‫تفسير الشعراوي‬

‫حمَنِ الرّحِيمِ (‪)1‬‬
‫بِسْمِ اللّهِ الرّ ْ‬

‫القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها نزل مقرونا بسم ال سبحانه وتعالى ـ ولذلك حينما نتلوه‬
‫فإننا نبدأ نفس البداية التي أرادها ال تبارك وتعالى ـ وهي أن تكون البداية بسم ال‪ .‬وأول‬
‫سمِ رَ ّبكَ الّذِي خَلَقَ }‪.‬‬
‫الكلمات التي نطق بها الوحي لمحمد صلى ال عليه وسلم كانت { اقْرَأْ بِا ْ‬
‫وهكذا كانت بداية نزول القرآن الكريم ليمارس مهمته في الكون‪ ..‬هي بسم ال‪ .‬ونحن الن حينما‬
‫نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية‪.‬‬
‫ولقد كان محمد عليه الصلة والسلم في غار حراء حينما جاءه جبريل وكان أول لقاء بين الملك‬
‫الذي يحمل الوحي بالقرآن‪ ..‬وبين رسول ال صلى ال عليه وسلم قول الحق تبارك وتعالى‪:‬‬
‫{ اقْرَأْ }‪.‬‬
‫واقرأ تتطلب أن يكون النسان‪ ..‬إما حافظا لشيء يحفظه‪ ،‬أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه‪ ..‬ولكن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ما كان حافظا لشيء يقرؤه‪ ..‬وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه‪..‬‬
‫ي ل يقرأ ول يكتب‪.‬‬
‫وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أم ّ‬
‫وعندما قال جبريل‪ { :‬اقْرَأْ }‪ ..‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ما أنا بقارئ‪ ..‬وكان الرسول‬
‫عليه الصلة والسلم منطقيا مع قدراته‪ .‬وتردد القول ثلث مرات‪ ..‬جبريل عليه السلم بوحي من‬
‫ال سبحانه وتعالى يقول للرسول { اقْرَأْ } ورسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ما أنا بقارئ‪..‬‬
‫ولقد أخذ خصوم السلم هذه النقطة‪ ..‬وقالوا كيف يقول ال لرسوله اقرأ ويرد الرسول ما أنا‬
‫بقارئ‪.‬‬
‫نقول إن ال تبارك وتعالى‪ ..‬كان يتحدث بقدراته التي تقول للشيء كن فيكون‪ ،‬بينما رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم كان يتحدث ببشريته التي تقول إنه ل يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة‪ ،‬ولكن‬
‫قدرة ال هي التي ستأخذ هذا النبي الذي ل يقرأ ول يكتب لتجعله معلما للبشرية كلها إلى يوم‬
‫القيامة‪ ..‬لن كل البشر يعلمهم بشر‪ ..‬ولكن محمد صلى ال عليه وسلم سيعلمه ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ .‬ليكون معلما لكبر علماء البشر‪ ..‬يأخذون عنه العلم والمعرفة‪ .‬لذلك جاء الجواب من ال‬
‫ق الِنسَانَ مِنْ عََلقٍ }[العلق‪ ]2-1 :‬أي أن ال‬
‫سمِ رَ ّبكَ الّذِي خََلقَ * خََل َ‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬اقْرَأْ بِا ْ‬
‫سبحانه وتعالى الذي خلق من عدم سيجعلك تقرأ على الناس ما يعجز علماء الدنيا وحضارات‬
‫الدنيا على أن يأتوا بمثله‪ ..‬وسيكون ما تقرؤه وأنت النبي الميّ إعجازا‪ ..‬ليس لهؤلء الذين‬
‫سيسمعونه منك فقط لحظة نزوله‪ .‬ولكن للدنيا كلها وليس في الوقت الذي ينزل فيه فقط‪ ،‬ولكن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لكْرَمُ * الّذِى عَلّمَ بِا ْلقَلَمِ }‬
‫كاَ‬
‫حتى قيام الساعة‪ ،‬ولذلك قال جل جلله‪ {:‬اقْرَ ْأ وَرَ ّب َ‬
‫[العلق‪ .]4-3 :‬أي أن الذي ستقرؤه يا محمد‪ ..‬سيظل معلما للنسانية كلها إلى نهاية الدنيا على‬
‫لكْرَمُ { مستخدما صيغة‬
‫كاَ‬
‫الرض‪ ..‬ولن المعلم هو ال سبحانه وتعالى قال‪ } :‬اقْرَ ْأ وَرَ ّب َ‬
‫المبالغة‪ .‬فهناك كريم وأكرم‪ ..‬فأنت حين تتعلم من بشر فهذا دليل على كرم ال جل جلله‪ ..‬لنه‬
‫يسر لك العلم على يد بشر مثلك‪ ..‬أما إذا كان ال هو الذي سيعلمك‪ ..‬يكون " أكرم "‪ ..‬لن ربك‬
‫قد رفعك درجة عالية ليعلمك هو سبحانه وتعالى‪..‬‬
‫والحق يريد أن يلفتنا إلى أن محمدا عليه الصلة والسلم ل يقرأ القرآن لنه تعلم القراءة‪ ،‬ولكنه‬
‫يقرؤه باسم ال‪ ،‬ومادام بسم ال‪ ..‬فل يهم أن يكون رسول ال صلى ال عليه وسلم تعلم من بشر‬
‫أو لم يتعلم‪ .‬لن الذي علمه هو ال‪ ..‬وعلمه فوق مستوى البشرية كلها‪.‬‬
‫على أننا نبدأ أيضا تلوة القرآن بسم ال‪ ..‬لن ال تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا‪ ..‬ويسر لنا أن‬
‫نعرفه ونتلوه‪ ..‬فالمر ل علما وقدرة ومعرفة‪ ..‬واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬قُل ّلوْ شَآءَ اللّهُ‬
‫عمُرا مّن قَبْلِهِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[يونس‪ ]16 :‬لذلك أنت‬
‫مَا تََلوْتُهُ عَلَ ْيكُ ْم َولَ أَدْرَا ُكمْ بِهِ َفقَدْ لَبِ ْثتُ فِيكُمْ ُ‬
‫تقرأ القرآن باسم ال‪ ..‬لنه جل جلله هو الذي يسره لك كلما وتنزيل وقراءة‪ ..‬ولكن هل نحن‬
‫مطالبون أن نبدأ فقط تلوة القرآن بسم ال؟ إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل باسم ال‪ ..‬لننا لبد أن‬
‫نحترم عطاء ال في كونه‪ .‬فحين نزرع الرض مثل‪ ..‬لبد أن نبدأ بسم ال‪ ..‬لننا لم نخلق‬
‫الرض التي نحرثها‪ ..‬ول خلقنا البذرة التي نبذرها‪ .‬ول أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع‪.‬‬
‫إن الفلح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد يكون أجهل الناس بعناصر الرض ومحتويات‬
‫البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع‪ ..‬إن كل ما يفعله النسان هو أنه يعمل فكره‬
‫المخلوق من ال في المادة المخلوقة من ال‪ ..‬بالطاقة التي أوجدها ال في أجسادنا ليتم الزرع‪.‬‬
‫والنسان ل قدرة له على إرغام الرض لتعطيه الثمار‪ ..‬ول قدرة له على خلق الحبة لتنمو‬
‫وتصبح شجرة‪ .‬ول سلطان له على إنزال الماء من السماء‪ ..‬فكأنه حين يبدأ العمل باسم ال‪ ،‬يبدؤه‬
‫باسم ال الذي سخر له الرض‪ ..‬وسخر له الحب‪ ،‬وسخر له الماء‪ ،‬وكلها ل قدرة له عليها‪ ..‬ول‬
‫تدخل في طاقته ول في استطاعته‪ ..‬فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الشياء جميعا باسم من‬
‫سخرها له‪..‬‬
‫وال تبارك وتعالى سخر لنا الكون جميعا وأعطانا الدليل على ذلك‪ .‬فل تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية‬
‫في هذا الكون‪.‬‬
‫‪ .‬ول تعتقد أن السباب والقوانين في الكون لها ذاتية‪ .‬بل هي تعمل بقدرة خالقها‪ .‬الذي إن شاء‬
‫أجراها وإن شاء أوقفها‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه‪ .‬ولكن الحية صغيرة‬
‫الحجم ل يقوى أي انسان على أن يستأنسها‪ .‬ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا‪ ..‬لكان استئناس الحية أو‬
‫الثعبان سهل لصغر حجمهما‪ ..‬ولكن ال سبحانه وتعالى أراد أن يجعلهما مثل لنعلم أنه بقدراته‬
‫هو قد أخضع لنا ما شاء‪ ،‬ولم يخضع لنا ما شاء‪ .‬ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى‪َ {:‬أوََلمْ يَ َروْاْ أَنّا‬
‫عمَِلتْ أَ ْيدِينَآ أَنْعاما َفهُمْ َلهَا مَاِلكُونَ * وَذَلّلْنَاهَا َلهُمْ َفمِ ْنهَا َركُو ُبهُمْ َومِنْهَا يَ ْأكُلُونَ }‬
‫خََلقْنَا َلهُم ِممّا َ‬
‫[يس‪ ]72-71 :‬وهكذا نعرف أن خضوع هذه النعام لنا هو بتسخير ال لها وليس بقدرتنا‪.‬‬
‫يأتي ال سبحانه وتعالى إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة‪ .‬والعلماء يقولون إن هذا يحدث‬
‫بقوانين الكون‪ .‬فيلفتنا ال تبارك وتعالى إلى خطأ هذا الكلم‪ .‬بأن تأتي مواسم جفاف ل تسقط فيها‬
‫حبة مطر واحدة لنعلم أن المطر ل يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون‪ ..‬فإذا كانت‬
‫القوانين وحدها تعمل فمن الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق القوانين إن شاءت جعلتها تعمل‬
‫وإن شاءت جعلتها ل تعمل‪ ..‬اذن فكل شيء في الكون باسم ال‪ ..‬هو الذي سخر وأعطى‪ ..‬وهو‬
‫الذي يمنح ويمنع‪ .‬حتى في المور التي للنسان فيها نوع من الختيار‪ ..‬واقرأ قول الحق تبارك‬
‫ت وَالَرْضِ َيخْلُقُ مَا َيشَآءُ َي َهبُ ِلمَن يَشَآءُ إِنَاثا وَ َي َهبُ ِلمَن َيشَآءُ ال ّذكُورَ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وتعالى‪ِ {:‬للّهِ مُ ْلكُ ال ّ‬
‫عقِيما إِنّهُ عَلِيمٌ َقدِيرٌ }[الشورى‪ ]50-49 :‬والصل‬
‫ج َعلُ مَن يَشَآءُ َ‬
‫جهُمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا وَيَ ْ‬
‫* َأوْ يُ َزوّ ُ‬
‫في الذرية أنها تأتي من اجتماع الذكر والنثى‪ ..‬هذا هو القانون‪ ..‬ولكن القوانين ل تعمل ال بأمر‬
‫ال‪ ..‬لذلك يتزوج الرجل والمرأة ول تأتي الذرية لنه ليس القانون هو الذي يخلق‪ ..‬ولكنها إرادة‬
‫خالق القانون‪ ..‬ان شاء جعله يعمل‪ ..‬وان شاء يبطل عمله‪ ..‬وال سبحانه وتعالى ل تحكمه‬
‫القوانين ولكنه هو الذي يحكمها‪.‬‬
‫وكما أن ال سبحانه وتعالى قادر على ان يجعل القوانين تفعل او ل تفعل‪ ..‬فهو قادر على ان‬
‫يخرق القوانين‪ ..‬خذ مثل قصة زكريا عليه السلم‪ ..‬كان يكفل مريم ويأتيها بكل ما تحتاج إليه‪..‬‬
‫ودخل عليها ليجد عندها ما لم يحضره لها‪..‬‬
‫وسألها وهي القديسة العابدة الملزمة لمحرابها‪ {..‬قَالَ يامَرْيَمُ أَنّىا َلكِ هَـاذَا }[آل عمران‪]37 :‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة‪ ..‬مع أن مريم بسلوكها وعبادتها وتقواها فوق كل‬
‫الشبهات‪ ..‬ولكن لنعرف أن الذي يفسد الكون‪ ..‬هو عدم السؤال عن مصدر الشياء التي تتناسب‬
‫مع قدرات من يحصل عليها‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫الم ترى الب ينفق ما ل يتناسب مع مرتبه‪ ..‬وترى البنة ترتدي ما هو أكبر كثيرا من مرتبها‬
‫أو مصروفها‪ ..‬ولو سألت الم الب أو البنة من أين لك هذا؟ لما فسد المجتمع‪ ..‬ولكن الفساد‬
‫يأتي من أننا نغمض أعيننا عن المال الحرام‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بماذا ردت مريم عليها السلم؟{ قَاَلتْ ُهوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن َيشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }[آل‬
‫عمران‪ ]37 :‬اذن فطلقة قدرة ال ل يحكمها قانون‪ ..‬لقد لفتت مريم زكريا عليهما السلم إلى‬
‫طلقة القدرة‪ ..‬فدعا زكريا ربه في قضية ل تنفع فيها ال طلقة القدرة‪ ..‬فهو رجل عجوز‬
‫وامرأته عجوز وعاقر ويريد ولدا‪ ..‬هذه قضية ضد قوانين الكون‪ ..‬لن النجاب ل يتم ال وقت‬
‫الشباب‪ ،‬فإذا كبر الرجل وكبرت المرأة ل ينجبان‪ ..‬فما بالك إذا كانت الزوجة أساسا عاقرا‪ ..‬لم‬
‫تنجب وهي شابة وزوجها شاب‪ ..‬فكيف تنجب وهي عجوز وزوجها عجوز‪ ..‬هذه مسألة ضد‬
‫القوانين التي تحكم البشر‪ ..‬ولكن ال وحده القادر على أن يأتي بالقانون وضده‪ ..‬ولذلك شاء أن‬
‫يرزق زكريا بالولد وكان‪ ..‬ورزق زكريا بابنه يحيى‪.‬‬
‫إذن كل شيء في هذا الكون باسم ال‪ ..‬يتم باسم ال وبإذن من ال‪ ..‬الكون تحكمه السباب نعم‬
‫ولكن ارادة ال فوق كل السباب‪.‬‬
‫أنت حين تبدأ كل شيء باسم ال‪ ..‬كأنك تجعل ال في جانبك يعينك‪ ..‬ومن رحمة ال سبحانه‬
‫وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء باسم ال‪ ..‬لن ال هو السم الجامع لصفات الكمال سبحانه‬
‫وتعالى‪ ..‬والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة‪ ..‬فأنت حين تبدأ عمل تحتاج إلى قدرة ال وإلى‬
‫عونه وإلى رحمته‪ ..‬فلو أن ال سبحانه وتعالى لم يخبرنا بالسم الجامع لكل الصفات‪ ..‬كان علينا‬
‫أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها‪ ..‬كأن نقول باسم ال القوي وباسم ال الرازق وباسم ال‬
‫المجيب وباسم ال القادر وباسم ال النافع‪ ..‬إلى غير ذلك من السماء والصفات التي نريد أن‬
‫نستعين بها‪ ..‬ولكن ال تبارك وتعالى جعلنا نقول بسم ال بسم ال بسم ال الجامع لكل هذه‬
‫الصفات‪.‬‬
‫على أننا لبد أن نقف هنا عند الذين ل يبدأون أعمالهم بسم ال وإنما يريدون الجزاء المادي‬
‫وحده‪ ..‬إنسان غير مؤمن ل يبدأ عمله باسم ال‪ ..‬وإنسان مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله ال‪..‬‬
‫كلهما يأخذ من الدنيا لن ال رب للجميع‪ ..‬له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة‪..‬‬
‫ولكن الدنيا ليست هي الحياة الحقيقية للنسان‪.‬‬
‫‪ .‬بل الحياة الحقيقية هي الخرة‪ ..‬الذي في باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر عطاء الربوبية‪ ..‬بقدر‬
‫عطاء ال في الدنيا‪ ..‬والذي في باله ال يأخذ بقدر عطاء ال في الدنيا والخرة‪ ..‬ولذلك يقول‬
‫حمْدُ فِي الخِ َرةِ‬
‫ض وَلَهُ الْ َ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَرْ ِ‬
‫ح ْمدُ للّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي ال ّ‬
‫الحق تبارك وتعالى‪ {:‬الْ َ‬
‫حكِيمُ الْخَبِيرُ }[سبأ‪ ]1 :‬لن المؤمن يحمد ال على نعمه في الدنيا‪ ..‬ثم يحمده عندما ينجيه‬
‫وَ ُهوَ الْ َ‬
‫من النار والعذاب ويدخله الجنة في الخرة‪ ..‬فلله الحمد في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫" كل أمر ذي بال ل يبدأ فيه بباسم ال الرحمن الرحيم أقطع "‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل‪ ..‬أي عمل ناقص فيه شيء ضائع‪ ..‬لنك حين ل تبدأ‬
‫العمل باسم ال قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل‬
‫لك‪ ..‬وحين ل تبدأ العمل باسم ال‪ ..‬فليس لك عليه جزاء في الخرة فتكون قد أخذت عطاءه في‬
‫الدنيا‪ ..‬وبترت أو قطعت عطاءه في الخرة‪ ..‬فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والخرة‪ .‬فأقبل على كل‬
‫عمل باسم ال‪ ..‬قبل أن تأكل قل باسم ال لنه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به‪ ..‬عندما‬
‫تدخل المتحان قل بسم ال فيعينك على النجاح‪ ..‬عندما تدخل إلى بيتك قل باسم ال لنه هو الذي‬
‫يسر لك هذا البيت‪ ..‬عندما تتزوج قل باسم ال لنه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك‪ ..‬في‬
‫كل عمل تفعله ابدأه باسم ال‪ ..‬لنها تمنعك من أي عمل يغضب ال سبحانه وتعالى‪ ..‬فأنت ل‬
‫تستطيع أن تبدأ عمل يغضب ال باسم ال‪ ..‬اذا أردت أن تسرق أو أن تشرب الخمر‪ ..‬أو أن‬
‫تفعل عمل يغضب ال‪ ..‬وتذكرت بسم ال‪ ..‬فإنك ستمتنع عنه‪ ..‬ستستحي أن تبدأ عمل باسم ال‬
‫يغضب ال‪ ..‬وهكذا ستكون أعمالك كلها فيما أباحه ال‪.‬‬
‫ال تبارك وتعالى حين نبدأ قراءة كلمه باسم ال‪ ..‬فنحن نقرأ هذا الكلم لنه من ال‪ ..‬وال هو‬
‫الله المعبود في كونه‪ ..‬ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به‪ ..‬ول نقدم على ما نهى عنه‪..‬‬
‫فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء ال في العبادة‪ ..‬وبطاعته في افعل ول تفعل‪ ..‬وهذا هو‬
‫المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم ال الذي آمنت به ربا وإلها‪ ..‬والذي عاهدته على أن تطيعه‬
‫فيما أمر وفيما نهى‪ ..‬والذي بموجب عبادتك ل سبحانه وتعالى تقرأ كتابه لتعمل بما فيه‪ ..‬والذي‬
‫خلق وأوجد ويحيي ويميت وله المر في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫‪ .‬والذي ستقف أمامه يوم القيامة ليحاسبك أحسنت أم أسأت‪ ..‬فالبداية من ال والنهاية إلى ال‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم ال‪ ..‬وقد عصيت وقد خالفت‪ ..‬نقول اياك أن تستحي أن تقرأ‬
‫القرآن‪ ..‬وأن تبدأ بسم ال إذا كنت قد عصيت‪ ..‬ولذلك أعطانا ال سبحانه وتعالى الحيثية التي نبدأ‬
‫بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه باسم ال الرحمن الرحيم‪ ..‬فال سبحانه وتعالى ل يتخلى عن‬
‫العاصي‪ ..‬بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها‪ ..‬ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي ال‪ ..‬فيغفر‬
‫له ذنبه‪ ،‬لن ال رحمن رحيم‪ ..‬فل تقل أنني أستحي أن أبدأ باسم ال لنني عصيته‪ ..‬فال سبحانه‬
‫وتعالى يطلب من كل عاص أن يعود الي حظيرة اليمان وهو رحمن رحيم‪ ..‬فاذا قلت كيف أقول‬
‫باسم ال وقد وقعت في معصية أمس‪ ..‬نقول لك قل باسم ال الرحمن الرحيم‪ ..‬فرحمة ال تسع‬
‫كل ذنوب خلقه‪ ..‬وهو سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب جميعا‪.‬‬
‫والرحمة والرحمن والرحيم‪ ..‬مشتق منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه‪ ..‬هذا المكان‬
‫الذي يأتيه فيه الرزق‪ ..‬بل حول ول قوة‪ ..‬ويجد فيه كل ما يحتاجه إليه نموه ميسرا‪ ..‬رزقا من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال سبحانه وتعالى بل تعب ول مقابل‪ ..‬انظر إلى حنو الم على ابنها وحنانها عليه‪ ..‬وتجاوزها‬
‫عن سيئاته وفرحته بعودته اليها‪ ..‬ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي‪.‬‬
‫" أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته‪ ،‬ومن قطعها قطعته "‬
‫ال سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا‪ ..‬ويفتح لنا أبواب التوبة بابا بعد‬
‫آخر‪ ..‬ونعصي فل يأخذنا بذنوبنا ول يحرمنا من نعمه‪ ..‬ول يهلكنا بما فعلنا‪ .‬ولذلك فنحن نبدأ‬
‫تلوة القرآن الكريم بسم ال الرحمن الرحيم‪ ..‬لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا‪ ..‬نرفع‬
‫أيدينا إلى السماء‪ ..‬ونقول يا رب رحمتك‪ ..‬تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا‪ .‬وبذلك يظل قارئ القرآن‬
‫متصل بأبواب رحمة ال‪ ..‬كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود اليه‪ ..‬فمادام ال رحمانا ورحيما ل‬
‫تغلق أبواب الرحمة أبدا‪.‬‬
‫على أننا نلحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة‪ ..‬يقال راحم ورحمن ورحيم‪ ..‬اذا قيل راحم‬
‫فيه صفة الرحمة‪ ..‬وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة‪ ..‬وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في‬
‫الصفة‪ ..‬وال سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الخرة‪..‬‬
‫صفات ال سبحانه وتعالى ل تتأرجح بين القوة والضعف‪.‬‬
‫‪ .‬وإياكم أن تفهموا أن ال تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة‪ .‬بل هي صفات الكمال المطلق‪..‬‬
‫ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات‪ ..‬اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬إِنّ اللّ َه لَ يَظِْلمُ‬
‫مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ }[النساء‪ ]40 :‬هذه الية الكريمة‪ ..‬نفت الظلم عن ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ثم تأتي الية‬
‫الكريمة بقول ال جل جلله‪َ {:‬ومَا رَ ّبكَ ِبظَلّمٍ لّ ْلعَبِيدِ }[فصلت‪ ]46 :‬نلحظ هنا استخدام صيغة‬
‫المبالغة‪ " ..‬ظلم "‪ ..‬أي شديد الظلم‪ ..‬وقول الحق سبحانه وتعالى‪ " :‬ليس بظلم "‪ ..‬ل تنفي الظلم‬
‫ولكنها تنفي المبالغة في الظلم‪ ،‬تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة‪ ..‬نقول انك لم تفهم المعنى‪ ..‬ان ال‬
‫ل يظلم أحدا‪ ..‬الية الولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد‪..‬‬
‫والية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد‪ ..‬والعبيد هم كل خلق ال‪ ..‬فلو اصاب كل واحد منهم‬
‫أقل من ذرة من الظلم مع هذه العداد الهائلة‪ ..‬فإن الظلم يكون كثيرا جدا‪ ،‬ولو أنه قليل في كميته‬
‫لن عدد من سيصاب به هائل‪ ..‬ولذلك فإن الية الولى نفت الظلم عن ال سبحانه وتعالى‪ .‬والية‬
‫الثانية نفت الظلم أيضا عن ال تبارك وتعالى‪ ..‬ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين‬
‫تنطبق عليهم الية الكريمة‪.‬‬
‫نأتي بعد ذلك إلى رحمن ورحيم‪ ..‬رحمن في الدنيا لكثرة عدد الذين يشملهم ال سبحانه وتعالى‬
‫برحمته‪ ..‬فرحمة ال في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر‪ ..‬يعطيهم ال مقومات حياتهم ول‬
‫يؤاخذهم بذنوبهم‪ ،‬يرزق من آمن به ومن لم يؤمن به‪ ،‬ويعفو عن كثير‪ ..‬اذن عدد الذين تشملهم‬
‫رحمة ال في الدنيا هم كل خلقه‪ .‬بصرف النظر عن ايمانهم أو عدم ايمانهم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن في الخرة ال رحيم بالمؤمنين فقط‪ ..‬فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة ال‪ ..‬اذن‬
‫الذين تشملهم رحمة ال في الخرة‪ ..‬أقل عددا من الذين تشملهم رحمة ال في الدنيا‪ ..‬فمن أين‬
‫تأتي المبالغة؟‪ ..‬تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء‪ ..‬فنعم ال في الخرة اكبر كثيرا‬
‫منها في الدنيا‪ ..‬المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها‪ ..‬فكأن المبالغة في الدنيا بعمومية العطاء‪،‬‬
‫والمبالغة في الخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة النعم والخلود فيها‪.‬‬
‫لقد اختلف عدد العلماء حول بسم ال الرحمن الرحيم‪ ..‬وهي موجودة في ‪ 113‬سورة من القرآن‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ‬
‫الكريم هل هي من آيات السور نفسها‪ ..‬بمعنى أن كل سورة تبدأ } ِبسْمِ اللّهِ الرّ ْ‬
‫{ تحسب البداية على أنها الية الولى من السورة‪ ،‬أم أنها حسبت فقط في فاتحة الكتاب‪ ،‬ثم بعد‬
‫ذلك تعتبر فواصل بين السور‪..‬‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ { آية من آيات القرآن الكريم‪ ..‬ولكنها ليست آية من‬
‫وقال العلماء أن } ِبسْمِ اللّهِ الرّ ْ‬
‫كل سورة ما عدا فاتحة الكتاب فهي آية من الفاتحة‪ ..‬وهناك سورة واحدة في القرآن الكريم ل‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ { وهي سورة التوبة وتكررت بسم ال الرحمن الرحيم في‬
‫سمِ اللّهِ الرّ ْ‬
‫تبدأ بـ } بِ ْ‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ }‬
‫سمِ اللّهِ الرّ ْ‬
‫الية ‪ 30‬من سورة النمل في قوله تعالى‪ {:‬إِنّهُ مِن سُلَ ْيمَانَ وَإِنّهُ بِ ْ‬
‫[النمل‪]30 :‬‬

‫(‪)1 /‬‬
‫حمَنِ الرّحِيمِ (‪)3‬‬
‫ح ْمدُ لِلّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ (‪ )2‬الرّ ْ‬
‫الْ َ‬

‫فاتحة الكتاب هي أم الكتاب‪ ،‬ل تصلح الصلة بدونها‪ ،‬فأنت في كل ركعة تستطيع أن تقرأ آية من‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬تختلف عن الية التي قرأتها في الركعة السابقة‪ ،‬وتختلف عن اليات التي قرأتها‬
‫في صلواتك‪ ..‬ولكن إذا لم تقرأ الفاتحة فسدت الصلة‪ ،‬ولذلك قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫" من صلى صلة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج ثلثا غير تام " أي غير صالحة‪.‬‬
‫فالفاتحة أم الكتاب التي ل تصلح الصلة بدونها‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي‪" :‬‬
‫قسمت الصلة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل‪ ..‬فإذا قال العبد الحمد ل رب العالمين‪.‬‬
‫قال ال عز وجل حمدني عبدي‪ .‬فإذا قال‪ :‬الرحمن الرحيم‪ ،‬قال ال عز وجل‪ :‬أثنى علي عبدي‪،‬‬
‫فإذا قال مالك يوم الدين‪ ،‬قال ال عز وجل مجدني عبدي‪ ..‬فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين‪ ،‬قال‬
‫ال عز وجل هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل‪ ..‬وإذا قال‪ { :‬اهْدِنَا الصّرَاطَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ *‬
‫صِرَاطَ الّذِينَ أَ ْن َع ْمتَ عَلَ ْيهِمْ غَيْرِ ا ْل َم ْغضُوبِ عَلَ ْيهِم َولَ الضّآلّينَ } قال ال عز وجل‪ :‬هذا لعبدي‬
‫ولعبدي ما سأل "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعلينا أن نتنبه ونحن نقرأ هذا الحديث القدسي ان ال تعالى يقول‪ :‬قسمت الصلة بيني وبين‬
‫عبدي‪ ،‬ولم يقل قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي‪ ،‬ففاتحة الكتاب هي أساس الصلة‪ ،‬وهي أم‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫نلحظ ان هناك ثلثة أسماء ل قد تكررت في بسم ال الرحمن الرحيم‪ ،‬وفي فاتحة الكتاب‪ ،‬وهذه‬
‫السماء هي‪ :‬ال‪ .‬والرحمن والرحيم‪ .‬نقول أن ليس هناك تكرار في القرآن الكريم‪ ،‬وإذا تكرر‬
‫اللفظ يكون معناه في كل مرة مختلفا عن معناه في المرة السابقة‪ ،‬لن المتكلم هو ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ ..‬ولذلك فهو يضع اللفظ في مكانه الصحيح‪ ،‬وفي معناه الصحيح‪..‬‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ } هو استعانة بقدرة ال حين نبدأ فعل الشياء‪ ..‬إذن فلفظ‬
‫سمِ اللّهِ الرّ ْ‬
‫قولنا‪ { :‬بِ ْ‬
‫الجللة { اللّهِ } في بسم ال‪ ،‬معناه الستعانة بقدرات ال سبحانه وتعالى وصفاته‪ .‬لتكون عونا لنا‬
‫على ما نفعل‪ .‬ولكن إذا قلنا‪ :‬الحمد ل‪ ..‬فهي شكر ل على ما فعل لنا‪ .‬ذلك اننا ل نستطيع أن نقدم‬
‫الشكر ل إل إذا استخدمنا لفظ الجللة‪ .‬الجامع لكل صفات ال تعالى‪ .‬لننا نحمده على كل صفاته‬
‫ورحمته بنا حتى ل نقول باسم القهار وباسم الوهاب وباسم الكريم‪ ،‬وباسم الرحمن‪ ..‬نقول الحمد‬
‫ل على كمال صفاته‪ ،‬فيشمل الحمد كمال الصفات كلها‪.‬‬
‫سمِ اللّهِ } الذي نستعين به على ما ل قدرة لنا عليه‪ ..‬لن ال هو الذي سخر‬
‫وهناك فرق بين { بِ ْ‬
‫ح ْمدُ للّهِ } فإن لفظ الجللة إنما جاء هنا لنحمد ال على‬
‫كل ما في الكون‪ ،‬وجعله يخدمنا‪ ،‬وبين { الْ َ‬
‫ما فعل لنا‪.‬‬
‫فكأن " بسم ال في البسملة " طلب العون من ال بكل كمال صفاته‪ ..‬وكأن الحمد ل في الفاتحة‬
‫تقديم الشكر ل بكل كمال صفاته‪.‬‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ { في الفاتحة‪ ،‬ففي البسملة‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ { في البسملة لها معنى غير } الرّ ْ‬
‫و } الرّ ْ‬
‫هي تذكرنا برحمة ال سبحانه وتعالى وغفرانه حتى ل نستحي ول نهاب أن نستعين باسم ال ان‬
‫كنا قد فعلنا معصية‪ ..‬فال سبحانه وتعالى يريدنا أن نستعين باسمه دائما في كل اعمالنا‪ .‬فإذا سقط‬
‫واحد منا في معصية‪ ،‬قال كيف استعين باسم ال‪ ،‬وقد عصيته؟ نقول له ادخل عليه سبحانك‬
‫وتعالى من باب الرحمة‪ ..‬فيغفر لك وتستعين به فيجيبك‪.‬‬
‫وانت حين تسقط في معصية تستعيذ برحمة ال من عدله‪ ،‬لن عدل ال ل يترك صغيرة ول‬
‫كبيرة إل احصاها‪.‬‬
‫ش ِفقِينَ ِممّا فِي ِه وَ َيقُولُونَ ياوَيْلَتَنَا مَالِ‬
‫وأقرأ قول ال تعالى‪َ {:‬و ُوضِعَ ا ْلكِتَابُ فَتَرَى ا ْلمُجْ ِرمِينَ مُ ْ‬
‫ظلِمُ رَ ّبكَ‬
‫عمِلُواْ حَاضِرا وَلَ يَ ْ‬
‫حصَاهَا َووَجَدُواْ مَا َ‬
‫صغِي َر ًة َولَ كَبِي َرةً ِإلّ َأ ْ‬
‫هَـاذَا ا ْلكِتَابِ لَ ُيغَادِ ُر َ‬
‫أَحَدا }[الكهف‪ ]49 :‬ولول رحمة ال التي سبقت عدله‪ .‬ما بقي للناس نعمة وما عاش أحد على‬
‫ظهر الرض‪ ..‬فال جل جلله يقول‪ {:‬وََلوْ ُيؤَاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِظُ ْل ِم ِهمْ مّا تَ َركَ عَلَ ْيهَا مِن دَآبّ ٍة وَلكِن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جُلهُ ْم لَ يَسْتَ ْأخِرُونَ سَاعَ ًة َولَ يَسْ َتقْ ِدمُونَ }[النحل‪]61 :‬‬
‫سمّىا فَِإذَا جَآءَ أَ َ‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫ُيؤَخّرُ ُهمْ إلَىا أَ َ‬
‫فالنسان خلق ضعيفا‪ ،‬وخلق هلوعا‪ .‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬ل يدخل أحدكم‬
‫الجنة بعمله إل أن يتغمده ال برحمته‪ ،‬قالوا‪ :‬حتى أنت يا رسول ال قال‪ :‬حتى أنا "‪.‬‬
‫فذنوب النسان في الدنيا كثيرة‪ ..‬إذا حكم فقد يظلم‪ .‬وإذا ظن فقد يسئ‪ ..‬وإذا تحدث فقد يكذب‪..‬‬
‫وإذا شهد فقد يبتعد عن الحق‪ ..‬وإذا تكلم فقد يغتاب‪.‬‬
‫هذه ذنوب نرتكبها بدرجات متفاوتة‪ .‬ول يمكن لحد منا ان ينسب الكمال لنفسه حتى الذين يبذلون‬
‫اقصى جهدهم في الطاعة ل يصلون الى الكمال‪ ،‬فالكمال ل وحده‪ .‬ورسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم يقول‪ " :‬كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون "‪.‬‬
‫ويصف ال سبحانه وتعالى النسان في القرآن الكريم‪ {:‬وَآتَاكُم مّن ُكلّ مَا سَأَلْ ُتمُو ُه وَإِن َتعُدّواْ‬
‫حصُوهَا إِنّ النْسَانَ لَظَلُومٌ َكفّارٌ }[إبراهيم‪ ]34 :‬ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى‬
‫ِن ْع َمتَ اللّ ِه لَ تُ ْ‬
‫حمَـانِ‬
‫أل تمنعنا المعصية عن ان ندخل الى كل عمل باسم ال‪ ..‬فعلمنا أن نقول‪ِ } :‬بسْمِ اللّهِ الرّ ْ‬
‫الرّحِيمِ { لكي نعرف أن الباب مفتوح للستعانة بال‪ .‬وأن المعصية ل تمنعنا من الستعانة في كل‬
‫عمل باسم ال‪ ..‬لنه رحمن رحيم‪ ،‬فيكون ال قد أزال وحشتك من المعصية في الستعانة به‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولكن الرحمن الرحيم في الفاتحة مقترنة برب العالمين‪ ،‬الذي أوجدك من عدم‪ ..‬وأمدك بنعم ل تعد‬
‫ول تحصى‪ .‬انت تحمده على هذه النعم التي أخذتها برحمة ال سبحانه وتعالى في ربوبيته‪ ،‬ذلك‬
‫أن الربوبية ليس فيها من القسوة بقدر ما فيها من رحمة‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى رب للمؤمن والكافر‪ ،‬فهو الذي استدعاهم جميعا الى الوجود‪ .‬ولذلك فإنه‬
‫يعطيهم من النعم برحمته‪ ..‬وليس بما يستحقون‪ ..‬فالشمس تشرق على المؤمن والكافر‪ ..‬ول‬
‫تحجب أشعتها عن الكافر وتعطيها للمؤمن فقط‪ ،‬والمطر ينزل على من يعبدون ال‪ .‬ومن يعبدون‬
‫أوثانا من دون ال‪ .‬والهواء يتنفسه من قال ل إله إل ال ومن لم يقلها‪.‬‬
‫وكل النعم التي هي من عطاء الربوبية ل هي في الدنيا لخلقه جميعا‪ ،‬وهذه رحمة‪ ..‬فال رب‬
‫الجميع من أطاعه ومن عصاه‪ .‬وهذه رحمة‪ ،‬وال قابل للتوبة‪ ،‬وهذه رحمة‪..‬‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ { بمعنى رحمة ال في ربوبيته لخلقه‪ ،‬فهو يمهل‬
‫إذن ففي الفاتحة تأتي } الرّ ْ‬
‫العاصي ويفتح ابواب التوبة لكل من يلجأ اليه‪.‬‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ { في‬
‫وقد جعل ال رحمته تسبق غضبه‪ .‬وهذه رحمة تستوجب الشكر‪ .‬فمعنى } الرّ ْ‬
‫البسملة يختلف عنها في الفاتحة‪ .‬فإذا انتقلنا بعد ذلك الي قوله تعالى‪:‬‬
‫حمْدُ للّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ { فال محمود لذاته ومحمود لصفاته‪ ،‬ومحمود لنعمه‪ ،‬ومحمود لرحمته‪،‬‬
‫} ا ْل َ‬
‫ومحمود لمنهجه‪ ،‬ومحمود لقضائه‪ ،‬ال محمود قبل ان يخلق من يحمده‪ .‬ومن رحمة ال سبحانه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتعالى أنه جعل الشكر له في كلمتين اثنتين هما الحمد ل‪.‬‬
‫والعجيب أنك حين تشكر بشرا على جميل فعله تظل ساعات وساعات‪ ..‬تعد كلمات الشكر‬
‫والثناء‪ ،‬وتحذف وتضيف وتأخذ رأي الناس‪ .‬حتى تصل الى قصيدة أو خطاب ملئ بالثناء‬
‫والشكر‪ .‬ولكن ال سبحانه وتعالى جلت قدرته وعظمته نعمه ل تعد ول تحصى‪ ،‬علمنا أن نشكره‬
‫في كلمتين اثنتين هما‪ :‬الحمد ل‪..‬‬
‫ولعلنا نفهم ان المبالغة في الشكر للبشر مكروهة لنها تصيب النسان بالغرور والنفاق وتزيد‬
‫العاصي في معاصيه‪ ..‬فلنقلل من الشكر والثناء للبشر‪ ..‬لننا نشكر ال لعظيم نعمه علينا بكلمتين‬
‫هما‪ :‬الحمد ل‪ ،‬ومن رحمة ال سبحانه وتعالى أنه علمنا صيغة الحمد‪ .‬فلو أنه تركها دون أن‬
‫يحددها بكلمتين‪ ..‬لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة المناسبة ليحمدوا ال على هذا‬
‫الكمال اللهي‪ ..‬فمهما أوتي الناس من بلغة وقدرة على التعبير‪ .‬فهم عاجزون على أن يصلوا‬
‫الى صيغة الحمد التي تليق بجلل المنعم‪ ..‬فكيف نحمد ال والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو‬
‫يحصي نعمه أو يحيط برحمته؟ ورسول ال صلى ال عليه وسلم أعطانا صورة العجز البشري‬
‫عن حمد كمال اللوهية ل‪ ،‬فقال‪ " :‬ل أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "‪.‬‬

‫وكلمتا الحمد ل‪ ،‬ساوى ال بهما بين البشر جميعا‪ ،‬فلو أنه ترك الحمد بل تحديد‪ ،‬لتفاوتت درجات‬
‫الحمد بين الناس بتفاوت قدراتهم على التعبير‪ .‬فهذا أمي ل يقرأ ول يكتب ل يستطيع أن يجد‬
‫الكلمات التي يحمد بها ال‪ .‬وهذا عالم له قدرة على التعبير يستطيع ان يأتي بصيغة الحمد بما‬
‫أوتي من علم وبلغة‪ .‬وهكذا تتفاوت درجات البشر في الحمد‪ ..‬طبقا لقدرتهم في منازل الدنيا‪.‬‬
‫ولكن الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوي بين عباده جميعا في صيغة الحمد له‪ ..‬فيعلمنا في‬
‫ح ْمدُ للّهِ { ليعطي الفرصة المتساوية لكل عبيده بحيث‬
‫أول كلماته في القرآن الكريم‪ ..‬أن نقول } الْ َ‬
‫يستوي المتعلم وغير المتعلم في عطاء الحمد ومن أوتي البلغة ومن ل يحسن الكلم‪.‬‬
‫ولذلك فإننا نحمد ال سبحانه وتعالى على أنه علمنا كيف نحمده وليظل العبد دائما حامدا‪ .‬ويظل‬
‫ال دائما محمودا‪ ..‬فال سبحانه وتعالى قبل أن يخلقنا خلق لنا موجبات الحمد من النعم‪ ،‬فخلق لنا‬
‫السماوات والرض وأوجد لنا الماء والهواء‪ .‬ووضع في الرض أقواتها الى يوم القيامة‪ ..‬وهذه‬
‫نعمة يستحق الحمد عليها لنه جل جلله جعل النعمة تسبق الوجود النساني‪ ،‬فعندما خلق النسان‬
‫كانت النعمة موجودة تستقبله‪ .‬بل ان ال جل جلله قبل أن يخلق آدم أبا البشر جميعا سبقته الجنة‬
‫التي عاش فيها ل يتعب ول يشقى‪ .‬فقد خلق فوجد ما يأكله وما يشربه وما يقيم حياته وما يتمتع‬
‫به موجودا وجاهزا ومعدا قبل الخلق‪ ..‬وحينما نزل آدم وحواء الى الرض كانت النعمة قد‬
‫سبقتهما‪ .‬فوجدا ما يأكلنه وما يشربانه‪ ،‬وما يقيم حياتهما‪ ..‬ولو أن النعمة لم تسبق الوجود‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النساني وخلقت بعده لهلك النسان وهو ينتظر مجيء النعمة‪.‬‬
‫بل ان العطاء اللهي للنسان يعطيه النعمة بمجرد أن يخلق في رحم أمه فيجد رحما مستعدا‬
‫لستقباله وغذاء يكفيه طول مدة الحمل‪ .‬فاذا خرج الى الدنيا يضع ال في صدر أمه لبنا ينزل‬
‫وقت أن يجوع ويمتنع وقت أن يشبع‪ .‬وينتهي تماما عندما تتوقف فترة الرضاعة‪ .‬ويجد أبا وأما‬
‫يوفران له مقومات حياته حتى يستطيع أن يعول نفسه‪ ..‬وكل هذا يحدث قبل ان يصل النسان إلى‬
‫حمْدُ للّهِ {‪.‬‬
‫مرحلة التكليف وقبل أن يستطيع ان ينطق‪ } :‬ا ْل َ‬
‫وهكذا نرى أن النعمة تسبق ا ْلمُ ْنعَمَ عليه دائما‪ ..‬فالنسانَ حيث يقول " الحمد ل " فلن موجبات‬
‫الحمد ـ وهي النعمة ـ موجودة في الكون قبل الوجود النساني‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى خلق لنا في هذا الكون أشياء تعطي النسان بغير قدرة منه ودون خضوع له‪،‬‬
‫والنسان عاجز عن أن يقدم لنفسه هذه النعم التي يقدمها الحق تبارك وتعالى له بل جهد‪.‬‬
‫فالشمس تعطي الدفء والحياة للرض بل مقابل وبل فعل من البشر‪ ،‬والمطر ينزل من السماء‬
‫دون ان يكون لك جهد فيه أو قدرة على إنزاله‪ .‬والهواء موجود حولك في كل مكان تتنفس منه‬
‫دون جهد منك ول قدرة‪ .‬والرض تعطيك الثمر بمجرد أن تبذر فيها الحب وتسقيه‪ ..‬فالزرع‬
‫ينبت بقدرة ال‪ ..‬والليل والنهار يتعاقبان حتى تستطيع أن تنام لترتاح‪ ،‬وأن تسعى لحياتك‪ ..‬ل أنت‬
‫أتيت بضوء النهار‪ ،‬ول أنت الذي صنعت ظلمة الليل‪ ،‬ولكنك تأخذ الراحة في الليل والعمل في‬
‫النهار بقدرة ال دون أن تفعل شيئا‪.‬‬
‫كل هذه الشياء لم يخلقها النسان‪ ،‬ولكنه خلق ليجدها في الكون تعطيه بل مقابل ول جهد منه‪.‬‬
‫أل تستحق أن نقول الحمد ل على نعمة تسخير الكون لخدمة النسان؟ إنها تقتضي وجوب الحمد‪.‬‬
‫وآيات ال سبحانه وتعالى في كونه تستوجب الحمد‪ ..‬فالحياة التي وهبها ال لنا‪ ،‬واليات التي‬
‫أودعها في كونه لتدلنا على أن لهذا الكون خالقا عظيما‪ .‬فالكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه‬
‫وكل ما فيه مما يفوق قدرة النسان‪ ..‬ول يستطيع أحد أن يدعيه لنفسه‪ .‬فل أحد مهما بلغ علمه‬
‫يستطيع أن يدعي أنه خلق الشمس أو أوجد النجوم أو وضع الرض أو وضع قوانين الكون أو‬
‫أعطى غلفها الجوي‪ ..‬أو خلق نفسه أو خلق غيره‪.‬‬
‫هذه اليات كلها أعطتنا الدليل على وجود قوة عظمى‪ ،‬وهي التي أوجدت وهي التي خلقت‪ ..‬وهذه‬
‫اليات ليست ساكنة‪ ،‬لتجعلنا في سكونها ننساها‪ ،‬بل هي متحركة لتلفتنا الي خالق هذا الكون‬
‫العظيم‪.‬‬
‫فالشمس تشرق في الصباح فتذكرنا باعجاز الخلق‪ ،‬وتغيب في المساء لتذكرنا بعظمة الخالق‪..‬‬
‫وتعاقب الليل والنهار يحدث أمامنا كل يوم علمنا نلتفت ونفيق‪ ..‬والمطر ينزل من السماء ليذكرنا‬
‫بألوهية من أنزله‪ ..‬والزرع يخرج من الرض يسقي بماء واحد‪ .‬ومع ذلك فإن كل نوع له لون‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وله شكل وله مذاق وله رائحة‪ ،‬وله تكوين يختلف عن الخر‪ ،‬ويأتي الحصاد فيختفي الثمر‬
‫والزرع‪ ..‬ويأتي موسم الزراعة فيعود من جديد‪.‬‬
‫كل شيء في هذا الكون متحرك ليذكرنا اذا نسينا‪ ،‬ويعلمنا أن هناك خالقا عظيما‪.‬‬
‫ونستطيع أن نمضي في ذلك بل نهاية فنعم ال ل تعد ول تحصى‪ ..‬وكل واحدة منها تدلنا على‬
‫وجود الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬وتعطينا الدليل اليماني على ان لهذا الكون خالقا مبدعا‪ ..‬وانه ل‬
‫حمْدُ للّهِ‬
‫أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق الكون أو خلق ما فيه‪ ..‬فالقضية محسومة ل‪ ..‬و } ا ْل َ‬
‫{ لنه وضع في نفوسنا اليمان الفطري ثم أيده بإيمان عقلي بآياته في كونه‪.‬‬
‫بل إن كل شيء في هذا الكون يقتضي الحمد‪ ،‬ومع ذلك فإن النسان يمتدح الوجود وينسى‬
‫الموجود!! فأنت حين ترى زهرة جميلة مثل أو زهرة غاية في البداع‪.‬‬
‫‪ .‬أو أي خلق من خلق ال يشيع في نفسك الجمال تمتدح هذا الخلق‪ ..‬فتقول‪ :‬ما أجمل هذه الزهرة‬
‫أو هذه الجوهرة أو هذا المخلوق‪ ..‬ولكن المخلوق الذي امتدحته‪ ،‬لم يعط صفة الجمال لنفسه‪..‬‬
‫فالزهرة ل دخل لها أن تكون جميلة أو غير جميلة‪ ،‬والجوهرة ل دخل لها في عظمة خلقها‪ ..‬وكل‬
‫شيء في هذا الكون لم يضع الجمال لنفسه وانما الذي وضع الجمال فيه هو ال سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫فل نخلط ونمدح المخلوق وننسى الخالق‪ ..‬بل قل‪ :‬الحمد ل الذي أوجد في الكون ما يذكرنا‬
‫بعظمة الخالق ودقة الخلق‪.‬‬
‫ومنهج ال سبحانه وتعالى يقتضي منا الحمد‪ ،‬لن ال أنزل منهجه ليرينا طريق الخير ويبعدنا عن‬
‫طريق الشر‪.‬‬
‫فمنهج ال الذي أنزله على رسله قد عرفنا ان ال تبارك وتعالى هو الذي خلق لنا هذا الكون‬
‫وخلقنا‪ ..‬فدقة الخلق وعظمته تدلنا على أن هناك خالقا عظيما‪ ..‬ولكنها ل تستطيع أن تقول لنا من‬
‫هو‪ ،‬ول ماذا يريد منا‪ .‬ولذلك أرسل ال رسله‪ ،‬ليقولوا لنا إن الذي خلق هذا الكون وخلقنا هو ال‬
‫تبارك وتعالى وهذا يستوجب الحمد‪.‬‬
‫ومنهج ال بين لنا ماذا يريد الحق منا‪ ،‬وكيف نعبده‪ ..‬وهذا يستوجب الحمد‪ .‬ومنهج ال جل جلله‬
‫أعطانا الطريق وشرع لنا اسلوب حياتنا تشريعا حقا‪ ..‬فال تبارك وتعالى ل يفرق بين أحد منا‪..‬‬
‫ول يفضل أحدا على احد إل بالتقوى‪ ،‬فكلنا خلق متساوون أمام ال جل جلله‪..‬‬
‫إذن‪ :‬فشريعة الحق‪ ،‬وقول الحق‪ ،‬وقضاء الحق‪ ،‬هو من ال‪ ،‬أما تشريعات الناس فلها هوى‪ ،‬تميز‬
‫بعضا عن بعض‪ ..‬وتأخذ حقوق بعض لتعطيها للخرين‪ ،‬لذلك نجد في كل منهج بشرى ظلما‬
‫بشريا‪.‬‬
‫فالدول الشيوعية أعضاء اللجنة المركزية فيها هم أصحاب النعمة والترف‪ .‬بينما الشعب كله في‬
‫شقاء‪ ..‬لن هؤلء الذي شرعوا اتبعوا هواهم‪ .‬ووضعوا مصالحهم فوق كل مصلحة‪ ..‬وكذلك في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الدول الرأسمالية‪ .‬أصحاب رأس المال يأخذون كل الخير‪ .‬ولكن ال سبحانه وتعالى حين نزل لنا‬
‫المنهج قضى بالعدل بين الناس‪ ..‬وأعطى كل ذي حق حقه‪ .‬وعلمنا كيف تستقيم الحياة على‬
‫الرض عندما تكون بعيدة عن الهوى البشري خاضعة لعدل ال‪ ،‬وهذا يوجب الحمد‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى‪ ،‬يستحق منا الحمد لنه ل يأخذ منا ولكنه يعطينا‪ .‬فالبشر في كل عصر‬
‫يحاولون استغلل البشر‪ ..‬لنهم يطمعون لما في ايديهم من ثروات وأموال‪ ،‬ولكن ال سبحانه‬
‫وتعالى ل يحتاج الى ما في أيدينا‪ ،‬إنه يعطينا ول يأخذ منا‪ ،‬عنده خزائن كل شيء مصداقا لقوله‬
‫شيْءٍ ِإلّ عِندَنَا خَزَائِنُ ُه َومَا نُنَزّلُهُ ِإلّ ِبقَدَرٍ ّمعْلُومٍ }[الحجر‪ ]21 :‬فال سبحانه‬
‫جل جلله‪ {:‬وَإِن مّن َ‬
‫وتعالى دائم العطاء لخلقه‪ ،‬والخلق يأخذون دائما من نعم ال‪ ،‬فكأن العبودية ل تعطيك ول تأخذ‬
‫منك وهذا يستوجب الحمد‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى في عطائه يجب أن يطلب منه النسان‪ ،‬وأن يدعوه وان يستعين به‪ ،‬وهذا‬
‫يتوجب الحمد لنه يقينا الذل في الدنيا‪ .‬فأنت إن طلبت شيئا من صاحب نفوذ‪ ،‬فلبد ان يحدد لك‬
‫موعدا أو وقت الحديث ومدة المقابلة‪ ،‬وقد يضيق بك فيقف لينهي اللقاء‪ ..‬ولكن ال سبحانه وتعالى‬
‫بابه مفتوح دائما‪ ..‬فأنت بين يديه عندما تريد‪ ،‬وترفع يديك الى السماء وتدعو وقتما تحب‪ ،‬وتسأل‬
‫ال ما تشاء‪ ،‬فيعطيك ما تريده إن كان خيرا لك‪ ..‬ويمنع عنك ما تريده ان كان شرا لك‪.‬‬
‫جبْ َل ُكمْ إِنّ‬
‫وال سبحانه وتعالى يطلب منك ان تدعوه وان تسأله فيقول‪َ {:‬وقَالَ رَ ّبكُـمُ ادْعُونِي أَسْتَ ِ‬
‫جهَنّمَ دَاخِرِينَ }[غافر‪ ]60 :‬ويقول سبحانه وتعالى‪ {:‬وَإِذَا‬
‫الّذِينَ َيسْ َتكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَ َيدْخُلُونَ َ‬
‫ع َوةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْ َتجِيبُواْ لِي وَلْ ُيؤْمِنُواْ بِي َلعَّلهُمْ‬
‫سَأََلكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَ ْ‬
‫يَرْشُدُونَ }[البقرة‪ ]186 :‬وال سبحانه وتعالى يعرف ما في نفسك‪ ،‬ولذلك فإنه يعطيك دون أن‬
‫تسأل‪ .‬واقرأ الحديث القدسي‪:‬‬
‫يقول رب العزة‪:‬‬
‫" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين "‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى عطاؤه ل ينفد‪ ،‬وخزائنه ل تفرغ‪ ،‬فكلما سألته جل جلله كان لديه المزيد‪،‬‬
‫ومهما سألته فإنه ل شيء عزيز على ال سبحانه وتعالى‪ ،‬إذا أراد أن يحققه لك‪..‬‬
‫واقرأ قول الشاعر‪:‬حسب نفسي عزا بأنني عبد يحتفي بي بل مـواعيد ربهو في قدسه العز‬
‫ولكن أنا ألقى متى وأين أحبإذن‪ :‬عطاء ال سبحانه وتعالى يستوجب الحمد‪ ..‬ومنعه العطاء‬
‫يستوجب الحمد‪.‬‬
‫ووجود ال سبحانه وتعالى الواجب الوجود يستوجب الحمد‪ ..‬فال يستحق الحمد لذاته‪ ،‬ولول عدل‬
‫ال لبغى الناس في الرض وظلموا‪ ،‬ولكن يد ال تبارك وتعالى حين تبطش بالظالم تجعله عبرة‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيخاف الناس الظلم‪ ..‬وكل من أفلت من عقاب الدنيا على معاصيه وظلمه واستبداده سيلقى ال في‬
‫الخرة ليوفيه حسابه‪ ..‬وهذا يوجب الحمد‪ ..‬أن يعرف المظلوم أنه سينال جزاءه فتهدأ نفسه‬
‫ويطمئن قلبه ان هناك يوما سيرى فيه ظالمه وهو يعذب في النار‪ ..‬فل تصيبه الحسرة‪ ،‬ويخف‬
‫احساسه بمرارة الظلم حين يعرف ان ال قائم على كونه لن يفلت من عدله أحد‪.‬‬
‫حمْدُ للّهِ { فنحن نعبر عن انفعالت متعددة‪ ..‬وهي في مجموعها تحمل العبودية‬
‫وعندما نقول‪ } :‬ا ْل َ‬
‫والحب والثناء والشكر والعرفان‪ ..‬وكثير من النفعالت التي تمل النفس عندما تقول‪ " :‬الحمد ل‬
‫" كلها تحمل الثناء العاجز عن الشكر لكمال ال وعطائه‪ ..‬هذه النفعالت تأتي من النفس وتستقر‬
‫في القلب‪ ..‬ثم تفيض من الجوارح على الكون كله‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫فالحمد ليس ألفاظا تردد باللسان‪ ،‬ولكنها تمر أول على العقل ليعي معنى النعم‪ ..‬ثم بعد ذلك تستقر‬
‫في القلب فينفعل بها‪ ..‬وتنتقل الي الجوارح فأقوم واصلي ل شاكرا ويهتز جسدي كله‪ ،‬وتفيض‬
‫الدمعة من عيني‪ ..‬وينتقل هذا النفعال كله الي من حولي‪.‬‬
‫ونفسر ذلك قليل‪ ..‬هب انني في أزمة أو كرب أو شيء سيؤدي الي فضيحة‪ ..‬وجاءني من يفرج‬
‫كربي فيعطيني مال أو يفتح لي طريقا‪ ..‬أول شيء انني سأعقل هذا الجميل فأقول انه يستحق‬
‫الشكر‪ ..‬ثم ينزل هذا المعنى الي قلبي فيهتز القلب الي صانع هذا الجميل‪ ..‬ثم تنفعل جوارحي‬
‫لترجم هذه العاطفة إلي عمل يرضيه على جميل صنعه‪ .‬ثم أحدث الناس عن جميله وكرمه‬
‫فيسارعون إلي اللتجاء اليه‪ ..‬فتتسع دائرة الحمد وتنزل النعم على الناس‪ ..‬فيمرون بنفس ما‬
‫حدث لي فتتسع دائرة الشكر والحمد‪..‬‬
‫شكَرْتُمْ‬
‫والحمد ل تعطينا المزيد من نعم ال مصداقا لقوله تبارك وتعالى‪ {:‬وَإِذْ تَأَذّنَ رَ ّبكُمْ لَئِن َ‬
‫عذَابِي لَشَدِيدٌ }[إبراهيم‪ ]7 :‬وهكذا نعرف ان الشكر على النعمة يعطينا‬
‫لَزِيدَ ّنكُ ْم وَلَئِن َكفَرْتُمْ إِنّ َ‬
‫مزيدا من النعمة‪ ..‬فنشكر عليها فتعطينا المزيد وهكذا يظل الحمد دائما والنعمة دائمة‪ ..‬اننا لو‬
‫استعرضنا حياتنا كلها فكل حركة فيها تقتضي الحمد‪ ،‬عندما ننام ويأخذ ال سبحانه وتعالى‬
‫أرواحنا‪ ،‬ثم يردها الينا عندما نستيقظ‪ ،‬فإن هذا يوجب الحمد‪ ،‬فال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬اللّهُ‬
‫سلُ‬
‫ت وَيُرْ ِ‬
‫سكُ الّتِي َقضَىا عَلَ ْيهَا ا ْل َموْ َ‬
‫يَ َت َوفّى الَنفُسَ حِينَ َموْتِـهَا وَالّتِي َلمْ َت ُمتْ فِي مَنَامِـهَا فَ ُيمْ ِ‬
‫سمّى إِنّ فِي ذَِلكَ ليَاتٍ ّل َقوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ }[الزمر‪ ]42 :‬وهكذا فإن مجرد‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫الُخْرَىا إِلَىا َأ َ‬
‫استيقاظنا من النوم‪ ،‬وان ال سبحانه وتعالى رد علينا أرواحنا‪ ،‬وهذا الرد يستوجب الحمد‪ ،‬فإذا‬
‫قمنا من السرير فال سبحانه وتعالى هو الذي يعطينا القدرة على الحركة‪ ،‬ولول عطاؤه ما‬
‫استطعنا ان نقوم‪ ..‬وهذا يستوجب الحمد‪ ..‬فإذا تناولنا افطارنا فال هيأ لنا طعاما من فضله‪ ،‬فهو‬
‫الذي خلقه‪ ،‬وهو الذي انبته‪ ،‬وهو الذي زرقنا به‪ ،‬وهذا يستوجب الحمد‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإذا نزلنا الى الطريق يسر ال لنا ما ينقلنا الى مقر اعمالنا وسخره لنا‪ ،‬سواء كنا نملك سيارة او‬
‫نستخدم وسائل المواصلت‪ ،‬فله الحمد‪ ،‬واذا تحدثنا مع الناس فال سبحانه وتعالى هو الذي اعطى‬
‫السنتنا القدرة على النطق ولو شاء لجعلها خرساء ل تنطق‪ ..‬وهذا يستوجب الحمد‪ ،‬فإذا ذهبنا الى‬
‫أعمالنا‪ ،‬فال يسر لنا عمل نرتزق منه لنأكل حلل‪ ..‬وهذا يستوجب الحمد‪..‬‬
‫واذا عدنا الى بيوتنا فال سخر لنا زوجاتنا ورزقنا بأولدنا وهذا يستوجب الحمد‪.‬‬
‫اذن فكل حركة حياة في الدنيا من النسان تستوجب الحمد‪ ..‬ولهذا لبد ان يكون النسان حامدا‬
‫دائما‪ ..‬بل ان النسان يجب ان يحمد ال على اي مكروه أصابه؛ لنه قد يكون الشيء الذي يعتبره‬
‫شرا هو عينه الخير‪.‬‬
‫حلّ َلكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْها َولَ َت ْعضُلُوهُنّ لِتَ ْذهَبُواْ‬
‫فال تعالى يقول‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ يَ ِ‬
‫شةٍ مّبَيّنَ ٍة وَعَاشِرُوهُنّ بِا ْل َمعْرُوفِ فَإِن كَرِهْ ُتمُوهُنّ َفعَسَىا أَن‬
‫بِ َب ْعضِ مَآ آتَيْ ُتمُوهُنّ ِإلّ أَن يَأْتِينَ ِبفَاحِ َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرا كَثِيرا }[النساء‪ ]19 :‬اذن فأنت تحمد ال لن قضاءه خير‪..‬‬
‫َتكْرَهُواْ شَيْئا وَيَ ْ‬
‫سواء أحببت القضاء أو كرهته فإنه خير لك‪ ..‬لنك ل تعلم وال سبحانه وتعالى يعلم‪.‬‬
‫وهكذا من موجبات الحمد أن تقول الحمد ل على كل ما يحدث لك في دنياك‪ .‬فأنت بذلك ترد‬
‫المر الى ال الذي خلقك‪ ..‬فهو أعلم بما هو خير لك‪.‬‬
‫فاتحة الكتاب تبدأ بالحمد ل رب العالمين‪ ..‬لماذا قال ال سبحانه وتعالى رب العالمين؟ نقول إن }‬
‫ح ْمدُ للّهِ { تعني حمد اللوهية‪ .‬فكلمة ال تعني المعبود بحق‪ ..‬فالعبادة تكليف والتكليف يأتي من‬
‫الْ َ‬
‫ال لعبيده‪ ..‬فكأن الحمد اول ل‪ ..‬ثم يقتضي بعد ذلك أن يكون الحمد لربوبية ال على ايجادنا من‬
‫عدم وامدادنا من عدم‪ ..‬لن المتفضل بالنعم قد يكون محمودا عند كل الناس‪ ..‬لكن التكليف يكون‬
‫شاقا على بعض الناس‪ ..‬ولو علم الناس قيمة التكليف في الحياة‪ ..‬لحمدوا ال أن كلفهم بافعل ول‬
‫تفعل‪ ..‬لنه ضمن عدم تصادم حركة حياتهم‪ ..‬فتمضي حركة الحياة متساندة منسجمة‪ .‬اذن‬
‫فالنعمة الولى هي أن المعبود ابلغنا منهج عبادته‪ ،‬والنعمة الثانية أنه رب العالمين‪.‬‬
‫في الحياة الدنيا هناك المطيع والعاصي‪ ،‬والمؤمن وغير المؤمن‪ ..‬والذين يدخلون في عطاء‬
‫اللوهية هم المؤمنون‪ ..‬أما عطاء الربوبية فيشمل الجميع‪ ..‬ونحن نحمد ال على عطاء ألوهيته‪،‬‬
‫ونحمد ال على عطاء ربوبيته‪ ،‬لنه الذي خلق‪ ،‬ولنه رب العالمين‪ ..‬الكون كله ل يخرج عن‬
‫حكمه‪ ..‬فليطمئن الناس في الدنيا ان النعم مستمرة لهم بعطاء ربوبيه‪ ..‬فل الشمس تستطيع أن‬
‫تغيب وتقول لن أشرق ول النجوم تستطيع أن تصطدم بعضها ببعض في الكون‪ ،‬ول الرض‬
‫تستطيع أن تمنع إنبات الزرع‪ ..‬ول الغلف الجوي يستطيع أن يبتعد عن الرض فيختنق الناس‬
‫جميعا‪..‬‬
‫اذن فال سبحانه وتعالى يريد ان يطمئن عباده انه رب لكل ما في الكون فل تستطيع اى قوى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تخدم النسان ان تمتنع عن خدمته‪ ..‬لن ال سبحانه وتعالى مسيطر على كونه وعلى كل ما‬
‫خلق‪ ..‬انه رب العالمين وهذه توجب الحمد‪ ..‬ان يهيئ ال سبحانه وتعالى للنسان ما يخدمه‪ ،‬بل‬
‫جعله سيدا في كونه‪ ..‬ولذلك فإن النسان المؤمن ل يخاف الغد‪ ..‬وكيف يخافه وال رب العالمين‪.‬‬
‫اذا لم يكن عنده طعام فهو واثق ان ال سيرزقه لنه رب العالمين‪.‬‬
‫‪ .‬واذا صادفته ازمة فقلبه مطمئن الي ان ال سيفرج الزمة ويزيل الكرب لنه رب العالمين‪..‬‬
‫واذا اصابته نعمة ذكر ال فشكره عليها لنه رب العالمين الذي انعم عليه‪.‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يحمد على انه رب العالمين‪ ..‬ل شيء في كونه يخرج عن مراده الفعلي‪..‬‬
‫اما عطاء اللوهية فجزاؤه في الخرة‪ ..‬فالدنيا دار اختبار لليمان‪ ،‬والخرة دار الجزاء‪ ..‬ومن‬
‫الناس من ل يعبد ال‪ ..‬هؤلء متساوون في عطاء الربوبية مع المؤمنين في الدنيا‪ ..‬ولكن في‬
‫الخرة يكون عطاء اللوهية للمؤمنين وحدهم‪ ..‬فنعم ال لصحاب الجنة‪ ،‬وعطاءات ال لمن‬
‫آمن‪ ..‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ُ {.‬قلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِي أَخْرَجَ ِلعِبَا ِد ِه وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّ ْزقِ‬
‫ُقلْ هِي لِلّذِينَ آمَنُواْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا خَاِلصَةً َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ كَذَِلكَ ُن َفصّلُ اليَاتِ ِلقَوْمٍ َيعَْلمُونَ }‬
‫[العراف‪ ]32 :‬على ان الحمد ل ليس في الدنيا فقط‪ ..‬بل هو في الدنيا والخرة‪ ..‬ال محمود‬
‫دائما‪ ..‬في الدنيا بعطاء ربوبيته لكل خلقه‪ ..‬وعطاء الوهيته لمن آمن به وفي الخرة بعطائه‬
‫للمؤمنين من عباده‪ ..‬واقرأ قوله جل جلله‪َ {:‬وقَـالُواْ ا ْلحَـمْدُ للّهِ الّذِي صَ َدقَنَا وَعْ َد ُه وََأوْرَثَنَا‬
‫عوَاهُمْ فِيهَا‬
‫الَ ْرضَ نَتَ َبوّأُ مِنَ ا ْلجَنّةِ حَ ْيثُ نَشَآءُ فَ ِنعْمَ أَجْرُ ا ْلعَامِلِينَ }[الزمر‪ ]74 :‬وقوله تعالى‪ {:‬دَ ْ‬
‫حمْدُ للّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[يونس‪ ]10 :‬فاذا‬
‫عوَاهُمْ أَنِ الْ َ‬
‫سُ ْبحَا َنكَ الّلهُ ّم وَتَحِيّ ُت ُهمْ فِيهَا سَلَمٌ وَآخِرُ دَ ْ‬
‫حمَـانِ الرّحِيمِ { فمن موجبات الحمد أن ال سبحانه وتعالى رحمن‬
‫انتقلنا الى قوله تعالى‪ } :‬الرّ ْ‬
‫رحيم‪ ..‬يعطي نعمه في الدنيا لكل عباده عطاء ربوبية‪ ،‬وعطاء الربوبية للمؤمن والكافر‪ ..‬وعطاء‬
‫الربوبية ل ينقطع ال عندما يموت النسان‪..‬‬
‫وال ل يحجب نعمه عن عبيده في الدنيا‪ ..‬ونعم ال ل تعد ول تحصى ومع كل التقدم في اللت‬
‫الحاسبة والعقول اللكترونية وغير ذلك فإننا لم نجد أحدا يتقدم ويقول انا سأحصي نعم ال‪ ..‬لن‬
‫موجبات الحصاء ان تكون قادرا عليه‪ ..‬فانت ل تقبل على عد شيء ال اذا كان في قدرتك ان‬
‫تحصيه‪ ..‬ولكن مادام ذلك خارج قدرتك وطاقاتك فانك ل تقبل عليه‪ ..‬ولذلك لن يقبل احد حتى‬
‫يوم القيامة على احصاء نعم ال تبارك وتعالى لن احدا ل يمكن ان يحصيها‪.‬‬
‫ولبد ان نلتفت الى ان الكون كله يضيق بالنسان‪ ،‬وان العالم المقهور الذي يخدمنا بحكم القهر‬
‫والتسخير يضيق حين يرى العاصين‪ ..‬لن المقهور مستقيم على منهج ال قهرا‪ ..‬فحين يرى كل‬
‫مقهور النسان الذي هو خدمته عاصيا يضيق‪.‬‬
‫واقرأ الحديث القدسي لتعرف شيئا عن رحمة ال بعباده‪ ..‬يقول ال عز وجل‪ " :‬ما من يوم تطلع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شمسه إل وتنادي السماء تقول يا رب إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم؛ فقد طعم خيرك ومنع‬
‫شكرك وتقول البحار يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك‪ .‬وتقول‬
‫الجبال يا رب إئذن لي أن أطبق على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك‪ .‬فيقول ال تعالى‪:‬‬
‫دعوهم دعوهم لو خلقتموهم لرحمتوهم إنهم عبادي فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم‪ ،‬وإن لم يتوبوا فأنا‬
‫طبيبهم "‬
‫رواه الِمام أحمد بن حنبل في مسنده "‪.‬‬
‫تلك تجليات صفة الرحمن وصفة الرحيم‪ ..‬وكيف ضمنت لنا بقاء كل ما يخدمنا في هذا الكون مع‬
‫معصية النسان‪ ..‬انها كلها تخدمنا بعطاء الربوبية وتبقى في خدمتنا بتسخير ال لها لنه رحمن‬
‫رحيم‪..‬‬
‫بعض الناس قد يتساءل هل تتكلم الرض والسماء وغيرها من المخلوقات في عالم الجماد والنبات‬
‫والحيوان؟ نقول نعم ان لها لغة ل نعرفها نحن وانما يعرفها خالقها‪ ..‬بدليل انه منذ الخلق الول‬
‫ابلغنا الحق تبارك وتعالى ان هناك لغة لكل هذه المخلوقات‪ ..‬واقرأ قوله جل جلله‪ {:‬ثُمّ اسْ َتوَىا‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ }[فصلت‪]11 :‬‬
‫سمَآ ِء وَ ِهيَ دُخَانٌ َفقَالَ َلهَا وَلِلَرْضِ ائْتِيَا َ‬
‫إِلَى ال ّ‬
‫إذن فالرض والسماء فهمت كلتاهما عن ال‪ ..‬وقالت له سبحانه وتعالى } أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ { ألم ُيعََلمْ‬
‫ال سليمان منطق الطير ولغة النمل؟ ألم تسبح الجبال مع داود؟ إذن كل خلق ال له ادراكات‬
‫مناسبة له‪ ..‬بل له عواطف‪ ..‬فعندما تكلم ال سبحانه وتعالى عن قوم فرعون‪ ..‬قال‪َ {:‬كمْ تَ َركُواْ‬
‫ك وََأوْرَثْنَاهَا َقوْما‬
‫ع َومَقَامٍ كَرِيمٍ * وَ َن ْعمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَا ِكهِينَ * َكذَِل َ‬
‫ت وَعُيُونٍ * وَزُرُو ٍ‬
‫مِن جَنّا ٍ‬
‫ض َومَا كَانُواْ مُنظَرِينَ }[الدخان‪ ]29-25 :‬اذن فالسماوات‬
‫سمَآ ُء وَالَرْ ُ‬
‫آخَرِينَ * َفمَا َب َكتْ عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫والرض لهما انفعال‪ ..‬انفعال يصل الى مرحلة البكاء‪ ..‬فهما لم تبكيا على فرعون وقومه‪..‬‬
‫ولكنهما تبكيان حزنا عندما يفارقهما النسان المؤمن المصلي المطبق لمنهج ال‪ ..‬ولقد قال علي‬
‫بن ابي طالب رضي ال عنه‪( :‬إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان موضع في الرض وموضع‬
‫في السماء‪ ..‬اما الموضع في الرض فهو مكان مصله الذي اسعده وهو يصلي فيه‪ .‬واما‬
‫الموضع في السماء فهو مصعد عمله الطيب)‪.‬‬

‫(‪)2 /‬‬
‫مَاِلكِ َيوْمِ الدّينِ (‪ )4‬إِيّاكَ َنعْ ُب ُد وَإِيّاكَ نَسْ َتعِينُ (‪)5‬‬

‫اذا كانت كل نعم ال تستحق الحمد‪ ..‬فإن { مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ } تستحق الحمد الكبير‪ ..‬لنه لو لم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يوجد يوم للحساب‪ ،‬لنجا الذي مل الدنيا شرورا‪ .‬دون أن يجازى على ما فعل‪ ..‬ولكان الذي التزم‬
‫بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة إرضاء ل قد شقي في الحياة الدنيا‪ ..‬ولكن‬
‫لن ال تبارك وتعالى هو { مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ }‪ ..‬أعطى التزان للوجود كله‪ ..‬هذه الملكية ليوم‬
‫الدين هي التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون ال‪ ..‬إن الذي منع الدنيا أن تتحول‬
‫إلي غابة يفتك فيها القوي بالضعيف والظالم بالمظلوم هو أن هناك آخرة وحسابا‪ ،‬وأن ال سبحانه‬
‫وتعالى هو الذي سيحاسب خلقه‪.‬‬
‫والِنسان المستقيم استقامته تنفع غيره؛ لنه يخشى ال ويعطي كل ذي حق حقه ويعفو ويسامح‪..‬‬
‫إذن كل من حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل‬
‫أما النسان العاصي فيشقى به المجتمع لنه ل احد يسلم من شره ول احد ال يصيبه ظلمه‪..‬‬
‫ولذلك فإن { مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ } هي الميزان‪ ..‬تعرف أنت ان الذي يفسد في الرض تنتظره‬
‫الخره‪ ..‬لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه‪ ،‬فتطمئن اطمئنانا كاملً إلي أن عدل ال سينال كل‬
‫ظالم‪.‬‬
‫على أن { مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ } لها قراءتان‪ { ..‬مَـاِلكِ َي ْومِ الدّينِ }‪ ..‬وملك يوم الدين‪ .‬والقراءتان‬
‫صحيحتان‪ ..‬وال تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بأنه‪ { :‬مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ }‪..‬‬
‫ومالك الشيء هو المتصرف فيه وحده‪ ..‬ليس هناك دخل لي فرد آخر‪ ..‬أنا أملك عباءتي‪..‬‬
‫وأملك متاعي‪ ،‬وأملك منزلي‪ ،‬وانا المتصرف في هذا كله أحكم فيه بما أراه‪..‬‬
‫فمالك يوم الدين‪ ..‬معناها أن ال سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد في ذلك اليوم بدون‬
‫أسباب‪ ..‬وأن كل شيء سيأتي من ال مباشرة‪ ..‬دون ان يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهرا‪..‬‬
‫ففي الدنيا يعطى ال الملك ظاهرا لبعض الناس‪ ..‬ولكن في يوم القيامة ليس هناك ظاهر‪ ..‬فالمر‬
‫مباشر من ال سبحانه وتعالى‪ ..‬ولذلك يقول ال في وصف يوم الدين‪ {:‬كَلّ َبلْ ُتكَذّبُونَ بِالدّينِ }‬
‫[النفطار‪ ]9 :‬فكأن ال سبحانه وتعالى خلق النسان في الدنيا لتمضي بها الحياة‪ ..‬ولكن في‬
‫الخرة ل توجد أسباب‪ .‬الملك في ظاهر الدنيا من ال يهبه لمن يشاء‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ُ {:‬قلِ‬
‫الّلهُمّ مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ ُتؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ مَن تَشَآ ُء وَتَنزِعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ تَشَآ ُء وَ ُتعِزّ مَن تَشَآ ُء وَتُ ِذلّ مَن َتشَآءُ بِ َي ِدكَ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ }[آل عمران‪ ]26 :‬ولعل قوله تعالى‪ " :‬تنزع " تلفتنا إلى أن أحدا‬
‫الْخَيْرُ إِ ّنكَ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫في الدنيا ل يريد ان يترك الملك‪.‬‬
‫‪ .‬ولكن الملك يجب ان ينتزع منه انتزاعا بالرغم عن ارادته‪ ..‬وال هو الذي ينزع الملك ممن‬
‫يشاء‪..‬‬
‫وهنا نتساءل هل الملك في الدنيا والخرة ليس ل؟‪ ..‬نقول المر في كل وقت ل‪ ..‬ولكن ال‬
‫تبارك وتعالى استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك في الرض‪ ..‬ولذلك نجد في القرآن الكريم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قوله تعالى‪ {:‬أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِي حَآجّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ ا ْلمُ ْلكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَ ّبيَ الّذِي‬
‫شمْسِ مِنَ ا ْلمَشْرِقِ فَ ْأتِ ِبهَا مِنَ‬
‫يُحْيِـي وَ ُيمِيتُ قَالَ أَنَا ُأحْيِـي وَُأمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنّ اللّهَ يَأْتِي بِال ّ‬
‫ا ْل َمغْ ِربِ فَ ُب ِهتَ الّذِي كَفَ َر وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْلقَوْمَ الظّاِلمِينَ }[البقرة‪ ]258 :‬والذي حاج ابراهيم في ربه‬
‫كافر منكر لللوهية‪ ..‬ومع ذلك فإنه لم يأخذ الملك بذاته‪ ..‬بل ال جل جلله هو الذي اتاه الملك‪..‬‬
‫اذن ال تبارك وتعالى هو الذي استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك الرض ظاهريا‪ ..‬ومعنى‬
‫ذلك انه ملك ظاهر للناس فقط‪ ..‬أن بشرا أصبح ملكا‪ ..‬ولكن الملك ليس نابعا من ذات من يملك‪..‬‬
‫ولكنه نابع من أمر ال‪ ..‬ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع منه‪ ..‬والملك الظاهر‬
‫يمتحن فيه العباد‪ ،‬فيحاسبهم ال يوم القيامة‪ ..‬كيف تصرفوا؟ وماذا فعلوا؟‪ ..‬ويمتحن فيه الناس هل‬
‫سكتوا على الحاكم الظالم؟‪ ..‬وهل استحبوا المعصية؟ أم أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم؟‪ ..‬وال‬
‫سبحانه وتعالى ل يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد‪ ..‬ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على‬
‫أنفسهم‪ ..‬حتى ل يأتي واحد منهم يوم القيامة ويقول‪ :‬يا رب لو أنك أعطيتني الملك ل تبعت‬
‫طريق الحق وطبقت منهجك‪.‬‬
‫وهنا يأتي سؤال‪ ..‬اذا كان ال سبحانه وتعالى يعلم كل شيء فلماذا المتحان؟‪ ..‬نقول اننا اذا أردنا‬
‫ان نضرب مثل يقرب ذلك الي الذهان‪ ..‬ول المثل العلى‪ ..‬نجد ان الجامعات في كل انحاء‬
‫الدنيا تقيم المتحانات لطلبها‪ ..‬فهل اساتذة الجامعة الذي علموا هؤلء الطلب يجهلون ما يعرفه‬
‫الطالب ويريدون ان يحصلوا منه على العلم؟‪ ..‬طبعا ل‪ ..‬ولكن ذلك يحدث حتى اذا رسب الطالب‬
‫في المتحان‪ ..‬وجاء يجادل واجهوه بإجابته فيسكت‪ ..‬ولو لم يعقد المتحان لدعي كل طالب انه‬
‫يستحق مرتبة الشرف‪.‬‬
‫اذا قال الحق تبارك وتعالى‪ } :‬مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ {‪ ..‬أي الذي يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه‬
‫كما يشاء‪ ..‬واذا قيل‪ } :‬مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ {‪ ..‬فتصرفه أعلى على المالك لن المالك ل يتصرف‬
‫إلّ في ملكه‪ ..‬ولكن الملك يتصرف في ملكه وملك غيره‪.‬‬
‫‪ .‬فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو تأميم ما يملكه غيره‪.‬‬
‫الذين قالوا‪ } :‬مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ { اثبتوا ل سبحانه وتعالى انه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما‬
‫يشاء دون تدخل من احد ولو ظاهرا‪ :‬والذين يقرأون ملك‪ ..‬يقولون ان ال سبحانه وتعالى في ذلك‬
‫اليوم يقضي في امر خلقه حتى الذين مَّل َكهُم في الدنيا ظاهرا‪ ..‬ونحن نقول عندما يأتي يوم القيامة‬
‫ل مالك ول ملك ال ال‪.‬‬
‫ال تبارك وتعالى يريد ان يطمئن عباده‪ ..‬انهم اذا كانوا قد ابتلوا بمالك او ملك يطغى عليهم فيوم‬
‫القيامة ل مالك ول ملك ال ال جل جلله‪ ..‬عندما تقول مالك او ملك يوم الدين‪ ..‬هناك يوم‬
‫وهناك الدين‪ ..‬اليوم عندنا من شروق الشمس الي شروق الشمس‪ ..‬هذا ما نسيمه فكليا يوما‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واليوم في معناه ظرف زمان تقع فيه الحداث‪ ..‬والمفسرون يقولون‪ } :‬مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ { اي‬
‫مالك أمور الدين لن ظرف الزمان ل يملك‪ ..‬نقول ان هذا بمقاييس ملكية البشر‪ ،‬فنحن ل نملك‬
‫الزمن‪ ..‬الماضي ل نستطيع ان نعيده‪ ،‬والمستقبل ل نستطيع ان نأتي به‪ ..‬ولكن ال تبارك وتعالى‬
‫هو خالق الزمان‪ ..‬وال جل جلله ل يحده زمان ول مكان‪ ..‬كذلك قوله تعالى‪ " :‬مالك يوم الدين‬
‫" ل يحده زمان ول مكان‪ ..‬واقرأ قوله سبحانه‪ {:‬وَيَسْ َت ْعجِلُو َنكَ بِا ْل َعذَابِ وَلَن يُخِْلفَ اللّهُ وَعْ َد ُه وَإِنّ‬
‫َيوْما عِندَ رَ ّبكَ كَأَ ْلفِ سَنَةٍ ّممّا َت ُعدّونَ }[الحج‪ ]47 :‬وقوله تعالى‪َ {:‬تعْرُجُ ا ْلمَلَ ِئكَ ُة وَالرّوحُ إِلَيْهِ فِي‬
‫خ ْمسِينَ أَ ْلفَ سَنَةٍ }[المعارج‪ ]4 :‬واذا تأملنا هاتين اليتين نعرف معنى اليوم عند‬
‫َيوْمٍ كَانَ ِمقْدَا ُرهُ َ‬
‫ال تبارك وتعالى‪ ..‬ذلك ان ال جل جلله هو خالق الزمن‪ ..‬ولذلك فانه يستطيع ان يخلق يوما‬
‫مقداره ساعة‪ ..‬ويوما كأيام الدنيا مقداره أربع وعشرون ساعة‪ ..‬ويوما مقداره ألف سنة‪ ..‬ويوما‬
‫مقداره خمسون الف سنة ويوما مقداره مليون سنة‪ ..‬فذلك خاضع لمشيئة ال‪.‬‬
‫ويوم الدين موجود في علم ال سبحانه وتعالى‪ .‬بأحداثه كلها بجنته وناره‪ ..‬وكل الخلق الذين‬
‫سيحاسبون فيه‪ ..‬وعندما يريد ان يكون ذلك اليوم ويخرج من علمه جل جلله الي علم خلقه‪..‬‬
‫سواء كانوا من الملئكة او من البشر أو الجان يقول‪ :‬كن‪ ..‬فال وحده هو خالق هذا اليوم‪ ..‬وهو‬
‫وحده الذي يحدد كل أبعاده‪ ..‬واليوم نحن نحدده ظاهرا بانه اربع وعشرون ساعة‪ ..‬ونحدده بأنه‬
‫الليل والنهار‪ ..‬ولكن الحقيقة أن الليل والنهار موجودان دائما على الرض‪ ..‬فعندما تتحرك‬
‫الرض‪ ،‬كل حركة هي نهاية نهار في منطقة وبداية نهار في منطقة اخرى‪ ..‬وبداية ليل في‬
‫منطقة ونهاية ليل في منطقة اخرى‪.‬‬
‫‪ .‬ولذلك في كل لحظة ينتهي يوم ويبدأ يوم‪ ..‬وهكذا فإن الكرة الرضية لو أخذتها بنظرة شاملة ل‬
‫ينتهي عليها نهار أبدا‪ ..‬ول ينتهي عنها ليل أبدا‪ ..‬إذن فاليوم نسبي بالنسبة لكل بقعة في الرض‪..‬‬
‫ولكنه في الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة الرضية‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده‪ ..‬أنهم إذا أصابهم ظلم في الدنيا‪ ..‬فإن هناك يوم ل ظلم‬
‫فيه‪ ..‬وهذا اليوم المر فيه ل وحده بدون أسباب‪ ..‬فكل انسان لو لم يدركه العدل والقصاص في‬
‫الدنيا فإن الخرة تنتظره‪ ..‬والذي أتبع منهج ال وقيد حركته في الحياة يخبره ال سبحانه وتعالى‬
‫ان هناك يوم سيأخذ فيه أجره‪ ..‬وعظمة الخرة أنها تعطيك الجنة‪ ..‬نعيم ل يفوتك ول تفوته‪.‬‬
‫ولقد دخل أحد الشخاص على رجل من الصالحين‪ ..‬وقال له‪ :‬أريد أن أعرف‪ ..‬أأنا من أهل الدنيا‬
‫أم من أهل الخرة؟‪ ..‬فقال له الرجل الصالح‪ ..‬ان ال أرحم بعباده‪ ،‬فلم يجعل موازينهم في أيدي‬
‫أمثالهم‪ ..‬فميزان كل انسان في يد نفسه‪ ..‬لماذا؟‪ ..‬لنك تستطيع أن تغش الناس ولكنك ل تغش‬
‫نفسك‪ ..‬ميزانك في يديك‪ ..‬تستطيع أن تعرف أأنت من أهل الدنيا أم من أهل الخرة‪.‬‬
‫قال الرجل كيف ذلك؟ فرد العبد الصالح‪ :‬اذا دخل عليك من يعطيك مال‪ ..‬ودخل عليك من يأخذ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫منك صدقة‪ ..‬فبأيهما تفرح؟‪ ..‬فسكت الرجل‪ ..‬فقال العبد الصالح‪ :‬اذا كنت تفرح بمن يعطيك مال‬
‫فأنت من اهل الدنيا‪ ..‬واذا كنت تفرح بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الخرة‪ ..‬فإن النسان‬
‫يفرح بمن يقدم له ما يحبه‪ ..‬فالذي يعطيني مال يعطيني الدنيا‪ ..‬والذي يأخذ مني صدقة يعطيني‬
‫الخرة‪ ..‬فإن كنت من أهل الخرة‪ ..‬فافرح بمن يأخذ منك صدقة‪ ..‬أكثر من فرحك بمن يعطيك‬
‫مال‪.‬‬
‫ولذلك كان بعض الصالحين اذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل حسناتي‬
‫الي الخرة بغير أجر‪ ..‬ويستقبله بالفرحة والترحاب‪.‬‬
‫قول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ {‪ ..‬هي قضية ضخمة من قضايا العقائد‪ ..‬لنها‬
‫تعطينا أن البداية من ال‪ ،‬والنهاية الي ال جل جلله‪ ..‬وبما أننا جميعا سنلقى ال‪ ،‬فلبد أن نعمل‬
‫لهذا اليوم‪ ..‬ولذلك فإن المؤمن ل يفعل شيئا في حياته إل وفي باله ال‪ ..‬وأنه سيحاسبه يوم‬
‫القيامة‪ ..‬ولكن غير المؤمن يفعل ما يفعل وليس في باله ال‪ ..‬وعن هؤلء يقول الحق سبحانه‪{:‬‬
‫جدَ اللّهَ‬
‫ج ْدهُ شَيْئا َووَ َ‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا إِذَا جَآ َءهُ َلمْ يَ ِ‬
‫حسَبُهُ ال ّ‬
‫عمَاُل ُهمْ كَسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ يَ ْ‬
‫وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫حسَابَ ُه وَاللّهُ سَرِيعُ ا ْلحِسَابِ }‬
‫عِن َدهُ َف َوفّاهُ ِ‬
‫[النور‪ ]39 :‬وهكذا من يفعل شيئا وليس في باله ال‪ ..‬فسيفاجأ يوم القيامة بأن ال تبارك وتعالى‬
‫الذي لم يكن في باله موجود وانه جل جلله هو الذي سيحاسبه‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬مَـاِلكِ َي ْومِ الدّينِ { هي أساس الدين‪ ..‬لن الذي ل يؤمن بالخرة يفعل ما يشاء‪..‬‬
‫فمادام يعتقد انه ليس هناك آخره وليس هناك حساب‪ ..‬فمم يخاف؟‪ ..‬ومن أجل مَنْ يقيد حركته في‬
‫الحياة‪..‬‬
‫ان الدين كله بكل طاعاته وكل منهجه قائم على أن هناك حسابا في الخرة‪ ..‬وأن هناك يوما نقف‬
‫فيه جميعا أمام ال سبحانه وتعالى‪ ..‬ليحاسب المخطئ ويثيب الطائع‪ ..‬هذا هو الحكم في كل‬
‫تصرفاتنا اليمانية‪ ..‬فلو لم يكن هناك يوم نحاسب فيه‪ ..‬فلماذا نصلي؟‪ ..‬ولماذا نصوم؟‪ ..‬ولماذا‬
‫نتصدق؟‪..‬‬
‫ان كل حركة من حركات منهج السماء قائمة على اساس ذلك اليوم الذي لن يفلت منه أحد‪..‬‬
‫والذي يجب علينا جميعا أن نستعد له‪ ..‬ان ال سبحانه وتعالى سمى هذا اليوم بالنسبة للمؤمنين‬
‫يوم الفوز العظيم‪ ..‬والذي يجعلنا نتحمل كل ما نكره ونجاهد في سبيل ال لنستشهد‪ ..‬وننفق اموالنا‬
‫لنعين الفقراء والمساكين‪ ..‬كل هذا أساسه أن هناك يوما سنقف فيه بين يدي ال‪ ..‬وال تبارك‬
‫وتعالى سماه يوم الدين‪ ..‬لنه اليوم الذي سيحاسب فيه كل انسان على دينه عمل به أم ضيعه‪..‬‬
‫فمن آمن واتبع الدين سيكافأ بالخلود في الجنة‪ ..‬ومن أنكر الدين وأنكر منهج ال سيجازى بالخلود‬
‫في النار‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومن عدل ال سبحانه وتعالى ان هناك يوما للحساب‪ ..‬لن بعض الناس الذين ظلموا وبغوا في‬
‫الرض ربما يفلتون من عقاب الدنيا‪ ..‬هل هؤلء الذين أفلتوا في الدنيا من العقاب هل يفلتون من‬
‫عدل ال؟‪ ..‬أبدا لم يفلتوا‪ ..‬بل إنهم انتقلوا من عقاب محدود الي عقاب خالد‪ ..‬وافلتوا من العقاب‬
‫بقدرة البشر في الدنيا‪ ..‬الى عقاب بقدرة ال تبارك وتعالى في الخرة‪ ..‬ولذلك لبد من وجود يوم‬
‫يعيد الميزان‪ ..‬فيعاقب فيه كل من أفسد في الرض وأفلت من العقاب‪ ..‬بل إن ال سبحانه وتعالى‬
‫يجعل انسانا يفلت من عقاب الدنيا‪ ..‬فل تعتقد أن هذا خير له بل انه شر له‪ ..‬لنه أفلت من عقاب‬
‫محدود إلى عقاب أبدي‪.‬‬
‫والحمد الكبير ل بأنه } مَـاِلكِ َي ْومِ الدّينِ {‪ ..‬وهو وحده الذي سيقضي بين خلقه‪ .‬فال سبحانه‬
‫وتعالى يعامل خلقه جميعا معاملة متساوية‪ ..‬وأساس التقوى هو يوم الدين‪.‬‬
‫وقبل ان نتكلم عن قول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬إِيّاكَ َنعْبُ ُد وَإِيّاكَ نَسْ َتعِينُ {‪ ..‬لبد أن نتحدث عن‬
‫قضية مهمة‪.‬‬
‫‪ .‬فهناك نوعان من الرؤية‪ ..‬الرؤية العينية أي بالعين‪ ..‬والرؤية اليمانية أي بالقلب‪ ..‬وكلهما‬
‫مختلف عن الخر‪ ..‬رؤية العين هي أن يكون الشيء أمامك تراه بعينيك‪ ،‬وهذه ليس فيها قضية‬
‫ايمان‪ ..‬فل تقول أنني أومن أنني أراك أمامي لنك تراني فعل‪ ..‬مادمت تراني فهذا يقين‪ ..‬ولكن‬
‫الرؤية اليمانية هي أن تؤمن كأنك ترى ما هو غيب أمامك‪ ..‬وتكون هذه الرؤية أكثر يقينا من‬
‫رؤية العين‪ ..‬لنها رؤية إيمان ورؤية بصيرة‪ ..‬وهذه قضية مهمة جدا‪.‬‬
‫" وقد روى عمر بن الخطاب قال‪ :‬بينما نحن عند رسول ال صلى ال عليه وسلم ذات يوم اذ طلع‬
‫علينا رجل شديد بياض الثياب‪ ،‬شديد سواد الشعر‪ .‬ل يرى عليه أثر السفر‪ .‬ول يعرفه منا أحد‪.‬‬
‫حتى جلس الى النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬فأسند ركبتيه الى ركبتيه‪ .‬ووضع كفيه على فخذيه‬
‫قال‪ :‬يا محمد أخبرني عن السلم؟ فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬السلم أن تشهد أن ل‬
‫اله ال ال‪ .‬وأن محمدا رسول ال‪ .‬وتقيم الصلة‪ .‬وتؤتي الزكاة‪ .‬وتصوم رمضان‪ .‬وتحج البيت‬
‫ان استطعت اليه سبيل قال‪ :‬صدقت‪ .‬فعجبنا له يسأله ويصدقه‪.‬‬
‫قال‪ :‬فاخبرني عن اليمان‪.‬‬
‫قال‪ :‬أن تؤمن بال وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر‪ .‬وتؤمن بالقدر؛ خيره وشره‬
‫قال‪ :‬صدقت‪ .‬قال‪ :‬فأخبرني عن الحسان‪ ،‬قال‪ :‬أن تعبد ال كأنك تراه‪ .‬فان لم تكن تراه فانه‬
‫يراك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأخبرني عن الساعة‬
‫قال‪ :‬ما المسئول عنها بأعلم من السائل‬
‫قال‪ :‬فاخبرني عن أماراتها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قال‪ :‬أن تلد المة ربتها‪ .‬وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثم انطلق فلبثت مليا‪ ..‬ثم قال لي النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬يا عمر أتدري من السائل؟‬
‫قلت‪ :‬ال ورسوله أعلم‬
‫قال‪ :‬فإنه جبريل اتاكم يعلمكم دينكم "‬
‫قول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أن تعبد ال كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ‪ .‬هو‬
‫بيان للرؤية اليمانية في النفس المؤمنة‪ ..‬فالنسان حينما يؤمن‪ ،‬لبد أن يأخذ كل قضاياه برؤية‬
‫ايمانية‪ ..‬حتى اذا قرأ آية عن الجنة فكأنه يرى أهل الجنة وهم ينعمون‪ ..‬واذا قرأ آية عن أهل‬
‫النار اقشعر بدنه‪ ..‬وكأنه يرى أهل النار وهم يعذبون‪.‬‬
‫ذات يوم " شاهد رسول ال صلى ال عليه وسلم أحد صحابته وكان اسمه الحارث‪ ..‬فقال له‪:‬‬
‫كيف أصبحت يا حارث؟‬
‫فقال‪ :‬أصبحت مؤمنا حقا‬
‫قال الرسول‪ :‬فانظر ما تقول‪ .‬فإن لكل قول حقيقة‪ .‬فما حقيقة إيمانك؟‬
‫قال الحارث‪ :‬عزفت نفسي عن الدنيا‪ .‬فأسهرت ليلي‪ .‬وأظمأت نهاري‪ .‬وكأني أنظر إلى عرش‬
‫ربي بارزا‪ .‬وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها‪ .‬وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون‬
‫فيها‪( .‬يتصايحون فيها)‪.‬‬
‫قال النبي " يا حارث عرفت فالزم "‬

‫ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى وهو يخاطب الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ..‬يقول‪ {:‬أََلمْ تَرَ‬
‫كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ بَِأصْحَابِ ا ْلفِيلِ }[الفيل‪ ]1 :‬يأخذ بعض المستشرقين هذه الية في محاولة للطعن‬
‫في القرآن الكريم‪ ..‬فقوله تعالى‪ } :‬أَلَمْ تَرَ {‪ ..‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم ولد في عام‬
‫الفيل‪ ..‬انه لم ير لنه كان طفل عمره أيام أو شهور‪ ،‬لو قال ال سبحانه وتعالى ألم تعلم لقلنا علم‬
‫من غيره‪ ..‬فالعلم تحصل عليه انت او يعطيه لك من عَِلمَهُ‪ ..‬اي يعلمك غيرك من البشر‪ ..‬ولكن‬
‫ال سبحانه وتعالى قال‪ } :‬أَلَمْ تَرَ {‪..‬‬
‫نقول ان هذه قضية من قضايا اليمان‪ ..‬فما يقوله ال سبحانه وتعالى هو رؤية صادقة بالنسبة‬
‫للنسان المؤمن‪ ..‬فالقرآن هو كلم متعبد بتلوته حتى قيام الساعة‪ ..‬وقول ال‪ } :‬أَلَمْ تَرَ {‪..‬‬
‫معناها ان الرؤية مستمرة لكل مؤمن بال يقرأ هذه الية‪ ..‬فما دام ال تبارك وتعالى قال‪ } :‬أَلَمْ تَرَ‬
‫{‪ ..‬فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن تراه‪ ..‬هذه هي الرؤية اليمانية‪ ،‬وهي أصدق من‬
‫رؤية العين‪ ..‬لن العين قد تخدع صاحبها ولكن القلب المؤمن ل يخدع صاحبه أبدا‪..‬‬
‫على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب‪ ..‬اذا قلت زيد حضر‪ ..‬فهو موجود أمامك‪ ..‬ولكن إذا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قلت قابلت زيدا‪ ..‬فكأن زيدا غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة‪ ..‬قابلته ولكنه ليس موجودا معك‬
‫ساعة الحديث‪..‬‬
‫اذن فهناك حاضر وغائب ومتكلم‪ ..‬الغائب هو من ليس موجودا أو ل نراه وقت الحديث‪..‬‬
‫والحاضر هو الموجود وقت الحديث‪ ..‬والمتكلم هو الذي يتحدث‪ .‬وقضايا العقيدة كلها ليس فيها‬
‫مشاهدة‪ ،‬ولكن اليمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية اليمانية التي هي كما قلنا أقوى من رؤية‬
‫البصر‪.‬‬
‫حمْدُ للّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ {‪ } ..‬للّهِ { غيب و } َربّ ا ْلعَاَلمِينَ‬
‫فال سبحانه وتعالى حين يقول } الْ َ‬
‫{ غيب‪ ..‬و } الرّحْمـانِ الرّحِيمِ {‪ " ..‬غيب "‪ ..‬و } مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ { غيب‪ ..‬وكان السياق‬
‫اللغوي يقتضي أن يقال إياه نعبد‪ .‬ولكن ال سبحانه وتعالى غير السياق ونقله من الغائب الي‬
‫الحاضر‪ ..‬وقال‪ } :‬إِيّاكَ َنعْبُدُ { فانتقل الغيب الي حضور المخاطب‪ ..‬فلم يقل إياه نعبد‪ ..‬ولكنه‬
‫قال‪ } :‬إِيّاكَ َنعْبُدُ {‪ ..‬فأصبحت رؤية يقين ايماني‪.‬‬
‫فأنت في حضرة ال سبحانه وتعالى الذي غمرك بالنعم‪ ،‬وهذه تراها وتحيط بك لنه } َربّ‬
‫ا ْلعَاَلمِينَ {‪ ..‬وجعلك تطمئن الى قضائه لنه } الرّحْمـانِ الرّحِيمِ { أي أن ربوبيته جل جلله‬
‫ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية } الرّحْمـانِ الرّحِيمِ { فإذا لم تحمده وتؤمن به بفضل نعمه‬
‫التي تحسها وتعيش فيها‪.‬‬
‫فاحذر من مخالفة منهجه لنه " مالك يوم الدين "‪.‬‬
‫حين يستحضر الحق سبحانه وتعالى ذاته بكل هذه الصفات‪ ..‬التي فيها فضائل اللوهية‪ ،‬ونعم‬
‫الربوبية‪ ..‬والرحمة التي تمحو الذنوب والرهبة من لقائه يوم القيامة تكون قد انتقلت من صفات‬
‫الغيب الى محضر الشهود‪ ..‬استحضرت جلل اللوهية ل وفيوضات رحمته‪ ..‬ونعمه التي ل تحد‬
‫وقيوميته يوم القيامة‪..‬‬
‫عندما تقرأ قوله تعالى‪ } :‬إِيّاكَ َنعْ ُبدُ { فالعبارة هنا تفيد الخصوصية‪ ..‬بمعنى أنني اذا قلت لنسان‬
‫انني سأقابلك‪ ،‬قد أقابله وحده‪ ،‬وقد أقابله مع جمع من الناس‪ .‬ولكن اذا قلت اياك سأقابل‪ ..‬فمعنى‬
‫ذلك ان المقابلة ستكون خاصة‪..‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى حين قال‪ } :‬إِيّاكَ َنعْبُدُ { قصر العبادة على ذاته الكريمة‪ ..‬لنه لو قال نعبدك‬
‫وحدك فهي ل تؤدي المعنى نفسه‪ ..‬لنك قد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا‪ .‬ولكن اذا قلت }‬
‫إِيّاكَ َنعْبُدُ { وقدمت إياك‪ ..‬تكون قد حسمت المر بأن العبادة ل وحده فل يجوز العطف عليها‪..‬‬
‫فالعبادة خضوع ل سبحانه و تعالى بمنهجه افعل ول تفعل‪ ..‬ولذلك جعل الصلة أساس العبادة‪،‬‬
‫والسجود هو منتهى الخضوع ل‪ ..‬لنك تأتي بوجهك الذي هو أكرم شيء فيك وتضعه على‬
‫الرض عند موضع القدم‪ .‬فيكون هذا هو منتهى الخضوع ل‪ ..‬ويتم هذا امام الناس جميعا في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الصلة‪ .‬لعلن خضوعك ل امام البشر جميعا‪.‬‬
‫ويستوي في العبودية الغني والفقير والكبير والصغير‪ ..‬حتى يطرد كل منا الكبر والستعلء من‬
‫قلبه امام الناس جميعا فيساوى الحق جل جلله بين عباده في الخضوع له وفي اعلن هذا‬
‫الخضوع‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬إِيّاكَ َنعْ ُبدُ { تنفي العبودية لغير ال‪ ..‬أي ل نعبد غير ال ول‬
‫يعطف عليها أبدا‪ ..‬اذن } إِيّاكَ َنعْبُدُ { أعطت تخصيص العبادة ل وحده ل إله غيره ول معبود‬
‫سواه‪ ..‬وعلينا أن نلتفت الي قوله تبارك وتعالى‪َ {:‬لوْ كَانَ فِي ِهمَآ آِلهَةٌ ِإلّ اللّهُ َلفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللّهِ‬
‫ح ْمدُ للّهِ { فإننا نستحضر‬
‫صفُونَ }[النبياء‪ ]22 :‬وهكذا فإننا عندما نقول } الْ َ‬
‫عمّا َي ِ‬
‫َربّ ا ْلعَرْشِ َ‬
‫موجبات الحمد وهي نعم ال ظاهرة وباطنة‪ ..‬وحين نقول } َربّ ا ْلعَاَلمِينَ { نستحضر نعم الربوبية‬
‫في خلقه وإخضاع كونه‪ ..‬وحين نستحضر } الرّحْمـانِ الرّحِيمِ { فاننا نستحضر الرحمة والمغفرة‬
‫ومقابلة الساءة بالحسان وفتح باب التوبة‪ ..‬وحين نستحضر‪ } :‬مَـاِلكِ َيوْمِ الدّينِ { نستحضر يوم‬
‫الحساب وكيف أن ال تبارك وتعالى سيجازيك على أعمالك‪ ..‬فإذا استحضرنا هذا كله نقول‪} :‬‬
‫إِيّاكَ َنعْبُدُ { أي أننا نعبد ال وحده‪ ..‬اذن عرفنا المطلوب منا وهو العبادة‪.‬‬
‫وهنا نتوقف قليل لنتحدث عما يطلقون عليه في اللغة " العلة والمعلول " إذا أراد ابنك ان ينجح في‬
‫المتحان فإنه لبد أن يذاكر‪.‬‬
‫‪ .‬وعلة المذاكرة هي النجاح‪ ..‬فكأن النجاح ولد في ذهني اول بكل ما يحققه لي من ميزات‬
‫ومستقبل مضمون وغير ذلك مما أريده وأسعى اليه‪.‬‬
‫إذن فالدافع قبل الواقع‪ ..‬أي أنك استحضرت النجاح في ذهنك‪ ..‬ثم بعد ذلك ذاكرت لتجعل النجاح‬
‫حقيقة واقعة‪ .‬وأنت إذا أردت مثل أن تسافر الى مكان ما فالسيارة سبب يحقق لك ما تريد وقطع‬
‫الطريق سبب آخر‪ .‬ولكن الدافع الذي جعلني أنزل من بيتي واركب السيارة وأقطع الطريق هو‬
‫انني أريد أن أسافر الى السكندرية مثل‪ ..‬الدافع هنا وهو الوصول الى السكندرية‪ ..‬هو الذي‬
‫وجد في ذهني أول ثم بعد ذلك فعلت كل ما فعلته لتحقيقه‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى خلقنا في الحياة لنعبده‪ ..‬مصداقا لقوله تبارك وتعالى‪َ {:‬ومَا خََل ْقتُ ا ْلجِنّ‬
‫وَالِنسَ ِإلّ لِ َيعْ ُبدُونِ }[الذاريات‪ ]56 :‬إذن فعلّة الخلق هي العبادة‪ ..‬ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة‬
‫وتصبح واقعا‪ ..‬ولكن " العلة والمعلول " ل تنطبق على أفعال ال سبحانه وتعالى‪ ..‬نقول ليس‬
‫هناك علة تعود على ال جل جلله بالفائدة‪ .‬لن ال تبارك وتعالى غني عن العالمين‪ ..‬ولكن العلة‬
‫تعود على الخلق بالفائدة‪ ..‬فال سبحانه وتعالى خلقنا لنعبده‪ .‬ولكن علة الخلق ليس لن هذه العبادة‬
‫ستزيد شيئا في ملكه‪ ..‬وإنما عبادتنا تعود علينا نحن بالخير في الدنيا والخرة‪..‬‬
‫أن أفعال ال ل تعلل‪ ،‬والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن هل العبادة هي الجلوس في المساجد والتسبيح أو أنها منهج يشمل الحياة كلها‪ ..‬في بيتك‬
‫وفي عملك وفي السعي في الرض؟‪ ..‬ولو أراد ال سبحانه وتعالى من عباده الصلة والتسبيح‬
‫فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا النس والجن‪ ..‬وال‬
‫تبارك وتعالى له صفة القهر‪ ..‬من هنا فانه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته‪..‬‬
‫سمَآءِ‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫مصداقا لقوله جل جلله‪َ {:‬لعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪ ]4-3 :‬فلو أراد ال ان يخضعنا لمنهجه قهرا ل‬
‫آيَةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا خَا ِ‬
‫يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته‪ ..‬وقد أعطانا ال الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث‬
‫الدنيا ما نحن مقهورون عليه‪ ..‬فالجسد مقهور ل في أشياء كثيرة‪ .‬القلب ينبض ويتوقف بأمر ال‬
‫دون ارادة منا‪ ..‬والمعدة تهضم الطعام ونحن ل ندري عنها شيئا‪ ..‬والدورة الدموية في اجسادنا ل‬
‫ارادة لنا فيها‪ ..‬وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها مقهورة ل سبحانه وتعالى‪ ..‬وليس لرادتنا‬
‫دخل في عملها‪ ..‬وما يقع على في الحياة من أحداث أنا مقهور فيه‪.‬‬
‫‪ .‬ل أستطيع أن أمنعه من الحدوث‪ ..‬فل استطيع أن أمنع سيارة أن تصدمني‪ ..‬ول طائرة أن‬
‫تحترق بي‪ ..‬ول كل ما يقع علي من أقدار ال في الدنيا‪..‬‬
‫اذن فمنطقة الختيار في حياتي محددة‪ ..‬ل أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي‪ ..‬ول فيمن هو أبي‬
‫ومن هي أمي‪ ..‬ول في شكلي هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم قبيح أو غير ذلك‪ .‬اذن فمنطقة‬
‫الختيار في الحياة هي المنهج أن أفعل أو ل أفعل‪ .‬ال سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة‬
‫القهر‪ ..‬ولكنه يريد من النس والجن عبادة المحبوبية‪ ..‬ولذلك خلقنا ولنا اختيار في أن نأتيه أو ل‬
‫نأتيه‪ ..‬في أن نطيعه أو نعصيه‪ .‬في أن نؤمن به أو ل نؤمن‪.‬‬
‫فإذا كنت تحب ال فأنت تأتيه عن اختيار‪ .‬تتنازل عما يغضبه حبا فيه‪ ،‬وتفعل ما يطلبه حبا فيه‬
‫وليس قهرا‪ ..‬فاذا تخليت عن اختيارك الى مرادات ال في منهجه‪ ..‬تكون قد حققت عبادة‬
‫المحبوبية ل تبارك وتعالى‪ ..‬وتكون قد اصبحت من عباد ال وليس من عبيد ال‪ ..‬فكلنا عبيد ل‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬والعبيد متساوون فيما يقهرون عليه‪ .‬ولكن العباد الذين يتنازلون عن منطقة‬
‫الختيار لمراد ال في التكليف‪ ..‬ولذلك فإن الحق جل جلله‪ ..‬يفرق في القرآن الكريم بين العباد‬
‫ع َوةَ الدّاعِ ِإذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ‬
‫والعبيد‪ ..‬يقول تعالى‪ {:‬وَإِذَا سَأََلكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ُأجِيبُ دَ ْ‬
‫حمَـانِ الّذِينَ‬
‫شدُونَ }[البقرة‪ ]186 :‬ويقول سبحانه وتعالى‪ {:‬وَعِبَادُ الرّ ْ‬
‫لِي وَلْيُ ْؤمِنُواْ بِي َلعَّلهُمْ يَرْ ُ‬
‫َيمْشُونَ عَلَىا الَ ْرضِ َهوْنا وَِإذَا خَاطَ َبهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَما * وَالّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَ ّبهِمْ سُجّدا َوقِيَاما‬
‫جهَنّمَ إِنّ عَذَا َبهَا كَانَ غَرَاما }[الفرقان‪ ]65-63 :‬وهكذا‬
‫عذَابَ َ‬
‫* وَالّذِينَ َيقُولُونَ رَبّنَا اصْرِفْ عَنّا َ‬
‫نرى أن ال سبحانه وتعالى أعطى أوصاف المؤمنين وسماهم عبادا‪ ..‬ولكن عندما يتحدث عن‬
‫البشر جميعا يقول عبيد‪ ..‬مصداقا لقوله تعالى‪ {:‬ذاِلكَ ِبمَا قَ ّد َمتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنّ اللّهَ لَ ْيسَ بِظَلّمٍ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لّ ْلعَبِيدِ }[آل عمران‪ ]182 :‬ولكن قد يقول قائل‪ :‬أن ال تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز‪ {:‬وَ َيوْمَ‬
‫حشُرُهُ ْم َومَا َيعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَ َيقُولُ أَأَن ُتمْ َأضْلَلْتُمْ عِبَادِي َه ُؤلَءِ أَمْ هُ ْم ضَلّوا السّبِيلَ }[الفرقان‪:‬‬
‫يَ ْ‬
‫‪ ]17‬الحديث هنا عن العاصين والضالين‪ .‬ولكن ال سبحانه وتعالى قال عنهم عباد‪ .‬نقول إن هذا‬
‫في الخرة‪ ..‬وفي الخرة كلنا عباد لننا مقهورون لطاعة ال الواحد المعبود تبارك وتعالى‪ ..‬لن‬
‫الختيار البشري ينتهي ساعة الحتضار‪ ..‬ونصبح جميعا عبادا ل مقهورين على طاعته ل‬
‫اختيار لنا في شيء‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى قد أعطى النسان اختياره في الحياة الدنيا في العبودية فلم يقهره في شيء‬
‫ول يلزم غير المؤمن به بأي تكليف‪.‬‬
‫‪ .‬بل إن المؤمن هو الذي يلزم نفسه بالتكليف وبمنهج ال فيدخل في عقد ايماني مع ال تبارك‬
‫وتعالى‪ ..‬ولذلك نجد أن ال جل جلله ل يخاطب الناس جميعا في التكليف‪ ..‬وانما يخاطب الذين‬
‫آمنوا فقط فيقول‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ الصّيَامُ َكمَا كُ ِتبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبِْلكُمْ َلعَّل ُكمْ تَ ّتقُونَ‬
‫لةِ إِنّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ‬
‫}[البقرة‪ ]183 :‬ويقول سبحانه‪ {:‬يَآأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْ َتعِينُواْ بِالصّبْرِ وَالصّ َ‬
‫}[البقرة‪ ]153 :‬أي أن ال جل جلله ل يكلف إل المؤمن الذي يدخل في عقد ايماني مع ال‪.‬‬
‫وسيد المرسلين محمد صلى ال عليه وسلم عندما نضعه في معيار العبادية يكون القمة فهو صلى‬
‫ال عليه وسلم الذي حقق العبادية المرادة ل من خلق ال كما يحبها ال‪..‬‬
‫اذن فالذي يقول غاية الخلق كله محمد عليه الصلة والسلم‪ ..‬نقول ان هذا صحيح‪ ،‬لنه صلى ال‬
‫عليه وسلم حقق العبادية المثلى المطلوبة من ال تبارك وتعالى‪ ..‬والتي هي علة الخلق‪ ..‬وهكذا‬
‫نعرف المقامات العالية لرسول ال صلى ال عليه وسلم عند خالقه‪.‬‬
‫وال تبارك وتعالى قرن العبادة له وحده بالستعانة به سبحانه‪ ..‬فقال جل جلله‪ } :‬إِيّاكَ َنعْبُدُ‬
‫وَإِيّاكَ َنسْ َتعِينُ { أي ل نعبد سواك ول نستعين إل بك‪ .‬والستعانة بال سبحانه وتعالى تخرجك عن‬
‫ذل الدنيا فأنت حين تستعين بغير ال فإنك تستعين ببشر مهما بلغ نفوذه وقوته فكلها في حدود‬
‫بشريته‪..‬‬
‫ولننا نعيش في عالم أغيار فإن القوى يمكن أن يصبح ضعيفا‪ ..‬وصاحب النفوذ يمكن أن يصبح‬
‫في لحظة واحدة طريدا شريدا ل نفوذ له‪ ..‬ولو لم يحدث هذا‪ .‬فقد يموت ذلك الذي تستعين به فل‬
‫تجد احدا يعينك‪.‬‬
‫ويريد ال تبارك وتعالى أن يحرر المؤمن من ذل الدنيا‪ ..‬فيطلب منه أن يستعين بالحي الذي ل‬
‫يموت‪ ..‬وبالقوي الذي ل يضعف‪ ،‬وبالقاهر الذي ل يخرج عن أمره أحد‪ ..‬واذا استعنت بال‬
‫سبحانه وتعالى كان ال جل جلله بجانبك‪ .‬وهو وحده الذي يستطيع أن يحول ضعفك الي قوة‬
‫وَذُلك الي عز‪ ..‬والمؤمن دائما يواجه قوي أكبر منه‪ ..‬ذلك أن الذين يحاربون منهج ال يكونون‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من القوياء ذوي النفوذ الذي يحبون أن يستعبدوا غيرهم‪ ..‬فالمؤمن سيدخل معهم في صراع‪..‬‬
‫ولذلك فإن الحق يحض عباده المؤمنين بأنه معهم في الصراع بين الحق والباطل‪ ..‬وقوله تعالى‪" :‬‬
‫وإياك نستعين " مثل‪ " :‬إياك نعبد "‪ ..‬أي نستعين بك وحدك وهي دستور الحركة في الحياة‪ ..‬لن‬
‫استعان معناها طلب المعونة‪ ،‬أي أن النسان استنفد أسبابه ولكنها خذلته‪ ..‬حينئذ لبد أن يتذكر أن‬
‫له ربا ل يعبد سواه‪ .‬لن يتخلى عنه بل يستعين به‪ ..‬وحين تتخلى السباب فهناك رب السباب‬
‫وهو موجود دائما‪ ..‬ل يغفل عن شيء ول تفوته همسة في الكون‪ ..‬ولذلك فإن المؤمن يتجه دائما‬
‫الى السماء‪ ..‬وال سبحانه وتعالى يكون معه‪.‬‬

‫(‪)3 /‬‬
‫اهْدِنَا الصّرَاطَ ا ْل ُمسْ َتقِيمَ (‪ )6‬صِرَاطَ الّذِينَ أَ ْن َعمْتَ عَلَ ْيهِمْ غَيْرِ ا ْل َم ْغضُوبِ عَلَ ْيهِ ْم وَلَا الضّالّينَ (‪)7‬‬

