫"جوهر النظام السياسي في البلد" وآلية عمل الجهزة‪ ،‬هللذه الجهللزة‬
‫التي جعلها رئيس الدولة تتنللافس علللى شلليئين أساسلليين‪ :‬أول ً إثبللات‬
‫ولئها المطلق له‪ ،‬وثانيا ً الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسللب‬
‫والمتيازات‪.‬‬
‫ن خالي وزيرا ً شيوعيًا‪ ،‬وبمللا أنلله المتللدخ ُ‬
‫ل لطلق سللراحي فقللد‬
‫ولكو ِ‬
‫ي )سلبا ً أم‬
‫انعكس موقف الجهزة المنية المختلفة من الشيوعيين عل ّ‬
‫إيجابًا(‪ ،‬فبعض الجهلزة تكلره الشليوعيين كرهلا ً مطلقلا ً ول تميلز بيلن‬

‫‪232‬‬

‫ل للنظام وآخَر معاٍد‪ ،‬بينما الجهزة الخرى تكرههم بدرجة‬
‫شيوعي موا ٍ‬
‫أقل(‪.‬‬
‫‪ 6‬أيككككار‬
‫أعادوني إلى فرع المخابرات الذي أتيت إليه عندما عدت من السللجن‬
‫الصحراوي‪.‬‬
‫زارني أخي وابنته لينا ثلث مرات في السجن الجبلي‪ ،‬وفي آخللر مللرة‬
‫قال لي إنهم يمكن أن يعيللدوني إلللى الفللرع تمهيللدا ً لطلق سللراحي‪،‬‬
‫وأنه يجب أن أكون مرنا ً ومتعاونا ً ‪ ..‬و‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ضللها ‪ ..‬بوسللها ‪ ..‬وادعللي عليهللا‬
‫اليد التي ل تسطيع ع ّ‬

‫بالكسر!‪.‬‬
‫صباحا ً حضر السجان‪ ،‬نادى اسمي‪ ،‬طلب مني أن أجهز نفسي‪.‬‬
‫أعطاني زملئي السجناء خمسة آلف ليرة‪ ،‬الكثير مللن الثيللاب‪ ،‬بعللض‬
‫الطعمة‪ ،‬ودعني أبو وجيه بالقبلت‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫جللال‪ ،‬ل تخللاف مللن شلليء أبللدًا‪ ،‬نتمنللى لللك‬
‫خليللك ر ّ‬

‫التوفيق و ‪ ...‬الحرية‪.‬‬
‫فللي الفللرع درج ‪ ..‬ثللم درج ‪ ..‬البللاب ذو القضللبان الحديديللة‪ ،‬قرقعللة‬
‫الحديد الدائر في الحديللد‪ ،‬ومللن جديللد زنزانللة جديللدة‪ ،‬أسللماء جديللدة‬
‫محفورة على الجدران ذات اللون الخضر الفاتح‪.‬‬
‫وحدة ‪ ..‬مع أصوات التعللذيب‪ ،‬الصللراخ المعللبر عللن اللللم‬
‫يومان من ال ِ‬
‫ل كللل ذللك‪،‬‬
‫النساني‪ ،‬رجال ونساء وأطفلال حللتى! ‪ ..‬ومحاولللة تجاهُل ِ‬
‫توبيخ الذات لنها تحاول التجاهل!‪ ..‬التجاهل هو دعوة للبلدة والتحجر‪.‬‬
‫مساًء يفتح السجان الباب‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫قوم ‪ ..‬رئيس الفرع طالبك‪.‬‬

‫قي التحية على رئيس الفرع الذي سبق أن قابلُته منذ شهور‪:‬‬
‫أل ِ‬
‫‪-‬‬

‫مساء الخير‪.‬‬

‫‪233‬‬

‫‪-‬‬

‫أهل ً وسه ً‬
‫ل‪ ،‬تفضل ‪ ..‬اجلس‪.‬‬

‫س بهدوء‪.‬‬
‫أجل ُ‬
‫تبدأ محاضرة فيها الكثير مما يقال في الراديو والتلفزيللون عللن الللدور‬
‫التقللدمي الللذي يلعبلله السلليد القللائد رئيللس الجمهوريللة ضللد الرجعيللة‬
‫والستعمار‪ ،‬وعن أفضاله على النللاس وحكمتلله وشللجاعته وبراعتلله‪...‬‬
‫و ‪ ..‬أخيرًا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫نحن قررنا نخلللي سللبيلك‪ ،‬لنللك إنسللان وطنللي‪ ،‬ولن‬

‫خالك قدم خدمات كبيرة لللوطن ‪ ..‬و ‪ ..‬و ‪ ...‬بللس نريلد منللك‬
‫مسللألتين روتينيللتين!‪ ..‬نريللد منللك أن توقللع علللى تعهللد بعللدم‬
‫العمل في السياسية‪ ،‬وأيضا ً نريد منلك أن تكتلب برقيلة شلكر‬
‫للسيد الرئيس حفظه الله‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫برقية شكر؟!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪ ..‬برقية تشكر فيها السيد الرئيس‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫برقية شكر؟! ‪ ..‬ولكن على أي شيء أشكره؟‪.‬‬

‫ي متعجبًا‪ ،‬وباستغراب صادق قال‪:‬‬
‫نظر إل ّ‬

‫‪-‬‬

‫تشكره لنه شملك برعايته ورحمته وأخلى سبيلك‪.‬‬

‫ي الذي أصبح نهجا ً لي أواجههللم بله كلمللا‬
‫مرة أخرى ركبني الِعناد ُ الب َْغل ّ‬
‫طلبوا مني شيئًا‪.‬‬
‫بأكثر ما يمكن من اللطف‪ ،‬قلت‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا آسف سيادة العميللد‪ ،‬ل أسللتطيع أن أوقللع ل علللى‬

‫التعهد السياسي ول على برقية الشكر‪.‬‬
‫ذهل العميد عندما سمع كلماتي!‪ ..‬سلكت قليل ً وبطريقلة خلبير أخفلى‬
‫كل ذهوله واندهاشه‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت تعرف أننا نكرمك كرمى لخالللك‪ ،‬لللذلك أرجللو أن‬

‫تلّين رأسك قلي ً‬
‫ل‪ ،‬يباسة الراس راح تضرك‪ ،‬وليكن بعلمللك أن‬

‫‪234‬‬

‫آلف السجناء كتبوا برقيات شكر للسيد الرئيللس بالللدم‪ ،‬ولللم‬
‫يتم إخلء سبيلهم ‪ ..‬فـ ‪ ..‬خليك عاقل ووقع أحسن لك‪.‬‬
‫فعل ً كنت أعللرف أن المئات ملن السللجناء كللانوا يطلبللون مللن إدارات‬
‫السجون محاقن طبية يسللحبون الللدم بهللا مللن عروقهللم‪ ،‬ليسللتعملوه‬
‫كحبر يكتبون به برقيات شكر أو اسلترحام لرئيلس الجمهوريللة راجيللن‬
‫إطلق سللراحهم مللن السللجن‪ ،‬وعنللدما كللانت إدارات السللجون‬

‫ل‬

‫تعطيهم المحاقن فإنهم كللانوا يجرحللون أصللابعهم ومللن الللدم النللازف‬
‫يكتبون برقيات الشكر والسترحام‪.‬‬
‫لكن كنت قد قررت ‪" :‬ل مزيد من الذ ّ‬
‫ل‪ ،‬وليكن السجن أو الموت"‪.‬‬
‫والحقيقللة أن معاشللرتي الطويلللة للسللجناء فللي السللجن الصللحراوي‬
‫والسجن الجبلي علمتني الكثير من الشياء‪ ،‬وأهم ما تعلمته منهللم هللو‬
‫معنى وأهمية الكرامة والرجولة‪ ،‬وهما شيئان شخصيان ل علقللة لهمللا‬
‫بتنظيم أو نظام‪.‬‬
‫إن التوقيللع علللى برقيللة الشللكر كشللرط لخلء السللبيل هللي الختبللار‬
‫النهائي لهلذه الجهلزة لتتأ ّ‬
‫كلد َ أن هلذا السلجين قلد تجلرع اللذل حلتى‬
‫النهاية وتحول إلى كائن ل يمكن أن يقف بوجههم يوما ً مللا‪ ،‬وهللو علللى‬
‫استعداد لتنفيذ كل ما يطلبونه منه‪ ،‬طالما هو على استعداد لن يشلكر‬
‫كبيرهم على كل ما عاناه على يديه وأيدي من هم أصغر شأنا ً منه‪.‬‬
‫رفضت بقوة ان أوقع‪.‬‬
‫"لن أشكر من سللجنني كللل هللذه السللنوات الطويللة‪ ،‬للن أشلكر ملن‬
‫سرق عمري وشبابي‪ ،‬لن أشكر من ضيع أجمل سنوات عمري ‪"...‬‬
‫كنللت أرّدد هللذه العبللارات والجمللل بينللي وبيللن نفسللي‪ ،‬أشللحذ فيهللا‬
‫وي إرادتي‪ ،‬كنت خائفا ً من نفسي ‪ ..‬خائفلا ً مللن ضللعفي ‪..‬‬
‫عزيمتي وأق ّ‬
‫ظللت أردد هذه الكلمات القوية لبعد عني الضعف‪.‬‬

‫‪235‬‬

‫بعد أن يئس مني رئيس الفللرع أمللر بإعللادتي إلللى الزنزانللة‪ ،‬أعللادوني‬
‫بخشونة ظاهرة‪.‬‬
‫ي ملدير السللجن‪،‬‬
‫بعد نصف ساعة من عودتي إللى الزنزانللة دخلل علل ّ‬
‫ن علللى أبللواب التقاعللد‪ ،‬طيللب القلللب كللثيرًا‪ ،‬يحللاول‬
‫وهو شخص مس ّ‬
‫مساعدة السجناء خفية وقدر المتاح‪.‬‬
‫بلهجة أبوية وبنوايا صادقة حاول إقناعي أن أوقللع‪ ،‬شللرح لللي عللواقب‬
‫عدم التوقيع وأسهب في ذلك‪ ،‬وأورد أشياء كثيرة‪ ،‬منها‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إن من يرفض التوقيللع علادة هللم القيلادات والزعملاء‬

‫والمعارضون بشدة للسلطة القائمة‪ ،‬لذلك فإن عللدم تللوقيعي‬
‫سُيعتبُر دليل ً على أنني من هؤلء‪ ،‬وينسف كل أقوالي السابقة‬
‫بأنني لم أعمل في السياسة ‪..‬‬
‫ظل يحاول خاتما ً حديثه بالعبارة التي قالها لي أخي‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ضللها‪ ،‬بوسللها وادعُ عليهللا‬
‫اليللد الللتي ل تسللتطيع ع ّ‬

‫بالكسر‪.‬‬
‫ت مصرا ً على موقفي‪.‬‬
‫وبقي ُ‬
‫بعد ذهاب مدير السجن فكرت طوي ً‬
‫ل‪ ،‬ضحكت ‪ ..‬لو كنت فلي السلجن‬
‫الصحراوي لستطاعوا أن يجعلوني أوقللع علللى آلف البرقيللات‪ ،‬ل بللل‬
‫ي!‪.‬‬
‫إنهم يستطيعون أن يجعلوني أقّبل حذاَء أصغرِ شرط ّ‬
‫الشللعور بالحمايللة ‪ ..‬معرفللتي أن أهلللي عامللة وخللالي علللى وجلله‬
‫ي‪،‬‬
‫الخصوص يتابعونني خطوة بخطوة ولل ّد َ لللديّ إحساسلا ً بللأنني محمل ّ‬
‫ي لمللوقفي الرافلض للتوقيللع!‪..‬‬
‫ويمكللن أن يكللون هللو السللاس الفعلل ّ‬
‫ولكن‪ ..‬أل يوجد شيء نابع من الذات؟‪.‬‬
‫‪ 3‬تككمككوز‬
‫التاسللعة وسللبع وثلثللون دقيقللة صللباحًا‪ ،‬أقللف علللى الرصلليف المبلللل‬
‫بالمياه أمام الفرع بعد أن أغلقوا الباب خلفي‪.‬‬

‫‪236‬‬

‫حّر!‪.‬‬
‫وأخيرا ً ‪ ..‬أنا ُ‬

‫شَر يومككا ً‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ة أشهر وثلث َ‬
‫شَر عاما ً وثلث ُ‬
‫ثلث َ‬
‫مضت على وصككول الطككائرة الككتي كنككت علككى‬
‫ة الوطن‪.‬‬
‫ر عاصم ِ‬
‫متنها إلى مطا ِ‬
‫دوار في الرأس‪ ،‬طنين في الذنين‪ ،‬زَوغان في العينين‪.‬‬
‫عشرات السيارات الصفراء تنطلق أمللامي مسللرعة وفللي التجللاهين‪،‬‬
‫مئات الناس يهرولون بسرعة في كافة التجاهات‪.‬‬
‫ت‪ ،‬رأيت حارس الفللرع يشللير لللي بيللده‬
‫سمعت من ينادي خلفي‪ ،‬التف ّ‬
‫يأمرني أن أبتعد من أمام الفللرع‪" ،‬تسللاءلت‪ :‬هللل هللي آخللر أوامرهللم‬
‫لي؟"‪.‬‬
‫فت أمللامي سلليارة‬
‫ت على الرصيف‪ ،‬وق َ‬
‫ابتعدت أكثر من مئة متر‪ ،‬وقف ُ‬
‫أجرة صفراء‪ ،‬سألني السائق إن كنت أريد الصعود ‪ ..‬صعدت‪ ،‬انطلقت‬
‫ي‪ ،‬سللمعت‬
‫السيارة مسللرع ً‬
‫ة‪ ،‬الهللواء يضللرب وجهللي ‪ ..‬أغمضللت عين ل ّ‬
‫صوت السائق‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫لوين رايح ‪ ..‬أستاذ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫إلى أي مكان!‪.‬‬

