‫تفسير الشعراوي‬

‫َو َمكَرُوا َو َمكَرَ اللّ ُه وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ (‪)54‬‬

‫إن الشياء التي يدركها العقل هي مسميات ولها أسماء وتكون أول بالحس؛ لن الحس هو أول‬
‫مصاحب للنسان لدراك الشياء‪ ،‬وبعد ذلك تأتي المعاني عندما نكبر ونعرف الحقائق‪ .‬إن البداية‬
‫دائما تكون هي المور المحسة‪ ،‬ولذلك يقول ال عن المنهج اليماني‪ :‬إنه طريق مستقيم‪ ،‬أي أن‬
‫نعرف الغاية والطريق الموصل إليها‪ ،‬وكلمة " الطريق المستقيم " من المور المحسة والتي‬
‫يتعرف الناس عليها بالتطبيق لقواعد المنهج‪.‬‬
‫إن كلمة " مكر " ‪ ،‬مأخوذة من الشجر‪ ،‬فساعة أن ترى الشجرة التي ل تلتف أغصانها على‬
‫بعضها فإن النسان يستطيع أن يحكم أن ورقة ما‪ ،‬هي من فرع ما‪ ،‬ولكنْ هناك نوع من الشجار‬
‫تكون فروعه ملفوفة على بعضها بحيث ل يستطيع النسان أن يعرف أي ورقة من أي فرع هي‪،‬‬
‫ومن هذا المعنى أخذنا كلمة " المكر " فالرجل الذي يلف ويدور‪ ،‬هو الذي يمكر‪ ،‬فالذي يلف على‬
‫إنسان من أجل أن يستخلص منه حقيقة ما‪ ،‬والذي يحتال من أجل إبراز حقيقة‪ ،‬فإن كان ذلك بغير‬
‫قصد الضرر نسميه حيلة‪ ،‬وإن كان بقصد الضرر فهذا هو المكر السيء‪ .‬ولذلك فالحق يقول‪{:‬‬
‫َو َمكْرَ السّيّى ِء َولَ َيحِيقُ ا ْل َمكْرُ السّيّىءُ ِإلّ بِأَهْلِهِ َف َهلْ يَنظُرُونَ ِإلّ سُ ّنتَ الَوّلِينَ فَلَن َتجِدَ ِلسُ ّنتِ اللّهِ‬
‫حوِيلً }[فاطر‪.]43 :‬‬
‫ل وَلَن َتجِدَ ِلسُ ّنتِ اللّهِ َت ْ‬
‫تَبْدِي ً‬
‫ومعنى ذلك أن هناك مكرا غير سيء‪ ،‬أي أن المكر الذي ل يقصد منه إيقاع الضرر بأحد‪ ،‬فإننا‬
‫نسميه مكرَ خير‪ ،‬أما المكر الذي يقصد منه إيقاع الضرر فهو " المكر السيء "‪ .‬ولنا أن نسأل‪ :‬ما‬
‫الذي يدفع إنسانا ما إلى المكر؟ إن الذي يمكر يداري نواياه‪ ،‬فقد يظهر لك الحب بينما هو مبغض‪،‬‬
‫ويريد أن يزين لك عمل ليمكر بك‪ ،‬فيحاول مثل أن يصحبك إلى مكان بعيد غير مأهول بالناس‬
‫ويريد أن يوقع بك أبلغ الضرر‪ ،‬وقد يكون القتل‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فمن أسس المكر التبييت‪ ،‬والتبييت يحتاج إلى حنكة و خبرة‪ ،‬لن الذي يحاول التبييت قد يجد‬
‫قبالته من يلتقط خبايا التبييت بالحدس والتخمين‪ ،‬وما دام المكر يحتاج إلى التبييت‪ ،‬فإن ذلك‬
‫علمة على الضعف في البشر لن القوي ل يمكر ول يكيد ولكن يواجه‪.‬‬
‫إن القوي لحظة أن يمسك بخصم ضعيف‪ ،‬فمن الممكن أن يطلقه‪ ،‬لن القوي مطمئن إلى أن قوته‬
‫تستطيع أن تؤذي هذا الضعيف‪ .‬لكن الضعيف حين يملك قويا‪ ،‬فإنه يعتبر المر فرصة لم تتكرر‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك فالشاعر يقول‪:‬وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت كذلك قدرة الضعفاءإن الضعيف هو الذي‬
‫يمكر ويبيت‪ .‬والذي يمكر قد يضع في اعتباره أن خصمه أقوى منه حيلة وأرجح عقل‪ ،‬وقد ينكل‬
‫به كثيرا‪ ،‬لذلك يخفى الماكر أمر مكره أو تبييته‪.‬‬
‫فإذا ما أراد خصوم المنهج اليماني أن يمكروا‪ ،‬فعلى من يمكرون؟ إن الرسول ل يكون في‬
‫سهُم َومَا‬
‫خدَعُونَ ِإلّ أَ ْنفُ َ‬
‫المعركة بمفرده ولكن معه ال‪ُ {.‬يخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا َومَا يَ ْ‬
‫شعُرُونَ }[البقرة‪.]9 :‬‬
‫يَ ْ‬
‫فال يعلم ما يبيت أي إنسان‪ ،‬ولذلك فعندما يريد ال أن يبرز شيئا ويوجده فلن يستطيع أحد أن‬
‫يواجه إرادة ال وأمره‪ ،‬إذن فمكر ال ل قبل لحد لمواجهته‪.‬‬
‫} َو َمكَرُواْ َومَكَرَ اللّ ُه وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ { [آل عمران‪]54 :‬‬
‫وساعة تجد صفة تستبعد أن يوصف بها ال فاعلم أنما جاءت للمشاكلة فقط وليست من أسماء ال‬
‫الحسنى‪ ،‬إن المؤمنين بإمكانهم أن يقولوا للكافرين‪ :‬إنكم إن أردتم أن تبيتوا لنا‪ ،‬فإن ال قادر على‬
‫أن يقلب المكر عليكم‪ ،‬أما أسماء ال وصفاته فهي توقيفية‪ ،‬نزل بها جبريل على رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬لكن إذا وجد فعل ل ل يصح أن نشتق نحن منه وصفا ونجعله اسما ل‪َ } ،‬ومَكَرُواْ‬
‫َو َمكَرَ اللّ ُه وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ { ‪ ،‬فليس من أسماء ال مخادع‪ ،‬أو ماكر‪ ،‬إياك أن تقول ذلك‪ ،‬لن‬
‫أسماء ال وصفاته توقيفية‪ ،‬وجاء القول هنا بمكر ال كمقابل لفعل من البشر‪ ،‬ليدلهم على أنهم ل‬
‫يستطيعون أن يخدعوا ال‪ ،‬ول يستطيعون أن يمكروا بال‪ ،‬لن ال إذا أراد أن يمكر بهم‪ ،‬فهم ل‬
‫يستطيعون مواجهة ذلك‪ .‬إن الحق يقول‪َ } :‬و َمكَرُواْ َو َمكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ {‪.‬‬
‫إذن فهناك " مكر خير "‪ ..‬وذلك دليل على أن هناك من يصنع المكر ليؤدي إلى الخير‪ .‬ولماذا‬
‫تأتي هذه الية هنا؟ لن هناك معركة سيدخلها عيسى ابن مريم عليه السلم‪ ،‬وعيسى عليه السلم‬
‫لم يجيء ليقاتل بالسيف ليحمي العقيدة‪ ،‬إنما جاء واعظا ليدل الناس على العقيدة‪ ،‬إن النصرة ل‬
‫تكون بالسيف فقط‪ ،‬ولكن بالحجة‪ .‬ونحن نعرف أن السماء كانت ل تطلب من أي رسول أن‬
‫يحارب في سبيل العقيدة لن السماء هي التي كانت تتولى التأديب‪َ {.‬فكُلّ َأخَذْنَا ِبذَنبِهِ َفمِ ْنهُم مّن‬
‫سفْنَا بِهِ الَ ْرضَ َومِ ْنهُمْ مّنْ أَغْ َرقْنَا َومَا‬
‫ح ُة َومِ ْنهُمْ مّنْ خَ َ‬
‫أَرْسَلْنَا عَلَ ْيهِ حَاصِبا َومِ ْنهُمْ مّنْ َأخَذَ ْتهُ الصّيْ َ‬
‫سهُمْ َيظِْلمُونَ }[العنكبوت‪.]40 :‬‬
‫كَانَ اللّهُ لِيَظِْل َمهُ ْم وَلَـاكِن كَانُواْ أَنفُ َ‬
‫ولم يجيء قتال إل حينما طلب بنو إسرائيل‪ {:‬أَلَمْ تَرَ إِلَى ا ْلمَلِ مِن بَنِي ِإسْرَائِيلَ مِن َبعْدِ مُوسَى إِذْ‬
‫علَ ْيكُمُ ا ْلقِتَالُ َألّ ُتقَاتِلُواْ‬
‫قَالُواْ لِنَ ِبيّ ّلهُمُ ا ْب َعثْ لَنَا مَلِكا ّنقَا ِتلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ َهلْ عَسَيْتُمْ إِن كُ ِتبَ َ‬
‫قَالُواْ َومَا لَنَآ َألّ ُنقَا ِتلَ فِي سَبِيلِ اللّ ِه َوقَدْ أُخْ ِرجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فََلمّا كُ ِتبَ عَلَ ْيهِمُ ا ْلقِتَالُ َتوَّلوْاْ ِإلّ‬
‫علِيمٌ بِالظّاِلمِينَ }[البقرة‪.]246 :‬‬
‫قَلِيلً مّ ْنهُ ْم وَاللّهُ َ‬
‫ولكن أمة محمد صلى ال عليه وسلم هي التي أذن ال لها أن تحمل السيف لتؤدب به الذين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يحولون دون بلوغ العقيدة الصحيحة للناس‪.‬‬
‫إن السيف لم يأت ليفرض العقيدة‪ ،‬إنما ليحمي الختيار في النفس اليمانية‪ ،‬فبدل من أن يترك‬
‫الناس مقهورين على اعتناق عقيدة خاطئة فالمسلمون يرفعون السيف في وجه الظالم القاهر لعباد‬
‫ال‪ .‬وعباد ال لهم أن يختاروا عقيدتهم‪.‬‬
‫ولذلك فعندما يقول اعداء السلم‪ " :‬أن السلم انتشر بالسيف "‪ .‬نرد عليهم‪ :‬إن ال قد بدأ السلم‬
‫بضعف حتى يسقط هذا التهام‪ ،‬لقد كان المسلمون الوائل ضعفاء ل يستطيعون الدفاع عن‬
‫أنفسهم‪ ،‬فيتجه بعضهم إلى الحبشة‪ ،‬ويهاجرون بحثا عن الحماية‪ ،‬فلو كان السلم قد انتشر‬
‫بالسيف فلنا أن نسأل‪ :‬من الذي حمل أول سيف ليكره أول مؤمن؟ إن المؤمنين رضوا السلم‬
‫دينا وهم في غاية الضعف ومنتهاه‪ .‬إن السلم قد بدأ واستمر وما زال يحيا بقوة اليمان‪.‬‬
‫إن رسول ال صلى ال عليه وسلم جاء في أمة أمية‪ ،‬ومن قبيلة لها شوكتها‪ ،‬وشاء الحق أل‬
‫ينصر ال دينه بإسلم أقوياء قريش أول‪ ،‬بل آمن بالرسول صلى ال عليه وسلم الضعفاء وخاض‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم رحلة الدعوة اليمانية مدة ثلثة عشر عاما‪ ،‬دعوة لليمان بال‪ ،‬ثم‬
‫هاجر رسول ال إلى المدينة‪ ،‬إلى أن صار كل المسلمين وحدة إيمانية قوية‪ ،‬وارتفع السيف ل‬
‫ليفرض العقيدة‪ ،‬ولكن ليحمي حرية اختيار الناس للعقيدة الصحيحة‪ .‬ولو أن السلم انتشر‬
‫بالسيف‪ .‬فكيف نفسر وجود أبناء لديانات أخرى في البلد المسلمة؟ لقد أتاح السلم فرصة اختيار‬
‫العقيدة لكل إنسان‪.‬‬
‫إذن فكل مسلم يمثل وحدة إيمانية مستقلة‪ ،‬وواجب كل مسلم أن يعرف أن السلم قد انتشر‬
‫بالسوة الحسنة‪ ،‬وأنه كمؤمن بال وبدين ال‪ ،‬قد اصطفاه ال ليطبق السلوك اليماني‪ ،‬فقد مكن ال‬
‫للسلم في الرض بالسلوك والقدوة‪.‬‬
‫إن كل مسلم عليه واجب أل يترك في سلوكه ثغرة ينفذ منها خصوم السلم إلى السلم‪ ،‬ذلك أن‬
‫اختلل توازن سلوك المسلم بالنسبة لمنهج ال هو ثغرة ينفذ منها خصوم السلم‪ ،‬ولذلك‬
‫فالمفكرون في الديان الخرى حينما يذهبون إلى السلم‪ ،‬ويقتنعون به‪ ،‬إنما يقتنعون بالسلم‬
‫لنه منهج حق‪ .‬إنهم يمحصونه بالعقل‪ ،‬ويهتدون إليه بالفطرة اليمانية‪ .‬أما الذين يريدون الطعن‬
‫في السلم‪ ،‬فهم ينظرون إلى سلوك بعض من المسلمين‪ ،‬فيجدون فيه من الثغرات ما يتهمون به‬
‫السلم‪.‬‬
‫إن المفكرين المنصفين يفرقون دائما بين العقيدة‪ ،‬ومتبع العقيدة‪ ،‬ولذلك فأغلب المفكرين الذين‬
‫يتبعون هذا التجاه‪ ،‬يلجأون إلى السلم ويؤمنون به‪ .‬ولكن الذين يذهبون إلى السلم من جهة‬
‫أتباعه‪ ،‬فإن صادفوا تابعا للسلم ملتزما دعاهم ذلك إلى أن يؤمنوا بالسلم‪ ،‬ولذلك كانت‬
‫الجمهرة الكثيرة الوفيرة في البلد السلمية المعاصرة في بلد لم يدخلها فتح إسلمي‪ ،‬وإنما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫دخلتها السوة السلمية في أفراد تابعين ملتزمين‪ ،‬فراق الناس ما عليه هؤلء المسلمون من حياة‬
‫ورعة‪ ،‬ومن تصرفات مستقيمة جميلة‪ ،‬ومن أسلوب تعامل سمح أمين‪ ،‬نزيه‪ ،‬نظيف‪ ،‬كل ذلك لفت‬
‫جمهرة الناس إلى السلم‪ ،‬وجعلهم يتساءلون‪ :‬ما الذي جعلكم على هذا السلوك الطيب؟ قالوا‪:‬‬
‫لننا مسلمون‪.‬‬
‫وتساءل الناس في تلك المجتمعات‪ :‬وما معنى السلم؟ وبدأ المسلمون يشرحون لهم السلم‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالذي لفت إلى السلم هو السلوك المنهجي الملتزم‪ ،‬ولذلك فالحق سبحانه وتعالى حين‬
‫ل صَالِحا َوقَالَ إِنّنِي‬
‫عمِ َ‬
‫يعرض منهج الدعوة الناجحة يقول‪َ {:‬ومَنْ َأحْسَنُ َق ْولً ّممّن دَعَآ إِلَى اللّ ِه وَ َ‬
‫مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ }[فصلت‪.]33 :‬‬
‫والدعوة إلى ال تكون باللسان والعمل الصالح‪ ،‬ليدل المؤمن على أن ما يدعو إليه غيره قد وجده‬
‫مفيدا فالتزمه هو‪ ،‬فالعمل الصالح هو شهادة للدعوة باللسان‪ ،‬ول يكتفي المؤمن بذلك‪ ،‬إنما يعلن‬
‫ويقول‪ } :‬إِنّنِي مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ { يقول ذلك لمن؟ يقوله لمن يرونه على السلوك السمح الرضى‬
‫الطيب‪ .‬إنها لفتة من ذاته إلى دينه‪.‬‬
‫إن هذا يفسر لنا كيف انتشر السلم بوساطة جماعة من التجار الذين كانوا يذهبون إلى كثير من‬
‫البلد‪ ،‬وتعاملوا مع الناس بأدب السلم‪ ،‬وبوقار السلم‪ ،‬وبورع السلم‪ ،‬فصار سلوكهم الملتزم‬
‫لفتا‪ ،‬وعندما يسألهم القوم عن السر في سلوكهم الملتزم‪ ،‬ويقول النسان منهم‪ :‬أنا لم أجيء بذلك‬
‫من عندي ولكن من اتباعي لدين ال السلم‪.‬‬
‫ومثال ذلك في السلوك السوة‪ :‬المسلمون الوائل من صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬لقد‬
‫كان صحابته رضوان ال عليهم يخافون عليه من خصومه‪ ،‬فكانوا يتناوبون حراسته‪ ،‬ومعنى‬
‫تناوب الحراس أنهم أرادوا أن يكونوا المصد للخطار يتداولون ذلك فيما بينهم‪ .‬وأراد الحق‬
‫سبحانه أن يهاجر رسول ال صلى ال عليه وسلم من مكة إلى المدينة خفية‪ ،‬ونام علي بن أبي‬
‫طالب رضي ال عنه وأرضاه مكان الرسول صلى ال عليه وسلم‪ .‬لقد أراد علي ‪ -‬كرم ال وجهه‬
‫ أن يكون هو المصد‪ ،‬فإذا جاء خطر فإنه هو الذي يصده‪.‬‬‫ل شك أنه كان يفعل ذلك لنه واثق أن بقاء الرسول صلى ال عليه وسلم خير للسلم حتى ولو‬
‫افتداه بروحه‪ .‬هذا هو التسامى العالي من صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬كان الواحد‬
‫منهم يحب الرسول صلى ال عليه وسلم لن السوة بالرسول واتباع دين ال إنّما يعود ذلك عليه‬
‫بالخير العميم‪ .‬وعندما يموت واحد منهم في سبيل المحافظة على من أرسله ال رسول ليبلغ‬
‫دعوته فقد نال الشهادة في سبيل ال‪.‬‬
‫هذا هو أبو بكر الصديق رضوان ال عليه مع رسول ال في الغار‪ .‬ألم يجد الصديق شقوقا فيمزع‬
‫من ثيابه ليسد الشقوق؟ ألم يضع قدمه في شق لنه يخشى أن تجيء حشرة من الحشرات قد تؤذي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حضرة النبي صلى ال عليه وسلم؟ لقد أراد أن يحافظ على الرسول صلى ال عليه وسلم حتى‬
‫ولو افتداه‪ ،‬وهذه شهادة بأن صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم آمنوا بأن بقاء الرسول خير‬
‫لهم ولليمان ولنفوسهم من بقائهم هم أنفسهم‪.‬‬
‫وهكذا أراد ال نصرة رسوله على الكفار‪ ،‬عندما مكروا وبيتوا أن يقتلوه قبل الهجرة‪ ،‬وهكذا أراد‬
‫ال نصر رسوله صلى ال عليه وسلم بعد الهجرة عندما واجه أعداء السلم في القتال‪ ،‬لقد‬
‫مكروا‪ ،‬ولكن ال خير الماكرين‪.‬‬
‫وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول بهذا النصر من ال‪ :‬لن تستطيعوا أن تقاوموا محمدا ل بالمواجة‬
‫ول بالتبييت‪ .‬وها هو ذا تابع من أتباعه صلى ال عليه وسلم هو سيدنا عمر رضي ال عنه‬
‫يهاجر علنا‪ ،‬ويقول‪ :‬من أراد أن تثكله أمه‪ ،‬أو ترمل زوجته‪ ،‬أو ييتم ولدُه‪ ،‬فليلقني وراء هذا‬
‫الوادي‪ .‬بينما هاجر رسول ال صلى ال عليه وسلم خفية‪.‬‬
‫لماذا؟ لن رسول ال صلى ال عليه وسلم أسوة للضعيف‪ .‬إن القوى يستطيع حماية نفسه ويخرج‬
‫إلى الهجرة مجاهرا‪ .‬أما الضعيف فل بد أن يهاجر خفية؛ لذلك فالسوة للضعيف كانت في رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬لقد مكر أعداء الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن ال مكر بهم‪َ {.‬وقَدْ‬
‫َمكَرُواْ َمكْرَ ُه ْم وَعِندَ اللّهِ َمكْرُهُ ْم وَإِن كَانَ َمكْرُ ُهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ }[إبراهيم‪.]46 :‬‬
‫إن مكرهم رغم عنفه وشدته والذي قد يؤدي إلى زوال الجبال‪ ،‬هذا المكر يبور عند مواجهته‬
‫لمكر ال الذي يحمى رسله وعباده الصالحين‪ .‬لقد جاء مكر بني إسرائيل وأنزل فيه ال قوله‬
‫الحكيم‪َ } :‬و َمكَرُواْ َومَكَرَ اللّ ُه وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ {‪ .‬لنهم أرادوا أن يتخلصوا من سيدنا عيسى‬
‫ك وَرَا ِف ُعكَ إَِليّ‬
‫ابن مريم عليه السلم‪ .‬فقال الحق سبحانه‪ِ } :‬إذْ قَالَ اللّهُ ياعِيسَىا إِنّي مُ َت َوفّي َ‬
‫طهّ ُركَ مِنَ الّذِينَ َكفَرُواْ‪{ ...‬‬
‫َومُ َ‬

‫(‪)446 /‬‬
‫علُ الّذِينَ اتّ َبعُوكَ‬
‫طهّ ُركَ مِنَ الّذِينَ َكفَرُوا وَجَا ِ‬
‫ي َومُ َ‬
‫إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنّي مُ َت َوفّيكَ وَرَا ِف ُعكَ إَِل ّ‬
‫حكُمُ بَيْ َنكُمْ فِيمَا كُنْ ُتمْ فِيهِ َتخْتَِلفُونَ (‪)55‬‬
‫ج ُعكُمْ فََأ ْ‬
‫َفوْقَ الّذِينَ َكفَرُوا إِلَى َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ ُثمّ إَِليّ مَرْ ِ‬

‫لقد جاء الحق سبحانه بعد عرضه لمسألة المكر بهذا القول الحكيم‪ ،‬وذلك دليل على أن عيسى‬
‫عليه السلم أحس من بني إسرائيل الكفر‪ ،‬والتبييت‪ ،‬ومؤامرة للقتل فطمأن ال عيسى إلى نهاية‬
‫علُ الّذِينَ اتّ َبعُوكَ َفوْقَ الّذِينَ‬
‫طهّ ُركَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُو ْا وَجَا ِ‬
‫ي َومُ َ‬
‫المعركة‪ { .‬إِنّي مُ َت َوفّيكَ وَرَا ِفعُكَ إَِل ّ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َكفَرُواْ إِلَىا َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ }‪ .‬إنها أربعة مواقف‪ ،‬أرادها ال لعيسى ابن مريم عليه السلم‪.‬‬
‫ونريد أن نقف الن عند كلمة قول الحق‪ { :‬مُ َت َوفّيكَ }‪ .‬نحن غالبا ما نأخذ معنى بعض اللفاظ من‬
‫الغالب الشائع‪ ،‬ثم تموت المعاني الخرى في اللفظ ويروج المعنى الشائع فنفهم المقصد من اللفظ‪.‬‬
‫إن كلمة " التوفي " نفهمها على أنها الموت‪ ،‬ولكن علينا هنا أن نرجع إلى أصل استعمال اللفظة‪،‬‬
‫فإنه قد يغلب معنى على لفظ‪ ،‬وهذا اللفظ موضوع لمعان متعددة‪ ،‬فيأخذه واحد ليجعله خاصا‬
‫بواحد من هذه‪ .‬إن كلمة " التوفي " قد يأخذها واحدا لمعنى " الوفاة " وهو الموت‪ .‬ولكن‪ ،‬ألم يكن‬
‫ل وَ َيعْلَمُ مَا‬
‫ربك الذي قال‪ { :‬إِنّي مُ َت َوفّيكَ }؟ وهو القائل في القرآن الكريم‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي يَ َت َوفّاكُم بِاللّ ْي ِ‬
‫ج ُعكُمْ ثُمّ يُنَبّ ُئكُم ِبمَا كُنتُمْ َت ْعمَلُونَ }‬
‫سمّى ُثمّ إِلَيْهِ مَ ْر ِ‬
‫جلٌ مّ َ‬
‫جَ َرحْتُم بِال ّنهَارِ ُثمّ يَ ْبعَ ُثكُمْ فِيهِ لِ ُيقْضَىا َأ َ‬
‫[النعام‪.]60 :‬‬
‫إذن { يَ َت َوفّاكُم } هنا بأي معنى؟ إنها بمعنى ينيمكم‪ .‬فالنوم معنى من معاني التوفي‪ .‬ألم يقل الحق‬
‫في كتابه أيضا الذي قال فيه‪ { :‬إِنّي مُ َت َوفّيكَ }‪ {.‬اللّهُ يَ َت َوفّى الَنفُسَ حِينَ َموْتِـهَا وَالّتِي َلمْ َت ُمتْ فِي‬
‫ك ليَاتٍ‬
‫سمّى إِنّ فِي ذَِل َ‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫ل الُخْرَىا إِلَىا أَ َ‬
‫سُ‬
‫سكُ الّتِي َقضَىا عَلَ ْيهَا ا ْل َم ْوتَ وَيُرْ ِ‬
‫مَنَامِـهَا فَ ُيمْ ِ‬
‫ّلقَوْمٍ يَ َتفَكّرُونَ }[الزمر‪.]42 :‬‬
‫لقد سمى الحق النوم موتا أيضا‪ .‬هذا من ناحية منطق القرآن‪ ،‬إن منطق القرآن الكريم بين لنا أن‬
‫كلمة " التوفي " ليس معناها هو الموت فقط ولكن لها معان أخرى‪ ،‬إل أنه غلب اللفظ عند‬
‫المستعملين للغة على معنى فاستقل اللفظ عندهم بهذا المعنى‪ ،‬فإذا ما أطلق اللفظ عند هؤلء ل‬
‫ينصرف إل لهذا المعنى‪ ،‬ولهؤلء نقول‪ :‬ل‪ ،‬ل بد أن ندقق جيدا في اللفظ ولماذا جاء؟‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬ولماذا يختار ال اللفظ هكذا؟ والجابة هي‪ :‬لن الشياء التي قد يقف فيها العقل ل‬
‫تؤثر في الحكام المطلوبة ويأتي فيها ال بأسلوب يحتمل هذا‪ ،‬ويحتمل ذلك‪ ،‬حتى ل يقف أحد في‬
‫أمر ل يستأهل وقفة‪ .‬فالذي يعتقد أن عيسى عليه السلم قد رفعه ال إلى السماء ما الذي زاد عليه‬
‫نت أحكام دينه؟ والذي ل يعتقد أن عيسى عليه السلم قد رُفع‪ ،‬ما الذي نقص عليه من أحكام‬
‫دينه‪ ،‬إن هذه القضية ل تؤثر في الحكام المطلوبة للدين‪ ،‬لكن العقل قد يقف فيها؟ فيقول قائل‪:‬‬
‫كيف يصعد إلى السماء؟ ويقول آخر‪ :‬لقد توفاه ال‪.‬‬
‫وليعتقدها أي إنسان كما يريد لنها ل تؤثر في الحكام المطلوبة للدين‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالشياء التي ل تؤثر في الحكم المطلوب من الخلق يأتي بها ال بكلم يحتمل الفهم على‬
‫أكثر من وجه حتى ل يترك العقل في حيرة أمام مسألة ل تضر ول تنفع‪ .‬وعرفنا الن أن " توفى‬
‫ل وَ َيعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِال ّنهَارِ‬
‫" تأتي من الوفاة بمعنى النوم من قوله سبحانه‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي يَ َت َوفّاكُم بِاللّ ْي ِ‬
‫ج ُعكُمْ ُثمّ يُنَبّ ُئكُم ِبمَا كُن ُتمْ َت ْعمَلُونَ }[النعام‪.]60 :‬‬
‫سمّى ُثمّ إِلَ ْيهِ مَرْ ِ‬
‫جلٌ مّ َ‬
‫ثُمّ يَ ْبعَ ُثكُمْ فِيهِ لِ ُي ْقضَىا َأ َ‬
‫سكُ‬
‫ومن قوله سبحانه وتعالى‪ {:‬اللّهُ يَ َت َوفّى الَنفُسَ حِينَ َموْتِـهَا وَالّتِي لَمْ َت ُمتْ فِي مَنَامِـهَا فَ ُيمْ ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمّى إِنّ فِي ذَِلكَ ليَاتٍ ّل َقوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ }‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫ل الُخْرَىا إِلَىا َأ َ‬
‫سُ‬
‫ت وَيُرْ ِ‬
‫الّتِي َقضَىا عَلَ ْيهَا ا ْل َموْ َ‬
‫[الزمر‪.]42 :‬‬
‫إن الحق سبحانه قد سمى النوم موتا لن النوم غيب عن حس الحياة‪ .‬واللغة العربية توضح ذلك‪،‬‬
‫فأنت تقول ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬لمن أقرضته مبلغا من المال‪ ،‬ويطلب منك أن تتنازل عن‬
‫بعضه ل‪ ،‬ل بد أن أستوفي مالي‪ ،‬وعندما يعطيك كل مالك‪ ،‬تقول له‪ :‬استوفيت مالي تماما‪،‬‬
‫فتوفيته‪ ،‬أي أنك أخذته بتمامه‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فمعنى } مُ َت َوفّيكَ { قد يكون هو أخذك الشيء تاما‪ .‬أقول ذلك حتى نعرف الفرق بين الموت‬
‫والقتل‪ ،‬كلهما يلتقي في أنه سلب للحياة‪ ،‬وكلمة " سلب الحياة " قد تكون مرة بنقض البنية‪،‬‬
‫كضرب واحد لخر على جمجمته فيقتله‪ ،‬هذا لون من سلب الحياة‪ ،‬ولكن بنقض البنية‪ .‬أما الموت‬
‫فل يكون بنقض البنية‪ ،‬إنما يأخذ ال الروح‪ ،‬وتبقى البنية كما هي‪ ،‬ولذلك فرق ال في قرآنه‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ قَدْ خََلتْ مِن‬
‫الحكيم بين " موت " و " قتل " وإن اتحدا معا في إزهاق الحياة‪َ {.‬ومَا ُم َ‬
‫عقِبَيْهِ فَلَن َيضُرّ اللّهَ شَيْئا‬
‫علَىا َ‬
‫عقَا ِبكُ ْم َومَن يَنقَِلبْ َ‬
‫سلُ أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ ا ْنقَلَبْتُمْ عَلَىا أَ ْ‬
‫قَبْلِهِ الرّ ُ‬
‫وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ }[آل عمران‪.]144 :‬‬
‫إن الموت والقتل يؤدي كل منهما إلى انتهاء الحياة‪ ،‬لكن القتل ينهي الحياة بنقض البنية‪ ،‬ولذلك‬
‫يقدر بعض البشر على البشر فيقتلون بعضهم بعضا‪ .‬لكن ل أحد يستطيع أن يقول‪ " :‬أنا أريد أن‬
‫يموت فلن " ‪ ،‬فالموت هو ما يجريه ال على عباده من سلب للحياة بنزع الروح‪ .‬إن البشر‬
‫يقدرون على البينة بالقتل‪ ،‬والبينة ليست هي التي تنزع الروح‪ ،‬ولكن الروح تحل في المادة فتحيا‪،‬‬
‫وعندما ينزعها ال من المادة تموت وترم أي تصير رمة‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالقتل إنما هو إخلل بالمواصفات الخاصة التي أرادها ال لوجود الروح في المادة‪ ،‬كسلمة‬
‫المخ أو القلب‪ .‬فإذا اختل شيء من هذه المواصفات الخاصة الساسية فالروح تقول‪ " :‬أنا ل أسكن‬
‫هنا "‪.‬‬
‫إن الروح إذا ما انتزعت‪ ،‬فلنها ل تريد أن تنتزع‪ ..‬لي سبب ولكن البنية ل تصلح لسكنها‪.‬‬
‫ونضرب المثل ول المثل العلى‪.‬‬
‫إن الكهرباء التي في المنزل يتم تركيبها‪ ،‬وتعرف وجود الكهرباء بالمصباح الذي يصدر منه‬
‫الضوء‪ .‬إن المصباح لم يأت بالنور‪ ،‬لن النور ل يظهر إل في بنية بهذه المواصفات بدليل أن‬
‫المصباح عندما ينكسر تظل الكهرباء موجودة‪ ،‬ولكن الضوء يذهب‪ .‬وكذلك الروح بالنسبة للجسد‪.‬‬
‫إن الروح ل توجد إل في جسد له مواصفات خاصة‪ .‬وأهم هذه المواصفات الخاصة أن تكون‬
‫خليا البنية مناسبة‪ ،‬فإن توقف القلب‪ ،‬فمن الممكن تدليكه قبل مرور سبع ثوان على التوقف‪ ،‬لكن‬
‫إن فسدت خليا المخ‪ ،‬فكل شيء ينتهي لن المواصفات اختلت‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ ،‬فالروح ل تحل إل في بنية لها مواصفات خاصة‪ ،‬والقتل وسيلة أساسية لهدم البنية؛ وإذهاب‬
‫الحياة‪ ،‬لكن الموت هو إزهاق الحياة بغير هدم البنية‪ ،‬ول يقدر على ذلك إل ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولكن خلق ال يقدرون على البينة‪ ،‬لنها مادة ولذلك يستطيعون تخريبها‪.‬‬
‫إذن‪ " ،‬فمتوفيك " تعني مرة تمام الشيء‪ " ،‬كاستيفاء المال " وتعني مرة " النوم "‪ .‬وحين يقول‬
‫الحق‪ } :‬إِنّي مُ َت َوفّيكَ { ماذا يعني ذلك؟ إنه سبحانه يريد أن يقول‪ :‬أريدك تماما‪ ،‬أي أن خلقي ل‬
‫يقدرون على هدم بنيتك‪ ،‬إني طالبك إلى تاما‪ ،‬لنك في الرض عرضة لغيار البشر من البشر‪،‬‬
‫لكني سآتي بك في مكان تكون خالصا لي وحدى‪ ،‬لقد أخذتك من البشر تامّا‪ ،‬ومعنى " تاما " ‪ ،‬أي‬
‫أن الروح في جسدك بكل مواصفاته‪ ،‬فالذين يقدرون عليه من هدم المادة لم يتمكنوا منه‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فقول الحق‪ } :‬وَرَا ِف ُعكَ إَِليّ { هذا القول الحكيم يأتي مستقيما مع قول الحق‪ } :‬مُ َت َوفّيكَ {‪ .‬وقد‬
‫يقول قائل‪ :‬لماذا نأخذ الوفاة بهذا المعنى؟ نقول‪ :‬إن الحق بجلل قدرته كان قادرا على أن يقول‪:‬‬
‫إني رافعك إليّ ثم أتوفاك بعد ذلك‪ .‬ونقول أيضا‪ :‬من الذي قال‪ :‬إن " الواو " تقتضي الترتيب في‬
‫عذَابِي وَنُذُرِ }[القمر‪.]16 :‬‬
‫الحدث؟ ألم يقل الحق سبحانه‪َ {:‬فكَيْفَ كَانَ َ‬
‫هل جاء العذاب قبل النذر أو بعدها؟ إن العذاب إنما يكون من بعد النذر‪ .‬إن " الواو " تفيد الجمع‬
‫ك َومِن نّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ‬
‫خذْنَا مِنَ النّبِيّيْنَ مِيثَا َقهُ ْم َومِ ْن َ‬
‫للحدثين فقط‪ .‬ألم يقل ال في كتابه أيضا‪ {:‬وَِإذْ أَ َ‬
‫َومُوسَىا وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِ ْن ُهمْ مّيثَاقا غَلِيظا }[الحزاب‪.]7 :‬‬
‫إن " الواو " ل تقتضي ترتيب الحداث‪ ،‬فعلى فرض أنك قد أخذت } مُ َت َوفّيكَ { أي " مميتك " ‪،‬‬
‫فمن الذي قال‪ :‬إن " الواو " تقتضي الترتيب في الحدث؟ بمعنى أن الحق يتوفى عيسى ثم يرفعه‪.‬‬
‫فإذا قال قائل‪ :‬ولماذا جاءت } مُ َت َوفّيكَ { أول؟ نرد على ذلك‪ :‬لن البعض قد يظن أن الرفع تبرئة‬
‫من الموت‪.‬‬
‫ولكن عيسى سيموت قطعا‪ ،‬فالموت ضربة لزب‪ .‬ومسألة يمر بها كل البشر‪ .‬هذا الكلم من‬
‫ناحية النص القرآني‪ .‬فإذا ما ذهبنا إلى الحديث وجدنا أن ال فوّض رسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫ليشرح ويبين‪ ،‬ألم يقل الحق‪ {:‬وَأَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ال ّذكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُ ّزلَ إِلَ ْي ِه ْم وََلعَّلهُمْ يَ َت َفكّرُونَ }‬
‫[النحل‪.]44:‬‬
‫فالحديث كما رواه البخاري ومسلم‪( :‬كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)؟‪.‬‬
‫إي أن النبي صلى ال عليه وسلم بين لنا أن ابن مريم سينزل مرة أخرى‪ .‬ولنقف الن وقفة عقلية‬
‫لنواجه العقلنيين الذين يحاولون إشاعة التعب في الدنيا فنقول‪ :‬يا عقلنيون أقبلتم في بداية عيسى‬
‫أن يوجد من غير أب على غير طريقة الخلق في اليجاد والميلد؟ سيقولون نعم‪ .‬هنا نقول‪ :‬إذا‬
‫كنتم قد قبلتم بداية مولده بشيء عجيب خارق للنواميس فكيف تقفون في نهاية حياته إن كانت‬
‫خارقة للنواميس؟‪ .‬إن الذي جعلكم تقبلون العجيبة الولى يمهد لكم أن تقبلوا العجيبة الثانية‪ .‬إن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫علُ الّذِينَ اتّ َبعُوكَ َفوْقَ الّذِينَ َكفَرُواْ ِإلَىا‬
‫طهّ ُركَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُو ْا وَجَا ِ‬
‫ي َومُ َ‬
‫} إِنّي مُ َت َوفّيكَ وَرَا ِفعُكَ إَِل ّ‬
‫َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ { [آل عمران‪.]55 :‬‬
‫إنه سبحانه يبلغ عيسى إنني سأخذك تاما غير مقدور عليك من البشر ومطهرك من خبث هؤلء‬
‫الكافرين ونجاستهم‪ ،‬وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة‪ .‬وكلمة " اتبع " تدل‬
‫على أن هناك " مُتّبعا " يتلو مُتّبعا‪ .‬أي أن المتبّع هو الذي يأتي بعد‪ ،‬فمن الذي جاء من بعد عيسى‬
‫بمنهج من السماء؟ إنه محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬ولكن على أي منهج يكون الذين اتبعوك؟ أعلى‬
‫المنهج الذي جاؤا به أم المنهج الذي بلغته أنت يا عيسى؟ إن الذي يتبعك على غير المنهج الذي‬
‫قلته لن يكون تبعا لك‪ ،‬ولكن الذي يأتي ليصحح الوضع على المنهج الصحيح فهو الذي اتبعك‪.‬‬
‫وقد جاء محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم ليصحح الوضع ويبلغ المنهج كما أراده ال‪} .‬‬
‫علُ الّذِينَ اتّ َبعُوكَ َفوْقَ الّذِينَ َكفَرُواْ إِلَىا َي ْومِ ا ْلقِيَامَةِ { فإن أخذنا المعنى بهذا؛ فإن أمة محمد‬
‫وَجَا ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم هي التي اتبعت منهج ال الذي جاء به الرسل جميعا‪ ،‬ونزل به عيسى أيضا‪،‬‬
‫وأن أمة محمد قد صححت كثيرا من القضايا التي انحرف بها القوم‪ .‬نقول ليس المراد هنا من "‬
‫فوق " الغلبة والنصر‪ ،‬ولكننا نريد من " فوق " الحجة والبرهان‪ .‬وذلك إنما يحدث في حالة وجود‬
‫قوم منصفين عقلء يزنون المور بحججها وأدلتها وهم لن يجدوا إل قضية السلم وعقيدة‬
‫السلم‪.‬‬
‫سلَ‬
‫إذن‪ ،‬فالفوقية هي فوقية ظهور دليل وقوة برهان‪ .‬ولذلك قال الحق سبحانه‪ُ {:‬هوَ الّذِي أَرْ َ‬
‫ظهِ َرهُ عَلَى الدّينِ كُلّ ِه وََلوْ كَ ِرهَ ا ْل ُمشْ ِركُونَ }‬
‫رَسُولَهُ بِا ْل ُهدَىا وَدِينِ ا ْلحَقّ لِ ُي ْ‬
‫[التوبة‪.]33 :‬‬
‫وفي موقع آخر من القرآن الكريم‪ ،‬يؤكد الحق ظهور السلم على كافة الديان وهو الشاهد على‬
‫شهِيدا }‬
‫علَى الدّينِ كُلّ ِه َو َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫ظهِ َرهُ َ‬
‫حقّ لِ ُي ْ‬
‫سلَ َرسُولَهُ بِا ْلهُدَىا وَدِينِ الْ َ‬
‫ذلك‪ُ {:‬هوَ الّذِي أَ ْر َ‬
‫[الفتح‪.]28 :‬‬
‫ومعنى ذلك أن ال قد أراد للسلم أن يظهر على كل الديان‪ .‬وقد يقول قائل‪ :‬إن في العالم أديانا‬
‫كثيرة‪ ،‬ولم يظهر عليها السلم‪ ،‬والموجودون من المسلمين في العالم الن مليار وأضعاف ذلك‬
‫من البشر على ديانات أخرى‪ .‬نقول لمثل هذا القائل‪ :‬إن ال أراد للسلم أن يظهره إظهار حجة‪،‬‬
‫ل من قِبَلِكم أنتم فقط ولكن من قِبلهم هم كذلك‪ ،‬والناس دائما حين يجتمعون ليشرعوا القوانين‬
‫وليحددوا مصالح بعضهم بعضا‪ ،‬يلجأون أخيرا إلى السلم‪ .‬فلننظر إلى من يشرع من جنس‬
‫تشريع الرض ولنسأل أرأيت تشريعا ارضيا ظل على حاله؟ ل‪ ،‬إن التشريع الرضي يتم تعديله‬
‫دائما‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لماذا لن الذي وضع التشريع الول لم يكن له من العلم ما يدله على مقتضيات المور التي تَجدّ‪،‬‬
‫جدّت أمور في الحياة لم تكن في ذهن من شرع أول‪ ،‬احتاج الناس إلى تعديل التشريع‪.‬‬
‫فلما َ‬
‫ولنمسك بأي قانون بشرى معدل في أي قضية من قضايا الكون‪ ،‬ولننظر إلى أي اتجاه يسير؟ إنه‬
‫دائما يتجه إلى السلم‪ ،‬وإن لم يلتق مع السلم فإنه يقرب من السلم‪ .‬وعندما قامت في أوروبا‬
‫ضجة على الطلق في السلم‪ ،‬ما الذي حدث؟ جاء التشريع بالطلق في إيطاليا تحت سمع‬
‫وبصر الفاتيكان‪ .‬هل شرعوا الطلق لن السلم أباح الطلق؟ ل‪ .‬إنما شرعوه لن أمور الحياة‬
‫أخضعتهم إلى ضرورة تشريع الطلق‪ ،‬فكأنهم أقاموا الدليل بخضوعهم لمور الحياة على أن ما‬
‫جاء به السلم قبل التجربة كان حقا‪ .‬بدليل أن أوربا لجأت إلى تشريع الطلق ل كمسلمين ولكن‬
‫لن مصالح حياتهم ل تتأتى إل به‪.‬‬
‫وهل هناك ظهور وغلبة أكثر من الدليل الذي يأتي من الخصم؟ تلك هي الغلبة‪ .‬لقد وصلوا إلى‬
‫تشريع الطلق‪ ،‬رغم كراهيتهم للسلم كدليل على صدق ما جاء به السلم‪ .‬وفي الربا‪ ،‬الذي‬
‫يريد البعض هنا أن يحلله‪ ،‬تجد أوربا تحاول التخلص منه‪ ،‬لنهم توصلوا بالتجربة إلى أن المال‬
‫ل يؤدي وظيفته في الحياة إل إذا انخفضت الفائدة إلى الصفر أي؟أنهم عرفوا أن إلغاء الربا‬
‫ضروري حتى يؤدي المال وظيفته الحقيقية في الحياة‪ ،‬والذي ألجأهم إلى الوصول إلى هذه‬
‫الحقيقة هو أن فساد الحياة سببه الربا‪ ،‬فأرادوا أن يمنعوا الربا‪ .‬لقد وصلوا إلى ما بدأ به السلم‬
‫من أربعة عشر قرنا‪ .‬أتريد غلبة‪ ،‬وتريد فوقا‪ ،‬وتريد ظهورا‪ ،‬أكثر من هذا بالنسبة لدين ال؟‬
‫إذن‪ ،‬ففهم الخصوم ما يصلح أمر الحياة اضطرهم إلى الخذ بمبادئ السلم ونتابع بالتأمل قول‬
‫علُ الّذِينَ اتّ َبعُوكَ َفوْقَ الّذِينَ َكفَرُواْ إِلَىا َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ { ‪ ،‬أي أن الحق جاعل الذين‬
‫الحق‪ } :‬وَجَا ِ‬
‫ساروا على المنهج الصيل القادم من ال فوق الذين كفروا‪.‬‬
‫فالذين يقولون فيك يا عيسى ابن مريم ما ل يقال من ألوهية‪ ،‬هل اتبعوك؟ ل‪ ..‬لم يتبعوك‪.‬‬
‫إن الذي يتبع عيسى هو الذي يأتي على المنهج القادم من ال‪ .‬إن عيسى ابن مريم رسول إلى بني‬
‫إسرائيل‪ .‬وديانات السماء ل تأتي لعصبيات الجنس أو القومية أو الوطان أو غير ذلك‪ ،‬ولكن‬
‫المنهج هو الذي يربط الناس بعضهم ببعض‪ ،‬ولذلك جاء لنا الحق بقصة سيدنا نوح لنتعرف على‬
‫هذه المعاني‪ .‬لقد وعد ال سيدنا نوحا أن ينجي له أهله‪ .‬وعندما دعا نوح عليه السلم ابنه ليركب‬
‫معه‪ :‬ولكن ابن نوح رفض‪ ،‬فقال نوح عليه السلم ل‪ {:‬وَنَادَى نُوحٌ رّبّهُ َفقَالَ َربّ إِنّ ابْنِي مِنْ‬
‫ح َكمُ الْحَا ِكمِينَ }[هود‪.]45 :‬‬
‫ق وَأَنتَ أَ ْ‬
‫ن وَعْ َدكَ ا ْلحَ ّ‬
‫أَهْلِي وَإِ ّ‬
‫فهل الهلية بالنسبة للنبياء هي التي قالها نوح هل أهلية الدم؟ ل‪ ،‬لن الحق قال‪ {:‬قَالَ يانُوحُ إِنّهُ‬
‫ظكَ أَن َتكُونَ مِنَ‬
‫عُ‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ فَلَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّي أَ ِ‬
‫لَيْسَ مِنْ أَ ْهِلكَ إِنّهُ َ‬
‫الْجَاهِلِينَ }[هود‪.]46 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لماذا؟ لن أهل النبوة هم المؤمنون بها فالذين اتبعوا المنهج الذي جاء به المسيح من عند ال ليس‬
‫من يطلق على نفسه النسب للمسيح‪ ،‬ومن يطلق على نفسه أنه يهودي إن هذه أسماء فقط‪ .‬إن‬
‫المتبع الحق هو من يتبع المنهج المنزل من عند ال‪ .‬إن النبياء ميراثهم المنهج والعلم‪ .‬ألم يقل‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم على سلمان وهو فارسي ل يجتمع مع رسول ال في أرومة‬
‫عربية‪:‬‬
‫" سلمان منا آل البيت "‪.‬‬
‫وهكذا انتسب سلمان إلى آل البيت بحكم إيمانه‪ ،‬وبنص حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫إذن‪ " :‬وجاعل الذي اتبعوك فوق الذي كفروا إلى يوم القيامة " ‪ ،‬أي أن الحق سبحانه قد جعل‬
‫الفوقية للذين يتبعون المنهج الحق القادم من عند ال‪ .‬والذي يصوب منهج عيسى هو محمد رسول‬
‫ال هل تكون الفوقية هي فوقية مساحة جغرافية؟ لن رقعة من الرض التي تتبع الديانات‬
‫الخرى غير السلم أكبر مساحة من رقعة أرض المؤمنين بالسلم؟ ل‪ ..‬فالفوقية تكون فوقية‬
‫دليل‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬إن الدليل ل يلزم‪ .‬نرد قائلين‪ :‬كيف ل يلزم الدليل؟ ونحن نرى الذين ل يؤمنون‬
‫به يدللون عليه‪ .‬كيف يدللون عليه؟ إنهم يسيرون فيما يقننون من قوانين البشر إلى ما سبق إليه‬
‫تقنين السماء‪ .‬وما دام هنا في هذه الية كلمة " فوق " وكلمة " كفروا " وهناك أتباع‪ ,‬إذن‪ ،‬فهناك‬
‫قضية وخصومة‪ ،‬وهناك حق‪ ،‬وهناك باطل‪ ،‬وهناك هدى‪ ،‬وهناك ضلل‪ .‬فل بد من الفصل في‬
‫هذه القضية‪.‬‬
‫ويأتي الفصل ساعة أل يوجد للنسان تصرف إرادى ل على ذات نفسه ول على سواه‪.‬‬
‫إن الظالمين يستطيعون التصرف في الرض‪ ،‬لكن عندما يكون المرجع إلى ال فال يقول‪ :‬أنا‬
‫ملكتكم وأنتم عصاة لي في كثير من السباب‪ ،‬لكن هناك وقت تزول فيه ملكيتكم للسباب‪ .‬إذن‪..‬‬
‫فالظالم قد يتحكم على الرض وكذلك الباطل لن ال أوجد لنا جميعا إرادات ومرادات اختيارية‪.‬‬
‫شيْءٌ ّلمَنِ‬
‫خفَىا عَلَى اللّهِ مِ ْنهُمْ َ‬
‫ن لَ يَ ْ‬
‫لكن في يوم القيامة فل إرادات إل إرادة ال‪َ {:‬يوْمَ هُم بَارِزُو َ‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫إذن فالحكم قادم بدون منازع‪ ..‬والذي يدل على ذلك قوله الحق‪ {:‬إِذْ تَبَرّأَ الّذِينَ اتّ ِبعُواْ مِنَ الّذِينَ‬
‫ط َعتْ ِبهِ ُم الَسْبَابُ * َوقَالَ الّذِينَ اتّ َبعُواْ َلوْ أَنّ لَنَا كَ ّرةً فَنَتَبَرّأَ مِ ْنهُمْ َكمَا‬
‫اتّ َبعُواْ وَرَأَوُاْ ا ْل َعذَابَ وَتَقَ ّ‬
‫حسَرَاتٍ عَلَ ْيهِ ْم َومَا هُم بِخَا ِرجِينَ مِنَ النّارِ }[البقرة‪-166 :‬‬
‫عمَاَلهُمْ َ‬
‫تَبَرّءُواْ مِنّا كَذَِلكَ يُرِي ِهمُ اللّهُ أَ ْ‬
‫‪.]167‬‬
‫إن الذي اتبع واحدا على ضلل يأتي يوم القيامة ليجد أن صاحب الضلل يتبرأ منه‪ ،‬فيقول‬
‫المتبعون سائلين ال‪ :‬يارب ارجعنا إلى الدنيا لننتقم ممن خدعونا‪ ،‬هذا من ناحية علقة البشر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالبشر‪ .‬أما من ناحية الجسد الواحد نفسه‪ ،‬فسوف نجد شهادة الجلود واللسنة واليدي‪ ،‬بعد أن‬
‫تسقط عنها إرادة النسان ويسقط تسخير الحق لهذه الجوارح والحواس لخدمة النسان‪ ،‬تقول‬
‫الجوارح والحواس‪ :‬لقد كانت لصاحبي إرادة ترغمني على أن أفعل ما ل أحب‪ ،‬لكن ها هو ذا‬
‫يوم القيامة‪ ،‬فل قهر ول إرغام ول تسخير لن الملك كله ل‪ ..‬لذلك تشهد اللسنة والجلود ولهذا‬
‫حكُمُ بَيْ َن ُكمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَِلفُونَ {‪.‬‬
‫ج ُعكُمْ فَأَ ْ‬
‫يقول الحق‪ } :‬ثُمّ إَِليّ مَرْ ِ‬
‫إن الحق يحكم فيما كانوا فيه يختلفون لتكون ثمرة الحكم هي ماذا؟ هل هناك تكليف بعد ذلك؟ ل‪..‬‬
‫لكن ثمرة الحكم هي الجزاء‪ .‬ففي الخرة ل عمل هنالك‪ ،‬والحكم فيها للجزاء‪ ،‬وكما قلنا‪ :‬مادام‬
‫هناك متبعون وكافرون‪ ،‬وجماعة فوق جماعة‪ ،‬وإلى ال مرجعهم‪ ،‬فل بد لنا أن نرى ما هو الحكم‬
‫شدِيدا فِي الدّنْيَا‬
‫عذَابا َ‬
‫عذّ ُبهُمْ َ‬
‫الذي سوف يكون؟ ها هو ذا القول الحكيم‪ } :‬فََأمّا الّذِينَ َكفَرُواْ فَأُ َ‬
‫وَالخِ َرةِ‪{ ...‬‬

‫(‪)447 /‬‬
‫شدِيدًا فِي الدّنْيَا وَالْآَخِ َر ِة َومَا َلهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (‪)56‬‬
‫عذَابًا َ‬
‫فََأمّا الّذِينَ َكفَرُوا فَأُعَذّ ُبهُمْ َ‬

‫لماذا لم يأت ال بالحكم على المؤمنين أول؟ لن المؤمنين يؤمنون بذلك تماما‪ ،‬إنهم بإيمانهم‬
‫يعرفون ذلك ويعونه‪ .‬ولننتبه هنا إلى أن الحكم ل يشمل العذاب في الخرة فقط ولكنه يشتمل على‬
‫العذاب في الدنيا أيضا‪ ،‬فعذاب الدنيا سيكون قبل الحكم‪ ،‬وكأن الحق يقول لنا‪ :‬ل تعتقدون أن‬
‫تعذيبي إياهم في الدنيا يعفيهم من تعذيبي إياهم في الخرة‪ ,‬لن التعذيب في الدنيا فقط قد يصيب‬
‫من آمن بي‪.‬‬
‫أما من كفر بي‪ ،‬فإني أعذبه في الدنيا وأعذبه في الخرة إنني ل أؤجل العذاب للكافرين إلى‬
‫الخرة فقط ولكن سأضم عذاب الدنيا إلى عذاب الخرة‪.‬‬
‫إن الحصيلة بعد كل شيء هي أن يعذب الكافر في الدنيا وفي الخرة‪ .‬ويقول الحق عن هذا‬
‫العذاب‪ :‬إنه عذاب شديد؛ لن الحدث حين يقع ل بد أن تلحظ فيه القوة التي تناسب من أحدث‪.‬‬
‫ولنضرب هذا المثل ول المثل العلى‪:‬‬
‫إن الطفل قد يكسر شيئا في حدود قوته كطفل‪ ،‬والشاب قد يكسر شيئا مناسبا لقوته‪ .‬إذن فالحديث‬
‫يجب أن نأخذه قياسا بالنسبة لفاعله؛ فإذا كان الفاعل هو ال‪ ،‬فهل لحد طاقة على عذاب ال؟ ل‬
‫أحد يتصور ذلك‪ ،‬وليس لحد من هؤلء من ناصر‪ ،‬لن الذي يهزمه ال ويعذبه ل ناصر له‪،‬‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ فَ ُي َوفّيهِمْ أُجُورَهُمْ‪} ...‬‬
‫وبعد ذلك يأتي الحق بالمقابل‪ { :‬وََأمّا الّذِينَ آمَنُوا وَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)448 /‬‬
‫حبّ الظّاِلمِينَ (‪)57‬‬
‫عمِلُوا الصّالِحَاتِ فَ ُي َوفّيهِمْ ُأجُورَهُ ْم وَاللّهُ لَا يُ ِ‬
‫وََأمّا الّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬

‫أي فما دام الذين كفروا سينالون العذاب الشديد من ال‪ ،‬فالذين آمنوا سينالون النعيم المقيم بإذن‬
‫ال‪.‬‬

‫(‪)449 /‬‬
‫حكِيمِ (‪)58‬‬
‫ت وَال ّذكْرِ الْ َ‬
‫ذَِلكَ نَتْلُوهُ عَلَ ْيكَ مِنَ الْآَيَا ِ‬

‫يقول الحق تبارك وتعالى‪:‬‬
‫{ ذاِلكَ } إشارة لما سبق من الحداث‪ ،‬في شأن امرأة عمران‪ ،‬ومريم‪ ،‬وزكريا‪ ،‬ويحيى‪ ،‬وعيسى‪،‬‬
‫وكان لكل واحد من هؤلء قضية عجيبة يخرق فيها ناموس الكون‪ ،‬وكلها آيات‪ ،‬أي عجائب‪ .‬وقد‬
‫نقلت إلينا هذه العجائب من واقع ما رآه الذين عاصروا تلك الحداث‪ ،‬وجاء الخبر اليقين بتلك‬
‫العجائب في قرآن ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه‪ ،‬وهو الكتاب الحق الموصوف من‬
‫حكِيمِ } فاطمئنوا ‪ -‬أيها المؤمنين ‪ -‬إلى أن ما وصلكم عن طريق القرآن‪ ،‬إنما‬
‫ال بأنه { ال ّذكْرِ الْ َ‬
‫حكى واقعا ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه‪ ،‬فما جاء به من أخبار عن تلك اليات هو‬
‫ما يطابق الواقع الذي عاصره الناس وحكوه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يعرض الحق لنا سبحانه قضية سيدنا عيسى عليه السلم‪ ،‬وهي قضية يجب أن نتنبه‬
‫إليها تنبها جديدا فنعرض وجهة نظر الذين يضعونه في غير الموضع الذي أراده ال‪ ،‬كما نعرض‬
‫وجهة نظر الذين يضعونه في الموضع الذي يريده ال‪ ،‬فالمسألة ليست انتصارا منا في الدنيا على‬
‫فريق يقول‪ :‬كذا‪ ،‬لنها مسألة لها عاقبة تأتي في الخرة ويحاسبنا عليها الحق تعالى‪ ،‬لذلك كان من‬
‫المهم جدا أن نصفيها تصفية يتضح فيها الحق‪ ،‬حتى ل يظلم أحد نفسه‪.‬‬
‫لقد جاء عيسى عليه السلم على دين اليهودية‪ ،‬أي طرأ على دين اليهودية ونحن نعلم أن دين‬
‫اليهودية قد تم تحريفه من اليهود تحريفا جعله ينحاز إلى المور المادية الصرفة‪ ،‬دون أدنى‬
‫اعتبار للمور الروحية واليمان بالغيب‪ ،‬فهم ماديون‪ ،‬وتتمثل ماديتهم في أنهم قالوا لموسى عليه‬
‫خذَ ْتكُمُ‬
‫جهْ َرةً فَأَ َ‬
‫السلم ما حكاه القرآن الكريم‪ {:‬وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىا لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا نَرَى اللّهَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }[البقرة‪.]55 :‬‬
‫الصّا ِ‬
‫إنهم لم يلتفتوا إلى أن بعضا من كمال وجلل ال غيبٌ؛ لنه لو كان مشهودا محسا‪ ،‬لحدد ‪ -‬بضم‬
‫الحاء وكسر الدال ‪ -‬وحُيّزَ‪ ،‬وما دام قد حُدِدَ وحُيّزَ في تصورهم فذلك يعني أنه سبحانه قد يوجد‬
‫في مكان ول يوجد في مكان آخر‪ ،‬والحق سبحانه منزه عن مثل ذلك لنه موجود في كل الوجود‪،‬‬
‫ول نراه بالعين‪ ،‬لكن نرى آثار أعماله وجميل صنعه في كل الكون‪.‬‬
‫إذن فكون ال غيبا هو من تمام الجلل والكمال فيه‪.‬‬
‫لكن اليهود قد صوروا الشياء كلها على أنها حسية‪ ،‬حتى أمور اقتيات حياتهم وهي الطعام‪ ،‬لقد‬
‫أرادها ال لهم غيبا حتى يريحهم في التيه‪ ،‬فأرسل عليهم المنّ والسلوى‪ ،‬كرزق من الغيب الذي‬
‫يأتي إليهم‪ ،‬لم يستنبتوه‪ .‬ولم يستوردوه‪ ،‬ولم يعرفوا كنهه‪ ،‬ولم يجتهدوا في استخراجه‪ ،‬إنه رزق‬
‫من الغيب‪ ،‬ومع ذلك تمردوا على هذا الرزق القادم لهم من الغيب وقالوا كما أخبر ال عنهم‪:‬‬
‫ت الَ ْرضُ مِن‬
‫حدٍ فَا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ ُيخْرِجْ لَنَا ِممّا تُنْ ِب ُ‬
‫طعَا ٍم وَا ِ‬
‫{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىا لَن ّنصْبِرَ عَلَىا َ‬
‫سهَا وَ َبصَِلهَا قَالَ أَتَسْتَبْ ِدلُونَ الّذِي ُهوَ َأدْنَىا بِالّذِي ُهوَ خَيْرٌ اهْ ِبطُواْ ِمصْرا‬
‫َبقِْلهَا َوقِثّآ ِئهَا َوفُو ِمهَا وَعَدَ ِ‬
‫ضبٍ مّنَ اللّهِ ذَِلكَ بِأَ ّنهُمْ كَانُواْ َي ْكفُرُونَ‬
‫سكَنَةُ وَبَآءُو ِب َغ َ‬
‫فَإِنّ َلكُمْ مّا سَأَلْتُ ْم َوضُرِ َبتْ عَلَ ْيهِمُ الذّلّ ُة وَا ْلمَ ْ‬
‫عصَواْ ّوكَانُواْ َيعْتَدُونَ }[البقرة‪.]61 :‬‬
‫حقّ ذاِلكَ ِبمَا َ‬
‫بِآيَاتِ اللّ ِه وَ َيقْتُلُونَ النّبِيّينَ ِبغَيْرِ الْ َ‬
‫إنهم يريدون أن يكون طعامهم كما ألفوا‪ ،‬وأن يروا هذا الطعام كأمر مادي من أمور الحياة؛ لذلك‬
‫تشككوا في رزق الغيب‪ ،‬وهو المن والسلوى‪ ،‬وقالوا‪ " :‬من يدرينا أن المن قد ل يأتي‪ ،‬وأن‬
‫السلوى قد ل تنزل علينا " فلم تكن لهم ثقة في رزق وُهب لهم من الغيب؛ لنهم تناولوا كل‬
‫أمورهم بمادية صرفة‪ .‬وما دامت كل أمورهم مادية فهم في حاجة إلى هزة عنيفة تهز أوصال‬
‫ماديتهم هذه؛ لتُخرجهم إلى معنى يؤمنون فيه بالغيب‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الفكر المادي ل يرى الحياة إل أسبابا ومسببات‪ ،‬فأراد الحق سبحانه وتعالى أن‬
‫يخلع منهم ذلك الفكر المادي‪ ،‬لذلك جاء بعيسى عليه السلم على غير طريق الناموس الذي يأتي‬
‫عليه البشر‪ ،‬فجعله من امرأة دون أب‪ ،‬حتى يزلزل قواعد المادية عند اليهود‪ .‬لكن الفتنة جاءت‬
‫في قومه‪ ،‬فقالوا ببنوته للله‪ ،‬وسبحانه منزه عن أن يكون له ولد‪.‬‬
‫ولنا أن نسأل ما الشبهة التي جعلتهم يقولون بهذه البنوة؟‬
‫قالوا‪ :‬إن المومة موجودة والذكورة ممتنعة‪ ،‬والشبهة إنما جاءت من أن ال نفخ فيه الروح‪ ،‬فال‬
‫هو الب‪.‬‬
‫نقول لهم‪ :‬لو أن المر كذلك لوجب أن تفتنوا في آدم أولى من أن تفتنوا في عيسى؛ لن عيسى‬
‫عليه السلم كان في خلقه أمومة‪ ،‬أما آدم فل أمومة ول أبوة‪ ،‬فتكون الفتنة في آدم عليه السلم‬
‫أكبر‪ ،‬وإن قلتم‪ " :‬إن الحق قال‪ :‬إنه نفخ فيه من روحه " ‪ ،‬فلكم أن تعرفوا قول ال في آدم عليه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ختُ‬
‫سوّيْتُ ُه وَ َنفَ ْ‬
‫حمَإٍ مّسْنُونٍ * فَإِذَا َ‬
‫السلم‪ {:‬وَإِذْ قَالَ رَ ّبكَ لِ ْلمَل ِئكَةِ إِنّي خَالِقٌ َبشَرا مّن صَ ْلصَالٍ مّنْ َ‬
‫فِيهِ مِن رّوحِي َف َقعُواْ َلهُ سَاجِدِينَ }[الحجر‪.]29-28:‬‬
‫إذن فالنفخ هنا في آدم موجود‪ ،‬فلماذا سكتم عن هذه الحكاية منذ آدم وحتى مجيء عيسى عليه‬
‫السلم‪ ،‬وهكذا يتم دحض تلك الحجة ونهايتها‪ ،‬وبعد ذلك نأتي إلى قضية أخرى‪ ،‬وهي توفيه أو‬
‫وفاته‪ ،‬إلى القضيتين معا ‪ -‬توفيه ووفاته ‪ -‬حتى نُبَيّن الرأيين معا‪ :‬وهنا نتساءل‪ :‬لماذا فتنتم في‬
‫ذلك؟ يقولون‪ :‬لقد أحيا عيسى الموتى‪ ،‬ونقول لهم‪ :‬ألم تأخذوا تاريخ إبراهيم عليه السلم حينما قال‬
‫طمَئِنّ‬
‫ال له‪ {:‬وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ َربّ أَرِنِي كَ ْيفَ ُتحْيِـي ا ْل َموْتَىا قَالَ َأوَلَمْ ُت ْؤمِن قَالَ بَلَىا وَلَـكِن لّ َي ْ‬
‫عهُنّ يَأْتِي َنكَ‬
‫ج َعلْ عَلَىا ُكلّ جَ َبلٍ مّ ْنهُنّ جُزْءًا ثُمّ ادْ ُ‬
‫قَلْبِي قَالَ َفخُذْ أَرْ َبعَةً مّنَ الطّيْرِ َفصُرْهُنّ إِلَ ْيكَ ثُمّ ا ْ‬
‫حكِيمٌ }‬
‫سعْيا وَاعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ َ‬
‫َ‬
‫[البقرة‪.]260 :‬‬
‫إذن فمجال الفتنة في إبراهيم عليه السلم كبير‪ ،‬وكذلك‪ ،‬ألم يجيء موسى عليه السلم بآية هي‬
‫العصا؟ إنه لم يجيء ميتا كانت فيه حياة‪ ،‬إنما أجرى ال على يديه خلق الحياة فيما لم تثبت له‬
‫حياة‪ ،‬فأصبحت العصا ‪ -‬وهي جماد ‪ -‬حية تسعى لماذا إذن لم تفتنوا في عصا موسى عليه‬
‫السلم؟‬
‫وهكذا نعرف انه ل يصح أن يفتن أحد في المعجزة التي جاءت بعيسى عليه السلم‪ ،‬أو في إحيائه‬
‫الموتى بإذن ال‪ ،‬وأتباع عيسى عليه السلم يتفقون معنا أن ال سبحانه وتعالى غيب‪ ،‬ولكنهم‬
‫يختلفون معنا فيقولون‪ :‬إن ال أراد أن يؤنس البشر بصورة يتجلى لهم فيها بشرا فجاء بعيسى‬
‫عليه السلم ليتحقق لهم ذلك النس‪.‬‬
‫ونقول لهم‪ :‬سنبحث هذه المسألة بدون حساسية‪ ،‬وبدون عصبية‪ ،‬بل بالعقل‪ ،‬ونسأل " هل خلق ال‬
‫عيسى ليعطي صورة للله؟ إن عيسى كان طفل‪ ،‬ثم كبر من بعد ذلك‪ ،‬فأي صورة من صورة‬
‫المرحلية كانت تمثل ال؟‬
‫إن كانت صورة طفل فهل هي صورة ال؟ وإن كانت صورة كهل فهل هي صورة ال؟ إن ل‬
‫صورة واحدة ل نراها ول نعرف كنهها فهو سبحانه " ليس كمثله شيء " ‪ ،‬فأية صورة من‬
‫الصور التي تقولون‪ :‬إنها صورة ال؟‬
‫وإن كان ال على كل هذه الصور فمعنى ذلك أن ل أغيارا‪ ,‬وهو سبحانه منزه عن ذلك‪ ،‬ولو كان‬
‫على صورة واحدة لقلنا‪ :‬إنه الثبات والمر كذلك فهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬الحق الذي ل يتغير إنهم‬
‫يقولون‪ :‬إن ال أراد أن يجعل صورته في بشر ليؤنس الناس بالله‪ ،‬فتمثل في عيسى‪.‬‬
‫ولنا أن نسأل‪ :‬كم استغرق وجود عيسى على الرض؟ والجابة‪ :‬ثلثين عاما أو يزيد قليل‪.‬‬
‫وهكذا تكون فترة معرفة الناس بالصورة اللهية محدودة بهذه السنوات الثلثين طبقا لتصوركم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ول بد ان نسأل " ما عمر الخلق البشرى كله؟ " إن عمر البشرية هو مليين السنين‪ .‬فهل ترك ال‬
‫خلقه السابقين الولين بدون أن يبدي لهم صورته‪ ،‬ثم ترك خلقه الخرين الذين قدموا إلى الحياة‬
‫بعد وفاة عيسى ‪ -‬أي تمام مهمته ‪ -‬ورفعه‪ ،‬بدون أن يعطيهم صورة له؟ إن هذا تصور لله‬
‫ظالم‪ ،‬وسبحانه وتعالى منزه عن الشرك والظلم‪ .‬فل يعقل أن يضن بصورته فل يبقيها إل ثلثين‬
‫عاما؟ إن هذا القول ل يقبله عقل يثق في عدالة ال المطلقة‪.‬‬
‫ثم إنهم يقولون‪ :‬إن عيسى عليه السلم قد صلب‪ ،‬وهم معذورون والحق سبحانه وتعالى قد عذرهم‬
‫في ذلك فأورد التأريخ الحق العادل‪ ،‬حين يقول‪:‬‬
‫{ َو َقوِْلهِمْ إِنّا قَتَلْنَا ا ْلمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْ َيمَ رَسُولَ اللّ ِه َومَا قَتَلُو ُه َومَا صَلَبُو ُه وَلَـاكِن شُبّهَ َل ُه ْم وَإِنّ‬
‫ن َومَا قَتَلُوهُ َيقِينا }[النساء‪.]157 :‬‬
‫شكّ مّنْهُ مَا َلهُمْ ِبهِ مِنْ عِلْمٍ ِإلّ اتّبَاعَ الظّ ّ‬
‫الّذِينَ اخْتََلفُواْ فِيهِ َلفِي َ‬
‫لقد جعل ال لهم عذرا في أن يقولوا‪ :‬إنه قتل أو صلب؛ لنه شبه لهم وكان من المعقول أن‬
‫يلتمسوا من السلم حل لهذه المشكلة‪ ،‬لن السلم جاء ليقول‪ " :‬ل‪ ،‬لقد شبه لكم‪ ،‬فما قتلوه وما‬
‫صلبوه؛ لن هذا الفعل ‪ -‬القتل أو الصلب ‪ -‬ينقض فكرتهم عن أنه إله أو ابن إله‪ .‬لن المصلوب‬
‫لو كان إلها أو ابن إله‪ ،‬لكانت لديه القدرة التي تغلب الصالب‪ ،‬فكيف يعقل النسان أن ينقلب الله‬
‫ أو ابن الله ‪ -‬مقدورا عليه من مخلوق؟ والسلم عندما يقول‪ :‬إن عيسى ابن مريم لم يصلب‬‫فقد كرمه ال‪ .‬وهكذا ترى أن السلم قد جاء ليصفى العقائد كلها من عيوب التحريف التي قام بها‬
‫المتبعون لتلك الديان‪.‬‬
‫وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعرض علينا قضية جدلية حدثت في أيام رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬حتى يخرج الناس ‪ -‬مسلمين ونصارى ويهودا ‪ -‬من هذه البلبلة‪ ،‬وأن يتم ذلك في‬
‫مودة‪ ،‬لنهم كلهم مؤمنون بالعبودية لمعبود واحد‪ .‬فقد جاء وفد من نصارى نجران إلى رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم في المدينة‪ ،‬والتقوا برسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان لهؤلء القوم جدل‬
‫مع اليهود‪ ،‬ولهم جدل مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما كان لليهود والنصارى معا جدل‬
‫مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والجدل بين اليهود والنصارى مصدره أن لليهود والنصارى قول متضاربا في بعضهم بعضا‬
‫ستِ الْ َيهُودُ عَلَىا‬
‫شيْ ٍء َوقَاَلتِ ال ّنصَارَىا لَيْ َ‬
‫ستِ ال ّنصَارَىا عَلَىا َ‬
‫يرويه لنا الحق‪َ {:‬وقَاَلتِ الْ َيهُودُ لَيْ َ‬
‫ح ُكمُ بَيْ َنهُمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ فِيمَا‬
‫ن لَ َيعَْلمُونَ مِ ْثلَ َقوِْلهِمْ فَاللّهُ يَ ْ‬
‫شيْ ٍء وَهُمْ يَتْلُونَ ا ْلكِتَابَ َكذَِلكَ قَالَ الّذِي َ‬
‫َ‬
‫كَانُواْ فِيهِ يَخْتَِلفُونَ }[البقرة‪.]113 :‬‬
‫فاليهود يقولون‪ " :‬كان إبراهيم يهوديا " والنصارى يقولون ل‪ ،‬كان " إبراهيم نصرانيا " وأما‬
‫الجدل بين النصارى وبين رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فسببه أنهم قد أرادوا ان يتكلموا في‬
‫مسألة عيسى‪ ,‬وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يصفى القضية تصفية نهائية حتى ل تظل معلقة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تلوكها اللسنة وتجعلها مثارا للفتن‪ .‬فلما اجتمع نصارى نجران تحت لواء رؤسائهم‪ ،‬ومن هؤلء‬
‫الرؤساء من اسمه السيد‪ ،‬ومنهم من يسمى العاقب صاحب المشورة‪ ،‬ومعهم قسيس‪ ،‬فقال لهم‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬ماذا تقولون في عيسى؟ قالوا‪ :‬إنه ابن ال‪ .‬وقال لهم الرسول‪ :‬إن عيسى‬
‫عليه السلم قال‪ " :‬إني عبد ال " وهو عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول‪ ،‬فغضبوا‬
‫وقالوا للرسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ إن كنت قد رأيت مثل ذلك‬
‫فأخبرنا به‪.‬‬
‫وهنا نزلت الية الكريمة‪ } :‬إِنّ مَ َثلَ عِيسَىا عِندَ اللّهِ َكمَ َثلِ ءَادَمَ‪{ ...‬‬

‫(‪)450 /‬‬
‫خَلقَهُ مِنْ تُرَابٍ ُثمّ قَالَ لَهُ كُنْ فَ َيكُونُ (‪)59‬‬
‫إِنّ مَ َثلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ َكمَ َثلِ آَ َدمَ َ‬

‫لقد جاء القول الفصل بالحجة القوى‪ ،‬فإذا كان عيسى عليه السلم قد جاء بدون أب‪ ،‬فإن آدم عليه‬
‫السلم قد جاء بدون أب‪ ،‬وبدون أم‪ ،‬وقال لهم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬تعلمون أني رسول‬
‫ال وأنني نبي هذه المة‪ ،‬فقالوا‪ :‬أنظرنا غدا نتكلم في هذه المسائل‪ ،‬ودعاهم رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم إلى اليمان فقالوا‪ :‬ل‪.‬‬
‫وعندما يعرض الحق سبحانه صراع قضية حق مع قضية باطل فهو يقول‪ {:‬وَإِنّآ َأوْ إِيّاكُمْ َلعَلَىا‬
‫للٍ مّبِينٍ }[سبأ‪.]24 :‬‬
‫هُدًى َأوْ فِي ضَ َ‬
‫أي إن طرفا واحدا على الهدى‪ ،‬والطرف الخر على ضلل مبين‪ ،‬لماذا؟ لن القضيتين‬
‫متناقضتان‪ ،‬ول يمكن أن يجتمعا‪ ،‬ودعاهم رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى أن يجتمع بهم في‬
‫مكان ظاهر‪ ،‬ويدعو الطرفان البناء والنساء‪ ،‬ويبتهل الجميع إلى ال الحق أن تُسْتَنْزلَ لعنة ال‬
‫حقّ مِن رّ ّبكَ فَلَ َتكُنْ مّن ا ْل ُممْتَرِينَ‪} ...‬‬
‫على الكاذبين‪ ،‬وفي هذا جاء القول الكريم‪ { :‬الْ َ‬

‫(‪)451 /‬‬
‫جكَ فِيهِ مِنْ َبعْدِ مَا جَا َءكَ مِنَ ا ْلعِلْمِ فَ ُقلْ َتعَاَلوْا‬
‫حقّ مِنْ رَ ّبكَ فَلَا َتكُنْ مِنَ ا ْل ُممْتَرِينَ (‪َ )60‬فمَنْ حَا ّ‬
‫الْ َ‬
‫علَى ا ْلكَاذِبِينَ (‬
‫ج َعلْ َلعْ َنةَ اللّهِ َ‬
‫سكُمْ ثُمّ نَبْ َت ِهلْ فَ َن ْ‬
‫نَ ْدعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَا َءكُ ْم وَنِسَاءَنَا وَنِسَا َءكُ ْم وَأَ ْنفُسَنَا وَأَ ْنفُ َ‬
‫‪)61‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد جاء الحق البيّن والقول الفصل من ال لرسوله صلى ال عليه وسلم فل مجال للشك أو المراء‪،‬‬
‫ومن يرد أن يحتكم إلى أح ٍد فليقبل الحتكام إلى الله العادل الذي لن يحكم بالباطل أبدا‪ ،‬فهو‬
‫سكُمْ‬
‫سبحانه الحق‪ ،‬ويجيء هذا القول‪َ { :‬تعَاَلوْاْ نَ ْدعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآ َءكُ ْم وَنِسَآءَنَا وَنِسَآ َءكُ ْم وَأَ ْنفُسَنَا وأَ ْنفُ َ‬
‫جعَل ّلعْ َنتَ اللّهِ عَلَى ا ْلكَاذِبِينَ }‪ .‬إن الطرفين مدعوان ليوجها الدعوة لبنائهم ونسائهم‪،‬‬
‫ثُمّ نَبْ َت ِهلْ فَنَ ْ‬
‫فالرسول صلى ال عليه وسلم مدعو لدعوة أبنائه ونسائه‪ ،‬ومن له الولية عليهم‪ ،‬وبحضوره هو‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهم مدعون لدعوة أبنائهم ونسائهم وأنفسهم للبتهال‪.‬‬
‫وقد يسأل سائل‪ :‬ولماذا تكون الدعوة للبناء والنساء؟ والجابة هي‪ :‬أن البناء والنساء هم القرابة‬
‫القريبة التي تهم كل إنسان‪ ،‬وإن لم يكن رسول‪ ،‬إنهم بضعة من نفسه وأهله‪ .‬فكان الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم مأمور بأن يقول لهم‪ " :‬هاتوا أحبابكم من البناء والنساء لنهم أعزة الهل‬
‫وألصقهم بالقلوب وادخلوا معنا في مباهلة " " والمباهلة "‪ :‬هي التضرع في الدعاء لستنزال اللعنة‬
‫على الكاذب‪ ،‬فالبهلة ‪ -‬بضم الباء ‪ -‬هي اللعنة‪ ،‬وعندما يقول الطرفان‪ " :‬يارب لتنزل لعنتك على‬
‫الكذاب منا " فهذا دعاء يحمل مطلق العدالة‪ ،‬فالله الذي يستطيع أن ينزل اللعنة هو الله الحق‪.‬‬
‫وهو سينزل اللعنة على من يشركون به‪ ،‬ولو كانت اللعنة تنزل من اللهة المتعددة فسوف تنزل‬
‫اللعنة على أتباع الله الواحد‪.‬‬
‫ولهذا كانت الدعوة إلى المباهلة والبهلة ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬وهي ضراعة إلى القوة القاهرة التي‬
‫تتصرف في المر لتنهى الخلف‪ ،‬ثم صار المراد بالمباهلة هنا مطلق الدعاء‪ ،‬فنحن نقول‪" :‬‬
‫نبتهل إلى ال " ‪ ،‬أي ندعو ال‪.‬‬
‫إذن فالرسول صلى ال عليه وسلم جاءهم بالمر المنزل من عند ال الحق بدعوة البناء والنساء‬
‫والنفس‪ ،‬لكنهم قالوا للرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أَنْظِرْنا إلى غد ونأتي إليك "‪.‬‬
‫ثم أرسلوا في الصباح واحدا منهم ليرى ماذا فعل رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ وهل هو‬
‫مستعد لهذا المر حقيقة‪ ،‬أو هو مجرد قول منه أراد به التهديد فقط؟ ووجد رسولهم أن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم قد جاء ومعه الحسين والحسن وفاطمة وعلي بن أبي طالب‪ ،‬لذلك قالوا‪ " :‬ل‬
‫لن نستطيع المباهلة " ‪ ،‬وال ما باهل قوم نبيا إل أخذوا‪ ،‬وحاولوا ترضية رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وقالوا‪ " :‬لنظل على ديننا ويظل محمد وأتباعه على دينه " لقد ظنوا ان الدعوة إلى‬
‫المباهلة هي مجرد تهديد لن ينفذه الرسول‪ ،‬لكن صاحب اليقين الصادق جاء ومعه أهله استعدادا‬
‫للمباهلة‪ ،‬ولن يُقبل على مثل هذا الموقف ال من عنده عميق اليمان واليقين‪ ،‬أما الذي ل يملك‬
‫يقينا فلن يقبل على المباهلة بل ل بد ان يرجع عنها‪.‬‬
‫وقد رجعوا عن المباهلة‪ ،‬وقالوا للرسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬لنتفق معا أل تغزونا أو تخيفنا على‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن نرسل لك الجزية في رجب وفي صفر وهي من الخيل وغير ذلك! لقد فروا من المباهلة‬
‫لمعرفتهم أنهم في شك من أمرهم‪ ،‬أما رسول ال صلى ال عليه وسلم فكان على يقين بما أنزل‬
‫ال عليه وكان العرب إذا خرجوا إلى الحرب يأخذون نساءهم معهم‪ ،‬لذلك حتى يخجل الرجل من‬
‫الفرار‪ ،‬وحتى ل يترك أولده ونساءه لكيل يذلوا من بعد موته‪ ،‬فإن قُ ِتلَ قُتلوا معه هم أيضا‪.‬‬
‫إذن إن أردنا نحن الن أن ننهي الجدل في مسألة عيسى عليه السلم فلنسمع قول الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪ } :‬إِنّ مَ َثلَ عِيسَىا عِندَ اللّهِ َكمَ َثلِ ءَا َدمَ خََلقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُن فَ َيكُونُ * ا ْلحَقّ مِن‬
‫رّ ّبكَ فَلَ َتكُنْ مّن ا ْل ُممْتَرِينَ { إنه الحق القادم من الربوبية فل تكن أيها السامع من الشاكين في هذه‬
‫المسألة‪ .‬ومن أراد أن يأتي بحجة مضادة للحجة القادمة من ال فلنا أن نحسمها بأن نقول‪َ } :‬تعَاَلوْاْ‬
‫جعَل ّلعْ َنتَ اللّهِ عَلَى ا ْلكَاذِبِينَ {‪.‬‬
‫سكُمْ ثُمّ نَبْ َت ِهلْ فَ َن ْ‬
‫نَ ْدعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآ َءكُ ْم وَنِسَآءَنَا وَنِسَآ َءكُ ْم وَأَ ْنفُسَنَا وأَ ْنفُ َ‬
‫ولن يجرؤ واحد منهم على ذلك‪ .‬لماذا؟ لن السابقين عليهم قد فروا من المباهلة ولن ال ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬يريد ان يزيد المؤمنين إيمانا واطمئنانا إلى أن ما ينزله على رسوله هو الحق قال ‪-‬‬
‫حقّ‪{ ...‬‬
‫صصُ الْ َ‬
‫جل شأنه ‪ } :-‬إِنّ هَـاذَا َل ُهوَ ا ْل َق َ‬

‫(‪)452 /‬‬
‫حكِيمُ (‪)62‬‬
‫ق َومَا مِنْ إِلَهٍ إِلّا اللّ ُه وَإِنّ اللّهَ َل ُهوَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫إِنّ َهذَا َل ُهوَ ا ْل َقصَصُ ا ْلحَ ّ‬

‫حقّ } يلفتنا إلى أن ما يرويه الحق لنا هو الحق المطلق‪،‬‬
‫صصُ الْ َ‬
‫وقوله الحق‪ { :‬إِنّ هَـاذَا َل ُهوَ ا ْل َق َ‬
‫وليس مجرد حكاية أو قصة‪ ،‬أو مزج خيال بواقع‪ ،‬كما يحدث في العصر الحديث‪ ،‬عندما أُخذت‬
‫كلمة القصة في العرف الدبي الحديث ‪ -‬القادم من حضارة الغرب ‪ -‬إن القصة بشكلها الحديث‬
‫المعروف إنما يلعب فيها الخيال دورا كبيرا‪ ،‬لكن لو عرفنا ان كلمة " قصة " مشتقة من قص‬
‫الثر لبحث أهل الدب فيما يكتبون من روايات وخيالت عن كلمة أخرى غير " قصة " ‪،‬‬
‫فالقصص هو تتبع ما حدث بالفعل ل تبديل فيه ول أخيلة‪.‬‬
‫ق َومَا مِنْ إِلَـاهٍ ِإلّ اللّهُ }‬
‫وها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول‪ { :‬إِنّ هَـاذَا َل ُهوَ ا ْل َقصَصُ ا ْلحَ ّ‬
‫فإذا جاء القصص من الله الواحد فلنطمئن إلى أنه ل يوجد إله آخر سيأتي بقصص أخرى‪ ،‬ولن‬
‫حكِيمُ } أي الغالب على أمره‪ ،‬ومع أنه غالب على أمره فهو حكيم في‬
‫ال الواحد هو { ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫تصرفه‪.‬‬
‫لكن هل اتعظ القوم الذين جادلوا؟ ل‪ ،‬إن الحق يقول‪ { :‬فَإِن َتوَّلوْاْ فَإِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِا ْل ُمفْسِدِينَ‪} ...‬‬

‫(‪)453 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فَإِنْ َتوَّلوْا فَإِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِا ْل ُمفْسِدِينَ (‪)63‬‬

‫إن قوله { فَإِن َتوَّلوْاْ } يدل على أن ال قد علم أزل أنهم لن يقبلوا المباهلة‪ ،‬وهكذا حكموا على‬
‫سدِينَ } ومع‬
‫أنفسهم بأنهم المفسدون‪ ،‬فصدق الحق سبحانه في قوله‪ { :‬فَإِن َتوَّلوْاْ فَإِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِا ْلمُفْ ِ‬
‫ذلك فقد أمر ال رسوله صلى ال عليه وسلم أن يدعوهم إلى الدين الكامل لنهم مؤمنون بالله‪،‬‬
‫سوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْ َنكُمْ‪} ...‬‬
‫وبالسماء‪ ،‬وبالكتاب‪ ،‬لذلك يقول الحق‪ُ { :‬قلْ ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ َتعَاَلوْاْ ِإلَىا كَِلمَةٍ َ‬

‫(‪)454 /‬‬
‫سوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْ َنكُمْ أَلّا َنعْبُدَ إِلّا اللّ َه وَلَا ُنشْ ِركَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتّخِذَ‬
‫ُقلْ يَا أَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ َتعَاَلوْا إِلَى كَِلمَةٍ َ‬
‫شهَدُوا بِأَنّا مُسِْلمُونَ (‪)64‬‬
‫َب ْعضُنَا َب ْعضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ َتوَلّوْا َفقُولُوا ا ْ‬

‫إنها دعوة إلى كلمة مستوية ل التواء فيها { َألّ َنعْبُدَ ِإلّ اللّهَ } وهذا أمر ل جدال فيه‪ ،‬ثم { َولَ‬
‫نُشْ ِركَ بِهِ شَيْئا } أي ل ندخل معه من ل يقدر على الرتفاع إلى جلل كماله‪ ،‬فالعقول السليمة‬
‫ترفض كلمة " الشرك "؛ لن الشرك يكون على ماذا؟ هل الشرك على خلق الكون؟ إن كل مخلوق‬
‫أشركوه في اللوهية إنما جاء من بعد أن خلق ال الكون‪ .‬أو يكون الشرك على إدارة هذا الكون؟‬
‫إذا كان هذا هو السبب في الشرك فهو أتفه من أن يكون سببا لن الحق سبحانه قادر على إدارة‬
‫هذا الكون‪ ،‬وأنزل منهجا إذا ما اتبعه النسان صار الكون منسجما‪ ،‬إذن فأي شرك ل لزوم له‪.‬‬
‫وإن كان ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬له شريك وتمتع إله ما بقدرات خاصة فهذه القدرات تنقص من قدرات‬
‫الله الثاني‪ .‬وهذا عجز في قدرة هؤلء اللهة‪ ،‬ولهذا يحسم الحق هذا المر بقوله الكريم‪ {:‬مَا‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ‬
‫خذَ اللّهُ مِن وَلَ ٍد َومَا كَانَ َمعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذا لّذَ َهبَ ُكلّ إِلَـاهٍ ِبمَا خَلَقَ وََلعَلَ َب ْع ُ‬
‫اتّ َ‬
‫صفُونَ }[المؤمنون‪.]91 :‬‬
‫عمّا َي ِ‬
‫سُ ْبحَانَ اللّهِ َ‬
‫إذن فمسألة الشركاء هذه ليست مقبولة‪ ،‬وبعد ذلك يقول الحق‪َ { :‬ولَ يَتّخِذَ َب ْعضُنَا َبعْضا أَرْبَابا مّن‬
‫دُونِ اللّهِ }‪ .‬أي أل نأخذ من بعضنا كهنوتا وكهنة‪ ،‬يضع الواحد منهم الحلل لنا أو الحرام علينا‪،‬‬
‫فالتحليل والتحريم إنما يأتي من ال‪ ،‬وليس لمخلوق أن يحلل أو يحرم‪ .‬ثم يقول الحق‪ { :‬فَإِن َتوَّلوْاْ‬
‫شهَدُواْ بِأَنّا ُمسِْلمُونَ } أي إن من ل يقبل عبادة الله الواحد الذي ل شريك له ول أرباب‬
‫َفقُولُواْ‪ :‬ا ْ‬
‫تحلل أو تحرم‪ ،‬إنما يريد أربابا وشركاء‪ ،‬وهذا معناه أن قلبه غير مستعد لتقبل قضية اليمان؛ لن‬
‫قضية اليمان تتميز بأن مصدرا واحدا هو الذي له مطلق القدرة‪ ،‬وهو مصدر المر في الحركة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهو الواحد الحد‪ ،‬فل تتضارب الحركات في الكون‪.‬‬
‫إن حركاتنا كلها وهي الخاضعة لمنهج ال بـ " افعل " و " ل تفعل " فلو أن هناك إلها قال‪" :‬‬
‫افعل " وإلها آخر قال‪ " :‬ل تفعل " ‪ ،‬لكان معنى ذلك والعياذ بال أن هؤلء الله أغيار لها أهواء‪.‬‬
‫ض َومَن فِيهِنّ‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْر ُ‬
‫حقّ أَ ْهوَآءَهُمْ َلفَسَ َدتِ ال ّ‬
‫والحق سبحانه يحسم هذا بقوله‪ {:‬وََلوِ اتّبَعَ الْ َ‬
‫َبلْ أَتَيْنَاهُمْ ِب ِذكْرِهِمْ َفهُمْ عَن ِذكْ ِرهِمْ ّمعْ ِرضُونَ }[المؤمنون‪.]71 :‬‬
‫وهكذا كانت دعوة ال على لسان رسوله محمد صلى ال عليه وسلم { ُقلْ ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ َتعَاَلوْاْ إِلَىا‬
‫سوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْ َنكُمْ َألّ َنعْبُدَ ِإلّ اللّ َه َولَ ُنشْ ِركَ بِهِ شَيْئا وَلَ يَتّخِذَ َب ْعضُنَا َبعْضا أَرْبَابا مّن دُونِ‬
‫كَِلمَةٍ َ‬
‫شهَدُواْ بِأَنّا مُسِْلمُونَ } ‪ ،‬إنها آية تحمل دعوة مستوية بل نتوءات‪ ،‬فل عبادة‬
‫اللّهِ فَإِن َتوَلّوْاْ َفقُولُواْ ا ْ‬
‫إل ل‪ ،‬ونحن ل نأخذ " افعل " و " ل تفعل " إل من ال‪ ،‬ول نشرك به شيئا‪ ،‬ول يتخذ بعضنا‬
‫ش َهدُواْ بِأَنّا‬
‫بعضا كهنوتا أو مصدرا للتحليل أو التحريم‪ ،‬فإن رفضوا وتولوا‪ ،‬فليقل المؤمنون‪ { :‬ا ْ‬
‫مُسِْلمُونَ } أي أنه ل يوجد إل إله واحد‪ ،‬ول شركاء له‪ ،‬وبعضنا ل يتخذ بعضا أربابا‪ ،‬وتلك‬
‫شهادة بأن السلم إنما جاء بالمرالمستوى الذي ل عوج ول نتوء فيه ونحن متبعون ما جاء به‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ { :‬ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ ِلمَ تُحَآجّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ‪} ...‬‬

‫(‪)455 /‬‬
‫يَا أَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ لِمَ تُحَاجّونَ فِي إِبْرَاهِي َم َومَا أُنْزَِلتِ ال ّتوْرَا ُة وَالْإِنْجِيلُ إِلّا مِنْ َبعْ ِدهِ َأفَلَا َت ْعقِلُونَ (‪)65‬‬

‫إن الحق يسألهم‪ :‬لماذا يكون جدالكم في إبراهيم خليل ال؟ إن اليهود منكم ينسبون أنفسهم إلى‬
‫موسى‪ ،‬والنصارى منكم ينسبون أنفسهم إلى عيسى‪ ،‬وإبراهيم عليه السلم ل يمكن أن يكون‬
‫يهوديا كما يدعي اليهود‪ ،‬فاليهودية قد جاءت من بعد إبراهيم والنصارى ل يمكنهم الدعاء بأن‬
‫إبراهيم كان نصرانيا‪ ،‬لن النصرانية قد جاءت من بعد إبراهيم عليه السلم‪ ،‬فلم المحاجة إذن؟ لقد‬
‫أنزلت التوراة والنجيل من بعد إبراهيم فكيف يكون تابعا للتوراة والنجيل؟‬
‫ججْتُمْ فِيمَا َلكُم بِهِ عِلمٌ‪} ...‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ { :‬هاأَنْ ُتمْ َهؤُلءِ حَا َ‬

‫(‪)456 /‬‬
‫ججْتُمْ فِيمَا َل ُكمْ بِهِ عِ ْلمٌ فَلِمَ تُحَاجّونَ فِيمَا لَ ْيسَ َلكُمْ ِبهِ عِلْ ٌم وَاللّهُ َيعْلَ ُم وَأَنْتُمْ لَا َتعَْلمُونَ‬
‫هَا أَنْ ُتمْ َهؤُلَاءِ حَا َ‬
‫(‪)66‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي لقد جادلتم فيما بقي عندكم من التوراة وتريدون أن تأخذوا الجدل على أنه باب مفتوح‪ ،‬تجادلوا‬
‫في كل شيء‪ ،‬وأنتم ل تعلمون ما يعلمه الخالق الرحمن علم الغيوب‪.‬‬
‫ويوضح الحق هذا المر فيقول‪ { :‬مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ َيهُودِيّا َولَ َنصْرَانِيّا وََلكِن كَانَ حَنِيفا مّسْلِما‪} ...‬‬

‫(‪)457 /‬‬
‫مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ َيهُودِيّا وَلَا َنصْرَانِيّا وََلكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسِْلمًا َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ (‪)67‬‬

‫وبذلك يتأكد أن إبراهيم عليه السلم لم يكن يهوديا‪ ،‬لن اليهودية جاءت من بعده‪ .‬ولم يكن إبراهيم‬
‫نصرانيا‪ ،‬لن النصرانية جاءت من بعده‪ ،‬لكنه وهو خليل الرحمن { كَانَ حَنِيفا مّسْلِما َومَا كَانَ مِنَ‬
‫ا ْلمُشْ ِركِينَ } ونحن نفهم أن كلمة { حَنِيفا } تعني الدين الصافي القادم من ال‪ ،‬والكلمة مأخوذة من‬
‫المحسات‪ ،‬فالحنف هو ميل في الساقين من أسفل‪ ،‬أي اعوجاج في الرجلين‪ ،‬ثم نقل الحنف إلى كل‬
‫أمر غير مستوٍ‪.‬‬
‫وهنا يتساءل النسان‪ ،‬هل كان إبراهيم عليه السلم في العوج أو في الستقامة؟ وكيف يكون‬
‫حنيفا‪ ،‬والحنف عوج؟ وهنا نقول‪ :‬إن إبراهيم عليه السلم كان على الستقامة‪ ،‬ولكنه جاء على‬
‫وثنية واعوجاج طاغ فالعالم كان معوجا‪ .‬وجاء إبراهيم ليخرج عن هذا العوج‪ ،‬وما دام منحرفا‬
‫عن العوج فهو مستقيم‪ ،‬لماذا؟ لن الرسل ل يأتون إل على فساد عقدي وتشريعي طاغ‪ .‬والحق‬
‫سبحانه وتعالى ساعة ينزل منهجه يجعل في كل نفس خلية إيمانية‪ .‬والخلية اليمانية تستيقظ مرة‪،‬‬
‫فتلتزم‪ ،‬وتغفل مرة‪ ،‬فتنحرف‪ ،‬ثم يأتي الستيقاظ بعد النحراف‪ ،‬فيكون النتباه‪ ،‬وهكذا توجد‬
‫النفس اللوامة‪ ،‬تلك النفس التي تهمس للنسان عند الفعل الخاطئ‪ :‬أن ال لم يأمر بذلك‪.‬‬
‫ويعود النسان إلى منهج ال تائبا ومستغفرا‪ ،‬فإن لم توجد النفس اللوامة صارت النفس أمارة‬
‫بالسوء‪ ،‬وهي التي تتجه دائما إلى النحراف‪ ،‬وحول النفس الواحدة توجد نفوس متعددة تحاول أن‬
‫تقاوم وتقوّم المعوج‪ ،‬وهي نفوس من البيئة والمجتمع‪ ،‬فمرة يكون العتدال والتجاه إلى الصواب‬
‫بعد الخطأ قادما من ذات النسان أي من النفس اللوامة‪ ،‬ومرة ل توجد النفس اللوامة‪ ،‬بل توجد‬
‫النفس المارة بالسوء‪ ،‬لكن المجتمع الذي حول هذا النسان ل يخلو من أن يكون فيه خلية من‬
‫الخير تهديه إلى الصواب‪ ،‬أما إذا كانت كل الخليا في المجتمع قد أصبحت أمارة بالسوء فمن‬
‫الذي يعدلها ويصوبها؟‬
‫هنا لبد أن يأتي ال برسول جديد‪ ،‬لن النسان يفتقد الردع من ذاتية النفس بخلياها اليمانية‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويفتقد الردع من المجتمع الموجود لخلوه كذلك من تلك الخليا الطيبة‪ ،‬وهكذا يطم الظلم ويعم‪،‬‬
‫فيرسل ال رسول ليعيد شعلة اليمان في النفوس‪ .‬وال سبحانه وتعالى قد ضمن لمة محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم أل يأتي لها نبي بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولهذا فمن الضروري أن‬
‫يوجد فيها الخير ويبقى‪ ،‬فالخير يبقى في الذات المسلمة‪ ،‬فإذا كانت الغفلة فالنفس اللوامة تصوب‪،‬‬
‫وإن كانت هناك نفس أمارة بالسوء فهناك قوم كثيرون مطمئنون يهدون النفس المارة إلى‬
‫الصواب‪.‬‬
‫وهكذا لن تخلو أمة محمد في أي عصر من العصور من الخير‪ ،‬أما المم الخرى السابقة فأمرها‬
‫مختلف؛ فإن ال يرسل لهم الرسل عندما تنطفئ كل شموع الخير في النفوس‪ ،‬ويعم ظلم الفساد‬
‫فتتدخل السماء‪ ،‬وحين تتدخل السماء يقال‪ :‬إن السماء قد تدخلت على عوج لتعدله وتقومه‪.‬‬
‫إذن فإبراهيم عليه السلم جاء حنيفا‪ ،‬أي مائل عن المائل‪ ،‬وما دام مائل عن المائل فهو مستقيم‪،‬‬
‫فالحنيفية السمحة هي الستقامة‪ .‬وهكذا نفهم قول الحق‪ } :‬مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ َيهُودِيّا َولَ َنصْرَانِيّا‬
‫وََلكِن كَانَ حَنِيفا مّسْلِما َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ {‪.‬‬
‫إن إبراهيم هو أبو النبياء‪ ،‬ولم تكن اليهودية قد حٌرفت وبدلت‪ ،‬وكذلك النصرانية لكان من‬
‫المقبول أن يكون اليهود والنصارى على ملة إبراهيم؛ لن الديان ل تختلف في أصولها‪ ،‬ولكن قد‬
‫تختلف في بعض التشريعات المناسبة للعصور‪ ،‬ولذلك فسيدنا إبراهيم عليه السلم ل يمكن أن‬
‫يكون يهوديا باعتبار التحريف الذي حدث منهم‪ ،‬أي ل يكون موافقا لهم في عقيدتهم‪ ،‬وكذلك ل‬
‫يمكن أن يكون نصرانيا للسباب نفسها‪ ،‬لكنه } كَانَ حَنِيفا مّسْلِما َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ { أي أنه‬
‫مائل عن طريق العوجاج‪.‬‬
‫قد يقول قائل‪ :‬ولماذا لم يقل ال‪ " :‬إن إبراهيم كان مستقيما " ولماذا جاء بكلمة " حنيفا " التي تدل‬
‫على العوج؟ ونقول‪ :‬لو قال‪ " :‬مستقيما " لظن بعض الناس أنه كان على طريقة أهل زمانه وقد‬
‫كانوا في عوج وضلل ولهذا يصف الحق إبراهيم بأنه } كَانَ حَنِيفا مّسْلِما { وكلمة } مّسْلِما‬
‫{ تقتضي " مسلما إليه " وهو ال‪ ،‬أي أنه أسلم زمامه إلى ال‪ ،‬ومُسْلَما فيه وهو اليمان بالمنهج‪.‬‬
‫وعندما أسلم إبراهيم زمامه إلى ال فقد اسلم في كل ما ورد بـ " افعل ول تفعل " وإذا ما طبقنا‬
‫هذا الشتقاق على موكب النبياء والرسل فسنجد أن آدم عليه السلم كان مسلما‪ ،‬ونوحا عليه‬
‫السلم كان مسلما‪ ،‬وكل النبياء الذين سبقوا رسول ال صلى ال عليه وسلم كانوا مسلمين‪.‬‬
‫سلَم إليه؛ وهو ال‪ ،‬ويطبق‬
‫كان كل نبي ورسول من موكب الرسل يلقى زمامه في كل شيء إلى مٌ ْ‬
‫المنهج الذي نزل إليه‪ ،‬وبذلك كان السلم وصفا لكل النبياء والمؤمنين بكتب سابقة‪ ،‬إلى أن نزل‬
‫المنهج الكامل الذي اختتمت به رسالة السماء على محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم بـ "‬
‫افعل ول تفعل " ولم يعد هناك أمر جديد يأتي‪ ،‬ولن يشرع أحد إسلما ل غير ما نزل على رسول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لقد اكتملت الغاية من السلم‪ ،‬ونزل المنهج بتمامه من ال‪ .‬واستقر السلم كعقيدة مصفاة‪ ،‬وصار‬
‫السلم علما على المة المسلمة‪ ،‬أمة محمد صلى ال عليه وسلم وهي التي ل يُستدرك عليها‬
‫لنها أمة أسلمت ل في كل ما ورد ونزل على محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬لذلك قال الحق‪ } :‬إِنّ‬
‫َأوْلَى النّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلّذِينَ اتّ َبعُوهُ‪{ ...‬‬

‫(‪)458 /‬‬
‫ي وَالّذِينَ َآمَنُوا وَاللّ ُه وَِليّ ا ْل ُمؤْمِنِينَ (‪)68‬‬
‫إِنّ َأوْلَى النّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلّذِينَ اتّ َبعُوهُ وَ َهذَا النّ ِب ّ‬

‫ولنا أن نلحظ أن كل رسول من الرسل السابقين على سيدنا رسول ال إنما نزل لمة محددة‪،‬‬
‫فموسى عليه السلم أرسله ال إلى بني إسرائيل‪ ،‬وكذلك عيسى عليه السلم‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫{ وَرَسُولً إِلَىا بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي رسول مسلما في حدود تطبيق المنهج الذي جاء به ونزل إلى‬
‫هؤلء الرسل‪ ،‬فلما تغير بعض من التشريع وتمت تصفية المنهج اليماني بالرسالة الخاتمة‪ ،‬وهي‬
‫رسالة محمد صلى ال عليه وسلم وهي عامة لكل البشر فقد آمن بعض من أهل تلك المم برسالته‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬كما آمن بها من أرسل فيهم سيدنا رسول ال‪ ،‬واستمر موكب اليمان بالدين‬
‫الخاتم إلى أن وصل إلينا‪ .‬وهكذا صارت أمة محمد صلى ال عليه وسلم هي خاتمة المم‬
‫السلمية؛ لن رسول ال صلى ال عليه وسلم هو خاتم النبياء والمرسلين‪.‬‬
‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬مثلي ومثل النبياء من‬
‫قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إل موضع لبنة من زاوية من زواياه‪ ،‬فجعل الناس‬
‫يطوفون به ويعجبون له‪ ،‬ويقولون‪ :‬هل وضعت هذه اللبنة‪ ،‬فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين "‪.‬‬
‫وحين يقولون‪ :‬إن إبراهيم عليه السلم كان يهوديا أو نصرانيا‪ .‬إنما أوردوا ذلك لن إبراهيم عليه‬
‫السلم فيه أبوة النبياء‪ .‬وهم قد أرادوا أن يستحضروا أصل الخلية اليمانية في محاولة لن‬
‫ينسبوها إلى أنفسهم وكأنهم تناسلوا ان المسألة اليمانية ليست بالجنس أو الوطن أو الدم‪ ،‬أو أي‬
‫انتماء آخر غير النتماء لمنهج ال الواحد‪ ،‬ولذلك فأولى الناس بإبراهيم ليسوا من جاءوا من‬
‫ذريته‪ ،‬بل إن أولى الناس بإبراهيم هم الذين اتبعوه‪ ،‬ونبينا محمد صلى ال عليه وسلم قد اتبع‬
‫إبراهيم عليه السلم‪ ،‬لذلك فل علقة لبراهيم بمن جاء من نسله‪ ،‬ممن حرفوا المنهج ولم يواصلوا‬
‫اليمان‪ ،‬لقد حسم ال هذه القضية مع إبراهيم عندما قال سبحانه‪ {:‬وَإِذِ ابْتَلَىا إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ ِبكَِلمَاتٍ‬
‫عهْدِي الظّاِلمِينَ }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫ل َومِن ذُرّيّتِي قَالَ لَ يَنَالُ َ‬
‫فَأَ َت ّمهُنّ قَالَ إِنّي جَاعُِلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما قَا َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد امتحن الحق إبراهيم بكلمات هي الوامر والنواهي‪ ،‬فأتمها إبراهيم عليه السلم تماما على‬
‫أقصى ما يكون من اللتزام‪ ،‬ولم يكن مجرد إتمام يتظاهر بالشكلية‪ ،‬إنما كان إتماما بالشكل‬
‫والمضمون معا‪.‬‬
‫والمثال على تمام الوامر والنواهي بالشكل فقط هو رؤيتنا لمن يتلقى المر من ال بأن يصلى‬
‫خمسة فروض‪ ،‬فيصلي هذه الفروض الخمسة كإجراء شكلي‪ ،‬لكن هناك إنسانا آخر يصلي هذه‬
‫الفروض الخمسة بحقها في الكمال مضمونا وشكل‪ ،‬إنه يتم الوامر اللهية إتمام يرضى عنه ال‪.‬‬
‫ولقد أدى إبراهيم عليه السلم البتلءات التي جاءت بالكلمات التكليفية من ال على أكمل وجه‪.‬‬
‫ألم يأمر ال إبراهيم عليه السلم على أن يرفع القواعد من البيت؟ أما كان يكفي إبراهيم عليه‬
‫السلم لينفذ المر برفع بناء الكعبة إلى أقصى ما تطوله يداه؟ إنه لو فعل ذلك لكان قد أدى المر‪،‬‬
‫لكن إبراهيم عليه السلم أراد أن يوفي المر بإقامة القواعد من البيت تمام الوفاء‪ ،‬فبنى الكعبة بما‬
‫تطوله يداه‪ ،‬وبما تطوله الحيلة أيضا‪ ،‬فجاء إبراهيم عليه السلم بحجر ليقف من فوقه‪ ،‬ويزيد من‬
‫طول جدار الكعبة مقدار الحجر‪ ،‬لقد أراد ان يوفي البناء بطاقته في اليدين وبحيلته البتكارية‬
‫أيضا‪ ،‬فلم يكن معروفا في ذلك الزمان " السقالت " وغير ذلك من الدوات التي تساعد النسان‬
‫على الرتفاع عن الرض إلى أقصى ما يستطيع‪.‬‬
‫ولو أن إبراهيم عليه السلم قد رفع القواعد من البناء على مقدار ما تطوله يداه؛ لكان قد أدى‬
‫تكليف ال‪ ،‬لكنه أراد الداء بإمكاناته الذاتية الواقعية‪ ،‬وأضاف إلى ذلك حيلة من ابتكاره‪ ،‬لذلك‬
‫جاء بالحجر الذي يقف عليه ليزيد من جدار الكعبة‪ ،‬وهذا ما نعرفه عندما نزور البيت الحرام بـ‬
‫" مقام إبراهيم " فلما أتم إبراهيم الكلمات هذا التمام قال الحق سبحانه لبراهيم‪ {:‬إِنّي جَاعُِلكَ‬
‫لِلنّاسِ ِإمَاما }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫إي إنك يا إبراهيم مأمون على أن تكون إماما للناس في دينهم لنك أديت " افعل ول تفعل " بتمام‬
‫وإتقان‪ .‬ولنر غيرة إبراهيم عليه السلم على منهج ربه‪ ،‬إنه لم يرد أن يستمر المنهج في حياته‬
‫فقط‪ ،‬ولكنه طلب من ال أن يظل المنهج والمامة في ذريته‪ ،‬فقال الحق سبحانه على لسان‬
‫إبراهيم طالبا استمرار المانة في ذريته‪َ {:‬ومِن ذُرّيّتِي }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫إن سيدنا إبراهيم قد امتل بالغيرة على المنهج وخاف عليه حتى من بعد موته‪ ،‬لكن الحق سبحانه‬
‫عهْدِي الظّاِلمِينَ }[البقرة‪:‬‬
‫وتعالى يُعلم الخلق جميعهم من خلل إبراهيم فيقول سبحانه‪ {:‬لَ يَنَالُ َ‬
‫‪.]124‬‬
‫أي أن المسألة ليست وراثة‪ ،‬لنه سيأتي من ذريتك من يكون ظالما لنفسه ويعدل في المنهج بما‬
‫يناسب هواه‪ ،‬وهو بذلك ل تتوافر فيه صفات المامة‪ .‬إن الحق يعلمنا قواعد إرث النبوة‪ ،‬إن تلك‬
‫القواعد تقضي أن يرث النبياء من هو قادر على تطبيق المنهج بتمامه دون تحريف‪ ،‬والمثال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على ذلك ما علمه لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم حين قال لسلمان الفارسي‪ " :‬سلمان منا آل‬
‫البيت "‪.‬‬
‫إن سيد الخلق محمد صلى ال عليه وسلم لم يقل لسلمان الفارسي " أنت من العرب " ل‪ .‬بل نسبه‬
‫لل البيت‪ ،‬أي نسبه إلى إرث النبوة بما يتطلبه هذا الرث من تطبيق المنهج بتمامه‪ ،‬لقد علم‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم ما علّمه الحق سبحانه لسيدنا إبراهيم عليه السلم عن إرث النبوة‪،‬‬
‫فليس هذا الرث بالدم‪ ،‬إنما بتطبيق المنهج نصا وروحا‪ ،‬كما تعلم سيدنا رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم مما علّمه له الحق عن نوح عليه السلم‪ ،‬لقد وعد الحق نوحا بأن ينجيه وأهله من الطوفان‪.‬‬
‫ويرى نوح عليه السلم ابنه مشرفا على الغرق‪ ،‬فيتساءل " ألم يعدني ال ان ينجي أهلي؟ " فينادي‬
‫نوح عليه السلم ربّه‪ ،‬بما أورده القرآن الكريم حين قال‪ {:‬وَنَادَى نُوحٌ رّبّهُ َفقَالَ َربّ إِنّ ابْنِي مِنْ‬
‫ح َكمُ الْحَا ِكمِينَ }[هود‪ ]45 :‬فيقول الحق ردا على طلب نوح نجاة‬
‫ق وَأَنتَ أَ ْ‬
‫ن وَعْ َدكَ ا ْلحَ ّ‬
‫أَهْلِي وَإِ ّ‬
‫ظكَ‬
‫عُ‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ فَلَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّي أَ ِ‬
‫ابنه‪ {:‬قَالَ يانُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ َأهِْلكَ إِنّهُ َ‬
‫أَن َتكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }[هود‪.]46 :‬‬
‫ولننظر إلى التعليل القرآني لنتفاء الهلية عن ابن نوح عليه السلم } إِنّهُ لَيْسَ مِنْ َأهِْلكَ {؟ لماذا؟‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ {‪ .‬إن الحق لم يقل " إنه عامل غير صالح " ‪ -‬الذاتية ممنوعة ‪ -‬لن الفعل‬
‫} إِنّهُ َ‬
‫هو الذي يحاسب به ال؛ فاليمان ليس نسبا‪ ،‬ول انتماء لبلد ما‪ ،‬أو انتماء لقوم ما‪ ،‬إنه العمل‪ ،‬فمن‬
‫يعمل بشرع أي رسول يكون من أهل هذا الرسول‪ ،‬إنّ النسبة للنبياء ل تأتي للذات التي تنحدر‬
‫من نسب النبي‪ ،‬بل يكون النتساب للنبياء بالعمل الذي تصنعه الذات‪.‬‬
‫وفي موقع آخر يعلمنا الحق عن سيدنا إبراهيم موقفا يصور رحمة الخالق بكل خلقه من آمن منهم‬
‫ومن كفر‪ .‬لقد طلب إبراهيم عليه السلم سعة الرزق لهل بيته الذين جعل إقامتهم بمكة‪ ،‬كما جاء‬
‫ج َعلْ هَـاذَا بَلَدا آمِنا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ال ّثمَرَاتِ مَنْ آمَنَ‬
‫في الكتاب الكريم‪ {:‬وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ َربّ ا ْ‬
‫مِ ْنهُمْ }[البقرة‪.]126 :‬‬
‫ق المؤمن‬
‫فهل استجاب الحق لدعوة إبراهيم برزق الذين آمنوا فقط من أهل مكة؟ ل‪ ،‬بل رَ َز َ‬
‫ل َومَن َكفَرَ فَُأمَ ّتعُهُ قَلِيلً ُثمّ َأضْطَ ّرهُ إِلَىا عَذَابِ النّارِ‬
‫والكافر‪ .‬وعلّم إبراهيم ذلك حينما قال له‪ {:‬قَا َ‬
‫وَبِئْسَ ا ْل َمصِيرُ }[البقرة‪.]126 :‬‬
‫إن الرزق المادي مكفول من الحق لكل الخلق‪ ،‬مؤمنهم وكافرهم‪ ،‬والقتيات المادي مكفول من قبل‬
‫ال لنه هو الذي استدعى المؤمن والكافر إلى هذه الدنيا‪ .‬أما رزق المنهج فإمر مختلف‪ ،‬إن اتباع‬
‫المنهج يقتضي التسليم بما جاء به دون تجريف‪ .‬وهذا المنهج لم يتبعه أحد ممن جاءوا بعد إبراهيم‬
‫عليه السلم إل القليل‪ ،‬فمن آمن برسالة موسى عليه السلم دون تحريف هم قلة‪.‬‬
‫ثم جاء عيسى عليه السلم برسالة تبعد بني إسرائيل عن المادية الصرفة إلى اليمان بالغيب‪ ،‬لكن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫رسالة عيسى عليه السلم تم تحريفها أيضا‪ ،‬وعلى ذلك فأولى الناس بإبراهيم عليه السلم هم‬
‫الذين اتبعوا المنهج الخاتم الصحيح والمصفى لكل ما سبق من رسالت‪ ،‬وهؤلء هم الذين آمنوا‬
‫برسالة محمد صلى ال عليه السلم‪ ،‬وال ولي المؤمنين جميعا من آمن منهم برسالة إبراهيم خليل‬
‫الرحمن‪ ،‬إيمانا صحيحا كامل‪ ،‬ومن آمن برسالة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ..‬بعد ذلك يقول الحق‬
‫سبحانه‪ } :‬وَدّت طّآ ِئفَةٌ مّنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ َلوْ ُيضِلّو َنكُمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)459 /‬‬
‫شعُرُونَ (‪)69‬‬
‫سهُ ْم َومَا يَ ْ‬
‫وَ ّدتْ طَا ِئفَةٌ مِنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ َلوْ ُيضِلّو َنكُ ْم َومَا ُيضِلّونَ إِلّا أَ ْنفُ َ‬