‫بعد أن آمنت بال سبحانه وتعالى إلها وربا‪ ..‬واستحضرت عطاء اللوهية ونعم الربوبية‬
‫وفيوضات رحمة ال على خلقه‪ .‬وأعلنت أنه ل إله إل ال‪ .‬وقولك‪ { :‬إِيّاكَ َنعْبُدُ } أي أن العبادة ل‬
‫تبارك وتعالى ل نشرك به شيئا ول نعبد إل إياه‪ ..‬وأعلنت انك ستستعين بال وحده بقولك‪:‬‬
‫{ وَإِيّاكَ نَسْ َتعِينُ }‪ .‬فانك قد أصبحت من عباد ال‪ .‬ويعلمك ال سبحانه وتعالى الدعاء الذي يتمناه‬
‫كل مؤمن‪ ..‬ومادامت من عباد ال‪ ،‬فإن ال جل جلله سيستجيب لك‪ ..‬مصداقا لقوله سبحانه‪{:‬‬
‫ع َوةَ الدّاعِ ِإذَا دَعَانِ فَلْ َيسْتَجِيبُواْ لِي وَلْ ُي ْؤمِنُواْ بِي َلعَّلهُمْ‬
‫وَإِذَا سََأَلكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ُأجِيبُ دَ ْ‬
‫يَرْشُدُونَ }[البقرة‪ ]186 :‬والمؤمن ل يطلب الدنيا أبدا‪ ..‬لماذا؟‪ ..‬لن الحياة الحقيقية للنسان في‬
‫الخرة‪ .‬فيها الحياة البدية والنعيم الذي ل يفارقك ول تفارقه‪ .‬فالمؤمن ل يطلب مثل أن يرزقه‬
‫ال مال كثيرا ول أن يمتلك عمارة مثل‪ ..‬لنه يعلم أن كل هذا وقتي وزائل‪ ..‬ولكنه يطلب ما‬
‫ينجيه من النار ويوصله الى الجنة‪..‬‬
‫ومن رحمة ال تبارك وتعالى أنه علمنا ما نطلب‪ ..‬وهذا يستوجب الحمد ل‪ ..‬وأول ما يطلب‬
‫المؤمن هو الهداية والصراط المستقيم‪ { :‬اهْدِنَا الصّرَاطَ ا ْل ُمسْ َتقِيمَ }‪.‬‬
‫والهداية نوعان‪ :‬هداية دللة وهداية معونة‪ .‬هداية الدللة هي للناس جميعا‪ ..‬وهداية المعونة هي‬
‫للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج ال‪ .‬وال سبحانه وتعالى هدى كل عباده هداية دللة أي دلهم على‬
‫طريق الخير وبينه لهم‪ ..‬فمن أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه‪ ..‬ومن أراد أل يتبعه تركه ال لما‬
‫أراد‪..‬‬
‫هذه الهداية العامة هي أساس البلغ عن ال‪ .‬فقد بين لنا ال تبارك وتعالى في منهجه بافعل ول‬
‫تفعل ما يرضيه وما يغضبه‪ ..‬وأوضح لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي‪ .‬والطريق الذي لو سلكناه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حق علينا غضب ال وسخطه‪ ..‬ولكن هل كل من بين له ال سبحانه وتعالى طريق الهداية‬
‫اهتدى؟‪ ..‬نقول ل‪ ..‬واقرأ قوله جل جلله‪ {:‬وََأمّا َثمُودُ َف َهدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبّواْ ا ْل َعمَىا عَلَى ا ْلهُدَىا‬
‫عقَةُ ا ْلعَذَابِ ا ْلهُونِ ِبمَا كَانُواْ َيكْسِبُونَ }[فصلت‪ ]17 :‬اذن هناك من ل يأخذ طريق‬
‫خذَ ْتهُ ْم صَا ِ‬
‫فَأَ َ‬
‫الهداية بالختيار الذي أعطاه ال له‪ ..‬فلو أن ال سبحانه وتعالى أرادنا جميعا مهديين‪ ..‬ما استطاع‬
‫واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته‪ .‬ولكنه جل جلله خلقنا مختارين لنأتيه عن حب ورغبة بدل‬
‫من أن يقهرنا على الطاعة‪ ..‬ما الذي يحدث للذين اتبعوا طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا‬
‫مراد ال الشرعي في كونه؟‬
‫الذين اتبعوا طريق الهداية يعينهم ال سبحانه وتعالى عليه ويحببهم في اليمان والتقوى ويحببهم‬
‫في طاعته‪.‬‬
‫‪ .‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬وَالّذِينَ اهْ َت َدوْاْ زَادَ ُهمْ ُهدًى وَآتَاهُمْ َتقُوَاهُمْ }[محمد‪ ]17 :‬أي أن كل‬
‫من يتخذ طريق الهداية يعينه ال عليه‪ ..‬ويزيده تقوى وحبا في الدين‪ ..‬أما الذين إذا جاءهم الهدى‬
‫ابتعدوا عن منهج ال وخالفوه‪ ..‬فإن ال تبارك وتعالى يتخلى عنهم ويتركهم في ضللهم‪ .‬واقرأ‬
‫حمَـانِ ُنقَ ّيضْ َلهُ شَ ْيطَانا َف ُهوَ َلهُ قَرِينٌ }[الزخرف‪ ]36 :‬وال‬
‫قوله تعالى‪َ {:‬ومَن َيعْشُ عَن ِذكْرِ الرّ ْ‬
‫سبحانه وتعالى قد بين لنا المحرومين من هداية المعونة على اليمان وهم ثلثة كما بَيّ ْنهُم لنا في‬
‫القرآن الكريم‪ {:‬ذاِلكَ بِأَ ّن ُهمُ اسْ َتحَبّواْ الْحَيَاةَ الْدّنْيَا عَلَىا الخِ َرةِ وَأَنّ اللّ َه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ }‬
‫ج ِههَآ َأوْ يَخَافُواْ أَن تُ َردّ أَ ْيمَانٌ َبعْدَ أَ ْيمَا ِنهِمْ‬
‫شهَا َدةِ عَلَىا وَ ْ‬
‫[النحل‪ {]107 :‬ذاِلكَ َأدْنَىا أَن يَأْتُواْ بِال ّ‬
‫سقِينَ }[المائدة‪ {]108 :‬أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِي حَآجّ إِبْرَاهِيمَ‬
‫س َمعُواْ وَاللّ ُه لَ َي ْهدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلفَا ِ‬
‫وَاتّقُوا اللّهَ وَا ْ‬
‫فِي رَبّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ ا ْلمُ ْلكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَ ّبيَ الّذِي ُيحْيِـي وَ ُيمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَُأمِيتُ قَالَ‬
‫شمْسِ مِنَ ا ْلمَشْ ِرقِ فَ ْأتِ ِبهَا مِنَ ا ْل َمغْ ِربِ فَ ُب ِهتَ الّذِي َكفَ َر وَاللّ ُه لَ َيهْدِي‬
‫إِبْرَاهِيمُ فَإِنّ اللّهَ يَأْتِي بِال ّ‬
‫ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ }[البقرة‪ ]258 :‬اذن فالمطرودون من هداية ال في المعونة على اليمان‪ ..‬هم‬
‫الكافرون والفاسقون والظالمون‪ ..‬الحق سبحانه وتعالى يقول‪ } :‬ا ْهدِنَا الصّرَاطَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ { ما هو‬
‫الصراط؟‪ ..‬إنه الطريق الموصلة الى الغاية‪ .‬ولماذا نص على أنه الصراط المستقيم‪ .‬لن ال‬
‫سبحانه وتعالى وضع لنا في منهجه الطريق المستقيم‪ ..‬وهو أقصر الطرق الى تحقيق الغاية‪..‬‬
‫فأقصر طريق بين نقطتين هو الطريق المستقيم‪ .‬ولذلك إذا كنت تقصد مكانا فأقصر طريق تسلكه‬
‫هو الطريق الذي ل اعوجاج فيه ولكنه مستقيم تماما‪..‬‬
‫ول تحسب أن البعد عن الطريق المستقيم يبدأ باعوجاج كبير‪ .‬بل باعوجاج صغير جدا ولكنه‬
‫ينتهي الى بُعد كبير‪..‬‬
‫ويكفي أن تراقب قضبان السكة الحديد‪ ..‬عندما يبدأ القطار في اتخاذ طريق غير الذي كان يسلكه‬
‫فهو ل ينحرف في أول المر إل بضعة ملليمترات‪ ..‬أي أن أول التحويلة ضيق جدا وكلما مشيت‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اتسع الفرق وازداد اتساعا‪ .‬بحيث عند النهاية تجد أن الطريق الذي مشيت فيه يبعد عن الطريق‬
‫الول عشرات الكيلو مترات وربما مئات الكيلو مترات‪ ..‬إذن فأي انحراف مهما كان بسيطا‬
‫يبعدك عن الطريق المستقيم بعدا كبيرا‪ ..‬ولذلك فإن الدعاء‪ } :‬اهْدِنَا الصّرَاطَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ { أي‬
‫الطريق الذي ليس فيه إعوجاج ولو بضعة ملليمترات‪ ..‬الطريق الذي ليس فيه مخالفة تبعدنا عن‬
‫طريق ال المستقيم‪.‬‬
‫لذلك فإن النسان المؤمن يطلب من ال سبحانه وتعالى أن يهديه الى أقصر الطرق للوصول الى‬
‫الغاية‪ ..‬وما هي الغاية؟ انها الجنة والنعيم في الخرة‪ ..‬ولذلك نقول يا رب اهدنا وأعنا على أن‬
‫نسلك الطريق المستقيم وهو طريق المنهج ليوصلنا الي الجنة دون أن يكون فيه أي اعوجاج‬
‫يبعدنا عنها‪.‬‬
‫ولقد قال ال سبحانه وتعالى في حديث قدسي‪ .‬انه اذا قال العبد‪ } :‬ا ْهدِنَا الصّرَاطَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ { يقول‬
‫جل جلله‪ :‬هذا لعبدي ولعبدي ما سأل‪.‬‬
‫يقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬صِرَاطَ الّذِينَ أَ ْن َع ْمتَ عَلَ ْيهِمْ { ما معنى } الّذِينَ أَ ْن َعمْتَ عَلَ ْيهِمْ {؟‪ ..‬اقرأ‬
‫ن وَالصّدّيقِينَ‬
‫الية الكريمة‪َ {:‬ومَن ُيطِعِ اللّ َه وَالرّسُولَ فَُأوْلَـائِكَ مَعَ الّذِينَ أَ ْنعَمَ اللّهُ عَلَ ْيهِم مّنَ النّبِيّي َ‬
‫ن َوحَسُنَ أُولَـا ِئكَ َرفِيقا }[النساء‪ ]69 :‬وأنت حين تقرأ الية الكريمة فأنت‬
‫شهَدَآ ِء وَالصّالِحِي َ‬
‫وَال ّ‬
‫تطلب من ال تبارك وتعالى أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين‪ ..‬أي أنك تطلب‬
‫من ال جل جلله‪ ..‬أن يجعلك تسلك نفس الطريق الذي سلكه هؤلء لتكون معهم في الخرة‪..‬‬
‫فكأنك تطلب الدرجة العالية في الجنة‪ ..‬لن كل من ذكرناهم لهم مقام عال في جنة النعيم‪ ..‬وهكذا‬
‫فإن الطلب من ال سبحانه وتعالى هو أن يجعلك تسلك الطريق الذي ل اعوجاج فيه‪ .‬والذي‬
‫يوصلك في أسرع وقت الي الدرجة العالية في الخرة‪.‬‬
‫وعندما نعرف أن ال سبحانه وتعالى قال‪( :‬هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)‪ ..‬تعرف أن الستجابة‬
‫تعطيك الحياة العالية في الخرة وتمتعك بنعيم ال‪ .‬ليس بقدرات البشر كما يحدث في الدنيا‪..‬‬
‫ولكن بقدرة ال تبارك وتعالى‪ ..‬واذا كانت نعم الدنيا ل تعد ول تحصى‪ ..‬فكيف بنعم الخرة؟ لقد‬
‫قال ال سبحانه وتعالى عنها‪َ {:‬لهُم مّا يَشَآءُونَ فِيهَا وََلدَيْنَا مَزِيدٌ }[ق‪ ]35 :‬أي أنه ليس كل ما‬
‫تطلبه فقط ستجده أمامك بمجرد وروده على خاطرك ـ ولكن مهما طلبت من النعم ومهما تمنيت‬
‫فال جل جلله عنده مزيد‪ ..‬ولذلك فانه يعطيك كل ما تشاء ويزيد عليه بما لم تطلب ول تعرف‬
‫من النعم‪ ..‬وهذا تشبيه فقط ليقرب ال تبارك وتعالى صورة النعيم إلى أذهاننا‪ ،‬ولكن الجنة فيها ما‬
‫ل عين رأت ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪.‬‬
‫وبما أن المعاني لبد أن توجد أول في العقل ثم يأتي اللفظ المعبر عنها‪ ..‬فكل شيء ل نعرفه ل‬
‫توجد في لغتنا ألفاظ تعبر عنه‪ .‬فنحن لم نعرف اسم التليفزيون مثل إل بعد أن أخترع وصار له‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مفهوم محدد‪ .‬تماما كما لم نعرف اسم الطائرة قبل أن يتم اختراعها‪ ..‬فالشيء يوجد أول ثم بعد‬
‫ذلك يوضع اللفظ المعبر عنه‪ .‬ولذلك فإن مجامع اللغات في العالم تجتمع بين فترة واخرى‪ .‬لتضع‬
‫أسماء لشياء جديدة اخترعت وعرفت مهمتها‪..‬‬
‫ومادام ذلك هو القاعدة اللغوية‪ ،‬فإنه ل توجد الفاظ في لغة البشر تعبر عن النعيم الذي سيعيشه‬
‫اهل الجنة لنه لم تره عين ولم تسمع به أذن ول خطر على القلب‪ ..‬ولذلك فإن كل ما نقرؤه في‬
‫القرآن الكريم يقرب لنا الصورة فقط‪.‬‬
‫ولكنه ل يعطينا حقيقة ما هو موجود‪ .‬ولذلك نجد ال سبحانه وتعالى حين يتحدث عن الجنة في‬
‫القرآن الكريم يقول‪ {:‬مّ َثلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ ا ْلمُ ّتقُونَ فِيهَآ أَ ْنهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَ ْنهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ‬
‫سلٍ ّمصَفّى وََلهُمْ فِيهَا مِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ‬
‫ن وَأَ ْنهَارٌ مّنْ عَ َ‬
‫خمْرٍ لّ ّذةٍ لّلشّارِبِي َ‬
‫ط ْعمُ ُه وَأَ ْنهَارٌ مّنْ َ‬
‫يَ َتغَيّرْ َ‬
‫حمِيما َفقَطّعَ َأ ْمعَآءَهُمْ }[محمد‪ ]15 :‬أي أن‬
‫سقُواْ مَآءً َ‬
‫َو َمغْفِ َرةٌ مّن رّ ّبهِمْ َكمَنْ ُهوَ خَالِدٌ فِي النّا ِر وَ ُ‬
‫هذا ليس حقيقة الجنة ولكنها مثل فقط يقرب ذلك الى الذهان‪ ..‬لنه ل توجد ألفاظ في لغات البشر‬
‫يمكن أن تعطينا حقيقة ما في الجنة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬غَيْرِ ا ْل َم ْغضُوبِ عَلَ ْيهِم {‪ ..‬أي غير الذين غضبت عليهم يا رب من الذين عصوا‪.‬‬
‫ومنعت عنهم هداية العانة‪ ..‬الذين عرفوا المنهج فخالفوه وارتكبوا كل ما حرمه ال فاستحقوا‬
‫غضبه‪.‬‬
‫ومعنى غير } ا ْل َم ْغضُوبِ عَلَ ْيهِم { أي يا رب ل تيسر لن الطريق الذي نستحق به غضبك‪ .‬كما‬
‫استحقه أولئك الذين غيروا وبدلوا في منهج ال ليأخذوا سلطة زمنية في الحياة الدنيا وليأكلوا‬
‫أموال الناس بالباطل‪..‬‬
‫وقد وردت كلمة } ا ْل َم ْغضُوبِ عَلَ ْيهِم { في القرآن الكريم في قوله تعالى‪ُ {:‬قلْ َهلْ أُنَبّ ُئكُمْ ِبشَرّ مّن‬
‫ج َعلَ مِ ْن ُهمُ ا ْلقِرَ َد َة وَالْخَنَازِي َر وَعَبَدَ الطّاغُوتَ‬
‫غضِبَ عَلَيْهِ وَ َ‬
‫ذاِلكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن ّلعَنَهُ اللّ ُه وَ َ‬
‫سوَآءِ السّبِيلِ }[المائدة‪ ]60 :‬وهذه اليات نزلت في بني اسرائيل‪.‬‬
‫ُأوْلَـا ِئكَ شَرّ ّمكَانا وََأضَلّ عَن َ‬
‫وقول ال تعالى‪ " :‬ول الضالين " هناك الضال وا ْل ُمضِل‪ ..‬الضال هو الذي ضل الطريق فاتخذ‬
‫منهجا غير منهج ال‪ ..‬ومشى في الضللة بعيدا عن الهدى وعن دين ال‪ ..‬ويقال ضل الطريق‬
‫أي مشي فيه وهو ل يعرف السبيل الى ما يريد أن يصل إليه‪ ..‬أي أنه تاه في الدنيا فأصبح وليا‬
‫للشيطان وابتعد عن طريق ال المستقيم‪ ..‬هذا هو الضال‪ ..‬ولكن المضل هو من لم يكتف بأنه‬
‫ابتعد عن منهج ال وسار في الحياة على غير هدى‪ ..‬بل يحاول أن يأخذ غيره الى الضللة‪..‬‬
‫يغري الناس بالكفر وعدم اتباع المنهج والبعد عن طريق ال‪ ..‬وكل واحد من العاصين يأتي يوم‬
‫القيامة يحمل ذنوبه‪ ..‬ال المضل فانه يحمل ذنوبه وذنوب من اضلهم‪ .‬مصداقا لقوله سبحانه‪{:‬‬
‫حمِلُواْ َأوْزَارَ ُهمْ كَامِلَةً َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة َومِنْ َأوْزَارِ الّذِينَ ُيضِلّو َنهُمْ ِبغَيْرِ عِلْمٍ َألَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }‬
‫لِيَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[النحل‪ ]25 :‬أي أنك وأنت تقرأ الفاتحة‪ ..‬فأنك تستعيذ بال أن تكون من الذين ضلوا‪ ..‬ولكن الحق‬
‫سبحانه وتعالى لم يأتِ هنا بالمضلين‪ .‬نقول انك لكي تكون مضل لبد أن تكون ضال أول‪..‬‬
‫فالستعاذة من الضلل هنا تشمل الثنين‪ .‬لنك مادمت قد استعذت من أن تكون ضال فلن تكون‬
‫مضل أبدا‪.‬‬
‫بقى أن نتكلم عن ختم فاتحة الكتاب‪ .‬بقولنا آمين أسوة برسول ال صلى ال عليه وسلم الذي علمه‬
‫جبريل عليه السلم أن يقول بعد قراءة الفاتحة آمين‪ ،‬فهي من كلم جبريل لرسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم وليست كلمة من القرآن‪.‬‬
‫وكلمة آمين معناها استجب يا رب فيما دعوناك به من قولنا‪ } :‬اهْدِنَا الصّرَاطَ ا ْل ُمسْ َتقِيمَ * صِرَاطَ‬
‫الّذِينَ أَ ْن َعمْتَ عَلَ ْيهِمْ { أي أن الدعاء هنا له شيء مطلوب تحقيقه‪ .‬وآمين دعاء لتحقيق المطلوب‪..‬‬
‫وكلمة آمين اختلف العلماء فيها‪ ..‬أهي عربية أم غير عربية‪.‬‬
‫وهنا يثور سؤال‪ ..‬كيف تدخل كلمة غير عربية في قرآن حكم ال بأنه عربي‪..‬؟ نقول أن ورود‬
‫كلمة ليست من أصل عربي في القرآن الكريم‪ .‬ل ينفي أن القرآن كله عربي‪ .‬بمعنى أنه اذا‬
‫خوطب به العرب فهموه‪ ..‬وهناك الفاظ دخلت في لغة العرب قبل أن ينزل القرآن‪ ..‬ولكنها دارت‬
‫على اللسن بحيث أصبحت عربية وألفتها الذان العربية‪..‬‬
‫فليس المراد بالعربي هو أصل اللغة العربية وحدها‪ ..‬وانما المراد أن القرآن نزل باللغة التي لها‬
‫شيوع على ألسنة العرب‪ .‬وما دام اللفظ قد شاع على اللسان قول وفي الذان سمعا‪ .‬فإن الجيال‬
‫التي تستقبله ل تفرق بينه وبين غيره من الكلمات التي هي من أصل عربي‪ ..‬فاللفظ الجديد أصبح‬
‫عربيا بالستعمال وعند نزول القرآن كانت الكلمة شائعة شيوع الكلمة العربية‪.‬‬
‫واللغة ألفاظ يصطلح على معانيها‪ .‬بحيث إذا أطلق اللفظ فهم المعنى‪ .‬واللغة التي نتكلمها ل تخرج‬
‫عن اسم وفعل وحرف‪ ..‬السم كلمة والفعل كلمة والحرف كلمة‪ ..‬والكلمة لها معنى في ذاتها‬
‫ولكن هل هذا المعنى مستقل في الفهم أو غير مستقل‪ ..‬اذا قلت محمد مثل فهمت الشخص الذي‬
‫سمى بهذا السم فصار له معنى مستقل‪ ..‬واذا قلت كتب فهمت أنه قد جمع الحروف لتقرأ على‬
‫هيئة كتابة‪ ..‬ولكن اذا قلت ماذا وهي حرف فليس هناك معنى مستقل‪ ..‬واذا قلت " في " دَّلتْ على‬
‫الظرفية ولكنها لم تدلنا على معنى مستقل‪ .‬بل لبد ان تقول الماء في الكوب‪ ..‬أو فلن على‬
‫الفرس‪ ..‬غير المستقل في الفهم نسميه حرفا ل يظهر معناه إل بضم شيء له‪ ..‬والفعل يحتاج الي‬
‫زمن‪ ،‬ولكن السم ل يحتاج الي زمن‪..‬‬
‫اذن السم هو ما دل على معنى مستقل بالفهم وليس الزمن جزءا منه‪ ..‬والفعل ما دل على فعل‬
‫مستقل بالفهم والزمن جزء منه‪ ..‬والحرف دل على معنى غير مستقل‪ ..‬ما هي علمة الفعل هي‬
‫أنك تستطيع أن تسند اليه تاء الفاعل‪ ..‬أي تقول كتبت والفاعل هو المتكلم‪ ..‬ولكن السم ل يضاف‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اليه تاء الفاعل فل تقول محمدت‪.‬‬
‫‪ .‬اذا رأيت شيئا يدل على الفعل أي يحتاج الى زمن‪ ..‬ولكنه ل يقبل تاء الفاعل فانه يكون اسم‬
‫على فعل‪.‬‬
‫آمين من هذا النوع ليست فعل فهي اسم مدلولة مدلول الفعل‪ ..‬معناه استجب‪ ..‬فأنت حين تسمع‬
‫كلمة " آه " انها اسم لفعل بمعنى أتوجع‪ ..‬وساعة تقول " أف " اسم فعل بمعنى اتضجر‪ ..‬وآمين‬
‫اسم فعل بمعنى استجب‪ ..‬ولكنك تقولها مرة وأنت القارئ‪ ،‬وتقولها مرة وأنت السامع‪ .‬فساعة تقرأ‬
‫الفاتحة تقول آمين‪ ..‬أي أنا دعوت يا رب فاستجب دعائي‪ ..‬لنك لشدة تعلقك بما دعوت من‬
‫الهداية فانك ل تكتفي بقول اهدنا ولكن تطلب من ال الستجابة‪ .‬واذا كنت تصلي في جماعة فأنت‬
‫تسمع المام وهو يقرأ الفاتحة‪ ..‬ثم تقول آمين‪ .‬لن المأموم أحد الداعين‪ ..‬الذي دعا هو المام‪،‬‬
‫وعندما قلت آمين فأنت شريك في الدعاء‪ ..‬ولذلك فعندما دعا موسى عليه السلم أن يطمس ال‬
‫عوَ ُت ُكمَا فَاسْ َتقِيمَا َولَ تَتّ ِبعَآنّ‬
‫على اموال قوم فرعون ويهلكهم قال ال لموسى‪ {:‬قَالَ َقدْ أُجِي َبتْ دّ ْ‬
‫سَبِيلَ الّذِينَ لَ َيعَْلمُونَ }[يونس‪ ]89 :‬أي أن الخطاب من ال سبحانه وتعالى موجهٌ الى موسى‬
‫وهارون‪ .‬ولكن موسى عليه السلم هو الذي دعا‪ ..‬وهارون أمن على دعوة موسى فأصبح‬
‫مشاركا في الدعاء‪.‬‬

‫(‪)4 /‬‬
‫الم (‪)1‬‬

‫بدأت سورة البقرة بقوله تعالى‪ { :‬الم }‪ ..‬وهذه الحروف حروف مقطعة ومعنى مقطعة أن كل‬
‫حرف ينطق بمفرده‪ .‬لن الحروف لها أسماء ولها مسميات‪ ..‬فالناس حين يتكلمون ينطقون‬
‫بمسمى الحرف وليس باسمه‪ ..‬فعندما تقول كتب تنطق بمسميات الحروف‪ .‬فإذا أردت أن تنطق‬
‫بأسمائها‪ .‬تقول كاف وتاء وباء‪ ..‬ول يمكن أن ينطق بأسماء الحروف إل من تعلم ودرس‪ ،‬أما‬
‫ذلك الذي لم يتعلم فقد ينطق بمسميات الحروف ولكنه ل ينطق بأسمائها‪ ،‬ولعل هذه أول ما يلفتنا‪.‬‬
‫فرسول ال صلى ال عليه وسلم كان أميا ل يقرأ ول يكتب ولذلك لم يكن يعرف شيئا عن أسماء‬
‫الحروف‪ .‬فإذا جاء ونطق بأسماء الحروف يكون هذا إعجازا من ال سبحانه وتعالى‪ ..‬بأن هذا‬
‫القرآن موحى به إلى محمد صلى ال عليه وسلم‪ ..‬ولو أن رسول ال صلى ال عليه وسلم درس‬
‫وتعلم لكان شيئا عاديا أن ينطق بأسماء الحروف‪ .‬ولكن تعالَ إلى أي أمي لم يتعلم‪ ..‬إنه يستطيع‬
‫أن ينطق بمسميات الحروف‪ ..‬يقول الكتاب وكوب وغير ذلك‪ ..‬فإذا طلبت منه أن ينطق بأسماء‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحروف فإنه ل يستطيع أن يقول لك‪ .‬إن كلمة كتاب مكونة من الكاف والتاء واللف والباء‪..‬‬
‫وتكون هذه الحروف دالة على صدق رسول ال صلى ال عليه وسلم في البلغ عن ربه‪ .‬وأن‬
‫هذا القرآن موحى به من ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ونجد في فواتح السور التي تبدأ بأسماء الحروف‪ .‬تنطق الحروف بأسمائها وتجد الكلمة نفسها في‬
‫آية أخرى تنطق بمسمياتها‪ .‬فألم في أول سورة البقرة نطقتها بأسماء الحروف ألف لم ميم‪ .‬بينما‬
‫ك صَدْ َركَ }[الشرح‪]1 :‬‬
‫تنطقها بمسميات الحروف في شرح السورة في قوله تعالى‪ {:‬أَلَمْ نَشْرَحْ َل َ‬
‫وفي سورة الفيل في قوله تعالى‪ {:‬أَلَمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ بَِأصْحَابِ ا ْلفِيلِ }[الفيل‪ ]1 :‬ما الذي جعل‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ..‬ينطق { الم } في سورة البقرة بأسماء الحروف‪ ..‬وينطقها في‬
‫سورتي الشرح والفيل بمسميات الحروف‪ .‬لبد أن رسول ال عليه الصلة والسلم سمعها من ال‬
‫كما نقلها جبريل عليه السلم إليه هكذا‪ .‬إذن فالقرآن أصله السماع ل يجوز أن تقرأه إل بعد أن‬
‫تسمعه‪ .‬لتعرف أن هذه تُقرأ ألف لم ميم والثانية تقرأ ألم‪ ..‬مع أن الكتابة واحدة في الثنين‪..‬‬
‫ولذلك لبد أن تستمع إلى فقيه يقرأ القرآن قبل أن تتلوه‪ ..‬والذي يتعب الناس أنهم لم يجلسوا إلى‬
‫فقيه ول استمعوا إلى قارئ‪ ..‬ثم بعد ذلك يريدون أن يقرأوا القرآن كأي كتاب‪ .‬نقول ل‪ ..‬القرآن‬
‫له تميز خاص‪ ..‬إنه ليس كأي كتاب تقرؤه‪.‬‬
‫‪ .‬لنه مرة يأتي باسم الحرف‪ .‬ومرة يأتي بمسميات الحرف‪ .‬وأنت ل يمكن أن تعرف هذا إل إذا‬
‫استمعت لقارئ يقرأ القرآن‪.‬‬
‫والقرآن مبني على الوصل دائما وليس على الوقف‪ ،‬فإذا قرأت في آخر سورة يونس مثل‪ {:‬وَ ُهوَ‬
‫خَيْرُ الْحَا ِكمِينَ }[‪ ]109‬ل تجد النون عليها سكون بل تجد عليها فتحة‪ ،‬موصولة بقول ال سبحانه‬
‫وتعالى بسم ال الرحمن الرحيم‪ .‬ولو كانت غير موصولة لوجدت عليها سكونا‪.‬‬
‫اذن فكل آيات القرآن الكريم مبنية على الوصل‪ ..‬ما عدا فواتح السور المكونة من حروف فهي‬
‫مبنية على الوقف‪ ..‬فل تقرأ في أول سورة البقرة‪ } :‬الم { والميم عليها ضمة‪ .‬بل تقرأ ألفا عليها‬
‫سكون ولما عليها سكون وميما عليها سكون‪ .‬اذن كل حرف منفرد بوقف‪ .‬مع أن الوقف ل يوجد‬
‫في ختام السور ول في القرآن الكريم كله‪.‬‬
‫وهناك سور في القرآن الكريم بدأت بحرف واحد مثل قوله تعالى‪ {:‬ص وَا ْلقُرْآنِ ذِي ال ّذكْرِ }[ص‪:‬‬
‫سطُرُونَ }[القلم‪ ]1 :‬ونلحظ أن الحرف ليس آية مستقلة‪ .‬بينما " ألم " في سورة‬
‫‪ {]1‬ن وَا ْلقَلَ ِم َومَا يَ ْ‬
‫البقرة آية مستقلة‪ .‬و‪ " :‬حم "‪ .‬و‪ " :‬عسق " آية مستقلة مع أنها كلها حروف مقطعة‪ .‬وهناك سور‬
‫تبدأ بآية من خمسة حروف مثل " كهيعص " في سورة مريم‪ ..‬وهناك سور تبدأ بأربعة حروف‪.‬‬
‫مثل " المص " في سورة " العراف "‪ .‬وهناك سور تبدأ بأربعة حروف وهي ليست آية مستقلة‬
‫مثل " ألمر " في سورة " الرعد " متصلة بما بعدها‪ ..‬بينما تجد سورة تبدأ بحرفين هما آية مستقلة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مثل‪ " :‬يس " في سورة يس‪ .‬و " حم " في سورة غافر وفصلت‪ ..‬و‪ " :‬طس " في سورة النمل‪.‬‬
‫وكلها ليست موصلة بالية التي بعدها‪ ..‬وهذا يدلنا على أن الحروف في فواتح السور ل تسير‬
‫على قاعدة محددة‪.‬‬
‫" ألم " مكونة من ثلث حروف تجدها في ست سور مستقلة‪ ..‬فهي آية في البقرة وآل عمران‬
‫والعنكبوت والروم والسجدة ولقمان‪ .‬و " الر " ثلثة حروف ولكنها ليست آية مستقلة‪ .‬بل جزء من‬
‫الية في أربع سور هي‪ :‬يونس ويوسف وهود وإبراهيم‪ ..‬و‪ " :‬المص " من أربعة حروف وهي‬
‫آية مستقلة في سورة " العراف " و " المر " أربعة حروف‪ ،‬ولكنها ليست آية مستقلة في سورة‬
‫الرعد إذن فالمسألة ليست قانونا يعمم‪ ،‬ولكنها خصوصية في كل حرف من الحروف‪.‬‬
‫وإذا سألت ما هو معنى هذه الحروف؟‪ ..‬نقول إن السؤال في أصله خطأ‪ ..‬لن الحرف ل يسأل‬
‫عن معناه في اللغة إل إن كان حرف معنى‪ ..‬والحروف نوعان‪ :‬حرف مَبْنَى وحرف معنى‪.‬‬
‫حرف المبنى ل معنى له إل للدللة على الصوت فقط‪.‬‬
‫‪ .‬أما حروف المعاني فهي مثل في‪ .‬ومن‪ ..‬وعلى‪( ..‬في) تدل على الظرفية‪ ..‬و(مِنْ) تدل على‬
‫البتداء و(إلى) تدل على النتهاء‪ ..‬و(على) تدل على الستعلء‪ ..‬هذه كلها حروف معنى‪.‬‬
‫وإذا كانت الحروف في أوائل السور في القرآن الكريم قد خرجت عن قاعدة الوصل لنها مبنية‬
‫على السكون لبد أن يكون لذلك حكمة‪ ..‬أول لنعرف قول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من‬
‫قرأ حرفا من كتاب ال فله به حَسَنَةٌ والحَسَ َنةُ بعَشْر أمْثَالها‪ ،‬ل أقولُ ألم حرف ولكن ألفٌ ح ْرفٌ‬
‫ولَمٌ حرف ومِيمٌ حرف "‬
‫ولذلك ذكرت في القرآن كحروف استقللية لنعرف ونحن نتعبد بتلوة القرآن الكريم أننا نأخذ‬
‫حسنة على كل حرف‪ .‬فإذا قرأنا بسم ال الرحمن الرحيم‪ .‬يكون لنا بالباء حسنة وبالسين حسنة‬
‫وبالميم حسنة فيكون لنا ثلثة حسنات بكلمة واحدة من القرآن الكريم‪ .‬والحسنة بعشر أمثالها‪.‬‬
‫وحينما نقرأ " ألم " ونحن ل نفهم معناها نعرف أن ثواب القرآن على كل حرف نقرؤه سواء‬
‫فهمناه أم لم نفهمه‪ ..‬وقد يضع ال سبحانه وتعالى من أسراره في هذه الحروف التي ل نفهمها‬
‫ثوابا وأجرا ل نعرفه‪.‬‬
‫ويريدنا بقراءتها أن نحصل على هذا الجر‪..‬‬
‫والقرآن الكريم ليس إعجازا في البلغة فقط‪ .‬ولكنه يحوي إعجازا في كل ما يمكن للعقل البشري‬
‫أن يحوم حوله‪ .‬فكل مفكر متدبر في كلم ال يجد إعجازا في القرآن الكريم‪ .‬فالذي درس البلغة‬
‫رأى العجاز البلغي‪ ،‬والذي تعلم الطب وجد إعجازا طبيا في القرآن الكريم‪ .‬وعالم النباتات‬
‫رأى إعجازا في آيات القرآن الكريم‪ ،‬وكذلك عالم الفلك‪..‬‬
‫وإذا أراد انسان منا أن يعرف معنى هذه الحروف فل نأخذها على قدر بشريتنا‪ ..‬ولكن نأخذها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على قدر مراد ال فيها‪ ..‬وقدراتنا تتفاوت وأفهامنا قاصرة‪ .‬فكل منا يملك ِمفْتاحا من مفاتيح الفهم‬
‫كل على قدر علمه‪ ..‬هذا مفتاح بسيط يفتح مرة واحدة وآخر يدور مرتين‪ ..‬وآخر يدور ثلث‬
‫مرات وهكذا‪ ..‬ولكن من عنده العلم يملك كل المفاتيح‪ ،‬أو يملك المفتاح الذي يفتح كل البواب‪..‬‬
‫ونحن ل يجب أن نجهد أذهاننا لفهم هذه الحروف‪ .‬فحياة البشر تقتضي منا في بعض الحيان أن‬
‫نضع كلمات ل معنى لها بالنسبة لغيرنا‪ ..‬وإذن كانت تمثل أشياء ضرورية بالنسبة لنا‪ .‬تماما‬
‫ككلمة السر التي تستخدمها الجيوش ل معنى لها إذا سمعتها‪ .‬ولكن بالنسبة لمن وضعها يكون‬
‫ثمنها الحياة أو الموت‪ ..‬فخذ كلمات ال التي تفهمها بمعانيها‪ ..‬وخذ الحروف التي ل تفهمها‬
‫بمرادات ال فيها‪ .‬فال سبحانه وتعالى شاء أن يبقى معناها في الغيب عنده‪.‬‬
‫والقرآن الكريم ل يؤخذ على نسق واحد حتى نتنبه ونحن نتلوه أو نكتبه‪.‬‬
‫لذلك تجد مثل بسم ال الرحمن الرحيم مكتوبة بدون ألف بين الباء والسين‪ .‬ومرة تجدها مكتوبة‬
‫باللف في قوله تعالى‪ {:‬اقْرَأْ بِاسْمِ رَ ّبكَ الّذِي خََلقَ }[العلق‪ ]1 :‬وكلمة تبارك مرة تكتب باللف‬
‫ومرة بغير اللف‪ ..‬ولو أن المسألة رتابة في كتابة القرآن لجاءت كلها على نظام واحد‪ .‬ولكنها‬
‫جاءت بهذه الطريقة لتكون كتابة القرآن معجزة وألفاظه معجزة‪.‬‬
‫ونحن نقول للذين يتساءلون عن الحكمة في بداية بعض السور بحروف‪ ..‬نقول إن لذلك حكمة‬
‫عند ال فهمناها أو لم نفهمها‪ ..‬والقرآن نزل على أمة عربية فيها المؤمن والكافر‪ ..‬ومع ذلك لم‬
‫نسمع أحدا يطعن في الحرف التي بدأت بها السور‪ .‬وهذا دليل على أنهم فهموها بملكاتهم‬
‫العربية‪ ..‬ولو أنهم لم يفهموها لطعنوا فيها‪.‬‬
‫وأنا أنصح من يقرأ القرآن الكريم للتعبد‪ ..‬أل يشغل نفسه بالتفكير في المعنى‪ .‬أما الذي يقرأ‬
‫القرآن ليستنبط منه فليقف عند اللفظ والمعنى‪ ..‬فإذا قرأت القرآن لتتعبد فاقرأه بسر ال فيه‪ ..‬ولو‬
‫جلست تبحث عن المعنى‪ ..‬تكون قد حددت معنى القرآن الكريم بمعلوماتك أنت‪ .‬وتكون قد أخذت‬
‫المعنى ناقصا نقص فكر البشر‪ ..‬ولكن اقرأ القرآن بسر ال فيه‪.‬‬
‫إننا لو بحثنا معنى كل لفظ في القرآن الكريم فقد أخرجنا المي وكل من لم يدرس اللغة العربية‬
‫دراسة متعمقة من قراءة القرآن‪ .‬ولكنك تجد أميا لم يقرأ كلمة واحدة ومع ذلك يحفظ القرآن كله‪.‬‬
‫فإذا قلت كيف؟ نقول لك بسر ال فيه‪.‬‬
‫والكلم وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع‪ .‬المتكلم هو الذي بيده البداية‪ ،‬والسامع يفاجأ بالكلم‬
‫لنه ل يعلم مقدما ماذا سيقول المتكلم‪ ..‬وقد يكون ذهن السامع مشغول بشيء آخر‪ ..‬فل يستوعب‬
‫أول الكلمات‪ ..‬ولذلك قد تنبهه بحروف أو بأصوات ل مهمة لها إل التنبيه للكلم الذي سيأتي‬
‫بعدها‪ .‬وإذا كنا ل نفهم هذه الحروف‪ .‬فوسائل الفهم والعجاز في القرآن الكريم ل تنتهي‪ ،‬لن‬
‫القرآن كلم ال‪ .‬والكلم صفة من صفات المتكلم‪ ..‬ولذلك ل يستطيع فهم بشري أن يصل إلى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫منتهى معاني القرآن الكريم‪ ،‬إنما يتقرب منها‪ .‬لن كلم ال صفة من صفاته‪ ..‬وصفة فيها كمال‬
‫بل نهاية‪.‬‬
‫فإذا قلت إنك قد عرفت كل معنى للقرآن الكريم‪ ..‬فإنك تكون قد حددت معنى كلم ال بعلمك‪..‬‬
‫ولذلك جاءت هذه الحروف إعجازا لك‪ .‬حتى تعرف إنك ل تستطيع أن تحدد معاني القرآن‬
‫بعلمك‪..‬‬
‫إن عدم فهم النسان لشياء ل يمنع انتفاعه بها‪ ..‬فالريفي مثل ينتفع بالكهرباء والتليفزيون وما‬
‫يذاع بالقمر الصناعي وهو ل يعرف عن أي منها شيئا‪ .‬فلماذا ل يكون ال تبارك وتعالى قد‬
‫أعطانا هذه الحروف نأخذ فائدتها ونستفيد من اسرارها ويتنزل ال بها علينا بما أودع فيها من‬
‫فضل سواء أفهم العبد المؤمن معنى هذه الحروف أو لم يفهمها‪.‬‬
‫وعطاء ال سبحانه وتعالى وحكمته فوق قدرة فهم البشر‪ ..‬ولو أراد النسان أن يحوم بفكره‬
‫وخواطره حول معاني هذه الحروف لوجد فيها كل يوم شيئا جديدا‪ .‬لقد خاض العلماء في البحث‬
‫كثيرا‪ ..‬وكل عالم أخذ منها على قدر صفائه‪ ،‬ول يدعي أحد العلماء أن ذلك هو الحق المراد من‬
‫هذه الحروف‪ ..‬بل كل منهم يقول وال أعلم بمراده‪ .‬ولذلك نجد عالما يقول (ألر) و(حم) و(ن)‬
‫وهي حروف من فواتح السور تكون اسم الرحمن‪ ..‬نقول إن هذا ل يمكن ان يمثل فهما عاما‬
‫لحروف بداية بعض سور القرآن‪ ..‬ولكن ما الذي يتعبكم أو يرهقكم في محاولة ايجاد معان لهذه‬
‫الحروف؟!‪..‬‬
‫لو أن ال سبحانه وتعالى الذي أنزل القرآن يريد أن يفهمنا معانيها‪ ..‬لوردها بمعنى مباشر أو‬
‫أوضح لنا المعنى‪ .‬فمثل أحد العلماء يقول إن معنى (ألم) هو أنا ال اسمع وأرى‪ ..‬نقول لهذا‬
‫العالم لو أن ال أراد ذلك فما المانع من أن يورده بشكل مباشر لنفهمه جميعا‪ ..‬لبد أن يكون‬
‫هناك سر في هذه الحروف‪ ..‬وهذا السر هو من أسرار ال التي يريدنا أن ننتفع بقراءتها دون أن‬
‫نفهمها‪..‬‬
‫ولبد أن نعرف أنه كما أن للبصر حدودا‪ .‬وللذن حدودا وللمس والشم والتذوق حدودا‪ ،‬فكذلك‬
‫عقل النسان له حدود يتسع لها في المعرفة‪ ..‬وحدود فوق قدرات العقل ل يصل اليها‪.‬‬
‫والنسان حينما يقرأ القرآن والحروف الموجودة في أوائل بعض السور يقول إن هذا امر خارج‬
‫عن قدرته العقلية‪ ..‬وليس ذلك حجرا أو سَدّا لباب الجتهاد‪ ..‬لننا إن لم ندرك فإن علينا أن‬
‫نعترف بحدود قدراتنا أمام قدرات خالقنا سبحانه وتعالى التي هي بل حدود‪.‬‬
‫وفي اليمان هناك ما يمكن فهمه وما ل يمكن فهمه‪ ..‬فتحريم أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر ل‬
‫ننتظر حتى نعرف حكمته لنمتنع عنه‪ .‬ولكننا نمتنع عنه بإيمان أنه مادام ال قد حرمه فقد أصبح‬
‫حراما‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك يقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ما عرفتم من محكمه فاعملوا به‪ ،‬وما لم تدركوا‬
‫فآمنوا به "‪.‬‬
‫ح َكمَاتٌ هُنّ أُمّ ا ْلكِتَابِ وَُأخَرُ‬
‫وال سبحانه وتعالى يقول‪ُ {:‬هوَ الّذِي أَن َزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّ ْ‬
‫ن في قُلُو ِبهِمْ زَيْغٌ فَيَتّ ِبعُونَ مَا تَشَا َبهَ مِنْهُ ابْ ِتغَاءَ ا ْلفِتْنَ ِة وَابْ ِتغَاءَ تَ ْأوِيلِ ِه َومَا َيعْلَمُ‬
‫مُتَشَا ِبهَاتٌ فََأمّا الّذِي َ‬
‫تَ ْأوِيلَهُ ِإلّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ َيقُولُونَ آمَنّا بِهِ ُكلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا َومَا يَ ّذكّرُ ِإلّ ُأوْلُواْ الَلْبَابِ }‬
‫[آل عمران‪ ]7 :‬اذن فعدم فهمنا للمتشابه ل يمنع أن نستفيد من سر وضعه ال في كتابه‪ ..‬ونحن‬
‫نستفيد من أسرار ال في كتابه فهمناها أم لم نفهمها‪.‬‬

‫(‪)5 /‬‬
‫ذَِلكَ ا ْلكِتَابُ لَا رَ ْيبَ فِيهِ هُدًى لِ ْلمُ ّتقِينَ (‪)2‬‬

‫في الية الثانية من سورة البقرة وصف ال سبحانه وتعالى القرآن الكريم بأنه الكتاب‪ .‬وكلمة‬
‫(قرآن) معناها أنه يُقرأ‪ ،‬وكلمة (كتاب) معناها أنه ل يحفظ فقط في الصدور‪ ،‬ولكن يُدوّن في‬
‫السطور‪ ،‬ويبقى محفوظا إلى يوم القيامة‪ ،‬والقول بأنه الكتاب‪ ،‬تمييز له عن كل كتب الدنيا‪،‬‬
‫وتمييز له عن كل الكتب السماوية التي نزلت قبل ذلك‪ ،‬فالقرآن هو الكتاب الجامع لكل احكام‬
‫السماء‪ ،‬منذ بداية الرسالت حتى يوم القيامة‪ ،‬وهذا تأكيد لرتفاع شأن القرآن وتفرده وسماويته‬
‫ودليل على وحدانية الخالق‪ ،‬فمنذ فجر التاريخ‪ ،‬نزلت على المم السابقة كتب تحمل منهج السماء‪،‬‬
‫ولكن كل كتاب وكل رسالة نزلت موقوتة‪ ،‬في زمانها ومكانها‪ ،‬تؤدي مهمتها لفترة محددة وتجاه‬
‫قوم مُحّددين‪.‬‬
‫فرسالة نوح عليه السلم كانت لقومه‪ ،‬وكذلك ابراهيم ولوط وشعيب وصالح عليهم السلم‪ ..‬كل‬
‫هذه رسالت كان لها وقت محدود‪ ،‬تمارس مهمتها في الحياة‪ ،‬حتى يأتي الكتاب وهو القرآن‬
‫الكريم الجامع لمنهج ال سبحانه وتعالى‪ .‬ولذلك بُشر في الكتب السماوية التي نزلت قبل بعثة‬
‫محمد عليه الصلة والسلم بأن هناك رسول سيأتي‪ ،‬وأنه يحمل الرسالة الخاتمة للعالم‪ ،‬وعلى كل‬
‫الذين يصدقون بمنهج السماء أن يتبعوه‪ ..‬وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬الّذِينَ يَتّ ِبعُونَ‬
‫لمّيّ الّذِي َيجِدُونَهُ َمكْتُوبا عِن َدهُمْ فِي ال ّتوْرَا ِة وَالِنْجِيلِ }[من الية ‪ 157‬سورة‬
‫ياُ‬
‫الرّسُولَ النّ ِب ّ‬
‫العراف] والقرآن هو الكتاب‪ ،‬لنه لن يصل اليه أي تحريف أو تبديل‪ ،‬فرسالت السماء السابقة‬
‫ائتمن ال البشر عليها‪ ،‬فنسوا بعضها‪ ،‬وما لم ينسوه حرفوه‪ ،‬وأضافوا إليه من كلم البشر‪ ،‬ما‬
‫نسبوه إلى ال سبحانه وتعالى ظلما وبهتانا‪ ،‬ولكن القرآن الكريم محفوظ من الخالق العلى‪،‬‬
‫مصداقا لقوله تعالى‪ {:‬إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا َلهُ َلحَافِظُونَ }[الحجر‪ ]9 :‬ومعنى ذلك أل يرتاب‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫انسان في هذا الكتاب‪ ،‬لن كل ما فيه من منهج ال محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة‬
‫بقدرة ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫يقول الحق جل جلله‪ { :‬لَ رَ ْيبَ فِيهِ ُهدًى لّ ْلمُ ّتقِينَ }‪.‬‬
‫والِعجاز الموجود في القرآن الكريم هو في السلوب وفي حقائق القرآن وفي اليات وفيما ُر ِوىَ‬
‫لنا من قصص النبياء السابقين‪ ،‬وفيما صحح من التوراة والنجيل‪ ،‬وفيما أتى به من علم لم تكن‬
‫تعلمه البشرية ولزالت حتى الن ل تعلمه‪ ،‬كل ذلك يجعل القرآن ل ريب فيه‪ ،‬لنه لو اجتمعت‬
‫النس والجن ما استطاعوا أن يأتوا بآية واحدة من آيات القرآن‪ ،‬ولذلك كلما تأملنا في القرآن وفي‬
‫أسلوبه‪ ،‬وجدنا أنه بحق ل ريب فيه‪ ،‬لنه ل أحد يستطيع أن يأتي بآية‪ ،‬فما بالك بالقرآن‪.‬‬
‫فهذا الكتاب ارتفع فوق كل الكتب‪ ،‬وفوق مدارك البشر‪ ،‬يوضح آيات الكون‪ ،‬وآيات المنهج‪ ،‬وله‬
‫في كل عصر معجزات‪.‬‬
‫إن كلمة الكتاب التي وصف ال سبحانه وتعالى بها القرآن تمييزا له عن كل الكتب السابقة‪ ،‬تلفتنا‬
‫إلى معان كثيرة‪ ،‬تحدد لنا بعض أساسيات المنهج التي جاء هذا الكتاب ليبلغنا بها‪ .‬وأول هذه‬
‫الساسيات‪ ،‬أن نزول هذا الكتاب‪ ،‬يستوجب الحمد ل سبحانه وتعالى‪ .‬واقرأ في سورة الكهف‪{:‬‬
‫شدِيدا مّن لّدُنْهُ‬
‫ع َوجَا * قَيّما لّيُنْذِرَ بَأْسا َ‬
‫جعَل لّهُ ِ‬
‫ح ْمدُ لِلّهِ الّذِي أَنْ َزلَ عَلَىا عَبْ ِدهِ ا ْلكِتَابَ وََلمْ يَ ْ‬
‫الْ َ‬
‫حسَنا }[الكهف‪ 1 :‬ـ ‪ ]2‬ويلفت ال سبحانه‬
‫وَيُبَشّرَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ الّذِينَ َي ْعمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ َلهُمْ َأجْرا َ‬
‫وتعالى عباده الى أن إنزاله القرآن على رسوله صلى ال عليه وسلم يستوجب الحمد من البشر‬
‫جميعا‪ ،‬لن فيه منهج السماء‪ ،‬وفيه الرحمة من ال لعباده‪ ،‬وفيه البشارة بالجنة والطريق اليها‪،‬‬
‫وفيه التحذير من النار وما يقود اليها‪ ،‬وهذا التحذير أو النذار هو رحمة من ال تعالى لخلقه‪ .‬لنه‬
‫لو لم ينذرهم لفعلوا ما يستوجب العذاب‪ ،‬ويجعلهم يخلدون في عذاب اليم‪ .‬ولكن الكتاب الذي جاء‬
‫ليلفتهم الى ما يغضب ال‪ ،‬حتى يتجنبوه‪ ،‬إنما جاء برحمة تستوجب الحمد‪ ،‬لنها أرتنا جميعا‪،‬‬
‫الطريق الى النجاة من النار‪ ،‬ولو لم ينزل ال سبحانه وتعالى الكتاب‪ ،‬ما عرف الناس المنهج الذي‬
‫يقودهم الى الجنة‪ ،‬وما استحق احد منهم رضا ال ونعيمه في الخرة‪.‬‬
‫وفي سورة الكهف‪ ،‬نجد تأكيدا آخر‪ ..‬ان كتاب ال‪ ،‬وهو القرآن الكريم لن يستطيع بشر أن يبدل‬
‫ك لَ مُبَ ّدلَ ِلكَِلمَاتِ ِه وَلَن‬
‫حيَ إِلَ ْيكَ مِن كِتَابِ رَ ّب َ‬
‫منه كلمة واحدة‪ ،‬واقرأ قوله جل جلله‪ {:‬وَا ْتلُ مَآ ُأ ْو ِ‬
‫جدَ مِن دُونِهِ مُلْ َتحَدا }[الكهف‪ ]27 :‬ويبين ال سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب‪ ،‬جاء لنفع الناس‪،‬‬
‫تَ ِ‬
‫ولنفع العباد‪ ،‬وأن ال ليس محتاجا لخلقه‪ ،‬فهو قادر على أن يقهر من يشاء على الطاعة‪ ،‬ول يمكن‬
‫لخلق من خلق ال أن يخرج من كون ال عن مرادات ال‪ ،‬واقرأ قوله سبحانه وتعالى‪ {:‬طسم *‬
‫سمَآءِ‬
‫علَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ َ‬
‫تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ ا ْلمُبِينِ * َلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪ ]4 - 1 :‬ويأتي ال سبحانه وتعالى بالقسم الذي يلفتنا‬
‫آيَةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا خَا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الى أن كل كلمة من القرآن هي من عند ال‪ ،‬كما ابلغها جبريل عليه السلم لمحمد صلى ال عليه‬
‫عظِيمٌ * إِنّهُ َلقُرْآنٌ كَرِيمٌ‬
‫سمُ ِب َموَاقِعِ النّجُومِ * وَإِنّهُ َلقَسَمٌ ّلوْ َتعَْلمُونَ َ‬
‫وسلم في قوله سبحانه‪ {:‬فَلَ ُأقْ ِ‬
‫طهّرُونَ * تَنزِيلٌ مّن ّربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[الواقعة‪ ]80 - 75 :‬ثم‬
‫* فِي كِتَابٍ ّمكْنُونٍ * لّ َيمَسّهُ ِإلّ ا ْل ُم َ‬
‫يلفتنا الحق سبحانه وتعالى الى ذلك الكتاب الذي هو منهج للنسان على الرض‪ ،‬فبعد أن بين لنا‬
‫جل جلله‪ ،‬بما ل يدع مجال للشك أن الكتاب منزل من عنده‪ ،‬وأنه يصحح الكتب السابقة‬
‫كالتوراة‪ ،‬والنجيل والتي أئتمن ال عليها البشر‪ ،‬فحرفوها وبدلوها‪ ،‬وهذا التحريف أبطل مهمة‬
‫المنهج اللهي بالنسبة لهذه الكتب‪ ،‬فجاء الكتاب الذي لم يصل اليه تحريف ول تبديل‪ ،‬ليبقى منهجا‬
‫ل‪ ،‬الى ان تقوم الساعة‪.‬‬
‫أول ما جاء به هذا الكتاب هو إيمان القمة‪ ،‬بأنه ل إله إل ال الواحد الحد‪ ..‬وال سبحانه وتعالى‬
‫حقّ ُمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ َيدَيْهِ‬
‫حيّ ا ْلقَيّومُ * نَ ّزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫يقول‪ {:‬الم * اللّ ُه ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ الْ َ‬
‫وَأَن َزلَ ال ّتوْرَا َة وَالِنْجِيلَ }[آل عمران‪ ]3 - 1 :‬وهكذا نعرف ان الكتاب نزل ليؤكد لنا‪ ،‬ان ال‬
‫واحد أحد‪ ،‬ل شريك له‪ ،‬وأن القرآن يشتمل على كل ما تضمنته الشرائع السماوية من توراة‬
‫وانجيل‪ ،‬وغيرها من الكتب‪.‬‬
‫فالقرآن نزل ليفرق بين الحق الذي جاءت به الكتب السابقة‪ ،‬وبين الباطل الذي أضافه أولئك الذي‬
‫ائتمنوا عليها‪.‬‬
‫ثم يحدد الحق تبارك وتعالى لنا مهمتنا في أن هذا الكتاب مطلوب أن نبلغه للناس جميعا‪ ،‬واقرأ‬
‫قوله سبحانه‪ {:‬المص * كِتَابٌ أُن ِزلَ إِلَ ْيكَ فَلَ َيكُنْ فِي صَدْ ِركَ حَرَجٌ مّنْهُ لِتُنذِرَ بِ ِه وَ ِذكْرَىا‬
‫لِ ْل ُم ْؤمِنِينَ }[العراف‪ ]2 - 1 :‬فالخطاب هنا لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكل خطاب لرسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم في القرآن الكريم‪ ،‬يتضمن خطابا لمته جميعا‪ ،‬فالرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم كلف بأن يبلغ الكتاب للناس‪ ،‬ونحن مكلفون بأن نتبع المنهج نفسه ونبلغ ما جاء في القرآن‬
‫للناس حتى يكون الحساب عدل‪ ،‬وأنهم قد بلغوا منهج ال‪ ،‬ثم كفروا به أو تركوه‪ ،‬إذن فإبلغ‬
‫الكتاب من المهمات الساسية التي حددها ال سبحانه وتعالى بالنسبة للقرآن‪.‬‬
‫والكتاب فيه رد على حجج الكفار وأباطيلهم‪ .‬واقرأ قول ال تبارك وتعالى‪ {:‬الر تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ‬
‫س وَبَشّرِ الّذِينَ آمَنُواْ أَنّ َل ُهمْ قَ َدمَ‬
‫جلٍ مّ ْنهُمْ أَنْ أَنذِرِ النّا َ‬
‫حكِيمِ * َأكَانَ لِلنّاسِ عَجَبا أَنْ َأوْحَيْنَآ إِلَىا َر ُ‬
‫الْ َ‬
‫صِدْقٍ عِندَ رَ ّبهِمْ قَالَ ا ْلكَافِرُونَ إِنّ هَـاذَا لَسَاحِرٌ مّبِينٌ }[يونس‪ ]2 - 1 :‬وفي هذه اليات الكريمة‪:‬‬
‫يلفتنا ال سبحانه وتعالى إلى حقيقتين‪ ..‬الحقيقة الول هي أن الكفار يتخذون من بشرية الرسول‬
‫حُجة بأن هذا الكتاب ليس من عند ال‪ .‬وكان الرد هو‪ :‬أن كل الرسل السابقين كانوا بشرا‪ ،‬فما هو‬
‫العجب في أن يكون محمد صلى ال عليه وسلم رسولً بشرا‪ .‬واللفتة الثانية هي ان هذا القرآن‬
‫مكتوب بالحروف نفسها التي خلقها ال لنا لنكتب بها‪ ،‬ومع ذلك فإن القرآن الكريم نزل مستخدما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لهذه الحروف التي يعرفها الناس جميعا‪ ،‬معجزا في أل يستطيع النس والجن‪ ،‬مجتمعين أن يأتوا‬
‫بسورة واحدة منه‪ .‬ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى لفتة اخرى الى أن هذا الكتاب محكم اليات‪ ،‬ثم‬
‫ح ِك َمتْ آيَاتُهُ ثُمّ ُفصَّلتْ مِن لّدُنْ‬
‫بينه ال لعباده‪ ،‬واقرأ قوله جل جلله في سورة هود‪ {:‬الر كِتَابٌ أُ ْ‬
‫حكِيمٍ خَبِيرٍ * َألّ َتعْ ُبدُواْ ِإلّ اللّهَ إِنّنِي َلكُمْ مّ ْنهُ نَذِي ٌر وَبَشِيرٌ }‬
‫َ‬
‫[هود‪ ]2 - 1 :‬هذه هي بعض اليات في القرآن الكريم‪ ،‬التي أراد ال سبحانه وتعالى أن يلفتنا‬
‫فيها الى معنى الكتاب‪ ،‬فآياته من عند ال الحكيم الخبير‪ ،‬وكل آية فيها اعجاز مُتَحدّى به النس‬
‫والجن‪ ،‬وهذا الكتاب لبد أن يبلغ للناس جميعا‪ ،‬فالكتاب ينذرهم أل يعبدوا إل ال‪ ،‬ليكون الحساب‬
‫عدل في الخرة‪ ،‬فمن أنذر وأطاع كان له الجنة‪ ،‬ومن عصى كانت له النار والعياذ بال‪.‬‬
‫ثم يلفتنا ال الى ان هذا الكتاب فيه قصص النبياء السابقين منذ آدم عليه السلم‪ ،‬يقول جل‬
‫جلله‪ {:‬الر تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ ا ْلمُبِينِ * إِنّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنا عَرَبِيّا ّلعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ * نَحْنُ َنقُصّ عَلَ ْيكَ‬
‫ن وَإِن كُنتَ مِن قَبِْلهِ َلمِنَ ا ْلغَافِلِينَ }[يوسف‪]3 - 1:‬‬
‫حسَنَ ا ْل َقصَصِ ِبمَآ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ هَـاذَا ا ْلقُرْآ َ‬
‫أَ ْ‬
‫وهكذا نجد أن القرآن الكريم‪ ،‬قد جاء ليقص علينا أحسن القصص بالنسبة للنبياء السابقين‪،‬‬
‫والحداث التي وقعت في الماضي‪ ،‬ولم يأت القرآن بهذه القصص للتسلية أو للترفيه‪ ،‬وإنما جاء‬
‫بها للموعظة ولتكون عبرة ايمانية‪ ،‬ذلك أن القصص القرآني يتكرر في كل زمان ومكان‪.‬‬
‫ففرعون هو كل حاكم طغى في الرض‪ ،‬ونصب نفسه إلها‪ ،‬وقارون هو كل من أنعم ال عليه‬
‫فنسب النعمة الى نفسه‪ ،‬وتكبر وعصى ال‪ ،‬وقصة يوسف هي قصة كل اخوة حقدوا على أخ لهم‪،‬‬
‫وتآمروا عليه‪ ،‬وأهل الكهف هم كل فتية آمنوا بربهم‪ ،‬فنشر ال لهم من رحمته في الدنيا والخرة‪،‬‬
‫ما عدا قصة واحدة هي قصة مريم وعيسى عليهما السلم‪ ،‬فهي معجزة لن تتكرر ولذلك عرف‬
‫ال سبحانه وتعالى ابطالها‪ ،‬فقال عيسى بن مريم وقال مريم ابنة عمران‪.‬‬
‫والكتاب الذي أنزله ال سبحانه وتعالى فيه لفتة الى آيات ال في كونه‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬المر‬
‫س لَ ُي ْؤمِنُونَ * اللّهُ الّذِي َرفَعَ‬
‫ب وَالّذِي أُن ِزلَ إِلَ ْيكَ مِن رّ ّبكَ ا ْلحَقّ وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ النّا ِ‬
‫تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَا ِ‬
‫جلٍ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ ُكلّ يَجْرِي لَ َ‬
‫شمْ َ‬
‫عمَدٍ تَ َروْ َنهَا ثُمّ اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ وَسَخّرَ ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫ال ّ‬
‫صلُ اليَاتِ َلعَّلكُمْ بِِلقَآءِ رَ ّبكُمْ تُوقِنُونَ }[الرعد‪ ]2 - 1 :‬وهكذا بين لنا ال‬
‫لمْرَ ُيفَ ّ‬
‫سمّـى ُيدَبّ ُر ا َ‬
‫مّ َ‬
‫في الكتاب آياته في الكون ولفتنا اليها‪ ،‬فالسماء مرفوعة بغير عمد نراها‪ ،‬والشمس والقمر‬
‫مسخران لخدمة النسان‪ ،‬وهذه كلها آيات ل يستطيع أحد من خلق ال أن يدعيها لنفسه أو لغيره‪،‬‬
‫فل يوجد‪ ،‬حتى يوم القيامة من يستطيع ان يدعي انه رفع السماء بغير عمد‪ ،‬أو أنه خلق الشمس‬
‫والقمر وسخرهما لخدمة النسان‪ .‬ولو تدبر الناس في آيات الكون لمنوا ولكنهم في غفلة عن هذه‬
‫اليات‪ .‬ثم يحدد الحق سبحانه وتعالى مهمة هذا الكتاب وكيف أنه رحمة للناس جميعا‪ ،‬فيقول جل‬
‫جلله‪ {:‬الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَ ْيكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَ ّبهِمْ إِلَىا صِرَاطِ ا ْلعَزِيزِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شدِيدٍ }‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ َووَ ْيلٌ لّ ْلكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ َ‬
‫حمِيدِ * اللّهِ الّذِي َلهُ مَا فِي ال ّ‬
‫الْ َ‬
‫[إبراهيم‪ ]2 - 1 :‬أي أن مهمة هذا الكتاب هي أن يخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والشرك‬
‫الي نور اليمان‪ ،‬لن كل كافر مشرك تحيط به ظلمات‪ ،‬يرى اليات فل يبصرها‪ ،‬ويعرف أن‬
‫هناك حسابا وآخرة ولكنه ينكرهما‪ ،‬ول يرى إل الحياة الدنيا القصيرة غير المأمونة في كل شيء‪،‬‬
‫في العمر والرزق والمتعة‪ ،‬ولو تطلع الى نور اليمان‪ ،‬لرأى الخرة وما فيها من نعيم أبدي‬
‫وَل َعمِلَ من أجلها‪ ،‬ولكن لنه تحيط به الظلمات ل يرى‪ ..‬والطريقُ لن يرى هو هذا الكتاب‪،‬‬
‫القرآن الكريم لنه يخرج الناس إذا قرأوه من ظلمات الجهل والكفر الى نور الحقيقة واليقين‪ .‬وبين‬
‫الحق سبحانه وتعالى أن الذين يلتفتون الى الدنيا وحدها‪ ،‬هم كالنعام التي تأكل وتشرب‪ ،‬بل ان‬
‫النعام افضل منهم‪ ،‬لن النعام تقوم بمهمتها في الحياة‪ ،‬بينما هم ل يقومون بمهمة العبادة‪ ،‬فيقول‬
‫الحق تبارك وتعالى‪ {:‬الرَ تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ َوقُرْآنٍ مّبِينٍ * رّ َبمَا َيوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ َلوْ كَانُواْ ُمسِْلمِينَ‬
‫س ْوفَ َيعَْلمُونَ }[الحجر‪ ]3 - 1 :‬هكذا يخبرنا الحق أن‬
‫ل َملُ فَ َ‬
‫* ذَ ْرهُمْ يَ ْأكُلُو ْا وَيَ َتمَ ّتعُو ْا وَيُ ْل ِههِ ُم ا َ‬
‫آيات كتابه الكريم ومنهجه ل تؤخذ بالتمني‪ ،‬ولكن لبد أن يعمل بها‪ ،‬وأن الذين كفروا في تمتعهم‬
‫بالحياة الدنيا ل يرتفعون فوق مرتبة النعام‪ ،‬وأنهم يتعلقون بأمل كاذب في أن النعيم في الدنيا‬
‫فقط‪ ،‬ولكن الحقيقة غير ذلك وسوف يعلمون‪.‬‬
‫وهكذا بعد أن تعرضنا بإيجاز لبعض اليات التي ورد فيها ذكر الكتاب انه كتاب يبصرنا بقضية‬
‫القمة في العقيدة وهي أنه ل إله إل ال وأن محمدا صلى ال عليه وسلم رسول ال‪ ،‬وهو بهذا‬
‫يخرج الناس من الظلمات الى النور‪.‬‬
‫وأن يلفتهم الى آيات الكون‪ ..‬وأن يعرفوا أن هناك آخرة ونعيما أبديا وشقاء أبديا‪ ،‬وأن يقيم الدليل‬
‫والحجة على الكافرين‪ ،‬وأن قوله تعالى‪ } :‬ذَِلكَ ا ْلكِتَابُ { يحمل معنى التفوق الكامل الشامل على‬
‫كل ما سبقه من كتب‪ .‬وأنه سيظل كذلك حتى قيام الساعة ولذلك وصفه الحق تبارك وتعالى بأنه "‬
‫كتاب " ليكون دليل على الكمال‪.‬‬
‫ولبد أن نعرف أن ذلك ليست كلمة واحدة‪ ..‬وانما هي ثلث كلمات‪ " ..‬ذا " اسم اشارة‪ " ..‬واللم‬
‫" تدل على البتعاد ورفعة شأن القرآن الكريم‪ ،‬و " ك " لمخاطبة الناس جميعا بأن القرآن الكريم‬
‫له عمومية الرسالة الى يوم القيامة‪.‬‬
‫ونحن عندما نقرأ سورة البقرة نستطيع أن نقرأ آيتها الثانية بطريقتين‪ ..‬الطريقة الولى أن نقول }‬
‫ب لَ رَ ْيبَ فِيهِ { ثم نصمت قليل ونضيف‪ } :‬هُدًى لّ ْلمُ ّتقِينَ { والطريقة الثانية أن‬
‫الم * ذَِلكَ ا ْلكِتَا ُ‬
‫نقول‪ } :‬الم * ذَِلكَ ا ْلكِتَابُ لَ رَ ْيبَ { ثم نصمت قليل ونضيف‪ :‬فيه هدى للمتقين " وكلتا الطريقتين‬
‫توضح لنا معنى ل ريب أي ل شك‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪ .‬أو نفي للشك وجزم مطلق أنه كتاب حكيم منزل من الخالق العلى‪ .‬وحتى نفهم المنطلق الذي‬
‫نأخذ منه قضايا الدين‪ ،‬والتي سيكون دستورنا في الحياة‪ ،‬فلبد ان نعرف ما هو الهدى ومن هم‬
‫المتقون؟ الهدى هو الدللة على طريق يوصلك الى ما تطلبه‪ .‬فالشارات التي تدل المسافر على‬
‫الطريق هي هدى له لنها تبين له الطريق الذي يوصله الى المكان الذي يقصده‪ ..‬والهدى يتطلب‬
‫هاديا ومهديا وغاية تريد أن تحققه‪ .‬فاذا لم يكن هناك غاية أو هدف فل معنى لوجود الهدى لنك‬
‫ل تريد أن تصل الى شيء‪ ..‬وبالتالي ل تريد من أحد أن يدلك على طريق‪.‬‬
‫اذن لبد أن نوجد الغاية أول ثم نبحث عمن يوصلنا اليها‪.‬‬
‫وهنا نتساءل من الذي يحدد الهدف ويحدد لك الطريق للوصول إليه؟ اذا اخذنا بواقع حياة الناس‬
‫فإن الذي يحدد لك الهدف لبد أن تكون واثقا من حكمته‪ ..‬والذي يحدد لك الطريق لبد أن يكون‬
‫له من العلم ما يستطيع به أن يدلك على أقصر الطرق لتصل الى ما تريد‪.‬‬
‫فاذا نظرنا الى الناس في الدنيا نجد أنهم يحددون مطلوبات حياتهم ويحددون الطريق الذي يحقق‬
‫هذه المطلوبات‪ ..‬فالذي يريد أن يبني بيتا مثل يأتي بمهندس يضع له الرسم‪ ،‬ولكن الرسم قد يكون‬
‫قاصرا على أن يحقق الغاية المطلوبة فيظل يغير ويبدل فيه‪ .‬ثم يأتي مهندس على مستوى أعلى‬
‫فيضع تصورا جديدا للمسألة كلها‪ ..‬وهكذا يكون الهدف متغيرا وليس ثابتا‪.‬‬
‫وعند التنفيذ قد ل توجد المواد المطلوبة فنغير ونبدل لنأتي بغيرها ثم فوق ذلك كله قد تأتي قوة‬
‫أعلى فتوقف التنفيذ أو تمنعه‪ .‬إذن فأهداف الناس متغيرة تحكمها ظروف حياتهم وقدراتهم‪..‬‬
‫والغايات التي يطلبونها ل تتحقق لقصور علم البشر وامكاناته‪.‬‬
‫اذن فكلنا محتاجون الى كامل العلم والحكمة ليرسم لنا طريق حياتنا‪ ..‬وأن يكون قادرا على كل‬
‫شيء‪ ،‬ومالكا لكل شيء‪ ،‬والكون خاضعا لرادته حتى نعرف يقينا أن ما نريده سيتحقق‪ ،‬وأن‬
‫الطريق الذي سنسلكه سيوصلنا الى ما نريده‪ .‬وينبهنا ال سبحانه وتعالى الى هذه القضية فيقول‪:‬‬
‫{ ُقلْ إِنّ هُدَى اللّهِ ُهوَ ا ْلهُدَىا }[البقرة‪]120 :‬‬
‫ان ال يريد أن يلفت خلقه الى انهم إذا أرادوا أن يصلوا الى الهدف الثابت الذي ل يتغير فليأخذوه‬
‫عن ال‪ .‬وإذا أرادوا أن يتبعوا الطريق الذي ل توجد فيه أي عقبات أو متغيرات‪ ..‬فليأخذوا‬
‫طريقهم عن ال تبارك وتعالى‪ ..‬إنك اذا اردت باقيا‪ ..‬فخذ من الباقي‪ ،‬واذا أردت ثابتا‪ ..‬فخذ من‬
‫الثابت‪ .‬ولذلك كانت قوانين البشر في تحديد أهدافهم في الحياة وطريقة الوصول اليها قاصرة‪.‬‬
‫‪ .‬علمت أشياء وغابت عنها أشياء‪ ..‬ومن هنا فهي تتغير وتتبدل كل فترة من الزمان‪.‬‬
‫ذلك أن من وضع القوانين من البشر له هدف يريد أن يحققه‪ ،‬ولكن ال جل جلله ل هوى له‪..‬‬
‫فإذا أردت أن تحقق سعادة في حياتك‪ ،‬وأن تعيش آمنا مطمئنا‪ ..‬فخذ الهدف عن ال‪ ،‬وخذ الطريق‬
‫عن ال‪ .‬فإن ذلك ينجيك من قلق متغيرات الحياة التي تتغير وتتبدل‪ .‬وال قد حدد لخلقه ولكل ما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في كونه أقصر طريق لبلوغ الكون سعادته‪ .‬والذين ل يأخذون هذا الطريق يتعبون أنفسهم‬
‫ويتعبون مجتمعهم ول يحققون شيئا‪.‬‬
‫اذن فالهدف يحققه ال لك‪ ،‬والطريق يبينه ال لك‪ ..‬وما عليك إل أن تجعل مراداتك في الحياة‬
‫خاضعة لما يريده ال‪.‬‬
‫ويقول ال سبحانه وتعالى‪ } :‬هُدًى لّ ْلمُ ّتقِينَ {‪ ..‬ما معنى المتقين؟ متقين جمع متق‪ .‬والتقاء من‬
‫الوقاية‪ ..‬والوقاية هي الحتراس والبعد عن الشر‪ ..‬لذلك يقول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ‬
‫س وَا ْلحِجَا َرةُ }[التحريم‪ ]6 :‬أي اعملوا بينكم وبين النار‬
‫سكُ ْم وَأَهْلِيكُمْ نَارا َوقُودُهَا النّا ُ‬
‫آمَنُواْ قُواْ أَنفُ َ‬
‫وقاية‪ .‬احترسوا من أن تقعوا فيها‪ ..‬ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق سبحانه وتعالى‬
‫يقول في القرآن الكريم ـ والقرآن كله كلم ال ـ " اتقوا ال " ويقول‪ " :‬اتقوا النار "‪ .‬كيف نأخذ‬
‫سلوكا واحدا تجاه الحق سبحانه وتعالى وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟!‬
‫ال تعالى يقول‪ " :‬اتقوا النار "‪ .‬أي ل تفعلوا ما يغضب ال حتى ل تعذبوا في النار‪ ..‬فكأنك قد‬
‫جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي وفعلت الخير‪.‬‬
‫وقول تعالى‪ " :‬اتقوا ال " كيف نتقيه بينما نحن نطلب من ال كل النعم وكل الخير دائما‪ .‬كيف‬
‫يمكن أن يتم هذا؟ وكيف نتقي من نحب؟‪.‬‬
‫نقول ان ل سبحانه وتعالى صفات جلل وصفات جمال‪ ..‬صفات الجلل تجدها في القهار‬
‫والجبار والمذل‪ ..‬والمنتقم‪ .‬والضار‪ .‬كل هذا من متعلقات صفات الجلل‪ ..‬بل إن النار من‬
‫متعلقات صفات الجلل‪.‬‬
‫أما صفات الجمال فهي الغفار والرحيم وكل الصفات التي تتنزل بها رحمات ال وعطاءاته على‬
‫خلقه‪ .‬فاذا كنت تقي نفسك من النار ـ وهي من متعلقات صفات الجلل ـ لبد أن تقي نفسك من‬
‫صفات الجلل كلها‪ .‬لنه قد يكون من متعلقاتها ما أشد عذابا وايلما من النار‪ ..‬فكأن الحق‬
‫سبحانه وتعالى حين يقول‪ " :‬اتقوا النار "‪ .‬و‪ " :‬اتقوا ال " يعني أن نتقي غضب ال الذي يؤدي بنا‬
‫الى أن نتقي كل صفات جلله‪ ..‬ونجعل بيننا وبينها وقاية‪ .‬فمن اتقى صفات جلل ال أخذ صفات‬
‫جماله‪.‬‬
‫‪ .‬ولذلك يقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلى الجبار‬
‫بالمغفرة " وكان المنطق يقتضي أن يقول رسول ال صلى ال عليه وسلم (تجلى الرحمن‬
‫بالمغفرة) ولكن مادامت هناك ذنوب‪ ،‬فالمقام لصفة الجبار الذي يعذب خلقه بذنوبهم‪ .‬فكأن صفة‬
‫الغفار تشفع عند صفة الجبار‪ ..‬وصفة الجبار مقامها للعاصين‪ ،‬فتأتي صفة الغفار لتشفع عندها‪،‬‬
‫فيغفر ال للعاصين ذنوبهم‪ ،‬وجمال المقابلة هنا حينما يتجلى الجبار بجبروته بالمغفرة فساعة تأتي‬
‫كلمة جبار‪ ..‬يشعر النسان بالفزع والخوف والرعب‪ .‬لكن عندما تسمع (تجلى الجبار بالمغفرة)‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإن السعادة تدخل الى قلبك‪ .‬لنك تعرف أن صاحب العقوبة وهو قادر عليها قد غفر لك‪ .‬والنار‬
‫ليست آمرة ول فاعلة بذاتها ولكنها مأمورة‪ .‬اذن فاستعذ منها بالمر أو بصفات الجمال في المر‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى } هُدًى لّ ْلمُ ّتقِينَ { ولقد قلنا ان الهدى هدى ال‪ ..‬لنه هو الذي حدد‬
‫الغاية من الخلق ودلنا على الطريق الموصل اليها‪ .‬فكون ال هو الذي حدد المطلوب ودلنا على‬
‫الطريق اليه فهذه قمة النعمة‪ ..‬لنه لم يترك لنا أن نحدد غايتنا ول الطريق اليها‪ .‬فرحمنا بذلك‬
‫مما سنتعرض له من شقاء في أن نخطئ ونصيب بسبب علمنا القاصر‪ ،‬فنشقى وندخل في‬
‫تجارب‪ ،‬ونمشي في طرق ثم نكتشف أننا قد ضللنا الطريق فنتجه الى طريق آخر فيكون اضل‬
‫وأشقى‪.‬‬
‫وهكذا نتخبط دون أن نصل الى شيء‪ ..‬وأراد سبحانه أن يجنبنا هذا كله فأنزل القرآن الكريم‪..‬‬
‫كتابا فيه هداية للناس وفيه دللة على أقصر الطرق لكي نتقي عذاب ال وغضبه‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى قال‪ } :‬هُدًى لّ ْلمُ ّتقِينَ { أي أن هذا القرآن هدى للجميع‪ ..‬فالذي يريد أن يتقي‬
‫عذاب ال وغضبه يجد فيه الطريق الذي يحدد له هذه الغاية‪ ..‬فالهدى من الحق تبارك وتعالى‬
‫للناس جميعا‪ .‬ثم خص من آمن به بهدى آخر‪ ،‬وهو أن يعينه على الطاعة‪.‬‬
‫اذن فهناك هدى من ال لكل خلقه وهو أن يدلهم سبحانه وتعالى ويبين لهم الطريق المستقيم‪ .‬هذا‬
‫هو هدى الدللة‪ ،‬وهو أن يدل ال خلقه جميعا على الطريق الى طاعته وجنته‪ .‬واقرأ قوله تبارك‬
‫وتعالى‪ {:‬وََأمّا َثمُودُ َفهَدَيْنَاهُمْ فَاسْ َتحَبّواْ ا ْل َعمَىا عَلَى ا ْلهُدَىا }[فصلت‪ ]17 :‬اذن الحق سبحانه‬
‫وتعالى دلهم على طريق الهداية‪ ..‬ولكنهم أحبوا طريق الغواية والمعصية واتبعوه‪ ..‬هذه هداية‬
‫الدللة‪ ..‬أما هداية المعونة ففي قوله سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ اهْ َت َدوْاْ زَادَ ُهمْ ُهدًى وَآتَاهُمْ َتقُوَا ُهمْ }[محمد‪:‬‬
‫‪ ]17‬وهذه هي دللة المعونة‪ ..‬وهي ل تحق إل لمن آمن بال واتبع منهجه وأقبل على هداية‬
‫الدللة وعمل بها‪ ..‬وال سبحانه وتعالى ل يعين من يرفض هداية الدللة‪ ،‬بل يتركه يضل ويشقى‪.‬‬
‫‪ .‬ونحن حين نقرأ القرآن الكريم نجد أن ال تبارك وتعالى‪ :‬يقول لنبيه ورسوله صلى ال عليه‬
‫ت وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن يَشَآءُ }[القصص‪ ]56 :‬وهكذا نفى ال‬
‫ك لَ َتهْدِي مَنْ أَحْبَ ْب َ‬
‫وسلم‪ {:‬إِ ّن َ‬
‫سبحانه وتعالى عن رسوله صلى ال عليه وسلم أن يكون هاديا لمن أحب‪ ..‬ولكن الحق يقول‬
‫لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ {:‬وَإِ ّنكَ لَ َت ْهدِي إِلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ }[الشورى‪ ]52 :‬فكيف يأتي هذا‬
‫الختلف مع أن القائل هو ال‪.‬‬
‫نقول‪ :‬عندما تسمع هذه اليات اعلم أن الجهة منفكة‪ ..‬يعني ما نفى غير ما أثبت‪ ..‬ففي غزوة بدر‬
‫مثل أخذ رسول ال صلى ال عليه وسلم حفنة من الحصى قذفها في وجه جيش قريش‪ .‬يأتي‬
‫ت وَلَـاكِنّ اللّهَ َرمَىا }‬
‫القرآن الكريم الى هذه الواقعة فيقول الحق سبحانه‪َ {:‬ومَا َرمَ ْيتَ إِذْ َرمَ ْي َ‬
‫[النفال‪ ]17 :‬نفي للحدث وإثباته في الية نفسها‪ ..‬كيف رمى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مع أن ال تبارك وتعالى قال‪َ } :‬ومَا َرمَ ْيتَ {؟! نقول إنه في هذه الية الجهة منفكة‪ .‬الذي رمى‬
‫هو رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن الذي أوصل الحصى الى كل جيش قريش لتصيب كل‬
‫مقاتل فيهم هي قدرة ال سبحانه وتعالى‪ .‬فما كان لرمية رسول ال صلى ال عليه وسلم حفنة من‬
‫الحصى يمكن أن تصل الى كل جيش الكفار‪ ،‬ولكن قدرة ال هي التي جعلت هذا الحصى يصيب‬
‫كل جندي في الجيش‪.‬‬
‫أما قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ } :‬وَإِ ّنكَ لَ َتهْدِي ِإلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ {‪.‬‬
‫فهي هداية دللة‪ .‬أي أن رسول ال صلى ال عليه وسلم بتبليغه للقرآن وبيانه لمنهج ال قد دل‬
‫ك لَ َتهْدِي مَنْ َأحْبَ ْبتَ‬
‫الناس كل الناس على الطريق المستقيم وبينه لهم‪ .‬وقوله تبارك وتعالى‪ } :‬إِ ّن َ‬
‫وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن َيشَآءُ {‪ ..‬أي إنك ل توصل الهداية الى القلوب لن ال سبحانه وتعالى هو‬
‫الذي يهدي القلوب ويزيدها هدى وإيمانا‪ .‬ولذلك أطلقها ال تبارك وتعالى قضية ايمانية عامة في‬
‫قوله‪ُ } :‬قلْ إِنّ ا ْلهُدَىا هُدَى اللّهِ { فالقرآن الكريم يحمل هداية الدللة للذين يريدون أن يجعلوا‬
‫بينهم وبين غضب ال وعذابه وقاية‪.‬‬

‫(‪)6 /‬‬
‫الّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ بِا ْلغَ ْيبِ وَيُقِيمُونَ الصّلَاةَ َو ِممّا رَ َزقْنَا ُهمْ يُ ْنفِقُونَ (‪)3‬‬

‫بعد أن بين ال سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب ـ وهو القرآن الكريم ـ { هُدًى لّ ْلمُتّقِينَ }‪ ..‬أي‬
‫أن فيه المنهج والطريق لكل من يريد أن يجعل بينه وبين غضب ال وقاية‪ ..‬أراد أن يعرفنا‬
‫صفات هؤلء المتقين ومن هم‪ ..‬وأول صفة هي قوله تعالى‪ { :‬الّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ بِا ْلغَ ْيبِ }‪..‬‬
‫ما هو الغيب الذي جعله ال أول مرتبة في الهدى‪ ..‬وفي الوقاية من النار ومن غضب ال؟‪..‬‬
‫الغيب هو كل ما غاب عن مدركات الحس‪ .‬فالشياء المحسة التي نراها ونلمسها ل يختلف فيها‬
‫أحد‪ ..‬ولذلك يقال ليس مع العين أين‪ ..‬لن ما تراه ل تريد عليه دليل‪ ..‬ولكن الغيب ل تدركه‬
‫الحواس‪ ..‬إنما يدرك بغيرها‪..‬‬
‫ومن الدللة على دقة التعريف أنهم قالوا أن هناك خمس حواس ظاهرة هي‪ :‬السمع والبصر والشم‬
‫والذوق واللمس‪ ..‬ولكن هناك أشياء تدرك بغير هذه الحواس‪..‬‬
‫لنفرض أن أمامنا حقيبتين‪ ..‬الشكل نفسه والحجم نفسه‪ .‬هل تستطيع بحواسك الظاهرة أن تدرك‬
‫أيهما أثقل من الخرى؟‪ .‬هل تستطيع الحواس الخمس أن تقول لك أي الحقيبتين أثقل؟‪ ..‬ل‪ ..‬لبد‬
‫أن تحمل واحدة منهما ثم تحمل الخرى لتعرف أيهما أثقل‪..‬‬
‫بأي شيء أدركت هذا الثقل؟‪ ..‬بحاسة العضل‪ ..‬لن عضلتك أُجهدت عندما حملت احدى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحقيبتين‪ ،‬ولم تجهد عندما حملت الثانية‪ ..‬فعرفت بالدقة أيهما أثقل‪ ..‬ل تقل باللمس؛ لنك لو‬
‫لمست احداهما ثم لمست الخرى ل تعرف أيهما أثقل‪ ..‬إذن فهناك حاسة العضل التي تقيس بها‬
‫ثقل الشياء‪..‬‬
‫ولنفرض أنك دخلت محل لبيع القماش‪ ،‬وأمامك نوعان من قماش واحد‪ ..‬ولكن أحدهما أرق من‬
‫الخر‪ ..‬بمجرد أن تضع القماشين بين أنامِلك تدرك أن أحدهما رقيق والخر أكثر سمكا‪ ..‬بأي‬
‫حاسة أدركت هذا؟ ليس بحاسة اللمس ولكن بحاسة البينة وحكمها ل يخطئ‪..‬‬
‫وعندما تشعر بالجوع‪ ..‬بأي حاسة أدركت أنك جوعان؟‪ ..‬ليس بالحواس الظاهرة‪ ..‬وكذلك عندما‬
‫تظمأ‪ ..‬ما هي الحاسة التي أدركت بها أنك محتاج الى الماء‪ ..‬وعندما تكون نائما‪ ..‬أي حاسة تلك‬
‫التي توقظك من النوم‪ ..‬ل أحد يعرف‪..‬‬
‫اذن هناك ملكات في النفس وهي الحواس الظاهرة‪ ..‬وهناك ادراكات في النفس‪ ..‬وهي حواس ل‬
‫يعلمها إل خالقها‪ ..‬لذلك عندما يأتي العلماء ليضعوا تعريفا للنفس البشرية نقول لهم‪ :‬ماذا تعرفون‬
‫عن هذه النفس؟!‪ ..‬انكم ل تعلمون إل ظاهرا من الحياة الدنيا‪ ..‬ولكن هناك أشياء داخل النفس ل‬
‫تعرفونها‪ ..‬هناك ادراكات ل يعلم عنها النسان شيئا‪ ،‬وهي ادراكات كثيرة ومتعددة‪.‬‬
‫‪ .‬لذلك يخطئ من يقول إن ما ل يدرك بالحواس البشرية الظاهرة هو غيب‪ ..‬لن هناك ملكات‬
‫وادراكات متعددة تعمل بغير علم منا‪.‬‬
‫لو أعطى لطالب تمرين هندسي فحله وأتى بالجواب‪ ..‬هل نقول أنه عَِلمَ غيبا؟‪ ..‬لن حل التمرين‬
‫كان غيبا عنه ثم وصل اليه‪ ..‬ل‪ ..‬لن هناك مقدمات وقوانين أوصلته الى هذا الحل‪ ..‬والغيب بل‬
‫مقدمات ول قوانين تؤدي اليه‪ ،‬وهل عندما تعلن الرصاد الجوية أن غدا يوم مطير شديد الرياح‪..‬‬
‫أتكون قد عَِل َمتْ غيبا؟‪ ..‬ل‪ ..‬لنها أخذت المقدمات ووصلت بها الى نتائج وهذا ليس غيبا‪..‬‬
‫واذا جاء أحد من الدجالين وقال لك ان ما سرق منك عند فلن‪ ..‬أيكون قد علم الغيب؟‪ ..‬ل‪ ..‬لنه‬
‫يشترط في الغيب أل يكون معلوما لمثلك‪ ..‬وما سرق منك معلوم لمثلك‪ ..‬فالسارق والذي بيعت له‬
‫المسروقات يعرفان من الذي سرق‪ ،‬وما الذي حدث‪ ..‬والشرطة تستطيع بالمقدمات والبصمات‬
‫والبحث أن تصل الى السارق ومن اشترى المسروقات‪ ..‬وإذا جاءك دجال من الذين يسخرون‬
‫الجن‪ ..‬والمعروف أن الجن مستورعنا يمتاز بخفة الحركة وسرعتها‪ ..‬وال سبحانه وتعالى يقول‬
‫ث لَ تَ َروْ َنهُمْ }[العراف‪ ]27 :‬فقد يكون هذا المستعان‬
‫عن الشيطان‪ {:‬إِنّهُ يَرَاكُمْ ُهوَ َوقَبِيلُهُ مِنْ حَ ْي ُ‬
‫به من الجن قد رأى شيئا‪ ..‬أو انتقل من مكان إلى آخر‪ ..‬فيعرف شيئا ل تعرفه أنت‪ ..‬هذا ل‬
‫يكون غيبا لنك جهلته‪ ،‬ولكن غيرك يعلمه بقوانينه التي خلقها ال له‪ ..‬والعلماء الذين يكتشفون‬
‫أسرار الكون‪ ..‬أيقال إنهم أطلعوا على الغيب؟‪ ..‬ل‪ ..‬لن هؤلء العلماء اكتشفوا موجودا له‬
‫مقدمات فوصلوا الى هذه النتائج فهو ليس غيبا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن ما هو الغيب؟‪..‬‬
‫هو الشيء الذي ليس له مقدمات ول يمكن أن يصل اليه علم خَ ْلقٍ من خلق ال حتى الملئكة‪..‬‬
‫واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى حينما عَلّمَ آدم السماء كلها وعرضهم على الملئكة قال جل‬
‫سمَآءِ هَـاؤُلءِ إِن كُنْ ُتمْ‬
‫ضهُمْ عَلَى ا ْلمَلَ ِئكَةِ َفقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَ ْ‬
‫سمَآءَ كُّلهَا ثُمّ عَ َر َ‬
‫جلله‪ {:‬وَعَلّمَ ءَا َد َم الَ ْ‬
‫حكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِ ْئهُمْ‬
‫ك لَ عِلْمَ لَنَآ ِإلّ مَا عَّلمْتَنَآ إِ ّنكَ أَ ْنتَ ا ْلعَلِيمُ ا ْل َ‬
‫صَا ِدقِينَ * قَالُواْ سُ ْبحَا َن َ‬
‫ت وَالَ ْرضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫سمَآ ِئهِمْ قَالَ أَلَمْ َأ ُقلْ ّلكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَ ْيبَ ال ّ‬
‫سمَآ ِئهِمْ فََلمّآ أَنْبََأهُمْ بَِأ ْ‬
‫بِأَ ْ‬
‫َومَا كُنْ ُتمْ َتكْ ُتمُونَ }[البقرة‪ ]33 - 31 :‬والجن أيضا ل يعلم الغيب‪ ..‬ولذلك عندما مات سليمان‬
‫سخّرَ له الجن لم تعلم الجن بموته إل عندما أكلت دابة‬
‫عليه السلم‪ ..‬وكان ال سبحانه وتعالى قد َ‬
‫الرض عصاه‪ ..‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬فََلمّا َقضَيْنَا عَلَيْهِ ا ْل َم ْوتَ مَا دَّلهُمْ عَلَىا َموْتِهِ ِإلّ دَابّةُ‬
‫الَ ْرضِ تَ ْأ ُكلُ مِنسَأَتَهُ فََلمّا خَرّ تَبَيّ َنتِ ا ْلجِنّ أَن ّلوْ كَانُواْ َيعَْلمُونَ ا ْلغَ ْيبَ مَا لَبِثُواْ فِي ا ْلعَذَابِ ا ْل ُمهِينِ }‬
‫[سبأ‪ ]14 :‬إذن فالغيب هو ما ل يعلمه إل ال سبحانه وتعالى‪ ..‬واقرأ قول الحق جل جلله‪ {:‬عَالِمُ‬
‫ظهِرُ عَلَىا غَيْبِهِ أَحَدا * ِإلّ مَنِ ارْ َتضَىا مِن رّسُولٍ فَإِنّهُ يَسُْلكُ مِن بَيْنِ يَدَيْ ِه َومِنْ خَ ْلفِهِ‬
‫ا ْلغَ ْيبِ فَلَ يُ ْ‬
‫َرصَدا }[الجن‪ ]27 - 26 :‬وهكذا فإن الرسل ل يعلمون الغيب‪ ..‬ولكن ال سبحانه وتعالى يعلمهم‬
‫بما يشاء من الغيب ويكون هذا معجزة لهم ولمن اتبعوهم‪.‬‬
‫وقمة الغيب هي اليمان بال سبحانه وتعالى‪ ..‬واليمان بملئكته وكتبه ورسله واليمان باليوم‬
‫الخر‪ ..‬كل هذه أمور غيبية‪ ،‬وحينما يخبرنا ال تبارك وتعالى عن ملئكته ونحن ل نراهم‪..‬‬
‫نقول مادام ال قد أخبرنا بهم فنحن نؤمن بوجودهم‪ ..‬وإذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى عن اليوم‬
‫الخر‪ ..‬فمادام ال قد أخبرنا فنحن نؤمن باليوم الخر‪ ..‬لن الذي أخبرنا به هو ال جل جلله‪..‬‬
‫آمنت به أنه اله‪ ..‬واستخدمت في هذا اليمان الدليل العقلي الذي جعلني أؤمن بأن لهذا الكون إلها‬
‫وخالقا‪ ..‬وما يأتيني عن ال حيثية اليمان به أن ال سبحانه وتعالى هو القائل‪.‬‬
‫ولبد أن نعرف أن وجود الشيء مختلف تماما عن ادراك هذا الشيء‪ ..‬فأنت لك روح في جسدك‬
‫تهبك الحياة‪ ..‬أرأيتها؟‪ ..‬أسمعتها؟‪ ..‬أذقتها؟‪ ..‬أشممتها؟‪ ..‬ألمستها؟‪ ..‬الجواب طبعا ل‪ ..‬فبأي‬
‫وسيلة من وسائل الدراك تدرك أن لك روحا في جسدك؟ بأثرها في إحياء الجسد‪..‬‬
‫إذن فقد عرفت الروح بأثرها‪ ،‬والروح مخلوق ل‪ ..‬فكيف تريد وأنت عاجز أن تدرك مخلوقا في‬
‫جسدك وذاتك وهو الروح بآثارها‪ ..‬ان تدرك ال سبحانه وتعالى بحواسك‪.‬‬
‫ونحن إذا آمنا بالقمة الغيبية وهو ال جل جلله‪ ..‬فلبد أن نؤمن بكل ما يخبرنا عنه وإن لم نَرَه‪..‬‬
‫ولقد أراد ال تبارك وتعالى رحمة بعقولنا أن يقرب لنا قضية الغيب فأعطانا من الكون المادي‬
‫أدلة على أن وجود الشيء‪ ،‬وادراك هذا الوجود شيئان منفصلن تماما‪..‬‬
‫فالجراثيم مثل موجودة في الكون تؤدي مهمتها منذ بداية الخلق‪ ..‬وكان الناس يشاهدون آثار‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المراض في أجسادهم من ارتفاع في الحرارة وحمى وغير ذلك وهم ل يعرفون السبب‪ ..‬فلما‬
‫ارتقى العلم وأذن ال لخلقه أن يروا هذا الوجود للجراثيم‪ ..‬جعل ال العقول قادرة على أن تكتشف‬
‫المجهر‪ ..‬الذي يعطينا الصورة مكبرة‪ ..‬لن العين قدرتها البصرية أقل من أن تدرك هذه‬
‫المخلوقات الدقيقة‪ ..‬فلما اكتشف العلم المجهر‪ ..‬استطعنا أن نرى هذا الجراثيم‪ ..‬ونعرف أن لها‬
‫دورة حياة وتكاثر إلى غير ما يكشفه ال لنا من علم كما تقدم الزمن‪..‬‬
‫إن عدم قدرتنا على رؤية أي شيء ل يعني أنه غير موجود‪.‬‬
‫‪ .‬ولكن آلة الدراك ـ وهي البصر ـ عاجزة عن أن تراه‪ ،‬لنه غاية في الصغر‪ ..‬فاذا جئت‬
‫بالمجهر كبر لك هذا الميكروب ليدخل في نطاق وسيلة رؤيتك وهي العين‪ ..‬ورؤيتنا للجراثيم‬
‫والميكروبات ليست دليل على أنها خلقت ساعة رأيناها‪ ..‬بل هي موجودة تؤدي مهمتها‪ ..‬سواء‬
‫رأيناها أو لم نرها‪.‬‬
‫فلو حدثنا أحد عن الميكروبات والجراثيم قبل أن نراها رؤية العين‪ ..‬هل كنا نصدق؟‪ ..‬وال‬
‫سبحانه وتعالى ترك بعض خلقه غير مدرك في زمنه لبعض حقائق الكون ليرتقي النسان ويدرك‬
‫بعد ذلك‪ ..‬وكان المفروض أنه يزداد ايمانا‪ ..‬عندما يدرك وليعرف الخلق بالدليل المادي أن ما هو‬
‫غيب عنهم موجود وان كنا ل نراه‪..‬‬
‫وال تبارك وتعالى قد أعطانا من آياته في الكون ما يجعلنا ندرك أن لهذا الكون خالقا‪ ..‬فالشمس‬
‫والقمر والنجوم والرض والنسان والحيوان والجماد ل يستطيع أحد أن يدعي انه خلقهم‪ ..‬ول‬
‫أحد يمكن أن يدعي أنه خلق نفسه أو غيره‪ ..‬ول يمكن لهذا الكون بهذا النظام الدقيق أن يوجد‬
‫مصادفة؛ لن المصادفات أحداث غير مرتبة أو غير منظمة‪ ..‬ولو وجد هذا الكون بالصدفة‬
‫لتصادمت الشمس والقمر والنجوم والرض ولختل الليل والنهار‪..‬‬
‫ولكن كل ما في الكون من آيات يؤكد لنا أن هناك قوة هائلة هي التي خلقت ونظمت وأبدعت‪..‬‬
‫فإذا جاءنا رسول يبلغنا أن ال سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الكون فلبد أن نصدقه‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَيُقِيمُونَ الصّلةَ {‪ ..‬والصلة هي إدامة ولء العبودية للحق‬
‫تبارك وتعالى وهي ل تسقط عن النسان أبدا‪ ..‬فالنسان يصلي وهو واقف‪ ،‬فإن لم يستطع يصلي‬
‫وهو جالس‪ .‬فإن لم يستطع‪ ،‬فيصلي وهو راقد‪ ..‬ول تسقط الصلة عن النسان من ساعة التكليف‬
‫إلى ساعة الوفاة كل يوم خمس مرات‪..‬‬
‫ويقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬وَممّا رَ َزقْنَا ُهمْ يُ ْنفِقُونَ {‪ ..‬وحين نتكلم عن الرزق يظن كثير من‬
‫الناس أن الرزق هو المال‪ ..‬نقول له ل‪ ..‬الرزق هو ما ينتفع به فالقوة رزق‪ ،‬والعلم رزق‪،‬‬
‫والحكمة رزق‪ ،‬والتواضع رزق‪ ..‬وكل ما فيه حركة للحياة رزق‪ ..‬فإن لم يكن عندك مال لتنفق‬
‫منه فعندك عافية تعمل بها لتحصل على المال‪ ..‬وتتصدق بها على العاجز والمريض‪ ..‬وان كان‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عندك حلم‪ ..‬فإنك تنفقه بأن تقي الحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك‪ ..‬وان كان عندك‬
‫علم انفقه لتعلم الجاهل‪ ..‬وهكذا نرى‪ } :‬وَممّا رَ َزقْنَاهُمْ يُ ْن ِفقُونَ { تستوعب جميع حركة الحياة‪.‬‬

‫(‪)7 /‬‬
‫ك وَبِالْآَخِ َرةِ هُمْ يُوقِنُونَ (‪)4‬‬
‫وَالّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ ِبمَا أُنْ ِزلَ ِإلَ ْيكَ َومَا أُنْ ِزلَ مِنْ قَبِْل َ‬

‫الحق سبحانه وتعالى في هذه الية الكريمة يعطينا صفات أخرى من صفات المؤمنين‪ ..‬فبعد أن‬
‫ابلغنا أن من صفات المؤمنين اليمان بالغيب واقامة الصلة والنفاق مما رزقهم ال‪ ..‬يأتي بعد‬
‫ذلك الى صفات أخرى‪..‬‬
‫فهؤلء المؤمنون هم‪ { :‬والّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ ِبمَآ أُنْ ِزلَ إِلَ ْيكَ } أي بالقرآن الكريم الذي أنزله ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ ..‬و " بما أنزل من قبلك " وهذه لم تأت في وصف المؤمنين إل في القرآن الكريم‪ ..‬ذلك‬
‫أن السلم عندما جاء كان عليه أن يواجه صنفين من الناس‪ ..‬الصنف الول هم الكفار وهم ل‬
‫يؤمنون بال ول برسول مبلغ عن ال‪ ..‬وكان هناك صنف آخر من الناس‪ ..‬هم أهل الكتاب‬
‫يؤمنون بال ويؤمنون برسل عن ال وكتب عن ال‪..‬‬
‫والسلم واجه الصنفين‪ ..‬لن أهل الكتاب ربما ظنوا أنهم على صلة بال‪ ..‬يؤمنون به ويتلقون‬
‫منه كتبا ويتبعون رسل وهذا في نظرهم كاف‪ ..‬نقول ل‪ ..‬فالسلم جاء ليؤمن به الكافر‪ ،‬ويؤمن‬
‫به أهل الكتاب‪ ،‬ويكون الدين كله ل‪..‬‬
‫وال سبحانه وتعالى في كتبه التي أنزلها أخبر عن رسول ال صلى ال عليه وسلم وعن اسمه‬
‫وأوصافه‪ ..‬وطلب من أهل الكتاب الذين سيدركون رسالته صلى ال عليه وسلم أن يؤمنوا به‪..‬‬
‫ولقد أعطى ال جل جلله أوصاف رسول ال صلى ال عليه وسلم لهل الكتاب حتى إنهم كانوا‬
‫يعرفونه كما يعرفون أبناءهم‪ ..‬بل كانت معرفتهم لرسول ال صلى ال عليه وسلم وزمنه‬
‫طلّ زمن رسول سنؤمن به ونقتلكم‬
‫وأوصافه معرفة يقينية‪ ..‬وكان يهود المدينة يقولون للكفار‪ ..‬أَ َ‬
‫قتل عاد وإرم‪ ..‬فلما جاء رسول ال صلى ال عليه وسلم كانوا أول من حاربه وأنكر نبوته‪..‬‬
‫فأوصاف رسول ال عليه الصلة والسلم موجودة في التوراة والنجيل‪ ..‬ولذلك كان أهل الكتاب‬
‫ينذرون الكفار بأنهم سيؤمنون بالرسول الجديد ويسودون به العرب‪ ..‬واقرأ قول الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪:‬‬
‫{ وََلمّا جَآءَ ُهمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ ُمصَدّقٌ ّلمَا َم َعهُمْ َوكَانُواْ مِن قَ ْبلُ يَسْ َتفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ فََلمّا‬
‫جَآءَهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ } [البقرة‪]89 :‬‬
‫أي أن رسالة محمد صلى ال عليه وسلم لم تكن مفاجئة لهل الكتاب بل كانوا ينتظرونها‪ ..‬كانوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يؤكدون أنهم سيؤمنون بها كما تأمرهم بها كتبهم‪ ..‬ولكنهم رفضوا اليمان وأنكروا الرسالة عندما‬
‫جاء زمنها‪..‬‬
‫ثم يقول سبحانه وتعالى‪ { :‬وَبِالخِ َرةِ هُمْ يُوقِنُونَ } ونلحظ هنا أن كلمة (وبالخرة) قد جاءت‪..‬‬
‫لنك اذا تصفحت التوراة التي هي كتاب اليهود‪ ،‬أو قرأت التلمود ل تجد شيئا عن اليوم الخر‪.‬‬
‫‪ .‬فقد أخذوا المر المادي فقط من كتبهم‪ ..‬وال تبارك وتعالى أكد اليمان باليوم الخر حتى‬
‫عرف الذين يقولون آمنا بال وكتبه ورسله ول يلتفتون الى اليوم الخر أنهم ليسوا بمؤمنين‪ ..‬فلو‬
‫لم يجئ هذا الوصف في القرآن الكريم ربما قالوا إن السلم موافق لما عندنا‪ ..‬ولكن ال جل‬
‫جلله يريد تصوير اليمان تصويرا كماليا بأن اليمان بال قمة ابتداء واليمان باليوم الخر قمة‬
‫انتهاء‪ ..‬فمن لم يؤمن بالخرة وأنه سيلقى ال وسيحاسبه‪ ..‬وأن هناك جنة ينعم فيها المؤمن‪ ،‬ونارا‬
‫يعذب فيها الكافر يكون ايمانه ناقصا‪ ..‬ويكون قد اقترب من الكافر الذي جعل الدنيا غايته‬
‫وهدفه‪..‬‬
‫فالمؤمن يتبع منهج ال في الدنيا ليستحق نعيم ال في الخرة‪ ..‬فلو أن الخرة لم تكن موجودة‪،‬‬
‫لكان الكافر أكثر حظا من المؤمن في الحياة‪ ..‬لنه أخذ من الدنيا ما يشتهيه ولم يقيد نفسه بمنهج‪،‬‬
‫بل أطلق لشهواته العنان‪ ..‬بينما المؤمن قَيّدَ حركته في الحياة طبقا لمنهج ال وتعب في سبيل ذلك‪.‬‬
‫ثم يموت الثنان وليس بعد ذلك شيء‪ ..‬فيكون الكافر هو الفائز بنعم الدنيا وشهواتها‪ .‬والمؤمن ل‬
‫يأخذ شيئا‪ .‬والمر هنا ل يستقيم بالنسبة لقضية اليمان‪ ..‬ولذلك كان اليمان بال قمة اليمان بداية‬
‫واليمان بالخرة قمة اليمان نهاية‪.‬‬

‫(‪)8 /‬‬
‫أُولَ ِئكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَ ّبهِ ْم وَأُولَ ِئكَ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ (‪)5‬‬

‫قوله تعالى‪( :‬أولئك) اشارة الى الذين تنطبق عليهم كل الصفات التي يبينها ال سبحانه وتعالى في‬
‫اليتين السابقتين‪ ..‬فأولئك الذين تنطبق عليهم هذه الصفات وصلوا الى الهدى أي الى الطريق‬
‫الموصل لليمان‪ ..‬ووصلوا إلى الفلح‪ ،‬وهو الهدف من اليمان‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪ُ { :‬أوْلَـا ِئكَ عَلَىا هُدًى مّن رّ ّبهِمْ وَأُوْلَـا ِئكَ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ } تشمل الجميع‪..‬‬
‫ولكن لماذا استخدم ال تبارك وتعالى { ُأوْلَـا ِئكَ } مرتين؟ تلك من بلغة القرآن الكريم‪ ،‬ولماذا‬
‫دمج الخبرين بعضهما مع بعض؟ حتى نعرف أنه ليس في السلم إيمانان بل إيمان واحد يترتب‬
‫عليه جزاء واحد‪ ..‬وسيلته الهدى‪ ،‬وغايته الفلح‪ ..‬ولو نظر الى التكليفات التي هي الهدى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الموصلة الى الغاية نجد أن ال سبحانه وتعالى رفع المهتدي على الهدى‪ ..‬لنعرف أن الهدى لم‬
‫يأت ليقيد حركتك في الحياة ويستذلك‪ ،‬وانما جاء ليرفعك‪..‬‬
‫إن السطحيّين يعتقدون أن الهدى يقيد حركة النسان في الحياة ويمنعه من تحقيق شهواته العاجلة‪..‬‬
‫ولكن الهدى في الحقيقة يرفع النسان ويحفظه من الضرر‪ ،‬ومن غضب ال‪ ،‬ومن افساد المجتمع‬
‫الذي سيكون هو أول من يعاني منه‪ ..‬لذلك قال تبارك وتعالى‪ { :‬عَلَىا ُهدًى }‪..‬‬
‫و (على) تفيد الستعلء‪ .‬فاذا قلت أنت على الجواد فإنك تعلوه‪ ..‬كأن المهتدى حين يلزم نفسه‬
‫بالمنهج ل يذل‪ ..‬ولكنه يرتفع الى الهدى ويصبح الهدى يأخذه من خير الى خير‪ ..‬وذلك بعكس‬
‫الضللة التي تأخذ النسان الى أسفل‪ ..‬ولذلك حين تقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى‪ {:‬وَإِنّآ َأوْ‬
‫للٍ مّبِينٍ }[سبأ‪ ]24 :‬ترى ما يفيد الرتفاع والعلو في الهداية‪ ،‬وما يفيد‬
‫إِيّاكُمْ َلعَلَىا ُهدًى َأوْ فِي ضَ َ‬
‫النخفاض والنزول في الضللة؛ وإنما كان العلوّ في الهدى‪ ..‬لن المنهج قَيّدَ حركة حياتك اعزازا‬
‫لك لعلوك وسمو مقامك في أنك ل تأخذ من بشر تشريعا‪ ..‬ول تأخذ من ذاتك حركة‪ ..‬وإنما يرتفع‬
‫بك لتتلقي عن ال سبحانه وتعالى‪ ..‬وهذا علو كبير‪ ..‬ولكن عند الضللة قال‪ " :‬في ضلل "‪..‬‬
‫و(في) تدل على الظرفية المحيطة‪ ..‬وهو كما وصفه ال سبحانه وتعالى في آية أخرى بقوله جل‬
‫طتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَُأوْلَـ ِئكَ َأصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }‬
‫سبَ سَيّ َئ ًة وَأَحَا َ‬
‫جلله‪ {:‬بَلَىا مَن كَ َ‬
‫[البقرة‪ ]81 :‬أحاطت به الخطيئة‪ ..‬أي ل يستطيع أن يفلت منها لنه مظروف في الضلل‪ ..‬وما‬
‫دامت الخطيئة محيطة به فل يجد منفذا لنها تحكمه‪ ..‬وما دامت تحكمه فل يمكن أن يصل إلى‬
‫هدى مطلقا‪ ..‬فالحق سبحانه وتعالى حينما قال‪ُ { :‬أوْلَـا ِئكَ عَلَىا هُدًى مّن رّ ّب ِه ْم وَُأوْلَـائِكَ ُهمُ‬
‫ا ْل ُمفْلِحُونَ }‪ ..‬اختار لفظا عليه دللة دنيوية تقرب المعنى الى السامع‪..‬‬
‫ما هو الفلح؟‪ ..‬المعنى العام هو الفوز وا ْل ُمفْلِحُ هو الفائز‪ .‬ومعنى الية الكريمة أولئك هم‬
‫الفائزون وقال‪ " :‬هم المفلحون "‪.‬‬
‫س ّميَ الفلح الذي صفته شق الرض ورمي‬
‫‪ .‬لن الفلح مأخوذ من شق الرض للبذر‪ ..‬ومنه ُ‬
‫البذور فيها‪..‬‬
‫والحق سبحانه تعالى جاء بهذا اللفظ بالنسبة للخرة لنه يريد أن يأتي لنا مع الشيء بدليله‪..‬‬
‫وهناك فرق بين أمر غيبي عنا ل نعرفه‪ ..‬وأمر غيبي يستدل عليه بمشهود‪..‬‬
‫فالدين يقيد حريتك في الحياة في أن تفعل ول تفعل‪ ..‬ومنهج ال جاء ليقول لك إفعل كذا ول تفعل‬
‫كذا‪ .‬وكثير من الناس يظن أن ذلك تقييد لحركة حياة المؤمن واثقال عليه‪ ..‬لنه أخذ منه حرية‬
‫حركته فقيدها‪..‬‬
‫ان ال تبارك وتعالى حين يقول لك ل تفعل‪ ..‬معناها عند السطحيين أنه ضيق عليك ما تريد أن‬
‫تفعل‪ ..‬وحين يقول لك افعل‪ ..‬معناها يكون قد ضيق عليك في شيء ل تريد أن تفعله‪ .‬فمثل‪ :‬حين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يطلب منك الزكاة‪ ..‬فالزكاة في ظاهرها نقص المال‪ ،‬وإن كانت في حقيقتها بركة ونماء‪ ..‬ورسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬ما نقصت صدقة من مال‪ ،‬وما زاد ال عبدا بعفو إل عزا‪ ،‬وما‬
‫تواضع أحد ل إل رفعه "‬
‫فالحق سبحانه وتعالى اذا قيد حركتك في الحياة‪ ..‬ل تظن أن هذا تضييق عليك‪ ..‬بل ان هذا‬
‫لفائدتك‪ ..‬لنه لم يأمرك وحدك‪ ،‬ولكن المر للناس جميعا حين يقول جل جلله‪ :‬ل تسرق‪ ..‬فقد‬
‫قالها للناس جميعا ولذلك تكون أنت الرابح‪ ..‬لنه قيدك وأنت فرد من أن تسرق من غيرك‪..‬‬
‫ولكنه قيد مليين الناس من أن يسرقوا منك‪ ..‬اذن فال لم يضيق عليك‪ ،‬ولكنه حمى مالك من‬
‫الناس كل الناس‪ ..‬قيدك وأنت فرد أن تسرق من مال غيرك‪ ،‬وقيد مليين أن يسرقوا من مالك‪..‬‬
‫فمن الفائز؟‪ ..‬أنت طبعا‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَُأوْلَـائِكَ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ { (المفلحون) من مادة فلح‪ ..‬فاذا كانت الرض صماء‬
‫فحينما نشقها ونبذرها تعطي محصول عظيما‪ ،‬العملية أخذناها أبا عن جد‪ .‬فالرض حين تشق‬
‫وتُبذر تُعطي محصول وافرا‪ ..‬واذا كانت هذه العملية أخذت أبا عن جد‪ ..‬يأتي السؤال من الذي‬
‫علم آدم البذر والزرع؟‪ ..‬نقول علمه ال سبحانه وتعالى كما علمه السماء‪ ..‬وكما علمه ما يمكنه‬
‫به أن يباشر مهمته في الرض‪..‬‬
‫والحق جل جلله لم يكن يترك آدم في حياته على الرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار‬
‫حياته وحياة أولده‪ ..‬يعلمه على القل بدايات‪ ..‬ثم بعد ذلك تتطور هذه البدايات بما يكشفه ال من‬
‫علمه لخلقه‪ ..‬وبعد ذلك جاءت القرون المتقدمة فاستطعنا أن نستخدم آلت حديثة متطورة تقوم‬
‫بعملية الحرث والبذر‪..‬‬
‫ولكن الحقيقة الثابتة التي لم تتغير منذ بداية الكون ولن تتغير حتى نهايته‪ ..‬هي أن مهمة النسان‬
‫أن يحرث ويضع البذرة في الرض ويسقيها‪ ..‬أما نمو الزرع نفسه فل دخل للنسان فيه‪.‬‬
‫‪ .‬وكذلك الثمر الذي ينتجه ل عمل للنسان فيه‪..‬‬
‫ولقد نبهنا ال تبارك وتعالى الى هذه الحقيقة حتى ل نغتر بحركتنا في الحياة ونقول إننا نحن الذين‬
‫نزرع‪ ..‬واقرأ قول الحق جل جلله في سورة الواقعة‪َ {:‬أفَرَأَيْتُم مّا َتحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ‬
‫حطَاما فَظَلْ ُتمْ َت َف ّكهُونَ * إِنّا َل ُمغْ َرمُونَ * َبلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ }‬
‫جعَلْنَاهُ ُ‬
‫نَحْنُ الزّارِعُونَ * َلوْ نَشَآءُ َل َ‬
‫[الواقعة‪ ]67-63 :‬وهكذا ظلت مهمة الفلحة في الرض مقتصرة على الحرث والسقي والبذر‪،‬‬
‫وحينما تلقى الحبة في الرض يخلق ال في داخلها الغذاء الذي يكفيها حتى تستطيع أن تأخذ‬
‫غذاءها من الرض‪ ..‬واذا جئت بحبة وبللتها تجد أنها قد نبت لها ساق وجذور‪ ..‬من أين جاء هذا‬
‫النمو؟‪ .‬من تكوين الحبة نفسه‪ ،‬وال تبارك وتعالى قد قدر في كل حبة من الغذاء ما يكفيها حتى‬
‫تستطيع أن تتغذى من الرض‪ ..‬وعلى قدر كمية الغذاء المطلوبة يكون حجم الحبة‪ ..‬وحين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تضعها في الرض فإنها تبدأ أول بأن تغذي نفسها‪ ..‬بحيث ينبت لها ساق وجذور وورقتان تتنفس‬
‫منهما‪ ..‬كل هذا ل دخل لك فيه ول عمل لك فيه‪ ..‬وتبدأ الحبة تأخذ غذاءها من الرض والهواء‪..‬‬
‫لتنمو حتى تصبح شجرة كبيرة تنتج الثمر من نوع البذرة نفسه‪.‬‬
‫ومن هنا جاءت كلمة (المفلحون)‪ ..‬ليعطينا الحق جل جلله من المور المادية المشهودة ما يعين‬
‫عقولنا المحدودة على فهم الغيب‪ ..‬فيشبه التكليف وجزاءه في الخرة بالبذور والفلحة‪ ..‬أول لنك‬
‫حين ترمي بذرة في الرض تعطيك بذورا كثيرة‪..‬‬
‫واقرأ قول ال سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} مّ َثلُ الّذِينَ يُ ْنفِقُونَ َأ ْموَاَلهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َكمَ َثلِ حَبّةٍ أَنبَ َتتْ سَبْعَ سَنَا ِبلَ فِي ُكلّ سُنبَُلةٍ مّئَةُ حَبّ ٍة وَاللّهُ‬
‫عفُ ِلمَن َيشَآ ُء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ { [البقرة‪]261 :‬‬
‫ُيضَا ِ‬
‫واذا كانت الرض وهي المخلوقة من ال تهبك أضعاف أضعاف ما أعطيتها‪ ..‬فكيف بالخالق؟‪..‬‬
‫وكم يضاعف لك من الثواب في الطاعة؟‪ ..‬هذا هو السبب في أن الحق تبارك وتعالى يقول‪} :‬‬
‫وَُأوْلَـائِكَ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ {‪ ..‬حتى يلفتنا بمادة الفلحة‪ ..‬وهي شيء موجود نراه ونشهده كل يوم‪.‬‬
‫وكما أن التكليف يأخذ منك أشياء ليضاعفها لك‪ ..‬كذلك الرض أخذت منك حبة ولم تعطك مثل‬
‫صلُ لنا شيئا‬
‫ما أخذت‪ ،‬بل أعطتك بالحبة سبعمائة حبة‪ ..‬وهكذا نستطيع أن نصل بشيء مشهود ُي َف ّ‬
‫غيبيا‪.‬‬

‫(‪)9 /‬‬
‫سوَاءٌ عَلَ ْيهِمْ أَأَ ْنذَرْ َتهُمْ َأمْ لَمْ تُ ْنذِرْهُمْ لَا ُي ْؤمِنُونَ (‪)6‬‬
‫إِنّ الّذِينَ َكفَرُوا َ‬