‫سكت السائق قلي ً‬
‫ي في المرآة متفحصا ً ‪ ..‬أعاد السؤال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬نظر إل ّ‬

‫‪-‬‬

‫ب تروح أستاذ؟‪.‬‬
‫ليّ مكان ‪ ..‬تح ّ‬

‫ت إسكاته قلت‪:‬‬
‫لم أكن راغبا ً بالحديث مع أيّ كان‪ ،‬أرد ُ‬
‫‪-‬‬

‫أريللد أن تأخللذني مشللوار ‪ ..‬دورة فللي كللل الحيللاء‬

‫القديمة‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫‪237‬‬

‫*‬

‫بعد خروجي من عند رئيس الفلرع وبعلد محاوللة ملدير السلجن معلي‬
‫لوقع‪ ،‬أهملوني تماما ً أكثر من شهر ونصف‪ ،‬في اليام الولى من هذه‬
‫الفترة كنت فرحا ً ومزهوا ً وراضيا ً عن نفسي تمامًا‪ ،‬لكن مللع اسللتمرار‬
‫الهمللال بللدأ الحسللاس بالضلليق والملللل ينتللابني‪ ،‬يوميلا ً كنللت أسللمع‬
‫أصوات التعذيب والصراخ‪ ،‬وفللي يللوم ملن اليللام سللمعت صللراخ وللدٍ‬
‫صغير يتعلذب‪ ،‬فكلرت أن أطلرق البلاب لطللب منهللم مقابللة رئيللس‬
‫الفرع!‪.‬‬
‫حتى الكلمات التي يجب أن أقولها له كانت جاهزة‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫سيدي العميد ‪ ..‬لقد فكرت طوي ً‬
‫ل‪ ،‬وأنا على اسللتعداد‬

‫للتوقيع على أي ورقة تريد!‪.‬‬
‫فركت جبيني وأنللا أسللير خطللوتين إلللى المللام ومثلهمللا إلللى الخلللف‪،‬‬
‫ي‪ ،‬فكلرت‪ ،‬ضلربت رأسلي بالحلائط‪،‬‬
‫جلست‪ ،‬وضلعت رأسلي بيلن يلد ّ‬
‫ت ونمت‪.‬‬
‫بكيت ‪ ..‬بكيت‪ ،‬تمدد ُ‬
‫في ‪ 23‬حزيران حوالي العاشرة صباحا ً فتح السجان البللاب وقللال لللي‬
‫أن أجهز نفسي للزيارة‪.‬‬
‫ده دون لينا‪ ،‬يجلس إلى جانب العميد‪ ،‬قللام العميللد وقللال إنلله‬
‫أخي وح َ‬
‫دنا كلي نأخلذ َ حريتنلا بلالكلم‪ ،‬قلال ذللك بمنتهلى التهلذيب‬
‫سيتركنا وح َ‬
‫واللباقة‪.‬‬
‫بللدأ أخللي الحللديث‪ ،‬حللوالي السللاعة أو أقللل قلي ً‬
‫ل‪ ،‬سللاق الكللثير مللن‬
‫م ‪ ..‬وتكل ّللم‪ ،‬أنللا‬
‫ي بشدة يدعوني إلى التوقيللع‪ ،‬تكل ّل َ‬
‫المثال‪ ،‬وضغط عل ّ‬
‫مطرق برأسي أستمع إليه‪ ،‬أستمع إليلله وأزداد ابتعللادا ً عنلله! هللل هللذا‬
‫أخي الكبير الذي كان يوما ً ما مثال ً وقدوة لي؟!‪.‬‬
‫دون أن أرفع راسي قلت له إنني لللن أوقللع علللى أي شلليء‪ ،‬إننللي إذا‬
‫ت‬
‫كنت عبئا ً عليه فأرجو أل ّ يكل َ‬
‫ف نفسلله زيللارتي ثانيللة ‪ ..‬ثللم ‪ ..‬انللدفع ْ‬
‫ت بوجهه ‪ ..‬إنه إذا أراد ثانيللة‬
‫كتلة من الغضب والحنق إلى حلقي فصح ُ‬

‫‪238‬‬

‫ح كهذه ‪ ..‬فأرجو منه بشدة أل‬
‫أن يزورني ليسمَعني كلما ً كهذا ‪ ..‬نصائ َ‬
‫يزورني‪ ،‬لنني أشعر بالقرف اتجاهه!‪.‬‬
‫رقا ً ‪..‬‬
‫اتسعت عيناه دهشة ‪ ..‬فغر فمه‪ ،‬سكت مط ِ‬
‫ت إلللى‬
‫أنقذ العميد الموقف بدخوله‪ ،‬واسللتوعب الموقللف حلال ً ‪ ..‬التفل َ‬
‫أخي وقال بهدوء‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫سّلم لي على خالك ‪ ..‬مو قلت لك إنه راسه يابس‪.‬‬

‫شكر أخي العميد وخرج‪.‬‬
‫عشرة أيللام أخللرى مللن الهمللال‪ ،‬عشللرة أيللام مللن العللذاب النفسللي‬
‫مد ٍّع فارٍغ صللغير؟‪..‬‬
‫المضني ‪ ..‬هل خسرت أخي؟ ‪ ..‬هل أنا عبارة عن ُ‬
‫س نفسي ثوب المناضللل الصلللب؟‪..‬أليللس هللذا الثللوب‬
‫هل أريد أن ألب ِ َ‬
‫س المنطق الذي يتكلم فيه أخي هو السائد‬
‫ي كثيرًا؟‪ ..‬أَولي َ‬
‫فضفاضا ً عل ّ‬
‫إن لم يكن هو الصحيح؟‪ ..‬أتقلب على جمر النفس‪ ،‬و ‪ ..‬أحترق!‪.‬‬
‫في ‪ 1‬تموز الساعة الحادية عشرة صباحا ً أدخلوني إلللى غرفللة العميللد‬
‫ص آخلُر كهل ٌ‬
‫ض الشلعر‪،‬‬
‫ل‪ ،‬أبيل ُ‬
‫لجده واقفلا ً بلاحترام بينملا أخلي وشللخ ٌ‬
‫جالسان!‪ ..‬عرفت فيما بعد أن هذا الكهل هو خالي‪.‬‬
‫م أن يخرج من الغرفة بعللد أن طلللب لنللا ثلثللة‬
‫استأذن العميد بأدب َ‬
‫ج ّ‬
‫فناجين قهوة‪.‬‬
‫بعللد التحيللات والقبلت بللدأ خللالي محاضللرة طويلللة انتهللت بالتللأنيب‬
‫دها لي‪.‬‬
‫والتوبيخ‪ ،‬ثم أصدر لي أمرا ً حازما ً بالتوقيع على الورقة التي م ّ‬
‫بهدوء شديد رفضت‪.‬‬
‫قام عن كرسلليه لول مللرة‪" ،‬فكللرت ‪ ..‬كللم يبللدو كللبيرا ً فللي السللن!"‬
‫ت إللى أخللي بسللرعة وسللأله إن كللان‬
‫اقترب مني حانقًا‪ ،‬توقللف‪ ،‬التفل َ‬
‫يستطيع التوقيع على الورقة بدل ً مني‪ ،‬أومأ أخي برأسه موافق لا ً ‪ ..‬ثللم‬
‫وقـع‪ ،‬صّر خالي على أسنانه‪ ،‬وقال لي‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا ويلك ‪ ..‬إذا حكيت أي كلمة!‪.‬‬

‫‪239‬‬

‫حضر العميد ‪ ..‬ناوله خالي الورقة ‪ ..‬رن العميد الجرس بعللد أن وضللع‬
‫الورقة في درج المكتب‪ .‬أمرهم أن يعيدوني إلى الزنزانة‪ .‬بعللد يللومين‬
‫وفي الساعة التاسعة وسبع وثلثين دقيقلة كنلت أقلف عللى الرصليف‬
‫المبلل أمام مبنى الفرع‪ ..‬حّرًا!‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫دارت بي السيارة زهاء ساعة‪ ،‬تجاهلت السائق تمامًا‪ ،‬كنت فللي حالللة‬
‫انعدام تفكير‪ ،‬صحوت بعدها ‪ ..‬وسألت نفسي‪ :‬إلى أين ‪ ..‬إلى أين؟‪.‬‬
‫شعرت برغبة جارفة للنوم! ‪ ..‬أريد أن أنام‪ ،‬أريد أن أنام!‪.‬‬
‫أعطيت السائق عنوان بيتنا‪ .‬نزلت من السيارة بعد أن أعطيتلله نصللف‬
‫ما أملك من النقود‪ .‬مشيت على الرصيف‪ .‬كنللت أنظللر إلللى الرصلليف‬
‫وأخشى في كل لحظة أن ينخسف وأغوص في حفرة ل نهاية لها‪.‬‬
‫صعدت الدرج‪ ،‬ضغطت الجرس ‪ ..‬من سيفتح الباب؟‪ ..‬أمي‪ ،‬أبي؟‪.‬‬
‫لم يفتح لي أحد! أين أبي؟ ‪ ..‬أين أمي؟‪..‬‬
‫ث سللاعات تقريبلًا‪ ،‬مللرت بللي‬
‫جلسللت علللى الللدرج‪ ،‬بقيللت جالسلا ً ثل َ‬
‫العديدات من جاراتنا صعودا ً أو نزو ً‬
‫جس‪،‬‬
‫ي باستغراب وتللو ّ‬
‫ل‪ ،‬ينظرن إل ّ‬
‫لم أعرف أية واحدة منهن‪ .‬حضللر شللاب أنيللق يلبللس نظللارات طبيللة‪،‬‬
‫ي باستغراب ثم تجاوزني‪ ،‬فتح باب بيتنا ‪ ..‬ودخل!‪.‬‬
‫نظر إل ّ‬
‫ي دون أن يستدير ناظرا ً بطرف عينه‪:‬‬
‫وقفت ‪ ..‬ناديت عليه‪ ،‬التف َ‬
‫ت إل ّ‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪ ..‬شو بتريد؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫من أنت ‪ ..‬لوين داخل؟‪.‬‬

‫تعارفنا‪.‬انه زوج لينا ابنة أخي‪ .‬رحب بي ترحيبا ً شديدًا‪ ،‬قال إنه سلليجهز‬
‫الحملام بسلرعة‪ ،‬وإنله يجلب أن أغيلر ثيلابي‪ .‬سلألني إن كنلت جائعلًا‪،‬‬

‫‪240‬‬

‫طلبت منه فنجان قهوة بل سكر‪ .‬يدور سؤال في حلقي‪ ..‬أخشى كثيرا ً‬
‫أن أطرحه‪ .‬أنهيت شرب القهوة‪ ..‬اعتدلت في جلستي‪ ،‬وسألته‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أين أبي وأمي؟‪.‬‬

‫فوجئ ‪ ..‬نظر إلي بدهشة ممزوجة بالشفقة‪ ،‬بدأ يتمتم‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ل أعرف‪ ..‬أنا ولينا‪ ،‬وقللت معرفللتي بلينللا ‪ ..‬لللم يكونللا‬

‫موجودين ‪ ..‬رحمهما الله ‪ ..‬ما تعرفت ل على الوالد ول على‬
‫الوالدة ‪ ..‬و ‪ ..‬و‪..‬‬
‫ما كنت أخشاه‪ ..‬حاصل‪ .‬آه يا أمي ويا أبي‪ ،‬هل قلتما أو قللال أحللدكما‬
‫إنه يتمنللى أن يرانللي قبللل أن يمللوت؟ ‪ ..‬هللل تسللبب سللجني وغيللابي‬
‫بتعجيل موتكمللا؟‪ ..‬أدفللع نصللف حيللاتي مقابللل أن أضللع رأسللي لمللدة‬
‫خمس دقائق على صدر أمي‪.‬‬
‫أنور زوج لينا يقف أمامي مرتبكًا‪ ،‬يراقبني‪ ،‬سألته إن كان يعرف مكان‬
‫ن نعم‪.‬‬
‫الدفن‪ ،‬أومأ برأسه أ ْ‬
‫كتب ورقة وضعها على الطاولة‪ .‬انطلقنا نحو المقللبرة‪ ،‬وصلللنا ‪ ..‬اسللم‬
‫أبي وأمي واضحان على الحجر ‪ ..‬رسَم أنور إشارة الصليب على صدره‪...‬‬
‫ل أتمعن الكتابة ول أفهم شيئًا‪ ،‬احتضنت الحجقارة البقاردة وأرحقت رأسقي عليهقا‪،‬‬
‫وقفت قلي ً‬
‫ي‪ ...‬شعرت براحة كبيرة‪ ...‬أوشكت أن أنام‪ ،‬تذكرت أنور فوقفت‪ .‬فققي داخلققي‬
‫أغمضت عين ّ‬
‫ي واجبًا ما تجاه الموت يجب القيام به‪ ،‬اتجهت نحو القبلة‪ ...‬القققبر بينققي وبيققن‬
‫ن عل ّ‬
‫شعور بأ ّ‬
‫ت صلَة الجنازة!‪.‬‬
‫ي‪ ...‬صلي ُ‬
‫ل آل ّ‬
‫ي باتجاِه السماء وقرأت الفاتحة‪ ،‬ثم وبشك ٍ‬
‫مكة‪ ،‬فتحت َكّفّق ّ‬
‫‪ 6‬تكشككريكن أول‬
‫بعد أسبوع من خروجي من السجن دعاني أخي أبو لينا إلى عشاء في‬
‫ت‬
‫مطعم خارج المدينة‪ ،‬كان المطعم جميل ً وهادئا ً ل ُيسمع فيه إل صو ُ‬
‫الموسيقى الناعمة وصوت خرير النهر المنحدر من الهضاب الغربية‪.‬‬
‫على الَعشاء حدثني عن أمي وأبي وقال إن أبي قللد رتللب قبللل وفللاته‬
‫وضعي المالي بحيث يكون بيت العائلة الذي تسكن فيه حاليلا ً لينللا مللع‬