‫إن المعنى " ودت " هو " تمنت " و " أحبت "‪ .‬ولماذا أحبوا أن يُضلوا المؤمنين؟ لن المنحرف‬
‫حين يرى المستقيم‪ ،‬يعرف أنه كمنحرف لم ينجح في أن يضبط حركته على مقتضى التكليف‬
‫اليماني لـ " افعل " و " ل تفعل " ‪ ،‬أما الملتزم المؤمن فقد استطاع أن يضبط نفسه‪ ،‬وساعة يرى‬
‫غير الملتزم إنسانا آخر ملتزما‪ ،‬فإنه يحتقر نفسه‪ ,‬ويقول بينه وبين نفسه حسدا للمؤمن‪ :‬لماذا‬
‫وكيف استطاع هذا الملتزم أن يقدر على نفسه؟‬
‫ويحاول المنحرف أن يأخذ الملتزم إلى جانب النحراف‪ ،‬وعندما ل يستطيع جذب الملتزم إلى‬
‫النحراف فهو يسخر منه‪ ،‬ويهزأ به‪ ،‬ويحاول أن يحتال عليه ليأخذه إلى جانب النحراف‪ .‬ألم يقل‬
‫حكُونَ * وَإِذَا مَرّواْ ِبهِمْ يَ َتغَامَزُونَ‬
‫ال سبحانه وتعالى‪ {:‬إِنّ الّذِينَ أَجْ َرمُواْ كَانُواْ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ َيضْ َ‬
‫* وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَىا أَهِْل ِه ُم انقَلَبُواْ َف ِكهِينَ * وَِإذَا رََأوْهُمْ قَالُواْ إِنّ هَـاؤُلَءِ َلضَالّونَ * َومَآ أُرْسِلُواْ‬
‫عَلَ ْيهِمْ حَافِظِينَ }[المطففين‪.]33-29 :‬‬
‫وهذا ما يحدث الن عندما يرى أهل النحراف إنسانا مؤمنا ذا استقامة‪ ،‬فيسخرون منه بكلمات‬
‫كالتي تسمعها " خذنا على جناحك " أو يحاول النيل من إيمانه وعندما يعود أهل النحراف إلى‬
‫أهلهم فهم يروون بتندر كيف سخروا من المؤمنين‪ ،‬وكأنهم يحققون السعادة لهؤلء الهل بحكايات‬
‫السخرية من النسان المؤمن‪ ،‬ويطمئن الحق المؤمنين بأن لهم يوما يضحكون فيه من هؤلء‬
‫حكُونَ * عَلَى الَرَآ ِئكِ يَنظُرُونَ }[المطففين‪.]35-34 :‬‬
‫الكفار‪ {:‬فَالْ َيوْمَ الّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ا ْل ُكفّارِ َيضْ َ‬
‫ويسأل الحق أهل اليمان‪َ {:‬هلْ ُث ّوبَ ا ْل ُكفّارُ مَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ }[المطففين‪.]36 :‬‬
‫أي قد عرفتم كيف اجازي بالعقاب أهل الكفر‪.‬‬
‫لذلك فأولى الناس بإبراهيم هم المؤمنين برسالة محمد عليه الصلة والسلم‪ .‬ول يفتأ بعض من‬
‫أهل الكفر من محاولة جذب المؤمنين إلى الضلل‪ .‬إنهم يحبون ذلك ويتمنونه‪ ،‬ولكن ليس كل ما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يوده النسان يحدث‪ ،‬فالتمنى هو أن يطلب النسان أمرا مستحيل أو عسير المنال‪ ،‬هم يحبون ذلك‬
‫ولكن لن يصلوا إلى ما يريدون‪ ،‬يشير إلى ذلك قوله تعالى‪ { :‬وَدّت طّآ ِئفَةٌ مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ َلوْ‬
‫شعُرُونَ }‪.‬‬
‫سهُ ْم َومَا يَ ْ‬
‫ُيضِلّو َنكُمْ َومَا ُيضِلّونَ ِإلّ أَ ْنفُ َ‬
‫إنهم يتمنون إضلل المؤمنين‪ ،‬لكن هل يستطيعون الوصول إلى ذلك؟ ل‪ :‬والمثال على ذلك هو ما‬
‫يفعله بعض أهل الكتاب من اليهود عندما ذهبوا إلى معاذ بن جبل وإلى حذيفة الصحابيين‬
‫الجليلين‪ ،‬وذهبوا أيضا إلى عمار الصحابي الجليل وحاولوا فتنة معاذ وحذيفة وعمار لكنهم لم‬
‫يستطعوا‪.‬‬
‫وعلينا أن نعرف أن " الضلل " يأتي على معان متعددة‪ ،‬فقد يأتي الضلل مرة بمعنى الذهاب‬
‫جدِيدٍ َبلْ هُم بَِلقَآءِ‬
‫والفناء في الشيء‪ ،‬مثل قوله الحق‪َ {:‬وقَالُواْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الَ ْرضِ أَإِنّا َلفِي خَ ْلقٍ َ‬
‫رَ ّبهِمْ كَافِرُونَ }‬
‫[السجدة‪.]10 :‬‬
‫لقد تساءل المشركون " أبعد أن نذوب في الرض وتتفكك عناصرنا الولية نعود ثانية‪ ،‬ونُبعث من‬
‫جديد؟ "‪ .‬وقد يأتي الضلل مرة أخرى بمعنى عدم اهتداء النسان إلى وجه الحق‪ ،‬كما قال الحق‬
‫وصفا لرسوله صلى ال عليه وسلم عندما رفض عبادة الصنام وظل يبحث عن المنهج الحق‪{.‬‬
‫ك ضَآلّ َف َهدَىا }[الضحى‪.]7 :‬‬
‫َووَجَ َد َ‬
‫أي أنك يا محمد لم يعجبك منهج قريش في عبادة الصنام‪ ،‬وظللت تبحث عن المنهج الحق‪ ،‬إلى‬
‫أن هداك ال فأنزل إليك هذا المنهج القويم‪ .‬لقد كنت ضال تبحث عن الهداية‪ ،‬فجاءتك النعمة‬
‫الكاملة من ال‪.‬‬
‫وهناك لون آخر من الضلل‪ ،‬وهو أن يتعرف النسان على المنهج الحق‪ ،‬لكنه ينحرف عنه‬
‫ويتجه بعيدا عن هذا المنهج مثل قول الحق‪ } :‬وَدّت طّآ ِئفَةٌ مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ َلوْ ُيضِلّو َنكُ ْم َومَا‬
‫سهُمْ {‪.‬‬
‫ُيضِلّونَ ِإلّ أَ ْنفُ َ‬
‫ونتساءل‪ :‬كيف يحدث إضلل النفس؟ وتكون الجابة هي‪ :‬أن الضال الذي يعرف المنهج وينكره‬
‫إنما يرتكب إثما‪ ،‬ويزداد هذا الثم جُرما بمحاولة الضال إضلل غيره‪ ،‬فهو لم يكتف بضلل ذاته‬
‫بل يزداد ضلل بمحاولته إضلل غيره‪ .‬وهذا القول الكريم قد حل لنا إشكال في فهم قوله تعالى‪{:‬‬
‫شيْ ٌء وََلوْ كَانَ ذَا قُرْبَىا }‬
‫ح َملْ مِنْهُ َ‬
‫حمِْلهَا لَ يُ ْ‬
‫وَلَ تَزِ ُر وَازِ َر ٌة وِزْرَ ُأخْرَىا وَإِن َت ْدعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىا ِ‬
‫[فاطر‪.]18 :‬‬
‫حمِلُواْ َأوْزَارَهُمْ كَامَِلةً َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة َومِنْ َأوْزَارِ الّذِينَ ُيضِلّو َنهُمْ‬
‫وفي فهم قوله ‪ -‬جل شأنه ‪ {:-‬لِ َي ْ‬
‫ِبغَيْرِ عِلْمٍ َألَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }[النحل‪.]25 :‬‬
‫وهكذا نعرف أن الوزر في آية فاطر هو وزر الضلل في الذات والوزار في سورة النحل هي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لضلل غيرهم فهولء الضالون ل يكتفون بضلل أنفسهم‪ ،‬بل يزيدون من ضلل انفسهم اوزارا‬
‫بإضلل غيرهم فهم بذلك يزدادون ضلل مضافا إلى أنهم يحملون أوزارهم كاملة‪َ } .‬ومَا ُيضِلّونَ‬
‫شعُرُونَ {‪.‬‬
‫سهُ ْم َومَا يَ ْ‬
‫ِإلّ أَ ْنفُ َ‬
‫إنهم ل يشعرون بالكارثة التي سوف تأتي من هذا الضلل المركب الذي سينالون عليه العقاب‪.‬‬
‫ولو أنهم تعمقوا قليل في الفهم لتوقفوا عن إضلل غيرهم‪ ،‬ولو بحثوا عن اليقين الحق لتوقفوا عن‬
‫ضلل أنفسهم‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ } :‬ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ ِلمَ َت ْكفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ‪{ ...‬‬

‫(‪)460 /‬‬
‫شهَدُونَ (‪)70‬‬
‫يَا أَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ لِمَ َتكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللّ ِه وَأَنْتُمْ تَ ْ‬

‫إن الحق يسألهم على لسان رسوله صلى ال عليه وسلم لم تكفرون بآيات ال العجيبة وأنتم‬
‫تشهدون؟ وهنا قد يسأل سائل هل شهد أهل الكتاب اليات العجيبة في زمن رسول ال؟‬
‫والجابة هي‪ :‬ألم يستفتح اليهود على من يقاتلونهم بمجيء نبي قادم؟ إنهم كانوا يدعون ال قائلين‪:‬‬
‫إنا نسألك بحق النبي الميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إل تنصرنا عليهم فكانوا‬
‫يُنصرون على أعدائهم فلما بعث ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كفروا به بغيا وحسدا قال ال تعالى‪{:‬‬
‫وََلمّا جَآ َءهُمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ ُمصَدّقٌ ّلمَا َم َعهُ ْم َوكَانُواْ مِن قَ ْبلُ يَسْ َتفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ فََلمّا‬
‫جَآءَهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪.]89 :‬‬
‫لقد كفروا من أجل السلطة الزمنية‪ .‬فقد كانوا يريدون الملك والحكم‪ .‬وهذا عبد ال بن سلم الذي‬
‫كان يهوديّا فأسلم قد قال عن سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لقد عرفته حين رأيته‬
‫كمعرفتي لبني ومعرفتي لمحمد أشد "‪.‬‬
‫إذن فمعرفتهم بنعت رسول ال ووصفه موجودة في آيات التوراة ولقد شهدوا اليات البينات‪،‬‬
‫لكنهم أنكروا اليات طمعا في السلطة الزمنية حتى ولو تطلب ذلك أن يُحرّف بعضهم منهج ال‬
‫سبحانه وتعالي ويحوّلوا هذا التحريف إلى سلطة زمنية فاسدة كهؤلء الذين باعوا صكوك الغفران‬
‫ولذلك قال الحق عن هؤلء الذين يحرفون منهج ال‪َ {:‬فوَ ْيلٌ لّلّذِينَ َيكْتُبُونَ ا ْلكِتَابَ بِأَ ْيدِيهِمْ ثُمّ َيقُولُونَ‬
‫هَـاذَا مِنْ عِ ْندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ َثمَنا قَلِيلً َفوَيْلٌ ّلهُمْ ّممّا كَتَ َبتْ أَ ْيدِيهِ ْم َووَ ْيلٌ ّل ُهمْ ّممّا َيكْسِبُونَ }‬
‫[البقرة‪.]79 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن العذاب هو مصير هؤلء الدين يحرفون كلم ال ومنهجه‪.‬‬
‫طلِ‪} ...‬‬
‫حقّ بِالْبَا ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ لِمَ تَلْ ِبسُونَ الْ َ‬

‫(‪)461 /‬‬
‫ق وَأَنْتُمْ َتعَْلمُونَ (‪)71‬‬
‫حّ‬
‫طلِ وَ َتكْتُمُونَ الْ َ‬
‫حقّ بِالْبَا ِ‬
‫يَا أَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْ َ‬

‫ومعنى " تلبس " هو إدخال شيء في شيء‪ ،‬فنحن عندما نرتدي ملبسنا‪ ،‬إنما ندخل أجسامنا في‬
‫الملبس‪ ،‬وبهذا يختلف منظر اللبس والملبوس‪.‬‬
‫وفي مجال الدعوة إلى ال نجد دائما الحق وهو يواجه الباطل‪ ،‬إنهم يخلطون الحق بالباطل فهذه‬
‫الية تتحدث عن محاولة من بعض أهل الكتاب للباس الحق بالباطل‪ ،‬وقد حدث ذلك عندما‬
‫حرفوا التوراة والنجيل وأدخلوا فيها ما لم يأت به موسى عليه السلم أو عيسى عليه السلم‪،‬‬
‫وكانت هذه هي محاولة ضمن محاولت أخرى للباس الحق بالباطل‪ ،‬ثم جاءت أكبر المحاولت‬
‫للباس الحق بالباطل وهو إنكارهم للبشارة برسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬رغم أنها وردت في‬
‫كتبهم السماوية‪.‬‬
‫لقد أعلنوا اليمان بموسى أو عيسى‪ ،‬ولم يؤمنوا بمحمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لقد أنكروا بشارة‬
‫موسى وعيسى برسالة محمد الخاتمة‪ ،‬وكان ذلك قمة إلباس الحق بالباطل‪ ،‬لنهم أعلنوا اليمان‬
‫برسولين ثم أنكروا اليمان بالنبي الخاتم وذلك لنهم كانوا يعلمون أن السلم الذي جاء به محمد‬
‫جحَدُواْ‬
‫رسول ال هو الدين الحق‪ ،‬وكانوا إذا ما خلوا إلى أنفسهم عرفوا ذلك ولكنهم يجحدونه‪ {.‬وَ َ‬
‫سهُمْ ظُلْما وَعُُلوّا }[النمل‪.]14 :‬‬
‫ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫ومع ذلك فهم يحاولون العثور على حيلة ليبتعد بها الناس عن تلك الرسالة الخاتمة‪ ،‬تماديا منهم في‬
‫الكفر‪ ،‬ونزل قول الحق‪َ { :‬وقَاَلتْ طّآ ِئفَةٌ مّنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ آمِنُواْ بِالّذِي أُنْ ِزلَ عَلَى الّذِينَ آمَنُواْ‪} ...‬‬

‫(‪)462 /‬‬
‫جهَ ال ّنهَا ِر وَاكْفُرُوا َآخِ َرهُ َلعَّلهُمْ‬
‫َوقَاَلتْ طَا ِئفَةٌ مِنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ َآمِنُوا بِالّذِي أُنْ ِزلَ عَلَى الّذِينَ َآمَنُوا وَ ْ‬
‫جعُونَ (‪)72‬‬
‫يَرْ ِ‬

‫لقد أراد بعض من أهل الكتاب أن يشككوا المسلمين في أمر المنهج‪ ،‬لذلك اصطنعوا تلك الحيلة‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالمؤمنون من العرب وقريش في ذلك الزمن كانوا أميين وكانوا يعرفون أن أهل الكتاب على علم‬
‫بمناهج السماء‪ ،‬ولم يكن القرآن كله قد نزل على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬فإذا ما آمن‬
‫بعض منهم برسالة رسول ال وجه النهار وكفروا به آخر النهار فهذا خلط للحق بالباطل‪ .‬وفي‬
‫هذا خداع للمؤمنين‪.‬‬
‫جهَ ال ّنهَارِ } مقصود به ساعات الصباح والظهر‪ ،‬فالوجه هو أول ما يواجه‬
‫ولنا أن نعرف أن { وَ ْ‬
‫في أي أمر‪ ،‬ونحن نأخذ ذلك في أمثلة حياتنا اليومية‪ ،‬فنقول عن بائع الفاكهة‪ " :‬لقد صنع وجها‬
‫للفاكهة " ‪ ،‬أي أنه قد وضع أنضج الثمار في واجهة العربة‪ ،‬وأخفى خلف الثمار الصالحة‬
‫الناضجة ثمارا أخرى فاسدة‪ .‬وعندما يفعل التاجر مثل هذا الفعل فمقصده الغش والخداع‪ ،‬لن‬
‫النسان إذا ما اشترى أي مقدار من هذه الفاكهة فسيجد ربع ما اشترى هو من واجه الفاكهة‪،‬‬
‫والباقي من الثمار الفاسدة‪.‬‬
‫وكذلك حاول بعض من أهل الكتاب أن يخدعوا المؤمنين بإعلن اليمان أول النهار ثم إعلن‬
‫الكفر آخر النهار‪ ،‬والهدف بطبيعة الحال هو إشاعة الشك وزراعة البلبلة في نفوس المؤمنين‬
‫بخصوص هذا الدين‪ ،‬فقد يقول بعض من الميين‪ " :‬لقد اختبر أهل الكتاب هذا الدين الجديد وهم‬
‫أهل علم بمناهج السماء ولم يجدوه مطابقا لمناهج السماء "‪.‬‬
‫أو أن الية قد نزلت في مسألة تحويل القبلة إلى الكعبة‪ ،‬فإذا كان الحق سبحانه قد أمر سيدنا‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة‪ ،‬فالكافرون من أهل‬
‫الكتاب أرادوا نقض ذلك‪ ،‬وقالوا‪ " :‬فلنسمع أول النهار كلم محمد ونتوجه في الصلة إلى الكعبة‬
‫ثم نصلي آخر النهار ونجعل قبلتنا بيت المقدس "‪.‬‬
‫وكأن الحق قد أراد بذلك أن يكشف لنا أن كل أساليب الكفر هي من تمام قلة الفطنة وعدم القدرة‬
‫على حسن التدبر‪ ،‬لقد أرادوا إشعال الحرب النفسية ضد المسلمين‪ ،‬لعل بعضا من المسلمين‬
‫يتشككون في أمر الدين الجديد‪ ،‬لكنهم دون أن يلحظوا أنهم قد فضحوا أنفسهم‪ ،‬واعترفوا دون‬
‫قصد منهم بأن الذين آمنوا بالقرآن هم المؤمنون حقا بينما هم قد أخذوا لنفسهم موقف الكفر الذي‬
‫جهَ ال ّنهَارِ‬
‫هو نقيض لليمان‪ ،‬قال سبحانه حكاية عنهم‪ { :‬آمِنُواْ بِالّذِي أُنْ ِزلَ عَلَى الّذِينَ آمَنُو ْا وَ ْ‬
‫وَاكْفُرُواْ آخِ َرهُ } فهم قد ارتضوا لنفسهم الكفر‪.‬‬
‫لقد أعلن هؤلء المشككون التصديق بالسلم؛ وذلك ليعرف الناس عنهم ذلك‪ ،‬ولكونهم أهل كتاب‬
‫فهم قادرون على الحكم عليه‪ ،‬فإذا ما رجعوا عن السلم من بعد معرفته‪ ،‬فسيقولون‪ :‬إن رجوعنا‬
‫ليس بسبب الجهل أو التعصب‪ ،‬إنما بسبب اختبارنا لهذا الدين‪ ،‬فلم نجده مناسبا ول متوافقا مع ما‬
‫نزل على رسولنا‪ .‬وهذا من أساليب الحرب النفسية‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يكشف ذلك المكر والخداع للذين حاولوا أن يكتموا خداعهم ولعبتهم‬
‫الماكرة‪ ،‬والتي أرادوا بها التشكيك والخداع‪ .‬فَيُنزل على رسوله هذا القول الحق‪ { :‬وَلَ ُت ْؤمِنُواْ ِإلّ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ِلمَن تَبِعَ دِي َنكُمْ ُقلْ إِنّ ا ْلهُدَىا هُدَى اللّهِ‪} ...‬‬

‫(‪)463 /‬‬
‫وَلَا ُت ْؤمِنُوا إِلّا ِلمَنْ تَ ِبعَ دِي َن ُكمْ ُقلْ إِنّ ا ْلهُدَى ُهدَى اللّهِ أَنْ ُيؤْتَى َأحَدٌ مِ ْثلَ مَا أُوتِيتُمْ َأوْ ُيحَاجّوكُمْ عِ ْندَ‬
‫ضلَ بِ َيدِ اللّهِ ُيؤْتِيهِ مَنْ يَشَا ُء وَاللّ ُه وَاسِعٌ عَلِيمٌ (‪)73‬‬
‫رَ ّبكُمْ ُقلْ إِنّ ا ْل َف ْ‬

‫إن الحق سبحانه يكشف للرسول صلى ال عليه وسلم وللمؤمنين به من الميين لعبة إيمان بعض‬
‫من أهل الكتاب بالسلم وجه النهار والكفر به آخر النهار‪ ،‬لقد طالب المتآمرون بعضهم بعضا أن‬
‫يظل المر سرا حتى ل يفقد المكر هدفه وهو بلبلة المسلمين من الميين‪ ،‬ولذلك قال هؤلء‬
‫المتآمرون بعضهم لبعض‪ { :‬وَلَ ُت ْؤمِنُواْ ِإلّ ِلمَن تَ ِبعَ دِي َن ُكمْ } أي ل تكشفوا سر هذه الخدعة إل‬
‫لمن هو على شاكلتكم‪ ،‬لكن الحق يكشف هذا المر كله بنزول هذه الية على رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم وبلغه إياها للمؤمنين‪ ،‬وبذلك فسد أمر تلك البلبلة‪ ،‬وارتدت الحرب النفسية إلى صدور‬
‫من أشعلوها‪ ،‬ويستمر القول الكريم في كشف خديعة هؤلء البعض من أهل الكتاب فيقول سبحانه‪:‬‬
‫حدٌ مّ ْثلَ مَآ أُوتِيتُمْ َأوْ يُحَآجّوكُمْ عِندَ رَ ّبكُمْ }‪.‬‬
‫{ ُقلْ إِنّ ا ْل ُهدَىا هُدَى اللّهِ أَن ُيؤْتَى أَ َ‬
‫إن الحق سبحانه يكشف فعل الماكرين من أهل الكتاب الذين أرادوا إعلن اليمان أول النهار‬
‫كلون من " هدى النفس " لكنه من صميم الضلل والضلل وذريعة له‪ ،‬ولم يكن هدى من ال؛‬
‫لن هدى ال إنما يوصل النسان إلى الغاية التي يريدها ال‪ ،‬وهؤلء البعض من أهل الكتاب‬
‫أرادوا بالخديعة أن يجعلوا سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم دون أتباع يؤمنون بالسلم؛ لقد‬
‫تواصي هؤلء القوم من أهل الكتاب بأن يكتموا اتفاقهم على تمثيل الدعاء باليمان وجه النهار‬
‫والكفر به في آخره‪ ،‬وأل يعلنوا ذلك إل لهل ديانتهم حتى ل يفقد المكر هدفه‪ ،‬وهو بلبلة‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫لقد أخذهم الخوف؛ لن الناس إن أخذوا بدين محمد صلى ال عليه وسلم لوتوا مثلما أوتي أهل‬
‫الكتاب من معرفة بالمنهج‪ ،‬بل إن المنهج الذي جاء به محمد صلى ال عليه وسلم هو المنهج‬
‫الخاتم‪ ،‬وأهل المكر من أهل الكتاب إنما أرادوا أن يحرموا الناس من اليمان‪ ،‬أو أنهم خافوا أن‬
‫يدخل المسلمون معهم في المحاجة في أمر اليمان‪ ،‬وكان كل ذلك من قلة الفطنة التي تصل إلى‬
‫حد الغباء‪.‬‬
‫لماذا؟ لنهم توهموا أن ال ل يعرف باطن ما كتموا وظاهر ما فعلوا‪ ،‬إنهم تناسوا أن الحق يعلم‬
‫خائنة العين وما تخفي الصدور‪ ،‬وتطابق ذلك مع سابق فعلهم عندما خرجوا من مصر‪ ،‬وذهبوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى التيه أثناء عبور الصحراء‪ ،‬وادعوا أن ال قال لموسى عليه السلم‪ " :‬علموا بيوتكم أيها‬
‫السرائيليون‪ ،‬لني سأنزل وأبطش بالبلد كلها "‪ .‬وكأنهم لو لم يضعوا العلمات على البيوت فلن‬
‫يعرفها ال‪ ،‬إنه كلم خائب للغاية بل هو منتهى الخيبة والضلل‪ ،‬ويبلغ الحق رسوله الكريم‪ُ { :‬قلْ‬
‫علِيمٌ }‪.‬‬
‫ضلَ بِ َيدِ اللّهِ ُيؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّ ُه وَاسِعٌ َ‬
‫إِنّ ا ْل َف ْ‬
‫وما دام الفضل بيد ال فلن تستطيعوا يا أهل المكر بالمسلمين أن تأخذوا أناسا كما تودون‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك تريدون أن تخدعوهم؛ لن الفضل حين يؤتيه ال لمن آمن به فلن ينزعه إل ال‪.‬‬
‫فالحيلة لن تنزع فضل اليمان بال مادام قد أعطاه ال‪ ،‬وال واسع بمعنى أنه قادر على إعطاء‬
‫الفضل لكل الخلق‪ ،‬ولن ينقص ذلك من فضله شيئا‪ ،‬والحق سبحانه عليم بمن يستحق هذا الفضل‬
‫لن قلبه مشغول بربه‪.‬‬
‫حمَ ِتهِ مَن يَشَآءُ‪} ...‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪َ { :‬يخْ َتصّ بِرَ ْ‬

‫(‪)464 /‬‬
‫ضلِ ا ْلعَظِيمِ (‪)74‬‬
‫حمَتِهِ مَنْ يَشَا ُء وَاللّهُ ذُو ا ْلفَ ْ‬
‫يَخْ َتصّ بِ َر ْ‬

‫إن أحدا ليس له حق على ال؛ فكل لحظة من لحظات الحياة هي فضل من ال‪ ،‬وهو سبحانه‬
‫يعطي رحمته باليمان بمنهجه لمن يشاء وهو صاحب الفضل المطلق‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪َ { :‬ومِنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مَنْ إِن تَ ْأمَ ْنهُ ِبقِنْطَارٍ ُيؤَ ّدهِ إِلَ ْيكَ‪} ...‬‬

‫(‪)465 /‬‬
‫ك َومِ ْنهُمْ مَنْ إِنْ تَ ْأمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا ُيؤَ ّدهِ إِلَ ْيكَ إِلّا مَا ُد ْمتَ‬
‫َومِنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مَنْ إِنْ تَ ْأمَنْهُ ِبقِنْطَارٍ ُيؤَ ّدهِ إِلَ ْي َ‬
‫ب وَ ُهمْ َيعَْلمُونَ (‪)75‬‬
‫علَى اللّهِ ا ْلكَ ِذ َ‬
‫ل وَيَقُولُونَ َ‬
‫علَيْنَا فِي الُْأمّيّينَ سَبِي ٌ‬
‫عَلَيْهِ قَا ِئمًا ذَِلكَ بِأَ ّنهُمْ قَالُوا لَيْسَ َ‬

‫إنه مطلق النصاف اللهي‪ ،‬فإذا كان الحق قد كشف للرسول بعضا من مكر أهل الكتاب فذلك ل‬
‫يعني أن هناك حملة على أهل الكتاب وكأنهم كلهم أهل سوء‪ ،‬ل‪ ،‬بل منهم مَنْ يتميز بالمانة‪،‬‬
‫وهذا القول إنما يؤكد إنصاف الله المنصف العدل‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه يخاطب النفوس التي يعلمها‪ ،‬فهو يعلم أن دعوة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قد‬
‫نزلت رحمة للناس أجمعين‪ ،‬ويخاطب بها العالم كله بما فيه من أهل الكتاب‪ ،‬وهم الذين يعرفون‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اليات والعلمات التي تدل على مجيء رسالة سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬ومنهم أناس‬
‫قد جعلوا دعوة محمد صلى ال عليه وسلم في بؤرة شعورهم ليدرسوها ويؤمنوا بها‪ .‬ولو أن ال‬
‫قد جعل الحملة على كل أهل الكتاب‪ ،‬لقال الذين كفروا في اليمان برسول ال‪ " :‬كنا نفكر في أن‬
‫نؤمن‪ ،‬ونحن نريد أن ننفذ تعاليم ال لنا لكن محمدا يشن حملة على كل أهل الكتاب ونحن منهم "‪.‬‬
‫فساعة يقول ال إن بعضا من أهل الكتاب يتميزون بالمانة فإن من تراوده فكرة السلم يقولون‪:‬‬
‫إن محمد صلى ال عليه وسلم ل يتكلم إل عن نور من ربه‪ ،‬لكن لو عمم القرآن الحكم على الكل‪،‬‬
‫لتساءل الذين ينشغلون برغبة اليمان بما جاء به رسول ال صلى ال عليه وسلم " لماذا يعم الحكم‬
‫الجميع ونحن نسير في الطريق إلى اليمان؟ "‪.‬‬
‫سوَآءً مّنْ أَ ْهلِ‬
‫ولهذا يضع الحق القول الفصل في أن منهم أناسا يتجهون إلى اليمان‪ {:‬لَيْسُواْ َ‬
‫جدُونَ }[آل عمران‪.]113 :‬‬
‫ل وَهُمْ يَسْ ُ‬
‫ا ْلكِتَابِ ُأمّةٌ قَآ ِئمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ اللّ ْي ِ‬
‫وفي هذا ما يطمئن الذي شغلوا أنفسهم بدراسة هذا الدين والتفكير في أن يؤمنوا برسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لو كان القرآن قد نزل بلعنتهم جميعا لقال الذين يفكرون منهم في اليمان " نحن لسنا كذلك ول‬
‫نستحق اللعنة‪ ،‬فلماذا يأتي محمد بلعنتنا؟ "‪.‬‬
‫لذلك نرى القول بأن { َومِنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مَنْ إِن تَ ْأمَنْهُ ِبقِنْطَارٍ ُيؤَ ّدهِ إِلَ ْيكَ } العدل المطلق في‬
‫النصاف‪:‬‬
‫وقد قال بعض المفسرين‪ :‬إن القرآن يقصد هنا من { أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ } النصارى؛ لن منهم أصحاب‬
‫ضمير حي‪ ،‬ونحن نعرف أن المقصود بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى‪ ،‬وفي هذا التفسير‬
‫إنصاف للنصارى فصفة الخير لهم ل ينكرها ال‪ ،‬بل يشيعها في قرآنه الذي يُتلى إلى يوم الدين‪،‬‬
‫وذلك ليصدق أيضا أهل الكتاب أيّ أمر سيء تنزل فيه آيات من القرآن‪ ،‬لن القرآن منصف‬
‫مطلق النصاف‪ .‬فما دام قد قال خصلة الخير فيهم فل بد أن يكون صادقا عندما يقول المور‬
‫السيئة التي اتصفوا بها‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق سبحانه‪ " :‬ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك " فالقنطار هنا‬
‫للمبالغة في القدر الكبير من المال‪ ،‬وكلمة المانة حينما نستعرضها في كتاب ال عز وجل نجد‬
‫أنها مرة تتعدى بالباء‪ ،‬كمثل هذه الية } مَنْ إِن تَ ْأمَنْهُ ِبقِنْطَارٍ { ومرة تتعدى بـ " على "‪ {:‬قَالُواْ‬
‫سفَ وَإِنّا لَهُ لَنَاصِحُونَ }[يوسف‪ ]11 :‬وقوله الحق{ قَالَ َهلْ آمَ ُنكُمْ‬
‫ك لَ تَ ْأمَنّا عَلَىا يُو ُ‬
‫يَاأَبَانَا مَا َل َ‬
‫حمِينَ }[يوسف‪.]64 :‬‬
‫عَلَيْهِ ِإلّ َكمَآ َأمِن ُتكُمْ عَلَىا َأخِيهِ مِن قَ ْبلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظا وَ ُهوَ أَ ْرحَمُ الرّا ِ‬
‫إن مادة المانة تأتي متعدية مرة بالباء‪ ،‬ومرة متعدية بـ " على "‪.‬‬
‫وكل حرف من هذين الحرفين له حكمة‪ ،‬فالمتكلم هو ال‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن المانة هي شيء يأتمن فيه مؤتمِن على مؤتمَن ول حجة لصاحب الشيء المؤ َتمَن عليه إل ذمة‬
‫المؤتمَن فإن كانت العلقة بينهما محكومة بإيصال أو عقد‪ ،‬أو شهود فهذه ليست أمانة إنما المانة‬
‫هي ما يعطيها انسان لخر فيما بينهما‪ ،‬وبعد ذلك فالمؤتمن بعد ذلك إما أن ُيقِرّبها وإمّا ل يقِرّبها‪.‬‬
‫وقلنا سابقا‪ :‬إن على المؤمن الحق أن يحتاط للمانة‪ ،‬لن هناك وقتا تتحمل فيه المانة‪ ،‬وهناك‬
‫وقت آخر تؤدي فيه المانة إن طلبها صاحبها‪.‬‬
‫ومثال تحمل المانة كأن يعرض عليك إنسان مبلغا من المال‪ ،‬ويقول‪ " :‬احفظ هذا المبلغ أمانة‬
‫عندك " فتقول له‪ :‬نعم سأفعل‪ .‬وتأخذ المبلغ‪ ،‬إن هذا الفعل يسمى " التحمل " ‪ ،‬وعندما يأتي‬
‫صاحب المال ليطلبه فهذا اسمه " الداء " والكل يضمنون أنفسهم وقت التحمل‪ ،‬وقد تكون النية‬
‫هكذا بالفعل‪ ،‬ولكن المؤمن الحق ل يأمن ظروف الغيار‪ ،‬فمن المتحمل أنه عندما يأتي صاحب‬
‫المال ليطلبه من المؤتمَن يجد المؤمن نفسه وقد انشغل بالغيار‪ ،‬فقد تكون ظروف الحياة قد‬
‫داهمته مما دفعه ليتصرف في المانة أو أن تكون نفسه قد تحركت‪ ،‬وقالت له‪ :‬وماذا يحدث لو‬
‫تصرفت في المانة؟ إن المؤمن الحق ل يضمن نفسه وقت الداء‪ ،‬وإن ضمن نفسه وقت التحمل‪.‬‬
‫إذن يجب أن نلحظ في المانة ملحوظتين هما " الداء " و " التحمل "‪ .‬والذي يأخذون المانة وفي‬
‫نيتهم أن يؤدوها ضمنوا أنفسهم وقت التحمل‪ ،‬لكنهم ل يضمنون أنفسهم وقت الداء لذلك فالمؤمن‬
‫المحتاط يقول لنفسه‪ :‬ولماذا أعرض نفسي لذلك‪ ،‬فقد يأتي وقت الداء فل أستطيع ردّها لصاحبها‪.‬‬
‫لذلك يقول لصاحب المانة‪ :‬أرجوك ابتعد عني فأنا لن أحمل هذه المانة‪.‬‬
‫إنه خائف من وقت الداء وذلك ما حدث في أمانة التكليف والختيار والتي قال عنها الحق‬
‫شفَقْنَ مِ ْنهَا‬
‫حمِلْ َنهَا وََأ ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن َي ْ‬
‫لمَانَةَ عَلَى ال ّ‬
‫سبحانه‪ {:‬إِنّا عَ َرضْنَا ا َ‬
‫جهُولً }[الحزاب‪.]72 :‬‬
‫حمََلهَا الِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوما َ‬
‫وَ َ‬
‫إن السماء والرض والجبال طلبوا أل يكون لهم اختيار وأن يظلوا مقهورين؛ لنهم ل يضمنون‬
‫لحظة الداء‪ ،‬أما النسان فلنه ظلوم جهول فقد قال‪ " :‬ل‪ ،‬إنني عاقل وسأرتب المور " فالنسان‬
‫ظلوم لنفسه‪ ،‬وجهول لنه لم يعرف ماذا يفعل وقت الداء‪.‬‬
‫لذلك نرى هنا القول الحق‪َ } :‬ومِنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مَنْ إِن تَ ْأمَنْهُ ِبقِنْطَارٍ { ونجد المانة متعدية بالباء‪،‬‬
‫فمعنى الباء ‪ -‬في اللغة ‪ -‬اللصاق‪ ،‬أي التصق القنطار بأمانته‪ ،‬فأصبح هناك ارتباط وامتزاج‪،‬‬
‫وإياك ساعة الداء أن تفصل المانة عن القنطار‪ ،‬فساعة يغريك قنطار الذهب ببريقه فعليك أن‬
‫تلصق المانة بالقنطار‪ ،‬وإياك أن يغريك قنطار فتترك أمانتك لنك إن نظرت إلى القنطار دون‬
‫أن تنظر إلى المانة فهذه هي الخيبة‪.‬‬
‫أما استعمال " على " مع المانة‪ ،‬فـ " على " في اللغة تأتي للستعلء والتمكن‪ ،‬أي اجعل المانة‬
‫مستعلية على القنطار‪ ،‬وبذلك تصير أمانتك فوق القنطار‪ ،‬فساعة تحدثك نفسك بأن تأخذ القنطار‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لنه يدير لك حركة حياتك‪ ،‬ولنه يخرجك إلى دنيا عريضة مغرية فتذكر عز المانة‪ ،‬ولهذا نجد‬
‫الفقهاء قد قالوا بقطع يد السارق في ربع دينار‪ ،‬وجعلوا دية قطع يد إنسان لم يسرق خمسمائة‬
‫دينار وتساؤل البعض قائل‪:‬يد بخمس مئين عسجد وديت مابالها قطعت في ربع دينارفقال فقيه ردا‬
‫على ذلك المعترض‪:‬عز المانة أغلها‪ ،‬وأرخصها ذل الخيانة‪ ،‬فافهم حكمة الباريإذن قول الحق‬
‫سبحانه وتعالى‪َ } :‬ومِنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مَنْ إِن تَ ْأمَنْهُ ِبقِنْطَارٍ { هذا القول جاء بالباء ليلصق المانة بما‬
‫اؤتمن عليه ول يفصل بينهما أبدا لنه لو فصل المانة وعِزّها عن القنطار ربما سولت له نفسه‬
‫أن يأخذ القنطار ويترك المانة‪.‬‬
‫وكذلك عندما تأتي المانة متعدية بعلى‪ ،‬تكون المانة فوق الشيء المؤتمن عليه‪ ،‬فالمانة يجب أن‬
‫تكون مستعلية على الشيء مهما غلت قيمته‪ ،‬ويقول الحق من بعد ذلك‪َ } :‬ومِنْهُمْ مّنْ إِن تَ ْأمَنْهُ‬
‫بِدِينَا ٍر لّ ُيؤَ ّدهِ إِلَ ْيكَ ِإلّ مَا ُد ْمتَ عَلَ ْيهِ قَآئِما { أي أن تكون دائم السؤال عن دينارك الذي ائتمنت‬
‫عليه ذلك النسان‪ ،‬وأن تلح في طلب دينارك‪.‬‬
‫لمّيّينَ سَبِيلٌ { وقد قام بعض من بني‬
‫علَيْنَا فِي ا ُ‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ } :‬ذاِلكَ بِأَ ّنهُمْ قَالُواْ لَيْسَ َ‬
‫إسرائيل على عهد رسول ال‪ ،‬يخديعة الميين من العرب المؤمنين فأنكروا حقوقهم‪ .‬والمقصود‬
‫بالميين هنا المؤمنون الذين لم يكونوا من أهل الكتاب‪ ،‬أو هم المنسوبون إلى الم كما قال الحق‪{:‬‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ‬
‫سمْ َع وَالَ ْبصَارَ وَا َ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ ا ْل ّ‬
‫جكُم مّن بُطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫وَاللّهُ َأخْرَ َ‬
‫شكُرُونَ }[النحل‪.]78:‬‬
‫تَ ْ‬
‫أو أن يكون المقصود " بالميين " أهل مكة‪ ،‬فقد كانوا يسمونهم كذلك لنهم منسوبون إلى أم القرى‬
‫" مكة المكرمة "‪.‬‬
‫من أين جاء أهل الكتاب إذن بهذا السلوب المزدوج في معاملة الناس؟ ومن الذي وضع هذا‬
‫المنهج الذي يقضي بخديعة المؤمنين الميين؟ وهل الفضائل ومنازل الخلق تختلف في المعاملة‬
‫من إنسان إلى آخر؟ وهل يقضي الخلق القويم أن يأخذ إنسان المانة وينكرها إذا كانت لرجل‬
‫أمي؟ ويرد المانة ويعترف بها إن كانت ليهودي؟ هل يصح أن يقرض إنسان أمواله بالربا لغير‬
‫اليهود‪ ،‬ويقرض اليهود دون ربا؟ إذن تكون هذه المعاملت مجحفة‪ ،‬هنا فضيلة‪ ،‬وهناك ل‬
‫فضيلة‪ ،‬ل‪ ،‬إن القضية يجب أن تكون مستوية ومكتملة في كل وقت وكل زمان ولكل إنسان‪ ،‬ول‬
‫ينبغي أن تتنوع‪.‬‬
‫من أين إذن جاءوا بهذا القول وهم أهل كتاب؟ إن هذا ضد منهج الكتاب الذي أنزله ال عليهم بل‬
‫هو من التحريف والتحوير لقد خدعوا أنفسهم وألصقوا بالتشريع ما ليس فيه‪ ،‬فالكتاب السماوي‬
‫الذي نزل عليهم ليس به تصنيف البشر صنفين‪ :‬صنف هم أهل الكتاب ولهم معاملة خاصة‪،‬‬
‫وصنف هم الميون ولهم معاملة أخرى‪ ،‬وكان عليهم ان يتعلموا من عدالة رسول ال صلى ال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليه وسلم في معاملتهم‪.‬‬
‫لقد أرخ لهم رسول ال بالنص المنزل عليه من ال التأريخ الصادق والعادل‪ ،‬في هذا القول الكريم‬
‫الذي نتناوله بالخواطر إنما يسجل تاريخ اليهودية مع السلم‪ .‬وهذا التأريخ لم يصدر فيه ال‬
‫حكما واحدا يشملهم جميعا‪ ،‬بل أنصف أصحاب الحق منهم‪ ،‬وإن كانوا على دين اليهودية‪ ،‬وبذلك‬
‫استقر في أذهان المنصفين منهم أن السلم قد جاء بكل الحق‪ ،‬فلو كان السلم قد أصدر حكما‬
‫واحدا ضد كل اليهود سواء من وقف منهم ضد دعوة رسول ال أو المنصف منهم الذي تراوده‬
‫فكرة اليمان بالسلم‪ ،‬لو كان مثل ذلك الحكم العام الشامل قد صدر لقال المنصفون من اليهود‪:‬‬
‫نحن نفكر في أن نؤمن بالسلم فكيف يهاجمنا السلم هذه المهاجمة؟ لكن السلم جاء لينصف‬
‫فيعطي كل ذي حق حقه‪.‬‬
‫وهؤلء هم الذين يؤرخ ال لهم بالقول‪ } :‬مَنْ إِن تَ ْأمَنْهُ ِبقِنْطَارٍ ُيؤَ ّدهِ إِلَ ْيكَ { وتلك شهادة على صدق‬
‫اليقين من هؤلء‪ ،‬أما الذين طغت عليهم المادة فهؤلء هم الذين جاء فيهم القول الحكيم‪َ } :‬ومِنْهُمْ‬
‫مّنْ إِن تَ ْأمَنْهُ ِبدِينَا ٍر لّ ُيؤَ ّدهِ إِلَ ْيكَ ِإلّ مَا ُد ْمتَ عَلَيْهِ قَآئِما { وهذا هو التأريخ الصادق لمن طغت‬
‫عليهم المادة فل يرد النسان منهم ما عليه إل بعد الملحقة والمطاردة‪ ،‬وهكذا يبلغنا القرآن‬
‫التاريخ بصدق‪.‬‬
‫والعلة في أن الذي يؤتمن على قنطار ويؤديه هو إنسان ملتزم أمامه إله موصوف باسم الحق‪ ،‬ول‬
‫يريد ال من عباده إل أن يواجهوا حركة حياتهم بالحق‪.‬‬
‫وأكرر هنا مرة أخرى‪ ،‬إن كلمة " المانة " ترد في القرآن الكريم مرة وهي متعدية بـ " على " ‪،‬‬
‫ومرة أخرى وهي متعدية بالباء‪ ،‬لن الباء تأتي في اللغة للصاق شيء بشيء آخر‪ ،‬فكأنك إذا‬
‫اؤتمنت أيها المسلم فل بد أن تلتصق بالمانة حتى تؤديها‪ ،‬وكذلك جاءت المانة متعدية بـ " على‬
‫" ‪ ،‬أي أنك أيها المؤمن إذا اؤتمنت فعليك أن تستعلي على الشيء الذي اؤتمنت عليه‪.‬‬
‫فإذا ما اؤتمنت على مائة جنيه مثل فل تنظر إلى ما يعود عليك من نفع إذا ما تصرفت في هذا‬
‫المبلغ‪ ،‬بل يجب أن تستعلي على تلك المنفعة‪ .‬فإياك أن تغش نفسك أيها المؤمن بفائدة ونفاسة‬
‫الشيء الذي تختلسه من المانة‪ ،‬بل قارن هذا الشيء بالمانة فستجد أن كفة المانة هي الراجحة‪.‬‬
‫والذين استباحوا خيانة المانة من أهل الكتاب‪ ،‬إنما عميت بصيرتهم عن أن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قد نال الشهرة بالمانة سواء قبل الرسالة أو بعدها‪ .‬وعميت أبصارهم‪ ،‬إن الدين الحق‬
‫ل يفرق في أداء المانة بين صنف من البشر‪ ،‬وصنف آخر؛ فالدين الحق يضم تشريعا من إله‬
‫خلق الجميع وهكذا نجد أن تشريعهم بالتفرقة في أداء المانة هو تشريع من عند أنفسهم‪ ،‬وليس‬
‫من الرب المتولي شئون خلقه جميعا‪ ،‬ويدحض الحق القضية التي حكموا بوساطتها أن يعاملوا‬
‫ب وَهُمْ‬
‫الميين معاملة تختلف عن معاملتهم لهل الكتاب‪ ،‬فقال سبحانه‪ } :‬و َيقُولُونَ عَلَى اللّهِ ا ْلكَ ِذ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َيعَْلمُونَ {‪.‬‬
‫يعلمون ماذا؟ يعلمون ان قولهم كذب‪ ،‬فهم يعرفون الحكم الصحيح وينحرفون عنه‪ ،‬وياليتهم قالوا‪:‬‬
‫إن ذلك الحكم من عند أنفسهم‪ ،‬لكنهم ينسبون ذلك إلى تعاليم دينهم‪ ،‬وتعاليم الدين ‪ -‬كما قلنا ‪-‬‬
‫مأخوذة من ال‪ ،‬وهم بذلك ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬يفترون على ال كذبا بأنه خلق خلقا ثم صنفهم‬
‫صنفين‪ :‬صنفا تؤدى المانة له‪ ،‬وصنفا ل تؤدى المانة له‪ ،‬وهكذا كذبوا على ال وعلموا أنهم‬
‫كاذبون‪ ،‬وهذا هو الفتراء‪ .‬وهم أيضا يعلمون العقوبة التي تلحق من يكذب على ال ورغم ذلك‬
‫كذبوا‪.‬‬
‫لقد حذف الحق في هذه الية المفعول به فلم يقل‪ " :‬يعملون كذا "‪ .‬الحق حين يحذف " المفعول "‬
‫فهو يريد أن يعمم الفهم ويريد أن يعمم الحركة‪ ،‬إنه سبحانه يريد أن يبلغنا بأن هؤلء يعلمون أن‬
‫قولهم هذا كذب‪ ،‬ويعلمون عقوبة ذلك الكذب‪ ..‬وساعة تأتي قضية منفية ثم يأتي بعدها كلمة " بلى‬
‫" فإنها تنقض القضية التي سبقتها ومعنى ذلك أنها تُثْبِت ضدها‪ .‬لقد قالوا‪:‬‬
‫" ليس علينا في الميين سبيل " وهذه قضية منفية بـ " ليس " ‪ ،‬والحق يقول في الية التالية‪} :‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ّتقِينَ {‬
‫بَلَىا مَنْ َأ ْوفَىا ِب َع ْه ِدهِ وَاتّقَى فَإِنّ اللّهَ ُي ِ‬

‫(‪)466 /‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ّتقِينَ (‪)76‬‬
‫بَلَى مَنْ َأ ْوفَى ِب َعهْ ِد ِه وَا ّتقَى فَإِنّ اللّهَ يُ ِ‬

‫إن قول الحق في بداية هذه الية { بَلَىا } إنما جاء لينقض القضية السابقة التي ادعاها أهل‬
‫الكتاب‪ ،‬وكأن الحق يقول‪ :‬أيْ عليكم في الميين سبيل؛ لن المشرع هو ال‪ ،‬والناس بالنسبة له‬
‫سبحانه سواء‪.‬‬
‫وبعد ذلك يأتي قول الحق بقضية عامة‪:‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ّتقِينَ } [آل عمران‪]76 :‬‬
‫{ مَنْ َأ ْوفَىا ِب َعهْ ِد ِه وَا ّتقَى فَإِنّ اللّهَ يُ ِ‬
‫ما العهد هنا؟ وأي عهد؟‬
‫إنه العهد اليماني الذي ارتضيناه لنفسنا بأننا آمنا بال وساعة تؤمن بالله فمعنى إيمانك به هو‬
‫حيثية قبولك لكل حكم يصدر منه سبحانه‪ ،‬وأن تلتزم بما يطلبه منك‪ .‬وإن لم تلتزم بما يطلبه منك‬
‫كان إيمانك بل قيمة؛ لن فائدة اليمان هو اللتزام‪ .‬ولذلك قلنا‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى حينما‬
‫يريد تشريع حكم لمن آمن به ينادي أول يأيها الذين آمنوا كتب عليكم كذا‪ ،‬إن الحق سبحانه ل‬
‫ينادي في التكليف كل الناس‪ ،‬إنما ينادي من آمن وكأن سبحانه يقول‪ " :‬يا من آمن بي إلها‪ ،‬اسمع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مني الحكم الذي أريده منك‪ .‬أنا ل أطلب ممن لم يؤمن بي حكما‪ ،‬إنما أطلب ممن آمن "‪.‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ّتقِينَ } وقد يفهم البعض هذا القول بأن‬
‫وهنا يقول الحق‪ { :‬مَنْ َأ ْوفَىا ِب َعهْ ِد ِه وَا ّتقَى فَإِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫من أوفى بعهده اليماني واتقى ال في أن يجعل كل حركاته مطابقة لـ " افعل ول تفعل " فإن ال‬
‫يحبه‪ .‬هذا هو المعنى الذي قد يُفهم للوهلة الولى‪ ،‬لكن ال لم يقل ذلك‪ ،‬إن " الحب " ل يرجع إلى‬
‫حبّ ا ْلمُتّقِينَ }‪.‬‬
‫الذات بل يرجع إلى العمل‪ ،‬لقد قال الحق‪ { :‬فَإِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫إن النسان قد يخطئ ويقول‪ " :‬لقد أحبني ال‪ ،‬وسأفعل من بعد ذلك ما يحلو لي " ونحن نذكر‬
‫صاحب هذا القول بأن ال يحب العمل الصالح الذي يؤديه العبد بنية خالصة ل وليس للذات أي‬
‫حبّ ا ْلمُ ّتقِينَ }‪.‬‬
‫قيمة‪ ،‬لذلك قال‪ { :‬مَنْ َأ ْوفَىا ِب َعهْ ِدهِ وَاتّقَى فَإِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫إن الذي أوفى بعهده واتقى سيحب ال فيه التقوى‪ ،‬وإياك أن تفهم أن الحب من ال للعبد سيصبح‬
‫حبا ذاتيا‪ ،‬لكنه حب لوجود الوصف فيه‪ ،‬فاحرص على أن يكون الوصف لك دائما‪ ،‬لتظل في‬
‫محبوبية ال‪.‬‬
‫ولذلك نقول‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى أوضح لنا أن الذات تتناسل من ذات‪ ،‬والذوات عند ال‬
‫متناسلة من أصل واحد‪ .‬فالجنس ليس له قيمة‪ ،‬إنما القيمة للعمل الصالح‪.‬‬
‫وقد ضربنا المثل قديما‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى حينما وعد نوحا عليه السلم بأن ينجيه‬
‫من الغرق هو وأهله‪ ،‬ثم فوجئ نوح بأن ابنه من المغرقين‪ ،‬قال سبحانه حكاية عما حدث‪ {:‬قَالَ‬
‫ح َم وَحَالَ بَيْ َن ُهمَا‬
‫صمَ الْ َيوْمَ مِنْ َأمْرِ اللّهِ ِإلّ مَن رّ ِ‬
‫صمُنِي مِنَ ا ْلمَآءِ قَالَ لَ عَا ِ‬
‫سَآوِي إِلَىا جَ َبلٍ َي ْع ِ‬
‫ا ْل َموْجُ َفكَانَ مِنَ ا ْل ُمغْ َرقِينَ }‬
‫[هود‪.]43 :‬‬
‫ماذا فعل نوح عليه السلم؟ لقد نادى ربه طالبا نجاة ابنه‪ {:‬وَنَادَى نُوحٌ رّبّهُ َفقَالَ َربّ إِنّ ابْنِي مِنْ‬
‫ح َكمُ الْحَا ِكمِينَ }[هود‪ ]45 :‬ويعلمنا ال من خلل رده على نوح‪ ،‬أن‬
‫ق وَأَنتَ أَ ْ‬
‫ن وَعْ َدكَ ا ْلحَ ّ‬
‫أَهْلِي وَإِ ّ‬
‫أهل النبياء ليسوا من جاءوا من نسلهم‪ ،‬إنما أهل النبياء هم من جاءوا على منهجهم‪ ،‬لذلك قال‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ }[هود‪.]46 :‬‬
‫الحق لنوح عن ابنه‪ {:‬إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهِْلكَ إِنّهُ َ‬
‫لماذا يكون ابن نوح ليس من أهل نوح؟ ذلك لن أهل النبوة هم الذين يتبعون منهج النبوة‪ ،‬ولذلك‬
‫لم يقل الحق لنوح عن ابنه‪ " :‬إنه عامل غير صالح " لكن الحق سبحانه قال عن ابن نوح‪ } :‬إِنّهُ‬
‫ع َملٌ غَيْرُ صَالِحٍ {‪ ..‬لقد نسب الحق المر إلى العمل‪.‬‬
‫َ‬
‫إذن فالحكمة هي أن ال سبحانه وتعالى في أسلوبه القرآني يوضح لنا أن ال ل يحب شخصا‬
‫لذاته‪ ،‬إنما لعمله وصفاته فلم يقل‪ " :‬من أوفى بعهده واتقى فإن ال يحبه " ‪ ،‬لن " الهاء " هنا‬
‫ترجع إلى الذات‪ ،‬إن في ذلك إيضاحا كامل البيان بأن ال يحب عمل العبد ل ذات العبد‪ ،‬فإن‬
‫حرص العبد على محبوبية ال فذلك يتطلب من العبد أن يظل متبعا لمنهج ال‪ ،‬وبعد ذلك يقول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق‪ } :‬إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ ِب َعهْدِ اللّ ِه وَأَ ْيمَا ِنهِمْ َثمَنا قَلِيلً ُأوْلَـا ِئكَ لَ خَلَقَ َل ُهمْ فِي الخِ َرةِ‪{ ...‬‬

‫(‪)467 /‬‬
‫إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ ِب َعهْدِ اللّ ِه وَأَ ْيمَا ِنهِمْ َثمَنًا قَلِيلًا أُولَ ِئكَ لَا خَلَاقَ َلهُمْ فِي الْآَخِ َر ِة وَلَا ُيكَّل ُمهُمُ اللّ ُه وَلَا‬
‫يَنْظُرُ ِإلَ ْيهِمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة وَلَا يُ َزكّيهِ ْم وََلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (‪)77‬‬

‫وساعة نسمع كلمة " شراء وبيع " فل بد أن نتوقف عندها؛ لنفهم معناها بدقة‪ .‬ونحن في الريف‬
‫نرى المقايضات أو المبادلت في الرزق الذي له نفع مباشر‪ ،‬كأن يبادل طرف طرفا آخر‪ ،‬قمحا‬
‫بقماش‪ ،‬فهذه سلعة يتم مبادلتها بسلعة أخرى‪ ،‬وعلى ذلك فليس هناك شارٍ وبائع‪ ،‬لن كل من‬
‫الطرفين قد اشترى وباع‪ .‬وهنا نسأل‪ :‬متى يصبح المر إذن شراء وبيعا؟‬
‫إن الشراء والبيع يحدث عندما نستبدل رزقا مباشرا برزق غير مباشر‪ ،‬ومثال ذلك عندما يشتري‬
‫النسان رغيف خبز بخمسة قروش‪ ،‬إن هذا هو الشراء والبيع‪ ،‬لن الخمسة قروش هي رزق غير‬
‫مباشر النفعية؛ لن النقود ل تشبعك ول ترويك من عطشك ول تسترك‪ .‬والرغيف هو رزق‬
‫مباشر النفعية لنه يشبعك ويدفع عنك الجوع وعندما يحب النسان أن يشتري شيئا فإن الذي‬
‫يدفعه في الشراء يسمى ثمنا‪.‬‬
‫إذن فكيف يشتري الثمن؟‬
‫إن الحق يوضح لنا أن الثمان ل تكون مشتراة أبدا‪ ،‬إنها مُشترى بها‪ ،‬ولذلك تكون أول خيبة في‬
‫صفقة الذين يشترون بعهد ال ثمنا قليل‪ ،‬إنهم اشتروا الثمن‪ ،‬بينما الثمن ل يُشترى‪ ،‬فالذي يشتري‬
‫هو السلعة‪ .‬ويا ليت الثمن الذي اشتروه ثمن له قيمة‪ ،‬لكنه ثمن قليل‪ ،‬ومن هنا جاء تحريم الربا‬
‫لن المرابي يعطي الشخص مائة‪ ،‬ويريد أن يسترده مائة وعشرة‪ ،‬ويكون المرابي في هذه المسألة‬
‫قد جعل النقود سلعة‪ ،‬وهكذا تكون الصفقة خائبة من بدايتها‪.‬‬
‫إذن فأول خيبة في نفوس الناس الذين يستبدلون الهدى ويأخذون بدل منه الضللة‪ ،‬إنهم‬
‫حتْ تّجَارَ ُتهُ ْم َومَا كَانُواْ ُمهْتَدِينَ }[البقرة‪:‬‬
‫خاسرون‪ُ {.‬أوْلَـا ِئكَ الّذِينَ اشْتَ َروُاْ الضّلَلَةَ بِا ْلهُدَىا َفمَا رَ ِب َ‬
‫‪.]16‬‬
‫والحق سبحانه يقول هنا‪ { :‬إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ ِب َعهْدِ اللّ ِه وَأَ ْيمَا ِنهِمْ َثمَنا قَلِيلً }‪ .‬ونعرف أن " الباء "‬
‫دائما تدخل على المتروك‪ ،‬أي أنهم تركوا عهد ال واليمان التي حلفوا بها على التصديق‬
‫بالرسول‪ ،‬وعلى نصرته إذا جاءهم‪ ،‬أنهم اشتروا ذلك بثمن قليل‪ ،‬كيف يحدث ذلك؟ لهذه المسألة‬
‫واقعة حال‪ ،‬وإن كان المراد عموم الموضوع ل خصوص السبب‪ ،‬فل يقولن أحد‪ :‬إن هذه الية‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نزلت في المر الفلني فل شأن لي بها‪ ،‬ل فكل من يشتري بآيات ال ثمنا قليل تنطبق عليه هذه‬
‫الية‪.‬‬
‫وواقعة الحال التي نزلت فيها الية هي أن جماعة في عهد جدب ومجاعة دخلت على كعب بن‬
‫الشرف اليهودي يطلبون منه الميرة ‪ -‬أي الطعام والكسوة ‪ -‬فقال لهم‪ :‬هل تعلمون أن هذا‬
‫الرجل رسول ال؟ قالوا نعم‪ ،‬قال‪ :‬إنني هممت أن أطعمكم وأن أكسوكم ولكن ال حرمكم خيرا‬
‫كثيرا وتساءلوا‪ :‬لماذا حرمنا ال خير الكثير؟ وجاءتهم الجابة لقد أعلنتم اليمان بمحمد فلما‬
‫وجدوا أنفسهم في هذا الموقف‪ ،‬قالوا لكعب بن الشرف‪ :‬دعنا فترة لنه ربما غلبتنا شبهة‪،‬‬
‫فلنراجع فيها أنفسنا‪.‬‬
‫وعندما مرت الفترة‪ ،‬فضلوا الطعام والكسوة على اليمان‪ ،‬وقالوا لكعب بن الشرف‪ :‬لقد قرأنا في‬
‫كتبنا الموجودة لدينا خطأ‪ ،‬ومحمد ليس رسول‪ .‬فأعطاهم كعب القوت والكسوة‪ .‬وهؤلء هم الذين‬
‫اشتروا بآيات ال ثمنا قليل‪ ،‬وهو الطعام والكسوة‪ .‬وكل من يشتري بآيات ال ثمنا قليل‪ ،‬فهو‬
‫يطمس حكما من أحكام ال من أجل أن يتظاهر أمام الناس أنه عصري‪ ،‬أو أنه مساير لروح‬
‫الزمان‪ ،‬أو يزين لولياء المر فعل من الفعال ل يرضى عنه ال‪.‬‬
‫إذن فالذي يفعل مثل ذلك إنما يشتري بآيات ال ثمنا قليل‪ ،‬وكل من يجعل آية من آيات ال‬
‫عرضة للبيع من أجل أن يأخذ عنها ثمنا قليل‪ ،‬وكل من يجعل آية من آيات ال عرضة للبيع من‬
‫أجل أن يأخذ عنها ثمنا يُعتبر داخل في هذا النص } إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ ِب َعهْدِ اللّ ِه وَأَ ْيمَا ِنهِمْ َثمَنا قَلِيلً‬
‫{‪.‬‬
‫والمقصود هنا بعهد ال‪ ،‬إما أن يكون عهد الفطرة أو العهد الذي أخذه ال على أهل الكتاب بأنهم‬
‫إن أدركوا بعثة رسول ال صلى ال عليه وسلم فل بد أن يعلنوا اليمان به هو العهد الذي جاء به‬
‫ح ْكمَةٍ ثُمّ جَآ َءكُمْ َرسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا‬
‫خذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَابٍ وَ ِ‬
‫القول الحق‪ {:‬وَإِذْ أَ َ‬
‫شهَدُو ْا وَأَنَاْ‬
‫َم َعكُمْ لَ ُت ْؤمِنُنّ بِ ِه وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ أََأقْرَرْتُ ْم وََأخَذْ ُتمْ عَلَىا ذاِل ُكمْ ِإصْرِي قَالُواْ َأقْرَرْنَا قَالَ فَا ْ‬
‫َم َعكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ }[آل عمران‪.] 81 :‬‬
‫إذن فعندما جاءت صفة تكذيبهم لما أعلنوه من إيمان سابق مقابل الميرة والكسوة‪ ،‬وكان ذلك خيبة‬
‫كبرى فهم قد اشتروا الثمن‪ ،‬والثمن مع ذلك قليل‪ ،‬ولذلك يقول عنهم الحق‪:‬‬
‫لقَ َلهُمْ فِي الخِ َر ِة َولَ ُيكَّل ُمهُمُ اللّهُ وَلَ يَنظُرُ إِلَ ْيهِمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة َولَ يُ َزكّيهِ ْم وََلهُمْ‬
‫ك لَ خَ َ‬
‫} ُأوْلَـا ِئ َ‬
‫عَذَابٌ أَلِيمٌ { [آل عمران‪]77 :‬‬
‫وكلمة } ُأوْلَـا ِئكَ { تدل على أن الصلة وهي } يَشْتَرُونَ ِب َعهْدِ اللّ ِه وَأَ ْيمَا ِنهِمْ َثمَنا قَلِيلً { تُلِحق بهم‬
‫كل من يتصف بهذه الصفات وتجعل له المصير نفسه‪ .‬فهذه الية وإن نزلت في هؤلء الشخاص‬
‫الذين جرت منهم حادثة شراء الطعام والكسوة مقابل النكوص عن اليمان برسالة رسول ال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صلى ال عليه وسلم فإنها تشمل كل متصف بهذه الصفة وكل من كان على هذا اللون في أي‬
‫لقَ َلهُمْ {‪.‬‬
‫ك لَ خَ َ‬
‫عصر‪ ،‬وفي أي دين من الديان‪ ،‬ويصفهم الحق سبحانه بـ } ُأوْلَـا ِئ َ‬
‫وكلمة } خَلَقَ { وكلمة " خُلق " وكلمة " خليقة " وكلمة " خلق " كلها تدور حول معنى يكاد يكون‬
‫متقاربا‪ ،‬فالخلق ‪ -‬بضم الخاء واللم ‪ -‬أن توجد صفة في النسان تغلب عليه حتى تصير ملكة‪.‬‬
‫فيقال‪ " :‬فلن عنده خلق الصدق " أو " فلن خلقه الكرم " ومعناه‪ :‬أن فلنا الول صار الصدق‬
‫عنده ملكة ول يتعب نفسه في أن يكون صادقا بل صار الصدق أمرا طبيعيا فيه‪ ،‬وكذلك وصف‬
‫فلن الثاني بالكرم أي أن الكرم صار ملكة وسجية عنده‪.‬‬
‫وهذه الملكة في المور المعنوية تساوي اللية في المور الحسية؛ لننا نعرف أن كل فعل من‬
‫الفعال يحتاج إلى دربة ليكون النسان متميزا في أدائه‪ ،‬وعلى سبيل المثال‪ ،‬العامل الذي ينسج‬
‫على آلة يحتاج إلى أن يتدرب على تحريك مكوك الخيط‪ ،‬وأن يتعلم كيف يحرك المكوك بين‬
‫خيوط النسيج‪ ،‬وبعد ذلك يختلف الخيطان معا لتمسك بهما حركة المكوك الثانية في ارتدادها‪،‬‬
‫وبذلك يتم النسيج‪ ،‬وحين يتدرب إنسان على هذا العمل فهو يحتاج إلى وقت طويل‪ ،‬ليصل إلى‬
‫كفاءة الحركة‪.‬‬
‫في بداية التدريب يكون المر صعبا‪ ،‬ويستطيع النساج بعد أن يتقن التدريب أن يجلس أمام آلة‬
‫النسيج ويداه تحرك المكوك بآلية‪ .‬لقد صارت المسألة بالنسبة إلى النساج المتدرب آلية‪.‬‬
‫وسبق أن ضربت المثل بالنسان الذي يتعلم قيادة السيارة‪ ،‬فالمدرب يعلمه كيف يدير المفتاح‪،‬‬
‫وكيف ينتظر لتسخين المحرك‪ ،‬وكيف يفك مكبح السيارة‪ ،‬ثم كيف يحرك عصا التحكم في اندفاع‬
‫السيارة‪ ،‬وكيف يوازن بين الضغط على بدال الوقود والضغط على بدال التحكم الفاصل‪ ،‬وكيف‬
‫يوازن بين سير السيارة بتخفيض السرعة بلمسات خفيفة لبدال المكبح‪.‬‬
‫وقد يخطئ النسان في بداية التعلم ويرتبك‪ ،‬ولكنه بعد تمام التدريب فإنه يعمل بآلية وبدون تفكير‪،‬‬
‫إنه عمل آلي ل يحتاج إلى تفكير‪ ،‬وضربت في السابق مثال بالصبي الذي يتعلم حياكة الملبس‪،‬‬
‫إنه يأخذ وقتا ليضع الخيط في سم البرة‪ ،‬وتقع منه الخطاء في قياس المسافات المختلفة بين‬
‫الغرز‪ ،‬لكنه من بعد ذلك يتدرب على فعل هذه العمال التي كانت صعبة‪ ،‬ويؤديها بآلية‪ ،‬والعمل‬
‫اللي في المور المحسة‪ ،‬يقابل الملكة في المور المعنوية‪ ،‬فيقال‪ " :‬إن الصدق عند فلن ملكة "‬
‫إي أنه إنسان ل يرهُقه أن يكون صادقا‪.‬‬
‫ونحن أثناء تعليم أبنائنا للنحو ‪ -‬مثل ‪ -‬نقول لهم‪ " :‬إن حكم الفاعل الرفع والمفعول به منصوب "‬
‫وعندما ينطق البن عبارة ما‪ ،‬فإنه يحاول تطبيق القاعدة أثناء القراءة‪ ،‬وقد ينساها‪ ،‬أو يتلجلج‪،‬‬
‫وعندما يتذكرها فإنه ينطق الكلمات برسمها الصوتي الصحيح‪ ،‬وبعد أن يتم التدريب على القاعدة‬
‫ويقرأ البن‪ ،‬فإن أخطاءه تتلشى‪ ،‬وبذلك يصير النحو ملكة عنده‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكذلك الخلق‪ ،‬إن الخلق صفة ترسخ في النفس‪ ،‬فتصدر عنها الفعال بيسر وسهولة‪ ،‬فيقال‪" :‬‬
‫الصدق له خلق " ‪ ،‬و " الكرم له خلق " ‪ ،‬و " الشجاعة له خلق " إنها الصفات التي ترسخ في‬
‫لقَ َلهُمْ فِي‬
‫ك لَ خَ َ‬
‫النفس فتصدر عنها الفعال في يسر وسهولة‪ .‬والحق سبحانه يقول‪ُ } :‬أوْلَـا ِئ َ‬
‫الخِ َرةِ { وقد فسر البعض حرمان أولئك من الخلق بأن هذا الصنف من الناس ل نصيب لهم من‬
‫الخلق‪ ،‬لن الخلق صفة راسخة في النسان‪ ،‬والحق يحدد الزمن بأنه } فِي الخِ َرةِ {‪.‬‬
‫والخرة هي الوقت الذي ل يمكن التدارك فيه‪ ،‬فالخرة هي يوم التقييم الصحيح والنهائي‪.‬‬
‫إن النسان قد ل يكون له نصيب السلوك القويم فيعدل سلوكه حتى يكتسب هذا السلوك القويم في‬
‫الدنيا لكن النسان ل يستطيع في الخرة أن يجد مجال للستدراك‪ ،‬وهذه هي الخيبة القوية‪.‬‬
‫فالنسان في الدنيا‪ ،‬قد يقوم بعمل ما ول يكون له نصيب من أجره أو قد ل نرى نحن الجزاء‬
‫والنصيب الذي يعطيه له ال ولكن ال يعوضه في الخرة عن هذا العمل الذي لم يكن له نصيب‬
‫منه في الدنيا أما من ل خلق له في الخرة فكيف يتم التعويض؟ إنّ ذلك أمر مستحيل؟‬
‫ويضيف الحق } ولَ ُيكَّل ُمهُمُ اللّ ُه َولَ يَنظُرُ إِلَ ْي ِهمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة َولَ يُ َزكّي ِه ْم وََلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { وقد‬
‫يقول قائل‪ :‬ألم يقل القرآن الكريم في موقع آخر‪ ،‬إن ال يقول للكافرين‪ {:‬قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا َولَ‬
‫ُتكَّلمُونِ }[المؤمنون‪.]108 :‬‬
‫فلماذا يقول الحق لهم مرة‪ } :‬اخْسَئُواْ فِيهَا َولَ ُتكَّلمُونِ { ‪ ،‬ومرة أخرى يقول الحق‪ } :‬لَ ُيكَّل ُمهُمُ‬
‫اللّهُ {؟‪ .‬ونجيب على مثل هذا القول‪ :‬إن الحق ل يكلمهم كلما ينفعهم‪ ،‬أو أنه سبحانه يكلمهم‬
‫بواسطة ملئكته‪ ،‬ولكن كيف ل ينظر إليهم ال؟‬
‫وساعة نجد أمرا يوجد في الناس وله نظير منسوب ل سبحانه وتعالى ويقوله سبحانه عن نفسه‪،‬‬
‫شيْءٌ {‪.‬‬
‫فل بد أن نأخذ هذا المر في إطار‪ } :‬لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫إننا في مجالنا البشرى نقول‪ " :‬فلن ل ينظر إلى فلن " أي أنه ل يوجه عيونه إليه‪ ،‬ويحول‬
‫حدقتيه عنه‪ ،‬لكن ل يمكن قياس ذلك على ال‪ ،‬لن ال منزه عن التشبيه ففي الوضع البشرى نجد‬
‫إنسانا يحب صديقا له فيقبل عليه بالوجه والنظر فيقال‪ " :‬فتى هو قيد العين " أي أنه شاب عندما‬
‫تنظر إليه العين فهو يقيد العين فل تذهب عنه إلى مكان آخر؛ ففي هذا الشاب محاسن تجعل العين‬
‫ل تذهب بعيدا عنه‪ .‬وهكذا نأخذ إقبال العين بالنظر على المنظور أو على المرئي كسمة للهتمام‬
‫به‪ ،‬وهذا صحيح في الوضع البشرى‪.‬‬
‫شيْءٌ {‪ .‬وهكذا نفهم عدم‬
‫لكن إذا ما جاء ذلك بالنسبة ل‪ ،‬هنا نأخذ المسألة في إطار‪ } :‬لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫نظر ال إلى } الّذِينَ يَشْتَرُونَ ِب َعهْدِ اللّ ِه وَأَ ْيمَا ِنهِمْ َثمَنا قَلِيلً { بأن ال يهملهم‪ ،‬ول يهتم بهم " ل‬
‫ينالهم ال برحمته " ‪ ،‬فالحق سبحانه منزه عن كل تشبيه‪ ،‬وهكذا المر في عدم نظر الحق إليهم‪،‬‬
‫شيْءٌ { إن ولي المر من البشر عندما يرغب في عقاب‬
‫نأخذ المر أيضا في إطار‪ } :‬لَ ْيسَ َكمِثْلِهِ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أحد رعاياه‪ ،‬ل ينظر إليه ويهمله‪ ،‬فما بالنا بإهمال الحق سبحانه وتعالى؟! إنه إبعاد لهم عن رحمة‬
‫ال ورضوانه‪.‬‬
‫ويضيف الحق سبحانه } َولَ يُ َزكّيهِ ْم وََلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { والتزكية تأتي بمعنى التطهير‪ ،‬أو بمعنى‬
‫الثناء أو النماء والزيادة فنقول‪ " :‬فلن زكى فلنا " أي أثنى عليه ويقال أيضا‪ " :‬فلن زكى فلنا "‬
‫أي طهره‪ ،‬ومن هذا تكون " الزكاة " التي هي تطهير ونماء‪.‬‬
‫وعندما يخبرنا الحق سبحانه أنه ل يكلم ذلك الصنف من البشر ول ينظر إليهم ول يطهرهم من‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ { فل بد أن نأخذ قوة الحدث بفاعل‬
‫أوزارهم‪ ،‬فهذا مقدمة لما أعده لهم بقوله‪ } :‬وََلهُمْ َ‬
‫الحدث‪.‬‬
‫وفي حياتنا العادية عندما يقال‪ " :‬صفع الطفل فلنا الرجل " نفهم بطبيعة الحال أن صفعة الطفل‬
‫تختلف في قوتها عن صفعة الشاب‪ ،‬وكذلك صفعة الشاب تختلف عن صفعة بطل في الملكمة‪.‬‬
‫إذن فالحدث يختلف باختلف فاعله قوة وضعفا على المفعول به الذي هو مناط الحدث‪ ،‬فإذا كان‬
‫فاعل العذاب هو ال فل بد أن يكون عذابا أليما؛ ول حدود للمه‪ ،‬أنجانا ال وإياكم منه‪ .‬ومن بعد‬
‫ذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَإِنّ مِ ْنهُمْ َلفَرِيقا يَ ْلوُونَ َألْسِنَ َتهُمْ بِا ْلكِتَابِ لِ َتحْسَبُوهُ مِنَ ا ْلكِتَابِ َومَا ُهوَ مِنَ‬
‫ا ْلكِتَابِ‪{ ...‬‬

‫(‪)468 /‬‬
‫ب َومَا ُهوَ مِنَ ا ْلكِتَابِ وَ َيقُولُونَ ُهوَ مِنْ‬
‫وَإِنّ مِ ْنهُمْ َلفَرِيقًا يَ ْلوُونَ أَلْسِنَ َتهُمْ بِا ْلكِتَابِ لِ َتحْسَبُوهُ مِنَ ا ْلكِتَا ِ‬
‫ب وَهُمْ َيعَْلمُونَ (‪)78‬‬
‫عِنْدِ اللّ ِه َومَا ُهوَ مِنْ عِنْدِ اللّ ِه وَ َيقُولُونَ عَلَى اللّهِ ا ْلكَ ِذ َ‬

‫أي أنهم يلوون ألسنتهم بالكلم الصادر من ال ليحرفوه عن معانيه‪ ،‬أو يَ ْلوُون ألسنتهم عندما‬
‫يريدون التعبير عن المعاني‪ .‬و " اللي " هو الفتل‪ ،‬فنحن عندما نفتل حبل‪ ،‬ونحاول أن نجدل بين‬
‫فرعين اثنين من الخيوط‪ ،‬ثم نفتلهم معا لنصنع حبل‪ ،‬والهدف من الفتل هو أن نضع قوة من‬
‫شعيرات الخيوط‪ ،‬فهذه الشعيرات لها قوة محدودة‪ ،‬وعندما نفتل هذه الخيوط فإننا نزيد من قوة‬
‫الخيوط بجدلها معا‪.‬‬
‫إذن فالفتل المراد به الوصول إلى قوة‪ ،‬وهكذا نرى أنهم يلوون ألسنتهم بكلم يدعون أنه من‬
‫المنهج المنزل من عند ال‪ ،‬وهذا الكلم ليس من المنهج ولم ينزل من عند ال إنّهم يفعلون ذلك‬
‫لتقوية مركزهم والتنقيص من مكانة السلم والطعن في الرسول كما قالوا من قبل‪ " :‬راعنا " ‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س َمعُواْ‬
‫لذلك قال الحق مخاطبا المؤمنين‪ {:‬يَاأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ َتقُولُواْ رَاعِنَا َوقُولُواْ انْظُرْنَا وَا ْ‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ }[البقرة‪.]104 :‬‬
‫وَلِلكَافِرِينَ َ‬
‫إن الحق يوضح لنا أل نعطي لهم فرصة لتحريف كلم ال‪ ،‬فهو سبحانه القائل‪ {:‬مّنَ الّذِينَ هَادُواْ‬
‫طعْنا‬
‫سمَ ٍع وَرَاعِنَا لَيّا بِأَلْسِنَ ِت ِه ْم وَ َ‬
‫سمَعْ غَيْرَ ُم ْ‬
‫عصَيْنَا وَا ْ‬
‫س ِمعْنَا وَ َ‬
‫يُحَ ّرفُونَ ا ْلكَلِمَ عَن ّموَاضِعِ ِه وَ َيقُولُونَ َ‬
‫سمَ ْع وَانْظُرْنَا َلكَانَ خَيْرا ّلهُمْ وََأقْوَمَ وََلكِن ّلعَ َنهُمُ اللّهُ‬
‫طعْنَا وَا ْ‬
‫س ِمعْنَا وََأ َ‬
‫ن وََلوْ أَ ّنهُمْ قَالُواْ َ‬
‫فِي الدّي ِ‬
‫ِب ُكفْرِهِمْ فَلَ ُي ْؤمِنُونَ ِإلّ قَلِيلً }[النساء‪.]46 :‬‬
‫لقد فضحهم ‪ -‬الحق سبحانه ‪ -‬لنا‪ ،‬وهم يحرفون الكلم عن موضعه‪ ،‬فقد قال الحق هذا القول‬
‫بمعنى‪ :‬أن الذي تسمعه ل يضرك لقد سجل ال عليهم أنهم قالوا سمعنا وعصينا كما قاموا‬
‫بتحريف الكلمة وقالوا‪ " :‬اسمع غير مسمع " أي " ل سمعت أبدا " ‪ ،‬تماما كما أخذوا من قبل قول‬
‫ال‪َ {:‬وقُولُواْ حِطّةٌ }[العراف‪.]161:‬‬
‫وحرفوا هذا القول‪َ " :‬وقُولُواْ حِنطّةٌ " ‪ ،‬وهم قد فعلوا ذلك حتى نحسب هذا التحريف من الكتاب‪،‬‬
‫وما هو من الكتاب‪ ،‬أي أنهم يفتلون بعضا من المعاني المستنبطة من الكلمات حتى يوهموا‬
‫المؤمنين بأن هذه المعاني غير المرادة وغير الصحيحة هي معان مرادة ل‪ ،‬وصحيحة المعنى‪،‬‬
‫إنهم يدعون على المنهج المنزل من السماء ما ليس فيه‪ ،‬ولذلك قال سبحانه‪ { :‬لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ا ْلكِتَابِ‬
‫َومَا ُهوَ مِنَ ا ْلكِتَابِ } إنهم عندما يلوون ألسنتهم بالكتاب يحرفونه رغبة في التلبيس والتدليس عليكم‬
‫لتظنوا أنه من الكتاب المنزل من عند ال على رسولهم‪ ،‬إنهم لو فعلوا ذلك فحسب لجاز أن يتوبوا‬
‫ويرجعوا إلى ربهم ويندموا على ما فعلوا‪.‬‬
‫أما قولهم بعد ذلك‪ُ { :‬هوَ مِنْ عِ ْندِ اللّهِ } فهو دليل على أنهم أحدثوا في الكتاب شيئا وأصروا عليه‬
‫فجاءوا بقولهم‪ُ { :‬هوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ } لينفوا عن أنفسهم شبهة أن يُدعى عليهم أنهم حرفوا الكتاب‪،‬‬
‫ولو لم يكونوا قد حرفوا الكتاب أكانت تخطر ببالهم‪ ،‬هذه؟ إن أمرهم جاء من باب (يكاد المريب‬
‫أن يقول خذوني) إنهم بهذا القول يحتالون على إخفاء أمر حدث منهم‪.‬‬
‫إن الحق ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يؤكد أن الخيانة تلحقهم فيقول‪( :‬وما هو من عند ال)‪ ،‬فهذه الية الكريمة‬
‫ب وَهُمْ َيعَْلمُونَ‬
‫تفضحهم وتكشف تحريفهم لكتاب ال‪ ،‬يقول سبحانه‪ } :‬وَ َيقُولُونَ عَلَى اللّهِ ا ْلكَ ِذ َ‬
‫{ إنهم يعرفون أن ما يقولونه هو الكذب‪ ،‬والكذب كما عرفنا هو أن تكون النسبة الكلمية غير‬
‫مطابقة للواقع‪ ،‬فالنسب في الحداث تأتي على ثلث حالت‪:‬‬
‫نسبة واقعة‪.‬‬
‫نسبة يفكر فيها وهي نسبة ذهنية‪.‬‬
‫نسبة ينطق بها‪.‬‬
‫فعندما نعرف إنسانا اسمه محمد‪ ،‬وهو مجتهد بالفعل فهذه نسبة واقعة وإذا خطر ببالك أن تخبر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صديقا لك باجتهاد محمد فهذا الخاطر نسبة ذهنية‪.‬‬
‫وساعة تنطق بهذا الخبر لصديق لك صارت النسبة كلمية‪ .‬والصدق هو أن تكون النسبة الكلمية‬
‫لها واقع متسق معها كأن يقول‪ " :‬محمد مجتهد " ويكون هناك بالفعل من اسمه محمد وهو مجتهد‬
‫بالفعل‪ ،‬وبهذا تكون أنت الناطق بخبر اجتهاد محمدٍ إنسانا صادقا‪ ،‬أما إن لم يكن هناك من اسمه‬
‫محمد ومجتهد فالنسبة الكلمية ل تتفق مع النسبة الواقعية‪ ،‬لذلك يصير الخبر كاذبا‪ .‬والعلماء‬
‫يفرقون بين الصدق والكذب بهذا المعيار‪ .‬فالصدق‪ :‬هو مطابقة الكلم للواقع‪ ،‬والكذب‪ :‬هو عدم‬
‫مطابقة الكلم للواقع‪.‬‬
‫وحاول بعض من الذين يحبون التشكيك أن يقفوا عند سورة المنافقين التي يقول فيها الحق‪ {:‬إِذَا‬
‫شهَدُ إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ‬
‫شهَدُ إِ ّنكَ لَرَسُولُ اللّ ِه وَاللّهُ َيعْلَمُ إِ ّنكَ لَ َرسُولُ ُه وَاللّهُ َي ْ‬
‫جَآ َءكَ ا ْلمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَ ْ‬
‫َلكَاذِبُونَ }[المنافقون‪.]1 :‬‬
‫لقد قال المنافقون‪ :‬نشهد إنك لرسول ال‪ ،‬وسيدنا محمد صلى ال عليه وسلم هو رسول من عند‬
‫ال بالفعل‪ ،‬والحق سبحانه يقول‪ } :‬وَاللّهُ َيعَْلمُ إِ ّنكَ لَرَسُولُهُ { فهل علمهم كعلم ال؟ ل‪ ،‬لن ال‬
‫شهَدُ إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ َلكَاذِبُونَ { ‪ ،‬فكيف يصفهم الحق بأنهم كاذبون مع أنهم‬
‫سبحانه قال‪ } :‬وَاللّهُ يَ ْ‬
‫شهدوا بما شهد هو به؟‬
‫إن الحق ل يكذبهم في أن محمدا رسول ال فهذه قضية صادقة‪ ،‬ولكنه سبحانه قد كذبهم في قضية‬
‫شهَدُ { تعني أن يوافق الكلم المنطوق ما يعتقدونه في‬
‫ش َهدُ { ‪ ،‬لن قولهم‪ } :‬نَ ْ‬
‫قالوها وهي‪ } :‬نَ ْ‬
‫ش َهدُ { هو قول ل يتفق مع ما في قلوبهم‪ ،‬ولذلك صاروا كذابين‪ ،‬فلسان كل‬
‫قلوبهم‪ ،‬وقولهم‪ } :‬نَ ْ‬
‫منهم ل يوافق ما في قلبه‪.‬‬
‫إذن فقوله الحق‪ } :‬وَ َيقُولُونَ عَلَى اللّهِ ا ْل َك ِذبَ وَ ُهمْ َيعَْلمُونَ { ‪ ،‬أي إنهم يقولون كلما ليس له نسبة‬
‫خارجية تطابقه‪ ،‬وهم يعلمون أنه كذب‪ ،‬حتى ل نقول‪ :‬إنهم نطقوا بذلك غفلة‪ ،‬لقد تعمدوا الكذب‪،‬‬
‫وهم يعرفون أنهم يقولون الكذب‪ .‬والدقة تقتضي أننا يجب أن نفرق بين صدق الخبر‪ ،‬وصدق‬
‫المخبر‪ .‬صدق الخبر هو أن يطابق الواقع لكن أحيانا يكون المخبر صادقا‪ ،‬والخبر في ذاته كذب‪،‬‬
‫كأن يقول واحد‪ " :‬إن فلنا يستذكر طول الليل " لنه شاهد حجرة فلن مضاءة وأنه يفتح كتابا‪،‬‬
‫بينما يكون هذا الفلن غارقا في قراءة رواية ما‪ ،‬إن المخبر الصادق في هذه الحالة‪ ،‬لكن الخبر‬
‫كاذب‪.‬‬
‫ولكن في مجال الية نحن نجد أنهم كاذبون عن عمد‪ ،‬فللسان هو وسيلة بيان ما في النفس‪:‬إن‬
‫الكلم لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬مَا كَانَ‬
‫حكْ َم وَالنّ ُب ّوةَ‪{ ...‬‬
‫لِبَشَرٍ أَن ُيؤْتِيهُ اللّهُ ا ْلكِتَابَ وَا ْل ُ‬

‫(‪)469 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حكْ َم وَالنّ ُب ّوةَ ثُمّ َيقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللّهِ‬
‫مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ ُيؤْتِيَهُ اللّهُ ا ْلكِتَابَ وَا ْل ُ‬
‫ب وَ ِبمَا كُنْتُمْ تَدْ ُرسُونَ (‪)79‬‬
‫وََلكِنْ كُونُوا رَبّانِيّينَ ِبمَا كُنْتُمْ ُتعَّلمُونَ ا ْلكِتَا َ‬

‫ونحن نعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين ينزل منهجه‪ ،‬فهو ينزله في كتاب‪ ،‬ويقتضي ذلك أن‬
‫يصطفي سبحانه إنسانا للرسالة‪ ،‬أي أن الرسول يجيء بمنهج ويطبقه على نفسه ويبلغه للناس‪،‬‬
‫الرسول مصطفى من ال ويختلف في مهمته عن النبي‪ ،‬فالنبي أيضا مصطفى ليطبق المنهج‪،‬‬
‫وهكذا حتى ل يسمع الناس المنهج ككلم فقط ولكن يرونه تطبيقا أيضا‪ ،‬إذن فالرسول واسطة‬
‫تبليغية ونموذج سلوكي والنبي ليس واسطة تبليغية‪ ،‬بل هو نموذج سلوكي فقط‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يرسل النبي ويرسل الرسول‪ ،‬ولذلك تأتي الية‪َ {:‬ومَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبِْلكَ مِن‬
‫حكِمُ اللّهُ‬
‫رّسُولٍ وَلَ نَ ِبيّ ِإلّ إِذَا َتمَنّىا أَ ْلقَى الشّ ْيطَانُ فِي ُأمْنِيّ ِتهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُ ْلقِي الشّيْطَانُ ُثمّ ُي ْ‬
‫حكِيمٌ }[الحج‪.]52 :‬‬
‫آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ َ‬
‫هكذا نعرف أن الرسول والنبي كليهما مرسل من عند ال‪ ،‬الرسول مرسل للبلغ والسوة‪ ،‬والنبي‬
‫مرسل للسوة فقط‪ ،‬لن هناك بعضا من الزمنة يكون المنهج موجودا‪ ،‬ولكن حمل النفس على‬
‫المنهج‪ ،‬هو المفتقد‪ ،‬ومثال ذلك عصرنا الحاضر ان المنهج موجود وكلنا نعلم ما الحلل وما‬
‫الحرام‪ ،‬لكن خيبة هذا الزمان تأتي من ناحية عدم حمل أنفسنا على المنهج‪ ،‬لذلك فنحن نحتاج إلى‬
‫أسوة سلوكية‪ ،‬هكذا عرفنا الكتاب‪ ،‬والنبوة‪ ،‬فما هو الحكم إذن؟‬
‫لقد جاء الحق بكلمة‪ " :‬الحكم " هنا ليدلنا على أنه ليس من الضروري أن توجد الحكمة اليمانية‬
‫في الرسول أو النبي فقط‪ ،‬بل قد تكون الحكمة من نصيب إنسان من الرعية اليمانية‪ ،‬وتكون‬
‫القضية اليمانية ناضجة في ذهنه‪ ،‬فيقولها لن الحكمة تقتضي هذا‪ .‬ألم يذكر ال لنا وصية لقمان‬
‫لبنه؟ إن وصية لقمان لبنه هي المنهج الديني‪ ،‬وعلى ذلك فمن الممكن أن يأتي إنسان دون‬
‫رسالة أو نبوة‪ ،‬ولكن المنهج اليماني ينقدح في ذهنه‪ ،‬فيعظ به ويطبقه‪ ،‬وهذا إيذان من ال على‬
‫أن المنهج يمكن لي عقل حين يستقبله أن يقتنع به‪ ،‬فيعمل به ويبلغه‪.‬‬
‫ولبد لنا أن نؤكد أن من يهبه ال الحكمة في الدعوة لمنهج ال وتطبيق هذا المنهج‪ ،‬لن يضيف‬
‫للمنهج شيئا‪ ،‬وبحكم صدقة مع ال فهو لن يدعي أنه مبعوث من ال للناس‪ ،‬إنه يكتفي بالدعوة ل‬
‫وبأن‪ ،‬يكون أسوة حسنة‪.‬‬
‫لكن لماذا جاءت هذه الية؟ لقد جاءت هذه الية بعد جدال نصارى نجران مع رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم في المدينة‪ ،‬وأثناء الجدال انضمت إليهم جماعة من اليهود‪ ،‬وسألوا رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫‪ -‬بماذا تؤمن وتأمر؟ فأبلغهم رسول ال صلى ال عليه وسلم بأوامر المنهج ونواهيه‪ ،‬وأصول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العبادة‪ ،‬ولن تلك الجماعة كانوا من أهل الكتاب‪ ،‬بعضهم من نصارى نجران والبعض الخر من‬
‫يهود المدينة‪ ،‬وكانوا يزيفون أوامر تعبدية ليست من عند ال‪ ،‬ويريدون من الناس طاعة هذه‬
‫الوامر‪ ،‬لذلك لم يفطنوا إلى الفارق بين منهج رسول ال صلى ال عليه السلم وأوامره‪ ،‬وبين ما‬
‫زيفوه هم من أوامر‪ ،‬فمحمد صلى ال عليه وسلم يطلب من الناس عبادة ال على ضوء المنهج‬
‫الذي أنزله عليه الحق سبحانه‪ ،‬أما هم فيطلبون طاعة الناس في أوامر من تزييفهم‪.‬‬
‫والطاعة ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هي ل وحده في أصول كل الديان‪ ،‬فإذا ما جاء إنسان بأمر ليس من ال‪،‬‬
‫وطلب من الناس أن يطيعوه فيه‪ ،‬فهذا معناه أن ذلك النسان يطلب أن يعبده الناس ‪ -‬والعياذ بال‬
‫ لن طاعة البشر في غير أوامر ال هي شرك بال‪ .‬ولهذا تشابهت المواقف على هذا البعض‬‫من أهل الكتاب‪ ،‬وظنوا أن الرسول صلى ال عليه وسلم يطلب منهم طاعتهم لوامره هو‪ ،‬كما‬
‫كانوا يطلبون من الناس بعد تحريفهم للمنهج وقالوا‪ :‬أتريد أن نعبدك ونتخذك إلها؟‬
‫إنهم لم يفطنوا إلى الفارق بين الرسول المين على منهج ال‪ ،‬وبين رؤسائهم الذين خالفوا الحكام‬
‫واستبدلوها بغيرها‪ ،‬فالرسول صلى ال عليه وسلم لم يطلب منهم طاعته لذاته هو‪ ،‬ولكنه قد طلب‬
‫منهم الطاعة للمنهج الذي جاء به رسول وقدوة‪ ،‬واستنكر رسول ال صلى ال عليه وسلم ما‬
‫قالوه‪.‬‬
‫وأنزل ال سبحانه قوله الحق‪:‬‬
‫حكْمَ وَالنّ ُب ّوةَ ُثمّ َيقُولَ لِلنّاسِ كُونُواْ عِبَادا لّي مِن دُونِ اللّهِ‬
‫ب وَالْ ُ‬
‫} مَا كَانَ لِ َبشَرٍ أَن ُيؤْتِيهُ اللّهُ ا ْلكِتَا َ‬
‫{ [آل عمران‪]79 :‬‬
‫لقد بلغت بهم الغفلة والشرك أنهم ظنوا أن ال لم يختر رسول أمينا على المنهج‪ ،‬وظنوا بال ظن‬
‫السوء‪ ،‬أو أنهم ظنوا أن الرسول سيحرف المنهج كما حرفوه هم‪ ،‬فتحولوا عن عبادة ال إلى عبادة‬
‫حكْ َم وَالنّ ُب ّوةَ‬
‫من بعثه ال رسول‪ ،‬ولذلك جاء القول الفصل } مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن ُيؤْتِيهُ اللّهُ ا ْلكِتَابَ وَالْ ُ‬
‫ثُمّ َيقُولَ لِلنّاسِ كُونُواْ عِبَادا لّي مِن دُونِ اللّهِ {‪.‬‬
‫وقد ينصرف المعنى أيضا إلى أن بعض صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم كانوا ُيجِلّونَه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وكل مؤمن مطلوب منه أن يُجل رسول ال صلى ال عليه وسلم وأن‬‫يعظمه‪ ،‬ومن فرط حب بعض الصحابة لرسول ال صلى ال عليه وسلم قالوا له‪ :‬أنسلم عليك كما‬
‫يسلم بعضنا على بعض‪ ،‬أل نسجد لك؟‬
‫إن الرسول صلى ال عليه وسلم لم يطلب السجود له من أحد‪ ،‬والحق سبحانه هو الذي كلف عباده‬
‫ضكُمْ َبعْضا قَدْ َيعَْلمُ اللّهُ‬
‫جعَلُواْ دُعَآءَ الرّسُولِ بَيْ َنكُمْ َكدُعَآءِ َب ْع ِ‬
‫المؤمنين بتكريم رسوله فقال‪ {:‬لّ تَ ْ‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ }‬
‫الّذِينَ يَ َتسَلّلُونَ مِنكُمْ ِلوَاذا فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ ُيخَاِلفُونَ عَنْ َأمْ ِرهِ أَن ُتصِي َبهُمْ فِتْنَةٌ َأوْ ُيصِي َبهُمْ َ‬
‫[النور‪.]63 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن المطلوب هو التعظيم لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ل أن نعطي له أشياء ل تكون إل ل‪.‬‬
‫إن تعظيم المسلمين لرسول ال وتكريمهم له هو أن نجعل دعاءه مختلفا عن دعاء بعضنا بعضا‪.‬‬
‫والحق في هذه الية التي نحن في مجال الخواطر عنها وحولها يقول‪ } :‬وَلَـاكِن كُونُواْ رَبّانِيّينَ‬
‫ِبمَا كُنتُمْ ُتعَّلمُونَ ا ْلكِتَابَ وَ ِبمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ {‪.‬‬
‫إن " لكن " هنا للستدراك ‪ ،‬مثلما قلنا من قبل‪ :‬إن " بلى " تنقض القضية التي قبلها وتثبت بعدها‬
‫قضية مخالفة لها‪ .‬إن الحق يستدرك هنا لنفهم أنه ليس لحد من البشر أن يقول‪ " :‬كونوا عبادا لي‬
‫" بعد أن أعطاه ال الكتاب والحكم والنبوة‪ ،‬والقضية التي يتم الستدراك من أجلها وإثباتها هي‪} :‬‬
‫كُونُواْ رَبّانِيّينَ { وكلمة " رباني " ‪ ،‬وكلمة " رب " ‪ ،‬وكلمة " ربيون " ‪ ،‬وكلمة " ربان " ‪ ،‬وكل‬
‫المادة المكونة من " الراء " و " الباء " تدل على التربية‪ ،‬والولية‪ ،‬وتعهد المربي‪ ،‬وتدور حول‬
‫هذا المعنى‪ .‬أليس ربان السفينة هو الذي يقود السفينة؟‬
‫وكلمة " الرب " توضح المتولي للتربية‪ ،‬إذن فما معنى كلمة " رباني "؟ إنك إذا أردت أن تنسب‬
‫إلى " رب " تقول‪ " :‬ربّي "‪ .‬وإذا أردنا المبالغة في النسبة نضيف لها ألفا ونونا فنقول‪ " :‬رباني "‬
‫ولذلك نجد في التعبيرات المعاصرة من يريدون أن ينسبوا أمرا إلى العلم فيقولون‪ " :‬علماني "‬
‫وفي ذلك مبالغة في النسبة إلى العلم‪ .‬والفرق بين " علمي " و " علماني " هو أن العلماني يزعم‬
‫لنفسه أن كل أموره تمشي على العلم المادي‪ ،‬ونجد أن في " علماني " ألفا ونونا زائدين لتأكيد‬
‫النسبة إلى العلم‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬ولماذا نؤكد النتساب إلى ال بكلمة " رباني "؟‬
‫ونقول‪ :‬لن الكلمة مأخوذة من كلمة رب‪ ،‬وتؤدي إلى معان‪ :‬منها أن كل ما عنده من حصيلة‬
‫البلغ ل بد أن يكون صادرا ومنسوبا إلى الرب؛ لنه لم يأت بشيء من عنده‪ ،‬أي أنه يأخذ من‬
‫ال ول يأخذ من أحد آخر أبدا؛ فهو رباني الخذ‪.‬‬
‫وتؤدي الكلمة إلى معنى آخر‪ :‬إنه حين يقول ويتكلم فإنه يكون متصفا بخلق أنزله رب يربي‬
‫الناس ليبلغوا الغاية المقصودة منهم‪ ،‬فهو عندما ينقل ما عنده للناس يكون مربيا‪ ،‬ويدبر المر‬
‫للفلح والصلح‪.‬‬
‫ب وَ ِبمَا كُنْتُمْ َتدْرُسُونَ { إن العلم هو تلقي النص‬
‫يقول الحق ‪ -‬سبحانه ‪ِ } :-‬بمَا كُنتُمْ ُتعَّلمُونَ ا ْلكِتَا َ‬
‫المنهجي‪ .‬والدراسة هي البحث الفكري في النص المنهجي‪.‬‬
‫لذلك فنحن في الريف نقول‪ " :‬ندرس القمح " أي أننا ندرس القمح بألة حادة كالنورج حتى تنفصل‬
‫حبوب القمح عن " التبن " وتكون نتيجة الدراس هي استخلص النافع‪.‬‬
‫‪ .‬إذن ففيه فرق بين " تعلمون " أي تعلمون غيركم المنهج الصادر من ال وذلك خاضع لتلقي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النص‪ ،‬وبين } مَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ { أي تعملون أفكاركم في الفهم عن النص‪.‬‬
‫إن الفهم عن النص يحتاج إلى مدارسة‪ ،‬ومعنى المدارسة هو أخذ وعطاء‪ ،‬ويقال‪ " :‬دارسه " أي‬
‫أن واحد قد قام بتبادل التدريس مع آخر‪ ،‬ويقال أيضا‪ " :‬تدارسنا " أي أنني قلت ما عندي وأنت قد‬
‫قلت ما عندك حتى يمكن أن نستخلص ونستنبط الحكم الذي يوجد في النص‪.‬‬
‫وقد يأتي النص محكما‪ ،‬وقد يأتي النص محتمل لكثر من معنى‪.‬‬
‫وما دمت قد تعلمت‪ ،‬فل بد أنك تعرفت على النصوص المحكمة للمنهج‪ .‬وما دمت قد تدارست‪،‬‬
‫فل بد أنك قد فهمت من النصوص المحتملة حين مدارستك لهل الذكر حُسْن استقبال المنهج؛‬
‫لذلك يجب أن تكون ربانيا في المرين معا‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ولَ يَ ْأمُ َركُمْ أَن تَتّخِذُواْ ا ْلمَلَ ِئكَ َة وَالنّبِيّيْنَ أَرْبَابا‪{ ...‬‬

‫(‪)470 /‬‬
‫سِلمُونَ (‪)80‬‬
‫وَلَا يَ ْأمُ َركُمْ أَنْ تَتّخِذُوا ا ْلمَلَا ِئكَ َة وَالنّبِيّينَ أَرْبَابًا أَيَ ْأمُ ُركُمْ بِا ْل ُكفْرِ َبعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُ ْ‬

‫أي أنه ليس لبشر آتاه ال الكتاب والحكم والنبوة أن يأمر الناس باتخاذ الملئكة والنبيين أربابا‪ .‬إن‬
‫من اختصه ال بعلم و كتاب ونبوة ل يمكن أن يقول‪ :‬اعبدوني‪ ،‬أو اعبدوا الملئكة‪ ،‬أو اعبدوا‬
‫النبياء‪.‬‬
‫لماذا؟ ويجيب الحق سبحانه‪ { :‬أَيَ ْأمُ ُركُم بِا ْل ُكفْرِ َب ْعدَ إِذْ أَنْ ُتمْ مّسِْلمُونَ }‪.‬‬
‫وقوله الحق‪َ { :‬ب ْعدَ إِذْ أَنْتُمْ مّسِْلمُونَ } تدل على أن واقعة القضية وما معها كانت مع مسلمين كأنهم‬
‫عندما جاءوا وأرادوا أن يعظموا رسول ال صلى ال عليه وسلم وقالوا‪ :‬نحن نريد أن نعطيك‬
‫وضعا في التعظيم أكثر من أي كائن ونريد أن نسجد لك‪َ .‬ف َوضّح النبي صلى ال عليه وسلم لهم‪:‬‬
‫أنّ السجود ل يكون إل ل‪.‬‬
‫إذن فالذين تكلموا مسلمون‪ ،‬وكانوا يقصدون بذلك تعظيم الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولو أن‬
‫رسول ال وافقهم لكان معنى ذلك انه يخرجهم عن السلم‪ ،‬ول يتصور أن يصدر هذا عن سيدنا‬
‫وحبيبنا المصطفى صلى ال عليه وسلم أو عن غيره من النبياء عليهم السلم‪.‬‬
‫ح ْكمَةٍ‪} ...‬‬
‫خذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَابٍ وَ ِ‬
‫والحق سبحانه يقول‪ { :‬وَإِذْ أَ َ‬

‫(‪)471 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ح ْكمَةٍ ثُمّ جَا َءكُمْ رَسُولٌ ُمصَدّقٌ ِلمَا َم َعكُمْ لَ ُت ْؤمِنُنّ‬
‫وَإِذْ َأخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّينَ َلمَا آَتَيْ ُت ُكمْ مِنْ كِتَابٍ َو ِ‬
‫شهَدُوا وَأَنَا َم َعكُمْ مِنَ‬
‫بِ ِه وَلَتَ ْنصُرُنّهُ قَالَ أََأقْرَرْتُمْ وَأَخَذْ ُتمْ عَلَى ذَِلكُمْ ِإصْرِي قَالُوا َأقْرَرْنَا قَالَ فَا ْ‬
‫الشّا ِهدِينَ (‪)81‬‬

‫هذه الية تجعلنا نتعرف على أسباب بعث الحق لموكب الرسل‪ ،‬ونعرف جميعا أن المنهج الول‬
‫قد أنزله ال على آدم عليه السلم متضمنا كل ما يجعل الحياة تسير إلى انسجام‪ ،‬وبلّغ آدم أولده‬
‫هذا المنهج كما علمهم أمور حياتهم‪ ،‬تماما مثلما يعلم الب أبناءه ما يخدم أمور حياتهم‪ ،‬كما يقوم‬
‫بإبلغ البناء مطلوب الدين‪ ،‬والبناء يبلغون أبناءهم‪ ،‬وتتواصل البلغ من جيل إلى جيل كي‬
‫يكتمل وصول المنهج للذرية‪ ،‬ولكن مع توالي الزمن وتتابعه نجد أن بعضا من مطلوبات الدين يتم‬
‫نسيانها‪.‬‬
‫إن هذا دليل على أن الناس قد غفلت عن المنهج وهكذا نرى أن الغفلة عن المنهج إنما تتم على‬
‫مراحل‪ ،‬فبعد بلغ المنهج نجد إنسانا يغفل عن جزئية‪ ،‬ما في هذا المنهج‪ ،‬وتنبهه نفسه وتلومه‬
‫على تركه لتلك الجزئية‪ ،‬ونسمي صاحب هذا الموقف بصاحب النفس اللوامة‪ ،‬إنه يفعل السيئة‬
‫لكن نفسه تعود إلى اليقظة لمنهج ال؛ لنه يتمتع بوجود خلية المناعة اليمانية فيه‪ ،‬وهناك إنسان‬
‫آخر يستمرئ المخالفة للمنهج وتلح عليه نفسه بالمخالفة؛ إنه صاحب النفس المارة بالسوء‪،‬‬
‫وتتوالى به دواعي ارتكاب السيئات‪ ،‬ومثل هذا النسان يحتاج إلى غيره من خارج نفسه ليلفته إلى‬
‫الخير‪.‬‬
‫وماذا يحدث للمجتمع إذا صار افراده جميعا من أصحاب النفس المارة بالسوء؟‬
‫إن معنى ذلك أن الفساد قد طم‪ ،‬ول بد من مجيء رسول؛ لن مراد الحق سبحانه هو هداية‬
‫الناس‪ ،‬لقد خلقنا سبحانه وله كل صفات الكمال‪ ،‬ولم يضف خلقُنا إليه شيئا‪ .‬وها هو ذا الحديث‬
‫القدسي الذي رواه أبو ذر رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم فيما روى عن‬
‫ال تبارك وتعالى أنه قال‪ " :‬يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي‪ ،‬وجعلته بينكم محرما فل‬
‫تظالموا‪ ،‬ياعبادي‪ ،‬كلكم ضال إل من هديته فاستهدوني أهدكم‪ ،‬يا عبادي‪ ،‬كلكم جائع إل من‬
‫أطعمته‪ ،‬فاستطعموني أطعمكم‪ ،‬يا عبادي‪ ،‬كلكم عار‪ ،‬إل من كسوته‪ ،‬فاستكسوني أكسكم‪ ،‬يا‬
‫عبادي‪ ،‬إنكم تخطئون بالليل والنهار‪ ،‬وأنا أغفر الذنوب جميعا‪ ،‬فاستغفروني أغفر لكم‪ ،‬يا عبادي‬
‫إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني‪ ،‬ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني‪ ،‬يا عبادي لو أن أولكم وآخركم‬
‫وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم‪ ،‬ما زاد ذلك في ملكي شيئا‪ ،‬يا عبادي‪ ،‬لم أن‬
‫أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا‪،‬‬
‫يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم‪ ،‬قاموا إلى صعيد واحد‪ ،‬فسألوني فأعطيت كل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنسان مسألته‪ ،‬ما نقص ذلك مما عندي إل كما ينقص ال ِمخْيط إذا أدخل البحر‪ ،‬يا عبادي‪ ،‬إنما هي‬
‫أعمالكم أحصيها لكم‪ ،‬ثم أوفيكم إياه‪ ،‬فمن وجد خيرا فليحمد ال‪ ،‬ومن وجد غير ذلك فل يلومن إل‬
‫نفسه "‪.‬‬

‫إن ال سبحانه وتعالى قد خلقنا وهو من الزل إلى البد‪ ،‬في تمام صفات الكمال ولم يضف له هذا‬
‫ط ِعمُونِ * إِنّ اللّهَ ُهوَ الرّزّاقُ ذُو‬
‫ق َومَآ أُرِيدُ أَن ُي ْ‬
‫الخلق شيئا‪ ،‬وهو القائل‪ {:‬مَآ أُرِيدُ مِ ْنهُم مّن رّ ْز ٍ‬
‫ا ْل ُقوّةِ ا ْلمَتِينُ }[الذاريات‪.]58-57 :‬‬
‫إذن فعندما يشرع لنا الحق أمرا فهو يشرعه لمصلحتنا؛ إنه سبحانه يحب لصنعته أن تظفر بسعادة‬
‫المنهج؛ لذلك أنزل المنهج " بافعل ول تفعل " وحين يقول المنهج‪ " :‬افعل ول تفعل " فهو ل يريد‬
‫أن يحدد حرية الحركة على الخلق ال بما يحميهم‪ ،‬إنه يحدد حرية هنا ليحمي حرية هناك‪ .‬فعندما‬
‫حرم ال السرقة ‪-‬على سبيل المثال ‪ -‬فالمر شامل لكل البشر‪ ،‬فل يسرق أحدا أحدا‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه حين منع ي َد واحدٍ من السرقة‪ ،‬كان في ذلك منع لمليين اليدي أن تسرق من‬
‫هذا النسان‪ ،‬وفي هذا حماية لكل البشر من أن يسرق إنسان إنسانا آخر‪ ،‬وفي ذلك كسب لكل‬
‫إنسان‪ ،‬فساعة تأخذ التشريع ل تأخذه على أنه مطلوب منك‪ ،‬ولكن خذه على أنه مطلوب منك‬
‫ومطلوب لك أيضا‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ ،‬لقد حرم المنهج على العبد المؤمن أن يمد عينيه إلى محارم غيره‪ ،‬ولم يكن هذا‬
‫التحريم لعبد واحد‪ ،‬إنما لكل إنسان مؤمن‪ ،‬وبذلك ل تمتد أي عين إلى محارم هذا العبد‪ ،‬لقد جاء‬
‫المر لك بغض البصر عن محارم غيرك وأنت واحد‪ ،‬وكففنا من أجلك مليين البصار كيل تمتد‬
‫إلى محارمك‪.‬‬
‫إذن فكل عبد مؤمن يكسب حياة مطمئنة من وجود التشريع‪ ،‬وكل التشريعات إنما جاءت لصالحنا‬
‫جميعا‪ ،‬ولذلك كان الحق رحيما بنا لن َر ْكبَ الرسل قد تواصل واستمر في الكون منذ آدم‪ ،‬وإلى‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والمنهج الذي جاء به كل هؤلء الرسل ل تناقض فيه أبدا‪ ،‬لن في‬
‫هذا المنهج مصلحة للخلق‪ ،‬لذلك فل يمكن أن يكون موكب رسول قد أتى‪ ،‬ليناقض موكب رسول‬
‫آخر‪.‬‬
‫لكن ما الذي يأتي بالتناقض بين الديان والمشرع واحد؟ وكل الناس عيال له؟‬
‫إننا نبرئ الرسل من التناقض‪ ،‬وإن حاول البعض أن يصوروا المر كذلك فلنعلم أن أتباع الرسل‬
‫هم الذين يريدون لنفسهم سلطة زمنية يتحكمون بها في الدنيا‪ ،‬فالذين كانت لهم سلطة زمنية في‬
‫دين كاليهودية أو النصرانية فعلوا ذلك‪.‬‬
‫وعندما جاءت النصرانية على اليهودية قال أحبار اليهود‪ :‬نحن ل نريد النصرانية لماذا؟ لن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫السلطة الزمنية كانت في أيديهم‪ ،‬ولو أن هؤلء الحبار ظلوا باقين على ما أنزله ال عليهم من‬
‫منهج لقَبّلُوا يدي أي رسول قادم شاكرين له مق َدمَة ومجيئه وقالوا له‪ :‬ساعدنا على أن نعمق فهمنا‬
‫لمنهج ال‪.‬‬
‫‪ .‬إذن فالخلف ل يحدث إل حين توجد أهواء لها سلطات زمنية‪ ،‬وموكب الرسالت من يوم أن‬
‫خلق ال النسان هو منهج متساند ل متعاند‪.‬‬
‫وحينما يأتي رسول ليجد أناسا غير مؤمنين بإله فالمشكلة تكون سهلة‪ ،‬لنه سيلفتهم إلى إله واحد‪،‬‬
‫وبالمنهج الذي يريده ال‪ ،‬لكن المشكلة تكون كبيرة مع الجماعة التي لها رسول وهم منسوبون إلى‬
‫السماء فإذا ما جاء رسول من ال فهو يجيء وهؤلء التباع قد أخذوا من ادعائهم بالنتساب‬
‫لرسالة رسول سابق سلطة زمنية كما حدث مع اليهود والنصارى‪ ،‬فتعصبوا للدين الذي كانوا عليه‬
‫متناسين أن كبارهم قد حرفوا المنهج لحساب السلطة الزمنية‪.‬‬
‫وقد استمر موكب الرسل إلى الخلق ليحمي ال الخلق من سيادة النحراف واصطفى ال أمة محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم؛ لن ال قد ضمن بقاء الخير في هذه المة‪ ،‬فإذا رأيت أناسا بالغوا في‬
‫اللحاد فثق أن هناك أناسا زادهم ال في المدد حتى يحدث التوازن؛ لن الحق هو القائل‪ {:‬وَلْ َتكُن‬
‫ف وَيَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ وَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ }[آل‬
‫مّ ْنكُمْ ُأمّةٌ َيدْعُونَ إِلَى الْخَيْ ِر وَيَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫عمران‪.]104 :‬‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ‬
‫وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه‪ {:‬كُنْتُمْ خَيْرَ ُأمّةٍ ُأخْرِ َ‬
‫ف وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ وَ ُت ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وََلوْ آمَنَ أَ ْهلُ ا ْلكِتَابِ َلكَانَ خَيْرا ّلهُمْ مّ ْنهُمُ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ‬
‫بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫سقُونَ }[آل عمران‪.]110 :‬‬
‫وََأكْثَرُهُمُ ا ْلفَا ِ‬
‫إذن فإن امتنع الوازع النفسي في النفس اللوامة عند فرد من أمة محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫فسوف يأتي أناس مسلمون ينبهونه إلى المنهج‪ ،‬والحق سبحانه وتعالى ل يعصم الناس من أن‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى خُسْرٍ * ِإلّ الّذِينَ آمَنُواْ وَ َ‬
‫يخطئوا فهو القائل‪ {:‬وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫ق وَ َتوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ }[العصر‪.]3-1 :‬‬
‫حّ‬
‫صوْاْ بِالْ َ‬
‫وَ َتوَا َ‬
‫ت بكلمة " وصوا " وذلك لنفهم أن التوصية أمر متبادل‬
‫إن الحق جاء بكلمة " وتواصوا " ‪ ،‬ولم يأ ِ‬
‫بين الجميع‪ ،‬فساعة يوجد إنسان في لحظة ضعف أمام المنهج توجد لحظة قوة عند غيره فيوصيه‪.‬‬
‫وترد هذه المسألة أيضا إلى الموصى‪ ،‬فقد تأتي له لحظة ضعف أمام المنهج؛ فيجد من يوصيه‬
‫وهكذا نرى أنه ل يوجد أناس مخصوصون ليوصوا‪ ،‬وآخرون مهمتهم تلقى التوصية‪ ،‬إنما المر‬
‫متبادل بينهم‪ ،‬وهذا هو التكافل اليماني‪ ،‬والنسان قد يضعف في مسألة من المسائل فيأتي أخ‬
‫مؤمن يقول له‪ :‬ابتعد عن هذا الضعف‪ ،‬إن هذه المسألة تحدث بالتناوب لمقاومة لحظات الغيار‬
‫في النفس البشرية؛ لن لحظات الغيار ل تجعل النسان يثبت على حال‪ ،‬فإذا ما رأينا إنسانا قد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضعف أمام التزام ما فعلينا أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر‪ ،‬وأنت أيضا حين تضعف ستجد‬
‫ن يوصيك‪.‬‬
‫من أخوتك اليمانية مَ ْ‬
‫هذا هو الحال في أمة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أما المم السابقة عليها فقد كانوا ل يتناهون عن‬
‫منكر فعلوه‪ ،‬ولذلك كان ل بد أن تتدخل السماء وتأتي برسول جديد ومعه معجزة جديدة تلفت‬
‫العقول لفتا قسريا إلى أن هناك أشياء تأتي بها المعجزة‪ ،‬وهي خرق ناموس الكون‪ ،‬وفي ذلك لفت‬
‫من ال للناس إلى مناطق القدرة‪.‬‬
‫وأخذ ال الميثاق على النبياء بأن يبلغ كل نبي قومه هذا البلغ‪ ،‬انتظروا أن ترسل إليكم السماء‬
‫رسل‪ ،‬وساعة يجيء الرسول المبلغ عن ال منهجه فكونوا معه‪ ،‬وأيدوه‪.‬‬
‫كان الرسل عليهم جميعا السلم مأمورين أن يضعوا في المنهج‪ .‬وصلبه أن السماء حينما تتدخل‬
‫وتأتي برسول جديد فل بد أن يتبعه أقوامهم‪ ،‬وأل يتعصبوا ضد الرسول القادم‪ ،‬بل يسلمون معه‬
‫ويرحبون به؛ لن الرسول إنما يجيء ليعاون الناس على المنهج الصحيح‪ ،‬لكن التباع الذين‬
‫يعشقون السلطة الزمنية تعمدوا التحريف‪ ،‬ومن أجل أن يحمي الحقّ خلقه من هذا المرض أنزل‬
‫الميثاق الذي أخذه على النبيين‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ح ْكمَةٍ ُثمّ جَآ َءكُمْ رَسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ لَ ُت ْؤمِنُنّ‬
‫ب وَ ِ‬
‫خذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَا ٍ‬
‫} وَإِذْ أَ َ‬
‫بِ ِه وَلَتَنصُرُنّهُ { [آل عمران‪]81 :‬‬
‫قد يقول قائل‪ :‬إن هذا القول يصلح عندما يأتي رسول معاصر لرسول مثلما عاصر شعيب سيدنا‬
‫موسى عليه السلم‪ ،‬وكما عاصر لوط سيدنا إبراهيم عليه السلم‪ ،‬ونقول‪ :‬هذا يحدث ‪ -‬أيضا ‪-‬‬
‫وإن لم تتعاصر الرسل‪ ،‬فالحق سبحانه قد أراد لكل رسول أن يعطي لقومه البلغ الواضح‪ ،‬وإن‬
‫لم يتعاصر الرسولن فل بد أن يعطي الرسول مناعة ضد التعصب‪ ،‬فما داموا قد آمنوا بالرسول‬
‫واتبعوه فعليهم حسنَ استقبال الرسول القادم من بعد رسولهم‪ ،‬وكان على كل رسول أن يبلغ قومه‪:‬‬
‫كونوا في انتظار أن تتدخل السماء في أي وقت‪ ،‬فإذا تدخلت السماء في أي وقت من الوقات‪،‬‬
‫وجاءت برسول مصدق لما معكم فإياكم أن تقفوا منه موقف المضارّة‪ ،‬وإياكم أن تقفوا منه موقف‬
‫خذَ اللّهُ مِيثَاقَ‬
‫العداوة‪ ،‬بل عليكم أن " تنصروه " وهذا قول واضح وجلى ول لبس فيه‪ } .‬وَِإذْ أَ َ‬
‫ح ْكمَةٍ ثُمّ جَآ َء ُكمْ رَسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ {‬
‫النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَابٍ وَ ِ‬
‫ونقول في شرح معنى‪َ } :‬رسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ {‪.‬‬
‫إن الدين يأتي بقضايا متفق عليها؛ لن العقائد واحدة‪ ،‬والخبار واحدة‪ ،‬والقصص واحد‪ ،‬لكن الذي‬
‫يختلف هو الحكم التشريعي الذي قد يناسب زمنا ول يناسب زمنا آخر‪ ،‬فإذا جاء الرسول بكتاب‬
‫مصدق لما معكم في المور الدائرة في منهج العقائد‪ ،‬أو منهج القصص فل بد لكم أن تصدقوه‪.‬‬
‫لكن اليهود لم يفعلوا ذلك؛ لن الرسول جاء ليعيد هداية الجماعة التي آمنت بالرسل والتي تؤمن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بإله‪ ،‬وكان مجيء محمد صلى ال عليه وسلم بالمنهج الواضح العقيدة والخبار الصحيحة غير‬
‫المحرفة والقصص التي تدعم المنهج كما جاء بالتشريع المناسب وكان مجيء النبي الخاتم مزلزل‬
‫لمن استمرءوا السلطة الزمنية‪ ،‬فمنهم من أصر على اتباع رسولهم فقط وبالمنهج الذي تم تحريفه‬
‫ورفضوا اتباع الرسول الجديد‪ ،‬ومنهم جماعة أخرى آمنت‪ ،‬بالرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكانت‬
‫هناك جماعة ثالثة تؤمن برسول آخر‪ ،‬والخيبة تأتي نتيجة للتعصب‪ ،‬ولذلك كانت دعوة السلم‬
‫هي لتصفية العقائد‪ ،‬ودعوة لكل متبع لي رسالة سابقة أن يدرس ويناقش‪ ،‬هل الدين الخاتم قد‬
‫جاء بما يختلف عن الديان السابقة في العقائد؟ أو جاء مصدقا لها؟‬
‫لقد جاء الدين الخاتم مصدقا لما سبقه في العقائد والخبار والقصص وإن اختلف في التشريعات‬
‫التي تناسب زمنا ول تناسب زمنا آخر‪ ،‬فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يعصم البشرية من‬
‫العصبية الهوجاء‪ ،‬والعصبية العمياء التي تنشأ من اتباع رسول لتقف سدا حائل أمام رسول آخر؛‬
‫فال حين أرسل كل رسول قد أعطاه الخبار والحقائق وأنه سبحانه قد أخذ الميثاق على كل نبي‬
‫أرسله بأن يكون على استعداد هو والمؤمنون معه لتصديق كل رسول يأتي معاصرا ومصدقا لما‬
‫معهم‪ ،‬وأن يؤمنوا به‪ ،‬وأن يبلغ كل رسول أمته بضرورة هذا اليمان‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الحق سبحانه وتعالى يريد من الركب اليماني المتمثل في مواكب الرسل أل يكون‬
‫بعضهم لبعض عدوّا‪ ،‬بل عليهم أن يواجهوا أعداء قضية الدين كلها‪ .‬فالذي يجعل اللحاد متفشيا‬
‫في هذا العصر هو أن المنسوبين إلى الديان السماوية مختلفون‪ ،‬وربما كانت العداوة بينهم وبين‬
‫بعضهم أقوى من العداوة بينهم وبين الملحدين والمنكرين ل‪ ،‬وهذا الختلف يعطي المجال‬
‫للملحدين فيقولون‪ :‬لو كانت هذه الديان حقا ل تفقوا وما اختلفوا‪ ،‬فما معنى أن يقول أتباع كل‬
‫رسول إنهم يتبعون رسول قادما من السماء؟‬
‫إن الملحدين يجدون من اختلف أتباع الديانات السماوية فرصة ليبذروا في الناس بذور اللحاد‪،‬‬
‫ول يجدون تكتل ول قوة إيمانية لمن يؤمن بالسماء أو بمنهج السماء لكن الحق سبحانه يقول‪} :‬‬
‫وَإِذْ َأخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ { وهذا يعني أنه سبحانه قد أخذ الميثاق على كل نبي ساعة أرسله أنه‬
‫قد آتاه الكتاب والحكمة‪ ،‬وإنه إذا جاءكم رسول مصدق لهذا الكتاب وتلك الحكمة فعليكم اليمان‬
‫به‪ ،‬ول يكفي إعلن اليمان فقط‪ ،‬بل ل بد أن يكون النبي ومن معه في نصرة الرسول الجديد‬
‫نقول‪ :‬ولو عمل أتباع كل نبيّ بهذا العهد والميثاق لما كان لهؤلء الملحدين حجة ويضيف‬
‫شهَدُواْ { والقرار سيد الدلة‬
‫خذْتُمْ عَلَىا ذاِلكُمْ ِإصْرِي قَالُواْ َأقْرَرْنَا قَالَ فَا ْ‬
‫سبحانه‪ } :‬قَالَ أََأقْرَرْ ُت ْم وَأَ َ‬
‫كما يقولون؛ والصر هو العهد الشديد‪ ،‬ولذلك يقال‪ " :‬آصره المودة " أي الرابطة الشديدة‬
‫المعقودة‪ .‬قال الموكب اليماني للنبياء موجهين إقرارهم ل تعالى } َأقْرَرْنَا { ‪ ،‬فقال الحق‬
‫شهَدُواْ {‪ .‬والشهادة دائما تقتضي شاهدا ومشهودا عليه ومشهودا به‪.‬‬
‫سبحانه‪ } :‬فَا ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شهَدُواْ { ‪،‬‬
‫وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول للنبيين الذين أخذوا منه العهد والميثاق الحق‪ } :‬فَا ْ‬
‫إذن فهم في موقف الشاهد‪ ،‬وما المشهود عليه؟ وما المشهود به؟ هل يشهدون على أنفسهم؟‬
‫أو يشهد كل نبي على النبياء الخرين؟‬
‫أو يشهد أنه قد بلغ أمته هذا القرار اللهي؟‬
‫إن الرسول يشهد على أمته‪ ،‬وأن النبياء يشهد بعضهم لبعض‪.‬‬
‫إذن قد يكون الشاهد نبيا‪ ،‬والمشهود له نبي آخر‪ ،‬والمشهود به أن يؤمنوا بالرسول القادم‬
‫وينصروه‪.‬‬
‫وقد يكون الشاهد النبي‪ ،‬والمشهود عليه هي أمته بأنه قد بلغها ضرورة اليمان بالرسول القادم‬
‫بمنهج السماء؛ لن المة ما دامت قد آمنت برسول فعليهم مؤازرة هذا الرسول‪ ،‬ومؤازرة مَنْ‬
‫يأتي من بعده‪ ،‬وذلك حتى ل يتبدد ركب اليمان ؤمام باطل اللحاد‪:‬‬
‫شهَدُو ْا وَأَنَاْ َم َعكُمْ‬
‫خذْتُمْ عَلَىا ذاِلكُمْ ِإصْرِي قَالُواْ َأقْرَرْنَا قَالَ فَا ْ‬
‫} لَ ُت ْؤمِنُنّ بِهِ وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ أََأقْرَرْ ُت ْم وَأَ َ‬
‫مّنَ الشّا ِهدِينَ { [آل عمران‪]81 :‬‬
‫ولنرتب الشهادات التي وردت في هذه الية الكريمة‪ :‬النبياء يشهد بعضهم على بعض‪ ،‬أو النبياء‬
‫يشهدون على أممهم‪ ،‬ثم شهادة ال على النبياء‪.‬‬
‫وما دام المر قد جاء بهذا التوثيق فعلينا أن ننبه أنه إذا ما وجدنا دينا سابقا يتعصب أمام دين‬
‫لحق‪ ،‬بعد أن يأتي هذا الدين بالمعجزة الدالة على صدق بلغ ذلك الرسول عن ال فلنعلم أنهم‬
‫خانوا هذه القضية‪ .‬وسبب ذلك يرجع إلى أن ال يريد أن يحتفظ للدعوة إلى اليمان‪ ،‬بانسجام تام‪،‬‬
‫فل يتعصب رسول لنفسه ول لقوميته ول لبيئته‪ ،‬ول يتعصب أهل رسول لملتهم أو نحلتهم؛ لنهم‬
‫جميعا مبلغون عن إله واحد لمنهج واحد‪ ،‬فيجب أن يظل المنهج مترابطا فل يتعصب كل قوم‬
‫لنبيهم أو دينهم‪ ،‬وهذا ليكون موكب الرسالت موكبا متلحما متساندا متعاضدا‪ ،‬فل حجة من بعد‬
‫ذلك لنبي‪ ،‬ول لتابع نبي أن يصادم دعوة أي رسول يأتي‪ ،‬ما دام مصدقا لما بين يديه‪.‬‬
‫لقد أعلمنا الحق أنه قد عرض شهادة النبياء على بعضهم‪ ،‬وشهادة النبياء على أممهم‪ ،‬وشهادة‬
‫ال سبحانه على الجميع‪ ،‬وذلك أوثق العهود وآكدها‪ .‬ولذلك يزداد موكب اليمان تآزرا وتلحما‪،‬‬
‫فل يأتي مؤمن برسالة من السماء ليصادم مؤمنا آخر برسالة من السماء‪ ..‬ولندع المصادمة لمن‬
‫ل يؤمنون برسالة السماء‪ ،‬وحين يتكاتف المؤمنون برسالة السماء يستطيعون الوقوف أمام هؤلء‬
‫سقُونَ {‬
‫الملحدة‪ ،‬وبعد هذا البيان الواضح يقول الحق‪َ } :‬فمَنْ َتوَلّىا َبعْدَ ذاِلكَ فَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلفَا ِ‬

‫(‪)472 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سقُونَ (‪)82‬‬
‫َفمَنْ َتوَلّى َبعْدَ ذَِلكَ فَأُولَ ِئكَ هُمُ ا ْلفَا ِ‬

‫معنى " تولى " هي مقابل " أقبل "‪ .‬و " أقبل " تعني أنه جاء بوجه عليك‪ .‬و " تولى " أعرض كما‬
‫نقول نحن في تعبيراتنا الشائعة‪ " :‬أعطاني ظهره "‪ .‬ومعنى هذا أنه لم يأبه لي‪ ،‬ولم يقبل علي‪.‬‬
‫إذن فالمراد مِنْ أَخْذ العهدِ أن ُيقْبَل الناسُ على ذلك الدين‪ ،‬فالذي يُعرض ويعطي اليمان الجديد‬
‫سقُونَ } بعد ماذا؟ إنه‬
‫ظهره يتوعده ال ويصفه بقوله‪َ { :‬فمَنْ َتوَلّىا َبعْدَ ذاِلكَ فَُأوْلَـا ِئكَ ُهمُ ا ْلفَا ِ‬
‫التولي بعد أخذ العهد والميثاق على النبيين‪ ،‬وشهادة المم بعضها على بعضها‪ ،‬وشهادة ال على‬
‫الجميع‪ ،‬إذن فل عذر لحد‪ .‬فمن أعطى ظهره للنبي الجديد‪ ،‬فماذا يكون وعيد ال له؟‬
‫سقُونَ } أي أن الوعيد هو أن ال يحاسبه حساب‬
‫إن الحق يصفهم بقوله‪ { :‬فَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلفَا ِ‬
‫الفاسقين‪ ،‬والفسق ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو الخروج عن منهج الطاعة‪ .‬والمعاني ‪ -‬كما تعرف ‪ -‬أخذت‬
‫وضعها من المحسوسات‪ .‬لن الصل في الوعي البشرى هو الشيء المحس أول‪ ،‬ثم تأتي‬
‫المعنويات لتأخذ من ألفاظ المحسوسات‪ .‬والفسق في أصل اللغة هو خروج الرطبة عن قشرتها؛‬
‫فالبلح حين يرطب‪ ،‬يكون حجم كل ثمرة قد تناقص عن قشرتها‪ .‬وحينما يتناقص الحجم الطبيعي‬
‫عن القشرة تصبح القشرة فضفاضة عليه‪ ،‬وتصبح أي حركة عليه هي فرصة لنفلت الرطبة من‬
‫قشرتها‪.‬‬
‫ويقال‪ " :‬فسقت الرطبة " أي خرجت عن قشرتها‪ .‬وأَخَذَ الدينُ هذا التعبير وجعله وصفا لمن يخرج‬
‫عن منهج ال‪ ،‬فكأن منهج ال يحيط بالنسان في كل تصرفاته‪ ،‬فإذا ما خرج النسان عن منهج‬
‫ال‪ ،‬كان مثل الرطبة التي خرجت عن قشرتها‪.‬‬
‫ونحن أمام فسق من نوع أكبر‪ ،‬فهناك فسق صغير‪ ،‬وهناك فسق كبير‪ .‬وهنا نسأل أيكون الفسق‬
‫هنا مجرد خروج عن منهج طاعة الرسول؟ لكن هذا الخروج يوصف به كل عاصٍ‪ ،‬أي أن‬
‫صاحبه مؤمن بمنهج وفسق جزئيا‪ ،‬إننا نقول عن كل عاصٍ‪ " :‬إنه فسق " أي أنه مؤمن بمنهج‬
‫وخرج عن جزئية من هذا المنهج‪ ،‬أما الفسق الذي يتحدث عنه الحق هنا فهو فسق القمة؛ لنه‬
‫فسق عن ركب اليمان كله‪ ،‬فإذا كان ال قد أخذ العهد‪ ،‬وشهد النبياء على أممهم‪ ،‬وشهدت المم‬
‫بعضها على بعض‪ ،‬وشهد ال على الجميع‪ ،‬أبعد ذلك تكون هناك فرصة لن يتولى النسان‬
‫ويعرض؟‬
‫ثم لماذا يتولى ويعرض؟ إنه يفعل ذلك لنه يريد منهجا غير هذا المنهج الذي أنزله ال‪ ،‬فلو كان‬
‫قد اقتنع بمنهج ال لقبل على هذا المنهج‪ ،‬أما الذي لم يقتنع فإنه يعرض عن المنهج ويطلب منهجا‬
‫غيره فأي منهج تريد يا من ل ترضى هذه الشهادة ول هذا التوثيق؟ خصوصا وأنت تعلم أنه ل‬
‫يوجد منهج صحيح إل هذا المنهج‪ ،‬فليس هناك إله آخر يرسل مناهج أخرى‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا نعرف أنه ل يأتي منهج غير منهج ال‪ ،‬إل منهج من البشر لبعضهم بعضا‪ ،‬ولنا أن نقول‬
‫لمن يتبع منهجا غير منهج ال‪ :‬من الذي جعل إنسانا أولى بأن يتبعه إنسان؟ إن التابع ل بد أن‬
‫يبحث عمن يتبعه‪ ،‬ول بد أن يكون الذي يتبعه أعلى منه‪ ،‬لكن أن يتبع إنسان إنسانا آخر في منهج‬
‫من عنده‪ ،‬فهذا ل يليق‪ ،‬وهو فسق عن منهج ال؛ لن المساوي ل يتبع مساويا له أبدا‪ ،‬ومن فضل‬
‫ال سبحانه أنه جعل المنهج من عنده للناس جميعا حتى ل يتبع إنسان إنسانا آخر‪ .‬لماذا؟ حتى ل‬
‫يكون هوى إنسان مسيطرا على مقدرات إنسان آخر‪ ،‬والحق سبحانه ل هوى له‪ .‬إن كل إنسان‬
‫يجب أن يكون هواه تابعا ل الذي خلق كل البشر‪.‬‬
‫وما دام ليس هناك إله آخر فما المنهج الذي يرتضيه النسان لنفسه؟‬
‫إن المنهج الذي يرتضيه النسان لنفسه لو لم يتبع منهج ال هو منهج من وضع البشر‪ ،‬والمنهج‬
‫الذي يضعه البشر ينبع دائما من الهوى‪ ،‬وما دامت الهواء قد وجدت‪ ،‬فكل مشرّع من البشر له‬
‫سمَاوَاتُ‬
‫حقّ أَ ْهوَآءَهُمْ َلفَسَ َدتِ ال ّ‬
‫هوى‪ ،‬وهذا يؤدي إلى فساد الكون‪ .‬قال تعالى‪ {:‬وََلوِ اتّبَعَ الْ َ‬
‫ض َومَن فِيهِنّ َبلْ أَتَيْنَاهُمْ ِب ِذكْرِهِمْ َف ُهمْ عَن ِذكْرِ ِهمْ ّمعْ ِرضُونَ }[المؤمنون‪.]71 :‬‬
‫وَالَرْ ُ‬
‫فإذا كانوا ل يرضون منهج ال‪ ،‬فأي فسق هم فيه؟ إنه فسق عظيم؛ لن ال قد أخذ عليهم العهد‬
‫وعلى أنبيائهم ووثق هذا العهد‪ ،‬أفغير ال يبغون؟ نعم‪ ،‬إنهم يبغون غير ال ومن هو ذلك الغير؟‬
‫أهو إله آخر؟ ل‪ ،‬فليس مع ال إله آخر‪ ،‬بل هم قد جعلوا الخلق مقابل الخالق‪ ،‬ولذلك يقول الحق‬
‫طوْعا َوكَرْها وَإِلَيْهِ‬
‫ت وَالَرْضِ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ن وَلَهُ َأسْلَمَ مَن فِي ال ّ‬
‫سبحانه وتعالى‪َ } :‬أ َفغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَ ْبغُو َ‬
‫جعُونَ {‬
‫يُرْ َ‬

‫(‪)473 /‬‬
‫جعُونَ (‪)83‬‬
‫طوْعًا َوكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْ َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَ ْرضِ َ‬
‫ن وَلَهُ أَسَْلمَ مَنْ فِي ال ّ‬
‫َأ َفغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَ ْبغُو َ‬

‫إنهم ما داموا غير مؤمنين برسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم الذي أرسله ال نبيا ورسول‬
‫فإن ذلك يكشف رغبتهم في أنهم يريدون منهجا غير منهج ال‪ ،‬وليس أمامهم إذن إل مناهج البشر‬
‫النابعة من الهواء‪ ،‬والتي تقود حتما إلى الضلل‪ ،‬إن الحق سبحانه وتعالى يريد لخلقه أن يكونوا‬
‫منطقيين مع أنفسهم‪ ،‬إنه الحق سبحانه وتعالى قد أوضح لنا في منهجه‪ ،‬وقال لنا هذا المنهج‪ :‬أنتم‬
‫مستخلفون في الكون‪ ،‬وأنتم أيها الخلفاء في الرض سادة هذا الكون‪ ،‬سادة يخدمكم الكون كله‪،‬‬
‫وانظروا إلى أجناس الوجود تجدوها في خدمتكم‪ ،‬الحيوان أقل منكم بالفكر‪ .‬والنبات أقل من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحيوان بالحس‪ .‬والجماد أقل من النبات‪.‬‬
‫إذن فأجناس الكون من حيوان ونبات وجماد ترضخ لرادتك أيها النسان‪ ،‬فالنبات يخدم الحيوان‬
‫والحيوان يخدمك أيها النسان‪ ،‬والجماد يخدم الجميع‪ ،‬والعناصر التي نأخذها نحن البشر من‬
‫الجماد يستفيد منها أيضا النبات والحيوان‪ .‬إذن فكل جنس في الوجود تراه بعينيك إنما يخدم‬
‫الجناس التي تعلوه‪.‬‬
‫والجماد يخدم النبات‪.‬‬
‫والجماد والنبات يخدمان الحيوان‪.‬‬
‫والجماد والنبات والحيوان في خدمة النسان وأنت أيها النسان تخدم من؟ كان من واجب عقلك‬
‫أيها النسان أن تفكر فيمن ترتبط به ارتباطا يناسب سيادتك على الجناس الخرى كان ل بد أن‬
‫تبحث عمن اعطاك السيادة على الجناس الخرى‪.‬‬
‫هل أنت أيها النسان قد سخرت هذه الجناس بقدرتك وقوتك؟‬
‫ل؛ فلست تملك قدرة ذاتية تتيح لك ذلك؟ أما كان يجب عليك أن تفكر ما هي القوة التي سخرت‬
‫لك ما ل تقدر عليه‪ ،‬فخدمتك حين ل توجد لك قدرة‪ ،‬وخدمتك وأنت نائم تغط في نوم عميق؟ أما‬
‫كان يجب أن تفكر هذا الفكر؟ إنك أيها النسان يجب أن تكون منطقيا مع نفسك‪ ،‬وأن تبحث لك‬
‫عن سيد يناسب سيادتك على غيرك‪ .‬والكون ل يوجد فيه سيد عليك؛ لن الكون محس‪ ،‬فإن‬
‫جاءك من يحدثك بأن غيبا هو الله يطلب أن تكون في خدمته فيجب أن تقول‪ " :‬إن هذا كلمي‬
‫منطقي بالنسبة لوضعي في الكون " وبعد ذلك انظر إلى الكون‪ ،‬فأنت في الكون لست وحدك بل‬
‫هناك أجناس أخرى‪ ،‬وكل جنس من الجناس له قانونه وله مهمته‪ ،‬للحيوان مهمة‪ ،‬وللنبات مهمة‪،‬‬
‫وللجماد مهمة‪ .‬فهل وجدت جنسا من الجناس تمرد على مهمته؟ ل‪.‬‬
‫إن الحصان مثل‪ ،‬تستخدمه كمطية عليها وسادة من حرير وجلد ولها لجام من فضة لتركبه‪ ،‬وتجد‬
‫هذه المطية في يوم آخر تحمل سماد الرض من روث الحيوان وما تأبت‪ ،‬لقد أدت الخدمة لك‬
‫راكبا‪ ،‬وأدت الخدمة لك ناقل‪ ،‬وما تمردت عليك أبدا‪ .‬كل الجناس ‪ -‬إذن ‪ -‬تؤدي مهمتها كما‬
‫ينبغي‪ ،‬فاستقام المر فيها‪ ،‬وما دام المر قد استقام فيها‪ ،‬فبأي شيء استقام؟ إن ال هو الذي خلقها‬
‫ذللها‪ ،‬قال لها‪ " :‬كوني في خدمة النسان مؤمنا كان أو كافرا " وفي هذا المر عدالة الربوبية‪ ،‬فل‬
‫تتأخر أو تشذ عن حركتها في خدمة النسان‪.‬‬
‫أرأى أحدكم الشمس مرة قالت‪ :‬لم يعد الخلق يعجبونني‪ ،‬ولن أشرق عليهم وسأحتجب اليوم؟!‬
‫أتمرد الهواء وقال‪ :‬ل‪ ،‬إن الخلق لم تعد تستحق تنفس الهواء‪ ،‬لذلك لن أمكنهم من النتفاع بي‪.‬‬
‫أرأينا المطر امتنع؟ هل استنبت النسان أرضا صالحة للزراعة واستعصت عليه؟ ل‪ ..‬فكل شيء‬
‫في الوجود يؤدي مهمته تسخيرا وتذليل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك يقول الحق‪ {:‬وَذَلّلْنَاهَا َلهُمْ َفمِ ْنهَا َركُو ُبهُ ْم َومِ ْنهَا يَ ْأكُلُونَ * وََلهُمْ فِيهَا مَنَافِ ُع َومَشَا ِربُ َأفَلَ‬
‫شكُرُونَ }[يس‪.]73-72 :‬‬
‫يَ ْ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يطلق بعضا من الحيوان فل يذلل‪ ،‬ول يستأنس‪ ،‬وذلك حتى تعلم أيها‬
‫النسان أنك لم تستأنس الجمل بقدرتك فإن كانت لك قدرة مطلقة على الكون فاستأنس بعض‬
‫ثعابين هذا العالم أو استأنس السد‪ .‬وأنت أيها النسان ترى في هذا الكون بعضا من الحيوانات‬
‫والمخلوقات شاردة مثل الثعابين والحيوانات المتوحشة‪ .‬بغير استئناس ليدلنا الحق على أن هذا‬
‫الذي يخدمك لو لم يذللـه ال لك لما استطعت أنت بقدرتك أن تذللـه‪ ،‬إنه تذليل وتسخير‬
‫وخضوع لهذه المخلوقات منحه ال تعالى لك أيها النسان تفضل منه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬مع عجزك‬
‫وضعفك‪.‬‬
‫ولم نجد شيئا نافعا قد عصى النسان في الكون‪ ،‬لن كل الخلق مسخر من ال لخدمة النسان‬
‫كافرا كان أو مؤمنا‪ ،‬وهذا هو عطاء الربوبية‪ ،‬لن عطاء الربوبية يشمل الخلق جميعا‪ ،‬فالخالق‬
‫الكرم هو رب الناس كلهم ويتولى تربيتهم جميعا‪ ،‬ولذلك تستجيب الجناس من غير النسان‬
‫للنسان سواء أكان مؤمنا أم كافرا‪ .‬فإن أحسن الكافر استخدام السباب فإن السباب تعطيه ول‬
‫تعطي المؤمن الذي ل يستخدم السباب‪ ،‬أو ل يُحسن استخدامها فهذا هو عطاء الربوبية‪،‬‬
‫والربوبية للجميع‪ .‬أما عطاء اللوهية فهو " افعل ول تفعل " وهو عطاء للمؤمنين فقط‪.‬‬
‫فإذا كانت هذه هي صورة الكون وهو يؤدي مهمته بل شذوذ فيه‪ ،‬ومنسجم في ذاته انسحاما عجيبا‬
‫فلنا أن نسأل " من أين جاء الخلل في الكون؟ " إن الخلل قد جاء منك أيها النسان‪ .‬ولهذا فنحن ل‬
‫نجد فسادا في الكون إل وللنسان مدخل فيه‪ ،‬أما مال مدخل للنسان فيه فل فساد فيه أبدا‪.‬‬
‫أرأيت أحدا قد اشتكى من أن الهواء قصر؟ ل‪.‬‬
‫لماذا لن أحدا ل دخل له بمسألة الهواء هذه أبدا‪ ،‬صحيح أننا نتدخل في الهواء بتلويثه بالعادم‬
‫والفضلت‪ ،‬وصحيح أيضا أن الحق يٌكرم الخلق باكتشافات قد تصلح من هذا الفساد إذن‪ ،‬فحين‬
‫يتدخل النسان فإن الشيء قد يفسد‪.‬‬
‫لكن هل معنى ذلك أل نتدخل؟ هل نقف من الكون مكتوفي اليدي؟ ل‪ ،‬بل يجب أن نتدخل في‬
‫الكون‪ ،‬ولكن بمنهج ال‪.‬‬
‫إنك إن تدخلت في الكون بمنهج ال‪ ،‬فكل شيء يسير الكون الذي ل منهج له إل الخضوع‬
‫والتسخير‪ ،‬فكما أدت الشمس مهمتها والجماد مهمته‪ ،‬والحيوان مهمته‪ ،‬وأنت أيها النسان مطلوب‬
‫منك أن تؤدي مهمتك‪ ،‬وهي أن تطيع ال‪ ،‬تلك الطاعة التي تتلخص مطلوباته منك في‪ " :‬افعل كذا‬
‫ول تفعل كذا " فإن انتظمت مع المنهج بـ " افعل " و " ل تفعل " تكن قد انسجمت مع الكون‪.‬‬
‫إن ال سبحانه يزيّل هذه القضية ويختمها باستفهام تنقطع وتنفطر له قلوب المؤمنين‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعُونَ { [آل‬
‫طوْعا َوكَرْها وَإِلَيْهِ يُ ْر َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َ‬
‫} َأ َفغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَ ْبغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ال ّ‬
‫عمران‪]83 :‬‬
‫إن كل شيء في السماوات وفي الرض قد أسلم ل طوعا أو كرها‪ .‬وإذا ما تساءلنا‪ ،‬وما معنى "‬
‫طوعا؟ " فالجابة هي طاعة التسخير‪ ،‬كما قالت السماوات والرض في النص القرآني الحكيم‪{:‬‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ }‬
‫سمَآ ِء وَ ِهيَ ُدخَانٌ َفقَالَ َلهَا وَلِلَ ْرضِ ائْتِيَا َ‬
‫ثُمّ اسْ َتوَىا ِإلَى ال ّ‬
‫[فصلت‪.]11 :‬‬
‫فكل ما ل تكليف له جاء طائعا مسخرا‪ ،‬وما معنى‪ " :‬كرها "؟ إن بعضا من العلماء قد قال‪ :‬إن "‬
‫طوعا " تشمل أجناس الملئكة‪ ،‬والجماد‪ ،‬والنبات‪ ،‬والحيوان‪ ،‬فكل منهم يؤدي مهمته بخضوع ول‬
‫يعترض أحد منهم ول يملك أحدهم قدرة على العصيان‪ ،‬وأما عن " كرها " فقد فهم بعض العلماء‬
‫أنهم الناس الذين يخدمون الناس بالقوة كالعبيد مثل‪ ،‬ولهؤلء نقول‪ :‬ل يصح ول يستقيم أن نعطي‬
‫خصوم السلم فرصة ليقولوا إن السلم قد أكره أحدا من البشر أن يخدم أحدا كرها؛ لن الحق‬
‫سبحانه قال‪ {:‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ ا ْل َغيّ َفمَنْ َي ْكفُرْ بِالطّاغُوتِ وَ ْي ْؤمِن بِاللّهِ َفقَدِ‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ }[البقرة‪.]256 :‬‬
‫ل ان ِفصَامَ َلهَا وَاللّهُ َ‬
‫سكَ بِا ْلعُ ْر َوةِ ا ْلوُ ْثقَىا َ‬
‫اسْ َتمْ َ‬
‫فما دام ال لم يكره أحدا على اليمان به فكيف يكره إنسانا ليخدم إنسانا آخر؟! ولهذا فإننا يجب أن‬
‫نفهم كرها على وضعها الحقيقي‪ ،‬والحق سبحانه أبلغنا أن هذا الكون كله مسخر له‪ ،‬لنه سبحانه‬
‫هو الذي خلقه ول إله غيره وهذه مسألة مسلم بها‪ ،‬فالكون كله ل‪ ،‬وهو المدبر والقاهر له‪ ،‬قال‬
‫ضهُمْ‬
‫ق وََلعَلَ َب ْع ُ‬
‫الحق‪ {:‬مَا اتّخَذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ َومَا كَانَ َمعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذا لّذَ َهبَ ُكلّ إِلَـاهٍ ِبمَا خَلَ َ‬
‫صفُونَ }[المؤمنون‪.]91 :‬‬
‫عمّا َي ِ‬
‫عَلَىا َب ْعضٍ سُبْحَانَ اللّهِ َ‬
‫و مادام هو الواحد وهو الخالق فلن يتمرد أحد على مراده‪ ،‬وكان يجب أن يفهم النسان مهمته‬
‫على أنه هو الوحيد الذي كلفه ال؛ لن بقية الجناس ل اختيار لها وهي غير مكلفة كما كلف ال‬
‫النسان بـ " افعل " و " ل تفعل " إذن فالتكليف فرع الختيار؛ فالمنهج يقول لك‪ " :‬افعل كذا ول‬
‫تفعل كذا " لن الذي وضعه يعلم أنه قد خلقك صالحا لن تفعل ما يأمرك به‪ ،‬وصالحا لن تفعل‬
‫ما ل يأمرك به‪.‬‬
‫إن اليد ‪ -‬مثل ‪ -‬مخلوقة لتتحرك حسب إرادة صاحبها‪ ،‬بدليل أن الرادة إن شُلت وانقطع الخيط‬
‫الموصل للرادة المرة إلى الجارحة الفاعلة عندئذ يحاول النسان المصاب بذلك ‪ -‬والعياذ بال ‪-‬‬
‫أن يرفع يده فل يستطيع‪ ،‬فاليد مسخرة لرادة النسان‪ ،‬وإرادتك أيها النسان عندما تسير في‬
‫ضوء منهج ال فإنك توجهها في ضوء " افعل " و " ل تفعل "‪.‬‬
‫وعندما يقال لك مثل‪ " :‬ل تضرب بها أحدا " فمعنى ذلك أن اليد صالحة لن تضرب‪ ،‬وعندما‬
‫يقال لك‪ " :‬خذ بيد العاثر " فيدك قادرة على أن تأخذ بيد العاثر‪ ،‬فأنت مخلوق على هيئة الطواعية‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من جوارحك لرادتك‪ .‬ويأتي المنهج ليقول لك‪ " :‬نفذ الرادة في كذا ول تنفذ الرادة في كذا "‪..‬‬
‫إذن فالنسان عندما يتبع المنهج فهو يتفق مع الشياء المسخرة تمام التفاق‪ ،‬ويؤدي كل شيء‬
‫على خير أداء‪ ،‬لكن متى يختلف النسان عن النسجام عندما ل يطبق المنهج‪ ،‬فيشذ عن الركب‬
‫ت َومَن فِي‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫سجُدُ لَهُ مَن فِي ال ّ‬
‫في الكون كله‪ ،‬ولتقرأ قوله سبحانه وتعالى‪ {:‬أََلمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يَ ْ‬
‫حقّ عَلَيْهِ‬
‫س َوكَثِيرٌ َ‬
‫ب َوكَثِيرٌ مّنَ النّا ِ‬
‫ل وَالشّجَرُ وَال ّدوَآ ّ‬
‫شمْسُ وَالْ َقمَ ُر وَالنّجُومُ وَالْجِبَا ُ‬
‫الَ ْرضِ وَال ّ‬
‫ب َومَن ُيهِنِ اللّهُ َفمَا َلهُ مِن ّمكْرِمٍ إِنّ اللّهَ َي ْف َعلُ مَا َيشَآءُ }[الحج‪.]18 :‬‬
‫ا ْلعَذَا ُ‬
‫إنها الجناس كلها ساجدة‪ ،‬الشمس ساجدة‪ ،‬القمر ساجد‪ ،‬والنجوم‪ ،‬والجبال‪ ،‬كل هذه الجمادات‬
‫ساجدة‪ ،‬وكذلك الشجر والنبات ساجد ل‪ ،‬والحيوان والدواب ساجدة ل‪ ،‬وكثير من الناس سجود‪،‬‬
‫لكن في مقابل هذا الكثير الساجد من البشر‪ ،‬هناك كثير غير ساجد لذلك حق عليه العذاب‪ ،‬ولو أن‬
‫النسان قد أخذ منهج ال فنفذه لصار كبقية الجناس‪ ،‬لكن النسان اختلف‪ ،‬وقال‪ " :‬أنا سوف آخذ‬
‫اختيار تحمل المانة‪ ،‬لني عالم وعاقل " كما جاء في القول الحق‪:‬‬
‫حمََلهَا‬
‫ش َفقْنَ مِ ْنهَا َو َ‬
‫حمِلْ َنهَا وَأَ ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ وَا ْلجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَ ْ‬
‫علَى ال ّ‬
‫لمَانَةَ َ‬
‫{ إِنّا عَ َرضْنَا ا َ‬
‫جهُولً }[الحزاب‪.]72 :‬‬
‫الِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوما َ‬
‫فلو أخذ النسان منهج ال في " افعل " و " ل تفعل " ‪ ،‬لنسجم النسان مع الوجود كله وحين‬
‫ينسجم النسان مع الوجود كله فلن تأتي منه مخالفة أبدا كما ل تأتي مخالفة في الوجود من غير‬
‫النسان‪ ،‬وعند ذلك يصبح الكون مثاليا في النسجام‪ .‬ونحن نعرف أن الطموحات العلمية حين‬
‫تعمل وتُشغل العقل في أمر ما فإنها تريد الخير‪ ،‬ولكنها تعلم شيئا‪ ،‬ويغيب عنها شيء آخر‪ ،‬ولو‬
‫أخذوا عن ال العليم بكل شيء لصارت الدنيا إلى انسجامها‪.‬‬
‫إن المخترعين الذين صمموا المحركات التي تتحرك بسائل البنزين قاموا بتسهيل الحركة على‬
‫النسانية‪ ،‬ولكن العادم والمخلفات الناتجة من البنزين صنعت ضررا بالكون‪ ،‬ودليل ذلك ان‬
‫العلماء الن يبحثون عن أساليب لمقاومة تلوث البيئة‪ .‬وعندما كان الوقود هو الحطب لم يكن‬
‫هناك تلوث للبيئة‪ ،‬لماذا؟ لن كل عنصر كان يؤدي مهمته‪ ،‬فجزء من احتراق الحطب كان يتحول‬
‫إلى كربون‪ ،‬وجزء آخر يتحول إلى غازاتـ‪ ،‬وتنصرف كل الشياء إلى مساراتها‪.‬‬
‫إن هذا يدلنا على أن النسان قد دخل إلى المخترعات المعاصرة بنصف علم‪ .‬لقد قدّر النسان انه‬
‫يريد تخفيف الحركة‪ ،‬وينقل الثقال ويختصر المسافات‪ ،‬لكنه لم ينظر إلى البيئة وتلوثها‪ ،‬فنشأ‬
‫عادم يفسد البيئة‪ ،‬لكن لو كان عند النسان القدرة الشاملة على العلم لكان ساعة اختراع هذه‬
‫المحركات قد بحث عن وضع معادلة لتعدل من فساد العادم‪.‬‬
‫ولننظر إلى عظمة الحق‪ ،‬إنه يترك للعقل البشري أن يتقدم‪ ،‬ولكن العقل البشري قاصر وينسى من‬
‫الشياء ما ينتج عنه الضرر أخيرا‪ .‬إن الذين اخترعوا المبيدات الحشرية كانوا يظنون أنهم قاموا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بفتح جديد في الكون‪ ،‬وتشاء إرادة الحق ان يقوم بتحريم هذه المبيدات القوم أنفسهم الذين‬
‫عمَالً‬
‫لخْسَرِينَ أَ ْ‬
‫اخترعوها؛ لنهم وجدوا منها الضرر‪ ،‬لذلك يقول الحق سبحانه‪ُ {:‬قلْ َهلْ نُنَبّ ُئكُم بِا َ‬
‫ن صُنْعا * ُأوْلَـا ِئكَ الّذِينَ كَفَرُواْ‬
‫سعْ ُيهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ َيحْسَبُونَ أَ ّنهُمْ يُحْسِنُو َ‬
‫ضلّ َ‬
‫* الّذِينَ َ‬
‫عمَاُلهُمْ فَلَ ُنقِيمُ َلهُمْ َي ْومَ ا ْلقِيَامَ ِة وَزْنا }[الكهف‪.]105-103 :‬‬
‫طتْ أَ ْ‬
‫بِآيَاتِ رَ ّبهِ ْم وَِلقَائِهِ فَحَ ِب َ‬
‫إنك أن أردت أن تكمل صنعتك فابحث عن الحسن في ضوء منهج ال‪ ،‬والحق سبحانه يضرب لنا‬
‫المثل الواضح‪ .‬إننا نعرف أن عادم صناعتنا ضار كعادم المصانع والسيارات وغيرها‪ ،‬لكن عادم‬
‫خلق ال في الحيوان نافع‪ ،‬فالنسان يأخذ روث الحيوان ويصنع منه السماد ليزيد من خصوبة‬
‫الرض‪ ،‬والعجيب أن فضلت الحيوان التي تعطي خصوبة للرض ل نجد فيها شيئا يقزز‪ ،‬ول‬
‫نجد لها الرائحة التي توجد في فضلت النسان‪ ،‬لماذا؟‬
‫لن الحيوان يأكل على قدر حاجته‪ ،‬إن الحيوان قد يجد أمامه أصنافا كثيرة‪ ،‬مثل الحشيش اليابس‪،‬‬
‫وإذا شبع الحيوان امتنع عن الطعام‪ ،‬ولذلك ل يُخرج فضلت كريهة الرائحة‪ ،‬لكن النسان ينوع‬
‫ويلون ويأكل فوق طاقته ويحث شهيته على النطلق والنفلت‪ ،‬إن الحيوان ل اختيار له‪،‬‬
‫ومحكوم بالغريزة ويجد أمامه هذا الذي يؤكل وذلك الذي ل يؤكل فيختار بغريزته المناسب له‪،‬‬
‫وإذا امتلت البطن ل يأكل؛ لنه محكوم بالغريزة والتسخير المطلق‪ ،‬لكن النسان يتمتع بالختيار‪،‬‬
‫فأفسد عليه هذا الختيار وأبعده عن منهج ال وجعله بما لديه من قدرة يتجاوز الكتفاء بحدود‬
‫الشبع‪.‬‬
‫وهكذا نرى بوضوح أن الكون كله أسلم ل طوعا في المسخرات‪.‬‬
‫وإياك أن تفهم أن هناك إسلما بالقهر والكراه‪ .‬وبعض العلماء قد فاتهم ذلك‪ ,‬وهم يعطون‬
‫لخصوم السلم حجة السلم حجة فيقولون‪ " :‬إن دينكم انتشر بإكراه السيف " ولذلك نقول لهم‪:‬‬
‫ل‪ ،‬إن أحدا لم يسلم كرها أبدا؛ لن السيف إنما رفع لشيء واحد هو حماية حرية الختيار‪ .‬إن‬
‫السيف قد رُفع ليمنع الكراه‪ ،‬وليمنع تسلط بعض الناس بقوتهم ليجبروا الناس على عقائدهم فقال‬
‫لهم السيف‪ " :‬قفوا عند حدكم‪ ،‬ودعوا الناس أحرارا في اختيار ما يعتقدون " ‪ ،‬ودليل ذلك أن البلد‬
‫التي فتحها السلم تجد فيها غير المسلمين‪ ،‬ولو كان المر فتحا بالسيف لما وجدنا ديانات أخرى‪.‬‬
‫غير السلم‪ ،‬نجدهم أيضا يتشدقون بذلك ويزيدون " إنكم تفرضون جزية "‪.‬‬
‫ونقول لهم‪ :‬أنتم تردون على أنفسكم‪ ،‬نحن لم نفرض جزية على المؤمن ولكن الكافر تركناه على‬
‫كفره‪ ،‬والجزية يدفعها الكافر ليدافع عنه المؤمنون لو أصاب البلد مكروه‪.‬‬
‫إذن فكيف نفهم قوله الحق بأن هناك من أسلم كرها؟‬
‫نحن نفهمها كالتي‪ :‬إن النسان هو الذي انقسمت عنده المسائل‪ ،‬وفيه أمور تدخل في فعله‬
‫ومراداته‪ ،‬وفيه أمور تجدث قهرا عنه‪ ،‬وتحدث له بل إرادة ول اختيار‪ ،‬فالنسان يكون مختارا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في الفعل الذي يقع منه‪ ،‬أما الفعل الذي يقع عليه أو فيه فل دخل له فيه بالختيار؛ إن أحدا منا ل‬
‫يختار يوم ميلده‪ ،‬أو يوم وفاته أو يوم إصابته بالمرض‪ ،‬والنسان الذكي هو الذي يعرف ذلك‬
‫ونقول للنسان الذي ل يعرف أو يتجاهل ذلك‪ :‬أيها النسان دعك من الغباء؛ إن هناك زوايا من‬
‫حياتك أنت مجبر فيها على أن تكون مسلما ل كرها إنك تسلم ل دون إرادتك في كثير من المور‬
‫التي تقع عليك‪ ،‬ول تستطيع لها دفعا‪ ،‬فلماذا تقف في السلم عند زاوية الختيار؟‬
‫إن المسخرات كلها مسلمة ل‪ ،‬والنسان فيما يقع فيه أو عليه من أمور ل يستطيع دفعها‪ .‬هو‬
‫تسليم ل كرها من النسان‪ ،‬وهكذا نرى أن قيادة التسخير فيما ليس لك دخل فيه أيها النسان هي‬
‫مسلمة ل‪ ،‬مثلك في ذلك مثل كل الكائنات‪ ،‬أفل يجب عليك أن تسلم بكل زوايا حياتك؟ فلو كان‬
‫هناك إنسان كافر بكل ما فيه من أبعاض فعلى هذا الكافر أل يسلم بأي شيء من جوارحه؛ هل‬
‫يستطيع أن يمنعها من أن تؤدي عملها؟‬
‫ولنر ما سيحدث له ل بد أن يتوقف عن التنفس؛ لن التنفس يحدث رغما عنه‪ ،‬ل بد أن يوقف‬
‫دقات قلبه؛ لنها تدق رغما عنه‪ .‬وما دام هناك من يستمرئ الكفر فليحاول أن يجعل كل ما فيه‬
‫كافرا‪ ،‬ولن يستطيع؛ بل سيجد أنه يحب أمورا ول تأتي له‪ ،‬ويكره أمورا وتنزل به‪ ،‬ولم يفلت أحد‬
‫من السلم ل‪ ،‬لن ال قد اختار لكل إنسان يوم الميلد ويوم الموت‪ ،‬واختار ال للنسان أن‬
‫تجري الحداث فوقه ول يستطيع دفعها‪ ،‬ويصبح خاضعا رغم أنفه‪ ،‬لذلك قال الحق‪ } :‬وَلَهُ َأسْلَمَ‬
‫جعُونَ {‪.‬‬
‫طوْعا َوكَرْها وَإِلَيْهِ يُ ْر َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َ‬
‫مَن فِي ال ّ‬
‫إذن ولنأخذ " طوعا " لغير النسان‪ ،‬وللمؤمن الذين نفذ تعاليم المنهج‪ ،‬ولنأخذ " كرها " في المسائل‬
‫التي ل دخل لختيار النسان فيها وتقع عليه وهو يكرهها‪ ،‬ول يستطيع دفعها‪ ،‬لن الذي يجريها‬
‫عليه هو الخالق الفعال لما يريد‪ ،‬وما دامت هناك زاوية من حياتك أيها النسان أنت مكره فيها‬
‫فلماذا تمردت في المسألة الختيارية؟‬
‫كان يجب أن يأخذ الكافر هذه النقطة ويقول للكفر‪ " :‬ل " ‪ ،‬ويتجه إلى اليمان؛ لن المؤمن يأخذ‬
‫هذه النقطة ويقول‪ :‬أنا أريد أن أنسجم مع الكون كله حتى ل تطغى ملكة على ملكة‪ ،‬ول تطغى‬
‫إرادة على إرادة أخرى‪ ،‬وهذه رحمة من ال بالخلق‪.‬‬
‫وحين يسلم النسان منهجه ل فإنه يفعل ما يطلبه المنهج ول يفعل ما يحرمه المنهج ومن يريد أن‬
‫يقف في " افعل " و " ل تفعل " ‪ ،‬ونقول له‪ :‬إذا فعلت ما الذي يستفيده ال منك؟ وإذا لم تفعل ما‬
‫الذي يضر ال منك؟‬
‫ل شيء‪ ،‬إن عليك أن تفكر جيدا فالمر إنما يُرَدّ أو يتمرد عليه إن كان للمر فيه مصلحة‪ ،‬وحيث‬
‫إنه ل مصلحة للحق سبحانه وتعالى في مراداته من الخلق إل إصلح الخلق ذاته‪ ،‬إذن فمنهج‬
‫الحق هو لمصلحة النسان‪ ،‬وأول ما يصاب به من يقف في منهج ال أنه يصبح ضد نفسه‪ ،‬ول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ينسجم مع الكون‪ ،‬فإن كان هناك من يريد أل يسلم‪ ،‬فليجرب نفسه بأل يسلم في المقهورات التي‬
‫هو مقهور عليها‪ ،‬وهذا أمر مستحيل‪.‬‬
‫ولنقرأ الموقف القرآني بدقة‪ ،‬لنرى أنه الحق بعد القسم وبعد العهد وبعد الشهاد عليه‪ ،‬قال لنا‪} :‬‬
‫جعُونَ {‪ .‬إن من‬
‫طوْعا َوكَرْها وَإِلَيْهِ يُ ْر َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َ‬
‫ن وَلَهُ أَسَْلمَ مَن فِي ال ّ‬
‫َأ َفغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَ ْبغُو َ‬
‫يبغي غير دين ال ليس منطقيا مع نفسه أو مع الكون؛ لن الكون كله ل بما فيه ومن فيه من‬
‫السماوات والرض‪ ،‬وكذلك النسان الذي ارتضى منهج ال‪ ،‬وأيضا أسلم الكافر ل فيما ليس له‬
‫فيه اختيار‪.‬‬
‫" وأسلم " في هذا السياق القرآني الكريم تعني أنه خضع وسُخر‪ ،‬وقُهر على أن ينفذ‪ ،‬ولكن الحق‬
‫سبحانه أورد عن السماء والرض قال‪ {:‬قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ }[فصلت‪ .]11 :‬إن المألوف أن ترضخ‬
‫السماء والرض لمر ال‪ ،‬وعندما " قالتا أتينا طائعين " فقد كسبت السماء والرض السلم ل‪،‬‬
‫فإلى ال كل مرجع فالنسان ‪ -‬مؤمنا كان أو كافرا ‪ -‬سيعود إلى ال حتما‪.‬‬
‫وكلمة " يرجعون " التي تأتي في تذييل الية يمكننا أن نراها في مواقع أخرى من القرآن مرة‬
‫تأتي مبنية للمفعول وننطقها " يُرجعون " بمعنى أنهم مقهورون على الرجوع إلى ال‪ ،‬ونجدها في‬
‫جعُونَ { ‪ ،‬أي أنهم يريدون السراع في‬
‫مواقع أخرى في القرآن كفعل مبنى للفاعل فننطقها } يُرْ َ‬
‫العودة إلى ال‪ ،‬وفي هذه الية نفهم أن الذين يبغون غير دين ال ل يرغبون أن يعودوا إلى ال‬
‫لذلك يتم إرجاعهم بالقهر‪ ،‬فسبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫جهَنّمَ دَعّا }[الطور‪.]13 :‬‬
‫{ َيوْمَ يُدَعّونَ إِلَىا نَارِ َ‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ُ } :‬قلْ آمَنّا بِاللّ ِه َومَآ أُن ِزلَ عَلَيْنَا َومَآ أُن ِزلَ عَلَىا إِبْرَاهِيمَ‬
‫ق وَ َيعْقُوبَ وَالَسْبَاطِ‪{ ...‬‬
‫سمَاعِيلَ وَِإسْحَا َ‬
‫وَإِ ْ‬

‫(‪)474 /‬‬
‫ط َومَا‬
‫ق وَ َيعْقُوبَ وَالْأَسْبَا ِ‬
‫سمَاعِيلَ وَإِسْحَا َ‬
‫ُقلْ َآمَنّا بِاللّهِ َومَا أُنْ ِزلَ عَلَيْنَا َومَا أُنْ ِزلَ عَلَى إِبْرَاهِي َم وَإِ ْ‬
‫أُو ِتيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنّبِيّونَ مِنْ رَ ّبهِمْ لَا ُنفَرّقُ بَيْنَ َأحَدٍ مِ ْنهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسِْلمُونَ (‪)84‬‬

‫عندما ننظر إلى هذه الية بخواطرنا فإننا نجد أن الحق يمزج الرسول والمؤمنين به والمرسل‬
‫إليهم في اليمان به‪ ،‬ويتحدث إلى الرسول والمؤمنين كوحدة إيمانية‪ ،‬إن قول الحق‪ " :‬قل " هو‬
‫خطاب لمفرد هو النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والمقول‪ { :‬آمَنّا } دليل على انسجام الرسول مع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المة المؤمنة به‪ ،‬فكأن المة السلمية قد انصهرت في " قل " ‪ ،‬وكأن الرسول موجود في { آمَنّا‬
‫} ‪ ،‬وبذلك يتحقق المتزاج والنسجام بين الرسول وبين المؤمنين به‪ ،‬ويصير خطاب الحق إليهم‬
‫هو خطاب لوحدة إيمانية واحدة ل انفصام فيها‪.‬‬
‫وقد جاء الحق بهذا السلوب ليوضح لنا أن الرسول لم يأت ليتعالى على أمته‪ ،‬بل جاء ليحمل‬
‫أعْباءَ هذه المة‪ ،‬ولذلك قلنا من قبل‪ :‬إن للرسول صلى ال عليه وسلم إيمانين‪ ،‬لقد آمن بال‪ ،‬وأمن‬
‫للمؤمنين‪ ،‬وهو صلى ال عليه وسلم سيشفع لنا‪ ،‬لنه قد أدى مُؤدى يسع أمته كلها‪ ،‬لقد أتم البلغ‬
‫وخضع للتكليف بما يسع أمته كلها‪ ،‬ولذلك يقول الحق‪ُ { :‬قلْ آمَنّا } ‪ ،‬كان القياس أن يقول‪ " :‬قل‬
‫آمنت " ‪ ،‬أو أن يقول‪ { :‬قُولُواْ آمَنّا }‪ .‬لكن الحق في قرآنه الكريم يضع كل كلمة في موضعها‪،‬‬
‫فتصبح الكلمة جاذبة لمعناها‪ ،‬ويصبح كل معنى عاشقا لكلمته‪ ،‬وقد قال الحق هنا‪ُ { :‬قلْ آمَنّا }‬
‫ليتضح لنا أن محمدا رسول ممتزج في أمته‪ ،‬وأمة السلم في طواعية لرسولها‪ ،‬والمر يأتي‬
‫لرسول ال من الحق سبحانه‪ ،‬والتنفيذ لهذا المر يكون من الجميع‪ ،‬وفي هذا إشعار للخصوم أن‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم سيكون ذا عصبية إيمانية قوية‪ ،‬فلو قال‪ " :‬قل آمنت " لكان معنى‬
‫ذلك أن الرسول لن يملك إل إيمانه فقط‪ ،‬لكن الرسول صلى ال عليه وسلم آمن به قومه‪ ،‬وكثير‬
‫غيرهم وجاء على يديه فتح مكة كما قال الحق‪ {:‬إِذَا جَآءَ َنصْرُ اللّ ِه وَا ْلفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ‬
‫يَ ْدخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ َأ ْفوَاجا }[النصر‪.]2-1 :‬‬
‫وعندما نقرأ قوله الحق‪ُ { :‬قلْ آمَنّا بِاللّ ِه َومَآ أُن ِزلَ عَلَيْنَا } فلنا أن نلتفت إلى أن العلماء لهم وقفة‬
‫ك َومَآ أُنْ ِزلَ مِن قَبِْلكَ وَبِالخِ َرةِ‬
‫في مسألة النزال‪ ،‬فمرة يقول الحق‪ {:‬والّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ ِبمَآ أُنْ ِزلَ إِلَ ْي َ‬
‫هُمْ يُوقِنُونَ }[البقرة‪.]4 :‬‬
‫حمَةً‬
‫ومرة أخرى يقول الحق‪َ {:‬ومَآ أَنْزَلْنَا عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ ِإلّ لِتُبَيّنَ َلهُمُ الّذِي اخْتََلفُواْ فِي ِه وَهُدًى وَ َر ْ‬
‫ّلقَوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ }[النحل‪.]64 :‬‬
‫وهكذا نجد أن " النزال " يأتي مرة متعديا بـ " إلى " ‪ ،‬ويأتي مرة مرة أخرى متعديا " بعلى "‪.‬‬
‫وقال بعض من العلماء‪ :‬إن الكلم حينما يكون موجها لرسول ال صلى ال عليه وسلم فالحق‬
‫يقول‪ " :‬أنزل عليك " ‪ ،‬وكأن هؤلء العلماء ‪ -‬دون قصد منهم ‪ -‬يفصلون بين بلغ ال للرسول‬
‫عن البلغ إلى أمة الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولم يلتفتوا إلى أن الغاية من إنزال المنهج على‬
‫الرسول هو هداية المة‪.‬‬
‫ونحن نقول‪ :‬إن علينا أل نأخذ المر بسطحية من أسلوب ظهر لنا؛ ذلك أن هناك أسلوبا خفيّا‪،‬‬
‫وهو أن " إلى " و " على " إنما تفيدان أن المنهج نزل للمة والرسول صلى ال عليه وسلم؛ فمرة‬
‫يأتي الحق بالنزول متعديا بـ " إلى " والخطاب موجه للرسول صلى ال عليه وسلم كقوله الحق‪{:‬‬
‫س ِمعُواْ مَآ أُن ِزلَ إِلَى الرّسُولِ تَرَى أَعْيُ َنهُمْ َتفِيضُ مِنَ ال ّدمْعِ ِممّا عَ َرفُواْ مِنَ ا ْلحَقّ َيقُولُونَ رَبّنَآ‬
‫وَإِذَا َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫آمَنّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ }[المائدة‪.]83 :‬‬
‫ومرة يأتي الحق بالنزول متعديا بـ " على " والخطاب موجه للرسول صلى ال عليه وسلم كقوله‬
‫ح َمةً ّل َقوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ }‬
‫الحق‪َ {:‬ومَآ أَنْزَلْنَا عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ ِإلّ لِتُبَيّنَ َل ُهمُ الّذِي اخْتََلفُواْ فِي ِه وَهُدًى وَرَ ْ‬
‫[النحل‪.]64 :‬‬
‫س ِمعْتُمْ‬
‫ومرة ثالثة يأتي الحق بالنزال في حديث إلى المؤمنين‪َ {:‬وقَدْ نَ ّزلَ عَلَ ْيكُمْ فِي ا ْلكِتَابِ أَنْ ِإذَا َ‬
‫آيَاتِ اللّهِ ُي ْكفَرُ ِبهَا وَيُسْ َتهْزَأُ ِبهَا فَلَ َت ْقعُدُواْ َم َعهُمْ حَتّىا يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْ ِرهِ إِ ّنكُمْ إِذا مّثُْلهُمْ إِنّ‬
‫جمِيعا }[النساء‪.]140 :‬‬
‫جهَنّمَ َ‬
‫ن وَا ْلكَافِرِينَ فِي َ‬
‫اللّهَ جَامِعُ ا ْلمُنَا ِفقِي َ‬
‫إنه كتاب منزل من السماء وملحوظ فيه العلو‪ ،‬والغاية من النزول هو مصلحة المة‪ ،‬فالتيان بـ‬
‫(على) يْفيد العلو‪ ،‬ولمصلحة المة‪ " ،‬العلية " هنا لتزيد مقام المنهج بالنسبة للمؤمنين فهو قد نزل‬
‫لمصلحتهم‪ .‬إذن فالنزول يقتضي " علّية " ‪ ،‬وهو من حيث العلو يأتي بـ " على " ‪ ،‬ومن حيث‬
‫الغاية يأتي بـ " إلى " ‪ ،‬فهو منهج نزل من الحق العلى ونزل إلى الرسول وعلى الرسول ليبلغه‬
‫إلى المؤمنين لمصلحتهم‪ .‬ولذلك قلنا‪ :‬إننا إذا رأينا حكما يقيد من حرية الفرد فل يصح أن نفهم أن‬
‫ال قد قصد هذا الفرد ليقيد حريته‪ ،‬إنما جاء مثل هذا القيد لقيد المليين من أجل حرية الفرد‪ ،‬مثال‬
‫ذلك ساعة يحرم المنهج السرقة على النسان‪ ،‬فهو أمر لكل إنسان من المليين وهو لمصلحة كل‬
‫إنسان‪ ،‬فالقرآن قد نزل لمصلحتك‪ ،‬ومصلحة المؤمنين جميعا‪.‬‬
‫سمَاعِيلَ‬
‫وعندما نقرأ قوله الحق‪ُ } :‬قلْ آمَنّا بِاللّ ِه َومَآ أُن ِزلَ عَلَيْنَا َومَآ أُن ِزلَ عَلَىا إِبْرَاهِي َم وَإِ ْ‬
‫ط َومَا أُوتِيَ مُوسَىا وَعِيسَىا وَالنّبِيّونَ مِن رّ ّب ِه ْم لَ ُنفَرّقُ بَيْنَ َأحَدٍ مّ ْنهُمْ‬
‫ق وَ َيعْقُوبَ وَالَسْبَا ِ‬
‫وَإِسْحَا َ‬
‫وَنَحْنُ لَهُ مُسِْلمُونَ {‪ .‬فهذا القول يوضح أن الرسول صلى ال عليه وسلم إنما جاء بمنهج يضم‬
‫صحيح العقائد والقصص والخبار‪ ،‬وهو يوافق ما جاء في موكب الرسالت من يوم أن خلق ال‬
‫الرض وأرسل الرسل‪ .‬وقد أخذ ال العهد على المم والنبياء من قبل‪ ،‬بأنه إذا جاء رسول‬
‫مصدق لما معهم ليؤمنن به‪ ،‬وكذلك أخذ ال على رسولنا صلى ال عليه وسلم بأن يؤمن بالرسل‬
‫السابقين‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم لم يأت ليهدم أديانا‪ ،‬ولكن ليكمل أديانا‪ ،‬وهكذا نرى النص‬
‫القرآني الجليل‪:‬‬
‫{ الْ َي ْومَ َأ ْكمَ ْلتُ َل ُكمْ دِي َن ُك ْم وَأَ ْت َممْتُ عَلَ ْيكُمْ ِن ْعمَتِي وَ َرضِيتُ َلكُمُ الِسْلمَ دِينا }[المائدة‪.]3 :‬‬
‫كأن الديان السابقة بكل ما جاء فيها من صحيح العقائد‪ ،‬والقصص‪ ،‬والخبار موجودة في‬
‫السلم‪ ،‬وفوق كل ذلك جاء السلم بشرائع تناسب كل زمان ومكان‪ ،‬ولذلك قال الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم في حديثه الشريف‪ " :‬إنما مثلى ومثل النبياء قبلي كمثل رجل بني بنيانا فأحسنه‬
‫وأجمله وأكمله إل موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويقولون ما رأينا أحسن من هذا لول‬
‫موضع هذه اللبنة فكنت أنا اللبنة "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فزمام كل المر انتهى إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقد أخذ ال العهد على غيره أن‬
‫يصدقوه عندما يجيء‪ ،‬وهو صلى ال عليه وسلم آمن وصدق بمن سبق من الرسل‪ ،‬ولم يجيء من‬
‫بعده شيء يطلب من رسول ال ول من أمته أن يصدقوه‪ ،‬وقال الحق تذييل لهذه الية الكريمة‪} :‬‬
‫وَنَحْنُ لَهُ مُسِْلمُونَ {‪.‬‬
‫أي أنه ل يوجد لتباع أي رسول من الرسل السابقين ما يعطيهم سلطة زمنية‪ ،‬بل المسألة كلها‬
‫تبدأ من ال‪ ،‬وتنتهي إلى ال‪ .‬وتلك هي القضية النهائية في موكب الرسالت‪ .‬وما دام السلم هو‬
‫ذلك النقياد الذي يختاره النسان لنفسه ليكون منسجما مع نفسه في السلم ل‪ ،‬ويكّون انسجاما‬
‫مع الكون الخر وما يحتويه من حيوان ونبات وجماد وغيرها في أنه أسلم خضوعا ل‪ ،‬وبذلك‬
‫يصبح الكون بما فيه النسان المؤمن المسلم ل كله مسخّرا ل سبحانه وتعالى‪ .‬وما دام الكون‬
‫بالنسان قد صار مسخرا ل فل تضاد في حركة لِتعاند حركة أخرى؛ لن الذي يهيمن هذه الهيمْنة‬
‫هو الذي وضع لكل إنسان في مجال حركته في الحياة قانونا يعصمه من أن يصطدم بغيره‪ ،‬وإذا‬
‫كان البشر قد استطاعوا أن يضعوا لنفسهم معايير تمنع التصادم في الحركة‪ ،‬ذلك التصادم الذي‬
‫يؤدي إلى كوارث ومصائب‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ ،‬للنظر إلى السكك الحديدية‪ ،‬أل يوجد موظف اسمه " المحولجي "؟ ومعنى هذه الوظيفة‬
‫هو أن القائم بها يقوم بتحويل القاطرة القادمة من طريق معين إلى مسار محدد حتى ل تدهم‬
‫قاطرة أخرى جاءت من الطريق نفسه‪ .‬إن ذلك من فعل النسان فيما صنع من قطارات‬
‫ومواصلت‪ ،‬لقد صنع أيضا وسائل تمنع تصادمها‪ ،‬فما بالنا بالحق ‪ -‬وله المثل العلى ‪ -‬وهو‬
‫الذي خلق النسان؟ إنه سبحانه قد وضع المنهج حتى ل تصطدم حركة في الوجود بحركة أخرى‪.‬‬
‫ولننظر إلى الشياء التي جاءت بقانون التسخير‪ ،‬والشياء التي دخلت في ظل الختيار‪ .‬أسمعنا‬
‫أن جملين سارا في طريقين متعارضين واصطدم الجمل بجمل؟ لم يحدث ذلك أبدا‪ ،‬فالجمل يفادي‬
‫نفسه وما يحمل من الجمل الخر وما يحمله‪ ،‬لكننا نسمع عن تصادم سيارة مع سيارة‪ ،‬ذلك أن‬
‫السيارة ل تسير بذاتها بل تسير بقيادة إنسان مختار‪ ،‬وهو الذي يصدم وهو الذي قد تأتي منه في‬
‫غفلته الكوارث‪.‬‬
‫إذن فتصادم حركة بحركة إنما ينشأ في المور الختيارية‪ ،‬أو غفلة إنسان عن مهمته‪ ،‬كغفلة "‬
‫المحولجي " عن عمله في تنظيم مرور القطارات‪ ،‬لكن تصادم حركة في الوجود بحركة أخرى‬
‫في الوجود هو أمر مستحيل‪ ،‬ول يحدث أبدا‪ ،‬لن المر الذي ما زال في يد المهيمن العلى‪،‬‬
‫مهيمن الرض والسماء‪ ،‬وهو ال الذي يسير الكون منسجما ويعرفنا بصفاته فيقول‪ } :‬اللّ ُه لَ‬
‫خ ُذهُ سِنَةٌ وَلَ َنوْمٌ {‬
‫حيّ ا ْلقَيّو ُم لَ تَأْ ُ‬
‫إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ الْ َ‬
‫ومعناه‪ :‬أني أنا القائم بأسبابكم ومدبر أمركم ول أنام أو تأخذنا سنة أو غفلةاي فناموا أنتم فقد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سخرت الوجود كله من أجلكم‪.‬‬
‫وما دام المر في السلم هكذا‪ ،‬والوجود ينسجم مع نفسه‪ ،‬فلماذا تشذ أنت أيها النسان عن‬
‫الوجود؟ ولماذا تشّذُ عن ملكات نفسك؟‬
‫لماذا ل تكون منسجما مع الكون؟ إنك إن انسجمت مع نفسك ومع الكون صرت النسان السعيد‪.‬‬
‫وفي عصرنا الحديث نرى ارتقاء العالم ماديا بصورة عالية‪ ،‬بحيث يقع الحدث في أمريكا مثل‬
‫فنراه على شاشة التلفزيون فورا‪ ،‬ويركب النسان مركبا صاروخيا إلى الفضاء ولكن هل استراح‬
‫العالم؟ ل‪ ،‬لقد ازداد العالم عناء‪ ،‬وكأنه يكد ذهنه ويرهق العلماء في معاملهم لبتكار أشياء تعطي‬
‫للعالم مزيدا من القلق والضطراب وتتصادم وتتعارض‪ .‬وبذلك صار الكون ل يفرغ أبدا من‬
‫حرب باردة أو ساخنة‪.‬‬
‫كل ذلك إنما ينشأ من إدارة أمور العالم بأهواء البشر‪ ،‬فلسنا جميعا مردودون إلى منهج واحد‬
‫يأمرنا فنأتمر‪ ،‬وينهانا فننتهي‪ ،‬بل كل إنسان يتبع في عمله هواه‪ ،‬لذلك نرى القلق والضطراب‪،‬‬
‫ونرى الصرخات تمل الدنيا من أهوال ومصائب‪ ،‬منها مثل المخدرات هو إنسان غير راضٍ عن‬
‫واقع حياته‪ ،‬فل يريد مواجهة حياته‪ ،‬إنما يحاول الهرب منها بالدمان‪ ،‬ونقول لمثل هذا النسان‪:‬‬
‫ليس هذا حل للمشكلة؛ لن النسان عندما تأتيه مشكلة فهو يحتاج عقل على عقله ليواجه هذه‬
‫المشكلة‪ ،‬وأنت بهذا الدمان إنما ُتضَيّع عقلك‪ ،‬رغم أنك مطالب بأن تأتي بعقل آخر بجانب عقلك‬
‫لتحل مشكلتك‪ ،‬فالهرب من المشكلة ل يحلها‪ ،‬إنما الهروب غباء وقلة فطنة فالمشكلة زادت تعقيدا‬
‫ونقول للمجتمعات التي تشكو من مثل هذه البليا لو أخذتم شرائعكم من منهج ال لكان ذلك حماية‬
‫لكم من مثل تلك الكوارث‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن كل البتكارات تُوجه دائما إلى الشر أول‪ ،‬فإذا لم يوجد لها ميدان شر فإننا نوجهها‬
‫إلى الخير‪ ،‬ويا ليته خير خالص لوجه ال‪ ،‬ل‪ ،‬إنه خير مجنح ومنحرف عن الخير لن الذي ل‬
‫يملك هذا اللون من الختراعات كالشعوب النامية والعالم الثالث قد جعله المخترعون بوساطة هذه‬
‫الكتشافات والختراعات مستعبدا ومقهورا لهم؛ إنهم جعلوا تقدمهم استعبادا وإذلل لغيرهم وإن‬
‫تظاهروا بغير ذلك‪.‬‬
‫لماذا يحدث كل ذلك؟ لننا لم نكن منطقيين ‪ -‬كما يجب ‪ -‬مع أنفسنا ول مع واقع المور‬
‫النهوضية التي نحن فيها فالطموحات العلمية التي ل حد لها ل يصح أن تسبب لنا كل هذا التعب‪،‬‬
‫بل كان المفروض بعد الوصول إلى تحقيق هذه الطموحات ان نستريح‪ ،‬ولكن ِلمَ لم يحدث هذا؟‬
‫لن زمامنا نحن البشر بيد أهوائنا‪ ،‬والهواء ليست هي اليد المينة‪ ،‬إن اليد المينة هي شرع ال‬
‫الذي لم يشرع إل لمصلحة من خلق‪ ،‬وما دام السلم يرسم طريق المان مع الخالق والنفس‬
‫والكون الذي نحياه‪ ،‬بما فيه من الجناس الخرى‪ ،‬إذن فالدين عند ال هو السلم‪ ،‬وهذه هي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النتيجة الحتمية لذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَنَحْنُ لَهُ مُسِْلمُونَ { ويتبعها الحق سبحانه بقوله‪} :‬‬
‫َومَن يَبْ َتغِ غَيْ َر الِسْلَمِ دِينا فَلَنْ ُيقْ َبلَ مِنْهُ‪{ ...‬‬

‫(‪)475 /‬‬
‫سلَامِ دِينًا فَلَنْ ُيقْ َبلَ مِنْهُ وَ ُهوَ فِي الَْآخِ َرةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (‪)85‬‬
‫َومَنْ يَبْ َتغِ غَيْرَ الْإِ ْ‬

‫إن الغاية التي تسعد العالم كله هي دين السلم‪ ،‬ومن يرد دينا غير ذلك فلن يقبله ال منه‪ .‬فإن‬
‫كان هناك من ل يعجبه تقنين السماء ويقول مندهشا‪ :‬إن في هذا التقنين قسوة؛ إنك تُقطع يد إنسان‬
‫وتشوهه نرد على مثل هذا القائل‪ :‬إن سيارة تصدم سيارة تشوه عشرات من البشر داخل‬
‫السيارتين‪ ،‬أو قطار يصاب بكارثة فيشوه مئات من البشر‪.‬‬
‫ونحن عندما نبحث عن عدد اليدي التي تم قطعها في تاريخ السلم كله‪ ،‬فلن نجدها إل أقل كثيرا‬
‫من عدد المشوهين بالحوادث‪ ،‬وأي ادعاء بالمحافظة على جمال النسان مسألة تثير السخرية؛ لن‬
‫تقنين قطع يد السارق استقامت به الحياة‪ ،‬بينما الحروب الناتجة عن الهوى شوهت وأفنت المئات‬
‫واللف‪ ،‬إن مثل هذا القول سفسطة‪ ،‬هل معنى تشريع العقوبة أن يحدث الذنب؟ ل‪ ،‬إن تشريع‬
‫العقوبة يعني تحذير النسان من أن يرتكب الذنب‪.‬‬
‫وعندما نقول لنسان‪ " :‬إن قتلت نفسا فسيتولى ولي المر قتلك " أليس في ذلك حفاظ على حياته‬
‫وحياة الخرين؟ وحين يحافظ التشريع على حياة فرد واحد فهو يحافظ في الوقت نفسه على حياة‬
‫كل إنسان‪ ،‬يقول ال تعالى‪ {:‬وََلكُمْ فِي ا ْل ِقصَاصِ حَيَاةٌ ياأُولِي الَلْبَابِ َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ }[البقرة‪.]179 :‬‬
‫لمِ‬
‫وهكذا يصبح هذا التقنين سليما غاية السلمة‪ ،‬إذن فقول الحق سبحانه‪َ { :‬ومَن يَبْتَغِ غَيْ َر الِسْ َ‬
‫دِينا فَلَنْ ُيقْ َبلَ مِنْهُ } يدلنا على أن الذي يشرع تشريعا يناقض ما شرعه ال فكأنه خطأ ال فيما‬
‫شرع‪ ،‬وكأنه قد قال ل‪ :‬أنا أكثر حنانا على الخلق منك أيها الله؛ لنه قد فاتتك هذه المسألة‪.‬‬
‫وفي هذا القول فسق عن شرع ال‪ ،‬وعلى النسان أن يلتزم الدب مع خالقه‪ .‬وليرد كل شيء إلى‬
‫ال المربي‪ ،‬وحين ترد أيها النسان كل شيء إلى ربك فأنت تستريح وتريح‪ ،‬اللهم إل أن يكون‬
‫لك مصلحة في النحراف‪ .‬فإن كان لك مصلحة في النحراف فأنت تريد غير ما أراد ال‪ ،‬أما إذا‬
‫أردت مصلحة الناس فقد شرع الحق ما فيه مصلحة كل الناس؛ لذلك قال الحق‪َ { :‬ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ‬
‫الِسْلَمِ دِينا فَلَنْ ُيقْ َبلَ مِنْهُ وَ ُهوَ فِي الخِ َرةِ مِنَ ا ْلخَاسِرِينَ }‪.‬‬
‫وقد يقول قائل في قوله تعالى‪ { :‬فَلَنْ ُيقْبَلَ مِنْهُ } إن هذه العبارة ل تكفي في منحى اطمئنانا إلى‬
‫جزاء العمل الذي أتقرب به إلى ال‪ ،‬فال قد يقبل وقد ل يقبل فهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ل أحد يكرهه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على شيء‪ ،‬ونقول له‪ :‬إنك ستأتي إلى ربك رضيت أو أبيت فما حاجتك إلى هذا القول؟ لو كنت‬
‫تستطيع‪ ،‬فكن عاقل ول تتمرد على أمر ربك‪ ،‬ويقول الحق‪ { :‬وَ ُهوَ فِي الخِ َرةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }‪.‬‬
‫والخاسر‪ :‬مأخوذة من " الخسر " ‪ ،‬و " الخسر " هو ذهاب رأس المال وضياعه‪ ،‬والخرة حياة‬
‫ليس بعدها حياة‪ ،‬ومن الغباء أن يقول قائل‪ " :‬سوف أتعذب قليل ثم تنتهي المسألة " ل‪ ،‬إن المسألة‬
‫ل تنتهي؛ لن الخرة حياة دائمة ول حياة بعدها‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ { :‬كَ ْيفَ َي ْهدِي اللّهُ‬
‫ش ِهدُواْ أَنّ الرّسُولَ حَق‪} ...‬‬
‫َقوْما َكفَرُواْ َبعْدَ إِيمَا ِنهِ ْم وَ َ‬

‫(‪)476 /‬‬
‫ت وَاللّهُ لَا َي ْهدِي‬
‫ق َوجَاءَ ُهمُ الْبَيّنَا ُ‬
‫شهِدُوا أَنّ الرّسُولَ حَ ّ‬
‫كَ ْيفَ َي ْهدِي اللّهُ َق ْومًا َكفَرُوا َبعْدَ إِيمَا ِنهِ ْم وَ َ‬
‫ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ (‪)86‬‬

‫إننا نرى هنا السلوب البديع؛ إن الحق سبحانه يدعونا أن نتعجب من قوم كفروا بعد اليمان‪ ،‬إنهم‬
‫لو لم يعلنوا اليمان من قبل لقلنا‪ :‬إنهم لم يذوقوا حلوة اليمان‪ ،‬لكن الذي آمن وذاق حلوة‬
‫اليمان كيف يقبل على نفسه أن يذهب إلى الكفر؟ إنه التمرد المركب‪.‬‬
‫وقد يتساءل إنسان قائل‪ :‬مادام ال لم يهدهم‪ ،‬فما ذنبهم؟ نقول له‪ :‬يجب أن تتذكر ما نكرره دائما‪،‬‬
‫لتتضح القضية في الذهن لنها قضية شائعة وخاصة عند غير الملتزمين‪ ،‬الذين يقول الواحد منهم‪:‬‬
‫إن ال لم يرد هدايتي‪ ،‬فماذا أفعل أنا؟ إن ذلك استدلل لتبرير النحراف ومثل هذا القول ل يصدر‬
‫إل من المسرف على نفسه‪ ،‬ول يأتي هذا القول أبدا من طائع ل‪ ،‬إن الذي يقول‪ " :‬إن المعصية‬
‫إنما أرادها ال مني‪ ،‬فما ذنبي؟ " يجب أن يعرف أن الطاعة من ال‪ ،‬فلماذا لم يقل‪ " :‬إن الطاعة‬
‫من ال فلماذا يثيبنا عليها؟ لماذا تغفل أيها العاصي عن ذكر ثواب الطاعة‪ ،‬وتقف عند المعصية‬
‫وتقول‪ " :‬إن ال قد كتب على المعصية فلماذا يعذبني؟ " كان يجب أن نقول أيضا‪ " :‬ما دام قد‬
‫كتب علي الطاعة فلماذا يعطيني عليها ثوابا؟ "‪.‬‬
‫إننا نقول لمن يبرر لنفسه النحراف‪ :‬إنك تريد أن تأخذ من الطاعة ثوابها‪ ،‬وتريد أن تهرب من‬
‫عقاب المعصية‪ .‬وأنت تحتاج إلى أن تفهم المر على حقيقته‪ ،‬لقد قلت من قبل‪ :‬إن " الهداية " تأتي‬
‫بمعنيين " هَدَى " أي دل على الطريق الموصلة للغاية المرجوة ولم يصنع شيئا أكثر من ذلك‬
‫والمثال هو إشارات المرور الصماء؛ إن كل إشارة توضح طريقا معينا وتهدي إليه‪ ،‬وإشارة‬
‫أخرى توضح طريقا آخر وتهدي إليه‪ .‬ول يوجد أحد عند هذه الشارة يأخذ بيد إنسان ويقول له‪:‬‬
‫أنا سآخذ بيدك وأصلح العربة عندما تقف منك‪ ،‬أو أركب معك لوصلك إلى غايتك‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن هذه الشارة هي هداية فقط‪ ،‬إي أنها دللة على الطريق الموصلة إلى الغاية المرجوة وال‬
‫سبحانه وتعالى قد هدى الناس جميعا المؤمن منهم والكافر أيضا‪ ،‬أي دلّهم سبحانه على الطريق‬
‫الموصل للغاية‪ .‬وانقسم الناس بعد ذلك إلى قسمين‪ :‬قسم قبِل هذا المنهج وارتضاه وسار كما يريد‬
‫ال‪ ،‬وساعة أن راح هذا المؤمن إلى جناب ال وآمن به‪ ،‬فكأن الحق يقول له‪ :‬إنك آمنت بي‬
‫وبمنهجي‪ ،‬لذلك ستكون لك جائزة أخرى‪ ،‬وهي أن أعينك وأخفف عليك المور‪ ،‬وهذه هي الهداية‬
‫الثانية التي يعطيها ال جائزة لمن آمن به وارتضى منهجه وتعني " المعونة " ‪ ،‬إن ال يعطي عبده‬
‫المؤمن حلوة الطاعة‪ ،‬ويجعله مقبل عليها بنشاط‪.‬‬
‫إذن فالهداية تكون مرة " دللة " وتكون مرة ثانية " معونة " إنني أكرر هذا القول حتى يتضح‬
‫المر في أذهاننا جميعا‪ ،‬ولنذكره دائما‪ ،‬ونقول‪ :‬مَن يعين النسان؟ إن الذي يعينه هو من آمن به‪،‬‬
‫أما من كفر بال‪ ،‬فل يعينه ال‪.‬‬
‫وسبق أن قلت مثل ‪ -‬وما زلت أضربه ‪ :-‬إن إنسانا ما يسير في طريق ثم التبس عليه الطريق‬
‫الموصل للغاية كالمسافر إلى السكندرية مثل‪ ،‬وبعد ذلك وجد شرطيا واقفا فسأله‪ :‬أين الطريق‬
‫إلى السكندرية؟‬
‫فيشير الشرطي إلى الطريق الموصل إلى السكندرية قائل للسائل‪ :‬هذا هو الطريق الصحيح إلى‬
‫السكندرية‪.‬‬
‫إن الشرطي هنا قد دل هذا النسان‪ ،‬لكن عندما يقول السائل للشرطي‪ " :‬الحمد ل أنني وجدتك هنا‬
‫لنك يسرت لي السبيل " فهذا القول يأسر قلب الشرطي‪ ،‬فيزيد من إرشاداته للسائل ويوضح له‬
‫بالتفصيل الدقيق كيف يصل إلى الطريق‪ ،‬وينبهه إلى أي عقبة قد تعترضه‪ ،‬وإن زاد السائل في‬
‫شكره للشرطي‪ ،‬فإن ذلك يأسر وجدان الشرطي أكثر‪ ،‬ويتطوع ليركب مع السائل ليوصله إلى‬
‫الطريق‪ ،‬شارحا له ما يجب أن يتجنبه من عقبات‪ ،‬وبذلك يكون الشرطي قد قدم كل المعونة لمن‬
‫شكره‪.‬‬
‫لكن لنفترض أن رجل آخر سأل الشرطي عن الطريق‪ ،‬فكذب الرجل الشرطي‪ ،‬وفي مثل هذا‬
‫الموقف يتجاهل الشرطي مثل هذا الرجل‪ ،‬وقد ضربت هذا المثل للتقريب ل للتشبيه‪ .‬إن الحق‬
‫يدل أول بهداية الدللة‪ ،‬وقد هدى ال الناس جميعا‪ ،‬أي دلهم على المنهج‪ ،‬فمن ذهب إلى رحابه‬
‫وآمن به‪ ،‬أعطاه ال هداية ثانية‪ ،‬وهي هداية المعونة والتيسير‪ {.‬وَالّذِينَ اهْتَ َدوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ‬
‫َتقُوَا ُهمْ }[محمد‪.]17 :‬‬
‫إن الحق يعطيهم حلوة الهداية وهي التقوى‪ ،‬كأن الحق يقول للعبد المؤمن‪ :‬ما دمت قد أقبلت عليَّ‬
‫باليمان فلك حلوة اليمان‪ ،‬أما الذي يكفر‪ ،‬والذي يظلم نفسه بالشرك‪ ،‬فالحق يمنع عنه هداية‬
‫المعونة؛ لنه قد رأى هداية الدللة ولم يؤمن بها‪ .‬إذن فالستفهام في قوله تعالى‪ } :‬كَ ْيفَ َيهْدِي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اللّهُ َقوْما َكفَرُواْ َب ْعدَ إِيمَا ِنهِمْ { هو تساؤل يراد به النكار والستبعاد ل عن الهداية الولى وهي‬
‫هداية الدللة‪ ،‬ولكنه عن هداية المعونة‪ ،‬أي‪ :‬كيف أعين من كفر بي؟‬
‫والمقصود بهذا القول هو بعض من أهل الكتاب الذي جاءهم نعت الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫في كتبهم حتى إن عبد ال بن سلم وهو منهم‪ ،‬يقول‪ :‬لقد عرفت محمدا حين رأيته كمعرفتي‬
‫لبني‪ ،‬ومعرفتي لمحمد أشد‪ ،‬ومصداق ذلك ما يقوله الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬الّذِينَ يَتّ ِبعُونَ الرّسُولَ‬
‫لمّيّ الّذِي َيجِدُونَهُ َمكْتُوبا عِن َدهُمْ فِي ال ّتوْرَا ِة وَالِنْجِيلِ يَ ْأمُرُهُم بِا ْل َمعْرُوفِ وَيَ ْنهَا ُهمْ عَنِ‬
‫ياُ‬
‫النّ ِب ّ‬
‫للَ الّتِي كَا َنتْ عَلَ ْيهِمْ‬
‫علَ ْيهِمُ ا ْلخَبَآ ِئثَ وَ َيضَعُ عَ ْن ُهمْ ِإصْرَهُ ْم وَالَغْ َ‬
‫ت وَيُحَرّمُ َ‬
‫حلّ َلهُمُ الطّيّبَا ِ‬
‫ا ْلمُ ْنكَ ِر وَيُ ِ‬
‫فَالّذِينَ آمَنُواْ ِب ِه وَعَزّرُوهُ وَ َنصَرُوهُ وَاتّ َبعُواْ النّورَ الّذِي أُن ِزلَ َمعَهُ ُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ }‬
‫[العراف‪.]157 :‬‬
‫والتعبير القرآني الدقيق لم يقل‪ :‬يجدون وصفة مكتوبا عندهم في التوراة والنجيل إنما يقول‬
‫جدُونَهُ َمكْتُوبا عِندَ ُهمْ فِي ال ّتوْرَاةِ وَالِنْجِيلِ }[العراف‪.]157 :‬‬
‫الحق‪ {:‬الّذِي يَ ِ‬
‫كأن الذي يقرأ التوراة والنجيل يمكنه أن يرى صورة النبي عليه الصلة والسلم من دقة‬
‫الوصف‪ ،‬لقد عرفته التوراة وعرفه النجيل معرفة مفصلة وشاملة‪ ،‬مع نطق وقول يؤكد ذلك‬
‫وهناك فرق بين أن " تعرف " وبين أن " تقول "؛ فقد يعرف النسان ويكتم ما عرف‪ ،‬ولكنهم‬
‫عرفوا الرسول صلى ال عليه وسلم واعترفوا بذلك‪ ،‬فقد كانوا من قبل يستفتحون به على الذين‬
‫كفروا‪ ،‬قال الحق سبحانه‪ {:‬وََلمّا جَآءَ ُهمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ ُمصَدّقٌ ّلمَا َم َعهُ ْم َوكَانُواْ مِن قَ ْبلُ‬
‫يَسْ َتفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ فََلمّا جَآءَهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪:‬‬
‫‪.]89‬‬
‫لقد أخذوا الرسول صلى ال عليه وسلم قبل مجيئه نصرة على الكافرين‪ ،‬فقالوا‪ :‬سيأتي نبي ونتبعه‬
‫ونقتلكم معه قتل عاد وإرم‪ .‬فماذا فعلوا؟ إن الحق يجيب‪ {:‬فََلمّا جَآ َءهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ فََلعْنَةُ‬
‫علَى ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪.]89 :‬‬
‫اللّهِ َ‬
‫إذن هم آمنوا بالرسول صلى ال عليه وسلم من قبل مجيئه‪ ،‬فلما جاء كفروا به‪ .‬انظر إلى العدالة‬
‫من الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬حين يريد أن يدلهم على موقف الصدق والحق والكرامة اليمانية‪ُ {.‬قلْ‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُ ْم َومَنْ عِن َدهُ عِلْمُ ا ْلكِتَابِ }[الرعد‪.]43 :‬‬
‫َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫إن الذين عندهم علم الكتاب هم اليهود والنصارى‪ ،‬هؤلء يشهدون أن محمدا رسول ال‪ ،‬وإن‬
‫القرآن بعدالته ينصف التوراة والنجيل وهي الكتب التي بين أيديهم‪ } ،‬كَ ْيفَ َيهْدِي اللّهُ َقوْما َكفَرُواْ‬
‫حقّ { لقد آمنوا به رسول من منطوق كتبهم‪ ،‬ثم أعلنوها حينما‬
‫ش ِهدُواْ أَنّ الرّسُولَ َ‬
‫َبعْدَ إِيمَا ِنهِ ْم وَ َ‬
‫قالوا‪ " :‬يأتي نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم "‪.‬‬
‫فإذا كانوا قد صنعوا ذلك‪ ،‬فكيف يهديهم ال؟ إنهم ليس لديهم الستعداد للهداية‪ ،‬ولم يقبلوا على ال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بشيء من الحب‪ ،‬لذلك فهو سبحانه ل يعينهم على الهداية ولو أقبلوا على ال لعانهم قال تعالى‪{:‬‬
‫وَالّذِينَ اهْ َت َدوْاْ زَا َدهُمْ ُهدًى وَآتَا ُهمْ َتقُوَا ُهمْ }[محمد‪.]17 :‬‬
‫وهؤلء لم يهتدوا‪ ،‬فلذلك تركهم ال بدون هداية المعونة‪ ،‬وهذا يوضح لنا معنى القول الحق‪َ {:‬ومَن‬
‫ُيضِْللِ اللّهُ فَلَن َتجِدَ َلهُ سَبِيلً }[النساء‪.]88 :‬‬
‫إن الذين لم يهتدوا بهداية الدللة فلم يؤمنوا يضلهم ال أي يتركهم في غيهم وكفرهم‪ ،‬أي أنه ما‬
‫دام هناك من لم يؤمن بال فهل يمسك ال بيده ليهديه هداية المعونة؟ ل؛ لنه إذا لم يؤمن بالصل‬
‫وهو هداية الدللة‪ ،‬فكيف يمنحه ال هداية المعونة؟ وما دام لم يؤمن بال أكان يصدق التيسيرات‬
‫التي يمنحها ال له؟ ل‪ .‬إنه ل يصدقها‪ ،‬ويجب أن تعلم أن هداية الدللة هداية عامة لكل مخاطب‬
‫خطابا تكليفيا‪ ،‬وهو النسان على إطلقه‪ ،‬أما هداية المعونة فهي لمن أقبل مؤمنا بال وكأن الحق‬
‫يقول له‪ " :‬أنت آمنت بدللتي فخذ معونتي " أو " أنت أهل لمعونتي " أو " ستجد التيسير في كل‬
‫المور " ‪ ،‬أما الذي كفر فل يهديه ال‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه ل يعين الكافر؛ لن المعونة تقتضي ابتداء فعلً من المُعان‪ ،‬والكافر لم يفعل ما‬
‫يمكن أن ينال به هذه المعونة‪ ،‬فهو لم يؤمن‪ ،‬لذلك يكون القول الفصل‪ } :‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ‬
‫سقِينَ { ويكون القول الحق } وَاللّ ُه لَ‬
‫ا ْلكَافِرِينَ { ويكون القول الحق } وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلفَا ِ‬
‫َيهْدِي ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ {‪ .‬إن هؤلء هم الظالمون الذين ارتكبوا الظلم الصيل وهو الشرك بال كما‬
‫ي لَ تُشْ ِركْ بِاللّهِ إِنّ الشّ ْركَ لَظُ ْلمٌ عَظِيمٌ }[لقمان‪:‬‬
‫ن لبْنِ ِه وَ ُهوَ َيعِظُهُ يابُ َن ّ‬
‫قال الحق‪ {:‬وَإِذْ قَالَ ُل ْقمَا ُ‬
‫‪.]13‬‬
‫والحق عندما يتركهم فإنه يزيدهم ضلل‪ ،‬ويختم على قلوبهم‪ ،‬فل يعرفون طريقا إلى اليمان‪:‬‬
‫ق وَجَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَاللّ ُه لَ َيهْدِي‬
‫حّ‬
‫ش ِهدُواْ أَنّ الرّسُولَ َ‬
‫} كَ ْيفَ َيهْدِي اللّهُ َقوْما َكفَرُواْ َبعْدَ إِيمَا ِنهِ ْم وَ َ‬
‫ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ { [آل عمران‪.]86 :‬‬
‫لقد جاءهم الرسول باليات الدالة على صدق رسالته‪ ،‬ولكنهم ظلموا أنفسهم الظلم الكبير العظيم‪،‬‬
‫وهو الشرك بال‪ ،‬ولكن هل هذه الية قد نزلت في أهل الكتاب الذين كان عندهم نعت لرسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وإشارات وبشارات به؟ أو نزلت من أجل شيء آخر هو أن أناسا آمنوا‬
‫برسول ال صلى ال عليه وسلم ثم كفروا به؟‬
‫إن القول الحق يتناول الفئتين‪ ،‬وينطبق عليهم‪ ،‬سواء أكانوا من أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسل من‬
‫قبل ولم يؤمنوا برسالة محمد عليه الصلة والسلم‪ ،‬أم من الذين آمنوا برسالة رسول ال ثم كفروا‬
‫به‪ ،‬كما حدث من بعضهم في عهد الرسول‪ ،‬مثال ذلك طعمة بن أبيرق‪ ،‬وابن السلت والحارث‬
‫بن سويد‪ ،‬هؤلء أعلنوا اليمان واتجهوا إلى مكة ومكثوا فيها‪ ،‬تاب منهم واحد وأخذ له أخوه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضمانا عند رسول ال‪ ،‬والباقون لم يتوبوا‪.‬‬
‫إن القول الحق يتناول الفئتين‪ ،‬وينطبق عليهم جميعا قوله تعالى‪:‬‬
‫ق وَجَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَاللّ ُه لَ َيهْدِي‬
‫حّ‬
‫ش ِهدُواْ أَنّ الرّسُولَ َ‬
‫} كَ ْيفَ َيهْدِي اللّهُ َقوْما َكفَرُواْ َبعْدَ إِيمَا ِنهِ ْم وَ َ‬
‫ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ { [آل عمران‪]86 :‬‬
‫ويفصل لنا الحق سبحانه جزاء هؤلء بقوله الحكيم‪ُ } :‬أوْلَـا ِئكَ جَزَآؤُ ُهمْ أَنّ عَلَ ْيهِمْ َلعْنَةَ اللّهِ‬
‫ج َمعِينَ {‬
‫وَا ْلمَل ِئكَةِ وَالنّاسِ أَ ْ‬

‫(‪)477 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)87‬‬
‫أُولَ ِئكَ جَزَاؤُهُمْ أَنّ عَلَ ْيهِمْ َلعْ َنةَ اللّهِ وَا ْلمَلَا ِئكَةِ وَالنّاسِ أَ ْ‬

‫واللعنة هي الطرد من الرحمة‪ ،‬وال يعلم كل ملعون منهم‪ ،‬وما داموا قد طُرِدوا من رحمة ال‬
‫فالملئكة وهم المؤمنون بال إيمان المشهد يرددون اللعنة‪ ،‬والمؤمنون من خلق ال يرددون اللعنة‪،‬‬
‫وكذلك يلعنهم جميع الناس‪ ،‬وكيف يلعنهم كل الناس سواء أكانوا مؤمنين أم كفارا؟ كيف يلعنهم‬
‫الكافرون؟ إن الكافر عندما يرى إنسانا يرتكب معصية ما فإنه ينزله من نظره ويحتقره وإن لم‬
‫يكن مؤمنا‪.‬‬
‫وهَب أن كافرا وجد إنسانا يخرج على المنهج ويفعل معصية ويرتكب جُرما أل يلعن الكافر مثل‬
‫ذلك النسان؟ إنه يلعنه لن الفطرة المركوزة التي فطر ال الناس عليها ترفض ذلك ول ترتضيه‪.‬‬
‫وهكذا شاء الحق أن يجعلهم ككفار يتلعنون فيما بينهم‪ ،‬ونجد أن جميع الناس يلعنونهم كذلك؛‬
‫لنهم قد خرجوا عن منهج ال بالكفر بعد اليمان‪ ،‬وجرهم ذلك إلى اقتراف الثام‪ ،‬وهكذا تصبح‬
‫خفّفُ عَ ْنهُمُ‬
‫الملعنة من الجميع‪ ،‬وهم مع ذلك خالدون في اللعنة قال تعالى‪ { :‬خَالِدِينَ فِيهَا لَ ُي َ‬
‫ب َولَ هُمْ يُنظَرُونَ }‬
‫ا ْلعَذَا ُ‬

‫(‪)478 /‬‬
‫خفّفُ عَ ْنهُمُ ا ْل َعذَابُ وَلَا هُمْ يُ ْنظَرُونَ (‪)88‬‬
‫خَاِلدِينَ فِيهَا لَا ُي َ‬

‫خفّفُ عَ ْنهُمُ ا ْل َعذَابُ } أي أن العذاب يظل دائما أبدا وقد يظن بعض الناس أن الكافر‬
‫ومعنى { لَ ُي َ‬
‫ما دام سيدخل النار ويحترق فسوف ينتهي أمره‪ .‬ل إنه يغفل قضية ويذكر قضية‪ ،‬إنه يتناسى قول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْنَا ُهمْ جُلُودا غَيْرَهَا‬
‫س ْوفَ ُنصْلِيهِمْ نَارا كُّلمَا َنضِ َ‬
‫الحق‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ بِآيَاتِنَا َ‬
‫حكِيما }[النساء‪.]56 :‬‬
‫لِيَذُوقُواْ ا ْلعَذَابَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَزِيزا َ‬
‫إنهم سيذوقون العذاب بأمر من الحق دائما وأبدا‪ ،‬وقد يقول بعضهم‪ :‬إن العلم قد توصل إلى أن‬
‫النسان تقل حساسيته لللم الناتج من الضرب بالسوط بعد العشرين سوطا الولى‪ ،‬وهو بذلك‬
‫ينسى أن العذاب في الخرة على نمط آخر‪ ،‬إن ال يخلق للمعذب إحساسا جديدا ليظل مستشعرا‬
‫ب َولَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي أن عذابهم مؤكد ول‬
‫خ ّففُ عَ ْنهُمُ ا ْلعَذَا ُ‬
‫دائما العذاب‪ ،‬قال الحق‪ { :‬لَ يُ َ‬
‫يتركهم الحق ليستريحوا من عذابهم‪ .‬وبعد ذلك يقول تعالى‪ِ { :‬إلّ الّذِينَ تَابُواْ مِن َبعْدِ ذاِلكَ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ }‬
‫وََأصْلَحُواْ فَإِنّ ال َ‬

‫(‪)479 /‬‬
‫غفُورٌ رَحِيمٌ (‪)89‬‬
‫إِلّا الّذِينَ تَابُوا مِنْ َبعْدِ ذَِلكَ وََأصْلَحُوا فَإِنّ اللّهَ َ‬

‫والحق سبحانه وتعالى هو الخالق للخلق كلهم‪ ،‬يحب أن يكونوا على ما يود ويحب؛ لنهم صنعة‬
‫ال فهو سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين‬
‫وقد أمر عباده أن يتوبوا إليه توبة نصوحا أي توبة صادقة خالصة ل رجوع فيها هذه التوبة تتسم‬
‫بالقلع عن الذنب والندم على ما فات والعزم على عدم العودة للذنب مرة أخرى ورد المظالم‬
‫لصحابها إن كانت هناك مظالم‪.‬‬
‫وقد قال صلى ال عليه وسلم " إن ال يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار‬
‫ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها "‪.‬‬
‫وهكذا أوجد الحق تشريع التوبة بهدف إصلح الكون؛ لن ال لو لم يشرع التوبة لمن أذنب فإن‬
‫من غفل عن منهج ال ولو مرة واحدة قد يصير في نظر نفسه ضائعا فاسدا مرتكبا لكل‬
‫الحماقات‪ ،‬فكأن ال بتشريع التوبة قد ضمن لصاحب السراف على نفسه في ذنب أن يعود إلى‬
‫ال‪ ،‬كما يرحم المجتمع من شرور إنسان فاسد‪ ،‬إذن فتشريع التوبة إنما جاء لصالح الكون‪،‬‬
‫ولصالح النسان لينعم بمحبة ال‪ ،‬لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ } [آل عمران‪.]89 :‬‬
‫ك وََأصْلَحُواْ فَإِنّ ال َ‬
‫{ ِإلّ الّذِينَ تَابُواْ مِن َبعْدِ ذاِل َ‬
‫فبرغم كفرهم السابق إل أن ال برحمته ل يدخلهم في الوعيد؛ لنهم مطالبون بالتوبة والصلح‪،‬‬
‫ومعنى كلمة " أصلح " أنه زاد شيئا صالحا على صلحه‪ .‬والكون ليس فيه شيء فاسد‪ .‬اللهم إل‬
‫ما ينشأ عن فعل اختياري من النسان وعلى التائب أن يزيد الصلح في الكون‪ ،‬وهكذا نضمن أل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يجيء التائب إلى الشيء فيفسده؛ لن من يريد أن يزيد الصالح صلحا‪ ،‬لن يفسد الشيء الصالح‪.‬‬
‫وربما كان هؤلء الذين أسرفوا على أنفسهم في لحظة من لحظات غفلة وعيهم اليماني ساعة‬
‫يذكرون الذنب أو الجريرة التي اقترفوها بالنسبة لدينهم‪ ،‬يحاولون أن يجدّوا ويسارعوا في أمر‬
‫صالح حتى يَجْبُر ال كسر معصيتهم السابقة بطاعتهم اللحقة‪.‬‬
‫ولذلك تجد كثيرا من الناس الذين يتحمسون للصلح وللخير‪ ،‬هم أناس قد تكون فيهم زاوية من‬
‫زوايا السراف على نفوسهم في شيء‪ ،‬وبعد ذلك يتجهون لعمل الخيرات في مجالت كثيرة جدا‪،‬‬
‫كأن ال يقول لكل منهم‪ :‬أنت اختلست من محارمي شيئا وأنا سآخذك إلى حلئلي‪ ،‬إنه الحق يجعل‬
‫من معصية الفرد السابقة سياطا دائمة تلهب ضميره فيتجه إلى الخير‪ ،‬فيتصدق على الفقراء‪،‬‬
‫وربما كان أهل الطاعة الرتيبة ليس في حياتهم مثل هذه السياط‪.‬‬
‫ولكن الذين أسرفوا على أنفسهم هم الذين تلهبهم تلك السياط‪ ،‬فساعة يرى الواحد منكم إنسانا قد‬
‫سخّر منه ما يفعل به الخير؛‬
‫أسرف على نفسه فليدع ال له بالهداية‪ ،‬واعلم تمام العلم أن ال سيُ َ‬
‫لن أحدا لن يسرق الكون من خالقه أبدا‪ .‬وهذا ينطبق على من قال عنهم ال‪ِ { :‬إلّ الّذِينَ تَابُواْ مِن‬
‫ك وََأصْلَحُواْ } (وأصلحوا) أي عملوا صلحات كثيرة لن حرارة إسرافهم على نفوسهم‬
‫َبعْدِ ذاِل َ‬
‫تلهب ظهورهم دائما‪ ،‬فهم يريدون أن يصنعوا دائما أشياء لحقة تستر انحرافاتهم السابقة وتذهبها‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ { :‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ َب ْعدَ إِيمَا ِنهِمْ ُثمّ ازْدَادُواْ كُفْرا لّن ُتقْ َبلَ َتوْبَ ُتهُمْ‪} ...‬‬

‫(‪)480 /‬‬
‫إِنّ الّذِينَ َكفَرُوا َبعْدَ إِيمَا ِن ِهمْ ثُمّ ا ْزدَادُوا ُكفْرًا لَنْ ُتقْ َبلَ َتوْبَ ُتهُ ْم وَأُولَ ِئكَ ُهمُ الضّالّونَ (‪)90‬‬

‫هذه الية تحدث عن أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم‪ ،‬وازدادوا كفرا‪ ،‬هؤلء ل تقبل توبتهم وهم‬
‫الضالون‪ ،‬وقد جاءت مقابلة للية السابقة‪ ،‬أناس تابوا وأناس لم يتوبوا‪ .‬لكن كيف يزداد الكفر؟ إنه‬
‫قد كفر في ذاته‪ ،‬وبعد ذلك كان عائقا لغيره عن أن يؤمن‪ ،‬وهو ل يكتفي بخيبته‪ ،‬بل يحاول أن‬
‫ينشر خيبته على الخرين‪ ،‬وفي ذلك ازدياد في الكفر والعياذ بال‪ ،‬وهذا القول قد نزل في بعض‬
‫من اليهود الذين آمنوا بالبشارات التي تنبأت بمقدم عيسى عليه السلم‪ ،‬فلما جاء عيسى كفروا به‪،‬‬
‫ولما جاء محمد ازدادوا كفرا‪.‬‬
‫لقد كفروا بعيسى أول‪ ،‬ثم ازدادوا كفرا بمحمد وادعوا انهم أبناء ال وأحباؤه‪ ،‬وهؤلء ليسوا من‬
‫الذين تابوا‪ .‬أو أنهم أعلنوا التوبة باللسان‪ ،‬ولم يتوبوا التوبة النصوح‪ " ،‬والراجع في توبته‬
‫كالمستهزئ بربه "‪ .‬وقانا ال وإياكم هذا المنقلب‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبعد ذلك يقول الحق‪ { :‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ َومَاتُو ْا وَهُمْ ُكفّارٌ فَلَن ُيقْ َبلَ مِنْ َأحَ ِدهِم ّملْ ُء الَ ْرضِ ذَهَبا‬
‫وََلوِ افْ َتدَىا بِهِ‪} ...‬‬

‫(‪)481 /‬‬
‫حدِ ِهمْ ِملْءُ الْأَ ْرضِ ذَهَبًا وََلوِ افْ َتدَى بِهِ أُولَ ِئكَ َلهُمْ‬
‫إِنّ الّذِينَ َكفَرُوا َومَاتُوا وَ ُهمْ ُكفّارٌ فَلَنْ ُيقْبَلَ مِنْ أَ َ‬
‫عَذَابٌ أَلِي ٌم َومَا َلهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (‪)91‬‬

‫لقد كفروا‪ ،‬ولقد يقدر ال لهم أن يتوبوا‪ ،‬فماتوا على الكفر‪ ،‬ويريد ال أن يعطينا حكما خاصا‬
‫بعملهم في الدنيا‪،‬وحكما خاصا بما يتلقونه من عذاب في الخرة‪ ،‬والحكم الخاص بعملهم في الدنيا‬
‫سببه أن لهم اختيارا‪ ،‬والحكم الخاص بما يتلقونه في الخرة من عقاب لنه ل خيار لهم‪ ،‬وهنا‬
‫للعلماء وقفة‪ ،‬فهل ملء الرض ذهبا أنهم أنفقوا في حياتهم ملء الرض ذهبا؟ نقول له‪ :‬ل ينفعك‬
‫هذا النفاق في أعمال الخير لن أعمالك حابطة‪.‬‬
‫هب أن كافرا مات على الكفر وقد أنفق في الخير ملء الرض ذهبا‪ ،‬نقول له‪ :‬هذا النفاق ل‬
‫ينفع‪ ،‬مع الخيانة العظمى وهي الكفر‪ ،‬فما دام غير مؤمن بإله‪ ،‬فهو قد أنفق هذا المال من أجل‬
‫الناس‪ ،‬وصار منفقا على من ل يقدر على أن يجازيه بالخير في الخرة‪ ،‬لذلك فليس له عند ال‬
‫شيء‪ ،‬فالذي يعمل عمل‪ ،‬عليه ان يطلب أجرا ممن عمل له‪ ،‬فهل كان ال في بال ذلك الكافر؟ ل؛‬
‫لنه مات على الكفر‪ ،‬لذلك لو أنفق ملء الرض ذهبا فلن يقبل منه‪ .‬لقد صنع ذلك الخير وفي باله‬
‫الناس‪ ،‬والناس يعطونه حقه من الثناء‪ ،‬سواء كان مخترعا أو محسنا أو غير ذلك‪ ،‬إنه ينال أجره‬
‫من النسانية‪ ،‬وينطبق عليه قول الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬وفعلت ليقال وقد قيل "‪.‬‬
‫كأن ال يقول له‪ :‬لم أكن في بالك فلماذا تطلب مني أجرا في الخرة‪ ،‬لم يكن في بالك أن الملك‬
‫حدِ‬
‫شيْءٌ ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ ِللّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫خفَىا عَلَى اللّهِ مِ ْنهُمْ َ‬
‫ن لَ يَ ْ‬
‫لي‪ ،‬قال سبحانه‪َ {:‬يوْمَ هُم بَارِزُو َ‬
‫ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫وبعض الناس يقول‪ :‬كيف ل ينال ثواب الخرة من ملئوا الدنيا بالكتشافات والبتكارات وخففوا‬
‫بها آلم النسانية؟ ونقول‪ :‬لقد أعطتهم النسانية وخلدت ذكراهم‪ ،‬وأقامت لهم التماثيل والمؤلفات‬
‫والعياد والجوائز‪ ،‬لقد عملوا للناس فأعطاهم الناس‪ ،‬فل بخس في حقوقهم‪ ،‬ذلك أنهم لم يعملوا‬
‫عمَاُلهُمْ‬
‫وفي بالهم ال‪ ،‬وقد صور الحق موقفهم التصوير الرائع فيقول جل شأنه‪ {:‬وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫جدَ اللّهَ عِن َدهُ َف َوفّاهُ حِسَا َب ُه وَاللّهُ‬
‫ج ْدهُ شَيْئا َووَ َ‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا إِذَا جَآ َءهُ َلمْ يَ ِ‬
‫كَسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ يَحْسَ ُبهُ ال ّ‬
‫سَرِيعُ الْحِسَابِ }[النور‪.]39 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنه سراب ناتج عن تخيل الماء في الصحراء يتوهمه السائر العطشان في الصحراء نتيجة‬
‫انعكاسات الضوء‪ ،‬فيظل السائر متجها إلى وهم الماء‪ ،‬إنه يصنع المل لنفسه‪ ،‬فإذا جاءه لم يجده‬
‫شيئا‪ ،‬ويفاجأ بوجود ال‪ ،‬فيندم ويتلقى العذاب‪ ،‬وكذلك لن يقبل منه ملء الرض ذهبا لو أنفقه في‬
‫أي خير في الدنيا‪ ،‬وبعد ذلك لن يقبل ال منه ملء الرض ذهبا‪ ،‬لو افتدى به نفسه في الخرة‪ ،‬إن‬
‫كان سيجد ملء الرض ذهبا وعلى فرض أنه قد وجد ملء الرض ذهبا‪ ،‬فهل يجد من يقبل ذلك‬
‫منه؟ ل‪ ،‬إنّه في الحقيقة لن يجد الذهب؛ لنه في الخرة لم يعد يملك شيئا‪ :‬يقول الحق‪:‬‬
‫{ ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫لفْتَ َدوْاْ بِهِ مِن سُوءِ ا ْلعَذَابِ‬
‫جمِيعا َومِثْلَهُ َمعَ ُه َ‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬وََلوْ أَنّ لِلّذِينَ ظََلمُواْ مَا فِي الَ ْرضِ َ‬
‫َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة وَبَدَا َل ُهمْ مّنَ اللّهِ مَا لَمْ َيكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ }[الزمر‪.]47 :‬‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ َومَا َل ُهمْ مّن نّاصِرِينَ { أي إن لهؤلء عذابا أليما؛ لن كل حدث من‬
‫} ُأوْلَـا ِئكَ َلهُمْ َ‬
‫الحداث إنما يأخذ قوته من قوة فاعله‪ ،‬فإذا كان الحدث التعذيبي منسوبا إلى ال وله مطلق القوة‬
‫والقدرة‪ ،‬لذلك فالعذاب لن يطاق‪ .‬ولن يجد الظالم من يدرأ عنه هذا العذاب‪ .‬لنه لن يجد ناصرا‬
‫له‪ ،‬ولن يجد شفيعا فلن يأتي أحد ويقول‪ :‬إن فلنا يتعذب فهيا بنا ننصره‪ ،‬ل يأتي أحد لينصره‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْنفِقُواْ ِممّا ُتحِبّونَ‪{ ...‬‬

‫(‪)482 /‬‬
‫شيْءٍ فَإِنّ اللّهَ ِبهِ عَلِيمٌ (‪)92‬‬
‫لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتّى تُ ْنفِقُوا ِممّا ُتحِبّونَ َومَا تُ ْن ِفقُوا مِنْ َ‬

‫وتؤدي كل مادة الباء والراء المضعفة إلى معنى " السعة " ‪ ،‬فـ " البَرّ " أي الواسع والبَرّ أي‬
‫الرض المتسعة ومقابله " البحر " وإن قال قائل‪ " :‬إن البحر أوسع من البر‪ ،‬لن حجم القارات‬
‫ليس في حجم البحار والمحيطات التي تفصل بينها‪ " :‬نقول لمثل هذا القائل " ل‪ ،‬إن حركتك في‬
‫البر ‪ -‬الرض ‪ -‬موسعة‪ ،‬وحركتك في البحر مضيقة؛ لنك ل تتحرك في البحر إل على شكل‬
‫خاص‪،‬إما أن تتحرك بسفينة أو حتى على لوح من الخشب‪ ،‬أما حركتك في البر ‪-‬الرض‪ -‬فأنت‬
‫تمشي أو تركب‪ ،‬تذهب أو تجيء‪ ،‬فمجالك في البر متسع عن مجالك في البحر‪.‬‬
‫و " البِ ّر " هو التقوى‪ ،‬والطاعة‪ ،‬أو هو " الجنة " وكلها معان ملتقية‪ ،‬لنها تؤدي إلى السعة‪،‬‬
‫فالطاعة تؤدي إلى السعة‪ ،‬وكذلك التقوى‪ ،‬وكذلك الجنة‪ ،‬كلها ملتقية؛ لن كلها سعة‪ ،‬فأحدهم أخذ‬
‫معنى الكلمة من مرحلتها الولى أي بالسبب وهو الطاعة‪ ،‬وبعضهم أخذها من المرحلة الخيرة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي بالمسبب وهو الجنة‪ ،‬وقد يسأل سائل‪ ،‬لماذا أراد ال أن يجيء بحديث عن النفقة بعد الحديث‬
‫عن تعذيب الكفار؟ ونقول‪ :‬إن الحق حين يتكلم عمن يصيبه العذاب الليم لنه كفر ومات كافرا‪،‬‬
‫وماله من ناصرين فإن المقابل يأتي إلى الذهن‪ ،‬وهو من آمن وعمل صالحا‪ ،‬ومات على إيمانه‪،‬‬
‫فله عكس العذاب الليم وهو النعيم‪ ،‬وسيجد من يأخذ بيده‪ ،‬بينما الكافر لن يجد ناصرين له‪ .‬إن‬
‫المؤمن سيجد جزاء ال على الطاعة وهي البر؛ لن البر هو كل خير‪ ،‬وإن جاء اطلقه فإنه‬
‫ينصرف إلى الجزاء من ال وقمته هو الجنة‪.‬‬
‫وهكذا نرى المقابل لمعاملة الحق للكفار وهو معاملة الحق للمؤمنين‪ ،‬لقد جاء هذا القول في القرآن‬
‫وهو كلم ال المعجز‪ ،‬وحين يخاطب سبحانه المكلفين بالمنهج‪ .‬فهو يخاطب بكلمه ملكات إنسانية‬
‫خلقها هو‪ ،‬إذن فل بد أن يغذي هذا الكلم كل الملكات المخلوقة ل‪ ،‬فلو كان الخالق للملكات غير‬
‫المتكلم لكان من الممكن أل ينسجم الكلم مع الملكات‪ ،‬ولكن الكلم هنا ل الذي خلق‪ ،‬لذلك ل بد‬
‫أن تنسجم الملكات مع كلم ال‪.‬‬
‫وفي النفس النسانية ملكات متعددة‪ ،‬وهذه الملكات المتعددة متشابكة تشابكا دقيقا فتستطيع حين‬
‫تخاطب ملكة سمعية أن تحرك مواجيد وجدانية‪ ،‬فإن لم يكن العالم بالملكات عليما بها لما أمكن أن‬
‫يجيء المنطق موافقا لملكة سمعية‪ ،‬وموافقا لملكات وجدانية قد تتأتى بها طبيعة تداعى المعاني‪.‬‬
‫و " تداعى المعاني " هو الخاصية الموجودة في النسان‪ ،‬ومعنى " تداعى المعاني " أن النسان‬
‫يستقبل معنى من المعاني فيشير ذلك المعنى إلى معان خبيئة يستدعيها لتحضر في الذهن‪ ،‬فمثل‬
‫حين ترى إنسانا تعرفه‪.‬‬
‫فإن تداعى المعاني يعطيك تاريخك معه وتاريخه معك‪ ،‬ويصور بخاطرك أيضا صورا عن أهله‬
‫وأصدقائه‪ ،‬ومعارفه‪ ،‬ويأتي لك تداعى المعاني بالحداث التي كانت بينك وبينه أو شاهدتها أنت‬
‫وهذا هو ما نسميه " تداعى المعاني " أي أن المعنى يدعو المعنى‪.‬‬
‫وحين يخاطب ال سبحانه وتعالى النسان‪ ،‬فإنه يخاطب كل ملكة فيه في آن واحد‪ ،‬حتى ل تأخذ‬
‫ملكة غذاءها‪ ،‬دون ملكة أخرى ل تجد لها غذاء إن كلم ال جاء مستوفيا وكافيا لكل الملكات‪،‬‬
‫ومثال ذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يمنع المشركين من أن يطوفوا بالبيت‪ ،‬وكان‬
‫المشركون قبل تحريم ال لطوافهم‪ ،‬يطوفون بالبيت‪ ،‬ويأتون من أماكن سحيقة بعيدة ليطوفوا في‬
‫موسم الحج‪ ،‬وكانوا يأتون بأموالهم لينفقوها على أهل مكة‪ ،‬ويشتروا كل شيء يلزمهم منها‪،‬‬
‫فموسم الحج كان موسما اقتصاديا‪ .‬وحين يريد ال أن يمنع المشركين من الحج فهو يخاطب‬
‫المسلمين المقيمين بمكة حتى يحولوا بين المشركين وبين الطواف‪ ،‬وهو سبحانه قد علم ‪ -‬وهو‬
‫العليم ‪-‬بما خلق من ملكات‪ ،‬يعلم سبحانه أن ملكة أخرى ستتدخل في هذا الوقت‪ ،‬فيقول‪ {:‬ياأَ ّيهَا‬
‫سجِدَ الْحَرَامَ َبعْدَ عَا ِمهِمْ هَـاذَا }[التوبة‪.]28 :‬‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ إِ ّنمَا ا ْلمُشْ ِركُونَ نَجَسٌ فَلَ َيقْرَبُواْ ا ْلمَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعندما ينزل هذا الحكم فل بد أن تتحرك ملكات في النفس النسانية‪ ،‬والحق قد علم أزل أن ملكة‬
‫النفعية القتصادية عند أهل مكة ستتحرك عند سماع هذا الحكم‪ ،‬بمعنى أن بعضا من المسلمين‬
‫المقيمين بمكة وقت نزول هذا الحكم قد يقولون‪ " :‬وإذا كنا نمنع المشركين الذين يفدون علينا‬
‫بالموال ليشتروا بضائعنا وموسمهم القتصادي هو الذي يعولنا طيلة العام فماذا نصنع إذن؟ إن‬
‫ال يعلم أنه عند نزول حكم بتحريم البيت على المشركين أن يقربوه فل بد أن تتحرك في النفس‬
‫س ْوفَ‬
‫خفْتُمْ عَيَْلةً فَ َ‬
‫النسانية تلك الملكية النفعية‪ ،‬فيقول ‪ -‬سبحانه ‪ -‬عقب ذلك مباشرة‪ {:‬وَإِنْ ِ‬
‫حكِيمٌ }[التوبة‪.]28 :‬‬
‫ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ إِن شَآءَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ َ‬
‫الخوف من العيلة‪ ،‬أي الخوف من الفقر‪ ،‬وتلك هي عظيمة الكلم اللهي لن رَبّا يتكلم إن النسان‬
‫حينما يتكلم قد تفوته معان كثيرة‪ ،‬وبعد ذلك قد تحدث ضجة وبلبلة وثورة بين الناس‪ ،‬لكن الحق‬
‫جدَ ا ْلحَرَامَ َبعْدَ عَا ِمهِمْ هَـاذَا { ويتبع‬
‫العلى عندما يقول‪ } :‬إِ ّنمَا ا ْل ُمشْ ِركُونَ َنجَسٌ فَلَ َيقْرَبُواْ ا ْلمَسْ ِ‬
‫س ْوفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ { وقد فعل وجبي الحق‬
‫خفْتُمْ عَيَْلةً فَ َ‬
‫ذلك فورا بقوله المطمئن‪ } :‬وَإِنْ ِ‬
‫وجلب إلى البيت الحرام ثمرات كل شيء‪ ،‬وكأنه يقول لنا‪ :‬ل تعتقدوا أن هذه الثمرات قادمة عن‬
‫طريق التطوع ولكنها رزق من لدنا‪ ،‬كما جاء في قوله الحق‪َ {:‬وقَالُواْ إِن نّتّبِعِ ا ْلهُدَىا َم َعكَ‬
‫شيْءٍ رّزْقا مّن لّدُنّا وَلَـاكِنّ‬
‫طفْ مِنْ أَ ْرضِنَآ َأوَلَمْ ُن َمكّن ّلهُمْ حَرَما آمِنا ُيجْبَىا إِلَيْهِ َثمَرَاتُ ُكلّ َ‬
‫خّ‬
‫نُتَ َ‬
‫َأكْثَرَهُ ْم لَ َيعَْلمُونَ }‬
‫[القصص‪.]57 :‬‬
‫أي أنه ليست هناك حرية لحد أن يعطي أهل البيت الحرام أو ل يعطي‪ ،‬إنها جباية‪ ،‬لطمأنة‬
‫الملكية التفعية في النفس‪ ،‬وهو سبحانه يعطي المان القتصادي الذي يترتب عليه قوام الحياة‪،‬‬
‫وعندما نمعن النظر في آيات القرآن نجد أن هناك آية قد تتقدم وآية قد تتأخر‪ ،‬وآية قد تأتي في‬
‫الوسط‪ ،‬ونجد أن الية الوسطى‪ ،‬مرتبطة بتداعي المعاني بالية التي قبلها‪ ،‬ومرتبطة بتداعي‬
‫المعاني بالية التي بعدها‪ ،‬ولذلك لترتوي وتتغذى كل ملكات النسان فل يأتي أمر يوحي بأن‬
‫سهِمْ َل ْولَ ُي َعذّبُنَا‬
‫هناك ما ينقص النفس البشرية‪ ،‬لنتأمل مثال لذلك وهو قول الحق‪ {:‬وَ َيقُولُونَ فِي أَنفُ ِ‬
‫جهَنّمُ َيصَْلوْنَهَا فَبِئْسَ ا ْل َمصِيرُ }[المجادلة‪.]8 :‬‬
‫اللّهُ ِبمَا َنقُولُ حَسْ ُب ُهمْ َ‬
‫إن المشركين لم يقولوا لحد‪ " :‬إنما قالوا لنفسهم " ‪ ،‬ويكشفهم الحق سبحانه العليم في أخفى‬
‫خباياهم‪ ،‬ويُظهر ما في أنفسهم‪ ،‬وهو العليم بكل خفايا عباده والكاشف لكل الملكات النفسية في‬
‫شيْءٍ فَإِنّ‬
‫ن َومَا تُ ْنفِقُواْ مِن َ‬
‫خلقه‪ .‬وحين يقول الحق سبحانه‪ } :‬لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْنفِقُواْ ِممّا تُحِبّو َ‬
‫اللّهَ ِبهِ عَلِيمٌ {‪ .‬فإن الية تحريض على النفاق‪ ،‬وجاءت بعد آية تفيد أن هناك إنفاقا ل يقبله ال‬
‫في قوله سبحانه‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ َومَاتُو ْا وَهُمْ ُكفّارٌ فَلَن ُيقْ َبلَ مِنْ َأحَ ِدهِم ّملْ ُء الَ ْرضِ ذَهَبا وََلوِ‬
‫افْتَدَىا بِهِ ُأوْلَـا ِئكَ َل ُهمْ عَذَابٌ أَلِي ٌم َومَا َلهُمْ مّن نّاصِرِينَ }[آل عمران‪.]91 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فهناك لون من النفقة يرفضه ال‪ ،‬وتداعى المعاني في النفس النسانية قد يجعل النسان يسأل‬
‫" ما هي إذن النفقة المقبولة؟ " لذلك كان ل بد وأن يأتي قوله تعالى‪ } :‬لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْنفِقُواْ‬
‫ِممّا تُحِبّونَ { فإذا كانت هناك نفقة مردودة فهناك أيضا نفقة مقبولة‪ ،‬وهكذا نرى الية التي تحرص‬
‫على النفاق منسجمة مع ما قبلها‪ } .‬لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْن ِفقُواْ ِممّا تُحِبّونَ { ‪ ،‬قد يسأل سائل‪،‬‬
‫ولماذا ل ينال النسان البر إل بعد ان ينفق مما يحب؟ وله أن يعرف أن طبيعة النفس النسانية‬
‫س َمعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْ ِفقُواْ خَيْرا‬
‫طعْ ُت ْم وَا ْ‬
‫هي " الشح " ولهذا جاء في القرآن الكريم‪ {:‬فَا ّتقُواْ اللّهَ مَا اسْتَ َ‬
‫سكُمْ َومَن يُوقَ شُحّ َنفْسِهِ فَُأوْلَـا ِئكَ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ }[التغابن‪.]16 :‬‬
‫لَنفُ ِ‬
‫وشح النفس يأتي لن النسان ل يأمن أبدا أن يأتيه العجز من بعد القدرة‪ ،‬لذلك فإنه يحاول إن كان‬
‫يملك شيئا أن يؤمن العجز المتوهم‪ ،‬فيحافظ على ما عنده من حاجات‪ ،‬ومن هنا جاءت الحيازة‬
‫والملكية ولم تنشأ هذه الشياء من أول الخلق‪ ،‬وإنما نشأت من يوم أن ضاقت المكنة ال ُمعْطية‬
‫دون الحاجات‪ ،‬فحين تكون المكنة المعطية تسع الحاجات فل داعي لهذا العجز المتوهم‪.‬‬
‫لنفترض أن رجل اشترى صندوقا من البرتقال‪ ،‬ودخل منزله وعندما يحتاج ابن هذا الرجل‬
‫لبرتقالة أو اثنتين فإنه يأخذ ما يريد‪ ،‬لكن لو أحضر الرجل قليل من البرتقال فإن زوج الرجل‬
‫تكون حريصة على أن تقسم البرتقال بين الولد حتى ل تترك كل ابن على سجيته بما قد يحرم‬
‫الخرين‪.‬‬
‫وهكذا كان المر في بدء استخلف ال للنسان في الرض‪ ،‬فمن أراد الرض اخذ‪ ،‬ومن أراد‬
‫أكل الثمار فهي أمامه‪ ،‬وعندما قلت مُعطيات الحاجات وذلك بضيق المكنة المعطية بدأت في‬
‫الظهور الرغبة في الملكية‪ ،‬وامتياز الشياء‪ ،‬والحق سبحانه يلفتنا في هذه المسألة وكأنه يقول لنا‪:‬‬
‫إن النفقة لو نظرت إليها نظرة واقعية حقيقية لوجدت أنك أيها العبد مضارب ل في خير ال‪.‬‬
‫ومعنى " مضارب " أي أنك تعمل عند ال بالعقل الذي خلقه لك‪ ،‬وتخطط به‪ ،‬وتعمل عند ال‬
‫بالطاقة التي خلقها ال‪ ،‬والمادة التي خلقها ال لك تنفعل معها فماذا لك أنت؟‬
‫إن كل شيء ل‪ ،‬وأنت مجرد مضارب ل تملك شيئا وما دمت مضاربا أيها العبد‪ ،‬فإعط ل حقه‪،‬‬
‫وحق ال ل يأخذه هو؛ فهو أغنى الغنياء‪ ،‬إن حق ال يأخذه أخوك غير القادر الذي ل يستطيع‬
‫أن يتفاعل مع المادة‪ ،‬ول تظن أيها العبد أن ال حين طلب منك النفقة مما تحب أنه ‪ -‬جل شأنه ‪-‬‬
‫قد استكثر عليك ما طلب منك أن تنفقه‪ ،‬إنه ساعة يأخذ منك لخيك وأنت قادر‪ ،‬إنما يطمئنك أنك‬
‫إن عجزت فسيأخذ لك من القادرين ذلك هو التأمين في يد ال‪.‬‬
‫إن الحق يريد أن يحببنا في أن ننفق‪ ،‬لكن النسان يحاول أن ينفق مما ل يحب‪ ،‬فيهدي النسان‬
‫الثوب الذي لم يعد صالحا للستعمال يعطيه لفقير‪ ،‬أو يعطي الحذاء المستهلك لواحد محتاج‪ .‬لكن‬
‫ال يأمرنا بأن ننفق مما نحب لذلك انفعل صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم حينما سمعوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا النص‪ } :‬لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْن ِفقُواْ ِممّا ُتحِبّونَ { هذا أبو طلحة حينما يسمعها يقول‪ :‬يا رسول‬
‫ال‪ ،‬إن أحب مالي إليّ هو " بيرحاء " فأنا أخرجه في سبيل ال‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ :‬اجعله في أقاربك‪ ،‬فجعله في أقاربه‪ ،‬وهذا زيد بن حارثة يسمع الية الكريمة فينفعل بها‬
‫كذلك‪ ،‬وكان عنده فرس اسمه " سَبَل " وكان يحبه‪ ،‬فيقول‪ :‬يا رسول ال أنت تعلم حبي لفرسي‪،‬‬
‫وأنا أجعله في سبيل ال فأخذه منه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وجاء بأسامة بن زيد وأركبه‬
‫الفرس قال زيد‪ " :‬فوجدت في نفس " أي أنه حزن‪ ،‬وقال زيد‪ :‬يا رسول ال أنا أردت أن أجعل‬
‫الفرس في سبيل ال وأنت تعطي الفرس ل بني ليركبه‪ .‬فقال رسول ال لزيد‪ " :‬أمَا إنّ ال قبله‬
‫منك "‪.‬‬
‫وبعد ذلك ينفعل سيدنا أبو ذر رضي ال عنه وكان عنده إبل‪ ،‬والبل لها فحل يلقح إناث البل‪،‬‬
‫وكان هذا الفحل أحب مال أبي ذر إليه وجاء ضيف إلى أبي ذر‪ ,‬فقال له‪ :‬إني مشغول‪ ،‬فاخرج‬
‫إلى إبلي فاختر خيرها لنذبحه لضيافتك‪ .‬فخرج الضيف‪ ،‬ثم عاد وفي يده ناقة مهزولة‪ ،‬فلما رآها‬
‫أبو ذر قال‪ :‬خنتني‪ ،‬قلت لك هات خير البل‪ ،‬قال الضيف‪ :‬يا أبا ذر لقد رأيت خيرها فحل لك‬
‫وقدرت يوم حاجتكم إليه‪ .‬فقال أبو ذر‪ :‬إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي‪.‬‬
‫إن الصحابي الجليل أبا ذر يعرف أن يوم أن يوضع في الحفرة هو اليوم الجليل الذي يستحق من‬
‫المرء أن يستعد له‪.‬‬
‫وسيدنا ابن عمر كان عنده جارية جميلة من فارس‪ ،‬وكان يحبها‪ ،‬فلما سمع الية‪ ،‬قال‪ :‬ليس عندي‬
‫أحب إليّ من هذه الجارية‪ ،‬وأعتقها‪ ،‬وكان من الممكن أن يتزوجها بعد أن أعتقها لكنه قال‪ :‬لول‬
‫أن ذلك يقدح في عتقها لتزوجتها‪ .‬وسيدنا أبو ذر رضي ال عنه يعطينا في مسألة النفاق درسا‬
‫من أروع الدروس المستوعبة للملكة النفسية‪ ،‬فيقول‪ :‬في المال شركاء ثلثة‪ :‬القَدَر ل يستأمرك أن‬
‫يذهب بخيره وشره من هلك أو موت‪ .‬أي أن القدر ل يستأذن عبدا في أن يذهب بالمال حيث‬
‫يريد‪ ،‬فتأتي أي مصيبة فتأخذ المال إلى هلك أو موت‪ .‬هذا هو الشريك الول في المال‪ ،‬إنه القَدَر‪.‬‬
‫والشريك الثاني في المال يوضحه لنا أبو ذر فيقول‪ :‬إنّه الوارث‪ ،‬ينتظرك إلى أن تضع رأسك‪ ،‬ثم‬
‫يستاقها وأنت قد سلبت بالموت كل ما تملك في الدنيا وأصبحت من غير أهلها‪ .‬إن الوارث يقول‬
‫لنفسه‪ " :‬فلستمتع بما ترك لي " ‪ ،‬وهذا هو الشريك الثاني في المال‪.‬‬
‫ويوضح لنا أبو ذر رضي ال عنه الشريك الثالث في المال فيقول‪ :‬والثالث أنت‪ ،‬فإن استطعت أل‬
‫تكون أعجز الثلثة فل تكن أعجزها‪ ،‬أي إياك أن يغلبك على المال القدر أو الوارث‪ ،‬ينبغي عليك‬
‫أن تغلب بإنفاق المال في سبيل ال وإل أخذه منك باقي الشركاء‪.‬‬
‫إذن لقد انفعل صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم بالية حينما نزلت حتى عدا الخير المحبوب‬
‫منهم إلى غيرهم‪ ،‬وكان جزاء ذلك الجنة‪ .‬لقد عرفوا قول الحق‪ } :‬لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْن ِفقُواْ ِممّا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تُحِبّونَ { أي الجنة المترتبة على الطاعة أو التقوى‪ ،‬أو سعة البركة أو سعة القوة‪ ،‬وكلها معان‬
‫ملتقية‪ ،‬ولذلك يقول ال في الحديث القدسي‪ " :‬قد كان العباد يكافِئون في الدنيا بالمعروف وأنا اليوم‬
‫أكافئ بالجنة "‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه الذي يعطي البر ثمنا لنفقة مما تحب يعلم هل أنفقت مما تحب فعل أو تيممت‬
‫الخبيث لتنفق منه‪ ،‬فإياك أيها المؤمن أن تخدع نفسك في هذا المر‪ ،‬لن الذي البر ثمنا لنفقه مما‬
‫شيْءٍ فَإِنّ اللّهَ ِبهِ عَلِيمٌ {‪.‬‬
‫تحب يعلم خبايا النفس‪ ،‬لذلك يقول سبحانه‪َ } :‬ومَا تُ ْن ِفقُواْ مِن َ‬
‫وعلم ال شامل‪ ،‬إنه يعلم ما في نيتك‪ ،‬وكيف أنفقت‪.‬‬
‫ولقد بين الحق سبحانه النفقة المرفوضة حتى ولو كانت ملء الرض ذهبا‪ ،‬ثم أوضح لنا أن هناك‬
‫نفقة مقبولة وجزاؤها الجنة‪ ،‬وبذلك نرى التقابل بين النفقتين ولماذا جاء هذا الحديث؟ لقد كذب‬
‫بعض أهل الكتاب رسول ال صلى ال عليه وسلم في مستهل أمر الدعوة وكذبوا البشارة به‪،‬‬
‫والنعت والبشارة جاءا في التوراة والنجيل‪ ،‬وأنكروا الوصاف التي ُذكِرت في كتبهم‪ .‬حدث ذلك‬
‫مع أنهم قد تورطوا من قبل في إعلن البشارة به } َوكَانُواْ مِن قَ ْبلُ َيسْ َتفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ‬
‫فََلمّا جَآءَهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ {‪.‬‬
‫لقد أراد ال أن يفضحهم في التوراة التي يعتقدون أنها كتابهم وقد حرفوا بعض أحكام ال‪ ،‬وظنوا‬
‫أن هذه التحريفات ستظل مستورة‪ ،‬لذلك جاء لهم بأحداث ولم ينتبهوا إليها لتقوم الحجة على أنهم‬
‫قاموا بتحريف التوراة مثلما قلنا من قبل عن الخيبرية التي ارتكبت فاحشة الزنا‪ ،‬وأراد رؤساء‬
‫اليهود أن يخففوا العقوبة عنها‪ ،‬لن العقوبة الواردة في التوراة على جريمة الزني هي الرجم وقال‬
‫هؤلء الرؤساء‪ " :‬نذهب إلى محمد‪ ،‬لعل لديه حكما مخففا " فلما ذهبوا إلى رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وضح لهم أنه الرجم‪ .‬فقالوا‪ :‬ل‪ ،‬إنك لم تنصف في حكمك‪ .‬فبين رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم لهم إنه يرضى بحكم التوراة التي عندكم وجيء بالتوراة وأمرهم الرسول أن يقرأوا‬
‫فلما جاءوا إلى آية الرجم أرادوا أن يغفلوها فقال ابن سلم‪ :‬إنهم يا رسول ال قد وثبوا وأغفلوا‬
‫الية‪.‬‬
‫وهكذا انتبه الجميع إلى أن رؤساء اليهود أرادوا ان يتخطوا حكما ل موجودا عندهم وأرادوا أن‬
‫ينكروه‪ ،‬كما فعلوا وأحدثوا في وصف النبي عليه الصلة والسلم ومحوا هذا الوصف‪ ،‬ولم يتركوا‬
‫له أثرا‪ ،‬لكن ال انساهم بعض الشياء لتكون بينة وآية على رسالة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ .‬وعندما أحل الرسول صلى ال عليه وسلم البل وألبانها‪ ،‬قالوا‪ :‬هذه محرمة من أيام إبراهيم‬
‫ومن قبله من أيام نوح‪ ،‬ول يمكن أن نقبل تحليلها‪ ،‬فوضح النبي صلى ال عليه وسلم لهم أنها‬
‫ليست محرمة‪ ،‬ال أحلها‪.‬‬
‫وكان يجب أن يفهموا أن البل وألبانها حتى وإن كانت محرمة من قبل إل أن رسول قد جاء من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عند ال بتشريع له أن ينسخ ما قبله مع أنّ البل وألبانها لم تكن محرمة‪ ،‬لذلك أمر رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم بأن يحتكم إلى التوراة‪ .‬وهذه هي العظمة النورانية المحمدية‪ ،‬فل يمكن أن‬
‫يقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬نحتكم إلى التوراة " إل وهو واثق أن التوراة إنما تأتي بالحكم الذي‬
‫يؤيد ما يقول‪ ،‬مع أنه ل يقرأ ول يكتب‪ .‬ويحضرون التوراة‪ ،‬فيجدون الكلم مطابقا لما قال رسول‬
‫طعَامِ كَانَ حِـلّ لّبَنِي إِسْرَائِيلَ ِإلّ مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم لذلك قال ال‪ُ } :‬كلّ ال ّ‬
‫عَلَىا َنفْسِهِ‪{ ...‬‬

‫(‪)483 /‬‬
‫طعَامِ كَانَ حِلّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ِإلّا مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى َنفْسِهِ مِنْ قَ ْبلِ أَنْ تُنَ ّزلَ ال ّتوْرَاةُ ُقلْ فَأْتُوا‬
‫ُكلّ ال ّ‬
‫بِال ّتوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُ ْم صَا ِدقِينَ (‪)93‬‬

‫وحين يحرم نبي ال يعقوب ‪ -‬إسرائيل ‪ -‬طعاما ما‪ ،‬فهو حر؛ فقد يحرم على نفسه طعاما كنذر‪،‬‬
‫أو كوسيلة علج أو زهادة‪ ،‬لكن ال لم يحرم عليه شيئا‪ ،‬وما تحتجون به أيها اليهود إنما هو‬
‫طعَامِ كَانَ حِـلّ لّبَنِي ِإسْرَائِيلَ ِإلّ مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىا َنفْسِهِ }‬
‫خصوصية لسيدنا يعقوب { ُكلّ ال ّ‬
‫فلماذا تقولون‪ :‬إن البل وألبانها كانت محرمة؟‬
‫لقد فعلوا ذلك لنهم أرادوا أن يستروا على أنفسهم نقيصة ل يحبون أن يُفضحوا بها‪ ،‬وتلك هي‬
‫ظفُ ٍر َومِنَ الْ َبقَرِ‬
‫النقيصة التي كشفها القرآن بالقول الكريم‪ {:‬وَعَلَى الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا ُكلّ ذِي ُ‬
‫حوَايَآ َأوْ مَا اخْ َتلَطَ ِب َعظْمٍ ذاِلكَ جَزَيْنَاهُم‬
‫ظهُورُ ُهمَا َأوِ الْ َ‬
‫حمََلتْ ُ‬
‫شحُو َمهُمَآ ِإلّ مَا َ‬
‫علَ ْيهِمْ ُ‬
‫وَا ْلغَنَمِ حَ ّرمْنَا َ‬
‫بِ َبغْ ِيهِ ْم وِإِنّا َلصَا ِدقُونَ }[النعام‪]146 :‬‬
‫إذن فهناك أشياء قد حُرمت على اليهود لنهم ظلموا‪ ،‬وهذه الية الكريمة هي التي أوضحت أن‬
‫ظفُر } أي القدم التي تكون اصابعها‬
‫الحق قد حرم عليهم هذه الطعمة لظلمهم‪ .‬ومعنى‪ُ { :‬كلّ ذِي ُ‬
‫مندمجة ومتصلة‪ ،‬فليست الصابع منفصلة‪ ،‬ونجدها في البل والنعام والوز‪ ،‬والبط‪ ،‬وهذه كلها‬
‫ظهُورُ ُهمَا } يعني الشحم الذي على الظهر‪ .‬أما " الحوايا " فهي‬
‫حمََلتْ ُ‬
‫تسمى ذوات الظفر { ِإلّ مَا َ‬
‫الدهون التي في المعاء الغليظة { َأوْ مَا اخْتََلطَ ِبعَظْمٍ }‪ .‬أي الشحم الذي يختلط بالعظم إن التحريم‬
‫هنا لم يكن لن هذه الشياء ضارة‪ ،‬ولكن التحريم إنما كان عقابا لهم على ظلمهم لنفسهم وبغيهم‬
‫على غيرهم‪.‬‬
‫وأقول ذلك حتى ل يقول كل راغب في النفلت من حكم ال ما الضرر في تحريم المر الفلني؟‬
‫إن محاولة البحث عن الضرر فيما حرمه ال هي رغبة في النفلت عن حكم ال‪ .‬فالتحريم قد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يأتي أدبا وتأديبا‪ ،‬ونحن على المستوى البشرى ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬يمنع النسان منا "‬
‫المصروف " عن ابنه تأديبا‪ ،‬أو يمنع عنه الحلوى‪ ،‬لن البن خرج عن طاعة أمه‪ ،‬إذن كان‬
‫التحريم جزاءً لهم وعقابا قال تعالى‪ {:‬فَبِظُ ْلمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ ُأحِّلتْ َلهُمْ‬
‫طلِ وَأَعْ َتدْنَا‬
‫وَ ِبصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرا * وَأَخْ ِذهِمُ الرّبَا َوقَدْ ُنهُواْ عَ ْن ُه وََأكِْلهِمْ َأ ْموَالَ النّاسِ بِالْبَا ِ‬
‫لِ ْلكَافِرِينَ مِ ْنهُمْ عَذَابا أَلِيما }[النساء‪]161-160 :‬‬
‫وذلك هو الجزاء الذي أراده ال عليهم‪.‬‬
‫إن التشريع السماوي حينما يأتي لظالم يخرج عن منهج ال فكأنه يقول له ما هو القصد من‬
‫خروجه عن منهج ال؟ لماذا يظلم؟ لماذا يأخذ الربا؟ لماذا يصد عن سبيل ال؟ لماذا يأكل أموال‬
‫الناس بالباطل؟ إن الظالم يفعل ذلك حتى يمتع نفسه بشيء أكثر من حقه‪ ،‬لذلك يأتي التشريع‬
‫السماوي ليفوت عليه حظ المتعة‪ ،‬وكان هذا الحظ من المتعة حقا وحلّ له‪ ،‬لكن التشريع يحرمه‪.‬‬
‫ومثال ذلك القاتل يحرم من ميراث من يقتله؟ لن القاتل استعجل ما أخره ال‪ ,‬وأراد أن يجعل‬
‫لنفسه المتعة بالميراث‪ ،‬فارتكب جريمة قتل‪ ،‬لذلك يأتي التشريع ليحرمة من الميراث‪.‬‬
‫كأن التشريع يقول له‪ " :‬ما دامت نيتك هكذا فأنت محروم من الميراث " والتشريع حين وضع ذلك‬
‫إنما حمى كل مورث‪ ,‬وإل لكان كل مورث عرضة لتعدى ورثته عليه بالقتل لينتقل إليهم ما يملك‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ل‪ .‬نحرمة من الميراث وكذلك هنا نجد الظلم بأنواعه المختلفة‪ ،‬الظلم بإنكار الحق‪ ,‬والصد‬
‫عن سبيل ال‪ ،‬وأخذ الربا‪ ،‬وأكل أموال الناس بالباطل‪ ،‬وما دام اليهود قد أدخلوا على أنفسهم أشياء‬
‫ليست لهم فالتشريع يسلب منهم أشياء كانت حقا لهم‪.‬‬
‫وكان اليهود في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم يرغبون أل يُشاع عنهم هذا المر فقالوا‪ :‬إن‬
‫هذا الطعام محرم على بني إسرائيل‪ .‬وبعد ذلك وجد رسول ال صلى ال عليه وسلم أن هذا اللون‬
‫من الطعام حلل في التوراة‪ ،‬فكشف رسول ال صلى ال عليه وسلم هذا المر الذي فضحهم‪.‬‬
‫ولماذا تجيء هذه الية بعد قوله الحق في الية السابقة‪ } :‬لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْن ِفقُواْ ِممّا ُتحِبّونَ‬
‫{؟ ونحن نعرف أن آية } لَن تَنَالُواْ الْبِرّ { قد جاءت بعد آية توضح النفقة غير المقبولة من ال‪.‬‬
‫ولنذكر ما قلناه أول‪ ،‬عن تداعي المعاني في الملكات النسانية‪ :‬إن في النفس النسانية ملكة‬
‫طعَامِ كَانَ حِـلّ لّبَنِي إِسْرَائِيلَ { فالذين‬
‫تستقبل‪ ،‬فتتحرك ملكة أخرى‪ ،‬وحين يقول الحق‪ُ } :‬كلّ ال ّ‬
‫يسمعون هذا سينفعلون انفعالت مختلفة‪ ،‬فالشبعان من الناس لن يلتفت إلى هذه المسألة بانتباه‬
‫بالغ‪ ،‬ومن عنده بعض الطعام فإن نفسه قد تتحرك إلى ألوان أخرى من الطعام‪ ،‬أما من ليس عنده‬
‫طعام فلسوف يلتفت بانتباه شديد ليتعرف على الحلل من الطعام والحرام منه‪.‬‬
‫إذن فقبل أن يأتي ال بالحكم الذي يحلل ويحرم‪ ،‬هذا الحكم الذي يثير عند الجائع شجن الفتقار‬
‫وشجن ذكر الطعام الذي يسيل له لعابه‪ ،‬إن الحق قبل أن يحرك معدما على غير موجود معه‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإنه يحرك معطيا على موجود معه‪ ،‬لذلك فقبل أن يأتي الحق سبحانه ويذكر الطعام‪ ،‬وقبل أن‬
‫يُقلب المر على النفس النسانية التي ل تجد طعاما‪ ،‬نجد الرسول قد نطق قبلها بما أنزله عليه‬
‫الحق } لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْنفِقُواْ ِممّا ُتحِبّونَ {‪ .‬فبتداعي المعاني في النفس النسانية يكون ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬قد حرك ملكة واجدة ومالكة قبل أن يحرك ملكة معدمة‪ .‬وهكذا يكون التوازن الذي‬
‫أراده ال في الكون المخلوق له‪.‬‬
‫ضلّ رَبّي وَلَ يَنسَى‪ { ،‬إن كل شيء في‬
‫إنه رب يحكم كونه‪ ،‬فل ينسى شيئا ويذكر شيئا‪ } .‬لّ َي ِ‬
‫علمه كما قَدّره وهو الخلق القدير العليم‪ ،‬وهو ل يذكر بعضا من الخلق‪ ،‬وينسى بعضا آخر‪ ،‬فهو‬
‫قد كتب العدم لحكمة‪ ،‬وأعطى النعمة لحكمة‪.‬‬
‫لقد جعل الفقير عبرة‪ ،‬ولكنه لم يتركه‪ ،‬وذلك حتى يرى كل إنسان أن القدرة على الكسب ليست إل‬
‫عرضا زائل‪ ،‬فمن الممكن أن يصبح القادر الن عاجزا بعد دقائق أو ساعات‪ ،‬ومن الممكن أن‬
‫يصبح القوي ضعيفا‪ ،‬فإذا ما علم القوى أو القادر ذلك فإنه يتحرك إلى إعطاء الخرين؛ حتى‬
‫يضمن لنفسه التأمين اللهي لو صار ضعيفا‪ ،‬فيعطيه القوياء‪ ،‬فعندما يأمر ال القوياء بأن يعطوا‬
‫وينفقوا فإن عليهم إن يستجيبوا؛ لن الواحد منهم لو صار ضعيفا فسوف يأخذ‪.‬‬
‫إذن فقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْنفِقُواْ ِممّا تُحِبّونَ { هذا القول قد خدم‬
‫قضية سبقتها‪ ،‬وهي أنه لن يقبل من أحدهم ملء الرض ذهبا ولو افتدى به‪ ،‬ما دام كافرا‪ ،‬إنها‬
‫نفقة مرفوضة ل اعتبار لها‪ ،‬إنها هدر‪ .‬ويأتي من بعد ذلك بتحديد النفقة التي ليست هدرا‪ ،‬ثم‬
‫يفضح اليهود بقضية توجد عندهم في التوراة ولكنهم كذبوها‪ ،‬وهي قضية تتعرض للطعام‪ ،‬وما‬
‫دامت القضية تتعرض للطعام فهناك الكثير من الملكات التي يمكن أن تتحرك‪ ،‬فملكات الواجد‬
‫حين تتحرك فحركتها تكون بأسلوب غير السلوب الذي تتحرك به ملكات المعدم‪ .‬فقيل أن يُحَرِك‬
‫وجدان المعدم إلى أنه معدم‪ ،‬حتى ل يتلقى ذلك بحسرة‪ ،‬فإنه سبحانه يكون قد عمل رصيدا لهذا‬
‫شيْءٍ فَإِنّ‬
‫ن َومَا تُ ْنفِقُواْ مِن َ‬
‫المعدم‪ ،‬فيرقق قلب الواجد أول } لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىا تُ ْنفِقُواْ ِممّا تُحِبّو َ‬
‫اللّهَ ِبهِ عَلِيمٌ { وبعد ذلك يأتي قوله الحق سبحانه‪:‬‬
‫طعَامِ كَانَ حِـلّ لّبَنِي ِإسْرَائِيلَ ِإلّ مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىا َنفْسِهِ مِن قَ ْبلِ أَن تُنَ ّزلَ ال ّتوْرَاةُ ُقلْ‬
‫} ُكلّ ال ّ‬
‫فَأْتُواْ بِال ّتوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُ ْم صَا ِدقِينَ { [آل عمران‪]93 :‬‬
‫ومعنى كلمة " حل " هو " حلل " ‪ ،‬ويقابلها " حرام " وحل هي مصدر‪ ،‬وما دامت مصدرا فل‬
‫نقول " هذان حللن " بل نقول‪ " :‬هذان حل " ‪ ،‬ونقول‪ " :‬هؤلء حل " وإن شئت فاقرأ قوله‬
‫تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآ َء ُكمُ ا ْل ُم ْؤمِنَاتُ ُمهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ اللّهُ أَعَْلمُ بِإِيمَا ِنهِنّ فَإِنْ‬
‫حلّونَ َلهُنّ }[الممتحنة‪]10 :‬‬
‫حلّ ّل ُه ْم وَلَ ُهمْ يَ ِ‬
‫جعُوهُنّ إِلَى ا ْل ُكفّا ِر لَ هُنّ ِ‬
‫عَِلمْ ُتمُوهُنّ ُمؤْمِنَاتٍ فَلَ تَرْ ِ‬
‫طعَامِ كَانَ حِـلّ‬
‫" ل هن " هذه لجماعة النساء‪ ،‬والحل مفرد‪ ،‬وعندما يقول الحق سبحانه‪ُ } :‬كلّ ال ّ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لّبَنِي إِسْرَائِيلَ ِإلّ مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىا َنفْسِهِ { فهذا يعني أنه قد حرم بعضا من الطعام على نفسه‬
‫فهو حر في أن يأخذ أو يترك‪ ،‬أوأنه قد حرمه على نفسه فوافقة ال؛ لن الناذر حين ينذر شيئا لم‬
‫يفرضه ال عليه فهو قد ألزم نفسه بالنذر أمام ال‪.‬‬
‫إن الزمن الذي حرم فيه إسرائيل على نفسه بعضا من الطعمة هو } مِن قَ ْبلِ أَن تُنَ ّزلَ ال ّتوْرَاةُ‬
‫{ أي أن هذا التحريم لم يحرمه ال‪ ،‬ويأتي المر لرسوله الكريم أن يخاطب بني إسرائيل‪ُ } :‬قلْ‬
‫فَأْتُواْ بِال ّتوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُ ْم صَا ِدقِينَ { إنه قد كشف سترهم‪ ،‬وعلموا أن الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم يعلم أن النص الذي يؤيد صدقه موجود في التوراة‪ ،‬ولهذا لم يأت اليهود بالتوراة‪ ،‬وذلك‬
‫لعلمهم أن فيها نصا صريحا يصدق ما جاء به رسول ال‪ ،‬ول يحتمل اللجاجة‪ ،‬أو المجادلة‪ ،‬وما‬
‫داموا لم يحضروا التوراة فهذا يعني أنهم غير صادقين‪ .‬ويقول الحق‪َ } :‬فمَنِ افْتَرَىا عَلَى اللّهِ‬
‫ا ْلكَ ِذبَ‪{ ...‬‬

‫(‪)484 /‬‬
‫َفمَنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ ا ْل َك ِذبَ مِنْ َب ْعدِ ذَِلكَ فَأُولَ ِئكَ ُهمُ الظّاِلمُونَ (‪)94‬‬

‫إن في هذا القول التحذير الواضح أل يختلق أحد على ال شيئا لم ينزل به رسول أو كتاب فمن‬
‫يفتري الكذب على ال ل يظلم إل نفسه‪ .‬ويقول الحق بعد ذلك‪ُ { :‬قلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتّ ِبعُواْ مِلّةَ‬
‫إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا‪} ...‬‬

‫(‪)485 /‬‬
‫صدَقَ اللّهُ فَاتّ ِبعُوا مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ (‪)95‬‬
‫ُقلْ َ‬

‫ل صَ َدقَ اللّهُ فَاتّ ِبعُواْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا }‪.‬‬
‫يأمر الحق رسوله صلى ال عليه وسلم أن يقول‪ُ { :‬ق ْ‬
‫ونعرف أن ملة إبراهيم هي التي سمّت كل المؤمنين بال المسلمين‪ ،‬والدعوة إلى اليمان بملة‬
‫إبراهيم هي ليضاح أن جوهر اليمان ل يحتمل الخلف‪ ،‬فركب اليمان والرسل والنبياء هو‬
‫ركب واحد‪ ،‬وكلمة " اتبعوا " تعني أن هناك مقدما كما أن هناك تابعا‪ .‬و " الملة " تشمل المعتقدات‬
‫والتشريعات العامة‪ ،‬كما أن الشريعة تشمل الحكام‪ ،‬والدين يكون لبيان العقائد‪.‬‬
‫وقد عرفنا من قبل أن كلمة { حَنِيفا } تعني الذي يسير على خط مستقيم‪ ،‬ويتبع منهجا قويما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومستويا ونحن نسمى ملتنا " الحنيفية السمحاء " ومع ذلك فالحنف هل ميل في الساقين‪ ،‬اليمين‬
‫مقوسة إلى اليمين‪ ،‬واليسار مقوسة إلى اليسار‪ ،‬فكيف إذن نقول عن الدين الحق الهادي لمنهج ال‬
‫وشريعته‪ :‬إنه حنيف؟‬
‫لقد قلنا‪ :‬إن السماء ل تتدخل بإرسال الرسل إل حين يعم الفساد‪ ،‬وما دام الفساد قد عم فإن الذي‬
‫يميل منحرفا عن الفساد هو الذي اهتدى إلى الصراط المستقيم‪ ،‬فالحنيف معناه مائل عن الفساد‪،‬‬
‫صدَقَ اللّهُ فَاتّ ِبعُواْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِين }‪.‬‬
‫فالمائل عن المعوج معتدل‪ُ { ،‬قلْ َ‬
‫{ صَ َدقَ اللّهُ } نعم؛ لن الصدق هو أن يطابق القول ما وقع فعل‪ ،‬وحين يتكلم الحق وهو العليم‬
‫أزل فما الذي يحدث؟ ل بد أن يوافق الواقع ما يقوله سبحانه وتعالى فليس من المعقول أن يتكلم‬
‫ال كلما يأتي على لسان رسول‪ ،‬أو على لسان أتباع الرسول‪ ،‬وبعد ذلك يأتي واقع الحياة فينقض‬
‫قول الحق ويخالفه‪ ،‬إن الحق العليم أزل يُنزل من الكلم ما هو في صالح الدعوة إلى منهجه‪.‬‬
‫إذن فحين يطلق ال قضية من قضايا اليمان فإنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬عليم أزل أنها سوف تحدث على‬
‫وفق ما قال‪ ،‬إن كان الظرف الذي قيلت فيه ل يشجع على استيعابها وفهمها‪ .‬إن المؤمنين كانوا‬
‫في أول المر مضطهدين‪ ،‬ومرهقين وإن لم يكن للواحد منهم عشيرة تحميه فإنه يهاجر عن‬
‫البلد‪ ،‬وإن لم يستطع الهجرة فإنه ُيعَذب ويضطهد‪ .‬وفي هذه الفترة الشديدة القاسية وفي قمة‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪]45 :‬‬
‫اضطهاد المؤمنين ينزل القول الحق‪ {:‬سَ ُيهْزَمُ الْ َ‬
‫وعندما يسمع سيدنا عمر عليه رضوان ال هذا القول يتساءل‪ :‬أي جمع هذا؟ إن الواقع ل يساعد‬
‫على هذا‪ ،‬ثم جاءت بدر‪ ،‬وهزم المؤمنون الجم َع وولوا الدبر‪ ,‬وهذا دليل على أن ال قد أطلق‬
‫قضية وضمن أنها ستحدث كما قال وكما أخبر‪ ،‬وهذا مطلق الصدق‪ .‬إن النسان يمكنه أن يستبعد‬
‫الصدق لو أن الذي قال غير الذي خلق‪ ،‬لكن الذي قال ذلك هو الذي خلق ويخلق ويعلم‪ ،‬فمن أين‬
‫يأتي التناقض؟ وهذا معنى القول الكريم‪:‬‬
‫جدُواْ فِيهِ اخْتِلَفا كَثِيرا }[النساء‪]82 :‬‬
‫ن وََلوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ َلوَ َ‬
‫{ َأفَلَ يَ َتدَبّرُونَ ا ْلقُرْآ َ‬
‫إنه قول حق جاء من عند العليم أزل‪ ،‬ومن العجيب أن أهل الكتاب من يهود ونصارى يتمسحون‬
‫في سيدنا إبراهيم‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬إن إبراهيم عليه السلم كان يهوديا‪ ،‬وبعضهم قال‪ :‬إن إبراهيم‬
‫كان نصرانيا‪ .‬وكان يجب أن يفهموا أن اليهودية والنصرانية إنما جاءتا من بعد إبراهيم‪ ،‬فكيف‬
‫يكون يهوديا أو نصرانيا وهذه الملل قد جاءت من بعده؟ لذلك جاء القرآن الكريم قائل‪ {:‬ياأَ ْهلَ‬
‫ا ْلكِتَابِ لِمَ ُتحَآجّونَ فِي إِبْرَاهِي َم َومَآ أُن ِزَلتِ التّورَاةُ وَالنْجِيلُ ِإلّ مِن َبعْ ِدهِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[آل عمران‪:‬‬
‫‪]65‬‬
‫وقد أوضح الحق بعد ذلك دين إبراهيم عليه السلم‪ {:‬مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ َيهُودِيّا َولَ َنصْرَانِيّا وََلكِن‬
‫كَانَ حَنِيفا مّسْلِما َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ }[آل عمران‪]67 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فكيف يمكن أن يختلقوا على إبراهيم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ إنه كلم ل يصدر إل عن قلة‬
‫فطنة وغفلة بالغة‪ .‬وعندما يقول الحق عن إبراهيم‪َ } :‬ومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِين { فهل أهل الكتاب‬
‫مشركون؟ نعم؛ لنهم حين يؤمنون بالبنوة لعزير‪ ،‬ويؤمنون بالنبوة لعيسى فهذا إشراك بال‪،‬‬
‫وأيضا كان العرب عبدة الصنام يقولون‪ :‬إنهم على ملة إبراهيم؛ لن شعائر الحج جاء بها إبراهيم‬
‫عليه السلم‪ ،‬ولهذا ينزه الحق سبحانه سيدنا إبراهيم عن ذلك‪ ،‬ويقول‪ُ } :‬قلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتّ ِبعُواْ مِلّةَ‬
‫إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ { وذلك يدل على أن ملة إبراهيم وما جاء به موافقة لملة‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم وما جاء به‪ ،‬وإجابة لدعوة إبراهيم عليه السلم‪ .‬ثم يقول الحق‬
‫ت ُوضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِ َبكّةَ مُبَارَكا وَ ُهدًى لّ ْلعَاَلمِينَ {‬
‫سبحانه‪ } :‬إِنّ َأ ّولَ بَ ْي ٍ‬

‫(‪)486 /‬‬
‫إِنّ َأ ّولَ بَ ْيتٍ ُوضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِ َبكّةَ مُبَا َركًا وَ ُهدًى لِ ْلعَاَلمِينَ (‪)96‬‬

‫لقد عرفنا من قبل كيف كان تداعى المعاني سببا في إرواء الحق لكل ملكات النسانية‪ ،‬وقبل هذه‬
‫الية التي تتحدث عن بناء البيت الحرام بمكة المكرمة كان هناك حديث عن سيدنا إبراهيم عليه‬
‫السلم حين قال الحق‪ُ {:‬قلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتّ ِبعُواْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ }[آل‬
‫عمران‪]95 :‬‬
‫وإبراهيم عليه السلم هو أول النبياء صلة بالبيت الحرام‪ ،‬وكان رفع قواعد البيت الحرام على يده‬
‫بعد أن طمر وستر بالطوفان في عهد نوح عليه السلم‪ ،‬فحين يأتي الكلم في رسالة سيدنا إبراهيم‬
‫عليه السلم فل بد أن تأتي أكبر حادثة في تاريخ سيدنا إبراهيم‪ ،‬وهي حادثة بناء البيت الحرام‪،‬‬
‫كما أن الحق سبحانه حينما تكلم عن المحاجاة بين المسلمين وعلى رأسهم رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم وفي يده القرآن‪ ،‬وبين أهل الكتاب وفي أيديهم التوراة المحرفة والنجيل المحرف أراد‬
‫سبحانه أن يردنا إلى شيء واحد هو ملة إبراهيم الذي سمانا مسلمين‪ .‬ومعنى ذلك أن ال يريد منا‬
‫أن تسيطر قيم السماء على حركة أهل الرض؛ لن حركة أهل الرض إن اتبعت الهواء‬
‫تصادمت الحركات‪ ،‬وما دامت الحركات قد تصادمت فإن ما ينتج عنها هو ضياع مجهود الحركة‬
‫النسانية‪ ،‬ويصير هذا المجهود مبددا‪.‬‬
‫ولكن النسان الذي يحمل القيم التي تتركز عقيدة في قلبه ‪ -‬بعد أن يبحثها بفكره ‪ -‬هذا النسان‬
‫له قالب تنفذ به تشريعات ال‪ ،‬ولول وجود القالب هذا لما استطاع النسان أن يطبق تشريعات‬
‫ال‪ ،‬وَلمَا استطاع أن يؤدي هذه التشريعات‪ ،‬ولما استطاع أن يطيع ال بجوارحه؛ فالنسان بغير‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قالب ل يستطيع أن يؤدي الحركة المطلوبة‪.‬‬
‫إذن فل بد للقالب النساني ‪ -‬البدن ‪ -‬في التشريع من عملية أخرى وهي أن ينصب القالب‬
‫ويكون له عمل حين يتوجه إلى بيت واحد ل‪ ،‬وبذلك يصبح للقالب نصيب في العبادة أيضا‪.‬‬
‫ولهذا كان ل بد أن يوجد للقالب ‪ -‬أيضا ‪ -‬مُّتجَهٌ وهذا المُتجه يحكم القالب نفسه‪ ،‬فكان المؤمن‬
‫المسلم محكوما قلبا وقالبا‪ ،‬فحين نأتي للصلة لنكون في حضرة ال نتحرى أن يكون قالبنا متجها‬
‫إلى المكان الذي أمرنا ال أن نتوجه إليه‪ ،‬لماذا؟‬
‫لن الحق سبحان وتعالى ساعة يعطي رحمته وبركته وتنزلته وإشراقاته يريد أن يكون الجسم في‬
‫وضع مؤهل لستقبال هذه التجليات؛ ولذلك كان ل بد أن يكون ل بيت يتجه إليه الجميع حتى‬
‫يعطي للتدين وحدة‪ ،‬فكما أعطى الحق لموكب الرسالت وحدة‪ ،‬فإنه يعطي أيضا وحدة في القالب‬
‫النساني والمتجَه‪ ،‬وكل مكان يعبد ال فيه بالنسبة للسلم يُعتبر مسجدا‪ ،‬وقد يسر ال المر على‬
‫أمة سيدنا محمد‪ ،‬فقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫" جعلت لي أرض مسجدا وطهورا "‪.‬‬
‫وكان لقاء ال وعبادته في الديانات السابقة يقتضي مكانا محددا ولكن قد وسع رحمته على أمة‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫إن تراب الرض طهور‪ ،‬إننا عندما نفتقد الماء الطهور فإن التراب الذي قد يبدو للوهلة السطحية‬
‫أنه سبب في عدم النظافة قد جعله ال لنا طهورا‪.‬‬
‫إن النسان يمكنه أن يتيمم ويتطهر بالتراب‪ ،‬وكأن ال قد أراد أن يكون لقاء كل فرد من أمة‬
‫محمد به ميسرا تيسيرا كبيرا‪ .‬وكل مكان نعبد فيه ال ويسجد فيه المسلم ل يصير مسجدا‪.‬‬
‫لكن هناك فارقا بين أي مكان نعبد ال فيه والمسجد‪ ،‬فنحن نرى العامل يعبد ال في المصنع‬
‫والتلميذ يعبد ال في الفصل‪ ،‬والفلح يعبد ال ويؤدي الفروض في الحقل‪ ،‬ويمكن للسائر في‬
‫الشارع أن يؤدي صلته في أي مكان‪ ،‬وأن يزاول عمله بعد ذلك‪ ،‬ولكن حين ُيحَيّز النسان مكانا‬
‫ليكون بيتا ل‪ ،‬فمحظور أن يزاول فيه نشاطا آخر من نشاطات الحياة؛ إنه مكان مُحيز‪.‬‬
‫إن العبادة كلها مقبولة‪ ،‬ولكن هناك فارقا بين مكان تعمل فيه ومكان تخصصه ليصير مسجدا‪.‬‬
‫فالمسجد هو مكان ل يزاول فيه إل لقاء ال‪ ،‬لذلك أراد رسول ال صلى ال عليه وسلم أل نستغل‬
‫هذا الحيز في أي أمر يتعلق بدنيانا‪ ،‬وقد أوضح لنا ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن الذي يعقد صفقة‬
‫في المسجد لم يبارك ال فيها‪ ،‬والذي ينشد فيه شيئا ضال له لن يجده‪ .‬فقد دعا الرسول أل يرد ال‬
‫عليه ضالته‪.‬‬
‫إن أمور الدنيا يكفيها أن تأخذ من النسان كل يوم ثلثا وعشرين ساعة‪ ،‬فليخصص النسان‬
‫المؤمن ساعة ل وحده‪ ،‬وليخلع كل أغراض الحياة الدنيا كما يخلع النعال على باب المسجد‪ .‬فليس‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من حسن الدب واللياقة أن ينشغل النسان بأي شيء غير لقاء ال في الوقت المخصص للقاء ال‪،‬‬
‫وفي المكان المخصص لهذا اللقاء‪.‬‬
‫فساعة تدخل المسجد ينبغي أن تمنع نفسك من أن يتكلم معك أحد في فضول الكلم ولغوه‪ ،‬وأن‬
‫تنوي العتكاف لتستفيد من وجودك في المسجد‪ .‬وساعة أن نخصص حيزا ما ليكون مسجدا‪،‬‬
‫فكيف يكون التجاه داخل المسجد؟ أيترك المر لكل واحد أن يختار له متجها؟‬
‫ل‪ ،‬إن المؤمن ملتزم بالتجاه إلى مكان واحد‪ ،‬هذا المكان الواحد هو بيت ل باختيار ال بينما‬
‫المساجد الخرى هي بيوت ل باختيار خلق ال‪ ،‬فبيوت ال باختيار خلق ال متجهها جميعا هو‬
‫بيت ال الحرام‪.‬‬
‫وحين تنظر هذه النظرة ستجد العالم متواجها؛ لن كل عابد سيكون اتجاهه إلى بيت ال مع بقية‬
‫العابدين ل‪ ،‬فيلتف المؤمنون كلهم حول بيت ال‪ ،‬ويتواجهون‪ ،‬إن وجوهنا كلها تُقابل بعضها‬
‫بعضا‪ ،‬ولكن ما ضرورة التجاه للكعبة؟ والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫جهُ اللّهِ إِنّ اللّ َه وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[البقرة‪]115 :‬‬
‫{ وَللّهِ ا ْلمَشْرِقُ وَا ْل َمغْرِبُ فَأَيْ َنمَا ُتوَلّواْ فَثَ ّم وَ ْ‬
‫نقول‪ :‬إن هذه الية تؤيد ما نقوله‪ ،‬فما دام ل المشرق والمغرب‪ ،‬فهذا هو المعنى العام‪ ،‬فالناس‬
‫أول ما عرفوا الكون تعرفوا على المشرق والمغرب ثم الشمال والجنوب أيضا‪ ،‬وبعد أن توصل‬
‫العلم إلى تحديد الجهات الفرعية بجانب الجهات الصلية الربع المعروفة عرفنا " الشمال الشرقي‬
‫" و " الشمال الغربي " و " الجنوب الشرقي " و " الجنوب الغربي "‪ .‬إذن فكل المتجهات ل‪،‬‬
‫والتجاه للكعبة يحقق هذا القول الكريم‪.‬‬
‫وعندما يتجه إنسان إلى الكعبة فقد يكون الشرق خلفه‪ ،‬ويكون الغرب أمامه‪ ،‬ويتجه إليها إنسان‬
‫آخر إلى الكعبة‪ ،‬فيتقابل وجهه مع وجه المتجه للكعبة‪ ،‬وثالث يتجه إلى الكعبة‪ ،‬فيكون في زاوية‬
‫أخرى ناظرا إليها‪ ،‬وهكذا يلتف البشر من الشرق والغرب والشمال والجنوب وكل الجهات‬
‫الفرعية حول الكعبة‪.‬‬
‫ق وَا ْل َمغْ ِربُ { أي جميع الخلق متجه إلى الكعبة‪ ،‬وبذلك ل تكون‬
‫إذن فقول الحق‪ } :‬وَللّهِ ا ْلمَشْرِ ُ‬
‫هناك جهة أولى بال من جهة أخرى‪ .‬وأنا ل أريد أن أدخل في متاهة أنّ الكعبة مركز الرض‬
‫وأن الرض خلقت منها؛ لن الشيء إذا كان مكورا فأي نقطة فيه تكون مركزا للجميع‪ ،‬لذلك‬
‫فلنترك مثل هذا الكلم‪ ،‬لكن أل يكفي أن يرجحها أن ال قد اختارها؟ إن ذلك يكفي وزيادة‪ ،‬وبذلك‬
‫ينتهي المر‪ ،‬إنها كذلك؛ لنها بيت ال باختيار ال‪ ،‬وهذا يكفي‪.‬‬
‫لقد علمنا رسول ال صلى ال عليه وسلم أن الشياء التي تقف فيها العقول وليست من صلب‬
‫العقائد أو الدين ل يصح أن تكون محل خلف أو جدل‪ .‬ويقول سيدنا علي كرم ال وجهه عن‬
‫سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬سأله رجل‪ " ،‬أذلك أول بيت ل؟ " فوضح رسول ال صلى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال عليه وسلم أن قبله بيوتا‪ ،‬ولكن هو أول بيت ُوضِع للناس‪ .‬هذا إيضاح ان ال قد جعل الكعبة‬
‫ت ُوضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي‬
‫هي أول بيت له يتعبد فيه جنس البشر‪ ،‬وذلك لقول ال تعالى‪ } :‬إِنّ َأ ّولَ بَ ْي ٍ‬
‫بِ َبكّةَ مُبَارَكا وَهُدًى لّ ْلعَاَلمِينَ {‪ .‬ولكن إن كانت هناك اجناس سابقة على الجنس البشري فمن‬
‫المؤكد انه كانت هناك ل بيوت ل نعرفها‪.‬وما آدم في منطق العقل واحد ولكنه عند القياس‬
‫أوادمولذلك فوجود البيت الحرام كبيت ل ل يصطدم مع منطق الناس الذين ل يملكون إل الثقافة‬
‫الدينية الضحلة‪ ،‬فساعة أن يسمع الواحد منهم‪ ،‬أن هناك اكتشافا لحفريات من كذا مليون سنة فهو‬
‫يتساءل قائل‪ :‬كيف وآدم لم يمر عليه مليين السنين؟ لنفترض أن هناك خمسة أجيال لدريس‬
‫عليه السلم وثلثة اجيال لنوح عليه السلم‪ ،‬وأحد عشر جيلً لبراهيم عليه السلم وثلثين جيل‬
‫لمحمد عليه السلم‪ ،‬وهكذا يكون الوجود البشري محددا بآلف السنوات ل مليينها‪.‬‬
‫عمَرَ الرض؟ إن الدين لم يقل ذلك‪ ،‬لكن‬
‫لهذا النسان نقول‪ :‬وهل قال لك أحد‪ :‬إن آدم أول من َ‬
‫الدين قال‪ :‬إن آدم هو أول هذا الجنس البشري‪ ،‬ولكنه ليس أول من سكن الرض‪ ،‬لذلك فليقل‬
‫العلماء‪ :‬إن عمر هذه الرض مليين السنين ولنسمع جميعا قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬أََلمْ تَرَ أَنّ‬
‫جدِيدٍ }[إبراهيم‪]19 :‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ بِالْحقّ إِن َيشَأْ يُ ْذهِ ْبكُ ْم وَيَ ْأتِ ِبخَ ْلقٍ َ‬
‫اللّهَ خََلقَ ال ّ‬
‫إذن فل مجال لهذا البحث‪ ،‬لذلك قال النبي عليه الصلة والسلم‪ " :‬ل‪ ،‬بل قبله بيوت "‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول ما يوضح أن الجن قد سكنوا الرض قبلنا‪ {:‬وَالْجَآنّ خََلقْنَاهُ مِن قَ ْبلُ‬
‫سمُومِ }[الحجر‪]27 :‬‬
‫مِن نّارِ ال ّ‬
‫علٌ‬
‫ألم يقل الحق سبحانه إن النسان خليفة‪ ،‬وردّت عليه الملئكة‪ {:‬وَِإذْ قَالَ رَ ّبكَ لِ ْلمَلَ ِئكَةِ إِنّي جَا ِ‬
‫ك وَ ُنقَدّسُ َلكَ‬
‫حمْ ِد َ‬
‫س ِفكُ ال ّدمَآ َء وَ َنحْنُ نُسَبّحُ ِب َ‬
‫ج َعلُ فِيهَا مَن ُيفْسِدُ فِيهَا وَيَ ْ‬
‫خلِيفَةً قَالُواْ أَتَ ْ‬
‫فِي الَ ْرضِ َ‬
‫قَالَ إِنّي أَعَْلمُ مَا لَ َتعَْلمُونَ }[البقرة‪]30 :‬‬
‫إن الذين قالوا ذلك ليسوا من البشر‪ ،‬إذن فكلم ال يؤكد أن الكعبة هي أول بيت وُضع للناس‪ ،‬أي‬
‫للجنس البشري‪ ،‬ولذلك فل داعي أن نتكلم في الشياء التي يقف فيها العقل حتى ل ندخل في‬
‫متاهة‪ .‬ولو كان ال قد أراد أن يعلمنا أن الكعبة هي أول بيت في الرض لقال لنا‪ " :‬إن أول بيت‬
‫وضع في الرض " ‪ ،‬ولم يكن قد حدد الجنس الذي وضع البيت من أجله‪ ،‬لكن الحق سبحانه قال‪:‬‬
‫ت ُوضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِ َبكّةَ مُبَارَكا { ‪ ،‬ولذلك بين رسول ال صلى ال عليه وسلم أن‬
‫} إِنّ َأوّلَ بَ ْي ٍ‬
‫قبله بيوتا‪ ،‬ولكنه أول بيت وضع للناس‪ .‬إنه جواب يتسع لكل ما يأتي به العلم‪.‬‬
‫ت ُوضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِ َبكّةَ مُبَارَكا { ما معنى " أول "؟‬
‫وحين ننظر إلى القول الحق‪ } :‬إِنّ َأ ّولَ بَ ْي ٍ‬
‫إنه البتداء‪ ،‬وهل كل ابتداء له انتهاء؟ ل‪ ،‬إن هناك أمورا لها " أول " وليس لها " آخر " ومثال‬
‫ذلك العدد " واحد " وما بعده ليس له آخر‪ ،‬فآخر ما بعد العدد واحد هو ما يمكن النسان أن‬
‫يحسبه عجزا في التقديرات الدشليونية‪ ،‬ولكن ما بعد الدشليون هناك أعداد أخرى‪ ،‬وكان النسان‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قديما يقف عند اللف‪ ،‬ثم يقول عن المليون " ألف ألف " ‪ ،‬وكذلك الجنة لها أول وليس لها آخر‪.‬‬
‫إذن فأول بيت وضعه ال للناس هو الكعبة‪ .‬وعندما نرى كلمة " وُضع " نجدها فعل‪ ،‬ونرى انه قد‬
‫ُوضِع للناس‪ .‬وما دام هذا البيت قد وضع للناس لذلك فمن اللزم حين تأتي كلمة " ناس " أن‬
‫يكون هناك " بيت " و " آدم " من الناس‪ ،‬ووالد كل الناس‪ ،‬وكان له بيت وضع له‪.‬‬
‫وحين يقال‪ :‬إن البيت قد تم بناؤه قبل آدم فإننا نقول‪ :‬نعم‪ ،‬لن آدم من الناس‪ ،‬وال يقول‪ } :‬إِنّ‬
‫ت ُوضِعَ لِلنّاس { فلماذا نحرم آدم من أن يكون له بيت عند ال؟ إذن فالبيت موجو من قبل‬
‫َأ ّولَ بَ ْي ٍ‬
‫آدم‪ .‬وبعض الناس تظن أن إبراهيم عليه السلم هو الذي بنى البيت‪ ،‬ولصحاب هذا الظن نقول‪:‬‬
‫ت ُوضِعَ‬
‫لنفهم القرآن معا‪ ،‬إن مثل هذا القول يناقض القرآن؛ لن القرآن قد قال‪ } :‬إِنّ َأ ّولَ بَ ْي ٍ‬
‫لِلنّاس { وذلك إيضاح أن إبراهيم كان من قبله أناس سابقون له‪ ،‬فكيف ل يكون للناس من قبل‬
‫إبراهيم بيت؟ ول يكون للناس من بعد إبراهيم بيت؟‬
‫إن الذين كانوا يعيشون قبل مجيء إبراهيم عليه السلم لهم الحقوق نفسها عند ال التي وضعها ال‬
‫لمن بعد إبراهيم‪ ،‬فل بد أن ال قد جعل بيته لهم‪ ،‬والنص القرآني } إِنّ َأ ّولَ بَ ْيتٍ ُوضِعَ لِلنّاس‬
‫{ مؤكد ذلك‪ ،‬وما دام قد جاء الفعل مَبْنِيََا للمفعول فواضعه غير الناس‪ ،‬فـ " ُوضِع " هو فعل‬
‫مبني على مالم يسم فاعله‪ ،‬فمن الذي وضعه؟ هل هم الملئكة؟‬
‫قد يصح ذلك وهو أن يكون الملئكة قد تلقوا المر من ال بمزاولة هذا البناء ولكن الحق يقول‬
‫عن هذا البيت إنه‪ " :‬هدى للعالمين " وهذا يعني أن البيت هدى للملئكة؛ لنهم عالم‪ ،‬وهذا يعني‬
‫أن البيت قد وضعه ال من قبل ذلك‪ ،‬إن أحداَ ل يقدر أن يجعل الكون على قدر العقل البشرى‪ ،‬إن‬
‫على العقل البشري أن يكون في ركاب الكون‪ ،‬وإياك أن تجعل الكون في ركاب عقلك‪ .‬أما مسألة‬
‫أن إبراهيم قد بني الكعبة أولً فهذا عدم فهم للنص القرآني القائل‪ {:‬وَإِذْ يَ ْرفَعُ إِبْرَاهِيمُ ا ْل َقوَاعِدَ مِنَ‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ }[البقرة‪]127 :‬‬
‫سمَاعِيلُ رَبّنَا َتقَبّلْ مِنّآ إِ ّنكَ أَنتَ ال ّ‬
‫ت وَإِ ْ‬
‫الْبَ ْي ِ‬
‫فما هو الرفع؟ إنه إيجاد البُعد الثالث وهو الرتفاع‪ ،‬فالطول والعرض موجودان إذن فهذا دليل‬
‫على وجود البيت قبل أن يقيم إبراهيم عليه السلم ارتفاع البيت‪ .‬وهكذا نستنتج أن الذي كان‬
‫مطموسا هو القاعدة والرتفاع‪ ،‬مع وجود الطول والعرض اللذين يحددان المكان‪ ،‬أما البناء فهو‬
‫الذي يحدد " المكين " وعندما انهدم البيت الحرام كان الناس يتجهون إلى المكان نفسه‪ .‬ونحن‬
‫عندما نصلي في الدور الثالث في الحرم‪ ،‬فإننا نتجه إلى الهواء الموجود من فوق الكعبة‪ ،‬ولو‬
‫حفرنا نفقا تحت الرض بألف متر‪ ،‬وأردنا أن نصلي فإننا سنتجه إلى جذر الكعبة‪ ،‬وهكذا نعرف‬
‫أن جو الكعبة كعبة‪.‬‬
‫إذن فعمل إبراهيم عليه السلم كان في إيجاد المكين ل المكان‪ ،‬ولنقرأ بالفهم اليماني ما حدث‬
‫لبراهيم عليه السلم‪ .‬لقد أخذ إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل‪ ،‬وخرج بهما ليضعهما في هذا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المكان‪ " .‬وهاجر " تعرف أن مكونات الحياة هي المياه والهواء والقوت‪ ،‬وهذا المكان ل توجد به‬
‫حتى المياه‪ ،‬لذلك قالت هاجر سائلة إبراهيم عليه السلم‪ :‬كيف تتركنا هنا؟ هل أنزلتنا هنا برأيك أم‬
‫بتوجيه من ال؟فقال لها إبراهيم عليه السلم‪ :‬إنه توجيه من ال‪ ،‬لذلك قالت‪ " :‬لقد اطمأننت‪ ،‬وال‬
‫ل يضيعنا أبدا "‪.‬‬
‫لم تقلق هاجر لن إبراهيم اتجه إلى ما أمره ال‪ ،‬وهذا هو اليمان في قمته‪ ،‬ولو لم يكن اليمان‬
‫على هذه الدرجة الرفيعة فأي قلب لم تترك أب الطفل يذهب بعيدا عنها وتعيش مع ابنها في هذا‬
‫المكان الذي ل يوجد به طعام أو فيه ماء‪ ،‬فهي ل تؤمن بإبراهيم‪ ،‬ولكنها تؤمن برب إبراهيم‬
‫سكَنتُ مِن ذُرّيّتِي ِبوَادٍ‬
‫وعندما تقرأ القرآن الكريم تجد القول الحق على لسان إبراهيم‪ {:‬رّبّنَآ إِنّي أَ ْ‬
‫ج َعلْ َأفْ ِئ َدةً مّنَ النّاسِ َت ْهوِي إِلَ ْيهِ ْم وَارْ ُز ْقهُمْ‬
‫لةَ فَا ْ‬
‫غَيْرِ ذِي زَ ْرعٍ عِندَ بَيْ ِتكَ ا ْلمُحَرّمِ رَبّنَا لِ ُيقِيمُواْ الصّ َ‬
‫شكُرُونَ }[إبراهيم‪]37 :‬‬
‫مّنَ ال ّثمَرَاتِ َلعَّلهُمْ يَ ْ‬
‫هكذا نعرف أنه ساعة إسكان إبراهيم لذريته كان هناك بيت وأن هذا البيت محرم‪ ،‬وعندما نقرأ‬
‫عن رفع البيت الحرام نجد أن إبراهيم عليه السلم لم يرفع قواعد البيت بمفرده بل شاركه ابنه‬
‫سمَاعِيلُ رَبّنَا َتقَ ّبلْ مِنّآ إِ ّنكَ أَنتَ‬
‫إسماعيل عليه السلم‪ {.‬وَإِذْ يَ ْرفَعُ إِبْرَاهِيمُ ا ْلقَوَاعِدَ مِنَ الْبَ ْيتِ وَإِ ْ‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ }[البقرة‪]127 :‬‬
‫ال ّ‬
‫هكذا نعلم أن إسماعيل عليه السلم كان قد نضج بصورة تسمح له أن يساعد والده خليل الرحمن‬
‫في إقامة قواعد البيت الحرام‪ ،‬وهذا يدلنا على أن إسماعيل نشأ طفل في هذا المكان عندما أسكنه‬
‫والده إبراهيم عند البيت المحرم‪ ،‬هكذا نتيقن أن البيت المحرم كان موجودا من قبل إبراهيم عليه‬
‫السلم‪ ،‬وعندما ندقق النظر في معنى كلمة " بكة " التي وردت في هذا القول الكريم‪ } :‬إِنّ َأ ّولَ‬
‫بَ ْيتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِ َبكّةَ مُبَارَكا { فإننا نعرف أن هناك اسما لمكان البيت الحرام هو " بكة "‬
‫وهناك اسم آخر هو مكة‪ ،‬وبعض العلماء يقول‪ :‬إن " الميم " و " الباء " يتعاونان‪ ،‬ونلحظ ذلك في‬
‫النسان " الخنف " أو المصاب بزكام‪ ،‬إنه ينطق " الميم " كأنها " باء "‪ .‬والميم و " الباء " حرفان‬
‫قريبان في النطق‪ ،‬واللفاظ منهما تأتي قريبة المعنى من بعضها‪.‬‬
‫ولننظر إلى اشتقاق " مكة " واشتقاق " بكة "‪ .‬إننا نقرأ " بكّ المكان " أي ازدحم المكان‪ ،‬وهكذا‬
‫ت ُوضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِ َبكّةَ مُبَارَكا { أي أنه مكان الزدحام الذي‬
‫نعرف من قوله الحق‪ } :‬إِنّ َأوّلَ بَ ْي ٍ‬
‫يأتي إليه كل الناس وكل الوفود لتزور بيت ال الحرام‪ ،‬ول أدل على ازدحام البيت الحرام من أن‬
‫الرجال والنساء يختلط بعضهم ببعض‪ ،‬والنسان يطوف بالبيت الحرام‪ ،‬ول يدري أنه يسير وقد‬
‫يلمس امرأة أثناء الطواف‪.‬‬
‫و " بكة " هي المكان الذي فيه الطواف والكعبة‪ ،‬أي هي اسم مكان البيت الحرام‪ " ،‬ومكة " اسم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البلد كلها الذي يوجد به البيت الحرام‪ .‬و " مكة " مأخوذة من ماذا؟ إن " مكة " مأخوذة من " مك‬
‫الفصيل الضرع " أو " امتك الفصيل الضرع " ‪ ،‬أي امتص كل ما فيه من لبن‪ ،‬والفصيل كما‬
‫نعرف هو صغير البل أو صغير البقر‪ .‬وما دام الفصيل قد امتص كل ما في الضرع من لبن‬
‫فمعنى هذا أنه جائع‪ ،‬ومكة كما نعرف ليس فيها مياه‪ ،‬والناس تجهد وتبالغ في أن تمتص المياه‬
‫القليلة عندما تجدها في مكة‪.‬‬
‫وفي كلمة " مباركا " نجد أنها مأخوذة من " الباء والراء والكاف " والمادة كلها تدور حول شيء‬
‫اسمه الثبات‪ ،‬فهل هو الثبات الجامد‪ ،‬أم الثبات المعطي النامي الذي مهما أخذت منه فإنه ينمو‬
‫أيضا؟ إننا في حياتنا اليومية نقول‪ " :‬إن هذا المال فيه بركة مهما صرفت منه فإنه ل ينتهي " ‪،‬‬
‫أي أنه ثابت ل يضيع‪ ،‬ويعطي ول ينفد‪ .‬وكلمة " بِرْكة " في حياتنا تعني أنها َتجَمعُ الماء تأخذ‬
‫منها مهما تأخذ فيأتي إليها ماء آخر‪.‬‬
‫وكلمة " تبارك ال " تعني " ثبت الحق " ولم يزل أزل ول يزال هو واحدا أحدا‪ ،‬إنه الثبوت‬
‫المطلق‪ .‬وهكذا نجد أن الثبات يأتي في معنى البيت الحرام‪ .‬إن البيت الحرام مبارك أبدا " كيف "؟‬
‫أليست تضاعف فيه الحسنة؟ وهل هناك بركة أحسن من هذه؟ وهل هناك بركة أفضل من أنه بيت‬
‫تُجبى إليه ثمرات كل شيء ول تنقطع؟ فقديما كان الذاهب إلى البيت الحرام يأخذ معه حتى الكفن‪،‬‬
‫ويأخذ البرة والخيط‪ ،‬والملح‪ ،‬والن فإن الزائر لبيت ال الحرام يذهب ليأتي بكماليات الحياة من‬
‫هناك‪ .‬ويقول سبحانه عن هذا البيت الحرام المبارك‪ :‬إنه } هُدًى لّ ْلعَاَلمِينَ {‪ .‬ما هو الهدى؟ قلنا‪:‬‬
‫إن الهدى هو الدللة الموصلة للغاية‪ ،‬ومن يَزُرْ البيت الحرام يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‪،‬‬
‫فهل اهتدى للجنة أم ل؟ إنه يعرف بزيارة البيت الحرام الطريق إلى الجنة‪ .‬وحينما ننظر إلى هذه‬
‫المسألة نجد أن الحق سبحانه وتعالى عندما تكلم عن البيت لم يتكلم إل عن آية واحدة فيه هي مقام‬
‫إبراهيم مع أن فيه آيات كثيرة‪.‬‬
‫قال الحق‪ } :‬فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ َومَن دَخََلهُ كَانَ آمِنا‪{ ...‬‬

‫(‪)487 /‬‬
‫فِيهِ آَيَاتٌ بَيّنَاتٌ َمقَامُ إِبْرَاهِي َم َومَنْ َدخَلَهُ كَانَ َآمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ مَنِ اسْ َتطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا‬
‫َومَنْ َكفَرَ فَإِنّ اللّهَ غَ ِنيّ عَنِ ا ْلعَاَلمِينَ (‪)97‬‬

‫إننا نجد أن صيغة الجمع موجودة في قوله الحق‪ { :‬فِيهِ آيَاتٌ } و { بَيّـنَاتٌ } وهي وصف‬
‫الجميع‪ .‬وبعد ذلك قال الحق‪ّ { :‬مقَامُ إِبْرَاهِيمَ } إنه سبحانه لم يذكر إل مقام إبراهيم بعد اليات‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمقام آية واحدة‪ ،‬وهذا يدل على أن مقام إبراهيم فيه اليات البينات‪ ،‬ونحن نقرأ { ّمقَامُ إِبْرَاهِيمَ }‬
‫بفتح الميم الولى في كلمة " مقام " ول ننطقها " مقام " بضم الميم الولى لن المقام بضم الميم‬
‫تعني مكان إقامة إبراهيم‪ ،‬أما مقام بفتح الميم فمكان القيام‪ ،‬لماذا كان قيام إبراهيم عليه السلم؟‬
‫لقد كان إبراهيم يقوم ليرفع قواعد البيت الحرام‪ ،‬وكان إبراهيم يقوم على " حجر "‪ .‬وعندما ننظر‬
‫إلى مقام إبراهيم فإنك تجد فيه كل اليات البينات؛ لن ال طلب من إبراهيم عليه السلم أن يرفع‬
‫قواعد البيت‪ ،‬وكان يكفيه حين يرفع قواعد البيت أن يعطيه الرتفاع الذي يؤديه طول يديه‪ ،‬وبذلك‬
‫يكون إبراهيم عليه السلم قد أدى مطلوب ال ‪ -‬كما قلنا من قبل ‪ -‬لكن إبراهيم عليه السلم تعود‬
‫مع ال أن يؤدي كل تكليفات ال بعشق وحب وإكمال وإتمام‪ ،‬فقال إبراهيم في نفسه‪ " :‬ولماذا ل‬
‫أرفع البيت أكثر مما تطول يداي؟ " ولم تكن هناك في ذلك الزمن القديم فكرة " السقالت " ‪ ،‬ولم‬
‫يكن مع إبراهيم عليه السلم إل ابنه إسماعيل‪ .‬وأحضر إبراهيم عليه السلم حجرا‪ ،‬ووقف عليه؛‬
‫ليرفع القواعد قدر الحجر‪.‬‬
‫إذن فإبراهيم خليل الرحمن أراد أن ينفذ أمر ال بالرفع للقواعد ل بقدر الستطالة البدنية فقط‪،‬‬
‫ولكن بقدر الحتيال على أن يرفع القواعد فوق ما يطلبه ال‪ ،‬وهذا معنى قول ال عن إبراهيم‬
‫عليه السلم‪ {:‬وَإِذِ ابْتَلَىا إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ ِبكَِلمَاتٍ فَأَ َت ّمهُنّ قَالَ إِنّي جَاعُِلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما قَالَ َومِن ذُرّيّتِي‬
‫عهْدِي الظّاِلمِينَ }[البقرة‪]124 :‬‬
‫قَالَ لَ يَنَالُ َ‬
‫أي أنه أدى مطلوب ال أداء كامل‪ ،‬ول أدل على هذا الداء الكامل من أنه أتى بحجر ليقف عليه‬
‫ليزيد من ارتفاع البيت قدر هذا الحجر‪ .‬ونعرف أن الذي ساعده وشاركه في رفع القواعد هو ابنه‬
‫إسماعيل‪ .‬ومن أكرمه ال برؤية مقام إبراهيم يجد أن الحجر يسع وقوف إنسان واحد‪ ،‬وهكذا نفهم‬
‫أن إسماعيل كان يساعد ويناول والده الحجار‪ ،‬أما مكان القدام الموجودة في هذا الحجر‪ ،‬فهذا‬
‫يعني أن إبراهيم عندما كان يقف ويحمل حجرا من المفروض أن يحمله اثنان فإن هذا يتطلب‬
‫ثبات القدمين في مكان آمن حتى ل يقع‪.‬‬
‫فهل يا ترى أن ال سبحانه وتعالى جلت قدرته ساعة رأى إبراهيم يحتال هذه الحيلة قال لخليله‪:‬‬
‫سأكفيك مؤنة ذلك‪ .‬وجعل الحق القدمين تغوصان في الحجر غوصا يسندهما حتى ل تقعا‪.‬‬
‫والذي ل يتسع ذهنه إلى أن ال ألَنَ لبراهيم الحجر‪ ،‬نقول له‪ :‬إن إبراهيم قد احتال‪ ،‬وخاف أن‬
‫تزل قدمه‪ ،‬فنحت مكانا في الحجر على قدر قدمه حتى تثبت قدمه حين يحمل ويرفع الحجر‪ ،‬وهذه‬
‫آيات بينات‪ .‬فخذ ما يتسع ذهنك وفهمك له‪ ،‬إن ال أعان إبراهيم لنه فكر أن يبني القواعد‬
‫ويرفعها أكثر مما تطول يداه‪ ،‬وقد مكّن ال له في ذلك وأعانه عليه‪ ،‬ونحن نعلم أن الهداية تكون‬
‫هداية الدللة وهداية المعونة‪ {.‬وَالّذِينَ اهْتَ َدوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَا ُهمْ َت ُقوَاهُمْ }[محمد‪]17 :‬‬
‫} فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ َومَن دَخََلهُ كَانَ آمِنا { ‪ ،‬واليات هي المور العجيبة‪ ،‬وعندما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تراها فإنك ل تستطيع أن تنكرها‪ .‬ودخول البيت يعني المن للنسان الذي يدخله‪ ،‬ونحن نعلم أن‬
‫البيت قد تم بناؤه في هذا المكان‪ .‬وهذا المكان تجتمع فيه القبائل‪ ،‬وبين بعض هذه القبائل ثارات‬
‫ودماء وحروب‪ ،‬لذلك يبيّن ال الوضع الذي بمقتضاه تحقن الدماء } َومَن َدخَلَهُ كَانَ آمِنا { لماذا؟‬
‫لنه بيت الرب ول يصح أن يدخل واحد بيت الرب ويُعاقب حتى ولو كان قد أجرم جرما يوجب‬
‫ال عليه الحد فيه‪ .‬ولذلك قال سيدنا عمر رضي ال عنه‪ :‬لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ‪ -‬والده لم‬
‫أتعرض له‪.‬‬
‫ولكن ُيضَيّق الخناق على المجرم حتى يخرج‪ .‬وهذا المن محدد بأي أمر اقترفه في دنياه‪ ،‬أما من‬
‫دخله كان آمنا يوم القيامة فالحكم فيه شيء آخر‪ ،‬إنها درجة عالية من فضل ال‪ ،‬واليات البينات‬
‫الواضحة في البيت الحرام يراها من زار البيت الحرام‪ ،‬وليحقق ال أمل كل راغب في زيارة‬
‫البيت الحرام‪ ،‬وأن يكرر الزيارة لمن ذهب وأراد أن يعود للزيارة مرة أخرى‪ .‬فساعة تدخل البيت‬
‫الحرام فأنت هنا تتجه إلى مكان في البيت والمقابل لك في الكرة الرضية يتجه إلى المكان‬
‫المقابل‪ ،‬إلى أن تصير التجاهات مشتملة على الكعبة كلها‪ .‬ونحن عندما نكون في الكعبة فإننا‬
‫نوجه وجوهنا إلى المبنى لننا نراها‪ ،‬ونحن نوجه الوجوه إلى المبنى المقطوع بأنه منها‪،‬‬
‫والحطيم‪ ،‬وهو القوس المبنى حول حجر إسماعيل‪ ،‬هو من الكعبة أيضا‪ ،‬ولكن النفقة قصرت‪،‬‬
‫فجعلوه ليحدد مكان الكعبة‪ ،‬فظل هكذا‪ ،‬فإذا غاب النسان عن الكعبة واتجه إليها فإنه يكفي أن‬
‫يتجه إلى جهتها‪.‬‬
‫ولذلك نجد الصفوف في الصلة حول الكعبة تتخذ شكل الدائرة؛ لن الذين يصلون في داخل‬
‫الحرم يشاهدونها‪ ،‬أما الذين يصلون خارجها فيكفي أن يتجهوا إلى جهتها ولو طال الصف إلى‬
‫ألف متر‪ ،‬لذلك فالصف للمصلين خارج الحرم يكون معتدل‪ ،‬أما في داخل الحرم فالصفوف تأخذ‬
‫شكل الدائرة لن أقضى بُعد في الكعبة هو اثنا عشر مترا وربع المتر‪ ،‬ونجد من اليات العجيبة‬
‫أنك إذا ما نظرت إلى الحجر السود تجد الناس تتهافت على تقبيله‪ ،‬والحجر يمثل أدنى أجناس‬
‫الكون‪ ،‬ونعلم جميعا أن النسان مستخلف كسيد في الكون‪ ،‬ومن بعده الحيوان أقل منه في الفكر‬
‫ومسخر‪ ،‬ومن بعد الحيوان يكون جنس النبات‪ ،‬ومن بعد ذلك يأتي جنس الجماد ومنه الحجر‪.‬‬
‫إننا نرى هذا النسان السيد في الكون ل يقبل ال منه النسك القبول التام الحسن إل إذا قبل الحجر‪،‬‬
‫أو حياه‪ ،‬وهكذا ينقل الحق أعلى الجناس إلى أدناها‪ .‬والناس تزدحم حول الحجر‪ ،‬ومن لم يقبل‬
‫الحجر يحس أنه افتقد شيئا كثيرا‪ ،‬وهكذا ترى استطراقا وسلوكا من الخلق إلى باب ال‪ ،‬فالنسان‬
‫المتكبر الذي يتوهم أنه سيد على غيره‪ ،‬يأتي إليه أمر في النسك بتقبيل الحجر أو تحيته بالسلم‪،‬‬
‫وهذا النسان برغم أن الحق ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يقبل منه أن يحيي الحجر السود بالسلم ولم يفرض‬
‫عليه أن يقبّله ولكنه مع ذلك يحاول أن يقبل الحجر‪ ،‬وهو أدنى الجناس‪ ،‬لن ال قد عظمه‪ ،‬وهذا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أول كسر لنف غرور النسان‪ ،‬وحتى ل يظن ظان أنها حجرية أو وثنية‪ ،‬يأتي المر من الحق‬
‫برجم حجر آخر‪.‬‬
‫إذن فالحجرية ل ملحظ لها هنا‪ ،‬فنحن نجد حجرا يُقدس‪ ،‬وحجرا آخر يُرجم‪ .‬نجد حجرا يقبله‬
‫النسان ويعظمه وحجرا آخر يزدريه ويحقره‪ .‬وذلك يدل على رضوخنا لرادة المر سبحانه‬
‫وتعالى فقط‪ ،‬فعندما يأمرنا بأن نعظم حجرا فالمؤمن يؤدي حق التعظيم بالسمع والطاعة‪ ،‬وعندما‬
‫يأمرنا سبحانه برجم حجر آخر‪ ،‬فالمؤمن يرجم هذا الحجر بالسمع والطاعة ل أيضا‪ ،‬فالذاتية‬
‫الحجرية ل دخل لها على الطلق‪ .‬وبعض من أصحاب الظن السيء قالوا‪ :‬إن السلم قد استبقى‬
‫بعض الوثنية‪.‬‬
‫ولهؤلء نقول‪ :‬ولماذا تذكرون تعظيم الحجر السود‪ ،‬ولم تذكروا رجم إبليس وهو ثلثة أحجار؟‬
‫لقد عظم المؤمن المؤدي للنسك حجرا واحدا ورجم ثلثة أحجار‪ ،‬إن المؤمن إنما يطيع أمر ال‪،‬‬
‫فليست للحجر أي ذاتية في النسك أو العبادة‪ .‬لقد رفعنا الحق من حضيض عبادة الصنام التي هي‬
‫عين الكفر‪ ،‬لكنه قال لنا‪ " :‬قبلوا الحجر السود " فقد قبلنا الحجر احتراما لمر المر‪ ،‬وذلك هو‬
‫منتهى اليقين‪ .‬لقد نقلنا الحق من مساو إلى مساو‪ ،‬من عبادة الحجر إلى تعظيم وتقديس حجر مثله‪،‬‬
‫لكن الصنام كانت منتهى الشرك‪ ،‬وتقبيل الحجر السود منتهى اليقين‪ .‬أليست هذه آيات بينات؟‬
‫وزمزم التي توجد في حضن الكعبة‪ ،‬أليست آيات بينات؟ إن " هاجر " تترك الكعبة وتروح إلى "‬
‫الصفا " وتصعد إلى " المروة " بعد أن تضع " إسماعيل " بجانب الكعبة‪ ،‬وتدور بحثا عن المياه‪.‬‬
‫وسعت هاجر سبعة أشواط لعلها ترى طيرا أو تجد إنسانا يعرف طريق المياه لن ابنها يحتاج إلى‬
‫الشرب‪ ،‬ولو أنها وجدت على الصفا أو المروة مياها في أول سعيها أكانت تجد تصديقا لقولها‬
‫لبراهيم عندما جاء بها للقامة في هذا المكان " إن ال ل يضيعنا " إنها سعت‪.‬‬
‫وكأن ال يقول لها ولكل إنسان‪ :‬عليك بالسعي‪ ،‬ولكن لن أعطيك من السعي‪ ،‬إنما أعطيك الماء‬
‫تحت رجل إسماعيل‪ .‬إذن فصدقت في قولها‪ :‬لن يضيعنا ال‪ ،‬لقد جعلها الحق سبحانه تسعى سبعة‬
‫أشواط‪ ،‬ول يمكن لمرأة في مثل عمرها أن تقدر على أكثر من ذلك‪ ،‬وهذا يعلمنا أن النسان‬
‫عليه أن يباشر السباب‪ ،‬ولكن القلب عليه أن يتعلق بمسبب السباب‪ ،‬وهو ال سبحانه‪ ،‬وفي هذا‬
‫ما يعدل سلوك الناس جميعا‪ .‬فساعة يرى النسان أن البئر مكان قدم إسماعيل وعلى البعد تكون‬
‫الصفا والمروة‪ ،‬وتسعى بينهما‪ ،‬وبعد ذلك تجد زمزم مكان ضربة قدم إسماعيل‪ ،‬أليس في هذا‬
‫آيات بينات تهدى النسان أن يباشر السباب ويأخذ بها‪ ،‬ويتعلق القلب بمسبب السباب؟‬
‫إن هذا يعطي المؤمن إيمانية التوكل‪ ،‬وهي تختلف عن الكسل و " بلدة التواكل " فإيمانية التوكل‬
‫هي أن الجوارح تعمل‪ ،‬والقلوب تتوكل‪ ،‬أما الكسل عن الخذ بالسباب مع الدعاء بالتوكل فهذه‬
‫بلدة‪ ،‬ومثل هذا الكسول المتواكل عندما يأتي الكل أمامه يأكل بنهم وشره‪ ،‬ولو كان صادقا لترك‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اللقمة تقفز إلى فمه‪ ،‬ولماذا يمضغها إذن؟ لماذا يختار التواكل والكسل‪ ،‬وعدم العمل‪ ،‬ثم يمد يده‬
‫ليأكل؟ إن هذه هي " صفات التواكل "‪.‬‬
‫إننا نأخذ من سعي " هاجر " وتفجر الماء عبرة‪ ،‬هي الخذ بأسباب ال‪ ،‬وبعد ذلك فإننا نجد كل‬
‫إنسان في البيت الحرام مشغول بنفسه مع ربه‪ ،‬ومن فرط انشغاله يكون غافل عمّن يكون معه‪،‬‬
‫ولو كان أحب إنسان له فإنه ل يدري به‪ .‬وساعة تدخل وتنظر إلى الكعبة ينفض من عقلك كل‬
‫فكر في أي شيء من الشياء‪ ،‬ل تذكر أولدك أو مالك‪ ،‬لكنك بعد أن تفرغ من المناسك تعود‬
‫للتفكير في أولدك وعملك‪ ،‬وإل لو ظل حبك وشوقك وتعلقك ومواجيدك بهذه البقعة لضاق المكان‬
‫بالناس جميعا‪ .‬بعد ذلك يقول الحق سبحانه عن البيت الحرام‪َ } :‬ومَن َدخَلَهُ كَانَ آمِنا {‪ .‬وهنا يجب‬
‫أن نفهم أن هناك فارقا بين أن يكون " الخبر " تاريخا للواقع‪ ،‬وبين أن يكون " الخبر " خبرا‬
‫تكليفيا فلو كان } َومَن دَخََلهُ كَانَ آمِنا { تاريخا للواقع لتم نقض ذلك بأشياء كثيرة‪ ،‬فقد وجد فيه‬
‫قوم ولم يّأمَنوا‪.‬‬
‫ونحن نعرف حادث العتداء الخير الذي حاوله جهيمان منذ سنوات قال الناس‪ :‬إن جهيمان‬
‫عندما اعتدى على الناس‪ ،‬لم يستطع حجيج بيت الرحمن أن يكونوا آمنين في البيت وتساءل‬
‫بعضهم‪ ،‬فكيف قال الحق‪َ } :‬ومَن دَخََلهُ كَانَ آمِنا {؟ بل قال بعض أهل النحراف‪ :‬إذن مسألة‬
‫دخول جهيمان إلى البيت الحرام تجعل } َومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنا { ليست صادقة! ولهؤلء نقول‪:‬‬
‫إن هناك فرقا بين إخبار الحق بواقع قد حدث‪ ،‬وبين إخبار بتكليف‪.‬‬
‫إن الخبار بالواقع كان معناه أل يدخل أحد البيت الحرام ويهيجه أو يهاجمه أحد أبدا‪ ،‬ولكن‬
‫الخبار التكليفي معناه‪ :‬أن يخبر ال بخبر ويقصد به تكليف خلقه به‪ ،‬والتكليف كما نعرف عرضة‬
‫لن يطاع‪ ،‬وعرضة لن يعصى‪ ،‬فإذا قال ال سبحانه‪َ } :‬ومَن دَخََلهُ كَانَ آمِنا { فهذا معناه‪ :‬يأيها‬
‫المؤمنون‪ ،‬من دخل البيت الحرام فأمنوه‪ .‬ونضرب المثل ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬تقول أنت لولدك‪:‬‬
‫يا بني هذا بيت يفتح للضيوف من دخله يكرم‪ .‬أهذا يدل على إنجاز الكرام لكل من دخل هذا‬
‫البيت وحصوله له بالفعل وأن هذا ل يتخلف أبدا أم أنك قلت الخبر وتريد لولدك أن ينفذه؟‬
‫إن هذا خبر يحمل أمرا لبنك هو ضرورة إكرام من يدخل هذا البيت‪ ،‬وتلك الوصية عرضة‬
‫لتطاع وعرضة لن تخالف‪ ،‬لذلك فنحن نفهم من قول الحق‪َ } :‬ومَن َدخَلَهُ كَانَ آمِنا { على أساس‬
‫أنها أمر تكليفي‪ ،‬عرضة للطاعة وللعصيان‪ ،‬ومثال آخر على ذلك هو قول ال تعالى‪ {:‬ا ْلخَبِيثَاتُ‬
‫ن وَالطّيّبُونَ ِللْطّيّبَاتِ ُأوْلَـا ِئكَ مُبَرّءُونَ ِممّا َيقُولُونَ‬
‫ت وَالطّيّبَاتُ لِلطّيّبِي َ‬
‫لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَا ِ‬
‫َلهُم ّم ْغفِ َرةٌ وَرِ ْزقٌ كَرِيمٌ }[النور‪]26 :‬‬
‫بعض الناس يقول‪ :‬نجد واقع الحياة غير ذلك‪ ،‬حيث نجد امرأة طيبة تقع في عصمة رجل غير‬
‫طيب وتتزوجه‪ .‬ونجد رجل طيبا يقع مع امرأة غير طيبة ويتزوجها‪ ،‬فكيف يقول ال ذلك؟ ونحن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نرد على أصحاب هذا القول‪ :‬إن ال لم يقل ذلك تأريخا للواقع‪ .‬ولكنه أمر تكليفي‪َ .‬أيْ افعلوا ذلك‪،‬‬
‫وحكمي وتكليفي أن يكون الطيبات للطيبين والطيبون يكونون للطيبات‪ .‬فإذا امتثل الخلق أمر الحق‬
‫فعليهم أن يفعلوا ذلك‪ ،‬وإن لم يمتثل بعض الخلق لمر الحق فإن الواقع بنبيء بحدوث وجود‬
‫طيبين لغير طيبات أو العكس‪.‬‬
‫إذن فقول الحق‪َ } :‬ومَن َدخَلَهُ كَانَ آمِنا { هو خبر يراد به أمر تكليفي‪ ،‬فمن أراد أن يكون صادقا‬
‫فيما كلفه ال به فل ُيؤَمن مَن دخل البيت الحرام‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ل َومَن َكفَرَ فَإِنّ ال غَ ِنيّ عَنِ ا ْلعَاَلمِينَ { [آل‬
‫} وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ مَنِ اسْ َتطَاعَ إِلَ ْيهِ سَبِي ً‬
‫عمران‪]97 :‬‬
‫وحين تسمع " لـ " و " على " ‪ ،‬فافهم أن الفائدة تقع على ما دخلت عليه " اللم " ‪ ،‬والتبعة تقع‬
‫على ما دخلت عليه " على "‪ .‬فحين نقول‪ " ::‬لفلن عَلَى فلن كذا " فالنفعية لِفلن الول والتبعة‬
‫على فلن الثاني‪ .‬وحين يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ {‪ .‬فعلى هذا‬
‫فالنفعية هنا تكون ل‪ ،‬والتبعة هنا تكون على الناس‪ ،‬لكن لو فطنا إلى سر العبارة لوجدنا أن ال ل‬
‫ينتفع بشيء من تكليفه لنا‪ ،‬فالحج ل‪ ،‬ولكنه يعود إليك‪ ،‬فما ل عاد إليك‪ ،‬وما عليك عاد لك‪.‬‬
‫وكل تكليف عليك فأثره لك‪ ،‬فإياك أن تفهم من ذلك القول الكريم‪ } :‬وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ‬
‫{ أن اللم الولى للنفعية‪ ،‬وإياك أن تفهم أن " على " هي للتبعة‪ ،‬نعم إن الحج ل‪ ،‬ولكن الفائدة ل‬
‫تعود إل عليك‪ ،‬وهو تكليف عليك‪ ،‬وفائدته تعود عليك‪ ،‬فالحق سبحانه وتعالى منزه عن أن يُفيد‬
‫من حكم من أحكامه‪ ،‬وهو سبحانه حين ينزل حكما تكليفيا فعلى العبد المؤمن أن يعرف أن فائدة‬
‫الحكم عائدة عليه وعلى حياته‪ ،‬ول يكون القصد والحج‪ ،‬ل لشيء سواه‪.‬‬
‫ولماذا يقول الحق‪ :‬إن على العبد المؤمن أن يحج البيت الحرام؟ لنه الخالق وهو خبير وعليم بأن‬
‫التكليف شاق على النفس‪ ،‬ولكن على المؤمن المكلف حين يجد تكليفا شاقا عليه أن ينظر إلى‬
‫الفائدة العائدة من هذا الحكم‪ ،‬فإن نظر إلى الفائدة من الحكم وجد أنها تعود عليه‪ ،‬ولذلك يسهل‬
‫على العبد المؤمن أمر الطاعة‪ .‬والذي ل يقبل على الطاعة ويهمل الجزاء عليها ويغفل عنه‪ .‬تكون‬
‫الطاعة شاقة عليه‪ .‬والذي يقبل على المعصية ويهمل الجزاء عليها تكون المعصية هينة عليه‪.‬‬
‫ولكن الطائع لو استحضر غاية الطاعة لعلم أنها له ل عليه‪.‬‬
‫ولو أن العاصي استحضر العذاب على المعصية لعلم أنها عليه ل له؛ فالعاصي قد يحقق لنفسه‬
‫شهوة‪ ،‬لكنها شهوة عاجلة‪ ،‬أمدها قصير‪ ،‬ولو استحضر العاصي العقوبة على المعصية وقت‬
‫عملها ما أقدم على معصيته أبدا‪ .‬ولكن الذين يرتكبون المعصية ينظرون إلى الشهوة الطارئة‪،‬‬
‫ويعزلون جزاء المعصية عنها‪ ،‬ولو أنصفوا أنفسهم‪ ،‬ل يستحضروا العقاب على المعصية في‬
‫وقت الرغبة في ارتكابها‪ .‬وحين يستحضرون جزاء المعصية مع المعصية فإن شهوة المعصية‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تنتهي منهم‪ ،‬وأضرب هذا المثل دائما عن أعنف غرائز النسان وهي غريزة الجنس‪.‬‬
‫هب أن هناك واحدا رأى فتاة جميلة ثم أراد أن ينالها نقول لهذا المتشرد جنسيا‪ :‬استحضر العذاب‬
‫على هذا العمل‪ ،‬وإن أخذت هذه الفتاة فتعال لنريك بعينيك ما أعده ال لك حين تتمتع بهذه الفتاة‬
‫خارجا عن شرع ال‪ ،‬وأوقد له فرنا مسجورا ومحمّيا‪ ،‬وقُل له‪ :‬في مثل هذا ستدخل بل وأشد منه‬
‫إن نلت من الفتاة‪.‬‬
‫أيقبل هذا المتشرد على ارتكاب تلك المعصية؟ ل؛ فشهوة المعصية تضيع عندما يستحضر العذاب‬
‫علَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَ ْيهِ سَبِيلً { والسبيل هو‬
‫عليها‪ .‬إن الحق سبحانه يقول‪ } :‬وَللّهِ َ‬
‫الطريق الموصل للغاية‪ ،‬والطريق الموصل للغاية عادة ما يكون مطروقا‪ ،‬وعندما يتجه النسان‬
‫لداء فريضة الحج فهو طارق للطريق‪ ،‬أي سيسير عليه‪ ،‬هكذا تعرف أن هناك ثلثة أشياء‪:‬‬
‫طارق‪ ،‬وهو من كتب ال عليه الحج وهو المكلف‪.‬‬
‫وسبيل مطروق‪.‬‬
‫وغاية‪ ،‬وهي حج البيت‪.‬‬
‫وما دام الطارق سيسلك طريقا فل بد أن يكون عنده قدرة على أن يسلك هذا الطريق فكيف تتأتى‬
‫هذه القدرة؟ إن أول شيء في القدرة هو الزاد‪ ،‬وثاني شيء في القدرة هو المطية التي يركبها‪،‬‬
‫وهكذا نتبين أننا نحتاج إلى زاد وراحلة لطارق الحج‪.‬‬
‫والسبيل الذي يطرقه‪ ،‬أيكون محفوفا بالمخاطر؟ ل‪ ،‬بل يُفترض أن يكون السبيل آمنا‪ .‬إذن‬
‫فالستطاعة تلزمها ثلث حاجات‪ ،‬هي‪ :‬الزاد‪ ،‬والراحلة‪ ،‬وأمن الطريق‪ .‬والزاد عادة يخص‬
‫النسان نفسه‪ ،‬ولكن ماذا يكون الحال إن كان النسان يعول أسرة وصغارا؟‬
‫إذا كان النسان على هذا الحال فمن الستطاعة أن يكون قد ترك زادا لمن يعولهم إلى أن يعود‪.‬‬
‫وعلينا أن ننتبه إلى أن ال قال في كل تكليف‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ {‪ .‬ولكنه سبحانه‬
‫جاء في فريضة الحج بالقول الواضح‪ ،‬بأن الحج ل على الناس وليس لمن أسلموا فقط‪ ،‬ورسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم قد دعا أهل الكتاب الذين كانوا يتمحكون في إبراهيم عليه السلم أن‬
‫يحجوا البيت الحرام‪ ،‬فامتنعوا عن الحج‪ ،‬ولو كان الحج للمسلمين المؤمنين برسالة محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم لما عرض رسول ال صلى ال عليه وسلم على اليهود والنصارى أن يحجوا ليكون‬
‫ذلك جمعا لهم على أن يتجه الخلق جميعا إلى بيت ال ويعبدوا إلها واحدا هو ربّ هذا البيت‪،‬‬
‫ولكنهم امتنعوا عن الحج‪ .‬ولذلك يقول الرسول صلى ال عليه وسلم فيمن لم يحج بدون مرض‬
‫حابس‪ ،‬أو سلطان جائر‪ ،‬أو فقر وعوز‪ ،‬يقول في الحديث الشريف‪:‬‬
‫عن علي رضي ال عنه ان رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بيت ال ولم يحج فل عليه أن يموت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا‪ ،‬وذلك أن ال تعالى‬
‫يقول‪ } :‬وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَ ْيهِ سَبِيلً { "‪.‬‬
‫ولذلك نجد التكليف بالحج قد اتبع مباشرة بقول الحق‪َ } :‬ومَن َكفَرَ { فهل يقع من ل يحج بدون‬
‫مانع قاهر في الكفر؟ هنا يقف العلماء وقفة‪ .‬العلماء يقولون‪ :‬نعم إنه يدخل في الكفر‪ ،‬لماذا؟ لن‬
‫الكفر عند العلماء نوعان كفر بال‪ ،‬أو كفر بنعمة ال‪ ،‬ومثال ذلك قوله ‪ -‬جل شأنه ‪َ {:-‬وضَ َربَ‬
‫طمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا مّن ُكلّ َمكَانٍ َف َكفَرَتْ بِأَ ْنعُمِ اللّهِ فََأذَا َقهَا اللّهُ‬
‫اللّهُ مَثَلً قَرْ َيةً كَا َنتْ آمِنَةً مّ ْ‬
‫خوْفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }[النحل‪]112 :‬‬
‫لِبَاسَ ا ْلجُوعِ وَا ْل َ‬
‫أو هو الكفر‪ ،‬كأن يموت النسان يهوديا أو نصرانيا‪ ،‬وهنا نقول‪ :‬انتبه‪ ،‬ل تأخذ الحكم من زاوية‬
‫وتترك الزاوية الخرى‪ .‬إن المسألة التكليفية يوضحها الحق بقوله‪ } :‬وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ‬
‫{‪ .‬فهل تعارضون في هذا التكليف؟ أو تؤمنون به ولكن ل تنفذونه؟‬
‫ت { فهل أنت مؤمن بها أو ل؟ سنجد‬
‫إن القضية التكليفية اليمانية هي } وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْي ِ‬
‫الجابة من كل المؤمنين بـ " نعم "‪.‬‬
‫ن مؤمن إلى آخر؛ فنحن نجد مؤمنا يحرص على أداء الحكم من ال‪ ،‬وهو‬
‫ولكن الموقف يختلف مِ ْ‬
‫الطائع‪ ،‬ونجد مؤمنا آخر قد ل يحرص على أداء الحكم فيصبح عاصيا‪.‬‬
‫ونجد في هذا الموقف أن الكفر نوعان‪ ،‬هناك من يكفر بحكم الحج‪ ،‬أي من كفر في العتقاد بأن‬
‫ل على الناس حج البيت‪ ،‬وهذا كافر حقا‪ ،‬لكنْ هناك نوع آخر وهو الذي يرتكب معصية الكفران‬
‫بالنعمة؛ لن ال أعطاه الستطاعة من زاد‪ ،‬ومن راحلة‪ ،‬ومن أمن طريق‪ ،‬ومن قدرة على زاد‬
‫يكفي من يعولهم إلى أن يعود‪ ،‬وهنا كان يجب على مثل هذا النسان أن يسعى إلى الحج‪ .‬لذلك‬
‫قال بعض العارفين لو أن أحدهم ُأخْبِر بأن له ميراثا بمكة لذهب إليه حبوا‪.‬‬
‫إذن فقوله تعالى‪ } :‬وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَ ْيتِ { هي قضية إيمانية‪ ،‬فمن اعتقدها يبرأ من الكفر‪،‬‬
‫ومن خالفها وأنكرها فهو في الكفر‪ .‬ومن قام بالحج فهو طائع‪ ،‬ومن لم يفعل وهو مؤمن بالحج‬
‫فهو عاصٍ‪.‬‬
‫ولننظر إلى دقة الداء القرآني حين يقول الحق‪َ } :‬ومَن كَفَرَ فَإِنّ ال غَ ِنيّ عَنِ ا ْلعَاَلمِينَ {‪ .‬قد يقول‬
‫قائل‪ :‬ولماذا لم يقل ال‪ :‬ومن كفر فإن ال غني عنه؟ وقال‪ } :‬فَإِنّ ال غَ ِنيّ عَنِ ا ْلعَاَلمِينَ {؟‬
‫ونقول‪ :‬إنّ ال غنيّ عن كل مخلوقاته‪ ،‬وإيّاك أن تفهم أن الذي لم يكفر وآمن‪ ،‬وأدى ما عليه من‬
‫تكليف‪ ،‬أنه عمل منفعة ل؛ إن ال غني عن الذي أَدّى وعن الذي لم يؤد‪ ،‬إياك أن تظن أن من‬
‫أدّى قد صنع ل معروفا‪ ،‬أو قدم ل يدا؛ } فَإِنّ ال غَ ِنيّ عَنِ ا ْلعَاَلمِينَ { عمن ل يفعل‪ ،‬وعمن يفعل‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ُ } :‬قلْ ياَأ ْهلَ ا ْلكِتَابِ ِلمَ َت ْكفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ‪{ ...‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)488 /‬‬
‫شهِيدٌ عَلَى مَا َت ْعمَلُونَ (‪)98‬‬
‫ُقلْ يَا أَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ لِمَ َت ْكفُرُونَ بِآَيَاتِ اللّ ِه وَاللّهُ َ‬

‫وحين تسمع " قل " فهي أمر من ال لرسوله كما قلنا من قبل؛ إنك إذا كلفت إنسانا أن يقول جملة‬
‫لمن ترسله إليه فهل هذا النسان يأتي بالمر " قل " أو يؤدي الجملة؟ إنه يؤدي الجملة‪ ،‬ومثال‬
‫ذلك حين تقول لبنك مثل‪ " :‬قل لعمك‪ :‬إن أبي سيأتيك غدا " فابنك يذهب إلى عمه قائل‪ " :‬أبي‬
‫يأتيك غدا "‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬ألم يكن يكفي أن يقول ال للرسول‪ " :‬قل يا محمد " فيبلغنا رسول ال يا أهل‬
‫الكتاب لم تكفرون؟ كان ذلك يكفي‪ ،‬ولكن الرسول مبلغ المر نفسه من ال‪ ،‬فكأنه قال ما تلقاه من‬
‫ال‪ ،‬والذي تلقاه الرسول من ال هو‪ُ { :‬قلْ ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ } وهذا يدل على أن الرسول يبلغ حرفيا‬
‫ما سمعه عن ال وهناك آيات كثيرة في القرآن تبدأ بقول الحق‪ { :‬ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ } ول يأتي فيها‬
‫قول الحق‪ " :‬قل "‪ .‬وهناك آيات تأتي مسبوقة بـ " قل " " ما الفرق بين الثنين "؟‬
‫نحن نجد أن الحق مرة يتلطف مع خلقه‪ ،‬فيجعلهم أهل لخطابه‪ ،‬فيقول‪ { :‬ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَاب } إنه‬
‫خطاب من ال لهم مباشرة‪ .‬ومرة يقول لرسوله‪ :‬قل لهم يا محمد لنهم لم يتساموا إلى مرتبة أن‬
‫يُخاطبوا من ال مباشرة‪ :‬فإذا ما وجدنا خطابا من الحق للخلق‪ ،‬مرة مسبوقا بـ " قل " ومرة‬
‫أخرى غير مسبوق فلْتعلم أن الحق سبحانه حين يخاطب خلقه الذين خلقهم يتلطف معهم مرة‪،‬‬
‫ويجعلهم أهل لن يخاطبهم‪ ،‬ومرة حين يجد منهم اللجاج فإنه يبلغ رسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫قل لهم‪.‬‬
‫والمثال على ذلك ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬في حياتنا‪ ،‬نجد الواحد منا يقول لمن بجانبه‪ :‬قل لصاحب‬
‫الصوت العالي أن يصمت‪ .‬إن هذا القائل قد َتعَالَى عن أن يخاطب هذا النسان صاحب الصوت‬
‫المرتفع فيطلب ممن يجلس بجانبه أن يأمر صاحب الصوت العالي بالسكوت‪ .‬وحين يجيء‬
‫الخطاب لهل الكتاب فنحن نعرف أنهم اليهود أصحاب التوراة‪ ،‬والنصارى أصحاب النجيل‪،‬‬
‫وهؤلء هم من يقول عنهم الحق‪ { :‬ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَاب }‪.‬‬
‫ولم يقل أحد لنا‪ " :‬يا أهل القرآن " لماذا؟ لن الحق حين يقول لهم‪ { :‬ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَاب } فنحن نعرف‬
‫أن الكتاب يُطلق على كل مكتوب‪ ،‬وكفرهم يعارض ما علم ال أنه موجود في الكتاب الذي أنزل‬
‫عليهم؛ لنه هو الذي أنزل الكتاب‪ ،‬ويعلم أن ما في الكتاب يدعو إلى اليمان‪ ،‬ول يدعو إلى‬
‫الكفر‪ .‬وما دام هو الحق الذي نَزّل الكتاب‪ ،‬وهو الشاهد‪ ،‬فيصبح من الحمق من أهل الكتاب أن‬
‫يوقعوا أنفسهم في فخ الكفر؛ لنهم بذلك يكذبون على ال‪ :‬وال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يسجل عليهم أنهم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خالفوا ما هو مكتوب ومنزل عليهم في كتابهم‪.‬‬
‫إنهم ‪ -‬أهل الكتاب ‪ -‬إن استطاعوا تعمية أهل الرض فلن يستطيعوا ذلك بالنسبة لخالق الرض‬
‫والسماء‪.‬‬
‫والحق حين يقول‪ } :‬لِمَ َتكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ { فهل نفهم من ذلك أن كفرهم بآيات ال هو سترهم‬
‫آيات ال سترا أوليا أو أنهم آمنوا بها‪ ،‬ثم كفروا بها؟ لنرى ماذا حدث منهم‪ ،‬لقد كانت البشارات به‬
‫صلى ال عليه وسلم مكتوبة في التوراة‪ ،‬ومكتوبة في النجيل وهم قد آمنوا بها قبل أن يجيء‬
‫سيدنا رسول ال‪ ،‬فلما جاء رسول ال بالفعل كفروا بها‪ .‬وفي هذا جاء القول الحكيم‪ {:‬وََلمّا جَآءَ ُهمْ‬
‫كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ ُمصَدّقٌ ّلمَا َم َعهُمْ َوكَانُواْ مِن قَ ْبلُ يَسْ َتفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ فََلمّا جَآءَهُمْ مّا‬
‫عَ َرفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪]89 :‬‬
‫لماذا كفروا به صلى ال عليه وسلم؟ لنه زحزح عنهم السلطة الزمنية‪ ،‬فلم تعد لهم السلطة‬
‫الزمنية التي كانوا يبيعون فيها الجنة ويبيعون فيها رضوان ال ويعملون ما يحقق لهم مصالحهم‬
‫دون التفات لحكام ال‪ .‬وسبق أن قلت‪ :‬إن قريشا قد امتنعت عن قول‪ " :‬ل إله إل ال " وهذا‬
‫المتناع دليل على أنها فهمت المراد من " ل إله إل ال " ‪ ،‬فلو كانت مجرد كلمة تقال لقالوها‪،‬‬
‫لكنهم عرفوا وفهموا أنه ل معبود ول مطاع ول مشرع‪ ،‬ول مكلف إل ال‪.‬‬
‫إن الحق يقول لهل الكتاب‪ُ } :‬قلْ ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ ِلمَ َتصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَ ْبغُو َنهَا‬
‫عوَجا‪{ ...‬‬
‫ِ‬

‫(‪)489 /‬‬
‫ش َهدَا ُء َومَا اللّهُ ِبغَافِلٍ‬
‫عوَجًا وَأَنْتُمْ ُ‬
‫ُقلْ يَا أَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ لِمَ َتصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ مَنْ َآمَنَ تَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ (‪)99‬‬
‫َ‬

‫هب أنكم خبتم في ذواتكم‪ ،‬وحملتم وزر ضللكم؛ فلماذا تحملون وزر إضللكم للناس؟‪ .‬كان يكفي‬
‫أن تحملوا وزر ضللكم أنتم‪ ،‬ل أن تحملوا أيضا وزر إضللكم للناس؟‬
‫حمِلُواْ َأوْزَارَهُمْ كَامِلَةً َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ َومِنْ َأوْزَارِ الّذِينَ ُيضِلّو َنهُمْ ِبغَيْرِ‬
‫إن الحق ‪ -‬سبحانه ‪ -‬قال‪ {:‬لِ َي ْ‬
‫عِلْمٍ َألَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }[النحل‪]25 :‬‬
‫إنه سبحانه قال ذلك مع أنه قد قال‪َ {:‬ولَ تَزِ ُر وَازِ َر ٌة وِزْرَ أُخْرَىا }[فاطر‪]18 :‬‬
‫إن الذي ل يحمل وزرا مع وزره هو الضال الذي لم ُيضِل غيره‪ ،‬فهذا يتحمل إثمه فقط‪ .‬أما الذي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يحمل وزر نفسه‪ ،‬ووزر غيره فهو الضال المضل لغيره‪ ،‬وهنا يسألهم الحق سبحانه وتعالى على‬
‫لسان رسوله‪ِ { :‬لمَ َتصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ }‪.‬‬
‫كأنه يقول لهم ماذا تريدون من الدين الذي يربط العبد بربه؟‪ .‬إنكم ل تريدونه دينا قيما‪ ,‬إنكم‬
‫تريدون دينا معوجا‪ ،‬والمعوج عن الستقامة إنما يكون معوجا لِغرض؛ لن المعوج يطيل المسافة‪.‬‬
‫إنّ الذي يسير في طريق مستقيم ما الذي يدعوه إلى أن ينحرف عن الطريق المستقيم ليطيل على‬
‫نفسه السبيل؟‪ .‬إن كان يريد الغاية مباشرة فإنه يفضل الطريق المستقيم‪ .‬أما الذي ينحرف عن‬
‫الطريق المستقيم فهو ل ينبغي الغاية المنشودة‪ ،‬بل يطيل على نفسه المسافة‪ ،‬وقد ل يصل إلى‬
‫الغاية‪.‬‬
‫عوَجا } وساعة تسمع " عوجا " فإننا قد‬
‫والحق يقول‪ِ { :‬لمَ َتصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫نسمعها مرة " عوج " بفتح العين‪ .‬ومرة نسمعها " عوج " بكسر العين‪ .‬حين نسمعها " عوج " بفتح‬
‫العين‪ ،‬فال َعوَج هو للشيء الذي له قيام‪ ،‬كالحائط أو الرمح‪ ،‬أما " العِوج " بكسر العين فهو في‬
‫شهَدَآءُ‬
‫عوَجا وَأَنْتُمْ ُ‬
‫المعاني والقيم‪ ،‬لذلك يقول لهم الحق عن انحرافهم في المعاني والقيم‪ { :‬تَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫}‪.‬‬
‫إن الحق يبلغهم‪ :‬أنتم تبغون الدين عوجا برغم أنكم شهداء على أن ما جاء به محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم هو الحق‪ ،‬إنه جاء مبلغا بالصدق‪ ،‬وكنتم تبشرون برسالة محمد‪ ،‬وكنتم تستفتحون على‬
‫الذين أشركوا من أهل مكة وتقولون‪ :‬سيأتي نبي نتبعه ثم نقتلكم معه قتل عاد وإرم‪ .‬وأنتم ‪ -‬يا‬
‫أهل الكتاب ‪ -‬شهود على صدق هذا الرسول‪.‬‬
‫لقد ارتكبوا سلسلة من المعاصي؛ هم ضلوا وجهدوا أن يُضلوا غيرهم‪ .‬ويا ليت ذلك يتم عن جهل‪،‬‬
‫ولكنه أمر كان يتم بقصد وعن علم‪.‬وبلغت المسألة منهم مبلغ أنهم شهود على الحق‪ .‬وبرغم ذلك‬
‫أصروا على الضلل والضلل‪ .‬ومعنى " الشهود " ‪ ،‬أنهم عرفوا ما قالوا ورأوه رأي العين‪،‬‬
‫فالشهود هو رؤية لشيء تشهده‪ ،‬وليس شيئا سمعته‪ ،‬لذلك يذكرهم الحق سبحانه بقوله‪َ { :‬ومَا اللّهُ‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ }‪.‬‬
‫ِبغَا ِفلٍ َ‬
‫إنّ الرسالة التي جاء بها محمد مبلغا واضحة‪ ،‬وهذا مذكور في كتبكم السماوية‪ .‬فما الذي يجعلكم‬
‫ يا أهل الكتاب ‪ -‬ل تلتزمون طريق الحق وأنتم شهود؟ ل بد أنكم قد مستكم شبهة إن ال يغفل‬‫عمّا َت ْعمَلُونَ }‪.‬‬
‫عن ذلك‪ ،‬فقال لهم ل‪َ { :‬ومَا اللّهُ ِبغَا ِفلٍ َ‬
‫وبعد ذلك يأتي قول الحق سبحانه‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقا مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ‬
‫يَرُدّوكُم َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ كَافِرِينَ }‬

‫(‪)490 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا إِنْ ُتطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الّذِينَ أُوتُوا ا ْلكِتَابَ يَ ُردّوكُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ كَافِرِينَ (‪)100‬‬

‫معنى ذلك أن ال نبّه الفئة المؤمنة إلى أن الذين يكفرون بآيات ال لن يهدأ بالهم ما دمتم أنتم ‪-‬‬
‫أيها المؤمنون ‪ -‬على الجادة‪ ،‬وما دمتم مستقيمين‪ ،‬ولن يهدأ للكافرين بآيات ال بال إل أن يشككوا‬
‫المؤمنين في دينهم‪ ،‬وأن يبغوها عوجا‪ ،‬وأن يكفروهم من بعد إسلمهم‪.‬‬
‫وهذه قضية يجب أن ينتبه لها الذين آمنوا؛ لن الذين يبغون المر عوجا قد ضلوا وأضلوا‪ ،‬وهم‬
‫يشهدون على هذا‪ ،‬ويعلمون أنّ ال غير غافل عما يعملون‪ ،‬فماذا يكون موقف الطائفة المؤمنة؟‬
‫إن الحق سبحانه يوضحه بقوله‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ }‪.‬‬
‫إن أهل الكتاب يحاولون أن يصدوا المؤمنين عن سبيل ال‪ ،‬وليس المقصود بالصد‪ ،‬أن هناك من‬
‫يمنع المؤمنين من اليمان‪ ،‬ل‪ ،‬بل هي محاولة من أهل الكتاب لقناع المؤمنين بالرجوع والرتداد‬
‫عن اليمان الذي اعتنقوه؛ فالمؤمنون هم الطائفة التي تلتزم بالتكليف من ال‪ ،‬لذلك يحذرهم الحق‬
‫سبحانه بقوله‪:‬‬
‫{ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقا مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ‪ ،‬يَرُدّوكُم َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ كَافِرِينَ } الحق يحدد قسما من‬
‫الذين أوتوا الكتاب‪ ،‬وذلك تأريخ بنزاهة وصدق وحق ودون تحامل‪ .‬كأن الحق سبحانه يبلغنا أن‬
‫هناك فريقا من أهل الكتاب سيسلكون الطريق السوي‪ ،‬ويجيئون إلى المسلمين أرسال وجماعات‬
‫وأفرادا مع السلم؛ فالحق ل يتكلم عن كل الذين أوتوا الكتاب‪ .‬لذلك يقول الحق { إِن تُطِيعُواْ‬
‫فَرِيقا مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ } إن الحق يؤرخ وهو يحمى الحقيقة‪ ،‬ويقول سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫ن وَأَنْتُمْ تُتْلَىا عَلَ ْيكُمْ آيَاتُ اللّهِ َوفِيكُمْ رَسُولُهُ‪} ...‬‬
‫{ َوكَ ْيفَ َتكْفُرُو َ‬

‫(‪)491 /‬‬
‫ن وَأَنْتُمْ تُ ْتلَى عَلَ ْي ُكمْ آَيَاتُ اللّ ِه َوفِيكُمْ رَسُولُ ُه َومَنْ َيعْ َتصِمْ بِاللّهِ َفقَدْ ُه ِديَ إِلَى صِرَاطٍ‬
‫َوكَيْفَ َت ْكفُرُو َ‬
‫مُسْ َتقِيمٍ (‪)101‬‬

‫إنه استعظام وتعجيب من أن يأتي الكفر مرة أخرى من المؤمنين وهم في نعيم المعرفة بال‪،‬‬
‫فآيات ال تُتلى عليهم‪ ،‬ورسول ال حق ومعهم وفيهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه للمؤمنين‪ { :‬إِن ُتطِيعُواْ فَرِيقا مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ } إنّ لذلك قصة؛ فقد كان‬
‫اليهود في المدينة يملكون السلطة القتصادية؛ لنهم يجيدون التعامل في المال‪ ،‬وكل من يريد مال‬
‫يذهب إليهم ليقترض منهم بالربا‪ .‬وكان لليهود أيضا التفوق والتميز العلمي؛ لنهم يعلمون الكتاب‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بينما كان غالبية أهل مكة والمدينة من الميين الذين ل يعرفون كتابا سماويا‪ .‬وكذلك كان هناك‬
‫تميز آخر لليهود هو خبرتهم بالحرب؛ فلهم قلع وحصون‪ .‬هكذا كان لليهود ثلثة أسباب للتميز‪:‬‬
‫المال يحقق الزعامة القتصادية‪ ،‬والعلم‪ ..‬بالكتاب وهو تفوق علمي‪ ،‬ثم خبرتهم بفنون الحرب‪،‬‬
‫وكانوا فوق ذلك يحاولون إيجاد الخلف بين الناس وتعميقه‪ .‬مثل محاولتهم إثارة العداوات بين‬
‫الوس والخزرج‪ .‬والمتاجرة بذلك حتى تظل الحروب قائمة‪ ،‬وبذلك يضمنون رواج تجارة‬
‫السلحة التي يصنعونها ويمدون بها كل فريق من المتحاربين‪.‬‬
‫ولما جاء السلم وحّد الرسول صلى ال عليه وسلم بين الوس والخزرج وبذلك ضاع منهم‬
‫التفوق القتصادي‪ .‬وجاء السلم بدين وكتاب مهيمن على الكتب‪ ،‬فضاعت من اليهود المنزلة‬
‫العلمية‪ .‬وكذلك ضاعت من اليهود المنزلة الحربية؛ فقد رأوا قلة من المؤمنين هزموا الكفار‬
‫وأنزلوا بهم هزيمة نكراء في بدر‪ ،‬وهكذا ضاع كل سلطان لليهود في المدينة‪ ،‬لذلك أرادوا أن‬
‫يعيدوا المر إلى ما كان عليه قبل أن يجيء السلم‪ ،‬فقالوا فلنؤجج ونشعل ما بين الوس‬
‫والخزرج من العداوات ونهيجها‪ ،‬وقال شخص اسمه " شأس بن قيس " وقد رأى نور اليمان يعلو‬
‫وجوه الوس والخزرج ويشملهم النسجام اليماني‪ .‬وتوجد بينهم المودة وابتسامات الصفاء‪ ،‬هيّج‬
‫ذلك شأس بن قيس وقال‪ " :‬وال ل بد أن نعيدها جذعة ونرجعهم إلى ما كانوا عليه من أحقاد‬
‫وعداوات‪ ،‬فل استقرار لنا ما دامو قد اجتمعوا "‪.‬‬
‫فأرسل فتى من اليهود وجلس بين الوس والخزرج‪ ،‬ثم تطرق الحديث منه إلى يوم يسمى يوم "‬
‫بعاث " ‪ ،‬وهو اسم يوم من أيام العرب قبل السلم‪ ،‬وكان بين الوس والخزرج‪ ،‬وكان النصر فيه‬
‫للوس على الخزرج‪ ،‬وجلس الفتى اليهودي يذكر ويأتي بالشعر الذي قيل في هذا اليوم فهيّج‬
‫حمية الوس والخزرج وحدث النزاع‪ ،‬وحصل التفاخر واستيقظ التباغض‪ ،‬وقالوا‪ " :‬السلح‪..‬‬
‫السلح " وهكذا نجحت المكيدة‪ ،‬ونمى الخبر إلى سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقام صلى‬
‫ال عليه وسلم ومعه صحابته‪ ،‬حتى انت َهوْا إلى اجتماع الوس والخزرج‪ ،‬فوجدوا الحال على أشد‬
‫درجات الهياج‪ ،‬نزاع‪ ،‬وتباغض‪ ،‬وسلح محمول‪ ،‬فقال الرسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬أبِدَعْوى‬
‫الجاهلية وأنا بين أظهركم!!‬
‫أي كان من الواجب أن تخجلوا من أنفسكم؛ لن رسول ال بينكم‪ ،‬وأضاف رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ :‬لقد أكرمكم ال بالسلم‪ ،‬وقطع به عنكم أمر الجاهلية‪ ،‬وألف بين قلوبكم‪ ،‬فماذا كانت‬
‫مواقع كلمات الرسول في نفوس القوم؟ لقد دفعتهم كلماته صلى ال عليه وسلم إلى إلقاء السلح‪،‬‬
‫وبكوا وعانق بعضهم بعضا وانصرفوا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فما كان يوم أقبح أول‬
‫وأحسن آخرا من ذلك اليوم‪.‬‬
‫وعندما نتأمل ما فعله هؤلء القوم من اليهود لشعال الفتنة بين الوس والخزرج نجد أنهم قد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أدركوا طبيعة النزاع القديم بين الوس والخزرج فأرادوا أن يهيجوا تلك العداوات والحقاد‬
‫القديمة‪ ،‬وكذلك نجد أن تهييج المشاعر بين الوس والخزرج جعل للنفلت بابا فكاد القتال‬
‫يشتعل‪ ،‬وعندما تكلم فيهم رسول ال صلى ال عليه وسلم هدأت المواجيد‪ ،‬وألقوا السلح‪ ،‬وندموا‬
‫على ما فعلوا‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن نرى المر بعمق التصور ِلمَا حدث فإننا نجد أن إدراك العداوة بين الوس‬
‫والخزرج من اليهود هو الذي دفع اليهود لتحريك هذا الدراك الخاطئ وإحياء الثارات القديمة‪ ،‬ثم‬
‫كان انفعال الوس والخزرج بتلك الثارات القديمة قد فتح الباب لحمل السلح للقتتال‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن الدراك للشيء‪ ،‬يمر بثلث مراتب‪ :‬أول‪ :‬الحساس بالشيء‪ ،‬ثانيا‪ :‬انفعال النفس‬
‫له‪ ،‬ثالثا؛ النزوع السلوكي‪ ،‬وعندما تحدث الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أدرك الوس والخزرج‬
‫المر بطريقة عكسية فألقوا السلح‪ ،‬وهدأت مواجيد البغضاء‪ ،‬وتركوا الدراكات الخاطئة‪.‬‬
‫لقد ذكرهم النبي صلى ال عليه وسلم بثلثة أشياء هي‪ " :‬أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وقد‬
‫أكرمكم ال بالسلم وقطع به عنكم أمر الجاهلية‪ .‬وألف بين قلوبكم "‪ .‬وقد استقبلوا ذلك بإلقاء‬
‫السلح أول‪ ،‬ثم البكاء ثانيا‪ ،‬وهو أمر حركته المواجيد فيهم ثم تعانقوا أي صححوا الدراكات‬
‫ثالثا‪ ،‬وهكذا حدث النزوع بالعكس‪ .‬ولما حدث ذلك أصاب اليهود الغيظ والخيبة والنكد‪ .‬وقال‬
‫المؤرخ لهذه القصة‪ :‬فما كان يوم في السلم أسوأ أول وأحسن آخرا إلّ ذلك اليوم‪.‬‬
‫لقد بدأ اليوم بعبوس‪ ،‬وانتهى بإشراق الطمأنينة‪ ،‬وبعد ذلك وُجدت الخلية التي تكوّن المناعة في‬
‫نفوس المؤمنين‪ ،‬بعد أن قال الرسول صلى ال عليه وسلم ذلك القول‪ " :‬أبِدَعوى الجاهلية وأنا بين‬
‫أظهركم بعد إذا أكرمكم ال بالسلم‪ ،‬وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم "‪.‬‬
‫لقد صار هذا القول الكريم مستحضرا عند كل نزع لشيطان‪ ،‬أو كيد لعدو‪ .‬لقد جعل الحق المناعة‬
‫ضد فعل الكيد‪ ،‬ونزغ الشيطان عند المؤمنين من الوس والخزرج‪ ،‬وهكذا نرى أن ال يسخر‬
‫الكافر حتى في رفعة شأن اليمان‪ ،‬فلو لم تحدث هذه المسألة ويأتي الرسول صلى ال عليه‬
‫بمنطقه المؤثر وهو بين القوم ليقول ذلك القول لما أصبح لدى المسلمين هذه المناعة من الرتفاع‬
‫عن البغضاء فيما بينهم‪ ،‬ولو كان أحد من أتباع الرسول قد قال مثل هذه الكلمة فقد كان من‬
‫المحتمل أن يحدث هذا الثر‪ ،‬لكن عندما قالها الرسول صلى ال عليه وسلم فقد أوجدت المناعة‬
‫لغيرها من الحداث التي يأتي وقد ل يكون الرسول موجودا‪.‬‬
‫ولذلك فأنت أيها المؤمن إن نظرت إلى الكافرين‪ .‬فإنك تجد عقولهم خائبة‪ .‬لقد نشروا السلم ‪-‬‬
‫دون إرادتهم ‪ -‬بمواقفهم الحمقاء‪ ،‬فمثل حين قالوا‪ :‬سيأتي نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم‪،‬‬
‫فما الذي حدث؟‬
‫إن النصار ساعة أن سمعوا بالدين الجديد قال بعضهم لبعض‪ :‬اسمعوا يا قوم‪ ،‬إنه الدين الذي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بشرتكم به يهود‪ ،‬فقبل أن يسبقونا إليه هيا بنا نسبق نحن اليهود إليه‪.‬‬
‫لقد كان استعلء اليهود وتفاخرهم على الوس والخزرج دافعا للوس والخزرج على الدخول في‬
‫السلم‪ ،‬وهكذا يجعل الحق سبحانه وتعالى كفر الكافر مؤثرا في تثبيت إيمان المؤمن‪.‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪َ } :‬وكَ ْيفَ َت ْكفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىا عَلَ ْيكُمْ آيَاتُ اللّهِ َوفِيكُمْ رَسُولُ ُه َومَن َيعْ َتصِم‬
‫بِاللّهِ َفقَدْ هُ ِديَ إِلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ { نفهم انه استعظام وتعجيب يأتي من الحق‪ .‬فساعة تسمع‪} :‬‬
‫كَ ْيفَ َت ْكفُرُونَ { فذلك أمر عجيب‪ ،‬لنه من المستبعد أن يكفر المؤمنون وكتاب ال يتلى عليهم‪،‬‬
‫ورسول ال فيهم‪.‬‬
‫ويجيء من بعد ذلك الدعوة إلى العتصام بال‪ ،‬ومعنى العتصام‪ :‬التمسك‪ ،‬ول يتأتي إل في‬
‫علو‪ ،‬فيقال‪ " :‬اعتصمت بحبل اليمان " لن للنسان ثقل ذاتيا‪ ،‬هذا الثقل الذاتي إن لم يرفعه‬
‫سواه‪ ،‬فإنه يقع بالنسان‪ .‬وهذا ل ينشأ إل إذا كان النسان معلقا في الجو ويمسك بحبل ول يوجد‬
‫من يدفعه إلى أسفل‪ ،‬بل النسان بثقله الخاص يهبط إلى الرض‪ .‬فمن يعتصم بال ويمسك بحبل‬
‫اليمان فإنه يمنع نفسه من ال ُهوِيّ والسقوط‪.‬‬
‫وهنا نشعر أن العتصام بال هو أن نتبع ما تُِليَ علينا من اليات‪ ،‬وما سنه لنا رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ .‬إذن فباب العتصام هو كتاب ال وسنة رسوله‪ ،‬وكذلك كان وجود الرسول بين‬
‫أظهرهم هو المر الضروري‪ ،‬لنهم كانوا منغمسين في حمأة الجاهلية‪ ،‬فل بد أن توجد إشراقة‬
‫الرسول بينهم حتى تضيء لهم‪ ،‬فيروا أن ال قد أخرجهم من الظلمات إلى النور‪ .‬ولم يقبض الحق‬
‫رسوله إل بعد أن أكمل لنا الدين‪ ،‬وأتم علينا النعمة ورضي لنا السلم دينا‪ .‬قال الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ " :‬تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب ال وسنتي "‪.‬‬
‫هكذا نرى أن وجود آيات ال‪ ،‬وسنة رسول ال هي العاصم الذي يهدي إلى صراط مستقيم‪.‬‬
‫والهدى كما نعرف هو ما يوصل إلى الغاية المرجوة‪ ،‬فهب أن غايتك أن تذهب إلى مكان معين‬
‫فالذي يوصلك إلى ذلك المكان هو هدى‪ ،‬وكل ما يدل إنسانا على الموصل للغاية اسمه هدى‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى خلق الخلق جميعا‪ ،‬وجعل بعض الخلق مقهورا‪ ،‬وبعض الخلق مخيرا‪.‬‬
‫والمقهور من خلق ال هو كافة المخلوقات في الكون ما عدا النسان إل في بعض أموره فإنه‬
‫مقهور فيها أيضا ولذلك قلنا‪ :‬إن كل ما عدا النسان من خلق ال يؤدي مهمته كما طُلبت منه‪ ،‬فما‬
‫امتنعت الشمس أن تشرق على الناس يوما‪ ،‬ول امتنعت الريح أن تهب‪ ،‬ول امتنعت السماء عن‬
‫أن تمطر‪ ،‬ولم تقل الرض للنسان إنك تعصي ال فل أنبت لك‪ ،‬ول جاء إنسان ليركب الدابة‬
‫المسخرة فقالت‪ :‬ل؛ إنك عاصٍ‪ ،‬ولذلك سأحرن فل أمكنك من ركوب ظهري‪.‬‬
‫هكذا نرى أن كل شيء ما عدا النسان مسخر مقهور للغاية المرجوة منه‪ ،‬وهو خدمة ذلك‬
‫النسان‪ .‬والنسان وحده هو الذي له اختيار‪ ..‬ولذلك يجب أن نتنبه دائما إلى أن ال قد جعل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للخلق تسخيرا وتسييرا‪ ،‬وجعل الجماع في كل الجناس‪ ،‬ولكن النقسام جاء عند النسان فقال‬
‫س وَا ْل َقمَرُ‬
‫شمْ ُ‬
‫ض وَال ّ‬
‫سمَاوَاتِ َومَن فِي الَرْ ِ‬
‫جدُ لَهُ مَن فِي ال ّ‬
‫الحق سبحانه‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يَسْ ُ‬
‫علَيْهِ ا ْلعَذَابُ َومَن ُيهِنِ اللّهُ َفمَا لَهُ‬
‫وَالنّجُو ُم وَا ْلجِبَالُ وَالشّجَ ُر وَال ّدوَآبّ َوكَثِيرٌ مّنَ النّاسِ َوكَثِيرٌ حَقّ َ‬
‫مِن ّمكْرِمٍ إِنّ اللّهَ َي ْفعَلُ مَا يَشَآءُ }[الحج‪]18 :‬‬
‫إن الجمادات الساجدة المسخرة هي‪ " :‬الشمس والقمر والنجوم " ‪ ،‬والنبات الساجد المسخر هو "‬
‫الشجر " ‪ ,‬وكذلك " الدواب " فهي ضمن الكائنات التي عليها حكم الحق بالجماع‪ ،‬بأنها كلها تسجد‬
‫س َوكَثِيرٌ حَقّ عَلَ ْيهِ ا ْلعَذَابُ {‪.‬‬
‫خاضعة مسخرة‪ .‬أما النسان فقد قال الحق عنه‪َ } :‬وكَثِيرٌ مّنَ النّا ِ‬
‫إذن فالنقسام جاء عند من؟ لقد جاء النقسام عند النسان‪.‬لماذا؟ لن ال خلق النسان مختارا‪ .‬ألم‬
‫يكن من الممكن أن يخلق النسان مسخرا كبقية الكائنات؟ أليس التسخير دليلً على قدرة المسخر‪،‬‬
‫وأن شيئا من خلقه لن يخرج من قدرته‪ ,‬هذا صحيح‪ ،‬لكن الحق سبحانه كما أراد أن يثبت القدرة‬
‫والقهر بالتسخير‪ ،‬أراد أن يثبت المحبوبية بالختيار‪ .‬فمن كان مختارا أن يؤمن أو يعصي‪ ،‬ثم‬
‫اختار أن يؤمن‪ ،‬فهذا الختيار إنما يثبت به النسان المحبوبية ل‪.‬‬
‫هكذا صنف ال الخلق بين قسم قهري يثبت القدرة‪ ،‬وقسم اختياري يثبت المحبوبية‪ ،‬ولهذا أراد ال‬
‫للنسان أن يكون مختارا أن يفعل أو ل يفعل‪ .‬فلماذا ‪ -‬إذن ‪ -‬ل يفعل النسان كل أفعاله وهي‬
‫منسجمة مع اليمان؟ لن للشهوة بريقا سطحيا‪ ،‬وهذا البريق السطحي يجذب النسان كما تجذب‬
‫النا ُر الفَرَاش‪.‬‬
‫عندما يوقد النسان نارا ما في الخلء فضوؤها يجذب الفَرَاش‪ ،‬ويحترق الفَراش بنيران الضوء؛‬
‫فقد جذبه النور وأغراه‪ ،‬ولكنه لم يعرف أن مصرعه في تلك النار‪.‬‬
‫والحكمة العربية تقول‪ " :‬رب نفس عشقت مصرعها " كذلك في الشهوات‪ ،‬تتزين الشهوة للنسان‪،‬‬
‫فتجذبه إليها فيكون فيها مصرع النسان‪.‬‬
‫لكن ما الحماية للنسان من ذلك؟‬
‫إن الحماية هي في منهج ال " افعل "‪ .‬و " ل تفعل " فمن يرد أن ينقذ نفسه من كيد الشيطان وكيد‬
‫النفس فعليه أن يخضع لمنهج ال في " افعل " و " ل تفعل "‪ .‬وقد قلت قديما‪ :‬إنه من الحمق أن‬
‫يصنع صانع صنعةً ما‪ ،‬ثم ينسى أن يضع لها قانون الصيانة‪ .‬والنسان في حدود صناعته ل‬
‫ينسى ذلك‪ ،‬فما بالنا بالحق سبحانه بطلقة قدرته؟‬
‫إن الخالق سبحانه وتعالى قد صنع النسان‪ ،‬ووضع الحق سبحانه وتعالى قانون صيانة صنعته في‬
‫النسان فقال جل وعل‪ :‬افعل كذا ول تفعل كذا‪ ،‬فمن أراد أن يعتصم بالحبل المتين فل يأتي له‬
‫نزغ شيطان أو كيد عدو ول هوى نفس‪ .‬فليعتصم بمنهج ال؛ لن ال هو الذي خلقه وهو الذي‬
‫وضع منهجه كقانون لصيانة صنعته‪ ،‬وهو قانون الموجز في " افعل ول تفعل "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقول الحق‪َ } :‬ومَن َيعْ َتصِم بِاللّهِ َفقَدْ هُ ِديَ ِإلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ { وكلمة العتصام أروع ما تكون‬
‫عندما يكون النسان في الهواء معلقا في الفراغ‪ ،‬وهو في أثناء وجوده في الفراغ فإن ثقله الذاتي‬
‫هو الذين يوقعه ويسقطه‪ ،‬لكن عندما يتمسك النسان بمنهج ال فإنه ينقذ نفسه من السقوط والهوى‬
‫(بضم الهاء وكسر الواو) ومهمة الشيطان أن يزيّن المعصية بالبريق‪ ،‬فتندفع شهوات النفس هائجة‬
‫إلى المعصية‪ ,‬ولذلك يأتي الشيطان يوم القيامة ويأخذ الحجة علينا‪ .‬يقول الحق‪َ {:‬وقَالَ الشّيْطَانُ َلمّا‬
‫خَلفْتُكُ ْم َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مّن سُلْطَانٍ ِإلّ أَن‬
‫ق َووَعَدّتكُمْ فَأَ ْ‬
‫حّ‬
‫لمْرُ إِنّ اللّ َه وَعَ َدكُ ْم وَعْدَ الْ َ‬
‫ياَ‬
‫ُقضِ َ‬
‫خيّ إِنّي كَفَ ْرتُ‬
‫خكُمْ َومَآ أَن ُتمْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫سكُمْ مّآ أَنَاْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْ َتجَبْتُمْ لِي فَلَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُ َ‬
‫دَ َ‬
‫ِبمَآ أَشْ َركْ ُتمُونِ مِن قَ ْبلُ إِنّ الظّاِلمِينَ َل ُهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[إبراهيم‪]22 :‬‬
‫والسلطان كما نعرف نوعان‪ :‬النوع الول هو أن يقهر الشيطانُ النسانَ‪ ،‬والشيطان ل قدرة له‬
‫على ذلك‪ .‬والنوع الثاني هو أن يقنع الشيطان النسان بأن يفعل ذلك الخطأ‪.‬‬
‫ما الفرق بين القناع والقهر في هذا المجال؟‬
‫إن القهر هو أن يجبر الشيطان النسان على أن يفعل شيئا ل يريده النسان‪ .‬أما القناع فهو أن‬
‫يزين الشيطان المر للنسان فيفعله النسان بالختيار ويعلن الشيطان يوم القيامة‪ :‬لم يكن لي‬
‫سلطان أقهرك به أيها النسان حتى تعصي ال‪ ،‬لقد زينت لك المعصية أيها النسان فاستجبت لي‪.‬‬
‫خيّ { ما معنى " مصرخكم "؟‬
‫خكُمْ َومَآ أَن ُتمْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫إن الشيطان يوم القيامة يقول‪ } :‬مّآ أَنَاْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫إنها مشتقة من " أصرخ " ‪ ،‬أي سمع صراخك فأغاثك وأنجدك‪ ،‬فمصرخ‪ :‬مغيث ومنجد‪،‬‬
‫والشيطان يعلن أنه لن يستطيع نجدة النسان‪ ،‬ول النسان بمستطيع أن ينجد الشيطان‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فثقل النفس البشرية هو ما يوقع النسان في الهاوية دون أن يلقيه أحد فيها‪ ،‬ول إنقاذ للنسان‬
‫من الهاوية إل بالعتصام بحبل ال‪ .‬كأن منهج ال هو الحبل الممدود إلينا‪ ،‬فمن يعتصم به ينجو‬
‫من الهاوية‪.‬‬
‫وما دمنا نعتصم بحبل ال وهو القرآن المنزل من خالقنا والسنة النبوية المطهرة‪ ،‬وسبحانه يعلم‬
‫كيد النفس لصاحبها ‪ -‬فل بد أن يهدينا ال إلى الصراط المستقيم‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪} :‬‬
‫حقّ ُتقَاتِهِ‪{ ...‬‬
‫ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ا ّتقُواْ اللّهَ َ‬

‫(‪)492 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا ا ّتقُوا اللّهَ حَقّ ُتقَاتِ ِه وَلَا َتمُوتُنّ إِلّا وَأَنْتُمْ مُسِْلمُونَ (‪)102‬‬

‫إن ال قد أعطى المؤمنين المناعة أول بأل يسمعوا كلم أعداء الدين‪ .‬وحين نسمع كلمة " اتقوا "‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فلنفهم أن هناك أشياء تسبب لك التعب والذى‪ ،‬فعليك أن تجعل بينك وبينها وقاية‪ ،‬ولذلك قال‬
‫الحق‪ {:‬وَا ّتقُواْ النّارَ الّتِي أُعِ ّدتْ لِ ْلكَافِرِينَ }[آل عمران‪]131 :‬‬
‫إنه الحق يطلب من النسان أن يجعل بينه وبين النار وقاية وحجابا يقيه منها‪ .‬والحق سبحانه‬
‫حسَابِ }[المائدة‪]4 :‬‬
‫وتعالى حين يقول على سبيل المثال‪ {:‬وَا ّتقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ الْ ِ‬
‫إي اجعل بينك وبين ال حجابا يقيك من غضبه‪ .‬وقد يقول قائل‪ :‬كيف يكون ذلك وأنا كمؤمن أريد‬
‫أن إعيش في معية ال؟‬
‫نقول‪ :‬إنك تجعل الوقاية لنفسك من صفات جلل ال‪ ،‬وأنت تستظل بصفات الجمال‪ ،‬فالمؤمن‬
‫الحق هو من يجعل لنفسه وقاية من صفات جلل ال‪ ،‬وهي القهر والجبروت وغيرها‪ ،‬وكذلك‬
‫النار إنّها من جنود صفات الجلل‪ .‬فحين يقول الحق‪ { :‬ا ّتقُواْ النّارَ } أو { ا ّتقُواْ اللّهَ } فالمعنى‬
‫حقّ ُتقَاتِهِ } ماذا تعني (حق تقاته)؟ إن‬
‫واحد‪ .‬وعندما يسمع إنسان قول الحق سبحانه‪ { :‬ا ّتقُواْ اللّهَ َ‬
‫كلمة " حق " ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬تعني الشيء الثابت الذي ل يزول ول يتزحزح‪ ،‬أي ل ينتهي ول‬
‫يتذبذب‪ ،‬هذا هو الحق‪.‬‬
‫إذن ما حق التقي؟ هو أن يكون إيمانك أيها المؤمن إيمانا راسخا ل يغادرك ول تتذبذب معه‪،‬‬
‫واتقاء ال حق تقاته هو اتباع منهجه‪ ،‬فيطاع ال باتباع المنهج فل يعصي‪ ،‬ويُذكر فل ينسى‪،‬‬
‫ويُشكر ول يُكفر‪ .‬وطريق الطاعة يوجد في اتباع المنهج بـ " افعل " و " ل تفعل " ويذكر ول‬
‫ينسى؛ لن العبد قد يطيع ال‪ ،‬وينفذ منهج ال‪ ،‬ولكن النعم التي خلقها ال قد تشغل العبد عن ال‪،‬‬
‫والمنهج يدعوك أن تتذكر في كل نعمة من أنعم بها‪ ،‬وإياك أن تنسيك النعمة المنعم‪.‬‬
‫ويشكر العبد ال ول يكفر بالنعم التي وهبها له ال‪ .‬وما دمت أيها العبد تستقبل كل نعمة وتردها‬
‫إلى ال وتقول‪ " :‬ما شاء ال‪ ،‬ل قوة إل بال " ول تكفر بالنعم أي أنك تؤدي حق النعمة‪ ،‬وكل‬
‫نعمة يؤدي العبد حقها تعني أنها نعمة شكر العبد ربه عليها‪ ،‬ولم يكفر بها‪.‬‬
‫حقّ ُتقَاتِهِ } أي أَنه ل تأخذك في ال لومة لئم‪ ،‬أو أن تقول الحق ولو على‬
‫وقيل في معنى‪َ { :‬‬
‫نفسك‪ .‬هذا ما يقال عنه " حق التقى " ‪ ،‬أي التقى الحق الذي يعتبر تقى بحق وصدق‪ .‬وقال‬
‫العلماء‪ :‬إن هذه الية عندما نزلت وسمعها الصحابة‪ ،‬استضعف الصحابة نفوسهم أمام مطلوبها‪،‬‬
‫طعْتُمْ }‬
‫فقال بعضهم‪ :‬من يقدر على حق التقى؟ ويقال‪ :‬إن ال أنزل بعد ذلك‪ {:‬فَا ّتقُواْ اللّهَ مَا اسْ َت َ‬
‫[التغابن‪]16 :‬‬
‫فهل معنى هذا أن ال كلف الناس أول ما ل يستطيعون‪ ،‬ثم قال من بعد ذلك‪ } :‬فَاتّقُواْ اللّهَ مَا‬
‫طعْتُمْ {؟ ل‪ ،‬إنه الحق سبحانه ل يكلف إل بما في الوسع‪ ،‬والناس قد تخطئ الفهم لقوله‬
‫اسْ َت َ‬
‫طعْتُمْ { فيقول العبد‪ :‬أنا غير مستطيع أن أقوم بذلك التكليف‪ ،‬ويظن هذا‬
‫تعالى‪ } :‬فَا ّتقُواْ اللّهَ مَا اسْ َت َ‬
‫طعْ ُتمْ { أي‬
‫العبد أن التكليف يسقط عنه‪ .‬ل‪ ،‬إن هذا فهم خاطئ؛ إن قوله الحق‪ } :‬فَا ّتقُواْ اللّهَ مَا اسْتَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنك تتقي ال بما كان في استطاعتك من الوسع‪ ،‬فما باستطاعتك أن تقوم به عليك أن تقوم به‪ .‬فل‬
‫يهرب أحد إلى المعنى المناقض ويقول‪ :‬أنا غير مستطيع؛ لن ال يعلم حدود استطاعتك‪.‬‬
‫وساعة تكون غير مستطيع فهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬الذي يخفف‪ ..‬إنك ل تخفف أنت على نفسك أيها‬
‫العبد‪ ،‬فالخالق الحق هو الذي يعلم إذا كان المر خارجا عن استطاعتك أو ل‪ ،‬وساعة يكون المر‬
‫خارجا عن استطاعتك فال هو الذي يخفف عنك‪ .‬ولذلك فعلى النسان أل يستخدم القول الحق‪ {:‬لَ‬
‫س َعهَا }[البقرة‪]286 :‬‬
‫ل وُ ْ‬
‫ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫في غير موضعه؛ لن النسان ل يستطيع أن يقدر الوسع‪ ،‬ثم يبني التكليف على الوسع‪ .‬بل عليك‬
‫أن تفهم أيها النسان أن ال هو الذي خلق النفس‪ ،‬وهو الذي أنزل التكليف لوسع النفس‪ ،‬وما دام‬
‫الخالق للنفس هو ال فهو العليم بوسع النفس حينما قرر لها المنهج‪ .‬إنه سبحانه الذي كلف‪ ،‬وهو‬
‫العليم بأن النفس قد وسعت‪ ،‬ولذلك فهو ل يكلف نفسا إل وسعها‪ .‬فإن كان سبحانه قد كلف فأعلم‬
‫أيها العبد أنه سبحانه قد كلف بما في وسعك‪ ،‬وعندما يحدث للنسان ما يشق عليه أو يمنعه من‬
‫أداء ما كلف به تامّا فهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يضع لنا التخفيف وينزل لنا الرخص‪ .‬مثال ذلك‪ :‬المريض‬
‫أو الذي على سفر‪ ،‬له رخصة الفطار في رمضان‪ ،‬والمسافر له أن يقصر الصلة‪.‬‬
‫إذن فال سبحانه هو الذي علم حدود وسع النفس التي خلقها‪ ،‬ولذلك ل تقدر وسعك أول ثم تقدر‬
‫التكليف عليه‪ ،‬ولكن قدّر التكليف أول‪ ،‬وقل‪ :‬ما دام الحق قد كلف فذلك في الوسع‪ .‬وفي تذييل‬
‫الية الكريمة بقوله‪َ } :‬ولَ َتمُوتُنّ ِإلّ وَأَنْ ُتمْ مّسِْلمُونَ { نجد أنفسنا أمام نهي عن فعل وهو‪ :‬عدم‬
‫الموت إل والنسان مسلم‪.‬‬
‫كيف ذلك؟ أيقول لك أحد‪ :‬ل تمت؟ إن ذلك المر ليس لك فيه اختيار؛ لنه أمر نازل عليك‪ .‬فإذا‬
‫قيل لك‪ :‬ل تمت‪ ،‬فإنك تتعجب؛ لن أحدا ل يملك ذلك‪ ،‬ولكن إذا قيل لك‪ :‬ل تمت إل وأنت مسلم‪،‬‬
‫فأنت تفكر‪ ،‬وتصل بالتفكير إلى أن الفعل المنهي عنه‪ :‬ل تمت ليس في قدرة النسان؛ ولكن الحال‬
‫الذي يقع عليه الفعل وهو‪ :‬إل وأنت مسلم‪ ،‬في قدرة النسان؛ لذلك تقول لنفسك‪ :‬إن الموت يأتي‬
‫بغير عمل مني‪ ،‬ولكن كلمة‪ :‬إل وأنت مسلم‪ ،‬فهي باستطاعتي‪ ،‬لن السلم يكون باختياري‪.‬‬
‫صحيح أنك ل تعرف متى يقع عليك الموت؟ ولذلك تحتاط والحتياط يكون بأن تظل مسلما حتى‬
‫يصادفك الموت في أي لحظة وأنت مسلم‪.‬‬
‫ل وَأَنْتُمْ مّسِْلمُونَ { هو نهي عن الفعل الول وهو ليس باختيارنا‪.‬‬
‫إذن‪ ..‬فقول ال‪ } :‬وَلَ َتمُوتُنّ ِإ ّ‬
‫والحال الذي لنا فيه اختيار هو } وَلَ َتمُوتُنّ ِإلّ وَأَنْ ُتمْ مّسِْلمُونَ { فكيف نوفق بين المرين؟ إن‬
‫الموت ل اختيار لحد منا متى يقع عليه‪ ،‬ولذلك نأتي إلى المر الذي لنا فيه اختيار‪ ،‬وهو أن‬
‫نحرص على أن نكون مسلمين‪ ،‬ويظل كل منا متمسكا بأهداب السلم‪ ،‬فإن صادف الموت في أي‬
‫لحظة يكون مسلما وكأن الحق سبحانه يقول لنا‪ :‬تمسكوا بإسلمكم؛ لنكم ل تدرون متى يقع عليكم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الموت‪.‬‬
‫وإخفاء الموت عن النسان ليس إبهاما كما يظن البعض‪ ،‬ل؛ إنه منتهي البيان الواسع؛ لن إخفاء‬
‫الموت‪ ،‬وميعاده عن النسان زمنا وحال‪ ،‬وسنا وسببا‪ ،‬كل ذلك يوضح الموت أوضح بيان‪ .‬لماذا؟‬
‫لن ال حين استأثر بعلم الموت فالنسان منا يترقب الموت في أي لحظة وما دام النسان مترقبا‬
‫للموت في أي لحظة فهذا بيان واسع بل هو أوسع بيان‪ .‬ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَاعْ َتصِمُواْ بِحَ ْبلِ‬
‫عدَآءً فَأَّلفَ بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ‪{ ...‬‬
‫جمِيعا َولَ َتفَ ّرقُواْ وَا ْذكُرُواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ عَلَ ْيكُمْ ِإذْ كُنْتُمْ أَ ْ‬
‫اللّهِ َ‬

‫(‪)493 /‬‬
‫عدَاءً فَأَّلفَ بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ‬
‫علَ ْيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَ ْ‬
‫جمِيعًا وَلَا َتفَ ّرقُوا وَا ْذكُرُوا ِن ْعمَةَ اللّهِ َ‬
‫صمُوا بِحَ ْبلِ اللّهِ َ‬
‫وَاعْ َت ِ‬
‫حفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَ ْنقَ َذ ُكمْ مِ ْنهَا كَذَِلكَ يُبَيّنُ اللّهُ َلكُمْ آَيَاتِهِ َلعَّلكُمْ‬
‫شفَا ُ‬
‫خوَانًا َوكُنْتُمْ عَلَى َ‬
‫فََأصْبَحْتُمْ بِ ِن ْعمَتِهِ إِ ْ‬
‫َتهْتَدُونَ (‪)103‬‬

‫جاء هذا القول الكريم لينبه كل المؤمنين‪ ،‬من خلل التنبيه للوس والخزرج‪ ،‬وكأنه يقول‪ :‬اعلموا‬
‫أن التفاخر قبل السلم كان وبأشياء ليست من السلم في شيء‪ .‬لكن حين يجيء السلم‬
‫فالتفاخر يكون بالسلم وحده فإذا ما تغاضى إنسان بما قبل السلم بقوله‪ :‬منا كذا‪ ..‬ومنا كذا‪.‬‬
‫فهنا يأتي الردّ‪ :‬ل؛ إن ذلك قبل السلم‪.‬‬
‫وقد حدث أن قال الوس من بعد السلم‪ " :‬منا خزيمة " فقال واحد من الخزرج‪ :‬ومنا أبيّ بن‬
‫كعب وزيد بن ثابت فقال واحد من الوس‪ :‬منا حنظلة ابن الراهب وحنظلة هذا هو غسيل‬
‫الملئكة‪ ،‬وخزيمة بن ثابت صحابي جليل جعل الرسول صلى ال عليه وسلم شهادته بشهادتين؛‬
‫لن خزيمة صاحب إيمان نوراني‪ .‬ونورانية اليقين هدته إلى الحكم الصواب؛ " فقد اشترى النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم فرسا من أعرابي وذهب ليحضر له الثمن‪ ،‬ولكن العرابي أنكر البيع لن‬
‫بعض الناس زاده في ثمن الفرس دون علم أن الرسول قد اشتراه فنادى العرابي الرسول وقال‬
‫له إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه وإل بعته‪.‬‬
‫فقال النبي للرجل‪ " :‬ألست قد ابتعته منك "‪ .‬فقال الرجل هات شاهدا يشهد بذلك‪ .‬لقد انتهز الرجل‬
‫فرصة أن النبي ابتاع منه دون وجود أحد في هذا الوقت‪ ،‬وكان سيدنا خزيمة جالسا لحظة مطالبته‬
‫للنبي بشاهد‪ .‬فقال سيدنا خزيمة‪ :‬أنا أشهد يا رسول ال أنك قد بايعته‪.‬‬
‫ولن الرجل كاذب‪ ،‬قال لنفسه‪ :‬لعل خزيمة رآنا وأنا أبيع الفرس للنبّي فسكت الرجل وانصرف‪،‬‬
‫وبعد أن انصرف الرجل نادى الرسول خزيمة‪ .‬وقال له‪ " :‬يا خزيمة بم تشهد ولم تكن معنا؟ "‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقال‪ :‬أنا أصدقك في خبر السماء ول أصدقك بما تقول؟ أعلم أنك ل تقول إل حقا قد آمناك على‬
‫أفضل من ذلك‪ ،‬على ديننا‪ .‬فعلم الرسول أن لخزيمة نورانية التصديق وحسن الستنباط‪ ،‬فقال‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من شهد له خزيمة فحسبه " "‪.‬‬
‫فالمر الذي يحتاج شاهدين تكفي فيه شهادة خزيمة‪ ،‬وبذلك أعطى الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫الوسام لخزيمة وجعل شهادته شهادة رجلين‪ ،‬ولنر كيف جمع ال بين الوس والخزرج في جمع‬
‫القرآن‪ ،‬قال زيد بن ثابت‪ :‬فآليت على نفسي ألّ أكتب آية إلّ إذا وجدتها مكتوبة وشهد عليها‬
‫اثنان‪ ،‬إلّ آخر التوبة فوجدتها مكتوبة ولم يشهد عليها إلّ خزيمة‪ ،‬وكان الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم قد قال في خزيمة‪ " :‬من شهد له خزيمة فحسبه " ولنا أن نعرف أن زيد بن ثابت من‬
‫الخزرج وأن خزيمة من الوس‪ .‬لقد جمعهما ال في جمع القرآن‪ ،‬فنفع الوسي الخزرجي‪ ،‬وذلك‬
‫ليدلنا الحق سبحانه دللة جديدة‪ ،‬وهي أن التفاخر قبل السلم كان بغير السلم‪ ،‬لكن ساعة يجيء‬
‫السلم فأي واحد من أي جنس ما دام قد أحسن السلم‪ ،‬فله أن يفخر به‪ ،‬فإياك يا أوسيّ أن‬
‫تقول‪ " :‬منا خزيمة "؛ فالخزرجي له الفخر بخزيمة أيضا‪ ،‬وليس للخزرجي أن يقول‪ " :‬منا زيد بن‬
‫ل منهما قد جمعه ال بالخر في القرآن‪ ،‬والسلم‪،‬‬
‫ثابت " فللوسي أيضا أن يفخر به‪ ،‬لن كُ ّ‬
‫وهكذا يكون العتصام بحبل ال‪.‬‬
‫جمِيعا َولَ َتفَ ّرقُواْ وَا ْذكُرُواْ ِن ْعمَتَ اللّهِ عَلَ ْيكُمْ ِإذْ‬
‫صمُواْ ِبحَ ْبلِ اللّهِ َ‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَاعْ َت ِ‬
‫عدَآءً فَأَّلفَ بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ { إنّ الحرب ظلت مستعرة بين الوس والخزرج مائة وعشرين عاما‬
‫كُنْتُمْ أَ ْ‬
‫مع أن أصل القبيلتين واحد‪ ،‬هما أخوان لب وأم وعندما جاء السلم ألف ال بين قلوبهم‬
‫وأصبحوا بنعمته إخوانا‪.‬‬
‫وهذا يدلنا على أن كل نزغةِ جارحةٍ من الجوارح ل بد أن يكون وراءها هبة قلب وثورته‬
‫وهياجه‪ ،‬فاليد ل تصفع أحدا من فراغ‪ ،‬ولكن الصفعة توجد في القلب أول } فَأَّلفَ بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ { ‪،‬‬
‫حفْ َرةٍ مّنَ النّارِ فَأَنقَ َذكُمْ مّ ْنهَا { والشفا هي الحافة‪ .‬ومرة‬
‫شفَا ُ‬
‫إن الحق سبحانه يقول‪َ } :‬وكُنْتُمْ عَلَىا َ‬
‫يقال‪ " :‬شفا " ومرة يقال‪ " :‬شفة "‪ .‬لقد كانوا على حافة النار‪ ،‬ومن كان على الحافة فهو يوشك أن‬
‫يقع‪ ،‬فكأن ال يقول‪ :‬لقد تداركتم بالسلم‪ ،‬ولول السلم لهويتم في النار‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪ } :‬كَذاِلكَ يُبَيّنُ اللّهُ َلكُمْ آيَا ِتهِ َلعَّلكُمْ َتهْ َتدُونَ { وهكذا نرى نعمة السلم في الدنيا‪،‬‬
‫فقدرة اليمان على إنقاذ النسان من النار ل تحتاج إلى انتظار بل يستطيع المؤمن أن يراها في‬
‫الدنيا‪ .‬ولقد كان العرب قبل السلم مؤرقين بالختلفات‪ ،‬وموزعين بالعصبية‪ ،‬وكل يوم في‬
‫شقاق‪ .‬ولما جاء السلم صاروا إخوانا‪ ،‬وهذه نعمة عاجلة في الدنيا‪ ,‬والدنيا كما نعرف ليست دار‬
‫جزاء‪ ،‬فما بالك بما يكون في الخرة وهي دار الجزاء والبقاء‪.‬‬
‫وقوله الحق‪َ } :‬لعَّل ُكمْ َتهْتَدُونَ { المقصود به أن تظلوا على هدايتكم‪ .‬لقد خاطبهم الحق‪ } :‬إِذْ كُنْتُمْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خوَانا { وساعة يطلب التشريع منك ما أنت عليه‪ ،‬فاعلم‬
‫أَعْدَآءً فَأَّلفَ بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ فََأصْبَحْ ُتمْ بِ ِن ْعمَتِهِ ِإ ْ‬
‫أن التشريع يريد منك استدامته‪ ،‬فعندما يقول الحق (يا أيها الذين آمنوا) أي مع اليمان الذي معكم‬
‫قبل كلمي‪ ،‬جددوا إيمانا بعد كلمي ليستمر لكم اليمان دائما‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪} :‬‬
‫وَلْ َتكُن مّ ْن ُكمْ ُأمّةٌ َيدْعُونَ ِإلَى ا ْلخَيْ ِر وَيَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَيَ ْنهَوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ‪{ ...‬‬

‫(‪)494 /‬‬
‫وَلْ َتكُنْ مِ ْن ُكمْ ُأمّةٌ َيدْعُونَ ِإلَى ا ْلخَيْ ِر وَيَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَيَ ْنهَوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَ ِر وَأُولَ ِئكَ هُمُ ا ْلمُفِْلحُونَ (‬
‫‪)104‬‬

‫وكلمة " أمة " تطلق مرة‪ ،‬ويراد بها الجماعة التي تنتسب إلى جنس‪ ،‬كأمة العرب‪ ،‬أو أمة الفرس‪،‬‬
‫أو أمة الروم‪ ،‬ومرة تطلق كلمة " أمة " ويراد بها الملة أي الدين‪ ،‬ومرة ثالثة تطلق كلمة " أمة "‬
‫ويراد بها الفترة الزمنية كقول الحق‪َ {:‬وقَالَ الّذِي نَجَا مِ ْن ُهمَا وَا ّدكَرَ َب ْعدَ ُأمّةٍ أَنَاْ أُنَبّ ُئ ُكمْ بِتَ ْأوِيلِهِ‬
‫فَأَرْسِلُونِ }[يوسف‪]45 :‬‬
‫إن الرجل الذي فسر له سيدنا يوسف الرؤيا تذكر سيدَنا يوسف بعد أمة أي بعد فترة من الزمن‪،‬‬
‫ومرة تطلق كلمة " أمة " على الرجل الجامع لصفات الخير‪ {.‬إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً قَانِتا لِلّهِ حَنِيفا‬
‫وَلَمْ َيكُ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ }[النحل‪]120 :‬‬
‫لن خصال الخير ليس من الضروري أن تجتمع في واحد‪ ،‬ولكنها قد تجتمع في عدد من الفراد‬
‫فيكون هناك فلن المتميز بالصفة الطيبة‪ ،‬وغيره متصف بصفة أخرى طيبة‪ ،‬وثالث فيه صفة‬
‫طيبة ثالثة‪ ،‬ومن مجموع المة تظهر صورة الكمال‪ ،‬لكن إبراهيم عليه السلم اجتمعت فيه كل‬
‫خصال الخير المكتمل‪.‬‬
‫وساعة أن تأتي لنسان ونَقول له‪ :‬ليكن منك شجاع فما ذلك؟ إن معناه‪ ،‬أن يجرد النسان من‬
‫نفسه ويخرج منها شخصا شجاعا‪ ،‬وذلك بتدريبها وتعويدها على ذلك حتى يكون النسان شجاعا‪،‬‬
‫أو تقول لخر‪ :‬ليكن منك كريم‪ ،‬أي أخرج من نفسك رجل كريما‪.‬‬
‫وقوله الحق سبحانه‪ { :‬وَلْ َتكُن مّ ْن ُكمْ ُأمّةٌ َيدْعُونَ ِإلَى ا ْلخَيْرِ }‪.‬‬
‫هذا القول يعني ان يكون منكم أيها المخاطبون أمة تدعو إلى الخير‪ ،‬ومعناه أيضا أن تكونوا‬
‫جميعا أمة تدعو إلى الخير‪ ،‬وبعض العلماء يرى أن هذا القول يعني‪ :‬أن تكون منكم جماعة‬
‫يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‪ .‬ولكنّ هناك فهما أعمق من هذا‪ ،‬وهو أن هذه الية تأمر‬
‫بأن تكون كل جماعة المسلمين أمة تدعو إلى الخير‪ ،‬وتأمر بالمعروف‪ ،‬وتنهى عن المنكر‪ ،‬إي أن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذه الية تطالب ُكلّ أمة المسلمين بذلك‪ ،‬فل تختص جماعة منها فقط بالمر بالمعروف والنهي‬
‫عن المنكر‪ ،‬بل الواجب أن تكون أمة المسلمين كلها آمرة بالمعروف‪ ،‬وناهية عن المنكر‪ ،‬فمن‬
‫يعرف حكما من الحكام عليه أن يأمر به‪.‬‬
‫وهناك من العلماء من قال‪ :‬إن الذي يأتي المنكر له حكم آخر أيضا وهو أن ينهي غيره عن‬
‫المنكر‪ ،‬أي أن النسان المؤمن مطالب بأمرين‪ :‬الول‪ :‬ألّ يصنع المنكر‪ ،‬والثاني‪ :‬أن ينهي عن‬
‫المنكر‪ .‬ولذلك إن جاء نصح من إنسان ينهاك عن المنكر‪ ،‬وهو قد فعله‪ ،‬فل تقل له‪ :‬أصلح نفسك‬
‫واتبع أنت ما تنصح به أول‪ ،‬ل تقل له ذلك حتى ل يقول لك ما قاله الشاعر‪:‬خذ بعلمي ول تركن‬
‫إلى عملي واجن الثمار وخل العود للنارلكن الجدر بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن‬
‫يكون أول العاملين بقوله حتى ل يدخل في زمرة من قال ال فيهم‪:‬‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِلمَ َتقُولُونَ مَا لَ َت ْفعَلُونَ * كَبُرَ َمقْتا عِندَ اللّهِ أَن َتقُولُواْ مَا لَ َت ْفعَلُونَ }[الصف‪:‬‬
‫‪] 3 -2‬‬
‫إذن فقوله الحق‪ } :‬وَلْ َتكُن مّ ْنكُمْ ُأمّةٌ َيدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ { أي جردوا من أنفسكم أمة مجتمعة على‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى‬
‫أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر‪ ،‬واستمعوا إلى قوله تعالى‪ {:‬وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫صوْاْ بِالصّبْرِ }[العصر‪]3-1 :‬‬
‫ق وَ َتوَا َ‬
‫حّ‬
‫صوْاْ بِالْ َ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ وَ َتوَا َ‬
‫خسْرٍ * ِإلّ الّذِينَ آمَنُواْ وَ َ‬
‫ُ‬
‫إن السورة الكريمة توضح العقيدة ومطلوبها وهو اليمان والعمل الصالح‪ .‬وبعد ذلك قال الحق‪" :‬‬
‫وتواصوا " ولم يقل " ووصوا " ما معنى " وتواصوا "؟ أي أن يعرف كل مؤمن انه من الغيار‪،‬‬
‫وكذلك أخوه المؤمن‪ ،‬وقد يضعف أحَدهما أمام معصية فيصنعها‪ ،‬لكن الخر غير ضعيف أمام‬
‫تلك المعصية‪ ،‬لذلك يكون على غير الضعيف توصية الضعيف‪ ،‬وعلى الضعيف أيضا ضرورة‬
‫النتباه حتى يتواصى مع غيره‪ .‬فالسلم لم يجعل جماعة يوصون غيرهم‪ ،‬وجماعة أخرى تتلقى‬
‫الوصاية‪ ،‬بل كلنا موص ‪ -‬بكسر الصاد ‪ -‬حينما نجد مَنْ من يضعف أمام معصية‪ .‬وكلنا‬
‫موصىً‪ - ،‬بفتح الصاد ‪ -‬حين يكون ضعيفا أمام المعصية؛ فالتواصي يقتضي التفاعل بين‬
‫جانبين‪ ..‬فمرة تكون موصيا‪ ،‬ومرة تكون موصىً‪ ،‬وكذلك التواصي بالصبر‪.‬‬
‫فساعة تحدث كارثة لواحد من المسلمين يأتي أخوه ليصبره‪ ،‬وكذلك إن حدثت كارثة للخ المسلم‬
‫يصبره أخوه المسلم‪ ،‬فعندما يحتاج مسلم في وقت ما إلى أن ُيصَبّر‪ ،‬يجد من إخوته من يصبره‪,‬‬
‫صوْاْ بِالصّبْرِ {‪.‬‬
‫ق وَ َتوَا َ‬
‫فالمة كلها مطالبة‪ } :‬وَ َتوَاصَوْاْ بِا ْلحَ ّ‬
‫ف وَيَ ْن َهوْنَ عَنِ‬
‫هكذا نفهم معنى قول الحق‪ } :‬وَلْ َتكُن مّ ْنكُمْ ُأمّةٌ َيدْعُونَ إِلَى الْخَيْ ِر وَيَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫ا ْلمُ ْنكَ ِر وَُأوْلَـائِكَ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ {‪ .‬والدعوة إلى الخير يفسرها الحق بأن يأمر النسان بالمعروف‪،‬‬
‫وأن ينهى عن المنكر‪.‬‬
‫ويقول الحق‪ } :‬وَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلمُفْلِحُونَ { أن كلمة } ا ْل ُمفْلِحُونَ { هي كلمة معها دليلها‪ ،‬فالمفلح هو‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذي أخذ الصفقة الرابحة‪ .‬والكلمة مأخوذة‪ ،‬من فلح الرض‪ .‬فالذي يفلح الرض ويحرثها ثم‬
‫يزرعها يجد الثمرة تجيئه في النهاية‪ ،‬وقد جاء الحق بالمسألة المعنوية من أمر محس‪ .‬وبعد ذلك‬
‫يريد الحق أن يعطينا شيئا آخر فيقول‪ :‬إياك أن تظن أن المشقة التي تصيبك حين تفعل خيرا ل‬
‫تعود عليك بالراحة‪ ،‬أو أن النقص الذي تفعل به الخير ل يعود عليك بالكمال‪ ،‬فمثل النسان الذي‬
‫فلح الرض وأخرج " كيلة " من القمح وبذرها فيها‪ .‬هذا النسان قد تكون له زوجة حمقاء تقول‬
‫له‪ :‬إننا ل نملك إل أربع " كيلت " من القمح فكيف تأخذ " كيلة " لترميها في الرض‪ ،‬إن هذه‬
‫المرأة ل تعرف أن " الكيلة " التي أخذها الزوج هي التي ستأتي بعدد من الرادب من القمح‪.‬‬
‫فإياك أن تفهم أن السلم يأخذ منك شيئا إل وهو يريد أن يعطيك أشياء‪.‬‬
‫إن الفلح الذي يشقى بالحرث وبالري‪ ،‬وتراه وقد عل جبهته العرق وتراب الرض وتغوص‬
‫أقدامه في الطين والمياه‪ ،‬إنك تراه يوم الحصاد وهو فرح مسرور بغلته‪ .‬أما غيره الذي لم يشّقَ‬
‫بالحرث ولم تعل جبهته حبات العرق‪ ،‬فيأتي في هذا اليوم وهو حزين ونادم‪ .‬فإياك أن تنظر إلى‬
‫تكاليف الدين على أنها أمور تحرمك النفع‪ ،‬إنّها أمور تربّب لك النفع أي تكثر لك النفع‪ .‬وإياك أن‬
‫تظن أن حكما من أحكام ال قد جاء ليجور على حريتك بل جاء ليمنع عنك اعتداء الخرين‪.‬‬
‫وقلنا من قبل‪ :‬إن الشرع حين كلف كل إنسان أل يسرق مال أحد‪ ،‬فهو تقييد من أجل حفظ أموال‬
‫المليين‪ ،‬وهو أمر ضمني لكل الناس ألّ يسرقوا شيئا من هذا النسان‪ ،‬وهنا نجد المان ينتشر‬
‫باليمان بين الجميع‪.‬‬
‫ولو نظرت إلى ما منع الدين الناس أن يمارسوه معك لعرفت قيمة التكاليف اليمانية‪ .‬إن التكليف‬
‫حين يأمر أل يمد أحد عيونه إلى محارم جاره‪ ،‬هذا التكليف صادر للناس جميعا حتى يحمي ال‬
‫لك محارمك من عيون الناس‪ ،‬لقد قَيّد التكليف حرية الخرين من أجلك وهم كثيرون‪ ،‬وقيد حريتك‬
‫من أجل الخرين وأنت واحد‪.‬‬
‫إذن فيجب أن نذكر أن كل تكليف يعطي صلحا وفلحا‪ ،‬فالرض تأخذ الحبة‪ ,‬وتعطيك سبع‬
‫سنابل في كل سنبلة مائة حبة‪ ،‬فل تنظر إلى ما أخذه التكليف من حريتك‪ ،‬لنه أخذ لك من حريات‬
‫الخرين أيضا‪ .‬ول تقل‪ :‬إن التكليف قد نقص حركتي لنفسي‪ ،‬لنه سيعطيك ثمرات أكثر مما‬
‫أفقدك‪.‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪َ } :‬ولَ َتكُونُواْ كَالّذِينَ َتفَ ّرقُو ْا وَاخْتََلفُواْ مِن َبعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ‪{ ...‬‬

‫(‪)495 /‬‬
‫عظِيمٌ (‪)105‬‬
‫ت وَأُولَ ِئكَ َل ُهمْ عَذَابٌ َ‬
‫وَلَا َتكُونُوا كَالّذِينَ َتفَرّقُوا وَاخْتََلفُوا مِنْ َبعْدِ مَا جَاءَ ُهمُ الْبَيّنَا ُ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا القول الحكيم ينهي عن اتباع الهوى الذي يؤدي إلى الفرقة‪ .‬برغم وضوح آيات الحق سبحانه‬
‫لهم‪ ،‬لن لهؤلء الذين يتبعون الهوى من بعد وضوح قضية الحق سيصليهم ال النار‪ ،‬ولهم عظيم‬
‫س َو ّد وُجُوهٌ‪} ...‬‬
‫ض وُجُوهٌ وَتَ ْ‬
‫العذاب‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪َ { :‬يوْمَ تَبْ َي ّ‬

‫(‪)496 /‬‬
‫ت وُجُو ُههُمْ َأكَفَرْتُمْ َب ْعدَ إِيمَا ِنكُمْ َفذُوقُوا ا ْلعَذَابَ ِبمَا‬
‫سوَ ّد ْ‬
‫سوَ ّد وُجُوهٌ فََأمّا الّذِينَ ا ْ‬
‫ض وُجُو ٌه وَتَ ْ‬
‫َيوْمَ تَبْ َي ّ‬
‫كُنْتُمْ َت ْكفُرُونَ (‪)106‬‬

‫وهنا يجب أن نعلم أن السوداد والبيضاض هما من آثار اختلف البيئات في الدنيا‪ ،‬فالشخص‬
‫السود يزيد ال في تكوينه عن الشخص البيض بما يناسب البيئة‪ ،‬لن المادة الملونة للبشرة في‬
‫جسده موجودة بقوة‪ ،‬لتعطيه اللون المناسب لمعايشة ظروف البيئة‪ ،‬أما أبيض البشرة فل يملك‬
‫جسده القدر الكافي من المادة الملونة‪ ،‬لن بيئته ل تحتاج مثل هذه المادة الملونة‪.‬‬
‫إذن فالسواد في الدنيا لصالح المسود‪ ،‬أما في هذه الية‪ ،‬فهي تتحدث عما سوف نراه في الخرة‬
‫حيث يكون السواد والبياض مختلفين‪ ،‬تماما كما تتبدل الرض غير الرض والسماوات‪ ،‬غير‬
‫السماوات وكذلك يتبدل أمر السواد والبياض‪ ،‬إنه لن يكون سوادا أو بياضا من أجل البيئات‪.‬‬
‫ولذلك ستتعجب يوم القيامة؛ لنك قد ترى إنسان كان أسود في الدنيا‪ ،‬وتجده أبيض في الخرة‪،‬‬
‫وتجد إنسانا آخر كان لونه أبيض في الدنيا ثم صار أسود في الخرة‪.‬‬
‫فل يظن ظان أن النسان السود في الدنيا مكروه من ال‪ ،‬ل‪ ،‬إن ال يعطي كل واحد ما يناسبه‪،‬‬
‫بدليل أن ال قد أمده باللون الذي يقويه على البيئة التي يحيا فيها‪ .‬وفي مجالنا البشرى‪ ،‬نحن‬
‫نعطي المصل لي إنسان مسافر إلى مكان ما‪ ،‬حتى نحميه من شر مرض في المكان الذي يذهب‬
‫إليه‪ ،‬كذلك خَ ْلقُ ال في الرض فقد أعطى سبحانه لكل إنسان في تكوينه المناعة التي تحفظه؛ فال‬
‫ل يكره السواد لنه حماية للنسان من البيئة‪ .‬وهذه المسألة ستتبدل يوم القيامة كما تتبدل الرض‬
‫غير الرض‪ ،‬وتبيض الوجوه المؤمنة‪ ،‬وتسود الوجوه الكافرة‪.‬‬
‫أو أن البياض والسواد كليهما‪ ،‬أمر اعتباري‪ ،‬بدليل أنك ترى واحدا أبيض ولكن وجهه عليه غبرة‬
‫ترهقه قترة‪ ،‬وترى واحدا آخر أسود اللون‪ ،‬ولكن نور اليقين يمل وجهه‪ ،‬وبريق الصلح يشع‬
‫منه‪ ،‬وأنت ل تقدر أن تمنع عينيك من أن تديم النظر إليه‪ ،‬ولذلك قال الحق‪ {:‬وُجُوهٌ َي ْومَئِذٍ نّاضِ َرةٌ‬
‫* إِلَىا رَ ّبهَا نَاظِ َرةٌ }[القيامة‪]23-22 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي أن ما في داخل النفس إنما ينضح على قالب النسان؛ وتظهره ملمحه‪ ،‬فقد يكون السود‬
‫مضئ الوجه بالبشر والشراق والتجلي بالجاذبية السرة‪ ،‬وقد يكون النسان أبيض الوجه لكنه‬
‫مظلم الروح‪.‬‬
‫وهكذا نفهم ان اسوداد بشرة إنسان في الدنيا‪ ،‬إنما هو لمساعدة النسان على التواؤم مع البيئة‪،‬‬
‫ومثال ذلك سواد العين وبياضها‪ ،‬هل يستطيع أحد أن يقول‪ :‬إن بياض العين أحسن من سوادها‪،‬‬
‫أو العكس؟‪ .‬ل؛ لن كل شيء معد لمهمته‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ :‬عندما يأتي عامل البناء ليثني عمود الحديد المستقيم؛ ويلويه‪ ،‬فهل يقال‪ :‬إن هذا‬
‫النسان قد عوج الحديد؟‪ .‬ل؛ إنه يريد أن يشكل عود الحديد ليكون صالحا لمهمة معينة‪ .‬وكذلك‬
‫السوداد أو البيضاض في الدنيا‪ ،‬إنما أراده ال ليتناسب مع ظروف الحياة في البيئة‪ ،‬أما في‬
‫الخرة فالدنيا قد زالت وفنيت‪ ،‬والرض لن تكون هي الرض والسماء لن تكون هي السماء؛‬
‫فالحق يقول‪:‬‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[إبراهيم‪]48 :‬‬
‫ت وَبَرَزُواْ للّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫ض وَال ّ‬
‫ل الَ ْرضُ غَيْرَ الَرْ ِ‬
‫{ َيوْمَ تُبَ ّد ُ‬
‫فالمؤمن حين يرى ما أعده ال له من النعيم المقيم يقابل عطاء ال باستشراف نفس وسرور‬
‫وانبساط‪ ،‬أما الذي يرى مقعده من النار فل بد أن يكون مظلم الوجه‪ .‬والحق سبحانه يوجه سؤال‬
‫لهؤلء‪َ } :‬أ ْكفَرْتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ { أو كأن هذا أمر يُفاجئ من كان يعرف هؤلء الناس في الدنيا؛ فقد‬
‫رأوهم في الدنيا بيض الوجوه‪ ،‬ولكن يرونهم يوم القيامة وعلى وجوههم غبرة سوداء وترهقهم‬
‫قترة‪ ،‬فيقولون لهم‪َ } :‬أ ْكفَرْتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ {؟‪ .‬وكأن ذلك هو سمة من يكفر بعد اليمان‪ .‬هذه هي‬
‫سمتهم وعلمتهم في الخرة أي ما الذي صيركم إلى هذا اللون؟ إنه الكفر بعد اليمان‪.‬‬
‫فمن هم الذين كفروا بعد اليمان؟‬
‫هذا يعني أن اليمان قد سبق ثم طرأ على اليمان كفر‪ ،‬وماتوا على ذلك الكفر‪ ،‬وهذا قول ينطبق‬
‫على الذين ارتدوا عن السلم مثل ابن السلت وغيره‪ ،‬وهؤلء كفروا بعد اليمان‪ .‬أو يكون }‬
‫َأ ْكفَرْتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ { يجعلنا نقول‪ :‬البعدية هنا ل بد أن يكون لها قبلية‪ :‬ألم يأخذ ال على خلقه‬
‫ستُ بِرَ ّبكُمْ قَالُواْ بَلَىا { إنه‬
‫عهدا في عالم الذر حين استخرجهم من ظهر آدم؟ وقال سبحانه‪ } :‬أَلَ ْ‬
‫إقرار إيماني موجود في عالم الذّر‪ ،‬فمن جاء في الواقع لينقض هذه المسألة فقد كفر بعد إيمان‪ .‬أو‬
‫أكفرتم بعد إيمانكم بمحمد‪ ،‬بعد أن جاءتكم به البشارات التي عرفتموها‪ ،‬وقرأتموها في التوراة‬
‫والنجيل‪ ،‬وقد تأكدتم أنه قادم ل محالة‪ ،‬وأنه رسول هذه المة وخاتم الرسل‪ ،‬وانطبق عليكم قول‬
‫الحق‪ {:‬فََلمّا جَآءَ ُهمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ بِهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪]89 :‬‬
‫إذن فهذا القول‪ ،‬إما أن يكون في المرتدين‪ ،‬وإما أن يكون الكفر في واقع الدنيا بعد اليمان في‬
‫عالم الذر عندما أخذ ال العهد على الناس جميعا‪ ،‬أو يكون الكفر بعد اليمان برسول ال صلى ال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليه وسلم وقد جاءت به البشارات في التوراة والنجيل‪ ،‬أو يكون ذلك من أهل الهواء الذين‬
‫أخذوا الدين وجعلوه شيعا‪ ،‬كالفرق التي خرجت عن السلم‪ ،‬وهي تدعى النتساب إليه كالبهائية‬
‫والقاديانية وغيرها‪ .‬إن الية تحتمل كل هذا‪ ،‬وعندما نمعن النظر إلى النص القرآني نجده‬
‫يستوعب كل هذه المعاني‪.‬‬
‫وهنا نلحظ أن الحق سبحانه أورد فقط‪َ } :‬أ ْكفَرْتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ َفذُوقُواْ ا ْل َعذَابَ ِبمَا كُنْتُمْ َت ْكفُرُونَ‬
‫{ وهذا قول يختص بالكفار فقط يذوقون العذاب بسبب الكفر‪ ،‬وذلك يعني أن المؤمن بإيمانه سينال‬
‫حمَةِ اللّهِ ُهمْ فِيهَا خَالِدُونَ {‬
‫ت وُجُو ُههُمْ َففِي رَ ْ‬
‫ض ْ‬
‫ثواب عمله‪ .‬يقول تعالى‪ } :‬وََأمّا الّذِينَ ابْ َي ّ‬

‫(‪)497 /‬‬
‫حمَةِ اللّهِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ (‪)107‬‬
‫ت وُجُو ُههُمْ َففِي رَ ْ‬
‫ض ْ‬
‫وََأمّا الّذِينَ ابْ َي ّ‬

‫ولنلحظ دائما أن ال حين يبين جزاءً لمؤمن على إيمانه وطاعته فسبحانه يقول مرة‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ‬
‫َأصْحَابُ ا ْلجَنّةِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ }[العراف‪]42 :‬‬
‫ل وَ َيهْدِيهِمْ‬
‫حمَةٍ مّنْ ُه َو َفضْ ٍ‬
‫صمُواْ بِهِ َفسَيُ ْدخُِلهُمْ فِي رَ ْ‬
‫ومرة أخرى يقول‪ {:‬فََأمّا الّذِينَ آمَنُواْ بِاللّ ِه وَاعْ َت َ‬
‫إِلَيْ ِه صِرَاطا مّسْ َتقِيما }[النساء‪]175 :‬‬
‫ما الفرق بين الثنين؟ إن الناس في العبادة صنفان‪ :‬منهم من يعبد ال ويريد نعيم الجنة‪ ،‬فيعطيه‬
‫ال الجنة جزاء لعبادته ولعمله الصالح‪ .‬وآخر يعبد ال؛ لن ال يستحق العبادة ول تمر الجنة على‬
‫باله‪ ،‬وهذا ينال ذات الرحمة‪ ،‬إنه ينال لقاء وجه ال‪.‬‬
‫وما الفرق بين الجنة والرحمة؟ إن الجنة مخلوقة ل‪ ،‬فهي باقية بإبقاء ال لها‪ ،‬ولكن الرحمة باقية‬
‫ببقاء ال‪ ،‬وهذا ضمان كاف‪ ،‬فمن يرى ال فيه حسن العبادة لذاته ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يضع ال في‬
‫الرحمة‪.‬‬
‫وقلنا من قبل‪ :‬إن هناك جنة من الجنات اسمها " عليّون " ليس فيها متعة من المتع التي سمعنا‬
‫عنها في الجنة‪ ،‬كلحم الطير وغير ذلك‪ ،‬وليس فيها إل أن ترى ال‪ .‬وما دام العبد ل يأكل عن‬
‫جوع في الخرة‪ ،‬فما الفضل له‪ ،‬جنة المتع‪ ،‬أو متعة رؤية وجه ال؟‬
‫أتتمتع بالنعمة أم بالمنعم؟ ل جدال أن التمتع برؤية المنعم أرقى وأسمى من التمتع بالمتع الخرى‪.‬‬
‫والدقة الدائية في القرآن توضح لنا أن الرحمة تكتنف هؤلء العباد الصالحين‪ ،‬وتحيط بهم‪ ،‬إنهم‬
‫ظرف للرحمة وداخلون فيها فل تمسهم الرحمة فقط‪ ،‬ولكن تحيط بهم‪ ،‬وهم خالدون فيها‪ ،‬ويؤكدها‬
‫الحق بظرفية جديدة بقوله‪ { :‬هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } فكأن هناك رحمة يُدخل فيها العباد‪ ،‬ثم يطمئننا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على أنها ل تُنزع منا أبدا‪ .‬فـ " فيها " الثانية للخلود‪ " ،‬وفي " الولى للدخول في الرحمة‪.‬‬
‫حقّ‪} ...‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ِ { :‬ت ْلكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَ ْيكَ بِالْ َ‬

‫(‪)498 /‬‬
‫ق َومَا اللّهُ يُرِيدُ ظُ ْلمًا لِ ْلعَاَلمِينَ (‪)108‬‬
‫تِ ْلكَ آَيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَ ْيكَ بِا ْلحَ ّ‬

‫إن آيات ال هي حججه وبراهينه وجزاءاته‪ ،‬فمن اسود وجهه يوم القيامة نال العذاب‪ ،‬ومن ابيض‬
‫حقّ } ‪ ،‬فما الذي يجعل إنسانا ل‬
‫وجهه نال الرحمة وهو فيها خالد { ِت ْلكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَ ْيكَ بِالْ َ‬
‫يخبر بالحق؟ ل بد أن هناك داعيا عند ذلك النسان‪ ،‬فلِنّ الحق يُتبعه‪ ،‬فهو يخبر بغير الحق‪ .‬لكن‬
‫هل هناك ما يتعب الخالق؟ ل؛ فسبحانه وتعالى منزه عن ذلك وعن كل نقص أو عيب إذن فل بد‬
‫ألّ يقول إل الحق‪ ،‬فل شيء خارج عن ملكه بعد ذلك‪ .‬يقول سبحانه‪َ { :‬ومَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْما‬
‫لّ ْلعَاَلمِينَ }‪ .‬إنه سبحانه ينفي الظلم عن نفسه كما قال‪َ {:‬ومَا رَ ّبكَ بِظَلّمٍ لّ ْلعَبِيدِ }[فصلت‪]46 :‬‬
‫والحق ل يريد الظلم على إطلقه‪ ,‬من نفسه ومنكم أنتم أيها العباد‪ .‬وكيف يأتي الظلم؟ إن مظاهر‬
‫الظلم هي ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬أن تأخذ إنسانا بغير جرم‪ ..‬هذا ظلم‪ .‬أو أل تعطي إنسانا مستوى‬
‫إحسانه‪ ..‬هذا ظلم‪ .‬وماذا يفعل من يقوم بالظلم؟ إنه يريد أن يعود المر بالنفع له‪ ،‬فإن كان يريد‬
‫خذَ إنسانٍ بغير جرم فهو يفعل ذلك ليروي حقدا وغل في نفسه‪ ،‬وقد يلفق لنسان جرما؛ لنه‬
‫أَ ْ‬
‫يرى أن هذا النسان قد يهدده في أي مصلحة من المصالح‪ ،‬وهو يعلم انحرافه فيها‪ ،‬فيعتقله مثل‪،‬‬
‫أو يضعه في السجن حتى ل يفضحه‪.‬‬
‫إذن ل يمكن أن يذهب إنسان عن الحق إلى الظلم إل وهو يريد أن يحقق منفعة أو يدفع عن نفسه‬
‫ضررا‪ ،‬وال لن يحقق لذاته منفعة بظلم‪ ،‬أو يدفع ضررا يقع من خلقه عليه؛ إنه منزه عن ذلك؛‬
‫فهو القاهر فوق عباده‪ .‬والحديث القدسي يقول‪ " :‬يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي‪ .‬وجعلته‬
‫بينكم محرما فل تظالموا "‪.‬‬
‫والظالم من البشر جاهل‪ .‬لماذا؟ لنه َقوّى الذي ظلمه‪ ،‬ولم يضعفه‪ ،‬فالظالم يظلم ليضعف المظلوم‬
‫أمامه‪ ،‬فنقول له‪ :‬أنت غبي‪ ،‬قليل الذكاء؛ لنك قويته على نفسك وفعلت عكس ما تريد‪ .‬ولنوضحْ‬
‫ذلك ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬نحن جميعا عيال ال‪ ،‬سننتقل إلى دائرة حياتنا اليومية ونرى عيالنا‪،‬‬
‫إن الواحد منا عندما يكون له أولد‪ ،‬وجاء ولد من الولد وظلم أخاه َفقَ ْلبُ الوالد يكون مع‬
‫المظلوم‪ ،‬ويحاول الوالد أن يترضّى ابنه المظلوم‪ .‬إذن فالولد الظالم ضر أخاه ضررا يناسب‬
‫طفولته‪ ،‬ولكنه أعطاه نفعا يناسب قوة والده‪ ،‬إنه يجهل حقيقة تقويته لخيه‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وما دمنا جميعا عيال ال فماذا يفعل ال حين يرى سبحانه واحدا من خلقه يظلم آخر من خلقه؟ ل‬
‫بد أن الحق سيشمل المظلوم برعايته‪ ،‬وهكذا يقوى الظالم المظلومَ‪ ،‬والظالم بذلك يعلن عن غبائه‪،‬‬
‫فلو كان ذكيا‪ ،‬لم ظلم‪ ،‬ولضنّ على عدوه أن يظلمه‪ ،‬ولقال‪ :‬إنه ل يستأهل أن أظلمه؛ لنه عن‬
‫طريق ظلمى له سيعطيه ال مكافأة كبرى‪ ،‬وهي أن يجعله في كنفه ورعايته مباشرة‪.‬‬
‫وقد نجد واحدا يظلم من أجل نفع عاجل‪ ،‬وينسى هذا النسان أنه لن يشرد أبدا ممن خلقه‪ .‬ونقول‬
‫لمثل هذا النسان‪ :‬أنت لن تشرد ممن خلقك‪ ،‬ولكنك شردت من المخلوق وداريت نفسك‪ ،‬وحاولت‬
‫أن تحقق النفع العاجل لنفسك‪ ،‬لكن الخالق قيوم ل تأخذه سنة ول نوم‪ .‬وكأن الحق سبحانه يطمئننا‬
‫بأن ننام ملء جفوننا لنه سبحانه ل تأخذه سنة ول نوم‪.‬‬
‫} َومَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْما لّ ْلعَاَلمِينَ { لن الظلم ل ينشأ إل عن إرادة نفعية بغير حق‪ ،‬أو إرادة الضرر‬
‫بغير جرم‪ ،‬وال غني عن ذلك‪ ،‬ولذلك نجد الحق يؤكد غناه عن الخلق وأنه مالك للكون كله‬
‫ت َومَا فِي الَ ْرضِ‪{ ...‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫فيقول‪ } :‬وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫(‪)499 /‬‬
‫ض وَإِلَى اللّهِ تُ ْرجَعُ الُْأمُورُ (‪)109‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫وَلِلّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫إنه مالك الملك‪ ،‬كل شيء له وبه وملكه‪ ،‬وإليه يُرجع كل أمر‪ .‬ونحن نعلم أن القرآن الكريم قد‬
‫ج ُع المور) بفتح التاء بالبناء للفاعل‪،‬‬
‫نزل من عند ال بقراءات متعددة وقد ورد وفي بعضها (تَر ِ‬
‫ج ُع المور) بضم التاء بالبناء للمفعول‪ ،‬وكذلك (ترجعون) تأتي أيضا بضم‬
‫وفي قراءة أخرى‪( :‬تر ِ‬
‫التاء وفتحها‪ ،‬وكلها ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬قراءات من عند ال‪.‬‬
‫جعُونَ } بفتح التاء فمعنى ذلك أننا نعود إليه مختارين؛ لن المؤمن‬
‫وعندما يقول الحق‪ { :‬وَإِلَيْه ترْ َ‬
‫يُحبّ ويرغب أنْ يصل إلى الخرة‪ ،‬لن عمله طيب في الدنيا‪ ،‬فكأنه يجري ويسارع إلى الخرة‪،‬‬
‫جعُونَ } بضم التاء‪ .‬وهذا ينطبق على الكافر أو العاصي‪ .‬إنّ كُلّ‬
‫ومرة يقول تعالى‪ { :‬وَإِلَيْه تُرْ َ‬
‫منهما يحاول أل يذهب إلى الخر‪ ،‬لكن المسألة ليست بإرادته‪ ،‬إنه مقهور على العودة إلى الخرة‬
‫جهَنّمَ دَعّا }[الطور‪]13 :‬‬
‫ولذلك نجد التعبير القرآني‪َ {:‬يوْمَ يُدَعّونَ إِلَىا نَارِ َ‬
‫هناك من يدفعهم إلى النار دفعا‪ .‬وفي حياتنا ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬نجد الشرطي يمسك بالمجرم‬
‫جعُونَ } بضم‬
‫من ملبسة ويدفعه إلى السجن‪ ..‬ذلك هو الدع‪ .‬وهكذا يكون قول الحق‪ { :‬وَإِلَيْه تُ ْر َ‬
‫التاء وفتح الجيم‪ ،‬أي أنه مدفوع بقوة قاهرة إلى النهاية‪ .‬أما المؤمن الواثق فهو يهرول إلى آخرته‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مشتاقا لوجه ربه‪.‬‬
‫لمُورُ }‪ .‬قد يقول قائل‪ :‬ومتى خرجت المور منه حتى ترجع‬
‫وعندما تقرأ { وَإِلَىا اللّهِ تُرْجَعُ ا ُ‬
‫إليه؟ ونقول‪ :‬حين خلق ال الدنيا‪ ،‬خلقها بقهر تسخيري لنفع النسان‪ ،‬وجعل فيها أشياء بالسباب‪،‬‬
‫فإن فعل النسان السبب فإنه يأخذ المسبب ‪ -‬بفتح الباء ‪ -‬المشددة‪ ،‬فالشمس تشرق علينا جميعا‪،‬‬
‫والضوء والدفء والحرارة‪ ،‬هي ‪ -‬بأمر ال ‪ -‬للمؤمن والكافر معا‪ ،‬ولم يصدر ال لها أمرا أن‬
‫تختص المؤمن وحده بمزاياها‪ ،‬والهواء ل يمر على المؤمن وحده‪ ،‬إنما يمر على المؤمن والكافر‪،‬‬
‫وكذلك الماء‪ ،‬والرض يزرعها الكافر فيأخذ منها الثمار‪ ،‬ويزرعها المؤمن كذلك‪.‬‬
‫إذن ففي الكون أشياء تسخيرية‪ ،‬وهي التي ل تدخل فيها طاقة النسان‪ ،‬وهناك أشياء سببية‪ ،‬فإن‬
‫فعلت السبب يأت لك المسبب‪ ،‬وال قد جعل السباب للمؤمن والكافر‪ .‬وعندما ُيمَلّك ال بعض‬
‫الخلق أسباب الخلق فهو القيوم فوق الجميع‪ ،‬لكن في الخرة‪ ،‬فل أسباب ول مسببات؛ ولذلك يكون‬
‫المر له وحده‪ ،‬اقرأوا جيدا‪ّ {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫إنّ في الدنيا أناسا ‪ -‬بإرادة ال ‪ -‬تملك أسبابا‪ ،‬وتملك عبيدا‪ ،‬وتملك سلطانا؛ لن الدنيا هي دنيا‬
‫السباب‪ .‬أما في الخرة فل مجال لذلك‪ .‬لقد بدأت الدنيا بأسبابها مِنّة منه‪ ،‬ورجعت مِنْهُ إليه { ّلمَنِ‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ } ومن يعتز بالسببية نقول له‪ :‬كن أسير السببية لو كنت تستطيع‪.‬‬
‫ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫ومن يعتز بالقوة لنها ‪ -‬ظاهرا ‪ -‬سبب للحركة‪ ،‬نقول له‪ :‬احتفظ بقوتك إن كنت قادرا‪ .‬ومن‬
‫يعتز بالملك نقول له‪ :‬لتحتفظ بالملك لو كنت تستطيع‪ .‬ول أحد بقادر على أَنْ يحتفظ بأي شيء‪،‬‬
‫فكل شيء مرده إلى ال‪ ،‬وإن كان في ظاهر المر أن بعض الشياء لك الن‪ ،‬وفي الخرة ل‬
‫يكون كل أمر‪ ،‬ويرجع إليه كل شيء‪ ،‬لقد بدأت به‪ ،‬ورجعت إليه‪ .‬ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬كُنْتُمْ‬
‫ف وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ‪} ...‬‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫خَيْرَ ُأمّةٍ أُخْ ِر َ‬

‫(‪)500 /‬‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَ ِر وَ ُت ْؤمِنُونَ بِاللّهِ وََلوْ َآمَنَ أَ ْهلُ‬
‫كُنْتُمْ خَيْرَ ُأمّةٍ ُأخْرِ َ‬
‫سقُونَ (‪)110‬‬
‫ا ْلكِتَابِ َلكَانَ خَيْرًا َل ُهمْ مِ ْنهُمُ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ وََأكْثَرُ ُهمُ ا ْلفَا ِ‬

‫هذه الخيرية لها مواصفات وعناصر‪ { :‬تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَ ِر وَ ُتؤْمِنُونَ بِاللّهِ }‪.‬‬
‫فإن تخلف عنصر من هذه العناصر‪ ،‬انحلت عنكم الخيرية‪ ،‬فالخيرية لكم بأشياء هي‪ :‬أمر‬
‫بالمعروف‪ .‬نهى عن المنكر‪ .‬إيمان بال‪.‬‬
‫وساعة تسمع كلمة " معروف " و " منكر " فإنك تجد أن اللفظ موضوع في المعنى الصحيح‪ ،‬فـ "‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المعروف " هو ما يتعارف الناس عليه ويتفاخرون به‪ ،‬ويَسُرّ كل إنسان أن يعرف الخرون عنه‪.‬‬
‫" والمنكر " هو الذي ينكره الناس ويخجلون منه‪ ،‬فمظاهر الخير يحب كل إنسان أن يعرفها‬
‫الخرون عنه‪ ،‬ومظاهر الشر ينكرها كل إنسان‪.‬‬
‫إن مظاهر الخير محبوبة ومحمودة حتى عند المنحرف‪ .‬فاللص نفسه عندما يوجد في مجلس ل‬
‫يعرفه فيه أحد‪ ،‬ويسمع أن فلنا قد سرق فإنه يعلن استنكاره لفعل اللص‪ ،‬إنه أمر منكر‪ ،‬حتى وإن‬
‫كان هو يفعله‪ .‬وهكذا تعرف أن " المعروف " و " المنكر " يخضعان لتقدير الفطرة‪ .‬والفطرة‬
‫السليمة تأتي للمور الخيرة‪ ،‬وتجعلها متعارفا عليها بين الناس‪ ،‬وتنكر الفطرة السليمة المور‬
‫المنكرة‪ ،‬حتى ممن يفعلها‪.‬‬
‫ويورد ال مسألة اليمان بال من بعد المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬لماذا؟ لنه من الجائزة‬
‫أن يوجد إنسان له صفات الريحية والنسانية ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر‪ ،‬ويصنع‬
‫الخير‪ ،‬ويقدم الصدقات‪ ،‬ويقيم مؤسسات رعاية للمحتاجين والعاجزين سواء كانت صحية أو‬
‫اقتصادية‪ ،‬لكنه يفعل ذلك من زاوية نفسه النسانية‪ ،‬ل من زاوية منهج ال‪ ،‬فيكون كل ما يفعله‬
‫حابطا ول يُعتَرفُ له بشيء لنه لم يفعل ذلك في إطار اليمان بال‪ ،‬ولذلك فل تظن أن الذي‬
‫يصنع الخير دون إيمان بال؛ فال يجازي من كان على اليمان به‪ ،‬وأن يكون ال في بال العبد‬
‫ساعة يصنع الخير‪ .‬فمن صنع خيرا من أجل الشهامة والنسانية والجاه والمركز والسمعة فإنه‬
‫ينال جزاءه ممن عمل له‪ ،‬ومادام قد صنع ذلك من أجل أن يقال عنه ذلك فقد قيل‪ ،‬وهو ما يبيّنه‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بقوله‪ " :‬إن أول الناس يُقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي‬
‫ت فيها؟ قال‪ :‬قاتلت فيك حتى استشهدت‪ .‬قال‪ :‬كذبت‪ ،‬ولكنك‬
‫به فعرفه نعمه فعرفها فقال‪ :‬ما عمل َ‬
‫قاتلت لن يقال جريء فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب‪ .‬ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به‬
‫فعرّفه نعمه فعرفها فقال‪ :‬ما عملت فيها قال‪ :‬تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن‪ ،‬قال‪ :‬كذبت‬
‫ولكنك تعلمت العلم ليقال‪ :‬عالم‪ ،‬وقرأت القرآن ليقال‪ :‬قارئ فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه‬
‫حتى ألقى في النار‪ ،‬ورجل وسع ال عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرّفه نعمه‬
‫فعرفها قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪ :‬ما تركت في سبيل تحب أن ينفق فيها إل أنفقتُ فيها‪ .‬قال‪:‬‬
‫كذبت ولكنك فعلت ليُقال‪ :‬هو جواد‪ ،‬فقد قيل‪ ،‬ثم أمر فسحب على وجهه ثم أُلقي في النار "‪.‬‬

‫إنه ينال جزاء عمله من قول الناس‪ ،‬لكن ال يجازي في الخرة من كان ال في باله ساعة أن‬
‫ع ِملَ صَالِحا َوقَالَ‬
‫حسَنُ َقوْلً ّممّن دَعَآ إِلَى اللّ ِه وَ َ‬
‫عمل‪ .‬لذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول‪َ {:‬ومَنْ أَ ْ‬
‫إِنّنِي مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ }[فصلت‪]33 :‬‬
‫إن المؤمن يفعل العمل الصالح‪ ،‬ويعلن أنه يفعل ذلك لنه من المسلمين‪ ،‬إنه ل يفعل الخير‪ ،‬لنه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيوعي‪ ،‬أو وجودي‪ ،‬أو إنساني إلخ‪ ،‬فمهما صنع إنسان من الخير‪ ،‬وترك العتراف بال فخيانة‬
‫الكفر تفسد كل عمل‪ .‬لنه جحد وأنكر خالقه وكفر به‪ ،‬والذي يعمل خيرا من أجل أحدٍ فلينل من‬
‫هذا الحد جزاء هذا العمل‪.‬‬
‫وهنا في هذه الية‪ ,‬أمر بالمعروف‪ ،‬ونهى عن المنكر‪ ،‬وإيمان بال‪ .‬ولكن ما الذي يجعلهم ل‬
‫يؤمنون بال وإن عملوا معروفا؟ إنه حرصهم على الجاه الزائف‪ ،‬فلمّا جاء السلم‪ ،‬ظن أهل‬
‫الجاه في الديانات الخرى أن السلم سيسلبهم الجاه والسلطة والمكانة والمنافع التي كانوا‬
‫يحصلون عليها‪ ،‬وكان من حماقة بعضهم أن باعوا الجنة على الرض وخافوا على المركز والجاه‬
‫والمنافع‪ ،‬وكان ذلك من قلة الفطنة‪ ،‬فالحق يقول‪:‬‬
‫سقُونَ { [آل عمران‪]110 :‬‬
‫} وََلوْ آمَنَ َأ ْهلُ ا ْلكِتَابِ َلكَانَ خَيْرا ّلهُمْ مّ ْنهُمُ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ وََأكْثَرُهُمُ ا ْلفَا ِ‬
‫فلو آمنوا لظل لهم الجاه والسلطة في ضوء اليمان بال‪ ،‬فل تجارة بالدين‪ ،‬وكانوا سيحصلون‬
‫على أجرهم مرتين‪ ،‬أجر في الدنيا‪ ،‬وأجر في الخرة‪ ،‬أو أجر على إيمانهم بنبيهم‪ ،‬وأجر آخر‬
‫ليمانهم برسول ال‪ ،‬ولكن هل معنى هذا القول أن أهل الكتاب لم يؤمنوا؟ ل‪ ،‬إن بعضهم قد آمن‪،‬‬
‫سقُونَ‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يؤرخ لهم تأريخا حقيقيا فيقول سبحانه‪ } :‬مّ ْنهُمُ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ وََأكْثَرُهُمُ ا ْلفَا ِ‬
‫{ وكان القياس أن يأتي وصف بعضهم باليمان‪ ،‬وأن يكون غيرهم من أبناء ملتهم كافرين‪ ،‬لن‬
‫اليمان يقابله الكفر‪ ،‬لكن الحق يحدد المعنى المناسب لفعلهم فيقول‪ } :‬وََأكْثَرُهُمُ ا ْلفَاسِقُونَ {‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى الذي يتكلم فيورد كل كلمة بمنتهى الدقة‪ ،‬فهناك فرق بين أن تكفر وليس‬
‫عندك مقدمات اليمان وأدلته‪ ،‬وأن تكفر وأنت تعرف مقدمات اليمان كقراءة التوراة والنجيل‪.‬‬
‫لقد قرأ أهل الكتاب التوراة والنجيل ورأوا اليات البينات وعرفوا البشارات؛ لذلك فهم عندما‬
‫كفروا برسول ال‪ ،‬فسقوا أيضا مع الكفر‪ .‬إن الذي كفروا برسول ال من أهل الكتاب هم فاسقون‬
‫حتى في كفرهم‪ ،‬لن مقتضى معرفتهم للبشارات واليات أن يعلنوا اليمان برسالة رسول ال‪،‬‬
‫فالواحد منهم ليس كافرا عاديا‪ ،‬بل هو فاسق حتى في الكفر؛ لنه عرف الحق‪ ،‬ثم خرج وفسق‬
‫عنه‪.‬‬
‫سقُونَ { إذن ماذا يفعل المؤمن منهم مع‬
‫ن وََأكْثَرُهُمُ ا ْلفَا ِ‬
‫وما دام الحق قد قال‪ } :‬مّ ْنهُمُ ا ْل ُم ْؤمِنُو َ‬
‫الفاسق؟ سيتربص الفاسقون وهم الكثرية في اليهودية والنصرانية بالقلية المؤمنة ليوقعوا بهم‬
‫الذى والضرر‪ ،‬ويقول الحق سبحانه‪ } :‬لَن َيضُرّوكُمْ ِإلّ َأذًى وَإِن ُيقَاتِلُوكُمْ ُيوَلّوكُ ُم الَدْبَارَ ُث ّم لَ‬
‫يُنصَرُونَ {‬

‫(‪)501 /‬‬
‫لَنْ َيضُرّوكُمْ إِلّا َأذًى وَإِنْ ُيقَاتِلُوكُمْ ُيوَلّوكُمُ الَْأدْبَارَ ثُمّ لَا يُ ْنصَرُونَ (‪)111‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لكن الحق سبحانه يطمئن هذه القلية من إضرار الكثرية بهم فيقول‪ { :‬لَن َيضُرّوكُمْ ِإلّ أَذًى }‪.‬‬
‫أي يا أيتها القلية التي آمنت من أهل الكتاب ‪ -‬مثل عبد ال بن سلم الذي أسلُم وترك اليهودية ‪-‬‬
‫إياكم أن تظنوا أن الكثرية الفاسقة قادرة على إنزال العذاب بكم؛ فالحق ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يعلن أن‬
‫محاولة الكثرية لنزال الضرر بالقلية التي آمنت منهم لن يتجاوز الذى‪.‬‬
‫ما هو الضرر؟ وما هو الذى؟‬
‫إن الذى هو الحدث الذي يؤلم ساعة وقوعه ثم ينتهي‪ ،‬أما الضرر فهو أذى يؤلم وقت وقوعه‪،‬‬
‫وتكون له آثار من بعد ذلك‪ ،‬فعندما يصفع النسان إنسانا آخر صفعة بسيطة فالصفعة البسيطة‬
‫تؤلم‪ ،‬وألمها يذهب مباشرة‪ ،‬لكن إذا كانت الصفعة قوية وتتسبب في كدمات وتورم فهذا هو‬
‫الضرر‪ .‬إذن فالذى يؤلم ساعة يُباشر الفعل فقط‪ ،‬وقد يكون الذى بالكلمة كالستهزاء‪ ،‬فالفاسق‬
‫قد يستهزئ بالذي آمن‪ ،‬فينطق بكلمة الكفر أو الفُجْر‪ ،‬هذه الكلمة ليس لها ضرر في ذات المؤمن‬
‫ولكنها تؤذي سمعه‪ .‬إن الحق سبحانه يطمئن المؤمنين على أن أهل الكفر لن يضروا المؤمنين إل‬
‫الذى‪ ،‬وهذا أقصى ما في استطاعتهم‪ ،‬وليس لهذا الذى أثر‪.‬‬
‫إذن فقول الحق‪ { :‬لَن َيضُرّوكُمْ ِإلّ َأذًى } يعني أنهم لن يستطيعوا أن ينالوا منكم أبدا اللّهم إل‬
‫الستهزاء أو الغمز واللمز‪ ،‬أو إشارة بحركة تؤذي شعور المؤمن‪ ،‬أو تمجد الكفر‪ ،‬وتعظمه أو‬
‫ينطق كلمة عهر أو فجر ل يوافق عليها الدين‪ ،‬هذا أقصى ما يستطيعه أهل الفسق‪ ،‬وهم ل‬
‫يملكون الضرر لهل اليمان‪ .‬وبعد ذلك نرى أن واقع المر قد سار على هذا المنوال مع الدعوة‬
‫المحمدية ومع جنود سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬لقد أطلقها ال كلمة‪ { :‬لَن َيضُرّوكُمْ ِإلّ‬
‫أَذًى } فصارت الكلمة قانونا‪ .‬فقد وقعت الوقائع بين جند رسول ال وأهل الفسق‪ ،‬وثبت أن أهل‬
‫الفسق لم يستطيعوا ضرر أهل اليمان إل أذى‪.‬‬
‫ولننظر إلى ما حدث لبني قينقاع‪ ،‬ولما حدث لبني قريظة‪ ،‬ولما حدث لبني النضير‪ ،‬ولما حدث‬
‫ليهود خيبر‪ ،‬هل ضروا المؤمنين إل أذى؟ لقد قالوا لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ل يغرنك يا‬
‫محمد أنك لقيت قوما أغرارا ل علم لهم بالحرب فانتصرت عليهم‪ ،‬فإذا أنت حاربتنا فستعرف مَن‬
‫الرجال‪ .‬وكان ذلك مجرد كلم باللسان‪.‬‬
‫إن التاريخ يحمل لنا ما حدث لهم جميعا‪ ،‬لقد هزمهم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬وبعد هذا‬
‫أرادوا أن يرتفعوا عن الذى إلى الضرر الحقيقي فلم يمكنهم ال؛ لن الحق يقول‪ { :‬وَإِن ُيقَاتِلُوكُمْ‬
‫صعّدوا الذى للمؤمنين ليوقعوا ضررا‬
‫ُيوَلّوكُمُ الَدْبَارَ ثُ ّم لَ يُنصَرُونَ } ‪ ،‬فإن أراد أهل الفسق أن ُي َ‬
‫حقيقيا‪ ،‬فإن الكافرين يولون الدبار أمام المؤمنين‪ ،‬فهزيمتهم أمر ل مناص منه‪.‬‬
‫ونحن نعرف في اللغة أن هناك ما نسميه " الشرط " وما نسميه " الجواب " فـ " إنْ " حرف‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن كان الفعل من الفعال الخمسة فإنّنا نحذف النون‪ ،‬لذلك نجد‬
‫شرط تجزم فعل الشرط وجوابه فإ ْ‬
‫القول الحق‪ } :‬وَإِن ُيقَاتِلُوكُمْ ُيوَلّوكُ ُم الَدْبَارَ {‪.‬‬
‫إن } ُيقَاتِلُوكُمْ { فعل شرط محذوفه منه النون‪ .‬و } ُيوَلّوكُ ُم الَدْبَارَ { أصلها يولونكم الدبار‪ .‬وهي‬
‫جواب شرط حذفت منه النون‪ ،‬وعندما يأتي العطف بعد ذلك‪ ،‬فهل يكون بالرفع أو الجزم؟ إن‬
‫العادة أن يكون العطف بالجزم!! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي قوله‪ } :‬ثُ ّم لَ يُنصَرُونَ {‪ .‬إنها‬
‫كسرة إِعْرَابِيّة تجعل الذهن العربي يلتفت إلى أن هناك أمرا جلل‪ ،‬لن المتكلم هو ال سبحانه‪.‬‬
‫كيف جاءت " النون "؟‬
‫هنا نقف وقفة فَلننطق الية ككلم البشر‪ :‬إن يقاتلوكم يولوكم الدبار ثم ل ينصروا‪ .‬وهذا القول‬
‫يكون تأريخا لمعركة واحدة‪ ،‬لكن ما الذي سوف يحدث من بعد ذلك؟ ماذا يحدث عندما يقاتل‬
‫المؤمنون أهل الكفر والفسق؟ وتكون الجابة هي‪ } :‬ثُ ّم لَ يُنصَرُونَ { إن هذا القول الحكيم يحمل‬
‫قضية بعيدة عن الشرط والجزاء‪ ،‬إنها حكم من ال على أهل الفسق بأنهم ل يُنصرون أبدا سواء‬
‫أقاتلوا أن لم يقاتلوا إنها قضية ثابتة منفصلة‪ ،‬وليست معطوفة على الشرط‪ ،‬فعلة عدم النصر‪،‬‬
‫ليست القتال‪ ،‬ولكنها الكفر‪.‬‬
‫وإذا دققنا الفهم في العبارة حروفا ‪ -‬بعد أن دققنا فيها الفهم جمل ‪ -‬لوجدنا معنى جديدا‪ ،‬فقد يظن‬
‫إنسان أن القول كان يفترض أن يتأتى على نحو مغاير‪ ،‬هو " يولوكم الدبار فل ينصرون " لن‬
‫الذي يأتي بعد الـ " فاء " يعطي أنهم ل ينتصرون عليكم في بداية عهدكم‪ ،‬وهذا ما تفيده الفاء‬
‫لنها للترتيب والتعقيب‪ .‬لكن الحق أورد حرف " ثم " وهو يفيد التراخي‪ ،‬وهذا يعني أنهم ل‬
‫ينتصرون عليكم أيها المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة يَ ُردّن بها على توليهم الدبار‪.‬‬
‫إنه حكم تأبيدي‪ ،‬لن " ثم " تأتي للتعقيب مع التراخي‪ ،‬والفاء تأتي للتعقيب المباشر بدون تراخ‪.‬‬
‫لذلك فعندما نقرأ القرآن نجد وضع الفاء كالتي‪ {:‬ثُمّ َأمَاتَهُ فََأقْبَ َرهُ }[عبس‪]21 :‬‬
‫لن دخول القبر يكون بعد الموت مباشرة‪ ،‬وبعدها يقول الحق‪ُ {:‬ثمّ ِإذَا شَآءَ أَنشَ َرهُ }[عبس‪]22 :‬‬
‫فإذا كان هناك تعقيب بعد مدّة زمنية فالحق يأتي بـ " ثم " ‪ ,‬وإذا كان هناك تعقيب فوري بل مدة‬
‫يأتي الحق بـ " ف "‪ .‬والتعقيب في الية التي نتناولها يأتي بعد " ثم " ‪ ،‬وكأن هذا حكم مستمر‬
‫من الحق بأن أهل الفسق لن ينتصروا على أهل اليمان‪ ،‬ولم بعد انتهاء المعركة القائمة الن‬
‫بينهم‪ ،‬إنها هزيمة بحكم نهائي‪ ،‬هذا هو القول الفصل‪ } :‬ثُمّ لَ يُنصَرُونَ { وهو أشد وقعا مما لو‬
‫جاء " لَ ينتصرون " لماذا؟ لن من الممكن ألّ ينتصر أهل الكفر بذواتهم‪ ،‬ولكن اليضاح يؤكد‬
‫أنهم ‪ -‬أهل الكفر ‪ -‬ل ينتصرون ل بذواتهم‪ ،‬ول يُنصرون بغيرهم أيضا‪.‬‬
‫إن } ثُ ّم لَ يُنصَرُونَ { قضية دائمة فليست المسألة مقصورة على عهد رسول ال فقط‪ ،‬ولكنها‬
‫ستظل إلى أبد البدين‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومن السطحية في الفهم أن نقول‪ :‬إن الية كانت تتطلب أن يكون القول " ثُ ّم لَ يُنصَرُوا " لن‬
‫العراب يقتضي ذلك‪ .‬لكن المعنى اللئق بالمتكلم وهو الحق سبحانه وتعالى الذي يعطي الضمان‬
‫والطمئنان للمة المسلمة أمام خصومها ل بد أن يقول‪ } :‬ثُمّ لَ يُنصَرُونَ { وهي أكثر دقة حتى‬
‫من " لَ ينتصرون " لن " ينتصرون " فيها مدخلية السباب منهم‪ ،‬أما } ُث ّم لَ يُنصَرُونَ { فهي‬
‫تعني أن ل نصر لهم أبدا‪ ،‬حتى وإن تعصب لهل الفسق قوم غيرهم وحاولوا أن ينصروهم فلن‬
‫يستطيعوا ذلك‪.‬‬
‫فإن رأيتم ‪ -‬أيها المسلمون ‪ -‬نصرا للكافرين عليكم منهم أو بتعصب قوم لهم فاعلموا أنكم دخلتم‬
‫معهم على غير منهج ال‪ .‬وقد يأتي إنسان ويقول‪ :‬كيف ينتصر علينا اليهود ونحن مسلمون؟‬
‫ونقول‪ :‬هل نحن نتبع الن منهج وروح السلم؟ وماذا عندنا من السلم ومن اليمان؟ هل‬
‫تحسب نفسك على ربك أثناء هزيمتك؟ وهل دخلت معركتك كمعركة إسلمية؟‬
‫ل‪ ،‬لقد انتبهنا إلى كل شيء إلّ السلم‪ ,.‬قدمنا النتماء لعصبية وقومية وعرقية على اليمان‬
‫فكيف نطلب نصرا من ال؟ ل يحق لنا أن نطلب نصرة ل إل إذا دخلنا المعركة ونحن من جند‬
‫ال‪ .‬والهزيمة تحدث عندما ل نكون جندا ل؛ لن ال ضمن النصر والغلبة لجنوده فقال‪ {:‬وَإِنّ‬
‫جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173 :‬‬
‫فإذا لم نغلب فتأكدوا أننا لسنا من جنود ال‪ ..‬ويقول الحق من بعد ذلك‪ } :‬ضُرِ َبتْ عَلَ ْي ِهمُ الذّلّةُ أَيْنَ‬
‫س وَبَآءُوا‪{ ...‬‬
‫مَا ُثقِفُواْ ِإلّ ِبحَ ْبلٍ مّنَ اللّهِ وَحَ ْبلٍ مّنَ النّا ِ‬

‫(‪)502 /‬‬
‫ضبٍ مِنَ اللّهِ‬
‫س وَبَاءُوا ِب َغ َ‬
‫ضُرِ َبتْ عَلَ ْي ِهمُ الذّلّةُ أَيْنَ مَا ُث ِقفُوا إِلّا ِبحَ ْبلٍ مِنَ اللّهِ وَحَ ْبلٍ مِنَ النّا ِ‬
‫سكَنَةُ ذَِلكَ بِأَ ّنهُمْ كَانُوا َي ْكفُرُونَ بِآَيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ ِبغَيْرِ حَقّ ذَِلكَ ِبمَا‬
‫َوضُرِبَتْ عَلَ ْيهِمُ ا ْلمَ ْ‬
‫صوْا َوكَانُوا َيعْتَدُونَ (‪)112‬‬
‫ع َ‬
‫َ‬

‫ونحن نستخدم كلمة " ضرب " في النقود‪ ،‬عندما نقول‪ :‬ضرب هذا الجنيه في مصر‪ ،‬ومعنى ذلك‬
‫أن الصانع يقوم بصنع قالب من مادة اكثر صلبة‪ ،‬من المادة التي يصنع منها النقد ويرسم فيها‬
‫الحفريات التي تبزر الكتاب والصور على وجهي الجنيه‪ ،‬ثم يصب المادة في ذلك القالَب‪ ،‬وتخضع‬
‫للقالب فتبرز الكتابة والصور‪ ،‬ول تتأبي المادة على القالب‪ .‬كأن " ضُرب " معناها " أُلزم " بالبناء‬
‫للمجهول فيهما‪ ،‬وكأن المادة المصنوعة تَلْ َز ُم القالبَ الذي تصب فيه ول تتأبى عليه ول يمكن أن‬
‫تتشكل إلّ به‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فالضرب معناه اللزام والقسر على الفعل‪ .‬وعندما يقول الحق‪ { :‬ضُرِ َبتْ عَلَ ْيهِمُ الذّلّةُ } أي‬
‫لزمتهم الذلة ل يستطيعون النفكاك عنها أبدا‪ ،‬كما ل يستطيع المعدن المضروب نقدا أن ينفك عن‬
‫القالب الذي صك عليه‪ ،‬وكأن الذلة قبة ضربت عليهم‪ ،‬وقالب لهم‪ ،‬وقول الحق‪ { :‬أَيْنَ مَا ُث ِقفُواْ }‬
‫تفيد أنهم أذلء أينما وُجدوا في أي مكان‪ .‬ولكن هناك استثناء لذلك‪ ،‬ما هو؟‬
‫إنه قول الحق‪ِ { :‬إلّ ِبحَ ْبلٍ مّنَ اللّ ِه َوحَ ْبلٍ مّنَ النّاسِ } إنهم ل يعانون من الذلة في حالة وجود عهدٍ‬
‫من ال أو عهد من أناس أقوياء أن يقدموا لهم الحماية‪ :‬فلما كانوا في عهد ال أولً وعهد رسوله‬
‫ساعة دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم المدينة وأعطاهم العهد‪ ،‬فكانوا آمنين‪ ،‬ولما خانوا‬
‫العهد‪ ،‬ولم يُوفوا به؛ ماذا حدث؟ ضُربت عليهم الذلة مرة أخرى‪.‬‬
‫إذن لقد كانوا في عهد ال آمنين لكنهم خانوا العهد‪ ،‬وانقطع حبل ال عنهم‪ ،‬فهيجوا الهيجة التي‬
‫عرفناها ونزل بهم ما نزل‪ ،‬وهو ما حدث لبني قينقاع ولبني النضير وبني قريظة ويهود خبير‪.‬‬
‫إذن فهم قبل ذلك كانوا في عهد مع ال‪ .‬وأنتم تعرفون أن رسول ال صلى ال عليه وسلم أول ما‬
‫نزل المدينة بني المسجد وعقد العهد بينه وبين اليهود وعاشوا في اطمئنان إلى أن خانوا العهد‪،‬‬
‫فضربت عليهم الذلة‪ .‬وطُردوا من المدينة‪ ،‬كما يقول الحق‪ { :‬ضُرِ َبتْ عَلَ ْي ِهمُ الذّلّةُ أَيْنَ مَا ُث ِقفُواْ ِإلّ‬
‫بِحَ ْبلٍ مّنَ اللّ ِه وَحَ ْبلٍ مّنَ النّاسِ }‪.‬‬
‫لقد أخذوا العهد من ال من خلل من له الولية على الناس‪ ،‬فالرسول في عهده كان قائما على‬
‫أمر المسلمين‪ ،‬وكذلك يكون المر معهم في ظل القائمين على أمر السلم‪ ،‬ويحدث هذا عندما‬
‫تسير المور بمنهج السلم‪.‬‬
‫أما عن حبل الناس فذلك لنهم ل يملكون أي عزة ذاتية‪ ،‬إنهم دائما في ذلة إل أن يبتغوا العزة من‬
‫جانب عهد وحبل من ال‪ ،‬أو من جانب حماية من الناس‪ .‬ونحن نراهم على هذا الحال في حياتنا‬
‫المعاصرة‪ ،‬ل بد لهم من العيش في كنف أحد؛ لذلك فعندما حاربنا " إسرائيل " في حرب أكتوبر‪،‬‬
‫انتصرنا عليهم إلى أن تدخلت أمريكا بثقلها العسكري‪.‬‬
‫فقال رئيس الدولة المصري‪ " :‬ل جَ ْلدَ لي أن أحارب أمريكا "‪.‬‬
‫إذن لو كانت الحرب بيننا وبينهم فقط ل نتهت قوتهم؛ فهم بل عزة ذاتية‪ ،‬وتكون لهم عزة لو‬
‫كانوا في جانب حبل من ال‪ ،‬أو حبل من الناس‪ .‬يقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك‪ } :‬وَبَآءُوا‬
‫سكَنَةُ { ولنا أن نلحظ أن الذلة له استثناء‪ ،‬فهم ينالون العزة لو‬
‫ِب َغضَبٍ مّنَ اللّ ِه َوضُرِبَتْ عَلَ ْيهِمُ ا ْلمَ ْ‬
‫كانوا بجانب حبل من ال أو حبل من الناس‪ ،‬أما المسكنة‪ ،‬فل استثناء فيها‪ ،‬وقد قال الحق عنهم‬
‫ضبٍ مّنَ اللّهِ }‬
‫سكَنَ ُة وَبَآءُو ِب َغ َ‬
‫في موضع آخر في القرآن الكريم‪َ {:‬وضُرِ َبتْ عَلَ ْي ِهمُ الذّلّ ُة وَا ْلمَ ْ‬
‫[البقرة‪]61 :‬‬
‫لن المسكنة أمر ذاتي في النفس‪ ،‬إنهم مساكين بأمر من ال‪ ،‬أما الذلة فقد يأتي لهم من نيصرهم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقف بجانبهم؛ فالذلة أمر من خارج‪ ،‬أما المسكنة فهي في ذاتيتهم‪ ،‬وعندما تكون المسكنة ذاتية‪،‬‬
‫فل إنقاذ لهم منها؛ لنه ل حبل من ال يأتيهم فينجيهم منها‪ ،‬ول حبل من الناس يعصمهم من‬
‫ضبٍ مّنَ اللّهِ { وهل رأى أحد منا غضبا أكبر من أن الحق قد‬
‫آثارها‪ .‬ويقول الحق‪ } :‬وَبَآءُوا ِب َغ َ‬
‫طعْنَاهُمْ فِي الَ ْرضِ ُأمَما }[العراف‪]168 :‬‬
‫قطعهم في الرض؟ ولنقرأ قول ال‪َ {:‬وقَ ّ‬
‫المكان الوحيد الذي آواهم في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم هو الجزيرة العربية في‬
‫يثرب‪ ،‬واستقروا قليل‪ ،‬وصارت لهم سيادة علمية؛ لنهم أهل كتاب‪ ،‬وصارت لهم سيادة‬
‫اقتصادية‪ ،‬وكذلك سيادة حربية‪ ،‬وهذا المكان الذي أواهم من الشتات في الرض هو المكان نفسه‬
‫الذي تمردوا عليه‪ .‬لقد كان السبب الذي من أجله قد جاءوا إلى يثرب هو ما كانوا يجدونه مكتوبا‬
‫عندهم في التوراة؛ ففي التوراة جاء ما يفيد أن نبيا سيأتي في هذا المكان ول بد أن يتبعوه‬
‫ح ْكمَةٍ ثُمّ جَآ َءكُمْ‬
‫خذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَابٍ وَ ِ‬
‫كالميثاق الذي قلنا عليه من قبل‪ {:‬وَإِذْ أَ َ‬
‫خذْتُمْ عَلَىا ذاِلكُمْ ِإصْرِي قَالُواْ َأقْرَرْنَا‬
‫رَسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ لَ ُت ْؤمِنُنّ بِهِ وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ َأَأقْرَرْتُ ْم وَأَ َ‬
‫شهَدُو ْا وَأَنَاْ َم َعكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ }[آل عمران‪]81 :‬‬
‫قَالَ فَا ْ‬
‫وهذا الميثاق يقضي بأن يتولى الرسل بلغ المم التي ُبعِثوا إليها‪ ،‬وأن يُبلغ أهلُ اليمان القادمين‬
‫من بعدهم بأن هناك رسول قادما من عند ال بالمنهج الكامل‪ - .‬واليهود ‪ -‬لم يأتوا إلى يثرب إل‬
‫على أمل أن يتلقفوا النبي المنتظر ليؤمنوا به‪ ،‬ومن بعد ذلك يكونون حربا على الكافرين بال‪ ،‬لكن‬
‫ما الذي حدث؟ إنه سبحانه يخبرنا بما حدث منهم في قوله‪ {:‬فََلمّا جَآءَهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ }‬
‫[البقرة‪]89 :‬‬
‫فماذا بعد أن باءوا بغضب من ال‪ .‬وبعد أن ختم ال قالبهم بالمسكنة؟ وما السبب؟ تكون الجابة‬
‫حقّ { لقد أرسل ال‬
‫من الحق سبحانه‪ } :‬ذاِلكَ بِأَ ّن ُهمْ كَانُواْ َيكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّ ِه وَ َيقْتُلُونَ الَنْبِيَآءَ ِبغَيْرِ َ‬
‫لهم آيات عجيبة ولكنهم كفروا بها‪ ،‬تلك اليات التي جاءنا ذكر منها في قوله الحق‪:‬‬
‫ن وَالسّ ْلوَىا كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَ َزقْنَا ُكمْ }[البقرة‪]57 :‬‬
‫ظلّلْنَا عَلَ ْيكُمُ ا ْل َغمَا َم وَأَنزَلْنَا عَلَ ْيكُمُ ا ْلمَ ّ‬
‫{ وَ َ‬
‫خذْنَا مِيثَا َقكُمْ‬
‫كثير من اليات أرسلها الحق لبني إسرائيل‪ ،‬منها ما جاء في قوله الحق‪ {:‬وَِإذْ أَ َ‬
‫خذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم ِب ُق ّوةٍ وَا ْذكُرُواْ مَا فِيهِ َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ }[البقرة‪]63 :‬‬
‫وَ َر َفعْنَا َف ْو َقكُمُ الطّورَ ُ‬
‫ولكنهم تولوا عن اليمان وأمامهم ضرب موسى عليه السلم الحجر بالعصا فانفجرت منه عيون‬
‫حجَرَ فَانفَجَ َرتْ مِ ْنهُ اثْنَتَا عَشْ َرةَ‬
‫سقَىا مُوسَىا ِل َقوْمِهِ َفقُلْنَا اضْرِب ّب َعصَاكَ الْ َ‬
‫المياه ليشربوا‪ {.‬وَِإذِ اسْ َت ْ‬
‫عَيْنا قَدْ عَِلمَ ُكلّ أُنَاسٍ مّشْرَ َب ُهمْ }[البقرة‪]60 :‬‬
‫وبرغم ذلك فقد قاموا بقتل النبياء بغير حق‪ .‬وادعوا الكذب على أنبيائهم وقتلوهم‪ ،‬وفي شأنهم‬
‫صوْ ْا ّوكَانُواْ َيعْتَدُونَ { كَاَنَ العصيانُ سببا لن تُضرب عليهم الذلة‪ ،‬وأن‬
‫ع َ‬
‫يقول الحق‪ } :‬ذاِلكَ ِبمَا َ‬
‫يبوءوا بغضب من ال‪ ،‬وأن تُضرب عليهم المسكنة‪ ،‬وكل ذلك ناشئ من فعلهم‪ .‬وهناك فرق بين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظلْمٍ مّنَ‬
‫أن يبدأهم ال بفعل‪ ،‬وبين أن يعاقبهم ال على فعل‪ ،‬وحتى نفهم ذلك فلنقرأ قوله الحق‪ {:‬فَبِ ُ‬
‫الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ ُأحِّلتْ َلهُ ْم وَ ِبصَدّ ِهمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرا }[النساء‪]160 :‬‬
‫لقد حرم ال عليهم الطيبات بظلم منهم لنفسهم‪ ،‬لن معنى تحريم الطيبات أن ال حرمهم متعة في‬
‫طيب‪ ،‬وذلك لنهم استحلوا متعة في غير طيب؛ لن مرادات الشارع تأتي على عكس مرادات‬
‫الخارجين عن أمر الشارع‪ .‬وكما قلنا من قبل‪ :‬إنّ الحق سبحانه وتعالى يؤرخ للحق وللواقع ول‬
‫يشملهم كلهم بحديث يجمعهم جميعا‪ ،‬فقد كان منهم أناس تراودهم فكرة اليمان بالرسول‪ ،‬وفكرة‬
‫اليمان بالقرآن‪ ،‬ومنهم من آمن فعل؛ لذلك كان من عدل ال أن يفصل بين الذين يفكرون في‬
‫سوَآءً مّنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ُأمّةٌ قَآ ِئ َمةٌ يَتْلُونَ‬
‫اليمان والمصرين على الكفر‪ .‬لذلك يقول سبحانه‪ } :‬لَيْسُواْ َ‬
‫آيَاتِ اللّهِ‪{ ....‬‬

‫(‪)503 /‬‬
‫سجُدُونَ (‪)113‬‬
‫ل وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫سوَاءً مِنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ُأمّةٌ قَا ِئمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللّهِ آَنَاءَ اللّ ْي ِ‬
‫لَيْسُوا َ‬

‫وهذا ما حدث بالفعل‪ ،‬لكن أي آيات ل كانوا يتلونها؟ إنها اليات المهيمنة‪ ،‬آيات القرآن ولماذا‬
‫سجُدُونَ } وهل هناك قراءة للقرآن ساعة السجود؟ حتى نعرف تفسير ذلك ل‬
‫يقول الحق‪ { :‬وَهُمْ يَ ْ‬
‫بد لنا أن نعرف أن اليهود ل يصلون العتمة‪ ،‬أي الصلة في الليل‪ ،‬وحتى يعطيهم ال السمة‬
‫جدُونَ } و ُيعَ ّرفَهم بأنهم يقيمون صلة العتمة‪ - ،‬العشاء ‪ -‬وهي صلة‬
‫السلمية قال عنهم‪ { :‬يَسْ ُ‬
‫المسلمين‪ ،‬وما داموا يصلون صلوات المسلمين ويسجدون‪ ،‬إذن فهم مسلمون أو نفهم من قوله‪:‬‬
‫سجُدُونَ } أن الصلة عنوان الخضوع‪ ،‬والسجود أقوى سمات الخضوع في الصلة‪ .‬ما‬
‫{ وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫داموا يصلون فل بد أنهم يتلون آيات ال آناء الليل وهم يؤدون الصلة بخشوع كامل‪ .‬ونعرف أن‬
‫من حسن العبادة في السلم‪ ،‬ومن السنن المعروفة قراءة القرآن ليل‪ ،‬وصلة التهجد‪ ،‬وهذه في‬
‫مدارج العملية اليمانية التي يدخل بها النسان إلى مقام الحسان‪.‬‬
‫و { آنَآءَ } جمع " إني " مثلها مثلٍ " أمعاء " جمع " معي "‪ .‬و " آنَآءَ " هي مجموع الوقات في‬
‫الليل‪ ،‬وليست في " إني " واحد‪ .‬فهناك مؤمن يقرأ القرآن في وقت من الليل‪ ،‬ومؤمن آخر يقرأ‬
‫القرآن في وقت آخر‪ ،‬وكأن المؤمنين يقطعون الليل في قراءة للقرآن‪ ،‬والذي يدخل مع ربه في‬
‫مقام الحسان‪ ،‬فهو ل يصلي فقط صلة العتمة وهي ستأخذ " إنّي " واحدا‪ ،‬أي وقتا واحدا‪ ،‬ولكنه‬
‫عندما يصلي في آناء الليل فذلك دليل على أنه يكرر الصلة‪ ،‬وزاد عن المفترض عليه‪ ،‬وما دام‬
‫قد زاد عن المفترض‪ ،‬فهو ل يكتفي بتلوة القرآن لنه يريد أن يدخل في مقام الحسان‪ ،‬أي أنه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجد ربه أهل لن يصلي له أكثر مما افترض عليه‪ ،‬كأنه قد قال لنفسه‪ :‬أنت كلفتني يارب بخمس‬
‫صلوات لكنك يارب تستحق أكثر من ذلك وكأن هذا البعض من أهل الكتاب لم يكتفوا بإعلن‬
‫اليمان بالسلم فقط‪ ،‬ولكنهم دخلوا بثقلهم‪ ،‬فصلوا آناء الليل‪ .‬وأحبوا أن ينطبق عليهم قول ال‬
‫حسِنِينَ }‬
‫خذِينَ مَآ آتَا ُهمْ رَ ّبهُمْ إِ ّنهُمْ كَانُواْ قَ ْبلَ ذَِلكَ مُ ْ‬
‫تعالى‪ {:‬إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * آ ِ‬
‫[الذاريات‪]16-15 :‬‬
‫ما معنى " محسن "؟ إنها وصف للنسان الذي آمن بربه فعبد ال بأكثر مما افترض تعبدنا ال‬
‫بخمس صلوات فنزيدها لتصل إلى عشرين مَثَلً‪ ،‬ونحن تعبدنا ال بصيام شهر في العام ومنا من‬
‫يصوم في كل شهر عددا من اليام‪.‬‬
‫العام ومنا من يصوم في كل شهر عددا من اليام‪.‬‬
‫وتعبدنا بالزكاة بالنصاب‪ ،‬ومنا من يزيد على النصاب‪ ،‬وتعبدنا سبحانه بالحج مرة‪ ،‬ومنا من يزيد‬
‫عدد مرات الحج‪ .‬فحين يريد العبد أن يدخل في مقام الحسان فبابه هو أداء عبادات من جنس ما‬
‫تعبده ال به؛ فالعبد ل يخترع أو يقترح العبادة التي يعبد بها ال‪ ،‬ولكنه يزيد فيما افترضه ال‪.‬‬
‫وهؤلء الذين آمنوا بال من أهل الكتاب ويتحدث عنهم القرآن‪ ،‬لقد دخلوا بثقلهم في السلم فصلوا‬
‫آناء الليل وقرءوا القرآن‪ ،‬ودخلوا مقام الحسان‪ ،‬وأرادوا أن يطبقوا القول الحق‪ {:‬كَانُواْ قَلِيلً مّن‬
‫جعُونَ }[الذاريات‪]17 :‬‬
‫اللّ ْيلِ مَا َيهْ َ‬
‫أي أنهم ما داموا قد صلوا في الليل‪ ،‬وقليل ما هجعوا فل بد أنهم قد أدوا الصلة في آناء كثيرة‬
‫من الليل‪ .‬ونحن حين ندخل في مقام الحسان ونصلي في الليل‪ ،‬ونكون بارزين إلى السماء فل‬
‫يفصلنا شيء عنها‪ ،‬وننظر فنجد نجوما لمعة تحت السماء الدنيا‪ ،‬وأهل السماء ينظرون للرض‬
‫فيجدون مثلما نجد من النجوم المتللئة اللمعة في الرض‪ ،‬ويسألون عنها فيقال لهم‪ :‬إنها البيوت‬
‫التي يصلي أهلها آناء الليل وهم يسجدون‪ ،‬وكل بيت فيه هذا يضيء كالنجوم لهل السماء‪.,‬‬
‫سحَارِ هُمْ يَسْ َت ْغفِرُونَ { وهل فرض ال على خلقه بأن‬
‫ويضيف الحق في صفات هؤلء‪ } :‬وَبِالَ ْ‬
‫يصلوا آناء الليل فل يهجعون إل قليل من الليل؟ ل‪ ،‬ولكن من يريد أن يدخل في مقام الحسان‪،‬‬
‫فهو يفعل ذلك‪ .‬أما المسلم العادي فيكتفي بصلة العشاء‪ ،‬وعندما يأتي الصبح فهو يؤدي الفريضة‪.‬‬
‫لكن من يدخل في مقام الحسان فقليل من الليل ما يهجع‪ .‬وينطبق عليه القول الحق‪ {:‬إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ‬
‫حسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلً مّن اللّ ْيلِ مَا‬
‫خذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَ ّبهُمْ إِ ّنهُمْ كَانُواْ قَ ْبلَ ذَِلكَ مُ ْ‬
‫ت وَعُيُونٍ * آ ِ‬
‫فِي جَنّا ٍ‬
‫جعُونَ * وَبِالَسْحَارِ ُهمْ يَسْ َت ْغفِرُونَ * َوفِي َأ ْموَاِلهِمْ حَقّ لّلسّآ ِئلِ وَا ْلمَحْرُومِ }[الذاريات‪]19-15 :‬‬
‫َيهْ َ‬
‫وهذه دقة البيان القرآني التي توضح مقام الحسان‪ ،‬فيكون في ما لهم حق للسائل والمحروم‪،‬‬
‫وليس هناك قدر معلوم للمال الذي يخرج‪ ،‬لن المقام هنا مقام الحسان الذي يعلو مقام اليمان‪،‬‬
‫ومقام اليمان ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬قد جاء ذكره في قوله الحق‪ {:‬وَالّذِينَ فِي َأ ْموَاِلهِمْ حَقّ ّمعْلُومٌ *‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل وَا ْلمَحْرُومِ * وَالّذِينَ ُيصَ ّدقُونَ بِ َيوْمِ الدّينِ }[المعارج‪]26-24 :‬‬
‫لّلسّآ ِئ ِ‬
‫فالنسان في مقام اليمان قد يقيد الخراج من ماله بحدود الزكاة أو فوقها قليل‪ ،‬لكن في مقام‬
‫الحسان فل حدود لما يخرج من المال‪ .‬وهكذا نعرف أن أهل الكتاب ليسوا سواء؛ فمنهم من دخل‬
‫سوَآءً مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ُأمّةٌ قَآ ِئمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ‬
‫السلم من باب الحسان‪ ،‬فقال فيهم الحق‪ } :‬لَيْسُواْ َ‬
‫سجُدُونَ { ‪ ،‬وكأن الحق بهذا الستثناء الواضح‪ .‬ويؤكد لنا أننا ل يصح أن‬
‫اللّهِ آنَآءَ اللّ ْيلِ وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫نظن أن أهل الكتاب جميعهم هم الذين جاء فيهم قوله‪ } :‬ذاِلكَ بِأَ ّن ُهمْ كَانُواْ َيكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ‬
‫صوْاْ ّوكَانُواْ َيعْتَدُونَ { ل؛ فأهل الكتاب ليسوا سواء‪ ،‬ولذلك‬
‫ع َ‬
‫حقّ ذاِلكَ ِبمَا َ‬
‫ن الَنْبِيَآءَ ِبغَيْرِ َ‬
‫وَيَقْتُلُو َ‬
‫ل يكون حكم ال منسحبا عليهم جميعا‪ ،‬فمن أهل الكتاب جماعة قائمة بتلوة القرآن آناء الليل وهم‬
‫يسجدون‪ ،‬إنهم أمة قائمة‪ ،‬وكلمة " قائم " هي ضد " قاعد " ‪ ،‬والقعود غير الجلوس‪ ،‬فالجلوس‬
‫يكون عن الضطجاع فيقال‪ :‬كان مضطجعا فجلس‪.‬‬
‫لكن عندما نقول‪ " :‬كان قائما " فإننا نقول فقعد‪ ،‬فالقعود يكون بعد القيام‪ .‬والقعود في الصلة‬
‫مريح‪ ،‬أما القيام فهو غير مريح‪ ،‬ونحن نعرف أن الرسول صلى ال عليه وسلم كان يقف في‬
‫الصلة حتى تتورم قدماه؛ لن الثقل كله على القدمين‪ ،‬ولكن عندما نقعد فنحن نوزع الثقل على‬
‫جملة أعضاء الجسم‪ .‬وعندما يصفهم الحق‪ } :‬مّنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ُأمّةٌ قَآ ِئ َمةٌ { فمعنى ذلك أنهم أخذوا‬
‫أمانة أداء الفروض بكل إخلص‪ ،‬وكانوا يؤدون الصلة باستدامة وخشوع‪ .‬ويستمر الحق في‬
‫ف وَيَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ‪...‬‬
‫وصفهم في الية التالية‪ُ } :‬ي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ وَيَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫{‬

‫(‪)504 /‬‬
‫ف وَيَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ا ْلخَيْرَاتِ‬
‫ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الْآَخِرِ وَيَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫وَأُولَ ِئكَ مِنَ الصّاِلحِينَ (‪)114‬‬

‫وهم باليمان بال واليوم الخر‪ ،‬وبالمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬إنما يتصفون بالصفات‬
‫التي أوردها ال صفة لخير أمة أٌخرجت للناس وهي أمة محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬لقد دخل هذا‬
‫البعض من أهل الكتاب بثقلهم ‪ -‬ومن أول المر ‪ -‬في مقام الحسان‪ ،‬وما داموا قد دخلوا في‬
‫مقام الحسان فهم بحق كانوا مستشرفين لظهور النبي الجديد‪ .‬وبمجرد أن جاء النبي الجديد تلقفوا‬
‫الخيط وآمنوا برسالته‪ ،‬وصاروا من خير أمة أخرجت للناس‪ .‬ويكمل الحق سبحانه صفاتهم بقوله‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } وهذا كمثل قوله سبحانه وتعالى في حق المؤمنين‪ {:‬وَسَارِعُواْ إِلَىا‬
‫ت وَالَرْضُ أُعِ ّدتْ لِ ْلمُ ّتقِينَ }[آل عمران‪]133 :‬‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫َمغْفِ َرةٍ مّن رّ ّبكُ ْم َوجَنّةٍ عَ ْر ُ‬
‫ونحن نعرف أن هناك فرقا بين " السرعة " و " العجلة " فـ " السرعة " و " العجلة " يلتقيان في‬
‫تقليل الزمن بالنسبة للحدث‪ ،‬ومثال ذلك أن يقطع إنسان المسافة من مكان إلى مكان في زمن‬
‫معين‪ ،‬والذي يسرع في قطع المسافة هو الذي يستغرق من الزمن أقل وقت ممكن ولكن هناك‬
‫اختلف بين السرعة والعجلة‪ ،‬وأول خلف بينهما يتضح في المقابل‪ ،‬فمقابل السرعة البطاء‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬فلن أسرع‪ ،‬وعلن أبطأ ومقابل " العجلة " هو " الناة " فيقال‪ :‬فلن تأنى في اتخاذ‬
‫القرار‪ .‬فالسرعة ممدوحة ومقابلها وهو " البطاء " مذموم‪ " ،‬والعجلة " مذمومة‪ ،‬ومقابلها هو‬
‫التأني ممدوح؛ لن السرعة هي التقدم فيما ينبغي التقدم فيه‪ ،‬والعجلة هي التقدم فيما ل ينبغي‬
‫التقدم فيه‪ ،‬ولذلك قيل في المثال‪ " :‬في العجلة الندامة وفي التأني السلمة " وقال الحق‪{:‬‬
‫وَسَارِعُواْ إِلَىا َمغْفِ َرةٍ مّن رّ ّبكُمْ }[آل عمران‪]133 :‬‬
‫وهو سبحانه‪ :‬هنا يقول { وَيُسَارِعُونَ فِي ا ْلخَيْرَاتِ } أي كلما لمحت لهم بارقة في الخير فهم‬
‫يسرعون إليها‪ ،‬أي أنهم يتقدمون فيما ينبغي التقدم فيه‪ ،‬إنهم يعلمون أن السراع إلى الخير حدث‪،‬‬
‫وكل حدث يقتضي حركة‪ ،‬والحركة تقتضي متحركاـ والمتحرك يقتضي حياة‪ ،‬فما الذي يضمن‬
‫للنسان أن تظل له حياة‪ ،‬لذلك يجب أن تسرع إلى الخيرات‪ ،‬وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي‬
‫ال عنه وأرضاه كان ينام القيلولة‪ ،‬وكان حاجبه يمنع الناس من إيقاظ الخليفة‪ ،‬فجاء ابن عمر بن‬
‫عبد العزيز وقال للحاجب‪:‬‬
‫أريد أن أدخل على أمير المؤمنين الساعة‪ ،‬فمنعه الحاجب قائل‪ :‬إنها ساعة يستريح فيها وهو ل‬
‫يستريح من الليل أو النهار إلّ فيها‪ ،‬فدعه ليستريح‪ .‬وسمع سيدنا عمر بن عبد العزيز الضجة‪،‬‬
‫فسأل الحاجب‪ .‬قال الحاجب‪ :‬إنه ابنك‪ ،‬ويريد أن يدخل عليك وأنا أطالبه أل يدخل حتى تستريح‪.‬‬
‫قال عمر بن عبد العزيز للحاجب‪ :‬دعه يدخل‪ .‬فلما دخل البن على أبيه‪ ،‬قال البن‪ :‬يا أبي بلغني‬
‫أنك ستخرج ضيعة كذا لتقفها في سبيل ال‪.‬‬
‫قال عمر بن عبد العزيز؛ أفعل إن شاء ال‪ .‬غدا نبرمها‪ .‬قال البن متسائل‪ :‬هل يبقيك ال إلى‬
‫غد؟ فقال عمر بن عبد العزيز وهو يبكي‪ :‬الحمد ل الذي جعل من أولدي من يعينني على الخير‪.‬‬
‫لقد أراد البن من أبيه أن يسارع إلى الخير‪ ،‬فما دامت هبة الخير قد هبّت عليه فعلى النسان أن‬
‫يأخذ بها؛ لن النسان ل يدري أغيار الحداث في نفسه‪ ،‬لذلك فعليه أن يسارع إلى اقتناص هبة‬
‫الخير‪ ،‬وها هو ذا ابن عمر بن عبد العزيز يعين والده على الخير‪ ،‬لكننا في زمننا قد نجد من‬
‫البناء من يطلب الحَجْر على أبيه إن فكر الب في فعل الخير‪ ،‬متناسين قول الحق‪ } :‬وَيُسَارِعُونَ‬
‫ت وَُأوْلَـا ِئكَ مِنَ الصّاِلحِين {‪.‬‬
‫فِي الْخَيْرَا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يبرز سؤال هو‪ :‬لي عمل هم صالحون؟‬
‫والجابة تقتضي قليل من التأمل‪ ،‬إننا نقول في حياتنا‪ " :‬إن فلنا رجل صالح " ومقابله " رجل‬
‫طالح "‪ .‬والنسان صالح للخلفة‪ ،‬فقد جعل ال آدم وذريته خلفاء في الرض‪ ،‬والرجل الصالح‬
‫يرى الشيء الصالح في ذاته فيترك هذا الشيء على ما هو عليه أو يزيده صلحا‪ .‬أما الرجل‬
‫الطالح أو المفسد فهو يأتي إلى الشيء الصالح فيفسده‪ ،‬ول يفعل صلحا‪.‬‬
‫إن الرجل ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬قد يجد بئرا يأخذ منه الناس الماء‪ ،‬فإن لم يكن من أهل العزم‬
‫فإنه يتركه على حاله‪ .‬وإن كان طالحا فقد يردم البئر بالتراب‪ .‬أما إن كان الرجل من أهل‬
‫الصلح والعزم فهو يحاول أن يبدع في خدمة الناس التي تستقي من البئر‪ ،‬فيفكر ليبني خزانا‬
‫عاليا ويسحب الماء من البئر بآلة رافعة‪ ،‬ويخرج من الخزان أنابيب ويمدها إلى البيوت‪ ،‬فيأخذ‬
‫الناس المياه وهم في المنازل‪ ،‬إن هذا الرجل قد استخدم فكره في زيادة صلح البئر‪.‬‬
‫إذن فكلمة " رجل صالح " تعني أنه صالح لن يكون خليفة في الرض وصالح لستعمار الرض‬
‫أي أن يجعلها عامرة‪ ،‬فيترك الصالح في ذاته‪ ،‬أو يزيده صالحا‪ ،‬ويحاول أن يصلح أي أمر غير‬
‫صالح‪ .‬الرجل الصالح عندما يعمل فهو يحاول أن يجعل عمله عن عمق علم‪ ،‬فل يقدم على العمل‬
‫الذي يعطي سطحية نفع ثم يسبب الضرر من بعد ذلك‪.‬‬
‫ومثال ذلك حين اخترعوا المبيدات الحشرية ظنوا أنهم تغلبوا على الفات في الزراعة‪ ،‬لكنهم لم‬
‫يعرفوا أنهم قد أضروا بالزراعة وبالبيئة أكثر مما أفادوا‪ ،‬لذلك عادوا يقولون‪ :‬ل تستعملوا هذه‬
‫المبيدات؛ لنها ذات أضرار جمة‪ ،‬ولهذا ل بد أن يكون كل عمل قائما على قواعد علمية سليمة‪،‬‬
‫س ْم َع وَالْ َبصَرَ وَا ْل ُفؤَادَ ُكلّ أُولـا ِئكَ كَانَ عَ ْنهُ‬
‫ولنقرأ قوله تعالى‪َ {:‬ولَ َتقْفُ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِ ْلمٌ إِنّ ال ّ‬
‫سعْ ُي ُهمْ فِي‬
‫عمَالً * الّذِينَ ضَلّ َ‬
‫خسَرِينَ أَ ْ‬
‫سؤُولً }[السراء‪ ]36 :‬وقوله سبحانه‪ُ {:‬قلْ َهلْ نُنَبّ ُئكُم بِالَ ْ‬
‫مَ ْ‬
‫حسِنُونَ صُنْعا }[الكهف‪]104-103 :‬‬
‫حسَبُونَ أَ ّن ُهمْ يُ ْ‬
‫الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫إذن فقد كرم ال من آمن من أهل الكتاب فوصفهم الوصف الحقيقي‪ ،‬فهم يتلون آيات ال آناء الليل‬
‫وهم يسجدون‪ ،‬ويؤمنون بال واليوم الخر‪ ،‬ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‪ ،‬ويسارعون‬
‫في الخيرات‪ ،‬ثم يحكم الحق عليهم حكما عاما بأنهم من الصالحين لعمارة الكون والخلفة في‬
‫الرض‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يضيف الحق‪َ } :‬ومَا َي ْفعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ ُي ْكفَروهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِا ْلمُ ّتقِينَ {‬

‫(‪)505 /‬‬
‫َومَا َي ْفعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ ُيكْفَرُوهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِا ْلمُ ّتقِينَ (‪)115‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنه سبحانه يعطيهم الجزاء العادل‪ ،‬وإن شيئا ل يضيع عنده وهو الحق؛ فالخير الذي يفعلونه لن‬
‫يُجحد لهم أو يستر عن الناس؛ لنه سبحانه عليم بالمتقين‪ ،‬فمن الجائز أن يصنع إنسان العمال‬
‫ول يراها أحد‪ ،‬أما الحق فهو يرى كل عمل‪ ،‬وهو الذي يملك حسن الجزاء‪ .‬وبعد ذلك يعود الحق‬
‫لتبيان حال الذين كفروا فيقول‪ { :‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ لَنْ ُتغْ ِنيَ عَ ْنهُمْ َأ ْموَاُلهُ ْم َولَ َأ ْولَدُهُمْ مّنَ اللّهِ‬
‫شَيْئا‪} ...‬‬

‫(‪)506 /‬‬
‫إِنّ الّذِينَ َكفَرُوا لَنْ ُتغْ ِنيَ عَ ْنهُمْ َأ ْموَاُلهُ ْم وَلَا َأوْلَادُهُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ َأصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا‬
‫خَاِلدُونَ (‪)116‬‬

‫يظن الكافرون أن الموال والولد قد تغني من ال‪ ،‬إنهم ل يحسنون التقدير‪ ،‬فالموال والولد‬
‫هما من مظان الفتنة مصداقا لقوله تعالى‪ {:‬وَاعَْلمُواْ أَ ّنمَآ َأ ْموَاُلكُ ْم وََأ ْولَ ُدكُمْ فِتْ َن ٌة وَأَنّ اللّهَ عِن َدهُ أَجْرٌ‬
‫عَظِيمٌ }[النفال‪]28 :‬‬
‫وما دامت الموال والولد فتنة فل بد أن نفهم المر على حقيقته؛ فالفتنة ليست مذمومة في ذاتها؛‬
‫لن معناها اختبار وامتحان‪ ،‬وقد يمر النسان بالفتنة‪ ،‬وينجح‪ .‬كأن يكون عنده الموال والولد‪،‬‬
‫وهم فتنة بالفعل فل يغره المال بل إنه استعمله في الخير‪ ،‬والولد لم يصيبوه بالغرور بل علمهم‬
‫حمل منهج ال وجعلهم ينشأون على النماذج السلوكية في الدين‪ ،‬لذلك فساعة يسمع النسان أي‬
‫أمر فيه فتنة فل يظن أنها أمر سيء بل عليه أن يتذكر أن الفتنة هي اختبار وابتلء وامتحان‪،‬‬
‫وعلى النسان أن ينجح مع هذه الفتنة؛ فالفتنة إنما تضر من يخفق ويضعف عند مواجهتها‪.‬‬
‫والكافرون ل ينجحون في فتنة الموال والولد‪ ،‬بل سوف يأتي يوم ل يملكون فيه هذا المال‪ ،‬ول‬
‫أولئك الولد‪ ،‬وحتى إن ملكوا المال فلن يشتروا به في الخرة شيئا‪ ،‬وسيكون كل واحد من‬
‫شوْاْ َيوْما لّ َيجْزِي وَالِدٌ‬
‫أولدهم مشغول بنفسه‪ ،‬مصداقا لقول الحق‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّاسُ ا ّتقُواْ رَ ّبكُ ْم وَاخْ َ‬
‫ن وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلَ َتغُرّ ّنكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا َولَ َيغُرّ ّنكُم‬
‫عَن وَلَ ِد ِه َولَ َموْلُودٌ ُهوَ جَازٍ عَن وَاِل ِدهِ شَيْئا إِ ّ‬
‫بِاللّهِ ا ْلغَرُورُ }[لقمان‪]33 :‬‬
‫إن كل امرئ له يوم القيامة شأن يلهيه عن الخرين‪ ،‬والكافرون في الدنيا مشغولون بأموالهم‬
‫وأولدهم وعندما نتأمل قوله‪ { :‬لَنْ ُتغْ ِنيَ عَ ْنهُمْ } نجد أننا نقول‪ :‬أغناه عن كذا أي جعله في‬
‫استغناء فمن هو الغَنيّ إذن؟ الغني هو من تكون له ذاتية غير محتاجة إلى غيره‪ ،‬فإن كان جائعا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهو ل يأَكل من يد الغير‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬ليس الغني عن كثرة العرض‪،‬‬
‫ولكن الغني غنى النفس "‪.‬‬
‫والمقصود بالعَرَض هو متاع الحياة الدنيا قلّ أو كثر‪ ،‬ومتاع‪ ،‬وعرض الدنيا كالماء المالح‪ ،‬كلما‬
‫شربت منه ازددت ظمأ‪ .‬إن الكافر من هؤلء يخدع نفسه ويغشها‪ ،‬ويغتر بالمال والولد وينسى‬
‫أن الحياة تسير بأمر من يملك الملك كله‪ ،‬إن الكافر يأخذ مسألة الحياة في غير موقعها‪ ،‬فالغرور‬
‫بالمال والولد في الحياة أمر خادع‪ ،‬فالنسان يستطيع أن يعيش الحياة بل مال أو أولد‪ .‬ومن‬
‫يغتر بالمال أو الولد في الحياة يأتي يوم القيامة ويجد أمواله وأولده حسرة عليه‪ ,‬لماذا؟ لنه‬
‫كلما تذكر أن المال والولد أبعداه عما يؤهله لهذا الموقف فهو يعاني من السى ويقع في‬
‫الحسرة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه عن هذا المغتر بالمال والولد وهو كافر بال‪ { :‬وَُأوْلَـا ِئكَ َأصْحَابُ النّارِ ُهمْ‬
‫فِيهَا خَاِلدُونَ } وهذا مصير يليق بمن يقع في خديعة نفسه بالمال أو الولد‪.‬‬
‫وكيف يكون النسان صاحبا للنار؟ لنعرف أول معنى كلمة " الصاحب " ‪ ،‬إن الصاحب هو‬
‫الملزم؛ فنحن نقول‪ :‬فلن صاحب فلن أي ملزمه‪ ،‬لكن من أين تبدأ الصحبة؟‪ .‬إن الذي يبدأ‬
‫الصحبة هو " فلن " الول‪ ،‬لـ " فلن الثاني " الذي يقبل الصحبة أو يرفضها‪ ،‬وهذا أمر قد‬
‫نعرفه وقد ل نعرفه‪ ،‬وعن الصحبة مع النار نرى أن النسان يلوم نفسه ويؤنبها على أنه اختار‬
‫النار وصاحبها‪.‬‬
‫ألسنا نرى في الحياة إنسانا قد ارتكب ذنبا وأصابه ضرر‪ ،‬فيضرب نفسه ويقول‪ :‬أنا الذي استأهل‬
‫ما نزل بي وأستحقه‪ ،‬وكذلك النسان الكافر يجد نفسه يوم القيامة‪ ،‬وهو يدخل النار‪ ،‬ويقول لنفسه‪:‬‬
‫جهَنّمَ َهلِ‬
‫أنا أستحق ما فعلته بنفسي‪ ،‬وتقول النار لحظتها ردا على سؤال الحق لها‪َ {:‬يوْمَ َنقُولُ لِ َ‬
‫لتِ وَ َتقُولُ َهلْ مِن مّزِيدٍ }[ق‪]30 :‬‬
‫امْتَ َ‬
‫وفي الخرة نرى أبعاض النسان الكافر وهي تبغض صاحبها‪ ،‬فإذا كان للنسان ولية على‬
‫أبعاضه في الدنيا‪ ،‬وهي خاضعة لرادته إل أن هذه البعاض تأتي يوم القيامة وصاحبها خاضع‬
‫لرادتها‪ .‬إن الظالم يقول ليده في الدنيا‪ " ،‬اضربي فلنا وشددى الصفعة " فلم تعصه يده في الدنيا؛‬
‫لن ال خلقها خاضعة لرادته‪ ،‬والظالم لنفسه بالكفر يأمر لسانه أن ينطق كلمة الكفر‪ ،‬فل يعصاه‬
‫اللسان في الدنيا‪ ،‬لماذا؟ لن أبعاضه خاضعة لرادته في الحياة الدنيا‪ ،‬لكن ذلك الكافر يأتي يوم‬
‫القيامة وتنعزل عن إرادته‪ ،‬فتتحرر أبعاضه‪ ،‬ول تكون مرغمة على أن تفعل الفعال التي ل‬
‫ترتضيها‪ ،‬وتتمرد البعاض على صاحبها‪ ،‬وتشهد عليه‪ .‬قد يقول قائل‪ :‬ولكن البعاض هي التي‬
‫تتعذب‪ .‬نعم‪ ،‬ولكنها تقبل العذاب تكفيرا عما فعلت‪.‬‬
‫إذن فالصحبة تبدأ من البعاض للنار } وَُأوْلَـا ِئكَ َأصْحَابُ النّارِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ { فإن رأينا كفارا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يعملون خيرا في الدنيا فليحذر كل منا نفسه قائل‪ :‬إياك يا نفس أن تنخدعي بذلك الخير‪ .‬لماذا؟‬
‫لن الكافر يعيش كفر القمة‪ ،‬وكل عمل مع كفر القمة هو عمل حابط عند ال‪ ،‬وإن كان غير حابط‬
‫عند الناس‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق عن هؤلء الكافرين‪ } :‬مَ َثلُ مَا يُ ْن ِفقُونَ فِي هَـا ِذهِ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا‬
‫سهُمْ فَأَهَْلكَتْهُ‪{ ...‬‬
‫َكمَ َثلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ َأصَا َبتْ حَ ْرثَ َقوْمٍ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬

‫(‪)507 /‬‬
‫سهُمْ فََأهَْلكَتْهُ‬
‫مَ َثلُ مَا يُ ْن ِفقُونَ فِي َه ِذهِ الْحَيَاةِ الدّنْيَا َكمَ َثلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ َأصَا َبتْ حَ ْرثَ َقوْمٍ ظََلمُوا أَ ْنفُ َ‬
‫سهُمْ َيظِْلمُونَ (‪)117‬‬
‫َومَا ظََل َمهُمُ اللّ ُه وََلكِنْ أَ ْنفُ َ‬

‫إن الحق يصف ما ينفقه هؤلء الكافرون في أثناء الحياة الدنيا وهم بعيدون عن منهج ال إنه ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬يشبهه بريح فيها صر‪ ،‬أي شدة‪ ،‬فمادة " الصاد والراء " تدل على الشدة والضجة‬
‫ج َههَا‬
‫ت وَ ْ‬
‫صكّ ْ‬
‫والصخب‪ ،‬ومثال ذلك ما قاله الحق عن إمرأة إبراهيم‪ {:‬فََأقْبََلتِ امْرَأَتُهُ فِي صَ ّرةٍ َف َ‬
‫عقِيمٌ }[الذاريات‪]29 :‬‬
‫عجُوزٌ َ‬
‫َوقَاَلتْ َ‬
‫إنها أتت وجاءت بضجيج؛ لنها عجوز وعقيم ويستحيل عادة أن تلد‪ .‬ومثل قوله الحق‪ {:‬وََأمَا عَادٌ‬
‫ح صَ ْرصَرٍ عَاتِيَةٍ }[الحاقة‪]6 :‬‬
‫فَأُهِْلكُواْ بِرِي ٍ‬
‫والريح الصرصر هي التي تحمل الصقيع ولها صوت مسموع‪.‬‬
‫وقوله الحق‪َ { :‬كمَ َثلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ } أي أن الريح جعلت البرد شائعا وشديدا‪ ،‬فالبرد قد يكون في‬
‫منطقة ل ريح فيها‪ ،‬ويظل باقيا في منطقته تلك‪ ،‬وعندما تأتي الريح فإنها تنقل هذا البرد من مكان‬
‫إلى مكان آخر‪ ،‬فتتسع دائرة الضرر به‪ .‬وماذا تفعل الريح التي فيها شِدة برد؟ إنها تفعل‬
‫سهُمْ فَأَهَْلكَتْهُ } وساعة نسمع كلمة "‬
‫الكوارث‪ ،‬ويقول عنها الحق‪َ { :‬أصَا َبتْ حَ ْرثَ َقوْمٍ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫حرث " فنحن نعرف أنه الزرع‪ ،‬وقد سماه ال حرثا‪ ،‬ليعرف النسان إنه إن لم يحرث فلن‬
‫جعَلْنَاهُ‬
‫يحصد‪ ،‬يقول الحق‪َ {:‬أفَرَأَيْتُم مّا تَحْرُثُونَ * أَأَن ُتمْ تَزْرَعُونَهُ َأمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ * َلوْ نَشَآءُ لَ َ‬
‫حطَاما فَظَلْ ُتمْ َت َفكّهُونَ }[الواقعة‪]65-63 :‬‬
‫ُ‬
‫كأن الريح العارمة تفسد الحرث‪ ،‬وهو العملية اللزمة للنبات؛ فالحرث إثارة للرض‪ ،‬أي جعل‬
‫الرض هشة لتنمو فيها الجذور البسيطة‪ ،‬وتقوى على اختراقها‪ ،‬وأخذ الغذاء منها‪ ،‬وهذه الجذور‬
‫تستطيع ‪ -‬أيضا ‪ -‬من خلل هشاشة الرض المحروثة أن تأخذ الهواء اللزم للنبات‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه يريد أن يضرب لنا المثل وهو عن جماعة غير مؤمنين أنفقوا أموالهم في الخير‪،‬‬
‫لكن ذلك ل ينفعهم ول جدوى منه‪ .‬مصداقا لقوله تعالى‪َ { :‬كمَ َثلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ َأصَا َبتْ حَ ْرثَ َقوْمٍ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سهُمْ َيظِْلمُونَ } وهكذا يكون مصير النفاق على‬
‫سهُمْ فََأهَْلكَتْ ُه َومَا ظََل َمهُمُ اللّ ُه وَلَـاكِنْ أَ ْنفُ َ‬
‫ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫نية غير مؤمنة‪ ،‬كهيئة الحرث الذي هبت عليه ريح فيها صوت شديد مصحوب ببرد‪ ،‬فالـ " صر‬
‫" فيه الشدة والبرودة والعنف‪ ،‬وحاتم الطائي كريم العرب يقول لعبده‪:‬أوقد؛ فإن الليل ليل قر‬
‫والريح يا غلم ريح صرعَلّ يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفا فأنت حرإن هذا الرجل الكريم‬
‫يطلق سراح العبد إذا ما هدى ضيفاّ إلى منزل حاتم الطائي‪ " .‬والليل القر "‪ :‬هو الليل الشديد‬
‫البرودة‪ .‬و " الريح الصر "‪ :‬هي الريح الشديدة المصحوبة بالبرد‪ .‬ونعرف في قُرَاَنا أن الصقيع‬
‫ينزل على بعض المزروعات‪ ،‬فيتلفها‪ .‬ونلحظ هنا أن الحق سبحانه قد جاء بهذه الية الكريمة‬
‫بعد أن أوضح لنا في الية السابقة عليها أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ول أولدهم شيئا‬
‫ومصيرهم النار‪ ،‬وهو سبحانه يدفع أي شبهة تطرأ على السامع‪ ،‬وهي أن هذه الموال التي أنفقها‬
‫الكافرون لعمل الخير‪ ،‬لن تغني عنهم شيئا في الخرة؛ لنهم ل يملكونها‪.‬‬
‫لماذا؟‬
‫لن العمل إنما يراد للثواب عليه‪ ،‬والنية دائما هي التي تحدد الهدف من كل حركة‪ ..‬فهل كان في‬
‫نية الكفار حين أنفقوا أموالهم في الخير الذي يعلمه الناس كالمساعدات‪ ،‬وتفريج الكرب‪ ،‬وإنشاء‬
‫المستشفيات هل كان في بال هؤلء الكفار َربّ هذه النعم‪ ،‬أو كانوا يعملونها طمعا في جاه الدنيا‪،‬‬
‫وتقدير التاريخ وذكر النسانية؟‬
‫ل شك أنهم كانوا يعملونها للجاه‪ ،‬أو للتاريخ‪ ،‬أو للنسانية؛ لنهم ل يؤمنون بما وراء ذلك‪ ،‬فهم ل‬
‫يؤمنون بوجود إله‪ ,‬ول يؤمنون بوجود يوم آخر يًُحَاسبون فيه على ما قدموا‪ .‬وقلنا من قبل‪ :‬إن‬
‫الذي يعمل عمل فليطلب أجره ممن عمل له‪ ،‬وما داموا قد عملوا للدنيا وذكرها‪ ،‬وجاهها‪ ،‬والفخر‬
‫فيها‪ ،‬فقد أعطتهم الدنيا كل شيء‪.‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى يضرب لنا مثل‪ ،‬وهو الذي يضرب المثال للناس لعلهم يتذكرون‪ .‬ومعنى‬
‫المثل‪ :‬أن يأتي إلى أمر معنوي قد يغيب عن بعض العقول فهمه‪ ،‬فيشخصه ويمثله بأمر حسي‬
‫يعرفه الجميع‪ ،‬ونحن نعرف أن المحسات هي أصل المعنويات في الفهم‪ .‬ونعرف أن الطفل أول‬
‫ما تتفتح إدراكاته يدرك الشيء المحس أول‪ ،‬ثم بعد ذلك يكوّن من المحسات المعقولت‪.‬‬
‫فالطفل ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬يرى نارا فيمسكها فتحرقه‪ ،‬فيتكون عند الطفل اقتناع بأن النار‬
‫محرقة‪ .‬ويشرب الطفل عسل‪ ،‬فيجده حلوا‪ ،‬فيتكون عنده اقتناع بأن العسل حلو الطعم‪ ،‬ويأكل‬
‫الطفل شيئا مرا كالحنظل‪ ،‬فتتكون عنده قضية معلومة وهي أن هذا الشيء مر الطعم‪ ،‬فكل‬
‫المعلومات التي يعرفها النسان بوسائل إدراكه المتعددة إنما تأتي من المور المحسة أول‪.‬‬
‫والمور المحسة ‪ -‬كما علمنا ‪ -‬وسائلها الحواس الخمس الظاهرة‪ ،‬وهي‪ :‬العين لترى‪ ،‬والذن‬
‫لتسمع‪ ،‬والنف ليشم‪ ،‬واللسان ليذوق‪ ،‬والنامل لتلمس‪ ،‬وهكذا نعرف أن كل حاسة ظاهرة لها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غاية في الدراك‪ .‬والنسان يتمتع بحواس أخرى ندرك أعمالها‪ ،‬ولكنا ل ندرك أجهزتها أو‬
‫آلتها‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬حاسة البعد وهي أن يعرف النسان هل الشيء الذي يراه قريب منه أو بعيد عنه؟‬
‫وكذلك حاسة الثقل فيحمل النسان الشيء فيعرف مدى ثقله‪ ،‬إنه يدرك ذلك الثقل بحاسة غير‬
‫الحواس الخمس الظاهرة‪ ،‬هذه الحاسة هي حاسة الثقل يكتشف بها النسان أن شيئا أثقل من شيء‬
‫آخر؛ ذلك أن العضلت التي تحمل الشيء تعرف قدر الجهد المبذول في الحمل‪ .‬وهناك حاسة‬
‫أخرى غير ظاهرة هي حاسة " البَين " فيمسك النسان القماش بأنامله ليعرف هل سمك هذا‬
‫القماش أكبر من سمك قماش آخر؟ ولمعرفة سمك الشيء ل بد أن يكون واقعا بين لمسين‪.‬‬
‫إذن فهناك حواس كثيرة تربي المعاني عندنا؛ فكل الدراكات بنت الحس‪ ،‬ولذلك يقول الحق‬
‫سمْ َع وَالَ ْبصَارَ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ ا ْل ّ‬
‫جكُم مّن بُطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬وَاللّهُ َأخْرَ َ‬
‫شكُرُونَ }[النحل‪]78 :‬‬
‫وَالَفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫هذه هي الوسائل للدراك‪ ،‬وقد أورد سبحانه السمع والبصار أول لنهما الوسيلتان الساسيتان‪،‬‬
‫وأورد من بعد ذلك " الفئدة " وهي المختصة بالمعاني والقلبيات وغيرها‪ ،‬فإذا أراد ال أن يضرب‬
‫مثل في أمر معنوي قد تختلف فيه العقول فهو سبحانه يأتي بأمر حسيّ تتفق فيه الحواس‪ .‬ونعلم‬
‫أن في اللغة أمرا اسمه " التشبيه " ‪ ،‬فعندما يجهل إنسان شيئا يقول لمعلمه‪ :‬شبه لي المر الذي‬
‫أجهله بأمر أعرفه‪ .‬والنسان منا قد يسأل صاحبه‪ :‬أتعرف فلنا؟ فيقول الصاحب‪ :‬ل أعرفه‪،‬‬
‫فيقول النسان منا لصاحبه‪ :‬إن فلنا الذي ل تعرفه يساوي فلنا في الطول‪ ،‬ويساوي فلنا في‬
‫اللون‪ .‬وهكذا ينتقل النسان من أمر ل يعرفه إلى أمر يعرفه‪ .‬والحق سبحانه يضرب لنا المثل‬
‫بالمور الحسية‪ ،‬لنفهم المور المعنوية‪ ،‬وال يوضح لنا أن الذين كفروا ساعة تكون لهم آلهة‬
‫متعددة فملكاتهم تصاب بالضطراب يقول ‪ -‬سبحانه ‪ {:-‬ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً رّجُلً فِيهِ شُ َركَآءُ‬
‫حمْدُ للّهِ َبلْ َأكْثَرُهُ ْم لَ َيعَْلمُونَ }[الزمر‪]29 :‬‬
‫جلٍ َهلْ يَسْ َتوِيَانِ مَثَلً ا ْل َ‬
‫سلَما لّرَ ُ‬
‫ن وَرَجُلً َ‬
‫مُتَشَاكِسُو َ‬
‫إنه سبحانه يوضح لنا بالمثل الواضح مصير وحال رجل مملوك لعدد من الشركاء‪ ،‬والشركاء‬
‫الذين يملكون هذا العبد ليسوا متفقين‪ ،‬بل بينهم نزاع وشقاق‪ ،‬وبطبيعة الحال ل بد أن يكون هذا‬
‫العبد مرهقا‪ ،‬وهكذا تكون قضية الشرك بال‪ ،‬إن العبد في مثل هذه الحالة يكون مُشتّتا وموزع‬
‫النفس بين الذين يملكونه وهم متشاكسون‪ ،‬أما قضية التوحيد فالحق يشبهها بالقول‪ } :‬وَرَجُلً سَلَما‬
‫جلٍ {‪.‬‬
‫لّرَ ُ‬
‫وهكذا ينقلنا الحق سبحانه ‪ -‬رحمة بنا ‪ -‬من المعنى العقدي العالي إلى معنى محس من الجميع‪،‬‬
‫لنرى أن الرجل المملوك لسيد واحد يتلقى أوامره من واحد فقط‪ ،‬وكذلك يريد ال في هذه الية أن‬
‫يضرب مثل لمن ينفق شيئا على غير نية إرضاء ال في طاعته‪ ،‬فمهما أنفق هذا النسان فإن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنفاقه حابط‪ .‬ونحن عندما نقرأ أمثال القرآن الكريم علينا أل نأخذ جزئية فقط‪ ،‬ل‪ ،‬لكن يجب أن‬
‫نأخذ الجملة كلها لنفهم المثل كله كصورة مؤتلفة مثلما ضرب ال لنا مثل بالشركاء المتشاكسين‬
‫الذين يملكون رجل‪ ،‬فعلينا إذن ألّ نأخذ المثل بحرفيته‪ ،‬ولكن نأخذ المر بمجموع المثل‪ .‬مثال‬
‫سمَاءِ فَاخْتََلطَ بِهِ نَبَاتُ‬
‫آخر‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَاضْرِبْ َلهُم مّ َثلَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا َكمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ال ّ‬
‫شيْءٍ ّمقْتَدِرا }[الكهف‪]45 :‬‬
‫ح َوكَانَ اللّهُ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫الَ ْرضِ فََأصْبَحَ َهشِيما تَذْرُوهُ الرّيا ُ‬
‫فهل الحياة الدنيا كالماء؟ ل‪ ،‬ولكن قصة الحياة كلها‪ ،‬تشبه القصة التي يضربها الحق كمثل‪ ،‬الماء‬
‫حين ينزل يختلط بالرض‪ ،‬وبعد ذلك تهتز‪ ،‬فتعطى نباتا‪ ،‬والنبات ينتج الزهر الجميل‪ ،‬وبعد ذلك‬
‫ينتهي إلى هشيم‪ ،‬هكذا هي الدنيا في زخرفتها؛ فالبداية مزهرة‪ ،‬فيها نضارة وخضرة وبهجة‪،‬‬
‫ونهاية مؤلمة ومدمرة‪.‬‬
‫إذن فالحق سبحانه ينقل لنا معنى الحياة الدنيا ويشبهها بالزهار والنبات ونهايته أن يصبح هشيما‬
‫حصِيدا كَأَن لّمْ َتغْنَ‬
‫جعَلْنَاهَا َ‬
‫تذروه الرياح‪ ،‬وهو ما يقوله في موضع آخر من القرآن الكريم‪َ {.‬ف َ‬
‫لمْسِ كَذاِلكَ ُن َفصّلُ اليَاتِ ِلقَوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ }[يونس‪]24 :‬‬
‫بِا َ‬
‫وعندما نمعن النظر في قوله الحق‪:‬‬
‫سهُمْ‬
‫} مَ َثلُ مَا يُ ْنفِقُونَ فِي هَـا ِذهِ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا َكمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ َأصَا َبتْ حَ ْرثَ َقوْمٍ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫سهُمْ َيظِْلمُونَ { [آل عمران‪]117 :‬‬
‫ظَل َمهُمُ اللّهُ وَلَـاكِنْ أَ ْنفُ َ‬
‫فَأَهَْلكَتْ ُه َومَا َ‬
‫نجد في هذه الية " مشبها " و " مشبها به " ‪ ،‬المُشَبّه هم القوم الذي ينفقون أموالهم بغير نية ال‪،‬‬
‫أي كافرون بال‪ ،‬والمُشَبّه به‪ :‬هو الزرع الذي أصابته الريح وفيها الصر‪ ،‬والنتيجة أنه ل جدوى‬
‫هنا‪ ،‬ول هناك‪.‬‬
‫ولماذا تصيب الريح حرث قوم ظلموا أنفسهم‪ ،‬وهل ل تصيب الريح حرث قوم لم يظلموا أنفسهم؟‬
‫إن الذين ظلموا أنفسهم تنزل بهم هذه الكارثة كعقوبة‪ ،‬مثلهم في ذلك مثل أصحاب الجنة الذين‬
‫سمُواْ لَ َيصْ ِرمُ ّنهَا ُمصْبِحِينَ *‬
‫يقول فيهم الحق سبحانه‪ {:‬إِنّا بََلوْنَا ُهمْ َكمَا بََلوْنَآ َأصْحَابَ الْجَنّةِ إِذْ َأقْ َ‬
‫حتْ كَالصّرِيمِ }[القلم‪]20-17 :‬‬
‫ك وَهُمْ نَآ ِئمُونَ * فََأصْبَ َ‬
‫وَلَ يَسْتَثْنُونَ * َفطَافَ عَلَ ْيهَا طَآ ِئفٌ مّن رّ ّب َ‬
‫لقد جزاهم ال بظلمهم‪ ،‬ولكن أل نرى رجل لم يظلم نفسه وتصيب زراعته كارثة؟ إننا نرى ذلك‬
‫في الحياة‪ ،‬والرجل الذي لم يظلم نفسه وتصيب زراعته كارثة‪ ،‬ويصبر على كارثته‪ ،‬يأخذ الجزاء‬
‫والثواب من ال‪ ،‬ولعل ال قد أهلك بها مال كانت الغفلة قد أدخلته في ماله من طريق غير‬
‫مشروع‪.‬‬
‫هكذا تكون الكارثة بالنسبة للمؤمن لها ثواب وجزاء‪ ،‬أو تكون تطهيرا للمال‪ .‬أما الذي ينفق على‬
‫غير نية ال وهو كافر‪ ،‬فل ثواب له‪.‬‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ { فهو سبحانه لم يظلم الكافرين‬
‫ويذيل الحق الية بقوله } َومَا ظََل َمهُمُ اللّ ُه وَلَـاكِنْ أَ ْنفُ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حين جعل نفقتهم بدون جدوى ول حصيلة لها عنده‪ ،‬ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم‪ ،‬لنهم أنفقوا‬
‫النفقة على غير هيئة القبول‪ ،‬وهم الذين صنعوا ذلك عندما ظلموا أنفسهم بالكفر َفحَبطت أعمالهم‪،‬‬
‫وتلك هي عدالة الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫خذُواْ بِطَا َنةً مّن دُو ِنكُ ْم لَ يَأْلُو َنكُمْ خَبَالً وَدّواْ مَا‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ تَتّ ِ‬
‫عَنِتّمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)508 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا لَا تَتّخِذُوا بِطَا َنةً مِنْ دُو ِنكُمْ لَا يَأْلُو َنكُمْ خَبَالًا وَدّوا مَا عَنِتّمْ َقدْ بَ َدتِ الْ َب ْغضَاءُ مِنْ‬
‫خفِي صُدُورُهُمْ َأكْبَرُ َقدْ بَيّنّا َلكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ َت ْعقِلُونَ (‪)118‬‬
‫َأ ْفوَا ِههِ ْم َومَا تُ ْ‬

‫حين يخاطب ال المؤمنين ويناديهم بقوله‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } فلتعلم أن ما يجيء بعد ذلك هو‬
‫تكليف من الحق سبحانه‪ .‬فساعة ينادي الحق المؤمنين به‪ ،‬فإنه ينادي ليكلف‪ ،‬وهو سبحانه ل‬
‫يكلف إل من آمن به‪ ،‬أما حين يدعو غير المؤمن به إلى رحاب اليمان‪ ،‬فإنه يثير فيه القدرة على‬
‫التفكير‪ ،‬فيقول له‪:‬‬
‫فكّر في السماء‪ ،‬فكّر في الرض‪ ،‬فكّر في مظاهر الكون‪ ،‬حتى تؤمن أن للكون إلها واحدا‪ .‬فإذا‬
‫آمن النسان بالله الواحد‪ ،‬فإن الحق سبحانه وتعالى يقول له ما دمت قد آمنت بالله الواحد‪ ،‬فَتَلَقّ‬
‫عن الله الحكم‪.‬‬
‫إن الحق حين يقول‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } فهو سبحانه يخاطب بالتكليف المؤمنين به‪ ،‬وهو ل‬
‫يكلف بـ " افعل " و " ل تفعل " إل من آمن‪ ،‬أما من لم يؤمن فيناديه ال ليدخل في حظيرة‬
‫اليمان‪ { :‬يَاأَ ّيهَا النّاسُ اعْبُدُواْ رَ ّبكُمُ } فإذا ما دخل النسان في حظيرة اليمان فالحق سبحانه‬
‫وتعالى يكرم هذا المؤمن بالتكليف بـ " افعل " و " ل تفعل " وما دام العبد قد آمن بالله القادر‬
‫الحكيم الخالق‪ ،‬القيوم‪ ،‬فليسمع من الله ما يصلح حياته‪ .‬ويجيء في بعض الحيان ما ظاهره أن‬
‫ال ينادي مؤمنا به‪ ،‬ثم يأمره باليمان كقول الحق‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ }‪.‬‬
‫ويتساءل النسان كيف ينادي ال مؤمنا به‪ ،‬ثم يأمره باليمان؟ وهنا نرى أن المطلوب من كل‬
‫مؤمن أن يؤدي أفعال اليمان دائما ويضيف لها ليستمر ركب اليمان قويا‪ ،‬فالحق حين يطلب من‬
‫المؤمن أمرا موجودا فيه؛ فلنعلم أن ال يريد من المؤمن الستدامة على هذا اللون من السلوك‬
‫الذي يحبه ال‪ ،‬وكأن الحق حين يقول‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } إنما يحمل هذا القول الكريم أمرا‬
‫بالستدامة على اليمان‪ ،‬لن البشر من الغيار‪ .‬ونحن نعرف أن ال أفسح بالختيار مجال لقوم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫آمنوا فارتدوا‪ ،‬فليس المر مجرد إعلن اليمان ثم تنتهي المسألة‪ ،‬ل‪ ،‬إن المطلوب هو استدامة‬
‫اليمان‪.‬‬
‫وحين نقرأ قول الحق‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } فلنفهم أن هناك تكليفا جديدا‪ ،‬وما دام في المر تكليف‬
‫فعنصر الختيار موجود‪ ،‬إذن فحيثية كل حكم تكليفي من ال له مقدمة هي‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ }‬
‫ول تبحث أيها المؤمن في علة الحكم‪ ،‬وتسأل‪ :‬لماذا كلفتني يارب بهذا المر؟ فليس من حقك أيها‬
‫المؤمن أن تسأل‪ " :‬لماذا " ما دمت قد آمنت؛ فالحق سبحانه لم يكلف إل من آمن به‪ ،‬فإذا كنت ‪-‬‬
‫أيها المؤمن ‪ -‬قد آمنت بأنه إله صادق قادر حكيم فأمن ال على نفسك‪ ،‬ونفذ مطلوب ال بـ "‬
‫افعل " و " ل تفعل " سواء فهمت العلة أم لم تفهمها‪.‬‬
‫وسبق أن ضربنا المثل وما زلنا نكرره‪.‬‬
‫إن المريض الذي يشكو من سوء الهضم بعد تناول الطعام يفكر أن جهازه الهضمي مصاب بعلة‪،‬‬
‫ويفكر في اختيار الطبيب المعالج ويختار طبيبا متخصصا في الجهاز الهضمي‪ ،‬ويذهب إلى هذا‬
‫الطيب‪ .‬وهنا ينتهي عمل العقل بالنسبة للمريض؛ فقد اختار طبيبا وقرر الذهاب إليه‪ ،‬والطبيب‬
‫يجري الفحص الدقيق‪ ،‬ويطلب التحاليل اللزمة إن احتاج المر‪ ،‬ويشخص الداء‪ ،‬ثم يكتب الدواء‪،‬‬
‫وحين يكتب الطبيب الدواء للمريض‪ ،‬فإن المريض ل يصح أن يقول للطبيب لن آخذ هذا الدواء‬
‫إل إذا أقنعتني بحكمته‪ .‬بل عليه أن ينفذ كلم الطبيب‪ ،‬وهكذا يطيع المريض الطبيب‪ ،‬وكلهما‬
‫مساوٍ للخر في البشرية‪ ،‬فكيف يكون أدب النسان مع خالقه؟ إن كل عمل العقل عند المؤمن هو‬
‫أن يؤمن بال‪ ،‬وبعد أن آمنت ‪ -‬أيها المؤمن ‪ -‬بال حكيما‪ ،‬فَتََلقّ عن ال الحكم؛ لنه مأمون على‬
‫أن يوجهك لنك أنت صنعته‪.‬‬
‫إن الحق يأمر المؤمن بالصلة‪ ،‬وعلى المؤمن أن يؤديها‪ ،‬ول يبحث عن علة الصلة كأنها‬
‫رياضة مثل‪ ،‬ل‪ ،‬إن المر صادر من الحق بالصلة‪ ،‬وحين تصلي‪ ،‬فإنك تلتفت إلى أن نفسك قد‬
‫انشرحت بالصلة وشعرت بالراحة‪ ،‬فتقول لنفسك‪ :‬ما أحلى راحة اليمان؛هذه هي علة الحكم‬
‫اليماني‪ .‬إن علة الحكم اليماني يعرفها المؤمن بعد أن ينفذه‪ ،‬ولذلك نجد الحق من فضل كرمه‪،‬‬
‫شيْءٍ عَلِيمٌ }[البقرة‪]282 :‬‬
‫يقول لنا‪ {:‬وَا ّتقُواْ اللّ َه وَ ُيعَّل ُمكُمُ اللّ ُه وَاللّهُ ِب ُكلّ َ‬
‫فأنت ساعة أن تتقي ال في الحكم‪ ،‬يعطيك العلة‪ ،‬ويعطيك راحة اليمان‪ ،‬إنك أيها العبد ل تسأل‬
‫أول عن القتناع بالعلة حتى تنفذ حكما ل‪ ،‬لن الحق سبحانه قد يؤجل بعض حيثيات الحكام‬
‫لخلقه قرونا طويلة‪ ،‬ومثال ذلك أننا ظللنا ل نعرف علة حكم من الحكام لمدة أربعة عشر قرنا من‬
‫الزمان مثل تحريم أكل لحم الخنزير‪ ،‬فهل كان على العباد المؤمنين أن يؤجلوا أكل لحم الخنزير‬
‫أربعة عشر قرنا إلى أن يمتلكوا معامل للتحليل حتى نعرف المضار التي فيه؟ تلك المضار التي‬
‫ثبتت معمليا‪ ..‬ل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن العباد المؤمنين لم يؤجلوا تنفيذ الحكم‪ ،‬ولكنهم نفذوه‪ ،‬واكتشف أحفاد الحفاد أن فيه ضررا‪،‬‬
‫وهذا يدفعنا إلى تنفيذ كل حكم ل نعرف له علة‪ ،‬إن هذا الحكم له حكمة عند ال قد ل يستطيع‬
‫عقل النسان أن يفهمها‪ ،‬ولكن ستأتي أشياء توضح بعض الحكام فيما لم يكن يعرفه النسان‪،‬‬
‫وتعطينا تلك اليضاحات الثقة في كل حكم ل تعرف له علة‪ ،‬وتصبح علة كل حكم هي‪ } :‬ياأَ ّيهَا‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ {‪.‬‬
‫إن الحق بهذا القول ينادي كل عبد من عباده‪ :‬يا من آمنت بي إلها خذ مني هذا التكليف‪ .‬ومثال‬
‫ذلك ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬عندما يقول الطبيب‪ :‬يا من صدقت أني طبيب لمرضك خذ هذا الدواء‬
‫وستشفى بإذن ال‪.‬‬
‫وعندما يزور النسان مريضا ويسأله‪ :‬لماذا تأخذ هذا الدواء؟ فالمريض يجيب‪ :‬لقد كتب الطبيب‬
‫لي هذا الدواء‪ ،‬فما بالنا بتنفيذ أحكام ال؟ إنه يجب أن ننفذها لن ال قالها‪ ،‬ولذلك فالعاقلون بعمق‬
‫وجدية يختلفون عن مُدعى العقل بسطحية‪ ،‬هؤلء العاقلون الجادون يقولون‪ :‬إن هذا العقل مطية‬
‫يوصلك إلى باب السلطان ولكن ل يدخل معك عليه‪ .‬فكأن العقل يوصلك إلى أن تؤمن بال‪ ،‬ولكنه‬
‫ل يحشر نفسه فيما ليس له قدرة عليه‪.‬‬
‫خذُواْ بِطَا َنةً مّن دُو ِنكُمْ { أي أنكم‬
‫إن الحق سبحانه في هذا التكليف القادم‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ تَتّ ِ‬
‫ما دمتم قد آمنتم‪ ،‬فعليكم الحفاظ على هذا اليمان بأن تبعدوا عنه نزغ الشيطان وكيد العداء‪ .‬إن‬
‫نزغ الشيطان وكيد العداء إنما يأتي من البطانة التي تتداخل مع النسان‪.‬‬
‫ولنفهم كلمة " بطانة " جيدا‪ ،‬إن بطانة الرجل هم خاصته‪ ،‬أي الناس الذين يصاحبهم ويجلسون معه‬
‫ويعرفون أسراره‪ ،‬وكلمة " بطانة " مأخوذة أيضا من بطانة الثوب؛ فنحن عندما نمسك أي قطعة‬
‫من ثياب نرى أن الثوب خشن‪ ،‬ولذلك فالصانع يضع للثوب الخشن بطانة ناعمة ويختارها كذلك؛‬
‫لنها متصلة بالجسم‪ ،‬والبطانة من الصدقاء تدخل على الناس بالنعومة وتستميلهم وتستعبدهم‪.‬‬
‫ولذلك نجد النبي صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬النصار شعار‪ ،‬والناس دثار "‪.‬‬
‫" والشعار " هو الثوب الذي يلمس شعر الجسد‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم يُعلي من قيمة الذين‬
‫استقبلوا الدعوة السلمية بمودة وحب‪ .‬وهكذا نعرف أن كلمة " بطانة " مأخوذة ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬من‬
‫بطانة الثوب‪ ،‬لنها التي تلتحم بالجسم حتى تحميه؛ فنحن نرتدي الصوف ليعطينا الدفء‪ ،‬ونضع‬
‫بينه وبين الجسم بطانة لنبعد عن الجسم خشونة الصوف‪ ،‬ويسمون البطانة بالوليجة‪ ،‬أي التي‬
‫تدخل في حياة الناس‪ ،‬وكل شر في الوجود من هذه البطانة‪.‬‬
‫إن رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو معصوم وموحى إليه وله من الصحابة ما يطمح أي عبد‬
‫مؤمن أن يتخذه قدوة له‪ ،‬هذا الرسول الكريم نجد بعضا من وصفه في حوار بين سيدنا الحسين‬
‫رضوان ال عليه وأبيه سيدنا علي كرم ال وجهه قال الحسين‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يا أبي قل لي عن مجلس رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫قال علي كرم ال وجهه‪:‬‬
‫كان رسول ال ل يجلس ول يقوم إل على ذكر‪ .‬وفي الحديث‪ " :‬كان رسول ال يكثر الذكر "‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الجلوس والقيام هو إبطال حركة بحركة‪ ،‬فمن كان قائما فقعد فقد أدى حركة هي‬
‫القعود‪ ،‬ومن كان جالسا فقام‪ ،‬فقد أدى حركة هي القيام‪ .‬وكان الرسول صلى ال عليه وسلم يذكر‬
‫ال في كل حركة‪ ،‬شاكرا نعمة الخالق عز وجل‪ ،‬والنسان منا يستطيع أن يسأل نفسه‪ :‬كم عضلة‬
‫يحركها النسان حتى يقعد أو يقوم؟‬
‫إنها أعداد كبيرة من العضلت تتحرك لتوازن ارتفاع الجسم أو جلوسه‪ ،‬وهي أعداد ل يعرفها‬
‫النسان‪.‬‬
‫فما الذي جعل هذه الجهزة الصماء تفهم مراد النسان‪ ،‬وبمجرد أن يحاول النسان القيام‪ ،‬فإنه‬
‫يقوم‪ ،‬وبمجرد أن يحاول النسان القعود‪ ،‬فإنه يقعد؟ إنك إذا رفعت يدك ل تعرف ما هي‬
‫العضلت التي تتحرك لترفع اليد‪ ،‬وتلك إدارة عالية يقول عنها الشاعر‪ ":‬وفيك انطوى العالم‬
‫الكبر " كأن العالم الكبير قد انطوى وصار في داخلك أنت‪ .‬إنك إن أردت أن تنام فإنك تنام‪،‬‬
‫وتحب أن تقوم فتقوم‪ .‬ويبين لك الحق أن أوامرك لعضلتك وتحكمك في مملكة جسدك‪ ،‬هي من‬
‫تسخير ال؛ تدرك ذلك حين تنظر حولك فتجد أنه سبحانه قد سلب أحدا غيرك القدرة على رفع‬
‫الذراع‪ .‬وإياك أن تظن أن الحركة قد واتتك لمجرد أن لك يدا‪ ،‬ل‪ ،‬إن غيرك قد تكون له يد؛ لكنه‬
‫ل يستطيع أن يأمرها فتتحرك‪ .‬وهكذا نعرف أن كل الرادات في النفس إنما تتحرك بتسخير الحق‬
‫لها لخدمة النسان‪.‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إذا استيقظ أحدكم فليقل‪ :‬الحمد ل الذي ردّ عليّ روحي وعافاني في‬
‫جسدي وأذِن لي بذكره "‪.‬‬
‫انه يُوجه النسان إلى ذكر خالقه عند كل قيام أو قعود‪ ،‬ورسولنا صلى ال عليه وسلم يعلمنا أنه‬
‫عند كل انفعال بكل حركة من الحركات علينا أن نذكر الذي خلقنا وخلق فينا القدرة على الحركة‪.‬‬
‫وليسأل كل منا نفسه‪ :‬كم حركة يتطلبها أمر من النسان بأن يحك ظهره مثل؟ إنه عدد غير‬
‫معروف من الحركات‪ .‬وهكذا علينا أن نحسن الدب مع ال بأن نذكره في كل حركة فهو الذي‬
‫خلق كل إنسان منا صالحا لكل هذه القدرات‪.‬‬
‫ونعود إلى وصف علي كرم ال وجهه مجلسَ الرسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬كان ل يجلس ول‬
‫يقوم إل عن ذكر‪.‬‬
‫ولنتنبه إلى دقة الرسول في التعامل مع البطانة من البشر‪ ،‬فها هو ذا رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم كان ل يوطن الماكن وينهى عن إيطانها‪ .‬ويوطن المكان‪ ،‬أي أن يخصص مكانا لفلن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ليجلس فيه‪ ،‬لقد كان الرسول يجلس حيث انتهى به المجلس‪ ،‬وكذلك كان صحابته‪ ،‬فل أحد يجلس‬
‫دائما بجانبه حتى ل يأخذ أحد من مكانته عند الرسول فرصة يتخيل معها الخرون أنه صاحب‬
‫حظوة؛ فكلهم سواسية ونحن نرى في عصرنا أن هناك من يتخذ لنفسه مكانا في المسجد‪ ،‬وهذا‬
‫منهي عنه‪ .‬فعن ابن عمرو رضي ال عنهما قال‪( :‬نهى رسول ال صلى ال عليه وسلم عن نقرة‬
‫الغراب وافتراش السبع وأن يوطّن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير)‪.‬‬
‫ويضيف علي كرم ال وجهه في وصف مجلس رسول ال‪ :‬وكان إذا ذهب إلى قوم جلس حيث‬
‫ينتهي به المجلس‪ " ،‬وكان يجلس على الرض ويأكل على الرض‪ ،‬يعتقل الشاة ويجيب دعوة‬
‫المملوك "‪.‬‬
‫أهناك أدب أكثر من هذا؟ إنه الرسول الكريم‪ ،‬يجلس حيث ينتهي به المجلس‪ ،‬لقد أراد أن يضرب‬
‫لنا المثل حتى تتنوع اللقاءات؛ فاليوم قد يجلس مؤمن بجانب مؤمن من مكان بعيد‪ ،‬وغدا يجلس‬
‫كلهما بجانب اثنين جاء كل منهما من مكان آخر‪ ،‬وهكذا تتحقق اندماجية اليمان بتنوع اللقاءات‪.‬‬
‫ويقول علي كرم ال وجهه‪ :‬وكان رسول ال يعطي كل جلسائه نصيبهم من مجلسه حتى ل يحسب‬
‫جليسه أن أحدا أكرم عليه منه‪.‬‬
‫إن الرسول صلى ال عليه وسلم عندما يعطي نظرة لواحد‪ ،‬فهو ينظر كذلك لكل واحد في مجلسه‪،‬‬
‫وإن تكلم كلمة إلى ناحية فهو يعطي كلمة أخرى إلى الناحية المقابلة؛ لذلك حتى يعرف كل جليس‬
‫للرسول أن المؤمنين سواسية‪ ،‬وأنّه صلى ال عليه وسلم رسول إلى الناس كافة؛ وليس رسول إلى‬
‫قوم بعينهم‪ ،‬وحتى يعرف كل واحد من جلسائه أنه يجلس إلى رسوله الذي بعثه ال إليه‪.‬‬
‫هكذا كان سلوك الرسول صلى ال عليه وسلم حتى يعطي القدوة للناس‪ ،‬وحتى يعرف كل إنسان‬
‫أن التحام الناس بعضهم ببعض؛ قد يسبب لواحد استغلل اللتحام في غير صالح اليمان‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه‪ :‬يا أيها المؤمنون تنبهوا إلى أنكم في معسكر من غير المؤمنين يقاتلكم‬
‫ويعاند إيمانكم‪ ،‬وهؤلء ل يمكن أن يتركوكم على إيمانكم‪ ،‬بل ل بد أن يكيدوا لكم‪ ،‬وهذا الكيد‬
‫يتجلى في أنهم يدسون لكم أشياء‪ ،‬وينفذون إليكم‪.‬‬
‫ونعرف جميعا أن السلم عندما جاء كان كثير ممن آمن له ارتباطات بمن لم يسلم؛ فهناك‬
‫القرابة‪ ،‬والصداقة‪ ،‬واللف القديم والجوار‪ ،‬والخوة من الرضاعة‪ ،‬لذلك يحذر الحق من هذه‬
‫المسائل‪ ،‬فل يقولن مؤمن هذا قريبي‪ ،‬أو هذا صديقي‪ ،‬أو هذا حليفي‪ ،‬أو هذا أخي من الرضاعة‪،‬‬
‫فالسلم يحقق لكم أخوة إيمانية تفوق كل ذلك‪ ،‬ولهذا فإياكم أن تتخذوا أناسا يتداخلون معكم بالود؛‬
‫لن الشر يأتي من هذا المجال‪ ،‬وإياكم أن تعتقدوا أن فجوة اليمان والكفر بينكم ستذهب أو‬
‫تضيق؛ لن الكفار لن يتورعوا أن يدخلوا عليكم من باب الكيد لكم ولدينكم بكل لون من اللوان‪،‬‬
‫وهم ‪ -‬الكفار ‪ -‬ل يقصرون في هذا أبدا‪ ،‬لذلك يأتي المر من الحق‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫} يا أيها الذين آمنوا { ‪ ،‬احموا هذا اليمان فل تتداخلوا مع غير المؤمنين تداخل يفسد عليكم أمور‬
‫دينكم؛ لنهم لن يهدأوا‪ ،‬لماذا؟ لن حال هذه البطانة معكم سيكون كما يلي‪ } :‬لَ يَأْلُو َنكُمْ خَبَالً‬
‫{ أي ل يقصرون أبدا في الكيد لكم‪ ،‬والخبال‪ :‬هو الفساد للهيئة المدبرة للجسم وهو العقل‪ ،‬ونحن‬
‫نسمى اختلل العقل " خبل "‪.‬‬
‫إن الحق يقول‪:‬‬
‫} ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ تَتّخِذُواْ بِطَا َنةً مّن دُو ِنكُ ْم لَ يَأْلُو َنكُمْ خَبَالً وَدّواْ مَا عَنِتّمْ قَدْ بَ َدتِ الْ َب ْغضَآءُ مِنْ‬
‫خفِي صُدُورُهُمْ َأكْبَرُ َقدْ بَيّنّا َلكُمُ اليَاتِ إِنْ كُنْتُمْ َتعْقِلُونَ { [آل عمران‪]118 :‬‬
‫َأ ْفوَا ِههِ ْم َومَا تُ ْ‬
‫فالمنهي عنه ليس أن تتخذ بطانة من المؤمنين‪ ،‬ولكن المنهي عنه هو أن تتخذ بطانة من غير‬
‫المؤمنين؛ لن المؤمن له إيمان يحرسه‪ ،‬أما الكافر فليس له ما يحرسه‪ ،‬والبطانة من غير‬
‫المؤمنين ل تقصر في لحظة واحدة في أنها تريد للمؤمنين الخبال والفساد‪ ،‬ول يقف المر عند‬
‫هذا الحد‪ ،‬بل إنهم يحبون العنت والمشقة للمؤمنين } وَدّواْ مَا عَنِتّمْ { والحق سبحانه وتعالى ل‬
‫حكِيمٌ }[البقرة‪]220 :‬‬
‫يريد لنا العنت‪ ،‬وفي هذا يقول سبحانه‪ {:‬وََلوْ شَآءَ اللّ ُه لَعْنَ َتكُمْ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ َ‬
‫أي أنه سبحانه لو أراد‪ ،‬لكلفكم بأمور كثيرة تحمل المشقة‪ ،‬لكن الحق سبحانه يَسّر لكم أيها‬
‫المؤمنون‪ ،‬لكن أهل الكفر ل يودون إل الخبال للمؤمنين‪ ،‬ويحبون المشقة لهم‪.‬‬
‫ومن أين تنشأ المشقة؟ إنك حين تكون مؤمنا فأنت تقوم بما فرضه عليك الدين‪ ،‬وهم يحاولون أن‬
‫ينفخوا في المؤمن بغير ما يقتضيه هذا الدين‪ ،‬فتتوزع نفس المؤمن‪ ،‬وبهذا النفخ تنقسم ملكات‬
‫المؤمن على نفسها‪ ،‬وعندما تنقسم الملكات على نفسها فإن القلق والضطراب يسيطران على‬
‫النسان‪ ،‬فالقلق والضطراب ينشآن عندما ل تعيش الملكات النفسية في سلم وانسجام‪.‬‬
‫ونحن نرى ذلك في المجتمعات التي وصلت إلى أرقى حياة اقتصادية وأمورهم المادية ميسرة‬
‫كلها‪ ،‬فالشيخوخة ُم َؤمّنة‪ ،‬وكذلك التأمينات الصحية والجتماعية‪ ،‬ودخل النسان مرتفع‪ ،‬لكنهم مع‬
‫ذلك يعيشون في تعب‪ ،‬وترتفع بينهم نسبة النتحار‪ ،‬وينتشر بينهم الشذوذ‪ ،‬والسبب وراء كل ذلك‬
‫هو أن ملكاتهم النفسية غير منسجمة‪ ،‬وسلم الملكات النفسية ل يتحقق إل عندما يؤمن النسان‪،‬‬
‫ويطبق تعاليم ما يؤمن به‪ .‬فالرجل ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬حين ينظر إلى حلله‪ ،‬أي زوجته‪،‬‬
‫ينظر إليها براحة ويشعر باطمئنان؛ لن ملكاته النفسية منسجمة‪ ،‬أما عندما تتجه عيناه إلى امرأة‬
‫ليست زوجته‪ ،‬فإنه يراقب كل من حوله حتى يعرف هل هناك من يراه أو ل؟ وهل ضبطه أحد‬
‫أول؟ وعندما يضبطه أحد فهو يفزع وتتخبط ملكاته‪.‬‬
‫لذلك يحذر الحق سبحانه المؤمنين‪ :‬إياكم من البطانة من غير المؤمنين‪ ،‬لنهم ليقصرون أبدا ول‬
‫يتركون جهدا من الجهود إل وهم يحاولون فيه أن يدخلوكم في مشقة‪ .‬والمشقة إنما تنشأ من أن‬
‫الكافر يحاول أن يجذب المؤمن إلى النحراف والضطراب النفسي وتشتت الملكات مستغل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القرابة والصداقة‪ ،‬مطالبا أن يرضيه المؤمن بما يخالف الدين‪ ،‬ول يستطيع المؤمن التوفيق بين ما‬
‫يطلبه الدين وما يطلبه الكافر؛ لذلك تنقسم ملكات المؤمن ويحس بالمشقة‪ .‬والكافرون ل يتركون‬
‫أي فرصة تأتي بالفساد للمؤمنين إل انتهزوها واغتنموها‪.‬‬
‫} ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ تَتّخِذُواْ بِطَا َنةً مّن دُو ِنكُ ْم لَ يَأْلُو َنكُمْ خَبَالً وَدّواْ مَا عَنِتّمْ قَدْ بَ َدتِ الْ َب ْغضَآءُ مِنْ‬
‫َأ ْفوَا ِههِمْ {‪.‬‬
‫وما دامت البغضاء قد بدت من أفواههم فكيف نتخذهم بطانة؟ إنك حين تصنع لنفسك جماعة من‬
‫غير المؤمنين‪ ،‬فإنها تضم بعضا من المنافقين غير المنسجمين مع أنفسهم‪ .‬والمنافق له لسان يظهر‬
‫خلف ما يبطن‪ .‬وعندما يذهب المنافق إلى غير المؤمنين فإن لسان المنافق ينقل بالسخرية كلم‬
‫المؤمن‪.‬‬
‫هكذا تظهر البغضاء من أفواه المنافقين المذبذبين بين ذلك‪ ،‬ل إلى هؤلء ول إلى هؤلء‪ ،‬إنهم ل‬
‫ينتمون إلى اليمان ول ينتمون إلى الكفر‪ ،‬والذي يصل المؤمنين من بغضاء هؤلء قليل‪ ،‬لن ما‬
‫تخفي صدورهم أكبر‪ .‬وحين تبدوا البغضاء من أفواههم‪ ،‬فإما أن يقولوها أمام منافقين‪ ،‬وإما أن‬
‫يقولها بعضهم لبعض‪ ،‬فيتبادلوا الستهزاء والسخرية بالمؤمن‪ ،‬وال أعلم بمن قيل فيه هذا الكلم‪،‬‬
‫ولذلك فعندما يتحدث الكافرون بكلم فيما بينهم فال يكشفهم ويفضحهم لنا نحن المؤمنين‪.‬‬
‫إن ال تعالى يكشف بطلقة علمه كل الخبايا‪ ،‬وكان على الكافرين والمنافقين أن يعلموا أن هناك‬
‫إلها يرقب عملية اليمان في المؤمن حتى ينبهه إلى أدق الشياء‪ ،‬لكنهم كأهل كفر ونفاق في‬
‫خفِي صُدُورُهُمْ َأكْبَرُ {‬
‫غباء‪ ،‬لقد كان مجرد نزول قول الحق‪ } :‬قَدْ َب َدتِ الْ َب ْغضَآءُ مِنْ َأ ْفوَا ِههِ ْم َومَا ُت ْ‬
‫كان ذلك فرصة أمامهم ليدفعوا عن أنفسهم لو كانت صدورهم خالية من الحقد‪ .‬لكنهم عرفوا ان‬
‫ال قد علم ما في صدورهم‪ .‬إن الغيظ الذي في قلوب هؤلء الجاحدين الحاقدين قد نضح على‬
‫ألسنتهم‪ ،‬ولكن مَن الذي نقل إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وصحابته ما في صدور الكافرين‬
‫مما هو أكثر من ذلك؟‬
‫خفِي صُدُورُهُمْ َأكْبَرُ { إذن‬
‫إنه ال ‪ -‬جلت قدرته ‪ -‬قد فضحهم بما أنزل من قوله تعالى‪َ } :‬ومَا تُ ْ‬
‫لم يعد لمن آمن بال حجة؛ لن ال أعطاه المناعات القوية لصيانة ذلك اليمان‪ ،‬وأوضح الحق‬
‫للمؤمنين أن أعداءهم لن يدخروا وسعا أبدا في إفساد انتمائهم لهذا الدين‪ ،‬فيجب أن ينتبه‬
‫المؤمنون‪.‬‬
‫وإذا ما دققنا التأمل في تذييل الية نجد أن الحق قال‪ } :‬قَدْ بَيّنّا َلكُمُ اليَاتِ إِنْ كُنْتُمْ َت ْعقِلُونَ { إذن‪،‬‬
‫فاليات المنزلة من ال تعالى توضح ذلك‪ ،‬وقد قلنا من قبل‪ :‬إن اليات‪ ،‬إما أن تكون آيات قرآنية‪،‬‬
‫وإما أن تكون آيات كونية‪ ،‬فالقرآن له آيات‪ ،‬والكون له آيات‪ .‬ولنسمع قول الحق بالنسبة للقرآن‪{:‬‬
‫وَإِذَا َبدّلْنَآ آ َيةً ّمكَانَ آيَ ٍة وَاللّهُ أَعْلَمُ ِبمَا يُنَ ّزلُ قَالُواْ إِ ّنمَآ أَنتَ ُمفْتَرٍ َبلْ َأكْثَرُهُ ْم لَ َيعَْلمُونَ }[النحل‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪]101‬‬
‫شمْسِ‬
‫سجُدُواْ لِل ّ‬
‫س وَا ْل َقمَرُ لَ تَ ْ‬
‫شمْ ُ‬
‫ل وَال ّنهَارُ وَال ّ‬
‫وفي مجال الكون يقول الحق سبحانه‪َ {:‬ومِنْ آيَاتِهِ اللّ ْي ُ‬
‫خَلقَهُنّ إِن كُن ُتمْ إِيّاهُ َتعْبُدُونَ }[فصلت‪]37 :‬‬
‫جدُواْ لِلّهِ الّذِي َ‬
‫وَلَ لِ ْل َقمَ ِر وَاسْ ُ‬
‫وهكذا نعلم أن الية هي الشيء العجيب اللفت الذي يجب أنه ننتبه إليه لنأخذ منه دستورا لحياتنا‪.‬‬
‫وعلى ذلك‪ ،‬فاليات القرآنية تعطي المنهج‪ ،‬واليات الكونية تؤيد صدق اليات المنهجية‪ .‬ويجب‬
‫أن تتفطنوا أيها المؤمنون إلى هذه اليات‪ .‬والذي يدل على أن المؤمنين قد عقلوا وتفطنوا‪ ،‬أن‬
‫الية الولى بينت أنهم قد نهوا عن أن يتخذوا بطانة من دونهم ‪ -‬أي من غير المؤمنين ‪ -‬وها‬
‫هي ذي الية التالية تقول‪ } :‬هَآأَنْتُمْ ُأوْلءِ ُتحِبّو َنهُ ْم َولَ ُيحِبّو َنكُ ْم وَ ُت ْؤمِنُونَ بِا ْلكِتَابِ كُلّ ِه وَإِذَا َلقُوكُمْ‬
‫عضّواْ عَلَ ْيكُ ُم الَنَا ِملَ مِنَ ا ْلغَيْظِ‪{ ...‬‬
‫قَالُواْ آمَنّا وَإِذَا خََلوْاْ َ‬

‫(‪)509 /‬‬
‫عضّوا‬
‫هَا أَنْ ُتمْ أُولَاءِ ُتحِبّو َنهُ ْم وَلَا يُحِبّو َنكُ ْم وَ ُت ْؤمِنُونَ بِا ْلكِتَابِ كُلّ ِه وَِإذَا َلقُوكُمْ قَالُوا َآمَنّا وَإِذَا خََلوْا َ‬
‫ظكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ ِبذَاتِ الصّدُورِ (‪)119‬‬
‫عَلَ ْيكُمُ الْأَنَا ِملَ مِنَ ا ْلغَ ْيظِ ُقلْ مُوتُوا ِبغَيْ ِ‬

‫وما زال الحديث والكلم عن البطانة‪ ،‬وهو يدل على أن البطانة لم تستطع أن تلوي المؤمنين عن‬
‫اليمان‪ ،‬بل إن المؤمنين الذين ذاقوا حلوة اليمان حاولوا أن يغيروا من الكافرين‪ .‬ولم يفلح‬
‫الكافرون أن يغيروا من المؤمنين‪ ،‬وكذلك لم يفلح الكافرون أيضا أن يسيطروا على أنفسهم‪ ،‬ولم‬
‫يكن أمام هؤلء الكافرين إل النفاق‪ ،‬لذلك قالوا‪ " :‬آمنا "‪ .‬إن الية تدلنا على أن المؤمنون قد عقلوا‬
‫آيات الحق‪ .‬ولماذا ‪ -‬إذن ‪ -‬جاء الحق بقوله‪ " :‬تحبونهم ول يحبونكم "؟‬
‫لقد أحب المؤمنون الكافرين حين شرحوا لهم قضية الحق في منهج السلم‪ ،‬وأرادوا المؤمنون أن‬
‫يجنبوا الكافرين متاعب الكفر في الدنيا والخرة‪ ،‬وهذا هو الحب الحقيقي‪ ،‬فهل بَادََلهُم الكافرون‬
‫الحب؟ ل؛ لن هؤلء الكافرون أرادو أخذ المؤمنين إلى الكفر‪ ،‬وهذا دليل عدم المودة‪ .‬ولم يستطع‬
‫الكافرون تحقيق هذا المأرب‪ ،‬ولذلك قالوا‪ " :‬آمنا " ومعنى قولهم‪ " :‬آمنا " يدلنا على أن موقف‬
‫المسلمين كان موقفا صُلبا قويا؛ لذلك لم يجد الكافرون بدا من نفاقهم { وَإِذَا َلقُوكُمْ قَالُواْ آمَنّا } قالوا‬
‫ذلك على الرغم من ظهور البغضاء في أفواههم‪ ،‬ولم يكن سلوكهم مطابقا لما يقولون‪ .‬وهنا بدأ‬
‫المسلمون في تحجيم وتقليل مودتهم للكافرين؛ ولذلك قال أهل الكفر‪ :‬لو استمر المر هكذا فسوف‬
‫يتركنا هؤلء المسلمون‪ ..‬وحتى يتجنبوا هذا الموقف ادعوا اليمان في الظاهر‪ ،‬وينقلب موقفهم إذا‬
‫عضّواْ عَلَ ْيكُ ُم الَنَا ِملَ مِنَ ا ْلغَيْظِ }‬
‫خلوا لنفسهم‪ ،‬ويصور الحق هذا الموقف في قوله‪ { :‬وَإِذَا خََلوْاْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فما هو العض؟‬
‫ض لغويا‪ ،‬هو التقاء الفكين على شيء ليقضماه‪ .‬وما النامل؟ إنها أطراف الصابع‪،‬‬
‫إن الع ّ‬
‫والنامل فيها شيء من الدقة‪ ,‬وشيء من خفة الحركة المأخوذة من خلية النمل‪ ،‬ويسمون النامل‬
‫أيضا البنان‪ ،‬وعملية عض النامل عندما نراها نجدها عملية انفعالية قسرية‪ .‬أي أن الفكر ل‬
‫يرتبها؛ فليس هناك من يرضي أن يظل مرتكبا لعملية عض أصابعه‪ ،‬فعض الصبع يسبب اللم‪،‬‬
‫لكن المتلء بالغيظ يدفع النسان إلى عض الصابع كمسألة قسرية نتيجة اضطراب وخلل في‬
‫النفعال‪.‬‬
‫ومن أين يجيء الغيظ؟‪.‬‬
‫لقد جاء الغيظ إلى الكافرين لنهم لم يستطيعوا أن يزحزحوا المؤمنين قيد شعرة عن منهج ال‪ ،‬بل‬
‫حدث ما هو العكس‪ ،‬لقد حاول المؤمنون أن يجذبوا الكافرين إلى نور اليمان‪ ،‬وكان الكافرون‬
‫يريدون أن يصنعوا من أنفسهم بطانة يدخلون منها إلى المؤمنين لينشروا مفاسدهم؛ ولذلك وقعوا‬
‫في الغيظ عندما لم يمكنهم المؤمنون من شيء من مرادهم‪.‬‬
‫إن النسان يقع أحيانا فريسة للغيظ حين ل يتمكن من إعلن غضبه على خصمه؛ ولهذا إذا أراد‬
‫إنسان من أهل اليمان أن يواجه حسد واحد من خصومه فعليه أن يزيد في فضله على هذا‬
‫النسان‪ ،‬وهنا يزداد هذا الخصم غيظا ومرارة‪ ،‬أيضا نجد أن من تعاليم السلم أن النسان‬
‫المؤمن ل يقابل السيئة التي يصنعها فيه آخر بسيئة‪ ،‬وذلك حتى ل يرتكب الذنب نفسه‪ ،‬ولكن يتَبع‬
‫القول المأثور‪:‬‬
‫" إننا ل نكافئ من عصى ال فينا بأكثر من أن نطيع ال فيه "‬
‫إنهم بإحسان المسلمين إليهم يزدادون خصومة‪ ،‬وغيظا وحقدا على السلم وكان المسلمون‬
‫الوائل يتصرفون بذلك السلوب لقد كانوا جبال إيمانية راسخة‪.‬‬
‫فخصوم السلم يعصون ال بسوء معاملتهم للمسلمين‪ ،‬لكنْ المسلمون يردون على سوء المعاملة‬
‫بحسن المعاملة‪ ،‬وساعة يرى خصوم السلم أن كيدهم ل يحقق هدفه فإنهم يقعون في بئر وحمأة‬
‫الغيظ‪ .‬وعندما يخلون الكافرون لنفسهم فأول أعمالهم هو عض الصابع من الغيظ‪ ،‬وهو كما‬
‫أوضحت نتيجة النفعال القسري التابع للغضب والعجز عن تحقيق المأرب؛ ذلك أن كل تأثير‬
‫إدراكي في النفس البشرية إنما يطرق مجال وجدانيا فيها‪.‬‬
‫والمجال الوجداني ل بد أن يعبر عن نفسه بعملية نزوعية تظهر بالحركة؛ فالنسان عندما يسبب‬
‫لواحد يعرفه لونا من الغضب فهو ينفعل بسرعة ويثور بالكلمات‪ ،‬هذا دليل على طيبة النسان‬
‫الغاضب‪ .‬أمَّا الذي ل يظهر انفعاله فيجب الحذر منه؛ لنه يخزن انفعالته‪ ،‬ويسيطر عليها‪ ،‬فل‬
‫تعرف متى تظهر ول على أية صورة تبدو؛ ولذلك يقول الثر‪ " :‬اتقوا غيظ الحليم " فعندما تتجمع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫انفعالت جديدة فوق انفعالت قديمة متراكمة في قلب الحليم فل أحد يعرف متى يفيض به الكيل‪.‬‬
‫إذن فالدراك ينشأ عنه وجدان‪ ،‬فينفعل النسان بالنزوع الحركي‪ .‬والتشريع السلمي ل يريد من‬
‫النسان أن يكون حجرا أصم ل ينفعل‪ ،‬لكنه يطلب من المسلم أن ينفعل انفعال مهذبا؛ ولذلك يضع‬
‫حبّ ا ْلمُحْسِنِينَ }‬
‫س وَاللّهُ ُي ِ‬
‫ظ وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّا ِ‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْ َ‬
‫الحق للمؤمن منهجا‪ ،‬فيقول سبحانه‪ {:‬وَا ْلكَا ِ‬
‫[آل عمران‪]134 :‬‬
‫إن القرآن يعترف بأن هناك من الحداث ما يستدعي غيظ النسان‪ ،‬والذي ل يغضب على‬
‫الطلق إنما يسلك طريقا ل يتوافق مع طبيعة البشر السوية‪ ،‬وال يريد من النسان أن يكون‬
‫إنسانا‪ ،‬له عواطفه وشعوره وانفعالته‪ ،‬ولكن ال المربي الحق يهذب انفعالت هذا النسان‪ ،‬ولنا‬
‫في النبي صلى ال عليه وسلم القدوة الحسنة‪ ،‬فحين مات ولده إبراهيم‪:‬‬
‫قال عليه الصلة والسلم‪ " :‬إن العين تدمع والقلب يحزن ول نقول إل ما يرضي ربنا‪ ،‬وإنا‬
‫بفراقك يا إبراهيم لمحزونون "‪.‬‬
‫إن النبي صلى ال عليه وسلم يمزج بين العاطفة واليمان‪ ،‬فالعين تدمع‪ ،‬والقلب يحزن‪ ،‬والنسان‬
‫ل يكون أصمّ أمام الحداث‪ ،‬إنما على النسان أن يكون منفعل انفعال مهذبا‪.‬‬
‫وعندما يعبّر القرآن عن النسان السويّ فهو ل يضع المؤمن في قالب حديدي بحيث ل يستطيع‬
‫أن يتغير فيقول سبحانه‪ {:‬أَذِلّةٍ عَلَى ا ْل ُمؤْمِنِينَ أَعِ ّزةٍ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }‬
‫[المائدة‪]54 :‬‬
‫إذن فيلس المؤمن مطبوعا على الذلة‪ ،‬ول مطبوعا على العزة‪ ،‬لكنه ينفعل للمواقف المختلفة‪ ،‬فهذا‬
‫موقف يتطلب ذلة وتواضعا للمؤمنين فيكون المؤمن ذليل‪ ،‬وهناك موقف آخر يتطلب عزة على‬
‫حمّدٌ رّسُولُ اللّهِ‬
‫الكافرين المتكبرين فيكون المؤمن عزيزا‪ ،‬والحق سبحانه يقول عن المؤمنين‪ {:‬مّ َ‬
‫ضوَانا }‬
‫حمَآءُ بَيْ َن ُهمْ تَرَا ُهمْ ُركّعا سُجّدا يَبْ َتغُونَ َفضْلً مّنَ اللّ ِه وَ ِر ْ‬
‫وَالّذِينَ َمعَهُ َأشِدّآءُ عَلَى ا ْل ُكفّارِ رُ َ‬
‫[الفتح‪]29 :‬‬
‫ن المؤمنين ينفعلون للحداث‪ ،‬فحين يكون‬
‫إن الرحمة ليست خلقا ثابتا‪ ،‬ول الشدة خلقا ثابتا ولك ّ‬
‫المؤمن مع المؤمنين فهو رحيم‪ ،‬وحين يكون في مواجهة الكفار فهو قوي وشديد‪ .‬وال سبحانه ل‬
‫ظ وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّاسِ‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْ َ‬
‫يريد المؤمن على قالب واحد متجمد‪ ،‬لذلك يقول الحق‪ {:‬وَا ْلكَا ِ‬
‫حبّ ا ْلمُحْسِنِينَ }[آل عمران‪]134 :‬‬
‫وَاللّهُ ُي ِ‬
‫وهو سبحانه القائل‪ {:‬وَإِنْ عَاقَبْتُمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ ِبهِ }[النحل‪]126 :‬‬
‫إذن فالحق لم يمنع المؤمن من أن يعاقب أحدا على خطأ‪ ،‬وذلك لنه خلق الخلق وعليم بهم‪ ،‬ول‬
‫يمكن أن يصادم طباعهم‪ ،‬وذلك حتى ل يتهدد المؤمن في إيمانه فيما بعد‪ ،‬فالمؤمن لو ترك حقوقه‬
‫فإن الكفار سيصولون ويجولون في حقوق المسلمين؛ ولهذا فالمؤمن يتدرب على توقيع العقاب‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حتى على المؤمن المخطئ‪ ،‬وذلك ليعرف المؤمن كيف يعاقب أي مجترئ على حق من حقوق‬
‫ال‪ .‬والمؤمن أيضا مطالب بأن يرتقي بعقابه‪ ،‬فهو إما أن يعاقب بمثل ما عوقب به‪ ،‬وإما أن‬
‫يرتقي أكثر‪ ،‬ويستمع لقول الحق‪ {:‬وَلَئِن صَبَرْتُمْ َل ُهوَ خَيْرٌ لّلصّابِرينَ }[النحل‪]126 :‬‬
‫لقد وضع الحق منهج الرتقاء بعد أن أعطى المؤمن الحق في توقيع العقاب قصاصا‪ ،‬وهكذا لم‬
‫يقسر ال طبع النسان ولو أراد سبحانه ذلك لما خلق هذا الطبع إنه سبحانه يوضح لنا أن هناك‬
‫انفعال بالغيظ‪ ،‬وأن المؤمن عليه أن يحاول كظم الغيظ أي ل يعبر عن الغيظ نزوعيا‪ ،‬فإن أخرج‬
‫ش ِفيَ منه وارتقى‪.‬‬
‫المؤمن هذا المر من قلبه فمعناه أنه قد برئ و ُ‬
‫إذن فكظم الغيظ هو أل يعبر المؤمن عن الغيظ نزوعيا‪ ،‬فإن سبّك أحدٌ فأنت ل تسبّه‪ ،‬وهذا الكظم‬
‫يعني كتمان النفعال في القلب‪ ،‬فإذا ارتقى المؤمن أكثر وتجاهل حتى النفعال بذلك‪ ،‬فإنه يُخرج‬
‫الغيظ من قلبه‪ ،‬وهو بذلك يرتقي ارتقاء أعلى‪ ،‬ويصفه الحق بأنه دخول إلى مرتبة الحسان‪ ،‬فهو‬
‫حبّ ا ْلمُحْسِنِينَ { وهكذا يحسن المؤمن إلى المسبب للغيظ بكلمة طيبة‪.‬‬
‫القائل‪ } :‬وَاللّهُ ُي ِ‬
‫فماذا يكون موقف الذي تسبب في غيظك أيها المؤمن وأنت قد كظمت الغيظ في المرحلة الولى‬
‫وعفوت في المرحلة الثانية وإن أخرجت النفعال من قلبك‪ ،‬وصلت إلى المرحلة الثالثة وهي التي‬
‫حبّ ا ْل ُمحْسِنِينَ { ل بد أن يراجع المسبب للغيظ نفسه‬
‫تمثل قمة اليمان إنها الحسان‪ } ..‬وَاللّهُ يُ ِ‬
‫ويندم على ما فعل‪.‬‬
‫إن السلم لم يتجاهل المشاعر النسانية عندما طالب المؤمنين أن يحسنوا لمن أساء إليهم‪ ،‬فالذي‬
‫يمعن النظر ويدقق الفهم يعرف أن السلم قد أعطى المؤمن الحق في الطبع البشرى حين قال‪} :‬‬
‫وَإِنْ عَاقَبْتُمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ { ولكنه ارتقى بالمؤمن‪.‬‬
‫وعندما ننظر إلى هذا المر كقضية اقتصادية وتحسبها بـ " منه " و " له " فسنجد أنّ المؤمن قد‬
‫كسب‪ ..‬ومثال ذلك ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬ساعة يجد الب ابنا من أبنائه قام بظلم أخ له فإن قلب‬
‫الب يكون مع المظلوم‪ ,‬فهب أن إنسانا أساء لعبد من عباد ال فإن ال كربّ مربّ يغار له ونحن‬
‫نعرف أن واحد قال لعارف بال‪:‬‬
‫أتحسن لمن أساء إليك؟ فقال العارف بال‪ :‬أفل أحسن لمن جعل ال في جانبي؟‬
‫ولنعد الن إلى غيظ الكافرين من المؤمنين‪ ،‬إن غيظ الكافر ناتج من أن خصمه المؤمن يحب له‬
‫اليمان وليس في قلبه ضغينة بينما الكافر يغلي من الحقد‪ ،‬وبسبب هذا المر يكاد يفقد صوابه؛‬
‫عضّواْ عَلَ ْيكُ ُم الَنَا ِملَ مِنَ ا ْلغَيْظِ {‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق‪ } :‬وَإِذَا خََلوْاْ َ‬
‫و " خلوا " المقصود بها‪ .‬أن الكافرين إذا ما أصبحوا في مجتمع كفرى وليس معهم مسلم أعلنوا‬
‫الغيظ من المؤمنين‪ ،‬ولقد فعلوا هذا المر ‪ -‬عض النامل من الغيظ ‪ -‬في غيبة اليمان‬
‫والمؤمنين بال‪ ،‬لو كان عند هؤلء الكافرين ذرة من تعقل لفكروا كيف فضحهم القرآن‪ ،‬وهم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذين ارتكبوا هذا الفعل بعيدا عن المؤمنين؟‬
‫ي من المور لرسوله‪ ،‬ويبلغها‬
‫ألم يكن لتفكيرهم أن يصل إلى أن هناك ربّا للمؤمنين يقول الخاف َ‬
‫الرسول للمؤمنين‪.‬‬
‫عضّواْ عَلَ ْيكُ ُم الَنَا ِملَ مِنَ ا ْلغَيْظِ { وهنا ينبغي‬
‫لكنهم مع ذلك لم يفهموا هذا الفضح لهم } وَإِذَا خََلوْاْ َ‬
‫أنْ نفهم أنّ هناك أمرا قد يغيظ‪ ،‬ولكن النسان قد يجبن أن ينفث غيظه‪ ،‬فإذا غاظك أحد فقد تذهب‬
‫إليه وتنفعل عليه‪ ،‬أو قد تنفعل على نفسك وذلك هو ما يسمى بـ " تحويل النزوع "‪ .‬فالغاضب‬
‫يمتلئ بطاقة غضبية‪ ،‬ومن يغضب عليه قد يكون قويا وصاحب نفوذ‪ ،‬فيخاف أن ينفعل عليه‪،‬‬
‫فينفث الغاضب طاقة غضبه على نفسه بأن يعض على أنامله‪ ،‬وما دامت المسألة هكذا‪ ،‬فقد قال‬
‫الحق‪:‬‬
‫ظكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ { [آل عمران‪]119 :‬‬
‫} ُقلْ مُوتُواْ ِبغَ ْي ِ‬
‫ومعنى ذلك أن إغاظة المؤمنين لكم أيها الكافرون ستستمر إلى أن تموتوا من الغيظ؛ لذلك فل‬
‫ظكُمْ {‪.‬‬
‫طائل من محاولتكم جذب المؤمنين إلى الكفر‪ُ } :‬قلْ مُوتُواْ ِبغَ ْي ِ‬
‫ونحن قد عرفنا أنه ساعة يؤمر النسان بشيء ليس في اختياره ‪ -‬لن الموت ليس في اختيارهم‬
‫ وأن يختار بينه وبين شيء في اختياره كالغيظ‪ ،‬فمعنى ذلك أن المر قد صدر إليه ليظل أسير‬‫المر الذي يقدر عليه وهو الغيظ حتى يدركه الموت‪.‬‬
‫ظ ُكمْ { فهذا يعني أن الكافرين لن يستطيعوا الموت‪ ،‬ولكن سيظلون‬
‫وعندما يقول الحق‪ } :‬مُوتُواْ ِبغَيْ ِ‬
‫في حالة الغيظ إلى أن يموتوا؛ لنهم ليعرفون متى يموتون‪ ،‬وهكذا يظلون على حالهم من الغيظ‬
‫من المؤمنين وما دام الكافرون في حالة غيظ من المؤمنين فهذا دليل على أن المؤمنين يطبقون‬
‫منهجهم بأسلوب صحيح‪.‬‬
‫ظ ُكمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ ِبذَاتِ‬
‫وفي هذه الية بشارة طيبة للمؤمنين ونذارة مؤلمة للكافرين } ُقلْ مُوتُواْ ِبغَيْ ِ‬
‫الصّدُورِ { إن الحق يعلمنا أنه عليم بذات الصدور‪ ،‬أي بالمور التي تطرأ على الفكر‪ ،‬ولم تخرج‬
‫خفِي صُدُورُهُمْ َأكْبَرُ }[آل عمران‪]118 :‬‬
‫بعد إلى مجال القول‪ .‬وهو سبحانه القائل‪َ {:‬ومَا تُ ْ‬
‫وما دام هو الحق العليم بما تخفي الصدور فهو قادر ليس فقط على الجزاء بما يفعلونه من عمل‬
‫نزوعي ولكنه قادر على أن يجازيهم أيضا بأن يفضح العمال غير النزوعية الكامنة في‬
‫سؤْهُ ْم وَإِن ُتصِ ْبكُمْ سَيّ َئةٌ َيفْرَحُواْ ِبهَا وَإِن‬
‫حسَنَةٌ َت ُ‬
‫س ُكمْ َ‬
‫صدروهم‪ ،‬وبعد ذلك يقول سبحانه‪ } :‬إِن َتمْسَ ْ‬
‫َتصْبِرُواْ وَتَ ّتقُواْ لَ َيضُ ّركُمْ كَ ْيدُهُمْ شَيْئا‪{ ...‬‬

‫(‪)510 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سؤْهُ ْم وَإِنْ ُتصِ ْبكُمْ سَيّ َئةٌ َيفْرَحُوا ِبهَا وَإِنْ َتصْبِرُوا وَتَ ّتقُوا لَا َيضُ ّركُمْ كَيْدُ ُهمْ شَيْئًا‬
‫حسَنَةٌ َت ُ‬
‫س ُكمْ َ‬
‫إِنْ َتمْسَ ْ‬
‫إِنّ اللّهَ ِبمَا َي ْعمَلُونَ ُمحِيطٌ (‪)120‬‬

‫والقرآن كلم ال وله ‪ -‬سبحانه ‪ -‬الطلقة التامة والغني الكامل‪ ،‬والعبارات في المعنى الواحد قد‬
‫تختلف لن كل مقام له قوله‪ ،‬وسبحانه يحدد بدقة متناهية اللفظ المناسب‪ ..‬إنه هو سبحانه الذي‬
‫ن الِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعا * إِذَا مَسّهُ الشّرّ جَزُوعا * وَِإذَا مَسّهُ الْخَيْرُ مَنُوعا * ِإلّ ا ْل ُمصَلّينَ *‬
‫قال‪ {:‬إِ ّ‬
‫الّذِينَ هُمْ عَلَىا صَلَ ِتهِمْ دَآ ِئمُونَ }[المعارج‪]23-19 :‬‬
‫سلْنَاكَ‬
‫سكَ وَأَرْ َ‬
‫وهو سبحانه الذي قال‪ {:‬مّآ َأصَا َبكَ مِنْ حَسَنَةٍ َفمِنَ اللّ ِه َومَآ َأصَا َبكَ مِن سَيّئَةٍ َفمِن ّنفْ ِ‬
‫شهِيدا }[النساء‪]79 :‬‬
‫ل َوكَفَىا بِاللّهِ َ‬
‫لِلنّاسِ َرسُو ً‬
‫إنه جل وعل يتكلم عن المس في الشر والخير‪ ،‬ومرة يتكلم عما يحدث للنسان كإصابة في الخير‬
‫أو في الشر‪ ،‬وفي الية التي نحن بصدد الخواطر عنها تجد خلفا في السلوب فسبحانه يقول‪:‬‬
‫سؤْهُمْ وَإِن ُتصِ ْبكُمْ سَيّئَةٌ َيفْرَحُواْ ِبهَا } إنه لم يورد المر كله مَسّا‪ ،‬ولم يورده‬
‫سكُمْ حَسَ َنةٌ تَ ُ‬
‫{ إِن َتمْسَ ْ‬
‫كله " إصابة " إنه كلم رب حكيم وعندما نتمعن في المعنى فإن الواحد منا يقول‪ :‬هذا كلم ل‬
‫يقوله إل رب حكيم‪.‬‬
‫ولنتعرف الن على " المس " و " الصابة " بعض العلماء قال‪ :‬إن المس والصابة بمعنى واحد‪،‬‬
‫ن الِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعا * إِذَا مَسّهُ الشّرّ جَزُوعا * وَِإذَا مَسّهُ الْخَيْرُ مَنُوعا }‬
‫بدليل قوله الحق‪ {:‬إِ ّ‬
‫[المعارج‪]21-19 :‬‬
‫ولكننا نقول إن المس هو إيجاد صلة بين الماس والممسوس فإذا مس الرجل امرأته‪ ،‬فنحن نأمره‬
‫بالوضوء فقط‪ ,‬لنه مجرد التقاء الماس بالممسوس والمر ليس أكثر من التقاء ل تحدث به الجنابة‬
‫فل حاجة للغسل‪ ،‬أما الصابة فهي التقاء وزيادة؛ فالذي يضرب واحدا صفعة فإنه قد يورم‬
‫صدغة‪ ،‬فالكف يلتقي بالخد‪ ،‬ويصيب الصدغ‪ ،‬وهكذا نعرف أن هناك فرقا بين المس والصابة‪،‬‬
‫سؤْهُمْ }‪.‬‬
‫سكُمْ حَسَنَةٌ َت ُ‬
‫سْ‬
‫وحين يقول الحق‪ { :‬إِن َتمْ َ‬
‫فمعنى ذلك أن الحسنة الواقعة بسيطة‪ ،‬وليست كبيرة إنها مجرد غنيمة أو قليل من الخير‪ ..‬وفي‬
‫حياتنا اليومية نجد من يمتلئ غيظا لن خصمه قد كسب عشرة قروش‪ ،‬وقد يجد من يقول له‪:‬‬
‫لماذا ل تدخر غيظك إلى أن يكسب مائة جنيه مثل؟ ومثل هذا الغيظ من الحسنة الصغيرة هو‬
‫دليل على أن أي خير يأتي للمؤمنين إنما يسبب التعب والكدر للكافرين‪ .‬فبمجرد مس الخير‬
‫للمؤمنين يتعب الكافرين فماذا عن أمر السيئة؟‬
‫إن الحق يقول‪ { :‬وَإِن ُتصِ ْبكُمْ سَيّ َئةٌ َيفْرَحُواْ ِبهَا } إن الكافرين يفرحون لي سوء يصيب المؤمنين‬
‫مع أنه كان مقتضي النسانية أن ينقلب الحاسد راحما‪:‬وحسبك من حادث بامرئ ترى حاسديه له‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫راحمينايعني حسبك من حادث ومصيبة تقع على إنسان أن الذي كان يحسده ينقلب راحما له‬
‫ويقول‪ :‬وال أنا حزنت من أجله‪.‬‬
‫إذن فلمّا تشتد إصابة المؤمنين أكانت تغير من موقف الكافرين؟ ل‪ ،‬كان أهل الكفر يفرحون في‬
‫سؤْهُمْ }‬
‫سكُمْ حَسَنَةٌ َت ُ‬
‫سْ‬
‫أهل اليمان‪ ،‬وإذا جاء خير أي خير للمؤمنين يحزنون فالحق يقول‪ { :‬إِن َتمْ َ‬
‫والحسنة هي أي خير يمسهم مسا خفيفا‪ { ،‬وَإِن ُتصِ ْبكُمْ سَيّئَةٌ َيفْرَحُواْ ِبهَا وَإِن َتصْبِرُو ْا وَتَ ّتقُو ْا لَ‬
‫َيضُ ّركُمْ كَيْدُ ُهمْ شَيْئا } ‪ ،‬فأنت مهما كادوا لك فلن يصيبوك بأذى‪.‬‬
‫إن المطلوب منك أن تصبر على عداوتهم‪ ،‬وتصبر على شرّهم‪ ،‬وتصبر على فرحهم في‬
‫المصائب‪ ،‬وتصبر على حزنهم من النعمة تصيبك أو تمسك‪ ،‬اصبر فيكون عندك مناعة؛ وكيدهم‬
‫لن ينال منك اصبر واتق ال‪ :‬لتضمن أن يكون ال في جانبك‪ } ،‬وَإِن َتصْبِرُو ْا وَتَ ّتقُو ْا لَ َيضُ ّركُمْ‬
‫كَيْدُ ُهمْ شَيْئا {‪.‬‬
‫وما الكيد؟ الكيد هو أن تبيت وتحتال على إيقاع الضرر بالغير بحيث يبدو أنه كيدٌ من غيرك‪ ،‬أي‬
‫تدبر لغيرك لتضره‪ .‬وأصل الكيد مأخوذ من الكيد والكبد‪ ،‬وهما بمعنى واحد‪ ،‬فما يصيب الكبد‬
‫يؤلم؛ لن الكبد هو البضع القوي في النسان‪ ،‬إذا أصابه شيء أعيى النسان وأعجزه‪ ،‬ويقولون‪:‬‬
‫فلن أصاب كبد الحقيقة أي توصل إلى نقطة القوة في الموضع الذي يحكي عنه‪.‬‬
‫وما معنى يبيتون؟ قالوا‪ :‬إن التبييت ليس دليل الشجاعة‪ ،‬وساعة ترى واحدا يبيت ويمكر فاعرف‬
‫أنه جبان؛ لن الشجاع ل يكيد ول يمكر‪ ،‬إنما يمكر ويكيد الضعيف الذي ل يقدر على المواجهة‪،‬‬
‫فإن تصبروا على مقتضيات عداواتهم وتتقوا ال ل يضركم كيدهم شيئا؛ لن ال يكون معكم‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية بالقول الكريم‪ } :‬إِنّ اللّهَ ِبمَا َي ْعمَلُونَ مُحِيطٌ {‪ .‬وساعة ترى كلمة " محيط " فهذا‬
‫يدلك على أنه عالم بكل شيء‪ .‬والحاطة‪ :‬تعني أل تشرد حاجة منه‪ .‬وها هي ذي تجربة واقعية‬
‫في تاريخ السلم؛ يقول الحق فيها مؤكدا‪ } :‬وَإِن َتصْبِرُواْ وَتَ ّتقُواْ لَ َيضُ ّركُمْ كَ ْيدُهُمْ شَيْئا إِنّ اللّهَ‬
‫ِبمَا َي ْعمَلُونَ ُمحِيطٌ { وعلى كل منا أن يذكر صدق هذه القضية‪.‬‬

‫(‪)511 /‬‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ (‪)121‬‬
‫ل وَاللّهُ َ‬
‫وَإِذْ غَ َد ْوتَ مِنْ أَهِْلكَ تُ َب ّوئُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َمقَاعِدَ لِ ْلقِتَا ِ‬

‫إنه في هذه المرة ‪ -‬في غزوة أحد ‪ -‬جاء الكفار بثلثة آلف وكان المسلمون قلة‪ ،‬سبعمائة مقاتل‬
‫فقط‪ ،‬وحتى يبين الحق صدق قضاياه في قوله‪ { :‬وَإِن َتصْبِرُواْ وَتَتّقُو ْا لَ َيضُ ّركُمْ كَيْدُ ُهمْ شَيْئا }‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وليس المقصود هنا الكيد التبييتي بل عملهم العلني‪ ،‬أي واذكر صدق هذه القضية‪:‬‬
‫{ وَإِذْ غَ َد ْوتَ مِنْ أَهِْلكَ } ‪ ،‬والغدوة هي‪ :‬أول النهار‪ ،‬والرواح‪ :‬آخر النهار‪ ،‬والهل‪ :‬تطلق ويراد‬
‫بها الزوجة‪ ،‬والمقصود هنا حجرة عائشة؛ لن الرسول كان فيها في هذا الوقت الذي أراد فيه‬
‫كفار قريش أن يثأروا لنفسهم من قتلى بدر وأسراهم‪ ،‬لقد جمعوا حشودهم‪ ،‬فكل موتور من‬
‫معركة بدر كان له فرسان وله رجال‪ ،‬حتى انهم بعد معركة بدر قال زعيمهم أبو سفيان‬
‫لصحابه‪ :‬قل للنساء ل تبكين قتلكم فإن البكاء يذهب الحزن‪ ،‬فالدموع يسمونها غسل الحزن‪ ،‬أو‬
‫ذوب المواجيد‪ ،‬فساعة يبكي إنسان حزين يقول من حوله‪ :‬دعوه يرتاح‪.‬‬
‫فلو حزنت النساء وبكين على قتلى بدر لهبطت جذوة النتقام؛ لذلك قال أبو سفيان‪ :‬قل لهن ل‬
‫يبكين‪ .‬إنه يريد أن يظل الغيظ في مسألة بدر موجودا إلى أن يأخذوا الثأر‪ .‬وفعلً اجتمع معسكر‬
‫الكفر في ثلثة آلف مقاتل عند أحد‪ ،‬وبعد ذلك استشار النبي صلى ال عليه وسلم في هذه المسألة‬
‫أصحابه وأرسل إلى واحد من أكبر المنافقين هو عبد ال بن أبي بن سلول‪ ،‬وما استدعاه إل في‬
‫هذه المعركة‪ ،‬فقال عبد ال بن أبي بن سلول وأكثر النصار‪:‬‬
‫يا رسول ال نحن لم نخرج إلى عدو خارج المدينة إل نال منا‪ ،‬ولم يدخل علينا عدو إل نلنا منه‪،‬‬
‫فإنا نرى أل تخرج إليهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس‪ ،‬وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم‬
‫ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم‪ ،‬وإن رجعوا رجعوا خائبين وأشار آخرون من‬
‫الصحابة بالخروج إليهم‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫" يا رسول ال اخرج بنا إلى أعدائنا ل يرون أنا جَبُنا عنهم وضعفنا‪ ،‬ولم يترك أصحاب هذا‬
‫الرأي رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا "‬
‫فدخل رسول ال صلى ال عليه وسلم بيته فلبس درعه وأخذ سلحه‪ ،‬وظن الذي ألحوا على‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بالخروج أنهم قد استكرهوه على ما ل يريد فندموا على ما كان‬
‫منهم‪ ،‬ولما خرج عليهم قالوا‪ :‬استكرهناك يا رسول ال ولم يكن لنا ذلك‪ ،‬فإن شئت فاقعد‪ ،‬فقال‬
‫لمَتَهُ أن يضعها حتى يقاتل "‪.‬‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ما ينبغي لنبي لبس ْ‬
‫وخرجوا إلى الحرب‪ ،‬وهذا هو الذي يُ َذكّرُ به القرآن صدقا للقضية التي جاءت في الية السابقة‪{ :‬‬
‫وَإِن َتصْبِرُواْ وَتَ ّتقُواْ لَ َيضُ ّركُمْ كَ ْيدُهُمْ شَيْئا إِنّ اللّهَ ِبمَا َي ْعمَلُونَ ُمحِيطٌ }‪.‬‬
‫اذكر يا محمد‪:‬‬
‫} وَإِذْ غَ َد ْوتَ مِنْ أَهِْلكَ تُ َبوّىءُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ مَقَاعِدَ لِ ْلقِتَالِ { [آل عمران‪]121 :‬‬
‫و } تُ َبوّىءُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َمقَاعِدَ لِ ْلقِتَالِ { أي توطن المؤمنين في أماكن للقتال‪ ،‬وبوأت فلنا يعني‪:‬‬
‫وطنته في مكان يبوء إليه أي يرجع‪ ،‬واسمه وطن؛ لن الوطن يرجع إليه النسان‪.‬‬
‫غ َد ْوتَ مِنْ َأهِْلكَ تُ َبوّىءُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َمقَاعِدَ لِ ْلقِتَالِ { أي‬
‫انظر إلى الدقة الدائية لقول الحق‪ } :‬وَإِذْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تجعل لهم مباءة ووطنا‪ .‬وكلمة " مقاعد " أي أماكن للثبات‪ ،‬والحرب ك ّر وفرّ وقيام‪ ،‬والذي يحارب‬
‫ن في الميدان‪ ،‬فكأن أمر الرسول إلى المقاتلين يتضمن أل يلتفت‬
‫يثبته ال في المعركة‪ ،‬فكأنه ُموَطّ ٌ‬
‫أي منهم إلى موطن آخر غير موطنه الذي ثبته وبوّأته فيه أي إن هذا هو وطنك الن؛ لن‬
‫مصيرك اليماني سيكون رهنا به‪.‬‬
‫إذن فقوله‪ } :‬وَإِذْ غَ َد ْوتَ مِنْ أَهِْلكَ تُ َبوّىءُ { أي توطن " المؤمنين " وتقول لهم‪ :‬إن وطنكم هو‬
‫مقاعدكم التي ثبتكم بها‪ .‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم جاء بالرماة؛ وأمّر عليهم " عبد ال بن‬
‫جبير " وهم يومئذ خمسون رجل وقال رسول ال لهم‪ " :‬قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا‬
‫فإن رأيتمونا قد انتصرنا فل تشركونا‪ ،‬وإن رأيتمونا نقتل فل تنصرونا "‪.‬‬
‫لكنهم لم يقدروا على هذه لن نفوسهم مالت إلى الغنيمة؛ وشاء ال أن يجعل التجربة في محضر‬
‫من رسوله صلى ال عليه وسلم‪ :‬حتى يبين للمؤمنين في كل المعارك التي تلك أن اتباع أمر القائد‬
‫يجب أن يكون هو الساس في عملية الجندية‪ .‬وإنكم إن خالفتم الرسول فل بد أن تنهزموا‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬السلم انهزم في أُحد‪ .‬ونقول‪ :‬ل‪ ،‬إن السلم انتصر‪ .‬ولو أن المسلمين انتصروا‬
‫في " أحد " مع مخالفة الرماة لمر النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أكان يستقيم لرسول ال أمر؟‬
‫إذن فقد انهزم المسلمون الذين لم ينفذوا المر‪ ،‬وكان ل بد من أن يعيشوا التجربة وهم مع رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬فحينما هبت ريح النصر على المؤمنين في أول المعركة‪ ،‬ابتدأ المقاتلون‬
‫في النشغال بالسلب والغنائم‪ ،‬فقال الرماة‪ :‬سيأخذ السلب غيرنا ويتركوننا ونزلوا ليأخذوا‬
‫الغنائم‪ ،‬فانتهز خالد بن الوليد وكان على دين قومه انتهز الفرصة وطوقهم وحدث ما حدث وأذيع‬
‫وفشا في الناس خبر قتل رسول ال صلى ال عليه وسلم فانكفأوا وانهزموا فجعل رسول ال يدعو‬
‫ويقول‪ " :‬إليّ عباد ال " حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلمهم على هربهم فقالوا‪ :‬يا رسول‬
‫ال‪ :‬فديناك بآبائنا وأمهاتنا‪ ،‬أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين‬
‫إن التحقيق التاريخي لمعركة أُحد قد أكد أن المسألة ل تُعتبر هزيمة ول انتصارا؛ لن المعركة‬
‫كانت ل تزال مائعة‪.‬‬
‫وبعدها دعا الرسول من كان معه في غزوة أحد إلى الخروج في طلب العدو‪ ،‬وأدركهم في حمراء‬
‫السد وفَرّ الكافرون‪ .‬إنّ ال أراد أن يعطي المؤمنين درسا في التزام أمر الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وقال الحق‪ } :‬وَإِذْ غَ َد ْوتَ مِنْ أَهِْلكَ تُ َبوّىءُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َمقَاعِدَ لِ ْلقِتَالِ {‪.‬‬
‫إن الحق يذكر بمسئوليات القائد‪ ،‬الذي يوزع المهام‪ ،‬فهذا جناح أيمن وذاك جناح أيسر‪ ،‬وهذا‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ { حتى يعرف المؤمنين أنه سبحانه‬
‫مقدمة وهذا مؤخرة‪ .‬ويذيل الحق هذا بقوله‪ } :‬وَاللّهُ َ‬
‫قد شهد أن رسوله قد بوأ المؤمنين مقاعد القتال‪ ،‬وسبحانه " عليم " بما يكون في النيات؛ لن‬
‫المسألة في الحرب دفاع عن اليمان وليست انقياد قوالب‪ ،‬ولكنها انقياد قلوب قبل انقياد القوالب‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل وَاللّ ُه وَلِ ّي ُهمَا‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪ِ } :‬إذْ َه ّمتْ طّآ ِئفَتَانِ مِنكُمْ أَن َتفْشَ َ‬

‫(‪)512 /‬‬
‫إِذْ َه ّمتْ طَا ِئفَتَانِ مِ ْن ُكمْ أَنْ َتفْشَلَا وَاللّ ُه وَلِ ّي ُهمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَ َت َو ّكلِ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ (‪)122‬‬

‫والفشل هو الجبن‪ ،‬والطائفتان هما " بنو حارثة " من الوس‪ " ،‬وبنو سلمة " من الخزرج‪ ،‬وهؤلء‬
‫كانوا الجناح اليمين والجناح اليسار‪ ،‬فجاءوا في الطريق إلى المعركة‪ ,‬وسمعوا كلم المنافق ابن‬
‫سلول‪ ،‬إذ قال لهم‪ :‬لن يحدث قتال؛ لنه بمجرد أن يرانا مقاتلو قريش سيهربون‪.‬‬
‫وقال ابن سلول المنافق للرسول‪ :‬لو نعلم قتالً لتبعناكم‪ .‬إل أن عبد ال ابن حارثة قال‪ :‬أنشدكم‬
‫ال وأنشدكم رسول ال وأنشدكم دينكم‪ .‬فساروا إلى القتال وثبتوا بعد أن همّوا في التراجع‪.‬‬
‫وما معنى " الهمّ " هنا؟ إن الهم هو تحرك الخاطر نحو عملية ما‪ ،‬وهذا الخاطر يصير في مرحلة‬
‫ثانية قصدا وعزما‪ ،‬إذن فالذي حدث منهم هو مجرد َهمّ بخاطر النسحاب‪ ،‬لكنهم ثبتوا‪.‬‬
‫ولماذا ذلك؟ لقد أراد ال بهذا أن يُثبت أن السلم منطقي في نظرته إلى النسان‪ ،‬فالنسان تأتيه‬
‫خواطر كثيرة‪ .‬لذلك يورد الحق هذه المسألة ليعطينا العلج‪ .‬فقال‪ { :‬إِذْ َه ّمتْ طّآ ِئفَتَانِ مِنكُمْ أَن‬
‫َتفْشَلَ }‪.‬‬
‫وقد قال واحد من الطائفتين‪ :‬وال ما يسرني أني لم أهم ‪ -‬أي لقد انشرح قلبي لني هممت ‪-‬‬
‫لني ضمنت أين من الذين قال ال فيهم‪ { :‬وَاللّهُ وَلِ ّيهُمَا } ‪ ،‬وحسبي ولية ال‪ .‬لقد فرح لنه أخذ‬
‫الوسام‪ ،‬وهو ولية ال‪.‬‬
‫وهكذا نلتقط العبر الموحية من اليات الكريمات حول غزوة أحُد‪ ،‬ونحن نعلم أن هذه الغزوة‬
‫التالية لغزوة بدر الكبرى‪ .‬وغزوة بدر الكبرى انتهت بنصر المسلمين وهم قلة في العدد والعُدة‪،‬‬
‫ففي بدر لم يذهب المسلمون إلى المعركة ليشهدوا حربا‪ ،‬وإنما ليصادروا أموال قريش في العِير‬
‫تعويضا لموالهم التي تركوها في مكة‪ .‬ومع ذلك شاء ال ألّ يواجهوا العير المحملة‪ ,‬ولكن‬
‫ليواجهوا الفئة ذات الشوكة‪ ،‬وجاء النصر لهم‪.‬‬
‫ولكن هذا النصر‪ ،‬وإن يكن قد ربّى المهابة للمسلمين في قلوب خصومهم‪ ،‬فإنه قد جمّع همم أعداء‬
‫السلم ليتجمعوا لتسديد ضربة يردون بها اعتبار الكفر؛ ولذلك رأينا رءوس قريش وقد منعت‬
‫نساءها أن يبكين على قتلهم؛ لن البكاء يُريح النفس المتعبة‪ ،‬وهم يريدون أن يظل الحزن مكبوتا‬
‫ليصنع مواجيد حقدية تحرك النفس البشرية للخذ بثأر هؤلء‪ ،‬هذا من ناحية العاطفة التي يحبون‬
‫أن تظل مؤججة‪ ،‬ومن ناحية المال فإنهم احتفظوا بمال العير الذي نجا ليكون وسيلة لتدبير معركة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يردون فيها اعتبارهم‪.‬‬
‫وقد حاولوا قبل أحُد أن يفعلوا شيئا‪ ،‬ولكنهم كانوا يُرَدّون على أعقابهم‪ .‬فمثلً قاد أبو سفيان حملة‬
‫مكونة من مائة‪ ،‬وأراد أن يهاجم بها المدينة فلما نمى خبرها إلى سيدنا رسول ال نهض بصحابته‬
‫إليهم‪ ،‬فبلغ أبو سفيان خروج رسول ال‪ ،‬ففرّ هاربا وألقى ما عنده من مؤنة في الطريق ليخفف‬
‫الحمل على الدواب لتسرع في الحركة‪ ،‬ولذلك يسمونها " غزوة السويق " لنهم تركوا طعامهم من‬
‫السويق‪.‬‬
‫كما حاول بعض الكفار أن يُغيروا على المدينة بعد ذلك أكثر من مرة ولكن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم كان يذهب إليهم على رأس مقاتلين‪ ,‬فمرة عددهم مائة ومرة مائة وخمسون ومرة‬
‫مائتان‪ ،‬وفعلً شتت الرسول صلى ال عليه وسلم شملهم‪ .‬وكان من خطته صلى ال عليه وسلم‬
‫حين يذهب إلى قوم كان يبلغه أنهم يُريدون أن يتآمروا لغزو المدينة أن يظل في بلدهم وفي‬
‫معسكرهم وقتا ليس بالقليل‪.‬‬
‫كل ذلك سبق غزوة أُحد‪ .‬وبعد ذلك تجمعوا ليجيئوا لغزوة أُحد‪ ،‬وكان ما كان‪ ،‬واليات التي تعالج‬
‫هذه الغزوة فيها إيحاءات بما جاء في المعركة‪ ،‬فالرسول صلى ال عليه وسلم بوأ للمقاتلين مقاعد‬
‫للقتال‪ ،‬وأمرهم بالثبات في تلك المواقع لكن بعضا من المقاتلين ترك مكانه‪ ،‬والبعض الخر همّ‬
‫بالنسحاب‪ ،‬لكنه ثبت أخيرا‪ ،‬وفرّ كفار قريش‪ .‬وقد تجلت في هذه المعركة آيات ال الكبيرة‪.‬‬
‫فحين نصر ال سبحانه وتعالى المسلمين " ببدر " وهم قلة‪ ،‬لم يخرجوا لمعركة وإنما خرجوا‬
‫لمصادرة عير‪ .‬وربما ظن أناس أنهم بمجرد نسبتهم إلى ال وإلى السلم سينصرون على هذه‬
‫الوتيرة‪ ،‬ويتركون السباب فأراد ال أن يعلمهم أنه ل بد من استنفاد السباب‪ ،‬إعدادا لعدة ولعدد‪،‬‬
‫وطاعة لتوجيه قائد‪.‬‬
‫فلما خالفوا كان ول بد أن يكون ما كان‪ .‬والمخالفة لم تنشأ إل بعد استهللٍ بالنصر‪ ،‬ولذلك‬
‫سيجيء فيما بعد ستون آية حول هذه الغزوة؛ لتبين لنا مناط العبرة في كل أطوارها لنستخرج‬
‫منها العظة والدرس‪ .‬ونعلم أن المنتصرين عاد ًة يكون الجو معهم رخاءً‪ .‬ولكن الكلم هنا عن‬
‫هزيمة من ل يأخذون بأسباب ال‪ ،‬وهذا أمر يحتاج إلى وقفة‪ ،‬فجاء القرآن هنا ليقص علينا طرفا‬
‫من الغزوة لنستخرج منها العبرة والعظة‪ ،‬العبرة الولى‪:‬‬
‫أنهّم حينما خرجوا‪ ،‬تخلف المنافقون بقيادة ابن أ َبيّ‪ ،‬إذن فالمعركة إنما جاءت لتمحص المؤمنين‪.‬‬
‫والتمحيص يأتي للمؤمن ويعركه عركا‪ ،‬ويبين منه مقدار ما هو عليه من الثبات ومن اليقين‪،‬‬
‫والحق إنما يمحص الفئة المؤمنة لنها ستكون مأمونة في التاريخ كله إلى أن تقوم الساعة على‬
‫حماية هذه العقيدة‪ ،‬فل يمكن أن يتولى هذا المر إل أناس لهم قلوب ثابتة‪ ،‬وجأش قوي عند‬
‫الشدائد‪ ،‬وهمة دونها زخارف الدنيا كلها‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبعد ذلك يعالج النفس البشرية في أوضاعها البشرية‪ ،‬فعقائد اليمان ل تنصب في قلوب المسلمين‬
‫بمجرد إعلن اليمان‪ ،‬ولكن كل مناسبة تعطي دفعة من العقيدة يتكون بعد ذلك المر العقدي كله‪.‬‬
‫ولذلك يبين لنا الحق أن طائفتين من المؤمنين قد همت بالتراجع‪ ،‬فهم نفوس بشرية‪ ،‬ولكن أنفّذت‬
‫الطائفتان ذلك الهم أم رجعت وفاءت إلى أمر ال؟ لقد رجعت الطائفتان‪.‬‬
‫وهكذا رأينا بين الذين أعلنوا إيمانهم فئة نكصت من أول المر وفئة خرجت ثم عادت‪.‬‬
‫لقد تحدثت النفوس ولكن أفراد تلك الفئة لم يقفوا عند حديث النفس بل ثبتوا إلى نهاية المر‪،‬‬
‫ومنهم من ثبت إلى الغاية السطحية من المر كالرماة الذين رأوا النصر أول‪ ،‬وهؤلء من الذين‬
‫ثبتوا‪ ،‬ما فرّوا أولً مع ابن أبيّ‪ ،‬وما كانوا من الطائفة التي همت‪ ،‬ولكنهم كانوا من الذين ثبتوا‪.‬‬
‫لكنهم عند بريق النصر الول اشتاقوا للغنائم‪ ،‬وخالفوا أمر الرسول‪ ،‬ولنقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَلَقَدْ‬
‫عصَيْتُمْ مّن َب ْعدِ مَآ أَرَاكُمْ‬
‫لمْرِ وَ َ‬
‫حسّو َنهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّىا ِإذَا فَشِلْ ُت ْم وَتَنَازَعْتُمْ فِي ا َ‬
‫صَ َد َقكُمُ اللّ ُه وَعْ َدهُ ِإذْ تَ ُ‬
‫عفَا عَ ْنكُمْ‬
‫مّا تُحِبّونَ مِنكُم مّن يُرِيدُ الدّنْيَا َومِنكُم مّن يُرِيدُ الخِ َرةَ ُث ّم صَ َر َفكُمْ عَ ْنهُمْ لِيَبْتَلِ َيكُ ْم وََلقَدْ َ‬
‫ضلٍ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }[آل عمران‪]152 :‬‬
‫وَاللّهُ ذُو َف ْ‬
‫وبعد ذلك تأتي لقطة أخرى وهي أل نفتن في أحد من البشر‪ ،‬فخالد بن الوليد بطل معسكر الكفر‬
‫في أُحد‪ ،‬وهو الذي استغل فرصة نزول الرماة عن أماكنهم‪ ،‬وبعد ذلك طوق جيش المؤمنين‪،‬‬
‫وكان ما كان‪ ،‬من خالد قبل أن يسلم‪ ،‬ألم يكن في غزوة الخندق؟ لقد كان في غزوة الخندق‪ .‬وكان‬
‫في غزوات كثيرة غيرها مع جند الشرك‪ ،‬فأين كانت عبقريته في هذه الغزوات؟‪..‬‬
‫إن عبقرية البشر تتصارع مع عبقرية البشر‪ ,‬ولكن ل توجد عبقرية بشرية تستطيع أن تصادر‬
‫ترتيبا ربانيا‪ ،‬ولذلك لم يظهر دور خالد في معركة الخندق‪ ،‬لقد ظهر دوره في معركة أُحد؛ لن‬
‫المقابلين لخالد خالفوا أمر القيادة فبقيت عبقرية بشر لعبقرية بشر‪ ،‬ولكنهم لو ظلوا في حضن‬
‫المنهج اللهي في التوجيه لما استطاعت عبقرية خالد أن تطفو على تدبيرات ربه أبدا‪.‬‬
‫والتحقيق التاريخي لكل العسكريين الذين درسوا معركة أُحد قالوا‪ :‬ل هزيمة للمسلمين ول انتصار‬
‫للكفار؛ لن النصر يقتضي أن يُجلي فريق فريقا عن أرض المعركة‪ ،‬ويظل الفريق الغالب في‬
‫أرض المعركة‪ .‬فهل قريش ظلت في أرض المعركة أو فرّت؟ لقد فرّت قريش‪.‬‬
‫ويُفسر النصر أيضا بأن يؤسر عدد من الطائفة المقابلة‪ ،‬فهل أسرت قريش واحدا من المسلمين؟‬
‫ل‪ .‬ولقد علموا أن المدينة خالية من المؤمنين جميعا وليس فيها إل من تخلف من المنافقين‬
‫والضعاف من النساء والطفال‪ ،‬ولم يؤهلهم فوزهم السطحي لن يدخلوا المدينة‪.‬‬
‫إذن فل أسروا‪ ،‬ول أخذوا غنيمة‪ ،‬ول دخلوا المدينة‪ ،‬ول ظلوا في أرض المعركة‪ ،‬فكيف تسمي‬
‫هذا نصرا؟ فلنقل‪ :‬إن المعركة ماعت‪ .‬وظل المسلمون في أرض المعركة‪.‬‬
‫ل في‬
‫وهنا تتجلّى البطولة الحقة؛ لننا كما قلنا في حالة النصر يكون المر رخاء‪ ،‬حتى من لم يُ ْب ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المعركة بلءً حسنا ينتهز فرصة النصر ويصول ويجول‪ ،‬ولكن المهزومين والذين أصيب قائدهم‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وضعف أن يصعد الجبل‪ ،‬حتى أن طلحة بن عبيد ال يطأطئ ظهره لرسول‬
‫ال ليمتطيه فيصعد على الصخرة‪.‬‬
‫ورسول ال يسيل منه الدم بعد أن كسرت رباعيته وتأتي حلقتان من حلق المغفر في وجنته‪ ،‬بعد‬
‫هذا ماذا يكون المر؟ حتى لقد أرجف المرجفون وقالوا‪ :‬إن رسول ال قد قُتل‪.‬‬
‫وكل هذا هو من التمحيص‪ ،‬فمن يثبت مع هذا‪ ،‬فهو الذي يؤتمن أن يحمل السلح لنصرة كلمة ال‬
‫إلى أن تقوم الساعة‪ .‬ويتفقد رسول ال صلى ال عليه وسلم بطلً من أبطال المسلمين كان حوله‬
‫فل يجده‪ ،‬إنه " سعد بن الربيع "‪.‬‬
‫يقول عليه الصلة والسلم‪ " :‬مَن رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الحياء هو أم في‬
‫ي بن كعب‪ :‬فذهبت لتحسسه‪ ،‬فرأيته وقد طُعن سبعين‬
‫الموات؟ " فقال رجل من النصار هو أُ َب ّ‬
‫طعنة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية قوس‪ .‬فلما رآه قال له‪ :‬رسول ال يقرئك السلم‪،‬‬
‫ويقول لك‪ :‬كيف تجدك ‪ -‬أي كيف حالك ‪-‬؟‬
‫قال سعد بن الربيع‪ :‬قل لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬جزاك ال عنّا خير ما جزى نبيا عن‬
‫أمته‪ ،‬وقل للنصار ليس لكم عند ال عُذر إن خَلص إلى رسول ال وفيكم عين تطرف‪ .‬ثم فاضت‬
‫روحه‪.‬‬
‫انظروا آخر ما كان منه‪ ،‬حين أُثخن في المعركة فلم يقو على أن يحارب بنصاله‪ ،‬انتهز بقية‬
‫الحياة ليحارب بمقاله‪ ،‬ولتصير كلماته دويا في آذان المسلمين‪ .‬وليعلم أن هؤلء الذين أثخنوه‬
‫جراحا ما صنعوا فيه إل أن قربوه إلى لقاء ربه‪ ،‬وأنه ذاهب إلى الجنة‪ .‬وتلك هي الغاية التي‬
‫يرجوها كل مؤمن‪.‬‬
‫ونجد أيضا أن الذين يعذرهم القرآن في أن يشهدوا معارك الحرب‪ ،‬يتطوعون للمعارك! فمثل‬
‫عمرو بن الجموح‪ ،‬كان أعرج‪ ،‬والعرج عذر أقامه ال مع المرض والعمى؛ لنه سبحانه هو‬
‫ج وَلَ عَلَى ا ْلمَرِيضِ حَرَجٌ }[النور‪]61 :‬‬
‫ج َولَ عَلَى الَعْرَجِ حَرَ ٌ‬
‫عمَىا حَرَ ٌ‬
‫القائل‪ {:‬لّيْسَ عَلَى الَ ْ‬
‫وكان لعمرو بن الجموح بنون أربعة مثل السْد قد ذهبوا إلى المعركة‪ ،‬ومع ذلك يطلب من رسول‬
‫ال أن يذهب إلى المعركة ويقول له‪ :‬يا رسول ال إن بَنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه‬
‫والخروج معك فيه‪ ،‬فوال إني لرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة‪.‬‬
‫فقال له رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أمّا أنت فقد عذرك ال فل جهاد عليك‪ .‬وقال لبنيه‪ :‬ما‬
‫ل تمنعوه‪ ،‬لعل ال أن يرزقه الشهادة‪ ،‬فخرج معه فقتل‪.‬‬
‫عليكم أ ّ‬
‫وهذا مؤمن آخر يقول لرسول ال صلى ال عليه وسلم يا رسول ال إن ابني الذي استشهد ببدر‬
‫رأيته في الرؤيا يقول لي‪ " :‬يا أبت أقبل علينا " فأرجو أن تأذن لي بالقتال في " أحُد " فأن له فقاتل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقتل فصار شهيدا‪ .‬وتتجلى الروعة اليمانية والنسب السلمي في حذيفة بن اليمان‪ ،‬لقد كان ابوه‬
‫شيخا كبيرا مسلما فأخذ سيفه ولحق برسول ال صلى ال عليه وسلم لعل ال يرزقه الشهادة في‬
‫سبيل ال‪ ،‬فدخل في المعركة ول يعلم به أحد فقتله المسلمون ول يعرفونه‪ ،‬فقال ابنه حذيفة‪ ،‬أبي‬
‫وال‪.‬‬
‫فقالوا وال ما عرفناه‪ ،‬وصدقوا‪ ،‬قال حذيفة‪ :‬يغفر ال لكم وهو أرحم الراحمين‪ .‬وأراد رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم أن يؤدي ديته‪ ،‬فقال له حذيفة بن اليمان‪ :‬وأنا تصدقت بها على المسلمين‪.‬‬
‫هذه الحداث التي دارت في المعركة تدلنا على أن غزوة أُحد كان ل بد أن تكون هكذا‪ ،‬لتمحص‬
‫المؤمنين تمحيصا يؤهلهم لن يحملوا كلمة ال ويعلوها في الرض‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وََلقَدْ َنصَ َركُمُ اللّهُ بِبَدْ ٍر وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)513 /‬‬
‫شكُرُونَ (‪)123‬‬
‫وَلَقَدْ َنصَ َركُمُ اللّهُ بِ َبدْ ٍر وَأَنْتُمْ َأذِلّةٌ فَا ّتقُوا اللّهَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬

‫لقد نقلهم من معركة فيها شبه هزيمة أو عدم انتصار إلى نصر‪ ،‬فكأنه يريد أن يقول‪ :‬إن المر‬
‫بالنسبة لكم أمر إلهكم الذي يرقبكم ويعينكم ويمدكم ويرعاكم‪ .‬وإياكم ان تعتمدوا على العدد والعُدة‬
‫ولكن اعتمدوا على الحق سبحانه وتعالى وعلى ما يريده الحق توجيها لكم‪ ،‬لن مدد ال إنما يأتي‬
‫لُمس َتقْبل لمدد ال‪ ،‬ول يأتي المدد لغير مستقبل لمدد ال‪.‬‬
‫ونعرف أن فيه فرقا بين الفاعل وبين القابل‪ ،‬فالفاعل شيء والقابل للنفعال بالفعل شيء آخر‪.‬‬
‫وضربنا لذلك مثلً‪ :‬بأن الفاعل قد يكون واحدا‪ ،‬ولكن النفعال يختلف‪ ،‬وحتى نقرب المسألة نقول‪:‬‬
‫كوب الشاي تأتي لتشرب منه فتجده ساخنا فتنفخ فيه ليبرد‪ ،‬وفي الشتاء تصبح لتجد يدك باردة‬
‫فتنفخ فيها لتدفأ‪ ،‬إنك تنفخ مرة لتبرد كوب الشاي‪ ،‬ومرة تنفخ لتدفئ يدك‪ ،‬إذن فالفاعل واحد وهو‬
‫النافخ‪ ،‬ولكن القابل للنفعال شيء آخر‪ ،‬ففيه فاعل وفيه قابل‪ ،‬ومثال آخر‪ :‬إن القرآن كلم ال ولو‬
‫أنه نزل على الجبال لخرّت خاشعة‪ ،‬ومع ذلك يسمعه أناس‪ ،‬ل يستر ال عليهم بل يكشفهم لنا‬
‫ويفضحهم بعظمة ألوهيته‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ مّن يَسْ َتمِعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا ِإذَا خَرَجُواْ مِنْ عِن ِدكَ قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ‬
‫ا ْلعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفا ُأوْلَـا ِئكَ الّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَىا قُلُو ِبهِ ْم وَاتّ َبعُواْ أَ ْهوَآءَ ُهمْ }[محمد‪]16 :‬‬
‫إنهم لم ينفعلوا بالقرآن‪ ،‬وقولهم‪ " :‬ماذا قال آنفا " معناه استهتار بما قيل‪ .‬ونجد الحق يرد على ذلك‬
‫بقوله تعالى‪ُ {:‬أوْلَـائِكَ الّذِينَ طَ َبعَ اللّهُ عَلَىا قُلُو ِبهِ ْم وَاتّ َبعُواْ َأ ْهوَآءَ ُهمْ }[محمد‪]16 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن الفاعل واحد والقابل مختلف‪ .‬ويتابع الحق بلغه الحكيم في قوله‪ { :‬وََلقَدْ َنصَ َركُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ‬
‫شكُرُونَ } إذن فمدد ال لكم إنما يتأتى لمستقبلٍ إيماني‪ ،‬فان لم يوجد‬
‫وَأَنْتُمْ َأذِلّةٌ فَا ّتقُواْ اللّهَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫المستقبل ‪ -‬بكسر الباء ‪ -‬فل يوجد المدد‪ .‬فاذا كنت ل تستطيع ان تستقبل ما ترسله السماء من‬
‫مدد نقول لك‪ :‬أصلح جهاز استقبالك؛ لن جهاز الستقبال كالمذياع الفاسد‪ ،‬إن الرسال من‬
‫الذاعات مستمر‪ ،‬لكن الذياع الفاسد هو الذي ل يستقبل‪ .‬إذن فإن كنت تريد أن تستقبل عن ال فل‬
‫بد أن يكون جهاز استقبالك سليما‪ .‬ويوضح الحق ذلك بقوله جل جلله‪ { :‬إِذْ َتقُولُ ِل ْل ُمؤْمِنِينَ أَلَنْ‬
‫لفٍ مّنَ ا ْلمَل ِئكَةِ مُنزَلِينَ }‬
‫َي ْكفِيكُمْ أَن ُيمِ ّدكُمْ رَ ّب ُكمْ بِثَلَثَةِ آ َ‬

‫(‪)514 /‬‬
‫إِذْ َتقُولُ ِل ْل ُمؤْمِنِينَ أَلَنْ َي ْكفِ َيكُمْ أَنْ ُي ِم ّدكُمْ رَ ّبكُمْ بِ َثلَاثَةِ َآلَافٍ مِنَ ا ْلمَلَا ِئ َكةِ مُنْزَلِينَ (‪)124‬‬

‫ويبين سبحانه وتعالى كيفية إصلح جهاز الستقبال لتلقي مدد ال فيقول‪ { :‬بَلَى إِن َتصْبِرُواْ وَتَ ّتقُواْ‬
‫وَيَأْتُوكُمْ مّن َفوْرِ ِهمْ هَـاذَا‪} ...‬‬

‫(‪)515 /‬‬
‫س ّومِينَ (‬
‫خمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ ا ْلمَلَا ِئكَةِ مُ َ‬
‫بَلَى إِنْ َتصْبِرُوا وَتَ ّتقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ َفوْرِ ِهمْ هَذَا ُيمْدِ ْد ُكمْ رَ ّبكُمْ ِب َ‬
‫‪)125‬‬

‫إن الحق سبحانه وتعالى ضرب المثل بالصبر والتقوى في بدر مع القلة فكان النصر‪ ،‬وهنا في‬
‫أُحد لم تصبروا؛ فساعة أن رأيتم الغنائم سال لعابكم فلم تصبروا عنها‪ ،‬ولم تتقوا أمر ال المبلغ‬
‫على لسان رسوله في التزام أماكنكم‪ ..‬فكيف تكونون أهلً للمدد؟‬
‫إذن من الذي يحدد المدد؟ إن ال هو الذي يعطي المدد‪ ،‬ولكن من الذي يستقبل المدد لينتفع به؟ إنه‬
‫القادر على الصبر والتقوى‪.‬‬
‫عدّواْ َلهُمْ‬
‫إذن فالصبر والتقوى هما العُدّة في الحرب‪ .‬ل تقل عددا ول عدة‪ .‬لذلك قال ربنا لنا‪ { :‬وَأَ ِ‬
‫طعْتُمْ مّن ُق ّوةٍ } ولم يقل‪ :‬أعدوا لهم ما تظنون أنه يغلبهم‪ ،‬ل‪ .‬أنتم تعدون ما في استطاعتكم‪،‬‬
‫مّا اسْ َت َ‬
‫وساعة تعدون ما في استطاعتكم وأسبابكم قد انتهت‪ ..‬فال هو الذي يكملكم بالنصر‪.‬‬
‫والبشر في ذواتهم يصنعون هذا‪ ،‬فمثل ‪ -‬ول المثل العلى من قبل ومن بعد ‪ -‬لنفترض أنك‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تاجر كبير‪ .‬وتأتيك العربات الضخمة محملة بالبضائع‪ ،‬صناديق وطرود كبيرة‪ ،‬وأنت جالس بينما‬
‫يفرغ العمال البضائع‪ ،‬وجاء عامل لينزل الطرد فغلبه الطرد على عافيته‪ ،‬وتجد نفسك بل شعور‬
‫منك ساعة تجده سيقع تهب وتقوم لنصرته ومعاونته‪ ،‬لقد استنفد هذا العامل أسبابه ولم يقدر‪،‬‬
‫فالذي يعنيه المر يمد يده إليه‪ ،‬فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى‪ .‬كأنه يقول ابذل وقدّم أسبابك‪ ،‬فإذا‬
‫ما رأيت أسبابك انتهت والموقف أكبر منك‪ ،‬فاعلم أنه أكبر منك أنت ولكنه ليس أكبر من ربك إنه‬
‫طمَئِنّ قُلُو ُبكُمْ بِهِ‪} ...‬‬
‫جعَلَهُ اللّهُ ِإلّ بُشْرَىا َلكُمْ وَلِتَ ْ‬
‫سبحانه يقول‪َ { :‬ومَا َ‬

‫(‪)516 /‬‬
‫حكِيمِ (‪)126‬‬
‫طمَئِنّ قُلُو ُبكُمْ بِ ِه َومَا ال ّنصْرُ إِلّا مِنْ عِ ْندِ اللّهِ ا ْلعَزِيزِ الْ َ‬
‫جعَلَهُ اللّهُ إِلّا ُبشْرَى َلكُ ْم وَلِتَ ْ‬
‫َومَا َ‬

‫فإياك أن تظن أن المدد بالثلثة آلف أو الخمسة آلف‪ ،‬الذين أنزلهم ال وأمدكم بهم أو بالملئكة‬
‫المدربين على القتال‪ ..‬إياكم أن تظنوا أن هذا المدد‪ ،‬هو شرط في نصر ال لك‪ .‬بذاتك أو‬
‫بالملئكة؛ إنه قادر على أن ينصرك بدون ملئكة‪ ،‬ولكنها بشرى لتؤنس المادة البشرية‪ ،‬فساعة‬
‫يرى المؤمنين أعدادا كبيرة من المدد‪ ،‬والكفار كانوا متفوقين عليهم في العدد‪ ،‬فإن أسباب المؤمنين‬
‫تطمئن وتثق بالنصر‪ .‬إذن فالملئكة مجرد بُشرى‪ ،‬ولكن النصر من عند ال العزيز الذي ل‬
‫يٌغلب‪ .‬وكل المور تسير بحكمته التي ل تعلوها حكمة أبدا‪ .‬ويقول الحق من بعد ذلك‪ { :‬لِ َيقْطَعَ‬
‫طَرَفا مّنَ الّذِينَ َكفَرُواْ َأوْ َيكْبِ َتهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ }‬

‫(‪)517 /‬‬
‫لِ َيقْطَعَ طَ َرفًا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا َأوْ َيكْبِ َتهُمْ فَيَ ْنقَلِبُوا خَائِبِينَ (‪)127‬‬

‫وقطع الطرف يتحدد بمعرفة ما هو طرف لماذا؟ فإن كان الطرف هو العدد الكثير فقطع الطرف‬
‫أن يُقتل بعضه‪ .‬وإن كان الطرف هو أرضا واسعة فقطع الطرف أن يأخذ من أرضهم‪ .‬ولذلك‬
‫ح ْكمِهِ‬
‫ح ُك ُم لَ ُمعَ ّقبَ لِ ُ‬
‫صهَا مِنْ أَطْرَا ِفهَا وَاللّهُ يَ ْ‬
‫يقول الحق سبحانه‪َ {:‬أوَلَمْ يَ َروْاْ أَنّا نَأْتِي الَ ْرضَ نَنقُ ُ‬
‫وَ ُهوَ سَرِيعُ ا ْلحِسَابِ }[الرعد‪]41 :‬‬
‫لقد كانت الرض ال ُكفْرٍيّة تخسر كل يوم جزءا منها لينضم هذا الجزء إلى الرض اليمانية‪ ،‬هذا‬
‫بالنسبة لسعة الرض‪ ،‬وافرض أن الطرف هو المال‪ ،‬فقطع الطرف هنا يكون بأن نأخذ بعض‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المال كغنائم‪ ،‬ثم هناك المنزلة التي كانت تهابها الجزيرة كلها‪ ،‬كل الجزيرة تهاب قريشا‪ ،‬وقوافلها‬
‫التجارية للشمال والجنوب ل تستطيع قبيلة أن تتعرض لها؛ لن كل القبائل تعرف أنها ستذهب‬
‫إلى البيت في موسم الحج‪ ،‬فل توجد قبيلة تتعرض لها لنها غدا ستذهب إلى قريش‪ ،‬إذن فالسيادة‬
‫والعظمة كانت لقريش‪ ،‬وساعة تعلم القبائل أن رجال قريش قد كسروا وانهزموا‪ ،‬وأن رحلتهم إلى‬
‫الشام أصبحت مهددة‪ ،‬فإنهم يبحثون عن فريق آخر يذهبون إليه‪.‬‬
‫إن قطع الطرف كان على أشكال متعددة‪ ،‬فإن كان طرفَ عد ٍد فيقتل بعضهم‪ ،‬وإن كان طرف‬
‫أرض فبعضها يؤخذ وتذهب إلى أرض إيمانية‪ ،‬وإن كانت عظمة وقهرا تأتهم الهزيمة‪ ،‬وإن كان‬
‫نفوذا في الجزيرة فهو يتزلزل { لِ َيقْطَعَ طَرَفا مّنَ الّذِينَ َكفَرُواْ }‪.‬‬
‫ولنلحظ أن الحق قد قال‪ { :‬لِ َيقْطَعَ طَرَفا } ‪ -‬لم يقل ليستأصل ‪ -‬لن ال سبحانه وتعالى أبقى على‬
‫بعض الكفار لن له في اليمان دورا‪ ،‬وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم ممتلئا بالعطف‬
‫والرحمة والحنان على أمته‪ ،‬وكان يحسن الظن بال أن يهديهم‪ ،‬ولذلك تعددت آيات القرآن التي‬
‫سكَ عَلَىا آثَارِهِمْ إِن لّمْ ُي ْؤمِنُواْ ِبهَـاذَا‬
‫تتحدث في هذا المر‪ .‬ها هو ذا الحق يقول‪ {:‬فََلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫حدِيثِ أَسَفا }[الكهف‪]6 :‬‬
‫الْ َ‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ‬
‫وفي موقع آخر بالقرآن الكريم يقول الحق‪َ {:‬لعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪]4-3 :‬‬
‫سمَآءِ آ َيةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُق ُهمْ َلهَا خَا ِ‬
‫عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫وال يقول لرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬فإنّما عليك البلغ " والرسول يحب أن يهتدي إلى‬
‫شيْءٌ َأوْ يَتُوبَ عَلَ ْيهِمْ َأوْ ُيعَذّ َب ُهمْ فَإِ ّنهُمْ‬
‫لمْرِ َ‬
‫ناَ‬
‫اليمان كل فرد في أمته‪ ،‬فقال الحق‪ { :‬لَيْسَ َلكَ مِ َ‬
‫ظَاِلمُونَ }‬

‫(‪)518 /‬‬
‫شيْءٌ َأوْ يَتُوبَ عَلَ ْي ِهمْ َأوْ ُيعَذّ َبهُمْ فَإِ ّنهُمْ ظَاِلمُونَ (‪)128‬‬
‫لَيْسَ َلكَ مِنَ الَْأمْرِ َ‬

‫أي ليس لك يا محمد من المر شيء إل أن يتوب ال عليهم فتفرح بتوبتهم‪ ،‬إو يعذبهم‪ ،‬فل يحزنك‬
‫ذلك لنهم ظالمون أي ما عليك يا محمد إلّ البلغ فقط‪ .‬أما هم فقد ظلموا أنفسهم بالكفر‪ .‬والظلم‬
‫كما نعرف هو أخذ الحق من ذي الحق وإعطاؤه لغيره‪ .‬وقمة الظلم هو إضفاء صفة اللوهية على‬
‫عظِيمٌ }[لقمان‪]13 :‬‬
‫غير ال‪ ,‬وهو الشرك‪ .‬ولذلك يقول الحق‪ {:‬إِنّ الشّ ْركَ َلظُلْمٌ َ‬
‫إن الحق يقول لرسوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫شيْءٌ َأوْ يَتُوبَ عَلَ ْي ِهمْ َأوْ ُيعَذّ َبهُمْ فَإِ ّن ُهمْ ظَاِلمُونَ } [آل عمران‪]128 :‬‬
‫لمْرِ َ‬
‫ناَ‬
‫{ لَ ْيسَ َلكَ مِ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذه مسألة لم تخرج عن ملك ال‪ ،‬لماذا؟ لن السماوات والرض وما فيهن ملك ل‪ :‬قيل أراد‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بعد أن خضّب المشركون وجهه بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم ‪-‬‬
‫أراد عليه الصلة والسلم أن يدعو عليهم فنهاه ال لعلمه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن فيهم من يؤمن وأنزل‬
‫غفُورٌ‬
‫ت َومَا فِي الَ ْرضِ َي ْغفِرُ ِلمَن َيشَآ ُء وَ ُيعَ ّذبُ مَن يَشَآ ُء وَاللّهُ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫قوله تعالى‪ { :‬وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫رّحِيمٌ }‬

‫(‪)519 /‬‬
‫غفُورٌ رَحِيمٌ (‪)129‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْرضِ َي ْغفِرُ ِلمَنْ يَشَا ُء وَ ُيعَ ّذبُ مَنْ َيشَا ُء وَاللّهُ َ‬
‫وَلِلّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫وبما أننا نتحدث عن ملمح في غزوة أحد أريد أن أقول‪ " :‬جبل أًُحدٍ رضي ال عنه "؛ لننا سمعنا‬
‫بعض العارفين بال حين تذكر كلمة " أحد " قال‪ :‬أحد رضي ال عنه ‪ -‬فتعجب القوم لقول الشيخ‬
‫عبد ال الزيدان الذي قال ذلك‪ ،‬فما رأى عجبهم قال لهم‪ :‬ألم يخاطبه رسول ال بقوله‪ " :‬اثبت أحد‬
‫فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان " ‪ ،‬ألم يقل فيه رسول ال‪ " :‬أحد جبل يحبنا ونحبه " أتريدون‬
‫أحسن من ذلك في الصحبة!‪ ,‬قل‪ :‬أحد رضي ال عنه‪.‬‬
‫وقلنا سابقا‪ :‬إنك إذا وقف عقلك في حاجة فل تأخذها بمقاييسك أنت‪ ،‬بل خذها بالمقاييس العلى‪.‬‬
‫ونحن نقول هذا الكلم لن العلم الن يجري ويسعى سعيا حثيثا مسرعا حول استخراج بعض‬
‫أسرار ال في الكون‪ ،‬فبين لنا أن الحيوانات لها لغات تتفاهم بها‪ ,‬ويحاولون الن أن يضعوا‬
‫قاموسا للغة السماك‪ .‬والحق سبحانه وتعالى ذكر لنا حكاية النملة مع سليمان ‪ -‬عليه السلم ‪-‬‬
‫شعُرُونَ }[النمل‪]18 :‬‬
‫ن وَجُنُو ُد ُه وَ ُه ْم لَ يَ ْ‬
‫طمَ ّنكُمْ سُلَ ْيمَا ُ‬
‫فقال‪ {:‬ياأَ ّيهَا ال ّن ْملُ ادْخُلُواْ مَسَاكِ َنكُمْ لَ َيحْ ِ‬
‫هذا القول يدل على أنّ نملة خرجت وقامت بعمل (وردية) كي تحافظ على من معها ثم عادت‬
‫لتتكلم مع أبناء فصيلتها‪ ،‬وسمعها سيدنا سليمان‪ ،‬فتبسم من قولها‪ .‬إذن العلم يتسابق ويجد وَيُسَارع‬
‫الن ليثبت أن لكل جنس في الوجود لغة يتفاهم بها‪ ،‬وكل جنس في الوجود له انفعال‪ ،‬وكل جنس‬
‫طقَ‬
‫في الوجود له تكاثر‪ ،‬ولذلك قال الحق لنا على لسان سيدنا سليمان‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّاسُ عُّلمْنَا مَن ِ‬
‫ضلُ ا ْلمُبِينُ }[النمل‪]16 :‬‬
‫شيْءٍ إِنّ هَـاذَا َل ُهوَ ا ْل َف ْ‬
‫الطّيْرِ وَأُوتِينَا مِن ُكلّ َ‬
‫وكانت هذه خصوصية لسيدنا سليمان عليه السلم‪ ،‬إذن فللطير منطق‪ .‬وعندما نتسامى ونذهب إلى‬
‫الجماد نسمع قول الحق سبحانه في آل فرعون وعدم بكاء الجماد عليهم‪ {:‬كَمْ تَ َركُواْ مِن جَنّاتٍ‬
‫ك وََأوْرَثْنَاهَا َقوْما آخَرِينَ * َفمَا‬
‫وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ َو َمقَامٍ كَرِيمٍ * وَ َنعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَا ِكهِينَ * كَذَِل َ‬
‫ض َومَا كَانُواْ مُنظَرِينَ }[الدخان‪]29-25 :‬‬
‫سمَآ ُء وَالَرْ ُ‬
‫َب َكتْ عَلَ ْي ِهمُ ال ّ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هل تبكي السماء والرض؟ إنه أمر عجيب؛ فالجماد من سماء وأرض ل تتفاهم فقط ولكن لها‬
‫عواطف أيضا؛ لن البكاء إنما ينشأ عن إنفعال عاطفي وجداني‪ .‬هذا يعني أن الجمادات ل تتكلم‬
‫فقط‪ ،‬ولكنها تحس أيضا‪ .‬فالرض تخرج أثقالها‪ ،‬وتحدث أخبارها‪ ،‬كيف؟{ بِأَنّ رَ ّبكَ َأوْحَىا َلهَا }‬
‫[الزلزلة‪]5 :‬‬
‫سمَآ ِء وَ ِهيَ دُخَانٌ‬
‫والسماء والرض أتيا إلى ال في منتهى الطاعة والخشوع‪ُ {:‬ثمّ اسْ َتوَىا إِلَى ال ّ‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ }[فصلت‪]11 :‬‬
‫َفقَالَ َلهَا وَلِلَ ْرضِ ائْتِيَا َ‬
‫إذن فهناك ما هو أكثر من التفاهم‪ ،‬إن لها عواطف مثلك تماما‪ ،‬وكما تحزنك حاجة فالرض أيضا‬
‫تبكي‪ ،‬وما دامت تبكي إذن فلها مقابل بأن يفرح‪ ،‬ويقول ال تعالى عن أرض فرعون‪َ { :‬فمَا َب َكتْ‬
‫سمَآ ُء وَالَ ْرضُ } فلو أنها لم تبك مع بعض الناس؛ لما كان لهذا الكلم ميزة‪.‬‬
‫عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫لذلك قال المام علي ‪ -‬كرم ال وجهه ‪ :-‬إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان‪ :‬موضع مصله؛‬
‫لنه سيحرم من نعمة اليمان‪ ،‬ومصعد عمله‪ ،‬موضع في الرض وموضع في السماء‪ .‬إذن فل بد‬
‫أن نفهم أن لكل شيء شعورا‪ .‬وقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إذا مات المؤمن استبشرت له بقاع‬
‫الرض فليس من بقعة إل وهي تتمنى أن يدفن فيها "‪.‬‬
‫لماذا نقول هذا الكلم الن؟ نقول ذلك حتى إذا ثبت بالعلم أن لكل شيء لغة‪ ،‬ولكل شيء في‬
‫أجناس الكون تفاهما‪ ،‬يقال إن فيه ناسا هبت عليهم نسمات اليمان فأدركوها وأحسوها من القرآن‪،‬‬
‫فل يدعي أحد أنه ابتكر من ذات نفسه لنها في القرآن وإن كنا ل نعرف كيف تأتي‪.‬‬
‫وهذه المعركة ‪ -‬معركة أُحد ‪ -‬التي أخذت ستين آية‪ ،‬نجد أن الحق تكلم عنها هنا فقال‪ } :‬وَإِذْ‬
‫غَ َد ْوتَ مِنْ أَهِْلكَ { و } ِإذْ َه ّمتْ طّآ ِئفَتَانِ { ‪ ,‬وقوله‪ } :‬وََلقَدْ َنصَ َركُمُ اللّهُ بِبَدْ ٍر وَأَنْ ُتمْ أَذِلّةٌ { ‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك يترك الغزوة في حرارتها ويأتينا بأشياء يضعها هنا‪ ،‬ثم يأتي ليكمل الغزوة‪ .‬لو أن هذه لقطة‬
‫من الغزوة وتنتهي ثم يأتي موضوع آخر‪ ،‬لما شغلنا أنفسنا‪ ،‬إنما الغزوة ستأتي فيها ستون آية‪،‬‬
‫فكيف ينهي الكلم في الغزوة ول يعطينا إل استهلل الغزوة‪ ،‬وبعد ذلك ينصب القرآن على معانٍ‬
‫بعيدة عن الغزوة؟ فما الذي يجعله ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يترك أمر الغزوة ليقول‪ {:‬يَآ أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ‬
‫ع ّدتْ ِل ْلكَافِرِينَ *‬
‫ضعَافا ّمضَاعَفَ ًة وَا ّتقُواْ اللّهَ َلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ * وَاتّقُواْ النّارَ الّتِي أُ ِ‬
‫تَ ْأكُلُواْ الرّبَا َأ ْ‬
‫سمَاوَاتُ‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫حمُونَ * وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِ َرةٍ مّن رّ ّبكُمْ وَجَنّةٍ عَ ْر ُ‬
‫وَأَطِيعُواْ اللّ َه وَالرّسُولَ َلعَّلكُمْ تُرْ َ‬
‫ظ وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّاسِ‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْ َ‬
‫وَالَرْضُ أُعِ ّدتْ لِ ْلمُ ّتقِينَ * الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآ ِء وَالضّرّآ ِء وَا ْلكَا ِ‬
‫سهُمْ َذكَرُواْ اللّهَ فَاسْ َتغْفَرُواْ لِذُنُو ِبهِمْ‬
‫شةً َأوْ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫حبّ ا ْلمُحْسِنِينَ * وَالّذِينَ ِإذَا َفعَلُواْ فَاحِ َ‬
‫وَاللّهُ ُي ِ‬
‫َومَن َي ْغفِرُ الذّنُوبَ ِإلّ اللّهُ وَلَمْ ُيصِرّواْ عَلَىا مَا َفعَلُواْ وَ ُهمْ َيعَْلمُونَ * ُأوْلَـا ِئكَ جَزَآؤُ ُهمْ ّمغْفِ َرةٌ مّن‬
‫رّ ّبهِ ْم وَجَنّاتٌ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ خَاِلدِينَ فِيهَا وَ ِنعْمَ َأجْرُ ا ْلعَامِلِينَ * قَدْ خََلتْ مِن قَبِْلكُمْ سُنَنٌ‬
‫ظةٌ‬
‫س وَ ُهدًى َومَوْعِ َ‬
‫فَسِيرُواْ فِي الَرْضِ فَا ْنظُرُواْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِبَةُ ا ْل ُمكَذّبِينَ * هَـاذَا بَيَانٌ لّلنّا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لّ ْلمُ ّتقِينَِ }[آل عمران‪]138-130 :‬‬
‫لماذا لم يعطنا الحق إل استهلك الغزوة وبعد ذلك انصب على قضايا أولها قضية الربا‪ ،‬ما‬
‫العلقة بين هذه القضايا وتلك الغزوة؟‪ .‬وأقول‪ :‬رحم ال صاحب الظلل الوارفة الشيخ سيد قطب‬
‫فقد استطاع أن يستخلص من هذه النقلة مبادئ إيمانية عقدية لو أن المسلمين في جميع بقاع‬
‫الرض جعلوها نصب أعينهم لما كان لي دولة من دول الكفر غلب علينا‪.‬‬
‫ونريد أن نفهم هذه اللقطات‪ ،‬ولماذا استهلت بمسألة الربا؟ لن الذي كان سببا في الهزيمة أو عدم‬
‫النصر في معركة أُحد أنهم طمعوا في الغنيمة‪ .‬والغنيمة مال زائد‪ ،‬والربا فيه طمع في مال زائد‪.‬‬
‫والقرآن حين يعالج هنا قضية حدثية‪ ،‬والحداث أغيار تمر وتنتهي‪ ،‬فهو سبحانه يريد أن يستبقي‬
‫عطاء الحدث ليشيع في غير زمان الحدث‪ ،‬وإل فالحدث قد يمر بعظاته وعبره وينتهي ول تكون‬
‫له فائدة‪ .‬والنفس حين تمر بالحداث تكون ملكاتها متفتحة؛ لن الحدث ‪ -‬كما قال المغفور له‬
‫الشيخ سيد قطب ‪ -‬يكون ساخنا‪ ،‬فحين يستغل القرآن الحدث قبل أن يبرد فإن القضية التي‬
‫تتعرض لها الموعظة تتمكن من النفس البشرية‪ .‬وهو سبحانه لم يرد أن تمر أحداث أُحد بما فيها‬
‫من العبر والعظات إل ويستغلها القرآن الكريم ليثبت بها قضايا إيمانية تشيع في غير أزمنة‬
‫الحدث من الحروب وغيرها لتنتظم أيضا وقت السلم‪ .‬فآية الربا هنا كأنما سقطت وسط‬
‫النصوص التي تتعرض لغزوة أحد‪.‬‬
‫والسطحيون قد يقولون‪ :‬ما الذي جعل القرآن ينتقل من الكلم عن أُحد إلى أن يتكلم في الربا مرة‬
‫ثانية بعد أن تكلم عنه أولً؟‬
‫ونقول‪ :‬إن القرآن ل يؤرخ الحداث‪ ،‬وإنما يُريد أن يستغل أحداثا ليبسط ويوضح ما فيها من‬
‫المعاني التي تجعل الحدث له عرض وله طول وله عمق؛ لن كل حدث في الكون يأخذ من‬
‫الزمن قدر الحدث‪ ،‬والحدث له طول هو قدر من الزمن‪ ،‬يكون ساعة أو ساعتين أو ليلة مثل‪ ،‬هذا‬
‫هو طول الحدث‪.‬‬
‫والحداث التي يجريها ال لها طول يحدده عمر الحدث الزمني‪ ،‬ولها عرض يعطيها التساع‪،‬‬
‫فبعد أن كانت خطا مستقيما صارت مساحة‪ ،‬ويجعلها الحق شاملة لشياء كثيرة‪ ،‬فهو ل يريد‬
‫للحدث أن يسير كخط مستقيم‪ ،‬بل يريده طريقا واسعا له مساحة وله عرض‪ .‬هذا العرض يعطيه‬
‫رقعة مساحية تأخذ كثيرا من الشياء‪ ،‬وهذا أيضا قد ينتهي مع الحدث‪ ،‬لذلك يريد ال أن يعطي‬
‫للحدث بعدا ثالثا وهو العمق في التاريخ فيعطي عطاءه‪ ،‬كما نستفيد نحن الن من عطاء حدث هو‬
‫غزوة أُحد‪.‬‬
‫إذن فالحدث له حجم أيضا‪ ،‬وهذا ما يجعل الناس تقف لتقول‪ :‬إن صلة الرحم تطيل العمر‪ ،‬والعمر‬
‫له حد زمني محدد وهو الخط المستقيم له‪ ،‬فهناك واحد يزيد من عرض عمره‪ ،‬فبدلً من أن ينفع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الناس في مجال صغير فهو يعمل وينفع في مجال أوسع‪ ،‬إذن فهو يعطي لعمره مساحة‪.‬‬
‫وهناك إنسان آخر يريد أن يكون أقوى في العمر‪ ،‬فماذا يعمل؟ إنه يعطي لعمره عمقا‪ ،‬فبدلً من‬
‫أن يعمل لمجرد حياته وينتهي عمره مهما كانت رقعته واسعة‪ ،‬فهو يزيد من عمله الصالح ويترك‬
‫أثرا من علم أو خير يستمر من بعد حياته كما قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" إذا مات النسان انقطع عمله إل من ثلثة‪ :‬صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له‬
‫"‪.‬‬
‫عهَا فِي‬
‫ت َوفَرْ ُ‬
‫ف ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً كَِلمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ َأصُْلهَا ثَا ِب ٌ‬
‫ولذلك يقول الحق‪ {:‬أَلَمْ تَرَ كَيْ َ‬
‫لمْثَالَ لِلنّاسِ َلعَّلهُمْ يَ َت َذكّرُونَ }[إبراهيم‪:‬‬
‫سمَآءِ * ُتؤْتِي ُأكَُلهَا ُكلّ حِينٍ بِِإذْنِ رَ ّبهَا وَ َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬
‫ال ّ‬
‫‪]25-24‬‬
‫هي كلمة طيبة قيلت‪ ،‬لكنّها مثل الشجرة الطيبة؛ لنها ترسخ في أذن من يسمعها فتصير حركة‬
‫خاضعة للكلمة‪ ،‬وكلما فعل السامع لهذه الكلمة فعلً ناتجا من تأثير هذه الكلمة فإن بعض الثواب‬
‫يعود إلى من قال هذه الكلمة حتى ولو كان قد مات‪.‬‬
‫فكأن قائل هذه الكلمة ما زال يعيش‪ ،‬وكأن عمره قد طال بكلمته الطيبة‪ ,‬إذن فأعمال الخير التي‬
‫تحدث من النسان ليس معناها أنها تطيل العمر؛ لن العمر محدود بأجل‪ ،‬ولكنْ هناك إنسان‬
‫يعطي عمره عرضا‪ ،‬وآخر يعطيه عمقا ويظل العطاء منه موصولً إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬فكأنه‬
‫أعطى لنفسه عمرا خالدا‪ .‬ويقولون‪ :‬والذكر للنسان عمر ثان‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يوضح الدروس المستفادة من غزوة أُحد‪ ،‬إن أول مخالفة كانت سببا ليس‬
‫في الهزيمة‪ ،‬ولكن دعنا نقل‪ " :‬في عدم إتمام النصر " ‪ ،‬لنهم بدأوا منتصرين‪ ،‬ولم يتم النصر‬
‫لنه قد حدثت مخالفة‪ ،‬ودوافع هذه المخالفة انهم ساعة رأوا الغنائم‪ ،‬اندفعوا إليها‪ ،‬إذن فدوافعها‬
‫هي طلب المال من غير وجه مشروع؛ لن النبي قال لهم‪ " :‬انضحوا عنا الخيل ول نؤتين من‬
‫قبلكم‪ ،‬الزموا أماكنكم إن كانت النوبة لنا أو علينا‪ ،‬وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فل تبرحوا مكانكم‬
‫" وبهذا صارت مبارحة المكان أمرا غير مشروع‪ ،‬فتطلع النفس إلى شيء في غير ما أمر به‬
‫رسول ال يعتبر أمرا غير مشروع والتطلع هنا كان للمال‪ ،‬وهكذا الربا‪.‬‬
‫وأراد الحق أن تكون سخونة الحدث‪ ،‬والثر الذي نشأ من الحدث في أن المسلمين لم يتم نصرهم‪،‬‬
‫وتعبوا‪ ،‬وكان مصدر التعب أن قليلً منهم أحبوا المال الزائد من غير وجهه المشروع‪ .‬فأراد ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬أن يكون ذلك مدخل لبيان الثر السيء للتعامل بالربا‪.‬‬
‫إذن فهذه مناسبة في أننا نجد آية الربا هنا وهي توضح الثار السيئة للطمع في المال الزائد عن‬
‫طريق غير مشروع‪ ،‬والقرآن فيه الكثير من المواقف التي توضح آثارا تبدو في ظاهرها غير‬
‫مترابطة‪ ،‬ولكن النظرة العميقة تؤكد الترابط‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سطَىا َوقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ *‬
‫لةِ ا ْلوُ ْ‬
‫ت والصّ َ‬
‫وقلنا من قبل في قول ال تعالى‪ {:‬حَافِظُواْ عَلَى الصَّلوَا ِ‬
‫خفْتُمْ فَ ِرجَالً َأوْ ُركْبَانا فَِإذَآ َأمِن ُتمْ فَا ْذكُرُواْ اللّهَ َكمَا عَّل َمكُم مّا لَمْ َتكُونُواْ َتعَْلمُونَ }[البقرة‪-238 :‬‬
‫فَإنْ ِ‬
‫‪]239‬‬
‫قد يقول أحد السطحيين‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى كان يتكلم عن الطلق قبل هاتين اليتين فقال‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫صفُ مَا فَ َرضْتُمْ ِإلّ أَن َي ْعفُونَ َأوْ‬
‫ن َوقَدْ فَ َرضْتُمْ َلهُنّ فَرِيضَةً فَ ِن ْ‬
‫{ وَإِن طَّلقْ ُتمُوهُنّ مِن قَ ْبلِ أَن َتمَسّوهُ ّ‬
‫ضلَ بَيْ َن ُكمْ إِنّ اللّهَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ‬
‫سوُاْ ا ْل َف ْ‬
‫ح وَأَن َت ْعفُواْ َأقْ َربُ لِل ّت ْقوَىا وَلَ تَن َ‬
‫عقْ َدةُ ال ّنكَا ِ‬
‫َي ْعفُوَاْ الّذِي بِيَ ِدهِ ُ‬
‫َبصِيرٌ }[البقرة‪]237 :‬‬
‫ويترك الحق الحديث عن الطلق ويأمر بالحفاظ على الصلة بقوله الحكيم‪ } :‬حَافِظُواْ عَلَى‬
‫سطَىا َوقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ {‪.‬‬
‫لةِ ا ْلوُ ْ‬
‫الصَّلوَاتِ والصّ َ‬
‫وبعد ذلك يعود الحق لستكمال حديث الطلق والفراق بالموت‪ {.‬وَالّذِينَ يُ َت َو ّفوْنَ مِنكُ ْم وَيَذَرُونَ‬
‫ح ْولِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَ َرجْنَ فَلَ جُنَاحَ عَلَ ْي ُكمْ فِي مَا َفعَلْنَ فِي‬
‫جهِمْ مّتَاعا ِإلَى ا ْل َ‬
‫أَ ْزوَاجا َوصِيّ ًة لَ ْزوَا ِ‬
‫حكِيمٌ }[البقرة‪]240 :‬‬
‫ف وَاللّهُ عَزِيزٌ َ‬
‫سهِنّ مِن ّمعْرُو ٍ‬
‫أَ ْنفُ ِ‬
‫إنه يتكلم عن الطلق‪ ،‬والوفاة‪ ،‬ثم ينزل بينهما آية الصلة‪ ،‬لماذا؟ ليتضح لنا أن المنهج السلمي‬
‫منهج متكامل‪ .‬إياك أن تقول‪ :‬إن الطلق غير الصلة‪ ،‬غير الوفاة‪ ،‬أبدا‪ ،‬إنه منهج متكامل‪ .‬ولنه‬
‫ سبحانه وتعالى ‪ -‬يريد أن ينبهنا إلى أن الطلق عملية تأتي والنفس فيها غضب‪ ,‬وتأتي والزوج‬‫والزوجة وأهل الزوج وأهل الزوجة في كدر‪ ،‬فيقول لهم المنهج‪ :‬لو كنتم تحسنون الفهم لفزعتم‬
‫إلى الصلة حين تواجهكم هذه المور التي فيها كدر‪.‬‬
‫وساعة تكون في كدر قم وتوضأ وصَلّ‪ ،‬لن النبي علمنا أنه إذا حَزَبه أمر قام إلى الصلة‪ ،‬فساعة‬
‫تجد الجو المشحون بالتوتر بين الزوج والزوجة وأهلهما قل لهم‪ :‬المسألة صارت أكبر من حيلنا‪،‬‬
‫فهيا نصل ليساعدنا ال على حل هذه المسائل الصعبة‪ ,‬وأنا أتحدى أل يوجد ال حلً لمشكلة لجأ‬
‫فيها المسلم إلى الصلة قبلها‪.‬‬
‫لةِ ا ْلوُسْطَىا { لن محافظتكم عليها هي‬
‫ت والصّ َ‬
‫وهكذا نفهم أن الحق قال‪ } :‬حَا ِفظُواْ عَلَى الصَّلوَا ِ‬
‫التي ستنهي كل الخلفات؛ لن ال ليكون في بالكم ساعة ضيقكم وفي ساعة شدتكم فتستسلمون‬
‫للضيق والشدة وتنسون الصلة‪ ،‬في الوقت الذي يكون فيه النسان أحوج ما يكون إلى الصلة‪.‬‬
‫إنك في وقت الضيق والشدة عليك أن تذهب إلى ربك‪ ،‬وأقول هذا المثل ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬إن‬
‫الولد الذي يضربه أصحابه يذهب إلى أبيه‪ ،‬كذلك زوجتك إذا أغضبتها تذهب إلى أهلها‪ ،‬فكيف ل‬
‫تذهب إلى ربك وقت شدتك وكربك؟‪.‬‬
‫سطَىا { جاء في المكان‬
‫لةِ ا ْلوُ ْ‬
‫ت والصّ َ‬
‫وهكذا نجد أن قوله الحق‪ } :‬حَافِظُواْ عَلَى الصَّلوَا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الصحيح‪ ،‬وهكذا آية الربا‪ ،‬جاءت في مكانها هنا وخصوصا أنه تكلم عن الربا أولً‪ ،‬فتأتي الحادثة‬
‫وسخونة الحدث وينزل هذا القرآن الكريم‪ .‬كي يعرف كل من يريد مالً زائدا على غير ما شرع‬
‫ال أنّه سيأتي منه البلء على نفسه وعلى غيره‪ ،‬فالبلء في أُحد شمل الجميع‪ :‬الرماة وغير الرماة‬
‫أيضا‪.‬‬
‫إذن فكل الدنيا تتعب عندما تخالف منهج ال‪ ،‬والمال الزائد من غير ما شرع ال إن لم يترك فقد‬
‫آذن ال من يأكله بحرب من ال ومن رسول ال‪.‬‬

‫(‪)520 /‬‬
‫عفَةً وَاتّقُوا اللّهَ َلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ (‪)130‬‬
‫ضعَافًا ُمضَا َ‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا لَا تَ ْأكُلُوا الرّبَا َأ ْ‬

‫والربا زيادة في المال‪ ،‬فهل يؤكل؟ نعم؛ لن كل المسائل المالية من أجل اللقمة التي تأكلها‪ ،‬هذا‬
‫هو الصل‪ .‬والرسول صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬من أصبح منكم آمنا في سِرْبِهِ ُمعَافىً في‬
‫جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا "‪.‬‬
‫ونعرف أنه عندما يكون الواحد منا في منطقة ليس فيها رغيف خبز‪ ،‬فلن تنفعه ملكية جبل من‬
‫عفَةً } هو كلم‬
‫ضعَافا } و { ّمضَا َ‬
‫ضعَافا ّمضَاعَفَةً } وقوله سبحانه‪َ { :‬أ ْ‬
‫الذهب‪ { .‬لَ تَ ْأكُلُواْ الرّبَا َأ ْ‬
‫اقتصادي على أحدث نظام‪ ،‬فالضعاف هي‪ :‬الشيء الزائد بحيث إذا قارنته بالصل صار الصل‬
‫ضعيفا‪ ،‬فعندما يكون أصل المال مائة ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬وسيؤخذ عليها عشرون بالمائة‬
‫كفائدة فيصبح المجموع مائة وعشرين‪ .‬إذن فالمائة والعشرون تجعل المائة ضعيفة‪ ،‬هذا هو معنى‬
‫أضعاف‪.‬‬
‫فماذا عن معنى " مضاعفة "؟ إننا سنجد أن المائة والعشرين ستصبح رأس مال جديدا‪ ،‬وعندما‬
‫تمر سنة ستأخذ فائدة على المائة وعلى العشرين أيضا‪ ،‬إذن فالضعاف ضوعفت أيضا‪ ،‬وهذا ما‬
‫يسمى بالربح المركب‪ ،‬وهل معنى هذا أننا نأكله بغير أضعاف مضاعفة؟! ل؛ لن الواقع في عهد‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم كان هكذا‪.‬‬
‫وقد يقول لك واحد‪ :‬أنا أفهم القرآن وأن المنهي هو الضعاف المضاعفة‪ ،‬فإذا لم تكن أضعافا‬
‫مضاعفة فهل يصح أن تأخذ ربحا بسيطا يتمثل في نسبة فائدة على أصل المال فقط؟ ولكن مثل‬
‫ن َولَ تُظَْلمُونَ }[البقرة‪:‬‬
‫هذا القائل نرده إلى قول ال‪ {:‬وَإِنْ تُبْ ُتمْ فََلكُمْ ُرؤُوسُ َأ ْموَاِلكُ ْم لَ تَظِْلمُو َ‬
‫‪]279‬‬
‫إن هذا القول الحكيم يوضح أن التوبة تقتضي أن يعود النسان إلى حدود رأس ماله ول يشوب‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عفَةً } فهي قد جاءت فقط لبيان الواقع‬
‫ضعَافا ّمضَا َ‬
‫ذلك ربح بسيط أو مركب‪ .‬وعندما نجد كلمة { َأ ْ‬
‫الذي كان سائدا في أيامها‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق تذييلً للية‪ { :‬وَا ّتقُواْ اللّهَ َلعَّلكُمْ ُتفِْلحُونَ } ونقول دائما ساعة نرى كلمة "‬
‫اتقوا " يعني اجعلوا بينكم وبين ال وقاية‪ ،‬وهل تكون الوقاية بينكم وبين ال بكل صفات جماله‬
‫وجلله؟ ل‪ ،‬فالوقاية تكون مما يتعب ومما يؤلم ويؤذي‪ ،‬إذن فاتقوا ال يعني‪ :‬اجعلوا بينكم وبين‬
‫صفات جلله من جبروت وقهر وانتقام وقاية‪ ،‬وعندما يقول الحق‪ { :‬وَا ّتقُواْ اللّهَ } فهي مثل قوله‪:‬‬
‫{ وَا ّتقُواْ اللّهَ } ‪ ،‬لن النار جند من جنود صفات الجلل‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق‪َ { :‬لعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ } نعرف أن كلمة " الفلح " هذه تأتي لترغيب المؤمن في‬
‫منهج ال‪ ،‬وقد جاء الحق بها من الشيء المحس الذي نراه في كل وقت‪ ،‬ونراه لنه متعلق ببقاء‬
‫حياتنا‪ ،‬وهو الزرع والفلحة‪ ،‬أنت تحرث وتبذر وتروي‪ ،‬وبعد ذلك تحصد‪.‬‬
‫إذن فهو يريد أن يوضح لك أن المتاعب التي في الحرث‪ ،‬والمتاعب التي في البذر‪ ،‬والمتاعب‬
‫التي في السقى كلها متى ترى نتيجتها؟ أنت ترى النتيجة ساعة الحصاد‪ ،‬فالفلح يأخذ (كيلتين)‬
‫من القمح من مخزنه كي يزرع ربع فدان‪ ،‬ول نقول له‪ :‬أنت أنقصت المخزن؛ لنه أنقص‬
‫المخزن للزيادة‪ ،‬ولذلك فالذي لم ينقص من مخزنه ولم يزرع‪ ،‬يأتي يوم الحصاد يضع يده على‬
‫خده نادما ول ينفع الندم حينئذ!‬
‫إن الحق يريد أن يقول لنا‪ :‬إن المنهج وإن أتعبك‪ ،‬وإن أخذ من حركتك شيئا كثيرا إل أنه سيعود‬
‫عليك بالخير حسب نيتك وإقبالك على العمل‪ ،‬ولقد ضرب لنا ال المثل في قوله‪:‬‬
‫{ َكمَ َثلِ حَبّةٍ أَنبَ َتتْ سَبْعَ سَنَا ِبلَ فِي ُكلّ سُنبَُلةٍ مّئَةُ حَبّ ٍة وَاللّهُ ُيضَاعِفُ ِلمَن َيشَآ ُء وَاللّ ُه وَاسِعٌ عَلِيمٌ }‬
‫[البقرة‪]261 :‬‬
‫هذا أمر واضح‪ ،‬حبة نأخذها منك فتنقص ما عندك‪ ،‬لكنها تعطيك سبعمائة‪ ،‬إذن فساعة تؤخذ منك‬
‫الحبة ل تقل‪ :‬إنك نقصت‪ ،‬إنما قَدّرْ أنك ستزيد قدر كذا‪ .‬ويعطينا ال ذلك المثل في خلق من خلقه‬
‫وهو الرض‪ ،‬الرض الصماء‪ ،‬أنت تعطيها حبة فتعطيك سبعمائة‪ .‬فإذا كان خلق من خلق ال‬
‫وهو الرض يعطيك أضعاف أضعاف ما أعطيت‪ .‬أفل يعطيك َربّ هذه الرض أضعافا‬
‫مضاعفة؟ إنه قادر على أجزل العطاء‪ ،‬هذا هو الفَلحُ على حقيقته‪ ،‬وبعد ذلك فإنه ساعة يتكلم عن‬
‫الفلح يقول لك‪ :‬إنك لن تأخذ الفلح فقط ولكنك تتقي النار أيضا‪.‬‬
‫ع ّدتْ لِ ْلكَافِرِينَ {‬
‫فيقول الحق سبحانه‪ } :‬وَا ّتقُواْ النّارَ الّتِي أُ ِ‬

‫(‪)521 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ع ّدتْ لِ ْلكَافِرِينَ (‪)131‬‬
‫وَاتّقُوا النّارَ الّتِي أُ ِ‬

‫ب لمضرة‪ ،‬وإيجابُ منفعة‪ ،‬إنه يوجب لك منفعة الفلح ويسلب منك مضرّة‬
‫إذن ففيه مسألتان‪ :‬سل ٌ‬
‫خلَ الْجَنّةَ َفقَدْ فَازَ }[آل عمران‪]185 :‬‬
‫النار‪ .‬ولذلك يقول تعالى‪َ {:‬فمَن ُزحْزِحَ عَنِ النّا ِر وَأُ ْد ِ‬
‫لنه إذا زُحزح عن النار وأُدخل الجنة؟ إن هذا هو الفوز الكبير‪ ،‬وهذا السبب في أن ربنا سبحانه‬
‫وتعالى ساعة السير على الصراط سيُرينا النار ونمرّ عليها‪ ،‬لماذا؟ كي نعرف كيف نجانا اليمان‬
‫من هذه‪ ،‬وما الوسيلة كي نفلح ونتقي النار؟ إن الوسيلة هي اتباع منهج ال الذي جاء به على‬
‫حمُونَ }‬
‫لسان رسوله‪ { :‬وََأطِيعُواْ اللّ َه وَالرّسُولَ َلعَّلكُمْ تُ ْر َ‬

‫(‪)522 /‬‬
‫حمُونَ (‪)132‬‬
‫وَأَطِيعُوا اللّ َه وَالرّسُولَ َلعَّلكُمْ تُرْ َ‬

‫و " الرحمة " تتجلى في أل يوقعك في المتعبة‪ ،‬أما الشفاء فهو أن تقع في المتعبة ثم تزول عنك‪،‬‬
‫حمَةٌ }‬
‫شفَآ ٌء وَرَ ْ‬
‫لذلك فنحن إذا ما أخذنا المنهج من البدء فسنأخذ الرحمة‪ {.‬وَنُنَزّلُ مِنَ ا ْلقُرْآنِ مَا ُهوَ ِ‬
‫[السراء‪]82 :‬‬
‫إن الشفاء هو إزالة للذنب الذي تورطنا فيه ويكون القرآن علجا‪ ،‬والرحمة تتجلى إذا ما أخذنا‬
‫المنهج في البداية فل تأتي لنا أية متاعب‪ .‬ويقول الحق من بعد ذلك‪ { :‬وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِ َرةٍ مّن‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْرضُ أُعِ ّدتْ لِ ْلمُ ّتقِينَ }‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫رّ ّبكُ ْم وَجَنّةٍ عَ ْر ُ‬

‫(‪)523 /‬‬
‫ع ّدتْ لِ ْلمُ ّتقِينَ (‪)133‬‬
‫س َموَاتُ وَالْأَ ْرضُ أُ ِ‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫وَسَارِعُوا إِلَى َمغْفِ َرةٍ مِنْ رَ ّبكُ ْم وَجَنّةٍ عَ ْر ُ‬

‫والسرعة ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬مقابلها العجلة‪ ،‬إن السرعة هي‪ :‬التقدم فيما ينبغي‪ ،‬ومعنى أن تتقدم فيما‬
‫ينبغي‪ :‬أنك تجعل الحدث يأخذ زمنا أقل‪ ،‬والمثال على ذلك عندما يسرع النسان بسيارته من‬
‫القاهرة إلى السكندرية فهو يحاول أن يقطع المائتين والعشرة كيلو مترات في زمن أقل‪ ،‬فبدلً من‬
‫أن تأخذ منه ثلث ساعات في السيارة فهو يسرع كي تأخذ منه ساعتين‪ .‬إذن فالسرعة هي‪ :‬التقدم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيما ينبغي‪ ،‬وهي محمودة‪ ،‬وضدها‪ :‬البطاء‪ .‬فالسرعة محمودة‪ ،‬والبطاء مذموم‪.‬‬
‫لكن " العجلة " تقدم فيما ل ينبغي‪ ،‬وهي مذمومة‪ ،‬مقابلها " التأني " ‪ ،‬والتأني ممدوح‪ ،‬إذن‬
‫فالسرعة محمودة‪ ،‬ومقابلها البطاء مذموم‪ ،‬والعجلة مذمومة‪ ،‬ومقابلها التأنّي ممدوح‪ ،‬والمثل‬
‫الشعبي يقول‪ :‬في التأني السلمة وفي العجلة الندامة‪.‬‬
‫إن الحق يقول‪ { :‬وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِرَةٍ مّن رّ ّبكُمْ } أي‪ :‬خذوا المغفرة وخذوا الجنة بسرعة‪ ،‬لنك‬
‫ل تعرف كم ستبقى في الدنيا‪ ،‬إياك أن تؤجل عملً من أعمال الدين أو عمل من أعمال الخير؛‬
‫لنك ل تعرف أتبقى له أم ل‪ .‬فانتهز فرصة حياتك وخذ المغفرة وخذ الجنة‪ ،‬هذا هو المعنى الذي‬
‫يأتي فيه الثر الشائع " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لخرتك كأنك تموت غدا "‪.‬‬
‫الناس تفهمها فهما يؤدي مطلوباتهم النفسية بمعنى‪ :‬اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا‪ :‬يعني اجمع‬
‫الكثير من الدنيا كي يَكفيك حتى يوم القيامة‪ ،‬وليس هذا فهما صحيحا لكن الصحيح هو أن ما فاتك‬
‫من أمر الدنيا اليوم فاعتبر أنك ستعيش طويلً وتأخذه غدا‪ ،‬أمّا أمر الخرة فعليك أن تعجل به‪.‬‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْرضُ } ونحن نعرف أن المساحات‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫{ وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِ َرةٍ مّن رّ ّبكُ ْم وَجَنّةٍ عَ ْر ُ‬
‫ل وعرض‪ ،‬لن الذي طوله كعرضه يكون مربعا‪ ،‬إنما الذي عرضه أقل من طوله فنحن‬
‫لها طو ّ‬
‫ت وَالَ ْرضُ } نعرف أن العرض هو‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫نسميه " مستطيل " ‪ ،‬وحين يقول الحق { عَ ْر ُ‬
‫أقل البعدين‪ ،‬أي أنها أوسع مما نراه‪ ،‬فكأنه شبّه البعد القل في الجنة بأوسع البعد لما نعرفه وهو‬
‫السموات والرض ملتصقة مع بعضها بعضا فأعطانا أوسع َممّا نراه‪ .‬فإذا كان عرضها أوسع ممّا‬
‫نعرف فما طولها؟ أنه حد ل نعرفه نحن‪.‬‬
‫ت وَالَرْضُ }‪ .‬فأين طولها إذن؟ ونقول‪:‬‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫قد يقول قائل لماذا بيّن عرضها فقال‪ { :‬عَ ْر ُ‬
‫ت وَالَرْضَ }‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وهل السموات والرض هي الكون فقط؟ إنّه سبحانه يقول‪ {:‬وَسِعَ كُرْسِيّهُ ال ّ‬
‫[البقرة‪]255 :‬‬
‫ويقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ما السموات والرض وما بينهما إل كحلقة ألقاها ملك في فلة "‪.‬‬
‫أليست هذه من ملك ال؟‬
‫وهكذا نرى أن هذه الجنة قد أُعدت للمتقين‪ ،‬ومعنى " أُعدت " أي هيئت وصُنعت وانتهت المسألة!‬
‫يؤكد ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم فيقول‪:‬‬
‫" عرضت عليّ الجنة ولو شئت أن آتيكم بقطاف منها لفعلت "‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الخبار بالحدث قد يعني أن الحدث غير موجود وسيوجد من بعد ذلك‪ ،‬ولكن الوجود‬
‫للحدث ينفي أن ل يوجد؛ لن وجوده صار واقعا‪ ،‬فعندما يقول‪ " :‬أُعدت " فمعناها أمر قد انتهى‬
‫الحق من إعداده‪ ،‬ولن يأخذ من خامات الدنيا وينتظر إلى أن ترتقي الدنيا عندكم ويأخذ وسائل‬
‫وموادّ مما ارتقيتم ليعد بها الجنة‪ ،‬ل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد أخبر سبحانه عنها فقال‪ " :‬فيها ما ل عين رأت ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر " ‪،‬‬
‫وأعد سبحانه الجنة كلها بـ " كن " ‪ ،‬فعندما يقول‪ " :‬أُعدت " تكون مسألة مفروغا منها‪ .‬وما‬
‫دامت مسألة مفروغا منها إذن فالمصير إليها أو إلى مقابلها مفروغ منه‪ ،‬والجنة أُعدت للمتقين‪،‬‬
‫فمن هم المتقون؟‪.‬‬

‫(‪)524 /‬‬
‫حبّ ا ْل ُمحْسِنِينَ (‬
‫س وَاللّهُ يُ ِ‬
‫ظ وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّا ِ‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْ َ‬
‫الّذِينَ يُ ْن ِفقُونَ فِي السّرّا ِء وَالضّرّا ِء وَا ْلكَا ِ‬
‫‪)134‬‬

‫ظمِينَ ا ْلغَيْظَ } لن المعركة ‪ -‬معركة أُحد ‪ -‬ستعطينا هذه‬
‫هذه بعض من صفات المتقين { وَا ْلكَا ِ‬
‫الصورة أيضا‪ .‬فحمزة وهو سيد الشهداء وعم سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم يُقتل‪ .‬وليته‬
‫يُقتل فقط ولكنه مُثّل به‪ ،‬وُأخِذ بضع منه وهو كبد فلكته " هند " ‪ ،‬وهذا أمر أكثر من القتل‪ .‬وهذه‬
‫معناها ضغن دنيء‪.‬‬
‫وحينما جاء لرسول ال صلى ال عليه وسلم خبر مقتل حمزة وقالوا له‪ :‬إن " هندا " أخذت كبده‬
‫عصِيّة عليها‪ ،‬قال‪ " :‬ما كان ال ليعذب بعضا من حمزة في‬
‫ومضغتها ثم لفظتها‪ ،‬إذ جعلها ال َ‬
‫النار " كأنها ستذهب إلى النار‪ ،‬ولو أكلتها لتمثلت في جسمها خليا‪ ،‬وعندما تدخل النار فكأن‬
‫بعضا من حمزة دخل النار‪ ،‬فل بد أن ربها يجعل نفسها تجيش وتتهيأ للقيء وتلفظ تلك البضعة‬
‫التي لكتها من كبد سيد الشهداء‪.‬‬
‫وقد شبه النبي صلى ال عليه وسلم هذه الحادثة بأنها أفظع ما لقي‪ .‬إنها مقتل حمزة فقال‪ " :‬لئن‬
‫أظفرني ال على قريش في موطن من المواطن لمثلن بثلثين رجل منهم "‪.‬‬
‫وهنا جاء كظم الغيظ ليأخذ ذروة الحدث وقمته عند رسول ال في واحد من أحب البشر إليه وفي‬
‫أكبر حادث أغضبه‪ ،‬وينزل قول الحق‪ {:‬وَإِنْ عَاقَبْ ُتمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ ِب ِه وَلَئِن صَبَرْتُمْ َل ُهوَ‬
‫خَيْرٌ لّلصّابِرينَ }[النحل‪]126 :‬‬
‫كي نعرف أن ربنا ‪ -‬جل جلله ‪ -‬ل ينفعل لحد؛ لن النفعال من الغيار‪ ،‬وهذا رسوله فأنزل‬
‫ سبحانه ‪ -‬عليه‪ { :‬وَإِنْ عَاقَبْ ُتمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ ِبهِ } ويأتي هنا المر بكظم الغيظ‪ ،‬وهو‬‫سبحانه يأتي بهذا المر في مسألة تخص الرسول وفي حدث " أٌحد "‪ .‬وبعد ذلك يُشيعها قضية‬
‫عامة لتكون في السلم كما كانت في الحرب‪ .‬وتكون مع الناس دون رسول ال؛ لنها كانت مع‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظمِينَ ا ْلغَيْظَ } ونعرف أن كل المور المعنوية مأخوذة من الحسّيات‪ .‬وأصل الكظم أن تمل‬
‫{ وَا ْلكَا ِ‬
‫القِرْبة‪ ،‬والقِرَب ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬كان يحملها " السقا " في الماضي‪ ،‬وكانت وعاء نقل الماء عند‬
‫شدّ على رأسها أي رٌُبط رأسها ربطا‬
‫العرب‪ ،‬وهي من جلد مدبوغ‪ ،‬فإذا مُلئت القربة بالماء ُ‬
‫محكما بحيث ل يخرج شيء َممّا فيها‪ ،‬ويقال عن هذا الفعل‪ " :‬كظم القربة " أي ملها وربطها‪،‬‬
‫والقربة لينة وعندما توضع على ظهر واحد أو على ظهر الدابة فمن ليونتها تخرج الماء فتكظم‬
‫وتربط بإحكام كي ل يخرج منها شيء‪.‬‬
‫كذلك الغيظ يفعل في النفس البشرية‪ ،‬إنه يهيجها‪ ،‬وال ل يمنع الهياج في النفس لنه انفعال‬
‫طبيعي‪ ،‬والنفعالت الطبيعية لو لم يردها ال لمنع أسبابها في التكوين النساني‪.‬‬
‫إنما هو يريدها لشياء مثل‪ :‬الغريزة الجنسية‪ ،‬هو يريدها لبقاء النوع‪ ،‬ويضع من التشريع ما‬
‫صبّ في قالب من حديد ل‬
‫يهذبها فقط‪ ،‬وكذلك انفعال الغيظ‪ ،‬إن السلم ل يريد من المؤمن أن ُي َ‬
‫عواطف له‪ ،‬ل‪ ،‬هو سبحانه يريد للمؤمن أن ينفعل للحداث أيضا‪ ،‬لكن النفعال المناسب للحدث‪،‬‬
‫النفعال السامي النفعال المثمر‪ ،‬ول يأتي بالنفعال المدمر‪.‬‬
‫سجّدا‬
‫حمَآءُ بَيْ َنهُمْ تَرَاهُمْ ُركّعا ُ‬
‫شدّآءُ عَلَى ا ْلكُفّارِ ُر َ‬
‫حمّدٌ رّسُولُ اللّ ِه وَالّذِينَ َمعَهُ أَ ِ‬
‫لذلك يقول الحق‪ {:‬مّ َ‬
‫يَبْ َتغُونَ َفضْلً مّنَ اللّ ِه وَ ِرضْوَانا }[الفتح‪]29 :‬‬
‫فالمؤمن ليس مطبوعا على الشدة‪ ،‬ول على الرحمة‪ ،‬ولكن الموقف هو الذي يصنع عواطف‬
‫النسان‪ ،‬فالحق سبحانه يقول‪ {:‬أَذِلّةٍ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَعِ ّزةٍ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[المائدة‪]54 :‬‬
‫وهل هناك من هو ذليلٌ عزي ٌز معا؟ نقول‪ :‬المنهج اليماني يجعل المؤمن هكذا‪ ،‬ذلة على أخيه‬
‫المؤمن وعزة على الكافر‪ .‬إذن فالسلم ل يصب المؤمنين في قالب كي ل ينفعلوا في الحداث‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ :‬ألم ينفعل الرسول صلى ال عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم؟ لقد انفعل وبكى‬
‫وحزن‪ .‬إن ال ل يريد المؤمن من حجر‪ .‬بل هو يريد المؤمن أن ينفعل للحداث ولكن يجعل‬
‫النفعال على قدر الحدث‪ ،‬ولذلك قال سيدنا رسول ال عند فراق ابنه‪ " :‬إن العين تدمع وإن القلب‬
‫يحزن ول نقول إل ما يرضي ربنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون "‪.‬‬
‫ول نقول لحظة النفعال ما يسخط الرب‪ .‬بل انفعال موجّه‪ ،‬والغيظ يحتاج إليه المؤمن حينما يهيج‬
‫دفاعا عن منهج ال‪ ،‬ولكن على المؤمن أن يكظمه‪ ..‬أي ل يجعل النفعال غالبا على حسن‬
‫السلوك والتدبير‪ .‬والكظم ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬مأخوذ من أمر محس‪ .‬مثال ذلك‪ :‬نحن نعرف أن البل أو‬
‫العجماوات التي لها معدتان‪ ،‬واحدة يُختزن فيها الطعام‪ ،‬وأخرى يتغذى منها مباشرة كالجمل مثلً‪،‬‬
‫إنه يجتر‪.‬‬
‫ومعنى‪ :‬يجتر الجمل أي يسترجع الطعام من المعدة الضافية ويمضغه‪ ،‬هذا هو الجترار‪ .‬فإذا‬
‫ظمِينَ ا ْلغَ ْيظَ‬
‫امتنع الجمل عن الجترار يقال‪ :‬إن الجمل قد كظم‪ .‬والحق سبحانه يقول‪ } :‬وَا ْلكَا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّاسِ {‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن هناك فرقا بين النفعال في ذاته‪ ،‬فقد يبقى في النفس وتكظمه‪ ،‬ومعنى كظم النفعال‪ :‬أن‬
‫النسان يستطيع أن يخرجه إلى حيز النزوع النفعالي‪ ،‬ولكنّه يكبح جماح هذا النفعال‪ .‬أما العفو‬
‫فهو أن تخرج الغيظ من قلبك‪ ،‬وكأن المر لم يحدث‪ ،‬وهذه هي مرتبة ثانية‪ .‬أما المرتبة الثالثة‬
‫ل مقابلً؛ أي أنك ل تقف عند هذا الحد فحسب‪ ،‬بل إنك تستبدل بالساءة‬
‫فهي‪ :‬أن تنفعل انفعا ً‬
‫الحسان إلى من أساء إليك‪ .‬إذن فهناك ثلث مراحل‪ :‬الولى‪ :‬كظم الغيظ‪ .‬والثانية‪ :‬العفو‪.‬‬
‫والثالثة‪ :‬أن يتجاوز النسان الكظم والعفو بأن يحسن إلى المسئ إليه‪.‬‬
‫وهذا هو الرتقاء في مراتب اليقين؛ لنك إن لم تكظم غيظك وتنفعل‪ ،‬فالمقابل لك أيضا لن‬
‫يستطيع أن يضبط انفعاله بحيث يساوي انفعالك‪ ،‬ويمتلئ تجاهك بالحدة والغضب‪ ،‬وقد يظل الغيظ‬
‫ناميا وربما ورّث أجيال من أبناء وأحفاد‪.‬‬
‫لكن إذا ما كظمت الغيظ‪ ،‬فقد يخجل الذي أمامك من نفسه وتنتهي المسألة‪.‬‬
‫} وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّاسِ { مأخوذة من " عفّى على الثر " والثر ما يتركه سير الناس في الصحراء‬
‫حبّ ا ْلمُحْسِنِينَ {‪.‬‬
‫مثل‪ ،‬ثم تأتي الريح لتمحو هذا الثر‪ .‬ويقول الحق في تذييل الية‪ } :‬وَاللّهُ ُي ِ‬
‫وقلنا في فلسفة ذلك‪ :‬إننا جميعا صنعة ال‪ ،‬والخلق كلهم عيال ال‪ .‬وما دمنا كلنا عيال ال فعندما‬
‫يُسيء واحد لخر فال يقف في صف الذي أسيء إليه‪ ،‬ويعطيه من رحمته ومن عفوه ومن حنانه‬
‫أشياء كثيرة‪ .‬وهكذا يكون المُساء إليه قد كسب‪ .‬أليس من واجب المُسَاء إليه أن يُحسِن للمسيء؟‪.‬‬
‫لكن العقل البشري يفقد ذكاءه في مواقف الغضب؛ فالذي يسيء إلى إنسان يحسبه عدوّا‪ .‬لكن على‬
‫الواحد منا أن يفهم أن الذي يسيء إليك إنما يجعل ال في جانبك؛ فالذي نالك من إيذائه هو أكثر‬
‫مما سلبك هذا اليذاء‪ .‬هنا يجب أن تكون حسن اليمان وتعطي المسيء إليك حسنة‪.‬‬
‫سهُمْ‬
‫شةً َأوْ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫ويضيف الحق من بعد ذلك في صفات أهل الجنة‪ } :‬وَالّذِينَ ِإذَا َفعَلُواْ فَاحِ َ‬
‫َذكَرُواْ اللّهَ فَاسْ َت ْغفَرُواْ ِلذُنُو ِبهِ ْم َومَن َي ْغفِرُ الذّنُوبَ ِإلّ اللّهُ‪{ ...‬‬

‫(‪)525 /‬‬
‫سهُمْ َذكَرُوا اللّهَ فَاسْ َتغْفَرُوا لِذُنُو ِبهِ ْم َومَنْ َي ْغفِرُ الذّنُوبَ إِلّا اللّهُ‬
‫شةً َأوْ ظََلمُوا أَ ْنفُ َ‬
‫وَالّذِينَ ِإذَا َفعَلُوا فَاحِ َ‬
‫وَلَمْ ُيصِرّوا عَلَى مَا َفعَلُوا وَ ُهمْ َيعَْلمُونَ (‪)135‬‬

‫والفاحشة هي‪ :‬الذنب الفظيع‪ .‬فهل معنى ذلك أن الرماة في غزوة أحد حين تركوا مواقعهم‪ ،‬قد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خرجوا من اليمان؟ ل‪ ،‬إنها زلة فقط‪ ،‬لكنها اعتبرت كبيرة من الكبائر لمن أشار على المؤمنين‬
‫أن ينزلوا‪ ،‬واعتبرت صغيرة لمن حُرّض ‪ -‬بالبناء للمفعول ‪ -‬على أن ينزل من موقعه‪.‬‬
‫سهُمْ َذكَرُواْ اللّهَ } وجاء الحق هنا بـ‬
‫ظَلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫حشَةً َأوْ َ‬
‫إذن فهو قول مناسب‪ { :‬وَالّذِينَ ِإذَا َفعَلُواْ فَا ِ‬
‫" ذكروا ال " كتنبيه لنا إلى أن من يفعل الفاحشة أو يظلم نفسه هو من نسي ال‪ ،‬فلحظة فعل‬
‫الفاحشة أو ظلم النفس ل يكون ال على بال النسان الفاعل للفاحشة أو على بال من ظلم نفسه‪،‬‬
‫والذي يُجرّئ النسان على المعصية ليحقق لنفسه شهوة‪ ،‬أنّه لم ير ال ولم ير جزاءه وعقابه في‬
‫الخرة ماثل أمامه‪ ،‬ولو تصور هذا ل متنع عن الفاحشة‪.‬‬
‫وكذلك الذي يهمل في الطاعة أيضا‪ ،‬لم يذكر ال وعطاءه للمتقين‪ .‬ولو ذكر ال وعطاءه للمتقين‬
‫لما تكاسل عن طاعة ال‪ .‬ولذلك يقول الحق‪َ { :‬ذكَرُواْ اللّهَ فَاسْ َت ْغفَرُواْ لِذُنُو ِبهِمْ } فمن يستغفر لذنبه‬
‫فقد ذكر ال‪.‬‬
‫وموقف العلماء من الفاحشة فيه اختلف‪ .‬بعض العلماء قال‪ :‬إنها الكبيرة من الكبائر‪ ،‬وظلم النفس‬
‫صغيرة من الصغائر‪ .‬وقال بعض آخر من العلماء‪ :‬إن الفاحشة هي الزنا؛ لن القرآن نص عليها‪،‬‬
‫وما دون ذلك هو الصغيرة‪.‬‬
‫ولكن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬ل كبيرة مع الستغفار‪ .‬ول صغيرة مع الصرار "‪.‬‬
‫فل يجوز للنسان أن يتجاوز عن أخطائه ويقول‪ :‬هذه صغيرة وتلك صغيرة لن الصغيرة مع‬
‫سهُمْ‬
‫ظَلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫حشَةً َأوْ َ‬
‫الصغيرة تصير كبيرة‪ .‬وحين ننظر إلى قول ال تعالى‪ { :‬وَالّذِينَ ِإذَا َفعَلُواْ فَا ِ‬
‫} نجد أن الذي فعل الفاحشة ظالم لنفسه أيضا لنه حقق لنفسه شهوة عارضة‪ ،‬وأبقى على نفسه‬
‫عذابا خالدا‪.‬‬
‫ولماذا لم يقل الحق إذن‪ :‬والذين ظلموا أنفسهم فقط؟ أي يكون العطف بـ " الواو " ل بـ " أو "؛‬
‫لن الحق يريد أن يوضح لنا الختلف بين فعل الفاحشة وظلم النفس‪.‬‬
‫لن الذي يفعل الفاحشة إنما يحقق لنفسه شهوة أو متعة ولو عاجلة‪ ،‬لكن الذي يظلم نفسه يذنب‬
‫الذنب ول يعود عليه شيء من النفع؛ فالذي يشهد الزور ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬إنه ل يحقق لنفسه‬
‫النفع‪ ،‬ولكن النفع يعود للمشهود له زورا‪ .‬إن شاهد الزور يظلم نفسه لنه لبّى حاجة عاجلة لغيره‪،‬‬
‫ولم ينقذ نفسه من عذاب الخرة‪ .‬أما النسان الذي يرتكب الفاحشة فهو قد أخذ متعة في الدنيا‪،‬‬
‫وبعد ذلك ينال العقاب في الخرة‪.‬‬
‫لكن الظالم لنفسه ل يفيد نفسه‪ ،‬بل يضر نفسه؛ فالذي هو شر أن تبيع دينك بدنياك؛ إنك في هذه‬
‫الحالة قد تأخذ متعة من الدنيا وأمد الدنيا قليل‪.‬‬
‫والحق لم ينه عن متاع الدنيا‪ ،‬ولكنه قال عنه‪ُ } :‬قلْ مَتَاعُ الدّنْيَا قَلِيلٌ {‪ .‬وهناك من يبيع دينه بدنيا‬
‫غيره‪ ،‬وهو ل يأخذ شيئا ويظلم نفسه‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقول الحق‪ } :‬فَاسْ َت ْغفَرُواْ لِذُنُو ِبهِ ْم َومَن َي ْغفِرُ الذّنُوبَ ِإلّ اللّهُ {‪ .‬ومعنى " ذنب " هو مخالفة لتوجيه‬
‫منهج‪ .‬فقد جاء أمر من المنهج ولم ينفذ المر‪ .‬وجاء نهي من المنهج فلم يُلتزم به‪ .‬ول يسمى ذَنْبا‬
‫إل حين يعرفنا ال الذنوب‪ ،‬ذلك هو تقنين السماء‪ .‬وفي مجال التقنين البشري نقول‪ :‬ل تجريم إل‬
‫بنص ول عقوبة إل بتجريم‪.‬‬
‫وهذا يعني ضرورة إيضاح ما يعتبر جريمة؛ حتى يمكن أن يحدث العقاب عليها‪ ،‬ول تكون هناك‬
‫جريمة إل بنص عليها‪ .‬أي أنه يتم النص على الجريمة قبل أن يٌنص على العقوبة‪ ،‬فما بالنا بمنهج‬
‫ال؟ إنه يعرفنا الذنوب أولً‪ ،‬وبعد ذلك يحدد العقوبات التي يستحقها مرتكب الذنب‪.‬‬
‫ولننتبه إلى قول الحق‪ } :‬وَلَمْ ُيصِرّواْ عَلَىا مَا َفعَلُو ْا وَهُمْ َيعَْلمُونَ { إذن فالستغفار ليس أن تردف‬
‫الذنب بقولك‪ :‬أستغفر ال ل‪ .‬إن على النسان أن يردف الذنب بقوله‪ :‬أستغفر ال وأن يصر على‬
‫أل يفعل الذنب أبدا‪.‬‬
‫وليس معنى هذا أل يقع الذنب منك مرة أخرى؛ إن الذنب قد يقع منك‪ ،‬ولكن ساعة أن تستغفر‬
‫تصر على عدم العودة‪ ،‬إن الذنب قد يقع‪ ،‬ولكن بشرط أل يكون بنيّة مٌسبقة‪ ،‬وتقول لنفسك‪:‬‬
‫سأرتكب الذنب‪ ،‬وأستغفر لنفسي بعد ذلك‪ .‬إنك بهذا تكون كالمستهزئ بربّك‪ ،‬فضل على أنك قد‬
‫تصنع الذنب ول يمهلك ال لتستغفر‪ .‬قوله الحق‪ } :‬وََلمْ ُيصِرّواْ عَلَىا مَا َفعَلُو ْا وَ ُهمْ َيعَْلمُونَ‬
‫{ يوضح لنا أنه ل عقوبة إل تجريم إل بنص‪.‬‬
‫إن الحق يعلمنا يعرفنا أولً ما هو الذنب؟ وما هو العقاب؟ وكيفية الستغفار؟ ويقول الحق بعد‬
‫ذلك‪ُ } :‬أوْلَـا ِئكَ جَزَآؤُ ُهمْ ّمغْفِ َرةٌ مّن رّ ّبهِ ْم َوجَنّاتٌ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ ِنعْمَ َأجْرُ‬
‫ا ْلعَامِلِينَ {‬

‫(‪)526 /‬‬
‫أُولَ ِئكَ جَزَاؤُهُمْ َمغْفِ َرةٌ مِنْ رَ ّبهِ ْم وَجَنّاتٌ َتجْرِي مِنْ تَحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ ِنعْمَ أَجْرُ ا ْلعَامِلِينَ (‬
‫‪)136‬‬

‫ضهَا‬
‫{ ُأوْلَـا ِئكَ } إشارة إلى ما تقدم في قوله سبحانه‪ {:‬وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِ َرةٍ مّن رّ ّب ُك ْم وَجَنّةٍ عَ ْر ُ‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْرضُ أُعِ ّدتْ لِ ْلمُ ّتقِينَ }[آل عمران‪]133 :‬‬
‫ال ّ‬
‫ظ وَا ْلعَافِينَ‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْ َ‬
‫مع بيان أوصاف المتقين في قوله‪ {:‬الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآ ِء وَالضّرّآ ِء وَا ْلكَا ِ‬
‫حبّ ا ْل ُمحْسِنِينَ }[آل عمران‪]134 :‬‬
‫س وَاللّهُ يُ ِ‬
‫عَنِ النّا ِ‬
‫إنهم ينفقون في السراء نفقة الشكر‪ .‬وينفقون في الضراء نفقة الذكر والتضرع‪ ،‬لن النعمة حين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫توجد بسرّاء تحتاج إلى شكر لهذه النعمة‪ ،‬والنعمة حين تنفق في الضراء تقتضي ضراعة إلى ال‬
‫ليزحزح عن المنفق آثار النقمة والضراء‪ .‬إذن فهم ينفقون سواء أكانوا في عسر‪ ،‬أم كانوا في‬
‫يسر‪.‬‬
‫إن كثيرا من الناس ينسيهم اليسر أن ال أنعم عليهم ويظنون أن النعمة قد جاءت عن علم منهم‪.‬‬
‫وبعض الناس تلهيهم النعمة عن أن يحسوا بآلم الغير ويشغلوا بآلم أنفسهم‪ .‬لكن المؤمنين ل‬
‫ينسون ربهم أبدا‪ .‬وأمره بالنفاق في العسر واليسر‪ .‬ولذلك قولوا‪ :‬فلن ل يقبض يده في يوم‬
‫العرس ول في يوم الحبس‪.‬‬
‫سهُمْ َذكَرُواْ اللّهَ فَاسْ َت ْغفَرُواْ ِلذُنُو ِبهِمْ‬
‫حشَةً َأوْ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫وتتتابع أوصاف المتقين‪ {:‬وَالّذِينَ إِذَا َفعَلُواْ فَا ِ‬
‫َومَن َي ْغفِرُ الذّنُوبَ ِإلّ اللّهُ وَلَمْ ُيصِرّواْ عَلَىا مَا َفعَلُواْ وَ ُهمْ َيعَْلمُونَ }[آل عمران‪]135 :‬‬
‫وفي ذلك لون من تطمين المؤمن على أغيار نفسه‪ ،‬وعلى أنه عندما يستجيب مرة لنزغات‬
‫الشيطان‪ ،‬فهذه ل تخرجه من حظيرة التقوى‪ ،‬لن ال جعل ذلك من أوصاف المتقين‪ .‬فالفاحشة‬
‫التي تكون من نزغ الشيطان وذكر العباد ل بعدها‪ ،‬واستغفارهم مع الصرار على عدم العودة‪ ،‬ل‬
‫تخرجهم أبدا عن وصفهم بأنهم متقون‪ .‬لن الحق هو الغفور‪َ { :‬ومَن َيغْفِرُ الذّنُوبَ ِإلّ اللّهُ }‪.‬‬
‫إنهم قد أُخبروا بذلك‪ ،‬فلم يجرم الحق أحدا إل بنص‪ ،‬ولم يعاقب إل بجريمة‪ .‬وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُأوْلَـا ِئكَ جَزَآؤُهُمْ ّم ْغفِ َرةٌ مّن رّ ّبهِمْ } هو إشارة لكل ما سبق‪ .‬ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى‬
‫جعل للعاملين بهذا العمل من التقوى قوسين‪ :‬القوس الول الذي ابتدأ به هو قوله الحق‪:‬‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْرضُ أُعِ ّدتْ لِ ْلمُ ّتقِينَ }‪.‬‬
‫ضهَا ال ّ‬
‫{ وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِ َرةٍ مّن رّ ّبكُ ْم وَجَنّةٍ عَ ْر ُ‬
‫والقوس الثاني هو الذي أنهى المر‪ُ { :‬أوْلَـائِكَ جَزَآؤُهُمْ ّمغْفِ َرةٌ مّن رّ ّبهِ ْم وَجَنّاتٌ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا‬
‫الَ ْنهَارُ }‪.‬‬
‫فالجنة الولى التي ذكرها ال إلهابا للعواطف النفسية لتقبل على ما يؤدي لهذه الجنة‪ ،‬وبعد ذلك‬
‫ذكر الوصاف والصناف وجعل الجنة أجرا‪ { .‬وَ ِنعْمَ َأجْرُ ا ْلعَامِلِينَ }‪.‬‬
‫والجر عادة هو ما يأخذه العامل نتيجة العمل‪ .‬والجر حين يأخذه العامل نتيجة لعمل يتوقف على‬
‫تقييم العمل عند صاحب العمل نفسه‪ .‬فزيادة الجر ونقصه تقدير من صاحب العمل‪ ،‬وأيضا تقدير‬
‫للعامل‪ .‬فإن طلب أصحاب عمل متعددون عاملً محددا فله أن يطلب زيادة وإن لم يطلبه أحد فهو‬
‫يقبل أول عرض من الجر نظير أداء العمل‪.‬‬
‫إذن فالمسألة مسألة حاجة من صاحب عمل‪ ،‬أو حاجة من عامل‪ ،‬وحين ننظر إلى الصفقة في‬
‫الخرة نجد أنها بين إله ل يحتاج إلى عملك‪ .‬ومع أنه ل يحتاج إلى عملك جعل لعملك أجرا‪.‬‬
‫ما هذه المسألة؟ هو ليس محتاجا إلى عملك‪ ،‬ويعطيك أجرا على عملك ويقول لك‪ :‬إن هذا الجر‬
‫هو الحد الدنى‪ ،‬لكن لي أنا أن أضاعف هذا الجر‪ ،‬ولي أن أتفضل عليك بما فوق الجر‪ .‬فكم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مرحلة إذن؟ إنها ثلث مراحل‪ ،‬مع أنه سبحانه ل يستفيد من هذا العمل إل أنه وضع ثلث مراتب‬
‫للجر‪.‬‬
‫إذن فالحاجة من جهة واحدة هي جهتك أنت أيها العبد‪ ،‬أنت تحتاج إلى خالقك وهو ل يحتاج إليك‪،‬‬
‫ومع ذلك يعطيك الله الحق الجر ل على قدر العمل فقط‪ ،‬ولكن فوق ذلك بكثير‪ .‬إن الذي تعمل‬
‫له يوما من العباد قد يعطيك ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬ما يكفيك قوت يوم‪ ،‬أو قوت يوم ونصف يوم‪.‬‬
‫ولكنك حين تأخذ الجر من يد ال فإنه يعطيك أجرا ل تنتهي مدة إنفاقه؛ فهو القائل‪ } :‬وَ ِنعْمَ أَجْرُ‬
‫ا ْلعَامِلِينَ {‪.‬‬
‫هذا هو الجر الذي يقال فيه‪ :‬نعم هذا الجر؛ لنه أجر ل يتناسب مع مجهودي‪ ،‬بل يفوق كل ما‬
‫بذلت من جهد وقادم من جهة ل تحتاج إلى هذا المجهود‪.‬‬
‫إنه سبحانه متفضل على أولً‪ .‬ومتفضل على أخيرا‪ ،‬ليدل الحق سبحانه وتعالى على أنك ‪ -‬أيها‬
‫العبد ‪ -‬حين تعمل الطاعة يَعود أثر الطاعة على نفسك ومع ذلك فهو يعطيك أجرا على ما فعلت‪.‬‬
‫وأوضحنا أن هذه اليات جاءت بين آيات معركة ُأحُد إرشادا واستثمارا للحداث التي وقعت في‬
‫أُحُد‪ ،‬حتى إذا عاش النسان في تصور الحداث فالحداث تكون ساخنة‪ ،‬ويكون التقاط العبرة منها‬
‫قريبا إلى النفس؛ لن واقعا يُحتّمها ويؤكدها‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول من بعد ذلك‪َ } :‬قدْ خََلتْ‬
‫مِن قَبِْلكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الَ ْرضِ فَانْظُرُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)527 /‬‬
‫قَدْ خََلتْ مِنْ قَبِْلكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَ ْرضِ فَا ْنظُرُوا كَ ْيفَ كَانَ عَاقِ َبةُ ا ْل ُمكَذّبِينَ (‪)137‬‬

‫أي أنتم لستم بدعا في هذه المسألة‪ .‬و " خلت " تعني " مضت " ‪ ،‬أي حصلت واقعا في أزمان‬
‫سبقت هذا الكلم‪ .‬وعادة فالخبار التي يتكلم بها النسان مرة تكون خبرا يحتمل الصدق والكذب‪،‬‬
‫لكن هذه المسألة ل تحتاج إلى صدق أو كذب؛ لن الواقع ليس أمرا مستقبلً‪ ،‬ولكنه أمر قد سبق‪،‬‬
‫فبمجرد أن يجيء الكلم ل ننتظر واقعا يؤكد صدق الكلم‪ ،‬لنّ الواقع قد حدث من قبل‪ ،‬فيقول‬
‫سبحانه‪ { :‬قَدْ خََلتْ مِن قَبِْل ُكمْ سُنَنٌ }‪.‬‬
‫والسنن هي الطرق التي يصرف ال بها كونه بما يحقق مصلحة ذلك الكون؛ ليضمن للنسان ‪-‬‬
‫السيد في هذا الكون ‪ -‬ما يحقق مصلحته‪ ،‬ومصلحة النسان تتمثل في أن يسود الحق في حياة‬
‫النسان المختار كما ساد الحق في الكون المسيّر قبل النسان‪.‬‬
‫وقد قلنا إن في هذا الكون تسخيرا‪ :‬أي ل إرادة له‪ ،‬ل إرادة للجماد ول للنبات‪ .‬ول للحيوان في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن يفعل الخير لك أو ل تفعل‪ .‬فلم يحدث أن جاء إنسان لرض صالحة للزراعة‪ ،‬ووضع فيها‬
‫بذورا‪ ،‬فلم تنبت الرض وقالت له‪ :‬لن أعطيك‪ ،‬ولم تقل الرض يوما عن إنسان‪ :‬إنه كافر فلن‬
‫أعطى له الرزق‪.‬‬
‫إن الرض مسخرة لخدمة النسان ما دام يأخذ بأسبابها؛ فهي تؤدي له‪ .‬والحيوانات أيضا مسخرة‬
‫لخدمتك ل باختيارك‪ ،‬ول بقدرة تسخيرك لها‪ ،‬ولكن بتسخير ال لها أن تفعل‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن النسان قد تكون عنده مطية‪ ،‬مثل بعض الفلحين‪ ،‬فمرة يجعلها صاحبها تحمل أكوام‬
‫السباخ من روث الحيوان وفضلته‪ ،‬وبعد ذلك يلوح له أن يخرجها من عملها هذا ويجعلها ركوبة‬
‫له‪ ،‬ويدللها بالشياء التي تعرفونها من لجام جميل وسرج أجمل‪ ،‬ويرفهها في حياتها وينظفها‪.‬‬
‫هل في الحالة الولى امتنعت المطية عن حمل السباخ أو امتنعت في الحالة الثانية عن حمل‬
‫النسان؟ ل؛ أنت تسيرها مثلما تريد أنت‪ ،‬فليس لها اختيار‪ .‬ول نبات له اختيار‪ ،‬ول جماد له‬
‫اختيار‪ ،‬ول الحيوان أيضا‪ ،‬إنما الختيار للنسان‪.‬‬
‫وقد حكم ال اختيار النسان بمقادير يكون النسان مسخرا فيها حتى ل يظن أنه استقل بالسيادة‬
‫فأصبحت له قدرة ذاتية‪ .‬والحق يحكم النسان بأشياء يجعلها قهرية على النسان كي يظل في‬
‫إطار التسخير‪ .‬ويترك الحق للنسان أشياء ليبقى له فيها الختيار‪ .‬فإذا ما نظرنا إلى الكون وجدنا‬
‫أن ما ل اختيار فيه لشيء يسير على أحداث نظام ول تصادم فيه‪ ،‬والذي فيه اختيار للنسان هو‬
‫الذي يختل‪ ،‬لماذا؟‪.‬‬
‫لن النسان قد يختار على غير منهج الذي خَلَق وهو ال ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬فإذا أردت أن‬
‫يستقيم لك المر أيها المختار فاجعل اختيارك في إطار منهج ال‪.‬‬
‫وحين تجعل اختيارك في إطار منهج ال تكون قد أصبحت سويّا كبقيّة الجناس وتسير المور‬
‫معك بانتظام‪.‬‬
‫وعندما تقارن بين شيء للنسان فيه اختيار وعمل‪ ،‬وشيء ل اختيار للنسان فيه ول عمل‪ ،‬فأنت‬
‫تجد أن الشيء الذي ل اختيار للنسان فيه مستقيم المر‪ ،‬ول خلف فيه أبدا‪ ،‬أما الشيء الذي فيه‬
‫اختيار للنسان‪ ،‬فأنت تجد فيه الخلف‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬لو نظرنا إلى وسيلة مواصلت من الحيوانات كالجمال أو الخيل أو الحمير‪ ،‬فإننا‬
‫نجدها تسير في طريق واحد‪ ،‬وتتقابل جيئة وذهابا فل يحدث تصادم بين حمار وحمار‪ ،‬ول قتل‬
‫لراكب أحد الحمارين‪.‬‬
‫إن الحيوانات يتفادى ويتحامى بعضها بعضا حتى لو كان الراكب نائما‪ .‬ومهما كان الطريق‬
‫مزدحما فالحيوانات ل تتصادم؛ لن ذلك من نطاق تسخير الحق للحيوان‪.‬‬
‫ولننظر إلى النسان حين تدخّل ليصنع وسيلة مواصلت‪ ،‬صنع النسان ألوان السيارات‪ ،‬يقودها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النسان‪ ،‬ومع أن النسان هو الذي يقود السيارات‪ ،‬وبرغم ذلك بدأت تأتي المخالفات والمصادمات‬
‫والحوادث؛ لن للنسان يدا في ذلك‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يريد أن يدلك على أن ما خلق مسخرا بأمر ال وتوجيهه ل يتأتى منه فساد‬
‫أبدا‪ ،‬إنما يتأتى الفساد مما لك فيه اختيار‪ ،‬فحاول أن تختار في إطار منهج ال‪ .‬فعندما يقول الحق‬
‫لك‪ " :‬افعل كذا ول تفعل كذا " فعليك أن تصدق وتطيع؛ لن الحق سبحانه عندما سخر الشياء‬
‫للنسان سارت بانتظام رائع‪ ،‬وأنت أيها العبد عندما تطيع ال فإن المور في حياتك تمشي بيسر‪.‬‬
‫ولذلك قلنا‪ :‬إن الناس لم تشتك قط أزمة شمس‪ ,‬ولم يشتكوا أزمة هواء‪ ،‬لكن لماذا اشتكوا أزمة‬
‫طعام؟ إن النسان له دخل في إنتاج الطعام‪ .‬فما للنسان فيه دخل يجب أن يحكمه قانون التكليف‬
‫من ال‪ " :‬افعل كذا ول تفعل كذا "‪.‬‬
‫الكون مخلوق بحق‪ .‬ومعنى أنه مخلوق بحق أن كل شيء في الوجود يؤدي مهمته كما أرادها ال‪،‬‬
‫وكما سُخّر من أجله‪ ,‬إذا ما قام النسان بتنفيذ التكليف فكل شيء يسير بحق‪ .‬وإن ترك النسان‬
‫التكليف وأخذ باختياره فإنه يصير إلى باطل ونتج ما هو باطل‪ ،‬والكون مبني على الحق‪ } .‬مَا‬
‫ق وَلَـاكِنّ َأكْثَرَهُ ْم لَ َيعَْلمُونَ { [الدخان‪ ]39 :‬إن الحق جعل للكون قضايا ثابتة‪،‬‬
‫حّ‬
‫خََلقْنَا ُهمَآ ِإلّ بِالْ َ‬
‫فل شيء يعتدي على شيء آخر أبدا‪ .‬واختيار النسان هو الذي يأتي بمقابل الحق وهو الباطل‪،‬‬
‫ولذلك يصون ال الكون بأن يبين أن الحق يصطدم بالباطل‪ ،‬والباطل يصطدم بالحق لكن الحق‬
‫حقّ‬
‫يجيء ويبقى‪ ،‬والباطل يزهق ويزول‪ ،‬ويظهر ال لنا ذلك أمام أعيننا يقول تعالى‪َ {:‬و ُقلْ جَآءَ الْ َ‬
‫طلَ كَانَ زَهُوقا }[السراء‪]81 :‬‬
‫طلُ إِنّ الْبَا ِ‬
‫وَزَهَقَ الْبَا ِ‬
‫إذن فقوله سبحانه‪ } :‬قَدْ خََلتْ مِن قَبِْلكُمْ سُنَنٌ { يعني‪ :‬اعتبروا بما سبقكم وانظروا إلى اصطدام‬
‫الباطل بالحق‪ ،‬أدام وبقى اصطدام الباطل بالحق؟ ل؛ لن الباطل كان زهوقا‪.‬‬
‫ولذلك نحن نرى أمثلة عملية لذلك ل أقول في مواكب الناس بعضهم مع بعض‪ ،‬ولكن في موكب‬
‫الباطل مع حق السماء‪ .‬وحق السماء يمثله الرسل والمناهج التي جاءت من عند ال وكل حق جاء‬
‫من السماء وجاء من مناهج ال قابلة قوم مبطلون‪.‬‬
‫لماذا؟ لن السماء دائما ل تتدخل إل حين يشيع الفساد‪ ،‬وما دام الفساد يشيع فإن هناك طائفة‬
‫منتفعة بالفساد‪ ،‬وهذه الطائفة المنتفعة بالفساد وبالباطل تدافع عنه وبعد ذلك يأتي موكب السماء‬
‫ليصادم هذا الباطل والفئة المنتصرة للباطل‪ ،‬فتنشأ معركة‪ ،‬فقال الحق حينئذ‪ } :‬قَدْ خََلتْ مِن قَبِْل ُكمْ‬
‫سُنَنٌ {‪ .‬قالها الحق لنعرف أن الباطل زهوق‪ ،‬وأن كل معارك أهل الرض مع منهج السماء قد‬
‫انتصر فيها الحق‪ .‬ولذلك تأتي سورة العنكبوت لتبين لنا ذلك‪ ،‬بداية من قوله سبحانه‪ {:‬وَإِلَىا مَدْيَنَ‬
‫شعَيْبا َفقَالَ يا َقوْمِ اعْبُدُواْ اللّ َه وَارْجُواْ الْ َيوْمَ الَخِ َر َولَ َتعْ َثوْاْ فِي الَ ْرضِ ُمفْسِدِينَ * َفكَذّبُوهُ‬
‫أَخَاهُمْ ُ‬
‫جفَةُ فََأصْبَحُواْ فِي دَارِ ِهمْ جَا ِثمِينَ }[العنكبوت‪]37-36 :‬‬
‫خذَ ْتهُمُ الرّ ْ‬
‫فَأَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذه هي الصورة الولى‪ ،‬وتأتي الصورة الثانية‪ {:‬وَعَادا وَ َثمُودَ ْا َوقَد تّبَيّنَ َلكُم مّن مّسَاكِ ِن ِه ْم وَزَيّنَ‬
‫ل َوكَانُواْ مُسْتَ ْبصِرِينَ }[العنكبوت‪]38:‬‬
‫عمَاَل ُهمْ َفصَدّ ُهمْ عَنِ السّبِي ِ‬
‫َلهُمُ الشّيْطَانُ أَ ْ‬
‫عوْنَ‬
‫إذن فانظروا إلى مساكنهم الباقية لتدلكم على ما حدث لهم‪ .‬والصورة الثالثة‪َ {:‬وقَارُونَ َوفِرْ َ‬
‫ض َومَا كَانُواْ سَا ِبقِينَ }[العنكبوت‪]39:‬‬
‫وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآ َءهُمْ مّوسَىا بِالْبَيّنَاتِ فَاسْ َتكْبَرُواْ فِي الَرْ ِ‬
‫وساعة تسمع } َومَا كَانُواْ سَا ِبقِينَ {‪ .‬أي كأن هناك حاجة تلحقهم‪ ،‬والذي يلحقه شيء فإنه يحاول‬
‫أن يسبقه‪ ،‬لكنهم ل يستطيعون‪ .‬وتأتي السنن واضحة بعد ذلك‪َ {:‬فكُلّ َأخَذْنَا بِذَنبِهِ َفمِ ْنهُم مّن أَرْسَلْنَا‬
‫سفْنَا ِب ِه الَ ْرضَ َومِنْهُمْ مّنْ أَغْ َرقْنَا َومَا كَانَ اللّهُ‬
‫خَ‬
‫خذَتْهُ الصّ ْيحَ ُة َومِ ْنهُمْ مّنْ َ‬
‫عَلَيْهِ حَاصِبا َومِ ْنهُمْ مّنْ أَ َ‬
‫سهُمْ َيظِْلمُونَ }[العنكبوت‪]40 :‬‬
‫لِيَظِْل َمهُمْ وَلَـاكِن كَانُواْ أَنفُ َ‬
‫إذن فصراع الحق والباطل قد تقدم ووقع في أمم قد سبقتكم وبقيت لها مساكن‪ ،‬فمن شاء أن يذهب‬
‫إليها ليتأكد فليذهب‪ ،‬ول تزال مدائن صالح‪ ،‬ول تزال هناك آثار عاد‪ ،‬وكل مكان فيه أثر من‬
‫الثار‪ .‬ولذلك يوضح الحق‪ :‬فإن كنتم تريدون التأكد من ذلك فأنا قد أخبرت‪ ،‬ومن آمن بي‬
‫فليصدق خبري‪ ،‬ولغير المؤمن ولمن يريد اطمئنان قلبه يقول سبحانه‪َ {:‬فسِيرُواْ فِي الَ ْرضِ‬
‫فَانظُرُواْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِبَةُ ا ْل ُمكَذّبِينَ }[النحل‪]36 :‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يمثل صراع الحق ‪ -‬وهو الشيء الثابت ‪ -‬مع الباطل‪ ،‬وهذه القضية‬
‫موجودة حتى فيما ل اختيار له‪ .‬ويصنعها الحق فيهم‪ ،‬صراعا بين حق وباطل فيما ل اختيار له‬
‫لمصلحة النسان أيضا‪ .‬وقد جعل سبحانه الصراع بين الحق والباطل في أشياء ليست من النسان‬
‫سمَآءِ‬
‫ولكنها تخدم النسان‪ ،‬وهذه نراها في المور المادية‪ .‬أما في القيم فالحق يقول‪ {:‬أَنَ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫مَآءً فَسَاَلتْ َأوْدِ َيةٌ ِبقَدَرِهَا فَاحْ َت َملَ السّ ْيلُ زَبَدا رّابِيا َومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْ ِتغَآءَ حِلْ َيةٍ َأوْ مَتَاعٍ‬
‫جفَآءً وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْمكُثُ فِي‬
‫طلَ فََأمّا الزّبَدُ فَيَذْ َهبُ ُ‬
‫ق وَالْبَا ِ‬
‫حّ‬
‫زَبَدٌ مّثُْلهُ كَذاِلكَ َيضْ ِربُ اللّهُ الْ َ‬
‫لمْثَالَ }‬
‫الَ ْرضِ كَذاِلكَ َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬
‫[الرعد‪]17 :‬‬
‫إنه سبحانه أنزل من السماء ماء فسال في الودية‪ ،‬والودية كما نعرفها هي المكان المنحصر بين‬
‫جبلين‪ ،‬فإذا نزلت المطار على العالي فإنها تنحدر إلى السفل وتسيل في الودية‪ .‬والوديان هي‬
‫محل الخضب؛ لن الغرين والطمى الذي ينزل من الجبال مع مياه المطر ويترسب ويصير ترابا‬
‫خصبا يخرج منه الزرع‪ .‬وكل وادٍ من الوديان يأخذ على قدر سعته‪ ،‬وباقي المياه يبحث له عن‬
‫مسلك آخر‪ ،‬ولو إلى باطن الرض‪ ،‬وذلك كان مظهرا مألوفا في الجزيرة العربية‪ ,‬فعندما يأتي‬
‫السيل فإن الودية تمتلئ ماءً‪ ،‬كل وادٍ يأخذ على قدر سعته‪ } .‬فَاحْ َت َملَ السّ ْيلُ زَبَدا رّابِيا { ونحن‬
‫نراه في الحقول ونسميه " الريم " الذي يطفو على سطح الماء‪ ،‬ما الذي يحدث لهذا الريم؟ إنه‬
‫يتجمع ويطفو ثم يركن ويميل جانبا‪ .‬ألم تر القدْر بها لحم تفور؟‪ .‬إننا نجد الريم قد طفا على‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫السطح‪ .‬وهذا الريم فيه أشياء خارجة عن عنصر الشيء الموجود في القدر‪ ،‬فإذا ما جاءت حرارة‬
‫النار أخرجته على السطح‪ ،‬فإما أن يخرجه النسان خارج القدر‪ ،‬وإما أن يتركه فيتجمد على‬
‫الجوانب وينتهي‪.‬‬
‫ومن أين جاء هذا الزبد؟ إنه يأتي من الرض‪ ,‬والرض فيها أشياء كثيرة‪ ،‬كجذور النبات وبقايا‬
‫ما حمله الهواء وتتخلل هذه الشياء مسام الرض‪ ،‬هذه الشياء عندما توجد في المسام‪ ،‬وتأتي‬
‫الجذور الصغيرة لتنمو فتعوقها عن أخذ غذائها؛ لذلك فعندما ينزل الحق الماء من السماء فإن‬
‫الماء يجعل هذه الشياء تطفو على السطح؛ ليجعل هناك منفذا للجذور الصغيرة‪.‬‬
‫وينزل ال المطر ليغسل التربة كلها‪ ،‬ويجعل هذه الشياء تطفو؛ لنها غثاء‪ ،‬ويطفو الغثاء‪ .‬وساعة‬
‫أن يطفو الغثاء فإياك أن تفهم أن ذلك علو‪ ،‬إنه علو إلى انتهاء‪ ،‬كذلك فورة الباطل‪.‬‬
‫إياك أنن تظن أن الزَبَد له فائدة‪ ،‬أو أنّ ارتفاع الريم كان علوا على ما في القدر‪ ،‬ل‪ .‬إنه تطهيرٌ‬
‫لما في القدر أو الناء‪ ،‬ولهذا قال الحق‪ } :‬فَاحْ َت َملَ السّ ْيلُ زَبَدا رّابِيا {‪.‬‬
‫وإن لم تذهب آثار الريم بحركة الماء التموجية فإنها ستذهب بطريقة أو بأخرى‪ .‬ولننظر إلى‬
‫الشياء القذرة التي تلقي في البحر نجد أنها بعد مدة قد خرجت إلى الشاطئ‪َ {.‬ومَا َيعْلَمُ جُنُودَ رَ ّبكَ‬
‫ِإلّ ُهوَ }[المدثر‪]31 :‬‬
‫إنها تخرج على الشاطيء ويجمعها المكلفون بتنظيف الشاطئ‪ .‬وإل كيف تتم صيانة الماء؟ إنه‬
‫سبحانه يجعل الماء ينظف نفسه بحركته الذاتية‪ .‬إذن فالماء عندما ينزل سيلً‪ ،‬فإنه ينقي التربة من‬
‫العوائق التي تعوق غذاء الجذيرات الصغيرة‪ ،‬وقد ل يكتفي بعضنا بهذا المثل‪ ،‬فيضرب لنا ال‬
‫حقّ‬
‫مثلً آخر‪َ {:‬و ِممّا يُوقِدُونَ عَلَ ْيهِ فِي النّارِ ابْ ِتغَآءَ حِلْيَةٍ َأوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذاِلكَ َيضْ ِربُ اللّهُ الْ َ‬
‫جفَآ ًء وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْمكُثُ فِي الَ ْرضِ }‬
‫طلَ فََأمّا الزّبَدُ فَيَذْ َهبُ ُ‬
‫وَالْبَا ِ‬
‫[الرعد‪]17 :‬‬
‫ونحن نرى هذه الحكاية عندما يضعون أي معدن في النار‪ ،‬فإن المعدن ينصهر ويصير كالعجينة‬
‫وتخرج منه فقاقيع ونحن نسميها خبث المعدن وعندما نخرج الخبث من المعدن فانه يصير قويا‬
‫إذن فالنار قد صهرت المعدن‪ ،‬وأخرجت منه الخبث الضار فيه‪ ،‬أو الذي يجعله ل يؤدي مهمته‬
‫بكفاءة عالية‪ ،‬فأنا قد أصنع من الحديد درعا قوية أو أريد أن أستخرج منه الصلب‪ ،‬وهذه العمليات‬
‫معناها أننا نصْهر الحديد بالنار لنزيل خبثه ليزداد قوة‪ .‬وكذلك الذهب والفضة ساعة نريد أن‬
‫نخلصهما من هذه الثار فإننا نصهرهما لنخرج منهما الشياء الخارجة عنهما أي التي تختلط بهما‬
‫وتشوبهما وهي ليست منهما‪.‬‬
‫لماذا إذن يا ربيّ هذا التمثيل الحسي في المياه؟ والحلية التي ل تؤدي ضرورة‪ ،‬والمتاع وهو الذي‬
‫طلَ {‪.‬‬
‫ق وَالْبَا ِ‬
‫حّ‬
‫يؤدي ضرورة؟ إنه سبحانه يقول‪ } :‬كَذاِلكَ َيضْ ِربُ اللّهُ الْ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن الحق كالماء‪ ،‬والحق كالنار‪ ،‬والماء يحمل الزبد الرابي بعيدا عن مسام الرض‪ ،‬والنار تخرج‬
‫الزبد والخَبث من المعادن‪ ،‬وتجعل المعادن خالصة للمنفعة المطلوبة لنا‪ ،‬كذلك يضرب ال الحق‬
‫جفَآءً {‪.‬‬
‫والباطل‪ } :‬فََأمّا الزّ َبدُ فَيَ ْذ َهبُ ُ‬
‫وجفاءً أي مطروحا مرميا‪ } ،‬وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ {‪ .‬ذلك هو صراع الحق‬
‫والباطل في المبادئ والقيم ويصوره ال في المور المادية‪ .‬ومن العجيب أنه يصوره بمتناقضين‬
‫ولكنهما متناقضان ويؤديان مهمة واحدة‪ ،‬ماء ونار‪ ،‬فإياك حين ترى شيئا يناقض شيئا أن تقول‪:‬‬
‫هذا يناقض ذاك‪ ،‬ل‪ .‬لن هذا الشيء مطلوب لمهمة‪ ،‬وذاك الشيء مطلوب لمهمة أخرى‪.‬‬
‫خَلتْ مِن قَبِْل ُكمْ سُنَنٌ { هو لفت لنا إلى صراع الحق مع الباطل‪ ،‬وأن‬
‫إذن فقول الحق سبحانه‪َ } :‬قدْ َ‬
‫النسان قد يرى الباطل مرة وله فورة وعلو‪ ،‬ونقول‪ :‬هذا إلى جُفاء‪ .‬وهذه سنة من سنن الحياة‪.‬‬
‫وإن أردتم أن تتأكدوا منهما‪ ،‬فالتفتوا إلى دقة قول الحق تعالى‪:‬‬
‫} َفسِيرُواْ فِي الَ ْرضِ فَانْظُرُواْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِبَةُ ا ْل ُمكَذّبِينَ {‪.‬‬
‫وهنا ملحظ عام‪ ،‬وملحظ خاص‪ ،‬الملحظ العام‪ :‬أننا نفهم أن المقصود بذلك السير على الرض‪،‬‬
‫وتلك هي حدود رؤيتنا‪ ،‬لكن حين يتكلم ال فرؤية ال أشمل فهو الخالق لهذا الكون‪ ،‬ونحن ما زلنا‬
‫نجهل جزيئات في هذا الكون‪ ،‬ولم نعرف بعضها إل أخيرا‪ ،‬وخالق الكون هو الذي يعلم كل‬
‫الخبايا‪.‬‬
‫نحن نقول‪ :‬إننا نسير على الرض؛ لننا كنا نفهم أن هذه الرض ليس عليها إلّ نحن فقط‪ ،‬ثم‬
‫تبين لنا ‪ -‬بعد أن أخذ العلم حظه ‪ -‬أنه لو ل وجود الهواء في الرض لما صلحت للحياة‪ .‬ولذلك‬
‫فعندما تدور الرض‪ .‬فالهواء الذي حولها يدور معها ويسمونه الغلف الجوي إذن فالغلف‬
‫الجوي جزء من الرض وله امتداد كبير‪ ،‬فالنسان عندما يسير فإنه يسير في الرض‪ ،‬أما الذي‬
‫يسير على الرض فهو الذي يسير فوق الغلف الجوي‪ ،‬أما السائر على اليابسة‪ ،‬والغلف الجوي‬
‫ما زال فوقه فهو يسير في الرض ل على الرض‪.‬‬
‫وما دامت المسألة هي سنن تقدمت‪ ،‬ويريد ال منا أن نعتبر بالسنن المتقدمة‪ ،‬لذلك يقول لنا‪} :‬‬
‫فَسِيرُواْ فِي الَرْض { نسير بماذا؟‪ .‬إما أن نسير بالنتقال‪ ،‬أو نسير بالفكار؛ لن النسان قد ل‬
‫يملك القدرة على السير ويترك هذه المهمة للرحالة‪ ،‬والرحالة ‪ -‬مثلً ‪ -‬هم الذين ذهبوا إلى‬
‫جنوب الجزيرة‪ ،‬ورأوا وادي الحقاف ووجدوا أن عاصفة رمل واحدة تطمر قافلة بتمامها‪.‬‬
‫إذن ففيه عواصف وارت الكثير من الشياء‪ ،‬فعاصفة واحدة تطمر قافلة‪ .‬فكم من العواصف قد‬
‫هبت على مرّ هذه القرون؟ والحق سبحانه يخبرنا بإرم ذات العماد فيقول‪َ {:‬ألَمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ‬
‫لدِ * وَ َثمُودَ الّذِينَ جَابُواْ الصّخْرَ بِا ْلوَادِ *‬
‫ِبعَادٍ * إِ َرمَ ذَاتِ ا ْل ِعمَادِ * الّتِي لَمْ ُيخَْلقْ مِثُْلهَا فِي الْبِ َ‬
‫سوْطَ‬
‫صبّ عَلَ ْيهِمْ رَ ّبكَ َ‬
‫لدِ * فََأكْثَرُواْ فِيهَا ا ْلفَسَادَ * َف َ‬
‫ط َغوْاْ فِي الْبِ َ‬
‫َوفِرْعَوْنَ ذِى الَوْتَادِ * الّذِينَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عَذَابٍ }[الفجر‪.]13-6 :‬‬
‫إنه سبحانه يخبرنا أن إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلد أي متفوقة على حضارة مصر‬
‫القديمة‪ .‬وهي عجيبة وفيها أكثر من عجيبة فأين هي الن؟‪.‬‬
‫وما دامت الرمال بعاصفة واحدة ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬تطمر قافلة‪ ،‬فكم عاصفة مرت على هذه البلد؟‪.‬‬
‫ولذلك نجد أننا ل نزال جميعا إلى الن حين نريد أن ننقب عن الثار فل بد أن نحفر تحت‬
‫الرض‪ .‬لماذا هذا الحفر وقد كانت هذه الثار فوق الرض؟ لقد غطتها العواصف الرملية‪.‬‬
‫والمثال على ذلك‪ :‬أنّك تغيب عن بيتك شهرا واحدا وتعود لتجد من التراب الناعم ما يغطي أرض‬
‫البيت على الرغم من إغلق النوافذ‪ .‬فماذا تجد من حجم التراب لو غبت عن بيتك عاما‪ ،‬أو‬
‫عامين‪ ،‬أو ثلثة أعوام‪ ،‬رغم إحكام وإغلق النوافذ والفتحات بالمطاط وخلفه؟ ولكن التراب‬
‫الناعم يتسرب ويغطي الثاث والرض‪ .‬وإذا كانت هذه المور تحدث في منازلنا فما بالك‬
‫بالمنطقة التي فيها أعاصير وعواصف رملية؟ هل تطمر المدن أو ل؟‬
‫إن المدن والحضارات تطمر تحت الرمال؛ لذلك فعندما ننقب عن الثار فنحن نحفر في الرض‪،‬‬
‫وهذا لون من السير في الرض للرؤية والعظة‪ .‬وحين يقول الحق‪ } :‬فَا ْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ‬
‫ا ْل ُمكَذّبِينَ { فماذا يعني بعاقبة المكذبين؟ حين تكون أمة قد تحضرت حضارة كبيرة يقول عنها‬
‫لدِ * وَ َثمُودَ‬
‫الحق‪َ {:‬ألَمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ ِبعَادٍ * إِ َرمَ ذَاتِ ا ْل ِعمَادِ * الّتِي لَمْ ُيخْلَقْ مِثُْلهَا فِي الْبِ َ‬
‫ط َغوْاْ فِي الْبِلَدِ * فََأكْثَرُواْ فِيهَا‬
‫لوْتَادِ * الّذِينَ َ‬
‫عوْنَ ذِى ا َ‬
‫الّذِينَ جَابُواْ الصّخْرَ بِا ْلوَادِ * َوفِرْ َ‬
‫ا ْلفَسَادَ }[الفجر‪.]12-6 :‬‬
‫إن الذي أقام هذه الحضارات أل يستطيع أن يجعل لهذه الحضارة ما يصونها؟ كيف يتم القضاء‬
‫على هذه الحضارات الواسعة واندثارها وذهابها؟‪.‬‬
‫ل بد أن ذلك يتم بقوة أعلى منها‪ ،‬فهذه الحضارات رغم تقدمها الرهيب لم تستطع أن تحفظ نفسها‬
‫من الفناء‪ .‬إنها القوة العلى منها‪ ،‬وهكذا نصدق قوله الحق‪ } :‬فَانْظُرُواْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِبَةُ ا ْل ُمكَذّبِينَ‬
‫{‪ .‬إنه القّيوم الذي يرى كل الخلق‪ ،‬فمن يطغى ويفسد فليلق النهاية نفسها‪ .‬إذن فقوله سبحانه يحمل‬
‫كل الصدق‪:‬‬
‫} َقدْ خََلتْ مِن قَبِْلكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الَ ْرضِ فَانْظُرُواْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِ َبةُ ا ْل ُمكَذّبِينَ {‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬هَـاذَا بَيَانٌ لّلنّاسِ وَهُدًى َو َموْعِظَةٌ لّ ْلمُ ّتقِينَ {‬

‫(‪)528 /‬‬
‫ظةٌ لِ ْلمُ ّتقِينَ (‪)138‬‬
‫س وَ ُهدًى َومَوْعِ َ‬
‫هَذَا بَيَانٌ لِلنّا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫انظر إلى الكلمة { هَـاذَا بَيَانٌ لّلنّاسِ } إن البيانات عندما تتأتى تأخذ قوتها وسطوتها وعظمتها من‬
‫قوة من أصدر البيان؛ أنت ساعة تجد ثورة في مجتمع ما فإننا نسمع كلمة " بيان رقم واحد " تهتز‬
‫له الدنيا وهو بيان قادم من بشر فما بالنا بالبيان القادم من ال؟‬
‫ظةٌ لّ ْلمُ ّتقِينَ } و "‬
‫س وَ ُهدًى َومَوْعِ َ‬
‫إنه إيضاح من ال‪ :‬أنا لن آخذكم على غرة { هَـاذَا بَيَانٌ لّلنّا ِ‬
‫الهدى "‪ :‬كما نعرف هو الطريق الموصل للغاية المرجوة‪ .‬و " الموعظة " معناها‪ :‬حمل النفس‬
‫ترغيبا وترهيبا‪ ،‬لعمل الخير بالترغيب‪ ،‬والبعد عن الشر بالترهيب‪ ،‬تلك هي الموعظة‪.‬‬
‫وكل هذه الشياء عندما جاءت في ثنايا آيات أُحُد بعد أن أخذنا منها العبرة والحدث ما زال‬
‫ساخنا‪ .‬لذلك فقبل أن يكمل لنا قصة أُحُد استثار النفوس بهذه المسألة‪ ،‬ووضع لنا الشياء المادية‬
‫والقيمية؛ لنأخذ بها في حياتنا‪ ،‬وحتى ل تنتهي قصة ُأحُد وينصرف الناس عن العظات التي كانت‬
‫فيها‪.‬‬
‫وما دامت المسألة هكذا‪ ،‬وكان المقاتلون في سبيل ال هم جنود الحق‪ ،‬وعرفوا ذلك بتأييد ال لهم‬
‫ورسوله محمد صلى ال عليه وسلم بينهم‪ .‬وهو حامل المعجزة الدالة على صدقه؛ لذلك فالذي‬
‫حدث في معركة ٌأحُد ل يصح أن يضعفكم؛ لنكم تعرفون كيف يسند ال الحق ويقويه‪ .‬وتعرفون‬
‫حملة ال على الباطل‪ .‬وقد أوضحنا لكم السنن والبيان‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وَلَ‬
‫َتهِنُوا َولَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الَعَْلوْنَ إِنْ كُنْ ُتمْ ّم ْؤمِنِينَ }‬

‫(‪)529 /‬‬
‫وَلَا َتهِنُوا وَلَا َتحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعَْلوْنَ إِنْ كُنْ ُتمْ ُم ْؤمِنِينَ (‪)139‬‬

‫والمقصود بقوله‪َ { :‬ولَ َتهِنُوا } أي ل تضعفوا‪ ،‬وهي أمر خاص بالمسألة البدنية؛ لن الجراحات‬
‫أنهكت الكثيرين في موقعة أُحُد لدرجة أن بعضهم أقعد‪ ،‬ولدرجة أن النبي صلى ال عليه وسلم لم‬
‫يقدر أن يصعد الجبل‪ ،‬وحمله طلحة بن عبيد ال على ظهره ليقوم‪ ،‬لذلك قال الحق‪َ { :‬ولَ‬
‫َتهِنُوا } ‪ ،‬لنك عندما تستحضر أنك مؤمن وأن ال لن يخلي بينك وبين جنود الباطل لنك نصير‬
‫للحق‪ ،‬والحق من ال وهو الحق ل يسلم نبيه وقومه لعدائهم فيوم تأتي لك هذه المعاني إياك أن‬
‫تضعف‪ .‬والضعف هو نقصان قوة البدن‪.‬‬
‫{ َولَ تَحْزَنُوا } والحزن مواجيد قلبية‪ ،‬وهم قد حزنوا فقد مات منهم كثير‪ .‬مات منهم خمسة‬
‫وسبعون شهيدا‪ ،‬خمسة من المهاجرين‪ ،‬وسبعون من النصار‪ ،‬وهذه عملية صعبة وشاقة‪ ،‬وقد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حزن رسول ال صلى ال عليه وسلم على الشهداء‪ ،‬وغضب لمقتل حمزة ‪ -‬رضي ال عنه ‪-‬‬
‫وقال‪ " :‬لن أُصاب بمثلك أبدا! وما وقفت موقفا قط أغيظ إلىّ من هذا " ثم قال‪ " :‬لئن أظهرني ال‬
‫على قريش في موطن من المواطن لمثلن بثلثين رجل منهم مكانك "‪.‬‬
‫فقال الحق‪َ { :‬ولَ َتحْزَنُوا }؛ لماذا؟ لنك يجب أن تقارن الحدث بالغاية من الحدث‪.‬‬
‫صحيح أن القتل صعب وإزهاق للنفس‪ ،‬ولكن انظر إلى أين ذهب‪ .‬وانظر ماذا خلف من بعده‪ .‬أما‬
‫هو فقد ذهب إلى حياة عند ربه وهي ليست كالحياة عندكم‪ .‬إن الحياة عندنا لها مقاييس‪ ،‬والحياة‬
‫عند ربنا لها مقاييس‪ ،‬فهل مقاييسنا أعلى من مقاييسه؟ ل‪ ،‬حاشا ل‪.‬‬
‫إذن فإذا نظرت إليه هو فاعلم أنه ذهب لخير مما ترك‪ ،‬فل تحزن عليه بل تفرح له؛ لنه ما‬
‫دامت الغاية ستصل إلى هذه المسألة‪ .‬إذن فقد قصر له مسافة الحياة‪ ،‬وما دامت الغاية أن يصل‬
‫إلى رحمة ال وإلى حياة عند ال بكافة معانيها‪ ،‬فهو سعيد بجوار ربه‪ ،‬ونحن في الغايات الدنيوية‬
‫عندما نريد أن نذهب إلى مكان نُس ّر ممن يعجل لنا الزمن لنصل إلى هذا المكان‪.‬‬
‫فبدلً من أن أذهب إلى السكندرية ماشيا أذهب راكبا حصانا أو أذهب راكبا سيارة‪ ،‬والمترفه‬
‫يذهب راكبا طائرة‪ ،‬فإذا كانت الغاية مرجوّة ومحببّة إلى النفس‪ ،‬وبعد ذلك يجيء لك حدث يقرب‬
‫لك المسافة من الغاية‪ ،‬فلماذا تحزن إذن؟ لقد استشهد‪ .‬إياك أن تقول‪ :‬إنّ ال حرمني قوته في‬
‫نصرة الحق‪ ،‬ل‪ .‬هو أعطى قوة أخرى لكثير من خلقه نصر بهم الحق‪ ،‬إنك عندما تعرف أن‬
‫إنسانا باع نفسه ل‪ ،‬ل بد أن تعرف أن الغاية عظيمة؛ ولذلك كان الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫في معركة بدر‪ ،‬يقدم أهله؛ لنه يعرف أنه إن قُتل واحد منهم إلى أين سيذهب‪ ،‬إذن فهو يحب‬
‫أهله‪ ،‬لكنه يحبهم الحب الكبير‪ ،‬والناس تحب أهلها هنا أيضا لكن الحب الدنيوي‪.‬‬
‫} َولَ تَحْزَنُوا { على ما فاتكم من الغنائم أو ل تحزنوا على ما فاتكم من النصر لماذا؟ وتأتي‬
‫الجابة‪ } ،‬وَأَنْتُ ُم الَعَْلوْنَ {‪ ..‬ولذلك جاء مصداق ذلك حينما نادى أبو سفيان فقال‪ " :‬اعل هبل "‬
‫أي أن إلههم صار عاليا‪ ،‬فقال الرسول لصحابه‪ :‬أل تردون عليهم؟‪ ،‬قالوا‪ :‬بماذا نرد قال‪ :‬قولوا‬
‫ل فقال أبو سفيان‪ " :‬لنا العزى ول عزى لكم " ‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه‬
‫لهم‪ :‬ال أعلى وأج ّ‬
‫وسلم‪ " :‬أجيبوه " قالوا‪ :‬ما نقول؟ قال‪ " :‬قولوا ال مولنا ل مولى لكم " ثم قال أبو سفيان‪ :‬إن‬
‫موعدكم " بدر " العام المقبل‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم لرجل من أصحابه‪ " :‬قل نعم‬
‫هو بيننا وبينك موعد "‬
‫فـ } وَأَنْتُمُ الَعْلَوْنَ إِنْ كُنْ ُتمْ ّم ْؤمِنِينَ { فما دمتم على اليمان فأنتم العلون‪ ،‬وإذا أردتم أن تعرفوا‬
‫معنى " العوان " حقا‪ ،‬فقارنوا معركة " ُأحُد " بمعركة " بدر " ‪ ،‬هم قتلوا منكم في أُحُد‪ ،‬وأنتم‬
‫قتلتم منهم في بدر‪ .‬ولكنكم أسرتم منهم في بدر‪ ،‬ولم يأسروا منكم أحدا في " أُحُد "‪ .‬وأنتم غنمتم‬
‫في بدر‪ ،‬ولم يغنموا شيئا في ُأحُد‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأنتم العلون لن ال حمى مدينتكم مع أنه ل محامية فيها ممن يكون فيه معنى الجندية‪ .‬كل ذلك‬
‫وأنتم العلون‪ ،‬هذا إذا نظرنا إلى معركة بمعركة‪ .‬وإن نظرنا إلى المعركة نفسها " ُأحُد " وندع‬
‫بدرا وحدها‪ ،‬في ظل قوله تعالى‪ } :‬وَأَنْتُ ُم الَعَْلوْنَ إِنْ كُنْتُمْ ّم ْؤمِنِينَ { لقد ثبتت تلك القضية لنكم‬
‫حينما كنتم مؤمنين ‪ -‬ومن شرط اليمان اتباع أمر الذي ل ينطق عن الهوى ‪ -‬انتصرتم‪.‬‬
‫وانتصرتم انتصارا رائعا؛ لنكم قتلتم في أول جولة للحرب بضعا وعشرين من صناديدهم وفيهم‬
‫صاحب الراية‪ .‬ولكنكم حينما خالفتم أمرالنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬تلخلخ اليمان في قلوبكم‪.‬‬
‫إذن فالعملية التي حدثت تؤكد صدق } وَأَنْتُ ُم الَعَْلوْنَ إِنْ كُنْتُمْ ّم ْؤمِنِينَ {‪ .‬فأنتم علوتم في أول‬
‫المر‪ ،‬وعندما خالفتم المر صار لكم ما صار؛ فقد صدقت القضية في قول ال‪ } :‬وَأَنْ ُت ُم الَعَْلوْنَ‬
‫إِنْ كُنْتُمْ ّم ْؤمِنِينَ {‪.‬‬
‫وأيضا فإنكم لو نظرتم إلى المعركة نفسها لوجدتم أن عدوّكم لم يبق في أرض المعركة‪ ،‬بل أنتم‬
‫الذين بقيتم في موضع المعركة‪ .‬وأين ذهب هو؟ أذهب إلى موقع آخر ينال فيه غلبة ونصرا؟ لم‬
‫يكن هناك إل المدينة‪ ،‬والمدينة ليس فيها أحد‪ ،‬ولم يذهب عدوكم إلى هناك‪ ،‬وإنما ذهب ناحية‬
‫مكة‪ ،‬إذن فهو الذي هرب‪.‬‬
‫وبعد ذلك ماذا حدث؟ ألم يؤذن مؤذن رسول ال صلى ال عليه وسلم في الناس ويطلب العدوّ‬
‫مرهبا له ليظنوا به القوة‪ ،‬وإن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم؟‬
‫ولقد خرج رسول ال‪ ،‬مع من؟ أجاء بحامية لم تشهد المعركة؟ ل‪.‬‬
‫بل قال عليه الصلة والسلم مناديا المسلمين‪ " :‬إليّ عباد ال " ‪ ،‬فالذين شهدوا المعركة سبعمائة‪،‬‬
‫جرح منهم الكثير وقتل منهم خمسة وسبعون‪ ،‬فمنهم حمزة‪ ،‬ومصعب بن عمير‪ ،‬وعبد ال بن‬
‫جحش‪ ،‬وشماس بن عثمان‪ ،‬وسعد مولى عتبة‪ ،‬هؤلء خمسة من المهاجرين‪ ،‬والباقي من‬
‫النصار‪ ,‬هؤلء مطروحون من العدد الذي شاهد أول الموقعة‪،‬حتى أن رسول ال لم يأخذ بدلً‬
‫منهم من المدينة من القوم الذين عرضوا أنفسهم ليكونوا مع الجيش الذي يطارد قريشا‪ ،‬بل آثر‬
‫الرسول أن يذهب بمن ذهب معه إلى المعركة أنفسهم‪ ،‬ولم يكن منهم بطبيعة الحال الشهداء أو‬
‫الجرحى‪.‬‬
‫لم يقبل الرسول صلى ال عليه وسلم ممن لم يشهد المعركة إل واحدا‪ .‬وهو سيدنا جابر بن عبد‬
‫ال‪ .‬الذي لم يخرج في معركة ُأحُد واعتذر إلى رسول ال بأن أباه عبد ال بن عمرو بن حرام قد‬
‫خلّفه على بنات له سبع وقال له‪:‬‬
‫يا بنيّ إنه ل ينبغي لي ول لك أن نترك هؤلء النسوة ل َرجَل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد‬
‫مع رسول ال صلى ال عليه وسلم على نفسي فتخّلفْ على أخواتك فتخلف عليهن فقبل رسول ال‬
‫عذره‪ ,‬وأذن له فخرج معه وطاردهم رسول ال ومن معه إلى حمراء السد‪ ،‬أما والده عبد ال بن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمرو فقد استشهد في أحُد ومع ذلك فقد طلب من رسول ال على الرغم من استشهاد أبيه أن‬
‫يخرج إلى حمراء السد‪ .‬وذلك لنعلم أن ال يقول‪َ {:‬ومَا َيعْلَمُ جُنُودَ رَ ّبكَ ِإلّ ُهوَ }[المدثر‪]31 :‬‬
‫هذا وإن واحدا من المشركين الذين كانوا موضع سر رسول ال صلى ال عليه وسلم ومن حلفائه‬
‫وهو معبد الخزاعي‪ ،‬مَرّ على رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد أُحد وقال له‪ :‬يا محمد‪ :‬أما وال‬
‫لقد عز علينا ما أصابك‪ ،‬ثم لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وأصحابه فقال له أبو سفيان‪ :‬ما وراءك يا معبد؟ قال‪ :‬محمد قد‬
‫خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله‪ ،‬ولم يزل بهم حتى ثنى أبا سفيان ومن معه فولوا‬
‫وجوههم إلى مكة خائفين مسرعين‪ ،‬وقد ذهب رسول ال إلى حمراء السد فلم يجد أحدا فعسكر‬
‫رسول ال ثلثة أيام هناك‪ ،‬ومعنى ذلك أنهم هم الذين فروا من المعركة‪ .‬إذن فأنتم العلون‪ ،‬ولكن‬
‫س ُكمْ قَرْحٌ‬
‫ل حظوا الشرط } إِنْ كُنْ ُتمْ ّم ْؤمِنِينَ {‪ .‬ثم بعد ذلك ُيسَلّى ال المؤمنين فيقول‪ } :‬إِن َيمْسَ ْ‬
‫ك الَيّامُ ُندَاوُِلهَا بَيْنَ النّاسِ‪{ ...‬‬
‫َفقَدْ مَسّ ا ْل َقوْمَ قَرْحٌ مّثْلُ ُه وَتِ ْل َ‬

‫(‪)530 /‬‬
‫س وَلِ َيعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ َآمَنُوا‬
‫س ُكمْ قَرْحٌ َفقَدْ مَسّ ا ْل َقوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِ ْلكَ الْأَيّامُ نُدَاوُِلهَا بَيْنَ النّا ِ‬
‫إِنْ َيمْسَ ْ‬
‫حبّ الظّاِلمِينَ (‪)140‬‬
‫شهَدَا َء وَاللّهُ لَا يُ ِ‬
‫وَيَتّخِذَ مِ ْن ُكمْ ُ‬

‫وقد تكلمنا ‪ -‬من قبل ‪ -‬عن " المس " وهو‪ :‬إصابة بدون حس‪ ..‬أي لمس لكنك ل تحس بحرارة‬
‫أو نعومة مثل‪ ،‬إنما " اللمس " هو أن تحس في الشيء حرارة أو نعومة ويحتاج إلى اللتصاق‬
‫المؤقت‪ ،‬إنما " المس " هو ما ل تكاد تدرك به شيئا‪ " ،‬والقَرْح " هو‪ :‬الجراح‪ ،‬وفي لغة أخرى‬
‫تقول " القُرح " ‪ -‬بضم القاف ‪ -‬وأقول‪ :‬القٌرح وهو اللم الناشئ من الجراح‪ ،‬كي يكون لفظ‬
‫معنى‪.‬‬
‫وأنت قد ترى بعض اللفاظ فتظن أن معناها واحد في الجملة‪ ،‬إل أن لكل معنى منها ملحظا‪ ،‬أنت‬
‫تسمع مثلً‪ :‬رأى‪ ،‬ونظر‪ ،‬ولمح‪ ،‬ورمق‪ ،‬ورنا‪ .‬كل هذه تدل على البصر‪ .‬لكن لكل لفظ له معنى‪:‬‬
‫رمق‪ :‬رأى بمؤخر عينيه‪ ،‬ولمح‪ :‬أي شاهد من بعد‪ ،‬ورنا‪ :‬نظر بإطالة‪ ،‬وهكذا‪ .‬ويقال أيضا‪:‬‬
‫جلس‪ ،‬وقعد‪ ،‬فالمعنى العام يكاد يكون واحدا‪ ،‬لكن المعنى الدقيق يوضح أن الجلوس يكون عن‬
‫اضطجاع‪ .‬والقعود عن قيام‪ ،‬كان قائما فقعد‪ ،‬والثنان ينتهيان إلى وضع واحد‪ ،‬فكذلك " قَرح " و‬
‫" قُرح " كل لفظ له معنى دقيق‪.‬‬
‫ويقولون ‪ -‬مثلً ‪ :-‬إن للسد أسماء كثيرة‪ ،‬فقال‪ " :‬السد " و " الغضنفر " و " الرئبال " و "‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الوَرْد " و " القسْورة "‪ .‬وصحيح هذه أسماء للسد‪ ،‬ولكن لكل اسم معنى محدد‪ ،‬فـ " السد " هو‬
‫اللفظ العام والعَلَم على هذا الحيوان‪ ،‬و " الغضنفر " هو السد عندما ينفش لبدته‪ ،‬و " الوَرْد " هو‬
‫حالة السد عندما يكون قد مط صلبه‪ ،‬فكل موقف للسد له معنى خاص به‪.‬‬
‫سكُمْ قَرْحٌ َفقَدْ مَسّ ا ْل َقوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } ل حظ أن المتكلم هو ال فافطن جيدا‬
‫وقوله الحق‪ { :‬إِن َيمْسَ ْ‬
‫إلى مرارات كلمه‪ .‬ونعرف أنه في الشرط والجواب‪ ،‬أن الشرط يأتي أول ثم يأتي الجواب من‬
‫بعد ذلك مترتبا عليه ونتيجه له‪ ،‬كقولنا " إن تذاكر تنجح " إن النجاح هو جواب لشرط وهو‬
‫الستذكار‪.‬‬
‫سكُمْ قَرْحٌ َفقَدْ مَسّ ا ْل َقوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } فهل المعنى المراد من هذه الجملة‬
‫وقوله الحق‪ { :‬إِن َيمْسَ ْ‬
‫الشرطية أن مس القرح للكافرين الذي حدث في بدر كان كجزاء لمس القرح للمؤمنين في أحد؟‬
‫ل‪ ،‬إنه ل يكون أبدا جوابا لشرط؛ لنه لو كان جواب شرط لقال الحق‪ :‬إن يمسسكم قرح فسيمس‬
‫القوم قرح مثله‪ .‬ولكنه لم يقل ذلك لن القرح الذي أصاب المشركين في بدر كان أسبق من القرح‬
‫الذي أصاب المؤمنين في أحد‪.‬‬
‫وكأن الحق يقول‪ :‬إن يمسسكم قرح فل تبتئسوا؛ فقد مس القوم قرح مثله‪ ،‬وليس ذلك جواب‬
‫الشرط‪ ،‬ولكنه جاء ليُستدل به على جواب الشرط‪ ،‬أي أنه تعليل لجواب الشرط‪ ،‬أقول ذلك حتى ل‬
‫يتدخل دعيّ من الدعياء ويتهم القرآن ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬بما ليس فيه‪.‬‬
‫إنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يثبت المؤمنين ويسلّيهم‪ .‬ومثال ذلك ما نقوله نحن لواحد إذا أصابته كارثة‪:‬‬
‫إن كان قد حدث لك كذا‪ ،‬فقد حدث لخصمك مثله‪ .‬إذن فنحن نسليه‪ .‬والمقصود هنا أن الحق يسلّي‬
‫المؤمنين‪ :‬إن يمسسكم قرح فل تبتئسوا‪ ،‬فليكن عندكم سُّل ٌو ولْتجتازوا هذا المر ولترض به‬
‫نفوسكم؛ لن القوم قد مسهم قرح مثله‪.‬‬
‫والسوة والتسلية‪ ،‬هل تأتي بما وقع بالفعل أم بما سيقع؟‪ .‬إنها تأتي بما وقع بالفعل‪ ،‬إذن فهي تعلل‬
‫سكُمْ قَرْحٌ َفقَدْ مَسّ ا ْلقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ {‪.‬‬
‫تعليلً صحيحا‪ } :‬إِن َي ْمسَ ْ‬
‫ك الَيّامُ ُندَاوُِلهَا بَيْنَ النّاسِ {‪ .‬ما معنى‬
‫وأطلق الحق سبحانه من بعد ذلك قضية عامة‪ } :‬وَتِ ْل َ‬
‫المداولة؟ داول أي نقل الشيء من واحد لخر‪ .‬ونحن هنا أمام موقعتين؛ غزوة بدر وغزوة أُحٌد‪.‬‬
‫وكان النصر للمسلمين في غزوة بدر بالجماع‪ ،‬أما غزوة ُأحٌد فلم يكن فيها هزيمة بالجماع ولم‬
‫يكن فيها نصر‪.‬‬
‫إذن فقوله الحق‪ } :‬وَتِ ْلكَ الَيّامُ نُدَاوُِلهَا بَيْنَ النّاسِ { أي مع التسليم جدلً بأن الكفار قد انتصروا ‪-‬‬
‫رغم أن هذا لم يحدث ‪ -‬فإننا نقلنا النصر منكم أيها المؤمنون إليهم‪.‬‬
‫وإياك أن تفوتك هذه الملحظة‪ ،‬بأن النصر لم ينتقل إليهم إل بمخالفة منكم أيها المؤمنون‪ .‬ومعنى‬
‫مخالفة منكم‪ ،‬أي أنكم طرحتم المنهج‪ ،‬أي أنكم أصبحتم مجرد " ناس " مثلهم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وما دمتم قد صرتم مجرد ناس بدون منهج مثلهم ومتساوين معهم‪ ،‬فإن النصر لكم يوم‪ ،‬ولهم يوم‪.‬‬
‫ولنلحظ ان الحق لم يقل‪ :‬إن المداولة بين الناس هي مداولة بين مؤمنين وكافرين‪.‬‬
‫فإن ظللتم مؤمنين فل يمكن أن ينتقل النصر إلى الكفار‪ ،‬إنما النصر يكون لكم‪ ،‬انظر ماذا قال‪} :‬‬
‫وَتِ ْلكَ الَيّامُ نُدَاوُِلهَا بَيْنَ النّاسِ { ولم يقل بين المؤمنين والكافرين‪ ،‬أي بينكم وبين قريش‪.‬‬
‫وليس المقصود باليام ما هو معروف لدى الناس من أوقات تضم الليل والنهار‪ ،‬ولكن المقصود‬
‫بـ " اليام " هنا هو أوقات النصر أو أوقات الغلبة‪ .‬ويقال أيضا‪ " :‬يوم فلن على فلن " إذن }‬
‫وَتِ ْلكَ الَيّامُ نُدَاوُِلهَا بَيْنَ النّاسِ { لم تتضمن المداولة بين المؤمنين والكافرين‪ ،‬ولكنها مداولة بين‬
‫الذين مالت أبصارهم إلى الغنائم فتخلخل إيمانهم‪ ،‬ففازت قريش ظاهريا‪ .‬فلو ظللتم على إيمانكم‬
‫لما حدث ذلك أبدا‪ .‬لكنكم تخليتم عن منهج ربكم‪ ،‬وبذلك استويتم وتساويتم مع غير المؤمنين‪،‬‬
‫وبذلك تكون اليام لذلك مرة ولهذا مرة أخرى‪ ،‬إنها مطلق عدالة‪.‬‬
‫علينا أن نتذكر الشرط السابق‪ ،‬ل لعدم الهزيمة‪ .‬بل للعلو والنصر‪:‬‬
‫} وَأَنْتُمُ الَعَْلوْنَ إِنْ كُنْ ُتمْ ّم ْؤمِنِينَ {‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه في مسألة مداولة اليام ينبه المؤمنين الذين تخلخل إيمانهم‪ :‬ما دمتم اشتركتم‬
‫معهم في كونكم مجرد " أناس " فيصبح النصر يوما لهم ويوما لكم‪ ،‬والذكي العبقريّ الفطن الذي‬
‫يحسن التصرف هو من يغلب؛ لن المعركة هنا تدور بين قوة بشر مقابل قوة البشر‪.‬‬
‫ما دام المسلمون قد تخلوا عن منهج ال فقد صاروا مجرد بشر في مواجهة بشر‪ .‬ولذلك قلنا‪ :‬إنه‬
‫عندما تخلى الرماة عن إنفاذ أمر القائد العلى سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ظهرت‬
‫عبقرية خالد بن الوليد على عبقرية المقاتلين المسلمين‪.‬‬
‫ويجب أن نلحظ في قوله الحق‪ } :‬وَتِ ْلكَ الَيّامُ نُدَاوُِلهَا بَيْنَ النّاسِ { أننا ل يمكن أن نقول‪ :‬إن‬
‫مداولة اليام تكون بين المؤمنين والكافرين‪ ،‬إنما هي بين الناس؛ لن الناس هم مجموعة النسان‪،‬‬
‫فإن تجردوا عن منهج السماء فهم سواسية‪ ،‬وصاحب الحيلة يغلب‪ ،‬أو صاحب القوة يغلب‪ ،‬أو‬
‫صاحب العدد أو العُدّة يغلب‪.‬‬
‫ولكن ما الذي يعوض كل تلك المكانات ويحقق النصر؟ إنك إن تأخذ ال في جانبك فلن يجرؤ‬
‫مخلوق أن يكون في مواجهة الحق في معركة‪ .‬لقد قلنا قديما وعلينا أن نعيها جيدا‪ :‬إن الولد‬
‫الصغير حينما يضطهده زملؤه فيلجأ إلى حِضن أبيه‪ ،‬عندئذ ينصرف كل منهم إلى حاله‪ ،‬لكن‬
‫أقرانه يستطيعون أن يهزموه عندما يبتعد عن أبيه‪ .‬فما بالنا ونحن عيال ال؟ وكذلك شأن الكفار‬
‫مع المؤمنين‪.‬‬
‫إن الكفار قادرون على النفراد بالمؤمنين حينما يتخلى المؤمنون عن منهج ال؛ لن ال لن ينصر‬
‫أناسا ليسوا على منهجه‪ ،‬فلو نصر ال أناسا على غير منهجه فإن ذلك يبطل قضية اليمان‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعندما نستقرئ القرآن الكريم؛ نجد أن كل خبر عن النسان وهو معزول عن المنهج اللهي هو‬
‫خبر كله شر‪.‬‬
‫خسْرٍ }[العصر‪]2-1 :‬‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى ُ‬
‫فسبحانه يقول‪ {:‬وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫إن النسان على اطلقه لفي خسر‪ ،‬ولكن من الذي ينجو من الخسران؟ وتأتي الجابة من الحق‬
‫ق وَ َتوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ }[العصر‪]3 :‬‬
‫حّ‬
‫صوْاْ بِالْ َ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ وَتَوَا َ‬
‫فيقول‪ِ {:‬إلّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫ن الِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعا *‬
‫وتتأكد القضية في موضع آخر من القرآن الكريم فيقول ‪ -‬سبحانه ‪ {-‬إِ ّ‬
‫إِذَا َمسّهُ الشّرّ جَزُوعا * وَإِذَا مَسّهُ الْخَيْرُ مَنُوعا * ِإلّ ا ْل ُمصَلّينَ }[المعارج‪]22-19 :‬‬
‫إذن كل كلم ‪ -‬في القرآن ‪ -‬عن النسان على إطلقه يأتي من ناحية الشر‪ .‬وما الذي ينجيه من‬
‫ذلك؟ إنه المنهج اللهي‪.‬‬
‫ك الَيّامُ ُندَاوُِلهَا بَيْنَ النّاسِ { تحمل تأنيبا ولذعة خفيفة لمن أعلنوا اليمان‬
‫إذن فقول الحق‪ } :‬وَتِ ْل َ‬
‫ولكنهم تخلفوا عن أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم في أُحُد‪.‬‬
‫حبّ الظّاِلمِينَ‬
‫شهَدَآ َء وَاللّ ُه لَ ُي ِ‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَلِ َيعَْلمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُو ْا وَيَتّخِذَ مِنكُمْ ُ‬
‫{‪.‬‬
‫ففي وقت النصر نجد حتى الذي لم يشترك في المعركة يريد أن يُدخل نفسه ضِمن المنتصرين‪.‬‬
‫لكن وقت الهزيمة فالحق يَظهر‪ ،‬والذي يظل في جانب الهزيمة معترفا بأنه شارك في نزولها‬
‫بالمسلمين وان لم يكن شارك فقد عذر أو لم من كان سببا فيها‪ ،‬وهو مع ذلك يسهم في حمل‬
‫أوزارها وآثارها الضارة‪ ،‬ويتحمل ويشارك في المسئولية‪ ،‬إنه بذلك يكون صادقا‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬هل ال ل يعلم الذين آمنوا؟ ل‪ ،‬إنه سبحانه وتعالى يعلم الذين آمنوا سواء حدثت‬
‫معركة أو لم تحدث‪ .‬لكن علم ال الزلي الغيبيّ ل نرى نحن به الحُجّة‪ ،‬ولذلك ل تكون الحجّة‬
‫ظاهرة بيننا‪ ،‬ولكن حين يبرزُ علم ال إلى الوجود أمامنا فإنه علم تقوم به الحُجة واضحة على من‬
‫آمن‪ ،‬وعلى من لم يحسن اليمان‪ ،‬وذلك حتى ل يدّعي أحد لنفسه أنه كان سيفعل‪ ،‬لكن الفرصة لم‬
‫تواته‪.‬‬
‫وهكذا تأتي المواقف الختبارية والبتلءات ليعلم كل منا نفسه وتبرز الحُجة علينا جميعا‪ .‬إذن‪:‬‬
‫فهناك فرق بين علم ال الزليّ للشياء كما سوف تحدث‪ ،‬ولكن ل تقوم به الحُجّة علينا‪ .‬فقد يدعى‬
‫البعض أنه لو قامت معركة شديدة فإنهم سوف يصمدون‪ ،‬ولكن عندما تقوم المعركة بالفعل فنحن‬
‫نرى مَنْ الصّامد ومَنْ هو غير ذلك من المتخاذلين الفارين؟ ولنضرب لذلك مثل ول المثل‬
‫العلى‪ :‬نحن في حياتنا العادية نجد أن عميد إحدى الكليات يأتي إلى المدرس ويقول له‪ :‬نحن نريد‬
‫أن نعقد امتحانا لنتعرف على المتفوقين من الطلب‪ ،‬ونمنح كُل منهم جائزة‪.‬‬
‫فيرد المدرس‪ :‬لماذا المتحان؟ إنني أستطيع أن أقول لك‪ :‬من هم المتفوقون‪ ،‬وأن أرتبهم لك من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الول ومن الثاني وهكذا‪.‬‬
‫لكن عميد الكلية يصر على أن يعقد امتحانا حتى ل يكون لحد حجة‪ ،‬ويختار العميد مدرسا آخر‬
‫ليضع هذا المتحان‪ .‬وتظهر النتيجة ويكون توقع المدرس الول هو الصائب‪ ،‬وهكذا يكون تفُوق‬
‫هؤلء الطلب تفوقا بحُجة‪ .‬وإذا كان ذلك يحدث في المستوى البشري فما بالنا بعلم ال الزلي‬
‫المطلق؟‬
‫إن الحق بعلمه الزلي يعلم كل شيء ومُحيط بكل شيء‪ ،‬وهو سبحانه ل يقول لنا‪ :‬أنا كنت أعلم‬
‫أنكم لو دخلتم معركة ستفعلون كذا وكذا‪..‬‬
‫وكان يمكن أن يجادلوا ويدعوا لنفسهم أشياء ليست فيهم‪ ،‬لكن الحق يضع المعركة وتكون النتيجة‬
‫مطابقة لما يعلمه ال أزل‪ .‬إذن فالتغيير هنا ل يكون في علم ال‪ ،‬لكن التغيير يكون في المعلوم‬
‫ل‪ ،‬ليس في العالِم بل في المعلوم بحيث نراه حُجة علينا‪.‬‬
‫شهَدَآءَ { وساعة تسمع كلمة " يتخذ " هذه؛ اعرف أنها اصطفاء‬
‫خذَ مِنكُمْ ُ‬
‫ويقول الحق‪ } :‬وَيَتّ ِ‬
‫خلِيلً }[النساء‪]125 :‬‬
‫واختيار‪ .‬وسبحانه يقول‪ {:‬وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ َ‬
‫أي أنه جل وعلى قد آثر إبراهيم واصطفاه‪ ،‬إذن فالتخاذ دائما هو أن يَأخذه إلى جانبه لمزية له‬
‫ورفعة لمكانته‪.‬‬
‫شهَدَآءَ { فنحن نعرف أن " شهداء " هي جمع شهيد‪ ،‬وكلمة شهيد‬
‫وحين يقول الحق‪ } :‬وَيَتّخِذَ مِنكُمْ ُ‬
‫لها معانٍ متعددة‪ ،‬فالشهيد في القتال هو الذي يُقتل في المعركة‪ ،‬وهذا سيكون حيا ويرزق عند‬
‫ربه‪.‬‬
‫وإياك أن تقول‪ :‬إننا عندما نفتح قبر الشهيد سنجده عظاما وترابا‪ .‬وهذا يعني أنه سلب الحياة‪ ..‬ل‪،‬‬
‫إن ال وضح أن الشهيد حيّ عنده‪ ،‬وليس حيا عند البشر‪ .‬وإذا فتح أحد من الناس القبر على‬
‫الشهيد فسيراه عظاما وترابا؛ فقد جعل ال سبحانه للشهيد حياة عنده ل عندنا‪ {.‬وَلَ َتحْسَبَنّ الّذِينَ‬
‫قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َأ ْموَاتا َبلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَ ّبهِمْ يُرْ َزقُونَ }[آل عمران‪]169 :‬‬
‫إذن فللشهداء عند ربهم حياة ل نعرف كنهها‪ ،‬ويوم نفتح عليهم قبورهم تصير أمرا مُحسا‪ ،‬ولكن‬
‫ال نبهنا أن الشهداء أحياء عند ربهم‪ .‬وعندما نتأمل كلمة " شهداء " نجد أنها تعني أيضا الشهادة‬
‫على الحق الذي قامت من أجله المعركة‪ ،‬وكل إنسان يُحب الخير لنفسه‪ ،‬فلو لم يعلم هؤلء أن‬
‫إقدامهم على ما يؤدي إلى قتلهم خير لهم من بقائهم على حياتهم لما فعلوا‪.‬‬
‫وبذلك يكون الواحد منهم شاهدا للدعوة وشهيدا عليها‪ .‬وقد ينصرف المعنى في " شهداء " إلى أنهم‬
‫حبّ الظّاِلمِينَ {‪.‬‬
‫بَلّغوا الدعوة حتى انتهت دماؤهم‪ ,‬ويذيل الحق الية بقوله‪ } :‬وَاللّ ُه لَ يُ ِ‬
‫ومعنى هذا التذييل أن المعركة يجب أن تدور في إطار الحق‪ ،‬ومثلما قلنا‪ :‬ما دام الناس متخلفين‬
‫عن المنهج فإن ال ل يظلمهم بل ستدور المعركة صراع بشر لبشر‪ ،‬والقادر من الطرفين هو‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذي يغلب‪ .‬فالحق سبحانه بالرغم من كراهيته للكفر إل انه ل يُحابي المسلم الذي ل يتمسك‬
‫بمطلوب اليمان؛ لذلك قد يغلب الكافر المسلم الذي ل يمسك بمطلوب اليمان‪ ،‬ولكن إن تمسك‬
‫حصَ اللّهُ‬
‫المؤمنون بمطلوب اليمان فالنصر مضمون لهم بأمر ال‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬وَلِ ُيمَ ّ‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)531 /‬‬
‫حقَ ا ْلكَافِرِينَ (‪)141‬‬
‫حصَ اللّهُ الّذِينَ َآمَنُوا وَ َيمْ َ‬
‫وَلِ ُيمَ ّ‬

‫والتمحيص يختلف عن المحْق‪ ،‬لن التمحيص هو تطهير الشياء وتخليصها من العناصر الضارة‪،‬‬
‫أما المحق فهو الذهاب بها كلها‪ .‬ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَ ْدخُلُواْ الْجَنّ َة وََلمّا َيعْلَمِ‬
‫اللّهُ‪} ...‬‬

‫(‪)532 /‬‬
‫أَمْ حَسِبْ ُتمْ أَنْ تَ ْدخُلُوا ا ْلجَنّ َة وََلمّا َيعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِ ْنكُ ْم وَ َيعْلَمَ الصّابِرِينَ (‪)142‬‬

‫إن اليمان ليس مجرد كلمة تقال هكذا‪ ،‬بل ل بد من تجربة تثبت أنكم فُتِنْتُم ونجحتم في الفتنة‪،‬‬
‫والفتنة هي المتحان‪ ,‬إذن فل تحسبوا أن المسألة سوف تمر بسهولة ويكتفي منكم أن تقولوا نحن‬
‫نحمل دعوة الحق‪ ،‬ل‪ .‬إذا كنتم صادقين في قولكم يلزمكم أن تكونوا أسوة حين يكون الحق‬
‫ضعيفا؛ فالحق حين يكون قويا فهو ل يحتاج إلى أسوة‪ .‬بل قضية اليمان الحق تحتاج إلى السوة‬
‫وقت الضعف‪ .‬ودخول الحنة له اختبار يجب أن يجتازه المؤمن‪.‬‬
‫والحق يقول‪ { :‬وََلمّا َيعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُ ْم وَ َيعْلَمَ الصّابِرِينَ } وعندما نسمع ذلك فعلينا أن‬
‫نعرف أن ال يعلم علما أزليا من المجاهد ومن الصابر‪ ،‬ولكنه علم ل تقوم به الحُجة على الغير‪،‬‬
‫فإذا حدث له واقع صار حُجة على الغير‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪ { :‬وََلقَدْ كُنْ ُتمْ َتمَ ّنوْنَ ا ْل َموْتَ مِن‬
‫قَ ْبلِ أَن تَ ْلقَ ْوهُ َفقَدْ رَأَيْ ُتمُو ُه وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }‬

‫(‪)533 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَلَقَدْ كُنْتُمْ َتمَ ّنوْنَ ا ْل َموْتَ مِنْ قَ ْبلِ أَنْ تَ ْل َق ْوهُ َفقَدْ َرأَيْ ُتمُو ُه وَأَنْتُمْ تَ ْنظُرُونَ (‪)143‬‬

‫وكان القوم الذي فاتهم شرف الشتراك في بدر قد أرادوا ان يذهبوا مع الرسول للمشاركة في‬
‫غزوة أُحُد‪ ،‬ويوضح لهم الحق‪ :‬أكنتم تظنون أن تمنى المعارك وحده يحقق النصر‪ ،‬وهل كنتم‬
‫تظنون أن كل معركة يدخلها المؤمنون ل بد أن تكون منتصرة؟ وإن كنتم تظنون أن المسألة هي‬
‫نصر لمجرد التمني‪ ،‬فمعنى ذلك أنكم دخلتم إلى معسكر اليمان من أجل الفأل واليُمن والنصر‪،‬‬
‫ونحن نريد ان نعرف من الذي يدخل معسكر اليمان وهو بائع روحه وهو مُحتسب حياته في‬
‫سبيل ال‪.‬‬
‫فلو أن المر يمر رخاء‪ ،‬لدخل كل واحد إلى معسكر اليمان‪ ،‬لذلك يقول الحق‪ { :‬أَمْ حَسِبْ ُتمْ أَن‬
‫تَ ْدخُلُواْ الْجَنّ َة وََلمّا َيعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَا َهدُواْ مِنكُ ْم وَ َيعْلَمَ الصّابِرِينَ }‪ .‬فهل ظننتم أنكم تدخلون الجنة‬
‫بدون أن يُخرج الحق على المل ما علمه غيبا‪ ،‬وتترجمه الحداث التي يجريها سبحانه فيصير‬
‫واقعا وحُجة عليكم‪ ،‬ويبرز ال سبحانه من الذين جاهدوا؛ أي دخلوا في زُمرة الحق‪ ،‬والذين‬
‫صبروا على الذى في الحق‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪ { :‬وََلقَدْ كُنْتُمْ َتمَ ّنوْنَ ا ْل َم ْوتَ مِن قَ ْبلِ أَن تَ ْلقَ ْوهُ َفقَدْ رَأَيْ ُتمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } أي إن ما‬
‫كنتم تتمنونه قديما صار أمامكم‪ ،‬فلو أن التمني كان صحيحا لقبلتم على الموت كما تقبلون على‬
‫سلُ‪} ...‬‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ قَدْ خََلتْ مِن قَبْلِهِ الرّ ُ‬
‫الحياة‪ .‬ويقول سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬ومَا ُم َ‬

‫(‪)534 /‬‬
‫عقَا ِبكُمْ َومَنْ يَ ْنقَِلبْ‬
‫سلُ َأفَإِنْ مَاتَ َأوْ قُ ِتلَ ا ْنقَلَبْتُمْ عَلَى أَ ْ‬
‫حمّدٌ إِلّا َرسُولٌ َقدْ خََلتْ مِنْ قَبِْلهِ الرّ ُ‬
‫َومَا ُم َ‬
‫عقِبَيْهِ فَلَنْ َيضُرّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ (‪)144‬‬
‫عَلَى َ‬

‫ونحن نعرف ان رسول ال صلى ال عليه وسلم اسمه الول هو " محمد " ‪ ،‬وله اسم ثانٍ عرفناه‬
‫من القرآن وجاء في النجيل هو " أحمد "‪ {:‬وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي ِإسْرَائِيلَ إِنّي َرسُولُ‬
‫حمَدُ فََلمّا جَا َءهُم‬
‫سمُهُ أَ ْ‬
‫اللّهِ إِلَ ْيكُم ّمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ َي َديّ مِنَ ال ّتوْرَا ِة َومُبَشّرا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن َب ْعدِي ا ْ‬
‫بِالْبَيّنَاتِ قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ مّبِينٌ }[الصف‪]6 :‬‬
‫وقد ورد اسمه صلى ال عليه وسلم " مُحمد " في القرآن أربع مرات‪ ،‬و " أحمد " وردت مرة‬
‫واحدة‪.‬‬
‫حمّدٌ ِإلّ َرسُولٌ َقدْ خََلتْ مِن قَبِْلهِ‬
‫والية التي نحن بصددها‪ ،‬وهي آية ذكر فيها اسم محمد‪َ { :‬ومَا مُ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمّدٌ أَبَآ َأحَدٍ مّن رّجَاِلكُ ْم وَلَـاكِن رّسُولَ اللّ ِه َوخَاتَمَ النّبِيّينَ‬
‫سلُ }‪ .‬ولنقرأ قول الحق‪ {:‬مّا كَانَ مُ َ‬
‫الرّ ُ‬
‫شيْءٍ عَلِيما }[الحزاب‪]40 :‬‬
‫َوكَانَ اللّهُ ِب ُكلّ َ‬
‫حمّ ٍد وَ ُهوَ ا ْلحَقّ مِن رّ ّبهِمْ‬
‫ت وَآمَنُواْ ِبمَا نُ ّزلَ عَلَىا مُ َ‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَا ِ‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫َكفّرَ عَ ْنهُمْ سَيّئَا ِتهِ ْم وََأصْلَحَ بَاَلهُمْ }[محمد‪]2 :‬‬
‫حمَآءُ بَيْ َنهُمْ تَرَا ُهمْ‬
‫حمّدٌ رّسُولُ اللّ ِه وَالّذِينَ َمعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى ا ْل ُكفّارِ رُ َ‬
‫وها هو ذا القول الكريم‪ {:‬مّ َ‬
‫ضوَانا }[الفتح‪]29 :‬‬
‫ُركّعا سُجّدا يَبْ َتغُونَ َفضْلً مّنَ اللّ ِه وَ ِر ْ‬
‫سمّى؛ بحيث إذا ذُكر السم جاء إلى الذهن المسمى‪ ،‬فإذا اشترك‬
‫والسم هو ما وُضع عَلَما على الم َ‬
‫اثنان في بيئة واحدة في اسم؛ فل بد من التمييز بينهما بوصف‪ .‬فإذا كان في أسرة واحدة ولدان‬
‫اسم كل واحد منهما مُحمد‪ ،‬فل بد أن نميز بين الثنين بصفة‪ ،‬وفي الريف نجد من يسمى " مُحمدا‬
‫الكبير " و " مُحمدا الصغير "‪.‬‬
‫وكلمة " مُحمد " وكلمة " أحمد " مشتركتان في أصل المادة؛ لنهما من " الحاء والميم والدال "‬
‫فالمادة هي الحمد‪ ،‬إل أن التوجيه الشتقاقي في محمد غير التوجيه في أحمد‪ ،‬لن السم قبل أن‬
‫يكون علما إذا خرجت به عن معناه الصلي‪ ،‬انحل عن معناه الصلي‪ ،‬وصار علما على‬
‫الشخص‪.‬‬
‫ولذلك قد نجد رجل له جارية سوداء فيسميها " قمرا " وقد يكون للرجل عبد شقي فيسميه‪ " :‬سعيدا‬
‫"‪ .‬فإذا صار السم علما على شيء فإنه ينتقل من معناه الصلي ويصير عَلَما على المسمّى‪ ،‬لكن‬
‫الناس حين تُسمى أبناءها تلمح التفاؤل في أن يصير المعنى الصلي واقعا‪.‬‬
‫والدميمة التي يسميها صاحبها " قمرا " افتقدت جمال المسمى‪ ،‬ولذلك فهو يريد لها أن تأخذ جمال‬
‫حمْد من غيرها‪،‬‬
‫السم‪ ..‬وكلمة " مُحمد " حين ننظر إليها في الشتقاق نجد انها ذاتٌ يقع عليها ال َ‬
‫مثلما تقول‪ :‬فلن مكرّم أي وقع التكريم من الغير عليه‪.‬‬
‫وكلمة " أحمد " نجدها ذاتا وقع عليها الحمد لغيرها‪.‬‬
‫وعندما نقول‪ :‬مُكرّم ‪ -‬بضم الميم وفتح الكاف مع تشديد الراء مكسورة ‪ -‬أي وقع التكريم منه‬
‫لغيره‪ .‬ونحن عندنا اسمان لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬في القرآن وكلهما من مادة " الحمد "‬
‫فـ " محمد " ملحوظ فيه أن الحمد وقع عليه كثيرا من غيره‪ .‬لكن لو كان المراد أن الحمد وقع‬
‫عليه دون الكثرة فيه لكان اسم " محمود " هو الذي يطلق عليه فقط‪.‬‬
‫أما " أحمد " فقد قلنا إنه ملحوظ فيها أن الحمد وقع منه لغيره‪ .‬و " أحمد " تتطابق مع أفعل‬
‫التفضيل فنحن نقول‪ " :‬فلن كريم وفلن أكرم من فلن "‪ .‬إذن فـ " أحمد " أي وقع منه الحمد‬
‫لغيره كثيرا‪ ،‬فلو كان الحمد قد وقع منه بقدر محدود لقلنا " حامد "‪ .‬إذن فـ " أحمد " مبالغة في "‬
‫حامد " وقع منه الحمد لغيره كثيرا فصار أحمد‪ .‬و " محمد " مبالغة في " محمود " ‪ ،‬وقع عليه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحمد من غيره كثيرا فصار محمدا‪.‬‬
‫إذن فرسول ال صلى ال عليه وسلم جمع له ال بين المرين؛ فهو محمد من ال وحامد ل؛ لن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم جمع ال له بين مقامين‪ :‬مقام الصطفاء ومقام المجاهدة‪،‬‬
‫فبالصطفاء كان " محمدا " و " محمود " ‪ ،‬وبالمجاهدة كان " حامدا " و " أحمد "‪ .‬إذن نحن هنا‬
‫أمام مقامين اثنين لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أنا‬
‫محمد وأحمد والمقفى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة "‪.‬‬
‫وسيكون لذلك كلم ونحن نتناول هنا بالخواطر معركة أحُد‪ ،‬فبعد أن انحل القوم من الرماة عن‬
‫أمره‪ ،‬وحدثت الكرّة عليهم من المشركين القرسيين‪ ،‬بعد ذلك يتجه الصحابة هنا وهناك ليفروا‪،‬‬
‫ويتكتل المشركون على رسول ال لدرجة أن ابن قمئة يمسك حجرا ويضرب به حضرة النبي‬
‫عليه الصلة والسلم فيكسر رَبَاعِيّته‪ .‬وتنغرز في وجنتي الرسول حلقتا المغفر‪ ،‬ويسيل منه الدم‪،‬‬
‫ويحاول الرسول صلى ال عليه وسلم أن يصعد على صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع فجلس‬
‫تحته طلحة بن عبيد ال فنهض به حتى استوى عليها‪ .‬وكلها مجاهدات بشرية‪.‬‬
‫أما كان ال بقادر أن يُجنّب رسوله كل ذلك؟ إنه سبحانه قادر‪ .‬ولكن كل ذلك كان تكريما من ال‪،‬‬
‫ولم يرد سبحانه أن يحرم رسوله من لذة المجاهدة‪ ،‬وحتى يعرّف ال المؤمنين بمحمد نقول‪ :‬إن ال‬
‫ل مؤمن على أن رسول ال حينما حدث له ما‬
‫لم يأت بمحمد ليدللـه على خلقه‪ ،‬ولكن لي ُدلّ ُك ّ‬
‫حدث قد ذاق المجاهدة؛ فقد فر بعض المقاتلين من المعركة في أحد‪ ،‬وكادت ريح الهزيمة تهب‬
‫على معسكر اليمان‪ ،‬ها هو ذا سيدنا أبو عبيدة رضي ال عنه يذهب إلى رسول ال فيجد حلقتي‬
‫المغفر في وجنتيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيحاول سيدنا أبو بكر أن يخلع حلقتي المغفر‪ ،‬فيتألم‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيقول سيدنا أبو عبيدة‪:‬‬
‫ إليك يا أبا بكر‪.‬‬‫بال دعني‪.‬‬
‫ويمسك أبو عبيدة بإحدى الحلقتين وينزعها من وجه رسول ال صلى ال عليه وسلم فسقطت‬
‫ثنيته‪ ،‬ثم نزع الحلقة الخرى فسقطت ثنيته الخرى فكان أبو عبيدة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬ساقط‬
‫الثنيتين‪ ،‬وقال فيه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لكل أمة أمين‪ ،‬وأمين هذه المة أبو عبيدة بن‬
‫الجراح "‪ .‬وينزف دمه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وسيدتنا فاطمة يلهمها ال أن تأتي بقطعة من حصير‬
‫وتحرقها‪ ،‬وتأخذ التراب الباقي من الحريق وتضمد به الجرح‪ .‬إن ال لم يشأ أن يحرم رسوله لذة‬
‫المجاهدة‪.‬‬
‫ويأتي أنس بن النضر ويجد الصحابة وفيهم عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد ال وقد ألقوا ما‬
‫بأيديهم‪ ،‬فيسألهم أنس‪ :‬ما يجلسكم؟ فيقولون‪ :‬قُتل رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيقول‪ :‬فماذا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ثم‬
‫استقبل القوم من المشركين فقاتل حتى قتِل‪.‬‬
‫حمّدٌ ِإلّ َرسُولٌ { أي اسمعوا‪ .‬هذا‬
‫هذه كلها مواقف لم تكن تأتي وتظهر إل بهذه المعركة‪َ } .‬ومَا مُ َ‬
‫محمد وهذه منزلته‪ ،‬هو رسول من ال جاء بعد عيسى بن مريم‪ ،‬وكان من الواجب أن نعلم أن‬
‫سلُ‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ قَدْ خََلتْ مِن قَبْلِهِ الرّ ُ‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم مؤكد على بشريته‪َ } .‬ومَا ُم َ‬
‫عقَابِكُمْ {‪.‬‬
‫علَىا أَ ْ‬
‫أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ ا ْنقَلَبْتُمْ َ‬
‫وهل انقلب أتباع الرسل السابقين على أعقابهم حينما ماتت رسلهم؟ فكيف تكونون أقل شأنا من‬
‫هذه المم؟ هبوا أن ذلك قد حدث‪ ،‬فلماذا ل يبقى الخير الذي بلغه فيكم رسول ال إلى يوم القيامة؟‬
‫الرجل الذي يكون قد صنع خيرا يموت بموته‪ ،‬أيكون قد صنع شيئا؟ ل؛ فالذي يريد أن يصنع‬
‫خيرا فعليه أن يصنع خيرا يخلفه‪.‬‬
‫لذلك فالزعامات الفاشلة هي التي يكون الفرد فيها زعيما‪ ،‬ثم يموت ونبحث عن زعيم بعده فل‬
‫نجد ونتساءل‪ :‬لماذا خنق الزعيم أصحابه وزملءه؟ أكان خائفا منهم؟ ونظل نتمنى أن يكون قد‬
‫ربّى الزعيم أناسا‪ ،‬فإذا ما ذهب نجد من يخلفه‪ ،‬فل يوجد إنسان يضمن حياته؛ لذلك يقول الحق‪} :‬‬
‫سلُ {‪.‬‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ قَدْ خََلتْ مِن قَبْلِهِ الرّ ُ‬
‫َومَا ُم َ‬
‫حمّدٌ ِإلّ َرسُولٌ { فهذا أسلوب اسمه أسلوب القصر‪ .‬إنه‬
‫وساعة تسمع القول الكريم‪َ } :‬ومَا مُ َ‬
‫سبحانه وتعالى يقصر محمدا على الرسالة‪ .‬فإذا قصر محمد صلى ال عليه وسلم على الرسالة‬
‫فهذا يعني أن بعض المعاصرين له كانوا يعتقدون أن محمدا أكبر من رسول ول يموت‪.‬‬
‫فأوضح ال سبحانه أن محمدا رسول‪ ،‬وقد خلت من قبله الرسل‪ ،‬ولن يخلد ال أحدا‪.‬‬
‫وهل غاب ذلك عن الذهن؟ نعم كان ذلك يغيب عن الذهن بدليل أنه حتى بعد أن نزلت هذه الية‬
‫وصارت قرآنا يُتلى‪ ،‬نجد أن سيدنا عمر رضي ال عنه وكانت له فطرة صافية توافق وحي ال‪،‬‬
‫إنه محدّث مُ ْلهَم‪.‬‬
‫ها هو ذا عمر بن الخطاب حينما مات رسول ال صلى ال عليه وسلم وانتقل إلى رحاب ال‬
‫يقول‪ :‬وال ما مات رسول ال صلى ال عليه وسلم ول يموت حتى يقطع أيدي أناس من المنافقين‬
‫كثير وأرجلهم‪ .‬قال عمر بن الخطاب ذلك من هول الفاجعة ونسي الية فيأتي سيدنا أبو بكر‬
‫فيقول‪ :‬من كان يعبد ال فإن ال حيّ لم يمت‪ ،‬ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات‪ ،‬وتل قوله‬
‫عقَابِكُمْ َومَن‬
‫علَىا أَ ْ‬
‫سلُ أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ ا ْنقَلَبْتُمْ َ‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ قَدْ خََلتْ مِن قَبْلِهِ الرّ ُ‬
‫تعالى‪َ } :‬ومَا مُ َ‬
‫عقِبَيْهِ فَلَن َيضُرّ اللّهَ شَيْئا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِين {‪ .‬فقال عمر بن الخطاب‪ " :‬فلكأني‬
‫يَنقَلِبْ عَلَىا َ‬
‫لم أقرأها إل يومئذ "‪.‬‬
‫ثم إن عمر بعد أن بايع المسلمون أبا بكر بالخلفة قال‪ :‬أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة‪ ،‬وإنها لم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تكن كما قلت‪ ،‬وإني وال ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله ال‪ ،‬ول في عهد عهده‬
‫إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫حتى يَدْبُرنا فاختار ال عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم‪ ،‬وهذا الكتاب الذي هدى ال‬
‫به رسوله فخذوا به تهتدوا كما َه ِديَ له رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهذه تعطينا أمرين اثنين‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬هو عِشق الصحابة لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والمر الثاني‪ :‬هو حاجة إيمان؛ فالعشق ل يستقيم ول يصح أن يخرجنا عن طور التصور‬
‫اليماني؛ فعمر بن الخطاب قال‪ :‬عندما سمعت أبا بكر يتلو هذه الية عرفت حتى ما تقلني‬
‫رجلي‪ ،‬وحتى هويت على الرض‪.‬‬
‫سلُ { يعني ل ترتفعوا به أنتم أيها‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ قَدْ خََلتْ مِن قَبْلِهِ الرّ ُ‬
‫إذن فقوله سبحانه‪َ } :‬ومَا مُ َ‬
‫المؤمنون برسالته فوق ما رفعته أنا‪.‬‬
‫عقِبَيْهِ { أي يَرجع‪ .‬فهل هذا الرجوع رجوع عن المعركة؟ أو رجوع عن‬
‫ومعنى } يَنقَِلبْ عَلَىا َ‬
‫أصل التشريع وأصل الديانة وأصل الرسالة التي جاء بها محمد؟ إن هذا يصح‪ ،‬وذلك يصح‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ } :‬أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ { قول واضح‪ ،‬وسبق أن تعرضنا إلى الموت وإلى القتل‪ ،‬وقلنا‪:‬‬
‫إن الموت والقتل مؤداهما واحد‪ ،‬وهو الذهاب بالحياة‪ ،‬إل أن الذهاب بالحياة مرة يكون بنقض‬
‫ل بمواصفاتها‪ ،‬فإن نقضت البنية ولم تجد الروح المسكن الملئم‬
‫البنية التي ل تسكن الروح فيها إ ّ‬
‫لها تتركه‪ ،‬لكن الموت على إطلقه‪ :‬هو أن تذهب الحياة بدون نقض البنية‪ ،‬فالنسان يذهب حتف‬
‫أنفه‪ ،‬أي نجده قد مات وحده‪.‬‬
‫إذن فنقض البنية يؤدي إلى ذهاب الحياة بالقتل؛ لن الروح ل تسكن في مادة إل بمواصفات‬
‫خاصة‪ ،‬فإذا انتهت هذه المواصفات ذهبت الروح‪ .‬لكن عندما تذهب الروح بمفردها بدون نقض‬
‫للبنية فهذا هو الموت ل القتل‪.‬‬
‫وال سبحانه يقول‪ } :‬أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ { ذلك أنهم أشاعوا أن النبي قد قتل‪ .‬وكيف يجوز ذلك على‬
‫ص ُمكَ مِنَ النّاسِ }[المائدة‪]67 :‬‬
‫الصحابة وال قد قال‪ {:‬وَاللّهُ َي ْع ِ‬
‫وهنا نقول‪ :‬هل أنت علمت أن هذه الية قد نزلت قبل أُحد أو بعدها؟ وهل أنت حسن الظن بأن‬
‫كل صحابي يكون مستحضرا لكل آيات القرآن في بؤرة شعوره؟ أل ترى أنهم عندما سمعوا خبر‬
‫قتله هربوا‪ ،‬وإذا كان سيدنا عمر قد نسي هذه الية‪ } :‬أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ { كما أنه يحتمل أن يكون‬
‫المراد من عصمة ال رسوله من الناس أنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يحفظه من فتنة الناس وإذللهم‪.‬‬
‫هكذا أراد ال أن تمثل لنا معركة أُحد كل الطوائف والصناف التي تُنسب إلى اليمان تمثيل‬
‫يتضح في موقف ابن أُبيّ حيث انخذل وانقطع عن رسول ال بثلث القوم‪ ،‬ومرحلة أقل منها‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تتمثل في طائفتين َهمّتا‪ ،‬ثم شاء ال أن يربط على قلوبهما فيظل مع رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬ولما نشبت المعركة كان للرماة موقف في المعركة الُحدية‪.‬‬
‫فحين رأوا النصر أول ورأوا الغنائم سال لعاب بعضهم على الغنائم‪ ،‬فحصل انشقاق فيهم‪ ،‬فعبد‬
‫ال بن جبير وهو رئيس الرماة ومعه من القلة يُصر على تنفيذ أمر رسول ال فيقاتل حتى‬
‫استشهد‪ ،‬واستشهدوا وهؤلء هم الذين أرادوا الخرة‪ .‬بينما كان هناك قوم آخرون أرادوا الغنائم‪،‬‬
‫وحيما أشيع أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قُتل فرت البقية الباقية من الرماة وغيرهم من‬
‫المعركة‪ ،‬ورسول ال ينادي القوم‪ " :‬إليّ عباد ال إليّ عباد ال "‪.‬‬
‫كل هذه مصاف إيمانية تمثل لنا كيف يُصفى ال مواقف المنسوبين إليه‪ .‬وتظهر وتوضح موقف‬
‫كل واحد‪ ،‬وأنه مفضوح إيمانيا إن وقف موقفا يخالف منهج ال‪ .‬كان رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬في هذا الوقت ‪ -‬في موقف النهاك لقوته البشرية لدرجة أننا قلنا‪ :‬إنه أراد أن يصعد فلم‬
‫تَقو مادته البشرية‪ ،‬فطأطأ طلحة ظهره ليصعد النبي عليه‪ ،‬وهو في هذه المرحلة من النهاك‬
‫المادي البشري يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعطيه من القوة في هذا الضعف وفي هذا النهاك‬
‫ما يقف به أمام جبار من جبابرة قريش‪.‬‬
‫كان هذا الجبار يتهدده‪.‬‬
‫ولو أن الموقف كان موقف قوة لرسول ال أكان من المعقول أن ينتصر رسول ال على جبار‬
‫قريش؟‬
‫ولكن ال يريد أن يُرينا تأييد ال لرسوله‪ ،‬في موقف إنهاكه وكيف يقف من جبار قريش هذا‬
‫الموقف‪ ،‬هذا الجبار هو " أبي بن خلف الجمحي " وكانت عنده َرمَكة فيقول لرسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ :‬هذه الرمكة أنا أعلفها كل يوم فَرَقا من ذرة لقتلك عليها‪ .‬فيقول له رسول ال قولة‬
‫الواثق من أن ربه لن يخذله‪ " :‬بل أنا أقتلك إن شاء ال "‪.‬‬
‫لم يلتق هذا الرجل مع رسول ال وهو في قوته‪ ،‬ولكنه جاء لرسول ال وهو في هذا الموقف الذي‬
‫أثخنته فيه الجراح وكسرت رباعيته ودخلت خلقتا المغفر في وجنتيه وسال دمه‪ .‬وبعد ذلك يأتي‬
‫إليه هذا الرجل " أبي بن خلف الجمحي " وهو يقول‪ :‬أين محمد؟ ل نجوت إن نجا‪ ،‬فقال القوم‪ :‬يا‬
‫رسول ال أيعطف عليه رجل منا؟‬
‫فيشير إليهم رسول ال أن اسكتوا‪ .‬إنه ‪ -‬رسول ال ‪ -‬ليريد قوة لقوة‪ ،‬ولكنه علم أن أُبَيّا قد‬
‫عرف أن رسول ال منهك فجاء في هذا الوقت‪ ،‬فأخذ رسول ال الحربة‪ ،‬وضرب أبي بن خلف‬
‫بها فنالت منه‪ ،‬فسقط من على فرسه يخور كما يخور الثور‪ ،‬فقال له أصحابه‪ " :‬ل بأس عليك يا‬
‫أُبيّ‪ ،‬ما أجزعك‪ :‬إنما هو خدش "‪.‬‬
‫وهذا الذي قتله رسول ال صلى ال عليه وسلم هو الذي اشتد عليه غضب ال تعالى لما رواه ابن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عباس رضي ال عنهما قال‪ " :‬اشتد غضب ال على مَنْ قتله رسول ال صلى ال عليه وسلم بيده‬
‫في سبيل ال واشتد غضب ال على قول َد َموْا وجه رسول ال صلى ال عليه وسلم "‪.‬‬
‫ولننظر كيف أن الذين عادوا رسول ال صلى عليه وسلم استكبارا وعنادا‪ ،‬ولم يعادوه عقيدة قلبية‪،‬‬
‫إنهم يعتقدون صدقة‪ ،‬ويعتقدون حُسن بلغه عن ال‪ ،‬ويتحقق ذلك من قوله سبحانه وتعالى‪{:‬‬
‫سدِينَ }[النمل‪]14 :‬‬
‫سهُمْ ظُلْما وَعُُلوّا فَانْظُرْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِبَةُ ا ْلمُفْ ِ‬
‫حدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫وَجَ َ‬
‫فما هو الستيقان هنا؟ لقد قال أصحاب أبيّ له‪ :‬ما أجزعك إنما هو خدش فقال أبيّ‪ :‬والذي نفسي‬
‫بيده لو كان الذي بي بأهل الحجاز لماتوا جميعا‪ .‬لكن أصحاب أبي قالوا له مرة أخرى‪ :‬ل بأس‬
‫عليك يا أبي إنه خدش بسيط‪ .‬لكنْ أبي يقول‪:‬‬
‫ ل وال لقد علمت أنه يقتلني؛ لنه قال لي بمكة‪ " :‬أنا قاتلك إن شاء ال " فوال لو بصق علي‬‫لقتلني‪ .‬فمات وهم قافلون به إلى مكة‪.‬‬
‫هذا يحدث من رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو في موقف الضعف والنهاك‪ ،‬ويشاء له ال أن‬
‫يقتل جبارا من جبابرة قريش وهو في هذه الحالة‪.‬‬
‫إن كان ذلك لدلة تثبت لهم أن البشرية المادية ل علقة لها مطلقا بمدد النصر من ال؛ فال يمُد‬
‫رسوله حتى في وقت الضعف‪ .‬ومدده سبحانه لرسوله وقت ضعف الرسول هو إعلم بقيوميته‬
‫سبحانه على جنوده؛ لنهم لو ظلوا أقوياء لقيل في عرف البشر‪ :‬أقوياء وغلبوا‪.‬‬
‫لكن ها هو ذا الرسول يصيب الجبار من قريش في مقتل والرسول ضعيف‪ ،‬وبعد ذلك يعطي‬
‫الحق سبحانه لرسول ال أشياء إيمانية تزيده ثقه بأنه هو رسول ال‪ ،‬وتزيد المؤمنين ثقة بانه‬
‫رسول ال‪ .‬لقد خرج إلى المعركة وهو يعلم بما سيكون فيها؛ لنه قال‪ " :‬إني قد رأيت وال خيرا‬
‫رأيت بقرا تُذبح ورأيت في ذباب سيفي ثَ ْلمّا‪ ،‬ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها‬
‫المدينة "‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لقد رأيتني يوم أحد وما في الرض قربى مخلوق غير جبريل عن‬
‫يميني وطلحة عن يساري "‪.‬‬
‫إذن فالمعركة بكل أحوالها عُرضت عليه‪ ،‬ومع ذلك أقبل رسول ال على المعركة ليستدل من ذلك‬
‫على أن ال أعطاه المناعة قبل أن يخوض المعركة‪ .‬هذا ما يتعلق به صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لقد‬
‫رأى فأول‪ ،‬وأما الذي يتعلق بالناس‪ ،‬فيأتي إلى واحد من قتلى المعركة ‪ -‬وقتلى المعركة‪ ،‬ل‬
‫يُغسلون؛ لن الذي يغسل هو من يموت في غير معركة ‪ -‬يأتي الرسول إلى واحد من هؤلء‬
‫الشهداء فيقول‪ " :‬إن صاحبكم لتغسله الملئكة " ‪ -‬يعني حنظلة ‪ -‬المؤمنون يرون أنه صلى ال‬
‫عليه وسلم قد خرج عن القاعدة في الشهداء‪ .‬كيف؟ لقد أخبر الرسول صلى ال عليه وسلم بالخبر‬
‫بعد ذلك‪ ..‬ول يُخرج حنظلة عن قانون الشهداء أنه يُغسّل‪ ..‬ولكن الذي يغسله هم الملئكة‪ ..‬إن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الملئكة تغسل حنظلة‪.‬‬
‫وبعد أن رجع رسول ال إلى المدينة يسأل أهله ما شأنه‪ ..‬فيعلم أن حنظلة قد دخل بعروسه‪ ..‬ثم‬
‫غسْل الملئكة له‪ ،‬لقد‬
‫نودي للمعركة‪ ..‬فأعجله نداء المعركة‪ ..‬فذهب إلى المعركة جُنبا‪ ..‬فذلك ُ‬
‫تأكد الخبر من زوجة حنظلة‪ ..‬إذن فهذه شهادة أخرى أن ال سبحانه وتعالى لم يتخل عنهم في‬
‫أوقات الضعف‪ ،‬وأن تلك العملية كانت عملية مقصودة‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى يعطي الرسول صلى ال عليه وسلم أشياء لتؤكد لنفسه أنه رسول ال‪ .‬ألم‬
‫نقل سابقا‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم جاء له صحابته فقالوا يا رسول ال‪ :‬إن جابر بن‬
‫عبد ال عليه دين ليهودي وأجل الدين إلى جَزّ التمر وتمُره خَاسَ هذا العام أي فسد من آفةٍ مثلً‬
‫فنحب يا رسول ال أن تطلب من اليهودي أن يُنظر جابرا ‪ -‬أي ينتظر عليه ويؤخره إلى وقت‬
‫آخر ‪ -‬فذهب رسول ال إلى اليهودي وطلب منه أن يُنظر جابرا‪ ،‬فلم يرض اليهودي وقال‪ :‬ل يا‬
‫أبا القاسم‪.‬‬
‫فأعاد عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال اليهودي‪ :‬ل يا أبا القاسم‪ .‬فأعاد عليه الرسول‬
‫مرة ثالثة فقال اليهودي‪ :‬ل يا أبا القاسم‪ ..‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم بثقة اليمان بال ما‬
‫معناه‪ :‬يا جابر اذهب بي إلى بستانك‪.‬‬
‫وذهب رسول ال فجاس خلل النخل‪ ،‬ثم ذهب إلى عريش جابر الذي يجلس فيه‪ ،‬واضطجع‬
‫وقال‪ :‬يا جابر جز واقض‪ .‬قال جابر‪ :‬فذهبت فجززت‪ ،‬فإذا ما جززته يؤدي ما عليّ لليهودي‬
‫ويبقى لي مالم يبق لي وأنا غير مدين‪ .‬فلما بلغ ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫" أشهد أني رسول ال "‪ .‬إن الحق سبحانه يعطي رسوله بينات توضح أنه رسول ال‪ ،‬فاليهودي لم‬
‫يرض بشفاعة النبي‪ ،‬فيعطي ال رسوله ما يؤكد أنه رسول ال‪ .‬وهكذا نرى أن ال يعطي رسوله‬
‫في وقت الضعف الدلة التي تؤكد له أنه رسول ال‪ .‬والذي يدل على ذلك هؤلء الذين أحبوا أن‬
‫يؤذوه في اسمه‪ .‬إنّ اسمه مُحمد كما نعرف‪ ،‬و " محمد " أي الممدوح من الكل‪ ،‬وبكثرة‪ ،‬فيأتي‬
‫خصومه ويريدون أن يهجوه وأن يلعنوه‪ ،‬فيصرفهم ال سبحانه وتعالى حتى عن شتم السم ل‬
‫المسمى فقط‪.‬‬
‫إن ال أراد أن يصعد العصمة‪ ،‬وأراد ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أل ينالوا بالسباب من اسم رسول ال‪ ،‬فألهم ال‬
‫خصوم رسول ال أن يسموا المشتوم عندهم " مذمما بدل من " محمد "‪ .‬وعندما يريدون اللعن‪،‬‬
‫فهم ل يلعنون السم محمدا ولكنهم يسبون السم الذي اختاروه وهو " مذمم " ‪ ،‬فيضحك رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم؛ عندما سمع ما قالته أم جميل امرأة أبي لهب‪.‬‬
‫" مذمما عصينا‪ ..‬وأمره أبينا‪ ..‬ودينه قلينا "‪ .‬وهي تقصد رسول ال صلى ال عليه وسلم فقد‬
‫حدث أن حمالة الحطب أتت رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها حجر فلما وقفت عليهما أخذ ال ببصرها عن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم فل ترى إل أبا بكر فقالت‪ :‬يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني وال لو‬
‫وجدته لضربت بهذا الحجر فاه أما وال إني لشاعرة وقالت ما قالت‪.‬‬
‫ويقول رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ " :-‬أل تعجبون لَما يصرف ال عني من أذى قريش‬
‫يشتمون مُ َذمّما ويلعنون مذمما وأنا محمد "‪.‬‬
‫هكذا نرى من أفواه الحاقدين على رسول ال أنه معصوم بإرادة ال‪ ،‬حتى السم أبعده ال عن‬
‫اللعن‪ ،‬أما المسمى فلن يلعن ولن يشتم‪.‬‬
‫إن ما حدث في غزوة أحد كان هو التربية الولى لصحابة رسول ال‪ ،‬والتأكيد على صدق بلغه‬
‫عن ال‪ .‬إن هذه المعركة قد صورت ذلك وجسدته‪ ،‬ولذلك حين نلحظ المعارك التي جاءت بعد‬
‫هذه المعركة فإننا ل نجد للمؤمنين هزيمة أبدا‪ ،‬لنهم صُفوا التصفية وربُوا التربية التي جعلت كل‬
‫واحد منهم عارفا أن ال يعلم ما يخفيه وإن لم يحسن البلء والجهاد فسيفضح ال ما في نفسه‪،‬‬
‫وسيعلن ال عنه؛ لذلك دخل كل مؤمن منهم المعارك وهو مقبل على الجهاد‪ ،‬كل المعارك بعد أُحد‬
‫جاءت نصرا وجاءت سلما‪.‬‬
‫وهنا يعلمنا الحق أن البقاء على منهج رسول ال صلى ال عليه وسلم هو النجاة وهو النصر‪،‬‬
‫عقَا ِبكُمْ‬
‫ويحذرنا سبحانه أل ينقلب المؤمن على عقبيه‪ ،‬قال لنا‪ } :‬أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ ا ْنقَلَبْتُمْ عَلَىا أَ ْ‬
‫عقِبَيْهِ فَلَن َيضُرّ اللّهَ شَيْئا وَسَ َيجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ {‪.‬‬
‫َومَن يَنقَِلبْ عَلَىا َ‬
‫عقِبَيْهِ { هي صورة حركية مادية مرئية‪ .‬وقد حدث ذلك من بعض الصحابة‬
‫} َومَن يَنقَِلبْ عَلَىا َ‬
‫في معركة أحُد‪ ،‬لقد فر البعض وانقلب بعضهم إلى المدينة‪ ،‬ومعنى " انقلب " أي أعطى ظهره‬
‫للمعركة بعد أن كان مواجها لعدوه‪ ،‬وهي مثل قوله‪ } :‬وَّلوُاْ الَدْبَارَ {‪.‬‬
‫عقَا ِبكُمْ { فيه انقلب حسي أيضا‪ ،‬وفيها كذلك انقلب نفسي‪ ،‬وهو‬
‫ولكن في قوله‪ } :‬ا ْنقَلَبْتُمْ عَلَىا أَ ْ‬
‫النصراف عن أصل الدين‪ ،‬ولذلك سيعرفنا الحق أن المنافقين بعد حدوث تلك الواقعة وبعد ما فشا‬
‫وذاع في الناس قتل الرسول كان لهم كلم‪ ،‬وضعاف اليمان كان لهم كلم آخر؛ فالمنافقون الذين‬
‫هم أكثر شرا من الكفار قالوا‪ :‬لو كان نبيّا لما قتل‪ ،‬ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم‪.‬‬
‫أما الذي آمنوا إيمانا ضعيفا فقالوا‪ :‬سنذهب إلى ابن أُ َبيّ ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان‪ .‬فيقف أنس‬
‫بن النضر قائل‪ :‬اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلء ‪ -‬أي المنافقون ‪ -‬وأعتذر إليك مما يقول‬
‫هؤلء ‪ -‬أي ضعاف اليمان ‪.-‬‬
‫لقد وزعها بالحق؛ فهو يبرأ إلى ال من قول المنافقين الذين قالوا‪ :‬إنهم سيعودون إلى دينهم القديم‪،‬‬
‫عقِبَيْهِ فَلَن َيضُرّ اللّهَ‬
‫ويعتذر ويستغفر عن ضِعاف اليمان‪ .‬ويقول سبحانه‪َ } :‬ومَن يَنقَلِبْ عَلَىا َ‬
‫ل وقبل أن يخلق شيئا من خلقه له كل صفات الكمال‪ ،‬إذن فأي صفة من‬
‫شَيْئا {‪ .‬لماذا؟ لن ال أز ً‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صفات الكمال لم تطرأ عليه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬من خلقه‪ ،‬إنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أوجد الكون بما فيه الخلق‬
‫لنه قادر‪ ،‬وأوجده لنه حكيم‪ ،‬وأوجده لنه عالم‪ ،‬إذن فخلق الخلق لم يزد ال صفة من صفاته‪،‬‬
‫فحين خلقكم وصنعكم أعطى لكم المنهج لتكونوا خلقا سويا‪ .‬إذن فالمصلحة تعود علينا نحن الخلق‪،‬‬
‫فكان يجب أن تنظروا إلى المناهج التي تأتي من ال على أنه ل نفع فيها ل‪ ،‬ولكن النفع فيها عائد‬
‫عليكم‪ .‬ولذلك جاءت الية من بعد ذلك لتقول‪ } :‬وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ { لن الشكر إنما يؤديه‬
‫العبد على نعمة‪ ،‬نعمة تمحيص وتعليم وبيان مكانة الرسول صلى ال عليه وسلم من ربه‪ .‬لقد تعلم‬
‫المؤمنون أن ال يستحق منهم الشكر على هذه النعم‪.‬‬
‫وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى قضية عامة‪ ،‬القضية العامة للناس جميعا هي‪َ } :‬ومَا كَانَ لِ َنفْسٍ أَنْ‬
‫َتمُوتَ ِإلّ بِإِذْنِ ال كِتَابا ّمؤَجّلً‪{ ...‬‬

‫(‪)535 /‬‬
‫َومَا كَانَ لِ َنفْسٍ أَنْ َتمُوتَ إِلّا بِِإذْنِ اللّهِ كِتَابًا ُمؤَجّلًا َومَنْ يُ ِردْ َثوَابَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَنْ يُرِدْ َثوَابَ‬
‫الْآَخِ َرةِ ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا وَسَ َنجْزِي الشّاكِرِينَ (‪)145‬‬

‫وساعة تسمع " ما كان " أي " ما ينبغي "‪ .‬فنحن في حياتنا نقول‪ :‬ما كان لك أن تضرب زيدا‪،‬‬
‫ونقصد أنه ما ينبغي أن تضرب زيدا‪ .‬فقوله‪َ { :‬ومَا كَانَ لِ َنفْسٍ أَنْ َتمُوتَ ِإلّ بِإِذْنِ ال } هذا القول‬
‫قد يدفع إلى التساؤل‪ :‬وهل الموت أمر اختياري؟ ل‪ ،‬ولكن تعبير الحق سبحانه له إيحاء؛ لنك‬
‫عندما تقول‪ :‬ما كان لفلن أن يفعل كذا‪ ،‬فهذا معناه أن لفلن أن يختار أن يفعل ذلك أو ل يفعله‪،‬‬
‫وفي قدرة فلن أن يفعل أو ل يفعل‪ .‬أما عن قدرة ال فل يمكن أن يقول أحد ذلك‪.‬‬
‫إننا نفهمه على فرض أن النفس تدفع نفسها إلى موارد التهلكة‪ ،‬فما لها أن تموت إل أن بأذن ال‪.‬‬
‫فإذا كانت النفس هي التي تدفع نفسها إلى موارد التهلكة‪ ،‬ومع ذلك ل تملك أن تموت‪ ،‬فكيف إذا‬
‫لم تدفع نفسها إلى موارد التهلكة‪ .‬إذن فالموت إن أرادته النفس فلن يأتي إل أن يكون ال قد أذن‬
‫بذلك‪ .‬وإننا نجد في واقع الحياة صورا شتى من هذه الصور‪.‬‬
‫نجد من يضيق ذرعا بهذه الحياة؛ لن طاقته اليمانية ل تتسع للبلء والكد في الدنيا فينتحر‪ ،‬إنه‬
‫يريد أن يفر مما ل يقدر على دفع أسبابه‪ .‬أما الذي يملك الطاقة اليمانية الرحبة فأي شقاء أو بلء‬
‫ي ربي فهو المربي الحكيم الذي يعرف مصلحتي أكثر مما‬
‫يقابله يقول‪ :‬إن لي ربا‪ ،‬وما أجراه عل ّ‬
‫أعلم‪ ،‬ولعل هذا البلء كفارة لي عن ذنب‪.‬‬
‫وهذا عكس من يفر مما ل يقدر على دفع أسبابه‪ ،‬فيحاول أن يقتل نفسه‪ ،‬وكل منا قد رأى أو سمع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عن بعض الذين يريدون ذلك لكن يتم إنقاذهم ويدركهم من ينفذ مشيئة ال في إنقاذهم‪ ،‬كغسيل‬
‫المعدة لمن ابتلع أقراصا سامة‪ ،‬أو إطفاء حريق من أشعل في نفسه النار‪ .‬فالمنتحر يريد لنفسه‬
‫الموت ولكن ال إذا لم يأذن‪ ،‬فل يبلغه ال هذا‪ ،‬فقد تجد مُنتحرا يريد أن يطلق على نفسه رصاصة‬
‫من مسدس فل تنطلق الرصاصة‪ ،‬أو تجد منتحرا آخر يريد أن يشنق نفسه بحبل معلق في السقف‬
‫فينقطع الحبل‪ ،‬لماذا؟ ل يقبض الحياة إل من وَهَب الحياة‪.‬‬
‫قد يقول قائل‪ :‬ولكن هناك المقتول الذي يقتله إنسان آخر‪ .‬وهنا يرد المثل الشعبي‪ :‬لو صبر القاتل‬
‫على المقتول لمات بمفرده‪ ،‬إن اللحظة التي تفارق الروح مادة الجسد موقوتة بأجل محدود‪ ،‬فمرة‬
‫تأتي اللحظة بدون سبب‪ ،‬فيموت النسان حتف أنفه‪ ،‬ويقول أصدقاؤه‪ :‬لقد كان معنا منذ قليل‪ .‬إنهم‬
‫ينسون أنه مات لنه يموت بكتاب مؤجل‪.‬‬
‫ولذلك نجد إنسانا يسعى إلى عافية الحياة‪ ،‬فيذهب إلى إجراء جراحة ما‪ ،‬وأثناء إجراء الجراحة‬
‫يموت‪.‬‬
‫ورحم ال أمير الشعراء أحمد شوقي حين يقول في ذلك‪:‬في الموت ما أعيا وفي أسبابه كل امرئ‬
‫رهن بطيّ كتابهأسد لعمرك من يموت بظفره عند اللقاء كمن يموت بنابهإن نام عنك فكل طب‬
‫نافع أو لم ينم فالطب من أذنابهإن الكتاب إذا انطوى فقد انتهى المر‪ ،‬حتى عندما يلتقي النسان‬
‫بأسد‪ ،‬فيستوي الموت بالناب‪ ،‬كالموت بظفر السد‪ .‬فإن نام الموت عن النسان فقد يشفيه من‬
‫أمراضه قرص دواء أو جرعة ماء‪ .‬أما إن استيقظ الموت فالطب والعلج قد يكون ذَنَبَا أو أداة‬
‫للموت‪ ،‬والقاتل كل ما فعله أنه نقض بنْية المقتول‪ ،‬وهذا هو ما يعاقب عليه‪.‬‬
‫إذن فقول الحق‪َ } :‬ومَا كَانَ لِ َنفْسٍ أَنْ َتمُوتَ ِإلّ بِِإذْنِ ال كِتَابا ّمؤَجّلً { يطلق قضية عامة‪.‬‬
‫والكتاب المؤجل يطلق مرة على زمن العمر كله‪ ،‬ومرة يطلق على النهاية النهائية منه‪ ،‬والنهاية‬
‫النهائية هي الموت الحقيقي‪ .‬فالقاتل حين ينقض بنية القتيل إنما يوافق الجل المكتوب الذي أراده‬
‫ال‪ .‬لكن لماذا نعاقب القاتل إذن؟ نحن نعاقبه لنه نقض بنية إنسان آخر‪.‬‬
‫والحق يقول‪َ } :‬ومَا كَانَ لِ َنفْسٍ أَنْ َتمُوتَ ِإلّ بِِإذْنِ ال كِتَابا ّمؤَجّلً {‪ .‬ولنلحظ قوله‪ } :‬بِِإذْنِ ال‬
‫{ فهي تدلنا على أن ال هو الذي يطلق الذن‪ .‬والذن يكون للملئكة ليقوموا بهذه المسألة‪ ،‬ولذلك‬
‫نجد القرآن الكريم حين يتعرض لهذه المسألة يسند مرة هذه العملية ل فيقول سبحانه‪ {:‬اللّهُ يَ َت َوفّى‬
‫سلُ‬
‫سكُ الّتِي َقضَىا عَلَ ْيهَا ا ْل َم ْوتَ وَيُرْ ِ‬
‫الَنفُسَ حِينَ َموْتِـهَا وَالّتِي لَمْ َت ُمتْ فِي مَنَامِـهَا فَ ُيمْ ِ‬
‫سمّى إِنّ فِي ذَِلكَ ليَاتٍ ّل َقوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ }[الزمر‪]42 :‬‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫الُخْرَىا إِلَىا َأ َ‬
‫ك واحد‪ُ {:‬قلْ يَ َت َوفّاكُم مَّلكُ ا ْل َم ْوتِ الّذِي ُو ّكلَ ِب ُكمْ ثُمّ إِلَىا‬
‫ومرة أخرى يسند القرآن هذه العملية لِمَل ٍ‬
‫جعُونَ }[السجدة‪]11 :‬‬
‫رَ ّبكُمْ تُ ْر َ‬
‫سلُ‬
‫ومرة يسندها الحق سبحانه إلى رسل من المعاونين لملك الموت‪ {:‬وَ ُهوَ ا ْلقَاهِرُ َفوْقَ عِبَا ِد ِه وَيُرْ ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حفَظَةً حَتّىا إِذَا جَآءَ أَحَ َد ُكمُ ا ْل َم ْوتُ َت َوفّتْهُ ُرسُلُنَا وَهُمْ لَ ُيفَرّطُونَ }[النعام‪]61 :‬‬
‫عَلَ ْيكُم َ‬
‫والحق سبحانه وتعالى صادق في كل بلغ عنه؛ لن كل أمر يحدد الجل ليس بمراد الموكّل‬
‫بإنهاء الجل‪ ،‬إنما هو بإذن من ال تعالى الذي يحدد ذلك‪ .‬وما دام كل أمر قد صدر منه فهو‬
‫سبحانه الذي يتوفى النفس‪ ،‬وبعد ذلك فالملك الذي يتوفى النفس ‪ -‬عزرائيل ‪ -‬له أعوان؛ فهو‬
‫عندما يتلقى المر من ال فهو ينقل الوامر إلى أعوانه ليباشر كل واحد مهمته‪ .‬إذن فصيرورة‬
‫المر بالموت نهائيا إلى ال‪.‬‬
‫وصيرورة المر بالموت إلى الملئكة ببلغ من ال‪ ،‬هذا هو الذن‪ ،‬والذن يقتضي مأذونا‪،‬‬
‫والمأذون هم ملئكة الموت الذين أذن لهم ملك الموت بذلك‪ ،‬وملك الموت تلقي الذن من ال‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪َ } :‬ومَن يُرِدْ َثوَابَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا { فالذي يريد جزاء الدنيا وهو الذي‬
‫يطلب جزاء حركته فيها‪ ،‬يأخذها‪ ،‬ولو كان كافرا‪:‬‬
‫جهَنّمَ َيصْلهَا َم ْذمُوما مّ ْدحُورا‬
‫جعَلْنَا لَهُ َ‬
‫{ مّن كَانَ يُرِيدُ ا ْلعَاجَِلةَ عَجّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا َنشَآءُ ِلمَن نّرِيدُ ثُمّ َ‬
‫}[السراء‪]18 :‬‬
‫ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن الكريم‪ {:‬مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَزِدْ َلهُ فِي‬
‫حَرْ ِث ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا لَهُ فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪]20 :‬‬
‫وهذا ينهي عملية أن تقول‪ :‬إن الكفار حالتهم أفضل من حالتنا‪ ،‬الكفار متقدمون؛ ونحن متخلفون‪.‬‬
‫وهل لم تأت فترة كان فيها المؤمنون متقدمين جدا؟ لقد جاءت فترة تقدم فيها المؤمنون‪ ،‬وكانوا‬
‫متقدمين للف سنة‪ ،‬وهم الدولة الولى في العالم‪ .‬وكان الكفار يسمون زمانهم ودولهم بأنها تحيا‬
‫في عصور الظلمات‪ .‬لماذا أنكرتم هذه!؟ لن التاريخ جاء لنا من ناحية هؤلء وقد شوهوه‪ ،‬ولذلك‬
‫نقول لهم‪ :‬نحن كنا متقدمين وأنتم والتاريخ يشهد بذلك‪.‬‬
‫ولذلك قلنا‪ :‬يجب على المؤمن بال أن يكون غيورا على أسباب ال‪ ،‬فل يدع أسباب ال للكافر‬
‫بال‪ ،‬أيأخذ الكافر بأسباب ال وأنت يا مؤمن بال تترك السباب ليأخذها هو!؟ ل؛ لن من يعبد‬
‫ال أولى بسرّه في الوجود‪ ،‬فكوننا نتركهم يأخذون السرار العلمية ول ننافسهم في هذا المجال هذا‬
‫تقصير منا‪.‬‬
‫} َومَن يُرِدْ َثوَابَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَن يُرِدْ َثوَابَ الخِ َرةِ ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ { ونلحظ‬
‫أن الحق قد جاء بلفظ } الشّاكِرِينَ { مرتين‪ ،‬والقرآن يؤكد هذا المعنى‪ .‬إنه سبحانه أعطاكم أسبابا‬
‫فإن كانت السباب قد جاءت لكم بمسائل الدنيا فهي تستحق الشكر‪ ،‬وإن كانت ستعطيكم تكليفا مع‬
‫السباب فهذا التكليف سيعطيكم خير الخرة‪ ،‬وهو أمر يستحق الشكر أيضا‪.‬‬
‫وبعد هذا الكلم النظري } َومَا كَانَ لِ َنفْسٍ أَنْ َتمُوتَ ِإلّ بِِإذْنِ ال كِتَابا ّمؤَجّلً {‪ ..‬يقول ما يؤكد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجوده في موكب اليمان الذي سبقكم؛ لن فيه فرقا بين الكلم وبين أن يقع مدلول الكلم‪ ،‬فواقع‬
‫الكلم سبقكم فيقول‪َ } :‬وكَأَيّن مّن نّ ِبيّ قَا َتلَ َمعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ َفمَا وَهَنُواْ ِلمَآ َأصَا َبهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‬
‫ض ُعفُواْ َومَا اسْ َتكَانُواْ‪{ ...‬‬
‫َومَا َ‬

‫(‪)536 /‬‬
‫ض ُعفُوا َومَا‬
‫َوكَأَيّنْ مِنْ نَ ِبيّ قَا َتلَ َمعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ َفمَا وَهَنُوا ِلمَا َأصَا َبهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َومَا َ‬
‫حبّ الصّابِرِينَ (‪)146‬‬
‫اسْ َتكَانُوا وَاللّهُ ُي ِ‬

‫{ َوكَأَيّن } هذه يقولون‪ :‬إنها للتكثير‪ ،‬مثل " كم "؛ فعندما يقول لك إنسان مثل‪ :‬لماذا تجافيني؟‬
‫فتقول له‪ :‬كم زرتك؟ إن قولك‪ " :‬كم زُرتك! " في ظاهرها أنها استفهام‪ ،‬وأنت ل تريد أن تقول له‬
‫مستفهما كم مرة زرته فيها‪ ،‬بل تقول له‪ :‬أنت الذي عليك أن تقول ‪ -‬لنك بقولك ستعترف أني‬
‫زُرتك كثيرا‪ ،‬فيكون الجواب موافقا لما فعلت‪ .‬وأنت ل تقول " كم زرتك " إل وأنت واثق أنه إذا‬
‫أراد أن يجيب فسيقول‪ " :‬زرتني كثيرا " ولو كنت ل تثق أنه سيقول‪ :‬زرتني كثيرا‪َ ،‬لمَا قلتها‪،‬‬
‫فعندما تقول له‪ :‬كم زرتك‪ ،‬كم تفضلت عليك‪ ،‬كم واسيتك‪ ،‬كم أكرمتك؟ فإن " كم " تأتي للتكثير‪،‬‬
‫وتأتي مثلها " كأين " إنها للتكثير أيضا‪ ،‬عندما تقول مثل‪ " :‬ياما حصل كذا " و " ياما " هذه معناها‬
‫" كأيّن "‪.‬‬
‫وقد يسألك صديق‪ :‬كيف حدثت هذه الحكاية؟ فتقول له‪ :‬كأي رجل يفعل كذا ويحصل له كذا‪ ،‬اي‬
‫ان المسأله ليست غريبة‪ ،‬إن قولك‪ :‬كأي رجل معناها أنها شاعت كثيرا‪ ،‬وعندما تقول‪ :‬كم مرة‬
‫زرتك‪ ،‬وكم من مرة زرتك فهذان الستعمالن صحيحان والمعنى‪ :‬كثير من نبي قاتل معه‬
‫مؤمنون برسالته كما حدث وحصل مع رسول ال‪ .‬وقوله الحق { رِبّيّونَ } أي ناس فقهاء فاهمون‬
‫سبل الحرب‪ ،‬و " ربيون " أيضا تعني أتباعا يقاتلون‪ ،‬و " ربيون " يمكن أن ينصرف معناها إلى‬
‫أن منهجهم إلهي مثل " الربانيين "‪.‬‬
‫وقول الحق‪َ { :‬فمَا وَهَنُواْ } أي ما ضعفوا‪ ،‬إذن فهو يريد أن يأتي بالسوة‪ ،‬وكأنه سبحانه يقول‪:‬‬
‫أنتم لماذا ضعفتم في موقفكم في غزوة ُأحُد وأنتم تقاتلون مع رسول ال‪ .‬لقد كان الولى بكم أن‬
‫يكون حماسكم في القتال معه أشد من حماس أي أتباع نبي مع نبيهم؛ لنه النبي الخاتم الذي‬
‫سيضع المبدأ الذي ستقوم عليه الساعة‪ ،‬ولن يأتي أحد بعده‪ ،‬فكان يجب أن تتحمسوا؛ فأنتم خير‬
‫أمة أخرجت للناس‪ ،‬وأنا ادخرتكم لذلك‪.‬‬
‫إن الحق يعطيهم المثل وفيه تعريض بهم وعتاب لهم‪ ،‬وفي هذا القول تعليم أيضا‪ ،‬فيقول‪َ { :‬وكَأَيّن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مّن نّ ِبيّ } أي وكثير من النبياء { قَا َتلَ َمعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ َفمَا وَهَنُواْ ِلمَآ َأصَا َبهُمْ } ونستوحي من‬
‫كلمة { وَهَنُواْ } أي ما ضعفوا‪ .‬فكأنه قد حدث في القتال ما يضعف‪َ { ،‬فمَا وَهَنُواْ ِلمَآ َأصَا َبهُمْ } أي‬
‫ما حدثت لهم نكسة مثلما حدثت لكم‪.‬‬
‫ض ُعفُواْ } و { اسْ َتكَانُواْ } هذه جاءت في‬
‫ض ُعفُو ْا َومَا اسْ َتكَانُواْ }‪ .‬وكل من { وَهَنُواْ } و { َ‬
‫{ َومَا َ‬
‫موقعها الصحيح؛ لن " الوهن " بداية الضعف‪ ،‬و " الوهن " محله القلب وهو ينضح على‬
‫الجوارح ضعفا‪.‬‬
‫و } اسْ َتكَانُواْ { ماذا تعني؟ إنها من " سكن "‪ .‬والسكون تقابله الحركة‪.‬‬
‫والحرب تحتاج إلى حركة‪ ،‬والذي يأتي للحرب فهو يحتاج إلى ك ّر وفر‪ .‬أما الذي ل يتحرك فهذا‬
‫معناه أنه ليس لديه قدرة على أن يتحرك‪ ،‬وساعة تسمع ‪ -‬اللف والسين والتاء ‪ -‬وتأتي بعدها‬
‫كلمة‪ ،‬نعلم أن (اللف والسين والتاء) للطلب‪ " ،‬فاسْ َت ْفهَم " أي طلب أن يفهم‪ ،‬وهي تأتي لطلب‬
‫المادة التي بعدها‪ .‬كأن نقول‪ " :‬استعلم " أي طلب أن يعلم‪ ،‬أو نقول‪ " :‬استخبر " أي طلب الخبر‪،‬‬
‫و " استكان " يعني طلب له كوْنا أي وجودا‪ ،‬فكأنهم بلغوا من الوهن ومن الضعف مبلغا يطلبون‬
‫فيه أن يكون لهم مجرد وجود؛ لن الوجود مظهره الحركة‪ ،‬والحركة انتهت‪ ،‬هذا هو معنى }‬
‫اسْ َتكَانُواْ {‪.‬‬
‫وما دامت مِن الكون يكون وزنها ‪ -‬مثلما يقول الصرفيون ‪ " -‬استفعل " يعني طلب الكون‪،‬‬
‫وطلب الوجود‪ ،‬وقد يكون وزنها ليس كذلك؛ إذا كانت من سكن‪ ،‬وهي بهذا العتبار ل يكون فيها‬
‫طلب؛ لن السين ستكون أصلية‪ ،‬فوزنها ليس " استفعل " بل هو " افتعل " فـ " استكانوا " هل‬
‫تعني أنهم طلبوا السكون؟ ل؛ لنهم كانوا ساكنين‪ ،‬إذن فالولى أن يكون معناها أنهم طلبوا مجرد‬
‫الوجود‪ ،‬هذا ما أميل إليه وأرجحه‪ ،‬وقيل في معناها‪ :‬فما خضعوا وما ذَلوا من الستكانة‪ :‬وهي‬
‫الذلة والخضوع‪.‬‬
‫حبّ الصّابِرِينَ { فما يصيب‬
‫ضعُفُواْ َومَا اسْ َتكَانُواْ وَاللّهُ يُ ِ‬
‫} َفمَا وَهَنُواْ ِلمَآ َأصَا َبهُمْ فِي سَبِيلِ اللّ ِه َومَا َ‬
‫العبد ابتلء من ال‪ ،‬وفي الحديث‪ " :‬إذا أحب ال قوما ابتلهم "‪ .‬وكل ذلك الوهن والضعف‪ ،‬ل‬
‫يشغلهم عن المعركة‪ ،‬لنهم لو صبروا على التحمل لمدهم ال بمدد من عنده؛ لنه حين تفرغ‬
‫أسباب الخلق وتنتهي يأتي إمداد الخالق‪.‬‬
‫حبّ الصّابِرِينَ { أي وكفى جزاء عن الصبر أن‬
‫ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى بتذييل الية‪ } :‬وَاللّهُ ُي ِ‬
‫تكون محبوبا ل؛ لننا قلنا سابقا‪ :‬قد نحب ال لنعمه التي أنعمها علينا‪ ،‬ولكن المسألة ليست في أن‬
‫تحب ال أنت‪ ،‬وإنما في أن تصير بتطبيق منهجه فيك محبوبا ل‪ .‬وقد أثر عن بعضهم قوله‪:‬‬
‫حبْ؟!!‬
‫حبّ ولم يُ َ‬
‫وإل أَلم تَرَ كثيرا أ َ‬
‫أنت أحببت للنعم‪ ،‬ولكنك تريد أن تكون محبوبا من ال؛ لن حبك للنعم ل يكفي‪ ،‬فمثل هذه النعم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أخذها الكافر أيضا‪ ،‬إذن فهناك حاجة أخرى‪ .‬هناك مقدم وهناك ومؤخر فالمقدم هو نعم الحياة‬
‫وكل البشر شركاء فيها مؤمنهم وكافرهم‪ ،‬ولكن المؤخر هو جزاء ال في الخرة وهو الصل‪.‬‬
‫حبّ الصّابِرِينَ { لقالوا‪ :‬كفى بالجزاء عن الصبر‬
‫إذن‪ ،‬فلو أن الناس فطنوا إلى قول ال‪ } :‬وَاللّهُ يُ ِ‬
‫أن نكون محبوبين ل‪ ،‬حين أصابهم ما أصابهم‪ .‬صحيح أن الصابة لم تصنع فيهم وهنا أو ضعفا‬
‫أو استكانة‪ ،‬وهذا معناه أن فيهم مُسكة اليقين بال‪.‬‬
‫ومُسكة اليقين بال تجعلهم أهل لمداد ال‪ .‬فليس لك إل أن تصبر على ما أنت فيه لتعرف مدد ال‬
‫لك‪ .‬ومدد ال لك ل يتجلى بحق إل وقت الضعف؛ لنك وقت قوتك قد تعمل مثل الذي قيل فيهم‪{:‬‬
‫خوّلْنَاهُ ِن ْعمَةً مّنّا قَالَ إِ ّنمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىا عِ ْلمٍ َبلْ ِهيَ فِتْنَ ٌة وَلَـاكِنّ‬
‫س الِنسَانَ ضُرّ دَعَانَا ُثمّ إِذَا َ‬
‫فَإِذَا مَ ّ‬
‫َأكْثَرَهُ ْم لَ َيعَْلمُونَ }[الزمر‪]49 :‬‬
‫لكن المؤمنين حين أصابهم ما أصابهم } َفمَا وَهَنُواْ {؛ لِنّهم كانوا متيقظين إلى قضية إيمانية‪ :‬إن‬
‫ال ل يسلمك لنفسك إل حين تغيب عنه‪ ،‬فقالوا‪ :‬ولماذا حدث لنا هذا؟ لم يقولوا‪ :‬ربنا انصرنا كي‬
‫نخرج من الضعف‪ ،‬ل‪ .‬بل فكروا في السباب التي أدت بهم إلى هذا‪َ } :‬ومَا كَانَ َقوَْلهُمْ ِإلّ أَن‬
‫غفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا‪{ ...‬‬
‫قَالُواْ ربّنَا ا ْ‬

‫(‪)537 /‬‬
‫غفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي َأمْرِنَا وَثَ ّبتْ َأقْدَامَنَا وَا ْنصُرْنَا عَلَى‬
‫َومَا كَانَ َقوَْلهُمْ إِلّا أَنْ قَالُوا رَبّنَا ا ْ‬
‫ا ْل َقوْمِ ا ْلكَافِرِينَ (‪)147‬‬

‫فكأن ما حدث نتيجة لذنب تقدم ففطنوا إلى السبب‪ ،‬كان المفروض أنهم في معركة‪ ،‬وهذه المعركة‬
‫أجهدتهم وأنهكتهم‪ ،‬صحيح أنهم لم يضعفوا‪ ،‬وكان المفروض أن يقولوا‪ " :‬يارب انصرنا أول " ل‪.‬‬
‫بل قالوا‪ :‬ل بد أن نعرف السبب في النكسة الولى‪ ،‬السبب في هذه النكسة أن ال لم يسلمني إلى‬
‫نفس إل لني نسيته‪.‬‬
‫{ َومَا كَانَ َقوَْلهُمْ ِإلّ أَن قَالُواْ ربّنَا } ‪ { ،‬ربّنَا } ‪ ،‬وانظر لكلمة النداء في { ربّنَا } ‪ ،‬كان يمكن أن‬
‫يقولوا‪ :‬يا أل إنما جاءوا بكلمة " ربنا " لماذا؟ لن علقة العبد بالربوبية هي قبل علقته باللوهية‪،‬‬
‫فاللوهية مكلفة‪ ،‬فمعنى " إله " أي‪ :‬معبود‪ ،‬وما دام معبودا فله تكليف يطاع فيه‪ ،‬وهذا التكليف‬
‫يأتي بعد ذلك‪ ،‬هو سبحانه له ربوبيته في الخلق‪ .‬قبل أن يكلفهم‪ ،‬وما دام الرب هو الذي يتولى‬
‫التربية‪ ،‬فالولى أن يقولوا‪ :‬يارب‪ ،‬إذن قولهم‪ " :‬ربنا " يعني أنت متولي أمورنا‪ ،‬أنت الذي تربينا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } فكأنه ل شيء يصيبنا إل بذنب من الغفلة ارتكبناه‪ .‬ونعرف من كلمة "‬
‫{ ربّنَا ا ْ‬
‫ذنب " أن الذي يفطن إلى معناه ل يفعلها أبدا‪ ،‬لن كلمة " ذنب " مأخوذة من مادة " الذَنَب "‪.‬‬
‫والذّ ْنبُ سيأتي بعده عقوبة‪ .‬فاللفظ نفسه يوحي بأن شيئا سيأتي‪ ،‬وعندما تتذكر عقاب الذنب فأنت‬
‫ل تفعله‪.‬‬
‫غفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي َأمْرِنَا } لن كل معصية تكون تجاوزا عما أَحلّه ال لك‪ ،‬وزيادة‬
‫{اْ‬
‫غير مشروعة وإن كانت من نوع ما أحله ال‪ ،‬ولكنها زيادة عن مقومات حياتك‪ ،‬فال شرع لنا‬
‫الزواج لنأتي بالولد‪ ،‬وعندما نأخذ أكثر من هذا من غير زواج نكون قد أسرفنا‪ ،‬وال أعطانا‬
‫مال بقدر حركتنا‪ ،‬فإن طمعنا في مال غيرنا فقد أسرفنا‪ " .‬وأسرفت " يعني أن تأخذ حاجة ليست‬
‫سهِمْ‬
‫ضرورية لقوام حياتك ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول‪ُ {:‬قلْ ياعِبَا ِديَ الّذِينَ َأسْ َرفُواْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫جمِيعا إِنّهُ ُهوَ ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ }[الزمر‪]53 :‬‬
‫حمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ َي ْغفِرُ الذّنُوبَ َ‬
‫لَ َتقْنَطُواْ مِن رّ ْ‬
‫إنه سبحانه يوضح‪ :‬أنا حللت لك كذا من النساء فما الذي جعل عينيك تزوغ وتميل إلى غير ما‬
‫أحله ال لك؟ أنا أحللت لك كسب يدك وإن كنت فقيرا فستأخذ صدقة‪ ،‬لماذا أسرفت؟ إذن فكل أمر‬
‫زائد على الحد المطلوب لبقاء الحياة اسمه " إسراف " { وَإِسْرَافَنَا فِي َأمْرِنَا وَثَ ّبتْ َأقْدَامَنَا }‪ .‬لقد‬
‫بدأوا يدخلون في الحق‪ ،‬لكنهم في البداية رََأوْا الباطل‪ ،‬والباطل هو من أسباب تخلي الحق عن‬
‫نصرتنا أول‪ ،‬لكن عندما يغفر سبحانه الذنب ويغفر السراف في المر نكون أهلً للمدد وأهلً‬
‫لتثبيت ال‪.‬‬
‫{ وَثَ ّبتْ َأقْدَامَنَا } كيف يقول الحق ذلك والمفهوم في المعركة أن القدام ل تثبت؟ المعركة تطلب‬
‫من المقاتل أن يكون صوالً جوالً متحركا‪ ،‬إذن فما معنى { وَثَ ّبتْ َأقْدَامَنَا }؟ إن قول الحق‪:‬‬
‫{ وَثَ ّبتْ َأقْدَامَنَا } يعني ل تجعلنا نفر من أرض المعركة‪ ،‬ول نترك أرض المعركة أبدا‪.‬‬
‫ولذلك قلنا‪ :‬إن الكفار عندما حدث منهم ما حدث لم يظلوا في ارض المعركة‪ ،‬بل تركوا أرض‬
‫المعركة وانصرفوا‪ ،‬وهؤلء المؤمنون ولو أنهم انهزموا إل أنهم مكثوا في أرض المعركة مدة‪،‬‬
‫وكروا وراء أعدائهم وطاردوهم‪ .‬وقد اهتدى البشر أخيرا إلى هذا المعنى‪ ،‬ففي فرنسا نيشان‬
‫يسمونه " نيشان الذبابة " لماذا الذبابة؟ لن الذبابة إن طردتها عن مكان ل بد أن تعود إليه‪ ،‬فكذلك‬
‫المفروض على القائد ‪ -‬ما دام انسحب من منطقة ‪ -‬أن يوطن نفسه على العودة إليها‪ ،‬فيعطوه