‫وبعد ان تحدث الحق سبحانه وتعالى عن المؤمنين وصفاتهم‪ ..‬وجزائهم في الخرة وما ينتظرهم‬
‫من خير كبير‪ ..‬اراد ان يعطينا تبارك وتعالى الصورة المقابلة وهم الكافرون‪ ..‬وبين لنا ان‬
‫اليمان جاء ليهيمن على الجميع يحقق لهم الخير في الدنيا والخرة‪ ..‬فلبد أن يكون هناك شر‬
‫يحاربه اليمان‪ ..‬ولول وجود هذا الشر‪ ..‬أكان هناك ضرورة لليمان‪ ..‬إن النسان المؤمن يقي‬
‫نفسه ومجتمعه وعالمه من شرور يأتي بها الكفر‪ ..‬والكافرون قسمان‪ ..‬قسم كفر بال اول ثم‬
‫استمع الى كلم ال‪ ..‬واستقبله بفطرته السليمة فاستجاب وآمن‪ ..‬وصنف آخر مستفيد من الكفر‬
‫ومن الطغيان ومن الظلم ومن اكل حقوق الناس وغير ذلك‪ ..‬وهذا الصنف يعرف ان اليمان اذا‬
‫جاء فانه سيسلبه جاها دنيويا ومكاسب يحققها ظلما وعدوانا‪..‬‬
‫اذن الذين يقفون امام اليمان هم المستفيدون من الكفر‪ ..‬ولكن ماذا عن الذين كانوا كفارا‬
‫واستقبلوا دين ال استقبال صحيحا‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هؤلء قد تتفتح قلوبهم فيؤمنون‪ .‬والكفر معناه الستر‪ ..‬ومعنى َكفَرَ (أي) سَتَرَ‪ ..‬وكفر بال أي ستر‬
‫وجود ال جل جلله‪ ..‬والذي يستر لبد ان يستر موجودا‪ ،‬لن الستر طارئ على الوجود‪..‬‬
‫والصل في الكون هو اليمان بال‪ ..‬وجاء الكفار يحاولون ستر وجود ال‪ .‬فكأن الصل هو‬
‫اليمان ثم طرأت الغفلة على الناس فستروا وجود ال سبحانه وتعالى‪ ..‬ليبقوا على سلطانهم او‬
‫سيطرتهم او استغللهم او استعلئهم على غيرهم من البشر‪..‬‬
‫ولفظ الكفر في ذاته يدل على ان اليمان سبق ثم بعد ذلك جاء الكفر‪ ..‬كيف؟‪..‬‬
‫لن الخلق الول وهو آدم الذي خلقه ال بيديه‪ ..‬ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملئكة‪ ..‬وعلمه‬
‫السماء كلها‪..‬‬
‫سجود الملئكة وتعليم السماء أمر مشهدي بالنسبة لدم‪ ..‬والكفر ساعتها لم يكن موجودا‪ ..‬وكان‬
‫المفروض ان ادم بعد ان نزل الى الرض واستقر فيها‪ ..‬يلقن ابناءه منهج عبادة ال لنه نزل‬
‫ومعه المنهج في (افعل ول تفعل) وكان على ابناء آدم ان يلقنوا ابناءهم المنهج وهكذا‪..‬‬
‫ولكن بمرور الزمن جاءت الغفلة في أن اليمان يقيد حركة الناس في الكون‪ ..‬فبدأ كل من يريد‬
‫ان يخضع حياته لشهوة بل قيود يتخذ طريق الكفر‪ ..‬والعاقل حين يسمع كلمة كفر‪ ..‬يجب عليه‬
‫أن يتنبه إلى أن معناها ستر لموجود واجب الوجود‪ ..‬فكيف يكفر النسان ويشارك في ستر ما هو‬
‫موجود‪ ..‬لذلك تجد ان الحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬كَ ْيفَ َتكْفُرُونَ بِاللّ ِه َوكُنْتُمْ َأ ْموَاتا فََأحْيَاكُمْ ُثمّ‬
‫جمِيعا ثُمّ اسْ َتوَىا إِلَى‬
‫جعُونَ * ُهوَ الّذِي خََلقَ َلكُمْ مّا فِي الَ ْرضِ َ‬
‫ُيمِي ُتكُمْ ثُمّ يُحْيِيكُمْ ُثمّ إِلَ ْيهِ تُرْ َ‬
‫شيْءٍ عَلِيمٌ }‬
‫سمَاوَاتٍ وَ ُهوَ ِب ُكلّ َ‬
‫سوّاهُنّ سَ ْبعَ َ‬
‫سمَآءِ فَ َ‬
‫ال ّ‬
‫[البقرة‪ ]29 :‬وهكذا يأتي هذا السؤال‪ ..‬ول يستطيع الكافر له جوابا!! لن ال هو الذي خلقه‬
‫وأوجده‪ ..‬ول يستطيع احد منا ان يدعي انه خلق نفسه او خلق غيره‪ ..‬فالوجود بالذات دليل على‬
‫قضية اليمان‪ ..‬ولذلك يسألهم الحق تبارك وتعالى كيف تكفرون بال وتسترون وجود من‬
‫خلقكم؟‪..‬‬
‫والخلق قضية محسومة ل سبحانه وتعالى ل يستطيع احد ان يدعيها‪ ..‬فل يمكن ان يدعي أحد أنه‬
‫خلق نفسه‪ ..‬قضية انك موجود توجب اليمان بال سبحانه وتعالى الذي اوجدك‪ ..‬انه عين‬
‫الستدلل على ال‪ ..‬واذا نظر النسان حوله فوجد كل ما في الكون مسخر لخدمته والشياء‬
‫تستجيب له فظن بمرور الزمن ان له سيطرة على هذا الكون‪ ..‬ولذلك عاش وفي ذهنه قوة‬
‫السباب‪ ..‬يأخذ السباب وهو فاعلها فيجدها قد اعطته واستجابت له‪ ..‬ولم يلتفت الى خالق‬
‫السباب الذي خلق لها قوانينها فجعلها تستجيب للنسان‪ ..‬وقد اشار الحق تبارك وتعالى الى ذلك‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ اسْ َتغْنَىا }[العلق‪ ]7-6 :‬ذلك ان النسان‬
‫ن الِنسَانَ لَيَ ْ‬
‫في قوله جل جلله‪ {:‬كَلّ إِ ّ‬
‫يحرث الرض فتعطيه الثمر‪ ..‬فيعتقد انه هو الذي اخضع الرض ووضع لها قوانينها لتعطيه ما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يريد‪ ..‬يضغط على زر الكهرباء فينير المكان فيعتقد انه هو الذي اوجد هذه الكهرباء! يركب‬
‫الطائرة‪ ..‬وتسير به في الجو فيعتقد انه هو الذي جعلها تطير‪ ..‬وينسى الخصائص التي وضعها‬
‫ال سبحانه وتعالى في الغلف الجوي ليستطيع ان يحمل هذه الطائرة‪ ..‬يفتح التليفزيون ويرى‬
‫أمامه احداث العالم فيعتقد ان ذلك قد حدث بقدرته هو‪ ..‬وينسى ان ال تبارك وتعالى وضع في‬
‫الغلف الجوي خصائص جعلته ينقل الصوت والصورة من اقصى الدنيا الى اقصاها في ثوان‬
‫معدودة‪ ..‬وهكذا كل ما حولنا يظن النسان انه اخضعه بذاته‪ ..‬بينما كل هذا مسخر من ال‬
‫سبحانه وتعالى لخدمة النسان‪ ..‬وهو الذي خلق ووضع القوانين‪ ..‬نقول له انك لو فهمت معنى‬
‫ذاتية الشياء ما حدثتك نفسك بذلك‪ ..‬الشيء الذاتي هو ما كان بذاتك ل يتغير ول يتخلف ابدا‪..‬‬
‫انما المر الذي ليس بذاتك هو الذي يتغير‪..‬‬
‫واذا نظرت إلى ذاتيتك تلك التي اغرتك واطغتك‪ ..‬ستفهم ان كلمة ذاتية هي أل تكون محتاجا الى‬
‫غيرك بل كل شيء من نفسك‪ ..‬وانت في حياتك كلها ليس لك ذاتية‪ ..‬لن كل شيء حولك متغير‬
‫بدون ارادتك‪ ..‬وانت طفل محتاج إلى أبيك في بدء حياتك‪ ..‬فاذا كبرت وأصبح لك قوة واستجابت‬
‫الحداث لك فإنك ل تستطيع ان تجعل فترة الشباب والفتوة هذه تبقى‪.‬‬
‫‪ .‬فالزمن يملك ولكن لفترة محدودة‪ ..‬فاذا وصلت الى مرحلة الشيخوخة فستحتاج الى من يأخذ‬
‫بيدك ويعينك‪ ..‬ربما على ادق حاجاتك وهي الطعام والشراب‪..‬‬
‫إذن فأنت تبدأ بالطفولة محتاجا إلى غيرك‪ ..‬وتنتهي بالشيخوخة محتاجا إلى غيرك‪ ..‬وحتى عندما‬
‫تكون في شبابك قد يصيبك مرض يقعدك عن الحركة‪ ..‬فاذا كانت لك ذات حقيقية فأدفع هذا‬
‫المرض عنك وقل لن امرض‪ ..‬انك ل تستطيع‪..‬‬
‫وال سبحانه وتعالى اوجد هذه المتغيرات حتى ينتهي الغرور من النسان نفسه‪ ..‬ويعرف انه قوي‬
‫قادر بما اخضع ال له من قوانين الكون‪ ..‬لنعلم اننا جميعا محتاجون الى القادر‪ ،‬وهو ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ ،‬وان ال غني بذاته عن كل خلقه‪ ..‬يغير ول يتغير‪ ..‬يميت وهو دائم الوجود‪ ..‬يجعل من‬
‫بعد قوة ضعفا وهو القوي دائما‪ ..‬ما عند الناس ينفد وما عنده تبارك وتعالى ل ينفد أبدا‪ ..‬هو ال‬
‫في السماوات والرض‪.‬‬
‫اذن فليست لك ذاتية حتى تدعي انك اخضعت الكون بقدراتك‪ ..‬لنه ليس لك قدرة ان تبقى على‬
‫حال واحد وتجعله ل يتبدل ول يتغير‪ ..‬فكيف تكفر بال تبارك وتعالى وتستر وجوده‪ ..‬كل ما في‬
‫الكون وما في نفسك شاهد ودليل على وجود الحق سبحانه وتعالى‪..‬‬
‫قلنا ان الكافرين صنفان‪ ..‬صنف كفر بال وعندما جاء الهدى حكم عقله وعرف الحق فآمن‪..‬‬
‫والصنف الخر مستفيد من الكفر‪ ..‬ولذلك فهو متشبث به مهما جاءه من اليمان والدلة اليمانية‬
‫فإنه يعاند ويكفر‪ ..‬لنه يريد ان يحتفظ بسلطاته الدنيوية ونفوذه القائم على الظلم والطغيان‪ ..‬ول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقبل ان ُيجَرّ َد منهما ولو بالحق‪ ..‬هذا الصنف هو الذي قال عنه ال تبارك وتعالى‪ } :‬إِنّ الّذِينَ‬
‫سوَآءٌ عَلَ ْيهِمْ َأأَنذَرْ َتهُمْ َأمْ َلمْ تُنْذِرْ ُه ْم لَ ُي ْؤمِنُونَ {‬
‫َكفَرُواْ َ‬
‫إنهم لم يكفروا لن بلغا عن ال سبحانه وتعالى لم يصلهم‪ ..‬ولم يكفروا لنهم في حاجة الى ان‬
‫يلفتهم رسول او نبي الى منهج ال‪ ..‬هؤلء اتخذوا الكفر صناعة ومنهج حياة‪ ..‬فهم مستفيدون من‬
‫الكفر لنه جعلهم سادة ولنهم متميزون عن غيرهم بالباطل‪ ..‬ولنهم لو جاء اليمان الذي يساوي‬
‫بين الناس جميعا ويرفض الظلم‪ ،‬لصبحوا أشخاصا عاديين غير مميزين في أي شيء‪..‬‬
‫هذا الكافر الذي اتخذ الكفر طريقا لجاه الدنيا وزخرفها‪ ..‬سواء أنذرته أو لم تنذره فانه لن يؤمن‪..‬‬
‫انه يريد الدنيا التي يعيش فيها‪ ..‬بل ان هؤلء هم الذين يقاومون الدين ويحاربون كل من آمن‪..‬‬
‫لنهم يعرفون ان اليمان سيسلبهم مميزات كثيرة‪ ..‬ولذلك فإن عدم ايمانهم ليس عن ان منهج‬
‫اليمان لم يبلغهم‪ ..‬او ان أحدا لم يلفتهم الى ايات ال في الرض‪ ..‬ولكن لن حياتهم قائمة ومبنية‬
‫على الكفر‪.‬‬

‫(‪)10 /‬‬
‫عظِيمٌ (‪)7‬‬
‫س ْم ِعهِ ْم وَعَلَى أَ ْبصَارِهِمْ غِشَا َوةٌ وََلهُمْ عَذَابٌ َ‬
‫خَ َتمَ اللّهُ عَلَى قُلُو ِبهِ ْم وَعَلَى َ‬

‫وكما اعطانا الحق سبحانه وتعالى أوصاف المؤمنين يعطينا صفات الكافرين‪ ..‬وقد يتساءل بعض‬
‫الناس إذا كان هذا هو حكم ال على الكافرين؟ فلماذا يطلب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫اليمان منهم وقد ختم ال على قلوبهم؟! ومعنى الختم على القلب هو حكم بألّ يخرج من القلب ما‬
‫فيه من الكفر‪ ..‬ول يدخل إليه اليمان‪..‬‬
‫نقول أن ال سبحانه وتعالى غني عن العالمين‪ ..‬فإن استغنى بعض خلقه عن اليمان واختاروا‬
‫الكفر‪ ..‬فإن ال يساعده على الستغناء ول يعينه على العودة إلى اليمان‪ ..‬ولذلك فإن الحق‬
‫سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي‪:‬‬
‫" أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني‪ ..‬فإن ذكرني في نفسه‪ ،‬ذكرته في نفسي‪ ،‬وإن‬
‫ذكرني في مل ذكرته في مل خير منه‪ ،‬وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا‪ ،‬وإن اقترب إلي‬
‫ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة "‪.‬‬
‫وقد وضح الحديث القدسي أن ال تبارك وتعالى يعين المؤمنين على اليمان‪ ،‬وأن ال جل جلله‬
‫كما يعين المؤمنين على اليمان‪ ..‬فإنه ل يهمه أن يأتي العبد إلى اليمان أو ل يأتي‪ ..‬ولذلك نجد‬
‫القرآن دقيقا ومحكما بأن من كفروا قد اختاروا الكفر بإرادتهم‪ .‬واختيارهم للكفر كان أول قبل أن‬
‫يختم ال على قلوبهم‪ ..‬والخالق جل جلله أغنى الشركاء عن الشرك‪ ..‬ومن أشرك به فإنه في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غنى عنه‪.‬‬
‫إن الذين كفروا‪ ..‬أي ستروا اليمان بال ورسوله‪ ..‬هؤلء يختم ال بكفرهم على آلت الدراك‬
‫كلها‪ ..‬القلب والسمع والبصر‪ .‬والقلب أداة إدراك غير ظاهرة‪ ..‬وقد قدم ال القلب على السمع‬
‫والبصر في تلك الية لنه يريد أن يعلمنا منافذ الدراك‪ ..‬وفي القرآن الكريم يقول الحق تبارك‬
‫لفْئِ َدةَ‬
‫س ْم َع وَالَبْصَا َر وَا َ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الْ ّ‬
‫جكُم مّن ُبطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫وتعالى‪ {:‬وَاللّهُ أَخْ َر َ‬
‫شكُرُونَ }[النحل‪]78 :‬‬
‫َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫وهكذا يعلمنا ال أن منافذ العلم في النسان هي السمع والبصار والفئدة‪ ..‬ولكن في الية الكريمة‬
‫التي نحن بصددها قدم ال القلوب على السمع والبصار‪ ..‬أن ال يعلم أنهم اختاروا الكفر‪ ..‬وكان‬
‫هذا الختيار قبل أن يختم ال على قلوبهم‪ ..‬والختم على القلوب‪ ..‬معناه أنه ل يدخلها إدراك جديد‬
‫ول يخرج منها إدراك قديم‪ ..‬ومهما رأت العين أو سمعت الذن‪ ..‬فل فائدة من ذلك لن هذه‬
‫القلوب مختومة بخاتم ال بعد أن اختار أصحابها الكفر وأصروا عليه‪ ..‬وفي ذلك يصفهم الحق‬
‫جعُونَ }[البقرة‪]18 :‬‬
‫ع ْميٌ َفهُ ْم لَ يَرْ ِ‬
‫صمّ ُبكْمٌ ُ‬
‫جل جلله‪ُ {:‬‬
‫ولكن لماذا فقدوا كل أدوات الدراك هذه؟‪.‬‬
‫‪ .‬لن الغشاوة التفت حول القلوب الكافرة‪ ،‬فجعلت العيون عاجزة عن تأمل آيات ال‪ ..‬والسمع‬
‫غير قادر على التلقي من رسول ال صلى ال عليه وسلم‪..‬‬
‫إذن فهؤلء الذين اختاروا الكفر وأصروا عليه وكفروا بال رغم رسالته ورسله وقرآنه‪ ..‬ماذا‬
‫يفعل ال بهم؟ أنه يتخلى عنهم‪ .‬ولنه سبحانه وتعالى غني عن العالمين فإنه ييسر لهم الطريق‬
‫حمَـانِ ُنقَ ّيضْ‬
‫الذي مشوا فيه ويعينهم عليه‪ ..‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪َ {:‬ومَن َيعْشُ عَن ِذكْرِ الرّ ْ‬
‫لَهُ شَيْطَانا َف ُهوَ لَهُ قَرِينٌ }[الزخرف‪]36 :‬‬
‫ويقول جل جلله‪َ {:‬هلْ أُنَبّ ُئكُمْ عَلَىا مَن تَنَ ّزلُ الشّيَاطِينُ * تَنَ ّزلُ عَلَىا ُكلّ َأفّاكٍ أَثِيمٍ }[الشعراء‪:‬‬
‫‪]222-221‬‬
‫ومن عظمة علم ال تبارك وتعالى أنه يعلم المؤمن ويعلم الكافر‪ ..‬دون أن يكون جل جلله تدخل‬
‫في اختيارهم‪ ..‬فعندما بعث ال سبحانه وتعالى نوحا عليه السلم‪ ..‬ودعا نوح إلى منهج ال‬
‫تسعمائة وخمسين عاما‪ .‬وقبل أن يأتي الطوفان علم ال سبحانه وتعالى أنه لن يؤمن بنوح عليه‬
‫السلم إل من آمن فعل‪ ..‬فطلب ال تبارك وتعالى من نوح أن يبني السفينة لينجو المؤمنون من‬
‫حيَ ِإلَىا نُوحٍ أَنّهُ لَن ُي ْؤمِنَ مِن َق ْو ِمكَ ِإلّ مَن قَدْ آمَنَ فَلَ‬
‫الطوفان‪ ..‬واقرأ قوله جل جلله‪ {:‬وَأُو ِ‬
‫تَبْتَئِسْ ِبمَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ * وَاصْنَعِ ا ْلفُ ْلكَ بِأَعْيُنِنَا َووَحْيِنَا َولَ ُتخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظََلمُواْ إِ ّنهُمْ‬
‫ّمغْ َرقُونَ }[هود‪]37-36 :‬‬
‫وهكذا نرى أنه من عظمة علم ال سبحانه وتعالى‪ ..‬أنه يعلم من سيصر على الكفر وأنه سيموت‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كافرا‪ ..‬وإذا كانت هذه هي الحقيقة فلماذا يطلب ال تبارك وتعالى من رسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫أن يبلغهم بالمنهج وبالقرآن؟‪ ..‬ليكونوا شهداء على أنفسهم يوم القيامة‪ ..‬فل يأتي هؤلء الناس يوم‬
‫المشهد العظيم ويجادلون بالباطل‪ ..‬أنه لو بلغهم الهدى ودعاهم رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫لمنوا‪ ..‬ولكن لماذا يختم ال جل جلله على قلوبهم؟‪ ..‬لن القلب هو مكان العقائد‪ ..‬ولذلك فإن‬
‫القضية تناقش في العقل فإذا انتهت مناقشتها واقتنع بها النسان تماما فإنها تستقر في القلب ول‬
‫تعود إلى الذهن مرة أخرى وتصبح عقيدة وإيمانا‪ ..‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬فَإِ ّنهَا لَ َت ْعمَى‬
‫الَ ْبصَارُ وَلَـاكِن َت ْعمَىا ا ْلقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ }[الحج‪]46 :‬‬
‫وإذا عمى القلب عن قضية اليمان‪ ..‬فل عين ترى آيات اليمان‪ ..‬ول أذن تسمع كلم ال‪..‬‬
‫وهؤلء الذين اختاروا الكفر على اليمان لهم في الخرة عذاب عظيم‪ ..‬ولقد وصف ال سبحانه‬
‫وتعالى العذاب بأنه أليم‪ ..‬وبأنه مهين‪ ..‬وبأنه عظيم‪ ..‬العذاب الليم هو الذي يسبب ألما شديدا‪..‬‬
‫والعذاب المهين هو الذي يأتي لولئك الذين رفعهم ال في الدنيا‪ ..‬وأحيانا تكون الهانة أشد إيلما‬
‫للنفس من ألم العذاب نفسه‪ ..‬أولئك الذين كانوا أئمة الكفر في الدنيا‪ ..‬يأتي بهم ال تبارك وتعالى‬
‫يوم القيامة أمام من اتبعوهم فيهينهم‪ ..‬أما العذاب العظيم فإنه منسوب إلى قدرة ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ ..‬لنه بقدرات البشر تكون القوة محدودة‪ ..‬أما بقدرات ال جل جلله تكون القوة بل‬
‫حدود‪ ..‬لن كل فعل يتناسب مع فاعله‪ ..‬وقدرة ال سبحانه وتعالى عظيمة في كل فعل‪ ..‬وبما أن‬
‫العذاب من ال جل جلله فإنه يكون عذابا عظيما‪.‬‬

‫(‪)11 /‬‬
‫َومِنَ النّاسِ مَنْ َيقُولُ َآمَنّا بِاللّ ِه وَبِالْ َيوْمِ الَْآخِ ِر َومَا هُمْ ِب ُم ْؤمِنِينَ (‪)8‬‬

‫الناس في الحياة الدنيا على ثلثة أحوال‪ :‬إما مؤمن‪ ،‬وإما كافر‪ ،‬وإما منافق‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى في بداية القرآن الكريم في سورة البقرة‪ ..‬أراد أن يعطينا وصف البشر جميعا‬
‫بالنسبة للمنهج وأنهم ثلث فئات‪ :‬الفئة الولى هم المؤمنون‪ ،‬عَرّفنا ال سبحانه وتعالى صفاتهم في‬
‫ثلث آيات‪ ،‬في قوله تعالى‪:‬‬
‫ب وَ ُيقِيمُونَ الصّل َة وَممّا رَ َزقْنَاهُمْ يُ ْن ِفقُونَ * والّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ ِبمَآ أُنْ ِزلَ إِلَ ْيكَ‬
‫{ الّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ بِا ْلغَ ْي ِ‬
‫ك وَبِالخِ َرةِ ُهمْ يُوقِنُونَ * ُأوْلَـا ِئكَ عَلَىا هُدًى مّن رّ ّبهِ ْم وَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ‬
‫َومَآ أُنْ ِزلَ مِن قَبِْل َ‬
‫ا ْل ُمفْلِحُونَ }‬
‫والفئة الثانية هم الكفار‪ ،‬وعرفنا ال سبحانه وتعالى صفاتهم في آيتين في قوله تعالى‪:‬‬
‫علَ ْيهِمْ أَأَنذَرْ َتهُمْ أَمْ لَمْ تُ ْنذِرْهُمْ لَ ُي ْؤمِنُونَ * خَ َتمَ اللّهُ عَلَىا قُلُوبِه ْم وَعَلَىا‬
‫سوَآءٌ َ‬
‫{ إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س ْم ِعهِ ْم وَعَلَىا أَ ْبصَارِهِمْ غِشَا َوةٌ وََلهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }‬
‫َ‬
‫وجاء للمنافقين فعرف صفاتهم في ثلث عشرة آية متتابعة‪ ،‬لماذا‪..‬؟ لخطورتهم على الدين‪ ،‬فالذي‬
‫يهدم الدين هو المنافق‪ ،‬أما الكافر فنحن نتقيه ونحذره‪ ،‬لنه يعلن كفره‪.‬‬
‫إن المنافق‪ ،‬يتظاهر أمامك باليمان‪ ،‬ولكنه يبطن الشر والكفر‪ ،‬وقد تحسبه مؤمنا‪ ،‬فتطلعه على‬
‫أسرارك‪ ،‬فيتخذها سلحا لطعن الدين‪ ..‬وقد خلق ال في النسان ملكات متعددة‪ ،‬ولكن يعيش‬
‫النسان في سلم مع نفسه‪ ،‬لبد أن تكون ملكاته منسجمة وغير متناقضة‪.‬‬
‫فالمؤمن ملكاته منسجمة‪ ،‬لنه اعتقد بقلبه في اليمان ونطق لسانه بما يعتقد‪ ،‬فل تناقض بين‬
‫ملكاته أبدا‪..‬‬
‫والكافر قد يقال إنه يعيش في سلم مع نفسه‪ ،‬فقد رفض اليمان وأنكره بقلبه ولسانه وينطق بذلك‪،‬‬
‫ولكن الذي فقد السلم مع ملكاته هو المنافق‪ ،‬أنه فقد السلم مع مجتمعه وفقد السلم مع نفسه‪ ،‬فهو‬
‫يقول بلسانه‪ ،‬ما ل يعتقد قلبه‪ ،‬يظهر غير ما يبطن‪ ،‬ويقول غير ما يعتقد‪ ،‬ويخشى أن يكشفه‬
‫الناس‪ ،‬فيعيش في خوف عميق‪ ،‬وهو يعتقد أن ذلك شيء مؤقت سينتهي‪.‬‬
‫ولكن هذا التناقض يبقى معه إلى آخر يوم له في الدنيا‪ ،‬ثم ينتقل معه إلى الخرة‪ ،‬فينقض عليه‪،‬‬
‫س ْم ُعهُ ْم وَأَ ْبصَارُهُمْ‬
‫شهِدَ عَلَ ْي ِهمْ َ‬
‫ليقوده إلى النار‪ ،‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬حَتّىا إِذَا مَا جَآءُوهَا َ‬
‫شيْءٍ‬
‫طقَنَا اللّهُ الّذِي أَنطَقَ ُكلّ َ‬
‫شهِدتّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَن َ‬
‫وَجُلُودُهُم ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ * َوقَالُواْ ِلجُلُودِهِمْ لِمَ َ‬
‫جعُونَ }[فصلت‪]21-20 :‬‬
‫وَ ُهوَ خََل َقكُمْ َأ ّولَ مَ ّرةٍ وَإِلَ ْيهِ تُرْ َ‬
‫إذن كل ملكاتهم انقضت عليهم في الخرة‪ ،‬فالسلم الذي كانوا يتمنونه لم يحققوه ل في حياتهم ول‬
‫في آخرتهم‪ ،‬فلسان المنافق يشهد عليه‪ ،‬ويداه تشهدان عليه‪ ،‬ورجله تشهدان عليه‪ ،‬والجلود تشهد‬
‫عليه‪ ،‬فماذا بقي له؟‬
‫بينه وبين ربه تناقض‪ ،‬وبينه وبين نفسه تناقض‪ ،‬وبينه وبين مجتمعه تناقض‪ ،‬وبينه وبين آخرته‬
‫تناقض‪ .‬وبينه وبين الكافرين تناقض‪ .‬يقول لسانه ما ليس في قلبه‪ ،‬وبماذا وصف الحق سبحانه‬
‫وتعالى المنافقين؟ قال تعالى‪:‬‬
‫{ َومِنَ النّاسِ مَن َيقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الخِ ِر َومَا هُم ِب ُم ْؤمِنِينَ }[البقرة‪]8 :‬‬
‫هذه أول صفات المنافقين في القرآن الكريم‪ ،‬يعلنون اليمان وفي قلوبهم الكفر‪ ،‬ولذلك فإن إيمانهم‬
‫كله تظاهر‪ ،‬إذا ذهبوا للصلة ل تكتب لهم‪ ،‬لنهم يتظاهرون بها‪ ،‬ول يؤدونها عن إيمان‪ ،‬وإذا‬
‫أدوا الزكاة‪ ،‬فإنها تكون عليهم حسرة‪ ،‬لنهم ينفقونها وهم لها كارهون‪ ،‬لنها في زعمهم نقص من‬
‫مالهم‪ .‬ل يأخذون عليها ثوابا في الخرة‪ ،‬وإذا قتل واحد منهم في غزوة‪ ،‬انتابهم الحزن‪ ،‬والسى‪،‬‬
‫لنهم أهدروا حياتهم ولم يقدموها في سبيل ال‪.‬‬
‫وهكذا يكون كل ما يفعلونه شقاء بالنسبة لهم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما المؤمن فحين يصلي أو يؤدي الزكاة أو يستشهد في سبيل ال فهو يرجو الجنة‪ ،‬وأما المنافقون‬
‫فإنهم يفعلون كل هذا‪ ،‬وهم ل يرجون شيئا‪ ..‬فكأنهم بنفاقهم قد حكم عليهم ال سبحانه وتعالى‬
‫بالشقاء في الدنيا والخرة‪ ،‬فل هم في الدنيا لهم متعة المؤمن فيما يفعل في سبيل ال‪ ،‬ول هم في‬
‫الخرة لهم ثواب المؤمن فيما يرجو من ال‪.‬‬

‫(‪)12 /‬‬
‫شعُرُونَ (‪)9‬‬
‫سهُ ْم َومَا يَ ْ‬
‫يُخَادِعُونَ اللّ َه وَالّذِينَ َآمَنُوا َومَا َيخْدَعُونَ إِلّا أَ ْنفُ َ‬

‫وتأتي الصفة الثانية من صفات المنافقين‪ ،‬وهي صفة تدل على غفلتهم وحمق تفكيرهم‪ ،‬فإنهم‬
‫يحسبون أنهم بنفاقهم يخدعون ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وهل يستطيع بشر أن يخدع رب العالمين؟‬
‫إن ال عليم بكل شيء‪ ،‬عليم بما نخفي وما نعلن‪ ،‬عليم بالسر وما هو أخفى من السر‪ ،‬وهل يوجد‬
‫ما هو أخفى من السر؟ نقول نعم‪ ،‬السر هو ما أسررت به لغيرك‪ ،‬فكأنه يعلمه اثنان‪ ،‬أنت ومن‬
‫أسررت إليه‪ .‬ولكن ما هو أخفى من السر‪ ،‬ما تبقيه في نفسك ول تخبر به أحدا‪ ،‬أنه يظل في قلبك‬
‫خفَى }[طه‪]7 :‬‬
‫جهَرْ بِا ْلقَ ْولِ فَإِنّهُ َيعْلَمُ السّ ّر وََأ ْ‬
‫ل تسر به لنسان‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وَإِن َت ْ‬
‫فل يوجد مخلوق‪ ،‬يستطيع أن يخدع خالقه‪ ،‬ولكنهم من غفلتهم‪ ،‬يحسبون أنهم يستطيعون خداع ال‬
‫جل جلله‪ .‬وفي تصرفهم هذا ل يكون هناك سلم بينهم وبين ال‪ .‬بل يكون هناك مقت وغضب‪.‬‬
‫وهم في خداعهم يحسبون أيضا أنهم يخدعون الذين آمنوا‪ ،‬بأنهم يقولون أمامهم غير ما يبطنون‪،‬‬
‫ولكن هذا الخداع شقاء عليهم‪ ،‬لنهم يعيشون في خوف مستمر‪ ،‬وهم دائما في قلق أو خوف من‬
‫أن يكشفهم المؤمنون‪ ،‬أو يستمعوا إليهم في مجالسهم الخاصة‪ ،‬وهم يتحدثون بالكفر ويسخرون من‬
‫اليمان‪ ،‬ولذلك إذا تحدثوا لبد أن يتأكدوا أول من أن أحدا من المؤمنين ل يسمعهم‪ ،‬ويتأكدوا ثانيا‬
‫من أن أحدا من المؤمنين لن يدخل عليهم وهم يتحدثون‪ ،‬والخوف يمل قلوبهم أيضا‪ ،‬وهم مع‬
‫المؤمنين‪ ،‬فكل واحد منهم يخشى أن تفلت منه كلمة‪ ،‬تفضح نفاقه وكفره‪.‬‬
‫وهكذا فل سلم بينهم وبين المؤمنين‪ ..‬والحقيقة أنهم ل يخدعون إل أنفسهم‪ .‬فال سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫يعلم نفاقهم‪ ،‬والمؤمنون قد يعلمون هذا النفاق‪ ،‬فإن لم يعلموه‪ ،‬فإن ال يخبرهم به‪ ،‬واقرأ قول الحق‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬وََلوْ َنشَآ ُء لَرَيْنَا َكهُمْ فََلعَ َرفْ َتهُم بِسِيمَاهُ ْم وَلَ َتعْ ِرفَ ّنهُمْ فِي لَحْنِ ا ْلقَ ْولِ وَاللّهُ َيعْلَمُ‬
‫عمَاَلكُمْ }[محمد‪]30 :‬‬
‫أَ ْ‬
‫ألم يأت المنافقون إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ليشهدوا أنه رسول ال ففضحهم ال أمام‬
‫شهَدُ إِ ّنكَ لَرَسُولُ اللّ ِه وَاللّهُ َيعْلَمُ إِ ّنكَ لَ َرسُولُهُ‬
‫رسوله وأنزل قوله تعالى‪ِ {:‬إذَا جَآ َءكَ ا ْلمُنَا ِفقُونَ قَالُواْ نَ ْ‬
‫ش َهدُ إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ َلكَاذِبُونَ }[المنافقون‪]1 :‬‬
‫وَاللّهُ يَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جاء المنافقون إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم يشهدون بصدق رسالته‪ ،‬وال سبحانه وتعالى‬
‫يعلم أن هذه الشهادة حق وصدق‪ ،‬لنه جل جلله‪ ،‬يعلم أن رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬صادق‬
‫الرسالة‪ ،‬ولكنه في الوقت نفسه يشهد بأن المنافقين كاذبون‪ .‬كيف؟‬
‫كيف يتفق كلم ال مع ما قاله المنافقون ثم يكونون كاذبين؟‬
‫نقول‪ :‬لن المنافقين قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم‪ ،‬فهم شهدوا بألسنتهم فقط أن محمدا صلى ال‬
‫عليه وسلم رسول ال ولكن قلوبهم منكرة لذلك‪ ،‬مكذبة به‪ ،‬ولذلك فإن ما قاله المنافقون رغم أنه‬
‫حقيقة إل أنهم يكذبون‪ ،‬ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم‪ ،‬لن الصدق هو أن يوافق الكلم‬
‫حقيقة ما في القلب‪ ،‬وهؤلء كذبوا‪ ،‬لنهم في شهادتهم لرسول ال صلى ال عليه وسلم لم يكونوا‬
‫ب ما يقولون‪.‬‬
‫يعبرون عن واقع في قلوبهم‪ ،‬بل قلوبهم ُتكَ ّذ ُ‬
‫‪.‬‬
‫وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم يفضح ال سبحانه وتعالى فيها المنافقين وينبئ رسوله صلى‬
‫ال عليه وسلم بما يضمرونه في قلوبهم‪ ،‬إذن فخداعهم للمؤمنين‪ ،‬رغم أنه خداع بشر لبشر‪ ،‬إل‬
‫أنه أحيانا تفلت ألسنتهم‪ ،‬فتعرف حقيقتهم‪ ،‬وإذا لم يفلت اللسان‪ ،‬جاء البيان من ال سبحانه وتعالى‬
‫ليفضحهم‪ ،‬وتكون حصيلة هذا كله‪ ،‬أنهم ل يخدعون أحدا‪ ،‬فال يعلم سرهم وجهرهم‪ ،‬فمرة يعين‬
‫ال المؤمنين عليهم فيكشفونهم‪ ،‬ومرة تفلت ألسنة المنافقين فيكشفون أنفسهم‪.‬‬
‫إذن فسلوك المنافق‪ ،‬ل يخدع به إل نفسه‪ ،‬وهو الخاسر في الدنيا والخرة‪ ،‬عندما يؤدي عمل‬
‫إيمانيا‪ ،‬فال يعلم أنه نفاق‪ ،‬وعندما يحاول أن يخدع المؤمنين‪ ،‬ينكشف‪ ،‬والنتيجة أنهم يعتقدون‬
‫بأنهم حققوا لنفسهم نفعا‪ ،‬بينما هم لم يحققوا لنفسهم إل الخسران المبين‪.‬‬

‫(‪)13 /‬‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ ِبمَا كَانُوا َيكْذِبُونَ (‪)10‬‬
‫فِي قُلُو ِبهِمْ مَ َرضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَ َرضًا وََلهُمْ َ‬

‫فال سبحانه وتعالى‪ ،‬شبه ما في قلوب المنافقين بأنه مرض‪ ،‬والمرض أول يورث السقم‪ ،‬فكأن‬
‫قلوبهم ل تملك الصحة اليمانية التي تحيي القلب فتجعله قويا شابا‪ ،‬ولكنها قلوب مريضة‪ ،‬لماذا‬
‫كانت مريضة؟ لقد أتعبها النفاق وأتعبها التنافر مع كل ما حولها‪ ،‬وأحست أنها تعيش حياة ملؤها‬
‫الكذب‪ ،‬فاضطراب القلب‪ ،‬جعله مريضا‪ ،‬ول يمكن أن يشفى إل بإذن ال‪ ،‬وعلجه هو اليمان‬
‫الحقيقي الصادق‪ ،‬ذلك الذي يعطيه الشفاء‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وَنُنَ ّزلُ مِنَ ا ْلقُرْآنِ مَا ُهوَ‬
‫خسَارا }[السراء‪]82 :‬‬
‫حمَةٌ لّ ْل ُم ْؤمِنِينَ َولَ يَزِيدُ الظّاِلمِينَ َإلّ َ‬
‫شفَآ ٌء وَرَ ْ‬
‫ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فاليمان والقرآن هما شفاء القلوب‪ ،‬كلهما بعيد عن قلوب هؤلء المنافقين‪ ،‬فكأن المرض‬
‫يزداد في قلوبهم مع الزمن‪ ،‬وال سبحانه وتعالى ـ بنفاقهم وكفرهم ـ يزيدهم مرضا‪ .‬وهذه هي‬
‫الصفة الثالثة للمنافقين‪ ..‬أنهم أصحاب قلوب مريضة سقيمة‪ ،‬ل يدخلها نور اليمان‪ ،‬ولذلك فهي‬
‫قلوب ضعيفة‪ ،‬ليس فيها القوة اللزمة لمعرفة الحق‪ .‬وهي قلوب خائفة من كل ما حولها‪ ،‬مرتعبة‬
‫في كل خطواتها‪ ،‬مضطربة بين ما في القلب وما على اللسان‪ ،‬والمريض ل يقوى على شيء‬
‫وكذلك هذه القلوب ل تقوى على قول الحق‪ ،‬ول تقوى على الصدق‪ ،‬ول ترى ما حولها‪ ،‬تلك‬
‫الرؤية التي تتناسب وتتفق مع فطرة اليمان‪ ،‬التي وضعها ال تعالى في القلوب‪ ،‬ولذلك إذا دخل‬
‫المنافقون في معركة في صفوف جيش المسلمين‪ ..‬فأول ما يبحثون عنه هو الهرب من المعركة‪،‬‬
‫يبحثون عن مخبأ يختفون فيه‪ ،‬أو مكان ل يراهم فيه أحد‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يصفهم بقوله‪َ {:‬لوْ‬
‫جمَحُونَ }[التوبة‪]57 :‬‬
‫جدُونَ مَ ْلجَئا َأوْ َمغَارَاتٍ َأوْ ُمدّخَلً ّلوَّلوْاْ إِلَ ْي ِه وَهُمْ َي ْ‬
‫يَ ِ‬
‫لماذا؟ لنهم أصحاب قلوب مريضة‪ ،‬ل تقوى على شيء‪ ،‬ومرضها يجعلها تهرب من كل شيء‪،‬‬
‫وتختفي‪ .‬وليت المر يقتصر عند هذا الحد‪ ،‬ولكن ينتظرهم في الخرة عذاب أليم‪ ،‬غير العذاب‬
‫الذي عانوه من قلوبهم المريضة في الدنيا‪ ،‬فبما كانوا يكذبون على ال وعلى رسوله‪ ،‬ينتظرهم في‬
‫الخرة عذاب أليم أشد من عذاب الكافرين‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ فِي الدّ ْركِ‬
‫سفَلِ مِنَ النّارِ }[النساء‪]145 :‬‬
‫الَ ْ‬

‫(‪)14 /‬‬
‫وَإِذَا قِيلَ َلهُمْ لَا ُتفْسِدُوا فِي الْأَ ْرضِ قَالُوا إِ ّنمَا نَحْنُ ُمصْلِحُونَ (‪)11‬‬

‫الفساد في الرض هو أن تعمد إلي الصالح فتفسده‪ ،‬وأقل ما يطلب منك في الدنيا‪ ،‬أن تدع الصالح‬
‫لصلحه‪ ،‬ول تتدخل فيه لتفسده‪ ،‬فإن شئت أن ترتقي إيمانيا‪ ،‬تأت للصالح‪ ،‬وتزد من صلحه‪ ،‬فإن‬
‫جئت للصالح وأفسدته فقد أفسدت فسادين‪ ،‬لن ال سبحانه وتعالى‪ ،‬أصلح لك مقومات حياتك في‬
‫الكون‪ ،‬فلم تتركها على الصلح الذي خلقت به‪ ،‬وكان تركها في حد ذاته‪ ،‬بعدا عن الفساد‪ ،‬بل‬
‫جئت إليها‪ ،‬وهي صالحة بخلق ال لها فأفسدتها‪ ،‬فأنت لم تستقبل النعمة الممنوحة لك من ال‪ ،‬بأن‬
‫تتركها تؤدي مهمتها في الحياة‪ ،‬ولم تزد في مهمتها صلحا‪ ،‬ولكنك جئت إلى هذه المهمة‬
‫فأفسدتها‪ ..‬فلو أن هناك بئرا يشرب منها الناس‪ ،‬فهذه نعمة لضرورة حياتهم‪ ،‬تستطيع أنت بأسباب‬
‫ال في كون ال أن تأتي وتصلحها‪ ،‬بأن تبطن جدرانها بالحجارة‪ ،‬حتى تمنع انهيار الرمال داخلها‪،‬‬
‫أو أن تأتي بحبل وإناء حتى تعين الناس على الوصول إلى مياهها‪ ،‬ولكنك إذا جئت وردمتها تكون‬
‫قد أفسدت الصالح في الحياة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا المنافقون‪ ..‬أنزل ال تعالى منهجا للحياة الطيبة للنسان على الرض‪ ،‬وهؤلء المنافقون‬
‫بذلوا كل ما في جهدهم لفساد هذا المنهج‪ ،‬بأن تآمروا ضده وادعوا أنهم مؤمنون به ليطعنوا‬
‫السلم في داخله‪.‬‬
‫ولقد تنبه أعداء السلم‪ ،‬إلى أن هذا الدين القوي الحق‪ ،‬ل يمكن أن يتأثر بطعنات الكفر‪ ،‬بل‬
‫يواجهها ويتغلب عليها‪ .‬فما قامت معركة بين حق وباطل إل انتصر الحق‪ ،‬ولقد حاول أعداء‬
‫السلم أن يواجهوه سنوات طويلة‪ ،‬ولكنهم عجزوا‪ ،‬ثم تنبهوا إلى أن هذا الدين ل يمكن أن يهزم‬
‫إل من داخله‪ ،‬وأن استخدام المنافقين في الفساد‪ ،‬هو الطريقة الحقيقية لتفريق المسلمين‪ ،‬فانطلقوا‬
‫إلى المسلمين اسما ليتخذوا منهم الحربة التي يوجهونها ضد السلم‪ ،‬وظهرت مذاهب واختلفات‪،‬‬
‫وما أسموه العلمانية واليسارية وغير ذلك‪ ،‬كل هذا قام به المنافقون في السلم وغلفوه بغلف‬
‫إسلمي‪ ،‬ليفسدوا في الرض ويحاربوا منهج ال‪.‬‬
‫وإذا لفت المؤمنون نظرهم إلى أنهم يفسدون في الرض‪ ،‬وطلبوا منهم أن يمتنعوا عن الفساد‪،‬‬
‫ادعوا أنهم ل يفسدون ولكنهم يصلحون‪ ،‬وأي صلح في عدم اتباع منهج ال والخروج عليه بأي‬
‫حجة من الحجج؟‬

‫(‪)15 /‬‬
‫شعُرُونَ (‪)12‬‬
‫سدُونَ وََلكِنْ لَا َي ْ‬
‫أَلَا إِ ّنهُمْ هُمُ ا ْلمُفْ ِ‬

‫وهكذا يعطينا ال سبحانه وتعالى حكمه عليهم بأنهم كما أنهم يخدعون أنفسهم ول يشعرون‬
‫ويحسبون أنهم يخدعون ال سبحانه وتعالى والمؤمنين‪ .‬كذلك فإنهم يفسدون في الرض ويدعون‬
‫أنهم مصلحون‪ ،‬ولكنهم في الحقيقة مفسدون لماذا؟‪ ..‬لن في قلوبهم كفرا وعداء لمنهج ال‪ ،‬فلو‬
‫قاموا بأي عمل يكون ظاهره الصلح‪ ،‬فحقيقته هي الفساد‪ ،‬تماما كما ينطقون بألسنتهم بما ليس‬
‫في قلوبهم‪.‬‬
‫والكون ل يصلح إل بمنهج ال‪ ،‬فال سبحانه وتعالى هو الذي خلق‪ ،‬وهو الذي أوجد‪ ،‬وهو أدرى‬
‫بصنعته وبما يفسدها وبما يصلحها‪ ،‬لنه هو الصانع‪ ،‬ول يوجد من يعلم سر ما يصلح صنعته‬
‫أكثر من صانعها‪.‬‬
‫ونحن في المنهج الدنيوي إذا أردنا إصلح شيء اتجهنا لصانعه؛ فهو الذي يستطيع أن يدلنا على‬
‫الصلح الحقيقي لهذا الشيء‪ ،‬فإذا لم يكن صانعه موجودا في البلدة نفسها اتجهنا إلى من دربهم‬
‫الصانع على الصلح‪ ،‬أو إلى ما يسمونه " الكتالوج " الذي يبين لنا طريق الصلح‪ ،‬وبدون هذا‬
‫ل نصلح‪ ،‬بل نفسد‪ ،‬والعجيب أننا نتبع هذه الطريقة في حياتنا الدنيوية‪ ،‬ثم نأتي إلى النسان‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والكون‪ ،‬فبدلً من أن نتجه إلى صانعه وخالقه لنأخذ عنه منهج الصلح‪ ،‬وهو أدرى بصنعته‪،‬‬
‫نتجه إلى خلق ال يضعون لنا المناهج التي تفسد‪ ،‬وظاهرها الصلح لكنها تزيد المور سوءا‬
‫والغريب أننا نسمي هذا فلحا‪ ،‬ونسميه تقدما‪ .‬ولكن لماذا ل نتجه إلى الصانع أو الخالق‪ ،‬الذي‬
‫أوجد وخلق؟ هو سبحانه وتعالى أدرى بخلقه وبما يصلحهم وما يفسدهم‪.‬‬
‫ومادام الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬قد حكم على المنافقين‪ ،‬بأنهم هم المفسدون فذلك حكم يقيني‪ ،‬وكل‬
‫من يحاول أن يغير من منهج ال‪ ،‬أو يعطل تطبيقه بحجة الصلح‪ ،‬فهو مفسد وإن كان ل يشعر‬
‫بذلك‪ ،‬لنه لو أراد إصلحا لتجه إلى ما يصلح الكون‪ ،‬وهو المنهج السماوي الذي أنزله خالق‬
‫هذا الكون وصانعه‪ ،‬وهذا المنهج موجود ومُبَلّ ٌغ ول يخفى على أحد‪.‬‬

‫(‪)16 /‬‬
‫س َفهَاءُ وََلكِنْ لَا‬
‫س َفهَاءُ أَلَا إِ ّنهُمْ هُمُ ال ّ‬
‫وَإِذَا قِيلَ َلهُمْ َآمِنُوا َكمَا َآمَنَ النّاسُ قَالُوا أَ ُن ْؤمِنُ َكمَا َآمَنَ ال ّ‬
‫َيعَْلمُونَ (‪)13‬‬

‫والسفهاء في قصد المنافقين هم الفقراء‪ ،‬ولكن ما معنى السفه في اللغة‪ :‬السفه معناه الطيش‬
‫والحمق والخفة في تناول المور‪ ،‬فهل تنطبق صفة السفيه على المؤمنين‪ ،‬الذين آمنوا بال‪ ،‬أو‬
‫أنها تنطبق على أولئك الذين لم يؤمنوا بال؟ إذا كنتم تعتقدون أن الذين آمنوا هم السفهاء فلماذا‬
‫تدعون اليمان كذبا‪ ،‬لتكونوا سفهاء؟ لشك أن هناك تناقضا موجودا في كل تصرفات المنافقين‪.‬‬
‫فالرسول صلى ال عليه وسلم يدعوهم لليمان‪ ،‬والمسلمون يدعونهم لليمان‪ ،‬ولكنهم يصفون‬
‫الذين آمنوا بأنهم سفهاء أي فقراء ل يملكون شيئا‪ ،‬لن سادة قريش لم يؤمنوا‪ ..‬وهم يدعون أن‬
‫الذين آمنوا‪ ،‬تصرفوا تصرفا أحمق‪ ،‬طائشا‪ ،‬ولكن الغفلة هي المرض الذي يمل قلوبهم ل يجعلهم‬
‫ينتبهون إلى حقيقة مهمة‪ ،‬وهي أنهم يتظاهرون باليمان‪ ،‬ويدعون اليمان ثم يصفون المؤمنين‬
‫بالسفهاء‪ ،‬إذا كان هؤلء سفهاء كما تدعون‪ .‬فهل تتظاهرون باليمان لتصبحوا سفهاء مثلهم؟!‬
‫إن المنطق ل يستقيم ويدل على سفاهة عقول المنافقين‪ ،‬أنّ هذه العقول‪ .‬لم تتنبه إلى أنها حينما‬
‫وصفت المسلمين بالسفهاء‪ ،‬قد أدانت نفسها‪ ،‬لن المنافقين يدعون أنهم مؤمنون‪ ،‬إذن فكل‬
‫تصرفات المنافقين فيها تناقض‪ .‬تناقض مع العقل والمنطق‪ ،‬هذا التناقض يأتي من تناقض ملكات‬
‫النفس بعضها مع بعض‪ ..‬فاللسان يكذب القلب‪ .‬والعمل يكذب العقيدة‪ .‬والتظاهر باليمان يحملهم‬
‫مشقة اليمان ول يعطيهم شيئا من ثوابه‪ .‬ولو كان لهم عقول‪ ،‬لتنبهوا إلى هذا كله‪ ،‬ولكنهم ل‬
‫يشعرون وهم يمضون في هذا الطريق‪ ،‬طريق النفاق‪ ،‬إنهم يجسدون السفاهة بعينها‪ ،‬بكل ما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تحمله من حمق واستخفاف‪ ،‬وعدم التنبه إلى الحقيقة‪ ،‬والرعونة التي يتصرفون بها‪ ،‬وال سبحانه‬
‫وتعالى حين وصفهم بالسفهاء‪ ،‬كان وصفا دقيقا‪ ،‬لحالتهم وطريقة حياتهم‪.‬‬

‫(‪)17 /‬‬
‫وَإِذَا َلقُوا الّذِينَ َآمَنُوا قَالُوا َآمَنّا وَإِذَا خََلوْا إِلَى شَيَاطِي ِنهِمْ قَالُوا إِنّا َم َعكُمْ إِ ّنمَا َنحْنُ مُسْ َتهْزِئُونَ (‪)14‬‬

‫وهكذا يرينا الحق سبحانه‪ ،‬أن كل منافق له أكثر من حياة يحرص عليها‪ ،‬والحياة لكي تستقيم‪،‬‬
‫يجب أن تكون حياة واحدة منسجمة مع بعضها البعض‪ ،‬ولكن انظر إلى هؤلء‪ ..‬مع المؤمنين‬
‫يقولون آمنا‪ ،‬ويتخذون حياة اليمان ظاهرا‪ ،‬أي أنهم يمثلون حياة اليمان‪ ،‬كما يقوم الممثل على‬
‫المسرح بتمثيل دور شخصية غير شخصيته تماما‪ ..‬حياتهم كلها افتعال وتناقض‪ ،‬فإذا بعدوا عن‬
‫الذين آمنوا‪ ،‬يقول الحق تبارك وتعالى‪ { :‬وَإِذَا خََلوْاْ إِلَىا شَيَاطِي ِنهِمْ }‪.‬‬
‫وانظر إلى دقة الداء القرآني‪ ،‬الشيطان هو الدس الخفي‪ ،‬الحق ظاهر وواضح‪ ،‬أما منهج الشيطان‬
‫وتآمره فيحدث في الخفاء لنه باطل والنفس ل تخجل من حق أبدا‪ ،‬ولكنها تخشى وتخاف وتحاول‬
‫أن تخفي الباطل‪.‬‬
‫ولنضرب لذلك مثل بسيطا‪ ،‬رجل يجلس مع زوجته في منزله‪ ،‬وطرق الباب طارق‪ ،‬ماذا يحدث؟‬
‫يقوم الرجل بكل اطمئنان‪ ،‬ويفتح الباب ليرى من الطارق‪ ،‬فإن وجده صديقا أو قريبا أكرمه‬
‫ورحب به وأصر على أن يدخل ليضيفه‪ .‬وتقوم الزوجة بإعداد الطعام أو الشراب الذي سيقدم‬
‫للضيف‪ ،‬نأخذ هذه الحالة نفسها إذا كان النسان مع زوجة غيره في شقته وطرق الباب طارق‪،‬‬
‫يحدث ارتباك عنيف‪ ،‬ويبحث الرجل عن مكان يخفي فيه المرأة التي معه‪ ،‬أو يبحث عن باب خفي‬
‫ليخرجها منه‪ ،‬أو يحاول أن يطفئ النوار ويمنع الصوات لعل الطارق يحس أنه ل يوجد أحد في‬
‫المكان فينصرف‪ ،‬وقبل أن يُخْرِجَ تلك المرأة المحرمة عليه‪ ،‬فإنه يفتح الباب بحرص‪ ،‬وينظر يمينا‬
‫ويسارا ليتأكد هل يراه أحد‪ ،‬وعندما ل يجد أحدا يسرع بدفع المرأة إلى الخارج‪ ،‬لنها إثم يريد أن‬
‫يتخلص منه‪ ،‬وإذا نزل ليوصلها يمشي بعيدا عنها‪ ،‬ويظل يرقب الطريق‪ ،‬ليتأكد من أن أحدا لم‬
‫يره‪ ،‬وعندما يركبان السيارة ينطلقان بأقصى سرعة‪.‬‬
‫هذا هو الفرق بين منهج اليمان‪ ،‬ومنهج الشيطان‪ ،‬الحادثة واحدة‪ ،‬ولكن الذي اختلف هو الحلل‬
‫والحرام‪ .‬انظر كيف يتصرف الناس في الحلل‪ ..‬في النور‪ ..‬في المان‪ ،‬وكيف يتصرفون في‬
‫الحرام ومنهج الشيطان في الظلم وفي الخفية ويحرصون على أل يراهم أحد‪ ،‬ومن هنا تأتي دقة‬
‫التعبير القرآني‪ { ..‬وَإِذَا خََلوْاْ إِلَىا شَيَاطِي ِنهِمْ }‪.‬‬
‫إن منهج الشيطان يحتاج إلى خلوة‪ ،‬إلى مكان ل يراك فيه أحد‪ ،‬ول يسمعك فيه أحد‪ ،‬لن العلن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في منهج الشيطان يكون فضيحة‪ ،‬ولذلك تجد غير المستقيم يحاول جاهدا أن يستر حركته في عدم‬
‫الستقامة‪ ،‬ومحاولته أن يستتر هي شهادة منه بأن ما يفعله جريمة وقبح‪ ،‬ول يصح أن يعلمه أحد‬
‫عنه‪ ،‬ومادام ل يصح أن يراه أحد في مكان ما‪ ،‬فاعلم أنه يحس أن ما يفعله في هذا المكان هو من‬
‫عمل الشيطان الذي ل يقره ال‪ ،‬ول يرضى عنه‪.‬‬
‫ولبد أن نعلم أن القيم‪ ،‬هي القيم‪ ،‬حتى عند المنحرف‪ ،‬وقوله تعالى‪ } :‬وَإِذَا َلقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا‬
‫آمَنّا { معناها أنهم عندما يتظاهرون باليمان يأخذون جانب العلن‪ ،‬بل ربما افتعلوه‪ ،‬وكان‬
‫المفروض أن يكون المقابل عندما يخلون إلى شياطينهم أن يقولوا‪ :‬لم نؤمن‪.‬‬
‫وهناك في اللغة جملة اسمية وجملة فعلية‪ ،‬الجملة الفعلية‪ ،‬تدل على التجدد‪ ،‬والجملة السمية تدل‬
‫على الثبوت‪ ،‬فالمنافقون مع المؤمنين يقولون آمنا‪ ،‬إيمانهم غير ثابت‪ ،‬متذبذب‪ ،‬وعندما يلقون‬
‫الكافرين‪ ،‬لو قالوا لم نؤمن‪ ،‬لخذت صفة الثبات‪ ،‬ولكنهم في الفترة بين لقائهم بالمؤمنين‪ ،‬ولقائهم‬
‫بالكافرين‪ ،‬الكفر متجدد‪ ،‬لذلك قالوا‪ } :‬إِنّا َم َعكُمْ إِ ّنمَا نَحْنُ مُسْ َتهْزِئُونَ {‪.‬‬

‫(‪)18 /‬‬
‫طغْيَا ِنهِمْ َي ْع َمهُونَ (‪)15‬‬
‫اللّهُ َيسْ َتهْ ِزئُ ِبهِ ْم وَ َيمُدّ ُهمْ فِي ُ‬

‫أن هؤلء المنافقين قوم ل حول لهم ول قوة‪ ،‬ولكن ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وهو القادر القوي حينما‬
‫يستهزئ بهم يكون الستهزاء أليما‪ ،‬وإذا كان المنافق‪ ،‬قد أظهر بلسانه ما ليس في قلبه‪ ،‬فإن ال‬
‫سبحانه وتعالى يعامله بمثل فعله‪ ،‬فإذا كان له ظاهر وباطن‪ ،‬يعامله في ظاهر الدنيا‪ ،‬معاملة‬
‫المسلمين‪ ،‬وفي الخرة يوم تبلى السرائر يجعله في الدرك السفل من النار‪ ،‬ل يسويه بالكافر لن‬
‫ذنب المنافق أشد‪.‬‬
‫{ اللّهُ يَسْ َتهْزِىءُ ِبهِمْ } والستهزاء هو السخرية‪ ،‬فهم يأتون يوم القيامة محاولين أن يتمسكوا‬
‫بالظاهر‪ ،‬فيظهر ال سبحانه وتعالى لهم باطنهم‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬و ْيلٌ ّل ُكلّ ُهمَ َزةٍ‬
‫ّلمَ َزةٍ }[الهمزة‪.]1 :‬‬
‫والهمزة هو الذي يسخر من الناس ولو بالشارة‪..‬‬
‫يرى إنسانا مصابا بعاهة في قدمه‪ ،‬يمشي وهو يعرج فيحاول أن يقلده بطريقة تثير السخرية‪ ،‬إما‬
‫بالشارة وإما بالكلم‪ ،‬وهناك همز وهمزه‪ ..‬الهمز الستهزاء والسخرية من الناس‪ ،‬علمة عدم‬
‫اليمان‪ ،‬لننا كلنا مخلوقون من إله واحد‪ ،‬فهذه الصفة التي سخرت فيها من إنسان أعرج مثل‪ ،‬ل‬
‫عمل له فيها‪ ،‬ول حول له ول قوة‪ ..‬والنسان لم يصنع نفسه‪ ،‬والحقيقة أنك تسخر من صنع ال‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والذي يسخر من خلق ال إنسان غبي لنه سخر من خلق ال في عيب‪ ،‬ولم يقدر ما تفضل ال به‬
‫عليه‪ ،‬كما أنه سخر من عيب ولم يفطن إلى أن الحق سبحانه وتعالى قد أعطى ذلك النسان‬
‫سخَرْ َقوْمٌ‬
‫خصال ومميزات ربما لم يعطها له‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ يَ ْ‬
‫مّن َقوْمٍ عَسَىا أَن َيكُونُواْ خَيْرا مّ ْنهُمْ }[الحجرات‪.]11 :‬‬
‫إن مجموع كل إنسان‪ ،‬يساوي مجموع كل إنسان آخر‪ ،‬وذلك هو عدل ال‪ ،‬فإذا كنت أحسن من‬
‫إنسان في شيء فابحث عن النقص فيك‪ .‬فإن استهزأت بمؤمن في شيء‪ ،‬فالستهزاء غير مفصول‬
‫عن صنعة ال‪ ،‬إذن فمن المنطق عندما قالوا‪ { :‬إِ ّنمَا نَحْنُ مُسْ َتهْزِئُونَ } أن يرد ال عليهم { اللّهُ‬
‫طغْيَا ِنهِمْ َي ْع َمهُونَ } أي يزيدهم في هذا الطغيان‪ ،‬لن المد هو أن تزيد‬
‫يَسْ َتهْزِىءُ ِبهِمْ وَ َيمُدّهُمْ فِي ُ‬
‫الشيء‪ ،‬ولكن مرة تزيد في الشيء من ذاته‪ ،‬ومرة تزيد عليه من غيره‪ ،‬قد تأتي بخيط وتفرده إلى‬
‫آخره‪ ،‬وقد تصله بخيط آخر‪ ،‬فتكون مددته من غيره‪ ،‬فال يزيدهم في طغيانهم‪ .‬وقوله تعالى "‬
‫يعمهون " العمه يختلف عن العمى‪ ،‬والخلف في الحرف الخير‪ ،‬العمى عمى البصر‪ ،‬والعمه‬
‫عمى البصيرة‪ ،‬ويعمهون أي يتخبطون‪ ،‬لن العمه ينشأ عنه التخبط سواء التخبط الحسي‪ ،‬من‬
‫عمى البصر‪ ،‬أو التخبط في القيم ومنهج الحياة من عمى البصيرة‪ .‬وال تعالى يقول‪ { :‬فَإِ ّنهَا لَ‬
‫َت ْعمَى الَ ْبصَا ُر وَلَـاكِن َت ْعمَىا ا ْلقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ } فكأنما العمى المادي‪ ،‬قد ل يكون‪ ،‬ولكن‬
‫عمَىا َوقَدْ كُنتُ َبصِيرا *‬
‫يكون هناك عمى البصيرة‪ ،‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬قَالَ َربّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَ ْ‬
‫قَالَ كَذاِلكَ أَتَ ْتكَ آيَاتُنَا فَنَسِي َتهَا َوكَذاِلكَ الْ َيوْمَ تُ ْنسَىا }[طه‪.]126-125 :‬‬
‫فكأن عمى البصيرة في الدنيا‪ ،‬يعمي بصر النسان‪ ،‬عن رؤية آيات ال في كونه‪ ،‬ويعميه عن‬
‫اليمان والمنهج‪..‬‬

‫(‪)19 /‬‬
‫حتْ تِجَارَ ُت ُه ْم َومَا كَانُوا ُمهْتَدِينَ (‪)16‬‬
‫أُولَ ِئكَ الّذِينَ اشْتَ َروُا الضّلَالَةَ بِا ْل ُهدَى َفمَا رَ ِب َ‬

‫يعطينا الحق سبحانه وتعالى صفة أخرى من صفات المنافقين‪ ،‬فيصفهم بأنهم الذين اشتروا‬
‫الضللة بالهدى‪ .‬ومادام هناك شراء‪ ،‬فهناك صفقة‪ ،‬تتطلب مشتريا وبائعا‪ ،‬وقد كانت السلعة في‬
‫الماضي تشترى بسلعة أخرى‪ ،‬أما الن فإن كل شيء يشترى بالمال‪ ،‬ماذا اشتروا؟‬
‫إن هؤلء المنافقين اشتروا الضللة‪ ،‬واشتروها بأي ثمن؟!‪ ..‬اشتروها بالهدى! الباء في اللغة‬
‫تدخل على المتروك‪ ،‬عندما تشتري شيئا تترك ثمنه‪ ،‬إذن كأن هؤلء قد تركوا الهدى واشتروا‬
‫الضللة‪ ،‬ولكن هل كان معهم هدى ساعة الصفقة؟‪.‬‬
‫إن الحال يقتضي أن يكون معهم هدى‪ ،‬كأن يهتدي إنسان ثم يجد أن الهدى ل يحقق له النفع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الدنيوي الذي يطلبه فيتركه ليشتري به الضلل ليحقق به ما يريد‪ ،‬والهدى الذي كان معهم‪ ،‬قد‬
‫يكون هدى الفطرة‪ ،‬فكأن هؤلء كان يمكنهم أن يختاروا الهدى فاختاروا الضللة‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى يهدي كل الناس‪ ،‬هدى دللة‪ ،‬فمن اختار الهدى يزده‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪{:‬‬
‫وََأمّا َثمُودُ َفهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبّواْ ا ْل َعمَىا عَلَى ا ْلهُدَىا }[فصلت‪]17 :‬‬
‫حتْ تّجَارَ ُت ُهمْ } التجارة بيع وشراء‪ ،‬الشاري مستهلك‪ ،‬والبائع قد يكون منتجا‪،‬‬
‫وقول الحق { َفمَا رَبِ َ‬
‫أو وسيطا بين المنتج والمستهلك‪ .‬ما حظ البائع من البيع والشراء؟ أن يكسب فإذا ما كسب قيل‬
‫ربحت تجارته‪ .‬وإذا لم يكسب ولم يخسر‪ ،‬أو إذا خسر ولم يكسب‪ ،‬ففي الحالين ل يحقق ربحا‪،‬‬
‫ونقول ما ربحت تجارته‪..‬‬
‫حتْ تّجَارَ ُت ُه ْم َومَا كَانُواْ ُمهْتَدِينَ } يدل على أنهم خسروا كل شيء لنهم لم‬
‫فقوله تعالى { َفمَا رَبِ َ‬
‫يربحوا‪ ،‬فكأنهم لم يحققوا شيئا له فائدة‪ ،‬وخسروا الهدى‪ ،‬أي خسروا الربح ورأس المال‪ .‬ما‬
‫ربحت تجارتهم ربما يكونون لم يكسبوا ولم يخسروا‪ ،‬ولكن هم قدموا الهدى ثمنا للضلل فلم‬
‫يربحوا وضاع منهم الهدى‪ ،‬أي رأس مالهم‪..‬‬
‫ونفسية المنافق إذا أردت أن تحددها‪ ،‬فهو إنسان بل كرامة‪ ،‬بل رجولة ل يستطيع المواجهة‪ ،‬بل‬
‫قوة‪ ،‬يحاول أن يمكر في الخفاء‪ ،‬ولذلك تكون صورته حقيرة أمام نفسه‪ ،‬حتى لو استطاع أن‬
‫يخفي عيوبه عن الناس‪ ،‬فيكفي أنه كاذب أمام نفسه لتكون صورته حقيرة أمام نفسه‪ ،‬وفي ذلك‬
‫يقول الشاعر‪:‬إذا أنا لـم آت الدنية خشـية من الناس كان الناس أكرم من نفسيكفى المرء عارا‬
‫أن يرى عيب نفسه وإن كان في كُنّ عن الجـن والنـسفالمهم رأيك في نفسك‪ ..‬والتمزق الذي‬
‫عند المنافق أنه يريد أن يخفي عيوبه عن الناس‪.‬‬

‫(‪)20 /‬‬
‫حوَْلهُ ذَ َهبَ اللّهُ بِنُورِهِ ْم وَتَ َر َكهُمْ فِي ظُُلمَاتٍ لَا‬
‫مَثَُلهُمْ َكمَ َثلِ الّذِي اسْ َت ْوقَدَ نَارًا فََلمّا َأضَا َءتْ مَا َ‬
‫يُ ْبصِرُونَ (‪)17‬‬

‫يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقرب صفات التمزق في المنافقين إلى فهمنا‪ ،‬ولذلك فهو يضرب لنا‬
‫المثال‪ ،‬والمثال جمع مثل وهو الشبيه الذي يقرب لنا المعنى ويعطينا الحكمة‪ ،‬والمثال باب من‬
‫البواب العريقة في الدب العربي‪ .‬فالمثل أن تأتي بالشيء الذي حدث وقيل فيه قولة موجزة‬
‫ومعبرة‪ ،‬رأى الناس أن يأخذوا هذه المقولة لكل حالة مشابهة‪.‬‬
‫ولنضرب مثل لذلك‪ ،‬ملك من الملوك‪ ،‬أراد أن يخطب فتاة من فتيات العرب‪ ،‬فأرسل خاطبة‬
‫اسمها عصام لِترى هذه العروس وتسأل عنها وتخبره‪ ،‬فلما عادت قال لها ما وراءك يا عصام؟‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي بماذا جئت من أخبار‪ ،‬قالت‪ :‬له أبدي المخض عن الزبد‪ .‬المخض هو أن تأتي باللبن الحليب‬
‫وتخضه في القربة حتى ينفصل الزبد عن اللبن‪ ،‬فصار الثنان ـ السؤال والجواب ـ يضربان‬
‫مثل‪ .‬تأتي لمن يجيئك تنتظر منه أخبارا فتقول له‪ :‬ما وراءك يا عصام‪.‬‬
‫ول يكون اسمه " عصام "‪ ..‬ولم ترسله لستطلع أخبار‪ ،‬بينما تريد أن تسمع ما عنده من أخبار‪.‬‬
‫وحينما تريد مثل‪ ..‬أن تصور تنافر القلوب‪ ..‬وكيف أنها إذا تنافرت ل تلتئم أبدا‪ ..‬ويريد الشاعر‬
‫أن يقرب هذا المعنى فيقول‪:‬إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها ل يشعب (أي ل‬
‫يجبر)وساعة تنكسر الزجاجة ل تستطيع اصلحها‪ ..‬ولكي يسهل هذا المعنى عليك وتفهمه في‬
‫يسر وسهولة‪ ..‬فإنك ل تستطيع أن تصور أو تشاهد معركة بين قلبين‪ ..‬لن هذه مسألة غيبية‪..‬‬
‫فتأتي بشيء مشاهد وتضرب به المثل‪ ..‬وبذلك يكون المعنى قد قرب‪ ..‬لنك شبهته بشيء‬
‫محسوس‪ ..‬تستطيع أن تفهمه وتشاهده‪..‬‬
‫ولقد استخدم ال سبحانه وتعالى المثال في القرآن الكريم في أكثر من موضع‪ ..‬ليقترب من‬
‫أذهاننا معنى الغيبيات التي ل نعرفها ول نشاهدها‪ ..‬ولذلك ضرب لنا المثال في قمة اليمان‪..‬‬
‫وحدانية ال سبحانه وتعالى‪ ..‬وضرب لنا المثل بنوره جل جلله‪ ..‬الذي ل نشهده وهو غيب‬
‫عنا‪ ..‬وضرب لنا المثال بالنسبة للكفار والمنافقين‪ ..‬لنعرف فساد عقيدتهم ونتنبه لها‪ ..‬وضرب‬
‫لنا المثال فيما يمكن أن يفعله الكفر بالنعمة‪ ..‬والطغيان في الحق‪ ..‬وغير ذلك من المثال‪ ..‬قال‬
‫ال تعالى‪ {:‬وََلقَدْ صَ ّرفْنَا لِلنّاسِ فِي هَـاذَا ا ْلقُرْآنِ مِن ُكلّ مَ َثلٍ فَأَبَىا َأكْثَرُ النّاسِ ِإلّ ُكفُورا }‬
‫[السراء‪]89 :‬‬
‫وقد ضرب ال جل جلله لنا المثال في الدنيا وفي الخرة‪ ،‬وفي دقة الخلق‪ ..‬وقمة اليمان‪ ..‬ومع‬
‫ذلك فإن الناس منصرفون عن حكمة هذه المثال‪ ..‬كافرون بها‪ ..‬مع أن الحق تبارك وتعالى‪..‬‬
‫ضربها لنا لتقرب لنا المعنى‪.‬‬
‫‪ .‬تشبيها بماديات نراها في حياتنا الدنيا‪ ..‬وكان المفروض أن تزيد هذه المثال الناس إيمانا‪..‬‬
‫لنها تقرب لهم معاني غائبة عنهم‪ ..‬ولكنهم بدل من ذلك ازدادوا كفرا!!‬
‫حوْلَهُ ذَ َهبَ‬
‫ولبد قبل أن نتعرض للية الكريمة‪ } :‬مَثَُلهُمْ َكمَ َثلِ الّذِي اسْ َت ْوقَدَ نَارا فََلمّآ َأضَا َءتْ مَا َ‬
‫ت لّ يُ ْبصِرُونَ {‪ ..‬أن نتحدث عن بعض المثال التي ضُربت في‬
‫اللّهُ بِنُورِ ِه ْم وَتَ َر َكهُمْ فِي ظُُلمَا ٍ‬
‫القرآن الكريم‪ ..‬لنرى كيف أن ال سبحانه وتعالى حدثنا عن قضايا غيبية بمحسات دنيوية‪:‬‬
‫ضرب ال تبارك وتعالى لنا مثل بالقمة اليمانية‪ ..‬وهي أنه ل إله إل ال‪ ..‬وكيف أن هذه رحمة‬
‫من ال سبحانه وتعالى‪ ..‬يجب أن نسجد له شكرا عليها‪ ..‬لن فيها وقاية لنا من شقاء‪ ..‬ومع ذلك‬
‫فإن ال تبارك وتعالى يريد بعباده الرحمة‪ ،‬ولكن بعض الناس يريد أن يشقي نفسه فيشرك بال جل‬
‫جلله‪ ..‬وبدل من أن يأخذ طريق اليمان الميسر‪ ..‬يأخذ طريق الكفر والنفاق والشرك بال الذي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يملك كل شيء في الدنيا والخرة‪ ..‬يقول الحق جل جلله‪ {:‬ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً رّجُلً فِيهِ شُ َركَآءُ‬
‫حمْدُ للّهِ َبلْ َأكْثَرُهُ ْم لَ َيعَْلمُونَ }[الزمر‪]29 :‬‬
‫جلٍ َهلْ يَسْ َتوِيَانِ مَثَلً ا ْل َ‬
‫سلَما لّرَ ُ‬
‫ن وَرَجُلً َ‬
‫مُتَشَاكِسُو َ‬
‫بهذه الصورة المحسة التي نراها‪ ..‬ول يختلف فيها اثنان‪ ..‬يريد ال تبارك وتعالى أن يقرب إلى‬
‫أذهاننا صورة العابد ل وحده‪ ،‬وصورة المشرك بال‪ ..‬ويعطينا المثل في عبد مملوك لشركاء‪..‬‬
‫رجل مملوك لعشرة مثل‪ ..‬وليس هؤلء الشركاء العشرة متفقين‪ ..‬بل هم متشاكسون أي أنهم‬
‫مختلفون‪ ..‬ورجل آخر مملوك لسيد واحد‪ ..‬أيهما يكون مستريحا يعيش في رحمة؟‪ ..‬طبعا‬
‫المملوك لسيد واحد في نعمة ورحمة‪ ..‬لنه يتبع أمرا واحدا ونهيا واحدا‪ ..‬ويطيع ربا واحدا‪..‬‬
‫ويطلب رضا سيد واحد‪ ..‬أما ذلك الذي يملكه شركاء حتى لو كانوا متفقين‪ ..‬فسيكون لكل واحد‬
‫منهم أمر ونهي‪ ..‬ولكل واحد منهم طلب‪ ..‬فما بالك إذا كانوا مختلفين؟ أحد الشركاء يقول له‬
‫تعالَ‪ ..‬والخر يقول له ل تأت‪ ،‬وأحد الشركاء يأمره بأمر‪ ،‬والخر يأمره بأمر مناقض‪ ..‬ويحتار‬
‫أيهما يرضي وأيهما يغضب؟‪ ..‬وهكذا تكون حياته شقاء وتناقضا‪..‬‬
‫إن ال سبحانه وتعالى يريد أن يقرب لنا الصورة‪ ..‬في قضية هي قمة اليقين‪ ..‬وهي اليمان‬
‫بالواحد الحد‪ ..‬يريدنا أن نلمس هذه الصورة‪ ..‬بمثل نراه ونشهده‪ ..‬وأن نرى فيض ال برحمته‬
‫على عباده‪ ..‬ويمضي الحق سبحانه ليلفتنا إلى أن نفكر قليل في مثل يضربه لنا في القرآن‬
‫شيْ ٍء وَ ُهوَ َكلّ عَلَىا َموْلهُ أَيْ َنمَا‬
‫الكريم‪َ {:‬وضَرَبَ اللّهُ مَثَلً رّجُلَيْنِ َأحَ ُد ُهمَآ أَ ْبكَ ُم لَ َيقْدِرُ عَلَىا َ‬
‫ُيوَجّه ّه لَ يَ ْأتِ بِخَيْرٍ َهلْ يَسْ َتوِي ُهوَ َومَن يَ ْأمُرُ بِا ْل َع ْدلِ وَ ُهوَ عَلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ }‬
‫[النحل‪]76 :‬‬
‫فالحق تبارك وتعالى في هذه الية الكريمة‪ ..‬يطلب منا أن نفكر في مثل مادي محسوس‪ ..‬أيهما‬
‫خير؟‪ ..‬أذلك الصنم الذي يعبده الكفار وهو ل يأتي لهم بخير أبدا‪ ..‬لنه ل يستطيع أن ينفع نفسه‬
‫فكيف يأتي بالخير لغيره‪ ..‬بل هو عبء على من يتخذونه إلها‪ ..‬فإنهم يجب أن يضعوه وأن‬
‫يحملوه من مكان إلى آخر إذا أرادوا تغيير المعبد أو الرحيل‪ ..‬وإذا سقط فتهشمت أجزاء منه‪..‬‬
‫فإنه يجب أن يصلحوها‪..‬‬
‫إذن فزيادة على أنه يأتي لهم بخير‪ ..‬فإنه عبء عليهم يكلفهم مشقة‪ ..‬ويحتاج منهم إلى عناية‬
‫ورعاية‪..‬‬
‫أعبادة مثل هذا الصنم خير؟ أم عبادة ال سبحانه الذي منه كل الخير وكل النعم‪ ..‬والذي يأمر‬
‫بالعدل‪ ..‬فل يفضل أحدا من عباده على أحد‪ ..‬والذي يعطي لعباده الصراط المستقيم‪ ..‬الذي ل‬
‫اعوجاج فيه‪ ..‬والموصل إلى الجنة في الخرة‪ ..‬إن ال سبحانه وتعالى يشرح بهذا المثل غباء‬
‫فكر المشركين الذين يعبدون الصنام ويتركون عبادة ال تبارك وتعالى‪.‬‬
‫وهكذا يعطينا هذان المثلن توضيحا لقضية الوحدانية واللوهية‪ ..‬ثم يأتي ال سبحانه وتعالى بمثل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫آخر‪ ..‬يضرب لنا مثل لنوره‪ ..‬هذا النور اللهي الذي يضيء الدنيا والخرة‪ ..‬فيضيء القلوب‬
‫المؤمنة‪ ..‬إنه يريد أن يضرب لنا مثل لهذا النور بشيء مادي محس‪ ..‬فيقول جل جلله‪ {:‬اللّهُ‬
‫جةٍ الزّجَاجَةُ كَأَ ّنهَا‬
‫شكَاةٍ فِيهَا ِمصْبَاحٌ ا ْل ِمصْبَاحُ فِي ُزجَا َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ مَ َثلُ نُو ِرهِ َكمِ ْ‬
‫نُورُ ال ّ‬
‫َك ْوكَبٌ دُ ّريّ يُوقَدُ مِن شَجَ َرةٍ مّبَا َركَةٍ زَيْتُونَ ٍة لّ شَ ْرقِيّ ٍة َولَ غَرْبِيّةٍ َيكَادُ زَيْ ُتهَا ُيضِي ُء وََلوْ لَمْ َتمْسَسْهُ‬
‫شيْءٍ عَلَيِمٌ }‬
‫س وَاللّهُ ِب ُكلّ َ‬
‫لمْثَالَ لِلنّا ِ‬
‫نَارٌ نّورٌ عَلَىا نُورٍ َيهْدِي اللّهُ لِنُو ِرهِ مَن َيشَآ ُء وَ َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬
‫[النور‪]35 :‬‬
‫كأن ال سبحانه وتعالى‪ ..‬يريدنا أن نعرف بتشبيه محس‪ ..‬أن مثل نوره كمشكاة‪ ..‬والمشكاة هي‬
‫(الطاقة)‪ ..‬وهي فجوة في الحائط بالبيت الريفي‪ ..‬ونحن نضع المصباح في هذه الطاقة‪ ..‬إذن‬
‫المصباح ليس في الحجرة كلها‪ ..‬ولكن نوره مركز في هذه الطاقة فيكون قويا في هذا الحيز‬
‫الضيق‪ ..‬ولكن المصباح في زجاجة‪ ..‬تحفظه من الهواء من كل جانب‪ ..‬فيكون الضوء أقوى‪..‬‬
‫صافيا ل دخان فيه‪ ..‬كما أن الزجاج يعكس الشعة فيزيد تركيزه‪ ..‬والزجاجة غير عادية ولكنها‪:‬‬
‫" كوكب دري "‪ ..‬أي هي مضيئة بذاتها وكأنها كوكب‪ ..‬ووقودها من شجرة مباركة يملؤها النور‬
‫ل شرقية ول غربية‪ ..‬أي يملؤها النور من الوسط ويخرج صافيا‪ ..‬والزيت مضيء بذاته دون أن‬
‫َتمَسّهُ النار‪ ..‬فهي نور على نور‪ ..‬أيكون جزء من هذه المشكاة ذات المساحة الصغيرة مظلما؟‪.‬‬
‫‪ .‬أم تكون كلها مليئة بالنور القوي؟‪.‬‬
‫وهذا ليس نور ال تبارك وتعالى عن التشبيه والوصف‪ ،‬ولكنه مثل فقط للتقريب إلى الذهان‪..‬‬
‫فكأن نور ال يضيء كل ركن وكل بقعة‪ ..‬ول يترك مكانا مظلما‪ ..‬فهو نور على نور‪..‬‬
‫ولقد أراد أحد الشعراء أن يمدح الخليفة وكانت العادة أن يشبه الخليفة‪ ..‬بالشخاص البارزين ذوي‬
‫الصفات الحسنة‪ ..‬فقال‪:‬إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياسوكل هؤلء الذين‬
‫ضرب بهم الشاعر المثل كانوا مشهورين بهذه الصفات‪ ..‬فعمرو كان مشهورا بالقدام‬
‫والشجاعة‪ ..‬وحاتم كان مشهور بالسماحة‪ ..‬وأحنف يضرب به المثل في الحلم‪ ..‬وإياس شعلة في‬
‫الذكاء‪ ..‬وهنا قام أحد الحاضرين وقال‪ :‬المير أكبر من كل شيء ممن شبهته بهم‪ ..‬فقال أبو تمام‬
‫على الفور‪:‬ل تنكروا ضَرْبي لَه مَنْ دُونَهُ مثلً شَرُودا في النّدَى والباسِفالُ َق ْد ضَربَ القلّ‬
‫لنـوره مثلً من ال ِمشْـكَاةِ والنّبْراسِفأعجب أحمد بن المعتصم والحاضرون من ذكائه وأمر بأن‬
‫تضاعف جائزته‪ .‬وال سبحانه وتعالى‪ ..‬يضرب لنا المثل بما سيشهده المؤمنون في الجنة‪ ..‬فيقول‬
‫ن وَأَ ْنهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَ َتغَيّرْ‬
‫جل جلله‪ {:‬مّ َثلُ ا ْلجَنّةِ الّتِي وُعِدَ ا ْلمُتّقُونَ فِيهَآ أَ ْنهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِ آسِ ٍ‬
‫سلٍ ّمصَفّى }[محمد‪]15 :‬‬
‫ن وَأَ ْنهَارٌ مّنْ عَ َ‬
‫خمْرٍ لّ ّذةٍ لّلشّارِبِي َ‬
‫ط ْعمُ ُه وَأَ ْنهَارٌ مّنْ َ‬
‫َ‬
‫هذه ليست الجنة‪ ..‬ولكن هذا مثل يقرب ال سبحانه وتعالى لنا به الصورة بأشياء موجودة في‬
‫حياتنا‪ ..‬لنه ل يمكن لعقول البشر أن تستوعب أكثر من هذا‪ ..‬والجنة فيها ما ل عين رأت ول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪ ..‬ومن هنا فإنه ل توجد أسماء في الحياة تعبر عما في‬
‫خفِيَ َلهُم مّن قُ ّرةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }‬
‫الجنة‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬فَلَ َتعْلَمُ َنفْسٌ مّآ ُأ ْ‬
‫[السجدة‪]17 :‬‬
‫فإذا كانت النفس ل تعلم‪ ..‬فل توجد ألفاظ تعبر عما يوجد في الجنة‪ ..‬والمثل متى شاع استعماله‬
‫بين الناس سمي مثل‪ ..‬فأنت إذا رأيت شخصا مغترا بقوته‪ ..‬وتريد أن تفهمه أنك أقوى منه تقول‬
‫له‪ ..‬إن كنت ريحا فقد لقيت إعصارا‪ ..‬ول توجد ريح ول إعصار فيما يحدث بينكما‪ ..‬وإنما‬
‫المراد المعنى دون التقيد بمدلول اللفاظ‪.‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى‪ ..‬يريد أن يعطينا صورة‪ ..‬عما في داخل قلوب المنافقين‪ ..‬من اضطراب‬
‫وذبذبة وتردد في استقبال منهج ال‪ ..‬وفي الوقت نفسه ما يجري في القلوب غيب عنا‪ ..‬وأراد ال‬
‫أن يقرب هذا المعنى إلينا‪ ..‬فقال‪ } :‬مَثَُلهُمْ َكمَ َثلِ الّذِي اسْ َت ْوقَدَ نَارا {‪ ..‬أي حاول أن يوقد نارا‪..‬‬
‫والذي يحاول أن يوقد نارا‪.‬‬
‫‪ .‬لبد أن له هدفا‪ ..‬والهدف قد يكون الدفء وقد يكون الطهي‪ ..‬وقد يكون الضوء وقد يكون غير‬
‫ذلك‪ ..‬المهم أن يكون هناك هدف ليقاد النار‪..‬‬
‫حوْلَهُ َذ َهبَ اللّهُ بِنُورِ ِه ْم وَتَ َر َكهُمْ فِي ظُُلمَاتٍ لّ‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬فََلمّآ َأضَا َءتْ مَا َ‬
‫يُ ْبصِرُونَ {‪ ..‬ذلك أنهم في الحيرة التي تمل قلوبهم‪ ..‬كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد‬
‫قد أتى‪ ..‬فقرروا أن يؤمنوا به‪ ..‬ولكن إيمانهم لم يكن عن رغبة في اليمان‪ ..‬ولكنه كان عن‬
‫محاولة للحصول على أمان دنيوي‪ ..‬لن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن‬
‫به ونقتلكم به قتل عاد وإرم‪ ..‬فأراد هؤلء المنافقون أن يتقوا هذا القتل الذي يتوعدهم به اليهود‪..‬‬
‫فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي نفاقا أن يحصلوا على المن‪..‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة‪ ..‬إنهم أوقدوا هذه النار‪ ..‬لتعطيهم نورا يريهم طريق‬
‫اليمان‪ ..‬وعندما جاء هذا النور بدل من أن يأخذوا نور اليمان انصرفوا عنه‪ ..‬وعندما حدث‬
‫ذلك ذهب ال بنورهم‪ ..‬فلم يبق في قلوبهم شيء من نور اليمان‪ ..‬فهم الذين طلبوا نور اليمان‬
‫أول‪ ..‬فلما استجاب ال لهم انصرفوا عنه‪ ..‬فكأن الفساد في ذاتهم‪ ..‬وكأنهم هم الذين بدأوا‬
‫بالفساد‪ ..‬وساعة فعلوا ذلك ذهب ال بنور اليمان من قلوبهم‪.‬‬
‫ونلحظ هنا دقة التعبير القرآني‪ ..‬في قوله تعالى‪ } :‬ذَ َهبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ { ولم يقل ذهب ال‬
‫بضوئهم‪ ..‬مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء‪ ..‬ما هو الفرق بين الضوء والنور؟‪ ..‬إذا‬
‫س ضِيَآ ًء وَا ْل َقمَرَ نُورا }[يونس‪]5 :‬‬
‫شمْ َ‬
‫ج َعلَ ال ّ‬
‫قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى‪ُ {:‬هوَ الّذِي َ‬
‫نجد أن الضوء أقوى من النور‪ ..‬والضوء ل يأتي إل من إشعاع ذاتي‪ ..‬فالشمس ذاتية الضاءة‪..‬‬
‫ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور‪ ..‬وقبل أن تشرق الشمس تجد في الكون نورا‪ ..‬ولكن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الضوء يأتي بعد شروق الشمس‪ ..‬فلو أن الحق تبارك وتعالى قال ذهب ال بضوئهم‪ ..‬لكان‬
‫المعنى أنه سبحانه ذهب بما يعكس النور‪ ..‬ولكنه أبقى لهم النور‪ ..‬ولكن قوله تعالى‪ } :‬ذَ َهبَ اللّهُ‬
‫بِنُورِهِمْ {‪ ..‬معناها أنه لم يبق لهم ضوءا ول نورا‪ ..‬فكأن قلوبهم يملؤها الظلم‪ ..‬ولذلك قال ال‬
‫ت لّ يُ ْبصِرُونَ {‪ ..‬لنعلم أنه ل يوجد في قلوبهم أي نور ول ضوء‬
‫بعدها؛ } وَتَ َر َكهُمْ فِي ظُُلمَا ٍ‬
‫إيماني‪ ..‬كل هذا حدث بظلمهم هم وانصرافهم عن نور ال‪.‬‬
‫ونلحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى‪ ..‬لم يقل وتركهم في ظلم‪ ..‬بل قال‪ " :‬في ظلمات "‪ ..‬أي‬
‫أنها ظلمات متراكمة‪.‬‬
‫‪ .‬ظلمات مركبة ل يستطيعون الخروج منها أبدا‪..‬‬
‫من أين جاءت هذه الظلمات؟‪ ..‬جاءت لنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الخرة‪ ..‬وعندما جاءهم نور‬
‫اليمان انصرفوا عنه فصرف ال قلوبهم‪..‬‬
‫مثل إذا أخذنا قصة زعيم المنافقين عبد ال بن أُ َبيّ‪ ،‬نرى أن رسول ال صلى ال عليه وسلم دخل‬
‫المدينة وأهلها يستعدون لتتويج عبد ال بن أبي ملكا عليها‪ ..‬وعندما وصل رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم انصرف الناس عن عبد ال بن أبي إلى استقبال الرسول عليه الصلة والسلم‪..‬‬
‫فوصول الرسول عليه الصلة والسلم ضيع على عبد ال بن أبي ا ْلمُلْك‪ ..‬ولقد كان من الممكن‬
‫أن يؤمن‪ ..‬وأن يلتمس النور من رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ..‬ولو آمن حينئذ ربما أعطى في‬
‫الخرة ملكا دائما‪ ..‬يفوق الملك الذي كان سيحصل عليه في الدنيا‪ ..‬ولكن لن في قلبه الدنيا‬
‫وليس الدين‪ ..‬ولنه يريد رفعة في الدنيا‪ ..‬ول يريد جنة في الخرة‪ ،‬فقد مل الحقد قلبه فكان‬
‫ظلمة‪ ..‬ومل الحسد قلبه فكان ظلمة‪ ..‬وملت الحسرة قلبه فكانت ظلمة‪ ..‬وملت الكراهية‬
‫والبغضاء قلبه فكانت ظلمة‪ ..‬إذن هي ظلمات متعددة‪..‬‬
‫وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة‪ ..‬ظلمة الحقد على المؤمنين وظلمة الكراهية لهم‪..‬‬
‫وظلمة تمني هزيمة اليمان‪ ..‬وظلمة تمني أن يصيبهم سوء وشر‪ ..‬وظلمة التمزق واللم من‬
‫الجهد الذي يبذله للتظاهر باليمان وفي قلوبهم الكفر‪ ..‬كل هذه ظلمات‪ ..‬ولكن ل تحاول أن‬
‫تأخذها بمقاييس عقلك‪ ..‬والمفروض أن المثل هنا لتقريب المعنى‪ ..‬لنك إذا قرأت قول الحق‬
‫حجَابا مّسْتُورا }‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ ِ‬
‫ك وَبَيْنَ الّذِي َ‬
‫جعَلْنَا بَيْ َن َ‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬وَإِذَا قَرَ ْأتَ ا ْلقُرآنَ َ‬
‫[السراء‪]45 :‬‬
‫كيف يكون الحجاب مستورا؟‪ ..‬مع أن الحجاب هو الساتر الذي يستر شيئا عن شيء‪ ..‬ولكن الحق‬
‫سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم‪ ..‬أنه برغم أن الحجاب يستر شيئا عن شيء‪ ،‬فإن الحجاب نفسه‬
‫مستور ل نراه‪ ..‬وبعض العلماء يقولون‪ :‬إن مستورا اسم مفعول‪ ..‬وهو في معنى اسم الفاعل‬
‫حمَـانُ عِبَا َدهُ بِا ْلغَ ْيبِ إِنّهُ‬
‫ساتر‪ ..‬نقول ل‪ ..‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬جَنّاتِ عَدْنٍ الّتِي وَعَدَ الرّ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَعْ ُدهُ مَأْتِيّا }[مريم‪]61 :‬‬
‫كَا َ‬
‫مأتيا اسم مفعول واسم الفاعل آتى‪ ..‬ويقول البعض وضع اسم المفعول مكان اسم الفاعل‪ ..‬نقول‬
‫أنك لم تفهم‪ ..‬هل وعد ال يلح في طلب العبد‪ ..‬أم أن العبد يلح في طلبه بعمله فكأنه ذاهب إليه‪..‬‬
‫والموعود هو المستفيد وليس الوعد‪ ..‬إذن من دقة القرآن الكريم‪ ..‬أنه يريد أن ينبهنا إلى أن‬
‫الموعود هو الذي يسعى للقاء الوعد‪ ..‬وليس الوعد هو الذي يطلب لقاء الموعود فيستخدم اسم‬
‫الفاعل‪.‬‬
‫فحين يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَتَ َر َكهُمْ فِي ظُُلمَاتٍ لّ يُ ْبصِرُونَ {‪ ..‬نفى النور عنهم‪ ..‬والنور‬
‫ل علقة له بالسمع ول بالشم ول باللمس‪ ..‬ولكنه قانون البصر‪..‬‬
‫وانظر إلى دقة التعبير القرآني‪ ..‬إذا امتنع النور امتنع البصر‪ ..‬أي أن العين ل تبصر بذاتها‪..‬‬
‫ولكنها تبصر بانعكاس النور على الشياء ثم انعكاسه على العين‪..‬‬
‫جعَلْنَآ آ َيةَ ال ّنهَارِ مُ ْبصِ َرةً }‬
‫حوْنَآ آيَةَ الْلّ ْيلِ وَ َ‬
‫ل وَال ّنهَارَ آيَتَيْنِ َفمَ َ‬
‫جعَلْنَا الْلّ ْي َ‬
‫واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَ َ‬
‫[السراء‪]12 :‬‬
‫فكأن الذي يجعل العين تبصر هو الضوء أو النور‪ ..‬فإذا ضاع النور ضاع البصار‪ ..‬ولذلك‬
‫فأنت ل تبصر الشياء في الظلم‪ ..‬وهذه معجزة قرآنية اكتشفها العلم بعد نزول القرآن‪.‬‬

‫(‪)21 /‬‬
‫جعُونَ (‪)18‬‬
‫ع ْميٌ َفهُمْ لَا يَرْ ِ‬
‫صُمّ ُبكْمٌ ُ‬

‫فالحق سبحانه وتعالى‪ ..‬بعد أن أخبرنا أنه بظلم هؤلء المنافقين لنفسهم‪ ..‬ذهب بنور اليمان من‬
‫قلوبهم فهم ل يبصرون آيات ال‪ ..‬أراد أن يلفتنا إلى أنه ليس البصر وحده هو الذي ذهب‪ ..‬ولكن‬
‫كل حواسهم تعطلت‪ ..‬فالسمع تعطل فهم صم‪ ..‬والنطق تعطل فهم بكم‪ ..‬والبصر تعطل فهم‬
‫جكُم مّن‬
‫عمى‪ ..‬وهذه هي آلت الدراك في النسان‪ ..‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬وَاللّهُ َأخْرَ َ‬
‫شكُرُونَ }[النحل‪]78 :‬‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫سمْ َع وَالَ ْبصَارَ وَا َ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الْ ّ‬
‫بُطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫ص ّمتْ‬
‫إذن كونهم في ظلمات ل يبصرون معناها أنها قد تعطلت وسائل الدراك الخرى؛ فآذانهم ُ‬
‫فهي ل تسمع منهج الحق‪ ،‬وألسنتهم تعطلت عن نقل ما في قلوبهم وأبصارهم ل ترى آيات ال في‬
‫الكون إذن فآلت إدراكهم لهدى ال معطلة عندهم‪..‬‬
‫جعُونَ }‪ ..‬أي لن تعود إليهم هذه الوسائل ليدركوا نور ال في كونه‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬فهُ ْم لَ يَرْ ِ‬
‫الدراك غير موجود عندهم‪ ..‬ولذلك فل تطمعوا أن يرجعوا إلى منهج اليمان أبدا‪ ..‬لقد فسدت‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في قلوبهم العقيدة‪ ..‬فلم يفرقوا بين ضر عاجل وما هو نفع آجل‪ ..‬نور الهداية كان سيجعلهم‬
‫يبصرون الطريق إلى ال‪ ..‬حتى يسيروا على بينة ول يتعثروا‪ ..‬ولكنهم حينما جاءهم النور‬
‫رفضوه وانصرفوا عنه‪ ..‬فكأنهم انصرفوا عن كل ما يهديهم إلى طريق ال!!‪.‬‬
‫فال سبحانه وتعالى في هذه الية الكريمة‪ ..‬أعطانا وصفا آخر من صفات المنافقين هو أن أدوات‬
‫الدراك التي خلقها ال جل جلله معطلة عندهم‪ ..‬ولذلك فإن الصرار على هدايتهم وبذل الجهد‬
‫معهم لن يأتي بنتيجة‪ ..‬لن ال تبارك وتعالى بنفاقهم وظلمهم عطل وسائل الهداية التي كان من‬
‫الممكن أن يعودوا بها إلى طريق الحق‪.‬‬

‫(‪)22 /‬‬
‫حذَرَ‬
‫صوَاعِقِ َ‬
‫جعَلُونَ َأصَا ِب َعهُمْ فِي آَذَا ِنهِمْ مِنَ ال ّ‬
‫سمَاءِ فِيهِ ظُُلمَاتٌ وَرَعْ ٌد وَبَرْقٌ َي ْ‬
‫َأوْ َكصَيّبٍ مِنَ ال ّ‬
‫ا ْل َم ْوتِ وَاللّهُ مُحِيطٌ بِا ْلكَافِرِينَ (‪)19‬‬

‫سمَآءِ }‪ ..‬الصيب هو المطر‪ ..‬وال تبارك وتعالى‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪َ { :‬أوْ َكصَ ّيبٍ مّنَ ال ّ‬
‫حيّ }[النبياء‪:‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫جعَلْنَا مِنَ ا ْلمَآءِ ُكلّ َ‬
‫ينزل الماء فتقوم به الحياة‪ ..‬مصداقا لقوله جل جلله‪َ {:‬و َ‬
‫‪]30‬‬
‫ومن البديهي أننا نعرف أن إنزال المطر‪ ..‬هو من قدرة ال سبحانه وتعالى وحده‪ ..‬ذلك أن عملية‬
‫المطر فيها خلق بحساب‪ ..‬وفيها عمليات تتم كل يوم بحساب أيضا‪ ..‬وفيها عوامل ل يقدر عليها‬
‫إل ال سبحانه وتعالى‪ ..‬فمسألة المطر أعدت الرض لها حين الخلق‪ ..‬فكانت ثلثة أرباع‬
‫حكَمِ ال في هذا الخلق أن تكون عملية البخر‬
‫الرض من الماء والربع من اليابسة‪ ..‬لماذا؟ من ِ‬
‫سهلة وممكنة‪ ..‬ذلك أنه كلما اتسع سطح الماء يكون البخر أسهل‪ ..‬وإذا ضاق السطح تكون عملية‬
‫البخر أصعب‪ ..‬فإذا جئنا بكوب مملوء بالماء ووضعناه في حجرة مغلقة يوما‪ ..‬ثم عدنا إليه نجد‬
‫أن حجم الماء نقص بمقدار سنتيمتر أو أقل‪ ..‬فإذا أخذنا الماء الذي في هذا الكوب وقذفناه في‬
‫الحجرة‪ ..‬فإنه يختفي في فترة قصيرة‪ ..‬لماذا؟‪.‬؛ لن سطح الماء أصبح واسعا فتمت عملية البخر‬
‫بسرعة‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى حين خلق الرض‪ ..‬وضع في الخلق حكمة المطر في أن تكون مساحة الماء‬
‫واسعة لتتم عملية البخر بسهولة‪ ..‬وجعل أشعة الشمس التي تقوم بعملية البخر من سطح الماء‪..‬‬
‫وتم ذلك بحساب دقيق‪ ..‬حتى ل تغرق المطار الرض أو يحدث فيها جفاف‪ ..‬ثم سخر الريح‬
‫لتدفع السحاب إلى حيث يريد ال أن ينزل المطر‪ ..‬وقمم الجبال الباردة ليصطدم بها السحاب‬
‫فينزل المطر‪ ..‬كل هذا بحساب دقيق في الخلق وفي كل مراحل المطر‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومادام الماء هو الذي به الحياة على الرض‪ ..‬فقد ضرب ال لنا به المثل كما ضرب لنا المثل‬
‫بالنار وضوئها‪ ..‬فكلها أمثلة مادية لتقرب إلى عقولنا ما هو غيب عنا‪ ..‬فالماء يعطينا الحياة‪..‬‬
‫لكن هؤلء المنافقين‪ .‬لم يلتفوا إلى هذا الخير‪ .‬الذي ينزل عليهم من السماء من غير تعب أو جهد‬
‫منهم‪ .‬بل التفتوا إلى أشياء ثانوية‪ ،‬كان من المفروض أن يرحبوا بها لنها مقدمات خير لهم‪.‬‬
‫فالمطر قبل أن ينزل من السماء لبد أن يكون هناك شيء من الظلمة في السحاب الذي يأتي‬
‫بالمطر‪ .‬فيحجب أشعة الشمس إن كنا نهارا‪ .‬ويخفي نور القمر والنجوم إن كنا ليل‪ .‬هذه الظلمة‬
‫مقدمات الخير والماء‪..‬‬
‫إنهم لم يلتفتوا إلى الخير الذي مل ال به سبحانه وتعالى الرض‪ .‬بل التفتوا إلى الظلمة فنفروا من‬
‫الخير‪ ..‬كذلك صوت الرعد ونور البرق‪.‬‬
‫الرعد يستقبله النسان بالذن وهي آلة السمع‪ .‬والبرق تستقبله العين‪ ..‬وصوت الرعد قوي‪ ،‬أقوى‬
‫من طاقة الذن‪ .‬ولذلك عندما يسمعه النسان يفزع‪ ،‬ويحاول أن يمنع استقبال الذن له‪ ،‬بأن يضع‬
‫أنامله في أذنيه‪.‬‬
‫جعَلُونَ َأصَا ِب َعهُمْ فِي‬
‫وهؤلء المنافقون لم يضعوا النامل‪ .‬ولكن كما قال ال سبحانه وتعالى‪ } :‬يَ ْ‬
‫آذَا ِنهِم { ولم يقل أناملهم‪ .‬وذلك مبالغة في تصوير تأثير الرعد عليهم‪ .‬فكأنهم من خوفهم وذعرهم‬
‫يحاول كل واحد منهم أن يدخل كل إصبعه في أذنه‪ .‬ليحميه من هذا الصوت المخيف‪ .‬فكأنهم‬
‫يبالغون في خوفهم من الرعد‪.‬‬
‫ونلحظ هنا أن الحديث ليس عن فرد واحد‪ ،‬ولكن عن كثيرين‪ ..‬لنه سبحانه وتعالى يقول "‬
‫أصابعهم " نقول أن المر لجماعة يعني أمرا لكل فرد فيها‪ ،‬فإذا قال المدرس للتلميذ أخرجوا‬
‫أقلمكم‪ ،‬فمعنى ذلك أن كل تلميذ يخرج قلمه‪ ..‬وإذا قال رئيس الجماعة اركبوا سياراتكم‪ ،‬فمعنى‬
‫جعَلُونَ َأصَا ِب َعهُمْ فِي آذَا ِنهِم { أن كل واحد‬
‫ذلك أن كل واحد يركب سيارته‪ ..‬لذلك فإن معنى } يَ ْ‬
‫منهم يضع إصبعيه في أذنيه‪..‬‬
‫لماذا يفعلون ذلك؟! أنهم يفعلونه خوفا من الموت‪ .‬لن الرعد والبرق يصاحبهما الصواعق أحيانا‪،‬‬
‫ولذلك فإنهم من مبالغتهم في الخوف يحس كل واحد منهم أن صاعقة ستقتله‪ ..‬فكأنهم يستقبلون‬
‫نعمة ال سبحانه وتعالى بغير حقيقتها‪ ..‬هم ل يرون النعمة الحقيقية في أن هذا المطر يأتي لهم‬
‫بعوامل استمرار الحياة‪ .‬ولكنهم يأخذون الظاهر في البرق والرعد‪ .‬وكذلك المنافقون‪ ..‬ل يستطيع‬
‫الواحد منهم أن يصبر على شهوات نفسه ونزواتها‪ ..‬إنه يريد ذلك العاجل ول ينظر إلى الخير‬
‫الحقيقي الذي وعد ال به عباده المؤمنين في الخرة‪ ..‬وهو ينظر إلى التكاليف كأنها شدة ومسألة‬
‫تحمل النفس بعض المشاق‪ .‬ويغفل عن حقيقة جزاء التكاليف في الخرة‪ .‬وكيف أنها ستوفر لهم‬
‫النعيم الدائم‪ ..‬تماما كما ينظر النسان إلى المطر على أنه ظلمة ورعد وبرق‪ ،‬وينسى أنه بدون‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا المطر من المستحيل أن تستمر حياته‪..‬‬
‫هم يأخذون هذه الظواهر على أنها كل شيء‪ .‬بينما هي في الحقيقة تأتي لوقت قصير وتختفي‪،‬‬
‫فهي قصيرة كالحياة الدنيا‪ ،‬وقتية‪ .‬ولكن نظرتهم إليها وقتية ومادية لنهم ل يؤمنون إل بالدنيا‬
‫وغفلوا عن الخرة‪ ..‬غفلوا عن ذلك الماء التي يبقى فترة طويلة‪ ،‬وتنبهوا إلى تلك الظواهر الوقتية‬
‫التي تأتي مع المطر فخافوا منها وكان خوفهم منها يجعلهم ل يحسون بما في المطر من خير‪.‬‬
‫والمنافقون يريدون أن يأخذوا خير السلم دون أن يقوموا بواجبات هذا الدين!!‬
‫ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية هامة‪ .‬وهي أن خوفهم من زوال متع الدنيا ونفوذها لن‬
‫يفعل لهم شيئا‪ .‬لن ال محيط بالكافرين‪ ..‬والحاطة معناها السيطرة التامة على الشيء بحيث ل‬
‫يكون أمامه وسيلة للفلت‪ ،‬وقدرة ال سبحانه وتعالى محيطة بالكافرين وغير الكافرين‪..‬‬
‫إذن عدم التفاتهم للنفع الحقيقي‪ ،‬وهو منهج ال‪ ،‬ل يعطيهم قدرة الفلت من قدرة ال سبحانه‬
‫وتعالى في الدنيا والخرة‪.‬‬

‫(‪)23 /‬‬
‫شوْا فِيهِ وَإِذَا َأظْلَمَ عَلَ ْي ِهمْ قَامُوا وََلوْ شَاءَ اللّهُ لَذَ َهبَ‬
‫طفُ أَ ْبصَارَهُمْ كُّلمَا َأضَاءَ َلهُمْ مَ َ‬
‫خَ‬
‫َيكَادُ الْبَ ْرقُ يَ ْ‬
‫شيْءٍ َقدِيرٌ (‪)20‬‬
‫علَى ُكلّ َ‬
‫س ْم ِعهِ ْم وَأَ ْبصَارِهِمْ إِنّ اللّهَ َ‬
‫بِ َ‬

‫أن ال سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن البرق الذي هو وقتي وزمنه قليل‪ .‬هو الذي يسترعي‬
‫انتباههم‪ .‬ولو آمنوا لضاء نور اليمان والسلم طريقهم‪ .‬ولكن قلوبهم مملوءة بظلمات الكفر فل‬
‫يرون طريق النور‪ ..‬والبرق يخطف أبصارهم‪ ،‬أي يأخذها دون إرادتهم‪ .‬فالخطف يعني أن الذي‬
‫يخطف ل ينتظر الذن‪ ،‬والذي يتم الخطف منه ل يملك القدرة على منع الخاطف‪ .‬والخطف غير‬
‫الغصب‪ .‬فالغصب أن تأخذ الشيء برغم صاحبه‪.‬‬
‫ولكن‪ ..‬ما الفرق بين الخذ والخطف والغصب؟‪ .‬الخذ أن تطلب الشيء من صاحبه فيعطيه لك‪.‬‬
‫أو تستأذنه‪ .‬أي تأخذ الشيء بإذن صاحبه‪ .‬والخطف أن تأخذه دون إرادة صاحبه ودون أن‬
‫يستطيع منعك‪.‬‬
‫والغصب أن تأخذ الشيء رغم إرادة صاحبه باستخدام القوة أو غير ذلك بحيث يصبح عاجزا عن‬
‫منعك من أخذ هذا الشيء‪.‬‬
‫ولنضرب لذلك مثل ول المثل العلى‪ .‬إذا دخل طفل على محل للحلوى وخطف قطعة منها‪،‬‬
‫يكون صاحب المحل ل قدرة له على الخاطف لن الحدث فوق قدرات المخطوف منه‪ ،‬فهو بعيد‬
‫وغير متوقع للشيء‪ ،‬فل يستطيع منع الخطف‪ ..‬أما الغصب فهو أن يكون صاحب المحل متنبها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكنه ل يملك القدرة على منع ما يحدث‪ ،‬وإذا حاول أن يقاوم‪ ..‬فإن الذي سيأخذ الشيء بالرغم‬
‫عنه لبد أن يكون أقوى منه‪ .‬أي أن قوة ال ُمغْ َتصِب‪ ،‬تكون أقوى من ال ُمغْ َتصَب منه‪.‬‬
‫طفُ أَ ْبصَارَهُمْ }‪.‬‬
‫خَ‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬يكَادُ الْبَ ْرقُ يَ ْ‬
‫لبد أن نتنبه إلى قوله تعالى " يكاد " أي يكاد أو يقترب البرق من أن يخطف أبصارهم‪ .‬وليس‬
‫للنسان القدرة أن يمنع هذا البرق من أن يأخذ انتباه البصر‪.‬‬
‫شوْاْ فِيهِ }‪.‬‬
‫وقوله تعالى { كُّلمَا َأضَآءَ َلهُمْ مّ َ‬
‫أي أنهم يمشون على قدر النور الدنيوي‪ .‬الذي يعطيه لهم البرق‪ .‬فل نور في قلوبهم‪ .‬ولذلك إذا‬
‫أظلم عليهم توقفوا‪ ،‬لنه ل نور لهم‪.‬‬
‫س ْم ِعهِ ْم وَأَ ْبصَارِهِمْ }‪.‬‬
‫وقوله تعالى { وََلوْ شَآءَ اللّهُ لَ َذ َهبَ بِ َ‬
‫ع ْميٌ َف ُه ْم لَ‬
‫يدعي بعض المستشرقين أن ذلك يتعارض مع الية الكريمة التي تقول { صُمّ ُب ْكمٌ ُ‬
‫ن } كيف يكونون صما بكما عميا‪ ..‬أي أن منافذ الدراك عندهم ل تعمل‪ ،‬ونحن هنا‬
‫جعُو َ‬
‫يَرْ ِ‬
‫س ْم ِعهِ ْم وَأَ ْبصَارِهِمْ } مع‬
‫نتحدث عن العمى اليماني‪ ،‬ثم يقول تبارك وتعالى { وََلوْ شَآءَ اللّهُ َلذَ َهبَ بِ َ‬
‫أنهم صم وبكم وعمي؟‪..‬‬
‫ع ْميٌ } أي ل يرون آيات ال ويقين اليمان‪ ،‬ول‬
‫نقول أن قول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬صُمّ ُبكْمٌ ُ‬
‫يسمعون آيات القرآن ويعقلونها‪ ..‬إذن فوسائل إدراكهم للمعنويات تتعطل‪ .‬ولكن وسائل إدراكهم‬
‫بالنسبة للمحسات تبقى كما هي‪ .‬فالمنافق الذي ل يؤمن بيوم القيامة‪ ،‬ل يرى ذلك العذاب الذي‬
‫ينتظره في الخرة‪.‬‬
‫ولو شاء ال سبحانه وتعالى أن يذهب بسمعهم وأبصارهم‪.‬‬
‫بالنسبة للشياء المحسة‪ .‬لستطاع لنه قادر على كل شيء‪ ،‬ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ ذلك‪.‬‬
‫حتى ل يأتوا مجادلين في الخرة‪ ،‬من أنهم لو كان لهم بصر لرأوا آيات ال‪ .‬ولو كان لهم سمع‬
‫لتدبروا القرآن‪ .‬فأبقى ال لهم أبصارهم وأسماعهم‪ .‬لتكون حجة عليهم‪ ،‬بأن لهم بصرا ولكنهم‬
‫انصرفوا عن آيات ال إلى الشياء التي تأتيهم بفائدة عاجلة في الدنيا مهما جاءت بغضب ال‪.‬‬
‫وأن لهم سمعا يسمعون به كل شيء من خطط المؤامرات على السلم‪ .‬وضرب اليمان وغير‬
‫ذلك‪ .‬فإذا تليت عليهم آيات ال فأنهم ل يسمعونها‪ .‬وفي ذلك يقول ال سبحانه وتعالى‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ مّن‬
‫يَسْ َتمِعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا إِذَا خَ َرجُواْ مِنْ عِن ِدكَ قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفا }[محمد‪]16 :‬‬
‫أي أنهم يسمعون ول يعقلون ول يدخل النور إلى قلوبهم‪ ،‬فكأنهم صم عن آيات ال ل يسمعونها‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا مثل المنافقين بأنهم ل يلتفتون إلى القيم الحقيقية في الحياة‪.‬‬
‫ولكنهم يأخذون ظاهرها فقط‪ .‬يريدون النفع العاجل‪ ،‬وظلمات قلوبهم‪ .‬ل تجعلهم يرون نور‬
‫اليمان‪ .‬وإنما يبهرهم بريق الدنيا مع أنه زائل ووقتي‪ .‬فيخطف أبصارهم‪ .‬ولنه ل نور في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قلوبهم‪ ،‬فإذا ذهبت عنهم الدنيا‪ ،‬تحيط بهم الظلمات من كل مكان لنهم ل يؤمنون بالخرة‪ .‬مع أن‬
‫ال سبحانه وتعالى لو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم‪ ،‬لنهم ل يستخدمونها الستخدام اليماني‬
‫المطلوب‪ .‬والمفروض أن وسائل الدراك هذه‪ .‬تزيدنا إيمانا‪ ..‬ولكن هؤلء ل يرون إل متاع‬
‫الدنيا‪ .‬ول يسمعون إل وسوسة الشيطان‪ ،‬فالمهمة اليمانية لوسائل الدراك توقفت‪ ،‬وكأن هذه‬
‫الوسائل غير موجودة‪.‬‬

‫(‪)24 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَ ّبكُمُ الّذِي خََل َقكُ ْم وَالّذِينَ مِنْ قَبِْلكُمْ َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ (‪)21‬‬

‫بعد أن حدثنا ال سبحانه وتعالى عن صفات المنافقين في ثلث عشرة آية وأعطانا أوصافهم‬
‫الظاهرة‪ .‬وأعطانا أمثلة لما يحدث في قلوبهم كي يعرفهم المؤمنون ظاهرا وباطنا‪ .‬ويحذروهم ول‬
‫يأمنوا لهم‪ .‬بين لنا كيف أن المنافقين لم يكفروا بال كإله فقط‪ .‬ويستروا وجوده‪ ،‬ولكن كفروا به‬
‫كرب‪ .‬والرب عطاؤه مكفول لكل من خلق مؤمنهم وكافرهم‪ ،‬فهو سبحانه وتعالى الذي استدعاهم‬
‫للوجود وخلقهم‪ .‬ولذلك فإنه سبحانه يضمن لهم رزقهم وحياتهم‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى ل يحرم خلقا من خلقه من عطاء ربوبيته في الدنيا‪ .‬فالشمس تشرق على‬
‫المؤمن والكافر‪ .‬والمطر ينزل على من قال ل إله إل ال ومن ستر وجوده تعالى‪ :‬والهواء يتنفس‬
‫به ذلك الذي يقيم الصلة والذي لم يركع ركعة في حياته‪ ..‬والطعام يأكله الذي يحب ال والذي‬
‫يكفر بنعم ال‪ ..‬ذلك أن هذه عطاءات ربوبية يعطيها ال تعالى لكل خلقه في الدنيا‪..‬‬
‫أما عطاءات اللوهية‪ ،‬فهي للمؤمنين في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫فال سبحانه وتعالى يلفت انتباه خلقه إلى أن عطاء الربوبية من ال سبحانه وتعالى لهم يكفي‬
‫ليؤمنوا بال ويعبدوه‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى حينما يخاطب الناس في القرآن الكريم‪ ،‬ذلك الكتاب الذي ل يأتيه الباطل‬
‫من بين يديه ول من خلفه‪ ،‬فلبد أن يكون الخطاب للناس في كل زمان ومكان‪ .‬منذ نزول القرآن‬
‫الكريم إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫وخطاب ال سبحانه وتعالى خاص بقضية اليمان في القمة‪ ،‬وهي الخضوع لله واحد ل شريك‬
‫له‪.‬‬
‫وقوله تعالى { الّذِي خََل َقكُ ْم وَالّذِينَ مِن قَبِْل ُكمْ } معناه أن من مقتضيات العبادة‪ .‬أن ال هو خالق‬
‫الناس جميعا‪ .‬وليس في قضية الخلق كما قلنا شبهة؛ لنه ل أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق نفسه‪،‬‬
‫أو خلق هذا الكون‪ ،‬بل إن الحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم السببية المباشرة في وجودنا؛‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالب والم هنا سبب في وجود النسان‪ .‬فنجد ال سبحانه وتعالى يقول‪َ {:‬و َقضَىا رَ ّبكَ َألّ َتعْبُدُواْ‬
‫ف َولَ تَ ْنهَرْ ُهمَا‬
‫حدُ ُهمَا َأوْ كِلَ ُهمَا فَلَ َتقُل ّل ُهمَآ ُأ ّ‬
‫حسَانا ِإمّا يَبُْلغَنّ عِن َدكَ ا ْلكِبَرَ أَ َ‬
‫ِإلّ إِيّا ُه وَبِا ْلوَالِدَيْنِ إِ ْ‬
‫َوقُل ّل ُهمَا َق ْولً كَرِيما }[السراء‪]23 :‬‬
‫وهكذا نرى أن الحق قد احترم السببية في الموجد‪ ،‬مع أنه سبحانه وتعالى الموجد الذي خلق كل‬
‫شيء‪ .‬ولكن ال يحترم عمل النسان‪ .‬مع أنه سبب فقط‪ ،‬فالمال هو مال ال‪ ،‬يعطيه لمن يشاء‪.‬‬
‫لكننا نجد الحق سبحانه وتعالى هو يحث على الصدقة يقول‪ {:‬مّن ذَا الّذِي ُيقْ ِرضُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا‬
‫}[البقرة‪]245 :‬‬
‫فكأنه سبحانه احترم عمل النسان في الحصول على المال‪ ،‬رغم أن المال مال ال‪ .‬فقال وهو‬
‫الخالق العظم‪ { :‬مّن ذَا الّذِي ُيقْرِضُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا } وهكذا تتجلى رحمة الحق بالخلق‪.‬‬
‫ال يقول‪ " :‬وَلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ " نتقي ماذا؟ نتقي صفات الجلل في ال‪ .‬فال سبحانه وتعالى له صفات‬
‫جلل وصفات جمال‪ ،‬صفات الجلل هي " الجبار والقهار والمتكبر والقوي والقادر والمقتدر‬
‫والضار " وغيرها من صفات الجلل‪.‬‬
‫فال سبحانه وتعالى يريدنا أن نجعل بيننا وبين صفات الجلل وقاية حتى ل نغضب ال‪ ،‬فيعاملنا‬
‫بمتعلقات صفات جلله‪ ،‬وأن نتمسك بصفات جمال ال‪ :‬الرحيم الودود‪ ،‬الغفار‪ ،‬التواب‪ ،‬فإذا نجحنا‬
‫في ذلك كان لنا نجاة من النار التي هي أحد جنود ال‪ ،‬ومتعلقات جلله‪.‬‬
‫على أننا لبد أن نتنبه إلى أن ال سبحانه وتعالى حينما يقول " يا أيها الناس " إنما يخاطب كل‬
‫الناس‪ ،‬فإذا أراد الحق سبحانه وتعالى مخاطبة المؤمنين قال‪ " :‬يا أيها الذين آمنوا " أي يا أيها‬
‫الذين آمنتم بال إلها‪ ،‬ودخلتم معه في عقد إيماني‪.‬‬