‫‪241‬‬

‫ملكا ً لي‪ ،‬وأنشأ باسمي شراكة بعمل تجاري مللع أحللد القللارب‪،‬‬
‫زوجها ُ‬
‫وإن الرباح من يومها تحفظ لي مما شكل ثروة صغيرة‪ ،‬وقال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫من هذه الناحية ل تحمل هللم‪ ،‬وضللعك الملادي مرتلب‬

‫والحمد لله‪.‬‬
‫بعدها سألني إن كنت أريد السكن وحدي بحيث تخرج لينا وزوجها مللن‬
‫بيتي‪ ،‬فرفضت رفضا ً قاطعا ً ‪ ..‬أحسست أن لهجة الرفض الحازمة قللد‬
‫أشعرت أخي بالرتياح‪.‬‬
‫مع انتهاء كللأس العللرق الثانيللة أصللبح الجللو أكللثر اسللترخاًء وحميميللة‪،‬‬
‫استرجعنا بعض الذكريات العائلية ‪ ..‬وفجأة اعتد َ‬
‫ق‬
‫جلسته وتطللّر َ‬
‫ل في ِ‬
‫إلى الموضوع الذي كنت أخشى أن يفتحه أو يلمح إليه‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫راح كون صريح معللك ‪ ..‬حللول الكلم الللذي قلتلله لللي‬

‫بالفرع أثناء الزيارة‪،‬‬

‫يا أخي ‪ ..‬في البداية أحسست بجرح‬

‫عميق‪ ،‬لكن بعد عدة ساعات أحسست بالفرح‪ ،‬بللالفخر‪ ،‬لنللك‬
‫رجل ‪ ..‬وبطل ‪..‬‬
‫ت يدي وأسكتّله‪.‬‬
‫رفع ُ‬
‫خلل هذه الشهور الثلثة كان أكثر ما يضايقني هو معاملة الخرين لي‬
‫بصفتي بط ً‬
‫ل!!‪.‬‬
‫ي في السجن هو الوقت‪ ،‬هذا الفللائض يتيللح للسللجين‬
‫"الفائض الرئيس ّ‬
‫أن يغوص في شيئين‪ ،‬الماضي ‪ ..‬والمستقبل‪ ،‬وقد يكون السللبب فللي‬
‫ذلك هو محاولت السجين الحثيثة للهرب من الحاضر ونسلليانه نسلليانا ً‬
‫تامًا‪.‬‬
‫ولن النسان إما إلى إنسللان حكيللم‬
‫والغوص في هذين الشيئين قد يح ّ‬
‫ق ل ِللذاِته ومنكفللئ ل يتعللاطى مللع‬
‫هادئ‪ ،‬أو إلى شخص نرجسل ّ‬
‫ي عاشل ٍ‬
‫الخرين إل في الحدود الدنيا‪ ،‬أو إلى‪ .....‬مجنون"!‪.‬‬

‫‪242‬‬

‫ت هذه المعادلة حاولت جاهدا ً أن أتحول إلى ذلك النسللان‬
‫منذ أن و َ‬
‫عي ُ‬
‫الهادئ‪ ،‬ول أدري إلى أية درجة نجحت‪.‬‬
‫من هنا رفضت أن أتللاجر بسللجني‪ ،‬رفضللت أن أكللون بطل ً عنللدما أراد‬
‫الخرون عند خروجي من السجن أن يعتبروني ويعللاملوني كبطللل‪ ،‬أنللا‬
‫أعرف إمكانياتي جيدا ً ‪ ..‬ببساطة‪ ...‬أنا إنسان‪.‬‬
‫أنا خواف ورعديد وجبان ‪ ..‬إلى درجة أننللي قللد أتبللول فللي ثيللابي مللن‬
‫الخوف‪.‬‬
‫أنا شجاع وصلب وعنيد ‪ ..‬إلى درجة أنني أصمد أمللام أقسللى أسللاليب‬
‫التعذيب‪.‬‬
‫لكلن ‪ ..‬وبكلل الحلوال لسلت بط ً‬
‫ل‪ ،‬فسللوكي هلذا الطريلق للم يكلن‬
‫باختياري‪ ،‬والبطل ل يمكن أن يكون بطل ً لسلوكه طريقا ً بالكراه‪.‬‬
‫بذلت جهودا ً مضنية مع لينا وزوجها‪ ،‬حتى استطعت أن أقنللع لينللا أننللي‬
‫لست أسطورة‪ ،‬وبالتالي أن تتعامل معي بمنتهى البسللاطة‪ ،‬وأن أقنللع‬
‫أنور أن ل حاجة لكل هذا التهّيب والجلل في التعامل معللي‪ ،‬ل حاجللة‬
‫لن يقف احتراما ً كلما دخلت أو خرجت من الغرفة‪" ،‬عمري يزيد عللن‬
‫عمر أنور نحوَ عَ ْ‬
‫شرِ سنوات"‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫منذ الساعة التاسعة وسبع وثلثين دقيقة من الثالث من تموز لحظلت‬
‫شيئا ً لم أعهده في المدينة سابقًا‪.‬‬
‫الغبار ‪ ..‬الغبار يغطللي كللل شلليء فللي المدينللة‪ ،‬الطرقلات‪ ،‬الشللوارع‪،‬‬
‫الجدران‪ ،‬كلها مغطاة بطبقة رقيقة من الغبللار الصللفر النللاعم‪ ،‬أوراق‬
‫الشجار الخضراء ‪ ..‬التي كنت أعرفها سابقا ً زاهية لمعللة بخضللرتها ‪..‬‬
‫مغطاة بهذه الطبقة الرقيقة من الغبار‪.‬‬

‫‪243‬‬

‫حتى وجوه الناس السائرين في الشوارع والمتسكعين فللي السللاحات‬
‫وعلى الرصفة ‪ ..‬مغطاة بهذه الطبقة الغبارية الصفراء‪.‬‬
‫يغسلون وجوههم‪ ،‬يجففونها‪ ،‬لكن الغبار ل يزول‪ ،‬يبدو ملتصقا ً بالوجوه‬
‫أو أنلله مللن تكوينهللا! ‪ ..‬ويبللدو هللذا الغبللار واضللحا ً عنللد البتسللام‪،‬‬
‫فالبتسامات على ندرتها – هذه الندرة التي تقللترب مللن العللدم‪ ،‬حللتى‬
‫أنني شككت أن الناس في مدينتي قد نسوا فعللل البتسللام – تللترافق‬
‫مع هذا الغبار‪ ،‬فإذا حللاول شللخص مللا البتسللام‪ ،‬تبللدو هللذه البتسللامة‬
‫شائهه‪ ،‬ويبدو هذا الشخص وكأنه قد كبر في السن عشللرات السللنين‪،‬‬
‫وأهم عرض من أعللراض البتسللام هللو ظهللور طبقللة الغبلار الملتصللق‬
‫بالوجه ظهورا ً جلي ّا ً ‪ ..‬حينها تظهر حبيبات الغبار هذه مجسمة واضحة‪.‬‬
‫خشيت أن أسأل أحدا ً عن أمر الغبار هذا‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫بعد خمسة عشر يوما ً من خروجي فكرت بالقيام بواجبي الول‪ ،‬زيارة‬
‫أهل نسيم‪ ،‬ومحاولة تطمينهم عنه‪.‬‬
‫فللت قلي ً‬
‫ل‪ ،‬انخفللض معللدل الللزوار كللثيرًا‪،‬‬
‫ضجة خروجي من السجن خ ّ‬
‫الللزوار مللن الهللل والقللارب‪ ،‬يللأتون ‪ ..‬يتلفظللون بعبللارات التهنئة‬
‫التقليدية‪ ،‬الكثير من عبارات التبجيل‪ ،‬وأكثر من كل شيء ‪ ..‬النصائح‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫الحمد لله على سلمتك‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نحن نفتخر بك‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ل تنظر إلى الخلف ‪ ..‬المستقبل ل زال أمامك‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أصلحك الله ‪ ..‬ضروري تعمللل بالسياسللية؟‪ ..‬يللا أخللي‬

‫العين ل ُتقاِوم المخرز!‪.‬‬
‫أسمع أنا كل هذا وأرسم ابتسامة بلهاء على وجهي‪.‬‬

‫‪244‬‬

‫صديقان أو ثلثة من أيام الصبا والشباب‪ ،‬أرسلوا لي خبرا ً فللي منتهللى‬
‫السرية والخفاء‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫نحن نلود زيارتلك ‪ ..‬لكننلا نخلاف نتلائج هلذه الزيلارة‪،‬‬

‫فعذرًا!‪.‬‬
‫جبَنهم كثيرًا‪.‬‬
‫واحترمت ُ‬
‫أخبرت لينا وأنور عن سفري إللى مدينلة نسليم السلاحلية‪ ،‬رتلب أنلور‬
‫جميع الجراءات ورافقني حتى انطلق البولمان باتجاه الشللمال‪ .‬لول‬
‫مرة منذ سنوات طويلة أحس أنني إنسان‪ ،‬جاري في المقعد ومرافللق‬
‫الباص يعاملني كإنسان‪ ،‬عندما يخاطباني يخاطباني بلقب أستاذ!‪.‬‬
‫أرجعت المقعد إلى الخلللف‪ ،‬أغمضللت عيللوني‪ ،‬صللددت كللل محللاولت‬
‫جاري بفتح حديث معي‪ ،‬استرجعت ذكريات نسيم ‪ ..‬يا هللل تللرى مللاذا‬
‫يفعل الن؟‪..‬‬
‫في كل مكان مللن هللذا العللالم يمكللن أن تنشللأ علقللات حميميللة بيللن‬
‫شخصين‪ ،‬لكن أن تنشأ علقة حميمية بين شخصين في السجن‪ ،‬حتما ً‬
‫ى آخر‪ ،‬مذاقٌ آخر ‪ ..‬نكهة أخرى‪.‬‬
‫سيكون لها معن ً‬
‫أيام كثيرة‪ ،‬وليال طويلة ‪ ..‬طويلللة نقضلليها فللي الحللديث‪ ،‬أعللرف كللل‬
‫شلليء عللن عائلللة نسلليم‪ ،‬الب‪ ،‬الم‪ ،‬الخللوة‪ ،‬الخللوات ‪ ..‬عللاداتهم‪،‬‬
‫تقاليللدهم‪ ،‬تفاصلليل عائليللة دقيقللة ل يمكللن الحللديث عنهللا إل ‪ ..‬بيللن‬
‫سجينين!‪.‬‬
‫ي العلقللة السللجنية‬
‫بعد فترة من هذه الحاديث يصبح لكللل مللن طرفل ّ‬
‫هذه حياتان عائليتان‪ ،‬الحياة التي عشتها في عائلتي الحقيقية‪ ،‬والحياة‬
‫التي عشتها متقمصًا‪ ،‬حالمًا‪ ،‬في عائلة نسيم!‪.‬‬
‫أسترجع التفاصيل الطازجة بينما البللاص يجتلاز مسللرعا ً منللاظَر أخلاذة‬
‫وساحرة من الخضرة والمياه‪.‬‬

