‫تفسير الشعراوي‬

‫سعٌ عَلِيمٌ (‪)268‬‬
‫الشّ ْيطَانُ َيعِ ُدكُمُ ا ْلفَقْ َر وَيَ ْأمُ ُركُمْ بِا ْلفَحْشَا ِء وَاللّهُ َيعِ ُد ُكمْ َمغْفِ َرةً مِنْ ُه َو َفضْلًا وَاللّ ُه وَا ِ‬

‫إن الشيطان قد يوسوس لكم بأن النفاق إفقار لكم‪ ،‬ويحاول أن يصرفكم عن النفاق في وجوه‬
‫الخير‪ ،‬ويغريكم بالمعاصي والفحشاء‪ ،‬فا ْلغَ ِنيّ حين يقبض يده عن المحتاج فإنه يُ ْدخِل في قلب‬
‫المحتاج الحقد‪ .‬وأي مجتمع يدخل في قلبه الحقد نجد كل المنكرات تنتشر فيه‪ .‬ويعالج الحق هذه‬
‫المسائل بقوله‪ {:‬إِ ّنمَا ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَا َل ِعبٌ وََل ْه ٌو وَإِن ُت ْؤمِنُو ْا وَتَ ّتقُواْ ُيؤْ ِتكُمْ ُأجُو َركُ ْم َولَ َيسْأَ ْلكُمْ َأ ْموَاَلكُمْ‬
‫ضغَانَكُمْ }[محمد‪]37-36 :‬‬
‫ح ِفكُمْ تَبْخَلُو ْا وَيُخْرِجْ َأ ْ‬
‫* إِن يَسَْأ ْل ُكمُوهَا فَ ُي ْ‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى ل يسألك أن ترد عطاءه لك من المال‪ ،‬إنما يطلب الحق تطهير المال‬
‫بالنفاق منه في سبيل ال ليزيد ولينمو‪ ،‬وليخرج الضغن من المجتمع؛ لن الضغن حين يدخل‬
‫مجتمعا فعلى هذا المجتمع السلم‪ .‬ول يُفيق المجتمع من هذا الضغن إل بأن تأتيه ضربة قوية‬
‫تزلزله‪ ،‬فينتبه إلى ضرورة إخراج الضغن منه لذلك يحذرنا ال أن نسمع للشيطان‪ {:‬الشّيْطَانُ‬
‫َيعِ ُدكُمُ ا ْلفَقْ َر وَيَ ْأمُ ُركُم بِا ْلفَحْشَآءِ وَاللّهُ َيعِ ُدكُم ّمغْفِ َرةً مّنْ ُه َو َفضْلً وَاللّ ُه وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[البقرة‪]268 :‬‬
‫فالذي يسمع لقول الشيطان ووعده‪ ،‬ول يستمع إلى وعد ال يصبح كمن رجّح عدو ال على ال ـ‬
‫أعاذنا ال وإياكم من مثل هذا الموقف ـ إن الشيطان قد وسوس لكم بالفقر إذا أنفقتم‪ ،‬وخبرة‬
‫النسان مع الشيطان تؤكد للنسان أن الشيطان كاذب مضلل‪ ،‬وخبرة النسان مع اليمان بال‬
‫تؤكد للنسان أن ال واسع المغفرة‪ ،‬كثير العطاء لعباده‪ .‬والحكمة تقتضي أن نعرف إلى أي‬
‫ح ْكمَةَ َفقَدْ أُو ِتيَ‬
‫ح ْكمَةَ مَن يَشَآ ُء َومَن ُيؤْتَ ا ْل ِ‬
‫الطرق نهتدي ونسير‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪ُ { :‬يؤْتِي ا ْل ِ‬
‫خَيْرا كَثِيرا‪} ...‬‬

‫(‪)270 /‬‬
‫ح ْكمَةَ َفقَدْ أُو ِتيَ خَيْرًا كَثِيرًا َومَا يَ ّذكّرُ إِلّا أُولُو الْأَلْبَابِ (‪)269‬‬
‫ح ْكمَةَ مَنْ يَشَا ُء َومَنْ ُي ْؤتَ ا ْل ِ‬
‫ُيؤْتِي ا ْل ِ‬

‫والحكمة هي وضع الشيء في موضعه النافع‪ .‬فكأن الحق يقول‪ :‬كل ما أمرتكم به هو عين‬
‫الحكمة؛ لني أريد أن ُأ َؤمّنَ حياتكم الدنيا فيمن تتركون من الذرية الضعفاء‪ ،‬وُأ َؤمّنَ لكم سعادة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخرة‪ .‬فإن صنع العبد المؤمن ما يأمر به ال فهذا وضع الشياء في موضعها وهو أخذ بالحكمة‪.‬‬
‫وقد أراد الحق أن يعلم النسان من خلل عاطفته على أولده‪ ،‬لن النسان قد تمر عليه فترة‬
‫يهون فيها عنده أمر نفسه‪ ،‬ول ينشغل إل بأمر أولده‪ ،‬فقد يجوع من أجل أن يشبع الولد‪ ،‬وقد‬
‫يعرى من أجل أن يكسوهم‪ .‬ولنا المثل الواضح في سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلم‪ ،‬لقد‬
‫ابتله ربه في بداية حياته بالحراق في النار‪ ،‬ولن إبراهيم قوى اليمان فقد جعل ال النار بردا‬
‫وسلما‬
‫‪ .‬وابتله ال في آخر حياته برؤيا ذبح ابنه‪ ،‬ولن إبراهيم عظيم اليمان فقد امتثل لمر الرحمن‬
‫الذي افتدى إسماعيل بكبش عظيم‪ .‬والنسان في العمر المتأخر يكون تعلقه بأبنائه أكبر من تعلقه‬
‫بنفسه‪ .‬وهكذا كان الترقي في ابتلء ال لسيدنا إبراهيم عليه السلم‪ ،‬ولذلك أراد ال أن يضرب‬
‫ضعَافا خَافُواْ عَلَ ْي ِهمْ فَلْيَ ّتقُواّ‬
‫للبشر على هذا الوتر وقال‪ {:‬وَلْيَخْشَ الّذِينَ َلوْ تَ َركُواْ مِنْ خَ ْل ِفهِمْ ذُرّيّ ًة ِ‬
‫اللّ َه وَلْ َيقُولُواْ َق ْولً سَدِيدا }[النساء‪]9 :‬‬
‫إن الحق سبحانه يريد من عباده أن يؤمّنوا على أولدهم بالعمل الصالح والقول السديد‪.‬‬
‫ومثال آخر حين أراد الحق أن يحمي مال اليتامى‪ ،‬وأعلمنا بدخول موسى عليه السلم مع العبد‬
‫ط َعمَآ‬
‫الصالح الذي أوتى العلم من ال‪ ،‬يقول ـ سبحانه ـ‪ {:‬فَانطََلقَا حَتّىا إِذَآ أَتَيَآ َأ ْهلَ قَرْ َيةٍ اسْ َت ْ‬
‫خ ْذتَ عَلَ ْيهِ َأجْرا }‬
‫جدَا فِيهَا جِدَارا يُرِيدُ أَن يَن َقضّ فََأقَامَهُ قَالَ َلوْ شِ ْئتَ لَتّ َ‬
‫أَهَْلهَا فَأَ َبوْاْ أَن ُيضَ ّيفُو ُهمَا َفوَ َ‬
‫[الكهف‪]77 :‬‬
‫كان موسى عليه السلم ل يعلم علم العبد الصالح من أن الجدار كان تحته كنز ليتيمين‪ ،‬كان‬
‫أبوهما رجلً صالحا‪ ،‬وأهل هذه القرية لئام‪ ،‬فقد رفضوا أن يطعموا العبد الصالح وموسى عليه‬
‫السلم‪ ،‬لذلك كان من الضروري إقامة الجدار حتى ل ينكشف الكنز في قرية من اللئام ويستولوا‬
‫عليه ول يأخذ الغلمان كنز أبيهما الذي كان رجلً صالحا‪.‬‬
‫إذن فالحق سبحانه يعلمنا أن ُن َؤمِنَ على أبنائنا بالعمل الصالح‪ ،‬وهذه هي الحكمة عينها التي ل‬
‫يصل إليها أصحاب العقول القادرة على الوصول إلى عمق التفكير السديد‪.‬‬
‫وسيدنا الحسن البصري يعطينا المثل في العمل الصالح عندما يقول لمن يدخل عليه طالبا حاجة‪:‬‬
‫مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى الخرة بغير أجرة‪ .‬إن سيدنا الحسن البصري قد أوتي من‬
‫الحكمة ما يجعله ل ينظر إلى الخير بمقدار زمنه‪ ،‬ولكن بمقدار ما يعود عليه بعد الزمن‪.‬‬
‫وقد ضربت من قبل المثل بالتلميذ الذي َيجِ ّد ويتعب في دروسه ليحصل على النجاح‪ ،‬بينما أخوه‬
‫يحب لنفسه الراحة والكسل‪ .‬ثم نجد التلميذ الذي يتعب هو الذي يرتقي في المجتمع‪ ،‬بينما الذي‬
‫ارتضى لنفسه الكسل يصير صعلوكا في المجتمع‪ .‬وبعد ذلك يقول سبحانه‪َ { :‬ومَآ أَنفَقْتُمْ مّن ّن َفقَةٍ‬
‫َأوْ نَذَرْتُمْ مّن نّذْرٍ فَإِنّ اللّهَ َيعَْلمُ ُه َومَا لِلظّاِلمِينَ مِنْ أَ ْنصَارٍ }‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)271 /‬‬
‫َومَا أَ ْن َفقْتُمْ مِنْ َن َفقَةٍ َأوْ َنذَرْتُمْ مِنْ َنذْرٍ فَإِنّ اللّهَ َيعَْلمُ ُه َومَا لِلظّاِلمِينَ مِنْ أَ ْنصَارٍ (‪)270‬‬

‫وقد عرفنا النفقة من قبل‪ ،‬فما هي مسألة النذر؟‪ .‬إن النذر هو أن تُلزم نفسك بشيء من جنس ما‬
‫شرع ال فوق ما أوجب ال‪ .‬فإذا نذرت أن تصلي ل كل ليلة عددا من الركعات فهذا نذر من‬
‫جنس ما شرع ال؛ لن ال قد شرع الصلة وفرضها خمسة فروض‪ ،‬فإن نذرت فوق ما فرضه‬
‫ال فهذا هو النذر‪ .‬ويقال في الذي ينذر شيئا من جنس ما شرع ال فوق ما فرضه ال‪ :‬إن هذا‬
‫دليل على أن العبادة قد حََلتَ له‪ ،‬فأحبها وعشقها‪ ،‬ودليل على أنه قارب أن يعرف قدر ربه؛ وأن‬
‫ربه يستحق منه فوق ما افترضه عليه‪ ،‬فكأن ال في افتراضه كان رحيما بنا‪ ،‬لنه لو فرض ما‬
‫يستحقه منا لما استطاع واحد أن يفي بحق ال‪.‬‬
‫إذن فعندما تنذر أيها العبد المؤمن نذرا‪ ،‬فإنك تُلزم نفسك بشيء من جنس ما شرع ال لك فوق ما‬
‫فرض ال عليك‪ .‬وأنت مخير أن تقبل على نذر ما‪ ،‬أو ل تقبل‪ .‬لكن إن نطقت بنذر فقد لزم‪.‬‬
‫لماذا؟ لنك ألزمت نفسك به‪ .‬ولذلك فمن التعقل أل يورط النسان نفسه ويسرف في النذر‪ ،‬لنه‬
‫في ساعة الداء قد ل يقدر عليه‪.‬‬
‫وأهل القرب من ال يقولون لمن يخل بالنذر بعد أن نذر‪ :‬هل جربت ربك فلم تجده أهلً لستمرار‬
‫الود‪ .‬وليس فينا من يجرؤ على ذلك؛ لن ال أهل لعميق الود‪ .‬ولهذا فمن الفضل أن يتريث‬
‫النسان قبل أن ينذر شيئا‪.‬‬
‫ونقف الن عند تذييل الية‪َ { :‬ومَا لِلظّاِلمِينَ مِنْ أَ ْنصَارٍ }‪ .‬إن الظالمين هم من ظلموا أنفسهم؛ لن‬
‫الحق عرفنا أن ظلم النسان إنما يكون لنفسه‪ ،‬وقال لنا‪ {:‬إِنّ اللّ َه لَ يَظِْلمُ النّاسَ شَيْئا وَلَـاكِنّ‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ }[يونس‪]44 :‬‬
‫النّاسَ أَنفُ َ‬
‫ومن أشد الظلم للنفس النفاق رياءً‪ ،‬أو النفاق في المعاصي‪ ،‬أو عدم الوفاء بالنذر‪ ،‬فليس لمن‬
‫يفعل ذلك أعوان يدفعون عنه عذاب ال في الخرة‪ .‬ويقول الحق من بعد ذلك‪ { :‬إِن تُبْدُواْ‬
‫خفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ا ْل ُفقَرَآءَ‪} ...‬‬
‫الصّ َدقَاتِ فَ ِن ِعمّا ِهيَ وَإِن ُت ْ‬

‫(‪)272 /‬‬
‫خفُوهَا وَ ُتؤْتُوهَا ا ْلفُقَرَاءَ َف ُهوَ خَيْرٌ َلكُ ْم وَ ُي َكفّرُ عَ ْنكُمْ مِنْ سَيّئَا ِتكُمْ‬
‫ي وَإِنْ ُت ْ‬
‫إِنْ تُبْدُوا الصّ َدقَاتِ فَ ِن ِعمّا ِه َ‬
‫وَاللّهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرٌ (‪)271‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإن أظهرتم الصدقة فنعم ما تفعلون؛ لتكونوا قدوة لغيركم‪ ،‬ولتردوا الضغن عن المجتمع‪ .‬وإن‬
‫أخفيتم الصدقة وأعطيتموها الفقراء فإن ال يكفر عنكم بذلك من سيئاتكم‪ ،‬وال خبير بالنية وراء‬
‫إعلن الصدقة ووراء إخفاء الصدقة‪ .‬والتذييل في هذه الية الكريمة يخدم قضية إبداء الصدقة‬
‫وقضية إخفاء الصدقة‪ ،‬فالحق خبير بنية من أبدى الصدقة‪ ،‬فإن كان غنيا فعليه أن يبدي الصدقة‬
‫حتى يحمي عرضه من وقوع الناس فيه؛ لن الناس حين يعلمون بالغني فل بد أن يعلموا بإنفاق‬
‫الغني‪ ،‬وإل فقد يحسب الناس على الغني عطاء ال له‪ ،‬ول يحسبون له النفقة في سبيل ال‪ .‬لماذا؟‬
‫لن ال يريد أن يحمي أعراض الناس من الناس‪.‬‬
‫أما إن كان النسان غير ظاهر الغنى فمن المستحسن أن يخفي الصدقة‪ .‬وإن ظهرت الصدقة كما‬
‫قلت ليتأسى الناس بك‪ ،‬وليس في ذهنك الرياء فهذا أيضا مطلوب‪ .‬والحق يقول‪ { :‬وَاللّهُ ِبمَا‬
‫َت ْعمَلُونَ خَبِيرٌ } أي أن ال يجازي على قدر نية العبد في البداء أو في الخفاء‪.‬‬
‫إنه باستقراء اليات التي تعرضت للنفاق نجده سبحانه يسد أمام النفس البشرية كل منافذة الشُح‪،‬‬
‫ويقطع عنها كل سبيل تحدثه به إذا ما أرادت أن تبخل بما أعطاها ال‪ ،‬والخالق الذي وهب‬
‫للمخلوق ما وهبه يطلب منه النفاق‪ ،‬وإذا نظرنا إلى المر في عرف المنطق وجدناه أمرا طبيعيا؛‬
‫لن ال ل يسأل خلقه النفقة مما خََلقُوا ولكنه يسألهم النفقة مما خلقه لهم‪.‬‬
‫إن النسان في هذا الكون حين يُطلب إيمانيا منه أن ينفق فلزم ذلك أن يكون عنده ما ينفقه‪ ،‬ول‬
‫يمكن أن يكون عنده ما ينفقه إل إذا كان مالكا لشيء زاد على حاجته وحاجة من يعوله‪ ،‬وذلك ل‬
‫يتأتى إل بحصيلة العمل‪ .‬إذن فأمر ال للمؤمن بالنفقة يقتضي أن يأمره أولً بأن يعمل على قدر‬
‫طاقته ل على قدر حاجته‪ ،‬فلو عمل كل إنسان من القادرين على قدر حاجته‪ ،‬فكيف توجد مقومات‬
‫الحياة لمن ل يقدر على العمل؟‪.‬‬
‫إذن فالحق يريد منا أن نعمل على قدر طاقتنا في العمل لنعول أنفسنا ولنعول من في وليتنا‪ ،‬فإذا‬
‫ما زاد شيء على ذلك وهبناه لمن ل يقدر على العمل‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬إذا كان ال قد أراد أن يحنن قلوب المنفقين على العاجزين فلماذا لم يجعل‬
‫العاجزين قادرين على أن يعملوا هم أيضا؟‬
‫نقول لصاحب هذا القول‪ :‬إن الحق حين يخلق‪ ..‬يخلق كونا متكاملً منسجما دانت له السباب‪،‬‬
‫فربما أطغاه أن السباب تخضع له‪ ،‬فقد يظن أنه أصبح خالقا لكل شيء‪ ،‬فحين تستجيب له‬
‫الرض إن حرث وزرع‪ ،‬وحين يستجيب الماء له إن أدلى دلوه‪ ،‬وحين تستجيب له كل السباب‪،‬‬
‫ربما ظن نفسه أصيلً في الكون‪.‬‬
‫فيشاء ال أن يجعل القوة التي تفعل في السباب لتنتج‪ ،‬يشاء ـ سبحانه ـ أن يجعلها عرضا من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أعراض هذا الكون‪ ،‬ول يجعلها لزمة من لوازم النسان‪ ،‬فمرة تجده قادرا‪ ،‬ومرة تجده عاجزا‪.‬‬
‫فلو أنه كان بذاتيته قادرا لما وُجَدَ عَاجزٌ‪ .‬إذن فوجود العاجزين عن الحركة في الحياة لفت للناس‬
‫على أنهم ليسوا أصلء في الكون‪ ،‬وأن الذي وهبهم القدرة يستطيع أن يسلبهم إياها ليعيدها إلى‬
‫سواهم‪ ،‬فيصبح العاجز بالمس قادرا اليوم‪ ،‬ويصبح القادر بالمس عاجزا اليوم وبذلك يظل‬
‫النسان منتبها إلى القوة الواهبة التي استخلفته في الرض‪.‬‬
‫ولذلك كان الفارق بين المؤمن والكافر في حركة الحياة أنهما يجتمعان في شيء‪ ،‬ثم ينفرد المؤمن‬
‫في شيء‪ ،‬يجتمعان في أن كل واحد من المؤمنين ومن الكافرين يعمل في أسباب الحياة لينتج ما‬
‫يقوته ويقوت من يعول‪ ،‬ذلك قدر مشترك بين المؤمن والكافر‪ .‬والكافر يقتصر على هذا السبب‬
‫في العمل فيعمل لنفسه ولمن يعول‪.‬‬
‫ولكن المؤمن يشترك معه في ذلك ويزيد أنه يعمل لشيء آخر هو‪ :‬أن يفيض عنه شيء يمكن أن‬
‫يتوجه به إلى غير القادر على العمل‪ .‬محتسبا ذلك عند ال‪.‬‬
‫ولذلك قلنا سابقا‪ :‬إن الحق سبحانه حينما تكلم عن الزكاة تكلم عنها مرة مطلوبة أداء‪ ،‬وتكلم عنها‬
‫مرة أخرى مطلوبة غاية فقال‪ } :‬وَالّذِينَ هُمْ لِل ّزكَـاةِ فَاعِلُونَ {‪ .‬ولم يقل للزكاة مؤدون‪ ،‬فالمؤمنون‬
‫ل يعلمون لقصد الزكاة إل إن عملوا عمل على قدر طاقاتهم ليقوتهم وليقوت من يعولهم‪ ،‬ثم‬
‫يفيض منهم شيء يؤدون عنه الزكاة‪.‬‬
‫سكُم مّنْ خَيْرٍ‬
‫ل َة وَآتُواْ ال ّزكَا َة َومَا ُتقَ ّدمُواْ لَ ْنفُ ِ‬
‫والحق سبحانه وتعالى في أمر الزكاة‪ {:‬وََأقِيمُواْ الصّ َ‬
‫جدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنّ اللّهَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرٌ }[البقرة‪]110 :‬‬
‫تَ ِ‬
‫إذن فحصيلة المر أن الزكاة مقصودة لهم حين يقبلون على أي عمل‪ .‬لقد صارت الزكاة بذلك‬
‫المر اللهي مطلوبة غاية‪ ،‬فهي أحد أركان السلم وبذلك يتميز المؤمن على الكافر‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى حين تعرض لمنابع الشُح في النفس البشرية أوضح‪ :‬أن أول شيء تتعرض‬
‫له النفس البشرية أن النسان يخاف من النفقة لنها تنقص ما عنده‪ ،‬وقد حذر رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم من الشح في قوله‪ " :‬اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة‪ ،‬واتقوا الشح؛ فإن الشح‬
‫أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم "‪ .‬هي كذلك‪ ،‬ولكن الحق‬
‫سبحانه أوضح لكل مؤمن‪ :‬أنها تنقص ما عندك‪ ،‬ولكنها تزيدك مما عند ال؛ فهي إن أنقصت ثمرة‬
‫فعلك فقد أكملتك بفعل ال لك‪ .‬وحين تكملك بفعل ال لك‪ ،‬يجب أن تقارن بين قوة مخلوقة عاجزة‬
‫وقوة خالقة قادرة‪.‬‬
‫ويلفتنا سبحانه‪ :‬أن ننظر جيدا إلى بعض خلقه وهي الرض‪ ،‬الرض التي نضع فيها البذرة‬
‫الواحدة ـ أي الحبة الواحدة ـ فإنها تعْطِي سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة‪ ،‬فلو نظر النسان‬
‫أول المر إلى أن ما يضعه في الرض حين يحرث ويزرع يقلل من مخازنه لما زرع ولما‬
‫غرس‪ ،‬ولكنه عندما نظر لما تعطيه الرض من سبعمائة ضعف أقبل على البذر‪ ،‬وأقبل على‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحرث غير هياب؛ لنها ستعوضه أضعاف أضعاف ما أعطى‪.‬‬
‫وإذا كانت الرض وهي مخلوقة ل تعطي هذا العطاء‪ ،‬فكيف يكون عطاء خالق الرض؟{ مّ َثلُ‬
‫الّذِينَ يُ ْن ِفقُونَ َأ ْموَاَلهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َكمَ َثلِ حَبّةٍ أَنبَ َتتْ سَبْعَ سَنَا ِبلَ فِي ُكلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبّ ٍة وَاللّهُ‬
‫عفُ ِلمَن َيشَآ ُء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[البقرة‪]261 :‬‬
‫ُيضَا ِ‬
‫إذن فقد سدّ الحق بهذا المثل على النفس البشرية منفذ الشُح‪ .‬وشيء آخر تتعرض له اليات‪ ،‬وهو‬
‫أن النسان قد يُحْرَج في مجتمعه من سائل يسأله فهو في حرصه على ماله ل يحب أن ينفق‪،‬‬
‫ولحرصه على مكانته في الناس ل يحب أن يمنع‪ ،‬فهو يعطي ولكن بتأفف‪ ،‬وربما تعدى تأففه إلى‬
‫نهر الذي سأله وزجره‪ ،‬فقال الحق سبحانه وتعالى ليسد ذلك الموقف‪َ {:‬ق ْولٌ ّمعْرُوفٌ َو َم ْغفِ َرةٌ خَيْرٌ‬
‫مّن صَ َدقَةٍ يَتْ َب ُعهَآ َأذًى وَاللّهُ غَ ِنيّ حَلِيمٌ }[البقرة‪]263 :‬‬
‫ف َو َمغْفِ َرةٌ { يدل على أن المسئول قد أحفظه سؤال السائل وأغضبه‬
‫وقول ال‪َ } :‬ق ْولٌ ّمعْرُو ٌ‬
‫الحراج‪ ،‬ويطلب الحق من مثل هذا النسان أن يغفر لمن يسأله هذه الزلة إن كان قد اعتبر سؤاله‬
‫ف َو َمغْفِ َرةٌ خَيْرٌ مّن صَ َد َقةٍ يَتْ َب ُعهَآ أَذًى وَاللّهُ غَ ِنيّ حَلِيمٌ }[البقرة‪]263 :‬‬
‫له ذنبا‪َ {:‬ق ْولٌ ّمعْرُو ٌ‬
‫وبعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى " المن " الذي يفسد العطاء؛ لنه يجعل الخذ في ذلة‬
‫وانكسار‪ ،‬ويريد المعطي أن يكون في عزة العطاء وفي استعلء المنفق‪ ،‬فهو يقول‪ :‬إنك إن فعلت‬
‫ذلك ستتعدى الصدقة منك إلى الغير فيفيد‪ ،‬ولكنك أنت الخاسر؛ لنك لن تفيد بذلك شيئا‪ ،‬وإن كان‬
‫قد استفاد السائل‪ .‬إذن فحرصا على نفسك ل تتبع الصدقة بالمن ول بالذى‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق ليعالج منفذا من منافذ الشح في النفس البشرية هو‪ :‬أن النسان قد يحب أن يعطي‪،‬‬
‫ولكنه حين تمتد يده إلى العطاء يعز عليه إنفاق الجيد من ماله الحسن‪ ،‬فيستبقيه لنفسه ثم يعزل‬
‫الشياء التي تزهد فيها نفسه ليقدمها صدقة فينهانا ـ سبحانه ـ عن ذلك فيقول‪َ {:‬ولَ تَ َي ّممُواْ‬
‫الْخَبِيثَ مِنْهُ تُ ْنفِقُونَ وَلَسْ ُتمْ بِآخِذِيهِ ِإلّ أَن ُت ْغمِضُواْ فِيهِ }[البقرة‪]267 :‬‬
‫أي إن مثل هذا لو أُعطى لك لما قبلته إل أن تغمض وتتسامح في أخذه وكأنك ل تبصر عيبه‬
‫لتأخذه‪ ،‬فما لم تقبله لنفسك فل يصح أن تقبله لسواك‪ .‬ثم بعد أن تكلم القرآن عن منافذ الشُح في‬
‫النفس النسانية بين لنا أن الذي ينتج هذه المنافذ ويغذيها إنما هو الشيطان‪:‬‬
‫حشَآ ِء وَاللّهُ َيعِ ُدكُم ّم ْغفِ َرةً مّنْ ُه َو َفضْلً وَاللّ ُه وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[البقرة‪:‬‬
‫{ الشّيْطَانُ َي ِع ُدكُمُ ا ْل َفقْرَ وَيَ ْأمُ ُركُم بِا ْلفَ ْ‬
‫‪]268‬‬
‫فإن سوّيتم بين عِ َدةِ الشيطان ووعد ال لكم بالرضوان كان الخسران والضياع‪ .‬فراجعوا إيمانكم‪،‬‬
‫وعليكم أن تجعلوا عدة الشيطان مدحورة أمام وعد ال لكم بالفضل والمغفرة‪.‬‬
‫ثم يتكلم بعد ذلك عن زمن الصدقة وعن حال إنفاقها ـ ظاهرة أو باطنة ـ وتكون النية عندك‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هي المرجحة لعمل على عمل‪ ،‬فإذا كنت إنسانا غنيا فارحم عرضك من أن يتناوله الناس وتصدق‬
‫صدقة علنية فيما هو واجب عليك لتحمي عرضك من مقولهم‪ ،‬وأن أردت أن تتصدق تطوعا فل‬
‫مانع أن تُسر بها حتى ل تعلم شمالك ما أنفقت يمينك‪ ..‬فعن ابن عباس رضي ال عنهما‪ :‬صدقات‬
‫السر في التطوع تفضل علنيتها سبعين ضعفا‪ ،‬وصدقة الفريضة علنيتها أفضل من سرها‬
‫بخمسة وعشرين ضعفا‪.‬‬
‫وكأن ال فتح أمام النفس البشرية كل منافذ العطاء وسد منافذ الشح‪ .‬انظروا بعد ذلك إلى الحق‬
‫سبحانه حينما يحمي ضعاف المؤمنين ليجعلهم في حماية أقوياء المؤمنين‪ .‬اعلم أيها العبد المؤمن‬
‫أنك حين تتلقى حكم ال ل تتلقاه على أنه مطلوب منك دائما‪ ،‬ولكن عليك أن تتلقى الحكم على أنه‬
‫قد يَصير بتصرفات الغيار مطلوبا لك‪ ،‬فإن كنت غنيا فل تعتقد أن ال يطالبك دائما‪ ،‬ولكن قَدّرْ‬
‫أنك إن أصبحت بعرض الغيار في الحياة فقيرا سيكون الحكم مطلوبا لك‪ .‬فقدر ـ حال كونه‬
‫مطلوبا منك الن؛ لنك غني ـ أنّه سيطلُب لك إن حصلت لك أغيار‪ ،‬فصرت بها فقيرا‪.‬‬
‫إذن فالتشريع لك وعليك‪ ،‬فل تعتبره عليك دائما لنك إن اعتبرته عليك دائما عزلت نفسك عن‬
‫أغيار الحياة‪ ،‬وأغيار الحياة قائمة ل يمكن أن يبرأ منها أحد أبدا لذلك أمر ـ سبحانه ـ المؤمنَ‬
‫أن يكفل أخاه المؤمن‪.‬‬
‫انظروا إلى طموحات اليمان في النفس النسانية‪ ،‬حتى الذين ل يشتركون معك في اليمان‪ .‬إن‬
‫طُلب منك أن تعطي الصدقة المفروضة الواجبة لخيك المؤمن فقد طلب منك أيضا أن تتطوع‬
‫بالعطاء لمن ليس مؤمنا‪ .‬وتلك ميزة في السلم ل توجد أبدا في غيره من الديان‪ ،‬إنه يحمي‬
‫حتى غير المؤمن‪ .‬ولذلك يقول الحق‪ } :‬لّيْسَ عَلَ ْيكَ هُدَا ُه ْم وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن َيشَآءُ‪{ ...‬‬

‫(‪)273 /‬‬
‫جهِ‬
‫سكُ ْم َومَا تُ ْنفِقُونَ ِإلّا ابْ ِتغَا َء وَ ْ‬
‫لَيْسَ عَلَ ْيكَ ُهدَا ُه ْم وََلكِنّ اللّهَ َي ْهدِي مَنْ يَشَا ُء َومَا تُ ْن ِفقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَ ْنفُ ِ‬
‫اللّ ِه َومَا تُ ْن ِفقُوا مِنْ خَيْرٍ ُيوَفّ إِلَ ْي ُك ْم وَأَنْتُمْ لَا ُتظَْلمُونَ (‪)272‬‬

‫ما أصل هذه المسألة؟‬
‫أصل هذه المسألة أن بعض السابقين إلى السلم كانت لهم قرابات لم تسلم‪ .‬وكان هؤلء القرباء‬
‫من الفقراء وكان المسلمون يحبون أن يعطوا هؤلء القارب الفقراء شيئا من مالهم‪ ،‬ولكنهم‬
‫تحرجوا أن يفعلوا ذلك فسألوا رسول ال صلى ال عليه وسلم في هذا المر‪.‬‬
‫وهاهي ذي أسماء بنت أبي بكر الصديق وأمها " قُتَيْلَةَ " كانت مازالت كافرة‪ .‬وتسأل أسماء رسول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال صلى ال عليه وسلم أن تعطي من مالها شيئا لمها حتى تعيش وتقتات‪ .‬وينزل الحق سبحانه‬
‫قوله‪ { :‬لّ ْيسَ عَلَ ْيكَ ُهدَاهُ ْم وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن يَشَآءُ } ‪ " ،‬وعن أسماء بنت أبي بكر رضي ال‬
‫عنهما قالت‪ :‬قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم فاستفتيت‬
‫ي أمي وهي راغبة‪ .‬أفأصل أمّي؟ قال‪ " :‬نعم صلي‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم قلت‪ :‬قدمتْ عل ّ‬
‫أ ّمكِ "‪ .‬ولقد أراد بعض من المؤمنين أن يضيقوا على أقاربهم ممن لم يؤمنوا حتى يؤمنوا‪ ،‬لكن‬
‫الرحمن الرحيم ينزل القول الكريم‪ { :‬لّيْسَ عَلَ ْيكَ ُهدَا ُه ْم وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن َيشَآءُ }‪.‬‬
‫إنه الدين المتسامي‪ .‬دين يريد أن نعول المخلوق في الرض من عطاء الربوبية وإن كان ل يلتقي‬
‫معنا في عطاء اللوهية؛ لن عطاء اللوهية تكليف‪ ،‬وعطاء الربوبية رزق وتربية‪.‬‬
‫والرزق والتربية مطلوبات لكل من كان على الرض؛ لننا نعلم أن أحدا في الوجود لم يستدع‬
‫نفسه في الوجود‪ ،‬وإنما استدعاه خالقه‪ ،‬وما دام الخالق الكرم هو الذي استدعى العبد مؤمنا أو‬
‫كافرا‪ ،‬فهو المتكفل برزقه‪ .‬والرزق شيء‪ ،‬ومنطقة اليمان بال شيء آخر‪ ،‬فيقول الحق‪ { :‬لّ ْيسَ‬
‫عَلَ ْيكَ هُدَاهُ ْم وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن يَشَآءُ }‪.‬‬
‫أو أن الية حينما نزلت في الحثّ على النفقة ربما أن بعض الناس تكاسل‪ ،‬وربما كان بعض‬
‫المؤمنين يعمدون إلى الرديء من أموالهم فينفقونه‪.‬‬
‫وإذا كان السلم قد جاء ليواجه النفس البشرية بكل أغيارها وبكل خواطرها‪ ،‬فليس بعجيب أن‬
‫يعالجهم من ذلك ويردهم إلى الصواب إن خطرت لهم خاطرة تسيء إلى السلوك اليماني‪.‬‬
‫وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يحب حين ينزل أي أمر أن يلتفت المسلمون إليه لفتة القبال‬
‫بحرارة عليه‪ ،‬فإذا رأى تهاونا في شيء من ذلك حزن‪ ،‬فيوضح له ال‪ :‬عليك أن تبلغهم أمر ال‬
‫في النفقة‪ ،‬وما عليك بعد ذلك أن يطيعوا‪ { .‬لّيْسَ عَلَ ْيكَ ُهدَا ُه ْم وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن َيشَآءُ }‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬ما دام ال هو الذي يهدي فيجب أن نترك الناس على ما هم عليه من إيمان أو‬
‫كفر‪ ،‬وما علينا إل البلغ‪ ،‬ونقول لصحاب هذا الرأي‪ :‬تنبهوا إلى معطيات القرآن فيما يتعلق‬
‫بقضية واحدة‪ ،‬هذه القضية التي نحن بصددها هي الهداية‪ ،‬ولنستقرئ اليات جميعا‪ ،‬فسنجد أن‬
‫الذين يرون أن الهداية من ال‪ ،‬وأنه ما كان يصح له أن يعذب عاصيا‪ ،‬لهم وجهة نظر‪ ،‬والذين‬
‫يقولون‪ :‬إن له سبحانه أن يعذبهم؛ لنه ترك لهم الخيار لهم وجهة نظر‪ ،‬فما وجهة النظر المختلفة‬
‫حتى يصير المر على قدر سواء من الفهم؟‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم في قرآنه الكلم الموحَى‪ ،‬فهو يطلب منا أن نتدبره‪ ،‬ومعنى‬
‫أن نتدبره أل ننظر إلى واجهة النص ولكن يجب أن ننظر إلى خلفية النص‪.‬‬
‫} َأفَلَ يَ َتدَبّرُونَ { يعني ل تنظر إلى الوجه‪ ،‬ولكن انظر ما يواجه الوجه وهو الخلف‪َ {.‬أفَلَ‬
‫يَتَدَبّرُونَ ا ْلقُرْآن }[النساء‪]82 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫علَى ا ْل ُهدَىا }[فصلت‪]17 :‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى قد قال‪ {:‬وََأمّا َثمُودُ َفهَدَيْنَا ُهمْ فَاسْ َتحَبّواْ ا ْل َعمَىا َ‬
‫كيف يكون ال قد هداهم‪ ،‬ثم بعد ذلك يستحبون العمى على الهدى؟ إذن معنى " هدام " أي دلهم‬
‫على الخير‪ .‬وحين دلّهم على الخير فقد ترك فيهم قوة الترجيح بين البدائل‪ ،‬فلهم أن يختاروا هذا‪،‬‬
‫ولهم أن يختاروا هذا‪ ،‬فلما هداهم ال ودلّهم استحبوا العمَى على الهدى‪ .‬وال يقول لرسوله في‬
‫نصين آخرين في القرآن الكريم‪ {:‬إِ ّنكَ لَ َت ْهدِي مَنْ أَحْبَ ْبتَ }[القصص‪]56 :‬‬
‫فنفى عنه أنه يهدي‪ .‬وأثبت له الحق الهداية في آية أخرى يقول فيها‪ {:‬وَإِ ّنكَ لَ َتهْدِي إِلَىا صِرَاطٍ‬
‫مّسْ َتقِيمٍ }[الشورى‪]52 :‬‬
‫ل واحدا لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ذاته عن الفاعل ذاته؟ نقول لهم‪ :‬رسول ال‬
‫فكيف يثبت ال فع ً‬
‫صلى ال عليه وسلم أن يدل الناس على منهج ال ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج ال؛ لن‬
‫ذلك ليس من عمله هو‪ ،‬فإذا قال ال‪ } :‬إِ ّنكَ لَ َتهْدِي { أي ل تحمل بالقصر والقهر من أحببت‪ ،‬وإنما‬
‫أنت " تهدي " أي تدل فقط‪ ،‬وعليك البلغ وعلينا الحساب‪.‬‬
‫إذن فقول الحق‪ } :‬لّيْسَ عَلَ ْيكَ هُدَاهُ ْم وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن يَشَآءُ { ليس فيه حجة على القسرية‬
‫اليمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل النفسي عن منهج ال ونقول‬
‫لهؤلء‪ :‬فيه فرق بين هداية الدللة وهداية المعونة‪ ،‬فال يهدي المؤمن ويهدي الكافر أي يدلهم‪،‬‬
‫ولكن من آمن به يهديه هداية المعونة‪ ،‬ويهديه هداية التوفيق‪ ،‬ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة‬
‫عليه‪.‬‬
‫سكُم { تلك قضية تعالج‬
‫} لّ ْيسَ عَلَ ْيكَ هُدَاهُ ْم وَلَـاكِنّ اللّهَ َيهْدِي مَن يَشَآ ُء َومَا تُ ْن ِفقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَ ْنفُ ِ‬
‫الشُح منطقيا‪ ،‬وكل معطٍ من الخلق عطاؤه عائد إليه هو‪ ،‬ول يوجد معطٍ عطاؤه ل يعود عليه إل‬
‫ال‪ ،‬هو وحده الذي ل يعود عطاؤه لخلقه عليه‪ ،‬لنه ـ سبحانه ـ أزل وقديما وقبل أن يخلق‬
‫الخلق له كل صفات الكمال‪ ،‬فعطاء النسان يعود إلى النسان وعطاء ربنا يعود إلينا‪.‬‬
‫ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية‪ :‬ما فعلت لحد خيرا قط؟ فقيل له‪ :‬أتقول ذلك وقد‬
‫فعلت لفلن كذا ولفلن كذا ولفلن كذا؟ فقال‪ :‬إنما فعلته لنفسي‪.‬‬
‫فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه‪ .‬ولقد قلنا سابقا‪ :‬إن العارف بال " الحسن البصري "‬
‫كان إذا دخل عليه من يسأله هشّ في وجهه وبشّ وقال له‪ :‬مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى‬
‫الخرة بغير أجرة‪.‬‬
‫إذن فقد نظر إلى أنه يعطيه وإن كان يأخذ منه‪ .‬فالحق سبحانه وتعالى يعالج في هذه القضية } َومَا‬
‫سكُمْ { أي إياكم أن تظنوا أنني أطلب منكم أن تعطوا غيركم‪ ،‬لقد طلبت منكم‬
‫تُ ْنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَ ْنفُ ِ‬
‫أن تنفقوا لزيدكم أنا في النفقة والعطاء‪ ،‬ثم يقول‪َ } :‬ومَا تُ ْن ِفقُواْ مِنْ خَيْرٍ ُي َوفّ إِلَ ْي ُكمْ { ومعنى‬
‫التوفية‪ :‬الداء الكامل‪ .‬ول تظنوا أنكم تنفقون على من ينكر معروفكم؛ لن ما أنفقتم من خير فال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫به عليم‪ .‬إذن فاجعل نفقتك عند من يجحد‪ ،‬ول تجعل نفقتك عند من يحمد‪ ،‬لنك بذلك قد أخذت‬
‫جزاءك ممن يحمدك وليس لدى ال جزاء لك‪.‬‬
‫كنت أقول دائما للذين يشكون من الناس نكران الجميل ونسيان المعروف‪ :‬أنتم المستحقون لذلك؛‬
‫لنكم جعلتموهم في بالكم ساعة أنفقتم عليهم‪ ،‬ولو جعلتم ال في بالكم لما حدث ذلك منهم أبدا‪} .‬‬
‫سكُ ْم َومَا تُ ْنفِقُونَ ِإلّ ابْ ِتغَآ َء وَجْهِ اللّهِ { أهذه الية تزكية لعمل المؤمنين‪ ،‬أم‬
‫َومَا تُ ْن ِفقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَ ْنفُ ِ‬
‫خبر أريد به المر؟ إنها الثنان معا‪ ،‬فهي تعني أنفقوا ابتغاء وجه ال‪َ } .‬ومَا تُ ْن ِفقُواْ مِنْ خَيْرٍ ُي َوفّ‬
‫إِلَ ْيكُ ْم وَأَنْتُمْ لَ ُتظَْلمُونَ { أنتم ل تظلمون من الخلق‪ ،‬ول تظلمون من الخالق‪ ،‬أما من الخلق فقد‬
‫استبرأتم دينكم وعرضكم حين أديتم بعض حقوق ال في أموالكم‪ ،‬فلن يعتدي أحد عليكم ليقول ما‬
‫يقول‪ ،‬وأما عند ال فهو سبحانه يوفي الخير أضعاف أضعاف ما أنفقتم فيه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن مصرف من مصارف النفقة كان في صدر السلم‪} :‬‬
‫لِ ْلفُقَرَآءِ الّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّ ِه لَ يَسْ َتطِيعُونَ ضَرْبا فِي الَ ْرضِ {‬

‫(‪)274 /‬‬
‫ن ضَرْبًا فِي الْأَ ْرضِ َيحْسَ ُب ُهمُ الْجَا ِهلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ‬
‫حصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لَا َيسْتَطِيعُو َ‬
‫لِ ْلفُقَرَاءِ الّذِينَ ُأ ْ‬
‫علِيمٌ (‪)273‬‬
‫ال ّت َعفّفِ َتعْ ِر ُفهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا َيسْأَلُونَ النّاسَ إِ ْلحَافًا َومَا تُ ْنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ َ‬

‫ساعة أن نسمع " جارا ومجرورا " قد استهلت به آية كريمة فنعلم أن هناك متعلقا‪ .‬ما هو الذي‬
‫للفقراء؟ هو هنا النفقة‪ ،‬أي أن النفقة للفقراء الذين أحصروا في سبيل ال‪ .‬وإذا سألنا‪ :‬ما معنى "‬
‫أحصروا " فإننا نجد أن هناك " حَصر " وهناك " أحصر " وكلمهما فيه المنع‪ ،‬إل أن المنع مرة‬
‫يأتي بما ل تقدر أنت على دفعه‪ ،‬ومرة يأتي بما تقدر على دفعه‪.‬‬
‫حصِرَ على الضرب في الرض‪ ،‬أكانت له قدرة أن يفعل ذلك؟ ل‪ ،‬ولكن‬
‫فالذي مرض مثلً و ُ‬
‫الذي أراد أن يضرب في الرض فمنعه إنسان مثله فإنه يكون ممنوعا‪ ،‬إذن فيئول المر من‬
‫المرين إلى المنع‪ ،‬فقد يكون المنع من النفس ذاتها أو منع من وجود فعل الغير‪ ،‬فهم أحصروا في‬
‫حصَرُوا أنفسهم على الجهاد‪ ،‬ولم‬
‫حصِرُوا لن الكافرين يضيقون عليهم منافذ الحياة‪ ،‬أو َ‬
‫سبيل ال‪ُ .‬‬
‫يحبوا أن يشتغلوا بغيره؛ لن السلم كان ل يزال في حاجة إلى قوم يجاهدون‪ .‬وهؤلء هم أهل‬
‫ن ضَرْبا فِي الَ ْرضِ } وعدم استطاعتهم‬
‫الصّفة { لِ ْل ُفقَرَآءِ الّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّ ِه لَ يَسْتَطِيعُو َ‬
‫ناشئ من أمر خارج عن إرادتهم أو من أمر كان في نيتهم وهو أن يرابطوا في سبيل ال‪ ،‬هذا من‬
‫الجائز وذاك من الجائز‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكان النصار يأتون بالتمر ويتركونه في سبائطه‪ ،‬ويعلقونه في حبال مشدودة إلى صواري‬
‫المسجد‪ ،‬وكلما جاع واحد من أهل الصفة أخذ عصاه وضرب سباطة لتمر‪ ،‬فينزل بعض التمر‬
‫فيأكل‪ ،‬وكان البعض يأتي إلى الرديء من التمر والشيص ويضعه‪ ،‬وهذا هو ما قال ال فيه‪ { :‬وَلَ‬
‫خذِيهِ ِإلّ أَن ُت ْغ ِمضُواْ فِيهِ }‪.‬‬
‫ن وَلَسْتُمْ بِآ ِ‬
‫تَ َي ّممُواْ ا ْلخَبِيثَ مِنْهُ تُ ْن ِفقُو َ‬
‫وإذا نظرنا إلى قول الحق‪ { :‬لَ يَسْ َتطِيعُونَ ضَرْبا فِي الَ ْرضِ } و " الضرب " هو فعل مِن‬
‫جارحة بشدة على متأثر بهذا الضرب‪ ،‬وما هو الضرب في الرض؟ إن الحق سبحانه وتعالى‬
‫يريد أن يبين لنا أن الكفاح في الحياة يجب أن يكون في منتهى القوة‪ ،‬وإنك حين تذهب في‬
‫الرض فعليك أن تضربها حرثا‪ ،‬وتضربها بذرا‪ ،‬ل تأخذ المر بهوادة ولين ولذلك يقول الحق‪{:‬‬
‫ج َعلَ َلكُ ُم الَ ْرضَ ذَلُولً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِ ِبهَا َوكُلُواْ مِن رّ ْز ِق ِه وَإِلَيْهِ النّشُورُ }[الملك‪]15 :‬‬
‫ُهوَ الّذِي َ‬
‫إن الرض مسخرة من الحق سبحانه للنسان‪ ،‬يسعى فيها‪ ،‬ويضرب فيها ويأكل من رزق ال‬
‫الناتج منها‪.‬‬
‫وحين يقول ال سبحانه في وصف الذين أحصروا في سبيل ال فل يستطيعون الضرب في‬
‫حسَ ُبهُمُ ا ْلجَا ِهلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ال ّتعَ ّففِ } أي يظنهم الجاهل بأحوالهم أنهم أغنياء‪ ،‬وسبب هذا‬
‫الرض { يَ ْ‬
‫الظن هو تركهم للمسألة‪ ،‬وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فال يقول بعدها‪َ { :‬تعْ ِر ُفهُم بِسِيمَاهُمْ لَ‬
‫يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحَافا } والسمة هي العلمة المميزة التي تدل على حال صاحبها‪ ،‬فكأنك ستجد فيهم‬
‫خشوعا وانكسارا ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أو يطلبوا‪ ،‬ولكنك تعرفهم من حالتهم التي تستحق‬
‫النفاق عليهم‪ ،‬وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فال يقول بعدها‪ { :‬لَ َيسْأَلُونَ النّاسَ إِ ْلحَافا }‬
‫فكأنه أباح مجرد السؤال ولكنه نهى عن اللحاحٍ واللحاف فيه‪ ،‬ولو أنهم سألوا مجرد سؤال بل‬
‫إلحاف ول إلحاح َأمَا كان هذا دليلً على أنهم ليسوا أغنياء؟ نعم‪ ،‬لكنه قال‪َ { :‬يحْسَ ُبهُمُ الْجَا ِهلُ‬
‫أَغْنِيَآءَ مِنَ ال ّت َع ّففِ } إذن فليس هناك سؤال‪ ،‬ل سؤال على إطلقه‪ ،‬ومن باب أولى ل إلحاف في‬
‫السؤال؛ بدليل أن الحق يقول‪َ { :‬تعْ ِر ُفهُم ِبسِيمَاهُمْ } ‪ ،‬ولو أنهم سألوا لكنا قد عرفناهم بسؤالهم‪ ،‬إذن‬
‫فالية تدلنا على أن المنفي هو مطلق السؤال‪ ،‬وأما كلمة " اللحاف " فجاءت لمعنى من المعاني‬
‫التي يقصد إليها أسلوب العجازي‪ ،‬ما هو؟‬
‫إن " السيما " ـ كما قلنا ـ هي العلمة المميزة التي تدل على حال صاحبها‪ ،‬فكأنك ستجد خشوعا‬
‫وانكسارا ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أي أنت تعرفهم من حالتهم البائسة‪ ،‬فإذا ما سأل السائل بعد‬
‫ذلك اعتبر سؤاله إلحاحا؛ لن حاله تدل على الحاجة‪ ،‬ومادامت حالته تدل على الحاجة فكان يجب‬
‫أن يجد من يكفيه السؤال‪ ،‬فإذا ما سأل مجرد سؤاله فكأنه ألحف في المسألة وألح عليها‪.‬‬
‫وأيضا يريد الحق من المؤمن أن تكون له فراسة نافذة في أخيه بحيث يتبين أحواله بالنظرة إليه‬
‫ول يدعه يسأل‪ ،‬لنك لو عرفت بـ " السيما " فأنت ذكي‪ ،‬أنت فطن‪ ،‬أنا لو لم تعرف بـ " السيما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" وتنتظر إلى أن يقول لك ويسألك‪ ،‬إذن فعندك تقصير في فطنة النظر‪ ،‬فهو سبحانه وتعالى يريد‬
‫من المؤمن أن يكون فطن النظر بحيث يستطيع أن يتفرس في وجه إخوانه المؤمنين ليرى من‬
‫عليه هم الحاجة ومن عنده خواطر العوز‪ ،‬فإذا ما عرف ذلك يكون عنده فطانة إيمانية‪.‬‬
‫ولنا العبرة في تلك الواقعة‪ ،‬فقد دق أحدهم الباب على أحد العارفين فخرج ثم دخل وخرج ومعه‬
‫شيء‪ ،‬فأعطاه الطارق ثم عاد باكيا فقالت له امرأته‪ :‬ما يبكيك؟‪ .‬قال‪ :‬إن فلنا طرق بابي‪ .‬قالت‪:‬‬
‫وقد أعطيته فما الذي أبكاك؟‪ .‬قال‪ :‬لني تركته إلى أن يسألني‪.‬‬
‫إن العارف بال بكى؛ لنه أحس بمسئولية ما كان يجب عليه أن يعرفه بفراسته‪ ،‬وأن يتعرف على‬
‫أخبار إخوانه‪ .‬ولذلك شرع ال اجتماعات الجمعة حتى يتفقد النسان كل أخ من إخوانه‪ ،‬ما الذي‬
‫أقعده‪ :‬أحاجة أم مرض؟ أحدث أم مصيبة؟ وحتى ل يحوجه إلى أن يذل ويسأل‪ ،‬وحين يفعل ذلك‬
‫يكون له فطنة اليمان‪َ } .‬ومَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ { يجب أن تعلم أنه قبل أن تعطي قد‬
‫علم ال أنك ستعطي‪ ،‬فالمر محسوب عنده بميزان‪ ،‬ويجيء تصرف خلقه على وفق قدره‪ ،‬وما‬
‫قدره قديما يلزم حاليا‪ ،‬وهو سبحانه قد قدر؛ لنه علم أن عبده سيفعل وقد فعل‪ .‬وكل فعل من‬
‫الفعال له زمن يحدث فيه‪ ،‬وله هيئة يحدث عليها‪ .‬والزمن ليل أو نهار‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى مبينا حالت النفاق والزمان التي يحدث فيها وذلك في قوله تعالى‪:‬‬
‫ل وَال ّنهَارِ سِرّا وَعَلَنِيَةً‪{ ...‬‬
‫} الّذِينَ يُ ْن ِفقُونَ َأ ْموَاَلهُمْ بِالّ ْي ِ‬

‫(‪)275 /‬‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْيهِ ْم وَلَا ُهمْ‬
‫الّذِينَ يُ ْن ِفقُونَ َأ ْموَاَلهُمْ بِاللّ ْيلِ وَال ّنهَارِ سِرّا وَعَلَانِيَةً فََلهُمْ أَجْرُ ُهمْ عِنْدَ رَ ّبهِ ْم وَلَا َ‬
‫يَحْزَنُونَ (‪)274‬‬

‫إن المسألة في النفاق تقتضي أمرين‪ :‬إما أن تنفق سرا‪ ،‬وإما أن تنفق علنية‪ .‬والزمن هو الليل‬
‫والنهار‪ ،‬فحصر ال الزمان والحال في أمرين‪ :‬الليل والنهار فإياك أن تحجز عطيّةً تريد أن‬
‫تعطيها وتقول‪ " :‬بالنهار أفعل أو في الليل أفعل؛ لنه أفضل " وتتعلل بما يعطيك الفسحة في تأخير‬
‫العطاء‪ ،‬إن الحق يريد أن تتعدى النفقة منك إلى الفقير ليلً أو نهارا‪ ،‬ومسألة الليلية والنهارية في‬
‫الزمن‪ ،‬ومسألة السرية والعلنية في الكيفية ل مدخل لها في إخلص النية في العطاء‪.‬‬
‫ل وَال ّنهَارِ سِرّا وَعَلَنِيَةً فََل ُهمْ أَجْ ُرهُمْ عِندَ رَ ّبهِمْ } أقالت الية‪ :‬الذين‬
‫{ الّذِينَ يُ ْن ِفقُونَ َأ ْموَاَلهُمْ بِالّ ْي ِ‬
‫ينفقون أموالهم بالليل أو النهار؟ ل‪ ،‬لقد طلب من كل منا أن يكون إنفاقه ليلً ونهارا وقال‪ " :‬سرا‬
‫وعلنية " فأنفق أنت ليلً‪ ،‬وأنفق أنت نهارا‪ ،‬وأنفق أنت سرا‪ ،‬وأنفق أنت علنية‪ ،‬فل تحدد النفاق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل بليل ول بنهار‪ ،‬ل بزمن ول بكيفية ول بحال‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه استوعب زمن النفاق ليلً ونهارا‪ ،‬واستوعب أيضا الكيفية التي يكون عليها‬
‫النفاق سرا وعلنية ليشيع النفاق في كل زمن بكل هيئة‪ ،‬وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى عن‬
‫هؤلء‪ { :‬فََلهُمْ أَجْرُ ُهمْ عِندَ رَ ّبهِمْ } وهذا القول يدل على عموم من يتأتى منه النفاق ليلً أو نهارا‪،‬‬
‫سرا أو علنية‪.‬‬
‫وإن كان بعض القوم قد قال‪ :‬إنها قيلت في مناسبة خاصة‪ ،‬وهي أن المام عليّا كرم ال وجهه‬
‫ورضى عنه كانت عنده أربعة دراهم‪ ،‬فتصدق بواحد نهارا‪ ،‬وتصدق بواحد ليل‪ ،‬وتصدق بواحد‬
‫سرا‪ ،‬وتصدق بواحد علنية‪ ،‬فنزلت الية في هذا الموقف‪ ،‬إل أن قول ال‪ { :‬فََلهُمْ } يدل على‬
‫عموم الموضوع ل على خصوص السبب‪ ،‬فكأن الجزاء الذي رتبه سبحانه وتعالى على ذلك شائع‬
‫على كل من يتأتى منه هذا العمل‪.‬‬
‫وقول ال‪ { :‬فََل ُهمْ أَجْ ُرهُمْ عِندَ رَ ّبهِمْ } هنا نجد أن كلمة " أجر " تعطينا لمحة في موقف المؤمن من‬
‫أداءات النفاق كلها؛ لن الجر ل يكون إل عن عمل فيه ثمن لشيء‪ ،‬وفي أجر لعمل‪ .‬فالذي‬
‫تستأجره ل يقدم لك شيئا إل مجهودا‪ ،‬هذا المجهود قد ينشأ عنه مُ ْثمَنٌ‪َ ،‬أيْ شيء له ثمن‪ ،‬فقول ال‬
‫{ فََل ُهمْ أَجْ ُرهُمْ عِندَ رَ ّبهِمْ } يدل على أن المؤمن يجب أن ينظر إلى كل شيء جاء عن عمل فال‬
‫يطلب منه أن ينفق منه‪.‬‬
‫إن ال ل يعطيه ثمن ما أنفق‪ ،‬وإنما يعطيه ال أجر العمل‪ ،‬لماذا؟ لن المؤمن الذي يضرب في‬
‫الرض يخطط بفكره‪ ،‬والفكر مخلوق ل‪ ،‬وينفذ التخطيط الذي خططه بفكره بوساطة طاقاته‬
‫وأجهزته؛ وطاقاتُه وأجهزته مخلوقة ل‪ ،‬ويتفاعل مع المادة التي يعمل فيها‪ ،‬وكلها مخلوقة ل‪ ،‬فأي‬
‫شيء يملكه النسان في هذا كله؟ ل الفكر الذي يخطط‪ ،‬ول الطاقة التي تفعل‪ ،‬ول المادة التي‬
‫تنفعل؛ فكلها ل‪.‬‬
‫إذن فأنت فقط لك أجر عملك؛ لنك تُعمل فكرا مخلوقا ل‪ ،‬بطاقة مخلوقة ل‪ ،‬في مادة مخلوقة ل‪،‬‬
‫فإن نتج منها شيء أراد ال أن يأخذه منك لخيك العاجز الفقير فإنه يعطيك أجر عملك ل ثمن‬
‫عملك‪ .‬لكن المساوي لك في الخلق هو النسان إن أخذ منك حصيلة عملك فهو يعطيك ثمن ما‬
‫أخذ منك‪ ،‬فهي من المخلوق المساوي " ثمن " ‪ ،‬وهي من الخالق العلى أجر؛ لنك ل تملك شيئا‬
‫في كل ذلك‪.‬‬
‫علَ ْيهِ ْم َولَ هُمْ َيحْزَنُونَ { والخوف هو الحذر من شيء يأتي‪،‬‬
‫خ ْوفٌ َ‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪َ } :‬ولَ َ‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْيهِمْ { ممن؟‬
‫فمن الخائف؟ من المخوف؟ ومن المخوف عليه؟ } َولَ َ‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْيهِمْ { من أنفسهم؛ فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب‪،‬‬
‫يجوز أن يكون } وَلَ َ‬
‫فالنفس واحدة خائفة ومخوف عليها‪ ،‬إنها خائفة الن ومخوف عليها بعد الن‪ .‬فالتلميذ عندما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يخاف أن يرسب‪ ،‬ل يقال‪ :‬إن الخائف هو عين المخوف؛ لن هذا في حاله‪ ،‬وهذا في حاله‪.‬‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْيهِمْ { من غيرهم‪ ،‬فمن الجائز أن يكون حول كثير من الغنياء أناس حمقى‬
‫أو } َولَ َ‬
‫حين يرون أيدي هؤلء مبسوطة بالخير للناس فيغمرونهم ليمسكوا مخافة أن يفتقروا كأن يقولوا‬
‫لهم‪ " :‬استعدوا للزمن فوراءكم عيالكم "‪ .‬لكن أهل الخير ل يستمعون لهؤلء الحمقى‪.‬‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْي ِهمْ { ل من أنفسهم‪ ،‬ول من الحمقى حولهم‪ .‬ويتابع الحق‪َ } :‬ولَ هُمْ‬
‫إذن فـ } َولَ َ‬
‫يَحْزَنُونَ { أي ل خوف عليهم الن‪ ،‬ول حزن عندهم حين يواجهون بحقائق الخير التي ادخرها‬
‫ال سبحانه وتعالى لهم بل إنهم سيفرحون‪.‬‬
‫بعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى قضية من أخطر قضايا العصر‪ ،‬وهذه القضية كان‬
‫ولبد أن يتعرض لها القرآن؛ لنه يتكلم عن النفقة وعن النفاق ول شك أن ذلك يقتضي منفِقا‬
‫ومنفَقا عليه؛ لنه عاجز‪ ،‬فهب أن الناس شحّوا‪ ،‬ولم ينفقوا‪ ،‬فماذا يكون موقف العاجز الذي ل‬
‫يجد؟ إن موقفه ل يتعدى أمرين‪ :‬إما أن يذهب فيقترض‪ ،‬وإن لم يقبل أحد أن يقرضه فهو يأخذ‬
‫بالربا والزيادة وإل فكيف يعيش؟‬
‫إذن فاليات التي نحن بصددها تعرّضت للهيكل القتصادي في أمة إسلمية جوادة‪ ،‬أو أمة‬
‫إسلمية بخيلة شحيحة‪ ،‬لماذا؟‬
‫لن الذي خلق الخلق قد صنع حسابا دقيقا لذلك الخلق‪ ،‬بحيث لو أحصيت ما يجب على الواجدين‬
‫من زكاة‪ ،‬وأحصيت ما يحتاج إليه من ل يقدر لن به عجزا طبيعيا عن العمل‪ ،‬لوجدت العاجزين‬
‫يحتاجون لمثل ما يفيض عن القادرين بل زيادة أو نقصان‪ ،‬وإل كان هناك خطأ والعياذ بال في‬
‫حساب الخالق‪ ،‬ول يمكن أن يتأتى ذلك أبدا‪.‬‬
‫وحين ننظر إلى المجتمعات في تكوينها نجد أن إنسانا غنيا في مكان قد نبا به مكانه‪ ،‬واختار أن‬
‫يقيم في مكان آخر‪ ،‬فيعجب الناس لماذا ترك ذلك المكان وهو في يسر ورخاء وغنى؟ ربما لو‬
‫كان فقيرا لقلنا طلبا للسعة‪ ،‬فلماذا خرج من هذا المكان وهو واجد‪ ،‬وهو على هذا الحال من‬
‫اليسر؟ إنهم لم يفطنوا إلى أن ال الذي خلق الخلق يُدير كونه بتسخير وتوجيه الخواطر التي‬
‫تخطر في أذهان الناس‪ ،‬فتجد مكانه قد نبا به‪ ،‬وامتلت نفسه بالقلق‪ ،‬واختار أن يذهب إلى مكان‬
‫آخر‪.‬‬
‫ولو أن عندنا أجهزة إحصائية دقيقة وحسبنا المحتاجين في البيئة التي انتقل منها لوجدنا قدرا من‬
‫المال زائد على حاجة الذين يعيشون في هذه البيئة؛ فوجهه ال إلى مكان آخر يحتاج إلى مثل هذا‬
‫الكم منه‪ .‬وهكذا تجد التبادل منظما‪ .‬فإن رأيت إنسانا محتاجا أو إنسانا يريد أن يرابي فاعلم أن‬
‫هناك تقصيرا في حق ال المعلوم ول أقول في الحق غير المعلوم‪ .‬أي أن الغني بخل بما يجب‬
‫عليه إنفاقه للمحتاج‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والقرآن حين يواجه هذه المسألة فهو يواجهها مواجهة تُبشّع العمل الربوي تبشيعا يجعل النفس‬
‫النسانية المستقيمة التكوين تنفر منه فيقول سبحانه‪ } :‬الّذِينَ يَ ْأكُلُونَ الرّبَا لَ َيقُومُونَ ِإلّ َكمَا َيقُومُ‬
‫طهُ الشّ ْيطَانُ مِنَ ا ْلمَسّ‪{ ...‬‬
‫الّذِي يَ َتخَبّ ُ‬

‫(‪)276 /‬‬
‫الّذِينَ يَ ْأكُلُونَ الرّبَا لَا َيقُومُونَ إِلّا َكمَا َيقُومُ الّذِي يَ َتخَبّطُهُ الشّ ْيطَانُ مِنَ ا ْلمَسّ ذَِلكَ بِأَ ّنهُمْ قَالُوا إِ ّنمَا‬
‫ف وََأمْ ُرهُ‬
‫حلّ اللّهُ الْبَ ْي َع وَحَرّمَ الرّبَا َفمَنْ جَا َءهُ َموْعِظَةٌ مِنْ رَبّهِ فَانْ َتهَى فَلَهُ مَا سََل َ‬
‫الْبَيْعُ مِ ْثلُ الرّبَا وََأ َ‬
‫صحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَاِلدُونَ (‪)275‬‬
‫إِلَى اللّ ِه َومَنْ عَادَ فَأُولَ ِئكَ َأ ْ‬

‫وانظروا إلى كلمة { يَ ْأكُلُونَ } ‪ ،‬هل كل حاجات الحياة أكل؟ ل‪ ،‬فحاجات الحياة كثيرة‪ ،‬الكل‬
‫بعضها‪ ،‬ولكن الكل أهم شيء فيها؛ لنه وسيلة استبقاء النفس‪ .‬و { الرّبَا } هو المر الزائد‪ ،‬وما‬
‫دام هو المر الزائد يعني هو ل يحتاج أن يأكل‪ ،‬فهذا تقريع له‪.‬‬
‫إن الحق يريد أن يبشع هذا المر فيقول‪ :‬لهم سمة‪ .‬هذه السمة قال العلماء أهي في الخرة‬
‫يتميزون بها في المحشر‪ ،‬كما يقول الحق‪ُ {:‬يعْ َرفُ ا ْل ُمجْ ِرمُونَ ِبسِيمَاهُمْ }[الرحمن‪]41 :‬‬
‫فهؤلء غير المصلين لهم علمة مميزة‪ ،‬وهؤلء غير المزكين لهم علمة أخرى مميزة بحيث إذا‬
‫رأيتهم عرفتهم بسيماهم‪ ،‬وأنهم من أي صنف من أصناف العصاة فكأنهم حين يقومون يوم القيامة‬
‫يقومون مصروعين كالذي يتخبطه ويضربه الشيطان من المس فيصرعه‪ ،‬أو أن ذلك أمر حاصل‬
‫لهم في الدنيا‪ ،‬ولنبحث هذا المر‪:‬‬
‫{ الّذِينَ يَ ْأكُلُونَ الرّبَا لَ َيقُومُونَ ِإلّ َكمَا َيقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ ا ْلمَسّ }‪ .‬نريد أن نعرف‬
‫كلمة " التخبط " وكلمة " الشيطان " وكلمة " المس "‪ " .‬التخبط " هو الضرب على غير استواء‬
‫وهدى‪ ،‬أنت تقول‪ :‬فلن يتخبط‪ ،‬أي أن حركته غير رتيبة‪ ،‬غير منطقية‪ ،‬حركة ليس لها ضابط‪،‬‬
‫ذلك هو التخبط‪ .‬و " الشيطان " جنس من خلق ال؛ لن ال قال لنا‪ :‬إنه خلق النس والجن‪ ،‬والجن‬
‫منهم شياطين‪ ،‬وجن مطلق‪ ،‬والشيطان هو عاصي الجن‪ .‬ونحن لم نر الشيطان‪ ،‬ولكننا علمنا به‬
‫بوساطة إعلم الحق الذي آمنا به فقال‪ :‬أنا لي خلقا مستتر‪ ،‬ولذلك سميته الجن‪ ،‬من الستتار ومنه‬
‫المجنون أي المستور عقله‪ ،‬والعاصي من هذا الخلق اسمه " شيطان "‪.‬‬
‫إذن فإيماننا به ل عن حس‪ ،‬ولكن عن إيمان بغيب أخبرنا به من آمنا به‪ .‬وحين نجد شيئا اسمه‬
‫اليمان يجب أن نعرف أنه متعلق بشيء غير مُحس؛ لن المُحس ل يقال لك‪ :‬آمن به؛ لنه‬
‫مشهود لك‪ ،‬فأنا ل أقول‪ :‬أنا أؤمن بأن المصباح منير الن‪ ،‬أنا ل أؤمن بأننا مجتمعون في المسجد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الن‪ ،‬ل أقول ذلك لن هذا واقع مشهود ومُحسّ‪ .‬إذن فالمر اليماني يتعلق بالغيب‪ ،‬مثل اليمان‬
‫بوجود الملئكة‪ .‬فإذا ما كنا قد آمنا بالغيب نجد الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا صورة للشيطان‪،‬‬
‫ولكنه حين يعطينا صورة للشيطان أو لرأس الشيطان المميزة له‪ ،‬كما أن رءوسنا نحن هي التي‬
‫جحِيمِ *‬
‫صلِ الْ َ‬
‫تميزنا يتكلم سبحانه عن شجرة الزقوم فيقول جل شأنه‪ {:‬إِ ّنهَا شَجَ َرةٌ َتخْرُجُ فِي َأ ْ‬
‫طَ ْل ُعهَا كَأَنّهُ ُرءُوسُ الشّيَاطِينِ }[الصافات‪]65-64 :‬‬
‫وشجرة الزقوم في الخرة في النار‪ ،‬إذن فنحن ل نراها‪ ،‬ورءوس الشياطين ل نراها‪ ،‬فكيف يشبه‬
‫ال ما لم نره بما لم نره‪ ،‬يشبه شيئا مجهولً بشيء مجهول؟ نقول‪ :‬نعم‪ ،‬وذلك أمر مقصود‬
‫للعجاز القرآني؛ لن للشيطان صورة متخيلة بشعة‪ ،‬بدليل أنك لو طلبت من رسامي العالم في‬
‫فن الكاريكاتير‪ ،‬وقلت لهم‪ :‬ارسموا لنا صورة الشيطان‪ ،‬ولم تعطهم ملمح صورة محددة‪ ،‬فكل‬
‫منهم يرسم وفق تخيله كيانا غاية في القبح‪ :‬فهذا يصوره بالقبح من ناحية‪ ،‬وذلك يصوره بالقبح‬
‫من ناحية أخرى بحيث لو جمعت الرسوم لما اتحد رسم مع رسم‪.‬‬
‫إذن فكل واحد يستبشع صورة يرسمها‪ .‬وساعة نعطي الجائزة لمن رسم صورة الشيطان أنعطي‬
‫الجائزة لجملهم صورة أم لقبحهم صورة؟ إننا نعطي الجائزة لصاحب أشد الصور قبحا‪ .‬إذن‬
‫فصورة الشيطان المتمثلة صورة بشعة قبيحة‪ ،‬ولو جاء على صورة واحدة من القبح لختلف‬
‫الناس حول هذه الصورة فلعل هذا يكون قبحا عندك ول يكون قبحا عن آخر‪ ،‬ولكن حين يُطلق‬
‫ال أخيلة الناس في تصور القبح‪ ،‬يكون القبح مائل وواضحا في عمل كل إنسان فتكون الصورة‬
‫أكمل وأوفى فالكمل والوفى أن يكون القبح شائعا فيها جميعا‪.‬‬
‫ويقول الحق‪ } :‬الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ ا ْلمَسّ { الشيطان قلنا‪ :‬إنه العاصي من الجن‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن‬
‫ربنا سبحانه وتعالى حكى لنا كثيرا أن الشياطين لهم التصاق واتصال بكثير من النس‪ {:‬وَأَنّهُ كَانَ‬
‫ن الِنسِ َيعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ ا ْلجِنّ فَزَادُو ُهمْ رَهَقا }[الجن‪]6 :‬‬
‫رِجَالٌ مّ َ‬
‫و } لَ َيقُومُونَ ِإلّ َكمَا َيقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ ا ْلمَسّ { فكأن الشيطان قد مس التكوين‬
‫النساني مسا أفسد استقامة ملكاته‪ ،‬فالتكوين النساني له استقامة ملكات مع بعضها البعض؛ فكل‬
‫حركة لها استقامة‪ ،‬فإذا ما مسّه الشيطان فسد تآزر الملكات‪ ،‬فملكاته النفسية تكون غير مستقيمة‬
‫وغير منسجمة مع بعضها البعض‪ ،‬فتكون حركته غير رتيبة وغير منطقية‪.‬‬
‫وما المناسبة بين هذه الصورة وبين عملية الربا؟‪ .‬إن أردنا في الخرة ميزة‪ ،‬فساعة ترى واحدا‬
‫مصروعا فاعرف أنه من أصحاب الربا‪ ،‬هذا في الخرة‪ ،‬وفي الدنيا تجد أيضا أن له حركة غير‬
‫منطقية‪ ،‬هستيرية‪ ،‬كيف؟‬
‫انظر إلى العالم الن‪ ،‬لقد خلق ال العالم على هيئة من التكامل‪ .‬فهذا إنسان يتمتع بإمكانات‬
‫ومواهب‪ ،‬وذاك يتمتع بمواهب وإمكانات أخرى‪ ،‬حتى يحتاج صاحب هذه المكانات إلى صاحب‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تلك المكانات فيكتمل الكون‪ ،‬ولو أن كل إنسان كان وحدة متكررة لستغنى الكل عن الكل‪ .‬ولو‬
‫أن الفراد متساوون في المواهب لما احتاج الناس لبعضهم البعض‪ .‬لكن المواهب تختلف؛ لنك‬
‫إن أجدت فنّا من فنون الحياة فقد أجاد سواك فنونا أخرى أنت محتاج إليها‪ ،‬فإن احتاجوا إليك فيما‬
‫جدْت‪ ،‬فقد احتجت إليهم فيما أجادوا‪ ،‬وهكذا يتكامل العالم‪ .‬وكذلك خلق ال الكون‪ :‬مناطق حارة‪،‬‬
‫أَ َ‬
‫ومناطق باردة‪ ،‬ومناطق بها معادن‪ ،‬ومناطق بها زراعة؛ حتى يضطر العالم إلى أن يتكامل‪،‬‬
‫ويضطر العالم إلى أن يتعايش مع بعضه ولذلك يقول الحق في سورة " الرحمن "‪:‬‬
‫ض َعهَا لِلَنَامِ }[الرحمن‪]10 :‬‬
‫{ وَالَ ْرضَ وَ َ‬
‫ض َعهَا { لمن؟‪ } .‬وَالَ ْرضَ { ‪ ،‬أي أرض‪ ،‬وأي أنام؟‪ .‬الرض كل الرض‪ ،‬والنام كل النام‪،‬‬
‫} َو َ‬
‫فإن تحددت بحواجز فسدت‪ .‬إن منع النسان من حرية النتقال من مكان إلى مكان يفسد حركة‬
‫النسان في الكون‪ ،‬فقد يرغب إنسان في أن ينتقل إلى أرض بكر ليعمرها‪ ،‬فيرفض أهل تلك‬
‫الرض‪ ،‬فلو أن الرض كل الرض كانت للنام بحيث إن ضاق العمل في مكان ذهبت إلى مكان‬
‫آخر‪ ،‬بدون قيود عليك‪ ،‬تلك القيود التي نشأت من السلطات الزمنية التي تحتجز الماكن لنفسها‪،‬‬
‫فهذا ما يفسد الكون‪ .‬فهناك بيئات تشتكي قلة القوت‪ ،‬وبيئات تشتكي قلة اليدي العاملة لرض‬
‫خراب وهي تصلح أن تزرع‪ ،‬فلو أن الرض كل الرض للنام كل النام لما حدث عجز‪.‬‬
‫ونلحظ ما يُقال‪ :‬ازدحام السكان أو النفجار السكاني‪ ،‬بينما توجد أماكن تتطلب خلقا! ويوجد خلق‬
‫تتطلب أماكن‪ ،‬فلماذا هذا الختلل؟ هذا الختلل ناشئ من أن السلوك البشري غير منطقي في‬
‫هذا الكون‪ .‬والكون الذي نعيش فيه‪ ،‬فيه ارتقاءات عقلية شتّى‪ ،‬وطموحات ابتكارية صعدت إلى‬
‫الكواكب‪ ،‬وتغزو الفضاء‪ ،‬ووُجِدَت في كل بيت آلت الترفيه‪ ،‬أما كان المنطق يقتضي أن يعيش‬
‫العالم سعيدا مستريحا؟‬
‫كان المنطق يقتضي أن يعيش العالم مستريحا هادئا؛ لنه في كل يوم يبتكر أشياءَ تعطي له أكبر‬
‫الثمرة بأقل مجهود في أقل زمن‪ ،‬فماذا نريد بعد هذا؟ ولكن هل العالم الذي نعيش فيه منطقي مع‬
‫هذا الواقع؟ ل‪ ،‬بل نحن نجد أغنى بلد العالم وأحسنها وفرة اقتصادية هي التي يعاني الناس فيها‬
‫القلق‪ ،‬وهي التي تمتلئ بالضطراب‪ ،‬وهي التي ينتشر فيها الشذوذ‪ ،‬وهي التي تشكو من ارتفاع‬
‫نسبة الجنون بين سكانها‪.‬‬
‫إذن فالعالم ليس منطقيا‪ .‬وهذا التخبط يؤكد ما يقوله الحق‪ِ } :‬إلّ َكمَا َيقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ‬
‫مِنَ ا ْلمَسّ { إنها حركة هستيرية في الكون تدل على أنه كون غير مستريح‪ ،‬كون غير منسجم مع‬
‫طموحاته وابتكاراته‪.‬‬
‫أما كان على هذا الكون بعقلئه أن يبحثوا عن السبب في هذا‪ ،‬وأن يعرفوا لماذا نشقى كل هذا‬
‫الشقاء وعندنا هذه الطموحات البتكارية؟ كان يجب أن يبحثوا‪ ،‬فالمصيبة عامة‪ ،‬ل تعم الدول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المتخلفة أو النامية فقط‪ ،‬بل هي أيضا في الدول المتقدمة‪ ،‬كان يجب أن يعقد المفكرون المؤتمرات‬
‫ليبحثوا هذه المسألة‪ ،‬فإذا ما كانت المسألة عامة تضم كل البلد متقدمها ومتأخرها وجب أن نبحث‬
‫عن سبب مشترك‪ ،‬ول نبحث عن سبب قد يوجد عند قوم ول يوجد عن قوم آخرين؛ لننا لو بحثنا‬
‫لقلنا‪ :‬يوجد في هذه البيئة‪ .‬وكذلك هو موجود في كل البيئات‪ ،‬فل بد أن يوجد القدر المشترك‪.‬‬
‫فالرزاق التي توجد في الكون تنقسم إلى قسمين‪ :‬رزق أنتفع به مباشرة‪ ،‬ورزق هو سبب لما‬
‫أنتفع به مباشرة‪.‬‬
‫أنا آكل رغيف الخبز‪ ،‬هذا اسمه رزق مباشر‪ ،‬وأشرب كون الماء‪ ،‬وهو رزق مباشر‪ ،‬واكتسي‬
‫بالثوب وذلك أيضا رزق مباشر‪ ،‬وأسكن في البيت وهذا رابعا رزق مباشر‪ ،‬وأنير المصباح رزق‬
‫مباشر‪ .‬ولكن المال يأتي بالرزق المباشر‪ ،‬ول يغني عن الرزق المباشر‪ .‬فإذا كان عندي جبل من‬
‫ذهب وأنا جوعان‪ ،‬ماذا أفعل به؟‪ .‬إذن فرغيف العيش أحسن منه‪ ،‬هذا رزق مباشر‪ ،‬فالنقود أو‬
‫الذهب أشتري بها هذا وهذا‪ ،‬لكن ل يغنيني عن هذا وهذا‪.‬‬
‫وقد جاء وقت أصبح الناس يرون فيه أن المال هو كل شيء حتى صار هدفا وتعلق الناس به‪..‬‬
‫وفي الحق أنّ المال ليس غاية‪ ،‬ول ينفع أن يكون غاية بل هو وسيلة‪ .‬فإن فقد وسيلته وأصبح‬
‫غاية فل بد أن يفسد الكون؛ فعلة فساد الكون كله في القدر المشترك الذي هو المال‪ ،‬حيث أصبح‬
‫المال غاية‪ ،‬ولم يعد وسيلة‪.‬‬
‫حلّ ما يطعمون‪ ،‬وما‬
‫والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطهر حياة القتصاد للناس طهارة تضمن ِ‬
‫يشربون‪ ،‬وما يكتسون‪ ،‬حتى تصدر أعمالهم عن خليات إيمانية طاهرة مصفاة؛ ذلك أن الشيء‬
‫الذي يصدر عن خلية إيمانية طاهرة مصفاة ل يمكن أن ينشأ عنه إل الخير‪.‬‬
‫ومن العجيب أن نجد القوم الذين صدروا لنا النظام الربوي يحاولون الن جاهدين أن يتخلصوا‬
‫منه‪ ،‬ل لنهم ينظرون إلى هذا التخلص على أنه طهارة دينية‪ ،‬ولكن لنهم يرون أن كل شرور‬
‫الحياة ناشئة عن هذا الربا‪ .‬وليست هذه الصيحة حديثة عهد بنا‪ ،‬فقديما أي من عام ألف وتسعمائة‬
‫وخمسين قام رجل القتصاد العالمي " شاخت " في ألمانيا وقد رأى اختلل النظام فيها وفي العالم‪،‬‬
‫فوضع تقريره بأن الفساد كله ناشئ من النظام الربوي‪ ،‬وأن هذا النظام يضمن للغني أن يزيد‬
‫غنى‪ ،‬وما دام هذا النظام قد ضمن للغني أن يزيد غنى‪ ،‬فمن أين يزداد غنى؟ لشك أنه يزداد‬
‫غنى من الفقير‪ .‬إذن فستئول المسألة إلى أن المال سيصبح في يد أقلية في الكون تتحكم في‬
‫مصائره كلها ولسيما المصائر الخلقية‪ .‬لماذا؟‪.‬‬
‫لن الذين يحبون أن يستثمروا المال ل ينظرون إل إلى النفعية المالية‪ ،‬فهم يديرون المشروعات‬
‫التي تحقق لهم تلك النفعية‪ .‬وهناك رجل اقتصاد آخر هو " كينز " الذي يتزعم فكرة " القتصاد‬
‫الحر " في العالم يقول قولته المشهورة‪ :‬إن المال ل يؤدي وظيفته في الحياة إل إذا انخفضت‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الفائدة إلى درجة الصفر‪ .‬ومعنى ذلك أنه ل ربا‪.‬‬
‫وإذا ما نظرنا إلى عملية عقد الربا في ذاتها وجدناها عقدا باطلً؛ لن كل عقد من العقود إنما‬
‫يوجد لحماية الطرفين المتعاقدين‪ ،‬وعقد الربا ل يحمي إل الطرف الدائن فقط‪ ،‬وهناك أمر خلقي‬
‫آخر وهو أن النسان ل يعطي ربا إل إذا كان عنده فائض زائد على حاجته‪.‬‬
‫ول يأخذ إنسان من المرابي إل إذا كان محتاجا‪ .‬فانظروا إلى النكسة الخلقية في الكون‪ .‬إن المعدم‬
‫الفقير الذي ل يجد ما يسد جوعه وحاجته يضطر إلى الستدانة‪ ،‬وهذا الفقير المعدم هو الذي‬
‫يتكفل بأن يعطي الصل والزائد إلى الغني غير المحتاج‪.‬‬
‫إنها نكسة خلقية توجد في المجتمع ضِغنا‪ ،‬وتوجد في المجتمع حقدا‪ ،‬وتقضي على بقية المعروف‬
‫وقيمته بين الناس‪ ،‬وتنعدم المودة في المجتمع‪ .‬فإذا ما رأى إنسان فقيرٌ إنسانا غنيا عنده المال‪،‬‬
‫ويشترط الغني على الفقير المعدم أن يعطيه ما يأخذه وأن يزيد عليه‪ ،‬فعلى أية حال ستكون‬
‫مشاعر وأحاسيس الفقير؟ كان يكفي الغني أن يعطي الفقير‪ ،‬وأن يسترد الغني بعد ذلك ما أخذه‬
‫الفقير‪ ،‬ولكن الغني المرابي يطلب من الفقير أن يسدد ما أخذه ويزيد عليه‪ .‬وكانوا يتعللون‬
‫ويقولون‪ :‬إن النص القرآني إنما يتكلم عن الربا في الضعاف المضاعفة‪ ،‬فإذا ما منعنا القيد في‬
‫الضعاف المضاعفة ل يكون حراما!!‬
‫أي أنهم يريدون تبرير إعطاء الفقير مالً‪ ،‬وأن يرده أضعافا فقط ل أضعافا مضاعفة؛ حتى ل‬
‫يصير ذلك السترداد بالزيادة حراما‪ .‬ولهؤلء نقول‪ :‬إن الذين يقولون ذلك يحاولون أن يتلصصوا‬
‫على النص القرآني‪ ،‬وكأن ال قد ترك النص ليتلصصوا عليه ويسرقوا منه ما شاءوا دون أن‬
‫يضع في النص ما يحول دون هذا التلصص‪ ،‬ولو فطنوا إلى أن ال يقول في آخر المر‪ {:‬وَإِنْ‬
‫ظَلمُونَ }[البقرة‪]279 :‬‬
‫تُبْتُمْ فََل ُكمْ ُرؤُوسُ َأ ْموَاِلكُمْ لَ َتظِْلمُونَ وَلَ تُ ْ‬
‫هذا القول الحاسم يوضح أن ال لم يستثن ضعفا ول أضعافا‪ .‬إذن فقوله الحق‪ {:‬يَآ أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫عفَ ًة وَا ّتقُواْ اللّهَ َلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ }[آل عمران‪]130 :‬‬
‫ضعَافا ّمضَا َ‬
‫لَ تَ ْأكُلُواْ الرّبَا َأ ْ‬
‫إن هذا القول الحكيم لم يجئ إل ليبين الواقع الذي كانوا يعيشونه‪ ،‬ولم يستثن ال ضعفا أو أضعافا؛‬
‫لن الحق جعل التوبة تبدأ من أن يأخذ النسان رأس ماله فقط‪ ،‬فل يسمح ال لحد أن يأخذ نصف‬
‫الضعف أو الضعف أو الضعفين‪ ،‬ول يسمح بالضعاف ول بالمضاعفات‪.‬‬
‫وكانوا يتعللون أن اتفاق الطرفين على أي أمر يعتبر تراضيا ويعتبر عقدا‪ .‬وقد يكون ذلك صحيحا‬
‫إن لم يكن هناك مشرع أعلى من كل الخلق يسيطر على هذا التراضي‪ .‬فهل كلما تراضى‬
‫الطرفان على شيء يصير حللً؟‬
‫لو كان المر كذلك لكان الزنا حللً‪ :‬لنهما طرفان قد تراضيا‪ .‬وكل ذلك ل يتأتى ـ أي رضاء‬
‫الطرفين ـ إل في المور التي ليس فيها تشريع صدر عن المشرع العلى‪ ،‬وهو ال الحيّ القيوم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن ال قد فرض أمرا يقضي على التراضي بيني وبينك؛ لنه هو المسيطر‪ ،‬وهو الذي حكم في‬
‫المر‪ ،‬فل تراضي بيننا فيما يخالف ما شرع ال أو حكم فيه‪.‬‬
‫وإذا نظرنا نظرة أخرى فإننا نجد أن التراضي الذي يدعونه مردود عليه‪ .‬إنه " تراضٍ " باطل‬
‫بالفحص الدقيق والبحث المنطقي‪ .‬لماذا؟ لننا نقول إن التراضي إنما ينشأ بين اثنين ل يتعدى أمر‬
‫ما تراضيا عليه إلى غيرهما‪ ،‬أما إذا كان المر قد تعدى من تراضيا عليه إلى غيرهما فالتراضي‬
‫باطل‪.‬‬
‫فهب أن واحدا ل يملك شيئا‪ ،‬وواحدا آخر يملك ألفا‪ ،‬والذي يملك ألفا هي ملكه‪ ،‬وأدار بها عمل‬
‫من العمال‪ ،‬وحين يدير صاحب اللف عمل فالمطلوب له أجر عمله ليعيش من هذا الجر‪ .‬أما‬
‫الذي ل يملك شيئا إذا ما أراد أن يعمل مثلما عمل صاحب اللف‪ ،‬فذهب إلى إنسان وأخذ منه ألفا‬
‫ليعمل عمل كعمل صاحب اللف‪ ،‬فيشترط من يعطيه هذه اللف من الموال أن يزيده مائة حين‬
‫السداد‪ ،‬فيكون المطلوب من الذي اقترض هذه اللف أجر عمله كصاحب اللف الول ومطلوب‬
‫منه أيضا أن يزيد على أجره تلك المائة المطلوبة لمن أقرضه بالربا‪.‬‬
‫فمن أين يأتي من اقترض ألفا بهذه المائة الزائدة؟ إن سلعته لو كانت تساوي سلعة الخر فإنه‬
‫يخسر‪ .‬وإن كانت سلعته أقل من سلعة الخر فإنها تكسد وتبور‪.‬‬
‫إذن فل بد له من الحتيال النكد‪ ،‬وهذا الحتيال هو أن يخلع على سلعته وصفا شكليا يساوي به‬
‫سلعة الخر‪ ،‬ويعمد إلى إنقاص الجواهر الفعالة في صنعة سلعته‪ ،‬فيسحب منها ما يوازي المائة‬
‫المطلوب سدادها للمرابي‪ .‬فن الذي سيدفع ذلك؟ إنه المستهلك‪.‬‬
‫إذن فالمستهلك قد أضير بهذا التراضي؛ فهو الذي سيغرم؛ لنه هو الذي يدفع أخيرا قيمة قرض‬
‫الرجل المتاجر بالسلعة وقيمة النسبة الربوية التي حددها المرابي‪ .‬إذن فالعقد بين المقترض‬
‫والمرابي ـ حتى في عرفهم ـ عقد باطل رغم أن الثنين ـ المقترض والمرابي ـ قد اعتبرا‬
‫هذا العقد تراضيا‪.‬‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى أراد أن يشيع في الناس الرحمة والمودة‪ .‬وأن يشيع في الناس‬
‫التعاطف‪ .‬إنه الحق ـ سبحانه ـ صاحب كل النعمة أراد أن يشيع في الناس أن يعرف كل‬
‫صاحب نعمة في الدنيا أنه يجب عليه أن تكون نعمته متعدية إلى غيره‪ ،‬فإن رآها المحروم علم‬
‫أنه مستفيد منها‪ ،‬فإذا كان مستفيدا منها فإنه لن ينظر إليها بحقد‪ ،‬ول أن ينظر إليها بحسد‪ ،‬ول‬
‫يتمنى أن تزول لن أمرها عائد إليه‪ .‬ولكن إذا كان السائد هو أن يريد صاحب النعمة في الدنيا أن‬
‫يأخذ بالستحواذ على كل عائد نعمته‪ ،‬ول يراعي حق ال في مهمة النعمة‪ ،‬ول تتعدى هذه النعمة‬
‫إلى غيره‪ ،‬فالمحروم عندما يرى ذلك يتمنى أن تزول النعمة عن صاحبها وينظر إليها بحسد‪.‬‬
‫ويشيع الحقد ومعه الضغينة‪ ،‬ويجد الفساد فرصة كاملة للشيوع في المجتمع كله‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسيطر على القتصاد عناصر ثلثة‪:‬‬
‫العنصر الول‪ :‬الرفد والعطاء الخالص‪ ،‬فيجد الفقير المعدم غنيا يعطيه‪ ،‬ل بقانون الحق المعلوم‬
‫المفروض في الزكاة‪ ،‬ولكن بقانون الحق غير المعلوم في الصدقة‪ ،‬هذا هو الرفد‪.‬‬
‫العنصر الثاني‪ :‬يكون بحق الفرض وهو الزكاة‪.‬‬
‫العنصر الثالث‪ :‬هو بحق القرض وهو المداينة‪.‬‬
‫إذن فأمور ثلثة هي التي تسيطر على القتصاد السلمي‪ :‬إما تطوع بصدقة‪ ،‬وإما أدا ٌء لمفروض‬
‫من زكاة‪ ،‬وإما مداينة بالقرض الحسن‪ ،‬وذلك هو ما يمكن أن ينشأ عليه النظام القتصادي في‬
‫السلم‪ .‬ولننظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى حين عرض هذه المسألة وبشّع هيئة الذين يأكلون‬
‫الربا بأنهم ل يقومون إل كما يقوم الذي يتخبطه ويصرعه الشيطان من المس‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الحق قال فيهم‪ } :‬ذَِلكَ بِأَ ّن ُهمْ قَالُواْ إِ ّنمَا الْبَيْعُ مِ ْثلُ الرّبَا { فهل الكلم في البيع‪ ،‬أو الكلم‬
‫في الربا؟ إن الكلم في الربا‪ .‬وكان المنطق يقتضي أن يقول‪ " :‬الربا كالبيع " ‪ ،‬فما الذي جعلهم‬
‫يعكسون المر؟‬
‫إن النص القرآني هنا يوحي إلى التخبط حتى في القضية التي يريدون أن يحتجوا بها‪ .‬كأنهم‬
‫قالوا‪ :‬ما دمت تريد أن تحرم الربا‪ ،‬فالبيع مثل الربا‪ ،‬وعليك تحريم البيع أيضا‪.‬‬
‫وكان القياس أن يقولوا‪ " :‬إنما الربا مثل البيع " ‪ ،‬لكن الحق سبحانه أراد أن يوضح لنا تخبطهم‬
‫فجاء على لسانهم‪ :‬إنما البيع مثل الربا فإن كنتم قد حرمتم الربا فحرموا البيع‪ ،‬وإن كنتم قد حللتم‬
‫البيع فحللوا الربا‪ .‬إنهم يريدون قياسا إما بالطرد‪ ،‬وإما بالعكس‪.‬‬
‫فقال ال القول الفصل الحاسم‪:‬‬
‫حلّ اللّهُ الْبَ ْي َع وَحَرّمَ الرّبَا َفمَن جَآ َءهُ َموْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْ َتهَىا { [البقرة‪]275 :‬‬
‫} وََأ َ‬
‫وعن ابن مسعود رضي ال عنه قال‪َ " :‬لعَنَ رسول ال صلى ال عليه وسلم آكل الربا وموكله "‪.‬‬
‫إنها موعظة من ال جاءت‪ ،‬الموعظة إن كانت من غير مستفيد منها‪ ،‬فالمنطق أن تُقبل ـ بضم‬
‫التاء ـ أما الموعظة التي يُشَك فيها‪ ،‬فهي الموعظة التي تعود على الواعظ بشيء ما‪ .‬فإذا كانت‬
‫الموعظة قد جاءت ممن ل يستفيد بهذه الموعظة‪ ،‬فهذه حيثية قبولها } َفمَن جَآ َءهُ َموْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ‬
‫فَانْ َتهَىا { ‪ ،‬ولنر كلمة " ربه " حينما تأتي هنا فلنفهم منها أن المقصود بها الحق سبحانه الذي‬
‫تولى تربيتكم‪ ،‬ومتولي التربية خلقا بإيجاد ما يستبقي الحياة‪ ،‬وإيجاد ما يستبقي النوع‪ ،‬ومحافظة‬
‫على كل شيء بتسخير كل شيء لك أيها النسان‪ ،‬فيجب أن تكون أيها النسان مهذبا أمام ربك فل‬
‫توقع نفسك في اتهام الرب الخالق في شبهة الستفادة من تلك الموعظة ـ معاذ ال ـ‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الخالق رب‪ ،‬وما دام الخالق ربا فهو المتولي تربيتكم‪ ،‬فإياك أيها النسان أن تتأبّى على‬
‫عظة المُربّي‪َ } .‬فمَن جَآ َءهُ َموْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْ َتهَىا فَلَهُ مَا سََلفَ { ومعنى ذلك أن المر لن يكون‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بأثر رجعي فل يؤاخذ بما مضى منه؛ لنه أخذ قبل نزول التحريم؛ تلك هي الرحمة‪ ،‬لماذا؟‬
‫لنه من الجائز أن يكون المرابي قد رتب حياته ترتيبا على ما كان يناله من ربا قبل التحريم‪ ،‬فإذا‬
‫كان المر كذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يعفو عما قد سلف‪.‬‬
‫وعلى المرابي أن يبدأ حياته في الوعاء القتصادي الجديد‪.‬‬
‫تلك هي عظمة التشريع الرباني } فَانْ َتهَىا فَلَهُ مَا سََلفَ وََأمْ ُرهُ إِلَى اللّهِ { أي أن له ما سبق وما‬
‫مضى قبل تحريم الربا‪ .‬وتفيد كلمة } وََأمْ ُرهُ ِإلَى اللّهِ { أن ال سبحانه وتعالى حينما يعفو عما‬
‫سلف فله طلقة الحرية في أن يقنن ما شاء‪ ،‬فيجب أن تتعلق دائما باستدامة الفضل من ال‪} .‬‬
‫وََأمْ ُرهُ ِإلَى اللّهِ { إن مثل هذا النسان ربما قال‪ :‬سأنهار اقتصاديا ومركزي سيتزعزع‪ ،‬وسأصبح‬
‫كذا وكذا‪ .‬ل‪ .‬اجعل سندك في ال‪ ،‬ففي ال عوض عن كل فائت‪ ،‬هو سبحانه ل يريد أن يزلزل‬
‫مراكز الناس‪ ،‬ولكن يريد أن يقول لهم‪ :‬إنني إن سلبتكم نعمتي فاجعلوا أنفسكم في حضانة المنعم‬
‫بالنعمة‪.‬‬
‫وما دمت قد جعلت نفسك في حضانة المنعم بالنعمة‪ ،‬إذن فالنعمة ل شيء؛ لن المنعم عوض عن‬
‫هذه النعمة‪ ،‬والربا من السبع الموبقات التي أمر الرسول صلى ال عليه وسلم باجتنابها حيث قال‪:‬‬
‫" اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول ال وما هن؟ قال‪ :‬الشرك بال والسحر‪ ،‬وقتل النفس التي‬
‫حرم ال إل بالحق‪ ،‬وأكل الربا‪ ،‬وأكل مال اليتيم‪ ،‬والتولي يوم الزحف‪ ،‬وقذف المحصنات‬
‫المؤمنات الغافلت " } وََأمْ ُرهُ إِلَى اللّهِ َومَنْ عَادَ { أي عاد بعد الموعظة ماذا يكون أمره؟ }‬
‫صحَابُ النّارِ‬
‫صحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {‪ .‬وكان يكفي أن يقول عنهم‪ :‬إنهم } َأ ْ‬
‫فَُأوْلَـا ِئكَ َأ ْ‬
‫{ فلعل واحدا يكون مؤمنا وبعد ذلك عاد إلى معصية‪ ،‬فيأخذ حظه من النار‪.‬‬
‫إنما قوله‪ } :‬هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ { يدل على أنه خرج عن دائرة اليمان‪ .‬وافهم السابق جيدا لتفهم‬
‫التذييل اللحق؛ لن هنا أمرين‪ :‬هنا ربا حرمه ال‪ ،‬وأناس يريدون أن يُحلّلوا الربا عندما قالوا‪} :‬‬
‫إِ ّنمَا الْبَيْعُ مِ ْثلُ الرّبَا { ‪ ،‬فإن عدت إلى الربا حاكما بحرمته فأنت مؤمن عاصٍ تدخل النار‪.‬‬
‫إنما إن عدت إلى ما سلف من المناقشة في التحريم‪ ،‬وقلت‪ :‬البيع مثل الربا‪ ،‬وناقشت في حرمة‬
‫الربا وأردت أن تحلله كالبيع فقد خرجت عن دين السلم‪ .‬وحين تخرج عن دين السلم فلك‬
‫الخلود في النار‪.‬‬
‫ومن هنا يجب أن نلفت الذين يقولون بالربا‪ ،‬ونقول لهم‪ :‬قولوا‪ :‬إن الربا حرام‪ ،‬ولكننا ل نقدر‬
‫على أنفسنا حتى نبطله ونتركه‪ ،‬وعليكم أن تجاهدوا أنفسكم على الخروج منه حتى ل تتعرضوا‬
‫لحرب ال ورسوله‪ .‬إنهم باعتقادهم أن الربا حرام يكونون عاصين فقط‪ ،‬أما أن يحاولوا تبرير‬
‫الربا ويحللوه فسيدخلون في دائرة أخرى شر من ذلك‪ ،‬وهي دائرة الكفر والعياذ بال‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد عرفنا أن آدم عليه السلم عصى ربه‪ ،‬وأكل من الشجرة‪ ،‬وإبليس عصى ربه‪ ،‬فلما تلقى آدم‬
‫من ربه كلمات فتاب عليه‪ ،‬أما إبليس فقد طرده ال‪ ،‬ولماذا طرد ال إبليس وأحل عليه اللعنة؟‬
‫لن آدم أقر بالذنب وقال‪ " :‬ربنا ظلمنا أنفسنا "‪ .‬لقد اعترف آدم‪ :‬حكمك يا رب حكم حق‪ ،‬ولكني‬
‫سجُدُ ِلمَنْ خََل ْقتَ طِينا { ‪ ،‬فكأنه رد المر‬
‫ظلمت نفسي‪ .‬ولكن إبليس عارض في المر وقال‪ } :‬أَأَ ْ‬
‫على المر‪.‬‬
‫وبعد ذلك حين بين ال الحكم في الربا‪ ،‬وبين أن من انتهى له ما سلف‪ ،‬فماذا عن الذي يعود؟ }‬
‫َومَنْ عَادَ { وهي المقابل } فَُأوْلَـا ِئكَ َأصْحَابُ النّارِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ { ‪ ،‬يريد سبحانه أن يقول‪:‬‬
‫إياكم أن يخدعكم الربا بلفظه‪ ،‬فاللفاظ تخدع البشر؛ لنكم سميتموه " ربا " بالسطحية الناظرة‪ :‬لن‬
‫الربا هو الزيادة‪ ،‬والزكاة تنقص‪ ،‬فالمائة في الربا تكون مائة وعشرة مثل حسب سعر الفائدة‪،‬‬
‫وفي الزكاة تصبح المائة (‪ ،)97.5‬في الموال وعروض التجارة‪ ،‬وتختلف عن ذلك في الزروع‬
‫وغيرها‪ ،‬وفي ظاهر المر أن الربا زاد‪ ،‬والزكاة أنقصت‪ ،‬ولكن هذا النقصان وتلك الزيادة هي‬
‫في اصطلحاتكم في أعرافكم‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يمحق الزائد‪ ،‬وينمي الناقص؛ فهو سبحانه‬
‫يقول‪َ } :‬ي ْمحَقُ اللّهُ الْرّبَا وَيُرْبِي الصّ َدقَاتِ‪{ ...‬‬

‫(‪)277 /‬‬
‫حبّ ُكلّ َكفّارٍ أَثِيمٍ (‪)276‬‬
‫حقُ اللّهُ الرّبَا وَيُرْبِي الصّ َدقَاتِ وَاللّهُ لَا يُ ِ‬
‫َيمْ َ‬

‫وكلمة { َي ْمحَقُ } من " محق " أي ضاع حال بعد حال‪ ،‬أي لم يضع فجأة‪ ،‬ولكن تسلل في الضياع‬
‫حقُ اللّهُ الْرّبَا } أي يجعله زاهيا أمام‬
‫بدون شعور‪ ،‬ومنه " المحاق " أي الذهاب للهلل‪َ { .‬يمْ َ‬
‫صاحبه ثم يتسلل إليه الخراب من حيث ل يشعر‪.‬‬
‫ولعلنا إن دققنا النظر في البيئات المحيطة بنا وجدنا مصداق ذلك‪ .‬فكم من أناس رابوا‪ ،‬ورأيناهم‪،‬‬
‫وعرفناهم‪ ،‬وبعد ذلك عرفنا كيف انتهت حياتهم‪َ { .‬ي ْمحَقُ اللّهُ الْرّبَا وَيُرْبِي الصّ َدقَات } ويقول في‬
‫آية أخرى‪َ {:‬ومَآ آتَيْتُمْ مّن رّبا لّيَرْ ُبوَاْ فِي َأ ْموَالِ النّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللّهِ }[الروم‪]39 :‬‬
‫جهَ اللّهِ‬
‫ن وَ ْ‬
‫فإياكم أن تعتقدوا أنكم تخدعون ال بذلك‪ ..‬ما هو المقابل؟{ َومَآ آتَيْ ُتمْ مّن َزكَاةٍ تُرِيدُو َ‬
‫ض ِعفُونَ }[الروم‪]39 :‬‬
‫فَُأوْلَـا ِئكَ ُهمُ ا ْل ُم ْ‬
‫ض ِعفُونَ } هم الذين يجعلون الشيء أضعافا مضاعفة‪ .‬وعندما يقول الحق‪َ { :‬ي ْمحَقُ اللّهُ‬
‫و { ا ْل ُم ْ‬
‫الْرّبَا } فل تستهن بنسبة الفعل ل؛ إن نسبة الفعل لفاعله يجب أن تأخذ كيفيته من ذات الفاعل‪ ،‬فإذا‬
‫قيل لك‪ :‬فلن الضعيف يصفعك‪ ،‬أو فلن الملكم يصفعك‪ ،‬فلبد أن تقيس هذه الصفعة بفاعلها‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإذا كان ال هو الذي قال‪َ { :‬ي ْمحَقُ اللّهُ }‪ .‬أيوجد محق فوق هذا؟ ل‪ ،‬ل يمكن‪.‬‬
‫وأيضا حين يقول ال‪َ { :‬يمْحَقُ اللّهُ الْرّبَا وَيُرْبِي الصّ َدقَات } في القرآن الذي يُتلى وهو معجز؛‬
‫ومحفوظ ومُتحدي بحفظه‪ ،‬فهذه قضية مصونة { َيمْحَقُ اللّهُ الْرّبَا وَيُرْبِي الصّ َدقَات }؛ لن الذي‬
‫قالها هو ال في كتاب ال المحفوظ‪ ،‬الذي يُتلى مُ َتعَبّدا به‪ ،‬أي أن القضية على ألسنة الجماهير‬
‫كلها‪ ،‬وفي قلوب المؤمنين كلها‪ ،‬أيقول ال قضية يحفظها ذلك الحفظ ليأتي واقع الزمن ليكذبها؟ ل‪،‬‬
‫ل يمكن‪ .‬فالنسان ل يحفظ إل المستند الذي يؤيده!! أنا ل أحفظ إل " الكمبيالة " التي تخصني!‬
‫فما دام هو حافظه وهو القائل‪ {:‬إِنّا َنحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْرَ وَإِنّا لَهُ َلحَافِظُونَ }[الحجر‪]9 :‬‬
‫فمعنى ذلك أنه سبحانه سيطلق فيه قضايا‪ ،‬وهذه القضايا هو الذي تَعهد بحفظها‪ ،‬ول يتعهد بحفظها‬
‫إل لتكون حجة على صدقه في قولها‪ .‬فالشيء الذي ل يكون فيه حُجة ل نحافظ عليه‪ .‬وهو‬
‫سبحانه القائل‪ {:‬وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173 :‬‬
‫إن هذه قضية قرآنية تعهد ال بحفظها‪ ،‬فلبد أن يأتي واقع الحياة ليؤيدها‪ ،‬فإذا كان واقع الحياة ل‬
‫يؤيدها‪ ،‬ماذا يكون الموقف؟ أنكذب القرآن ـ وحاشانا أن نكذب القرآن ـ الذي قاله الحق الذي ل‬
‫إله سواه ليُدير كونا من ورائه‪.‬‬
‫حبّ ُكلّ َكفّارٍ أَثِيمٍ }‪ .‬ولماذا قال الحق‪ " :‬كفار " ولم‬
‫ت وَاللّ ُه لَ ُي ِ‬
‫{ َي ْمحَقُ اللّهُ الْرّبَا وَيُرْبِي الصّ َدقَا ِ‬
‫يقل‪ " :‬كافر " ‪ ،‬ولماذا قال‪ " :‬أثيم " وليس مجرد " آثم "؟ لنه يريد أن يرد الحكم على ال وما دام‬
‫يريد أن يرد الحكم على ال‪ ،‬فقد كفر كفرين اثنين‪ :‬كفر لنه لم يعترف بهذه‪ ،‬وكفر لنه ردّ الحكم‬
‫على ال‪ ،‬وهو " أثيم " ‪ ،‬ليس مجرد " آثم " ‪ ،‬وفي ذلك صيغة المبالغة لنستدل على أن القضية‬
‫التي نحن بصددها قضية عمرانية اجتماعية كونية‪ ،‬إن لم تكن كما أرادها ال فسيتزلزل أركان‬
‫المجتمع كله‪.‬‬
‫وبعد أن شرح لنا الحق مرارة المبالغة في " كفار " وفي " أثيم " يأتي لنا بالمقابل حتى ندرك‬
‫حلوة هذا المقابل‪ ،‬ومثال ذلك ما يقول الشاعر‪:‬فالـوجه مـثل الصـبح مـبـيضّ والشـعر‬
‫مـثل اللـيل مسـودّضـدّان لمـا اسـتـجـمـعا حَسُنا والضـد يظـهر حسـنَه الضدّفكأن‬
‫عمِلُواْ‬
‫ال بعد أن تكلم عن ال َكفّار والثيم يرجعنا لحلوة اليمان فيقول‪ } :‬إِنّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫لةَ وَآ َتوُاْ ال ّزكَاةَ َلهُمْ َأجْرُهُمْ عِندَ رَ ّبهِمْ‪{ ...‬‬
‫ت وََأقَامُواْ الصّ َ‬
‫الصّالِحَا ِ‬

‫(‪)278 /‬‬
‫خوْفٌ‬
‫ت وََأقَامُوا الصّلَا َة وَآَ َتوُا ال ّزكَاةَ َل ُهمْ أَجْ ُرهُمْ عِ ْندَ رَ ّبهِ ْم وَلَا َ‬
‫عمِلُوا الصّالِحَا ِ‬
‫إِنّ الّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬
‫عَلَ ْيهِ ْم وَلَا ُهمْ يَحْزَنُونَ (‪)277‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقلنا‪ :‬إن كلمة " أجر " تقتضي أنه ل يوجد مخلوق يملك سلعة‪ ،‬إنما كلنا مستأجرون‪ ،‬لماذا؟ لننا‬
‫نشغل المخ المخلوق ل‪ ،‬بالطاقة المخلوقة ل‪ ،‬في المادة المخلوقة ل‪ ،‬فماذا تملك أنت أيها النسان‬
‫إل عملك‪ ،‬وما دمت ل تملك إل عملك فلك أجر { َلهُمْ َأجْرُ ُهمْ عِندَ رَ ّب ِهمْ }‪ .‬وكلمة { عِندَ رَ ّب ِهمْ }‬
‫لها ملحظ؛ فعندما يكون لك الجر عند المساوي لك قد يأكلك‪ ،‬أما أجرك عند رب تولّى هو‬
‫تربيتك‪ ،‬فلن يضيع أبدا‪.‬‬
‫خوْفٌ عَلَ ْيهِمْ } ل من أنفسهم على أنفسهم‪ ،‬ول من أحبابهم عليهم‪ { ،‬وَلَ ُهمْ‬
‫ويتابع الحق‪ { :‬وَلَ َ‬
‫يَحْزَنُونَ }؛ لن أي شيء فاتهم من الخير سيجدونه مُحضرا أمامهم‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪:‬‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ا ّتقُواْ اللّهَ‪} ...‬‬

‫(‪)279 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا ا ّتقُوا اللّ َه وَذَرُوا مَا َب ِقيَ مِنَ الرّبَا إِنْ كُنْتُمْ ُم ْؤمِنِينَ (‪)278‬‬

‫وحين يقول الحق‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } فنحن نعرف أن النداء باليمان حيثية كل تكليف بعده‪،‬‬
‫وساعة ينادي الحق ويقول‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } أي يا من آمنتم بي إلها قادرا حكيما‪ ،‬عزيزا‬
‫عنكم غالبا على أمري‪ ،‬ل تضرني معصيتكم‪ ،‬ول تنفعني طاعتكم‪ ،‬فإذا كنتم قد آمنتم بي وأنا إله‬
‫قادر حكيم فاسمعوا مني ما أحبه لكم من الحكام‪.‬‬
‫إذن فكل { ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } في القرآن هي حيثية كل حكم يأتي بعدها‪ ،‬وأنت تفعل ما يأمرك به‬
‫ال‪ ،‬وإن سألك أحد‪ :‬وقال لك‪ :‬لماذا فعلت هذا المر؟ فقل له فعلته لني مؤمن‪ ،‬والذي أمرني به‬
‫هو الذي آمنت بحكمته وقدرته‪ .‬وأنت ل تدخل في متاهة علل الحكام‪ ،‬لنك آمنت بأن ال إله‬
‫حكيم قادر‪ ،‬أنزل لك تلك التكاليف‪ ،‬وإياك أن تدخل في متاهة علة الحكام‪ ،‬لماذا؟ لن هناك أشياء‬
‫قد تغيب علّتها عنك‪ ،‬أكنت تؤجلها إلى أن تعرف العلة؟‪.‬‬
‫أكنا نؤجل تحريم لحم الخنزير إلى أن يثبت حاليا بالتحليل أنه ضار؟ ل‪ ،‬إذا كان قد ثبت حاليا‬
‫بالتحليل أنه ضار فنحن نزداد ثقة في كل حكم كلفنا ال به‪ ،‬ولم نهتد إلى علته‪ ،‬والحق يقول‪:‬‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ا ّتقُواْ اللّهَ } ومن عجائب كلمة { ا ّتقُواْ } أنها تأتي في أشياء يبدو أنها متناقضة‪،‬‬
‫إنما هي ملتقية { ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ا ّتقُواْ اللّهَ } ولم يقل هنا‪ :‬اتقوا النار كما قال في آية أخرى‪:‬‬
‫{ ا ّتقُواْ النّارَ }‪ .‬إذن فكيف يقول‪ { :‬ا ّتقُواْ اللّهَ } ويقول‪ { :‬ا ّتقُواْ النّارَ }؟ لن معنى { ا ّتقُواْ }‪ :‬أي‬
‫اجعلوا وقاية بينكم وبين ربكم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كيف نجعل وقاية بيننا وبين ربنا مع أن المطلوب منا إيمانيا أن نلتحم بمنهج ال لنكون دائما في‬
‫معية ال؟ نقول‪ :‬ال سبحانه وتعالى له صفات جلل كالقهار‪ ،‬والمنتقم‪ ،‬والجبار‪ ،‬وذي الطول‬
‫وشديد العقاب؛ فهو يطلب من عبده المؤمن أن يجعل بينه وبين صفات جلله وقاية‪ ،‬فالنار جند‬
‫من جنود صفات الجلل‪ ،‬وحين يقول سبحانه‪ { :‬ا ّتقُواْ اللّهَ } يعني‪ :‬اجعلوا وقاية بينكم وبين‬
‫صفات الجلل التي من جنودها النار‪ .‬إذن فـ { ا ّتقُواْ اللّهَ } مثل { ا ّتقُواْ النّارَ } أي اجعلوا وقاية‬
‫بينكم وبين النار‪.‬‬
‫ويتابع الحق‪ { :‬وَذَرُواْ مَا َبقِيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْ ُتمْ ّم ْؤمِنِينَ } ‪ ،‬و { ذَرُواْ } أي اتركوا‪ ،‬ودعوا‪،‬‬
‫وتناسوا‪ ،‬واطلبوا الخير من ال فيما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين حقا بال‪ .‬كأن ال أراد أن‬
‫يجعلها تصفية فاصلة‪ ،‬يولد من بعدها المؤمن طاهرا نقيا‪.‬‬
‫سَلفَ } والذي لم‬
‫إنه أمر من الحق‪ :‬دعوا الربا الذي لم تقبضوه؛ لن الذي قبضتموه أمره { فَلَهُ مَا َ‬
‫تقبضوه اتركوه‪ { :‬ا ّتقُواْ اللّ َه وَذَرُواْ مَا َب ِقيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْتُمْ ّم ْؤمِنِينَ } فإن قلتم إن التعاقد قد صدر‬
‫قبل التحريم‪ ،‬والتعاقد قد أوجب لك الحق في ذلك‪ ،‬تذكر أنك لم تقبض هذا الحق ليصير في يدك‪،‬‬
‫ول تقل إن حياتي القتصادية مترتبة عليه‪ ،‬فترتيب الحياة القتصادية لم ينشأ بالتفاق على هذا‬
‫الربا‪ ،‬ولكنه ينشأ بقبضه وأنت لم تقبضه‪ .‬ويتابع الحق‪ { :‬فَإِن لّمْ َت ْفعَلُواْ فَ ْأذَنُواْ ِبحَ ْربٍ مّنَ اللّهِ‬
‫وَرَسُولِهِ‪} ...‬‬

‫(‪)280 /‬‬
‫فَإِنْ لَمْ َت ْفعَلُوا فَأْذَنُوا ِبحَ ْربٍ مِنَ اللّ ِه وَرَسُولِ ِه وَإِنْ تُبْ ُتمْ فََلكُمْ ُرءُوسُ َأ ْموَاِلكُمْ لَا َتظِْلمُونَ وَلَا ُتظَْلمُونَ‬
‫(‪)279‬‬

‫في هذه الية قضية كونية يتغافل عنها كثير من الناس‪ .‬لقد جاء نظام ليحمي طائفة من ظلم‬
‫طائفة‪ ،‬ولم يأت هذا النظام إل بعد أن وجدت طائفة المرابين الذين ظلموا طائفة الفقراء‬
‫سبُ هؤلء المستضعفين الذين استغلوا من المرابين أن ينصفهم القرآن وأن يُنهي‬
‫حْ‬
‫المستضعفين‪ .‬و َ‬
‫قضية الربا إنهاءً يعطي الذين رابوا ما سلف لنهم بنوا حياتهم على ذلك‪.‬‬
‫و { فَأْذَنُواْ ِبحَ ْربٍ } كلمة (اللف والذال والنون) من " الذن " وكل المادة مشتقة من " الذن " و "‬
‫الذُن " هي الصل الول في العلم؛ لن النسان ليس مفروضا أنه قارئ أول‪ ،‬إنّه ل يكون‬
‫قارئا إل إذا سمع‪ ،‬إذن فل يمكن أن ينشأ إعلم إل بالسماع والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن‬
‫سمْعَ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الْ ّ‬
‫جكُم مّن بُطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫أدوات العلم للنسان قال‪ {:‬وَاللّهُ أَخْ َر َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شكُرُونَ }[النحل‪]78 :‬‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫وَالَبْصَا َر وَا َ‬
‫ولذلك عندما جاء علم وظائف العضاء ليبحث ذلك وجدوها طبق الصل كما قال ال عنها‪.‬‬
‫فالوليد الصغير حين يولد إن جاء إصبع إنسان عند عينيه فل يهتز له رمش؛ لن عينه لم تؤد‬
‫مهمتها بعد‪ ،‬ولكن إن تصرخ بجانب أذنه فإنه ينفعل‪.‬‬
‫وعرفنا أن أول أداة تؤدي مهمتها بالنسبة للنسان الوليد هي أذنه‪ ،‬وهي أيضا الداة التي تؤدي‬
‫مهمتها بالنسبة للنسان مستيقظا كان أو نائما‪ .‬إن العين تغمض في النوم فل ترى‪ ،‬لكن الذن‬
‫لذَان " و " الُذُن " كلها جاءت‬
‫مستعدة طوال الوقت لن تسمع؛ لنها آلة الستدعاء‪ .‬إذن فمادة " ا َ‬
‫ح ّقتْ }[النشقاق‪]5 :‬‬
‫من مهمة السمع‪ ،‬وقال ال سبحانه وتعالى‪ {:‬وَأَذِ َنتْ لِرَ ّبهَا وَ ُ‬
‫ما معنى أذنت؟‪ .‬أنت حين تسمع من مساو لك‪ ،‬فقد تنفذ وقد ل تنفذ‪ ،‬لكن حين تسمعه من إله قادر‬
‫فل مناص لك إل أن تنفذ‪ ،‬فكأن ال يقول‪ :‬إن الرض تنشق حين تسمع أمري بالنشقاق‪ .‬فبمجرد‬
‫أن تسمع الرض أمر الحق فإنها تفعل‪ ،‬وحق لها أن تفعل ذلك؛ إنها أذنت لمر ال‪ ،‬أي خضعت؛‬
‫لن القائل لها هو ال‪.‬‬
‫إذن كل المادة هنا جاءت من " الذن "‪ .‬ولذلك فال يقول لمن ل يفعل ما أمر به ال في الربا؛‬
‫{ فَإِن لّمْ َت ْفعَلُواْ فَ ْأذَنُواْ بِحَ ْربٍ مّنَ اللّ ِه وَرَسُولِهِ }‪ .‬أما حرب ال فل نقول فيها إل قول ال‪َ {:‬ومَا‬
‫َيعْلَمُ جُنُودَ رَ ّبكَ ِإلّ ُهوَ }[المدثر‪]31 :‬‬
‫ول يستطيع أحد أن يحتاط لها‪ .‬وأما حرب رسول ال صلى ال عليه وسلم فهذه هي المر‬
‫الظاهر‪ .‬كأن ال سبحانه وتعالى يجرد على المرابين تجريدة هائلة من جنوده التي ل يعلمها إل‬
‫هو‪ ،‬وحرب رسول ال جنودها هم المؤمنون برسوله‪ ،‬وعليهم أن يكونوا حربا على كل ظاهرة‬
‫من ظواهر الفساد في الكون؛ ليطهروا حياتهم من دنس الربا‪.‬‬
‫وهكذا وضع ال نهاية لسلوب التعامل‪ ،‬حتى يتطهر المال من ذلك الربا‪ ،‬فإذا قال الحق‪ } :‬فََلكُمْ‬
‫ظَلمُونَ { فمعنى هذا أنه سبحانه يبين لنا بهذا القول أنه ل حق‬
‫ُرؤُوسُ َأ ْموَاِلكُمْ لَ َتظِْلمُونَ وَلَ تُ ْ‬
‫للمرابين في ضعف ول ضعفين‪ ،‬ول في أضعاف مضاعفة‪ .‬وحينئذ } لَ تَظِْلمُونَ { من رابيتم‪،‬‬
‫بأن تأخذوا منهم زائدا عن رأس المال‪.‬‬
‫ولكن ما موقع } َولَ ُتظَْلمُونَ { ‪ ،‬ومن الذي يظلمهم؟ قد يظلمهم الضعيف الذي ظُِلمَ لهم سابقا‪،‬‬
‫ويأخذ منهم بعض رأس المال بدعوى أنهم طالما استغلوه فأخذوا منه قدرا زائدا على رأس المال‪.‬‬
‫إن المشرع يريد أن يمنع الظالم السابق فينهي ظلمه‪ ،‬وأن يسعف المظلوم اللحق فيعطيه حقه‪،‬‬
‫وهو سبحانه ل يريد أن يوجه ظلما ليستغل به من ظُلم فيظلم الذي ظلمه أول‪ ،‬بل سبحانه يشاء‬
‫بهذا الحكم أن ينهي هذا النوع من الظلم على إطلقه‪ ،‬وأن يجعل الجميع على قدر سواء في‬
‫النتفاع بمزايا الحكم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكثير من النظريات التي تأتي لتقلب نظاما في مجتمع ما تعمد إلى الطائفة التي ظََلمَت‪ ،‬فل تكتفي‬
‫بأن تكفها عن الظلم‪ ،‬ولكن تمكن للمظلوم أن يظلم من ظلمه‪ ،‬وذلك هو الجحاف في المجتمع‪،‬‬
‫وهذا ما يجب أن يتنبه إليه الناس جيدا؛ لن ال الذي أنصفك أيها المظلوم من ظالمك‪ ،‬فمنع ظلمه‬
‫لك‪ ،‬هنا يجب أن تحترم حكمه حينما قال‪ } :‬فََلهُ مَا سََلفَ { وبهذا القول انتهت القضية‪.‬‬
‫ويستأنف سبحانه المر بعدالة جديدة تجمعك وتجمعه على قدم المساواة بدون ظلم منك أيها‬
‫ن َولَ‬
‫المظلوم سابقا بحجة أنه طالما ظلمك‪ .‬والمجتمعات حين تسير على هذا النظام } لَ تَظِْلمُو َ‬
‫تُظَْلمُونَ { إنما تسير على نمط معتدل ل على ظلم موجه‪ .‬فنحن نعيب على قوم أنهم ظلموا‪ ،‬ثم‬
‫نأتي بقوم لنجعلهم َيظْلِمون‪ ،‬ل‪ ..‬إن الجميع على قدم المساواة من الن‪.‬‬
‫وفساد أي نظام في المجتمع يأتي من توجيه الظلم من فئة جديدة إلى فئة قديمة‪ ،‬فبذلك يظل النظام‬
‫قائما‪ ،‬طائفة ظََلمَت‪ ،‬وتأتي طائفة كانت مظلومة لتظلم الطائفة الظالمة سابقا‪ ،‬نقول لهم‪ :‬ذلك ظلم‬
‫موجه‪ ،‬ونحن نريد أن تنتظم العدالة وتشمل كل أفراد المجتمع بأن يأخذ كل إنسان حقه‪ ،‬فالذي ظََلمَ‬
‫سابقا منعناه عن ظلمه‪ ،‬والمغلوب سابقا أنصفناه‪ ،‬وبذلك يصير الكل على قدم المساواة؛ ليسير‬
‫المجتمع مسيرة عادلة تحكمه قضية إيمانية‪ .‬إننا ل نكافئ من عصى ال فينا بأكثر من أن نطيع‬
‫ال فيه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يجيء القرآن ليفتح باب جديدا من المل أمام المظلومين‪ .‬وليضع حدا للذين كانوا‬
‫ظالمين أول‪ ،‬وحكم لهم برأس المال ومنعهم من الزائد على رأس المال‪ ،‬فحنن قلوبهم على‬
‫هؤلء‪َ .‬أيْ ليست ضربة لزب أن تأخذوا رأس المال الن‪ ،‬ولكن عليكم أن تُ ْنظِروا وتمهلوا‬
‫المدين إن كان معسرا‪ ،‬وإن تساميتم في النضج اليماني اليقيني وارتضيتم ال بديل لكم عن كل‬
‫عوض يفوتكم‪ ،‬فعليكم أن تتجاوزوا وتتنازلوا حتى عن رءوس أموالكم التي حكم ال لكم بها‬
‫لتترفعوا بها وتهبوها لمن ل يقدر‪ .‬فيأتي قول الحق‪ } :‬وَإِن كَانَ ذُو عُسْ َرةٍ فَ َنظِ َرةٌ إِلَىا مَيْسَ َرةٍ‪{ ...‬‬

‫(‪)281 /‬‬
‫وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْ َرةٍ فَ َنظِ َرةٌ إِلَى مَيْسَ َر ٍة وَأَنْ َتصَ ّدقُوا خَيْرٌ َلكُمْ إِنْ كُنْ ُتمْ َتعَْلمُونَ (‪)280‬‬

‫عسْ َرةٍ } حكم بأن للدائن رأس المال‪ ،‬ولكن هب أنّ المدين ذو عسرة‪ ،‬هنا قضية‬
‫و { وَإِن كَانَ ذُو ُ‬
‫يثيرها بعض المستشرقين الذين يدعون أنهم درسوا العربية‪ ،‬لقد درسوها صناعة‪ ،‬ولكنها عزت‬
‫عليهم ملكة؛ لن اللغة ليست صناعة فقط‪ ،‬اللغة طبع‪ ،‬واللغة ملكة‪ ،‬اللغة وجدان‪ ،‬يقولون‪ :‬إن‬
‫عسْ َرةٍ‬
‫القرآن يفوته بعض التقعيدات التي تقعدها لغته‪ .‬فمثل جاءوا بهذه الية‪ { :‬وَإِن كَانَ ذُو ُ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فَنَظِ َرةٌ إِلَىا مَ ْيسَ َرةٍ وَأَن َتصَ ّدقُواْ خَيْرٌ ّل ُكمْ إِن كُنْتُمْ َتعَْلمُونَ }‪.‬‬
‫قال بعض المستشرقين‪ :‬نريد أن نبحث مع علماء القرآن عن خبر { كَانَ } في قوله‪ { :‬وَإِن كَانَ‬
‫ذُو عُسْ َرةٍ } ‪ ،‬صحيح ل نجد خبر { كَانَ } ‪ ،‬ولكن الملكة العربية ليست عنده؛ لنه إذا كان قد‬
‫درس العربية كان يجب أن يعرف أن { كَانَ } تحتاج إلى اسم وإلى خبر‪ ،‬اسم مرفوع وخبر‬
‫منصوب وهذه هي التي يقال عنها كان الناقصة‪ ،‬كان يجب أن يفهم أيضا معها أنها قد تأتي تامة‬
‫أي ليس لها خبر‪ ،‬وتكتفي بالمرفوع‪ ،‬وهذه تحتاج إلى شرح بسيط‪.‬‬
‫إن كل فعل من الفعال يدل على حدث وزمن‪ ،‬وكلمة { كَانَ } إن سمعتها دلت على وجود وحدث‬
‫مطلق لم تبين فيه الحالة التي عليها اسمها‪ ،‬كان مجتهدا؟ كان كسول؟ مثل فهي تدل على وجود‬
‫شيء مطلق أي ليس له حالة‪ ،‬ومعنى ذلك أن { كَانَ } دلت على الزمن الوجودي المطلق أي على‬
‫المعنى المجرد الناقص‪ ،‬والشيء المطلق ل يظهر المراد منه إل إذا قيد‪ ،‬فإن أردت أن تدل على‬
‫وجود مقيد ليتضح المعنى‪ ،‬ويظهر‪ ،‬فل بد أن تأتيها بخبر‪ ،‬كأن تقول‪ :‬كان زيد مجتهدا‪ ،‬هنا وجد‬
‫شيء خاص وهو اجتهاد زيد‪ .‬إذن فـ { كَانَ } هنا ناقصة تريد الخبر يكملها وليعطيها الوجود‬
‫الخاص‪ ،‬فإذا لم يكن المر كذلك وأردنا الوجود فقط تكون { كَانَ } تامة أي تكتفي بمرفوعها فقط‬
‫مثل أن تقول‪ :‬عاد الغائب فكان الفرح أي وجد‪ ،‬أو أشرقت الشمس فكان النور‪ ،‬والشاعر‬
‫يقول‪:‬وكـانت وليـس الصـبح فيـها بأبيـض وأضـحت وليـس اللـيـل فيـها‬
‫عسْ َرةٍ } أي فإن وجد ذو عسرة‪ ..‬أي إن وجد إنسان ليس عنده قدرة‬
‫بأسـودفقوله { وَإِن كَانَ ذُو ُ‬
‫على السداد‪ { ،‬فَنَظِ َرةٌ } من الدائن { إِلَىا مَيْسَ َرةٍ } أي إلى أن يتيسر‪ ،‬ويكون رأس المال في هذه‬
‫الحالة { قَرْضا حَسَنا } ‪ ،‬وكلما صبر عليه لحظة أعطاه ال عليها ثوابا‪.‬‬
‫ولنا أن نعرف أن ثواب القرض الحسن أكثر من ثواب الصدقة؛ لن الصدقة حين تعطيها فقد‬
‫قطعت أمل نفسك منها‪ ،‬ول تشغل بها‪ ،‬وتأخذ ثوابا على ذلك دفعة واحدة‪ ،‬لكن القرض حين‬
‫تعطيه فقلبك يكون متعلقا به‪ ،‬فكلما يكون التعلق به شديدا‪ ،‬ويهب عليك حب المال وتصبر فأنت‬
‫تأخذ ثوابا‪ .‬لذلك يجب أن تلحظ أن القرض حين يكون قرضا حسنا والمقترض معذور بحق؛ لن‬
‫فيه فرقا بين معذور بحق‪ ،‬ومعذور بباطل‪ ،‬المعذور بحق هو الذي يحاول جاهدا أن يسدد دينه‪،‬‬
‫ولكن الظروف تقف أمامه وتحول دون ذلك‪ ،‬أما المعذور بباطل فيجد عنده ما يسد دينه ولكنه‬
‫يماطل في السداد ويبقى المال ينتفع به وهو بهذا ظالم‪.‬‬
‫ولذلك جرب نفسك‪ ،‬ستجد أن كل دين يشتغل به قلبك فاعلم أن صاحبه حرص على السداد ولم‬
‫يسدد‪ ،‬وكل دين كان بردا وسلما على قلبك فاعلم أن صاحبه معذور بحق ول يقدر أن يسدد‪،‬‬
‫وربما استحييت أنت أن تمر عليه مخافة أن تحرجه بمجرد رؤيتك‪ .‬وهؤلء ل يطول بهم الدّيْنُ‬
‫طويل؛ لن الرسول حكم في هذه القضية حكما‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من أخذ أموال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الناس يريد أداءها أدى ال عنه‪ ،‬ومن أخذها يريد إتلفها أتلفه ال "‪.‬‬
‫فما دام ساعة أخذها في نيته أن يؤدي فإن ال ييسر له سبيل الداء‪ ،‬ومن أخذها يريد إتلفها‪ ،‬فال‬
‫ل ييسر له أن يسدد؛ لنه ل يقدر على ترك المال يسدد به دينه وهذه حادثة في حياة الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم تفسر لنا هذا الحديث‪ ،‬فقد مات رجل عليه دين‪ ،‬فلما علم رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم أنه مدين؛ قال لصحابه‪ :‬صلوا على أخيكم‪.‬‬
‫إذن فهو لم يصل‪ ،‬ولكنه طلب من أصحابه أن يصلوا‪ ،‬لماذا لم يصل؟ لنه قال قضية سابقة‪ " :‬من‬
‫أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى ال عنه " ما دام قد مات ولم يؤد إذن فقد كان في نيته أن‬
‫يماطل‪ ،‬لكن الرسول صلى ال عليه وسلم لم يمنع أصحابه من الصلة عليه‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم يأتي للمعسر ويعامله معاملة الريحية اليمانية فيقول‪ " :‬من أنظر‬
‫معسرا أو وضع عنه أظله ال في ظله يوم ل ظل إل ظله "‪.‬‬
‫ومعنى " أنظر " أي أمهله وأخر أخذ الدين منه فل يلحقه‪ ،‬فل يحبسه في دَيْنِه‪ ،‬فل يطارده‪ ،‬وإن‬
‫تسامى في اليقين اليماني‪ ،‬يقول له‪ " :‬اذهب‪ ،‬ال يعوض عليّ وعليك " وتنتهي المسألة‪ ،‬ولذلك‬
‫ص ّدقُواْ خَيْرٌ ّلكُمْ إِن كُنْتُمْ َتعَْلمُونَ { والثمرة هي حسن الجزاء من ال‪ .‬فإما أن‬
‫يقول الحق‪ } :‬وَأَن َت َ‬
‫تنظر وتؤخر‪ ،‬وإما أن تتصدق ببعض الدين أو بكل الدين‪ ،‬وأنت حر في أن تفعل ما تشاء‪.‬‬
‫فانظروا دقة الحق عند تصفية هذه القضية القتصادية التي كانت الشغل الشاغل للبيئة الجاهلية‪.‬‬
‫ولقد عرفنا مما تقدم أن السلم قد بنى العملية القتصادية على الرفد والعطاء‪ ،‬وتكلم الحق‬
‫سبحانه وتعالى عنها في آيات النفقة التي سبقت من أول قوله تعالى‪ } :‬مّ َثلُ الّذِينَ يُ ْنفِقُونَ َأ ْموَاَلهُمْ‬
‫فِي سَبِيلِ اللّهِ َكمَ َثلِ حَبّةٍ {‪.‬‬
‫وتكلم طويلً عن النفقة‪ .‬والنفقة تشمل ما يكون مفروضا عليك من زكاة‪ ،‬وما تتطوع به أنت‪.‬‬
‫والمتطوع بشيء فوق ما فرض ال يعتبره سبحانه حقا للفقير‪ ،‬ولكنه حق غير معلوم‪ ،‬ولذلك حينما‬
‫ت وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَ ّبهُمْ إِ ّنهُمْ كَانُواْ قَ ْبلَ‬
‫تعرضنا إلى قوله سبحانه‪ {:‬إِنّ ا ْلمُتّقِينَ فِي جَنّا ٍ‬
‫جعُونَ }[الذاريات‪]17-15 :‬‬
‫ذَِلكَ ُمحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلً مّن الّيلِ مَا َيهْ َ‬
‫أيتطلب السلم منا أل نهجع إل قليلً من الليل؟ ل‪ ،‬إن للمسلم أن يصلي العشاء وينام‪ ،‬ثم يقوم‬
‫لصلة الفجر‪ ،‬هذا ما يطلبه السلم‪ .‬لكن الحق سبحانه هنا يتكلم عن المحسنين الذين دخلوا في‬
‫خذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَ ّب ُهمْ إِ ّنهُمْ كَانُواْ قَ ْبلَ ذَِلكَ‬
‫ت وَعُيُونٍ * آ ِ‬
‫مقام الحسان مع ال‪ {.‬إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّا ٍ‬
‫سحَارِ ُهمْ يَسْ َت ْغفِرُونَ }[الذاريات‪]18-15 :‬‬
‫جعُونَ * وَبِالَ ْ‬
‫مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلً مّن الّيلِ مَا َيهْ َ‬
‫هل التشريع يلزم المؤمن أن يقوم بالسحر ليستغفر؟ ل‪ ،‬إن المسلم عليه أن يؤدي الفروض‪ ،‬ولكن‬
‫إن كان المسلم يرغب في دخول مقام الحسان فعليه أن يعرف الطريق‪ {:‬وَبِالَسْحَارِ هُمْ‬
‫يَسْ َت ْغفِرُونَ }[الذاريات‪]18 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والكلم هنا في مقام الحسان‪ .‬ويضيف الحق عن أصحاب هذا المقام‪َ {:‬وفِي َأ ْموَاِلهِمْ حَقّ لّلسّآ ِئلِ‬
‫وَا ْلمَحْرُومِ }[الذاريات‪]19 :‬‬
‫إن ال سبحانه قد حدد في أموال من يدخل في مقام الحسان حقا للسائل والمحروم‪ ،‬ولم يحدد ال‬
‫قيمة هذا الحق أو لونه‪ .‬هل هو معلوم أو غير معلوم‪ .‬لكن حين تكلم ال عن المؤمنين قال‬
‫ل وَا ْلمَحْرُومِ }[المعارج‪]25-24 :‬‬
‫حقّ ّمعْلُومٌ * لّلسّآ ِئ ِ‬
‫سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ فِي َأ ْموَاِلهِمْ َ‬
‫وهكذا نجد في أموال صاحب مقام الحسان حقا للسائل والمحروم‪ ،‬لكن في أموال صاحب اليمان‬
‫حق معلوم وهو الزكاة‪ .‬ومقام الحسان يعلو مقام اليمان؛ لن الحق في مال المؤمن معلوم‪ ،‬أما‬
‫في مقام الحسان فإن في مالهم حقا للحسان إلى الفقير وإن لم يكن معلوما‪ ،‬أي لم يحدد‪.‬‬
‫وقد رأينا بعض الفقهاء قد اعتبر الزكاة ـ ما دامت حقا للفقير عند الغني ـ فإن منع الغني ما‬
‫قدره نصاب سرقة تُقطع يد الغني‪ ،‬لنه أخذ حق الفقير‪ .‬ونصاب السرقة ربع دينار ذهبا‪ ،‬فيبني‬
‫السلم قضاياه الجتماعية إما عل النفقة غير المفروضة وإما على النفقة المفروضة‪ .‬فإذا ما‬
‫شحّت نفوس الناس‪ ،‬ولم تستطيع أن تتبرع بالقدر الزائد على المفروض‪ ،‬وتمكن حب مالها في‬
‫نفسها تمكنا قويا بحيث ل تتنازل عنه يقول ال سبحانه لكل منهم‪:‬‬
‫أنت لم تتنازل عن مالك‪ ،‬وأنا حرمت الربا‪ ،‬فكيف نلتقي لنضع للمجتمع أساسا سليما؟ سنحتفظ لك‬
‫بمالك ونمنع عنك فائدة الربا‪ ،‬وهكذا نلتقي في منتصف الطريق‪ ،‬ل أخذنا مالك‪ ،‬ول أخذت من‬
‫غيرك الزائد على هذا المال‪.‬‬
‫وشرح الحق سبحانه آية الديْن‪ ،‬وأخذت هذه الية أطول حيز في حجم آيات القرآن‪ ،‬لماذا؟‪ .‬لن‬
‫على الديْن هذا تُبنى قضايا المجتمع القتصادية عند من ل يجد موردا ماليا يُسيّر به حركة حياته‪.‬‬
‫وحين وضع الحق آية الديْن لم يضعها وضعا تقنينيا جافا جامدا‪ ،‬وإنما وضعها وضعا وجدانيا‪.‬‬
‫أي مزج التقنين بالوجدان‪ ،‬مزج الحق جمود القانون بروح السلم‪ ،‬فلم يجعلها عملية جافة‪.‬‬
‫والمشرعون من البشر عندما يقننون فهم يضعون القانون جافا‪ ،‬فمثال ذلك‪ :‬من قتل يقتل‪ ،‬وغير‬
‫ذلك‪ .‬لكن الحق يقول غير ذلك حتى في أعنف قضايا الخلف‪ ،‬وهي خلفات الدم‪ ،‬فقال سبحانه‪{:‬‬
‫ح َمةٌ }‬
‫خفِيفٌ مّن رّ ّبكُ ْم وَرَ ْ‬
‫ف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذاِلكَ َت ْ‬
‫شيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫عفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ َ‬
‫َفمَنْ ُ‬
‫[البقرة‪]178 :‬‬
‫جعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ‪{ ...‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى قبل أن يأتي بآية الديْن‪ ،‬يقول‪ } :‬وَا ّتقُواْ َيوْما تُرْ َ‬

‫(‪)282 /‬‬
‫ظَلمُونَ (‪)281‬‬
‫ت وَ ُهمْ لَا يُ ْ‬
‫جعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ ُت َوفّى ُكلّ َنفْسٍ مَا كَسَ َب ْ‬
‫وَاتّقُوا َي ْومًا تُرْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولقد أوضحنا من قبل أن تقوى ال تقتضي أن تقوم بالفعال التي تقينا صفات الجلل في ال‪،‬‬
‫وأوضحنا أن ال قال‪ { :‬وَا ّتقُواْ َيوْما } أي أن نفعل ما يجعل بيننا وبين النار وقاية‪ ،‬فالنار من‬
‫متعلقات صفات الجلل‪ .‬وهاهو ذا الحق سبحانه هنا يقول‪ { :‬وَا ّتقُواْ َيوْما } ‪ ،‬فهل نتقي اليوم‪ ،‬أو‬
‫نتقي ما ينشأ في اليوم؟ إن اليوم ظرف زمان‪ ،‬والزمان ل تُخاف بذاتها‪ ،‬ولكن يخاف النسان مما‬
‫يقع في الزمن‪.‬‬
‫لكن إذا كان شيء في الزمن مخيفا‪ ،‬إذن فالخوف ينصب على اليوم كله‪ ،‬لنه يوم هول؛ كل شيء‬
‫فيه مفزّع ومخوف‪ ،‬وقانا ال وإياكم ما فيه من هول‪ ،‬وانظر إلى الدقة القرآنية المتناهية في قوله‪:‬‬
‫جعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ }‪.‬‬
‫{ تُ ْر َ‬
‫إن الرجوع في هذا اليوم ل يكون بطواعية العباد ولكن بإرادة ال‪ .‬وسبحانه حين يتكلم عن‬
‫المؤمنين الذين يعملون الصالح من العمال؛ فإنه يقول عن رجوعهم إلى ال يوم القيامة‪{:‬‬
‫شعِينَ * الّذِينَ َيظُنّونَ أَ ّنهُم مّلَاقُواْ رَ ّبهِ ْم وَأَ ّنهُمْ‬
‫وَاسْ َتعِينُواْ بِالصّبْرِ وَالصّلَ ِة وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ ِإلّ عَلَى الْخَا ِ‬
‫جعُونَ }[البقرة‪]46-45 :‬‬
‫إِلَيْهِ رَا ِ‬
‫ومعنى ذلك أن العبد المؤمن يشتاق إلى العودة إلى ال؛ لنه يرغب أن ينال الفوز‪.‬‬
‫جهَنّمَ دَعّا }[الطور‪]13 :‬‬
‫أما غير المؤمنين فيقول عنهم الحق‪َ {:‬يوْمَ يُدَعّونَ إِلَىا نَارِ َ‬
‫إن رجوع غير المؤمنين يكون رجوعا قسريا ل مرغوبا فيه‪ .‬والحق يقول عن هذا اليوم‪ { :‬ثُمّ‬
‫ت وَهُ ْم لَ ُيظَْلمُونَ }‪ .‬وبعد ذلك يقنن الحق سبحانه للدين فيقول سبحانه‪:‬‬
‫ُت َوفّىا ُكلّ َنفْسٍ مّا كَسَ َب ْ‬
‫سمّى فَاكْتُبُوهُ‪} ...‬‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِإذَا تَدَايَنتُم ِبدَيْنٍ إِلَىا أَ َ‬

‫(‪)283 /‬‬
‫سمّى فَاكْتُبُو ُه وَلْ َيكْ ُتبْ بَيْ َن ُكمْ كَا ِتبٌ بِا ْل َع ْدلِ وَلَا يَ ْأبَ‬
‫جلٍ مُ َ‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا إِذَا تَدَايَنْ ُتمْ بِدَيْنٍ إِلَى َأ َ‬
‫ق وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِ ْنهُ شَيْئًا‬
‫حّ‬
‫ب وَلْ ُيمِْللِ الّذِي عَلَيْهِ الْ َ‬
‫كَا ِتبٌ أَنْ َيكْ ُتبَ َكمَا عَّلمَهُ اللّهُ فَلْ َيكْ ُت ْ‬
‫ش ِهدُوا‬
‫ل وَاسْتَ ْ‬
‫ضعِيفًا َأوْ لَا َيسْتَطِيعُ أَنْ ُي ِملّ ُهوَ فَلْ ُيمِْللْ وَلِيّهُ بِا ْلعَ ْد ِ‬
‫سفِيهًا َأ ْو َ‬
‫فَإِنْ كَانَ الّذِي عَلَ ْيهِ ا ْلحَقّ َ‬
‫ضلّ‬
‫شهَدَاءِ أَنْ َت ِ‬
‫ل وَامْرَأَتَانِ ِممّنْ تَ ْرضَوْنَ مِنَ ال ّ‬
‫جٌ‬
‫شهِيدَيْنِ مِنْ ِرجَاِلكُمْ فَإِنْ لَمْ َيكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَ ُ‬
‫َ‬
‫صغِيرًا َأوْ‬
‫شهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا َتسَْأمُوا أَنْ َتكْتُبُوهُ َ‬
‫حدَا ُهمَا فَتُ َذكّرَ ِإحْدَا ُهمَا الْأُخْرَى وَلَا يَ ْأبَ ال ّ‬
‫إِ ْ‬
‫شهَا َد ِة وَأَدْنَى أَلّا تَرْتَابُوا إِلّا أَنْ َتكُونَ ِتجَا َرةً حَاضِ َرةً‬
‫سطُ عِنْدَ اللّ ِه وََأ ْقوَمُ لِل ّ‬
‫كَبِيرًا إِلَى أَجَِلهِ ذَِل ُكمْ َأقْ َ‬
‫شهِيدٌ وَإِنْ‬
‫ب وَلَا َ‬
‫شهِدُوا ِإذَا تَبَا َيعْتُ ْم وَلَا ُيضَارّ كَا ِت ٌ‬
‫تُدِيرُو َنهَا بَيْ َنكُمْ فَلَيْسَ عَلَ ْيكُمْ جُنَاحٌ أَلّا َتكْتُبُوهَا وَأَ ْ‬
‫علِيمٌ (‪)282‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫َت ْفعَلُوا فَإِنّهُ ُفسُوقٌ ِبكُ ْم وَا ّتقُوا اللّ َه وَ ُيعَّل ُمكُمُ اللّ ُه وَاللّهُ ِب ُكلّ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنها أطول آية في آيات القرآن ويستهلها ال بقوله‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } وهذا الستهلل كما‬
‫نعرف يوحي بأن ما يأتي بعد هذا الستهلل من حكم‪ ،‬يكون اليمان هو حيثية ذلك الحكم‪ ،‬فما‬
‫دمت قد آمنت بال فأنت تطبق ما كلفك به؛ لن ال لم يكلف كافرا‪ ،‬فالنسان ـ كما قلنا سابقا ـ‬
‫حر في أن يُقبل على اليمان بال أو ل يُقبل‪.‬‬
‫فإن أقبل النسان باليمان فليستقبل كل حكم ن ال بالتزام‪ .‬ونضرب هذا المثل ـ ول المثل‬
‫العلى ـ إن النسان حين يكون مريضا‪ ،‬هو حر في أن يذهب إلى الطبيب أو ل يذهب‪ ،‬ولكن‬
‫حين يذهب النسان إلى الطبيب ويكتب له الدواء فالنسان ل يسأل الطبيب وهو مخلوق مثله‪:‬‬
‫لماذا كتبت هذه العقاقير؟‪.‬‬
‫ي أو ل تأتي‪ ،‬لكن ما دمت قد جئت إلى‬
‫إن الطبيب يمكن أن يرد‪ :‬إنك كنت حرا في أن تأتي إل ّ‬
‫فاسمع الكلم ونفذه‪ .‬والطبيب ل يشرح التفاعلت والمعادلت ل‪ ،‬إن الطبيب يشخص المرض‪،‬‬
‫ويكتب الدواء‪ .‬فما بالنا إذا أقبلنا على الخالق العلى باليمان؟‬
‫إننا نفذ أوامره سبحانه‪ ،‬وال ل يأمر المؤمن إل عن حكمة‪ ،‬وقد تتجلى للمؤمن بعد ذلك آثار‬
‫الحكمة ويزداد المؤمن ثقة في إيمانه بال‪ .‬يقول الحق‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىا‬
‫سمّى فَاكْتُبُوهُ } وعندما نتأمل قول الحق‪ { :‬تَدَايَنتُم } نجد فيها " دَيْن " ‪ ،‬وهناك " دِين " ‪،‬‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫أَ َ‬
‫ومن معنى الدِيّن الجزاء‪ ،‬ومن معنى الدّين منهج السماء‪ ،‬وأما الدّيْن فهو القتراض إلى موعد‬
‫يسدد فيه‪ .‬هكذا نجد ثلثة معان واضحة‪ :‬الدّين‪ :‬وهو يوم الجزاء‪ ،‬والدّيْن وهو المنهج السماوي‬
‫والدّيْن‪ :‬هو المال المقترض‪.‬‬
‫وال يريد من قوله‪ { :‬تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } أن يزيل اللبس في معنيين‪ ،‬ويبقى معنى واحدا وهو‬
‫القتراض فقال‪ { :‬بِدَيْنٍ } فالتفاعل هنا في مسألة الدَيْن ل في الجزاء ول في المنهج‪ ،‬والحق يحدد‬
‫الدَيْن بأجل مُسمّى‪ .‬وقد أراد ال بكلمة " مُسمّى " مزيدا من التحديد‪ ،‬فهناك فرق بين أجل لزمن‪،‬‬
‫وبين أجل لحدث يحدث‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬الجل عندي مقدم الحجيج‪ .‬فهذا حدث في زمن‪ ،‬ومقدم الحجيج‬
‫ل يضمنه أحد‪ ،‬فقد تتأخر الطائرة‪ ،‬أو يصاب بعض من الحجيج بمرض فيتم حجز الباقين في‬
‫الحجر الصحي‪.‬‬
‫أما إذا قلت‪ :‬الجل عندي شهران أو ثلثة أشهر فهذا يعني أن الجل هو الزمن نفسه‪ ،‬لذلك ل‬
‫يصح أن يؤجل أجل دينه إلى شيء يحدث في الزمن؛ لنه من الجائز أل يحدث ذلك الشيء في‬
‫هذا الزمن‪ .‬إن التداين بديْن إلى أجل مُسمى يقتضي تحديد الزمن‪ ،‬والحق يوضح لنا‪ِ { :‬إذَا َتدَايَنتُم‬
‫سمّى فَاكْتُبُوهُ } وكلمة { فَاكْتُبُوهُ } هي رفع لحرج الحباء من الحباء‪.‬‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫بِدَيْنٍ إِلَىا أَ َ‬
‫إنه تشريع سماوي‪ ،‬فل تأخذ أحد الريحية‪ ،‬فيقول لصاحبه‪ " :‬نحن أصحاب " ‪ ،‬إنه تشريع سماوي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقول لك‪ :‬اكتب الديْن‪ ،‬ول تقل‪ " :‬نحن أصدقاء " فقد يموت واحد منكما فإن لم تكتب الديْن حرجا‬
‫فماذا يفعل البناء‪ ،‬أو الرامل‪ ،‬أو الورثة؟‪.‬‬
‫إذن فإلزام الحق بكتابة الديْن هو تنفيذ لمر من ال يحقق رفع الحرج بين الحباء‪ .‬ويظن كثير‬
‫من الناس أن ال يريد بالكتابة حماية الدائن‪ .‬ل‪ ،‬إن المقصود بذلك والمهم هو حماية المدين‪ ،‬لن‬
‫المدين إن علم أن الديْن عليه موثق حرص أن يعمل ليؤدي ديْنه‪ ،‬أما إذا كان الدين غير موثق‬
‫فيمن الجائز أن يكسل عن العمل وعن سداد الديْن‪ .‬وبذلك يحصل هو وأسرته على حاجته مرة‬
‫واحدة‪ ،‬ثم يضن المجتمع الغني على المجتمع الفقير فل يقرضه؛ ويأخذون عجز ذلك النسان عن‬
‫السداد ذريعة لذلك‪ ،‬ويقع هذا النسان الذي لم يؤد دينه في دائرة تحمل الوزر المضاعف‪ ،‬لنه‬
‫ضيّق باب القرض الحسن‪.‬‬
‫إن ال يريد أن يسير دولب الحياة القتصادية عند من ل يملك‪ ،‬لن من يملك يستطيع أن يسيّر‬
‫حياته‪ ،‬أما من ل يملك فهو المحتاج‪ .‬ولذلك فهناك مثل في الريف المصري يقول‪ :‬من يأخذ‬
‫ويعطي يصير المال ماله‪ .‬إنه يقترض ويسدد‪ ،‬لذلك يثق فيه كل الناس‪ ،‬ويرونه أمينا ويرونه‬
‫مُجدا‪ ،‬ويرونه مخلصا‪ ،‬ويعرفون عنه أنه إذا أخذ وفّى‪ ،‬فكل المال يصبح ماله‪.‬‬
‫إذن فال ـ سبحانه ـ بكتابة الديْن يريد حماية حركة الحياة عند غير الواجد؛ لن الواجد في غير‬
‫سمّى فَاكْتُبُوهُ‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫حاجة إلى القرض‪ .‬لذلك جاء المر من الحق سبحانه‪ِ } :‬إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىا أَ َ‬
‫{‪ .‬ومن الذي يكتب الديْن؟‪.‬‬
‫انظر الدقة‪ :‬ل أنت أيها الدائن الذي تكتب‪ ،‬ول أنت أيها المدين‪ ،‬ولكن لبد أن يأتي كاتب غير‬
‫ل َولَ يَ ْأبَ كَا ِتبٌ أَنْ‬
‫الثنين‪ ،‬فل مصلحة لهذا الثالث من عملية الدين } وَلْ َيكْتُب بّيْ َنكُمْ كَا ِتبٌ بِا ْلعَ ْد ِ‬
‫َيكْ ُتبَ َكمَا عَّلمَهُ اللّهُ {‪ .‬وفي ذلك إيضاح بأن النسان الذي يعرف الكتابة إن طُلب منه أن يكتب‬
‫ديْنا أل يمتنع عن ذلك‪ ،‬لماذا؟ لن الية ـ آية الديْن ـ قد نزلت وكانت الكتابة عند العرب قليلة‪،‬‬
‫كان هناك عدد قليل فقط هم الذين يعرفون الكتابة‪ ،‬فكان هناك طلب شديد على من يعرف الكتابة‪.‬‬
‫ولكن إن لم ُيطْلَب أحد من الذين يعرفون الكتابة أن يكتب الديْن فماذا يفعل؟‪ .‬إن الحق يأمره بأن‬
‫يتطوع‪ ،‬وفي ذلك يأتي المر الواضح " فليكتب "؛ لن النسان إذا ما كان هناك أمر يقتضي منه‬
‫أن يعمل‪ ،‬والظرف ل يحتمل تجربة‪ ،‬فالشرع يلزمه أن يندب نفسه للعمل‪.‬‬
‫هب أنكم في زورق وبعد ذلك جاءت عاصفة‪ ،‬وأغرقت الذي يمسك بدفة الزورق‪ ،‬أو هو غير‬
‫قادر على إدارة الدفة‪ ،‬هنا يجب أن يتقدم من يعرف ليدير الدفة‪ ،‬إنه يندب نفسه للعمل‪ ،‬فل مجال‬
‫للتجربة‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى حين عرض قضية الجدب في قصة سيدنا يوسف قال‪ {:‬تَزْرَعُونَ سَبْعُ‬
‫حصَدتّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُِلهِ ِإلّ قَلِيلً ّممّا تَ ْأكُلُونَ * ُثمّ يَأْتِي مِن َبعْدِ ذاِلكَ سَبْعٌ شِدَادٌ‬
‫سِنِينَ دَأَبا َفمَا َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حصِنُونَ }[يوسف‪]48-47 :‬‬
‫يَ ْأكُلْنَ مَا قَ ّدمْتُمْ َلهُنّ ِإلّ قَلِيلً ّممّا ُت ْ‬
‫حفِيظٌ عَلِيمٌ }[يوسف‪]55 :‬‬
‫ن الَ ْرضِ إِنّي َ‬
‫جعَلْنِي عَلَىا خَزَآئِ ِ‬
‫وقال سيدنا يوسف‪ {:‬قَالَ ا ْ‬
‫إن المسألة جدب فل تحتمل التجربة‪ ،‬وهو كفء لهذه المهمة‪ ،‬يملك موهبة الحفظ والعلم‪ ،‬فيندبُ‬
‫نفسه للعمل‪ .‬كذلك هنا } َولَ يَ ْأبَ كَا ِتبٌ أَنْ َيكْ ُتبَ َكمَا عَّلمَهُ اللّهُ { إذا طلب منه وإن لم يطلب منه‬
‫وتعين } فَلْ َيكْ ُتبْ {‪.‬‬
‫وهذه علة المرين الثنين‪ ،‬وما دامت الكتابة للتوثيق في الدّيْن؛ فمن الضعيف؟ إنه المدين‪،‬‬
‫والكتابة حجة عليه للدائن‪ ،‬لذلك يحدد ال الذي يملل‪ :‬الذي عليه الديْن‪ ،‬أي يملي الصيغة التي‬
‫حقّ { ولماذا ل يملي الدائن؟ لن المدين عادة في مركز‬
‫تكون حجة عليه } وَلْ ُيمِْللِ الّذِي عَلَ ْيهِ الْ َ‬
‫الضعف‪ ،‬فلعل الدائن عندما تأتي لحظة كتابة ميعاد السداد فقد يقلل هذا الميعاد‪ ،‬وقد يخجل المدين‬
‫أن يتكلم ويصمت؛ لنه في مركز الضعف‪ .‬ويختار ال الذي في مركز الضعف ليملي صيغة‬
‫الديْن‪ ،‬يملي على راحته‪ ،‬ويضمن أل يُؤخذ بسيف الحاجة في أن موضع من المواضع‪.‬‬
‫لكن ماذا نفعل عندما يكون الذي عليه الديْن سفيها أو ضعيفا أو ل يستطيع أن يمل هو؟ إن الحق‬
‫ل وَلِيّهُ‬
‫ضعِيفا َأ ْو لَ يَسْ َتطِيعُ أَن ُي ِملّ ُهوَ فَلْ ُيمِْل ْ‬
‫سفِيها َأ ْو َ‬
‫حقّ َ‬
‫يضع القواعد } فَإن كَانَ الّذِي عَلَ ْيهِ الْ َ‬
‫بِا ْلعَ ْدلِ { والسفيه هو البالغ مبلغ الرجال إل أنه ل يمتلك أهلية التصرف‪ .‬والضيف هو الذي ل‬
‫يملك القدرة التي تُبلغه أن يكون ناضجا النضج العقلي للتعامل‪ ،‬كأن يكون طفل صغيرا‪ ،‬أو شيخا‬
‫بلغ من الكبر حتى صار ل يعلم من بعد علمه شيئا‪ ،‬أو ل يستطيع أن يمل‪ .‬أي أخرس فيقول‬
‫بالملء الولي أو القي ّم أو الوصيّ‪.‬‬
‫شهِيدَيْنِ مّن رّجَاِلكُمْ فَإِن لّمْ َيكُونَا َرجُلَيْنِ‬
‫شهِدُواْ َ‬
‫ويأتي التوثيق الزائد‪ :‬بقوله ـ تعالى ـ‪ } :‬وَاسْ َت ْ‬
‫حدَا ُهمَا فَتُ َذكّرَ ِإحْدَا ُهمَا الُخْرَىا {‪.‬‬
‫ضلّ إِ ْ‬
‫شهَدَآءِ أَن َت ِ‬
‫ضوْنَ مِنَ ال ّ‬
‫ل وَامْرَأَتَانِ ِممّن تَ ْر َ‬
‫جٌ‬
‫فَرَ ُ‬
‫شهِدُواْ { نستشهد ونكتب‪ ،‬لنه سبحانه يريد‬
‫ولننظر إلى الدقة في التوثيق عندما يقول الحق‪ } :‬وَاسْتَ ْ‬
‫بهذا التوثيق أن يؤمّن الحياة القتصادية عند غير الواجد؛ لن الحاجة عندما تكون مؤمّنَة عند غير‬
‫الواجد فالدولب يمشي وتسير حركة الحياة القتصادية؛ لن الواجد هو القليل‪ ،‬وغير الواجد هو‬
‫الكثير‪ ،‬فكل فكر جاد ومفيد يحتاج إلى مائة إنسان ينفذون التخطيط‪.‬‬
‫أن الجيب الواجد الذي يصرف يحتاج إلى مائة لينفذوا‪ ،‬ولهذا تكون الجمهرة من الذين ل يجدون‪،‬‬
‫وذلك حتى يسير نظام الحياة؛ لن ال ل يريد أن يكون نظام الحياة تفضل من الخلق على الخلق‪،‬‬
‫إنما يريد ال نظام الحياة نظاما ضروريا؛ فالعامل الذي ل يعول أسرة قد ل يخرج إلى العمل‪،‬‬
‫لذلك فالحق يربط خروج العامل بحاجته‪.‬‬
‫إنه يحتاج إلى الطعام ورعاية نفسه وأسرته فيخرج اضطرارا إلى العمل‪ ،‬وبتكرار المر يعشق‬
‫عمله‪ ،‬وحين يعشق العمل فهو يحب العمل في ذاته‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبذلك ينتقل من الحاجة إلى العمل‪ ،‬إلى حب العمل في ذاته‪ ،‬وإذا ما أحب العمل في ذاته‪ ،‬فعجلة‬
‫شهِيدَيْنِ مّن رّجَاِلكُمْ {‪.‬‬
‫شهِدُواْ َ‬
‫الحياة تسير‪ .‬والحق سبحانه حين يحدد الشهود بهذا القول‪ } :‬وَاسْ َت ْ‬
‫شهِيدَيْنِ { ولم يقل " شاهدان "؟ لن مطلق شاهد قد يكون زورا‪ ،‬لذلك جاء‬
‫ولماذا قال الحق‪َ } :‬‬
‫الحق بصيغة المبالغة‪ .‬كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيدا‪ .‬إنه إنسان تكررت‬
‫منه الشهادة العادلة؛ واستأمنه الناس على ذلك‪ ،‬وهذا دليل على أنه شهيد‪ .‬وإن لم يكن هناك‬
‫شهَدَآءِ {‪.‬‬
‫ضوْنَ مِنَ ال ّ‬
‫ل وَامْرَأَتَانِ ِممّن تَ ْر َ‬
‫جٌ‬
‫شهيدان من الرجال فالحق يحدد لنا } فَرَ ُ‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا على قدر طاقتنا أي من نرضى نحن عنهم‪ ،‬وعلل الحق‬
‫حدَا ُهمَا فَتُ َذكّرَ ِإحْدَا ُهمَا الُخْرَىا {؛ لن‬
‫ضلّ إِ ْ‬
‫مجيء المرأتين في مقابل رجل بما يلي‪ } :‬أَن َت ِ‬
‫الشهادة هي احتكاك بمجتمع لتشهد فيه وتعرف ما يحدث‪ .‬والمرأة بعيدة عن كل ذلك غالبا‪.‬‬
‫أن الصل في المرأة أل علقة لها بمثل هذه العمال‪ ،‬وليس لها شأن بهذه العمليات‪ ،‬فإذا ما‬
‫اضطرت المور إلى شهادة المرأة فلتكن الشهادة لرجل وامرأتين؛ لن الصل في فكر المرأة أنه‬
‫غير مشغول بالمجتمع القتصادي الذي يحيط بها‪ ،‬فقد تضل أو تنسى إحداهما فتذكر إحداهما‬
‫الخرى‪ ،‬وتتدارس كلتاهما هذا الموقف‪ ،‬لنه ليس من واجب المرأة الحتكاك بجمهرة الناس‬
‫وبخاصة ما يتصل بالعمال‪.‬‬
‫شهَدَآءُ ِإذَا مَا دُعُواْ { فكما قال الحق عن الكاتب أل يمتنع عن‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪َ } :‬ولَ يَ ْأبَ ال ّ‬
‫توثيق الديْن‪ ،‬كذلك الشهادة على هذا الديْن‪ .‬وكيف تكون الشهادة‪ ،‬هل هي في الداء أو التحمل؟‬
‫إن هنا مرحلتين‪ :‬مرحلة تحمل‪ ،‬ومرحلة أداء‪.‬‬
‫وعندما نطلب من واحد قائلين‪ :‬تعال اشهد على هذا الديْن‪ .‬فليس له أن يمتنع‪ ،‬وهذا هو التحمل‪.‬‬
‫وبعدما وثقنا الديْن‪ ،‬وسنطلب هذا الشاهد أمام القاضي‪ ،‬والوقوف أمام القاضي هو الداء‪ .‬وهكذا‬
‫ل يأبى الشهداء إذا ما دعوا تحمل أو أداءً‪.‬‬
‫لكن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن كل نفس بشرية لها مجال حركتها في الوجود ويجب أل تطغى‬
‫حركة حدث على حدث‪ ،‬فالشاهد حين يُستدعى ـ بضم الياء ـ ليتحمل أول أو ليؤدي ثانيا ينبغي‬
‫ألّ تتعطل مصالحه؛ إن مصالحه ستتعطل؛ لنه عادل‪ ،‬ولنه شهيد‪ ،‬لذلك يضع ال لذلك المر‬
‫شهِيدٌ {‪.‬‬
‫حدا فيقول‪َ } :‬ولَ ُيضَآرّ كَا ِتبٌ َولَ َ‬
‫إذن فالشهادة هنا تتطلب أن نحترم ظرف الشاهد‪ .‬فإن كان عند الشاهد عمل أو امتحان أو صفقة‬
‫أو غير ذلك‪ ،‬فلنا أن نقول للشاهد‪ :‬إما أن تتعين في التحمل حيث ل يوجد من يوثق به ويطمأن‬
‫إليه أما في الداء فأنت مضطر‪.‬‬
‫إن الشاهد يمكنه أن يذهب إلى أمره الضروري الذي يجب أن يفعله‪ ،‬فل يطغى حدث على حدث‪،‬‬
‫لذلك علينا أن نبحث عن شاهد له قدرة السيطرة على عمله بدرجة ما‪ .‬وإن لم نجد غيره‪ ،‬فماذا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يكون الموقف؟‬
‫جعْل " يعوض عليه ما‬
‫شهِيدٌ { إذن فعلينا أن نبحث له عن " ُ‬
‫لقد قال الحق‪َ } :‬ولَ ُيضَآرّ كَا ِتبٌ َولَ َ‬
‫فاته‪ ،‬فل نلزمه أن يعطل عمله وإل كانت عدالته وَبالً عليه‪ ،‬لن كل إنسان يُطلب للشهادة تتعطل‬
‫أعماله ومصالحه‪ .‬وال ل يحمي الدائن والمدين ليضر الكاتب أو الشهيد‪.‬‬
‫وقوله الحق لكلمة‪ُ } :‬يضَآرّ { فمن الممكن أن تأتي الكلمة على وجهين في اللغة‪ ،‬فمرة تأتي }‬
‫ُيضَآرّ { بمعنى أن الضرر يأتي من الكاتب أو الشهيد‪ ،‬ومرة أخرى تأتي كلمة } ُيضَآرّ { بمعنى‬
‫الضرر يقع على الكاتب أو الشهيد‪ .‬فاللفظ واحد‪ ،‬ولكن حالة اللفظ بين الدغام الذي هو عليه‬
‫شهِيدٌ‬
‫حسب قواعد اللغة وبين فكه هي التي تُبَيّنُ لنا اتجاه المعنى‪ .‬فإن قلنا‪ } :‬وَلَ ُيضَآرّ كَا ِتبٌ وَلَ َ‬
‫{ ـ بكسر الراء ـ‪ ،‬فالمعنى في هذه الحالة هو أن يقع الضرر من الكاتب فيكتب غير الحق‪ ،‬أو‬
‫أن يقع الضرر من الشهيد فيشهد بغير العدل‪.‬‬
‫شهِيدٌ { ـ بفتح الراء ـ فالمنهي عنه هو أن يقع الضرر على‬
‫وإن قلنا‪َ } :‬ولَ ُيضَآرّ كَا ِتبٌ َولَ َ‬
‫الكاتب أو الشهيد من الذين تؤدي الكتابة غرضا لهم‪ ،‬وتؤدي الشهادة واجبا بالنسبة لهم؛ ليضمن‬
‫الدائن دَيْنه‪ ،‬وليستوثق أن أداءه محتم‪.‬‬
‫والكاتب والشهيد شخصان لهما في الحياة حركة‪ ،‬ولكل منهما عمل يقوم به ليؤدي مطلوبات‬
‫الحياة‪ ،‬فإذا عُلِمَ ـ بضم العين وكسر اللم وفتح الميم ـ أنه كاتب أو شهد بأنه عادل‪ ،‬عند ذلك‬
‫يتم استدعاؤه في كل وقت من أصحاب المصلحة في المداينة‪ ،‬وربّما تعطلت مصالح الكاتب أو‬
‫الشهيد‪.‬‬
‫ويريد ال أن يضمن لذلك الكاتب أو الشهيد ما يبقى على مصلحته‪ .‬ولذلك أخذت القوانين‬
‫الوضعية من القرآن الكريم هذا المبدأ‪ ،‬فهي إن استدعت شاهدا من مكان ليشهد في قضية فإنّها‬
‫تقوم له بالنفقة ذهابا وبالنفقة إيابا‪ ،‬وإن اقتضى المر أن يبيت فله حق المبيت وذلك حتى ل‬
‫يضار‪ ،‬وهو يؤدي الشهادة‪ ،‬وحتى ل يتعطل الشاهد عن عمله أو يصرف من جيبه‪.‬‬
‫ويريد الحق سبحانه وتعالى أيضا أن يضمن مصالح الجميع ل مصلحة جماعة على حساب‬
‫جماعة‪.‬‬
‫ويقول الحق في هذه " المضارة "‪ } :‬وَإِن َت ْفعَلُواْ فَإِنّهُ فُسُوقٌ ِبكُمْ { أي وإن تفعلوا الضرر من هذا‬
‫أو من ذاك فإنه فسوق بكم‪ ،‬إنه سبحانه يحذر أن يقع الضرر من الكاتب أو الشهيد‪ ،‬أو أن يقع‬
‫الضرر على الكاتب أو الشهيد‪.‬‬
‫ففعل الضرر فسوق‪ ،‬أي خروج عن الطاعة‪.‬‬
‫والصل في " الفسق " هو خروج الرطبة من قشرتها‪ ،‬فالبلح حين يرطب تكون القشرة قد خلعت‬
‫عن الصل من البلحة‪ ،‬فتخرج الثمرة من القشرة فيقال‪ " :‬فسقت الرطبة "‪ .‬ومنها أخذ معنى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الفسوق وهو الخروج عن طاعة ال في كل ما أمر‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَا ّتقُواْ اللّهَ { وعلمنا من قبل معنى كلمة " التقوى " حين يقول‬
‫جعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ { ‪ ،‬وكل‬
‫ال‪ } :‬وَا ّتقُواْ اللّهَ { أو يقول سبحانه‪ } :‬وَاتّقُواْ النّارَ { } وَا ّتقُواْ َيوْما تُ ْر َ‬
‫هذه المعاني مبنية على الوقاية من صفات جلل ال‪ ،‬وجبروته‪ ،‬وقهره‪ ،‬وإذا قلنا‪ } :‬وَاتّقُواْ النّارَ‬
‫{ فالنار من جنود صفات القهر ل‪ ،‬فـ } وَا ّتقُواْ اللّهَ { هي بعينها } وَا ّتقُواْ النّارَ { هي بعينها }‬
‫جعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ {‪.‬‬
‫وَاتّقُواْ َيوْما تُرْ َ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ } :‬وَاتّقُواْ اللّ َه وَ ُيعَّل ُمكُمُ اللّهُ {‪ .‬وهنا مبدأ إيماني يجب أن نأخذه في كل تكليف‬
‫من ال؛ فإن التكاليف إن جاءت من بشر لبشر‪ ،‬فأنت ل تنفذ التكليف من البشر إل إن أقنعك‬
‫بحكمته وعلته؛ لن التكليف يأتي من مسا ٍو لك‪ ،‬ول توجد عقلية أكبر من عقلية‪ ،‬وقد تقول لمن‬
‫يكلفك‪ :‬ولماذا أكون تبعا لك وأنت ل تكون تبعا لي؟ إنك إذا أردت أن تكلفني بأمر من المور‬
‫وأنت مساو لي في النسانية والبشرية وعدم العصمة فل بد أن تقنعني بحكمة التكليف‪.‬‬
‫أما إن كان التكليف من أعلى وهو الحق سبحانه وهو ال الذي آمنا بقدرته وعلمه وحكمته وتنزهه‬
‫عن الغرض العائد عليه فالمؤمن في هذه الحالة يأخذ المر قبل أن يبحث في الحكمة؛ لن الحكمة‬
‫في هذا المر أنه صادر من ال‪ ،‬وحين ينفذ المؤمن التكليف الصادر من ال فسيعلم سر هذه‬
‫الحكمة فيما بعد؛ فأسرار الحكم عند ال تأتي للمؤمن بعد أن يقبل على تنفيذ التكاليف اليمانية‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه ـ على سبيل المثال ـ ل يقنع العبد بأسرار الصوم‪ ،‬ولكن إن صام العبد المؤمن‬
‫كما قال ال وعند ممارسة المؤمن لعبادة الصوم سيجد أثر حكمة الصوم في نفسه بما ل يمكن‬
‫إقناعه به أول‪ .‬إن المؤمن حين يفعل التكليف اليماني فإن ال يعلمه حكمة التكليف‪ .‬ولنا في قوله‬
‫جعَل ّلكُمْ فُ ْرقَانا وَ ُيكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَا ِتكُمْ‬
‫سبحانه الدليل الواضح‪ {:‬يِا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِن تَ ّتقُواْ اللّهَ َي ْ‬
‫ضلِ ا ْل َعظِيمِ }[النفال‪]29 :‬‬
‫وَ َيغْفِرْ َلكُ ْم وَاللّهُ ذُو ا ْل َف ْ‬
‫إن ال سبحانه َي ِعدُ عباده المؤمنين أنهم عندما يتقونه فإنه يجعل لهم دلئل تبين لهم الحق من‬
‫الباطل ويستر عنهم السيئات ويغفر لهم‪ .‬لماذا؟ لن ال الذي يعلمنا هو الحق سبحانه العليم بكل‬
‫شيء‪.‬‬
‫وعلم ال ذاتي‪ ،‬أما علم النسان فقد يكون أثرا من ضغط الحداث عليه فيفكر النسان في تقنين‬
‫شيء يخرجه مما يكون فيه من شر ولكن علم العليم العلى سابق على ذلك لنه علم ذاتي‪.‬‬
‫وفيما سبق علمنا أن ال سبحانه وتعالى قد أعطى الديْن هذه العناية ليضمن للحياة حركتها‬
‫الطاهرة‪ ،‬حركتها السليمة؛ لن المعدم ل وسيلة له في حركة الحياة إل أمور ثلثة‪ ،‬المر الول‪:‬‬
‫ال ّرفْدُ أي عطاء تطوعي يستعين به على حركة الحياة‪ .‬والمر الثاني‪ :‬الفرض الذي فرضه ال في‬
‫الزكاة‪ .‬والمر الثالث‪ :‬القرض الذي شرعه‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فعندما ل يجد المؤمن المعدم الرفد أو الفرض فماذا يكون بعد ذلك؟ إنه القرض‪ .‬إذن فالقرض هو‬
‫المفزَع الثالث للحركة القتصادية عند المعدمين‪ .‬وعرفنا أن القرض عند ال يفوق ويعلو الصدقة‬
‫في الثواب؛ لن الصدقة حين تتصدق بها تكون قد خرجت من نفسك من أول المر فل مشغولية‬
‫لذهنك بعد ذلك‪ ،‬ولكن القرض نفسك تكون متعلقة به؛ لنك ل تزال مالكا له‪ ،‬وكلما صبرت عليه‬
‫أخذت ثوابا من ال على كل صبرة تصبرها على المدين‪.‬‬
‫وعرفنا كذلك أن الحق سبحانه وتعالى قد استوثق لعملية الديْن استيثاقا يجب أن نفهمه من وجهيه‪،‬‬
‫الوجه الول‪ :‬أنه يحفظ بذلك ثمرة حركة المتحرك في الحياة وهي أن يتمول‪ ،‬أي أن يكون عنده‬
‫مال؛ فإن لم َنحْم له ثمرة حركته في الحياة استهان بالحركة‪ ،‬وإذا استهان بالحركة تَعطلت مصالح‬
‫كثيرة؛ لن حركة المتحرك في الحياة تنفع بشرا كثيرين قصد المتحرك ذلك أو لم يقصد‪ ،‬وضربنا‬
‫المثل بمن يريد بناء عمارة‪ ،‬وعنده مال‪ ،‬فيسلط ال عليه خاطرا من خواطره مصداقا لقوله‬
‫الحق‪َ {:‬ومَا َيعْلَمُ جُنُودَ رَ ّبكَ ِإلّ ُهوَ }[المدثر‪]31 :‬‬
‫فيقول‪ :‬ولماذا أكنز المال؟ ولماذا ل أبني عمارة أستفيد من إيجارها؟‪ .‬وبذلك ل يتناقص المال بل‬
‫يزيد‪ .‬وليس في بال ذلك الرجل أن ينفعَ أحدا‪ .‬إن باله مشغول بأن ينفع نفسه‪ ،‬لكن حركته وإن لم‬
‫يقصد نفعَ الغير ستنفع الغير‪ ..‬فالذي يحفر الرض سيأخذ أجرا لذلك‪ ،‬والذي يضرب الطوب‬
‫سيأخذ أجرا لذلك‪ ،‬وكل من يشترك في عمل لقامة هذا البنيان من بناء أو إدخال كهرباء أو‬
‫توصيل مياه أو تحسين وتجميل كل واحد من هؤلء سيأخذ أجره‪ ،‬وبذلك يستفيد الجميع وإن لم‬
‫يقصد المتحرك في الحياة‪.‬‬
‫إذن فالحق يريد أن يحمي حركة المتحرك في الحياة لنه لو لم يحم ال ثمرة حركته في الحياة؛‬
‫لكتفى المتحرك في حركته بما يقوته ويقوت من يقول‪ ،‬ويبقى الضعيف في الحياة؛ فمن ذا‬
‫يعوله؟‪ .‬إذن لبد أن يضمن للمتحرك ماله حتى يتشجع على الحركة إن ال الذي وهب الناس‬
‫أرزاقهم‪ ،‬عندما يطلب من القوي المتحرك أن يعطي أخاه الضعيف المحتاج قرضا‪ ،‬ل يقول ال‪" :‬‬
‫اقرض المحتاج " ‪ ،‬ولكنه جل وعل يقول‪:‬‬
‫{ مّن ذَا الّذِي ُيقْرِضُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا }[البقرة‪]245 :‬‬
‫إن ال سبحانه وتعالى قد احترم حركة النسان المتحرك في الحياة وجعل المال مال المتحرك‪ ،‬فل‬
‫يقول ال للمتحرك‪ :‬أعط المحتاج من المال الذي وهبتك إياه‪ .‬ل‪ ،‬إنه مال المتحرك‪ ،‬ويقول ال‬
‫للمتحرك‪ :‬اقرضني لن أخاك في حاجة إليه‪ ،‬كما نقول للتقريب ل للتشبيه ـ ول المثل العلى ـ‬
‫أنت تأخذ من حصالة ابنك لمصلحة أخيه‪ ،‬وتعد ابنك الذي أخذت من حصالته أنك سوف تعطيه‬
‫الكثير‪ .‬والمال الذي أخذته من حصالة ابنك قرضا أنت الذي أعطيته له أول‪.‬‬
‫إذن فال يريد أن يحمي حركة الحياة‪ ،‬وإن لم نحم حركة الحياة‪ ،‬ل يكون كل إنسان آمنا على ثمرة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حركته‪ ،‬فستفسد الحياة كلها ويستشري الضغن والحقد والذي يقول ال سبحانه وتعالى‪َ {:‬ولَ َيسْأَ ْلكُمْ‬
‫ضغَا َنكُمْ }[محمد‪]37-36 :‬‬
‫ح ِفكُمْ تَبْخَلُو ْا وَيُخْرِجْ َأ ْ‬
‫َأ ْموَاَلكُمْ * إِن َيسْأَ ْل ُكمُوهَا فَ ُي ْ‬
‫وساعة يتفشى الضغن في المجتمع فل فائدة في هذا المجتمع أبدا‪ .‬إذن فالحق حين يوثق الديْن‬
‫يريد أن يحمي حركة المتحرك؛ لن الناس تختلف فيما بينها في الحركات الطموحية‪ .‬ول توجد‬
‫الحركات الطموحية في كل الناس‪ ،‬بل توجد في بعضهم‪ ،‬فلنستغل حركة الطموح عند بعض‬
‫الناس؛ لنهم سيفيدون المجتمع‪ :‬قصدوا ذلك أو لم يقصدوا‪.‬‬
‫وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يحمي أيضا النسان من نفسه؛ لنه إن علم أن الديْن الذي‬
‫عليه موثق‪ ،‬ول وسيلة لنكاره حاول جاهدا أن يتحرك في الحياة ليؤديه‪ .‬وحين يتحرك النسان‬
‫ليؤدي عن نفسه الدين فإن ذلك يزيد الحركة في الحياة‪،‬ويزداد النفع‪ .‬وهكذا نرى أن ال أراد‬
‫بالتوثيق للدين حماية المديْن من نفسه؛ لن المدين قد تطرأ عليه ظروف فيماطل‪ ،‬وإذا ما ماطل‬
‫فلن تكون الخسارة فيه وحده‪ ،‬ولكنه سيصبح أسوة عند جميع الناس وسيقول كل من عنده مال‪ :‬ل‬
‫أعطي أحدا شيئا لن فلنا الغني مثلي قد أعطى فلنا الفقير وماطله وأكله‪ ،‬وعند ذلك تتوقف‬
‫حركة الحياة ولكن إذا كان الدين موثقا ومكتوبا فإن المدين يكون حريصا على أدائه‪ .‬وال يريد أن‬
‫يضمن لحركة الحياة دواما واستمرارا شريفا نظيفا‪ .‬ولذلك نجد في آية الدّين أن كلمة " الكتابة "‬
‫ومادتها " الكاف والتاء والباء " تتكرر أكثر من مرة بل مرات كثيرة‪.‬‬
‫ل َولَ يَ ْأبَ‬
‫سمّى فَاكْتُبُوهُ وَلْ َيكْتُب بّيْ َنكُمْ كَا ِتبٌ بِا ْلعَ ْد ِ‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫} ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِإذَا تَدَايَنتُم ِبدَيْنٍ إِلَىا أَ َ‬
‫ق وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلَ يَ ْبخَسْ مِنْهُ شَيْئا‬
‫حّ‬
‫ب وَلْ ُيمِْللِ الّذِي عَلَيْهِ الْ َ‬
‫كَا ِتبٌ أَنْ َيكْ ُتبَ َكمَا عَّلمَهُ اللّهُ فَلْ َيكْ ُت ْ‬
‫شهِدُواْ‬
‫ل وَلِيّهُ بِا ْل َع ْدلِ وَاسْ َت ْ‬
‫ضعِيفا َأ ْو لَ يَسْ َتطِيعُ أَن ُي ِملّ ُهوَ فَلْ ُيمِْل ْ‬
‫سفِيها َأ ْو َ‬
‫فَإن كَانَ الّذِي عَلَ ْيهِ ا ْلحَقّ َ‬
‫ضلّ‬
‫شهَدَآءِ أَن َت ِ‬
‫ل وَامْرَأَتَانِ ِممّن تَ ْرضَوْنَ مِنَ ال ّ‬
‫جٌ‬
‫شهِيدَيْنِ مّن رّجَاِلكُمْ فَإِن لّمْ َيكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَ ُ‬
‫َ‬
‫صغِيرا أَو‬
‫شهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُو ْا َولَ َتسَْأمُواْ أَن َتكْتُبُوهُ َ‬
‫حدَا ُهمَا فَتُ َذكّرَ ِإحْدَا ُهمَا الُخْرَىا َولَ يَ ْأبَ ال ّ‬
‫إِ ْ‬
‫شهَا َد ِة وَأَدْنَىا َألّ تَرْتَابُواْ ِإلّ أَن َتكُونَ تِجَا َرةً حَاضِ َرةً‬
‫سطُ عِندَ اللّ ِه وََأقْومُ لِل ّ‬
‫كَبِيرا إِلَىا َأجَلِهِ ذَِلكُمْ َأقْ َ‬
‫شهِي ٌد وَإِن‬
‫ب َولَ َ‬
‫شهِدُواْ إِذَا تَبَا َيعْ ُت ْم َولَ ُيضَآرّ كَا ِت ٌ‬
‫تُدِيرُو َنهَا بَيْ َنكُمْ فَلَيْسَ عَلَ ْيكُمْ جُنَاحٌ َألّ َتكْتُبُوهَا وََأ ْ‬
‫علِيمٌ { [البقرة‪]282 :‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫َت ْفعَلُواْ فَإِنّهُ ُفسُوقٌ ِبكُ ْم وَا ّتقُواْ اللّ َه وَ ُيعَّل ُمكُمُ اللّ ُه وَاللّهُ ِب ُكلّ َ‬
‫وهذا التكرار في هذه الية لعملية الكتابة يؤصل العلقة بين الناس؛ فالكتابة هي عمدة التوثيق‪،‬‬
‫وهي التي ل تغش‪ ،‬لنك إن سجلت شيئا على ورقة فلن تأتي الورقة لتنكر ما كتبته أنت فيها‪،‬‬
‫ولكن المر في الشهادة قد يختلف‪ ،‬فمن الجائز أن يخضع الشاهد لتأثير ما فينكر الحقيقة‪ ،‬ولذلك‬
‫فإن الحق يعطينا قضية إيمانية جديدة حين يقول‪ " :‬أن يكتب كما علمه ال " أي أن يكتب الكاتب‬
‫على وفق ما علمه ال‪ ،‬فكأنه لبد أن يكون فقيها عالما بأمور الكتابة‪ ،‬أو " كما علمه ال " أي أنّ‬
‫ال أحسن إليه وعلمه الكتابة دون غيره‪ ،‬فكما أحسن ال إليه بتعلم الكتابة فليحسن ولْ ُيعَدّ أثر الكتابة‬
‫إلى الغير‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وليست المسألة مسألة كتابة فقط‪ ،‬إنما ذلك يشمل ويضم كل شيء أو موهبة خص ال بها فردا من‬
‫الناس من مواهب ال على خلقه؛ فالمؤمن هو من يعمل على أن يعدي أثر النعمة والموهبة إلى‬
‫الغير‪ .‬وعليك أن تعدي أثر مواهب الغير إليك فتنفع بها سواك‪ ،‬وبذلك يشيع الخير ويعم النفع‬
‫لنك إن أخذت موهبة فستأخذ موهبة واحدة تكفيك في زاوية واحدة من زوايا حياتك‪ ،‬وعندما‬
‫تعديها للجميع وتنقلها إليهم فيعدي الجميع مواهبهم المجتمعة لمصلحتك‪ ،‬فأيهما أكسب؟‬
‫حين تعدي وتنقل موهبتك إلى الناس‪ ،‬تكون أنت الكثر كسبا؛ لن الجميع يعدون وينقلون مواهبهم‬
‫إليك‪ .‬وإذا أتقنت صنعك للناس فالصنعة التي في يدك واحدة‪ ،‬وعندما تتقنها فإن ال يسلط جنود‬
‫الخواطر على كل من يصنع لك شيئا أن يتقنه‪ ،‬كما أتقنْت أنت لسواك‪ .‬وبعد ذلك يعلمنا الحق‬
‫جدُواْ كَاتِبا فَرِهَانٌ‬
‫سفَرٍ وَلَمْ تَ ِ‬
‫سبحانه شدة الحرص على التوثيق فيقول‪ } :‬وَإِن كُنتُمْ عَلَىا َ‬
‫ّمقْبُوضَةٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)284 /‬‬
‫ضكُمْ َب ْعضًا فَلْ ُيؤَدّ الّذِي اؤْ ُتمِنَ‬
‫سفَ ٍر وَلَمْ َتجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ َمقْبُوضَةٌ فَإِنْ َأمِنَ َب ْع ُ‬
‫وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى َ‬
‫شهَا َد َة َومَنْ َيكْ ُت ْمهَا فَإِنّهُ آَ ِثمٌ قَلْبُ ُه وَاللّهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ عَلِيمٌ (‪)283‬‬
‫َأمَانَتَ ُه وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّ ُه وَلَا َتكْ ُتمُوا ال ّ‬

‫والسفر كما نعلم هو خروج عن رتابة الحياة في المواطن‪ ،‬ورتابة الحياة في الموطن تجعل‬
‫النسان يعلم تمام العلم مقومات حياته‪ ،‬لكن السفر يخرج النسان عن رتابة الحياة فل يتمكن من‬
‫كثير من الشياء التي يتمكن بها في القامة‪ .‬فهب أنك مسافر‪ ،‬واضطررت إلى أن تستدين‪ ،‬ول‬
‫يوجد كاتب ول يوجد شهيد‪ ،‬فماذا يكون الموقف؟ هاهو ذا الحق يوضح لك‪ { :‬فَرِهَانٌ ّمقْبُوضَةٌ }‪.‬‬
‫إذن فلم يترك ال مسألة الديْن حتى في السفر فلم يشرّع فقط للقامة ولكن الحق قد شرّع أيضا‬
‫للسفر { فَ ِرهَانٌ ّمقْبُوضَةٌ } وهكذا الكتابة‪ ،‬والشهادة في القامة والرهان المقبوضة في السفر هدفها‬
‫حماية النسان أمام ظروف ضغط المجتمع‪.‬‬
‫ولكن هل يمنع الحق سبحانه وتعالى طموحية اليثار؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى رجولية‬
‫التعامل؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى المروءات من أن تتغلغل في الناس؟ ل‪ .‬إنه الحق سبحانه‬
‫ضكُم َبعْضا فَلْ ُيؤَدّ الّذِي اؤْ ُتمِنَ َأمَانَتَهُ } إنه الطموح اليماني‪ ،‬لم َيسُدّ ال مسألة‬
‫يقول‪ { :‬فَإِنْ َأمِنَ َب ْع ُ‬
‫المروءة واليثار في التعامل‪ .‬إن كتابة الديْن والشهاد والرهن ليس إلزاما لن ال قال‪ { :‬فَإِنْ َأمِنَ‬
‫ضكُم َبعْضا فَلْ ُي َؤدّ الّذِي اؤْ ُتمِنَ َأمَانَتَهُ }‪ .‬وأيضا قد نفهم أن الذي اؤتمن هو المدين‪ ،‬وهنا نقول‪:‬‬
‫َب ْع ُ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل‪ ،‬إن المر مختلف‪ ،‬فهنا رهان‪ ،‬وذلك معناه وجود مسألتين‪ ،‬المسألة الولى هي " الديْن " ‪،‬‬
‫والمسألة الثانية هي " الرهان المقبوضة " وهي مقابل الديْن‪ .‬فواحد مأمون على الرهن في يده‪.‬‬
‫والخر مأمون على الديْن‪ .‬ولهذا يكون القول الحكيم مقصودا به من بيده الرهن‪ ،‬ومن بيده الدّيْن‬
‫ومعنى ذلك أن يؤدي مَن معه الرهن أمانته‪ ،‬وأن يؤدي الخر ديْنه‪ .‬وحين نرتقي إلى هذا‬
‫المستوى في التعامل فإن وازع النسان ليس في التوثيق الخارج عن ذات النفس‪ ،‬ولكنه التوثيق‬
‫اليماني بالنفس‪ ،‬ولكن أنضمن أن يوجد التوثيق اليماني عند كل الناس؟‪.‬‬
‫أنضمن الظروف؟‪ .‬نحن ل نضمن الظروف‪ ،‬فقد توجد المانة اليمانية وقت التحمل والخذ‪ ،‬ول‬
‫نضمن أن توجد المانة اليمانية وقت الداء فقد يأتي واحد ويقول لك‪ :‬إن عندي مائة جنيه وخذها‬
‫أمانة عندك‪.‬‬
‫ومعنى " أمانة " أنه ل يوجد صك‪ ،‬ول شهود‪ ،‬وتكون الذمة هي الحكم‪ ،‬فإن شئت أقررت بهذه‬
‫الجنيهات المائة‪ ،‬وإن شئت أنكرتها‪ .‬إن الرجل الذي يفعل معك ذلك إنما يطلب منك توثيق المائة‬
‫جنيه في الذمة اليمانية‪ ،‬ومن الجائز أن تقول له لحظة أن يفعل معك ذلك‪ :‬نعم سأحتفظ لك بالمائة‬
‫جنيه بمنتهى المانة‪ .‬وتكون نيتك أن تؤديها له ساعة أن يطلبها‪ ،‬ولكنك ل تضمن ظروف الحياة‬
‫بالنسبة لك‪ ،‬وأنت كإنسان من الغيار‪ .‬ومن الجائز أن تضغط عليك الحياة ضغطا يجعلك تماطل‬
‫معه في أداء المانة‪ ،‬أو يجعلك تنكرها‪ ،‬فتقول لمن ائتمنك‪:‬‬
‫ابعد عني؛ أنا ل أملك نفسي في وقت الداء‪ ،‬وإن ملكت نفسي وقت التحمل‪.‬‬
‫والمانة هي القضية العامة في الكون‪ ،‬وإن كانت خاصة الن بالنسبة للية الكريمة التي نحن‬
‫بصددها والحق ـ سبحانه ـ يعرضها بعمومها على الكون كله فيقول ـ جل شأنه ـ‪ {:‬إِنّا‬
‫حمََلهَا الِنْسَانُ‬
‫شفَقْنَ مِ ْنهَا وَ َ‬
‫حمِلْ َنهَا وَأَ ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن َي ْ‬
‫لمَانَةَ عَلَى ال ّ‬
‫عَ َرضْنَا ا َ‬
‫جهُولً }[الحزاب‪]72 :‬‬
‫إِنّهُ كَانَ ظَلُوما َ‬
‫إن الكون كله أشفق على نفسه من تحمل المانة وهذا يعني أن المانة سوف تكون عرضة‬
‫للتصرف والختيار‪ ،‬ول كائن في الكون قد ضمن لنفسه القدرة على الوفاء وقت الداء‪ .‬لقد‬
‫أعلنت الكائنات قولها فأبين تحمّل المانة وكأنها قالت‪ :‬إنّا يا ربنا نريد أن نكون مسخرين‬
‫مقهورين ل اختيار لنا؛ ولذلك نجد الكون كله يؤدي مهمته كما أرادها ال‪ ،‬ما عدا النسان‪ ،‬أي‬
‫أنه الذي قبل بما له من عقل وتفكير أن يتحمل أمانة الختيار‪ ،‬وبلسان حاله أو بلسان مقاله قال‪:‬‬
‫إنني قادر على تحمل المانة؛ لني أستطيع الختيار بين البدائل‪.‬‬
‫وهنا نُ َذكّر النسان‪ :‬إنك قد تكون قويا لحظة التحمل‪ ،‬ولكن ماذا عن حالك وقت الداء؟ لذلك قال‬
‫جهُولً { لقد ظلم النسان نفسه حيث حمل‬
‫حمََلهَا الِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوما َ‬
‫ال عن النسان‪ } :‬وَ َ‬
‫المانة ولم يف بها فلذلك فهو ظلوم‪ .‬وهو جهول لنه قدّ َر وقت التحمل‪ ،‬ولم يقدّر وقت الداء‪ ،‬أو‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضمنها ثم خاس وخالف ما عاهد نفسه على أدائها‪.‬‬
‫إذن فالنسان وإن كان واثقا أنه سيؤدي المانة إلّ أنه عرضة للغيار‪ ،‬لذلك قال الحق سبحانه‪} :‬‬
‫سطُ عِندَ اللّهِ { فالكتابة فرصة ليحمي‬
‫صغِيرا أَو كَبِيرا إِلَىا َأجَلِهِ ذَِلكُمْ َأقْ َ‬
‫وَلَ تَسَْأمُواْ أَن َتكْتُبُو ُه َ‬
‫النسان نفسه من الضعف وقت الداء‪ ،‬فال سبحانه وتعالى يريد أن يوثق المر توثيقا ل يجعلك‬
‫أيها العبد خاضعا لذمتك اليمانية فقط‪ ،‬ولكنّك تكون خاضعا للتوثيق الخارج عن إيمانيتك أيضا‪،‬‬
‫وذلك يكون بكتاب الدين صغيرا أو كبيرا إلى أجله‪.‬‬
‫شهَا َدةَ { وهذه الكلمة } َولَ َتكْ ُتمُواْ { إنما هي أداء معبر‪ ،‬لن‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ } :‬وَلَ َتكْ ُتمُواْ ال ّ‬
‫كلمة " شهادة " تعني الشيء الذي شهدته‪ ،‬فما دمت قد شهدت شيئا فهو واقع‪ ،‬والواقع ل يتغير‬
‫أبدا‪ ،‬ولذلك فالنسان الذي يحكي لك حكاية صدق ل يختلف قوله في هذه الحكاية حتى وإن رواها‬
‫ألف مرة؛ لنه يستوحي واقعا‪.‬‬
‫لكن الكذّاب يستوحي غير واقع‪ ،‬فيقول كلمة‪ ،‬وينسى أنه كذب من قبل فيكذب كذبة أخرى؛ لنه ل‬
‫يستوحي واقعا‪ .‬فكلمة الشهادة هي عن أمر مشهود واقع‪ ،‬وما دام المر مشهودا وواقعا‪ ،‬فإنه يلح‬
‫على نفس من يراه أن يخرج‪ ،‬فإياك أن تكبته بالكتم؛ لن كلمة " الكتم " تعني أن شيئا يحاول أن‬
‫شهَا َدةَ { فكأن الطبيعة اليمانية‬
‫يخرج وأنت تحاول كتمانه‪ ،‬لذلك يقول الحق‪َ } :‬ولَ َتكْ ُتمُواْ ال ّ‬
‫الفطرية تلح على صاحبها لتنطقه بما كان مشهودا له لنه واقع‪.‬‬
‫شهَا َد َة َومَن َيكْ ُت ْمهَا فَإِنّهُ آثِمٌ قَلْبُه {‪ .‬وقد يسأل النسان‪:‬‬
‫لذلك يأتي المر من الحق؛ } وَلَ َتكْ ُتمُواْ ال ّ‬
‫هل الكتم هنا صفة للقلب أو للنسان الذي لم يقل الشهادة؟‪.‬‬
‫إن الشاعر يقول‪:‬إن الكـلم لفـي الفـؤاد وإنـما جعـل اللسـان على الفؤاد دليلًوساعة يؤكد‬
‫ال شيئا فهو يأتي بالجارحة التي لها علقة بهذا الصدد‪ ،‬فتقول‪ :‬أنا رأيته بعيني وسمعته بأذني‪،‬‬
‫وأعطيته بيدي ومشيت له برجلي‪ .‬إنّك تذْكر الجارحة التي لها دخل في هذه المسألة‪.‬‬
‫ن كل الجوارح تخضع للقلب‪ } :‬وَاللّهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ عَلِيمٌ { أي‬
‫وعندما يقول الحق‪ } :‬فَإِنّهُ آ ِثمٌ قَلْبُه { إ ّ‬
‫أن كتمك للحقيقة لن يغير من واقع علم ال شيئا‪ ،‬وحينما تنتهي مسألة المداينة والتوثيق فيها‬
‫وظروفها سواء كانت في الموطن العادي أو في أثناء السفر فإن ال يضمن للنسان المتحرك في‬
‫الحياة حركة شريفة وطاهرة‪.‬‬
‫فإن لم تكن هذه فالمصالح تتوقف‪ ،‬ويصيبها العطل‪ ،‬فالذي ل يقدر على الحركة فماذا يصنع في‬
‫الحياة؟‪ .‬إن قلبه يمتلئ بالحقد على الواجد‪ ،‬وحين يمتلئ قلبه بالحقد على الواجد فإنه يكره النعمة‬
‫عنده‪ ،‬وحين يكره المعدم النعمة عند أخيه الواجد‪ ،‬فالنعمة نفسها تكره أن تذهب إلى من كره‬
‫النعمة عند أخيه‪ .‬إنها مسائل قد رتبها الحق سبحانه بعضها متعلق بالبعض الخر‪.‬‬
‫إن النعمة تحب المُنعم عليه ـ بضم الميم وفتح العين ـ أكثر من حب المنعم عليه للنعمة وتذهب‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى من أنعم ال عليه بها بعشق‪ ،‬فمن كره النعمة عند منعم عليه فالنعمة تستعصي عليه حتى‬
‫كأنها تقول له‪ :‬لن تنال مني خيرا‪ .‬وليجربها كل إنسان‪.‬‬
‫أحبب النعمة عند سواك فستجد نعمة الكل في خدمتك‪ ،‬إنك إنْ أحببت النعمة عند غيرك فإنها تأتي‬
‫إليك لتخدمك‪ .‬وأيضا فعلى المؤمن أن يعرف أن بعض النعم ليست وليدة كد وجهد‪ ،‬قد تكون‬
‫النعمة مجرد فضل من ال‪ ،‬يفضل به بعض خلقه‪ ،‬فحين تكرهها أنت عند المنعم عليه تكون قد‬
‫اعترضت على قدر ال في النعمة‪ .‬وحين تعترض على قدر ال في النعمة فإن الحق ـ سبحانه ـ‬
‫ل يجعلك تنتفع منها بشيء‪.‬‬
‫فإن رأيت قريبا حبس نعمته عن أقاربه فاعلم أنهم يكرهون النعمة عنده‪ .‬ولو أحبوها لسعت النعمة‬
‫إليهم‪ .‬إن المنهج اللهي يريد أن يجعل الناس كتلة متكافلة متكاملة بحيث إذا رأيت أنا النعمة‬
‫عندك ونلت منها‪ ،‬أحببتها عندك‪ ،‬وحين أحب النعمة عندك فإن العطاء يجيء من هذه النعمة إليّ‪،‬‬
‫ول تجد فارقا بين واجد ومعدم‪ .‬إنك ل تجد فارقا بين واجد ومعدم إل في مجتمع ل يؤدي حكم‬
‫ال في شيء‪.‬‬
‫لقد قلنا ذلك في مجال اضطرار النسان إلى الربا لنه لم يجد من يقرضه قرضا حسنا‪ ،‬ولم يجد‬
‫من يؤدي فرض ال له من الزكاة لتسع حاجته فاضطر أن يأخذ بالربا‪ ،‬وبذلك يدخل المجتمع‬
‫الربوي في حرب مع ال‪ ،‬وهل لحد جلد على أن يدخل في حرب مع ال؟ ل‪.‬‬
‫والمجتمع الربوي يدخل في حرب مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد حرم رسول ال صلى ال عليه وسلم ـ الربا وقال في حجة الوداع‪ " :‬إن كل ربا موضوع‬
‫ولكن رءوس أموالكم ل تظلمون ول تُظلمون قضى ال أنه ل ربا وإن ربا عباس بن عبد المطلب‬
‫موضوع كله "‪.‬‬
‫وتلك سمة سمو التشريع السماوي‪ ،‬إن التشريع البشري يحمي به صاحبه أقاربه من التقنين‪ ،‬لكن‬
‫التشريع السماوي يفرض تطبيقاته أول على القارب‪ .‬وكان السوة في ذلك سيدنا عمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬فساعة يريد عمر أن يضع التشريع فإنه يجمع أهله وأقاربه ويقول‪:‬‬
‫ـ سأقوم بعمل كذا وكذا فوالذي نفسي بيده من خالفني في شيء من هذا لجعلنه نكالً للمسلمين‪.‬‬
‫ويعلنها عمر أمام الناس‪ ،‬ولماذا أعلن عمر ذلك؟؛ لن كثيرا من الناس يجاملون أولياء المور‪،‬‬
‫وقد ل يكون أولياء المور على دراية بذلك؛ فقد نجد واحدا يدخل على قوم على أساس أنه فلن‬
‫بن فلن‪ ،‬وبالرعب يقضي هذا النسان مصالحه عند الناس برغم أنف الناس‪ .‬وقد يكون ولي‬
‫المر ل يعرف عن مثل هذا التصرف شيئا‪.‬‬
‫لكن حين يعلن ولي المر على الناس ولقاربه أنه ل تفرقة أبدا فيما يقنن وأن القانون سائر على‬
‫نفسه وعلى أهله فمن استغل اسما لولي المر أو اصطنع شيئا فالتبعة على من فعل له وعليه‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبذلك تستقيم المور‪ .‬لكن أن تظهر الحقائق في استغلل أقارب الحكام بعد انتهاء فترات حكم‬
‫الحكام‪ ،‬فهنا نقول‪ :‬ولماذا لم نعرف كل شيء من البداية؟‪ .‬وأين كانت الحقائق في وقتها؟‪.‬‬
‫إن الحاكم المسلم عليه أن يعلن للمحكومين أن القوانين إنما تُطبق عليه أولً وعلى من يعول‪ .‬هكذا‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم في حجة الوداع " وربَا الجاهلية موضوع‪ ،‬وأول ربا أضع‬
‫رِبَانا‪ ،‬رِبَا عباس عبد المطلب فإنه موضوع كله "‪.‬‬
‫وفي معركة بدر‪ ،‬أخرج الرسول صلى ال عليه وسلم أهل بيته ليحاربوا؛ لنه لو لم يخرج أحدا‬
‫من أَهل بيتهِ لقال واحد من الكفار‪ :‬إنه يحمي أهل بيته‪ ،‬ولو أن أجر الستشهاد هو الجنة فلماذا‬
‫يقدم الباعد ول يقدم أحبابه للقتال؟‬
‫لكن هاهو ذا رسول ال صلى ال عليه وسلم يقدم أقاربه وأحبابه‪ ،‬فهو العارف من ربه بأمر‬
‫الشهادة وكيف أنها تقصر على النسان متاعب الحياة وتدخل الجنة‪ .‬هكذا كانت المحاباة في صدر‬
‫السلم‪ ،‬إنها محاباة في الباقي‪ ،‬ولم تكن كمحاباة الحمقى في الفاني‪.‬‬
‫وحين يعلمنا الرسول صلى ال عليه وسلم ذلك ويضرب على أيدي المرابين فهذه هي الحرب التي‬
‫يجب أن تقوم‪ ،‬حرب من ال المالك القادر على المحاربة‪ ،‬أما الضعاف الذين ل يستطيعون القتال‬
‫فهم ل يحاربون؛ لنهم أمام خالقهم وقاهرهم فل يقدرون على حربه ولذلك يجب أن تتنبه الدولة‬
‫إلى مثل هذه المور وتقنن تقنينا إسلميا وبعد ذلك إذا لم تتسع الزكاة المفروضة إلى ما يقوم بأود‬
‫المحتاجين فلتفرض الدولة ما تشاء لتفي بحاجة المحتاجين‪.‬‬
‫حيّ ا ْلقَيّومُ { ‪،‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى بعد أن أوضح المر عقيدة في قوله‪ } :‬اللّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ ا ْل َ‬
‫وتقنينا للعقيدة في قوله‪ } :‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ { ‪ ،‬وحماية للعقيدة بأمره سبحانه المؤمنين أن يقاتلوا‬
‫ل في‬
‫لتكون كلمة ال هي العليا‪ ،‬وبعد ذلك تكلم الحق عن حماية حركة القتصاد في النفاق أو ً‬
‫سمَاواتِ َومَا فِي‬
‫سبيل ال‪ ،‬والنفاق على المحتاجين‪ .‬يقول سبحانه بعد ذلك‪ } :‬للّهِ ما فِي ال ّ‬
‫خفُوهُ‪{ ...‬‬
‫سكُمْ َأوْ ُت ْ‬
‫الَ ْرضِ وَإِن تُ ْبدُواْ مَا فِي أَ ْنفُ ِ‬

‫(‪)285 /‬‬
‫خفُوهُ ُيحَاسِ ْبكُمْ بِهِ اللّهُ فَ َي ْغفِرُ ِلمَنْ‬
‫سكُمْ َأوْ تُ ْ‬
‫ض وَإِنْ تُ ْبدُوا مَا فِي أَ ْنفُ ِ‬
‫ت َومَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫لِلّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫شيْءٍ َقدِيرٌ (‪)284‬‬
‫يَشَاءُ وَ ُيعَ ّذبُ مَنْ َيشَا ُء وَاللّهُ عَلَى ُكلّ َ‬

‫استهلت الية بتقديم { ل } على ما في السماوات والرض‪ ،‬والحق سبحانه يقول‪ { :‬للّهِ ما فِي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَاواتِ َومَا فِي الَ ْرضِ } ذلك هو الظرف الكائنة فيه المخلوقات‪ ،‬السماوات والرض لم يدع‬
‫ال ّ‬
‫أحد أنها له‪ ،‬لكن قد يوجد في السماوات أو في الرض أشياء يدعي ملكيتها المخلوقون‪ ،‬فإذا ما‬
‫نظرنا إلى خيرات الرض فإننا نجدها مملوكة في بعض الحيان لناس بما ملكهم ال‪ ،‬والبشر‬
‫الذين صعدوا إلى السماء وأداروا في جوها ما أداروا من أقمار صناعية ومراكب فضائية فمن‬
‫الممكن أن يعلنوا ملكيتهم لهذه القمار وتلك المراكب‪.‬‬
‫ت َومَا فِي الَ ْرضِ } وهو يوضح لنا‪ :‬إنه إن‬
‫سمَاوا ِ‬
‫ويلفتنا الحق سبحانه هنا بقوله‪ { :‬للّهِ ما فِي ال ّ‬
‫كان في ظاهر المر أن ال قد أعطى ملكية السببية لخلقه فهو لم يعط هذه الملكية إل عَ َرضَا يؤخذ‬
‫منهم‪ ،‬فإما أن يزولوا عنه فيموتوا‪ ،‬وإما أن يزول عنهم فيؤخذ منهم عن بيع أو هبة أو غصب أو‬
‫نهب‪.‬‬
‫وكلمة " ل " تفيد الختصاص‪ ،‬وتفيد القصر‪ ،‬فكل ما في الوجود أمره إلى ال‪ ،‬ول يدعي أحد‬
‫بسببية ما آتاه ال أنه يملك شيئا لماذا؟ لن المالك من البشر ل يملك نفسه أن يدوم‪.‬‬
‫نحن لم نر واحدا لم تنله الغيار‪ ،‬وما دامت الغيار تنال كل إنسان فعلينا أن نعلم أن ال يريد من‬
‫خلقه أن يتعاطفوا‪ ،‬وأن يتكاملوا‪ ،‬ويريد ال من خلقه أن يتعاونوا‪ ،‬والحق ل يفعل ذلك لن المر‬
‫خرج من يده ـ والعياذ بال ـ ل‪ ،‬إن ال يبلغنا‪ :‬أنا لي ما في السماوات وما في الرض‪،‬‬
‫وأستطيع أن أجعل دولً بين الناس‪.‬‬
‫ولذلك نقول للذين يَصلون إلى المرتبة العالية في الغنى‪ ،‬أو الجاه‪ ،‬أو أي مجال‪ ،‬لهؤلء نقول‪:‬‬
‫احذر حين تتم لك النعمة‪ ،‬لماذا؟ لن النعمة إن تمت لك علوا وغنىً وعافيةً وأولدا‪ ،‬أنت من‬
‫الغيار‪ ،‬وما دامت قد تمت وصارت إلى النهاية وأنت لشك من الغيار‪ ،‬فإن النعمة تتغير إلى‬
‫القل‪ .‬فإذا ما صعد إنسان إلى القمة وهو متغير فل بد له أن ينزل عن هذه القمة‪ ،‬ولذا يقول‬
‫الشاعر‪:‬إذا تـم شـيء بـدا نقـصـه تـرقـب زوالً إذا قـيـل تـموالتاريخ يحمل لنا قصة‬
‫المرأة العربية التي دخلت على الخليفة وقالت له‪ :‬أتم ال عليك نعمته‪ .‬وسمعها الجالسون حول‬
‫الخليفة ففرحوا‪ ،‬وأعلنوا سرورهم‪ ،‬لكن الخليفة قال لهم‪ :‬وال ما فهمتم ما تقول‪ ،‬إنها تقول‪ :‬أتم ال‬
‫عليك نعمته‪ ،‬فإنها إن تمت تزول؛ لن الغيار تلحق الخلق‪ .‬وهكذا فهم الخليفة مقصد المرأة‪.‬‬
‫والشاعر يقول‪:‬نفـسي التي تمـلك الشـياء ذاهبة فكـيف آسـى على شيء لها ذهـباإن النفس‬
‫المالكة هي نفسها ذاهبة؛ فكيف يحزن على شيء له ضاع منه؟‬
‫والحق سبحانه يطلب منا أن نكون دائما على ذكر من قضية واضحة هي‪ :‬أن الكون كله ل‪،‬‬
‫والبشر جميعا بذواتهم ونفوسهم وما ظهر منها وما بطن ل يخفر على ال‪ ،‬والحق سبحانه ل‬
‫يحاسبنا على مقتضى ما علم فحسب‪ ،‬بل يحاسبنا على ما تم تسجيله علينا‪.‬‬
‫إن كل إنسان يقرأ كتابه بنفسه‪ ..‬فسبحانه يقول‪َ {:‬و ُكلّ إِ ْنسَانٍ أَلْ َزمْنَاهُ طَآئِ َرهُ فِي عُ ُنقِ ِه وَنُخْرِجُ لَهُ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكَ الْ َيوْمَ عَلَ ْيكَ حَسِيبا }[السراء‪]14-13 :‬‬
‫َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ كِتَابا يَ ْلقَاهُ مَنْشُورا * اقْرَأْ كِتَا َبكَ َكفَىا بِ َنفْ ِ‬
‫والحساب معناه أن للنسان رصيدا‪ ،‬وعليه أيضا رصيد‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يفسر لنا (له‬
‫وعليه) بالميزان كما نعرف في موازين الشياء عندنا وهو سبحانه يقول‪ {:‬وَا ْلوَزْنُ َي ْومَئِذٍ ا ْلحَقّ‬
‫سهُم‬
‫خفّتْ َموَازِينُهُ فَُأوْلَـ ِئكَ الّذِينَ خَسِرُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫َفمَن َثقُلَتْ َموَازِينُهُ فَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلمُفِْلحُونَ * َومَنْ َ‬
‫ِبمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظِْلمُونَ }[العراف‪]9-8 :‬‬
‫إن حساب الحق دقيق عادل‪ ،‬فالذين ثقلت كفة أعمالهم الحسنة هم الذين يفوزون بالفردوس‪ ،‬والذين‬
‫باعوا أنفسهم للشيطان وهوى النفس تثقل كفة أعمالهم السيئة‪ ،‬فصاروا من أصحاب النار‪.‬‬
‫إذن نحن أمام نوعين من البشر‪ ،‬هؤلء الذين ثقلت كفة الخير في ميزان الحساب‪ ،‬وهؤلء الذين‬
‫ثقلت كفة السيئات والشرور في ميزان الحساب‪ .‬فماذا عن الذين تساوت الكفتان في أعمالهم‪.‬‬
‫استوت حسناتهم مع سيئاتهم؟ إنهم أصحاب العراف‪ ،‬الذين ينالون المغفرة من ال؛ لن مغفرة ال‬
‫وهو الرحمن الرحيم قد سبقت غضبه جل وعل‪ .‬ولو لم يجيء أمر أصحاب العراف في القرآن‬
‫لقال واحد‪ :‬لقد قال ال لنا خبر الذين ثقلت موازينهم‪ ،‬وأخبار الذين خفت موازين الخير عندهم‪،‬‬
‫ولم يقل لنا خبر الذين تساوت شرورهم مع حسناتهم‪.‬‬
‫لكن الحليم الخبير قد أوضح لنا خبر كل أمر وأوضح لنا أن المغفرة تسبق الغضب عنده‪ ،‬لذلك‬
‫فالحساب ل يكتفي الحق فيه بالعلم فقط‪ ،‬ولكن بالتسجيل الواضح الدقيق‪ ،‬لذلك يطمئننا الحق‬
‫ت َوكَانَ‬
‫ل صَالِحا فَُأوْلَـا ِئكَ يُ َب ّدلُ اللّهُ سَيّئَا ِتهِمْ حَسَنَا ٍ‬
‫عمَ ً‬
‫ع ِملَ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫ب وَآمَ َ‬
‫سبحانه فيقول‪ِ {:‬إلّ مَن تَا َ‬
‫غفُورا رّحِيما }[الفرقان‪]70 :‬‬
‫اللّهُ َ‬
‫إن الحق يطمئننا على أن ما نصنعه من خير نجده في كفة الميزان‪ ،‬ويطمئننا أيضا على أنه ـ‬
‫سبحانه ـ سيجازينا على ما أصابنا من شر الشرار وأننا سنأخذ من حسناتهم لتضاف إلى‬
‫ميزاننا‪ ،‬إذن فالطمأنينة جاءت من طرفين‪ :‬طمأننا الحق على ما فعلناه من خير‪ ،‬فل يُنسى أنه‬
‫يدخل في حسابنا‪ ،‬وطمأننا أيضا على ما أصابنا من شر الشرار وسيأخذ الحق من حسناتهم‬
‫ليضيفها لنا‪.‬‬
‫ونحن نجد في الكون كثيرا من الناس قد يحبهم ال لخصلة من خصال الخير فيهم‪ ،‬وقد تكون هذه‬
‫الخصلة الخيّرة خفية فل يراها أحد‪ ،‬لكن ال الذي ل تخفى عليه خافية يرى هذه الخصلة في‬
‫النسان‪ ،‬ويحبه ال من أجلها‪ ،‬ويرى الحق أن حسنات هذا الرجل قليلة‪ ،‬فيجعل بعض الخلق‬
‫يصيبون هذا الرجل بشرورهم وسيئاتهم حتى يأخذ من حسنات هؤلء ليزيد في حسنات هذا‬
‫الرجل‪.‬‬
‫س ُكمْ { أي تصيروا الوجدانيات إلى نزوعيات عملية‪ ،‬ولكن هل معنى } َأوْ‬
‫ومعنى } تُ ْبدُواْ مَا فِي أَ ْنفُ ِ‬
‫خفُوهُ { هو أل تصيروا الوجدانيات النفسية إلى نزوعيات عملية؟ ل‪ ،‬فليس لكل شيء نزوع‬
‫تُ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عملي‪ ،‬ومثال ذلك الحب؛ إن النسان قد يحب‪ ،‬ول يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع أنه‬
‫محترق في حبه‪ ،‬وكذلك الذي يحقد قد ل يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع عن حقده‪،‬‬
‫إذن فهناك أعمال تستقر في القلوب‪ ،‬فهل يؤاخذ ال بما استقر في النفوس؟‬
‫إن هذه المسألة تحتاج إلى دقة بالغة؛ لننا وجدنا بعضا من صحابة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم قد وقفوا فيها موقفا أبكى بعضهم‪ ،‬هذا عبد ال بن عمر رضي ال عنهما حينما سمع هذه‬
‫الية قال‪ :‬لئن آخذنا ال على ما أخفينا في نفوسنا لنهلكن‪ .‬وبكى حتى سُمع نشيجه بالبكاء‪ .‬وبلغ‬
‫ذلك المر ابن عباس فقال‪ :‬يرحم ال أبا عبد الرحمن لقد وجد إخوانه المسلمون مثلما وجد من‬
‫س َعهَا { إلى آخر السورة‪ .‬ولنعلم أن نوازع‬
‫ل وُ ْ‬
‫هذه الية‪ .‬فأنزل ال بعدها } لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫النفس كثيرة؛ فهناك شيء اسمه " هاجس " وهناك شيء آخر اسمه " خاطر " وهناك ما يسمى "‬
‫حديث نفس " ‪ ،‬وهناك " هم " وهناك " عزم " ‪ ،‬إنها خمس حالت‪ ،‬والربع الولى من هذه‬
‫الحالت ليس فيها شيء‪ ،‬إنما الخيرة التي يكون فيها القصد واضحا يجب أن نتنبه لها ولنتناول‬
‫كل حالة بالتفصيل‪.‬‬
‫إن الهاجس هو الخطرة التي تخطر دفعة واحدة‪ ،‬أما الخاطر فهو يخطر‪ ..‬أي يسير في النفس‬
‫قليل‪ ،‬وأما حديث النفس فإن النفس تظل تتردد فيه‪ ،‬وأما الهم فهو استجماع الوسائل‪ ،‬وسؤال‬
‫النفس عن كل الوسائل التي ينفذ بها النسان رغباته‪ ،‬أما العزم (القصد) فهو الوصول إلى النهاية‬
‫والبدء في تنفيذ المر‪.‬‬
‫خفُوهُ ُيحَاسِ ْبكُمْ بِهِ اللّهُ { وقد‬
‫س ُكمْ َأوْ تُ ْ‬
‫والقصد هو الذي يُعني به قوله تعالى‪ } :‬وَإِن تُ ْبدُواْ مَا فِي أَ ْنفُ ِ‬
‫وجدنا كثيرا من العلماء قد وقفوا عند هذا القول وتساءل بعض من العلماء‪ :‬هل الية التي جاءت‬
‫س َعهَا { هل هي نسخ للية السابقة عليها؟‬
‫ل وُ ْ‬
‫بعد ذلك والتي يقول فيها‪ } :‬لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫ولكن نحن نعرف أن الية هي خبر‪ ،‬والخبار ل تنسخ إنما الحكام هي التي يتم نسخها‪ ،‬وعلى‬
‫سكُمْ َأوْ‬
‫ذلك يكون القصد والعزم على تنفيذ المر هو المعنى بقوله الحق‪ } :‬وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَ ْنفُ ِ‬
‫خفُوهُ ُيحَاسِ ْب ُكمْ بِهِ اللّهُ { فهذا هو الذي يحاسبنا ال عليه‪.‬‬
‫تُ ْ‬
‫وعندما يقول الحق سبحانه‪ } :‬فَ َي ْغفِرُ ِلمَن َيشَآءُ { فمن هم؟ لقد بين ال من يشاء المغفرة لهم‪ ،‬إنهم‬
‫الذين تابوا‪ ،‬وهم الذين أنابوا إلى ال‪ ،‬هم الذين قال فيهم الحق‪:‬‬
‫غفُورا‬
‫ت َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫ل صَالِحا فَُأوْلَـا ِئكَ يُ َب ّدلُ اللّهُ سَيّئَا ِتهِمْ حَسَنَا ٍ‬
‫عمَ ً‬
‫ع ِملَ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫ب وَآمَ َ‬
‫{ ِإلّ مَن تَا َ‬
‫رّحِيما }[الفرقان‪]70 :‬‬
‫وتبديل المغفرة حسنة مسألة يجب أن يقف عندها النسان المكلف من ال وقفة ليرى فضل ال‪،‬‬
‫لن الذي صنع سيئة ثم آلمته‪ ،‬فكما آلمته السيئة التي ارتكبها وحزن منها‪ ،‬فإن ال يكتب له حسنة‪.‬‬
‫ولكن الذي لم يصنع سيئة ل تفزعه هذه‪ ،‬وبعض العارفين يقول‪ُ :‬ربّ معصية أورثت ذل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وانكسارا خير من طاعة‪ .‬أورثت عزا واستكبارا‪.‬‬
‫إنك لتجد الخير الشائع في الوجود كله ربما كان من أصحاب السراف على أنفسهم في شيء ما‬
‫قد اقترفوه وتابوا عنه ولكنه ل يزال يؤرقهم‪.‬‬
‫يكون الواحد منهم قويا في كل شيء‪ ،‬إل أنه ضعيف أمام مسألة واحدة‪ ،‬وضعفه أمام هذه المسألة‬
‫الواحدة جعله يعصي ال بها وهو يحاول جاهدا في النواحي التي ليس ضعيفا فيها أن يزيد كثيرا‬
‫في حسناته‪ ،‬حتى يمحو ويذهب ال هذه بهذه‪ .‬فالخير الشائع في الوجود ربما كان من أصحاب‬
‫السيئات الذين أسرفوا على أنفسهم في ناحية من النواحي‪ ،‬فيشاء ال سبحانه وتعالى أن يجعلهم‬
‫متجهين إلى نواحٍ من الخير قائلين‪ :‬ربما هذه تحمل تلك‪.‬‬
‫لكن الذي يظل رتيبا هكذا ل تلذعه معصية ربما تظل المسائل فاترة في نفسه‪ .‬ولذلك يجب أن‬
‫ننظر إلى الذين أسرفوا على أنفسهم ل في زاوية واحدة‪ ،‬ولكن في زوايا متعددة‪ ،‬ونتأدب أمامهم‬
‫وندعو ال أن يعفيهم مما نعرفه عنهم‪ ،‬وأن يبارك لهم فيما قدموه؛ ليزيل ال عنهم أوزار ما‬
‫فعلوا‪.‬‬
‫وبعض العلماء يرى في قوله الحق‪ } :‬فَ َي ْغفِرُ ِلمَن يَشَآءُ وَ ُيعَ ّذبُ مَن َيشَآءُ { أن ال قد جعل المغفرة‬
‫أمرا متعلقا بالعابد ل‪ ،‬فإن شئت أن يغفر ال لك فاكثر من الحسنات حتى يبدل ال سيئاتك إلى‬
‫حسنات‪ .‬وإن شئت أن تعذب ـ وهذا أمر ل يشاؤه أحد ـ فل تصنع الحسنات‪.‬‬
‫وهذه المسألة تجعلنا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا اليمان به فإنه يُملكنا الزمام‪.‬‬
‫وبمجرد إيماننا به فنحن نتلقى منه زمام الختيار‪ ،‬والدليل واضح في الحديث القدسي‪ :‬عن أبي‬
‫هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ال ـ عز وجل ـ‪ " :‬أنا‬
‫عند ظن عبدي بي‪ ،‬وأنا معه حين يذكرني‪ .‬إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‪ ،‬وإن ذكرني في‬
‫مل ذكرته في ملهم خيرٌ منهم وان تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا‪ ،‬وإن تقرب إلىّ ذراعا‪،‬‬
‫تقربت منه باعا‪ ،‬وإن أتاني يمشي أتيتُه هَ ْروَلَةً "‪.‬‬
‫إذن فبمجرد إيمانك ملكك ال الزمام‪ ،‬فإن أردت أن يتقرب ال إليك ذراعا‪ ،‬فتقرب أنت إليه شبرا‪،‬‬
‫فالزمام في يدك‪.‬‬
‫وإن شئت أن يتقرب ال منك باعا‪ ،‬فتقرب أنت ذراعا‪ .‬وإن شئت أنت أن يأتي ربك إليك مهرولً‬
‫ـ جريا ـ فأت إليه مشيا‪ .‬فبمجرد أن يراك ال وأنت تقبل وتتجه إليه‪ ،‬كأنه يقول لك‪ :‬ل‪..‬‬
‫استرح أنت‪ ،‬أنا الذي آتي إليك‪.‬‬
‫ولذلك قلنا من قبل في مسألة الصلة حين تؤمن ـ أيها العبد ـ بال وبعد ذلك ينادي المؤذن‬
‫للصلة‪ ،‬فتذهب أنت إلى الصلة‪ ،‬صحيح أنت تذهب إلى الصلة المفروضة‪ ،‬لكن هل منعك ال‬
‫أن تقف بين يديه في أية لحظة؟‪ .‬لقد طلب ال منك أن تحضر بين يديه خمس مرات في اليوم‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبعد ذلك ترك الباب مفتوحا لك ـ أيها المؤمن ـ فال ل يمل حتى يمل العبد‪.‬‬
‫والنسان في حياته العادية ـ ول المثل العلى ـ إذا أراد أن يقابل عظيما من العظماء فإن‬
‫النسان يطلب الميعاد‪ ،‬فإما أن يقبل العظيم من البشر لقاء من يطلب الميعاد أو يرفض‪ .‬وإذا قبل‬
‫العظيم من البشر لقاء من يطلب الميعاد‪ ،‬فإن العظيم من البشر يحدد الزمن‪ ،‬ويحدد المكان‪ ،‬وربما‬
‫طلب العظيم من البشر أن يعرف سبب وموضوع المقابلة‪ .‬لكن ال يترك الباب مفتوحا أمام العبد‬
‫المؤمن‪ ،‬يلقى ال عبده في أي شيء‪ ،‬وفي أي وقت‪ ،‬وفي أي مكان‪ ،‬وفي أي زمان‪.‬حسب نفسي‬
‫عزا بأ ّنيَ عبد يحتفي بي بل مواعيد ربّهو في قدسه العز ولكن أنا ألقى متى وأين أحبّالزمام إذن‬
‫في يد من؟‪ .‬إن الزمام في يد العبد المؤمن‪ .‬لذلك فالذين قالوا في فهم } فَ َيغْفِرُ ِلمَن َيشَآءُ { إن‬
‫البشر في أيديهم أمر المغفرة لهم‪ ،‬فإن شاء البشر أن يغفر ال لهم فإنهم يفعلون أسباب المغفرة‪،‬‬
‫ويتوبون إلى ال‪ ،‬ويكثرون من الحسنات‪ ،‬ومن يريد أن يتعذب فليظل سادرا في غيه في فعل‬
‫السيئات‪ .‬ثم بعد ذلك يقول ال عز وجل‪ } :‬آمَنَ الرّسُولُ ِبمَآ أُنْ ِزلَ إِلَيْهِ مِن رّبّ ِه وَا ْل ُمؤْمِنُونَ‪{ ...‬‬

‫(‪)286 /‬‬
‫َآمَنَ الرّسُولُ ِبمَا أُنْ ِزلَ إِلَ ْيهِ مِنْ رَبّ ِه وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ ُكلّ َآمَنَ بِاللّ ِه َومَلَا ِئكَتِ ِه َوكُتُبِ ِه وَرُسُلِهِ لَا ُنفَرّقُ بَيْنَ‬
‫غفْرَا َنكَ رَبّنَا وَإِلَ ْيكَ ا ْل َمصِيرُ (‪)285‬‬
‫طعْنَا ُ‬
‫س ِمعْنَا وَأَ َ‬
‫حدٍ مِنْ رُسُِل ِه َوقَالُوا َ‬
‫أَ َ‬

‫عندما نتأمل هذه الية الكريمة نجد أن اليمان الول بال كان من الرسول صلى ال عليه وسلم‪{ :‬‬
‫آمَنَ الرّسُولُ ِبمَآ أُنْ ِزلَ إِلَ ْيهِ مِن رّبّهِ }‪ .‬وبعد ذلك يأتي إيمان الذين بلغهم الرسول بالدعوة‬
‫{ وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ }‪ .‬وبعد ذلك يمتزج إيمان الرسول بإيمان المؤمنين { ُكلّ آمَنَ بِاللّ ِه َومَل ِئكَتِ ِه َوكُتُبِهِ‬
‫غفْرَا َنكَ رَبّنَا وَإِلَ ْيكَ ا ْل َمصِيرُ }‪.‬‬
‫طعْنَا ُ‬
‫س ِمعْنَا وَأَ َ‬
‫وَرُسُلِ ِه لَ ُنفَرّقُ بَيْنَ َأحَدٍ مّن رّسُلِ ِه َوقَالُواْ َ‬
‫أي أن كل من الرسول والمؤمنين آمنوا بال‪ .‬إن اليمان الول هو إيمان الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬واليمان أيضا من المؤمنين بالرسالة التي جاء بها الرسول بناءً على توزيع الفاعل في‬
‫{ آمَنَ } بين الرسول والمؤمنين‪ .‬وبعد ذلك يجمعهما ال ـ الرسول والمؤمنين ـ في إيمان واحد‪،‬‬
‫وهذا أمر طبيعي‪ ،‬لن الرسول صلى ال عليه وسلم آمن بال أولً‪ ،‬وبعد ذلك بلغنا الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم وآمنا بال وبه ثم امتزج اليمان فصار إيماننا هو إيمان الرسول وإيمان الرسول‬
‫هو إيماننا‪ ،‬وهذا ما يوضحه القول الحق‪ُ { :‬كلّ آمَنَ بِاللّهِ }‪.‬‬
‫إذن فالرسول في مرحلته الولى سبق باليمان بال‪ ،‬والرسول مطلوب منه حتى حين يؤمن بال‬
‫أن يؤمن بأنه رسول ال‪ ،‬ألم يقل الرسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬أشهد أن محمدا رسول ال صلى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال عليه وسلم؟ وكان الرسول إذا ما أعجبه أمر في سيرته ذاتها يقول‪ :‬أشهد أني رسول ال‪ ..‬إنّه‬
‫يقولها بفرحة‪.‬‬
‫ومثال ذلك ما روي " عن جابر بن عبد ال رضي ال عنهما قال‪ " :‬كان بالمدينة يهودي وكان‬
‫يسلفني في تمري إلى الجذاذ‪ ،‬وكان لجابر الرض التي بطريق رومة فجلست فخل عاما فجاءني‬
‫اليهودي عند الجذاذ ولم أجد منها شيئا فجعلت أستنظره إلى قابل " أي أطلب منه أن يمهلني إلى‬
‫عام ثان " فيأبى فَأخبر بذلك النبي صلى ال عليه وسلم فقال لصحابه‪ :‬امشوا نستنظر لجابر من‬
‫اليهودي فجاءوني في نخلي‪ ،‬فجعل النبي صلى ال عليه وسلم يكلم اليهودي فيقول (اليهودي) أبا‬
‫القاسم‪ ،‬ل أنظره فلما رأى النبي صلى ال عليه وسلم قام فطاف في النخل ثم جاءه فكلمه فأبى‬
‫فجئت بقليل رطب فوضعته بين يدي النبي صلى ال عليه وسلم فأكل ثم قال‪ :‬أين عريشك يا جابر‬
‫فأخبرته‪ ،‬فقال‪ :‬افرش لي فيه ففرشته‪ ،‬فدخل فرقد ثم استيقظ فجئته بقبضة أخرى فأكل منها‪ ،‬ثم‬
‫قام فكلم اليهودي فأبى عليه‪ ،‬فقام في الرطاب في النخل الثانية ثم قال يا جابر‪ ،‬ج ّذ واقض فوقف‬
‫في الجذاذ فَجذ ْذتُ منها ما قضيته‪ ،‬وفضل منه فخرجت حتى جئت النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫فبشرته فقال‪ :‬أشهد أني رسول ال "‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يشهد أن ل إله إل هو‪:‬‬
‫حكِيمُ }‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُه َو وَا ْلمَلَ ِئكَ ُة وَُأوْلُواْ ا ْلعِلْمِ قَآ ِئمَا بِا ْلقِسْطِ لَ ِإلَـاهَ ِإلّ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫{ َ‬
‫[آل عمران‪]18 :‬‬
‫إذن فال يشهد أن ل إله إل هو‪ ،‬ورسول ال يشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬ويشهد أيضا أنه رسول ال‪،‬‬
‫يبلغ ذلك للمؤمنين فيكتمل التكوين اليماني‪ ،‬ولذلك يقول الحق عن ذلك‪ُ } :‬كلّ آمَنَ بِاللّ ِه َومَل ِئكَتِهِ‬
‫َوكُتُبِ ِه وَرُسُلِهِ {‪ .‬والحق يأتي بـ " كلً " ـ بالتنوين ـ أي كل من الرسول والمؤمنين‪.‬‬
‫ويورد لنا سبحانه عناصر اليمان‪ُ } :‬كلّ آمَنَ بِاللّ ِه َومَل ِئكَتِ ِه َوكُتُبِ ِه وَرُسُلِ ِه لَ ُنفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن‬
‫غفْرَا َنكَ رَبّنَا وَإِلَ ْيكَ ا ْل َمصِيرُ {‪ .‬ونحن نعرف أن اليمان بال وكل ما‬
‫طعْنَا ُ‬
‫س ِمعْنَا وََأ َ‬
‫رّسُلِهِ َوقَالُواْ َ‬
‫يتعلق باليمان لبد أن يكون غيبا؛ فل يوجد إيمان بمحس أبدا‪ .‬فالشياء المحسة ل يدخلها إيمان؛‬
‫لنها مشهودة‪ .‬وعناصر اليمان في هذه الية هي‪:‬‬
‫إيمان بال وهو غيب‪ .‬وإيمان بالملئكة وهي غيب من خلق ال‪ ،‬ولو لم يبلغنا ال أن له خلقا هم‬
‫الملئكة لما عرفنا‪ ،‬إن الحق أخبرنا أنه خلق الملئكة وهم ل يعصون ال ما أمرهم ويفعلون ما‬
‫يؤمرون وهم غيب‪ ،‬ولول ذلك لما عرفنا أمر الملئكة إيمان بالكتب والرسل‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬هل الرسل غيب؟ وهل الكتب السماوية غيب؟ إن الرسل بشر‪ ،‬والكتب مشهودة‪.‬‬
‫ولمثل هذا القائل نقول‪ :‬ل‪ ،‬ل يوجد واحد منا قد رأى الكتاب ينزل على الرسول‪ ،‬وهذا يعني أن‬
‫عملية الوحي للرسول بالكتاب هي غيب يعلمه ال ويؤمن به المؤمنون‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكيف نؤمن بكل الرسل ول نفرق بين أحد منهم؟‪ .‬ونقول‪ :‬إن الرسل المبلغين عن ال إنما يبلغون‬
‫منهجا عن ال فيه العقائد التي تختلف باختلف العصور‪ ،‬وفيه الحكام التي تختلف باختلف‬
‫العصور ومواقع القضايا فيها‪.‬‬
‫إذن فالصل العقدي في كل الرسالت أمر واحد‪ ،‬ولكن المطلوب في حركة الحياة يختلف؛ لن‬
‫أقضية الحياة تختلف‪ ،‬وحين تختلف أقضية الحياة فإن الحق سبحانه ينزل التشريع المناسب‪ ،‬لكن‬
‫حدٍ مّن‬
‫الصل واحد والبلغ من خالق ل إله إل هو‪ ،‬ولذلك يأتي القول الحكيم‪ } :‬لَ ُنفَرّقُ بَيْنَ أَ َ‬
‫رّسُلِهِ { فنحن ل نفرق بين الرسل في أنهم يبلغون عن ال ما تتفق فيه مناهج التبليغ من ناحية‬
‫العتقاد‪ ،‬وما تختلف من ناحية الحكام التي تناسب أقضية كل عصر‪.‬‬
‫طعْنَا { إذن السماع هو بلوغ الدعوة والطاعة هي انفعال‬
‫س ِمعْنَا وَأَ َ‬
‫وبعد ذلك يقول الحق؛ } َوقَالُواْ َ‬
‫بالمطلوب‪ ،‬وأن يمتثل المؤمن أمرا ويمتثل المؤمن نهيا في كل أمر يتعلق بحركة الكون‪ .‬فالذين‬
‫يريدون أن يعزلوا الدين عن حركة الحياة يقولون‪ :‬إن الدين يهتم بالعبادات كالصلة والصوم‬
‫والزكاة والحج‪ .‬وبعد ذلك يحاولون عزل حركة الحياة عن الدين‪.‬‬
‫لهؤلء نقول‪ :‬أنتم تتكلمون عما بلغكم من دين لم يجئ لينظم حركة الحياة‪ ،‬وإنما جاء ليعطي‬
‫الجرعة المفقودة عند اليهود وهي الجرعة الروحية‪ ،‬لكن الدين السلمي جاء خاتما للديان منظما‬
‫لحركة الحياة‪ ،‬فكل أمر في الحياة وكل حركة فيها داخلة في حدود الطاعة‪.‬‬
‫لةِ مِن َيوْمِ‬
‫ونحن حين نقرأ القرآن الكريم‪ ،‬نجد القول الحكيم‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُو ِديَ لِلصّ َ‬
‫س َعوْاْ إِلَىا ِذكْرِ اللّ ِه وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَِلكُمْ خَيْرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُمْ َتعَْلمُونَ }[الجمعة‪]9 :‬‬
‫ج ُمعَةِ فَا ْ‬
‫الْ ُ‬
‫إذن الحق سبحانه يأمر المؤمنين ويخرجهم من حركة من حركات الحياة إلى حركة أخرى‪ ،‬فهو‬
‫لم يأخذهم من فراغ‪ ،‬إنما ناداهم لعلن الولء الجماعي‪ ،‬وهو إعلن من كل مؤمن بالعبودية ل‬
‫أمام بقية المخلوقات‪ .‬وبعد أن يقضي المؤمنون الصلة ماذا يقول لهم الحق سبحانه؟ يقول لهم‪{:‬‬
‫ض وَابْ َتغُواْ مِن َفضْلِ اللّ ِه وَا ْذكُرُواْ اللّهَ كَثِيرا ّلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ }‬
‫لةُ فَانتَشِرُواْ فِي الَرْ ِ‬
‫فَإِذَا ُقضِ َيتِ الصّ َ‬
‫[الجمعة‪]10 :‬‬
‫إذن فالنتشار في الرض هو حركة في الحياة‪ ،‬تماما كما كان النداء إلى السعي لذكر ال‪ .‬وهكذا‬
‫تكون كل حركة في الحياة داخلة في إطار الطاعة‪ ،‬إذن " سمعنا وأطعنا " أي سمعنا كل المنهج‪،‬‬
‫ولكن نحن حين نسمع المنهج‪ ،‬وحين نطيع فهل لنا قدرة على أن نطيع كل المنهج أو أن لنا‬
‫هفوات؟‪.‬‬
‫غفْرَا َنكَ رَبّنَا وَإِلَ ْيكَ ا ْل َمصِير { فالغاية‬
‫ولن أحدا لن يتم كل الطاعة ولنا هفوات جاء قوله الحق‪ُ } :‬‬
‫والنهاية كلها عائدة إليك‪ ،‬وأنت الله الحق‪ ،‬لذلك فنحن العباد نطلب منك المغفرَة حتى نلقاك‪،‬‬
‫س َعهَا‪{ ...‬‬
‫ونحن آمنون على أن رحمتك سبقت غضبك ويقول الحق‪ } :‬لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإلّ وُ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)287 /‬‬
‫خذْنَا إِنْ نَسِينَا َأوْ َأخْطَأْنَا‬
‫س َعهَا َلهَا مَا كَسَ َبتْ وَعَلَ ْيهَا مَا اكْ َتسَ َبتْ رَبّنَا لَا ُتؤَا ِ‬
‫لَا ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسًا ِإلّا وُ ْ‬
‫عفُ‬
‫حمّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِ ِه وَا ْ‬
‫حمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنَا وَلَا تُ َ‬
‫ح ِملْ عَلَيْنَا ِإصْرًا َكمَا َ‬
‫رَبّنَا وَلَا تَ ْ‬
‫حمْنَا أَ ْنتَ َموْلَانَا فَا ْنصُرْنَا عَلَى ا ْل َقوْمِ ا ْلكَافِرِينَ (‪)286‬‬
‫غفِرْ لَنَا وَارْ َ‬
‫عَنّا وَا ْ‬

‫س َعهَا } إنّه سبحانه لم يكلفكم إل ما هو في الوسع‪ .‬لماذا؟ لن الحداث‬
‫{ لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإلّ وُ ْ‬
‫بالنسبة لعزم النفس البشرية ثلثة أقسام‪ :‬القسم الول‪ :‬هو ما ل قدرة لنا عليه‪ ،‬وهذا بعيد عن‬
‫التكليف‪ .‬القسم الثاني‪ :‬لنا قدرة عليه لكن بمشقة أي يجهد طاقتنا قليل‪ .‬القسم الثالث‪ :‬التكليف‬
‫س َعهَا } أي أن الحق ل يكلف النفس إل بتكليف تكون فيه‬
‫بالوسع‪ .‬إذن { لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإلّ وُ ْ‬
‫طاقتها أوسع من التكليف‪ ،‬كلف الحق كل مسلم بالصلة خمسة فروض كل يوم‪ ،‬وتمل أوقاتها‬
‫بالصلة وكان من الممكن أن تكون عشرة‪ ،‬بدليل أن هناك أناسا تتطوع وهو سبحانه كلف كل‬
‫مسلم بالصوم شهرا‪ ،‬أل يوجد من يصوم ثلثة أشهر؟ ومثل هذا في الزكاة؛ فهناك من كان يخرج‬
‫عن ماله كله ل‪ ،‬ول يقتصر على ما يجب عليه من زكاة‪.‬‬
‫إذن فهذا في الوسع‪ ،‬ومن الممكن أن تزيد‪ ،‬إذن فالشياء ثلثة‪ :‬شيء ل يدخل في القدرة فل‬
‫تكليف به‪ ،‬شيء يدخل في القدرة بشيء من التعب‪ ،‬وشيء في الوسع‪ ،‬والحق حين كلف‪ ،‬كلف ما‬
‫ط ّوعَ‬
‫في الوسع‪ .‬ومادام كلف ما في الوسع فإن تطوعت أنت بأمر زائد فهذا موضوع آخر { َفمَن تَ َ‬
‫خَيْرا َف ُهوَ خَيْرٌ لّهُ } مادمت تتطوع من جنس ما فرض‪.‬‬
‫إذن فالتكليف في الوسع وإل لو لم يكن في الوسع لما تطوعت بالزيادة‪ .‬فسبحانه يقول‪ { :‬لَ ُيكَّلفُ‬
‫حمَلْتَهُ عَلَى‬
‫ح ِملْ عَلَيْنَآ ِإصْرا َكمَا َ‬
‫س َعهَا } ويأتي بعد ذلك ليعلمنا فيقول‪ { :‬رَبّنَا وَلَ َت ْ‬
‫اللّهُ َنفْسا ِإلّ وُ ْ‬
‫س َعهَا }‬
‫ل وُ ْ‬
‫حمّلْنَا مَا لَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } ‪ ،‬وهو القائل‪ { :‬لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا َولَ ُت َ‬
‫إذن ـ سبحانه ـ يكلفنا بما نقدر عليه ونطيقه‪.‬‬
‫ح ِملْ عَلَيْنَآ ِإصْرا َكمَا‬
‫فقد روي أن ال حينما سمع رسوله وسمع المؤمنين يقولون‪ { :‬رَبّنَا َولَ َت ْ‬
‫حمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا } قال سبحانه‪ :‬قد فعلت‪.‬‬
‫َ‬
‫حمّلْنَا مَا لَ طَاقَةَ لَنَا ِبهِ } قال سبحانه‪ :‬قد فعلت‪ .‬ولم يكلفنا سبحانه إل‬
‫وعندما قالوا‪ { :‬رَبّنَا َولَ تُ َ‬
‫بما في الوسع‪ ،‬وهو القدر المشترك عند كل المؤمنين‪ .‬وهناك أناس تكون همتهم أوسع من همة‬
‫غيرهم‪ ،‬ومن تتسع همته فإنه يدخل بالعبادات التي يزيد منها في باب التطوع‪ ،‬ومن ل تتسع همته‬
‫فهو يؤدي الفروض المطلوبة منه فقط وعندما يطرأ على النسان ما يجعل الحكم في غير الوسع؛‬
‫فإن ال يخفف التكليف؛ فالمسافر تقول له الشريعة‪ :‬أنت تخرج عن حياتك الرتيبة‪ ،‬وتذهب إلى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أماكن ليس لك بها مستقر‪ ،‬لذلك يخفف الحق عليك التكليف؛ فلك أن تفطر في نهار رمضان‪ ،‬ولك‬
‫أن تُقصر الصلة‪.‬‬
‫والحق سبحانه يعلم أن الوسع قد يضيق لذلك فإنه ـ جل شأنه ـ يخفف حكم التكليف ويمنح‬
‫الرخص عند ضيق الوسع‪ ،‬ومثال ذلك قوله الحق‪:‬‬
‫ضعْفا فَإِن َيكُنْ مّنكُمْ مّأْئَ ٌة صَابِ َرةٌ َيغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ }[النفال‪:‬‬
‫خفّفَ اللّهُ عَنكُ ْم وَعَلِمَ أَنّ فِيكُ ْم َ‬
‫{ النَ َ‬
‫‪]66‬‬
‫كانت النسبة في القتال قبل هذه الية هي واحدا لعشرة‪ ،‬وخففها الحق وجعلها واحدا إلى اثنين لن‬
‫هناك ضعفا‪ ،‬وهكذا نرى أنه سبحانه سيخفف التكليف إذا ما زاد عن الوسع‪ .‬وكثير من الناس‬
‫يخطئون التفسير؛ فيقولون عن بعض التكاليف‪ :‬إنها فوق وسعهم ولهؤلء نقول‪ :‬ل‪ .‬ل تحدد أنت‬
‫الوسع‪ ،‬ثم تقيس التكليف عليه‪ ،‬بل انظر هل كلفك أو لم يكلفك؟ فإذا كان قد كلفك الحق فاحكم بأنه‬
‫س َعهَا َلهَا مَا‬
‫ل وُ ْ‬
‫كلفك بما في الوسع‪ ،‬وكل تكاليف الرحمن تدخل في الوسع } لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫ت وَعَلَ ْيهَا مَا اكْ َتسَ َبتْ {‪.‬‬
‫كَسَ َب ْ‬
‫علَ ْيهَا { تفيد الوزر‪،‬‬
‫سبُ النفسَ ثوابا‪ ،‬و } َ‬
‫و } َلهَا { تفيد الملكية والختصاص وهي ما تُفيد و ُتكْ ِ‬
‫ونلحظ أن كل } َلهَا { جاءت مع } كَسَ َبتْ { ‪ ،‬وكل } عَلَ ْيهَا { جاءت مع } اكْتَسَ َبتْ { إل في آية‬
‫طتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَُأوْلَـ ِئكَ َأصْحَابُ النّارِ هُمْ‬
‫سبَ سَيّ َئ ًة وَأَحَا َ‬
‫واحدة يقول فيها الحق‪ {:‬بَلَىا مَن كَ َ‬
‫فِيهَا خَاِلدُونَ }[البقرة‪]81 :‬‬
‫وهنا وقفة في السلوب؛ لن " كسب " تعني أن هناك فرقا في المعالجة الفعلية الحدثية بينها وبين‬
‫كلمة } اكْتَسَ َبتْ { ‪ ،‬لن " اكتسب " فيها " افتعل " أي تكلف‪ ،‬وقام بفعل أخذ منه علجا‪ ،‬أما "‬
‫كسب " فهو أمر طبيعي إذن فـ " كسب " غير " اكتسب " وكل أفعال الخير تأتي كسبا ل اكتسابا‪.‬‬
‫مثال ذلك عندما ينظر الرجل إلى زوجته‪ ،‬ويرى جمالها‪ ،‬فهل هو يفتعل شيئا‪ ،‬أو أن ذلك أمر‬
‫طبيعي؟ إنه أمر طبيعي‪ ،‬ولكن عندما ينظر الرجل إلى غير محارمه فإنه يرقب هل يرى أحد‬
‫النظرة؟ وهل رآه أحد من الناس؟ وهل سينال سخرية واستهزاء على ذلك الفعل أو ل؟ لماذا؟ لنه‬
‫ل مفتعلً‪.‬‬
‫ارتكب عم ً‬
‫مثال آخر‪ ،‬إنسان يأكل من ماله‪ ،‬أو من مال أبيه‪ ،‬إنه يأكل كأمر طبيعي‪ ،‬أما من يدخل بستانا‬
‫ويريد أن يسرق منه فهو يتكلف ذلك الفعل‪ ،‬ويريد أن يستر نفسه‪ ،‬فصاحب الشر يفتعل‪ ،‬أما‬
‫صاحب الخير فإن أفعاله سهلة ل افتعال فيها‪ ..‬فالشر هو الذي يحتاج إلى افتعال‪.‬‬
‫والمصيبة الكبرى أل يحتاج الشر إلى افتعال؛ لن صاحبه يصير إلى بلدة الحس اليماني‪،‬‬
‫سبَ سَيّئَةً‬
‫وتكون الشرور بالنسبة إليه سهلة؛ لنه تعود عليها كثيرا‪ ،‬ويقول الحق‪ } :‬بَلَىا مَن َك َ‬
‫خطِيـئَتُهُ { إن الخطيئة تحيط به من كل ناحية‪ ،‬ولم يعد هناك منفذ‪ ،‬وهو ل يفتعل‬
‫طتْ ِبهِ َ‬
‫وَأَحَا َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حتى صارت له ملكة في الشر؛ فاللص مثلً في بداية عمله يخاف ويترقب‪ ،‬لكن عندما تصبح‬
‫اللصوصية مهنته فإنه يحمل أدوات السرقة ويصير حسه متبلدا‪.‬‬
‫ففي المرحلة الولى من الشر يكون أهل الشر في حياء من فعل الشر‪ ،‬وذلك دليل على أن‬
‫ضمائرهم وقلوبهم مازال فيها بعض من خير‪ ،‬لكن عندما يعتبرون الشر حرفة وملكة فهنا‬
‫المصيبة‪ ،‬وتحيط بكل منهم خطيئة وتطوقه ول تجعل له منفذا إلى ال ليتوب‪.‬‬
‫فالذي يلعب الميسر‪ ،‬أو طوقته خطيئة الفحش قد يقول فرحا‪ " :‬كانت سهرة المس رائعة " ‪ ،‬أما‬
‫الذي يرتكب الخطأ لول مرة فإنه يقول‪ " :‬كانت ليلة سوداء يا ليتها ما حدثت " ‪ ،‬ويظل يؤنب‬
‫نفسه ويلومها؛ لنه تعب وأرهق نفسه؛ لنه ارتكب الخطأ‪.‬‬
‫ت وَعَلَ ْيهَا مَا اكْتَسَ َبتْ { يوضح لنا أن فعل الشر هو الذي يحتاج إلى‬
‫إذن فقول الحق‪َ } :‬لهَا مَا كَسَ َب ْ‬
‫مجهود‪ ،‬فإن انتقلت المسألة من اكتسبت إلى كسبت فهذه هي الطامة الكبرى‪ ،‬ويكون قد أحاطت به‬
‫خطيئته‪ .‬ويكون على كل نفس ما اكتسبت‪ .‬والعاقل هو من يكثر ما لنفسه‪ ،‬ول ما عليها؛ لن الذي‬
‫يقول ذلك هو الحق العالم المالك الذي إليه المصير‪ ،‬فليس من هذا المر فِكاك‪ .‬وبعد ذلك يقول‬
‫خطَأْنَا { ‪ ،‬ولقائل أن يقول‪ :‬إن‬
‫خذْنَا إِن نّسِينَآ َأوْ أَ ْ‬
‫الحق على لسان عباده المؤمنين‪ } :‬رَبّنَا لَ ُتؤَا ِ‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم طمأننا‪ ،‬فقال‪ " :‬رفع عن أمتي الخطأ والنسيان‪ ،‬وما استكرهوا عليه‬
‫"‪.‬‬
‫فكيف يأتي القرآن بشيء مرفوع عن المة السلمية ليدعو به الناس ربهم ليرفعه عنهم؟‪.‬‬
‫على مثل هذا القائل نرد‪ :‬هل قال لك أحد‪ :‬إن رفع الخطأ والنسيان والستكراه كان من أول‬
‫المر؟‪ .‬لعل الرفع حدث بعد أن دعا الرسول والسابقون من المؤمنين‪ ،‬فما دام قد ُرفِعَ ـ بضم‬
‫الراء وكسر الفاء وفتح العين ـ فمعنى ذلك أنه كان موجودا‪ ،‬إذن فل يقولن أحد‪ :‬كيف تدعو‬
‫بشيء غير موجود‪ .‬أو أن ذلك يدل على منتهى الصفاء اليماني‪ ،‬أي ال يجب ألّ ُيعْصى إل خطأ‬
‫أو نسيانا‪ ،‬وأن ال ل يصح ول يستقيم أن يُعصى قصدا؛ لن الذي يعرف قدر ال حقا‪ ،‬ل يليق‬
‫منه أن يعصي ال إل نسيانا أو خطأ؛ لن الخالق هو المنعم بكل النعم‪ ،‬وبعد ذلك كلفنا‪ ،‬وكان‬
‫يجب أل نقصد المعصية‪ .‬ولذلك فالحق سبحانه وتعالى قد سمى ما حدث من آدم معصية مع أنه‬
‫جدْ لَهُ عَزْما }[طه‪]115 :‬‬
‫سيَ وَلَمْ نَ ِ‬
‫عهِدْنَآ إِلَىا ءَا َدمَ مِن قَ ْبلُ فَنَ ِ‬
‫يقول‪ {:‬وََلقَدْ َ‬
‫عصَىا ءَادَمُ رَبّهُ َف َغوَىا { فكان النسيان أولً‬
‫وسمى ال النسيان في قصة آدم معصية‪ } :‬وَ َ‬
‫معصية‪ ،‬ولكن ال أكرم أمة محمد‪ ،‬فرفع عنها النسيان‪ .‬وفي مسألة آدم هناك ملحظ يجب على‬
‫المؤمن أن يتنبه إليه؛ فآدم خُِلقَ بيد ال‪ ،‬ونحن مخلوقون بقانون التكاثر‪ ،‬وآدم تلقى التكليف من ال‬
‫مباشرة وليس بواسطة رسول‪ ،‬وكُّلفَ بأمر واحد وهو أل يأكل من الشجرة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإذا كان آدم مخلوقا من ال مباشرة ومكلفا من ال مباشرة‪ ،‬ولم يكلف إل بأمر واحد وهو أل‬
‫يقرب هذه الشجرة‪ ،‬ولم تكن هناك تكاليف كثيرة فماذا نسى؟ وماذا تذكر؟ إنها معصية إذن‪ .‬لقد‬
‫سجُدَ ِلمَا خََلقْتُ‬
‫كان النسيان بالنسبة لدم معصية؛ لنه مخلوق بيد ال‪ {.‬قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا مَ َن َعكَ أَن تَ ْ‬
‫بِيَ َديّ }[ص‪]75 :‬‬
‫لذلك فلم يكن من المناسب أن ينسى هذا التكليف الواحد‪ ،‬وما كان يصح له أن ينسى‪ ،‬وَلَعلّ سيدنا‬
‫سيَ لحكمة يعلمها ال رُبّما تكون ليعمر الرض التي جعله ال خليفة فيها؛ أما بالنسبة لمة‬
‫آدم نُ ّ‬
‫خطَأْنَا { فكأننا يا رب نقدرك‪ ،‬حق قدرك‪ ،‬ول‬
‫محمد فحينما نقول‪ } :‬رَبّنَا لَ ُتؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ َأوْ أَ ْ‬
‫نجترئ على عصيانك عمدا‪ ،‬وإن عصينا فإنما يكون العصيان نسيانا أوْ خطأ‪ ،‬وهذه معرفة لقدر‬
‫الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولكن ما النسيان؟ وما الخطأ؟‬
‫خطْء " ل يكون إل إثما؛ لنه تعمد ما ل ينبغي‪ ،‬فأنت تعلم‬
‫طئَ " و " ال ِ‬
‫خِ‬
‫خطَأ " وفيه " َ‬
‫أولً فيه " أ ْ‬
‫قاعدة وتخطئ‪ ،‬والذي أخطأ قد ل يعرف القاعدة‪ ،‬فأنت تصوب له خطأه لنه حاد عن الصواب‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬عندما تتعلم في المدرسة أن الفاعل مرفوع‪ ،‬والمفعول منصوب وفي وسط السنة‬
‫يصححون لك القاعدة حتى تستقر في ذهنك‪ ،‬إنما في أيام المتحان أيصحح لك المدرس أم‬
‫يؤاخذك؟ إنه يؤاخذك؛ لنك درست طوال السنة هذه القاعدة‪ ،‬إذن ففيه خَطِئ وفيه أخطأ‪ ،‬فأخطأ‬
‫مرة تأتي عن غير قصد؛ لنه ل توجد قاعدة أنا خالفتها‪ ،‬أو لم أعرف القاعدة وإنما نطقت خطأ؛‬
‫لنهم لم يقولوا لي‪ ،‬أو قالوا لي مرة ولم أتذكر‪ ،‬أي لم تستقر المسألة كملكة في نفسي؛ لن التلميذ‬
‫يخطئ في الفاعل والمفعول مدة طويلة‪ ،‬وبعد ذلك ينضج وتصير اللغة ملكة في نفسه إن كان‬
‫مواظبا على صيانتها‪.‬‬
‫شكّل ًة ولكن يسكن الخر في نهاية‬
‫كان التلميذ في البداية يقول‪ :‬قطع محمد الغصن‪ ،‬ول يقولها مُ َ‬
‫نطقه لسم محمد‪ ،‬وساعة يتذكر القاعدة ينطقها " محمد " بالرفع وينطق " الغصن " بالنصب لماذا؟‬
‫لنه ترد ثلث قواعد على ذهنه‪ ،‬هذه فاعل والفاعل حكمه الرفع‪ ،‬فهي مرفوعة‪ ،‬فهو يمر بقضية‬
‫عقلية‪ ،‬لكن بعدما يمر عليها يقرأها صحيحة وقد ل يتذكر القاعدة‪ ،‬فقد صارت المسألة ملكة لغوية‬
‫عنده‪ ،‬هذه الملكة اللغوية مثلما نقول‪ " :‬صارت آلية "‪.‬‬
‫ومثال ذلك الصبي الذي يتعلم الخياطة‪ ،‬انظر كم من الوقت يمر ليتعلم كيف يمسك بخيط ليدخله‬
‫في سم البرة‪ ،‬وقد يضربه معلمه أكثر من مرة ليتعلمها؛ وفتلة الخيط تنثني منه لنها طويلة‬
‫فيقصرها ثم ل تدخل في العين فيبرمها لتدخل‪ ،‬إنه يأخذ وقتا كثيرا ثم يعمل الغرزة فتخرج غير‬
‫منتظمة وبعد ذلك يظل مدة‪ ،‬ثم يفعل كل هذه العمال بتلقائية وهو يتكلم مع غيره؛ لن هذه‬
‫العمال صارت ملكة ذاتية أي عملً آليّا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والتدريب على العمل الذهني ـ حسب قواعد محددة مثل تعلم اللغة ـ نسميه ملكة‪ .‬أما التدريب‬
‫على عمل الجوارح ـ مثل إدخال الخيط في سم البرة نسميه آلية‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال في العمل الذهني عندما تسأل سؤالً في الفقه لطالب في الزهر فإنه يحتار‬
‫قليل إلى أن يتعرف على الباب الذي فيه إجابة للسؤال‪ ،‬أما إذا سألت السؤال نفسه لعالم مدرب‬
‫فبمجرد أن توجه له السؤال فإنه يقول لك الحكم والباب الذي فيه هذا الحكم‪ ،‬لقد صار الفقة بالنسبة‬
‫للعالم ملكة‪.‬‬
‫حمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا { والصر‬
‫ح ِملْ عَلَيْنَآ ِإصْرا َكمَا َ‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪ } :‬رَبّنَا َولَ تَ ْ‬
‫هو الشيء الثقيل الذي يثقل على النسان‪ ،‬ومثال ذلك الصر الذي نزل على اليهود " إن أردتم‬
‫التوبة فاقتلوا أنفسكم أو تصدقوا أو زكوا بربع أموالكم " لكن ال لم يعاملنا كما عامل المم السابقة‬
‫حمّلْنَا مَا لَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ { فنحن نصدق أن رسول ال صلى ال‬
‫علينا‪ ،‬وعندما نقول‪ } :‬رَبّنَا وَلَ ُت َ‬
‫عليه وسلم قال‪ " :‬قال ال نعم " ومعنى قال ال نعم أنه سبحانه وتعالى أجاب الدعاء برفع المشقة‬
‫عن المة‪.‬‬
‫عفُ عَنّا { فنحن نتوجه إلى ال‬
‫أي أن ال لن يحملنا ما ل طاقة لنا به‪ .‬وعندما نقول‪ } :‬وَا ْ‬
‫ضارعين‪ :‬أنت يا حق تعلم أننا مهما أوتينا من اليقظة اليمانية والحرص الورعي فلن نستطيع أن‬
‫نؤدي حقك كاملً‪ ،‬ولذلك ل ندخل عليك إل من باب أن تعفو عنا‪.‬‬
‫ومعنى العفو محو الثر‪ ،‬كالسائر في الصحراء تترك قدماه علمة‪ ،‬وتأتي الريح لتزيل هذا الثر‪.‬‬
‫كأن هناك ذنبا والذنب له أثر‪ ،‬وأنت تطلب من ال أن يمحوا الذنب‪.‬‬
‫غفِرْ لَنَا { فأنت تعرف أن من مظاهر التكوين البشري النية التي تريد أن تحول‬
‫وعندما تقول‪ } :‬وَا ْ‬
‫العزم إلى حيز السلوك والنفعال النزوعي؛ فالمسألة تحتاج منك إلى تدريب‪ ،‬ومثال ذلك‪ ،‬عندما‬
‫يذنب واحد في حقك فلك أن ترد عليه الذنب بالذنب‪ ،‬ولك أن تكظم الغيظ‪ ،‬لكن يظل الغيظ‬
‫موجودا وأنت تحبسه‪ ،‬ولك أن تعفو‪.‬‬
‫لكن ماذا عن مثل هذا المر بالنسبة للخالق الذي له كمال القدرة؟ إن ال قد ل يعذب العبد المذنب‬
‫ولكنه قد يظل غاضبا عليه‪ ،‬ومن منا قادر على أن يتحمل غضب الرب؟ لذلك نطلب المغفرة‪،‬‬
‫حمْنَآ { فنحن ندعوه سبحانه أل يدخلنا في الذنب الذي يؤدي إلى غضبه ـ‬
‫غفِرْ لَنَا وَارْ َ‬
‫ونقول‪ } :‬وَا ْ‬
‫والعياذ بال ـ علينا‪ .‬فالعفو هو أن نرتكب ذنبا ونطلب من ال المغفرة‪ ،‬ولكن الرحمة هي الدعاء‬
‫بأل يدخلنا في الذنب أصل‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق‪ } :‬أَنتَ َموْلَنَا فَا ْنصُرْنَا عَلَى ا ْلقَوْمِ ا ْلكَافِرِينَ { فهذا اعتراف بعبوديتنا له‪ ،‬وأنه‬
‫الحق خالقنا ومتولي أمورنا وناصرنا‪ ،‬ومادام الحق هو ناصرنا‪ ،‬فهو ناصرنا على القوم الكافرين؛‬
‫فكان ختام سورة البقرة منسجما مع أول سورة البقرة في قوله‪ } :‬الم * ذَِلكَ ا ْلكِتَابُ لَ رَ ْيبَ فِيهِ‬
‫ب وَ ُيقِيمُونَ الصّل َة وَممّا رَ َزقْنَا ُهمْ يُ ْن ِفقُونَ {‪.‬‬
‫هُدًى لّ ْلمُتّقِينَ * الّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ بِا ْلغَ ْي ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في أول السورة ضرب ال المثل بالكافرين والمنافقين‪ ..‬وفي ختامها يقول الحق دعاء على لسان‬
‫المؤمنين‪ } :‬فَا ْنصُرْنَا عَلَى ا ْلقَوْمِ ا ْلكَافِرِينَ { هذا القول يدل على استدامة المعركة بين اليمان‬
‫والكفر‪ ،‬وأن المؤمن يأخذ أحكام ال دائما لينازل بها الكفر أيان وجد ذلك الكفر‪ ،‬ويثق المؤمن تمام‬
‫الثقة أن ال متوليه؛ لن ال مولى الذين آمنوا‪ ،‬أما الكافرون فل مولى لهم‪ .‬فإذا كان ال هو مولى‬
‫المؤمن‪ ،‬وإذا كان الكافر ل مولى له‪ ،‬فمعنى ذلك أنه يجب أن تظل المعركة بين المؤمن والكافر‬
‫قائمة‪ ،‬بحيث إذا رأى المؤمن اجتراءً على السلم في أي صورة من صوره فليثق بأن ال‬
‫ناصره‪ ،‬وليثق بأن ال معه‪ ،‬وليثق المؤمن أن ال ل يطلب منه إل أن ينفعل بحكمه وتأييده‬
‫بالنصر؛ لنه هو الذي يغلب فهو القائل جل وعل‪ } :‬قَاتِلُوهُمْ ُي َعذّ ْبهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ {‪.‬‬
‫يجب أن تظل دائما مؤمنا متيقظا لعملية الكفر في أي لون من ألوانها؛ فهذا الكفر بعملياته يريد أن‬
‫يشوه حركة الحياة وأن يتعب الكون‪ ،‬وأن يجعل القوانين الوضعية البشرية هي المسيطرة‪ ،‬كما‬
‫يجب عليك أيها المؤمن أن تكون من المتقين الذين استهل بهم ال سورة البقرة‪ ،‬وبعد ذلك تسأل‬
‫ال أن ينصرك دائما على القوم الكافرين‪ .‬هذا هو مسك الختام من سورة البقرة } فَا ْنصُرْنَا عَلَى‬
‫ا ْل َقوْمِ ا ْلكَافِرِينَ {‪.‬‬
‫وختام السورة بهذا النص يوحي بأن الذي آمن يجب أن يعدي إيمانه بربه إلى الخلق جميعا‪ ،‬حتى‬
‫تتساند حركة الحياة‪ ،‬ول توجد فيها حركة مؤمن على هدى لتصطدم حركة كافر على ضلل؛ لن‬
‫ل للقوى والمواهب التي أمد ال بها ذلك النسان الذي سخر‬
‫في ذلك إرهاقا للنفس البشرية‪ ،‬وتعطي ً‬
‫من أجله كل الوجود‪ ،‬فل يمكن أن يعيش النسان الذي سوّده ال وكرّمَه على سائر الخلق إل في‬
‫أمان واطمئنان وسلم وحركة تتعاون وتتساعد لتنهض بالمجتمع الذي تعيش فيه نهضة عمرانية‬
‫تؤكد للنسان حقا أنه هو خليفة ال في الرض‪.‬‬
‫ول يكتفي اليمان منا بأن يؤمن الفرد إيمانا يعزله عن بقية الوجود‪ ،‬لنه يكون في ذلك قد خسر‬
‫حركة الحياة في الدنيا‪ ،‬وال يريد له أن يأخذ الدنيا تخدمه كما شاء ال لها أن تكون خادمة‪ ،‬فحين‬
‫يعدي المؤمن إيمانه إلى غيره ينتفع بخير الغير‪ ،‬وإن اكتفى بإيمان نفسه فقط وترك الغير في‬
‫ضللة‪ ،‬انتفع الغير بخير إيمانه وأصابته مضرة الكافر وأذاه‪.‬‬
‫إذن فمن الخير له أن يؤمن الناس جميعا‪ ،‬ويجب أن يعدي ذلك اليمان إلى الغير‪.‬‬
‫ولكن الغير قد يكون منتفعا بالضلل؛ لنه يؤدي به طغيانه‪ ،‬عندئذ تنشأ المعركة‪ ،‬تلك المعركة‬
‫التي غاية كل من دخل فيها أن ينتصر‪ ،‬فيعلمنا ال أن نطلب النصر على الكافرين منه؛ لن‬
‫النصر على الكافرين ل يعتبر نصراَ حقيقيا إل إن َأصّل صفات الخير في الوجود كله‪ ،‬وحين‬
‫تتأصل صفات الخير في الوجود كله يكون المؤمن قد انتصر بحق‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين يطلب منا ال أن نسأله أن ينصرنا لبد أن نكون على مطلوب ال منا في المعركة‪ ،‬بأن‬
‫نكون جنودا إيمانيين بحق‪ .‬وقد عرفنا أن المؤمنين حين يدخلون في معركة مع غيرهم يستطيعون‬
‫أن يحددوا مركزهم اليماني من غاية المعركة‪ .‬فإن انتهت المعركة بنصرهم وغلبتهم علموا أنهم‬
‫من جنود ال‪ ،‬وإن هُزموا وغُلبوا فليراجعوا أنفسهم؛ لن ال أطلقها قضية إيمانية في كتابه الذي‬
‫حفظه فقال‪ {:‬وَإِنّ جُندَنَا َل ُهمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173 :‬‬
‫فإن لم نغلب فلننظر في نفوسنا‪ :‬ما الذي أخللنا به من واجب الجندية ل‪ .‬وحين يعلمنا الحق أن‬
‫نقول‪ } :‬فَا ْنصُرْنَا عَلَى ا ْل َقوْمِ ا ْلكَافِرِينَ { ‪ ،‬أي بعد أن أخذنا أسباب وجودنا من مادة الرض‬
‫المخلوقة لنا بالفكر المخلوق ل‪ ،‬نعمل فيها بالطاقة المخلوقة ل‪ ،‬وحينئذ نكون أهلً للنصر من ال؛‬
‫طعْتُمْ مّن ُق ّو ٍة َومِن رّبَاطِ‬
‫عدّواْ َلهُمْ مّا اسْ َت َ‬
‫لن الحق سبحانه وتعالى قد مد يده بأسباب النصر‪ {:‬وَأَ ِ‬
‫الْخَ ْيلِ تُرْهِبُونَ ِبهِ عَ ْدوّ اللّ ِه وَعَ ُد ّوكُ ْم وَآخَرِينَ مِن دُو ِنهِ ْم لَ َتعَْلمُو َنهُمُ اللّهُ َيعَْل ُمهُمْ }[النفال‪]60 :‬‬
‫حينئذ ل تخافون أبدا؛ لن ل جنودا لم تروها‪ ،‬ول يتدخل ال بالجنود غير المرئية لنا إل إذا‬
‫استنفدنا نحن أسباب ال الممدودة لنا‪.‬‬
‫وحين يختم الحق سبحانه وتعالى سورة البقرة وهي الزهراء الولى لتأتي بعدها الزهراء الثانية‬
‫وهي سورة آل عمران نجد أن هذا هو الترتيب القرآني (الن) وهو ليس على ترتيب النزول الذي‬
‫حدث‪ ،‬فللقرآن ترتيبان‪ :‬ترتيب نزولي حين نزلت اليات لتعالج حدثا وقع للمة المسلمة في‬
‫صراعها مع الكافرين بربهم‪ ،‬وفي تربيته لنفوسهم‪ ،‬فكانت كل آية تأتي لتعالج حادثة‪ .‬والحداث‬
‫في الوجود إنما تأتي على أيدي البشر‪ ،‬فليس من المعقول أن تنزل آيات من القرآن‪ .‬تعالج أحداثا‬
‫أخرى ل صلة بينها وبين ما يجري من أحداث في المجتمع السلمي أو ما ينشأ في الكون من‬
‫قضايا‪.‬‬
‫إذن فلبد أن توجد الحداث أول‪ ،‬ويأتي بعدها النص القرآني ليعالج هذه الحداث‪ ،‬ولكن بعد أن‬
‫اكتمل الدين كما قال ال‪ {:‬الْ َيوْمَ َأ ْكمَلْتُ َلكُمْ دِي َنكُ ْم وَأَ ْت َم ْمتُ عَلَ ْيكُمْ ِن ْعمَتِي وَ َرضِيتُ َلكُ ُم الِسْلمَ‬
‫دِينا }[المائدة‪]3 :‬‬
‫جاء الترتيب الذي يرتب القضايا ترتيبا كليا‪ ،‬لنه عالجها من قبل علجا جزئيا‪ .‬فحين نقول‪ :‬إن‬
‫هذه السورة نزلت بعد كذا‪ ،‬أو فيها آية كذا‪ ،‬نزلت بعد كذا‪ ،‬ونجد أن ذلك يختلف عن النسق‬
‫النزولي نعلم أن ل سبحانه وتعالى في كتابه ترتيبين‪:‬‬
‫الترتيب الول‪ :‬حسب النزول‪.‬‬
‫والترتيب الثاني‪ :‬الذي وُجد عليه القرآن الن وتمت به كلمة ال في خدمة الهداية اليمانية وهذا‬
‫الخير من عند ال أيضا‪.‬‬

‫(‪)288 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الم (‪)1‬‬

‫وجاءت أيضا في سور أخرى‪ ،‬في سورة العنكبوت‪ ،‬وفي سورة الروم‪ ،‬ولقمان‪ ،‬والسجدة‪ ،‬وزاد‬
‫عليها راءً في بعض السور‪ ،‬وزاد عليها صادا في بعض السور " المص " و " المر " كل ذلك جاء‬
‫تأكيدا للمعاني أو تأكيدا للسر الذي وضعه ال في هذه الحروف‪ ،‬وإن لم نكن ندرك ذلك السر‪.‬‬
‫والنسان ينتفع بأسرار الشياء التي وضعها من أوجد الشياء وإن لم يعلم هذه الشياء فهو منتفع‬
‫بها‪ ،‬وضربنا المثل وقلنا‪ :‬إن الريفي الذي ليس عنده ثقافة في الكهرباء‪ ،‬أيستفيد بالكهرباء أم ل؟‬
‫إنه يستفيد بها ويحرك زر المصباح لينيره أو ليطفئه‪ ،‬أهو يعلم سر ذلك؟ ل‪ ،‬لكنه إنما انتفع به‪،‬‬
‫فكذلك المؤمن حين يقول‪ " :‬ألف ـ لم ـ ميم " ‪ ،‬يأخذ سرها من قائلها‪ ،‬فهمها أم لم يفهمها‪ ،‬إذن‬
‫فالمسألة ل تحتاج إلى أن نفلسفها‪ ،‬صحيح أن العقل البشري يحول حول شيء ليستأنس به‪ ،‬ولكن‬
‫عطاء ال وحكمة العطاء فوق ما يستأنس به وفوق ما نستوحش منه‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه في ختام سورة البقرة‪ { :‬فَا ْنصُرْنَا عَلَى ا ْل َقوْمِ ا ْلكَافِرِينَ } يناسب أيضا سورة‬
‫آل عمران‪ ،‬لماذا؟ لن السلم سيأتي ليواجه معسكر كفر ومعسكر أهل الكتاب‪ ،‬فحتى ل تتشقق‬
‫دعوة ال التي صدرت عن ال بمواكب الرسل جميعا الذين سبقوا محمدا صلى ال عليه وسلم وأن‬
‫هذا جاء ليناقض شيئا منه‪ ،‬إنه قد جاء ليعزز دعوة ال‪ ،‬ولتكون هذه المم التي تبعت هذه الديانات‬
‫في صف السلم‪ .‬ولذلك حينما أنكر العرب رسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ال لهم‪{ :‬‬
‫َومَنْ عِن َدهُ عِلْمُ ا ْلكِتَابِ } أي أن من عنده علم الكتاب يشهد أنك رسول ال‪ {.‬وَ َيقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُمْ َومَنْ عِن َدهُ عِلْمُ ا ْلكِتَابِ }[الرعد‪.]43 :‬‬
‫ستَ مُرْسَلً ُقلْ َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫لَ ْ‬
‫فكان المفروض في أهل الكتاب أنهم حينما جاء رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يكونوا هم أول‬
‫المؤمنين برسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لنه جاء ليؤكد موكب اليمان ويأتي لهم بسورة‬
‫يسميها آل عمران حتى يعلم الجميع أنك يا محمد لم تأتي لتهدم ديانة عيسى‪ ،‬ولكن لتبقى ديانة‬
‫ل إلى اليمان‬
‫عيسى ولتؤيد ديانة عيسى‪ ،‬فإن كنتم يا من آمنتم بعيسى مؤمنين بعيسى فاهرعوا حا ً‬
‫بمحمد؛ فقد سماها ال آل عمران‪ ،‬وجعل لهم سورة في القرآن‪.‬‬
‫إن رسالة محمد صلى ال عليه وسلم لم تأت للعصبية‪ ،‬أو لتمحو ما قبلها كما تأتي عصبيات البشر‬
‫حين يأتي قوم على أنقاض قوم‪ ،‬ويهدمون كل ما يتصل بهؤلء القوم حتى التاريخ يمحونه‪،‬‬
‫والشياء يمسخونها؛ لنهم يريدون أن ينشئوا تاريخا جديدا‪ .‬ل إن هذا القرآن يريد أن يصوب‬
‫التاريخ‪ ،‬فيأتي بسورة اسمها " آل عمران " وذلك تكريم عال لهذه الديانة ولتابعيها‪.‬‬
‫حيّ ا ْلقَيّومُ }‬
‫وبعد ذلك يأتي الحق فيستهلها‪ :‬بقوله جل شأنه‪ { :‬اللّهُ ل ِإلَـاهَ ِإلّ ُهوَ الْ َ‬

‫(‪)393 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حيّ ا ْلقَيّومُ (‪)2‬‬
‫اللّهُ لَا إِلَهَ ِإلّا ُهوَ الْ َ‬

‫تلك هي قضية القمة‪ ،‬ولذلك يتكرر في القرآن التأكيد على هذه القضية‪ { ،‬اللّهُ ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ }‪.‬‬
‫و { اللّ ُه } كما يقولون مبتدأ‪ ،‬و { ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ } خبر‪ ،‬والمبتدأ لبد أن يكون متضحا في‬
‫الذهن‪ ،‬فكأن كلمة { اللّهُ } متضحة في الذهن‪ ،‬ولكنه يريد أن يعطي لفظ { اللّهُ } الوصف الذي‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ‬
‫يليق به وهو { ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ }‪ .‬ولذلك يقول الحق‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُمْ مّنْ خَلَقَ ال ّ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ لَ َيقُولُنّ اللّهُ فَأَنّىا ُي ْؤفَكُونَ }[العنكبوت‪.]61 :‬‬
‫شمْ َ‬
‫وَسَخّرَ ال ّ‬
‫إذن فال متضح في أذهانهم‪ ،‬ولكن السلطات الزمنية أرادت أن تطمس هذا اليضاح‪ ،‬فجاء القرآن‬
‫ليزيل ويمحو هذا الطمس مؤكدا { اللّهُ ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ } فهذه قضية أطلقها الحق شهادة منه‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ }[آل عمران‪.]18 :‬‬
‫لنفسه‪َ {:‬‬
‫وكفى بال شهيدا؛ لنها شهادة الذات للذات‪ ،‬وشهدت الملئكة شهادة المشهد فلم يروا أحدا آخر إل‬
‫هو‪ ،‬وكذلك‪ ،‬شهد أولو العلم الذين يأخذون من الدلة في الكون ما يثبت صدق الملئكة ويؤكد‬
‫صدق ال‪ ،‬فإذا ما نظرنا نظرة أخرى نقول‪ :‬إن الحق أطلقها على نفسه وقال‪ { :‬ل إِلَـاهَ ِإلّ‬
‫ُهوَ }؛ وجعلها كلمة التوحيد وجعل المر في غاية اليسر والسهولة والبساطة؛ فلم يشأ ال أن يجعل‬
‫دليل اليمان بالقوة العليا دليلً معقدا‪ ،‬أو دليلً فلسفيا‪ ،‬أو ل يستطيع أحد أن يصل إليه إل أهل‬
‫الثقافة العالية‪ ،‬ل‪ ،‬إن الدين مطلب للجميع؛ من راعي الشاة إلى الفيلسوف؛ إنه مطلوب للذي يكنس‬
‫في الشارع كما هو مطلوب من الستاذ الجامعي‪.‬‬
‫فيجب أن تكون قضية اليمان في مستوى هذه العقول جميعا؛ فل فلسفة في هذه المسألة‪ ،‬لذلك شاء‬
‫الحق أن يجعل هذه المسألة في منتهى البساطة فأوضح ال‪ :‬أنا شهدت أل إله إل أنا‪ ،‬فإما أن‬
‫يكون المر صدقا وبذلك تنتهي المشكلة‪ ،‬وليس من حق أحد العتراض‪ ،‬وإن لم تكون صدقا‬
‫فقولوا لنا‪ :‬أين الله الخر الذي سمع التحدي‪ ،‬وأخذ ال منه ذلك الكون‪ ،‬وقال‪ :‬أنا وحدي في‬
‫الكون‪ ،‬وأنا الذي خلقت‪ ،‬ثم لم نسمع ردا عليه ول عن معارض له‪ ،‬ألم يدر ذلك الله الخر؟‬
‫إذن فذلك الخر ل ينفع أن يكون إلها‪ ،‬فإن علم ذلك الخر ولم يدافع عن نفسه وملكيته للكون فإنه‬
‫ل يصلح أن يكون إلها‪ .‬وتصبح القضية ل إلى أن يظهر مدع ليناقضها‪ ،‬فـ { ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ }‬
‫كلمة حق‪ ،‬وبالعقل والمنطق هو إله ولم نج ًد معارضا‪ .‬وقلنا سابقا‪ :‬إن الدعوى حين تُدعى ول‬
‫يوجد معارض حين نَسمعها تكون لصاحبها إلى أن يوجد المعارض‪ .‬وضربنا مثل‪ :‬نحن‬
‫مجتمعون في حجرة‪ ،‬عشرة أشخاص‪ ،‬وبعد ذلك انصرفوا فوجد صاحب البيت حافظة نقود‪ ،‬فجاء‬
‫واحد متلهفا وقال‪ :‬لقد ضاعت مني حافظة نقود‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقال له صاحب البيت‪ :‬وجدنا حافظة ولكن كان هنا عشرة‪ ،‬فلما جئ بالعشرة‪ ،‬وسئلوا لم يدعها‬
‫أحد‪ ،‬إذن فهي له‪.‬‬
‫إن ال قد قال‪ } :‬ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ { ‪ ،‬فإن كان هناك إله آخر فليظهر لنا‪ ،‬ولكن ل تظهر لنا إل قوة‬
‫ال } ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ { ومادام ل إله إل هو‪ ،‬وهذا الكون يحتاج إلى قيومية لتدبيره‪ ،‬فل بد أن‬
‫يكون حيا حياة تناسبه‪ ،‬لنه سيهب حيوات كثيرة لكل الجناس‪ ،‬للنسان وللحيوان وللنبات‬
‫وللجماد‪ ،‬إذن فالذي يوجدها لبد أن يكون حيا ولبد أن تكون حياته مناسبة له‪.‬‬
‫و " قيّوم " هذه يسمونها صيغة مبالغة؛ لنّ الحدث إذا وقع فإنه يقع مرة على صورة عادية‪ ،‬ومرة‬
‫يقع على صورة قوية‪ .‬مثلما تقول‪ :‬فلن أكول‪ ،‬و " أكول " غير " آكل " ‪ ،‬فكلنا نأكل‪ ،‬وكلنا يطلق‬
‫علينا " آكل " ‪ ،‬لكن ليس كلنا يُطلق علينا " أكول " لن هذه اسمها صيغة مبالغة في الحدث‪.‬‬
‫وإذا كان ال هو الذي يدبر ويقوم على أمر كل عوالم الكون هل يكون قائما أو قَيّوما؟ لبد أن‬
‫يكون قَيّوما‪ .‬و " قيوم " معناها أيضا‪ :‬قائم بذاته‪ .‬فما شكل هذا القيام؟ إنه قيام أزلي كامل‪.‬‬
‫إذن فكلمة " قيّوم " صيغة مبالغة من القيام على المر‪ ،‬قائم بنفسه‪ ،‬قائم بذاته‪ ،‬ويُقيم غيره‪ ،‬والغير‬
‫متعدد متكرر‪ ،‬فعندما يكون هذا الغير متعددا ومتكررا فهو يحتاج إلى صفة قوية في خالقه‪ ،‬فيكون‬
‫الخالق قيّوما‪.‬‬
‫حيّ ا ْلقَيّومُ { هو سند المؤمن في كل حركات حياته‪ " ،‬عن‬
‫إن قوله الحق‪ } :‬اللّ ُه ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ الْ َ‬
‫أبيّ بن كعب رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬يا أبا المنذر أتدري أي آية‬
‫حيّ ا ْلقَيّومُ { فضرب في صدري وقال‪" :‬‬
‫من كتاب ال معك أعظم؟ قلت‪ } :‬اللّهُ ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ ا ْل َ‬
‫ليهنك العلمُ أبا المنذر "‬
‫وقولوا لنا بال‪ :‬حين يوجد ولد وأب‪ ،‬هل يحمل الولد همّا لي مسألة من مسائل الحياة؟ ل؛ لن‬
‫الب متكفل بها‪ ،‬والمثل العامي يقول‪ :‬الذي له أب ل يحمل همّا‪ ،‬إذن فالذي له ربّ عليه أن‬
‫يستحي؛ لنه سبحانه يقول‪ :‬أنا حيّ‪ ،‬وأنا قيّوم‪ ،‬و " قيّوم " يعني قائم بأمرك‪.‬‬
‫خ ُذهُ سِنَةٌ وَلَ َنوْمٌ { ‪،‬‬
‫ويؤكد سبحانه هذه القيّومية في سورة البقرة‪ ،‬فقال في آية الكرسي‪ } :‬لَ تَأْ ُ‬
‫كأنه يقول لنا‪ :‬ناموا أنتم لنني ل أنام‪ ،‬وإل فإن نمت أنت عن حراسة حركة حياتك فمن يحرسها‬
‫حيّ ا ْلقَيّومُ { ‪ ،‬وما دام هو "‬
‫لك؟ إنه سبحانه يتفضل علينا بقيوميته فـ } اللّ ُه ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ الْ َ‬
‫الحيّ " و " القيّوم " فأمر منطقي أنه قائم بأمر الخلق جميعا وقد وضع لكل الخلق ما تقوم به‬
‫حياتهم من مادة وصيانة مادة ومن قيم وصيانة قيم‪.‬‬
‫ومادام هو القيوم القائم بالمر والمتولي الشئون للخلق فلبد أن يؤدي لهم مطلوبات مادتهم وما‬
‫سيَ مِن َف ْو ِقهَا‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫يبقيها‪ ،‬ومطلوبات قيمهم وما يبقيها‪ .‬أما مطلوبات المادة فيقول فيها‪ {:‬وَ َ‬
‫سوَآءً لّلسّآئِلِينَ }[فصلت‪.]10 :‬‬
‫وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ َأ ْقوَا َتهَا فِي أَرْ َبعَةِ أَيّامٍ َ‬
‫حقّ‬
‫إنه سبحانه يطمئنا على القوت‪ ،‬وأما مطلوبات القيم فقال سبحانه‪ } :‬نَ ّزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ُمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ يَدَ ْيهِ‪{ ...‬‬

‫(‪)394 /‬‬
‫حقّ ُمصَ ّدقًا ِلمَا بَيْنَ يَدَ ْي ِه وَأَنْ َزلَ ال ّتوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (‪)3‬‬
‫نَ ّزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬

‫إذن فلم يعطنا سبحانه مقومات المادة فقط‪ ،‬ولكن أعطانا مقومات القيم أيضا؛ لن المادة بدون قيم‬
‫تكون شرسة هوجاء رعناء‪ ،‬فيريد ال أن يجعل المادة في مستوى إيماني‪ .‬إذن لبد أن تنزل القيم‪.‬‬
‫حقّ } و { نَ ّزلَ } تفيد شيئا قد وجب عليك؛ لن النزول‬
‫لذلك قال سبحانه‪ { :‬نَ ّزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫معناه‪ :‬شيء من أعلى ينزل‪ ،‬وهو يقول لك‪ :‬ل تتأبى على القيم التي جاءت لك من أعلى منك؛‬
‫لنها ليست من مساو لك‪ ،‬إنها من خالق الكون والبشر‪ ،‬والذي يمكنك أن تتأبى عليه ما يأتي ممن‬
‫هو أدنى منك‪.‬‬
‫لكن حين يجيء لك التقنين ممن هو أعلى منك فل تتأبّ عليه؛ لن خضوعك له ليس ذلة بل عزة‪،‬‬
‫لمِينُ }‬
‫حاَ‬
‫فقال‪ { :‬نَ ّزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ }‪ .‬وفي سياق القرآن نجده سبحانه يقول‪ {:‬نَ َزلَ بِهِ الرّو ُ‬
‫[الشعراء‪.]193 :‬‬
‫حقّ نَ َزلَ َومَآ أَ ْرسَلْنَاكَ ِإلّ مُبَشّرا‬
‫ومرة أخرى يقول في القرآن الكريم‪ {:‬وَبِالْحَقّ أَنْزَلْنَا ُه وَبِالْ َ‬
‫وَنَذِيرا }[السراء‪.]105 :‬‬
‫ولكن هل نزل القرآن وحده؟ لقد كان جبريل عليه السلم ينزل بالقرآن على رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ول يعني ذلك خروج القرآن عن كونه " نزل " ‪ ،‬فجبريل عليه السلم كان ينزل‬
‫بالقرآن على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وَبِا ْلحَقّ أَنْ َزلْنَاهُ‬
‫وَبِالْحَقّ نَ َزلَ َومَآ أَ ْرسَلْنَاكَ ِإلّ مُ َبشّرا وَنَذِيرا }[السراء‪.]105 :‬‬
‫وبذلك تتساوى " أنزل " مع " نزل "‪ .‬وحين نأتي للحدث أي الفعل في أي وقت من الوقات فإننا‬
‫نتساءل‪ :‬أهو موقوت بزمن أم غير موقوت بزمن؟ إن القرآن الكريم قد نزل على رسول ال محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم في ثلثة وعشرين عاما وينزل القرآن حسب الحوادث‪ ،‬فكل نجم من نجوم‬
‫القرآن ينزل حسب متطلبات الحداث‪ .‬ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَ ْيلَةِ ا ْلقَدْرِ‬
‫}[القدر‪.]1 :‬‬
‫والحق هنا يحدد زمنا‪ .‬ولنا أن نعرف أن القرآن الذي نزل في ثلثة وعشرين عاما هو الذي أنزله‬
‫ال في ليلة القدر‪.‬‬
‫إذن فللقرآن نزولن اثنان‪ :‬الول‪ :‬إنزال من " أنزل "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخر‪ :‬تنزيل من " نَزّل "‪.‬‬
‫إذن فالمقصود من قوله ـ سبحانه ـ‪ { :‬إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ا ْلقَدْرِ } أن القرآن نزل من اللوح‬
‫المحفوظ إلى السماء الدنيا ليباشر مهمته في الكون‪ ،‬وهذا ما أنزله ال في ليلة القدر‪.‬‬
‫والكتاب الكريم الذي أنزله ال في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ينزلُ منجما على حسب الحداث‬
‫التي تتطلب تشريعا أو إيضاحا لمر‪.‬‬
‫لكن الكتب الخرى لم يكن لها ذلك اللون من النزول والتنزيل‪ ،‬لقد نزلت مرة واحدة؛ ل حسب‬
‫الحداث والمناسبات‪ ،‬لقد جاءت مرة واحدة‪ ،‬كما نزل القرآن أول من اللوح المحفوظ إلى السماء‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫ولننظر إلى الداء القرآني حين يقول‪:‬‬
‫} نَ ّزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِا ْلحَقّ ُمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ال ّتوْرَا َة وَالِنْجِيلَ { [آل عمران‪]3 :‬‬
‫وهنا يجب أن نلتفت إلى أن الحق قال عن القرآن‪ " :‬نَزّل " وقال عن التوراة والنجيل‪ " :‬أنزل "‪.‬‬
‫لقد جاءت همزة التعدية وجمع ـ سبحانه ـ بين التوراة والنجيل في النزال‪ ،‬وهذا يوضح لنا أن‬
‫التوراة والنجيل إنما أنزلهما ال مرة واحدة‪ ،‬أما القرآن الكريم فقد نَزّله ال في ثلث وعشرين‬
‫سنة منجما ومناسبا للحوادث التي طرأت على واقع المسلمين‪ ،‬ومتضمنا البلغ الشامل من يوم‬
‫الخلق إلى يوم البعث‪.‬‬
‫ونَزّل ال القرآن منجما مناسبا للحداث‪ ،‬ليثبت فؤاد رسول ال؛ لنه صلى ال عليه وسلم كان‬
‫يتعرض لحداث شتى‪ ،‬كلما يأتي حدث يريد تثبيتا ينزل نجم من القرآن‪َ {.‬وقَالَ الّذِينَ َكفَرُواْ َل ْولَ‬
‫ك وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلً }[الفرقان‪.]32 :‬‬
‫جمْلَ ًة وَاحِ َدةً كَذَِلكَ لِنُثَ ّبتَ ِبهِ ُفؤَا َد َ‬
‫نُ ّزلَ عَلَيْهِ ا ْلقُرْآنُ ُ‬
‫وكان النجم من القرآن ينزل‪ ,‬ويحفظه المؤمنون‪ ،‬ويعملون بهديه‪ ،‬ثم ينزل نجم آخر‪ ،‬وال سبحانه‬
‫ق وََأحْسَنَ َتفْسِيرا }[الفرقان‪.]33 :‬‬
‫يقول‪َ {:‬ولَ يَأْتُو َنكَ ِبمَ َثلٍ ِإلّ جِئْنَاكَ بِا ْلحَ ّ‬
‫فمن رحمته سبحانه وتعالى بالمسلمين أن فتح لهم المجال لن يسألوا‪ ،‬وأن يستوضحوا المور‬
‫التي تغمض عليهم‪.‬‬
‫وجعل الحق سبحانه لعمال المؤمنين الختيارية خلل الثلثة والعشرين عاما فرصة ليقيموا‬
‫حياتهم في ضوء منهج القرآن‪ ،‬وصوب لهم القرآن ما كان من خطأ وذلك يدل على أن القرآن قد‬
‫فرض الجدل والمناقشة‪ ،‬وفرض مجيء الشيء في وقت طلبه؛ لن الشيء إذا ما جيء به وقت‬
‫طلبه فإن النفس تقبل عليه وترضى به‪.‬‬
‫ومثال ذلك في حياتنا اليومية أن الواحد منا قد يملك في منزله صندوقا للدوية مُمتلئا بألوان شتى‬
‫من الداء‪ ،‬ولكن عندما يصاب صاحب هذا الصندوق بقليل من الصداع فهو يبحث عن قرص‬
‫أسبرين‪ ،‬قد ل يعرف مكانه في صندوق الدواء فيبعث في شرائه‪ ،‬وذلك أسهل وأوثق‪ .‬والحق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س وَأَن َزلَ ا ْلفُ ْرقَانَ‪{ ...‬‬
‫سبحانه قد جمع للقرآن بين " نزّل " و " أنزل " فقال‪ } :‬مِن قَ ْبلُ هُدًى لّلنّا ِ‬

‫(‪)395 /‬‬
‫عذَابٌ شَدِي ٌد وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو‬
‫مِنْ قَ ْبلُ هُدًى لِلنّاسِ وَأَنْ َزلَ ا ْلفُ ْرقَانَ إِنّ الّذِينَ َكفَرُوا بِآَيَاتِ اللّهِ َلهُمْ َ‬
‫انْ ِتقَامٍ (‪)4‬‬

‫ويأتي القول الفصل في‪ :‬ـ { وَأَن َزلَ ا ْلفُ ْرقَانَ }‪.‬‬
‫هنا الجمع بين " نزل " و " أنزل "‪.‬‬
‫وساعة يقول الحق عن القرآن‪ُ { :‬مصَدّقا ّلمَا بَيْنَ يَدَ ْيهِ } فمعنى ذلك أن القرآن يوضح المتجه؛ إنه‬
‫مصدق لما قبله ولما سبقه‪ ،‬إنه مصدق للقضايا العقدية اليمانية التي ل يختلف فيها دين عن دين؛‬
‫لن الديانات إن اختلفت فإنما تختلف في بعض الحكام‪ ،‬فهناك حكم يناسب زمنا وحكم آخر ل‬
‫يناسب ذلك الزمن‪ .‬أما العقائد فهي ل تتغير ول تتبدل‪ ،‬وكذلك الخبار وتاريخ الرسل‪ ،‬فليس في‬
‫تلك المور تغيير‪.‬‬
‫ومعنى " مصدق " أي أن يطابق الخبر الواقع‪ ،‬وهذا ما نسميه " الصدق "‪ .‬وإن لم يطابق الخبر‬
‫الواقع فإننا نسميه " كذبا "‪ .‬إذن‪ ،‬فالواقع هو الذي يحكم‪ .‬ولذلك قلنا من قبل‪ :‬إن الصادق هو الذي‬
‫ل تختلف روايته للحداث؛ لنه يستوحي واقعا‪ ،‬وكلما روى الحادثة فإنه يرويها نفسها بكلماتها‬
‫وتفاصيلها‪ ،‬أما الكاذب فل يوجد له واقع يحكي عنه‪ ،‬لذلك يُنشئ في كل حديث واقعا جديدا‪،‬‬
‫ولذلك يقول الناس‪ " :‬إن كنت كذوبا فكن ذكورا "‪ .‬أي إن كنت تكذب ـ والعياذ بال ـ فتذكر ما‬
‫قلت؛ حتى ل تناقضه بعد ذلك‪ .‬فالصادق هو من يستقرئ الواقع‪ ،‬ومادام يروي عن صدق فهو‬
‫يروي عن أمر ثابت ل تلويه الهواء‪ ،‬فل يحكي مرة بهوى‪ ،‬ومرة بهوى آخر‪.‬‬
‫ومادام الخبر صادقا فإنه يصبح حقا؛ لن الحق هو الشيء الثابت الذي ل يتغير وسبحانه يقول‬
‫علَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِا ْلحَقّ ُمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ يَدَ ْي ِه وَأَن َزلَ ال ّتوْرَاةَ وَالِنْجِيلَ * مِن قَ ْبلُ ُهدًى‬
‫هنا‪ { :‬نَ ّزلَ َ‬
‫لّلنّاسِ }‪.‬‬
‫وقد تكلمنا من قبل عن التوراة‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن بعضا من العلماء حين يتعرض للفظ من اللفاظ فهو‬
‫يحاول أن يجعله من اللغة العربية‪ ،‬ويحاول أن يعثر له على وزن من الوزان العربية‪ ،‬وأن يأتي‬
‫له بصفة من الصفات العربية‪ ،‬فقال بعضهم من التوراة‪ :‬إنها " الوَرْى " ـ بسكون الراء ـ وكان‬
‫الناس قديما يشعلون النار بضرب عود في عود آخر‪ ،‬ويقولون‪ :‬الزند قد ورى " ‪ ،‬أي قد خرجت‬
‫ناره‪ .‬وقال بعض العلماء أيضا‪ :‬إن النجيل من " النجْل " ‪ ،‬وهو الزيادة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأقول لهؤلء العلماء‪ :‬لقد نظرتم إلى هذه اللفاظ على أنها ألفاظ عربية‪ ،‬لكن التوراة لفظ عبري‪،‬‬
‫والنجيل لفظ سرياني أو لفظ يوناني‪ ،‬وصارت تلك الكلمات علما على تلك الكتب وجاءت إلى‬
‫لغتنا‪ .‬ول تظنوا أن القرآن مادام قد نزل عربيا فكل ألفاظه عربية‪ ،‬ل‪ .‬صحيح أن القرآن عربي‪،‬‬
‫وصحيح أيضا أنه قد جاء وهذه اللفاظ دائرة على لسان العرب‪ ،‬وإذا تم النطق بها يُفهم معناها‪.‬‬
‫والمثال على ذلك أننا في العصر الحديث أدخلنا في اللغة كلمة " بنك " وتكلمنا بها‪ ،‬فأصبحت‬
‫عربية؛ لنها تدور على اللسان العربي‪ ،‬فمعنى أن القرآن عربي أن ال حينما خاطب العرب‬
‫خاطبهم بألفاظ يفهمونها‪ ،‬وهي دائرة في ألسنتهم‪ ،‬وإن لم تكن في أصلها عربية‪ .‬وحينما تكلم الحق‬
‫عن التوراة والنجيل وقال‪ :‬إن القرآن جاء مصدقا لهما قال ـ جل شأنه ـ‪:‬‬
‫س وَأَن َزلَ ا ْلفُ ْرقَانَ إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ َل ُهمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو‬
‫} مِن قَ ْبلُ ُهدًى لّلنّا ِ‬
‫انْ ِتقَامٍ { [آل عمران‪]4 :‬‬
‫فأي ناس هؤلء الذين قال عنهم‪ } :‬هُدًى لّلنّاسِ {؟ لشك أنهم الناس الذين عاصروا الدعوة لتلك‬
‫الكتب‪ .‬وإذا كان القرآن قد جاء مصداقا لما في التوراة والنجيل أل تكون هذه الكتب هداية لنا‬
‫أيضا؟ نعم هي هداية لنا‪ ،‬ولكن الهداية إنما تكون بتصديق القرآن لها‪ ،‬حتى ل يكون كل ما جاء‬
‫فيهما ومنسوبا إليهما حجة علينا‪ .‬فالذي يصدقه القرآن هو الحجة علينا‪ ،‬فيكون } ُهدًى لّلنّاسِ‬
‫{ معناها‪ :‬الذين عاصروا هذه الديانات وهذه الكتب ‪ ،‬ونحن مؤمنون بما فيها بتصديق القرآن لها‪.‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه وتعالى‪ " :‬وأنزل الفرقان " يدل على أن الكتاب ـ أي القرآن ـ‬
‫سيعاصر مهمة صعبة؛ فكلمة " الفرقان " ل تأتي إل في وجود معركة‪ ،‬ونريد أن نفرق بين‬
‫أمرين‪ :‬هدى وضلل‪ ،‬حق وباطل‪ ،‬شقاء وسعادة‪ ،‬استقامة وانحراف‪ ،‬إذن فكلمة " الفرقان " تدل‬
‫على أن القرآن إنما جاء ليباشر مهمة صعبة وهو أنه يفرق بين الخير والشر‪ ،‬ومادام يفرق بين‬
‫الخير والشر إذن ففيه خير وله معسكر‪ ،‬وفيه شر وله معسكر‪ ،‬إذن ففيه فريقان‪ .‬ويأتي للفريق‬
‫الذي يدافع عن الحق نضالً وجهادا بما يفرق له ويميز به بين الحق والباطل ويختم الحق هذه‬
‫شدِي ٌد وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْ ِتقَامٍ {‪.‬‬
‫عذَابٌ َ‬
‫الية بقوله‪ } :‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ َلهُمْ َ‬
‫ولماذا جاء هذا التذييل على هذه الصورة في هذه الية؟ أي مادام القرآن فرقانا فلبد أن يفرق بين‬
‫حق وباطل‪ ،‬والحق له جنوده‪ ،‬وهم المؤمنون‪ ،‬والباطل له جنوده وهم الكافرون‪ ،‬والشر قد جاء‬
‫من الكافرين فلبد أن يتكلم عن الذين كفروا } إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ َلهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ {‪.‬‬
‫والعذاب إيلم‪ ،‬ويختلف ُقوّة وضعفا باعتبار المؤلم المباشر للعذاب‪ .‬فصفعة طفل غير صفعة شاب‬
‫غير صفعة رجل قوي‪ ،‬كل واحد يوجه الصفعة بما يناسب قوّته‪ ،‬فإذا كان العذاب صادرا من قوة‬
‫شدِي ٌد وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْ ِتقَامٍ { أي ل‬
‫القوي وهو ال‪ ،‬إذن فلبد أنه عذاب ل يطاق‪َ } .‬ل ُهمْ عَذَابٌ َ‬
‫يُغلب على أمره‪ ،‬ول توجد قوة أخرى ضده‪ ،‬وانتقامه لن يستطيع أحد أن يرده‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقوله الحق سبحانه وتعالى‪ :‬إنه " قيّوم " أي يقوم بشئون خلقه إيجادا وإمدادا‪ ،‬بناء مادة وإيجاد‬
‫قيم‪ ،‬لبد أن يتفرع من ذلك أنه يعلم كل الخلق ويعلم الخبايا‪ ،‬ولذلك يضع التقنين المناسب لكل ما‬
‫يجري لهم‪ ،‬والتقنينات التي تأتي من البشر تختلف عن التقنينات الموجودة من ال‪ ،‬لماذا؟‬
‫لن ال حين يقنن بكتاب ينزله على رسوله ليبلغ حكم ال فيه فهو سبحانه يقنن لما يعلم‪ ،‬وما‬
‫يعلمه سبحانه قد يعلمه خلقه وقد ل يعلمونه‪ ،‬وقد تأتي الحداث بما لم يكن في بال المشرع‬
‫البشري المقنن حين يقنن‪ ،‬ولذلك يضطرون عادة إلى تغيير القانون؛ لنه قد جدّت أحداث لم يلتفت‬
‫إليها المشرع البشري‪.‬‬
‫ولماذا لم يلتفت إليها المشرع البشري؟ لن علمه مقصور على المرئيات التي توجد في عصره‬
‫وغير معاصر للشياء التي تحدث بعد عصره‪ ،‬وأيضا يقنن لملكات خفية عنه‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى لكونه قيّوما ويُنزل ما يفرق بين الحق والباطل‪ ،‬فهو ـ سبحانه ـ يعلم‬
‫علما واسعا‪ ،‬بحيث ل يُستدرك عليه‪ ،‬ولذلك فالذين يحاولون أن يقولوا‪ :‬إن هذا الحكم غير ملئم‬
‫للعصر‪ ،‬نقول لهم‪ :‬أتستدركون على ال؟! كأنكم تقولون‪ :‬إن ال قد فاته مثل هذه الحكاية ونريد أن‬
‫نصححها له!‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ل تستدركوا على ال‪ ،‬وخذوا حكم ال هكذا؛ لن هذا هو الحكم الذي ل يأتيه الباطل من بين‬
‫يديه ول من خلفه؛ لنه حكم من عالم ل يتجدد علمه‪ ،‬ول يطرأ شيء على علمه‪ ،‬وفوق كل ذلك‬
‫شيْءٌ فِي الَ ْرضِ َولَ‬
‫خفَىا عَلَ ْيهِ َ‬
‫فهو سبحانه ل ينتفع بما يقنن‪ ،‬وهو سبحانه يقول‪ } :‬إِنّ اللّ َه لَ َي ْ‬
‫سمَآءِ {‬
‫فِي ال ّ‬

‫(‪)396 /‬‬
‫سمَاءِ (‪)5‬‬
‫شيْءٌ فِي الْأَ ْرضِ وَلَا فِي ال ّ‬
‫خفَى عَلَيْهِ َ‬
‫إِنّ اللّهَ لَا يَ ْ‬

‫انظروا إلى خدمة الية لكل الغراض التي سبقتها‪ ،‬مادام قيّوما وقائما بأمور الخلق‪ ،‬فلبد أن يعلم‬
‫كل شيء عن الخلق‪ ،‬فل يخفي عليه شيء في الرض ول في السماء‪ ،‬ومادام سيفرق بين الحق‬
‫والباطل وينزل بالكفار عذابا شديدا فل يخفى عليه شيء‪ .‬إن الية تخدم كل الغراض‪ ،‬وهو‬
‫سبحانه يعلم كل الغراض‪ ،‬فحين يقنن بقيوميته‪ ،‬فهو يقنن بل استدراك عليه‪ ،‬وحين يخرج أحد‬
‫خفَىا عَلَيْهِ‬
‫عن منهجه ل يخفى عليه‪ .‬إذن فالية حصاد على التشريع وعلى الجزاء { إِنّ اللّ َه لَ يَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَآءِ }‪ .‬وبعد ذلك يتكلم الحق عن مظهر القيوميّة الول بالنسبة‬
‫شيْءٌ فِي الَ ْرضِ َولَ فِي ال ّ‬
‫َ‬
‫صوّ ُركُمْ فِي الَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ‪} ...‬‬
‫للنسان فيقول‪ُ { :‬هوَ الّذِي ُي َ‬

‫(‪)397 /‬‬
‫حكِيمُ (‪)6‬‬
‫صوّ ُركُمْ فِي الْأَ ْرحَامِ كَ ْيفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلّا ُهوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫ُهوَ الّذِي ُي َ‬

‫والتصوير في الرحم هو إيجاد المادة التي سيوجد منها النسان على هيئة خاصة؛ هذه الهيئة‬
‫تختلف نوعيتها‪ :‬ذكورة وأنوثة‪ .‬والذكورة والنوثة تختلفان أشكالً؛ بيضاء وسمراء وقمحية‬
‫لفُ أَ ْلسِنَ ِتكُمْ‬
‫وخمرية وقصيرة وطويلة‪ ،‬هذه الشكال التي يوجد عليها الخلق والتي منها‪ {:‬وَاخْتِ َ‬
‫وَأَ ْلوَا ِنكُمْ }[الروم‪.]22 :‬‬
‫هذا الختلف في اللوان واللسنة والشياء المتعددة يَدُل على أنها ليست من إنتاج مصنع يصنع‬
‫قالبا ثم يشكل عليه‪ ،‬ل؛ فكل إنسان يولد يصنع بيد قديرة بقدرة ذاتية‪.‬‬
‫إن الصانع الن إذا أرادت أن يصنع لك كوبا يصنع قالبا ويكرره‪ ،‬لكن في الخلق البشري كل‬
‫واحد بقالبه الخاص‪ ،‬وكل واحد بشكله المخصوص‪ ،‬وكل واحد بصوته الذي ثبت أن له بصمة‬
‫كبصمة اليد‪ ،‬وكل واحد بلون‪ ،‬إذن فهي من اليات‪ ،‬وهذا دليل على طلقة القدرة‪ ،‬وفوق كل هذا‬
‫هو الخلق الذي ل يحتاج إلى عملية علج‪ ،‬معنى عملية علج أي يجعل قالبا واحدا ليصب فيه‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ وَإِذَا َقضَىا َأمْرا فَإِ ّنمَا َيقُولُ لَهُ كُنْ‬
‫مادته‪ .‬ل‪ ،‬هو ـ جل شأنه ـ يقول‪ {:‬بَدِيعُ ال ّ‬
‫فَ َيكُونُ }[البقرة‪.]117 :‬‬
‫إن الب والم قد يتحدان في اللون ولكن البن قد ينشأ بلون مختلف‪ ،‬ويخلق ال معظم الناس خلقا‬
‫سويا‪ ،‬ويخلق قلة من الناس خلقا غير سوي؛ فقد يولد طفل أعمى أو مصاب بعاهة ما أو بإصبع‬
‫زائدة أو إصبعين‪ ..‬وهذا الشذوذ أراده ال في الخلق ليلفتنا الحق إلى حسن وجمال خلقه‪ .‬لن من‬
‫يرى ـ وهو السويّ ـ إنسانا آخر معوّقا عن الحركة فإنه يحمد ال على كامل خلقه‪.‬‬
‫وحين يرى إنسان له في كل يد خمس أصابع إنسانا آخر له إصبع زائدة يعوق حركة يده‪ ،‬يعْرف‬
‫حكمة وجود الصابع الخمس‪ ،‬فالجمال ل يثبت إل بوجود القبح‪ ،‬وبضدها تتمايز الشياء‪ ،‬النسان‬
‫الذي له سبع أصابع في يد واحدة‪ ،‬يضع الطب أمام مهمة يجند نفسه لها؛ حتى يستطيع الطبيب أن‬
‫يستأصل الزائد عن حاجة النسان الطبيعي‪ .‬ولو خلق ال النسان بثلث أصابع لما استطاع ذلك‬
‫النسان أن يتحكم عند استعماله الشياء الدقيقة‪.‬‬
‫إن النسان العادي في حركته اليومية ل يدرك جمال استواء خلقه إل إذا رأى فردا من أفراد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الشذوذ‪ .‬والحق يلفت الناس الساهين عن نعم ال عليهم لرتابتها فيهم بفقدها في غيرهم‪ .‬فساعة أن‬
‫يرى مبصرٌ مكفوفا يسير بعكاز‪ ،‬يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها له ال فيشعر بنعمة ال عليه‪.‬‬
‫إن الشذوذ في الخلق هو نماذج إيضاحية تلفت الناس إلى نعم ال التي أنعم ال عليهم بها‪.‬‬
‫هذه المُثُل في الكون تلفت الناس إلى نعم ال فيهم‪ ،‬ولذلك تجدها أمامك‪ ،‬وأيضا كي ل تستدرك‬
‫على خالقك‪ ،‬ول تقل ما ذنب هذا النسان أن يكون مخلوقا هكذا؟ فهو سبحانه سيعوضه في ناحية‬
‫أخرى؛ فقد يعطيه عبقرية تفوق إمكانات المبصر‪.‬‬
‫ونضرب هذا المثل ـ ول المثل العلى ـ عن الذي ساح في الدنيا " تيمور لنك العرج " وهو‬
‫القائد الذي أذهل الدنيا شجاعة‪ ،‬إن ال قد أعطاه موهبة التخطيط والقتال تعويضا له عن العرج‪.‬‬
‫ونحن نجد العبقريات تتفجر في الشواذ غالبا‪ ،‬لماذا؟ لن ال يجعل للعاجز عجزا معينا همة تحاول‬
‫صوّ ُركُمْ فِي الَرْحَامِ كَ ْيفَ‬
‫أن تعوض ما افتقده في شيء آخر‪ ،‬فيأتي النبوغ‪ .‬إذن فـ } ُهوَ الّذِي ُي َ‬
‫يَشَآءُ { وكل تصوير له حكمة‪ .‬ومادام كل تصوير له حكمة فكل خلق ال جميل‪.‬‬
‫عليك ألّ تأخذ الخلق مفصولً عن حكمة خالقه‪ ،‬بل خُذ كل خلق مع حكمته‪ .‬إن الذي يجعلك تقول‪:‬‬
‫هذا قبيح‪ ،‬إنك تفصل المخلوق عن حكمته‪ ،‬ومثال ذلك‪ :‬التلميذ الذي يرسب قد يحزن والده‪ ،‬ولكن‬
‫لماذا يأخذ الرسوب بعيدا عن حكمته؟ لقد رسب حتى يتعلم معنى الجدية في الستذكار‪ ،‬فلو نجح‬
‫مع لعبه ماذا سيحدث؟ كل أقرانه الذين عرفوا أنه لعب ونجح سيلعبون ويقولون‪ :‬هذا لعب‬
‫ونجح‪ ..‬إذن فل بد أن تأخذ كل عمل ومعه حكمة وجوده‪.‬‬
‫كذلك ل تأخذ العقوبة منفصلة عن الجريمة‪ ،‬فكل عقوبة علينا أن نأخذها ملتصقة بجريمتها‪ ،‬فساعة‬
‫ترى واحدا مثلً سيحكمون عليه بالعدام تأخذك الرحمة به وتحزن‪ ،‬هنا نقول لك‪ :‬أنت فصلت‬
‫إعدامه عن القتل الذي ارتكبه سابقا‪ ،‬إنما لو استحضرت جريمته لوجدته يُقتَلُ عدالة وقصاصا فقد‬
‫قُتُل غيره ظلما‪ ،‬فل تبعد هذه عن هذه‪.‬‬
‫صوّ ُركُمْ فِي الَ ْرحَامِ كَ ْيفَ يَشَآءُ لَ ِإلَـاهَ ِإلّ ُهوَ { ومعنى } لَ ِإلَـاهَ ِإلّ ُهوَ { أي‬
‫} ُهوَ الّذِي ُي َ‬
‫سيُصوّر وهو عالم أن ما يصوّره سيكون على هذه الصورة؛ لنه ل يوجد إله آخر يقول له‪ :‬هذه‬
‫ل تعجبني وسأصور صورة أخرى‪ ،‬ل؛ لن الذي يفعل ذلك عزيز‪ ،‬أي ل يغلب على أمر‪ ،‬وكل‬
‫ما يريده يحدث وكل أمر عنده لحكمة‪ ،‬لنه عندما يقول‪ُ } :‬يصَوّ ُركُمْ فِي الَرْحَامِ { قد يقول أحد‬
‫من الناس‪ :‬إن هناك صورا شاذة وصورا غير طبيعية‪ .‬وهو سبحانه يقول لك‪ :‬أنا حكيم‪ ،‬وأفعلها‬
‫لحكمة فل تفصل الحدث عن حكمته‪ ،‬خذ الحدث بحكمته‪ ،‬وإذا أردت الحدث بحكمته تجده الجمال‬
‫عينه‪ ،‬وهو سبحانه المصور في الرحم كيف يشاء‪ ،‬هذا من ناحية مادته‪.‬‬
‫وهو سبحانه يوضح‪ :‬فلن يترك المادة هكذا بل سيجعل لهذه المادة قيما كي تنسجم حركة الوجود‬
‫ح َكمَاتٌ هُنّ أُمّ ا ْلكِتَابِ وَأُخَرُ‬
‫مع بعضها يقول سبحانه‪ُ } :‬هوَ الّذِي أَن َزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مُتَشَا ِبهَاتٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)398 /‬‬
‫ح َكمَاتٌ هُنّ ُأمّ ا ْلكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَا ِبهَاتٌ فََأمّا الّذِينَ فِي‬
‫ُهوَ الّذِي أَنْ َزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُ ْ‬
‫قُلُو ِبهِمْ زَيْغٌ فَيَتّ ِبعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْ ِتغَاءَ ا ْلفِتْنَةِ وَابْ ِتغَاءَ تَ ْأوِيلِ ِه َومَا َيعْلَمُ تَ ْأوِيلَهُ إِلّا اللّ ُه وَالرّاسِخُونَ‬
‫فِي ا ْلعِلْمِ َيقُولُونَ َآمَنّا بِهِ ُكلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا َومَا َي ّذكّرُ إِلّا أُولُو الْأَلْبَابِ (‪)7‬‬

‫إذن فبعدما صورنا في الرحام كيف يشاء على مُقتضى حكمته لن يترك الصور بدون منهج للقيم‪،‬‬
‫بل صنع منهج القيم بأن أنزل القرآن وفيه منهج القيم‪ ،‬ولبد أن نأخذ الشيء بجوار الحكمة منه‪،‬‬
‫وإذا أخذنا الشيء بجوار الحكمة منه يوجد كل أمر مستقيما كله جميل وكله خير‪ .‬فيقول سبحانه‪{ :‬‬
‫ح َكمَاتٌ }‪.‬‬
‫ُهوَ الّذِي أَن َزلَ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّ ْ‬
‫ح َكمَاتٌ }؟ إن الشيء المحكم هو الذي ل يتسرب إليه خلل ول‬
‫ماذا يعني الحق بقول‪ { :‬آيَاتٌ مّ ْ‬
‫فساد في الفهم؛ لنه محكم‪ ،‬وهذه اليات المحكمة هي النصوص التي ل يختلف فيها الناس‪ ،‬فعندما‬
‫طعُواْ أَيْدِ َي ُهمَا }[المائدة‪.]38 :‬‬
‫ق وَالسّا ِرقَةُ فَا ْق َ‬
‫يقول‪ {:‬وَالسّا ِر ُ‬
‫حدٍ مّ ْن ُهمَا }‬
‫ل وَا ِ‬
‫هذه آية تتضمن حُكما واضحا‪ .‬وهو سبحانه يقول‪ {:‬الزّانِ َي ُة وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ ُك ّ‬
‫[النور‪.]2 :‬‬
‫هذه أيضا أمور واضحة‪ ،‬هذا هو المُحكم من اليات‪ ،‬فالمُحكم هو ما ل تختلف فيه الفهام؛ لن‬
‫النص فيه واضح وصريح ل يحتمل سواه‪ ،‬و " المُتشابه " هو الذي نتعب في فهم المراد منه‪،‬‬
‫ومادمنا سنتعب في فهم المراد منه فلماذا أنزله؟‬
‫ويوضح لنا سبحانه ـ كما قلت لك ـ خذ الشيء مع حكمته كي تعرف لماذا نزل؟ فال ُمحْكم جاء‬
‫للحكام المطلوبة من الخلق‪ ،‬أي افعل كذا‪ ،‬ول تفعل كذا‪ ،‬ومادامت أفعال مطلوبة من الخلق فالذي‬
‫فعلها يُثاب عليها‪ ،‬والذي لم يفعلها يُعاقب‪ ،‬إذن فسيترتب عليها ثواب وعقاب‪ ،‬فيأتي بها صورة‬
‫واضحة‪ ،‬وإل لقال واحد‪ " :‬أنا لم أفهم " ‪ ،‬إن الحكام تقول لك‪ " :‬افعل كذا ول تفعل كذا " فهي‬
‫حين تقول‪ " :‬افعل "؛ أنت صالح أل تفعل‪ ،‬فلو كنت مخلوقا على أنك تفعل فقط؛ ل يقول لك‪:‬‬
‫افعل‪ ،‬لكن لنك صالح أن تفعل وأل تفعل فهو يقول لك‪ " :‬افعل "‪.‬‬
‫وساعة يقول لك‪ " :‬ل تفعل " ‪ ،‬فأنت صالح أن تفعل‪ ،‬فل يقال‪ " :‬افعل ول تفعل " إلّ لنه خلق‬
‫فيك صلحية أن تفعل أو ل تفعل‪ ،‬ونلحظ أنه حين يقول لي‪ :‬افعل كذا ول تفعل كذا يريد أن أقف‬
‫أمام شهوة نفسي في الفعل والترك‪ ،‬ولذلك يقول الحق في الصلة‪ {:‬وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ ِإلّ عَلَى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شعِينَ }[البقرة‪.]45 :‬‬
‫الْخَا ِ‬
‫فعندما يقول لي‪ " :‬افعل ول تفعل " معناها‪ :‬أن فيه أشياء تكون ثقيلة أن أفعلها‪ ،‬وأن شيئا ثقيل‬
‫علي أن أتركه‪ ،‬فمثل البصر خلقه ال صالحا لن يرى كل ما في حيّزه‪ .‬على حسب قانون‬
‫ت وَالَ ْرضِ }[يونس‪.]101 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫الضوء‪ ،‬والحق يقول له‪ُ {:‬قلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي ال ّ‬
‫ولكن عند المرأة التي ل يحل لك النظر إليها يقول الحق‪ :‬اغضض‪.‬‬
‫جهُمْ ذاِلكَ أَ ْزكَىا َلهُمْ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ ِبمَا َيصْ َنعُونَ‬
‫حفَظُواْ فُرُو َ‬
‫{ ُقلْ لّ ْل ُم ْؤمِنِينَ َي ُغضّواْ مِنْ أَ ْبصَارِ ِه ْم وَيَ ْ‬
‫جهُنّ }‬
‫حفَظْنَ فُرُو َ‬
‫ن وَ َي ْ‬
‫* َوقُل لّ ْل ُم ْؤمِنَاتِ َي ْغضُضْنَ مِنْ أَ ْبصَارِهِ ّ‬
‫[النور‪.]31-30 :‬‬
‫ضضْنَ { أنه سبحانه حدد حركة العين‪ ،‬ومثال آخر؛ اليد تتحرك فيأمرك‬
‫ومعنى } َي ُغضّواْ { و } َي ْغ ُ‬
‫ل تحركها إل في مأمور به‪ ،‬فل تضرب بها أحدا‪ ،‬ول تشعل بها نارا تحرق وتفسد‬
‫ـ سبحانه ـ أ ّ‬
‫بل أشعل بها النار لتطبخ مثلً‪.‬‬
‫إذن فهو سبحانه يأتي في " افعل ول تفعل " ويحدد شهوات النفس في الفعل أو الترك‪ ،‬فإن كانت‬
‫شهوة النفس بأنها تنام‪ ،‬يقول المر التعبدي‪ :‬قم وصل‪ ،‬وإن كانت شهوة النفس بأنها تغضب يقول‬
‫المر اليماني‪ :‬ل تغضب‪.‬‬
‫إذن فالحكم إنما جاء بافعل ول تفعل لتحديد حركة النسان‪ ،‬فقد يريد أن يفعل فعلً ضارا؛ فيقول‬
‫له‪ :‬ل تفعل‪ ،‬وقد يريد ألّ يفعل فعل خير يقول له‪ :‬افعل‪ .‬إذن فكل حركات النسان محكومة بـ "‬
‫افعل ول تفعل " ‪ ،‬وعقلك وسيلة من وسائل الدراك‪ ،‬مثل العين والذن واللسان‪ .‬إن مهمة العقل‬
‫أن يدرك‪ ،‬فتكليفه يدعوه إلى أن يفهم أمرا ول يفهم أمرا آخر‪ ،‬وجعل ال اليات المحكمات ليريح‬
‫العقل من مهمة البحث عن حكمة المر المحكم؛ لنها قد تعلو الدراك البشري‪ .‬ويريد الحق أن‬
‫يلزم العبد آداب الطاعة حتى في الشيء الذي ل تدرك حكمة تشريعه‪ ،‬وأيضا لتحرك عقلك لترد‬
‫كل المتشابه إلى المحكم من اليات‪ .‬وإذا قرأنا قول الحق‪ {:‬لّ تُدْ ِركُهُ الَ ْبصَارُ وَ ُهوَ يُدْ ِركُ‬
‫الَ ْبصَارَ وَ ُهوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ }[النعام‪.]103 :‬‬
‫نرى أن ذلك كلم عام‪ .‬وفي آية أخرى يقول سبحانه‪ {:‬وُجُوهٌ َي ْومَئِذٍ نّاضِ َرةٌ * إِلَىا رَ ّبهَا نَاظِ َرةٌ }‬
‫[القيامة‪.]23-22 :‬‬
‫حجُوبُونَ }[المطففين‪.]15 :‬‬
‫ويتكلم عن الكفار فيقول‪ {:‬كَلّ إِ ّنهُمْ عَن رّ ّبهِمْ َي ْومَئِذٍ ّلمَ ْ‬
‫إذن فالعقل ينشغل بقوله‪ } :‬لّ تُدْ ِركُ ُه الَ ْبصَارُ { ‪ ،‬وهذا يحدث في الدنيا‪ ،‬أما في الخرة فسيكون‬
‫النسان قد تم إعداده إعدادا آخر ليرى ال‪ ،‬نحن الن في هذه الدنيا بالطريقة التي أعدنا بها ال‬
‫لنحيا في هذا العالم ل نستطيع أن نرى ال‪ ،‬ومسألة إعداد شيء ليمارس مهمة ليس مؤهل ول‬
‫مهيأ لها الن‪ ،‬أمر موجود في دنيانا‪ ،‬فنحن نعرف أن إنسانا أعمى يتم إجراء جراحة له أو يتم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صناعة نظارة طبية له فيرى‪ .‬ومن ل يسمع أو ثقيل السمع نصنع له سماعة فيسمع بها‪.‬‬
‫فإذا كان البشر قد استطاعوا أن ُيعِدّوا بمقدوراتهم في الكون المادي أشياء لتؤهلهم إلى استعادة‬
‫حاسة ما‪ ،‬فما بالنا بالخالق الكرم الله المُربّي‪ ،‬أل يستطيع أن يعيد خلقنا في الخرة بطريقة تتيح‬
‫لنا أن نرى ذاته ووجهه؟! إنه القادر على كل شيء‪.‬‬
‫إذن فالمر هنا متشابه‪ ،‬إن ال يُدرَك ـ بضم الياء وفتح الراء ـ أو ل يُدْرَك‪ ،‬فما الذي تغير من‬
‫الحكام بالنسبة لك؟ ل شيء‪ .‬إذن فهذه اليات المتشابهات لم تأتِ من أجل الحكام‪ ،‬إنما هي قد‬
‫جاءت من أجل اليمان فقط‪ ،‬ولذلك فالرسول صلى ال عليه وسلم ينهي كل خلف للعلماء حول‬
‫هذه المسألة بقوله وهو الرسول الخاتم‪:‬‬
‫" إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه منه فآمنوا به "‪.‬‬
‫حكَم من اليات إنما جاء للعمل به‪ ،‬والمؤمن عليه‬
‫إن المُتشَابه من اليات قد جاء لليمان به‪ ،‬والمُ ْ‬
‫حكَم‪ .‬مثال ذلك عندما نسمع قول ال عز وجل‪ {:‬إِنّ الّذِينَ يُبَا ِيعُو َنكَ‬
‫دائما أن يرد المُتشَابِه إلى المُ ْ‬
‫علَيْهُ‬
‫إِ ّنمَا يُبَا ِيعُونَ اللّهَ َيدُ اللّهِ َفوْقَ أَيْدِي ِهمْ َفمَن ّن َكثَ فَإِ ّنمَا يَن ُكثُ عَلَىا َنفْسِ ِه َومَنْ َأ ْوفَىا ِبمَا عَاهَدَ َ‬
‫اللّهَ َفسَ ُيؤْتِيهِ أَجْرا عَظِيما }[الفتح‪.]10 :‬‬
‫شيْءٌ {‪.‬‬
‫إن النسان قد يتساءل‪ " :‬هل ل يد "؟ على النسان أن يرد ذلك إلى نطاق } لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫حمَـانُ عَلَى ا ْلعَرْشِ اسْ َتوَىا }[طه‪.]5 :‬‬
‫وعندما يسمع المؤمن قول الحق‪ {:‬الرّ ْ‬
‫فهل ل جسم يستقر به على عرش؟ هنا نقول‪ :‬هذا هو المُتشَابِه الذي يجب على المؤمن اليمان‬
‫به‪ ،‬ذلك أن وجودك أيها النسان ليس كوجود ال‪ ،‬ويدك ليست كيد ال وأن استواءك أيضا ليس‬
‫كاستواء ال‪ .‬ومادام وجوده سبحانه ليس كوجودك وحياته ليست كحياتك فلماذا تريد أن تكون يده‬
‫كيدك؟‬
‫شيْءٌ {‪ .‬ولماذا أدخلنا ال إلى تلك المجالت؟ لن ال يريد أن‬
‫هو كما قال عن نفسه‪ } :‬لَ ْيسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫حكَم‬
‫يُلفت خلقه إلى أشياء قد ل تستقيم في العقول؛ فمن يتسع ظنه إلى أن يؤول ويردها إلى ال ُم ْ‬
‫بأن ال ليس كمثله شيء‪ .‬فله ذلك‪ ،‬ومن يتسع ظنه ويقول‪ :‬أنا آمنت بأن ل يدا ولكن في إطار }‬
‫شيْءٌ { فله ذلك أيضا وهذا أسلم‪.‬‬
‫لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫ح َكمَاتٌ هُنّ ُأمّ ا ْلكِتَابِ { ومعنى } أُمّ { أي الصل الذي يجب أن ينتهي‬
‫والحق يقول‪ } :‬مِنْهُ آيَاتٌ مّ ْ‬
‫إليه تأويل المُتشَابه إن أوّلت فيه‪ ،‬أو تُرجعه إلى المُحكم فتقول‪ :‬إن ل يدا‪ ،‬ولكن ليست كأيدي‬
‫شيْءٌ }[الشورى‪.]11 :‬‬
‫البشر‪ .‬إنما تدخل في نطاق‪ {:‬لَ ْيسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫ولماذا قال الحق‪ } :‬هُنّ أُمّ ا ْلكِتَابِ {؟ ولم يقل‪ :‬هن أمهات الكتاب؟ لك أن تعرف أيها المؤمن أنه‬
‫جعَلْنَا ابْنَ‬
‫ليس كل واحدة منهن أما‪ ،‬ولكن مجموعها هو الم‪ ،‬ولتوضيح ذلك فلنسمع قول الحق‪ {:‬وَ َ‬
‫مَرْيَ َم وَُأمّهُ آيَ ًة وَآوَيْنَا ُهمَآ إِلَىا رَ ْب َوةٍ ذَاتِ قَرَارٍ َومَعِينٍ }[المؤمنون‪.]50 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لم يقل الحق‪ :‬إنهما آيتان؛ لن عيسى عليه السلم لم يوجد كآية إل بميلده من أمه دون أب أي‬
‫بضميمة أمه‪ ،‬وأم عيسى لم تكن آية إل بميلد عيسى أي بضميمة عيسى‪ .‬إذن فهما معا يكونان‬
‫الية‪ ،‬وكذلك } هُنّ أُمّ ا ْلكِتَابِ وَُأخَرُ مُتَشَا ِبهَاتٌ { فالمقصود بها ليس كل محكم ُأمّا للكتاب‪ ،‬إنما‬
‫المحكمات كلها هي الم‪ ،‬والصل الذي يَ ُردّ إليه المؤمن أيّ متشابهٍ‪ .‬ومهمة المحكم أن نعمل به‪،‬‬
‫ومهمة المتشابه أن نؤمن به؛ بدليل أنك إن تصورته على أي وجه ل يؤثر في عملك‪.‬‬
‫فقوله الحق‪ } :‬لّ تُدْ ِر ُك ُه الَ ْبصَارُ { ل يترتب عليه أي حكم‪ ،‬هنا يكفي اليمان فقط‪.‬‬
‫لكن ماذا من أمر الذين قال عنهم ال‪ } :‬فََأمّا الّذِينَ في قُلُو ِبهِمْ زَ ْيغٌ فَيَتّ ِبعُونَ مَا َتشَابَهَ مِنْهُ ابْ ِتغَاءَ‬
‫ا ْلفِتْنَ ِة وَابْ ِتغَاءَ تَ ْأوِيلِهِ {؟‪ .‬ولنا أن نعرف أن " الزيغ " هو الميْل‪ ،‬فزاغ يعني مال‪ ،‬وهي مأخوذة من‬
‫تزايغ السنان‪ ،‬أي اختلف منابتها‪ ،‬فسنّةٌ تظهر داخلة‪ ،‬وأخرى خارجة‪ ،‬وعندما ل تستقيم السنان‬
‫في طريقة نموها يصنعون لها الن عمليات تجميل وتقويم ليجعلوها صفا واحدا‪.‬‬
‫إن الذين في قلوبهم زيغ أي ميل‪ ،‬يتبعون ما تشابه من اليات ابتغاء الفتنة‪ .‬كأن الزيغ أمر طارئ‬
‫على القلوب‪ ،‬وليس الصل أن يكون في القلوب زيغ‪ ،‬فالفطرة السليمة ل زيغ فيها‪ ،‬لكن الهواء‬
‫هي التي تجعل القلوب تزيع‪ ،‬ويكون النسان عارفا لحكم ال الصحيح في أمر ما‪ ،‬لكن هوى‬
‫النسان يغلب فيميل النسان عن حكم ال‪ .‬والميل صنعة القلب‪ ،‬فالنسان قد يخضع منطقه وفكره‬
‫ليخدم ميل قلبه‪ ،‬ولذلك فرسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬ل يؤمن أحدكم حتى يكون هواه‬
‫تبعا لما جئت به "‬
‫لماذا؟ لن آفة الرأي الهوى‪ ،‬وحتى المنحرفون يعرفون القصد السليم‪ ،‬لكن الواحد منهم ينحرف‬
‫لما يهوى‪ ،‬ودليل معرفة المنحرف للقصد السليم أنه بعد أن يأخذ شرّته في النحراف يتوب ويعلن‬
‫توبته‪ ،‬وهذا أمر معروف في كثير من الحيان؛ لن الميل َتكَّلفٌ تبريري‪ ،‬أما القصد السليم فأمر‬
‫فطري ل يُرهِق‪ ،‬ومثال ذلك‪ :‬عندما ينظر النسان إلى حلله‪ ،‬فإنه ل يجد انفعال ملكة يناقض‬
‫انفعال ملكة أخرى‪ ،‬ولكن عندما ينظر إلى واحدة ليست زوجته‪ ،‬فان ملكاته تتعارك‪ ،‬ويتساءل‪:‬‬
‫هل ستقبل منه النظرة أم ل؟ إن ملكاته تتضارب‪ ،‬أما النظر إلى الحلل فالملكات ل تتعب فيه‪.‬‬
‫لذلك فاليمان هو اطمئنان ملكات‪ ،‬فكل ملكات النسان تتآزر في تكامل‪ ،‬فل تسرق ملكة من وراء‬
‫أخرى‪.‬‬
‫مثال آخر‪ :‬عندما يذهب واحد لحضار شيء من منزله‪ ،‬فإنه ل يحس بتضارب ملكاته‪ ،‬أما إذا‬
‫ذهب إنسان آخر لسرقة هذا الشيء فإن ملكاته تتضارب‪ ،‬وكذلك جوارحه؛ لنها خالفت منطق‬
‫الحق والستقامة والواقع‪.‬‬
‫} فََأمّا الّذِينَ في قُلُو ِبهِمْ زَيْغٌ فَيَتّ ِبعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْ ِتغَاءَ ا ْلفِتْنَ ِة وَابْ ِتغَاءَ تَ ْأوِيلِهِ { إذن فاتباعهم‬
‫للمتشابه منه ليؤوّلوه تأويلً يخالف الواقع ليخدموا الزيغ الذي في قلوبهم‪ .‬فالميل موجود عند‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قلوبهم أولً ثم بدأ الفكر يخضع للميل‪ ،‬والعبارة تخضع للفكر‪ ،‬وهكذا نرى أن الصل في الميل قد‬
‫جاء منهم‪ ..‬ولننظر إلى أداء القرآن الكريم حين يقول‪ {:‬فََلمّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللّهُ قُلُو َبهُمْ }[الصف‪.]5 :‬‬
‫كأنه يقول‪ :‬مادمتم تريدون الميل فسأميلكم اكثر وأساعدكم فيه‪ .‬والحق سبحانه ل يبدأ إنسانا بأمر‬
‫يناقض تكليفه‪ ،‬لكن النسان قد يميله هواه إلى الزيغ‪ ،‬فيتخلى ال عنه‪ :‬ويدفعه إلى هاوية الزيغ‪.‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ َهلْ يَرَاكُمْ مّنْ َأحَدٍ ُثمّ‬
‫وآية أخرى يقول فيها الحق‪ {:‬وَِإذَا مَآ أُنزَِلتْ سُو َرةٌ نّظَرَ َب ْع ُ‬
‫انصَ َرفُواْ صَ َرفَ اللّهُ قُلُو َبهُم بِأَ ّنهُمْ َقوْ ٌم لّ َي ْفقَهُونَ }[التوبة‪.]127 :‬‬
‫إنهم الذين بدأوا؛ انصرفوا عن ال فصرف ال قلوبهم بعيدا عن اليمان‪ .‬وكذلك الذين يتبعون‬
‫المتشابه يبتغون به الفتنة أي يطلبون الفتنة‪ ،‬ويريدون بذلك فتنة عقول الذين ل يفهمون‪ ،‬وما داموا‬
‫يريدون فتنة عقول من ل يفهمون فهم ضد المنهج‪ ،‬وما داموا ضد المنهج فهم ليسوا مؤمنين إذن‪،‬‬
‫وماداموا غير مؤمنين فلن يهديهم ال إلى الخير‪ ،‬لن اليمان يطلب من النسان أن يتجه فقط إلى‬
‫اليمان بالرب الله الحكيم‪ ،‬ثم تأتي المعونة بعد ذلك من ال‪ .‬لكن عندما ل يكون مؤمنا فكيف‬
‫يطلب المعونة من ال‪ ،‬إنه سبحانه يقول‪:‬‬
‫(أنا أغنى الشركاء عن الشرك)‪.‬‬
‫إنهم يبتغون الفتنة بالمتشابه‪ ،‬ويبتغون تأويله‪ ،‬ومعنى التأويل هو الرجوع‪ ،‬لننا نقول‪ " :‬آل الشيء‬
‫إلى كذا " أي رجع الشيء إلى كذا‪ ،‬فكأن شيئا يرجع إلى شيء‪ ،‬فمن لهم عقل ل زيغ فيه يحاولون‬
‫جاهدين أن يؤولوا المُتشَابه ويردوه إلى المُحكم‪ ،‬أو يؤمنوا به كما هو‪.‬‬
‫يقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬ومَا َيعْلَمُ تَ ْأوِيلَهُ ِإلّ اللّهُ { إن ال لو أراد للمتشابه أن يكون محكما‪ ،‬لجاء به‬
‫من المُحكَم‪ ،‬إذن فإرادة ال أن تكون هناك آيات المتشابه ومهمتها أن تحرك العقول‪ ،‬وذلك حتى ل‬
‫تأتي المور بمنتهى الرتابة التي يجمد بها عقل النسان عن التفكير والبداع‪ ،‬وال يريد للعقل أن‬
‫يتحرك وأن يفكر ويستنبط‪ .‬وعندما يتحرك العقل في الستنباط تتكون عند النسان الرياضة على‬
‫البتكار‪ ،‬والرياضة على البحث‪ ،‬وليجرب كل واحد منا أن يستنبط المتشابه إلى المحكم ولسوف‬
‫يمتلك بالرياضة ناصية البتكار والبحث‪ ،‬والحاجة هي التي تفتق الحيلة‪.‬‬
‫إن الحق يريد أن يعطي النسان دربة حتى ل يأخذ المسألة برتابة بليدة ويتناولها تناول الخامل‬
‫ل واع وبفكر وتدبر‪َ {.‬أفَلَ يَ َتدَبّرُونَ‬
‫ويأخذها من الطريق السهل‪ ،‬بل عليه أن يستقبلها باستقبا ٍ‬
‫ا ْلقُرْآنَ أَمْ عَلَىا قُلُوبٍ َأ ْقفَاُلهَآ }[محمد‪.]24 :‬‬
‫كل ذلك حتى يأخذ العقل القدر الكافي من النشاط ليستقبل العقل العقائد بما يريده ال‪ ،‬ويستقبل‬
‫الحكام بما يريده ال‪ ،‬فيريد منك في العقائد أن تؤمن‪ ،‬وفي الحكام أن تفعل } َومَا َيعَْلمُ تَ ْأوِيلَهُ ِإلّ‬
‫اللّهُ {‪ .‬والذين في قلوبهم زيغ يحاولون التأويل وتحكمهم أهواؤهم‪ ،‬فل يصلون إلى الحقيقة‪.‬‬
‫والتأويل الحقيقي ل يعلمه إل ال‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قد رأينا من يريد أن يعيب على واحد بعض تصرفاته فقال له‪ :‬يا أخي أتَدّعي أنك أحطت بكل علم‬
‫ال؟ فقال له‪ :‬ل‪ .‬قال له‪ :‬أنا من الذي ل تعلم‪ .‬وكأنه يرجوه أن ينصرف عنه‪.‬‬
‫والعلماء لهم وقفات عند قوله الحق‪َ } :‬ومَا َيعَْلمُ تَ ْأوِيلَهُ ِإلّ اللّهُ {‪ :‬بعضهم يقف عندها ويعتبر ما‬
‫جاء من بعد ذلك وهو قوله الحق‪ } :‬وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ { كلما مستأنفا‪ ،‬إنهم يقولون‪ :‬إن ال‬
‫وحده الذي يعلم تأويل المتشابه‪ ،‬والمعنى‪ } :‬وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ { أي الثابتون في العلم‪ ،‬الذين ل‬
‫تغويهم الهواء‪ ،‬إنهم‪َ } :‬يقُولُونَ آمَنّا ِبهِ ُكلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا { وهو ما قاله الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬إن الراسخين في العلم يقولون‪ :‬إن المحكم من اليات سيعلمون به‪ ،‬والمتشابه يؤمنون به‪،‬‬
‫وكل من المتشابه والمحكم من عند ال‪.‬‬
‫أمّا مَن عطف وقرأ القول الحكيم ووقف عند قوله‪ } :‬وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ { نقول له‪ :‬إن‬
‫الراسخين في العلم علموا تأويل المتشابه‪ ،‬وكان نتيجة علمهم قولهم‪ } :‬آمَنّا ِبهِ {‪.‬‬
‫إن المرين متساويان‪ ،‬سواء وقفت عند حد علم ال للتأويل أو لم تقف‪ .‬فالمعنى ينتهي إلى شيء‬
‫واحد‪ .‬وحيثية الحكم اليماني للراسخين في العلم هي قوله الحق على لسانهم‪َ } :‬يقُولُونَ آمَنّا ِبهِ ُكلّ‬
‫مّنْ عِندِ رَبّنَا { فالمحكم من عند ربنا‪ ،‬والمتشابه من عند ربنا‪ ،‬وله حكمة في ذلك؛ لنه ساعة أن‬
‫يأمر العلى الدنى بأمر ويبين له علته فيفهم الدنى ويعمل‪ ،‬وبعد ذلك يلقي العلى المر آخر‬
‫ول يبين علته‪ ،‬فواحد ينفذ المر وإن لم يعرف العلة‪ ،‬وواحد آخر يقول‪ :‬ل‪ ،‬عليك أن توضح لي‬
‫العلة‪ .‬فهل الذي آمن آمن بالمر أو بالعلة؟‬
‫إن الحق يريد أن نؤمن به وهو المر‪ ،‬ولو أن كل شيء صار مفهوما لما صارت هناك قيمة‬
‫لليمان‪ .‬إنما عظمة اليمان في تنفيذ بعض الحكام وحكمتُها غائبة عنك؛ لنك إن قمت بكل شيء‬
‫وأنت تفهم حكمته فأنت مؤمن بالحكمة‪ ،‬ولست مؤمنا بمن أصدر المر‪.‬‬
‫وعندما نأتي إلى لحم الخنزير الذي حرمه ال من أربعة عشر قرنا‪ ،‬ويظهر في العصر الحديث‬
‫أن في أكل لحم الخنزير مضار‪ ،‬ويمتنع الناس عن أكله لن فيه مضار‪ ،‬فهل امتناع هؤلء أمر‬
‫يثابون عليه؟ طبعا ل‪ ،‬لكن الثواب يكون لمن امتنع عن أكل لحم الخنزير لن ال قد حرمه؛ ولن‬
‫المر قد صدر من ال‪ ،‬حتى دون أن َيعْرّفنا الحكمة‪ ،‬إن المؤمن بال يقول‪ :‬إن ال قد خلقني ول‬
‫يمكن ـ وهو الخالق ـ أن يخدعني وأنا العبد الخاضع لمشيئته‪.‬‬
‫ل لمر ال‪ ،‬هو الذي ينال الثواب‪ ،‬أما‬
‫إن العبد الممتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر امتثا ً‬
‫الذي يمتنع خوفا من اهتراء الكبد أو الصابة بالمرض فل ثواب له‪ .‬وهناك فرق بين الذهاب إلى‬
‫الحكم بالعلة‪ .‬وبين الذهاب إلى الحكم بالطاعة للمر بالحكم‪.‬‬
‫إذن فالمتشابه من اليات نزل لليمان به‪ ،‬والراسخون في العلم يقابلهم من تلويهم الهواء‪،‬‬
‫والهواء تلوي إلى مرادات النفس وإلى ابتغاءات غير الحق‪ .‬ومادامت ابتغاءات غير الحق‪ ،‬فغير‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق هو الباطل‪ ،‬فكل واحد من أهل الباطل يحاول أن يأتي بشيء يتفق مع هواه‪.‬‬
‫ولذلك جاء التشريع من ال ليعصم الناس من الهواء؛ لن هوى إنسان ما قد يناقض هوى إنسان‬
‫آخر‪ ،‬والباقون من الناس قد يكون لهم هوى يناقض بقية الهواء‪ .‬والحق سبحانه يقول‪ {:‬وََلوِ اتّبَعَ‬
‫ض َومَن فِيهِنّ َبلْ أَتَيْنَاهُمْ ِب ِذكْرِهِمْ َف ُهمْ عَن ِذكْرِ ِهمْ‬
‫ت وَالَرْ ُ‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫حقّ أَ ْهوَآءَهُمْ َلفَسَ َدتِ ال ّ‬
‫الْ َ‬
‫ّمعْ ِرضُونَ }[المؤمنون‪.]71 :‬‬
‫إذن فل بد أن نتبع في حركتنا ما ل هوى له إل الحق‪ ،‬والدين إنما جاء ليعصمنا من الهواء؛‬
‫فالهواء هي التي تميلنا‪ ،‬والذي يدل على أن الهواء هي التي تميل إلى غير الحق أن صاحب‬
‫الهوى يهوى حكما في شيء‪ ،‬ثم تأتي ظروف أخرى تجعله يهوى حكما مقابلً‪ ،‬إنه يلوي المسألة‬
‫على حسب هواه‪ ،‬وإل فما الذي ألجأ دنيا الناس إلى أن يخرجوا من قانون السماء الول الذي حكم‬
‫الرض عند آدم عليه السلم؟‬
‫لقد خرجوا من قانون السماء حينما قام قوم بأمر الدين فأخذوا لهم من هذا سلطة زمنية‪ ،‬وأصبحوا‬
‫يُخضعون المسائل إلى أهوائهم‪ .‬ونحن إذا نظرنا إلى تاريخ القانون في العالم لوجدنا أن أصل‬
‫الحكم في القضايا إنما هو لرجال الدين والكهنة والقائمين على أمر المعابد‪ .‬كان الحكم كله لهم‪،‬‬
‫لن هؤلء كانوا هم المتكلمين بمنهج ال‪.‬‬
‫ولماذا لم يستمر هذا المر‪ ،‬وجاءت القوانين الرومانية والنجليزية والفرنسية وغيرها؟ لنهم‬
‫جربوا على القائمين بأمر الدين أنهم خرجوا عن نطاق التوجيه السماوي إلى خدمة أهوائهم‪،‬‬
‫فلحظ الناس أن هؤلء الكهنة يحكمون في قضية بحكم ما يختلف عن حكم آخر في قضية‬
‫متشابهة‪ .‬إنهم القضاة أنفسهم والقضايا متشابهة متماثلة‪ ،‬لكن حكم الهوى يختلف من قضية إلى‬
‫أخرى‪ ،‬بل وقد يتناقض مع الحكم الول‪ ،‬فقال الناس عن هؤلء الكهنة‪:‬‬
‫لقد خرجوا عن منطق الدين واتبعوا أهواءهم‪ ،‬ليثبتوا لهم سلطة زمنية‪ ،‬فنحن لم نعد نأمنهم على‬
‫ذلك‪ .‬وخرج التقنين والحكم من يد الكهنة ورجال الدين إلى غيرهم من رجال التقنين‪ .‬لقد كان أمر‬
‫القضاء بين الكهنة ورجال الدين؛ لن الناس افترضت فيهم أنهم يأخذون الحكام من منهج ال‪،‬‬
‫فلما تبين للناس أن الكهنة ورجال الدين ل يأخذون الحكم من منهج ال‪ ،‬ولكن من الهوى البشري‪،‬‬
‫عند ذلك أخذ الناس زمام التقنين لنفسهم بما يضمن لهم عدالة ما حتى ولو كانت قاصرة‪.‬‬
‫وبمناسبة كلمة الهوى نجد أن هناك ثلثة ألفاظ‪:‬‬
‫أول‪ :‬الهواء هو ما بين السماء والرض‪ ،‬ويراد به الريح ويحرك الشياء ويميلها وجمعه‪ :‬الهوية‬
‫وهذا أمر حسي‪ .‬ثانيا‪ :‬الهوَى‪ :‬وهو ميل النفس‪ ،‬وجمعه‪ :‬الهواء‪ ،‬وهو مأخوذ من َه ِوىَ َي ْهوَى‬
‫بمعنى مال‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬الهَوىّ‪ :‬بفتح الهاء وضمها وتشديد الياء وهو السقوط مأخوذ من َهوَى َيهْوي‪ :‬بمعنى سقط‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا يدل على أن الذي يتبع هواه لبد أن يسقط‪ ،‬والشتقاقات اللغوية تعطي هذه المعاني‪.‬‬
‫إنها متلقية‪ .‬إذن الراسخون في العلم يقفون ثابتين عند منهج ال‪ .‬وأما الذين يتبعون أهواءهم فهم‬
‫يميلون على حسب ميل الريح‪ .‬فإن الريح مالت‪ ،‬مالوا حيث تميل‪.‬‬
‫سخُونَ فِي ا ْلعِ ْلمِ َيقُولُونَ آمَنّا ِبهِ ُكلّ مّنْ‬
‫ويقول الراسخون في العلم في نهاية علمهم‪ :‬آمنا } وَالرّا ِ‬
‫عِندِ رَبّنَا {‪ .‬وهنا تلتقي المسألة‪ ،‬فنحن نعرف أن المحكم نزل للعمل به‪ ،‬والمشابه نزل لليمان به‬
‫لحكمة يريدها ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وهي أن نأخذ المر من المر ل لحكمة المر‪ .‬وعندما نأخذ‬
‫الوامر من الحق فل نسأل عن علتها؛ لننا نأخذها من خالق محب حكيم عادل‪ .‬والنسان إن لم‬
‫ينفذ المر القادم من ال إل إذا علم علته وحكمته فإننا نقول لهذا النسان‪ :‬أنت ل تؤمن بال ولكنك‬
‫تؤمن بالعلة والحكمة‪ ،‬والمؤمن الحق هو من يؤمن بالمر وإن لم يفهم‪.‬‬
‫والراسخون في العلم يقولون‪ :‬آمنا به‪ ،‬كل من عند ال‪ ،‬المحكم من عند ربنا والمتشابه من عند‬
‫ربنا‪:‬‬
‫ويضيف سبحانه‪َ } :‬ومَا َي ّذكّرُ ِإلّ ُأوْلُواْ الَلْبَابِ { و } ُأوْلُو ْا الَلْبَابِ { أي أصحاب العقول‬
‫المحفوظة من الهوى‪ ،‬لن آفة الرأي الهوى‪ ،‬والهوى يتمايل به‪َ } .‬ومَا يَ ّذكّرُ ِإلّ ُأوْلُو ْا الَلْبَابِ { و‬
‫" اللب " هو‪ :‬العقل‪ ،‬يخبرنا ال أن العقل يحكم ُلبّ الشياء ل ظواهر الشياء وعوارضها‪ ،‬فهناك‬
‫أحكام تأتي للمر الظاهر‪ ،‬وأحكام لُلبّ‪ .‬الحق يأمر بقطع يد السارق‪ .‬وبعد ذلك يأتي من يمثل‬
‫دور حامي النسانية والرحمة ويقول‪ " :‬هذه وحشية وقسوة "!‬
‫هذا ظاهر الفهم‪ ،‬إنما ُلبّ الفهم أني أردت أن تُقطع يد السارق حتى أمنعه أن يسرق؛ لن كل‬
‫واحد يخاف على ذاته‪ ،‬فيمنعه ذلك أن يسرق‪ .‬وقد قلنا من قبل إن حادثة سيارة قد ينتج عنها‬
‫مشوهون قدر مِنْ قطعت أيديهم بسبب السرقة في تاريخ السلم كله‪ ،‬فل تفتعل وتدعي أنك رحيم‬
‫ول تنظر إلى العقاب حين ينزل بالمذنب‪ ،‬ولكن انظر إلى الجريمة حين تقع منه‪ ،‬فإن ال يريد أن‬
‫يحمي حركة الحياة للناس بحيث إذا علمت وكددت واجتهدت وعرقت يضمن ال لك حصيلة هذا‬
‫العمل‪ ،‬فل يأتي متسلط يتسلط عليك ليأخذ دمه من عرقك أنت‪.‬‬
‫إذن فهو يحمي حركة الحياة وتحرك كل واحد وهو آمن‪ ،‬هذا " ُلبّ " الفهم‪ ،‬ولذلك يقول تعالى‪} :‬‬
‫وََلكُمْ فِي ا ْلقِصَاصِ حَيَاةٌ { ‪ ،‬إياكم أن تقولوا‪ :‬إن هذا القصاص اعتداء على حياة فرد‪ .‬ل‪ ،‬لن }‬
‫وََلكُمْ فِي ا ْلقِصَاصِ حَيَاةٌ { إنّ من علم إنه إن قَتل فسيقتل‪ ،‬سيمتنع عن القتل‪ ،‬إذن فقد حمينا نفسه‬
‫وحمينا الناس منه‪ ،‬وهكذا يكون في القصاص حياة‪ ،‬وذلك هو ُلبّ الفهم في الشياء؛ فال سبحانه‬
‫وتعالى يلفتنا وينبهنا أل نأخذ المور بظواهرها‪ ،‬بل نأخذها بلبها‪ ،‬وندع القشور التي يحتكم إليها‬
‫أناس يريدون أن ينفلتوا من حكم ال‪ .‬و } وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ { حينما فَصلوا في أمر المتشابه‬
‫دعوا ال بالقول الذي أنزله ـ سبحانه ـ‪ } :‬رَبّنَا لَ تُ ِزغْ قُلُوبَنَا َبعْدَ ِإذْ َهدَيْتَنَا وَ َهبْ لَنَا مِن لّدُ ْنكَ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمَةً إِ ّنكَ أَ ْنتَ ا ْلوَهّابُ {‬
‫رَ ْ‬

‫(‪)399 /‬‬
‫حمَةً إِ ّنكَ أَ ْنتَ ا ْلوَهّابُ (‪)8‬‬
‫رَبّنَا لَا تُ ِزغْ قُلُوبَنَا َبعْدَ ِإذْ هَدَيْتَنَا وَ َهبْ لَنَا مِنْ لَدُ ْنكَ َر ْ‬

‫فكأن قول الراسخين في العلم‪ :‬إن كل محكم وكل متشابه هو من عند ال‪ ،‬والمحكم نعمل به‪،‬‬
‫والمتشابه نؤمن به‪ ،‬فهذه هي الهداية؛ ثم يكون الدعاء بالثبات على هذه الهداية‪ ،‬والمعنى‪ :‬يا رب‬
‫ثبتنا على عبادتك ول تجعل قلوبنا تميل أو تزيع‪ .‬وهذا يدلنا على أن القلوب تتحول وتتغير؛ لذلك‬
‫يأتي القول الفصل بالدعاء على الثبات اليماني‪:‬‬
‫حمَةً إِ ّنكَ أَ ْنتَ ا ْلوَهّابُ } [آل عمران‪.]8 :‬‬
‫{ رَبّنَا لَ تُ ِزغْ قُلُوبَنَا َبعْدَ ِإذْ َهدَيْتَنَا وَ َهبْ لَنَا مِن لّدُ ْنكَ َر ْ‬
‫إنهم يطلبون رحمة هبة ل رحمة حق‪ ،‬فليس هناك مخلوق له حق على ال إل ما وهبه ال له‪.‬‬
‫والراسخون في العلم يطلبون من ال الرحمة من الوقوع في الهوى بعد أن هداهم ال إلى هذا‬
‫الحكم السليم بأن المتشابه والمحكم كل من عند ال ويعلموننا كيف يكون الطريق إلى الهداية‬
‫وطلب رحمة الهبة‪ .‬والراسخ في العلم مادام قد علم شيئا فهو يريد أن يشيعه في الناس‪ ،‬لذلك يقول‬
‫لنا‪:‬‬
‫إياكم أن تظنوا أن المسألة مسألة فهم لنص وتنتهي‪ ،‬إن المسألة يترتب عليها أمر آخر‪ ،‬هذا المر‬
‫الخر ل يوجد في الدنيا فقط‪ ،‬فهناك آخرة‪ ،‬فالدنيا مقدور عليها لنها محدودة المد ومنتهية‪ ،‬ولكن‬
‫هناك الخرة التي تأتي بعد الدنيا حيث الخلود‪ ،‬فيقول الحق على لسان الراسخين في العلم‪ { :‬رَبّنَآ‬
‫إِ ّنكَ جَامِعُ النّاسِ لِ َيوْ ٍم لّ رَ ْيبَ فِيهِ‪} ...‬‬

‫(‪)400 /‬‬
‫رَبّنَا إِ ّنكَ جَا ِمعُ النّاسِ لِ َيوْمٍ لَا رَ ْيبَ فِيهِ إِنّ اللّهَ لَا ُيخِْلفُ ا ْلمِيعَادَ (‪)9‬‬

‫وقولهم‪ { :‬رَبّنَآ } نفهم منه أنه الحق المتولي التربية‪ ،‬ومعنى التربية هو إيصال من تتم تربيته إلى‬
‫الكمال المطلوب له‪ ،‬فهناك ربّ يربي‪ ،‬وهناك عبد تتم تربيته‪ ،‬والربّ يعطي النسان ما يؤهله إلى‬
‫الكمال المطلوب له‪.‬‬
‫والمؤمنون يرجون ال قائلين‪ :‬يا رب من تمام تربيتك لنا أن تحمينا من عذاب الخرة‪ ،‬فإذا ما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عشنا الدنيا وانتهت فنحن نعلم أنك جامع الناس ليوم ل ريب فيه‪ ،‬ومادمت ربا‪ ،‬ومادمت إلها فإنك‬
‫ل تخلف الميعاد؛ فالذي يخلف الميعاد ل يكون إلها؛ لن الله ساعة الوعد يعلم بتمام قدرته وكمال‬
‫علمه أنه قادر على النفاذ‪ ،‬إنما الذي ليس لديه قدرة على النفاذ ل يستطيع أن يعد إل مشمول‬
‫بشيء يستند إليه‪ ،‬كقولنا نحن العباد‪ " :‬إن شاء ال " لماذا؟ لن الواحد منا ل يملك أن يفي بما‬
‫وعد‪.‬‬
‫علٌ ذاِلكَ غَدا * ِإلّ أَن‬
‫حينما تعرضنا إلى قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَلَ َتقْولَنّ لِشَاْىءٍ إِنّي فَا ِ‬
‫لقْرَبَ مِنْ هَـاذَا رَشَدا }[الكهف‪:‬‬
‫يَشَآءَ اللّ ُه وَا ْذكُر رّ ّبكَ إِذَا َنسِيتَ َو ُقلْ عَسَىا أَن َي ْهدِيَنِ رَبّي َ‬
‫‪.]24-23‬‬
‫قُلنا إياك أن تقول‪ :‬إني سأفعل شيئا إل أن تشتمله وتربطه بمشيئة ال؛ لنك أنت إن وعدت‪ ،‬فأنت‬
‫ل تضمن عمرك ول إنفاذ وعدك‪ ،‬إنك لن تفعل شيئا إل بإرادة ال‪ ،‬لذلك فل تعد إل بالمشيئة‪،‬‬
‫لنك تعد بما ل تضمن‪ ،‬فأنت في حقيقة المر ل تملك شيئا‪ ،‬فإن أردت فعل أي شيء أو الذهاب‬
‫إلى أي مكان فالفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول وزمان ومكان وسبب‪ ،‬ثم يحتاج إلى قدرة لتنفيذ‬
‫الفعل‪ .‬والنسان ل يملك من هذه الشياء إل ما يشاء ال له أن يملكه‪ .‬إن النسان ل يملك أن يظل‬
‫فاعل‪ .‬والنسان ل يملك إن وُجد الفاعل أن يوجد المفعول‪ .‬والنسان ل يملك الزمن‪ ،‬ول يملك‬
‫المكان‪ ،‬بل ل يملك النسان أن يظل السبب قائما ليفعل ما كان يريد أن يفعله؛ فكل هذه العناصر‪،‬‬
‫الفاعل والمفعول‪ ،‬والزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والسبب‪ ،‬ل يملكها إل ال‪ .‬لذلك فليحم النسان نفسه من أن‬
‫علٌ ذاِلكَ غَدا * ِإلّ أَن‬
‫يكون كاذبا ومجازفا وليكن في ظل قوله تعالى‪َ {:‬ولَ َتقْولَنّ لِشَاْىءٍ إِنّي فَا ِ‬
‫لقْرَبَ مِنْ هَـاذَا رَشَدا }[الكهف‪:‬‬
‫يَشَآءَ اللّ ُه وَا ْذكُر رّ ّبكَ إِذَا َنسِيتَ َو ُقلْ عَسَىا أَن َي ْهدِيَنِ رَبّي َ‬
‫‪.]24-23‬‬
‫إن كلمة { ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ } تعصم النسان من أن يكون كاذبا‪ .‬وعندما ل يحدث الذي يعد به‬
‫النسان فمعنى ذلك أن ال لم يشأ؛ لن النسان ل يملك عنصرا واحدا من عناصر هذا الفعل‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق‪ { :‬رَبّنَآ إِ ّنكَ جَامِعُ النّاسِ لِ َيوْ ٍم لّ رَ ْيبَ فِيهِ إِنّ اللّ َه لَ ُيخِْلفُ ا ْلمِيعَادَ } لن الذي‬
‫يخلف الميعاد إنما تمنعه قوة قاهرة تأتيه؛ ولو من تغير نفسه تمنعه أن يفعل‪ ،‬أما ال فل تأتي قوة‬
‫قاهرة لتغير ما يريد أن يفعل‪ ،‬ول يمكن أن يتغير؛ لن التغير ليس من صفات القديم الزلي‪.‬‬
‫وحين يؤكد الحق أنه سيتم جمعنا بمشيئته في يوم ل ريب فيه‪ ،‬وأن ال ل يخلف الميعاد‪ ،‬فمن‬
‫المؤكد أننا سنلتقي‪ .‬وسنلتقي لماذا؟ لقد قال الراسخون في العلم‪ :‬عملنا بالمحكم‪ ،‬وآمنا بالمتشابه‪،‬‬
‫ودعوا ال أن يثبت قلوبهم على الهداية رحمة من عنده‪ ،‬وأن يبعد قلوبهم عن الزيغ؛ لنهم خائفون‬
‫من اليوم الذي سيجمع ال الناس فيه‪ ،‬إننا سنلتقي للحساب على أفعالنا وإيماننا‪ .‬وبعد ذلك يقول‬
‫الحق جل شأنه‪ } :‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ لَن ُتغْ ِنيَ عَ ْنهُمْ َأ ْموَاُلهُ ْم َولَ َأ ْولَدُهُم مّنَ اللّهِ شَيْئا‪{ ...‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)401 /‬‬
‫إِنّ الّذِينَ َكفَرُوا لَنْ ُتغْ ِنيَ عَ ْنهُمْ َأ ْموَاُلهُ ْم وَلَا َأوْلَادُهُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ ُه ْم َوقُودُ النّارِ (‪)10‬‬

‫ساعة تسمع وأنت المؤمن‪ ،‬ويسمع معك الكافر‪ ،‬ويسمع معك المنافق‪ { :‬رَبّنَآ إِ ّنكَ جَامِعُ النّاسِ لِ َيوْمٍ‬
‫لّ رَ ْيبَ فِيهِ إِنّ اللّ َه لَ ُيخِْلفُ ا ْلمِيعَادَ } ربما فكر الكافر أو المنافق أن هناك شيئا قد ينقذه مما‬
‫سيحدث في ذلك اليوم‪ ،‬كعزوة الولد‪ ،‬أو كثرة مال يشتري نفسه به‪ ،‬أو خلة‪ ،‬أو شفاعة‪ ،‬هنا‬
‫يقول الحق لهم‪ :‬ل‪ ،‬إن أولدكم وأموالكم ل تغني عنكم شيئا‪.‬‬
‫وفي اللغة يقال‪ :‬هذا الشيء ل يغني فلنا‪ ،‬أي أنه يظل محتاجا إلى غيره؛ لن الغِنَى هو أل تحتاج‬
‫إلى الغير‪ ،‬فالموال والولد ل تُغني أحدا في يوم القيامة‪ ،‬والمسألة ل عزوة فيها‪ ،‬ول أنساب‬
‫بينهم يومئذ والجنة ليست للبيع‪ ،‬فل أحد يستطيع شراء مكان في الجنة بمال يملكه‪.‬‬
‫وكان الكافرون على أيام رسول ال صلى ال عليه وسلم يقولون ذلك القول الشاذ يقولون‪ :‬مادام‬
‫ال قد أعطانا أموالً وأولدا في الدنيا فل بد أن يعطينا في الخرة ما هو أفضل من ذلك‪ .‬ولذلك‬
‫يقول ال لهم‪ { :‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ لَن ُتغْ ِنيَ عَ ْنهُمْ َأ ْموَاُلهُ ْم َولَ َأ ْولَدُهُم مّنَ اللّهِ شَيْئا } إذن فالمر كله‬
‫مردود إلى ال‪ .‬صحيح في هذه الدنيا أن ال قد يخلق السباب‪ ،‬والكافر تحكمه السباب‪ ،‬وكذلك‬
‫المؤمن‪ ،‬فإذا ما أخذ الكافر بالسباب فإنه يأخذ النتيجة‪ ،‬ولكن في الخرة فالمر يختلف؛ فلن يملك‬
‫شيْءٌ‬
‫خفَىا عَلَى اللّهِ مِ ْن ُهمْ َ‬
‫ن لَ يَ ْ‬
‫أحد أسبابا‪ ،‬ولذلك يقول الحق عن اليوم الخر‪َ {:‬يوْمَ هُم بَارِزُو َ‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫إن البشر في الدنيا يملكون السباب‪ ،‬ويعيشون مختلفين في النعيم على اختلف أسبابهم‪ ،‬واختلف‬
‫كدحهم في الحياة‪ ،‬واختلف وجود ما يحقق للنسان المُتع‪ ،‬لكن المر في الخرة ليس فيه كدح‬
‫ول أسباب؛ لن النسان المؤمن يعيش بالمُسبب في الخرة وهو ال ـ جلت قدرته ـ فبمجرد أن‬
‫يخطر الشيء على بال المؤمن في الجنة فإن الشيء يأتي له‪ .‬أما الكفار فل يغني عنهم مالهم ول‬
‫ن الَعْرَابِ‬
‫أولدهم‪ ،‬لنهم انشغلوا في الدنيا بالمال والولد وكفروا بال‪ {.‬سَ َيقُولُ َلكَ ا ْلمُخَّلفُونَ مِ َ‬
‫شغَلَتْنَآ َأ ْموَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْ َت ْغفِرْ لَنَا َيقُولُونَ بِأَلْسِنَ ِت ِهمْ مّا لَيْسَ فِي قُلُو ِبهِمْ }[الفتح‪.]11 :‬‬
‫َ‬
‫إذن فما انشغل به الكفار في الدنيا لن ينفعهم‪ ،‬ويضيف الحق عن الكفار في تذييل الية التي نحن‬
‫بصددها‪ { :‬وَأُولَـا ِئكَ هُ ْم َوقُودُ النّارِ } إنهم المعَذبون‪ ،‬وسوف يتعذبون في النار‪ .‬ولنر النكاية‬
‫الشديدة بهم‪ ،‬إن الذين ُي َعذّبون هم الذي ُيعَذّبُون؛ لنهم بأنفسهم سيكونون وقود النار‪ .‬إن المعَذّب ـ‬
‫بفتح العين وفتح الذال مع التشديد ـ يكون هو الم َعذّب ـ بفتح العين وكسر الذال مع التشديد‪-‬‬
‫فهذه ثورة البعاض‪ .‬فذرّات الكافر مؤمنة‪ ،‬وذرات العاصي طائعة‪ ،‬والذي جعل هذه الذرات تتجه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى فعل ما يُغضب ال هو إرادة صاحبها عليها‪.‬‬
‫وضربنا قديما المثل ـ ول المثل العلى ـ وقلنا‪ :‬هب أن كتيبة لها قائد فالمفروض في الكتيبة أن‬
‫تسمع أمر القائد‪ ،‬وتقوم بتنفيذ ما أمر به؛ فإذا ما جاءوا للمر والقائد العلى بعد ذلك فإنهم‬
‫يرفعون أمرهم إليه ويقولون له‪ :‬بحكم المر نفذنا العمل الذي صدر لنا من قائدنا المباشر وكنا‬
‫شهَدُ عَلَ ْيهِمْ‬
‫غير موافقين على رأيه‪ .‬وفي الحياة اليمانية نجد القول الحكيم من الخالق‪َ {:‬يوْمَ تَ ْ‬
‫جُلهُمْ ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }[النور‪.]24 :‬‬
‫أَلْسِنَ ُتهُمْ وَأَيْدِيهِ ْم وَأَرْ ُ‬
‫فكان اللسان ينطق بكلمة الكفر وهو لعِنٌ لصاحبه‪ .‬واليد تتقدم إلى المعصية وهي كارهةٌ‬
‫لصاحبها ولعِنةٌ له‪ ،‬إن إرادة ال العليا هي التي جعلت للكافر إرادة على يده ولسانه في الدنيا‪،‬‬
‫وينزع ال إرادة الكافر عن جوارحه يوم القيامة فتشهد عليه أنه أجبرها على فعل المعاصي‪،‬‬
‫وتعذب البعاض بعضها‪ ،‬وعندما يقول الحق‪ } :‬وَأُولَـا ِئكَ هُ ْم َوقُودُ النّارِ { وهنا مسألة يجب أن‬
‫نلتفت إليها ونأخذها من واقع التاريخ‪ ،‬هذه المسألة هي أن الذين كفروا برسالت ال في الرض‬
‫تلقوا بعض العذاب في الدنيا؛ لن ال ل يدّخر كل العقاب للخرة وإل لشقي الناس بالكافرين‬
‫جلُ بشيء من العقاب للكافرين والعاصين في هذه الدنيا‪.‬‬
‫وبالعاصين‪ ،‬ولذلك فإن ال ُيعَ ّ‬
‫عوْنَ وَالّذِينَ مِن قَبِْلهِمْ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق مثالً على ذلك‪ } :‬كَدَ ْأبِ آلِ فِرْ َ‬

‫(‪)402 /‬‬
‫خذَ ُهمُ اللّهُ ِبذُنُو ِبهِ ْم وَاللّهُ شَدِيدُ ا ْل ِعقَابِ (‪)11‬‬
‫ن وَالّذِينَ مِنْ قَبِْل ِهمْ كَذّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَ َ‬
‫عوْ َ‬
‫كَدَ ْأبِ َآلِ فِرْ َ‬

‫وساعة تسمع " كدأب كذا " فالدأب هو العمل بكدح وبل انقطاع فنقول‪ :‬فلن دأبه أن يفعل كذا أي‬
‫هو معتاد دائما أن يفعل كذا‪ .‬أو نقول‪ :‬ليس لفلن دأب إل أن يغتاب الناس‪.‬‬
‫فهل معنى ذلك أن كل أفعاله محصورة في اغتياب الناس‪ ،‬أو أنه يقوم بأفعال أخرى؟ إنه يقوم‬
‫بأفعال أخرى لكن الغالب عليه هو الغتياب‪ ،‬وهذا هو الدأب‪ .‬فالدأب هو السعي بكدح وتوالٍ حتى‬
‫عوْنَ } أي كعادة آل فرعون‪ .‬وآل‬
‫يصبح الفعل بالتوالي عادة‪ .‬إذن فقوله الحق‪ { :‬كَ َد ْأبِ آلِ فِرْ َ‬
‫فرعون هم قوم جاءوا قبل الرسالة السلمية‪ ،‬وقبلهم كان قوم ثمود وعاد وغيرهم‪.‬‬
‫ويلفتنا الحق سبحانه إلى أن ننظر إلى هؤلء ونرى ما الذي حدث لهم‪ ،‬إنه سبحانه لم يؤخر‬
‫عقابهم إلى الخرة؛ لنه ربما ظن الناس أن ال قد ادخر عذاب الكافرين إلى الخرة؛ لنه قال‪{:‬‬
‫إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ لَن ُتغْ ِنيَ عَ ْنهُمْ َأ ْموَاُلهُ ْم َولَ َأ ْولَدُهُم مّنَ اللّهِ شَيْئا وَأُولَـا ِئكَ ُه ْم َوقُودُ النّارِ }[آل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمران‪.]10 :‬‬
‫عذَابٌ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وََلعَذَابُ الخِ َرةِ‬
‫ل‪ ،‬بل العذاب أيضا في الدنيا مصداقا لقوله الحق‪ّ {:‬لهُمْ َ‬
‫ق َومَا َلهُم مّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ }[الرعد‪.]34 :‬‬
‫شّ‬
‫أَ َ‬
‫إن العذاب لو تم تأجيله إلى الخرة لشقي الناس بالشقياء‪ ،‬لذلك يأتي ال بأمثلة من الحياة ويقول‪:‬‬
‫عوْنَ } أي كعادة آل فرعون‪ ،‬ول تصير مسألة عادة إل بالكدح في العمل‪ ،‬وكان‬
‫{ َكدَ ْأبِ آلِ فِرْ َ‬
‫دأب آل فرعون هو التكذيب والطغيان وادّعاء فرعون اللوهية‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪ { :‬وَالّذِينَ مِن قَبِْلهِمْ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا فََأخَذَ ُهمُ اللّهُ بِذُنُو ِبهِ ْم وَاللّهُ شَدِيدُ ا ْل ِعقَابِ } فصار‬
‫الدأب منهم‪ ،‬ومما وقع بهم‪ ،‬فإذا كانوا قد اعتادوا الكفر والتكذيب فقد أوقع ال عليهم العذاب‪ .‬لقد‬
‫كان دأب آل فرعون هو التكذيب‪ ،‬والخالق ـ سبحانه ـ يجازيهم على ذلك بتعذيبهم‪ ،‬ولتقرأ إن‬
‫شفْ ِع وَا ْلوَتْرِ * وَالّيلِ إِذَا َيسْرِ * َهلْ‬
‫عشْرٍ * وَال ّ‬
‫شئت قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ َ‬
‫سمٌ لّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ ِبعَادٍ * إِ َرمَ ذَاتِ ا ْل ِعمَادِ * الّتِي لَمْ ُيخْلَقْ مِثُْلهَا فِي‬
‫فِي ذَِلكَ قَ َ‬
‫لدِ *‬
‫ط َغوْاْ فِي الْبِ َ‬
‫لوْتَادِ * الّذِينَ َ‬
‫الْبِلَدِ * وَ َثمُودَ الّذِينَ جَابُواْ الصّخْرَ بِا ْلوَادِ * َوفِرْعَوْنَ ذِى ا َ‬
‫س ْوطَ عَذَابٍ * إِنّ رَ ّبكَ لَبِا ْلمِ ْرصَادِ }[الفجر‪.]14-1 :‬‬
‫صبّ عَلَ ْيهِمْ رَ ّبكَ َ‬
‫فََأكْثَرُواْ فِيهَا ا ْلفَسَادَ * َف َ‬
‫خذَهُمُ اللّهُ‬
‫فدأبهم التكذيب وجزاء ال لهم على ذلك هو العذاب والعقاب‪ .‬إذن فقوله الحق‪ { :‬فَأَ َ‬
‫بِذُنُو ِبهِ ْم وَاللّهُ شَدِيدُ ا ْل ِعقَابِ } أي أوقع بهم العذاب في الدنيا‪ ،‬وكانت النهاية ما كانت في آل فرعون‬
‫وثمود ومن قبلهم من القوم الكافرين‪.‬‬
‫شدِيدُ ا ْل ِعقَابِ } فالذهن ينصرف إلى أن هناك ذنبا يستحق العقاب‪.‬‬
‫وعندما تسمع قول ال‪ { :‬وَاللّهُ َ‬
‫وكل المور من المعنويات مأخوذة دائما من المُحسّات؛ لن الصل في إيجاد أي معلومات‬
‫معنوية هو المشاهد الحسّية‪ ،‬وتُنقل الشياء الحسّية إلى المعنويات بعد ذلك‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الشيء الحسّي مشهود من الجميع‪ ،‬أما الشيء المعنوي فل يفهمه إل المتعقلون‪،‬‬
‫والنسان له أطوار كثيرة‪ .‬ففي طور الطفولة ل يفهم ول يعقل النسان إل المر المحسوس أمامه‪.‬‬
‫وقلت قديما في معنى كلمة " الغصب "‪ :‬إنه أخذ وسلب شيء من إنسان صاحب حق بقوة‪ ،‬وهذا‬
‫أمر معنوي له صورة مشهدية؛ لن الذي يسلخ الجلد عن الشاة نسميه غاصبا‪ .‬ولنر كيف يكون‬
‫أخذ الحق من صاحبه‪ ،‬إنه كالسلخ تماما‪ ،‬فالكلمة تأتي لليضاح‪.‬‬
‫وكلمة " ذنب " وكلمة " عقوبة " مترابطتان؛ فكلمة " ذنب " مأخوذة من مادة ذنب؛ لن المادة كلها‬
‫تدل على " التالي " والذَنَب يتلو المقدمة في الحيوان‪ .‬والعقاب هو ما يأتي عقب الشيء‪.‬‬
‫إذن فهناك ذنب وهناك عقاب‪ .‬لكن ماذا قبل الذنب‪ ،‬وماذا يتلو العقاب؟ ل يوجد ذنب إل إذا وُجِدَ‬
‫نص يُجرّم‪ ،‬فل ذنب إلّ بنص‪ .‬فليس كل فعل هو ذنب‪ ،‬بل لبد من وجود نص قبل وقوع الذنب‪.‬‬
‫يجرّم فعله؛ ولذلك أخذ التقنين الوضعي هذا المر‪ ،‬فقال‪ :‬ل يمكن أن يعاقب إنسان إل بتجريم‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ول تجريم إل بنص‪ ،‬فل يمكن أن يأتي إنسان فجأة ويقول‪ :‬هذا العمل جريمة يعاقب عليها‪ .‬بل‬
‫لبد من التنبيه والنص من قبل ذلك على تجريم هذا العمل‪.‬‬
‫إنه ل عقوبة إل بتجريم‪ ،‬ول تجريم إل بنص‪ .‬فالنص يوضح تجريم فعل نوع ما من العمل‪ ،‬وإن‬
‫قام إنسان بهذا العمل فإنه ُيجّرم‪ ،‬ويكون ذلك هو الذنب‪ ،‬فكأن الذنب جاء تاليا لنص التجريم‪.‬‬
‫والعقاب يأتي عقب الجريمة‪ ،‬وهكذا نجد أن كل من الذنب والجريمة يأخذان واقع اللفظ ومدلوله‬
‫ومعناه؛ فالذّ َنبُ هو التالي للشيء‪ .‬ولذلك يسمون الدلو الذي يملونه بالماء " ذَنُوبَا " لنه هو الذي‬
‫صحَا ِبهِمْ فَلَ يَسْ َت ْعجِلُونِ‬
‫يتلو الحبل‪ .‬وأيضا الجزاء في الخرة‪ {:‬فَإِنّ لِلّذِينَ ظََلمُواْ ذَنُوبا مّ ْثلَ ذَنُوبِ َأ ْ‬
‫}[الذاريات‪.]59 :‬‬
‫أي ذَنوبا تتبع‪ ،‬وتتلو جريمتهم‪ .‬إذن فالنص القرآني في أي ذنب وفي أي عقاب يؤكد لنا القضية‬
‫القانونية الصطلحية الموجودة في كل الدنيا‪ :‬إنه ل عقوبة دون تجريم‪ .‬فكان العقابُ بعد الجريمة‬
‫أي بعد الذنب‪ ،‬والذنب بعض النص‪ ،‬فل نأتي لواحد بدون نص سابق ونقول له‪ :‬أنت ارتكبت‬
‫ذنبا‪ .‬وهذه تحل إشكالت كثيرة‪ ،‬مثال ذلك‪ {:‬إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن ُيشْ َركَ بِ ِه وَ َي ْغفِرُ مَا دُونَ ذَِلكَ ِلمَن‬
‫عظِيما }[النساء‪.]48 :‬‬
‫يَشَآءُ َومَن ُيشْ ِركْ بِاللّهِ َفقَدِ افْتَرَىا إِثْما َ‬
‫إن ال يغفر ما دون الشرك بال‪ ،‬فالشرك بال قمة الخيانة العظمى؛ وهذا ل غفران فيه وبعد ذلك‬
‫سهِ ْم لَ َتقْنَطُواْ‬
‫يغفر لمن يشاء‪ .‬ويقول الحق في آية أخرى‪ُ {:‬قلْ ياعِبَا ِديَ الّذِينَ أَسْ َرفُواْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫جمِيعا إِنّهُ ُهوَ ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ }‬
‫حمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ َي ْغفِرُ الذّنُوبَ َ‬
‫مِن رّ ْ‬
‫[الزمر‪.]53 :‬‬
‫فهناك بعض من الناس يقولون‪ :‬إن ال قال‪ :‬إنه ل يغفر أن يشرك به‪ ،‬ويغفر ما دون ذلك لمن‬
‫يشاء‪ ،‬حتى إنهم قالوا‪ :‬إن ابن عباس ساعة جاءت هذه الية التي قال فيها الحق‪ } :‬إِنّ اللّهَ َي ْغفِرُ‬
‫جمِيعا { قال‪ " :‬إل الشرك " وذلك حتى ل تصطدم هذه الية من الية الخرى‪.‬‬
‫الذّنُوبَ َ‬
‫والواقع أنه حين يدقق أولو اللباب فلن نجد اصطداما‪ ،‬لن الذين أسرفوا على أنفسهم‪ .‬هم من‬
‫عباد ال الذين آمنوا ولم يشركوا بربهم أحدا‪ ،‬ولكنهم زلّوا وغووا ووقعوا في المعاصي فهؤلء‬
‫يقال عنهم‪ :‬إنهم مذنبون؛ لنهم مؤمنون بال ومعترفون بالذي أنزله‪ ،‬أما المشرك فلم يعترف بال‬
‫ول بما شرع وقنن من أحكام‪ ،‬فما هو عليه ل يسمى ذنبا وإنما هو كفر وشرك‪ .‬فل تعارض ول‬
‫تصادم في آيات الرحمن‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق‪:‬‬
‫شدِيدُ ا ْل ِعقَابِ { [آل‬
‫عوْنَ وَالّذِينَ مِن قَبِْلهِمْ َكذّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَ َذهُمُ اللّهُ بِذُنُو ِبهِمْ وَاللّهُ َ‬
‫} َكدَ ْأبِ آلِ فِرْ َ‬
‫عمران‪.]11 :‬‬
‫فهذا القول الحكيم متوازن ومُتّسِق‪ ،‬فالذنب يأتي بعد نص‪ ،‬والعقاب من بعد ذلك‪ .‬ويقول الحق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جهَنّ َم وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ {‬
‫ن وَتُحْشَرُونَ إِلَىا َ‬
‫آمرا رسوله ببلغ الكافرين‪ُ } :‬قلْ لّلّذِينَ كَفَرُواْ سَ ُتغْلَبُو َ‬

‫(‪)403 /‬‬
‫جهَنّ َم وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ (‪)12‬‬
‫ُقلْ لِلّذِينَ َكفَرُوا سَ ُتغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى َ‬

‫إنه أمر من ال لرسوله صلى ال عليه وسلم وهو المبلغ عن ال‪ ،‬أن يحمل للكافرين خبرا فيه‬
‫إنذار‪ .‬من هم هؤلء الكفار؟ هل هم كفار قريش؟ المر جائز‪ .‬هل هم اليهود؟ الم جائز‪ .‬فالبلغ‬
‫يشمل كل كافر‪.‬‬
‫والنص القرآني حينما يأتي فهو يأتي على غير عادة الناس في الخطاب‪ ،‬ولضرب هذا المثل ـ‬
‫ول المثل العلى وسبحانه منزه عن التشبيه أو المثل ـ أنت تقول لبنك‪ :‬اذهب إلى عمك‪ ،‬وقل‬
‫له‪ :‬إن أبي سيحضر لزيارتك غدا‪ .‬فماذا يكون كلم البن للعم؟ إن البن يذهب للعم ويقول له‪ :‬إن‬
‫أبي سيزورك غدا‪ .‬لكن المر وهو الب يقول‪ :‬قل لعمك إن أبي سيزورك غدا‪ .‬فإذا كان البن‬
‫دقيق المانة فهو يقول‪:‬‬
‫ـ قال أبي‪ :‬ـ قل لعمك إن أبي سيزورك غدا‪ .‬وعندما يقول الحق سبحانه { ُقلْ لّلّذِينَ َكفَرُواْ‬
‫جهَنّ َم وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ }‪.‬‬
‫ن وَتُحْشَرُونَ إِلَىا َ‬
‫سَ ُتغْلَبُو َ‬
‫فهذا معناه قمة المانة من الرسول المبلغ عن ال‪ ،‬ف َنقَل للكافرين النص الذي أمره ال بتبليغه‬
‫للكافرين‪ .‬وإل كان يكفي الرسول صلى ال عليه وسلم أن يذهب للكافرين ويقول لهم‪ :‬ستُغلبون‬
‫وتُحشرون‪ .‬لكن من يدريهم أن هذا الكلم ليس من عند محمد وهو بشر؟ لذلك يبلغهم الرسول‬
‫حشَرُونَ إِلَىا‬
‫ن وَتُ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم أن ال أبلغه أن يبلغهم بقوله‪ُ { :‬قلْ لّلّذِينَ َكفَرُواْ سَ ُتغْلَبُو َ‬
‫جهَنّمَ وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ }‪.‬‬
‫َ‬
‫إن الرسول لم يبلغهم بمقول القول‪ :‬ل‪ ،‬إنما أبلغهم نص البلغ الذي أبلغه به ال‪ .‬وساعة يأمر‬
‫الحق في قرآنه رسوله صلى ال عليه وسلم أن يبلغ أمرا للكافرين فإن الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم مُخاطب‪ ،‬والكفار مُخاطبون‪ ،‬فعندما يواجههم فإنه يقول لهم‪ :‬ستُغلبون‪ ..‬وفي آية أخرى‬
‫ف وَإِنْ َيعُودُواْ فَقَدْ َمضَتْ سُ ّنتُ‬
‫يقول الحق‪ {:‬قُل لِلّذِينَ َكفَرُواْ إِن يَن َتهُواْ ُي َغفَرْ َلهُمْ مّا قَدْ سََل َ‬
‫لوّلِينَ }[النفال‪.]38 :‬‬
‫اَ‬
‫إن القياس أن يقول‪ :‬إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف‪ ،‬لكن الحق قال‪ { :‬إِن يَن َتهُواْ } ‪ ،‬فكأن ال‬
‫حينما قال كان الكفار غير حاضرين للخطاب ورسول ال هو الحاضر للخطاب‪ ،‬وال يتكلم عن‬
‫غائبين‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن ال ـ سبحانه ـ في هذه الية التي نحن بصددها يحمل الرسول تمام البلغ فمرة يكون‬
‫النقل من المر الول كما صدر منه سبحانه كقوله‪ { :‬إِن يَن َتهُواْ } ومرة يأمره المر الول أن‬
‫يبلغ الكلمة التي يكون بها مخاطبا أي ل تقل‪ :‬سيغلبون وقل‪ { :‬سَ ُتغْلَبُونَ } لنك أنت الذي‬
‫ستخاطبهم‪ .‬وهذه الدقة الدائية ل يمكن إل أن تكون من قادر حكيم‪.‬‬
‫إنه بلغ إلى كفار قريش أو إلى مطلق الذين كفروا‪ .‬والغلب سيكون في الدنيا‪ ،‬والحشر يكون في‬
‫الخرة‪.‬‬
‫فإذا ما كان رسول ال صلى ال عليه وسلم ينقل النص القرآني { سَ ُتغْلَبُونَ } فمتى قالها رسول‬
‫ال؟ لقد قالها والمسلمون قلة ل يستطيعون حماية أنفسهم‪ ،‬ول يقدرون على شيء‪.‬‬
‫وكل مؤمن يحيا في كنف آخر‪ ،‬أو يهاجر إلى مكان بعيد‪ .‬فهل يمكن أن يأتي هذا البلغ إل ممن‬
‫يملك مطلق السباب؟‬
‫لقد قالها الرسول مبلغا عن ال‪ ،‬والمسلمون في حالة من الضعف واضحة ومادام قد قالها‪ ،‬فهي‬
‫حجة عليه‪ ،‬لنّ مَن أبلغه إياها وهو ال قادر على أن يفعلها‪ُ } .‬قلْ لّلّذِينَ َكفَرُواْ سَ ُتغْلَبُونَ { ليس‬
‫جهَنّ َم وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ { هذه المسألة‬
‫العقاب في الدنيا فقط‪ ،‬ولكن في الخرة أيضا } وَتُحْشَرُونَ إِلَىا َ‬
‫بشارة لرسول ال ولصحابه وإنذار للكافرين به‪ ،‬ويتم تحقيقها في موقعة بدر‪ .‬فسيدنا عمر بن‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪.]45 :‬‬
‫الخطاب لما نزل قول ال‪ {:‬سَ ُيهْزَمُ ا ْل َ‬
‫تساءل عمر بن الخطاب‪ :‬أي جمع هذا؟ إنه يعلم أن المسلمين ضعاف ل يقدرون على ذلك‪،‬‬
‫وأسباب انتصار المسلمين غير موجودة‪ ،‬ولكن رسول ال لم يكن يكلم المؤمنين بالسباب‪ ،‬إنما‬
‫برب السباب‪ ،‬فإذا ما تحدى وأنذرهم‪ ،‬مع أنه وصحبه ضعاف أمامهم‪ ،‬فقد جاء الواقع ليثبت‬
‫صدق الحق في قوله‪ } :‬سَ ُتغْلَبُونَ { ويتم انتصار المسلمين بالفعل‪ ،‬ويغلبون الكافرين‪.‬‬
‫أل يُجعل صدق بلغ الرسول صلى ال عليه وسلم فيما يحدث في الدنيا دليل صدق على ما‬
‫جهَنّمَ {‪ .‬وفي هذه الية شيئان‪:‬‬
‫حشَرُونَ إِلَىا َ‬
‫يحدث في الخرة؟ إن تحقيق } سَ ُتغْلَبُونَ { يؤكد } وَتُ ْ‬
‫الول؛ بلغ عن هزيمة الكفار في الدنيا وهو أمر يشهده الناس جميعا‪ ،‬والمر الخر هو في‬
‫الخرة وقد يُكذبه بعض الناس‪ .‬وإذا كان الحق قد أنبأ رسوله بأنك يا محمد ستغلب الكافرين وأنت‬
‫ل تملك أسباب الغَلَبَة عليهم‪ .‬ومع ذلك يأتي واقع الحداث فيؤكد أن الكافرين قد تمت هزيمتهم‪.‬‬
‫ومادام قد صدق الرسول صلى ال عليه وسلم في البلغ عن الولى ولم يكن يملك السباب فلبد‬
‫أن يكون صادقا في البلغ في الثانية وهي البلغ عن الحشر في نار جهنم‪.‬‬
‫وبعض المفسرين قد قال‪ :‬إن هذه المقولة لليهود؛ لن اليهود حينما انتصر المسلمون في بدر‬
‫زُلزِلوا زِلزَال شديدا‪ ،‬فلم يكن اليهود على ثقة في أن السلم والمسلمين سينتصرون في بدر‪ ،‬فلما‬
‫انتصر السلم في بدر؛ قال بعض اليهود‪ :‬إن محمدا هو الرسول الذي وَعَدَنا به ال والوْلَى أن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نؤمن به فقال قوم منهم‪ :‬انتظروا إلى معركة أخرى‪ .‬أي ل تأخذوها من أول معركة‪ ،‬فانتظروا‪،‬‬
‫وجاءت معركة أحد‪ ،‬وكانت الحرب سجال‪.‬‬
‫ولنا أن نقول‪ :‬وما المانع أن تكون الية لليهود وللمشركين ولمطلق الذين كفروا؟ فاللفظ عام وإن‬
‫كان قد ورد أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال لهم‪ :‬يا‬
‫سلِموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم‪ ،‬فقد عرفتم أني‬
‫معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأ ْ‬
‫نبيّ مرسل‪.‬‬
‫فماذا قالوا له؟ قالوا له‪ :‬ل َيغُرنّك أنك لقيت قوما أغمارا ـ أي قوما من غمار الناس لم يجربوا‬
‫المور ـ ل علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة‪ ،‬لئن قاتلتنا لعلمت أنّا نحن الناس‪ ،‬فأنزل ال‬
‫قوله‪ُ } :‬قلْ لّلّذِينَ َكفَرُواْ سَ ُتغْلَبُونَ‪ { ..‬إلخ الية‪.‬‬
‫والمهاد هو ما يُمهّد عادة للطفل حتى ينام عليه نوما مستقرا أي له قرار‪ ،‬وكلمة } وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ‬
‫{ تدل على أنهم ل قدرة لهم على تغيير ما هم فيه‪ ،‬كما ل قدرة للطفل على أن يقاوم من يضعه‬
‫للنوم في أي مكان‪ .‬ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬قَدْ كَانَ َلكُمْ آ َيةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْ َتقَتَا فِئَةٌ ُتقَا ِتلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ‬
‫وَأُخْرَىا كَافِ َرةٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)404 /‬‬
‫قَدْ كَانَ َل ُكمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْ َتقَتَا فِئَةٌ ُتقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِ َرةٌ يَ َروْ َنهُمْ مِثْلَ ْيهِمْ رَ ْأيَ ا ْلعَيْنِ‬
‫وَاللّهُ ُيؤَيّدُ بِ َنصْ ِرهِ مَنْ َيشَاءُ إِنّ فِي ذَِلكَ َلعِبْ َرةً لِأُولِي الْأَ ْبصَارِ (‪)13‬‬

‫وحين يقول الحق‪ { :‬قَدْ كَانَ َل ُكمْ آ َيةٌ }‪ .‬فمن المخاطب بهذه الية؟ لشك أن المخاطب بهذه الية‬
‫كل من كانت حياته بعد هذه الواقعة‪ ،‬سواء كان مؤمنا أو كافرا‪ ،‬فالمؤمن تؤكد له أن نصر ال‬
‫يأتي ولو من غير أسباب‪ ،‬والكافر تأتي له الية بالعبرة في أن ال يخذله ولو بالسباب‪ ،‬إن ال‬
‫جعل من تلك الموقعة آية‪ .‬والية هي الشيء العجيب َأيْ إن واقعه ونتائجه ل تأتي وَفق المقدمات‬
‫البشرية‪.‬‬
‫نعم هذا خطاب عام لكل من ينتسب إلى أيّ فئة من الفئتين المتقاتلين‪ ،‬سواء كانت فئة اليمان أو‬
‫فئة الكفر‪ .‬ففئة اليمان لكي تفهم أنه ليست السباب المادية هي كل شيء في المعركة بين الحق‬
‫والباطل‪ ،‬لن ل جنودا ل يرونها‪ .‬وكذلك يخطئ هذا الخطاب فئة الكافرين فل يقولون‪ :‬إن لنا‬
‫أسبابنا من عدد وعُدّة قوية‪ ،‬فقد وقعت المعركة بين الحق والباطل من قبل؛ وقد انتصر الحق‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكلمة { فِئَةٌ } إذا سمعتها تصورت جماعة من الناس‪ ،‬ولكن لها خصوصية؛ فقد توجد جماعة‬
‫ولكن لكل واحد حركة في الحياة‪ .‬ولكن حين نسمع كلمة { فِئَةٌ } فهي تدل على جماعة‪ ،‬وهي‬
‫بصدد عمل واحد‪ .‬ففي غير الحرب كل واحد له حركة قد تختلف عن حركة الخر‪ .‬ولكن كلمة {‬
‫فِئَةٌ } تدل على جماعة من الناس لها حركة واحدة في عمل واحد لغاية واحدة‪.‬‬
‫ولشك أن الحرب تصور هذه العملية أدق تصوير‪ ،‬بل إن الحرب هي التي ُتوَحّد كل فئةٍ في‬
‫سبيل الحركةِ الواحدة والعمل الواحد للغاية الواحدة؛ لن كل واحد من أي فئة ل يستطيع أن يحمي‬
‫نفسه وحده‪ ،‬فكل واحد يفئ ويرجع إلى الجماعة‪ ،‬ول يستطيع أن ينفصل عن جماعته‪ .‬ولكن الفرد‬
‫في حركة الحياة العادية يستطيع أن ينفصل عن جماعته‪.‬‬
‫إذن فكلمة { فِئَةٌ } تدل على جماعة من الناس في عملية واحدة‪ ،‬وتأتي الكلمة دائما في الحرب‬
‫لتصور كل معسكر يواجه آخر‪ .‬وحين يقول الحق‪ { :‬قَدْ كَانَ َلكُمْ آ َيةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْ َتقَتَا } أي أن‬
‫هناك صراعا بين فئتين‪ ،‬ويوضح الحق ماهية كل فئة فيقول‪ { :‬فِئَةٌ ُتقَا ِتلُ فِي سَبِيلِ اللّ ِه وَأُخْرَىا‬
‫كَافِ َرةٌ }‪ .‬وحين ندقق النظر في النص القرآني‪ ،‬نجد أن الحق لم يورد لنا وصف الفئة التي تقاتل‬
‫في سبيل ال ولم يذكر أنها فئة مؤمنة‪ ،‬وأوضح أن الفئة الخرى كافرة‪ ،‬وهذا يعني أنّ الفئة التي‬
‫تقاتل في سبيل ال لبد أن تكون فئة مؤمنة‪ ،‬ولم يورد الحق أن الفئة الكافرة تقاتل في سبيل‬
‫الشيطان اكتفاء بأن كفرها لبد أن يقودها إلى أن تقاتل في سبيل الشيطان‪.‬‬
‫لقد حذف الحق من وصف الفئة الولى ما يدل عليه في وصف الفئة الثانية‪.‬‬
‫وعرفنا وصف الفئة التي تقاتل في سبيل ال من مقابلها في الية وهي الفئة الخرى‪.‬‬
‫فمقابل الكافرة مؤمنة‪ ،‬وعرفنا ‪ -‬أيضا ‪ -‬أن الفئة الكافرة إنما تقاتل في سبيل الشيطان لمجرد‬
‫معرفتنا أن الفئة الولى المؤمنة تقاتل في سبيل ال‪ .‬ويسمون ذلك في اللغة " احتباك "‪ .‬وهو أن‬
‫تحذف من الول نظير ما أثبت في الثاني‪ ،‬وتحذف من الثاني نظير ما أثبت في الول‪ ،‬وذلك حتى‬
‫ل تكرر القول‪ ،‬وحتى توضح اللتحام بين القتال في سبيل ال واليمان‪ ،‬والقتال في سبيل‬
‫الشيطان والكفر‪.‬‬
‫إذن فالية على هذا المعنى توضح لنا التي‪ :‬لقد كان لكم آية‪ ،‬أي أمر عجيب جدا ل يسير ول‬
‫يتفق مع منطق السباب الواقعية في فئتين‪ ،‬فعندما التقت الفئة المؤمنة في قتال مع الفئة الكافرة‪،‬‬
‫استطاعت الجماعة المؤمنة المحددة بالغاية التي تقاتل من أجلها ‪ -‬وهي القتال في سبيل ال ‪ -‬أن‬
‫تنتصر على الفئة الكافرة التي تقاتل في سبيل الشيطان‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬يَ َروْ َنهُمْ مّثْلَ ْيهِمْ رَ ْأيَ ا ْلعَيْنِ { فنحن أمام فئتين‪ ،‬فمن الذي يَرى؟ ومن الذي‬
‫يُرى؟ ومن الرائي ومن المرئي؟ إن كان الرائي هم المؤمنين فالمرئي هم الكافرين‪ .‬وإن كان‬
‫الرائي هم الكافرون فالمرئي هم المؤمنون ولنر المر على المعنيين‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإن كان الكافرون هم الذين يرون المؤمنين‪ ،‬فإنهم يرونهم مثليهم؛ أي ضعف عددهم‪ ،‬وكان عدد‬
‫الكافرين يقرب من ألف‪ .‬إذن فالكافرون يرون المؤمنين ضعف أنفسهم‪ ،‬أي ألفين‪ .‬وقد يكون‬
‫المعنى مؤديا إلى أن المؤمنين يرون الكافرين ضعف عددهم الفعلي‪ .‬وقل يؤدى المعنى الى أن‬
‫الكافرين يرون المؤمنين ضعف عددهم وكان عدد المؤمنين يقرب من ثلثمائة وأربعة عشر‪،‬‬
‫وضعف هذا العدد هو ستمائة وثمانية وعشرون مقاتل‪.‬‬
‫فأن أخذنا معنى " مّثْلَ ْي ِهمْ " على عدد المؤمنين‪ ،‬فالكافرون يرونهم حوالي ستمائة وثمانية وعشرين‬
‫مقاتل‪ ،‬وإن أخذنا معنى " مّثْلَ ْيهِمْ " على عدد الكافرين فالكافرون يرون المؤمنين حوالي ألفين‪ .‬وما‬
‫الهدف من ذلك؟ إن الحق سبحانه يتكلم عن المواجهة بين الكفر واليمان حيث ينصر ال اليمان‬
‫على الكفر‪ .‬وبعض من الذين يتصيدون للقرآن يقولون‪ :‬كيف يقول القرآن‪ } :‬يَ َروْ َنهُمْ مّثْلَ ْيهِمْ رَ ْأيَ‬
‫ل وََلوْ أَرَا َكهُمْ كَثِيرا ّلفَشِلْ ُتمْ‬
‫ا ْلعَيْنِ { وهو يقول في موقع آخر‪ِ {:‬إذْ يُرِي َكهُمُ اللّهُ فِي مَنَا ِمكَ قَلِي ً‬
‫لمْرِ وَلَـاكِنّ اللّهَ سَلّمَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * وَإِذْ يُرِي ُكمُوهُمْ ِإذِ الْ َتقَيْتُمْ فِي‬
‫وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ا َ‬
‫لمُورُ }[النفال‪:‬‬
‫ل وَإِلَى اللّهِ تُ ْرجَ ُع ا ُ‬
‫ضيَ اللّهُ َأمْرا كَانَ َم ْفعُو ً‬
‫ل وَ ُيقَلُّلكُمْ فِي أَعْيُ ِنهِمْ لِ َي ْق ِ‬
‫أَعْيُ ِنكُمْ قَلِي ً‬
‫‪.]44-43‬‬
‫وهذه الية تثبت كثرة‪ ،‬سواء كثرة المؤمنين أو كثرة الكافرين‪ ،‬والية التي نحن بصدد تناولها‬
‫بالخواطر اليمانية تثبت قلة‪ ،‬والمشككون في القرآن يقولون‪ :‬كيف يتناول القرآن موقعة واحدة‬
‫على أمرين مختلفين؟ ونقول لهؤلء المشككين‪ :‬أنتم قليلو الفطنة؛ لن هناك فرقا بين الشجاعة في‬
‫القبال على المعركة وبين الروح العملية والمعنوية التي تسيطر على المقاتل أثناء المعركة‪،‬‬
‫والحق سبحانه قد تكلم عن الحالين‪ :‬قلل الحق هؤلء في أعين هؤلء‪ ،‬وقلل هؤلء في أعين‬
‫هؤلء‪ ،‬لن المؤمنين حين يرون الكافرين قليل فإنهم يتزودون بالجرأة وطاقة اليمان ليحققوا‬
‫النصر‪.‬‬
‫والكافرون عندما يرون المؤمنين قلة فإنهم يستهينون بهم ويتراخون عند مواجهتهم‪ .‬ولكن عندما‬
‫تلتحم المعركة فما الذي يحدث؟ لقد دخلوا جميعا المعركة على أمل القلة في العداد المواجهة‪ ،‬فما‬
‫الذي يحدث في أعصابهم؟ إن المؤمن يدخل المعركة بالستعداد المكثف لمواجهة الكفار‪.‬‬
‫وأعصاب الكافر تخور لن العدد أصبح على غير ما توقع‪ ،‬إذن فيقول الحق‪ {:‬وَِإذْ يُرِي ُكمُوهُمْ إِذِ‬
‫لمُورُ }‬
‫ل وَإِلَى اللّهِ تُ ْرجَ ُع ا ُ‬
‫ضيَ اللّهُ َأمْرا كَانَ َم ْفعُو ً‬
‫ل وَ ُيقَلُّلكُمْ فِي أَعْيُ ِنهِمْ لِ َي ْق ِ‬
‫الْ َتقَيْتُمْ فِي أَعْيُ ِنكُمْ قَلِي ً‬
‫[النفال‪.]44 :‬‬
‫يصور الحالة قبل المعركة؛ لن ال ل يريد أن يتهيب طرف فل تنشأ المعركة‪ .‬لكن ما إن تبدأ‬
‫المعركة حتى يقلب الحق المور على عكسها‪ ،‬إنه ينقل الشيء من الضد إلى الضد ونقل الشيء‬
‫من الضد الى الضد إيذان بأن قادرا أعلى يقود المشاعر والحاسيس‪ ،‬والقدرة العالية تستطيع أن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تصنع في المشاعر ما تريد‪.‬‬
‫لقد قلل الحق العداد أول حتى ل يتهيبوا المعركة‪ ،‬وفي وقت المعركة جعلهم ال كثيرا في أعين‬
‫بعضهم البعض‪ ،‬فترى كل فئةٍ الطرف الخر كثيرا‪ ،‬فتتفجر طاقات الشجاعة المؤمنة من نفوس‬
‫المؤمنين فيقبلون على القتال بحماسة‪ ،‬وتخور نفوس الكافرين عندما يواجهون أعدادا أكثر مما‬
‫يتوقعون‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫} َقدْ كَانَ َلكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْ َتقَتَا فِئَةٌ ُتقَا ِتلُ فِي سَبِيلِ اللّ ِه وَأُخْرَىا كَافِ َرةٌ يَ َروْ َنهُمْ مّثْلَ ْيهِمْ رَ ْأيَ ا ْلعَيْنِ‬
‫وَاللّهُ ُيؤَيّدُ بِ َنصْ ِرهِ مَن َيشَآءُ إِنّ فِي ذاِلكَ َلعِبْ َرةً لُوْلِي الَ ْبصَارِ { [آل عمران‪]13 :‬‬
‫إن هذه الية هي خبر تبشيري لكل مؤمن بالنصر‪ ،‬وهي في الوقت نفسه خبر إنذاري لكل كافر‬
‫بأن الهزيمة سوف تلحق به إن واجه الجماعة المؤمنة‪ .‬فإياكم أن تقيموا المور بمقاييس السباب‪،‬‬
‫فالسباب المطلوبة منكم هي المقدور عليها للبشر وعليكم أن تتركوا تتمة كل ذلك للقدر‪ ،‬فل تخور‬
‫الفئة المؤمنة أمام عدد كثير‪ ،‬ول تغتروا معشر الكفار بأعدادكم الكثيرة؛ فالسابقة أمامكم تؤكد أن‬
‫عددا قليل من المؤمنين قد غلب عددا كثيرا من الكافرين‪.‬‬
‫ومن معاني الية ‪ -‬أيضا ‪ -‬أن الكافرين يرون المؤمنين مثلى عدد الكافرين‪ ،‬أي ضعف عددهم‪.‬‬
‫ومن معانيها ‪ -‬ثالثا ‪ -‬أن الكافرين يرون المؤمنين ضعف عدد المؤمنين الفعلي‪ .‬ومن معاني الية‬
‫ رابعا ‪ -‬أن يرى المسلمون الكافرين مثليهم‪ ،‬أي مثل المؤمنين مرتين‪ ،‬أي ستمائة نفر وقليل‪،‬‬‫وحينئذ يكون عدد الكافرين في عيون المؤمنين أقل من العدد الفعلي لهؤلء الكافرين‪ .‬إذن فما‬
‫حكاية " مّثْلَ ْيهِمْ " هذه؟ لقد وعد ال المؤمنين بنصره حين قال‪:‬‬
‫ن وَإِن َيكُنْ‬
‫عشْرُونَ صَابِرُونَ َيغْلِبُواْ مِئَتَيْ ِ‬
‫{ ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ حَ ّرضِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ عَلَى ا ْلقِتَالِ إِن َيكُن مّنكُمْ ِ‬
‫مّنكُمْ مّئَةٌ َيغْلِبُواْ أَلْفا مّنَ الّذِينَ َكفَرُواْ بِأَ ّنهُمْ َقوْمٌ لّ َي ْف َقهُونَ }[النفال‪.]65 :‬‬
‫والنسبة هنا أن المؤمن الواحد يخرج إلى عشرة من الكافرين فيهزمهم‪ ،‬ذلك وعد ال‪ ،‬وحين أراد‬
‫ضعْفا فَإِن َيكُنْ مّنكُمْ مّ َئ ٌة صَابِ َرةٌ‬
‫خ ّففَ اللّهُ عَن ُك ْم وَعَلِمَ أَنّ فِي ُك ْم َ‬
‫ال التخفيف قال الحق‪ {:‬النَ َ‬
‫َيغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن َيكُن مّن ُكمْ أَ ْلفٌ َيغْلِبُواْ أَ ْلفَيْنِ بِِإذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ }[النفال‪.]66 :‬‬
‫لقد خفف ال النسبة‪ ،‬فواحد من المؤمنين يغلب اثنين من الكافرين‪ .‬فالمؤمنون موعودون من ال‬
‫بالغلبة حتى وهم ضعاف‪ .‬والحق يقول في الية المبشرة للمؤمنين‪ ،‬المنذرة للكافرين‪ ،‬والتي نحن‬
‫لوْلِي الَ ْبصَارِ {‪.‬‬
‫بصددها الن‪ } :‬وَاللّهُ ُيؤَيّدُ بِ َنصْ ِرهِ مَن يَشَآءُ إِنّ فِي ذاِلكَ َلعِبْ َر ًة ُ‬
‫ونحن نسمع كلمة " عبرة " كثيرا‪ ،‬والمادة المأخوذة منها تدل على الدخول من مكان إلى مكان‪،‬‬
‫فقال عن ذلك " عُبور " ‪ ،‬ونحن في حياتنا العادية نخصص في الشوارع أماكن لعبور المشاة‪ ،‬أي‬
‫المسافة التي يمكن للمشاة أن ينفذوا منها من ضفة الشارع إلى الضفة الخرى من الشارع نفسه‪.‬‬
‫وعبور البحر هو النفاذ من شاطئ إلى شاطئ آخر‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فمادة " العبور " تدل على النفاذ من مكان إلى مكان‪ ،‬و " العَبرة " أي الدمعة لنها تسقط من‬
‫محلها من العين على الخد‪ .‬و " العِبارة " أي الجملة التي نتكلم بها‪ ،‬فهي تنتقل من الفم إلى الذن‪،‬‬
‫وهي عبور أيضا‪ .‬و " العبير " أي الرائحة الجميلة التي تنتقل من الوردة البعيدة عن النسان قليل‬
‫لتنفذ إلى أنفه‪ .‬إذن فمادة " العبور " تدل على " النفاذ "‪.‬‬
‫وحين يقول الحق‪ } :‬إِنّ فِي ذاِلكَ َلعِبْ َرةً {‪ .‬أي تنقلكم من أمر قد يخيفكم أيها المؤمنون لنكم قليل‪،‬‬
‫وهم كثير‪ ،‬إنها تنقلكم إلى نصر ال أيها المؤمنون‪ ،‬وتنقلكم أيها الكافرون إلى الهزيمة برغم كثرة‬
‫عُدتكم وعَددكم‪ .‬فالعبرة هي حدث ينقلك من شيء إلى شيء مغاير‪ ،‬كالظالم الذي نرى فيه يوما‪،‬‬
‫ونقول إن ذلك عبرة لنا‪ ،‬أي إنها نقلتنا من رؤيته في الطغيان إلى رؤيته في المهانة‪.‬‬
‫وهكذا تكون العبرة هي العظة اللفتة والناقلة من حكم إلى حكم قد يستغربه الذهن‪ ،‬فتذييل هذه‬
‫الية الكريمة بهذا المعنى هو إيضاح وبيان كامل‪ ،‬فالحق يقول في بداية هذه الية‪ } :‬قَدْ كَانَ َل ُكمْ‬
‫لوْلِي الَ ْبصَارِ {‪.‬‬
‫آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْ َتقَتَا { وتنتهي الية بقوله‪ } :‬إِنّ فِي ذاِلكَ َلعِبْ َر ًة ُ‬
‫إذن فالعبرة شيء ينقلنا من أمر إلى أمر قد تستغربه السباب وذلك إن كنت متروكا لسياسة‬
‫نفسك‪ ،‬لكن المؤمن ليس متروكا لسياسة نفسه؛ لن ال لو أراد أن يعذب الكفار بدون مواجهة‬
‫المؤمنين وحربهم لعذبهم بدون ذلك‪ ،‬ولكن ال يريد أن يكون عذاب الكافرين بأيدي المؤمنين‪:‬‬
‫ف صُدُورَ َقوْمٍ ّم ْؤمِنِينَ }[التوبة‪.]14 :‬‬
‫ش ِ‬
‫{ قَاتِلُو ُهمْ ُيعَذّ ْبهُمُ اللّهُ بِأَ ْيدِيكُ ْم وَيُخْزِ ِه ْم وَيَ ْنصُ ْركُمْ عَلَ ْيهِ ْم وَيَ ْ‬
‫ولو كان ال يريد أن يعذب الكافرين بغير أيدي المؤمنين لحدث ظاهرة في الكون تعذبهم‪،‬‬
‫كزلزال يحدث ويدمرهم‪ ،‬ولكن ال يريد أن يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين‪ } .‬وَاللّهُ ُيؤَيّدُ بِ َنصْ ِرهِ‬
‫لوْلِي الَ ْبصَارِ { ‪ ،‬و " اليد " هو القوة‪ ،‬إذن فهو يريد منك فقط النواة‬
‫مَن يَشَآءُ إِنّ فِي ذاِلكَ َلعِبْ َر ًة ُ‬
‫العملية‪ ،‬ثم بعد ذلك يكملها ال بالنصر‪ " ،‬وأيّده " أي قواه‪ ،‬ويؤيد ال بنصره من يشاء‪ ،‬وتكون‬
‫العبرة لولي البصار‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬أتكون العبرة لولي البصار؛ أم لولي البصائر؟ وهنا نقول‪ :‬إن العبرة هنا لولى‬
‫البصار لن المر الذي تتحدث عنه الية هو أمر مشهدي‪ ،‬أمر محسوس‪ ،‬فمن له عينان عليه أن‬
‫يبصر بهما‪ ،‬فإذا كان التفكير والتدبر ليس أمرا موهوبا لكل مخلوق من البشر‪ ،‬فإن البصر موجود‬
‫للغالبية من الناس‪ ،‬وكل منهم يستطيع أن يفتح عينيه ليرى هذا المر المشهدي‪.‬‬
‫وإذا ما نظرنا إلى المعركة بذاتها وجدنا الدليل الكامل على صدق العبارة؛ فالمؤمنون قلة وعددهم‬
‫معروف محدود‪ ،‬وعتادهم قليل‪ ،‬ولم يخرجوا بقصد حرب‪ ،‬إنما خرجوا لقصد الستيلء على‬
‫العير المحملة بالرزاق من طعام وكسوة تعويضا عما اغتصبه المشركون من أموالهم في مكة‪،‬‬
‫ولو أنّهم استولوا على العير فقط لما كان النصر عظيما بالدرجة التي كان عليها؛ لن العِير عادة‬
‫ل تسير بعتاد ضخم إنما تحفظ بالحراسة فقط‪ .‬ولكن ال يريد لهم النصر على ذات الشوكة‪ ،‬أي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الطائفة القوية المسلحة‪ ،‬لقد وعدهم ال بالنصر على إحدى الطائفتين‪ {:‬وَإِذْ َيعِ ُدكُمُ اللّهُ ِإحْدَى‬
‫طعَ‬
‫حقّ الحَقّ ِبكَِلمَاتِهِ وَيَقْ َ‬
‫ش ْوكَةِ َتكُونُ َلكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُ ِ‬
‫الطّا ِئفَتِيْنِ أَ ّنهَا َلكُمْ وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ ال ّ‬
‫دَابِرَ ا ْلكَافِرِينَ }[النفال‪.]7 :‬‬
‫لقد كان وعد ال أن ينصر المؤمنين على إحدى الطائفتين‪ ،‬والمل البشرى كان يود النتصار‬
‫على الطائفة غير ذات الشوكة أي الطائفة غير المسلحة وهي العير‪ ،‬ولكن مثل هذا النصر ل‬
‫يكون له َد ِويّ النصر على الطائفة المسلحة‪ ،‬فقد كان من السهل أن يقال‪ :‬إن محمدا ومن معه‬
‫تعرضوا لجماعة من التجار ل أسلحة معهم ول جيش‪ ،‬ولكن ال يريد أن يجعل من هذه المعركة‬
‫فرقانا وأن يحق الحق‪.‬‬
‫إنكم أيها المؤمنون لم تخرجوا إلّ لِقصد العير أي لم يكن استعدادكم كافيا للقتال‪ ،‬أما الكفار فقد‬
‫جاءوا بالنفير‪ ،‬أي بكل قوتهم فقد ألقت مكة في هذه المعركة بأفلذ أكبادها‪ .‬وعندما يأتي النصر‬
‫من ال للمؤمن في مثل هذه الموقعة فهو نصر حقيقي‪ ،‬ويكون آية غاية في العجب من آيات ال‪.‬‬
‫وتصير عبرة للغير‪ .‬لذلك نجد العجائب في هذه المعركة ‪ -‬معركة بدر ‪.-‬‬
‫الغرائب أنك تجد الخوين يكون لكل منهما موقف ومجابهة‪ .‬وتجد الب والبن لكل منهما موقف‬
‫ومجابهة برغم عمق الصلة بينهما‪ ،‬فمثل ابن أبي بكر رضي ال عنه‪ ،‬وكان هذا البن لم يسلم‬
‫بعد‪ ،‬وكان في جانب الكفار‪ ،‬وأبوه الصديق مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وبعد أن أسلم ابن‬
‫أبي بكر يحكي البن لبيه بشيء من المتنان والبر‪ :‬لقد تراءيت لي يوم بدر فزويت وجهي عنك‪.‬‬
‫فيرد أبو بكر الرد اليماني الصدّيقي‪ :‬وال لو تراءيت لي أنت لقتلتك‪.‬‬
‫وكل الموقفين منطقي‪ ،‬لماذا؟ لن ابن أبي بكر حين يلتقي بأبي بكر‪ ،‬ويرى وجه أبيه‪ ،‬فإنه يقارن‬
‫بين أبي بكر وبين ماذا؟ إنه يقارن بين أبيه وبين باطل‪ ،‬ويعرف تمام العلم أنه باطل‪ ،‬فيرجح عند‬
‫ابن أبي بكر أبوه‪ ،‬ولذلك يحافظ على أبيه فل يلمسه‪ .‬لكنّ أبا بكر الصديق حينما يقارن فهو يقارن‬
‫بين اليمان بال وابنه‪ ،‬ومن المؤكد أن اليمان يزيد عند الصديق أبي بكر‪ ،‬فلو رآه يوم بدر لقتله‪.‬‬
‫ول حكمة فيمن قُتل على أيدي المؤمنين من مجرمي الحرب من قريش‪ ،‬ول حكمة فيمن أبقى من‬
‫الكفار بغير قتل؛ لن هؤلء مدخرون لقضية إيمانية كبرى سوف يبلون فيها البلء الحسن‪ .‬فلو‬
‫مات خالد بن الوليد في موقعة من المواقع التي كان فيها في جانب الكفر لحزنا نحن المسلمين؛‬
‫لن ال قد ادخره لمعارك إيمانية يكون فيها سيف ال المسلول‪ ،‬ولو مات عكرمة لفقدت أمة‬
‫السلم مقاتل عبقريا‪.‬‬
‫لقد حزن المسلمون في موقعة بدر لنهم لم يقتلوا هؤلء الفرسان؛ لنهم لم يعلموا حكمة ال في‬
‫ادخار هؤلء المقاتلين؛ لينضموا فيما بعد إلى صفوف اليمان‪ .‬وال لم يمكّن مقاتلي المسلمين يوم‬
‫بدر من المحاربين الذين كانوا على دين قومهم آنئ ٍذ إلّ لن ال قد ادخرهم لمواقع إيمانية قادمة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقفون فيها‪ ،‬ويحاربون في صفوف المؤمنين وهذا نصر جديد‪.‬‬
‫ونرى أبا عزيز وهو شقيق الصحابي مصعب بن عمير الذي أرسله رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ليبشر بدين ال‪ ،‬ويعلّم أهل المدينة‪ ،‬وكان مصعب فتى فريش المدلل صاحب ترف‪ ،‬وأمه‬
‫صاحبة ثراء‪ ،‬وبعد ذلك رآه رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو يلبس جلد شاة بعد أن كان يلبس‬
‫الحرير‪ ،‬فيقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬انظروا إلى اليمان ماذا فعل بصاحبكم "‪.‬‬
‫والتقى مصعب في المعركة مع أخيه أبي عزيز‪ ،‬وأبو عزيز على الكفر‪ ،‬ومصعب رضي ال عنه‬
‫مسلم يقف مع النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وحين يرى مصعب رضي ال عنه أخاه أبا عزيز وهو‬
‫أسير لصحابي اسمه أبو اليسر‪ ،‬فيقول مصعب‪ :‬يا أبا اليسر اشدد على أسيرك؛ فإن أمه غنية‬
‫وذات متاع‪ ،‬وستفديه بمال كثير‪.‬‬
‫فيقول له أخوه أبو عزيز‪ :‬أهذه وصاتك بأخيك؟ فيقول مصعب مشيرا إلى أبي اليسر‪ :‬هذا أخي‬
‫دونك‪.‬‬
‫كانت هذه هي الروح اليمانية التي تجعل الفئة القليلة تنتصر على أهل الكفر‪ ،‬طاقة إيمانية ضخمة‬
‫تتغلب على عاطفة الخوة‪ ،‬وعاطفة البوة‪ ،‬وعاطفة البنوة‪ .‬وقد جعل ال من موقعة بدر آية حتى‬
‫عدّتهم‪ ،‬وحتى ل يغتر كافر‪ ،‬وإن كثر عددُ قومه‬
‫ل يخور مؤمن وإن قل عدد المؤمنين‪ ،‬أو قلت ُ‬
‫وعتادهم‪.‬‬
‫وقد جعلها ال آية للصدق اليماني‪ ،‬ولذلك يقال‪ :‬احرص على الموت توهب لك الحياة‪ .‬وقد كانت‬
‫القضية اليمانية هي التي تمل نفس المؤمن‪ ،‬إنّها قضية عميقة متغلغلة في النفوس‪ .‬ولماذا يتربص‬
‫الكفار بالمؤمنين؟ إنهم إن تربصوا بهم‪ ،‬فسيدخل المؤمنون الجنة إن قُتِلوا أو ينتصرون على‬
‫ن وَ َنحْنُ‬
‫الكفار‪ ،‬وفي ذلك يقول الحق على لسان المؤمنين‪ُ {:‬قلْ َهلْ تَرَ ّبصُونَ بِنَآ ِإلّ ِإحْدَى ا ْلحُسْنَيَيْ ِ‬
‫نَتَرَ ّبصُ ِبكُمْ أَن ُيصِي َبكُمُ اللّهُ ِبعَذَابٍ مّنْ عِن ِدهِ َأوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَ ّبصُواْ إِنّا َم َعكُمْ مّتَرَ ّبصُونَ }[التوبة‪:‬‬
‫‪.]52‬‬
‫فالظفر هنا بأحد أمرين‪ :‬إما النصر على الكافرين‪ ،‬وإما الستشهاد في سبيل ال‪ ،‬ونيل منزلة‬
‫الشهداء في الجنة وكلهما جميل‪ .‬والمؤمنون يتربصون بالكافرين‪ ،‬إما أن يصيب ال الكفار‬
‫بعذاب من عنده‪ ،‬وإما أن يصيبهم بأيدي المؤمنين‪ .‬إنها معادلة إيمانية واضحة جلية‪ .‬وبعد ذلك‬
‫ش َهوَاتِ‪{ ...‬‬
‫حبّ ال ّ‬
‫يقول الحق سبحانه‪ } :‬زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬

‫(‪)405 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ش َهوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ ا ْل ُمقَنْطَ َرةِ مِنَ الذّ َهبِ وَا ْل ِفضّ ِة وَالْخَ ْيلِ‬
‫حبّ ال ّ‬
‫زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬
‫حسْنُ ا ْلمََآبِ (‪)14‬‬
‫س ّومَ ِة وَالْأَ ْنعَا ِم وَا ْلحَ ْرثِ ذَِلكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِ ْن َدهُ ُ‬
‫ا ْلمُ َ‬

‫الموضع الذي تأتي فيه هذه الية الكريمة هو‪ :‬موقع ذكر المعركة السلمية التي جعلها ال آية‬
‫مستمرة دائمة؛ لتوضح لنا أن المعارك اليمانية تتطلب النقطاع إلى ال‪ ،‬وتتطلب خروج النسان‬
‫المؤمن عما ألف من عادة تمنحه كل المتع‪ .‬والمعارك اليمانية تجعل المؤمن الصادق يضحي‬
‫بكثير من ماله في تسليح نفسه‪ ،‬وتسليح غيره أيضا‪.‬‬
‫فمن يقعد عن الحرب إنسان تغلبه شهوات الدنيا‪ ،‬فيأتي ال بهذه الية بعد ذكر الية التي ترسم‬
‫طريق النتصارات المتجدد لهل اليمان؛ وذلك حتى ل تأخذنا شهوات الحياة من متعة القتال في‬
‫ش َهوَاتِ " وكلمة " زُيّنَ " تعطينا فاصل بين‬
‫حبّ ال ّ‬
‫سبيل ال ولعلء كلمته فيقول‪ " :‬زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬
‫المتعة التي يحلها ال‪ ،‬والمتعة التي ل يرضاها ال؛ لن الزينة عادة هي شيء فوق الجوهر‪.‬‬
‫فالمرأة تكون جميلة في ذاتها وبعد ذلك تتزين‪ ،‬فتكون زينتها شيئا فوق جوهر جمالها‪.‬‬
‫فكأن ال يريد أن نأخذ الحياة ول نرفضها‪ ،‬ولكن ل نأخذها بزينتها وبهرجتها‪ ،‬بل نأخذها بحقيقتها‬
‫ش َهوَاتِ مِنَ النّسَاءِ "‪ .‬وما الشهوة؟ الشهوة هي ميل النفس‬
‫حبّ ال ّ‬
‫الستبقائية فيقول‪ " :‬زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬
‫بقوة إلى أي عمل ما‪.‬‬
‫وحين ننظر إلى الية فإننا نجدها توضح لنا أن الميل إذا كان مما يؤكد حقيقة استبقاء الحياة فهو‬
‫مطلوب ومقبول‪ ،‬ولكن إن أخذ النسان المر على أكثر من ذلك فهذا هو الممقوت‪.‬‬
‫وسبق أن ضربنا المثل من قبل بأعنف غرائز النسان وهي غريزة الجنس‪ ،‬وأن الحيوان يفضل‬
‫النسان فيها‪ ،‬فالحيوان أخذ العملية الجنسية لستبقاء النوع بدليل أن النثى من الحيوان إذا تم‬
‫لقاحها من فحل ل تُمكّن فحلً اخر منها‪ .‬والفحل أيضا اذا ما جاء إلى أنثى وهي حامل فهو ل‬
‫يُقبل عليها‪ ،‬إذن فالحيوانات قد أخذت غريزة الجنس كاستبقاء للحياة‪ ،‬ولم تأخذها كالنسان لذة‬
‫متجددة‪.‬‬
‫ومع ذلك فنحن البشر نظلم الحيوانات‪ ،‬ونقول في وصف شهوة النسان‪ :‬أن عند فلن شهوة‬
‫بهيمية‪ .‬ويا ليتها كانت شهوة بهيمية بالفعل؛ لن البهيمة قد أخذتها على القدر الضروري‪ ،‬لكن‬
‫نحن فلسفناها‪ ،‬إذن فخروجك بالشيء عما يمكن أن يكون مباحا ومشروعا يسمى‪ :‬دناءة شهوة‬
‫النفس‪.‬‬
‫والحق سبحانة وتعالى يريد أن يضمن للكون بقاءه‪ ،‬والبقاء له نوعان‪ :‬أن يُبقِي النسان حياته‬
‫بالمطعم والمشرب‪ ،‬وتبقى حياة النوع النساني بالتزواج‪.‬‬
‫ولكن إن نظرت إلى المسألة وجدت الخالق حكيما عليما‪ .‬إنه يعلم أن طفولة أي حيوان بسيطة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالنسبة لبيه وأمه‪ ،‬مثال ذلك‪ :‬الحمامة تطعم فرخها إلى أن يستطيع الطيران‪ ،‬ثم ل تعرف أين‬
‫ذهب فرخها‪ ،‬لكن حصيلة اللتقاء بين الرجل والمرأة‪ ،‬والتي أراد ال لها أن تنتج الولد تحتاج‬
‫إلى شقاء إلى أن يبلغ الولد‪ ،‬وذلك ليكون هناك تكافؤ وتناسب بين ما يحرص عليه النسان من‬
‫شهوة‪ ،‬وما يتحمل من مشاق ومتاعب في سبيل الستمتاع بها واستبقائها‪.‬‬
‫ش َهوَاتِ مِنَ النّسَاءِ " فمن المزين؟ إن كان في المر الزائد‬
‫حبّ ال ّ‬
‫فقول الحق سبحانه‪ " :‬زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬
‫على ضروريات المر‪ ،‬فهذا من شغل الشيطان‪ ،‬وإن كان في المر الرتيب الذي يضمن استبقاء‬
‫النوع فهذا من ال‪.‬‬
‫ونجد الحق يضيف " البنين " إلى مجال الشهوات ويقصد بها الذكران‪ ،‬ولم يقل البنات‪ ،‬لماذا؟ لن‬
‫البنين هم الذين يُطلبون دائما للعزوة كما يقولون ول يأتي منهم العار‪ ،‬وكان العرب يئدون البنات‬
‫ويخافون العار‪ ،‬والمحبوب لدى الرجل في النجاب حتى الن هو إنجاب البنين‪ ،‬حتى الذين‬
‫يقولون بحقوق المرأة وينادون بها‪ ،‬سواء كان رجل أو امرأة إن لم يرزقه ال بولد ذكر فإنه أو‬
‫إنها تريد ولدا ذكرا‪.‬‬
‫ويضيف الحق إلى مجال الشهوات‪ } :‬وَا ْلقَنَاطِيرِ ا ْل ُمقَنْطَ َرةِ مِنَ الذّ َهبِ وَا ْل ِفضّةِ { ‪ ،‬والقناطير هي‬
‫جمع قنطار‪ ،‬والقنطار هو وحدة وزن‪ ،‬وهذا الوزن حددته كثافة الذهب‪ ،‬إل أن القنطار قبل أن‬
‫يكون وزنا كان حجما‪ ،‬لكنهم رأوا الحجم هذا يزن قدرا كميا‪ ،‬فانتقلوا من الحجم إلى الوزن‪.‬‬
‫وكان علمة الثراء الواسع في الزمن القديم أن يأتوا بجلد الثور بعد سلخه ويملوه ذهبا‪ ،‬وملء‬
‫جلد الثور بالذهب يسمونه قنطارا‪ ،‬وكانت هذه عملية بدائية‪ .‬وبعد ذلك أخذوا ملء الجلد ذهبا‬
‫ووزنوه فصار وزنا‪ .‬إذن فالصل فيه أنه كان حجما‪ ،‬فصار ووزنا‪ .‬وساعة تسمع } وَا ْلقَنَاطِيرِ‬
‫ا ْل ُمقَنْطَ َرةِ مِنَ الذّ َهبِ وَا ْل ِفضّةِ { فهو يريد أن يحقق فيها القنطارية‪ ،‬وذلك يعني أن القنطار المقنطر‬
‫هو القنطار الكامل الوزن‪ ،‬وليس مجرد قنطار تقريبا‪ ،‬كما نقول أيضا‪ " :‬دنانير مدنرة "‪ .‬وعادة‬
‫نجد في اللغة العربية لفظا يأتي من جنس اللفظ يضم إليه كي يعطيه قوة‪ ،‬فيقال " ظل ظليل " أي‬
‫ظل كثيف‪ ،‬ويقال " ليل أليل " أي أن الليل في ظلمة شديدة‪ ،‬وهي مبالغة في كثافة الظلم‪.‬‬
‫والظلم على سبيل المثال يحجب الشمس‪ ،‬وحاجب الشمس عنك قد يكون حجابا واحدا‪ ،‬وقد يكون‬
‫الشيء الذي يظلك فوقه شيء آخر يظلله أيضا فيكون الظل ظليلً‪ ،‬ولذلك يكون الظل تحت‬
‫الشجار جميلً‪ ،‬لن ورقة تستر الشمس وورقة أخرى تستر الورقة الولى‪ ،‬وهكذا‪ ،‬فتصنع تكييفا‬
‫طبيعيا للهواء‪.‬‬
‫ولذلك فهم يصنعون الن خياما مكيفة الهواء مصنوعة من قماش فوقه قماش آخر‪ ،‬وبينهما مسافة‪،‬‬
‫فيكون هناك قماش يُظلل ظِلً آخر‪ ،‬فإذا ما وضعوا قطعة ثالثة من القماش تُظل الظلين الولين‪،‬‬
‫فإن الظل يكون ظليلً ولذلك قلنا‪ :‬إن ظل الشجار هو ظل ظليل‪ ،‬فيه حنان‪ ،‬فكل ورقة تظل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النسان تكون نفسها مظّللةَ بورقة أخرى‪ ،‬وتكون أوراق الشجر التي تظلل بعضها بعضا مختلفة‬
‫الوضاع‪ ،‬وتعطي الوراق للنسيم فرصة المرور‪ ،‬أما الخيام فهي تحجب النسيم‪.‬‬
‫والشاعر حين أراد أن يصف الروضة قال‪:‬تصد الشمس أَنّى واجهتها فتحجبها وتأذن للنسيمإذن‬
‫فحين وصف الحق القناطير بأنها مقنطرة فذلك يعني القناطير الدقيقة الميزان‪ ،‬وهي قناطير‬
‫س ّومَةِ {‪ .‬وكانت الخيل هي أداة العز وأمارة‬
‫ب وَا ْل ِفضّ ِة وَالْخَ ْيلِ ا ْلمُ َ‬
‫مقنطرة من ماذا؟ } مِنَ الذّ َه ِ‬
‫وعلمة على العظمة‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬الخيل معقود بنواصيها الخير إلى‬
‫يوم القيامة "‬
‫س ّومَةِ { نرى فيهِ أن اللفظ الواحد يشع في مجالت متعددة من المعاني‪،‬‬
‫قول الحق‪ } :‬وَالْخَ ْيلِ ا ْلمُ َ‬
‫فمسوّمة من سامها يَسوُمها‪ ،‬ومعنى ذلك أن لهذه الخيل مراعى تأكل منها كما تريد‪ ،‬وليست خيلً‬
‫مربوطة بأكل ما يُقدم لها فقط‪ ،‬ومسوّمة أيضا تعنى أن لهذا الخيل علمات‪ ،‬فهذا حصان أغرّ‪،‬‬
‫وذلك أدهم وذاك أشقر‪.‬‬
‫ومسوّمة أيضا‪ ،‬أن تكون مروضة‪ ،‬ومدربة‪ ،‬وتم تعليمها‪ ،‬فالصل في الخيل أنها لم تكن مُستأنسة‬
‫بل مُتوحشة‪ ،‬ولذلك ل بد من ترويضها حتى ينتفع بها النسان‪ .‬فكم معنى إذن أعطته لما كلمة "‬
‫س ّومَةِ "؟‬
‫مُ َ‬
‫سائمة‪ ،‬أي تأكل على قدر ما تشتهي ل على قدر ما نعطيها من طعام‪ .‬ومُعلّمة أي فيها علمات‬
‫كالغّرة والتحجيل‪ ،‬وهذا جواد أدهم‪ ،‬وذلك جواد أشقر‪ ،‬أو أنها معلمة أي مروضة‪ .‬فماذا تتطلب‬
‫الحرب؟‪.‬‬
‫إن الحرب تتطلب النقطاع عن الهل‪ ،‬فيجب أل تكون شهوة النفس حاجزا‪ ،‬سواء كانت شهوة‬
‫للنساء‪ ،‬أو كانت شهوة العزوة للبنين ورعايتهم‪ ،‬أو كانت شهوة المال؛ فالمؤمن ينفقه في سبيل ال‪،‬‬
‫والخيل أيضا يستخدمها النسان في القتال لعلء كلمة ال‪.‬‬
‫ونلحظ أن هذه الية ‪ -‬التي تعدّد أنواع الزينة ‪ -‬جاءت بعد الية التي تتحدث عن الجهاد في‬
‫سبيل ال والتي يقول الحق تبارك وتعالى فيها‪:‬‬
‫} َقدْ كَانَ َلكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْ َتقَتَا فِئَةٌ ُتقَا ِتلُ فِي سَبِيلِ اللّ ِه وَأُخْرَىا كَافِ َرةٌ يَ َروْ َنهُمْ مّثْلَ ْيهِمْ رَ ْأيَ ا ْلعَيْنِ‬
‫وَاللّهُ ُيؤَيّدُ بِ َنصْ ِرهِ مَن َيشَآءُ إِنّ فِي ذاِلكَ َلعِبْ َرةً لُوْلِي الَ ْبصَارِ { [آل عمران‪]13 :‬‬
‫وذلك ليرشدنا إلى أن النسان المؤمن ل يصح أن يضحى بشهوته الحقيقية وهي إدراك الشهادة‬
‫في سبيل ال أو النصر على العدو بسبب الشهوات الزائلة التي تتمثل في النساء‪ ،‬وفي البنين‪ ،‬وفي‬
‫القناطير المقنطرة من الذهب والفضة‪ ،‬وفي الخيل المسوّمة والنعام وقد قال ال عن النعام في‬
‫ن َومِنَ ا ْل َمعْزِ اثْنَيْنِ ُقلْ ءَآل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ أَمِ الُنثَيَيْنِ َأمّا‬
‫سورة النعام‪َ {:‬ثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ مّنَ الضّأْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫ن َومِنَ الْ َبقَرِ اثْنَيْنِ ُقلْ‬
‫ن الِ ْبلِ اثْنَيْ ِ‬
‫اشْ َتمََلتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الُنثَيَيْنِ نَبّئُونِي ِبعِلْمٍ إِن كُنتُ ْم صَا ِدقِينَ * َومِ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شهَدَآءَ إِذْ َوصّاكُمُ اللّهُ ِبهَـاذَا‬
‫ءَآل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ َأ ِم الُنْثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ عَلَيْهِ أَ ْرحَامُ الُنْثَيَيْنِ َأمْ كُنتُمْ ُ‬
‫ضلّ النّاسَ ِبغَيْرِ عِلْمٍ إِنّ اللّهَ لَ َي ْهدِي ا ْلقَوْمَ الظّاِلمِينَ }‬
‫َفمَنْ أَظَْلمُ ِممّنِ افْتَرَىا عَلَى اللّهِ َكذِبا لِ ُي ِ‬
‫[النعام‪.]144-143 :‬‬
‫حساب ذلك هو إثنان من الضأن‪ ،‬وإثنان من الماعز‪ ،‬وإثنان من البل‪ ،‬وإثنان من البقر أي ثمانية‬
‫أزواج‪ .‬ول يمكن حسابها على أنها ستة عشر كما قال البعض قديما‪ ،‬ل؛ إن الزوج ل يعني اثنين‬
‫من الشيء‪ ،‬ولكن الزوج واحد‪ ،‬ولكن يُشترط أن يكون مع غيره من جنسه‪ .‬ومثال آخر هو كلمة "‬
‫التوأم " ‪ ،‬إن التوأم هو واحدٌ معه غيره‪ ،‬وهما توأمان‪ ،‬وهم توائم إذا كان العدد أكثر من اثنين‪.‬‬
‫ن وَا ْلقَنَاطِيرِ‬
‫ش َهوَاتِ مِنَ النّسَا ِء وَالْبَنِي َ‬
‫حبّ ال ّ‬
‫والحق يقول في مجال زينة الشهوات‪ " :‬زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬
‫س ّومَةِ وَالَ ْنعَا ِم وَا ْلحَ ْرثِ " وحين تسمع كلمة " الْحَ ْرثِ "‬
‫ا ْل ُمقَنْطَ َرةِ مِنَ الذّ َهبِ وَا ْل ِفضّ ِة وَالْخَ ْيلِ ا ْل ُم َ‬
‫فافهم أن المراد بها هنا الزرع‪ ،‬ولكن ال سبحانه وتعالى يريد منك أن تعلم أن ال حين يُنبت لك‬
‫أشياء بدون معالجتك فإنه يريد منك أيضا أن َتسْتنبت أشياء بمعالجتك‪ ،‬وهذا ل يتأتى إل بعملية‬
‫الحرث‪.‬‬
‫والحرث هو إهاجة الرض؛ فالتربة تكون جامدة‪ ،‬فل بد أن يهيّجها النسان بالحرث‪ ،‬أي أن تفك‬
‫لصُقَ ذرات التربة ل يصلح أن يكون بيئة للنبات؛ لن النبات‬
‫لصُق ذراتها لن ت َ‬
‫يبوستها ‪ -‬وتَ َ‬
‫يحتاج إلى الماء ويحتاج إلى الهواء‪ ،‬ويحتاج من النسان أن يُمهد للشعيرات البسيطة أن تخرج‪،‬‬
‫وتجد تربة سهلة تتحرك فيها إلى أن تقوى‪.‬‬
‫إذن فالحرث يتثير الرض‪ ،‬ويجعلها ليّنة مُتفتتة حتى تستطيع البذرة أن تنمو؛ لن ال قد أودع في‬
‫فلقتي كل بذرة مقومات الحياة الى أن يوجب لها جذر يأخذ مقومات الحياة من الرض‪ ،‬وكلما‬
‫قوى الجذر في النبات فإن الفلقتين تضمحلن‪ ،‬وتصيران مجرد ورقتين‪ .‬فأين ذهب حجم الفلقتين؟‬
‫لقد قامت الفلقتان بتغذية النبتة إلى أن أستطاعت النبتة أن تتغذى بنفسها من الرض‪ ،‬ول يمكن‬
‫حدوث ذلك إل إذا كانت الرض محروثة‪ .‬ولذلك يقولون‪ :‬إن الرض الطينية السوداء تكون‬
‫صعبة‪ ،‬وغير خصبة‪ ،‬ويقال‪ :‬إن الرض الرملية أيضا غير خصبة‪ ،‬لماذا؟‪.‬‬
‫لننا نريد صفتين اثنتين في الرض‪ :‬الصفة الولى أن تكون الرض صالحة أن يتخللها الماء‬
‫ليشرب الزرع‪ ،‬والصفة الخرى ألّ تُسرب الماء بعيدا‪ ،‬فإذا كانت الرض طينية فإن جذور‬
‫الزرع تختنق وتتعفن‪ ،‬وإذا كانت رملية فإن الماء يتسرب بعيدا‪ ،‬لذلك نحتاج في الزراعة الى‬
‫أرض بين سوداء ورملية‪ ،‬أي أرض صفراء‪ .‬وال حين يتكلم عن الزرع فإنه يقول‪ " :‬ا ْلحَ ْرثِ "‬
‫وذلك حتى يلفتنا إلى أن من يريد أن يأخذ زرعا ل بد أن يجدّ ويحرث الرض‪ .‬وهو سبحانه‬
‫القائل‪َ {:‬أفَرَأَيْتُم مّا َتحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ َنحْنُ الزّارِعُونَ }[الواقعة‪.]64-63 :‬‬
‫وعبّر الحق عن الزرع بالحرث لنه السبب الذي يُوجِد الزرع‪ .‬وكل ما تقدم من الشهوات من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والنعام والحرث‪ ،‬كل ذلك‬
‫تكون قيمته عند النسان ما يوضحه الحق بقوله‪ " :‬ذاِلكَ مَتَاعُ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِنْ َدهُ حُسْنُ ا ْلمَآبِ‬
‫"‪.‬‬
‫إن كل ذلك هو متاع الحياة الدنيا‪ ،‬والفيصل هو أن النسان يخشى أن تفوته النعمة فل تكون عنده‪،‬‬
‫أو أن يفوتها فيموت‪ .‬وكل ما يفوتك أو تفوته‪ ،‬فل تعتز به‪ .‬وعندما نتأمل الية في مجموعها نجد‬
‫أن فيها مفاتيح كل شخصية تريد أن تنحرف عن منهج ال‪ ،‬إنه سبحانه يقول‪:‬‬
‫ب وَا ْل ِفضّةِ وَالْخَ ْيلِ‬
‫ن وَا ْلقَنَاطِيرِ ا ْل ُمقَنْطَ َرةِ مِنَ الذّ َه ِ‬
‫ش َهوَاتِ مِنَ النّسَا ِء وَالْبَنِي َ‬
‫حبّ ال ّ‬
‫} زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬
‫س ّومَ ِة وَالَ ْنعَا ِم وَالْحَ ْرثِ ذاِلكَ مَتَاعُ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِنْ َدهُ حُسْنُ ا ْلمَآبِ { [آل عمران‪]14 :‬‬
‫ا ْلمُ َ‬
‫هكذا نرى المفاتيح التي قد تجذب النسان لينحرف عن مراد ال في منهجه‪ ،‬إنه ‪ -‬سبحانه ‪-‬‬
‫يطلب من عبده المؤمن أن يبني حركة حياته على مراد ال‪ ،‬فما الذي يجعل المؤمن يترك مراد‬
‫ال من حكم لينصرف إلى حكم يناقضه؟‪.‬‬
‫ل شك أنه الهوى‪ ،‬والهوى هو الذي يُميل ويُزيغ القلوب‪ ،‬ولكل هوى مفتاح‪ ،‬ولكل شخصية من‬
‫المكلفين بمنهج ال مفتاح لهواه‪ ،‬فواحد مفتاحه النساء‪ ،‬وواحد مفتاحه البنون‪ ،‬يحب أن يرعاهم‬
‫رعاية تفوق َدخْلَه من عمل أو صناعة مثل فقد يسرق أو يرتشي ليسعد هؤلء‪ .‬وأناس مفاتيحهم‬
‫الشخصية المال‪ ،‬أو في زينة الخيل‪ ،‬والعدة والعتاد فلكل شخصية مفتاح هوى‪.‬‬
‫والذين يدخلون على الناس ليُزيّنوا لهم غير منهج ال يأتون لهم بالمفتاح الذي يفتح شخصياتهم‪،‬‬
‫فربما كان هناك إنسان ل تُغريه نظرة المرأة أو مليين الذهب إنما يتملكه حبه لولده وهو‬
‫الهوى الغلب‪.‬‬
‫إذن فكل واحد له مفتاح لشخصيته‪ ،‬والذين يريدون إغراء الناس وغوايتهم يعرفون مفاتيح من‬
‫يريدون إغراءه وإغواءه‪ .‬وحين يقول الحق أنَ هذه الشياء هي المُزَيّنة للناس‪ .‬قد يقول قائل‪ :‬إذا‬
‫كان ال يريد أن يصرفنا عن هذه الشياء فلماذا خلقها لنا؟‬
‫وعلى هذا القول نرد‪ :‬إن الحق مادام قد قال‪ } :‬زُيّنَ { وبناها ‪ -‬كما يقول النحاة ‪ -‬للمجهول إي‬
‫لما لم ُيسَمّ فاعله‪ ،‬فمن الذي زيّن؟ لقد كان ال قادرا أن يقول لنا من الذي زَيّن تلك الشياء‬
‫تحديدا‪ ،‬لكن الحق يريد أن يعلمنا أنه من الممكن أن يكون الشيطان هو الذي يُزيّن لنا هذه‬
‫الشياء‪ ،‬ومن الممكن أن يكون منطق المنهج هو الذي يزين‪ ،‬ألم يقل الحق سبحانه دعاء على‬
‫جعَلْنَا لِ ْلمُ ّتقِينَ ِإمَاما }‬
‫ن وَا ْ‬
‫لسان عباده الصالحين‪ {:‬رَبّنَا َهبْ لَنَا مِنْ أَ ْزوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُ ّرةَ أَعْيُ ٍ‬
‫[الفرقان‪.]74 :‬‬
‫إذن فما الفيصل في تلك المسألة؟ الفيصل في هذه المسألة أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل نعمة‬
‫من نعم الحياة عمل يعمله النسان فيها‪ ،‬فالمرأة إنما اتّخَذَت سكنا أي ارتياحا عندها‪ ،‬ارتياحا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكُمْ أَ ْزوَاجا‬
‫يعطيك كل الحنان والعطف‪ ،‬وهو سبحانه القائل‪َ {:‬ومِنْ آيَا ِتهِ أَنْ خَلَقَ َلكُم مّنْ أَنفُ ِ‬
‫ك ليَاتٍ ّلقَوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ }‬
‫ح َمةً إِنّ فِي ذَِل َ‬
‫ج َعلَ بَيْ َنكُم ّموَ ّد ًة وَرَ ْ‬
‫سكُنُواْ إِلَ ْيهَا وَ َ‬
‫لّتَ ْ‬
‫[الروم‪.]21 :‬‬
‫إن الحق يريد لنا أن يسكن الرجل إلى حلله‪ ،‬وتصرف المرأة الحلل عَيْ َنيْ زوجها عن أعراض‬
‫ظمُ‬
‫الناس‪ .‬لكن ماذا في الرجل الذي يُحب البناء؟ ألم يقل سيدنا زكريا‪ {:‬قَالَ َربّ إِنّي وَهَنَ ا ْلعَ ْ‬
‫خ ْفتُ ا ْل َموَاِليَ مِن وَرَآئِي َوكَانَتِ‬
‫شقِيّا * وَإِنّي ِ‬
‫مِنّي وَاشْ َت َعلَ الرّأْسُ شَيْبا وَلَمْ َأكُنْ بِدُعَآ ِئكَ َربّ َ‬
‫جعَلْهُ َربّ َرضِيّا }[مريم‪:‬‬
‫ب وَا ْ‬
‫امْرَأَتِي عَاقِرا َف َهبْ لِي مِن لّدُ ْنكَ وَلِيّا * يَرِثُنِي وَيَ ِرثُ مِنْ آلِ َي ْعقُو َ‬
‫‪.]6-4‬‬
‫لقد طلب زكريا عليه السلم وليّا يرثه‪ ،‬والنبياء ل تُورث منهم أموال‪ ،‬إنما يُورّثون العلم‬
‫والحكمة‪ ،‬إذن فقد طلب زكريا عليه السلم أن يرث ابنه الحكمة منه ويرث من آل يعقوب وأن‬
‫يجعله ال رضِيّا‪ .‬فلو كان النبياء يورّثون المال‪ ،‬لكان البعض قد فهم أن طلب زكريا للبن كي‬
‫يرثه في المال‪ ،‬لكن الحق أراد لنبيائه ألّ يُورّثوا المال‪ ،‬بل يورّثون العلم بمنهج ال‪ .‬وقد طلب‬
‫زكريا البن لتثبيت منهج ال في الرض‪.‬‬
‫وكذلك الذي يريد الموال لينفقها في سبيل ال‪ ،‬وكذلك الذي يريد الخيل ليروضها على الجهاد‪،‬‬
‫وكذلك الذي يريد الحرث ليمل بطون خلق ال بما يَط َعمُون منه‪ ،‬كل هؤلء ينالهم المدح والثناء‬
‫والجزاء الكثير من ال‪ .‬لذلك يجب أن نعلم أن الحكم يأتي من ال مُحتمل أن تتجه به إلى الخير‬
‫المراد ل‪ ،‬ومحتمل أن تتجه به إلى الشر المراد لنفسك‪ .‬وأنت ‪ -‬أيها العبد ‪ -‬حين تنظر إلى أي‬
‫شهوة من هذه الشهوات فلسوف تجد أنه من الممكن أن توجّهها وِجهة خير‪ .‬يقول الحق‪َ {:‬هبْ لَنَا‬
‫جعَلْنَا لِ ْلمُ ّتقِينَ ِإمَاما }[الفرقان‪.]74 :‬‬
‫ن وَا ْ‬
‫مِنْ أَ ْزوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُ ّرةَ أَعْيُ ٍ‬
‫لقد أراد ال للتقياء والنبياء أن يكون لهم من الذرية أبناء ليرثوا المنهج السلوكي ويكونوا مثل‬
‫طيبة للناس يقتدون بهم‪ .‬إذن فالمؤمن يحب أن تكون ذريته قدوة سلوكية‪ .‬والذي يحب الخيل يمكن‬
‫أن يوجه هذا الحب إلى الخير‪ ،‬ألم يقل رسول ال صلى ال عليه وسلم في الحديث الشريف‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ " :‬مِنْ خير معاش‬
‫الناس لهم رجل ممسك عِنَانَ فرسه في سبيل ال يطير على مَتنه كلما سمع هِ ْيعَة أو فَزْعةً طار‬
‫عليه يبتغي القتل والموت مَظَانّة "‪.‬‬
‫وقد أمرنا الرسول صلى ال عليه وسلم أن نُروّض الخيل‪ ،‬إذن فمن الممكن أن تكون هذه الشياء‬
‫مسارا للخير‪ .‬وإياكم أن تفهموا أن ال يزهدنا فيها أو ينفرنا منها‪ ،‬ولكنه يزهدنا أن نستعمل ما‬
‫خلقه لنا في غير مراده‪.‬‬
‫ولننظر إلى تعليق ال على الشياء المُزينة‪ " :‬ذاِلكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا " أي أن الذي ينظر الى هذه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الشياء المزينة نظرة تقليدية سطحية سيجدها مجرد متاع‪ ،‬وما عمر هذا المتاع؟ إنه موقوت‬
‫بالدنيا الفانية‪.‬‬
‫صعّدُ في عمله قيمة الخير‪ ،‬وتصعيد قيمة الخير يأتي من تنمية نوعه‪،‬‬
‫ولننظر إلى النسان عندما ُي َ‬
‫أي الزيادة في نوع الخير‪ ،‬ومن استدامته‪ ،‬ومن أن النسان ل يترك هذا الخير‪.‬‬
‫إذن فتصعيد الخير يأتي على عدة صور تبدأ من تنمية الخير نفسه‪ .‬واستدامة الخير فل ينقطع‪،‬‬
‫وضمان أن يحيا النسان للخير ويعيش له‪ ،‬وألّ يذهب الخير عنه‪ ،‬وأمر رابع هو ألّ تربط هذا‬
‫الخير بأغيار‪ ،‬أي أن تربطه بواحد قوى يأتي لك به‪ ،‬فقد يضعف‪ ،‬أو يمرض‪ ،‬أو يغيب‪ ،‬أو يغدر‬
‫بك‪.‬‬
‫إذن فل بد من أربعة عناصر‪ :‬الول‪ :‬تصعيد الخير‪ ،‬أي نوع الخير الذي تفعله يكون أرقى من‬
‫خير آخر‪ ،‬فنعمل دائما على زيادته وتنميته‪ .‬والثاني‪ :‬استدامة الخير‪ .‬والثالث‪ :‬أن تدوم أنت‬
‫للخير‪ ،‬وتحرص على أن تعيش له‪ ،‬والمر الرابع‪ :‬ألّ تربط هذا الخير بالغيار‪ .‬بل عليك أن‬
‫تعتمد على ال ثم على نفسك‪.‬‬
‫وكل خير يأتي دون هذا فهو خير غير حقيقي‪ .‬فإذا نظرت إلى شهوات النساء والمال والبنين‬
‫والخيل والنعام والحرث فإنها ستعطيك متاع الدنيا‪ .‬ولنسلم جدل أن شيئا لن يسلبك هذه الشياء‬
‫وأنت حيّ‪ ،‬وأنها ستظل معك طيلة دنياك‪ .‬فما قيمة الدنيا وهي مقاسة بآلف السنين‪ ،‬والنسان ل‬
‫يعيش فيها إل قدرا محددا من العوام يقرره الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫إذن فالدنيا تقاس بعمر النسان فيها ل بعمر ذات الدنيا لغيره‪ ،‬لن عمر الدنيا لغيرك ل يخصك‪.‬‬
‫هب أن هذه الشهوات من نساء ومال وبنين وخيل وذهب وفضة وحرث وأنعام وعدة وعتاد قد‬
‫دامت لك‪ ،‬فما الذي يحدث؟ إن الدنيا محدودة‪ .‬ول أحد يستطيع أن يستديم الدنيا‪ ،‬لذلك فلن يستطيع‬
‫أحد أن يستديم الخير لن عمره في الدنيا محدود‪.‬‬
‫وحياة النسان في الدنيا لم يضع ال لها حدا يبلغه النسان‪ .‬إن ال لم يحدد عمرا يموت فيه‬
‫النسان‪ ،‬ولكنْ لكل إنسان عمْر خاصّ محدود بحياته‪ ،‬فعندما يولد أي طفل ل تنزل معه بطاقة‬
‫تحدد عدد السنوات التي سوف يحياها في الدنيا‪.‬‬
‫وهو سبحانه قد جعل عدد سنوات الحياة مبهما لكل إنسان‪ ،‬ولذلك يقال إن البهام هو أعلى‬
‫درجات البيان‪ ،‬الحق أخفى توقيت الموت وسببه عن النسان‪ .‬متى يأتي؟ في أي زمان وفي أي‬
‫مكان؟ كل ذلك أخفاه فأصبح على المؤمن أن يكون مترقبا للموت في كل لحظة‪.‬‬
‫إن البهام للموت هو البيان الوافي‪ ،‬وما دامت الدنيا مهما طالت فهي محدودة وغير مضمونة‬
‫للنسان أن يحياها‪ ،‬ونعيمه فيها على قدر إمكاناته وقدرته‪ ،‬وإن لم تذهب الدنيا من النسان‬
‫فالنسان نفسه يذهب منها‪ .‬فإذا ما قارنت كل ذلك باسم الحياة التي نحياها الن‪ ،‬إنّ اسمها " الدنيا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" أي " السفلى " ومقابل " الدنيا " هو " العليا " وهي الحياة في الخرة‪.‬‬
‫ولماذا هي " عليا "؟ لنها ستصعد الخير‪.‬‬
‫فبعد انقضاء هذه الحياة المحدودة‪ ,‬يذهب المؤمن إلى الجنة وبها حياة غير محدودة‪ ،‬وهذا أول‬
‫تصعيد‪ .‬ويضمن المؤمن أن أكلها دائم ل ينقطع‪ .‬ويضمن المؤمن أنه خالد في الجنة فل يموت‬
‫فيها‪ .‬ويضمن المؤمن قيمة هذه الجنة؛ لن الخير إنما يأتي على مقدار معرفة الفاعل للخير‪.‬‬
‫ومعرفة النسان للخير جزئية محدودة‪ ،‬ومعرفة ال للخير كمال مطلق‪.‬‬
‫فالمؤمن في الخرة يتنعم في الخير على مقدار ما علم ال من الخير‪ .‬إذن فحياتنا هي الدنيا‪ ،‬أي‬
‫السفلى‪ ،‬وهناك الخرة العليا‪ .‬فإذا طلب المنهج منا ألّ ننخدع بالدنيا‪ ،‬وألّ ننقاد إلى المتاع فهل‬
‫هذا لون من تشجيع الحب للنفس أو تشجيع للكراهية للنفس؟‬
‫صعّد الخير لكل مؤمن‪ ،‬لقد بيّن المنهج أن‬
‫إنه منهج سماوي يقود إلى حب النفس؛ لنه يريد أن ُي َ‬
‫في الدنيا ألوانا من المتع هي كذا وكذا وكذا‪ ،‬والدنيا محدودة ول تدوم لنسان‪ ،‬ول يدوم إنسان‬
‫لها‪ ،‬وإمكانات النسان في النعيم الدنيوي محدودة على قدر النسان‪ ،‬أما إمكانات النعيم في الخرة‬
‫فهي على قدر قدرة الخالق المربي‪ ،‬فمن المنطقي جدا أن يقول ال لنا‪ } :‬ذاِلكَ مَتَاعُ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا‬
‫وَاللّهُ عِ ْن َدهُ حُسْنُ ا ْلمَآبِ {‪ .‬وحسن المآب تعني حسن المرجع‪.‬‬
‫والحق حينما طلب منك أيها المؤمن أن تغض بصرك عما ل يحل لك‪ ،‬فقد يظن النسان السطحي‬
‫أن في ذلك حجرا على حرية العين‪ ،‬ولكن هذا الغض للبصر أمر به ‪ -‬سبحانه ‪ -‬إنما ليمل العين‬
‫في الخرة بما أحل ال‪ ،‬إذن فهذا حب من ال للمخلوق وهذا تصعيد في الخير‪.‬‬
‫ولنفترض أن معك مبلغا قليل من المال وقابلت فقيرا مسكينا فآثرت أنت هذا الفقير على نفسك‪،‬‬
‫فأنت تفعل ذلك لتنال في الخرة ثوابا مضاعفا‪ .‬إذن فقضية الدين هي أنانية عالية سامية‪ ،‬ل أنانية‬
‫حمقاء‪ .‬ويوضح ال بعد ذلك حسن المآب بقوله سبحانه‪ُ } :‬قلْ َأؤُنَبّ ُئكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذاِلكُمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)406 /‬‬
‫ُقلْ َأؤُنَبّ ُئكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَِلكُمْ لِلّذِينَ ا ّت َقوْا عِ ْندَ رَ ّبهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ َتحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا‬
‫طهّ َرةٌ وَ ِرضْوَانٌ مِنَ اللّ ِه وَاللّهُ َبصِيرٌ بِا ْلعِبَادِ (‪)15‬‬
‫وَأَ ْزوَاجٌ ُم َ‬

‫وحين تسمع كلمة " أؤخبركم " فما نسمعه بعد ذلك كلم عادي‪ ،‬أما عندما نسمع " َأؤُنَبّ ُئكُمْ " فما‬
‫نسمعه بعدها هو خبر هائل ل يقال إل في الحداث العظام‪ ،‬فل يقول أحد لخر‪ :‬سأنبئك بأنك‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ستأكل كذا وكذا في الغداء‪ ،‬ولكن يقال " أنا أنبئك بأنك نلت جائزة كبرى " ‪ ،‬هذا في المستوى‬
‫عمّ يَتَسَآ َءلُونَ * عَنِ النّبَإِ ا ْل َعظِيمِ }‬
‫البشرى فما بالنا بال الخالق العلى‪ ،‬ولذلك يقول ال الحق‪َ {:‬‬
‫[النبأ‪.]2-1 :‬‬
‫إنه المر الذي يقلب كيان هذه الدنيا كلها‪ ،‬فحين يقول الحق‪ُ { :‬قلْ َأؤُنَبّ ُئكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذاِلكُمْ } فمعنى‬
‫ذلك أن ال يخبرنا بخبر من هذه الشياء‪ ،‬ومن ذلك نعرف أن ال قد جعل هذه الشياء مقياسا‪،‬‬
‫لماذا؟‬
‫لنه مقياس محس‪ ،‬وأوضح لنا كيفية التصعيد فقال‪ { :‬لِلّذِينَ ا ّت َقوْا عِندَ رَ ّب ِهمْ } والمؤمن هو من‬
‫ينظر بثقة إلى كلمة { عِندَ رَ ّبهِمْ } أي الرب المتولى التربية والذي يتعهد المربيَّ حتى يبلغه درجة‬
‫الكمال المطلوب منه‪.‬‬
‫والعندية هنا هي عند الرب العلى‪ .‬فماذا أعد المربي العلى للمتقين؟ لقد أعد لهم { جَنّاتٌ تَجْرِي‬
‫مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ } ولنر الخيرية في هذه الجنات‪ ،‬وهي تقابلٍ في الدنيا الحرث والزرع‪ ،‬وقد قلنا‪:‬‬
‫إن الحق حين تكلم عن الزرع تكلم واصفا له ب " الحرث " لنعرف أن الزرع يتطلب منا حركة‬
‫وعملً‪.‬‬
‫أما في الخرة فالجنات جاهزة ل تتطلب من المؤمن حركة أو تعبا‪ ،‬ول يقف المر عند ذلك‪ ،‬بل‬
‫إن هذه الجنات تجر من تحتها النهار وفيها للنسان المؤمن ما وعده ال به‪ { :‬خَالِدِينَ فِيهَا‬
‫طهّ َرةٌ } إنه الخلود الذي ل يفنى‪ ،‬ول يتركه النسان ول يترك هو النسانِ‪.‬‬
‫وَأَ ْزوَاجٌ مّ َ‬
‫والزواج المطهرة هي وعد من ال للمؤمنين‪ ،‬ومن يحب النساء في الدنيا يعرف أن المرأة في‬
‫خلًُقا‪ ،‬فهناك وقت ل يحب الرجل أن يقرب‬
‫الدنيا يطرأ عليها أشياء قد تنفر‪ ،‬إما خَلْقا تكوينيا‪ ،‬وإمّا ُ‬
‫فيه المرأة‪ ،‬وقد يكون فيها خصلة من الخصال السيئة فيكره النسان جمالها‪.‬‬
‫لذلك فالرجل قد ينخدع بالمنظر الخارجي للمرأة في الدنيا‪ ،‬وقد يقع النسان في هوى واحدة فيجد‬
‫طهّ َرةٌ } أي مطهرة من‬
‫فيها خصلة تجعله يكرهها‪ ،‬أما في الخرة فالمر مختلف‪ ،‬إنها { أَ ْزوَاجٌ مّ َ‬
‫كل عيب يعيب نساء الدنيا‪ ،‬فيأخذ المؤمن جمالها‪ ،‬ول يوجد فيها شرور الدنيا‪ ،‬فقد طهرها ال‬
‫منها‪.‬‬
‫طهّ َرةٌ } من الذي طهرها؟ إنه هو ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬طهرها خَلْقا َوخُلُقا‪ .‬فالرجل في‬
‫{ وَأَ ْزوَاجٌ مّ َ‬
‫الدنيا قد يهوى إمرأة‪ ،‬وتستمر نضارتها خمسة عشر عاما تستميله وتجذبه‪ ،‬ثم تبدأ التجاعيد‬
‫والترهل والتنافر‪ .‬أما في الخرة فالمرأة مطهرة من كل شيء‪ ،‬وتظل على نضارتها وجمالها إلى‬
‫البد‪ ،‬أليس هذا تصعيدا للخير؟ ونلحظ أن الحق سبحانه ذكر هنا أمرين‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬هو جنات تجري من تحتها النهار‪ ،‬ونقارن بينها وبين الحرث في الدنيا‪.‬‬
‫والمر الخر‪ :‬هو الزواج المطهرة‪ ،‬ونقارن بينها وبين النساء في الدنيا أيضا‪ ،‬ولم يورد الحق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي شيء عن بقية الشياء‪ ،‬فأين القناطير المقنطرة من الذهب؟ وأين الخيل؟ وأين النعام وأين‬
‫البنون؟‬
‫إننا نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل المرين المزينين‪ ،‬واحدا يستهل به الية‪ ،‬والمر الخر‬
‫ش َهوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ‬
‫حبّ ال ّ‬
‫يأتي في آخر الية‪ ،‬ولنقرأ الية التي فيها التزيين‪ } :‬زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬
‫س ّومَةِ وَالَ ْنعَا ِم وَا ْلحَ ْرثِ {‬
‫وَا ْلقَنَاطِيرِ ا ْل ُمقَنْطَ َرةِ مِنَ الذّ َهبِ وَا ْل ِفضّ ِة وَالْخَ ْيلِ ا ْل ُم َ‬
‫إن البداية هي النساء‪ ،‬ذلك هو القوس الول‪ ،‬والنهاية هي الحرث وذلك هو القوس الثاني‪ ،‬وبين‬
‫القوسين بقية الشياء المزينة‪ ،‬وقد أعطانا ال عوض القوسين‪ ،‬وأوضح لنا إنهما هما الخير‬
‫صعّد‪ ،‬ولم يورد بقية الشياء المزينة‪ ،‬وهذا يعني أن نفهم ذلك في ضوء أن الرزق ما به ان ُتفِعَ‪،‬‬
‫ا ْل ُم َ‬
‫أي أن كل ما ينتفع به النسان رزق‪ ،‬الخُلُق الطيب رزق‪ ,‬سماع العلم رزق‪ ،‬أدب النسان رزق‪،‬‬
‫حلم النسان رزق‪ ،‬صدق النسان رزق‪ ،‬ولكن الرزق يأتي مرة مباشرا بحيث تنتفع به مباشرة‪،‬‬
‫ومرة أخرى يأتي الرزق لكنه ل ينفع مباشرة‪ ،‬بل قد يكون سببا ووسيلة لما ينفع مباشرة‪.‬‬
‫مثال ذلك الخبز‪ ،‬إنه رزق مباشر‪ ،‬والنقود هي رزق‪ ،‬لكنها رزق غير مباشر؛ لن النسان قد‬
‫يكون جائعا وعنده جبل من الذهب فلو قال واحد لهذا النسان‪ :‬خذ رغيفا مقابل جبل من الذهب‪.‬‬
‫سيعطي النسان الجائع جبل الذهب مقابل الرغيف؛ لن النسان ل يأكل الذهب‪ ،‬وكذلك كوب‬
‫الماء بالنسبة للعطشان‪.‬‬
‫إذن فهناك رزق ل يطلب لذاته‪ ،‬ولكن يطلبه النسان لنه وسيلة لغيره فالوسيلة لغيره أنت لن‬
‫تحتاج إليها في الخرة؛ لنك ستعيش ببدل السباب بقول الحق‪ " :‬كن "‪ .‬فالنسان لن يحتاج في‬
‫الجنة إلى مال‪ .‬أو قناطير مقنطرة من الذهب والفضة؛ لن كل ما تشتهيه النفس ستجده‪ ،‬ولن‬
‫تحتاج في الخرة إلى خيل مسومة؛ لنك لن تجاهد عليها أو تتلذذ وتستأنس بركوبها‪.‬‬
‫وكل ما ل تحتاج إليه في الخرة من أشياء أعطاها لك ال في الدنيا لتسعى بها في السباب‪ ،‬ولم‬
‫يورده ال في قوله‪ُ } :‬قلْ َأؤُنَبّ ُئكُمْ ِبخَيْرٍ مّن ذاِل ُكمْ لِلّذِينَ ا ّتقَوْا عِندَ رَ ّبهِمْ جَنّاتٌ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا‬
‫ضوَانٌ مّنَ اللّ ِه وَاللّهُ َبصِيرٌ بِا ْلعِبَادِ { لم يوردها في النص‬
‫طهّ َر ٌة وَ ِر ْ‬
‫الَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَ ْزوَاجٌ مّ َ‬
‫الكريم‪ ،‬لن عطاء ال في الخرة بالرزق المباشر‪ ،‬أما الشياء التي يسعى بها النسان إلى الرزق‬
‫المباشر في الدنيا فلم يوردها لعدم الحاجة إليها في الخرة‪ ،‬فنحن نحب المال‪ ،‬ولماذا؟ لنه يحقق‬
‫لنا شراء الشياء‪ ،‬والخيل المسومة نحبها؛ لنها تحقق لنا القدرة على القتال والجهاد في سبيل ال‪.‬‬
‫والنعام؛ لتحقق لنا المتعة‪.‬‬
‫أما الجنة في الخرة فالمؤمن يجد فيها كل ما تشتهيه النفس‪ ،‬وكل ما يخطر ببال من يرزقه ال‬
‫الجنة سوف يجده؛ فالوسائط ل لزوم لها‪ .‬لذلك تكلم الحق عن الشياء المباشرة‪ ،‬فأورد لنا ذكر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجنات التي تجري من تحتها النهار‪ ،‬وذكر لنا الزواج المطهرة‪.‬‬
‫وعندما نتأمل قول الحق‪ُ } :‬قلْ َأؤُنَبّ ُئكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذاِلكُمْ { قد يقول قائل‪ :‬ألم يَكن من المنطق أن‬
‫يخبرنا الحق مباشرة بما يريد أن يخبرنا به‪ ،‬بدلً من أن يسألنا‪ :‬أيخبرنا بهذا الخير‪ ،‬أم ل؟‬
‫ونقول‪ :‬أنت لم تلتفت إلى التشويق بالسلوب الجميل‪ ،‬وحنان ال على خلقه‪ .‬إنه سبحانه وتعالى‬
‫يقول لنا‪ :‬أل تريدون أن أقول لكم على أشياء تفضل تلك الشياء التي تسيركم في الدنيا‪ .‬فكأن‬
‫الحق سبحانه وتعالى قد نبه من لم ينتبه‪ .‬ولم ينتظر الحق أن نقول له‪ :‬قل لنا يارب‪.‬‬
‫ل‪ ،‬إنه يقول لنا دون طلب منا‪ ،‬ويقال عن هذا السلوب في اللغة إنه " استفهام للتقرير " ‪،‬‬
‫فالنسان حين يسمع‪َ } :‬أؤُنَبّ ُئكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذاِلكُمْ { فالذهن ينشغل‪ ،‬فإن لم يسمع النبأ‪ ،‬فلسوف يظل‬
‫الذهن مشغولً بالنبأ‪ ،‬ويأتي الجواب على اشتياق فيتمكن من نفس المؤمن‪.‬‬
‫ويأتي النبأ } لِلّذِينَ ا ّت َقوْا { ‪ ،‬فعندما نمعن النظر في الشهوات التي تقدمت من نساء وبنين وقناطير‬
‫مقنطرة من ذهب وفضة وخيل مسومة وأنعام وحرث‪ ،‬أل يكون من المناسب فيها أن يتقي‬
‫النسان ربه في مجالها؟‬
‫إن التقوى ل في هذه الشياء واجبة‪ ،‬ولذلك قلنا من قبل قضية نرد بها على الذين يريدون أن‬
‫يجعلوا الحياة زهدا وانحسارا عن الحركة‪ ،‬وأن يوقفوا الحياة على العبادة في أمور الصلة‬
‫والصوم‪ ،‬وأن نترك كل شيء‪ .‬لهؤلء نقول‪ :‬ل؛ إن حركتك في الحياة تعينك على التقوى؛ لننا‬
‫عرفنا أن معنى التقوى هو أن يجعل النسان بينه وبين النار حجابا‪ ،‬وأن تجعل بينك وبين غضب‬
‫ربك وقاية‪ .‬فإذا ما أخذت نعم ال لتصرفها في ضوء منهج ال فهذا هو حسن استخدام النعم‪.‬‬
‫وقد أوضحت من قبل أن التقوى حين تأتي مرة في قول الحق‪ } :‬ا ّتقُواْ اللّهَ { وتأتي مرة أخرى }‬
‫ا ّتقُواْ النّارَ { فهما ملتقيان؛ فاتقاء النار حتى ل يصاب النسان بأذى‪ ،‬وعندما يتقي النسان ال فهو‬
‫يتقي غضب ال؛ لن غضب ال يورد العذاب‪ ،‬والعذاب من جنود النار‪ .‬إذن فالذين يتقون ال ل‬
‫يظنون أنهم زهدوا في هذه الحياة لذات الزهد فيها‪ ،‬ولكن للطمع فيما هو أعلى منها‪ ،‬إنه الطمع‬
‫في النعيم الخروي الدائم‪.‬‬
‫ويوضح الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك‪ :‬أنكم لن تتمتعوا في الخرة لضرورة الحاجة للمتعة‪،‬‬
‫بحيث إذا ما جاءت النعمة عليكم تفرحون بها‪ ،‬إن المر ل يقتصر على ذلك وإنما يتعداه إلى أنكم‬
‫ أيها المؤمنون ‪ -‬تحبون فقط أن تروا المنعم‪ ،‬فمادام المؤمن الذي يدخل الجنة يجد كل ما‬‫يشتهي بل إنه ل يشتهي شيئا حتى يأتيه‪ ،‬ويستمتع على قدر عطاء ال وقدراته‪.‬‬
‫وإذا لم يشته النسان ثمارا في الجنة أو نساء‪ ،‬ويصبح مشغولً برؤية ربه فإن مكانه جنة من‬
‫الجنان اسمها " عليّون " و " عليّون " هذه ليس فيها شيء مما تسمعه عن الجنة‪ ،‬ليس فيها ال أن‬
‫تلقى ال‪ .‬إن الرزق والنعم ليسا من أجل قوام الحياة في الجنة‪ ،‬بل إن النسان سيكون له الخلود‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيها؛ فالذي يحتاج إليه النسان هو رضوان من ال‪.‬‬
‫إن رضوانا من ال أكبر من كل شيء‪ .‬ولقد نبأنا ال بما في الجنات‪ ،‬ونبأنا بالخير من كل ذلك‪.‬‬
‫لقد نبأنا ال بأن رضوانه الكبر هو أن يضمن المؤمن أنْ يظفر برؤية ربّه‪ .‬وهذا ما يقول في‬
‫ال‪ {.‬وُجُوهٌ َي ْومَئِذٍ نّاضِ َرةٌ * إِلَىا رَ ّبهَا نَاظِ َرةٌ }[القيامة‪.]23-22 :‬‬
‫إذن فهناك في الجنة مراتب ارتقائية‪ .‬ويخبرنا الحق من بعد ذلك‪ } :‬وَاللّهُ َبصِيرٌ بِا ْلعِبَادِ { أي أن‬
‫ال سيعطى كل إنسان على قدر موقفه من منهج ربه‪ ،‬فمن أطاع ال رغبة في النعيم بالجنة يأخذ‬
‫جنة ال‪ ،‬ومن أطاع ال لن ذات ال أهل لن تطاع فإن ال يعطيه متعة ولذة النظر إليه ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬تقول رابعة العدوية في هذا المعنى‪:‬كلهم يعبدون من خوف نار ويرون النجاة حظا‬
‫جزيلًإنِنّي لست مثلهم ولهذا لست أبغي بمن أحب بديلوقالت أيضا‪ :‬اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك‬
‫خوفا من نارك فادخلني فيها‪ ،‬وإن كنت تعلم أني أعبدك طمعا في جنتك فاحرمني منها‪ ،‬إنما‬
‫أعبدك لنك تستحق أن تُعبد‪.‬‬
‫إذن فـ } اللّهُ َبصِيرٌ بِا ْلعِبَادِ { أي أنه سيعطي كل عبد على قدر حركته ونيته في الحركة؛ فالذي‬
‫أحب ما عند ال من النعمة فليأخذ النعمة ويفيضها ال عليه‪ .‬أما الذي أحب ال وإن سلب منه‬
‫النعمة‪ ،‬فإن ال يعطيه العطاء الوفى‪ ،‬وذلك هو مجال مباهاة ال لملئكته‪ ..‬ومن أقوى دلئل‬
‫اليمان وكماله‪ ..‬إيثار محبة ال ورسوله على كل شيء في الوجود‪:‬‬
‫عن أنس رضي ال عنه عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬ثلث من كن فيه وجد بهن حلوة‬
‫اليمان‪ :‬مّنْ كان ال ورسوله أحبّ إليه مما سواهما‪ ،‬وأن يحبّ المرءَ ل يحبه إل ل‪ ،‬وأن يكره‬
‫أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه ال منه كما يكره أن َيقَذف في النار " إن هناك العبد الذي يحب ال‬
‫لذاته؛ لن ذاته سبحانه تستحق أن تعبد‪ ،‬فذات ال تستحق العبادة؛ لنه الوهاب‪ ،‬الذي نظم لنا هذا‬
‫الكون الجميل‪.‬‬
‫إذن فقوله الحق‪ } :‬واللّهُ َبصِيرٌ بِا ْلعِبَادِ { يعني أن ال يعلم مقدار ما يستحق كل عابد لربه‪ ،‬وعلى‬
‫مقدار حركته ونيته في ربه يكون الجزاء‪ ،‬فمن عبد ال للنعمة أعطاه ال النعمة المرجوة في الجنة‬
‫ليأخذها‪ ،‬ومن أطاع ال لنه أهل لن يطاع وإن أخذت ‪ -‬بضم اللف وكسر الخاء ‪ -‬النعمة منه‬
‫فإن ال يعطيه مكانا في عليين‪.‬‬
‫ولذلك قيل‪ :‬إن أشد الناس بلء هم النبياء‪ ،‬ثم الولياء‪ ،‬ثم المثل فالمثل‪ .‬لماذا؟ لن ذلك دليل‬
‫صدق المحبة‪ .‬والنسان عادة يحب من يحسن إليه‪ ،‬ول يحب من تأتي منه الساءة إل إن كانت له‬
‫منزلة عالية كبيرة‪ .‬إنه مطمئن إلى حكمته‪ ،‬إنه ابتله ‪ -‬وهو يعلم صبره ‪ -‬ليعطيه ثوابا جزيل‬
‫وأجرا كبيرا‪ ،‬والحق يقول‪ُ {:‬قلْ إِ ّنمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثُْلكُمْ يُوحَىا إَِليّ أَ ّنمَآ إِلَـا ُهكُمْ إِلَـا ٌه وَاحِدٌ َفمَن كَانَ‬
‫ل صَالِحا وَلَ يُشْ ِركْ ِبعِبَا َدةِ رَبّهِ َأحَدَا }[الكهف‪.]110 :‬‬
‫عمَ ً‬
‫يَرْجُواْ ِلقَآءَ رَبّهِ فَلْ َي ْع َملْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد قال‪َ } :‬فمَن كَانَ يَ ْرجُواْ ِلقَآءَ رَبّهِ { ولم يقل جنة ربه وهكذا يجب أل تشغلنا النعمة ‪ -‬الجنة ‪-‬‬
‫عن المنعم وهو ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وإذا كان الحق قد طلب منا أل نشرك بعبادة ربنا أحدا فلنعلم‬
‫أن الجنة َأحَدٌ‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬الّذِينَ َيقُولُونَ رَبّنَآ إِنّنَآ آمَنّا‪{ ...‬‬

‫(‪)407 /‬‬
‫عذَابَ النّارِ (‪)16‬‬
‫غفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا َوقِنَا َ‬
‫الّذِينَ َيقُولُونَ رَبّنَا إِنّنَا َآمَنّا فَا ْ‬

‫إن قولهم‪ { :‬رَبّنَآ إِنّنَآ آمَنّا } هو أول مرتبة للدخول على باب ال‪ ،‬فكأن اليمان بال يتطلب رعاية‬
‫من الذي تلقى التكليف لحركة تفسه‪ ،‬لن اليمان له حق يقتضي ذلك‪ ،‬كأن المؤمن يقول‪ :‬أنا‬
‫ببشريتي ل أستطيع أن أوفى بحق اليمان بك‪ ،‬فيارب اغفر لي ما حدث لي فيه من غفلة‪ ،‬أو من‬
‫زلة‪ ،‬أو من كبر‪ ،‬أو من نزوة نفس‪.‬‬
‫وهذا الدعاء دليل على أنه عرف مطلوب اليمان كما أوضحه لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫في بيانه لمعنى الحسان حين قال‪ " :‬الحسان أن تعبد ال كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "‪.‬‬
‫كأن تستحضر ال في كل عمل؛ لنه يراك‪.‬‬
‫وهل يتأتى لواحد من البشر أن يجترئ على محارم من يراه بعينه؟ حينئذ يستحضر المؤمن ما‬
‫جاء إلينا من مأثور القول‪ ،‬فكأنه سبحانه وتعالى يوجه إلينا الحديث‪ :‬يا عبادي إن كنتم تعتقدون‬
‫أني ل أراكم‪ ،‬فالخلل في إيمانكم‪ .‬وكنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟‬
‫وكأن الحق سبحانه يقول للعبد‪ :‬هل أنا أقل من عبيدي؟ أتقدر أن تسيء إلى أحد وهو يراك؟ إذن‬
‫فكيف تجرؤ على الساءة لخالقك؟‬
‫غفِرْ لَنَا } دليل على أنهم علموا أن اليمان مطلوباته صعبة‪.‬‬
‫إن قول المؤمنين‪ { :‬إِنّنَآ آمَنّا فَا ْ‬
‫غفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } فلنر على ماذا رتبوا غفران الذنب؟ لقد رتبوا طلب‬
‫{ الّذِينَ َيقُولُونَ رَبّنَآ إِنّنَآ آمَنّا فَا ْ‬
‫غفران الذنب على اليمان‪ .‬لماذا؟ لنه مادام الحق سبحانه وتعالى قد شرع التوبة‪ ،‬وشرع المغفرة‬
‫للذنب‪ ،‬فهذا معناه أنه سبحانه قد علم أزل أن عباده قد تخونهم نفوسهم‪ ،‬فينحرفون عن منهج ال‪.‬‬
‫ويختم الحق سبحانه الية بقوله على ألسنة المؤمنين‪َ { :‬وقِنَا عَذَابَ النّارِ } لنه ساعة أن أعلم أن‬
‫الحق سبحانه وتعالى ضمن لي بواسع مغفرته أن يستر عليّ الذنب‪ ،‬فإن العبد قد يخجل من‬
‫ارتكاب الذنب‪ ،‬أو يسرع بالستغفار‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } بمعنى استرها يارب عنا فل تأتي لنا أبدا؟ وإن جاءت‬
‫ولماذا ل يكون قوله { فَا ْ‬
‫فهي محل الستغفار والتوبة‪ .‬فإذا أذنبت ذنبا‪ ،‬واستغفرت ربي‪ ،‬وعلمت أن ربي قد أذن بالمغفرة؛‬
‫غفّارا }[نوح‪.]10 :‬‬
‫لنه قال‪َ {:‬فقُ ْلتُ اسْ َتغْفِرُواْ رَ ّبكُمْ إِنّهُ كَانَ َ‬
‫فإن الوجل يمتنع‪ ،‬والخوف يذهب عني‪ ،‬وأقبل على ال بمحبة على تكاليفه وأحمل نفسي على‬
‫تطبيق منهج ال كله‪ .‬ولذلك حينما شرع ال الحق سبحانه وتعالى للخلق التوبة كان ذلك رحمة‬
‫أخرى‪ .‬وهذه الرحمة الخرى تتجلى في المقابل والنقيض‪.‬‬
‫هب أن ال لم يشرع التوبة وأذنب واحد ذنبا‪ ،‬وبمجرد أن أذنب ذنبا خرج من رحمة ال فماذا‬
‫يصيب المجتمع منه؟ إن كل الشرور تصيب المجتمع من هذا النسان لنه فقد المل في نفسه‪ ،‬أما‬
‫حينما يفتح ال له باب التوبة فإن ارتكب العبد ذنبا ساهيا عن دينه‪ ،‬فإن يرجع إلى ربه‪.‬‬
‫وتلك واقعية الدين السلمي‪ ،‬فليس الدين مجرد كلم يقال‪ ،‬ولكنه دين يقدر الواقع البشري‪ ،‬فإنه ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬يعلم أن العباد سيرتكبون الذنوب‪ ،‬فيرسم لهم أيضا طريق الستغفار‪ .‬وإذا ما ارتكب‬
‫العباد ذنوبا‪ ،‬فإن الحق يطلب منهم أن يتوبوا عنها‪ .‬وأن يستغفروا ال‪ .‬فإذا ما لذعتهم التوبة حينما‬
‫يتذكرون الذنب فإن هذه اللذعة كلما لذعتهم أعطاهم ال حسنة‪.‬‬
‫كأن غفران الذنب شيء‪ ،‬والوقاية من النار شيء آخر‪ .‬كيف؟ لنه ساعة أن يعلم العبد أن الحق‬
‫سبحانة وتعالى ضمن للعبد مغفرته‪ ،‬وهو الخالق المربي‪ ،‬فإن العبد يذهب إلى ال مستغفرا طامعا‬
‫في المغفرة والرحمة‪ .‬إنها دعوة المؤمنين إن كانوا قد نسوا أن يستغفروا لنفسهم‪ .‬لماذا؟ لن‬
‫الستغفار من الذنب تكليف من ال‪ .‬وكما قلنا‪ :‬إن النسان قد ينسى بعضا من التكاليف‪ ،‬لذلك فمن‬
‫عذَابَ النّارِ {‪.‬‬
‫الممكن أن يسهو عن الستغفار‪ ،‬ولذا يقول الحق على ألسنة عباده المؤمنين‪َ } :‬وقِنَا َ‬
‫ومعنى التقوى أن تجعل بينك وبين النار وقاية‪ ،‬أو تجعل بينك وبين غضب ربك وقاية‪ ،‬فإذا ما‬
‫أخذت النعم من ال لتصرفها في منهج ال تكون حسنة لك‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن " اتقوا ال " و " اتقوا النار "‬
‫ملتقيتان‪ ،‬لن معنى " اتقوا النار " كي ل تصيبكم بأذى‪ " ،‬اتقوا ال " تعني أن نضع بيننا وبين‬
‫غضب ال وقاية‪ ،‬لن غضب ال سيأتي‪.‬‬
‫ن وَا ْلمُنْ ِفقِينَ‪{ ....‬‬
‫ن وَا ْلقَانِتِي َ‬
‫ن وَالصّا ِدقِي َ‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬الصّابِرِي َ‬

‫(‪)408 /‬‬
‫سحَارِ (‪)17‬‬
‫ن وَا ْلقَانِتِينَ وَا ْلمُ ْن ِفقِينَ وَا ْلمُسْ َت ْغفِرِينَ بِالْأَ ْ‬
‫ن وَالصّا ِدقِي َ‬
‫الصّابِرِي َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذه كلها صفات للذين اتقوا ال‪ ،‬وأعد ال لهم جنات تجري من تحتها النهار‪ ،‬والزواج‬
‫المطهرة‪ ،‬ورضوان من ال أكبر‪ ،‬وهم صابرون وصادقون وقانتون ومنفقون في سبيل ال‪،‬‬
‫ومستغفرون بالسحار‪.‬‬
‫وصابرون على ماذا؟ إنهم صابرون على تنفيذ تكاليف ال‪ ،‬لننا أول ما نسمع عن التكليف فلنعلم‬
‫أن فيه كلفة ومشقة‪ ,‬والتكاليف الشرعية فيها مشقة لنها قيدت حرية العبد‪.‬‬
‫لقد خلقك الحق خلقا صالحا لن تفعل كذا أو ل تفعل‪ .‬فساعة يقول لك‪ :‬افعل‪..‬فإنه قد سد عليك‬
‫باب " ل تفعل " وساعة يقول لك الحق‪ :‬ل تفعل فإنه يكون قد سد عليك باب " افعل " ‪ ،‬وهكذا‬
‫يكون تقييد حركتك وتقييد المخلوق على هيئة الختيار فيه مشقة‪ ،‬فإذا ما جاء أمر ال بـ " افعل "‬
‫فقد يكون الفعل في ذاته شاقا‪ ،‬فإن صبرت على مشقة الفعل الذي جاء بوساطة " افعل " فأنت‬
‫صابر‪ ،‬لنك صبرت على الطاعة‪..‬وقد تصبر عن المعصية‪ ،‬عندما يلح عليك شيء فيه غضب‬
‫ال فترفض أن ترتكب الذنب‪ ،‬فتكون قد صبرت عن ارتكاب الذنب‪.‬‬
‫إذن ففي " افعل " صبر على مشقتها‪ ،‬وفي " ل تفعل " صبر عنها‪ ،‬فالصابرون لهم اتجاهان اثنان‪،‬‬
‫لن التكليف إما أن يكون بافعل‪ ،‬وإما أن يكون بل تفعل‪ .‬فساعة يأتي التكليف بافعل فقد تأتي‬
‫المشقة‪ ..‬وعندما تنفذ التكليف بافعل فأنت قد صبرت على المشقة‪ ..‬وعندما يأتي التكليف بـ " ل‬
‫تفعل " كأمر الحق بعدم شرب الخمر‪ ،‬أو " ل تسرق " فأنت قد صبرت عنها‪ ..‬إذن فـ " افعل "‬
‫ي التكليف‪ ،‬وبقيت بعد ذلك أحداث ل تدخل في نطاق افعل ول‬
‫ول " تفعل " قد استوعبت َنوْعَ ْ‬
‫تفعل‪ ،‬وهي ما ينزل عليك نزول قدريا بدون اختيار منك بل هي القهرية والقسرية‪.‬‬
‫فساعة أن يطلب منك أن تفعل‪ ،‬أي إنه قد خلقك صالحا أل تفعل كما قلنا من قبل‪ .‬إلّ إن كنت‬
‫مجبرا على الفعل فقط‪ .‬وكذلك إذا قال لك الحق‪ " :‬ل تفعل "‪ .‬والشيء القدرى الذي ل صلحية‬
‫فيه للختيار ماذا يفعل فيه المؤمن؟ إنه يصبر على اللم والمتاعب لنه آمن بال ربا‪ ،‬والرب هو‬
‫الذي يتولى تربية المربي لبلوغه حد الكمال المنشود له فإذا جاء لك الحق بأمر ل خيار لك فيه‪،‬‬
‫كالمرض أو الكوارث الطارئة‪ ،‬كوقوع حجر من أعلى أو إصابة برصاصة طائشة‪ ،‬فكل ذلك هي‬
‫أمور ل دخل لـ " افعل " ول " تفعل " فيها‪.‬‬
‫وهناك يكون الصبر على مثل هذه المور هو اليمان بحكمة من أجراها عليك‪ .‬لن الذي أجراها‬
‫رب‪ ،‬وهو الذي خلقني فأنا صنعته‪.‬‬
‫وما رأينا أحدا يفسد صنعته أبدا‪ .‬فإذا ما جاء أمر على النسان بدون اختيار منه‪ ،‬فالذي أجراه له‬
‫فيه حكمة‪ ,‬فإن صبر النسان على هذه اللم فإنه يدخل في باب الصابرين‪.‬‬
‫إذن فالصابرون أنواع هم‪ :‬صابر على الطاعة ومشاقها‪ ،‬صابر على المعاصي ومغرياتها‪ ،‬وصابر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على الحداث القدرية التي تنزل عليه بدون اختيار منه‪ .‬وإذا رأيت إنسانا قد صبر على أمر‬
‫الطاعة وصبر عن شهوة المعصية وصبر على القدار النازلة به‪ ،‬فاعرف حبه لربه ورضاه عنه‪.‬‬
‫ونأتي بعد ذلك لوصف آخر يقول ال فيه‪ } :‬الصّابِرِينَ { } وَالصّا ِدقِينَ {‪.‬‬
‫والصدق كما نعلم يقابله الكذب‪ ،‬والصدق كما نعرف حقيقته‪ :‬يأتي حين توافق النسبة الكلمية التي‬
‫يتكلم بها النسان‪ ،‬النسبة الخرى الخارجية الواقعة في الكون‪.‬‬
‫فإن قلت‪ " :‬حصل كذا وكذا " فتلك نسبة كلمية صدرت من متكلم‪ ،‬فإن وافقها الواقع بأنه حصل‬
‫كذا وكذا فعل يكون المتكلم صادقا‪ .‬وإن لم يكن الواقع موافقا لحدوث ما أخبر به يكون المتكلم‬
‫كاذبا‪ .‬لماذا؟ لن كلم المتكلم العاقل ل بد له من نسب ثلث‪:‬‬
‫الولى وهي النسبة الذهنية‪ :‬فقبل أن أتكلم أعرض المر على ذهني‪ ،‬وذهني هو الذي يعطي‬
‫الشارة للساني ليتكلم‪ ،‬هذه هي النسبة الولى واسمها " نسبة الذهن "‪ .‬وقد يعن لي أن تأتي النسبة‬
‫الذهنية ثم أعدل عنها فل أتكلم‪ ،‬فتكون النسبة الذهنية قد وُجِدت‪ ،‬والنسبة الكلمية لم توجد‪.‬‬
‫وقد أصر على أن أبرز إشارة ذهني على لساني فأقول النسبة الكلمية‪ .‬ونأتي بعد النسبة الكلمية‬
‫لنرى‪ :‬هل الواقع أن ما حدث وتحدثت به وقع أم لم يقع؟ فإن كان قد وقع‪ ،‬يكون الكلم مني‬
‫صدقا‪ .‬وإن لن يكن قد وقع‪ ،‬وكانت النسبة الخارجية على عكس ما أخبرت به‪ .‬فإننا نقول‪ " :‬هذا‬
‫كلم كذب " إذن‪ :‬فالصدق‪ :‬هو أن تطابق النسبة الكلمية الواقع‪ .‬والكذب‪ :‬هو أل تطابق النسبة‬
‫الكلمية الواقع وكثيرا ما يخطىء الناس في فهم الواقع فيجدون تناقضا في بعض الساليب‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ ،‬حينما تعرض بعض المستشرقين لقول الحق سبحانه وتعال‪ {:‬إِذَا جَآ َءكَ ا ْلمُنَافِقُونَ قَالُواْ‬
‫شهَدُ إِ ّنكَ لَرَسُولُ اللّهِ }[المنافقون‪ ]1 :‬تلك نسبة كلمية صدرت منهم‪ ،‬فهل هي مطابقة للواقع أم‬
‫نَ ْ‬
‫هي مخالفة له؟ إنها مطابقة للواقع‪ .‬ويؤكد الحق ذلك بقوله‪ {:‬وَاللّهُ َيعَْلمُ إِ ّنكَ لَرَسُولُهُ }[المنافقون‪:‬‬
‫‪.]1‬‬
‫ش َهدُ إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ َلكَاذِبُونَ }[المنافقون‪.]1 :‬‬
‫بعد ذلك يقول الحق سبحانة‪ {:‬وَاللّهُ يَ ْ‬
‫فقيم كذب المنافقون؟ هل كذبوا في قولهم‪ } :‬إِ ّنكَ لَرَسُولُ اللّهِ {؟ ل‪ .‬إن الحق لم يكذبهم في‬
‫قولهم‪ } :‬إِ ّنكَ لَ َرسُولُ اللّهِ {؛ لن ال قد أيد هذه الحقيقة بقوله } وَاللّهُ َيعَْلمُ إِ ّنكَ لَرَسُولُهُ {‪.‬‬
‫شهَدُ إِ ّنكَ لَرَسُولُ اللّهِ {‪ .‬لقد كذبهم‬
‫ولكن كذبهم ال فيما سها عنه المستشرق الناقد عندما قالوا‪ } :‬نَ ْ‬
‫ال في شهادتهم‪ ،‬ل في المشهود به‪ ،‬وهو أن محمدا صلى ال عليه وسلم رسول من ال‪ ،‬إن ال‬
‫يعلم أن محمدا رسوله المبعوث منه رحمة للعالمين‪ ،‬لكن الكذب كان في شهادتهم هم‪.‬‬
‫إن كلم المنافقين مردود من ال‪ .‬لماذا؟ لن الشهادة تعني أن يواطئ اللسان القلب ويوافقه‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬شهادة ل توافق قلوبهم وتعنى كذبهم‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالتكذيب هو لشهادتهم‪ ،‬فلو قالوا‪ } :‬إِ ّنكَ لَرَسُولُ اللّهِ { دون " نشهد " لكان قولهم‪ :‬قضية "‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سليمة "‪ .‬ولذلك كان تكذيب ال لشهادتهم‪ ،‬ومن هنا ندرك السر في قول ال‪ } :‬وَاللّهُ َيعْلَمُ إِ ّنكَ‬
‫لَرَسُولُهُ {‪ .‬إن الحق يؤكد المر المشهود به وهو بعث محمد رسول من عند الحق‪ ،‬وبعد ذلك يأتي‬
‫لنا الحق بشهادته إن المنافقين كاذبون في قولهم‪ " :‬نشهد "‪ .‬فالصدق أن تطابق النسبة الكلمية‬
‫الواقع‪ .‬والصدق ‪ -‬كما قلنا من قبل ‪ -‬حق‪ ،‬والحق ل يتعدد‪ ،‬وضربت من قبل المثل بأن النسان‬
‫الذي نطلب منه أن يروي واقعة شهدها بعينيه‪ ،‬وأن يحكيها بصدق لن يتغير كلمه أبدا‪ ،‬مهما‬
‫تكرر القول؛ أو عدد مرات الشهادة‪ .‬لكن إن كانت الواقعة كذبا‪ ،‬فالراوي تختلط عليه أكاذيبه‪،‬‬
‫فيروي الواقعة بألوان متعددة ل اتساق فيها‪ ،‬وقد ينسي الراوي الكاذب ماذا قال في المرة الولى‪،‬‬
‫وهكذا ينكشف سر الكذب‪ .‬لكن الراوي عن واقع مشهود وبصدق‪ ،‬هو الذي يحكى‪ ،‬وهو الذي ل‬
‫تختلف رواياته في كل مرة عن سابقتها بل تتطابق‪.‬‬
‫فعندما نقول‪ " :‬إن زيدا مجتهد " ‪ ،‬فهذا يعني أن اجتهاد زيد قد حدث أول‪ ،‬ثم يأتي في ذهن من‬
‫رأى اجتهاد زيد أن يخبر بأمر اجتهاده‪ ،‬ثم يخبر بالكلم عن اجتهاد زيد‪ .‬إن المر الخارج وهو‬
‫اجتهاد زيد قد حدث أول‪ ،‬وبعد ذلك تأتي النسبة الذهنية‪ ،‬وبعد ذلك تأتي النسبة الكلمية‪.‬‬
‫ولكن النشاء وهو ضد الخبر‪ ،‬هو أن نطلب من واحد أن ينشئ أمرا ل واقع له‪ ،‬كأن نقول‬
‫لواحد‪ :‬اجتهد‪ .‬إننا قبل أن نقول لنسان ما‪ " :‬اجتهد " فمعنى ذلك أن الجتهاد كان أمرا في ذهن‬
‫القائل‪ ،‬وعندما ينطقها تصبح " نسبة كلمية "‪ .‬وبعد ذلك يحدث الواقع‪ ،‬بعد النسبة الذهنية‪،‬‬
‫والنسبة كلمية‪ ،‬وهذا هو النشاء‪.‬‬
‫إن النشاء الطلبي يعني أن تحدث النسبة الخارجية بعد النسبة الكلمية‪ .‬والصادقون هم الذين أراد‬
‫ال أن يمدحهم‪ ،‬لماذا؟ وأين هو مجال صدقهم؟ إنهم الذين تتطابق حركتهم مع منهج ال‪ ،‬لنهم‬
‫حين قالوا‪ " :‬ل إله إل ال " ‪ ،‬وآمنوا به‪ ،‬فهم قد التزموا بكل مطلوبات اليمان قدر الطاقة‪.‬‬
‫ومعنى " ل إله إل ال " أي ل معبود إل ال‪ .‬ومعنى إل ال أي أنه ل طاعة إل ل‪.‬‬
‫والطاعة ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬هي امتثال أمر‪ ،‬وامتثال نهي‪.‬‬
‫إذن فمجال " ل إله إل ال " يشمل أنه ل معبود بحق إل ال‪ ،‬ول مُطاع في تكليفه إل ال‪ ،‬ول‬
‫امتثال لمر أو لنهي إل للمر القادم من ال؛ فإن امتثال إنسان المر من ال بعد قوله‪ " :‬ل إله إل‬
‫ال " كان هذا النسان صادقا في قوله‪ " :‬ل إله إل ال "‪.‬‬
‫وهذا هو صدق القمة‪ ،‬أن تكون كل تصرفات قائل‪ " :‬ل إله إل ال " متطابقة مع هذا القول‪.‬‬
‫والمؤمن الحق هو من يبني كل تصرفاته موافقة لمنهج ال‪ .‬هذا هو النسان الصادق‪ .‬أما الذي‬
‫يقول بلسانه‪ " :‬ل إله إل ال‪ ،‬ل معبود بحق إل ال " ثم يخالف ربه بعصيانه له‪ ،‬لنا أن نقول له‪:‬‬
‫أنت كاذب في قولك " ل إله إل ال " لماذا؟ لنه لم يطابق النسبة التي قالها‪ .‬إن هذا النسان إذا‬
‫آمن بأي تكليف ثم فعل ما يناقضه قلنا له‪ :‬أنت منافق‪ ،‬لماذا؟ لننا عندما تكلمنا في أول سورة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البقرة عن المنافقين قلنا‪ :‬إن المؤمن حين يؤمن بال يكون صادقا مع نفسه؛ لنه قال‪ " :‬ل إله إل‬
‫ال " وهو مؤمن بها‪ ،‬والكافر حين ينكر اللوهية يكون صادقا مع نفسه أيضا‪.‬‬
‫أما المنافق فهو ل يصدق مع نفسه‪ ،‬ول يصدق مع الناس‪ ،‬إنه مذبذب بين هؤلء وهؤلء‪ .‬إن‬
‫المنافق بل صدق مع النفس‪ ،‬ولذلك يصفهم الحق‪ {:‬مّذَ ْبذَبِينَ بَيْنَ ذاِلكَ لَ إِلَىا هَـاؤُل ِء َولَ إِلَى‬
‫هَـاؤُلءِ }[النساء‪.]143 :‬‬
‫إن الكافر له صدق مع النفس فهو ل يقول‪ " :‬ل إله إل ال " لنه ل يعتقدها‪ .‬أما المنافق فقد قال‪" :‬‬
‫ل إله إل ال " وهي غير مطابقة لسلوكه‪ ،‬لذلك يكون غير صادق مع نفسه‪ ،‬وغير صادق مع‬
‫ربه‪ .‬إذن‪ ،‬فقول الحق‪ } :‬وَالصّا ِدقِينَ { مقصود به هؤلء الناس الذين يأتون في كل حركاتهم‬
‫صادرين عن منهج ال‪ ،‬فل يؤمنون بقضية‪ ،‬ويفعلون أخرى‪ .‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪{:‬‬
‫ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ َتقُولُونَ مَا لَ َت ْفعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتا عِندَ اللّهِ أَن َتقُولُواْ مَا لَ َتفْعَلُونَ }[الصف‪:‬‬
‫‪.]3-2‬‬
‫أي أنه حين يكون القول شيئا مختلفا عن الفعل‪ ،‬ل تتطابق النسبة‪ .‬فالصادقون هم الذين يصدقون‬
‫في سلوكهم مع كلمة التوحيد في كل ما تتطلبه هذه الكلمة من هذه السلسة‪ " :‬ل إله إل ال ل‬
‫معبود بحق إل ال " أي ل مطاع في أمر أو نهي إل ال‪ ،‬فإن جئت وطاوعت أحدا في غير ما‬
‫شرع ال يحق للمؤمنين أن يقولوا لك‪ :‬أنت كاذب في قولك‪ " :‬ل إله إل ال "‪.‬‬
‫" فعن أبي هريرة رضي ال عنه‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬ل يزني الزاني حين‬
‫يزني وهو مؤمن‪ ،‬ول يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ول يشرب الخمر حين يشربها وهو‬
‫مؤمن "‪.‬‬

‫هذا هو سمو اليمان عند المؤمن‪ ،‬إن المؤمن ل يمكن أن يكذب أو يخالف مقتضيات عقيدته؛ لن‬
‫المؤمن في كل تصرفاته خاضع ليمانه بأنه ل إله إل ال‪.‬‬
‫ثم يقول الحق‪ } :‬وَا ْلقَانِتِينَ { والقانت‪ :‬هو العابد بخشوع وباطمئنان وباستدامة‪ .‬والقانت صادق مع‬
‫نفسه‪ ،‬لماذا؟ لن الحق سبحانه وتعالى حين يكلف عباده تكليفا‪ ،‬فقد يكلفهم بشيء يعز على أفهامهم‬
‫أن تدرك حكمته‪.‬‬
‫وأقبل القانتون من العباد على هذا التكليف؛ لن الذي أمرهم به إله قادر‪ ،‬فهم يثقون في حكمته‬
‫فأدّوا المر الصادر إليهم لنهم خاضعون لحكمة ال‪.‬‬
‫إنهم منفذون للمر القادم من المر ل لعلة المر‪ .‬وبعد أن يصنعوا ذلك؛ يريهم ال نورانية هذا‬
‫جعَل ّلكُمْ فُ ْرقَانا وَ ُي َكفّرْ‬
‫الحكم بأن يعطيهم فرقانا في أنفسهم‪ {:‬يِا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِن تَ ّتقُواْ اللّهَ يَ ْ‬
‫ضلِ ا ْلعَظِيمِ }[النفال‪.]29 :‬‬
‫عَنكُمْ سَيّئَا ِت ُك ْم وَ َيغْفِرْ َلكُمْ وَاللّهُ ذُو ا ْل َف ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيقول المؤمن منهم لنفسه بعد أن يرى هذا الفرقان‪ :‬إن ال قد أراد لي بهذا المر أن أدرك حلوة‬
‫طاعة هذا المر‪ ،‬لذلك قال أحد العارفين بال‪:‬‬
‫إن كنت تريد أن تعلم عن ال حكما كلفك ال به دون أن تعلم علته فاتق ال فيه‪ ،‬وحين تتقي ال‬
‫في هذا المر‪ ،‬فإنك تجد الحكمة مستنيرة في ذهنك‪ ،‬ولذلك يقول ال‪ {:‬وَا ّتقُواْ اللّ َه وَ ُيعَّل ُمكُمُ اللّهُ‬
‫شيْءٍ عَلِيمٌ }[البقرة‪.]282 :‬‬
‫وَاللّهُ ِب ُكلّ َ‬
‫فكأنك قبل التقوى لم يعلمك ال‪ ،‬أما بعد التقوى فإن ال يعلمك‪ ،‬فتقبل على تنفيذ التكليف لتلمس‬
‫إشارة في نورانية نفسك‪ ،‬وهذا هو الفارق بين المر من المساوى‪ ،‬والمر من العلى‪ .‬وعندما‬
‫ترتقي كلمة " العلى " ‪ ،‬فإنها ل تنطبق إل على العلى المطلق وهو ال‪ ،‬لنه العلى في‬
‫الحكمة‪ ،‬والعلى في المنزلة‪ ،‬والعلى في المكانة‪ ،‬والعلى في الربوبية‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالنسان ل يطلب علة حكم إل من مساو له‪ ،‬فإن قال لك أحد من البشر‪ :‬افعل الشيء‬
‫الفلني‪ .‬فإنك تسأله‪ :‬لماذا؟ فإن أقنعك‪ ،‬فأنت تقوم بالفعل‪ .‬وتكون قد قمت بتنفيذ هذا الفعل؛ لن‬
‫المساوى لك قد أقنعك بالحكمة ل بالطاعة له‪.‬‬
‫ولكن عندما يصدر المر من العلى وهو الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فإنك أيها العبد المؤمن تنفذ المر‬
‫فورا عشقا في طاعته‪ .‬والمثال الذي أضربه للتقريب ل للتشبيه‪ ،‬فال العلى‪ ،‬وهو منزه عن كل‬
‫شبيه‪ ،‬إن الب يقول للبن في حياتنا اليومية‪ :‬إن نجحت في المدرسة فسأحضر لك هدية هي‬
‫الدّراجة‪ .‬فهل معنى ذلك أن علة الذهاب إلى المدرسة هي الحصول على الدراجة كهدية؟ ل‪،‬‬
‫ليست هذه هي العلة‪ ،‬إن العلة عند الب هي أن يتعلم البن ويتفوق في حياته‪ ،‬ويكبر‪ ،‬وعند ذلك‬
‫يدرك العلة‪ ،‬ويقول لنفسه‪ :‬لقد كان أبي على حق‪.‬‬
‫إذا كان هذا يحدث في الحياة بيننا نحن البشر‪ ،‬فكيف لنا بطاعة المر الصادر من ال؟ إن الحق‬
‫سبحانه وتعالى حين يكلف العبد تكليفا‪ ،‬فإن العبد قد يجد مشقة في فهم العلة‪ .‬والعبد المؤمن يعرف‬
‫أن الرضوخ لتكليف الحق إنما هو خضوع للمر العلى‪.‬‬
‫إن العبد المؤمن يعرف أنه آمن بمن هو أعلى منه وأعلى من كل كائن‪ ،‬ول يساويه أحد‪ ،‬إن العبد‬
‫المؤمن يعرف أنه آمن أول بأن ال هو الله الواحد ‪ -‬سبحانه ‪ -‬له مطلق الحكمة‪ ،‬وله القوة وله‬
‫كل شيء في الكون‪ ،‬وسبق أن ضربت المثل ‪ -‬ول المثل العلى‪.‬‬
‫إن النسان قد يمرض‪ ،‬وصحة النسان أثمن شيء عنده‪ ،‬فيفكر في الذهاب إلى طبيب‪ ،‬ويقول له‪:‬‬
‫إنني أتعب من معدتي‪ ،‬أو من قلبي أو من أمعائي‪ .‬إنه يحدد ما يشكو منه‪ .‬وعقل النسان هو الذي‬
‫هداه إلى الطبيب الذي يشخص العلة‪ ،‬وبعد ذلك يأخذ المريض من الطبيب ورقة مكتوبا فيها‬
‫الدوية اللزمة‪ .‬إن النسان يتناول كل دواء من هذه الدوية دون أن يسأل الطبيب عن حكمة كل‬
‫دواء؛ لنه لو سأل عن ذلك فهذا معناه الدخول في متاهة كيماوية‪ ،‬فإن سأل أي إنسان ذلك‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المريض‪ :‬لماذا تأخذ هذا الدواء؟ فيجيب المريض‪ :‬لن الذي كتب لي هذا الدواء هو الطبيب‬
‫المختص بعلج المعدة‪ ،‬أو القلب‪ ،‬أو المعاء أو أي عضو يشكو منه النسان‪.‬‬
‫والطبيب قد يخطىء‪ ،‬إنما حكم ال ل يخطئ أبدا‪ ،‬فهو جل شأنه منزه عن الخطأ تماما‪ .‬إن الحكمة‬
‫تكون عند الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬وعندما ينفذ المؤمن مطلوب ال فإنه يدرك آثار الحكمة الربانية‬
‫في نفسه‪ .‬وكلمة " قانتين " كما عرفنا هي وصف لمن يعيشون القنوت‪ ،‬والقنوت هو عباده مع‬
‫خضوع‪ ،‬وخشوع واستدامة‪ .‬لماذا الخضوع‪ ،‬والخشوع؟‬
‫لن ال جل وعل لم يشرع العبادة لينفذها النسان‪ ،‬وينقذ نفسه من عذاب النار‪ ،‬ل؛ إننا نرى‬
‫كثيرا من الناس ‪ -‬إذا ما ل حظنا واقع الحياة ‪ -‬إذا وجدوا رئيسا قوى الشكيمة وقوانينه صارمة‬
‫في أن الموظفين تحت يده يجب أن يحضروا صباحا في الميعاد المحدد‪ ،‬وأن ينصرفوا في الميعاد‬
‫المحدد‪ ،‬ول يسمح لهم بالشتغال بغير العمل‪ ،‬فل يشربون الشاي‪ ،‬ول يقرأون الصحف ول‬
‫يقابلون الصدقاء‪ ،‬وغير ذلك من العمال‪ .‬ويأتي واحد من الموظفين فيقول عن هذا الرئيس " إنه‬
‫شديد المراس‪ ،‬ولذلك فليس له عندي إل أن أحضر في الثامنة إل خمس دقائق‪ ،‬ولن أنصرف إل‬
‫في الثانية وخمس دقائق‪ ،‬ولن أقرأ الصحف ولن أفعل أي شيء مما يمنعه "‪ .‬إن هذا الموظف‬
‫يفعل ذلك بجبروت واستعلء على رئيسه حتى ل يسمح له بنقد أو تجريح‪ ،‬فهذا الموظف ممتثل‬
‫ولكن باستعلء‪.‬‬
‫إنها طاعة بل حب‪ ،‬ولكنها باستعلء‪ .‬وقد يحاول عبد أن يقول‪ :‬ماذا يطلب ال مني؟ أل يطلب‬
‫منى الصلة والزكاة وإقامة العبادات؟ سوف أفعل ذلك‪ .‬لمثل هذا العبد نقول‪ :‬ل‪ ،‬إن ال يطلب‬
‫العبادة بحب منك وخشوع واطمئنان‪ ،‬لن التكليف من الحق صدقة أخرى أجراها ال على العبد‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى قد كلف العبد بالتكاليف اليمانية‪ ،‬حتى يكون النسان سويا وله قيمة في‬
‫الحياة‪.‬‬
‫إن معنى " قانت " هو العبد الذي يؤدي عبادة ربه بخشوع‪ ،‬وباطمئنان‪ ،‬وباستدامة‪ .‬لماذا؟ لن‬
‫الذي يقبل على الطاعة ثم ينصرف عنها كأنه قد جرب وده ل فلم يجد ال أهل للود‪ .‬أما العبد‬
‫الطائع فهو ل ينصرف عن العبادة‪ ،‬لنه ذاق حلوة استدامة العبادة ل‪ ،‬ومادام قد أدرك حلوة‬
‫العبادة فهو يقبل عليها بخشوع‪ ،‬واطمئنان‪ ،‬واستدامة‪ ،‬ويدخل في دائرة القانتين‪.‬‬
‫وبعد " القانتين " يقول ال سبحانه‪ } :‬وَا ْلمُنْ ِفقِينَ { وكلمة أنفق و " نفق " ‪ ،‬مأخوذة من كلمة " نفق‬
‫الحمار " أي مات‪ ،‬و " ونفقت السوق " أي انتهت بضائعها واشتراها الناس ولم يبق منها شيء‪ .‬و‬
‫" نفقة " مأخوذة من هذا المعنى لتشعرنا بأن النسان حين ينفق فهو يُميت ما أنفقه من نفسه‪ ،‬فل‬
‫يتذكر أنه أنفق على فلن كذا‪ ،‬وعلى علن كذا‪ ،‬أي يعلم يقينا أن ما أنفقه هو رزق من أنفقه‬
‫عليهم وليس له إل أجر إيصاله إليهم فل مَنّ‪ ،‬ول إذلل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن ال يريد من كل إنسان يُخرج شيئا من ماله أن ينهى من ذهنه هذا الشيء الذي خرج من المال‬
‫فل يذكره ول َيمُنّ به على أحد‪ " .‬والنفقة " ‪ ،‬تقتضي وجود منفق‪ ،‬ومنفقا عليه‪ ،‬ومنفقا به‪ ،‬المنفق‬
‫كما نعرف هو المؤمن الذي عنده فضل مالٍ‪ ،‬والمنفق عليه هو الفقير‪ ،‬والمنفَق به هو الخيرات‪.‬‬
‫ومن أين تأتي هذه الخيرات؟ إنها تأتي نتيجة الحركة في الحياة‪ ،‬وحركة المتحرك في الحياة‬
‫تقتضي قدرة‪ ،‬فإذا كان النسان عاجزا‪ ،‬ول يجد القدرة على الحركة‪ ،‬فمن أين يعيش‪ ،‬إن ال ل بد‬
‫أن يضمن له في حركة القادر ما يعوله‪.‬‬
‫لقد جعل ال القدرة عرضا من أعراض الحياة‪ ،‬فالقادر اليوم قد يصير عاجزا غدا‪ .‬ومادامت‬
‫القدرة عرضا من أعراض الحياة‪ ،‬فالقادر الن عندما يسمع المر من ال بأن ينفق على غير‬
‫القادر‪ ،‬فلبد أن يُقدر في نفسه أن قدرته هي عرض من أعراض الحياة‪ ،‬والقادر الن من‬
‫الغيار‪ ،‬لذلك فهو عرضة لن يصير غدا من العاجزين‪ ،‬ويقول القادر لنفسه‪ " :‬عندما أصبح‬
‫عاجزا سوف أجد من يعطيني "‪ .‬أليس ذلك هو التأمين الحق؟ إنه تأمين المؤمن‪ .‬إن المؤمن يعطي‬
‫عند قدرته‪ ،‬وذلك حتى يجنبه ال مشقة السؤال إن جاءت الغيار‪ ،‬لن الغيار إن جاءت سوف‬
‫يجد من يعطيه‪.‬‬
‫إننا يجب أن نلحظ في الحكم‪ ،‬ل ساعة أن تطالب أنت بأداء مطلوب الحكم‪ ،‬ولكن ساعة أن يؤدي‬
‫الغير إليك مطلوب الحكم‪ .‬فالذي يطلب منه أن ينفق‪ ،‬عليه أن يقدر أنه قد يصبح عاجرا‪ ،‬ولنا أن‬
‫نسأله‪ :‬لو كنت عاجزا ألم تكن تحب أن يعطيك الناس دون مَنّ أو أذى؟‬
‫إن هذا هو التأمين الحق‪ ،‬لن التأمين في يد ال‪ ،‬ومادامت الغيار عرضة لن يصير القادر‬
‫عاجزا ويصير العاجز قادرا‪ ،‬فساعة ينفق المنفق يجب عليه أن يميت أنه أنفق فل يتذكر وجه من‬
‫أنفق عليه‪ ،‬ول يخبر أحدا بما أنفق‪.‬‬
‫عد الرسول صلى ال عليه وسلم الرجل الذي أنفق حتى ل تعلم شماله ما صنعت يمينه من السبعة‬
‫الذين يظلهم ال في ظله فقال‪ " :‬سبعة يظلهم ال في ظله يوم ل ظل إل ظله‪ ،‬إمام عادل‪ ،‬وشاب‬
‫نشأ في عبادة ال‪ ،‬ورجل قلبه معلق في المسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه‪ ،‬ورجلن تحابا في‬
‫ال فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه ورجل ذكر ال خاليا ففاضت عيناه‪ ،‬ورجل دعته امرأة ذات‬
‫منصب وجمال فقال إني أخاف ال رب العالمين‪ ،‬ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى ل تعلم‬
‫شماله ما تنفق يمينه "‪.‬‬
‫وبعد ذلك على المؤمن المنفق أن يُقدر ساعة عطائه أنه ادّخر ليأخذ‪ ،‬إما أن يأخذ إن طرأت له‬
‫الغيار في الدنيا‪ ،‬وإما أن يأخذ من يد ال في الخرة أضعافا مضاعفة‪ .‬إذن‪ ،‬فالمنفق هو الذي‬
‫ُي َؤمّنُ لغير القادر حركته في الحياة ضمانا لنفسه حين ل يقدر؛ أو استثمارا مضاعفا عند ال‪،‬‬
‫سعُونَ العاجزين بفضل ما لديهم‪ ،‬يظهرون حكمة ال في الوجود‪ ،‬لن ال‬
‫وهؤلء المنفقون الذين يَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ما دام قد خلقنا‪ ،‬وفينا القادر‪ ،‬وفينا العاجز‪ ،‬فقد أراد ال لنا أن نعرف أن القدرة ليست لزمة في‬
‫الخلق‪ .‬فإن قدرت الن فقد تُسلب ‪ -‬بضم التاء ‪ -‬منك هذه القدرة‪ ،‬وما دامت القدرة يتم سلبها‪،‬‬
‫فلبد أن يتمسك المؤمن بالقيوم الذي يقيم القدرة لك أيها المؤمن دائما‪ ،‬وذلك حتى يعرف الواحد‬
‫منا أنه لم ينفلت من ربه‪ ،‬خلقنا قادرين وانتهت المسألة‪ .‬ل‪ .‬إنّ القدرة أغيار تذهب وتجيء‪.‬‬
‫ومادامت الغيار تذهب وتجيء فل بد أن يضع المؤمن نصب عينيه عطاء القادر العلى‪.‬‬
‫وقلنا سابقا‪ :‬إن ال جعل المنفقين وصفا من أوصاف الذين اتقوا‪ ،‬والذين أعد ال لهم جنات تجري‬
‫من تحتها النهار‪ ،‬وذلك حتى يحمى ال الضعيف الذي خلقه ال لحكمة في الوجود‪ .‬إن النفاق‬
‫ليس أخذا من العبد‪ ،‬إنما هو مناولة‪ ،‬هذه المناولة تتضح في أنه ما كان لك ما يزيد عن حاجتك‪،‬‬
‫إل بحركتك في الحياة‪.‬‬
‫وهذه الحركة في الحياة تتطلب عقل يخطط للحركة وجوارح تنفذ المخطط الفكري‪ ،‬ومادة يتم‬
‫الفعل فيها سواء كانت أرضا تتم زراعتها‪ ,‬أو آلة يتم الصنع بها‪ ،‬ول شيء للنسان من هذا في‬
‫الكون‪ .‬إن المخ الذي يدبر هو عطاء من ال‪ ،‬والطاقة التي تنفذ هي عطاء من ال‪ .‬ونحن نرى في‬
‫الحياة إنسان قد نزع ال عنه المخ الذي يفكر ويدبر‪ ،‬ونجد إنسانا آخر قد نزع ال منه الطاقة التي‬
‫تنفذ‪ ،‬فقد يمنع ال عن عبدٍ المادة التي يتفاعل معها‪.‬‬
‫إذن فل شيء من هذه الشياء ذاتي للنسان‪ ،‬إنها كلها عطاء من ال‪ .‬فليعمل المؤمن مضاربا عند‬
‫ال‪ ،‬وليعط المؤمن للعاجز حق ال‪ .‬إن ال ل يأخذ هذا الحق لنفسه إنما يريده ال لخيك العاجز‪،‬‬
‫وسوف يطلب ال هذا الحق لك إذا عنّت لك حاجة بسبب الغيار‪.‬‬
‫هكذا تكون } وَا ْلمُنْ ِفقِينَ { صفة من صفات الذين اتقوا ربهم‪ .‬والحق سبحانه وتعالى قد جعل في‬
‫الصبر‪ ،‬صلبة اليقين اليماني في النفس البشرية‪ .‬وفي الصدق انسجاما مع واقع ل إله إل ال‪،‬‬
‫وفي النفقة حماية العاجز الذي ل يقدر‪.‬‬
‫سحَارِ { إننا يجب أن‬
‫وبعد ذلك يعود إلى نفس المؤمن عودة أخرى فيقول‪ } :‬وَا ْلمُسْ َت ْغفِرِينَ بِالَ ْ‬
‫نأخذ هذا الوصف بعد مجيء الوصاف الخرى في النفس البشرية‪ .‬البداية هي إقرارهم باليمان‪،‬‬
‫ودعاؤهم الحق ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن يغفر لهم وقد طلبوا الوقاية من عذاب النار‪ ،‬وصبروا‪ ،‬وصدقوا‪،‬‬
‫وقنتوا في العبادة‪ ،‬وأنفقوا في سبيل ال‪ ،‬إن كل هذه الوصاف تبرئ ذمتهم من أنهم مقصرون‬
‫أيضا في حقوق إلههم لذلك فهم يأتون حال السكون بالليل‪ ،‬ويستغفرون ال‪.‬‬
‫إما أن يستغفر العبد لنه قد فرطت منه هفوة في ذنب‪ ،‬وإما أن يستغفر لنه لم يَزد فيما يفعله من‬
‫أمور الطاعة‪ .‬وكلمة } بِالَسْحَارِ { توضح لنا لحظات من اليوم يكون النسان فيها محل الكسل‬
‫والراحة‪ ،‬إن الذي سوف يصحو في السحر ل بد أن يكون قد اكتفى من الراحة‪ ،‬ولم يكن قد أخذ‬
‫منه كد الحياة كل النهار‪ ،‬ثم إن بعضهم يأخذه لهو الحياة ليل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا هو وجه الخيبة لما يحدث في زماننا‪ .‬إن كد الحياة ‪ -‬إن أخذ ‪ -‬يأخذ نهارا‪ ،‬وبعد ذلك يأخذنا‬
‫لهو الحياة ليل‪ ،‬مما نشاهده من لهو الحديث‪ ،‬ولهو السهرات‪ ،‬وبعد ذلك يأتي النسان لينام‬
‫متأخرا‪ ،‬فكيف نطلب من هذا النسان أن يصحو في السحر؟ إن الذي يصحو في السحر هو من‬
‫أخذ حظه في الراحة‪ ،‬فبعد أن جاء من كد العمل نام نوما هادئا‪ ،‬ويصحو من بعد ذلك في السحر‬
‫ليذكر ربه‪ ،‬في الوقت الذي نام فيه غيره من الناس‪ ،‬لماذا؟ لن الحق سبحانه وتعالى في لحظة‬
‫سكون الليل يوزع رحمته‪ ،‬وعندما يصحو إنسان في السحر ويدعو ال‪ ،‬ويستغفره فإنه يأخذ من‬
‫رحمة ال النازلة‪.‬‬
‫وعندما يأخذ هذا العبد من رحمة ال النازلة في ذلك الوقت‪ ،‬فمعنى هذا أنه سيأخذ الكثير من‬
‫رحمة ال‪ .‬وإياك أن تقول‪ :‬لو صحونا جميعا في السحار لنفدت الرحمة والعطاء " ل " لن ال‬
‫قد قال‪ {:‬مَا عِن َدكُمْ يَنفَ ُد َومَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ }[النحل‪.]96 :‬‬
‫إن قدرته جل وعل تتسع لعطائنا جميعا دون أن ينقص شيء من عنده‪ .‬إن كل هذه الشياء من‬
‫التقوى‪ ،‬والقرار باليمان‪ ،‬وطلب المغفرة للذنوب‪ ،‬وطلب الوقاية من عذاب النار‪ ،‬والصبر‪،‬‬
‫والصدق‪ ،‬والقنوت‪ ،‬والنفاق في سبيل ال‪ ،‬والستغفار بالسحار‪ ،‬كل ذلك نتيجة للتقوى الولى‪.‬‬
‫إنها الثمرة من " ل إله إل ال "‪ .‬وما دامت هذه هي الثمرة من " ل إله إل ال " فليعلم كل إنسان‪،‬‬
‫أن ال لم يدعك لتستنبطها أنت من مفقود‪ ،‬بل اعلم أن ال قد شهد أنه ل إله إل ال‪ ،‬وكفى بال‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَ ِإلَـاهَ ِإلّ ُهوَ وَا ْلمَلَ ِئكَةُ‪.{ ...‬‬
‫شهيدا‪ .‬ولذلك يقول الحق‪َ } :‬‬

‫(‪)409 /‬‬
‫حكِيمُ (‪)18‬‬
‫سطِ لَا إِلَهَ إِلّا ُهوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَا إَِلهَ إِلّا ُه َو وَا ْلمَلَا ِئكَ ُة وَأُولُو ا ْلعِلْمِ قَا ِئمًا بِا ْلقِ ْ‬
‫َ‬

‫ولنأخذ الجملة الولى من الية الكريمة بمعناها‪ :‬لقد شهد ال أنه ل إله إل هو‪ ،‬أي أنّ الحق قد‬
‫أخبر بما رآه‪ ،‬وشاهده‪ ،‬أو ما يقوم مقام ذلك‪ .‬إن " شهد " بمعنى علم‪.‬‬
‫إنه الحق الذي نصب الدلة في الوجود على قيوميته‪ ،‬وعلى أنه إله واحد‪ ،‬أليس في ذلك إقامة‬
‫للحجة على أنه إله واحد؟ ومن الذي خلق الدلة وجاء بها؟ إنه ال‪.‬‬
‫ّإذن‪ ،‬فقد شهد ال أنه ل إله إل هو‪ .‬وقلنا‪ :‬إن شهادة ال أنه ل إله إل هو هي شهادة الذات للذات‪،‬‬
‫ت وَالَ ْرضِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وشهادة الذات للذات تعني أنها كلمة ُم َمكّنٌ منها‪ .‬فعندما يقول الحق‪َ {:‬بدِيعُ ال ّ‬
‫وَإِذَا َقضَىا َأمْرا فَإِ ّنمَا َيقُولُ لَهُ كُنْ فَ َيكُونُ }[البقرة‪.]117 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بال لو لم يكن قد شهد لنفسه بأنه ل إله إل هو‪ ،‬وليس هناك من يعارض مبتغاه‪ ،‬أكان يجازف‬
‫فيقولها؟ إنه الحق العلى الذي شهد أن ل إله إل هو‪ ،‬فساعة أن يقول‪ " :‬كن " فإنه قد علم‪ ،‬أنه ل‬
‫يوجد إله آخر يقول‪ " :‬ل تكن "‪ .‬إن الحق ل بد أن يطمئَننا أنه ل إله إل هو‪ ،‬لذلك فلزم أن يشهد‬
‫لنفسه أنه مؤمن بأنه ل إله إل هو ويلقى المر‪ ،‬ويلقى الحكم التسخيري‪ ،‬ويعلم أنه ل إله‬
‫يعارضه‪.‬‬
‫وأليس من مطلوبات الرسول صلى ال عليه وسلم أن يشهد أنه رسول ال؟ لقد صلى رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وقال في صلته‪ " :‬أشهد أن محمدا رسول ال "‪ .‬ولو لم يشهد بهذه لنفسه‬
‫فكيف يجازف بالشياء التي يقولها؟ ولذلك فسيدنا أبو بكر عندما بلغه أمر بعث محمد رسول‪ ،‬قال‬
‫ما معناه‪ :‬أقالها محمد؟ إنه صادق‪ ،‬وما دام قد قالها فهي حق‪.‬‬
‫إن أبا بكر الصديق واثق من الرصيد الذي سبق بعث محمد بالرسالة‪ .‬ونحن نرى في التاريخ‬
‫امرأة كان السبب في إسلمها لمحة من سيرته صلى ال عليه وسلم‪ .‬قرأت هذه المرأة أن رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كان له حراس من المؤمنين يقومون بحراسته من الكافرين‪ .‬وبعد ذلك‬
‫جاء يوم وصرف الرسول صلى ال عليه وسلم هؤلء الحراس‪ ،‬وقال لهم ما معناه‪ :‬إن ال‬
‫عصمني من الناس فاذهبوا أنتم‪.‬‬
‫وقد قرأنا هذه الواقعة كثيرا جدا‪ ،‬ولكن الفتح جاء من الحق لمرأة‪ ،‬فشغلتها هذه المسألة‪،‬‬
‫وتساءلت‪ :‬ألم يكن هؤلء الحراس يحرسونه خوفا على حياته؟ فلماذا قال لهم‪ " :‬ل تحرسوني "‬
‫لن ال هو الذي يحرسني؟ فلو أن رسول ال قد غش الدنيا كلها؛ أكان من الممكن أن يغش نفسه‬
‫في حياته؟‬
‫وأجابت المرأة على نفسها‪ :‬ل يمكن‪ ،‬ل بد أن رسول ال قد وثق تمام الثقة في أن ال قد أبلغه أمر‬
‫حمايته بدليل أنه قام بصرف الحراس‪ ،‬وإل فكيف يأمن أن يأتي أحد ليقتله؟ قالت المرأة‪ :‬وال لو‬
‫خَدع الناس جميعا ما خَدع نفسه في حياته‪ ،‬أشهد أل إله إل ال وأن محمدا رسول ال‪.‬‬
‫حدث إسلم هذه المرأة من نفحة يسيرة من سيرة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ { هي شهادة الذات للذات‪ ،‬وكفى بال شهيدا‪ .‬وشهدت الملئكة‬
‫إذن‪َ } ،‬‬
‫أيضا‪ ،‬والملئكة هم الغيب الخفي عنا‪ ،‬وتتلقى الوامر من الحق‪ .‬إن الملئكة لم يروا أحدا آخر‬
‫يعطي لهم الوامر‪ ،‬إنه الله الواحد القادر‪ .‬وهذه هي شهادة المشهد‪ .‬ويضاف إلى الملئكة }‬
‫وَُأوْلُواْ ا ْلعِ ْلمِ { الدلة وجلسوا يستنبطون من كون ال أدلة على أنه ل إله إل ال‪.‬‬
‫إن هذه أعظم شهادة لعظم مشهود به من أعظم شهود‪ ،‬ال في القمة‪ ،‬ومحمد صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬والملئكة وأولوا العلم‪ .‬ولقد أخذ أولوا العلم منزلة كبيرة لن ال قد قرنهم بالملئكة‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه قد نثر في كونه اليات العجيبة العديدة‪ ,‬والذي يجلس‪ ،‬ويتفكر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويتدبر‪ ،‬ويتفطن وينظر‪ ،‬فإنه يستخرج الدلة على أنه ل إله إل هو‪ ،‬وكما قلنا من قبل‪ :‬إن أبسط‬
‫الطرق للتدليل على هذه الحقيقة‪ .‬إن كانت " ل إله إل ال " صدقا فقد كُفينا‪ ،‬وإن كانت غير صدق‬
‫فأين الله الذي أخذ منه ال هذا الكون‪ ،‬ولم يخبرنا ذلك الله أنه صاحب الكون؟ فإما أن هذا الله‬
‫الخر لم يَدْر‪ ،‬أو أنه قد علم‪ ،‬ول يستطيع فعل شيء‪ ،‬إذن فل يصح أن يكون إلها يزاحم الحق‬
‫الذي أبلغنا أنه ل إله إل هو‪.‬‬
‫وتظل " ل إله إل ال " لصاحبها ‪ -‬جل شأنه ‪ " -‬شهد ال أنه ل إله إل هو " وفي كل حركة من‬
‫حركات الحياة نجد أن النفراد بصدور الحركة قد يعطي علوا‪ ،‬وقد يعطي استكبارا‪ ..‬لذلك نقول‪:‬‬
‫ها هو ذا الخالق العلى الذي " ل إله إل هو " يخبرنا أنه قائم بالقسط‪ .‬ورغم أنه ل أحد في‬
‫استطاعته أن يتدارك على ال‪ ،‬إل أنه يطمئننا أنه قائم بالقسط‪.‬‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَ ِإلَـاهَ ِإلّ ُهوَ وَا ْلمَلَ ِئكَ ُة وَُأوْلُواْ ا ْلعِلْمِ قَآ ِئمَا‬
‫ولنلحظ هنا ملحظا جميل في الداء } َ‬
‫بِا ْلقِسْطِ { لماذا لم يقل ال إن " الملئكة " و " أولوا العلم " ‪ ،‬الذين شهدوا أنه ل إله إل هو " قائمين‬
‫" بالقسط؟ لقد شهد ال أنه ل إله إل هو قائما بالقسط‪ ،‬والملئكة شهدوا هذه القضية والعلماء‬
‫شهدوا أيضا بهذه القضية‪ ..‬لماذا؟ لن ال لو قال‪ " :‬قائمين بالقسط " لكان ال مشهودا عليه من‬
‫هؤلء‪ ،‬والشهادة هي له وحده أنه قائم بالقسط والعدل‪.‬‬
‫لنه سبحانه خلق الملئكة بالقسط‪ ،‬فلو كانوا معه في ذلك لما استقام المر‪ ،‬وأولوا العلم أيضا‬
‫س يعملون بعقولهم‪ ،‬وآخرون‬
‫مخلوقون بالقسط؛ لن ال قد وزع حركة الحياة على الناس‪ ،‬فَنَا ٌ‬
‫يعملون بقلوبهم‪ ،‬وقوم غيرهم يعملون بجوارحهم‪ ،‬فهذا هو‬
‫لون من عدل ال‪ ،‬وإل‪ ،‬فهل يدعي أحد أن إنسانا تتجمع فيه كل المواهب التي تتطلبها الحياة‪ .‬ل‪،‬‬
‫وهذه من عدالة الرحمن‪.‬‬
‫إن من عدالة الحق أنه وزع المواهب بين البشر‪ ،‬فبدل من أن يعتمد النسان على نفسه في‬
‫صناعة الملبس والمأكل‪ ،‬والمشرب‪ ،‬جعل ال المهارات موزعة بين البشر‪ ..‬فأتقنت مجموعة من‬
‫البشر حرفة الزراعة لنتاج الطعام الذي يكفيهم‪ ،‬ويسد حاجة غيرهم‪ ،‬وكذلك تبادلوا مع غيرهم‬
‫المنافع‪ ،‬فالنسان ‪ -‬بمفرد ‪ -‬ل يستطيع أن يزرع القطن ويجمعه ويغزله وينسجه؛ ليلبس‪،‬‬
‫والنسان ل يستطيع أن يزرع القمح ويحصده ثم يطحنه ثم يخبزه‪.‬‬
‫إن ال لم يخلق الناس ليقوم كل فرد بإشباع حاجات نفسه المتنوعة‪ ،‬إنما وزع ال المواهب‪،‬‬
‫لتتداخل هذه المواهب‪ ،‬ويتكامل المجتمع البشري‪ ،‬فواحد يزرع الرض‪ ،‬وثانٍ يغزل القطن‪،‬‬
‫وثالث ينسج القماش‪ ،‬ورابع يصنع الدوات‪ .‬وهذا عدل عظيم؛ لن الطاقة البشرية ل تقوى على‬
‫أن تقوم بكل متطلبات الحياة‪ ،‬لذلك جعل الحق هذا التنوع في المواهب ليربط الناس بالناس قهرا‬
‫عن الناس‪ ،‬فلم يجعل لحد تفضيل على أحد‪ ،‬فما دام واحد يعرف في مجال‪ ،‬وآخر ل يعرف في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا المجال‪ ،‬فالذي ل يعرف محتاج للخر‪ ،‬وهكذا يتبادل الناس المنافع رغما عنهم‪.‬‬
‫ولذلك نجد الكون متكامل‪ .‬ولينظر كل منا إلى حياته وليعدد كمْ زاوية من زوايا العلم‪ ،‬وكم زاوية‬
‫من زوايا القدرات‪ ،‬وكم زاوية من زوايا المواهب تلزم حتى تخدم حركة الحياة؟‬
‫إن هذه الزوايا موزعة على الناس جميعا ليخدموا جميعا حركة الحياة‪ .‬وهذا قمة العدل‪ .‬وحتى‬
‫يوضح لنا الحق قيمة العدل وكيفية العدالة في إقامة المحبة والحترام بين البشر‪ ،‬فلينظر الواحد‬
‫منا إلى النسان الخر البعيد عنه‪ ،‬ويتساءل بينه وبين نفسه‪ :‬أهذا الرجل البعيد عني يعمل من‬
‫أجلي؟ وتكون الجابة‪ :‬نعم‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فعلى النسان عندما يرى إنسانا متفوقا في صنعة ما‪ ،‬فليقل‪ :‬إن تفوقه في صنعته عائد إليّ‬
‫وتفوقه في موهبته عائد إليّ‪ ،‬وهكذا منع ال بالعدل الحقد والحسد‪ ،‬وجعل الناس متكاتفين قهرا‬
‫عنهم‪ ،‬ل تفضيل منهم‪ ،‬إذن‪ ،‬فكل إنسان يسعى بحركة الحياة إنما يقيم نفسه في زاوية من زوايا‬
‫الحياة‪ ،‬ومن العجيب أن الزاوية التي يُحسنها النسان تكون حاجته فيها أقل الحاجات‪ ،‬لذلك نجد‬
‫المثل الريفي الذي يقول‪ " :‬باب النجار مخلع " ‪ ،‬وذلك حتى يعلم النسان أن موهبة ما تكون عند‬
‫غيره سوف تنفعه هو‪ ،‬بدليل أن الموهبة التي عندك لم تنتفع أنت بها إلّ قليل‪.‬‬
‫وبذلك يشيع في الناس اقتناع بأن موهبة كل فرد فيهم‪ ،‬إنما تعود عليهم جميعا‪ ،‬وبذلك تحل المحبة‬
‫والحترام بدل من الحسد والحقد‪ .‬وعندما سأل أحد الظرفاء‪ :‬ولماذا يكون باب النجار هو " المخلع‬
‫"؟ قال أحد الظرفاء ردا عليه‪ :‬لنه الباب الوحيد الذي لن يأخذ النجار أجرا لصلحه‪ ،‬ونلتفت إلى‬
‫العجائب في الحكمة الشائعة‪ ،‬فنجد أطباء اخصائيين في ألوان من المرض‪ ،‬وصاروا أعلما في‬
‫مجالت تخصصاتهم‪ ،‬ويشاء الحق سبحانه وتعالى أل يصابوا إل بما برعوا فيه‪ ،‬كأن الذي برعوا‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَ ِإلَـاهَ‬
‫فيه لم يفدهم هم بشيء‪ ،‬إنما أفاد الخرين‪ .‬ولننظر إلى الية في مجملها‪َ } :‬‬
‫حكِيمُ { لقد استهلها ال‬
‫ط لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫ِإلّ ُهوَ وَا ْلمَلَ ِئكَةُ وَأُوْلُواْ ا ْلعِلْمِ قَآ ِئمَا بِا ْلقِسْ ِ‬
‫ش ِهدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُه َو وَا ْلمَلَ ِئكَ ُة وَُأوْلُواْ ا ْلعِ ْلمِ قَآ ِئمَا بِا ْلقِسْطِ { ثم قال بعد ذلك‪ } :‬لَ‬
‫بقوله‪َ } :‬‬
‫حكِيمُ { فكأن الية تقول لنا‪ :‬إذا ثبتت شهادة الذات للذات‪ ،‬وشهادة المشهد‬
‫إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫من الملئكة‪ ،‬وشهادة الستدلل من العلماء‪ ،‬فإن القاعدة تكون قد استقرت استقرارا نهائيا ل شك‬
‫فيه‪ ،‬فخذوها مسلمة‪ " :‬ل إله إل هو "‪.‬‬
‫وما دام " ل إله إل هو " فليكن اعتمادك عليه وحده‪ ،‬واعلم أنك إن اعتمدت عليه وحده إلها فأنت‬
‫قد اعتمدت على عزيز ل ُيغْلب على أمره‪.‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إذا سألت فاسأل ال‪ ،‬وإذا استعنت فاستعن بال‪ ,‬واعلم أن المة لو‬
‫اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إل بشيء قد كتبه ال لك‪ ،‬ولو اجتمعوا على أن‬
‫يضروك لم يضروك إل بشيء قد كتبه ال عليك‪ ،‬رُفعت القلم‪ ،‬وجفت الصحف "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فل يستطيع أحد أن يدخل مع ال في جدال‪ .‬إنما يدخل خلق ال مع خلق ال في خلف أو نضال‪،‬‬
‫لكن ل أحد يجرؤ على أن يدخل في نضال مع ال لنه عزيز ل يغلب‪ .‬فإن آمنت به وحده‪ ،‬فلك‬
‫الفوز‪ .‬وكلمة " وحده " قد تبدو في ظاهرها تقليل للسند الذي تستند إليه في القياس البشرى‪ ،‬فيقال‪:‬‬
‫" أنا لجئ إلى فلن وحده " وعندما تكون لجئا إلى عشرين أل تكون أكثر قوة؟ لكن هنا ل يكون‬
‫قياس بين اللجوء إلى ال وحده‪ ،‬بقياس اللجوء إلى مخلوق‪ .‬إنك هنا تلجأ إلى خالق أعلى بيده‬
‫مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير‪ ،‬فكلمة " وحده " هنا تغنيك وتكفيك عن الكل‪ .‬اعمل‬
‫لوجه واحد‪ .‬يكفك كل الوجه‪ ،‬واعلم أنه ل يوجد من يغلبه على أمره‪.‬‬
‫وعظمة الحق أنه واحد أحد فرد متفرد صمد‪ ،‬وهو عزيز ل ُيغْلب على أمره‪ ,‬وهو صاحب كل‬
‫الحكمة في وضع الشياء في مواضعها بحيث إذا ما عرفت حكمة مايجريه ال سبحانه وتعالى‬
‫على خلقه فأنت تتعجب من عظمة قدرة ال‪ ،‬لن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه‪ ،‬وما دمت‬
‫قد وضعت الشيء في موضعه فإنه ل يكون هناك قلقٌ‪ ،‬وما دام الشيء موضوعا في مكانه فهو‬
‫مستقر‪ ،‬وما دام الشيء مستقرا فإنه ل يتلون وتزداد الثقة فيه‪ ،‬وهذه مأخوذة من " الحَكمة " التي‬
‫تُوضع في فم الفرس‪ ،‬والتي نسميها " اللجام " وهي كما نعرف تتكون من قطعة من الجلد تدخل‬
‫على اللسان وفيها قطعة من الحديد‪ ،‬فإن مال إلى غير التجاه الذي تريد‪ ،‬يكون من السهل جذبه‬
‫إلى التجاه الصحيح‪.‬‬
‫إن وجود الحكمة يعني وجود شيء يحكمه فل ينحرف يمينا ول يسارا‪ ،‬وما دام ال قد شهد أنه ل‬
‫إله إل هو‪ ،‬وشهدت الملئكة وشهد أولوا العلم‪ ،‬وانتهت القضية بعد هذه الشهادات إلى أنه ل إله‬
‫إل هو‪ ،‬وأنه العزيز الحكيم‪ ،‬فكل منهج منه يجب أن يُسلم إليه‪ ،‬وأن ينقاد له‪ .‬وما دام ال قد شهد‬
‫لنفسه بأنه إله واحد‪ ،‬أي ل يوجد له شريك ينازعه فيما يريد من خلقه‪ ،‬وليس ل شريك في الخلق‪،‬‬
‫وليس ل شريك في الرزق‪ ،‬وليس له شريك في التشريع‪.‬‬
‫إذن‪ ..‬فالجهة التي نستمد منها مقومات منهجنا هي جهة واحدة‪ ،‬وكان من الممكن أن تظلم وتجور‬
‫هذه الجهة الواحدة الخالقة على ما خلقت لنه ليس لحد من خلق ال حق على ال‪ ،‬لكن ال‬
‫سبحانه عادل‪ ،‬إنه سبحانه يطمئننا‪ ،‬فهذه الوحدانية بقدرتها وجبروتها وعلمها وحكمتها عادلة ل‬
‫تظلم‪ ،‬لنه قال‪ :‬مع أني إله واحد‪ ،‬ل يُرد لي حكم ول أمر فأنا قائم بالقسط‪.‬‬
‫والقيام بالقسط يجب أن نتوقف عنده لنفهمه جيدا‪ ،‬إن الحق يقول عن نفسه‪ " :‬قائما بالقسط " وكلمة‬
‫قائم تعني أن ال قد خلقهم الخلق الول‪ ،‬وهذا الخلق إنما قام على العدل والقسط‪ .‬وتكليف الحق‬
‫للخلق قام على العدل والقسط‪ .‬والعدل والقسط يقتضي ميزانا ل ترجح فيه كفة على كفة‪ ،‬وهذا‬
‫الميزان ممسوك بيد القدرة القاهرة التي ل توجد قوة أعلى منها تميل في الحكم‪ ،‬والحق سبحانه‬
‫قائم بالقسط في الخلق‪ ،‬فقبل أن يخلقنا أعدّ لنا ما تتطلبه حياتنا بالقسط أيضا‪ ،‬فلم يجعل أمر الحياة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قائما على السباب التي يكلفنا بها لنعيش‪ ،‬بل حكم بالقسط‪ ،‬لقد جعل الحق بعضا من المور ل‬
‫دخل لنا نحن العباد فيها‪ ،‬ولم يقض الحق بذلك على حركتنا ول على حريتنا في الحركة‪ ،‬لذلك‬
‫خلق لنا أسبابا إن شئنا أن نفعل بها وصلنا إلى المسببات‪ ،‬وإن شئنا أل نفعل فنترك السباب‬
‫والمسببات‪.‬‬
‫إذن‪ ..‬فالحق سبحانه لم يحكمنا في قضية الخلق الولى بشيء واحد‪ ،‬بأن يجبرنا على كل شيء‪،‬‬
‫بل جبرنا بأنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬لم يدخل أسبابنا ول حركتنا في كثير من الحركات التي تترتب عليها‬
‫الحياة‪ ،‬فلم يجعل الشمس بأيدينا‪ ،‬ول القمر‪ ،‬ول الريح‪ ،‬ول المطر‪ .‬كل هذه السباب جعلها بيده‬
‫هو‪ ،‬لماذا؟ لن هذه السباب ستفعل للمخلوق قبل أن تكون له قدرة‪ .‬هذه السباب تفعل للنسان‬
‫قبل أن توجد له حياة؛ لتمهد للحياة التي يهبك ال إياها‪ ،‬فلو ترك ال كل هذه الشياء لسباب‬
‫النسان لتأخرت هذه الشياء إلى أن يوجد للنسان إرادة‪ ،‬وتوجد له قدرة وعلم‪.‬‬
‫لقد جعل ال أسباب الحياة بيده‪ ،‬كالتنفس مثل‪ ،‬إن التنفس ل يخضع لرادة القدرة على الحركة في‬
‫الحياة‪ ،‬ولكنه قال لك‪ :‬أيها النسان ‪ -‬وهو سبحانه الله القادر ‪ -‬تحرك التنفس إلى أن توجد له‬
‫إرادة‪ .‬ول توجد الرادة إل إن وجُد عند النسان علم بأنه يريد إدخال الوكسجين إلى الرئتين‬
‫حتى يتغذى الدم والمخ وينقى الدم والجسم من الشياء التي تضره‪ ،‬هذا يقتضي العلم‪ ،‬فإن كان‬
‫هذا المر يقتضي العلم‪ .‬فماذا يصنع الطفل الذي ليس له علم؟ كيف يتنفس؟‬
‫لذلك فمن رحمة ال وعدالته أن جعل أمر التنفس ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬بيده هو سبحانه‪ ،‬ولكن‬
‫الحق سبحانه لم يقض على مخلوقه بأن يجعله في الكون بل حرية أو اختيار‪ ،‬ل‪ ،‬لقد ترك الحق‬
‫سبحانه بعضا من الشياء لحرية النسان واختياره‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالحق لم يلزم العبد تسخيرا‪ ،‬ولم يمنع تخييرا‪ .‬وذلك هو العدل المطلق‪ .‬لقد احترم الحق‬
‫كينونة النسان‪ ،‬وحياة النسان‪ ،‬ومشيئة النسان‪ ،‬واختيار النسان‪ ،‬فقال‪ :‬أنا سأعطيك أسباب‬
‫الحياة الضرورية ول أجعل لك دخل فيها؛ لنك إن تدخلت فيها أفسدتها‪ ،‬وتأخر وصول خدمتها‬
‫لك إلى أن تعرف وتعلم‪ ،‬وأنا ‪ -‬الحق ‪ -‬أريدها لك‪ ،‬وأنت أيها النسان عاجز قبل أن توجد لك‪،‬‬
‫وأنت قادر بوجودها الذي أمنحه لك؛ لذلك جعلتها بيدي أنا الخالق المأمون على خلقي‪ .‬ولكن لن‬
‫أقضي على حريتك‪ ،‬فإن أردت ارتقاءً في الحياة فتحرك في الحياة‪ ،‬إن شئت أيها النسان أن تفعل‬
‫فافعل‪ .‬وإن شئت أيها النسان أل تفعل فل تفعل‪ .‬وهذا مطلق العدل‪.‬‬
‫ثم جاء الحق سبحانه وتعالى وجعل قوله‪ } :‬قَآ ِئمَا بِا ْلقِسْطِ { مشتمل على التكليف أيضا‪ ،‬أي إن‬
‫عدالته في التكليف مطلقة‪ .‬فأناس يقولون‪ " :‬ل إله " وأناس آخرون عددوا اللهة‪ ،‬فقام الحق‬
‫بالقسط بين المرين‪ .‬هو إله موجود يا من تقول‪ " :‬ل إله "‪ .‬وهو إله غير متعدد يا من تشرك معه‬
‫غيره‪ .‬وهذا قيام بالقسط وجاء الحق سبحانه في الحكام‪ .‬ونحن نجد أحكاما شرعية طلبها الحق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه من العبد طلبا باتا‪ ،‬ولم يتركها لختيار النسان ونجد أشياء تركها الحق سبحانه ليجتهد‬
‫فيها النسان‪ ،‬فلم يجعل الحق سبحانه العبد حرا طليقا يعربد في الكون كما يشاء‪ ،‬ولم يجعل الحق‬
‫سبحانه عبده مقهورا أو مقسورا بحيث ل توجد له إرادة أو اختيار‪.‬‬
‫لقد جعل ال للنسان مجال في القسر ومجال في الختيار‪ ،‬أوجد في النسان القدرة على الحركة‬
‫في الحياة‪ ،‬ولكنه قال لك‪ :‬أيها النسان ‪ -‬وهو الله القادر ‪ -‬تحرك في الحياة وأنا أحمي نتيجة ما‬
‫تتحرك فيه‪ ،‬ولكن لي في مالك الذي جعلتك فيه خليفة حق عليك أن تعطي بعضا منه لخيك‬
‫المحتاج‪.‬‬
‫لقد أعطى الحق للنفس البشرية أن تكد‪ ،‬وأعطى لها أن تكدح‪ ،‬وحفظ لها ما تملك‪ ،‬ولكنه هو الحق‬
‫لم يُطلق للنفس البشرية عنانها‪ ،‬بل قال‪ :‬لي حق في ذلك‪ .‬وهكذا نجده سبحانه قد عدل في هذا‬
‫المر‪.‬‬
‫إذن فقول الحق إنه قائم بالقسط‪ ..‬نجده واضحا في كل شيء؛ ففي الخلق والرزق والتكليف نجد‬
‫أنه قائم بالقسط‪ ،‬وما دام هو إلها واحدا وقائما بالقسط‪ ،‬فما الذي يمنعك أيها النسان أن تخضع‬
‫لمُ‪.{ ...‬‬
‫لمراده منك؟ يقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ الدّينَ عِندَ اللّ ِه الِسْ َ‬

‫(‪)410 /‬‬
‫إِنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الِْإسْلَا ُم َومَا اخْ َتَلفَ الّذِينَ أُوتُوا ا ْلكِتَابَ إِلّا مِنْ َبعْدِ مَا جَاءَ ُهمُ ا ْلعِلْمُ َبغْيًا بَيْ َنهُ ْم َومَنْ‬
‫َي ْكفُرْ بِآَيَاتِ اللّهِ فَإِنّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (‪)19‬‬

‫بعد أن قال لنا‪ :‬إنه إله واحد‪ ،‬وقائم بالقسط هو نتيجة منطقية لكونه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬إلها واحدا فكأن‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُه َو وَا ْلمَلَ ِئكَةُ‬
‫قوله { إِنّ الدّينَ عِندَ اللّ ِه الِسْلَمُ } هو نتيجة لقوله‪َ { :‬‬
‫وَُأوْلُواْ ا ْلعِ ْلمِ قَآ ِئمَا بِا ْلقِسْطِ }‪ .‬لماذا؟ لنه ل تسليم لحد إل ال‪ ،‬وما دام ال إلها واحدا‪ ،‬فل إله غيره‬
‫يشاركه‪ ،‬يقول الحق‪ {:‬مَا اتّخَذَ اللّهُ مِن وَلَ ٍد َومَا كَانَ َمعَهُ مِنْ إِلَـاهٍ إِذا لّ َذ َهبَ ُكلّ إِلَـاهٍ ِبمَا خَلَقَ‬
‫صفُونَ }[المؤمنون‪.]91 :‬‬
‫عمّا َي ِ‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ سُبْحَانَ اللّهِ َ‬
‫وََلعَلَ َب ْع ُ‬
‫وما دام قد ثبت أنه هو الله الواحد‪ ،‬فما الذي يمنعك أيها النسان أن تخضع لمراده منك؟ إذن‬
‫فقول الحق بعد ذلك‪ { :‬إِنّ الدّينَ عِندَ اللّ ِه الِسْلَمُ } هو أمر منطقي جدا يجب أن ينتهي إليه‬
‫العاقل‪ ،‬ومع ذلك رحمنا ال سبحانه وتعالى فأرسل لنا رسل لينبهونا إلى القضية السببية‪،‬‬
‫والمسببية‪ ،‬والمقدمة والنتيجة { إِنّ الدّينَ عِندَ اللّ ِه الِسْلَمُ } وإذا سألنا‪ :‬ما هو الدين؟ تكون‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجابة‪ :‬إن الدين كلمة لها إطلقات متعددة فهي من " دان " تقول‪ :‬دنت لفلن‪ :‬رجعت له وأسلمت‬
‫نفسي له‪ ،‬وائتمرت بأمره‪ .‬ويُطلق الدين أيضا على الجزاء‪ ،‬فالحق يقول عن يوم الجزاء‪ " :‬يوم‬
‫الدين " وهو يوم الجزاء على الطاعة وعلى المعصية‪ ،‬وعلى أن النسان المؤمن قد دان لمر ال‪،‬‬
‫فكلها تلتقي في قول الحق‪ { :‬إِنّ الدّينَ عِندَ اللّ ِه الِسْلَمُ } يُشعرنا بأنه قد توجد أديان يخضع لها‬
‫الناس‪ ،‬ولكنها ليست أديانا عند ال؛ ألم يقل الحق‪َ {:‬لكُمْ دِي ُنكُ ْم وَِليَ دِينِ }[الكافرون‪.]6 :‬‬
‫إن معنى ذلك أن هناك دينا لغير ال فيه خضوع واستسلم‪ ،‬وفيه تنفيذ لوامر‪ ،‬ولكن ليس دينا ل‪،‬‬
‫ول دينا عند ال‪ .‬إن الدين المعترف به عند ال هو السلم‪ .‬والدين يطلق مرة على الملة ومرة‬
‫أخرى على الشريعة‪ ،‬فإن أراد المؤمن الحكام المطلوبة فلك أن تسميها شريعة‪ ،‬وإن أراد المؤمن‬
‫الطاعة‪ ،‬والخضوع‪ ،‬وما يترتب عليهما من الجزاء فليسمها المؤمن الدين‪ ،‬وإن أراد النسان كل‬
‫ما ينتظم ذلك فليسمها الملة‪.‬‬
‫لمُ } تعني أنه ل دين عند ال إل السلم‪ ،‬وكلمة "‬
‫إذن فقوله سبحانه‪ { :‬إِنّ الدّينَ عِندَ اللّ ِه الِسْ َ‬
‫السلم " مأخوذة من مادة " سين " و " لم " و " ميم "‪ .‬و " السين " و " اللم " و " الميم " لها‬
‫معنى يدور في كل اشتقاقاتها‪ ،‬وينتهي عند السلمة من الفساد‪ .‬وينتهي المعنى أيضا إلى الصلح‬
‫بين النسان ونفسه‪ ،‬وبين النسان وربه‪ ،‬وبين النسان والكون‪ ،‬وبين النسان وإخوانه‪ ،‬إنه صلح‬
‫وعدم فساد‪ ،‬كل مادة السين واللم والميم تدل على ذلك‪ ،‬وما دامت المادة المكونة منها كلمة "‬
‫إسلم " تدل على ذلك فلماذا ل نتبعها؟‪.‬‬
‫لقد قلنا سابقا‪ :‬إن النسان ل يخضع لمثيله إل إذا اقتنع بما يقول‪ ،‬إن النسان يقول لمساويه الذي‬
‫يأمره‪ :‬لماذا تريدني أن أنفذ أوامرك؟ إنك ل بد أن تقنعني بالحكمة من ذلك المر‪ ،‬لكن عندما‬
‫يؤمن النسان بإله واحد قائم بالقسط‪ ،‬ويصدر من هذا الله أمر‪،‬فعلى النسان الطاعة‪.‬‬
‫إذن‪ ..‬فالسلم معناه الخضوع‪ ،‬والستسلم بعزة وفهم‪ ،‬وعزة وتعقل؛ لن هناك عبودية َت َعقّل‬
‫عندما يقف النسان عند المعنى السطحي‪ ،‬وهناك عزة تعقل عندما يقف النسان عند المعنى الذي‬
‫ل يأتيه الباطل من بين يده أو من خلفه‪ ،‬إن هذا هو عزة العقل فل يستهويه أي شيء سوى‬
‫الخضوع للمر الثابت الذي ل يتناقض أبدا‪.‬‬
‫فما دام ال إلها واحدا قائما بالقسط فإني كعبدٍ من عبيده حين أؤمن به وآخذ عنه‪ ،‬فهذه عزة في‬
‫الفهم وعزة في التعقل‪ ،‬وعزة في العبودية أيضا‪ ،‬لنني أعبد ال الذي هو فوق كل المخلوقات‬
‫والكائنات‪ ،‬ول أعبد مساويا لي‪ ،‬وإن الذي يعبد مساويا له ل يملك إل إنفة وحميّة الذليل‪ ،‬وما دام‬
‫السلم هو الخضوع والستسلم ل فهو خضوع لغير مساو‪ ،‬و " أسلم " أي دخل في السلم‪ ،‬أي‬
‫دخل في الصلح‪ ،‬وعدم التناقض‪ ،‬وفي المان والراحة‪ ،‬أي خلص نفسه من كل شيء إل وجه ال؛‬
‫جلٍ َهلْ يَسْ َتوِيَانِ‬
‫ن وَرَجُلً سَلَما لّ َر ُ‬
‫ولذلك يقول الحق‪ {:‬ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً رّجُلً فِيهِ شُ َركَآءُ مُتَشَاكِسُو َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ح ْمدُ للّهِ َبلْ َأكْثَرُ ُه ْم لَ َيعَْلمُونَ }[الزمر‪.]29 :‬‬
‫مَثَلً الْ َ‬
‫كأن ال يريد أن يوضح لنا الفرق بين الخاضع لمر سيد واحد‪ ،‬وبين الخاضع لِسَا َدةٍ كثيرين‪.‬‬
‫وضرب ال لنا المثل بالمر المشهور عندنا‪ ،‬فقال ما معناه‪ :‬هب أن عبدا له من السادة عشرة‪،‬‬
‫وكل سيّد له منه طلب‪ ،‬فماذا يصنع ذلك العبد؟ وعبد آخر له سيد واحد‪ ،‬هذا العبد يكون مستريحا‬
‫لنّ له سيدا واحدا‪ ،‬بينما الخر المملوك لعشرة تتضارب حياته بتضارب أوامر سادته العشرة‪.‬‬
‫إذن فالعبد المملوك لشركاء تعيس؛ لن الشركاء غير متفقين‪ ،‬إنهم شركاء متشاكسون‪ ،‬فإذا رآه‬
‫سيده يفعل أمرا لسيد آخر‪ ،‬أمره بالعكس‪ ،‬وبذلك يتبدد جهد هذا العبد ويكثر تعبه‪ ،‬ولكن الرجل‬
‫السلم لرجل‪ ،‬هو مستريح‪ ،‬وكذلك التوحيد‪ ،‬لقد جاء الحق سبحانه بمثل من واقعنا ليقرب لنا حلوة‬
‫التوحيد‪ .‬إن العبد المؤمن بإله واحد يحمد ال لنه خاضع لله واحد‪ .‬إذن فما دام السلم هو‬
‫الخضوع والستسلم ومعناه الدخول في السلم بكسر السين ‪ -‬أو الدخول في السلم ‪ -‬بفتح السين‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ }[النفال‪.]61 :‬‬
‫ يقول الحق‪ {:‬وَإِن جَنَحُواْ لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ َلهَا وَ َت َو ّكلْ عَلَى اللّهِ إِنّهُ ُهوَ ال ّ‬‫هذا الخضوع ليس لمساو‪ ،‬بل لعلى‪ .‬والعلى الذي نخضع له هو الذي خلق‪ ،‬وهو العلى الذي‬
‫أمدنا بقيوميته بكل شيء‪.‬‬
‫إذن فإذا أسلم النسان‪ ،‬فإن هذا السلم له ثمن هو المثوبة من ال‪ .‬إن من مصلحة النسان أن‬
‫يسلم‪ } .‬إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الِسْلَمُ { وما دام الدين المعترف به عند ال هو السلم فهو الدين الذي‬
‫يترتب عليه الثواب والسلم هو دين الرسل جميعا‪ ،‬وكلهم قد آمن به؛ فإبراهيم خليل الرحمن قد‬
‫سكَنَا وَ ُتبْ عَلَيْنَآ إِ ّنكَ أَنتَ‬
‫ك وَأَرِنَا مَنَا ِ‬
‫سِلمَةً ّل َ‬
‫سِلمَيْنِ َلكَ َومِن ذُرّيّتِنَآ ُأمّةً مّ ْ‬
‫جعَلْنَا مُ ْ‬
‫قال‪ {:‬رَبّنَا وَا ْ‬
‫ال ّتوّابُ الرّحِيمُ }[البقرة‪.]128 :‬‬
‫حضَرَ َي ْعقُوبَ‬
‫شهَدَآءَ إِذْ َ‬
‫ويعقوب عليه السلم يخبر الحق عنه في قوله لبنيه وإجابتهم له‪َ {:‬أمْ كُنتُمْ ُ‬
‫سمَاعِيلَ‬
‫ك وَإِلَـاهَ آبَا ِئكَ إِبْرَاهِي َم وَإِ ْ‬
‫ا ْل َم ْوتُ ِإذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا َتعْبُدُونَ مِن َب ْعدِي قَالُواْ َنعْ ُبدُ إِلَـا َه َ‬
‫وَإِسْحَاقَ إِلَـاها وَاحِدا وَنَحْنُ لَهُ مُسِْلمُونَ }[البقرة‪.]133 :‬‬
‫ويقول ‪ -‬جل شأنه ‪ُ {:-‬قلْ إِنّنِي هَدَانِي رَبّي إِلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ دِينا قِيَما مّلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا َومَا‬
‫ي َو َممَاتِي للّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * لَ شَرِيكَ َلهُ‬
‫سكِي َومَحْيَا َ‬
‫ن صَلَتِي وَنُ ُ‬
‫كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ * ُقلْ إِ ّ‬
‫ت وَأَنَاْ َأ ّولُ ا ْل ُمسِْلمِينَ }[النعام‪.]163-161 :‬‬
‫وَبِذاِلكَ ُأمِ ْر ُ‬
‫إذن فالسلم دين شائع‪ ،‬والمسلمون كلمة شائعة في الديان‪ ،‬وبذلك ل يقف السلم عند رسالة‬
‫سيدنا محمد عليه الصلة والسلم فقط‪ ،‬إنما السلم خضوع من مخلوق لله في منهج جاء به‬
‫رسل مؤيدون بالمعجزات‪ ،‬إلّ أن السلم بالنسبة لهذه الرسالت كان وصفا‪ ،‬لكن أمة محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم تميزت بديمومة الوصف لدينها كما كان لمم الرسل السابقة‪ ،‬وصار السلم ‪-‬‬
‫أيضا ‪ -‬علما لمة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لن رسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تضمنت منتهى ما يوجد من إسلم في الرض‪ ،‬فلم يعد هناك مزيد عليها‪ ،‬وانفردت أمة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم بأن صار السلم علما عليها‪.‬‬
‫إذن فالسلم في المم السابقة كان وصفا‪ ،‬وأما بالنسبة لرسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم فقد‬
‫صار علما لنه لم يأت بعدها دين‪ ،‬فإسلمها إسلم عالمي‪ ،‬ولذلك فنحن بهذا الدين نقول‪ " :‬نحن‬
‫مسلمون " أما أصحاب الديانات الخرى فهم أيضا مسلمون لكن بالوصف فقط‪ .‬نحن الذين نتبع‬
‫الدين الخاتم سمانا ال في كتابه المسلمين فهذا من إعجازات التسمية التي وافق فيها خليل ال‬
‫ج َعلَ عَلَ ْيكُمْ فِي الدّينِ‬
‫جهَا ِدهِ ُهوَ اجْتَبَا ُك ْم َومَا َ‬
‫حقّ ِ‬
‫إبراهيم عليه السلم مراد ربه‪ {:‬وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ َ‬
‫شهِيدا عَلَ ْيكُمْ‬
‫ل َوفِي هَـاذَا لِ َيكُونَ الرّسُولُ َ‬
‫سمّاكُمُ ا ْلمُسِْلمِينَ مِن قَ ْب ُ‬
‫مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ُهوَ َ‬
‫صمُواْ بِاللّهِ ُهوَ َم ْولَكُمْ فَ ِنعْمَ ا ْل َموْلَىا‬
‫ل َة وَآتُواْ ال ّزكَـا َة وَاعْ َت ِ‬
‫شهَدَآءَ عَلَى النّاسِ فََأقِيمُواْ الصّ َ‬
‫وَ َتكُونُواْ ُ‬
‫وَ ِنعْمَ ال ّنصِيرُ }[الحج‪.]78 :‬‬
‫لقد صار السلم اسما لمة رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ ول يُطلق هذا الوصف اسما إل على‬
‫من بالغ في التسليم‪.‬‬
‫كيف؟ نحن نعلم أن لفظ الجللة " ال " علم لواجب الوجود‪ ،‬ونعلم أن " حي " صفة من صفات ال‬
‫سبحانه وتعالى‪ .‬ولكن صارت كلمة " حي " اسما من أسماء ال؛ لن ال حي حياة كاملة أزلية‪.‬‬
‫إذن ل تكون الصفة اسما إل إذا أخذ الوصف فيها الديمومة والطلق‪ .‬وعلى هذا القياس يكون‬
‫الرسل السابقون على محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والمم السابقة على أمة السلم‪ ،‬كانوا مسلمين‪،‬‬
‫وكانوا أمما مسلمة بالوصف‪ ،‬ولكن أمة محمد صلى ال عليه وسلم تميزت بالسلم وصفا وعَلَما‪،‬‬
‫فصار المر بالنسبة إليها اسما‪ ،‬ونظرا لنه لن يأتي شيء بعدها‪ ،‬لذلك صار إسلم أمة رسول ال‬
‫سمّاكُمُ ا ْلمُسِْلمِينَ‬
‫" علما "‪ .‬ولقد بشر سيدنا إبراهيم عليه السلم بهذا المر‪ } :‬مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ُهوَ َ‬
‫سمّاكُمُ ا ْلمُسِْلمِينَ‬
‫{ [الحج‪ ]78 :‬إن الحق قد أورد على لسان سيدنا إبراهيم بالوضوح الكامل } ُهوَ َ‬
‫سمّاكُمُ ا ْلمُسِْلمِينَ { ‪ ،‬لن المم‬
‫{ ولم يقل الحق‪ " :‬هو وصفكم بالمسلمين "‪ .‬ل‪ ،‬إنما قال‪ُ } :‬هوَ َ‬
‫السابقة موصوفة بالسلم وأما أمة رسول ال صلى ال عليه وسلم فهي مسماة بالسلم‪ .‬وتجد من‬
‫إعجازات التسمية‪ ،‬أننا نجد لتباع الديان الخرى أسماء أخرى غير السلم‪ ،‬فاليهود يسمون‬
‫أنفسهم باليهود نسبة لـ " يوها "‪ .‬ويقولون عن أنفسهم‪ " :‬موسويون " نسبة إلى موسى عليه‬
‫السلم‪ .‬والمسيحيون يسمون أنفسهم بذلك نسبة إلى المسيح عيسى ابن مريم‪ .‬ولم نقل نحن أمة‬
‫رسول ال عن أنفسنا‪ " :‬إننا محمديون " لقد قلنا عن أنفسنا‪ " :‬نحن مسلمون "‪ .‬ولم يأت على لسان‬
‫أحد قط إل هذه التسمية لمة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وصار اسم السلم لنا شرفا‪ .‬إذن‪ ،‬فقول‬
‫ال الحق‪ } :‬إِنّ الدّينَ عِندَ اللّ ِه الِسْلَمُ { يعني أنه‪ ،‬إن جاز أن يكون لرسول أو لتباع رسول‬
‫وصف السلم فقد يجيء رسول بشيء جديد لم يكن عند المم السابقة فنزيده نحن بالتسليم‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبزيادتنا ‪ -‬نحن المسلمين ‪ -‬بهذا التسليم خُتِمَ التسليم بنا نحن أمة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬ولذا صار السلم ل يُطلق إل علينا‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الذين أوتوا الكتاب قد اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم‪.‬‬
‫ولماذا اختلفوا؟ جاءت الجابة من الحق‪ .‬العلى‪َ } :‬بغْيا بَيْ َنهُمْ { وكلمة الختلف هذه توحي أن‬
‫هناك شيئا متفقا عليه‪ ،‬وما دام السلم هو خضوعا لمنهج ال‪ .‬لنه إله واحد وقائم بالقسط‪ ،‬فمن‬
‫أين يوجد الختلف؟ وما الذي زاد حتى يوجد اختلف؟ أبرز إلهٌ آخر يناقض ال في ملكه؟ ل لم‬
‫يحدث‪ .‬وما دام الله واحدا‪ ،‬وما دام المنهج القادم من عنده منهجا واحدا‪ ،‬فمن أين جاء هذا‬
‫الختلف؟‬
‫إن الحق يوضح لنا أن الختلف قد جاء للذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءهم العلم وتلك هي‬
‫النكاية‪ ،‬وذلك هو الشر‪ ،‬فلو كانوا قد اختلفوا من قبل أن يأتي إليهم العلم لقلنا‪ " :‬إنهم معذورون في‬
‫الختلف "‪.‬‬
‫ولكن أن يحدث الختلف من بعد أن جاء العلم من الله الواحد القائم بالقسط فلنا أن نقول لهم‪ :‬ما‬
‫الذي جَدّ لتختلفوا؟ إن الذي جَدّ هو من عالم الغيار‪ ،‬وما دام الجديد قد جاء إليهم من عالم‬
‫الغيار‪ ،‬فمعنى ذلك أن هوى النفس قد دخل‪ ،‬ونريد أن نعرف أول معنى الختلف‪ ،‬الختلف‬
‫في حقيقته هو ذهاب نفس إلى غير ما ذهبت إليه نفس أخرى‪.‬‬
‫ولماذا حدث الختلف هنا رغم أن الله واحد‪ ،‬وهو قائم بالقسط؟ ل بد لنا أن نستنتج أن شيئا‬
‫جديدا قد نبت‪ ،‬ما هو هذا الشيء؟ إنه الهوى المختلف‪ ،‬وحينما يقال‪ " :‬اختلفوا " فنحن نعلم أن‬
‫جماعة قد ذهبت إلى شيء وجماعة أخرى ذهبت إلى شيء آخر‪ .‬وقد نستنتج أن طرفا قد ذهب‬
‫إلى حق‪ ،‬وأن الطرف الخر قد ذهب إلى باطل‪ ،‬أو أنهم جميعا قد ذهبوا إلى باطل‪ .‬والذهاب إلى‬
‫الباطل قد يختلف؛ لن كل باطل له لون مختلف‪ .‬هل أراد الحق سبحانه وتعالى أن يقول‪ :‬أنا‬
‫أنزلت الديان‪ ،‬ومن رحمتي بخلقي تركت بعضا من الناس يحتفظون بالحق في ذاته وإن طرأ‬
‫عليهم أناس يختلفون معهم‪ .‬وتجد المثال لذلك في اليهود‪ ،‬عندما جاء رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ .‬لقد اختلفوا‪ ،‬وأسلم منهم أناس وآمنوا برسالة النبي الخاتم‪ ،‬بينما الخرون لم يسلموا‪ ،‬ومن‬
‫أسلم هم الذين كانوا على الحق‪ ،‬ومن رحمة ال تعالى أنه جعل الذين علموا برسالة رسول ال أن‬
‫يعلنوا البشارة في كتبهم ولم يكتموا ذلك العلم بل أعلنوا اليمان‪ ،‬بينما أصر البعض الخر على‬
‫كتمان ما جاءهم من العلم وأصروا على النكار‪ .‬إن الذين أسلموا هم الذين ينطبق عليهم قول‬
‫الشاعر‪:‬إن الذي جعل الحقيقة علقما لم يخل من أهل الحقيقة جيلوإذا كان ال قد عصم الجيال‬
‫المتتالية من أمة السلم بأن حفظ لنا القرآن‪ .‬ففي الديان الخرى كان هناك أناس من أهل‬
‫سوَآءً مّنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ُأمّةٌ قَآ ِئمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ اللّ ْيلِ وَ ُهمْ‬
‫الحقيقة‪ ،‬وأنصفهم ال‪ {:‬لَيْسُواْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ف وَيَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي‬
‫سجُدُونَ * ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِ ِر وَيَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ت وَُأوْلَـا ِئكَ مِنَ الصّالِحِينَ }[آل عمران‪.]114-113 :‬‬
‫الْخَيْرَا ِ‬
‫لقد أنصفهم ال حق النصاف‪ ،‬والذين آمنوا برسول ال من أتباع تلك الديانات قد اهتدوا إلى‬
‫الحق‪ ،‬واختلفوا مع غيرهم وقول الحق‪ } :‬أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ { هذا القول يقتضي أن نقف عند " أُوتُواْ "‬
‫أي أن شيئا قد جاء إليهم من جهة أخرى‪ .‬إذن فالكتاب ليس من أفكار البشر؛ لن المنهج لو كان‬
‫من أفكار البشر لكان من الممكن أن يختلفوا فيه أو حوله‪ ،‬وبناء " أُوتُواْ " للمفعول يجعلنا نسأل‪:‬‬
‫من الذي آتاهم الكتاب؟ إنه ال سبحانه وتعالى‪ ،‬والحق سبحانه وتعالى ل يأتي بمختلف فيه‪.‬‬
‫وما دام الكتاب من عند ال فل يمكن أن يوجد فيه خلف‪ .‬يقول الحق‪ {:‬وََلوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ‬
‫َلوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفا كَثِيرا }[النساء‪.]82 :‬‬
‫وكأن ال بنبهنا بذلك القول إلى أن كل شيء بنبت من البشر للبشر‪ ،‬فل بد أن تحدث فيه خلفات‪.‬‬
‫إنما الشيء عندما يأتي من الواحد الحد ل يمكن أن يحدث فيه خلف أبدا‪ .‬ل يمكن أن يحدث‬
‫خلف فيما اتحد فيه المصدر والمنبع إل إن وجدت ‪ -‬بضم الواو وكسر الجيم ‪ -‬أشياء زائدة عن‬
‫ذلك‪ ،‬وهذه الشياء الزائدة هي أهواء الذين يقولون‪ :‬إنهم منسوبون إلى ال‪.‬‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الكتاب لم يأت إليهم من بشر مثلهم‪ ،‬إنما من إله واحد‬
‫قادر‪ ،‬وفي هذا تنبيه لتباع الديانات السابقة‪ .‬أي إنكم أيها التباع ل تتبعون إل منهج ال‪ ،‬وحين‬
‫تتبعون منهج ال الذي جاء به الرسل فأنتم ل تتبعون أحدا من الخلق‪ ،‬لن أي رسول أرسل إليكم‬
‫إنما جاء ليبلغكم بمنهج قادم من ربكم‪ ،‬ولم يقل لكم أحد من الرسل إن المنهج قادم من عنده‬
‫والرسول يحمل نفسه على الطاعة والخضوع للمنهج المنزل عليه قبلكم‪ ،‬وهذه عزة لكم‪ ،‬ولينتبه‬
‫جميع الخلق أن المنهج الحق دائما قد أخذه الرسل من ال‪.‬‬
‫وحين يقول الحق‪ " :‬الكتاب " فلنا أن نعرف أن كلمة " الكتاب " قد وردت في القرآن الكريم في‬
‫أكثر من موضع‪ ،‬إن الحق سبحانه وتعالى يسمي القرآن مرة " قرآنا " لنه يقرأ‪ ،‬ويسميه الحق‬
‫أيضا " الكتاب " وذلك دليل على أنه يُكتب‪ ،‬وحين نقول‪ :‬إن القرآن من " القراءة " فهذا يعني أن‬
‫نبرز ما في الصدور بالقراءة ولكن ما في الصدور قد تلويه الهواء؛ لذلك يحرس الحق قرآنه بما‬
‫في السطور ولذلك فالقرآن مقروء ومكتوب‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق " من أهل الكتاب " ‪ ،‬فإن ذلك تنبيه لنا أن الكتاب هو منهج مكتوب‪ ،‬أي لم يتم‬
‫وضعه في الصدور ونسيته النفوس‪ ،‬ل‪ ،‬إنه منهج مكتوب‪ ،‬هكذا حدد الحق أمر المنهج السابق‬
‫على القرآن‪ ،‬إنه مكتوب‪ ،‬فإن لعبت أهواء النفوس كما لعبت‪ ،‬فإن ذلك يعني تحريف الكلم عن‬
‫مواضعه‪ .‬ولنا أن ننتقل الن إلى المعرفة " العلم "‪ :‬ما هو العلم؟ إن العلم هو أن تدرك قضية‬
‫وهذه القضية واقعة في الوجود تستطيع أن تقيم الدليل عليها‪ ،‬وغير ذلك من القضايا ل يصل إلى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مرتبة العلم لنه ل يستطيع أحد أن يدلل عليه‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬نحن نقول‪ " :‬الرض كروية " إن كروية الرض هي نسبة حدثت‪ ،‬ونقولها ونحن‬
‫جازمون بها‪ .‬والسابقون لنا في عصور سابقة قال بعضهم‪ " :‬إن الرض مسطحة " ‪ ،‬وحاول أن‬
‫يجد من السباب ما يقيم الدليل على ذلك‪ ,‬ولكن الذين أقاموا الدليل على أن الرض كروية كانوا‬
‫صادقين بالفعل‪ .‬وفي العصر الحديث صارت كروية الرض أمرا مرئيا من سفن الفضاء‪،‬‬
‫وغيرها من الوسائل‪ ،‬ونحن نعرف أنه " ليس مع العين أين " إن الكروية بالنسبة للرض‪ ،‬هي‬
‫نسبة‪ ،‬نقولها ونجزم بها‪ ،‬والواقع أنها كذلك‪ ،‬ونستطيع أن نقيم على ذلك الدليل‪.‬‬
‫هذا هو العلم المستوفى‪ ،‬إن فساد الناس أنهم يأتون إلى قضية لن تصل إلى هذه المرتبة ويسمونها‬
‫" علما " كقولهم‪ :‬إن النسان أصله قرد‪ ،‬ل‪ ،‬إن أحدا ل يستطيع الجزم بذلك‪ ،‬وتلك قضية ليست‬
‫من العلم‪ ،‬إن كلمة " علم " تُطلق على القضية المجزوم بها؛ وهي واقعة في الوجود‪ ،‬ونستطيع أن‬
‫ندلل عليها‪ ،‬وإذا كانت القضية مجزوما بها؛ وواقعة في الوجود‪ ،‬ولكنك ل تستطيع أن تدلل عليها‪،‬‬
‫فماذا تسمي هذه القضية؟ هذا ما يطلق عليه " تقليد " تماما كما يقلد الولد أباه قبل أن ينضج عقله‬
‫فيقول‪ " :‬ل إله إل ال‪ ،‬ال واحد "‪ .‬ومثلما يأخذ التلميذ عن أستاذه القضية العلمية‪ ،‬ول يعرف‬
‫كيفية إقامة الدليل عليها‪ ،‬فهذا نطلق عليه " تقليدا " ‪ ،‬وإلى أن ينضج عقل التلميذ ويحسن استيعابه‬
‫نقول له‪ :‬ابحث بحثا آخر لتقيم الدليل‪.‬‬
‫إذن فالتقليد هو قضية مجزوم بها‪ ،‬وواقعة‪ ،‬ول يوجد عليها دليل‪ .‬وهكذا نعرف أن " العلم " يمتاز‬
‫عن التقليد بوجود القدرة على التدليل‪ ،‬لكن إذا ما كانت هناك قضية ومجزوم بها ولكنها ليست‬
‫واقعة‪ ،‬فماذا نسمي ذلك؟ إن هذا هو الجهل‪ .‬إن الجهل ل يعني عدم علم النسان‪ ،‬ولكن الجهل‬
‫يعني أن يعلم النسان قضية مخالفة للواقع ومناقضة له‪ .‬أما الذي ل يعلم فهو أميّ يحتاج إلى‬
‫معرفة الحكم الصحيح‪ ،‬فالجاهل أمره يختلف‪ ،‬إنه يحتاج منا أن نخرج من ذهنه الحكم الباطل؛‬
‫ونضع في يقينه الحكم الصحيح‪ ،‬وهكذا تكون عملية إقناع الجاهل بالحكم الصحيح هي عملية‬
‫مركبة من أمرين‪ ،‬إخراج الباطل من ذهنه‪ ،‬ووضع الحكم الصحيح في يقينه‪.‬‬
‫ولذلك فنحن نجد أن تعب الناس يتأتى من الجهلء‪ ،‬ل من الميين؛ لن الجاهل هو الذي يجزم‬
‫بقضية مخالفة للواقع ومناقضة له‪ ،‬أما الميّ فهو ل يعرف‪ ،‬ويحتاج إلى أن يعرف‪ .‬وماذا يكون‬
‫المر حين تكون القضية غير مجزوم بها‪ ،‬وتكون نسبة عدم الجزم‪ ،‬مساوية للجزم؟ هنا نقول‪ :‬إن‬
‫هذا المر هو الشك‪ ،‬وإن رجح أمر الجزم على عدم الجزم فهذا هو الظن‪ ،‬وإن رجح عدم الجزم‬
‫يكون ذلك هو الوهم‪.‬‬
‫إذن فوسائل إدراك القضايا هي كالتي‪ :‬أول‪ :‬علم‪ .‬ثانيا‪ :‬تقليد‪ .‬ثالثا‪ :‬جهل‪ .‬رابعا‪ :‬شك‪ .‬خامسا‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظن‪ .‬سادسا‪ :‬وهم‪ .‬والعلم هو أعلى المستويات في إدراك القضايا‪ .‬ولذلك نجد أن الحق يحدد لنا‬
‫على ماذا اختلف الذين أوتوا الكتاب‪ ،‬لقد اختلفوا من بعد ما جاءهم من العلم‪ .‬ولم يقل الحق‪ :‬إنهم‬
‫اختلفوا بعد ما جاءهم التقليد أو الظن‪ ،‬أو الجهل أو الشك‪ ،‬إنما قال الحق‪ :‬إنهم قد اختلفوا من بعد‬
‫ما جاءهم الستيفاء الكامل‪ ،‬وهو العلم‪ .‬وما دام هناك أمر قد جاء من القائم بالقسط والله الواحد‪،‬‬
‫فالمسألة القادمة منه وهي الحق قد وصلت إلى مرتبة العلم إذن‪ ،‬ففيم الختلف؟ ل بد أن أمرا ما‬
‫قد جدّ‪ .‬والذي يجد إنما هو قادم من الغيار‪ ،‬وهي الهواء‪ ،‬ولذلك يحدد لنا الحق هذا المر بقوله‬
‫" َبغْيا بَيْ َنهُمْ "‪ .‬ما البغي؟ البغي هو طلب الستعلء بغير حق‪ .‬إذن فطلب الستعلء ليس ممقوتا‬
‫في ذاته؛ لن طلب الستعلء هو قضية الطموح في الكون‪ .‬وأن يطلب إنسان الرفعة فيجد‬
‫ويجتهد‪ ،‬ويبذل العرق ليصل إلى مكانة علمية أو غيرها‪ ،‬فهذا حق طبيعي‪ ،‬ونحن نعرف أن العالم‬
‫قد ارتقى بالطموحات النسانية‪ ،‬إن العالم لو اكتفى وثبت عند الذي وصل إليه في جيل ما‪ ،‬فإن‬
‫العالم يحكم على نفسه بالجمود‪ ،‬ولكن الناس طورت في العالم الذي تحياه بجهد بذله البعض منهم‬
‫في قضايا نافعة‪ ،‬ثم حاولوا أن يرتقوا بها ونالوا حقهم من التقدير‪ ،‬وارتفعوا بالعلم بجهد حقيقي‬
‫بذلوه‪ ،‬وبدراسة لما بذله السابقون عليهم‪.‬‬
‫إذن فطلب الستعلء في حد ذاته غير ممقوت‪ ،‬بل محمود ما دام قائما على الجهد‪ .‬ولكن أن‬
‫يطلب النسان الستعلء بغير حق‪ ،‬فهذا هو البغي‪ .‬لقد أثبت ال لنا في هذه الية‪ ،‬أن كل خلف‬
‫بين رجال الدين‪ ،‬أو بين دين ودين‪ ،‬إنما مرجعه إلى نشوء البغي‪ ،‬ونشوء البغي هو طلب رجال‬
‫الدين الستعلء بغير الحق‪ .‬ومظاهر طلب الستعلء بغير حق هو إعطاء الفتاوى التي توافق‬
‫أمزجة القوم‪ ،‬وتخالف ما أنزله الحق‪.‬‬
‫إن الواحد من هؤلء يدعى لنفسه التحضر‪ ،‬ويعطي من الفتاوى ما يناقض الذي أنزله ال‪ ،‬ويدعى‬
‫أنه يأخذ الدين بروح العصر‪ ،‬ويدعى لنفسه عدم الجمود‪ ،‬ويذهب إلى حد اتهام المتمسكين بدينهم‬
‫بأنهم متخلفون‪ ،‬والهدف الذي يختبئ في صدر مثل هذا النسان هو الستعلء في قومه بغير‬
‫الحق‪ ،‬ويجب أن نفهم أن كل خلف بين أهل دين واحد‪ ،‬أو بين دين ودين‪ ،‬منبعه قول الحق‪} :‬‬
‫َبغْيا بَيْ َنهُمْ {‪ .‬وهذا يعني اتباع البعض للهوى النابع من بينهم ولم ينزله ال‪.‬‬
‫لماذا؟ لن ال سبحانه وتعالى إمّا أن ينزل ال حكما محكما ل رأى فيه لحد‪ ،‬ول يستطيع أحد أن‬
‫ينقضه‪ ،‬وإما أن ينزل ال حكما قابل للفهم والجتهاد‪.‬‬
‫ولم يجعل ال الحكام كلها من لون واحد‪ ،‬إنما جعل الحكام على لونين‪ ،‬وذلك حتى يحترم‬
‫النسان ما وهبه الخالق له من عقل‪ ،‬ويجعل له مهمة‪ ،‬فيأتي بقضية ويبحثها ويرجع سببا على‬
‫سبب‪ .‬وفي ذلك استخدام من النسان لعقله‪ ،‬إنها رحمة من ال حتى ليجمد العقل النساني‪.‬‬
‫إذن فإذا رأيت أي خلف بين رجال الدين أو بين دين ودين فاعلم أن القول الفصل في هذا المر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هو ما عبر عنه في القرآن‪َ } :‬بغْيا بَيْ َنهُمْ { فمن البغي يهب الهوى الذي تنشأ منه العاصير‪ ،‬إن‬
‫من يحب الستعلء بغير الحق هو الذي يحاول البغي فيدعي لنفسه أنه أرقى في الفكر‪ ،‬أو يستعلى‬
‫عند من يملكون له أمرا‪ ،‬أو يستعلي عندما يوافق حاكما في رأي من الراء‪ ،‬ويبرر للحاكم حكما‬
‫من الحكام‪.‬‬
‫إن كلمة } َبغْيا بَيْ َنهُمْ { يدخل في نطاقها كل موجات الخروج عن منهج ال‪ ،‬والتي نراها في‬
‫الكون‪ ،‬والرسول صلى ال عليه وسلم قد أعطانا المناعة ضد المراض النفسية الناشئة عن البغي‪،‬‬
‫مثلما يعطي المعاصرون المصل ضد أمراض البدن التي تفتك بالنسان‪ ،‬وحتى ل تفاجئنا أمراض‬
‫البغي‪ ،‬نجد الرسول يعطينا المناعة‬
‫فيقول لنا صلى ال عليه وسلم‪ " :‬البر حسن الخلق‪ ،‬والثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع‬
‫عليه الناس " ويحذرنا الرسول صلى ال عليه وسلم من ذلك كما في الحديث التالي‪ :‬فيقول صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ " :‬البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب‪ ،‬والثم ما لم تسكن إليه النفس ولم‬
‫يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون "‪.‬‬
‫إن الرسول صلى ال عليه وسلم يحذرنا ليوضح لنا أن أهل البغي لهم لجاج في أن يقولوا‬
‫ويصدروا الفتاوى‪ ،‬وما معنى الفتاء الذي يحذرنا منه رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ هل هو‬
‫مجرد رأي؟ أم هو رأي يأتي من إنسان معروف عنه أنه مشتغل بعلم ال وبالحكام؟ إن الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم ينبهنا إلى ذلك مناعة لنا‪ .‬فقد يصبح أصحاب الحق قلة‪ ،‬وليس لهم نصيب في‬
‫إيصال رأيهم للناس‪ ،‬أو أن الذين يملكون الكلمة العلمية ليسوا مع أصحاب الحق بل في جانب‬
‫رجل يساير الباطل أو الركب‪.‬‬
‫وهنا نرى أن الرسول صلى ال عليه وسلم قد أعطانا المناعة حتى ل ييأس المتمسكون بالحق‪،‬‬
‫فأمر الدين لن يمر رخاء‪ ،‬أو بسلم دائم‪ ،‬بل سنجد قوما يفسرون أحكام الدين بغيا بينهم‪ ،‬ويلوون‬
‫حكَمٌ في نفسه‪ ،‬ويحذرنا من الذين يفتون بالبغي‪ ،‬إن الفتاء‬
‫الشياء؛ لذلك أوضح لنا أن المؤمن َ‬
‫يحتاجه الناس من الذي يعلم‪ ،‬ولذلك جاءت كلمة " يستفتونك " أكثر من مرة في القرآن الكريم‪،‬‬
‫لن الذين يطلبون الفتوى هم الذين يحتاجون إلى توضيح لمر ما؛ لنهم مشغولون بقضية‬
‫اليمان‪ ،‬ولذلك فالنبي صلى ال عليه وسلم يحذرنا من الذين يحاولون إلقاء الفتاوى‪ ،‬ويحذر كل‬
‫مؤمن من أن يستمع لكل فتوى‪.‬‬
‫ويقول الحق‪َ } :‬ومَن َي ْكفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ {‪ .‬إذن فمن هو الذي يكفر بآيات ال؟ وفي أي مجال؟ إن‬
‫الكفر بآيات ال هنا محدد في الختلف‪ ،‬وفي البغي بينهم‪ ،‬أي طلب الستعلء بغير حق‪ ،‬وسمى‬
‫الحق كل ذلك " كفرا " والمراد منه هنا التنبيه لنا أل نستر أحكام ال بالختلف أو البغي‪ ،‬وجاء‬
‫التحذير في تذييل الية بقوله‪ } :‬فَإِنّ اللّهَ سَرِيعُ ا ْلحِسَابِ {‪ .‬فإياك أن تستطيل أمر الجزاء وتقول‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سأستمتع بنتيجة البغي والختلف لخدمة من يهمهم أمر الختلف‪ ،‬ويهمهم أمر البغي‪ ،‬لنك تريد‬
‫أن تتعجل أشياء تظن أنها نافعة لك‪ ،‬لكن ها هو ذا الحق سبحانه يحذرك أن تستبطئ حسابه‪،‬‬
‫لماذا؟ لنه من الجائز أن يأتي لك الحساب من ال في الدنيا‪ ،‬وهب أن ال لم يبتل مثل هذا النسان‬
‫ببلء كبير في الدنيا فإن هذا النسان سيكون له الحساب العسير في الخرة‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬إن الحساب في الدنيا قد يؤجله ال إلى الخرة‪ ،‬والعلمات الصغرى للقيامة نحن‬
‫في مراحلها‪ ،‬وما زالت العلمات الكبرى ليوم القيامة لم تظهر‪ .‬لمثل هذا القائل نقول‪ :‬هناك فرق‬
‫بين الحدث في ذاته‪ ،‬وبين الحدث فيمن يُجرى عليه الحدث‪ .‬هناك فرق بين أن تقوم القيامة على‬
‫الناس جميعا‪ ،‬وبين أن تُختصر حياة النسان بحادثة ليست في حسبانه‪ ،‬فقد يفتى النسان فتوى‬
‫اليوم؟ وتأتي له حادثة فورية تنقله فجأة إلى سريع الحساب‪ ،‬فإن استبطأ إنسان الحساب‪ ،‬فعليه أن‬
‫يعرف أن الخرة قد تجيء له أسرع من مسائل الدنيا‪ ,‬لن النسان ل يملك القدرة على أن ينقل‬
‫إليه من يريد في أي وقت‪ .‬وهكذا تكون الخرة بالنسبة للمستبطئ للحساب أسرع من حساب‬
‫الدنيا‪ ،‬وكلمة " حساب " كلمة تطمئن المؤمن إلى أن ال قائم بالقسط ل يتخلى حتى عمن كفر به‬
‫أو عصاه‪ ،‬إن كل إنسان يأخذ ماله ويدفع ما عليه‪ ،‬ويقول الحق من بعد ذلك‪ } :‬فَإنْ حَآجّوكَ َف ُقلْ‬
‫ج ِهيَ للّهِ‪.{ ...‬‬
‫ت وَ ْ‬
‫أَسَْل ْم ُ‬

‫(‪)411 /‬‬
‫ب وَالُْأمّيّينَ أَأَسَْلمْتُمْ فَإِنْ أَسَْلمُوا‬
‫ن َو ُقلْ لِلّذِينَ أُوتُوا ا ْلكِتَا َ‬
‫ج ِهيَ لِلّ ِه َومَنِ اتّ َبعَ ِ‬
‫ت وَ ْ‬
‫فَإِنْ حَاجّوكَ َف ُقلْ أَسَْل ْم ُ‬
‫غ وَاللّهُ َبصِيرٌ بِا ْلعِبَادِ (‪)20‬‬
‫َفقَدِ اهْتَ َدوْا وَإِنْ َتوَّلوْا فَإِ ّنمَا عَلَ ْيكَ الْبَلَا ُ‬

‫{ فَإنْ حَآجّوكَ } هذا هو القول يدل على أن الحق سبحانه وتعالى يلقى منهجه على الرسول الخاتم‪،‬‬
‫ويعطيه الواقع الذي يحيا فيه‪ ،‬لقد جابه الرسول صلى ال عليه وسلم ثلثة معسكرات‪ .‬المعسكر‬
‫الول‪ :‬هم مشركو قريش‪ ،‬وكان كفرهم في القمة‪ .‬والمعسكر الثاني‪ :‬هو معسكر اليهود والنصارى‬
‫ويجمعهم معا لنهم أهل كتاب‪ .‬والمعسكر الثالث‪ :‬هو معسكر المنافقين‪ .‬والمحاجّة قد أتت من‬
‫المعسكر الثاني‪ ،‬لن كفار قريش لم يدعوا أن عندهم دينا قد نزل من السماء‪ ،‬أما أهل الكتاب فهم‬
‫يدعون أن عندهم دينا منزل من السماء‪ ،‬وعندما يناطح الشرك دينا فهذا أمر معقول‪ ،‬أما أن‬
‫يناطح أهل دين نزل من السماء رسول جاء بدين خاتم من السماء فهذا أمر يستحق أن نتوقف‬
‫عنده‪.‬‬
‫ومعنى { فَإنْ حَآجّوكَ } أي أنهم يحاججون الرسول صلى ال عليه وسلم وتم إدغام الحرفين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المتشابهين وهما حرفا " الجيم " حتى ل تصبح ثقيلة على اللسان‪ .‬ومعنى المحاجة‪ :‬أن يدلي كل‬
‫واحد من الخصمين بحجته‪ .‬وهذا يعني النقاش‪ ،‬وما دام هناك نقاش بين حق وبين باطل‪ ،‬فإن ال‬
‫ل يترك الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل يقول له‪ { :‬فَإنْ حَآجّوكَ } أي إن ناقشوك في أمر‬
‫السلم الذي جئت به كدين خاتم مناقض لوثنية أو شرك قريش ومناقض لما قام أهل الكتاب‬
‫ج ِهيَ للّهِ } وقد قلنا من قبل‪ :‬إننا عندما نسمع قول‬
‫ت وَ ْ‬
‫بتغييره من مراد ال فقل يا محمد‪ { :‬أَسَْل ْم ُ‬
‫الحق { َفقُلْ } كان من الجائز أن يكتفي رسول ال صلى ال عليه وسلم بمقول القول‪ ,‬وضربنا‬
‫مثل على ذلك‪ ،‬حين يقول الب لبنه‪ :‬اذهب إلى عمك وقل له‪ :‬كذا وكذا‪ .‬وساعة أن يذهب البن‬
‫إلى العم فيقول له‪ :‬المر كذا‪ ،‬وكذا‪ .‬إن البن ل يقول لعمه‪ :‬قل لعمك كذا وكذا‪ ..‬لكن الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم قد حافظ على النص الذي جاءه من ربه لن النص واضح‪ { .‬فَإنْ حَآجّوكَ‬
‫ج ِهيَ للّهِ } فهل هذا رد بالحجة؟ نعم هذا هو الرد‪ ،‬لن أهل الكتاب وكفار قريش‬
‫ت وَ ْ‬
‫َفقُلْ أَسَْل ْم ُ‬
‫خَلقَهُنّ ا ْلعَزِيزُ ا ْلعَلِيمُ }‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ لَ َيقُولُنّ َ‬
‫يأتي فيهم القول‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُمْ مّنْ خَلَقَ ال ّ‬
‫[الزخرف‪.]9 :‬‬
‫ويأتي فيهم القول الحكيم‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُم مّنْ خََل َقهُمْ لَ َيقُولُنّ اللّهُ فَأَنّىا ُي ْؤ َفكُونَ }[الزخرف‪.]87 :‬‬
‫والكون كما نعرف " مكان " و " مكين " فالمكان‪ :‬هو السماء والرض‪ .‬والمكين وهو النسان‪.‬‬
‫والمكان مخلوق ل‪ ،‬والمكين مخلوق ل‪ .‬وكان من المنطق أن نسلم وجهنا لمن خلق‪.‬‬
‫ج ِهيَ للّهِ } أي انتبهوا أيها الناس‪ ،‬إنني لم أخرج عن دائرة‬
‫إذن فقول الحق‪َ { :‬ف ُقلْ َأسَْل ْمتُ وَ ْ‬
‫اليمان بالله الواحد‪ ،‬والذي تؤمنون به‪ .‬إنه هو الذي خلق وهو الذي أوجد الكون‪.‬‬
‫وبعد ذلك إذا كان في السلم خضوع‪ ،‬فإن الحق يأتي بأشرف شيء في النسان ليجعله مظهر‬
‫الخضوع‪ .‬لن الوجه هو السمة العالية المميزة‪ ،‬وهو الذي يظهر عليه انفعالت الحداث في‬
‫الكون من سرور أو حزن‪ ،‬ويظهر عليه أنك قد تكون قد سجدت وأنت كاره للسجود‪ ،‬أو سجدت‬
‫وأنت مقرب ل سبحانه وتعالى فيمتلئ الوجه بالبشر والبشاشة‪.‬‬
‫ج ِهيَ للّهِ {‪ .‬تعني أن الوجه المسلم ل وهو أشرف شيء في النسان قد‬
‫ت وَ ْ‬
‫وقول الحق‪ } :‬أَسَْل ْم ُ‬
‫خضع للحق‪ ،‬وكأن القول الكريم لم ينسب الخضوع للبدن ولكن لشرف شيء في النسان وهو‬
‫ج ِهيَ { فهو يعني "‬
‫ت وَ ْ‬
‫الوجه‪ ،‬والوجه يطلق مرة ويراد به الذات كلها‪ ،‬فعندما يقول إنسان‪ } :‬أَسَْل ْم ُ‬
‫شيْءٍ‬
‫أسلمت ذاتي " بكل ما أوتيت الذات من جوارح ومن أعضاء‪.‬ولنقرأ قول الحق سبحانه‪ُ {:‬كلّ َ‬
‫جعُونَ }[القصص‪.]88 :‬‬
‫حكْ ُم وَإِلَيْهِ تُ ْر َ‬
‫جهَهُ َلهُ ا ْل ُ‬
‫ل وَ ْ‬
‫هَاِلكٌ ِإ ّ‬
‫أي كل شيء هالك إل ذاته سبحانه وتعالى‪ ،‬وهذا هو المقصود بـ } إل وجهه { وإل إن أخذنا‬
‫الوجه على أنه الوجه فقط فقد يقول قائل‪ :‬أليس ل يد مثل؟ ونقول إن له يدا في نطاق ليس كمثله‬
‫شيء‪ ،‬ولذلك فل يد ال تهلك ول أي شيء فيه يهلك‪ ،‬ووجهه يعْني ذاته في نطاق ليس كمثله‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيء‪ .‬وأطلق الوجه على الذات‪ ،‬لن الوجه هو المشخص للذات‪ ،‬فل يستطيع أحد أن يميز‬
‫أعضاء بدن عن أعضاء بدن‪ ،‬إنما التمييز يأتي بسمة الوجه‪ ،‬لنها السمة المميزة‪ ،‬وقول الحق في‬
‫ج ِهيَ للّ ِه َومَنِ اتّ َبعَنِ {‪ .‬تدل على أن الرسول قد أسلم وجهه ل؛‬
‫ت وَ ْ‬
‫تلقينه لرسول ال‪َ } :‬ف ُقلْ أَسَْل ْم ُ‬
‫لن ال خاطبه بوساطة الوحي‪ ،‬والوحي يباشره صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن حين يقول‪َ } :‬ومَنِ‬
‫اتّ َبعَنِ { فقد قام الليل لمن اتبعني‪ ،‬وإن لم يكن مخاطبا من ال مباشرة‪.‬‬
‫إذن فل مجال لن يقول قائل للرسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬أنت أسلمت وجهك ل لنه خاطبك‬
‫وحدك‪ ،‬وكأن صاحب هذا القول يريد خطابا لكل مؤمن‪ ،‬قال سبحانه‪َ } :‬ومَنِ اتّ َبعَنِ { فمن اتبع‬
‫الرسول فقد آمن بأن محمدا صلى ال عليه وسلم هو رسول صدق مبلغ عن ال منهج حق‪ ،‬فل‬
‫مجال لطلب البلغ لكل فرد؛ لن البلغ قد وصل إليهم باليمان بما أنزله ال على رسوله الكريم‬
‫ب وَالُمّيّينَ أََأسَْلمْتُمْ {‪.‬‬
‫ويأمر الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم } َو ُقلْ لّلّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَا َ‬
‫وساعة تقرأ أو تسمع أسلوبا فيه " همزة الستفهام " فلك أن تعرف أن الستفهام يطلب منه أن‬
‫تُعرف الحقيقة‪ ،‬كقول إنسان لخر‪ :‬أعندك محمد؟ أو أزارك فلن؟ إن هذا استفهام المراد به فهم‬
‫الحقيقة‪ ،‬ومرة يريد الستفهام مجرد المر بشيء‪ ،‬كأن يأتيك ضيف وتجلس معه ويدخل عليك‬
‫والدك فيقول لك‪ :‬أصنعت قهوة لضيفك؟ إن ذلك توجيه لك إن كنت لم تقم بواجب الضيافة فعليك‬
‫أن تسرع في القيام بهذا الواجب‪.‬‬
‫وعلى ذلك نفهم قول الحق‪ } :‬أَأَسَْلمْ ُتمْ { ولذلك نقرأ قول الحق سبحانه بعد الكلم عن الخمر‪ {:‬إِ ّنمَا‬
‫خمْرِ وَا ْلمَيْسِ ِر وَ َيصُ ّدكُمْ عَن ِذكْرِ اللّ ِه وَعَنِ‬
‫يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْ َنكُمُ ا ْل َعدَا َوةَ وَالْ َب ْغضَآءَ فِي ا ْل َ‬
‫لةِ َف َهلْ أَنْ ُتمْ مّن َتهُونَ }[المائدة‪.]91 :‬‬
‫الصّ َ‬
‫إن قول الحق‪َ } :‬ف َهلْ أَنْتُمْ مّن َتهُونَ { يتضمن استفهاما‪ ،‬والستفهام هنا يعني المر بالنتهاء‪ .‬وفي‬
‫مجال الية التي نتعرض لها بالخواطر نجد قول الحق‪ } :‬أََأسَْلمْتُمْ { تعني الدعوة للسلم‪ ،‬أي "‬
‫أسلموا " وجاء بعد ذلك قول الحق الكريم‪ } :‬فَإِنْ أَسَْلمُواْ َفقَدِ اهْتَدَواْ { ومعنى " اهتدوا " أنهم عرفوا‬
‫الطريق الموصل للغاية التي خلق ال من أجلها النسان‪ .‬وهنا يجب أن نعلم أن كلمة " السلم "‬
‫هنا جاءت لتدل على الخضوع‪ ,‬و الخضوع ل يلمح إل من خاضع‪ ،‬وعملية الخضوع تعرف‬
‫بالحركة والسلوك‪ ،‬ول تعرف فقط بالعتقاد‪ ،‬ولذلك فالمام علي كرم ال وجهه الذي أوتي شيئا‬
‫من نفح النبوة في الداء اليماني بالسلوب البياني الجميل قال المام عليّ لخوانه‪ :‬سأنسب‬
‫السلم نسبا لم ينسبه قبلى أحد‪ :‬السلم هو اليقين‪ ،‬واليقين هو التصديق‪ ،‬والتصديق هو القرار‪,‬‬
‫والقرار هو الداء‪ ،‬والداء هو العمل‪ ،‬والمؤمن يُعرف إيمانه بالعمل‪ .‬ونحن في حياتنا العادية‬
‫نسأل‪ :‬ما نسب فلن؟‬
‫أي أننا نسأل " هو ابن مَن "؟ ومعنى كلمة " نسابة " عند العرب هو الرجل الذي يعرف سلسلة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النسب‪ ،‬ومَن ابن مَن‪ ،‬ففلن ابن فلن ابن فلن‪ ،‬ابن فلن‪ .‬والمام عليّ كرم ال وجهه‪ ،‬حين‬
‫ينسب السلم ينسبه بالفعل إلى نسب لم ينسبه قبله أحد‪ .‬وحين ينتهي المام عليّ كرم ال وجهه‬
‫إلى أن نسب السلم إلى العمل‬
‫قال‪:‬‬
‫المؤمن يعرف إيمانه بالعمل‪ ،‬فالدليل الصحيح على إيمان المؤمن هو عمله‪ .‬ويضيف المام عليّ‬
‫كرم ال وجهه‪ :‬والكافر يُعرف كفره بالنكار‪ ،‬وإن المؤمن قد أخذ دينه من ربه‪ ،‬ولم يأخذه برأيه‪.‬‬
‫والسيئة في السلم خير من الحسنة في غيره؛ لن السيئة في السلم تغفر‪ ،‬والحسنة في غيره ل‬
‫تُقبل؛ لن الكفر يصاحبها بال‪ ,‬هل هناك نسب للسلم أروع من هذا؟ وهكذا نجد القول الكريم‪} :‬‬
‫لغُ { إن‬
‫فَإِنْ أَسَْلمُواْ َفقَدِ اهْ َتدَواْ {‪ .‬والمقابل للسلم يأتي بعد ذلك‪ } :‬وّإِن َتوَّلوْاْ فَإِ ّنمَا عَلَ ْيكَ الْبَ َ‬
‫المقابل هو " تولوا " أي لم يسلموا‪ ،‬إنه الحق ينبه رسوله أل يحزن‪ ,‬وأل يأسف إن تولوا‪ ,‬كما جاء‬
‫سكَ عَلَىا آثَارِهِمْ إِن لّمْ ُي ْؤمِنُواْ ِبهَـاذَا ا ْلحَدِيثِ أَسَفا }[الكهف‪.]6 :‬‬
‫في قوله الكريم‪ {:‬فََلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫لماذا؟ لن الرسول صلى ال عليه وسلم عليه البلغ فقط‪ ،‬وما دام قد جاء في صدر الية‪} :‬‬
‫ج ِهيَ للّ ِه َومَنِ اتّ َبعَنِ { فإن البلغ أيضا يشمل النبي صلى ال عليه وسلم ومن اتبعه‪،‬‬
‫ت وَ ْ‬
‫أَسَْل ْم ُ‬
‫ولذلك تأتي آية أخرى لتشرح هذه القضية اليمانية‪ ،‬ولتبقى الرسالة في أمته صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ولتخبرنا أيضا لماذا لم يعد هناك داع لوجود أنبياء بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم أمناء على‬
‫أن يعدلوا فساد السلوك في الكون‪ ،‬فلم يعد العالم في حاجة إلى أنبياء جدد‪ ،‬ولهذا السبب قال‬
‫الرسول‪ :‬صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" العلماء ورثة النبياء "‪.‬‬
‫إذن } فعليك البلغ { نأخذ منها الفهم الواضح أن البلغ ل تنتهي مهمته عند رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬إنما يشمل كل عالم بالبلغ الذي وصل إلى رسول ال وآمن به‪ ،‬فقد كان لهم في‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ‬
‫رسول ال أسوة حسنة‪ ،‬ويوضح الحق ذلك في آية أخرى‪ {:‬كُنْتُمْ خَيْرَ ُأمّةٍ ُأخْرِ َ‬
‫ف وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ وَ ُت ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وََلوْ آمَنَ أَ ْهلُ ا ْلكِتَابِ َلكَانَ خَيْرا ّلهُمْ مّ ْنهُمُ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ‬
‫بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫سقُونَ }[آل عمران‪.]110 :‬‬
‫وََأكْثَرُهُمُ ا ْلفَا ِ‬
‫جهَا ِدهِ‪[} ...‬الحج‪ ]78 :‬ومعنى ذلك أنكم‬
‫ويقول الحق في آية أخرى‪ {:‬وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ ِ‬
‫تشهدون على الناس أنكم أبلغتموهم رسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فمن لم يقم بإبلغ‬
‫الناس برسالة رسول ال فهو لم يأخذ ميراث النبوة‪ ،‬وميراث النبوة كما يكون شرف تبليغ‪ ،‬فهو‬
‫أيضا تجلّد وتحمل‪ ،‬إن ميراث النبوة يكون مرة هو نيل شرف التبليغ لرسالةً رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ومرة أخرى يكون ميراث النبوة هو جلدة التحمل‪ ،‬في سبيل أداء الرسالة‪ ،‬وجلدة‬
‫التحمل هي التي يجب أن يتصف بها أتباع محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكلما ورثناه نحن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المسلمين في شرف النبوة فإننا نرثه في جلدة التحمل‪ ،‬وهذا هو معنى القول الحق‪ {:‬لِ َيكُونَ‬
‫ش َهدَآءَ عَلَى النّاسِ }[الحج‪.]78 :‬‬
‫شهِيدا عَلَ ْيكُ ْم وَ َتكُونُواْ ُ‬
‫الرّسُولُ َ‬
‫فما معنى السوة إذن؟ إن السوة في رسول ال صلى ال عليه وسلم تقتضي أنه ما دام قد تحمل‬
‫بجلدة بلغ الناس في رسالته‪ ،‬فعلينا ايضا أن نقتدي به‪ .‬لقد ناضل رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وعلى أتباع رسول ال أن يناضلوا في سبيل نشر الدعوة‪ ،‬فإن رأيت أهل الدين في‬
‫استرخاء وترهل وعدم قدرة على النضال في سبيل البلغ عن ال فلتعلم أن هؤلء القوم لن‬
‫يأخذوا ميراث النبوة‪ .‬ولذلك إذا رأيت عالما من علماء السلم ليس له أعداء فأعلم أنه قد نقص‬
‫ميراثه من ميراث النبياء‪.‬‬
‫لماذا؟ لن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان له أعداء وكان يواجههم‪ ،‬فساعة أن ترى رجل‬
‫دين وله أعداء فاعرف أنه قد أخذ حظه من ميراث النبياء ولننظر الن إلى قول الحق سبحانه‬
‫تذييل للية يوضح لنا ما السلم‪ } :‬وَاللّهُ َبصِيرٌ بِا ْلعِبَادِ { لم يقل ال‪ :‬إنه عليم بالعباد‪ ،‬لن " عليم‬
‫" تكون للمور العقدية‪ ،‬لقد قال الحق في وصف ذاته هنا‪ " :‬إنه بصير بالعباد " ‪ ،‬والبصر ليأتي‬
‫إل ليدرك حركة وسلوكا‪.‬‬
‫فماذا يرى ال من العباد؟ إنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يرى العباد المتحركين في الكون‪ ،‬وهل حركة العبد‬
‫منهم تطابق السلم أول؟ ومتابعة الحركة تحتاج إلى البصر‪ ،‬ول تحتاج إلى البصر‪ ،‬ول تحتاج‬
‫إلى العلم‪ ،‬وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول‪ :‬إن كنتم تعتقدون أني ل أراكم‪ ،‬فالخلل في إيمانكم‪،‬‬
‫وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟‬
‫إذن فقول الحق‪ } :‬وَاللّهُ َبصِيرٌ بِا ْلعِبَادِ { نفهم منها أن السلم سلوك ل اعتقاد فقط‪ ،‬لن الذي يُرى‬
‫هو الفعل ل المعتقدات الداخلية‪ .‬ومادام ال بصيرا بكل سكنات النسان وحركاته فإن النسان‬
‫يستحي أن يراه ربه على غير ما يحب‪ ،‬وأضرب هذا المثل للتقريب ل للتشبيه فالحق سبحانه له‬
‫المثل العلى وليس كمثله شيء‪ ،‬ونحن في حياتنا العادية نجد أن الشاب الذي يدخن يستحي أن‬
‫يظهر أمام كبار عائلته كمدخن‪ ،‬فيمتنع عن التدخين أثناء تواجده مع الكبار‪ ،‬فما بالنا بالعبد وهو‬
‫يعتقد أن ال يراه؟ وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬إِنّ الّذِينَ َي ْكفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ‪.{ ...‬‬

‫(‪)412 /‬‬
‫ق وَ َيقْتُلُونَ الّذِينَ يَ ْأمُرُونَ بِا ْلقِسْطِ مِنَ النّاسِ‬
‫حّ‬
‫إِنّ الّذِينَ َي ْكفُرُونَ بِآَيَاتِ اللّ ِه وَ َيقْتُلُونَ النّبِيّينَ ِبغَيْرِ َ‬
‫فَبَشّرْ ُهمْ ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ (‪)21‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقلنا إن الحق حين يقول‪ { :‬إِنّ الّذِينَ َي ْكفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ } هم الذين يكفرون بآيات ال على‬
‫إطلقها‪ ،‬وهناك فرق بين الكفر بآيات ال وبين الكفر بال‪ .‬لماذا؟ لن اليمان بال يتطلب البينات‬
‫التي تدل على ال‪ ،‬والبينات الدالة على وجود ال موجودة في الكون‪.‬‬
‫إذن فالبينات واضحة‪ ،‬إن الذي يكفر بال يكون قبل ذلك كافرا بالدلة التي تدل على وجود‬
‫الخالق‪ .‬إن الحق لم يقل هنا‪ :‬إن الذين يكفرون بال‪ ،‬وذلك حتى يوضح لنا أنّ الحق غيب‪ ،‬ولكن‬
‫اليات البينات ظاهرة في الكون‪ ،‬لذلك قال‪ { :‬إِنّ الّذِينَ َي ْكفُرُونَ بِآيَاتِ اللّ ِه وَ َيقْتُلُونَ النّبِيّين }‪ .‬ولنا‬
‫أن نلحظ هنا‪ ،‬أن كلمة القتل تأتي دائما للنبيين‪ ،‬أي أنها ل تأتي للذين أخذوا صفة تزيد على‬
‫مهمة النبي‪ ،‬وهو الرسول‪ ،‬فليس من المعقول أن يرسل ال رسول ليبلغ منهجا ل‪ ،‬فيُقدر ال خلقه‬
‫على أن يقتلوا الرسول‪ .‬ولكن النبياء يرسلهم ال ليكونوا أسوة سلوكية للمؤمنين‪ ،‬ول يأتي الواحد‬
‫منهم بتشريعات جديدة‪ ،‬أما الرسول فإن ال يبعثه حامل لمنهج من ال‪ .‬وليس من المعقول أن‬
‫يصطفي ال عبدا من عباده ويستخلصه ليبلغ منهجه‪ ،‬و ُي َمكّن ال بعد ذلك بعضا من خلقه أن يقتلوا‬
‫هذا الرسول‪.‬‬
‫إن الخلق ل يقدرون على رسول أرسله ال‪ ،‬لكنهم قد يقدرون على النبياء‪ ،‬وكل واحد من النبياء‬
‫هو أسوة سلوكية‪ ،‬ولذلك نجد ان كل نبيّ يتعبد على دين الرسول السابق عليه‪ ،‬فلماذا يقتل الخلق‬
‫السوة السلوكية مادام النبيّ من هؤلء قد جاء ليكون مجرد أسوة‪ ،‬ولم يأت بدين جديد؟ فلو كان‬
‫النبي من هؤلء قد جاء بدين جديد‪ ،‬لقلنا‪ :‬إن التعصب للدين السابق عليه هو الذي جعلهم يقتلونه‪،‬‬
‫لكن النبيّ أسوة في السلوك‪ ،‬فلماذا القتل؟ إن النبي من هؤلء يؤدي من العبادة ما يجعل القوم‬
‫يتنبهون إلى أن السلوك الذي يفعله النبيّ ل يأتي وفق أهوائهم‪.‬‬
‫إن القوم الذين يقتلون النبيين هم القوم الذين ل يوافقون على أن يسلكوا السلوك السلمي الذي‬
‫يعني إخضاع الجوارح‪ ،‬والحركة لمنطق الدين ولمنطق السلم‪ ،‬لماذا؟ لن النبيّ وهو ملتزم‬
‫بشرع الرسول السابق عليه‪ ،‬حينما يلتزم بدين ال بين جماعة من غير الملتزمين يكون سلوكه قد‬
‫طعن غير الملتزمين‪.‬‬
‫إن وجود النبيّ الذي يتمسك بشرع ال‪ ،‬ويخضع جوارحه‪ ،‬وسلوكه لمنهج ال بين جماعة تدّعي‬
‫أنها تدين ال‪ ،‬ولكنها ل تتمسك بمنهج ال تحملهم إلى أن يقولوا‪ :‬لماذا يفعل النبي هذا السلوك‬
‫القويم‪ ،‬ولماذا يخضع جوارحه لمنطق اليمان‪ ،‬ونحن غير ملتزمين مثله؟ وهذا السؤال يثير الغيظ‬
‫والحقد على النبيّ بين هذه الجماعة عير الملتزمة بدين ال‪ ،‬وإن أعْلنت في ظاهر المر التزامها‬
‫بالدين‪.‬‬
‫إنهم يحقدون على النبيّ لنه يرتفع بسلوكه المسلم‪ ،‬وهم ل يستطيعون أن يرتفعوا ليكونوا مثله‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن النبيّ بسلوكه الخاضع لمنهج ال يكون أسوة واضحة جلية يظهر بها الفرق بين مجرد إعلن‬
‫اليمان بمنهج ال‪ ،‬وبين اللتزام السلوكي بمنهج ال‪ ،‬وتكون أسوة النبيّ مُحقرة لفعلهم‪ .‬ولذلك‬
‫حين نجد إنسانا ملتزما بدين ال ومنهجه‪ ،‬فإننا نجد غير الملتزم ينال الملتزم بالسخرية‬
‫والستهزاء‪ ،‬لماذا؟ لن غير الملتزم يمتلئ بالغيظ والحقد على الملتزم القادر على إخضاع نفسه‬
‫لمنهج ال‪ ،‬ويسأل غير الملتزم نفسه‪:‬‬
‫لماذا يكون هذا النسان قادرا على نفسه مخضعا لها لمنهج ال وأنا غير قادر على ذلك؟ إن غير‬
‫الملتزم يحاول إزاحة الملتزم وإبعاده من أمامه‪ .‬لماذا؟ لن غير الملتزم يتضاءل في نظر نفسه‬
‫ونظر الخرين إذا ما قارن نفسه بالملتزم بمنهج ال‪ ،‬وعندما يقارن الخرون بين سلوك الملتزم‬
‫بمنهج ال وسلوك غير الملتزم بمنهج ال فهم ل يحترمون غير الملتزم فيشعر بالصغار النفسى‬
‫أمام الملتزم وأمام الناس فيحاول غير الملتزم أن يزيح الملتزم وينحيه عن طريقه‪ ،‬إن غير‬
‫الملتزمين بمنهج ال يسخرون ويتغامزون على الملتزمين بمنهج ال‪ ،‬كما يقول الحق سبحانه‬
‫حكُونَ * وَِإذَا مَرّواْ ِبهِمْ يَ َتغَامَزُونَ * وَإِذَا‬
‫ضَ‬
‫وتعالى‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َأجْ َرمُواْ كَانُواْ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ َي ْ‬
‫انقَلَبُواْ إِلَىا أَهِْلهِ ُم انقَلَبُواْ َف ِكهِينَ * وَإِذَا رََأوْ ُهمْ قَالُواْ إِنّ هَـا ُؤلَءِ َلضَالّونَ * َومَآ أُ ْرسِلُواْ عَلَ ْيهِمْ‬
‫حَا ِفظِينَ }[المطففين‪.]33-29 :‬‬
‫أل توضح لنا تلك اليات البينات ما يقوله غير الملتزمين في بعض مجتمعاتنا للملتزمين بمنهج‬
‫ال؟ أل نسمع قول غير الملتزمين للملتزم بمنهج ال‪ " :‬خذنا على جناحك "؟ إن هؤلء غير‬
‫الملتزمين ينطبق عليهم قول الحق‪ {:‬وَإِذَا مَرّواْ ِبهِمْ يَ َتغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَىا أَهِْل ِه ُم انقَلَبُواْ‬
‫َف ِكهِينَ * وَإِذَا رََأوْهُمْ قَالُواْ إِنّ هَـا ُؤلَءِ َلضَالّونَ }[المطففين‪.]32-30 :‬‬
‫إن غير الملتزمين قد يفرح الواحد منهم‪ ،‬لنه استطاع السخرية من مؤمن ملتزم بال‪ .‬وقد يتهم‬
‫غيرُ الملتزمين إنسانا ملتزما بأن اللتزام ضلل‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يرد على هذا التهام‬
‫بالقول الكريم‪َ {:‬ومَآ أُ ْرسِلُواْ عَلَ ْيهِمْ حَافِظِينَ }[المطففين‪.]33 :‬‬
‫الحق يرد على الساخرين من الملتزمين بمنهج ال‪ ،‬فيضحك الذين آمنوا يوم القيامة من الكفار‪،‬‬
‫حكُونَ * عَلَى‬
‫ويتساءل الحق بجلل قدرته وتمام جبروته‪ {:‬فَالْ َيوْمَ الّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ا ْل ُكفّارِ َيضْ َ‬
‫الَرَآ ِئكِ يَنظُرُونَ * َهلْ ُث ّوبَ ا ْل ُكفّارُ مَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ }[المطففين‪.]36-34 :‬‬
‫هكذا ينال غير الملتزمين عقابهم‪ ،‬فماذا عن الذين يقتلون النبيين بغير حق؟ إن لنا أن نسأل‪ :‬لماذا‬
‫وصف ال قتل النبيين بأنه " بغير حق " ‪ ،‬وهل هناك قتل لنبيّ بحق؟ ل يمكن أن يكون هناك قتل‬
‫لنبي بحق‪ ،‬وإذا كان ال قد قال‪ } :‬وَ َيقْتُلُونَ النّبِيّينَ ِبغَيْرِ حَقّ { هذا القول الكريم قد أتى ليوضح‬
‫واقعا‪ ،‬إنه سبحانه يقول بعد ذلك في سلسلة أعمال هؤلء الذين يقتلون النبيين بغير حق‪ } :‬وَ َيقْتُلُونَ‬
‫سطِ مِنَ النّاسِ { إنهم لم يكتفوا بقتل النبيين‪ ،‬بل يقتلون أيضا من يدافع من‬
‫الّذِينَ يَ ْأمُرُونَ بِا ْلقِ ْ‬
‫المؤمنين عن هذا النبيّ كيف؟ لنه ساعة يُقتل نبيّ‪ ،‬فالذين التزموا بمنهج النبيّ‪ ،‬وكانوا معه لبد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لهم أن يغضبوا ويحزنوا‪.‬‬
‫ي ينفعلون بحدث قتل النبيّ فإن استطاعوا منع ذلك القتل لفعلوا وإن لم يستطع أتباع‬
‫إن أتباع النب ّ‬
‫النبي منع قتل النبيّ فل أقل من أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر‪ ،‬لكن القتلة يتجاوز‬
‫طغيانهم فل يقتلون النبيين فقط فإذا قال لهم منكر لتصرفهم‪ :‬ولماذا تقتلون النبيين؟ فإنهم يقتلونه‬
‫أيضا‪ ،‬وبالنسبة لرسولنا محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ونحن نعرف أن أعداءه قد صنعوا معه أشياء‬
‫أرادوا بها اغتياله‪ ،‬وذلك يدل على غباء الذين فكروا في ذلك الغتيال‪.‬‬
‫لماذا؟ لنهم لم ينظروا إلى وضعه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلم يكن نبيا فقط‪ ،‬ولكنه رسول أيضا‪.‬‬
‫وما دام رسول فهو أسوة وحامل لمنهج في آن واحد‪ ،‬فلو كان محمد صلى ال عليه وسلم نبيا فقط‬
‫لكان في استطاعتهم أن يقتلوه كما قتلوا النبيين من قبل‪ ،‬لكنه رسول من عند ال‪ ،‬ولقد رأوه يحمل‬
‫منهجا جديدا‪ ،‬وهذا المنهج يسفه أحلمهم‪ ،‬ويوضح أكاذيبهم‪ ،‬من تبديلهم للكتب المنزلة عليهم‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم رسول يحمل رسالة ومنهجا‪ ،‬وحينما أرادوا أن يقتلوه‬
‫كنبيّ‪ ،‬غفلوا عن كونه رسول‪ .‬ولذلك قال الحق مطمئنا لنا ومحدثا رسوله صلى ال عليه وسلم‪{:‬‬
‫ص ُمكَ مِنَ النّاسِ‬
‫ك وَإِن لّمْ َت ْفعَلْ َفمَا بَّل ْغتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ َي ْع ِ‬
‫يَـاأَ ّيهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُن ِزلَ إِلَ ْيكَ مِن رّ ّب َ‬
‫إِنّ اللّ َه لَ َي ْهدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ }[المائدة‪.]67 :‬‬
‫الرسول الكريم إذن حامل رسالة ومعصوم بال من أعدائه‪ ،‬والحق سبحانه وتعالى قد حكى عن‬
‫الذين يقتلون النبياء‪ ،‬وأراد أن يطمئن المؤمنين‪ ،‬ويطمئن الرسول على نفسه‪ ،‬وأن يعرف خصوم‬
‫رسول ال أنه ل سبيل إلى قتله‪ ،‬فيقول الحق‪ُ {:‬قلْ فَلِمَ َتقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَ ْبلُ إِن كُنْتُمْ ّمؤْمِنِينَ }‬
‫[البقرة‪.]91 :‬‬
‫ولماذا يأتي ال بـ " من قبل " هذه؟ إنه يوضح لنا وللرسول ولعداء محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫أن مسألة قتل النبياء كان من الممكن حدوثها قبل رسول ال‪ ،‬لكن هذه المسألة صارت منتهية‪،‬‬
‫ول يجرؤ أحد أن يمارسها مع محمد رسول ال‪ ،‬وبذلك طمأن الحق المؤمنين‪ ،‬وطمأن رسول ال‬
‫ص ُمكَ مِنَ النّاسِ }[المائدة‪.]67 :‬‬
‫بأن أحدا لن يناله بأذى‪ ،‬ولذلك قال الحق‪ {:‬وَاللّهُ َي ْع ِ‬
‫وأيأس الحق الذين يريدون قتل رسول ال فقد قال لهم‪ُ {:‬قلْ فَِلمَ َتقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَ ْبلُ }[البقرة‪:‬‬
‫‪.]91‬‬
‫ولو أن المسألة مسألة نبوة‪ ،‬ورسالة رسول ال غير داخلة في مواجيدهم‪ ،‬وكان إنكارهم لرسالته‬
‫عنادا‪ ،‬لكانوا قد قالوا‪ " :‬إن مسألة قتل النبياء ل تتوقف عند " من قبل " لننا سنجعلها " من بعد "‬
‫أيضا‪ ،‬لكانوا قد كتلوا قواهم وقتلوا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لكن ال سبحانه أيأسهم‬
‫وقنطهم من ذلك‪ ،‬وذلك من مناط قدرة ال‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإذا كان الحق سبحانه وتعالى يحكي عن أمر في قتل النبياء‪ ،‬وقتل الذين يأمرون بالقسط‪ ،‬أكان‬
‫ذلك معاصر لقول الرسول هذا؟ أو كان هذا الكلم لمن؟ إنه موجه لبعض من أهل الكتاب‪ ،‬إنه‬
‫موجه لمن آمنوا باتباع الذين قتلوا النبيين من قبل‪ ،‬وقتلوا الذين يأمرون بالقسط‪ ،‬لقد آمنوا كإيمان‬
‫السابقين لهم من قتلة النبياء‪ ،‬وقتلهم للذين يأمرون بالقسط‪.‬‬
‫وهذا تقريع لهؤلء الذين اتبعوا في اليمان قوما قتلوا النبياء من قبل‪ ،‬وقتلوا الذين يأمرون‬
‫بالقسط‪ ،‬إنه تقريع وتساؤل‪ .‬كيف تؤمنون كإيمان الذين قتلوا النبياء؟ وكيف تتبعون من فعل مثل‬
‫ذلك؟ وقد قص رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أن بني إسرائيل قد قتلوا ثلثة وأربعين نبيا دفعة‬
‫واحدة‪ ،‬فقام مائة وسبعون من أتباع النبياء لينكروا عليهم ذلك‪ ،‬فقتلوهم‪ ،‬وهذا هو معنى هذه الية‬
‫الكريمة‪:‬‬
‫سطِ مِنَ النّاسِ فَ َبشّرْهُم ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ { [آل‬
‫ق وَ َيقْتُلُونَ الّذِينَ يَ ْأمُرُونَ بِا ْلقِ ْ‬
‫حّ‬
‫} وَ َيقْتُلُونَ النّبِيّينَ ِبغَيْرِ َ‬
‫عمران‪]21 :‬‬
‫لماذا يبشرهم الحق بعذاب أليم؟ أليس معنى التبشير هو إخبار بما يسر في أمد يمكن أن يؤتى فيه‬
‫الفعل الذي يسر؟ إن التبشير دائما يكون للفعل الذي يسر‪ ،‬كتبشير الحق للمؤمنين بالجنة‪ ،‬ومعنى‬
‫ق الفرصة للمؤمن لينفذ‬
‫التبشير بالجنة أن ال يخبر المؤمن بأمر يُسر له المؤمن‪ ،‬ويعطي الح ّ‬
‫منهج ال ليأخذ الجائزة والبشارة‪.‬‬
‫لماذا يكون الحديث بالبشارة موجها لبناء الذين فعلوا ذلك؟ لننا نعرف أن الذين قتلوا النبيين‬
‫وقتلوا الذين أمروا بالقسط من الناس لم يكونوا معاصرين لنزول هذا الية‪ ،‬إن المعاصرين من‬
‫أهل الكتاب لنزول هذه الية هم أبناء الذين قتلوا النبياء وقتلوا الذين أمروا بالقسط‪ ،‬ويبشرهم‬
‫الحق بالعذاب الليم؛ لنهم ربما رأوا أن ما فعله السابقون لهم كان صوابا‪ .‬فإن كانوا قد رأوا أن‬
‫ما فعله السابقون لهم كان صوابا فلهم أيضا البشارة بالعذاب‪.‬‬
‫وتتسع دائرة العذاب لهم أيضا‪ ,‬ولكن لماذا يكون العذاب بشارة لهم‪ ،‬رغم أن البشارة غالبا ما‬
‫تكون إخبارا بالخير‪ ،‬وعملية العذاب الليم ليست خيرا؟ إن علينا أن نعرف أنه ساعة نسمع كلمة "‬
‫أبشر " فإن النفس تتفتح لستقبال خبر يسر‪ ,‬وعندما تستعد النفس بالسرور وانبساط السارير إلى‬
‫أن تسمع شيئا حسنا يأتي قول‪ :‬أبشر بعذاب أليم‪ ،‬ماذا يحدث؟ الذي يحدث هو انقباض مفاجئ أليم‪,‬‬
‫ابتداء مطمع " فبشرهم " وانتهاء مُيْئِس (بعذاب أليم) وهنا يكون الحساس بالمصيبة أشد‪ ،‬لن‬
‫الحق لو أنذرهم وأوعدهم من أول المر بدون أن يقول‪ " :‬فبشرهم " لكان وقوع الخبر المؤلم‬
‫هينا‪.‬‬
‫لكن الحق يريد للخبر أن يقع وقوعا صاعقا‪ ،‬ومثال لذلك قول الحق‪ {:‬وَإِن َيسْ َتغِيثُواْ ُيغَاثُواْ ِبمَآءٍ‬
‫ب وَسَآ َءتْ مُرْ َتفَقا }[الكهف‪.]29 :‬‬
‫شوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَا ُ‬
‫كَا ْل ُمهْلِ يَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنهم يستغيثون في الخرة‪ ،‬ويغاثون بالفعل‪ ،‬ولكن بماذا يغيثهم ال؟ إنه يغيثهم بماء كالمهل يشوي‬
‫الوجوه‪ .‬إننا ساعة أن نسمع " يغاثوا " قد نظن أن هناك فرجا قادما‪ ،‬ولكن الذي يأتي هو ماء‬
‫كالمهل يشوي الوجوه‪ .‬وهكذا تكون البشارة بالنسبة لمن قتلوا النبياء أو لتباع القتلة الذين آمنوا‬
‫بمثل ما آمن به هؤلء القتلة‪ } .‬فَبَشّ ْرهُم ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ { وكلمة " عذاب " تعني إيلم حيّ يحس‬
‫باللم‪ .‬والعذاب هو للحيّ الذي يظل متألما‪ ،‬أما القتل فهو ينهي النفس الواعية وهذا ليس بعذاب‪،‬‬
‫بل العذاب أن يبقى الشخص حيّا حتى يتألم ويشعر بالعذاب‪ ،‬وقول الحق‪ِ } :‬بعَذَابٍ أَلِيمٍ { يلفتنا إلى‬
‫جتْ جُلُودُ ُهمْ بَدّلْنَاهُمْ جُلُودا غَيْ َرهَا‬
‫ضَ‬
‫سوْفَ ُنصْلِيهِمْ نَارا كُّلمَا َن ِ‬
‫قوله تعالى‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ بِآيَاتِنَا َ‬
‫حكِيما }[النساء‪.]56 :‬‬
‫لِيَذُوقُواْ ا ْلعَذَابَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَزِيزا َ‬
‫أي أن الحق يديم عليهم الحياة ليديم عليهم التعذيب‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬أُولَـا ِئكَ الّذِينَ‬
‫عمَاُلهُمْ‪.{ ...‬‬
‫طتْ أَ ْ‬
‫حَ ِب َ‬

‫(‪)413 /‬‬
‫عمَاُلهُمْ فِي الدّنْيَا وَالْآَخِ َر ِة َومَا َلهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (‪)22‬‬
‫طتْ أَ ْ‬
‫أُولَ ِئكَ الّذِينَ حَبِ َ‬

‫إنهم الذين كفروا بآيات ال‪ ،‬وقتلوا النبيين بغير حق‪ ،‬وقتلوا الذين أمروا بالقسط بين الناس‪ ،‬هؤلء‬
‫لهم العذاب‪ ،‬ولهم أيضا حبط العمل في الدنيا والخرة‪ ،‬وكذلك من نهج نهجهم‪ ،‬ومعنى " حبطت "‬
‫أي ل ثمرة مرجوة من العمل‪ ،‬إن كل عمل يعمله العاقل ل بد أن يكون لهدف يقصده‪ ،‬فأي عمل‬
‫ل يكون له مقصد يكون كضربة المجنون ليس لها هدف‪ .‬إن العاقل قبل أن يفعل أي عمل ينبغي‬
‫أن يعرف الغاية منه‪ ،‬وما الذي يحققه من النفع؟ وهل هذا النفع الذي سوف يحققه هو خير النفع‬
‫وأدومه‪ ،‬أو هو أقل من ذلك؟‬
‫عمَاُلهُمْ‬
‫طتْ أَ ْ‬
‫وعلى ضوء هذه المقاييس يحدد العاقل عمله‪ ،‬وحينما يقول الحق‪ { :‬أُولَـا ِئكَ الّذِينَ حَ ِب َ‬
‫فِي الدّنْيَا وَالخِ َرةِ } فهو سبحانه يريد أن يخبرنا أن إنسانا قد يفعل عمل هو في ظاهره خير‪،‬‬
‫ع ِملَ خيرا‪ .‬لماذا؟ لن عمل الخير ل يحسب للنسان إل بنية‬
‫فإياك أن تغتر أيها المؤمن بأنه َ‬
‫إيمانه بمن يجازى فالنسان إن عمل عمل قد تصلح به دنياه فهو عمل حسن‪ ،‬فلماذا يكون عمل‬
‫هؤلء حابطا في الدنيا‪ ،‬وفي الخرة؟ إنه حابط بموازين اليمان ويكون العمل حابطا لنه لم‬
‫يصدر من مؤمن‪ ،‬لن ذلك النسان قد عمل العمل ثقة بنتيجة العمل‪ ،‬ل ثقة بالمر العلى‪.‬‬
‫إن النسان المؤمن حين يقوم بالعمل يقوم بالعمل ثقة في المر العلى‪ .‬وبعض من الناس في‬
‫عصرنا يأخذون على السلم أنه ل يجازي الجزاء الحسن للكفرة الذين قاموا بأعمال مفيدة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للبشرية‪ .‬يقوم الواحد منهم‪ :‬هل يعقل أحد أن " باستير " الذي اكتشف الميكروبات‪ ،‬والعالم الخر‬
‫الذي اكتشف الشعة‪ ،‬وكل هؤلء العلماء يذهبون إلى النار؟ ولهؤلء نقول‪ :‬نعم‪ ،‬إن الحق بعدالته‬
‫أراد ذلك‪ ،‬ولنتقاض نحن وأنتم إلى أعراف الناس‪ .‬إن الذي يطلب أجرا على عمل يطلبه ممن؟ إنه‬
‫يطلب الجر ممن عمل له‪ .‬فهل كان ال في بال هؤلء العلماء وهم يفعلون هذه العمال؟ إن بالهم‬
‫كان مشغول بالنسانية‪ ،‬وقد أعطتهم النسانية التخليد‪ ،‬وغير ذلك من مكاسب الدنيا‪ ،‬وينطبق‬
‫عليهم قول الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن أول الناس ُي ْقضَى يوم القيامة عليه رجل استشهد‪،‬‬
‫فأتى به فعرفه نعمه فعرفها‪ ،‬قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال؛ فاتلت فيك حتى استشهدت قال‪ :‬كذبت‪،‬‬
‫ولكنك قاتلت لن يقال‪ :‬جرىء فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه‪ ،‬حتى ألقي في النار‪ ،‬ورجل‬
‫تعلّم العلم وعلمه وقرأ القرآن‪ ،‬فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها‪ ،‬قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪ :‬تعلمت‬
‫العلم وعلمته‪ ،‬وقرأت فيك القرآن قال‪ :‬كذبت‪ ،‬ولكنك تعلمت العلم ليقال‪ :‬عالم‪ ،‬وقرأت القرآن‪،‬‬
‫ليقال‪ :‬هو قارئ فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به‪ ،‬فسحب على وجهه‪ ،‬حتى ألقي في النار‪ ،‬ورجل وسّع ال‬
‫عليه‪ ،‬وأعطاه من أصناف المال كله‪ ،‬فأتى به‪ ،‬فعرفه نعمه فعرفها‪ ،‬قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪ :‬ما‬
‫تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إل أنفقت فيها لك‪ ،‬قال‪ :‬كذبت‪ ،‬ولكنك فعلت ليقال‪ :‬هو جواد‪،‬‬
‫فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه‪ ،‬ثم ألقي في النار "‪.‬‬

‫إذن فإذا كان الجزاء من ال‪ ،‬فلنا أن نسأل‪ :‬هل كان ال في بال هؤلء العلماء حينما أنتجوا‬
‫مخترعاتهم؟ لم يكن في بالهم ال‪ .‬والذي يطلب أجرا‪ ،‬فهو يطلبه ممن عمل له‪ .‬ولم يُضع ال ثمرة‬
‫عملهم‪ ،‬بل درت عليهم أعمالهم الذكر والجاه والرفعة‪ .‬لم يضع ال أجر من أحسن عمل‪ {.‬مَن‬
‫كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْ ِث ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا لَهُ فِي الخِ َرةِ‬
‫مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪.]20 :‬‬
‫وقد قلت لكم قديما‪ :‬تذكروا المفاجأة التي تحدث لمن عمل عمل هو في ظاهره خير‪ ،‬ولكن لم يكن‬
‫ظمْآنُ مَآءً‬
‫عمَاُلهُمْ كَسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ َيحْسَبُهُ ال ّ‬
‫ربه في باله‪ ،‬هذا ينطبق عليه قول الحق‪ {:‬وَالّذِينَ كَفَرُواْ أَ ْ‬
‫حسَابِ }[النور‪.]39 :‬‬
‫حَتّىا ِإذَا جَآ َءهُ لَمْ يَجِ ْدهُ شَيْئا َووَجَدَ اللّهَ عِن َدهُ َف َوفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْ ِ‬
‫إنه يفاجأ بوجود ال‪ ،‬ولم يكن هذا الله في باله ساعة أن قام بهذا العمل الذي هو في ظاهره خير‪،‬‬
‫كأن ال يقول لصاحب مثل هذا العمل‪ :‬أنا لم أكن في بالك ساعة أن قمت بهذا العمل‪ ،‬فخذ جزاءك‬
‫عمَاُلهُمْ فِي الدّنْيَا وَالخِ َر ِة َومَا َلهُمْ مّن نّاصِرِينَ { إن‬
‫طتْ أَ ْ‬
‫ممن كان في بالك‪ } .‬أُولَـا ِئكَ الّذِينَ حَبِ َ‬
‫أعمالهم حبطت في الدنيا‪ ،‬لنهم قد يعملون عمل يراد به الكيد للسلم‪ ،‬لذلك ل يمكنهم ال من‬
‫ذلك‪ ،‬بل يخذلهم جميعا‪ .‬وانتصر دين ال رغم قلة العُدّة‪ .‬وليس لهؤلء ناصرون‪ .‬أي ليس لهم من‬
‫يأتي ويراهم مهزومين أمام خصم لهم وينجدهم إنهم لن يجدوا ناصرا إذا هزمهم ال‪ ،‬فليس مع ال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أحد غيره‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬أََلمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ َنصِيبا مّنَ ا ْلكِتَابِ‪{ ...‬‬

‫(‪)414 /‬‬
‫حكُمَ بَيْ َن ُهمْ ثُمّ يَ َتوَلّى فَرِيقٌ مِ ْنهُمْ‬
‫عوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِ َي ْ‬
‫أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُوا َنصِيبًا مِنَ ا ْلكِتَابِ يُدْ َ‬
‫وَهُمْ ُمعْ ِرضُونَ (‪)23‬‬

‫ونعرف أننا ساعة نسمع قول الحق‪ { :‬أَلَمْ تَرَ }‪ .‬فهنا همزة استفهام‪ ،‬وهنا أداة نفي هي " لم " ‪،‬‬
‫وهنا " تر " ومعناها أن يستخدم النسان آلة البصار وهي العين‪ .‬فإذا ما قال ال لرسوله‪ { :‬أَلَمْ‬
‫ح ُكمَ بَيْ َنهُمْ ُثمّ يَ َتوَلّىا فَرِيقٌ مّ ْنهُ ْم وَ ُهمْ‬
‫عوْنَ إِلَىا كِتَابِ اللّهِ لِيَ ْ‬
‫تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ َنصِيبا مّنَ ا ْلكِتَابِ يُدْ َ‬
‫ّمعْ ِرضُونَ }‪ .‬إن هذه دعوة لمر واضح‪ .‬لكن في بعض الحيان تأتي { أََلمْ تَرَ } في حادث كان‬
‫زمانه قبل بعثته صلى ال عليه وسلم فلم يره رسول ال كقول الحق‪ {:‬أََلمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ‬
‫بَِأصْحَابِ ا ْلفِيلِ }[الفيل‪.]1 :‬‬
‫إن النبي صلى ال عليه وسلم لم ير أصحاب الفيل‪ ،‬إذن فساعة تسمع { أَلَمْ تَرَ } إن كان حدثها من‬
‫المعاصر‪ ،‬فمن الممكن أن تكون رؤية‪ ،‬والرؤية تؤدي إلى علم يقين‪ ،‬لنها رؤية لمشهود‪ ,‬وإن‬
‫جاءت { أََلمْ تَرَ } في أمر قد حدث من قبل‪ ،‬أو أمر لما يحدث بعد فهي تعني " ألم تعلم "؛ لن‬
‫الرؤية سيدة الدلة‪ ،‬فكأن ال سبحانه وتعالى ساعة يقول لرسوله في حدث لم يشهده الرسول‪ :‬ألم‬
‫تر؟ فهذا معناه‪ :‬ألم تعلم؟‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬ولماذا لم يأت بـ " تعلم " وجاء ب " تر "؟ لن سيادة الدلة هو الدليل المرئي‪،‬‬
‫فكأن ال يريد أن يخبرنا بـ { أَلَمْ تَرَ } أن نأخذ المعلومة من ال على أنها مرئية‪ ،‬وليكن ربك‬
‫أوثق عندك من عينك‪ ،‬إنك قد ل ترى بالفعل هذا المر الذي يخبرك به ال‪ ،‬ولكن لن القائل هو‬
‫ال‪ ،‬ول توجد قدرة تُخرج ما يقوله ال على غير ما يقوله ال‪ .‬لذلك فقد قلنا ساعة يعبر ال عن‬
‫المر المستقبل الذي سيأتي بعد‪ ،‬فإنه قد يعبر عنه بالماضي‪ ،‬فالحق قد قال‪ {:‬أَتَىا َأمْرُ اللّهِ فَلَ‬
‫عمّا يُشْ ِركُونَ }[النحل‪.]1 :‬‬
‫تَسْ َتعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَ َتعَالَىا َ‬
‫فهل ينسجم قوله‪ { :‬أَتَىا َأمْرُ اللّهِ } مع { فَلَ تَسْ َتعْجِلُوهُ }؟ إن المر الذي يخبرنا به ال قد أتى‪،‬‬
‫فكيف يمكن عدم استعجاله؟ إن " أتى " معناها أن المر قد حصل قبل أن يتكلم‪ .‬يجب علينا إذن‬
‫أن نعرف أن الذي قال‪ " :‬أتى " قادر على التيان به‪ ،‬فكأنه أمر واقع‪ ،‬إنها مسألة ل تحتاج إلى‬
‫جدال؛ لنه ل توجد قوة تستطيع أن نتازع ال لتبرز أمرا أراده في غير مراده‪ .‬فكأن قوله الحق‪:‬‬
‫{ أََلمْ تَرَ } إن كانت تحكى عن حدث فات زمنه فالذي يأتي منها هو العلم‪ ،‬لنه إخبار ال‪ ،‬وإن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كانت تحكى عن حدث معاصر فالذي يأتي منه أيضا هو العلم؛ لنه صادر عن رؤية ومشاهدة‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق‪ { :‬أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ َنصِيبا مّنَ ا ْلكِتَابِ }‪.‬‬
‫" وأوتوا " تلفتنا إلى قوم قد نزل إليهم منهج من أعلى‪ .‬ولذلك يأتي في القرآن ذكر المنهج بـ "‬
‫نزل " و " أنزل " ‪ ،‬وذلك حتى نشعر بعلو المكانة التي نزل منها المنهج‪ .‬وما هو النصيب؟ إننا‬
‫نسمي النصيب " الحظ " ‪ ،‬أو خارج القسمة‪ ،‬كأن يكون عندنا عشرون دينارا‪ ،‬ونقسمهما على‬
‫أربعة فيكون لكل واحد خمسة‪ ،‬هذه الخمسة الدنانير هي التي تسمى " نصيبا " أو " حظا " ‪،‬‬
‫والنصيب‪ " :‬حظ " أو " قسمة " يضاف لمن أخذه‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فلماذا يقول الحق‪ } :‬الّذِينَ أُوتُواْ َنصِيبا مّنَ ا ْلكِتَابِ { إنها لفتة جميلة‪ ،‬فالكتاب كله لم يبق‬
‫لهم‪ ،‬إنما الذي وصل وانتهى إليهم جزء بسيط من الكتاب‪ ،‬فكأن هذه الكلمة تنبه الرسول‬
‫والسامعين له أن يعذروا هؤلء القوم حيث لم يصلهم من الكتاب إل جزء يسير منه‪ ،‬إن نصيبا من‬
‫الكتاب فقط هو الذي وصلهم‪.‬‬
‫جعَلْنَا قُلُو َبهُمْ قَاسِيَةً ُيحَ ّرفُونَ ا ْلكَلِمَ‬
‫ضهِم مّيثَا َقهُمْ لَعنّا ُه ْم وَ َ‬
‫ويشرح الحق ذلك في آيات أخرى‪ {:‬فَ ِبمَا َن ْق ِ‬
‫علَىا خَآئِنَةٍ مّ ْنهُمْ ِإلّ قَلِيلً مّ ْنهُمُ }[المائدة‪:‬‬
‫ضعِهِ وَنَسُواْ حَظّا ّممّا ُذكِرُواْ بِ ِه َولَ تَزَالُ َتطّلِعُ َ‬
‫عَن ّموَا ِ‬
‫‪.]13‬‬
‫إن الجزء المنسي من الكتاب لم يأخذه المعاصرون لرسول ال‪ .‬وقلنا أيضا‪ :‬إن الحق قد أوضح‬
‫أن بعضهم كتم بعضا من الكتاب‪ {.‬الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ا ْلكِتَابَ َيعْ ِرفُونَهُ َكمَا َيعْ ِرفُونَ أَبْنَاءَ ُه ْم وَإِنّ فَرِيقا‬
‫ق وَهُمْ َيعَْلمُونَ }[البقرة‪.]146 :‬‬
‫حّ‬
‫مّ ْنهُمْ لَ َيكْ ُتمُونَ الْ َ‬
‫وما دام هناك من كتم بعضا من الكتاب فمعنى ذلك كتمانه عن المعاصرين له‪ ،‬وهناك أناس منهم‬
‫مخدوعون‪ ،‬فشيء من الكتاب قد نسى‪ ،‬وبالتالي مسح من الذاكرة‪ ،‬وهناك شيء من الكتاب قد كتم‪،‬‬
‫فصار معلوما عند البعض‪ ،‬وغير معلوم عند البعض الخر‪ ،‬وحتى الذي لم يكتموه‪ ،‬جاء فيه القول‬
‫ب وَ َيقُولُونَ‬
‫حسَبُوهُ مِنَ ا ْلكِتَابِ َومَا ُهوَ مِنَ ا ْلكِتَا ِ‬
‫الحكيم‪ {:‬وَإِنّ مِ ْنهُمْ َلفَرِيقا يَ ْلوُونَ أَ ْلسِنَ َتهُمْ بِا ْلكِتَابِ لِتَ ْ‬
‫ب وَهُمْ َيعَْلمُونَ }[آل عمران‪.]78 :‬‬
‫ُهوَ مِنْ عِنْدِ اللّ ِه َومَا ُهوَ مِنْ عِندِ اللّ ِه وَ َيقُولُونَ عَلَى اللّهِ ا ْلكَ ِذ َ‬
‫إذن فالكتاب الذي أنزل إليهم من ال قد تعرض لكثر من عدوان منهم‪ ،‬ولم يبق إل حظ من‬
‫الكتاب‪ ،‬وهذا الحظ من الكتاب هو الذي يجادل القرآن به هؤلء الناس‪ ،‬إن القرآن ل يجادلهم فيما‬
‫تبدل عندهم بفعل أحبارهم ورهبانهم السابقين‪ ،‬ولكنه يجادلهم بالنصيب الذي أوتوه‪.‬‬
‫حكُمَ بَيْ َن ُهمْ ثُمّ‬
‫عوْنَ إِلَىا كِتَابِ اللّهِ لِ َي ْ‬
‫يقول الحق‪ } :‬أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ َنصِيبا مّنَ ا ْلكِتَابِ يُدْ َ‬
‫يَ َتوَلّىا فَرِيقٌ مّ ْنهُ ْم وَ ُهمْ ّمعْ ِرضُونَ {‪ .‬وعن أي كتاب ل تتحدث هذه الية؟ هل تتحدث عن القرآن؟‬
‫حكّمَ في أمر بينهم وبين رسول ال‪ ،‬لكن الذين أوتوا نصيبا‬
‫لو كان الحديث عن القرآن فل بد أنه ُ‬
‫من الكتاب قد اختلفوا فيما بينهم‪ ،‬ولماذا يختلفون فيما بينهم؟ السبب هو أيضا لون من البغي فيما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بينهم‪.‬‬
‫وإذا كان الكتاب هو القرآن‪ ،‬أليس القرآن مصدقا لما معهم؟‬
‫إذن فعندما يدعون ليتم التصديق على ما جاء في كتبهم‪ ،‬فالدعوة هنا لن يسود حكم القرآن‪ .‬وما‬
‫عوْنَ إِلَىا كِتَابِ اللّهِ { ‪ ،‬إن الداعي هو الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهم المدعون‪،‬‬
‫معنى } يُدْ َ‬
‫وما دام الحق قد قال‪ } :‬أُوتُواْ َنصِيبا مّنَ ا ْلكِتَابِ { فهل كان خلفهم في النصيب الذي بين أيديهم أم‬
‫النصيب المحذوف؟ إنه خلف بينهم في النصيب الذي بين أيديهم‪ ،‬ليكون ذلك حجة على أنهم غير‬
‫مأمونين حتى على ما وصل إليهم وما هو مكتوب عندهم‪ .‬وعندما تكلم العلماء عن هذه المسألة‬
‫أوردوا لذلك المر حادثة‪ .‬لقد اختلفوا في أمر سيدنا إبراهيم وقالوا‪ :‬إن سيدنا إبراهيم يهودي وقال‬
‫بعضهم‪ :‬إنه نصراني‪ .‬وجاء القرآن حاسما‪ {:‬مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ َيهُودِيّا َولَ َنصْرَانِيّا وََلكِن كَانَ حَنِيفا‬
‫مّسْلِما َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ }[آل عمران‪.]67 :‬‬
‫لماذا‪ ..‬لن كلمة يهودي ونصراني قد جاءت بعد إبراهيم‪ ،‬وكان ل بد لهم أن يخرجوا من قلة‬
‫الفطنة وأن يرتبوا الحداث حسب زمنها‪ ،‬إذن ففي إي أمر اختلفوا؟ هل اختلفوا في أمر النبي‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم؟ هل اختلفوا في حكم موجود عندهم في التوراة؟ لقد كانت الدعوة‬
‫حكُمَ بَيْ َنهُمْ { وذلك يدل على أن كلمة‪َ {:‬بغْيا‬
‫عوْنَ إِلَىا كِتَابِ اللّهِ لِيَ ْ‬
‫موجهة إليهم في ماذا؟ إنهم } يُدْ َ‬
‫بَيْ َنهُمْ }[آل عمران‪.]19 :‬‬
‫هي حالة شائعة بينهم‪ ،‬لماذا؟ لن العلماء حينما ذكروا الحادثة التي دعوا للحكم فيها بكتاب ال‪،‬‬
‫قال العلماء‪ :‬إن اثنين من يهود خيبر ‪ -‬امرأة ‪ -‬خيبرية ورجل من خيبر‪ ،‬قد زنيا‪ ،‬وكان الثنان‬
‫من أشراف القوم‪ ،‬ويريد الذي يحكمون في هذا المر بكتاب التوراة أل يبرزوا حكم ال الذي جاء‬
‫بالتوراة‪ ،‬وهو الرجم‪ ،‬فاحتالوا حيلة‪ ،‬وهي أن يذهبوا إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬ولماذا‬
‫يذهبوا في هذه الجزئية إلى رسول ال عليه وسلم؟ إننا نأخذ مجرد الذهاب إلى رسول ال ارتضاء‬
‫لحكمه‪.‬‬
‫لكن لماذا لم يرتضوا من البداية بكل ما جاء به رسول ال؟ لقد أرادوا أن يذهبوا لعلهم يجدون نفعا‬
‫في مسألة يبغونها‪ ،‬أما في غير ذلك فهم ل يذهبون إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إن مجرد‬
‫ذهابهم إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم يعطينا فكرة عنهم‪ ،‬لقد كانوا يريدون حكما مخففا غير‬
‫الرجم‪ .‬إن الزاني وهو من خيبر والخيبرية الزانية أرادا أن يستنقذا أنفسهما من حكم التوراة‬
‫بالرجم‪ ،‬إنهما من أشراف خيبر‪ ،‬ولن اليهود قد صنعوا لنفسهم في ذلك الوقت سلطة زمنية‪،‬‬
‫فذهب الزاني والزانية ومعهما الحبار الذين الذين يريدون أن يلووا حكم ال السابق نزوله في‬
‫التوارة وهو الرجم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعندما دخلوا على رسول ال كان هناك واحد اسمه " النعمان بن أوفى " ‪ ،‬وواحد اسمه " بحرى‬
‫بن عمرو " فقالوا‪ :‬يارسول اقض بين هؤلء‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ما معناه‪ :‬أوَ‬
‫ليس عندكم حكم؟ وأضاف رسول ال ما معناه‪ :‬أنا احتكم إلى التوراة وهي كتابكم‪ ،‬فماذا‬
‫قالوا‪:‬؟قالوا‪ :‬أنصفتنا‪.‬‬
‫وكان رسول ال قد بين لهم حكم السلم في الزنا بأنه الرجم‪ ،‬وجيء بالجزء الباقي عندهم من‬
‫التوراة لرسول ال صلى ال عليه وسلم الذي يتضمن الحكم الملزم دليل على أن ال أطلعه على‬
‫أشياء لم تكن في بال أحد‪ .‬فدعا بقسم من التوراة‪ ،‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ما معناه‪:‬‬
‫أيكم أعلم بالتوراة؟ فقالوا شخص اسمه عبد ال بن صورية فأحضروه‪ ،‬وأعطاه التوراة‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫اقرأ مجلس عبد ال بن صورية يقرأ‪ ،‬فلما مر على آية الرجم وضع كفه عليها ليخفيها‪ ،‬وقرأ‬
‫غيرها وكان عبد ال بن سلم حاضرا‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال أما رأيته قد ستر بكفه آية وقرأ ما‬
‫بعدها؟ وزحزح ابن سلم كف الرجل‪ ،‬وقرأ هو فإذا هي آيةُ الرجم‪.‬‬
‫هذه المسألة تعطينا أن الحكم في القرآن الكريم هو الحكم في التوراة في أمر الزنا‪ ،‬وتعطينا أيضا‬
‫أن رسول ال صلى ال عليه وسلم أفاض ال عليه من إلهاماته فجاء بالجزء من التوراة الذي‬
‫يحمل هذا النص‪ .‬وجاء بعد ذلك جندي من جنود ال هو عبد ال بن سلم وكان يهوديا قد أسلم‬
‫ليظهر به رغبة القوم في التزييف والتزوير‪.‬‬
‫وإسلم عبد ال بن سلم له قصة عجيبة‪ ،‬فبعد أن اختمر اليمان في قلبه‪ ،‬جاء إلى رسول ال‬
‫قائل‪ :‬لقد شرح ال صدري إلى السلم ونطق بكلمة " ل إله إل ال محمد رسول ال " ولكني‬
‫أحب قبل أن أعلن إسلمي أن تحضر رؤساء اليهود لتسألهم رأيهم في شخصى‪ ،‬لن اليهود " قوم‬
‫بهت " فيهم افتراء وفيهم الكذب وفيهم التضليل‪ ،‬فلما سأل رسول ال صلى ال عليه وسلم رؤساء‬
‫اليهود عن رأيهم في عبد ال بن سلم قالوا‪ :‬سيدنا وابن سيدنا وحبرنا‪ ..‬إلخ‪ .‬وأفاضوا في صفات‬
‫المدح والطراء والتقدير‪ .‬فقال عبد ال بن سلم أمامهم‪ :‬الن أشهد أل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدا‬
‫رسول ال‪ ،‬فانقلب رؤساء اليهود‪ ،‬وقالوا في عبد ال بن سلم‪ :‬عكس ما قالوه أول‪ ،‬قالوا‪ :‬إنه‬
‫خبيثنا وابن خبيثنا‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫لقد غيروا المديح إلى ذم‪ .‬فقال عبد ال بن سلم‪ :‬يا رسول ال أما قلت لك‪ :‬إنهم قوم بهت؟ وال‬
‫لقد أردت أن أعلمك برأيهم في قبل أن أسلم‪ .‬ذلك هو عبد ال بن سلم الذي زحزح كف عبد ال‬
‫بن صورية عن النص الذي فيه آية الرجم في التوراة‪ ،‬وفي ذلك جاء القول الحق‪ } :‬أَلَمْ تَرَ إِلَى‬
‫ح ُكمَ بَيْ َنهُمْ ُثمّ يَ َتوَلّىا فَرِيقٌ مّ ْنهُ ْم وَ ُهمْ‬
‫عوْنَ إِلَىا كِتَابِ اللّهِ لِيَ ْ‬
‫الّذِينَ أُوتُواْ َنصِيبا مّنَ ا ْلكِتَابِ يُدْ َ‬
‫ّمعْ ِرضُونَ { إنهم الذين أعرض فريق منهم عن قبول الحق‪.‬‬
‫ما سبب هذا العراض؟ أهو قضية عامة؟ أو أنّ سبب هذا العراض هو السلطة الزمنية التي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أراد اليهود أن يتخذوها لنفسهم؟ ومعنى السلطة الزمنية أن يجيء أشخاص فيأخذوا من قداسة‬
‫الدين ما يفيض عليهم هم قداسة‪ ،‬ويستمتعوا بهذه القداسة ثم يستخدموها في غير قضية الدين‪ ،‬هذا‬
‫هو معنى السلطة الزمنية‪ .‬وقلنا سابقا‪ :‬إن كل تحوير في منهج ال سببه البغي‪ ،‬والمفروض أن‬
‫أهل الكتاب من أصحاب التوراة كانوا يستفتحون على العرب ويقولون‪ :‬سيأتي نبي من العرب‬
‫نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم‪ ،‬فلما جاءهم رسول ال صلى ال عليه وسلم بما عرفوه سابقا في‬
‫كتبهم كفروا به‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في مثل هذه القضية موضحا موقفهم من قضية‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُمْ َومَنْ عِن َدهُ عِلْمُ‬
‫ستَ مُرْسَلً ُقلْ َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫اليمان العليا‪ {:‬وَ َيقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ لَ ْ‬
‫ا ْلكِتَابِ }[الرعد‪.]43 :‬‬
‫فكأن من عنده علم بالكتاب كان مفروضا فيه أن يشهد لصالح رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وإل فل يقول ال‪َ } :‬ومَنْ عِن َدهُ عِلْمُ ا ْلكِتَابِ { لن يقول الحق ذلك إل إذا كان عند علماء أهل‬
‫الكتاب ما يتفق مع ما جاء به ال في صدق رسوله صلى ال عليه وسلم في البلغ عنه‪ ،‬وكان‬
‫السبب في محاولة بعض اليهود لنكار رسالة رسول ال هو السلطة الزمنية‪ ،‬وأرادوا أن ييسروا‬
‫لتباعهم أمور الدين‪.‬‬
‫إن كل دعي ‪ -‬أي مزيف ‪ -‬في مبدأ من المبادئ يحاول أن يأخذ لنفسه سلطة زمنية‪ ،‬فيأتي إلى‬
‫تكاليف‪ ،‬الدين التي قد يكون فيها مشقة على النفس‪ ،‬ويحاول أن يخفف من هذه التكاليف‪ ،‬أو يأتي‬
‫بدين فيه تخفيف مخل بالعبادات‪ ،‬فإذا نظرنا إلى مسيلمة الكذاب نجده قد خفف الصلة حتى يُرغب‬
‫في دينه من تشق عليه الصلة‪ ،‬وينضم إلى دين مسيلمة‪ ،‬وحذف مسيلمة جزءا من الزكاة‪ ،‬وهذا‬
‫يعطي فرصة التحلل من تكاليف الدين‪ ،‬ولذلك فالذي أفسد الديان السابقة على السلم أن بعضا‬
‫من رجال الدين فيها كلما رأوا قوما على دين فيه تيسيرات أخذوا من هذه التيسيرات ووضعوها‬
‫في الدين؛ لن تكاليف الدين شاقة ول يحمل إنسان نفسه عليها إل من آمن بها إيمان صدق وإيمان‬
‫حق‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في عمدة العبادات وهي الصلة‪ {:‬وَاسْ َتعِينُواْ بِالصّبْرِ‬
‫شعِينَ }[البقرة‪.]45 :‬‬
‫لةِ وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ ِإلّ عَلَى الْخَا ِ‬
‫وَالصّ َ‬
‫ل ِة وَاصْطَبِرْ عَلَ ْيهَا لَ‬
‫ويقول في موقع آخر في القرآن الكريم عن الصلة‪ {:‬وَ ْأمُرْ أَهَْلكَ بِالصّ َ‬
‫ك وَا ْلعَاقِبَةُ لِل ّت ْقوَىا }[طه‪.]132 :‬‬
‫نَسْأَُلكَ رِزْقا نّحْنُ نَرْ ُز ُق َ‬
‫إن الحق عليم حكيم بمن خلق وهو النسان‪ ،‬ويعلم أن الضعف قد يصيب روح النسان فل‬
‫يصطبر على الصلة‪ ،‬أو يراها تكليفا صعبا‪ ،‬لكن الذي يقيم الصلة ويحافظ عليها فهو الخاشع‬
‫لربه‪.‬‬
‫ولذلك فإننا نجد أن كل منحرف يأتي ويحاول أن يخفف من تكاليف الدين‪ ،‬ويحاول أن يحلل أشياء‬
‫محرمة في الدين‪ ،‬ولم نر منحرفا يزيد في الشياء المحرمة‪ .‬إن المنحرفين يريدون إنقاص المور‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحرام‪ .‬إذا سألنا هؤلء المنحرفين‪ :‬لماذا تفعلون ذلك؟ فإننا نجد أنهم يفعلون ذلك لجذب الناس إلى‬
‫أمور محرمة يحللها هؤلء المنحرفون‪ .‬ولذلك أراد أراد بعض اليهود أن يسهلوا على أتباعهم‬
‫الدين‪ ،‬وقال بعض من أحبارهم‪ :‬ل تخافوا من أمر يوم القيامة‪ .‬وجاء القول الحق يحكي عنهم‬
‫وكأنهم حاولوا أن يفهموا المر بأن ال يحلل لهم أمورا‪ ,‬ل‪ ،‬إن ال لم يحلل إل الحلل‪ ،‬ولم يحرم‬
‫حكِيمُ‬
‫لكُ ْم وَ ُهوَ ا ْلعَلِيمُ الْ َ‬
‫إل الحرام‪ .‬وإذا كان الحق قد قال‪ {:‬قَدْ فَ َرضَ اللّهُ َل ُكمْ تَحِلّةَ أَ ْيمَا ِنكُ ْم وَاللّهُ َموْ َ‬
‫}[التحريم‪.]2 :‬‬
‫فهذا القول الحكيم جاء في مناسبة محددة وينطبق فقط في مجال ما حلل ال فل تحرمه‪ ،‬أما ما‬
‫حرم ال فل تقربه‪ ،‬لقد أرادوا أن يبيحوا للتباع ارتكاب الثام‪ ،‬لن النار لن تصيبهم إل أيام‬
‫معدودة‪ ،‬وإذا دققنا التأمل في القول الحق الذي جاء على لسانهم‪ ،‬فإننا نجد التي‪ :‬إننا نعرف أن‬
‫لكل حدث زمان‪ ،‬ولكل حدث قوة يحدث عليها‪ ،‬فمن ناحية الزمان‪ .‬قال هؤلء المزوّرون لحكام‬
‫ال عن يوم القيامة إنها أيام معدودة‪ ،‬فل خلود في النار‪ ،‬وحتى لو كان العذاب شديدا فإنه أيام‬
‫معدودة‪ ،‬فالنسان يستطيع أن يتحمل‪ ،‬ومن ناحية قوة الحدث أرادوا أن يخففوا منه‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنه‬
‫عذاب ليس بشديد إنما هو مجرد مس‪ .‬إنهم يحاولون إغراء الناس لفسادهم وقال هؤلء الحبار‪:‬‬
‫نحن أبناء ال وأحباءه أرأيتم أحدا يعذب أبناءه وأحباءه؟ لقد أعطى ال يعقوب النبوة‪ ،‬ول يمكن أن‬
‫ضغْثا فَاضْرِب بّهِ وَلَ َتحْ َنثْ إِنّا وَجَدْنَاهُ‬
‫ك ِ‬
‫يعاقب ذريته أبدا‪ ،‬إل بمقدار تحلة القسم‪ {.‬وَخُذْ بِ َي ِد َ‬
‫صَابِرا ّنعْمَ ا ْلعَ ْبدُ إِنّهُ َأوّابٌ }[ص‪.]44 :‬‬
‫إن أيوب عليه السلم قد حلف أن يضرب امرأته إذا برئ من مرضه مائة سوط‪ ،‬وأراد ال أن‬
‫يحله في هذا القسم فأمره أن يأخذ حزمة من حشيش أو عشب فيها مائة عود ويضربها بها ضربة‬
‫خفيفة ليبرّ في قسمه‪ ،‬وكان ذلك رحمة من ال به وبزوجه التي قامت على رعايته وقت المرض‪،‬‬
‫وكان أيوب عبدا شاكرا ل‪ ،‬كأن الضربة الواحدة هي مائة ضربة‪ ،‬وهذا تحليل للقسم‪ ،‬وقال بعض‬
‫من بني إسرائيل‪ :‬إن ذرية بني يعقوب لن تُعذب من ال إل بمقدار تحلة القسم‪ ،‬وكل ذلك ليزينوا‬
‫للناس بقاءهم على هذا الدين الذي سوف تكون الخرة فيه بعذابها مجرد مس من النار‪ ،‬وأيام‬
‫معدودة‪ ،‬بادعاء أن بني يعقوب هم أبناء ال وأحباؤه‪ ،‬وأن ال قد أعطى وعدا ليعقوب بأنه لن‬
‫يعذب أبناءه إل بمقدار تحلة القسم‪ ،‬وهذا بطبيعة الحال هو تزييف لدين ال ومنهجه لقد تولوا عن‬
‫منهج ال‪ ،‬وأعرضوا عنه بعصيان‪ ،‬يوضح لنا هذا المعنى القول الكريم‪ } :‬ذاِلكَ بِأَ ّن ُهمْ قَالُواْ لَن‬
‫َتمَسّنَا النّارُ ِإلّ أَيّاما ّمعْدُودَاتٍ‪{ ...‬‬

‫(‪)415 /‬‬
‫ت وَغَرّهُمْ فِي دِي ِنهِمْ مَا كَانُوا َيفْتَرُونَ (‪)24‬‬
‫ذَِلكَ بِأَ ّنهُمْ قَالُوا لَنْ َتمَسّنَا النّارُ إِلّا أَيّامًا َمعْدُودَا ٍ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد تولوا وهم معرضون عن حكم ال لقد ظنوا أن النار لن تمسهم إل أياما معدودات‪ .‬ولنا أن‬
‫نعرف معنى " غرهم " ولنا أن نسأل ما الغرور؟ إن الغرور هو الطماع فيما ل يصح ول‬
‫يحصل‪ ،‬فعندما تقول لواحد والعياذ بال‪ " :‬أنت مغرور " فأنت تقصد أنه يسلك سبيل ل يوصله‬
‫إلى الهدف المنشود‪ .‬إذن فالغرور هو الطماع فيما ل يصح ول يحصل‪ ،‬ولذلك يسمى ال‬
‫حقّ فَلَ َتغُرّ ّنكُمُ ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَا َولَ َيغُرّ ّنكُمْ بِاللّهِ‬
‫ن وَعْدَ اللّهِ َ‬
‫الشيطان " الغرور "‪ {.‬ياأَ ّيهَا النّاسُ إِ ّ‬
‫سعِيرِ }‬
‫ع ُدوّا إِ ّنمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِ َيكُونُواْ مِنْ َأصْحَابِ ال ّ‬
‫خذُوهُ َ‬
‫ا ْلغَرُورُ * إِنّ الشّ ْيطَانَ َلكُمْ عَ ُدوّ فَاتّ ِ‬
‫[فاطر‪.]6-5 :‬‬
‫إنه الشيطان الذي يزين للناس بعض المور ويحث الخلق ليطمعوا في حدوثها‪ ،‬وعندما تحدث فإن‬
‫هذه المور ل صواب فيها‪ ،‬فهي مما زينه الشيطان‪ ،‬لذلك فحصيلتها ل تتناسب مع الطمع فيها‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول عن الدنيا‪ {:‬اعَْلمُواْ أَ ّنمَا ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَا َل ِعبٌ وََلهْ ٌو وَزِينَ ٌة وَ َتفَاخُرٌ بَيْ َنكُ ْم وَ َتكَاثُرٌ‬
‫حطَاما َوفِي‬
‫صفَرّا ثُمّ َيكُونُ ُ‬
‫جبَ ا ْلكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ َيهِيجُ فَتَرَاهُ ُم ْ‬
‫عَ‬
‫ل ْولَدِ َكمَثَلِ غَ ْيثٍ أَ ْ‬
‫ل ْموَالِ وَا َ‬
‫فِي ا َ‬
‫ضوَانٌ َومَا ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَآ ِإلّ مَتَاعُ ا ْلغُرُورِ }[الحديد‪.]20 :‬‬
‫الخِ َرةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ َومَ ْغفِ َرةٌ مّنَ اللّ ِه وَ ِر ْ‬
‫ويقال عن الرجل الذي ليس له تجربة‪ :‬إنه " غِرّ " فيأتي بأشياء بدون تجربة؛ فل ينتفع منها‪ ،‬ول‬
‫تصح‪ .‬إذن‪ ،‬فكل مادة " الغرور " مأخوذة من إطماع فيما ل يصح ول يحصل‪ .‬لذلك سمى ال‬
‫الشيطان " الغرور " لنه يطمعنا نحن البشر بأشياء ل تصح ول تحدث‪ ،‬ولهذا سوف يأتي‬
‫لمْرُ إِنّ‬
‫ياَ‬
‫ضَ‬
‫الشيطان يوم القيامة ليتبرأ من الذين اتبعوه ويتهمهم بالبلهة‪َ {:‬وقَالَ الشّيْطَانُ َلمّا ُق ِ‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْ َتجَبْتُمْ‬
‫سلْطَانٍ ِإلّ أَن دَ َ‬
‫ع َدكُ ْم وَعْدَ ا ْلحَقّ وَوَعَدّت ُكمْ فَأَخَْلفْ ُتكُ ْم َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مّن ُ‬
‫اللّ َه وَ َ‬
‫خيّ إِنّي َكفَرْتُ ِبمَآ أَشْ َركْ ُتمُونِ من‬
‫خ ُك ْم َومَآ أَنتُمْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫سكُمْ مّآ أَنَاْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫لِي فَلَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُ َ‬
‫قَ ْبلُ إِنّ الظّاِلمِينَ َلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫ما معنى { َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْي ُكمْ مّن سُ ْلطَانٍ }؟ السلطان أي القوة التي تقنع النسان بعمل فعل ما‪،‬‬
‫وهو إما أن يكون سلطان الحجة فيقنعك بفعل ما‪ ،‬فتفعله‪ ،‬وإما أن يكون سلطان القوة‪ ،‬فيرغمك أن‬
‫تفعل‪ ،‬السلطان ‪ -‬إذن ‪ -‬نوعان‪ :‬سلطان حجة‪ ،‬وسلطان قوة‪ ،‬والفرق بين سلطان الحجة و سلطان‬
‫القوة القاهرة على الفعل‪ ،‬هو أن سلطان الحجة يقنعك أن تفعل وأنت مقتنع‪ ،‬أما سلطان القوة‬
‫القاهرة فهو ل يُقنع النسان‪ ،‬ولكنه يُرغم النسان على فعل ما‪ ،‬ولذلك فالشيطان يعلن لتباعه يوم‬
‫القيامة‪ :‬لم يكن لي سلطان عليكم‪ ،‬ل حجة عندي لقنعكم بعمل المعاصي‪ ،‬ول عندي قوة ترغمكم‬
‫على الفعل‪ ،‬لكنكم أنتم كنتم على حرف إتيان المعاصي ودعوتكم فاستجبتم لي‪.‬‬
‫خيّ }[إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫خ ُك ْم َومَآ أَن ُتمْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫ويضيف الشيطان مخاطبا أتباعه‪ {:‬مّآ أَنَاْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫أي أن الشيطان يؤكد أنه لن يفزع لحد من الذين اتبعوه لينجده‪ ،‬إن كلمة " يصرخ " تعني أن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هناك مَنْ يفزع لحد تلبية لنداء أو استغاثة‪ .‬الشيطان إذن لن ينجد أحدا من عذاب ال‪ ،‬ولن ينجد‬
‫أحد الشيطان من عذاب ال‪ ،‬وهكذا ذهب بعض من أهل الكتاب إلى الغرور في دين ال‪ ،‬فافتروا‬
‫أقوال على ال‪ ،‬لم تصدر عنه‪ ،‬وصدقوا افتراءاتهم‪ ،‬ويا ليت غرورهم لم يكن في الدين لن‬
‫الغرور في غير الدين تكون المصيبة فيه سهلة لكن الغرور في الدين هو المصيبة الكبرى‪ ،‬لماذا؟‬
‫لن الغرور في أي أمر يخضع لقانون واضح‪ ،‬وهو أن ميعاد كل حدث موقوت بماهيته‪ ،‬لكن‬
‫الغرور في امر الدين مختلف لماذا؟ لن حدث الدين غير موقوت بماهية الزمان‪ ،‬إنه مستمر‪ ،‬لن‬
‫منهج قيم صدر من الحق إلى الخلق‪ ،‬إن الغرور في أي جزئية من جزئيات الدنيا‪ ،‬فإن فشلت‬
‫فالفشل يقف عند هذه الجزئية وحدها‪ ،‬ول يتعدى الفشل إلى بقية الزمن‪ ،‬لكن الغرور في الدين‬
‫يجعل العمر كُله يضيع‪ ،‬لن النسان لم يتبع المنهج الحق بل يمتد الضياع والعذاب إلى العمر‬
‫الثاني وهو الحياة في الخرة يقول الحق‪ {:‬وَغَرّهُمْ فِي دِي ِن ِهمْ مّا كَانُواْ َيفْتَرُونَ }[آل عمران‪.]24 :‬‬
‫والفتراء هو تعمد الكذب‪ ،‬إن الحق سبحانه يوضح لهم المعنى فيقول‪ :‬إن حصل ذلك منكم‬
‫وأعرضتم عن حكم ال الذي دعيتم إليه في كتاب ال‪ ،‬وعللتم ذلك بأن النار لن تمسكم إل أياما‬
‫معدودة‪ ،‬وادعيتم كذبا أن اليام المعدودات هي أيام عبادتكم للعجل‪ ،‬وادعيتم أنكم أبناء ال‬
‫وأحباءه‪ ،‬إن ذلك كله غرور وافتراءات‪ ،‬ويا ليتهم كانوا يعلمون صدق هذه الفتراءات‪ ،‬لكنهم هم‬
‫الذين قالوها ويعرفون أنها كذب‪ ،‬فإذا جاز ذلك لهم في هذه الدنيا فكيف يكون موقفهم وحالهم‬
‫ج َمعْنَا ُهمْ لِ َيوْ ٍم لّ رَ ْيبَ‬
‫عندما يجمعهم ال في يوم ل ريب فيه؟ وفي هذا يقول الحق‪َ } :‬فكَ ْيفَ ِإذَا َ‬
‫فِيهِ‪{ ....‬‬

‫(‪)416 /‬‬
‫ج َمعْنَا ُهمْ لِ َيوْمٍ لَا رَ ْيبَ فِي ِه َو ُوفّيَتْ ُكلّ َنفْسٍ مَا َكسَ َبتْ وَ ُهمْ لَا ُيظَْلمُونَ (‪)25‬‬
‫َفكَ ْيفَ ِإذَا َ‬

‫إن كذبهم سينكشف في هذا اليوم‪ ،‬فالفاضحة قد جاءت‪ ،‬والفاضحة هي القيامة‪ ،‬إنها تفضح كل‬
‫كذاب وكل غشاش وكل داعية بغير الحق‪ .‬إن الحق يتساءل‪ :‬كيف يصنعون ذلك كله في الحياة‬
‫التي جعلنا لهم فيها اختيارا‪ ،‬فيفعلون ما يريدون‪ ،‬ول يفعلون ما ل يريدون‪ ،‬يحدث منهم كل ذلك‬
‫وهم يعلمون أن الحق قد جعل الثواب لمن اتبع تكاليف ال‪ ،‬وجعل العقاب لمن يخرج عن مراد‬
‫ال‪ ،‬كيف يتصرفون عندما يسلب الحق منهم الختيار ويجئ يوم القيامة‪ .‬لقد كانوا في الدنيا‬
‫يملكون عطاء ال من قدرة الختيار بين البديلت‪ ،‬وركز ال لهم في بنائهم أن كل جوارحهم‬
‫خاضعة لرادتهم كبشر من خلق ال‪ ،‬فمنهم من يستطيع ان يستخدم جوارحه فيما يرضى ال‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفيهم من يستخدم جوارحه المسخرة له ‪ -‬بفضل ال ‪ -‬فيما ل يرضى ال‪ ،‬إن الجوارح كما نعلم‬
‫جميعا خاضعة لرادة النسان‪ ،‬وإرادة النسان هي التي تختار بين البديلت‪ ،‬لكن ماذا يفعل هؤلء‬
‫يوم القيامة؟ إن الجوارح التي كانت تطيع الخارجين عن منهج ال في الفعل ل تطيعهم في هذا‬
‫اليوم العظيم؛ لن الطاعة اختيار أن تفعل وتطيع‪ ،‬والجوارح يوم القيامة ل تكون مقهورة لرادة‬
‫النسان‪ ،‬إن الجوارح يوم القيامة تنحل عنها صفة القهر والتسخير لمراد النسان‪ ،‬وتصير‬
‫ش َهدُ عَلَ ْيهِمْ أَ ْلسِنَ ُتهُ ْم وَأَيْدِي ِه ْم وَأَرْجُُلهُمْ ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ * َي ْومَئِذٍ‬
‫الجوارح على طبيعتها‪َ {:‬يوْمَ تَ ْ‬
‫ُي َوفّيهِمُ اللّهُ دِي َنهُمُ ا ْلحَقّ وَ َيعَْلمُونَ أَنّ اللّهَ ُهوَ ا ْلحَقّ ا ْلمُبِينُ }[النور‪.]25-24 :‬‬
‫إن اللسان كان أداة إعلن الكفر‪ ،‬وهو يوم القيامة يشهد على الكافر‪ ،‬واليد كانت أداة معصية ال‪،‬‬
‫وهي يوم القيامة تشهد على صاحبها‪ ،‬والجلود تشهد أيضا‪ ،‬لقد كانت الجوارح خاضعة لرادة‬
‫أصحابها‪ ،‬وتفعل ما يريدونها أن تفعل‪ ،‬ولكنها كانت تفعل الفعل العاصي ل وهي كارهة لهذا‬
‫الفعل؛ لذلك يقول الحق‪:‬‬
‫ج َمعْنَاهُمْ لِ َيوْ ٍم لّ رَ ْيبَ فِي ِه َو ُوفّيَتْ ُكلّ َنفْسٍ مّا َكسَ َبتْ وَ ُه ْم لَ يُظَْلمُونَ } [آل عمران‪:‬‬
‫{ َفكَ ْيفَ إِذَا َ‬
‫‪.]25‬‬
‫كيف يكون حالهم يوم يجمعهم ال للجزاء في يوم ل ريب فيه ول شك في مجيئه‪ ..‬وهذا اليوم‬
‫قادم ل محالة لقيام الدلة على وجوده‪ ،‬رغم خصومتهم ل فإن ال العادل الحق ل يظلمهم بل‬
‫سيأخذهم بمقاييس العدل‪.‬‬

‫(‪)417 /‬‬
‫ُقلِ الّلهُمّ مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ ُتؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ مَنْ تَشَا ُء وَتَنْ ِزعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ تَشَاءُ وَ ُتعِزّ مَنْ َتشَا ُء وَتُ ِذلّ مَنْ تَشَاءُ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ (‪)26‬‬
‫بِيَ ِدكَ ا ْلخَيْرُ إِ ّنكَ عَلَى ُكلّ َ‬

‫وساعة تسمع كلمة " ملك " ‪ ،‬فلنا أن نعرف أن هناك كلمة هي " مُلك " بضم الميم‪ ،‬وكلمة أخرى‬
‫هي " مِلك " بكسر الميم‪ .‬إن كلمة " مِلك " تعني أن للنسان ملكية بعض من الشياء‪ ،‬كملكية‬
‫إنسان لملبسه وكتبه وأشيائه‪ ،‬لكن الذي يملك مالك هذا الملك فهذا تسميه " مُلك " ‪ ،‬فإذا كانت هذه‬
‫الملكية في المر الظاهر لنا‪ ،‬فإننا نسميه " عالم الملك " ‪ ،‬وهو العالم المُشاهد‪ ،‬وإذا كانت هذه‬
‫الملكية في المر الخفي فإننا نسميه " عالم الملكوت "‪ .‬إذن‪ ،‬فنحن هنا أمام " مِلك " ‪ ،‬و " مُلك " و‬
‫" ملكوت "‪ .‬ولذلك فعندما تجلى الحق سبحانه وتعالى على سيدنا إبراهيم خليل الرحمن وكشف له‬
‫ت وَالَ ْرضِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ما خفي عن العيون وما ظهر‪ ،‬قال سبحانه‪َ {:‬وكَذَِلكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مََلكُوتَ ال ّ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَلِ َيكُونَ مِنَ ا ْلمُوقِنِينَ }[النعام‪.]75 :‬‬
‫أي أن ال سبحانه وتعالى أراد لسيدنا إبراهيم أن يشاهد الملكوت في السماوات والرض‪ ،‬أي كل‬
‫الشياء الظاهرة والخافية المخفية عن عيون العباد‪ .‬وهكذا نرى مراحل الحيازة كالتي‪ :‬ملك‪ ،‬أي‬
‫أن يملك النسان شيئا ما‪ ،‬وهذا نسميه مالكا للشياء فهو مالك لشيائه‪ ،‬ومالك لمتاعه أما الذي‬
‫يملك النسان الذي يملك الشياء فإننا نسميه " مُلك " ‪ ،‬أي أنه يملك من يملك الشياء‪ ،‬والظاهرة‬
‫في الولى نسميها " مِلْك " فكل إنسان له ملكية بعض من الشياء‪ ،‬وبعد ذلك تنحاز الى القل‪ ،‬اي‬
‫ان تنسب ملكية أصحاب الملك إلى ملك واحد‪ .‬فالملكية بالنسبة للنسان تتلخص في أن يملك‬
‫النسان شيئا فيصير مالكا‪ ،‬وإنسان آخر يوليه ال على جماعة من البشر فيصير مَلِكا‪ ،‬هذا في‬
‫المجال البشرى‪.‬‬
‫أما في المجال اللهي‪ ،‬فإننا نُصعد لنرى من يملك كل مالك وملك‪ ،‬إنه ال سبحانه وتعالى‪ .‬ول‬
‫يظن أحد أن هناك إنسانا قد ملك شيئا؛ أو جاها في هذه الدنيا بغير مراد ال فيه‪ ,‬فكل إنسان يملك‬
‫بما يريده ال له من رسالة‪ ,‬فإذا انحرف العباد‪ ,‬فل بد أن يولى ال عليهم ملكا ظالما‪ ،‬لماذا؟ لن‬
‫الخيار قد ل يحسنون تربية الناس‪َ {.‬وكَذاِلكَ ُنوَلّي َب ْعضَ الظّاِلمِينَ َبعْضا ِبمَا كَانُواْ َيكْسِبُونَ }‬
‫[النعام‪.]129 :‬‬
‫وكأن الحق سبحانه يقول‪ :‬يأيها الخيّر ‪ -‬بتشديد الياء ‪ -‬ضع قدما على قدم ول تلوث يدك بأن‬
‫تنتقم من الظالم‪ ،‬فسوف أضع ولية ظالم أكبر على هذا الظالم الصغير‪ ،‬إنني أربأ بك أن تفعل‬
‫ذلك‪ ،‬وسأنتقم لك‪ ،‬وأنت أيها الخيّر منزه عندي عن ارتكاب المظالم‪ ,‬ولذلك نجد قول الحق‪{:‬‬
‫َوكَذاِلكَ ُنوَلّي َب ْعضَ الظّاِلمِينَ َبعْضا ِبمَا كَانُواْ َيكْسِبُونَ }[النعام‪.]129 :‬‬
‫ونحن جميعا نعرف القول الشائع‪ " :‬ال يسلط الظالمين على الظالمين "‪.‬‬
‫ولو أن الذين ظلموا ُمكّن منهم من ظلموهم ما صنعوا فيهم ما يصنعه الظالمون في بعضهم‬
‫بعضا‪ .‬إن الحق يسلط الظالمين على الظالمين‪ ،‬وينجى أهل الخير من موقف النتقام ممن‬
‫ظلموهم‪.‬‬
‫إذن فنحن في هذه الحياة نجد " مالك " ‪ ,‬و " ملك " وهناك فوق كل ذلك " مالك الملك " ‪ ،‬ولم يقل‬
‫ال‪ :‬إنه " ملك الملك "؛ لننا إذا دققنا جيدا في أمر الملكية فإننا لن نجد مالكا إل ال‪ُ } .‬قلِ الّلهُمّ‬
‫مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ { إنه المتصرف في ملكه‪ ،‬وإياكم أن تظنوا أن أحدا قد حكم في خلق ال بدون مراد‬
‫ال‪ ،‬ولكن الناس حين تخرج عن طاعة ال فإن ال يسلط عليهم الحاكم الظالم‪ ،‬ولذلك فالحق‬
‫سبحانه يقول في حديثه القدسي‪:‬‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬يطوى ال ‪ -‬عز وجل ‪ -‬السموات يوم القيامة‪ ،‬ثم يأخذهن‬
‫بيده اليمنى‪ ،‬ثم يقول‪ :‬أنا الملك‪ ،‬أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الرض بشماله‪ ،‬ثم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقول‪ :‬أنا الملك‪ ،‬أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "‪.‬‬
‫إياك أيها المؤمن أن تظن أن أحدا قد أخذ الملك غضبا من ال‪ .‬إنما الملك يريده ال لمن يؤدب به‬
‫العباد‪ .‬وإن ظلم الملك في التأديب فإن ال يبعث له من يظلمه‪ ،‬ومن رأى ظلم هذا الملك أو ذاك‬
‫الحاكم فمن الجائز أن يريه ال هذا الملك أو ذلك الحاكم مظلوما‪ .‬إنه القول الحكيم يؤكد لنا أنه‬
‫سبحانه وتعالى مالك الملك وحده‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه يأمر رسوله الكريم‪ُ } :‬قلِ الّل ُهمّ مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ { إن كلمة " اللهم " وحدها فيها عجب‬
‫من العجائب اللغوية‪ ،‬إن القرآن قد نزل باللسان العربي‪ ,‬وأمة العرب فصيحة اللسان والبيان‬
‫والبلغة‪ ،‬وشاء الحق أن يكون للفظ الجللة " ال " خصوصية فريدة في اللغة العربية‪.‬‬
‫إن اللغة العربية تضع قاعدة واضحة وهي أل يُنادي ما فيه‪ ،‬أداة التعريف‪ ،‬مثل " الرجل " بـ " يا‬
‫" فل يقال‪ " :‬يا رجل " بل يقال‪ " :‬يأيها الرجل " لكن اللغة التي يسرها ال لعباده تخص لفظ‬
‫الجللة بالتقديس‪ ،‬فيكون من حق العباد أن يقولوا‪ " :‬يا ال "‪ .‬وهذا اللفظ بجلله له تميز حتى في‬
‫نطقه‪.‬‬
‫ولنا أن نلحظ أن العرب من كفار قريش وهم أهل فصاحة لم يفطنوا إلى ذلك‪ ،‬فكأن ال يرغم‬
‫حتى الكافرين بأن يجعل للفظ الجللة تميزا حتى في أفواه الكافرين فيقولون مع المؤمنين‪ " :‬يا ال‬
‫"‪ .‬أما بقية السماء التي تسبقها أداة التعريف فل يمكن أن تقول‪ " :‬يا الرجل " أو " يا العباس "‬
‫لكن ل بد أن تقول " يأيها الرجل " ‪ ،‬أو " يأيها العباس " ‪ ،‬ول تقول حتى في نداء النبي‪ " :‬يا‬
‫النبي " ‪ ،‬وإنما تقول‪ " :‬يأيها النبي "‪.‬‬
‫لكن عند التوجه بالنداء إلى ال فإننا نقول‪ " :‬يا ال " ‪ ،‬إنها خصوصية يلفتنا لها الحق سبحانه بأنه‬
‫وحده المخصوص بها‪ ،‬وأيضا ما رأينا في لغة العرب عَلَما دخلت عليه " التاء " كحرف القسم إل‬
‫ال‪ ،‬فإننا نقول " تال " ‪ ،‬ولم نجد أبدا من يقول " تزيد " أو " تعمرو "‪.‬‬
‫إننا ل نجد التاء كحرف قسم إل في لفظ الجلله‪ ،‬ول نجد أيضا علما من العلم في اللغة العربية‬
‫تحذف منه " يا " في النداء وتستبدل بالميم إل في لفظ الجللة فنقول‪ " :‬اللهم " كل ذلك ليدل على‬
‫أن اللفظ في ذاته له خصوصية المسمى‪ " .‬قل اللهم " وكأن حذف حرف النداء هنا يُعلمنا أن ال‬
‫هو وحده المستدعى بدون حرف نداء‪ " .‬اللهم " وفي بعض اللسنة يجمعون الياء والميم‪ ،‬مثل قول‬
‫الشاعر‪:‬إني إذا ما حادث ألمّا أقول ياللهم يا اللهمّاإنها خصوصية لصاحب الخصوصية العلى‪} .‬‬
‫ُقلِ الّلهُمّ مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ { وقد يسأل إنسان لماذا لم يقل الحق‪ " :‬ملك الملك "؟ هنا ل بد أن نعرف أنه‬
‫سيأتي يوم ل تكون فيه أي ملكية لي أحد إل ال‪ ،‬وهو المالك الوحيد‪ ،‬فهو سبحانه يقول‪َ {:‬رفِيعُ‬
‫الدّ َرجَاتِ ذُو ا ْلعَرْشِ يُ ْلقِي الرّوحَ مِنْ َأمْ ِرهِ عَلَىا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَا ِدهِ لِيُنذِرَ َيوْمَ التّلَقِ * َيوْمَ هُم‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16-15 :‬‬
‫شيْءٌ ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫خفَىا عَلَى اللّهِ مِ ْنهُمْ َ‬
‫بَارِزُونَ لَ َي ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن قول الحق هنا‪ " :‬مالك الملك " توضح لنا أن ملكية ال وهي الدائمة والقادرة واضحة‪ ،‬وجلية‪،‬‬
‫ومؤكدة‪ ،‬ولو قال ال في وصف ذاته‪ " :‬ملك الملك " لكان معنى ذلك أن هناك بشرا يملكون‬
‫بجانب ال‪ ،‬ل‪ ،‬إنه الحق وحده مالك الملك‪ .‬وما دام ال هو مالك الملك‪ ،‬فإنه يهبه لمن يشاء‪،‬‬
‫وينزعه ممن يشاء‪ .‬وهنا نلحظ أن قول الحق‪ :‬إنه مالك الملك يعطي الملك لمن يشاء وينزع‬
‫الملك ممن يشاء تأتي بعد عملية المحاجّة‪ ،‬وبعد أن تهرب بعض من أهل الكتاب من تطبيق حكم‬
‫ال بعد أن دعوا إليه‪ ،‬فتولى فريق منهم وأعرض عن حكم ال‪ ،‬وعللوا ذلك بادعاء أنهم أبناء ال‬
‫وأحباؤه وأن النار لن تمسهم إل أياما معدودات‪.‬‬
‫كل هذه خيارات من لطف ال وضعها أمام هؤلء العباد‪ ،‬خيارات بين اتباع حكم ال أو اتباع حكم‬
‫الهوى‪ ،‬لكنهم لم يختاروا إل الختيار السيء‪ ،‬حكم الهوى‪ .‬ولذلك يأتي ال بخبر اليوم الذي سوف‬
‫يجيء‪ ،‬ولن يكون لحد أي قدرة‪ ،‬أو اختيار‪.‬‬
‫إن حق الختيار موجود لنا في هذه الدنيا‪ ،‬وعلينا أن نحسن الختيار في ضوء منهج ال‪.‬‬
‫ولنتأمل هذا المثل الذي حدثتنا عنه السيرة النبوية الطاهرة‪ ،‬حينما جاءت غزوة الحزاب التي‬
‫اجتمع فيها كل خصوم الدعوة‪ ،‬واشتغل اليهود بالدس والوقيعة‪ ،‬وأراد رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم أن يحفر بمشورة سلمان الفارسي خندقا حول المدينة المنورة‪ .‬ومعنى " الخندق " ‪ ،‬أي‬
‫مساحة من الرض يتم حفرها بما يعوق التقدم‪ .‬وكان المقاتلون يعرفون أن الفرس يستطيع أن‬
‫يقفز مسافة ما من المتار‪.‬‬
‫لقد حاول المؤمنون أثناء حفر الخندق أن يكون اتساع أكبر من قدرة الخيل‪ ،‬ولننظر إلى دقة‬
‫الدارة عند رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إن سلمان الفارسي قد اقترح أن يتم حفر الخندق‪،‬‬
‫وفيما يبدو أنه قد أخذ الفكرة من بيئته وقبل الرسول صلى ال عليه وسلم الفكرة وأقرها‪ ،‬وفعلها‬
‫المسلمون‪.‬‬
‫إذن فليس كل ما فعله الكفار كان مرفوضا من رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم قبل تطبيق كل العمال النافعة‪ ،‬سواء أكان قد فعلها الكفار من قبل أم ل‪،‬‬
‫ورأى الرسول صلى ال عليه وسلم أن عملية الحفر مرهقة بسبب جمود الرض وصخريتها في‬
‫بعض المواقع‪ ،‬لذلك وضع حصة قدرها أربعون ذراعا لكل عشرة من الصحابة‪ ،‬وبذلك وزع‬
‫الرسول الكريم العمل والمسئولية‪ ،‬ولم يترك المر لكل جماعة خشية أن يتواكلوا على غيرهم‪.‬‬
‫وتوزيع المسئولية يعني أن كل جماعة تعرف القدر الواضح من العمل الذي تشارك به مع بقية‬
‫الجماعات وقد يسأل سائل‪ :‬ولماذا لم يوزع الرسول صلى ال عليه وسلم التكليف لكل واحد‬
‫بمفرده؟ ونقول‪ :‬إنها حكمة الدارة والحزم هي التي جعلت الرسول صلى ال عليه وسلم يتعرف‬
‫على حقيقة واضحة‪ ،‬وهي أن الذين يحفرون من الصحابة ليسوا متساوون في القدرة والمجهود‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك أراد لكل ضعيف أن يكون مسنودا بتسعة من الصحابة‪.‬‬
‫إن الرسول صلى ال عليه وسلم لم يجعل المر مشاعا‪ ،‬بل كان هناك تحديد للمسئولية‪ ،‬لكنه لم‬
‫يجعل المسئولية مشخصة تشخيصا أوليا ومحددا بكل فرد‪ ،‬وذلك حتى يساعد القوياء الضعيف‬
‫من بينهم‪ .‬لقد ستر رسول ال صلى ال عليه وسلم الضعيف بقوة إخوانه‪ ،‬وساعة أن يوجد‬
‫ضعيف بين عشرة من الخوان يحملون عنه ويحفرون‪ ،‬فإن موقفه من أصحابه يكون المحبة‬
‫واللفة‪ ،‬ويكون القوي قد أفاض على الضعيف‪.‬‬
‫وكان عمرو بن عوف ضمن عشرة منهم سلمان الفارسي رضي ال عنه‪ ،‬فلما جاءوا ليحفروا‬
‫صادفتهم منطقة يقال عنها‪ " :‬الكئود " ‪ ،‬ومعنى " الكئود " هي المنطقة التي تكون صلبة أثناء‬
‫الحفر‪ ،‬فالحافر إذا ما حفر الرض قد يجد الرض سهلة ويواصل الحفر‪ ،‬أما إذا صادفته قطعة‬
‫صلبة في الرض فإنه ل يقدر عليها بمعوله لنها صخرية صماء‪ ،‬فيقال له‪ " :‬أكدى الحافر "‪.‬‬
‫وعندما صادف عمرو بن عوف وسلمان الفارسي والمغيرة وغيرهم هذه الصخرة الكئود‪ ،‬قالوا‬
‫لسلمان‪ " :‬اذهب فارفع أمرنا لرسول ال صلى ال عليه وسلم "‪ .‬ومن هذا نتعلم درسا وهو أن‬
‫المُكّلفَ مِنْ قِبَل مَنْ يكلفه بأمر إذا وجد شيئا يعوقه عن أداء المهمة فل بد أن يعود إلى من كلفه‬
‫بها‪.‬‬
‫وذهب سلمان إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وحضر رسول ال صلى ال عليه وسلم مع‬
‫سلمان إلى الموقع وأخذ المعول وجاء على الصخرة الكئود وضربها‪ ،‬فحدث شرر أضاء من فرط‬
‫حتْ‬
‫قوة الصطدام بين الحديد والصخرة‪ ،‬فهتف رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ال أكبر فُتِ َ‬
‫قصور بصرى بالشام‪ ،‬ثم ضرب ضربة أخرى‪ ،‬وقال الرسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬ال أكبر‬
‫حتْ قصور صنعاء في‬
‫ت قصور الحمراء بالروم‪ .‬وضرب ضربة ثالثة وقال‪ :‬ال أكبر فُ ِت َ‬
‫ح ْ‬
‫فُتِ َ‬
‫اليمن‪ ،‬فكأنه حين ضرب الضربة أوضح ال له معالم الماكن التي سوف يدخلها السلم فاتحا‬
‫ومنتصرا‪ ،‬فلما بلغ ذلك القول أعداء رسول ال صلى ال عليه قال العداء للصحابة‪ :‬يمنيكم محمد‬
‫بفتح قصور صنعاء في اليمين‪ ،‬والحمراء في الروم‪ ،‬وفتح قصور بصرى‪ ،‬وأنتم ل تستطيعون أن‬
‫تبرزوا لنا للقتال فأنزل ال قوله‪ُ } :‬قلِ الّلهُمّ مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ ُتؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ‬
‫تَشَآءُ‪.{ ...‬‬
‫إن المسألة ليست عزما من هؤلء المؤمنين‪ ،‬إنما هي نية على قدر الوسع‪ ،‬فإن فعلت أي فعل‬
‫على النية بقدر الوسع فانتظر المدد من الممد العلى سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫إن ال سبحانه هو الذي يعطي الملك‪ ،‬وهو الله الحق الذي ينزع ملك الكفر في كسرى والروم‬
‫وصنعاء‪ ،‬ويعطي سبحانه الملك لمحمد رسول ال وأصحابه‪ ،‬وينزعه من قريش‪ ،‬وينزع الملك من‬
‫يهود المدينة حيث كانوا يريدون الملك‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن قول الحق‪ } :‬وَتَن ِزعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ تَشَآءُ { تجعلنا نتساءل‪ :‬ما النزع؟ إنه القلع بشدة‪ ،‬لن الملك‬
‫عادة ما يكون متمسكا بكرسي الملك‪ ،‬متشبثا به‪ ،‬لماذا؟ لن بعضا ممن يجلسون على كراسي‬
‫السلطان ينظرون إليه كمغنم بل تبعات فل عرق ول سهر ول مشقة أو حرص على حقوق‬
‫الناس‪ ،‬إنهم يتناسون سؤال النفس " وماذا فعلت للناس "؟ إن الواحد من هؤلء ل يلتفت إلى‬
‫ضرورة رعاية حق ال في الخلق فيسهر على مصالح الناس ويتعب ويكد ويشقى ويحرص على‬
‫حقوق الناس‪.‬‬
‫إننا ساعة نرى حاكما متكالبا على الحكم‪ ،‬فلنعلم أن الحكم عنده مغنم‪ ،‬ل مغرم‪ .‬ولنر ماذا قال‬
‫سيدنا عمر بن الخطاب عندما قالوا له‪ :‬إن فقدناك ‪ -‬ل نفقدك ‪ -‬نولى عبد ال بن عمر‪ ،‬وهو‬
‫رجل قرقره الورع‪.‬‬
‫‪ .‬فقال عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ :‬بحسب آل الخطاب أن يُسأل منهم عن أمة محمد رجل‬
‫واحد‪ ،‬لماذا؟ لن الحكم في السلم مشقة وتعب‪.‬‬
‫لقد جاء الحق بالقول الحكيم‪ } :‬وَتَن ِزعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ َتشَآءُ { وذلك لينبهنا إلى هؤلء المتشبثين‬
‫بكراسي الحكم وينزعهم ال منها‪ ،‬إن المؤمن عندما ينظر إلى الدول في عنفوانها وحضاراتها‬
‫وقوتها ونجد أن الملك فيها يسلب من الملك فيها على أهون سبب‪ .‬لماذا؟ إنها إرادة الخالق‬
‫العلى‪ ،‬فعندما يريد فل راد لقضائه‪.‬‬
‫إن الحق إما أن يأخذ الحكم من مثل هذا النوع من الحكام‪ ،‬وإما أن يأخذه هو من الحكم‪ ،‬ونحن‬
‫نرى كل ملك وهو يوطن نفسه توطينا في الحكم‪ ،‬بحيث يصعب على من يريد أن يخلعه منه أن‬
‫يخلعه بسهولة‪ ،‬لكن ال يقتلع هذا الملك حين يريد سبحانه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬وَ ُتعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُ ِذلّ مَن تَشَآءُ { لن ظواهر الكون ل تقتصر على من‬
‫يملك فقط‪ ،‬ولكن كل ملك حوله أناس هم " ملوك ظل "‪ .‬ومعنى " ملوك الظل " أي هؤلء الذين‬
‫يتمتعون بنفوذ الملوك وإن لم يكونوا ظاهرين أمام الناس‪ ،‬ومن هؤلء يأتي معظم الشر‪ .‬إنهم‬
‫يستظلون ويستترون بسلطان الملك‪ ،‬ويفعلون ما يشاءون‪ ،‬أو يفعل الخرون لهم ما يأمرون به‪،‬‬
‫وحين يُنزع الملك فل شك أن المغلوب بالظالمين يعزه ال‪ ،‬وأما الظالمون لنفسهم فيذلهم ال؛‬
‫لذلك كان ل بد أن يجيء بعد } ُتؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ مَن تَشَآ ُء وَتَن ِزعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ تَشَآءُ { هذا القول الحق‪} :‬‬
‫وَ ُتعِزّ مَن َتشَآ ُء وَتُ ِذلّ مَن تَشَآءُ {‪ .‬لماذا؟ لن كل ملك يعيش حوله من يتمتع بجاهه ونفوذه‪ ،‬فإذا ما‬
‫انتهى سلطان هذا الملك‪ ،‬ظهر هؤلء المستمعون على السطح‪ .‬وهذا نشاهده كل يوم وكل‬
‫عصر‪ } .‬وَ ُتعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُ ِذلّ مَن تَشَآءُ بِ َي ِدكَ الْخَيْر {‪.‬‬
‫ونلحظ هنا‪ :‬أن إيتاء الملك في أعراف الناس خير‪ .‬ونزع الملك في أعراف الناس شر‪ .‬ولهؤلء‬
‫نقول‪ :‬إن نزع الملك شر على من خُلِعَ منه‪ ،‬ولكنه خير لمن أوتي الملك‪ .‬وقد يكون خيرا لمن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نزع منه الملك أيضا‪ .‬لن ال حين ينزع منه الملك‪ ،‬أو ينزعه من الملك يخفف عليه مؤونة ظلمه‬
‫فلو كان ذلك الملك المخلوع عاقل‪ ،‬لتقبل ذلك وقال‪ :‬إن ال يريد أن يخلصني لنفسه لعلى أتوب‪..‬‬
‫إذن فلو نظرت إلى الجزئيات في الشخاص‪ ،‬ونظرت إلى الكليات في العموم لوجدت أن ما‬
‫يجري في كون ال من إيتاء الملك وما يتبعه من إعزاز‪ ،‬ثم نزع الملك وما يتبعه من إذلل‪ ،‬كل‬
‫ذلك ظاهرة خير في الوجود‪ ،‬لذلك قال الحق هنا‪ } :‬بِ َي ِدكَ ا ْلخَيْر { ولو دقق كل منا النظر إلى‬
‫مجريات المور‪ ،‬لوجد أن‪ :‬ال هو الذي يؤتي‪ ،‬وال هو الذي ينزع‪ ،‬وال هو الذي يعز‪ ،‬وال هو‬
‫الذي يذل‪ ،‬ول بد أن يكون في كل ذلك صور للخير في الوجود‪ ،‬فيقول‪ } :‬بِ َي ِدكَ الْخَيْرُ إِ ّنكَ عَلَىا‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ {‪.‬‬
‫ُكلّ َ‬
‫إن إيتاء الملك عملية تحتاج إلى تحضير بشرى وبأسباب بشرية‪ ،‬وأحيانا يكون الوصول إلى‬
‫الحكم عن طريق النقلبات العسكرية‪ ،‬أو السياسية‪ ،‬وكذلك نزع الملك يحتاج إلى نفس الجهد‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا المعنى فيقول‪ :‬ليس ذلك بأمر صعب على قدرتي اللنهائية‪،‬‬
‫لنني ل أتناول الفعال بعلج‪ ،‬أو بعمل‪ ،‬إنما أنا أقول‪ " :‬كن " فتنفعل الشياء لرادتي‪ ،‬ويأتي‬
‫الحق بعد ذلك ليدلل بنواميس الكون وآيات ال في الوجود على صدق قضية } إِ ّنكَ عَلَىا ُكلّ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ { فيقول وقوله الحق‪ } :‬تُولِجُ اللّ ْيلَ فِي الْ ّنهَارِ وَتُولِجُ ال ّنهَارَ فِي الْلّ ْيلِ‪{ ...‬‬
‫َ‬

‫(‪)418 /‬‬
‫حيّ‬
‫حيّ مِنَ ا ْلمَ ّيتِ وَتُخْرِجُ ا ْلمَ ّيتَ مِنَ الْ َ‬
‫ل وَتُخْرِجُ الْ َ‬
‫تُولِجُ اللّ ْيلَ فِي ال ّنهَارِ وَتُولِجُ ال ّنهَارَ فِي اللّ ْي ِ‬
‫حسَابٍ (‪)27‬‬
‫وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ ِبغَيْرِ ِ‬

‫إن الحق يقول لنا‪ :‬عندكم ظاهرة تختلف عليكم‪ ،‬وهي الليل والنهار‪ ،‬وظاهرة أخرى‪ ،‬هي الحياة‬
‫والموت‪ .‬إن ظاهرة الليل والنهار كلنا نعرفها لنها آية من اليات العجيبة‪ ،‬والحق يقول عنها‪:‬‬
‫{ تُولِجُ اللّ ْيلَ فِي الْ ّنهَا ِر وَتُولِجُ ال ّنهَارَ فِي الْلّ ْيلِ } إن الحق لم يصنع النهار بكمية محدودة من الوقت‬
‫متشابهة في كل مرة‪ ،‬ل‪ ،‬إنه سبحانه شاء لليل أن ينقص أحيانا عن النهار خمس ساعات‪ ،‬وأحيانا‬
‫يزيد النهار على الليل خمس ساعات‪.‬‬
‫ولنا أن نتساءل‪ ..‬هل تنقص الخمس الساعات من الليل أو النهار مرة واحدة وفجأة هل يفاجئنا‬
‫النهار بعد أن يكون اثنتي عشرة ساعة ليصبح سبع عشرة ساعة؟ هل يكون الليل مفاجئا لنا في‬
‫الطول أو القصر؟ ل‪ ،‬إن المسألة تأتي تباعا‪ ،‬بالدورة‪ ،‬بحيث ل تحس ذلك‪ ،‬إن هناك نوعا من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحركة اسمها الحركة الترسية‪ .‬إننا عندما ننظر إلى الساعة في كل الزمن؟ ل‪ ،‬إن كل ترس له‬
‫زمن يتوقف فيه‪ ،‬وعندما يتوقف فإننا ندفع به ليعيد دورته‪ ،‬ويعمل‪ ،‬وإذا دققنا النظر في عقرب‬
‫الدقائق فإننا نستطيع أن نلحظ ذلك‪.‬‬
‫إذن هناك فترة توقف وسكون بين انتقال عقرب الدقائق من دقيقة إلى أخرى‪ ،‬وهذا اللون من‬
‫الحركة نسميه " حركة ترسية " ‪ ،‬وهناك حركة أخرى ثانية نسميها " حركة انسيابية " ‪ ،‬بحيث‬
‫يكون كل جزء من الزمن له حركة‪ ،‬كما يحدث المر في ظاهرة النمو بالنسبة للنسان والنبات‬
‫والحيوان‪.‬‬
‫إن الطفل الوليد ل يكبر من الصباح إلى المساء بشكل جزئي‪ ،‬أو محسوس‪ ،‬إنه يكبر بالفعل دون‬
‫أن نلحظ ذلك‪ ،‬وقد يزيد بمقدار ملليمتر في الطول‪ ،‬وهذا الملليمتر شائع في كل ذرات الثواني من‬
‫النهار‪ ،‬إن الطفل ل يظل على وزنه وطوله أربعا وعشرين ساعة من النهار‪ ،‬ثم يكبر فجأة عند‬
‫انتهاء اليوم‪ ،‬ل‪ ،‬إن نمو الطفل كل يوم يتم بطريقة تشيع فيها قدرة النمو في كل ذرات الثواني من‬
‫النهار‪ ،‬وهذه العملية تحتاج إلى الدقة المتناهية في توزيع جزيئات الحدث على جزيئات الزمان‪،‬‬
‫وهذه هي العظمة للقدرة الخالقة التي يظل النسان عاجزا عنها إلى البد‪.‬‬
‫وقد قلت لكم مرة‪ :‬إن الواحد منكم إن نظر إلى ابنه الوليد‪ ،‬وظل ناظرا له طوال العمر فلن يلحظ‬
‫النسان منكم كبر ابنه على الطلق‪ ،‬لكن عندما يغيب النسان عن ابنه شهرا أو شهورا‪ ،‬ثم‬
‫يعود‪ ،‬هنا يرى في ابنه مجموع نمو الشهور التي غاب فيها عنه وقد أصبح واضحا‪ .‬ولو زرع‬
‫النسان نباتا ما‪ ،‬وجلس ينظر إلى هذا النبات‪ ،‬فهو لن يرى أبدا نمو هذا النبات لماذا؟ لن‬
‫الجزئيات تكبر دون قدرة على أن يلمس النسان طريقة نموها‪.‬‬
‫ولنا أن نعرف أن كل ما يكبر إنما يصغر أيضا‪ ،‬ول توجد عند النسان قدرة للملحظة المباشرة‬
‫لذلك‪ ،‬وفي الحياة أمثلة أخرى‪ ،‬نأخذ منها هذا المثل‪ ،‬فعندما قام العلماء بتصوير الرض من‬
‫القمار الصناعية‪ ،‬كانت الصور الولى لمدينة نيويورك هي صورة لنقطة بسيطة‪ ،‬وعندما قام‬
‫العلماء بتكبير هذه الصورة ظهرت الجزئيات‪ ،‬كالشوارع وغيرها‪ ،‬أين كانت الشوارع في هذه‬
‫النقطة الصغيرة؟ لقد صغرت الشوارع أثناء التصوير بصورة تستحيل معها على آلت الدراك‬
‫عند النسان أن تراها‪ ،‬ولذلك فل بد من التكبير لهذه الصورة حتى يمكن للنسان أن يراها‪ ،‬ونحن‬
‫نرى الشيء البعيد صغيرا‪ ،‬ولكما قربناه كبر في نظرنا‪.‬‬
‫إذن فقول ال‪ } :‬تُولِجُ اللّ ْيلَ فِي الْ ّنهَا ِر وَتُولِجُ ال ّنهَارَ فِي الْلّ ْيلِ { هو لفت للنتباه البشرى إلى أن‬
‫الليل والنهار ل يفصل بينهما حد قاطع بنسبة متساوية لكل منهما‪ ،‬ل‪ ،‬إنه الحق بقدرته يدخل الليل‬
‫في النهار‪ ،‬ويدخل النهار في الليل‪ .‬إن معنى " تُولج " هو " تُدخل " ‪ ،‬ومثال ذلك أن يؤذن المؤذن‬
‫لصلة المغرب في يوم ما عند الساعة الخامسة‪ ،‬ويؤذن المؤذن لصلة المغرب في أيام أخرى في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الساعة السابعة‪ .‬إن ذلك ل يحدث فجأة‪ ،‬ول يقفز المغرب من الخامسة إلى السابعة‪ ،‬إنما يحدث‬
‫ذلك بانسيابية‪ ،‬ورتابة‪ .‬ومن ذلك نتلقى الدرس والمثل‪.‬‬
‫إنك أيها العبد إن رأيت ملكا قائما على حضارة مؤصلة‪ ،‬فاعلم أن هناك عوامل دقيقة ل تراها‬
‫بالعين تنخر في هذا الملك إلى أن يأتي يوم ينتهي فيه هذا الملك‪ .‬وهكذا تنهار الحضارات بعد أن‬
‫تبلغ أوج الرتقاءات‪ ،‬ويصل الناس فيها إلى استعدادات ضخمة وإمكانات هائلة‪ ،‬وذلك لن عوامل‬
‫النهيار تنخر داخل هذه الحضارات‪.‬‬
‫إن الحق بلفتنا إلى جلل قدرته وعظمة دقة صنعه‪ ،‬بمثل الليل والنهار‪ } :‬تُولِجُ اللّ ْيلَ فِي الْ ّنهَارِ‬
‫حيّ مِنَ ا ْلمَ ّيتِ‬
‫وَتُولِجُ ال ّنهَارَ فِي الْلّ ْيلِ {‪ .‬ثم يأتي لنا الحق العلى بمثل آخر‪ ،‬فيقول‪ } :‬وَتُخْرِجُ الْ َ‬
‫حيّ { ‪ ،‬إنها القدرة المطلقة بدون أسباب‪.‬‬
‫وَتُخْرِجُ اَلمَ ّيتَ مِنَ ا ْل َ‬
‫والوقفة هنا تجعلنا نرى كيف اهتدينا بما أفاض ال على بعض خلقه من اكتشاف لبعض أسراره‬
‫في كونه‪ ،‬لقد وصل العلم لمعرفة أن لكل شيء حياة خاصة‪ ،‬فنرى أن ورقة النبات تحدث فيها‬
‫تفاعلت ولها حياة خاصة‪ ،‬ونرى أن الذرة فيها تفاعلت ولها حياة خاصة‪ ،‬والتفاعل معناه‬
‫الحركة‪ ،‬والحياة كما تعرف مظهرها الحركة‪ ،‬وغاية ما هناك أنه يوجد فرق في رؤية الحياة عند‬
‫العامة‪ ،‬ورؤية الحياة عند الخاصة‪ .‬إن النسان العامى ل يعرف أن النطفة فيها حياة‪ ،‬وأن الحبة‬
‫فيها حياة‪ ،‬ول يعرف ذلك إل الخاصة من أهل العلم‪.‬‬
‫إن العامة من الناس ل يعرفون أن الحبة توجد لها حياة مرئية‪ ،‬ويكمن فيها نمو غير ظاهر‪ ،‬ول‬
‫يعرف العامة أن هناك فرقا بين شيء حي‪ ،‬وشيء قابل لن يحيا‪.‬‬
‫ومثال ذلك نواة البلح التي نأخذها ونزرعها لتخرج منها النخلة‪ ،‬إنها كنواة تظل مجرد نواة إلى أن‬
‫يأخذها النسان‪ ،‬ويضعها في بيئتها؛ لتخرج منها النخلة‪.‬‬
‫إذن فالنواة قابلة للحياة‪ ،‬وعندما ننظر إلى ذرات التراب فإننا ل نستطيع أن نضعها في بيئة لنصنع‬
‫منها شيئا‪ ،‬ورغم ذلك فإن لذرة التراب حركة‪ .‬ويقول العلماء‪ :‬إن الحركة الموجودة في ذرات‬
‫رأس عيدان علبة كبريت واحدة تكفي لدارة قطار كهربائي بإمكانه أن يلف حول الكرة الرضية‬
‫عددا من السنوات‪.‬‬
‫إن هذه أمور يعرفها الخاصة‪ ،‬ول يعرفها العامة‪ .‬فإن نظرنا إلى العامة عندما يسمعون القول‬
‫حيّ { كانوا يقولون‪ :‬إن المثل على ذلك نواة‬
‫ت وَتُخْرِجُ اَلمَ ّيتَ مِنَ ا ْل َ‬
‫حيّ مِنَ ا ْلمَ ّي ِ‬
‫الحق‪ } :‬وَتُخْرِجُ ا ْل َ‬
‫البلح‪ ،‬وكانوا يعرفون أن النخلة تنمو من النواة‪ .‬ولكن الخاصة بحثوا واكتشفوا أن في داخل النواة‬
‫حياة وعرفوا كيفية النمو‪ ..‬وعرف العلماء أن لكل شيء في الوجود حياة مناسبة لمهمته‪ ..‬فليست‬
‫الحياة هي الحركة الظاهرة والنمو الواضح أمام العين فقط‪ ،‬ل‪ ،‬بل إن هناك حياة في كل شيء‪.‬‬
‫إن العامة يمكنهم أن يجدوا المثال الواضح على أن الحق يخرج الحي من الميت ويخرج الميت‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من الحي‪ ،‬أما الخاصة فيعرفون قدرة ال عن طريق معرفتهم أن كل شيء فيه حياة‪ ،‬فالتراب‬
‫الذي نضع فيه البذر لو أخذنا بعضا منه في مكان معزول‪ ،‬فلن يخرج منه شيء‪ ،‬هذا التراب هو‬
‫ما يصفه العلماء بوصف " الميت في الدرجة الولى " وأما النواة التي يمكن أن تأخذها وتضعها‬
‫في هذا التراب‪ ،‬فيصفها العلماء بأنها " الميت من الدرجة الثانية "‪.‬‬
‫وعندما ننقل الميت في الدرجة الولى ليكون وسطا بيئيا للميت في الدرجة الثانية تظهر لنا نتائج‬
‫تدلل على حياة كل من التراب والنواة معا‪ ،‬وقد مس القرآن ذلك مسا دقيقا‪ ،‬لن القرآن حين‬
‫يخاطب بأشياء قد تقف فيها العقول فإنه يتناولها التناول الذي تتقبلها به كل العقول‪ ،‬فعقل الصفوة‬
‫يتقبلها وعقل العامة يتقبلها أيضا‪ ،‬لن القرآن عندما يلمس أي أمر إنما يلمسه بلفظ جامع راق‬
‫يتقبله الجميع‪ ،‬ثم يكتشف العقل البشري نفاصيل جديدة في هذا المر‪.‬‬
‫إن القرآن على سبيل المثال لم يقل لنا‪ :‬إن الذرة فيها حركة وحياة وفيها شحنات من لون معين‬
‫من الطاقة‪ ،‬ولكن القرآن تناول الذرة وغيرها من الشياء بالبيان اللهي القادر‪ ،‬وخصوصا أن هذه‬
‫الشياء لم يترتب عليها خلف في الحكم أو المنهج‪ .‬فلو عرف النسان وقت نزول القرآن أن‬
‫الذرة بها حياة فماذا الذي يزيد من الحكام؟ ولو أن أحدا أثبت أن الذرة ليس بها حياة فما الذي‬
‫ينقص من أحكام المنهج اليماني؟ لم يكن المر من ناحية الحكام ليزيد أو لينقص‪ ،‬وعندما نأخذ‬
‫القرآن مأخذ الواعين به‪ ،‬ونفهم معطيات اللفاظ فإننا نجد أن كلمة " الحياة " لها ضد هو " الموت‬
‫" ‪ ،‬وقد ترك الحق سبحانه كلمة " الموت " في بعض المواقع من الكتاب الكريم وأورد لنا كلمة‬
‫أخرى هي " الهلك " قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ }[النفال‪.]42 :‬‬
‫حيّ عَن بَيّنَ ٍة وَإِنّ اللّهَ لَ َ‬
‫{ لّ َيهِْلكَ مَنْ هََلكَ عَن بَيّنَ ٍة وَيَحْيَىا مَنْ َ‬
‫إن " الهلك " هنا هو مقابل الحياة‪ ،‬لماذا لم يورد الحق كلمة " الموت " هنا؟ لنه الخالق العلم‬
‫بعباده‪ ،‬يعلم أن العباد قد يختلفون في مسألة " الموت " فبعض منهم يقول تعريفا للميت‪ :‬إنه الذي‬
‫ل توجد به حركة أو حس أو نمو‪ ،‬ولكن هذا الميت له حياة مناسبة له‪ ،‬كحياة الذرة أو حياة حبة‬
‫الرمل‪ ،‬أو حياة أي شيء ميت‪ ،‬وهكذا عرفنا من الية السابقة أن الحياة يقابلها الهلك‪ .‬ويقول‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإلّ‬
‫الحق سبحانه عن الخرة ليوضح لنا ما الذي سوف يحدث يوم القيامة‪ُ {:‬كلّ َ‬
‫جهَهُ }[القصص‪.]88 :‬‬
‫وَ ْ‬
‫لقد استثنى الحق الوجه أو الذات اللهية‪ ،‬وكل ما عداها هالك‪ .‬وما دام كل شيء هالك فمعنى ذلك‬
‫أن كل شيء كان حيا وإن لم ندرك له حياة‪ .‬اذن فالحياة الحقيقية توجد في كل شيء بما يناسبه‪،‬‬
‫مرة تدركها أنت‪ ،‬ومرة ل تدركها‪.‬‬
‫حيّ { يجوز أن تأخذه مرة‬
‫ت وَتُخْرِجُ اَلمَ ّيتَ مِنَ ا ْل َ‬
‫حيّ مِنَ ا ْلمَ ّي ِ‬
‫إذن فقوله الكريم‪ } :‬وَتُخْرِجُ الْ َ‬
‫بالعرف العام‪ ،‬أو تأخذه بالعرف الخاص‪ ،‬أي عرف العلماء‪ ،‬وما دام ذلك أمرا ظاهرا في الوجود‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل‪ ،‬أي أن الحق يدخل النهار في الليل‪ ،‬ويدخل الليل‬
‫في النهار‪ .‬وفي اللغة يسمون بطانة الرجل ‪ -‬أي خاصة أصدقائه ‪ " -‬الوليجة " لماذا؟ لنها‬
‫تتداخل فيه‪ ،‬لنك إن أردت أن تعرف سر واحد من البشر فاجلس مع صديق له أو عددٍ من‬
‫أصدقائه الذين يتداخلون معه‪.‬‬
‫لذلك جاء أمر إيلج الليل في النهار وإيلج النهار في الليل بالوضوح الكامل‪ ،‬وجاءت مسألة‬
‫الحياة والموت بألفاظ يمكن أن يفهمها كل من العامة والخاصة‪ .‬وإذا كانت تلك الظواهر هي بعض‬
‫من قدرات ال فمن إذن يستكثر على ال قدرته في أنه يؤتي الملك من يشاء‪ ،‬ويعز من يشاء‪،‬‬
‫وينزع الملك ممن يشاء‪ ،‬ويذل من يشاء؟ لقد جاء الدليل من اليات الكونية‪ ،‬ونراه كل يوم رأي‬
‫العين‪ُ } .‬قلِ الّل ُهمّ مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ‪ُ ..‬تؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ مَن تَشَآ ُء وَتَن ِزعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ َتشَآ ُء وَ ُتعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُ ِذلّ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ {‪.‬إنك أنت يا ال‪ ،‬الذي أجريت في كونك كل هذه‬
‫مَن تَشَآءُ بِيَ ِدكَ ا ْلخَيْرُ إِ ّنكَ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫المسائل وهي كلها أمور من الخير‪ ،‬وإن بدا للبعض أن الخير فيها غير ظاهر‪.‬‬
‫إن النسان عندما يرى في ابنه شيئا يحتاج إلى علج فإنه يسرع به إلى الطبيب ويرجوه أن يقوم‬
‫بكل ما يلزم لشفاء البن‪ ،‬حتى ولو كان المر يتطلب التدخل الجراحي‪ .‬إن الب هنا يفعل الخير‬
‫للبن‪ ،‬والبن قد يتألم من العلج‪ ،‬فإذا كان هذا أمر المخلوق في علقته بالمخلوق‪ ،‬فما بالنا‬
‫بالخالق الكرم الذي يجري في ملكه ما يشاء‪ ،‬إيتاء ملك أو نزعه‪ ،‬وإعزازا أو إذلل‪ ،‬فكل ذلك ل‬
‫بد أن يكون من الخير‪ ،‬وآيات ال تشهد بأن ال على كل شيء قدير لذلك يأتي بعد الية السابقة‬
‫قوله‪:‬‬
‫حيّ‬
‫حيّ مِنَ ا ْلمَ ّيتِ وَتُخْرِجُ اَلمَ ّيتَ مِنَ الْ َ‬
‫} تُولِجُ اللّ ْيلَ فِي الْ ّنهَا ِر وَتُولِجُ ال ّنهَارَ فِي الْلّ ْيلِ وَتُخْرِجُ ا ْل َ‬
‫حسَابٍ { [آل عمران‪]27 :‬‬
‫وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫فإذا كان هناك إنسان لم يفطن أبدا لمسألة إيلج الليل في النهار أو إخراج الحي من الميت‪ ،‬فإنه ل‬
‫بد أن يلتفت إلى رزقه‪ ،‬فكل واحد منا يتصل برزقه قهرا عنه‪ ،‬ولذلك جاء الحق سبحانه بهذا‬
‫حسَابٍ { وساعة تسمع كلمة " حساب " فإنك تعرف أن‬
‫المر الواضح‪ } :‬وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫الحساب هو كما قلنا سابقا‪ :‬يبين لك مالك وما عليك‪.‬‬
‫حسَابٍ {‪ .‬فإننا نعلم أن " الحساب " يقتضي "‬
‫وعندما نتأمل قول الحق‪ } :‬وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫محاسبا " ‪ -‬بكسر السين ويقتضي " محاسبا " ‪ -‬بفتح السين ويقتضي " محاسبا عليه " ‪ ،‬إن‬
‫الحساب يقتضي تلك العناصر السابقة‪ .‬فعندما يقول الحق‪ } :‬وَتَرْزُقُ مَن َتشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ { فلنا‬
‫أن نقول‪ :‬ممن؟ ولمن؟ من أين يأتي الرزق؟ وإلى أين؟ إنه يأتي من ال‪ ،‬ويذهب إلى ما يقدره ال‬
‫لن ال هو الرزّاق‪ ،‬وهو الحق وحده‪ ،‬وهو الذي ل يستطيع ول يجرؤ أحد على حسابه‪ ،‬فهو‬
‫سبحانه الذي يحاسبنا جميعا‪ ،‬ل شريك له‪ ،‬وهو الفعال لما يريد‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن الحساب يجريه ال على الناس‪ ،‬وهو سبحانه ل يعطي الناس فقط على قدر حركتهم في‬
‫الوجود‪ ،‬بل يرزقهم أحيانا بما هو فوق حركتهم‪ .‬وقد يرزقك ال من شيء لم يكن محسوبا عندك؛‬
‫لن معنى الحساب هو ذلك المر التقديري الذي يخطط له النسان‪ ،‬كالفلح الذي يحسب عندما‬
‫يزرع الفدان ويتوقع منه نتاجا يساوي كذا إردبا أو قنطارا‪ ،‬أو الصانع الذي يقدر لنفسه دخل‬
‫محددا من صنعته‪ .‬هذا هو الحساب‪ ،‬لكن النسان قد يلتفت فيجد أن عطاء ال له من غير حساب‪.‬‬
‫وقد يحسب النسان مرة ول يأتي له الرزق‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬قالوا‪ :‬إن دولة أعلنت أنها زرعت قمحا يكفي الدنيا كلها‪ ،‬ولكن عندما نضج المحصول‬
‫هبت عاصفة أهلكت الزرع‪ ،‬وأكلت هذه الدولة قمحها من الخارج‪ .‬فمن قالوا عن أنفسهم‪ :‬إنهم‬
‫سيطعمون الناس أطعمهم الناس‪.‬‬
‫أليس ذلك مصداقا لقول الحق‪ " :‬من غير حساب "؟ إنه الحق سبحانه ل يحسب حركتك إيها‬
‫النسان ليعطيك قدرها‪ ،‬ولكنه قد يعطيك أحيانا فوق حركتك‪.‬‬
‫ونحن نرى إخوتنا الذين أفاض ال عليهم بثروة البترول‪ ،‬لقد تفجر البترول من تحت أرجلهم دون‬
‫جهد منهم إنه ال يريد أن يلفت الناس إلى قدرته جل وعل‪ ،‬وأن الرزاق في يده هو‪ .‬وننظر إلى‬
‫الناس الذين يشيرون إلى منطقة البترول فيتهمون أهلها بالكسل‪ ،‬ونجد ان الحق سبحانه وتعالى قد‬
‫سخر لهم غير الكسالى ليخدموهم‪ ،‬وعندما أفاء على المنطقة العربية بالبترول احتاجت لهم الدول‬
‫التي تقول عن نفسها‪ :‬أنها متقدمة‪ ،‬إنه رزق بغير حساب‪.‬‬
‫إن هذه اللفتات إنما تؤكد للمؤمن طلقة القدرة‪ ،‬إن الحق قد خلق السباب‪ ،‬ولم يترك السباب‬
‫تتحكم وحدها‪ ،‬وقد يترك الحق السباب للنسان ليعمل بها‪ ،‬وقد ل يعطيه منها‪ ،‬ويعطي الحق‬
‫النسان من جهة أخرى لم يحسب لها حسابا‪ .‬والنسان الذي يتأمل تقدير أموره أو أمور من‬
‫يعرف يجد أن تلك القضية منتشرة في كل الخلق‪ ،‬إنه سبحانه يرزق بغير حساب‪ ،‬ول يقول‪ " :‬لقد‬
‫فعلت على قدر يساوي كذا " ‪ ،‬والحق سبحانه يعطي بغير حساب من النسان‪ ،‬لن الموازنة التي‬
‫قد يقوم بها النسان قد يأتي لها من السباب ما يخرقها‪.‬‬
‫إذن } وَتَرْزُقُ مَن َتشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ { تعني قدرة الحق المطلقة على الرزق بغير حساب ول‬
‫توجد سلطة أعلى منه تقول له‪ :‬لماذا فعلت؟ أو ماذا أعطيت؟ أو من غير حساب منه سبحانه‬
‫لخلقه‪ ،‬فيأتي الرزق على ما هو فوق أسباب الخلق‪ ،‬أو من غير حساب للناس المرزوقين فيأتي‬
‫رزقهم من حيث لم يقدروا‪ ،‬فإذا كانت كل هذه المور ل‪ ،‬وهو مالك الملك ويعطي من يشاء‪،‬‬
‫ويعز من يشاء‪ ،‬ويولج الليل في النهار‪ ،‬ويرزق من يشاء بغير حساب‪ ،‬أليس من الحمق أن يذهب‬
‫إنسان ليوالي من ل سلطان له ويترك هذا السلطان‪ ،‬إن من يوالي غير ال هو الذي استبد به‬
‫الغباء‪ .‬ولنفطن لتلك القضية اليمانية‪ :‬إي فما دامت كل المور عندي فإياكم أن توالوا خصومى‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خذُواْ بِطَانَةً مّن دُو ِنكُمْ‬
‫لنني أنا الذي بيده كل شيء‪ ،‬هاهوذا القول الحق‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ تَتّ ِ‬
‫خفِي صُدُورُ ُهمْ َأكْبَرُ قَدْ بَيّنّا َلكُمُ‬
‫ل وَدّواْ مَا عَنِتّمْ َقدْ بَ َدتِ الْ َب ْغضَآءُ مِنْ َأ ْفوَا ِههِ ْم َومَا تُ ْ‬
‫لَ يَ ْألُو َنكُمْ خَبَا ً‬
‫اليَاتِ إِنْ كُنْ ُتمْ َت ْعقِلُونَ }[آل عمران‪.]118 :‬‬
‫إنه الحق يأمرنا أل نوالي إل ال‪ ،‬فإن كنت تجري حسابا لكل شيء وبتقدير مؤمن فل توال إل‬
‫صاحب هذه الشياء‪ ،‬وإياك أن تعمد إلى عدو لهذه القوة القاهرة القادرة المستبده في كل امور‬
‫الكون ونواميسه‪ ،‬إياك أن تعمد الى أعداء ال لتتخذ منهم أولياء؛ لنك لو فعلت تكون غير صائب‬
‫التفكير‪.‬‬

‫(‪)419 /‬‬
‫شيْءٍ إِلّا أَنْ‬
‫ن َومَنْ َي ْف َعلْ ذَِلكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي َ‬
‫خذِ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ ا ْلكَافِرِينَ َأوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫لَا يَتّ ِ‬
‫حذّ ُركُمُ اللّهُ َنفْسَ ُه وَإِلَى اللّهِ ا ْل َمصِيرُ (‪)28‬‬
‫تَ ّتقُوا مِ ْنهُمْ ُتقَا ًة وَيُ َ‬

‫أنت ل تتخذ الكافر وليا إل إن بانت لك مظاهر القوة فيه‪ ،‬ومظاهر الضعف فيك‪ ،‬إنك عندما تتأمل‬
‫معنى كلمة " ولي "‪ .‬تجد أن معناها " معين " وحين تقول‪ " :‬ال هو الولي " فإننا نستخدم الكلمة‬
‫هنا على إطلقها‪ ،‬إن كلمة الولي تضاف إلى ال على إطلقها‪ ،‬وتضاف بالنسبية والمحدودية‬
‫جهُمْ مّنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّورِ }[البقرة‪.]257 :‬‬
‫لخلق ال‪ ،‬فالحق يقول‪ {:‬اللّ ُه وَِليّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْ ِر ُ‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْي ِه ْم َولَ هُمْ َيحْزَنُونَ }‬
‫إن ال ولي على إطلقه‪ ،‬والحق يقول‪ {:‬أَل إِنّ َأوْلِيَآءَ اللّ ِه لَ َ‬
‫[يونس‪.]62 :‬‬
‫إن المفرد لولياء ال هو " ولي ال " ‪ ،‬فالمؤمن ولي ال‪ ،‬والحق يقول‪ {:‬هُنَاِلكَ ا ْلوَلَيَةُ لِلّهِ ا ْلحَقّ‬
‫عقْبا }[الكهف‪.]44 :‬‬
‫ُهوَ خَيْرٌ َثوَابا َوخَيْرٌ ُ‬
‫هكذا نلحظ أن الولية قد تضاف مرة إلى ال‪ ،‬ومرة إلى خلق ال‪ .‬إن ال ولي المؤمن‪ ،‬وهذا أمر‬
‫مفهوم‪ ،‬وقد نتساءل‪ :‬كيف يكون المؤمن ولي ال؟ إنا نستطيع أن نفهم هذا المعنى كما يلي‪ :‬إن ال‬
‫هو المعين للعباد المؤمنين فيكون ال ولي الذين آمنوا‪ ،‬أي معينهم ومقويهم‪ .‬وأولياء ال‪ ،‬هم الذين‬
‫ينصرون ال‪ ،‬فينصرهم ال‪ ،‬وهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬الحق الذي قال‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ‬
‫اللّهَ يَنصُ ْركُمْ وَيُثَبّتْ َأ ْقدَا َمكُمْ }[محمد‪.]7 :‬‬
‫ألم يكن ال قادرا أن ينتقم من الكفار مرة واحدة وينتهي من أمرهم؟ ولكن الحق سبحانه قال‪{:‬‬
‫شفِ صُدُورَ َقوْمٍ ّم ْؤمِنِينَ }[التوبة‪.]14 :‬‬
‫قَاتِلُوهُمْ ُيعَذّ ْب ُهمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُ ْم وَ ُيخْزِهِ ْم وَيَ ْنصُ ْركُمْ عَلَ ْي ِه ْم وَيَ ْ‬
‫إن الحق لو قاتلهم فإن قتاله لهم سيكون أمرا خفيا‪ ،‬وقد يقولون‪ :‬إن هذه مسائل كونية في الوجود‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك يأتي بالقتال للمؤمنين الذين استضعفهم الكافرون‪ .‬إذن مرة تُطلق " الولي " ويراد بها "‬
‫المعين "‪ .‬ومرة أخرى تُطلق كلمة " الولي " ويراد بها " المعان "‪ .‬لنك إن كنت أنت ولي ال‪،‬‬
‫وال وليك فإنه الحق سبحانه " معين " لك وأنت " معان "‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه يريد لمنهجه ان يسود بإيمان خلقه به‪ ،‬وإل لكان الحق سبحانه وتعالى قد استخدم‬
‫طلقة قدرته على إرغام الناس على أن يكونوا طائعين‪ ،‬فل أحد بقادر على أن يخرج عن قدرة‬
‫ال‪ ،‬والنسان عليه أن يفكر تفكيرا واضحا‪ ،‬ويعرف أن حياته بين قوسين‪ :‬بين قوس ميلده‬
‫وقوس وفاته ول يتحكم النسان في واحد من القوسين‪ ،‬فلماذا يحاول التحكم في المسافة بين‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫القوسين؟ إذن القواميس الكونية بيد ال وتسير كالساعة‪ ،‬إنه سبحانه يقول‪ {:‬لَخَ ْلقُ ال ّ‬
‫وَالَرْضِ َأكْـبَرُ مِنْ خَ ْلقِ النّاسِ وَلَـاكِنّ َأكْـثَرَ النّاسِ لَ َيعَْلمُونَ }[غافر‪.]57 :‬‬
‫إن شيئا لم يخرج عن مراد الخالق العظم‪ .‬إنما الحق سبحانه وتعالى أخذ هذه المسائل في حركة‬
‫السماوات والرض بقوة قهره وقدرة جبروته‪ ،‬فل شيء يخرج من يده‪ ،‬أما بالنسبة للعباد فهو‬
‫سبحانه يريد ان يأخذ قوما بحب قلوبهم‪.‬‬
‫إن اليمان طريق متروك لختيار النسان‪ ،‬صحيح أن الحق قادر على أن يأتي بالناس مؤمنين‪،‬‬
‫ولكنه يريد أن يرى من يجيء إليه وهو مختار أل يجيء‪.‬‬
‫إن تسخير الشياء يظهر لنا صفة القدرة الكاملة ل‪ ،‬واختيارات النسان هي التي تظهر صفة‬
‫المحبوبية ل‪ ،‬وال يريد لنا أن نرى قدرته‪ ،‬ويريد منا أن نتجه إليه بالمحبوبية لذلك يقول الحق‪} :‬‬
‫لّ يَتّخِذِ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ ا ْلكَافِرِينَ َأوْلِيَآءَ مِن دُونِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ { لماذا؟ لن الكافرين وإن تظاهروا أنهم‬
‫أولياء لك أيها المؤمن‪ ،‬فهم يحاولون أن يجعلوك تستنيم لهم‪ ،‬وتطمئن إليهم وربما تسللوا بلطف‬
‫ودقة‪ ،‬فدخلوا عليك مدخل المودة‪ ،‬وهم ليسوا صادقين في ذلك‪ ،‬لنهم ما داموا كافرين‪ ،‬فليس‬
‫هناك التقاء في الصل بين اليمان والكفر؛ لذلك يقول الحق‪َ } :‬ومَن َي ْف َعلْ ذاِلكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي‬
‫شيْءٍ {‪.‬‬
‫َ‬
‫إن من يتخذ هؤلء أولياء له‪ ،‬فليس له نصيب من نصرة ال‪ ،‬لماذا؟ لنه اعتقد إن هؤلء الكافرين‬
‫قادرون على فعل شيء له‪ .‬لذلك يحذرنا ال ويزيد المعنى وضوحا أي‪ :‬إياكم أن تغتروا بقوة‬
‫الكافرين وتتخذوا منهم أولياء‪ .‬ول تقل أيها المؤمن‪ " :‬ماذا أفعل؟ " لن ال ل يريد منك إل أن‬
‫طعْتُمْ مّن ُق ّوةٍ َومِن رّبَاطِ الْخَ ْيلِ‬
‫تبذل ما تستطيع من جهد‪ ،‬ولذلك قال سبحانه‪ {:‬وَأَعِدّواْ َلهُمْ مّا اسْتَ َ‬
‫شيْءٍ فِي‬
‫ع ْدوّ اللّ ِه وَعَ ُد ّوكُ ْم وَآخَرِينَ مِن دُو ِنهِ ْم لَ َتعَْلمُو َنهُمُ اللّهُ َيعَْل ُمهُ ْم َومَا تُنفِقُواْ مِن َ‬
‫تُرْهِبُونَ بِهِ َ‬
‫سَبِيلِ اللّهِ ُيوَفّ إِلَ ْيكُمْ وَأَنْتُ ْم لَ تُظَْلمُونَ }[النفال‪.]60 :‬‬
‫طعْتُمْ {‪ .‬إن على‬
‫عدّواْ َلهُمْ مّا اسْ َت َ‬
‫إن الحق لم يقل‪ " :‬أعدوا لهم ما تغلبونهم به " ‪ ،‬ولكنه قال‪ } :‬أَ ِ‬
‫المؤمن أن يعمل ما في استطاعته‪ ،‬وأن يدع الباقي ل‪ ،‬ولذلك فهناك قضية قد يقف فيها العقل‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن ال يطمئننا؛ أي‪ :‬ل تخافوا ول تظنوا أن أعدادهم الكبيرة قادرة على أن تهزمكم‪ ،‬ول تسأل‪:‬‬
‫" ماذا أفعل يا ال "؟ لقد علمنا الحق أل نقول ذلك‪ ،‬وعلمنا ما يحمينا من هذا الموقف لذلك قال‪{:‬‬
‫ق وَاضْرِبُواْ مِ ْنهُمْ ُكلّ بَنَانٍ }[النفال‪:‬‬
‫ق الَعْنَا ِ‬
‫عبَ فَاضْرِبُواْ َفوْ َ‬
‫سَأُ ْلقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ َكفَرُواْ الرّ ْ‬
‫‪.]12‬‬
‫إذن فساعة يلقي ال في قلوب الذين كفروا الرعب فماذا يصنعون مهما كان عددهم أو عدتهم؟‬
‫أليس في ذلك نهاية للمسألة؟ إن الرعب هو جندي ضمن جنود ال‪ ،‬ولذلك فعلى المؤمن أل يوالي‬
‫الكافرين من دون المؤمنين‪ ،‬لماذا؟ حتى ل ينطبق عليه القول الحق‪َ " :‬ومَن َي ْفعَلْ ذاِلكَ فَلَيْسَ مِنَ‬
‫حذّ ُركُمُ اللّهُ َنفْسَ ُه وَإِلَىا‬
‫شيْءٍ " ويضع الحق بعد ذلك الستثناء‪ِ } :‬إلّ أَن تَ ّتقُواْ مِ ْنهُمْ ُتقَا ًة وَيُ َ‬
‫اللّهِ فِي َ‬
‫اللّهِ ا ْل َمصِيرُ {‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يعطي المنهج للنسان وهو من خلقه سبحان‪ ،‬ويعرف كل غرائزه‪،‬‬
‫وانفعالته‪ ،‬وفكره‪ ،‬وفي أنه قد تأتي له ظروف أقوى من طاقته‪ ،‬لذلك يعامل الحق النسان على‬
‫أنه مخلوق محدود القدرات؛ وفي موضع آخر جاء الحق باستثناء آخر فقال‪َ {:‬ومَن ُيوَّلهِمْ َي ْومَئِذٍ‬
‫جهَنّ ُم وَبِئْسَ ا ْل َمصِيرُ }‬
‫ضبٍ مّنَ اللّهِ َومَأْوَاهُ َ‬
‫دُبُ َرهُ ِإلّ مُتَحَرّفا ّلقِتَالٍ َأوْ مُتَحَيّزا ِإلَىا فِئَةٍ َفقَدْ بَآءَ ِب َغ َ‬
‫[النفال‪.]16 :‬‬
‫إن الحق يقول في هذا الموضع من سورة آل عمران‪ } :‬لّ يَتّخِذِ ا ْل ُمؤْمِنُونَ ا ْلكَافِرِينَ َأوْلِيَآءَ مِن‬
‫شيْءٍ‪ِ ،‬إلّ أَن تَ ّتقُواْ مِ ْنهُمْ ُتقَاةً {‪.‬‬
‫دُونِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َومَن َي ْف َعلْ ذاِلكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي َ‬
‫" وتقاة " مأخوذة من " الوقاية "‪ .‬إنهم قد يكونون أقوياء للغاية‪ ،‬وقد ل يملك المؤمن بغلبه الظن في‬
‫أن ينتصر عليهم؛ وهم الكافرون‪ ،‬فل مانع من أن يتقي المؤمن شرهم‪.‬‬
‫إن التقية رخصة من ال‪ ،‬روى‪ :‬أن مسيلمة الكذاب جاء برجلين من المسلمين وقال لواحد منهما‪:‬‬
‫" أتشهد أن محمدا رسول ال "؟ قال المؤمن " نعم "‪ :‬قال مسيلمة‪ " :‬وتشهد أني رسول ال؟ " قال‬
‫المؤمن‪ " :‬نعم "‪ .‬وأحضر مسيلمة المسلم الخر وقال له‪ " :‬أتشهد أن محمدا رسول ال؟ " قال‬
‫المؤمن‪ " :‬نعم "‪ .‬قال مسيلمة‪ " :‬أتشهد أني رسول ال؟ " قال المؤمن الثاني‪ " :‬إني أصم " كيف رد‬
‫عليه المؤمن بدعوى الصمم؟ لقد علم مسيلمة أنه يدعي الصمم‪ ،‬لذلك أخذه وقلته‪ ،‬فرفع المر إلى‬
‫سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فماذا قال؟ قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أما المقتول‪..‬فقد‬
‫صدع بالحق فهنيئا له‪ ،‬وأما الخر فقد أخذ برخصة ال "‪ .‬فالتقية رخصة‪،‬والفصاح بالحق‬
‫فضيلة‪..‬‬
‫وعمار بن ياسر أخذ بالرخصة وبلل بن رباح تمسك بالقرعة‪.‬‬
‫ولننظر إلى حكمة التشريع في هذا المر‪ .‬إن كل مبدأ من مبادئ الخير جاء ليواجه ظاهرة من‬
‫ظواهر الشر في الوجود‪ ،‬وهذا المبدأ يحتاج إلى منهج يأتي من حكيم أعلى منه‪ ،‬ويريد صلبة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقين‪ ،‬وقوة عزيمة‪ ،‬كما يريد تحمل منهج‪ ،‬فالتحمل إنما يكون من أجل أن يبقى المنهج للناس‪،‬‬
‫والعزيمة من أجل أن يواجه المؤمن الخصوم‪ ،‬فلو لم يشرع ال التقية بقوله‪ِ {:‬إلّ مَنْ ُأكْ ِر َه َوقَلْبُهُ‬
‫طمَئِنّ بِالِيمَانِ }[النحل‪.]106 :‬‬
‫مُ ْ‬
‫لكنا حقيقة سنحقق الفدائية التي تفدي مناهج الحق بالتضحية بالحياة رخيصة في سبيل ال‪ ،‬ولكن‬
‫هب ان كل مؤمن وقف هذا الموقف فمن يحمل علم ال إلى الخرين؟ لذلك يشرع الحق سبحانه‬
‫وتعالى التقية من أجل أن يبقى من يحمل المنهج‪ ،‬إنه يقرر لنا الفداء للعقيدة‪ ،‬ويشرع لنا التقية من‬
‫أجل بقاء العقيدة‪ .‬لقد جاء الحق بالمرين‪ :‬أمر الوقوف في وجه الباطل بالستشهاد في سبيل‬
‫الحق‪ ،‬وأمر التقية حماية لبعض الخلق حتى ل يضيع المنهج الحق لو جاء جبار‪ ،‬واستأصل‬
‫المؤمنين جميعا‪ ،‬لذلك يشرع الحق ما يبقى للفداء قوما‪ ،‬ويبقى للبقاء قوما ليحملوا منهج ال‪ ،‬هل‬
‫عرفنا الن لماذا جاءت التقية؟ لن الحق سبحانه وتعالى يريد منهجا يعمر الرض‪ ،‬ويورث‬
‫للجيال المتتالية‪ ،‬فلو أن الحق لم يشرع التقية بقوله‪:‬‬
‫طمَئِنّ بِالِيمَانِ وَلَـاكِن مّن شَرَحَ بِا ْل ُكفْ ِر صَدْرا‬
‫{ مَن َكفَرَ بِاللّهِ مِن َب ْعدِ إيمَانِهِ ِإلّ مَنْ ُأكْ ِر َه َوقَلْبُهُ ُم ْ‬
‫عذَابٌ عَظِيمٌ }[النحل‪.]106 :‬‬
‫ضبٌ مّنَ اللّ ِه وََلهُمْ َ‬
‫غ َ‬
‫َفعَلَ ْيهِمْ َ‬
‫لثبتت الفدائية في العقيدة‪ ،‬ولو ثبتت الفدائية وحدها لكان أمر المنهج عرضه لن يزول‪ ،‬ول يرثه‬
‫قوم آخرون‪ ،‬لذلك شرع ال التقية ليظل أناس حول شمعة اليمان‪ ،‬يحتفظون بضوئها؛ لعل واحدا‬
‫يأخذ بقبسها‪ ،‬فيضيء بها نورا وهاجا‪ .‬ولذلك‪ ،‬فل ولية من مؤمن لقوم كافرين إل أن يتقى منهم‬
‫حذّ ُركُمُ اللّهُ َنفْسَ ُه وَإِلَىا اللّهِ ا ْل َمصِيرُ {‪.‬‬
‫تقاة‪ ،‬لماذا؟ لن ال يحذرنا نفسه بقوله‪ } :‬وَيُ َ‬
‫فإياك أن تقبل على السلوك الذي يضعه أمامك الكفار بانشراح صدر وتقول‪ :‬أنا أقوم بالتقية‪ ،‬بل ل‬
‫بد أن تكون المسألة واضحة في نفسك‪ ،‬وأن تعرف لماذا فعلت التقية‪ ،‬هل فعلتها لتبقى منهج الخير‬
‫في الوجود‪ ،‬أو لغير ذلك؟ هل فعلتها حتى ل تجعل جنود الخير كلهم إلى فناء أو غير ذلك؟ إنك‬
‫إن فعلت التقية بوعي واستبقيت نفسك لمهمة استبقاء المنهج اليماني‪ ،‬فأنت أهل اليمان‪ ،‬وعليك‬
‫حذّ ُركُمُ اللّهُ َنفْسَ ُه وَإِلَىا اللّهِ ا ْل َمصِيرُ {‪ .‬إنه الحق يقول‬
‫أن تعرف جيدا أن الحق قد قال‪ } :‬وَيُ َ‬
‫للمؤمنين‪ :‬إياكم أن تخلعوا على التقية أمرا هو مرغوب لنفوسكم‪ ،‬لماذا؟ لن الحق قد حددها‪ {:‬مَن‬
‫طمَئِنّ بِالِيمَانِ وَلَـاكِن مّن شَرَحَ بِا ْل ُكفْرِ صَدْرا َفعَلَ ْيهِمْ‬
‫َكفَرَ بِاللّهِ مِن َبعْدِ إيمَا ِنهِ ِإلّ مَنْ ُأكْ ِرهَ َوقَلْبُهُ مُ ْ‬
‫عذَابٌ عَظِيمٌ }[النحل‪.]106 :‬‬
‫ضبٌ مّنَ اللّ ِه وََلهُمْ َ‬
‫غ َ‬
‫َ‬
‫فل غاية إل ال‪ ،‬فإياكم أن تغشوا أنفسكم؛ لنه ل غاية عند غيره؛ فالغاية كلها عنده وبعد ذلك‬
‫خفُواْ مَا فِي صُدُو ِركُمْ َأوْ تُ ْبدُوهُ َيعَْل ْمهُ اللّهُ‪{ ...‬‬
‫يقول الحق‪ُ } :‬قلْ إِن تُ ْ‬

‫(‪)420 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ض وَاللّهُ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫خفُوا مَا فِي صُدُو ِركُمْ َأوْ تُ ْبدُوهُ َيعَْلمْهُ اللّهُ وَ َيعْلَمُ مَا فِي ال ّ‬
‫ُقلْ إِنْ تُ ْ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ (‪)29‬‬
‫عَلَى ُكلّ َ‬

‫لن النسان قد يقوم بالتقية كظاهرة شكلية‪ ،‬أما المؤمن فل يفعل ذلك أبدا‪ .‬لماذا؟ لن التحذير‬
‫واضح في هذه الية‪ .‬هنا قد يقول قائل‪ :‬إن إخفاء ما في الصدر هو الذي يعلمه ال أما إبداء ما‬
‫في الصدر فإنه قد علمه أحد غير ال‪ ،‬فلماذا جاء هذا القول؟ لقد جاء هذا القول الحكيم‪ ،‬لنه قد‬
‫يطرأ على بالك أن ال غيب فهو يعلم الغيب فقط ول يعلم المشهد‪ .‬لكن ال ل يحجبه مكان عن‬
‫مكان أو زمان عن زمان‪ .‬فإياك أن تعتقد ان ال غيب فل يعرف إل الغيب‪ .‬إن الحق يعلم الغيب‬
‫عمَِلتْ مِنْ خَيْرٍ‬
‫ويعلم ما برز إلى الوجود‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪َ { :‬يوْمَ َتجِدُ ُكلّ َنفْسٍ مّا َ‬
‫حضَرا‪} ...‬‬
‫مّ ْ‬

‫(‪)421 /‬‬
‫عمَِلتْ مِنْ سُوءٍ َتوَدّ َلوْ أَنّ بَيْ َنهَا وَبَيْنَهُ َأمَدًا َبعِيدًا‬
‫حضَرًا َومَا َ‬
‫عمَِلتْ مِنْ خَيْرٍ مُ ْ‬
‫جدُ ُكلّ َنفْسٍ مَا َ‬
‫َيوْمَ تَ ِ‬
‫س ُه وَاللّهُ َرءُوفٌ بِا ْلعِبَادِ (‪)30‬‬
‫وَيُحَذّ ُر ُكمُ اللّهُ َنفْ َ‬

‫إن العمل في ذاته ظاهرة تحدث وتنتهي‪ ،‬فكيف يأتي النسان يوم القيامة‪ ،‬ويجد عمله؟ إنه ل شك‬
‫سوف يجد جزاء عمله‪ ،‬إننا حتى الن نقول ذلك‪ ،‬لكن حين يفتح ال على بعض العقول فتكتشف‬
‫أسرارا من أسرار الكون فقد يكون تفسير هذه الية فوق ما نقول‪ ،‬إنهم الن يستطيعون تصوير‬
‫شريط لعمل ما وبعد مدة يقول النسان للخر‪ :‬انظر ماذا فعلت وماذا قلت إن العمل المسجل‬
‫بالشريط يكون حاضرا ومصورا‪ ،‬فإذا كنا نحن البشر نستطيع أن نفعل ذلك بوسائلنا فماذا عن‬
‫وسائل الحق سبحانه وتعالى؟ ل بد أنها تفوقنا قدرة‪ ،‬إنه الحق يعلم كل شيء‪ ،‬في الصدر‪ ،‬أو في‬
‫السماوات أو في الرض‪ :‬إن الحكم اللهي يشمل الكون كله مصداقا لقول الحق‪ {:‬وَعِن َدهُ َمفَاتِحُ‬
‫سقُطُ مِن وَ َرقَةٍ ِإلّ َيعَْل ُمهَا َولَ حَبّةٍ فِي‬
‫ا ْلغَ ْيبِ لَ َيعَْل ُمهَآ ِإلّ ُه َو وَ َيعْلَمُ مَا فِي الْبَ ّر وَالْبَحْرِ َومَا َت ْ‬
‫ب َولَ يَابِسٍ ِإلّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ }[النعام‪.]59 :‬‬
‫ط ٍ‬
‫ت الَ ْرضِ وَلَ رَ ْ‬
‫ظُُلمَا ِ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ } إنه القادر الذي يعلم عنا الغفلة‪ ،‬فينبهنا‬
‫ويختم الحق هذه الية بقوله‪ { :‬وَاللّهُ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫شيْءٍ َقدِيرٌ } ونحن مخلوقون ل‪،‬‬
‫دائما إلى كمال قدرته‪ ،‬كما قال في آية قبلها‪ { :‬إِ ّنكَ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫وهو القادر العلى‪ ،‬القادر على كل شيء ويأتي لكل منا بكتاب حسابه يوم الحساب‪ {:‬فََأمّا مَنْ‬
‫أُو ِتيَ كِتَابَهُ بِ َيمِينِهِ فَ َيقُولُ هَآؤُمُ اقْ َرؤُاْ كِتَابيَهْ }[الحاقة‪.]19 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حضَرا } يعني أنه يجد جزاء‬
‫عمَِلتْ مِنْ خَيْرٍ مّ ْ‬
‫إذن فمن تقف في عقله هذه المسألة‪ ،‬فليقل‪ { :‬مّا َ‬
‫عمله‪ .‬أما ما عملته النفس من السوء فهي تود أن يكون بينه وبينها أمد بعيد‪ ،‬أي غاية بعيدة‪،‬‬
‫ويقول النسان لنفسه‪ " :‬يا ليتها ما جاءت "‪ .‬والحق سبحانه يقول‪ { :‬وَيُحَذّ ُركُمُ اللّهُ َنفْسَهُ وَاللّهُ‬
‫َرؤُوفٌ بِا ْلعِبَادِ } إن الحق سبحانه يكرر التحذير لنستحضر قوته المطلقة‪ ،‬ولكنه أيضا رءوف بنا‬
‫رحيم ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ُ { :‬قلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّ ِبعُونِي ُيحْبِ ْبكُمُ اللّهُ‪} ...‬‬

‫(‪)422 /‬‬
‫غفُورٌ رَحِيمٌ (‪)31‬‬
‫ُقلْ إِنْ كُنْتُمْ ُتحِبّونَ اللّهَ فَاتّ ِبعُونِي ُيحْبِ ْبكُمُ اللّ ُه وَ َي ْغفِرْ َل ُكمْ ذُنُو َبكُ ْم وَاللّهُ َ‬

‫ولنا أن نعرف أن كل " قل " إنما جاءت في القرآن كدليل على أن ما سيأتي من بعدها هو بلغ‬
‫من الرسول صلى ال عليه وسلم عن ربه‪ ،‬بلغ للمر وللمأمور به‪ ،‬إن البعض ممن في قلوبهم‬
‫زيغ يقولون‪ :‬كان من الممكن أن يقول الرسول‪ { :‬إِن كُنتُمْ ُتحِبّونَ اللّهَ فَاتّ ِبعُونِي يُحْبِ ْبكُمُ اللّهُ }‬
‫لهؤلء نقول‪ :‬لو فعل الرسول صلى ال عليه وسلم ذلك لكان قد أدى " المأمور به " ولم يؤد المر‬
‫بتمامه‪ .‬لماذا؟ لن المر في " قل "‪ ..‬والمأمور به { إِن كُنتُمْ ُتحِبّونَ اللّهَ } وكأن الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم في كل بلغ عن ال بدأ بـ " قل " إنما يبلغ " المر " ويبلغ " المأمور به " مما يدل‬
‫على أنه مبلغ عن ال في كل ما بلغه من ال‪.‬‬
‫إن الذين يقولون‪ :‬يحب أن تحذف " قل " من القرآن‪ ،‬وبدل من أن نقول‪ُ { :‬قلْ ُهوَ اللّهُ َأحَدٌ }‬
‫فلننطقها‪ " :‬ال أحد "‪ .‬لهؤلء نقول‪ :‬إنكم تريدون أن يكون الرسول قد أدى " المأمور به " ولم يؤد‬
‫" المر "‪.‬‬
‫إن الحق يقول‪ُ { :‬قلْ إِن كُنتُمْ ُتحِبّونَ اللّهَ فَاتّ ِبعُونِي ُيحْبِ ْبكُمُ اللّهُ } هذه الية تدل على ماذا؟ إنهم ل‬
‫بد قد ادعوا أنهم يحبون ال‪ ،‬ولكنهم لم يتبعوا ال فيما جاء به رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فكأنهم جعلوا الحب ل شيئا‪ ،‬واتباع التكليف شيئا آخر‪ ،‬وال سبحانه وتعالى له على خلقه إيجاد‪،‬‬
‫وإمداد‪ ،‬وتلك نعمة‪ ،‬ول على خلقه فضل التكليف؛ لن التكليف إن عاد على ال ُمكَلّف " بفتح الكاف‬
‫وتشديد اللم " ولم يعد منه شيء على ال ُمكَلّف بكسر الكاف فهذه نعمة من المكلّف‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه ل يحتاج إلى أحد ول من أحد‪ .‬إن الحق سبحانه عندما كلفنا إنما يريد لنا أن نتبع‬
‫قانون صيانة حياة النسان‪ .‬وقد ضربنا المثل ‪ -‬ول المثل العلى‪ ،‬باللة المصنوعة بأيدي البشر‪،‬‬
‫إن المهندس الذي صممها يضع لها قانون صيانة ما‪ ،‬ويضع قائمة تعليمات عن كيفية استعمالها؛‬
‫وهي تتلخص في " افعل كذا " و " ل تفعل كذا " ‪ ،‬ويختار لهذه اللة مكانا محددا‪ ،‬وأسلوبا منظما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للستخدام‪.‬‬
‫إذن فوضع قائمة بالقوانين الخاصة بصيانه واستعمال آلة ما وطبعها في كراسة صغيرة‪ ،‬هي‬
‫لفائدة المنتفع بالصنعة‪ .‬هذا في مجال الصنعة البشرية فما بالنا بصنعة ال عز وجل؟ إن ل إيجادا‬
‫للنسان‪ ،‬ول إمدادا للنسان‪ ،‬ول تكليفا للنسان‪ ،‬والحق قد جعل التكليف في خدمة اليجاد‬
‫والمداد‪ .‬إن الحق لو لم يعطنا نظام حركة الحياة في " افعل " و " ل تفعل " لفسد علينا اليجاد‬
‫والمداد‪ ،‬إن من تمام نعمة الحق على الخلق أن أوجد التكليف‪ ،‬وإن كان العبد قد عرف قدر ال‬
‫فأحبه لليجاد والمداد فليعرف العبد فضل ربه عليه أيضا من ناحية قبول التكليف‪ ،‬وأن يحب‬
‫العبد ربه لنه كلفة بالتكاليف اليمانية‪.‬‬
‫إنك قد تحب ال‪ ،‬ولكن عليك أن تلحظ الفرق بين أن تحب أنت ال‪ ،‬وأن يحبك ال‪ .‬إن التكليف‬
‫قد يبدو شاقا عليك فتهمل التكليف؛ لذلك نقول لك‪ :‬ل يكفي أن تحب ال لنعمة إيجاده وإمداده؛‬
‫لنك بذلك تكون أهملت نعمة تكلفيه التي تعود عليك بالخير‪ ،‬إن نعمة التكليف تعود عليك بكل‬
‫الخير عندما تؤديها أيها النسان‪ ،‬فل تهملها‪ ،‬ومن الجائز أن تجد عبادا يحبون ال لنه أوجدهم‬
‫وأمدهم بكل أسباب الحياة‪ ،‬ولكن حب ال لعبده يتوقف على أن يعرف العبد نعمته ‪ -‬سبحانه ‪-‬‬
‫في التكليف‪ ،‬إن ال يحب العبد الذي يعرف قيمة النعمة في التكليف‪.‬‬
‫ونحن في مجالنا البشري نرى إنسانا يحب إنسان آخر‪ ،‬ل يبادله العاطفة‪ ،‬والمتنبي قال‪:‬أنت‬
‫الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون حبيبا غير محبوبإن المتنبي يستعيذ أن يحب واحدا ل يبادله‬
‫الحب‪ .‬فكأن الذين يدعون أنهم يحبون ال‪ ،‬لنهم عبيد إحسانه إيجادا وإمدادا‪ ،‬ثم بعد ذلك‬
‫يستنكفون‪ ،‬أول يقدرون على حمل نفوسهم على أداء التكليف لهؤلء نقول‪ :‬أنتم قد منعتم شطر‬
‫الحب ل‪ ،‬لن ال لن يكلفكم لصالحه ولكنه كلفكم لصالحكم؛ لن التكليف ل يقل عن اليجاد‬
‫والمداد‪.‬‬
‫لماذا؟ لن التكليف فيه صلح اليجاد والمداد‪ ،‬والحب ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬هو ودادة القلب وعندما‬
‫تقيس ودادة القلب بالنسبة ل‪ ،‬فإننا نرى آثارها‪ ،‬وعملها‪ ،‬من عفو‪ ،‬ورحمة‪ ،‬ورضا‪.‬‬
‫وعندما تقيس ودادة القلب من العبد إلى ال فإنها تكون في الطاعة‪ .‬إن الحب الذي هو ودادة القلب‬
‫يقدر عليه كل إنسان‪ ،‬ولكن الحق يطلب من ودادة القلب ودادة القالب‪ ،‬وعلى النسان أن يبحث‬
‫عن تكاليف ال ليقوم بها‪ ،‬طاعة منه وحبا ل‪ ،‬ليتلقى محبة ال له بآثارها‪ ،‬من عفو‪ ،‬ورحمة‪،‬‬
‫ورضا‪.‬‬
‫والحب المطلوب شرعا يختلف عن الحب بمفهومه الضيق‪ ،‬أقول ذلك لنعلم جميعا‪ ،‬أنه الحق‬
‫سبحانه قائم بالقسط‪ ،‬فل يكلف شططا‪ ,‬ول يكلف فوق الوسع أو فوق الطاقة‪ .‬إن الحب المراد ل‬
‫في التكليف هو الحب العقلي‪ ،‬ول بد أن نفرق بين الحب العقلي والحب العاطفي‪ ،‬العاطفي ل يفنن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫له‪ .‬ل أقول لك‪ " :‬عليك أن تحب فلنا حبا عاطفيا " لن ذلك الحب العاطفي ل قانون له‪ .‬إن‬
‫النسان يحب ابنه حتى ولو كان قليل الذكاء أو صاحب عاهة‪ ،‬يحبه بعاطفته‪ ،‬ويكره قليل الذكاء‬
‫بعقله‪.‬‬
‫والنسان حينما يرى ابن جاره أو حتى ابن عدوه‪ ،‬وهو متفوق‪ ،‬فإنه يحب ابن الجار أو ابن العدو‬
‫بعقله‪ ،‬لكنه ل يحب ابن الجار أو العدو بعاطفته‪ ،‬ودليل ذلك أن النسان عندما توجد لديه أشياء‬
‫جميلة فإنه يعطيها لبنه ل لبن الجيران‪ ،‬هناك ‪ -‬إذن ‪ -‬فرق بن حب العقل‪ ،‬وحب العاطفة‪.‬‬
‫والتكليف دائما يقع في إطار المقدور عليه وهو حب العقل‪ ،‬ومع حب العقل قد يسأل النسان‬
‫نفسه‪ :‬ماذا تكون حياتي وكيف‪ ..‬لو لم أعتنق هذا الدين؟ وماذا تكون الدنيا وكيف‪ ،‬لول رحمة ال‬
‫بنا عندما أكرمنا بهذا الدين؟ وأرسل لنا هذا الرسول الكريم؟ إن هذا حديث العقل وحب العقل‪.‬‬
‫وقد يتسامى الحب فيصير بالعاطفة أيضا‪ ،‬لكن المكلف به هو حب العقل‪ ،‬وليس الحب العاطفي‪،‬‬
‫ولذلك يجب أن نفطن إلى ما روى عن عمر بن الخطاب رضي ال عنه ‪ -‬حينما قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ل يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين "‪.‬‬
‫وقف سيدنا عمر عند هذه النقطة فقال‪ :‬أمعقول أن يكون الحب لك أكثر من النفس؟ إنني أحبك‬
‫أكثر من مالي‪ ،‬أو من ولدي‪ ،‬إنما من نفسي؟ ففي النفس منها شيء‪ .‬وهكذا نرى صدق الداء‬
‫اليماني من عمر بن الخطاب رضي ال عنه وكررها النبي صلى ال عليه وسلم ثانيا‪ ،‬وثالثا‪،‬‬
‫فعرف سيدنا عمر أنه قد أصبحت تكليفا وعرف أنها ل بد أن تكون من الحب المقدور عليه‪ ،‬وهو‬
‫حب العقل‪ ،‬وليس حب العاطفة‪ .‬وهنا قال عمر‪ " :‬الن يارسول ال؟ " فقال الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ " :‬الن يا عمر‪ ،‬أي كمل إيمانك الن‪ ،‬أي أن سيدنا عمر قد فهم المراد بهذا الحب وهو‬
‫الحب العقلي‪.‬‬
‫ونريد هنا أن نضرب مثل حتى ل تقف هذه المسألة عقبة في القلوب أو العقول ‪ -‬نقول ‪ -‬ول‬
‫المثل العلى‪ :‬إن النسان ينظر إلى الدواء المر طعما ويسأل نفسه هل أحبه أو ل؟ إن النسان‬
‫يحب هذا الدواء بعقله‪ ،‬ل بعاطفته‪.‬‬
‫إذن فحب العقل هو ودادة من تعلم أنه صالح لك ونافع لديك وإن كانت نفسك تعافه‪ ،‬وعندما‬
‫تتضح لك حدود نفع بالشيء فأنت تحبه بعاطفتك إذا فالمطلوب للتكليف اليماني " الحب العقلي‬
‫" ‪ ،‬وبعد ذلك يتسامى ليكون " حبا عاطفيا " وهكذا يكون قول الحق‪ } :‬إِن كُن ُتمْ تُحِبّونَ اللّهَ‬
‫فَاتّ ِبعُونِي يُحْبِ ْب ُكمُ اللّهُ { وهذا الحب ليس دعوى‪ .‬إن النسان منا عندما يدعى أنه يحب إنسانا آخر‪،‬‬
‫فكل ما يتصل به يكون محبوبا‪ ،‬ألم يقل الشاعر‪ " :‬وكل ما يفعل المحبوب محبوب "؟ فإن كنتم‬
‫تحبون رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فاتبعوه بتنفيذ التكاليف اليمانية‪ ،‬ولنلتفت إلى الفرق بين "‬
‫اتبعني " و " استمع لي "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن التباع ل يكون إل في السلوك‪ ،‬فإن كانت تحب رسول ال فعليك أن ترى ماذا كان يفعل‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأن تفعل مثله‪ ،‬أما إذا كنت تدعى هذا الحب‪ ،‬ول تفعل مثلما‬
‫فعل رسول ال صلى فهذا عدم صدق في الحب‪ ،‬إن دليل صدقكم في الحب المدعى منكم أن‬
‫تتبعوا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإن اتبعنا رسول ال نكون قد أخذنا التكليف من ال على‬
‫أنه نعمة‪ ،‬ونقلبها من ال مع ما فيها من مشقة علينا‪ ،‬فيحبنا ال؛ لننا آثرنا تكليفه على المشقة في‬
‫التكليف‪.‬‬
‫إن فهم هذه الية يقتضي أن نعرف أن الحق ينبهنا فكأنه يقول لنا‪ :‬أنتم أحببتم ال لليجاد‬
‫والمداد‪ ،‬وبعد ذلك وقفتم في التكليف لنه ثقيل عليكم‪ ،‬وهنا نقول‪ " :‬انظروا إلى التكليف أهو‬
‫لصالح من كلف أم هو لصالح من تلقى التكليف؟ "‪ .‬إنه لصالح المكلّف أي الذي تلقى التكاليف‪.‬‬
‫وهكذا يجب أن نضم التكليف للنعم‪ ،‬فتصبح النعم هي " نعم اليجاد " ‪ ،‬و " المداد " ‪ ،‬و " التكليف‬
‫" ‪ ،‬فإن أحببت ال لليجاد والمداد‪ ،‬فهذا يقتضي أن تحبه أيضا للتكليف‪ ،‬ودليل صدق الحب هو‬
‫قيام العبد بالتكليف‪ ،‬وما دمت أنت قد عبرت عن صدق عواطفك بحبك ل‪ ،‬فل بد أن يحبك ال‪،‬‬
‫وكل منا يعرف أن حبه ل ل يقدم ول يؤخر‪ ،‬لكن حب ال لك يقدم ويؤخر‪.‬‬
‫إن قول الحق سبحانه وتعالى فيما يعلّمه لرسول ال ليقول لهم‪ } :‬فَاتّ ِبعُونِي يُحْبِ ْب ُكمُ اللّهُ { أي أن‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم المرسل من عند ال جاء بكل ما أنزله ال ولم يكتم شيئا مما ُأمِرَ‬
‫بتبليغه‪ ،‬فل يستقيم أن يضع أحد تفريقا بين رسول ال وبين ال‪ ،‬لن الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫مبلغ عن ال كل ما أنزل عليه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬وَ َي ْغفِرْ َل ُكمْ ذُنُو َبكُمْ { إن مسألة } وَ َي ْغفِرْ َلكُمْ { هذه تتضمن ما تسميه‬
‫القوانين البشرية بالثر الرجعي‪ ،‬فمن لم يكن في باله هذا المر؛ وهو حب ال‪ ،‬واتباع الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فعليه أن يعرف أن عليه مسئولية أن يبدأ في هذه المسألة فورا ويتبع‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم وينفذ التكليف اليماني‪ ،‬وسيغفر له ال ما قد سبق‪ ،‬وأي ذنوب‬
‫يغفرها ال هنا؟ إنها الذنوب التي فر منها بعض العباد عن اتباع الرسول‪ ،‬فجاء الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم بالحكم فيها‪.‬‬
‫وهكذا نعرف ونتيقن أن عدالة ال أنه سبحانه لن يعاقب أحدا على ذنب سابق ما دام قد قبل العبد‬
‫أن ينفذ التكليف اليماني‪ ،‬إن الذين أبلغهم رسول ال صلى ال عليه وسلم كان يجب عليهم أن‬
‫يفطنوا بعقولهم إلى ما أعلنه الرسول لهم‪ ،‬إن هذا المر ل يكون حجة إل بعد أن صار بلغا‪ ،‬وقد‬
‫غفُورٌ‬
‫جاء البلغ‪ ،‬ولذلك يغفر ال الذنوب السابقة على البلغ‪ ،‬وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬وَاللّهُ َ‬
‫رّحِيمٌ { إننا نعلم أن المغفرة من ال والرحمة منه أيضا‪ ،‬وبعد ذلك يقول الحق‪ُ } :‬قلْ َأطِيعُواْ اللّهَ‬
‫وَالرّسُولَ‪{ ...‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)423 /‬‬
‫حبّ ا ْلكَافِرِينَ (‪)32‬‬
‫ُقلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرّسُولَ فَإِنْ َتوَّلوْا فَإِنّ اللّهَ لَا ُي ِ‬

‫وقد قلت من قبل في مسألة المر بالطاعة‪ ،‬إنها جاءت في القرآن الكريم على ثلثة ألوان‪ :‬فمرة‬
‫يقول الحق‪ { :‬أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرّسُولَ }‪ .‬كما جاء بهذه الية التي نحن بصدد تناولها بخواطرنا‬
‫اليمانية‪ .‬ونلحظ هنا أن الحق سبحانه لم يكرر أمر الطاعة‪ ،‬بل جعل المر واحدا‪ ،‬هو " أطيعوا‬
‫" ‪ ،‬فإذا سألنا من المطاع؟ تكون الجابة‪ .‬ال والرسول معا‪.‬‬
‫إذن فقول الرسول صلى ال عليه وسلم بلغا عن ال { فَاتّ ِبعُونِي ُيحْبِ ْبكُمُ اللّهُ } يعني أن طاعة‬
‫المؤمنين للرسول من طاعة ال‪ .‬إن الرسول صلى ال عليه وسلم لم يأمرنا بطاعته‪ ،‬ولكنه يأمرنا‬
‫بطاعة ال‪ ،‬ولذلك لم يكرر الحق أمر الطاعة‪ ،‬إنّ الحق هنا يوحد أمر الطاعة فيجعلها ل‬
‫وللرسول معا‪ ،‬إنه يعطف على المطاع الول وهو ال بمطاع ثانٍ هو الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ .‬ويقول الحق في كتابه العزيز‪ُ {:‬قلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ فَإِن َتوَّلوْاْ فَإِ ّنمَا عَلَ ْيهِ مَا‬
‫لغُ ا ْلمُبِينُ }[النور‪.]54 :‬‬
‫حمّلْتُ ْم وَإِن تُطِيعُوهُ َتهْتَدُو ْا َومَا عَلَى الرّسُولِ ِإلّ الْبَ َ‬
‫ل وَعَلَ ْيكُمْ مّا ُ‬
‫ح ّم َ‬
‫ُ‬
‫إن الحق يورد أمر الطاعة ثلث مرات‪ ،‬فمرة يكون أمر الطاعة ل‪ ،‬ومرة ثانية يكون أمر الطاعة‬
‫للرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومرة ثالثة يقول الحق‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ‬
‫شيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّ ِه وَالرّسُولِ إِن كُنْ ُتمْ ُت ْؤمِنُونَ بِاللّهِ‬
‫لمْرِ مِ ْنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي َ‬
‫ل وَُأوْلِي ا َ‬
‫الرّسُو َ‬
‫وَالْ َيوْمِ الخِرِ ذاِلكَ خَيْ ٌر وََأحْسَنُ تَ ْأوِيلً }[النساء‪.]59 :‬‬
‫فما مسألة هذه الوامر بالطاعة؟ إنها طاعة بألوان التكليف وأنواعها‪ ،‬إن الحكام المطلوب من‬
‫المؤمنين أن يطيعوا فيها‪ ،‬مرة يكون المر من ال قد جاء بها وأن يكون الرسول قد أكدها بقوله‬
‫وسلوكه‪ ،‬إن المؤمن حين يطيع في هذا المر الواحد‪ ،‬فهو يطيع ال والرسول معا‪ ،‬ومرة يأتي‬
‫لةَ وَآتُواْ ال ّزكَـاةَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ‬
‫حكم من ال إجمال‪ ،‬ويأتي الرسول ليفصله‪ {.‬وََأقِيمُواْ الصّـ َ‬
‫حمُونَ }[النور‪.]56 :‬‬
‫َلعَّلكُمْ تُ ْر َ‬
‫إن الواحد منا لم يكن يعرف كم صلة في اليوم‪ ،‬ول عدد الركعات في كل صلة‪ ،‬ول نعرف‬
‫كيفيتها لكن الرسول صلى ال عليه وسلم قد فصل لنا المر في كل صلة‪ ،‬إذن‪ ،‬فالمؤمن يطيع ال‬
‫في الجمال‪ ،‬ويطيع الرسول في التفصيل‪ .‬إن علينا أن نلتفت إلى أن هنا طاعتين‪ :‬الولى‪ :‬طاعة‬
‫ال‪ ،‬والثانية‪ :‬طاعة الرسول‪ ،‬أما في المر المتحد‪ ،‬فتكون الطاعة ل والرسول؛ لنه أمر واحد‪.‬‬
‫وأما المر الذي جاء من ال فيه تكليف إجمالي فقد ترك ال للرسول صلى ال عليه وسلم بيانه‪،‬‬
‫فالمؤمن يطيع ال في المر الجمالي كأمر الصلة‪ ،‬وإقامتها‪ ،‬ويطيع الرسول في تفصيل أمر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الصلة؛ وكيفيتها‪ ،‬وأحيانا يجيء الحكم بالتفويض العلى من ال للرسول‪ ،‬فيقول ال لرسوله ما‬
‫معناه إنك أنت الذي تقرر في هذه المور‪ ،‬كما قال الحق‪:‬‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ }[الحشر‪.]7 :‬‬
‫{ َومَآ آتَا ُكمُ الرّسُولُ فَ ُ‬
‫لقد ترك الحق سبحانه للرسول أن يصدر التشريعات اللزمة " لستقامة حياة المؤمنين " لقد أعطاه‬
‫الحق سبحانه التفويض العام‪ ،‬وما دام سبحانه قد أعطى الرسول صلى ال عليه وسلم التفويض‬
‫العام فإن طاعة المؤمن تكون للرسول فيما يقوله الرسول وإن لم يقل ال به‪ .‬إننا على سبيل المثال‬
‫ل نجد في القرآن دليل على أن صلة الفجر ركعتان‪ ،‬لكن الرسول صلى ال عليه وسلم هو الذي‬
‫فصل لنا الصلة فعرفنا أن الفجر ركعتان‪ ،‬والظهر أربع ركعات‪ ،‬والعصر مثل الظهر‪ ،‬والمغرب‬
‫ثلث ركعات‪ ،‬والعشاء أربع ركعات‪ .‬إن الدليل هو تفصيل الرسول‪ ،‬وقول الحق‪َ {:‬ومَآ آتَاكُمُ‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ }[الحشر‪.]7 :‬‬
‫الرّسُولُ فَ ُ‬
‫إنه دليل من القرآن الكريم‪ .‬هكذا نعرف أن المر بالطاعة جاء بالقرآن على ألوان ثلثة‪ :‬اللون‬
‫الول‪ :‬إن اتحد المطاع " ال والرسول " إن عطف الرسول هنا يكون على لفظ الجللة العلى‪.‬‬
‫اللون الثاني‪ :‬هو طاعة ال في المر الجمالي وطاعة الرسول في تفصيل هذا المر‪ ،‬فإن الحق‬
‫يقول } َأطِيعُواْ اللّ َه وََأطِيعُواْ الرّسُولَ { اللون الثالث‪ :‬وهو الذي لم يكن ل فيه حكم‪ ،‬ولكنه‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ‬
‫بالتفويض العام للرسول‪ ،‬بحكم قوله الحق‪َ } :‬ومَآ آتَا ُكمُ الرّسُولُ فَ ُ‬
‫{ هذه طاعة للرسول‪ ،‬ثم يأتي في أمر طاعة أولى المر فيقول الحق‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ َأطِيعُواْ‬
‫شيْءٍ فَ ُردّوهُ إِلَى اللّ ِه وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ‬
‫لمْرِ مِ ْنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي َ‬
‫اللّ َه وََأطِيعُواْ الرّسُولَ وَُأوْلِي ا َ‬
‫ُت ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ ذاِلكَ خَيْ ٌر وََأحْسَنُ تَ ْأوِيلً }[النساء‪.]59 :‬‬
‫إن الحق لم يورد طاعة أولي المر مندمجة في طاعة ال والرسول‪ ،‬لتكون طاعة واحدة‪ .‬ل‪ .‬إن‬
‫الحق أورد طاعة أولي المر في الية التي يفرق فيها بين طاعة ال وطاعة الرسول‪ ،‬ثم من بطن‬
‫طاعة الرسول تكون طاعة أولي المر‪ .‬لماذا؟ لنه ل توجد طاعة ذاتية لولي المر؛ لن‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم له الطاعة الذاتية‪ .‬أما طاعة أولي المر فهي مستمدة من طاعة أولي‬
‫المر ل ورسوله‪ ،‬ول طاعة لولي المر فيما لم يكن فيه طاعة ل وللرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫حبّ ا ْلكَافِرِينَ {‪ .‬إن ال يبلغ‬
‫إن الحق يقول‪ُ } :‬قلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرّسُولَ فإِن َتوَّلوْاْ فَإِنّ اللّ َه لَ يُ ِ‬
‫الرسول أن يبلغ هؤلء الذين قالوا‪ :‬إنهم يحبون ال‪ ،‬بالشروط التي يمكن أن يبادل بها الحق عباده‬
‫الحب‪ ،‬وذلك حتى تتحقق الفائدة للبشر‪ ،‬لن محبة ال تفوق ما يقدمه البشر من حب‪ .‬إن اتباع‬
‫الرسول وتنفيذ التكليف بالطاعة ل والرسول‪.‬‬
‫ذلك هو أسلوب تعبير العباد عن حبهم ل وللرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أما إن تولوا‪ ،‬أي لم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يستمعوا إليك يا محمد‪ ،‬ولم يتبعوك‪ ،‬فإن موقفهم ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬ينتقل إلى الكفر؛ لن الحق يقول‬
‫حبّ ا ْلكَافِرِينَ {‪.‬‬
‫عن الذين يتولون عن ال والرسول‪ } :‬فإِن َتوَّلوْاْ فَإِنّ اللّ َه لَ يُ ِ‬
‫وليس هناك تفظيع أكثر من هذا‪.‬‬
‫إن كلمة " تولوا " توحي بأن الذين استمعوا إلى أوامر الحق قد نفروا وأعرضوا‪ ،‬فهم لم يأخذوا‬
‫حكم ال‪ ،‬ثم منعهم الكسل من تنفيذه‪ .‬ل‪ .‬إنهم أعرضوا عن حكم ال ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬ولذلك فقد‬
‫قلت وما زلت أقول‪ :‬فليحذر الذين يخالفون عن أوامر ال أل يفرقوا بين أمر متقبل على أنه الحكم‬
‫الحق وبين حمل النفس على اتباع الحكم وتنفيذه‪.‬‬
‫إياك أيها المسلم أن تنكر حكما ل تستطيع أن تحمل نفسك عليه أو ل تقدر عليه‪ .‬إنك إن أنكرت‬
‫تنقل نفسك من دائرة السلم إلى دائرة الكفر والعياذ بال‪ .‬ولكن عليك أن تؤمن بالحكم‪ ،‬وقل‪" :‬‬
‫إنه حكم ال وهو صواب ولكني ل أستطيع أن أقدر على نفسي " إن ذلك يجعل عدم تنفيذ الحكم‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ‬
‫معصية فقط‪ .‬ويأتي الحق ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بعد أن بيّن لنا أصول العقائد في قوله‪َ {:‬‬
‫حكِيمُ }[آل عمران‪:‬‬
‫ط لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫إِلَـاهَ ِإلّ ُه َو وَا ْلمَلَ ِئكَةُ وَُأوْلُواْ ا ْلعِ ْلمِ قَآ ِئمَا بِا ْلقِسْ ِ‬
‫‪.]18‬‬
‫وبعد أن بشر الحق المؤمنين بأنه سبحانه وتعالى يعطيهم الملك اليماني وأنه الله القادر‪ ،‬وطلقة‬
‫قدرته تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل‪ ،‬وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من‬
‫الحي‪ ،‬وبعد أن رسم سبحانه طريق محبته‪ ،‬فإن كنتم قد أحببتم ال لليجاد والمداد‪ ،‬وتريدون أن‬
‫يحبكم فعليكم بطاعة ال والرسول صلى ال عليه وسلم في تنفيذ التكاليف‪.‬‬
‫وبعد أن وضع ال سبحانه وتعالى المبادئ اليمانية عقدية وتشريعية‪ ،‬بعد هذا و ذاك يعطي لنا‬
‫نماذج تطبيقية من سلوك الخلق‪ ،‬ذلك أن هناك فرقا بين أن توضع نظريات ويأتي المر للتطبيق‬
‫فل تجد من يطبق‪ ،‬إن الحق لم يكلف شططا ول عبثا‪ ،‬إن ال يقول لنا‪ :‬أنا كلفت بالتكاليف‬
‫اليمانية ومن الخلق أمثالكم من استطاع أن يسير عليها وأن ينفذها‪ ،‬لذلك يعرض الحق لنا النماذج‬
‫التي توضح ذلك‪.‬‬
‫لقد كان رسول ال صلى ال عليه وسلم مبعوثا إلى أمة أمية‪ ،‬وكان السلم جديدا عليهم‪ ،‬ولذلك‬
‫يعرض الحق نماذج قديمة‪ ،‬وهذه النماذج تؤكد لنا أننا في دين السلم ل نجد تعصبا‪ ،‬لن الدين‬
‫الذي جاء من ال على آدم عليه السلم هو الدين الذي جاء به إبراهيم عليه السلم من عند ال‬
‫وهو الدين الذي نزل إلى آل عمران وموسى عليه السلم وعيسى عليه السلم‪.‬‬
‫إن الحق يعطي صفات التكريم لهل أديان منسوبين إلى ما أنزله ال عليهم من منهج‪ .‬وجاء‬
‫السلم لينسخ بعضا مما جاء في تلك الرسالت السابقة ويضعها في منهج واحد باق إلى يوم‬
‫طفَىا ءَادَمَ‬
‫صَ‬
‫القيامة‪ ،‬هو منهج السلم‪ ،‬إنه مطلق العظمة‪ .‬ها هو ذا الحق يقول‪ } :‬إِنّ اللّهَ ا ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمْرَانَ عَلَى ا ْلعَاَلمِينَ {‬
‫وَنُوحا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ ِ‬

‫(‪)424 /‬‬
‫عمْرَانَ عَلَى ا ْلعَاَلمِينَ (‪)33‬‬
‫طفَى آَ َد َم وَنُوحًا وَ َآلَ إِبْرَاهِيمَ وَ َآلَ ِ‬
‫إِنّ اللّهَ اصْ َ‬

‫إنها عدالة القرآن الكريم‪ ،‬إنه الحق العادل الذي ينزل على الرسول بلغا يذكر البناء بطهارة‬
‫طفَىا ءَادَمَ } وكلمة {‬
‫أصول الباء‪ ،‬ومن الخسارة أن يصير البناء إلى ما هم عليه‪ { .‬إِنّ اللّهَ اصْ َ‬
‫طفَىا } تدل على اختيار مُرضٍ‪ .‬ولنا أن نسأل‪ :‬هل اصطفى الحق هؤلء الرسل‪ ،‬آدم ونوحا‪،‬‬
‫اصْ َ‬
‫وآل إبراهيم‪ ،‬وآل عمران فكانوا طائعين‪ ،‬أم علم الحق أزل أنهم يكونون طائعين فاصطفاهم؟ إن‬
‫الحق علمه أزلى‪ ،‬وعلمه ليس مرتبا على كل شيء‪ .‬وساعة أن تأتي أنت بقانونك البشرى‬
‫وتتفرس في إنسان ما‪ ،‬وتوليه أمرا‪ ،‬وينجح فيه‪ ،‬هنا تهنئ نفسك بأن فراستك كانت في محلها‪،‬‬
‫بعلم ال واقتداره؟‬
‫إن الذين اصطفاهم ال هم الذين علم ال أزل أنهم سيكونون طائعين‪ ،‬وقد يقول قائل‪ :‬إنهم طائعون‬
‫ل بالصطفاء‪ ،‬لمثل هذا القائل نرد‪ :‬إنهم طائعون بالنفس العامة ويكونون في مزيد من الطاعة‬
‫بعد أن يأخذوا التكليف بالنفس الخاصة‪ ،‬إنهم طائعون من قبل أن يأخذوا أمور التكليف‪ ،‬ولو‬
‫تركهم الحق للمور العقلية لهتدوا إلى طاعته‪ ،‬وعندما جاءهم المر التكليفي ويصطفيهم ال‬
‫يكونون رسل وحملة منهج سماوي‪.‬‬
‫طفَىا ءَادَمَ } فقد يتساءل عن معناها‪ ،‬ذلك أن من‬
‫عندما يسمع النسان قول الحق‪ { :‬إِنّ اللّهَ اصْ َ‬
‫اصطفاء ال لدم تأتي إلى الذهن بمعنى " خصه " بنفسه أو أخذه صفوة من غيره‪ ،‬فكيف كان‬
‫اصطفاء آدم‪ ،‬ولم يكن هناك أحد من قبله‪ ،‬أو معه لنه الخلق الول؟ إننا يمكن أن نعرف بالعقل‬
‫العادي أن اصطفاء ال لنوح عليه السلم؛ كان اصطفاء من بشر موجودين‪ ،‬وكذلك اصطفاء‬
‫إبراهيم خليل الرحمن وبقية النبياء‪.‬‬
‫طفَىا ءَا َدمَ } ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬تعني أن ال قد اختاره أو‬
‫إذن‪ ،‬فكيف كان اصطفاء آدم؟ إن معنى { اصْ َ‬
‫أن " المصطفى عليه " يأتي منه ومن ذريته‪ .‬نعم وقد جاء المصطفى عليه من ذريته‪ ،‬وهذا المعنى‬
‫طفَىا ءَا َد َم وَنُوحا } ونحن‬
‫يصلح‪ ،‬والمعنى السابق عليه يصلح أيضا‪ .‬إن الحق يقول‪ { :‬إِنّ اللّهَ اصْ َ‬
‫نعلم أن سيدنا نوحا عليه السلم واجه جماعة من الكافرين به‪ ،‬فأغرقهم ال في الطوفان‪ ،‬ونجا‬
‫ح ِملْ فِيهَا مِن ُكلّ َزوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‬
‫نوح ومن معه بأمر ال‪ {.‬حَتّىا ِإذَا جَآءَ َأمْرُنَا َوفَارَ التّنّورُ قُلْنَا ا ْ‬
‫ن َومَآ آمَنَ َمعَهُ ِإلّ قَلِيلٌ }[هود‪.]40 :‬‬
‫وَأَهَْلكَ ِإلّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ا ْل َق ْولُ َومَنْ آمَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن الذين بقوا من بعد نوح عليه السلم كانوا مؤمنين‪ ،‬ثم تعرضوا للغيار‪ .‬وجاءت هذه الغيار‬
‫في أعقابهم‪ ،‬فنشأ كفر وإيمان‪ ،‬لماذا؟ لن آدم عليه السلم حين خلقه ال وضع له التجربة التكليفية‬
‫في الجنة‪ ،‬كان من الواجب أن ينقل ما علمه له ال لبنائه‪.‬‬
‫لقد نقل آدم لهم مسائل صيانة مادتهم وعلمهم كيف يأكلون‪ ،‬وكيف يشربون‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫وكان يجب أن تكون معهم القيم‪ .‬إن آدم عليه السلم قد أدى ذلك‪ ،‬وعلم أبناءه كيفية صيانة مادتهم‬
‫وعلمهم القيم أيضا‪ ،‬ولكن بمرور الزمان‪ ،‬ظل بعض من أبناء آدم يتخففون من التكاليف حتى‬
‫اندثرت وذهبت‪ .‬ومن رحمة ال بخلقه يجدد سبحانه وتعالى الرسالة ببعث رسول جديد‪.‬‬
‫والرسالة الجديدة تعطي ما كان موجودا أول‪ ،‬فيما يتعلق بالعقائد والخبار‪ ،‬والشياء التي ل‬
‫تتغير‪ ،‬وتأتي الرسالة الجديدة بالحكام المناسبة لزمن الرسالة‪ .‬فإذا ما أمكن للبشر أن يعدلوا من‬
‫سياسة البشر‪ ،‬يظل المر كما هو‪ ،‬فإن ارتكب واحد منكرا وضرب قومه على يده‪ ،‬استقام أمر‬
‫الرسالة وبقيت هذه المة على الخير‪ .‬لماذا؟ لن مصافى اليقين في النفس النسانية موجودة‪،‬‬
‫ونحن نراها ونلمسها‪ .‬إن هناك واحدا تجد مصافي اليقين في ذاته‪ ،‬وقد ل يقدر على نفسه‪،‬‬
‫فيرتكب المعصية‪ ،‬وتلومه نفسه‪ ،‬فيرجع عن المعصية‪.‬‬
‫ومرة أخرى نجد إنسانا آخر ل يجد في نفسه مصافى اليقين‪ ،‬ولكنها موجودة في غيره‪ ،‬فنجد من‬
‫يأمره بالمعروف‪ ،‬وينهاه عن المنكر‪ ،‬فإذا امتنعت المصافي الذاتية لليمان‪ ،‬وكذلك امتنعت‬
‫المصافي اليمانية في المجتمع‪ ،‬فل أمل هنالك‪ ،‬لذلك يجب أن يأتي رسول جديد‪ ،‬وينبه الناس‬
‫بمعجزة ما‪.‬‬
‫لقد شاءت إرادة الحق سبحانه أل يأتي رسول آخر بعد سيدنا محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفي‬
‫ذلك شهادة لمة محمد صلى ال عليه وسلم بأن ال أمنها على منهج ال‪ ،‬فإذا مُنِعت من أي نفس‬
‫مصافيها الذاتية فستبقى مصافيها الجتماعية‪ ،‬ول بد أن يكون في أمة محمد ذلك؛ لن امتناع ذلك‬
‫كان يستدعي وجود نبيّ جديد‪.‬‬
‫إن ال أمن أمة محمد على منهجه‪ ،‬ولذلك لم يأت نبيّ بعد سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لقد أمن الحق أمة محمد فلم يمنع فيها أبدا المصافي الذاتية أو الجتماعية‪ ،‬ولذلك يأتي القول‬
‫ف وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ وَتُ ْؤمِنُونَ بِاللّهِ }[آل‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫الحق‪ {:‬كُنْ ُتمْ خَيْرَ ُأمّةٍ أُخْ ِر َ‬
‫عمران‪.]110 :‬‬
‫إن هذا توجيه لنا من الحق لنعرف أن المصافي الجتماعية ستظل موجودة في أمة سيدنا محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إذن فبعد حدوث الغفلة من بعد نوح عليه السلم جاء ال باصطفاءات أخرى‬
‫علَى‬
‫عمْرَانَ َ‬
‫طفَىا ءَادَمَ وَنُوحا وَآلَ إِبْرَاهِي َم وَآلَ ِ‬
‫صَ‬
‫رحمة منه بالعالمين‪ ،‬ويقول الحق‪ } :‬إِنّ اللّهَ ا ْ‬
‫ا ْلعَاَلمِينَ {‪ .‬ونحن نقول على إبراهيم عليه السلم‪ " :‬أبو النبياء " وأورد الحق نبأ بعض من أبناء‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫آل إبراهيم‪ ،‬وهم آل عمران وأعطاهم ميزة‪.‬‬
‫وكلمة " عمران " هذه حين ترد في السلم فلنا أن نعرف أن هناك اثنين لهما السم نفسه‪ ،‬هناك "‬
‫عمران " والد موسى وهارون عليهما السلم‪ .‬وهناك " عمران " آخر‪ .‬إن عمران والد موسى‬
‫وهارون كان اسم أبيه " يصهر " وجده اسمه " فاهاث " ‪ ,‬ومن بعده " لوى " ومن بعده " يعقوب "‬
‫‪ ،‬ومن بعده " إسحق " ‪ ،‬وبعده " إبراهيم " ‪ ،‬أما عمران الخر‪ ،‬فهو والد مريم عليها السلم‪.‬‬
‫وقد حدث إشكال عند عدد من الدارسين هو " أي العمرانين يقصده ال هنا؟ " والذي زاد من حيرة‬
‫هؤلء العلماء هو وجود أخت لموسى وهارون عليهما السلم اسمها مريم‪ ،‬وكانت ابنة عمران‬
‫والد موسى وهارون فكلتاهما اسمها مريم بنت عمران‪ .‬وكانوا في ذلك الزمن يتفاءلون باسم "‬
‫مريم " لن معناه " العابدة " ‪ ،‬ولما اختلفوا لم يفطنوا إلى أن القرآن قد أبان وأوضح المعنى‪ ،‬وكان‬
‫يجب أن يفهموا أن المقصود هنا ليس عمران والد موسى وهارون عليهما السلم‪ ،‬بل عمران والد‬
‫مريم‪ ،‬ومنها عيسى عليه السلم‪ ،‬وعمران والد مريم هو ابن ماثان‪ ،‬وهو من نسل سليمان‪،‬‬
‫وسليمان من داود‪ ،‬وداود من أوشى‪ ،‬وأوشى من يهوذا‪ ،‬ويهوذا من يعقوب‪ ،‬ويعقوب من إسحق‪.‬‬
‫وكنا قديما أيام طلب العلم نضع لها ضبطا بالحرف‪ ،‬فنقول " عمعم سدئيّا " ومعناها‪ ..‬عيسى ابن‬
‫مريم‪ ،‬ومريم بنت عمران‪ ،‬وعمران ابن ماثان‪ ،‬وماثان من سليمان‪ ،‬من داود من أوشى وأوشى‬
‫من يهوذا ويهوذا من يعقوب ويعقوب من إسحاق‪ .‬لقد التبس المر على الكثير وقالوا‪ :‬أي‬
‫العمرانين الذي يقول ال في حقه هذا القول الكريم؟ ولهؤلء نقول‪ :‬إن مجيء اسم مريم عليها‬
‫السلم من بعد ذلك يعني أنه عمران والد مريم‪ ،‬وأيضا يجب أن نفطن إلى أن الحق قد قال عن‬
‫خلَ عَلَ ْيهَا َزكَرِيّا ا ْلمِحْرَابَ‬
‫حسَنا َوكَفَّلهَا َزكَرِيّا كُّلمَا َد َ‬
‫ن وَأَنبَ َتهَا نَبَاتا َ‬
‫حسَ ٍ‬
‫مريم‪ {:‬فَ َتقَبَّلهَا رَ ّبهَا ِبقَبُولٍ َ‬
‫وَجَدَ عِندَهَا رِزْقا قَالَ يامَرْيَمُ أَنّىا َلكِ هَـاذَا قَاَلتْ ُهوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن َيشَآءُ ِبغَيْرِ‬
‫حسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫ِ‬
‫وزكريا عليه السلم هو ابن آذن‪ ،‬وآذن كان معاصرا لماثان‪ .‬إن المراد هنا هو عمران والد‬
‫طفَىا ءَادَ َم وَنُوحا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ‬
‫مريم‪ .‬هكذا حددنا أي العمرانين يقصد الحق بقوله‪ } :‬إِنّ اللّهَ اصْ َ‬
‫عمْرَانَ عَلَى ا ْلعَاَلمِينَ {‪ .‬وعندما تقول‪ :‬اصطفيت كذا على كذا‪ ،‬فمعنى ذلك أنه كان من‬
‫وَآلَ ِ‬
‫الممكن أن تصطفى واحدا من مجموعة على الخرين‪ ،‬ولذلك نفهم المقصود بـ " على العالمين "‬
‫أي على عالمي زمانهم‪ ،‬إنهم قوم موجودون وقد اصطفى منهم واحدا‪ ،‬أما الذي سيولد من بعد‬
‫ذلك فل اصطفاء عليه‪ ،‬فل اصطفاء على محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬ويقول الحق بعد ذلك‪} :‬‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ {‬
‫ض وَاللّهُ َ‬
‫ضهَا مِن َب ْع ٍ‬
‫ذُرّيّةً َب ْع ُ‬

‫(‪)425 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمِيعٌ عَلِيمٌ (‪)34‬‬
‫ض وَاللّهُ َ‬
‫ضهَا مِنْ َب ْع ٍ‬
‫ذُرّيّةً َب ْع ُ‬

‫ضهَا مِن َب ْعضٍ } فلنا أن نسأل‪ :‬هل المقصود بذلك النساب أم الدين‬
‫وحين يقول‪ { :‬ذُرّيّةً َب ْع ُ‬
‫والقيم؟ ولنا أن نلتفت أن الحق قد علمنا في مسألة إبراهيم عليه السلم أن النساب بالدم واللحم‬
‫عند النبياء ل اعتبار لها‪ ،‬وإنما النساب المعترف بها بالنسبة للنبياء هي أنساب القيم والدين‪.‬‬
‫وكنا قد عرضنا من قبل لما قاله الحق‪ {:‬وَإِذِ ابْتَلَىا إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ ِبكَِلمَاتٍ فَأَ َت ّمهُنّ قَالَ إِنّي جَاعُِلكَ‬
‫ل َومِن ذُرّيّتِي }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫لِلنّاسِ ِإمَاما قَا َ‬
‫عهْدِي الظّاِلمِينَ }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫فردها ال عليه قائل‪ {:‬لَ يَنَالُ َ‬
‫لماذا؟ لن المام هو المقتدى في الهدايات‪ .‬إذن فالمسألة ليست وراثة بالدم‪ .‬وهكذا علم سيدنا‬
‫ضهَا مِن‬
‫إبراهيم ذلك بأن النسب للنبياء ليس بوراثة الدم‪ ،‬إذن فنحن نفهم قول الحق‪ { :‬ذُرّيّةً َب ْع ُ‬
‫ضهُمْ‬
‫ن وَا ْلمُنَافِقَاتُ َب ْع ُ‬
‫َب ْعضٍ } على أنها ذرية في توارثها للقيم‪ .‬ونحن نسمع في القرآن‪ {:‬ا ْلمُنَا ِفقُو َ‬
‫ف وَيَقْ ِبضُونَ أَيْدِ َيهُمْ َنسُواْ اللّهَ فَ َنسِ َيهُمْ إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ‬
‫مّن َب ْعضٍ يَ ْأمُرُونَ بِا ْلمُنكَ ِر وَيَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْل َمعْرُو ِ‬
‫سقُونَ }[التوبة‪.]67 :‬‬
‫هُمُ ا ْلفَا ِ‬
‫إن هذا النفاق ليس أمرا يتعلق بالنسب وإنما يتعلق بالقيم‪ ،‬إنها كلها أمور قيمية‪ ،‬وحين يقال‪:‬‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ } أي أن ال يعرف القوال وكذلك الفعال والخبايا‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪ { :‬إِذْ‬
‫{ وَاللّهُ َ‬
‫عمْرَانَ َربّ إِنّي َنذَ ْرتُ َلكَ مَا فِي َبطْنِي ُمحَرّرا‪} ...‬‬
‫قَاَلتِ امْرََأتُ ِ‬

‫(‪)426 /‬‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ (‬
‫عمْرَانَ َربّ إِنّي نَذَ ْرتُ َلكَ مَا فِي َبطْنِي ُمحَرّرًا فَ َتقَبّلْ مِنّي إِ ّنكَ أَ ْنتَ ال ّ‬
‫إِذْ قَاَلتِ امْرََأةُ ِ‬
‫‪)35‬‬

‫وعندما تقرأ " إذ " فلتعلم أنها ظرف ويُقدر لها في اللغة " اذكر " ‪ ،‬ويقال " إذ جئتك " أي " اذكر‬
‫عمْرَانَ } فبعض الناس من أهل الفتح والفهم‬
‫أني جئتك "‪ .‬وعندما يقول الحق‪ { :‬إِذْ قَاَلتِ امْرََأتُ ِ‬
‫يرون أن الحق سبحانه سميع عليم وقت أن قالت امرأة عمران‪َ " :‬ربّ إِنّي نَذَ ْرتُ َلكَ مَا فِي بَطْنِي‬
‫" ‪ ،‬وهم يحاولون أن يربطوا هذه الية بما جاء قبلها‪ ،‬بأن ال سميع وعليم‪ .‬ونقف عند قول امرأة‬
‫عمران‪َ { :‬ربّ إِنّي نَذَ ْرتُ َلكَ مَا فِي بَطْنِي ُمحَرّرا }‪.‬‬
‫إننا عندما نسمع كلمة " ُمحَرّرا " فمعناها أنه غير مملوك لحد فإذا قلنا‪ " :‬حررت العبد " يعني‬
‫ينصرف دون قيد عليه‪ .‬أو " حررت الكتاب " أصلحت ما فيه‪ .‬إن تحرير أي أمر‪ ،‬هو إصلح ما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيه من فساد أو إطلقه من أي ارتباط أو قيد‪ .‬أما قولها‪َ { :‬ربّ إِنّي نَذَ ْرتُ َلكَ مَا فِي بَطْنِي‬
‫مُحَرّرا } هو مناجاة ل‪ ،‬فما الدافع إلى هذه المناجاة ل؟‬
‫إن امرأة عمران موجودة في بيئة ترى الناس تعتز بأولدها‪ ،‬وأولد الناس ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬يحكمون‬
‫حركة الناس‪ ،‬والناس تحكم حركة أولدهم‪ ،‬ويكد الناس من أجل أن يكون البناء عزوة‪ ،‬وقرة‬
‫عين‪ ،‬ويتقدم المجتمع بذلك التواصل المادي‪ ،‬ولم تعجب امرأة عمران بذلك‪ ،‬لقد أرادت ما في‬
‫بطنها محررا من كل ذلك‪ ،‬إنها تريده محررا منها‪ ،‬وهي محررة منه‪ .‬وهذا يعني أنها ترغب في‬
‫أن يكون ما في بطنها غير مرتبط بشيء أو بحب أو برعاية‪.‬‬
‫لماذا؟ لن النسان مهما وصل إلى مرتبة اليقين‪ ،‬فإن المسائل التي تتصل بالناس وبه‪ ،‬تمر عليه‪،‬‬
‫وتشغله‪ ،‬لذلك أرادت امرأة عمران أن يكون ما في بطنها محررا من كل ذلك‪ ،‬وقد يقال‪ :‬إن امرأة‬
‫عمران إنما تتحكم بهذا النذر في ذات إنسانية كذاتها‪ ،‬ونرد على ذلك بما يلي‪:‬‬
‫لقد كانوا قديما عندما ينذرون ابنا للبيت المقدس فهذا النذر يستمر ما دامت لهم الولية عليه‪،‬‬
‫ويظل كما أرادوا إلى أن يبلغ سن الرشد‪ ،‬وعند بلوغ سن الرشد فإن للبن أن يختار بين أن يظل‬
‫كما أراد والداه أو أن يحيا حياته كما يريد‪.‬‬
‫إن بلوغ سن الرشد هو اعتراف بذاتية النسان في اتخاذ القرار المناسب لحياته‪ .‬كانت امرأة‬
‫عمران ل تريد مما في بطنها أن يكون قرة عين‪ ،‬أو أن يكون معها‪ ،‬إنها تريده محررا لخدمة‬
‫البيت المقدس‪ ،‬وكان يستلزم ذلك في التصور البشري أن يكون المولود ذكرا؛ لن الذي كان يقوم‬
‫بخدمة البيت هم الذكران‪.‬‬
‫ونحن نعرف أن كلمة " الولد " يطلق أيضا على البنت‪ ،‬ولكن الستعمال الشائع‪ ،‬هو أن يطلق‬
‫الناس كلمة " ولد " على الذكر‪.‬‬
‫لكن معنى الولد لغويا هو المولود سواء أكان ذكرا أم أنثى‪ .‬وعندما نسمع كلمة " نذر " فلنفهم أنها‬
‫أمر أريد به الطاعة فوق تكليف المكلف من جنس ما كلّفه به ال‪.‬‬
‫إن ال قد فرض علينا خمس صلوات‪ ،‬فإذا نذر إنسان أن يصلي عددا من الركعات فوق ذلك‪ ،‬فإن‬
‫النسان يكون قد ألزم نفسه بأمر أكثر مما ألزمه به ال‪ ،‬وهو من جنس ما كلف ال وهو الصلة‪.‬‬
‫وال قد فرض صيام شهر رمضان‪ ،‬فإذا ما نذر إنسان أن يصوم يومي الثنين والخميس أو صيام‬
‫شهرين فالنسان حر‪ ،‬ولكنه يختار نذرا من جنس ما فرض ال من تكاليف‪ ،‬وهو الصيام‪ .‬وال‬
‫فرض زكاة قدرها باثنين ونصف بالمائة‪ ،‬ولكن النسان قد ينذر فوق ذلك‪ ،‬كمقدار عشرة بالمائة‬
‫أو حتى خمسين بالمائة‪.‬‬
‫إن النسان حر‪ ،‬ولكنه يختار نذرا من جنس ما فرض ال من تكاليف‪ ،‬إن النذر هو زيادة عما‬
‫كلف المكلف من جنس ما كلف سبحانه‪ .‬وكلمة " نذرت " من ضمن معانيها هو أن امرأة عمران‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سيدة تقية وورعة ولم تكن مجبرة على النذر‪ ،‬ولكنها فعلت ذلك‪ ،‬وهو أمر زائد من أجل خدمة‬
‫بيت ال‪.‬‬
‫والنذر كما نعلم يعبر عن عشق العبد لتكاليف ال‪ ،‬فيلزم نفسه بالكثير من بعضها‪ .‬ودعت امرأة‬
‫عمران ال من بعد ذلك بقبول ذلك النذر فقالت‪ " :‬فتقبل مني "‪ " .‬والتقبل " هو أخذ الشيء برضا‪،‬‬
‫لنك قد تأخذ بكره‪ ،‬أو تأخذ على مضض‪ ،‬أما أن " تتقبل " فذلك يعني الخذ بقبول وبرضا‪.‬‬
‫واستجابة لهذا الدعاء جاء قول الحق‪ {:‬فَتَقَبَّلهَا رَ ّبهَا ِبقَبُولٍ حَسَنٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫ونلحظ أن امرأة عمران قالت في أول ما قالت‪َ } :‬ربّ إِنّي نَذَ ْرتُ َلكَ مَا فِي بَطْنِي ُمحَرّرا فَ َتقَبّلْ‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ { ‪ ،‬ولم تقل‪ " :‬يا ال " وهذا لنعلم أن الرب هو المتولى التربية‪ ،‬فساعة‬
‫مِنّي إِ ّنكَ أَنتَ ال ّ‬
‫ينادي " ربي " فالمفهوم فيها التربية‪ .‬وساعة يُنادي بـ " ال " فالمفهوم فيها التكليف‪ .‬إن " ال "‬
‫نداء للمعبود الذي يطاع فيما يكلف به‪ ،‬أما " رب " فهو المتولي التربية‪.‬‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ‬
‫قالت امرأة عمران‪َ } :‬ربّ إِنّي نَذَ ْرتُ َلكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرّرا فَ َتقَبّلْ مِنّي إِ ّنكَ أَنتَ ال ّ‬
‫{‪ .‬هذا هو الدعاء‪ ،‬وهكذا كانت الستجابة‪ } :‬فَ َتقَبَّلهَا رَ ّبهَا ِبقَبُولٍ حَسَنٍ { وبعد ذلك تكلم الحق عن‬
‫حسَنا‪َ ..‬وكَفَّلهَا َزكَرِيّا {‪ .‬كل ذلك متعلق‬
‫الشياء التي تكون من جهة التربية‪ } .‬وَأَنبَ َتهَا نَبَاتا َ‬
‫بالتربية وبالربوبية‪ ،‬فساعة نادت امرأة عمران عرفت كيف تنادي ونذرت ما في بطنها‪ .‬وبعد ذلك‬
‫جاء الجواب من جنس ما دعت بقمة القبول وهو الخذ برضا‪.‬‬
‫حسَنٍ {‪.‬‬
‫} فَ َتقَبَّلهَا رَ ّبهَا ِبقَبُولٍ َ‬
‫فالحسن هنا هو زيادة في الرضا‪ ،‬لن كلمة " قبول " تعطينا معنى الخذ بالرضا‪ ،‬وكلمة " حسن "‬
‫توضح أن هناك زيادة في الرضا‪ ،‬وذلك مما يدل على أن ال قد أخذ ما قدمته امرأة عمران‬
‫برضا‪ ،‬وبشيء حسن‪ ،‬وهذا دليل على أن الناس ستلمح في تربيتها شيئا فوق الرضا‪ ،‬إنه ليس‬
‫حسَنا {‪ .‬مما يدل على أن امرأة عمران كانت تقصد‬
‫قبول عاديا‪ ،‬إنه قبول حسن‪ } .‬وَأَنبَ َتهَا نَبَاتا َ‬
‫حين نذرت ما في بطنها‪ ،‬أل تربي ما في بطنها إلى العمر الذي يستطيع فيه المولود أن يخدم في‬
‫بيت ال‪ .‬ولكنها نذرت ما في بطنها من اللحظة الولى للميلد‪ .‬إنها لن تتنعم بالمولود‪ ،‬ولذلك قال‬
‫الحق‪ } :‬وكفلها زكريا { ‪ ،‬وزكريا هو زوج خالة السيدة مريم‪ .‬وبعد دعاء امرأة عمران‪ ،‬يجيء‬
‫ضعْ ُتهَآ أُنْثَىا‪{ ...‬‬
‫ضعَ ْتهَا قَاَلتْ َربّ إِنّي َو َ‬
‫القول الحكيم‪ } :‬فََلمّا َو َ‬

‫(‪)427 /‬‬
‫ت وَلَيْسَ ال ّذكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنّي‬
‫ضعْ ُتهَا أُنْثَى وَاللّهُ أَعَْلمُ ِبمَا َوضَ َع ْ‬
‫فََلمّا َوضَعَ ْتهَا قَاَلتْ َربّ إِنّي َو َ‬
‫ك وَذُرّيّ َتهَا مِنَ الشّ ْيطَانِ الرّجِيمِ (‪)36‬‬
‫سمّيْ ُتهَا مَرْيَ َم وَإِنّي أُعِي ُذهَا ِب َ‬
‫َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد جاء هذا القول منها‪ ،‬لنها كانت قد قالت إنها نذرت ما في بطنها محررا لخدمة البيت‪،‬‬
‫وقولها‪ " :‬محررا " تعني أنها أرادت ذكرا لخدمة البيت‪ ،‬لكن المولود جاء أنثى‪ .‬فكأنها قد قالت‪:‬‬
‫ان لم ُأ َمكّنْ من الوفاء بالنذر‪ ،‬فلن قدرك سبق‪ ،‬لقد جاءت المولودة أنثى‪ .‬لكن الحق يقول بعد‬
‫ضعَتْ }‪ .‬وهذا يعني أنها ل تريد إخبار ال‪ ،‬ولكنها تريد أن تظهر‬
‫ذلك‪ { :‬وَاللّهُ أَعَْلمُ ِبمَا َو َ‬
‫التحسر‪ ،‬لن الغاية من نذرها لم تتحقق وبعد ذلك يقول الحق‪ { :‬وَلَيْسَ ال ّذكَرُ كَالُنْثَىا }‪ .‬فهل هذا‬
‫من كلمها‪ ،‬أم من كلم ال؟‬
‫ضعْ ُتهَآ أُنْثَىا } وقال ال‪ { :‬وليس الذكر كالنثى }‪.‬‬
‫قد قالت‪ { :‬إِنّي َو َ‬
‫إن الحق يقول لها‪ :‬ل تظني أن الذكر الذي كنت تتمنينه سيصل إلى مرتبة هذه النثى‪ ،‬إن هذه‬
‫ضعْ ُتهَآ أُنْثَىا } ويكون قول الحق‪:‬‬
‫النثى لها شأن عظيم‪ .‬أو أن القول من تمام كلمها‪ { :‬إِنّي َو َ‬
‫ض َعتْ } هو جملة اعتراضية ويكون تمام كلمها { وليس الذكر كالنثى }‪ .‬أي‬
‫{ وَاللّهُ أَعْلَمُ ِبمَا َو َ‬
‫أنها قالت‪ :‬يارب إن الذكر ليس كالنثى‪ ،‬إنها ل تصلح لخدمة البيت‪.‬‬
‫وليأخذ المؤمن المعنى الذي يحبه‪ ،‬وسنجد أن المعنى الول فيه إشراق أكثر‪ ،‬إنه تصور أن الحق‬
‫قد قال‪ :‬أنت تريدين ذكرا بمفهومك في الوفاء بالنذر‪ ،‬وليكون في خدمة البيت‪ ،‬ولقد وهبت لك‬
‫المولود أنثى‪ ،‬ولكني سأعطي فيها آية أكبر من خدمة البيت‪ ،‬وأنا أريد بالية التي سأعطيها لهذه‬
‫النثى مساندة عقائد‪ ،‬ل مجرد خدمة رقعة تقام فيها شعائر‪.‬‬
‫إنني سأجعل من هذه الية مواصلة لمسيرة العقائد في الدنيا إلى أن تقوم الساعة‪ .‬ولنني أنا‬
‫الخالق‪ ،‬سأوجد في هذه النثى آية ل توجد في غيرها‪ ،‬وهي آية تثبت طلقة قدرة الحق‪ ،‬ولقد‬
‫قلت من قبل‪ :‬إن طلقة القدرة تختلف عن القدرة العادية‪ ،‬إن القدرة تخلق بأسباب‪ ،‬ولكن من أين‬
‫السباب؟ إن الحق هو خالق السباب أيضا‪.‬‬
‫إذن فما دام الخالق للسباب أراد خلقا بالسباب فهذه إرادته‪ .‬ولذلك أعطانا الحق القدرة على رؤية‬
‫طلقة قدرته؛ لنها عقائد إيمانية‪ ،‬يجب أن تظل في بؤرة الشعور اليماني‪ ،‬وعلى بال المؤمن‬
‫دائما‪ .‬لقد خلق ال بعضا من الخلق بالسباب كما خلقنا نحن‪ ،‬وجمهرة الخلق عن طريق التناسل‬
‫بين أب وأم‪ ،‬أما خلق الحق لدم عليه السلم فقد خلقه بل أسباب‪ .‬ونحن نعلم أن الشيء الدائر بين‬
‫اثنين له قسمة عقلية ومنطقية‪ ،‬فما دام هناك أب وأم‪ ،‬ذكر وأنثى‪ ،‬فسيجيء منهما تكاثر‪ ..‬إن الحق‬
‫شيْءٍ خََلقْنَا َزوْجَيْنِ َلعَّل ُكمْ تَ َذكّرُونَ }[الذاريات‪.]49 :‬‬
‫يقول‪َ {:‬ومِن ُكلّ َ‬
‫وعندما يجتمع الزوجان‪ ،‬فهذه هي الصورة الكاملة‪ ،‬وهذه الولى في القسمة المنطقية والتصور‬
‫العقلي‪ ،‬وإما أن ينعدم الزوجان فهذه هي الثانية في القسمة المنطقية والتصور العقلي‪.‬‬
‫أو أن ينعدم الزوج الول ويبقى الطرف الثاني‪ ،‬وهذه هي الثالثة في القسمة المنطقية والتصور‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العقلي‪ ،‬أو أن ينعدم الزوج الثاني ويبقى الطرف الول‪ ،‬وهذه هي الرابعة في القسمة المنطقية‬
‫والتصور العقلي‪.‬‬
‫تلك إذن أربعة تصورات للقسمة العقلية‪ .‬وجميعنا جاء من اجتماع العنصرين‪ ،‬الرجل والمرأة‪ .‬أما‬
‫آدم فقد خلقه ال بطلقة قدرته ليكون السبب‪ .‬وكذلك تم خلق حواء من آدم‪ .‬وأخرج الحق من لقاء‬
‫آدم وحواء نسل‪ .‬وهناك أنثى وهي مريم ويأتي منها المسيح عيسى ابن مريم بل ذكر‪ .‬وهذه هي‬
‫الية في العالمين‪ ،‬وتثبت قمة عقدية‪ .‬فل يقولن أحد‪ :‬ذكرا‪ ،‬أو أنثى‪ ،‬لن نية امرأة عمران في‬
‫الطاعة أن يكون المولود ذكرا‪ ،‬وشاء قدر ربكم أن يكون أسمى من تقدير امرأة عمران في‬
‫الطاعة‪ ،‬لذلك قال‪ } :‬وَلَيْسَ ال ّذكَرُ كَالُنْثَىا {‪ .‬أي أن الذكر لن يصل إلى مرتبة هذه النثى‪.‬‬
‫ك وَذُرّيّ َتهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ {‪ .‬إن‬
‫سمّيْ ُتهَا مَرْيَ َم وِإِنّي أُعِيذُهَا ِب َ‬
‫وقالت امرأة عمران‪ } :‬وَإِنّي َ‬
‫امرأة عمران قالت ما يدل على شعورها‪ ،‬فحينما فات المولودة بأنوثتها أن تكون في خدمة بيت‬
‫ال فقد تمنت امرأة عمران أن تكون المولودة طائعة‪ ،‬عابدة‪ ،‬فسمتها " مريم " لن مريم في لغتهم‬
‫ كما قلنا ‪ -‬معناها " العابدة "‪.‬‬‫وأول ما يعترض العبودية هو الشيطان‪ .‬إنه هو الذي يجعل النسان يتمرد على العبودية‪ .‬إن‬
‫النسان يريد أن يصير عابدا‪ ،‬فيجيء الشيطان ليزين له المعصية‪ .‬وأرادت إمرأة عمران أن‬
‫تحمي ابنتها من نزغ الشيطان لنها عرفت بتجربتها أن المعاصي كلها تأتي من نزغ الشيطان‪،‬‬
‫وقد سمتها " مريم " حتى تصبح " عابدة ل " ‪ ،‬ولن إمرأة عمران كانت تمتلك عقلية إيمانية‬
‫ك وَذُرّيّ َتهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ‬
‫حاضرة وتحمل المنهج التعبدي كله لذلك قالت‪ } :‬وِإِنّي أُعِيذُهَا ِب َ‬
‫{‪.‬إن المستعاذ به هو ال‪ ،‬والمستعاذ منه هو الشيطان‪ ،‬وحينما يدخل الشيطان مع خلق ال في‬
‫تزيين المعاصي‪ ،‬فهو يدخل مع المخلوق في عراك‪ ،‬ولكن الشيطان ل يستطيع أن يدخل مع ربه‬
‫في عراك‪ ،‬ولذلك يقال عن الشيطان إنه إذا سمع ذكر ال فإنه يخنس أي يتراجع‪ ،‬ووصفه القرآن‬
‫الكريم بأنه " الخنّاس " ‪ ،‬إن الشيطان إنما ينفرد بالنسان حين يكون النسان بعيدا عن ال‪ ،‬ولذلك‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ }[العراف‪:‬‬
‫فالحق ُيعَلّمُ النسان‪ {:‬وَإِماّ يَنَزَغَ ّنكَ مِنَ الشّ ْيطَانِ نَ ْزغٌ فَاسْ َتعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ َ‬
‫‪.]200‬‬
‫إن الشيطان يرتعد فرقا ورعشة من الستعاذة بال‪ .‬وعندما يتكرر ارتعاد الشيطان بهذه الكلمة؛‬
‫فإنه يعرف أن هذا النسان العابد لن يحيد عن طاعة ال إلى المعاصي‪ .‬وقد علمنا رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم كيف يجيء الرجل امرأته‪ ،‬ومجيء الهل هو مظنة لمولود قد يجيء‪ ،‬فيقول‬
‫العبد‪ " :‬اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني " (من دعاء الرسول)‪.‬‬
‫إن من يقول هذا القول قبل أن يحدث التخلق " فلن يكون للشيطان ولية أو قدرة على المولود‬
‫ك وَذُرّيّ َتهَا مِنَ الشّ ْيطَانِ الرّجِيمِ {‪.‬‬
‫الذي يأتي بإذن ال‪ .‬ولذلك قالت إمرأة عمران‪ } :‬وِإِنّي أُعِي ُذهَا ِب َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والذرية قد يفهمها الناس على أنها النسل المتكاثر‪ ،‬ولكن كلمة " ذرية " تطلق على الواحد وعلى‬
‫الثنين‪ ،‬وعلى الثلثة أو أكثر‪ .‬والذرية هنا بالنسبة لمريم عليها السلم هي عيسى عليه السلم‪،‬‬
‫ك وَذُرّيّ َتهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ { يجيء‬
‫وتنتهي المسألة‪ .‬وبعد دعاء إمرأة عمران } وِإِنّي أُعِيذُهَا ِب َ‬
‫ن وَأَنبَ َتهَا نَبَاتا حَسَنا َو َكفَّلهَا َزكَرِيّا‪{ ...‬‬
‫القول الحق‪ } :‬فَ َتقَبَّلهَا رَ ّبهَا ِبقَبُولٍ حَسَ ٍ‬

‫(‪)428 /‬‬
‫خلَ عَلَ ْيهَا َزكَرِيّا ا ْلمِحْرَابَ َوجَدَ‬
‫ن وَأَنْبَ َتهَا نَبَاتًا حَسَنًا َو َكفَّلهَا َزكَرِيّا كُّلمَا دَ َ‬
‫فَ َتقَبَّلهَا رَ ّبهَا ِبقَبُولٍ حَسَ ٍ‬
‫عِنْدَهَا رِ ْزقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّى َلكِ َهذَا قَاَلتْ ُهوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَنْ يَشَاءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ (‬
‫‪)37‬‬

‫وقد عرفنا القبول الحسن والنبات الحسن‪ ،‬أما قوله الحق‪َ { :‬وكَفَّلهَا َزكَرِيّا } فهذا يعني أن المسألة‬
‫جاءت من أعلى‪ ،‬إنه الرب الذي تقبل بقبول حسن‪ ،‬وهو الذي أنبتها نباتا حسنا‪ .‬إذن‪ ،‬فرعاية‬
‫زكريا لها إنما جاءت بأمر من ال‪ .‬والدليل على ما حدث عند كفالة مريم‪ .‬لقد اجتمع كبار القوم‬
‫رغبة في كفالتها وأجروا بينهم قرعة من أجل ذلك‪ .‬وساعة تجد قرعة‪ ،‬أو إسهاما‪ .‬فالناس تكون‬
‫قد خرجت من مراداتها المختلفة إلى مراد ال‪ .‬فعندما نختلف على شيء فإننا نجري قرعة‪،‬‬
‫ويخصص سهم لكل مشترك فيها‪ ،‬ونرى بعد ذلك من الذي يخرج سهمه‪ ،‬ويلجأ الناس لهذا المر؛‬
‫ليمنعوا هوى البشر عن التدخل في الختيار‪ ،‬ويصبح المر خارجا عن مراد البشر إلى مراد ال‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬وهذا ما حدث عند كفالة زكريا لمريم‪ .‬ولذلك فالحق يقول لسيدنا رسول ال صلى‬
‫ل َمهُمْ أَ ّيهُمْ َي ْك ُفلُ مَرْ َيمَ‬
‫ك َومَا كُنتَ لَدَ ْيهِمْ إِذْ يُ ْلقُون َأقْ َ‬
‫ال عليه وسلم‪ {:‬ذاِلكَ مِنْ أَنَبَآءِ ا ْلغَ ْيبِ نُوحِيهِ إِلَي َ‬
‫صمُونَ }[آل عمران‪.]44 :‬‬
‫َومَا كُ ْنتَ َلدَ ْيهِمْ إِذْ يَخْ َت ِ‬
‫إذن فالكفالة لمريم أخذت لها ضجة‪ ،‬وهذا دليل على أنهم اتفقوا على إجراء قرعة بالنسبة لكفالتها‪،‬‬
‫ول يمكن أن يكونوا قد ذهبوا إلى هذه القرعة إل إذا كان قد حدث تنازع بينهم‪ ،‬عن أيهم يكفل‬
‫مريم‪ ،‬ومن فضل ال أن زكريا عليه السلم كان متزوجا من " إشاع " " أخت " " حنة " وهي أم‬
‫مريم‪ ،‬فهو زوج خالتها‪.‬‬
‫وكلمة " أقلمهم " قال فيها المفسرون‪ :‬إنها القداح التي كانوا يصنعونها قديما‪ ،‬أو القلم التي‬
‫كتبوا بها التوراة‪ ،‬فرموها في البحر‪ ،‬فمن طفا قلمه لم يأخذ رعاية مريم‪ ،‬ومن غرق قلمه في‬
‫البحر فهو الذي فاز بكفالة مريم‪ .‬إذن فهم قد خرجوا عن مراداتهم إلى مراد ال‪.‬‬
‫والخروج عن المرادات‪ ،‬والخروج عن الهواء بجسم ليس له اختيار ‪ -‬كقداح القرعة ‪ -‬ل يوجد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في النفس غضاضة‪ .‬لكن لو كان هناك من سيأخذ رعاية مريم بالقوة والغضب فل بد أن يجد‬
‫نفوس الخرين وقد امتلت بالمرارة أو الغصب‪ .‬ولذلك فقد كان سائدا في ذلك العصر عملية‬
‫إجراء السهام إذا ما خافوا أن يقع الظلم على أحد أو أن يساء الظن بأحد‪ ،‬وهناك قصة سيدنا‬
‫يونس عندما قاربت السفينة على الغرق‪ ،‬وكان ل بد لنقاذها أن ينزل واحد إلى البحر‪ ،‬وجاء‬
‫شحُونِ * فَسَا َهمَ َفكَانَ مِنَ‬
‫القول الحكيم‪ {:‬وَإِنّ يُونُسَ َلمِنَ ا ْلمُ ْرسَلِينَ * ِإذْ أَبَقَ إِلَى ا ْلفُلْكِ ا ْلمَ ْ‬
‫ت وَ ُهوَ مُلِيمٌ * فََل ْولَ أَنّهُ كَانَ مِنَ ا ْلمُسَبّحِينَ * لَلَ ِبثَ فِي بَطْ ِنهِ إِلَىا َيوْمِ‬
‫حضِينَ * فَالْ َت َقمَهُ الْحُو ُ‬
‫ا ْلمُ ْد َ‬
‫يُ ْبعَثُونَ }[الصافات‪.]144-139 :‬‬
‫كان ل بد أن ينزل واحد من تلك السفينة‪ ،‬لذلك تم إجراء قرعة بالسهام حتى ل تقوم معركة بين‬
‫الموجودين على ظهر السفينة‪ ،‬وحتى ل تكون الغلبة للقوياء‪ ،‬ولكن القرعة حمت الناس من ظلم‬
‫بعضهم بعضا‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬لنجر قرعة السهام‪ ،‬فمن يخرج سهمه فهو الذي يلقى به‪ ،‬وكان على يونس عليه السلم أن‬
‫ينزل إلى اليم فيلتقمه الحوت‪ .‬ولنه من المسبحين فإن ال ينقذه‪ .‬لقد قبل يونس عليه السلم اختيار‬
‫ال ولم ينس تسبيح ال فكان في ذلك النقاذ له‪ .‬وهكذا نقرأ قول ال لنفهم أن كفالة زكريا كانت‬
‫ن وَأَنبَ َتهَا نَبَاتا حَسَنا َو َكفَّلهَا َزكَرِيّا {‪.‬‬
‫باختيار ال‪ } .‬فَ َتقَبَّلهَا رَ ّبهَا ِبقَبُولٍ حَسَ ٍ‬
‫وكلمة " كفلها " أي تولى كل مهمة تربيتها‪ ،‬هذه هي الكفالة‪ ،‬ونحن نعرف أن الكفيل في عرفنا هو‬
‫الضامن‪ ،‬والضامن هو من يسد القرض عندما يعجز النسان عن السداد‪ ،‬وقوله الحق‪َ } :‬و َكفَّلهَا‬
‫َزكَرِيّا { يعطينا المعنى الواضح بأن زكريا عليه السلم هو الذي قام برعاية شئون مريم‪.‬‬
‫خلَ عَلَ ْيهَا َزكَرِيّا ا ْل ِمحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقا { إنه لم يدخل مرة‬
‫ويتابع الحق الكريم قوله‪ } :‬كُّلمَا دَ َ‬
‫واحدة‪ ،‬بل دخل عليها المحراب مرات متعددة‪ .‬وكان زكريا عليه السلم كلما دخل على مريم يجد‬
‫عندها الرزق‪ ،‬ولذلك كان ل بد أن يتساءل عن مصدر هذا الرزق‪ ،‬ول بد أن يكون تساؤله معبرا‬
‫عن الدهشة‪ ،‬لذلك يجيء القول الحق على لسان زكريا‪ } :‬أَنّىا َلكِ هَـاذَا {‪.‬‬
‫وساعة أن تسمع } أَنّىا َلكِ هَـاذَا؟ { فهذا يدل على أنه قام بعمل محابس على المكان الذي توجد‬
‫به مريم‪ ،‬وإل لظن أن هناك أحدا قد دخل على مريم‪ ،‬وكما يقولون‪ :‬فإن زكريا كان يقفل على‬
‫مريم البواب‪ .‬وإل لو كانت البواب غير مغلقة لظن أن هناك من دخل وأحضر لها تلك اللوان‬
‫المتعددة من الرزق‪.‬‬
‫والرزق هو ما ينتفع به ‪ -‬بالبناء للمجهول ‪ -‬وعندما يقول زكريا عليه السلم‪ } :‬أَنّىا َلكِ هَـاذَا‬
‫{‪ .‬فلنا أن نتذكر ما قلناه سابقا من أن أي إنسان وكله ال على جماعة ويرى عندهم ما هو أزيد‬
‫من الطاقة أو حدود الداخل‪ ،‬فل بد أن يسأل كُلّ منهم‪ :‬من أين لك هذا؟ ذلك أن فساد البيوت‬
‫والمجتمعات إنما يأتي من عدم الهتمام بالسؤال وضرورة الحصول على إجابة على السؤال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المحدد‪ :‬من أين لك هذا؟‬
‫إن الذي يدخل بيته ويجد ابنته ترتدي فستانا مرتفع الثمن ويفوق طاقة السرة‪ ،‬أو يجد ابنه قد‬
‫اشترى شيئا ليس في طاقة السرة أن تشتريه‪ ،‬هنا يجب أن يتوقف الب أو الولي ليسأل‪ :‬من أين‬
‫لك هذا؟ إن في ذلك حماية لخلق السرة من النهيار أو التحلل‪ .‬فلو فطن كل واحد أن يسأل‬
‫أهله ومن يدخلون في كفالته ‪ " -‬من أين لك هذا؟ " لعرف كل تفاصيل حركتهم‪ ،‬لكن لو ترك‬
‫الحبل على الغارب لفسد المر‪.‬‬
‫وقول زكريا‪ " :‬أنّى لك هذا؟ " هو سؤال محدد عن مصدر هذا الرزق‪ ،‬ولننظر إلى إجابتها‪} :‬‬
‫قَاَلتْ ُهوَ مِنْ عِندِ اللّهِ { ثم ل تدع البديهة اليمانية عند سيدنا زكريا دون أن تذكره أنها ل تنسى‬
‫حسَابٍ { وأثارت هذه‬
‫حقيقة واضحة في بؤرة شعور كل مؤمن‪ } :‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫المسألة في نفس زكريا نوازع شتى؛ إنها مسألة غير عادية‪ ،‬لقد أخبرته مريم أن الرزق الذي‬
‫عندها هو من عند ال الذي يرزق من يشاء بغير حساب‪ ،‬إنه الله هو القادر على أن يقول‪ " :‬كن‬
‫" فيكون‪.‬‬
‫وهنا ذكر زكريا نفسه‪ ،‬وكأن نفسه قد حدثته‪ " :‬إذا كانت للقدرة طلقة في أن تفعل بل أسباب‪،‬‬
‫وتعطي من غير حساب‪ ،‬فأنا أريد ولدا يخلفني‪ ،‬رغم أنني على كبر ورغم بلوغي من السن عتيّا‪،‬‬
‫وامرأتي عاقر‪ .‬إن مسألة الرزق الذي وجده زكريا كلما دخل على مريم هي التي نبهت زكريا‬
‫إلى ما يتمنى ويرغب‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن المعلومات التي تمر على خاطر النفس البشرية كثيرة‪ ،‬ولكن ل يستقر في بؤرة‬
‫الشعور‪ .‬ومعلومات في حاشية الشعور يتم استدعاؤها عند اللزوم‪ ،‬فلما وجد زكريا الرزق المنوع‬
‫عند مريم وقالت له عن مصدره‪ُ } :‬هوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ {‪ .‬هنا‬
‫تساءل زكريا‪ :‬كيف فاتني هذا المر؟ ولذلك يقول الحق عن زكريا‪ } :‬هُنَاِلكَ دَعَا َزكَرِيّا رَبّهُ‪{ ...‬‬

‫(‪)429 /‬‬
‫سمِيعُ الدّعَاءِ (‪)38‬‬
‫هُنَاِلكَ دَعَا َزكَرِيّا رَبّهُ قَالَ َربّ َهبْ لِي مِنْ لَدُ ْنكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِ ّنكَ َ‬

‫إنها ساعة أن قالت له‪ :‬إن الرزق من عند ال‪ ،‬وأنه الحق الذي يرزق من يشاء بغير حساب‪ ،‬هنا‬
‫أيقظت فيه القضية اليمانية فجاءت أمنيته إلى بؤرة الشعور‪ ،‬فقال زكريا لنفسه‪ :‬فلنطلب من ربنا‬
‫أن يرزقنا ما نرجوه لنفسنا‪ ،‬وما دام قد قال هذا القول فل بد أنه قد صدق مريم في قضيتها‪ ،‬بأن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا الرزق الذي يأتيها هو من عند ال‪ ،‬ودليل آخر في التصديق‪ ,‬هو أنه ل بد وقد رأى أن‬
‫اللوان المتعددة من الرزق التي توجد عند مريم ليست في بيئته‪ ،‬أو ليست في أوانها؛ وكل ذلك‬
‫في المحراب‪.‬‬
‫ونحن نعرف أن المحراب كلمة يراد بها بيت العبادة‪ .‬يقول الحق‪َ {:‬ي ْعمَلُونَ لَهُ مَا َيشَآءُ مِن‬
‫شكْرا َوقَلِيلٌ مّنْ عِبَا ِديَ‬
‫عمَلُواْ آلَ دَاوُودَ ُ‬
‫ب َوقُدُورٍ رّاسِيَاتٍ ا ْ‬
‫جوَا ِ‬
‫جفَانٍ كَالْ َ‬
‫ب وَ َتمَاثِيلَ وَ ِ‬
‫مّحَارِي َ‬
‫شكُورُ }[سبأ‪.]13 :‬‬
‫ال ّ‬
‫أو " المحراب " وهو مكان المام في المسجد‪ ،‬أو هو حجرة يصعد إليها بسلم‪ ،‬كالمبلغات التي تقام‬
‫في بعض المساجد‪ .‬وما دامت مريم قد أخبرت زكريا وهي في المحراب بأن الرزق من عند ال‪،‬‬
‫وأيقظت بذلك تلك القضية اليمانية في بؤرة شعوره‪ ،‬فماذا يكون تصرفه؟ هنا دعا زكريا أثناء‬
‫سمِيعُ الدّعَآءِ } إنه هنا يطلب الولد‪.‬‬
‫وجوده في المحراب‪َ { .‬ربّ َهبْ لِي مِن لّدُ ْنكَ ذُرّيّةً طَيّ َبةً إِ ّنكَ َ‬
‫ولكن ل بد لنا أن نلحظ ما يلي‪:‬‬
‫ هل كان طلبه للولد لما يطلبه الناس العاديون من أن يكون زينة للحياة أو " عزوة " أو ذكرا؟‬‫ل‪ ،‬إنه يطلب الذرية الطيبة‪ ،‬وذكر زكريا الذرية الطيبة تفيد معرفته أن هنالك ذرية غير طيبة‪.‬‬
‫وفي قول زكريا الذي أورده الحق‪ {:‬يَرِثُنِي وَيَ ِرثُ مِنْ آلِ َي ْعقُوبَ }[مريم‪.]6 :‬‬
‫أي أن يكون دعاء لرث النبوة وإرث المناهج وإرث القيم‪ ،‬هكذا طلب زكريا الولد‪ .‬لقد طلبه‬
‫لمهام كبيرة‪ ،‬وقول زكريا‪ " :‬رب هب " تعني أنه استعطاء شيء بل مقابل‪ ،‬إنه يعترف‪ .‬أنا ليس‬
‫لي المؤهلت التي تجعل لي ولدا؛ لني كبير السن وامرأتي عاقر‪ ،‬إذن فعطاؤك يارب لي هو هبة‬
‫وليس حقا‪ ،‬وحتى الذي يملك الستعداد ل يكون هذا المر حقا له‪ ،‬فل بد أن يعرف أن عطاء ال‬
‫له يظل هبة‪ ،‬فإياك أن تظن أن اكتمال السباب والشباب هي التي تعطي الذرية‪ ،‬إن الحق سبحانه‬
‫ت وَالَ ْرضِ َيخْلُقُ مَا يَشَآءُ َي َهبُ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ينبهنا ألّ نقع في خديعة وغش أنفسنا بالسباب‪ {.‬لِلّهِ مُ ْلكُ ال ّ‬
‫عقِيما إِنّهُ‬
‫ج َعلُ مَن َيشَآءُ َ‬
‫جهُمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا وَ َي ْ‬
‫ِلمَن يَشَآءُ إِنَاثا وَ َي َهبُ ِلمَن َيشَآءُ ال ّذكُورَ * َأوْ يُ َزوّ ُ‬
‫عَلِيمٌ َقدِيرٌ }[الشورى‪.]50-49 :‬‬
‫إن في ذلك لفتا واضحا وتحذيرا محددا أل نفتتن بالسباب‪ ،‬إذن فلكل عطاء من ال هو هبة‪،‬‬
‫والسباب ل تعطي أحدا ما يريد‪.‬‬
‫إن زكريا يقول‪َ } :‬ربّ َهبْ لِي مِن لّدُ ْنكَ { وساعة أن تقول من‪ " :‬لدنك " فهو يعني " هب لي من‬
‫وراء أسبابك "‪ .‬لماذا؟ لن الكل من ال‪.‬‬
‫ولكن هناك فرقا بين عطاء ال بسبب‪ ،‬كأن يذهب إنسان ليتعلم العلم ويمكث عشرين عاما ليتعلم‪،‬‬
‫وهناك إنسان يفيض ال عليه بموهبة ما‪ ،‬ولذلك يقول أهل الشراقات‪ :‬إنه علم لدنى‪ ،‬أي من غير‬
‫تعب‪ ،‬وساعة أن نسمع " من لدن " أي انعزلت السباب‪ ،‬كان دعاء زكريا هو } َربّ َهبْ لِي مِن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لّدُ ْنكَ { وكلمة " هب " توضح ما جاء في سورة مريم من قول زكريا‪ {:‬قَالَ َربّ أَنّىا َيكُونُ لِي‬
‫غُلَ ٌم َوكَا َنتِ امْرَأَتِي عَاقِرا َوقَدْ بََل ْغتُ مِنَ ا ْلكِبَرِ عِتِيّا }[مريم‪.]8 :‬‬
‫إن " هب " هي التي توضح لنا هذه المعاني؛ هذا كان دعاء زكريا‪َ } :‬ربّ َهبْ لِي مِن لّدُ ْنكَ ذُرّيّةً‬
‫سمِيعُ الدّعَآءِ { فهل المراد أن يسمع ال الدعاء؟ أم أن يجيب ال الدعاء؟ إنه يضع كل‬
‫طَيّ َبةً إِ ّنكَ َ‬
‫أمله في ال‪ ،‬وكأنه يقول‪ :‬إنك يارب من فور أن تسمعني ستجيبني إلى طلبي بطلقة قدرتك‪.‬‬
‫لماذا؟ لنك يارب تعلم صدق نيتي في أنني أريد الغلم ل لشيء من أمور كقرة العين‪ ،‬والذكر‪،‬‬
‫والعز‪ ،‬وغيرها‪ ،‬إنما أريد الولد ليكون وارثا لي في حمل منهجك في الرض‪ ،‬وبعد ذلك يقول‬
‫الحق‪ } :‬فَنَادَتْهُ ا ْلمَل ِئكَةُ وَ ُهوَ قَا ِئمٌ ُيصَلّي فِي ا ْل ِمحْرَابِ‪{ ...‬‬

‫(‪)430 /‬‬
‫فَنَادَتْهُ ا ْلمَلَا ِئكَ ُة وَ ُهوَ قَائِمٌ ُيصَلّي فِي ا ْلمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّ ُركَ بِ َيحْيَى ُمصَ ّدقًا ِبكَِلمَةٍ مِنَ اللّهِ وَسَيّدًا‬
‫حصُورًا وَنَبِيّا مِنَ الصّالِحِينَ (‪)39‬‬
‫وَ َ‬

‫هل كل الملئكة اجتمعوا أو نادوا زكريا؟ ل‪ ،‬لن جبريل عليه السلم الذي ناداه‪ .‬ولماذا جاء‬
‫القول الحق هنا بأن الملئكة هي التي نادته؟ لقد جاء هذا القول الحق لنفطن إلى شيء هو‪ ،‬أن‬
‫الصوت في الحدث ‪ -‬كالنسان ‪ -‬له جهة يأتي منها‪ ،‬أما الصوت القادم من المل العلى فل‬
‫يعرف النسان من أين يأتيه‪ ،‬إن النسان يسمعه وكأنه يأتي من كل الجهات‪ ،‬وكأن هناك ملكا في‬
‫كل مكان‪.‬‬
‫والعصر الحديث الذي نعيشه قد ارتقى في الصوتيات ووصل لدرجة أن النسان أصبح قادرا على‬
‫جعل المؤثر الصوتي يحيط بالنسان من جهات متعددة‪ ،‬إذن فقوله الحق‪ { :‬فَنَادَ ْتهُ ا ْلمَل ِئكَةُ } فهذا‬
‫يعني أن الصوت قد جاء لزكريا من جميع الجهات‪.‬‬
‫{ فَنَادَتْهُ ا ْلمَل ِئكَ ُة وَ ُهوَ قَائِمٌ ُيصَلّي فِي ا ْلمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُ َبشّ ُركَ بِيَحْيَـىا ُمصَدّقا ِبكَِلمَةٍ مّنَ اللّهِ‬
‫حصُورا وَنَبِيّا مّنَ الصّاِلحِينَ } [آل عمران‪]39 :‬‬
‫وَسَيّدا َو َ‬
‫لقد نادته الملئكة في أورع لقاءاته مع ربه‪ ,‬أو هو حينما دعا أخذ ما علمه ال للنبياء إذا حزبهم‬
‫أمر قاموا إلى الصلة‪ .‬أليس طلبه من ال؟ إذن فليقف بين يدي ال‪ .‬وليجربها كل واحد منا عندما‬
‫يصعب عليك أي شيء‪ ،‬وتتأزم المور‪ ،‬وتمتنع السباب‪ ،‬فليقم ويتوضأ وضوءا جديدا ويبدأه‬
‫بالنية حتى ولو كان متوضئا‪ .‬وليقف بين يدي ال‪ ،‬وليقل ‪-‬إنه أمر يارب عزّ عليّ في أسبابك‪،‬‬
‫وليصل بخشوع‪ ،‬وأنا أجزم بأن النسان ما إن يسلم من هذه الصلة إلّ ويكون الفرج قد جاء‪ .‬ألم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نتلق عن رسول ال هذا السلوك البديع؟ إنه كلما حزبه أمر قام إلى الصلة؟‬
‫ومعنى حزبه أمر‪ ،‬أي أن أسبابه ضاقت‪ ،‬لذلك يذهب إلى الصلة لخالق السباب‪ ،‬إنها ذهاب إلى‬
‫المسبب‪ .‬وبدل من أن تلف وتدور حول نفسك‪ ،‬اذهب إلى ال من أقصر الطرق وهو الصلة‪،‬‬
‫لماذا تتعب نفسك أيها العبد ولك رب حكيم؟ وقديما قلنا‪ :‬إن من له أب ل يحمل هما‪ ،‬والذي له‬
‫رب أليس أولى بالطمئنان؟‬
‫إن زكريا قد دعا ال في المر الذي حزبه‪ ،‬وبمجرد أن دعا في المر الذي حزبه‪ ،‬قام إلى‬
‫الصلة‪ ،‬فنادته الملئكة‪ ،‬وهو قائم يصلي‪ ،‬إن الملئكة لم تنتظر إلى أن ينتهي من صلته‪،‬‬
‫{ فَنَادَتْهُ ا ْلمَل ِئكَ ُة وَ ُهوَ قَائِمٌ ُيصَلّي فِي ا ْلمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُ َبشّ ُركَ }‪.‬‬
‫والبشارة هي إخبار بخير زمنه لم يأت‪ ،‬فإذا كانت البشارة بخير زمنه لم يأت فلنر من الذي يخبر‬
‫بالبشارة؟ أمن يقدر على إيجاده أم من ل يقدر؟ فإذا كان ال هو الذي يبشر‪ ،‬فهو الذي يقدر‪ ،‬لذلك‬
‫فالمبشر به قادم ل محالة‪ { ،‬أَنّ اللّهَ يُبَشّ ُركَ بِيَحْيَـىا } لقد قال له ال‪ :‬سأعطيك‪ .‬وزيادة على‬
‫العطاء سماه ال بـ { يَحْيَـىا } وفوق كل ذلك‪ُ { :‬مصَدّقا ِبكَِلمَةٍ مّنَ اللّهِ }‪.‬‬
‫ولننظر إلى دقة الحق حين يقول‪ } :‬بِ َيحْيَـىا ُمصَدّقا {‪ .‬هذا دليل على أنه سيعيش بمنهج ال وما‬
‫يعرفه من الطاعات سيسير في هذا الطريق وهو مصدق‪ ،‬وهو سيأتي بكلمة من ال‪ ،‬أو هو يأتي‬
‫ليصدق بكلمة من ال‪ ،‬لن سيدنا يحيى هو أول من آمن برسالة عيسى عليه السلم‪ .‬وهو‬
‫حصُورا وَنَبِيّا مّنَ الصّالِحِينَ {‪ .‬أي ممنوعا عن كل ما حُرم‬
‫موصوف بالقول الحق‪ } :‬وَسَيّدا وَ َ‬
‫عليه‪ ،‬أو ممنوعا عن قمة الغرائز وهي الشهوة‪ ،‬وهو نبيّ‪ ،‬أي قدوة في اتباع الرسول الذي يجيء‬
‫في عصره‪ ،‬لقد دعا زكريا‪ ،‬وقام ليصلي‪ ،‬وتلقى البشارة بيحيى‪ ،‬وهنا ارتجت المور على بشرية‬
‫زكريا‪ ،‬ويصوره الحق بقوله‪ } :‬قَالَ َربّ أَنّىا َيكُونُ لِي غُلَمٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)431 /‬‬
‫قَالَ َربّ أَنّى َيكُونُ لِي غُلَا ٌم َوقَدْ َبَلغَنِيَ ا ْلكِبَ ُر وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَِلكَ اللّهُ َيفْ َعلُ مَا يَشَاءُ (‪)40‬‬

‫إن زكريا ‪ -‬وهو الطالب ‪ -‬يصيبه التعجب من الستجابة فيتساءل‪ .‬كيف يكون ذلك؟ والحق يورد‬
‫ذلك ليعلمنا أن النفس البشرية دائما تكون في دائرات التلوين‪ ،‬وليست في دائرات التمكين‪ ،‬وذلك‬
‫ليعطي ال لخلقه الذين ل يهتدون إلى الصراط المستقيم السوة في أنه إذا ما حدث له ابتلء فعليه‬
‫الرجوع إلى ال‪ ،‬فيقول زكريا‪ { :‬أَنّىا َيكُونُ لِي غُلَ ٌم َوقَدْ بََلغَنِي ا ْلكِبَ ُر وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ }‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن بلوغ الكبر ليس دليل على أنه عاجز عن النجاب لنه يكون كبير العمر‪ ،‬وقادرا على‬
‫إخصاب امرأة‪ ،‬ذلك أن الخصاب بالنسبة لبعض الرجال ليس أمرا عسيرا مهما بلغ من العمر إن‬
‫لم يكن عاقرا‪ ،‬ولكن المرأة هي العنصر المهم‪ ،‬فإن كانت عاقرا‪ ،‬فذلك قمة العجز في السباب‪.‬‬
‫ولو أن زكريا قال فقط‪ { :‬وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ } لكان أمرا غير مستحب بالنسبة لزوجته‪ ،‬ولكان معنى‬
‫ذلك أنه نسب لنفسه الصلحية وهي غير القادرة‪.‬‬
‫إنه أدب النبوة وهو أدب عال؛ لذلك أوردها من أولها‪َ { :‬وقَدْ بََلغَنِي ا ْلكِبَ ُر وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ } ولنر‬
‫دقة القول في‪ { :‬بََلغَنِي ا ْلكِبَرُ } ‘ إنه لم يقل‪ " :‬بلغت الكبر " بل يقول‪ :‬إن الكبر هو الذي جاءني‬
‫ولم أجيء أنا إلى الكبر؛ لن بلوغ الشيء يعني أن هناك إحساسا ورغبة في أن تذهب إليه‪ ،‬وذكر‬
‫زكريا { وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ } هو تضخيم لطلقة القدرة عند من يستمع للقصة‪ ،‬لقد أورد كل الخوالج‬
‫البشرية‪ ،‬وبعد ذلك يأتي القول الفصل‪ { :‬قَالَ كَذَِلكَ اللّهُ َي ْفعَلُ مَا يَشَآءُ } إنها طلقة القدرة التي‬
‫ج َعلْ لّي آيَةً‪} ...‬‬
‫فوق السباب لنها خالقة السباب‪ .‬ويقول زكريا‪ { :‬قَالَ َربّ ا ْ‬

‫(‪)432 /‬‬
‫شيّ‬
‫ج َعلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَ ُتكَ أَلّا ُتكَلّمَ النّاسَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ إِلّا َرمْزًا وَا ْذكُرْ رَ ّبكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بِا ْلعَ ِ‬
‫قَالَ َربّ ا ْ‬
‫وَالْإِ ْبكَارِ (‪)41‬‬

‫إن زكريا يطلب علمة على أن القول قد انتقل إلى فعل‪ {.‬قَالَ َربّ أَنّىا َيكُونُ لِي غُلَ ٌم َوكَا َنتِ‬
‫ن َوقَدْ خََلقْ ُتكَ مِن قَ ْبلُ‬
‫امْرَأَتِي عَاقِرا َوقَدْ بََل ْغتُ مِنَ ا ْلكِبَرِ عِتِيّا * قَالَ كَذاِلكَ قَالَ رَ ّبكَ ُهوَ عََليّ هَيّ ٌ‬
‫وَلَمْ َتكُ شَيْئا }[مريم‪.]9 - 8 :‬‬
‫لقد كان هذا القول تأكيدا ل شك فيه‪ ،‬فبمجرد أن قال الرب فقد انتهى المر‪ .‬فماذا يريد زكريا من‬
‫بعد ذلك؟ إنه يطلب آية‪ ،‬أي علمة على أن يحيى قد تم إيجاده في رحم أمه‪ ،‬وما دامت المرأة قد‬
‫كبرت فهي قد انقطع عنها الحيض‪ ،‬ول بد أنه عرف الية لنه يعرف مسبقا أنها عاقر‪ .‬لكن‬
‫زكريا لم يرغب أن يفوت على نفسه لحظة من لحظات هبات ال عليه‪ ،‬وما دام الحمل قد حدث‬
‫فهنا كانت استغاثة زكريا‪ ،‬ل تتركني يارب إلى أن أفهم بالعلمات الظاهرة المحسة‪ ،‬لنني أريد‬
‫أن أعيش من أول نعمتك علىّ في إطار الشكر لك على النعمة‪ ،‬فبمجرد أن يحدث الخصاب ل بد‬
‫أن أحيا في نطاق الشكر؛ لن النعمة قد تأتي وأنا غير شاكر‪.‬‬
‫إنه يطلب آية ليعيش في نطاق الشكر‪ ،‬إنه لم يطلب آية لنه يشك ‪ -‬معاذ ال ‪ -‬في قدرة ال‪،‬‬
‫ولكن لنه ل يريد أن يفوت على نفسه لحظة النعمة من أول وجودها إل ومعها الشكر عليها‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والذي يعطينا هذا المعنى هو القول الحق‪ { :‬قَالَ آيَ ُتكَ َألّ ُتكَلّمَ النّاسَ ثَلَثَةَ أَيّامٍ ِإلّ َرمْزا وَا ْذكُر‬
‫ي وَالِ ْبكَارِ }‪ .‬ل بد أن معناها أنه يرغب في الكلم فل يستطيع‪.‬‬
‫شّ‬
‫رّ ّبكَ كَثِيرا وَسَبّحْ بِا ْلعَ ِ‬
‫إن هناك فارقا بين أن يقدر على الكلم ول يتكلم‪ ،‬وبين أل يقدر على الكلم‪ .‬وما دامت الية هبة‬
‫من ال‪ .‬فالحق هو الذي قال له‪ :‬سأمنعك من أن تتكلم‪ ،‬فساعة أن تجد نفسك غير قادر على الكلم‬
‫فاعرف أنها العلمة‪ ،‬وستعرف أن تتكلم مع الناس رمزا‪ ،‬أي بالشارة‪ ،‬وحتى تعرف أن الية‬
‫قادمة من ال‪ ،‬وأن ال علم عن عبده أنه ل يريد أن تمر عليه لحظة مع نعمة ال بدون شكر ال‬
‫شيّ وَالِ ْبكَارِ }‪.‬‬
‫عليها‪ ،‬فإننا نعلم أن ال سينطقه‪ { ..‬وَا ْذكُر رّ ّبكَ كَثِيرا وَسَبّحْ بِا ْل َع ِ‬
‫لقد أراد زكريا أن يعيش من أول لحظة مع نعمة المنعم شكرا‪ ،‬وجعل كل وقته ذكرا‪ ،‬فلم ينشغل‬
‫بالناس أو بكلم الناس‪ ،‬وذكر الرب كثيرا هو ما علمه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬عن زكريا عندما طلب الية‬
‫ليصحبها دائما بشكر ال عليها‪ ،‬إن قوله‪ { :‬وَا ْذكُر رّ ّبكَ كَثِيرا } تفيد أن زكريا قادر على الذكر‬
‫وغير قادر على كلم الناس‪ ،‬لذلك ل يريد ال أن يشغله بكلم الناس‪ ،‬وكأن ال يريد أن يقول له‪:‬‬
‫ما دمت قد أردت أن تعيش مع النعمة شكرا فسأجعلك غير قادر على الكلم مع الناس لكنك قادر‬
‫على الذكر‪.‬‬
‫والذكر مطلقا هو ذكر ال بآلئه وعظمته وقدرته وصفات الكمال له‪ ،‬والتسبيح هو التنزيه ل‪ ،‬لن‬
‫ما فعله ال ل يمكن أن يحدث من سواه‪ ،‬فسبحان ال‪ ،‬معناها تنزيه ل‪ ،‬لنه القادر على أن يفعل‬
‫ما ل تفعله السباب ول يقدر أحد أن يصنعه‪ ..‬إنه يريد أن يشكر الحق الذي يرزق من يشاء بغير‬
‫حساب‪ .‬تلك اللفتة‪ ..‬التي جاءت من قبل من مريم لزكريا‪.‬‬
‫وزكريا كما نعلم هو الكفيل لها‪ ،‬فكونها تنطق بهذه العبارة دللة على أن ال مهد لها بالرزق‪،‬‬
‫يجيئها من غير زكريا‪ ،‬بأنها ستأتي بشيء من غير أسباب‪ .‬وكأن التجربة قد أراد ال أن تكون‬
‫من ذاتها لذاتها؛ لنها ستتعرض لشيء يتعلق بعرض المرأة‪ ،‬فل بد أن تعلم مسبقا أن ال يرزق‬
‫من يشاء بغير حساب‪ ،‬وبدون أسباب‪ .‬فإن جاءت بولد بدون سبب من أبوة فلتعلم أن ال يرزق‬
‫من يشاء بغير حساب‪.‬‬
‫فلما سمع زكريا منها ذلك قال‪ :‬ما دام ال يرزق من غير حساب ويأتي بالشياء بل أسباب فأنا قد‬
‫بلغت من الكبر عتيا‪ ،‬وامرأتي عاقر‪ ،‬فلماذا ل أطلب من ربي أن يهبني غلما؟ إذن فمقولة مريم‪:‬‬
‫حسَابٍ { قد لفتت زكريا‪ ،‬ونبهت إيمانا موجودا في أعماقه وحاشية‬
‫} إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫شعوره‪ ،‬ول نقول أوجدت إيمانا جديدا لزكريا بأن ال يرزق من يشاء بغير حساب‪ ،‬ولكنها‬
‫أخرجت القضية اليمانية من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور‪ ،‬فقال زكريا‪ :‬ما دام المر كذلك‬
‫فأنا أسأل ال أن يهبني غلما‪ ..‬وقول زكريا‪َ } :‬هبْ لِي مِن لّدُ ْنكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً { دل على أنه‬
‫وزوجته ل يملكان اكتساب البوة والمومة ولذلك طلب الهبة من ال‪ .‬والهبة شيء بدون مقابل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فلما سأل ال ذلك استجاب ال له‪ ،‬وقال له سبحانه‪ :‬سأهبك غلما بدون أسباب من خصوبتك في‬
‫التلقيح أو خصوبة الزوجة في الحمل‪ ،‬وما دامت المسألة ستكون بل أسباب وأنا ‪ -‬الخالق ‪-‬‬
‫سأتولى اليجاب بـ " كن " ولمعنى سام شريف سأمنحكم شيئا آخر تقومون به أنتم معشر الباء‬
‫والمهات ‪ -‬عادة ‪ -‬إنه تسمية المولود‪ ،‬فأفاض الحق عليهم نعمة أخرى وهي تسمية المولود بعد‬
‫أن وهبه لهما‪ ..‬هنا وقفة عند الهبة بالسم‪ {.‬فَنَادَ ْتهُ ا ْلمَل ِئكَ ُة وَ ُهوَ قَائِمٌ ُيصَلّي فِي ا ْلمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ‬
‫حصُورا وَنَبِيّا مّنَ الصّالِحِينَ }[آل عمران‪.]39 :‬‬
‫يُبَشّ ُركَ بِ َيحْيَـىا ُمصَدّقا ِبكَِل َمةٍ مّنَ اللّ ِه وَسَيّدا وَ َ‬
‫حين يولد للناس ولد فهم يسمونه‪ ،‬فالتسمية أمر شائع في عادات الناس‪ .‬ولكن من يهمهم أمر الوليد‬
‫حينما يقبلون على تسميته؛ فهم يحاولون أن يتفاءلوا؛ فيسموه اسما يرجون أن يتحقق في المسمى‪،‬‬
‫فيسمونه " سعيدا " أمل في أن يكون سعيدا‪ ،‬أو يسمونه " فضل " أو يسمونه " كريما "‪.‬‬
‫إنهم يأتون بالسم الذي يحبون أن يجدوا وليدهم على صفته‪ ,‬وذلك هو المل منهم ولكن أتأتي‬
‫المقادير على وفق المال؟‬
‫قد يسمونه سعيدا‪ ،‬ول يكون سعيدا‪ .‬ويسمونه فضل‪ ،‬ول يكون فضل‪ .‬ويسمونه عزا‪ ،‬ول يكون‬
‫عزا‪ .‬ولكن ماذا يحدث حين يسمى ال سبحانه وتعالى؟ ل بد أن يختلف الموقف تماما‪ ،‬فإذا قال‬
‫اسمه } َيحْيَـىا { دل على أنه سيعيش‪ .‬وقديما قال الشاعر حينما تفاءل بتسمية ابنه يحيى‪:‬فسميته‬
‫يحيا ليحيا فلم يكن لرد قضاء ال فيه سبيلكان الشاعر قد سمى ابنه يحيى أمل أن يحيا‪ ،‬ولكن ال‬
‫لم يرد ذلك‪ ،‬فمات البن‪ .‬لماذا؟ لن المسمىّ من البشر ليس هو الذي يُحْيِي‪ ،‬إن المسمى إنسان‬
‫قدرته عاجزة‪ ،‬ولكن " المحيى " له طلقة القدرة‪ ،‬فحين يسمى من له طلقة القدرة على إرادة أن‬
‫يحيا فل بد من أن يحيا حياة متميزة؟ وحتى ل تفهم أن الحياة التي أشار ال إليها بقوله‪ " :‬اسمه‬
‫يحيى " بأنها الحياة المعروفة للبشر عادة ‪ -‬لن الرجل حينما يسمى ابنه " يحيى " يأمل أن يحيا‬
‫البن متوسط العمار‪ ،‬كما يحيا الناس ستين عاما‪ ،‬أو سبعين‪ ،‬أو أي عدد من السنوات مكتوبة له‬
‫في الزل‪.‬‬
‫لكن ال حينما يسمى " يحيى " فانه ل يأخذ " يحيى " على قدر ما يأخذه الناس‪ ،‬بل ل بد أن يعطيه‬
‫أطول من حدود أعمار الناس‪ ،‬ويهيء له الحق من خصومه ومن أعدائه من يقتله ليكون شهيدا‪،‬‬
‫وهو بالشهادة يصير حيا‪ ،‬فكأنه يحيا دائما‪ ،‬فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون‪.‬‬
‫وهكذا أراد ال ليحيى عليه السلم أن يحيا كحياة الناس‪ ،‬ويحيا أطول من حياة الناس إلى أن تقوم‬
‫الساعة‪ ،‬وأيضا نأخذ ملحظا في أن زكريا حينما بُشّر بأن ال سيهبه غلما ويسميه يحيى‪ ،‬نجده قد‬
‫استقبلها بالعجب‪ .‬كيف يستقبل زكريا مسألة الرزق بالولد متعجبا مع أنه رآها في الرزق الذي‬
‫حسَابٍ {‪.‬‬
‫كان يجده عند مريم؟ } يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫ولنا أن نقول‪ :‬أكنت تحب أن يمر مثل هذا المر الخارق للعادة والخارق للناموس على سيدنا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫زكريا كأنه أمر عادي ل يندهش له ول يتعجب؟ ل‪ ،‬ل بد أن يندهش ويتعجب لذلك قال‪َ } :‬ربّ‬
‫لمٌ {‪ .‬فكأن الدهشة لفتته إلى أنه ستأتي آية عجيبة‪ ،‬ولو لم تكن تلك الدهشة‬
‫أَنّىا َيكُونُ لِي غُ َ‬
‫لكانت المسألة رتيبة وكأنها أمر عادي‪ .‬إذن‪ ،‬فهو يلفتنا إلى المر العجيب الذي خصه ال به‪.‬‬
‫وأيضا جاءت المسألة على خلف ناموس التكاثر والنجاب والنسل‪َ } :‬وقَدْ بََلغَنِي ا ْلكِبَ ُر وَامْرَأَتِي‬
‫عَاقِرٌ {‪.‬‬
‫إن المسألة كلها تفضل وهبة من ال‪.‬‬
‫فلما جاءته البشارة‪ ،‬لم يقل ال له‪ :‬إنني سأهبك الغلم واسمه يحيى من امرأتك هذه‪ ،‬أو وأنت على‬
‫حالتك هذه‪ .‬فيتشكك ويتردد ويقول‪ :‬أترى يأتي الغلم الذي اسمه " يحيى " منى وأنا على هذه‬
‫الحالة‪ ،‬امرأتي عاقر وأنا قد بلغت هذا الكبر‪ ،‬أو ربما ردنا ال شبابا حتى نستطيع النجاب‪ ،‬أو‬
‫تأتي امرأة أخرى فأتزوجها وأنجب‪.‬‬
‫إذن فالعجب في الهيئة التي سيصير عليها النجاب فقوله‪ } :‬أَنّىا َيكُونُ لِي غُلَمٌ * وَقد بلغني‬
‫الكبر وامْرَأَتِي عَاقِرا { هذا التساؤل من زكريا يهدف به إلى معرفة الهيئة أو الحالة التي سيأتي‬
‫بها النجاب‪ ،‬لن النجاب يأتي على حالت متعددة‪ .‬فلما أكد ال ذلك قال‪ " :‬كذلك " ماذا تعني‬
‫كذلك؟ إنها تعني أن النجاب سيأتي منك ومن زوجك وأنتما على حالكما‪ ،‬أنت قد بلغت من الكبر‬
‫عتيا‪ ،‬وامرأتك عاقر‪ .‬لن العجيبة تتحقق بذلك‪ ،‬أكان من المعقول أن يردهما ال شبابا حتى‬
‫يساعداه أن يهبهما الولد؟ ل‪ .‬لذلك قال الحق‪ } :‬كَذَِلكَ اللّهُ َي ْفعَلُ مَا يَشَآءُ {‪ .‬أي كما أنتما‪ ،‬وعلى‬
‫حالتكما‪.‬‬
‫لقد جعل الحق الية أل يكلم زكريا الناس ثلثة أيام إل بالشارة‪ ،‬وقد يكون عدم الكلم في نظر‬
‫شيّ وَالِ ْبكَارِ {‬
‫الناس مرضا ل‪ ،‬إنه ليس كذلك‪ ،‬لن الحق يقول له‪ } :‬وَا ْذكُر رّ ّبكَ كَثِيرا وَسَبّحْ بِا ْلعَ ِ‬
‫إن الحق يجعل زكريا قادرا على التسبيح‪ ،‬وغير قادر على الكلم‪ .‬وهذه قدرة أخرى من طلقة‬
‫قدرة ال‪ ،‬إنه اللسان الواحد‪ ،‬غير القادر على الكلم‪ ،‬ولو حاول أن يتكلم لما استطاع‪ ،‬ولكن هذا‬
‫اللسان نفسه ‪ -‬أيضا ‪ -‬يصبح قادرا فقط على التسبيح‪ ،‬وذكر ال بالعشيّ والبكار‪ ،‬ذكر ال‬
‫باللسان وسيسمعه الناس‪ ،‬وذلك بيان لطلقة القدرة‪.‬‬
‫وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى مسألة أخرى تتعلق بمريم‪ ،‬لن مريم هي الصل في الكلم‪ ،‬فالرزق‬
‫الذي كان يأتيها من ال بغير حساب هو الذي نبه سيدنا زكريا إلى طلب الولد‪ ،‬وجاء الحق لنا‬
‫طفَاكِ‪{ ...‬‬
‫بقصة زكريا والولد‪ ،‬ثم عاد إلى قصة مريم‪ } :‬وَإِذْ قَاَلتِ ا ْلمَلَ ِئكَةُ يامَرْيَمُ إِنّ اللّهَ اصْ َ‬

‫(‪)433 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫طفَاكِ عَلَى نِسَاءِ ا ْلعَاَلمِينَ (‪)42‬‬
‫ك وَاصْ َ‬
‫طهّ َر ِ‬
‫ك وَ َ‬
‫طفَا ِ‬
‫وَإِذْ قَاَلتِ ا ْلمَلَا ِئكَةُ يَا مَرْ َيمُ إِنّ اللّهَ اصْ َ‬

‫{ وَإِذْ قَاَلتِ ا ْلمَلَ ِئكَةُ } المراد بها جبريل عليه السلم‪ ،‬والسبب في أن الحق يورد ذلك بـ { قَاَلتِ‬
‫ا ْلمَلَ ِئكَةُ } لن كلم المتكلم ‪ -‬أي النسان ‪ -‬له ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬زاوية انطلق يأتي من جهتها‬
‫الصوت‪ .‬وتستطيع أن تتأكد من ذلك عندما يجيء لك صوت‪ ،‬فأنت تجد ميل أذنك لجهة مصدر‬
‫الصوت‪ ،‬فإن جاء الصوت من ناحية أذنك اليمنى فأنت تلتفت وتميل إلى يمينك‪ ،‬وإذا جاءك‬
‫الصوت من شمالك تلتفت إلى الشمال‪ .‬لكن المتكلم هنا هو جبريل عليه السلم‪ ،‬ويأتي صوته من‬
‫كل جهة حتى يصير المر عجيبا‪ ،‬لهذا جاء الكلم منسوبا إلى الملئكة‪.‬‬
‫طفَاكِ‬
‫ك وَاصْ َ‬
‫طهّ َر ِ‬
‫ك وَ َ‬
‫طفَا ِ‬
‫فماذا قال جبريل؟ قال جبريل مبلغا عن رب العزة‪ { :‬يامَرْيَمُ إِنّ اللّهَ اصْ َ‬
‫عَلَىا نِسَآءِ ا ْلعَاَلمِينَ } وما الصطفاء؟ إن الصطفاء اختيار واجتباء‪ ،‬وهو مأخوذ من الصفو أو‬
‫الصافي‪ ،‬أي الشيء الخالص من الكدر‪ .‬وعادة تؤخذ المعاني من المحسات‪ ،‬وعندما تقول الماء‬
‫سلٍ ّمصَفّى }[محمد‪.]15 :‬‬
‫الصافي أي الماء غير المكدر‪ ،‬أو كما يقول الحق‪ {:‬وَأَ ْنهَارٌ مّنْ عَ َ‬
‫طفَاكِ عَلَىا نِسَآءِ ا ْلعَاَلمِينَ } نحن هنا أمام‬
‫طهّ َركِ وَاصْ َ‬
‫طفَاكِ َو َ‬
‫وعندما يقول الحق‪ { :‬إِنّ اللّهَ اصْ َ‬
‫اصطفاءين‪ ،‬الصطفاء الول ورد دون أن تسبقه كلمة " على " والصطفاء الثاني تسبقه كلمة "‬
‫على " والمقصود بالصطفاء الول هو إبلغ مريم أن ال ميزها باليمان‪ ،‬والصلح والخلق‬
‫الطيب‪ ،‬ولكن هذا الصطفاء الول جاء مجردا عن " على " أي أن هذا الصطفاء الول ل يمنع‬
‫طفَىا ءَادَ َم وَنُوحا‬
‫أن يوجد معها في مجال هذا الصطفاء آخرون‪ ،‬بدليل قول الحق‪ {:‬إِنّ اللّهَ اصْ َ‬
‫عمْرَانَ عَلَى ا ْلعَاَلمِينَ }[آل عمران‪.]33 :‬‬
‫وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ ِ‬
‫ثم أورد الحق سبحانه أنه طهرها‪ ،‬وجاء من بعد ذلك بالصطفاء الثاني المسبوق بـ " على " فقال‬
‫طفَاكِ عَلَىا نِسَآءِ ا ْلعَاَلمِينَ } إذن فهذا خروج للرجال عن دائرة هذا الصطفاء‪ ،‬ولن يكون‬
‫{ وَاصْ َ‬
‫مجال الصطفاء موضوعا يتعلق بالرجولة؛ فهي مصطفاة على نساء العالمين‪ ،‬فكأنه ل توجد أنثى‬
‫في العالمين تشاركها هذا الصطفاء‪ .‬لماذا؟ لنها الوحيدة التي ستلد دون ذكر‪ ،‬وهذه مسألة لن‬
‫يشاركها فيها أحد‪.‬‬
‫طفَاكِ عَلَىا نِسَآءِ ا ْلعَاَلمِينَ } هذا القول يجب أن ينبه في نفسها سؤال هو‪ :‬ما‬
‫وقوله الحق‪ { :‬وَاصْ َ‬
‫الذي تمتاز هي به عن نساء العالمين؟ إن الذهن ينشغل بهذا المر‪ ،‬وينشغل على أمر من وظيفة‬
‫حسَابٍ } ونجد أن‬
‫النثى‪ ،‬ولنضم هذه إلى قول الحق على لسانها‪ { :‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫هذه كلها إيناسات للحدث الذي سيأتي من بعد ذلك‪ ،‬وهو حدث يتعلق بعرضها وعفافها‪ ،‬فل بد أن‬
‫يمهد ال له تمهيدا مناسبا حتى تتأكد من أن هذه المسألة ليس فيها شيء يخدش الكرامة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫طفَاكِ عَلَىا نِسَآءِ ا ْلعَاَلمِينَ { ولنا أن نسأل‪ :‬ما نتيجة الصطفاء؟‬
‫} وَاصْ َ‬
‫لقد عرفنا أن الصطفاء هو الجتباء والختيار‪ ،‬ويقتضي " مصطفِى " بفتح الفاء‪ .‬ويقتضي "‬
‫مصطفِى " بكسر الفاء‪ .‬والمصطفى هو ال‪ ،‬لكن ما علة الصطفاء؟ إن الذي يصطفيه ال إنما‬
‫يصطفيه لمهمة‪ ،‬وتكون مهمة صعبة‪ .‬إذن هو يصطفيه حتى يشيع اصطفاؤه في الناس‪ .‬كأن ال‬
‫قد خصه بالصطفاء من أجل الناس ومصلحتهم‪ ،‬سواء أكان هذا الصطفاء لمكان أم لنسان أم‬
‫لزمان ليشيع صفاؤه في كل ما اصطفى عليه‪ .‬لقد اصطفى ال الكعبة من أجل ماذا؟ حتى يتجه‬
‫كل إنسان إلى الكعبة‪ .‬إذن فقد اصطفاها من أجل البشر وليشيع اصطفاؤها في كل مكان آخر‪،‬‬
‫ولذلك قال الحق عن الكعبة‪ {:‬إِنّ َأ ّولَ بَ ْيتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِ َبكّةَ مُبَارَكا وَهُدًى لّ ْلعَاَلمِينَ }[آل‬
‫عمران‪.]96 :‬‬
‫وإذا اصطفى الحق سبحانه زمانا‪ ،‬كاصطفائه لرمضان‪ ،‬فلماذا اصطفاه؟ ليشيع صفاؤه‪ ،‬وصفاء ما‬
‫أنزل فيه في كل زمان‪ .‬إذن فاصطفاء الحق للشخص أو للمكان أو للزمان هو لمصلحة بقية الناس‬
‫أو المكنة أو الزمنة‪ ،‬لماذا؟ لن أحدا من الخلق ليس ابنا ل‪ ،‬وليس هناك مكان أولى بمكان عند‬
‫ال‪ .‬ولكن ال يصطفي زمانا على زمان‪ ،‬ومكانا على مكان‪ ،‬وإنسانا على إنسان ليشيع اصطفاء‬
‫طفِىَ عليه‪ .‬إذن فهل يجب على الناس أن يفرحوا بالمصطفى‪ ،‬أو ل‬
‫المُصطفى في كل ما اص ُ‬
‫يفرحوا به؟ إن عليهم أن يفرحوا به؛ لنه جاء لمصلحتهم‪ ،‬والحق سبحانه يقول‪ } :‬يامَرْيَمُ اقْنُتِي‬
‫لِرَ ّبكِ‪{ ...‬‬

‫(‪)434 /‬‬
‫سجُدِي وَا ْر َكعِي مَعَ الرّا ِكعِينَ (‪)43‬‬
‫ك وَا ْ‬
‫يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَ ّب ِ‬

‫فكأن ما تقدم من حيثيات الصطفاء الول‪ ،‬والصطفاء الثاني‪ ،‬يستحق منها القنوت‪ ،‬أي العبادة‬
‫الخالصة الخاضعة الخاشعة‪ .‬وقد يقول قائل‪ :‬ولماذا يصطفى ال واحدا‪ ،‬ليشيع اصطفاؤه في‬
‫الناس؟ لن الصطفاء من الحق ل بد أن يبرئه من كل ما يمكن أن يقع فيه نظيره من الختيارات‬
‫غير المرضية‪ ،‬والحق سبحانه يريده نموذجا ل يقع منه ال الخير‪ ،‬والمثال الكامل على ذلك‬
‫اصطفاء الحق سبحانه لرسوله محمد صلى ال عليه وسلم من أول المر وجعله ل يفعل إل‬
‫السلوك الطيب من أول المر‪ ،‬وذلك حتى يعطينا الرسول القدوة اليمانية في ثلث وعشرين سنة‬
‫هي مدة الرسالة المحمدية‪.‬‬
‫والحق يقول لمريم على لسان الملئكة‪ { :‬يامَرْ َيمُ اقْنُتِي لِرَ ّبكِ } إنه أمر بالعبادة الخاشعة المستديمة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لربها‪ ،‬وكلمة { لِرَ ّبكِ } تعني التربية‪ ،‬فكأن الصطفاءات هي من نعم ال عليك يا مريم‪ ،‬وتستحق‬
‫جدِي } أي بَاِلغِي في الخشوع‪،‬‬
‫سجُدِي وَا ْر َكعِي َمعَ الرّا ِكعِينَ } و { وَاسْ ُ‬
‫منك القنوت { وَا ْ‬
‫والخضوع‪ ،‬بوضع الجبهة التي هي أشرف شيء في النسان على الرض‪ ،‬لن السجود هو أعلى‬
‫مرتبة من الخضوع‪.‬‬
‫لكن أيعفيها هذا اللون من الخضوع مما يكون من الركوع ل مع الناس؟ ل‪ ،‬إنه المر الحق‬
‫يصدر لمريم { وَا ْر َكعِي مَعَ الرّا ِكعِينَ } ول يعفيك من الركوع أنك فعلت المر العلى منه في‬
‫الخضوع وهو السجود‪ ،‬بل عليك أن تركعي مع الراكعين‪ ،‬فل يحق لك يا مريم أن تقولي‪ " :‬لقد‬
‫أمرني ال بأمر " أعلى ولم أنفذ المر الدنى "‬
‫إن الحق يأمرها أن تكون أيضا في ركب الراكعين مثلما نقرأ قوله الحق عن الكفار‪ {:‬مَا سََل َككُمْ‬
‫سقَرَ * قَالُواْ لَمْ َنكُ مِنَ ا ْل ُمصَلّينَ }[المدثر‪.]43-42 :‬‬
‫فِي َ‬
‫إنهم كفار‪ ،‬فكيف يصلون؟ إنه اعتراف منهم بأنهم كفار‪ ،‬ولم يكونوا مسلوكين في سلك من يصل‪،‬‬
‫واعتراف بانهم لم يكونوا مسلمين أو مؤمنين بال‪ .‬وهنا يسأل سائل كريم‪ :‬لماذا قال سبحانه‬
‫ك وَاسْجُدِي وَا ْر َكعِي مَعَ الرّا ِكعِينَ } ولم يقل الحق‪" :‬‬
‫وتعالى في خطابه لمريم‪ { :‬يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَ ّب ِ‬
‫مع الراكعات "؟ هذا هو السؤال‪.‬‬
‫وإجابة على هذا السؤال نحب أن نمهد تمهيدا بسيطا إلى فلسفة السماء في وضعها على‬
‫مسمياتها‪ .‬إن السماء ألفاظ من اللغة تعين مسماها‪ .‬والمسميات مختلفة‪ ،‬فمنها الجماد‪ ،‬ومنها‬
‫النبات‪ ,‬ومنها الحيوان‪ ،‬ومنها السماء التي تدل على عالم الغيب كالجن‪ ،‬والملئكة‪ ،‬وكل ما غيب‬
‫ال‪ .‬هذه السماء تدل على معانيها‪.‬‬
‫وهدى ال سبحانه البشر إليها بما علم آدم من السماء‪ ،‬فكيف كان باستطاعة آدم التعبير عن‬
‫معطيات السماء بمسمياتها؟ إذن ل بد أن يوجد لكل شيء اسم حتى نستطيع حين نتفاهم على‬
‫الشيء أو الكائن بأن نذكر لفظا واحدا موجزا يشير إليه‪.‬‬
‫ولو لم يكن يذكر هذا فكيف كان باستطاعة إنسان أن يتكلم مع إنسان آخر عن الجبل مثل؟‪ .‬أكان‬
‫على المتكلم أن يأخذ السامع إلى الجبل ويشير إليه؟ أم يكفي أن يقول له لفظ " جبل " حتى‬
‫يستحضر السامع في ذهنه صورة لهذا المسمى؟‬
‫إذن‪ ..‬ففلسفة تعليم الحق للسماء لنا أزاحت عنا عبئا كبيرا من صعوبة التفاهم‪ .‬ولو ل ذلك لما‬
‫استطعنا أن نتفاهم على شيء إل إذا واجهنا الشيء وأشرنا إليه‪ .‬فكلمة " جبل " وكلمة " صخر "‬
‫وغيرها من الكلمات هي أسماء لمسميات‪ ..‬وعندما أتكلم على سبيل المثال عن أمريكا فإنني لن‬
‫آخذ السامع إليها وأشير إليه قائل " إن هذه هي أمريكا " ‪ ،‬لكن كلمة واحدة هي " أمريكا " تعطي‬
‫السامع معنى للمسمى‪ ،‬فتلحق الحكام على مسمياتها‪ .‬وما دامت المسألة هكذا فل بد من وجود‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أسماء لمسميات‪ ،‬هذه السماء علمها ال للنسان حتى يتفاهم بها والنسان أصله من آدم‪.‬‬
‫وكلمة " آدم " حينما تتكلم بها تجدها في النحو مذكرة‪ ،‬والمذكر يقابله المؤنث‪ .‬وقد خلق الحق‬
‫العلى‪ :‬الذكورة والنوثة؛ لن من تزاوجهما سيخرج النسل‪ .‬إذن فكان ل بد من التمييز بين‬
‫النوعين للجنس الواحد‪ .‬فالذكر والنثى‪ ،‬هما بنو آدم‪ ،‬ومنها ينشأ التكاثر‪ ،‬لكن العجيب أن ال حين‬
‫سمى آدم ونطقناه اسما مذكرا وسمى " حواء " ونطقناه اسما مؤنثا‪ ،‬وجعل سبحانه السم الصيل‬
‫جدَ منه الخلق هو " نفس "‪ .‬لقد قال الحق‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّاسُ ا ّتقُواْ رَ ّب ُكمُ الّذِي خََل َقكُمْ مّن ّنفْسٍ‬
‫الذي و ِ‬
‫جهَا وَ َبثّ مِ ْن ُهمَا رِجَالً كَثِيرا وَنِسَآ ًء وَا ّتقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ ِب ِه وَالَرْحَامَ‬
‫وَاحِ َد ٍة َوخَلَقَ مِ ْنهَا َزوْ َ‬
‫إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَ ْيكُمْ َرقِيبا }[النساء‪.]1 :‬‬
‫لقد سمى الحق آدم بكلمة نفس‪ ،‬وهي مؤنثة‪ ،‬إذن فليس معنى التأنيث أنه أقل من معنى التذكير‪،‬‬
‫ولكن " التذكير " هو فقط علمة لتضع الشياء في مسمياتها الحقيقية وكذلك التأنيث‪ .‬إن الحق‬
‫سبحانه يطلق على كل إنسان منا " نفس " وهي كلمة مؤنثة‪ ،‬وحينما تكلم الحق سبحانه كلما آخر‬
‫شعُوبا َوقَبَآ ِئلَ لِ َتعَا َرفُواْ إِنّ‬
‫جعَلْنَاكُمْ ُ‬
‫عن الخلق قال‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّاسُ إِنّا خََلقْنَاكُم مّن َذكَ ٍر وَأُنْثَىا وَ َ‬
‫َأكْ َر َمكُمْ عَندَ اللّهِ أَ ْتقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }[الحجرات‪.]13 :‬‬
‫وكلمة " ناس " تعني مجموع النسان‪ .‬وهكذا نعرف أن كلمة‪ " :‬إنسان " تُطلق مرة على المذكر‪،‬‬
‫ومرة أخرى على المؤنث‪ .‬إذن فالحق قد أورد مرة لفظا مذكرا‪ ،‬ومرة أخرى أطلق لفظا مؤنثا‪،‬‬
‫وذلك حتى ل نقول‪ :‬أن المذكر أفضل وأحسن من المؤنث‪ ،‬ولكن ذلك وسيلة للتفاهم فقط‪ ،‬ولذلك‬
‫شعُوبا َوقَبَآئِلَ‬
‫جعَلْنَاكُمْ ُ‬
‫يؤكد لنا الحق سبحانه أنه قد وضع السماء لمسمياتها لنتعارف بها‪ {.‬وَ َ‬
‫لِ َتعَا َرفُواْ }[الحجرات‪.]13 :‬‬
‫ومعنى " لنتعارف " أي أن يكون لكل منا اسمٌ يعرف به عند الخرين‪.‬‬
‫وفي حياتنا العادية ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬نجد رجل عنده أولد كثيرون‪ ،‬لذلك يُطلق على كل ابن‬
‫شعُوبا َوقَبَآئِلَ لِ َتعَا َرفُواْ {‪.‬‬
‫جعَلْنَاكُمْ ُ‬
‫اسما ليعرفه المجتمع به‪ ،‬والعجيب في هذه الية الكريمة‪ } :‬وَ َ‬
‫أننا نجد كلمة " شعوبا " مذكرة وكلمة " قبائل " مؤنثة‪ .‬إذن فل تمايز بالحسن‪ ،‬ولكن الكلمات هنا‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى خُسْرٍ * ِإلّ الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫مسميات للتعارف‪ .‬والحق العلى يقول‪ {:‬وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫ق وَ َتوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ }[العصر‪.]3-1 :‬‬
‫حّ‬
‫صوْاْ بِالْ َ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ وَتَوَا َ‬
‫وَ َ‬
‫إذن فما وضع النساء اللئي آمنّ؟ إنهن يدخلن ضمن } الّذِينَ آمَنُواْ {‪ .‬ولماذا أدخل ال المؤنث في‬
‫الذكر؟ لن المذكر هو الصل‪ ،‬والمؤنث جاء منه فرعا‪ .‬إذن فالمؤنث هو الذي يدخل مع المذكر‬
‫في المور المشتركة في الجنس‪ {.‬يَاأَ ّيهَا النّاسُ اعْبُدُواْ رَ ّب ُكمُ الّذِي خََل َقكُ ْم وَالّذِينَ مِن قَبِْل ُكمْ َلعَّلكُمْ‬
‫تَ ّتقُونَ }[البقرة‪.]21 :‬‬
‫وهذا يعني أن " المؤنث " عليه أن يدخل في تكليف العبودية ل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمعنى العام يحدد أن المطلوب منه العبادة هو النسان كجنس‪ .‬وبنوعية الذكر والنثى‪ .‬وفي‬
‫المر الخاص بالمرأة‪ ،‬ويحدد ال المرأة بذاتيتها‪ .‬فالحق سبحانه وتعالى يقول‪َ {:‬ومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ‬
‫وَلَ ُم ْؤمِنَةٍ إِذَا َقضَى اللّ ُه وَرَسُولُهُ َأمْرا أَن َيكُونَ َل ُهمُ الْخِيَ َرةُ مِنْ َأمْرِهِ ْم َومَن َي ْعصِ اللّ َه وَرَسُولَهُ‬
‫للً مّبِينا }[الحزاب‪.]36 :‬‬
‫ضلّ ضَ َ‬
‫َفقَ ْد َ‬
‫لماذا؟ إن المسألة هنا تشمل النوعين من الجنس الواحد‪ :‬الرجل والمرأة‪ ،‬زوج وزوجة‪ ،‬فمثل نجد‬
‫زوجا يريد تطليق زوجته‪ ،‬فيأتي الحق بتفصيل يوضح ذلك‪ .‬وإذا كان هناك أمر خاص بالمرأة‬
‫حدٍ مّنَ النّسَآءِ إِنِ‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يحدد المر فها هوذا قوله الحكيم‪ {:‬يانِسَآءَ النّ ِبيّ لَسْتُنّ كَأَ َ‬
‫ن َولَ‬
‫ض َوقُلْنَ َقوْلً ّمعْرُوفا * َوقَرْنَ فِي بُيُو ِتكُ ّ‬
‫طمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَ َر ٌ‬
‫ضعْنَ بِا ْلقَ ْولِ فَيَ ْ‬
‫خ َ‬
‫ا ّتقَيْتُنّ فَلَ َت ْ‬
‫طعْنَ اللّ َه وَرَسُولَهُ إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ‬
‫ل َة وَآتِينَ ال ّزكَـا َة وَأَ ِ‬
‫تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَا ِهلِيّ ِة الُولَىا وََأ ِقمْنَ الصّ َ‬
‫طهِيـرا }[الحزاب‪.]33-32 :‬‬
‫طهّ َركُمْ َت ْ‬
‫ت وَيُ َ‬
‫لِيُذْ ِهبَ عَنكُـمُ الرّجْسَ أَ ْهلَ الْبَ ْي ِ‬
‫إن كل ما جاء في الية السابقة يحدد المهام بالنسبة لنساء النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فالخطاب‬
‫الموجه يحدد المر بدقة " لستن " و " اتقيتن " ‪ ،‬و " ل تخضعن " ‪ ،‬و " قرن " ‪ ،‬و " ل تبرجن "‪.‬‬
‫الحديث في هذه الية الكريمة يتعلق بالمرأة لذلك يأتي لها بضميرها مؤنثا‪.‬‬
‫ولكن إذا جاء أمر يتعلق بالنسان بوجه عام فإن الحق يأتي بالمر شامل للرجل والمرأة ويكون‬
‫مذكرا‪ ،‬ولذلك فعندما قالت النساء لماذا يكون الرجل أحسن من المرأة‪ ،‬جاء قول الحق‪ {:‬إِنّ‬
‫ت وَالصّابِرِينَ‬
‫ن وَالصّا ِدقَا ِ‬
‫ت وَالصّا ِدقِي َ‬
‫ن وَا ْلقَانِتَا ِ‬
‫ت وَا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَا ْل ُم ْؤمِنَاتِ وَا ْلقَانِتِي َ‬
‫ن وَا ْلمُسِْلمَا ِ‬
‫ا ْلمُسِْلمِي َ‬
‫ت والصّا ِئمِينَ والصّا ِئمَاتِ وَالْحَافِظِينَ‬
‫ن وَا ْلمُ َتصَ ّدقَا ِ‬
‫شعَاتِ وَا ْلمُ َتصَ ّدقِي َ‬
‫ن وَالْخَا ِ‬
‫شعِي َ‬
‫وَالصّابِرَاتِ وَا ْلخَا ِ‬
‫عظِيما }‬
‫جهُ ْم وَا ْلحَافِـظَاتِ وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيرا وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ َلهُم ّمغْفِ َر ًة وَأَجْرا َ‬
‫فُرُو َ‬
‫[الحزاب‪.]35 :‬‬
‫هكذا حسم الحق المر‪.‬‬
‫قال سبحانه تأكيدا لذلك؛{ َومَن َي ْع َملْ مِنَ الصّالِحَاتِ مِن َذكَرٍ َأوْ أُنْثَىا وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ فَُأوْلَـا ِئكَ‬
‫يَ ْدخُلُونَ الْجَنّ َة وَلَ ُيظَْلمُونَ َنقِيرا }[النساء‪.]124 :‬‬
‫إن الذكر والنثى هنا يدخلن في وصف واحد هو } وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ { إذن فعندما يأتي المر في‬
‫المعنى العام الذي يُطلب من الرجل والمرأة فهو يُضمر المرأة في الرجل لنها مبنية على الستر‬
‫والحجاب‪ ،‬مطمورة فيه‪ .‬داخله معه‪ ..‬فإذا قال الحق سبحانه لمريم‪ } :‬وَا ْر َكعِي مَعَ الرّا ِكعِينَ‬
‫{ فالركوع ليس خاصا بالمرأة حتى يقول " مع الراكعات " ولكنه أمر عام يشمل الرجل والمرأة‪،‬‬
‫لذلك جاء المر لمريم بأن تركع مع الراكعين‪ ،‬وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬ذاِلكَ مِنْ أَنَبَآءِ ا ْلغَ ْيبِ‬
‫نُوحِيهِ ِإلَيكَ‪{ ...‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)435 /‬‬
‫ك َومَا كُ ْنتَ لَدَ ْي ِهمْ إِذْ يُ ْلقُونَ َأقْلَا َمهُمْ أَ ّيهُمْ َيكْ ُفلُ مَرْيَ َم َومَا كُ ْنتَ لَدَ ْيهِمْ إِذْ‬
‫ذَِلكَ مِنْ أَنْبَاءِ ا ْلغَ ْيبِ نُوحِيهِ إِلَ ْي َ‬
‫صمُونَ (‪)44‬‬
‫يَخْ َت ِ‬

‫وقد قلنا من قبل‪ :‬إن كلمة " نبأ " ‪ ،‬ل تأتي إلّ في الخبر العظيم‪ .‬والغيب هو ما غاب عن الحس‪.‬‬
‫وهناك " غياب عن الحس " من الممكن أن يدركه مثلك‪ .‬وهناك غياب عن الحس ل يدركه مثلك‪.‬‬
‫وقلنا من قبل‪ :‬إن حجب الغيب ثلثة‪ :‬مرة يكون الحجاب في الزمن ماضيا‪ ،‬ومرة مستقبل‪ ،‬ومرة‬
‫ثالثة يكون الحجاب في المكان‪ .‬لماذا؟ لن ظروف الحداث زمان ومكان‪ .‬فإذا أنبأني منبئ بخبر‬
‫مضى زمنه فهذا اختراق للحجاب الزمن الماضي‪ ،‬فالحدث يكون قد وقع من سنوات وصار‬
‫ماضيا‪ ,‬وإذا أخبرني به الن فهذا يعني أنه اخترق حجاب الزمن الماضي‪ ،‬وإذا قال لي عن أمر‬
‫سيحدث بعد سنتين من الن فهذا اختراق حجاب الزمن المستقبل‪ ،‬وهب أنه أخبرك بنبأ معاصر‬
‫لزمنك الن نقول‪ :‬هنا يوجد حجاب المكان‪ ،‬فعندما أكون معكم الن ل أعرف ما الحادث في‬
‫مدينة أخرى غير التي نحن بها‪ ،‬ورغم أن الزمن واحد‪.‬‬
‫لذلك فعلينا أن نعرف‪ ،‬أنه مرة يكون الحجاب زمان‪ ..‬أي قد يكون الزمن ماضيا‪ ،‬أو يكون الزمن‬
‫مستقبل‪ ،‬وقد يكون حجاب مكان‪ .‬فإذا كان ال ينبئ رسوله بهذا النبأ‪ ,‬فوسائل علم رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ثلث؛ لن وسيلة العلم بالنبأ أحد ثلثة أمور‪ :‬مشاهدة؛ أو سماع؛ أو قراءة‪.‬‬
‫والوسيلة الولى وهي مشاهدة النبأ يشترط أن يوجد في زمن هذا النبأ‪ ،‬والنبأ الذي أخبر ال به‬
‫رسوله حدث من قبل بعث الرسول بما ل يقل عن ستة قرون‪ .‬إذن فالمشاهدة كوسيلة علم بهذا‬
‫النبأ ل تصلح‪ ،‬لن النبأ قد حدث في الماضي‪ .‬قد يقول قائل‪ :‬لعل الرسول صلى ال عليه وسلم قد‬
‫قرأها‪ ،‬أو سمعها وبإقرار خصوم محمد صلى ال عليه وسلم أنه ليس بقارئ‪ ،‬فامتنعت هذه‬
‫الوسيلة أيضا‪ ،‬وبإقرار خصومة صلى ال عليه وسلم أنه لم يجلس إلى معلم فلم يستمع من معلم‪.‬‬
‫إذن فلم يكن من سبيل لمعرفة رسول ال صلى ال عليه وسلم بهذا النبأ إل بالوحي‪ ،‬لذلك قال‬
‫الحق سبحانه‪:‬‬
‫ل َمهُمْ أَ ّيهُمْ َي ْك ُفلُ مَرْ َي َم َومَا كُ ْنتَ‬
‫ك َومَا كُنتَ لَدَ ْيهِمْ ِإذْ يُ ْلقُون َأقْ َ‬
‫{ ذاِلكَ مِنْ أَنَبَآءِ ا ْلغَ ْيبِ نُوحِيهِ إِلَي َ‬
‫صمُونَ } [آل عمران‪]44 :‬‬
‫لَدَ ْيهِمْ إِذْ َيخْ َت ِ‬
‫وقلنا قديما إن الوحي‪ ،‬هو إعلم بخفاء؛ لن العلم العادي هو أن يقول إنسان لنسان خبرا ما‪،‬‬
‫أو يقرأ النسان الخبر‪ ،‬أما العلم بخفاء فاسمه " وحي "‪ .‬والوحي يقتضي " موحي " وهو ال‪" ،‬‬
‫وموحى إليه " وهو الرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬و " موحى به " وهو القرآن الكريم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإذا نظرنا إلى العلم بخفاء لوجدنا له وسائل كثيرة‪.‬‬
‫إن ال يوحي‪ .‬لكن الموحي إليه يختلف‪ .‬ال سبحانه وتعالى يوحي للرض‪ {:‬إِذَا ُزلْزَِلتِ الَ ْرضُ‬
‫ت الَ ْرضُ أَ ْثقَاَلهَا * َوقَالَ الِنسَانُ مَا َلهَا * َي ْومَئِذٍ ُتحَ ّدثُ أَخْبَا َرهَا * بِأَنّ رَ ّبكَ‬
‫ج ِ‬
‫زِلْزَاَلهَا * وَأَخْ َر َ‬
‫َأوْحَىا َلهَا }[الزلزلة‪.]5-1 :‬‬
‫إنه إعلم بخفاء‪ ،‬لن أحدا منا لم يسمع ال وهو يوحي للرض‪ ،‬والحق سبحانه يوحي للنحل‪،‬‬
‫ويوحي للملئكة‪ ،‬ويوحي للنبياء‪ ،‬وهناك وحي من غير ال‪ ،‬كوحي الشياطين‪ {.‬وَإِنّ الشّيَاطِينَ‬
‫طعْ ُتمُو ُهمْ إِ ّنكُمْ َل ُمشْ ِركُونَ }[النعام‪.]121 :‬‬
‫لَيُوحُونَ إِلَى َأوْلِيَآ ِئهِمْ لِ ُيجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ َأ َ‬
‫ضهُمْ‬
‫ع ُدوّا شَيَاطِينَ الِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ َ‬
‫وهناك وحي من البشر للبشر‪َ {:‬وكَذَِلكَ َ‬
‫إِلَىا َب ْعضٍ زُخْ ُرفَ ا ْل َقوْلِ غُرُورا وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ مَا َفعَلُوهُ فَذَ ْرهُ ْم َومَا َيفْتَرُونَ }[النعام‪.]112 :‬‬
‫لكن الوحي إذا أُطلق‪ ،‬ينصرف إلى الوحي من ال إلى من اختاره لرسالة‪ ،‬وما عدا ذلك من أنواع‬
‫الوحي يسمونه " وحيا لغويا " إنما الوحي الصطلحي وحي من ال لرسول‪ ،‬إذن فوحى ال‬
‫للرض ليس وحيا اصطلحيا‪ ،‬ووحى ال للنحل ليس وحيا اصطلحيا‪ ،‬ووحي ال لم موسى‬
‫ليس وحيا اصطلحيا‪ ،‬ووحي ال للحواريين ليس وحيا اصطلحيا‪ ،‬إن الحق سبحانه يقول‪ {:‬وَِإذْ‬
‫ش َهدْ بِأَنّنَا مُسِْلمُونَ }[المائدة‪.]111 :‬‬
‫حوَارِيّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُواْ آمَنّا وَا ْ‬
‫َأوْحَ ْيتُ إِلَى الْ َ‬
‫إن هذا لون من الوحي غير اصطلحي‪ ،‬بل هو وحي لغوي‪ ،‬أي أعلمهم بخفاء‪ .‬لكن الوحي‬
‫الحقيقي أن يُعلم ال من اختاره لرسالة‪ ،‬وهذا هو الوحي الذي جاء للرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ل َمهُمْ أَ ّيهُمْ َي ْك ُفلُ مَرْيَمَ‬
‫ك َومَا كُنتَ لَدَ ْيهِمْ إِذْ يُ ْلقُون َأقْ َ‬
‫يقول الحق‪ } :‬ذاِلكَ مِنْ أَنَبَآءِ ا ْلغَ ْيبِ نُوحِيهِ إِلَي َ‬
‫صمُونَ {‪.‬‬
‫َومَا كُ ْنتَ َلدَ ْيهِمْ إِذْ يَخْ َت ِ‬
‫هكذا يخبرنا الحق ان الرسول تلقى هذا النبأ بالوحي‪ ،‬فلم يقرأه‪ ،‬ولم يشاهده‪ ،‬ونحن نعرف أن‬
‫خصوم رسول ال شهدوا انه لم يقرأ ولم يستمع من معلم‪ .‬وهكذا يخبرنا الحق أن الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم لم يكن موجودا مع قوم مريم حين ألقوا أقلمهم‪.‬‬
‫والقلم يُطلق على القلم الذي نكتب به‪ ،‬أو يطلق القلم على القداح التي كانوا يقترعون بها إذا‬
‫اختلفوا على شيء‪ .‬وكانوا عندما يختلفون يحضرون قداحا‪ ،‬ليعفروا من يظفر بالشيء المختلف‬
‫عليه ونسميها نحن القرعة‪ ،‬والقرعة يقومون بإجرائها لخراج الهوى من قسمة شائعة بين أفراد‪،‬‬
‫وذلك حتى ل يميل الهوى إلى هذا أو إلى ذاك مفضل له على الخرين‪ ،‬ولذلك فنحن أيضا نجري‬
‫القرعة فنضع لكل واحد ورقة‪.‬‬
‫إذن فل هوى لحد في إجراء قسمة عن طريق القرعة‪ ،‬وبذلك نكون قد تركنا المسألة إلى قدر ال‬
‫لن الورقة ل هوى لها‪ ،‬ولما اختلف قوم مريم على كفالتها‪ ،‬واختصموا حول مَن الذي له الحق‬
‫في أن يكفلها‪ .‬هنا أرادوا أن يعزلوا الهوى عن هذه المسألة‪ ،‬وأرادوا أن تكون قدرية‪ ،‬ويكون‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القول فيها عن طريق قدح ل هوى له‪.‬‬
‫وهذا القدح سيجري على وفق المقادير‪ .‬أما " أقلمهم " فقد تكون هي القداح التي يقتسمون بها‬
‫القرعة‪ ،‬أو القلم التي كتبوا بها التوراة تبركا‪.‬‬
‫ل َمهُمْ " وأين تم إلقاء هذه القلم؟ قيل‪:‬‬
‫وتساؤل البعض‪ ،‬ما المقصود بقول الحق‪ " :‬إِذْ ُي ْلقُون َأقْ َ‬
‫إنها ألقيت في البحر وإذا ألقيت القلم في البحر فمن الذي يتميز في ذلك؟ قيل‪ :‬إنه إذا ما أطل‬
‫قلم بسنه إلى أعلى فصاحبه الفائز‪ ،‬أو إذا غرقت كل القلم وطفا قلم واحد يكون صاحبه هو‬
‫الفائز‪ .‬ول بد أنهم اتفقوا على علمة أو سمة ما تميز القلم الذي كان لصاحبه فضل كفالة مريم‪} .‬‬
‫صمُونَ {‪.‬‬
‫ل َمهُمْ أَ ّي ُهمْ َي ْكفُلُ مَرْيَ َم َومَا كُ ْنتَ لَدَ ْيهِمْ إِذْ َيخْ َت ِ‬
‫َومَا كُنتَ َلدَ ْيهِمْ إِذْ يُ ْلقُون َأقْ َ‬
‫صمُونَ { تدل على حرارة المنافسة بين القوم شوقا إلى كفالة مريم‪ ،‬لدرجة أن أمر‬
‫وكلمة } ِإذْ يَخْ َت ِ‬
‫كفالتها دخل في خصومة‪ ،‬وحتى تنتهي الخصومة لجئوا إلى القتراع بالقلم‪.‬‬
‫وننتقل الن إلى مرحلة أخرى‪.‬‬

‫(‪)436 /‬‬
‫سمُهُ ا ْلمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَ َم وَجِيهًا فِي الدّنْيَا‬
‫إِذْ قَاَلتِ ا ْلمَلَا ِئكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنّ اللّهَ يُ َبشّ ُركِ ِبكَِلمَةٍ مِنْهُ ا ْ‬
‫وَالْآَخِ َر ِة َومِنَ ا ْل ُمقَرّبِينَ (‪)45‬‬

‫لقد كانت المرحلة الولى بالنسبة لعداد مريم هي قوله الحق على لسانها‪ { :‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن‬
‫يَشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }‪ .‬وبذاك تعرفت على طلقة قدرة ال‪ ،‬والمرحلة الثانية هي سماعها لحكاية‬
‫زكريا ويحيى وتأكيد الحق لها أنه اصطفاها على نساء العالمين‪ ،‬وفي ذلك أمر يتعلق بالنساء‪،‬‬
‫وكان ذلك إيناسا من الحق لها‪ ،‬وتدخل مريم إلى مرحلة جديدة‪.‬‬
‫{ ِإذْ قَاَلتِ ا ْلمَل ِئكَةُ يامَرْيَمُ إِنّ اللّهَ يُ َبشّ ُركِ ِبكَِلمَةٍ مّنْهُ } [آل عمران‪.]45 :‬‬
‫والبشارة ل تكون إل بخبر عظيم مفرح‪ ،‬وقد يتساءل البعض؟ ماذا يقصد الحق بقوله‪ِ { :‬بكَِلمَةٍ مّنْهُ‬
‫}؟ والجابة هي‪ :‬أن الحق سبحانه وتعالى يزاول سلطانه في ملكه بالكلمة‪ ،‬ل بالعلج‪ ،‬فالحق‬
‫سبحانه علمنا ذلك بقوله‪ {:‬اللّهُ َيخُْلقُ مَا يَشَآءُ إِذَا َقضَىا َأمْرا فَإِ ّنمَا َيقُولُ لَهُ كُنْ فَ َيكُونُ }[آل‬
‫عمران‪.]47 :‬‬
‫وهذا القول هو مجرد إيضاح لنا وتقريب لنه ل يوجد عندنا أقصر في المر من كلمة " كن " إن‬
‫قدرته قادرة بطلقتها أن تسبق نطقنا بالكاف وهي الحرف الول من " كن " ‪ ،‬ولكن الحق يوضح‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لنا بأقصر أمر على طريقة البشر‪ ،‬إن الحق سبحانه وتعالى إذا أراد أمرا فإنه يقول له كن فيكون‪،‬‬
‫وذلك إيضاح أن مجرد الرادة اللهية لمر ما تجعله ينشأ على الفور‪ ،‬و " كن " هي مجرد إظهار‬
‫سمُهُ ا ْلمَسِيحُ‬
‫المر للخلق‪ ،‬هكذا نفهم معنى بشارة الحق لمريم بـ { ِبكَِلمَةٍ مّنْهُ } ويقول الحق‪ { :‬ا ْ‬
‫عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ }‪ .‬إنها ثلثة أسماء‪ " ،‬المسيح " ‪ " ،‬عيسى " ‪ " ،‬ابن مريم "‪.‬‬
‫ما معنى المسيح؟ قد يكون المسموح من الذنوب‪ ،‬أو أن تكون من آياته أن يمسح على المريض‬
‫فيبرأ‪ ،‬أو المسيح المبارك‪ ..‬أما عيسى‪ .‬فهذا هو السم‪ ،‬والمسيح هو اللقب‪ ،‬وابن مريم هي‬
‫الكنية‪ ..‬ونحن نعرف أن العََلمَ في اللغة العربية يأتي على ثلثة أنواع‪ :‬اسم أو لقب أو كنية‪ .‬وابن‬
‫مالك يقول‪ " :‬واسما أتى وكنية ولقبا " إن العَلَم على الشخص له ثلث حالت‪ .‬إما اسم وهو ما‬
‫ضعَته‬
‫يطلق على المسمى أول‪ .‬والسم الثاني الذي أطلقناه عليه‪ .‬إن كان يشعر برفعة صاحبه أو ب ِ‬
‫سمُهُ ا ْلمَسِيحُ‬
‫نسميه لقبا‪ .‬أما ما كان فيه أب أو أم فيقال له‪ " :‬كنية " وجاءت الثلثة في عيسى { ا ْ‬
‫عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ }‪.‬‬
‫" المسيح " هو اللقب‪ " ،‬عيسى " هو السم " و " ابن مريم " وهو الكنية‪ .‬ومجيء عيسى باللقب‬
‫والسم والكنية ستكون لها حكمة تظهر لنا من بعد ذلك‪ .‬ويقول عنه الحق‪َ { :‬وجِيها فِي الدّنْيَا‬
‫وَالخِ َرةِ }‪.‬‬
‫ونحن في حياتنا نستعمل كلمة فلن وجيه من وجهاء القوم‪ ،‬والوجيه هو الذي ل يرده مسئول‬
‫للكرامة في وجهه‪ ،‬ونحن نسمع في حياتنا اليومية‪.‬‬
‫فلن ل يصح أن نسبب له الخجل برفض أي طلب له‪ .‬وكما يقول العامة‪( :‬هو الوجه ده حد‬
‫يكسفه) إذن فالوجيه هو الذي يأخذ سمة وتميزا بحيث يستحي الناس أن يردوه إذا كان طالبا‪،‬‬
‫وهناك إنسان آخر قد يسألك أو يسأل الناس‪ ،‬فل يبالي به أحد‪ ،‬إنه يريق ماء وجهه وتنتهي‬
‫المسألة‪.‬‬
‫إذن فقوله الحق في وصف عيسى بن مريم‪َ } :‬وجِيها فِي الدّنْيَا وَالخِ َرةِ { أي أن أحدا ل يرده إن‬
‫سأله‪ .‬لكرم وجهه‪ ،‬فالنسان يخجل أن يرد صاحب مثل هذه الكرامة‪ ،‬لذلك نجد أن السائل قد‬
‫يقول‪ :‬أعطني لوجه ال‪ .‬أي أنه يقول لك‪ :‬ل تنظر إلى وجهي‪ ،‬ولكن انظر إلى وجه ال؛ لن ال‬
‫هو الذي جاء بي إلى الدنيا وخلقني‪ ،‬وما دام قد جاء بي الخالق إلى الدنيا فهو المتكفل برزقي‪،‬‬
‫فأنت حينما تعين على رزق من استدعاه ال إلى الوجود تكون قد أعطيت لوجه ال‪ ،‬إنه الخالق‬
‫الذي يرزق كل مخلوق له حتى الكافر‪.‬‬
‫إذن فعطاء النسان للسائل ليس عطاء لوجه السائل‪ ،‬ولكنه عطاء لوجه ال‪ .‬والحق يقول عن‬
‫عيسى بن مريم‪ } :‬وَجِيها فِي الدّنْيَا وَالخِ َرةِ { وعرفنا كيف يكون النسان وجيها في الدنيا‪ ،‬فلماذا‬
‫نص الحق على وجاهة عيسى في الخرة؟ وخصوصا أن كل وجوه المؤمنين ستكون ناضرة‪ ،‬لقد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نص الحق على وجاهة عيسى في الخرة لنه سوف يُسأل سؤال يتعلق بالقمة اليمانية‪ {:‬وَِإذْ قَالَ‬
‫خذُونِي وَُأ ّميَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَا َنكَ مَا َيكُونُ‬
‫اللّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ اتّ ِ‬
‫سكَ إِ ّنكَ‬
‫حقّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ َفقَدْ عَِلمْتَهُ َتعْلَمُ مَا فِي َنفْسِي َولَ أَعْلَمُ مَا فِي َنفْ ِ‬
‫لِي أَنْ َأقُولَ مَا لَ ْيسَ لِي بِ َ‬
‫أَنتَ عَلّمُ ا ْلغُيُوبِ }[المائدة‪.]116 :‬‬
‫إياك أن تظن أن هذا السؤال هو تقريع من ال لعيسى بن مريم‪ .‬ل إن الحق يريد أن يقرّع من‬
‫ت وَ َيوْمَ َأمُوتُ وَ َيوْمَ أُ ْب َعثُ حَيّا }‬
‫قالوا هذا الكلم‪ .‬ولذلك يقول عنه الحق‪ {:‬وَالسّلَمُ عََليّ َيوْ َم وُلِ ْد ّ‬
‫[مريم‪.]33 :‬‬
‫لن ميلده كان له ضجة‪ ،‬وبعض بني إسرائيل اتهموا والعياذ بال أمه مريم البتول‪ ،‬و " يوم‬
‫الممات " ‪ ،‬كلنا نعرف حكاية الصلب وكان لها ضجة‪ .‬إنه لم يصلب ولكن صلب من خانه ووشي‬
‫خذُونِي‬
‫به فألقى ال شبه عيسى عليه فقتلوه‪ .‬ويوم البعث حيا يوم يسأله ال‪ {:‬أَأَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ اتّ ِ‬
‫حقّ }[المائدة‪.]116 :‬‬
‫وَُأمّيَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَا َنكَ مَا َيكُونُ لِي أَنْ َأقُولَ مَا لَ ْيسَ لِي بِ َ‬
‫إنه عيسى ابن مريم الذي أنعم ال عليه بالسلم في هذه المواقف الثلثة‪ .‬ويتابع الحق فيصف‬
‫عيسى ابن مريم بقوله‪ } :‬وَجِيها فِي الدّنْيَا وَالخِ َر ِة َومِنَ ا ْل ُمقَرّبِينَ { إن كلمة " من المقربين " تدل‬
‫على تعالى الحق في عظمته‪ ،‬فحين يفتن بعض البشر في واحد منهم قد يغضب بعضهم من‬
‫الشخص الذي فتن الخرون فيه مع أنه ليس له ذنب في ذلك‪.‬‬
‫والحق سبحانه يعلمنا أن للمغالي جزاءه ولكن المغالَى فيه تنجيه رحمة الغفار‪.‬‬
‫إن الحق يعلمنا أن فتنة بعض الناس بعيسى ابن مريم عليه السلم ل تؤثر في مكانة عيسى عليه‬
‫السلم عند الحق‪ ،‬إنه مقرب من ال‪ ،‬ول تؤثر فتنة الخرين في مكانته عند ال‪ ،‬ويقول الحق‪} :‬‬
‫وَ ُيكَلّمُ النّاسَ فِي ا ْل َمهْدِ‪{ ...‬‬

‫(‪)437 /‬‬
‫وَ ُيكَلّمُ النّاسَ فِي ا ْل َمهْ ِد َو َكهْلًا َومِنَ الصّالِحِينَ (‪)46‬‬

‫الكلم‪ :‬معناه اللفظ الذي ينقل فكر الناطق إلى السامع‪ ،‬وقول الحق‪ { :‬وَ ُيكَلّمُ النّاسَ فِي ا ْل َم ْهدِ } ‪،‬‬
‫معناه أن المواجه لعيسى عليه السلم في المهد هم الناس و " المهد " هو ما أعد كفراش للوليد‪.‬‬
‫ولقد أورد الحق { ا ْل َمهْ ِد َو َكهْلً } رمزية لشئ‪ ،‬وهي أن عيسى ابن مريم من الغيار‪ ،‬يطرأ عليه‬
‫مرة أن يكون في المهد‪ ،‬ويطرأ عليه مرة أخرى أن يكون كهل‪ ،‬وما دام في عالم الغيار فل‬
‫يصح أن يفتتن به أحد ليقول إنه " إله " أو " ابن إله "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونفهم أيضا من { وَ ُيكَلّمُ النّاسَ فِي ا ْل َمهْدِ } سر وجود آية المعجزة التي وهبها له ال وهو طفل في‬
‫المهد‪ .‬لن المسألة تعلقت بعِرض أمه وكرامتها وعفتها‪ ،‬فكان من الواجب أن تأتي آية لتمحو‬
‫عجبا من الناس حين يرونها تلد بدون أب لهذا الوليد أو زواج لها‪ .‬وهذه المسألة لم نجد لها‬
‫وجودا‪ .‬مع أنها مسألة كان يجب أن تقال لنهم يمجدون نبيهم‪ ،‬وكان من الواجب أل يغفلوا عن‬
‫هذه العجيبة‪ ،‬إن كلم طفل في المهد لما كان أمرا عجيبا كان ل بد أنّه سيكون محل حفظ وتداول‬
‫بين الناس‪ ،‬ولن يكتفي الناس برواية واقعة كلمه في المهد فقط‪ ،‬بل سيحفظون ما قاله‪ ،‬ويرددون‬
‫قوله‪.‬‬
‫والكلمة التي قالها عيسى عليه السلم في المهد ل تسعف من يصف عيسى عليه السلم بوصف‬
‫يناقض بشريته؛ لن الكلمة التي نطق بها أول ما نطق‪ :‬إني عبد ال‪ ،‬فأخفوا هم هذه المسألة كلها‬
‫لن هذه الكلمة تنقض القضية التي يريدون أن يضعوا فيها عيسى عليه السلم‪ ،‬إن الحق يقول‪:‬‬
‫{ وَ ُيكَلّمُ النّاسَ فِي ا ْل َمهْ ِد َو َكهْلً }‪.‬‬
‫ونعرف أن الكلم في المهد أي وهو طفل و " كهل " أي بعد الثلثين من العمر‪ ,‬أي في العقد‬
‫الرابع‪ .‬والبعض قد قال‪ :‬إن الكهولة‪ ..‬بعد الربعين من العمر‪ .‬وهو قد حدثت له في روايتهم‬
‫حكاية الصلب قبل أن يكون كهل‪ ،‬فإذا كان قد تكلم في المهد فيبقى أن يتكلم وهو كهل‪ ،‬وقالوا إن‬
‫حادثة الصلب أو عدم الصلب‪ ،‬أو الختفاء عن حس البشر قد حدثت قبل أن يكون كهل‪ ،‬إذن فل‬
‫بد أن يأتي وقت يتكلم فيه عيسى بن مريم عندما يصير كهل‪ ،‬وأيضا قوله الحق‪ { :‬وَ ُيكَلّمُ النّاسَ‬
‫فِي ا ْل َمهْ ِد َو َكهْلً } أي انه تكلم في المهد طفلً ويتكلم كهل أي ناضج التكوين‪ ،‬وبذلك نعرف أن‬
‫عيسى بن مريم فيه أغيار وفيه أحوال‪ ،‬فإذا كنتم تقولون إنه إله فهل اللوهية في المهد هي‬
‫اللوهية في الكهولة؟‬
‫إن كانت اللوهية في المهد فقط فهي ناقصة لنه لم يستمر في المهد‪ ،‬وحدثت له أغيار‪ ،‬وما دام‬
‫قد حدثت له أغيار فهو محدث‪ ،‬وما دام محدثا فل يكون إلها‪ ،‬وبعد ذلك يقول الحق عن عيسى ابن‬
‫مريم‪َ { :‬ومِنَ الصّاِلحِينَ } ما حكايتها؟‬
‫إن العجيبة التي قال عنها ال‪ :‬إنه يكلم الناس في المهد لم تكن باختياره‪ ،‬وكلمه وهو كهل سيكون‬
‫ن } مقصود بها عمله‪ ،‬أي الحركة‬
‫بالوحي‪ ،‬أي ليس له اختيار فيه أيضا‪َ { ،‬ومِنَ الصّاِلحِي َ‬
‫السلوكية‪.‬‬
‫لماذا؟ لنه ل يكفي أن يكون مبلغا‪ ،‬ول يكفي أن يكون حامل آية‪ ،‬بل ل بد أن يؤدي السلوك‬
‫اليماني‪.‬‬
‫ويقول الحق على لسان مريم البتول‪ } :‬قَاَلتْ َربّ أَنّىا َيكُونُ لِي وَلَ ٌد وَلَمْ َيمْسَسْنِي بَشَرٌ‪{ ...‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)438 /‬‬
‫خلُقُ مَا َيشَاءُ ِإذَا َقضَى َأمْرًا فَإِ ّنمَا‬
‫قَاَلتْ َربّ أَنّى َيكُونُ لِي وَلَ ٌد وَلَمْ َي ْمسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَِلكِ اللّهُ يَ ْ‬
‫َيقُولُ لَهُ كُنْ فَ َيكُونُ (‪)47‬‬

‫ونريد أن نقف وقفة ذهنية تدبرية عند قولها‪ { :‬قَاَلتْ َربّ أَنّىا َيكُونُ لِي وَلَ ٌد وََلمْ َيمْسَسْنِي بَشَرٌ }‬
‫فلو أنها سكتت عند قولها‪ { :‬أَنّىا َيكُونُ لِي وَلَدٌ } لكان أمرا معقول في تساؤلها‪ ،‬ولكن إضافتها‬
‫{ وَلَمْ َيمْسَسْنِي بَشَرٌ } تثير سؤال‪ ،‬من أين أتت بهذا القول { وَلَمْ َيمْسَسْنِي بَشَرٌ }؟ هل قال لها أحد‪:‬‬
‫إنك ستلدين ولدا من غير أب؟ إن الملئكة لم تخبرها بذلك‪ ،‬لذلك انصرف ذهنها إلى مسألة المس‪.‬‬
‫إنها فطرة وفطنة المهيأة والمعدة للتلقي عن ال‪ ،‬عندما قال لها‪ " :‬المسيح عيسى ابن مريم "‪.‬‬
‫قالت لنفسها‪ :‬إن نسبته بأمر ال هي لي‪ ،‬فل أب له‪ ،‬لقد قال الحق‪ :‬إنه " ابن مريم " ولذلك جاء‬
‫سسْنِي َبشَرٌ } ذلك أنه ل يمكن أن ينسب الطفل للم مع وجود الب‪ .‬هكذا نرى‬
‫قولها‪ { :‬وَلَمْ َيمْ َ‬
‫فطنة التلقي عن ال في مريم البتول‪ .‬لقد مر بها خوف عندما عرفت أن عيسى منسوب إليها‬
‫وقالت لنفسها‪ ،‬إن الحمل بعيسى لن يكون بوساطة أب‪ ،‬وكيف يكون الحمل دون أن يمسسني‬
‫بشر‪ .‬وقال الخالق الكرم‪ { :‬كَذَِلكَ } أي لن يمسك بشر‪ ،‬ولم يقل لها‪ :‬لقد نسبناه لك لنك منذورة‬
‫لخدمة البيت‪ ،‬ولكن الحق قال‪َ { :‬كذَِلكَ } تأكيدا لما فهمته عن إنجاب عيسى دون أن يمسسها بشر‪.‬‬
‫وتتجلى طلقة القدرة في قوله سبحانه‪ { :‬اللّهُ َيخْلُقُ مَا َيشَآءُ }‪.‬‬
‫إنها طلقة القدرة‪ ،‬وطلقة القدرة في النسال أو النجاب أو في عدم التكثير بالنسبة للنسان‪,‬‬
‫وطلقة القدرة ل تتوقف على إيجاد ذكورة وأنوثة‪ ،‬ولو كانت طلقة القدرة في الخلق ل تتوقف‬
‫على إيجاد ذكورة وأنوثة‪ ،‬إنه الحق العلى القادر على أن يخلق دون ذكورة أو أنوثة‪ ،‬كخلقه لدم‬
‫عليه السلم‪ ،‬ويخلق الحق سبحانه بواحد منهما‪ ،‬كخلقه سبحانه لحواء وخلق عيسى عليه السلم‪،‬‬
‫ويخلق الخالق العلى الذكورة والنوثة يمكن أن يُحقق الخلق‪ ،‬فقد توجد الذكورة والنوثة ول‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ يَخُْلقُ مَا يَشَآءُ َي َهبُ ِلمَن َيشَآءُ‬
‫يوجد إنجاب‪ ،‬ها هو ذا القول الحق‪ {:‬لِلّهِ مُ ْلكُ ال ّ‬
‫عقِيما إِنّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }‬
‫ج َعلُ مَن َيشَآءُ َ‬
‫جهُمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا وَيَ ْ‬
‫إِنَاثا وَ َي َهبُ ِلمَن َيشَآءُ ال ّذكُورَ * َأوْ يُ َزوّ ُ‬
‫[الشورى‪.]50-49 :‬‬
‫هذه هي إرادة الحق‪ ،‬إذن فل تقل‪ :‬إن اكتمال عنصري الذكورة والنوثة هو الذي يحدث الخلق‪،‬‬
‫لن الخلق يحدث بإرادة الحق‪َ { ,‬كذَِلكَ اللّهُ َيخُْلقُ مَا يَشَآءُ إِذَا َقضَىا َأمْرا فَإِ ّنمَا َيقُولُ لَهُ كُنْ فَ َيكُونُ‬
‫}‪ .‬فأنتم أيها المحدثون تفعلون بالسباب‪ .‬لكن الذي خلقكم وخلق السباب لكم هو الذي بيده أن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يوجد بل أسباب‪ ،‬لنه أنشأ العالم أول ما أنشأ بدون أسباب‪.‬‬
‫ح ْكمَةَ‪} ...‬‬
‫ب وَالْ ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه عن عيسى عليه السلم‪ { :‬وَ ُيعَّلمُهُ ا ْلكِتَا َ‬

‫(‪)439 /‬‬
‫ح ْكمَ َة وَال ّتوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (‪)48‬‬
‫وَ ُيعَّلمُهُ ا ْلكِتَابَ وَا ْل ِ‬

‫وساعة نسمع { وَ ُيعَّلمُهُ ا ْلكِتَابَ } فنحن نفهم أن المقصود بها الكتاب المنزل‪ ،‬ولكن ما دام الحق قد‬
‫أتبع ذلك بقوله‪ { :‬ال ّتوْرَا َة وَالِنْجِيلَ } فل بد لنا أن نسأل‪ .‬إذن ما المقصود بالكتاب؟ هل كان‬
‫المقصود بذلك الكتاب الكتب المتقدمة‪ ،‬كالزبور‪ ،‬والصحف الولى‪ ،‬كصحف إبراهيم عليه السلم؟‬
‫إن ذلك قد يكون صحيحا‪ ،‬ومعنى { وَ ُيعَّلمُهُ ا ْلكِتَاب } أن الحق قد علمه ما نزل قبله من زبور‬
‫داود‪ ،‬ومن صحف إبراهيم‪ ،‬وبعد ذلك توراة موسى الذي جاء عيسى مكمل لها‪.‬‬
‫وبعض العلماء قد قال‪ :‬أُثِرَ عن عيسى عليه السلم أن تسعة أعشار جمال الخط كان في يده‪.‬‬
‫وبذلك يمكن أن نفهم { وَ ُيعَّلمُهُ ا ْلكِتَابَ } أي القدرة على الكتابة‪ .‬وما المقصود بقوله‪ :‬إن عيسى‬
‫ح ْكمَ َة وَال ّتوْرَاةَ‬
‫عليه السلم تلقى عن ال بالضافة إلى { وَ ُيعَّلمُهُ ا ْلكِتَابَ } أنه تعلم أيضا { ا ْل ِ‬
‫وَالِنْجِيلَ } وكلمة الحكمة عادة تأتي بعد كتاب منزل‪ ،‬مثال ذلك قوله الحق‪ {:‬وَا ْذكُـرْنَ مَا يُتْـلَىا‬
‫حكْـمَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ َلطِيفا خَبِيرا }[الحزاب‪.]34 :‬‬
‫فِي بُيُو ِتكُـنّ مِنْ آيَاتِ اللّ ِه وَالْ ِ‬
‫كتاب ال المقصود هنا هو القرآن الكريم‪ ،‬والحكمة هي كلم الرسول عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫فالرسول له كلم يتلقاه ويبلغه‪ ،‬ويعطيه الحق أيضا أن يقول الحكمة‪ ،‬أما التوراة التي علمها ال‬
‫لعيسى عليه السلم فقد علمها له ال‪ ،‬لننا كما نعلم أن مهمة عيسى عليه السلم جاءت لتكمل‬
‫التوراة‪ ،‬ويكمل ما أنقصه اليهود من التوراة‪ ،‬فالتوراة أصل من أصول التشريع لعصره والمجتمع‬
‫المبعوث إليه فهو بالنص القرآني‪ { :‬وَرَسُولً إِلَىا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنّي قَدْ جِئْ ُتكُمْ بِآيَةٍ مّن رّ ّبكُمْ‪} ...‬‬

‫(‪)440 /‬‬
‫وَرَسُولًا إِلَى بَنِي ِإسْرَائِيلَ أَنّي َقدْ جِئْ ُت ُكمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَ ّب ُكمْ أَنّي أَخُْلقُ َلكُمْ مِنَ الطّينِ َكهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَ ْنفُخُ‬
‫فِيهِ فَ َيكُونُ طَيْرًا بِِإذْنِ اللّ ِه وَأُبْ ِرئُ الَْأ ْكمَ َه وَالْأَبْ َرصَ وَأُحْيِي ا ْل َموْتَى بِإِذْنِ اللّ ِه وَأُنَبّ ُئكُمْ ِبمَا تَ ْأكُلُونَ َومَا‬
‫تَدّخِرُونَ فِي بُيُو ِتكُمْ إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَيَةً َل ُكمْ إِنْ كُنْتُمْ ُم ْؤمِنِينَ (‪)49‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن كلمة رسول تحتاج إلى علمة‪ ،‬فليس لي أحد أن يقول‪ " :‬أنا رسول من عند ال " بل ل بد أن‬
‫يقدم بين يدي دعواه معجزة تثبت أنه رسول من ال‪ .‬والية كما نعرف هي المر العجيب الذي‬
‫خرج عن القوانين والنواميس لتثبت صدق الرسول في البلغ‪ ،‬وما دامت المعجزة خارجة عن‬
‫نواميس البشر‪ ،‬فالمخالف نقول له‪ :‬أنت حين تكذب أن حامل المعجزة رسول‪ ،‬فكيف تعلل أنه جاء‬
‫بمعجزة خرجت عن الناموس؟ إذن فالمعجزة تلزم المنكر الذي يتحدى وتفحمه‪ ،‬لنه ل يستطيع أن‬
‫يأتي بمثلها‪ ،‬ولذلك قلنا‪ :‬إن من لزوم التحدي أل يتحدى ال حين يعطي رسول معجزة إل بشيء‬
‫نبغ فيه القوم المبعوث إليهم ذلك الرسول؛ لن الحق لو جاء لهم بشيء لم يدرسوه ولم يعرفوه‪،‬‬
‫فالرد منهم يكون للرسول بقولهم‪ :‬إن هذا أمر لم نروّض أنفسنا ولم ندربها عليه‪ ،‬ولو روّضنا‬
‫أنفسنا عليه ل ستطعنا أن نفعل مثله‪ ،‬وأنت قد جئت لنا بشيء لم نعود أنفسنا عليه‪ ،‬لذلك يرسل‬
‫الحق الرسول ‪ -‬أي رسول ‪ -‬بمعجزة من جنس ما ينبغ فيه القوم المرسل إليهم‪ ..‬مثال ذلك‪،‬‬
‫موسى عليه السلم‪ ،‬أرسله ال إلى قوم كانوا نابغين في السحر‪ ،‬فكانت معجزته تقرب من السحر‪.‬‬
‫وإياك أن تقول إن معجزة موسى كانت سحرا؛ لن موسى عليه السلم لم ينزل بسحر ولكن‬
‫بمعجزة‪ .‬كانوا هم يخيلون للناس أشياء ليست واقعا لذلك تجد القرآن يعطيك الفارق بين ما يكون‬
‫عليه ما يأتي به ال على يد رسول من الرسل من معجزة وسحر القوم‪ ،‬فيقول القرآن‪َ {:‬ومَا تِ ْلكَ‬
‫عصَايَ أَ َت َوكّأُ عَلَ ْيهَا وَأَهُشّ ِبهَا عَلَىا غَ َنمِي وَِليَ فِيهَا مَآ ِربُ ُأخْرَىا *‬
‫بِ َيمِي ِنكَ يامُوسَىا * قَالَ ِهيَ َ‬
‫سعَىا }[طه‪.]20-17 :‬‬
‫قَالَ أَ ْلقِهَا يامُوسَىا * فَأَ ْلقَاهَا فَإِذَا ِهيَ حَيّةٌ تَ ْ‬
‫كأن الحق يقول لموسى عليه السلم‪ :‬إن حدود علمك بما في يدك أنها عصا تتوكأ عليها وتهش‬
‫بها على غنمك‪ ،‬أما علمي أنا فهو علم آخر‪ .‬لذلك يأمره أن يلقى العصا‪ ،‬فلما ألقاها وجدها حية‬
‫تسعى‪ ،‬فأوجس في نفسه خيفة‪ ..‬إن " أوجس في نفسه خيفة " هي التي فرقت بين سحر القوم‬
‫ومعجزة موسى عليه السلم "‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الساحر يلقى العصا فيراها الناس حية وهو يراها عصا لنّ الساحر لو رآها حية لخاف‬
‫مثل الناس‪ ،‬لقد خاف موسى عليه السلم لنها تغيرت وصارت حية فعل‪ ،‬ولذلك قال له ال‪ {:‬قَالَ‬
‫خفْ سَ ُنعِي ُدهَا سِيَر َتهَا الُولَىا }[طه‪.]21 :‬‬
‫خذْهَا َولَ َت َ‬
‫ُ‬
‫فلو كانت من جنس السحر لما أوجس في نفسه خيفة لنه سوف يراها عصا وإن رآها غيره حية‪،‬‬
‫وهذا هو الفارق‪.‬‬
‫وقوم عيسى أيضا كانوا مشهورين بالحكمة والطب‪ ،‬إذن فستجيء اليات من جنس الحكمة‬
‫والطب‪ ،‬ثم تتسامى المعجزة‪ ،‬لن الذي يطبب جسما ويداويه ل يستطيع أن يعيد الميت إلى الحياة‪،‬‬
‫لن النسان إذا ما مات فقد خرج الميت عن دائرة علج الطبيب‪ .‬ولذلك رقّى ال آية عيسى‪ ،‬إنه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يشفي المرضى‪،‬ويحيى الموتى أيضا‪ ،‬وهذا ترق في العجاز‪ .‬قال عيسى‪ } :‬أَنّي قَدْ جِئْ ُتكُمْ بِآيَةٍ مّن‬
‫رّ ّبكُمْ أَنِي َأخْلُقُ َل ُكمْ مّنَ الطّينِ َكهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَ َيكُونُ طَيْرا بِإِذْنِ اللّهِ {‪ .‬إن كلمة " أخلق "‬
‫تحتاج إلى وقفة وكذلك " الطين " و " الهيئة " و " الطير "‪.‬‬
‫" أخلق " مأخوذة من الخلق‪ ،‬والخلق هو إيجاد شيء على تقدير‪ ،‬فأنت تتخيله وتقدره في ذهنك‬
‫أول ثم تأتي به على هذه الحالة‪ .‬فإن كان قد أتى على غير تقديرك فليس خلقا‪ ،‬إنما هو شيء‬
‫جزافى جاء على غير علم وتقدير‪ ،‬وإنّ من يأخذ قطعة من الطين ويصنع منها أي شيء فهذا ليس‬
‫خلقا‪ .‬إن الخلق هو المطلوب على تقدير‪ .‬مثال ذلك الكوب أو الكأس البلور الذي نشرب فيه حينما‬
‫صنعه الصانع‪ .‬هل كانت هناك شجرة تخرج أكوابا‪ ،‬أم أن الصانع أخذ الرمال وصهرها ووضع‬
‫عليها مواد كيماوية تخليها من الشوائب‪ ،‬ثم قام بتشكيلها على هيئة الكوب؟‬
‫إذن فالكوب لم تكن موجودة‪ ،‬ووجدت على تقدير أن تكون شكل الكوب‪ ،‬فهي خلق أُوجد على‬
‫تقدير‪ .‬فماذا عن خلق ال؟ إنه يخلق على تقدير‪ ،‬وفرق بين صنعة البشر حين يخلق‪ ،‬وبين صنعة‬
‫ال حين يخلق‪ .‬إن صنعة البشر حين تخلق‪ ،‬إنما تخلق من موجود‪ ،‬وحين يخلق ال فهو يخلق من‬
‫معدوم‪ ،‬وهذا هو أول فرق‪ ،‬إنه سبحانه يخلق من عدم‪ ،‬أما النسان فيضع الشياء بنظام يحدث‬
‫فيها تفاعلت أرادها ال فتوجد‪ ،‬فل يوجد من يستطيع ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬من يصنع كوبا من‬
‫غير المادة التي خلقها ال‪.‬‬
‫إن هذا أول فرق بين خلق ال‪ ،‬وخلق النسان‪ ،‬فخلق ال يكون من عدم‪ ،‬وخلق النسان من‬
‫موجود‪ ،‬وإن كان الثنان على تقدير‪ .‬وأيضا يعطي ال لخلقه سرا ل يستطيع البشر إعطاءه‬
‫لصنعته‪ ،‬فال يعطيه سر الحياة‪ ,‬والحياة فيها نمو‪ ،‬وفيها تكاثر‪ ،‬لكن البشر يصنعون الكوب مثل‪،‬‬
‫فتظل كوبا‪ ،‬ول يوجد تكاثر بين كوب ذكر وكوب أنثى‪.‬‬
‫إن النسان يوجد صنعته فتظل على حالتها‪ ،‬ول يستطيع أن يصنعها صغيرة ثم تكبر‪ ،‬لكن صنعة‬
‫ال هي صنعة القادر الذي يهب الحياة‪ ،‬فتكبر مخلوقاته وتتطور وتمر بمراحل‪ ،‬وتعطي مثلها‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالخلق إيجاد على تقدير‪ ،‬هذا اليجاد يوجد معدوما‪ ،‬والمعدوم موجودة مادته‪ ،‬هذا في خلق‬
‫النسان‪ ،‬أما في خلق ال‪ ،‬فال يخلق من معدوم ل توجد له مادة‪.‬‬
‫وال يخلق من الشيء ذكرا وأنثى ويعطيهما القدرة على التناسل‪ ،‬فها هو ذا قول الحق سبحانه‪{:‬‬
‫طفَةَ عََلقَةً‬
‫طفَةً فِي قَرَارٍ ّمكِينٍ * ثُمّ خََلقْنَا النّ ْ‬
‫جعَلْنَاهُ نُ ْ‬
‫وَلَقَدْ خََلقْنَا الِنْسَانَ مِن سُلََلةٍ مّن طِينٍ * ثُمّ َ‬
‫سوْنَا ا ْلعِظَامَ لَحْما ُثمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقا آخَرَ فَتَبَا َركَ اللّهُ‬
‫عظَاما َفكَ َ‬
‫ضغَةَ ِ‬
‫ضغَةً فَخََلقْنَا ا ْل ُم ْ‬
‫فَخََلقْنَا ا ْلعََلقَةَ ُم ْ‬
‫حسَنُ الْخَاِلقِينَ }[المؤمنون‪.]14-12 :‬‬
‫أَ ْ‬
‫ولم يمنع الحق خَ ْلقَه أن يخلقوا أشياء‪ ،‬ولكن خلق ال أحسن‪ ،‬لماذا؟ لنه يخلق من عدم‪ ،‬والبشر‬
‫يخلقون من موجود‪ .‬وهو الحق يخلق ويوجد في مخلوقاته حياة وتكاثرا‪ ،‬والبشر يخلقون بل نمو‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ول حياة‪ ،‬إنه الحق أحسن الخالقين‪ ،‬إذن قول عيسى عليه السلم‪َ } :‬أخْلُقُ َلكُمْ مّنَ الطّينِ َكهَيْئَةِ "‬
‫الطّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَ َيكُونُ طَيْرا بِإِذْنِ اللّهِ {‪.‬‬
‫يعني أن كل إنسان يستطيع أن يصنع تمثال كهيئة الطير‪ .‬لكن ال أوجد معجزة عيسى وجعله‬
‫يخلق من الطين كهيئة الطير‪ ،‬وينفخ فيه‪ ،‬وقد تسأل‪ ،‬في ماذا ينفخ؟ أينفخ في الطير‪ ،‬أم في الطين‪،‬‬
‫أم في الهيئة؟ إن قلنا‪ :‬أن النفخ في الطين بعد ما صار طيرا‪ .‬يكون النفخ في الطين‪ ،‬كالنفخ في‬
‫الطير‪ ،‬وجاءت في آية أخرى أنها نفخ في الهيئة‪ِ {.‬إذْ قَالَ اللّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ا ْذكُرْ ِن ْعمَتِي‬
‫ح ْكمَةَ‬
‫ب وَالْ ِ‬
‫ل وَإِذْ عَّلمْ ُتكَ ا ْلكِتَا َ‬
‫ك وَعَلَىا وَالِدَ ِتكَ إِذْ أَيّد ّتكَ بِرُوحِ ا ْلقُدُسِ ُتكَلّمُ النّاسَ فِي ا ْل َمهْ ِد َو َكهْ ً‬
‫عَلَ ْي َ‬
‫ل وَإِذْ َتخْلُقُ مِنَ الطّينِ َكهَيْئَةِ الطّيْرِ بِِإذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَ َتكُونُ طَيْرا بِِإذْنِي }[المائدة‪:‬‬
‫وَال ّتوْرَاةَ وَالِنْجِي َ‬
‫‪.]110‬‬
‫إن " النفخ فيه " ‪ ،‬تكون للطين أو الطير‪ .‬و " النفخ فيها " تكون للهيئة‪ ،‬وهناك آية بالنسبة للسيدة‬
‫جهَا فَ َنفَخْنَا فِيهِ مِن رّوحِنَا وَصَ ّد َقتْ ِبكَِلمَاتِ‬
‫حصَ َنتْ فَ ْر َ‬
‫عمْرَانَ الّتِي َأ ْ‬
‫مريم البتول‪َ {:‬ومَرْيَمَ ابْ َنتَ ِ‬
‫رَ ّبهَا َوكُتُبِ ِه َوكَانَتْ مِنَ ا ْلقَانِتِينَ }[التحريم‪.]12 :‬‬
‫جهَا فَ َنفَخْنَا‬
‫حصَ َنتْ فَرْ َ‬
‫إن النفخ هنا في الفرج‪ ،‬وآية أخرى بالنسبة للسيدة مريم البتول‪ {:‬وَالّتِي أَ ْ‬
‫جعَلْنَاهَا وَابْ َنهَآ آيَةً لّ ْلعَاَلمِينَ }[النبياء‪.]91 :‬‬
‫فِيهَا مِن رّوحِنَا وَ َ‬
‫مرة يقول‪ " :‬نفخنا فيه " أي في الفرج‪ ،‬ومرة يقول‪ " :‬نفخنا فيها " أي فيها هي‪ ،‬والقولن‬
‫متساويان‪ ،‬وهنا في هذه الية‪ ،‬نجد أن العجاز ليس في أن عيسى صنع من الطين كهيئة الطير‪،‬‬
‫لن أي إنسان يستطيع أن يفعل ذلك‪ ،‬فكأنه حينما قال‪ } :‬أَنِي َأخْلُقُ َل ُكمْ مّنَ الطّينِ َكهَيْئَةِ الطّيْرِ‬
‫فَأَنفُخُ فِيهِ فَ َيكُونُ طَيْرا بِإِذْنِ اللّهِ {‪.‬‬
‫كأنه صار طيرا من النفخة‪ ،‬أما عن أمر صناعة طير من الطين فأي إنسان يمكن أن يفعلها‪ ،‬لكن‬
‫عيسى عليه السلم يفعل ذلك بإذن ال‪ ،‬ول بد أن يجيء المر مختلفا‪ ،‬و " بإذن ال " هنا تضم‬
‫صناعة الطير‪ ،‬والنفخ فيه‪.‬‬
‫إن عيسى لم يكن ليجترئ ويصنع ذلك كله إل بإذن ال‪ ،‬وجاءت كلمة " بإذن ال " من عيسى‬
‫وعلى لسانه كاعتراف منه بأن ذلك ليس من صناعته‪ ،‬وكأنه يقول لقومه‪ :‬إن كنتم فتنتم بهذه‪.‬‬
‫فكان يجب أن تفتنوا بإبراهيم من باب أولى‪ ،‬حينما قطّع الطير وجعل على كل جبل جزءا منهن‬
‫ثم دعاهن‪ {.‬وَِإذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ َربّ أَرِنِي كَ ْيفَ تُحْيِـي ا ْل َموْتَىا قَالَ َأوََلمْ ُت ْؤمِن قَالَ بَلَىا وَلَـكِن‬
‫ج َعلْ عَلَىا ُكلّ جَ َبلٍ مّ ْنهُنّ جُزْءًا ُثمّ‬
‫خذْ أَرْ َبعَةً مّنَ الطّيْرِ َفصُرْهُنّ إِلَ ْيكَ ُثمّ ا ْ‬
‫طمَئِنّ قَلْبِي قَالَ فَ ُ‬
‫لّيَ ْ‬
‫حكِيمٌ }[البقرة‪.]260 :‬‬
‫سعْيا وَاعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ َ‬
‫عهُنّ يَأْتِي َنكَ َ‬
‫ادْ ُ‬
‫إذن كان من الولى الفتنة بما أعطاه ال إبراهيم عليه السلم من معجزة‪ ،‬فإن كانت الفتنة من‬
‫ناحية الحياء لكان ما صنعه إبراهيم عليه السلم أولى بها‪ ،‬وإن كانت الفتنة من ناحية أنه جاء‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى الدنيا بدون أب لكانت الفتنة أكثر في خلق آدم‪ ،‬لن ال خلقه بل أب أو أم‪ .‬إذن فالفتنة ل‬
‫أصل لها‪ ,‬ول منطق يبررها‪ ..‬ويتابع الحق سبحانه على لسان عيسى ابن مريم عليه السلم }‬
‫حيِ ا ْل َموْتَىا بِإِذْنِ اللّهِ {‪.‬‬
‫ص وَأُ ْ‬
‫ل ْكمَهَ والَبْ َر َ‬
‫وَأُبْرِى ُء ا َ‬
‫لماذا تعرض عيسى ابن مريم لهذين المرضين؟ لنها كانت المراض المستعصية في ذلك‬
‫العصر‪ ،‬والكمه هو الذي ولد أعمى‪ ,‬أي لم يحدث له العمى من بعد ميلده‪ .‬والبرص‪ ،‬هو‬
‫ابيضاض بقعة في الجلد وإن كان صاحبها آدم أو أسود‪ .‬وبعد ذلك تنتشر بقع متناثرة في كافة‬
‫الجسم بلون أبيض‪ ،‬مما يدل على أن لون الجلد له كيماويات في الجسم تغذى هذا اللون‪ ،‬فإن‬
‫مُنعت الكيماويات في الجسم صار أبرص‪.‬‬
‫وتبين صدق هذا في أن العلم المعاصر قد عرف أن الملونات للجلد هي غدد خاصة توجد في‬
‫الجسم‪ ،‬واسمها الغدد الملونة‪ ،‬فإن امتنعت الغدد الملونة من إعطاء اللوان‪ ،‬جاء البرص والعياذ‬
‫بال‪ .‬وهو مرض صعب‪ ،‬لم يكن باستطاعتهم أن يداووه‪ ،‬فعندما جاء عيسى ابن مريم أعطاه ال‬
‫الية من جنس ما نبغوا فيه وهو الطب‪ .‬وجاء لهم بآية هي إبراء ما كانوا عاجزين عنه‪.‬‬
‫وبعض القوم الذين يحاولون أن يقربوا بين المعجزة وعقول الناس‪ .‬يقولون‪ :‬إن هذه المعجزة إنما‬
‫هي سبق زمني‪ ،‬بمعنى أنه من الممكن أن يتوصل النسان إلى أن يكتشف علجا لهذه المراض‪،‬‬
‫لكن لهؤلء نقول‪ :‬ل‪ ،‬إن المعجزة تظل معجزة إلى أن تقوم الساعة‪ .‬كيف؟‬
‫لنأخذ مثال من طب العيون‪ ،‬وعندما قالوا إن هناك علجا للعمى‪ " .‬سنقوم بتركيب قرنية " أو أن‬
‫نأخذ مثال من طب الجلد لو قالوا‪ " :‬سنداوي البرص " واكتشفوا ألوانا مختلفة من العلج تحاول‬
‫أن تجعل الجلد على لون واحد‪ ،‬لكنه ل يستعيد لونه الصلي‪ .‬ولذلك قال البعض‪ " :‬إن معجزة‬
‫عيسى كانت مجرد سبق زمني "‪ .‬لهؤلء نقول‪ :‬ل‪ ،‬لنأخذ كل أمر بأدواته‪.‬‬
‫إن عيسى ابن مريم عليه السلم كان يبرئ بالكلمة والدعوة ومهما تقدم العلم فلن يستطيع العلم أن‬
‫يبرئ المرض بالكلمة والدعوة‪ ،‬إنما سيأخذون أشياء ويقومون بتحليل تلك الشياء‪ ،‬وخلط‬
‫الكيماويات وإجراء الجراحات‪ ،‬لذلك تظل المعجزة التي جاء بها عيسى ابن مريم عليه السلم‬
‫معجزة؛ لنه كان يبرئ بالكلمة والدعوة‪.‬‬
‫حيِ ا ْل َموْتَىا بِإِذْنِ اللّ ِه وَأُنَبّ ُئكُمْ ِبمَا تَ ْأكُلُونَ {‪.‬‬
‫ويضيف الحق على لسان عيسى ابن مريم‪ } :‬وَأُ ْ‬
‫ومسألة إحياء الموتى لم يأخذها عيسى هكذا على إطلقها فيحيي كل ميت‪ ،‬إنما قام بها وفي‬
‫وحدات تثبت صدق الية ول تعمم مدلول المعجزة كسام بن نوح مثل‪ ،‬و " عازر " إنها أشياء‬
‫لمجرد إثبات المعجزة‪ ،‬ولكنها ليست مطلقة‪ ،‬ذلك أنه نبي ورسول من ال فل يمكن أن يصادم قدر‬
‫ال في الجال‪ .‬ولذلك قالوا إنه عندما أحيا سام بن نوح‪ ،‬أحياه حتى نطق بكلمة‪ ،‬ثم عاد سام إلى‬
‫الموت من بعد ذلك ويضيف الحق على لسان عيسى ابن مريم عليه السلم‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن َومَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُو ِتكُمْ { [آل عمران‪.]49 :‬‬
‫} وَأُنَبّ ُئكُمْ ِبمَا تَ ْأكُلُو َ‬
‫لماذا؟ لن كل إنسان يعلم جزئية من أحداثه الحياتية الخاصة‪ ،‬يكون هذا العلم خاصا به‪ ،‬وكل‬
‫إنسان ‪-‬مثل ‪ -‬يأكل طعامه بألوان مختلفة يعرفها هو‪ ،‬ول يعرفها الخرون‪ .‬إن المر الول‬
‫كخلق الطير‪ ،‬وإبراء الكمه والبرص وإحياء الموتى‪ ،‬هي أمور عامة للكل‪ .‬أما النباء بألوان‬
‫الطعام التي يأكلها كل إنسان فهي خاصية أحداث‪ ،‬لن كل واحد يأكل أكل معينا فيقول له عيسى‬
‫ابن مريم ماذا أكل‪ .‬وليس من المعقول أن يكون عيسى ابن مريم قد دخل كل بيت أو جاءت له‬
‫أخبار عن كل بيت‪.‬‬
‫وكذلك أمر الدخار‪ .‬وذلك حتى تنتفي شبهة أنه كان يشم رائحة النسان فيعرف لون الطعام الذي‬
‫يأكله‪ ،‬لذلك كان الخبار بما يدخر كل واحد في بيته‪ ،‬فهذه مسألة توضح بالجلء التام أنها آية من‬
‫إخبار من يعلم مغيبات المور‪.‬‬
‫ك ليَةً ّلكُمْ إِن كُنتُم ّم ْؤمِنِينَ { [آل عمران‪.]49 :‬‬
‫} إِنّ فِي ذاِل َ‬
‫إن هذه آية عجيبة تثبت أن هناك قوة أعلى قاهرة هي قوة ال الحق هي التي تعطيه هذه الشياء‪،‬‬
‫فإن كنتم مؤمنين بوجود قوة أعلى فعليكم تصديق الرسالة التي جاء بها عيسى ابن مريم‪ ،‬لن‬
‫معنى (رسول) أنه مخلوق اصطفاه ال وأرسله سبحانه إلى الدنى منه‪ ،‬فالذي يؤمن الية هو الذي‬
‫يؤمن بوجود إله أعلى قادر ومن يريد أن يتثب ‪ -‬مع إيمانه بال ‪ -‬من الية التي بعثها ال مع‬
‫عيسى ابن مريم‪ ،‬فالية واضحة‪ .‬بال فلن تفيده الية في اليمان‪ .‬ويقول الحق متابعا على لسان‬
‫عيسى ابن مريم‪َ } :‬و ُمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ يَ َديّ مِنَ ال ّتوْرَاةِ‪{ ...‬‬

‫(‪)441 /‬‬
‫حلّ َل ُكمْ َب ْعضَ الّذِي حُرّمَ عَلَ ْيكُمْ وَجِئْ ُتكُمْ بِآَ َيةٍ مِنْ رَ ّبكُمْ فَا ّتقُوا‬
‫َومُصَ ّدقًا ِلمَا بَيْنَ يَ َديّ مِنَ ال ّتوْرَا ِة وَلِأُ ِ‬
‫اللّ َه وََأطِيعُونِ (‪)50‬‬

‫وقد قلنا‪ :‬إن " مصدقا " تعني أن ما جاء به عيسى بن مريم مطابق لما جاء في التوراة‪ .‬وقلنا‪ :‬إن‬
‫" ما بين يدي " النسان هو الذي سبقه‪ ،‬أي الذي جاء من قبله وصار أمامه‪ .‬وما دام عيسى ابن‬
‫مريم جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة في زمانه‪ ،‬وكانت التوراة موجودة‪ ،‬فلماذا جاءت‬
‫رسالته إذن؟‬
‫لكن القول الحق يتضمن هذا المعنى‪ :‬إن عيسى سيأتي بأحكام جديدة‪ ،‬ويتضح ذلك في قوله الحق‬
‫حلّ َلكُم َب ْعضَ الّذِي حُرّمَ عَلَ ْيكُمْ } إذن فليس المهم‬
‫سبحانه على لسان عبده عيسى ابن مريم‪َ { :‬ولُ ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هو التصديق فقط‪ ،‬ذلك أن عيسى جاء ليحل بعضا من الذي حرمته التوراة‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬إذا كانت الكتب السماوية تأتي مصدقة بعضها بعضا فما فائدة توالي نزول الكتب‬
‫السماوية؟ والجابة هي‪ :‬أن فائدة الكتب السماوية اللحقة أنها تذكر من سها عن الكتب السابقة‪،‬‬
‫هذا في المرتبة الولى‪ ،‬وثانيا‪ :‬تأتي الكتب السماوية بأشياء‪ ،‬وأحكام تناسب التوقيتات الزمنية التي‬
‫تنزل فيها هذه الكتب‪ .‬هذه هي فوائد الكتب السماوية التي توالت نزول من الحق على رسله‪ ،‬إنها‬
‫ل في بعض الحكام‪.‬‬
‫تذكر من عقل و ُتعَد ّ‬
‫ومن الطبيعي أننا جميعا نفهم أن العقائد ل تبديل فيها‪ ،‬وكذلك الخبار والقصص‪ ،‬لكن التبديل‬
‫حلّ َلكُم‬
‫يشمل بعضا من الحكام‪ .‬ولهذا جاء القول الحق على لسان عبده عيسى ابن مريم‪َ { :‬ولُ ِ‬
‫َب ْعضَ الّذِي حُرّمَ عَلَ ْيكُمْ } ونحن نعرف أن القوم الذي أرسل ال عيسى ابن مريم لهم هم بنو‬
‫إسرائيل‪ ،‬والتحريم والتحليل يكون بحكمة من ال‪.‬‬
‫إن ل حكمة فيما يحلل وحكمة فيما يحرم‪ ،‬إنما إياك أن تفهم أن كل شيء يحرمه ال يكون ضارا؛‬
‫قد يحرم ال أشياء لتأديب الخلق‪ ،‬فيأمر بالتحريم‪ ،‬ول يصح أن تسأل عن الضرر فيها‪ ،‬وقد يعيش‬
‫المؤمن دنياه ولم يثبت له ضرر بعض ما حرم ال‪ .‬فإن تساءل أحد‪ :‬لماذا حرم ال ذلك؟ تقول له‪:‬‬
‫من الذي قال لك إن ال حين يحرم فهو يحرم الشيء الضار فقط؟ إنه الحق سبحانه يحرم الضار‪,‬‬
‫ويحرم بعضا مما هو غير ضار‪ ،‬ولذلك قال الحق‪ {:‬فَبِظُ ْلمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ‬
‫أُحِّلتْ َل ُه ْم وَ ِبصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرا }[النساء‪.]160 :‬‬
‫ظفُ ٍر َومِنَ الْ َبقَرِ وَا ْلغَنَمِ حَ ّرمْنَا‬
‫وتفصيل ذلك في آية أخرى‪ {:‬وَعَلَى الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا ُكلّ ذِي ُ‬
‫حوَايَآ َأوْ مَا اخْتَلَطَ ِب َعظْمٍ ذاِلكَ جَزَيْنَاهُم بِ َبغْ ِيهِمْ وِإِنّا‬
‫ظهُورُ ُهمَا َأوِ الْ َ‬
‫حمََلتْ ُ‬
‫عَلَ ْيهِمْ شُحُو َم ُهمَآ ِإلّ مَا َ‬
‫َلصَا ِدقُونَ }[النعام‪.]146 :‬‬
‫إذن التحرير ليس ضروريا أن يكون لما فيه الضرر‪ ،‬ولهذا جاء قول الحق على لسان عبده‬
‫حلّ َلكُم َب ْعضَ الّذِي حُرّمَ عَلَ ْيكُمْ } لقد جاء عيسى‬