‫(‪)25 /‬‬
‫سمَاءِ مَاءً فََأخْرَجَ بِهِ مِنَ ال ّثمَرَاتِ رِ ْزقًا َل ُكمْ‬
‫سمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ ال ّ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الْأَ ْرضَ فِرَاشًا وَال ّ‬
‫الّذِي َ‬
‫جعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ َتعَْلمُونَ (‪)22‬‬
‫فَلَا تَ ْ‬

‫فبعد أن بين لنا الحق سبحانه وتعالى أن عطاء ربوبيته الذي يعطيه لخلقه جميعا‪ ،‬المؤمن والكافر‪،‬‬
‫كان يكفي لكي يؤمن الناس‪ ،‬كل الناس‪ ..‬أخذ يبين لنا آيات من عطاء الربوبية‪ .‬ويلفتنا إليها لعل‬
‫من لم يؤمن عندما يقرأ هذه اليات يدخل اليمان في قلبه‪ .‬فيلفتنا ال سبحانه وتعالى إلى خلق‬
‫الرض في قوله تعالى‪:‬‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الَرْضَ فِرَاشا }‪.‬‬
‫{ الّذِي َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والرض هي المكان الذي يعيش في الناس ول يستطيع أحد أن يدعي أنه خلق الرض أو‬
‫أوجدها‪ .‬إذن فهي آية ربوبية ل تحتاج لكي نتنبه إليها إلى جهد عقلي‪ .‬لنها بديهات محسومة ل‬
‫سبحانه وتعالى‪ .‬وقوله تعالى‪ " :‬فراشا " توحي بأنه أعد الرض إعدادا مريحا للبشر‪ .‬كما تفرش‬
‫على الرض شيئا‪ ،‬تجلس عليه أو تنام عليه‪ ،‬فيكون فراشا يريحك‪.‬‬
‫ونحن نتوارث الرض جيل بعد جيل‪ .‬وهي تصلح لحياتنا جميعا‪.‬‬
‫ومنذ أن خلقت الرض إلى يوم القيامة‪ .‬ستظل فراشا للنسان‪.‬‬
‫قد يقول بعض الناس أنك إذا نمت على الرض فقد تكون غير مريحة تحتك فيها حصى أو غير‬
‫ذلك مما يضايقك‪ .‬نقول أن النسان الول كان ينام عليها مستريحا‪ ..‬إذن فضرورة النوم ممكنة‬
‫على الرض‪.‬‬
‫وعندما تقدمت الحضارة وزادت الرفاهية ظلت الرض فراشا رغم ما وجد عليها من أشياء لينة‪.‬‬
‫فكأن ال تعالى‪ .‬قد أعدها لنا إعدادا يتناسب مع كل جيل‪ .‬فكل جيل رفه في العيش بسبب تقدم‬
‫الحضارة كشف ال سبحانه من العلم ما يطوع له الرض ويجعلها فراشا‪.‬‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الَ ْرضَ َمهْداَ }[الزخرف‪]10 :‬‬
‫ونلحظ أن ال سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول‪َ {:‬‬
‫والمهد هو فراش الطفل‪ ،‬ولبد أن يكون مريحا لن الطفل إذا وجد في الفراش أي شيء يتعبه‪.‬‬
‫فإن ل يملك المكانات التي تجعله يريحه‪ ،‬ولذلك تمهد الم لطفلها مكان نومه‪ ،‬حتى ينام نوما‬
‫مريحا‪ .‬ولكن الذي يمهد الرض لكل خلقه هو ال سبحانه وتعالى‪ .‬يجعلها فراشا لعباده‪ .‬وإذا‬
‫ج َعلَ َلكُ ُم الَ ْرضَ ذَلُولً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِ ِبهَا َوكُلُواْ مِن رّ ْز ِقهِ }[الملك‪:‬‬
‫قرأت قوله تعالى‪ُ {:‬هوَ الّذِي َ‬
‫‪]15‬‬
‫فإن معنى ذلك أن الحق سبحانه جعل الرض مطيعة للنسان‪ ،‬تعطيه كل ما يحتاج إليه‪.‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه وتعالى إلى السماء فيقول‪ " :‬والسماء بناءً " والبناء يفيد المتانة والتماسك‪ .‬أي‬
‫أن السماء ـ وهي فوقك ـ ل نرى شيئا يحملها حتى ل تسقط عليك‪ .‬إنها سقف متماسك متين‪..‬‬
‫سمَآءَ أَن َتقَعَ عَلَى الَ ْرضِ ِإلّ بِِإذْنِهِ }[الحج‪]65 :‬‬
‫سكُ ال ّ‬
‫ويؤكد الحق هذا المعنى بقوله تعالى‪ {:‬وَ ُيمْ ِ‬
‫حفُوظا }[النبياء‪]32 :‬‬
‫سقْفا مّ ْ‬
‫سمَآءَ َ‬
‫جعَلْنَا ال ّ‬
‫وفي آية أخرى يقول‪ {:‬وَ َ‬
‫والهدف من هذه اليات كلها‪ .‬أن نطمئن ونحن نعيش على الرض أن السماء لن تتساقط علينا‬
‫لن ال يحفظها‪.‬‬
‫إذن من آيات الحق سبحانه وتعالى في الرض أنه جعلها فراشا أي ممهدة ومريحة لحياة النسان‪.‬‬
‫وحفظ السماء بقدرته جل جلله‪ ،‬فهي ثابتة في مكانها‪ ،‬ل تهدد سكان الرض وتفزعهم‪ ،‬بأنها قد‬
‫تسقط عليهم‪ ،‬ثم جاء بآية أخرى‪:‬‬
‫سمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ال ّثمَرَاتِ رِزْقا ّلكُمْ {‬
‫} وَأَن َزلَ مِنَ ال ّ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فكأن الحق سبحانه وتعالى وضع في الرض وسائل استبقاء الحياة‪ .‬فلم يترك النسان على‬
‫الرض دون أن يوفر له وسائل استمرار حياته‪ .‬فالمطر ينزل من السماء‪ ،‬والسماء هي كل ما‬
‫علك فأظلك‪ .‬فينبت به الزرع والثمر‪ ،‬وهذا رزق لنا‪ ،‬والناس تختلف في مسألة الرزق‪ .‬والرزق‬
‫هو ما ينتفع به‪ ،‬وليس هو ما تحصل عليه‪ .‬فقد تربح مالً وافرا ولكنك ل تنفقه ول تستفيد منه فل‬
‫يكون هذا رزقك ولكنه رزق غيرك‪ ،‬وأنت تظل حارسا عليه‪ ،‬ل تنفق منه قرشا واحدا‪ ،‬حتى‬
‫توصله إلى صاحبه‪ .‬والرزق في نظر معظم الناس هو المال‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫" يقول ابن آدم مالي مالي‪ ..‬وهل لك يا ابن آدم من مالك إل ما أكلت فأفنيت‪ ،‬ولبست فأبليت‪ ،‬أو‬
‫تصدقت فأمضيت "‪.‬‬
‫هذا هو رزق المال‪ .‬وهو جزء من الرزق‪ .‬ولكن هناك رزق الصحة‪ .‬ورزق الولد‪ .‬ورزق‬
‫الطعام‪ .‬ورزق في البركة‪ .‬وكل نعمة من ال سبحانه وتعالى هي رزق وليس المال وحده‪.‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا بهذه الية الكريمة إلى أن نفكر قليلً‪ ،‬فيمن خلق هذا الكون‪.‬‬
‫لنعرف أنه قبل أن يخلق النسان خلق له عناصر بقائه‪ .‬ولكن هذا العداد لم يتوقف عند الحياة‬
‫المادية‪ .‬بل إن ال كما أعد لنا مقومات حياتنا المادية أعد لنا مقومات حياتنا الروحية‪ ،‬أو القيم في‬
‫ق الِنسَانَ *‬
‫حمَـانُ * عَلّمَ ا ْلقُرْآنَ * خََل َ‬
‫الوجود‪ .‬وإذا قرأت في سورة الرحمن قوله تعالى‪ {:‬الرّ ْ‬
‫عَّلمَهُ البَيَانَ }[الرحمن‪]4-1 :‬‬
‫لوجدت القرآن يعطينا قيم الحياة‪ ،‬التي بدونها تصبح الدنيا كلها ل قيمة لها‪ .‬لن الدنيا امتحان أو‬
‫اختبار لحياة قادمة في الخرة‪ .‬فإذا لم تأخذها بمهمتها في أنها الطريق الذي يوصلك إلى الجنة‪.‬‬
‫أهدرت قيمتها تماما‪.‬‬
‫ولم تعد الدنيا تعطيك شيئا إل العذاب في الخرة‪.‬‬
‫وقد ربط الحق سبحانه وتعالى الرزق في هذه الية بالسماء فقال سبحانه‪:‬‬
‫} فََأخْرَجَ بِهِ مِنَ ال ّثمَرَاتِ رِزْقا ّل ُكمْ {‬
‫ليلفتنا إلى أن الرزق‪ ،‬ل يأتي إل من أعلى‪ ،‬وضرب ال سبحانه وتعالى المثل بالماء لنه رزق‬
‫مباشر محسوس منا‪ ،‬والماء ينزل من السماء في أنقى صوره مقطرا‪ .‬كل ما يأتينا من السماء‪ .‬فيه‬
‫علو‪ .‬ينزل ليزيد حياة القيم ارتقاءً‪ ،‬عملية لو أراد البشر أن يقوموا بها ما استطاعوا لنها كانت‬
‫ستكلف مليين الجنيهات‪ ،‬لتعطينا ماءً ل يكفي أسرة واحدة‪ .‬ولكن ال سبحانه وتعالى أنزل من‬
‫السماء ماءً في أنقى صوره لينبت به الثمرات‪ ،‬التي تضمن استمرار الحياة في هذا الكون‪.‬‬
‫وبعد أن نفهم هذه النعم كلها‪ .‬والعجاز الذي فيها ونستوعبها يقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬فَلَ‬
‫جعَلُواْ للّهِ أَندَادا وَأَنْتُمْ َتعَْلمُونَ {‪.‬‬
‫تَ ْ‬
‫" أندادا " جمع نِدّ‪ ،‬والند هو النظير أو الشبيه‪ .‬وأي عقل فيه ذرّة من فكر يبتعد عن مثل هذا‪ ،‬فل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يجعل ل تعالى شبيها ول نظيرا ول ُيشَبّهُ بال تعالى أحدا‪ .‬فال واحد في قدرته‪ ،‬واحد في قوته‪،‬‬
‫واحد في خلقه‪ .‬واحد في ذاته‪ ،‬وواحد في صفاته‪.‬‬
‫ول توجد مقارنة بين صفات الحق سبحانه وتعالى وصفات الخلق‪ .‬وال خلق لكل منا عقلً يفكر‬
‫به‪ ،‬لو عرضت هذه المسألة على العقل لرفضها تماما‪ ،‬لنها ل تتفق مع عقل أو منطق‪ ،‬ولذلك‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} وَأَنْتُمْ َتعَْلمُونَ {‬
‫أي تعرفون هذا جيدا بعقولكم لن طبيعة العقل ترفض هذا تماما‪.‬‬
‫فمنذا الذي يستطيع أن يدعي أنه خلقكم والذين من قبلكم؟! ومنذا الذي يستطيع أن يدعي ولو كذبا‪،‬‬
‫أنه هو الذي جعل الرض فراشا‪ ،‬وجعل السماء سقفا محفوظا‪ ،‬أو أنزل المطر وأنبت الزرع؟ ل‬
‫أحد‪ .‬إذن فأنتم تعلمون أن العقل كله ل وحده‪ ،‬ومادام ل يوجد معارض ول يمكن أن يوجد‪.‬‬
‫فالقضية محسومة للحق تبارك وتعالى‪.‬‬
‫حبّ اللّ ِه وَالّذِينَ‬
‫خذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادا ُيحِبّو َنهُمْ كَ ُ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪َ {:‬ومِنَ النّاسِ مَن يَتّ ِ‬
‫شدّ حُبّا للّهِ }[البقرة‪]165 :‬‬
‫آمَنُواْ أَ َ‬
‫لماذا اتخذ هؤلء الناس ل تعالى أندادا؟ لنهم يريدون دينا بل منهج‪ .‬يريدون أن يرضوا فطرة‬
‫اليمان التي خلقها ال فيهم‪ .‬وفي الوقت نفسه يتبعون شهواتهم‪ .‬عندما فكروا في هذا وجدوا أن‬
‫أحسن طريقة هي أن يختاروا إلها بل منهج‪ ،‬ل يطلب منهم شيئا‪ ،‬ولذلك كل دعوة منحرفة تجد‬
‫أنها تبيح ما حرم ال‪ ،‬وتحل النسان من كل التكاليف اليمانية كالصلة والزكاة والجهاد وغيرها‪.‬‬
‫أما الذين آمنوا‪ .‬فإنهم يعرفون أن ال سبحانه وتعالى إنما وضع منهجه لصالح النسان‪ :‬فال ل‬
‫يستفيد من صلتنا ول من زكاتنا‪ .‬ول من منهج اليمان شيئا‪ ،‬ولكننا نحن الذين نستفيد من رحمة‬
‫ال‪ .‬ومن نعم ال ومن جنته في الخرة‪.‬‬
‫ولن الذين آمنوا يعرفون هذا فإنهم يحبون ال حبا شديدا‪ ،‬والذين كفروا رغم كل ما يدعون فإنهم‬
‫ساعة العسرة يلجأون إلى ال سبحانه وتعالى باعتباره وحده الملجأ والملذ‪ .‬واقرأ قوله تبارك‬
‫شفْنَا عَنْهُ ضُ ّرهُ مَرّ كَأَن لّمْ‬
‫س الِنسَانَ الضّرّ دَعَانَا لِجَن ِبهِ َأوْ قَاعِدا َأوْ قَآئِما فََلمّا كَ َ‬
‫وتعالى‪ {:‬وَِإذَا مَ ّ‬
‫يَدْعُنَآ إِلَىا ضُرّ مّسّهُ }[يونس‪]12 :‬‬
‫لماذا لم يستدع النداد؟ لن النسان ل يغش نفسه أبدا في ساعة الخطر‪ ،‬ولن هؤلء يعرفون‬
‫بعقولهم أنه ل يمكن أن يوجد ل أنداد‪ .‬ولكنه يتخذهم لغراض دنيوية‪ .‬فإذا جاء الخطر‪ .‬يلجأ إلى‬
‫ال سبحانه وتعالى‪ .‬لنه يعلم يقينا أنه وحده الذي يكشف الضر‪ ،‬فحلق الصحة الذي يعالج الناس‬
‫دجل‪ .‬إذا مرض ابنه أسرع به إلى الطبيب لنه يغش الناس‪ .‬ولكنه ل يمكن أن يغش نفسه‪.‬‬
‫ولقد كان الصمعي واقفا عند الكعبة‪ ،‬فسمع إعرابيا يدعو ويقول‪:‬‬
‫" يا رب أنت تعلم أني عاصيك وكان من حقك علي أل أدعوك وأنا عاص‪ .‬ولكني أعلم أنه ل إله‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إل أنت فلمن أذهب‪ " .‬فقال الصمعي‪ :‬يا هذا إن ال يغفر لك لحسن مسألتك "‪.‬‬

‫(‪)26 /‬‬
‫شهَدَا َء ُكمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ‬
‫وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَ ْيبٍ ِممّا نَزّلْنَا عَلَى عَ ْبدِنَا فَأْتُوا بِسُو َرةٍ مِنْ مِثْلِ ِه وَادْعُوا ُ‬
‫كُنْتُ ْم صَا ِدقِينَ (‪)23‬‬

‫بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنا أن هؤلء الذين يتخذون من دون ال أندادا ل يعتمدون على‬
‫منطق ول عقل‪ .‬ولكنهم يعتمدون على شهوات دنيوية عاجلة‪ .‬أراد أن يأتي بالتحدي بالنسبة‬
‫للقرآن الكريم ـ المعجزة الخالدة لرسول ال صلى ال عليه وسلم ـ حتى يثبت لهم أن ال‬
‫سبحانه وتعالى إذا كان قد جعل خلق الكون إعجازا محسا‪ ..‬فإن القرآن منهج معجز إعجازا‬
‫قيما‪ ..‬قال ال جل جلله‪:‬‬
‫{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَ ْيبٍ } الخطاب هنا لكل كافر ومنافق غير مؤمن‪ ،‬لن الذين آمنوا بال ورسوله‬
‫ليس في قلوبهم ريب‪ ،‬بل هم يؤمنون بأن القرآن موحى به من ال‪ ،‬مبلغ إلى محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم بالوحي المنزل من السماء‪.‬‬
‫والريب‪ :‬هو الشك‪ .‬وقوله تعالى‪ { :‬إِن كُنْتُمْ فِي رَ ْيبٍ } أي إن كنتم في شك‪ .‬من أين يأتي هذا‬
‫الشك والمعجزة تحيط بالقرآن وبرسوله صلى ال عليه وسلم؟ ما هي مبررات الشك‪ ،‬ورسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ل يقرأ ول يكتب ولم يعرف بالبلغة والشعر بين قومه حتى يستطيع أن‬
‫يأتي من عنده بهذا الكلم المعجز الذي لم يستطع فطاحل شعراء العرب الذين تمرسوا في البلغة‬
‫واللغة أن يأتوا بآيةٍ من مثله‪ .‬هذه واحدة‪ .‬والثانية أن رسول ال صلى ال عليه وسلم ل يكذب أبدا‬
‫ولم يعرف عنه كذب قبل تكليفه بالرسالة بل كانوا يلقبونه صلى ال عليه وسلم بالصادق المين‪.‬‬
‫والذين كانوا يلقبون رسول ال صلى ال عليه وسلم هم الذين اتهموه بأن هذا القرآن ليس من عند‬
‫ال‪ .‬أيصدق رسول ال عليه الصلة والسلم مع الناس‪ .‬ويكذب على ال؟!‪ ..‬هذا مستحيل‪.‬‬
‫الكلم الذي جاء به رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو القرآن لم يكن أحد ليستطيع أن يأتي به‬
‫من فطاحل علماء البلغة العرب‪ .‬والعلم الذي نزل في القرآن الكريم‪ .‬لم يكن يعرفه بشر في ذلك‬
‫الوقت‪ .‬فكيف جاء النبي المي بهذا الكلم المعجز‪ .‬وبهذا العلم الذي ل يعلمه البشر؟! لو جلس‬
‫إلى معلم أو قرأ كتب الحضارات القديمة‪ .‬لقالوا ربما استنبط منها‪ ،‬ولكنه لم يفعل ذلك‪.‬‬
‫فمن أين دخل الريب إلى قلوبهم؟ لشك أنه دخل من باب الباطل‪ .‬والباطل ل حجة له‪ .‬وبل شك‬
‫لقد فضحوا أنفسهم بأنهم ل يرتابون في القرآن ولكنهم كانوا يريدونه أن ينزل على سيد من سادة‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ‬
‫علَىا رَ ُ‬
‫قريش‪ .‬واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫وهؤلء المرتابون لم يجدوا حجة يواجهون بها القرآن‪ ،‬فقالوا ساحر‪ ،‬وهل للمسحور إرادة مع‬
‫الساحر؟ إذا كان ساحرا فلماذا لم يسحركم أنتم؟ وقالوا مجنون‪.‬‬
‫والمجنون يتصرف بل منطق‪ ..‬يضحك بل سبب‪ .‬ويبكي بل سبب‪ .‬ويضرب الناس بل سبب‪.‬‬
‫ولذلك رد الحق سبحانه عليهم بقوله تعالى‪ {:‬ن وَالْقَلَمِ َومَا َيسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِ ِن ْعمَةِ رَ ّبكَ ِب َمجْنُونٍ‬
‫عظِيمٍ }[القلم‪]4-1 :‬‬
‫ك لَجْرا غَيْرَ َممْنُونٍ * وَإِ ّنكَ َلعَلَىا خُُلقٍ َ‬
‫* وَإِنّ َل َ‬
‫فهل يكون المجنون على خلق عظيم؟ إذن فأسباب الريب كلها أو السباب التي تثير الشك غير‬
‫موجودة‪ .‬وغير متوافرة‪ .‬ول يوجد سبب حقيقي واحد يجعلهم يشكون في أن القرآن ليس من عند‬
‫ال‪ .‬ولكنهم هم القائلون كما يروي لنا الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وَإِذْ قَالُواْ الّل ُهمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ‬
‫سمَآءِ َأوِ ائْتِنَا ِبعَذَابٍ َألِيمٍ }[النفال‪]32 :‬‬
‫حقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأ ْمطِرْ عَلَيْنَا حِجَا َرةً مّنَ ال ّ‬
‫الْ َ‬
‫إذن فكل أسباب الشك غير موجودة وأسباب اليقين هي الموجودة ومع ذلك ارتابوا وشكوا‪ .‬وقوله‬
‫سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} ّممّا نَزّلْنَا عَلَىا عَ ْبدِنَا {‬
‫فالقرآن الكريم وجد في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق النسان‪ ،‬وعندما جاء وقت مباشرته لمهمته‬
‫في الكون نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزله ال سبحانه وتعالى على‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم بقدر ما احتاجت إليه المناسبات والحداث‪.‬‬
‫إذن فقوله " نزلنا " أي نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة‪ .‬وقوله تعالى " أنزل‬
‫" أي أنزله آيات على محمد صلى ال عليه وسلم بحسب اقتضاء الحداث والمناسبات‪.‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى يقول‪ " :‬على عبدنا " وهذه محتاجة إلى وقفة‪ .‬فال جل جلله‪ .‬له عبيد وله‬
‫عباد‪ .‬كل خلق ال في كونه عبيد ل سبحانه وتعالى‪ .‬ل يستطيعون الخروج عن مشيئة ال أو‬
‫إرادته‪ .‬هؤلء هم العبيد‪ .‬ولكن العباد هم الذين اتحدت مراداتهم مع ما يريده ال سبحانه وتعالى‪..‬‬
‫تخلوا عن اختيارهم الدنيوي‪ ،‬ليصبحوا طائعين ل باختيارهم‪ ،‬أي أنهم تساووا مع المقهورين في‬
‫أنهم اختاروا منهج ال وتركوا أي اختيار يخالفه‪.‬‬
‫هؤلء هم العباد‪ ،‬وإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن ال سبحانه وتعالى يشير إلى العباد بأنهم‬
‫ع َوةَ‬
‫الصالحون من البشر فيقول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وَإِذَا سَأََلكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ُأجِيبُ دَ ْ‬
‫الدّاعِ ِإذَا دَعَانِ فَلْ َيسْتَجِيبُواْ لِي وَلْ ُي ْؤمِنُواْ بِي َلعَّلهُمْ يَ ْرشُدُونَ }[البقرة‪]186 :‬‬
‫هذا ليس لكل خلق ال‪ ،‬ولكنه للعباد‪ .‬الذين إذا قال ال تعالى لهم افعلوا فعلوا وإذا قال ال ل تفعلوا‬
‫لم يفعلوا‪ .‬أي أنهم ل يخالفون ـ بقدرتهم على الختيار ـ منهج ال سبحانه وتعالى‪ .‬ولذلك في‬
‫الجهاد ل يقول الحق سبحانه وتعالى عن المجاهدين أنهم عبيد‪ .‬بل يقول جل جلله‪ {:‬فَإِذَا جَآءَ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للَ الدّيَا ِر َوكَانَ وَعْدا ّم ْفعُولً }‬
‫شدِيدٍ َفجَاسُواْ خِ َ‬
‫وَعْدُ أُول ُهمَا َبعَثْنَا عَلَ ْيكُمْ عِبَادا لّنَآ ُأوْلِي بَأْسٍ َ‬
‫[السراء‪]5 :‬‬
‫وبعض المستشرقين الذين يحاولون الطعن في القرآن الكريم يقولون أن كلمة عباد قد جاءت في‬
‫وصف غير المؤمن في قوله تعالى‪:‬‬
‫{ أَأَن ُتمْ َأضْلَلْتُمْ عِبَادِي َه ُؤلَءِ َأمْ هُمْ ضَلّوا السّبِيلَ }[الفرقان‪]17 :‬‬
‫نقول‪ :‬إنكم لم تفهموا أن هذا ساعة الحساب في الخرة‪ ،‬وفي الخرة كلنا عباد لننا كلنا مقهورون‬
‫فل اختيار لحد في الخرة وإنما الختيار البشري ينتهي ساعة الحتضار‪ ،‬ثم يصبح النسان بعد‬
‫ذلك مقهورا‪.‬‬
‫فنحن جميعا في الخرة عباد ولكن الفرق بين العبيد والعباد هو في الحياة الدنيا فقط‪ .‬والعبودية‬
‫هي أرقى مراتب القرب من ال تعالى‪ .‬لنك تأتي إلى ال طائعا‪ .‬منفذا للمنهج باختيارك‪ .‬ولقد‬
‫عرض على رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يكون ملكا رسولً‪ ،‬أو عبدا رسول‪ .‬فاختار أن‬
‫يكون عبدا رسول‪ .‬وإذا أردنا أن نعرف معنى العبودية نقرأ في سورة السراء‪ {:‬سُ ْبحَانَ الّذِي‬
‫حوْلَهُ }[السراء‪]1 :‬‬
‫ل ْقصَى الّذِي بَا َركْنَا َ‬
‫ج ِد ا َ‬
‫جدِ ا ْلحَرَامِ ِإلَىا ا ْلمَسْ ِ‬
‫أَسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ لَيْلً مّنَ ا ْلمَسْ ِ‬
‫لنرى أنه في أعلى درجات النعام من ال سبحانه وتعالى على رسوله صلى ال عليه وسلم في‬
‫المعجزة الكبرى التي لم تحدث لبشر قبله صلى ال عليه وسلم سواء كان رسولً أو غير رسول‪،‬‬
‫ولن تحدث لبشر بعده‪ ..‬ذلك أن رسول ال صلى ال عليه وسلم صعد إلى السماوات السبع بالروح‬
‫وبالجسد ثم عاد إلى الرض‪ .‬وتجاوز رسول ال صلى ال عليه وسلم منزلة جبريل فتجاوز سدرة‬
‫المنتهى وهي المكان الذي ينتهي إليه علم خلق ال من البشر والملئكة المقربين‪.‬‬
‫وبشرية الرسول أخذت جدلً كبيرا منذ بدأت الرسالت السماوية‪ .‬وحتى عصرنا هذا‪ .‬واقرأ قوله‬
‫تعالى‪َ {:‬فقَالَ ا ْلمَلُ الّذِينَ َكفَرُواْ مِن ِق ْومِهِ مَا نَرَاكَ ِإلّ بَشَرا مّثْلَنَا }[هود‪]27 :‬‬
‫سعُرٍ }[القمر‪]24 :‬‬
‫ل وَ ُ‬
‫لٍ‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬فَقَالُواْ أَبَشَرا مّنّا وَاحِدا نّتّ ِبعُهُ إِنّآ إِذا ّلفِي ضَ َ‬
‫وقوله تعالى‪َ {:‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ إِذْ جَآءَ ُهمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرا رّسُولً }‬
‫[السراء‪]94 :‬‬
‫طعْتُمْ َبشَرا مّثَْلكُمْ إِ ّن ُكمْ إِذا لّخَاسِرُونَ }[المؤمنون‪]34 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬وَلَئِنْ أَ َ‬
‫إذن فبشرية الرسول اتخذت حجة للذين ل يريدون أن يؤمنوا والرسول مبلغ عن ال‪ .‬ولبد أن‬
‫يكون من جنس القوم الذين أرسل إليهم‪ .‬ولبد أن يكون قد عاش بينهم فترة قبل الرسالة واشتهر‬
‫بالمانة والصدق حتى ل يكذبوه‪ .‬وفي الوقت نفسه هو قدرة‪ .‬ولذلك لبد أن يكون من جنس قومه‪.‬‬
‫لنه سيطبق المنهج عمليا أمامهم‪ .‬ولو كان من جنس آخر لقالوا ل نطيق ما كلفتنا به يا رب‪ .‬لن‬
‫هذا رسول ال مخلوق من غير مادتنا‪ .‬ومقهور على الطاعة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فبشرية الرسول حتمية‪ .‬وكل من يحاول أن يعطي الرسول صفة غير البشرية‪ .‬إنما يحاول أن‬
‫ينقص من كمالت رسالت ال‪ ،‬وال سبحانه وتعالى ليس عاجزا‪ ،‬عن أن يحول البشر إلى ملئكة‬
‫جعَلْنَا مِنكُمْ مّلَ ِئكَةً فِي الَ ْرضِ َيخُْلفُونَ }[الزخرف‪]60 :‬‬
‫واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وََلوْ َنشَآءُ َل َ‬
‫إذن فبشرية الرسول هي من تمام الرسالة‪.‬‬
‫ثم يأتي التحدي من ال سبحانه وتعالى } فَأْتُواْ ِبسُو َرةٍ مّن مّثِْلهِ { والمطلوب أن يأتي العرب بسورة‬
‫من مثل ما جاء به القرآن الكريم‪.‬‬
‫الشهود الذين يطلب ال دعوتهم هم شهود ضعفاء‪ .‬شهود من البشر وليست شهادة من ال بالغيب‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى وضع في هذه الية معظم الشكوك لنفحصها‪ ،‬ولنصل فيما بعد ذلك إلى‬
‫جوهر العجاز القرآني‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى تدرج في التحدي مع الكافرين‪ .‬فطلب منهم أن يأتوا بمثل القرآن‪ ،‬ثم طلب‬
‫عشر سور من مثله‪ .‬ثم تدرج في التحدي فطلب سورة واحدة‪ .‬والنزل في التحدي من القرآن كله‬
‫إلى عشر سور‪ .‬إلى سورة واحدة‪ .‬دليل ضد من تحداهم‪ .‬فل يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬إذن فأتوا بعشر سور‪ .‬فل يستطيعون ويصبح موقفهم مدعاة للسخرية‪ .‬فيقول‪ :‬فأتوا‬
‫بسورة‪ .‬وهذا منتهى الستهانة بالذين تحداهم ال سبحانه وتعالى وإثباتا لنهم ل يقدرون على‬
‫شيء‪ .‬وكلمة بمثل‪ .‬معناها أن الحق سبحانه وتعالى يطلب المثيل ول يطلب نص القرآن وهذا‬
‫إمعان وزيادة في إظهار عجز القوم الذين ل يؤمنون بال ويشككون في القرآن‪ .‬وقوله تعالى‪} :‬‬
‫شهَدَآ َءكُم {‪.‬‬
‫وَادْعُواْ ُ‬
‫معناه أن ال سبحانه وتعالى زيادة في التحدي يطالبهم بأن يأتوا هم بالشهداء ويعرضوا عليهم‬
‫الية ليحكم هؤلء الشهود إذا كان ما جاءوا به مثل القرآن أم ل‪ .‬أليس هذا إظهار منتهى القوة ل‬
‫سبحانه وتعالى لنه لم يشترط شهداء من الملئكة ول شهداء من الذين اشتهر عنهم الصدق‪.‬‬
‫وأنهم يشهدون بالحق‪ .‬بل ترك الحق سبحانه لهم أن يأتوا بالشهداء وهؤلء الشهداء لن يستطيعوا‬
‫أن يشهدوا أن كلم هؤلء المشككين يماثل سورة من القرآن‪.‬‬
‫ال سبحانه وتعالى طلب منهم أن يأتوا بأي شهداء متحيزين لهم‪ .‬وأطلقها سبحانه وتعالى على كل‬
‫أجناس الرض فقال‪ } :‬مّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَا ِدقِينَ { ولكن إياكم أن تقولوا يشهد ال بأن ما‬
‫جئنا به مثل القرآن‪ .‬لنكم تكونون قد كذبتم على ال وادعيتم شيئا لم يقله سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولكن ما معنى قوله تعالى‪ } :‬إِنْ كُنْ ُت ْم صَا ِدقِينَ { صادقين في ماذا؟ وما هو الصدق؟ الصدق يقابل‬
‫الكذب‪ ،‬والصدق والكذب‪ ،‬كل منهما نسبي‪ .‬كلنا يعلم أن هناك كلما غير مفيد‪ ،‬فإذا قلت محمد‬
‫س َكتّ فمن يسمعك سيسألك‪ ،‬ماذا تقصد بقولك محمد؟ وسؤاله دليل على أنه لم يستفد شيئا‪ ،‬ولكنه‬
‫وَ‬
‫لو سألك من عندك؟ وأجبت محمد فكأنك تخبره بأن عندك محمدا وهذه كلمة واحدة لكنك فهمتها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالمعنى الذي أخذته من كلم السائل‪ .‬إذن فل تقل كلمة واحدة ولكن قل كلما مفيدا‪ .‬إذن فالكلم‬
‫المفيد هو الذي يسكت السامع عليه‪.‬‬
‫وكل متكلم قبل أن ينطق بالكلم يكون عنده نسبة ذهنية لما سيقول‪ ،‬يعبر عنها بنسبة كلمية‪.‬‬
‫ولكن هناك نسبة خارجية لما يقول تمثل الواقع‪.‬‬
‫أي أنك لو قلت محمد مجتهد فلبد أن يكون هناك شخص اسمه محمد‪ .‬ولبد أن يكون مجتهدا‬
‫فعلً‪ .‬لتتطابق النسبة الكلمية‪ .‬مع النسبة الواقعية‪ .‬فإذا لم يكن هناك شخص اسمه محمد‪ .‬أو كان‬
‫هناك شخص اسمه محمد ولكنه ليس مجتهدا‪ ،‬فإن النسبة الكلمية تخالف النسبة الواقعية‪.‬‬
‫والصدق أن تتطابق النسبة الكلمية والنسبة الواقعية‪ " .‬والكذب " أل تتطابق النسبة الكلمية مع‬
‫النسبة الواقعية‪ ..‬هذا المفهوم ضرورة لعرض معنى الية الكريمة‪.‬‬
‫إذن فقوله تعالى " صادقين " أي أن تتطابق النسبة الكلمية التي ستقولونها مع نسبة واقعية‬
‫تستطيعون أن تدللوا عليها‪ .‬فإن لم يحدث ذلك فأنتم كاذبون‪.‬‬
‫فال سبحانه وتعالى يريد منكم الدليل على صدقكم‪.‬‬

‫(‪)27 /‬‬
‫ع ّدتْ لِ ْلكَافِرِينَ (‪)24‬‬
‫س وَا ْلحِجَا َرةُ أُ ِ‬
‫فَإِنْ لَمْ َت ْفعَلُوا وَلَنْ َت ْفعَلُوا فَا ّتقُوا النّارَ الّتِي َوقُو ُدهَا النّا ُ‬

‫بعد أن تحدث ال سبحانه وتعالى عن الدلة التي يستند إليها المشككون في القرآن الكريم‪ .‬وهي‬
‫أدلة ل تستند إلى عقل ول إلى منطق‪ .‬تحداهم بأن يأتوا بسورة مثل القرآن‪ ،‬وأن يستعينوا بمن‬
‫يريدون من دون ال‪ ،‬لن القرآن كلم ال‪ ،‬وال سبحانه هو القائل‪ .‬وبما أنهم يحاولون التشكيك‬
‫في أن القرآن كلم ال‪ .‬وأنه منزل من عند ال‪ ،‬فليستعينوا بمن يريدون ليأتوا بآية من مثله‪ ،‬لن‬
‫التحدي هنا ل يمكن أن يتم إل إذا استعانوا بجميع القوى ما عدا ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بالنتيجة قبل أن يتم التحدي‪ .‬لن ال سبحانه وتعالى يعلم‬
‫أنهم لن يفعلوا ولن يستطيعوا‪.‬‬
‫إن قوله سبحانه‪ { :‬فَإِن لّمْ َت ْفعَلُو ْا وَلَن َت ْفعَلُواْ } معناه أنه حكم عليهم بالفشل وقت نزول القرآن‬
‫وبعد نزول القرآن إلي يوم القيامة‪ .‬لن ال ل يخفى عن علمه شيء‪ .‬فهو بكل شيء عليم‪ .‬وكلمة‬
‫" لم تفعلوا " عندما تأتي قد تثير الشك‪ .‬فنحن نعرف أن مجيء إن الشرطية يثير الشك‪ ..‬لن‬
‫المر لكي يتحقق يتعلق بشرط‪ .‬وأنت إن قلت إن ذاكرت تنجح‪ ،‬ففي المسألة شك‪ ..‬أما إذا قلت‬
‫كقول الحق { إِذَا جَآءَ َنصْرُ اللّ ِه وَا ْلفَتْحُ } فمعنى ذلك أن نصر ال آت ل محالة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫و " إن " حرف و " إذا " ظرف‪ ،‬وكل حدث يحتاج إلى مكان وزمن‪ .‬فإذا جئت بأداة الشرط فمعنى‬
‫ذلك أنك تقربها من عنصر تكوين الفعل والحدث‪ .‬فإذا أردت أن تعبر عن شيء سيتحقق تقول إذا‪،‬‬
‫وإذا أردت أن تشكك فيه تقول " إن " وال سبحانه وتعالى قال " فإن لم تفعلوا " ولن الفعل ممكن‬
‫الحدث أراد أن يرجح الجانب المانع فقال " ولن تفعلوا " هذا أمر اختياري‪ .‬فإذا تكلمت عن أمر‬
‫اختياري ثم حكمت أنه لن يحدث‪ .‬فكأن قدرتك هي التي منعته من الفعل‪ .‬فل يقال أنك قهرته على‬
‫أل يفعل‪ .‬ل‪ .‬علمت أنه لن يفعل‪ .‬فاستعداداته ل يمكن أن تمكنه من الفعل‪.‬‬
‫وهذه أمور ضمن اخبارات القرآن الكريم في القضايا الغيبية التي أخبر عنها‪ ،‬فعندما يقول ال‬
‫سهُمْ } معناه أنهم مصدقون ولكن ألسنتهم ل تعترف‬
‫جحَدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫سبحانه وتعالى { وَ َ‬
‫بذلك‪ .‬وقوله تعالى " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " معناه أن الشك مفتعل في نفوسهم؛ هم ل يريدون‬
‫أن يؤمنوا ولذلك يأتون بسبب مفتعل لعدم اليمان‪ .‬لقد استقر فكرهم على أنهم ل يؤمنون‪ ،‬ومادام‬
‫هذا هو ما قررتموه‪ .‬فإنكم ستظلون تبحثون عن أسباب ملفقة لعدم اليمان‪.‬‬
‫حجَا َرةُ }‪.‬‬
‫س وَالْ ِ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬فَا ّتقُواْ النّارَ الّتِي َوقُودُهَا النّا ُ‬
‫الحق سبحانه وتعالى يريد هنا أن يلفتنا إلى صورة أخرى عن عجز هؤلء الكفار‪ .‬فهم بحثوا عن‬
‫أعذار‪ ،‬ليبرروا بها عدم إيمانهم وتظاهروا بأنهم يشكون في القرآن الكريم‪ .‬يقول لهم‪ :‬لو كانت‬
‫لكم قدرة وذاتية فعل فامنعوا أنفسكم من دخول النار يوم القيامة‪ .‬كما منعتم انفسكم من اليمان في‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫وهذا وعيد من ال‪ .‬لقد أعطاهم ذاتية الختيار في الدنيا ولم يختاروا قهرا بل اختاروا عدم اليمان‬
‫بمشيئة الختيار التي أعطاه ال لهم‪ .‬ولكن هناك وقت ليس فيه اختيار وهو الخرة فحاولوا أن‬
‫تتقوا في الخرة عذاب النار يوم القيامة‪ .‬ولكن لن يكون لحد اختيار‪ .‬فال سبحانه وتعالى يقول‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫في ذلك اليوم‪ّ {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫لمْرُ َي ْومَئِذٍ لِلّهِ }[النفطار‪]19 :‬‬
‫ويقول جل جلله‪َ {:‬يوْ َم لَ َتمِْلكُ َنفْسٌ لِ َنفْسٍ شَيْئا وَا َ‬
‫فإرادتكم التي منعتكم من اليمان‪ ..‬لن تقيكم يومئذ من عذاب النار‪ ،‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬إِ ّنكُ ْم َومَا‬
‫جهَنّمَ أَنتُمْ َلهَا وَارِدُونَ }[النبياء‪]98 :‬‬
‫صبُ َ‬
‫ح َ‬
‫َتعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ َ‬
‫لماذا هم وما يعبدون؟ لن العابد يرتجي نفع المعبود‪ .‬فكأنهما عندما يرى كل منهما الخر في‬
‫العذاب‪ .‬تكون الحسرة أشد‪ .‬ولذلك فإن الحجارة والصنام التي يعبدونها ستكون معهم في النار‬
‫يوم القيامة‪ .‬وليس هذا عقابا للحجار والصنام‪ .‬لنها خلق مقهور ل مسبح له‪ ،‬ولكن هذه‬
‫الصنام والحجار تكون راضية وهي تحرق الذين كفروا بال‪ .‬وتقول‪ " :‬عبدونا ونحن أعبد ل‬
‫من المستغفرين بالسحار "‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬أُعِ ّدتْ لِ ْلكَافِرِينَ { ال سبحانه وتعالى يخبرهم وهم في الدنيا‪ ،‬أن النار أعدت‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للكافرين‪ .‬وقوله تعالى النار أعدت للكافرين تطمين غاية الطمئنان للمؤمن‪ .‬وإرهاب غاية‬
‫الرهاب للكافر‪ ..‬وقوله تعالى " أعدت " معناها أنها موجودة فعلً وإن لم نكن نراها‪ .‬وأنها‬
‫مخلوقة وإن كانت محجوبة عنا‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫" عرضت عليّ الجنة ولو شئت أن آتيكم منها بقطاف لفعلت "‪.‬‬
‫وهذا دليل على أنها موجودة فعلً‪.‬‬
‫والمؤمن حينما يعلم أن الجنة موجودة فعلً وأن اليمان سيقوده إليها فإنه يحس بالسعادة ويشتاق‬
‫للجنة‪ .‬فإذا سمع قول الحق سبحانه وتعالى‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلوَارِثُونَ * الّذِينَ يَرِثُونَ ا ْلفِرْ َدوْسَ هُمْ‬
‫فِيهَا خَاِلدُونَ }[المؤمنون‪]11-10 :‬‬
‫ساعة تقرأ هذه الية الكريمة تعرف أن ال سبحانه وتعالى سيجعلك في الجنة تأخذ ما كان لغيرك‪.‬‬
‫لن الميراث يأتيك من غيرك‪ .‬وقد سبق علم ال سبحانه وتعالى خلق الناس جميعا‪ .‬وقبل أن يخلق‬
‫أعد لكل خلقه مقعدا في النار ومقعدا في الجنة‪ .‬الذين سيدخلون النار خالدين فيها‪ ،‬مقاعدهم في‬
‫الجنة ستكون خالية‪ ،‬فيأتي ال سبحانه وتعالى يعطيها للمؤمنين ليرثوها فوق مقاعدهم ومنازلهم‬
‫في الجنة‪ .‬والحق سبحانه عندما يقول‪ " :‬أعدت " فهي موجودة فعلً‪.‬‬

‫(‪)28 /‬‬
‫عمِلُوا الصّاِلحَاتِ أَنّ َلهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ َتحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ كُّلمَا رُ ِزقُوا مِ ْنهَا مِنْ‬
‫وَبَشّرِ الّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬
‫طهّ َرةٌ وَهُمْ فِيهَا‬
‫ل وَأُتُوا بِهِ مُتَشَا ِبهًا وََلهُمْ فِيهَا أَ ْزوَاجٌ ُم َ‬
‫َثمَ َرةٍ رِ ْزقًا قَالُوا هَذَا الّذِي رُ ِزقْنَا مِنْ قَ ْب ُ‬
‫خَاِلدُونَ (‪)25‬‬

‫وبعد أن بين ال سبحانه وتعالى لنا مصير الكافرين الذين يشككون في القرآن ليتخذوا من ذلك‬
‫عذرا لعدم اليمان‪ .‬قال‪ :‬إذا كنتم قد اخترتم عدم اليمان‪ ،‬بما أعطيتكم من اختيار في الدنيا‪ ،‬فإنكم‬
‫في الخرة لن تستطيعوا أن تتقوا النار‪ .‬ولن تكون لكم إرادة‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق تبارك وتعالى بالصورة المقابلة‪ .‬والقرآن الكريم إذا ذكرت الجنة يأتي ال بعدها‬
‫بالصورة المقابلة وهي العذاب بالنار‪ .‬وإذا ذكرت النار بعذابها ولهيبها ذكرت بعدها الجنة‪ .‬وهذه‬
‫الصورة المتقابلة لها تأثير على دفع اليمان في النفوس‪ .‬فإذا قرأ النسان سورة للعذاب ثم جاء‬
‫بعدها النعيم فإنه يعرف أنه قد فاز مرتين‪ .‬فالذي يزحزح عن النار ول يدخلها يكون ذلك فوزا‬
‫ونعمة‪ ،‬فإذا دخل الجنة تكون نعمة أخرى‪ ،‬ولذلك فإن ال تعالى يقول‪َ {:‬فمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ‬
‫خلَ ا ْلجَنّةَ َفقَدْ فَازَ }[آل عمران‪]185 :‬‬
‫وَأُدْ ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولم يقل سبحانه ومن أدخل الجنة فقد فاز‪ .‬لن مجرد أن تزحزح عن النار فوز عظيم‪ ..‬وفي‬
‫الخرة‪ .‬وبعد الحساب يضرب الصراط فوق جهنم‪ ،‬ويعبر من فوقه المؤمنون والكافرون‪.‬‬
‫فالمؤمنون يجتازون الصراط المستقيم كل حسب عمله منهم من يمر بسرعة البرق‪ .‬ومنهم من‬
‫يمر أكثر بطأً وهكذا‪ ،‬والكافرون يسقطون في النار‪ .‬ولكن لماذا يمر المؤمنون فوق الصراط‪ .‬وال‬
‫سبحانه وتعالى قال‪ {:‬وَإِن مّنكُمْ ِإلّ وَا ِردُهَا كَانَ عَلَىا رَ ّبكَ حَتْما مّ ْقضِيّا * ثُمّ نُنَجّي الّذِينَ ا ّتقَواْ‬
‫وّنَذَرُ الظّاِلمِينَ فِيهَا جِثِيّا }[مريم‪]72-71 :‬‬
‫لن مجرد رؤية المؤمنين لجهنم نعمة كبرى‪ ،‬فحين يرون العذاب الرهيب الذي أنجاهم اليمان‬
‫منه يحس كل منهم بنعمة ال عليه‪ .‬أنه أنجاه من هذا العذاب‪ .‬وأهل النار وأهل الجنة يرى بعضهم‬
‫بعضا‪ .‬فأهل الجنة حينما يرون أهل النار يحسون بعظيم نعمة ال عليهم‪ .‬إذ أنجاهم منها‪ ،‬وأهل‬
‫النار حين يرون أهل الجنة يحسون بعظيم غضب ال عليهم أن حرمهم من نعيمه‪ ،‬فكأن هذه‬
‫الرؤية نعيم لهل الجنة وزيادة في العذاب لهل النار‪ ..‬وال سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫" وبشر " والبشارة هي الخبار بشيء سار قادم لم يأت وقته بعد‪ .‬فأنت إذا بشرت إنسانا بشيء‬
‫أعلنته بشيء سار قادم‪ .‬والبشارة هنا جاءت بعد الوعيد للكافرين‪.‬‬
‫والنذار هو اخبار بأمر مخيف‪ .‬لم يأت وقته بعد‪.‬‬
‫ولكن البشارة تأتي أحيانا في القرآن الكريم ويقصد بها الكفار‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَ ْيلٌ ّل ُكلّ َأفّاكٍ‬
‫س َم ْعهَا فَبَشّ ْرهُ ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }[الجاثية‪:‬‬
‫سمَعُ آيَاتِ اللّهِ تُتْلَىا عَلَ ْيهِ ثُمّ ُيصِرّ مُسْ َتكْبِرا كَأَن لّمْ َي ْ‬
‫أَثِيمٍ * يَ ْ‬
‫‪] 8 -7‬‬
‫البشارة هنا تهكمية من ال سبحانه وتعالى‪ .‬فالحق تبارك وتعالى يريد أن يزيد عذاب الكفار‪،‬‬
‫فعندما يسمعون كلمة " فبشرهم " يعتقدون أنهم سيسمعون خبرا سارا‪ ،‬فيأتي بعدها العذاب الليم‬
‫ليزيدهم غما على غم‪.‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ {‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَبَشّرِ الّذِين آمَنُو ْا وَ َ‬
‫البشرى هنا إعلم بخير قادم للمؤمنين‪ ،‬واليمان هو الرصيد القلبي للسلوك‪ .‬لن من يؤمن بقضية‬
‫يعمل من أجلها‪ ،‬التلميذ يذاكر لنه مؤمن أنه سينجح‪ ،‬وكل عمل سلوكي لبد أن يوجد من ينبوع‬
‫عقيدي‪ .‬واليمان أن تنسجم حركة الحياة مع ما في القلب وفق مراد ال سبحانه وتعالى‪ :‬ونظام‬
‫الحياة ل يقوم إل على إيمان‪ ..‬فكأن العمل الصالح ينبوعه اليمان‪ .‬ولذلك يقول القرآن الكريم‪{:‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ }[العصر‪]3-1 :‬‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى خُسْرٍ * ِإلّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫سِلمِينَ }‬
‫ع ِملَ صَالِحا َوقَالَ إِنّنِي مِنَ ا ْلمُ ْ‬
‫وفي آية أخرى‪َ {:‬ومَنْ أَحْسَنُ َقوْلً ّممّن دَعَآ ِإلَى اللّ ِه وَ َ‬
‫[فصلت‪]33 :‬‬
‫ولكن هل يكفي العلن عن كوني من المسلمين؟ ل بل لبد أن يقترن هذا العلن بالعمل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بمرادات ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى يُريدُ أن يلفتنا‪ ..‬إلى أن قولنا " ل إله إل ال محمد رسول ال "‪ ..‬لبد أن‬
‫يصاحبه عمل بمنهج السلم‪ ..‬ذلك أن نطقنا بالشهادة ل يزيد في ملك ال شيئا‪ ..‬فال تبارك‬
‫وتعالى شهد بوحدانية ألوهيته لنفسه‪ ،‬وهذه شهادة الذات للذات‪ ..‬ثم شهد الملئكة شهادة مشهد‬
‫لنهم يرونه سبحانه وتعالى‪ ..‬ثم شهد أولو العلم شهادة دليل بما فتح عليهم ال جل جلله من‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُه َو وَا ْلمَلَ ِئكَ ُة وَُأوْلُواْ ا ْلعِلْمِ‬
‫علم‪ ..‬وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬‬
‫حكِيمُ }[آل عمران‪]18 :‬‬
‫ط لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫قَآ ِئمَا بِا ْلقِسْ ِ‬
‫ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يعملوا بالمنهج‪ ..‬لماذا؟‪ ..‬حتى ل تتعاند حركة‬
‫الحياة بل تتساند‪ ..‬ومادامت حركة الحياة مستقيمة‪ ..‬فإنها تصبح حياة متساندة وقوية‪ ..‬وعندما‬
‫انتشر السلم في بقاع الرض لم يكن الهدف أن يؤمن الناس فقط لمجرد اليمان‪ ..‬ولكن لبد أن‬
‫تنسجم حركة الحياة مع منهج السلم‪ ..‬فإذا ابتعدت حركة الحياة عن المنهج‪ ..‬حينئذ ل يخدم‬
‫قضية الدين أن يؤمن الناس أو ل يؤمنوا‪ ..‬ولذلك لبد أن ينص على اليمان والعمل الصالح‪} ..‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ {‪ ..‬والصالحات هي جمع صالحة‪ ..‬والصالحة هي المر المستقيم‬
‫والّذِين آمَنُو ْا وَ َ‬
‫مع المنهج‪ ،‬وضدها الفساد‪ ..‬وحين يستقبل النسان الوجود‪ ..‬فإن أقل الصالحات هو أن يترك‬
‫الصالح على صلحه أو يزيده صلحا‪.‬‬
‫الحق تبارك وتعالى يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها النهار‪..‬‬
‫والجنات جمع جنة‪ ،‬وهي جمع لنها كثيرة ومتنوعة‪ ..‬وهناك درجات في كل جنة أكثر من‬
‫ض وَلَلخِ َرةُ َأكْبَرُ دَرَجَاتٍ‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْع ٍ‬
‫الدنيا‪ ..‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬انظُرْ كَ ْيفَ َفضّلْنَا َب ْع َ‬
‫وََأكْبَرُ َت ْفضِيلً }[السراء‪]21 :‬‬
‫الجنات نفسها متنوعة‪ ..‬فهناك جنات الفردوس‪ ،‬وجنات عدن‪ ،‬وجنات نعيم‪.‬‬
‫‪ .‬وهناك دار الخلد‪ ،‬ودار السلم‪ ،‬وجنة المأوى‪ ..‬وهناك عِلّيُون الذي هو أعلى وأفضل الجنات‪..‬‬
‫وأعلى ما فيها التمتع برؤية الحق تبارك وتعالى‪ ..‬وهو نعيم يعلو كثيرا عن أي نعيم في الطعام‬
‫والشراب في الدنيا‪..‬‬
‫والطعام والشراب بالنسبة لهل الجنة ل يكون عن جوع أو ظمأ‪ ..‬وإنما عن مجرد الرغبة‬
‫والتمتع‪ .‬وال جل جلله في هذه الية يَعدُ بأمرٍ غيبي‪ ..‬ولذلك فإنه لكي يقرب المعنى إلى ذهن‬
‫البشر‪ ..‬لبد من استخدام ألفاظ مشهودة وموجودة‪ ..‬أي عن واقع نشهده‪ .‬واقرأ‪ ،‬قوله تبارك‬
‫خ ِفيَ َلهُم مّن قُ ّرةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }[السجدة‪]17 :‬‬
‫وتعالى‪ {:‬فَلَ َتعَْلمُ َنفْسٌ مّآ أُ ْ‬
‫إذن ما هو موجود في الجنة ل تعلمه نفس في الدنيا‪ ..‬ول يوجد لفظ في اللغة يعبر عنه‪ ..‬ول‬
‫ملكة من ملكات المعرفة كالسمع والنظر قد رأته‪ ..‬ولذلك استخدم الحق تبارك وتعالى اللفاظ التي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تتناسب مع عقولنا وإدراكنا‪ ..‬فقال تعالى‪ } :‬جَنّاتٍ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ {‪..‬‬
‫على أن هناك آيات أخرى تقول‪َ } :‬تجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ { ما الفرق بين الثنين‪ ..‬تجري‬
‫تحتها النهار‪ ..‬أي أن نبع الماء من مكان بعيد وهو يمر من تحتها‪ ..‬أما قوله تعالى‪ } :‬تَجْرِي مِن‬
‫تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ { فكأن النهار تنبع تحتها‪ ..‬حتى ل يخاف إنسان من أن الماء الذي يأتي من بعيد‬
‫يقطع عنه أو يجف‪ ..‬وهذه زيادة لطمئنان المؤمنين أن نعيم الجنة باق وخالد‪..‬‬
‫ومادام هناك ماء فهناك خضرة ومنظر جميل ولبُدّ أَنْ يكون هناك ثمر‪ ..‬وفي قوله تعالى‪ } :‬كُّلمَا‬
‫رُ ِزقُواْ مِ ْنهَا مِن َثمَ َرةٍ رّزْقا قَالُواْ هَـاذَا الّذِي رُ ِزقْنَا مِن قَ ْبلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِها {‪ ..‬حديث عن ثمر‬
‫الجنة‪ ..‬وثمر الجنة يختلف عن ثمر الدنيا‪ ..‬إنك في الدنيا لبد أن تذهب إلى الثمرة وتأتي بها أو‬
‫يأتيك غيرك بها‪ ..‬ولكن في الجنة الثمر هو الذي يأتي إليك‪ ..‬بمجرد أن تشتهيه تجده في يدك‪..‬‬
‫وتعتقد أن هناك تشابها بين ثمر الدنيا وثمر الجنة‪ ..‬ولكن الثمر في الجنة ليس كثمر الدنيا ل في‬
‫طعمه ول في رائحته‪ ..‬وإنما يرى أهل الجنة ثمرها ويتحدثون يقولون ربما تكون هذه الثمرة هي‬
‫ثمرة المانجو أو التين الذي أكلناه في الدنيا‪ ..‬ولكنها في الحقيقة تختلف تماما‪ ..‬قد يكون الشكل‬
‫متشابها ولكن الطعم وكل شيء مختلف‪..‬‬
‫في الدنيا كل طعام له فضلت يخرجها النسان‪ ..‬ولكن في الخرة ل يوجد لطعام فضلت بل أن‬
‫النسان يأكل كما يشاء دون أن يحتاج إلى إخراج فضلت‪ ،‬وذلك لختلف ثمار الدنيا عن الخرة‬
‫في التكوين‪..‬‬
‫إذن ففي الجنة النهار مختلفة والثمار مختلفة‪.‬‬
‫‪ .‬والجنة يكون الرزق فيها من ال سبحانه وتعالى الذي يقول " للشيء كن فيكون "‪ ..‬ول أحد يقوم‬
‫طهّ َر ٌة وَ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ {‬
‫بعمل‪ .‬ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬وََلهُمْ فِيهَآ أَ ْزوَاجٌ مّ َ‬
‫الزوجة هي متعة النسان في الدنيا إن كانت صالحة‪ ..‬والمنغصة عليه إن كانت غير صالحة‪..‬‬
‫وهناك منغصات تستطيع أن تضعها المرأة في حياة زوجها تجعله شقيا في حياته‪ ..‬كأن تكون‬
‫سليطة اللسان أو دائمة الشجار‪ ..‬أول تعطي اهتماما لزوجها أو تحاول إثارته بأن تجعله يشك‬
‫فيها‪ ..‬أما في الخرة فتزول كل هذه المنغصات وتزول بأمر ال‪ .‬فالزوجة في الخرة مطهرة من‬
‫كل ما يكرهه الزوج فيها‪ ،‬وما لم يحبه في الدنيا يختفي‪ .‬فالمؤمنون في الخرة مطهرون من كل‬
‫نقائص الدنيا ومتاعبها وأولها الغل والحقد‪ ..‬واقرأ قوله جل جلله‪ {:‬وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ‬
‫خوَانا عَلَىا سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ }[الحجر‪]47 :‬‬
‫غلّ إِ ْ‬
‫ِ‬
‫فمقاييس الدنيا ستختفي وكل شيء تكرهه في الدنيا لن تجده في الخرة‪ ..‬فإذا كان أي شيء قد‬
‫نغص حياتك في الدنيا فإنه سيختفي في الخرة‪ ..‬والحق تبارك وتعالى ضرب المثل بالزوجات‬
‫لن الزوجة هي متعة زوجها في الدنيا‪ ..‬وهي التي تستطيع أن تحيل حياته إلى نعيم أو جحيم‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {‪ ..‬أي ل موت في الخرة ولن يكون في الخرة وجود للموت‬
‫أبدا‪ ،‬وإنما فيها الخلود الدائم إما في الجنة وإما في النار‪.‬‬

‫(‪)29 /‬‬
‫حقّ مِنْ‬
‫إِنّ اللّهَ لَا يَسْ َتحْيِي أَنْ َيضْ ِربَ مَثَلًا مَا َبعُوضَةً َفمَا َف ْو َقهَا فََأمّا الّذِينَ َآمَنُوا فَ َيعَْلمُونَ أَنّهُ الْ َ‬
‫ضلّ‬
‫ضلّ بِهِ كَثِيرًا وَ َيهْدِي بِهِ كَثِيرًا َومَا ُي ِ‬
‫رَ ّبهِ ْم وََأمّا الّذِينَ كَفَرُوا فَ َيقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللّهُ ِبهَذَا مَثَلًا ُي ِ‬
‫سقِينَ (‪)26‬‬
‫بِهِ إِلّا ا ْلفَا ِ‬

‫بعد أن تحدث الحق تبارك وتعالى عن الجنة‪ ..‬وأعطانا مثل يقرب لنا صور النعيم الهائلة التي‬
‫سينعم بها النسان في الجنة‪ ..‬أراد أن يوضح لنا المنهج اليماني الذي يجب أن يسلكه كل‬
‫مؤمن‪ ..‬ذلك أن ال سبحانه وتعالى ل يكلف كافرا بعبادته‪ ..‬ولكن النسان الذي ارتضى دخول‬
‫اليمان بال جل جلله قد دخل في عقد إيماني مع ال تبارك وتعالى‪ ..‬ومادام قد دخل العقد‬
‫اليماني فأنه يتلقى عن ال منهجه في افعل ول تفعل‪ ..‬وهذا المنهج عليه أن يطبقه دون أن‬
‫يتساءل عن الحكمة في كل شيء‪ ..‬ذلك أن اليمان هو إيمان بالغيب‪ ..‬فإذا كان الشيء نفسه غائبا‬
‫عنا فكيف نريد أن نعرف حكمته‪..‬‬
‫إن حكمة أي تكليف إيماني هي‪ :‬أنه صادر من ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ومادام صادرا من ال فهو لم‬
‫يصدر من مُساوٍ لك كي تناقشه‪ ،‬ولكنه صادر من إله وجبت عليك له الطاعة لنه إله وأنت له‬
‫عابد‪ ..‬فيكفي أن ال سبحانه وتعالى قال افعل حتى نفعل‪ ..‬ويكفي أنه قال ل تفعل حتى ل نفعل‪..‬‬
‫الحكمة غائبة عنك‪ ..‬ولكن صدور المر من ال هو الحكمة‪ ،‬وهو الموجب للطاعة‪ ..‬فأنا أصلي‬
‫لن ال فرض الصلة‪ ،‬ول أصلي كنوع من الرياضة‪ ..‬وأنا أتوضأ لن ال تبارك وتعالى أمرنا‬
‫بالوضوء قبل الصلة‪ ..‬ولكنني ل أتوضأ كنوع من النظافة‪ ..‬وأنا أصوم لن ال أمرني بالصوم‪..‬‬
‫ول أصوم حتى أشعر بجوع الفقير‪ ..‬لنه لو كانت الصلة رياضة لستبدلناها بالرياضة في‬
‫الملعب‪ ..‬ولو أن الوضوء كان نظافة لقمنا بالستحمام قبل كل صلة‪ ..‬ولو أن الصوم كان‬
‫لنشعر بالجوع ما وجب على الفقير أن يصوم لنه يعرف معنى الجوع‪..‬‬
‫إذن فكل تكاليف من ال نفعلها لن ال شرعها ول نفعلها لي شيء آخر‪ ..‬وكل ما يأتينا من ال‬
‫من قرآن نستقبله على أنه كلم ال ول نستقبله بأي صيغة أخرى‪ ..‬ذلك هو اليمان الذي يريد ال‬
‫منا أن نتمسك به‪ ،‬وأن يكون هو سلوك حياتنا‪.‬‬
‫تلك مقدمة كان لبد منها إذا أردنا أن نعرف معنى الية الكريمة‪ { :‬إِنّ اللّهَ لَ َيسْتَحْى أَن َيضْ ِربَ‬
‫مَثَلً مّا َبعُوضَةً َفمَا َف ْو َقهَا } وعندما ضرب ال مثل بالبعوضة‪ ..‬استقبله الكفار بالمعنى الدنيوي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫دون أن يفطنوا للمعنى الحقيقي‪ ..‬قالوا كيف يضرب ال مثل بالبعوضة ذلك المخلوق الضعيف‪..‬‬
‫الذي يكفي أن تضربه بأي شيء أو بكفك فيموت؟‪ .‬لماذا لم يضرب ال تبارك وتعالى مثل بالفيل‬
‫الذي هو ضخم الجثة شديدة القوة‪.‬‬
‫‪ .‬أو بالسد الذي هو أقوى من النسان وضرب لنا مثل بالبعوضة فقالوا‪ " :‬ماذا أراد ال بهذا مثل‬
‫"‪ ..‬ولم يفطنوا إلى أن هذه البعوضة دقيقة الحجم خلقها معجزة‪ ..‬لن في هذا الحجم الدقيق وضع‬
‫ال سبحانه وتعالى كل الجهزة اللزمة لها في حياتها‪ ..‬فلها عينان ولها خرطوم دقيق جدا ولكنه‬
‫يستطيع أن يخرق جلد النسان‪ ..‬ويخرج الوعية الدموية التي تحت الجلد ليمتص دم النسان‪..‬‬
‫والبعوضة لها أرجل ولها أجنحة ولها دورة تناسلية ولها كل ما يلزم لحياتها‪ ..‬كل هذا في هذا‬
‫الحجم الدقيق‪ ..‬كلما دق الشيء احتاج إلى دقة خلق أكبر‪..‬‬
‫ونحن نشاهد في حياتنا البشرية أنه مثل عندما اخترع النسان الساعة‪ ..‬كان حجمها ضخما‬
‫لدرجة أنها تحتاج إلى مكان كبير‪ ..‬وكلما تقدمت الحضارة وارتقى النسان في صناعته‬
‫وحضارته وتقدمه‪ ،‬أصبح الحجم دقيقا وصغيرا‪ ،‬وهكذا أخذت صناعة الساعات تدق‪ ..‬حتى أصبح‬
‫من الممكن صنع ساعة في حجم الخاتم أو أقل‪ ..‬وعندما بدأ اختراع المذياع أو الراديو كان حجمه‬
‫كبيرا‪ ..‬والن أصبح في غاية الدقة لدرجة أنك تستطيع أن تضعه في جيبك أو أقل من ذلك‪ ..‬وفي‬
‫كل الصناعات عندما ترتقي‪ ..‬يصغر حجمها لن ذلك محتاج إلى صناعة ماهر وإلى تقدم علمي‪..‬‬
‫وهكذا حين ضرب ال مثل بالبعوضة وما فوقها‪ ..‬أي بما هو أقل منها حجما‪ ..‬فإنه تبارك وتعالى‬
‫أراد أن يلفتنا إلى دقة الخلق‪ ..‬فكلما لطف الشيء وصغر حجمه احتاج إلى دقة الخلق‪ ..‬ولكن‬
‫الكفار لم يأخذوا المعنى على هذا النحو وإنما أخذوه بالمعنى الدنيوي البسيط الذي ل يمثل الحقيقة‪.‬‬
‫فال سبحانه وتعالى حينما ضرب هذا المثل‪ ..‬استقبله المؤمنون بأنه كلم ال‪ ..‬واستقبلوه بمنطق‬
‫اليمان بال فصدقوا به سواء فهموه أم لم يفهموه‪ ..‬لن المؤمن يصدق كل ما يجيء من عند ال‬
‫علَىا‬
‫سواء عرف الحكمة أو لم يعلمها‪ ..‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬وََلقَدْ جِئْنَا ُهمْ ِبكِتَابٍ َفصّلْنَاهُ َ‬
‫حمَةً ّلقَوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ * َهلْ يَنظُرُونَ ِإلّ تَ ْأوِيلَهُ َيوْمَ يَأْتِي تَ ْأوِيلُهُ َيقُولُ الّذِينَ َنسُوهُ مِن قَ ْبلُ‬
‫عِلْمٍ هُدًى وَرَ ْ‬
‫ش َفعُواْ لَنَآ َأوْ نُ َردّ فَ َن ْعمَلَ غَيْرَ الّذِي كُنّا َن ْع َملُ َقدْ‬
‫شفَعَآءَ فَ َي ْ‬
‫سلُ رَبّنَا بِا ْلحَقّ َفهَل لّنَا مِن ُ‬
‫قَدْ جَآ َءتْ رُ ُ‬
‫سهُ ْم َوضَلّ عَ ْنهُمْ مّا كَانُواْ َيفْتَرُونَ }[العراف‪]53-52 :‬‬
‫خسِرُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫َ‬
‫إن كل مصدق بالقرآن ل يطلب تأويله أو الحكمة في آياته‪ ..‬ولذلك قال الكافرون‪ } :‬مَاذَآ أَرَادَ اللّهُ‬
‫ضلّ بِهِ ِإلّ‬
‫ضلّ ِبهِ كَثِيرا وَ َيهْدِي بِهِ كَثِيرا َومَا ُي ِ‬
‫ِبهَـاذَا مَثَلً { ويأتي رد الحق تبارك وتعالى‪ُ } :‬ي ِ‬
‫سقِين {‪ ..‬ومن هم الفاسقون؟‪ ..‬هم الذين ينقضون عهد ال‪ ..‬أول شيء في الفسق أن ينقض‬
‫ا ْلفَا ِ‬
‫الفاسق عهده‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪ .‬ويقال فسقت الرطبة أي بعدت القشرة عن الثمر‪ ..‬فعندما تكون الثمرة أو البلحة حمراء تكون‬
‫القشرة ملتصقة بالثمرة بحيث ل تستطيع أن تنزعها منها‪ ..‬فإذا أصبحت الثمرة أو البلحة رطبا‬
‫تسود قشرتها وتبتعد عن الثمرة بحيث تستطيع أن تنزعها عنها بسهولة‪ ..‬هذا هو الفاسق المبتعد‬
‫عن منهج ال‪ ..‬ينسلخ عنه بسهولة ويسر‪ ،‬لنه غير ملتصق به‪ ..‬وعندما تبتعد عن منهج ال فإنك‬
‫ل ترتبط بأوامره ونواهيه‪ ..‬فل تؤدي الصلة مثل وتفعل ما نهى ال عنه لنك فسقت عن دينه‪..‬‬
‫والذي أوجد الفسق هو أن النسان خلق مختارا‪ ..‬قادرا على أن يفعل أو ل يفعل‪ ..‬وبهذا الختيار‬
‫أفسد النسان نظام الكون‪ ..‬فكل شيء ليس للنسان اختيار فيه تراه يؤدي مهمته بدقة عالية‬
‫كالشمس والقمر والنجوم والرض‪ ..‬كلها تتبع نظاما دقيقا ل يختل لنها مقهورة‪ ..‬ولو أن النسان‬
‫لم يخلق مختارا‪ ..‬لكان من المستحيل أن يفسق‪ ..‬وأن يبتعد عن منهج ال ويفسد في الرض‪..‬‬
‫ولكن هذا الختيار هو أساس الفساد كله‪.‬‬

‫(‪)30 /‬‬
‫صلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَ ْرضِ‬
‫طعُونَ مَا َأمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُو َ‬
‫عهْدَ اللّهِ مِنْ َبعْدِ مِيثَاقِ ِه وَ َيقْ َ‬
‫الّذِينَ يَ ْن ُقضُونَ َ‬
‫أُولَ ِئكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (‪)27‬‬

‫بعد أن شرح ال لنا مفهوم اليمان‪ .‬في أننا نتلقى عن ال وننفذ الحكم ولو لم نعرف الحكمة‪ .‬فكل‬
‫ما يأتي من ال نأخذه بمنطق اليمان‪ ،‬وهو أن ال الذي قال‪ .‬وليس بمنطق الكفر والتشكك‪ .‬فكل‬
‫شيء عن ال حكمته أنه صادر عن الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وأخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الفاسقين هم المبتعدون عن منهج ال‪ .‬وأراد الحق أن يبين لنا‬
‫صفات الفاسقين‪ .‬فحددها في ثلث صفات‪ ..‬أول‪ :‬الذين ينقضون عهد ال من بعد ميثاقه‪ ..‬ثانيا‬
‫الذين يقطعون ما أمر ال به أن يوصل‪ .‬ثالثا‪ :‬الذين يفسدون في الرض‪ .‬ثم حدد لنا الحق تبارك‬
‫وتعالى حكمهم فقال‪ :‬أولئك هم الخاسرون‪ .‬والخسران أن الذي وصلوا إليه هو من عملهم‪ .‬لنهم‬
‫تركوا المنهج وبدأوا يشرعون لنفسهم بهوى النفس‪ .‬ولذلك يقول الحق جل جلله عنهم‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ‬
‫حتْ تّجَارَ ُت ُه ْم َومَا كَانُواْ ُمهْتَدِينَ }[البقرة‪]16 :‬‬
‫الّذِينَ اشْتَ َروُاْ الضّلَلَةَ بِا ْل ُهدَىا َفمَا رَ ِب َ‬
‫إذن هم الذين اختاروا‪ ،‬وهم الذين اشتروا الضللة ودفعوا ثمنها من هدى ال‪ .‬فكأنهم عقدوا صفقة‬
‫خاسرة‪ .‬لن هدى ال هو الذي يقودنا إلى الحياة الخالدة والنعيم الذي ل يزول‪.‬‬
‫سهُمْ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يعطينا الصورة في قوله تعالى‪ {:‬إِنّ اللّهَ اشْتَرَىا مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَنفُ َ‬
‫حقّا فِي ال ّتوْرَاةِ وَالِنْجِيلِ‬
‫ن وَعْدا عَلَ ْيهِ َ‬
‫ن وَيُقْتَلُو َ‬
‫وََأمْوَاَلهُمْ بِأَنّ َلهُمُ اّلجَنّةَ ُيقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَ َيقْتُلُو َ‬
‫وَا ْلقُرْآنِ َومَنْ َأ ْوفَىا ِب َعهْ ِدهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَ ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َيعْتُمْ بِ ِه وَذَِلكَ ُهوَ ا ْلفَوْزُ ا ْلعَظِيمُ }‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[التوبة‪]111 :‬‬
‫إذن فالمؤمنون باعوا ل سبحانه وتعالى أموالهم وأنفسهم‪ ،‬وكانوا صادقين في عهدهم‪ .‬أما الكفار‬
‫والمنافقون‪ ،‬فقد باعوا هدى ال‪ ،‬واشتروا به ضلل الدنيا‪ .‬فالحق سبحانه وتعالى ذكر لنا أول‬
‫صفات الفاسقين أنهم ل عهد لهم‪ .‬ليس بينهم وبين الناس فقط‪ .‬ولكن ل عهد لهم مع ال أيضا‪.‬‬
‫وكلما عاهدوا ال عهدا نقضوه‪ .‬وال يحب الوفاء بالعهد‪ .‬ولذلك يقول جل جلله‪َ {:‬ولَ َتقْرَبُواْ مَالَ‬
‫سؤُولً }[السراء‪]34 :‬‬
‫الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ حَتّىا يَبْلُغَ َأشُ ّد ُه وََأ ْوفُواْ بِا ْل َع ْهدِ إِنّ ا ْل َعهْدَ كَانَ َم ْ‬
‫سقِينَ }[العراف‪]102 :‬‬
‫عهْ ٍد وَإِن َوجَدْنَآ َأكْثَرَ ُهمْ َلفَا ِ‬
‫لكْثَرِهِم مّنْ َ‬
‫جدْنَا َ‬
‫ويقول تعالى‪َ {:‬ومَا وَ َ‬
‫ما هو العهد الموثق الذي أخذه ال على عباده فنقضوه؟ أنه اليمان الول‪ .‬اليمان الفطري‬
‫الموجود في كل منا‪ .‬فال سبحانه وتعالى أخذ من البشر جميعا عهدا‪ ،‬فوفى به بعضهم ونقضه‬
‫بعضهم‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم‪ .‬أن هناك عهدا موثقا بينه وبين ذرية آدم‪ .‬فقال جل‬
‫ستُ بِرَ ّب ُكمْ قَالُواْ‬
‫سهِمْ أَلَ ْ‬
‫ش َهدَهُمْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫ظهُورِهِمْ ذُرّيّ َتهُ ْم وَأَ ْ‬
‫جلله‪ {:‬وَإِذْ َأخَذَ رَ ّبكَ مِن بَنِي ءَا َدمَ مِن ُ‬
‫شهِدْنَآ أَن َتقُولُواْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـاذَا غَافِلِينَ }[العراف‪]172 :‬‬
‫بَلَىا َ‬
‫وهكذا أخذ ال عهدا على ذرية آدم بأن يؤمنوا به وأشهدهم أنه ربهم‪.‬‬
‫وجاءت الغفلة إلى القلوب بمرور الوقت‪ .‬فنقضوا العهد واتخذوا آلهة من دون ال‪ .‬إذن أول‬
‫صفات الفاسقين أنهم نقضوا عهد ال‪ .‬والذي ينقض عهدا مع بشر‪ ،‬فسلوكه هذا ل يقبله الحق‬
‫سبحانه وتعالى حتى مع الكفار وغير المؤمنين‪ .‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ِ {:‬إلّ الّذِينَ عَاهَدتّم مّنَ‬
‫عهْ َدهُمْ إِلَىا ُمدّ ِتهِمْ إِنّ اللّهَ‬
‫ا ْلمُشْ ِركِينَ ثُمّ لَمْ يَن ُقصُوكُمْ شَيْئا وَلَمْ ُيظَاهِرُواْ عَلَ ْيكُمْ أَحَدا فَأَ ِتمّواْ إِلَ ْيهِمْ َ‬
‫حبّ ا ْلمُ ّتقِينَ }[التوبة‪]4 :‬‬
‫يُ ِ‬
‫وهكذا نرى أن الحق تبارك وتعالى حين أعلن براءته وبراءة رسوله صلى ال عليه وسلم وبراءة‬
‫المؤمنين من كل كافر مشرك في قضية إيمانية كبرى‪ .‬حرم ال فيها على الكفار والمنافقين أن‬
‫يقتربوا من بيته الحرام في مكة‪ ،‬احترم جل جلله العهد‪ .‬حتى مع المشركين‪ .‬وطلب من المؤمنين‬
‫أن يوفوا به‪ .‬فإذا كان هذا هو المسلك اليماني مع كل كافر ومشرك إن كنت قد عاهدته عهدا‬
‫فأوف به إلى مدته‪ .‬فكيف بالمشركين وقد عاهدوا الخالق العظم‪ .‬ثم ينقضون عهده الموثق‪ .‬أنهم‬
‫قد خانوا منهج ال وعهده‪ .‬وإذا لم يكن لهم عهد مع ال سبحانه وتعالى فهل يكون لهم عهد مع‬
‫خلق ال؟!‬
‫إذن فالفاسقون أول صفاتهم أنه ل عهد لهم مع خالقهم ول عهد لهم مع الناس‪ .‬ولذلك ل نأمن لهم‬
‫أبدا‪.‬‬
‫ثم تأتي بعد ذلك الصفة الثانية للفاسقين في قوله تعالى‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صلَ { وما أمر ال به أن يوصل هو صلة الرحم‪ .‬فقد أمرنا ال‬
‫طعُونَ مَآ َأمَرَ اللّهُ ِبهِ أَن يُو َ‬
‫} وَ َيقْ َ‬
‫تعالى بأن نصل أرحامنا‪ .‬فنحن كلنا أولد آدم‪ .‬والرسول صلى ال عليه وسلم يقول في حجة‬
‫الوداع " كلكم لدم وآدم من تراب "‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن هناك روابط إنسانية يلفتنا ال سبحانه وتعالى إليها‪ .‬وهذه الروابط‪ ..‬تبدأ بالسرة‬
‫ثم تتسع لتشمل القرية أو الحي‪ .‬ثم تتسع لتشمل الدولة والمجتمع‪ ،‬ثم تتسع لتشمل المؤمنين جميعا‪،‬‬
‫ثم تتسع لتشمل العالم كله‪ .‬هذه هي الخوة النسانية التي يريد الحق تبارك وتعالى أن يلفتنا إليها‪.‬‬
‫ولكن اللفتة هنا ل تقتصر على الناحية النسانية‪ ،‬بل تسجل أن ما فعلوا معصية‪ ،‬ومخالفة لمر ال‬
‫تعالى‪ .‬فال أمر بأن نصل الرحم‪ .‬وجاء هؤلء وخالفوا وعصوا ما أمر ال به‪ .‬وقطعوا هذه‬
‫الصلة‪ .‬إذن فالمسألة فيها مخالفة لمنهج‪ ،‬وعصيان لمر من أوامر ال سبحانه وتعالى‪ .‬فصلة‬
‫الرحم توجد نوعا من التكافل الجتماعي بين البشر‪ .‬فإذا حدث لشخص مصيبة‪ ..‬أسرع أقاربه‬
‫يقفون معه في محنته‪ .‬ويحاول كل منهم أن يخفف عنه‪ .‬هذا التلحم بين السرة يجعلها قوية في‬
‫مواجهة الحداث‪ .‬ول يحس واحد منها بالضياع في هذا الكون‪ ،‬لنه متماسك مع أسرته‪ ،‬متماسك‬
‫مع حيه أو قريته‪ .‬هكذا يختفي الحقد من المجتمع‪ .‬ويختفي التفكك السري‪..‬‬
‫ولعلنا إذا نظرنا إلي المجتمعات الغربية التي يعتريها تفكك السرة‪.‬‬
‫نجد أن كل واحد منهم قد ضل طريقه وانحرف لنه أحس بالضياع‪ .‬فانحرف إلى المخدرات أو‬
‫إلى الخمر أو إلى الزنا وغير ذلك من الرذائل التي نراها‪ .‬جيل ضائع‪ .‬من الذي أضاعه؟ عدم‬
‫صلة الرحم‪.‬‬
‫وإذا تحدثنا عن النحرافات التي نراها بين الشباب اليوم فل نلوم الشباب‪ ،‬ولكن نلوم الباء‬
‫والمهات الذين تركوا أولدهم وبناتهم وأهدروا صلة الرحم‪ .‬فشب جيل يعاني من عقد نفسية ل‬
‫حدود لها‪ ،‬إن البن الذي يفقد جو السرة‪ .‬يفقد ميزان حياته‪ .‬وال سبحانه وتعالى يريد المؤمنين‬
‫متضامنين متحابين خالين من كل العقد التي تحطم الحياة‪ .‬إذن فعدم صلة الرحم تضيع أجيال‬
‫بأكملها‪.‬‬
‫ونأتي بعد ذلك إلي الصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى‪ } :‬وَ ُيفْسِدُونَ فِي ال ْرضِ {‪.‬‬
‫نقول‪ :‬كل ما في الكون مخلوق على نظام‪َ " :‬قدّرَ َفهَدَى " أي كل شيء له هدى لبد أن يتبعه‪.‬‬
‫ولكن النسان جاء في مجال الختيار وأفسد قضية الصلح في الكون‪.‬‬
‫ومن رحمة ال أنه جعل في كونه خلقا يعمل مقهورا‪ .‬ليضبط حركة الكون العلى‪ .‬فالشمس‬
‫والنجوم والرض وكل الكون ما عدا النس والجان‪ .‬يسير وفق نظام دقيق‪ .‬لماذا؟ لنه يسير بل‬
‫اختيار له‪ .‬والحق جل جلله أخبرنا بأنه لكي يعتدل ميزان حياتنا‪ .‬الختيار النساني أن نبتعد عن‬
‫منهج ال‪ .‬لن ال له صفة القهر‪ .‬فهو يستطيع أن يخلقنا مقهورين‪ ،‬ولكنه أعطانا الختيار حتى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نأتيه عن حب‪ .‬وليس عن قهر‪ .‬فأنت تحب الشهوات ولكنك تحب ال أكثر‪ .‬فتقيد نفسك بمنهج ال‪.‬‬
‫إذن فالختيار لم ُي ْعطَ لنا لِ ُنفْسِ َد في الرض‪ .‬ولكنه أُعْطي لنا‪ .‬لنأتي ال سبحانه وتعالى طائعين‬
‫ولسنا مقهورين‪.‬‬
‫ولذلك فكل منا مختار في أن يؤمن أو ل يؤمن‪ .‬وهذا الختيار يثبت محبوبية ال سبحانه وتعالى‬
‫في قلوبنا‪ .‬ولكن النسان بدل من أن يأخذ الختيار ليأتي ال عن حب‪ .‬فينال الجزاء العظم‪ .‬أخذه‬
‫ليفسد في الرض‪..‬‬
‫والفساد أن تنقل مجال افعل ول تفعل‪ .‬فتضع هذه مكان هذه‪ .‬فينقلب الميزان أي أنك فيما قال ال‬
‫فيه افعل‪ .‬ل تفعل‪ ،‬وفيما قال ل تفعل‪ .‬تفعل‪..‬‬
‫فتكون قد جعلت ميزان حياتك معكوسا‪ .‬لماذا؟ لننا غير محكومين بقاعدة كلية تنظم حياة الناس‪.‬‬
‫فكل واحد سيضع قاعدة له‪ .‬وكل واحد لن يفعل ما عليه‪ .‬فيحدث تصادم في الحياة‪ .‬وكل فساد‬
‫يشكل قبحا في الوجود‪ .‬فهب أنك تسير في الطريق‪ .‬وترى عمارة مبنية حديثا‪ .‬قد تسربت المياه‬
‫من مواسيرها‪ .‬عندما ترى ذلك تتأذى‪ .‬لن هناك قبحا في الوجود‪ .‬في عدم أمانة إنسان في عمله‪.‬‬
‫إذن فحين يفسد عامل واحد‪ .‬بعدم الخلص في عمله‪ .‬يفقد الكون نعمة يحبها ال‪ .‬في أن ترى‬
‫الشيء الجميل‪ .‬فتقول‪ :‬ال‪..‬‬
‫فكل إنسان غير أمين في عمله‪.‬‬
‫يفسد في الكون‪ .‬وكل إنسان غير أمين في خلقه يفسد في الكون‪ .‬ويعتدي على حرمات الخرين‬
‫وأموالهم‪ .‬وهذا يجعل الكون قبيحا‪ ،‬فل يوجد إنسان يأمن على عرضه وماله‪..‬‬
‫لقد أراد المعتدي أن يحقق ما ينفع به نفسه عاجل‪ .‬ولكنه أحدث فسادا في الكون كذلك عندما يغش‬
‫التاجر الناس‪ .‬وعندما يكتسب النسان المال بالنهب والسرقة‪ .‬فيفتح ال عليه أسوأ مصارف المال‬
‫في الوجود‪ .‬فهو أخذ الحسرة بالفساد في الرض‪.‬‬
‫والفساد في الرض أن تخرج الشيء عن حد اعتداله‪ .‬فتسرف في شهواتك وتسرف في أطماعك‪.‬‬
‫وتسرف في عقابك للناس‪ .‬وتسرف باعتدائك على حقوق الغير‪ .‬والفساد في الرض‪ .‬أن يوجد‬
‫منهج مطبق غير منهج ال‪.‬‬
‫إن غياب منهج ال معناه أن يصبح كل منا عبد أهوائه‪ .‬وإذا صارت المور حسب أهواء الناس‪.‬‬
‫جاءت لهم حركة الحياة بالشقاء والشر بدل من السعادة والمن‪ .‬أن ما نراه اليوم من شكوى الناس‬
‫علمة على الفساد‪.‬‬
‫لن معناها أن الناس تعاني ول أحد يتحرك‪ .‬ليرفع أسباب هذه الشكوى‪ .‬ولن يستقيم أمر هذا‬
‫الوجود‪ ،‬ويتخلص من الفساد إل إذا حكمنا منهج ل هوى له‪ .‬والذي ل هوى له هو خالق البشر‪.‬‬
‫واضع ميزان الكون‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأول مظاهر الفساد‪ .‬أن يوكل المر إلى غير أهله‪ .‬لنه إذا أعطى المر إلى غير أهله فانتظر‬
‫الساعة‪ .‬كما يقول الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إذا وسد المر إلى غير أهله فانتظر الساعة "‪.‬‬
‫لماذا؟ لن المجتمع ـ حينئذ ـ يكون مبنيا على النفاق واختلل المور‪ ،‬ل على التقان‬
‫والخلص‪ .‬فالذي يجيد النفاق هو الذي يصل إلى الدرجات العل‪ ،‬والذي يتقن عمله ل يصل إلى‬
‫شيء‪ .‬وتكون النتيجة أن مجموعة من المنافقين الجهلة هم الذين يسيرون المور بدون علم‪.‬‬
‫والفساد في الرض هو أن يضيع الحق‪ .‬ويضيع القيم‪ .‬ويصبح المجتمع غابة‪ .‬كل إنسان يريد أن‬
‫يحقق هواه بصرف النظر عن حقوق الخرين‪ .‬ويحس من يعمل ول يصل إلى حقه‪ ..‬أنه ل فائدة‬
‫من العمل‪ ،‬فيتحول المجتمع كله إلى مجموعة من غير المنتجين‪.‬‬
‫والفساد في الرض هو أن نجعل عقولنا هي الحاكمة‪ .‬فل نتأمل في ميزان الكون الذي خلقه ال‪،‬‬
‫وإنما نمضي بعقولنا نخطط‪ ..‬فنقطع الشجار ونرمي مخلفات المصانع في النهار فنفسدها‪ .‬ونأتي‬
‫بالكيماويات السامة نرش بها الزرع أو مجاري المياه والنهار كما يحدث الن فنملؤه سُما ثم‬
‫نأكله ثم نجد التلوث قد مل الكون‪ .‬وطبقة الوزون قد أصابها ضرر واضح يعرض حياة البشر‬
‫على الرض لخطار كبيرة‪ .‬وتفسد مياه النهار‪ .‬ول تصبح صالحة للشرب ول للري‪ .‬ويضيع‬
‫الخير من الدنيا بالتدريج‪ .‬والفساد في الرض‪ .‬هو أن ينتشر الظلم‪ .‬وتصبح الحياة سلسلة ل تنتهي‬
‫من الشقاء‪ .‬والفساد في الرض هو أن تضيع المانة‪.‬‬
‫فتفسد المعاملت بين الناس‪ .‬وتضيع الحقوق‪.‬‬
‫هذه هي بعض أوجه الفساد في الرض‪ .‬وال سبحانه وتعالى قد وضع قانونا كليا‪ ،‬هو منهجه‬
‫ليتعامل به الناس‪ .‬ولكن الناس تركوه‪ .‬ومشوا يتخبطون في ظلم الجهل‪ .‬قال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ " :‬من استعمل رجل من عصابة‪ ،‬وفيهم من هو أرضى ل منه‪ ،‬فقد خان ال ورسوله‬
‫والمؤمنين "‬
‫وهكذا يكون مدى حرص السلم على استقامة أمور الناس‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬أُولَـ ِئكَ هُمُ ا ْلخَاسِرُونَ {‬
‫خسروا ماذا؟ خسروا دنياهم وآخرتهم وخسروا أنفسهم‪ .‬لن النسان له حياتان‪ ..‬حياة قصيرة في‬
‫الدنيا مليئة بالمتاعب‪ .‬وحياة طويلة خالدة في الخرة‪ .‬والذي يبيع الحياة البدية ونعيمها وخلودها‬
‫بحياة الدنيا التي ل يضمن فيها شيئا‪ ،‬يكون من الخاسرين‪ ..‬فعمر النسان قد يكون يوما أو شهرا‬
‫أو عاما‪ .‬والحياة الدنيا مهما طالت فهي قصيرة‪ .‬ومهما أعطت فهو قليل‪ .‬فالذي يبيع آخرته بهذه‬
‫الدنيا‪ ،‬أيكون رابحا أم خاسرا؟ طبعا يكون خاسرا‪ .‬لنه اشترى مال يساوي بنعيم ال كله‪..‬‬
‫وإذا كان النسان قد نسي ال سبحانه وتعالى وهو لقيه حتما‪ .‬ثم يبعث يوم القيامة ليجده أمامه‪.‬‬
‫فيوفيه حسابه‪ .‬أيكون قد كسب أم خسر؟!‪ ..‬طبعا يكون خاسرا‪ .‬لنه أوجب على نفسه عذاب ال‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأوجب على نفسه عقاب ال‪.‬‬
‫إن قوله تعالى‪ " :‬الخاسرون " تدل على أن الصفقة انتهت وضاع كل شيء لن نتيجتها كانت‬
‫الخسران‪ ،‬وليس الخسران موقوتا‪ ،‬ول هو خسران يمكن أن يعوض في الصفقة القادمة‪ .‬بل هو‬
‫عذَابا قَرِيبا َيوْمَ‬
‫خسران أبدي‪ ،‬والندم عليها سيكون شديدا‪ .‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬إِنّآ أَنذَرْنَاكُمْ َ‬
‫يَنظُرُ ا ْلمَرْءُ مَا قَ ّد َمتْ يَدَا ُه وَ َيقُولُ ا ْلكَافِرُ يالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابا }[النبأ‪]40 :‬‬
‫لماذا يتمنى الكافر أن يكون ترابا؟ لهول العذاب الذي يراه أمامه‪ .‬وهول الخسران الذي تعرض‬
‫له‪ .‬وهذا دليل على شدة الندم‪ .‬يوم ل ينفع الندم‪ .‬على أنه سبحانه وتعالى تحدث في هذه الية عن‬
‫الخاسرين‪ .‬ولكنه جل جلله‪ .‬تحدث في آية أخرى عن الخسرين‪ .‬فقال تعالى‪ُ {:‬قلْ َهلْ نُنَبّ ُئكُم‬
‫حسِنُونَ صُنْعا *‬
‫حسَبُونَ أَ ّن ُهمْ يُ ْ‬
‫سعْ ُيهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫ضلّ َ‬
‫ن َ‬
‫عمَالً * الّذِي َ‬
‫بِالَخْسَرِينَ أَ ْ‬
‫عمَاُلهُمْ فَلَ ُنقِيمُ َلهُمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة وَزْنا }[الكهف‪:‬‬
‫طتْ أَ ْ‬
‫ُأوْلَـا ِئكَ الّذِينَ َكفَرُواْ بِآيَاتِ رَ ّبهِمْ وَلِقَائِهِ َفحَبِ َ‬
‫‪]105-103‬‬
‫إذن فهناك خاسر‪ .‬وهناك من أخسر منه‪ .‬والخسر هو الذي كفر بال جل جلله‪ .‬وبيوم القيامة‪.‬‬
‫واعتقد أن حياته في الدنيا فقط‪ .‬ولم يكن ال في باله وهو يعمل أي عمل‪ ،‬بل كانت الدنيا هي التي‬
‫تشغله‪ .‬ثم فوجئ بالحق سبحانه وتعالى يوم القيامة‪ .‬ولم يحتسب له أية حسنة‪ ،‬لنه كان يقصد‬
‫بحسناته الحياة الدنيا‪ .‬فل يوجد له رصيد في الخرة‪.‬‬
‫والعجيب أنك ترى الناس‪ .‬يعدون للحياة الدنيا إعدادا قويا‪.‬‬
‫فيرسلون أولدهم إلى مدارس لغات‪ .‬ويتحملون في ذلك مال يطيقون‪ .‬ثم يدفعونهم إلى الجامعات‪.‬‬
‫أو إلى الدراسة في الخارج‪ .‬هم في ذلك يعدونهم لمستقبل مظنون‪ .‬وليس يقينا‪ .‬لن النسان يمكن‬
‫أن يموت وهو شاب‪ .‬فيضيع كل ما أنفقوه من أجله‪ .‬ويمكن أن ينحرف في آخر مراحل دراسته‪.‬‬
‫فل يحصل على شيء‪ .‬ويمكن أن يتم هذا العداد كله‪ ،‬ثم بعد ذلك يرتكب جريمة يقضي فيها بقية‬
‫عمره في السجن‪ .‬فيضيع عمره‪.‬‬
‫ولكن اليقين الذي لشك فيه هو أننا جميعا سنلقي ال سبحانه وتعالى يوم القيامة‪ .‬وسيحاسبنا على‬
‫أعمالنا‪ .‬ومع أن هذا يقين‪ ،‬فإن كثيرا من الناس ل يلتفتون إليه‪ .‬يسعون للمستقبل المظنون‪ .‬ول‬
‫يحس واحد منهم بيقين الخرة‪ .‬فتجد قليل من الباء هم الذين يبذلون جهدا لحمل أبنائهم على‬
‫الصلة وعبادة ال والمانة وكل ما يقربهم إلى ال‪ ..‬أنهم ينسون النعيم الحقيقي‪ .‬ويجرون وراء‬
‫الزائل فتكون النتيجة عليهم وبال في الخرة‪.‬‬

‫(‪)31 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعُونَ (‪)28‬‬
‫كَ ْيفَ َت ْكفُرُونَ بِاللّ ِه َوكُنْتُمْ َأ ْموَاتًا فَأَحْيَا ُكمْ ثُمّ ُيمِي ُت ُكمْ ثُمّ ُيحْيِيكُمْ ُثمّ إِلَيْهِ تُ ْر َ‬

‫كيف في اللغة للسؤال عن الحال‪ .‬والحق سبحانه وتعالى أوردها في هذه الية الكريمة ليس‬
‫بغرض الستفهام‪ ،‬ولكن لطلب تفسير أمر عجيب ما كان يجب أن يحدث‪ .‬وبعد كل ما رواه الحق‬
‫سبحانه وتعالى في آيات سابقة من أدلة دامغة عن خلق السماوات والرض وخلق الناس‪ ..‬أدلة ل‬
‫يستطيع أحد أن ينكرها أو يخطئها‪ ..‬فكيف بعد هذه الدلة الواضحة تكفرون بال؟‪ ..‬كفركم ل‬
‫حجة لكم فيه ول منطق‪ ..‬والسؤال يكون مرة للتوبيخ‪ ..‬كأن تقول لرجل كيف تسب أباك؟ أو‬
‫للتعجب من شيء قد فعله وما كان يجب أن يفعله‪ ..‬وكلهما متلقيان‪ .‬سواء كان القصد التوبيخ‬
‫أو التعجب فالقصد واحد‪ ..‬فهذا ما كان يجب أن يصح منك‪ .‬ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بأدلة‬
‫أخرى ل يستطيع أحد أن ينكرها أو يكذب بها‪ ..‬فيقول جل جلله‪َ { :‬وكُنْتُمْ َأ ْموَاتا فََأحْيَاكُمْ ُثمّ‬
‫ُيمِي ُتكُمْ }‪.‬‬
‫وهكذا ينتقل الكلم إلى أصل الحياة والموت‪ .‬فبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى‪ ..‬ماذا يفعل‬
‫الكافرون الفاسقون والمنافقون من إفساد في الرض‪ ..‬وقطع لما أمر ال سبحانه وتعالى به أن‬
‫يوصل‪ ..‬صعد الجدل إلى حديث عن الحياة والموت‪ .‬وقوله تعالى { كُنْتُمْ َأ ْموَاتا فَأَحْيَا ُكمْ } قضية‬
‫ل تحتمل الجدل‪ ..‬ربما استطاعوا المجادلة في مساءلة عدم اتباع المنهج‪ ،‬أو قطع ما أمر ال به‬
‫أن يوصل‪ ..‬ولكن قضية الحياة والموت ل يمكن لحد أن يجادل فيها‪ .‬فال سبحانه وتعالى خلقنا‬
‫من عدم‪ ..‬ولم يدع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه‪ ..‬وعندما جاء رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وقال للناس أن الذي خلقكم هو ال‪ ..‬لم يستطع أحد أن يكذبه ولن يستطيع‪ ..‬ذلك أننا كنا‬
‫فعل غير موجودين في الدنيا‪ ..‬وال سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا وأعطانا الحياة‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪ " :‬ثم يميتكم "‪ ..‬فإن أحدا ل يشك في أنه سيموت‪ ..‬الموت مقدر على الناس جميعا‪..‬‬
‫والخلق من العدم واقع بالدليل‪ ..‬والموت واقع بالحس والمشاهدة‪..‬‬
‫إن قضية الموت هي سبيلنا لمواجهة أي ملحد‪ ..‬فإن قالوا إن العقل كاف لدارة الحياة‪ ..‬وأنه ل‬
‫يوجد شيء اسمه غيب‪ ..‬قلنا‪ :‬الذي تحكم في الخلق إيجادا‪ ،‬هو الذي يتحكم فيه موتا‪ ..‬والحياة‬
‫الدنيا هي مرحلة بين قوسين‪ ..‬القوس الول هو أن ال يخلقنا ويوجدنا‪ ..‬وتمضي رحلة الحياة إلى‬
‫القوس الثاني‪ ..‬الذي تخمد فيه بشريتنا وتتوقف حياتنا وهو الموت‪ .‬أي أننا في رحلة الحياة من‬
‫ال وإليه‪ ..‬إذن فحركة الحياة الدنيا هي بداية من ال بالحق ونهاية بالموت‪.‬‬
‫‪ .‬إنهم عندما تحدثوا عن أطفال النابيب‪ ..‬وهي عملية لعلج العقم أكثر من أي شيء آخر‪..‬‬
‫ولكنهم صوروها تصويرا جاهليا‪ ..‬وكل ما يحدث أنهم يأخذون بويضة من رحم الم التي يكون‬
‫المهبل عندها مسدودا أو ل يسمح بالتلقيح الطبيعي‪ ..‬يأخذون هذه البويضة من رحم الم‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويخصبونها بالحيوانات المنوية للزوج‪ ..‬ثم يزرعونها في رحم الم‪.‬‬
‫إنهم أخذوا من خلق ال وهي بويضة الم والحيوان المنوي من الرجل‪ ..‬وكل ما يفعلونه هو‬
‫عملية التلقيح ومع ذلك يسمونه أطفال النابيب‪ ..‬كأن النبوبة يمكن أن تخلق طفل!! والحقيقة غير‬
‫ذلك‪ ..‬فبويضة الم‪ ،‬والحيوان المنوي للرجل هما من خلق ال‪ ..‬وهم لم يخلقوا شيئا‪ ..‬أننا نقول‬
‫لهم‪ :‬إذا كنتم تملكون الموت والحياة فامنعوا إنسانا واحدا أن يموت‪ ..‬بدل من إنفاق ألوف‬
‫الجنيهات في معالجة عقم قد ينجح أو ل ينجح‪ ..‬ابقوا واحدا على قيد الحياة‪ ..‬ولن يستطيعوا‪..‬‬
‫إن الموت أمر حسي مشاهد‪ ..‬ولذلك فمن رحمة ال بالعقل البشري بالنسبة للحداث الغيبية أن ال‬
‫سبحانه وتعالى قربها لنا بشيء مشاهد‪ ..‬كيف؟‪ ..‬عندما ينظر النسان إلى نفسه وهو حي‪ ..‬ل‬
‫يعرف كيف أحياه ال وكيف خلقه‪ ..‬ال سبحانه وتعالى ذكر لنا غيب الخلق في القرآن الكريم فقال‬
‫جل جلله أنه خلق النسان من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون ثم نفخ فيه من روحه‪..‬‬
‫واقرأ قول الحق سبحانه‪ {:‬إِن كُن ُتمْ فِي رَ ْيبٍ مّنَ الْ َب ْعثِ فَإِنّا خََلقْنَاكُمْ مّن تُرَابٍ }[الحج‪]5 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬وَلَقَدْ خََلقْنَا الِنْسَانَ مِن سُلَلَةٍ مّن طِينٍ }[المؤمنون‪]12 :‬‬
‫ن لّ ِزبٍ }[الصافات‪]11 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬إِنّا خََلقْنَاهُم مّن طِي ٍ‬
‫حمَإٍ مّسْنُونٍ }[الحجر‪]26 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬وَلَقَدْ خََلقْنَا الِنسَانَ مِن صَ ْلصَالٍ مّنْ َ‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي َف َقعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }[ص‪]72 :‬‬
‫سوّيْتُهُ وَنَفَ ْ‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬فَإِذَا َ‬
‫فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها‪ ..‬ولكن الموت شيء مشهود لنا‬
‫جميعا‪ ..‬ومادام مشهودا لنا‪ ،‬يأتي الحق سبحانه وتعالى به كدليل على مراحل الخلق التي لم‬
‫نشهدها‪ ..‬فالموت نقض للحياة‪ ..‬والحياة أخبرنا ال تبارك وتعالى بأطوارها‪ ..‬ولكنها غيب لم‬
‫نشهده‪..‬‬
‫ولكن الذي خلق قال أنا خلقتك من تراب‪ ..‬من طين‪ .‬من حمأ مسنون‪ .‬من صلصال كالفخار‪..‬‬
‫فالماء وضع على تراب فأصبح طينا‪ ..‬والطين تركناه فتغير لونه وأصبح صلصال‪ ..‬الصلصال‪..‬‬
‫جف فأصبح حمأ مسنونا‪ ،‬ثم نحته في صورة إنسان ونفخ الحق سبحانه وتعالى فيه الروح فأصبح‬
‫بشرا‪ ..‬ثم يأتي الموت وهو نقض للحياة‪ ..‬ونقض كل شيء يأتي على عكس بنائه‪..‬‬
‫بناء العمارة يبدأ من أسفل إلى أعلى‪ ..‬وهدمها يبدأ من أعلى إلى أسفل‪.‬‬
‫‪ .‬ولذلك فإن آخر مرحلة من رحلة ما‪ ..‬هي أول خطوة في طريق العودة‪ ..‬فإذا كنت مسافرا إلى‬
‫السكندرية‪ ..‬فأول مكان في طريق العودة هو آخر مكان وصلت إليه‪.‬‬
‫أول شيء يخرج من الجسد هو الروح وهو آخر ما دخل فيه‪ ..‬ثم بعد ذلك يتصلب الجسد ويصبح‬
‫كالحمأ المسنون‪ ..‬ثم يتعفن فيصبح كالصلصال‪ ..‬ثم يتبخر الماء الذي فيه فيعود ترابا‪ ..‬وهكذا‬
‫يكون الموت نقض صورة الحياة‪ ..‬متفقا مع المراحل التي بينها لنا الحق سبحانه وتعالى‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعُونَ {‪ ..‬أي أن ال تبارك وتعالى يبعثكم ليحاسبكم‪ ..‬لقد حاول الكفار‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ثُمّ إِلَ ْيهِ تُرْ َ‬
‫والملحدون وأصحاب الفلسفة المادية أن ينكروا قضية البعث‪ ..‬وهم في هذا لم يأتوا بجديد‪ ..‬بل‬
‫جاءوا بالكلم نفسه الذي قاله أصحاب الجاهلية الولى‪ ..‬واقرأ قوله تعالى عما يقوله أصحاب‬
‫ت وَنَحْيَا َومَا ُيهِْلكُنَآ ِإلّ الدّهْرُ }[الجاثية‪]24 :‬‬
‫الجاهلية الولى‪َ {:‬وقَالُواْ مَا ِهيَ ِإلّ حَيَاتُنَا الدّنْيَا َنمُو ُ‬
‫وأمنية الكافر والمسرف على نفسه‪ ..‬أل يكون هناك بعث أو حساب‪ ..‬والذين يتعجبون من ذلك‬
‫نقول لهم‪ :‬أن ال سبحانه وتعالى الذي أوجدكم من عدم يستطيع أن يعيدكم وقد كنتم موجودين‪..‬‬
‫ل الَعْلَىا فِي‬
‫يقول جل جلله‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي يَبْ َدؤُاْ ا ْلخَلْقَ ُثمّ ُيعِي ُد ُه وَ ُهوَ أَ ْهوَنُ عَلَ ْي ِه وَلَهُ ا ْلمَ َث ُ‬
‫حكِيمُ }[الروم‪]27 :‬‬
‫ض وَ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْر ِ‬
‫ال ّ‬
‫فإيجاد ما كان موجودا أسهل من اليجاد من عدم على غير مثال موجود‪ ..‬وال سبحانه وتعالى‬
‫سيَ خَ ْلقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ا ْل ِعظَا َم وَ ِهيَ َرمِيمٌ *‬
‫ل وَنَ ِ‬
‫يرد على الكفار فيقول سبحانه‪َ {:‬وضَ َربَ لَنَا مَثَ ً‬
‫ُقلْ ُيحْيِيهَا الّذِي أَنشَأَهَآ َأ ّولَ مَ ّر ٍة وَ ُهوَ ِب ُكلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }[يس‪]79-78 :‬‬
‫وهكذا فإن البعث أهون على ال من بداية الخلق‪ ..‬وكل شيء مكتوب عند ال سبحانه وتعالى في‬
‫كتاب مبين‪ ..‬وما أخذته الرض من جسد النسان ترده يوم القيامة‪ ..‬ليعود من جديد‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‬
‫وخلق السموات والرض أكبر من خلق النسان‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪َ {:‬لخَلْقُ ال ّ‬
‫س لَ َيعَْلمُونَ }[غافر‪]57 :‬‬
‫س وَلَـاكِنّ َأكْـثَرَ النّا ِ‬
‫َأكْـبَرُ مِنْ خَ ْلقِ النّا ِ‬
‫جعُونَ {‪ ..‬هو اطمئنان لمن آمن‪ ..‬ومادمنا إليه نرجع ومنه‬
‫وقول ال سبحانه وتعالى‪ } :‬ثُمّ إِلَيْهِ تُ ْر َ‬
‫بدأنا‪ ..‬فالحياة بدايتها من ال ونهايتها إلى ال‪ ..‬فلنجعلها هي نفسها ل‪ ..‬ولبد أن نلتفت إلى أن ال‬
‫تبارك وتعالى أخفى عنا الموت زمانا ومكانا وسببا وعمرا‪ ..‬لم يخفه ليحجبه‪ ،‬وإنما أخفاه حتى‬
‫نتوقعه في كل لحظة‪ ..‬وهذا إعلم واسع بالموت حتى يسرع الناس إلى العمل الصالح‪ ..‬وإلى‬
‫المثوبة‪ .‬لنه ل يوجد عمر متيقن في الدنيا‪ ..‬فل الصغير آمن على عمره‪ ..‬ول الشاب آمن على‬
‫عمره‪ ..‬ول الكهل آمن على عمره‪.‬‬
‫‪ .‬ولذلك يجب أن يسارع كل منا في الخيرات‪ ..‬حتى ل يفاجئه الموت‪ ..‬فيموت وهو عاص‪..‬‬
‫ونلحظ أن قصة الحياة جاء ال بها في آية واحدة‪ .‬والرجوع إلى ال ـ وهو يقين بالنسبة‬
‫للمؤمنين ـ يلزمهم بالمنهج‪ ،‬فيعيشون من حلل‪ .‬والتزامهم هذا هو الذي يقودهم إلى طريق‬
‫الجنة‪ .‬ويطمئنهم على أولدهم بعد أن يرحل الباء من الدنيا‪.‬‬
‫فعمل الرجل الصالح ينعكس على أولده من بعده‪ .‬واقرأ قوله سبحانه وتعالى‪ {:‬وَلْيَخْشَ الّذِينَ َلوْ‬
‫سدِيدا }[النساء‪]9 :‬‬
‫ضعَافا خَافُواْ عَلَ ْيهِمْ فَلْيَ ّتقُواّ اللّهَ وَلْيَقُولُواْ َق ْولً َ‬
‫تَ َركُواْ مِنْ خَ ْل ِفهِمْ ذُرّيّ ًة ِ‬
‫إذن فصاحب اللتزام بالمنهج‪ ،‬يطمئن إلى لقاء ربه ويطمئن إلى جزائه‪ ،‬والذي ل يؤمن بالخرة‬
‫أخذ من ال الحياة فأفناها فيما ل ينفع‪ .‬ثم بعد ذلك ل يجد شيئا إل الحساب والنار‪ ..‬واقرأ قوله‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا ِإذَا جَآ َءهُ لَمْ يَجِ ْدهُ‬
‫عمَاُلهُمْ َكسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ َيحْسَ ُبهُ ال ّ‬
‫تبارك وتعالى‪ {:‬وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫شَيْئا َووَجَدَ اللّهَ عِن َدهُ َف َوفّاهُ حِسَا َب ُه وَاللّهُ سَرِيعُ ا ْلحِسَابِ }[النور‪]39 :‬‬
‫أي أن الكافر سيفاجأ في الخرة بال الذي لم يكن في باله أنه سيحاسبه على ما فعل‪ ..‬وقوله تعالى‬
‫جعُونَ { تقرأ قراءتان‪ .‬بضمة على التاء‪ .‬ومرة بفتحة على التاء‪ .‬الولى معناها‪ .‬أننا‬
‫} إِلَ ْيهِ تُرْ َ‬
‫نُجْبِرُ على الرجوع‪ .‬فل يكون الرجوع إلى ال تعالى بإرادتنا‪ ،‬وهذا ينطبق على الكفار الذين‬
‫يتمنون عدم الرجوع إلى ال‪ .‬أما الثانية " تَرجعون " فهذه فيها إرادة‪ .‬وهي تنطبق على المؤمنين‬
‫لنهم يتمنون الرجوع إلى ال‪.‬‬

‫(‪)32 /‬‬
‫س َموَاتٍ وَ ُهوَ ِب ُكلّ‬
‫سوّاهُنّ سَ ْبعَ َ‬
‫سمَاءِ فَ َ‬
‫جمِيعًا ُثمّ اسْ َتوَى إِلَى ال ّ‬
‫ُهوَ الّذِي خَلَقَ َلكُمْ مَا فِي الْأَ ْرضِ َ‬
‫شيْءٍ عَلِيمٌ (‪)29‬‬
‫َ‬