‫‪245‬‬

‫المائة كيلو متر الخيرة أسرني فيها جمال الطبيعة إلى درجة أنني لللم‬
‫أسللتطع أن أفكللر إل بمللا أرى‪ ،‬إلللى اليسللار البحللر الللرائق بزرقتلله‬
‫المتدرجة‪ ،‬وإلى اليمين الجبال الشاهقة الخضراء‪.‬‬
‫وى الطريق‪ ،‬يقترب من البحر حتى يدانيه‪ ،‬أرقب تكسللر المويجللات‬
‫يتل ّ‬
‫الصغيرة على الشاطئ‪ ،‬أرى السللابحين والسللابحات يحتضللنون البحللر‬
‫ويحتضنهم‪ ،‬ويبتعد إلى درجة يغيب فيها البحر عن أعيننللا فللأنظر يمين لا ً‬
‫ي‪.‬‬
‫إلى بساتين البرتقال والليمون والزيتون ‪ ..‬هذا الخضرار الند ّ‬
‫ويصل الباص إلى المدينة‪ ،‬مدينة نظيفة‪ ،‬أنزل وأستقل تكسي‪ ،‬أعطيله‬
‫صللل‪ ،‬أنللزل‪ ،‬ودون‬
‫العنوان الذي أعرفه كما أعرف عنوان بيت أهلي‪ ،‬أ ِ‬
‫عناء أقف أمام بيت أهل نسيم وأضغط الجرس‪.‬‬
‫بين رنين الجرس وخروجلي ملن اللبيت مطلرودا ً مهانلا ً حلوالي الثلث‬
‫ساعات‪.‬‬
‫فُِتح الباب ووقفت طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها‪ ،‬قلت‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫مرحبا عمو‪ ،‬هذا بيت أهل الدكتور نسيم؟‪.‬‬

‫لم تجب‪ ،‬ركضت إلى الداخل‪ ،‬سمعتها تقول‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ماما ‪ ..‬ماما‪ ،‬في واحد عم يسأل عن الدكتور نسيم‪.‬‬

‫ت نسيم في ثيابهللا المنزليللة وقللد وضللعت‬
‫ثوان قليلة خر َ‬
‫جت بعدها أخ ُ‬
‫بسلللرعة غطلللاًء عللللى رأسلللها‪ ،‬عيونهلللا مثقللللة بنظلللرات الدهشلللة‬
‫ت وقلت لها‪:‬‬
‫والستفسار‪ ،‬وقد عرفتها فورًا‪ ،‬ابتسم ُ‬

‫‪-‬‬

‫مرحبا ‪ ..‬أكيد أنت سميرة؟‪.‬‬

‫ي ‪..‬‬
‫جم َ‬
‫دت في مكانها قـللبالتي قليل ً مرتبكللة وقللد سل ّ‬
‫مَرت عينيهللا علل ّ‬
‫سحَبت نفسا ً عميقا ً وقالت‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم يا أخي ‪ ..‬نعم! أنا سميرة‪ ،‬بس حضرتك ميللن؟ ‪..‬‬

‫كيف بتعرفني؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا صديق نسيم‪ ،‬وجئت أزور أهله وأطمنهم عليه‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫‪-‬‬

‫أهل ً وسهل ً ‪ ..‬يا أهل ً وسهل ً ‪ ..‬صللحيح؟ ‪ ..‬يعنللي نسلليم‬

‫حي؟ ‪ ..‬نسيم عايش؟‪..‬‬
‫مع العشرات من التساؤلت والترحيبات ووسط دموع غزيرة ‪ ..‬أخذت‬
‫سميرة تدور حول نفسها ‪ ..‬ل تعرف ماذا تفعللل‪ ،‬طفلتهللا إلللى جانبهللا‪،‬‬
‫تسألني عدة أسئلة دون أن تنتظر جوابلًا‪ ،‬ثللم ُتتب ُِعهللا ‪ ..‬يللا أهل ً وسلله ً‬
‫ل‪،‬‬
‫حت دموعها عدة مرات بغطاء الرأس‪ ،‬وأخيرا ً انتبَهت‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫مس َ‬
‫عفوا ً ‪ ..‬عفوا ً ‪ ،‬تفضل ‪ ..‬تفضل‪.‬‬
‫‬‫ت‪ ،‬ذهب َللت هلي قليل ً ثللم علادت‪،‬‬
‫أدخلتنللي إلللى غرفلة الضلليوف‪ ،‬جلسل ُ‬
‫قالت‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫اتصلت مع زوجي ‪ ..‬زوجي فلي الجملارك‪ ،‬للم أجلده‪،‬‬

‫تركت له خبرًا‪.‬‬
‫سكتت قليل ً ‪ ..‬ثم وبحرقة‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫من شان الله يا أخي ‪ ..‬طمني عن نسيم‪ ،‬أكيد نسلليم‬

‫عايش؟ ‪ ..‬ووينو؟‪.‬‬
‫شللرحت لهللا ‪ ..‬تكلمللت وتكلمللت‪ ،‬رويللت لهللا العديللد مللن قصصللهم‬
‫وحكايللاهم العائليللة والللتي‬

‫ل يعرفهللا إل أفللراد العائلللة‪ ،‬فصللدقتني‪،‬‬

‫سألتها عن والد ووالدة نسيم ‪ ..‬عندها ازداد بكاؤها وتحوّ َ‬
‫ل إلى نشلليج‪،‬‬
‫وفهمللت مللن خلل الللدموع والنحيللب أنهمللا قللد توفيللا‪ ،‬توفيللا بحسللرة‬
‫الولدين‪:‬‬
‫الول وهو المنخللرط بصللفوف المعارضللة السلللمية انقطعللت أخبللاره‬
‫نهائيلا ً وتضللاربت الراء بيللن أنلله قتللل فللي إحللدى العمليللات وبيللن أنلله‬
‫ة‬
‫معتقل‪ ،‬أما نسيم فقد انتظرت العائلة في اليوم المحدد عللودَته متهيئ ً‬
‫صة الولد الول‪.‬‬
‫للحتفال بهذه العودة رغم غ ّ‬
‫ن العائد لم يعد‪ ،‬وطال النتظار‪ ،‬بدأ الب رحلة ماراثونية عبثية بين‬
‫لك ّ‬
‫إدارة المطار وشركة الطيران والسفارة الفرنسية‪.‬‬

‫‪247‬‬

‫القنصل الفرنسي أكد بعد شهر من النتظار علللى أن نسلليم قللد غللادر‬
‫الراضي الفرنسية متوجها ً إلللى بلده‪ ،‬لكللن شللركة الطيللران الوطنيللة‬
‫وإدارة المطار لم يقدما إل إجابات غامضة ل تنفي ول تؤكد‪.‬‬
‫ست سنوات بقي الب مواظبا ً علللى السللفر إلللى العاصللمة‪ ،‬فللي كللل‬
‫مرة يبقى ثلثللة أو أربعللة أيللام يتنقللل خللهللا بيلن السلفارة الفرنسللية‬
‫والشركة الوطنية للطيران والمطار الدولي‪ ،‬لكن دون فائدة‪.‬‬
‫عرفه موظفو القنصلية الفرنسية‪ ،‬وكان الجواب واحدا ً فللي كللل مللرة‪.‬‬
‫الشركة الوطنية للطيران كللان جوابهللا واحلدا ً فلي كللل ملرة‪ :‬رفضللت‬
‫رفضا ً قاطعا ً إطلعه على قائمة المسافرين في الرحلة التي كان مللن‬
‫المفترض أن يكون نسلليم ضللمنها‪ .‬إدارة المللن فللي المطللار الللدولي‬
‫ردوه عدة مرات ردا ً لطيفًا‪ ،‬ثم أخذوا يعاملونه بخشونة‪ ،‬بعدها هللددوه‬
‫بالعتقال‪ ،‬وفللي رحلللة آب مللن السللنة السادسللة صللفعه أحللد عناصللر‬
‫المن في المطار صفعتين على وجهه‪.‬‬
‫خرج الب وهو يبكي لول مرة في حياته‪ ،‬قالت سميرة‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫و الله يا أستاذ ‪ ..‬لللم نشللاهده أبللدا ً وهللو يبكللي‪ ،‬حللتى‬

‫أمي قالت بعد أن رَووا لها الحادثة أنهللا لللم تشللاهده يبكللي أو‬
‫يضعف ول مرة في حياتهما المشتركة الطويلة‪.‬‬
‫ض عليه ولكنها ألصقته بفراشلله مللدة‬
‫أصيب الب بجلطة دماغية لم تق ِ‬
‫أربع سنوات مشلول ً عاجزا ً عن الحركة والكلم‪.‬‬
‫نسيت الم كل شيء‪ ،‬حتى أولدها‪ ،‬كرست نفسها لخدمة الرجل الذي‬
‫رافقته هذه الحياة‪ ،‬كانت ل تخرج من غرفته إل لقضاء حاجة أو لشللأن‬
‫خاص به‪.‬‬
‫دام هذا الحال أربع سللنوات تللوفي الب بعللدها‪ ،‬وبعللد شللهرين لحقتلله‬
‫الم‪.‬‬
‫البنات تزوجن‪ ،‬سميرة وزوجها الكمركجي يسكنان بيت العائلة‪.‬‬

‫‪248‬‬

‫أعطيتها رقم هاتفي‪ ،‬سجلت رقم هاتفها‪.‬‬
‫ت استمّر أكثر من دقيقة‪ ،‬شعرت بعطش فطلبت من الطفلة‬
‫را َ‬
‫ن صم ٌ‬
‫أن تأتيني بكأس ماء‪ ،‬مقررا ً الرحيل بعد شرب الماء‪ ،‬فيما أنللا أشللرب‬
‫فتح باب البيت وسمعت خطوات الرجل‪ ،‬هبت سميرة واقفة وخرجللت‬
‫مسرعة‪.‬‬
‫سمعت همسا ً في البداية‪ ،‬ثم صوت نقاش حاد‪ ،‬صوت الرجل الذي ما‬
‫ينفك يرتفع بينما سميرة تحاول جاهدة خفض صوتها والطلللب إليلله أن‬
‫يخفض صوته‪ ،‬رغم ذلك سمعت أغلب ما دار بينهما ‪ ..‬بصوت خشن‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫وِلك ‪ ..‬كيف تدخليه على بيتي وأنا غايب‪ ،‬أنلا ناقصللني‬

‫مجرمين وخريجين سجون!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا ابن عمي ‪ ..‬يا ابن عمي‪ ،‬الله يخليك ويطول عمرك‬

‫‪ ..‬هذا ما نو مجرم‪ ،‬هللذا مللن عنللد نسلليم‪ ،‬صللديق نسلليم‪ ،‬هللو‬
‫ول بالك‪.‬‬
‫فاعل خير ‪ ..‬الله يخليك ط ّ‬
‫ودخل زوج سللميرة بلبللاس الجمللارك‪ ،‬طويللل القامللة‪ ،‬أشللقر‪ ،‬مكفهللر‬
‫الملمح‪ ،‬وببرود وجفاء شديدين قال‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫مرحبا‬

‫هببت واقفا ً وأنا أقول‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أهل ً وسه ً‬
‫ل‪.‬‬

‫بإشارة من يده طلب مني الجلوس بينما بقي هو واقفًا‪ ،‬بللادرني بللأول‬
‫سؤال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫كيلف تسلمح لنفسلك أن تلدخل إللى بيلت رجلل فلي‬

‫غيابه؟‪.‬‬
‫لم يتنظر الجواب‪ ،‬ت َب ِعَ هذا السؤال سي ٌ‬
‫ل من السئلة التي لم يكن يريد‬
‫ل إليهللا آمللرا ً‬
‫ف بدخولها الغرفة‪ ،‬تح لوّ َ‬
‫لها جوابًا‪ ،‬وأنق َ‬
‫ذت سميرة الموق َ‬
‫إياها بالخروج‪ ،‬أَبت الخروج ممسكة يده ‪ ..‬ومتضرعة‪:‬‬

‫‪249‬‬

‫‪-‬‬

‫من شللان الللله ‪ ..‬أبلوس إيللدك ‪ ..‬أبلوس رجلللك‪ ،‬هللذا‬

‫صديق نسيم ونواياه كلها خير‪.‬‬
‫سحب يده بعنف وهو يصرخ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫خير! ‪ ..‬عم تقولي خير!‪ ..‬بتعرفي لو عرفلل"وا" ‪ ..‬إنلله‬

‫هيك ناس عم يزورونللي ‪ ..‬وقتهللا راح ينخللرب بيللتي ‪ ..‬وبللروح‬
‫لعند أخوك الدكتور!‪ ..‬وإل هذا المجرم الثللاني ‪ ..‬قللولي لللي ‪..‬‬
‫عندها شو بصير فيكي ‪ ..‬و بالولد؟‪ ..‬أه احكي‪.‬‬
‫ي ‪ ..‬وبصوت أهدأ قلي ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ثم التفت إل ّ‬

‫‪-‬‬

‫خب ّللر المللن‪ ،‬بللس مللن شللان خللاطر‬
‫شوف ‪ ..‬أنا لزم َ‬

‫نسيم ‪ ..‬راح خليك تللروح ‪ ..‬بللس وينللك!‪ ..‬تللرى ل شللفتني ول‬
‫صوب بيتنا مرة ثانية ‪ ..‬فهمان هـ‬
‫شفتك ‪ ..‬ويا ويلك إذا هَوّْبت ُ‬
‫الحكي؟‪.‬‬
‫خرجت ل ألوي على شيء‪ ،‬أتصبب عرقا ً وأصواته تلحقني‪.‬‬
‫رميت نفسي في أول سلليارة رأيتهللا وقلللت للسللائق أن يأخللذني إلللى‬
‫البحر‪ ،‬لكن السائق توقف وقال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫لكن ‪ ..‬هذا هو البحر ‪ ..‬قدامك يا أستاذ!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫خذني إلى بحر غير هذا البحر ‪ ..‬يعني خارج المدينة‪.‬‬

‫في مطعم بحريّ ل أذكر منلله شلليئًا‪ ،‬جلسللت وأكلللت ‪ ،‬ل أعللرف مللاذا‬
‫وكيف أكلت‪،‬ل أعرف كم بقيت جالسًا‪.‬‬
‫في اليوم التالي استيقظت من نومي عند عودة لينللا بعللد الظهللر‪ ،‬مللع‬
‫القهوة أخبرتني أن امرأة اسمها سميرة اتصللت هاتفيلا ً وسللألت عنلي‬
‫وأنها تعتذر بشدة عما حدث‪.‬‬
‫استرجعت أحداث اليوم السابق محاول ً أن أستوعب ما حدث‪.‬‬
‫حاولت أن أنسى‪.‬‬
‫‪ 13‬تكشككريكن الكثككانكي‬

‫‪250‬‬

‫اتركوني بسلم فأنا ل أريد منكم شيئًا‪.‬‬
‫أستيقظ صباحا ً دون موعد محدد‪ ،‬يكون الللبيت فارغلًا‪ ،‬أنللور ولينللا فللي‬
‫عملهمللا‪ ،‬البنللت الصللغيرة فللي الحضللانة‪ ،‬أبقللى قليل ً فللي السللرير ثللم‬
‫أنهض‪ ،‬أرتدي ثيابي كلها "منذ أن خرجت من السجن وأنا أنام عاريللًا"‪،‬‬
‫أتوجه إلى باب الغرفة المقفل‪ ،‬أفتحه‪ ،‬أضع "ركوة" قهوة ثقيلللة علللى‬
‫الغاز وأذهب إلى المغسلة‪.‬‬
‫ساعة أو ساعتين وأحيانا ً أكثر أجلللس علللى الكنبللة أشللرب القهللوة بل‬
‫سكر وأدخن‪ ،‬أدخل إلى المرحاض "أنا حريص جلدا ً أن أقضلي حلاجتي‬
‫أثناء غياب لينا عن البيت‪ ،‬وأعتقد أن المسألة هنا معقدة قلي ً‬
‫ل‪ ،‬فبنفس‬
‫الدرجة التي تضايقني عملية اعتباري أسطورة مللن قبللل لينللا‪ ،‬إل أنهللا‬
‫وانية في نفسي‪ ،‬أي بما أنني بطل وأسطورة‬
‫تـرضي بعض العوالم ال ُ‬
‫ج ّ‬
‫كبيرة في نظرهللا فللإنني – مللع ضلليقي مللن ذلللك – أحللاول بللأكثر مللن‬
‫وسلليلة أن أؤكللد هلذا‪ ،‬ومنهللا علدم دخللولي المرحلاض فللي حضللورها‪،‬‬
‫فالسطورة التي في ذهنها أو البطل ذاك‪ ،‬يجب أن يكللون منّزه لا ً عللن‬
‫كل ما هو كريه‪ ،‬وهللو أرفللع مللن هللذه الحاجللات النسللانية الوضلليعة ‪..‬‬
‫لللذلك ومنللذ أن عشللت معهللا فللي بيللت واحللد‪ ،‬لللم تَرنللي قللط أدخللل‬
‫المرحاض"‪.‬‬
‫أرتدي ملبسي‪ ،‬أخرج‪ ،‬أسير على غير هدى‪ ،‬ل أحد يعرفني‪ ،‬ل أعللرف‬
‫أحللدًا‪ ،‬أسللير ‪ ....‬وأسللير‪ ،‬ل أفكللر بشلليء محللدد‪ ،‬قللد أشللتري قطعللة‬
‫شوكولته فاخرة‪ ،‬أنا أحب الشوكولته ولديّ الكثير من النقود‪ ،‬آكلها ‪..‬‬
‫أدخن وأنا أمشي‪ ،‬في الكثير من الحالت أجلللس فللي حديقللة صللغيرة‬
‫قريبة من بيتنا‪.‬‬
‫أشتري بعض الحاجات التي أشعر أنها قد توفر بعض المللال علللى لينللا‬
‫وزوجها‪ ،‬فوضعي المادي أفضل منهما بكثير‪ ،‬أنا مليونير تقريبًا‪.‬‬

‫‪251‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫مسألتان أْرعََبلتاني‪.‬‬
‫اتركوني بسلم فأنا ل أريد منكم شيئًا‪.‬‬
‫منذ فترة حضر خالي الوزير – وهو يتردد لعنللدنا بشللكل دوري – وبعللد‬
‫ي فجأة وقال‪:‬‬
‫الكثير من الحاديث المعتادة‪ ،‬التف َ‬
‫ت إل ّ‬
‫‪-‬‬

‫أما آن الوان ‪ ..‬تفكر بمستقبلك؟‪.‬‬

‫وجمدت!!‪.‬‬
‫المستقبل؟!‪ ..‬وهل لنسان في مثل سني ووضعي مستقبل؟!‪.‬‬
‫خالي مثل أغلب رفاقه‪ ،‬آراؤه قاطعة حاسمة ول تقبل النقاش‪ ،‬يتكلللم‬
‫دائما ً بلهجة العارف بكل شيء‪ ،‬ويتخذ هيئة من يمتلك الحقيقة دائما ً ‪..‬‬
‫ده!‪.‬‬
‫ووح َ‬
‫لذلك قال كلمه هذا بلهجة المر‪ ،‬وتطلرق إللى المسلألتين المرعبلتين‬
‫بالنسبة لي‪ :‬العمل ‪ ..‬والزواج!‪.‬‬
‫أيـد َ جميع الحاضرين الفكرة‪ ،‬انتفخت أوداج خالي‪ ،‬ابتسم‪ ،‬التفت إلللى‬
‫بعض نساء العائلة وقال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫مللا الللزواج فهللو مهمللة هـل‬
‫أمر العمل‪ ،‬اتركوه لللي ‪ ..‬أ ّ‬

‫الصبايا‪ ،‬يـ الله ‪َ ....‬‬
‫قوا شي عروس‬
‫وفوني شطارتكن ‪ ....‬ون ّ‬
‫ش ْ‬
‫تكون حلوة ومناسبة لهذا العريس المليونير‪.‬‬
‫ث جانبيللة عللن‬
‫ن أحللادي َ‬
‫ارتفعت صيحات النساء وزقزقاتهن‪ ،‬وفورا ً بللدأ َ‬
‫مواصفات العروس المطلوبة‪.‬‬
‫ذهب خالي وانهمك الجميع في ترتيبات الخطبة والزواج‪ ،‬وأنا صامت!‪.‬‬
‫لم يسألني أحد عن رأيي‪ ،‬وبقيللت صللامتًا‪ .‬هاتللان المسللألتان أتعبتللاني‬
‫لفترة طويلة‪.‬‬

‫‪252‬‬

‫بعد مضي حوالي السبوعين طلبنللي علللى الهللاتف موظللف كللبير فللي‬
‫الذاعة والتلفزيللون‪ ،‬عّرفنللي علللى نفسلله وطلللب منللي الحضللور إلللى‬
‫مكتبه لمناقشة سيناريو مسلسل تلفزيوني وقال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫جلله‪ ،‬ول‬
‫إذا عجبك السلليناريو‪ ،‬فللورا ً نوقللع العقللد لتخر َ‬

‫تسأل عن المكانيات المادية فهي متوفرة والحمد لله‪.‬‬
‫احتجت إلى الكثير من اللباقة لكي أعتذر بلطف‪ ،‬لكنه واصل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أخي ل ترفض‪ ،‬تفضل لعندي إلى المكتب وأنا واثق‬

‫أنك ستقتنع‪ ،‬يعني‪..‬‬

‫ل تواخذني‪..‬أنت صللحيح مخللرج لكنللك‬

‫اسم غير معللروف‪ ،‬وأنللا لعتبللارات أظنللك تعرفهللا‪ ،‬أقللدم لللك‬
‫فرصة العمر على طبق من ذهب‪.‬‬
‫ورفضت‪.‬‬
‫ة الرفض كانت توبيخا ً شديدا ً من خالي عنللد المسللاء‪ ،‬وأمرنللي أن‬
‫نتيج ُ‬
‫أوافق على العرض‪ ،‬لكني رفضت‪ ،‬قال بغضب‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫إنت واحد حمار‪.‬‬

‫بقيت مسألة الزواج ‪ ..‬ل يمر يوم دون أن تتصل أو تحضر إحدى نسللاء‬
‫ن يبدأن الحديث بجملة واحدة‪:‬‬
‫العائلة‪ ،‬أغلبه ّ‬

‫‪-‬‬

‫مللا شللو لقيللت لللك عللروس ‪ ..‬لقطللة ‪ ..‬لقطللة‪ ،‬وإذا‬
‫أ ّ‬

‫مشي الحال ‪ ..‬راح يكون بيتك بالجنة‪.‬‬
‫وتبدأ عرض مزايللا هللذه العللروس الللتي قللد تكللون قريبتهللا أو جارتهللا‪،‬‬
‫نر ّ‬
‫حت لي أختـها‪.‬‬
‫ش َ‬
‫وإحداه ّ‬
‫كنت أحتاج إلى صبر أيوب‪ ،‬خاصة والحديث يجللري مللع النسللاء‪ ،‬فللأنت‬
‫تسطيع بسهولة أن تجعل أية امرأة تبدأ الكلم‪ ،‬لكن من العسللير جللدا ً‬
‫أن تجعلها تسكت‪.‬‬
‫اتركوني بسلم فأنا ل أريد منكم شيئًا‪.‬‬

‫‪253‬‬

‫جسقرها بينقي وبيقن‬
‫منذ أن خرجت من السجن أحسسقت أن هنقاك هقوة ل يمكقن ردمهقا أو َ‬
‫ي‪ ،‬إخقوتي أو لينقا‪ ،‬أحققك عقواطفي ومشقاعري فل أشققعر‬
‫الخريققن‪ ،‬حققتى أققرب النقاس إلق ّ‬
‫تجاههم بشيء‪ ،‬الحيادية في المشاع‪ ،‬ل شيء يشدني‪ ،‬ل شيء يثير اهتمامي‪.‬‬
‫لكل إنسان لغة تواصل خاصة به يستخدمها بإقامة العلقات المتفاوتللة‬
‫في القرب أو البعد عن الناس‪ ،‬هذه اللغة ‪ ..‬لغللتي الخاصللة بالتواصللل‬
‫مللع النللاس‪ ،‬مفقللودة ‪ ..‬ميتللة‪ ،‬والكللثر مللن ذلللك ليسللت لللدي الرغبللة‬
‫بالمطلق في إيجاد لغة تواصل جديدة ‪ ..‬أو إحياء القديمة‪.‬‬
‫مهم ‪ ..‬ولي عالمي‪ ،‬أو أنه ليس لديّ عالم أبدًا‪،‬‬
‫دائما أشعر أ ّ‬
‫ن لهم عال َ‬
‫لكن قطعا ً ل أنتمي لعالمهم‪.‬‬
‫أرتعب من فكرة الضطرار إلللى مخالطللة النللاس بحكللم العمللل أو أي‬
‫شيء آخر‪ ،‬أريد البتعاد عنهم أكثر ما يمكن!! ‪ ..‬النزواء!‪.‬‬
‫أريد أن أكون منسيا ً ومهمل ً منهم‪.‬‬
‫الزواج؟ ‪ ....‬يا إلهي‪.‬‬
‫أن تأتي إنسانة ما تشاركني فراشي وطعامي ومرحاضي وروائحي!!‪..‬‬
‫إن مجرد التفكير بهذا الموضوع يتعبني ويصيبني بالدوار‪.‬‬
‫اتركوني بسلم فأنا ل أريد منكم شيئًا!‪.‬‬
‫وفي لحظة غضب طلبت من لينا أن تبلللغ الجميلع هاتفيلا ً أننلي ل أريلد‬
‫من أحد أن يكلمني في موضوع الزواج بعد اليوم أبدًا‪.‬‬
‫كانت النتيجة أن قال لي خالي‪:‬‬
‫ إنت واحد بغل‪.‬‬‫ن الموضللوع ماس لا ّ‬
‫ن يسَعين لتزويجي فقد اعتب َللر َ‬
‫أما النساء اللواتي ك ّ‬
‫ن تنهشني ‪..‬‬
‫ن وانطلقت أِلسنتـهُ ّ‬
‫بكرامته ّ‬
‫‪-‬‬