‫يذكرنا ال سبحانه وتعالى في هذه الية أنه هو الذي خلق ما في الرض جميعا‪ .‬وقد جاءت هذه‬
‫جعُونَ } لتلفتنا إلى أن ما في‬
‫الية بعد قوله تعالى‪ { :‬فَأَحْيَاكُمْ ُثمّ ُيمِي ُتكُمْ ُثمّ يُحْيِي ُكمْ ثُمّ ِإلَيْهِ تُ ْر َ‬
‫الرض كله ملك ل جل جلله‪ ،‬وأننا ل نملك شيئا إل ملكية مؤقتة‪ .‬وأن ما لنا في الدنيا سيصير‬
‫لغيرنا‪ .‬وهكذا‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى حين خلق الحياة وقال { كُنْتُمْ َأ ْموَاتا فََأحْيَاكُمْ } كأن الحياة تحتاج إلى إمداد‬
‫من الخالق للمخلوق حتى يمكن أن تستمر‪ .‬فلبد لكي تستمر الحياة أن يستمر المداد بالنعم‪ .‬ولكن‬
‫النعم تظل طوال فترة الحياة‪ ،‬وعند الموت تنتهي علقة النسان بنعم الدنيا‪ .‬ولذلك لبد أن يتنبه‬
‫النسان إلى أن الشياء مسخرة له في الدنيا لتخدمه‪ .‬وأن هذا التسخير ليس بقدرات أحد‪ .‬ولكن‬
‫بقدرة ال سبحانه وتعالى‪ .‬والنسان ل يدري كيف تم الخلق‪ .‬ول ما هي مراحله إل أن يخبرنا ال‬
‫سهِمْ‬
‫ض َولَ خَ ْلقَ أَ ْنفُ ِ‬
‫ت وَالَرْ ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫شهَدّتهُمْ خَ ْلقَ ال ّ‬
‫سبحانه وتعالى بها‪ .‬فهو جل جلله يقول‪ {:‬مّآ أَ ْ‬
‫عضُدا }[الكهف‪]51 :‬‬
‫خذَ ا ْل ُمضِلّينَ َ‬
‫َومَا كُنتُ مُتّ ِ‬
‫وماداموا لم يشهدوا خلق السموات والرض ول خلق أنفسهم‪ .‬فلبد أن نأخذ ذلك عن ال ما ينبئنا‬
‫به ال عن خلق السموات والرض وعن خلقنا هو الحقيقة‪ .‬وما يأتينا عن غير ال سبحانه وتعالى‬
‫فهو ضلل وزيف‪ .‬ونحن الن نجد بحوثا كثيرة عن كيفية السموات والرض وخلق النسان‪.‬‬
‫وكلها لن تصل إلى حقيقة‪ .‬بل ستظل نظريات بل دليل‪ .‬ولذلك قال ال سبحانه وتعالى‪َ { :‬ومَا‬
‫عضُدا } أي أن هناك من سيأتي ويضل‪ .‬ويقول هكذا تم خلق السموات‬
‫كُنتُ مُتّخِذَ ا ْل ُمضِلّينَ َ‬
‫والرض‪ ،‬وهكذا خلق النسان‪ .‬هؤلء المضلون الذين جاءوا بأشياء هي من علم ال وحده‪ .‬جاءوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تثبيتا لمنهج اليمان‪ .‬فلو لم يأت هؤلء المضلون‪ ،‬ولو لم يقولوا خلقت الرض بطريقة كذا‬
‫والسماء بطريقة كذا‪ .‬لقلنا أن ال تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز أن هناك من سيأتي ويضل في‬
‫خلق الكون وخلق النسان ولكن كونهم أتوا‪ .‬فهذا دليل على صدق القرآن الذي أنبأنا بمجيئهم قبل‬
‫أن يأتوا بقرون‪.‬‬
‫والستفادة من الشيء ل تقتضي معرفة أسراره‪ ..‬فنحن مثل نستخدم الكهرباء مع أننا ل نعرف ما‬
‫هي؟ وكذلك نعيش على الرض ونستفيد بكل ظواهرها وكل ما سخره ال لنا‪ .‬وعدم علمنا بسر‬
‫الخلق واليجاد ل يحرمنا هذه الفائدة‪ .‬فهو علم ل ينفع وجهل ل يضر‪ .‬والكون مسخر لخدمة‬
‫النسان‪ .‬والتسخير معناه التذليل ول تتمرد ظواهر الكون على النسان‪ .‬وإذا كانت هناك ظواهر‬
‫في الكون تتمرد بقَدَر ال‪ .‬مثل الفيضانات والبراكين والكوارث الطبيعية‪ .‬نقول أن ذلك يحدث‬
‫ليلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن كل ما في الكون ل يخدمنا بذاتنا‪.‬‬
‫ول بسيطرتنا عليه‪ ،‬وإنما يخدمنا بأمر ال له‪ ،‬وإل لو كانت المخلوقات تخدمك بذاتك‪ .‬فأقدر عليها‬
‫حينما تتمرد على خدمتك‪ .‬وكل ما في الكون خاضع لطلقة قدرة ال‪ .‬حتى السباب والمسببات‬
‫خاضعة أيضا لطلقة القدرة اللهية‪ .‬فالسباب والمسببات في الكون ل تخرج عن إرادة ال‪.‬‬
‫لذلك إذا تمرد الماء بالطوفان‪ .‬وتمرد الرياح بالعاصفة‪ .‬وتمردت الرض بالزلزل والبراكين‪ .‬فما‬
‫ذلك إل ليعرف النسان أنه ليس بقدرته أن يسيطر على الكون الذي يعيش فيه‪ .‬واقرأ قوله سبحانه‬
‫عمَِلتْ أَ ْيدِينَآ أَنْعاما َفهُمْ َلهَا مَاِلكُونَ * وَذَلّلْنَاهَا َلهُمْ َفمِ ْنهَا‬
‫خَلقْنَا َلهُم ِممّا َ‬
‫وتعالى‪َ {:‬أوََلمْ يَ َروْاْ أَنّا َ‬
‫َركُو ُبهُمْ َومِنْهَا يَ ْأكُلُونَ }[يس‪]72-71 :‬‬
‫والنسان عاجز عن أن يخضع حيوانا إل بتذليل ال له‪ ..‬ومن العجيب أنك ترى الحيوانات تدرك‬
‫ما ل يدركه النسان في الكون‪ .‬فهي تحس بالزلزال قبل أن يقع‪ .‬وتخرج من مكان الزلزال‬
‫هاربة‪ .‬بينما النسان ل يستطيع بعقله أن يفهم ما سيحدث‪.‬‬
‫جمِيعا { يستوعب كل أجناس الرض‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى في قوله‪ } :‬خََلقَ َلكُمْ مّا فِي الَ ْرضِ َ‬
‫ولذلك فإن النسان ل يستطيع أن يوجد شيئا إل من موجود‪ .‬أي أن النسان لم يستحدث شيئا في‬
‫الكون‪ .‬فأنت إذا أخذت حبة القمح‪ .‬من أين جئنا بها؟ من محصول العام الماضي‪ ..‬ومحصول‬
‫العالم الماضي‪ .‬من أين جاء؟‪ ..‬من محصول العام الذي قبله‪ .‬وهكذا يظل تسلسل الشياء حتى‬
‫تصل إلى حبة القمح الولى‪ .‬من أين جاءت؟ جاءت بالخلق المباشر من ال‪ .‬وكذلك كل ثمار‬
‫الرض إذا أعدتها للثمرة الولى فهي بالخلق المباشر من ال سبحانه وتعالى‪ .‬فإذا حاولت أن‬
‫تصل إلى أصل وجود النسان‪ .‬ستجد بالمنطق والعقل‪ ..‬أن بداية الخلق هي من ذكر وأنثى‪ .‬خُلقا‬
‫بالخلق المباشر من ال‪ .‬لنك أنت من أبيك وأبوك من جدك‪ .‬وجدك من أبيه‪ .‬وهكذا تمضي حتى‬
‫تصل إلى خلق النسان الول‪ .‬فنجد أنه ل بد أن يكون خلقا مباشرا من ال سبحانه وتعالى‪ .‬وما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ينطبق على النسان ينطبق على الحيوان وعلى النبات وعلى الجماد‪ .‬فكل شيء إذا رددته لصله‬
‫تجد أنه لبد أن يبدأ بخلق مباشر من ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫بعض الناس يتساءل عن الرقي والحضارة وهذه الختراعات الجديدة‪ .‬أليس للنسان فيها خلق؟‪..‬‬
‫نقول فيها خلق من موجود‪ .‬وال سبحانه وتعالى كشف من علمه للبشر ما يستطيعون باستخدام‬
‫المواد التي خلقها ال في الرض أن يرتقوا ويصنعوا أشياء جديدة‪ .‬ولكننا لم نجد ولم نسمع عن‬
‫إنسان خلق مادة من عدم‪.‬‬
‫ال سبحانه وتعالى هو الذي خلق كل ما في هذا الكون من عدم‪ .‬ثم بعد ذلك تكاثرت المخلوقات‬
‫بقوانين سخرها ال سبحانه وتعالى لها‪ .‬ولكن كل هذا التطور راجع إلى أن ال خلق المخلوقات‬
‫وأعطاها خاصية التناسل والتزاوج لتستمر الحياة جيل بعد جيل‪.‬‬
‫وكل خلق ال الذي تراه في الكون الن قد وضع ال سبحانه وتعالى فيه من قوانين السباب ما‬
‫يعطيه استمرارية الحياة من جيل إلى جيل حتى ينتهي الكون‪ .‬فإذا قال لك إنسان‪ :‬أنا أزرع‬
‫بذكائي وعلمي‪ .‬فقل له‪ :‬أنت تأتي بالبذرة التي خلقها ال‪ .‬وتضعها في الرض المخلوقة ل‪.‬‬
‫وينزل ال سبحانه وتعالى الماء عليها من السماء‪ .‬وتنبت بقدرة ال الذي وضع فيها غذاءها‬
‫وطريقة إنباتها‪ .‬إذن فكل ما يحدث أنك تحرث الرض‪ .‬وترمي البذرة‪ .‬يقول الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪َ {:‬أفَرَأَيْتُم مّا َتحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ َنحْنُ الزّارِعُونَ }[الواقعة‪]64-63 :‬‬
‫صحيح أن النسان يقوم بحرث الرض ورمي البذرة‪ .‬وربما تعهد الزرع بالعناية الري‪ .‬ولكن‬
‫ليس في كل ما يفعله مهمة خلق‪ .‬بل أن ال سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء‪ .‬ولو كنت تزرع‬
‫بقدرتك فأت ببذرة من غير خلق ال‪ .‬وأرض لم يخلقها ال‪ .‬وماء لم ينزله ال من السماء‪ .‬وطبعا‬
‫لن تستطيع‪ ..‬ولكن ما هو مصدر الشياء التي استحدثت؟‬
‫نقول إن هناك فرقا بين وجود الشيء بالقوة‪ .‬وجوده بالفعل‪ ..‬فالنخلة مثل حبة كانت موجودة‬
‫بالقوة‪ .‬كانت نواة‪ .‬ثم زرعت فأصبحت موجودة بالفعل‪ .‬وأنت ل عمل لك في الحالتين فل أنت‬
‫بقوتك خلقت النواة ـ التي هي البذرة ـ ول أنت بفعلك جعلت النواة تكبر‪ .‬لتصير نخلة بالفعل‪.‬‬
‫على أن هناك أشياء مطمورة في الكون‪ .‬خلقها ال سبحانه وتعالى مع بداية الخلق‪ .‬ثم تركها‬
‫مطمورة في الكون‪ .‬حتى كشفها ال لمن يبحث عن أسراره في كونه‪.‬‬
‫وكل كشف له ميلد‪ .‬إذا أخذنا مثل ما تحت الثرى‪ .‬أو الكنوز الموجودة تحت سطح الرض‪ .‬لقد‬
‫ظلت مطمورة حتى هدى ال النسان إليها‪ .‬وعلمه كيف يستخرجها‪ .‬فالنسان لم يخترع مثل أو‬
‫يوجد البترول أو المعادن‪ .‬ولكنها كلها كانت مطمورة في الكون حتى جاء الوقت الذي يجب أن‬
‫تؤدي فيه دورها في الحياة‪ .‬فدلنا الحق عليها‪ ،‬فليس معنى أن الشيء كان غائبا عنا أنه لم يكن‬
‫موجودا‪ .‬أو أنه وجد لحظة اكتشافنا له‪ .‬فالشيء الحادث الن‪ ،‬والشيء الذي سيحدث بعد سنوات‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خلق ال سبحانه وتعالى كل عناصره‪ .‬وأودعها في الرض لحظة الخلق‪ .‬والنسان بما يكشف ال‬
‫له من علم يستطيع تركيب هذه العناصر‪ .‬ولكنه ل يستطيع خلقها أو إيجادها‪ .‬والحق سبحانه‬
‫سمَآءِ {‪.‬‬
‫وتعالى يقول‪ } :‬ثُمّ اسْ َتوَىا إِلَى ال ّ‬
‫حينما يقول ال جل جلله‪ .‬استوى‪ ..‬يجب أن نفهم كل شيء متعلق بذات ال على أنه سبحانه ليس‬
‫كمثله شيء‪ .‬فال استوى والملوك تستوي على عروشها‪ .‬وأنت تستوي على كرسيك‪ .‬ولكن لننا‬
‫محكومون بقضية " ليس كمثله شيء " لبد أن نعرف أن استواء ال سبحانه وتعالى ليس كمثله‬
‫شيء‪.‬‬
‫وال حي‪ .‬وأنت حي‪ .‬هل حياتك كحياته؟ وال سبحانه وتعالى يعلم وأنت تعلم‪ .‬هل علمك كعلمه؟‬
‫وال سبحانه وتعالى يقدر‪ .‬وأنت تقدر‪ .‬هل قدرتك كقدرته‪ .‬طبعا ل‪ .‬فعندما تأتي إلى " استوى "‬
‫فل تحاول أن تفهمها أبدا بالمفهوم البشري‪ ..‬فال سبحانه وتعالى يعلم ما في الرض وما في‬
‫السماء‪ .‬وهو سبحانه يعلم المكان بكل ذراته‪ .‬والموجودين في هذا المكان أو المكين‪ .‬بكل ذراته‪.‬‬
‫وأنت تعرف ظاهر المر‪ ..‬وال سبحانه وتعالى يعلم غيب السموات والرض حتى يوم القيامة‪.‬‬
‫وبعد يوم القيامة إذن فهو جل جلله‪ .‬ليس كمثله شيء‪ .‬ول يمكن أن تحيط أنت بعقلك بفعل يتعلق‬
‫بذات ال سبحانه وتعالى‪ .‬فعقلك قاصر عن أن يدرك ذلك‪ .‬لذلك قل سبحان ال‪ .‬ليس كمثله شيء‬
‫سمَآءِ { هذا الكلم هو كلم ال‪ .‬فالمتحدث هو ال‬
‫في كل فعل يتصل بذات ال‪ } :‬اسْ َتوَىا إِلَى ال ّ‬
‫عز وجل‪.‬‬
‫بعض الناس يقولون تلقينا القرآن وحفظناه‪ .‬نقول لهم أن الذي حفظ القرآن هو ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ومادام قد حفظ كلمه فهو جل جلله يعلم أن الوجود كله لن يتعارض مع القرآن الكريم‪ ..‬وال‬
‫سبحانه وتعالى حفظ القرآن ليكون حجة له على الناس‪ .‬ومادام ال جل جلله هو الخالق‪ .‬وهو‬
‫القائل‪ .‬فل توجد حقيقة في الكون كله تتصادم مع القرآن الكريم‪ ..‬واقرأ قوله سبحانه وتعالى‪ {:‬إِنّا‬
‫نَحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا َلهُ لَحَا ِفظُونَ }[الحجر‪]9 :‬‬
‫وهذا من عظمة ال أن حفظ كلمه ليكون حجة على الناس‪ .‬وال سبحانه وتعالى وجدت صفاته‬
‫قبل أن توجد متعلقات هذه الصفات‪ .‬فهو جل جلله‪ .‬خلق لنه خالق‪ .‬كأن صفة الخلق وجدت‬
‫أول‪ .‬وإل كيف خلق أول خلقه‪ .‬إن لم يكن سبحانه وتعالى خالقا؟‬
‫وال سبحانه وتعالى رزاق‪ .‬قبل أن يوجد من يرزقه‪ .‬وإل فبأي قدرة رزق ال أول خلقه؟ وال‬
‫سبحانه وتعالى خلق هذا الكون بكمال صفاته‪ .‬وشهد أنه ل إله إل هو قبل أن يشهد أي من خلق‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ وَا ْلمَلَئِكَ ُة وَُأوْلُواْ ا ْلعِلْمِ قَآ ِئمَا‬
‫ال أنه ل إله إل ال‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪َ {:‬‬
‫بِا ْلقِسْطِ }[آل عمران‪]18 :‬‬
‫فال سبحانه وتعالى شهد أنه ل إله إل هو قبل أن يوجد أحد من خلقه يشهد بوحدانية ألوهيته‪ .‬شهد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أنه ل إله إل هو قبل أن يخلق الملئكة‪ .‬ليشهدوا شهادة مشهد بأنه ل إله إل ال‪ .‬وأولوا العلم‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَ ِإلَـاهَ ِإلّ ُهوَ { هي التي‬
‫شهادة علم‪ .‬فكأن شهادة الذات للذات‪ .‬في قوله تعالى } َ‬
‫يعتد بها‪ ،‬وهي أقوى الشهادات؛ فال ليس محتاجا مِن خلقه إلى امتداد الشهادة‪.‬‬
‫شيْءٍ‬
‫ال سبحانه وتعالى‪ :‬بعد أن خلق الرض وخلق السماء واستتب له المر‪ .‬قال } وَ ُهوَ ِب ُكلّ َ‬
‫عَلِيمٌ { أي ل تغيب ذرة من ملكه عن علمه‪ .‬فهو عليم بكل ذرات الرض وكل ذرات الناس‪ .‬وكل‬
‫ذرات الكون‪ .‬والكون كله ل يفعل إل بأذنه ومراده‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬يابُ َنيّ إِ ّنهَآ إِن َتكُ مِثْقَالَ‬
‫سمَاوَاتِ َأوْ فِي الَ ْرضِ يَ ْأتِ ِبهَا اللّهُ إِنّ اللّهَ لَطِيفٌ‬
‫حَبّةٍ مّنْ خَ ْر َدلٍ فَ َتكُنْ فِي صَخْ َرةٍ َأوْ فِي ال ّ‬
‫خَبِيرٌ }[لقمان‪]16 :‬‬

‫(‪)33 /‬‬
‫س ِفكُ ال ّدمَاءَ‬
‫ج َعلُ فِيهَا مَنْ ُيفْسِدُ فِيهَا وَيَ ْ‬
‫علٌ فِي الْأَ ْرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَ ْ‬
‫وَإِذْ قَالَ رَ ّبكَ لِ ْلمَلَا ِئكَةِ إِنّي جَا ِ‬
‫ك وَ ُنقَدّسُ َلكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لَا َتعَْلمُونَ (‪)30‬‬
‫حمْ ِد َ‬
‫وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِ َ‬

‫بعد أن أخبرنا الحق سبحانه وتعالى‪ .‬أنه خلق جميع ما في الكون‪ .‬أراد أن يخبرنا عمن خلفه‬
‫لعمارة هذا الكون‪ .‬فكأن القصة التي بدأ ال سبحانه وتعالى بها قصص القرآن كانت هي قصة آدم‬
‫أول الخلق‪ .‬ولقد وردت هذه القصة في القرآن الكريم كثيرا لتدلنا لماذا أخبرنا الحق سبحانه‬
‫وتعالى بهذه القصة؟ وجاءت لتدلنا أيضا على صدق البلغ عن ال‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪َ {:‬نحْنُ‬
‫َنقُصّ عَلَ ْيكَ نبَأَهُم بِا ْلحَقّ }[الكهف‪]13 :‬‬
‫كلمة الحق التي جاءت هنا لتدلنا على أن هناك قصصا‪ .‬ولكن بغير حق‪ .‬وال سبحانه وتعالى أراد‬
‫أن يخرج قصصه عن دائرة القصص التي يتداولها الناس أو قصص التاريخ لمكان مخالفتها‬
‫الواقع وتأتي بغير حق‪ .‬وهناك قصص تروي في الدنيا ول واقع لها‪ ،‬بل هي من قبيل الخيال‪.‬‬
‫وكلمة قصة‪ .‬مأخوذة من قص الثر‪ .‬بمعنى أن يتبع قصاص الثر في الصحراء الثار التي‬
‫يشاهدها على الرمال حتى يصل إلى مراده‪ .‬عندما يصل إلى نهاية الثر‪ ..‬ومادمنا قد عرفنا أن‬
‫ال يقص الحق‪ .‬نعرف أن قصص القرآن الكريم كلها أحداث وقعت فعل‪ .‬ولكل قصة في القرآن‬
‫عبرة‪ .‬أو شيء مهم يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه‪ .‬فمرة تكون القصة لتثبيت النبي‬
‫سلِ مَا‬
‫صلى ال عليه وسلم وتثبيت المؤمنين‪ :‬واقرأ قوله تعالى‪َ {:‬وكُـلّ ّن ُقصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬
‫نُثَ ّبتُ بِهِ ُفؤَا َدكَ }[هود‪]120 :‬‬
‫فكل قصة تثبت فؤاد الرسول والمؤمنين في المواقف التي تزلزلهم فيها الحداث‪ .‬وقصص القرآن‬
‫ليست لقتل الوقت‪ .‬ولكن الهدف السمى للقصة هو تثبيت ونفع حركة الحياة اليمانية‪ .‬ولو نظرنا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى قصص القرآن الكريم نجد أنها تتحدث عن أشياء مضت وأصبحت تاريخا‪ .‬والتاريخ يربط‬
‫الحداث بأزمانها‪ .‬وقد يكون التاريخ لشخص ل لحدث‪ .‬ولكن الشخص حدث من أحداث الدنيا‪.‬‬
‫ولو قرأت تاريخ كل حدث لوجدت أنه يعبر عن وجهة نظر راويه‪ .‬فكل قصص التاريخ كتبت من‬
‫وجهات نظر من رووها‪ .‬ولذلك‪ .‬فالقصة الواحدة تختلف باختلف الراوي‪.‬‬
‫ولكن قصص القرآن الكريم‪ .‬هو القصص الحق‪ ..‬والعبرة في قصص القرآن الكريم أنها تنقل لنا‬
‫أحداثا في التاريخ‪ .‬تتكرر على مر الزمن‪ .‬ففرعون مثل هو كل حاكم يريد أن ُيعْ َبدَ في الرض‪.‬‬
‫وأهل الكهف مثل هي قصة كل فئة مؤمنة هربت من طغيان الكفر وانعزلت لتعبد ال‪ .‬وقصة‬
‫يوسف عليه السلم هي قصة كل أخوة نزغ الشيطان بينهم فجعلهم يحقدون على بعضهم‪ .‬وقصة‬
‫ذي القرنين هي قصة كل حاكم مصلح أعطاه ال سبحانه السباب في الدنيا ومكنه في الرض‪.‬‬
‫فعمل بمنهج ال وبما يرضي ال‪ .‬وقصة صالح هي قصة كل قوم طلبوا معجزة من ال‪ .‬فحققها‬
‫لهم فكفروا بها‪.‬‬
‫وقصة شعيب عليه السلم‪ ..‬هي قصة كل قوم سرقوا في الميزان والمكيال‪.‬‬
‫وهكذا كل قصص القرآن‪ .‬قصص تتكرر في كل زمان‪ .‬حتى في الوقت الذي نعيش فيه تجد فيه‬
‫أكثر من فرعون‪ .‬وأكثر من أهل كهف يفرون بدينهم‪ .‬وأكثر من قارون يعبد المال والذهب‪..‬‬
‫ويحسب أنه استغنى عن ال‪ .‬ولذلك جاءت شخصيات قصص القرآن مجهلة إل قصة واحدة هي‬
‫قصة عيسى بن مريم ومريم ابنة عمران‪ .‬لماذا؟ لنها معجزة لن تتكرر‪ .‬ولذلك عرفها ال لنا فقال‬
‫" مريم ابنة عمران " وقال " عيسى بن مريم " حتى ل يلتبس المر‪ .‬وتدعي أي امرأة أنها حملت‬
‫بدون رجل‪ .‬مثل مريم‪ .‬نقول‪ :‬ل‪ .‬معجزة مريم لن تتكرر‪ .‬ولذلك حددها ال تعالى بالسم‪ .‬فقال‪:‬‬
‫عيسى بن مريم‪ .‬ومريم ابنة عمران‪ ..‬أما باقي قصص القرآن الكريم فقد جاءت مجهلة‪ .‬فلم يقل‬
‫لنا ال تعالى من هو فرعون موسى‪ .‬ول من هم أهل الكهف ول من هو ذو القرنين ول من هو‬
‫صاحب الجنتين‪ .‬إلي آخر ما جاء في القرآن الكريم‪ .‬لنه ليس المقصود بهذه القصص شخصا‬
‫بعينه‪ .‬ل تتكرر القصة مع غيره‪ ،‬وبعض الناس يشغلون أنفسهم بمن هو فرعون موسى؟ ومن هو‬
‫ذو القرنين‪ ..‬الخ نقول لهم لن تصلوا إلى شيء لن ال سبحانه وتعالى قد روى لنا القصة دون‬
‫توضيح للشخاص‪ .‬لنعرف أنه ليس المقصود شخصا بعينه‪ .‬ولكن المقصود هو الحكمة من‬
‫القصة‪.‬‬
‫والقصص في القرآن ل ترد مكررة‪ .‬وقد يأتي بعض منها في آيات‪ .‬وبعض منها في آيات‬
‫أخرى‪ .‬ولكن اللقطة مختلفة‪ .‬تعطينا في كل آية معلومة جديدة‪ .‬بحيث أنك إذا جمعت كل اليات‬
‫التي ذكرت في القرآن الكريم‪ .‬تجد أمامك قصة كاملة متكاملة‪ .‬كل آية تضيف شيئا جديدا‪.‬‬
‫وأكبر القصص في القرآن الكريم‪ .‬قصة موسى عليه السلم‪ .‬ويذكرنا القرآن الكريم بها دائما لن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أحداثها تعالج قصة أسوأ البشر في التاريخ‪ .‬وفي كل مناسبة يذكرنا ال بلقطة من حياة هؤلء‪.‬‬
‫خ ْفتِ عَلَ ْيهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي اليَ ّم َولَ تَخَافِي‬
‫ضعِيهِ فَإِذَا ِ‬
‫واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وََأوْحَيْنَآ إِلَىا ُأمّ مُوسَىا أَنْ أَ ْر ِ‬
‫ك َوجَاعِلُوهُ مِنَ ا ْلمُرْسَلِينَ }[القصص‪]7 :‬‬
‫وَلَ َتحْزَنِي إِنّا رَآدّوهُ إِلَ ْي ِ‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬إِذْ َأوْحَيْنَآ إِلَىا ُأ ّمكَ مَا يُوحَىا * أَنِ اقْ ِذفِيهِ فِي‬
‫حلِ يَ ْأخُ ْذهُ عَ ُدوّ لّي وَعَ ُدوّ لّهُ }[طه‪]39-38 :‬‬
‫التّابُوتِ فَا ْق ِذفِيهِ فِي الْيَمّ فَلُْي ْلقِهِ الْيَمّ بِالسّا ِ‬
‫ضعِيهِ‬
‫والفهم السطحي يظن أن هذا تكرار ونقول ل‪ .‬فقوله تعالى‪ } :‬وََأوْحَيْنَآ إِلَىا ُأمّ مُوسَىا أَنْ أَ ْر ِ‬
‫خفْتِ عَلَ ْيهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي اليَمّ {‪.‬‬
‫فَإِذَا ِ‬
‫وهذه اللقطة تدل على أن ال سبحانه وتعالى يعد أم موسى إعدادا إيمانيا للحدث‪ .‬ولكن عند وقوع‬
‫حلِ {‪.‬‬
‫الحدث تتغير القصة على نمط سريع } أَنِ ا ْق ِذفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْ ِذفِيهِ فِي الْ َيمّ فَلْيُ ْلقِهِ الْيَمّ بِالسّا ِ‬
‫كلم يناسب لحظة وقوع الحدث‪ ..‬فالية الولى‪ ..‬بينت لنا أن أم موسى أرضعته قبل أن تضعه‬
‫في التابوت‪ .‬وأنها ستلقيه في اليم عندما يحدث خطر وتخاف عليه من القتل‪ .‬وفيه تطمين لها‪ .‬أل‬
‫تخاف ول تحزن‪ .‬لن ال منجيه‪ .‬وفيها بشارتان‪ :‬أن ال سيرده لمه‪ .‬وأن ال قد اختاره رسول‪.‬‬
‫نأتي إلى الية الثانية التي تكمل لنا هذه اللقطة فتول } ا ْق ِذفِيهِ فِي التّابُوتِ { هنا نعرف أن أم‬
‫موسى ستلقيه في تابوت‪ ،‬وهو ما لم يذكر في الية السابقة‪ .‬ثم بعد ذلك نعلم أن ال سبحانه‬
‫وتعالى أصدر أمره إلى الماء أن يلقي التابوت إلى الساحل‪ .‬وهذا ما لم يرد في الية السابقة‪.‬‬
‫ونعرف أيضا أن الذي سيأخذه وهو فرعون‪ .‬ستكون بينهما عداوة متبادلة‪ ..‬وهكذا نرى أن آيتي‬
‫القصة‪ .‬يكمل بعضهما بعضا‪ .‬وليس هناك تكرار‪ .‬وال سبحانه وتعالى في الية الثانية يريد أن‬
‫يثبت أنه ستكون هناك عداوة متبادلة بين موسى وفرعون‪ ..‬كما أثبتت عداوة فرعون ل جل‬
‫جلله ولموسى‪ ،‬فقال‪ } :‬عَ ُدوّ لّي وَعَ ُدوّ لّهُ { ولكن العداوة ل تستقر إل إذا كانت متبادلة‪ .‬فتأتي آية‬
‫عوْنَ لِ َيكُونَ َلهُمْ عَ ُدوّا وَحَزَنا }[القصص‪]8 :‬‬
‫طهُ آلُ فِرْ َ‬
‫ثالثة لتكمل الصورة‪ ..‬في قوله تعالى‪ {:‬فَالْ َتقَ َ‬
‫وهكذا بينت لنا الية الكريمة كيف أن العداوة بين فرعون وموسى ستستقر حتى يقضى على‬
‫فرعون‪ .‬لنه إذا كان إنسان عدوا لك‪ .‬وأنت تقابل العداوة بالحسان تخمد العداوة بعد قليل‪ .‬إذن‬
‫هذه اليات ليست تكرارا ولكنها آيات تكمل القصة‪ ..‬وتعطينا الصورة الكاملة المتكاملة‪.‬‬
‫ولكن لماذا لم تأت قصة موسى متكاملة كقصة يوسف؟ لن ال سبحانه وتعالى يريد أن يثبت بها‬
‫نبينا عليه الصلة والسلم والمؤمنين‪ .‬فتأتي هنا لقطة وهنا لقطة‪ .‬لتؤدي ما هو مطلوب من‬
‫التثبيت بما ل يخل‪ ..‬لن اليات تعطينا القصة متكاملة‪.‬‬
‫وهكذا قصة آدم‪ .‬جاءت لنا في آيات متعددة؛ لتعطينا في مجموعها قصة كاملة‪ .‬وفي الوقت نفسه‬
‫كل آية لها حكمة يحتاج إليها التوقيت الذي نزلت فيه‪ ..‬فال سبحانه وتعالى يروي لنا بداية الخلق‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعرفنا كيف بدأ الخلق‪ .‬وقصة عداوة إبليس لدم وذريته‪ ..‬فتكلم‬
‫ال سبحانه وتعالى عن أول البشر‪ .‬عرفنا اسمه‪ .‬وهو آدم عليه السلم‪ .‬وتكلم عن المادة التي خلق‬
‫منها‪ .‬وتكلم عن المنهج الذي وضعه لدم‪ .‬وحدثنا عن النقاش الذي دار مع الملئكة‪ .‬كما أخبرنا‬
‫بأن آدم سيكون خليفة في الرض‪ .‬وأنه علمه السماء كلها ليقود حركة حياته‪ .‬وعلمنا منطق علم‬
‫الشياء‪ .‬وعلم مسمياتها‪ .‬وحدثنا عن الحوار الذي حدث بين إبليس أمام ربه حينما أبى السجود‪.‬‬
‫وبين لنا حجة إبليس في المتناع عن السجود‪ ،‬وخطة إبليس ومدخله إلى قلوب المؤمنين بالغواء‬
‫والوسوسة وغير ذلك‪.‬‬
‫إذن فهناك أشياء كثيرة تتعرض لها قصة آدم‪ ،‬ولو أن بشرا يريد أن يؤرخ لدم ما استطاع أن‬
‫يأتي بكل هذه اللقطات‪ .‬ولكن الحق سبحانه وتعالى جعل كل لقطة تأتي للتثبيت‪.‬‬
‫والية الكريمة التي نحن بصددها لم تأت في العراف ول في الحجر ول في السراء ول في‬
‫الكهف ول في طه‪ .‬وبهذا نعرف أنه ليس هناك تكرار‪ ..‬فال سبحانه وتعالى أخبر ملئكته أنه‬
‫جاعل في الرض خليفة‪ .‬هنا لبد لنا من وقفة‪ .‬أخلق آدم كفرد‪ .‬أم خلقه ال وكل ذريته مطمورة‬
‫فيه إلى يوم القيامة‪ ،‬إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن ال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وََلقَدْ خََلقْنَاكُمْ ثُمّ‬
‫جدُو ْا لَدَمَ }[العراف‪]11 :‬‬
‫صوّرْنَاكُمْ ثُمّ قُلْنَا لِ ْلمَل ِئكَةِ اسْ ُ‬
‫َ‬
‫الخطاب هنا للجمع‪ .‬لدم وذريته‪ .‬فكأنه سبحانه وتعالى يشير إلى أن الصل الول للخلق آدم‪،‬‬
‫وهو مطمور فيه صفات المخلوقين من ذريته إلى أن تقوم الساعة وراثة‪ .‬أي أنه ساعة خلق آدم‪..‬‬
‫كان فيه الذرات التي سيأخذ منها الخلق كله‪ .‬هذا عن هذا‪ ..‬حتى قيام الساعة‪.‬‬
‫ولقد قلتُ إن كل واحد منا فيه ذرة أو جزئ من آدم‪ ،‬فأولد آدم أخذوا منه والجيل الذي بعدهم أخذ‬
‫من الميكروب الحي الذي أودعه آدم في أولده‪ .‬والذين بعدهم أخذوا أيضا من الجزيء الحي الذي‬
‫خُلِق في الصل مع آدم‪ .‬وكذلك الذين بعدهم‪ .‬والذين بعدهم‪ .‬والحياة لبد أن تكون حلقة متصلة‪.‬‬
‫كل منا يأخذ من الذي قبله ويعطي الذي بعده‪ .‬ولو كان هناك حلقة مفقودة‪ .‬لتوقفت الحياة‪ .‬كأن‬
‫يموت الرجل قبل أن يتزوج‪ .‬فل تكون له ذرية من بعده‪ .‬تتوقف حلقة الحياة‪ .‬فكون حلقة الحياة‬
‫مستمرة‪ .‬دليل أنها حياة متصلة‪ .‬لم تتوقف‪ .‬ومادامت الحياة من عهد آدم إلى يومنا هذا متصلة‪.‬‬
‫فلبد أن يكون في كل منا ذرة من آدم الذي هو بداية الحياة وأصلها‪ .‬وانتقلت بعده الحياة في‬
‫حلقات متصلة إلى يومنا هذا وستظل إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫فأنا الن حي‪ .‬لنني نشأت من ميكروب حي من أبي‪ .‬وأبي أخذ حياته من ميكروب حي من أبيه‪.‬‬
‫وهكذا حتى تصل إلى آدم‪ ،‬إذن فأنت مخلوق من جزيء حي فيه الحياة لم تتوقف منذ آدم إلى‬
‫يومنا هذا‪ .‬ولو توقفت لما كان لك وجود‪.‬‬
‫إذن فحياة الذين يعيشون الن موصولة بآدم‪ .‬لم يطرأ عليها موت‪ .‬والذين سيعيشون وقت قيام‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الساعة حياتهم أيضا موصولة بآدم أول الخلق‪ .‬والحق سبحانه وتعالى‪ .‬حين أمر الملئكة بالسجود‬
‫لدم‪ .‬فإنهم سجدوا لدم ولذريته إلى أن تقوم الساعة‪ .‬وذرية آدم كانت مطمورة في ظهره‪.‬‬
‫صوّرْنَاكُمْ { فيه جزئية‬
‫وشهدت الخلق الول‪ .‬إذن فقول الحق سبحانه وتعالى‪َ } :‬لقَدْ خََلقْنَاكُمْ ثُمّ َ‬
‫جديدة لقصة الخلق‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَإِذْ قَالَ رَ ّبكَ لِ ْلمَلَ ِئكَةِ { أي أن ال سبحانه وتعالى يطلب من سيدنا محمد عليه‬
‫الصلة والسلم أن يقول أنه عند خلق آدم‪ .‬خلقه خليفة في الرض‪ .‬والكلم هنا ل يعني أن ال‬
‫سبحانه وتعالى يستشير أحدا في الخلق‪ .‬بدليل أنه قال " إني جاعل " إذن فهو أمر مفروغ منه‪.‬‬
‫ولكنه إعلم للملئكة‪ ..‬وال سبحانه وتعالى‪ .‬عندما يحدث الملئكة عن ذلك فلن لهم مع آدم‬
‫مهمة‪ .‬فهناك المدبرات أمرا‪ .‬والحفظة الكرام‪ .‬وغيرهم من الملئكة الذين سيكلفهم الحق سبحانه‬
‫وتعالى بمهام متعددة تتصل بحياة هذا المخلوق الجديد‪ .‬فكان العلم‪ .‬لن للملئكة عمل مع هذا‬
‫الخليفة‪.‬‬
‫قد يقول بعض الناس‪ .‬أن حياة النسان على الرض تخضع لقوانين ونواميس‪ .‬نقول ما يدريك أن‬
‫وراء كل ناموس ملكا؟‬
‫ولكن هذا الخليفة سيخلف من؟ قد يخلف بعضه بعضا‪ .‬في هذه الحالة يكون هنا إعلم من ال بأن‬
‫كل إنسان سيموت ويخلفه غيره‪ .‬فلو كانوا جميعا سيعيشون ما خلف بعضهم بعضا‪ .‬وقد يكون‬
‫النسان خليفة لجنس آخر‪ .‬ولكن ال سبحانه وتعالى‪ ..‬نفى أن يخلف النسان جنسا آخر‪ .‬واقرأ‬
‫قوله جل جلله‪ ... {:‬إِن يَشَأْ ُيذْهِ ْبكُ ْم وَيَ ْأتِ بِخَ ْلقٍ جَدِيدٍ * َومَا ذاِلكَ عَلَى اللّهِ ِبعَزِيزٍ }[إبراهيم‪:‬‬
‫‪]20-19‬‬
‫والخلق الجديد هو من نوع الخلق نفسه الذي أهلكه ال‪ .‬وال سبحانه وتعالى يخبرنا أن البشر‬
‫لةَ‬
‫سيخلفون بعضهم إلى يوم القيامة‪ ..‬فيقول جل جلله‪ {:‬فَخََلفَ مِن َبعْدِ ِهمْ خَ ْلفٌ َأضَاعُواْ الصّ َ‬
‫س ْوفَ يَ ْلقُونَ غَيّا }[مريم‪]59 :‬‬
‫ش َهوَاتِ فَ َ‬
‫وَاتّ َبعُواْ ال ّ‬
‫ولكن هذا يطلق عليه خَ ْلفٌ‪ .‬ول يطلق عليه خليفة‪ .‬والشاعر يقول‪:‬ذهب الذين يعاش في اكـنافهم‬
‫وبقـيت في خلف كجلد الجربولكن ال جعل الملئكة يسجدون لدم ساعة الخلق وجعل الكون‬
‫مسخرا له فكأنه خليفة ال في أرضه‪ .‬أمده بعطاء السباب‪ .‬فخضع الكون له بإرادة ال‪ .‬وليس‬
‫بإرادة النسان‪ .‬وال سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي‪ " :‬يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أمل‬
‫س ّد فقرك "‬
‫صدرك غنى وأسد فقرك‪ ..‬وإل تفعل ملت يدك شغل ولم أ ُ‬
‫إذن كلمة خليفة‪ .‬تأخذ عدة معان‪..‬‬
‫ك وَ ُنقَدّسُ َلكَ‬
‫حمْ ِد َ‬
‫س ِفكُ ال ّدمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ ِب َ‬
‫ج َعلُ فِيهَا مَن ُيفْسِدُ فِيهَا وَيَ ْ‬
‫ماذا قالت الملئكة‪ } :‬قَالُواْ أَتَ ْ‬
‫{‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كيف عرف الملئكة ذلك؟ لبد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها‪ .‬أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في‬
‫الرض‪ .‬ولكن كلمة سفك وكلمة دم‪ .‬كيف عرفتهما الملئكة وهي لم تحدث بعد؟ لبد أنهم‬
‫سمُومِ }‬
‫عرفوها من حياة سابقة‪ .‬وال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وَا ْلجَآنّ خََلقْنَاهُ مِن قَ ْبلُ مِن نّارِ ال ّ‬
‫[الحجر‪]27 :‬‬
‫فكأن الجن قد خلق قبل النسان‪ .‬وقوله تعالى‪ } :‬إِنّي أَعْلَمُ مَا لَ َتعَْلمُونَ {‪.‬‬
‫معنى ذلك أن علمك أيها المخلوق مناسب لمخلوقيتك‪ .‬أما علم ال سبحانه وتعالى‪ ..‬فهو أزلي ل‬
‫نهائي‪.‬‬
‫ولكن هل قال الملئكة حين أخبرهم ال بخلق آدم ذلك علنا أم أسروه في أنفسهم؟ سواء قالوه أم‬
‫أسروه‪ .‬فقد علمه ال‪ .‬لنه يعلم ما يسرون وما يعلنون‪ .‬وأنه يعلم السر وأخفى‪ .‬فما هو السر‪ .‬وما‬
‫هو الخفى من السر؟ السر هو ما أسررته إلى غيرك‪ .‬فما أسر به إلى غيري‪ .‬فهو السر‪ .‬وما‬
‫أخفيه في صدري ول يطلع عليه أحد‪ .‬هو أخفى من السر‪ .‬فل يقال أسررت إل إذا بحت به‬
‫لغيري‪ .‬أما ما أخفيه في صدري‪ .‬فل يعلمه أحد إل ال‪ .‬فهذا هو ما أخفى من السر‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬إِنّي أَعَْلمُ مَا لَ َتعَْلمُونَ { أراد أن يعطي القضية بعدها‬
‫ك وَ ُنقَدّسُ َلكَ {‪.‬‬
‫حمْ ِد َ‬
‫الحقيقي‪ .‬وقد حكى القرآن الكريم قول الملئكة‪ } :‬وَنَحْنُ نُسَبّحُ ِب َ‬
‫والتسبيح هو التنزيه عما ل يليق بذات المنزه‪ .‬والتقديس هو التطهير‪ ..‬مأخوذ من ا ْلقَدَس وهو‬
‫الدلو الذي كانوا يتطهرون به‪ .‬ولذلك نحن نقول سُبّوح قُدوس‪ .‬سُبّوح أي مُنزه عن كل ما ل يليق‬
‫طهّرْ‪ ..‬التسبيح يحتاج إلى مُسبّح‪ .‬وإلى ما نسبحه‪ .‬والملئكة قالوا‪} :‬‬
‫بجلله‪ .‬وقدوس‪ .‬أي مُ َ‬
‫سُ ْبحَا َنكَ لَ عِ ْلمَ لَنَآ ِإلّ مَا عَّلمْتَنَآ {‪.‬‬
‫وهذا تسبيح وتنزيه ل سبحانه وتعالى‪ ..‬والتسبيح والتنزيه ل يكونان إل للكمال المطلق الذي ل‬
‫تشوبه أية شائبة‪ ..‬والكمال المطلق هو ل سبحانه وتعالى وحده‪ .‬لذلك صرف ال ألسنة خلقه عن‬
‫أن يقولوا كلمة سبحانك لغير ال تعالى‪ .‬فل تسمع في حياتك أن إنسانا قال لبشر سبحانك‪ .‬وهكذا‬
‫ح ْم ِدكَ‬
‫صرفت ألسنة الخلق عن أن تسبح لغير ال سبحانه وتعالى‪ .‬وقول الملئكة‪ } :‬وَنَحْنُ ُنسَبّحُ بِ َ‬
‫وَنُقَدّسُ َلكَ { كأن نقول سبحان ال وبحمده‪ .‬ومعناها تنزيه ل سبحانه وتعالى في ذاته‪ ..‬فل تشبّه‬
‫بذات‪ .‬وفي صفاته‪ .‬فل تشبّه بصفات وفي أفعاله‪ .‬فل تشبه بأفعال‪ ..‬ولكن ما معنى كلمة وبحمده؟‬
‫معناها أننا ننزهك ونحمدك‪ .‬أي يا رب تنزيهنا لك نعمة‪ .‬ولذلك فإني أحمدك على أنك أعطيتني‬
‫القدرة لنزهك‪ ..‬والتقديس هو تطهير ال سبحانه وتعالى من كل الغيار‪ .‬ولنك يا ربي قدوس‬
‫طاهر‪ .‬ل يليق أن يرفع إليك إل طاهر‪ .‬ول يليق أن يصدر عمن خلقته بيديك إل طاهر‪..‬‬
‫إنه عرّفنا معنى نسبح بحمدك ونقدس لك‪ .‬ثم أراد ال بحكمته أن يرد على الملئكة فقال‪ } :‬إِنّي‬
‫أَعْلَمُ مَا لَ َتعَْلمُونَ { ولم يطلقها هكذا‪ .‬ولكنه سبحانه أتى بالقضية التي تؤكد صدق الواقع‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)34 /‬‬
‫سمَاءِ َهؤُلَاءِ إِنْ كُنْ ُت ْم صَا ِدقِينَ (‪)31‬‬
‫ضهُمْ عَلَى ا ْلمَلَا ِئكَةِ َفقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَ ْ‬
‫سمَاءَ كُّلهَا ُثمّ عَ َر َ‬
‫وَعَلّمَ َآدَمَ الْأَ ْ‬

‫فالحق سبحانه وتعالى‪ .‬رد على الملئكة بهذه الية الكريمة‪ .‬لنه علم آدم السماء كلها‪ ..‬وكلمة‬
‫كلها تفيد الحاطة‪ .‬ومعنى الحاطة معرفة كل شيء عن هذه السماء‪.‬‬
‫هنا يتبادر سؤال‪ :‬هل عَلّم ال سبحانه وتعالى آدم السماء منذ ساعة الخلق إلى قيام الساعة مادام‬
‫الحق سبحانه وتعالى يقول كلها‪ .‬فما هو حكم تلك السماء التي هي لمخترعات ستأتي بعد خلق‬
‫آدم بقرون طويلة؟‬
‫نقول إن ال سبحانه وتعالى‪ .‬حين علم آدم السماء وميزه على الملئكة يكون قد أعطى ذلك‬
‫الدنى عنصرا ميزه عن المخلوق من عنصر أعلى‪ .‬فآدم مخلوق من طين‪ .‬والملئكة مخلوقون‬
‫من نور‪ .‬وقدرات البشر ل تستطيع أن تعطي الدنى شيئا أكثر من العلى‪ .‬ولكن ال سبحانه‬
‫وتعالى وحده هو الذي يعطي ذلك ليذكرنا أن ما نأخذه ليس بقدراتنا ولكن بقدرته هو سبحانه‪.‬‬
‫ولذلك تجد سليمان وهو ملك ونبي‪ ..‬أعطاه ال تعالى ملكا ل ينبغي لحد من بعده‪ .‬وميزه عن‬
‫حطْ بِهِ وَجِئْ ُتكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ َيقِينٍ }‪.‬‬
‫خلقه‪ .‬يأتي الهدهد ليقول لسليمان‪َ { :‬أحَطتُ ِبمَا َلمْ تُ ِ‬
‫كيف يحيط الهدهد وهو طائر ضعيف محدود بما لم يحط به سليمان وهو الملك النبي الذي حكم‬
‫النس والجن؟ لن ال سبحانه وتعالى‪ ..‬يكره الغرور من خلقه‪ .‬ولذلك يأتي بآية تميز الدنى عن‬
‫العلى ليعلموا جميعا أن كل قدراتهم ليست بذاتهم‪ .‬وإنما هي من ال‪ .‬فيأتي موسى وهو الرسول‬
‫والنبي‪ ..‬فيتعلم من الخضر وهو العبد الصالح ما لم يكن يعلمه‪.‬‬
‫وقد خلق ال سبحانه المسميات وإن كنا ل نعرف وجودها وجعل الملئكة تتلقى أسماء هذه‬
‫المسميات من آدم‪ .‬وأن البعض يتساءل عن وسيلة تعليم الخالق الكرم لدم عليه السلم‪ .‬وتعليم‬
‫الخالق يختلف عن تعليم الخلق‪ .‬لن الخالق يعلم إلهاما‪ .‬يقذف في قلب آدم أسماء المسميات كلها‬
‫لكل ما في الكون من أسماء المخلوقات‪..‬‬
‫إذن فالمشهد الول‪ .‬لدم مع الملئكة‪ .‬كان قد تم إيجاد كل المسميات وألهمها ال لدم‪ .‬بدليل أن‬
‫الملئكة لم تتعرف على هذه المسميات‪ .‬بينما عرفها آدم‪ .‬وهنا لبد لنا من وقفة‪ .‬إن الكلم هو‬
‫ناتج السمع‪ .‬واللغة ناتج البيئة‪ ،‬وال سبحانه وتعالى علم آدم السماء‪ .‬وهذا العلم ل يمكن أن يأتي‬
‫إل إذا كان آدم قد سمع من ال سبحانه وتعالى‪ ..‬ثم نطق‪ .‬فأنت إذا أتيت بطفل عربي‪ ..‬وتركته‬
‫في لندن مثل‪ ..‬فتراه يتكلم النجليزية بطلقة‪ ..‬ول يفهم كلمة واحدة من اللغة العربية‪ .‬والعكس‬
‫صحيح‪ .‬إذا أتيت بطفل إنجليزي‪ .‬وتركته في بلد عربي‪ .‬يتكلم العربية‪ ..‬ول يعلم شيئا عن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النجليزية‪ .‬إذن فاللغة ليست وراثة ول جنسا ول بيئة‪.‬‬
‫ولكنها محاكاة يسمعها النسان فينطق بها‪ .‬وإذا لم يسمع النسان شيئا وكان أصم فإنه ل يستطيع‬
‫النطق بحرف واحد‪ .‬فإذا كان آدم قد نطق بهذه السماء‪ .‬فلبد أنه سمع من ال سبحانه وتعالى‪..‬‬
‫والعجيب أن الطريقة التي علم ال سبحانه وتعالى آدم بها‪ .‬هي الطريقة نفسها التي تتبعها البشرية‬
‫إلى يومنا هذا‪ .‬فأنت ل تعلم الطفل بأن تقص عليه الفعال‪ .‬ولكن لبد أن يبدأ تعليمه بالسماء‬
‫والمسميات‪ .‬تقول له‪ :‬هذا كوب‪ .‬وهذا جبل وهذا بحر‪ .‬وهذه شمس‪ .‬وهذا قمر‪ .‬وبعد أن يتعلم‬
‫المسميات‪ .‬يستطيع أن يعرف الفعال‪ .‬ويتقدم في التعليم بعد ذلك‪..‬‬
‫وهكذا نتعرف على النشأة الولى للكلم‪ .‬وطلقة قدرة ال سبحانه وتعالى علمت آدم السماء‪.‬‬
‫وهنا نتوقف لنجيب عن سؤالين‪ :‬الول‪ :‬إذا كان ال سبحانه وتعالى قد علم آدم السماء كلها‪ .‬فهل‬
‫كان فيها أسماء ما سيستجد من مخترعات في العالم؟‬
‫نقول‪ :‬إنه حتى لو تعلم آدم السماء التي يحتاج إليها في أولويات الوجود ويستخدمها في متطلبات‬
‫حياته على الرض‪ .‬فإذا جد جديد‪ ،‬فإن أولد آدم يستخدمون هذه السماء من المقدمات والسماء‬
‫التي تعلموها‪ .‬فما يجد في الوجود من أسماء‪ .‬تدخل على اللغة‪ .‬لم تأت من فراغ‪ .‬وإنما جاءت‬
‫من اللغة التي تنطق بها وتكتب بها‪.‬‬
‫كذلك كل شيء في هذا الكون‪ .‬لو أعدته الن إلى أصله‪ .‬تجد أن أصله من ال‪ .‬فلو أعدت البشرية‬
‫إلى أصلها لبد أن تصل إلى أن النسان الول خلقه ال سبحانه وتعالى‪ .‬ولو أعدت العلم إلى‬
‫أصله‪ .‬وكل علم يحتاج إلى معلم‪ .‬نقول لك‪ ..‬من الذي علم المعلم الول‪ .‬أليس من البديهي أن‬
‫العلم بدأ بمعلم علمه ال سبحانه وتعالى‪ .‬وكان هذا هو المعلم الول‪ ..‬إذن فالذي علم السماء لدم‬
‫هو ال سبحانه وتعالى‪ .‬وهو علمها لولده‪ .‬وأولده علموها لولدهم وهكذا‪..‬‬
‫يأتي السؤال الثاني‪ :‬إذا كان ال هو المعلم للكلم‪ .‬فلماذا اختلفت اللغات على الرض وأصبح‬
‫هناك ألوان من اللغات واللسنة؟‬
‫نقول إن تنوع فترات التاريخ وانتشار النسان على الرض جعل كل مجموعة من البشر تقترب‬
‫من بعضها لتكون لها لغة واحدة‪ .‬وكل لغة موجودة مأخوذة من لغة قديمة‪ .‬فالفرنسية والنجليزية‬
‫واليطالية‪ .‬مأخوذة من اللتينية‪ .‬والعبرية والسريالية لهما علقة باللغة العربية‪ .‬واللهجات التي‬
‫يتكلم بها العالم العربي صاحب اللغة الواحدة‪ ،‬تختلف‪ ..‬حتى أن لهجة الجزائر أو المغرب مثل‪.‬‬
‫تجدها مختلفة عن اللهجة المصرية أو السودانية‪ .‬ولكننا إذا تكلمنا باللغة العربية َف ِه َم بعضنا بعضا‪،‬‬
‫ولغة هؤلء جميعا في الصل هي لغة القرآن‪ .‬وهي العربية‪ .‬ولكن في فترات الوهن التاريخي‬
‫الذي مر على العرب انعزلت البلد العربية بعضها عن بعض ومضى كل مجتمع يأخذ اللغة‬
‫كمظهر اجتماعي‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيسقط التفاهم بين اللهجات المختلفة‪.‬‬
‫وهكذا علم ال سبحانه وتعالى آدم السماء كلها‪ .‬ثم عرضهم على الملئكة وقال لهم } أَنْبِئُونِي‬
‫سمَآءِ هَـاؤُلءِ إِن كُنْ ُت ْم صَا ِدقِينَ {؟ أي أن ال سبحانه وتعالى كرم آدم في العلم‪ .‬وأعطاه علما لم‬
‫بِأَ ْ‬
‫يعطه للملئكة‪ .‬ثم جعل آدم هو الذي يعلمهم أسماء مسميات لم يعرفوها‪ .‬وهذا دليل على طلقة‬
‫قدرة ال سبحانه وتعالى‪ .‬يفعل ما يشاء في كونه‪ .‬وكما قلنا إن تمييز الدنى عن العلى‪ .‬ل يتم‬
‫إل بفعل ال وحده‪.‬‬
‫ولكي نقرب هذا إلى العقول‪ :‬هب أن إنسانا ضعيفا يريد أن يحمل حمل ثقيل‪ ..‬ل يقدر‪ .‬وإذا كان‬
‫هناك إنسان قوي يعينه فإنه ل يستطيع أن يعطيه من قوته ليحمل هذا الحمل‪ .‬ولكن يعينه بأن‬
‫يحمل عنه‪ .‬أما الذي يستطيع أن يجعل هذا الضعيف قويا يمكنه أن يحمل هذا الحمل الثقيل فهو‬
‫ال سبحانه وتعالى‪ ..‬فالنسان ل يستطيع أن يعطي إنسانا آخر من قوته‪ .‬ولكن ال وحده هو‬
‫القادر على أن يجعل الضعيف قويا والقوي ضعيفا‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إِن كُنْتُ ْم صَا ِدقِينَ { وهل يكذب الملئكة؟ إن الملئكة خلق من نور يسبحون ال‪.‬‬
‫سمَآءِ هَـاؤُلءِ إِن كُنْتُ ْم صَا ِدقِينَ { فيما‬
‫ويفعلون ما يؤمرون‪ ..‬نقول إن قوله تعالى } أَنْبِئُونِي بِأَ ْ‬
‫قستم عليه الحداث‪ .‬أو فيما قلتموه ضربا بالغيب‪.‬‬
‫ولو أن الملئكة قاسوا حكمهم على حكم جنس آخر كان في الرض كالجن مثل الذين خلقوا قبل‬
‫النسان‪ ..‬يقول الحق تعالى أنكم أخطأتم في قياسكم هذا‪ .‬أو إن كنتم صادقين فيما تنبأتم به من‬
‫غيب؛ فل يعلم الغيب إل ال تعالى‪ .‬فالقياسان جانبهما التوفيق‪.‬‬
‫وليس هذا طعنا في الملئكة‪ .‬ولكنه تصحيح لهم‪ .‬وتعريف لنا بأن الملئكة ل يعلمون الغيب‪.‬‬
‫ولذلك فهم حينما قاسوا أو حكموا على غيب‪ ..‬جانبهم التوفيق‪ .‬لن ال وحده هو علم الغيوب‪.‬‬
‫والذي دفع الملئكة إلى أن يقولوا أو يبطنوا هذا الكلم هو حبهم الشديد ل تعالى‪ ..‬وكراهيتهم‬
‫لفساد في كونه‪.‬‬

‫(‪)35 /‬‬
‫حكِيمُ (‪)32‬‬
‫قَالُوا سُبْحَا َنكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلّا مَا عَّلمْتَنَا إِ ّنكَ أَ ْنتَ ا ْلعَلِيمُ الْ َ‬

‫هذه الية الكريمة‪ .‬توضح لنا أن ال سبحانه وتعالى هو المعلم الول في الكون‪ .‬وإذا كان لكل‬
‫علم معلم‪ .‬فإن المعلم الول لبد أن يكون هو ال سبحانه وتعالى‪ .‬وإذا كنا نشاهد في عصرنا‬
‫ألوانا من العلوم‪ ..‬فهذه العلوم من تفاعل العقل الذي وهبه ال تعالى للنسان‪ .‬من المواد التي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وضعها ال تعالى في الكون‪ .‬بالمنطق والعلم الذي علمه ال للنسان‪.‬‬
‫إن كل الختراعات والبتكارات أخذت وجودها من مقدمات كانت سابقة عليها‪ .‬فالماء مثل كان‬
‫موجودا منذ الزل‪ .‬والشمس كطاقة تبخر الماء لتصنع منه سحابا‪ .‬فإذا استخدم النسان الطاقة‬
‫الحرارية في تبخير الماء واستخدم البخار كطاقة‪ ،‬فهناك قفزة حضارية في العلوم اسمها عصر‬
‫البخار‪ ،‬وهو الذي كانت تسير به القطارات واللت في المصانع‪ .‬وغير ذلك‪.‬‬
‫إن هذا التقدم في العلم‪ ،‬إنما هو نابع من وجود العلم والطاقة‪ ،‬وزاد عليهما القدوة العقلية للنسان‬
‫الممنوحة له من الخالق‪ ،‬التي جعلته يفكر في استخدام الطاقة الناتجة من البخار‪ ،‬فإذا توصل‬
‫النسان لمراقبة شجرة ساقطة وهي تتدحرج إلى الرض لن جذعها أسطواني‪ .‬فإنه أخذ من نظام‬
‫هذه الشجرة ما يصنع منه العجلة التي كانت تطورا هاما في تاريخ العلم‪..‬‬
‫إذن فساق الشجرة السطوانية هو الذي أعطى للنسان فكرة العجلة‪ ،‬فإذا طور النسان استخدام‬
‫البخار وصنع قطارا يسير بالبخار‪ .‬فهذا التطوير هو ابن للعلم السابق عن قدرة الطاقة الناتجة عن‬
‫تبخير الماء‪ .‬وكيفية صناعة العجلة‪ ..‬فكل علم نابع من علم سابق‪ ..‬يترابط مع إمكانات وهبها ال‬
‫سبحانه وتعالى للنسان‪ .‬ولذلك عندما جاء السلم ليعرض العلم التجريبي أو المادي‪ .‬جاء ليلفتنا‬
‫إلى آيات الخالق في الكون‪ .‬وطلب منا أن نتأمل في هذه اليات‪ ..‬ونعمل فيها العقل والدراك‪.‬‬
‫علَ ْيهَا وَهُمْ عَ ْنهَا‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َيمُرّونَ َ‬
‫واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬وكَأَيّن مّن آ َيةٍ فِي ال ّ‬
‫ُمعْ ِرضُونَ }[يوسف‪]105 :‬‬
‫وهكذا يلفتنا ال جل جلله إلى آياته التي في السموات والرض لنعمل فيها العقل والدراك‪،‬‬
‫لتستنبط منها ما يعطينا الحضارة‪ ..‬إن القرآن يطالبنا بأن نواصل العلم الذي علمه ال لدم‪ .‬وإذا‬
‫كان تاريخ العلوم يحمل لنا أخبارا عن قوم لم يكونوا مؤمنين ومع هذا سبقونا في العلم‬
‫والستنباط‪ ،‬فكان الواجب علينا نحن المؤمنين أن نتأمل آيات ال تعالى في الرض‪ .‬فنيوتن ـ‬
‫الذي لحظ قوة جاذبية الرض ـ كان يراقب تفاحة تسقط من أعلى الشجرة وتصطدم بالرض‪.‬‬
‫فتوصل إلى قانون الجاذبية‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن نأخذ لمحة من علم ال الذي علمه لنا‪ .‬فيكفي أن ننظر إلى النواة ففي هذه النواة‬
‫الصغيرة نخلة كاملة‪ .‬متى وضعت النواة في الرض‪ .‬نمت النخلة‪.‬‬
‫وأصبح لها وجود‪.‬‬
‫ولكي نوضح هذا كله نقول إن كل علم مبني على نظريات‪ .‬النظرية الولى تؤدي إلى الثانية‪.‬‬
‫والثانية تؤدي إلى الثالثة‪ .‬وهكذا‪ ..‬ولكن بداية كل هذه العلوم لم تبدأ بنظرية‪ ،‬ولكنها بدأت بما‬
‫يسمونه البديهيات‪ .‬أي الشياء التي ل تحتاج إلى دليل‪ .‬إنها الشياء التي خلقها ال في الكون‪.‬‬
‫وعلى هذه البديهيات بنيت النظريات الواحدة بعد الخرى‪ .‬حتى إذا أردت أن تعيدها إلى أصلها‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإنك تصل في نهاية المر إلى أن العلم الول من ال سبحانه وتعالى‪ ،‬فالمعلم الول علمه ال‪.‬‬
‫والثمرة الولى خلقها ال‪ .‬وكل اكتشافات النسان منذ بداية الحياة وحتى قيام الساعة موجودة‬
‫بالقوة‪ .‬مثل النواة التي فيها النخلة‪ .‬تنتظر التأمل والعمل‪ .‬لتصبح اكتشافا بالفعل‪ .‬وال سبحانه‬
‫وتعالى وهو المعلم الول‪ ..‬وضع في كونه من العلم الكثير‪ .‬ويحضرني قول الشاعر أحمد شوقي‬
‫حين قال‪:‬سبحانك اللهم خير معلم علمت بالقلم القرون الولىأرسلت بالتوارة موسى مرشدا وابن‬
‫البتول فعلم النجيلوفجرت ينبوع البيان محمدا فسقى الحديث وناول التنزيلوكان شوقي يصوغ‬
‫في أبياته أن كل علم هو منسوب إلى ال وحده‪ ..‬وهكذا يتضح لنا‪ .‬أن قول الملئكة‪ } :‬سُ ْبحَا َنكَ لَ‬
‫حكِيمُ { يتضمن العتراف بأن العلم كله مرجعه إلى ال‪ .‬فال‬
‫عّلمْتَنَآ إِ ّنكَ أَ ْنتَ ا ْلعَلِيمُ ا ْل َ‬
‫عِلْمَ لَنَآ ِإلّ مَا َ‬
‫حكِيمُ { العليم أي الذي‬
‫سبحانه وتعالى هو مصدر العلم والحكمة‪ .‬وقوله سبحانه وتعالى‪ } :‬ا ْلعَلِيمُ الْ َ‬
‫يعلم كل شيء خافيا كان أو ظاهرا‪ .‬والعلم كله منه‪ .‬وأما الحكمة فتطلق في الصل على قطعة‬
‫الحديد التي توضع في فم الفرس لتلجمه حتى يمكن للراكب أن يتحكم فيه‪ .‬ذلك أن الحصان حيوان‬
‫مدلل شارد‪ .‬يحتاج إلى ترويض‪ .‬وقطعة الحديد التي توضع في فمه تجعله أكثر طاعة لصاحبه‪.‬‬
‫وكأن إطلق صفة الحكيم على الخالق سبحانه وتعالى هو أنه جل جلله يحكم المخلوقات حتى ل‬
‫تسير بغير هدى‪ .‬ودون دراية‪.‬‬
‫والحكمة أن يوضع هدف لكل حركة لتنسجم الحركات بعضها مع بعض‪ ،‬ويصير الكون محكوما‬
‫بالحق الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه‪ .‬والحكيم العليم‪ .‬هو الذي يضع لكل كائن‬
‫إطاره وحدوده‪ .‬والحكمة هي أن يؤدي كل شيء ما هو مطلوب منه ببراعة‪ .‬والحكمة في الفقه‬
‫هي أن تستنبط الحكم السليم‪ .‬والحكمة في الشعر أن تزن الكلمات على المفاعيل‪ .‬والحكمة في‬
‫الطب أن تعرف تشخيص المرض والدواء الذي يعالجه‪ .‬والحكمة في الهندسة أن تصمم المستشفى‬
‫طبقا لحتياجات المريض والطبيب وأجهزة العلج ومخازن الدوية وغير ذلك‪ .‬أو في تصميم‬
‫المنزل للسكن المريح‪ .‬وحكمة بناء منزل مثل تختلف عن حكمة بناء قصر أو مكان للعمل‪.‬‬
‫والكون كله مخلوق من قبل حكيم عليم‪ .‬وضع الخالق سبحانه وتعالى فيه كل شيء في موضعه‬
‫ليؤدي مهمته‪ .‬ووصف ال تعالى بأنه حكيم يتطلب أن يكون عليما‪ .‬لن علمه هو الذي يجعله‬
‫يصنع كل شيء بحكمة‪ .‬وقد أعطى ال سبحانه وتعالى لكل خلقه من العلم على قدر حاجته‪ ،‬فليس‬
‫من طبيعة الملئكة أن يعرفوا ماذا سيفعل ذلك النسان الذي سيستخلفه ال في الرض‪ .‬ولكنهم‬
‫موجودون لمهمة أخرى‪ ..‬وميز ال النسان بالعقل ليستكشف من آيات ال في الكون على قدر‬
‫سوّىا * وَالّذِي‬
‫حاجة حياته‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬سَبّحِ اسْمَ رَ ّبكَ الَعْلَىا * الّذِي خَلَقَ َف َ‬
‫قَدّرَ َفهَدَىا }[العلى‪]3-1 :‬‬
‫إذن فكل شيء خلق بقدر‪ .‬وكل مخلوق ميسر لما هداه ال له‪..‬‬

‫(‪)36 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ت وَالْأَ ْرضِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫سمَا ِئهِمْ قَالَ َألَمْ َأ ُقلْ َلكُمْ إِنّي أَعَْلمُ غَ ْيبَ ال ّ‬
‫سمَا ِئهِمْ فََلمّا أَنْبَأَ ُهمْ بِأَ ْ‬
‫قَالَ يَا آَ َدمُ أَنْبِ ْئهُمْ بِأَ ْ‬
‫وَأَعْلَمُ مَا تُ ْبدُونَ َومَا كُنْتُمْ َتكْ ُتمُونَ (‪)33‬‬

‫فالحق سبحانه وتعالى أراد أن يرد على ملحظة الملئكة بالنسبة لخلق آدم وخلفته في الرض‪،‬‬
‫وأن ال سبحانه وتعالى في حكمته ما يخفي عليهم‪ .‬ولذلك فهم لم يدركوا هذه الحكمة‪ .‬وقبل أن‬
‫يخلق ال آدم ويجعله خليفة في الرض‪ ..‬كان على علم بكل ما سيحدث من آدم وذريته حتى قيام‬
‫الساعة‪ .‬وبعد قيام الساعة‪ ،‬أما الملئكة‪ .‬فهم لم يكونوا على علم بذلك‪ .‬لن هذا ليس عملهم‪ .‬وكما‬
‫قلنا‪ :‬كل ميسر لما خلق له‪ .‬ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطي للملئكة الصورة بأنكم قد‬
‫حكمتم على آدم إما من تجربة لجنس آخر عاش في الرض‪ ،‬وإما من ضرب بالغيب‪ .‬والمقياسان‬
‫غير صحيحين‪ .‬ولذلك ميز ال سبحانه في هذه اللحظة آدم على الملئكة فعلمه أسماء المسميات‬
‫كلها‪ ،‬ثم طلب من الملئكة أن يخبروه بهذه السماء‪ .‬ولكنهم قالوا‪ :‬إن العلم من ال وحده‪ .‬وبما أن‬
‫ال تعالى لم يعلمهم السماء فإنهم ل يعرفونها‪ .‬فطلب ال من آدم أن يخبرهم بأسماء هذه‬
‫المسميات فأخبرهم بها‪ .‬ولكنه لم يخبرهم بها بذاته ول من قانونه‪ .‬ول بعلم علمه وحده‪ .‬ولكنه‬
‫أخبرهم بتعليم ال سبحانه وتعالى له‪ .‬وفي ذلك يقول ال تعالى‪ {:‬نَ ْرفَعُ دَرَجَاتٍ مّن نّشَآ ُء َوفَوْقَ ُكلّ‬
‫ذِي عِ ْلمٍ عَلِيمٌ }[يوسف‪]76 :‬‬
‫إذن َفعِ ْلمُ آدم للسماء كان بمشيئة ال سبحانه وتعالى‪ .‬وهذه المشيئة وحدها هي التي جعلت آدم‬
‫في ذلك الوقت يعلم ما ل تعلمه الملئكة‪ ..‬وهنا رد الحق سبحانه وتعالى على قول الملئكة بأن‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‬
‫آدم سيفسد في الرض‪ .‬فذكرهم ال تعالى بقوله‪ { :‬أََلمْ َأ ُقلْ ّلكُمْ إِنِي أَعَْلمُ غَ ْيبَ ال ّ‬
‫} أي أن ال سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعلم الغيب‪ .‬والغيب هنا هو الغيب المطلق‪ .‬فهناك‬
‫غيب نسبي‪ .‬قد تسرق حافظة نقودي مثل وأنا ل أعلم من الذي سرقها فهو غيب عني‪ .‬ولكنه‬
‫معلوم للذي سرق‪ ،‬وللذي سهل له طريقة السرقة بأن حرس له الطريق حتى يسرق دون أن‬
‫يفاجئه أحد‪ .‬وقد يكون قد صدر قرار هام بالنسبة لي كترقية أو فصل أو حكم‪ .‬لم يصلني‪ .‬فأنا ل‬
‫أعلمه‪ .‬ولكن الذي وقع القرار أو الحكم يعلمه‪.‬‬
‫هذا الغيب النسبي‪ .‬ل يعتبر غيبا‪ .‬ولكن الغيب المطلق هو الذي ليس له مقدمات تنبئ عما‬
‫سيحدث‪ ..‬هذا الغيب الذي يفاجئك‪ .‬ويفاجئ كل من حولك بل مقدمات‪ ..‬هذا الغيب ل يعلمه إل‬
‫ن َومَا كُنْتُمْ َتكْ ُتمُونَ }‪ ..‬تعطينا هنا وقفة‪ .‬هل الملئكة‬
‫ال وحده‪ .‬وقوله تعالى‪ { :‬وَأَعَْلمُ مَا تُبْدُو َ‬
‫ك وَ ُنقَدّسُ َلكَ‬
‫حمْ ِد َ‬
‫س ِفكُ ال ّدمَآ َء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِ َ‬
‫ج َعلُ فِيهَا مَن ُيفْسِدُ فِيهَا وَيَ ْ‬
‫قالوا ل سبحانه وتعالى‪ { :‬أَتَ ْ‬
‫} هل قالها الملئكة فعل وجهرا‪ ،‬أم أنهم قالوها في أنفسهم ولم ينطقوا بها‪ ..‬قوله تعالى { َومَا كُنْتُمْ‬
‫َتكْ ُتمُونَ } تعطينا إشارة إلى أن الملئكة ربما قالوا هذا سرا‪ .‬ولم يبدوه‪ ،‬وعلى أية حال‪ .‬سواء‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قالوه جهرا‪ .‬أو قالوه سرا‪ .‬فقد علمه ال‪ .‬لن ال جل جلله‪ ..‬بكل شيء محيط‪ .‬ول نريد لهذه‬
‫النقطة أن تثير جدل‪ ..‬لماذا؟ لنه في الحالتين‪ ..‬سواء في الجهر أو في الكتمان‪ ..‬فإن الموقف‬
‫يتساوى عند علم ال سبحانه وتعالى‪ ..‬فل داعي للجدل لنه ل خلف‪.‬‬

‫(‪)37 /‬‬
‫سجَدُوا إِلّا إِ ْبلِيسَ أَبَى وَاسْ َتكْبَ َر َوكَانَ مِنَ ا ْلكَافِرِينَ (‪)34‬‬
‫سجُدُوا لِآَ َدمَ فَ َ‬
‫وَإِذْ قُلْنَا لِ ْلمَلَا ِئكَةِ ا ْ‬

‫أصدر ال تعالى أمره للملئكة ليسجدوا لدم‪ .‬وهذه القضية أخذت جدل طويل‪ .‬قال بعض الناس‪:‬‬
‫كيف يسجد الملئكة لغير ال؟ والسجود ل وحده‪ .‬وقال آخرون‪ :‬هل معنى سجود الملئكة لدم‬
‫أنهم عبدوه؟ وقالت فئة أخرى‪ :‬السجود لغير ال ل يجوز تحت أي ظرف من الظروف‪ .‬نقول‬
‫لهؤلء‪ :‬أنكم لم تدركوا المعنى‪ ،‬فال سبحانه وتعالى بعد أن ميز آدم على الملئكة بعلم السماء‪..‬‬
‫طلب منهم أن يسجدوا لدم‪ ،‬وهنا لبد أن نعرف أن السجود لدم‪ ..‬هو إطاعة لمر ال‪ ..‬وليست‬
‫عبادة لدم‪ .‬فال سبحانه وتعالى هو الذي أمر الملئكة بالسجود‪ .‬ولم يأمرهم بذلك آدم‪ .‬ول يحق‬
‫له أن يأمرهم‪ .‬فالمر بالسجود هنا من ال سبحانه وتعالى‪ ،‬من أطاعه كان عابدا‪ .‬ومن لم يطعه‬
‫كان عاصيا‪ .‬ومن رد المر على المر كان كافرا‪.‬‬
‫ولكي نفهم معنى العبادة نقول‪ :‬إن العبادة هي طاعة أوامر ال‪ .‬واجتناب نواهيه‪ .‬فما قال لي ال‪:‬‬
‫افعل‪ .‬فإني أفعل‪ .‬وما قال‪ :‬ل تفعل‪ .‬فإنني ل افعل‪ ..‬لن العبادة هي طاعة مخلوق لخالقه في‬
‫أوامره ونواهيه‪ .‬ولذلك عندما نذهب إلى الحج فإننا نقبل الحجر السود في الكعبة‪ ،‬ونرجم الحجر‬
‫الذي يمثل إبليس في منى‪ .‬نقبل حجرا ونرجم حجرا‪ ..‬هذا هو معنى عبادة ال واتباع منهجه‪ .‬كما‬
‫أمرنا نفعل‪ .‬ل شيء مقدس عندنا‪ ..‬إل أمر ال ومنهجه‪ .‬الملئكة هنا لم يسجدوا لدم‪ .‬ولكنهم‬
‫سجدوا لوامر ال بالسجود لدم‪ .‬وفرق كبير بين السجود لشيء‪ ،‬وبين السجود لمر ال‪ .‬السجود‬
‫لمر ال سبحانه وتعالى‪ ..‬ل يعتبر خروجا على المنهج‪ ،‬لن الساس هو طاعة ال‪ .‬وهل سجد‬
‫كل الملئكة لدم؟ ل‪ .‬وإنما سجد لدم الملئكة الذين لهم مهمة معه‪ ،‬وتلك المهمة قد أوضحها ال‬
‫علَ ْيكُمْ َلحَافِظِينَ * كِرَاما كَاتِبِينَ * َيعَْلمُونَ مَا َت ْفعَلُونَ }[النفطار‪:‬‬
‫سبحانه وتعالى في قوله‪ {:‬وَإِنّ َ‬
‫‪]12-10‬‬
‫وقوله سبحانه‪ {:‬مّا يَ ْلفِظُ مِن َق ْولٍ ِإلّ لَدَ ْيهِ َرقِيبٌ عَتِيدٌ }[ق‪]18 :‬‬
‫وقوله سبحانه‪ {:‬فَا ْلمُدَبّرَاتِ َأمْرا }[النازعات‪]5 :‬‬
‫إذن هناك من الملئكة من سيسجل على النسان أعماله‪ .‬وكل قول يقوله وكل فعل يفعله‪ .‬بل‬
‫ويكتبون هذه الفعال‪ .‬ومنهم من يحفظه من الشياطين‪ ،‬ومنهم من ينفذ أقدار ال في الرض‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هؤلء جميعا لهم مهمة مع النسان‪ .‬ولكن المر بالسجود لم يشمل أولئك الملئكة العالين من‬
‫حملة العرش وحراس السماء وغيرهم ممن ليست لهم مهمة مع النسان‪ .‬ولذلك عندما رفض‬
‫سجُدَ ِلمَا خََل ْقتُ بِ َي َديّ أَسْ َتكْبَ ْرتَ أَمْ‬
‫إبليس السجود‪ .‬قال له ال تعالى‪ {:‬قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا مَ َن َعكَ أَن تَ ْ‬
‫كُنتَ مِنَ ا ْلعَالِينَ }[ص‪]75 :‬‬
‫قوله تعالى‪ ..‬كنت من العالين ـ أي أنك كنت من الملئكة العالين‪ ..‬الذين لم يشملهم أمر السجود‪.‬‬
‫إذن فأمر السجود لدم‪ ..‬كأمر ال لنا بالسجود إلى القبلة في الصلة‪ .‬فنحن ل نسجد للقبلة ذاتها‪..‬‬
‫ولكننا نسجد لمر ال بالسجود إلى القبلة‪ ..‬سجد الملئكة الذين شملهم أمر السجود لمر ال‬
‫سبحانه وتعالى‪ ..‬ولكن إبليس رفض أن يسجد‪ .‬وعصى أمر ال‪.‬‬
‫بعض الناس يقولون‪ :‬أن إبليس لم يكن من الذين أمرهم ال تعالى بالسجود‪ .‬لن المر شمل‬
‫الملئكة وحدهم‪ ..‬وإبليس ليس ملكا‪ .‬ولكنه من الجن‪ .‬كما يروي لنا القرآن الكريم في قوله‬
‫تعالى‪ِ {:‬إلّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ا ْلجِنّ َففَسَقَ عَنْ َأمْرِ رَبّهِ }[الكهف‪]50 :‬‬
‫ونقول‪ :‬إن كون إبليس من الجن هو الذي جعله يعصي أمر ال بالسجود‪ .‬فلو أن إبليس كان من‬
‫الملئكة ـ وهم مقهورون على الطاعة ـ كان لبد أن يطيع أمر ال ويسجد‪ .‬ولكن كونه من‬
‫الجن الذين لهم اختيار في أن يطيعوا وأن يعصوا فذلك الذي مكنه أن يعصي أمر السجود‪ .‬ولذلك‬
‫فإن الذين يأخذون من الية الكريمة أن إبليس كان من الجن‪ .‬بأنه لم يشمله أمر السجود‪ .‬نقول‬
‫لهم‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى قد أخبرنا عن جنس إبليس حتى نفهم من أي باب إلى المعصية‬
‫دخل‪ ..‬ذلك أنه دخل من باب الختيار الممنوح للنس والجن في الحياة الدنيا وحدها‪ ،‬ولو أراد ال‬
‫سبحانه وتعالى أن يكون إبليس مقهورا على الطاعة ما كان يستطيع أن يعصي‪ .‬ولكن معصيته‬
‫جاءت من أنه خلق مختارا‪ ..‬والختيار هو الباب الذي دخل منه إلى المعصية‪ .‬هذه حقيقة يجب‬
‫أن نفهمها‪ .‬ولذلك يرد الحق سبحانه وتعالى على كل من سيخطر بباله أن أمر السجود لم يشمل‬
‫إبليس لكونه من الجن لقوله سبحانه وتعالى‪ {:‬قَالَ مَا مَ َن َعكَ َألّ َتسْجُدَ إِذْ َأمَرْ ُتكَ }[العراف‪]12 :‬‬
‫سجُدُ ِلمَنْ خََل ْقتَ طِينا }‬
‫وكان كفر إبليس وخلوده في النار أنه رد المر على المر‪ .‬وقال‪ {:‬أَأَ ْ‬
‫[السراء‪]61 :‬‬
‫وقد كان وجود إبليس مع العلى منه وهم الملئكة‪ .‬مبررا أكبر للسجود‪.‬‬
‫فمادام قد صدر المر إلى العلى بالسجود فإنه ينطبق على الدنى‪.‬‬
‫وقد كان إبليس كما جاء في الثر يسمى طاووس الملئكة‪ ..‬وكان يزهو بخيلء بينهم‪ ..‬وهذه‬
‫الخيلء أو الكبر هو الذي جعله يقع في المعصية‪ ،‬ولن إبليس خلق مختارا‪ .‬فقد كان مزهوا‬
‫باختياره لطاعة ال‪ ..‬قبل أن يقوده غروره إلى الكفر والمعصية‪ .‬ولذلك لم يكد يصدر المر من‬
‫ال بالسجود لدم‪ .‬حتى امتنع إبليس تكبرا منه‪ ..‬ولم يجاهد نفسه على طاعة ال‪ ..‬فمعصية إبليس‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هي معصية في القمة‪ .‬لنه رد المر على المر وظن أنه خير من آدم‪ ..‬ولم يلتزم بطاعة ال‪،‬‬
‫ومضى غروره يقوده من معصية إلى أخرى‪ .‬فطرده ال من رحمته وجعله رجيما‪ .‬ولما عرف‬
‫إبليس أنه طرد من رحمة ال طلب من ال سبحانه وتعالى أن يبقيه إلى يوم الدين‪ ،‬وأقسم إبليس‬
‫بعزة ال أن يغري بني آدم‪.‬‬
‫‪ .‬حدد الماكن التي يأتي منها الغواء‪ .‬فقال‪ {:‬ثُ ّم لتِيَ ّنهُمْ مّن بَيْنِ أَيْدِيهِ ْم َومِنْ خَ ْلفِهِمْ وَعَنْ أَ ْيمَا ِن ِهمْ‬
‫جدُ َأكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }[العراف‪]17 :‬‬
‫شمَآئِِلهِ ْم َولَ تَ ِ‬
‫وَعَن َ‬
‫نلحظ هنا أن الجهات بالنسبة للنسان ستة‪ .‬اليمين والشمال‪ .‬والمام والخلف وأعلى وأسفل‪،‬‬
‫ولكن إبليس لم يذكر إل أربعة فقط‪ .‬أما الجهتان الخيرتان وهما العلى والسفل‪ .‬فل يستطيع‬
‫إبليس أن يقترب منهما‪ .‬أما السفل فهو مكان السجود والخضوع ل‪ .‬وأما العلى فهو مكان‬
‫صعود الصلة والدعاء‪ .‬وهذان المكانان ل يستطيع إبليس أن يقترب منهما‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن إبليس لم يمتنع عن السجود فقط‪ .‬وإنما رد المر على المر‪ .‬وهذا أول الكفر‪ .‬ثم‬
‫بعد ذلك مضى في غيه فتوعد آدم وذريته بأن يضلهم عن سبيل ال‪.‬‬

‫(‪)38 /‬‬
‫جكَ ا ْلجَنّ َة َوكُلَا مِ ْنهَا رَغَدًا حَ ْيثُ شِئْ ُتمَا وَلَا َتقْرَبَا َه ِذهِ الشّجَ َرةَ فَ َتكُونَا مِنَ‬
‫سكُنْ أَ ْنتَ وَ َزوْ ُ‬
‫َوقُلْنَا يَا َآدَمُ ا ْ‬
‫الظّاِلمِينَ (‪)35‬‬

‫بعد أن خلق ال سبحانه وتعالى آدم وأمر الملئكة أن تسجد له وحدث كفر إبليس ومعصيته أراد‬
‫ال جل جلله أن يمارس آدم مهمته على الرض‪ .‬ولكنه قبل أن يمارس مهمته أدخله ال في‬
‫تجربة عملية عن المنهج الذي سيتبعه النسان في الرض‪ ،‬وعن الغواية التي سيتعرض لها من‬
‫إبليس‪ .‬فال سبحانه وتعالى رحمة منه لم يشأ أن يبدأ آدم مهمته في الوجود على أساس نظري‪،‬‬
‫لن هناك فرقا بين الكلم النظري والتجربة‪.‬‬
‫قد يقال لك شيء وتوافق عليه من الناحية النظرية ولكن عندما يأتي الفعل فإنك ل تفعل شيئا‪ .‬إذن‬
‫فالفترة التي عاش فيها آدم في الجنة كانت تطبيقا عمليا لمنهج العبودية‪ ،‬حتى إذا ما خرج إلى‬
‫مهمته لم يخرج بمبدأ نظري‪ ،‬بل خرج بمنهج عملي تعرض فيه ل فعل ول تفعل‪ .‬والحلل‬
‫والحرام‪ ،‬وإغواء الشيطان والمعصية‪ .‬ثم بعد ذلك يتعلم كيف يتوب ويستغفر ويعود إلى ال‪.‬‬
‫وليعرف بنو آدم أن ال ل يغلق بابه في وجه العاصي‪ ،‬وإنما يفتح له باب التوبة‪ .‬وال سبحانه‬
‫وتعالى أسكن آدم الجنة‪ .‬وبعض الناس يقول‪ :‬أنها جنة الخلد التي سيدخل فيها المؤمنون في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخرة‪ .‬وبعضهم قال‪ :‬لول أن آدم عصى لكنا نعيش في الجنة‪ .‬نقول لهم ل‪ ..‬جنة الخرة هي‬
‫للخرة ول يعيش فيها إنسان فترة من الوقت ثم بعد ذلك يطرد منها بل هي كما أخبرنا ال تعالى‬
‫جنة الخلد‪ ..‬كل من دخلها عاش في نعيم أبدي‪.‬‬
‫إذن فما هي الجنة التي عاش فيها آدم وحواء؟ هذه الجنة هي جنة التجربة أو المكان الذي تمت‬
‫فيه تجربة تطبيق المنهج‪ .‬ونحن إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد أطلق لفظ‬
‫الجنة على جنات الرض‪ .‬والجنة تأتي من لفظ " جن " وهو الستر‪ ،‬ذلك أن فيها أشجارا كثيفة‬
‫تستر من يعيش فيها فل يراه أحد‪ .‬وفيها ثمرات تعطيه استمرار الحياة فل يحتاج إلى أن يخرج‬
‫سمُواْ‬
‫منها‪ .‬ونجد في القرآن الكريم قوله تعالى‪ {:‬إِنّا بََلوْنَا ُهمْ َكمَا بََلوْنَآ َأصْحَابَ الْجَنّةِ إِذْ َأقْ َ‬
‫لَ َيصْ ِرمُ ّنهَا ُمصْبِحِينَ * َولَ َيسْتَثْنُونَ }[القلم‪]18-17 :‬‬
‫وهذه قصة الخوة الذين كانوا يملكون جنة من جنان الرض فمنعوا حق الفقير والمسكين واليتيم‪،‬‬
‫فذهب ال بثمر الجنة كلها وأحرق أشجارها‪ .‬وهناك في سورة الكهف قصة صاحب الجنتين‪ :‬في‬
‫جعَلْنَا‬
‫ل وَ َ‬
‫خٍ‬
‫ح َففْنَا ُهمَا بِنَ ْ‬
‫ب وَ َ‬
‫جعَلْنَا لَحَ ِد ِهمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَا ٍ‬
‫قوله تعالى‪ {:‬وَاضْ ِربْ ل ُهمْ مّثَلً رّجُلَيْنِ َ‬
‫بَيْ َن ُهمَا زَرْعا }[الكهف‪]32 :‬‬
‫وهي قصة ذلك الرجل الذي أعطاه ال جنتين‪ ..‬فبدل من أن يشكر ال تعالى على نعمه‪ ..‬كفر‬
‫وأنكر البعث والحساب‪ .‬وفي سورة سبأ اقرأ قوله تعالى عن أهل سبأ الذين هداهم ال وبين لهم‬
‫الطريق المستقيم ولكنهم فضلوا الكفر‪.‬‬
‫شمَالٍ كُلُواْ مِن رّزْقِ‬
‫ن وَ ِ‬
‫سكَ ِنهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن َيمِي ٍ‬
‫واقرأ قوله تبارك وتعالى‪َ {:‬لقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَ ْ‬
‫غفُورٌ * فَأَعْ َرضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَ ْي ِهمْ سَ ْيلَ ا ْلعَرِ ِم وَ َبدّلْنَاهُمْ ِبجَنّتَ ْيهِمْ‬
‫شكُرُواْ لَهُ بَلْ َدةٌ طَيّبَ ٌة وَ َربّ َ‬
‫رَ ّبكُ ْم وَا ْ‬
‫شيْءٍ مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَاِلكَ جَزَيْنَاهُمْ ِبمَا كَفَرُو ْا وَ َهلْ نُجَازِي ِإلّ‬
‫ط وَأَ ْثلٍ وَ َ‬
‫خمْ ٍ‬
‫جَنّتَيْنِ َذوَا َتيْ ُأ ُكلٍ َ‬
‫ا ْل َكفُورَ }[سبأ‪]17-15 :‬‬
‫وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قد أطلق لفظ الجنة على جنات الدنيا‪ ،‬ولم‬
‫يقصره على جنة الخرة‪.‬‬
‫جكَ الْجَنّةَ }[العراف‪]19 :‬‬
‫ت وَ َزوْ ُ‬
‫سكُنْ أَن َ‬
‫إذن فآدم حين قال له ال سبحانه وتعالى‪ {:‬ا ْ‬
‫فهي ليست جنة الخلد وإنما هي جنة سيمارس فيها تجربة تطبيق المنهج‪ .‬ولذلك ل يقال‪ :‬كيف‬
‫دخل إبليس الجنة بعد أن عصى وكفر‪ ،‬لن هذه ليست جنة الخلد ولبد أن تنتبه إلى ذلك جيدا‬
‫حتى ل يقال أن معصية آدم هي التي أخرجت البشر من الجنة‪ .‬لن ال تعالى قبل أن يخلق آدم‬
‫علٌ فِي الَ ْرضِ خَلِيفَةً }[البقرة‪]30 :‬‬
‫حدد مهمته فقال‪ {:‬وَإِذْ قَالَ رَ ّبكَ لِ ْلمَلَ ِئكَةِ إِنّي جَا ِ‬
‫فآدم مخلوق للخلفة في الرض ومن صلح من ذريته يدخل جنة الخلد في الخرة‪ ،‬ومن دخل جنة‬
‫الخلد عاش في النعيم خالدا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪َ } :‬وكُلَ مِ ْنهَا رَغَدا حَ ْيثُ شِئْ ُتمَا { فال سبحانه وتعالى أمد الجنة التي‬
‫سكنها آدم وحواء بكل ما يضمن استمرار حياتهما‪ ،‬تماما كما خلق كل النعم التي تضمن استمرار‬
‫حياة آدم وذريته في الرض قبل أن تبدأ الحياة البشرية على الرض‪ .‬فال سبحانه وتعالى له‬
‫عطاء ربوبية فهو الذي خلق‪ .‬وهو الذي أوجد من عدم‪ ،‬ولذلك فقد ضمن لخلقه ما يعطيهم‬
‫استمرار الحياة على الرض من ماء وهواء وطعام ونعم ل تعد ول تحصى فكأن ال تعالى قد أمد‬
‫الجنة التي سكن فيها آدم وزوجته بكل عوامل استمرار حياتهما قبل أن يسكناها‪ .‬كما أمد الرض‬
‫سكُنْ أَ ْنتَ‬
‫بكل وسائل استمرار حياة النسان قبل أن ينزل آدم إليها‪ .‬إذن فقوله تعالى‪ } :‬يَآءَا َدمُ ا ْ‬
‫جكَ الْجَنّةَ {‪.‬‬
‫وَ َزوْ ُ‬
‫هذه فترة التدريب على تطبيق المنهج‪ .‬والسكن هو المكان الذي يرتاح فيه النسان ويرجع إليه‬
‫دائما‪ .‬فأنت قد تسافر فترات‪ ،‬وكل الدول التي تمر بها خلل سفرك ل تعتبر سكنا إلى أن تعود‬
‫إلى بيتك‪ ،‬فهذا هو السكن والرجل يكد ويتعب في الحياة وأينما ذهب فإنه يعود مرة أخرى إلى‬
‫المكان الذي يسكنه ليستريح فيه‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَلَ َتقْرَبَا هَـا ِذهِ الشّجَ َرةَ { هو استكمال للمنهج‪ .‬فهناك أمر ونهي افعل ول‬
‫جكَ الْجَنّةَ { أمر‪َ } :‬وكُلَ مِ ْنهَا رَغَدا { أمر‪َ } ،‬ولَ َتقْرَبَا هَـا ِذهِ الشّجَ َرةَ‬
‫ت وَ َزوْ ُ‬
‫سكُنْ أَ ْن َ‬
‫تفعل‪ } :‬ا ْ‬
‫{ نهي وهذا أول منهج يعلم النسان الطاعة ل سبحانه وتعالى والمتناع عما نهى عنه‪ ،‬وكل‬
‫رسائل السماء ومناهج ال في الرض أمر ونهي‪.‬‬
‫‪ .‬افعل كذا ول تفعل كذا‪.‬‬
‫وهكذا فإن الحق سبحانه وتعالى ضمن لدم الحياة‪ ،‬وليست الحياة فقط ولكن رغدا‪ .‬أي مباحا وبل‬
‫تعب وعن سعة وبدون مشقة‪ .‬كما أننا نلحظ هنا أن المباح كثير والممنوع قليل‪ .‬فكل ما في‬
‫الجنة من الطعام والشراب مباح لدم‪ ،‬ول قيد إل على شيء واحد‪ ..‬شجرة واحدة من بين ألوف‬
‫الشجار التي كانت موجودة في الجنة‪ ..‬شجرة واحدة فقط هي الممنوعة‪.‬‬
‫وإذا نظرت إلى منهج السماء إلى الرض تجد أن ال سبحانه وتعالى قد أباح فيه نعما ل تحصى‬
‫ول تعد وقيد فيه أقل القليل‪ ..‬فالذي نهانا ال عنه بالنسبة لنعم الرض هو أقل القليل‪ ،‬كما كان في‬
‫جنة آدم شجرة واحدة والمباح بعد ذلك كثير‪ .‬وإذا أخذنا ألفاظ العبارات نجد أن ال سبحانه وتعالى‬
‫ساعة يقول‪ } :‬وقُلْنَا يَآءَادَمُ { أتى بضمير " نا " ضمير الجمع‪ ،‬لن ال واحد أحد‪ ،‬ولكنهم يسمونها‪:‬‬
‫نون الكبرياء ونون العظمة‪.‬‬
‫إذن فكل حدث يأتي فيه الحق تبارك وتعالى بنون الكبرياء ونون التعظيم‪ .‬لن كل فعل من‬
‫الفعال يحتاج إلى صفات متعددة حتى يتم‪ .‬فأنت إذا أردت أن تفعل شيئا فإنه يقتضي منك قوة‬
‫ويقتضي منك علما ويقتضي منك قدرة ويقتضي منك حكمة‪ ..‬إذن فهناك صفات كثيرة موجودة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقتضيها الفعل‪.‬‬
‫ولكن حين يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن شهادة التوحيد يقول " إنني أنا ال " ول يقول‪ :‬إنما نحن‬
‫ال‪ ..‬لنه جل جلله‪ .‬يريد توحيدا‪ .‬ففي موقع التوحيد يأتي بضمير الفراد واحد أحد‪ ..‬أما في‬
‫سمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْ ٍد وَإِنّا‬
‫صدر الحداث‪ .‬فيأتي بضمير الكبرياء والعظمة‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَال ّ‬
‫سعُونَ }[الذاريات‪]47 :‬‬
‫َلمُو ِ‬
‫وعندما أراد الحق تبارك وتعالى أن يمتدح إبراهيم قال‪ } :‬إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً { ما معنى ُأمّة؟ أي‬
‫جامعا لصفات الخير التي ل تجتمع في فرد ولكنها تجتمع في أمة‪ .‬فالمة تجتمع فيها صفات‬
‫الخير‪ ..‬هذا متميز بالصدق‪ ،‬وذلك بالشجاعة‪ .‬وهذا بالحلم‪ .‬فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يقول‬
‫إن إبراهيم كان أمة أي أنه كان جامعا لصفات الخير‪.‬‬
‫وفي قوله } وقُلْنَا يَآءَا َدمُ { آدم اسم علم على المسمى الذي هو أول خلق ال من البشر " واسكن "‬
‫تحتاج إلى عنصرين‪ :‬الهدوء والطمئنان‪ ..‬هذا هو معنى اسكن‪ .‬توفير الهدوء والطمئنان‪ ،‬ومنه‬
‫أخذ اسم السكن‪ .‬وكلمة المسكن وأطلق على الزوجة‪ ..‬وإذا فقد المكان الذي تسكن فيه عنصرا من‬
‫هذين العنصرين وهما الهدوء والطمأنينة ل يقال عليه مسكن‪ .‬والزوجة سميت سكنا كما جاء في‬
‫حمَةً }‬
‫ج َعلَ بَيْ َنكُم ّموَ ّد ًة وَرَ ْ‬
‫سكُنُواْ إِلَ ْيهَا وَ َ‬
‫سكُمْ أَ ْزوَاجا لّ َت ْ‬
‫قوله تعالى‪َ {:‬ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خََلقَ َلكُم مّنْ أَنفُ ِ‬
‫[الروم‪]21 :‬‬
‫لن الهدوء والرحمة والبركة تتوافر في الزوجة الصالحة‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫سكَنٌ ّلهُمْ }[التوبة‪]103 :‬‬
‫ن صَلَاوتَك َ‬
‫صلّ عَلَ ْيهِمْ إِ ّ‬
‫{ َو َ‬
‫أي راحة واطمئنانا ورحمة‪ .‬فالنسان يريد في بيته أن تكون الحياة فيه مريحة له من عناء العمل‬
‫جكَ { وكان من الممكن أن يقول‬
‫سكُنْ أَ ْنتَ وَزَوْ ُ‬
‫وصخب الحياة‪ .‬ويقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬ا ْ‬
‫اسكن وزوجك لن الفاعل في فعل المر دائما مستتر‪ .‬ولكنه سبحانه قال‪ :‬اسكن أنت وزوجك‪..‬‬
‫وإياك أن تظن أن أنت هو فاعل الفعل اسكن‪ .‬ولكنه ضمير جاء ليفصل بين اسكن وبين زوجك‬
‫حتى ل يعطف السم على الفعل‪.‬‬
‫أننا لبد أن نلحظ أن كلمة زوج تطلق على الفرد ومعه مثله‪ .‬ولذلك لم يأت بتاء التأنيث‪ ..‬اسكن‬
‫أنت وزوجتك‪ .‬لن المر التكليفي من ال‪ .‬سواء فيه الذكر والنثى‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪َ {:‬ومَنْ‬
‫عمِـلَ صَالِحا مّن َذكَـرٍ َأوْ أُنْثَىا وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ }[غافر‪]40 :‬‬
‫َ‬
‫إذن فهما متساويان في هذه الناحية‪ .‬هذه الجنة ماذا وفر ال سبحانه وتعالى لدم وزوجه فيها؟ اقرأ‬
‫ضحَىا }[طه‪:‬‬
‫ظمَأُ فِيهَا َولَ َت ْ‬
‫ك لَ َت ْ‬
‫قوله تبارك وتعالى‪ {:‬إِنّ َلكَ َألّ تَجُوعَ فِيهَا وَلَ َتعْرَىا * وَأَ ّن َ‬
‫‪]119-118‬‬
‫هذه عناصر الحياة التي وفرها ال لدم وزوجه في جنة التجربة اليمانية العملية على التكليف‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا نرى من الوصاف التي أعطاها ال سبحانه وتعالى لنا لهذه الجنة أنها ليست جنة الخرة‪.‬‬
‫لنه أول فيها تكليف‪ .‬في قوله تعالى‪َ } :‬ولَ َتقْرَبَا هَـا ِذهِ الشّجَ َرةَ { وجنة الخرة ل تكليف فيها‪،‬‬
‫والحق تبارك وتعالى أباح لدم وحواء أن يأكل كما يشاءان من الجنة‪ .‬والجنة فيها أصناف كثيرة‬
‫متعددة‪ .‬ولذلك قال‪ } :‬حَ ْيثُ شِئْ ُتمَا {‬
‫وأنت ل تستطيع أن تقدم لنسان صنفا أو صنفين وتقول له كل ما شئت‪ .‬لنه ل يوجد أمامه إل‬
‫مجال ضيق للختيار‪ ،‬كما أن قلة عدد الصناف تجعل النفس تمل‪ .‬ولذلك لبد أن يكون هناك‬
‫أصناف متعددة وكثيرة‪.‬‬
‫ثم جاء النهي‪ .‬في قوله تعالى‪َ } :‬ولَ َتقْرَبَا هَـا ِذهِ الشّجَ َرةَ { أي ل تقتربا من مكانها‪ .‬ولكن لماذا‬
‫لم يقل الحق سبحانه وتعالى ول تأكل من هذه الشجرة؟‪ .‬لن ال جل جلله رحمة بآدم وزوجه‬
‫كان ل يريدهما أن يقعا في غواية المعصية‪ .‬فلو أنه قال‪ :‬ول تأكل من هذه الشجرة لكان مباحا‬
‫لهما أن يقتربا منها فتجذبهما بجمال منظرها ويقتربا من ثمارها فتفتنهما برائحتها العذبة ولونها‬
‫الجذاب‪ .‬حينئذ يحدث الغواء‪ .‬وتمتد أيديهما تحت هذا الغراء إلى الشجرة ليأكل منها‪.‬‬
‫ولكن ال تعالى يعلم أن النفس البشرية إذا حرم عليها شيء ولم تحم حوله كان ذلك أدعى أل‬
‫تفعله‪ .‬فال تعالى حين حرم الخمر لم يقل حرمت عليكم الخمر وإل كنا جلسنا في مجالس الخمر‬
‫ومع الذين يشربونها‪ .‬أو نتاجر فيها وهذا كله إغراء بشرب الخمر‪ ..‬ولكنه قال‪ {:‬يَاأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫ع َملِ الشّ ْيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ َلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ }‬
‫خمْ ُر وَا ْلمَيْسِرُ وَالَنصَابُ وَالَ ْزلَمُ ِرجْسٌ مّنْ َ‬
‫إِ ّنمَا الْ َ‬
‫[المائدة‪]90 :‬‬
‫هذا النص الكريم قد جعلنا نبتعد عن الماكن التي فيها الخمور‪ .‬فل نجلس مع من يشربونها‪ ،‬ول‬
‫نتاجر فيها حتى ل نقع في المعصية‪ .‬فإذا رأيت مكانا فيه خمر فابتعد عنه في الحال‪ .‬حتى ل‬
‫يغريك منظر الخمر وشاربها بأن تفعل مثله‪ .‬والحق جل جلله يقول في المحرمات‪ " :‬ل تقربوا "‬
‫واجتنبوا‪ ..‬أي ل تحوموا حولها‪ .‬لنها إذا كانت غائبة عنك فل تخطر على بالك فل تقع فيها‪.‬‬
‫ولذلك يقول الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ن وبينهما أمور مشتبهات ل يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات‬
‫للَ بَيّنٌ والْحَرَامَ بَيّ ٌ‬
‫" إنّ ا ْلحَ َ‬
‫فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى‬
‫حمَى أل وإِن حمى ال محارمه "‬
‫يوشك أن يقع فيه أل وإن لكل مََلكٍ ِ‬
‫ولقد كان بعض الناس يقبلون على شرب الخمر ويقولون إنه لم يرد فيها تحريم صريح‪ ..‬فلم تأت‬
‫مسبوقة بكلمة حرمت‪ ..‬نقول إن كلمة اجتنبوا‪ .‬أشد من التحريم‪ .‬فقوله تعالى‪ } :‬فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ‬
‫لوْثَانِ { معناه أل تنظر حتى إلى الصنم‪ .‬واجتناب الخمر أل تقع عينك عليها‪..‬‬
‫ناَ‬
‫مِ َ‬
‫وقد اختلف الناس في نوع هذه الشجرة‪ .‬وهل هي شجرة تفاح أو تين أو عنب أو غير ذلك‪ .‬ونحن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نقول‪ :‬ليس هذا هو المقصود‪ .‬ولكن المقصود هو التحريم‪ .‬لن منهج ال سبحانه وتعالى يحلل‬
‫أشياء‪ .‬ويحرم أشياء‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فَ َتكُونَا مِنَ ا ْلظّاِلمِينَ { الظلم هو الجور والتعدي على حقوق الغير‪ .‬والظالم هو من‬
‫أخذ فوق ما يستحقه بغير حق‪ .‬والظلم يقتضي ظالما ومظلوما‪ .‬وموضوعا للظلم‪ .‬فكل حق ـ‬
‫سواء كان ماديا أو معنويا ـ يعتدي عليه إنسان بدون حق فقد حمل ظلما‪ .‬حتى النسان أنه أحيانا‬
‫سهُمْ َذكَرُواْ اللّهَ }[آل عمران‪:‬‬
‫يظلم نفسه‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ إِذَا َفعَلُواْ فَاحِشَةً َأوْ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫‪]135‬‬
‫كيف يظلم النسان نفسه؟ قد يظلم النسان غيره‪ .‬ولكنه ل يظلم نفسه أبدا لنه يريد أن يعطيها كل‬
‫ما تشتهيه‪ .‬وهذا هو عين الظلم للنفس‪ .‬لنه أعطاها شهوة عاجلة في الدنيا‪ .‬ربما استمرت‬
‫ساعات‪ .‬وحرمها من نعيم أبدي في الخرة‪ .‬فكأنه ظلمها بأن أعطاها عذابا أليما في الخرة مقابل‬
‫متعة زائلة ل تدوم‪ ..‬وهناك من يبيع دينه بدنياه‪ .‬ولكن أظلم الناس لنفسه من يبيع دينه‪ .‬بدنيا‬
‫غيره‪ .‬يشهد زورا‪ .‬ليرضي رئيسا‪ .‬أو يتقرب لمسئول‪ .‬أو يرتكب جريمة‪ ..‬إذن قوله تعالى‪} :‬‬
‫فَ َتكُونَا مِنَ ا ْلظّاِلمِينَ { أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية ال‪.‬‬

‫(‪)39 /‬‬
‫ع ُدوّ وََلكُمْ فِي الْأَ ْرضِ‬
‫ضكُمْ لِ َب ْعضٍ َ‬
‫ج ُهمَا ِممّا كَانَا فِي ِه َوقُلْنَا اهْبِطُوا َب ْع ُ‬
‫فَأَزَّل ُهمَا الشّ ْيطَانُ عَ ْنهَا فَأَخْ َر َ‬
‫مُسْ َتقَ ّر َومَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (‪)36‬‬

‫بعد أن أسكن ال سبحانه وتعالى آدم وزوجه في الجنة‪ .‬وأخبرهما بما هو حلل وما هو حرام‪ .‬بدأ‬
‫الشيطان مهمته‪ .‬مهمة عداوته الرهيبة لدم وذريته‪ .‬والحق سبحانه يقول‪ { :‬فَأَزَّل ُهمَا الشّيْطَانُ } أي‬
‫أن الشيطان باشر مهمته فأوقعهما في الزلة‪ .‬وهي العثرة أو الكبوة‪ .‬كيف حدث ذلك وال تعالى قد‬
‫نصح آدم وزوجه أل يتبعا الشيطان‪ .‬وأبلغه أنه عدو لهما‪ .‬في قوله تعالى‪ .. {:‬إِنّ هَـاذَا عَ ُدوّ ّلكَ‬
‫شقَىا }[طه‪]117 :‬‬
‫جكَ فَلَ يُخْ ِرجَ ّن ُكمَا مِنَ الْجَنّةِ فَتَ ْ‬
‫وَلِ َزوْ ِ‬
‫إذن فالعداوة معلنة ومسبقة‪ .‬ولنفرض أنها غير معلنة‪ .‬ألم يشهد آدم الموقف الذي عصى فيه‬
‫إبليس أمر ال ولم يسجد لدم؟ ألم يعرف مدى تكبر إبليس عليه‪ .‬في قوله { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } وقوله {‬
‫سجُدُ ِلمَنْ خََل ْقتَ طِينا } كل هذا كان ينبغي أن ينبه آدم إلى أن إبليس لن يأتي له بخير أبدا‪..‬‬
‫أَأَ ْ‬
‫والحق سبحانه وتعالى لم يكتف بالدللت الطبيعية التي نشأت عن موقف إبليس في رفضه‬
‫السجود‪ .‬بل أخبر آدم أن الشيطان عدو له ولزوجه‪ ..‬يقول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬فَأَزَّل ُهمَا‬
‫ج ُهمَا ِممّا كَانَا فِيهِ } من ماذا أخرجهما؟ من العيش الرغيد‪ .‬واسع النعمة في‬
‫الشّ ْيطَانُ عَ ْنهَا فَأَخْ َر َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجنة‪ .‬ومن الهدوء والطمئنان في أن رزقهما يأتيهما بل تعب‪ .‬ولذلك سيأتي الحق في آية أخرى‬
‫شقَىا }‬
‫ويقول‪ { :‬فَلَ يُخْ ِرجَ ّن ُكمَا مِنَ الْجَنّةِ فَتَ ْ‬
‫وهنا لبد أن نتساءل‪ :‬لماذا لم يقل فتشقيا؟‬
‫إن هذه لفتة من الحق سبحانه وتعالى‪ ..‬إلى مهمة المرأة ومهمة الرجل في الحياة‪ .‬فمهمة المرأة‬
‫أن تكون سكنا لزوجها عندما يعود إلى بيته‪ .‬تذهب تعبه وشقاءه‪ .‬أما مهمة الرجل فهي العمل‬
‫حتى يوفر الطعام والمسكن لزوجته وأولده‪ .‬والعمل تعب وحركة‪.‬‬
‫وهكذا لفتنا الحق تبارك وتعالى إلى أن مهمة الرجل أن يكدح ويشقى‪ .‬ثم يأتي إلى أهله فتكون‬
‫السكينة والراحة والطمئنان‪.‬‬
‫إذا كانت هذه هي الحقيقة‪ .‬فلماذا يأتي العالم ليغير هذا النظام؟‬
‫نقول إن العالم هو الذي يتعب نفسه‪ .‬ويتعب الدنيا‪ .‬فعمل المرأة شقاء لها‪ .‬فمهمتها هي البيت‪.‬‬
‫وليس عندها وقت لي شيء آخر‪ .‬فإذا عملت فذلك على حساب أولدها وبيتها وزوجها‪ ..‬ومن‬
‫هنا ينشأ الشقاء في المجتمع‪ .‬فيضيع الولد‪ .‬ويهرب الزوج إلى مكان فيه امرأة تعطيه السكن‬
‫الذي يحتاج إليه‪ .‬وينتهي المجتمع إلى فوضى‪..‬‬
‫وكان يجب على آدم أن يتنبه إلى أن إبليس يعتبره السبب في طرده من رحمة ال‪ .‬فل يقبل منه‬
‫نصيحة ول كلما ويحتاط‪ ..‬كيف أزل الشيطان آدم وزوجه؟ لقد شرح ال سبحانه وتعالى لنا هذا‬
‫سوَسَ َل ُهمَا الشّيْطَانُ لِيُ ْب ِديَ َل ُهمَا‬
‫ولكن ليس في سورة البقرة وإنما في آية أخرى‪ ..‬فقال تعالى‪َ {:‬فوَ ْ‬
‫سوْءَا ِت ِهمَا َوقَالَ مَا َنهَا ُكمَا رَ ّب ُكمَا عَنْ هَـا ِذهِ الشّجَ َرةِ ِإلّ أَن َتكُونَا مََلكَيْنِ َأوْ‬
‫مَا وُورِيَ عَ ْن ُهمَا مِن َ‬
‫َتكُونَا مِنَ الْخَاِلدِينَ }‬
‫[العراف‪]20 :‬‬
‫إذن فإبليس قال كاذبا أن من يأكل من هذه الشجرة يصبح ملكا‪ .‬ويصبح خالدا ل يموت‪..‬‬
‫ووسوسة الشيطان تتم بكلم كاذب لتزيين المعصية‪ ،‬والشيطان ل يهمه أي معصية ارتكبت‪ .‬وإنما‬
‫يريدك عاصيا على أي وجه‪ .‬ولكن النفس عندما توسوس لك بالمعصية‪ ،‬تريد شيئا بذاته‪ .‬وهذا هو‬
‫الفرق بين وسوسة الشيطان‪ .‬ووسوسة النفس‪ .‬فالشيطان يريدك عاصيا بأي ذنب‪ .‬فإن امتنعت في‬
‫ناحية أتاك من ناحية أخرى‪ .‬فقد قال لدم‪ :‬هل أدلك على شجرة الخلد وملك ل يبلى " ولكن هذه‬
‫المحاولة لم تفلح‪ .‬فقال لهما‪ } :‬مَا َنهَا ُكمَا رَ ّب ُكمَا عَنْ هَـا ِذهِ الشّجَ َرةِ ِإلّ أَن َتكُونَا مََلكَيْنِ َأوْ َتكُونَا‬
‫مِنَ الْخَاِلدِينَ { وفات على آدم أنه لو كان هذا صحيحا‪ ..‬لكل إبليس من الشجرة‪ ..‬ولم يطلب من‬
‫الحق سبحانه وتعالى أن يمهله إلى يوم الدين‪..‬‬
‫ع ِهدْنَآ‬
‫ما الذي اسقط آدم في المعصية؟ إنها الغفلة أو النسيان‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وَلَقَدْ َ‬
‫ي وَلَمْ َنجِدْ لَهُ عَزْما }[طه‪]115 :‬‬
‫سَ‬
‫إِلَىا ءَادَمَ مِن قَ ْبلُ فَنَ ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهل النسيان معصية‪ .‬حتى يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَعَصَىا ءَادَمُ رَبّهُ َف َغوَىا }[طه‪]121 :‬‬
‫نعم النسيان كان معصية في المم السابقة‪ .‬لذلك يقول النبي صلى ال عليه وسلم " رفع عن أمتي‬
‫الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "‬
‫ونسي وعصى‪ .‬تؤدي معنى واحدا‪..‬‬
‫ضكُمْ لِ َب ْعضٍ عَ ُد ّو وََلكُمْ فِي الَ ْرضِ مُسْ َتقَرّ َومَتَاعٌ إِلَىا حِينٍ }‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬قَالَ اهْبِطُواْ َب ْع ُ‬
‫[العراف‪]24 :‬‬
‫هذا الهبوط هو بداية نزول النسان إلى الرض ليباشر مهمته في الدنيا‪ .‬ومادام الحق سبحانه‬
‫وتعالى قال‪ } :‬وََلكُمْ فِي الَ ْرضِ مُسْ َتقَ ّر َومَتَاعٌ إِلَىا حِينٍ {‪ .‬فهي إذن حياة موقوته على قدر وقتها‪،‬‬
‫وعلى قدر حجمها‪..‬‬
‫والذين يقولون بأنه لبد من وجود بشر نسميه مخَلّصا‪ .‬ليفدي العالم بصلبه أو بغير ذلك من‬
‫الخطيئة التي ارتكبها آدم‪ .‬نقول له‪ :‬أنك لم تفهم عن ال شيئا‪ ،‬لن القصة هي هنا خطأ قد حدث‬
‫وصُوب‪ .‬وفرق بين الخطأ والخطيئة‪ .‬فالخطأ يصوب‪ .‬ولكن الخطيئة يعاقب عليها‪.‬‬
‫وآدم أخطأ وصوب ال له‪ .‬وتلقى من ربه كلمات فتاب عليه‪ .‬إذن ل توجد خطيئة بعد أن علمه ال‬
‫التوبة وتاب إلى ال‪ .‬ثم ماذا فعل آدم‪ .‬حتى نقول نخلص العالم من خطيئة آدم‪ .‬إنه أكل من‬
‫الشجرة‪ .‬وهل خطايا العالم كلها أكل؟!‬
‫من الذين أوجد القتل وسفك الدماء‪ ،‬والزنا والغتصاب والنميمة والغيبة؟‬
‫لو أن كلمهم صحيح لكان لبد أل توجد خطيئة على الرض مادام قد وجد المخلّص الذي فدى‬
‫العالم من الخطيئة‪ .‬ولكن الخطيئة باقية‪ .‬ومن الذي قال أن الخطيئة تورث‪ .‬حتى يرث العالم كله‬
‫خطيئة آدم؟!‪ .‬وال سبحانه وتعالى يقول‪َ } :‬ولَ تَزِ ُر وَازِ َر ٌة وِزْرَ أُخْرَىا {‪..‬‬
‫ضكُمْ لِ َب ْعضٍ عَ ُدوّ { العداوة هنا بين الشيطان‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى } َوقُلْنَا اهْبِطُواْ َب ْع ُ‬
‫والنسان‪.‬‬
‫والعداوة أيضا بين شياطين النس والمؤمنين‪ ،‬هذه العداوة التي تؤدي بنا إلى نشاط وتنبه‪.‬‬
‫فالمستشرقون يعادون السلم‪ .‬ولكن معاداتهم هذه تعطينا نشاطا لكي نبحث ونطلع حتى نرد‬
‫عليهم‪ .‬وجنود الشيطان من النس يعادون المؤمنين‪ .‬وعداواتهم هذه تعطينا مناعة أل نخطئ ول‬
‫نغفل‪ .‬فأنت مادام لك عدو‪ ..‬فحاول أن تتفوق عليه بكل السبل‪.‬‬
‫ولعل الحضارة النسانية ل ترتقي بسرعة قدر ارتقائها وقت الحروب‪ .‬ففيها يحاول كل خصم أن‬
‫يتغلب على خصمه‪ .‬وتجند كل القوى للتفوق علميا على الدول الخرى‪ .‬هذه الرتقاءات‬
‫والختراعات‪ .‬قد تكون للتدمير والقتل‪ .‬ولكن بعد أن تنتهي الحرب توجه إلى ارتقاءات النسان‬
‫في الرض‪ .‬فتفتيت الذرة وصلوا إليه في الحروب‪ .‬والصواريخ التي وصل النسان بها إلى القمر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كانت نتيجة حرب‪ ،‬والرتقاءات العلمية المختلفة التي تمت في أمريكا والتحاد السوفيتي كان‬
‫أساسها عداء كل معسكر للخر‪.‬‬
‫ع ُدوّ {‪ ..‬الهبوط قد يكون من مكان أعلى إلى مكان أسفل‪.‬‬
‫وقوله تعالى } اهْ ِبطُواْ َب ْعضُكُمْ لِ َب ْعضٍ َ‬
‫وقد يكون لهبوط معنويا‪ .‬بأن تقول هذا النسان هبط في نظري منذ فعل كذا‪ .‬هو لم يهبط من‬
‫مكان أعلى إلى مكان أسفل‪.‬‬
‫ولكنه هبط في قيمته‪ .‬والمسافات ل تعني قربا أو بعدا‪ .‬فقد يكون إنسان يجلس إلى جوارك وأنت‬
‫بعيد عنه ل تحس به‪ .‬وقد يكون هناك إنسان بعيد عنك بمئات الميال ولكنه قريب إلى قلبك أكثر‬
‫من ذلك الجالس إلى جوارك‪ .‬وسواء كان الهبوط ماديا أو معنويا‪ .‬فإنه حدث ليباشر آدم مهمته‬
‫على الرض‪ ..‬والعداوة بين اليمان والكفر مستمرة‪.‬‬
‫وهكذا بعد معصية آدم‪ .‬هبط هو وحواء من الجنة ليمارسا حياتهما على الرض‪ ..‬وقوله تعالى "‬
‫اهبطوا " معناه أن آدم وحواء وإبليس هبطوا إلى الرض بعد أن تمت التجربة اليمانية‪.‬‬
‫لقد بين ال تعالى لدم عمليا أن إبليس عدو له‪ .‬ل يريد له الخير‪ .‬وأنه كاذب في كل ما يعد به‬
‫النسان‪ .‬وقد حدد ال الحياة الدنيا بأنها حياة موقوتة‪ .‬قدراتها محدودة‪ .‬ومتاعها محدود‪ ..‬في قوله‬
‫تعالى‪ } :‬وََلكُمْ فِي الَ ْرضِ مُسْ َتقَ ّر َومَتَاعٌ ِإلَىا حِينٍ {‪.‬‬
‫أي ل أحد سيبقى في الرض إل بمقدار ما قدر ال له من عمر ثم يموت‪ .‬وبهذا حذر ال آدم‬
‫وذريته من أن يتخذوا من الحياة هدفا لن متاعها قليل‪ ،‬وأمدها قصير‪.‬‬

‫(‪)40 /‬‬
‫فَتََلقّى َآدَمُ مِنْ رَبّهِ كَِلمَاتٍ فَتَابَ عَلَ ْيهِ إِنّهُ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ (‪)37‬‬

‫نزل آدم وحواء إلى الرض ليمارسا مهمتهما في الكون‪ .‬وقبل أن يبدآ هذه المهمة‪ .‬جعلهما ال‬
‫سبحانه وتعالى يمران بتجربة عملية بالنسبة لتطبيق المنهج وبالنسبة لغواء الشيطان‪ .‬وحذرهما‬
‫بأن الشيطان عدو لهما‪ ..‬كان لبد بعد أن وقعت المعصية أن يشرع ال تعالى التوبة رحمة‬
‫بعباده‪ .‬ذلك أن تشريع التوبة ليس رحمة بالعاصي وحده‪ ،‬ولكنه رحمة بالمجتمع كله‪ .‬فالنسان إذا‬
‫عصى وعرف أنه‪ ..‬ل توبة له وأنه محكوم عليه بالخلود في النار‪ .‬يتمادى في إجرامه‪ .‬لنه مادام‬
‫ل أمل له في النجاة من عذاب الخرة‪ .‬فإنه يتمادى في المعصية‪ .‬لنه ل أمل في الغفران أو‬
‫التوبة‪..‬‬
‫من الذي سيعاني في هذه الحالة؟ إنه المجتمع الذي يعيش فيه ذلك العاصي‪ .‬وسيكون المؤمنون‬
‫أكثر الناس معاناة لنهم أهل خير وتسامح‪ .‬ولن ال سبحانه وتعالى‪ ..‬أمرهم بالعفو‪ .‬والصفح‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سعَةِ أَن ُيؤْتُواْ ُأوْلِي ا ْلقُرْبَىا وَا ْلمَسَاكِينَ‬
‫ضلِ مِنكُ ْم وَال ّ‬
‫واقرأ قوله تبارك وتعالى‪َ {:‬ولَ يَأْ َتلِ ُأوْلُواْ ا ْلفَ ْ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ }‬
‫صفَحُواْ َألَ تُحِبّونَ أَن َي ْغفِرَ اللّهُ َلكُ ْم وَاللّهُ َ‬
‫وَا ْل ُمهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّ ِه وَلْ َي ْعفُواْ وَلْ َي ْ‬
‫[النور‪]22 :‬‬
‫ضلَ بَيْ َنكُمْ }[البقرة‪]237 :‬‬
‫سوُاْ ا ْلفَ ْ‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬وَأَن َت ْعفُواْ َأقْ َربُ لِل ّتقْوَىا َولَ تَن َ‬
‫وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تحث المؤمنين على العفو‪ .‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول‪:‬‬
‫" أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها‪ :‬أوصاني بالخلص في السر وفي العلنية‪ .‬والقصد في الغنى‬
‫والفقر وأن أعفو عمن ظلمني‪ ،‬وأعطي من حرمني‪ ،‬وأصل من قطعني‪ ،‬وأن يكون صمتي فكرا‬
‫ونطقي ذكرا‪ ،‬ونظري عبرا "‬
‫فالتوبة لو لم تشرع لعانى المجتمع كله‪ .‬وخاصة المؤمنين الذي أمروا أن يقابلوا العدوان بالصفح‬
‫والظلم بالعفو‪ .‬ولذلك كان تشريع التوبة من ال سبحانه وتعالى‪ .‬رحمة بالناس كلهم‪.‬‬
‫وال جل جلله شرع التوبة أول‪ .‬ثم بعد أن شرعها تاب العاصي‪ .‬ثم بعد ذلك يقبل ال التوبة أو‬
‫ل يقبلها تبعا لمشيئته‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬ثُمّ تَابَ عَلَ ْي ِهمْ لِيَتُوبُواْ إِنّ اللّهَ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ }[التوبة‪:‬‬
‫‪]118‬‬
‫آدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه‪ .‬أتوجد خطيئة بعد توبة آدم وقبول ال سبحانه وتعالى هذه‬
‫التوبة؟ إن بعض الناس يقول أن آدم قد عصى وتاب ال عليه‪ .‬وإبليس قد عصى فجعله ال خالدا‬
‫في النار‪ .‬نقول‪ :‬إنكم لم تفهموا ماذا فعل آدم؟ أكل من الشجرة المحرمة‪ .‬وعندما علم أنه أخطأ‬
‫وعصى‪ .‬لم يصر على المعصية‪ .‬ولم يرد المر على المر‪ .‬ولكنه قال يا رب أمرك ومنهجك‬
‫حق‪ .‬ولكنني لم أقدر على نفسي فسامحني‪.‬‬
‫أعترف آدم بذنبه‪ .‬واعترف بضعفه‪ .‬واعترف بأن المنهج حق‪ .‬وطلب التوبة من ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ .‬ولكن إبليس رد المر على المر‪ .‬قال‪ { :‬قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خََلقْتَنِي مِن نّا ٍر وَخََلقْتَهُ مِن‬
‫ج َمعِينَ * ِإلّ عِبَا َدكَ‬
‫غوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫طكَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ } وقال‪ { :‬فَ ِبعِزّ ِتكَ لُ ْ‬
‫ل ْقعُدَنّ َلهُ ْم صِرَا َ‬
‫طِينٍ } وقال { َ‬
‫خَلصِينَ } وقال‪ { :‬لَحْتَ ِنكَنّ ذُرّيّ َتهُ ِإلّ قَلِيلً } فإبليس هنا رد المر على المر‪.‬‬
‫مِ ْنهُمُ ا ْلمُ ْ‬
‫لم يعترف بذنبه‪ .‬ويقول يا رب غلبني ضعفي‪ .‬وأنت الحق وقولك الحق‪ .‬ولكنه رد المر على ال‬
‫تعالى وعاند وقال سأفعل كذا وسأفعل كذا‪ .‬وهذا كفر بال‪.‬‬
‫إياك أن ترد المر على ال سبحانه وتعالى‪ .‬فإذا كنت ل تصلي‪ ..‬فل تقل وما فائدة الصلة‪ .‬وإذا‬
‫لم تكن تزكي‪ .‬فل تقل تشريع الزكاة ظلم للقادرين‪ .‬وإذا كنت ل تطبق شرع ال‪ .‬فل تقل أن هذه‬
‫الشريعة لم تعد تناسب العصر الحديث‪ .‬فإنك بذلك تكون قد كفرت والعياذ بال‪ .‬ولكن قل يا ربي‬
‫إن فرض الصلة حق‪ .‬وفرض الزكاة حق‪ .‬وتطبيق الشريعة حق‪ .‬ولكنني ل أقدر على نفسي‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فارحم ضعفي يا رب العالمين‪ .‬إن فعلت ذلك‪ .‬تكن عاصيا فقط‪.‬‬
‫إن الفرق بين معصية آدم ومعصية إبليس‪ .‬أن آدم اعترف بمعصيته وذنبه‪ .‬ولكن إبليس رد المر‬
‫على المر‪ .‬فيكون آدم قد عصى‪ ،‬وإبليس قد كفر والعياذ بال‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬فَتََلقّىا ءَا َدمُ مِن رّبّهِ كَِلمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ { هذه الكلمات التي تلقاها‬
‫آدم‪ .‬أراد العلماء أن يحصروها‪ .‬ما هذه الكلمات؟ هل هي قول آدم كما جاء في قوله تعالى‪ {:‬قَالَ‬
‫حمْنَا لَ َنكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }[العراف‪]23 :‬‬
‫رَبّنَا ظََلمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لّمْ َت ْغفِرْ لَنَا وَتَرْ َ‬
‫هذه الية الكريمة‪ .‬دلتنا على أن ذنب آدم لم يكن من ذنوب الستكبار‪ .‬ولكن من ذنوب الغفلة‪..‬‬
‫بينما كان ذنب إبليس من ذنوب الستكبار على أمر ال‪ .‬ولكن آدم عندما عصى حدث منه‬
‫انكسار‪.‬‬
‫فقال‪ :‬يا ربي أمرك بأل أقرب الشجرة حق‪ .‬ولكني لم أقدر على نفسي‪ .‬فآدم أقر بحق ال في‬
‫التشريع‪ .‬بينما إبليس اعترض على هذا المر وقال‪:‬‬
‫خَلقْتَ طِينا {‬
‫جدُ ِلمَنْ َ‬
‫} أََأسْ ُ‬
‫الكلمات التي تلقاها آدم من ال سبحانه وتعالى قد تكون‪ } :‬رَبّنَا ظََلمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لّمْ َتغْفِرْ لَنَا‬
‫حمْنَا لَ َنكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ { وقد تكون‪ ..:‬اللهم ل إله إل أنت سبحانك ربي وبحمدك‪ .‬إني‬
‫وَتَرْ َ‬
‫ظلمت نفسي ظلما كثيرا فاغفر لي يا خير الغافرين‪ ..‬أو اقبل توبتي يا خير التوابين‪ ..‬أو قال‪:‬‬
‫سبحان ال والحمد ل ول إله إل ال‪ ..‬المهم أن ال سبحانه وتعالى قد أوحى لدم بكلمات يتقرب‬
‫بها إليه‪ .‬سواء كانت هذه الية الكريمة أو كلمات أخرى‪.‬‬
‫لو نظرنا إلى تعليم ال آدم لكلمات ليتوب عليه‪ .‬لوجدنا مبدأ مهما في حياة المجتمع‪ .‬لن ال‬
‫سبحانه وتعالى كما قلنا‪ ..‬لو لم يشرع التوبة ولو لم يبشرنا بأنه سيقبلها‪ .‬لكان الذي يذنب ذنبا‬
‫واحدا ل يرجع عن المعصية أبدا‪ .‬وكان العالم كله سيعاني‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى خلقنا مختارين ولم يخلقنا مقهورين‪ .‬القهر يثبت صفة القدرة ل‪ ،‬ولكن ال‬
‫سبحانه وتعالى يريد منا أن نأتي عن حب وليس عن قهر‪ .‬ولذلك خلقنا مختارين‪ .‬وجعل لنا طاقة‬
‫تستطيع أن تعصي وأن تطيع‪ .‬ومادام هناك اختيار‪ ..‬فالنسان يختار هذه أو تلك‪..‬‬
‫إن ال لم يخلق بشرا يختارون الخير على طول الخط‪ .‬وبشرا يختارون الشر في كل وقت‪ .‬فهناك‬
‫من الخيرين من يقع في الشر مرة‪ ،‬وهناك من الشريرين من يعمل الخير مرة‪ .‬فالعبد ليس مخلوقا‬
‫أن يختار خيرا مطلقا‪ .‬أو أن يختار شرا مطلقا‪ ..‬ولذلك فأحيانا ننسى أو نسهو‪ .‬أو نعصي‪ .‬ومادام‬
‫العبد معرضا للخطيئة‪ .‬فال سبحانه وتعالى شرع التوبة‪ .‬حتى ل ييأس العبد من رحمة ال‪،‬‬
‫ويتوب ليرجع إلى ال‪ .‬وقد جاء في الحكمة‪ " :‬رب معصية أورثت ذل وانكسارا‪ .‬خير من طاعة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أورثت عزا واستكبارا "‪.‬‬
‫وهكذا عندما نزل آدم ليباشر مهمته في الحياة‪ .‬لم يكن يحمل أي خطيئة على كتفيه‪ ..‬فقد أخطأ‬
‫وعلمه ال تعالى كلمات التوبة‪ .‬فتاب فتقبل ال توبته‪..‬‬
‫وقوله سبحانه وتعالى‪ } :‬إِنّهُ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ {‪ ..‬كلمة تواب تدل على أن ال تعالى ل يأخذ‬
‫عباده بذنب واحد‪ .‬لنه سبحانه وتعالى حتى لو تاب عن ذنب واحد لكل عبد من عباده كان توابا‪.‬‬
‫والمبالغة في الصفة تأتي من ناحيتين‪ .‬أول أن المر يتكرر عدة مرات من عدد قليل من‬
‫الشخاص‪ .‬أو من شخص واحد‪ .‬أو أن المر يقع مرة واحدة ولكن من أشخاص كثيرين‪..‬‬
‫فإذا قلت مثل‪ :‬فلن أكول‪ ،‬قد يكون أكول لنه يأكل كمية كبيرة من الطعام‪ .‬فيسمى أكول‪ ..‬إنه ل‬
‫يتجاوز طعامه في عدد مراته وجبات الطعام العادي للنسان‪ .‬ولكنه يأكل كمية كبيرة‪ .‬فنسميه‬
‫أكول‪ .‬فيأكل مثل عشرة أرغفة في الفطار ومثلها في الغداء ومثلها في العشاء‪.‬‬
‫وقد يكون النسان أكول إذا تكرر الفعل نفسه‪ ..‬كأن يأكل كميات الطعام العادية ولكنه يأكل في‬
‫اليوم خمس عشرة مرة مثل‪ ..‬فال سبحانه وتعالى تواب لن خلقه كثيرون‪ .‬فلو اخطأ كل واحد‬
‫منهم مرة‪ .‬يكون عدد ذنوبهم التي سيتوب ال عليها كمية هائلة‪ .‬فإذا وجد من يذنب عدة مرات في‬
‫اليوم‪ .‬فإن ال تعالى‪ .‬يكون توابا عنه أيضا إذا تاب واتجه إليه‪..‬‬
‫إذن مرة تأتي المبالغة‪ .‬في الحدث وإن كان الذي يقوم به شخص واحد‪ .‬ومرة تأتي المبالغة في‬
‫الحدث لن من يقوم به أفراد متعددون‪..‬‬
‫إذن فآدم أذنب ذنبا واحدا‪ .‬يقتضي أن يكون ال تائبا‪ .‬ولكن ذرية آدم من بعده سيكونون خلقا‬
‫كثيرا‪ ..‬فتأتي المبالغة من ناحية العدد‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إِنّهُ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ { سيدنا عمر جاءته امرأة تصيح وتصرخ لن ابنها ضبط‬
‫سارقا‪.‬‬
‫وقالت لعمر ما سرق ابني إل هذه المرة‪ .‬فقال لها عمر‪ :‬ال أرحم بعبده من أن يأخذه من أول‬
‫مرة‪ .‬لبد أنه سرق من قبل‪..‬‬
‫وأنا أتحدى أن يوجد مجرم يضبط من أول مرة‪.‬‬
‫كلمة تواب تدل على أنه يضبط بعد مرتين أو ثلث‪ ،‬فال يستر عبده مرة ومرة‪ .‬ولكن إذا ازداد‬
‫وتمادى في المعصية‪ .‬يوقفه ال عند حده‪ .‬وهذا هو معنى تواب‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى‪ .‬تواب برحمته‪ ..‬لن هناك من يعفو ويظل يمن عليك بالعفو‪ .‬حتى أن‬
‫المعفو عنه يقول‪ :‬ليتك عاقبتني ولم تمن علي بالعفو كل ساعة‪ .‬لكن الحق سبحانه وتعالى‪ .‬تواب‬
‫رحيم‪ .‬يتوب على العبد‪ .‬ويرحمه فيمحو عنه ذنوبه‪.‬‬

‫(‪)41 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خ ْوفٌ عَلَ ْيهِ ْم وَلَا ُهمْ يَحْزَنُونَ (‬
‫جمِيعًا فَِإمّا يَأْتِيَ ّنكُمْ مِنّي هُدًى َفمَنْ تَ ِبعَ هُدَايَ فَلَا َ‬
‫قُلْنَا اهْ ِبطُوا مِ ْنهَا َ‬
‫‪)38‬‬

‫جمِيعا } وفي سورة طه يقول جل‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى في هذه الية‪ { :‬قُلْنَا اهْ ِبطُواْ مِ ْنهَا َ‬
‫جمِيعا } عندما خاطب ال سبحانه وتعالى بصورة الجمع‪ .‬كان الخطاب‬
‫جلله { قَالَ اهْ ِبطَا مِ ْنهَا َ‬
‫لكل ذرية آدم المطمورة في ظهره‪ .‬أمرا لهم جميعا بالهبوط‪ .‬آدم وحواء والذرية‪ .‬لن كل واحد‬
‫منا‪ .‬إلى أن تقوم الساعة فيه جزيء من آدم‪ .‬ولذلك لبد أن نلتفت إلى قول الحق تبارك وتعالى‪{:‬‬
‫جدُو ْا لَدَمَ }[العراف‪]11 :‬‬
‫صوّرْنَاكُمْ ُثمّ قُلْنَا لِ ْلمَل ِئكَةِ اسْ ُ‬
‫وَلَقَدْ خََلقْنَاكُمْ ثُمّ َ‬
‫نلحظ هنا أن الخطاب بصيغة الجمع‪ ،‬فلم يقل الحق سبحانه وتعالى‪ .‬لقد خلقتك ثم صورتك ثم‬
‫قلت للملئكة اسجدوا لدم‪ ،‬فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه ساعة الخلق كان كل‬
‫ذرية آدم مطمورين في ظهره‪ .‬خلقهم جميعا ثم صورهم جميعا‪ .‬ثم طلب من الملئكة السجود‬
‫لدم‪ .‬فهل نحن كنا موجودين؟ نعم كنا موجودين في آدم‪ .‬ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يقول‪" :‬‬
‫اهبطوا " لنعرف أن هذا الخطاب موجه إلى آدم وذريته جميعا إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫جمِيعا } لن هنا بداية تحمل المسئولية بالنسبة لدم‪ .‬في هذه اللحظة‬
‫ومرة يقول { اهْ ِبطَا مِ ْنهَا َ‬
‫وهي لحظة الهبوط في الرض‪ .‬سيبدأ منهج ال مهمته في الحياة‪ .‬ومادام هناك منهج وتطبيق‬
‫فردي‪ .‬تكون المسئولية فردية‪ .‬ول يأتي الجمع هنا‪.‬‬
‫جمِيعا } نلحظ أن أمر الهبوط هنا بالمثنى‪ .‬ثم يقول‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يقول‪ { :‬اهْ ِبطَا مِ ْنهَا َ‬
‫تبارك وتعالى جميعا‪ ..‬جمع‪ ..‬نقول أنه مادامت بداية التكليف‪ .‬فهناك طرفان سيواجه بعضهما‬
‫البعض‪ .‬الطرف الول‪ .‬هو آدم وزوجه‪ .‬والطرف الثاني هو إبليس‪ .‬فهم ثلثة ولكنهم في معركة‬
‫اليمان‪ .‬فريقان فقط‪ .‬آدم وحواء وذريتهما فريق‪ .‬والشيطان فريق آخر‪ .‬فكأن ال تعالى يريد أن‬
‫يلفتنا إلى أن هذا الهبوط يتعلق بالمنهج وتطبيقه في الرض‪ .‬وفي المنهج آدم وحواء حريصان‬
‫على الطاعة‪ .‬وإبليس حريص على أن يقودهما إلى المعصية‪.‬‬
‫وفي قوله تعالى‪ { :‬فَِإمّا يَأْتِيَ ّنكُم مّنّي هُدًى } نلحظ أن ال سبحانه وتعالى بعد أن مر آدم بالتجربة‬
‫ووقع في المعصية‪ ،‬علمه ال تعالى كلمات التوبة‪ .‬ونصحه أنه إذا غفل يتوب‪ .‬وال سبحانه‬
‫وتعالى‪ ..‬سيقبل توبته‪..‬‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد من آدم وحواء أن يسكنا الرض‪ .‬ويبدآ مهمتهما في الحياة‪ .‬وال‬
‫يدلهما على الخير‪ .‬مصداقا لقوله تعالى‪ { :‬فَِإمّا يَأْتِيَ ّنكُم مّنّي هُدًى }‪ ..‬وهدى لها معنيان‪ ..‬هي‬
‫بمعنى الدللة على الخير‪ .‬أو الدللة على الطريق الموصلة للخير‪ .‬وهناك هدى وهو العانة على‬
‫اليمان والزيادة فيه‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ اهْتَ َدوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ َت ُقوَاهُمْ }[محمد‪]17 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الهدى هنا في الية الكريمة‪ ..‬بمعنى الدللة على طريق الخير‪ .‬ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى‪:‬‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْي ِه ْم َولَ ُهمْ َيحْزَنُونَ }‪.‬‬
‫{ َفمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَ َ‬
‫ما هو الخوف وما هو الحزن؟ الخوف أن تتوقع شرا مقبل ل قدرة لك على دفعه فتخاف منه‪..‬‬
‫والحزن أن يفوتك شيء تحبه وتتمناه‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول في هذه الية‪ :‬من مشى في طريق اليمان الذي دللته عليه‪ .‬وأنزلته‬
‫في منهجي‪ .‬فل خوف عليهم‪ .‬أي أنه ل خير سيفوتهم فيحزنوا عليه‪ .‬لن كل الخير في منهج ال‪.‬‬
‫فالذي يتبع المنهج ل يخاف حدوث شيء أبدا‪.‬‬
‫وهذه تعطينا قضية مهمة في المجتمع‪ .‬الذي لم يرتكب أية مخالفة‪ ..‬هل يناله خوف؟ أبدا‪ ..‬ولكن‬
‫من يرتكب مخالفة تجده دائما خائفا خشية أن ينكشف أمره‪ ..‬ويفاجأ بشر ل قدرة له على دفعه‪.‬‬
‫إن النسان المستقيم ل يعيش الخوف‪ .‬لن الخوف أمران‪ .‬إما ذنب أنا سبب فيه‪ .‬والسائر على‬
‫الطريق المستقيم لم يفعل شيئا يخاف انكشافه‪ .‬وإما أمر ل دخل لي فيه‪ .‬يجريه على خالقي‪ .‬وهذا‬
‫لبد أن يكون لحكمة‪ .‬قد أدركها‪ .‬وقد ل أدركها ولكني أتقبلها‪ .‬فالذي يتبع هدى ال‪ .‬ل يخاف ول‬
‫يحزن‪ .‬لنه لم يذنب‪ .‬ولم يخرق قانونا‪ .‬ولم يغش بشرا‪ .‬أو يخفي جريمة‪ .‬فل يخاف شيئا‪ ،‬ولو‬
‫قابله حدث مفاجئ‪ ،‬فقلبه مطمئن‪ .‬والذين يتبعون ال‪ .‬ل يخافون‪ .‬ول يخاف عليهم‪ ..‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫} َولَ هُمْ يَحْزَنُونَ { لن الذي يعيش طائعا لمنهج ال‪ ..‬ليس هناك شيء يجعله يحزن‪ .‬ذلك أن‬
‫إرادته في هذه الحالة تخضع لرادة خالقه‪ .‬فكل ما يحدث له من ال هو خير‪ .‬حتى ولو كان يبدو‬
‫على السطح غير ذلك‪ .‬ملكاته منسجمة وهو في سلم مع الكون ومع نفسه‪ .‬والكون ل يسمع منه‬
‫إل التسبيح والطاعة والصلة‪ .‬وكلها رحمة‪ .‬فهو في سلم مع نفسه‪ .‬وفي سلم مع ربه‪ .‬وفي‬
‫سلم مع المجتمع‪.‬‬
‫إن المجتمع دائما يسعد بالنسان المؤمن الذي ل يفسد في الرض‪ .‬بل يفعل كل خير‪ .‬فالمؤمن‬
‫نفحة جمال تشع في الكون‪ .‬ونعمة حسن ورضا مع كل الناس ومادام النسان كذلك‪ .‬فلن يفقد ما‬
‫يسره أبدا‪ .‬فإن أصابته أحداث‪ ..‬أجراها ال عليه‪ ..‬ل يقابلها إل بالشكر‪ .‬وإن كان ل يعرف‬
‫حكمتها‪ ..‬وإياك أن تعترض على ال في حكم‪.‬‬
‫ولذلك يقول‪ :‬أحمدك ربي على كل قضائك وجميع قدرك‪ .‬حمد الرضا بحكمك واليقين بحكمتك‪..‬‬
‫والنسان ينفعل للحداث‪ .‬ولكن هناك فرق بين النفعال للحداث وحدها وبين النفعال للحداث‬
‫مع حكمة مجريها‪ .‬ولذلك فإن رسول ال صلى ال عليه وسلم يعلمنا الدقة حينما قال‪ " :‬إن العين‬
‫تدمع والقلب يحزن ول نقول إل ما يرضي ربنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون "‬
‫انظر إلى اليمان وهو يستقبل الحداث‪ ..‬العين تدمع‪ .‬ول يكون القلب قاسيا مثل الحجر‪ ،‬لكن فيه‬
‫حنان‪ .‬والقلب يخشع ل‪ .‬مقدرا حكمته وإرادته‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وال سبحانه وتعالى ل يريدنا أن نستقبل الحداث بالحزن وحده‪ .‬ولكن بالحزن مع اليمان‪ .‬فال‬
‫ل يمنعك أن تحزن‪ .‬ولكن عليك أل تفصل الحدث عن مجريه وحكمته فيه‪ ..‬ولذلك حين تذهب‬
‫إلى طبيب العظام‪ ..‬فيكسر لك عظامك لكي يصلحها‪ .‬هل يفعل لك خيرا أو شرا؟ طبعا يفعل لك‬
‫خيرا‪ .‬وإن كان ذلك يؤلمك‪.‬‬

‫(‪)42 /‬‬
‫صحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (‪)39‬‬
‫وَالّذِينَ َكفَرُوا َوكَذّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَ ِئكَ َأ ْ‬

‫الحق سبحانه وتعالى بعد أن أعلمنا أن آدم حين يهبط إلى الرض سيتلقى من ال منهجا لحركة‬
‫حياته‪ .‬من اتبعه خرج من حياته الخوف والحزن‪ .‬وأصبح آمنا في الدنيا والخرة‪ .‬أراد ال تعالى‬
‫أن يعطينا الصورة المقابلة‪ .‬فالحكم في الية السابقة كان عن الذين اهتدوا‪ .‬والحكم في هذه الية‬
‫عن الذين كفروا‪ .‬يقول الحق تبارك وتعالى‪ { ..‬وَالّذِينَ َكفَرواْ َوكَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ } والكفر كما بينا هو‬
‫محاولة ستر وجود ال واجب الوجود‪ .‬ومحاولة ستر هذا الوجود هو إعلن بأن ال تعالى‬
‫موجود‪ .‬فأنت ل تحاول أن تستر شيئا إل إذا كان له وجود أول‪..‬‬
‫إن الشيء الذي ل وجود له ل يحتاج إلى ستر؛ لنه ليس موجودا في عقولنا‪ .‬وعقولنا ل تفهم ول‬
‫تسع إل ما هو موجود‪ .‬توجد الصورة الذهنية أول‪ ..‬ثم بعد ذلك يوجد السم أو الصورة الكلمية‪.‬‬
‫ولذلك إذا حدثك إنسان عن شيء ليس له وجود فأنت ل تفهمه‪ .‬ول تستطيع أن تعيه إل إذا شبه‬
‫لك بموجود‪ .‬كأن يقال لك‪ :‬مثل هذا الجبل أو مثل هذه البحيرة‪ .‬أو مثل قرص الشمس أو غير‬
‫ذلك حتى تستطيع أن تفهم‪ .‬فأنت ل تفهم غير موجود إل إذا شبه بموجود‪.‬‬
‫وكل شيء لبد أن يكون قد وجد أول‪ .‬ثم بعد ذلك تجتمع مجامع اللغة في العالم لتبحث عن لفظ‬
‫يعبر عنه بعد أن وجد في الصورة الذهنية‪ .‬فلم يكن هناك اسم للصاروخ مثل قبل أن يوجد‬
‫الصاروخ‪ .‬ول لسفينة الفضاء قبل أن تخترع‪ .‬ول لشعة الليزر قبل أن تكتشف‪ .‬إذن فكل هذا‬
‫وجد أول‪ .‬ووضع له السم بعد ذلك‪.‬‬
‫الذين كفروا يحاولون ستر وجود ال‪ .‬وستر وجود ال سبحانه وتعالى هو إثبات لوجوده‪ .‬لنك ل‬
‫تستر شيئا غير موجود‪ .‬وهكذا يكون الكفر مثبتا لليمان‪ .‬وعقلك ل يستطيع أن يفهم السم إل إذا‬
‫وجد المعنى في عقلك‪ .‬وأنت ل تجد لغة من لغات العالم‪ .‬ليس فيها اسم ال سبحانه وتعالى‪ .‬بل‬
‫إن ال جل جلله ـ وهو غيب عنا ـ إذا ذكر اسمه فهمه الصغير والكبير‪ .‬والجاهل والعالم‪.‬‬
‫والذي طاف الدنيا‪ .‬والذي لم يخرج من بيته‪ .‬كل هؤلء يفهمون ال بفطرة اليمان التي وضعها‬
‫في قلوبنا جميعا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن الذين كفروا يحاولون ستر وجود ال سبحانه وتعالى‪ ..‬وقوله تعالى‪َ { :‬وكَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ } والية‬
‫هي الشيء العجيب اللفت‪ .‬فهناك في الكون آيات كونية مثل الشمس والقمر والنجوم والرض‪.‬‬
‫والجبال والبحار وغير ذلك‪ .‬هذه تسمى آيات‪ .‬شيء فوق قدرة البشر خلقها ال سبحانه وتعالى‬
‫لتكون آية في كونه وتخدم النسان‪.‬‬
‫وهناك اليات وهي المعجزات‪ .‬عندما يرسل ال رسول أو نبيا إلى قومه فإنه سبحانه يخرق له‬
‫قوانين الكون ليثبت لقومه أنه نبي مرسل من عند ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وهذه اليات مقصود بها من شهدها‪ .‬لنها تأتي لتثبيت المؤمنين بالرسل‪ .‬وهم يمرون بأزمة‬
‫يحتاجون فيها إلى التثبيت‪ .‬ودللة على صدق رسالة النبي لقومه‪ ..‬وتطلق اليات على آيات‬
‫القرآن الكريم‪ .‬كلم ال المعجز الذي وضع فيه سبحانه وتعالى ما يثبت صدق الرسالة‪ .‬إلى يوم‬
‫الدين‪.‬‬
‫يحدثنا ال سبحانه في آياته‪ .‬عن كيفية خلق النسان‪ .‬وعن منهج السماء للرض وغير ذلك‪.‬‬
‫والذين كذبوا بآيات ال‪ .‬هم الكافرون‪ .‬وهم المشركون‪ .‬وهم الذين يرفضون السلم‪ .‬ويحاربون‬
‫الدين‪ .‬هؤلء جميعا‪ .‬حدد لنا ال تعالى مصيرهم‪ .‬ولكن هل التكذيب عدم قدرة على الفهم؟ نقول‬
‫أحيانا يكون التكذيب متعمدا مثلما حدث لل فرعون عندما أصابهم ال بآفات وأمراض وبالعذاب‬
‫الصغر حتى يؤمنوا‪ .‬ولكنهم رغم يقينهم بأن هذه اليات من ال سبحانه وتعالى‪ .‬لم يعترفوا بها‪..‬‬
‫سهُمْ ظُلْما وَعُُلوّا }[النمل‪]14 :‬‬
‫ويقول الحق جل جلله‪َ {.‬وجَحَدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫واليات في الكون كثيرة‪ .‬لو أننا التفتنا إليها لمَنّا‪ .‬فهي ليست محتاجة إلى فكر‪ .‬بل إن ال تعالى‪،‬‬
‫رحمة بنا جعلها ظاهرة‪ .‬ليدركها الناس‪ .‬كل الناس‪ .‬ولكن البعض رغم ذلك يكذب بآيات ال‪.‬‬
‫وهؤلء هم الذين يريدون أن يتبعوا هوى النفس‪ .‬والحق سبحانه وتعالى جمع الكافرين والمكذبين‬
‫صحَابُ النّارِ { والصاحب هو الذي‬
‫بآيات ال في عقاب واحد‪ ..‬وقال جل جلله‪ } :‬أُولَـا ِئكَ َأ ْ‬
‫يألف صاحبه‪ .‬ويحب أن يجلس معه‪ .‬ويقضي أجمل أوقاته‪ .‬فكان قوله تعالى‪ :‬أصحاب النار‪ .‬دليل‬
‫على عشق النار لهم‪ .‬فهي تفرح بهم‪ ،‬عندما يدخلونها‪ .‬كما يفرح الصديق بصديقه‪ .‬ول تريد أن‬
‫ت وَ َتقُولُ َهلْ مِن مّزِيدٍ‬
‫ل ِ‬
‫جهَنّمَ َهلِ امْتَ َ‬
‫تفارقهم أبدا‪ ..‬ولذلك اقرأ الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬يوْمَ َنقُولُ ِل َ‬
‫}[ق‪]30 :‬‬
‫وهكذا نرى مدى العشق‪ ،‬بين النار والكافرين‪ .‬إن النار تصاحبهم في كل مكان‪ .‬وهي ليست‬
‫مصاحبة كريهة بالنسبة للنار‪ .‬ولكنها مصاحبة تحبها النار‪ .‬فالنار حين تحرق كل كافر وآثم‬
‫ومنافق تكون سعيدة‪ .‬لنها تعاقب الذين كفروا بمنهج ال وكذبوا بآياته في الحياة الدنيا‪ ..‬وكذلك‬
‫الحال بالنسبة للجنة‪ .‬فإن الجنة أيضا تحب مصاحبة كل من آمن بال وأخلص له العبادة وطبق‬
‫ت وََأخْبَتُواْ إِلَىا رَ ّبهِمْ ُأوْلَـا ِئكَ‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَا ِ‬
‫منهجه‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َأصْحَابُ الجَنّةِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ }[هود‪]23 :‬‬
‫أي أن الجنة تصاحب المؤمنين‪ .‬وتحبهم وتلزمهم‪ .‬مثلما تصاحب النار الكافرين والمكذبين‪..‬‬
‫وكما أن النار تكون سعيدة وهي تحرق الكافر‪ .‬فالجنة تكون سعيدة وهي تمتع المؤمن‪ ..‬ثم يقول‬
‫الحق سبحانه وتعالى‪ُ } :‬همْ فِيهَا خَالِدُونَ { أي أن العذاب فيها دائم‪ .‬ل يتغير ول يفتر‪ .‬ول يخفف‪.‬‬
‫بل هو مستمر إلى البد‪ ..‬واقرأ قوله سبحانه وتعالى‪ {:‬أُولَـا ِئكَ الّذِينَ اشْتَ َروُاْ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالخِ َرةِ‬
‫ب َولَ هُمْ يُنصَرُونَ }‬
‫خ ّففُ عَ ْن ُهمُ ا ْلعَذَا ُ‬
‫فَلَ يُ َ‬
‫[البقرة‪]86 :‬‬
‫وهكذا نعرف أن ال سبحانه وتعالى قد أنزل المنهج إلى الرض مع آدم‪ ،‬وأن آدم‪ .‬نزل إلى‬
‫الرض ومعه الهدى ليطبق أول منهج للسماء على الرض‪ .‬فكأن ال سبحانه وتعالى لم يترك‬
‫النسان لحظة واحدة على الرض دون أن يعطيه المنهج الذي يبين له طريق الهدى وطريق‬
‫الضلل‪ .‬ومع المنهج شرعت التوبة‪ .‬وشرع قبول التوبة حتى ل ييأس النسان‪ .‬ول يحس أنه إذا‬
‫أخطأ أو نسي أصبح مصيره جهنم‪ .‬بل يحس أن أبواب السماء مفتوحة له دائما‪ .‬وأن ال الذي‬
‫خلقه رحيم به‪ .‬إذا أخطأ فتح له أبواب التوبة وغفر له ذنوبه‪ .‬حتى يحس كل إنسان برعاية ال‬
‫سبحانه وتعالى له هو على الرض‪ .‬من أول بداية الحياة‪.‬‬
‫فالمنهج موجود لمن يريد أن يؤمن‪ .‬والتوبة قائمة لكل من يخطئ‪.‬‬
‫وحذر ال سبحانه وتعالى آدم وذريته أنه من يطع ويؤمن يعش الحياة الطيبة في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ومن يكفر ويكذب‪ .‬فإن مصيره عذاب أبدي‪.‬‬
‫لقد عرف ال آدم بعدوه إبليس‪ .‬وطلب منه أن يحذره‪ .‬فماذا فعل بنو آدم؟ هل استقبلوا منهج ال‬
‫بالطاعة أو بالمعصية؟ وهل تمسكوا بتعاليم ال‪ .‬أو تركوها وراء ظهورهم؟‬

‫(‪)43 /‬‬
‫يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ا ْذكُرُوا ِن ْعمَ ِتيَ الّتِي أَ ْن َعمْتُ عَلَ ْيكُمْ وََأوْفُوا ِب َعهْدِي أُوفِ ِب َع ْه ِدكُ ْم وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (‬
‫‪)40‬‬

‫بعد أن قص ال علينا قصة الخلق وكيف بدأت بآدم‪ ،‬وعداوة إبليس لدم وسببها‪ .‬قص علينا‬
‫التجربة الولى للمنهج في إحدى الجنات‪ ،‬وكيف أن آدم تعرض للتجربة فأغواه الشيطان وعصى‪.‬‬
‫ثم نزل إلى الرض مسلحا بمنهج ال‪ .‬ومحميا بالتوبة من أن يطغى‪ .‬بدأت مهمة آدم على‬
‫الرض‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يعرض علينا موكب الرسالت وكيف استقبل بنو آدم منهج ال‬
‫بالكفر والعصيان‪ .‬فاختار جل جلله قصة بني إسرائيل لنها أكثر القصص معجزات‪ ،‬وأنبياء بني‬
‫إسرائيل من أكثر النبياء الذين أرسلوا لمة واحدة وليس معنى هذا أنهم مفضلون‪ .‬ولكن لنهم‬
‫كانوا أكثر المم عصيانا وآثاما فكانوا أكثرهم أنبياء‪ .‬كانوا كلما خرجوا من معجزة انحرفوا‪.‬‬
‫فتأتيهم معجزة أخرى‪ .‬فينحرفون‪ .‬وهكذا حكم ال عليهم لظلمهم أن يتفرقوا في الرض ثم‬
‫يتجمعوا مرة أخرى في مكان واحد‪ .‬ليذوقوا العذاب والنكال جزاء لهم على معصيتهم وكفرهم‪.‬‬
‫ولذلك أخذت قصة بني إسرائيل ذلك الحجم الضخم في كتاب ال‪ .‬وفي تثبيت رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ .‬فموسى عليه السلم الذي أرسله ال إلى بني إسرائيل من أولي العزم من الرسل‪.‬‬
‫ولذلك فإنك تجد فيه تربية أول‪ .‬وتربية ثانيا‪ ..‬ولبد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى‪ :‬يا‬
‫بني إسرائيل " فالحق جل جلله‪ .‬حين يريد أن ينادي البشر جميعا يقول‪ { :‬يَابَنِي ءَا َدمَ } واقرأ‬
‫جدٍ }[العراف‪]31 :‬‬
‫قوله تعالى‪ {:‬يَابَنِي ءَا َدمَ خُذُواْ زِينَ َتكُمْ عِندَ ُكلّ مَسْ ِ‬
‫وقوله سبحانه‪ {:‬يَابَنِي ءَادَ َم لَ َيفْتِنَ ّنكُمُ الشّيْطَانُ }[العراف‪]27 :‬‬
‫لماذا يخاطبنا ال تعالى بقوله‪ :‬يا بني آدم؟ لنه يريد أن يذكرنا بنعمة علينا منذ بداية الخلق‪ .‬لن‬
‫هذه النعم تخص آدم وذريته‪ .‬فال تعالى خلق آدم بيديه‪ .‬وأمر الملئكة أن تسجد له‪ .‬وأعد له كونا‬
‫مليئا بكل ما يضمن استمرار حياته‪ .‬ليس بالضروريات فقط‪ .‬ولكن بالكماليات‪ .‬ثم دربه الحق على‬
‫ما سيتعرض له من إغواء الشيطان‪ .‬وأفهمه أن الشيطان عدو له‪ .‬ثم علمه كلمات التوبة‪ .‬ليتوب‬
‫عليه‪ .‬وأمده بنعم ل تعد ول تحصى‪.‬‬
‫فال سبحانه وتعالى يريد أن يذكرنا بكل ذلك حتى نخجل من أن نرتكب معصية بعد كل هذا‬
‫التكريم للنسان‪ .‬فإذا تذكرنا نعم ال علينا‪ ..‬فإننا نخجل أن نقابل هذه النعم بالمعصية‪.‬‬
‫وقد علمنا ال سبحانه وتعالى علما ميزنا ال تعالى فيه عن ملئكته‪ .‬لذا كان يجب أن نظل‬
‫شاكرين عابدين طوال حياتنا في هذه الدنيا‪.‬‬
‫لكننا نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى بدأ هذه الية الكريمة بقوله‪ { :‬يَابَنِي إِسْرَائِيلَ } لماذا؟ ومن‬
‫هو إسرائيل؟‬
‫إسرائيل مأخوذة من كلمتين‪ :‬اسر وإيل‪( ..‬اسر) يعني عبد مصطفى أو مختار‪( .‬وإيل) معناها ال‬
‫في العبرانية‪ .‬فيكون معنى الكلمة صفوة ال‪.‬‬
‫والصطفاء هنا ليعقوب وليس لذريته‪..‬‬
‫فإذا نظرنا إلى إسرائيل الذي هو يعقوب كيف أخذ هذا السم‪ .‬نجد أنه أخذ السم لنه ابتلى من ال‬
‫بلء كبيرا‪ .‬استحق به أن يكون صفيا ل‪ .‬وعندما ينادي ال تعالى قوم موسى بقوله‪ :‬يا بني‬
‫إسرائيل‪ .‬فإنه يريد أن يذكرهم بمنزلة إسرائيل عند ال‪ .‬ما واجهه من بلء‪ .‬وما تحمله في حياته‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حضَرَ‬
‫ش َهدَآءَ إِذْ َ‬
‫فاذكروا ما وصاكم به حين حضرته الوفاة‪ ..‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪ {:‬أَمْ كُنتُمْ ُ‬
‫سمَاعِيلَ‬
‫ك وَإِلَـاهَ آبَا ِئكَ إِبْرَاهِي َم وَإِ ْ‬
‫َي ْعقُوبَ ا ْل َموْتُ ِإذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا َتعْبُدُونَ مِن َبعْدِي قَالُواْ َنعْ ُبدُ إِلَـا َه َ‬
‫وَإِسْحَاقَ إِلَـاها وَاحِدا وَنَحْنُ لَهُ مُسِْلمُونَ }[البقرة‪]133 :‬‬
‫طفَىا َلكُمُ الدّينَ فَلَ َتمُوتُنّ َإلّ‬
‫ثم يأتي بعد ذلك قول يعقوب‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬يَابَ ِنيّ إِنّ اللّهَ اصْ َ‬
‫وَأَنْتُم مّسِْلمُونَ }[البقرة‪]132 :‬‬
‫تلك هي الوصية التي وصى بها يعقوب بنيه‪ ..‬فيها علم وفيها عظة‪ .‬علم بأن ال إله واحد‪ .‬ل‬
‫شريك له‪ .‬وأن الدين هو السلم‪ .‬وعظة وتذكير بأن ال اختار لهم الدين‪ .‬فليحرصوا عليه حتى‬
‫الموت‪.‬‬
‫ولقد جاءت هذه الوصية حين حضر يعقوب الموت‪ .‬وساعة الموت يكون النسان صادقا مع‬
‫نفسه‪ .‬وصادقا مع ربه‪ .‬وصادقا مع ذريته‪ .‬فكأنه سبحانه وتعالى حينما يقول‪ } :‬يَابَنِي ِإسْرَائِيلَ‬
‫{ يريد أن يذكرهم بإسرائيل وهو يعقوب وكيف تحمل وظل صابرا‪ .‬ووصيته لهم ساعة الموت‪.‬‬
‫إن ال سبحانه وتعالى يذكر البناء بفضله على الباء علهم يتعظون أو يخجلون من المعصية‬
‫تماما كما يكون هناك عبد صالح أسرف أبناؤه على أنفسهم‪.‬‬
‫فيقال لهم‪:‬‬
‫أل تخجلون؟ أنتم أبناء فلن الرجل الصالح‪ .‬ل يصح أن ترتكبوا ما يغضب ال … } يَابَنِي‬
‫إِسْرَائِيلَ {‬
‫إسرائيل هو يعقوب ابن إسحاق‪ .‬وإسحاق ابن إبراهيم‪ .‬وإبراهيم انجب إسحاق وإسماعيل‪..‬‬
‫ورسولنا صلى ال عليه وسلم من ذرية إسماعيل‪ .‬وال سبحانه وتعالى يقول‪ } :‬يَابَنِي ِإسْرَائِيلَ‬
‫ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَ ِتيَ الّتِي أَ ْن َع ْمتُ عَلَ ْيكُمْ { ولكن ال سبحانه وتعالى حين يخاطب المسلمين ل يقول‬
‫اذكروا نعمة ال‪ .‬وإنما يقول‪ " :‬اذكروا ال " لن بني إسرائيل ماديون ودنيويون‪.‬‬
‫فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لهم‪ :‬مادمتم ماديين ودنيويين‪ .‬فاذكروا نعمة ال المادية عليكم‪.‬‬
‫ولكننا نحن المسلمين أمة غير مادية‪.‬‬
‫وهناك فرق بين أن يكون النسان مع النعمة‪ .‬وأن يكون مع المنعم‪ .‬الماديون يحبون النعمة‪ .‬وغير‬
‫الماديين يحبون المنعم‪ .‬ويعيشون في معيته‪ .‬ولذلك‪ .‬فخطاب المسلمين‪ " :‬اذكروا ال " لننا نحن‬
‫مع المنعم‪ .‬بينما خطابه سبحانه لبني إسرائيل‪ " :‬اذكروا نعمة ال "‬
‫والحديث القدسي يقول‪ " :‬أنا أهل أن أَتقى فل يجعل معي إله‪ ،‬فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان‬
‫أهل أن أغفر له "‬
‫فال سبحانه وتعالى واجب العبادة‪ .‬ولو لم يخلق الجنة والنار‪.‬‬
‫‪ .‬ولذلك فإن المؤمنين هم أهل البتلء من ال‪ .‬لماذا؟ لن البتلء منه نعمة‪ .‬وال سبحانه وتعالى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يباهي بعباده ملئكته‪ .‬ويقول‪ :‬إنهم يعبدونني لذاتي‪ .‬فتقول الملئكة‪ :‬بل يعبدونك لنعمتك عليهم‪.‬‬
‫فيقول سبحانه لهم‪ :‬سأقبضها عنهم ول يزالون يحبونني‪ ..‬ومن عبادي من أحب دعاءهم‪ .‬فأنا‬
‫أبتليهم حتى يقولوا يا رب‪ .‬لن أصواتهم يحبها ال سبحانه وتعالى‪ .‬ولذلك إذا ابتلى عبدا في‬
‫صحته مثل‪ .‬وسلب منه نعمة العافية‪ .‬ترى الجاهل هو الذي ينظر إلى هذا نظرة عدم الرضا‪.‬‬
‫وأما المتعمق فينظر إلى قول ال في الحديث القدسي‪ :‬أن ال عز وجل يقول يوم القيامة‪ " :‬يا ابن‬
‫آدم مرضت فلم تعدني قال‪ :‬يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال‪ :‬أما علمت أن عبدي‬
‫فلنا مرض فلم تعده‪ .‬أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " فلو فقد المؤمن نعمة العافية‪ ..‬فل‬
‫ييأس فإن ال تعالى يريده أن يعيش مع المنعم‪ ..‬وأنه طوال فترة مرضه في معية ال تعالى‪.‬‬
‫ولذلك حين يقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَ ِتيَ الّتِي أَ ْن َعمْتُ عَلَ ْيكُمْ { معناها‪.‬‬
‫إن لم تكونوا مؤمنين لذاتي‪ .‬فاستحيوا أن ترتكبوا المعصية بنعمتي التي أنعمت عليكم‪ .‬ولقد جاءت‬
‫النعمة هنا لن بني إسرائيل يعبدون ال من أجل نعمه‪.‬‬
‫} ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَتِيَ { الذكر هو الحفظ من النسيان‪ ،‬لن روتين الحياة يجعلنا ننسى المسبب للنعم‪.‬‬
‫فالشمس تطلع كل يوم‪ .‬كم منا يتذكر أنها ل تطلع إل بإذن ال فيشكره‪ .‬والمطر ينزل كل فترة‪.‬‬
‫من منا يتذكر أن المطر ينزله ال‪ .‬فيشكره‪ .‬فالذكر يكون باللسان وبالقلب‪ .‬وال سبحانه وتعالى‬
‫غيب مستور عنا‪ .‬وعظمته أنه مستور‪ .‬ولكن نعم ال سبحانه تدلنا عليه‪ ..‬فبالذكر يكون في بالنا‬
‫دائما‪ .‬وبنعمه يكون ذكره وشكره دائما‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى طلب من بني إسرائيل أن يذكروا النعمة التي أنعمها عليهم فقط‪ .‬وكان‬
‫يجب عليهم أن يطيعوا ال فيذكروا المنعم‪ .‬لن ذكر ال سبحانه وتعالى يجعلك في ركن ركين‪ .‬ل‬
‫يصل إليك مكروه ول شر‪.‬‬
‫إن ذكر ال المنعم يعطينا حركة الحياة في كل شيء‪ .‬فذكر ال يوجد في القلوب الخشوع‪ .‬ويقلل‬
‫من المعاصي وينتفع الناس كل الناس به‪ ،‬ويجعل حركة الحياة مستقيمة‪ .‬وحين يقول الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪ } .‬ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَ ِتيَ { معناها اذكروني حتى بالنعمة التي أنعمت عليكم‪ .‬وقوله تعالى‪} :‬‬
‫عهِدْنَآ إِلَىا ءَادَمَ‬
‫وََأ ْوفُواْ ِب َعهْدِي أُوفِ ِب َعهْ ِدكُمْ { العهد هو الميثاق‪ .‬واقرأ قوله سبحانه وتعالى‪ {:‬وََلقَدْ َ‬
‫جدْ لَهُ عَزْما }[طه‪]115 :‬‬
‫سيَ وََلمْ نَ ِ‬
‫مِن قَ ْبلُ فَ َن ِ‬
‫إذن فالعهد أمر موثق بين العبد وربه‪ .‬ما هو العهد الذي يريد ال من بني إسرائيل أن يوفوا به‬
‫ليفي ال بعهده لهم؟‬
‫نقول‪ :‬إما أن يكون عهد الفطرة‪ .‬وعهد الفطرة كما قلنا أن نؤمن بال ونشكره على نعمه‪ .‬وكما‬
‫قلنا إذا هبط النسان في مكان ليس في أحد‪.‬‬
‫ثم نام وقام فوجد مائدة حافلة بالنعم أمامه‪ .‬أل يسأل نفسه‪ :‬من صنع هذا؟ لو أنه فكر قليل لعرف‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أنه لبد أن يكون لها من صانع‪ .‬خصوصا أن الخلق هنا فوق قدرات البشر‪ .‬فإذا أرسل ال‬
‫سبحانه وتعالى رسول يقول إن ال هو الذي خلق وأوجد‪ .‬ولم يوجد مدع ول معارض نظرا لن‬
‫إيجاد هذه النعم فوق قدرة البشر‪ .‬تكون القضية محسومة ل سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫إذن فذكر ال وشكره واجب بالفطرة السلمية‪ ،‬ل يحتاج إلى تعقيدات وفلسفات‪ .‬والوفاء بعهد ال‬
‫أن نعبده ونشكره هو فطرة اليمان لما أعطاه لنا من نعم‪ .‬على أن الحق سبحانه وتعالى نجده‬
‫يقول‪ {:‬وََأ ْوفُواْ ِب َعهْدِي أُوفِ ِب َعهْ ِدكُمْ }[البقرة‪]40 :‬‬
‫وفي آية أخرى‪ {:‬فَا ْذكُرُونِي أَ ْذكُ ْركُمْ }[البقرة‪]152 :‬‬
‫وفي آية ثالثة‪ {:‬إِن تَنصُرُواْ اللّهَ يَنصُ ْركُ ْم وَيُثَ ّبتْ َأ ْقدَا َمكُمْ }[محمد‪]7 :‬‬
‫ما هي هذه القضية التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا إليها في هذه اليات الكريمة؟ ال‬
‫سبحانه وتعالى يريد أن نعرف أنه قد وضع في يدنا مفتاح الجنة‪ .‬ففي يد كل واحد منا مفتاح‬
‫الطريق الذي يقوده إلى الجنة أو إلى النار‪ .‬ولذلك إذا وفيت بالعهد أوفى ال‪ .‬وإذا ذكرت ال‬
‫ذكرك‪ .‬وإذا نصرت ال نصرك‪..‬‬
‫والحديث القدسي يقول‪ " :‬وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليّ ذراعا تقربت إليه‬
‫باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة "‬
‫هكذا يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا أن المفتاح في يدنا نحن‪ .‬فإذا بدأنا بالطاعة‪ .‬فإن عطاء‬
‫ال بل حدود‪ .‬وإذا تقربنا إلى ال تقرب إلينا‪ .‬وإذا بعدنا عنه نادانا‪ .‬هذا هو إيمان الفطرة‪.‬‬
‫هل هذا هو العهد المقصود من ال سبحانه في قوله‪َ } :‬أ ْوفُواْ ِب َعهْدِي أُوفِ ِب َعهْ ِدكُمْ { أو هو العهد‬
‫الذي أخذه ال على النبياء ليبلغوا أقوامهم بأنهم إذا جاء رسول مصدق لما معهم فلبد أن يؤمنوا‬
‫به وينصروه؟ فالحق سبحانه وتعالى أخذ على النبياء جميعا العهد لرسول السلم سيدنا محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ..‬أو هو العهد الذي أخذه ال بواسطة موسى عليه السلم على علماء بني‬
‫إسرائيل الذين تلقوا التوراة ولقنوها وكتبوها وحفظوها‪ .‬عهد بأل يكتموا منها شيئا‪ ..‬واقرأ قوله‬
‫ظهُورِهِمْ‬
‫س َولَ َتكْ ُتمُونَهُ فَنَبَذُو ُه وَرَآءَ ُ‬
‫تعالى‪ {:‬وَإِذْ َأخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّا ِ‬
‫وَاشْتَ َروْاْ بِهِ َثمَنا قَلِيلً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }[آل عمران‪]187 :‬‬
‫والهدف من هذا العهد‪ .‬أل يكتموا ما ورد عن السلم في التوراة‪ .‬وأل يخفوا صفات رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم التي جاءت بها‪ ..‬وال سبحانه وتعالى قد أعطى صفات رسوله محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم في التوراة وفي النجيل‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وََلمّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ‬
‫ُمصَدّقٌ ّلمَا َم َعهُمْ َوكَانُواْ مِن قَ ْبلُ يَسْ َتفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ فََلمّا جَآءَهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ فََلعْنَةُ‬
‫علَى ا ْلكَافِرِينَ }‬
‫اللّهِ َ‬
‫[البقرة‪]89 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولقد جاء القرآن الكريم‪ .‬مصدقا لما نزل من التوراة‪ .‬وعرف بنو إسرائيل أنفسهم صدق ما نزل‬
‫في القرآن‪ .‬ولكنهم كفروا لن رسول ال لم يكن من قومهم‪ ..‬وقد كان أهل الكتاب من توراة‬
‫وإنجيل يعرفون أن رسالة رسول ال هي الرسالة الخاتمة‪ .‬وأنه لبد أن يؤمن به قوم كل نبي‪ .‬هل‬
‫هذا هو العهد الذي يوجب على كافة المم اليمان برسالة محمد صلى ال عليه وسلم ونصرته إن‬
‫أدركوه‪ .‬وإن لم يدركوه فالمسئولية على أبنائهم وأحفادهم أن ينصروه ويؤمنوا به متى أدركوه‪ .‬إن‬
‫كانت هي عهد إيمان الفطرة‪ ،‬أو كانت هي عهد اليمان برسول ال صلى ال عليه وسلم فكلهما‬
‫وارد‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬أُوفِ ِب َعهْ ِد ُكمْ { أي بما وعدتكم من جنة النعيم في الخرة‪ .‬فال سبحانه وتعالى بعد‬
‫نزول السلم اختص برحمته الذين آمنوا بمحمد عليه الصلة والسلم‪ .‬وكل من لم يؤمن بهذا‬
‫الدين ل عهد له عند ال‪.‬‬
‫واقرأ قوله تبارك وتعالى عندما أخذت الرجفة موسى وقومه وطلب موسى من ال سبحانه وتعالى‬
‫الرحمة‪ .‬قال تعالى‪ {:‬وَاكْ ُتبْ لَنَا فِي هَـا ِذهِ الدّنْيَا حَسَنَ ًة َوفِي الخِ َرةِ إِنّا ُهدْنَـآ إِلَ ْيكَ قَالَ عَذَابِي‬
‫شيْءٍ َفسََأكْتُ ُبهَا ِللّذِينَ يَ ّتقُونَ وَ ُيؤْتُونَ ال ّزكَـاةَ وَالّذِينَ هُم‬
‫س َعتْ ُكلّ َ‬
‫حمَتِي وَ ِ‬
‫ُأصِيبُ ِبهِ مَنْ أَشَآ ُء وَرَ ْ‬
‫لمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ َمكْتُوبا عِندَهُمْ فِي ال ّتوْرَاةِ‬
‫ياُ‬
‫بِآيَاتِنَا ُي ْؤمِنُونَ * الّذِينَ يَتّ ِبعُونَ الرّسُولَ النّ ِب ّ‬
‫علَ ْيهِمُ ا ْلخَبَآ ِئثَ وَ َيضَعُ‬
‫ت وَيُحَرّمُ َ‬
‫حلّ َلهُمُ الطّيّبَا ِ‬
‫وَالِنْجِيلِ يَ ْأمُرُهُم بِا ْل َمعْرُوفِ وَيَ ْنهَاهُمْ عَنِ ا ْلمُ ْنكَ ِر وَيُ ِ‬
‫علَ ْيهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِ ِه وَعَزّرُوهُ وَ َنصَرُو ُه وَاتّ َبعُواْ النّورَ الّذِي‬
‫عَ ْنهُمْ ِإصْرَ ُه ْم وَالَغْلَلَ الّتِي كَا َنتْ َ‬
‫أُن ِزلَ َمعَهُ ُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ }[العراف‪]157-156 :‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل في هذه الية الكريمة‪ .‬بالعهد الذي أخذه عليهم‪ .‬وينذرهم‬
‫أن رحمته هي للمؤمنين برسول ال صلى ال عليه وسلم متى جاءت رسالته‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَإِيّايَ فَا ْرهَبُونِ { أي أنه ل توجد قوة ول قدرة في الكون إل قوة ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ .‬ولذلك فاتقوا يوما ستلقون فيه ال ويحاسبكم‪ .‬وهو سبحانه وتعالى قهار جبار‪ .‬ول نجاة‬
‫من عذابه لمن لم يؤمن‪.‬‬

‫(‪)44 /‬‬
‫وَ َآمِنُوا ِبمَا أَنْزَ ْلتُ ُمصَ ّدقًا ِلمَا َم َعكُ ْم وَلَا َتكُونُوا َأ ّولَ كَافِرٍ بِ ِه وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي َثمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ‬
‫فَا ّتقُونِ (‪)41‬‬

‫بعد أن َذكّرَ ال سبحانه وتعالى بني إسرائيل بالعهود التي قطعوها على أنفسهم سواء بعدم التبديل‬
‫والتغيير في التوراة‪ .‬لخفاء أشياء وإضافة أشياء‪ .‬وذكرهم بعهدهم بالنسبة لليمان برسول ال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صلى ال عليه وسلم الذي ذكر ال سبحانه وتعالى أوصافه في التوراة‪ .‬حتى أن الحَبْر اليهودي‬
‫ابن سلم كان يقول لقومه في المدينة‪ :‬لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لبني ومعرفتي لمحمد أشد‪.‬‬
‫أي أنه كان ُي َذكّرُ قومه‪ .‬أن أوصاف الرسول صلى ال عليه وسلم الموجودة في التوراة‪ .‬ل‬
‫تجعلهم يخطئونه‪ .‬قال الحق تبارك وتعالى‪ { :‬وَآمِنُواْ ِبمَآ أَن َز ْلتُ ُمصَدّقا ّلمَا َم َعكُمْ }‪ .‬لن القرآن‬
‫مصدق للتوراة‪ .‬والقصد هنا التوراة الحقيقية قبل أن يحرفوها‪ .‬فالقرآن ليس موافقا لما معهم من‬
‫المحرف أو المبدل من التوراة‪ .‬بل هو موافق للتوراة التي ل زيف فيها‪.‬‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪َ { :‬ولَ َتكُونُواْ َأ ّولَ كَافِرٍ بِهِ }‪ ..‬ولقد قلنا أن اليهود لم يكونوا أول‬
‫كافر بمحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬وإنما كانت قريش قد كفرت به في مكة‪ .‬المقصود في هذه الية‬
‫الكريمة أول كافر به من أهل الكتاب‪ .‬لماذا؟ لن قريشا ل صلة لها بمنهج السماء‪ .‬ول هي تعرف‬
‫شيئا عن الكتب السابقة‪ .‬ولكن أحبار اليهود كانوا يعرفون صدق الرسالة‪ .‬وكانوا يستفتحون‬
‫برسول ال صلى ال عليه وسلم على أهل المدينة ويقولون‪ " :‬جاء زمن رسول سنؤمن به ونقتلكم‬
‫قتل عاد وإرم "‪ .‬ولما جاء رسول ال صلى ال عليه وسلم بدل من أن يسارعوا باليمان به‪ .‬كانوا‬
‫أول كافر به‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى لم يفاجئ أهل الكتاب بمجيء محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬وإنما نبههم إلى‬
‫ذلك في التوراة والنجيل‪ .‬ولذلك كان يجب أن يكونوا أول المؤمنين وليس أول الكافرين‪ .‬لن‬
‫الذي جاء يعرفونه‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَلَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي َثمَنا قَلِيلً }‪ :‬الحق سبحانه وتعالى حينما يتحدث عن الصفقة‬
‫اليمانية‪ .‬يستخدم كلمة الشراء وكلمة البيع وكلمة التجارة‪ .‬اقرأ قوله تعالى‪ {:‬إِنّ اللّهَ اشْتَرَىا مِنَ‬
‫س ُه ْم وََأمْوَاَلهُمْ بِأَنّ َلهُمُ اّلجَنّةَ }[التوبة‪]111 :‬‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَنفُ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول‪َ {:‬هلْ أَ ُدلّكمْ عَلَىا ِتجَا َرةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * ُت ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَرَسُولِهِ‬
‫سكُمْ }[الصف‪]11-10 :‬‬
‫وَتُجَا ِهدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بَِأ ْموَاِلكُ ْم وَأَنفُ ِ‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى‪ ..‬استعمل كلمة الصفقة والشراء والبيع بعد ذلك في قوله تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا‬
‫س َعوْاْ إِلَىا ِذكْرِ اللّ ِه وَذَرُواْ الْبَيْعَ }[الجمعة‪]9 :‬‬
‫ج ُمعَةِ فَا ْ‬
‫لةِ مِن َيوْمِ الْ ُ‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُو ِديَ لِلصّ َ‬
‫ونعلم أن التجارة هي وساطة بين المنتج والمستهلك‪ ..‬المنتج يريد أن يبيع إنتاجه‪ .‬والمستهلك‬
‫محتاج إلى هذا النتاج‪ .‬والربح عملية تطول فترة‪ ..‬وتقصر فترة مع عملية تحرك السلعة والقبال‬
‫عليها إن كان سريعا أو بطيئا‪.‬‬
‫وعملية التجار استخدمها ال سبحانه وتعالى ليبين لنا أنها أقصر طريق إلى النفع‪ .‬فالتجارة تقوم‬
‫على يد النسان‪ .‬يشتري السلعة ويبيعها‪ .‬ولكنها مع ال سيأخذ منك بعضا من حرية نفسك‪.‬‬
‫ليعطيك أخلد وأوسع منها‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكما قلنا‪ :‬لو قارنا بين الدنيا بعمرها المحدود ـ عمر كل واحد منا ـ كم سنة؟ خمسين‪ ..‬ستين‪..‬‬
‫سبعين!! نجد أن الدنيا مهما طالت‪ ..‬ستنتهي والنسان العاقل هو الذي يضحي بالفترة الموقوته‬
‫والمنتهية ليكون له حظ في الفترة الخالدة‪ .‬وبذلك تكون هذه الصفقة رابحة‪.‬‬
‫إن النعيم في الدنيا على قدر قدرات البشر‪ .‬والنعيم في الخرة على قدر قدرات ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ .‬يأتي النسان ليقول‪ :‬لماذا أضيق على نفسي في الدنيا؟ لماذا ل أتمتع؟ نقول له‪ :‬ل‪ ..‬إن‬
‫الذي ستناله من العذاب والعقاب في الخرة ل يساوي ما أخذته من الدنيا‪ ..‬إذن الصفقة خاسرة‪.‬‬
‫أنت اشتريت زائل‪ .‬ودفعته ثمنا لنعيم خالد‪..‬‬
‫وال سبحانه وتعالى يقول لليهود‪َ } :‬ولَ َتشْتَرُواْ بِآيَاتِي َثمَنا قَلِيلً { أي ل تدفعوا اليات اليمانية‬
‫التي أعطيت لكم لتأخذوا مقابلها ثمنا قليل‪ ..‬وعندما يأخذ النسان أقل مما يعطي‪ ..‬فذلك قلب‬
‫للصفقة‪ .‬والقلب تأتي من الخسارة دائما‪..‬‬
‫وكأن الية تقول‪ :‬تدفعون آيات ال التي تكون منهجه المتكامل لتأخذوا عرضا من أعراض الدنيا‪.‬‬
‫قيمته قليلة ووقته قصير‪ .‬هذا قلب للصفقة‪.‬‬
‫ولذلك جاء الداء القرآني مقابل لهذا القلب‪ .‬ففي الصفقات‪ ..‬الثمان دائما تدفع والسلعة تؤخذ‪.‬‬
‫ولكن في هذه الحالة التي تتحدث عنها الية في قوله تعالى } َولَ َتشْتَرُواْ بِآيَاتِي َثمَنا قَلِيلً { قد‬
‫جعلت الثمن الذي يجب أن يكون مدفوعا جعلته مشتري وهذا هو الحمق والخطأ‪.‬‬
‫ال يقول } َولَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي َثمَنا قَلِيلً { أي ل تقبلوا الصفقة‪ ..‬الشيء الذي كان يجب أن تضحوا‬
‫به ل تجعلوه ثمنا‪ .‬لنك في هذه الحالة تكون قد جعلت الثمن سلعة‪ .‬مادمت ستشتري اليات‬
‫بالثمن‪ ..‬فقد جعلت آيات ال ثمنا لتحصل على مكاسب دنيوية‪ .‬وليتك جعلتها ثمنا غاليا‪ .‬بل‬
‫جعلتها ثمنا رخيصا‪.‬‬
‫لقد تنكرت لعهدك مع ال ليبقى لك مالك أو مركزك!! أما إذا ضحى النسان بشيء من متع‬
‫الدنيا‪ ..‬ليأخذ متع الخرة الباقية‪ ..‬فتكون هذه هي الصفقة الرابحة‪ .‬ذلك لن النسان في الدنيا ينعم‬
‫على قدر تصوره للنعيم‪ .‬ولكنه في الخرة ينعم على قدر تصور ال سبحانه وتعالى في النعيم‪.‬‬
‫بعض الذين ل يريدون أن يحملوا أنفسهم على منهج ال يستعجلون مكاسب الصفقة‪ .‬استعجال‬
‫أحمق‪ .‬إنهم يريدون المتعة حراما أو حلل‪ ..‬نقول لكل واحد منهم‪ :‬إن كنت مؤمنا بالخرة‪ :‬أو‬
‫غير مؤمن فالصفقة خاسرة‪ ..‬لنك في كلتا الحالتين ستعذب في النار‪ ..‬فكأنك اشتريت بإيمانك‬
‫ودينك متعة زائلة‪.‬‬
‫وجعلت الكفر ومعصية ال هما الثمن فقلبت الية‪ ،‬وجعلت الشيء الذي كان يجب أن يشتري‬
‫بمنهج ال وهو نعيم الخرة يباع‪ ..‬ويباع بماذا؟ بنعيم زائل! وعندما يأخذ النسان أقل مما‬
‫يعطي‪ ..‬يكون هذا قلبا للصفقة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فكأن الية تقول‪ :‬إنكم تدفعون آيات ال وما تعطيكم من خَيْ َريْ الدنيا والخرة لتأخذوا عرضا‬
‫زائل من أعراض الدنيا وثمنه قليل‪ .‬والثمن يكون دائما من العيان كالذهب والفضة وغيرهما‪..‬‬
‫وهي ليست سلعة‪ .‬فهب أن معك كنز قارون ذهبا‪ .‬وأنت في مكان منعزل وجائع‪ .‬أل تعطي هذا‬
‫الكنز لمن سيعطيك رغيفا‪ ..‬حتى ل تموت من الجوع؟ ولذلك يجب أل يكون المال غاية أو سلعة‪.‬‬
‫فإن جعلته غاية يكون معك المال الكثير‪ ..‬ول تشتري به شيئا لن المال غايتك‪ .‬فيفسد المجتمع‪.‬‬
‫إن المال عبد مخلص‪ .‬ولكنه سيد رديء‪ .‬هو عبدك حين تنفقه‪ .‬ولكن حين تخزنه وتتكالب عليه‬
‫يشقيك ويمرضك‪ .‬لنك أصبحت له خادما‪.‬‬
‫والية الكريمة‪ ..‬تعطينا فكرة عن اليهود لن محور حياتهم وحركتهم هو المال والذهب‪ .‬فال‬
‫سبحانه وتعالى حرم الربا لن المال في الربا يصبح سلعة‪ .‬فالمائة تأخذ بمائة وخمسين مثل‪..‬‬
‫وهذا يفسد المجتمع‪ ،‬لنه من المفروض أن يزيد المال بالعمل‪ .‬فإذا أصبحت زيادة المال بدون‬
‫عمل‪ .‬فسدت حركة الحياة‪ .‬وزاد الفقير فقرا‪ .‬وزاد الغني غنى‪ .‬وهذا ما نراه في العالم اليوم‪.‬‬
‫فالدول الفقيرة تزداد فقرا لنها تقترض المال وتتراكم عليها فوائده حتى تكون الفائدة أكثر من‬
‫الدين نفسه‪ .‬وكلما مر الوقت‪ .‬زادت الفوائد‪ .‬فيتضاعف الدين‪ .‬ويستحيل التسديد‪ .‬والدول الغنية‬
‫تزداد غنى‪ ،‬لنها تدفع القرض وتسترده بأضعاف قيمته‪.‬‬
‫وإذا قال ال سبحانه وتعالى‪َ } :‬ولَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي َثمَنا قَلِيلً { يجب أل نفهم أنه يمكن شراء آيات‬
‫ال بثمن أعلى‪ ..‬ل‪ ..‬لنه مهما ارتفع الثمن وعل سيكون قليل‪ .‬وقليل جدا‪ .‬لنه يقابل آيات ال‪.‬‬
‫وآيات ال ل تقدر بثمن‪ .‬فالصفقة خاسرة مهما كانت قيمتها‪.‬‬
‫وقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬وَإِيّايَ فَا ّتقُونِ { وفي الية السابقة قال‪ } :‬وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ { وهي‬
‫وعيد‪ .‬ولكن } وَإِيّايَ فَا ّتقُونِ { واقع‪ .‬فقوله تعالى‪ } :‬وَإِيّايَ فَا ْرهَبُونِ { هي وعيد وتحذير لما‬
‫سيأتي في الخرة‪ .‬ولكن } وَإِيّايَ فَا ّتقُونِ { يعني اتقوا صفات الجلل من ال تعالى‪ .‬وصفات‬
‫الجلل هي التي تتعلق ببطش ال وعذابه‪ .‬ومن هذه الصفات الجبار والقهار والمتكبر والقادر‬
‫والمنتقم والمذل‪ .‬وغيرها من صفات الجلل‪.‬‬
‫ال سبحانه وتعالى يقول‪ " :‬اتقوا ال " ويقول " اتقوا النار " كيف؟ نقول إن ال سبحانه وتعالى‬
‫يريدنا أن نجعل بيننا وبين النار ـ وهي أحد جنود العذاب ل سبحانه وتعالى ـ وقاية‪ .‬ويريدنا أن‬
‫نجعل بيننا وبين عذاب النار وقاية‪ .‬ويريدنا أيضا‪ ..‬أن نجعل بيننا وبين صفات الجلل في ال‬
‫وقاية‪ .‬فقوله تعالى } وَإِيّايَ فَا ّتقُونِ { أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلل في ال وقاية‪ .‬حتى ل‬
‫يصيبكم عذاب عظيم‪ .‬وكيف نجعل بيننا وبين صفات الجلل في ال وقاية؟ أن تكون أعمالنا في‬
‫الدنيا وفقا لمنهج ال سبحانه وتعالى‪ .‬إذن فالتقوى مطلوبة في الدنيا‪..‬‬

‫(‪)45 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ق وَأَنْتُمْ َتعَْلمُونَ (‪)42‬‬
‫ل وَ َتكْ ُتمُوا ا ْلحَ ّ‬
‫طِ‬
‫وَلَا تَلْبِسُوا ا ْلحَقّ بِالْبَا ِ‬

‫بعد أن حذر الحق سبحانه وتعالى اليهود من أن يبيعوا دينهم بثمن قليل وهو المال أو النفوذ‬
‫طلِ } مادة تلبس‪ .‬مأخوذة من اللباس الذي نرتديه‪.‬‬
‫حقّ بِالْبَا ِ‬
‫الدنيوي‪ .‬قال تعالى‪َ { :‬ولَ تَلْ ِبسُواْ الْ َ‬
‫واللبس هو التغطية أو التعمية بأن نخفي الحق ول نظهره‪ .‬فاللباس تغليف للجسم يستره فل يبين‬
‫تفصيلته‪..‬‬
‫والحق هو القضية الثابتة المقدرة التي ل تتغير‪ .‬فلنفرض أننا شهدنا شيئا يقع‪ .‬ثم روى كل منا ما‬
‫حدث‪ .‬إذا كنا صادقين لن يكون حديثنا إل مطابقا للحقيقة‪ .‬ولكن إذا كان هناك من يحاول تغيير‬
‫الحقيقة فيكون لكل منا رواية‪ .‬وهكذا فالحق ثابت ول يتغير‪.‬‬
‫في التوراة آيات لم يحرفها اليهود‪ ..‬وآيات محرفة‪ .‬كل اليات التي تتعلق برسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ووصفه‪ ..‬وأنه النبي الخاتم‪ ..‬حرفها اليهود‪ .‬واليات التي ل تتعلق برسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم لم يحرفوها‪ ..‬فكأنهم خلطوا الحق بالباطل‪ ..‬ما الذي جعلهم يدخلون الباطل‬
‫ويحاولون إخفاء الحقائق؟ المصلحة الولى‪ :‬ليشتروا بآيات ال ثمنا قليل‪ ..‬والباطل هو ما ل واقع‬
‫له‪ .‬ولذلك فإن أبواب الباطل متعددة‪.‬‬
‫وباب الحق واحد‪ .‬فال سبحانه وتعالى يريد أن يبلغنا أن اليهود قد وضعوا في التوراة باطل لم‬
‫يأمر به ال‪ .‬وكتموا الحقيقة عن رسالة محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬ولكن هل فعلوا ذلك عن‬
‫طريق الخطأ أو السهو أو النسيان؟ ل بل فعلوه وهم يعلمون‪ .‬نأتي مثل إلى قول الحق تبارك‬
‫خطَايَاكُ ْم وَسَنَزِيدُ ا ْلمُحْسِنِينَ }[البقرة‪:‬‬
‫وتعالى لليهود‪ {:‬وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّدا َوقُولُواْ حِطّةٌ ّنغْفِرْ َلكُمْ َ‬
‫‪]58‬‬
‫وحطة أي حط عنا يا رب ذنوبنا‪ .‬يأتي اليهود ويغيرون قول ال‪ .‬فبدل من أن يقولوا حطة‪ .‬يقولوا‬
‫حنطة‪ .‬من يسمع هذا اللفظ قد ل يتنبه ويعتقد أنهم قالوا ما أمرهم ال به‪ .‬مع أن الواقع أنهم‬
‫حرفوه‪ .‬ولذلك عندما كانوا يأتون إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم كانوا يقولون‪ :‬راعنا ليا‬
‫بألسنتهم‪ .‬وكان المفروض أن يقولوا راعينا‪ ..‬ولكنهم قالوا راعنا من الرعونة‪ ..‬وال تعالى نبه‬
‫المؤمنين برسوله صلى ال عليه وسلم أل يقولوا مثلهم‪ .‬فقال جل جلله‪ { :‬لَ َتقُولُواْ رَاعِنَا َوقُولُواْ‬
‫انْظُرْنَا }‪.‬‬
‫أي اتركوا هذه الكلمة نهائيا‪ ،‬هذا لبس الحق بالباطل‪ .‬إذن فاليهود ألبسوا الحق بالباطل‪ .‬والنسان‬
‫ل يلبس الحق بالباطل‪ ..‬إل إذا كان ل يستطيع مواجهة الحق‪ .‬لن عدم القدرة على مواجهة الحق‬
‫ضعف َنفِرّ منه إلى الباطل‪ ،‬لن الحق يتعب صاحبه‪ ..‬والنسان ل يستطيع أن يَحْمل نفسه على‬
‫الحق‪.‬‬
‫ق وَأَنْتُمْ َتعَْلمُونَ } أي أنهم يفعلون ذلك عن عمد وليس عن جهل‪ .‬فقد‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَ َتكْ ُتمُواْ ا ْلحَ ّ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يكتم النسان حقا وهو ل يعلم أنه الحق‪ .‬ولكن إذا كنت تعلمه فتلك هي النكبة لنك تخفيه عامدا‬
‫متعمدا‪ .‬أو وأنتم تعلمون‪ .‬قد يكون معناها أن اليهود ـ وهم أهل الكتاب ـ يعلمون ما سيصيبهم‬
‫في الخرة من العذاب الليم‪ ..‬بسبب إخفائهم الحق‪ .‬فهم ل يجهلون ماذا سيحدث في الخرة‪.‬‬
‫ولكنهم يقدمون على عملهم مع علمهم أنه خطأ فيكون العذاب حقا‪.‬‬

‫(‪)46 /‬‬
‫وََأقِيمُوا الصّلَا َة وَآَتُوا ال ّزكَا َة وَا ْر َكعُوا مَعَ الرّا ِكعِينَ (‪)43‬‬

‫إقامة الصلة معروفة‪ .‬وهي تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم‪ .‬بشرائطها من عناصر القيام والركوع‬
‫والسجود‪ .‬ولكن الحق يقول { وَآتُواْ ال ّزكَا َة وَا ْر َكعُواْ مَعَ الرّا ِكعِينَ } إما أنه يريد منهم أن ينضموا‬
‫إلى موكب اليمان الجامع لن صلتهم لم يكن فيها ركوع‪ .‬إذن فهو يريدهم أن يؤمنوا بمحمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ .‬ول يظنوا أن إيمانهم بموسى عليه السلم يعفيهم من أن يكونوا خاضعين لما‬
‫جاء به محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬ويقولون ديننا كافينا‪ .‬إنما جاء السلم لمن ل دين له وهم‬
‫الكفار والمشركون‪ ..‬فيقول لهم‪ { :‬ا ْر َكعُواْ َمعَ الرّا ِكعِينَ }‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتهم إلى أن صلتهم لن تقبل منهم إل أن يكون فيها ركوع‪.‬‬
‫وصلة اليهود ليس فيها ركوع‪ ..‬وإن كان فيها سجود‪ ،‬وفي كلتا الحالتين فإن الحق سبحانه‬
‫وتعالى يلفتهم إلى ضرورة اليمان برسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى حينما قال‪َ { :‬ولَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي َثمَنا قَلِيلً } يريد أن يلفتهم إلى أن العكس‬
‫هو المطلوب وأنهم كان يجب أن يشتروا اليمان ويختاروا الصفقة الرابحة‪ .‬ولن يحدث ذلك إل‬
‫إذا آمنوا بالرسول الخاتم محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬فهذا هو الطريق الوحيد لرضا ال سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫ال سبحانه وتعالى يريد أن يهدم تكبرهم على الدين الجديد فأمرهم بالصلة كما يصلي المسلمون‪.‬‬
‫وبالزكاة كما يزكي المسلمون‪ .‬فل يعتقدون أن إيمانهم بموسى والتوراة سيقبل منهم بعد أن جاء‬
‫الرسول الجديد الذي أمروا أن يؤمنوا به‪ .‬بل إن إيمانهم بموسى والتوراة‪ .‬لو كانوا مؤمنين بهما‬
‫حقا‪ ..‬يستوجب هذا اليمان عليهم أن يؤمنوا بمحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬لن التوراة تأمرهم‬
‫بذلك‪ .‬فكأن عدم إيمانهم بمحمد صلى ال عليه وسلم كفر بالتوراة ونقض لتعاليمها‪.‬‬
‫والصلة كما قلنا‪ ..‬استحضار العبد وقفته بين يدي ربه‪ .‬وحينما يقف العبد بين يدي ال‪ ..‬لبد أن‬
‫يزول كل ما في نفسه من كبرياء‪ .‬ويدخل بدل منه الخشوع والخضوع والذلة ل‪ .‬والمتكبر غافل‬
‫عن رؤية ربه الذي يقف أمامه‪ .‬إنما عدم إيمانهم بهذا النبي‪ .‬والوقوف بين يدي ال للصلة كما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يجب أن تؤدى‪ ،‬وكما فرضها ال تعالى من فوق سبع سموات‪ .‬إنما هو رفض للخضوع لوامر‬
‫ال‪.‬‬
‫وبعد ذلك تأتي الزكاة‪ .‬لن العبد المؤمن‪ .‬لبد أن يوجه حركة حياته إلى عمل نافع يتسع له ولمن‬
‫ل يقدر على الحركة في الحياة‪ .‬وال سبحانه وتعالى حينما يطالبنا بالسعي في الرض ل يطالبنا‬
‫أن يكون ذلك على قدر احتياجاتنا فقط‪ ،‬بل يطالبنا أن يكون تحركنا أكثر من حاجة حياتنا‪ .‬حتى‬
‫يتسع هذا التحرك ليشمل حياة غير القادر على حركة الحياة‪ .‬فيتسع المجتمع للجميع‪ .‬ويزول منه‬
‫الحقد والحسد‪ ،‬وتصفى النفوس‪..‬‬

‫(‪)47 /‬‬
‫سكُ ْم وَأَنْ ُتمْ تَتْلُونَ ا ْلكِتَابَ َأفَلَا َت ْعقِلُونَ (‪)44‬‬
‫سوْنَ أَ ْنفُ َ‬
‫أَتَ ْأمُرُونَ النّاسَ بِالْبِ ّر وَتَنْ َ‬

‫بعد أن لفت ال أنظار اليهود‪ .‬إلى أن عدم إيمانهم بالسلم هو كفر بالتوراة‪ ..‬لن تعاليم التوراة‬
‫تآمرهم أن يؤمنوا بالرسول الجديد‪ .‬وقد أعطوا أوصاف رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ..‬وزمنه‬
‫سكُمْ }‬
‫سوْنَ أَ ْنفُ َ‬
‫في التوراة‪ .‬وأمروا أن يؤمنوا به‪ .‬قال تبارك وتعالى‪ { :‬أَتَ ْأمُرُونَ النّاسَ بِالْبِ ّر وَتَنْ َ‬
‫لقد كان اليهود يبشرون بمجيء رسول جديد‪ .‬ويعلنون أنهم سيؤمنون به‪ .‬فلما جاء رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ولم يكن من قومهم كفروا به‪ .‬لنهم كانوا يريدون أن تكون السطوة لهم‪ .‬بأن‬
‫يأتي الرسول الجديد منهم‪ .‬فلما جاء من العرب‪ ..‬عرفوا أن سطوتهم ستزول وأن سيادتهم‬
‫القتصادية ستنتهي‪ .‬فكفروا بالرسول وبرسالته‪.‬‬
‫ولبد أن ننبه إلى أنه إذا كانت هذه اليات قد نزلت في اليهود‪ .‬فليس معناها أنها تنطبق عليهم‬
‫وحدهم‪ .‬بل هي تنطبق على أهل الكتاب جميعا‪ .‬وغير المؤمنين‪ .‬فالعبرة ليست بخصوص‬
‫الموضوع‪ .‬ولكن العبرة بعموم السبب‪.‬‬
‫إن الكلم منطبق هنا حتى على المسلمين الذين يشترون بآيات ال ثمنا قليل وهؤلء هم خطباء‬
‫الفتنة الذين رآهم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬تقرض شفاهم بمقارض من نار‪ .‬فسأل‪ :‬من‬
‫هؤلء يا جبريل‪ :‬فقال خطباء الفتنة‪ .‬إنهم الذين يزينون لكل ظالم ظلمه‪ .‬ويجعلون دين ال في‬
‫خدمة أهواء البشر‪ .‬وكان الصل أن تخضع أهواء البشر لدين ال‪ .‬وهؤلء هم الذين يحاولون ـ‬
‫تحت شعار التجديد ـ أن يجعلوا للناس حجة في أن يتحللوا من منهج ال‪ .‬فهم يبررون ما يقع‪.‬‬
‫ول يتدبرون حساب الخرة‪.‬‬
‫إن علماء الدين الذين يحملون منهج ال ليس من عملهم تبرير ما يقع من غيرهم‪ .‬ومنهج ال ل‬
‫يمكن أن يخضع أبدا لهواء البشر‪ .‬وعلى الذين يفعلون ذلك أن يتوبوا ويرجعوا إلى ال‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويحاولوا استدراك ما وقع منهم‪ .‬لن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل‪.‬‬
‫س ُكمْ } يعطينا منهجا آخر من‬
‫سوْنَ أَ ْنفُ َ‬
‫وقوله الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬أَتَ ْأمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْ َ‬
‫مناهج الدعاة‪ .‬لن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحمل منهج ال‪ ..‬يريد أن يخرج من‬
‫ل يؤمن من حركة الباطل التي ألفها‪ .‬وإخراج غير المؤمن من حركة الباطل أمر شاق على‬
‫نفسه‪ .‬لنه خروج عن الذي اعتاده‪ .‬وبُعد عما ألفه‪ .‬واعتراف أنه كان على باطل لذلك فهو يكون‬
‫مفتوح العينين على من بين له طريق اليمان ليرى هل يطبق ذلك على نفسه أم ل؟ أيطبق الناهي‬
‫عن المنكر ما يقوله؟ فإذا طبقه عرف أنه صادق في الدعوة‪ .‬وإذا لم يطبقه كان ذلك عذرا ليعود‬
‫إلى الباطل الذي كان يسيطر على حركة حياته‪.‬‬
‫إن الدين كلمة تقال‪ .‬وسلوك يفعل‪.‬‬
‫فإذا انفصلت الكلمة عن السلوك ضاعت الدعوة‪ .‬فال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِلمَ‬
‫َتقُولُونَ مَا لَ َتفْعَلُونَ * كَبُرَ َمقْتا عِندَ اللّهِ أَن َتقُولُواْ مَا لَ َت ْفعَلُونَ }[الصف‪]3-2 :‬‬
‫لماذا‪..‬؟ لن من يراك تفعل ما تنهاه عنه يعرف أنك مخادع وغشاش‪ .‬وما لم ترتضه أنت كسلوك‬
‫لنفسك‪ .‬ل يمكن أن تبشر به غيرك‪ .‬لذلك نقرأ في القرآن الكريم‪ّ {:‬لقَدْ كَانَ َلكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ‬
‫حسَنَةٌ ّلمَن كَانَ يَ ْرجُو اللّ َه وَالْ َيوْ َم الخِ َر وَ َذكَرَ اللّهَ كَثِيرا }[الحزاب‪]21 :‬‬
‫س َوةٌ َ‬
‫أُ ْ‬
‫فمنهج الدين وحده ل يكفي‪ ..‬إل بالتطبيق‪ .‬ولذلك كان رسول ال صلى ال عليه وسلم ل يأمر‬
‫أصحابه بأمر إل كان أسبقهم إليه‪ ،‬فكان المسلمون يأخذون عنه القدوة قول وعمل‪ ،‬وكان عمر بن‬
‫الخطاب رضي ال عنه‪ .‬حين يريد أن يقنن أمرا في السلم يأتي بأهله وأقاربه ويقول لهم‪ :‬لقد‬
‫بدا لي أن آمر بكذا وكذا‪ ،‬والذي نفسي بيده من خالف منكم لجعلنه نكال للمسلمين‪ .‬وكان عمر‬
‫بن الخطاب بهذا يقفل أبواب الفتنة‪ ،‬لنه يعلم من أين تأتي‪..‬‬
‫وفي الدعوة السلمية‪ ..‬لبد أن يكون العلماء قدوة لينصلح أمر الناس‪ .‬ففي كل علوم الدنيا القدوة‬
‫ليست مطلوبة‪ .‬إل في الدين‪ .‬فأنت إذا ُذكِرَ لك عالم كيمياء بارع‪ .‬وقيل لك أنه يتناول الخمر‪ .‬أو‬
‫يفعل كذا‪ .‬تقول مالي وسلوكه‪ .‬أنا آخذ عنه علم الكيمياء لنه بارع في ذلك‪ .‬ولكن ل شأن لي‬
‫بسلوكه‪ .‬وكذلك كل علماء الرض‪ .‬ما عدا عالم الدين‪ .‬فإذا كان هناك عالم يبصرك بالطريق‬
‫المستقيم‪ .‬وتتلقى عنه علوم دينك ثم بعد ذلك تعرف أنه يشرب الخمر أو يسرق‪ .‬أتستمع له؟ أبدا‪.‬‬
‫أنه يهبط من نظرك في الحال‪ .‬ول تحب أن تسمعه‪ .‬ول تجلس في مجلسه‪ .‬مهما كان علمه‪.‬‬
‫فستقول له كفاك دجل‪..‬‬
‫وهكذا فإن عالم الدين لبد أن يكون قدوة‪ .‬فل ينهى عن منكر ويفعله‪ .‬أو يأمر بمعروف وهو ل‬
‫ينفذه‪ .‬فالناس كلهم مفتحة أعينهم لما يصنع‪ .‬والسلم قبل أن ينتشر بالمنهج العلمي‪ ..‬انتشر‬
‫بالمنهج السلوكي‪ .‬وأكبر عدد من المسلمين اعتنق هذا الدين من أسوة سلوكية قادته إليه‪ .‬فالذين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نشروا السلم في الصين‪ ..‬كان أغلبهم من التجار الذين تخلقوا بأخلق السلم‪ .‬فجذبوا حولهم‬
‫حسَنُ َق ْولً ّممّن دَعَآ إِلَى اللّهِ‬
‫الكثيرين‪ .‬فاعتنقوا السلم‪ .‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬ومَنْ أَ ْ‬
‫ل صَالِحا َوقَالَ إِنّنِي مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ }[فصلت‪]33 :‬‬
‫عمِ َ‬
‫وَ َ‬
‫فالشرط الول هو الدعوة إلى ال‪ .‬والشرط الثاني العمل الصالح‪ .‬وقوله } إِنّنِي مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ { لم‬
‫ينسب الفضل لنفسه أو لذاته‪ .‬ولكنه نسب الفضل إلى السلم‪.‬‬
‫ولكن قولوا لي‪ :‬أي فائدة أن نقول أننا مسلمون ونعمل بعمل غير المسلمين؟ إذن فقوله تعالى‪} :‬‬
‫سكُمْ { يذكر ال بأن اليهود يقولون ما ل يفعلون‪ .‬ولو كانوا‬
‫سوْنَ أَ ْنفُ َ‬
‫أَتَ ْأمُرُونَ النّاسَ بِالْبِ ّر وَتَنْ َ‬
‫يؤمنون حقا بالتوراة لمنوا برسول ال صلى ال عليه وسلم وبالسلم‪ .‬لن ذلك أمر في التوراة‪.‬‬
‫ولكنهم نسوا أنفسهم‪ .‬فهم أول مخالف للتوراة‪ .‬لنهم لم يتبعوها‪ ..‬وهم يتلون كتابهم الذي يأمرهم‬
‫باليمان الجديد‪.‬‬
‫ومع أنهم متأكدون من صدق رسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬إل أنهم ل يؤمنون‪ .‬ولو كان‬
‫عندهم ذرة من العقل لمنوا بما يطلبه منهم كتابهم الذي يتلونه‪ .‬ولكنهم ل يفكرون بعقولهم‪ ،‬وإنما‬
‫يريدون علوا في الرض‪ .‬والية ـ كما قلنا ـ ل تنطبق على اليهود وحدهم‪ .‬بل على كل من‬
‫يسلك هذا السلوك‪..‬‬

‫(‪)48 /‬‬
‫شعِينَ (‪)45‬‬
‫وَاسْ َتعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ إِلّا عَلَى ا ْلخَا ِ‬

‫بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى أن اليمان قدوة‪ .‬وبعد أن لفتنا إلى أن التوراة تطالب اليهود‪ .‬بأن‬
‫يؤمنوا بمحمد عليه الصلة والسلم‪ .‬يطلب ال سبحانه وتعالى الستعانة بالصبر والصلة‪ .‬ومعنى‬
‫الستعانة بالصبر أن هناك أحداثا شاقة ستقع‪ .‬وأن المسألة لن تكون سهلة‪ .‬بل تحتاج إلى جهد‪.‬‬
‫فالصبر معناه حمل النفس على أمر صعب‪ .‬وهم ماداموا قد تعودوا على شراء آيات ال بثمن‬
‫قليل‪ ..‬لنهم قلبوا الصفقة‪ .‬فجعلوا آيات ال ثمنا لمتع الدنيا‪ .‬واشتروا بها متعهم وملذاتهم‪ .‬وبعد أن‬
‫تعودوا على الربا وغيره من وسائل الكسب الحرام‪ .‬لبد أن يستعينوا بالصبر إذا أرادوا العودة‬
‫إلى طريق اليمان‪.‬‬
‫وكما قلنا فإن المسألة ليست بخصوصية الموضوع ولكن بعموم السبب‪ .‬فإنها موجهة للجميع‪ .‬فكل‬
‫مؤمن يدخل منهج اليمان محتاج إلى الستعانة بالصبر ليحمل نفسه على مشقة المنهج وتكاليفه‪.‬‬
‫وليمنع نفسه عن الشهوات التي حرمها ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫والصبر في الية الكريمة فسره بعض العلماء بأنه الصيام‪ ،‬فكأن ال تعالى يأمرهم أن يجوعوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويصبروا على ألم الجوع‪ .‬ومشقة اليمان والصلة كما قلنا خشوع وخضوع وذلة ل‪ ..‬تنهي‬
‫استكبارهم بأن يؤمنوا بدين لم ينزل على أحد من أحبار اليهود‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫شعِينَ }‪.‬‬
‫{ وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ ِإلّ عَلَى الْخَا ِ‬
‫لةِ } الستعانة بشيئين هما الصبر والصلة‪.‬‬
‫ويطلب الحق في قوله‪ { :‬وَاسْ َتعِينُواْ بِالصّبْ ِر وَالصّ َ‬
‫وكان سياق الية يقتضي أن يقال‪ " :‬وأنهما " لكن القرآن قال‪ { :‬وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ } فهل المقصود‬
‫واحدة منهما‪ .‬الصلة فقط‪ .‬أم الصبر؟‬
‫نقول إنه عندما يأتي أمران منضمان إلى بعضهما ل تستقيم المور إل بهما معا‪ ..‬يكونان علجا‬
‫واحدا‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬يَحِْلفُونَ بِاللّهِ َلكُمْ لِيُ ْرضُوكُمْ وَاللّ ُه وَرَسُولُهُ َأحَقّ أَن يُ ْرضُوهُ إِن كَانُواْ‬
‫ُم ْؤمِنِينَ }[التوبة‪]62 :‬‬
‫فقال يرضوه ولم يقل يرضوها‪ .‬التفسير السابق نفسه نفهمه‪ :‬ليس ل حق ولرسوله حق‪ .‬ولكن ال‬
‫ورسوله يلتقيان على حق واحد‪ .‬وكذلك قوله تعالى‪ {:‬وَإِذَا رََأوْاْ ِتجَا َرةً َأوْ َلهْوا ان َفضّواْ إِلَ ْيهَا‬
‫وَتَ َركُوكَ قَآئِما }[الجمعة‪]11 :‬‬
‫وكان المفروض أن يقال إليهما‪ .‬ولكن التجارة واللهو لهما عمل واحد‪ .‬هو شغل المؤمنين عن‬
‫لةِ } لن العلج في الصبر مع الصلة‪ .‬والصبر كبير‬
‫العبادة والذكر‪ { :‬وَاسْ َتعِينُواْ بِالصّبْ ِر وَالصّ َ‬
‫أن تتحمله النفس‪ .‬وكذلك الصلة‪ .‬لنهما يأخذان من حركة حياة النسان‪ .‬والصبر هنا مطلوب‬
‫ليصبروا على ما يمتنعون عنه من نعيم الدنيا وزخرفها‪ .‬والصلة تحارب الستكبار في النفس‪.‬‬
‫فكأن الوصفة اليمانية ل تتجزأ‪ .‬فل يتم الصبر بل صلة‪ ،‬ول تتقن الصلة إل بالصبر‪.‬‬
‫شعِينَ }‪ ..‬ما معنى الخشوع؟ الخشوع هو الخضوع لمن ترى أنه‬
‫وقوله تعالى‪ِ { :‬إلّ عَلَى الْخَا ِ‬
‫فوقك بل منازع‪ .‬فالناس يتفاوتون في القيم والمواهب‪ .‬وكل واحد يحاول أن يفاخر بعلوه‬
‫ومواهبه‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬أنا خير من فلن‪ .‬أو أنت خير من فلن‪ .‬إذن فمن الممكن أن يستكبر النسان بما عنده‪.‬‬
‫ولكن النسان يخضع لمن كانت له حاجة عنده‪ .‬لنه لو تكبر عليه أتعبه في دنياه‪ .‬ولذلك أعطى‬
‫ال سبحانه وتعالى للناس المواهب على الشيوع والخشوع على الشيوع‪ .‬فكل إنسان منا محتاج‬
‫للخر‪ .‬هذا خشوع على الشيوع‪ .‬وكل إنسان منا مميز بما ل يقدر عليه غيره‪ .‬هذه مواهب على‬
‫الشيوع‪ .‬هذا في البشر‪ ،‬أما بالنسبة ل سبحانه فإنه خشوع لمن خلق ووهب وأوجد‪.‬‬
‫والخشوع يجعل النسان يستحضر عظمة الحق سبحانه ويعرف ضآلة قيمته أمام الحق سبحانه‬
‫وتعالى ومدى عجزه أمام خالق هذا الكون‪ .‬ويعلم أن كل ما عنده يمكن أن يذهب به ال تعالى في‬
‫لحظة‪ ..‬ذلك أننا نعيش في عالم الغيار‪ .‬ولذلك فنخضع للذي ل يتغير‪ .‬لن كل ما يحصل عليه‬
‫النسان هو من ال وليس من ذاته‪ .‬والذين يغترون بوجود السباب نقول لهم‪ :‬اعبدوا واخشعوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لواهب السباب وخالقها‪ .‬لن السباب ل تعمل بذاتها‪ .‬وال سبحانه وتعالى يجعل اليام دول‪ ..‬أي‬
‫متداولة بين الناس‪ .‬إنسان يفاخر بقوته‪ .‬يأتي من هو أقوى منه فيهزمه‪ .‬إنسان يفاخر بماله‪ .‬يضيع‬
‫ك الَيّامُ‬
‫س ُكمْ قَرْحٌ َفقَدْ مَسّ ا ْل َقوْمَ قَرْحٌ مّثْلُ ُه وَتِ ْل َ‬
‫هذا المال في لحظة‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬إِن َيمْسَ ْ‬
‫حبّ الظّاِلمِينَ }[آل عمران‪:‬‬
‫شهَدَآ َء وَاللّ ُه لَ ُي ِ‬
‫نُدَاوُِلهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِ َيعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَيَتّخِذَ مِنكُمْ ُ‬
‫‪]140‬‬
‫ولذلك لبد أن نفهم‪ .‬أن النسان الذي يستعلي بالسباب سيأتي وقت ل تعطيه السباب‪ .‬فالنسان‬
‫إذا بلغ في عينه وأعين الناس مرتبة الكمال‪ .‬اغتر بنفسه‪ .‬نقول له‪ :‬ل تغتر بكمالت نفسك‪ .‬فإن‬
‫كانت موجودة الن‪ .‬فستتغير غدا‪ ..‬فالخشوع ل يكون إل ل‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪} :‬‬
‫شعِينَ { من هم الخاشعون؟ الخاشع هو الطائع ل‪ .‬الممتنع عن‬
‫وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ ِإلّ عَلَى ا ْلخَا ِ‬
‫المحرمات‪ .‬الصابر على القدار‪ .‬الذي يعلم يقينا داخل نفسه أن المر ل وحده‪ .‬وليس لي قوة‬
‫أخرى‪ ..‬فيخشع لمن خلقه وخلق هذا الكون له‪.‬‬

‫(‪)49 /‬‬
‫جعُونَ (‪)46‬‬
‫الّذِينَ َيظُنّونَ أَ ّنهُمْ مُلَاقُو رَ ّبهِ ْم وَأَ ّنهُمْ إِلَيْهِ رَا ِ‬

‫بعد أن أوضح لنا الحق سبحانه وتعالى أن الصبر والصلة كبيرة إل على كل من خشع قلبه ل‪.‬‬
‫فهو يقبل عليهما بحب وإيمان ورغبة‪ .‬أراد أن يعرفنا من هم الخاشعون‪ .‬فقال جل جلله‪ { :‬الّذِينَ‬
‫يَظُنّونَ أَ ّنهُم مّلَاقُواْ رَ ّب ِهمْ }‪.‬‬
‫ما هو الظن؟ سبق أن تحدثنا عن النسب‪ .‬وقلنا هناك نسبة أنا جازم بها والواقع يصدقها‪ .‬عندما‬
‫أقول مثل‪ :‬محمد مجتهد‪ .‬فإذا كان هناك شخص اسمه محمد ومجتهد‪ .‬أكون قد جزمت بواقع‪.‬‬
‫فهذه نسبة مجزوم بها بشرط أن أستطيع أن أدلل على صدق ما أقول‪ .‬فإذا كنت جازما بالنسبة‬
‫على صدق ما أقول‪ ..‬فهذا تقليد‪ .‬مثلما يقول ابنك البالغ من العمر ست سنوات مثل‪ :‬ل إله إل ال‬
‫محمد رسول ال‪ .‬ولكن عقله الصغير ل يستطيع أن يدلل على ذلك‪ .‬وإنما هو يقلد أباه أو‬
‫مدرسيه‪..‬‬
‫فإذا كنت جازما بالشيء وهو ليس له وجود في الواقع‪ .‬فهذا هو الجهل‪ .‬والجاهل شر من المي‪.‬‬
‫لن الجاهل مؤمن بقضية ل واقع لها‪ .‬ويدافع عنها‪ .‬أما المي‪ ..‬فهو ل يعلم‪ .‬ومتى علم فإنه‬
‫يؤمن‪ .‬ولذلك لبد بالنسبة للجاهل أن تخرج الباطل من قلبه أول‪ .‬ليدخل الحق‪ .‬وإذا كانت القضية‬
‫غير مجزوم بها ومتساوية في النفي والوجود فإن ذلك يكون شكا‪ .‬فإذا رجحت إحدى الكفتين على‬
‫الخرى يكون ذلك ظنا‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪ { :‬الّذِينَ يَظُنّونَ } ولم يقل‪ :‬الذين تيقنوا أنهم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ملقوا ربهم‪ ..‬لماذا لم يستخدم الحق تعالى لفظ اليقين وأبدله بالظن؟ لن مجرد الظن أنك ملق‬
‫ال سبحانه وتعالى‪ ..‬كاف أن يجعلك تلتزم بالمنهج‪ .‬فما بالك إذا كنت متيقنا‪ .‬فمجرد الظن يكفي‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثل ـ ول المثل العلى ـ نقول‪ :‬هب أنك سائر في طريق‪ .‬وجاء‬
‫شخص يخبرك أن هذا الطريق فيه لصوص وقطاع طرق‪ .‬فمجرد هذا الكلم يجعلك ل تمشي في‬
‫هذا الطريق إل إذا كنت مسلحا ومعك شخص أو اثنان‪ .‬فأنت تفعل ذلك للحتياط‪ .‬إذن فمجرد‬
‫الظن دفعنا للحتياط‪ ..‬إذن فقوله تعالى‪َ { :‬يظُنّونَ أَ ّنهُم مّلَاقُواْ رَ ّبهِمْ } فمجرد أن القضية راجحة‪.‬‬
‫هذا يكفي لتباع منهج ال‪ .‬فتقي نفسك من عذاب عظيم‪.‬‬
‫ويقول المعرّي في آخر حياته‪:‬زعم المنجّم والطبيب كلهما ل تحشر الجساد قلتُ إليكماإن صحّ‬
‫قولكما فلسْت بخاس ٍر أو صح قولي فالخسارُ عليكمافكل مكذب بالخرة خاسر‪ .‬والنفس البشرية‬
‫لبد أن تحتاط للقاء ال‪ .‬وأن تعترف أن هناك حشرا وتعمل لذلك‪.‬‬
‫جعُونَ } والرجوع إلى‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪ { :‬الّذِينَ يَظُنّونَ أَ ّنهُم مّلَاقُواْ رَ ّبهِمْ وَأَ ّنهُمْ إِلَيْهِ رَا ِ‬
‫ال سبحانه وتعالى أمر يقيني‪ .‬فمادمت قد جئت إلى الدنيا مخلوقا من ال فأنت ـ ل محالة ـ‬
‫سترجع إليه‪.‬‬
‫وهذا اليوم يجب أن نحتاط له‪ .‬حيطة كبرى‪ .‬وأن نترقبه‪ .‬لنه يوم عظيم‪ ..‬والحق سبحانه يقول‪{:‬‬
‫عمّآ‬
‫ضعَةٍ َ‬
‫شيْءٌ عَظِيمٌ * َيوْمَ تَ َروْ َنهَا تَذْ َهلُ ُكلّ مُ ْر ِ‬
‫ياأَ ّيهَا النّاسُ ا ّتقُواْ رَ ّبكُمْ إِنّ َزلْزَلَةَ السّاعَةِ َ‬
‫عذَابَ اللّهِ‬
‫سكَارَىا وَلَـاكِنّ َ‬
‫سكَارَىا َومَا هُم ِب ُ‬
‫حمَْلهَا وَتَرَى النّاسَ ُ‬
‫ح ْملٍ َ‬
‫ض َعتْ وَ َتضَعُ ُكلّ ذَاتِ َ‬
‫أَ ْر َ‬
‫شَدِيدٌ }[الحج‪]2-1 :‬‬
‫ج َعلُ ا ْلوِلْدَانَ شِيبا }[المزمل‪]17 :‬‬
‫ويقول جل جلله‪َ {:‬فكَ ْيفَ تَ ّتقُونَ إِن َكفَرْتُمْ َيوْما يَ ْ‬
‫إذا كان هذا حالنا يوم القيامة‪ ،‬فكيف ل يكفي مجرد الظن لن نتمسك بمنهج ال‪ .‬ونحن نحتاط‬
‫لحداث دنيوية ل تساوي شيئا بالنسبة لهوال يوم القيامة‪ .‬أن الظن هنا بأننا سنلقي ال تعالى‬
‫يكفي لن نعمل له ألف حساب‪.‬‬

‫(‪)50 /‬‬
‫يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ا ْذكُرُوا ِن ْعمَ ِتيَ الّتِي أَ ْن َعمْتُ عَلَ ْيكُمْ وَأَنّي َفضّلْ ُتكُمْ عَلَى ا ْلعَاَلمِينَ (‪)47‬‬

‫يدّعي بعض الناس أن هناك تكرارا‪ .‬لليات السبع التي سبق فيها تذكير بني إسرائيل‪ .‬نقول‪ :‬ل‪.‬‬
‫لم تتكرر هذه اليات‪ ..‬وهي قوله تعالى‪ {:‬يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَتِيَ الّتِي أَ ْن َع ْمتُ عَلَ ْيكُ ْم وََأ ْوفُواْ‬
‫ِب َعهْدِي أُوفِ ِب َعهْ ِد ُك ْم وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُواْ ِبمَآ أَنزَ ْلتُ ُمصَدّقا ّلمَا َم َعكُ ْم َولَ َتكُونُواْ َأ ّولَ كَافِرٍ بِهِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ق وَأَنْ ُتمْ َتعَْلمُونَ‬
‫ل وَ َتكْ ُتمُواْ ا ْلحَ ّ‬
‫طِ‬
‫ل وَإِيّايَ فَا ّتقُونِ * َولَ تَلْبِسُواْ ا ْلحَقّ بِالْبَا ِ‬
‫وَلَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي َثمَنا قَلِي ً‬
‫سكُ ْم وَأَنْتُمْ‬
‫سوْنَ أَ ْنفُ َ‬
‫ل َة وَآتُواْ ال ّزكَا َة وَا ْر َكعُواْ مَعَ الرّا ِكعِينَ * أَتَ ْأمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْ َ‬
‫* وََأقِيمُواْ الصّ َ‬
‫شعِينَ * الّذِينَ‬
‫لةِ وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ ِإلّ عَلَى الْخَا ِ‬
‫تَتْلُونَ ا ْلكِتَابَ َأفَلَ َتعْقِلُونَ * وَاسْ َتعِينُواْ بِالصّبْ ِر وَالصّ َ‬
‫جعُونَ }[البقرة‪]46-40 :‬‬
‫يَظُنّونَ أَ ّنهُم مّلَاقُواْ رَ ّب ِه ْم وَأَ ّنهُمْ إِلَيْهِ رَا ِ‬
‫هذه اليات السبع كلها تذكر بني إسرائيل‪ .‬برسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬والذي جاء‬
‫وصف صفاته وزمنه في التوراة ولتذكيرهم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬هو نعمة إليهم‬
‫وإلى الناس جميعا‪ .‬وإذا كان ال قد فضل بني إسرائيل بأن أرسل رسل‪ .‬فليس معنى ذلك أن‬
‫ينكروا نعمة ال عليهم بالرسول الخاتم‪ .‬وبما أن أوصاف رسول ال صلى ال عليه وسلم قد‬
‫ذكرت في التوراة وطلب منهم أن يؤمنوا به وينصروه فإن عدم إيمانهم به هو كفر بالتوراة‪ .‬كما‬
‫أن النجيل بشر بمحمد صلى ال عليه وسلم وطلب منهم أن يؤمنوا به‪ .‬فعدم إيمانهم به كفر‬
‫بالنجيل‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَتِي الّتِي أَ ْن َع ْمتُ عَلَ ْيكُمْ } أي اذكروا أنني جعلت في كتابكم ما يثبت‬
‫صدق محمد صلى ال عليه وسلم في نبوته‪ .‬والمعنى اذكروا نعمتي بأني فضلتكم على العالمين‬
‫ممن عاصروكم وقت نزول رسالة موسى‪ .‬وجعلت منكم النبياء‪.‬‬
‫ومادام الحق سبحانه وتعالى‪ ..‬قد فضلهم على العالمين‪ ..‬فكيف يمّن عليهم؟ نقول الّمن هنا لشدة‬
‫النكاية بهم‪ .‬فال سبحانه وتعالى‪ .‬لشدة معصيتهم وكفرهم جعل منهم القردة والخنازير وعبد‬
‫الطاغوت‪.‬‬
‫واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وََلقَدْ عَِلمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَواْ مِ ْنكُمْ فِي السّ ْبتِ فَقُلْنَا َل ُهمْ كُونُواْ قِرَ َدةً خَاسِئِينَ }[البقرة‪:‬‬
‫‪]65‬‬
‫ج َعلَ مِ ْنهُمُ‬
‫ضبَ عَلَيْ ِه وَ َ‬
‫غ ِ‬
‫وقوله تعالى‪ُ {:‬قلْ َهلْ أُنَبّ ُئ ُكمْ بِشَرّ مّن ذاِلكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن ّلعَ َنهُ اللّ ُه وَ َ‬
‫سوَآءِ السّبِيلِ }[المائدة‪]60 :‬‬
‫ا ْلقِرَ َد َة وَالْخَنَازِي َر وَعَبَدَ الطّاغُوتَ ُأوْلَـا ِئكَ شَرّ ّمكَانا وََأضَلّ عَن َ‬
‫فال سبحانه وتعالى يبين لنا كيف كفر بنو إسرائيل بأنبيائهم وقتلوهم‪ .‬رغم أن ال تعالى أعطاهم‬
‫خيرا كثيرا‪ ..‬ولكنهم نكثوا العهد‪ ..‬فاستحقوا العذاب‪ .‬فهم لم يجعلوا نعمة ال عليهم سببا في‬
‫إخلصهم واليمان به سبحانه وتصديق منهجه‪ .‬وتصديق الرسول الخاتم الذي ذكر عندهم في‬
‫التوراة‪ .‬كان يجب أن يؤمنوا بال وأن يذكروا نعمه الكثيرة التي تفضل بها عليهم‪.‬‬
‫والحق يريد أن يلفتنا إلى أنه مادام قد أنعم عليهم‪.‬‬
‫‪ .‬فل يظنون أنهم غير مطالبين باليمان بمحمد عليه الصلة والسلم‪ .‬إنما كان لبد أن يفهموا أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم جاء ليصحح لهم كتابهم‪ .‬ويوضح لهم الطريق الصحيح‪ ..‬فكان‬
‫يجب عليهم أن ينصروه‪ .‬والنعمة ل يمكن أن تستمر مع الكفر بها‪ .‬وحتى ل نظن أن ال سبحانه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتعالى قد قسا عليهم بأن جعلهم أمما متفرقة في الرض كلها‪ .‬ثم بعد ذلك يجمعون في وطن‬
‫سكُنُواْ الَرْضَ }[السراء‪]104 :‬‬
‫واحد ليقتلوا‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪َ {:‬وقُلْنَا مِن َبعْ ِدهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ا ْ‬
‫أي أرض تلك التي طلب ال سبحانه وتعالى من بني إسرائيل أن يسكنوها؟ مادام الحق سبحانه‬
‫سكُنُواْ الَ ْرضَ { فهي الرض كل الرض‪ .‬وهل تكون الرض كلها وطنا لليهود‪.‬‬
‫وتعالى قال‪ } :‬ا ْ‬
‫طبعا ل‪ .‬ولكن الحق سبحانه كتب عليهم أن يتفرقوا في الرض‪ .‬فل تكون لهم دولة إل عندما‬
‫يشاء ال أن يجمعهم في مكان واحد‪ .‬ثم يسلط عليهم عباده المؤمنين‪ .‬والحق سبحانه وتعالى‬
‫ن وَلَ َتعْلُنّ عُُلوّا كَبِيرا * فَإِذَا‬
‫سدُنّ فِي الَ ْرضِ مَرّتَيْ ِ‬
‫يقول‪َ {:‬و َقضَيْنَآ إِلَىا بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ا ْلكِتَابِ لَ ُتفْ ِ‬
‫للَ الدّيَا ِر َوكَانَ وَعْدا ّم ْفعُولً *‬
‫شدِيدٍ َفجَاسُواْ خِ َ‬
‫جَآ َء وَعْدُ أُول ُهمَا َبعَثْنَا عَلَ ْيكُمْ عِبَادا لّنَآ ُأوْلِي بَأْسٍ َ‬
‫جعَلْنَاكُمْ َأكْثَرَ َنفِيرا }[السراء‪]6-4 :‬‬
‫ثُمّ َردَدْنَا َل ُكمُ ا ْلكَ ّرةَ عَلَ ْيهِ ْم وََأمْ َددْنَاكُم بَِأ ْموَالٍ وَبَنِينَ َو َ‬
‫هذه هي المرة الولى التي انتصر فيها المسلمون على اليهود‪ .‬يقول الحق سبحانه وتعالى‪ُ } .‬ثمّ‬
‫رَ َددْنَا َلكُمُ ا ْلكَ ّرةَ عَلَ ْي ِهمْ { ومادام الحق سبحانه وتعالى قال عليهم فهي على المسلمين‪ .‬لنهم هم‬
‫الذين انتصروا على اليهود‪ .‬وقوله تعالى‪ } :‬وََأمْ َددْنَاكُم بَِأ ْموَالٍ وَبَنِينَ { معناها أنهم ينتصرون على‬
‫المسلمين وهذا ما هو حادث الن‪ ،‬وما شاهدناه وما نشاهده في الفترة الخيرة‪ .‬أي أن المدد والقوة‬
‫تأتيهم من الخارج وليس من ذاتهم‪.‬‬
‫ونحن نرى أن إسرائيل قائمة على جلب المهاجرين اليهود من الدول الخرى وجلب الموال‬
‫والمساعدات من الدول الخرى أيضا‪ .‬أي أن كل هذا يأتيهم بمدد من الخارج‪ .‬وإسرائيل ل‬
‫تستطيع أن تعيش إل بالمهاجرين إليها‪ .‬وبالمعونات التي تأتيها‪ .‬فالمدد لبد أن يأتي من الخارج‪.‬‬
‫إذا كانت هناك معركة وطلب قائد المدد‪ ..‬فمعناه أنه يريد رجال يأتونه من خارج أرض المعركة‬
‫جعَلْنَاكُمْ َأكْثَرَ َنفِيرا { النفير هو الصوت العالي‬
‫ليصبحوا مددا وقوة لهذا الجيش‪ .‬وقوله تعالى‪ } :‬وَ َ‬
‫الذي يجذب النتباه‪ .‬ونحن نرى الن أن إسرائيل تسيطر على وسائل العلم والدعاية في العالم‪.‬‬
‫وأن صوتها عال ومسموع‪ ..‬ويقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الخِ َرةِ لِيَسُوءُواْ‬
‫سجِدَ َكمَا دَخَلُوهُ َأ ّولَ مَ ّرةٍ {‪ ..‬ومعنى هذا أن المسجد القصى سيضيع من‬
‫وُجُو َهكُ ْم وَلِيَ ْدخُلُواْ ا ْلمَ ْ‬
‫المسلمين ويصبح تحت حكم اليهود فيأتي المسلمون ويحاربونهم ويدخلون المسجد كما دخلوه أول‬
‫مرة في عهد عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ .‬ويقول ال تعالى‪ } :‬فَإِذَا جَآ َء وَعْدُ الخِ َرةِ جِئْنَا ِبكُمْ‬
‫َلفِيفا { واللفيف هو الجمع غير المتجانس‪.‬‬
‫الذي يتنافر مع نفسه ومع من حوله‪ .‬وبما أن ال سبحانه وتعالى قد قضى أن يحدث قتال بين‬
‫اليهود وبين المسلمين‪ ..‬يستعيد فيه المسلمون المسجد القصى‪ .‬فكان لبد أن يجمعهم في مكان‬
‫واحد‪ .‬لنهم لو بقوا كجاليات متفرقة في كل دول العالم ومعزولة عن المجتمعات التي يعيشون‬
‫فيها لقتضى ذلك أن يحارب المسلمون العالم كله‪ .‬ولكن ال سبحانه وتعالى سيأتي بهم من كل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫دولة إلى المكان الذي فيه بيت المقدس حتى يمكن أن يحاربهم المسلمون‪ ،‬وأن يدخلوا المسجد كما‬
‫دخلوه أول مرة‪.‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم‪ .‬وبمعاصيهم وكفرهم حتى ل يقول أحد إن‬
‫ال سبحانه كان قاسيا عليهم لنهم هم الذين كفروا‪ .‬وهم الذين عصوا وأفسدوا في الرض‪.‬‬
‫فاستحقوا هذا العقاب من ال سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫(‪)51 /‬‬
‫ل وَلَا هُمْ‬
‫خذُ مِ ْنهَا عَ ْد ٌ‬
‫شفَاعَ ٌة وَلَا ُيؤْ َ‬
‫وَاتّقُوا َي ْومًا لَا تَجْزِي َنفْسٌ عَنْ َنفْسٍ شَيْئًا وَلَا ُيقْبَلُ مِ ْنهَا َ‬
‫يُ ْنصَرُونَ (‪)48‬‬

‫قوله تعالى‪ { :‬وَا ّتقُواْ َيوْما } يذكرهم بهذا اليوم‪ .‬وهو يوم القيامة الذي ل ينفع النسان فيه إل‬
‫عمله‪ .‬ويطلب الحق سبحانه وتعالى منهم أن يجعلوا بينهم وبين صفات الجلل ل تعالى في ذلك‬
‫اليوم وقاية‪.‬‬
‫ل َولَ‬
‫إن هناك آية أخرى تقول‪ {:‬وَا ّتقُواْ َيوْما لّ تَجْزِي َنفْسٌ عَن ّنفْسٍ شَيْئا َولَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا عَ ْد ٌ‬
‫شفَاعَ ٌة َولَ هُمْ يُنصَرُونَ }[البقرة‪]123 :‬‬
‫تَن َفعُهَا َ‬
‫شفَاعَةٌ‬
‫وهذه الية وردت مرتين‪ .‬وصدر اليتين متفق‪ .‬ولكن الية الولى تقول‪َ { :‬ولَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫شفَاعَ ٌة َولَ‬
‫ل َولَ تَنفَ ُعهَا َ‬
‫ل َولَ هُمْ يُ ْنصَرُونَ } والية الثانية‪َ { :‬ولَ ُيقْبَلُ مِ ْنهَا عَ ْد ٌ‬
‫خذُ مِ ْنهَا عَ ْد ٌ‬
‫وَلَ ُيؤْ َ‬
‫هُمْ يُنصَرُونَ } هل هذا تكرار؟ نقول ل‪ .‬والمسألة تحتاج إلى فهم‪ .‬فاليتان متفقتان في مطلعهما‪:‬‬
‫في قوله تعالى‪ { :‬وَاتّقُواْ َيوْما لّ َتجْزِي َنفْسٌ عَن ّنفْسٍ شَيْئا }‪.‬‬
‫ففي الية الولى قدم الشفاعة وقال‪ :‬ل يقبل‪ .‬والثانية أخر الشفاعة وقال ل تنفع‪ .‬الشفاعة في الية‬
‫الولى مقدمة‪ .‬والعدل متأخر‪ ،‬وفي الية الثانية العدل مقدم والشفاعة مؤخرة‪ ..‬وفي الية الولى‬
‫ل يقبل منها شفاعة‪ .‬وفي الية الثانية‪ ..‬ل تنفعها شفاعة‪ .‬والمقصود بقوله تعالى‪ { :‬ا ّتقُواْ َيوْما }‬
‫لمْرُ َي ْومَئِذٍ لِلّهِ }‬
‫هو يوم القيامة الذي قال عنه سبحانه وتعالى‪َ {:‬يوْ َم لَ َتمِْلكُ َنفْسٌ لِ َنفْسٍ شَيْئا وَا َ‬
‫[النفطار‪]19 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬لّ َتجْزِي َنفْسٌ عَن ّنفْسٍ شَيْئا } كم نفسا هنا؟ إنهما اثنتان‪ .‬نفس عن نفس‪ .‬هناك‬
‫نفس أولى ونفس ثانية‪ .‬فما هي النفس الولى؟ النفس الولى هي الجازية‪ .‬والنفس الثانية‪ ..‬هي‬
‫شفَاعَةٌ } هل من النفس الولى أو‬
‫المجزي عنها‪ ..‬ومادام هناك نفسان فقوله تعالى‪ { :‬لَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫الثانية؟‬
‫إذا نظرت إلى المعنى فالمعنى أنه سيأتي إنسان صالح في يوم القيامة ويقول يا رب أنا سأجزي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عن فلن أو أغني عن فلن أو أقضي حق فلن‪ .‬النفس الولى أي النفس الجازية تحاول أن‬
‫تتحمل عن النفس المجزي عنها‪.‬‬
‫ولكي نقرب المعنى ول المثل العلى نفترض أن حاكما غضب على أحد من الناس وقرر أن‬
‫ينتقم منه أبشع انتقام‪ .‬يأتي صديق لهذا الحاكم ويحاول أن يجزي عن المغضوب عليه‪ .‬فبما لهذا‬
‫الرجل من منزلة عند الحاكم يحاول أن يشفع للطرف الثالث‪ .‬وفي هذه الحالة إما أن يقبل شفاعته‬
‫أو ل يقبلها‪ .‬فإذا لم يقبل شفاعته فإنه سيقول للحاكم أنا سأسدد ما عليه‪ ..‬أي سيدفع عنه فدية‪ ،‬ول‬
‫يتم ذلك إل إذا فسدت الشفاعة‪.‬‬
‫فإذا كانت المسألة وفي يوم القيامة ومع ال سبحانه وتعالى‪ ..‬يأتي إنسان صالح ليشفع عند ال‬
‫تبارك وتعالى لنسان أسرف على نفسه‪ .‬فلبد أن يكون هذا النسان المشفع من الصالحين حتى‬
‫تقبل شفاعته عند الحق جل جلله‪.‬‬
‫شفَعُ عِنْ َدهُ ِإلّ بِِإذْنِه }[البقرة‪]255 :‬‬
‫واقرأ قوله سبحانه‪ {:‬مَن ذَا الّذِي يَ ْ‬
‫ش َفعُونَ ِإلّ ِلمَنِ ارْ َتضَىا وَهُمْ مّنْ خَشْيَ ِتهِ‬
‫وقوله تعالى‪َ {:‬يعْلَمُ مَا بَيْنَ أَ ْيدِيهِ ْم َومَا خَ ْل َفهُ ْم َولَ يَ ْ‬
‫شفِقُونَ }[النبياء‪]28 :‬‬
‫مُ ْ‬
‫والنسان الصالح يحاول أن يشفع لمن أسرف على نفسه فل تقبل شفاعته ول يؤخذ منه عدل ول‬
‫يسمح لها بأي مساومة أخرى‪ .‬إذن ل يتكلم عن العدل في الجزاء إل إذا فشلت الشفاعة‪.‬‬
‫هنا الضمير يعود إلى النفس الجازية‪ .‬أي التي تتقدم للشفاعة عند ال‪ .‬فيقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫خذُ مِ ْنهَا عَ ْدلٌ‬
‫شفَاعَةٌ { فل يقبل منها أي مساومة أخرى‪ .‬ويقول سبحانه‪ } :‬وَلَ ُيؤْ َ‬
‫} لَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫{‪ .‬وهذا ترتيب طبيعي للحداث‪.‬‬
‫في الية الثانية يتحدث ال تبارك وتعالى عن النفس المجزي عنها قبل أن تستشفع بغيرها وتطلب‬
‫منه أن يشفع لها‪ .‬لبد أن تكون قد ضاقت حيلها وعزت عليها السباب‪ .‬فيضطر أن يذهب لغيره‪.‬‬
‫وفي هذا اعتراف بعجزه‪ .‬فيقول يا رب ماذا أفعل حتى أكفر عن ذنوبي فل يقبل منه‪ .‬فيذهب إلى‬
‫من تقبل منهم الشفاعة فل تقبل شفاعتهم‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثل من القرآن الكريم فاقرأ قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وََلوْ تَرَىا ِإذِ‬
‫جعْنَا َن ْع َملْ صَالِحا إِنّا مُوقِنُونَ }‬
‫س ِمعْنَا فَارْ ِ‬
‫س ِهمْ عِندَ رَ ّب ِهمْ رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫ا ْلمُجْ ِرمُونَ نَاكِسُواْ رُءُو ِ‬
‫[السجدة‪]12 :‬‬
‫هؤلء هم الذين يطلبون العدل من ال‪ .‬بأن يعيدهم إلى الدنيا ليكفروا عن سيئاتهم‪ .‬ويعملوا عمل‬
‫صالحا ينجيهم من العذاب‪ .‬ذلك أن الحسنات يذهبن السيئات‪..‬‬
‫فماذا كان رد الحق سبحانه وتعالى عليهم‪ .‬قال جل جلله‪ {:‬فَذُوقُواْ ِبمَا َنسِيتُمْ ِلقَآءَ َي ْو ِمكُمْ هَـاذَآ إِنّا‬
‫نَسِينَاكُ ْم َوذُوقُـواْ عَذَابَ ا ْلخُلْدِ ِبمَا كُنتُمْ َت ْعمَلُونَ }[السجدة‪]14 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهم عرضوا أن يكفروا عن سيئاتهم‪ .‬بأن طلبوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحا‪ .‬فلم يقبل ال‬
‫سبحانه وتعالى منهم هذا العرض‪ .‬اقرأ قوله تبارك وتعالى‪َ {:‬هلْ يَنظُرُونَ ِإلّ تَ ْأوِيلَهُ َيوْمَ يَأْتِي‬
‫شفَعُواْ لَنَآ َأوْ نُرَدّ‬
‫ش َفعَآءَ فَ َي ْ‬
‫سلُ رَبّنَا بِا ْلحَقّ َفهَل لّنَا مِن ُ‬
‫تَ ْأوِيلُهُ َيقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِن قَ ْبلُ قَدْ جَآ َءتْ رُ ُ‬
‫ضلّ عَ ْنهُمْ مّا كَانُواْ َيفْتَرُونَ }[العراف‪]53 :‬‬
‫سهُ ْم َو َ‬
‫خسِرُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫فَ َن ْعمَلَ غَيْرَ الّذِي كُنّا َن ْع َملُ َقدْ َ‬
‫لقد طلب هؤلء الشفاعة أول ولم تقبل‪ .‬فدخلوا في حد آخر وهو العدل فلم يؤخذ مصداقا لقوله‬
‫خذُ مِ ْنهَا عَ ْدلٌ {‪ ..‬وهكذا نرى الختلف في اليتين‪ .‬فليس‬
‫شفَاعَ ٌة َولَ ُيؤْ َ‬
‫تعالى‪َ } :‬ولَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫هناك تكرار في القرآن الكريم‪..‬‬
‫ولكن الية التي نحن بصددها تتعلق بالنفس الجازية‪ .‬أو التي تريد آن تشفع لمن أسرف على‬
‫ع ْدلٌ َولَ تَن َفعُهَا‬
‫ع ْدلٌ {‪ .‬والية الثانية‪ } :‬لَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫شفَاعَ ٌة َولَ ُيؤْخَذُ مِ ْنهَا َ‬
‫نفسه‪ } :‬وَلَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫جعْنَا‬
‫شفَاعَةٌ {‪ .‬أي أن الضمير هنا عائد على النفس المجزي عنها‪ .‬فهي تقدم العدل أول‪ } :‬ا ْر ِ‬
‫َ‬
‫َن ْع َملْ صَالِحا { فل يقبل منها‪ ،‬فتبحث عن شفعاء فل تجد ول تنفعها شفاعة‪.‬‬
‫وهذه اليات التي أوردناها من القرآن الكريم كلها تتعلق بيوم القيامة‪.‬‬
‫على أن هناك مثل آخر في قوله تعالى‪َ {:‬ولَ َتقْتُلُواْ َأ ْولَ َدكُمْ مّنْ إمْلَقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُ ْم وَإِيّا ُهمْ }‬
‫[النعام‪]151 :‬‬
‫خشْيَةَ ِإمْلقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقهُمْ وَإِيّاكُم }[السراء‪:‬‬
‫والية الثانية في قوله سبحانه‪ {:‬وَلَ َتقْتُلُواْ َأوْل َد ُكمْ َ‬
‫‪]31‬‬
‫يقول بعض الناس إن " نرزقكم " في الية الولى " ونرزقهم " في الية الثانية من جمال‬
‫لقٍ { أي من فقر موجود‪ .‬ومادام الفقر‬
‫السلوب‪ .‬نقول ل‪ .‬قوله تعالى‪َ } :‬ولَ َتقْتُلُواْ َأ ْولَ َدكُمْ مّنْ إمْ َ‬
‫موجودا فالنسان ل يريد أولدا ليزداد فقره‪ .‬ولذلك قال له الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُمْ‬
‫وَإِيّاهُمْ {‪ .‬أي أن مجيء الولد لن يزيدكم فقرا‪ .‬لن لكم رزقكم ولهم رزقهم‪ .‬وليس معنى أن لهم‬
‫رزقهم أن ذلك سينقص من رزقكم‪ ..‬فللب رزق وللولد رزق‪ .‬أما في الية الثانية‪َ } :‬ولَ َتقْتُلُواْ‬
‫خشْيَةَ ِإمْلقٍ { فكأن الفقر غير موجود‪ .‬ولكنه يخشى أن رزق بأولد بأنه الفقر‪ .‬يقول له‬
‫َأوْل َدكُمْ َ‬
‫الحق‪ } :‬نّحْنُ نَرْ ُز ُقهُمْ وَإِيّاكُم {‪ .‬أي أن رزقهم سيأتيهم قبل رزقكم‪.‬‬
‫فعندما تقرأ قول ال سبحانه وتعالى‪ } :‬ا ّتقُواْ َيوْما لّ َتجْزِي َنفْسٌ عَن ّنفْسٍ شَيْئا { مكررة في‬
‫ع ْدلٌ {‪.‬‬
‫شفَاعَ ٌة َولَ ُيؤْخَذُ مِ ْنهَا َ‬
‫اليتين ل تظن أن هذا تكرار‪ .‬لن إحداهما ختامها‪ } :‬لَ ُيقْبَلُ مِ ْنهَا َ‬
‫شفَاعَةٌ {‪ .‬فالضمير مختلف في الحالتين‪ .‬مرة يرجع إلى‬
‫ل وَلَ تَن َف ُعهَا َ‬
‫ع ْد ٌ‬
‫والثانية‪ } :‬لَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫النفس الجازية فقدم الشفاعة وأخر العدل‪ .‬ولكن في النفس المجزي عنها يتقدم العدل وبعد ذلك‬
‫الشفاعة‪.‬‬
‫شوْاْ َيوْما لّ َيجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَ ِد ِه َولَ‬
‫الحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّاسُ ا ّتقُواْ رَ ّبكُمْ وَاخْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َموْلُودٌ ُهوَ جَازٍ عَن وَاِل ِدهِ شَيْئا }[لقمان‪]33 :‬‬
‫أي أن النسان ل يمكن أن يجزى عن إنسان مهما بلغت قرابته‪ ..‬ل يجزى الولد عن أمه أو أبيه‪.‬‬
‫أو يجزى الوالد عن أولده‪ .‬واقرأ قوله تبارك وتعالى‪َ {:‬يوْمَ َيفِرّ ا ْلمَ ْرءُ مِنْ أَخِيهِ * وَُأمّ ِه وَأَبِيهِ *‬
‫َوصَاحِبَتِ ِه وَبَنِيهِ * ِل ُكلّ امْرِىءٍ مّ ْن ُهمْ َي ْومَئِذٍ شَأْنٌ ُيغْنِيهِ }[عبس‪]37-34 :‬‬
‫خذُ مِ ْنهَا عَ ْدلٌ {‪ .‬العدل هو المقابل‪.‬‬
‫ع ْدلٌ {‪ } :‬لَ ُيؤْ َ‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬لَ ُيقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫كأن يقول المسرف على نفسه يا رب فعلت كذا وأسرفت على نفسي فأعدني إلى الدنيا أعمل‬
‫صالحا‪ .‬وكلمة العدل مرة تأتي بكسر العين وهي مقابل الشيء من جنسه‪ .‬أي أن يعدل القماش‬
‫قماش مثله ويعدل الذهب ذهب مثله‪ .‬وعدل بفتح العين مقابل الشيء ولكن من غير جنسه‪ .‬والعدل‬
‫معناه الحق والعدل ل يكون إل بين خصمين‪ .‬ومعناه النصاف ومعناه الحق‪ .‬والحق هو الشيء‬
‫الثابت الذي ل يتغير‪ .‬وأنك ل تتحيز لجهة على حساب جهة أخرى‪ .‬ولذلك كان رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم عندما كان يجلس مع أصحابه يوزع نظره إلى كل الجالسين‪ ..‬حتى ل يقال أنه‬
‫مهتم بواحد منهم عن الخر‪.‬‬
‫ولبد أن نعرف ما هي النفس‪.‬‬
‫كلمة النفس إذا وردت في القرآن الكريم‪ .‬فافهم أن لها علقة بالروح‪ .‬حينما تتصل الروح بالمادة‬
‫وتعطيها الحياة توجد النفس‪ .‬المادة وحدها قبل أن تتصل بها الروح تكون مقهورة ومنقادة مسبحة‬
‫ل‪ .‬فل تقل الحياة الروحية والحياة المادية‪ .‬لن الروح مسبحة والمادة مسبحة‪ .‬ولكن عندما تلتقي‬
‫الروح بالمادة وتبدأ الحياة وتتحرك الشهوات يبدأ الخلل‪ .‬والموت يترتب عليه خروج الروح من‬
‫الجسد‪ .‬الروح تذهب إلى عالمها التسخيري‪ .‬والمادة تذهب إلى عالمها التسخيري‪ .‬وذلك يجعلنا‬
‫شهَدُ عَلَ ْي ِهمْ أَلْسِنَ ُت ُه ْم وَأَيْدِيهِ ْم وَأَ ْرجُُلهُمْ ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }‬
‫نفهم قول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬يوْمَ تَ ْ‬
‫[النور‪]24 :‬‬
‫لماذا تشهد؟ لنها لم تعد مسخرة للنسان تتبع أوامره في الطاعة والمعصية‪ .‬فحواسك مسخرة لك‬
‫بأمر ال في الحياة الدنيا وهي مسبحة وعابدة‪ .‬فإذا أطاعتك في معصية فإنها تلعنك لنك أجبرتها‬
‫سوّاهَا *‬
‫س َومَا َ‬
‫على المعصية فتأتي يوم القيامة وتشهد عليك‪ .‬وال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وَنَفْ ٍ‬
‫فَأَ ْل َه َمهَا ُفجُورَهَا وَ َتقْوَاهَا }[الشمس‪]8-7 :‬‬
‫ولقد شاع عند الناس لفظ الحياة المادية والحياة الروحية‪ .‬لن الحياة الروحية تختلف عن الروح‬
‫لمِينُ }‬
‫حاَ‬
‫التي في جسدك‪ .‬وهي تنطبق على الملئكة مصداقا لقوله تعالى‪ {:‬نَ َزلَ ِبهِ الرّو ُ‬
‫[الشعراء‪]193 :‬‬
‫وقوله جل جلله‪َ {:‬وكَذَِلكَ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ رُوحا مّنْ َأمْرِنَا }[الشورى‪]52 :‬‬
‫هذه هي الروح التي فيها النقاء والصفاء‪ .‬وقوله تعالى‪َ } :‬ولَ هُمْ يُ ْنصَرُونَ {‪ .‬أي أن ال سبحانه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتعالى إذا أقضى عليهم العذاب ل يستطيع أحد نصرهم أو وقف عذابهم‪ .‬ل يمكن أن يحدث هذا‪.‬‬
‫لن المر كله ل‪.‬‬

‫(‪)52 /‬‬
‫عوْنَ يَسُومُو َنكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَا َءكُ ْم وَيَسْ َتحْيُونَ نِسَا َء ُك ْم َوفِي َذِلكُمْ‬
‫وَإِذْ َنجّيْنَاكُمْ مِنْ َآلِ فِرْ َ‬
‫بَلَاءٌ مِنْ رَ ّب ُكمْ عَظِيمٌ (‪)49‬‬

‫بعد أن حذر ال سبحانه وتعالى بني إسرائيل من يوم ل تنفع فيه الشفاعة‪ .‬أراد أن يذكرهم بفضله‬
‫عليهم وبنعمه‪ .‬قوله تعالى‪ " :‬إذ " هي ظرف لشيء وسبق أن قلنا أن الظرف نوعان‪ .‬لن كل‬
‫حدث من الحداث يحتاج إلى زمان يقع فيه وإلى مكان يقع فيه‪ .‬وعندما أقول لك إجلس مكانك‪.‬‬
‫هذا الظرف يراد به المكان‪ .‬وعندما يخاطب ال عز وجل عباده‪ :‬أذكر إذ فعلت كذا‪ .‬أي اذكر‬
‫وقت أن فعلت كذا ظرف زمان‪ .‬وقول الحق تبارك وتعالى‪ " :‬وإذ نجيناكم " أي اذكروا الوقت‬
‫الذي نجاكم فيه من فرعون‪.‬‬
‫والية التي نحن بصددها وردت ثلث مرات في القرآن الكريم‪ .‬قوله تعالى‪ { :‬وَإِذْ نَجّيْنَاكُم مّنْ آلِ‬
‫عوْنَ َيسُومُو َنكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ ُيذَبّحُونَ أَبْنَآ َء ُك ْم وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآ َءكُ ْم َوفِي ذَِلكُمْ بَلءٌ مّن رّ ّبكُمْ‬
‫فِرْ َ‬
‫عَظِيمٌ } [البقرة‪]49 :‬‬
‫{ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ ُيقَتّلُونَ أَبْنَآ َءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآ َءكُمْ }‬
‫[العراف‪]141 :‬‬
‫عوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ‬
‫وقوله جل جلله في سورة إبراهيم‪ {:‬إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ آلِ فِرْ َ‬
‫أَبْنَآ َءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآ َءكُمْ }[إبراهيم‪]6 :‬‬
‫الختلف بين الولى والثانية هو قوله تعالى في الية الولى‪ { :‬يُذَبّحُونَ أَبْنَآ َءكُمْ }‪ .‬وفي الثانية‪{ :‬‬
‫ُيقَتّلُونَ أَبْنَآ َءكُمْ }‪ " .‬ونجينا " في الية الولى‪ " :‬وأنجينا " في الية الثانية‪ .‬ما الفرق بين نجينا‬
‫وأنجينا؟ هذا هو الخلف الذي يستحق أن تتوقف عنده‪ ..‬في سورة البقرة‪ { :‬وَِإذْ نَجّيْنَاكُم مّنْ آلِ‬
‫عوْنَ }‪ ..‬الكلم هنا من ال‪ .‬أما في سورة إبراهيم فنجد { ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَةَ اللّهِ عَلَ ْي ُكمْ إِذْ أَنجَاكُمْ }‪.‬‬
‫فِرْ َ‬
‫الكلم هنا كلم موسى عليه السلم‪ .‬ما الفرق بين كلم ال سبحانه وتعالى وكلم موسى؟‪..‬‬
‫إن كلم موسى يحكي عن كلم ال‪ .‬إن ال سبحانه وتعالى حين يمتن على عباده يمتن عليهم بقمم‬
‫النعمة‪ ،‬ول يمتن بالنعم الصغيرة‪ .‬وال تبارك وتعالى حين امتن على بني إسرائيل قال‪ { :‬نَجّيْنَاكُم‬
‫عوْنَ يَسُومُو َنكُمْ سُوءَ ا ْل َعذَابِ ُيذَبّحُونَ أَبْنَآ َءكُ ْم وَيَسْ َتحْيُونَ ِنسَآ َءكُمْ }‪ .‬ولم يتكلم عن العذاب‬
‫مّنْ آلِ فِرْ َ‬
‫الذي كان يلقيه قوم موسى من آل فرعون‪ .‬إنهم كانوا يأخذونهم أجراء في الرض ليحرثوا وفي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجبال لينحتوا الحجر وفي المنازل ليخدموا‪ .‬ومن ليس له عمل يفرضون عليه الجزية‪ .‬ولذلك‬
‫كان اليهود يمكرون ويسيرون بملبس قديمة حتى يتهاون فرعون في أخذ الجزية منهم‪ .‬وهذا‬
‫سكَنَةُ }[البقرة‪]61 :‬‬
‫معنى قول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬وضُرِبَتْ عَلَ ْيهِمُ الذّلّ ُة وَا ْلمَ ْ‬
‫أي أنهم يتمسكون ويظهرون الذلة حتى ل يدفعوا الجزية‪ .‬ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يمتن‬
‫عليهم بأنه أنجاهم من كل هذا العذاب‪ .‬بل يمتن عليهم بقمة النعمة‪ .‬وهي نجاة البناء من الذبح‬
‫واستحياء النساء‪ .‬لنهم في هذه الحالة ستستذل نساؤهم ورجالهم‪ .‬فالمرأة ل تجد رجل يحميها‬
‫وتنحرف‪.‬‬
‫كلمة نجّى وكلمة أنجى بينهما فرق كبير‪.‬‬
‫كلمة نَجّى تكون وقت نزول العذاب‪ .‬وكلمة أنجى يمنع عنهم العذاب‪ .‬الولى للتخليص من العذاب‬
‫والثانية يبعد عنهم عذاب فرعون نهائيا‪ .‬ففضل ال عليهم كان على مرحلتين‪ .‬مرحلة أنه خلصهم‬
‫من عذاب واقع عليهم‪ .‬والمرحلة الثانية أنه أبعدهم عن آل فرعون فمنع عنهم العذاب‪.‬‬
‫قوله تعالى‪ } :‬يَسُومُو َنكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ { ما هو السوء؟ إنه المشتمل على ألوان شتى من العذاب‬
‫كالجلد والسخرة والعمل بالشغال الشاقة‪ .‬ما معنى يسوم؟ يقال سام فلن خصمه أي أذله وأعنته‬
‫وأرهقه‪ .‬وسام مأخوذة من سام الماشية تركها ترعى‪ .‬لذلك سميت بالسام أي المتروكة‪ .‬وعندما‬
‫يقال إن فرعون يسوم بني إسرائيل سوء العذاب‪ .‬معناها أن كل حياتهم ذل وعذاب‪ ..‬فتجد أن ال‬
‫سبحانه وتعالى عندما يتكلم عن حكام مصر من الفراعنة يتكلم عن فراعنة قدماء كانوا في عهد‬
‫شفْ ِع وَا ْلوَتْرِ * وَالّيلِ إِذَا َيسْرِ *‬
‫عشْرٍ * وَال ّ‬
‫عاد وعهد ثمود‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَا ْلفَجْرِ * وَلَيالٍ َ‬
‫سمٌ لّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ َف َعلَ رَ ّبكَ ِبعَادٍ * إِ َرمَ ذَاتِ ا ْل ِعمَادِ * الّتِي لَمْ ُيخَْلقْ مِثُْلهَا‬
‫َهلْ فِي ذَِلكَ قَ َ‬
‫ط َغوْاْ فِي الْبِلَدِ *‬
‫لوْتَادِ * الّذِينَ َ‬
‫عوْنَ ذِى ا َ‬
‫فِي الْبِلَدِ * وَ َثمُودَ الّذِينَ جَابُواْ الصّخْرَ بِا ْلوَادِ * َوفِرْ َ‬
‫فََأكْثَرُواْ فِيهَا ا ْلفَسَادَ }[الفجر‪]12-1 :‬‬
‫أي أن ال تبارك وتعالى جاء بحضارة الفراعنة وقدماء المصريين بعد عاد وثمود‪ .‬وهذا دليل‬
‫على أن حضارة عاد وثمود قديمة‪ .‬وال سبحانه وتعالى وصف عادا بأنها التي لم يخلق مثلها في‬
‫البلد‪ .‬أي أنها حضارة أرقى من حضارة قدماء المصريين‪.‬‬
‫قد يتساءل بعض الناس كيف يصف ال سبحانه وتعالى عادا بأنها التي لم يخلق مثلها في البلد‪.‬‬
‫مع أنه يوجد الن حضارات متقدمة كثيرة‪.‬‬
‫نقول إن ال قد كشف لنا حضارة الفراعنة وآثارهم‪ .‬ولكنه أخفى عنا حضارة عاد‪ .‬ولقد وجدنا في‬
‫حضارة الفراعنة أشياء لم نصل إليها حتى الن‪ .‬مثل براعتهم في تحنيط الموتى والمحافظة على‬
‫الجثث‪ .‬وبناء الهرامات وغير ذلك‪ .‬وبما أن حضارة عاد كانت أرقى من حضارة الفراعنة‪ .‬فإنها‬
‫تكون قد وصلت إلى أسرار مازالت خافية على العالم حتى الن‪ .‬ولكنا ل نعرف شيئا عنها‪ ،‬لن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال لم يكشف لنا آثارها‪.‬‬
‫ولقد تحدث الحق تبارك وتعالى عن الفراعنة باسم فرعون‪ .‬وتكلم عنهم في أيام موسى باسم آل‬
‫فرعون‪ .‬ولكن الزمن الذي كان بين عهدي يوسف وموسى لم يسم ملك مصر فرعون‪ ،‬إنما سماه‬
‫العزيز الذي هو رئيس الوزراء ورئيسه الملك‪ .‬وقال الحق تبارك وتعالى‪َ {:‬وقَالَ ا ْلمَِلكُ ائْتُونِي‬
‫بِهِ }[يوسف‪]50 :‬‬
‫إذن فالحاكم أيام يوسف كان يسمى ملكا ولم يسم فرعون‪ .‬بينما حكام مصر قبل يوسف وبعده‬
‫كانوا يلقبون بفرعون‪ .‬ذلك لنه قبل عهد يوسف عليه السلم حكم مصر الهكسوس أهل بني‬
‫إسرائيل‪.‬‬
‫فقد أغاروا على مصر وانتصروا على الفراعنة‪ .‬وحكموا مصر سنوات حتى تجمع الفراعنة‬
‫وطردوهم منها‪.‬‬
‫والغريب أن هذه القصة لم تعرف إل بعد اكتشاف حجر رشيد‪ ،‬وفك رموز اللغة الهيروغليفية‪.‬‬
‫وكان ملوك الهكسوس من الرعاة الذين استعمروا مصر فترة‪ .‬ولذلك نرى في قصة يوسف عليه‬
‫السلم قول ال سبحانه وتعالى‪َ } :‬وقَالَ ا ْلمَِلكُ ائْتُونِي ِبهِ {‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن القرآن الكريم قد روى بدقة قصة كل حاكم في زمنه‪ .‬وصف الفراعنة بأنهم‬
‫الفراعنة‪ .‬ثم جاء الهكسوس فلم يكن هناك فرعون ولكن كان هناك ملك‪ .‬وعندما جاء موسى كان‬
‫الفراعنة قد عادوا لحكم مصر‪ .‬فإذا كان هذا المر لم نعرفه إل في مطلع القرن الخامس‪ .‬عندما‬
‫اكتشف الفرنسيون حجر رشيد‪ ،‬ولكن القرآن أرخ له التاريخ الصحيح منذ أربعة عشر قرنا‪ .‬وهذه‬
‫معجزة تنضم لمعجزات كبيرة في القرآن الكريم عن شيء كان مجهول وقت نزول القرآن‬
‫وأصبح معلوما الن‪ .‬لنجد أن القرآن جاء به في وضعه الصحيح والسليم‪.‬‬
‫بعد أن تحدثنا عن الفرق بين نجيناكم وأنجيناكم‪ .‬نتحدث عن الفرق بين } يُذَبّحُونَ أَبْنَآ َءكُمْ {‪ .‬و }‬
‫ُيقَتّلُونَ أَبْنَآ َءكُمْ {‪ ..‬الذبح غير القتل‪ ..‬الذبح لبد فيه من إراقة دماء‪ .‬والذبح عادة يتم بقطع‬
‫الشرايين عند الرقبة‪ ،‬ولكن القتل قد يكون بالذبح أو بغيره كالخنق والغراق‪ .‬كل هذا قتل ليس‬
‫شرطا فيه أن تسفك الدماء‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن فرعون حينما أراد أن ينتقم من ذرية بني إسرائيل‬
‫انتقم منهم انتقامين‪ ..‬انتقاما لنهم كانوا حلفاء للهكسوس وساعدوهم على احتلل مصر‪ .‬ولذلك‬
‫فإن ملك الهكسوس اتخذ يوسف وزيرا‪ .‬فكأن الهكسوس كانوا موالين لبني إسرائيل‪ .‬وعندما‬
‫انتصر الفراعنة انتقموا من بني إسرائيل بكل وسائل النتقام‪ .‬قتلوهم وأحرقوا عليهم بيوتهم‪.‬‬
‫أما مسألة الذبح في قوله تعالى‪ُ } :‬يذَبّحُونَ أَبْنَآ َء ُكمْ { فلقد رأى فرعون نارا هبت من ناحية بيت‬
‫المقدس فأحرقت كل المصريين ولم ينج منها غير بني إسرائيل‪ .‬فلما طلب فرعون تأويل الرؤيا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قال له الكهان يخرج من ذرية إسرائيل ولد يكون على يده نهاية ملكك‪ .‬فأمر القوابل (الدايات)‬
‫بذبح كل مولود ذكر من ذرية بني إسرائيل‪ .‬ولكن قوم فرعون الذين تعودوا السلطة قالوا‬
‫لفرعون‪ :‬إن بني إسرائيل يوشك أن ينقرضوا وهم يقومون بالخدمات لهم‪ .‬فجعل الذبح سنة والسنة‬
‫الثانية يبقون على المواليد الذكور‪ .‬وهارون ولد في السنة التي لم يكن فيها ذبح فنجا‪ .‬وموسى ولد‬
‫في السنة التي فيها ذبح فحدث ما حدث‪.‬‬
‫إذن سبب الذبح هو خوف فرعون من ضياع ملكه‪ .‬وفرض الذبح حتى يتأكد قوم فرعون من‬
‫موت المولد‪ .‬ولو فعلوه بأي طريقة أخرى كأن القوة من فوق جبل أو ضربوه بحجر غليظ‪ .‬أو‬
‫طعنوه بسيف أو برمح قد ينجو من الموت‪ .‬ولكن الذبح يجعلهم يتأكدون من موته في الحال فل‬
‫ينجو أحد‪.‬‬
‫والحق يقول‪َ } :‬يسُومُو َنكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَآ َءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآ َءكُمْ {‪ .‬كلمة البن تطلق‬
‫على الذكر‪ ،‬ولكن الولد يطلق على الذكر والنثى‪ .‬ولذلك كان الذبح للذكور فقط‪ .‬أما النساء فكانوا‬
‫يتركونهن أحياء‪.‬‬
‫ولكن لماذا لم يقل الحق تبارك وتعالى يذبحون أبناءكم ويستحيون بناتكم بدل من قوله يستحيون‬
‫نساءكم‪ .‬الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن الفكرة من هذا هو إبقاء عنصر النوثة يتمتع‬
‫بهن آل فرعون‪ .‬لذلك لم يقل بنات ولكنه قال نساء‪ .‬أي أنهم يريدونهن للمتعة وذلك للتنكيل ببني‬
‫إسرائيل‪ .‬ول يقتل رجولة الرجل إل أنه يرى الفاحشة تصنع في نسائه‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪َ } :‬وفِي ذَِلكُمْ بَلءٌ مّن رّ ّبكُمْ عَظِيمٌ {‪ .‬ما هو البلء؟ بعض الناس يقول‬
‫جعُونَ {‬
‫إن البلء هو الشر‪ .‬ولكن ال تبارك وتعالى يقول‪ } :‬وَنَبْلُوكُم بِالشّ ّر وَا ْلخَيْرِ فِتْنَ ًة وَإِلَيْنَا تُ ْر َ‬
‫إذن هناك بلء بالخير وبلء بالشر‪ .‬والبلء كلمة ل تخيف‪ .‬أما الذي يخيف هو نتيجة هذا البلء؛‬
‫لن البلء هو امتحان أو اختبار‪ .‬إن أديته ونجحت فيه كان خيرا لك‪ .‬وأن لم تؤده كان وبال‬
‫عليك‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول في خليله إبراهيم‪ {:‬وَإِذِ ابْتَلَىا إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ ِبكَِلمَاتٍ فَأَ َت ّمهُنّ قَالَ‬
‫إِنّي جَاعُِلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما }[البقرة‪]124 :‬‬
‫فإبراهيم نجح في المتحان‪ ،‬والبلء جاء لبني إسرائيل من جهتين‪ ..‬بلء الشر بتعذيبهم وتقتيلهم‬
‫وذبح أبنائهم‪ .‬وبلء الخير بإنجائهم من آل فرعون‪ .‬ولقد نجح بنو إسرائيل في البلء الول‪.‬‬
‫وصبروا على العذاب والقهر وكان بلء عظيما‪ .‬وفي البلء الثاني فعلوا أشياء سنتعرض لها في‬
‫حينها‪.‬‬

‫(‪)53 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَأَنْتُمْ تَ ْنظُرُونَ (‪)50‬‬
‫عوْ َ‬
‫وَإِذْ فَ َرقْنَا ِبكُمُ الْبَحْرَ فَأَ ْنجَيْنَاكُ ْم وَأَغْ َرقْنَا َآلَ فِرْ َ‬

‫مرة ثانية تأتي " وإذ "‪ .‬ويأتي النجاء وسيلة‪ .‬هذه الوسيلة ذكرتها الية الكريمة‪ .‬فقد خرج موسى‬
‫وقومه وكانوا ستمائة ألف كما تقول الروايات‪ .‬وعرف فرعون بخروجهم فخرج وراءهم على‬
‫رأس جيش من ألف ألف (مليون)‪ .‬عندما رآهم قوم موسى كما يروي لنا القرآن الكريم‪ {:‬قَالُواْ‬
‫أُوذِينَا مِن قَ ْبلِ أَن تَأْتِينَا َومِن َبعْدِ مَا جِئْتَنَا }[العراف‪]129 :‬‬
‫وقال لهم موسى كما جاء في الكتاب العزيز‪ {:‬عَسَىا رَ ّب ُكمْ أَن ُيهِْلكَ عَ ُد ّوكُ ْم وَيَسْ َتخِْل َفكُمْ فِي الَ ْرضِ‬
‫فَيَنظُرَ كَ ْيفَ َت ْعمَلُونَ }[العراف‪]129 :‬‬
‫وعندما جاء قوم فرعون بعددهم الضخم يقاومون قوم موسى وتراءى الجمعان أي أنهم رأوهم‬
‫رؤية العين قال قوم موسى " أنا لمدركون "‬
‫وهذا كلم منطقي‪ .‬فأمامهم البحر ووراءهم فرعون وجنوده‪ .‬ولكن حين تخرج الحداث من نطاق‬
‫السباب إلى قدرة المسبب فهي ل تخضع لسباب الكون‪ .‬ولذلك قال لهم موسى بملء فمه‪:‬‬
‫{ قَالَ كَلّ إِنّ َم ِعيَ رَبّي سَ َيهْدِينِ }‪.‬‬
‫وبذلك نقل المسألة من السباب إلى المسبب تبارك وتعالى‪ .‬فبمنطق الحداث يكون فرعون‬
‫وجنوده سيدركونهم‪ .‬ولكن بمنطق الحق سبحانه وتعالى فإنه سيهيئ لهم طريق النجاة‪.‬‬
‫وأوحى ال سبحانه وتعالى إلى موسى بأن يضرب بعصاه البحر فانفرق‪ .‬وهكذا توقف قانون الماء‬
‫وهو الستطراق والسيولة‪ .‬وانفرق البحر وأصبح كل جزء منه كالجبل‪ .‬ذرات الماء تماسكت مع‬
‫بعضها البعض لتكون جبلين كبيرين بينهما يابس يمر منه بنو إسرائيل‪.‬‬
‫هذا هو معنى قوله تعالى‪ { :‬وَِإذْ فَ َرقْنَا ِبكُمُ الْ َبحْرَ } والفرق هو الفصل بين شيئين‪ ..‬وإذا كان البحر‬
‫قد انشق‪ ..‬فأين ذهب الطين المبتل في قاع البحر؟‪ ..‬قالوا إن ال أرسل ريحا مرت عليه فجففته‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق جل جلله‪ { :‬طَرِيقا فِي الْبَحْرِ يَبَسا }‬
‫ويقال إنه حين كان موسى وقومه يعبرون البحر سألوا عن بقية إخوانهم‪ .‬فقال لهم موسى أنهم في‬
‫طرق أخرى موازية لطريقنا‪ .‬قالوا نريد أن نطمئن عليهم‪ .‬فرفع موسى يده إلى السماء وقال اللهم‬
‫أَعِنّي على أخلقهم السيئة‪ .‬فأوحى ال إلى موسى أن يضرب بعصاه الحواجز فانفتحت طاقة بين‬
‫كل ممر‪ .‬فكانوا يرون بعضهم بعضا‪.‬‬
‫وعندما رأى موسى عليه السلم فرعون وجيشه يتجهون إلى البحر ليعبروه‪ .‬أراد أن يضرب‬
‫البحر ليعود إلى السيولة‪ .‬فل يلحق بهم آل فرعون‪ .‬ولكن ال أوحى إليه‪ {:‬وَاتْ ُركِ الْبَحْرَ َرهْوا‬
‫إِ ّنهُمْ جُندٌ ّمغْ َرقُونَ }[الدخان‪]24 :‬‬
‫أي اترك البحر على ما هو عليه‪ .‬حتى يتبعكم قوم فرعون‪ .‬ظانين أنهم قادرون على أن يسلكوا‬
‫نفس الطريق ويمشوا فيه‪ .‬وحينما يكون أولهم قريبا من شاطئكم وآخرهم عند الشاطئ الخر‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أعيد الماء إلى استطراقه‪ .‬فأكون قد أنجيت وأهلكت بالسبب الواحد‪ .‬فالحق سبحانه وتعالى يريد أن‬
‫يمن على بني إسرائيل بأنه أنجاهم من العذاب وأهلك عدوهم‪.‬‬
‫فكان العطاء عطاءين‪ .‬عطاء إيجاب بأن أنجاهم‪ .‬وعطاء سلب بأن أهلك عدوهم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ { في هذه الية لم يتحدث الحق جل جلله عن فرعون‪ .‬وإنما حدث‬
‫عن إغراق آل فرعون‪ .‬لماذا؟ لن آل فرعون هم الذين أعانوه على جبروته وبطشه وطغيانه‪ .‬هم‬
‫الداة التي استخدمها لتعذيب بني إسرائيل‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى أراد أن يرى بنو إسرائيل آل فرعون وهم يغرقون فوقفوا يشاهدونهم‪ .‬وأنت‬
‫حين ترى مصرع عدوك‪ .‬تشعر بالمرارة التي في قلبك تزول‪ } .‬وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ { تحتمل معنى‬
‫آخر‪ .‬أي ينظر بعضكم إلى بعض وأنتم غير مصدقين أنكم نجوتم من هذا البلء العظيم‪ .‬وفي‬
‫نفس الوقت تطمئنون وأنتم تشاهدونهم‪ .‬وهم يغرقون دون أن ينجو منهم أحد حتى ل يدخل في‬
‫قلوبكم الشك‪ .‬أنه ربما نجى بعضهم وسيعودون بجيش ليتبعوكم‪.‬‬

‫(‪)54 /‬‬
‫جلَ مِنْ َبعْ ِدهِ وَأَنْتُمْ ظَاِلمُونَ (‪)51‬‬
‫وَإِ ْذ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْ َبعِينَ لَيَْلةً ثُمّ اتّخَذْ ُتمُ ا ْلعِ ْ‬

‫قول الحق سبحانه وتعالى { وَإِ ْذ وَاعَدْنَا مُوسَىا أَرْ َبعِينَ لَيَْلةً } هذا الوعد كان لعطاء موسى‬
‫المنهج‪ ،‬فحينما كلّم ال سبحانه وتعالى موسى بجانب الطور‪ ..‬كان هذا لبلغ موسى عليه السلم‬
‫أنه رسول من رب العالمين ـ وأنه أرسله ليخلص بني إسرائيل من طغيان فرعون وعذابه‪ ..‬وأنه‬
‫سيمده بآيات ومعجزات‪ ..‬حتى يقتنع فرعون وقومه أن موسى رسول من ال تبارك وتعالى‪ ..‬بعد‬
‫تكليف موسى بالرسالة وذهابه إلى فرعون‪ ..‬وما حدث مع السحره ثم نجاة موسى وقومه‪ ..‬بأن‬
‫شق ال جل جلله لهم البحر‪ ..‬هذا في وقت لم يكن المنهج قد نزل بعد‪ ..‬ولذلك بمجرد أن نجّى‬
‫ال سبحانه وتعالى موسى وقومه وأغرق فرعون‪ ..‬كان لبد أن يتم إبلغ موسى بالمنهج‪ .‬وكان‬
‫الوعد يشمل أربعين ليلة‪ ..‬هذه الليالي الربعون حددت كثلثين أول‪ ..‬تم أتمها الحق سبحانه‬
‫وتعالى بعشر أخرى‪ ..‬واقرأ قوله سبحانه وتعالى‪َ {:‬ووَاعَدْنَا مُوسَىا ثَلَثِينَ لَيْلَ ًة وَأَ ْت َممْنَاهَا ِبعَشْرٍ‬
‫فَتَمّ مِيقَاتُ رَبّهِ أَرْ َبعِينَ لَيْلَةً }[العراف‪]142 :‬‬
‫وعندما يتكلم الدين عن الزمن يتكلم دائما بالليلة‪ ..‬والسبب في ذلك أنك ل تستطيع أن تحدد الزمن‬
‫بدقة بالنهار‪ ..‬الشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق‪ ..‬فإذا نظرت إلى قرص الشمس‪ ..‬ل يمكن‬
‫أن تحدد في أي وقت من الشهر نحن‪ ..‬هل في أوله أو في وسطه أو في آخره‪ ..‬ولكن إذا جاء‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الليل بمجرد أن تنظر إلى القمر تستطيع أن تحدد الزمن‪ .‬فإذا كان القمر هلل فنحن في أوائل‬
‫الشهر‪ ..‬وإذا كان بدرا فنحن في وسطه وهكذا‪..‬‬
‫إن هناك مقاييس دقيقة بالنسبة للقمر وقياس الزمن في عرف الناس؛ النسان العادي يستطيع أن‬
‫يحدد لك الزمن بالتقريب بالليالي‪ ..‬ويقول لك البدوي في الصحراء‪ ،‬هذا القمر ابن كذا ليلة‪.‬‬
‫وفي منطق الدين نحسب كل شيء بدخول الليل‪ ..‬فهذه ليلة الول من شهر رمضان نصلي فيها‬
‫التراويح‪ ..‬وليلة العيد ل تصلى فيها التراويح‪ ..‬وليلة النصف من شعبان‪ ..‬وليلة السراء‬
‫والمعراج‪..‬‬
‫وفي كل مقاييس الدين الليل ل يتبع النهار إل في شيء واحد هو يوم عرفة‪ ..‬فل نقول ليلة عرفة‬
‫وإنما نقول يوم عرفة‪ ..‬إذن الليلة هي ابتداء الزمن في الدين‪ ..‬والزمن عند ال مدته اثنا عشر‬
‫شهرا للعام الواحد‪ ..‬السنة الميلدية تختلف عن السنة الهجرية‪ ..‬والسبب في ذلك أن ال سبحانه‬
‫وتعالى وزع رحمته على كونه‪ ..‬فلو أن المواقيت الدينية سارت على مواقيت الشمس‪ ..‬لجاء‬
‫رمضان مثل في شهر محدد ل يتغير‪.‬‬
‫‪ .‬يصومه الناس صيفا في مناطق محددة‪ .‬وشتاء في مناطق محددة ول يختلف أبدا‪ ..‬فيظل‬
‫رمضان يأتي في الصيف والحر دائما بالنسبة لبعض الناس‪ ..‬وفي الشتاء والبرد دائما بالنسبة‬
‫لبعض الناس‪..‬‬
‫ولكن لن السنة الهجرية تقوم على حساب الهلل‪ ..‬فمعنى ذلك أن كل نفحات ال في كونه تأتي‬
‫في كل الفصول والزمان‪ ..‬فتجد رمضان في الصيف والشتاء‪ ..‬وكذلك وقفة عرفات وكذلك كل‬
‫المناسبات الدينية الطيبة‪ ..‬لن السنة الهجرية تنقص أحد عشر يوما عن السنة الميلدية‪ ..‬والفرق‬
‫سنة كل ثلث وثلثين سنة‪.‬‬
‫جلَ مِن َبعْ ِد ِه وَأَنْ ُتمْ ظَاِلمُونَ {‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ } :‬ثُمّ اتّخَذْ ُتمُ ا ْلعِ ْ‬
‫يريد أن يمّحص بني إسرائيل‪ ..‬ويبين لنا كفرهم بنعم ال‪ .‬فال نجاهم من آل فرعون‪ ..‬ولم يكادوا‬
‫يعبرون البحر حتى رأوا قوما يعبدون الصنام‪ ..‬فقالوا كما يروى لنا القرآن الكريم‪ {:‬يامُوسَىا‬
‫ج َعلْ لّنَآ إِلَـاها َكمَا َلهُمْ آِل َهةٌ }[العراف‪]138 :‬‬
‫اْ‬
‫حدث هذا بمجرد خروجهم من البحر سالمين‪ ..‬موسى عليه السلم أخذ النقباء وذهب لميقات ربه‪.‬‬
‫وترك أخاه هارون مع بني إسرائيل‪ ..‬وبنو إسرائيل عندما كانوا في مصر‪ ..‬وكانوا يخدمون نساء‬
‫آل فرعون‪ ..‬أخذوا منهن بعض الحلي والذهب خلسة‪ ..‬ومع أن فرعون وقومه متمردون على ال‬
‫تبارك وتعالى‪ ..‬فإن هذا ل يبرر سرقة حلي نسائهم‪ ..‬فنحن ل نكافئ من عصى ال فينا بأن‬
‫نعصي ال فيه‪ ..‬ونصبح متساويين معهم في المعصية‪ ..‬ولكن نكافئ من عصى ال فينا بأن نطيع‬
‫ال فيه‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأبو الدرداء رضي ال عنه حينما بلغه أن شخصا سبه‪ ..‬بعث له كتابا قال فيه‪ ..‬يا أخي ل‬
‫تسرف في شتمنا‪ ..‬واجعل للصلح موضعا فإنا ل نكافئ من عصى ال فينا بأكثر من أن نطيع ال‬
‫فيه‪ ..‬بنو إسرائيل سرقوا بعض حلي نساء آل فرعون‪ ..‬فجعلها ال فتنة لغوائهم‪ ..‬وزين لهم‬
‫الشيطان أن يصنعوا منها عجل يعبدونه‪ ..‬صنعه لهم موسى السامري الذي رباه جبريل‪ ..‬فأخذ‬
‫الحلي وصهرها ليجعلها في صورة عجل له خوار‪ ..‬وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى‪.‬‬
‫أتعرف لماذا فتنهم ال سبحانه وتعالى بالعجل؟‬
‫لن الذهب المصنوع منه العجل من أصل حرام‪ ..‬والحرام ل يأتي منه خير مطلقا‪ ..‬ولبد أن‬
‫نأخذ العبرة من هذه الواقعة‪ ..‬وهي أن الحرام ينقلب على صاحبه شرا ووبال‪ ،‬إن كان طعامك‬
‫حراما يدخل في تكوين خلياك ويصبح في جسدك الحرام‪ ..‬فإذا دخل الحرام إلى الجسد يميل‬
‫فعلك إلى الحرام‪ ..‬فالحرام يؤرق الجسد ويسوقه إلى المعاصي‪..‬‬
‫يقول رسول ال صلى ال عليه وسلم " إن ال تعالى طيب ل يقبل إل طيبا‪ ،‬وإن ال تعالى أمر‬
‫عمَلُواْ صَالِحا‬
‫ت وَا ْ‬
‫سلُ كُلُواْ مِنَ الطّيّبَا ِ‬
‫المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى‪ } :‬ياأَ ّيهَا الرّ ُ‬
‫شكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ َتعْبُدُونَ {‬
‫{ وقال تعالى‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَ َزقْنَاكُ ْم وَا ْ‬
‫‪ ،‬ثم ذكر‪ ،‬الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام‬
‫ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأَنّى يستجاب لذلك "‪.‬‬

‫وقد حصل لبني إسرائيل الشيء نفسه وسرقوا ذهب آل فرعون فانقلب عليهم ظلما‪ ،‬وقال ال‬
‫جلَ مِن َبعْ ِد ِه وَأَنْتُمْ ظَاِلمُونَ {‪.‬‬
‫خذْتُمُ ا ْلعِ ْ‬
‫تعالى عنهم‪ُ } :‬ثمّ اتّ َ‬
‫وعد ال لموسى كما قال أهل العلم كان ثلثين ليلة‪ ..‬إتمام الثلثين ليلة يؤتيه ما وعد‪ ..‬وكلمة‬
‫وعد هي الخبار بشيء سار‪ .‬والوعيد هي الخبار بشيء سيئ‪ ..‬فإذا سمعت وعدا فأعرف أنّ ما‬
‫سيجيء بعدها خير‪ .‬وإذا سمعت وعيدا تعرف أن ما بعدها شر‪ ،‬إل آية واحدة وهي قوله سبحانه‬
‫وتعالى‪ {:‬النّا ُر وَعَدَهَا اللّهُ الّذِينَ َكفَرُواْ }[الحج‪]72 :‬‬
‫فهل الوعد هنا بخير أو المعنى اختلف؟‪ ..‬نقول‪ :‬إن كانت النار موعودا فهي شر‪ ..‬وإن كانت‬
‫النار هي الموعودة والكفار هم الموعود بهم فهي خير للنار؛ لن النار تفرح بتعذيب الكافرين من‬
‫لتِ وَ َتقُولُ َهلْ مِن مّزِيدٍ }‬
‫جهَنّمَ َهلِ امْتَ َ‬
‫عباد ال‪ ..‬ونعرف هذا الفرح من قوله تعالى‪َ {:‬يوْمَ َنقُولُ لِ َ‬
‫[ق‪]30 :‬‬
‫ول يستزيد النسان إل من شيء يحبه‪ ..‬والنار ـ ككل شيء مسخر ـ مسبحة ل تكره العصاة‪..‬‬
‫ولكنها غير مأمورة بحرقهم في الدنيا‪ ..‬ولكن في الخرة تكون سعيدة وهي تحرق العصاة‬
‫والكافرين‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)55 /‬‬
‫شكُرُونَ (‪)52‬‬
‫ع َفوْنَا عَ ْنكُمْ مِنْ َبعْدِ ذَِلكَ َلعَّلكُمْ َت ْ‬
‫ثُمّ َ‬

‫ال سبحانه وتعالى يمن على بني إسرائيل مرة أخرى‪ ..‬مع أنهم ارتكبوا ذنبا من ذنوب القمة‪..‬‬
‫ومع ذلك عفا ال عنهم لنه يريد أن يستبقي عنصر الخير للناس‪ ..‬يريد أن يعلم خلقه أنه رب‬
‫رحيم‪ .‬يفتح أبواب التوبة للواحد بعد الخر‪ ..‬لتمحو خليا الشر في النفس البشرية‪..‬‬
‫إن النسان حين يذنب ذنبا ينفلت من قضية اليمان‪ ..‬ولو لم تشرع التوبة والعفو من ال لزاد‬
‫الناس في معاصيهم وغرقوا فيها‪ ..‬لنه إذا لم تكن هناك توبة وكان الذنب الواحد يؤدي إلى‬
‫النار‪ ..‬والعقاب سينال النسان فإنه يتمادى في المعصية‪ .‬وهذا ما ل يريده ال سبحانه وتعالى‬
‫لعباده‪ ..‬وفي الحديث الشريف‪:‬‬
‫سقَطَ على بعيره وقد أضلّه في أرضٍ فلةٍ "‬
‫" لَلّهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِه مِن أحدِكم َ‬
‫معنى الحديث‪ ..‬رجل معه بعير يحمل ماله وطعامه وشرابه وكل ما يملكه‪ .‬هذا البعير تاه في‬
‫صحراء جرداء‪ ..‬بحث عنه صاحبه فلم يجده‪ ..‬لقد فقده وفقد معه كل مقومات حياته‪ ..‬ثم ينظر‬
‫فيراه أمامه‪ ..‬كيف تكون فرحته؟‪ ..‬طبعا بل حدود‪ .‬هكذا تكون فرحة ال تعالى بتوبة عبده‬
‫المؤمن بل أشد من ذلك‪.‬‬
‫إن ال تبارك وتعالى حين يفتح باب التوبة‪ .‬يريد لحركة العالم أن تسير‪ ..‬هب أن نفسا غفلت‬
‫مرة‪ ..‬أو قادتها شهوتها مرة إلى معصية‪ .‬أو وسوس الشيطان لها كما حدث مع آدم وحواء‪ .‬لو لم‬
‫تكن هناك توبة ومغفرة‪ ..‬لنقلب كل هؤلء إلى شياطين‪ ..‬بل إن أعمال الخير تأتي من الذين‬
‫أسرفوا على أنفسهم‪ ..‬فهؤلء يحسنون كثيرا ويفعلون الخير كثيرا‪ ..‬مصداقا لقوله تعالى‪ {:‬إِنّ‬
‫حسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ ذاِلكَ ِذكْرَىا لِلذّاكِرِينَ }[هود‪]114 :‬‬
‫الْ َ‬
‫طهّرُهُ ْم وَتُ َزكّيهِمْ ِبهَا }[التوبة‪]103 :‬‬
‫ص َدقَةً ُت َ‬
‫وقوله جل جلله‪ {:‬خُذْ مِنْ َأ ْموَاِلهِ ْم َ‬
‫إذن فكون ال سبحانه وتعالى يتوب على بني إسرائيل مع أنهم كفروا بالقمة في عبادة العجل‪..‬‬
‫فذلك لن ال يريد استبقاء الخير في كونه‪ ..‬ولقد عبد بنو إسرائيل العجل قبل أن ينزل عليهم‬
‫المنهج وهو التوراة‪ ..‬ولكن هل بعد أن أنزل عليهم المنهج والتوراة تابوا وأصلحوا أو استمروا‬
‫في معصيتهم وعنادهم؟‬

‫(‪)56 /‬‬
‫ب وَا ْلفُ ْرقَانَ َلعَّلكُمْ َتهْتَدُونَ (‪)53‬‬
‫وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَا َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل هنا‪ ..‬أنه بعد أن أراهم من المعجزات الكثير‪ .‬ونجاهم من‬
‫آل فرعون وشق لهم البحر ـ كان لبد أن يؤمنوا إيمانا حقيقيا ل يشوبه أي نوع من التردد‪ ..‬ذلك‬
‫لنهم رأوا وشهدوا‪ ..‬وكانت شهادتهم عين يقين‪ .‬أي شهدوا بأعينهم ماذا حدث‪..‬‬
‫ولكن هل استطاعت هذه المشاهدة أن تمحو من قلوبهم النفاق والكفر؟‪ ..‬ل‪ ..‬لقد ظلوا معاندين‬
‫طوال تاريخهم‪ .‬لم يأخذوا أي شيء بسهولة‪..‬‬
‫إن رسول ال صلى ال عليه وسلم يحذر أمته من أن يكونوا كبني إسرائيل ويكونوا قوما شددوا‬
‫فشدد ال عليهم‪ ..‬وكان ذلك بالنسبة لقصة البقرة‪ ..‬التي أمروا أن يذبحوها ليعرفوا من القاتل في‬
‫جريمة قتل كادت تثير حروبا بينهم‪ ..‬فأخذوا يسألون ما هي وما لونها إلى آخر ما سنتحدث عنه‪..‬‬
‫عندما نأتي إلى اليات الكريمة الخاصة بهذه الواقعة‪ .‬فلو ذبحوا أي بقرة لكفتهم‪ ..‬لنه يكفي أن‬
‫يقول لهم ال سبحانه وتعالى إذبحوا بقرة فيذبحوا أي بقرة‪ .‬وعدم التحديد يكون أسهل عليهم‪..‬‬
‫ولكنهم سألوا وظلوا يسألون فشدد عليهم‪ ..‬بتحديد بقرة معينة بذاتها‪ ..‬ولذلك يقول رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم " ذَرُوني ما تَ َركْ ُتكُمْ فإنما هلكَ من قبِلكُم بكثرةِ سؤاِلهِ ْم واختل ِفهِمْ على أنبيا ِئهِم فإذا‬
‫أمرتُكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا َنهَيْ ُتكُم عن شيء فدعُوه "‪.‬‬
‫ب وَا ْلفُ ْرقَانَ }‪ .‬كأن إتيان موسى الكتاب‬
‫وال سبحانه وتعالى في قوله‪ { :‬وَِإذْ آتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَا َ‬
‫والفرقان‪ ..‬نعمة يجب أن يذكرها قومه‪ ..‬وأن يستقبلوا منهج ال على أنه نعمة‪ ..‬فل يأخذ النسان‬
‫التكليف اللهي من زاوية ما يقيد حركته ول ما يعطيه له‪ ..‬ذلك أن ال حين حرم عليك السرقة‪..‬‬
‫حرم على الناس جميعا أن يسرقوك‪ ..‬فإذا أخذ منك حريتك أن تسرق‪ ..‬فقد أخذ من الناس كل‬
‫الناس حريتهم أن يسرقوا مالك‪ ..‬وهذه حماية كبيرة لك‪.‬‬
‫ما هو الكتاب‪ ..‬وما هو الفرقان؟‪ ..‬الكتاب هو التوراة‪ ..‬هو الذي يبين المنهج‪ ..‬والفرقان هو‬
‫الشياء التي يفرق ال فيها بين الحق والباطل‪ ..‬فكأن الفرقان تطلق مرة على التوراة‪ ..‬لنها تفرق‬
‫بين الحق والباطل‪ .‬وتطلق أيضا على كل ما يفرق بين الحق والباطل‪ ..‬ولذلك سمي يوم بدر يوم‬
‫الفرقان‪ ..‬لنه فرق بين الحق والباطل‪ ..‬فكأن منهج ال وكتابه يبين لنا أين الحق وأين الباطل‬
‫ويفرق بينهما‪.‬‬

‫(‪)57 /‬‬
‫سكُمْ‬
‫جلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِ ِئكُمْ فَاقْتُلُوا أَ ْنفُ َ‬
‫سكُمْ بِاتّخَا ِذكُمُ ا ْلعِ ْ‬
‫وَإِذْ قَالَ مُوسَى ِل َق ْومِهِ يَا َقوْمِ إِ ّن ُكمْ ظََلمْ ُتمْ أَ ْنفُ َ‬
‫ذَِلكُمْ خَيْرٌ َل ُكمْ عِنْدَ بَارِ ِئ ُكمْ فَتَابَ عَلَ ْيكُمْ إِنّهُ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ (‪)54‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يذكّر ال تبارك وتعالى بني إسرائيل بقصة عبادة العجل‪ .‬وهي قصة مخالفة خطيرة لمنهج ال‬
‫ومخالفة في القمة‪ ..‬عبادة ال وحده‪ .‬والذي حدث أن موسى عليه السلم ذهب لميقات ال ومعه‬
‫نقباء قومه ليتلقى المنهج والتوراة‪ ..‬وأخبره ال سبحانه وتعالى أن قومه قد ضلوا وعبدوا غير‬
‫ال‪ ..‬وعاد موسى وهو في قمة الغضب‪ .‬وأمسك بأخيه هارون يجره من رأسه ولحيته‪ ..‬ويقول له‬
‫لقد اخلفتك عليهم لكيل يضلوا‪ ،‬فقال هارون عليه السلم‪ {:‬قَالَ يَبْ َنؤُ ّم لَ تَ ْأخُذْ بِِلحْيَتِي وَلَ بِرَأْسِي‬
‫ل وَلَمْ تَ ْر ُقبْ َقوْلِي }[طه‪]94 :‬‬
‫إِنّي خَشِيتُ أَن َتقُولَ فَ ّر ْقتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآئِي َ‬
‫فتنة عبادة العجل حدثت بسبب السامري‪ ..‬والسامري اسمه موسى السامري ولدته أمه في‬
‫الصحراء وماتت فكفله جبريل ورباه‪ ..‬وكان جبريل عليه السلم يأتيه على حصان‪ ..‬يحمل له ما‬
‫يحتاج إليه من طعام وشراب‪ ،‬وكان موسى السامري يرى حصان جبريل‪ ،‬كلما مشى على‬
‫الرض وقع منه تراب فتخضر وتنبت الرض بعد هذا التراب‪ .‬وأيقن أن في حافر الحصان‬
‫سرّا‪ ..‬فأخذ قبضة من أثر الحصان ووضعها في العجل المصنوع من الذهب‪ .‬فأخذ يحدث خوارا‬
‫كأنه حي‪..‬‬
‫ول تتعجب من أن صاحب الفتنة يجد معونة من السباب حتى يفتن بها الناس‪ ..‬لن ال تبارك‬
‫وتعالى يريد أن يمتحن خلقه‪ .‬والذي يحمل دعوة الحق لبد أن يهيئه ال سبحانه وتعالى تهيئة‬
‫خاصة‪ .‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم قبل أن ينتقل إلى المدينة‪ ..‬تعرض هو والمسلمون‬
‫لبتلءات كثيرة‪ ..‬ولقد جاء حدث السراء والمعراج لرسول ال صلى ال عليه وسلم بعد أن‬
‫تخلت عنه أسباب الدنيا في مكة وذهب إلى الطائف يدعو أهلها فسلطوا عليه غلمانهم وسفهاءهم‬
‫فقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين‪ ..‬ورفع يديه إلى السماء بالدعاء المأثور‪:‬‬
‫" اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس "‪.‬‬
‫وليس هذا على الرسول وحده بل والمؤمنين معه‪ ..‬حتى أن مصعب بن عمير فتى قريش المدلل‪..‬‬
‫الذي كان عنده من الملبس والموال والعبيد ما ل يعد ول يحصى رئي بعد إسلمه وهو يرتدي‬
‫جلد حمار وذلك حتى يختبر الحق سبحانه وتعالى في قلب مصعب بن عمير حبه لليمان‪ ..‬هل‬
‫يحب الدنيا أكثر أو يحب ال ورسوله أكثر‪ ..‬حتى أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬كان يقول‬
‫للصحابة انظروا كيف فعل اليمان بصاحبكم‪.‬‬
‫وال تبارك وتعالى لبد أن يمحص ويختبر أولئك الذين سيحملون دعوته إلى الدنيا كلها‪ ..‬لبد أن‬
‫يكونوا صابرين على البلء‪ .‬أقوياء أمام خصوم الدعوة‪ ..‬مستعدين لتحمل العباء واللم‪.‬‬
‫‪ .‬لن هذا هو دليل الصدق في اليمان‪..‬‬
‫ولذلك تجد كل دعوة ضلل تأتي بالفائدة لصحابها‪ ..‬دعوة الشيوعية يستفيد منها أعضاء اللجنة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المركزية‪ ..‬أما الشعب فإنه يرتدي ملبس رخيصة‪ ..‬ويسكن في بيوت ضيقة‪ .‬أما السادة الذين‬
‫ينفقون بل حساب فهم أعضاء اللجنة المركزية‪ ..‬هذه دعوة الباطل‪ ..‬وعكس ذلك دعوة الحق‪..‬‬
‫صاحب الدعوة هو الذي يدفع أول ويضحي أول‪ .‬ل ينتفع بما يقول بل على العكس يضحي في‬
‫سبيل ما يقول‪ ..‬إذن الباطل يأتي بالخير لصاحب الدعوة‪ .‬فإذا رأيت دعوة تغدق على أتباعها‬
‫فأعلم أنها دعوة باطل‪ ..‬لول أنها أعطت بسخاء ما تبعها أحد‪.‬‬
‫والية الكريمة التي نحن بصددها هي تقريع من موسى عليه السلم لقومه‪ ..‬الذين نجاهم ال من‬
‫آل فرعون وأهلك عدوهم فاتخذوا العجل إلها‪ ..‬ومتى حدث ذلك؟ في الوقت الذي كان موسى فيه‬
‫قد ذهب لميقات ربه ليأتي بالمنهج‪ ..‬والذين اتخذوا العجل إلها‪ ..‬هل ظلموا ال سبحانه وتعالى أو‬
‫ظلموا أنفسهم؟‪ ..‬ظلموا أنفسهم لنهم أوردوها مورد التهلكة دون أن يستفيدوا شيئا‪ ..‬والظالم على‬
‫أنواع‪ ..‬ظالم في شيء أعلى أي في القمة‪ ..‬وظالم في مطلوب القمة‪ ..‬الظالم في القمة هو الذي‬
‫عظِيمٌ }[لقمان‪]13 :‬‬
‫يجعل ال شريكا ولذلك قال ال تعالى‪ {:‬إِنّ الشّ ْركَ َلظُلْمٌ َ‬
‫وعلقة الشرك بالظلم أنك جئت بمن لم يخلق ومن لم يرزق شريكا لمن خلق ورزق‪ ..‬وذلك الذي‬
‫جعلته إلها كيف يعبد؟‪ ..‬العبادة طاعة العابد للمعبود‪ ..‬فماذا قال لكم هذا العجل الذي عبدتموه من‬
‫دون ال أن تفعلوا‪ ..‬لذلك فأنتم ظالمون ظلم القمة‪ ..‬والظلم الخر هو الظلم فيما شرعت القمة‪..‬‬
‫بأن أخذتم حقوق الناس واستبحتموها‪ ..‬في كلتا الحالتين ل يقع الظلم على ال سبحانه وتعالى‬
‫ولكن على نفسك‪ .‬لماذا؟‪ ..‬لنك آمنت بال أو لم تؤمن‪ .‬سيظل هو ال القوي القادر العزيز‪ .‬لن‬
‫يُنْقصَ إِيمانك أو عدم إيمانك من ملكه شيئا‪ .‬ثم تأتي يوم القيامة فيعذبك‪ .‬فكأن الظلم وقع عليك‪..‬‬
‫وإذا أخذت حقوق الناس فقد تتمتع بها أياما أو أسابيع أو سنوات ثم تموت وتتركها وتأخذ العذاب‪.‬‬
‫فكأنك ظلمت نفسك ولم تأخذ شيئا‪ ..‬لذلك يقول الحق جل جلله‪َ {:‬ومَا ظََلمُونَا وَلَـاكِن كَانُواْ‬
‫سهُمْ َيظِْلمُونَ }[البقرة‪]57 :‬‬
‫أَ ْنفُ َ‬
‫وظلم الناس يعود على أنفسهم‪ ..‬لنه ل أحد من خلق ال يستطيع أن يظلم ال سبحانه وتعالى‪..‬‬
‫وقوله سبحانه } فَتُوبُواْ إِلَىا بَارِ ِئكُمْ {‪ ..‬الحق تبارك وتعالى قال في الية السابقة " عفونا عنكم "‬
‫ثم يقول هذه الية } فَتُوبُواْ إِلَىا بَارِ ِئ ُكمْ {‪ ..‬لن التوبة هي أصل المغفرة‪ .‬أنت تتوب عن فعلك‬
‫للذنب وتعتزم أل تعود لمثله أبدا ويقبل ال توبتك ويعفو عنك‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫وقد كان من الممكن أن يأخذهم ال بهذا الذنب ويهلكهم كما حدث بالنسبة للمم السابقة‪ ..‬أما وقد‬
‫سكُمْ‬
‫شرع ال لهم أن يتوبوا‪ .‬فهذا فضل من ال وعفو‪ ..‬ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬فَاقْتُلُواْ أَنفُ َ‬
‫سكُمْ‬
‫{‪ ..‬فانظروا إلى دقة التكليف ودقة الحيثية في قوله تعالى‪ } :‬فَتُوبُواْ إِلَىا بَارِ ِئ ُكمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُ َ‬
‫{ ال سبحانه وتعالى يقول لهم‪ ..‬أنا لم أغلب عليكم خالقا خلقكم أو آخذكم منه‪ ..‬ولكن أنا الذي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خلقتكم‪ .‬ولكن الخالق شيء والبارئ شيء آخر‪ ..‬خلق أي أوجد الشيء من عدم‪ ..‬والبارئ أي‬
‫سوّاهُ على هيئة مستقيمة وعلى أحسن تقويم‪ ..‬ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬الّذِي خََلقَ‬
‫َ‬
‫سوّىا * وَالّذِي قَدّرَ َفهَدَىا }[العلى‪]3-2 :‬‬
‫فَ َ‬
‫ومن هنا نعرف أن الخلق شيء والتسوية شيء آخر‪ ..‬بارئكم مأخوذة من برئ السهم‪ ..‬وبرئ‬
‫السهم يحتاج إلى دقة وبراعة‪.‬‬
‫سكُمْ { لن الذي خلقك وسواك كفرت به وعبدت سواه‪ .‬فكأنك في هذه‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فَاقْتُلُواْ أَنفُ َ‬
‫الحالة لبد أن تعيد له الحياة التي وهبها لك‪ ..‬وعندما نزل حكم ال تبارك وتعالى‪ ..‬جعل موسى‬
‫بني إسرائيل يقفون صفوفا‪ .‬وقال لهم أن الذي لم يعبد العجل يقتل من عبده‪ ..‬ولكنهم حين وقفوا‬
‫للتنفيذ‪ .‬كان الواحد منهم يجد ابن عمه وأخاه وذوي رحمه أمامه فيشق عليه التنفيذ‪ ..‬فرحمهم ال‬
‫بأن بعث ضبابا يسترهم حتى ل يجدوا مشقة في تنفيذ القتل‪ ..‬وقيل أنهم قتلوا من أنفسهم سبعين‬
‫ألفا‪.‬‬
‫وعندما حدث ذلك أستصرخ موسى وهارون ربهم‪ ..‬وقال البكية البكية‪ .‬أي أبكوا عسى أن يعفو‬
‫ال عنهم‪ .‬ووقفوا يبكون أمام حائط المبكى فرحمهم ال‪..‬‬
‫سكُمْ { لن هذه النفس بشهوتها وعصيانها‪ ..‬هي التي جعلتهم يتمردون‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فَاقْتُلُواْ أَنفُ َ‬
‫على المنهج‪..‬‬
‫إن التشريع هنا بالقتل هو كفارة الذنب‪ .‬لن الذي عبد العجل واتخذ إلها آخر غير ال‪ .‬كونه يقدم‬
‫نفسه ليقتل فهذا اعتراف منه بأن العجل الذي كان يعبده باطل‪ ..‬وهو بذلك يعيد نفسه التي تمردت‬
‫على منهج ال إلى العبادة الصحيحة‪ ..‬وهذا أقسى أنواع الكفارة‪ ..‬وهو أن يقتل نفسه إثباتا‬
‫ليمانه‪ ..‬بأنه ل إله إل ال وندما على ما فعل وإعلنا لذلك‪ ..‬فكأن القتل هنا شهادة صادقة للعودة‬
‫إلى اليمان‪.‬‬
‫وقوله تعالى } ذَاِل ُكمْ خَيْرٌ ّلكُمْ عِنْدَ بَارِ ِئكُمْ {‪ ..‬أي أن هذه التوبة هي أصدق أنواع التوبة‪ ..‬وهي‬
‫خير لنها تنجيكم من عذاب الخرة‪ ..‬وقوله سبحانه } فَتَابَ عَلَ ْيكُمْ إِنّهُ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ {‪ .‬التوبة‬
‫الولى أنه شرع لكم الكفارة‪ ..‬والتوبة الثانية عندما تقبل منكم توبتكم‪ ..‬وعفا عنكم عفوا أبديا‪.‬‬

‫(‪)58 /‬‬
‫عقَ ُة وَأَنْتُمْ تَ ْنظُرُونَ (‪)55‬‬
‫خذَ ْتكُمُ الصّا ِ‬
‫جهْ َرةً فَأَ َ‬
‫وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ ُن ْؤمِنَ َلكَ حَتّى نَرَى اللّهَ َ‬

‫بعد أن تاب ال على قوم موسى بعد عبادتهم للعجل‪ ..‬عادوا مرة أخرى إلى عنادهم وماديتهم‪ .‬فهم‬
‫كانوا يريدون إلها ماديا‪ ..‬إلها يرونه ولكن الله من عظمته أنه غيب ل تدركه البصار‪ ..‬واقرأ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ك الَ ْبصَا َر وَ ُهوَ اللّطِيفُ ا ْلخَبِيرُ }[النعام‪]103 :‬‬
‫قوله تعالى‪ {:‬لّ تُدْ ِركُ ُه الَ ْبصَا ُر وَ ُهوَ يُدْ ِر ُ‬
‫فكون ال سبحانه وتعالى فوق إدراك البشر‪ ..‬هذا من عظمته جل جلله‪ ..‬ولكن اليهود الذين ل‬
‫يؤمنون إل بالشيء المادي المحس‪ ..‬ل تتسع عقولهم ول قلوبهم إلى أن ال سبحانه وتعالى فوق‬
‫المادة وفوق البصار‪ ..‬وهذه النظرة المادية نظرة حمقاء‪ ..‬وال تبارك وتعالى قد لفتنا إلى قضية‬
‫سكُمْ َأفَلَ تُ ْبصِرُونَ }[الذاريات‪]21 :‬‬
‫رؤيته جهرا في الدنيا‪ ..‬بقوله تعالى‪َ {:‬وفِي أَنفُ ِ‬
‫أي أن ال جل جلله وضع دليل القمة على وجود ال الذي ل تدركه البصار‪ .‬وضع هذا الدليل‬
‫في نفس كل واحد منا‪ .‬وهي الروح الموجودة في الجسد‪ ..‬والنسان مخلوق من مادة نفخت فيها‬
‫الروح فدبت فيها الحياة والحركة والحس‪ ..‬إذن كل ما في جسدك من حياة‪ ..‬ليس راجعا إلى‬
‫المادة التي تراها أمامك‪ ..‬وإنما يرجع إلى الروح التي ل تستطيع أن تدركها إل بآثارها‪ ..‬فإذا‬
‫خرجت الروح ذهبت الحياة وأصبح الجسد رمة‪.‬‬
‫إذا كانت هذه الروح التي في جسدك‪ ..‬والتي تعطيك الحياة ل تستطيع أن تدركها مع أنها موجودة‬
‫داخلك‪ ..‬فكيف تريد أن تدرك ال سبحانه وتعالى‪ ..‬كان يجب أول أن تسأل ال أن يجعلك تدرك‬
‫الروح التي في جسدك‪ ..‬ولكن ال سبحانه وتعالى قال إنها من أمر ال‪ ..‬واقرأ جل جلله‪{:‬‬
‫وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ الرّوحِ ُقلِ الرّوحُ مِنْ َأمْرِ رَبّي َومَآ أُوتِيتُم مّنَ ا ْلعِ ْلمِ ِإلّ قَلِيلً }[السراء‪]85 :‬‬
‫إذا كانت هذه الروح هي مخلوقة ل ل تدركها‪ ..‬فكيف تطمع أن ترى خالقها‪ ..‬وانظر إلى دقة‬
‫جهْ َرةً }‪ ..‬فكلمة نرى تطلق ويراد بها العلم‪.‬‬
‫الداء القرآني في قوله سبحانه‪ { .‬حَتّىا نَرَى اللّهَ َ‬
‫مثل‪ {:‬أَرَأَ ْيتَ مَنِ اتّخَذَ إِلَـا َههُ َهوَاهُ }[الفرقان‪]43 :‬‬
‫أي أعلمت‪ ..‬ولكن جاءت كلمة جهرة لتنفي العلم فقط وتطالب بالرؤية مجهورة واضحة يدركونها‬
‫بحواسهم‪ .‬وهذا دليل على أنهم متمسكون بالمادية التي هي قوام حياتهم‪ ..‬نقول لهؤلء إن سؤالكم‬
‫يتسم بالغباء‪ ..‬فأنتم حين تطلبون أن تروا ال جهرة‪ .‬والمفروض أن ال تبارك وتعالى له مدلول‬
‫عندكم‪ ..‬ولذلك تطلبون رؤيته لتقارنوا المدلول على الموجود‪ ..‬ذلك لو كانت القضية أصل أن‬
‫تعرفوا أن ال موجود أو غير موجود‪ ..‬والذي شجعهم على أن يقولوا ما قالوا‪ ..‬طلب موسى عليه‬
‫السلم من ال سبحانه وتعالى أن يراه‪.‬‬
‫واقرأ قوله تعالى‪ {:‬قَالَ َربّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَ ْيكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـاكِنِ انْظُرْ إِلَى ا ْلجَ َبلِ فَإِنِ اسْ َتقَرّ‬
‫صعِقا }[العراف‪]143 :‬‬
‫جعََلهُ َدكّا وَخَرّ موسَىا َ‬
‫س ْوفَ تَرَانِي فََلمّا َتجَلّىا رَبّهُ لِلْجَ َبلِ َ‬
‫َمكَانَهُ فَ َ‬
‫ولبد أن نعرف أن قضية رؤية ال في الدنيا محسوسة‪ ..‬وأنه ل سبيل إلى ذلك والنسان في‬
‫جسده البشري‪ ..‬لن هذا الجسد له قوانين في ادراكاته‪ ..‬ولكن يوم القيامة نكون خلقا بقوانين‬
‫تختلف‪ ..‬ففي الدنيا لبد أن تخرج مخلفات الطعام من أجسادنا‪ .‬وفي الخرة ل مخلفات‪ .‬وفي‬
‫الدنيا يحكمنا الزمن‪ ..‬وفي الخرة ل زمن‪ .‬إذ يظل النسان شبابا دائما‪ ..‬إذن فهناك تغيير‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المقاييس هنا غير المقاييس يوم القيامة في الدنيا بإعدادك وجسدك ل يمكن أن ترى ال‪ .‬وفي‬
‫الخرة يسمح إعدادك وجسدك بأن يتجلى عليك ال سبحانه وتعالى‪ ..‬وهذا قمة النعيم في الخرة‪.‬‬
‫أنت الن تعيش في أثار قدرة ال‪ ..‬وفي الخرة تعيش عيشة الناظر إلى ال تبارك وتعالى‪ ..‬وفي‬
‫ذلك يقول الحق جل جلله‪ {:‬وُجُوهٌ َي ْومَئِذٍ نّاضِ َرةٌ * إِلَىا رَ ّبهَا نَاظِ َرةٌ }[القيامة‪]23-22 :‬‬
‫والنسان في الدنيا قد اخترع آلت مكنته من أن يرى ما ل يراه بعينه المجردة يرى الشياء‬
‫الدقيقة بواسطة الميكرسكوب‪ .‬والشياء البعيدة بواسطة التلسكوب‪ ..‬فإذا كان عمل النسان في‬
‫الدنيا جعله يبصر ما لم يكن يبصره‪ ..‬فما بالك بقدرة ال في الخرة‪ ..‬وإذا كان النسان عندما‬
‫يضعف نظره‪ .‬يطلب منه الطبيب استعمال نظارة‪ ..‬فإذا ذهب إلى طبيب أمهر‪ ..‬أجرى له عملية‬
‫جراحية في عينه يستغني بها عن النظارة ويرى بدونها‪ ..‬فما بالكم بإعداد الحق للخلق وبقدرة ال‬
‫التي ل حدود لها في أن يعيد خلق العين بحيث تستطيع أن تتمتع بوجهه الكريم‪.‬‬
‫ولقد حسم ال تبارك وتعالى المسألة مع موسى عليه السلم بأن أراه العجز البشري‪ ..‬لن الجبل‬
‫بقوته وجبروته لم يستطع احتمال نور ال فجعله دكا‪ ..‬وكأن ال يريد أن يفهم موسى‪ ..‬أن ال‬
‫تبارك وتعالى حجب عنه رؤيته رحمة منه‪ .‬لنه إذا كان هذا قد حدث للجبل فماذا كان يمكن أن‬
‫يحدث بالنسبة لموسى‪ .‬إذا كان موسى قد صعق برؤية المتجلّى عليه‪ ..‬فكيف لو رأى المتجلّي؟‪..‬‬
‫والنسان حين يعجز عن إدراك شيء في الدنيا لنه مخلوق بهذه المكانات يكون العجز عن‬
‫الدراك إدراكا لن العجز عن الدراك هو في عظمة ال سبحانه وتعالى‪ ..‬وقوم موسى حينما‬
‫طلبوا منه أن يروا ال جهرة أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون‪ ..‬عندما اجترأوا هذا الجتراء على‬
‫ال أخذتهم الصاعقة‪ ..‬والصاعقة إما نار تأتي وإما عذاب ينزل‪ ..‬المهم أنه بلء يعمهم‪..‬‬
‫والصاعقة قد أصابت موسى‪.‬‬

‫(‪)59 /‬‬
‫شكُرُونَ (‪)56‬‬
‫ثُمّ َبعَثْنَاكُمْ مِنْ َبعْدِ َموْ ِتكُمْ َلعَّلكُمْ َت ْ‬

‫جهْ َرةً فََأخَذَ ْتهُمُ الصّاعِقَةُ }‪ .‬موسى‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يكمل لنا قصة الذين قالوا { أَرِنَا اللّهَ َ‬
‫عليه السلم أصيب بالصاعقة أيضا‪ ..‬عندما طلب أن ينظر إلى ال‪ .‬ولكن هناك فرق بين‬
‫ك وَأَنَاْ َأ ّولُ‬
‫صعِقا فََلمّآ َأفَاقَ قَالَ سُ ْبحَا َنكَ تُ ْبتُ إِلَ ْي َ‬
‫الحالتين‪ ..‬ال تبارك وتعالى يقول‪ {:‬وَخَرّ موسَىا َ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }[العراف‪]143 :‬‬
‫ولكن المر لم يكن كذلك مع قوم موسى‪ .‬فمع موسى قال ال سبحانه وتعالى‪ { :‬فََلمّآ َأفَاقَ } أي أن‬
‫الصاعقة أصابته بنوع من الغماء‪ ..‬ولكن مع قوم موسى‪ .‬قال‪ُ { :‬ثمّ َبعَثْنَاكُم مّن َبعْدِ َموْ ِتكُمْ }‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فكأن قوم موسى ماتوا فعل من الصاعقة‪ ..‬فموسى أفاق من تلقاء نفسه‪ ..‬أما أولئك الذين أصابتهم‬
‫الصاعقة من قومه‪ ..‬فقد ماتوا ثم بعثوا لعلهم يشكرون‪.‬‬

‫(‪)60 /‬‬
‫ن وَالسّ ْلوَى كُلُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا رَ َزقْنَاكُ ْم َومَا ظََلمُونَا وََلكِنْ‬
‫وَظَلّلْنَا عَلَ ْي ُكمُ ا ْل َغمَا َم وَأَنْزَلْنَا عَلَ ْيكُمُ ا ْلمَ ّ‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ (‪)57‬‬
‫كَانُوا أَ ْنفُ َ‬

‫فال سبحانه وتعالى يريد أن يمتن على بني إسرائيل بنعمه ومعجزاته‪ ..‬ويرينا أنه برغم كل هذه‬
‫النعم عاش بنو إسرائيل في عنادهم وتعنتهم‪ ،‬بعد أن طلب بنو إسرائيل أن يروا ال جهرة فقتلتهم‬
‫الصاعقة‪ ..‬ثم بعثهم ال تبارك وتعالى لعلهم يشكرون‪ ..‬ذكر لنا الحق جل جلله نعما أخرى من‬
‫نعمه على بني إسرائيل‪ ..‬وقال اذكروا إذ كنتم في الصحراء وليس فيها ظل تحتمون به من‬
‫حرارة الشمس القاسية‪ ..‬وليس فيها مكان تستظلون فيه‪ ،‬لنه ل ماء ول نبات في الصحراء‪..‬‬
‫فظلل ال سبحانه وتعالى عليكم بالغمام‪ ..‬أي جاء الغمام رحمة من ال سبحانه وتعالى‪ ..‬ثم بعد‬
‫ذلك جاء المن والسلوى‪..‬‬
‫والمن نقط حمراء تتجمع على أوراق الشجر بين الفجر وطلوع الشمس‪ ..‬وهي موجودة حتى الن‬
‫في العراق‪ ..‬وفي الصباح الباكر يأتي الناس بالملءات البيضاء ويفرشونها تحت الشجر‪ ..‬ثم‬
‫يهزون الشجر بعنف فتسقط القطرات الموجودة على ورق الشجر فوق الملءات‪ ..‬فيجمعونها‬
‫وتصبح من أشهى أنواع الحلويات‪ .‬فيها طعم القشدة وحلوة عسل النحل‪ ..‬وهي نوع من الحلوى‬
‫اللذيذة المغذية سهلة الهضم سريعة المتصاص في الجسم‪ .‬وال سبحانه وتعالى جعله بالنسبة لهم‬
‫وقود حياتهم‪ ..‬وهم في الصحراء يعطيهم الطاقة‪ .‬أما السلوى فهي طير من السماء ويقال أنه‬
‫السمان‪ ..‬يأتيهم في جماعات كبيرة ل يعرفون مصدرها‪ ..‬ويبقى على الرض حتى يمسكوا به‬
‫ويذبحوه ويأكلوه‪.‬‬
‫فال تبارك وتعالى قد رزقهم بهذا الرزق الطيب من غمام يقيهم حرارة الشمس‪ ،‬ومَنّ يعطيهم‬
‫س ْلوَى كغذاء لهم‪ ،‬وكل هذا يأتيهم من السماء دونما تعب منهم‪ ..‬ولكنهم لعدم‬
‫وقود الحركة‪ .‬و َ‬
‫إيمانهم بالغيبيات يريدون المر المادي وهم يخافون أن ينقطع المَنّ والسلْوى عنهم يوما ما فماذا‬
‫يفعلون؟‬
‫لو كانوا مؤمنين حقا لقالوا‪ :‬إن الذي رزقنا بالمن والسلوى لن يضيعنا‪ ..‬ولكن الحق جل جلله‬
‫ينزل لهم طعامهم يوميا من السماء وهم بدل من أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر قابلوها بالجحود‪.‬‬
‫سهُمْ َيظِْلمُونَ } فالحق سبحانه وتعالى يتحدث للمرة‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬ومَا ظََلمُونَا وَلَـاكِن كَانُواْ أَ ْنفُ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الثالثة عن ظلم قوم موسى‪ ..‬ففي المرة الولى قال " وأنتم ظالمون "‪ .‬وفي الية الثانية قال‪" :‬‬
‫ظِلمُونَ }‪..‬‬
‫سهُمْ يَ ْ‬
‫ظلمتم أنفسكم "‪ ..‬وفي هذه الية قال‪َ { :‬ومَا ظََلمُونَا وَلَـاكِن كَانُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫ولقد سبق أن قلت أنه ل أحد يستطيع أن يظلم ال لن ال سبحانه وتعالى باق بقدرته وقوته‬
‫وعظمته‪ ..‬ل يقلل منها لو كفر أهل الرض جميعا ول يزيد فيها لو آمن أهل الرض كلهم‪ .‬فقدرة‬
‫ال باقية وكلمته ماضية‪.‬‬
‫‪ .‬ولكن نحن الذين نظلم أنفسنا‪ ..‬بأن نوردها مورد التهلكة والعذاب الذي ل نجاة منه دون أن‬
‫نعطيها شيئا‪..‬‬
‫إن الدنيا كما قلنا عالم أغيار‪ .‬والنعمة التي أنت فيها زائلة عنك‪ .‬إما أن تتركها بالموت أو تتركك‬
‫هي وتزول عنك‪ ..‬وتخرج من الدنيا تحمل أعمالك فقط‪ ..‬كل شيء زال وبقيت ذنوبك تحملها إلى‬
‫الخرة‪ ..‬ولذلك فإن كل من عصى ال وتمرد على دينه قد ظلم نفسه لنه قادها إلى العذاب‬
‫البدي طمعا في نفوذ أو مال زال بعد فترة قصيرة ولم يدم‪ ..‬فكأنه ظلمها بأن حرمها من نعيم‬
‫أبدي وأعطاها شهوة قصيرة عاجلة "‪.‬‬

‫(‪)61 /‬‬
‫وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا َه ِذهِ ا ْلقَرْيَةَ َفكُلُوا مِ ْنهَا حَ ْيثُ شِئْ ُتمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجّدًا َوقُولُوا حِطّةٌ َنغْفِرْ َلكُمْ‬
‫حسِنِينَ (‪)58‬‬
‫خطَايَاكُ ْم وَسَنَزِيدُ ا ْلمُ ْ‬
‫َ‬

‫من هذه الية الكريمة نعرف أن بني إسرائيل رفضوا رزق السماء من المن والسلوى مع أنه كان‬
‫رزقا عاليا‪ ..‬عاليا في الجودة لنه طعام حلو نقي شهي ينزل لهم من السماء مباشرة‪ ،‬وعاليا في‬
‫الكثرة من أنه كان يأتيهم بل عمل وبل تعب وبكميات هائلة تكفيهم وتزيد‪ ..‬وطلبوا من موسى‬
‫طعام الرض الذي يزرعونه بأيديهم ويرونه أمامهم كل يوم فقد كانوا يخافون أن يستيقظوا يوما‬
‫فل يجدون المن والسلوى‪ .‬الحق سبحانه وتعالى يكمل لنا القصة في آية قادمة‪ {:‬وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىا‬
‫حدٍ فَا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ ُيخْرِجْ لَنَا ِممّا تُنْ ِبتُ الَ ْرضُ مِن َبقِْلهَا َوقِثّآ ِئهَا َوفُو ِمهَا‬
‫طعَا ٍم وَا ِ‬
‫لَن ّنصْبِرَ عَلَىا َ‬
‫سهَا وَ َبصَِلهَا قَالَ أَ َتسْتَبْدِلُونَ الّذِي ُهوَ أَدْنَىا بِالّذِي ُهوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ ِمصْرا فَإِنّ َل ُكمْ مّا سَأَلْ ُتمْ }‬
‫وَعَدَ ِ‬
‫[البقرة‪]61 :‬‬
‫فال سبحانه وتعالى مازال يمتن على بني إسرائيل بنعمه وكيف قابلوها بالجحود‪ ..‬فيذكرهم‬
‫بإنجائهم من عذاب آل فرعون‪ ..‬ويذكرهم بالبحر الذي انشق لهم فمشوا فيه ثم انقض الماء بعد‬
‫ذلك على آل فرعون فأغرقهم‪ ..‬ويذكرهم كيف أنهم عبدوا العجل بعد ذلك‪ ..‬وكان من الممكن أن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يهلكهم ال بذنوبهم‪ .‬كما أهلك المم السابقة ولكنه عفا عنهم‪ ..‬ثم يذكرهم بفضله عليهم بأن أعطاهم‬
‫الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل‪ ..‬ويذكرهم بأنهم طلبوا أن يروا ال جهرة‪ ..‬فصعقوا وماتوا‬
‫ثم بعثهم ال‪ .‬ويذكرهم كيف ظللهم بالغمام من حرارة الشمس المحرقة‪ ..‬ورزقهم بالمن‬
‫والسلوى‪ ..‬ثم يذكرهم بأنهم طلبوا طعام الرض فاستجاب لهم‪.‬‬
‫في هذه الية يقول الحق تبارك وتعالى‪َ { :‬فكُلُواْ مِ ْنهَا حَ ْيثُ شِئْتُمْ رَغَدا }‪ .‬وفي آية أخرى يقول‪:‬‬
‫{ رَغَدا حَ ْيثُ شِئْتُمْ }‪ .‬الفرق في المعنى أن قوله تعالى‪ { :‬حَ ْيثُ شِئْتُمْ رَغَدا } تدل على أن هناك‬
‫أصنافا كثيرة من الطعام‪.‬‬
‫{ ورَغَدا حَ ْيثُ شِئْ ُتمْ } يكون هناك صنف واحد والناس جائعون فيقبلون على الطعام‪ ..‬عندما يقول‬
‫الحق جل جلله‪ :‬كلوا رغدا يكون المخاطب هنا نوعين‪ :‬إنسان غير جائع ولذلك تعد له ألوانا‬
‫متعددة من الطعام لتغريه على الكل‪ ..‬فتقدم في هذه الحالة " حيث شئتم " فيقال‪َ { :‬فكُلُواْ مِ ْنهَا‬
‫حَ ْيثُ شِئْ ُتمْ رَغَدا }‪ ..‬فإذا كان النسان جوعان يرضى بأي طعام‪ ..‬فيقال رغدا حيث شئتم‪.‬‬
‫إن المسألة في القرآن الكريم ليست تقديما وتأخيرا في اللفاظ‪ ..‬ولكن المعنى ل يستقيم بدون هذا‬
‫التغيير‪ ..‬قوله تعالى { ادْخُلُواْ هَـا ِذهِ ا ْلقَرْيَةَ }‪ ..‬والقرية هي هنا بيت المقدس أو فلسطين أو‬
‫خطَايَاكُمْ‬
‫الردن‪ ..‬الحق تبارك وتعالى يقول‪ { :‬وَا ْدخُلُواْ الْبَابَ سُجّدا َوقُولُواْ حِطّةٌ ّن ْغفِرْ َل ُكمْ َ‬
‫وَسَنَزِيدُ ا ْل ُمحْسِنِينَ }‪..‬‬
‫والحق جل جلله حين خاطبهم بين لنا أنهم لم يكونوا في حالة جوع شديد بحيث يأكلون أي شيء‬
‫فقال‪َ { :‬فكُلُواْ مِ ْنهَا حَ ْيثُ شِئْتُمْ رَغَدا } أي ستجدون فيها ألوانا كثيرة من الطعام تغريكم على الكل‬
‫ولو لم تكونوا جائعين‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّدا {‪ ..‬أي ادخلوا الباب وأنتم في منتهى الخضوع‪َ } ..‬وقُولُواْ‬
‫حطّةٌ { أي حط عنا ذنوبنا يا رب‪ ..‬غير أنهم حتى في المر يغيرون مضمونه‪ ..‬ويلبسون الحق‬
‫ِ‬
‫بالباطل‪ ..‬وهذه خاصية فيهم‪ ..‬ولذلك دخلوا الباب وهم غير ساجدين‪ ..‬دخلوه زاحفين على‬
‫ظهورهم‪ ..‬مع أن ما أمرهم ال به أقل مشقة مما فعلوه‪ ..‬فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر ال‬
‫شاقة‪ ..‬ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق وبدل من أن يقولوا حطة‪ .‬أي حط عنا يا‬
‫رب ذنوبنا قالوا حنطة والحنطة هي القمح‪ ..‬ليطوعوا اللفظ لغراضهم‪ ..‬فكأن المسألة ليست عدم‬
‫قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة‪.‬‬
‫ومع أن الحق تبارك وتعالى وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة للمحسنين‪ ..‬فإنهم خالفوا‬
‫وعصوا‪ ..‬وقوله تعالى‪ } :‬وَسَنَزِيدُ ا ْلمُحْسِنِينَ { يأتي في الية الكريمة‪ {:‬لّلّذِينَ َأحْسَنُواْ ا ْلحُسْنَىا‬
‫وَزِيَا َدةٌ }[يونس‪]26 :‬‬
‫أي لهم أجر مثل ما فعلوا أضعافا مضاعفة‪ ..‬وما هي الزيادة؟‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن يروا ال يوم القيامة‪ .‬هذه هي الزيادة التي ليس لها نظير في الدنيا‪.‬‬

‫(‪)62 /‬‬
‫سمَاءِ ِبمَا كَانُوا‬
‫فَبَ ّدلَ الّذِينَ ظََلمُوا َقوْلًا غَيْرَ الّذِي قِيلَ َل ُهمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الّذِينَ ظََلمُوا رِجْزًا مِنَ ال ّ‬
‫سقُونَ (‪)59‬‬
‫َيفْ ُ‬

‫ال سبحانه وتعالى يشرح لنا في هذه الية الكريمة كيف أن اليهود قوم معصية برغم نعم ال‬
‫عليهم‪ ..‬فلو أن ال سبحانه وتعالى كلفهم تكليفا لم يستطيعوه؛ لنه شاق عليهم فربما كان لهم‬
‫عذرهم‪ ..‬ولكن ال تبارك وتعالى ل يكلف إل بما هو في طاقة النسان أو أقل منها‪ ..‬فيقول جل‬
‫ت وَعَلَ ْيهَا مَا اكْتَسَ َبتْ }[البقرة‪]286 :‬‬
‫س َعهَا َلهَا مَا كَسَ َب ْ‬
‫ل وُ ْ‬
‫جلله‪ {:‬لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫وال تبارك وتعالى لم يكلف بني إسرائيل بأن يدخلوا هذه القرية التي يقال‪ :‬إنها القدس ويقال أنها‬
‫قرية في فلسطين أو قرية في الردن‪ ..‬إل بناء على طلبهم هم‪ .‬فهم الذين طلبوا من موسى أن‬
‫يدعو ال لهم أن يدخلوا واديا فيه زرع‪ ..‬ليأكلوا مما تنتج الرض ويطمئنوا على طعامهم‪ ..‬لنهم‬
‫يخافون أن يأتي يوم‪ ..‬ل ينزل عليهم المن والسلوى من السماء‪ ..‬فلما استجاب ال لدعواهم وقال‬
‫لهم ادخلوا الباب خاشعين‪ .‬وقولوا يا رب حط عنا ذنوبنا‪ ..‬بدل بنو إسرائيل القول فبدل من أن‬
‫يقولوا حطة قالوا حنطة‪ ..‬وبدلوا طريقة الدخول فبدل من أن يدخلوا ساجدين دخلوا على ظهورهم‬
‫زاحفين‪ ..‬وكان هذا رغبة في المخالفة‪ ..‬فأصابهم ال بعذاب من السماء بما كانوا يفسقون‪ ..‬أي‬
‫يبتعدون عن منهج ال ول يطبقونه‪ .‬رغبة في المخالفة وإصرارا على العناد‪.‬‬

‫(‪)63 /‬‬
‫سقَى مُوسَى ِلقَ ْومِهِ َفقُلْنَا اضْ ِربْ ِب َعصَاكَ ا ْلحَجَرَ فَا ْنفَجَ َرتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْ َرةَ عَيْنًا َقدْ عَلِمَ ُكلّ‬
‫وَإِذِ اسْ َت ْ‬
‫أُنَاسٍ مَشْرَ َب ُهمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّ ِه وَلَا َتعْ َثوْا فِي الْأَ ْرضِ ُمفْسِدِينَ (‪)60‬‬

‫ومعناها‪ :‬اذكر إذا استسقى موسى لقومه‪ ..‬وهذه وردت كما بينا في عدة آيات في قوله تعالى‪{:‬‬
‫وَإِذْ أَ ْنجَيْنَاكُمْ مّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُو َنكُمْ سُوءَ ا ْلعَذَابِ }[العراف‪]141 :‬‬
‫وقول سبحانه‪ {:‬وَِإ ْذ وَاعَدْنَا مُوسَىا أَرْ َبعِينَ لَيَْلةً }[البقرة‪]51 :‬‬
‫جهْ َرةً }[البقرة‪]55 :‬‬
‫وقوله جل جلله‪ {:‬وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىا لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا نَرَى اللّهَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقلنا أن هذه كلها نعم امتن ال بها على بني إسرائيل وهو سبحانه وتعالى يذكرهم بها‪ .‬إما مباشرة‬
‫وإما على لسان موسى عليه السلم‪ .‬والحق يريد أن يذكر بني إسرائيل حينما تاهوا في الصحراء‬
‫أنه أظلهم بالغمام‪ ..‬وسقاهم حين طلبوا السقيا‪ ..‬ولقد وصلت ندرة الماء عند بني إسرائيل لدرجة‬
‫أنهم لم يجدوا ما يشربونه‪ ..‬لن النسان يبدأ الجفاف عنده لعدم وجود ماء يسقي به زرعه‪ ..‬ثم‬
‫يقل الماء فل يجد ما يسقي به أنعامه‪ ..‬ثم يقل الماء فل يجد ما يشربه‪ ..‬وهذا هو قمة الجفاف أو‬
‫الجدب‪..‬‬
‫وموسى عليه السلم طلب السقيا من ال تبارك وتعالى‪ ..‬ول تطلب السقيا من ال إل إذا كانت‬
‫السباب قد نفدت‪ ..‬وانتهت آخر نقطة من الماء عندهم؛ فالماء مصدر الحياة ينزله ال من‬
‫السماء‪ ..‬وينزله نقيا طاهرا صالحا للشرب والري والزرع وسقيا النعام‪..‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى جعل ثلثة أرباع الرض ماء والربع يابسا‪ ..‬حتى تكون مساحة سطح‬
‫الماء المعرضة للتبخّر بواسطة أشعة الشمس كبيرة جدا فتسهل عملية البخر؛ فإنك إذا جئت بكوب‬
‫ماء وتركته في حجرة مغلقة لمدة يومين أو ثلثة‪ .‬ثم عدت تجده ناقصا قيراطا أو قيراطين‪ .‬ولكن‬
‫إذا أمسكت ما في الكوب من ماء وألقيته على أرض الحجرة‪ ..‬فأنه يجف قبل أن تغادرها لماذا؟‪..‬‬
‫لن مساحة سطح الماء هنا كبيرة‪ ..‬ولذلك يتم البخر بسرعة ول يستغرق وقتا‪.‬‬
‫وهذه هي النظرية نفسها التي تتم في الكون‪ .‬ال تبارك وتعالى جعل سطح الماء ثلثة أرباع‬
‫الرض ليتم البخر في سرعة وسهولة‪ ..‬فيتكون السحاب وينزل المطر نأخذ منه ما نحتاج إليه‪،‬‬
‫سمَآءِ‬
‫والباقي يكون ينابيع في الرض‪ ،‬مصداقا لقوله تبارك وتعالى‪ {:‬أََلمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَن َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫مَآءً فَسََل َكهُ يَنَابِيعَ فِي الَ ْرضِ }[الزمر‪]21 :‬‬
‫هذه الينابيع تذهب إلى أماكن ل يصلها المطر‪ .‬ليشرب منها الناس ِممّا نُسميه البار أو المياه‬
‫الجوفية‪ ..‬وتشرب منها أنعامهم‪ ..‬فإذا حدث جفاف يخرج الناس رجال ونساء وصبيانا وشيوخا‪.‬‬
‫يتضرعون إلى ال ليمطرهم بالماء‪ ..‬ونحن إذا توسلنا بأطفالنا الرضع وبالضعفاء يمطرنا ال‪.‬‬
‫وبعض الناس يقولون أن المطر ينزل بقوانين علمية ثابتة‪ ..‬يصعد البخار من البحار ويصبح‬
‫سحابا في طبقات الجو العليا ثم ينزل مطرا‪.‬‬
‫‪ .‬تلك هي القوانين الثابتة لنزوله‪.‬‬
‫وأن السحاب لبد أن يكون ارتفاعه عدد كذا من المتار‪ ..‬ليصل إلى برودة الجو التي تجعله ينزل‬
‫مطرا‪ .‬ولبد أن يكون السحاب ملقحا‪ ..‬نقول أن هذا كله مرتبط بمتغيرات‪ .‬فالريح تهب أو ل‬
‫تهب‪ .‬وتحمل السحاب إلى منطقة عالية باردة ول تحمله وغير ذلك‪..‬‬
‫إذن فكل ثابت محمول على متغير‪ ..‬قد تعرف أنت القوانين الثابتة‪ ..‬ولكن القوانين المتغيرة ل‬
‫سقَيْنَاهُم‬
‫يمكن أن تنبأ بما ستفعل ولذلك يقول ال سبحانه وتعالى‪ {:‬وَأَّلوِ اسْ َتقَامُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مّآءً غَدَقا }[الجن‪]16 :‬‬
‫إذن فعوامل سقوط المطر ل تخضع لقوانين ثابتة‪ .‬ولكن المتغير هو العامل الحاسم‪ .‬ليسوق‬
‫السحاب إلى المناطق الباردة وإلى الرتفاع المطلوب‪ ..‬ولبد أن نتنبه إلى أن هناك قوانين ثابتة‬
‫في الكون وقوانين تتغير‪ ..‬وأن القانون المتغير هو الذي يحدث التغيير‪.‬‬
‫سقَىا مُوسَىا ِل َق ْومِهِ {‪ ..‬تدل على أن هناك مُستسقى بفتح القاف وأن هناك‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَإِذِ اسْ َت ْ‬
‫مستسقي بكسر القاف‪ ..‬مستسقي بكسر القاف أي ضارع إلى ال لينزل المطر‪ ..‬أما المستسقى‬
‫بفتح القاف فهو ال سبحانه وتعالى الذي ينزل المطر‪..‬‬
‫إن هذا الموقف خاص بال تبارك وتعالى فل توجد مخازن للمياه وليس هناك ماء في الرض‪..‬‬
‫من أنهار أو آبار أو عيون ول ملجأ إل ال‪ ..‬فلبد من التوسل ل تبارك وتعالى‪:‬‬
‫عن أنس رضي ال عنه أن عمر بن الخطاب رضي ال عنه كان إذا قحطوا استسقي بالعباس بن‬
‫المطلب رضي ال عنه فقال‪ :‬اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى ال عليه وسلم فتسقينا‪ ،‬وإنا‬
‫نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال‪ :‬فيُسقون "‬
‫بعض الناس يقولون هذا دليل على أن الميت ل يستعان به‪ ..‬بدليل أن عمر ابن الخطاب رضي‬
‫ال عنه لم يتوسل برسول ال صلى ال عليه وسلم بعد موته‪ ،‬وإنما توسل بعم رسول ال‪ ..‬نقول‬
‫وبمن توسل عمر؟‪ ..‬أتوسل بالعباس أم بعم رسول ال صلى ال عليه وسلم؟‪ ..‬توسل بالرسول‪،‬‬
‫وبذلك أخذنا الحجة أن الوسيلة ليست مقصورة على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ..‬وإنما تتعدى‬
‫إلى أقاربه‪..‬‬
‫وهنا يأتي سؤال لماذا نقل المر من رسول ال عليه الصلة والسلم إلى عم الرسول؟‪ ..‬نقول لن‬
‫رسول ال قد انتقل ول ينتفع الن بالماء‪ ..‬ولكن عمه العباس هو الحي الذي ينتفع بالماء‪ ..‬لذلك‬
‫كان التوسل بعم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬ولم يكن منطقيا أن يتوسلوا برسول ال عليه‬
‫الصلة والسلم وهو ميت ول يحتاج إلى الماء‪ ..‬والذين أرادوا أن يأخذوا التوسل بذوي الجاه‪..‬‬
‫نقول لهم أن الحديث ضدكم وليس معكم‪.‬‬
‫‪ .‬لنه أثبت أن التوسل جائز بمن ينتسب إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لبد أن نتحدث كيف أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن قابل بنو إسرائيل النعمة بالجحود والنكران‬
‫فكيف يسقيهم؟‪ ..‬نقول إنها النبوة الرحيمة التي كانت السبب في تنزل الرحمة تلو الرحمة على‬
‫بني إسرائيل‪ ..‬وكان طمع موسى في رحمة ال بل حدود‪ ..‬ولذلك فإن الدعوات كانت تتوالى من‬
‫موسى عليه السلم لقومه‪ ..‬وكانت الستجابة من ال تأتي‪.‬‬
‫كان من المفروض لستكمال المعنى أن يقال وإذا استسقى موسى ربه لقومه فقال يا رب اسقهم‪..‬‬
‫سقَىا مُوسَىا ِل َق ْومِهِ َفقُلْنَا اضْرِب ّب َعصَاكَ‬
‫ولكن هذه لم تأت حذفت وجاء بعدها الجابة‪ } :‬وَإِذِ اسْتَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حجَرَ {‪ ..‬إذن قوله يا رب اسق قومي واستجابة ال له محذوفة لنها مفهومة‪ ..‬ولذلك جاء القرآن‬
‫الْ َ‬
‫باللفتات الساسية وترك اللفتات المفهومة لذكاء الناس‪ ..‬تماما كما جاء في سورة النمل‪ :‬الهدهد‬
‫ذهب ورأى ملكة بلقيس وعرشها‪ .‬وعاد إلى سليمان وأخبره‪ .‬فطلب سليمان من الهدهد أن يلقي‬
‫إلى ملكة سبأ وقومها كتابا وقال‪ {:‬اذْهَب ّبكِتَابِي هَـاذَا فَأَ ْلقِهْ إِلَ ْي ِهمْ ثُمّ َت َولّ عَ ْنهُمْ فَا ْنظُرْ مَاذَا‬
‫جعُونَ * قَاَلتْ ياأَ ّيهَا ا ْلمَلُ إِنّي أُ ْل ِقيَ إَِليّ كِتَابٌ كَرِيمٌ }[النمل‪]29-28 :‬‬
‫يَرْ ِ‬
‫فسليمان أمر الهدهد أن يلقي كتابا إلى بلقيس وقومها‪ ..‬والية التي بعدها جاءت بقوله تعالى‪ :‬قالت‬
‫} ياأَ ّيهَا ا ْلمَلُ إِنّي أُ ْل ِقيَ إَِليّ كِتَابٌ كَرِيمٌ { كل التفاصيل حذفت من أن الهدهد أخذ الكتاب وطار إلى‬
‫مملكة سبأ وألقى الكتاب أمام عرشها‪ ..‬والتقطت بلقيس ملكة سبأ الكتاب وقرأته‪ ..‬ودعت قومها‬
‫وبدأت تروي إليهم قصة الكتاب‪ ..‬كل هذا حُذف لنه مفهوم‪.‬‬
‫قال موسى يا رب اسق قومي‪ ..‬وال سبحانه وتعالى قال له‪ :‬إن أردت الماء لقومك‪ ..‬كل هذا‬
‫حجَرَ {‪.‬‬
‫محذوف‪ ..‬وتأتي الية الكريمة‪ } :‬اضْرِب ّب َعصَاكَ الْ َ‬
‫حجَرَ { لنا معها وقفة‪ ..‬النسان حين يستسقي ال‪ ..‬يطلب منه أن ينزل عليه‬
‫} اضْرِب ّب َعصَاكَ الْ َ‬
‫مطرا من السماء‪ ،‬والحق تبارك وتعالى كان قادرا على أن ينزل على بني إسرائيل مطرا من‬
‫السماء‪ .‬ولكن ال جل جلله أراد المعجزة‪ ..‬فقال سأمدكم بماء ولكن من جنس ما منعكم الماء‬
‫وهو الحجر الموجود تحت أرجلكم‪ ..‬لن أعطيكم ماء من السماء‪ ..‬ولكن ال سبحانه وتعالى أراد‬
‫أن يُرِي بني إسرائيل مدى العجاز‪ ..‬فأعطاهم الماء من الحجر الذي تحت أرجلهم‪.‬‬
‫ولكن من الذي يتأثر بالضرب‪ :‬الحجر أم العصا؟‪ ..‬العصا هي التي تتأثر وتتحطم والحجر ل‬
‫يحدث فيه شيء‪ ..‬ولكن ال سبحانه وتعالى أراد بضربة واحدة من العصا أن ينفلق الحجر‪..‬‬
‫ولذلك يقول الشاعر‪:‬أيا هـازئا من صـنوف القـدرْ بنفسـك تـعنف ل بالقـدرْويا ضـاربا‬
‫صخـر ًة بالعصـا ضربْتَ العصا أم ضر ْبتَ الحجرْ‬
‫إن انفجار الماء من ضربة العصا دليل على أن العصا أشارت فقط إلى الصخرة فتفجر منها‬
‫الماء‪ ..‬وحتى لو كانت العصا من حديد‪ ..‬هل تكون قادرة على أن تجعل الماء ينبع من الحجر؟‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه كان من الممكن أن ينزل الماء من السماء‪ ..‬ولكن ال‬
‫أرادها نعمة مركبة‪ ..‬ليعلموا أنه يستطيع أن يأتي الماء من الحجر الصلب‪ ..‬وأن نبع الماء من‬
‫متعلقات " كن "‪.‬‬
‫هنا لبد أن ننظر إلى تعنت بني إسرائيل‪ .‬قالوا لموسى هب أننا في مكان ل حجر فيه‪ .‬من أين‬
‫ينبع الماء؟‪ ..‬لبد أن نأخذ معنا الحجر حتى إذا عطشنا نضرب الحجر بالعصا‪ ..‬ونسوا أن هناك‬
‫ما يتم بالسباب وما يتم بكلمة " كن "‪ ..‬ولذلك تجد مثل كبار الطباء يحتارون في علج‬
‫مريض‪ ..‬ثم يشفى على يد طبيب ناشئ حديث التخرج‪ ..‬هل هذا الطبيب الناشئ يعرف أكثر من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أساتذته الذين علموه؟‪ ..‬الجواب طبعا ل‪.‬‬
‫إن التلميذ ل يتفوق على أستاذه الذي علمه فليس العلج بالسباب وحدها ولكن بقدرة المسبب‪..‬‬
‫ولذلك جاء موعد الشفاء على يد هذا الطبيب الناشئ‪ ..‬فكشف ال له الداء وألهمه الدواء‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬فَانفَجَ َرتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْ َرةَ عَيْنا { لماذا اثنتا عشرة عينا‪ .‬لن اليهود‬
‫كانوا يعيشون حياة انعزال‪ .‬كل مجموعة منهم كانت تسمى " سبطا " لها شيخ مثل شيخ القبيلة‪..‬‬
‫والحق تبارك وتعالى يقول‪ } :‬قَدْ عَِلمَ ُكلّ أُنَاسٍ مّشْرَ َبهُمْ { أي كل سبط أو مجموعة ذهبت‬
‫لمشرب‪ ..‬نبعت العيون من الحجر امتدت متشعبة إلى السباط جميعا كل في مكانه‪ ..‬فإذا ما‬
‫أخذوا حاجتهم ضرب موسى الحجر فيجف‪ .‬ولذلك نعرف أن الحجر كان يعطيهم الماء على قدر‬
‫الحاجة وكانت الجهة السفلى من الحجر الملمسة للرض‪ ..‬والجهة العليا التي ضرب عليها‬
‫بالعصا لم ينبع منهما شيء‪ ،‬أما باقي الجهات الربع فقد نبع منها كل منها ثلثة ينابيع‪.‬‬
‫وهناك شيء في اللغة يسمونه اللفظ المشترك‪ ..‬وهو الذي يستخدم في معانٍ متعددة‪ ..‬فإذا قلت‬
‫سقى القوم دوابهم من العين‪ ..‬العين هنا عين الماء‪ ..‬وإذا قلت أرسل المير عيونه في المدينة‬
‫يعني أرسل جنوده‪ ..‬وإذا قلت اشتريته بعين أي بذهب‪ ..‬وإذا قلت نظر إلي بعينه شذرا أي‬
‫ببصره‪ ..‬إذن كلمة عين تستخدم في أشياء متعددة‪ ..‬ومعناها هنا عين الماء الجارية‪.‬‬
‫قوله تعالى‪ } :‬قَدْ عَلِمَ ُكلّ أُنَاسٍ مّشْرَ َب ُهمْ { أي أن كل سبط عرف مكانه الذي يلزمه‪ ..‬حتى ل‬
‫يضيع من كل منهم الماء‪ ..‬ولكن النسان حينما يكون مضطرا يلتزم بما يطلبه ال منه ويكون‬
‫ملتزما بالداء‪ ،‬فإذا فرج ال كربه وعادت إليه النعمة يعود إلى طغيانه‪.‬‬
‫‪ .‬ولذلك يقول الحق جل جلله فيها‪ } :‬كُلُو ْا وَاشْرَبُواْ مِن رّزْقِ اللّ ِه َولَ َتعْ َثوْاْ فِي الَ ْرضِ ُمفْسِدِينَ‬
‫{ أي ل يكون شكركم على النعمة بالفساد في الرض‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪َ {:‬لقَدْ كَانَ ِلسَبَإٍ فِي‬
‫غفُورٌ *‬
‫شكُرُواْ َلهُ بَلْ َدةٌ طَيّبَ ٌة وَ َربّ َ‬
‫شمَالٍ كُلُواْ مِن رّ ْزقِ رَ ّبكُ ْم وَا ْ‬
‫ن وَ ِ‬
‫سكَ ِنهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن َيمِي ٍ‬
‫مَ ْ‬
‫شيْءٍ مّن‬
‫ل وَ َ‬
‫ط وَأَ ْث ٍ‬
‫خمْ ٍ‬
‫فَأَعْ َرضُواْ فَأَ ْرسَلْنَا عَلَ ْيهِمْ سَ ْيلَ ا ْلعَرِ ِم وَبَدّلْنَا ُهمْ ِبجَنّتَ ْيهِمْ جَنّتَيْنِ َذوَا َتيْ ُأ ُكلٍ َ‬
‫سِدْرٍ قَلِيلٍ }[سبأ‪]15-15 :‬‬
‫هنا نرى أن أهل سبأ رزقهم ال فأعرضوا عن شكره‪ ..‬كانوا يتيهون بالسد الذي يحفظ لهم مياه‬
‫المطار‪ ..‬ويمدهم بما يحتاجون إليه منها طوال العام‪ ،‬وأخذوا يتفاخرون بعلمهم ونسوا ال الذي‬
‫علمهم‪ ..‬فكان هذا السد هو النكبة أو الكارثة التي أهلكت زرعهم‪ ..‬كذلك حدث لبني إسرائيل‪ ،‬قيل‬
‫لهم‪ } :‬كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رّزْقِ اللّ ِه َولَ َتعْ َثوْاْ فِي الَ ْرضِ ُمفْسِدِينَ { فأفسدوا في الرض ونسوا‬
‫نعمة ال فنزل بهم العذاب‪.‬‬

‫(‪)64 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫طعَا ٍم وَاحِدٍ فَا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ ُيخْرِجْ لَنَا ِممّا تُنْ ِبتُ الْأَ ْرضُ مِنْ َبقِْلهَا‬
‫وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ َنصْبِرَ عَلَى َ‬
‫سهَا وَ َبصَِلهَا قَالَ أَتَسْتَ ْبدِلُونَ الّذِي ُهوَ أَدْنَى بِالّذِي ُهوَ خَيْرٌ اهْ ِبطُوا ِمصْرًا فَإِنّ‬
‫َوقِثّا ِئهَا َوفُو ِمهَا وَعَ َد ِ‬
‫ضبٍ مِنَ اللّهِ ذَِلكَ بِأَ ّنهُمْ كَانُوا َي ْكفُرُونَ بِآَيَاتِ‬
‫سكَنَ ُة وَبَاءُوا ِب َغ َ‬
‫علَ ْيهِمُ الذّلّ ُة وَا ْلمَ ْ‬
‫َلكُمْ مَا سَأَلْتُ ْم َوضُرِ َبتْ َ‬
‫صوْا َوكَانُوا َيعْتَدُونَ (‪)61‬‬
‫ع َ‬
‫اللّ ِه وَ َيقْتُلُونَ النّبِيّينَ ِبغَيْرِ ا ْلحَقّ ذَِلكَ ِبمَا َ‬

‫هذه الية الكريمة أيضا من آيات التذكير بنعم ال سبحانه وتعالى على موسى وعلى بني‬
‫إسرائيل‪ ..‬وكنا قد تعرضنا لمعنى طعام واحد عند ذكر المن والسلوى‪ ..‬وقلنا أن تكرار نزول‬
‫المن والسلوى كل يوم جعل الطعام لونا واحدا‪ ..‬وكلمة واحد هي أول العدد‪ ..‬فإذا إنضم إليه مثله‬
‫يصير اثنين‪ ..‬وإذا إنضم إليه مثله يصبح ثلثة‪ ..‬إذن فأصل العدد هو الواحد‪ ..‬والواحد يدل على‬
‫وحدة الفرد ول يدل على وحدانية‪ ..‬فإذا قلنا ال واحد فإن ذلك يعني أنه ليس كمثله أحد‪ ..‬ولكنه‬
‫ل يعني أنه ليس مكونا من أجزاء‪ ..‬فأنت لست واحدا ولست أحدا لنك مكون من أجزاء ـ كما‬
‫أن هناك من يشبهونك‪ ..‬والشمس في مجموعتنا واحدة ولكنها ليست أحدا لنها مكونة من أجزاء‬
‫وتتفاعل‪ ..‬وال سبحانه وتعالى واحد ليس كمثله شيء‪ ..‬وأحد ليس مكونا من أجزاء‪ ..‬ولذلك من‬
‫أسمائه الحسنى الواحد الحد‪ ..‬ول نقول أن السم مكرر فهذه تعني الفردية‪ ،‬وهذه تنفي التجزئة‪.‬‬
‫حدٍ }‪ ..‬نلحظ هنا أن الطعام وُصف بأنه واحد رغم أنه‬
‫طعَا ٍم وَا ِ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬لَن ّنصْبِرَ عَلَىا َ‬
‫مكون من صنفين هما المن والسلوى‪ ..‬ولكنه واحد لرتابة نزوله‪ ..‬الطعام كان يأتيهم من السماء‪..‬‬
‫ولكن تعنتهم مع ال جعلهم ل يصبرون عليه فقالوا ما يدرينا لعله ل يأتي‪ ..‬نريد طعاما نزرعه‬
‫بأيدينا ويكون طوال الوقت أمام عيوننا‪ ..‬وكأن هذه المعجزات كلها ليست كافية‪ ..‬لتعطيهم الثقة‬
‫جهْ َرةً }‪..‬‬
‫في استمرار رزق ال‪ ..‬إنهم يريدون أن يروا‪ ..‬ألم يقولوا لموسى‪ { :‬أَرِنَا اللّهَ َ‬
‫ت الَ ْرضُ }‪ { ..‬ا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ } أي أطلب‬
‫ماذا طلبوا؟‪ ..‬قالوا‪ { :‬فَا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ ُيخْرِجْ لَنَا ِممّا تُنْ ِب ُ‬
‫من ال‪ ..‬ولن الدعاء لون من الطلب فإنك حين تتوجه إلى ال طالبا أن يعطيك‪ ..‬فإنك تدعو بذلة‬
‫الداعي أمام عزة المدعو‪ ..‬والطلب إن كان من أدنى إلى أعلى قيل دعاء‪ ..‬ومن مساوٍ إلى مساوٍ‬
‫قيل طلب‪ ..‬ومن أعلى إلى أدنى قيل أمر‪..‬‬
‫لقد طلب بنو إسرائيل من موسى أن يدعو ال سبحانه وتعالى أن يخرج لهم أطعمة مما تنبت‬
‫سهَا‬
‫الرض‪ ..‬وعددوا ألوان الطعمة المطلوبة‪ ..‬وقالوا‪ { :‬مِن َبقِْلهَا َوقِثّآ ِئهَا َوفُو ِمهَا وَعَدَ ِ‬
‫وَ َبصَِلهَا }‪ ..‬ولكنها كلها أصناف تدل على أن من يأكلها هم من صنف العبيد‪ ..‬والمعروف أن آل‬
‫فرعون إستعبدوا بني إسرائيل‪ ..‬ويبدو أن بني إسرائيل أحبوا حياة العبودية واستطعموها‪..‬‬
‫الحق تبارك وتعالى كان يريد أن يرفع قدرهم فنزل عليهم المن والسلوى‪.‬‬
‫‪ .‬ولكنهم فضلوا طعام العبيد‪ ..‬والبقل ليس مقصودا به البقول فحسب‪ ..‬ولكنه كل نبات ل ساق له‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مثل الخس والفجل والكرات والجرجير‪ ..‬والقثاء هو القتة صنف من الخيار‪ ..‬والفوم هو القمح أو‬
‫الثوم‪ .‬والعدس والبصل معروفان‪ ..‬وال سبحانه وتعالى قبل أن يجيبهم أراد أن يؤنبهم‪ :‬فقال }‬
‫أَتَسْتَ ْبدِلُونَ الّذِي ُهوَ َأدْنَىا بِالّذِي ُهوَ خَيْرٌ {‪..‬‬
‫عندما نسمع كلمة استبدال فاعلم أن الباء تدخل على المتروك‪ ..‬تقول إشتريت الثوب بدرهم‪..‬‬
‫يكون معنى ذلك إنك أخذت الثوب وتركت الدرهم‪.‬‬
‫قوله تعالى‪ } :‬الّذِي ُهوَ أَدْنَىا بِالّذِي ُهوَ خَيْرٌ {‪ ..‬أي انهم تركوا الذي هو خير وهو المن‬
‫والسلوى‪ ..‬وأخذوا الذي هو أدنى‪ ..‬والدنو هنا ل يعني الدناءة‪ ..‬لن ما تنتجه الرض من نعم ال‬
‫ل يمكن أن يوصف بالدناءة‪ ..‬ولكن ال تبارك وتعالى يخلق بالسباب ويخلق بالمر المباشر‪ ..‬ما‬
‫يخلقه ال بالمر المباشر منه بكلمة " كن "‪ ..‬يكون خيرا مما جاء بالسباب‪ ..‬لن الخلق المباشر‬
‫ل صفة لك فيه‪ ..‬عطاء خالص من ال‪ ..‬أما الخالق بالسباب فقد يكون لك دور فيه‪ ..‬كأن تحرث‬
‫الرض أو تبذر البذور‪ ..‬ما جاء خالصا من ال بدون أسبابك يقترب من عطاء الخرة التي‬
‫يعطي ال فيها بل أسباب ولكن بكلمة " كن "‪ ..‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَلَ َتمُدّنّ‬
‫عَيْنَ ْيكَ إِلَىا مَا مَ ّتعْنَا بِهِ أَ ْزوَاجا مّ ْنهُمْ زَهْ َرةَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا لِ َنفْتِ َنهُمْ فِي ِه وَرِزْقُ رَ ّبكَ خَيْ ٌر وَأَ ْبقَىا }[طه‪:‬‬
‫‪]131‬‬
‫فال تبارك وتعالى يصف رزق الدنيا بأنه فتنة‪ ..‬ويصف رزق الخرة بأنه خير منه‪ ..‬مع أن‬
‫رزق الدنيا والخرة‪ ،‬وكل رزق في هذا الوجود حتى الرزق الحرام هو من ال جل جلله‪ ..‬فل‬
‫رازق إل ال ولكن الذي يجعل الرزق حراما هو استعجال الناس عليه فيأخذونه بطريق حرام‪..‬‬
‫ولو صبروا لجاءهم حلل‪..‬‬
‫نقول إن ال سبحانه وتعالى هو الذي يرزق‪ ..‬ولكنه سمى رزقا فتنة وسمى رزقا خيرا منه‪ ..‬ذلك‬
‫أن الرزق من ال بدون أسباب أعلى وأفضل منزلة من الرزق الذي يتم بالسباب‪..‬‬
‫إذن الحق سبحانه وتعالى حين يقول‪ } :‬أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي ُهوَ أَدْنَىا بِالّذِي ُهوَ خَيْرٌ {‪ ..‬يكون المعنى‬
‫أتستبدلون الذي هو رزق مباشر من ال تبارك وتعالى‪ ..‬وهو المن والسلوى يأتيكم " بكن " قريب‬
‫من رزق الخرة بما هو أقل منه درجة وهو رزق السباب في الدنيا‪ ..‬ولم يجب بنو إسرائيل‬
‫على هذا التأنيب‪ ..‬وقال لهم الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬اهْ ِبطُواْ ِمصْرا فَإِنّ َل ُكمْ مّا سَأَلْ ُتمْ {‪ ..‬ول يقال‬
‫لهم ذلك إل لنهم أصروا على الطلب برغم أن الحق جل جلله بين لهم أن ما ينزله إليهم خير‬
‫مما يطلبونه‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫نلحظ هنا أن مصر جاءت منوّنةً‪ ..‬ولكن كلمة مصر حين ترد في القرآن الكريم ل ترد منونة‪..‬‬
‫ومن شرف مصر أنها ذكرت أكثر من مرة في القرآن الكريم‪ ..‬نلحظ أن مصر حينما يقصد بها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وادي النيل ل يأتي أبدا منونة وإقرأ قوله تعالى‪ {:‬تَ َبوّءَا ِلقَ ْو ِم ُكمَا ِب ِمصْرَ بُيُوتا }[يونس‪]87 :‬‬
‫وقوله جل جلله‪ {:‬أَلَ ْيسَ لِي مُ ْلكُ ِمصْ َر وَهَـا ِذ ِه الَ ْنهَارُ َتجْرِي مِن تَحْتِي }[الزخرف‪]51 :‬‬
‫وقوله سبحانه‪َ {:‬وقَالَ الّذِي اشْتَرَاهُ مِن ّمصْرَ لِمْرَأَتِهِ َأكْ ِرمِي مَ ْثوَاهُ }[يوسف‪]21 :‬‬
‫وقوله تبارك وتعالى‪ {:‬ادْخُلُواْ ِمصْرَ إِن شَآءَ اللّهُ آمِنِينَ }[يوسف‪]99 :‬‬
‫كلمة مصر ذكرت في اليات الربع السابقة بغير تنوين‪ ..‬ولكن في الية التي نحن بصددها‪} :‬‬
‫اهْ ِبطُواْ ِمصْرا { بالتنوين‪ ..‬هل مصر هذه هي مصر الواردة في اليات المشار إليها؟‪ ..‬نقول ل‪..‬‬
‫لن الشيء الممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث‪ ..‬إذا كان لبقعة أو مكان‪ ..‬مرة تلحظ أنه بقعة‬
‫فيبقى مؤنثا‪ ..‬ومرة تلحظ أنه مكان فيكون مذكرا‪ ..‬فإن كان بقعةً فهو علم ممنوع من الصرف‪..‬‬
‫وإن كان مكانا تكون فيه علمية وليس فيه تأنيث‪ ..‬ومرة تكون هناك علمية وأهمية ولكن ال‬
‫صرفها في القرآن الكريم‪ ..‬كلمات نوح ولوط وشعيب ومحمد وهود‪..‬‬
‫كل هذه السماء كان مفروضا أن تمنع من الصرف ولكنها صرفت‪ ..‬فقيل في القرآن الكريم نوحا‬
‫ولوط وشعيبا ومحمدا وهودا‪ ..‬إذن فهل من الممكن أن تكون مصر التي جاءت في قوله تعالى‪} :‬‬
‫اهْ ِبطُواْ ِمصْرا فَإِنّ َل ُكمْ مّا سَأَلْ ُتمْ { هي مصر التي عاشوا فيها وسط حكم فرعون‪ ..‬قوله تعالى‪} :‬‬
‫اهْ ِبطُواْ ِمصْرا { من الممكن أن يكون المعنى أي مصر من المصار‪ ..‬ومن الممكن أن تكون‬
‫مصر التي عاش فيها فرعون‪ ..‬وكلمة مصر تطلق على كل مكان له مفتي وأمير وقاض‪ ..‬وهي‬
‫مأخوذة من القتطاع‪ ..‬لنه مكان يقطع إمتداد الرض الخلء‪ ..‬ولكن الثابت في القرآن الكريم‪..‬‬
‫إن مصر التي لم تنون هي علم على مصر التي نعيش فيها‪ ..‬أما مصرا التي خضعت للتنوين‬
‫فهي تعني كل وادٍ فيه زرع‪..‬‬
‫سكَنَةُ {‪ ..‬الذلة هي المشقة التي تؤدي إلى النكسار‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬وضُرِبَتْ عَلَ ْيهِمُ الذّلّةُ وَا ْلمَ ْ‬
‫ويمكن أن ترفع عنك بأن تكون في حمى غيرك فيعزك بأن يقول إنك في حماه‪ ..‬وال سبحانه‬
‫وتعالى يقول عن بني إسرائيل‪ {:‬ضُرِ َبتْ عَلَ ْي ِهمُ الذّلّةُ أَيْنَ مَا ُث ِقفُواْ ِإلّ بِحَ ْبلٍ مّنَ اللّ ِه وَحَ ْبلٍ مّنَ‬
‫النّاسِ }[آل عمران‪]112 :‬‬
‫حبل من ال كما حدث عندما عاهدهم رسول ال صلى ال عليه وسلم في المدينة‪ ..‬وعاشوا في‬
‫حمى العهد‪ ..‬إذن بحبل من ال أي على يد رسول ال صلى ال عليه وسلم أو المؤمنين به‪.‬‬
‫‪ .‬وبحبل من الناس أي في حماية دولة قوية كالوليات المتحدة المريكية‪ ..‬إذا عاهدتهم عزوا وإن‬
‫تركتهم ذلوا‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬وضُرِبَتْ عَلَ ْيهِمُ الذّلّةُ { ضربت أي طبعت طبعة قوية بضربة قوية تجعل الكتابة‬
‫بارزة على النقود‪ ..‬ولذلك يقال ضربت في مصر‪ ..‬أي أعدت بضربة قوية أذلتهم وبقيت بارزة ل‬
‫يستطيعون محوها‪ ..‬أما المسكنة فهي انكسار في الهيئة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أهل الكتاب كانوا يدفعون الجزية والجزية كانت تؤخذ من الغنياء‪ ..‬وكانوا يلبسون الملبس‬
‫القذرة‪ ..‬ويقفون في موقف الذل والخزي حتى ل يدفعوا الجزية‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَبَآءُو ِب َغضَبٍ مّنَ اللّهِ {‪ ..‬أي غضب ال عليهم بذنوبهم وعصيانهم‪ .‬حتى أصبح‬
‫الغضب ـ من كثرة عصيانهم ـ كأنه سمة من سماتهم لماذا؟‪ } :‬ذَِلكَ بِأَ ّن ُهمْ كَانُواْ َيكْفُرُونَ بِآيَاتِ‬
‫عصَواْ ّوكَانُواْ َيعْتَدُونَ { أي أنهم كانوا يكفرون بالنعم ول‬
‫اللّ ِه وَ َيقْتُلُونَ النّبِيّينَ ِبغَيْرِ ا ْلحَقّ ذاِلكَ ِبمَا َ‬
‫يشكرون‪ ..‬ويكفرون باليات ويشترون بها ثمنا قليل‪ ..‬ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقتلون أنبياء ال‬
‫بغير حق‪..‬‬
‫النبياء غير الرسل‪ ..‬والنبياء أسوة سلوكية ولكنهم ل يأتون بمنهج جديد‪ ..‬أما الرسل فهم أنبياء‬
‫بأنهم أسوة سلوكية ورسل لنهم جاءوا بمنهج جديد‪ ..‬ولذلك كل رسول نبي وليس كل نبي رسول‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى يعصم أنبياءه ورسله من الخطيئة‪ ..‬ولكنه يعصم رسله من القتل فل يقدر‬
‫عليهم أعداؤهم‪ ..‬فمجيء النبياء ضرورة‪ ..‬لنهم نماذج سلوكية تسهل على الناس التزامهم‬
‫بالمنهج‪ ،‬وبنو إسرائيل بعث ال لهم أنبياء ليقتدوا بهم فقتلوهم‪ ..‬لماذا؟‪ ..‬لنهم فضحوا كذبهم‬
‫وفسقهم وعدم التزامهم بالمنهج‪ ..‬ولذلك تجد الكافر والعاصي وغير الملتزم يغار ويكره الملتزم‬
‫بمنهج ال‪ ..‬ويحاول إزالته عن طريقه ولو بالقتل‪ ..‬إذن فغضب ال عليهم من عصيانهم واعتدائهم‬
‫على النبياء وما ارتكبوه من آثام‪.‬‬

‫(‪)65 /‬‬
‫ع ِملَ صَالِحًا فََلهُمْ‬
‫إِنّ الّذِينَ َآمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَال ّنصَارَى وَالصّابِئِينَ مَنْ َآمَنَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الْآَخِ ِر وَ َ‬
‫خوْفٌ عَلَ ْيهِ ْم وَلَا هُمْ َيحْزَنُونَ (‪)62‬‬
‫أَجْ ُرهُمْ عِ ْندَ رَ ّبهِ ْم وَلَا َ‬

‫بعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه‪ ..‬أراد أن يعرض لنا‬
‫حساب المم التي سبقت أمم رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم القيامة‪ ،‬ولقد وردت هذه الية في‬
‫سورة المائدة ولكن بخلف يسير من التقديم والتأخير‪ ..‬ففي سورة المائدة‪ {:‬إِنّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَالّذِينَ‬
‫ن وَال ّنصَارَىا }[المائدة‪]69 :‬‬
‫هَادُو ْا وَالصّابِئُو َ‬
‫أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى‪ ..‬واختلف العْراب فبينما في البقرة و "‬
‫الصابئين "‪ ..‬وفي المائدة و " الصابئون "‪ ..‬وردت آية أخرى في سورة الحج‪ {:‬إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫س وَالّذِينَ أَشْ َركُواْ إِنّ اللّهَ َي ْفصِلُ بَيْ َنهُمْ َيوْمَ ا ْلقِيامَةِ إِنّ‬
‫وَالّذِينَ هَادُو ْا وَالصّابِئِينَ وَال ّنصَارَىا وَا ْلمَجُو َ‬
‫شهِيدٌ }[الحج‪]17 :‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫علَىا ُكلّ َ‬
‫اللّهَ َ‬
‫اليات الثلث تبدو متشابهة‪ ..‬إل أنّ هناك خلفات كثيرة‪ ..‬ما هو سبب التكرار الموجود في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اليات‪ ..‬وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها‪ ..‬ومع تقديمها رفعت وتغير العراب‪ ..‬وفي اليتين‬
‫ل صَالِحا فََلهُمْ َأجْرُهُمْ عِندَ رَ ّبهِمْ‬
‫عمِ َ‬
‫الوليين (البقرة والمائدة) تأتي‪ { :‬مَنْ آمَنَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْ ِم الخِ ِر وَ َ‬
‫خوْفٌ عَلَ ْيهِمْ وَلَ ُهمْ يَحْزَنُونَ }‪ ..‬أما في الية التي في سورة الحج فقد زاد فيها‪ { :‬ا ْل َمجُوسَ‬
‫وَلَ َ‬
‫وَالّذِينَ َأشْ َركُواْ }‪ ..‬واختلف فيها الخبر‪ ..‬فقال ال سبحانه وتعالى‪ { :‬إِنّ اللّهَ َي ْفصِلُ بَيْ َنهُمْ َيوْمَ‬
‫ا ْلقِيامَةِ }‪.‬‬
‫عندما خلق ال وأنزله ليعمر الرض أنزل معه الهدى‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬فَِإمّا يَأْتِيَ ّنكُم مّنّي هُدًى‬
‫شقَىا }[طه‪]123 :‬‬
‫ضلّ َولَ يَ ْ‬
‫َفمَنِ اتّبَعَ ُهدَايَ فَلَ َي ِ‬
‫مفروض أن آدم أبلغ المنهج لولده‪ ..‬وهؤلء أبلغوه لولدهم وهكذا‪ ..‬وتشغل الناس الحياة‬
‫وتطرأ عليهم الغفلة‪ ..‬ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم‪ ..‬فكان لبد من رحمة ال‬
‫لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا‪..‬‬
‫الية الكريمة تقول‪ { :‬إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ }‪ ..‬أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الرض‪ ..‬وبعد‬
‫ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الرض‪ ..‬كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم‪..‬‬
‫وجاءت أديان لها اتباع حتى الن كاليهودية والنصرانية والصابئية‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يريد أن‬
‫يجمع كل ما سبق في رسالة محمد عليه الصلة والسلم‪ ..‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم جاء‬
‫لتصفية الوضع اليماني في الرض‪..‬‬
‫إذن الذين آمنوا أول سواء مع آدم أو مع الرسل‪ ..‬الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت‪..‬‬
‫ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة‪ ..‬فال تبارك وتعالى يريد‬
‫أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا‪ ..‬فمن آمن بمحمد صلى ال عليه وسلم فل خوف عليهم ول هم‬
‫يحزنون‪ ..‬فكأن رسالته عليه الصلة والسلم جاءت لتصفية كل الديان السابقة‪.‬‬
‫‪ .‬وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد عليه الصلة والسلم‪ ..‬فقد دعى الناس كلهم إلى‬
‫اليمان برسالته‪ ..‬ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من عهد نوح أو إبراهيم أو‬
‫هود‪ ..‬وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية‪ ..‬كل هؤلء مطالبون‬
‫باليمان بمحمد صلى ال عليه وسلم والتصديق بدين السلم‪ ..‬فالسلم يمسح العقائد السابقة في‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْي ِه ْم وَلَ ُهمْ‬
‫الرض‪ ..‬ويجعلها مركزة في دين واحد‪ ..‬الذين آمنوا بهذا الدين‪ } :‬لَ َ‬
‫يَحْزَنُونَ {‪ ..‬والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن‪ ..‬وهذا إعلن بوحدة دين جديد‪ ..‬ينتظم فيه‬
‫كل من في الرض إلى أن تقوم الساعة‪ ..‬أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه‪ ..‬ولم يؤمنوا‬
‫بالدين الجديد‪ ..‬ل يفصل ال بينهم إل يوم القيامة‪ ..‬ولذلك فإن الية التي تضمنت الحساب‬
‫والفصل يوم القيامة‪ ..‬جاء فيها كل من لم يؤمن بدين محمد عليه الصلة والسلم‪ ..‬بما فيهم‬
‫المجوس والذين أشركوا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق تبارك وتعالى أراد أن يرفع الظن‪ ..‬عمن تبع دينا سبق السلم وبقي عليه بعد السلم‪..‬‬
‫وهو يظن أن هذا الدين نافعه‪ ..‬نقول له أن الحق سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في قوله‬
‫تعالى‪َ {:‬ومَن يَبْ َتغِ غَيْ َر الِسْلَمِ دِينا فَلَنْ ُيقْ َبلَ مِنْهُ }[آل عمران‪]85 :‬‬
‫وقوله جل جلله‪ {:‬إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الِسْلَمُ }[آل عمران‪]19 :‬‬
‫إذن التصفية النهائية لموكب اليمان والرسالت في الوجود حسمت‪ ..‬فالذي آمن بمحمد عليه‬
‫الصلة والسلم‪ ..‬ل يخاف ول يحزن يوم القيامة‪ ..‬والذي لم يؤمن يقول ال تبارك وتعالى له }‬
‫صلُ بَيْ َنهُمْ َيوْمَ ا ْلقِيامَةِ {‪ ..‬إذن الذين آمنوا هم الذين ورثوا اليمان من عهد آدم‪ ..‬والذين‬
‫إِنّ اللّهَ َيفْ ِ‬
‫هادوا هم أتباع موسى عليه السلم‪ ..‬وجاء السم من قولهم‪ " :‬إنا هدنا إليك " ـ أي عدنا إليك‪..‬‬
‫والنصارى جمع نصراني وهم منسوبون إلى الناصرة البلدة التي ولد فيها عيسى عليه السلم‪ ..‬أو‬
‫من قول الحواريين نحن أنصار ال في قوله تعالى‪ {:‬فََلمّآ َأحَسّ عِيسَىا مِ ْنهُمُ ا ْل ُكفْرَ قَالَ مَنْ‬
‫شهَدْ بِأَنّا ُمسِْلمُونَ }[آل عمران‪]52 :‬‬
‫حوَارِيّونَ َنحْنُ أَ ْنصَارُ اللّهِ آمَنّا بِاللّ ِه وَا ْ‬
‫أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ ا ْل َ‬
‫أما الصابئة فقد اختلف العلماء فيهم‪ ..‬قال بعضهم هم أتباع نوح ولكنهم غيروا بعده وعبدوا من‬
‫دون ال الوسائط في الكون كالشمس والقمر والكواكب‪ ..‬أو الصابئة هم الذين انتقلوا من الدين‬
‫الذي كان يعاصرهم إلى الدين الجديد‪ ..‬أو هم جماعة من العقلء قالوا ما عليه قومنا ل يقنع‬
‫العقل‪ ..‬كيف نعبد هذه الصنام ونحن نصنعها ونصلحها؟‪.‬‬
‫‪ .‬فامتنعوا عن عبادة أصنام العرب‪ ..‬فقالوا عنهم إنهم صبئوا عن دين آبائهم‪ ..‬أي تركوه وآمنوا‬
‫بالدين الجديد‪ ..‬وأيا كان المراد بالصابئين فهم كل من مال عن دينه إلى دين آخر‪.‬‬
‫أننا نلحظ أن ال سبحانه وتعالى‪ ..‬جاء بالصابئين في سورة البقرة متأخرة ومنصوبة‪ ..‬وفي‬
‫سورة المائدة متقدم ًة ومرفوعةً‪ ..‬نقول هذا الكلم يدخل في قواعد النحو‪ ..‬الية تقول‪ } :‬إِنّ الّذِينَ‬
‫آمَنُواْ {‪ ..‬نحن نعرف أَنّ (إِنّ) تنصب السم وترفع الخبر‪ ..‬فالذين مبني لنه إسم موصول في‬
‫محل نصب إسم لن‪ } :‬وَالّذِينَ هَادُواْ { معطوف على الذين آمنوا يكون منصوبا أيضا‪..‬‬
‫والنصارى معطوف أيضا على إسم إن‪ ..‬والصابئين معطوف أيضا ومنصوب بالياء لنه جمع‬
‫مذكر سالم‪..‬‬
‫نأتي إلى قوله تعالى‪ } :‬مَنْ آمَنَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ {‪ .‬هذه مستقيمة في سورة البقرة إعرابا‬
‫وترتيبا‪ ..‬والصابئين تأخرت عن النصارى لنهم فرقة قليلة‪ ..‬ل تمثل جمهرة كثيرة كالنصارى‪..‬‬
‫ولكن في آية المائدة تقدمت الصابئون وبالرفع في قوله تعالى‪ } :‬إِنّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَالّذِينَ هَادُواْ {‪..‬‬
‫الذين آمنوا إسم إن والذين هادوا معطوف‪ ..‬و " الصابئون " كان القياس إعرابيا أن يقال‬
‫والصابئين‪ ..‬وبعدها النصارى معطوفة‪ ..‬ولكن كلمة (الصابئون) توسطت بين اليهود وبين‬
‫النصارى‪ ..‬وكسر إعرابها بشكل ل يقتضيه الظاهر‪ ..‬وللعرب إذن مرهفة لغويا‪ ..‬فمتى سمع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الصابئين التي جاءت معطوفة على اسم إن تأتي بالرفع يلتفت لفتة قسرية ليعرف السبب‪..‬‬
‫حين تولى أبا جعفر المنصور الخلفة‪ ..‬وقف على المنبر ولحن لحنة أي أخطأ في نطق كلمة‪..‬‬
‫وكان هناك إعرابي يجلس فآذت أُذنيه‪ ..‬وأخطأ المنصور للمرة الثانية فحرك العرابي أُذنيه‬
‫باستغراب‪ ..‬وعندما أخطأ للمرة الثالثة قام العرابي وقال‪ ..‬أشهد أنك وليت هذا المر بقضاء‬
‫وقدر‪ ..‬أي أنك ل تستحق هذا‪ ..‬هذا هو اللحن إذا سمعه العربي هز أذنيه‪ ..‬فإذا جاء لفظ مرفوعا‬
‫والمفروض أن يكون منصوبا‪ ..‬فإن ذلك يجعله يتنبه أن ال له حكمة وعلة‪ ..‬فما هي العلة؟‪..‬‬
‫الذين آمنوا أمرهم مفهوم والذين هادوا أمرهم مفهوم والنصارى أمرهم مفهوم‪ ..‬أما الصابئون‬
‫فهؤلء لم يكونوا تابعين لدين‪ ..‬ولكنهم سلكوا طريقا مخالفا‪ ..‬فجاءت هذه الية لتلفتنا أن هذه‬
‫التصفية تشمل الصابئين أيضا‪ ..‬فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الذان بقوة‪ ..‬فال سبحانه وتعالى‬
‫ع ِملَ صَالِحا {‪ ..‬لن اليمان إن لم يقترن‬
‫ن وَ َ‬
‫يعطف اليمان على العمل لذلك يقول دائما‪ } :‬آمَ َ‬
‫بعمل فل فائدة منه‪ ..‬وال يريد اليمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح‪ ..‬فيأمر كل‬
‫مؤمن بصالح العمل وهؤلء ل خوف عليهم في الدنيا ول هم يحزنون في الخرة‪.‬‬

‫(‪)66 /‬‬
‫وَإِذْ َأخَذْنَا مِيثَا َقكُ ْم وَ َر َفعْنَا َف ْو َقكُمُ الطّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ ِب ُق ّوةٍ وَا ْذكُرُوا مَا فِيهِ َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ (‪)63‬‬

‫يمتنّ ال سبحانه وتعالى مرة أخرى على بني إسرائيل بالنعم التي أنعم بها عليهم ويذكرهم‬
‫بجحودهم بها‪ ..‬ولكننا نلحظ أن القرآن الكريم حينما يتكلم عن اليهود‪ ..‬يتكلم عنهم بالخطاب‬
‫المباشر‪ ..‬فهل الذين عاصروا نزول القرآن وهم الذين أخذ ال تبارك وتعالى عليهم الميثاق‪..‬‬
‫هؤلء مخاطبون بمراد آبائهم وأجدادهم الذين عاصروا موسى عليه السلم‪.‬‬
‫نقول أنه كان المطلوب من كل جد أو أب أن يبلغ ذريته ما انتهت إليه قضية اليمان‪ ..‬فحين يمتن‬
‫ال عليهم أنه أهلك أهل فرعون وأنقذهم‪ ..‬يمتن عليهم لنه أنقذ آباءهم من التذبيح‪ ..‬ولول أنه‬
‫أنقذهم ما جاء هؤلء اليهود المعاصرون لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ..‬فهم كانوا مطمورين‬
‫في ظهور آبائهم‪ ..‬ولكي ينقذهم ال كان لبد أن تستمر حلقة الحياة متصلة‪ ..‬فمتى انتهت حياة‬
‫الب قبل أن يتزوج وينجب انتهت في اللحظة نفسها حياة ذريته‪ ..‬الشيء نفسه ينطبق على قول‬
‫سقَىا مُوسَىا ِلقَ ْومِهِ }‪ ..‬إمتنان على اليهود المعاصرين لنزول‬
‫الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬وَإِذِ اسْتَ ْ‬
‫القرآن‪ ..‬لنه سبحانه وتعالى لو لم ينقذ آباءهم من الموت عطشا لماتوا بل ذرية‪.‬‬
‫إذن كل إمتنان على اليهود في عهد موسى هو إمتنان على ذريته في عهد رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ..‬والحق سبحانه وتعالى أخذ على اليهود الميثاق القديم‪ ..‬ولول هذا الميثاق ما آمنوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ول آمنت ذريتهم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَ َر َفعْنَا َف ْو َقكُمُ الطّورَ }‪ ..‬أي أن ال تبارك وتعالى يذكرهم بأنهم بعد أن نجوا‬
‫وأغرق ال فرعون وقومه ذهب موسى لميقات ربه ليتلقى عنه التوراة‪ ..‬فعبد بنو إسرائيل العجل‪.‬‬
‫وعندما عاد موسى بالتوراة وباللواح‪ ..‬وجدوا في تعاليمها مشقة عليهم‪ ..‬وقالوا نحن ل نطيق‬
‫هذا التكليف وفكروا أل يلتزموا به وأل يقبلوه‪.‬‬
‫التكليف هو من مكلف هو ال سبحانه وتعالى‪ ..‬وهم يقولون إن ال كلفهم ما ل يطيقون‪ ..‬مع أن‬
‫ال جل جلله ل يكلف نفسا إل وسعها‪ ..‬هذا هو المبدأ اليماني الذي وضعه الحق جل جلله‪..‬‬
‫س َعهَا }[البقرة‪]286 :‬‬
‫ل وُ ْ‬
‫يظن بعض الناس أن معنى الية الكريمة‪ {:‬لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫يظنون أننا نضع أنفسنا حكما على تكليف ال‪ ..‬فإن كنا نعتقد أننا نقدر على هذا التكليف نقل هو‬
‫من ال وإن كنا نعتقد أننا ل نقدر عليه بحكمنا نحن‪ ..‬نقل ال لم يكلفنا بهذا لنه فوق طاقتنا‪..‬‬
‫ولكن الحكم الصحيح هل كلفك ال بهذا المر أو لم يكلفك؟ إن كان ال قد كلفك فهو عليم بأن ذلك‬
‫في وسعك؛ لن ال ل يكلف نفسا إل وسعها‪.‬‬
‫‪ .‬ونحن نسمع الن صيحات تقول أن العصر لم يعد يحتمل‪ ..‬وإن ظروف الدنيا وسرعة الحركة‬
‫فيها وسرعة الحداث هي تبرير أنه ليس في وسعنا أن نؤدي بعض التكاليف‪ ..‬ربما كان هذا‬
‫التكليف في الوسع في الماضي عندما كانت الحياة بسيطة وحركتها بطيئة ومشكلتها محدودة‪.‬‬
‫نقول لمن يردّد هذا الكلم‪ :‬إن الذي كلفك قديما هو ال سبحانه وتعالى‪ .‬إنه يعلم أن في وسعك أن‬
‫تؤدي التكليف وقت نزوله‪ ..‬وبعد آلف السنين من نزوله وحتى قيام الساعة‪ ..‬والدليل على ذلك‬
‫أن هناك من يقوم بالتكليف ويتطوع بأكثر منه ليدخل في باب الحسان؛ فهناك من يصلي‬
‫الفروض وهي التكليف‪ ..‬وهناك من يزيد عليها السنن‪ ..‬وهناك من يقوم الليل‪ ..‬فيظل يتقرب إلى‬
‫ال تبارك وتعالى بالتطوع من جنس ما فرض‪ ..‬وهناك من يصوم رمضان ومن يتطوع ويصوم‬
‫أوائل الشهور العربية‪ ..‬أو كل اثنين وخميس على مدار العام أو في شهري رجب وشعبان‪..‬‬
‫وهناك من يحج مرة ومن يحج مرات‪ ..‬وهناك من يلتزم بحدود الزكاة ومن يتصدق بأكثر منها‪.‬‬
‫إذن كل التكاليف التي كلفنا ال بها في وسعنا وأقل من وسعنا‪ ..‬ول يقال أن العصر قد اختلف‪،‬‬
‫فنحن الذين نعيش هذا العصر‪ ..‬بكل ما فيه من متغيرات نقوم بالتكاليف ونزيد عليها دون أي‬
‫مشقة‪ ،‬وال سبحانه وتعالى رفع فوق بني إسرائيل الطور رحمة بهم‪ ..‬تماما كما يمسك الطبيب‬
‫المشرط ليزيل صديدا تكوّن داخل الجسد‪ ..‬لن الجسد ل يصح بغير هذا‪.‬‬
‫لذلك عندما أراد ال سبحانه وتعالى أن يصيب بفضله ورحمته بني إسرائيل رغم أنوفهم‪ ..‬رفع‬
‫فوقهم جبل الطور الموجود في سيناء‪ ..‬وقال لهم تقبلوا التكليف أو أطبق عليكم الجبل‪ ..‬تماما كما‬
‫أهلك ال تبارك وتعالى الذين كفروا ورفضوا اليمان وقاوموا الرسل الذين من قبلهم‪ ..‬قد يقول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البعض إن ال سبحانه وتعالى أرغم اليهود على تكليف وهو القائل‪ {:‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ‬
‫شدُ مِنَ ا ْل َغيّ }[البقرة‪]256 :‬‬
‫الرّ ْ‬
‫وقوله تعالى‪َ {:‬فمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ }[الكهف‪]29 :‬‬
‫نقول إن ال جل جلله لم يرغم أحدا على التكليف‪ ..‬ولكنه رحمة منه خيرهم بين التكليف وبين‬
‫عذاب يصيبهم فيهلكهم‪ ..‬وهذا العذاب هو أن ُيطْبقَ عليهم جبل الطور‪ ..‬إذن المسألة ليس فيها‬
‫إجبار ولكن فيها تخيير‪ ..‬وقد خُيّرَ الذين من قبلهم بين اليمان والهلك فلن يصدقوا حتى أصابهم‬
‫الهلك‪ ..‬ولكن حينما رأى بنو إسرائيل الجبل فوقهم خشعوا ساجدين على الرض‪ ..‬وسجودهم‬
‫دليل على أنهم قبلوا المنهج‪ ..‬ولكنهم كانوا وهم ساجدون ينظرون إلى الجبل فوقهم خشية أن‬
‫يطبق عليهم‪.‬‬
‫‪ .‬ولذلك تجد سجود اليهود حتى اليوم على جهة من الوجه‪ ..‬بينما الجهة الخرى تنظر إلى أعلى‬
‫وكان ذلك خوفا من أن ينقض الجبل عليهم‪ ..‬ولو سألت يهوديا لماذا تسجد بهذه الطريقة يقول لك‬
‫أحمل التوراة ويهتز منتفضا‪ ..‬نقول أنهم اهتزوا ساعة أن رفع ال جبل الطور فوقهم‪ ..‬فكانوا في‬
‫كل صلة يأخذون الوضع نفسه‪ ،‬والذين شهدوهم من أولدهم وذريتهم‪ ..‬اعتقدوا أنها شرط من‬
‫شروط السجود عندهم‪ ..‬ولذلك أصبح سجودهم على جانب من الوجه‪ ..‬ونظرهم إلى شيء أعلهم‬
‫يخافون منه‪ ..‬أي أن الصورة التي حدثت لهم ساعة رفع جبل الطور ل زالوا باقين عليها حتى‬
‫الن‪.‬‬
‫في هذه الية الكريمة يقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬وإذا رفعنا فوقكم الطور‪ { ..‬وفي آية أخرى‬
‫يقول المولى جل جلله في نفس ما حدث‪ {:‬وَإِذ نَ َتقْنَا ا ْلجَ َبلَ َف ْوقَهُمْ كَأَنّهُ ظُلّ ٌة وَظَنّواْ أَنّهُ وَاقِعٌ ِبهِمْ‬
‫خذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم ِب ُق ّوةٍ وَا ْذكُرُواْ مَا فِيهِ َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ }[العراف‪]171 :‬‬
‫ُ‬
‫" نتقنا " كأن الجبل وتد في الرض ونريد أن نخلعه‪ ..‬فنحركه يمينا ويسارا حتى يمكن أن يخرج‬
‫من الرض‪ ..‬هذه الحركة والزحزحة والجذب هي النتق‪ ..‬والجبل كالوتد تماما يحتاج إلى هز‬
‫وزعزعة وجذب حتى يخرج من مكانه‪ ..‬وهذه الصورة عندما حدثت خشعوا وسجدوا وتقبلوا‬
‫المنهج‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم ِب ُقوّةٍ {‪ ..‬الخذ عادة مقابل للعطاء‪ ..‬أنت تأخذ من‬
‫معطٍ‪ ..‬والتكليف أخذ من ال حتى تعطي به حركة صلح في الكون‪ ..‬إذن كل أخذ لبد أن يأتي‬
‫منه عطاء؛ فأنت تأخذ من الجيل الذي سبقك وتعطي للجيل الذي يليك‪ ..‬ولكنك ل تعطيه كما هو‪،‬‬
‫ولكن لبد أن تضيف عليه‪ .‬وهذه الضافة هي التي تصنع الحضارات‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ " :‬بقوة "‪ ..‬أي ل تأخذوا التكليف بتخاذل‪ ..‬والنسان عادة يأخذ بقوة ما هو نافع له‪..‬‬
‫ولذلك فطبيعة مناهج ال أن تؤخذ بقوة وبيقين‪ ..‬لتعطي خيرا كثيرا بقوة وبيقين‪ ..‬وإذا أخذت‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫منهج ال بقوة فقد ائتمنت عليه وأن صدرك قد انشرح وتريد أن تأخذ أكثر‪ ..‬لذلك تجد في القرآن‬
‫الكريم يسألونك عن كذا‪ ..‬دليل على أنهم عشقوا التكليف وعلموا أنه نافع فهم يريدون زيادة النفع‪.‬‬
‫ومادام الحق سبحانه وتعالى قال‪ } :‬خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم ِب ُق ّوةٍ {‪ ..‬فقد عشقوا التكليف ولم يعد شاقا‬
‫على أنفسهم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَا ْذكُرُواْ مَا فِيهِ َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ {‪ ..‬إذكروا ما فيه أي ما في المنهج وأنه يعالج كل‬
‫قضايا الحياة واعرفوا حكم هذه القضايا‪َ } ..‬لعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ { أي تطيعون ال وتتقون عقابه وعذابه‬
‫يوم القيامة‪.‬‬

‫(‪)67 /‬‬
‫حمَُتهُ َلكُنْتُمْ مِنَ ا ْلخَاسِرِينَ (‪)64‬‬
‫ضلُ اللّهِ عَلَ ْيكُ ْم وَرَ ْ‬
‫ثُمّ َتوَلّيْتُمْ مِنْ َبعْدِ َذِلكَ فََلوْلَا َف ْ‬

‫بعد أن بيّن الحق سبحانه وتعالى لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ول ينسوه‪ ..‬وكان مجرد‬
‫تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالسلم وبرسول ال صلى ال عليه وسلم لنه مكتوب عندهم في‬
‫التوراة ومذكورة أوصافه‪ ..‬ماذا فعل اليهود؟‬
‫يقول الحق تبارك وتعالى‪ { :‬ثُمّ َتوَلّيْ ُتمْ مّن َبعْدِ ذاِلكَ }‪ ..‬أي أعرضتم عن منهج ال ونسيتموه ولم‬
‫حمَتُهُ َلكُنْتُم مّنَ الْخَاسِرِينَ } ما هو الفضل وما هي‬
‫ضلُ اللّهِ عَلَ ْيكُ ْم وَ َر ْ‬
‫تلتفتوا إليه‪ { ..‬فََل ْولَ َف ْ‬
‫الرحمة؟ الفضل هو الزيادة عما تستحق‪ ..‬يقال لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على‬
‫حقك‪..‬‬
‫عن عائشة رضي ال عنها عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه ل‬
‫خلُ أحدا الجنةَ عملهُ قالوا‪ :‬ول أنت يا رسولَ ال؟ قال‪ :‬ول أنا إل أن يتغمدني ال بمغفرة‬
‫يُ ْد ِ‬
‫ورحمة "‬
‫فإذا تساءلت كيف يتم هذا؟ وكيف أنه ل أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لن عمل الدنيا كله ل‬
‫يساوي نعمة من نعم ال على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل‪ ..‬وكل من يدخل الجنة‬
‫فبفضل ال سبحانه وتعالى‪ ..‬حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في هذه‬
‫الدنيا‪ ..‬يقول الحق سبحانه وتعالى عنهم‪ {:‬فَرِحِينَ ِبمَآ آتَا ُهمُ اللّهُ مِن َفضْلِ ِه وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْي ِه ْم َولَ هُمْ َيحْزَنُونَ }[آل عمران‪]170 :‬‬
‫حقُواْ ِبهِم مّنْ خَ ْل ِفهِمْ َألّ َ‬
‫يَلْ َ‬
‫فإذا كان هؤلء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا الجنة بفضل ال‪ ..‬فما بالك بمن هم‬
‫أقل منهم أجرا‪ ..‬وال سبحانه وتعالى له فضل على عباده جميعا‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬إِنّ اللّهَ لَذُو‬
‫شكُرُونَ }[البقرة‪]243 :‬‬
‫س لَ َي ْ‬
‫ضلٍ عَلَى النّاسِ وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ النّا ِ‬
‫َف ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبه لغفران الذنوب‪ .‬وال سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى‬
‫أنه لول هذا الفضل لبني إسرائيل‪ ..‬ولول أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى‬
‫إلى ميثاقهم ومنهجهم‪ ..‬لول هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في الدنيا‬
‫والخرة‪ ..‬ولكن ال تبارك وتعالى بفضل منه ورحمة قد قادهم إلى الدين الذي حفظه ال سبحانه‬
‫وتعالى بقدرته من أي تحريف‪ ..‬فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب‪ ..‬وما ينتج عن ذلك من حمل ثقيل‬
‫في الدنيا‪ ..‬ورحمهم برسول ال صلى ال عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين‪ ..‬مصداقا لقوله‬
‫حمَةً لّ ْلعَاَلمِينَ }[النبياء‪]107 :‬‬
‫سلْنَاكَ ِإلّ َر ْ‬
‫تبارك وتعالى‪َ {:‬ومَآ أَرْ َ‬
‫وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية اليمان في هذا الكون‪ ..‬ومع هذه الرحمة وهذا‬
‫الفضل‪ ..‬بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف رسول ال صلى ال عليه وسلم وموعد بعثه‪ ..‬فتح‬
‫لهم بابا حتى ل يصبحوا من الخاسرين‪ ..‬ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم‪.‬‬

‫(‪)68 /‬‬
‫وَلَقَدْ عَِلمْتُمُ الّذِينَ اعْتَ َدوْا مِ ْنكُمْ فِي السّ ْبتِ َفقُلْنَا َلهُمْ كُونُوا قِرَ َدةً خَاسِئِينَ (‪)65‬‬

‫بعد أن بين ال جل جلله لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة لليهود فتركوه‪ ..‬أراد أن يبين لنا‬
‫بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر ال والتحايل عليها‪ ..‬وال تبارك وتعالى له أوامر في الدين‬
‫وأوامر تتعلق بشئون الدنيا‪ ..‬وهو ل يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو بالدنيا مأخذ عدم‬
‫الجد‪ ..‬أو نفضل أمرا على أمر‪ ..‬ولذلك تجد في سورة الجمعة مثل قول الحق تبارك وتعالى‪{:‬‬
‫س َعوْاْ إِلَىا ِذكْرِ اللّ ِه وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَِلكُمْ خَيْرٌ‬
‫ج ُمعَةِ فَا ْ‬
‫لةِ مِن َي ْومِ الْ ُ‬
‫ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُو ِديَ لِلصّ َ‬
‫ض وَابْ َتغُواْ مِن َفضْلِ اللّهِ }[الجمعة‪:‬‬
‫لةُ فَانتَشِرُواْ فِي الَ ْر ِ‬
‫ّلكُمْ إِن كُن ُتمْ َتعَْلمُونَ * فَإِذَا ُقضِ َيتِ الصّ َ‬
‫‪]10-9‬‬
‫هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا‪ ..‬وكلهما من منهج ال‪ ..‬فال ل يريدك أن‬
‫تتاجر وتعمل وقت الصلة‪ ..‬ول أن تترك عملك بل داع وتبقى في المسجد بعد الصلة‪ ..‬إذا‬
‫نودي للصلة فإلى المسجد‪ ..‬وإذا قضيت الصلة فإلى السعي للرزق‪ ..‬وهناك يومان في السبوع‬
‫ذكرا في القرآن بالسم وهما يوم الجمعة والسبت‪ ..‬بينما أيام السبوع سبعة‪ ،‬خمسة أيام منها لم‬
‫تذكر في القرآن بالسم‪ ..‬وهي الحد والثنين والثلثاء والربعاء والخميس‪ ..‬الجمعة هي عيد‬
‫المسلمين الذي شرع فيه إجتماعهم في المساجد وأداء صلة الجماعة‪ ..‬ونلحظ أن يوم الجمعة لم‬
‫يأخذ اشتقاقه من العدد‪ ..‬فأيام السبوع نسبت إلى العداد فيما عدا الجمعة والسبت‪ .‬لذلك تجد‬
‫الحد منسوب إلى واحد والثنين منسوب إلى إثنين‪ ..‬والثلثاء منسوب إلى ثلثة والربعاء‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫منسوب إلى أربعة والخميس منسوب إلى خمسة‪..‬‬
‫كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلى ستة ولكنه لم ينسب‪ ..‬لماذا؟ لنه اليوم الذي اجتمع فيه‬
‫للكون نظام وجوده‪ ..‬فسماه ال تبارك وتعالى الجمعة وجعله لنا عيدا‪ ..‬والعيد هو اجتماع كل‬
‫الكون في هذا اليوم‪ ،‬إجتماع نعمة ال في إيجاد الكون وتمامها في ذلك اليوم‪ ..‬فالمؤمنون بال‬
‫يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم‪ ..‬والسبت‪ ..‬الباء والتاء تفيد معنى القطع‪ ..‬وسبت‬
‫ويسبت سبتا إذا انقطع عمله‪ ..‬ونلحظ أن خلق السموات والرض تم في ستة أيام مصداقا لقوله‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ }[الحديد‪]4:‬‬
‫تعالى‪ُ {:‬هوَ الّذِي خَلَقَ ال ّ‬
‫وكان تمام الخلق يوم الجمعة‪ ..‬وفي اليوم السابع وهو يوم السبت‪ ..‬كان كل شيء قد استقر وفرغ‬
‫من خلق الكون‪ ..‬ولذلك له سبات أي أن هذا اليوم يسمى سباتا‪ ..‬لن فيه سكون الحركة بعد تمام‬
‫الخلق‪ ..‬فلما أراد اليهود يوما للراحة أعطاهم ال يوم السبت وأراد الحق تبارك وتعالى أن يبتليهم‬
‫في هذا اليوم والبتلء هو إمتحانهم فقد كانوا يعيشون على البحر وعملهم كان صيد السمك‪.‬‬
‫‪ .‬وكان البتلء في هذا اليوم حيث حرم ال عليهم فيه العمل وجعل الحيتان التي يصطادونها تأتي‬
‫إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا يبحثون عنها طوال السبوع وربما ل يجدونها‪ ..‬وفي يوم السبت‬
‫جاءتهم ظاهرة على سطح الماء تسعى إليهم لتفتنهم‪ ..‬واقرأ قوله سبحانه وتعالى‪ {:‬وَسْئَ ْلهُمْ عَنِ‬
‫ا ْلقَرْيَةِ الّتِي كَا َنتْ حَاضِ َرةَ الْبَحْرِ إِذْ َي ْعدُونَ فِي السّ ْبتِ ِإذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَا ُنهُمْ َيوْمَ سَبْ ِتهِمْ شُرّعا وَ َيوْ َم لَ‬
‫سقُونَ }[العراف‪]163 :‬‬
‫ن لَ تَأْتِيهِمْ كَذَِلكَ نَبْلُوهُم ِبمَا كَانُوا َيفْ ُ‬
‫يَسْبِتُو َ‬
‫وهكذا يمتلئ سطح البحر بالسماك والحيتان يوم السبت‪ ..‬فإذا جاء صباح الحد اختفت بعيدا وهم‬
‫يريدون أن يجعلوا السبت عيدا لهم ل يفعلون فيه أي شيء‪ ..‬ولكنهم في الوقت نفسه يريدون أن‬
‫يحصلوا على هذه السماك والحيتان‪ ..‬صنعوا شيئا اسمه الحياض العميقة ليحتالوا بها على أمر‬
‫ال بعدم العمل في هذا اليوم‪ ..‬وفي الوقت نفسه يحصلون على السماك‪ ..‬هذه الحياض يدخلها‬
‫السمك بسهولة‪ ..‬ولنها عميقة ل يستطيع الخروج منها ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح‬
‫يصطادونه‪ ..‬وكان هذا تحايل منهم على مخالفة أمر ال‪ ..‬وال سبحانه وتعالى ل يحب من يحتال‬
‫في شيء من أوامره‪.‬‬
‫عِلمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَواْ مِ ْنكُمْ فِي السّ ْبتِ َفقُلْنَا َلهُمْ كُونُواْ قِرَ َدةً خَاسِئِينَ {‪..‬‬
‫ويقول ال تعالى‪ } :‬وَلَقَدْ َ‬
‫وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة‪ ..‬يعلمها الجداد للباء والباء للحفاد‪ ..‬وهي ليست‬
‫جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم اليهود المعاصرين لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ..‬ولذلك‬
‫عندما سمع‪ } :‬ولقد علمتم { أي لقد عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة‪ ..‬وكأنها من‬
‫قصص التراث التي يتناقلونها‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬الّذِينَ اعْتَدَواْ مِ ْنكُمْ فِي السّ ْبتِ {‪ ..‬المفعول هنا واحد هنا حيلة مذكورة أنهم اعتدوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على أمر ال بالراحة يوم السبت‪ ..‬هم حقيقة لم يصطادوا يوم السبت‪ ..‬ولكنهم تحايلوا على‬
‫الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان والسماك‪ ..‬وكانوا في ذلك أغبياء‪ ..‬وقد كان الممنوع أن يأخذوا‬
‫السمك في حيازتهم بالصيد يوم السبت‪ ..‬ولكنهم أخذوه في حيازتهم بالحيلة والفخاخ‪ ..‬وقوله‬
‫تعالى‪ " :‬اعتدوا " أي تجاوزوا حدود ال المرسومة لهم‪ ..‬وعادة حين يحرم ال شيئا يأتي بعد‬
‫التحريم قوله تعالى‪ {:‬تِ ْلكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَ َتقْرَبُوهَا }[البقرة‪]187 :‬‬
‫لنه يريد أن يمنعك من الغراء‪ ..‬حتى ل تقع في المعصية فيقول لك ل تقترب‪ ..‬ولكن بني‬
‫إسرائيل اعتدوا على حكم ال متظاهرين بالطاعة وهم عاصون‪ ..‬وحسبوا أنهم يستطيعون خداع‬
‫ال بأنهم طائعون مع أنهم عاصون‪ ..‬وصدر حكم ال عليهم‪ } :‬فَقُلْنَا َل ُهمْ كُونُواْ قِرَ َدةً خَاسِئِينَ {‪.‬‬
‫وعادة أنك ل تأمر إنسانا أمرا إل إذا كان في قدرته أن يفعله‪ ..‬المر هنا أن يكونوا قردة‪ .‬فهل‬
‫يستطيعون تنفيذه؟ وأن يغيروا خلقتهم إلى قردة‪ ..‬إنه أمر في مقدرة ال وحده فكيف يقول لهم‬
‫كونوا قردة؟‬
‫نقول إن المر نفسه هنا هو الذي يستطيع أن يجعلهم قردة‪ ..‬وهذا المر يسمى أمرا تسخيريّا ولم‬
‫يقل لهم كونوا قردة ليكونوا هم بإرادتهم قردة‪ ..‬ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا‪..‬‬
‫وهذا يدلنا على انصياع المأمور للمر وهو غير مختار‪ ..‬ولو كان ل يريد ذلك ول يلزم أن‬
‫يكونوا قد سمعوا قول ال أو قال لهم‪ ..‬لنه لو كان المطلوب منهم تنفيذ ما سمعوه ربما كان ذلك‬
‫لزما‪ ..‬ولكن بمجرد صدور المر وقبل أن ينتبهوا أو يعلموا شيئا كانوا قردة‪.‬‬
‫ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلء اليهود إلى قردة؟ كيف مسخوا؟ قال بعضهم لقد تم المسخ‬
‫وهم ل يدرون‪ ..‬فلما وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلى خلق أقل من النسان‪ ..‬لم يأكلوا ولم يشربوا‬
‫حتى ماتوا‪ ..‬وقال بعض العلماء أن النسان إذا مسخ فإنه ل يتناسل‪ ،‬ولذلك فبمجرد مسخهم لم‬
‫يتناسلوا حتى انقرضوا‪ ..‬ولماذا لم يتناسلوا؟ لن ال سبحانه وتعالى يقول‪َ {:‬ولَ تَزِ ُر وَازِ َر ٌة وِزْرَ‬
‫أُخْرَىا }[النعام‪]164 :‬‬
‫ولو أنهم تناسلوا‪ ..‬لتحمل البناء وزر آبائهم‪ ..‬وهذا مرفوض عند ال‪ ..‬إذن فمن رحمة ال أنهم‬
‫ل يأكلون ول يشربون ول يتناسلون‪ ..‬ويبقون فترة ثم ينقرضون بالمراض والوبئة وهذا ما‬
‫حدث لهم‪.‬‬
‫قد يقول بعض الناس لو أنهم مسخوا قردة‪ ..‬فمن أين جاء اليهود الموجودون الن؟ نقول لهم أنه‬
‫لم يكن كل اليهود عاصين‪ ..‬ولكن كان منهم أقلية هي التي عصت ومسخت‪ ..‬وبقيت الكثرية‬
‫ليصل نسلها إلينا اليوم‪ ..‬وقد قال علماء آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول‪ُ {:‬قلْ َهلْ‬
‫ج َعلَ مِ ْن ُهمُ ا ْلقِرَ َد َة وَالْخَنَازِي َر وَعَبَدَ‬
‫غضِبَ عَلَيْهِ وَ َ‬
‫أُنَبّ ُئكُمْ ِبشَرّ مّن ذاِلكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن ّلعَنَهُ اللّ ُه وَ َ‬
‫سوَآءِ السّبِيلِ }[المائدة‪]60 :‬‬
‫ضلّ عَن َ‬
‫الطّاغُوتَ ُأوْلَـا ِئكَ شَرّ ّمكَانا وََأ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن هذه قضية قوم غضب ال عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة الطاغوت‪ ..‬ولقد أخبرنا ال‬
‫جل جلله أن اليهود مسخوا قردة‪ ..‬ولكنه لم يقل لنا أنهم مسخوا خنازير‪ ..‬فهل مسخوا قردة؟ ثم‬
‫بعد ذلك إزداد غضب ال عليهم ومسخوا خنازير؟ وهل نقلهم ال من إنسانية إلى بهيمية في القيم‬
‫والرادة والخلقة؟‬
‫نقول علينا أول أن ننظر إلى البهيمية التي نقلهم ال إليها‪ ..‬نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد‬
‫المفضوح العورة دائما‪ ..‬وإن عورته لها لون مميز عن جسده‪.‬‬
‫‪ .‬وأنه ل يتأدب إل بالعصا‪ ..‬واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إل عندما رفع فوقهم جبل الطور‪..‬‬
‫وما هم فيه الن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خُلُق‪ ..‬والخنازير ل يغارون على أنثاهم وهذه لزمة‬
‫موجودة في اليهود‪ ..‬وعبدة الطاغوت‪ ..‬الطاغوت هو كل إنسان تجاوز الحد في البغي والظلم‪..‬‬
‫وعباد الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم يعينونه على ظلمه وهم كذلك‪.‬‬
‫إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين مسألة شكلية‪ ..‬ولكن ال سبحانه‬
‫وتعالى أعطانا في الية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الخلقية‪ ..‬فكأنهم مسخوا‬
‫خلقه ومسخوا أخلقا‪.‬‬

‫(‪)69 /‬‬
‫جعَلْنَاهَا َنكَالًا ِلمَا بَيْنَ يَدَ ْيهَا َومَا خَ ْل َفهَا َو َموْعِظَةً لِ ْلمُ ّتقِينَ (‪)66‬‬
‫فَ َ‬

‫جعَلْنَاهَا‬
‫يريد ال تبارك وتعالى أن يلفتنا إلى أنه بعد أن جعل المسخة الخلقية والخلقية لليهود‪ { :‬فَ َ‬
‫َنكَالً ّلمَا بَيْنَ يَدَ ْيهَا } أي ما معها‪َ { :‬ومَا خَ ْل َفهَا } أي ما بعدها‪ " :‬والنكال " هو العقوبة الشديدة‪..‬‬
‫والعقوبة لبد أن تنشأ عن تجريم أول‪ ..‬هذا هو المبدأ السلمي والمبدأ القانوني‪ ..‬فرجال القانون‬
‫يقولون ل عقوبة إل بتجريم ول تجريم إل بنص‪ ..‬قبل أن تعاقب لبد أن تقول أن هذا الفعل‬
‫جريمة عقوبتها كذا وكذا‪ ..‬وفي هذه الحالة عندما يرتكبها أي إنسان يكون مستحقا للعقوبة‪..‬‬
‫ومادام هذا هو الموقف فلبد من تشريع‪.‬‬
‫والتشريع ليس معناه أن ال شرع العقوبة‪ ..‬ولكن معناه محاولة منع الجريمة بالتخويف حتى ل‬
‫يفعلها أحد‪ ..‬فإذا تمت الجريمة فلبد من توقيع العقوبة‪ ..‬لن توقيعها عبرة للغير ومنع له من‬
‫ارتكابها‪ ..‬وهذا الزجر يسمى نكول ومنها النكول في اليمين أي الرجوع فيه‪.‬‬
‫جعَلْنَاهَا َنكَالً }‪ ..‬أي جعلناهم زجرا وعقابا قويا‪ ..‬حتى ل يعود أحد من بني‬
‫إذن قوله تعالى‪ { :‬فَ َ‬
‫إسرائيل إلى مثل هذه المخالفة‪َ { :‬نكَالً ّلمَا بَيْنَ َيدَ ْيهَا }‪ ..‬أي عقوبة حين يرويها الذين عاصروها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تكفي لكيل يقتربوا من هذه المعصية أبدا‪ ..‬وتكون لهم موعظة ل ينسونها‪َ { :‬ومَا خَ ْل َفهَا } يعني‬
‫جعلناها تتوارثها الجيال من بني إسرائيل جيل بعد جيل‪ ..‬كما بيننا الب يحكي لبنه حتى ل‬
‫يعود أحد في المستقبل إلى مثل هذا العمل من شدة العقوبة‪َ { :‬و َموْعِظَةً لّ ْلمُ ّتقِينَ }‪ ..‬أي موعظة‬
‫لكل الناس الذين سيبلغهم ال تبارك وتعالى بما حدث من بني إسرائيل وما عاقبهم به‪ ..‬حتى يقوا‬
‫أنفسهم شر العذاب يوم القيامة الذي سيكون فيه ألوان أشد كثيرا من هذا العذاب‪ ..‬على أننا لبد أن‬
‫نلفت النتباه إلى أن مبدأ أنه ل عقوبة إل بتجريم ول تجريم إل بنص هو مبدأ إلهي‪ ..‬ولذلك يقول‬
‫ال سبحانه وتعالى‪َ {:‬ومَا كُنّا ُم َعذّبِينَ حَتّىا نَ ْب َعثَ رَسُولً }[السراء‪]15 :‬‬
‫أي يأتي الرسول أول ليجرم هذه الفعال‪ ..‬فإن ارتكبها أحد من خلق ال حقت عليه العقوبة‪..‬‬
‫ومن هنا فإن كل ما يقال عن قوانين بأثر رجعي مخالف لشريعة ال تبارك وتعالى وعدله‪ ..‬فل‬
‫يوجد في عدالة السماء ما يقال عنه أثر رجعي‪.‬‬

‫(‪)70 /‬‬
‫خذُنَا هُ ُزوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ َأكُونَ‬
‫وَإِذْ قَالَ مُوسَى ِل َق ْومِهِ إِنّ اللّهَ يَ ْأمُ ُركُمْ أَنْ َتذْبَحُوا َبقَ َرةً قَالُوا أَتَتّ ِ‬
‫مِنَ الْجَاهِلِينَ (‪)67‬‬

‫تعرضنا إلى هذه الية الكريمة في بداية سورة البقرة‪ ..‬لن السورة سميت بهذا السم‪ ..‬ونلحظ‬
‫هنا أن ال سبحانه وتعالى أتى بحرف‪ " :‬وإذ "‪ ..‬يعني واذكروا‪ { :‬وَإِذْ قَالَ مُوسَىا ِل َق ْومِهِ إِنّ اللّهَ‬
‫يَ ْأمُ ُركُمْ أَنْ َتذْبَحُواْ َبقَ َرةً }‪ ..‬ولم يقل لماذا أمرهم بأن يذبحوا البقرة‪ ..‬ولبد أن نقرأ اليات إلى آخر‬
‫القصة لنعرف السبب في قوله تعالى‪ {:‬وَِإذْ قَتَلْتُمْ َنفْسا فَادّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مّا كُنْ ُتمْ َتكْ ُتمُونَ *‬
‫ضهَا كَذَِلكَ يُحْيِي اللّهُ ا ْل َموْتَىا وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ َلعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ }[البقرة‪]73-72 :‬‬
‫َفقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِ َب ْع ِ‬
‫والمفروض في كل المور أن المر تسبقه علته‪ ..‬ولكن هذه عظمة القرآن الكريم‪ ..‬لن السؤال‬
‫عن العلة أول معناه أن المر صادر من مساو لك‪ ..‬فإذا قال لك إنسان إفعل كذا‪ ..‬تسأله لماذا‬
‫حتى أطيع المر وأنفذه‪ ..‬إذن المر من المساوي هو الذي تسأل عن علته‪ ..‬ولكن المر من غير‬
‫المساوي‪ ..‬كأمر الب لبنه والطبيب لمريضه والقائد لجنوده‪ ..‬مثل هذا المر ل يسأل عن علته‬
‫قبل تنفيذه‪ ..‬لن الذي أصدره أحكم من الذي صدر إليه المر‪ ..‬ولو أن كل مكلف من ال أقبل‬
‫على المر يسأل عن علته أول‪ ..‬فيكون قد فعل المر بعلته‪ .‬فكأنه قد فعله من أجل العلة‪ ..‬ومن‬
‫هنا يزول اليمان‪ ..‬ويستوي أن يكون النسان مؤمنا أو غير مؤمن‪ ..‬ويكون تنفيذ المر بل ثواب‬
‫من ال‪..‬‬
‫إن اليمان يجعل المؤمن يتلقى المر من ال طائعا‪ ..‬عرف علته أو لم يعرف‪ ..‬ويقوم بتنفيذه لنه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صادر من ال‪ ..‬ولذلك فإن تنفيذ أي أمر إيماني يتم لن المر صادر من ال‪ ..‬وكل تكليف يأتي‪..‬‬
‫علة حدوثه هي اليمان بال‪ ..‬ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يبدأ كل تكليف بقوله تعالى‪ { :‬يَا‬
‫أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ }‪ ..‬أي يا من آمنت بال ربا وإلها وخالقا‪ ..‬خذ عن ال وافعل لنك آمنت بمن‬
‫أمرك‪.‬‬
‫في هذه اليات التي نحن بصددها أراد ال تعالى أن يبين لنا ذلك‪ .‬فجاء بالمر بذبح البقرة أول‪..‬‬
‫وبالعلة في اليات التي روت لنا علة القصة‪ ..‬وأنت حين تعبد ال فكل ما تفعله هو طاعة ل‬
‫سبحانه وتعالى‪ ..‬سواء عرفت العلة أو لم تعرفها؛ فأنت تؤدي الصلة لن ال تبارك وتعالى‬
‫أمرك بأن تصلي‪ ..‬فلو أديت الصلة على أنها رياضة أو أنها وسيلة للستيقاظ المبكر‪ ..‬أو أنها‬
‫حركات لزمة لليونة المفاصل فإن صلتك تكون بل ثواب ول أجر‪ ..‬إن أردت الرياضة فاذهب‬
‫إلى أحد النوادي وليدربك أحد المدربين لتكون الرياضة على أصولها‪.‬‬
‫‪ .‬وأن أردت اللياقة البدنية فهناك ألف طريقة لذلك‪ ..‬وإن أردت عبادة ال كما أمرك ال فلتكن‬
‫صلتك التي فرضها ال عليك لن ال فرضها‪ ..‬وكذلك كل العبادات الخرى‪..‬‬
‫الصوم ليس شعورا بإحساس الجائع‪ ..‬ول هو طريقة لعمل الرجيم ولكنه عباده‪ ..‬إن لم تصم تنفيذا‬
‫لمر ال بالصوم فل ثواب لك‪ ..‬وإن جعلت للصيام أي سبب إل العبادة فإنه صيام ل يقبله ال‪..‬‬
‫وال أغنى الشركاء عن الشرك‪ ..‬فمن أشرك معه أحدا ترك ال عمله لمن أشركه‪ ..‬وكذلك كل‬
‫العبادات‪.‬‬
‫هذا هو المفهوم اليماني الذي أراد ال سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه في قصة بقرة بني إسرائيل‪..‬‬
‫ولذلك لم يأت بالعلة أو السبب أول‪ ..‬بل أتى بالقصة ثم أخبرنا سبحانه في آخرها عن السبب‪..‬‬
‫وسواء أخبرنا ال عن السبب أو لم يخبرنا فهذا ل يغير في إيماننا بحقيقة ما حدث‪ ..‬وإن القصة‬
‫لها حكمة وإن خفيت علينا فهي موجودة‪.‬‬
‫قوله تعالى‪ } :‬إِنّ اللّهَ يَ ْأمُ ُركُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ َبقَ َرةً {‪ ..‬أعطى ال تبارك وتعالى المر أول ليختبر قوة‬
‫إيمان بني إسرائيل‪ ..‬ومدى قيامهم بتنفيذ التكليف دون تلكؤ أو تمهل‪ ..‬ولكنهم بدل من أن يفعلوا‬
‫ذلك أخذوا في المساومة والتباطؤ‪ } :‬وَإِذْ قَالَ مُوسَىا ِلقَ ْومِهِ {‪ ..‬كلمة قوم تطلق على الرجال‬
‫سخَرْ َقوْمٌ مّن َقوْمٍ عَسَىا أَن َيكُونُواْ خَيْرا‬
‫فقط‪ ..‬ولذلك يقول القرآن الكريم‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ يَ ْ‬
‫مّ ْنهُ ْم َولَ ِنسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىا أَن َيكُنّ خَيْرا مّ ْنهُنّ }[الحجرات‪]11 :‬‬
‫إذن قوم هم الرجال‪ ..‬لنهم يقومون على شئون أسرهم ونسائهم‪ ..‬ولذلك يقول الشاعر العربي‪:‬وما‬
‫أدري ولست أخال أدري َأ َقوْمٌ آل حصنٍ أم نساءُفالقوامة للرجال‪ ..‬والمرأة حياتها مبنية على‬
‫الستر في بيتها‪ ..‬والرجال يقومون لها بما تحتاج إليه من شئون‪ ..‬والمفروض أن المرأة سكن‬
‫لزوجها وبيتها وأولدها وهي في هذا لها مهمة أكبر من مهمة الرجال‪ ..‬قوله تعالى‪ } :‬إِنّ اللّهَ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يَ ْأمُ ُركُمْ {‪ ..‬المر طلب فعل‪ .‬وإذا كان المر أعلى من المأمور نسميه أمرا‪ ..‬وإذا كان مساويا له‬
‫نسميه إلتماسا‪ ..‬وإذا كان إلى أعلى نسميه رجاء ودعاء‪ ..‬على أننا لبد أن نلتفت إلى قوله تعالى‬
‫على لسان زكريا‪ {:‬هُنَاِلكَ دَعَا َزكَرِيّا رَبّهُ قَالَ َربّ َهبْ لِي مِن لّدُ ْنكَ ذُرّيّةً طَيّ َبةً }[آل عمران‪:‬‬
‫‪]38‬‬
‫هل هذا أمر من زكريا؟ طبعا ل‪ .‬لنه دعاء والدعاء رجاء من الدنى إلى العلى‪ ..‬قوله تعالى‪} :‬‬
‫اللّهَ يَ ْأمُ ُر ُكمْ {‪ ..‬لو أن إنسانا يعقل أدنى عقل ثم يطلب منه أن يذبح بقرة‪ ..‬أهذه تحتاج إلى إيضاح؟‬
‫لو كانوا ذبحوا بقرة لكان كل شيء قد تم دون أي جهد‪.‬‬
‫‪ .‬فمادام ال قد طلب منهم أن يذبحوا بقرة‪ ..‬فكل ما عليهم هو التنفيذ‪..‬‬
‫ولكن أنظر إلى الغباء حتى في السؤال‪ ..‬إنهم يريدون أن يفعلوا أي شيء لبطال التكليف‪ ..‬لقد‬
‫قالوا لموسى نبيهم إنك تهزأ بنا‪ ..‬أي أنهم استنكروا أن يكلفهم ال تبارك وتعالى بذبح بقرة على‬
‫إطلقها دون تحديد‪ ..‬فاتهموا موسى أنه يهزأ بهم‪ ..‬كأنهم يرون أن المسألة صعبة على ال‬
‫سبحانه وتعالى‪ ..‬ل يمكن أن تحل بمجرد ذبح بقرة‪ ..‬وعندما سمع موسى كلمهم ذهل‪ ..‬فهل‬
‫هناك نبي يهزأ بتكليف من تكليفات ال تبارك وتعالى‪ ..‬أينقل نبي ال لهم أمرا من أوامر ال جل‬
‫جلله على سبيل الهزل؟‬
‫هنا عرف موسى أن هؤلء اليهود هم جاهلون‪ ..‬جاهلون بربهم وبرسولهم وجاهلون بآخرتهم‪..‬‬
‫وأنهم يحاولون أن يأخذوا كل شيء بمقاييسهم وليس بمقاييس ال سبحانه وتعالى‪ ..‬فاتجه إلى‬
‫السماء يستعيذ بال من هؤلء الجاهلين‪ ..‬الذين يأتيهم اليسر فيريدونه عسرا‪ .‬ويأتيهم السهل‬
‫فيريدونه صعبا‪ ..‬ويطلبون من ال أن يعنتهم وأن يشدد عليهم وأن يجعل كل شيء في حياتهم‬
‫صعبا وشاقا‪.‬‬

‫(‪)71 /‬‬
‫عوَانٌ بَيْنَ ذَِلكَ فَا ْفعَلُوا‬
‫قَالُوا ا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ يُبَيّنْ لَنَا مَا ِهيَ قَالَ إِنّهُ َيقُولُ إِ ّنهَا َبقَ َرةٌ لَا فَا ِرضٌ وَلَا ِبكْرٌ َ‬
‫مَا ُت ْؤمَرُونَ (‪)68‬‬

‫وكان سؤالهم يبين نقص درجة اليمان عندهم‪ ..‬لم يقولوا ادع لنا ربنا‪ ..‬بل قالوا إدع لنا ربك‪،‬‬
‫وكأنه رب موسى وحده‪ ..‬ولقد تكررت هذه الطريقة في كلم بني إسرائيل عدة مرات‪ ..‬حتى إنهم‬
‫ت وَرَ ّبكَ فَقَاتِل إِنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائدة‪]24 :‬‬
‫قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم‪ {:‬فَاذْ َهبْ أَن َ‬
‫ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة‪ ..‬يوجهون السؤال لموسى فيدعو ال فيأتيه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجواب من ال تبارك وتعالى‪ ..‬فبدل من أن ينفذوا المر وتنتهي المسألة يوجهون سؤال آخر‪..‬‬
‫فيدعو موسى ربه فيأتيه الجواب‪ ،‬ويؤدي الجواب إلى سؤال في غير محله منهم‪ ..‬ثم يقطع الحق‬
‫سبحانه وتعالى عليهم أسباب الجدل‪ ..‬بأن يعطيهم أوصافا لبقرة ل تنطبق إل على بقرة واحدة‬
‫فقط‪ ..‬فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد ال عليهم‪..‬‬
‫نأتي إلى أسئلة بني إسرائيل‪ ..‬يقول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬قَالُواْ ا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ يُبَيّن لّنَا مَا ِهيَ }‪..‬‬
‫سؤال ل معنى له ول محل‪ ..‬لن ال تبارك وتعالى قال لهم إنها بقرة‪ ..‬ولم يقل مثل إنها حيوان‬
‫على إطلقه فلم يكن هناك محل للسؤال‪ ..‬فجاء الحق تبارك وتعالى يقول لهم‪ { :‬إِ ّنهَا َبقَ َرةٌ لّ‬
‫فَا ِرضٌ وَلَ ِبكْرٌ }‪ ..‬الفارض في اللغة هو الواسع والمراد به بقرة غير مسنة‪ ..‬ولكن ما العلقة‬
‫بين سن البقرة وبين الواسع؟ البقرة تتعرض للحمل كثيرا وأساسا هي للبن وللنجاب‪ ..‬ومادامت‬
‫قد تعرضت للحمل كثيرا يكون مكان اللبن فيها في اتساع‪ ..‬أي أن بطنها يزداد اتساعا مع كل‬
‫حمل جديد‪ ..‬وعندما يكون بطن البقرة واسعا يعرف أنها مسنة وولدت كثيرا وصارت فارضا‪.‬‬
‫وكلمة " بكر " لها معانٍ متعددة منها أنه لم يطأها فحل‪ ..‬ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة‪ ..‬ومنها‬
‫أنها ولدت مرارا ولكن لم يظهر ذلك عليها لنها صغيرة السن‪.‬‬
‫عوَانٌ بَيْنَ ذاِلكَ }‪ ..‬يعني وسط بين هذه الوصاف كلها‪ ..‬الحق بعد ذلك يقرعهم‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬‬
‫فيقول‪ { :‬فَا ْفعَلُواْ مَا ُت ْؤمَرونَ }‪ ..‬يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر ال واذبحوا البقرة‪ ..‬ولكنهم لم‬
‫يسكنوا أنهم يريدون أن يحاوروا‪ ..‬ولذلك غيروا صيغة السؤال‪.‬‬

‫(‪)72 /‬‬
‫صفْرَاءُ فَاقِعٌ َلوْ ُنهَا تَسُرّ النّاظِرِينَ (‪)69‬‬
‫قَالُوا ا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ يُبَيّنْ لَنَا مَا َلوْ ُنهَا قَالَ إِنّهُ َيقُولُ إِ ّنهَا َبقَ َرةٌ َ‬

‫بحثوا عن سؤال آخر‪ :‬ما لونها؟ كأن ال تبارك وتعالى حين حدثهم عن السن فتحوا البواب‬
‫ليسألوا ما لونها؟ مع أنه سبحانه وتعالى قال لهم‪ { :‬فَا ْفعَلُواْ مَا ُت ْؤمَرونَ }‪ ..‬فلم يفعلوا بل سألوا ما‬
‫صفْرَآءُ } والصفرة لون من اللوان‪ ..‬ثم قال جل جلله‪ { :‬فَاقِـعٌ‬
‫لونها؟ { قَالَ إِنّهُ َيقُولُ إِ ّنهَا َبقَ َر ٌة َ‬
‫ّلوْ ُنهَا }‪ ..‬يعني صفرة شديدة‪ ..‬ثم قال‪ { :‬تَسُرّ النّاظِرِينَ }‪ ..‬يعني أن كل من ينظر إليها يُسر‬
‫لنضارتها ونظافتها وحسن مظهرها وتناسق جسدها‪..‬‬
‫وصف البقرة بأنها صفراء هذا لون معروف‪ ..‬وفي اللوان ل يمكن أن تحدد لونا إل برؤيته‪..‬‬
‫ولذلك فإن المحسّات في اللوان لبد أن تسبق معرفتها وبعد ذلك تأتي باللون المطلوب‪ ..‬لذلك ل‬
‫يقال صفراء فقط لنك ل تستطيع تحديده؛ لن اللون الصفر له درجات ل نهاية لها‪ ..‬ومزج‬
‫اللوان يعطيك عددا ل نهائيا من درجاتها‪ ..‬ولذلك فإن المشتغلين بدهان المنازل ل يستطيعون أن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقوموا بدهان شقة بلون إل إذا قام بعمل مزيج اللون كله مرة واحدة‪ ..‬حتى يخرج الدهان كله‬
‫بدرجة واحدة من اللون‪ ..‬ولكن إذا طلبت منه أن يدهن الشقة باللون نفسه‪ ..‬بشرط أن يدهن‬
‫حجرة واحدة كل يوم فإنه ل يستطيع‪ ..‬فإذا سمعت صفراء يأتي اللون الصفر إلى ذهنك‪ ..‬فإذا‬
‫سمعت " فاقع " فكل لون من اللوان له وصف يناسبه يعطينا دقة اللون المطلوب‪ " ..‬فاقع " أي‬
‫شديد الصفرة‪.‬‬
‫أظن أن المسألة قد أصبحت واضحة‪ ..‬إنها بقرة لونها أصفر فاقع تسر الناظرين‪ ..‬وكان من‬
‫المفروض أن يكتفي بنو إسرائيل بذلك ولكنهم عادوا إلى السؤال مرة أخرى‪.‬‬

‫(‪)73 /‬‬
‫علَيْنَا وَإِنّا إِنْ شَاءَ اللّهُ َل ُمهْتَدُونَ (‪)70‬‬
‫قَالُوا ا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ يُبَيّنْ لَنَا مَا ِهيَ إِنّ الْ َبقَرَ تَشَابَهَ َ‬

‫وبرغم أن ما قيل لبني إسرائيل‪ ..‬واضح تمام الوضوح عن البقرة‪ ..‬وعمرها وشكلها ولونها‬
‫ومنظرها‪ ..‬فإن ال سبحانه وتعالى أراد أن يؤدبهم فجعلهم ينظرون إلى البقر‪ ..‬وهذا يقول هذه‬
‫هي والخر يقول ل بل هي في مكان كذا‪ ..‬والثالث يقول ل بل هي في موقع كذا‪ ..‬وعادوا إلى‬
‫موسى يسألونه أن يعود إلى ربه ليبين لهم لن البقر تشابه عليهم‪ ..‬وهنا ذكروا ال الذي نسوه ولم‬
‫ينفذوا أمره منذ أن قال لهم اذبحوا بقرة ثم قال لهم‪ { :‬فَا ْفعَلُواْ مَا ُت ْؤمَرونَ }‪ ..‬فطلبوا منه الهداية‬
‫بعد أن تاهوا وضاعوا بسبب عنادهم وجدلهم‪ ..‬وجاء الجواب من ال سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫(‪)74 /‬‬
‫سقِي الْحَ ْرثَ مُسَّل َمةٌ لَا شِ َيةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِ ْئتَ‬
‫ض وَلَا تَ ْ‬
‫قَالَ إِنّهُ َيقُولُ إِ ّنهَا َبقَ َرةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَ ْر َ‬
‫حقّ فَذَ َبحُوهَا َومَا كَادُوا َي ْفعَلُونَ (‪)71‬‬
‫بِالْ َ‬

‫" بقرة ل ذلول "‪ ..‬البقرة الذلول هي البقرة المروضة الممرنة تؤدي مهمتها بل تعب‪ ..‬تماما مثل‬
‫الخيل المروضة التي ل تتعب راكبها لنها تم ترويضها‪ ..‬وسيدنا إسماعيل هو أول من روض‬
‫الخيل وساسها‪ ..‬وقال ال سبحانه وتعالى لهم أول وصف للبقرة أنها ليست مروضة‪ ..‬ل أحد‬
‫قادها ول قامت بعمل‪ ..‬إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في الحقول بدون قائد‪ { ..‬تُثِيرُ‬
‫سقِي الْحَ ْرثَ }‪ ..‬أي لم تستخدم‬
‫الَ ْرضَ } أي لم تستخدم في حراثة الرض أو فلحتها‪َ { ..‬ولَ تَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في إدارة السواقي لسقية الزرع‪ { ..‬مُسَّلمَ ٌة لّ شِ َيةَ فِيهَا } أي خالية من العيوب ل أذنها مثقوبة‪.‬‬
‫ول فيها أي علمة من العلمات التي يميز الناس أبقارهم بها‪ ..‬ول رجلها عرجاء‪ ،‬خالية من‬
‫البقع واللوان غير اللون الصفر الفاقع‪ ..‬وكلمة { لّ شِيَةَ فِيهَا }‪ ..‬أي ل شيء فيها‪.‬‬
‫والمتأمل في وصف البقرة كما جاء في اليات يرى الصعوبة والتشدد في اختيار أوصافها‪ ..‬كأن‬
‫الحق تبارك وتعالى يريد أن يجازيهم على أعمالهم‪ ..‬ولم يجد بنو إسرائيل إل بقرة واحدة تنطبق‬
‫حقّ } كأن ما قاله موسى قبل ذلك كان خارجا عن‬
‫عليها هذه المواصفات فقالوا { النَ جِ ْئتَ بِالْ َ‬
‫نطاق الحق‪ .‬وذبحوا البقرة ولكن عن كره منهم‪ ..‬لنهم كانوا حريصين على أل يذبحوها‪،‬‬
‫حرصهم على عدم تنفيذ المنهج‪ .‬هم يريدون أن يماطلوا ال سبحانه وتعالى‪ ..‬وال يقول لنا أن‬
‫سمة المؤمنين أن يسارعوا إلى تنفيذ تكاليفه‪ ..‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِ َرةٍ مّن رّ ّبكُمْ‬
‫ع ّدتْ لِ ْلمُ ّتقِينَ }[آل عمران‪]133 :‬‬
‫ت وَالَ ْرضُ أُ ِ‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫وَجَنّةٍ عَ ْر ُ‬
‫وهذه السرعة من المؤمنين في تنفيذ التكاليف‪ ..‬دليل على عشق التكليف‪ ..‬لنك تسارع لتفعل ما‬
‫يطلبه منك من تحبه‪ ..‬وقوله تعالى‪َ { :‬ومَا كَادُواْ َي ْفعَلُونَ }‪ ..‬يدلنا على أنهم حاولوا البطاء في‬
‫التنفيذ والتلكؤ‪.‬‬
‫إننا لبد أن نلتفت إلى أن تباطؤ بني إسرائيل في التنفيذ خدم قضية إيمانية أخرى‪ ..‬فالبقرة التي‬
‫طلبها ال منهم بسبب عدم قيامهم بتنفيذ المر فور صدوره لهم بقرة نادرة ل تتكرر‪..‬‬
‫والمواصفات التي أعطيت لهم في النهاية‪ ..‬لم تكن تنطبق إل على بقرة واحدة ليتحكم صاحبها في‬
‫ثمنها ويبيعها بأغلى السعار‪..‬‬
‫والقصة أنه كان هناك في بني إسرائيل رجل صالح‪ ..‬يتحرى الحلل في الرزق والصدق في‬
‫القول واليمان الحقيقي بال‪ .‬وعندما حضرته الوفاة كان عنده عجلة وكان له زوجة وابنهما‬
‫الصغير‪ ..‬ماذا يفعل وهو ل يملك سوى العجلة‪ .‬اتجه إلى ال وقال‪ :‬اللهم إني استودعك هذه‬
‫العجلة لولدي‪ ،‬ثم أطلقها في المراعي‪.‬‬
‫‪ .‬لم يوصّ عليها أحدا ولكن استودعها ال‪ .‬استودعها يد ال المينة على كل شيء‪ ..‬ثم قال‬
‫لمرأته إني ل أملك إل هذه العجلة ول آمن عليها إل ال‪ ..‬ولقد أطلقتها في المراعي‪..‬‬
‫وعندما كبر الولد قالت له أمه‪ :‬إن أباك قد ترك لك وديعة عند ال وهي عجلة‪ ..‬فقال يا أمي وأين‬
‫أجدها؟‪ ..‬قالت كن كأبيك هو توكل واستودع‪ ،‬وأنت توكل واسترد‪ ..‬فقال الولد‪ :‬اللهم رب إبراهيم‬
‫ورب موسى‪ ..‬رد إلي ما استودعه أبي عندك‪ ..‬فإذا بالعجلة تأتي إليه وقد أصبحت بقرة فأخذها‬
‫ليريها لمه‪ ..‬وبينما هو سائر رآه بنو إسرائيل‪ .‬فقالوا إن هذه البقرة هي التي طلبها الرب‪..‬‬
‫وذهبوا إلى صاحب البقرة وطلبوا شراءها فقال بكم‪ ..‬قالوا بثلثة دنانير‪ ..‬فذهب ليستشير أمه‬
‫فخافوا أن ترفض وعرضوا عليه ستة دنانير‪ ..‬قالت أمه ل‪ ..‬ل تباع‪ ..‬فقال البن لن أبيعها إل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بملء جلدها ذهبا‪ ،‬فدفعوا له ما أراد‪ ..‬وهكذا نجد صلح الب يجعل ال حفيظا على أولده‬
‫يرعاهم وييسر لهم أمورهم‪.‬‬

‫(‪)75 /‬‬
‫وَإِذْ قَتَلْتُمْ َنفْسًا فَادّارَأْ ُتمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ َتكْ ُتمُونَ (‪)72‬‬

‫قصة القتيل هي أن رجل ثريا من بني إسرائيل لم يكن له ولد يرثه‪ ..‬وكان له أقارب كل منهم‬
‫يريد أن يستأثر بأموال هذا الرجل‪ ..‬والمال والذهب هما حياة بني إسرائيل‪ ..‬فتآمر على هذا‬
‫الرجل الثري ابن أخيه فقتله ليرثه ويستولي على أمواله‪ ..‬ولكنه أراد أن يبعد التهمة عن نفسه‬
‫فحمل الجثة وألقاها على باب قرية مجاورة ليتهم أهلها بقتل الثري‪ ..‬وفي الصباح قام أهل القرية‬
‫ووجدوا جثة الثري أمام قريتهم‪ ..‬ووجدوه غريبا عن القرية فسألوا من هو؟ حتى وصلوا إلى ابن‬
‫أخيه‪ ..‬فتجمع أهل القتيل واتهموهم بقتله‪ ..‬وكان أشدهم تحمسا في التهام القاتل ابن أخيه‪..‬‬
‫وقوله تعالى { فَادّارَأْ ُتمْ فِيهَا } الدرأ هو الشيء حين يجئ إليك وكل واحد ينفيه عن نفسه‪ ..‬إدارأتم‬
‫أي أن كل منكم يريد أن يدفع الجريمة عن نفسه فكل واحد يقول لست أنا‪..‬‬
‫وليس من الضروري أن يتهم أحد آخر غيره‪ ..‬المهم أن يدفعها عن نفسه‪.‬‬
‫ولقد حاول أهل القريتين‪ ..‬قرية القتيل‪ ،‬والقرية التي وجدت أمامها الجثة‪ .‬أن يدفع كل منهما شبهة‬
‫الجريمة عن نفسه وربما يتهم بها الخر‪ ..‬ولم يكن هناك دليل دامغ يرجح اتهاما محددا‪ .‬بل كانت‬
‫الدلة ضائعة ولذلك استحال توجيه اتهام لشخص دون آخر أو لقرية دون أخرى‪.‬‬
‫وكان التشريع في ذلك الوقت ينص على أنه إذا وجد قتيل على باب قرية ولم يستدل على قاتله‪..‬‬
‫فإن قرية القتيل وأهله يأخذون خمسين رجل من أعيان القرية التي وجدت بجوارها الجثة‪ ..‬فيلقوا‬
‫اليمين بأنهم ما قتلوه‪ ..‬ول علموا قاتله‪ ..‬وإذا كان العيان والكابر أقل من خمسين رجل‪..‬‬
‫تكررت اليْمان حتى تصير خمسين يمينا‪ ..‬فيحلفون أنهم ما قتلوه ول يعرفون قاتله‪ ..‬عندما‬
‫يتحمل بيت المال دية القتيل‪..‬‬
‫ولكن ال كان يريد شيئا آخر‪ ..‬يريد أن يرد بهذه الجريمة على جحود بني إسرائيل باليوم الخر‪..‬‬
‫ويجعل الميت يقف أمامهم وينطق اسم قاتله‪ ..‬ويجعلهم يرون البعث وهم أحياء‪ ..‬ولذلك قال‬
‫سبحانه وتعالى‪ { :‬وَاللّهُ ُمخْرِجٌ مّا كُنْتُمْ َتكْ ُتمُونَ }‪ ..‬أي أن بني إسرائيل أو أولئك الذين ارتكبوا‬
‫الجريمة دبروها على أن تبقى في طي الكتمان فل يعلم أحد عنها شيئا‪ ..‬ولذلك جاء الشاب وقتل‬
‫عمه دون أن يراه أحد‪ ..‬ثم حمل الجثة خفية في ظلم الليل وخرج بها فلم يلتفت أحد إليه‪ ..‬ثم‬
‫ذهب إلى قرية مجاورة وألقى بالجثة على باب القرية وأهلها نائمون وانصرف عائدا‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كانت كل هذه الخطوات في رأيه ستجعل الجريمة غامضة ل تنكشف أبدا ول يعرف سرها أحد‪.‬‬
‫ولكن ال تبارك وتعالى أراد غير ذلك‪ ..‬أراد أن يكشف الجريمة بطريقة ل تحتمل الجدل‪ ،‬وفي‬
‫نفس الوقت يرد على جحود بني إسرائيل للبعث‪ ..‬بأن يريهم البعث وهم أحياء‪.‬‬

‫(‪)76 /‬‬
‫ضهَا كَذَِلكَ يُحْيِي اللّهُ ا ْل َموْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ َلعَّل ُكمْ َت ْعقِلُونَ (‪)73‬‬
‫َفقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِ َب ْع ِ‬

‫احتدم الخلف بين بني إسرائيل وكادت تحدث فتنة كبيرة‪ ..‬فقرروا أن يلجأوا إلى موسى عليه‬
‫السلم ليطلب من ال تبارك وتعالى أن يكشف لهم لغز هذه الجريمة ويدلهم على القاتل‪ ..‬وجاء‬
‫المر من ال سبحانه وتعالى أن اذبحوا البقرة ولو ذبحوا بقرة أية بقرة لنتهت المشكلة‪ ..‬ولكنهم‬
‫ظلوا يقولون ما لونها وما شكلها إلى آخر ما رويناه‪ ..‬حتى وصلوا إلى البقرة التي كان قد‬
‫استودعها الرجل الصالح عند ال حتى يكبر ابنه فاشتروها وذبحوها‪ ..‬فأمرهم ال أن يضربوه‬
‫ببعضها‪ .‬أي أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة بعد أن سال دمها وماتت‪..‬‬
‫وانظر إلى العظمة في القصة‪ ..‬جزء من ميت يُضرب به ميت فيحيا‪ ..‬إذن المسألة أعدها الحق‬
‫بصورة ل تجعلهم يشكون أبدا‪ ..‬فلو أن ال أحياه بدون أن يضرب بجزء من البقرة‪ .‬لقالوا لم يكن‬
‫قد مات‪ ،‬كانت فيه حياه ثم أفاق بعد اغماءة‪ .‬ولكن ال أمرهم أن يذبحوا بقرة حتى تموت ليعطيهم‬
‫درسا إيمانيا بقدرة ال وهم الماديون الذين ل يؤمنون إل بالماديات‪ ..‬وأن يأخذوا جزءا أو أجزاء‬
‫منها وأن يضربوا به القتيل فيحيا وينطق باسم قاتله ويميته ال بعد ذلك‪..‬‬
‫يقول الحق جل جلله‪ { ..‬كَذَِلكَ ُيحْيِي اللّهُ ا ْل َموْتَىا وَيُرِيكُمْ آيَا ِتهِ َلعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ } ليرى بنو إسرائيل‬
‫وهم على قيد الحياة كيف يحيى ال الموتى وليعرفوا أن النسان ل يبقى حيا بأسباب الحياة‪ ..‬ولكن‬
‫بإرادة مسبب الحياة في أن يقول " كن فيكون "‪.‬‬

‫(‪)77 /‬‬
‫حجَا َرةِ َلمَا يَ َتفَجّرُ مِنْهُ الْأَ ْنهَارُ‬
‫س َو ًة وَإِنّ مِنَ الْ ِ‬
‫شدّ قَ ْ‬
‫حجَا َرةِ َأوْ أَ َ‬
‫ستْ قُلُو ُبكُمْ مِنْ َب ْعدِ ذَِلكَ َف ِهيَ كَالْ ِ‬
‫ثُمّ َق َ‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ‬
‫خشْيَةِ اللّ ِه َومَا اللّهُ ِبغَا ِفلٍ َ‬
‫شقّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ا ْلمَا ُء وَإِنّ مِ ْنهَا َلمَا َيهْ ِبطُ مِنْ َ‬
‫وَإِنّ مِ ْنهَا َلمَا يَ ّ‬
‫(‪)74‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لماذا ذكر الحق سبحانه وتعالى القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم ـ لن القلب هو موضع‬
‫الرقة والرحمة والعطف‪ ..‬وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر ل فإنه يمتلئ رحمة وعطفا‪ ..‬والقلب‬
‫هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة‪ ..‬فإذا كان القلب يعمر باليقين واليمان‪ ..‬فكل جارحة تكون‬
‫فيها خميرة اليمان‪.‬‬
‫وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على اليمان واحتوائه أوضح ال تعالى هذا المعنى في كتابه‬
‫شوْنَ‬
‫شعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْ َ‬
‫العزيز حيث يقول‪ {:‬اللّهُ نَ ّزلَ َأحْسَنَ ا ْلحَدِيثِ كِتَابا مّتَشَابِها مّثَا ِنيَ َتقْ َ‬
‫جلُودُهُ ْم َوقُلُو ُبهُمْ إِلَىا ِذكْرِ اللّهِ ذَِلكَ ُهدَى اللّهِ َي ْهدِي بِهِ مَن َيشَآ ُء َومَن ُيضِْللِ اللّهُ َفمَا‬
‫رَ ّبهُمْ ُثمّ تَلِينُ ُ‬
‫لَهُ مِنْ هَادٍ }[الزمر‪]23 :‬‬
‫وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار‪ ..‬ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها‪ ..‬وبعد‬
‫ذلك تأتي الرحمة‪ ،‬وفي هذه الحالة ل تلين الجلود فقط ولكن لبد أن تلين القلوب لنها هي التي‬
‫تعطي اللمحة اليمانية لكل جوارح الجسد‪..‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫" أل وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله أل وهي القلب‬
‫"‬
‫إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب اليمان‪ ،‬وكما أن اليمان في القلب فإن القسوة والكفر في‬
‫القلب‪ ..‬فالقلب حينما ينسى ذكر ال يقسو‪ ..‬لماذا؟‪ ..‬لنه يعتقد أنه ليس هناك إل الحياة الدنيا وإل‬
‫المادة فيحاول أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فل تأتي إل بالظلم والطغيان‬
‫وأخذ حقوق الضعفاء‪ ،‬ثم ل يفرط فيها أبدا لنها هي منتهى حياته فل شيء بعدها‪.‬‬
‫إنه يجد إنسانا يموت أمامه من الجوع ول يعطيه رغيفا‪ ..‬وإذا خرج اليمان من القلب خرجت‬
‫منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح‪ ..‬فلمحة اليمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلى‬
‫السرقة والحرام‪ ..‬ولمحة اليمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلى كل ما حرم ال‪ .‬ولمحة‬
‫اليمان التي في القدم تخرج فل تمشي القدم إلى المسجد أبدا ولكنها تمشي إلى الخمارة وإلى‬
‫السرقة‪ ..‬لنه كما قلنا القلب مخزن اليمان في الجسم‪.‬‬
‫س َوةً }‪ ..‬الحجارة هي‬
‫شدّ قَ ْ‬
‫حجَا َرةِ َأوْ أَ َ‬
‫ويشبه الحق تبارك وتعالى قسوة قلوبهم فيقول‪َ { :‬ف ِهيَ كَالْ ِ‬
‫الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضا‪ ..‬لن لهم مع الحجارة‬
‫شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء‪ ..‬وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه‪.‬‬
‫ال تبارك وتعالى لفتهم إلى أن المفروض أن تكون قلوبهم لينة ورفيقة حتى ولو كانت في قسوة‬
‫الحجارة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪ .‬ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد‪.‬‬
‫ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة‪ ..‬ل تنظر إلى لينونة مادة القلوب ولكن انظر إلى‬
‫أدائها لمهمتها‪.‬‬
‫الجبل قسوته مطلوبة لن هذه مهمته أن يكون وتدا للرض صلبا قويا‪ ،‬ولكن هذه القسوة ليست‬
‫مطلوبة من القلب وليست مهمته‪ ..‬أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل‪ ..‬والمطلوب‬
‫في القلوب اللين‪ ،‬وفي الحجارة القسوة‪ ..‬فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة لمهمة‪ ..‬فالخطاف‬
‫مثل أعوج‪ ..‬هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الكمل‪ ..‬فعوج الخطاف استقامة لمهمته‪..‬‬
‫وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من الحجارة‪ ..‬وتكون على العكس تماما من‬
‫مهمتها‪..‬‬
‫شقّقُ فَ َيخْرُجُ‬
‫حجَا َرةِ َلمَا يَ َتفَجّرُ مِنْ ُه الَ ْنهَا ُر وَإِنّ مِ ْنهَا َلمَا يَ ّ‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ } :‬وَإِنّ مِنَ الْ ِ‬
‫مِنْهُ ا ْلمَآءُ { [البقرة‪]74 :‬‬
‫هنا يذكرهم ال لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة‪ ..‬عندما ضرب موسى الحجر بالعصا‬
‫فانفجرت منه العيون‪ .‬وذلك مثل حسي شهدوه‪ .‬يقول لهم الحق جل جلله‪ :‬أن الرحمة تصيب‬
‫الحجارة فيتفجر منها النهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه‪ } :‬وَإِنّ مِ ْنهَا َلمَا َيهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ‬
‫اللّهِ {‪..‬‬
‫إذن فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء‪ .‬ولكن قلوبكم إذا قست ل يصيبها لين ول‬
‫رحمة فل تلين أبدا ول تخشع أبدا‪ .‬وال سبحانه وتعالى نزل عليكم التوراة وأعطاكم من فضله‬
‫ورحمته وستره ومغفرته الكثير‪ ..‬كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر ال‪.‬‬
‫ولكن ما الفرق بين تفجر النهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر‬
‫الحجارة يخرج منها الماء‪ .‬نحن نذهب إلى مكان الماء لنأخذ حاجتنا‪ ..‬ولكن عندما تتفجر منها‬
‫النهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا‪ ..‬وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي‬
‫إليك‪ ..‬أما هبوط الحجر من خشية ال فذلك حدث عندما تجلى ال للجبل فجعله دكا‪ .‬واقرأ قوله‬
‫صعِقا }[العراف‪]143 :‬‬
‫جعَلَهُ َدكّا وَخَرّ موسَىا َ‬
‫تعالى‪ {:‬فََلمّا تَجَلّىا رَبّهُ لِلْجَ َبلِ َ‬
‫يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى ال له هبط وانهار من خشية ال‪ .‬وهكذا ل‬
‫يعطيهم المثلة مما وقع لغيرهم‪ ،‬ولكن يعطيهم المثلة مما وقع لهم‪.‬‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ { أي تذكروا أن ال سبحانه وتعالى ل يغيب عنه شيء‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬ومَا اللّهُ ِبغَا ِفلٍ َ‬
‫وأن كل ما تعملونه يعرفه وأنكم ملقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته‪ ،‬فل تجعلوا‬
‫قلوبكم تقسو حتى ل يطردكم ال من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره‪.‬‬

‫(‪)78 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عقَلُو ُه وَهُمْ‬
‫س َمعُونَ كَلَامَ اللّهِ ثُمّ يُحَ ّرفُونَهُ مِنْ َبعْدِ مَا َ‬
‫ط َمعُونَ أَنْ ُي ْؤمِنُوا َل ُك ْم َوقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِ ْنهُمْ يَ ْ‬
‫َأفَتَ ْ‬
‫َيعَْلمُونَ (‪)75‬‬

‫يعطينا الحق تبارك وتعالى هنا الحكمة‪ ..‬فيما رواه لنا عن بني إسرائيل وعن قصصهم‪ .‬لنهم‬
‫سيكون لهم دور مع المسلمين في المدينة‪ ،‬ثم في بيت المقدس‪ ،‬ثم في المسجد القصى‪ ..‬فهو‬
‫يروي لنا كيف أتعبوا نبيهم وكيف عصوا ربهم‪ .‬وكيف قابلوا النعمة بالمعصية والرحمة بالجحود‪.‬‬
‫وإذا كان هذا موقفهم يا محمد مع ال ومع نبيهم‪ ..‬فل تطمع أن يؤمنوا لك ول أن يدخلوا في‬
‫السلم‪ ،‬مع أنهم عندهم التوراة تدعوهم إلى اليمان بمحمد عليه الصلة والسلم‪..‬‬
‫هذه اليات تحمل أعظم تعزية للرسول الكريم‪ .‬وتطالبه أل يحزن على عدم إيمان اليهود به لنه‬
‫عليه البلغ فقط؛ ولكن حرص رسول ال صلى ال عليه وسلم على أن يؤمن كل أهل الرض‬
‫يهود ونصارى وكفارا‪ ،‬ليس معناه أنه لم يفهم مهمته‪ ،‬ولكن معناه أنه أدرك حلوة التكليف من‬
‫ربه‪ ،‬بحيث يريد أن يهدي كل خلق ال في الرض‪ ..‬فيطمئنه ال ويقول له ل تعتقد أنهم سيؤمنون‬
‫لك‪ .‬وليس معنى عدم إيمانهم أنك لست صادقا‪ ..‬فتكذيبهم لك ل ينبغي أن يؤثر فيك‪ ..‬فل تطمع يا‬
‫محمد أن يؤمنوا لك‪..‬‬
‫ما هو الطمع؟‪ ..‬الطمع هو رغبة النفس في شيء غير حقها وإن كان محبوبا لها‪ ..‬والصل في‬
‫النسان العاقل أل يطمع إل في حقه‪ ..‬والنسان أحيانا يريد أن يرفه حياته ويعيش مترفا ولكن‬
‫بحركة حياته كما هي‪ .‬نقول له إذا أردت أن تتوسع في ترفك فلبد أن تتوسع في حركة حياتك؛‬
‫لنك لو أترفت معتمدا على حركة حياة غيرك فسيفسد ميزان حركة الحياة في الرض‪ ،‬أي إن‬
‫كنت تريد أن تعيش حياة متزنة فعش على قدر حركة حياتك؛ لنك إن فعلت غير ذلك تسرق‬
‫وترتش وتفسد‪ .‬فإن كان عندك طمع فليكن فيما تقدر عليه‪.‬‬
‫إذن فكلمة " افتطمعون " هنا تحدد أنه يجب أل نطمع إل فيما نقدر عليه‪ .‬هؤلء اليهود هل نقدر‬
‫على أن نجعلهم يؤمنون؟ يقول ال تبارك وتعالى لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ ..‬هذا أمر زائد‬
‫على ما كلفت به‪ ..‬لن عليك البلغ‪ ،‬وحتى لو كان محببا إلى نفسك‪ ..‬فإن مقدماتهم مع ال ل‬
‫تعطيك المل في أنك ستصل إلى النتيجة التي ترجوها‪..‬‬
‫وهذه الية فيها تسرية لرسول ال صلى ال عليه وسلم عما سيلقيه مع اليهود‪ .‬وتعطيه الشحنة‬
‫اليمانية التي تجعله يقابل عدم إيمان هؤلء بقوة وعزيمة‪ ..‬لنه كان يتوقعه فل يحزن ول تذهب‬
‫نفسه حسرات‪ ،‬لن ال تبارك وتعالى قد وضع في نفسه التوقع لما سيحدث منهم‪ ..‬فإذا جاء‬
‫تصرفهم وفق ما سيحدث‪.‬‬
‫‪ .‬يكون ذلك أمرا محتمل من النفس‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س َمعُونَ كَلَمَ اللّهِ { انظر إلى المانة والدقة‪..‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪َ } :‬وقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّ ْنهُمْ يَ ْ‬
‫فريق منهم ليس كلهم‪ ..‬هذا هو ما استنبط منه العالم نظرية صيانة الحتمال‪ ..‬وهي عدم التعميم‬
‫بحيث تقول أنهم جميعا كذا‪ .‬لبد أن تضع احتمال في أن شخصا ما سيؤمن أو سيشذ أو‬
‫سيخالف‪ ..‬هنا فريق من أهل الكتاب عرفوا صفات رسول ال صلى ال عليه وسلم من التوراة‬
‫والنجيل‪ ..‬وعندما بعث آمنوا به‪ ،‬وهؤلء لم يحرفوا كلم ال‪ .‬لو أن القرآن جاء بالحكم عاما‬
‫لتغيرت نظرة الكافرين للسلم‪ ..‬ولقالوا لقد قال عنا هذا الدين أننا حرفنا كتاب ال ولكننا لم‬
‫نحرفه ونحن ننتظر رسوله‪ ..‬فكأن هذا الحكم غير دقيق‪ ..‬ولبد أن شيئا ما خطأ‪ ..‬لن ال الذي‬
‫نزل هذا القرآن ل يخفي عليه شيء ويعرف ما في قلوبنا جميعا‪ ..‬ولكن لن الية الكريمة تقول‬
‫أن فريقا منهم كانوا يسمعون كلم ال ثم يحرفونه‪ ..‬الكلم بل تعميم ومنطبق بدقة على كل حال‪..‬‬
‫عقَلُوهُ وَ ُهمْ َيعَْلمُونَ {‪ .‬هذه معصية مركبة‬
‫والحق جل جلله يقول‪ } :‬ثُمّ ُيحَ ّرفُونَهُ مِن َبعْدِ مَا َ‬
‫سمعوا كلم ال وعقلوه وعرفوا العقوبة على المعصية ثم بعد ذلك حرفوه‪ ..‬لقد قرأوه في التوراة‬
‫وقرأوا وصف رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى أنهم يعرفونه كأبنائهم‪ ..‬ثم حرفوا كلم ال‬
‫وهم يعلمون‪ ..‬ومعنى التحريف تغيير معنى الكلمة‪ ..‬كانوا يقولون السّأم عليكم بدل من السلم‬
‫عليكم‪ ..‬ولم يتوقف المر عند التحريف بل تعداه إلى أن جاءوا بكلم من عندهم وقالوا أنه من‬
‫التوراة‪.‬‬

‫(‪)79 /‬‬
‫حدّثُو َنهُمْ ِبمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ‬
‫ضهُمْ إِلَى َب ْعضٍ قَالُوا أَتُ َ‬
‫وَإِذَا َلقُوا الّذِينَ َآمَنُوا قَالُوا َآمَنّا وَإِذَا خَلَا َب ْع ُ‬
‫لِيُحَاجّوكُمْ بِهِ عِ ْندَ رَ ّبكُمْ َأفَلَا َتعْقِلُونَ (‪)76‬‬

‫هذه صور من صور نفاق اليهود‪ .‬والناس مقسمون إلى ثلث‪ :‬مؤمنون وكافرون ومنافقون‪..‬‬
‫المؤمن انسجم مع نفسه ومع الكون الذي يعيش فيه‪ ..‬والكافر انسجم مع نفسه ولم ينسجم مع‬
‫الكون‪ ،‬والكون يلعنه‪ ..‬والمنافق ل انسجم مع نفسه ول انسجم مع الكون‪ ،‬والية تعطينا صورة‬
‫من صور النفاق وكيف ل ينسجم المنافق مع نفسه ول مع الكون‪ ..‬فهو يقول ما ل يؤمن به‪..‬‬
‫وفي داخل نفسه يؤمن بما ل يقول‪ .‬والكون كله يلعنه‪ ،‬وفي الخرة هو في الدرك السفل من‬
‫النار‪ .‬وهذه الية تتشابه مع آية تحدثنا عنها في أول هذه السورة‪ ..‬وهي قوله تعالى‪ {:‬وَإِذَا َلقُواْ‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنّا وَإِذَا خََلوْاْ إِلَىا شَيَاطِي ِنهِمْ قَالُواْ إِنّا َم َعكُمْ إِ ّنمَا نَحْنُ مُسْ َتهْزِئُونَ }[البقرة‪]14 :‬‬
‫في الية الولى كان الدور لليهود‪ ،‬وكان هناك منافقون من غير اليهود وشياطينهم من اليهود‪..‬‬
‫وهنا الدور من اليهود والمنافقين من اليهود‪ .‬الحق سبحانه وتعالى يقول‪ { :‬وَِإذَا َلقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قَالُواْ آمَنّا } وهل اليمان كلم؟‪ ..‬اليمان يقين في القلب وليس كلما باللسان‪ ..‬والستدلل على‬
‫اليمان بالسلوك فل يوجد إنسان يسلك سبيل المؤمنين نفاقا أو رياء‪ ..‬يقول آمنت نفاقا ولكن‬
‫سلوكه ل يكون سلوك المؤمن‪ ..‬ولذلك كان سلوكهم هو الذي يفضحهم‪ .‬يقول تعالى‪ { :‬وَإِذَا خَلَ‬
‫علَ ْيكُمْ }‪ ..‬وفي سورة أخرى يقول الحق‪ {:‬وَإِذَا‬
‫حدّثُو َنهُم ِبمَا فَتَحَ اللّهُ َ‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ قَالُواْ أَتُ َ‬
‫َب ْع ُ‬
‫عضّواْ عَلَ ْي ُك ُم الَنَامِلَ مِنَ ا ْلغَ ْيظِ }[آل عمران‪]119 :‬‬
‫َلقُوكُمْ قَالُواْ آمَنّا وَإِذَا خََلوْاْ َ‬
‫وفي سورة المائدة يقول سبحانه‪ {:‬وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ آمَنّا َوقَدْ دّخَلُواْ بِا ْل ُكفْرِ وَهُمْ قَدْ خَ َرجُواْ بِهِ }‬
‫[المائدة‪]61 :‬‬
‫هنا أربع صور من صور المنافقين‪ ..‬كلها فيها التظاهر بإيمان كاذب‪ ..‬في الية الولى { وَإِذَا‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ قَالُواْ‬
‫خََلوْاْ إِلَىا شَيَاطِي ِنهِمْ قَالُواْ إِنّا َم َعكُمْ } وفي الية الثانية‪ { :‬وَإِذَا خَلَ َب ْع ُ‬
‫عضّواْ عَلَ ْيكُمُ الَنَامِلَ مِنَ ا ْلغَيْظِ }‪ .‬وفي الية‬
‫حدّثُو َنهُم ِبمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ }‪ .‬وفي الية الثالثة‪َ { :‬‬
‫أَتُ َ‬
‫الرابعة‪َ { :‬وقَدْ دّخَلُواْ بِا ْل ُكفْرِ وَ ُهمْ قَدْ خَرَجُواْ ِبهِ }‪.‬‬
‫إن رسول ال صلى ال عليه وسلم حينما بعث كان اليهود يقولون للمؤمنين هذا هو نبيكم موجود‬
‫عندنا في التوراة أوصافه كذا‪ ..‬حينئذ كان أحبار اليهود ينهونهم عن ذلك ويقولون لهم‪:‬‬
‫{ أَ ُتحَدّثُو َنهُم ِبمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَ ْي ُكمْ لِيُحَآجّوكُم بِهِ عِ ْندَ رَ ّبكُمْ } فكأنهم علموا صفات رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ولكنهم أرادوا أن يخفوها‪ ..‬إن الغريب أنهم يقولون‪ِ { :‬بمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ }‪ .‬وإذا كان‬
‫هذا فتحا من ال فل فضل لهم فيه‪ ..‬ولو أراد ال لهم الفتح لمنت القلوب‪..‬‬
‫قوله تعالى‪ { :‬لِ ُيحَآجّوكُم ِبهِ عِنْدَ رَ ّب ُكمْ } يدل على أن اليهود المنافقين والكفار وكل خلق الرض‬
‫يعلمون أنهم من خلق ال‪ ،‬وأن ال هو الذي خلقهم‪.‬‬
‫‪ .‬وماداموا يعلمون ذلك فلماذا يكفرون بخالقهم؟ } لِ ُيحَآجّوكُم ِبهِ { أي لتكون حجتهم عليكم قوية‬
‫عند ال‪ ..‬ولكنهم لم يقولوا عند ال بل قالوا } عِنْدَ رَ ّبكُمْ { والمحاجة معناها أن يلتقي فريقان لكل‬
‫منهما وجهة نظر مختلفة‪ .‬وتقام بينهما مناظرة يدلي فيها كل فريق بحجته‪ .‬واقرأ قوله تعالى‪ {:‬أَلَمْ‬
‫تَرَ إِلَى الّذِي حَآجّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ ا ْلمُ ْلكَ }[البقرة‪]258 :‬‬
‫هذه هي المناظرة التي حدثت بين إبراهيم عليه السلم والنمرود الذي آتاه ال الملك‪ ..‬ماذا قال‬
‫إبراهيم؟{ ِإذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَ ّبيَ الّذِي يُحْيِـي وَ ُيمِيتُ }[البقرة‪]258 :‬‬
‫هذه كانت حجة إبراهيم في الدعوة إلى ال‪ ،‬فرد عليه النمرود بحجة مزيفة‪ .‬قال أنا أحيي وأميت‪..‬‬
‫ثم جاء بواحد من جنوده وقال لحراسه اقتلوه‪ ..‬فلما اتجهوا إليه قال اتركوه‪ ..‬ثم التفت إلى‬
‫إبراهيم‪ {:‬قَالَ أَنَا ُأحْيِـي وَُأمِيتُ }[البقرة‪]258 :‬‬
‫جدل عقيم لن هذا الذي أمر النمرود بقتله‪ .‬كان حيا وحياته من ال‪ ..‬والنمرود حين قال اقتلوه لم‬
‫يمته ولكن أمر بقتله‪ ..‬وفرق بين الموت والقتل‪ ..‬القتل أن تهدم بنية الجسد فتخرج الروح منه لنه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل يصلح لقامتها‪ ..‬والموت أن تخرج الروح من الجسد والبنية سليمة لم تهدم‪ ..‬الذي يميت هو‬
‫سلُ أَفإِنْ‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ قَدْ خََلتْ مِن قَبْلِهِ الرّ ُ‬
‫ال وحده‪ ،‬ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى‪َ {:‬ومَا ُم َ‬
‫عقَا ِبكُمْ }[آل عمران‪]144 :‬‬
‫مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ ا ْنقَلَبْتُمْ عَلَىا أَ ْ‬
‫والنمرود لو قتل هذا الرجل ما كان يستطيع أن يعيده إلى الحياة‪ ..‬ولكن إبراهيم عليه السلم‪ ..‬لم‬
‫يكن يريد أن يدخل في مثل هذا الجدل العقيم‪ ..‬الذي فيه مقارعة الحجة‪ .‬بالحجة يمكن فيه الجدال‬
‫ولو زيفا‪ ..‬ولذلك جاء بالحجة البالغة التي ل يستطيع النمرود أن يجادل فيها‪ {:‬قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنّ‬
‫شمْسِ مِنَ ا ْلمَشْ ِرقِ فَ ْأتِ ِبهَا مِنَ ا ْل َمغْ ِربِ فَ ُب ِهتَ الّذِي َكفَ َر وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ‬
‫اللّهَ يَأْتِي بِال ّ‬
‫الظّاِلمِينَ }[البقرة‪]258 :‬‬
‫هذا هو معنى الحاجّة‪ ..‬كل طرف يأتي بحجته‪ ،‬وما داموا يحاجونكم عند ربكم وهم يعتقدون أن‬
‫القضية لن تمر أمام ال بسلم لنه رب الجميع وسينصف المظلوم من الظالم‪ ..‬إذا كانت هذه هي‬
‫الحقيقة فهل أنتم تعملون لمصلحة أنفسكم؟ الجواب ل‪ ..‬لو كنتم تعلمون الصواب ما كنتم وقعتم في‬
‫هذا الخطأ فهذا ليس فتحا‪..‬‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬أفَلَ َت ْعقِلُونَ { ختام منطقي للية‪ ..‬لن من يتصرف تصرفهم ويقول كلمهم ل‬
‫يكون عنده عقل‪ ..‬الذي يقول } لِ ُيحَآجّوكُم ِبهِ عِنْدَ رَ ّب ُكمْ { يكون مؤمنا بأن له ربا‪ ،‬ثم ل يؤمن بهذا‬
‫الله ول يخافه ل يمكن أن يتصف بالعقل‪.‬‬

‫(‪)80 /‬‬
‫ن َومَا ُيعْلِنُونَ (‪)77‬‬
‫َأوَلَا َيعَْلمُونَ أَنّ اللّهَ َيعَْلمُ مَا يُسِرّو َ‬

‫يبين ال لنا بأنه يعلم أمرهم وما يفعلون‪ .‬لقد ظنوا أن ال غافل عندما خل بعضهم إلى بعض‬
‫حدّثُو َنهُم ِبمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ لِ ُيحَآجّوكُم ِبهِ عِنْدَ رَ ّب ُكمْ }‪ ..‬ال علم وسمع‪ ..‬وعندما يلقي‬
‫وقالوا‪ { :‬أَتُ َ‬
‫عضّواْ عَلَ ْيكُ ُم الَنَا ِملَ مِنَ ا ْلغَيْظِ } هذا انفعال‬
‫المنافقون المؤمنين ويقولون آمنا‪ { ..‬وَإِذَا خََلوْاْ َ‬
‫حركي ليس فيه كلم يقال ولكن فيه واقع يرى‪ ..‬ومع ذلك فهو ليس سرا‪.‬‬
‫ما هو السر وما هو العلن؟‪ ..‬المر المعلن هو الذي يخرج منك إلى من عنده آلة السماع‬
‫ليسمعك‪ ..‬والمر المعلن يخرج منك إلى من عنده آلة الرؤية ليراك‪ ..‬فإن كان حركة بل صوت‬
‫فهذا عدته العين‪ ..‬وإن كان بصوت فعدته الذن‪ ..‬هذه وسائل الدراك الصلية‪.‬‬
‫وقوله تعالى { َيعْلَمُ مَا ُيسِرّونَ َومَا ُيعْلِنُونَ } ألم يكن أولى أن يقول سبحانه يعلم ما يعلنون وما‬
‫يسرون‪ ..‬وإذا كان يعلم ما نسر أفل يعلم ما نعلن؟‪ ..‬لشك أنه يعلم‪ ..‬ولكنها دقة في البلغة‬
‫القرآنية؛ ذلك أن المتكلم هو ال سبحانه‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونحن نعلم أن ال غيب‪ ..‬وغيب يعني مستور عن حواسنا‪ ..‬ومادام ال غيبا فهو يعلم الغيب‬
‫المستور‪ ..‬ربما كان العلن الظاهر له قوانين أخرى‪ ..‬فمثل إذا كان هناك شخص في المنزل‪ ،‬ثم‬
‫يقول " أنا اعلم ما في المنزل وما هو خارج المنزل‪ ..‬لو قال أنا اعلم ما في المنزل لقلنا له أنت‬
‫داخله فل غرابة في ذلك‪ ..‬ولكنك مستور عما في الخارج فكيف تعلمه؟‬
‫ومادام ال غيبا فقوله ما يسرون أقرب لغيبه‪ .‬وما يعلنون هي التي تحتاج وقفة‪ .‬ل تظنوا أن ال‬
‫تبارك وتعالى لنه غيب ل يعلم إل ما هو مستور وخفي فقط‪ ..‬ل‪ ..‬إنه يعلم المشهود والغائب‪..‬‬
‫إذن فالمناسب لن ال غيب عن أبصارنا وكوننا ل ندركه أن يقول ما يسرون أول‪..‬‬
‫ما معنى ما يسرون؟‪ ..‬السر هو ما لم تهمس به إلى غيرك‪ ..‬لن همسك للغير بالشيء لم يعد‬
‫سرا‪ ..‬ولكن السر هو ما تسره في نفسك ول تهمس به لحد من الناس‪ ..‬وإذا كان السر هو ما‬
‫تسره في نفسك‪ ،‬فالعلن هو ما تجاهر به‪ .‬ويكون علنا مادام قد علمه اثنان‪ ..‬والعلن عند الناس‬
‫واضح والسر عندهم خفي‪ ..‬وال سبحانه وتعالى حين يخبرنا أنه غيب‪ ..‬فليس معنى ذلك أنه ل‬
‫خفَى }‬
‫يعلم إل غيبا‪ .‬إنه يعلم السر والعلن‪ ..‬وال جل جلله يقول في القرآن الكريم‪َ {:‬يعْلَمُ السّ ّر وَأَ ْ‬
‫[طه‪]7 :‬‬
‫فإذا كان السر هو ما تخفيه في نفسك وله واقع داخلك‪ " ..‬ما هو أخفى " هو أن ال يعلم أنك‬
‫ستفعله قبل أن تفعله‪ .‬ويعلم أنه سيحدث منك قبل أن يحدث منك‪.‬‬

‫(‪)81 /‬‬
‫ي وَإِنْ ُهمْ إِلّا َيظُنّونَ (‪)78‬‬
‫َومِ ْنهُمْ ُأمّيّونَ لَا َيعَْلمُونَ ا ْلكِتَابَ إِلّا َأمَا ِن ّ‬

‫ال سبحانه وتعالى لزال يتحدث عن أهل الكتاب‪ ..‬فبعد أن بين لنا الذين يقول‪ { :‬أَ ُتحَدّثُو َنهُم ِبمَا‬
‫فَتَحَ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ لِ ُيحَآجّوكُم ِبهِ عِنْدَ رَ ّب ُكمْ }‪ ..‬انتقل سبحانه وتعالى إلى طائفة أخرى وهم من أسماهم‬
‫بالميين‪ ..‬وأصح قول في المي هو أنه كما ولدته أمه‪ .‬أي لم يعلم شيئا من ثقافة وعلم في‬
‫الوجود منذ لحظة نزوله من بطن أمه‪ .‬ولذلك فإن المي على إطلقه هو الذي ل يكتسب شيئا من‬
‫ثقافة الوجود حوله‪ ،‬بصرف النظر عن أن يقال كما ولدته أمه‪ ..‬لن الشائع في المجتمعات أن‬
‫الذي يعلم هم الخاصة ل العامة‪ ..‬وعلى أية حال فالمعاني كلها ملتقية في تعريف المي‪.‬‬
‫قوله تعالى‪َ { :‬ومِ ْنهُمْ ُأمّيّونَ }‪ ..‬تلحظ أن هناك معسكرات من الميي