‫ل تعمل خير‪ ،‬شر ما يجيك ‪..‬‬

‫‪-‬‬

‫على شو شايف حاله!!‪ .‬يعني كللل واحللد يللدخل شللي‬

‫يومين عـ السجن يصير يعنطز حاله هيك!‪.‬‬

‫‪254‬‬

‫‪-‬‬

‫م ما رضي فينا‪.‬‬
‫م‪ ،‬لكن اله ّ‬
‫رضينا باله ّ‬

‫‪-‬‬

‫ح" وأصلع ‪ ..‬مثل القرد‪ ،‬يعنلي لنله‬
‫حك ِ ْ‬
‫يعني ختيار "مك َ ْ‬

‫عندو قرشين ما عاد حدا يعجبه!‪ ..‬صحيح مثل ما يقول المثل‪:‬‬
‫يا آخذ القرد على ماله‪ ،‬بيروح المال ويظ ّ‬
‫ل القرد على حاله‪.‬‬
‫ب ضاّرةٍ نافعة‪ ،‬فقد تحولت العلقات إلللى مللا‬
‫كل هذ وأكثر ‪ ..‬ولكن ُر ّ‬
‫يشبه القطيعة‪.‬‬
‫وأخيرا ً ‪ ..‬تركوني بسلم‪.‬‬
‫‪ 25‬ككانكككون الول‬
‫اليوم عيد الميلد‪ ،‬وهو يتوافق مع العيد الثاني لميلد ابنة لينا‪.‬‬
‫حقا ً إنني قد عشت عمرا ً طوي ً‬
‫ل!!‪ ..‬وقد يكون أكثر من اللزم‪ ،‬ل زلللت‬
‫ضلر للحتفلال بأعيلاد ميلد لينلا‬
‫أذكر حماستي الشلديدة عنلدما كنلا نح ّ‬
‫نفسها‪ ،‬الول ‪ ..‬الثاني ‪ ..‬الثالث ‪ ..‬وحتى الخامس‪.‬‬
‫الن أرقب ‪ -‬ومن مسافة ‪ -‬التحضيرات الحماسية لجللواء عيللد الميلد‪،‬‬
‫وللحتفال بعيد ميلد ابنة لينا‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫طوال الشهور الماضية حياتي محصورة بمجموعة من الفعال القليلة‪،‬‬
‫وعلى الغلب يشكل قسم منها السبب أو العلة للقسم الثاني‪:‬‬
‫أنام‪ ،‬آكل‪ ،‬أشرب ‪ ...‬و‪ ...‬أستيقظ ‪ ،‬أتغوط‪ ،‬أبول ‪..‬‬
‫أتجول هائما ً على وجهي فللي الشللوارع والطرقللات والحللدائق‪ ،‬حللولي‬
‫الكثير من الناس‪ ،‬لكني ل ألحظ الوجوه‪ ،‬أحس الناس كتلة هلميللة‪ ،‬أو‬
‫كتلة أثيرية ‪ ..‬جزءا ً من الهواء المحيط بللي‪ ،‬ل ألحللظ شلليئا ً أو وجه لًا‪...‬‬
‫فالنسان عادة ل يرى الهواء المحيط به‪.‬‬

‫‪255‬‬

‫اشتريت جهاز تلفزيون جديدا ً وضعته في غرفللتي‪ ،‬ل أشللاهد إل الفلم‬
‫وت أية مبللاراة كللرة‬
‫الجنبية والمسلسلت‪ ،‬ل أتابع الخبار مطلقًا‪ ،‬ل أف ّ‬
‫قدم سواء كانت محلية أم أجنبية‪.‬‬
‫أنور زوج لينا يعمل مبرمجللا للكمللبيوتر‪ ،‬أغرانللي بتعلملله وهللو ل ينفللك‬
‫مي ّلًا"‪،‬‬
‫يردد عبللارة‪" :‬فللي هللذا الزمللن مللن ل يعللرف الكمللبيوتر يعتللبر أ ّ‬
‫تعلمت واشتريت جهازا ً حديثا ً ذا نوعية جيدة‪ ،‬لم أسللتخدمه إل للعللاب‬
‫الورق "ال َ‬
‫دة" وخاصة لعبة تسمى "العنكبوت"‪.‬‬
‫ش ّ‬
‫منقطع كليا ً عن كل ما يدور في هذا العالم‪ ،‬حاولت لينا عدة مرات أن‬
‫تعيد صلتي بالناس ‪ ..‬بالمحيط‪ ،‬أحيانا كنت أحب أن أسايرها وأجاملها‪،‬‬
‫ت بعنادٍ تغييَر أسلوب حياتي ‪.‬‬
‫لكني رفض ُ‬
‫س بالوحشة والغربة‪ ،‬أشللعر أن هنللاك عللبئا ً ثقيل ً‬
‫في حضور الناس أح ّ‬
‫ى علللى كللاهلي!‪ ..‬ول يللزول هللذا الحسللاس إل عنللدما أعللود إلللى‬
‫ملق ً‬
‫غرفللتي‪ ،‬أسللتلقي علللى سللريري وأحللدق بالسللقف‪ ،‬أبقللى سللاعات ‪..‬‬
‫ساعات طويلة على هذه الشاكلة ‪ ..‬ودون أن أفكر بشيء!‪.‬‬
‫أنور ولينا يتحركان الن بحماس شديد‪ ،‬يزينان شجرة الميلد‪ ،‬يحضران‬
‫الشللموع ‪ ..‬يرتبللان المللائدة‪ ،‬هنللاك عللدد مللن المللدعوين‪ ،‬أفكللر كيللف‬
‫سأتملص من هذه الحفلة الصاخبة!‪..‬‬
‫في داخلي حزن أسود‪.‬‬
‫لم أخبر أحدا ً بما حدث لنسيم!‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ن الهاتف في الللبيت‪ ،‬عللادة ل أرد ّ أنللا علللى الهللاتف‪،‬‬
‫منذ عشرة أيام ر ّ‬
‫ليس هناك من يتصل بي‪ ،‬ظللت مستلقيا ً على سريري‪ ،‬نادت لينا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا عمو ‪ ..‬التلفون إلك!‪.‬‬

‫‪256‬‬

‫لول وهلة جفلت‪ ،‬ذهبلت إللى حيلث التلفللون‪ ،‬لينلا تمسلك السلماعة‪،‬‬
‫سألتها‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫مين؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫واحد اسمه الدكتور هشام‪.‬‬

‫أخذت السماعة وتكلمت‪ ،‬ذ ّ‬
‫كرني بنفسلله‪ ،‬تللذكرته جيللدًا‪ ،‬أحللد الطبللاء‬
‫الذين كانوا معي في السجن الصحراوي‪ ،‬وهو من أوائل الذين اتخللذوا‬
‫موقفا ً جيدا ً مني‪ ،‬كان من الصدقاء المقربين لنسيم‪.‬‬
‫فوجئت‪ ،‬سللألته مللن أيللن يتكلللم‪ ،‬أعلمنللي أنلله ونسلليم قللد خرجللا مللن‬
‫السجن‪ ،‬وأن نسيم أعطاه رقم الهللاتف هللذا طالبلا ً منلله التصللال بللي‪،‬‬
‫قال‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫نسيم يحييك ‪ ..‬يرجو منك الحضور إلى هنا‪.‬‬

‫أجبت أنني سأكون عندهم غدًا‪ ،‬أعلمني بلباقللة أنلله ل يجللب أن أذهللب‬
‫ى‬
‫لعند نسيم في البيت‪ ،‬رتبنا موعدا ً في عصر اليللوم الثللاني فللي مقه ل ً‬
‫بحريّ قريب من بيت أهل نسيم‪.‬‬
‫المقهى شبه فارغ‪ ،‬اخترنا طاولة علللى الحافللة تتكسللر تحتهللا المللواج‬
‫الصغيرة‪ ،‬جلسنا نسترق النظللر إلللى بعضللنا‪ ،‬شللعرهما ل زال قصلليرًا‪،‬‬
‫مضى أكثر من نصف ساعة علللى لقائنللا ولللم تلتللق نظراتللي بنظللرات‬
‫ض لّنا بعضللنا بعنللف‪،‬‬
‫ي مباشرة؟ عندما التقينا ح َ‬
‫نسيم!‪..‬لماذا ل ينظر إل ّ‬
‫ضنا وبدأنا نبكي‪ ،‬بكينا أكثر من خمللس دقللائق "ل‬
‫ضنـا بع َ‬
‫نحن الثلثة ح َ‬
‫ن كل ً منا يبكي على نفسه؟"‪.‬‬
‫أعرف سبب البكاء‪ ،‬الفرح باللقاء ‪ ..‬أم أ ّ‬
‫بعدها بدأت البسمات المتبادلة‪ ،‬نسيم لم يبتسم أبدًا‪ ،‬زائغ النظرات‪ ،‬ل‬
‫يتكلم‪.‬‬
‫شربنا أنا ونسيم البيرة‪ ،‬شرب هشام عصيرًا‪ ،‬هشام هللو الللذي يتكلللم‪،‬‬
‫شرح لنا مخططاِته للمستقبل‪ ،‬هدفه واحد وبسيط‪ ،‬قال‪:‬‬

‫‪257‬‬

‫رجوني من هذا البلد ‪ ..‬وأنللا علللى اسللتعداد للعمللل‬
‫‬‫أخ ِ‬
‫"زبا ً‬
‫ل" في أي مكان آخر على ظهر الكرة الرضية‪.‬‬
‫"هشام طبيب‪ ،‬جراح تجميل‪ ،‬ويعتبر متميزا ً في اختصاصه!"‪.‬‬
‫نسيم صامت يحدق بنظره إلى نقطة في عمق البحر‪.‬‬
‫سألت هشام كيف تم خروجهما من السجن‪.‬‬
‫فجللأة ودون سللابق إنللذار‪ ،‬فتللح عناصللر الشللرطة البللاب ليل ً وأخللذوا‬
‫يقرؤون السماء‪ ،‬خللرج جميللع مللن تـلل َِيت أسللماؤهم‪ ،‬عنللدما تفحصللوا‬
‫بعضهم تبين أنه يمكن تصنيفهم في ثلث فئات‪ :‬المشلولين‪ ،‬المصابين‬
‫بأمراض عضال ويتوقع موتهم قريبًا‪ ،‬الرهائن‪.‬‬
‫دوا شللبابا ً‬
‫م إليهم قسم من نزلء مهجع البراءة‪ ،‬الذين غلل َ‬
‫فيما بعد انض ّ‬
‫ضوا أكثر من عشللر سللنوات فللي‬
‫في العشرينات من عمرهم بعد أن ق َ‬
‫السجن‪ .‬نقـلوا الجميع بالحافلت إلى العاصمة‪.‬‬
‫قبل ذلك كانت السلطة قد سّربت أخبارا ً شتى عن نية الرئيس إصدار‬
‫عفو علام علن السلجناء‪ ،‬للم يصلدق أحلد ‪ -‬سلواًء داخل َ‬
‫ل السلجون أم‬
‫جها ‪ -‬هذه الشاعات‪ ،‬لكنهم تعلقوا بالمل‪.‬‬
‫خار َ‬
‫بضعة أيام فللي العاصللمة‪ ،‬أي فللي سللجون العاصللمة‪ ،‬حللاولوا تحسللين‬
‫مظهر السجناء قلي ً‬
‫ل‪ ،‬اشتَروا لهللم ألبسللة جديللدة‪ ،‬أعط َللوا كل ّ‬
‫ل سللجين‬
‫مبلغ مئتي ليرة كمصروف جيب وثمن بطاقة السللفر لكللل واحللد إلللى‬
‫بلدته أو مدينته‪.‬‬
‫في اليوم المقرر لخروجهم من السجن وضعوهم في حافلت أخللذتهم‬
‫إلى أكبر وأهم ساحة في المدينة‪ ،‬أو َ‬
‫كلوا المللر إلللى أحللد كبللار ضللباط‬
‫المن الذي فهم المر حرفيًا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫تأخذهم إلى السللاحة‪ ،‬تضللع الباصللات حللول السللاحة‪،‬‬

‫تنزل الجميلع إللى السلاحة‪ ،‬المطللوب مظلاهرة تأييلد للسليد‬
‫الرئيس‪.‬‬

‫‪258‬‬

‫عند التنفيذ أشار عليه البعض أن هناك عشرات المشلللولين وهللؤلء ل‬
‫يستطيعون السير في مظاهرة!‪.‬‬
‫لكن الضابط أصر‪ ،‬لقد قال له رؤساؤه كلمة‪ :‬الجميع‪.‬‬
‫في الوقت المحدد لنطلقللة مسلليرة تأييللد السلليد رئيللس الجمهوريللة‪،‬‬
‫كان ل يزال ما يقللارب الربعمللائة سللجين يحللاولون إنللزال مللا يقللارب‬
‫المئتللي مشلللول!‪ ..‬أنزلللوهم‪ ،‬أجلسللوهم فللي صللفوف نظاميللة علللى‬
‫السفلت الدائري العريض‪ ،‬وقف أمامهم المصابون بالمراض العضال‪،‬‬
‫مرضللى السللرطان‪ ،‬مرضللى القلللب والشللرايين‪ ،‬مرضللى السللل‪.....‬‬
‫وكذلك الشيوخ وكبار السن‪ ،‬في مقدمة الجميع أفللراد مهجللع الللبراءة‪،‬‬
‫وهم الكثر شبابا ً ومعهم البعض من تنظيم الرهائن‪ ،‬أمام الجميع لفتلة‬
‫ضخمة مكتوبة باللون الحمر الدموي وبخط جميل‪ ،‬معنونة‪:‬‬
‫"مبايعة مكتوبة بالدم"‬
‫يبايع فيها المتظاهرون السيد رئيللس الجمهوريللة ويعاهللدونه أن يفللدوه‬
‫بدمائهم وأرواحهم‪ ،‬وأنهم كلهم جنود لديه!‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫المواج ل زالت تتكسلر تحتنلا تماملًا‪ ،‬يصللل إلينلا بعلض اللرذاذ أحيانلًا‪،‬‬
‫الدكتور نسلليم سللاكت يللدخن بشللراهة‪ ،‬الللدكتور هشللام يمسللك بدفللة‬
‫الحديث‪ ،‬بدأ يتحدث عن مخططاته للمستقبل‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫أهم شيء هو أن أخرج من هذا البلد اللعين‪ ،‬يومان أو‬

‫ثلثة وتكون أموري قد ترتبت‪.‬‬
‫لديه أ ٌ‬
‫خ يعمل بحارا ً على إحدى السللفن التجاريللة السللويدية‪ ،‬هللذا الخ‬
‫كان موجودا ً صدفة عند خروج هشام من السجن‪ ،‬أبل ََغه هشام برغبتلله‬

‫‪259‬‬

‫الحارقة لمغادرة البلد فرتب لله عمل ً عللى السلفينة اللتي يعمللل بهلا‪،‬‬
‫العمل هو مساعد طباخ السفينة‪ ،‬مساعد اللل "شيف كوك"‪.‬‬
‫الدكتور هشام يكاد يطير فرحا ً بهذه الوظيفة‪ ،‬هذه الفرصة للهرب‪.‬‬
‫نسيم ساكت‪ ،‬أنا قلق‪.‬‬
‫س بالفرحة المتوقعة لدى رؤيتي نسلليم مللرة أخللرى‪،‬‬
‫قل ِقٌ لنني لم أح ّ‬
‫ي‪ ،‬ل بللل إنسللان مريلض‪ ،‬واغتنمللت فرصللة‬
‫أحسست أنلله إنسللان عللاد ّ‬
‫انشغاله بالتحديق الدائم إلى نقطة محللددة فللي البحللر لسللأل هشللام‬
‫خفية وبالشارة فيما إذا كان نسيم يتناول دواءه بانتظام؟‪.‬‬
‫هشام قلب لي شفته السفلى دون اكتراث ‪ ..‬ل يعرف!‪.‬‬
‫أحسست أن مجيئي إلى هنا بل معنللى‪ ،‬مللاذا أفعللل هنللا؟‪ ..‬بللدأ الملللل‬
‫ينتابني‪ ،‬تخيلت نفسي مستقليا ً على سريري في الللبيت أدخللن‪ ،‬مجللرد‬
‫التخيل أراحني‪ ،‬فأنا عموما ً لللم أعللد أحللب التفكيللر‪ ،‬إن مجللرد إشللغال‬
‫فكري وذهني بأي قضية مهما كانت صللغيرة تتعبنللي‪ ،‬أحللس عنللدها أن‬
‫رأسي قد انتفخ والصداع يطرق الصدغين‪.‬‬
‫قررت أن أعللود إلللى بيللتي‪ ،‬ولكللن كيللف لللي أن أنسللحب‪ ،‬إلللى الن ‪-‬‬
‫ورغم أن نسيم قد بكلى كملا بكيلت عنلدما تعانقنلا‪ -‬للم يتفلوه بجمللة‬
‫ده للمشاركة بهذا الحديث‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫واحدة مفيدة‪ ،‬فكرت أن أش ّ‬

‫‪-‬‬

‫شو يا نسيم ‪ ..‬هذا الدكتور هشام يخطط للهرب مللن‬

‫هذا البلد‪ ،‬ماذا تخطط أنت للمستقبل؟‪.‬‬
‫صمت قلي ً‬
‫ي‪ ،‬لول مرة تلتقي عينانا‪ ،‬عيناه حمراوان‪ ،‬بحدة‬
‫ل‪ ،‬التف َ‬
‫ت إل ّ‬
‫وتشنج واضحين قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ش ّ‬
‫بدي أ َ‬
‫كل عصابة ‪ ..‬عصابة مجرمين‪.‬‬

‫ضحك هشام ‪ ،‬وبعفوية سأله مازحًا‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ليش العصابة؟‪ ..‬بدك تسرق البنوك؟‪.‬‬

‫‪260‬‬

‫‪-‬‬

‫ل ‪ ..‬ما بدي أسللرق‪ ،‬أنللا مللا بسللرق ‪ ....‬نسلليم ملا نلله‬

‫حرامي!‪ ..‬بس في واحد كمركجي سرق مني بيللتي وأخللتي ‪..‬‬
‫اغتصب بيت أهلي‪ ،‬وكل يوم يغتصب أخللتي سللميرة!‪ ..‬وهلللق‬
‫يريد طردي مللن الللبيت!‪ ..‬راح أقتللل هللذا الكمركجللي ‪ ..‬وكللل‬
‫كمركجي بهـ البلد ‪ ....‬راح أقتل كل الكلب المجرمين ‪ ....‬راح‬
‫أقتل يّلي عم يغتصبوا كل يوم أمي وأمك ‪ ....‬أختي وأختلك ‪...‬‬
‫بيتي وبيتك‪.‬‬
‫جمد هشام وسكت‪.‬‬
‫ت نسيم بعدها إلى نقطته الللتي يحللدق فيهللا ‪ ..‬فللي عمللق البحللر‪،‬‬
‫التف َ‬
‫وران صمت عميق على جلستنا‪.‬‬
‫ذر‬
‫ك نسيم نـذ َُر عاصللفةٍ قويللة‪ ،‬عاصللفةٍ هوجللاء تـللن ِ‬
‫أرى من خلل سلو ِ‬
‫ت‬
‫ت وإيللاه النظللرا ِ‬
‫س بالخطر‪ ،‬تبادل ُ‬
‫بالنفجار‪ ،‬ويبدو أن هشام أيضا ً أح ّ‬
‫خفية‪ ،‬علئم الحيرة والرتباك بادية علينا نحن الثنين‪.‬‬
‫أحسسلت بتعلب شلديد‪ ،‬بانتفلاخ فلي اللرأس وصلداع‪ ،‬حزملت أملري‬
‫وقررت النسحاب والسفر‪ ،‬السفر إلى الللبيت حيللث السلللم والهللدوء‬
‫وعدم التفكير‪.‬‬
‫المقهى البحري الذي نجلس فيه قريب من بيت أهل نسيم‪ ،‬وفيملا أنلا‬
‫غللارق فللي أفكللاري أحللاول اغتنللام أول فرصللة مناسللبة لكللي أعتللذر‬
‫وأنسحب‪ ،‬هب نسيم واقفًا‪ ،‬التفت إلينا وطلب منا أن ننتظره هنا‪ ،‬وأنه‬
‫لن يغيب أكثر من خمس دقائق‪ ،‬فوجللدتها فرصللة مناسللبة لقللول إننللا‬
‫ي السفر بعد قليل لرتباطي بأشياء‬
‫كلنا يجب أن نذهب‪ ،‬وأنه يتعين عل ّ‬
‫هامة في العاصمة‪.‬‬
‫وقفت ووقف هشام‪ ،‬سكت نسيم قلي ً‬
‫وبا ً نظللرةً‬
‫ي بعمق مص ّ‬
‫ل‪ ،‬نظر إل ّ‬
‫من عينيه الحمراوين لم أستطع تفسيرها‪ ،‬بعدها طلب منللا أن نمشللي‬

‫‪261‬‬

‫معلله قليل ً صللوب الللبيت لن هنللاك شلليئا ً يجللب أن يعطينللي إيللاه‪،‬‬
‫استفسرت منه عن هذا الشيء‪ ،‬قال إنه هدية منه لي‪.‬‬
‫دقيقللة أو أكللثر وصللنا أملام البنلاء المؤلللف ملن سلتة طوابللق واللذي‬
‫ت منه ذليل ً مطرودا ً قبل بضعة أشهر ‪.‬‬
‫خرج ُ‬
‫وقفت مع هشام على الرصيف المقابل للبناء ننتظر عودة نسيم‪ ،‬قلت‬
‫لهشام إنه يجب أن يتابع وضع نسيم الصحي لنه – على ما يبدو– على‬
‫أبواب نوبة جديدة‪ ،‬وأن عليه أن يتحادث مع أخته وصهره ويضعهم في‬
‫ح هشام بيده وقال‪:‬‬
‫صورة الوضع الصحي‪ ،‬لوّ َ‬

‫‪-‬‬

‫صهر نسيم واحد كّر!‪ ..‬الحكي معه خسارة‪ ،‬بعدين ‪...‬‬

‫يوم أو يومين راح أقول لهذا الوطن العزيز‪ :‬باي ‪ ..‬باي‪.‬‬
‫وح‬
‫لم يتم هشام كلمه‪ ،‬سمعنا صرخة من سطح البناية‪ ،‬رأينا نسيم يللل ّ‬
‫دم‬
‫بيده وينادي اسمي‪ ...‬وبأعلى صوته فهمنا منلله مللا معنللاه أنلله سلليق ّ‬
‫موَته هدية لي!!!‪.‬‬
‫وقلفلز‪.‬‬
‫على الرصيف ‪ ..‬أمام مدخل البناية‪ ،‬تحوّ َ‬
‫ل نسيم إلى كتلة مللن الللدماء‬
‫واللحم المهروس والعظام المحطمة‪.‬‬
‫أمام جملع كلبير ملن الملارة‪ ،‬وأملام أعيننلا ‪ ..‬قفلز نسليم ملن سلطح‬
‫الطابق السادس ‪ ..‬إلى الرصيف أمام البناية‪.‬‬
‫و ‪ .....‬مات نسيم‪.‬‬
‫سلحبني هشلام ملن يلدي‪ ،‬سلرنا ‪ ..‬للم أكلن أفكلر بشليء!‪ .‬للم أكلن‬
‫حزينا ً ‪ ...‬ل أحس بأية مشاعر ‪ ..‬سلبية كانت أم إيجابية!!‪.‬‬
‫وضعني هشام في أول بولمان ذاهب إلى العاصللمة‪ ،‬أوصللاني أل أخللبَر‬
‫أحللدا ً أننللا كنللا مللع نسلليم قبللل انتحللاره‪ ،‬لن هللذا سيعرضللنا للتحقيللق‬
‫والسؤال والجواب‪.‬‬

‫‪262‬‬

‫وصلت البيت في الواحدة بعد منتصف الليل‪ ،‬لللم أخلللع ثيللابي كعللادتي‬
‫ق من المطبخ وجلست في غرفتي أشرب‬
‫حين أدخل‪ ،‬أحضرت لتَر عََر ٍ‬
‫وأدخن‪.‬‬
‫استيقظت لينا‪ ،‬وقفت بثياب النوم قبالتي تتفرس في وجهي‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫شو القصة ‪ ..‬عمللو؟ ‪ ..‬ويللن كنللت؟ وليللش هلللق عللم‬

‫تشرب عرق؟ ‪...‬‬
‫لم تكمل لينا سيل أسئلتها‪ ،‬حضلر أنلور زوجهلا‪ ،‬اسللتيقظ هلو أيضلا ً ‪...‬‬
‫قال‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫يا سلم!‪ ..‬العم يشرب العرق مثل العادة‪ ،‬لكنه اليللوم‬

‫متأخر عن موعده هاتي كاس للنشاركه‪.‬‬
‫شرب معي كأسا ً من العرق‪ ،‬شربت لينلا كأسلا ً صللغيرًا‪ ،‬اسللتأذن أنللور‬
‫ت الكللأس‬
‫ي بقلق‪ ،‬صللبب ُ‬
‫وذهب لينام‪ ،‬بقيت لينا جالسة قبالتي تنظر إل ّ‬
‫م بللالكلم‪ ،‬رفعللت يللدي ‪ ..‬أسكتل ّللها‬
‫تأ ّ‬
‫ن لينللا تهل ّ‬
‫الثالثللة عنللدما لحظل ُ‬
‫متني أنها لن تذهب قبللل أن‬
‫ت منها أن تذهب للنوم‪ ،‬رف َ‬
‫ت وأفه َ‬
‫ض ْ‬
‫وطلب ُ‬
‫تعرف ماذا أريد‪ .. ،‬لماذا أدفن نفسي في الحياة هكذا؟‪ ..‬لماذا أشرب‬
‫هللذه الكميللات الهائلللة مللن العللرق والتبللغ يوميللا ً وكللأنني أسللعى‬
‫للنتحار؟ ‪ ...‬لماذا ‪ ....‬ولماذا؟‪.‬‬
‫أفرغت الكللأس الثالثللة دفعللة واحللدة‪ ،‬بللدأ العللرق يطفللو فللي رأسللي‪،‬‬
‫نظرت إلى لينا وتساءلت‪ :‬ماذا تريد هذه الصبية الجميلة التي تلدعوني‬
‫مو الحبيب"؟‪ .‬أعرف أنها تحترمني وتحبني كثيرا ً ‪ ..‬رغللم هللذا لللم‬
‫بلل"ع ّ‬
‫ت طويل ً بينما هي تنتظر كلمي ‪ ...‬ل‬
‫يكن لدي أية رغبة بالكلم!‪ ..‬سك ّ‬
‫ت الكلم‪ ،‬ول ماذا قلت‪ ،‬لقد تكلمت كثيرا ً ‪ ...‬اسمعي يا‬
‫أدري كيف بدأ ُ‬
‫لينا‪ ،‬كنت أتمنى لو كانت أمي على قيد الحياة لكنت أرحت نفسي في‬
‫ي‬
‫حضنها ووضعت رأسي على صدرها وبكيت ‪ ...‬بكيت فقط‪ ،‬البكاء لد ّ‬
‫حاجة ‪ ...‬وحاجة قوية‪.‬‬

‫‪263‬‬

‫اليوم يا لينا انتحر صديقي وتوأم روحي!!‪ ..‬انتحر أمامي وأهداني موته‬
‫"هل يمكن أن يكون الموت هدية؟"‪.‬‬
‫ك ‪ ...‬لم أحزن‪.‬‬
‫لم أب ِ‬
‫ل يقول‪" :‬إن النسان ل يموت دفعة واحللدة‪ ،‬كلمللا‬
‫يا لينا‪ :‬أنا أؤمن بقو ٍ‬
‫مات له قريب أو صديق أو واحد من معارفه ‪ ...‬فإن الجزء الللذي كللان‬
‫يحتله هذا الصديق أو القريب ‪ ...‬يموت في نفس هذا النسان!‪ ..‬ومللع‬
‫اليام وتتابع سلسلة الموت ‪ ...‬تكثر الجزاء التي تموت داخلنا ‪ ...‬تكبر‬
‫المساحة التي يحتلها الموت ‪"...‬‬
‫و أنا يا لينا ‪ ...‬أحمل مقللبرة كللبيرة داخلللي‪ ،‬تفتللح هللذه القبللور أبوابهللا‬
‫ي نزلؤها ‪ ..‬يحادثونني ويعاتبونني‪.‬‬
‫ليل ً ‪ ...‬ينظر إل ّ‬
‫أشرب العرق يوميا ً يا لينا ‪ ...‬لكي أنام!‪.‬‬
‫أمسكت لينا يدي وطفقت تبكي‪ ،‬آخر ما سمعتـه منهللا هللو رجاؤهللا أن‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ل أمي‪ ،‬وأن أضع رأسي على صدرها وأبكي!‪..‬‬
‫م َ‬
‫تـ ُ‬
‫ل َ‬
‫ت يدها وسلحبتها إللى‬
‫ي وأنا أكاد أفقد التوازن‪ ،‬أمسك ُ‬
‫وقفت على قدم ّ‬
‫غرفتها‪ ،‬دفعتها إلى الداخل وأغلقت الباب‪.‬‬
‫عدت إلى غرفتي وأقفلت الباب بالمفتاح ‪ ..‬ل أذكر متى نمت!‪.‬‬
‫‪ 3‬تكمكككوز‬
‫ها قد مضى عام كامل على لحظة خروجي من السجن!‪.‬‬
‫ينام النسان فل يعود يشللعر بشلليء ممللا يللدور حللوله‪ ،‬تللدخل حواسلله‬
‫جميعا ً في حالة سبات‪.‬‬
‫يستيقظ النسان فتسيقظ حواسه جميعا ً ويصبح مدركا ً لما حوله‪.‬‬
‫لكن بين النوم واليقظة هناك لحظة‪ ،‬ثانية أو أقل أو أكثر‪ ،‬هذه اللحظة‬
‫ل هي نوم ول هي يقظة‪ ،‬لحظة التحول بين الحللالتين أو النتقللال مللن‬
‫حالة إلى أخرى‪.‬‬

‫‪264‬‬

‫هذه اللحظللة الللتي تمثللل نصلف وعللي ‪ ..‬أو نصللف احسللاس ‪ ..‬نصللف‬
‫إدراك‪.‬‬
‫ضمن هذه اللحظة‪ ،‬ضمن المسافة الزمنية التي تستغرقها "لحظة" ‪..‬‬
‫لزلت أرى نفسي "نصف رؤية" ‪ ،‬أحس "نصف إحساس" ‪ ..‬أنني فللي‬
‫السجن الصحراوي!!‪.‬‬
‫مضى عللام كامللل ولزلللت أرى نفسللي عنللد اسللتيقاظي فللي السللجن‬
‫الصحراوي‪.‬‬
‫هل يمكن القول إنني خرجت من السجن قول ً وفع ً‬
‫ل؟‪ .‬ل أعتقد ذلك!‪.‬‬
‫يوميا ً أمارس نفس الفعال الليللة والضللرورية لسللتمرار الحيللاة‪ ،‬آكللل‬
‫وأشرب وأنام ‪ ..‬و‪...‬‬
‫هل سأحمل سجني معي إلى القبر؟‪.‬‬
‫شك ّ َ‬
‫في السجن الصحراوي ‪َ ..‬‬
‫ت‬
‫ل خوفي الملزدوج قوقعللتي اللتي ل ََبلد ُ‬
‫فيها محتميا ً مللن الخطللر!‪ ...‬هنللا – ويسللميه السللجناء عللالم الحريللة –‬
‫ف من نوع آخلر‪ ،‬وقلرف ‪ ..‬ضللجر‪ ،‬اشلمئزاز‪ ،‬كلهللا شلكلت قوقعلة‬
‫خو ٌ‬
‫ل بشيٍء أفضل َ‬
‫ن الم َ‬
‫ل‪ ،‬كللان‬
‫إضافية أكثر سماكة ومتانة وقتامة!! ‪ ...‬ل ّ‬
‫موجودا ً في القوقعة الولى!‪.‬‬
‫في القوقعة الثانية ل شيء غير ‪ ....‬اللشيء!‪.‬‬
‫يشللرب النسللان الخمللر‪ ،‬الكللأس الولللى قللد ل تفعللل شلليئًا‪ ،‬يسللتمر‬
‫بالشرب إلى أن يصل إلى حالة السكر‪ ،‬وهي الحالة التي ينفصم فيهللا‬
‫عقل النسان ‪ ..‬للسكران عقلن‪ ،‬عقل سكران‪ :‬ليكن اسمه اللعقللل‪،‬‬
‫دمًا‪ ،‬هللو نقيللض العقللل‪ ،‬اللعقللل شلليء‬
‫لكنه ليس نفيا ً للعقل‪ ،‬ليس عَ َ‬
‫مادي موجود!‪ ...‬كوجود العقل ذاته‪.‬‬
‫اللعقل هو الذي يتحكللم بأفعللال السللكران وحركتلله ويللدفعه لرتكللاب‬
‫الخطاء‪.‬‬

‫‪265‬‬

‫والعقل الثاني للسكران هو عق ٌ‬
‫ل صاٍح‪ ،‬واٍع‪ ،‬لكن ليسللت لللديه سلللطة‬
‫في تلك اللحظة على هذا الشخص‪ ،‬هو يرى ويراقب ويسللجل ‪ ...‬دون‬
‫أن يستطيع التدخل‪.‬‬
‫منذ عام وأنلا أعيلش الحاللة هلذه!‪ ..‬أعلرف أن انلزوائي وانكفلائي ‪...‬‬
‫عزوفي وكرهي للتعامل مع الناس حالة غير صحية‪ ،‬لكلن ‪ ...‬ل الرغبلة‬
‫س رعب لا ً قاصللما ً‬
‫ول الرادة موجودتان للتغيير ‪ ...‬بل على العكس‪ ،‬أح ل ّ‬
‫للظهر عندما يومض في ذهني خاطُر أن أعود َ للعيش كبقية الناس!‪...‬‬
‫"يا إلهي كم العيش مثلهم متعب وسخيف!"‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫بعد وفاة نسيم بأكثر من شهر اتصل بي صللهره "الكمركجللي" هاتفي لًا‪،‬‬
‫اعتذر ‪ ...‬أخللبرني بحللادث انتحللار نسلليم "إنهللم ل يعلمللون أننللي كنللت‬
‫حاضرًا" ودعاني إلى حضور الربعين‪ ،‬ل أعلم الحيثيات التي دفعتهللم‬
‫لدعوتي‪ ،‬ذهبت في الموعد المحدد‪ ،‬ذهبنا جميعا ً إلللى المقللبرة‪ ،‬رأيللت‬
‫بعض الوجوه التي أعرفهلا ملن السلجن‪ ،‬علدت فلي النهايلة إللى أحلد‬
‫الفنادق المطلة على البحر مقررا ً قضاء الليلة فيه‪.‬‬
‫مساًء ذهبت إلى أحد المطاعم‪ ،‬تناولت العشاء وشربت‪ ،‬شربت كثيرًا‪،‬‬
‫بالكاد اسللتطعت الوصللول إلللى غرفللتي بحللدود السللاعة الواحللدة بعللد‬
‫منتصف الليل‪.‬‬
‫استلقيت على السلرير بكاملل ثيلابي‪ ،‬أحلدق خلل الظلم إللى نقطلة‬
‫ضللوء آتيللة مللن الخللارج ومطبوعللة علللى سللقف الغرفللة‪ ،‬و ‪ ...‬حضللر‬
‫نسيم!!‪...‬‬

‫‪266‬‬

‫انتصب قبالتي عند طرف السرير‪ ،‬لم يتكلم‪ ،‬لم يتحرك ‪ ...‬فقط ينظر‬
‫ي نفس النظرة التي رأيتها في أعماق عينيه قبيللل انتحللاره بللدقائق‪،‬‬
‫إل ّ‬
‫عندها فهمت النظرة‪ ،‬عتاب قاتل ‪ ...‬وعبارة‪:‬‬
‫م تركتني؟!‪.‬‬
‫م تركتني؟ ‪ ....‬ل ِ َ‬
‫لِ َ‬
‫وكأني كنت اسمع المسيح لحظة موته يصرخ ‪ ...‬بعتب ‪ ...‬احتجللاج ‪....‬‬
‫حيرة ‪ ....‬وبالكثير من الحب‪:‬‬
‫إيلي ‪ ..‬إيلي ‪ ...‬لم سبقتني؟‪.‬‬
‫انفجر الحزن داخلي كبركان حبيس‪ ،‬اعتدلت‪ ،‬ذهب نسيم وهو ل يللزال‬
‫ينظر نفس النظرة‪.‬‬
‫ي فكللرة واحللدة إلللى ح لد ّ الهللوس‪ ،‬أن أحمللل باقللة ورد‬
‫سلليطرت عل ل ّ‬
‫وأذهللب إلللى المقللبرة‪ ،‬أحتضللن حجللارة نسلليم وأبكللي ‪ ...‬أبكللي حللتى‬
‫الثمالة‪.‬‬
‫الورد لنسيم ‪ ...‬والبكاء لي‪.‬‬
‫خرجت إلى الشارع أبحث عن محلل لللورود فلي السلاعة الثانيلة بعلد‬
‫منتصف الليل؟‪...‬‬

‫ل أحد في جميع الشوارع الللتي أتيتهللا بحث لا ً عللن‬

‫الورود!‪.‬‬
‫ها قد مضى عام كامل على لحظة خروجي من السجن‪.‬‬
‫كانت لحظة بحثي عن الورود الفورة العاطفية الوحيدة التي أشعرتني‬
‫أنني كبقية البشر!‪ ...‬لكنها همدت عندما ظللت أبحث عن الللورد حللتى‬
‫الصباح‪.‬‬
‫ورأيت أنه من النانية بمكان أن أذهب دون ورود ‪ ..‬لبكللي فقللط‪ .‬ملن‬
‫النانية أن ألبي حاجتي دون حاجللة نسلليم‪ .‬نسلليم يريللدني أنللا فقللط‪...‬‬
‫وأمامي فقط‪ ...‬يريد أن يرد اعتباره‪ .‬وأنا أريللد أن أبكللي لفللرغ بعللض‬
‫السواد الممتلئ في القلب‪.‬‬
‫وعاد السواد ليطمس ك ّ‬
‫ل شيء‪.‬‬

‫‪267‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫قضــيت هنــاك داخــل قوقعــتي فــي الســجن الصــحراوي آلف الليــالي‬
‫أستحضر وأستحلب المئات من أحلم اليقظة‪ ،‬كنت أَمّني النفس أنــه إذا‬
‫ج من جهنّـَم هذه‪ ،‬سوف أعيش حياتي طوًل وعرضًا‬
‫ض لي أن أخر َ‬
‫قُـيّـ َ‬
‫وسأحقق كل هذه الحلم التي راودتني هناك‪.‬‬
‫ي في عمل شيء مطلقًا‪.‬‬
‫الن ‪ ...‬ها قد مضى عام كامل ‪ ...‬ل رغبة لد ّ‬
‫أرى أن كل ما يحيط بي هو فقط‪ :‬الوضاعة والخسة ‪ ...‬والغثاثة!!‪.‬‬
‫وتــزداد ســماكة وقتامــة قوقعــتي الثانيــة الــتي أجلــس فيهــا الن ‪...‬‬
‫ي كان!‪.‬‬
‫صص على أ ّ‬
‫ي فضول للتل ّ‬
‫ل يتملكني أ ّ‬
‫ق‬
‫ق أصغَر ثقبٍ فيها‪ ،‬ل أريد أن أنظ ـَر إلــى الخــارج‪ ،‬أغِلـ ُ‬
‫أحاول أن أغل َ‬
‫حّوَل نظري بالكامل إلى الداخل‪.‬‬
‫ثقوَبها ل َ‬
‫ي أنا‪ ..‬إلى ذاتـي!‪..‬‬
‫إلـ ّ‬
‫صص‪.‬‬
‫وأتل ّ‬

‫‪268‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful