‫تفسير الشعراوي‬

‫شهَا َدةِ ا ْلعَزِيزُ الرّحِيمُ (‪)6‬‬
‫ب وَال ّ‬
‫ذَِلكَ عَاِلمُ ا ْلغَ ْي ِ‬

‫قوله تعالى { ذاِلكَ‪[ } ..‬السجدة‪ ]6 :‬إشارة إلى تدبير المر من السماء إلى الرض‪ ،‬ثم متابعة‬
‫شهَا َدةِ‪[ } ..‬السجدة‪ ]6 :‬وأنه سبحانه { ا ْلعَزِيزُ‬
‫ب وَال ّ‬
‫المر ونتائجه‪ ،‬هذا كله لنه سبحانه { عَاِلمُ ا ْلغَ ْي ِ‬
‫الرّحِيمُ } [السجدة‪ ]6 :‬فالحق سبحانه يُعلّمنا أن المر ل بد أنْ يتابع المأمور‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن عالم الغيب تعني أنه بالوْلى يعلم الشهادة‪ ،‬لكن ذكر الحق سبحانه علمه بالشهادة حتى ل‬
‫يظن أحد أن ال غَيْب‪ ،‬فل يعلم إل الغيب‪ ،‬وقد بيّنّا معنى الشهادة هنا حينما تكلّمنا عن قوْل ال‬
‫ل وَ َيعْلَمُ مَا َتكْ ُتمُونَ }[النبياء‪]110 :‬‬
‫جهْرَ مِنَ ا ْل َقوْ ِ‬
‫تعالى‪َ {:‬يعْلَمُ ا ْل َ‬
‫والجهر أو الشهادة يعني الجهر المختلط حين تتداخل الصوات‪ ،‬فل تستطيع أنْ تُميّزها‪ ،‬مع أنها‬
‫جهر أمامك وشهادة‪ ،‬أما الحق سبحانه فيعلم كل صوت‪ ،‬ويردّه إلى صاحبه‪ ،‬فعِلْم الجهر هنا أقوى‬
‫من علم الغيب‪.‬‬
‫ومعنى { ا ْلعَزِيزُ‪[ } ..‬السجدة‪ ]6 :‬أي‪ :‬الذي ل يُغلَب وليُقهر‪ ،‬فل يلويه أحد من علمه‪ ،‬ول عن‬
‫مراداته في َكوْنه‪ ،‬ومع عِزّته فهو سبحانه (الرحيم)‪.‬‬

‫(‪)3434 /‬‬
‫شيْءٍ خََلقَ ُه وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (‪)7‬‬
‫الّذِي َأحْسَنَ ُكلّ َ‬

‫الخَلْق إيجاد من عدم بحكمة‪ ،‬ولغاية ومهمة مرسومة‪ ،‬وليس عَبَثا هكذا يخلق الشياء كما اتفق‪،‬‬
‫فالخالق ‪ -‬عز وجل ‪ -‬قبل أنْ يخلق يعلم ما يخلق‪ ،‬ويعلم المهمة التي سيؤديها؛ لذلك يخلق‬
‫سبحانه على مواصفات تحقق هذه الغاية‪ ،‬وتؤدي هذه المهمة‪.‬‬
‫وقد يُخيّل لك أن بعض المخلوقات ل مهمةَ لها في الحياة‪ ،‬أو أن بعضها كان من الممكن أنْ يُخلَق‬
‫على هيئة أفضل مما هي عليها‪.‬‬
‫ونذكر هنا الرجل الذي تأمل في كون ال فقال‪ :‬ليس في المكان أبدعُ مما كان‪ .‬والولد الذي رأى‬
‫الحداد يأخذ عيدان الحديد المستقيمة‪ ،‬فيلويها و ُيعْوِجها‪ ،‬فقال الولد لبيه‪ :‬لماذا ل يترك الحداد‬
‫عيدان الحديد على استقامتها؟ فعلّمه الوالد أن هذه العيدان ل تؤدي مهمتها إل باعوجاجها‪ ،‬وتأمل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مثلً الخطّاف وآلة جمع الثمار من على الشجار‪ ،‬إنها لو كانت مستقيمة لما أ ّدتْ مهمتها‪.‬‬
‫وفي ضوء هذه المسألة نفهم الحديث النبوي الذي قال فيه النبي صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عن‬
‫النساء‪ " :‬إنهن خُِلقْنَ من ضلع‪ ،‬وإن أعوج ما في الضلع أعله‪ ،‬فإنْ ذهبتَ تقيمه كسرته‪ ،‬وإنْ‬
‫تركته لم يَ َزلْ أعوج‪ ،‬فاستوصوا بالنساء "‪.‬‬
‫وحين تتأمل الضلوع في قفصك الصدري تجد أنها ل تؤدي مهمتها في حماية القلب والرئتين إل‬
‫بهذه الهيئة الم ْعوَجة التي تحنو على أهم عضوين في جسمك‪ ،‬فكأن هذا العوجاج رأفة وحُنُو‬
‫وحماية‪ ،‬وهكذا مهمة المرأة في الحياة‪ ،‬ألَ تراها في أثناء الحمل مثلً تترفق بحملها وتحافظ عليه‪،‬‬
‫وتحميه حتى إذا وضعتْه كانت أشدّ رفقا‪ ،‬وأكثر حنانا عليه؟‬
‫إذن‪ :‬هذا الوصف من رسول ال ليس سُبّة في حق النساء‪ ،‬ول إنقاصا من شأنهن؛ لن هذا‬
‫العوجاج في طبيعة المرأة هو المتمم لمهمتها؛ لذلك نجد أن حنان المرأة أغلب من استواء عقلها‪،‬‬
‫ومهمة المرأة تقتضي هذه الطبيعة‪ ،‬أما الرجل فعقله أغلب ليناسب مهمته في الحياة‪ ،‬حيث يُنَاط به‬
‫العمل وترتيب المور فيما وُلّي عليه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬خلق ال كلً لمهمة‪ ،‬وفي كل مِنّا مهما كان فيه من نقص ظاهر ‪ -‬مَيْزة يمتاز بها‪ ،‬فالرجل‬
‫الذي تَراه ل عقلَ له ول ذكاءَ عنده تقول‪ :‬ولماذا خلق ال مثل هذا؟ لكن تراه قويّ البنية‪ ،‬يحمل‬
‫من الثقال والمشاقّ ما ل تتحمله أنت‪ ،‬والرجل القصير مثلً‪ ،‬ترى أنت عيبه في ِقصَر قامته‪ ،‬لكن‬
‫يراها غيرك ميزة من مزاياه‪ ،‬وربما استدعاه للعمل عنده لهذه الصفة فيه‪.‬‬
‫وحين تتأمل مثلً عملية التعليم‪ ،‬وتقارن بين أعداد التلميذ في المرحلة البتدائية‪ ،‬وكم منهم يصل‬
‫إلى مرحلة التعليم العالي‪ .‬وكم منهم يتساقطون في الطريق؟ ولو أنهم جميعا أخذوا شهادات عليا‬
‫لما استقام الحال‪ ،‬وإلّ فمَر للمهن المتواضعة والحرف وغيرها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل بُدّ أنْ يوجد هذا التفاوت؛ لن العقل الواحد يحتاج إلى آلف ينفذون خطته‪ ،‬وقيمة كل‬
‫امرئ ما يُحسنه مهما كان عمله‪.‬‬
‫لذلك قلنا‪ :‬إنه ل ينبغي لحد أنْ يتعالى على أحد؛ لنه يمتاز عنه في شيء ما‪ ،‬إنما ينظر فيما‬
‫يمتاز به غيره؛ لن الخالق عز وجل وزّع المواهب بين الخَلْق جميعا‪ ،‬ويكفي أن تقرأ قول الحق‬
‫عسَىا أَن َيكُونُواْ خَيْرا مّ ْنهُمْ‪[} ...‬الحجرات‪:‬‬
‫سخَرْ َقوْمٌ مّن َقوْمٍ َ‬
‫سبحانه‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ يَ ْ‬
‫‪]11‬‬
‫شيْءٍ خََلقَهُ‪[ { ..‬السجدة‪ ]7 :‬لن لكل مخلوق مهمة مُهيّأ لها‪ ،‬وتعجب‬
‫فال تعالى‪ } :‬الّذِي َأحْسَنَ ُكلّ َ‬
‫من تصاريف القدر في هذه المسألة فتجد أخوين‪ ،‬يعمل أحدهما في العطور‪ ،‬ويعمل الخر في‬
‫الصرف الصحي‪ ،‬وتجد هذا راضيا بعمله‪ ،‬وهذا راضٍ بعمله‪.‬‬
‫حتى أنك تجد الناس الذين خلقهم ال على شيء من النقص أو الشذوذ حين يرضى الواحد منهم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بقسمة ال له وقدره فيه يسود بهذا النقص‪ ،‬أو بهذا الشذوذ‪ ،‬وبعضنا لحظ مثلً الكتع إذا ضرب‬
‫شخصا بهذه اليد الكتعاء‪ ،‬كم هي قوية! وكم يخافه الناس لجل قوته! وربما يجيد من العمال ما‬
‫ل يجيده الشخص السوّي‪.‬‬
‫ن قلتَ‪ :‬إذا كان الخالق سبحانه أحسن كل شيء خلقه‪ ،‬فما بال الكفر‪ ،‬خلقه ال وما يزال‬
‫فإ ْ‬
‫موجودا‪ ،‬فأيّ إحسان فيه؟‬
‫نقول‪ :‬وال لول طغيان الكافرين ما عشق الناسُ اليمانَ‪ ،‬كما أنه لول وجود الظلم والظالمين لما‬
‫طعْم العدل‪ .‬إذن‪ :‬فالحق سبحانه يخلق الشيء‪ ،‬ويخلق من ضده دافعا له‪.‬‬
‫شعر الناس ب َ‬
‫ق الِنْسَانِ مِن طِينٍ { [السجدة‪ ]7 :‬فالنسان الذي كرّمه ال على سائر‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬وَبَدَأَ خَ ْل َ‬
‫المخلوقات بدأه ال من الطين‪ ،‬وهو أدنى أجناس الوجود‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن جميع الجناس تنتهي إلى‬
‫خدمة النسان‪ .‬الحيوان وهو أقربها للنسان‪ ،‬ثم النبات‪ ،‬ثم الجماد‪ ،‬ومن الجماد خُلِق النسان‪.‬‬
‫وقد عوّض ال عز وجل الجماد الخادم لباقي الجناس حين أمر النسان المكرّم بأن يُقبّله في‬
‫فريضة كُتبت عليه مرة واحدة في العمر‪ ،‬وهي فريضة الحج‪ ،‬فأمره أن يُقبّل الحجر السود‪ ،‬وأنْ‬
‫يتعبد ل تعالى بهذا التقبيل؛ لذلك يتزاحم الناس على الحجر‪ ،‬ويتقاتلون عليه‪ ،‬وهو حجر‪ ،‬وهم‬
‫بشر كرّمهم ال‪ ،‬وما ذلك إل ليكسر التعالي في النفس النسانية‪ ،‬فل يتعالى أحد على أحد‪.‬‬
‫وسبق أنْ بيّنا أن المغرضين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلم ال قالوا‪ :‬إن ال تعالى قال في‬
‫مسألة الخَلْق مرة{ مّن مّآءٍ‪[} ...‬المرسلت‪ ]20 :‬ومرة{ مِن تُرَابٍ‪[} ...‬الكهف‪ ]37 :‬ومرة{ مّن‬
‫حمَإٍ مّسْنُونٍ }[الحجر‪:‬‬
‫طِينٍ }[المؤمنون‪ ]12 :‬ومرة{ مِن صَ ْلصَالٍ‪[} ...‬الحجر‪ ]33 :‬ومرة{ مّنْ َ‬
‫‪..]26‬الخ‪ ،‬فأيّ هذه العناصر أصل للنسان؟‬
‫وقلنا‪ :‬إن هذه مراحل مختلفة للشيء الواحد‪ ،‬والمراحل ل تقتضي النية الولية‪ ،‬فالماء والتراب‬
‫يُكوّنان الطين‪ ،‬فإذا تُرك الطين حتى تتغير رائحته فهو الحمأ المسنون‪ ،‬فإذا تُرك حتى يجفّ‬
‫ن تقول‪ :‬إن النسان خُلِق من‬
‫ويتجمد فهو الصلصال‪ ،‬فهذه العناصر ل تعارض بينها‪ ،‬ويجوز لك أ ْ‬
‫ماء‪ ،‬أو من تراب‪ ،‬أو من طين‪.‬‬
‫‪..‬إلخ‪.‬‬
‫والمراد هنا النسان الول‪ ،‬وهو سيدنا آدم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬ثم أخذ ال سللته من ماء مهين‪،‬‬
‫والسللة هي خلصة الشيء‪ ،‬فالخالق سبحانه خلقنا أولً من الطين‪ ،‬ثم جعل لنا الزواج والتناسل‬
‫الذي نتج عنه رجال ونساء‪.‬‬
‫ن تفهم أنني‬
‫ثم يحتفظ الخالق سبحانه لنفسه بطلقة القدرة في هذه المسألة‪ ،‬وكأنه يقول لك‪ :‬إياك أ ْ‬
‫ل أخلق إل بالزوجية‪ ،‬إنما أنا أستطيع أنْ أخلق بل زوجية كما خلقْتُ آدم‪ ،‬وأخلق من رجل بل‬
‫امرأة كما خلقتُ حواء‪ ،‬وأخلق من امرأة بل رجل كما خلقتُ عيسى عليه السلم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد تتوفر علقة الزوجية ويجعلها ال عقيما ل ثمرةَ لها‪ ،‬وهكذا تناولت طلقة القدرة كل ألوان‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ يَخُْلقُ مَا يَشَآءُ َي َهبُ‬
‫القسمة العقلية في هذه المسألة‪ ،‬واقرأ إنْ شئتَ‪ {:‬لِلّهِ مُ ْلكُ ال ّ‬
‫عقِيما إِنّهُ‬
‫ج َعلُ مَن َيشَآءُ َ‬
‫جهُمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا وَ َي ْ‬
‫ِلمَن يَشَآءُ إِنَاثا وَ َي َهبُ ِلمَن َيشَآءُ ال ّذكُورَ * َأوْ يُ َزوّ ُ‬
‫عَلِيمٌ َقدِيرٌ }[الشورى‪]50-49 :‬‬
‫إذن‪ :‬هذه مسألة طلقة قدرة للخالق سبحانه‪ ،‬وليست عملية (ميكانيكية)‪ ،‬لنها هِبَة من ال{ َي َهبُ‬
‫ِلمَن يَشَآءُ إِنَاثا‪[} ...‬الشورى‪ ]49 :‬ولحظ أن ال قدّم هنا الناث‪ ،‬وهم الجنس الذي ل يفضّله‬
‫الناس أن يُولد لهم‪ ،‬ولكن تجد الذي يرزقه ال بالبنت فيفرح بها‪ ،‬ويعلم أنها هِبَة من ال يُعوّضه‬
‫ال بزوج لها يكون أطوعَ له من ولده‪.‬‬
‫كما أنه لو رضي صاحب ال ُعقْم ب ُعقْمه‪ ،‬وعلم أنه هِبَة من ال َلعّوضه ال في أبناء الخرين‪ ،‬وشعر‬
‫أنهم جميعا أبناؤه‪ ،‬ولماذا نقبل هبة ال في الذكور وفي الناث‪ ،‬ول نقبل العقم‪ ،‬وهو أيضا هبة‬
‫ال؟‬
‫ن يقتل أباه‪ ،‬ومَنْ يقتل أمه؟ إذن‪ :‬المسألة تحتاج منّا إلى الرضا‬
‫ثم ألستَ ترى من الولد مَ ْ‬
‫والتسليم واليمان بأن ال ُعقْم هبة‪ ،‬كما أن النجاب هبة‪.‬‬
‫ثم إن خَلْق النسان الول وهو آدم عليه السلم من طين جاء من البداية على صورته التامة‬
‫الكاملة‪ ،‬فخلقه ال رجلً مستويا‪ ،‬فلم يكُنْ مثلً طفلً ثم كبر وجرتْ عليه سنة التطور‪ ،‬ل إنما خلقه‬
‫ال على صورته‪ ،‬أي‪ :‬على صورة آدم‪.‬‬
‫والبعض يقول‪ :‬خلق ال آدم على صورته أي على صورة الحق‪ ،‬فالضمير يعود إلى ال تعالى‪،‬‬
‫والمراد‪ :‬على صورة الحق ل على حقيقة الحق‪ ،‬فال تعالى حيّ َيهَب من حياته حياة‪ ،‬وال قوي‬
‫يهب من قوته قوة‪ ،‬وال غنيّ يهب من غِنَاه غِنَي‪ ،‬وال عليم يَهبُ من علمه علما‪.‬‬
‫لذلك قيل‪ " :‬تخلّقوا بأخلق ال "؛ لنه سبحانه وهبكم صفات من صفات تجلّيه‪ ،‬وقد وهبكم هذه‬
‫الصفات‪ ،‬فاجعلوا للصفة فيكم مزية وتخلّقوا بها‪ ،‬فمثلً كُنْ قويا على الظالم‪ ،‬ضعيفا متواضعا‬
‫حمَآءُ بَيْ َن ُهمْ‪} ...‬‬
‫للمظلوم‪ ،‬على حَ ّد قول ال تعالى في صفات المؤمنين‪َ {:‬أشِدّآءُ عَلَى ا ْل ُكفّارِ رُ َ‬
‫[الفتح‪]29 :‬‬
‫وقال‪ {:‬أَذِلّةٍ عَلَى ا ْل ُمؤْمِنِينَ أَعِ ّزةٍ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ‪[} ...‬المائدة‪]54 :‬‬
‫وهذه الصفات المتناقصة تجتمع في المؤمن؛ لنه ليس له طبع واحد‪ ،‬إنما الموقف والتكليف هو‬
‫الذي يصبغه ويلويه إلى الصفة المناسبة‪.‬‬
‫صدْق القرآن في هذه الحقيقة‪ ،‬وهي خَلْق النسان من‬
‫وقلنا‪ :‬إن علماء التحاليل في معاملهم أثبتوا ِ‬
‫طين حينما وجدوا أن العناصر المكوّنه لجسم النسان هي ذاتها العناصر الموجودة في التربة‪،‬‬
‫وعددها ‪ 16‬عنصرا‪ ،‬أقواها الكسوجين‪ ،‬ثم الكربون‪ ،‬ثم الهيدروجين‪ ،‬ثم النيتروجين‪ ،‬ثم‬
‫الصوديوم‪ ،‬ثم الماغنسيوم‪ ،‬ثم البوتاسيوم‪..‬الخ‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)3435 /‬‬
‫ج َعلَ َنسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ َمهِينٍ (‪)8‬‬
‫ثُمّ َ‬

‫النسل هو النجال والذرية‪ ،‬والسللة‪ :‬خلصة الشيء تُسلّ منه كما يُسلّ السيف من غمده‪،‬‬
‫فالسللة هي أجود ما في الشيء‪ ،‬ولذلك نقول‪ :‬فلن من سللة كذا‪ ،‬وفلن سليل المجد‪ .‬يعني‪ :‬في‬
‫مقام المدح‪ .‬حتى في الخيل يحتفظون لها بسللت معروفة أصيلة ويُسجلون لها شهادات ميلد‬
‫تثبت أصالة سللتها‪.‬‬
‫هذا النسل وهذه السللة خلقها ال من ماء‪ ،‬وهو منيّ الرجل وبويضة المرأة‪.‬‬
‫هذا الماء وصفه ال بأنه { ّمهِينٍ } [السجدة‪ ]8 :‬لنه يجري في مجرى البول‪ ،‬ويذهب مذهبه إذا لم‬
‫يصل إلى الرحم‪ ،‬وفي هذا الماء المهين عجائب‪ ،‬ويرحم ال العقاد حين قال‪ :‬إن أصول ذرات‬
‫العالم كله يمكن أن تُوضع في نصف كستبان الخياطة‪ ،‬وتأمل كم يقذف الرجل في المرة الواحدة‬
‫من هذا المقدار؟ إذن‪ :‬المسألة دقة تكوين وعظمة خالق‪ ،‬ففي هذه الذرة البسيطة خصائص إنسان‬
‫كامل‪ ،‬فهي تحمل‪ :‬لونه‪ ،‬وجنسه‪ ،‬وصفاته‪..‬الخ‪.‬‬
‫وسبق أن قلنا في عالم الذر‪ :‬إن في كل منا ذرة وجزيئا حيا من لَدُنْ أبيه آدم عليه السلم‪.‬‬
‫سوّا ُه وَ َنفَخَ فِيهِ‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ { :‬ثمّ َ‬

‫(‪)3436 /‬‬
‫شكُرُونَ (‪)9‬‬
‫سمْ َع وَالْأَ ْبصَا َر وَالَْأفْئِ َدةَ قَلِيلًا مَا َت ْ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ ال ّ‬
‫ح ِه وَ َ‬
‫سوّاهُ وَ َنفَخَ فِيهِ مِنْ رُو ِ‬
‫ثُمّ َ‬

‫سوّيْتُهُ‬
‫وهذه التسوية كانت أولً للنسان الول الذي خلقه ال من الطين‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬فَإِذَا َ‬
‫جدِينَ }[الحجر‪ ]29 :‬وقد مَرّ آدم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬في هذه‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي فَ َقعُواْ لَهُ سَا ِ‬
‫وَنَفَ ْ‬
‫التسوية بالمراحل التي ذكرت‪ ،‬كذلك المر في سللته يُسوّيها الخالق ‪ -‬عز وجل ‪ -‬وتمر بمثل‬
‫هذه المراحل‪ :‬من نطفة‪ ،‬ثم من علقة‪ ،‬ثم من مضغة‪..‬الخ‪ ،‬ثم تُنفخ فيه الروح‪.‬‬
‫وإذا كان النسان لم يشهد كيفية خَلْقه‪ ،‬فإن ال تعالى يجعل من المشَاهد لنا دليلً على ما غاب‬
‫عَنّا‪ ،‬فإنْ كنّا لم نشهد الخَلْق فقد شاهدنا الموت‪ ،‬والموت َت ْقضٌ للحياة وللخَلْق‪ ،‬ومعلوم أن َنقْض‬
‫الشيء يأتي على عكس بنائه‪ ،‬فإذا أردنا مثلً هدم عمارة من عدة أدوار فإن آخر الدوار بناءً هو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أول الدوار هدما‪.‬‬
‫كذلك الحال في الموت‪ ،‬أول شيء فيه خروج الروح‪ ،‬وهي آخر شيء في الخَلْق‪ ،‬فإذا خرجت‬
‫الروح تصلّب الجسد‪ ،‬أو كما يقولون (شضّب)‪ ،‬وهذه المرحلة أشبه بمرحلة الصلصالية‪ ،‬ثم يُنتن‬
‫وتتغير رائحته‪ ،‬كما كان في مرحلة الحمأ المسنون‪ ،‬ثم يتحلل هذا الجسد ويتبخر ما فيه من مائية‪،‬‬
‫وتبقى بعض العناصر التي تتحول إلى تراب ليعود إلى أصله الول‪.‬‬
‫إذن‪ :‬خُ ْذ من رؤيتك للموت دليلً على صِدْق ربك ‪ -‬عز وجل ‪ -‬فيما أخبرك به من أمر الخَلْق‬
‫الذي لم تشهده‪.‬‬
‫لفْئِ َدةَ‪[ } ..‬السجدة‪ ]9 :‬سبق أن تكلمنا عن هذه‬
‫سمْ َع وَالَبْصَا َر وَا َ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ ال ّ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَ َ‬
‫العضاء‪ ،‬وقد قرر علماء وظائف العضاء مهمة كل عضو وجارحة‪ ،‬ومتى تبدأ هذه الجارحة‬
‫في أداء مهمتها‪ ،‬وأثبتوا أن الذن هي الجارحة الولى التي تؤدي مهمتها في الطفل‪ ،‬بدليل أنك إذا‬
‫ت أصبعك أمام عين الطفل بعد ولدته ل (يرمش)‪ ،‬في حين يفزع إنْ أحدثت َ بجواره‬
‫وضع َ‬
‫صوتا‪ :‬ذلك لنه يسمع بعد ولدته مباشرة‪ ،‬أما الرؤية فتتأخر من ثلثة إلى عشرة أيام‪.‬‬
‫لذلك كانت حاسة السمع هي المصاحبة للنسان‪ ،‬ول تنتهي مهمتها حتى في النوم‪ ،‬وبها يتم‬
‫الستدعاء‪ ،‬أما العين فل تعمل أثناء النوم‪.‬‬
‫وهذه المسألة أوضحها الحق سبحانه في قصة أهل الكهف‪ ،‬فلما أراد الحق سبحانه أنْ يُنيم أهل‬
‫الكهف هذه المدة الطويلة‪ ،‬والكهف في صحراء بها أصوات الرياح والعواصف والحيوانات‬
‫المتوحشة؛ لذلك ضرب ال على آذانهم وعطّل عندهم هذه الحاسة كما قال سبحانه‪َ {:‬فضَرَبْنَا‬
‫عَلَىا آذَا ِنهِمْ فِي ا ْل َك ْهفِ سِنِينَ عَدَدا }[الكهف‪.]11 :‬‬
‫إذن‪ :‬الذن هي أول العضاء أدا ًء لمهمتها‪ ،‬ثم العين‪ ،‬ثم باقي العضاء‪ ،‬وآخرها عملً‬
‫ل إلى الربعين درجة‪ ،‬ونراه يجري ويلعب دون أن‬
‫العصاب‪ ،‬بدليل أن الطفل تصل حرارته مث ً‬
‫يشعر بشيء‪ ،‬لماذا؟ لن جهازه العصبي لم ينضج َبعْد‪ ،‬فل يشعر بهذه الحرارة‪.‬‬
‫لذلك نجد دائما القرآن يُقدّم السمع على البصر‪ ،‬ويتقدم البصرَ إل في آية واحدة هي قوله تعالى‪{:‬‬
‫س ِمعْنَا‪[} ...‬السجدة‪ ]12 :‬لنها تصور مشهدا من مشاهد القيامة وفيه يفاجأ الكفار بأهوال‬
‫أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫القيامة‪ ،‬ويأخذهم المنظر قبل أنْ يسمعوا الصوت حين ينادي المنادي‪.‬‬
‫سمْعَ‬
‫ومن عجائب الداء البياني في القرآن أن كلمة أسماع يقابلها أبصار‪ ،‬لكن المذكور هنا‪ } :‬ال ّ‬
‫وَالَبْصَارَ‪[ { ..‬السجدة‪ ]9 :‬فالسمع مفرد‪ ،‬والبصار جمع‪ ،‬فلماذا أفرد السمع وجمع البصر؟‬
‫قالوا‪ :‬لن الذن ليس لها غطاء يحجب عنها الصوات‪ ،‬كما أن للعين غطاءً يُسْدل عليه ويمنع‬
‫عنها المرئيات‪ ،‬فإن فهو سمع واحد لي ولك وللجميع‪ ،‬الكل يسمع صوتا واحدا‪ ،‬أما المرئيات‬
‫فمتعددة‪ ،‬فما تراه أنت قد ل أراه أنا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمْعَ‬
‫ولم ي ْأتِ البصر مفردا ‪ -‬في هذا السياق ‪ -‬إل في موضع واحد هو قوله تعالى‪ {:‬إِنّ ال ّ‬
‫سؤُولً }[السراء‪ ]36 :‬ذلك لن الية تتكلم عن‬
‫وَالْ َبصَرَ وَا ْل ُفؤَادَ ُكلّ أُولـا ِئكَ كَانَ عَ ْنهُ مَ ْ‬
‫ن يكون واحدا‪.‬‬
‫المسئولية‪ ،‬والمسئولية واحدة ذاتية ل تتعدى‪ ،‬فل ُبدّ أ ْ‬
‫ومن المناسب أن يذكر الحق سبحانه السمع والبصار والفئدة بعد الحديث عن مسألة الخَلْق؛ لن‬
‫النسان يُولَد من بطن أمه ل يعلم شيئا‪ ،‬وبهذه العضاء والحواس يتعلّم ويكتسب المعلومات‬
‫سمْعَ‬
‫ج َعلَ َل ُكمُ الْ ّ‬
‫جكُم مّن ُبطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُمْ لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا َو َ‬
‫والخبرات كما قال سبحانه‪ {:‬وَاللّهُ أَخْ َر َ‬
‫شكُرُونَ }[السراء‪]78 :‬‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫وَالَبْصَا َر وَا َ‬
‫إذن‪ :‬فهذه العضاء ضرورية لوجود النسان الخليفة في الرض‪ ،‬وبها يتعايش مع غيره‪ ،‬ول ُبدّ‬
‫له من اكتساب المعلومات‪ ،‬وإلّ فكيف سيتعايش مع بيئته؟‬
‫وقلنا‪ :‬إن النسان لكي يتعلم ل بُدّ له من استعمال هذه الحواس المدركة‪ ،‬كل منها في مناطه‪،‬‬
‫فاللسان في الكلم‪ ،‬والعين في الرؤية‪ ،‬والذن في السمع‪ ،‬والنف في الشم‪ ،‬والنامل في اللمس‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن هذه الحواس هي أمهات الحواس المعروفة‪ ،‬حيث عرفنا فيما بعد حواسّ أخرى؛ لذلك‬
‫احتاط العلماء لهذا التطور‪ ،‬فأطلقوا على هذه الحواس المعروفة اسم " الحواس الظاهرة " ‪ ،‬وبعد‬
‫سمْكه‪ ،‬وحاسة العضل التي نعرف بها الثقل‪.‬‬
‫ذلك عرفنا حاسة البَيْن التي نعرف بها رقّة القماش و ُ‬
‫إذن‪ :‬حينما يُولَد النسان يحتاج إلى هذه الحواس ليتعايش بها ويدرك ويتفاعل مع المجتمع الذي‬
‫يعيش فيه‪ ،‬ولو أن النسان يعيش وحده ما احتاج مثلً لنْ يتكلم‪ ،‬لكنه يعيش بطبيعته مع الجماعة‪،‬‬
‫فل بُدّ له أن يتكلم ليتفاهم معهم‪ ،‬وقبل ذلك ل بُدّ له أنْ يسمع ليتعلم الكلم‪.‬‬
‫وعرفنا سابقا أن اللغة وليدة السماع‪ ،‬فالطفل الذي يُولَد في بيئة عربية ينطق بالعربية‪ ،‬والذي‬
‫يعيش في بيئة إنجليزية ينطق النجليزية وهكذا‪ ،‬فما تسمعه الذن يحكيه اللسان‪ ،‬فإذا لم تسمع‬
‫الذن ل ينطق اللسان‪.‬‬
‫صمّ ُبكْمٌ‪[} ...‬البقرة‪ ]18 :‬أن ال َبكَم وهو‬
‫لذلك سبق أن قلنا في سورة البقرة في قول ال تعالى‪ُ {:‬‬
‫عدم الكلم نتيجة الصمم‪ ،‬وهو عدم السماع‪ ،‬فالسمع ‪ -‬إذن ‪ -‬هو أول مهمة في النسان‪ ،‬وهو‬
‫الذي يعطيني الرضية الولى في حياتي مع المجتمع من حولي‪.‬‬
‫ومعلوم أن تعلّم القراءة مثلً يحتاج إلى معلم أسمع منه النطق‪ ،‬فهذه ألف‪ ،‬وهذه باء‪ ،‬هذه فتحة‪،‬‬
‫وهذه ضمة‪..‬الخ‪ ،‬فإذا لم أسمع ل أستطيع النطق الصحيح‪ ،‬ول أستطيع الكتابة‪.‬‬
‫وبالسماع يتم البلغ عن ال من السماء إلى الرض؛ لذلك تقدّم ِذكْر السمع على ِذكْر البصر‪.‬‬
‫والحق سبحانه لما تكلّم عن السمع بهذه الصورة قال‪ :‬أنا سأُسْمع أسماء الشياء‪ ،‬فهذه أرض‪ ،‬وهذه‬
‫سماء‪..‬الخ‪ ،‬لذلك حينما نُعلّم التلميذ نقول له‪ :‬هذه عين‪ ،‬وهذه أذن‪.‬‬
‫وبعد أنْ يتعلم التلميذ من مُعلّمه القراءة يستطيع بعد ذلك أنْ يقرأ بذاته‪ ،‬فيحتاج إلى حاسّة البصر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في مهمة القراءة‪ ،‬فإذا أتم تعليمه واستطاع أن يصحح قراءته بنفسه‪ ،‬واختمرت عنده المعلومات‬
‫التي اكتسبها بسمعه وبصره استطاع أنْ يقرأ أشياء أخرى غير التي قرأها له معلمه‪ ،‬واستطاع أن‬
‫يربي نفسه ويُعلّمها حتى تتكون عنده خلية علمية يستحدث من خللها أشياء جديدة‪ ،‬ربما ل‬
‫لفْئِ َدةَ‪[ { ..‬السجدة‪]9 :‬‬
‫سمْعَ وَالَ ْبصَا َر وَا َ‬
‫ج َعلَ َل ُكمُ ال ّ‬
‫يعرفها معلمه‪ ،‬وهذه مهمة الفؤاد } َو َ‬
‫فالمعاني تتجمع بهذه الحواس‪ ،‬حتى يصير النسان سَويا لديه الملَكة التي يتعلم بها‪ ،‬ثم يُعلّم هو‬
‫غيره‪.‬‬
‫واللغة المنطوقة ل تُتعلّم إلبالسماع‪ ،‬فأنا سمعت من أبي‪ ،‬وأبي سمع من أبيه‪ ،‬وتستطيع أنْ تسلسل‬
‫ن قلتَ‪ :‬فممّنْ سمع آدم؟ نقول‪ :‬سمع‬
‫هذه المسألة لتصل إلى آدم عليه السلم أبي البشر جميعا‪ ،‬فإ ْ‬
‫ضهُمْ عَلَى ا ْلمَلَ ِئكَةِ َفقَالَ أَنْبِئُونِي‬
‫سمَآءَ كُّلهَا ُثمّ عَ َر َ‬
‫ال حينما علّمه السماء كلها‪ {:‬وَعَلّمَ آ َد َم الَ ْ‬
‫سمَآءِ هَـاؤُلءِ إِن كُنْ ُت ْم صَا ِدقِينَ }[البقرة‪]31 :‬‬
‫بِأَ ْ‬
‫وهذا أمر منطقي؛ لن اللغة المسموعة بالذن ل يمكن لحد اختراعها‪ ،‬ومع ذلك يوجد مَنْ‬
‫خلَ لنا فيها‪ .‬بمعنى‪ :‬أننا ل‬
‫يعترض على هذه المسألة‪ ،‬يقول‪ :‬هذا يعني أن اللغة توقيفية‪ ،‬ل د ْ‬
‫نستحدث فيها جديدا‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬نعم‪ ،‬اللغة أمر توقيفي‪ ،‬لكن أعطى ال آدم السماء وعلّمه إياها‪ ،‬وبهذه السماء يستطيع‬
‫أنْ يتفاهم على وضع غيرها من السماء في المعلومات التي تستجد في حياته‪.‬‬
‫وإل‪ ،‬فكيف سمّينْا (الراديو والتليفزيون‪..‬الخ) وهذه كلها مُستجدات ل بُدّ لها من أسماء‪ ،‬والسم ل‬
‫ن يوجد مُسمّاة‪ ،‬وهذه مهمة المجامع اللغوية التي تقرر هذه السماء‪ ،‬وتوافق على‬
‫يوجد إل بعد أ ْ‬
‫استخدامها‪ ،‬وقد اصطلح المَجْمع على تسمية الهاتف‪ :‬مسرة‪ .‬والتليفزيون‪ :‬تلفاز‪..‬الخ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬أتينا بهذه اللفاظ واتفقنا عليها؛ لنها تعبر عن المعاني التي نريدها‪ ،‬وهذه اللفاظ وليدة‬
‫السماء التي تعلمها آدم عليه السلم‪ ،‬فاللغة بدأت توقيفية‪ ،‬وانتهت وضعية‪.‬‬
‫شكُرُونَ { [السجدة‪ ]9 :‬دليل على أن هذه النعم تستوجب‬
‫وقوله تعالى بعد هذه النعم‪ } :‬قَلِيلً مّا تَ ْ‬
‫الشكر‪ ،‬لكن قليل منّا مَنْ يشكر‪ ،‬وكان ينبغي أن نشكر المنعم كلما سمعنا‪ ،‬وكلما أبصرنا‪ ،‬وكلما‬
‫عملتْ عقولنا وتوصلتْ إلى جديد‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬كان شكر المؤمن لربه ل ينتهي‪ ،‬كما أن أعياده وفرحته ل تنتهي‪ ،‬فنحن مثلً نفرح يوم عيد‬
‫الفطر بفطرنا وبأدائنا للعبادة التي فرضها ال علينا‪ ،‬وفي عيد الضحى نفرح؛ لن سيدنا إبراهيم‬
‫ عليه السلم ‪ -‬تحمّل عنّا الفداء بولده‪ ،‬لكي يعفينا جميعا من أنْ يفدي كل منّا‪ ،‬ويتقرب إلى ال‬‫بذبح ولده‪ ،‬وإل لكانت المسألة شاقة علينا؛ لذلك نفرح في عيد الضحى‪ ،‬ونذبح الضاحي‪ ،‬ونؤدي‬
‫النّسُك في الحج‪.‬‬
‫وما دام المؤمن ينبغي له أن يفرح بأداء الفرائض وعمل الطاعات‪ ،‬فلماذا ل نفرح كلما صلّينا أو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صمْنا أو زكّيْنا؟ لماذا ل نفرح عندما نطيع ال بعمل المأمورات‪ ،‬وترْك المنهيات؟ لماذا ل نفرح‬
‫ُ‬
‫في الدنيا حتى يأتي يوم الفرح الكبر‪ ،‬يوم تتجمع حصيلة هذه العمال‪ ،‬وننال ثوابها الجنة‬
‫ونعيمها؟‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ َيهْدِيهِمْ رَ ّب ُهمْ بِإِيمَا ِنهِمْ َتجْرِي مِن‬
‫واقرأ إن شئت قول ربك‪ {:‬إِنّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫عوَاهُمْ أَنِ‬
‫ل ٌم وَآخِرُ دَ ْ‬
‫عوَا ُهمْ فِيهَا سُ ْبحَا َنكَ الّلهُ ّم وَ َتحِيّ ُتهُمْ فِيهَا سَ َ‬
‫تَحْ ِتهِمُ الَ ْنهَارُ فِي جَنّاتِ ال ّنعِيمِ * دَ ْ‬
‫ح ْمدُ للّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[يونس‪]10-9 :‬‬
‫الْ َ‬

‫(‪)3437 /‬‬
‫جدِيدٍ َبلْ ُهمْ بِِلقَاءِ رَ ّبهِمْ كَافِرُونَ (‪)10‬‬
‫َوقَالُوا أَ ِئذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَ ْرضِ أَئِنّا َلفِي خَ ْلقٍ َ‬

‫معنى { ضَلَلْنَا فِي الَ ْرضِ‪[ } ..‬السجدة‪ ]10 :‬أي‪ :‬غِبْنا فيها‪ ،‬واندثرتْ ذراتنا‪ ،‬بحيث ل نعرف أين‬
‫ذهبت‪ ،‬وإلى أيّ شَيء انتقلت‪ ،‬إلى حيوان أم إلى نبات؟ إذا حدث هذا { أَئِنّا َلفِي خَ ْلقٍ جَدِيدٍ‪} ..‬‬
‫[السجدة‪ ]10 :‬يعني‪ :‬أيخلقنا ال من جديد مرة أخرى؟‬
‫والحق سبحانه يرد عليهم‪َ { :‬بلْ هُم بَِلقَآءِ رَ ّب ِهمْ كَافِرُونَ } [السجدة‪ ]10 :‬بل تفيد الضراب عن‬
‫كلمهم السابق‪ ،‬وتقرير حقيقة أخرى‪ ،‬هي أنهم ل ينكرون البعث والحشر‪ ،‬إنما ينكرون لقاء ال‬
‫{ َبلْ هُم بَِلقَآءِ رَ ّبهِمْ كَافِرُونَ } [السجدة‪ ]10 :‬لن مسألة الحشر مستحيل أنْ ينكروها؛ لن الدليل‬
‫عليها واضح‪.‬‬
‫ل ّولِ َبلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }[ق‪ ]15 :‬والذي خلق من‬
‫قاَ‬
‫كما قال سبحانه‪َ {:‬أ َفعَيِينَا بِا ْلخَلْ ِ‬
‫العدم أولً قادر على العادة من موجود‪ ،‬لن ذراتك وخاماتك موجودة‪ ،‬فالعادة أسهل من ال َبدْء؛‬
‫لذلك قال سبحانه‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي يَبْ َدؤُاْ الْخَ ْلقَ ثُمّ ُيعِي ُد ُه وَ ُهوَ أَ ْهوَنُ عَلَيْهِ‪[} ...‬الروم‪]27 :‬‬
‫حدّ ذاته‪ ،‬إنما للقاء ال وللحساب‪ ،‬لكنهم ينكرون البعث؛ لنه يؤدي‬
‫إذن‪ :‬تكذيبهم ليس للبعث في َ‬
‫إلى لقاء ال‪ ،‬وهم يكرهون لقاء ال‪ ،‬فينكرون المسألة من بدايتها‪.‬‬

‫(‪)3438 /‬‬
‫جعُونَ (‪)11‬‬
‫ُقلْ يَ َت َوفّاكُمْ مََلكُ ا ْل َموْتِ الّذِي ُو ّكلَ ِبكُمْ ُثمّ إِلَى رَ ّبكُمْ تُ ْر َ‬

‫تلحظ هنا أنهم يتكلمون عن البعث{ َوقَالُواْ أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الَ ْرضِ أَئِنّا َلفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ‪[} ...‬السجدة‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪ ]10‬ومعلوم أن البعث إيجاد حياة‪ ،‬فإذا بالقرآن يُحدّثهم عن الوفاة‪ ،‬وهي ن ْقضٌ للحياة‪ ،‬ليُذكّرهم‬
‫بهذه الحقيقة‪.‬‬
‫ومعنى { يَ َت َوفّاكُم‪[ } ..‬السجدة‪ ]11 :‬من توفيت دَيْنا من المدين‪ .‬أي‪ :‬أخذتهُ كاملً غيرَ منقوص‪،‬‬
‫والمراد هنا الموت‪ ،‬والتوفّي يُنسَب مرة إلى ال عز وجل‪ {:‬اللّهُ يَ َت َوفّى الَنفُسَ حِينَ َموْتِـهَا }‬
‫[الزمر‪]42 :‬‬
‫ويُنسَب لملك الموت{ ُقلْ يَ َت َوفّاكُم مَّلكُ ا ْل َم ْوتِ الّذِي ُو ّكلَ ِبكُمْ‪[} ...‬السجدة‪ ]11 :‬ويُنسب إلى أعوانه‬
‫ح َدكُمُ ا ْل َم ْوتُ َت َوفّتْهُ رُسُلُنَا وَ ُه ْم لَ ُيفَرّطُونَ }[النعام‪]61 :‬‬
‫من الملئكة{ حَتّىا إِذَا جَآءَ أَ َ‬
‫لن مسألة الموت أمرها العلى بيد الخالق سبحانه‪ ،‬فهو وحده واهب الحياة‪ ،‬وهو وحده صاحب‬
‫المر في َنقْضها وسَلْبها من صاحبها؛ لذلك حرّم ال القتل‪ ،‬وجعل القاتل ملعونا؛ لنه يهدم بنيان‬
‫ال‪ ،‬فإذا قدّر ال على إنسان الموت إذِن لملَك الموت في ذلك‪ ،‬وهو عزرائيل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬هذه المسألة لها مراحل ثلث‪ :‬التوفّي من ال يأمر به عزرائيل‪ ،‬ثم يأمر عزرائيلُ ملئكته‬
‫الموكّلين بهذه المسألة‪ ،‬ثم ينفذ الملئكةُ هذا المر‪.‬‬
‫سلُنَا‪[} ...‬النعام‪ ]61 :‬أي‪ :‬أخذتْه كاملً‪ ،‬فلم ي ُقلْ‪ :‬أعدمتُه مثلً؛ لذلك نقول‬
‫وتأمل لفظة{ َت َوفّتْهُ رُ ُ‬
‫قُبضت روحه أي‪ :‬ذهبتْ إلى حيث كانت قبل أن تُنفخ فيه‪ ،‬ذهبت إلى المل العلى‪ ،‬ثم تحلّل‬
‫الجسد وعاد إلى أصله‪ ،‬وذاب في الرض‪ ،‬جزئية هنا وجزئية هناك‪ ،‬كما قالوا‪ {:‬أَ ِئذَا ضَلَلْنَا فِي‬
‫الَ ْرضِ أَئِنّا َلفِي خَ ْلقٍ جَدِيدٍ‪[} ...‬السجدة‪]10 :‬‬
‫فالذي يُتوفّى لم يُعدم‪ ،‬إنما هو موجود وجودا كاملً‪ ،‬روحه وجسده‪ ،‬وال قادر على إعادته يوم‬
‫القيامة؛ لذلك لم ي ُقلْ أعدمنا‪ .‬وهذه المسألة تحلّ لنا إشكالً في قصة سيدنا عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪-‬‬
‫ك وَرَا ِف ُعكَ إَِليّ‪[} ...‬آل عمران‪]55 :‬‬
‫فقد قال ال فيه‪ِ {:‬إذْ قَالَ اللّهُ ياعِيسَىا إِنّي مُ َت َوفّي َ‬
‫فالبعض يقول‪ :‬إنه عليه السلم تُوفّي أولً‪ ،‬ثم رفعه ال إليه‪ .‬والصواب أن واو العطف هنا تفيد‬
‫ت قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَإِذْ َأخَذْنَا‬
‫مطلق الجمع‪ ،‬فل تقتضي ترتيبا ول تعقيبا‪ ،‬واقرأ إنْ شئ َ‬
‫ح وَإِبْرَاهِي َم َومُوسَىا وَعِيسَى ابْنِ مَرْ َيمَ‪[} ...‬الحزاب‪]7 :‬‬
‫ك َومِن نّو ٍ‬
‫مِنَ النّبِيّيْنَ مِيثَا َقهُ ْم َومِ ْن َ‬
‫والخطاب هنا للنبي محمد صلى ال عليه وسلم ونوح عليه السلم قبله‪.‬‬
‫فالمعنى هنا أن ال تعالى قدّم الوفاة على الرفع‪ ،‬حتى ل يظن أحد أن عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬تبرأ‬
‫من الوفاة‪ ،‬فقدّم الشيء الذي فيك شكّ أو جدال‪ ،‬وما دام قد توفّاه ال فقد أخذه كاملً غير منقوص‪،‬‬
‫وهذا يعني أنه لم ُيصْلَب ولم يُقتل‪ ،‬إنما رفعه ال إليه كاملً‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ُ { :‬قلْ يَ َت َوفّاكُم مَّلكُ ا ْل َموْتِ‪[ } ..‬السجدة‪ ]11 :‬جاءت ردّا على قولهم‪ {:‬أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي‬
‫الَ ْرضِ أَئِنّا َلفِي خَ ْلقٍ جَدِيدٍ‪[} ...‬السجدة‪ ]10 :‬فالحق الذي قال أنا خلقتُ النسان لم ي ُقلْ وأنا‬
‫سأعدمه إنما سأتوفاه‪ ،‬فهو عندي كاملٌ بروحه وبذراته التكوينية‪ ،‬والذي خلق في البَدْء قادر على‬
‫العادة‪ ،‬وجمع الذرات التي تشتتت‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقوله عن ملك الموت { الّذِي ُو ّكلَ ِبكُمْ‪[ } ..‬السجدة‪ ]11 :‬أي‪ :‬يرقبكم ول يغفل عنكم‪ ،‬يلزمكم‬
‫ول ينصرف عنكم‪ ،‬بحيث ل مهربَ منه ول فكَاك‪ ،‬كما قال أهل المعرفة‪ :‬الموت سهم انطلق إليك‬
‫سمّيت مصيبة‬
‫فعلً‪ ،‬وعمرك بمقدار سفره إليك‪ ،‬فهو واقع ل محالة‪ .‬كما قلنا في المصيبة وأنها ما ُ‬
‫إل أنها ستصيبك ل محالة‪.‬‬
‫جعُونَ } [السجدة‪ ]11 :‬أي‪ :‬يوم القيامة‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬ثُمّ إِلَىا رَ ّبكُمْ تُ ْر َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلوْ تَرَىا ِإذِ ا ْلمُجْ ِرمُونَ‪.} ...‬‬

‫(‪)3439 /‬‬
‫ل صَالِحًا إِنّا‬
‫جعْنَا َن ْع َم ْ‬
‫س ِمعْنَا فَارْ ِ‬
‫س ِهمْ عِنْدَ رَ ّب ِهمْ رَبّنَا أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫وََلوْ تَرَى ِإذِ ا ْلمُجْ ِرمُونَ نَاكِسُو رُءُو ِ‬
‫مُوقِنُونَ (‪)12‬‬

‫تصوّر لنا هذه الية مشهدا من مشاهد يوم القيامة‪ ،‬يوم يُساق المجرم ذليلً إلى ما يستحق من‬
‫العذاب‪ ،‬كأنْ ترى مجرما مثلً تسوقه الشرطة وهو مُكبّل بالقيود يذوق الهانة والمذلّة‪ ،‬فتشفى‬
‫نفسك حين تراه ينال جزءاه بعد أنْ أتعب الدنيا وأداخ الناس‪.‬‬
‫وفي هذا المشهد يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو أول مخاطب‪ ،‬ثم يصبح‬
‫سهِمْ عِندَ رَ ّبهِمْ‪[ } ..‬السجدة‪ ]12 :‬أي‪ :‬حالة‬
‫خطابا لمته‪ { :‬وََلوْ تَرَىا إِذِ ا ْلمُجْ ِرمُونَ نَاكِسُواْ رُءُو ِ‬
‫وجودهم أنهم ناكسو رءوسهم‪ .‬وتقدير جواب الشرط‪ :‬لرأيتَ أمرا عجيبا يشفى صدرك مما فعلوه‬
‫بك‪.‬‬
‫ونلحظ في هذا السلوب دقة الداء في قوله تعالى‪ { :‬وََلوْ تَرَى‪[ } ..‬السجدة‪ ]12 :‬فلم يقل مثلً‪:‬‬
‫ولو تعلم؛ لن إخبار ال كأنه رؤيا العين‪ ،‬فحين يخبرك ال بأمر‪ ،‬فاعلم أنه أصدق من عينك حين‬
‫ترى؛ لن عينك قد تخدعك‪ ،‬أما إخبار ال لك فهو الحق‪.‬‬
‫جعْل العلى أسفل‪ ،‬والرأس دائما في‬
‫سهِمْ‪[ } ..‬السجدة‪ ]12 :‬النكس هو َ‬
‫ومعنى { نَا ِكسُواْ ُرءُو ِ‬
‫النسان أعلى شيء فيه‪.‬‬
‫وقد وردتْ هذه المادة في قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلم حين حطم الصنام‪ ،‬وعلّق‬
‫طقُونَ }[النبياء‪]65 :‬‬
‫سهِمْ َلقَدْ عَِل ْمتَ مَا هَـاؤُلءِ يَن ِ‬
‫الفأس على كبيرهم‪ {:‬ثُمّ ُنكِسُواْ عَلَىا ُرءُو ِ‬
‫فبعد أنْ عادوا إلى رشدهم واتهموا أنفسهم بالظلم انتكسوا وعادوا إلى باطلهم‪ ،‬فقالوا‪َ {:‬لقَدْ عَِل ْمتَ‬
‫طقُونَ }[النبياء‪]65 :‬‬
‫مَا هَـاؤُلءِ يَن ِ‬
‫سهُ فِي الْخَ ْلقِ َأفَلَ َي ْعقِلُونَ }[يس‪]68 :‬‬
‫وورد هذا اللفظ أيضا في قوله تعالى‪َ {:‬ومَن ّن َعمّ ْرهُ نُ َنكّـ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمعنى‪ :‬نرجعه من حال القوة والفتوة إلى حال الضعف والهرم وعدم القدرة‪ ،‬كما قال سبحانه‪{:‬‬
‫َومِنكُم مّن يُرَدّ إِلَىا أَ ْر َذلِ ا ْل ُعمُرِ ِل َكيْ لَ َيعْلَمَ َبعْدَ عِ ْلمٍ شَيْئا‪[} ...‬النحل‪]70 :‬‬
‫فبعد القوة يتكئ على عصا‪ ،‬ثم ل يستطيع السير فيحبو‪ ،‬أو يُحمل كما يُحمل الطفل الصغير‪ ،‬هذا‬
‫خلْق‪ ،‬وحين نتأمله نقول‪ :‬الحمد ل لو عافانا من هذه الفترة وهذه التنكيسة‪ ،‬ونعلم‬
‫هو التنكيس في ال َ‬
‫ن وصل إلى هذه المرحلة يضيق به أهله‪،‬‬
‫أن الموت لُطْف من ال ورحمة بالعباد‪َ ،‬ألَ ترى أن مَ ْ‬
‫وربما تم ّنوْا وفاته ليستريح وليستريحوا؟‬
‫وتنكيس رءوس المجرمين فيه إشارة إلى أن هذه هي العاقبة فاحذر المخالفة‪ ،‬فمَنْ تكبر وتغطرس‬
‫ستْ رأسه في الخرة‪ ،‬ومَنْ تواضع ل في الدنيا ُرفِعت رأسه‪ ،‬وهذا معنى الحديث‬
‫في الدنيا ُنكّ َ‬
‫الشريف‪ " :‬من تواضع ل رفعه "‪.‬‬
‫وفي تنكيس رءوس المجرمين يوم القيامة معنى آخر؛ لن الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬سيفعل في‬
‫كل مخالف في الخرة من جنس ما فعل في الدنيا‪ ،‬وهؤلء الذين نكّس ال رءوسهم في الخرة‬
‫خفُواْ مِنْهُ‪[} ...‬هود‪:‬‬
‫فعلوا ذلك في الدنيا‪ ،‬واقرأ إن شئتَ قول ربك‪ {:‬أَل إِ ّن ُهمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِ َيسْتَ ْ‬
‫‪]5‬‬
‫صوْلة وقوة ل يثبت الباطل أمامها؛‬
‫أي‪ :‬يطأطئون رءوسهم؛ لكي ل يواجهوا رسول ال‪ ،‬فللحق َ‬
‫لذلك نسمع من أصحاب الحق‪ :‬تعالَ واجهني‪ ،‬هات عيني في عينك‪ ،‬ول بُدّ أنْ يستخزي أهل‬
‫الباطل‪ ،‬وأنْ يجبنوا عن المواجهة؛ لنها ليست في صالحهم‪.‬‬
‫وهذا العجز عن المواجهة يدعو النسان إلى ارتكاب أفظع الجرائم‪ ،‬ويصل به إلى القتل‪ ،‬والقتل ل‬
‫يدل على القوة‪ ،‬إنما يدل على عجز وضعف وجُبْن عن المواجهة‪ ،‬فالقاتل أقرّ بأنه ل يستطيع أنْ‬
‫يواجه حياة عدوه فقتله‪ ،‬ولو كان قويا لواجه حياته‪.‬‬
‫ومن العذاب الذي يأتي من جنس ما فعل النسان في الدنيا قول ال تعالى في الذين يكنزون الذهب‬
‫ب وَا ْل ِفضّ َة َولَ يُن ِفقُو َنهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ‬
‫والفضة‪ ،‬ول ينفقونها في سبيل ال‪ {:‬وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َه َ‬
‫ظهُورُهُمْ‬
‫جهَنّمَ فَ ُت ْكوَىا ِبهَا جِبَا ُه ُه ْم وَجُنو ُبهُ ْم وَ ُ‬
‫علَ ْيهَا فِي نَارِ َ‬
‫حمَىا َ‬
‫فَبَشّرْ ُهمْ ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ * َيوْمَ ُي ْ‬
‫س ُكمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ َتكْنِزُونَ }[التوبة‪]35-34 :‬‬
‫هَـاذَا مَا كَنَزْ ُت ْم لَنْفُ ِ‬
‫سبحان ال‪ ،‬كأنها صورة طبق الصل مما فعلوه في الدنيا‪ ،‬فالواحد منهم يأتيه طالب العطاء‬
‫فيعبس في وجهه‪ ،‬ثم يُعرض عنه‪ ،‬ويعطيه جنبه‪ ،‬ثم يعرض عنه ويعيطه ظهره‪ ،‬ويأتي العذاب‬
‫بنفس هذا التفصيل‪ .‬إذن‪ :‬فعلى العاقل أن يحذر هذه المخالفات‪ ،‬فمن جنسها يكون العذاب في‬
‫الخرة‪.‬‬
‫س ِمعْنَا‪[ { ..‬السجدة‪ ]12 :‬هذا كلمهم‪،‬‬
‫وهؤلء المجرمون حال تنكيسهم يقولون‪ } :‬رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫حذْف الفعل هنا يدل على أن القول ليس سهلً‬
‫ومع ذلك لم يقل القرآن‪ :‬قالوا أبصرنا وسمعنا‪ ،‬ف َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليهم؛ لنه إقرار بخطئهم الول وإعلن لذّلة التوبة‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن هذه هي الية الوحيدة التي تقدّم فيها البصر على السمع؛ لن الساعة حين تأتي بأهوالها‬
‫نرى الهول أولً‪ ،‬ثم نسمع ما نراه‪.‬‬
‫سكَارَىا وَلَـاكِنّ عَذَابَ‬
‫سكَارَىا َومَا هُم ِب ُ‬
‫لذلك يقول تعالى مُصوّرا أثر هذا الهول‪ {:‬وَتَرَى النّاسَ ُ‬
‫اللّهِ شَدِيدٌ }[الحج‪]2 :‬‬
‫وفي معرض حديثنا السابق عن الحواس‪ :‬السمع والبصر والفؤاد فاتنا أنْ نذكر آية مهمة جاءت‬
‫س ْم ِعهِ ْم وَعَلَىا‬
‫على غير هذا الترتيب‪ ،‬وهي قول ال تعالى‪ {:‬خَ َتمَ اللّهُ عَلَىا قُلُوبِه ْم وَعَلَىا َ‬
‫غشَا َوةٌ وََلهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }[البقرة‪]7 :‬‬
‫أَ ْبصَارِهِمْ ِ‬
‫فجاء الفؤاد هنا أولً‪ ،‬وجمع الفؤاد مع السمع في الختم لنهما اشتركا فيه‪ ،‬أما البصر فاختص‬
‫بشيء آخر‪ ،‬وهو الغشاوة التي تُغطّي أبصارهم؛ ذلك لن الية السابقة في السمع والبصر والفؤاد‬
‫كانت عطاءً من ال‪ ،‬فبدأ بالسمع‪ ،‬ثم البصر‪ ،‬ثم ترقى في العطاء إلى الفؤاد‪ ،‬لكن هنا المقام مقام‬
‫سلب لهذه النعم‪ ،‬فيسلب الهم أولً‪ ،‬فأتى بالفؤاد ثم السمع ثم البصار‪.‬‬
‫س ِمعْنَا‪[ { ..‬السجدة‪]12 :‬؟‬
‫لكن أي شيء أبصروه؟ وأي شيء سمعوه في قولهم } رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫جدَ اللّهَ عِن َدهُ‪[} ...‬النور‪ ]39 :‬وحده سبحانه ليس معه‬
‫أول شيء يبصره الكافر يوم القيامة{ َووَ َ‬
‫شريك من الشركاء الذين عبدوهم في الدنيا‪ ،‬وليس لهم من دونه سبحانه وليّ‪ ،‬ول شفيع‪ ،‬ول‬
‫نصير‪.‬‬
‫س ِمعْنَا‪[ { ..‬السجدة‪ ]12 :‬أي‪ :‬ما أنزلته يا رب على رسولك‪ ،‬ونشهد أنه الحق وصدّقنا‬
‫ومعنى } وَ َ‬
‫الرسول في البلغ عنك‪ ،‬وأنه ليس ُمفْتريا‪ ،‬ول هو شاعر‪ ،‬ول هو ساحر‪ ،‬ول هو كذاب‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬ما فائدة هذا العتراف الن؟ وبماذا ينفعهم وهو في دار الحساب؟ ل في دار العمل‬
‫والتكليف؟! وما أشبه هذا العتراف باعتراف فرعون قبل أنْ يغرق‪ {:‬آمَنتُ أَنّهُ ل إِلِـاهَ ِإلّ الّذِي‬
‫ل َوكُنتَ مِنَ‬
‫عصَ ْيتَ قَ ْب ُ‬
‫ن َوقَدْ َ‬
‫آمَ َنتْ بِهِ بَنواْ ِإسْرَائِيلَ‪[} ...‬يونس‪ ]90 :‬لذلك ردّ ال عليه‪ {:‬آل َ‬
‫ا ْل ُمفْسِدِينَ }[يونس‪]91 :‬‬
‫س ِمعْنَا‪[ { ..‬السجدة‪ ]12 :‬إقرار منهم بأنهم كانوا على خطأ‪ ،‬وأنهم‬
‫فقولهم‪ } :‬رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫حدَهُمُ‬
‫يرغبون في الرجوع إلى الصواب‪ ،‬كما قال سبحانه في موضع آخر‪ {:‬حَتّىا إِذَا جَآءَ أَ َ‬
‫ل صَالِحا فِيمَا تَ َر ْكتُ‪[} ...‬المؤمنون‪ ،]100-99 :‬وردّ ال‬
‫ع َم ُ‬
‫جعُونِ * َلعَلّي أَ ْ‬
‫ا ْل َم ْوتُ قَالَ َربّ ارْ ِ‬
‫عليه‪ {:‬كَلّ إِ ّنهَا كَِلمَةٌ ُهوَ قَآئُِلهَا }[المؤمنون‪]100 :‬‬
‫ثم كشف حقيقة أمرهم‪ {:‬وََلوْ رُدّواْ َلعَادُواْ ِلمَا ُنهُواْ عَ ْن ُه وَإِ ّنهُمْ َلكَاذِبُونَ }[النعام‪]28 :‬‬
‫جعْنَا َن ْع َملْ صَالِحا إِنّا مُوقِنُونَ { [السجدة‪ ]12 :‬وهل يكون‬
‫س ِمعْنَا فَا ْر ِ‬
‫وهنا يقولون‪ } :‬رَبّنَآ أَ ْبصَرْنَا وَ َ‬
‫اليقين في هذا الموقف؟ اليقين إنما يكون بالمر الغيبي‪ ،‬وأنتم الن في اليقين الحسيّ المشَاهدَ‪ ،‬فهو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن يقين ل يُجدى‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وََلوْ شِئْنَا لتَيْنَا‪.{ ...‬‬

‫(‪)3440 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)13‬‬
‫جهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَ ْ‬
‫وََلوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا ُكلّ َنفْسٍ هُدَاهَا وََلكِنْ حَقّ ا ْلقَ ْولُ مِنّي لََأمْلَأَنّ َ‬

‫هنا قد يسأل سائل‪ :‬لماذا جعل ال الناسَ‪ :‬مؤمنا وكافرا‪ ،‬وطائعا وعاصيا؟ لماذا لم يجعلنا جميعا‬
‫مهتدين طائعين؟ أهذا صعب على ال سبحانه؟ ل‪ ،‬ليس صعبا على ال تعالى‪ ،‬بدليل أنه خلق‬
‫الملئكة طائعين مُنفّذين لوامره سبحانه{ لّ َي ْعصُونَ اللّهَ مَآ َأمَرَ ُه ْم وَ َي ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }‬
‫[التحريم‪]6 :‬‬
‫كذلك الرض والسماء والجبال‪..‬الخ‪ ،‬كلها تُسبّح ال وتعبده{ ُكلّ قَدْ عَِل َم صَلَتَ ُه وَتَسْبِيحَهُ‪} ...‬‬
‫[النور‪]41 :‬‬
‫حهُمْ‪[} ...‬السراء‪ ،]44 :‬وبعد ذلك‬
‫حمْ ِد ِه وَلَـاكِن لّ َت ْف َقهُونَ تَسْبِي َ‬
‫شيْءٍ ِإلّ يُسَبّحُ ِب َ‬
‫وقال‪ {:‬وَإِن مّن َ‬
‫يعطي ال تعالى لبعض خَلْقه معرفة هذا التسبيح‪ ،‬كما قال في حق داود عليه السلم‪ {:‬وَسَخّرْنَا مَعَ‬
‫دَاوُودَ ا ْلجِبَالَ يُسَبّحْنَ‪[} ...‬النبياء‪]79 :‬‬
‫نعم‪ ،‬هي تُسبّح أيضا مع غير داود‪ ،‬لكن الميزة أنها تشترك معه في تسبيح واحد‪ ،‬كأنهم (كورس)‬
‫يرددون نشيدا واحدا‪.‬‬
‫وعرفنا في قصة الهدهد وسليمان ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬أنه كان يعرف قضية التوحيد على أت ّم وجه‪،‬‬
‫شمْسِ‬
‫سجُدُونَ لِل ّ‬
‫كأحسن الناس إيمانا بال‪ ،‬وهو الذي قال عن بلقيس ملكة سبأ‪ {:‬وَجَدّتهَا َو َقوْ َمهَا يَ ْ‬
‫عمَاَلهُمْ َفصَدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ َفهُ ْم لَ َيهْتَدُونَ }[النمل‪]24 :‬‬
‫مِن دُونِ اللّ ِه وَزَيّنَ َلهُمُ الشّيْطَانُ أَ ْ‬
‫ن َومَا ُتعْلِنُونَ }‬
‫خفُو َ‬
‫ض وَ َيعْلَمُ مَا ُت ْ‬
‫ت وَالَرْ ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫خبْءَ فِي ال ّ‬
‫جدُواْ للّهِ الّذِي يُخْرِجُ الْ َ‬
‫وقال{ َألّ َيسْ ُ‬
‫[النمل‪]25 :‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى ‪ -‬حينما يريد أنْ يُدلّل لخَلْقه على قدرته يجعل من الضعف قوة‪ ،‬ومن القوة‬
‫ضعفا‪ ،‬وانظر إلى حال المؤمنين الوائل‪ ،‬وكم كانوا أذلة مستضعفين‪ ،‬فلما أسلموا رفعهم ال‬
‫بالسلم وجعلهم سادة‪.‬‬
‫ومشهورة قصة الصّدّيق أبي بكر لما أَدخل عليه المستضعفين أمثال‪ :‬عمار وبلل‪..‬وترك صناديد‬
‫قريش بالباب‪ ،‬فعاتبه أبوه على ذلك‪ :‬كيف يُدخِل العبيد ويترك هؤلء السادة بالباب؟ فقال أبو بكر‪:‬‬
‫يا أبي‪ ،‬لقد رفع السلم الخسيسة‪ ،‬وإذا كان هؤلء قد ورمتْ أنوفهم أن يدخل العبيد قبلهم‪ ،‬فكيف‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بهم حين يُدخِلهم الُ الجنةَ قبلهم؟‬
‫وعجيب أن يصدر هذا الكرم من الصّدّيق أبي بكر‪ ،‬مع ما عُرِف عنه من اللين و ِرقّة القلب‬
‫والحلم‪.‬‬
‫وهذا لون من تبديل الحوال واجتماع الضداد‪ ،‬وقد عرض الحق ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬لهذه المسألة‬
‫حكُونَ * وَإِذَا مَرّواْ ِبهِمْ يَ َتغَامَزُونَ }‬
‫في قوله تعالى‪ {:‬إِنّ الّذِينَ أَجْ َرمُواْ كَانُواْ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ َيضْ َ‬
‫[المطففين‪ ]30-29 :‬يعني‪ :‬يسخرون منهم ويهزأون بهم‪ ،‬كما نسمع من أهل الباطل يقولون‬
‫للنسان المستقيم (خدنا على جناحك)‪.‬‬
‫وليت المر ينتهي عند هذا الحد‪ ،‬إنما إذا عادوا إلى أهلهم كرروا هذا الستهزاء‪ ،‬وتبجحوا به‪،‬‬
‫وفرحوا ليذائهم لهل التقوى والستقامة‪ {:‬وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَىا َأهِْلهِ ُم انقَلَبُواْ َف ِكهِينَ * وَإِذَا رََأوْهُمْ‬
‫قَالُواْ إِنّ هَـا ُؤلَءِ َلضَالّونَ * َومَآ أُ ْرسِلُواْ عَلَ ْيهِمْ حَافِظِينَ }[المطففين‪ ]33-31 :‬لكن يُنهي الحق‬
‫علَى الَرَآ ِئكِ‬
‫حكُونَ }ثم يسألهم ال{ َ‬
‫سبحانه هذا الموقف بقوله‪ {:‬فَالْ َيوْمَ الّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ا ْل ُكفّارِ َيضْ َ‬
‫يَنظُرُونَ * َهلْ ُث ّوبَ ا ْل ُكفّارُ مَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ }‬
‫[المطففين‪]36-34 :‬‬
‫فهنا يقول الحق سبحانه‪ :‬ل تفهموا أن أحدا تأبى عليّ‪ ،‬من خَلْقي‪ ،‬إنما أردتُ لهم الختيار‪ ،‬ثم‬
‫ل يؤمن‪ .‬وإل‬
‫ن يفعلوه‪ ،‬فيريد ال أن يعلم علم وقوع بمَنْ آمن به‪ ،‬وهو يملك أ ّ‬
‫أخبرتهم بما أحبّ أ ْ‬
‫فهو سبحانه عالم أزلً؛ ليكون الفعل حجة على أصحابه‪ ،‬إذن‪ :‬إياك أنْ تظنّ أنك باختيارك كسرت‬
‫قهر العلى‪.‬‬
‫وسبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن الذين أَلِفوا التمرد على ال إيمانا به‪ ،‬فكفروا وتمردوا على طاعته فعصوه‪..‬الخ‬
‫ل أو على‬
‫نقول لهم‪ :‬ما ُدمْتم قد تعودتم التمرد على أوامر ال‪ ،‬فلماذا ل تتمردون على المرض مث ً‬
‫الموت؟ إذن‪ :‬أنت عبد رغم أنفك‪.‬‬
‫يقول سبحانه هنا‪ } :‬وََلوْ شِئْنَا لتَيْنَا ُكلّ َنفْسٍ هُدَاهَا‪[ { ..‬السجدة‪ ]13 :‬أي‪ :‬لَجعل الناس كالملئكة‪،‬‬
‫وكالمخلوقات المسيّرة التي ل اختيار لها‪ ،‬وسبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن المخلوقات كلها خُيّرت في حمل‬
‫المانة‪ ،‬وليس النسان وحده‪ ،‬لكن الفرق أن ابن آدم أخذ الختيار مُفصّلً‪ ،‬وبقية الخَلْق أخذوا‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن‬
‫لمَانَةَ عَلَى ال ّ‬
‫الختيار جملة‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪ {:‬إِنّا عَ َرضْنَا ا َ‬
‫جهُولً }[الحزاب‪]72 :‬‬
‫حمََلهَا الِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوما َ‬
‫ش َفقْنَ مِ ْنهَا وَ َ‬
‫حمِلْ َنهَا وَأَ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ومعنى الهداية في } وََلوْ شِئْنَا لتَيْنَا ُكلّ َنفْسٍ هُدَاهَا‪[ { ..‬السجدة‪ ]13 :‬أي‪ :‬هدى المعونة‪ ،‬وإل فقد‬
‫هدى الُ جميعَ الناس هُدى الدللة على طريق الخير‪ ،‬فالذي اخذ بهدى الدللة وقال على العين‬
‫والرأس يأخذ هدى المعونة‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ اهْتَ َدوْاْ زَا َدهُمْ هُدًى وَآتَا ُهمْ َت ُقوَاهُمْ }[محمد‪:‬‬
‫‪]17‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكي نفهم الفرق بين الهديين‪ ،‬اقرأ‪ {:‬وََأمّا َثمُودُ َف َهدَيْنَاهُمْ‪[} ...‬فصلت‪ ]17 :‬أي‪ :‬دللناهم‬
‫وأرشدناهم{ فَاسْتَحَبّواْ ا ْل َعمَىا عَلَى ا ْلهُدَىا‪[} ...‬فصلت‪]17 :‬‬
‫ج َمعِينَ { [السجدة‪:‬‬
‫جهَنّمَ مِنَ ا ْلجِنّ ِة وَالنّاسِ َأ ْ‬
‫لمْلَنّ َ‬
‫حقّ ا ْل َقوْلُ مِنّي َ‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬وَلَـاكِنْ َ‬
‫‪]13‬‬
‫لوْلَى بالحكمة في الخَلْق‪ ،‬بدليل أن الذي يشذ عن مراد‬
‫الحق سبحانه يريد أنْ يثبت لخَلْقه أنه هو ا َ‬
‫ال ل بُدّ أن يفسد به المجتمع‪ ،‬كما نرى المجتمعات تشقى بكفر الكافر‪ ،‬وبعصيان العاصي‪.‬‬
‫والحق سبحانه يترك الكافر يكفر باختياره‪ ،‬والعاصي يعصي باختياره ليؤذي الناس بإثم الكافر‬
‫وبإثم العاصي‪ ،‬وعندها يعودون إلى تشريع ال ويلجئون إلى ساحته سبحانه‪ ،‬ولو أن الناس عملوا‬
‫بشرع ال ما حدث فساد في الكون ول خََللٌ في حياتهم أبدا‪.‬‬
‫لذلك نفرح حينما ينتقم ال من أهل الكفر ومن أهل المعصية‪ ،‬ونقول‪ :‬الحمد ل الذي أراح منهم‬
‫البلد والعباد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬مخالفة منهج ال في القمة كفرا به سبحانه‪ ،‬وفي غيرها معصية لمره هو الذي يبين مزايا‬
‫اليمان وحلوة التشريع‪ .‬وقلنا‪ :‬إن التشريع يجب أنْ يأخذه المكلّف َأخْذا أَخْذا كاملً بما له وبما‬
‫عليه‪ ،‬فال كلّفك ألّ تسرق من الناس‪ ،‬وكلّف الناسَ جميعا ألّ يسرقوا منك‪.‬‬
‫حقّ ا ْل َق ْولُ مِنّي‪[ { ..‬السجدة‪ ]13 :‬أي‪ :‬وقع وثبت وقُطع به‪ ،‬ويأتي هذا المعنى‬
‫ومعنى } وَلَـاكِنْ َ‬
‫بلفظ سبق‪ ،‬كما في{ وََلقَدْ سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُرْسَلِينَ }‬
‫ن وَأَهَْلكَ ِإلّ مَن‬
‫[الصافات‪ ]171 :‬وفي قصة نوح عليه السلم‪ {:‬فَاسُْلكْ فِيهَا مِن ُكلّ َزوْجَيْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫سَ َبقَ عَلَيْهِ ا ْل َق ْولُ‪[} ...‬المؤمنون‪]27 :‬‬
‫حقّ عَلَيْنَا َق ْولُ رَبّنَآ إِنّا لَذَآ ِئقُونَ }‬
‫وقال تعالى حكاية عن الكفار في حوارهم يوم القيامة‪ {:‬فَ َ‬
‫[الصافات‪]31 :‬‬
‫ج َمعِينَ { [السجدة‪ ]13 :‬عرفنا أن ال تعالى خلق الجنة‪،‬‬
‫جهَنّمَ مِنَ الْجِنّ ِة وَالنّاسِ َأ ْ‬
‫لمْلَنّ َ‬
‫ومعنى } َ‬
‫ل يملونها‪ ،‬فليس فيهما أزمة أماكن‪ ،‬فالجنة‬
‫ل يملونها‪ ،‬وخلق النار وخلق لها أه ً‬
‫وخلق لها أه ً‬
‫ن كفروا‪.‬‬
‫أُعِ ّدتْ لتسع جميع الخَلْق إنْ آمنوا‪ ،‬وكذلك النار أُعِ ّدتْ لتسع الخَلْق جميعا إ ْ‬
‫لذلك حين يذهب أهل الجنة إلى الجنة يرثون أماكن أهل النار فيها‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬وَنُودُواْ أَن‬
‫تِ ْلكُمُ ا ْلجَنّةُ أُورِثْ ُتمُوهَا ِبمَا كُنتُمْ َت ْعمَلُونَ }[العراف‪]43 :‬‬
‫ن والعفاريت‪.‬‬
‫والجِنّة‪ :‬أي الجِ ّ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬فذُوقُواْ ِبمَا َنسِيتُمْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3441 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فَذُوقُوا ِبمَا نَسِيتُمْ ِلقَاءَ َي ْومِكُمْ هَذَا إِنّا نَسِينَاكُ ْم وَذُوقُوا عَذَابَ ا ْلخُلْدِ ِبمَا كُنْتُمْ َت ْعمَلُونَ (‪)14‬‬

‫سقَرَ }[القمر‪ ]48 :‬ويُقال هذا لزعماء‬
‫والتقدير‪ :‬ذوقوا العذاب‪ ،‬كما جاء في آية أخرى{ ذُوقُواْ مَسّ َ‬
‫ورءوس الكفر{ ُذقْ إِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْلكَرِيمُ }[الدخان‪]49 :‬‬
‫واختار حاسة التذوق؛ لن كل وسيلة إدراك قد تتصل بلون من ألوان الترف في الحياة‪ ،‬أمّا الذوق‬
‫فيتصل بإمداد الحياة‪ ،‬وهو الكل والشرب‪ ،‬وبهما قوام حياة النسان‪ ،‬فهما ضرورتان للحياة ل‬
‫مجردَ ترف فيها‪.‬‬
‫وفي موضع آخر‪ ،‬يُبيّن لنا الحق سبحانه أثر الذاقة‪ ،‬فيقول عن القرية التي كفرت بربها‪ {:‬فََأذَا َقهَا‬
‫خ ْوفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }[النحل‪ ]112 :‬وتصور أن يكون الجوع لباسا‬
‫ع وَالْ َ‬
‫اللّهُ لِبَاسَ ا ْلجُو ِ‬
‫يستولي على الجسم كله‪ ،‬وكأن ال تعالى يريد أنْ يُبين لنا عضة الجوع‪ ،‬التي ل تقتصر على‬
‫البطن فحسب‪ ،‬إنما على كل العضاء‪ ،‬فقال{ لِبَاسَ الْجُوعِ‪[} ...‬النحل‪ ]112 :‬لشمول الذاقة‪ ،‬فكأن‬
‫كل عضو في الجسم سيذوق ألم الجوع‪ ،‬وهذا المعنى ل يؤديه إل اللفظ الذي اختاره القرآن‪.‬‬
‫وقد فطن الشاعر إلى هذه الشمولية التي تستولي على الجسم كله‪ ،‬فقال عن الحب اللهي حين‬
‫يستشرف في القلب ويفيض منه ليشمل كلّ الجوارح‪ ،‬فقال‪:‬خَطَراتُ ِذكْ ِركَ َتسْتثير مودّتي فُأحِسّ‬
‫عضَائي خُِلقْنَ قُلُوبَاوعِلّة هذه الذاقة { ِبمَا‬
‫ل َوفِيه صَبَابةٌ فَكأنّ أَ ْ‬
‫ض َو لي إ ّ‬
‫ع ْ‬
‫منها في الفُؤادِ دَبيبَال ُ‬
‫نَسِيتُمْ ِلقَآءَ َي ْو ِمكُمْ هَـاذَآ‪[ } ..‬السجدة‪ ]14 :‬أي‪ :‬يوم القيامة الذي حدّثناكم عنه‪ ،‬وحذّرناكم من‬
‫أهواله‪ ،‬فلم نأخذكم على غِرّة‪ ،‬لكن نبهناكم إلى سوء العاقبة‪ ،‬فل عذرَ لكم الن‪ ،‬وقد ضخّمنا لكم‬
‫ن تعتبروا بها‪ ،‬وتتأكدوا من صِدْقها‪.‬‬
‫هذه الهوال‪ ،‬فكان من الواجب ان تلتفتوا إليها‪ ،‬وأ ْ‬
‫أما المؤمنون فحين يروْنَ هذا الهول وهذا العذاب ينزل بالكفرة والمكذّبين يفرحون؛ لن ال نجاهم‬
‫بإيمانهم من هذا العذاب‪.‬‬
‫وتكون عاقبة نسيان لقاء ال { إِنّا نَسِينَا ُكمْ‪[ } ..‬السجدة‪ ]14 :‬فأنتم نسيتم لقاء ال‪ ،‬ونسيتم توجيهاته‪،‬‬
‫وأغفلتم إنذاره وتحذيره لكم‪ ،‬ونحن تركناكم ليس هملً‪ ،‬إنما تركناكم من امتداد الرحمة بكم‪ ،‬فقد‬
‫ص بها المؤمنين بي‪ ،‬بل جعلتُها للمؤمن وللكافر‪.‬‬
‫كانت رحمتي تشملكم في الدنيا‪ ،‬ولم أخ ّ‬
‫فكل شيء في الوجود يعطي النسان مطلق النسان طالما أخذ بالسباب‪ ،‬ل فرق بين مؤمن‬
‫وكافر‪ ،‬هذا في الدنيا‪ ،‬أما في الخرة فننساكم من هذه الرحمة التي ل تستحقونها‪ ،‬بل‪ { :‬وَذُوقُـواْ‬
‫عَذَابَ ا ْلخُلْدِ ِبمَا كُن ُتمْ َت ْعمَلُونَ } [السجدة‪]14 :‬‬
‫فإنْ كنتم قد تمردتم على ال وكفرتم به في دنيا محدودة‪ ،‬وعمرك فيها محدود‪ ،‬فإن العذاب الواقع‬
‫بكم اليوم خالد باقٍ دائم‪ ،‬فخسارتكم كبيرة‪ ،‬ومصيبتكم فادحة‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن العمل في الدنيا للخرة يمثل معادلة ينبغي أنْ تُحلّ حلً صحيحا‪ ،‬فأنت في الدنيا عمرك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل يُحسب بعمرها‪ ،‬إنما بمدة بقائك فيها‪ ،‬فهو عمر محدود‪ ،‬أما الخرة فخلود ل ينتهي‪ ،‬فلو أن‬
‫النعيم فيهما سواء لكان امتداد الزمن مرجحا للخرة‪.‬‬
‫ثم إن نعيمك في الدنيا على قدر إمكاناتك وحركتك فيها‪ ،‬أما نعيم الخرة فعلى قدر إمكانات ال في‬
‫ن يفوتك أو تفوته أنت‪ ،‬ونعيم الخرة باقٍ ل يفوتك أبدا لنك مخلد فيه‪.‬‬
‫الكون‪ ،‬نعيم الدنيا إما أ ْ‬
‫إذن‪ :‬هي صفقة ينبغي أنْ ُتحْسبَ حسابا صحيحا‪ ،‬وتستحق أن نبيع من أجلها الدنيا بكل ما فيها من‬
‫غالٍ ونفيس؛ لذلك سماها رسول ال تجارة رابحة‪.‬‬
‫حتْ تّجَارَ ُتهُمْ‬
‫وقال سبحانه وتعالى عن الكافرين{ ُأوْلَـائِكَ الّذِينَ اشْتَ َروُاْ الضّلَلَةَ بِا ْلهُدَىا َفمَا رَبِ َ‬
‫َومَا كَانُواْ ُمهْتَدِينَ }[البقرة‪]16 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬إِ ّنمَا ُي ْؤمِنُ بِآيَاتِنَا‪.} ...‬‬

‫(‪)3442 /‬‬
‫حمْدِ رَ ّبهِ ْم وَهُمْ لَا يَسْ َتكْبِرُونَ (‪)15‬‬
‫سجّدًا وَسَبّحُوا بِ َ‬
‫إِ ّنمَا ُي ْؤمِنُ بِآَيَاتِنَا الّذِينَ ِإذَا ُذكّرُوا ِبهَا خَرّوا ُ‬

‫س ْقفُ مِن َف ْو ِقهِمْ‪...‬‬
‫الخرور‪ :‬السقوط بغير نظام ول ترتيب‪ ،‬كما جاء في قوله تعالى{ َفخَرّ عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫}[النحل‪ ]26 :‬وفي موضع آخر قال سبحانه في هذا المعنى‪ {:‬إِنّ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ مِن قَبْلِهِ‪} ...‬‬
‫سجّدا * وَ َيقُولُونَ سُ ْبحَانَ‬
‫ل ْذقَانِ ُ‬
‫[السراء‪ ]107 :‬أي‪ :‬من قبل القرآن{ إِذَا يُتْلَىا عَلَ ْي ِهمْ يَخِرّونَ لِ َ‬
‫ن وَعْدُ رَبّنَا َلمَ ْفعُولً }[السراء‪]108-107 :‬‬
‫رَبّنَآ إِن كَا َ‬
‫ن تهوي إلى الرض ساجدا دون تفكير‪ ،‬وكل سجود في القرآن يتلو هذه المادة (خرّ)‬
‫فالخرور أ ْ‬
‫ل ْذقَانِ‬
‫دليل على أنها أصبحتْ مَلَكة وآلية في المؤمن‪ ،‬بل ويؤكدها الحق سبحانه بقوله‪ {:‬يَخِرّونَ لِ َ‬
‫سجّدا }[السراء‪ ]107 :‬لنه سجود يأخذ الذقن‪ ،‬فهو متمكن في الذلّة‪ ،‬وهو فوق السجود الذي‬
‫ُ‬
‫نعرفه في الصلة على العضاء السبعة المعروفة‪.‬‬
‫ولم يُذكر الخرور مع الركوع إل في موضع واحد‪ ،‬هو قوله تعالى في شأن داود‪ {:‬وَظَنّ دَاوُودُ‬
‫أَ ّنمَا فَتَنّاهُ فَاسْ َت ْغفَرَ رَبّ ُه وَخَرّ رَاكِعا وَأَنَابَ }[ص‪]24 :‬‬
‫ل ْذقَانِ يَ ْبكُونَ وَيَزِي ُدهُمْ خُشُوعا }[السراء‪ ]109 :‬فكلما‬
‫وفي موضع آخر قال سبحانه‪ {:‬وَيَخِرّونَ لِ َ‬
‫ازدادوا ذِلّة ازدادوا خشوعا‪ ،‬فكأنهم عشقوا التكليف‪ ،‬وأحبوا أوامر ال؛ لذلك بالغوا في الذلة‬
‫والعبودية ل تعالى‪ ،‬وهذه المسألة تفسر لنا قول النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أقرب ما يكون العبد‬
‫من ربه وهو ساجد‪ ،‬فأكثروا من الدعاء "‪.‬‬
‫ففي السجود تضع وجهك وجبهتك‪ ،‬وهي رمز العلو وال ّرفْعة تضعها على الرض خضوعا ل عز‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجل‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه عنهم‪ { :‬تَتَجَافَىا جُنُو ُبهُمْ عَنِ‪.} ...‬‬

‫(‪)3443 /‬‬
‫ط َمعًا َو ِممّا رَ َزقْنَاهُمْ يُ ْن ِفقُونَ (‪)16‬‬
‫خ ْوفًا وَ َ‬
‫تَتَجَافَى جُنُو ُبهُمْ عَنِ ا ْل َمضَاجِعِ َيدْعُونَ رَ ّبهُمْ َ‬

‫التجافي يعني الترك‪ ،‬لكن الترك قد يكون معه شوق ويصاحبه ألم‪ ،‬كما تودع حبيبا وتتركه وأنت‬
‫غير زاهد فيه ول قَالٍ له‪ ،‬أما الجفوة فترك فيه كراهية للمتروك‪ ،‬فهؤلء الؤمنون الذين يتركون‬
‫مضاجعهم كأن جنوبهم تكره المضجع وتجفوه؛ لنها تتركه إلى لذة أبقى وأعظم هي لذة التصال‬
‫بال ومناجاته‪.‬‬
‫ونذكر هنا إن المام عليا رضي ال عنه حينما ذهب ليدفن فاطمة بنت رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم رضي ال عنها وقف عند قبر رسول ال وقال‪ :‬السلم عليك يا سيدي يا رسول ال‪َ ،‬قلّ عن‬
‫صفيتك صبري‪ ،‬ورقّ عنها تجلّدي‪ ،‬إل أن لي في التعزي بعظيم فُرْقتك وفادح مصيبتك موضع‬
‫تأسّ ‪ -‬يعني‪ :‬الذي تحمّل َفقْدك يا رسول ال يهون عليه أيّ َفقْد بعدك ‪ -‬فلقد وسدتُك يا رسول ال‬
‫سحْري ونَحْري نفسك‪ ،‬أما ليلي فمُسهّد‪ ،‬وأما حزني َفسَ ْرمَد‪ ،‬إلى‬
‫في ملحودة قبرك‪ ،‬وفاضت بين َ‬
‫أنْ يختار ال لي دارك التي أنت بها مقيم‪ ،‬هذا وستخبرك ابنتك عن حال أمتك وتضافرها على‬
‫خلُ منك الذكر‪.‬‬
‫صغِها السؤال‪ ،‬واستخبرها الحال‪ ،‬هذا ولم يَطلّ منك العهد‪ ،‬ولم ي ْ‬
‫هضمها‪ ...‬فَأ ْ‬
‫ثم لما أراد أنْ ينصرف عن قبر حبيبه قال‪ :‬والسلم عليك سلم مُودّع‪ ،‬ل قال ول سئم‪ ،‬فإنْ‬
‫انصرف فل عن مللة‪ ،‬وإنْ ُأقِم فل عن سوء ظنّ بما وعد ال به عباده الصابرين‪.‬‬
‫فقوله تعالى‪ { :‬تَتَجَافَىا جُنُو ُبهُمْ عَنِ ا ْل َمضَاجِعِ‪[ } ..‬السجدة‪ ]16 :‬أي‪ :‬تكرهها وتجفوها‪ ،‬مع أنها‬
‫أعزّ ما يركن إليه النسان عند راحته‪ ،‬فالنسان حين تدبّ فيه الحياة‪ ،‬ويستطيع أنْ تكون له قوة‬
‫ونشاط يعمل في الحياة‪ ،‬فالعمل فرع وجود الحياة‪ ،‬وبالقوة يمشي‪ ،‬وبالقوة يحمل الثقال‪.‬‬
‫حمْل وضعه عن نفسه ليستريح‪ ،‬لكنه يستطيع أن يمشي بدون حمل‪ ،‬فإنْ أتعبه‬
‫فإذا ما أتعبه ال ِ‬
‫المشي وقف‪ ،‬فإذا أتعبه الوقوف جلس؛ لذلك يحدث أن تقول لصاحبك‪ :‬لو سمحت احمل عني هذا‬
‫ل فيقول‪ :‬يا شيخ‪ ،‬هل أنا قادر أن أحمل نفسي؟‬
‫ح ْم َ‬
‫ال ِ‬
‫إذن‪ :‬التعب في هذه الحالة ناشئ من ِثقَل الجسم على القدمين فيتعبه الوقوف‪ ،‬إلَ ترانا إذا أطال‬
‫المام في الصلة مثلً نراوح بين القدمين مرة على هذه‪ ،‬ومرة على هذه‪ ،‬أما القعود فيريح‬
‫النسان؛ لنه يُوسّع دائرة العضو المحتمل‪ ،‬فثِقَل الجسم في حالة القعود يُوزّع على المقعدة كلها‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإذا بلغ به التعب حدا بحيث أتعبه القعود فإنه يستلقي على جنبه‪ ،‬ويمد جسمه كله على الرض‬
‫فيتوزع الثقل على كل العضاء‪ ،‬فل يحمل العضو إل ثقله فقط‪.‬‬
‫فإنْ شعر النسان بتعب بعد هذا كله تقلّب على جنبه الخر أو على ظهره‪ ،‬هذه كلها ألوان من‬
‫الراحة لجسم النسان‪ ،‬لكنه ل يرتاح الراحة الكاملة إل إذا استغرق في النوم‪ ،‬ويُسمّون هذا‬
‫التسلسل متواليات عضلية‪.‬‬
‫ن كنت‬
‫والدليل على أن النوم راحة تامة أنك ل تشعر فيه باللم الذي تشعر به حال اليقظة ‪ -‬إ ْ‬
‫تتألم من مرض مثلً ‪ -‬وهذه كلها متواليات يمر بها المؤمن‪ ،‬وبالتالي إذا مات استراح أكثر‪ ،‬ثم‬
‫إذا ُبعِث يوم القيامة ارتاح الراحة الكبرى‪ ،‬فهي مراحل نمرّ بها إلى أنْ نرتمي في حضن خالقنا‬
‫عز وجل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمضاجع آخر مرحلة في اليقظة‪ ،‬ولم ت ْأتِ إل بعد عدة مراحل من التعب‪ ،‬ومع ذلك شوق‬
‫المؤمنين إلى ربهم ورغبتهم في الوقوف بين يديه سبحانه يُنسبهم هذه الراحة‪ ،‬ويُزهّدهم فيها‪،‬‬
‫فيجفونها ليقفوا بين يدي ال‪.‬‬
‫جعُونَ }[الذاريات‪ ]17 :‬ثم يقول‬
‫وفي موضع آخر قال تعالى عنهم‪ {:‬كَانُواْ قَلِيلً مّن اللّ ْيلِ مَا َيهْ َ‬
‫سبحانه‪ } :‬يَدْعُونَ رَ ّبهُمْ‪[ { ..‬السجدة‪ ]16 :‬أي‪ :‬يدعون ربهم وهم على حال التعب‪ ،‬كأن الدعاء‬
‫مجرد الدعاء يريحهم‪ ،‬لماذا ولم ُيحَابوا بعد؟ قالوا‪ :‬لنهم وضعوا حاجاتهم وطلبهم عند قادر على‬
‫النفاذ‪ ،‬ثم إن حلوة لقائهم بربهم في الصلة تُنسيهم التعب الذي يعانون‪.‬‬
‫طمَعا‪[ { ..‬السجدة‪ ]16 :‬أي‪ :‬خوفا مما حدث منهم من تقصير‬
‫خوْفا وَ َ‬
‫والمؤمنون يدعون ربهم } َ‬
‫طمَعا‪[ { ..‬السجدة‪:‬‬
‫في حق ال‪ ،‬وأنهم لم يُقدّموا ل تعالى ما يستحق من التقوى ومن الطاعة } وَ َ‬
‫‪ ]16‬أي‪ :‬في المغفرة } َو ِممّا رَ َزقْنَا ُهمْ يُن ِفقُونَ { [السجدة‪ ]16 :‬والمراد هنا الزكاة‪.‬‬
‫لذلك نرى في قوله تعالى‪ } :‬تَ َتجَافَىا جُنُو ُبهُمْ عَنِ ا ْل َمضَاجِعِ‪[ { ..‬السجدة‪ ]16 :‬أن هذا التجافي كان‬
‫بقصد الصلة؛ لن القرآن عادةً ما يقرن بالصلة بالزكاة‪ ،‬فقال بعدها‪َ } :‬و ِممّا رَ َزقْنَا ُهمْ يُنفِقُونَ‬
‫{ [السجدة‪]16 :‬‬

‫(‪)3444 /‬‬
‫خفِيَ َلهُمْ مِنْ قُ ّرةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً ِبمَا كَانُوا َي ْعمَلُونَ (‪)17‬‬
‫فَلَا َتعْلَمُ َنفْسٌ مَا ُأ ْ‬

‫قلنا‪ :‬إن الحق سبحانه أخفى أسرار الخير عن الخَلْق‪ ،‬ولم ُيعْطهم منها إل على قدر حاجتهم منها‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإذا أراد سبحانه أنْ يُجازي عباده المؤمنين ل يجازيهم بما يعملون من خيرات الدنيا وإمكاناتهم‬
‫فيها‪ ،‬إنما يجازيهم بما يعلم هو سبحانه‪ ،‬وبما يتناسب مع إمكانات قدرته‪.‬‬
‫وهذه المكانات ل نستطيع نحن التعبير عنها؛ لن ألفاظ اللغة ل تستطيع التعبير عنها‪ ،‬ومعلوم أن‬
‫النسان ل يضع السم إل إذا وُجد المسمى والمعنى أولً؛ لذلك قال تعالى في التعبير عن هذا‬
‫خفِيَ َلهُم مّن قُ ّرةِ أَعْيُنٍ‪[ } ..‬السجدة‪]17 :‬‬
‫النعيم‪ { :‬فَلَ َتعْلَمُ َنفْسٌ مّآ ُأ ْ‬
‫وقال النبي صلى ال عليه وسلم عن الجنة‪ " :‬فيها ما ل عين رأتْ‪ ،‬ول أذن سمعت‪ ،‬ول خظر‬
‫على قلب بشر " إذن‪ :‬كيف نُسمّي هذه الشياء؟ وكيف نتصّورها وهي فوق إدراكاتنا؟ لذلك‬
‫سنفاجأ بها حين نراها إنْ شاء ال‪.‬‬
‫ثم َألَ ترى أن الحق سبحانه حينما يعرض علينا طرفا من ذكر الجنة ل يقول لنا الجنة كذا وكذا‪،‬‬
‫إنما يقول‪ {:‬مّ َثلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ ا ْلمُ ّتقُونَ‪[} ...‬الرعد‪ ]35 :‬أي‪ :‬أن ما نعرضه عليك ليس هو‬
‫الجنة‪ ،‬إنما شبيه بها‪ ،‬أما هي على الحقيقة ففوق الوصف الذي تؤديه اللغة‪ ،‬فأنا أعطيكم الصورة‬
‫القريبة لذهانكم‪.‬‬
‫ثم يُنقى الحق سبحانه المثل الذي يضربه لنا من شوائبه في الدنيا‪ ،‬وتأمل في ذلك قول ال تعالى‬
‫عن نعيم الجنة‪ {:‬مّ َثلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ ا ْلمُ ّتقُونَ فِيهَآ أَ ْنهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ‪[} ...‬محمد‪]15 :‬‬
‫وكانت آفة الماء عندهم أن يأسن ويتغير في الجرار‪ ،‬فنقّاه ال من هذه الفة‪.‬‬
‫ط ْعمُهُ‪[} ...‬محمد‪ ]15 :‬وكان العربي إذا سار باللبن يحمض‬
‫وكذلك في{ وَأَ ْنهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَ َتغَيّرْ َ‬
‫خمْرٍ لّ ّذةٍ لّلشّارِبِينَ‪[} ...‬محمد‪ ]15 :‬وآفة خمر الدنيا أنها تغتال العقل‪ ،‬وتذهب‬
‫فيعافه{ وَأَ ْنهَارٌ مّنْ َ‬
‫به‪ ،‬وليس في شربها لذة؛ لذلك نرى شاربها والعياذ بال يتجرّعها مرة واحدة‪ ،‬ويسكبها في فمه‬
‫سكْبا‪ ،‬دليلً على أنها غير طيبة‪ ،‬وهل رأيت شارب الخمر يمتصّها مثلً كما تمتص كوبا من‬
‫َ‬
‫العصير‪ ،‬وتشعر بلذة شربه؟‬
‫ل َولَ هُمْ عَ ْنهَا يُن َزفُونَ }[الصافات‪]47 :‬‬
‫غوْ ٌ‬
‫وقد وصف ال خمر الخرة بقوله‪ {:‬لَ فِيهَا َ‬
‫سلٍ ّمصَفّى‪[} ...‬محمد‪ ]15 :‬فوصف العسل بأنه مُصفّى؛ لن آفة‬
‫ثم يقول سبحانه‪ {:‬وَأَ ْنهَارٌ مّنْ عَ َ‬
‫العسل عندهم ما كان يعلَق به من الحصى والشوائب حين ينحدر من بيوت النحل في الجبال‪،‬‬
‫فصفّى ال عسل الخرة من شوائب العسل في الدنيا‪.‬‬
‫ظ َمتْ إمكاناتنا في الدنيا‪ ،‬فلن نرى فيها نهرا من‬
‫ومهما بلغ بنا ترف الحياة ونعيمها‪ ،‬ومهما عَ ْ‬
‫الخمر‪ ،‬أو من اللبن‪ ،‬أو من العسل‪ ،‬ثم إن هذه النهار تجري في الجنة بل شطآن‪ ،‬بل ويتداخل‬
‫بعضها في بعض دون أن يطغى أحد منها على الخر‪ ،‬وهذه طلقة القدرة التي ل حدود لها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الحق سبحانه حين يشرح لنا نعيم الجنة‪ ،‬وحين يَصفُها يعطينا المثال ل الحقيقة‪ ،‬ثم يُنقّى هذا‬
‫المثال مما يشوبه في الدنيا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومن ذلك أن العربي كان يحب شجرة السّدر أي النبق‪ ،‬فيستظل بظلها‪ ،‬ويأكل ثمرها‪ ،‬لكن كان‬
‫ينغص عليه هذه اللذة ما بها من أشواك ل ُبدّ أنْ تؤذى مَنْ يقطف ثمارها‪ ،‬فلما ذكرها ال تعالى‬
‫خضُودٍ }[الواقعة‪ ]28 :‬أي‪ :‬منزوع الشوك‪ ،‬فالمتعة به تامة‬
‫في نعيم الجنة قال عنها‪ {:‬فِي سِدْرٍ مّ ْ‬
‫ل يُنغّصها شيء‪.‬‬
‫طمِ ْثهُنّ إِنسٌ قَبَْلهُ ْم َولَ جَآنّ }‬
‫ولما تكلم عن نساء الجنة قال سبحانه عن الحور العين‪َ {:‬لمْ َي ْ‬
‫[الرحمن‪ ]74 :‬فنفى عنهن ما يُنغّص على الرجل جمال المرأة في الدنيا‪ ،‬وطمأنك أنها ِبكْر لم‬
‫ينظر إليها أحد قبلك‪.‬‬
‫خ ِفيَ َلهُم مّن قُ ّرةِ أَعْيُنٍ‪[ { ..‬السجدة‪ ]17 :‬والقرة‬
‫لهذا قال تعالى عن نعيم الجنة } فَلَ َتعْلَمُ َنفْسٌ مّآ ُأ ْ‬
‫والقُرور أي‪ :‬السكون‪ ،‬ومنه قرّ في المكان أي‪ :‬استقر فيه‪ ،‬والمعنى أن النسان ل يستقر في‬
‫المكان إل إذا وجد فيه راحته ومُقوّمات حياته‪ ،‬فإذا أردتَ أنْ تستقر في مكان أو تشتري شقة مثلً‬
‫تسأل عن المرافق والخدمات من ماء وكهرباء وطرق‪..‬الخ‪.‬‬
‫حتى نحن في تعبيراتنا العامية وفي الريف الذي يحتفظ لنا بخصائص الفطرة النقية التي لم يَشُبْها‬
‫زيف الحضارات ول زخرفة المدينة‪ ،‬وهذه الفطريات تستهوي النفوس وتجذبها‪ ،‬بدليل أن النسان‬
‫الحضاري مهما بلغ القمة وسكن ناطحات السحاب‪ ،‬وتوفرتْ له كل كماليات الحياة ل ُبدّ أنْ يأتي‬
‫اليوم الذي يلجأ فيه إلى أحضان الطبيعة‪ ،‬فل ترتاح نفسه‪ ،‬ول تستقر إل في الريف‪ ،‬فيقضي هناك‬
‫عدة أيام حيث تهدأ هناك نفسه‪ ،‬وتستريح من ضوضاء المدينة‪ ،‬والبعض يسمونها (الويك إند)‪.‬‬
‫فمعنى (قرة العين) أي‪ :‬استقرارها على شيء بحيث ل تتحول عنه إلى غيره‪ ،‬والعين ل تستقر‬
‫على الشيء إل إذا أعجبها‪ ،‬ورأتْ فيه كل ما تصبو إليه من متعة‪.‬‬
‫ومن ذلك قولنا (فلن عينه مليانة) يعني‪ :‬ل يحتاج مزيدا من المرائي غير ما يراه (وفلن عينه‬
‫فارغة) يعني‪ :‬ل يكتفي بما يرى‪ ،‬بل يطلب المزيد‪ ،‬فينظر هنا وهناك‪.‬‬
‫ت لها المعاني‪ ،‬فل ينبغي لها أنْ تطمع‬
‫ففي الجنة تق ّر العيون بحيث لم َيعُدْ لها تطلعات‪ ،‬فقد َكمَُل ْ‬
‫في شيء آخر إل الدوام‪.‬‬
‫لذلك يخاطب ال رسوله صلى ال عليه وسلم‪َ {:‬ولَ َت ُمدّنّ عَيْنَ ْيكَ إِلَىا مَا مَ ّتعْنَا بِهِ أَ ْزوَاجا مّ ْنهُمْ‬
‫زَهْ َرةَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا لِ َنفْتِنَهُمْ فِيهِ‪[} ...‬طه‪]131 :‬‬
‫فالنسان إذا كانت عينه فارغة تراه زائغ العينين‪ ،‬ينظر هنا وهناك‪ ،‬ولو كانت عينه (مليانة)‬
‫لنتهى عندها‪.‬‬
‫ومن معاني مادة (قرّ) القُرّ وهو البرد الشديد‪ ،‬وهذا المعنى َيكْنُون به عن سرور النفس‪ ،‬فالعين‬
‫الباردة أي‪ :‬المسرورة‪ ،‬أما العين الساخنة فهي الحزينة المتألمة‪.‬‬
‫ومن المعاني أيضا لقرور العين سكونها وعدم حركتها لِعلّة أو عمى‪ ،‬ومن ذلك قول المرأة التي‬
‫دخلتْ على الخليفة فقالت‪ :‬أقرّ ال عينك‪ ،‬وأتمّ عليك نعمتك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ت لي‪ ،‬إنما دعتْ علي‪ ،‬فهي تقصد أقرّ ال عينك‬
‫ففهم الحاضرون أنها تدعو له‪ ،‬فقال‪ :‬وال ما دع ْ‬
‫يعني‪ :‬أسكنها ل تتحرك‪ ،‬وأتمّ عليك نعمتك‪ .‬أي‪ :‬أزالها؛ لن النعمة إذا تمتْ زالت‪ ،‬فل شيء بعد‬
‫التمام إل النقصان‪.‬‬
‫ثم يُعلّل الحق سبحانه هذا النعيم الي أخفاه لعباده المؤمنين في الجنة بأنه } جَزَآءً ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ‬
‫{ [السجدة‪ ]17 :‬وهذه أثارت معركة بين العلماء هي معركة الحباء‪ :‬فريق قال إن المؤمن يدخل‬
‫صتْ هذه الية أي‪ :‬أن الجنة بالعدل ل بالفضل‪ ،‬وفريق قال‪ :‬بل يدخل الجنة‬
‫الجنة بعمله‪ ،‬كما ن ّ‬
‫حمَتِهِ فَبِ َذِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ ُهوَ‬
‫بفضل ال‪ ،‬كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى‪ُ {:‬قلْ ِب َفضْلِ اللّهِ وَبِرَ ْ‬
‫ج َمعُونَ }[يونس‪]58 :‬‬
‫خَيْرٌ ّممّا َي ْ‬
‫وقول النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لن يدخل أحدٌ الجنةَ بعمله قالوا‪ :‬ول أنت يا رسول ال؟ قال‪:‬‬
‫ول أنا إل أن يتغمدني ال برحمته "‪.‬‬
‫فلما حم َيتْ هذه المعركة أرادوا أنْ يوحدوا هذين الرأيين‪ ،‬ويُوفّقوا بينهما‪ ،‬فقالوا‪ :‬لقد سبق ال‬
‫ن يوجد‪ ،‬ثم تركه يرتع في ِنعَمه دون أنْ‬
‫تعالى المكلف بالحسان‪ ،‬فخلق له مُقومات حياته قبل أ ْ‬
‫يطالبه بشيء حتى بلغ سِنّ التكليف‪.‬‬
‫فإذا ما كلّفه ال بعد سابق نعمه عليه‪ ،‬فعليه أنْ يطيع هذا التكليف جزاء ما سبق من إحسان ال‬
‫إليه الحسان الول‪ ،‬وبذلك يكون الجزاء في الخرة ليس على العمل‪ ،‬إنما محْض فضل من ال‬
‫على عباده‪.‬‬
‫إذن‪ :‬حينما تؤدي ما كلّفك ربك به كأنك تجازي ربك بطاعته على سابق إحسانه إليه‪ ،‬فكأن الجنة‬
‫ونعيمها زيادة وفضل من ال‪ ،‬فال سبحانه له الفضل عليك في الولى‪ ،‬وله الفضل عليك في‬
‫الخرة‪.‬‬
‫ثم إن الحق ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬حين يُشرع لك ويكلّفك‪ ،‬فشَرْعه وتكليفه في ذاته فضل‪َ ،‬ألَ ترى‬
‫أن الحسنة عنده سبحانه بعشر أمثالها‪ ،‬وأنها تضاعف إلى أضعاف كثيرة‪ ،‬ونحن مِلْكه سبحانه‪،‬‬
‫يعطينا أو ل يعطينا‪.‬‬
‫وبعض أهل المعرفة والشطح يقولون‪ :‬ال قدّم الحسان أولً‪ ،‬فيجب على العبد أن يأتي بالحسان‬
‫ل الِحْسَانُ }[الرحمن‪]60 :‬‬
‫لحْسَانِ ِإ ّ‬
‫جزاء الحسان؛ لنه{ َهلْ جَزَآ ُء ا ِ‬
‫وحين يُحسِن العبد في التكليف يُحيّيه ربه بإحسان آخر‪ ،‬فيرد العبد على إحسان ربه إليه‬
‫بالحسان‪ ،‬وهكذا يتواصل الحسان بين العبد وربه إلى ما ل نهاية‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬أ َفمَن كَانَ ُم ْؤمِنا‪.{ ...‬‬

‫(‪)3445 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سقًا لَا َيسْ َتوُونَ (‪)18‬‬
‫َأ َفمَنْ كَانَ ُم ْؤمِنًا َكمَنْ كَانَ فَا ِ‬

‫أولً‪ :‬نلحظ في اللفظ أن مؤمنا وفاسقا جاءت بصيغة المفرد‪ ،‬فكان القياس أنْ نقول‪ :‬ل يستويان‪،‬‬
‫إنما سياق القرآن { لّ َيسْ َتوُونَ } [السجدة‪ ]18 :‬وسبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن (من وما) الموصولتين تأتي‬
‫للمفرد أو للمثنى أو للجمع‪ ،‬وللمذكر وللمؤنث‪ ،‬فمرة يراعي السياق لفظها‪ ،‬ومرة يراعى معناها‪.‬‬
‫والمعنى هنا { َأ َفمَن كَانَ ُم ْؤمِنا َكمَن كَانَ فَاسِقا } [السجدة‪ ]18 :‬الحق سبحانه ل يتكلم عن المفرد‪،‬‬
‫إنما عن الجمع‪ ،‬أو أنها قيلت ردا لحالة مخصوصة بين مؤمن وكافر وأراد الحق سبحانه أن‬
‫يعطيها العموم ل خصوص السبب‪ ،‬فراعى السياق خصوص السبب في مؤمن وكافر‪ ،‬وراعى‬
‫عموم الموضوع فقال { لّ َيسْ َتوُونَ } [السجدة‪ ]18 :‬والقاعدة الفقهية تقول‪ :‬إن العبرة في القرآن‬
‫بعموم اللفظ ل بخصوص السبب‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن هذه الية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين جادل عليا رضي ال عنه‪ .‬فقال‬
‫له‪ :‬أنا أشبّ منك شباباً‪ ،‬وأجلد منك جَلَدا‪ ،‬وأذرب منك لسانا‪ ،‬وأحدّ منك سنانا‪ ،‬وأشجع منك‬
‫وجدانا‪ ،‬وأكثر منك مَرَقا‪ ،‬فردّ عليه عليّ ‪ -‬كرّم ال وجهه ‪ -‬بما يدحض هذا كله ويبطله‪ ،‬فقال‬
‫له‪ :‬اسكت يا فاسق‪ ،‬ول موهبة لفاسق‪.‬‬
‫ت قوة شبابك وجَلَدك وذَرَب‬
‫ن كنت كما تقول فقد ضيعتَ هذا كله بفسقك‪ ،‬حيث استعمل َ‬
‫والمعنى‪ :‬إ ْ‬
‫لسانك وشجاعة وجدانك في الباطل وفي المعصية‪ ،‬وفي الصدّ عن سبيل ال‪.‬‬
‫وهكذا جمعتْ الية بين خصوصية هذا السبب في { َأ َفمَن كَانَ ُم ْؤمِنا َكمَن كَانَ فَاسِقا‪[ } ..‬السجدة‪:‬‬
‫‪ ]18‬وبين عموم الموضوع في { لّ يَسْ َتوُونَ } [السجدة‪ ،]18 :‬فهذا الحكم ينسحب على الجمع‬
‫أيضا‪.‬‬
‫وجاء قوله تعالى‪ { :‬لّ َيسْ َتوُونَ } [السجدة‪ ]18 :‬كأنه جواب للسؤال { َأ َفمَن كَانَ ُم ْؤمِنا َكمَن كَانَ‬
‫فَاسِقا‪[ } ..‬السجدة‪ ]18 :‬لكن‪ ،‬لماذا لم يأت الجواب مثلً‪ :‬ل يستوي المؤمن والفاسق؟ قالوا‪ :‬لن‬
‫هذا السلوب يسمى أسلوب القناع التأكيدي‪ ،‬وهو أن تجعل الخصم هو الذي ينطق بالحكم‪.‬‬
‫ن تقول له‪ :‬وقفتُ بجانبك‬
‫كما لو قال لك صديق‪ :‬لقد مررتُ بأزمة ولم تقف بجانبي‪ .‬فتستطيع أ ْ‬
‫يوم كذا ويوم كذا ‪ -‬على سبيل الخبر منك‪ ،‬لكن الخبار منك يحتمل الصدق ويحتمل الكذب‪ ،‬فتلجأ‬
‫إلى أسلوب آخر ل يستطيع معه النكار‪ ،‬ول يملك إل العتراف لك بالجميل فتقول بصيغة‬
‫السؤال‪ :‬ألم أقدم لك كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ وأنت ل تسأله إل إذا وثقتَ بأن جوابه ل بُدّ أنْ يأتي‬
‫َوفْق مرادك وعندها يكون كلمه حجة عليه‪.‬‬
‫لذلك طرح الحق سبحانه هذه المسألة في صورة سؤال‪َ { :‬أ َفمَن كَانَ ُم ْؤمِنا َكمَن كَانَ فَاسِقا‪} ..‬‬
‫[السجدة‪ ]18 :‬ول بد أن نقول نحن في جواب هذا السؤال‪ :‬ل يستوي مؤمن وفاسق‪ ،‬ومَنْ يقُلْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بهذا فقد وافق مراد ربه‪.‬‬
‫وما دام أن المؤمن ل يستوي والفاسق‪ ،‬فلكل منهما جزاء يناسبه‪َ { :‬أمّا الّذِينَ آمَنُواْ‪.} ...‬‬

‫(‪)3446 /‬‬
‫عمِلُوا الصّاِلحَاتِ فََلهُمْ جَنّاتُ ا ْلمَ ْأوَى نُزُلًا ِبمَا كَانُوا َي ْعمَلُونَ (‪)19‬‬
‫َأمّا الّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬

‫وإنْ كانت لفظة (مؤمن) جاءت مفردة‪ ،‬فقد أوضحتْ هذه الية أن المراد الجمع { َأمّا الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ‪[ } ..‬السجدة‪ ]19 :‬أي‪ :‬العموم؛ لنه ُأخِذ مما كان مفردا جمعا‪ ،‬وهذا دليل على‬
‫وَ َ‬
‫خسْرٍ }‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى ُ‬
‫أن هذا المفرد في جنسه جمع كثير‪ ،‬كما في قوله تعالى{ وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ‪[} ...‬العصر‪:‬‬
‫[العصر‪ ]2-1 :‬فالنسان مفرد يُستثنى منه الجمع{ ِإلّ الّذِينَ آمَنُواْ وَ َ‬
‫‪ ]3‬لن لفظة النسان هنا تدل على الجماعة‪ ،‬و (ال) فيها ال الستغراقية‪.‬‬
‫فالحق سبحانه ينقلنا من المؤمن إلى العموم { َأمّا الّذِينَ آمَنُواْ‪[ } ..‬السجدة‪ ]19 :‬ومن الفاسق إلى{‬
‫سقُواْ‪[} ...‬السجدة‪ ]20 :‬فهما جماعتان متقابلتان لكل منهما جزاؤه الذي يناسبه‪:‬‬
‫وََأمّا الّذِينَ فَ َ‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ فََلهُمْ جَنّاتُ ا ْلمَ ْأوَىا‪[ } ..‬السجدة‪ ]19 :‬والمأوى هو المكان‬
‫{ َأمّا الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫الذي يأوي إليه النسان ويلجأ إليه ليحفظه من كل مكروه‪ ،‬كما قال تعالى في شأن عيسى وأمه‬
‫مريم عليهما السلم‪ {:‬وَآوَيْنَا ُهمَآ ِإلَىا رَ ْب َوةٍ ذَاتِ قَرَا ٍر َو َمعِينٍ }[المؤمنون‪ ]50 :‬يعني‪ :‬يمكنهما‬
‫الستقرار فيها؛ لن بها مُقوّمات الحياة (ومعين) يعني‪ :‬عيْن ماء‪.‬‬
‫صمُنِي مِنَ ا ْلمَآءِ‪} ...‬‬
‫ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابن نوح حين قال لبيه‪ {:‬سَآوِي إِلَىا جَ َبلٍ َي ْع ِ‬
‫[هود‪ ]43 :‬فنبّهه أبوه وحذره‪ ،‬فقال‪ {:‬لَ عَاصِمَ الْ َيوْمَ مِنْ َأمْرِ اللّهِ ِإلّ مَن رّحِمَ‪[} ...‬هود‪]43 :‬‬
‫ونلحظ في هذه القصة حنان البوة من سيدنا نوح حين قال{ َربّ إِنّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‪[} ...‬هود‪]45 :‬‬
‫ع َملٌ غَيْرُ‬
‫لكن ربه عز وجل ل يتركه على هذه القضية‪ ،‬إنما يُصحّحها له{ إِنّهُ لَ ْيسَ مِنْ أَهِْلكَ إِنّهُ َ‬
‫صَالِحٍ‪[} ...‬هود‪]46 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالبنوة هنا ليست بنوة نسب‪ ،‬إنما بنوة إيمان وعمل‪َ ،‬ألَ ترى أن سيدنا رسول ال قال لسلمان‬
‫الفارسي وهو من غير العرب بالمرة‪ " :‬سلمان منا آل البيت "‪.‬‬
‫وإنْ كان النسب ينفع من الباء إلى البناء‪ ،‬فهذه ليست خصوصية للنبياء‪ ،‬إنما لكل الناس‪ ،‬كما‬
‫عمَِلهِم مّن‬
‫حقْنَا ِبهِمْ ذُرّيّ َتهُ ْم َومَآ أَلَتْنَا ُهمْ مّنْ َ‬
‫قال سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَاتّ َبعَ ْتهُمْ ذُرّيّ ُتهُم بِإِيمَانٍ أَلْ َ‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬الطور‪]21 :‬‬
‫َ‬
‫وإلحاق البناء بالباء في الحقيقة كرامة للباء أنْ يجدوا أولدهم معهم في الجنة جزاء إيمان‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الباء وعملهم الصالح‪ ،‬فإنْ كان الولد دون سِنّ التكليف فطبيعي أنْ يلحقوا بالباء‪ ،‬بل وتكون‬
‫منزلتهم أعظم من منزلة آبائهم؛ لن الطفال الذين يموتون قبل الرّشْد ليس لهم أماكن محددة‪ ،‬إنما‬
‫ينطلقون في الجنة يمرحون فيها كما يشاؤون‪.‬‬
‫وقد مثّلنا لذلك بالولد الصغير تأخذه معك في زيارة أحد الصدقاء‪ ،‬فتجلس أنت في حجرة‬
‫الجلوس‪ ،‬بينما الولد الصغير يجري في أنحاء البيت‪ ،‬ويدخل أي مكان فيه ل يمنعه أحد‪ ،‬لذلك‬
‫يسمون الطفال (دعاميص) الجنة‪.‬‬
‫والبعض هنا يثير مسألة أن النسان مرتهن بعمله‪ ،‬ول ينتفع بعمل غيره‪ ،‬فكلّ مُعلّق من (عرقوبه)‬
‫كما نقول‪ ،‬فالبعض يسأل‪ :‬لماذا إذا نصلى على الميت‪ ،‬والصلة عليه ليست من عمله؟ فإنْ كانت‬
‫الصلة عليه لها فائدة تعود عليه فقد انتفع بغير عمله‪ ،‬وإن لم تكُنْ لها فائدة فهي عبث‪ ،‬وحاشَ ل‬
‫أنْ يضع تشريعا عبثا‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬هل صليت على كل ميت مؤمنا كان أو كافرا؟ ل إنما نصلي على المؤمن‪ ،‬إذن‪ :‬صلتك‬
‫أنت عليه نتيجة إيمانه‪ ،‬وجزء من عمله‪ ،‬ولول إيمانه ما صلّينا عليه‪.‬‬
‫نعود إلى معنى كلمة (المأوى)‪ ،‬فالجنة مأوى المؤمن‪ ،‬تحفظه من النار وأهوالها } نُ ُزلً ِبمَا كَانُواْ‬
‫َي ْعمَلُونَ { [السجدة‪ ]19 :‬أي‪ :‬جزاء عملهم الصالح‪ ،‬والنزُل هو المكان المعَدّ لينزل فيه الضيف‬
‫الطارئ عليك؛ لذلك يسمون الفندق (نُزُل)‪ ،‬فإذا كانت الفنادق الفاخرة التي نراها الن ما أعَدّه‬
‫البشر للبشر‪ ،‬فما بالك بما أع ّدهُ ربّ البشر لعباده الصالحين؟‬

‫(‪)3447 /‬‬
‫عذَابَ‬
‫سقُوا َفمَ ْأوَاهُمُ النّارُ كُّلمَا أَرَادُوا أَنْ َيخْرُجُوا مِ ْنهَا أُعِيدُوا فِيهَا َوقِيلَ َلهُمْ ذُوقُوا َ‬
‫وََأمّا الّذِينَ فَ َ‬
‫النّارِ الّذِي كُنْتُمْ بِهِ ُتكَذّبُونَ (‪)20‬‬

‫سقُواْ‪[ } ..‬السجدة‪ ]20 :‬من الفسوق أي الخروج‪ ،‬نقول‪ :‬فسقتْ البلحة يعني خرجن عن قشرتها‪،‬‬
‫{ َف َ‬
‫والمراد هنا الذين خرجوا عن طاعة ال وعن مطلوبات الحق سبحانه { َفمَ ْأوَا ُهمُ النّارُ‪} ..‬‬
‫[السجدة‪ ]20 :‬قلنا‪ :‬إن المأوى هو المكان الذي تأوي إليه‪ ،‬فيحميك من كل مكروه‪ ،‬فكيف تُوصف‬
‫به النار هنا؟‬
‫قالوا‪ :‬المأوى المكان الذي ينزل فيه النسان على هواه وعلى (كيفه)‪ ،‬أما هؤلء فينزلون هنا‬
‫رغما عنهم‪ ،‬أو أن الكلم هنا على سَبْق التهكم والسخرية‪ ،‬كما قوله تعالى‪ {:‬فَ َبشّرْهُم ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[آل عمران‪]21 :‬‬
‫ومعلوم أن البشرى ل تكوم إل بالشيء السّار‪ ،‬ومثل‪ {:‬ذُقْ إِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْلكَرِيمُ }[الدخان‪،]49 :‬‬
‫وهذا كثير في أسلوب القرآن؛ لنه أسلوب يؤلم الكافرين‪ ،‬ويحطّ من شأنهم‪.‬‬
‫ثم يُصوّر لنا الحق سبحانه ما فيه أهل النار من اليأس‪ { :‬كُّلمَآ أَرَادُواْ أَن َيخْرُجُواُ مِ ْنهَآ أُعِيدُواْ‬
‫فِيهَ‪[ } ..‬السجدة‪ ]20 :‬وفي موضع آخر قال عنهم{ وَنَا َدوْاْ يامَاِلكُ لِ َي ْقضِ عَلَيْنَا رَ ّبكَ قَالَ إِ ّنكُمْ‬
‫مّاكِثُونَ }[الزخرف‪ ]77 :‬إذن‪ :‬ل أمل لهم في الخروج‪ ،‬ول حتى في الموت الذي يريحهم مما هم‬
‫فيه‪ ،‬بل تردهم الملئكة في العذاب‪ ،‬ويقولون لهم‪ { :‬ذُوقُواْ عَذَابَ النّارِ الّذِي كُنتُمْ بِهِ ُتكَذّبُونَ }‬
‫[السجدة‪]20 :‬‬
‫فالذاقة تع ّدتْ اللسان واستولتْ على كل العضاء‪ ،‬فكل ذرة فيه تذوق عذاب النار جزاء ما كانوا‬
‫يكذبون بها في الدنيا‪ ،‬حيث كذّبوا بالصل‪ ،‬وهو الرجوع إلى ال يوم القيامة‪.‬‬
‫ثم إن عذاب الفاسقين ل يقتصر على عذاب الخرة‪ ،‬إنما سيكون لهم عذاب آخر يذوقونه في‬
‫الدنيا‪:‬‬
‫ب الَدْنَىا‪.} ...‬‬
‫{ وَلَنُذِيقَ ّنهُمْ مّنَ ا ْلعَذَا ِ‬

‫(‪)3448 /‬‬
‫جعُونَ (‪)21‬‬
‫وَلَنُذِيقَ ّنهُمْ مِنَ ا ْلعَذَابِ الَْأدْنَى دُونَ ا ْلعَذَابِ الَْأكْبَرِ َلعَّلهُمْ يَرْ ِ‬

‫لكْبَرِ‪} ..‬‬
‫{ ا ْل َعذَابِ الَدْنَىا‪[ } ..‬السجدة‪ ]21 :‬أي‪ :‬القريب والمراد في الدنيا { دُونَ ا ْل َعذَابِ ا َ‬
‫[السجدة‪ ]21 :‬أي‪ :‬عذاب الخرة‪ ،‬وهذا العذاب الذي سيصيبهم في الدنيا مظهر من مظاهر رحمة‬
‫جعُونَ } [السجدة‪]21 :‬‬
‫ال حتى بالكافرين والفاسقين؛ لن ال تعالى علّله بقوله‪َ { :‬لعَّلهُمْ يَ ْر ِ‬
‫إذن‪ :‬المراد ما يلحقهم من عذاب في دار التكليف كالَسْر والذلّة والهوان من كثرة المؤمنين‬
‫وقوتهم‪ ،‬ألم يركب عبد ال بن مسعود مع ما عُرِف عنه من ضآلة الجسم على أبي جهل في إحدى‬
‫الغزوات‪ ،‬وقد طرحه في الرض وداسه بقدمه‪ ،‬ويُرْوى أن أبا جهل نظر إليه وهو على هذه‬
‫الحال وقال‪ :‬لقد ارتقيتَ مُرْتقىً صعبا يا رُويعي الغنم‪.‬‬
‫ووصف العذاب في الخرة بأنه العذاب الكبر؛ لنه العذاب المحيط الذي ل مهرب منه ول ملجأ‪.‬‬
‫جعُونَ } [السجدة‪ ]21 :‬أي‪ :‬رجاء أنْ يعودوا إلى ساحة اليمان‪ .‬وقلنا‪:‬‬
‫وقوله سبحانه { َلعَّلهُمْ يَرْ ِ‬
‫ن كان الفعل من ال عز وجل‪ ،‬أما الرجاء هنا فرجاء في العبد الذي‬
‫إن لعلّ تفيد الرجاء المحقق إ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يملك الختيار؛ لذلك رجع منهم البعض‪ ،‬ولم يرجع الخرون‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬ومَنْ َأظْلَمُ ِممّن‪.} ...‬‬

‫(‪)3449 /‬‬
‫َومَنْ َأظْلَمُ ِممّنْ ُذكّرَ بِآَيَاتِ رَبّهِ ُثمّ أَعْ َرضَ عَ ْنهَا إِنّا مِنَ ا ْل ُمجْ ِرمِينَ مُنْتَ ِقمُونَ (‪)22‬‬

‫هنا أيضا يعرض علينا ربنا ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬هذه القضية في صورة هذا السؤال التقريري‪،‬‬
‫كأنه سبحانه يقول لنا‪ :‬أنا رضيت ذمتكم يا عبادي‪ ،‬فقولوا لي‪ :‬هل يوجد أحد أظلم ممّنْ ُذكّر بآيات‬
‫ربه‪ ،‬ثم أعرض عنها‪ .‬والمنطق الطبيعي أن نقول‪ :‬ل أحدَ أظلم من هذا‪ .‬وهذا إقرار مِنّا بهذه‬
‫الحقيقة؛ لذلك عرضها الحق سبحانه في صورة سؤال بدل الخبار بها‪.‬‬
‫ومعنى { ُذكّرَ‪[ } ..‬السجدة‪ ]20 :‬أي‪ :‬أن رسالت ال إلى خَلْقه ما هي إل تذكير بعهد اليمان‬
‫ستُ بِرَ ّبكُمْ‪[} ...‬العراف‪ ]172 :‬وسبق أنْ‬
‫القديم الذي أخذه ال على عباده حين قال سبحانه‪ {:‬أَلَ ْ‬
‫قُلْنا إن في كل منّا ذرةً شهدتْ هذا العهد‪ ،‬وعلى كل منا أنْ يحفظ إشراقات هذه الذرة في نفسه بأنْ‬
‫يُغذّيها بالحلل‪ ،‬ويُعوّدها الطاعة لتبقى فيه إشراقات اليمان‪.‬‬
‫سوّاهَا * فَأَ ْل َه َمهَا فُجُورَهَا وَ َت ْقوَاهَا * قَدْ َأفْلَحَ مَن َزكّاهَا * َوقَدْ خَابَ‬
‫س َومَا َ‬
‫كما قال تعالى‪ {:‬وَ َنفْ ٍ‬
‫مَن دَسّاهَا }[الشمس‪]10-7 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلقَدْ ءَآتَيْنَا مُوسَى‪.} ...‬‬

‫(‪)3450 /‬‬
‫جعَلْنَاهُ ُهدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (‪)23‬‬
‫وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَابَ فَلَا َتكُنْ فِي مِرْ َيةٍ مِنْ ِلقَائِ ِه وَ َ‬

‫واليتاء يختلف‪ ،‬فهناك مَنْ ُيؤْتَى بمنهج أو بمعجزة أو بهما معا‪ ،‬وهناك إيتاء لكتاب موقوت‪،‬‬
‫لزمن موقوت‪ ،‬لقوم موقوتين‪ ،‬وإيتاء آخر لكل الزمان لكل المكنة‪.‬‬
‫و { ا ْلكِتَابَ } [السجدة‪ ]23 :‬أي‪ :‬التوراة { فَلَ َتكُن فِي مِرْيَةٍ } [السجدة‪ ]23 :‬أي‪ :‬في شك { مّن‬
‫ّلقَآئِهِ‪[ } ..‬السجدة‪ ]23 :‬لقاء موسى عليه السلم أم لقاء الكتاب؟ إنْ كان لقاء موسى فهو تبشير بأن‬
‫ي بقانون الحياء وموسى عليه السلم الميت بقانون‬
‫حّ‬
‫ال سيجمع بين سيدنا رسول ال وهو َ‬
‫الموات‪ ،‬وهذا ل يتأتّى إل إذا كان حديث السراء والمعراج في أنهما التقيا فيه صادقا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك في القرآن آية ينبغي أن نقف عندها‪ ،‬وأن نتأملها بيقظة‪ ،‬وهي قوله تعالى‪ {:‬وَسْ َئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا‬
‫حمَـانِ آِلهَةً ُيعْبَدُونَ }[الزخرف‪]45 :‬‬
‫جعَلْنَا مِن دُونِ الرّ ْ‬
‫مِن قَبِْلكَ مِن رّسُلِنَآ َأ َ‬
‫هذا تكليف من ال تعالى لمحمد صلى ال عليه وسلم أنْ يسأل الرسل‪ ،‬فمتى يسألهم؟ فهذه الية‬
‫تنبئ بأنهم ل بُدّ أنْ يلتقوا‪ .‬فهذه الية في لقاء موسى والخرى في لقاء كل الرسل‪ .‬إذن‪ :‬علينا أن‬
‫نصدق بحديث السراء والمعراج‪ ،‬وأن رسول ال صلى ال عليه وسلم اجتمع بإخوانه من النبياء‬
‫وصلى بهم ودار بينهم حوار‪.‬‬
‫أما إذا كان المعنى { فَلَ َتكُن فِي مِرْ َيةٍ مّن ّلقَآئِهِ‪[ } ..‬السجدة‪ ]23 :‬أي‪ :‬لقاء الكتاب‪ ،‬فالتوراة كما‬
‫قلنا أصابها التحريف والتبديل‪ ،‬وزِيدَ عليها وكُذِب فيها‪ ،‬لكن سيأتيك يا محمد من أهل التوارة‬
‫أمثال عبد ال بن سلم مَنْ يعرفون التوراة بل تحريف ويُسرّون إليك بها‪ ،‬هؤلء الذين قال ال‬
‫جدُونَ }[آل عمران‪]113 :‬‬
‫ل وَهُمْ َيسْ ُ‬
‫فيهم‪ {:‬مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ُأمّةٌ قَآ ِئمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ اللّ ْي ِ‬
‫ألم يواجه عبد ال بن سلم قومه من اليهود‪ ،‬فيقول لهم‪ :‬كيف تُكذّبون بمحمد‪ ،‬وقد كنتم تستفتحون‬
‫به على الذين كفروا‪ ،‬فتقولون لهم‪ :‬لقد أطلّ زمان نبي يأتي فنتبعه‪ ،‬ونقتلكم به قتل عاد وإرم‪ ،‬لقد‬
‫تجمعتم من شتى البلد التي اضطهدتكم‪ ،‬وجئتم إلى يثرب تنتظرون َمقْدِم هذا النبي‪ ،‬فما بالكم‬
‫تكذّبونه؟‬
‫وقال القرآن عنهم‪ {:‬وََلمّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ ُمصَدّقٌ ّلمَا َم َعهُ ْم َوكَانُواْ مِن قَ ْبلُ يَسْ َتفْتِحُونَ‬
‫عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ فََلمّا جَآ َءهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ‪[} ...‬البقرة‪]89 :‬‬
‫ومن لقاء الكتاب الذي وعد به النبي صلى ال عليه وسلم ما رُوي عن عبد ال بن سلم أنه لما‬
‫ن يؤمن أتى النبي صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن اليهود قوم ُب ْهتٌ ‪ -‬يعني‪:‬‬
‫أراد أ ْ‬
‫يتبجحون بالكذب ‪ -‬فإذا أسلمتُ قالوا فيّ ما ليس فيّ‪ .‬فاسألهم عني يا رسول ال قبل أنْ أعلن‬
‫إسلمي‪ ،‬فلَما اجتمع اليهود سألهم رسول ال‪ :‬ما تقولون في ابن سلم؟ فقالوا‪ :‬سيدنا وابن سيدنا‬
‫وحبرنا وابن حبرنا‪ ...‬فقال عبد ال‪ :‬أما وقد قالوا ما قالوا يا رسول ال فأشهد أنْ ل إله إل ال‪،‬‬
‫وأنك رسول ال‪ ،‬فقالوا‪ :‬شرّنا وابن شرنّا‪.‬‬
‫فقال عبد ال‪ :‬ألم َأ ُقلْ لك يا رسول ال أنهم قوم ُب ْهتٌ؟‬
‫جعَلْنَاهُ ُهدًى لّبَنِي ِإسْرَائِيلَ } [السجدة‪ ]23 :‬أي‪ :‬جعلنا الكتاب هدى‪ ،‬وهذا دليل‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَ َ‬
‫على أن منهم مهتدين بدليل شهادة القرآن لهم‪ {:‬مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ُأمّةٌ قَآ ِئمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ‬
‫جدُونَ }[آل عمران‪]113 :‬‬
‫ل وَهُمْ َيسْ ُ‬
‫اللّ ْي ِ‬
‫جعَلْنَا مِ ْن ُهمْ أَ ِئمّةً‪.} ...‬‬
‫وقوله تعالى في الية بعدها‪ { :‬وَ َ‬

‫(‪)3451 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعَلْنَا مِ ْنهُمْ أَ ِئمّةً َيهْدُونَ بَِأمْرِنَا َلمّا صَبَرُوا َوكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (‪)24‬‬
‫وَ َ‬

‫أئمة‪ :‬ليس المقصود بالمامة هنا السلطة الزمنية من باطنهم‪ ،‬إنما إمامة القدوة بأمر ال؛ لذلك قال‬
‫سبحانه‪َ { :‬يهْدُونَ بَِأمْرِنَا‪[ } ..‬السجدة‪ ،]24 :‬فهم ل يصدرون في شيء إل على هدى من ال‪.‬‬
‫ت وَِإقَامَ‬
‫جعَلْنَا ُهمْ أَ ِئمّةً َي ْهدُونَ بَِأمْرِنَا وََأوْحَيْنَآ إِلَ ْيهِمْ ِف ْعلَ الْخَيْرَا ِ‬
‫وفي سورة النبياء قال تعالى‪ {:‬وَ َ‬
‫الصّلَة وَإِيتَآءَ ال ّزكَـا ِة َوكَانُواْ لَنَا عَا ِبدِينَ }[النبياء‪]73 :‬‬
‫اليقان‪ :‬هو اليمان الذي ل يتزعزع‪ ،‬ول يطفو إلى العقل ليبحث من جديد‪ ،‬يعني‪ :‬أصبحت مسألة‬
‫مُسلّما بها‪ ،‬مستقرة في النفس‪.‬‬

‫(‪)3452 /‬‬
‫إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ َي ْفصِلُ بَيْ َنهُمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَِلفُونَ (‪)25‬‬

‫تلحظ على أسلوب الية أنها لم تقل مثلً‪ :‬إن ربك يفصل بينهم‪ ،‬إنما استخدمت الضمير المنفصل‬
‫(هو) ليفيد التأكيد والختصاص‪ ،‬فالمعنى ل أح َد يفصل بينهم في القيامة إل ال‪ ،‬كما قال سبحانه‪{:‬‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫إذن‪ :‬جاءت (هو) لتقطع الشك في وجود الغير‪.‬‬
‫ولك أنْ تتأمل هذا الضمير في هذه اليات‪ ،‬ومتى استعمله السلوب‪ ،‬يقول تعالى في قصة سيدنا‬
‫إبراهيم عليه السلم‪ {:‬فَإِ ّنهُمْ عَ ُدوّ لِي‪[} ...‬الشعراء‪ ]77 :‬أي‪ :‬الصنام{ ِإلّ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * الّذِي‬
‫شفِينِ * وَالّذِي ُيمِيتُنِي ُثمّ‬
‫ضتُ َف ُهوَ َي ْ‬
‫سقِينِ * وَإِذَا مَ ِر ْ‬
‫ط ِعمُنِي وَيَ ْ‬
‫خََلقَنِي َفهُوَ َيهْدِينِ * وَالّذِي ُهوَ ُي ْ‬
‫يُحْيِينِ }[الشعراء‪]81-77 :‬‬
‫سقْيا والشفاء‪ ،‬وهذه الفعال مظنة‬
‫فاستخدم الضمير الدالّ على الختصاص في الهداية والطعام وال ّ‬
‫أنْ يدعيها أحد لنفسه‪ ،‬أما الحياء والماتة فهي ل وحده ل يمكن أنْ يدّعيها أحد؛ لذلك جاءت‬
‫بدون هذا التوكيد‪ ،‬فهي مسألة مُسلّم بها ل تعالى‪.‬‬
‫والشك يأتي في مسألة الفصل يوم القيامة؛ لن ال تعالى جعل الملئكة المدبرات أمرا لتدبر أمر‬
‫حفَظُونَهُ مِنْ َأمْرِ اللّهِ‪[} ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫الخلق‪ ،‬وقال سبحانه{ َلهُ ُمعَقّبَاتٌ مّن بَيْنِ يَدَ ْي ِه َومِنْ خَ ْلفِهِ َي ْ‬
‫أي‪ :‬تبعا لمر ال فيه‪ ،‬فقد يفهم البعض أن للملئكة دورا في الفصل بين الناس يوم القيامة‪ ،‬كما‬
‫أن لهم مهمة في الدنيا‪.‬‬
‫وتأمل هنا أن ال تعالى ذكر لفظ الربوبية فقال { إِنّ رَ ّبكَ‪[ } ..‬السجدة‪ ]25 :‬ولم ي ُقلْ‪ :‬إن ال‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والربوبية كما قُلْنا عطاء وتربية‪ ،‬وكأنه سبحانه يقول‪ :‬اطمئنوا فالذي سيتولّى مسألة الفصل هو‬
‫ربكم‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪ { :‬فِيمَا كَانُواْ فِيهِ َيخْتَِلفُونَ } [السجدة‪ ]25 :‬لن الفصل ل يكون إل عن نزاع‪،‬‬
‫والنزاع ل ُبدّ أن يكون عن قضية تريد مراجعة من حكم حاكم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬أوَلَمْ َيهْدِ َل ُهمْ كَمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)3453 /‬‬
‫س َمعُونَ (‬
‫َأوَلَمْ َيهْدِ َلهُمْ كَمْ أَهَْلكْنَا مِنْ قَبِْلهِمْ مِنَ ا ْلقُرُونِ َيمْشُونَ فِي َمسَاكِ ِنهِمْ إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَيَاتٍ َأفَلَا َي ْ‬
‫‪)26‬‬

‫الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬تكلم عن الرسالة التي أرسل بها رسوله صلى ال عليه وسلم ليؤكد في‬
‫الناس عقيدة أعلى‪ ،‬وهي عقيدة الوجود للله الواحد الذي ل شريك له‪ ،‬ثم بيّن أن لنا مع ال لقاء‬
‫آخر حين تنتهي هذه الدنيا الفانية‪ ،‬ثم نستقبل حياة خالدة‪ ،‬إما إلى جنة إنْ شاء ال‪ ،‬وإما إلى نار‬
‫ونعوذ بال‪.‬‬
‫والحق سبحانه حين يعرض آياته في الكون يعرضها لتثبت أنه هو الذي خلق هذه اليات العجيبة‪،‬‬
‫فلم يتركنا سبحانه ننظر وننصرف إنما لفتنا ونبّهنا إلى وجوب النظر إلى آياته في الكون‪ ،‬وحين‬
‫يأتي مَنْ يريد أنْ يُنبه عقلك فاعلم أنه ل يريد أنْ يخدعك‪ ،‬أو أن يأخذك على غرّة‪ ،‬فربك يقول‬
‫لك‪ :‬استقبل كلمي هذا بمنتهى التدّبر والتذكّر والتعقّل‪.‬‬
‫ن واثقا من أنه سيصل بالتدبّر والتعقّل والتذكر إلى الغاية التي يريدها لما نبّه عقلَك‬
‫ولو لم يكُ ْ‬
‫لياته‪ ،‬كما ترى عارض السلعة الجيدة الواثق من جودتها يعرضها عليك‪ ،‬ويكشفها لك‪ ،‬ويدعوك‬
‫إلى فحصها وتأمّل ما فيها‪ ،‬فهو ل يفعل ذلك إل لثقته في بضاعته وأنها ستنال رضاك‪.‬‬
‫أما صاحب السلعة المغشوشة فيخدعك ويسلك معك أساليب اللفّ والدوران والتغرير‪ ،‬فحين تدهب‬
‫مثلً لشراء حذاء وجاء ضيقا يقول لك‪ :‬سيتسع بعدما تمشي فيه‪ ،‬فإنْ جاء واسعا يقول لك‪ :‬أحضر‬
‫لك واحدا أوسع؟ ليوهمك أنه ضيّق‪ ،‬وأساليب هؤلء مكشوفة ل تخفى على أحد‪ ،‬فالذي يريد أنْ‬
‫يغشّ أو يخدع يلف القضايا ليسترها عن عقلك المتدبر المتذكر المتمعن‪.‬‬
‫أما الحق سبحانه‪ ،‬فكثيرا ما قال في قرآنه‪ :‬أفل يسمعون‪ ،‬أفل يعقلون‪ ،‬أفل يتدبرون القرآن؛ لذلك‬
‫ن يتعقلها الناس‪ ،‬وأن يتدبروها‪ ،‬في حين أن بعض أصحاب الديانات الخرى‬
‫من مصلحة الدعوة أ ْ‬
‫ت بالعقل لردها‬
‫يقول لك حين تناقشه‪ :‬أبعِدْ العقل عن هذه المسألة‪ ،‬لماذا؟ لنه واثق أنها لو بُح َث ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العقل ولم يقبلها ‪ -‬والحق سبحانه يريد إلّ يترك عذرا لحد في البلغ‪ ،‬فالدعوة قد بلغتْ الجميع‬
‫بلغا سليما واضحا‪ ،‬تلك آيات ال في الكون‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق سبحانه بآيات معجزة ليثبت صِدْق الرسول‪ ،‬فيجعلها تخالف نواميس الكون فيما نبغ‬
‫فيه القوم ليقطع عليهم الحجة‪ ،‬ثم يأتي بآيات الحكام التي تحمل المنهج بافعل ول تفعل‪ ،‬ويُبيّن أنّ‬
‫صلح حركة الحياة في تطبيق هذا المنهج ويترك للمخالفات أن تُظهِر بعض العيوب‪ ،‬فإذا ما‬
‫نظرتَ إلى عيب أو عورة في المجتمع عرفتَ أنها نتيجة طبيعية لمخالفة منهج ال‪ ،‬فكأن المخالفة‬
‫ذاتها من مُؤكّدات الحكم‪.‬‬
‫ثم يُبيّن سبحانه أنه أرسل رسلً كثيرين من َلدُنْ آدم عليه السلم؛ لن النسان الذي هو خليفته في‬
‫الكون تصيبه غفلة حين ينخرط في أسباب الدنيا‪ ،‬وتأخذ عليه كل فكره وكل همه‪ ،‬فينسى ما طلب‬
‫ل ما ينفعه النفع العاجل‪.‬‬
‫ال منه‪ ،‬فمن عادة النسان ألّ يتذكر إ ّ‬
‫لذلك نجد كثيرا من الناس ينسى ما للناس عنده‪ ،‬ويتذكر ما له عندهم‪.‬‬
‫فالحق سبحانه يقول‪ :‬أنا لم َيعُدْ لخَلْقي عندي حجة‪ ،‬فقد نثرتُ لهم آيات الكون المُلْفتة‪ ،‬وهي آيات‬
‫واضحات لم يدّعها أحد لنفسه‪ ،‬ومع كثرة الملحدين والكافرين لم نَرَ أبدا من ادّعى خَلْق الشمس أو‬
‫القمر‪ ،‬ولم يقُلْ أحد‪ :‬إنني أُسيّر الريح‪ ،‬أو أُنبِت الزرع‪ ،‬أو أُنزِل الماء من السحاب‪.‬‬
‫والحق سبحانه يُنبهنا أيضا‪ :‬ل تنْس أيها النسان أنك خليفة ل في الرض‪ ،‬وإياك أنْ تظن أنك‬
‫أصيل فيها‪ ،‬فساعةَ تظن أنك أصيل في الدنيا يتخلى ال عنك‪ ،‬ويتركك لنفسك فتهلك‪ ،‬كما حدث‬
‫لقارون حين وسّع ال عليه في الدنيا‪ ،‬فاغترّ بما في يده‪ ،‬وظن أنه من سعيه وعلمه وجهده‪.‬‬
‫سفْنَا ِب ِه وَبِدَا ِر ِه الَ ْرضَ‪[} ...‬القصص‪ ]81 :‬لينبه الناس جميعا أن المال ليس‬
‫خَ‬
‫فكانت النتيجة{ فَ َ‬
‫مال صاحبه‪ ،‬إنما هو مُستْخلف فيه‪ ،‬ولو كان ماله لحافظ عليه‪ ،‬فالحق يردّ الناس بالحداث إلى‬
‫طبيعة الفطرة الخلفية‪ ،‬لن فساد الكون يأتي من اعتبار النسان نفسه أصيلً في الكون‪.‬‬
‫وسبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن النسان إذا نظر في الكون نظرة فاحصة عادلة لَعلِم ما يأتي‪ :‬أن كل شيء لم‬
‫تتدخل فيه يَدُ النسان سليم‪ ،‬ويؤدي مهمته على أكمل وجه‪ ،‬وأن كل فساد في الكون إنما هو من‬
‫تدخّل النسان فيه بغير قانون ربه‪ ،‬ولو تدخّل فيه بقانون ربه َلصَلُحت له الشياء التي تدخّل فيها‪،‬‬
‫حتْ له الشياء التي لم يتدخل فيها‪.‬‬
‫كما صَلُ َ‬
‫وقلنا‪ :‬إنك إذا رأيتَ عوارا في الكون فاعلم أنه نتيجة حقّ مُضيّع من حقوق ال‪ ،‬فحين ترى فقيرا‬
‫يتضوّر جوعا أو عريانا ل يملك ما يستر عورته‪ ،‬فاعلم أن الغنياء قصّروا في أداء حق ال في‬
‫الزكاة؛ لن ال تعالى شرعها بحساب‪ ،‬فلو أن القادر أخرج الزكاة المفروضة في ماله لما بقي في‬
‫المجتمع المحيط به محتاج‪.‬‬
‫ثم يريد منا الحق سبحانه أن نحافظ في نفوسنا على إيمان الفطرة‪ ،‬وعلى الذرة اليمانية الولى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫التي لم تدخلها الشهوة‪ ،‬ولم يخالطها النسيان‪ ،‬هذه الذرة التي شهدت العهد الول الذي قال ال‬
‫ستُ بِرَ ّبكُمْ قَالُواْ‬
‫سهِمْ َألَ ْ‬
‫شهَدَ ُهمْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫ظهُورِهِمْ ذُرّيّ َت ُه ْم وَأَ ْ‬
‫خذَ رَ ّبكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ُ‬
‫فيه‪ {:‬وَِإذْ أَ َ‬
‫شهِدْنَآ أَن َتقُولُواْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـاذَا غَافِلِينَ }[العراف‪]173 :‬‬
‫بَلَىا َ‬
‫أي‪ :‬قبل أنْ تأخذكم شهوات الدنيا ونسيانها فتُنكروا هذه الشهادة‪ ،‬وتقولون‪ {:‬إِنّا كُنّا عَنْ هَـاذَا‬
‫غَافِلِينَ * َأوْ َتقُولُواْ إِ ّنمَآ َأشْ َركَ آبَاؤُنَا مِن قَ ْبلُ َوكُنّا ذُرّيّةً مّن َبعْ ِدهِمْ َأفَ ُتهِْلكُنَا ِبمَا َف َعلَ ا ْلمُبْطِلُونَ }‬
‫[العراف‪]173-172 :‬‬
‫فالذي يحافظ على هذه الذرة‪ ،‬وعلى هذه اللمسة الربانية التي وضعها ال فيه بيده‪ ،‬وعلى العهد‬
‫الذي أخذه ال عليه يبقى له نور هذه الفطرة‪ ،‬وتظل هذه النورانية متأججة في نفسه‪ ،‬فإن أهملها‬
‫طمستْها الذنوب والغفلة‪.‬‬
‫لذلك فالنبي صلى ال عليه وسلم يضرب لنا المثل فيقول‪ " :‬تُعرض المانة ‪ -‬أي‪ :‬التكاليف‬
‫الختيارية من ال ‪ -‬على القلوب كالحصير عودا عودا‪ ،‬فأيّما قلب ُأشْرِبها نُك َتتْ فيه نكتة بيضاء‪،‬‬
‫وأيّما قلب أنكرها ُنكِتت فيه نكتة سوداء حتى تكون على قلبين‪ :‬أبيض مثل الصّفا‪ ،‬ل تضره فتنة‬
‫جخّيا ممقوتا‪ ،‬ل يعرف معروفا‪ ،‬ول‬
‫ت السماوات والرض‪ ،‬والخر أسود مُربَادا كالكوز م َ‬
‫ما دام ْ‬
‫ينكر منكرا "‪.‬‬
‫صفّ عيدان الحصير عودا بجوار عود‪ ،‬فيبيضّ‬
‫فالطاعات أو الذنوب تتراكم على القلب كما ُت َ‬
‫القلب بالطاعات‪ ،‬أو يسو ّد بالمعاصي‪.‬‬
‫والنسان منه مادة ومنه روح‪ ،‬الروح في المادة تعطيها الحياة والحركة والفهم والفكر والتصرف‪،‬‬
‫وهما قبل أن يلتقيا كانا مُسبّحَيْن ل تعالى‪ ،‬فكل شيء في الوجود مُسبّح{ ُكلّ َقدْ عَلِمَ صَلَتَهُ‬
‫حهُ‪[} ...‬النور‪]41 :‬‬
‫وَتَسْبِي َ‬
‫وعلى النسان أنْ يفهم هذه الحقيقة‪ ،‬وأن يحافظ على الطبيعة اليمانية في ذراته ومكوناته لتظل‬
‫ن غفل عن هذه الطبيعة حدثتْ الغيار‪ ،‬وحدث عدم النسجام بين‬
‫مشرقة نيّرة بنور اليمان‪ ،‬فإ ْ‬
‫ذراته في الذات البشرية‪ ،‬فحين تحمل إرادتُك الجس َم والروحَ على المعصية يكرهك جسمك‪،‬‬
‫وتكرهك روحك؛ لنك خالفتَ منهج خالقها ‪ -‬عز وجل ‪ -‬فهي مُسبّحة عابدة وأنت لهٍ غافل‬
‫عَاصٍ؛ لذلك تلعنك روحك وتلعنك أبعاضك‪.‬‬
‫ومن رحمة ال بالعاصي أن ينام فترتاح أبعاضه‪ ،‬وترتاح روحه من معاصيه‪ ،‬وتأخذ راحتها في‬
‫عبادة ربها‪ ،‬حيث ل منازع لها‪ ،‬ول معاند من إرادة صاحبها‪ ،‬لذلك يشعر النسان بالراحة عند‬
‫النوم‪ ،‬ويقوم منه نشيطا لما حدث من انسجام وتعادل بين ذرات ذاته أثناء النوم‪.‬‬
‫لذلك ورد أن سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم كانت تنام عينه ول ينام قلبه؛ لن أبعاضه‬
‫منسجمة دائما في نومه وفي يقظته‪ ،‬فإذا رأيتَ إنسانا يغلب عليه أنه مُنْهك القوى فاعرف أنه قد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أتعب ذراته‪ ،‬وأنها تودّ الخلص منه بالنوم‪ ،‬وكأنها تقول له نَمْ فلم َتعْدُ صالحا للتعايش معي‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الحق سبحانه يُنبّهنا دائما من هذه الغفلة بواسطة الرسل‪ ،‬ثم يترك سبحانه للرسالت التي‬
‫سبقتْ أدلة تؤيد الرسل الموجودين‪ ،‬وتعينهم على أداء مهمتهم؛ لذلك يقول لنا‪ :‬انظروا إلى الرسل‬
‫الذين سبقوا‪ ،‬وكيف كانت عاقبة المكذّبين بهم‪.‬‬
‫} َأوََلمْ َيهْدِ َلهُمْ كَمْ أَهَْلكْنَا مِن قَبِْل ِهمْ مّنَ ا ْلقُرُونِ‪[ { ..‬السجدة‪ ]26 :‬كما قال سبحانه‪ {:‬أَلَمْ تَرَ كَ ْيفَ‬
‫َف َعلَ رَ ّبكَ ِبعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ا ْل ِعمَادِ * الّتِي َلمْ ُيخْلَقْ مِثُْلهَا فِي الْبِلَدِ * وَ َثمُودَ الّذِينَ جَابُواْ الصّخْرَ‬
‫لوْتَادِ }[الفجر‪]10-6 :‬‬
‫عوْنَ ذِى ا َ‬
‫بِا ْلوَادِ * َوفِرْ َ‬
‫فهذه الهرامات التي َيفِد إليها الناس‪ ،‬والتي ُتعَدّ مزارا سياحيا هي آية من آيات ال تقوم دليلً‬
‫على هلك أصحابها من المكذّبين للرسل‪ ،‬فالحق سبحانه لم يترك لحد من خَلْقه عذرا بعد أنْ‬
‫كشف له اليات الكونية تشهد بوحدانيته تعالى وألوهيته‪ ،‬والمعجزات التي تثبت صدق الرسل في‬
‫البلغ عن ربه‪ ،‬ثم آيات الحكام التي تحمل أقضية الحياة‪ ،‬والتي ل يمكن لبشر أنْ يستدرك‬
‫عليها‪ ،‬والتي تحمل الحلّ الشافي والدواء الناجع لكل داءات المجتمع‪.‬‬
‫وبعد ذلك تركت لهم تكذيب المكذّبين أمام أعينهم‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬وَإِ ّنكُمْ لّ َتمُرّونَ عَلَ ْيهِمْ‬
‫ّمصْبِحِينَ * وَبِالّيلِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[الصافات‪]138-137 :‬‬
‫فها هي آثار عاد وثمود وغيرهم ما تزال شاهدةً عليهم‪ ،‬بعضها فوق الرض‪ ،‬ومعظمها مطمور‬
‫تحت طبقات الثّرى؛ لذلك نجد أن كل الثار القديمة يجدونها في الحفريات تحت الرض‪ ،‬ولم ل‬
‫وقد كانت العاصفة تهبّ الهبّة الواحدة‪ ،‬فتبتلع القافلة بأكملها‪ ،‬فما بالك بهبّات الرياح من أيام عاد‬
‫حتى الن‪ .‬إذن‪ :‬خذوا عبرة من مصير هؤلء‪.‬‬
‫ومعنى } َأوََلمْ َيهْدِ َل ُهمْ‪[ { ..‬السجدة‪ ]26 :‬يهدي‪ :‬أي‪ :‬يدلّ ويرشد ويُبيّن ويُوضّح‪ ،‬والهداية لها‬
‫عناصر ثلثة‪ :‬هاد ومهديّ والشيء المهْدَى إليه‪ ،‬ومادة‪( :‬هدى) تُستعمل في كتاب ال ثلثة‬
‫استعمالت‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنْ يُذكر الهادي‪ ،‬وهو ال عز وجل‪ ،‬والثاني‪ :‬أن يُذكر المهديّ وهم الخَلْق‪ ،‬والثالث‪ :‬وهو‬
‫أنْ يُذكر المهدي إليه‪ ،‬وهي الغاية التي يريدها ال‪.‬‬
‫وهذا الفعل يأتي مرة متعدّيا بنفسه‪ ،‬كما في سورة الفاتحة‪ {:‬اهْدِنَا الصّرَاطَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ }[الفاتحة‪]6 :‬‬
‫أي‪ :‬يا ال‪ ،‬فال هو الهادي‪ ،‬ونحن المهديون‪ ،‬والغاية هي الصراط المستقيم‪.‬‬
‫حمْدُ للّهِ الّذِي هَدَانَا ِلهَـاذَا‪[} ...‬العراف‪ ]43 :‬فلم َيقُلْ‪ :‬هِدانا‬
‫ومرة يُعدّى الفعل باللم‪ ،‬كما في{ ا ْل َ‬
‫هذا‪ ،‬ومرة يتعدى بإلى كما في{ ‪ ..‬وَاللّهُ َيهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ }[البقرة‪]213 :‬‬
‫خلْق‪ ،‬لكن المهْدَي إليه هو المختلف‪ ،‬أما في‬
‫فتلحظ أن الهادي واحد وهو ال تعالى‪ ،‬والمهديّ هو ال َ‬
‫هذه الية فالمر مختلف‪ ،‬حيث يقول سبحانه‪َ } :‬أوََلمْ َيهْدِ َل ُهمْ‪[ { ..‬السجدة‪ ]26 :‬فلم تدخل اللم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على المهْدى إليه‪ ،‬إنما دخلتْ على المهدى‪ ،‬فلم ي ُقلْ الحق سبحانه‪ :‬أو لم َي ْهدِ ال هؤلء القوم لكذا‪.‬‬
‫فلماذا؟‬
‫قالوا‪ :‬لن بعض الناس يظنون أن ال حين يهدي إلى الطريق يُحمّلك مشقات التكاليف؛ لذلك نرى‬
‫بعض الناس ينفرون من التكاليف ويروْنَ فيها عبئا عليهم‪ ،‬ومن هنا عبد بعضهم الصنام‪ ،‬وعبد‬
‫بعضهم الشمس أو القمر‪..‬الخ؛ لنها آلهة بدون منهج وبدون تكاليف‪ ،‬ليس لها أوامر‪ ،‬وليس عندها‬
‫نَواهٍ‪ ،‬وما أيسر أنْ يعبد النسان مثل هذه اللهة التي ل مطلوبات لها‪.‬‬
‫والذي يرى في التكاليف مشقة‪ ،‬ويراها عبئا عليه يراها كذلك؛ لنها تصادم مراد نفسه في‬
‫الشهوات وتحدّ من رغباته‪ ،‬ومرادات النفس ربما أعطتْك لذة عاجلة‪ ،‬لكن يعقبها حسرة وشر‬
‫آجل‪.‬‬
‫ومثّلْنا لذلك بالتلميذ الذي يتحمل مشقة المذاكرة والدرس طمعا في التفوق الذي ينتظر حلوته‪،‬‬
‫وآخر يفضل اللذة السريعة العاجلة فيلعب ول يهتم‪،‬فيلقي مذلّة الفشل والحتقار آخر العام‪.‬‬
‫إذن‪ :‬عليك أنْ تقرن بين مشقة العمل والنتيجة والثمرة التي تنالها من ورائه‪ ،‬وعندها تهون عليك‬
‫مشقة التكاليف؛ لن ما ينتظرك من الجر عليها أعظم مما قدّمتَ وأبقى‪.‬‬
‫فالحق سبحانه يريد منا أنْ نُقبل على التكاليف‪ ،‬ونعرف أنها لمصلحتنا نحن‪ ،‬وأنها في الحقيقة‬
‫تشريف لنا ل تكليف؛ لن الذي كلفني ل يحتاج مني إلى هذا‪ ،‬ول ينتفع من عبادتي بشيء‪ ،‬بل هو‬
‫سبحانه يتحنن إليّ؛ لكون أهل لنعامه وجديرا بفضله وكرمه‪.‬‬
‫شكَرْتُ ْم لَزِيدَ ّن ُكمْ‪[} ...‬إبراهيم‪ ]7 :‬فالمسألة إذن منك وإليك‪ ،‬فال سبحانه له‬
‫ألم ي ُقلْ سبحانه‪ {:‬لَئِن َ‬
‫صفات الكمال قبل أنْ يخلق عباده‪.‬‬
‫فاللم في } َأوَلَمْ َيهْدِ َل ُهمْ‪[ { ..‬السجدة‪ ]26 :‬أي‪ :‬لصالحهم ومن أجلهم‪ ،‬وليس عليهم‪ ،‬فالهدى‬
‫لصالح المهدي ل الهادي‪ ،‬ولو فهم النسان هذه الحقيقة وعرف أن الهداية راجعة إليه لَقبّل يد مَنْ‬
‫بلَغه عن ال هذا الفضل‪.‬‬
‫ويؤكد هذا المعنى ‪ -‬لمن فطن ‪ -‬قوله تعالى عن المؤمنين‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ عَلَىا هُدًى مّن رّ ّب ِهمْ‪} ...‬‬
‫حمْلً يحملونه‪ ،‬إنما مطية يركبونها إلى الغاية النبيلة التي أرادها ال لهم‪.‬‬
‫[لقمان‪ ]5 :‬فالهدى ليس ِ‬
‫فما الذي بيّنه ال للمؤمنين ودلّهم عليه؟‬
‫يقول سبحانه‪ } :‬كَمْ أَهَْلكْنَا مِن قَبِْل ِهمْ مّنَ ا ْلقُرُونِ َيمْشُونَ فِي مَسَاكِ ِنهِمْ‪[ { ..‬السجدة‪ ]26 :‬أي‪:‬‬
‫انظروا إلى المخالفين للرسل من قبلكم‪ ،‬وكيف أخذهم ال فلم يُمكّنهم من رسله‪ ،‬بل انتصر الرسل‬
‫عليهم‪.‬‬
‫وكم هنا تفيد الستفهام عن العدد‪ ،‬وهي بمعنى كثير‪ ،‬كما تقول لمن ينكر جميلك‪ :‬كم أحسنتُ إليك‬
‫أي‪ :‬مرات كثيرة ل ُتعَدّ‪ ،‬والمراد أننا بيّنا لكم كثيرا من المم التي عادتْ رسلها‪ ،‬وكيف كانت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عاقبتهم وغايتهم التي انتهوا إليها‪َ {.‬فكُلّ َأخَذْنَا ِبذَنبِهِ َفمِ ْنهُم مّن أَرْسَلْنَا عَلَ ْيهِ حَاصِبا َومِ ْنهُمْ مّنْ‬
‫سفْنَا بِ ِه الَ ْرضَ َومِنْهُمْ مّنْ أَغْ َرقْنَا َومَا كَانَ اللّهُ لِ َيظِْل َمهُ ْم وَلَـاكِن كَانُواْ‬
‫خذَتْهُ الصّ ْيحَ ُة َومِ ْنهُمْ مّنْ خَ َ‬
‫أَ َ‬
‫سهُمْ َيظِْلمُونَ }[العنكبوت‪]40 :‬‬
‫أَنفُ َ‬
‫ومن مصلحتنا أن يُبيّن ال لنا عاقبة المكذبين؛ لنه ينبهنا إلى الخطر قبل أنْ نقع فيه‪ .‬وسبق أنْ‬
‫شوَاظٌ مّن‬
‫سلُ عَلَ ْي ُكمَا ُ‬
‫أوضحنا هذه المسألة في كلمنا عن قوله تعالى ‪ -‬من سورة الرحمن‪ {:‬يُ ْر َ‬
‫نّا ٍر وَنُحَاسٌ فَلَ تَن َتصِرَانِ * فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }[الرحمن‪ ]36-35 :‬فاعتبر الشواظ والنار‬
‫من النّعم التي ينبغي ألّ نُكذّب بها‪ ،‬لماذا؟ لنه نبّهنا إليها حتى ل نقع فيها‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬مّنَ ا ْلقُرُونِ‪[ { ..‬السجدة‪ ]26 :‬القرن حدده العلماء بمائة عام‪ ،‬لكن هذه المائة‬
‫تتداخل‪ ،‬ويقترن فيها عدة أجيال يجتمعون على مذهب أو مبدأ واحد‪ ،‬فالقرن يقرن بين الجد والبن‬
‫والحفيد‪ ،‬هذا إنْ أردتَ الزمن وحده‪ ،‬فإنْ قُرِن الزمن بعصر دين من الديان أو نبي أو ملك‪ ،‬فقد‬
‫يطول القرن إلى اللف عام‪ ،‬كما في قرن نوح عليه السلم‪.‬‬
‫فالقرن مرتبط بما قُرن به؛ لذلك نقول‪ :‬العصر الجاهلي‪ ،‬عصر صدر السلم‪ ،‬عصر بني أمية‪،‬‬
‫العصر العباسي‪ ،‬عصر المماليك‪ ،‬وما نزال حتى الن نقول عن عصرنا‪ :‬العصر الحديث‪.‬‬
‫والحق سبحانه يبين لنا في الحياة التي نعيشها أن الزمن متغير‪ ،‬إلى أعلى في الماديات‪ ،‬وإلى أدنى‬
‫في المعنويات‪ ،‬فكلما تقدّم الزمن انحلّ الناس من رِبْقة الدين وتفلّتوا منه؛ ذلك لن الرتقاءات‬
‫المادية ينتج عنها حضارات تستهوي النفوس وتغريها‪ ،‬والنتيجة انحدار في القيم وفي الدين‪ ،‬ولو‬
‫أن الرتقاء كان متساويا لسار المران في خطين متوازيين‪.‬‬
‫ت الَ ْرضُ ُزخْ ُر َفهَا وَازّيّ َنتْ وَظَنّ أَهُْلهَآ أَ ّنهُمْ قَادِرُونَ عَلَ ْيهَآ أَتَاهَآ‬
‫خ َذ ِ‬
‫لذلك يقول تعالى‪ {:‬حَتّىا إِذَآ أَ َ‬
‫َأمْرُنَا لَيْلً َأوْ َنهَارا‪[} ...‬يونس‪]24 :‬‬
‫ثم إنك لو نظرتَ إلى جزئيات الحضارة في الكون تجد أن المم صاحبة الحضارات لم تستطع أنْ‬
‫تجعل لنفسها وقاية من اندحار حضارتهم‪ ،‬ولم يستطيعوا صيانتها‪ .‬حتى العصور التقدمية‪ :‬كنا في‬
‫العصر الحجري‪ ،‬ثم عصر البخار‪ ،‬ونحن الن في عصر الفضاء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬نحن مرتقون فقط في الماديات‪ ،‬لكن منحدرون في المعنويات‪ ،‬لكن هل هذا الرتقاء المادي‬
‫جاء عن امتلك لمعالم هدى ال في الرض؟ ل‪ ،‬لن ال تعالى بيّن لنا‪ {:‬إِنّا َنحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا‬
‫لَهُ َلحَافِظُونَ }[الحجر‪]9 :‬‬
‫فأنا الذي أنزلتُ‪ ،‬وأنا الذي ضمنتُ حفظه‪ ،‬فلم أتركه لكم تحفظوه‪ ،‬إذن‪ :‬المسألة عن عجز منا‪،‬‬
‫وإل فكتاب البداية موجود حجة علينا‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬يمْشُونَ فِي َمسَاكِ ِنهِمْ‪[ { ..‬السجدة‪ ]26 :‬أي‪ :‬أنني ل ألقى القضايا بدون حجة أو‬
‫دليل‪ ،‬بل هي شاخصة أمامكم تمرون بها‪ ،‬وتروْنَها ليل نهار‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬وَإِ ّنكُمْ لّ َتمُرّونَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عَلَ ْيهِمْ ّمصْبِحِينَ * وَبِالّيلِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[الصافات‪]138-137 :‬‬
‫س َمعُونَ { [السجدة‪ ]26 :‬فال يحضّهم على أنْ يستمعوا‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬إِنّ فِي َذِلكَ ليَاتٍ َأفَلَ يَ ْ‬
‫إلى سِيَر المكذّبين المعاندين‪ ،‬وما حاق بهم من انتقام ال منهم‪.‬‬
‫وبال‪ :‬النسان مهما َقصُر عمره‪ ،‬ألم يَرَ ظالما‪ ،‬وألم يَ َر مصرع هذا الظالم وعاقبة ظلمه‪ ،‬فإنْ لم‬
‫يَرَ ظالما ألم يُحدّث عنه؟ إذن‪ :‬مما يصلح حال الناس أنْ يستمعوا إلى حكايات عن الظالمين وعن‬
‫نهايتهم‪ ،‬وما ينزل بهم من النتقام الذي ل ينتظر الخرة‪ ،‬بل ُيعَجّل لهم في الدنيا‪.‬‬
‫وفي ذلك حكمة ل بالغة؛ لن الظالم ربما ل يرعوى ول يرجع في الدنيا عن ظلمه‪ ،‬فيظل يُعربد‬
‫في الخَلْق ما أحياه ال‪ ،‬لكن إنْ مسّه شيء من العذاب‪ ،‬فلربما عاد إلى رُشْده‪ ،‬وإن لم َيعُدْ كان‬
‫عبرة لغيره‪.‬‬
‫لذلك قال أهل المعرفة‪ :‬لن يموت ظلوم حتى ينتقم ال منه‪ .‬وربما مَنْ رآه ظالما يراه مظلوما‪،‬‬
‫ومَنْ أراد أن يرى نهاية ظالم فلينظر إلى مصارع الظالمين قبله‪.‬‬
‫وتأمل قول ربك‪َ {:‬وكَذاِلكَ ُنوَلّي َب ْعضَ الظّاِلمِينَ َبعْضا‪[} ...‬النعام‪ ]129 :‬فكأن الظالم له رسالة‪،‬‬
‫هي أن ينتقم من ظالم مثله‪ ،‬وهكذا يُهلك ال هؤلء بعضهم ببعض؛ لن الخيّر طيّب القلب ل‬
‫يؤدب ظالما‪ ،‬فإن اعتديتَ عليه غلب عليه طابع التسامح والعفو‪.‬‬
‫ألم َي ُقلْ سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم لكفار مكة‪ " :‬اذهبوا فأنتم الطلقاء " فكأن ال عز‬
‫وجل يقول للخيّر‪ :‬اجلس أنت واسترح‪ ،‬واترك الشرار لي‪ ،‬فسوف أرسل عليهم من هو أشرّ‬
‫منهم ليؤدبهم‪.‬‬
‫س َمعُونَ { [السجدة‪ ]26 :‬لنها وسيلة الدراك المناسبة‬
‫واختار الحق هنا حاسة السمع } َأفَلَ يَ ْ‬
‫للموقف‪ ،‬فبها نسمع ما يُحكَى عن الظالمين وبها نعتبر‪ ،‬وفي موضع آخر سيقول{ َأفَلَ يُ ْبصِرُونَ }‬
‫[السجدة‪ ]27 :‬ويقول‪َ {:‬أفَلَ َي ْعقِلُونَ }[يس‪ ]68 :‬فيُنوّع لنا‪ ،‬ويُقلّب كل وسائل الدراك لينبهنا من‬
‫خللها‪.‬‬
‫س َمعُونَ { [السجدة‪ ]26 :‬ما يُ ْروَى لهم عن مصارع الظالمين‪ ،‬لقد نبهناهم‬
‫والمعنى } َأفَلَ يَ ْ‬
‫وذكّرناهم‪ ،‬ومع ذلك أشركوا وجعلوا سمعهم (ودن من طين‪ ،‬وودن من عجين)‪.‬‬

‫(‪)3454 /‬‬
‫س ُهمْ َأفَلَا‬
‫َأوَلَمْ يَ َروْا أَنّا َنسُوقُ ا ْلمَاءَ إِلَى الْأَ ْرضِ الْجُرُزِ فَ ُنخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَ ْأ ُكلُ مِنْهُ أَ ْنعَا ُمهُ ْم وَأَنْفُ ُ‬
‫يُ ْبصِرُونَ (‪)27‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أولً لك أن تلحظ هنا توافق النسق القرآني بين صدر اليات وعَجُزها‪ ،‬ففي الية السابقة قال‬
‫سبحانه{ َأوَلَمْ َيهْدِ َل ُهمْ‪[} ...‬السجدة‪ ]26 :‬أي‪ :‬يدلّ ويرشد‪ ،‬والكلم فيها عن قصص تاريخي‪،‬‬
‫س َمعُونَ }[السجدة‪ ]26 :‬أما هنا فالكلم عن مشاهد مرئية‪ ،‬فناسبها { َأفَلَ يُ ْبصِرُونَ }‬
‫فناسبها{ َأفَلَ َي ْ‬
‫[السجدة‪ ]27 :‬فهذا ينبغي أنْ يُسمع‪ ،‬وهذا ينبغي أنْ يُرى‪.‬‬
‫وفي الية السابقة قال سبحانه{ َأهَْلكْنَا‪[} ...‬السجدة‪ ]26 :‬لنعتبر بإهلك المكذبين في الماضي‪ ،‬أما‬
‫هنا فيلفتنا إلى آية من آياته في الكون‪ ،‬فيأتي الفعل { نَسُوقُ ا ْلمَآءَ‪[ } ..‬السجدة‪ ]27 :‬بصيغة‬
‫المضارع الدالّ على التجدّد والستمرار‪ ،‬ففي كل الوقات يسوق ال السحب‪ ،‬فينزل منها المطر‬
‫على الرض (الجرز) أي‪ :‬المجدبة‪ ،‬فتصبح مُخضرة بأنواع الزروع والثمار‪ ،‬وهذه آية مستمرة‬
‫نراها جميعا‪ ،‬ول تزال في الحال وفي الستقبال‪ ،‬ولن هذه الية واقعة الن تحتاج منا المشاهدة‬
‫والتأمل قال في ختامها { َأفَلَ يُ ْبصِرُونَ } [السجدة‪]27 :‬‬
‫عمَلً *‬
‫جعَلْنَا مَا عَلَى الَ ْرضِ زِي َنةً ّلهَا لِنَبُْلوَ ُهمْ أَ ّيهُم َأحْسَنُ َ‬
‫وفي موضع آخر قال سبحانه‪ {:‬إِنّا َ‬
‫صعِيدا جُرُزا }[الكهف‪ ]8-7 :‬فالجُرُز هي الرض المقطوع منها النبات‪،‬‬
‫وَإِنّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَ ْيهَا َ‬
‫إما لن الماء شحّ عليه فجفّ‪ ،‬وإما أنه استُحصد فحصدوه‪.‬‬
‫حثّ بسرعة؛ لذلك تقول للذي يتعجلك (ما لك‬
‫سوْق‪َ :‬‬
‫ومعنى { َنسُوقُ ا ْلمَآءَ‪[ } ..‬السجدة‪ ]27 :‬ال ّ‬
‫سوْق يكون من الوراء‪ ،‬على خلف القيادة‪ ،‬فهي من المام‪ ،‬فالذي‬
‫سايقنا كده)‪ ،‬ومعلوم أن ال ّ‬
‫تسوقه تسوقه وهو أمامك‪ ،‬تراه فل يتفلت منك‪ ،‬ولو كان خلفك فهو عُرْضة لنْ يهرب منك‪ ،‬فل‬
‫تشعر به‪.‬‬
‫سقْنَاهُ‬
‫سلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابا َف ُ‬
‫سوْق مرة يكون للسحاب‪ ،‬كما في قول ال تعالى{ وَاللّهُ الّذِي أَرْ َ‬
‫وال ّ‬
‫إِلَىا بَلَدٍ مّ ّيتٍ‪[} ...‬فاطر‪]9 :‬‬
‫سوْق الماء له عدة مظاهر‪ :‬فال يسوق الماء‬
‫سوْق للماء نفسه كما في هذه الية‪ ،‬و َ‬
‫ومرة يكون ال ّ‬
‫من السحاب إلى الرض‪ ،‬فإذا نزل إلى الرض ساقه في النهار‪ ،‬أو سلكه ينابيع في الرض‬
‫ليحتفظ لنا به لحين الحاجة إليه‪.‬‬
‫فربّنا ‪ -‬عز وجل ‪ -‬جعل لنا خزانات للماء تحت الرض‪ ،‬ل لنحرم منه حين يوجد‪ ،‬لكن لنجده‬
‫حين يُفقد‪ ،‬وكون الماء ينابيع في الرض يجعلنا نتغلب على مشاكل كثيرة‪ ،‬فالرض تحفظه لنا‪،‬‬
‫فل يتبخر ول نحتاج إلى بناء السدود وغيرها‪ ،‬مما يحفظ لنا الماء ال َعذْب‪.‬‬
‫لذلك يقول النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬مثل ما بعثني ال به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير‬
‫أصاب أرضا‪ ،‬فكان منها نقيا ‪ -‬أرض خصبة ‪ -‬قبلتْ الماء‪ ،‬فأنبتت الكل والعُشْب‪ ،‬وكان منها‬
‫سقُوا أنعامهم وزروعهم‪ ،‬وكان منها قيعان ل تمسك ماء‬
‫أجادب أمسكت الماء‪ ،‬فشرب الناس منه و َ‬
‫ول تنبت كل‪ ،‬فذلك مثل ما بعثني ال به من الهدى والعلم "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهذه أنواع ثلثة من الرض تمثل انتفاع الناس بالعلم‪ ،‬فالولى تسمك الماء‪ ،‬وتُخرِج الزرع‪،‬‬
‫والثانية تمسك الماء حتى ينتفع الناس به‪ ،‬ولك أن تسأل‪ :‬فما فائدة الثالثة‪ :‬القيعان التي ل تُمسِك‬
‫ماء‪ ،‬ول تنبت كل؟ ولماذا خلقها ال إذن؟‬
‫سمَآءِ مَاءً‬
‫نقول‪ :‬هذه القيعان هي التي تسلك الماء في باطن الرض‪ ،‬وصدق ال‪ {:‬فَأَنزَلْنَا مِنَ ال ّ‬
‫غوْرا‬
‫سقَيْنَا ُكمُو ُه َومَآ أَنْتُمْ َلهُ بِخَازِنِينَ }[الحجر‪ ]22 :‬وقال سبحانه‪ُ {:‬قلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ َأصْبَحَ مَآ ُؤكُمْ َ‬
‫فَأَ ْ‬
‫َفمَن يَأْتِيكُمْ ِبمَآءٍ ّمعِينٍ }[الملك‪]30 :‬‬
‫إذن‪ :‬هذه القيعان لها مهمة يعرفها مَنْ فَطِن لهذه المسألة‪ ،‬وإل فال تعالى لم يخلق شيئا عبثا أبدا‪،‬‬
‫كذلك يكون انتفاع الناس بالعلم‪ ،‬فمنهم مَنْ نرى أثر علمه خيرا عاجلً‪ ،‬ومنهم مَنْ يتأخر َنفْع علمه‬
‫للجيال القادمة‪.‬‬
‫ثم إياك أنْ تظن أنّ الماء حين يسلكه الُ ينابيع في باطن الرض يسيح فيها‪ ،‬أو يحدث له‬
‫استطراق سائلي يختلط فيه العذب بالمالح‪ ،‬ل‪ ..‬إنما يسير الماء ال َعذْب في شبه أنابيب ومسارب‬
‫خاصة‪ ،‬يجدونها حتى تحت مياه الخليج المالحة‪.‬‬
‫وهذه من عجائب الخَلْق الدالة على قدرة الخالق عز وجل‪ ،‬وكما يوجد برزخ بين المائيْن على‬
‫خ لّ يَ ْبغِيَانِ }[الرحمن‪ ]20-19 :‬كذلك هناك‬
‫وجه الرض{ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْ َتقِيَانِ * بَيْ َن ُهمَا بَرْزَ ٌ‬
‫برزخ للماءين تحت الرض‪.‬‬
‫فالحق سبحانه يلفت أنظارنا إلى هذه الية المشاهدة } َأوَلَمْ يَ َروْاْ أَنّا َنسُوقُ ا ْلمَآءَ إِلَى الَرْضِ‬
‫الْجُرُزِ‪[ { ..‬السجدة‪ ]27 :‬نعم‪ ،‬هذه آية نشاهدها جميعا‪ ،‬لكن المراد هنا مشاهدة تمعّن وتذكّر‬
‫وعظة وتعقّل‪ ،‬نهتدي من خللها إلى قدرة الخالق عز وجل‪.‬‬
‫وقوله سبحانه } أَنّا نَسُوقُ‪[ { ..‬السجدة‪ ]27 :‬فيه دليل على قيّوميته تعالى على الخلق‪ ،‬فإنْ كان‬
‫سوْق الماء يتم بواسطة الملئكة المكلفين به‪ ،‬إل إنه تعالى صاحب المر الول والمتتبع لعملية‬
‫َ‬
‫تنفيذه‪.‬‬
‫وقدّم الحق سبحانه النعامَ على النسان في الكل من الزرع‪ ،‬مع أنها كلها مملوكة للنسان؛ لن‬
‫النعام في الغالب ما تأكل من الزرع‪ ،‬وهو ما يزال أخضر لم ينضج َبعْد‪ ،‬ليأكل منه النسان‪،‬‬
‫وأيضا هو سبحانه حين يطعم النعام فإنما يطعم مَنْ جعله له فاكهة طعام‪ ،‬وهي النعام‪.‬‬
‫وأشرنْا إلى أن ِدقّة البيان القرآني اقتضتْ أنْ تختم هذه الية المشاهدة بقوله تعالى‪َ } :‬أفَلَ‬
‫يُ ْبصِرُونَ { [السجدة‪ ]27 :‬لن هذه مسألة تتعلق بالبصر‪.‬‬
‫ج َعلَ اللّهُ عَلَ ْي ُكمُ الْلّ ْيلَ سَ ْرمَدا إِلَىا َيوْمِ‬
‫ولك أن تقرأ في مثل هذه الدقّة قوله تعالى‪ُ {:‬قلْ أَرَأَيْتُمْ إِن َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ عَلَ ْيكُمُ ال ّنهَارَ‬
‫س َمعُونَ * ُقلْ أَرَأَيْ ُتمْ إِن َ‬
‫ا ْلقِيَامَةِ مَنْ إِلَـاهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ ِبضِيَآءٍ َأفَلَ َت ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكُنُونَ فِيهِ أَفلَ تُ ْبصِرُونَ }[القصص‪-71 :‬‬
‫سَ ْرمَدا إِلَىا َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ مَنْ إِلَـاهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَ ْيلٍ َت ْ‬
‫‪]72‬‬
‫س َمعُونَ }[القصص‪ ]71 :‬لنها تتكلم عن آية الليل‪ ،‬والسمع هو وسيلة‬
‫فقال في الولى{ َأفَلَ َت ْ‬
‫الدراك فيه‪ ،‬وقال في الخرى{ أَفلَ تُ ْبصِرُونَ }[القصص‪ ]72 :‬لنها تتكلم عن آية النهار‪،‬‬
‫والبصر هو وسيلة الدراك في النهار‪ ،‬إذن‪ :‬نلحظ دقّة الداء وإعجازه؛ لن المتكلم إله ورب‪ ،‬فل‬
‫بُدّ أنْ تجد كل لفظة في مكانها المناسب‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَ َيقُولُونَ مَتَىا هَـاذَا‪.{ ...‬‬

‫(‪)3455 /‬‬
‫وَيَقُولُونَ مَتَى َهذَا ا ْلفَتْحُ إِنْ كُنْتُ ْم صَا ِدقِينَ (‪)28‬‬

‫(متى) يُستفهم بها عن الزمان‪ ،‬والستفهام بها يدل على أنك استبطأت الشيء فاستفهمتَ‪ :‬متى‬
‫يحدث؟‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم حين ُبعِث أخبر قومه أنه مُرْسَل إليهم بمنهج من ال‪ ،‬وقد أيده ال‬
‫بالمعجزات‪ ،‬وأخبرهم بمصير مَن اتبعه ومصير مَنْ خالفه‪ ،‬وأن ربه ‪ -‬عز وجل ‪ -‬ما كان‬
‫ليرسله إليهم‪ ،‬ثم يُسلْمه أو يتخلى عنه‪ ،‬فهو ل بُدّ منتصر عليهم‪ ،‬فهذه سنة ال في أنبيائه ورسله‪،‬‬
‫حيث قال سبحانه‪ {:‬وََلقَدْ سَ َبقَتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُرْسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َلهُمُ ا ْلمَنصُورُونَ * وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ‬
‫ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173-171 :‬‬
‫لذلك قلنا‪ :‬إذا رأيت موقفا لم ينتصر فيه المسلمون‪ ،‬حتى في حياة الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫وحياة الصحابة‪ ،‬فاعلم أن الجندية عندهم قد اختلتْ شروطها‪ ،‬فلم يكونوا في حال الهزيمة جنودا‬
‫ل متجردين‪.‬‬
‫وحين نتأمل الحداث في (أحُد) نجد أن ال تعالى يقول للمسلمين‪ :‬ل تظنوا أن وجود رسول ال‬
‫بينكم يحميكم أو يُخرِجكم عن هذه القضية‪ ،‬فهذه سنة ال في كونه ل تتبدل‪.‬‬
‫ففي (أُحُد) خالف المسلمين أوامر رسول ال‪ ،‬حين نزل الرماة وتركوا أماكنهم طمعا في الغنائم‪،‬‬
‫فالتفّ عليهم المشركون‪ ،‬وكانت النتيجة ل نقول انهزموا إنما هم لم ينتصروا؛ لن المعركة‬
‫(ماعت) والرسول موجود بينهم‪.‬‬
‫والبعض يرى في هذه النتيجة التي انتهتْ إليها الحرب في أُحُد مأْخذا‪ ،‬فيقول‪:‬كيف يُهزم جيش‬
‫يقوده رسول ال؟ وهذه المسألة تُحسَب للرسول ل عليه‪ ،‬فالرسول لن يعيش بينهم دائما‪ ،‬ول بُدّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لهم أن يروْا بأعينهم عاقبة مخالفتهم لمر رسول ال‪ ،‬وأنْ يشعروا بقداسة هذه الوامر‪ ،‬ولو أنهم‬
‫انتصروا مع المخالفة لفقدوا الثقة في أوامر رسول ال بعد ذلك‪ ،‬ولِمَ ل وقد خالفوه في أُحُد‬
‫وانتصروا!!‬
‫عجَبَ ْتكُمْ كَثْرَ ُتكُمْ فََلمْ ُتغْنِ عَنكُمْ شَيْئا َوضَاقَتْ‬
‫كذلك في يوم حنين الذي قال ال فيه‪ {:‬وَ َيوْمَ حُنَيْنٍ ِإذْ أَ ْ‬
‫عَلَ ْيكُ ُم الَ ْرضُ ِبمَا رَحُ َبتْ‪[} ...‬التوبة‪]25 :‬‬
‫وكان من إعجاب المؤمنين بكثرتهم أن يقول أبو بكر نفسه‪ :‬لن ُنغْلَب اليوم عن قلة‪ ،‬لذلك لقّنهم ال‬
‫تعالى درسا‪ ،‬وكادوا أنْ يُهزموا‪ ،‬لول أن ال تداركهم في النهاية برحمته‪ ،‬وتحوّلت كفّة الحرب‬
‫لصالحهم‪ ،‬وكأن التأديب جاء على قدر المخالفة‪.‬‬
‫فالحق سبحانه يُعلّمنا امتثال أمره‪ ،‬وأنْ نخلص في الجندية ل سبحانه‪ ،‬وأن ننضبط فيها لنصل إلى‬
‫الغاية منها‪ ،‬فإنْ خالفنا حُ ِرمْنا هذه الغاية؛ لنني لو أعطيتُك الغاية مع المخالفة لما أصبح لحكَمي‬
‫مكان احترام ول توقير‪.‬‬
‫وهنا يحكي الحق ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬عن المشركين قولهم لرسول ال‪ { :‬مَتَىا هَـاذَا ا ْلفَتْحُ‪} ..‬‬
‫[السجدة‪ ]28 :‬أي‪ :‬النصر الذي وعدكم ال به‪ ،‬وقد كان هذا النصر غاية بعيدة المنال أمام‬
‫المؤمنين‪ ،‬فما زالوا قلّة مُستْضعفة‪.‬‬
‫لذلك لما نزل قول ال تعالى‪:‬‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪ ]45 :‬تعجب عمر حتى قال‪ :‬أيّ جمع هذا‪ ،‬ونحن ل نستطيع‬
‫{ سَ ُيهْزَمُ ا ْل َ‬
‫أنْ نحمي أنفسنا؟ لكن الحق سبحانه لم يُطل عليهم هذا الوضع‪ ،‬وسرعان ما جاءتْ بدر‪ ،‬ورأى‬
‫جمْع المشركين‪ ،‬ورددها بنفسه بعد المعركة‪ :‬نعم يا‬
‫عمر بعينه كيف تحقّق وعد ال‪ ،‬وكيف هُزِم َ‬
‫رب‪ ،‬سَيُهزم الجمع ويولون الدبر‪.‬‬
‫ومن العجيب أنْ يدل رسول ال على الكفار وعلى أصحابه وأنصاره بفيض ال عليه‪ ،‬وأنه أخبره‬
‫بنتيجة المعركة قبل حدوثها‪ ،‬فيقف صلى ال عليه وسلم في أرض بدر‪ ،‬ويشير بعصا في يده إلى‬
‫مصارع المشركين‪ :‬هذا مصرع أبي جهل‪ ،‬وهذا مصرع عتبة‪ ،‬وهذا مصرع الوليد‪..‬الخ‪.‬‬
‫فمَنْ يستطيع أنْ يحدد نتيجة معركة بهذا التفصيل‪ ،‬والمعركة َأخْذٌ وردّ وكرّ وفرّ واختلط‪ ،‬مع‬
‫أنهم لم يخرجوا لحرب‪ ،‬إنما خرجوا لملقاة قافلة قريش التجارية‪ ،‬فما بالك لو خرجوا على حال‬
‫استعداد للحرب‪ ،‬وهذه سيأخذها الكفار قياسا يقيسون عليه قوة المسلمين الوليدة‪ ،‬وسيقذف ال بهذه‬
‫النتيجة الرعب في قلوب الكفار‪ ،‬ولم ل وقد انتصرتْ القلة المستضعفة غير المجهزة علة الكثرة‬
‫المتعجرفة المستعدة للحرب‪.‬‬
‫والستفهام هنا } مَتَىا هَـاذَا ا ْلفَتْحُ‪[ { ...‬السجدة‪ ]28 :‬ليس استفهاما على حقيقته‪ ،‬إنما يراد به‬
‫الستهزاء والسخرية‪ ،‬وجواب ال على هذا الستفهام يحدد نيتهم منه‪ ،‬فهم يستبعدون هذا النصر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذه الغلبة التي وعد ال بها عباده المؤمنين‪ ،‬لكنهم يستبعدون قريبا‪ ،‬ويستعلجون أمرا آتيا ل‬
‫ريب فيه‪.‬‬
‫وقد سجّل القرآن عليهم مثل هذا الموقف في قوله تعالى حكاية عن الكفار يقولون لرسولهم‪ {:‬فَأْتِنَا‬
‫ِبمَا َتعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ }[العراف‪]70 :‬‬
‫كلمة (الفتح) إنْ جاءت مُعرّفة بأل فخيرها مضمون‪ ،‬فاعلم أنها نعمة محروسة لك سينالك نفعها‪،‬‬
‫فإنْ جاءت نكرة فل ُبدّ لها من متعلق يوضح الغاية منها‪ :‬أهذا الفتح لك أم عليك؛ فقوله تعالى في‬
‫خطاب النبي صلى ال عليه وسلم‪ {:‬إِنّا فَتَحْنَا َلكَ فَتْحا مّبِينا }[الفتح‪ ]1 :‬دلّ على أن هذا الفتح‬
‫لصالحه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهو غُنْم ل غُرْم‪ ،‬كما يقولون في حسابات البنوك‪ :‬له وعليه‪.‬‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬النعام‪:‬‬
‫أما الخرى‪ ،‬ففي قوله تعالى‪ {:‬فََلمّا َنسُواْ مَا ُذكّرُواْ بِهِ فَ َتحْنَا عَلَ ْيهِمْ أَ ْبوَابَ ُكلّ َ‬
‫‪]44‬‬
‫إذن‪ :‬تنبّه لما يفتحه ال عليك؛ ول تغتَرّ به‪ ،‬وتأمّل‪ :‬أهو لك أم عليك؟ وإياك أنْ تُطغيك النعمة إذا‬
‫(زهزهتْ) لك الدنيا‪ ،‬فلعلها استدراج وأنت ل تدري‪ ،‬فالفتح يحتمل المعنيين‪ ،‬واقرأ إنْ شئتَ‪ {:‬وََلوْ‬
‫سمَآ ِء وَالَ ْرضِ‪[} ...‬العراف‪ ]96 :‬أي‪:‬‬
‫أَنّ أَ ْهلَ ا ْلقُرَىا آمَنُو ْا وَا ّتقَواْ َلفَتَحْنَا عَلَ ْي ِهمْ بَ َركَاتٍ مّنَ ال ّ‬
‫احذروا هذه النعمة ل تطغيكم‪.‬‬
‫وكلمة (الفتح) تأتي بمعانٍ متعددة‪ ،‬يحددها السياق‪ ،‬كما قلنا في كلمة العين‪ ،‬فتأتي بمعنى العين‬
‫الباصرة‪ .‬تقول‪ :‬رأيت فلنا بعيني‪ ،‬وتقول‪ :‬جُدْت على فلن بعيْن مني أي‪ :‬بالذهب أو الفضة‪،‬‬
‫وتقول‪ :‬سمحتُ له أنْ يروي أرضه من عيني أي‪ :‬عين الماء‪ ،‬وتقول‪ :‬هؤلء عيون فلن أي‪:‬‬
‫جواسيسه‪.‬‬
‫وهذا يسمونه‪ :‬المشترك اللفظي‪.‬‬
‫وكلمة (الفتح) تستخدم أولً في المر المادي‪ ،‬تقول‪ :‬فتحتُ الباب أي‪ :‬أزلت مغاليقه‪ ،‬وهذا هو‬
‫الصل في معنى الفتح‪ .‬فالحق سبحانه يقول في قصة سيدنا يوسف عليه السلم‪ {:‬وََلمّا فَ َتحُواْ‬
‫جدُواْ ِبضَاعَ َتهُمْ رُ ّدتْ إِلَ ْيهِمْ‪[} ...‬يوسف‪ ]65 :‬ففتحوا متاعهم الفتح المادي الذي يزيل عنه‬
‫عهُ ْم وَ َ‬
‫مَتَا َ‬
‫الربطة‪.‬‬
‫حدّثُو َنهُم ِبمَا‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ قَالُواْ أَتُ َ‬
‫وقد يُراد الفتح المعنوي‪ ،‬كما في قول ال تعالى‪ {:‬وَإِذَا خَلَ َب ْع ُ‬
‫فَتَحَ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ لِ ُيحَآجّوكُم ِبهِ عِنْدَ رَ ّب ُكمْ‪[} ...‬البقرة‪ ]76 :‬أي‪ :‬بما أعطاكم ال ومنحكم من الخير‬
‫ومن العلم‪.‬‬
‫ويأتي الفتح بمعنى إظهار الحق في الحكم بين حق وباطل وتجلية المر فيه؛ لذلك يسمى أهل ُ‬
‫اليمن القاضي (الفاتح)‪.‬‬
‫ويأتي بمعنى النصر والغلبة‪ ،‬كما في هذه الية التي معنا‪ } :‬وَ َيقُولُونَ مَتَىا هَـاذَا ا ْلفَتْحُ إِن كُنتُمْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن يقول المؤمنون في إجابة هذا السؤال‪ :‬نحن ل نقول أننا‬
‫صَا ِدقِينَ { [السجدة‪ ]28 :‬ول بد أ ْ‬
‫خلَ لنا بها‪ ،‬إنما هي من ال‬
‫صادقون أو كاذبون في هذا الخبر؛ لن هذه مسألة بعيدة عنا‪ ،‬ول د ْ‬
‫الذي أخبرنا هذا الخبر‪ ،‬فنحن ل نُوصَف فيه‪ ،‬ل بصدق ول بكذب‪.‬‬
‫ولكي يكون النسان عادلً ينبغي أنْ ينسب الفعل إلى فاعله‪ ،‬أرأيت رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم حين أخبر قومه خبر إسرائه قال‪ " :‬لقد ُأسْرِي بي الليلة من مكة إلى بيت المقدس " ولم يقل‬
‫سريت ومع ذلك سأله القوم‪ :‬أتدّعى أنك أتيتها في ليلة‪ ،‬ونحن نضرب إليها أكباد البل شهرا؟‬
‫وهذه مغالطة منهم‪ ،‬ل عدم فهم لمقالة رسول ال؛ لنهم أمة كلم‪ ،‬ويفهمون جيدا معاني اللفاظ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬رسول ال ما سَرَى بذاته‪ ،‬إنما أَسْرى ال به‪ ،‬فمَنْ أراد أن يبحث هذه المسألة فليبحثها في‬
‫ضوء قدرة ال‪ ،‬وكيف يكون الزمن بالنسبة ل تعالى‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن الفعل الذي يستغرق زمنا هو‬
‫ن فيكون‪ ،‬والفعل‬
‫الفعل العلجي‪ ،‬إنما ربنا ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬ل يعالج الفعال‪ ،‬فقط يقول كُ ْ‬
‫يتناسب مع زمنه تناسبا عكسيا‪ ،‬فكلما زادت قوة الفاعل َقلّ زمن الفعل‪ .‬وعليه لو نسبتَ حادثة‬
‫السراء إلى قوة الحق تبارك وتعالى لوجدتَ الزمن ل زمن‪.‬‬
‫ثم يجيب الحق تبارك وتعالى عن سؤالهم } مَتَىا هَـاذَا ا ْلفَتْحُ‪[ { ..‬السجدة‪ ]28 :‬بما يفيد أنه سؤال‬
‫استبعاد واستهزاء‪ ،‬فيقول سبحانه‪ُ } :‬قلْ َي ْومَ ا ْلفَتْحِ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3456 /‬‬
‫ُقلْ َي ْومَ ا ْلفَتْحِ لَا يَ ْنفَعُ الّذِينَ َكفَرُوا إِيمَا ُنهُ ْم وَلَا ُهمْ يُنْظَرُونَ (‪)29‬‬

‫أي‪ :‬لِمَ تسألون عن يوم الفتح؟ وماذا ينفعكم العلم به؟ إن يوم الفتح إذا جاء أُسْدل الستار على‬
‫جرائمكم‪ ،‬ولن تنفعكم فيه توبة أو إيمان‪ ،‬ولن تنفعكم فيه توبة أو إيمان‪ ،‬ولن يُنْظِرَكم ال إلى وقت‬
‫آخر‪.‬‬
‫ومعلوم أن اليمان ل ينفع صاحبه إل إذا كانت لديه فُسْحة من الوقت‪ ،‬أما اليمان الذي يأتي في‬
‫النزع الخير‪ ،‬وإذا بلغت الروح الحلقوم فهو كإيمان فرعون الذي قال حين أدركه الغرق‪ {:‬قَالَ‬
‫آمَنتُ أَنّهُ ل إِلِـاهَ ِإلّ الّذِي آمَ َنتْ بِهِ بَنواْ ِإسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ }[يونس‪ ]90 :‬فردّ ال عليه‬
‫عصَ ْيتَ قَ ْبلُ َوكُنتَ مِنَ ا ْل ُمفْسِدِينَ }[يونس‪]91 :‬‬
‫ن َوقَدْ َ‬
‫هذا اليمان{ آل َ‬
‫حلّ أوان الحساب‪ ،‬اليمان‬
‫الن ل ينفع منك إيمان؛ لنك مُقْبل على ال‪ ،‬وقد فات أوان العمل‪ ،‬و َ‬
‫ن تؤمن وأنت حريص صحيح تستقبل الحياة وتحبها‪ ،‬اليمان أن تؤمن عن طواعية‪.‬‬
‫أْ‬
‫{ َولَ هُمْ يُنظَرُونَ } [السجدة‪ ]29 :‬أي‪ :‬ليس لكم الن إمهال؛ لن الذي خلقكم يعلم سرائركم‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويعلم أنه سبحانه لو أمهلكم َلعُدْتم لما كنتم عليه{ وََلوْ رُدّواْ َلعَادُواْ ِلمَا ُنهُواْ عَ ْن ُه وَإِ ّنهُمْ َلكَاذِبُونَ }‬
‫[النعام‪]28 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬فَأَعْ ِرضْ عَ ْن ُه ْم وَانتَظِرْ‪.} ...‬‬

‫(‪)3457 /‬‬
‫فَأَعْ ِرضْ عَ ْنهُ ْم وَانْتَظِرْ إِ ّن ُهمْ مُنْتَظِرُونَ (‪)30‬‬

‫هذا المعنى كما نقول في العامية (اديني عرض كتافك) أي‪ :‬انصرف عنهم‪ ،‬فلم َي ُعدْ بينك وبينهم‬
‫لقاءٌ‪ ،‬ول جدوى من مناقشتهم والتناظر معهم فقد استنفدوا كل وسائل القناع‪ ،‬ولم يَ ْبقَ لهم إل‬
‫ع ّقبْ بعدَها وَعيدا فَإنْ لَمْ ُيغْنِ أَغَ َنتْ‬
‫السيف يردعهم‪ ،‬على حَدّ قول الشاعر‪:‬أنَاةٌ فإنْ لَمْ ُتغْنِ َ‬
‫عَزَائمهُفقد بلّغهم رسول ال وأنذرهم‪ ،‬لقد بشّرهم بالجنة لمن آمن‪ ،‬وحذرهم النار لمن كفر فلم‬
‫حدّ مُرْهَف فالعاقل الوحي يقنعه‪ ،‬والجاهل السيف يردعه‪.‬‬
‫ل الوَحْي أو َ‬
‫يسمعوا‪ .‬إذن‪َ :‬فمَا ُه َو إ ّ‬
‫وقوله سبحانه‪ { :‬وَان َتظِرْ‪[ } ..‬السجدة‪ ]30 :‬أمر من ال تعالى لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أي‪:‬‬
‫انتظر وعدي لك بالنصر والغلبة‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن وعد ال محقق‪ ،‬حيث ل توجد قوة أخرى تمنعه من‬
‫إنفاذ وعده‪ ،‬أما النسان فعليه حين َيعِد أنْ يتنبه إلى بشريته‪ ،‬وأنه ل يملك شيئا من أسباب تنفيذ ما‬
‫وعد به‪.‬‬
‫علٌ ذاِلكَ غَدا * ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ‪[} ...‬الكهف‪]24 :‬‬
‫شيْءٍ إِنّي فَا ِ‬
‫لذلك يُعلّمنا ربنا‪ {:‬وَلَ َتقْولَنّ لِ َ‬
‫وتعليق أمرك على مشيئة ال عز وجل يحميك أن تكون كاذبا إذا لم َتفِ بما وعدتَ به‪ ،‬فأسباب‬
‫الوفاء بالوعد ل يملكها البشر‪ ،‬إنما يملكها خالق البشر سبحانه‪ ،‬فإذا وعد فاعلم أن وعده متحقق ل‬
‫محالة‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إنك حين تقول لصاحبك مثلً‪ :‬سأقابلك غدا أو سأفعل لك كذا وكذا‪ ،‬نعم أنت صادق وتنوي‬
‫الوفاء‪ ،‬لكنك ل تملك في الغد سببا واحدا من أسباب الوفاء‪ ،‬فلربما طرأ لك طارئ‪ ،‬أو منعك‬
‫مانع‪ ،‬وربما تغيّر رأيك‪..‬الخ‪.‬‬
‫وفَرْق بين انتظار رسول ال حين ينفذ أمر ربه { وَانتَظِرْ } [السجدة‪ ]30 :‬وبين { إِ ّنهُمْ مّنتَظِرُونَ }‬
‫[السجدة‪ ]30 :‬فانتظار رسول ال لشيء محقق‪ ،‬له رصيد من القوة والقدرة‪ ،‬أما انتظارهم فتسويل‬
‫نفس ووسوسة شيطان‪ ،‬ل رصيد لها من قوة وإنقاذ‪.‬‬
‫ومعنى{ إِ ّن ُهمْ مّنتَظِرُونَ }[السجدة‪ ]31 :‬أي‪ :‬ينتظرون أن يحدث لرسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫شيء يمنعه من تبليغ رسالة ربه‪ ،‬وهذا حمق منهم‪ ،‬فقد كان عليهم أن يعلموا أن الرسول مُؤيّد من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال مُرْسَل من قِبَله لهدايتهم‪ ،‬وما كان ال تعالى ليرسل رسولً ثم يُسْلمه أو يخذله‪ ،‬فسنة ال في‬
‫الرسل أن لهم الغلبة مهما قويتْ شوكة المعاندين لهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل سبيلَ إلى ذلك‪ ،‬ول سبيلَ أيضا إلى الخلص منه أو حتى تخويفه ليرتدع‪ ،‬ويدع ما يدعو‬
‫إليه من منهج ربه‪.‬‬
‫وقد ورد هذا النتظار في موضع آخر بلفظ (التربص) في قوله تعالى‪ {:‬تَرَ ّبصُواْ فَإِنّي َم َعكُمْ مّنَ‬
‫ا ْلمُتَرَ ّبصِينَ }[الطور‪]31 :‬‬
‫حسْنَيَيْنِ‪[} ...‬التوبة‪ ]52 :‬أي‪ :‬ماذا تنتظرون‬
‫حدَى الْ ُ‬
‫وفي قوله تعالى‪ُ {:‬قلْ َهلْ تَرَ ّبصُونَ بِنَآ ِإلّ إِ ْ‬
‫منا ونحن أمام حُسْنيين‪ :‬إما النصر والغلبة عليكم‪ ،‬وساعتها ندحركم ونُذلكم‪ .‬أو الشهادة التي‬
‫تضمن لنا حياة النعيم الباقية الخالدة‬
‫{ وَنَحْنُ نَتَرَ ّبصُ ِبكُمْ أَن ُيصِي َبكُمُ اللّهُ ِبعَذَابٍ مّنْ عِن ِدهِ َأوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَ ّبصُواْ‪[} ...‬التوبة‪]52 :‬‬
‫يعني‪ :‬تربّصوا بنا‪ ،‬فنحن أيضا نتربص بكم‪ ،‬لكن فَرْق بين تربّصنا وتربّصكم‪.‬‬
‫وهذه السورة سميت (السجدة) أولً‪ :‬لن بها سجدة تلوة ينبغي أن نسجد ال شكرا عندها‪،‬‬
‫والسجود يمثل منتهى الخضوع للحق ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬فإذا جاءت هذه الية التي تهز كيان‬
‫النسان يعلمنا ربنا أن ننفعل لهزّة الكيان‪ ،‬وأن نسارع بالسجود‪ ،‬ول ننتظر سجودنا بعد ذلك في‬
‫الصلة‪.‬‬
‫فكأن في هذه الية آمرا قويا وسرا عظيما استدعى أنْ نُخرِج السجود عن موقعه بأمر مَنْ شرع‬
‫السجود الول‪ .‬إذن‪ :‬ل ُبدّ أن في آيات سجود التلوة طاقاتٍ جميلة من ِنعَم ال تُذكّرني به‪.‬‬
‫والحق سبحانه يريد أنْ يشعر الخَلْق أنهم يستقبلون نعما جديدة‪ ،‬ل يكفي في شكرها السجود‬
‫الرتيب الذي نعرفه‪ ،‬فيشرع لها سجودا خاصا بها‪.‬‬
‫وفي السورة أيضا بعض الشارات التي وقف عليها العارفون وقالوا‪ :‬إنها تضع نماذج لصيانة‬
‫النفس النسانية‪ ،‬وعدم ُبعْدها عن حكمة خالقها‪ ،‬ومن هذه الشارات أن العين ترى الشياء فتقول‪:‬‬
‫هذا حسن‪ ،‬وهذا قبيح‪ ،‬ذلك من مجرد الشكل الخارجي‪ ،‬لكن على المرء أنْ يتأمل الشياء ويعرف‬
‫معنى القبح‪.‬‬
‫القبح ليس ما قَبُحَ في نظرك‪ ،‬إنما القبيح الذي يُخرِج الحُسْن التكليفي عن مناطه؛ لن الخالق ‪-‬‬
‫شيْءٍ خََلقَهُ‪[} ...‬السجدة‪]7 :‬‬
‫عز وجل ‪ -‬خلق كل شيء جميلً‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬الّذِي أَحْسَنَ ُكلّ َ‬
‫فإذا قَبُحَ الشيء في نظرك فاعلم أنك نظرتَ إلى جانب الشكل‪ ،‬وأهملتَ جوانب أخرى‪ ،‬و ُقلْ إنني‬
‫لم أتوصل إلى سرّ الجمال فيه‪.‬‬
‫وسبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن الخالق سبحانه نثر المواهب بين خَلْقه بحيث تجد مجموع مواهب كل إنسان‬
‫تساوي مجموع مواهب كل إنسان‪ ،‬فل تنظر إلى جانب واحد فتقول‪ :‬هذا غني‪ ،‬وهذا فقير‪ ،‬لكن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫انظر إلى الجوانب الخرى‪.‬‬
‫ويُ ْروَى أن سيدنا نوحا عليه السلم رأى كلبا أجرب فبصق عليه‪ ،‬فأنطق ال الكلب الجرب‪ ،‬وقال‬
‫له‪ :‬أتعيبني أم تعيب خالقي؟ والمعنى أنه خلقني لحكمة‪ ،‬ولمعنى من المعاني‪.‬‬
‫وصدق القائل‪:‬لِلقُبْح َو ْقتٌ فِيهِ َيظْهر حُسْنُه وَيُحمد مَنْ غشّ البناءَ لَدَى الهَدْمكذلك نثر الحق سبحانه‬
‫حكمه‪ ،‬ونثر خيره في كتابه‪ ،‬فل تغنى آية عن آية‪ ،‬ول تغني كلمة عن كلمة‪ ،‬ول حرف عن‬
‫ن تقف على أسرار ال‪.‬‬
‫حرف‪ ،‬لكن البصائر التي تَتَلقّى عن ال هي التي تستطيع أ ْ‬

‫(‪)3458 /‬‬
‫حكِيمًا (‪)1‬‬
‫ن وَا ْلمُنَا ِفقِينَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا َ‬
‫يَا أَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّ َه وَلَا ُتطِعِ ا ْلكَافِرِي َ‬

‫قوله تعالى‪ { :‬يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]1 :‬نداء لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والمنادي هو‬
‫الحق سبحانه‪ ،‬رسول ال لقبه‪ ،‬واسمه محمد‪ ،‬واسمه أحمد كما ذُكر في القرآن‪ ،‬والنسان حين‬
‫يُولَد يُوضع له اسم يدل على مُسمّاه‪ ،‬بحيث إذا أطلقه الواضع انصرف إلى المسمى‪ ،‬والقوم الذين‬
‫سمّوا لهم محيط يُعرفون فيه‪ ،‬وغيرهم بنفس السماء لهم محيط آخر‪ ،‬فمحمد هذا المحيط غير‬
‫ُ‬
‫محمد هذا المحيط‪.‬‬
‫وتعريف النسان يكون بالسم أو بالكُنْية أو باللقب‪ ،‬فالسم هو العلم الذي يُوضع لمسمّى ليُعلَم به‬
‫صدّر بأب أو أم كما نقول‪ :‬أبو بكر‪ ،‬وأم المؤمنين‪،‬‬
‫ويُنادَى به‪ ،‬ويُميّز عن غيره‪ ،‬أما الكنية فاسم ُ‬
‫جعِل عَلَما على شخص فهو اسم‪ ،‬وليس كنية‪ ،‬أما اللقب فما أشعر برفعة أو‬
‫سمّي بد بدايةً و ُ‬
‫فإنْ ُ‬
‫ضِع ًة كما تقول‪ :‬فلن الشاعر أو الشاطر‪..‬إلخ‪.‬‬
‫فإذا ُأطِلق السم الواحد على عدة مسميات‪ ،‬بحيث ل تتميز بعضها عن بعض وجب أنْ تُوصَف‬
‫بما يميزها كأسرة مثلً عشقتْ اسم محمد فس ّمتْ كل أولدها (محمد) فل بُدّ أن نقول‪ :‬محمد‬
‫الكبير‪ ،‬محمد الصغير‪ ،‬محمد الوسط‪..‬الخ‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم له اسم وكُنْية ولقب‪ ،‬أما اسمه فمحمد وقد ورد في القرآن الكريم‬
‫سلُ‪[} ...‬آل عمران‪ {.]144 :‬مّا كَانَ‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ َقدْ خََلتْ مِن قَبِْلهِ الرّ ُ‬
‫أربع مرات‪َ {:‬ومَا مُ َ‬
‫حمّدٌ رّسُولُ اللّ ِه وَالّذِينَ َمعَهُ‬
‫حدٍ مّن رّجَاِل ُك ْم وَلَـاكِن رّسُولَ اللّهِ‪[} ...‬الحزاب‪ {.]40 :‬مّ َ‬
‫حمّدٌ أَبَآ أَ َ‬
‫مُ َ‬
‫حمّ ٍد وَ ُهوَ ا ْلحَقّ مِن‬
‫حمَآءُ بَيْ َنهُمْ‪[} ...‬الفتح‪ {.]29 :‬وَآمَنُواْ ِبمَا نُ ّزلَ عَلَىا مُ َ‬
‫علَى ا ْل ُكفّارِ رُ َ‬
‫شدّآءُ َ‬
‫أَ ِ‬
‫رّ ّبهِمْ‪[} ...‬محمد‪]2 :‬‬
‫ح َمدُ‪[} ...‬الصف‪:‬‬
‫س ُمهُ أَ ْ‬
‫وورد باسم أحمد في موضع واحد هو‪َ {:‬ومُبَشّرا بِ َرسُولٍ يَأْتِي مِن َبعْدِي ا ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪ ]6‬وسبق أنْ تكلّمنا في علة هذه التسمية‪.‬‬
‫أما كنيته‪ :‬فأبو القاسم‪ ،‬ولقبه‪ :‬رسول ال‪.‬‬
‫وهكذا استوفى سيدنا رسول ال العَلَمية في أوضاعها الثلثة‪ :‬السم‪ ،‬والكُنْية‪ ،‬واللقب‪.‬‬
‫واللقب يضعه أيضا الب أو الم أو الناس المحيطون بالنسان‪ ،‬إما يدل على الرفعة تفاؤلً بأنه‬
‫ضعَة‪ ،‬وهذه في الغالب تحدث في الولد الذين يُخاف عليهم‬
‫سيكون له شأن‪ ،‬أو يدل على ال ّ‬
‫حطّة والضّعة وما أشبهه (بالفاسوخة) يُعلّقونها على الصغار‬
‫العين‪ ،‬فيختارون لهم لقبا يدل على ال ِ‬
‫مخافة العين‪.‬‬
‫أما لقب رسول ال صلى ال عليه وسلم فقد اختاره له ربه عز وجل‪ ،‬وطبيعي أنْ يأتي لقبه صلى‬
‫شعِرا برفعة أيما رفعة‪ ،‬فهي ليست عند الخلق فحسب‪ ،‬إنما رفعةَ عند الخالق‪ ،‬فلما‬
‫ال عليه وسلم مُ ْ‬
‫وَلِد رسول ال أسماه جده بأحب السماء عنده‪ ،‬وقال‪ :‬سمّيْته محمدا ليُحمد في الرض وفي‬
‫السماء‪.‬‬
‫ولما وُلِد القاسم كُنّى به رسول ال فقيل‪ :‬أبو القاسم‪ ،‬فلما اختاره ال للرسالة وللسفارة بينه تعالى‬
‫وبين الخَلْق لقّبه برسول ال وبالنبي‪ ،‬وهذان اللقبان على قدر عظيم من الرفعة لو جاءت من‬
‫البشر‪ ،‬فما بالك وهي من عند ال‪ ،‬فأنت حين تضع المقاييس تضعها على َقدْر معرفتك وإمكاناتك‪.‬‬
‫فالرسول صلى ال عليه وسلم رسول ال ونبي ال بمقاييس ال‪ ،‬فهو إذن مُشرّف عندكم‪ ،‬مُشرّف‬
‫ج َعلُ رِسَالَتَهُ‪[} ...‬النعام‪]124 :‬‬
‫عند مَنْ أرسله و{ اللّهُ أَعَْلمُ حَ ْيثُ َي ْ‬
‫فأحبّ شيء في العلم برسول ال أن نقول‪ :‬محمد‪ ،‬أو أبو القاسم‪ ،‬أو رسول ال‪ ،‬أو النبي‪،‬‬
‫والحق سبحانه حين نادى رسوله صلى ال عليه وسلم لم يُنَاده باسمه أبدا‪ ،‬فلم يقُلْ يا محمد‪ ،‬إنما‬
‫بلقبه الذي يُشعر برفعته عند الحق سبحانه‪ ،‬فقال في ندائه‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ‪[} ...‬النفال‪ {،]65 :‬ياأَ ّيهَا‬
‫الرّسُولُ‪[} ...‬المائدة‪]41 :‬‬
‫ولو تتبعت نداء ال للرسل من َلدُنْ آدم عليه السلم ل تجد رسولً نُودِي بغير اسمه إل محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ .‬أما لفظ (محمد) فقد ورد في القرآن‪ ،‬لكن في غير النداء‪ ،‬ورد على سبيل‬
‫الخبار بأن محمدا رسول ال‪.‬‬
‫وحتى في الخبار عنه صلى ال عليه وسلم أخبر ال عنه بلقبه‪َ {:‬لقَدْ جَآ َءكُمْ َرسُولٌ مّنْ‬
‫سكُمْ‪[} ...‬التوبة‪]128 :‬‬
‫أَنفُ ِ‬
‫وقال‪َ {:‬وقَالَ الرّسُولُ يا َربّ إِنّ َق ْومِي اتّخَذُواْ هَـاذَا ا ْلقُرْآنَ َمهْجُورا }[الفرقان‪]30 :‬‬
‫إذن‪ :‬في النداء استقل بيا أيها النبي‪ ،‬ويا أيها الرسول‪ ،‬أما في الخبار فل بُدّ أنْ يذكر اسمه (محمد‬
‫رسول ال)‪ ،‬وإل فكيف يعرف أنه رسول ال؟ فيخبر به أولً اسما ومُسمّى‪.‬‬
‫ونُودِي صلى ال عليه وسلم بياأيها النبي‪ ،‬وياأيها الرسول تعظيما له صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ونحن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حين نريد أنْ نُعظّم مَنْ ننادي نسبق السم بمقدمات‪ ،‬نقول‪ :‬يا سيدي فلن‪ ،‬يا فضيلة الشيخ‪ ،‬يا‬
‫صاحب العزة‪..‬الخ‪.‬‬
‫وقد تقدمتْ (أَ ّيهَا) على المنادي هنا؛ لن السم المنادى المحلّى بأل ل يُنادى مباشرة إل في لفظ‬
‫الجللة (ال) فنقول‪ :‬يا ال‪ ،‬فكأن الحق سبحانه توحّد حتى في النداء‪ ،‬هذا في نداء المفرد‪.‬‬
‫والحق سبحانه نادى رسوله بياأيها النبي‪ ،‬وياأيها الرسول‪ ،‬الرسول هو سفير بين ال وبين خَلْقه؛‬
‫ليُبلغهم منهجه الذي يريد أنْ تسير عليه حياتهم فالرسول مُبلّغ‪ ،‬أما النبي فمُرْسَل أيضا من قِبلَ‬
‫الحق سبحانه‪ ،‬لكن ليس معه شرع جديد‪ ،‬إنما يسير على شرع مَنْ سبقه من الرسل‪ ،‬أما فهو‬
‫فقدوة وأُسْوة سلوكية لقومه‪.‬‬
‫ومحمد صلى ال عليه وسلم جمع المرين معا‪ ،‬فهو نبي ورسول له خصوصيات ُأمِر بها‪ ،‬ولم‬
‫ُي ْؤمَر بتبليغها ‪ -‬وهذه مسائل خاصة بالنبوة ‪ -‬وله أمور أخرى ُأمِر بها‪ ،‬وُأمِر بتبليغها‪.‬‬
‫ومعلوم من أقوال العلماء أن كل رسول نبي‪ ،‬وليس كل نبي رسول بالمعنى الصطلحي‪ ،‬وإل‬
‫َفهُم جميعا مُ ْرسَلون من قِبَل ال‪.‬‬
‫وكلمة (النبي) مأخوذة من النبأ وهو الخبر الهام‪ ،‬فالخبر يكون من البشر للبشر‪ ،‬فإنْ كان من خالق‬
‫البشر فهو نبأ أي‪ :‬أمر عظيم ينبغي الهتمام به‪ ،‬وأصله من النّبوَة‪ ،‬وهي الشيء العالي المستدير‬
‫في وسط شيء مسْ َتوٍ‪.‬‬
‫فحين تقول‪ :‬رأيتُ فلنا اليوم‪ ،‬هذا ل يُسمّى نبأ إنما خبر؛ لذلك قال سبحانه‪ {:‬عَمّ يَ َتسَآءَلُونَ * عَنِ‬
‫النّبَإِ ا ْل َعظِيمِ }[النبأ‪ ]2-1 :‬أي‪ :‬الخبر الهائل الذي هزّ الدنيا كلها‪ ،‬ومل السماع‪ ،‬وزلزل العروش‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه مخاطبا نبيه صلى ال عليه وسلم } اتّقِ اللّهَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬سبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن‬
‫الكلم العربي مُقسّم إلى خبر وإنشاء‪ ،‬فالخبر نسبة كلمية‪ ،‬فإنْ كان لها معنى ومدلول فهي نسبة‬
‫واقعية‪ ،‬والخبر هو القول الذي يُوصَف بالصدق إنْ طابق الواقع‪ ،‬ويُوصَف بالكذب إن خالف‪.‬‬
‫أما النشاء فهو مقابل الخبر يعني‪ :‬ق ْولٌ ل يُوصَف بصدق ول بكذب‪ ،‬كأن تقول لنسان‪ِ :‬قفْ‪،‬‬
‫فهذا أمر ل يقال لقائله‪ :‬صادق‪ ،‬ول كاذب‪.‬‬
‫فقوله تعالى لنبيه } اتّقِ اللّهَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬هذه نسبة كلمية من ال لرسوله‪ ،‬ليحدث مدلول‬
‫هذا المر‪ ،‬وهو التقوى‪ ،‬لكن أكان رسول ال صلى ال عليه وسلم غير تقي حتى يأمره ربه‬
‫بالتقوى؟‬
‫ن يكون الرسول عصى‪ ،‬فيأمره ال بتقواه‪ ،‬لكن الحق سبحانه ينشئ مع‬
‫نقول‪ :‬ليس بالضرورة أ ْ‬
‫رسوله كلما بداية دون سابقة عصيان‪ .‬أو‪ :‬أنه المر الول بالتقوى كما تقول لولدك في بداية‬
‫الدراسة‪ :‬اجتهد وذاكر دروسك‪ ،‬وأنت تعرف أنه مجتهد‪ ،‬لكن ل بُدّ من تقرير المبدأ في بداية‬
‫المر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم إن الحدث يحدث في أزمنة ثلثة‪ :‬ماضٍ وحال ومستقبل‪ ،‬فإذا طلب من شخص فعل شيء هو‬
‫مقيم عليه بالفعل كقوله تعالى‪ {:‬يَاأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّ ِه وَرَسُولِهِ‪[} ...‬النساء‪]136 :‬‬
‫فالحق سبحانه يأمرهم باليمان‪ ،‬مع أنه وصفهم وخاطبهم بلفظ اليمان؛ لن المعني‪ :‬أنتم آمنتم قبل‬
‫أنْ أُكلمكم‪ ،‬وهذا اليمان السابق لكلمي ماضٍ‪ ،‬وأنا أريد منكم أنْ تُحدِثوا إيمانا جديدا‪ ،‬حالً‬
‫ومستقبلً‪ ،‬أريد أنْ تُجدّدوا إيمانكم‪ ،‬وأنْ تستَمروا عليه‪.‬‬
‫فمعنى } يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّهَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬أي‪ :‬واصل تقواك حالً‪ ،‬كما فعلتها سابقا‪،‬‬
‫وواصلها مستقبلً‪ ،‬فل تنقطع عنها أبدا‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن تقوى ال أمر يلصق النسانَ بربه‪ ،‬وال كلّف بأشياء‪ ،‬ثم أباح لك من جنس التكليف أشياء‪،‬‬
‫فإذا قال ال لرسوله } اتّقِ اللّهَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬فهي غير قوله لنا‪ :‬اتقوا ال‪ ،‬فالمر لنا نحن‬
‫بالتقوى‪ ،‬أي‪ :‬نفّذ ما فُرِض عليك‪ ،‬أما في حق رسول ال فهي بمعنى‪ :‬ادخل في مقام الحسان‪،‬‬
‫وجدّده دائما؛ لن مراقي القبول من ال ل تنتهي‪ ،‬كما أن كمالت العطاء في ال ل تنتهي‪.‬‬
‫لذلك قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من استوى يوماه فهو مغبون " أي‪ :‬من استوى يومه مع أمسه‬
‫في قُرْبه من ال فهو خاسر‪ ،‬لماذا؟ لنه ينبغي للمؤمن أنْ يزيد في قُرْبه وفي مودته‪ ،‬وعلقته بال‬
‫يوما بعد يوم؛ لن ِنعَم ال عليك متوالية تستوجب شكرا متواليا‪ ،‬وحمدا دائما‪.‬‬
‫كما أن الحق سبحانه ل يكتفي من رسوله بما يكتفي به من سائر الخلق‪ ،‬إذن‪ :‬فالتقوى بالنسبة‬
‫لرسول ال غير التقوى بالنسبة لسائر الخَلْق‪ ،‬التقوى في حق رسول ال مجالها أوسع‪ ،‬وللرسول‬
‫مع ال فيوضات ل تنتهي‪.‬‬
‫لذلك حين يناديك ربك للصلة في كل يوم خمس مرات‪ ،‬فاعلم أن فضله عليك غير مكرر‪ ،‬بل‬
‫فضله متجدد‪ ،‬فعطاؤه لك في الظهر غير عطائه لك في العصر‪ ،‬غير عطائه لك في المغرب‪،‬‬
‫ل متواصلً ممتدا‪.‬‬
‫وهكذا تكون التقوى عم ً‬
‫ولذلك يحذرنا أهل الخير أن نداوم مع ال في شيء من الطاعة‪ ،‬ثم نقصر عنها‪ ،‬كذلك يحذرنا‬
‫الشرع أنْ ننذر ال ما ل نستطيع الوفاء به‪ ،‬لنك بالنذر تفرض على نفسك الطاعة‪ ،‬فأج ِملْ بك أنْ‬
‫تظل في مقام التطوع‪ ،‬إنْ خفّت نفسك للطاعة أدّها‪ ،‬وإنْ قصُرت فل شيء عليك‪.‬‬
‫وكونك تفرض على نفسك شيئا من الطاعات من جنس ما فرض ال عليك‪ .‬يعني‪ :‬أنك أحببتَ‬
‫ت ال منها‪ ،‬فقلت مثلً‪ :‬نذرتُ ل أن أصلي من الركعات كذا‪،‬‬
‫الطاعة وحََلتْ لك العبادة‪ ،‬حتى زد َ‬
‫ت في الصلوات الخمس إشراقات وفيوضات من ال فز ْدتَ‬
‫أو أتصدّق بكذا من المال؛ لنك رأي َ‬
‫منها‪.‬‬
‫والحق سبحانه يطلب منا حين ينادينا للصلة أنْ نسعى للمسجد‪ ،‬ومع أن الرض كلها مسجد وكلها‬
‫خصّص للصلة‪ ،‬فينبغي أنْ تُؤدّى فيه‪ ،‬وأنت في صلة ما ُد ْمتَ تسعى‬
‫طهور‪ ،‬لكن المسجد ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للصلة‪ ،‬فمَنْ كان بعيد البيت عن المسجد عليه أنْ يأتي الصلة في سكينة ووقار‪ ،‬ول يخرج عن‬
‫سمْت حتى وإنْ تأخر عن تكبيرة الحرام‪.‬‬
‫هذا ال ّ‬
‫وقد ورد في حديث سيدنا رسول ال‪ " :‬إذا أقيمت الصلة فل تأتوها تسعون‪ ،‬وأتوها تمشون‬
‫وعليكم السكينة‪ ،‬فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتموا "‪.‬‬
‫وهناك مطلوب إيمان ومطلوب إحسان‪ :‬مطلوب اليمان هو ما فرضه ال عليك‪ ،‬وجاء في‬
‫ب إلىّ مما افترضته عليه "‬
‫الحديث القدسي‪ " :‬ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أح ّ‬
‫فإنْ أردتَ أن تتقرب إلى ال فتقرّب إليه بما يحب‪ ،‬ومن جنس ما فرضه عليك‪ ،‬فال أمرك بصلة‬
‫وصيام وزكاة‪ ،‬فإنْ حََلتْ لك هذه العبادات فزدْ منها فوق ما فرضه ال عليك‪ ،‬وحين تزيد اعرف‬
‫أنه مسّ ْتكَ نورانية الشراق في العبادة فقلت‪ :‬ال يستحق مني فوق ما كلّفني‪ ،‬وهذا هو مقام‬
‫الحسان‪.‬‬
‫ت وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ‬
‫وسبق أنْ تحدثنا عن هذا المعنى في قوله تعالى‪ {:‬إِنّ ا ْلمُتّقِينَ فِي جَنّا ٍ‬
‫سحَارِ ُهمْ‬
‫جعُونَ * وَبِالَ ْ‬
‫رَ ّبهُمْ إِ ّنهُمْ كَانُواْ قَ ْبلَ ذَِلكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلً مّن اللّ ْيلِ مَا َيهْ َ‬
‫يَسْ َت ْغفِرُونَ }[الذاريات‪]18-15 :‬‬
‫وهل فرض ال على عبده ألّ يهجع إل قليلً من الليل؟ ل بل لك أنْ تُصلي العشاء‪ ،‬وتنام حتى‬
‫ل ويقوم في السّحَر‬
‫صلة الفجر‪ ،‬كذلك في الستغفار‪ ،‬أما الذي ل يهجع من الليل إل قلي ً‬
‫للستغفار‪ ،‬فل ُبدّ أنه حََلتْ له العبادة‪ ،‬وحل له الوقوف في حضرة ربه ‪ -‬عز وجل ‪ -‬فدخل في‬
‫مقام الحسان‪.‬‬
‫ثم الحسان نوعان‪ :‬إحسان كم‪ ،‬وإحسان كيف‪ ،‬إحسان الكم بأنْ تزيد على ما فُرِض عليك‪،‬‬
‫فتصلي فوق الفرض وتُزكّي فوق الفرض‪ ،‬أما إحسان الكيف فبأنْ تخلص في عبادتك ل‪ ،‬وأنْ‬
‫تعبد ال كأنك تراه‪ ،‬فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراك يعني‪ :‬إذا لم يكُن لديك الشراق والشفافية التي‬
‫تريك ال‪ ،‬فل أقلّ من أنْ تعبده على أنه يراك‪.‬‬
‫وساعة تدخل في مقام الحسان فأنت حرّ إذن فيما تقدم من الحسان‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬مَا عَلَى‬
‫حسِنِينَ مِن سَبِيلٍ‪[} ...‬التوبة‪ ]91 :‬على حسب ما تخفّ نفسك للطاعة‪ ،‬خ ّفتْ لخمس ركعات‪،‬‬
‫ا ْلمُ ْ‬
‫خ ّفتْ لعشر‪ ،‬خفّت لخمسة بالمائة في الزكاة‪ ،‬خ ّفتْ لعشرة‪..‬الخ أنت حر‪.‬‬
‫ل وَا ْلمَحْرُومِ }‬
‫حقّ لّلسّآ ِئ ِ‬
‫أل ترى أن الحق سبحانه لما تكلم عن هذا المقام قال‪َ {:‬وفِي َأ ْموَاِلهِمْ َ‬
‫حقّ ّمعْلُومٌ }[المعارج‪]24 :‬‬
‫[الذاريات‪ ]19 :‬أما في الزكاة المفروضة فقال‪ {:‬وَالّذِينَ فِي َأ ْموَاِلهِمْ َ‬
‫إذن } يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّهَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬أي‪ :‬تقوى تناسب مقامك من ربك؛ لن عطاءات ال‬
‫سبحانه ل تتناهى‪ ،‬كما أن كمالته ل تتناهى‪ ،‬لذلك كان سيدنا رسول ال يقدم الليل حتى تتفطر‬
‫قدماه ولما سألته السيدة عائشة‪ :‬تفعل هذا وقد غفر ال لك ما تقدم من ذنبك؟ قال‪ " :‬أفل أكون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عبدا شكورا "‪.‬‬
‫يعني‪ :‬العبادة ل تكون لمجرد الثواب والمغفرة‪ ،‬إنما هناك درجات وارتقاءات أخرى‪.‬‬
‫والتقوى‪ :‬قلنا أنْ تجعل بينك وبين ما يمكن أنْ ينشأ منه ضرر لك وقاية‪ ،‬لكن كيف نجعل بيننا‬
‫وبين ربنا سبحانه وقاية‪ ،‬ومهمة التقوى أن تندمج مع ال في معيته؟ هذا في حق مَنْ يتحكم جيدا‬
‫في نفسه‪ ،‬ويحملها على منهج ال‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬لن ل تعالى صفات جلل وصفات جمال‪ ،‬ولكل صفة منها مطلوب‪ ،‬فال تعالى غفور‬
‫رحيم‪ ،‬وهو أيضا سبحانه القهار الجبار المنتقم‪ ،‬ال سبحانه هو الضار وهو النافع‪ ،‬إذن‪ :‬فصفات‬
‫الجمال هي التي تُؤتي النسان الخير الذي يحبه‪ ،‬وصفات الجلل هي التي تتسلط على مَنْ‬
‫يخالف‪ .‬فعلى العبد دائما أنْ يظل خائفا من صفات الجلل راجيا صفات الجمال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬تقوى ال تكون بأنْ تجعل بينك وبين صفات الجلل وقاية؛ لنك لستَ مطيقا لهذه الصفات‪،‬‬
‫ول تطيق مسّة خفيفة من النار‪ ،‬وهي جند من جنود ال فاحذرها‪.‬‬
‫وعرفنا في مسألة الشفاعة أن الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما‪ ،‬وأن ال يُشفّع بعض المؤمنين‪،‬‬
‫ويُشفّع النبياء والملئكة‪ ،‬ثم بعد ذلك تبقى شفاعة أرحم الراحمين‪ ،‬فكيف يشفع ال عند ال؟‬
‫قالوا‪ :‬أي تشفع صفات الجمال عند صفات الجلل‪ ،‬فحين يذنب العبد ذنبا تتسلط عليه صفات‬
‫الجلل لتعاقبه‪ ،‬فتتصدى لها صفات الجمال‪ ،‬وتشفع عندها لتسقط ما لها عنده من حق‪.‬‬
‫ن وَا ْلمُنَا ِفقِينَ‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه مخاطبا رسوله صلى ال عليه وسلم‪ } :‬وَلَ ُتطِعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫‪[ { .‬الحزاب‪ ]1 :‬فهل حين يتقي رسول ال ربه أيطيع الكافرين والمنافقين؟ قالوا‪ :‬جمع القرآن‬
‫بين المر بالتقوى والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين على اللتزام‪ ،‬تقول‪ :‬أكرم فلنا وفلنا‬
‫أيضا‪ ،‬فلم تقل ل تكرم إل فلنا‪ ،‬إذن‪ :‬فعطف ل تُطع الكافرين والمنافقين على } اتّقِ اللّهَ‪..‬‬
‫{ [الحزاب‪ ]1 :‬باللتزام‪.‬‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم حينما جاء جاء على نظام كوني أعده ال تعالى لخَلْقه‪ ،‬وحين خلق ال‬
‫ستُ‬
‫الخَلْق أخذ على النسانية كلها بكل أفرادها من آدم إلى أن تقوم الساعة ‪ -‬أخذ عليهم العهد{ أََل ْ‬
‫بِرَ ّبكُمْ قَالُواْ بَلَىا‪[} ...‬العراف‪ ]172 :‬فشهدوا ل تعالى قبل أنْ تتهيأ لهم المعاصي والشهوات‪.‬‬
‫فإذا أصابت الناسَ غفلةٌ أو نسُوا هذا العهد بعث ال لهم من رسله مَنْ يُذكّرهم؛ لذلك خُوطِب النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم بقوله تعالى‪ {:‬إِ ّنمَآ أَنتَ مُنذِرٌ‪[} ...‬الرعد‪]7 :‬‬
‫ن َومُنذِرِينَ‪[} ...‬النساء‪ ]165 :‬يعني‪ :‬ليسوا منشئين تقوى‬
‫وقال سبحانه عن الرسل‪ {:‬رّسُلً مّبَشّرِي َ‬
‫وطاعة‪ ،‬إنما مذكرون بقضية معلومة سَلَفا من الزل‪ ،‬وما هم إل مبشرين بالثواب لمن أطاع‪،‬‬
‫ومنذرون بالعذاب لمن عصى‪ ،‬والحق سبحانه يريد من عباده أن يكونوا على ذكر دائم لهذه‬
‫الحقيقة وألّ يغفلواعنها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والغفلة تأتي إما من شهوة النفس أو كسلها عن مطلوب شاق للعبادة أو وسوسة من غير مطيع في‬
‫ضهُمْ إِلَىا‬
‫أذنك‪ ،‬سواء أكان من شياطين النس أو من شياطين الجن‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬يُوحِي َب ْع ُ‬
‫َب ْعضٍ‪[} ...‬النعام‪]112 :‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن المنحرف يحسد المستقيم على استقامته‪ ،‬لكنه ل يستطيع أنْ يتحمل تبعات هذه الطاعة‪،‬‬
‫فل أقلّ من أنْ يحاول أنْ يجذب المستقيم إليه‪ ،‬فيوسوس له ويصرفه عن صفة الكمال التي له؛‬
‫لذلك حين يوسوس لك صاحبك بشيء من معصية ال فأول شيء ينبغي أنْ تفطن إليه أنه يكرهك‪،‬‬
‫ول يريد لك الخير الذي يعجز هو عن إدراكه‪ ،‬فهو ل يريد لك أنْ تتميز عليه بشيء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الكافرون والمنافقون الذي يصادمون دعوة الرسل لم يقدروا على أنْ يحملوا أنفسهم على‬
‫منهج ال‪ ،‬ول أنْ يلتزموا كما التزم المؤمنون‪ ،‬فل أقلّ من أنْ يحولوا بين المؤمنين وبين المنهج‬
‫الجديد الذي جاء به رسول ال‪.‬‬
‫ت إل لضرورة‪ ،‬هي انطماس معالم المنهج عند المرسل إليهم‪ ،‬وانعدام‬
‫وقلنا‪ :‬إن الرسول لم يأ ِ‬
‫الرادع في النفس البشرية أولً ثم في المجتمع ككل‪ ،‬فالنسان حين يغفل تُذكّره النفس اللوامة‬
‫وتردّه عن المعصية‪ ،‬فإذا ما ضعف سلطان هذه النفس تحكمتْ فيه النفس المّارة بالسوء وصرفتْه‬
‫عن الخير كله‪ ،‬فلم يَبْقَ له رادع إل في المجتمع اليماني الذي يقوم بدوره في المر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ‬
‫وهذه هي ميزة الخيرية في هذه المة التي قال ال فيها‪ {:‬كُنْتُمْ خَيْرَ ُأمّةٍ ُأخْرِ َ‬
‫ف وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ وَ ُت ْؤمِنُونَ بِاللّهِ‪} ...‬‬
‫بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫[آل عمران‪]110 :‬‬
‫فإذا انطمس هذا المبدأ في المجتمع أيضا حتى لم َيعُدْ فيه آمر بمعروف ول نآهٍ عن منكر‪ ،‬فل بُدّ‬
‫أنْ تتدخّل السماء بإيقاظ جديد برسول جديد‪ ،‬لكن أمة محمد صلى ال عليه وسلم من شرفها عند‬
‫ربها وشرفها برسولها أن ال منحها هذه الخيرية‪ ،‬بحيث ل يعدم فيها المر بالمعروف ول النهي‬
‫عن المنكر أبدا؛ لذلك ل يجيء رسول بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لنها أمة مأمونة‪.‬‬
‫ن يكون‬
‫ول ُبدّ للمة التي توفرتْ لها هذه المناعة الجماعية المرة بالمعروف الناهية عن المنكر أ ْ‬
‫عيٌ إيماني وفهم جيد لهذه المهمة‪ ،‬وقد وردت فيها مذكرة اليضاح التفسيرية من سيدنا‬
‫لها وَ ْ‬
‫رسول ال حين قال‪ " :‬مَنْ رأى منكم منكرا فليُغيّره بيده‪ ،‬فإنْ لم يستطع فبلسانه‪ ،‬فإنْ لم يستطع‬
‫فبقلبه‪ ،‬وذلك أضعف اليمان "‪.‬‬
‫فالمشرّع قدّر عدم الستطاعة‪ ،‬فجعل لكل خطوة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر مجالً‪ :‬متى‬
‫أُغيّر المنكر بيدي؟ ومتى أُغيره بلساني؟ ومتى أغيره بقلبي؟‬
‫أغيره بيدي فيمن أملك الولية عليه‪ ،‬حيث أتمكن من التغيير‪ ،‬فإنْ كان المُ ْنكَر ممن ل ولي َة لي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظةِ‬
‫ح ْكمَ ِة وَا ْل َموْعِ َ‬
‫عليه‪ ،‬فعلىّ أنْ أغيره بلساني في ضوء قوله تعالى‪ {:‬ا ْدعُ ِإلَىا سَبِيلِ رَ ّبكَ بِالْ ِ‬
‫حسَنَ ِة وَجَادِ ْلهُم بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ‪[} ...‬النحل‪ ]125 :‬بالسلوب الحسن الجميل‪ ،‬لكن تجد بعض‬
‫الْ َ‬
‫الدعاة يدعون على غير بصيرة‪ ،‬فيغفلون مسألة الستطاعة‪ ،‬ول يجعلون لعدم الستطاعة مجالً‪،‬‬
‫ويميلون إلى تغيير المنكر كله باليد‪ ،‬وهذا مخالف لمر رسول ال‪.‬‬
‫ن توقعتَ أنْ يصيبك ضرر فلتغير المنكر بقلبك؛ لن الهدف أن تستقطب المنحرف إلى جهة‬
‫فإ ْ‬
‫العتدال‪ ،‬وهذا ل يتم إل باللين وبالرفق حتى تجمع عليه شدتين‪ :‬الولى أنْ تُخرِجه مما يألف‪،‬‬
‫والثانية‪ :‬أنْ تُخرِجه عما يألفه بما يكرهه‪.‬‬
‫ويخطئ الكثيرون في فهم تغيير المنكر بالقلب فيظنون مثلً أن تقول في نفسك‪ :‬اللهم إن هذا منكر‬
‫ل يرضيك وأنا أنكره‪ ،‬هذا مجرد إنكار باللسان وال ل يريد كلمة تخرج من أفواههم‪ ،‬إنما يريد‬
‫منا عمل القلب الذي يتبعه عمل الجوارح‪ ،‬فقالبك في هذا النكار تابع لقلبك‪.‬‬
‫فحين ترى مَنِ استشرى في العصيان والطغيان وأنت ل تقدر على نهيه‪ ،‬ل بيدكَ ول بلسانك‪ ،‬ول‬
‫تستطيع مواجهته‪ ،‬فعليك أن تكون كارها لعمله معرضا عنه‪ ،‬مهملً له‪ ،‬فل تجامله في حزن ول‬
‫تُهنّئه في فرح ول تساعده إن احتاج‪..‬الخ‪.‬‬
‫عليكْ أنْ تعزله عن مجتمعك‪ ،‬فإذا فعل معه الجميع هذا الفعل‪ ،‬وسلكوا معه هذا المسلك سقط‬
‫واحده وارتدع‪.‬‬
‫لذلك لم نر النبي صلى ال عليه وسلم صنع سجنا للمسلمين المخالفين‪ ،‬إنما جعل سجنهم في عزل‬
‫المجتمع اليماني لهم‪ ،‬أو سجن المجتمع عنهم‪ ،‬ل يكلمهم ول يتعامل معهم‪ ،‬حتى الزوجة عزلها‬
‫الشرع عن زوجها ل يقربها حتى يقضي ال في أمره‪.‬‬
‫أتذكرون قصة كعب بن مالك‪ ،‬وكيف عزله المجتمع اليماني وكان من الثلثة الذين خُلّفوا عن‬
‫رسول ال في غزوة تبوك‪ ،‬حتى قاطعه أقرب الناس إليه‪ ،‬فلما تسوّر الحديقة على ابن عمه وقال‪:‬‬
‫تعلم أني أحب رسول ال فلم يرد عليه‪.‬‬
‫وتأتي زوجة هلل إلى رسول ال وقد كان أحد الثلثة أيضا‪ ،‬وتقول‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن هللً‬
‫رجل كبير السن‪ ،‬ليس له ما للرجال في النساء‪ ،‬فقال لها‪ :‬اخدميه لكن ل يقربنك‪ .‬وقد ظل هؤلء‬
‫ت َوضَا َقتْ‬
‫في هذه العزلة حتى أن القرآن قال فيهم‪ {:‬حَتّىا ِإذَا ضَا َقتْ عَلَ ْيهِ ُم الَ ْرضُ ِبمَا رَحُ َب ْ‬
‫سهُمْ وَظَنّواْ أَن لّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ ِإلّ إِلَيْهِ‪[} ...‬التوبة‪]118 :‬‬
‫عَلَ ْيهِمْ أَنفُ ُ‬
‫هكذا التزم المسلمون الوائل بشرع ال‪ ،‬واستطاعوا ل نقول سجن المخالف‪ ،‬إنما سجن المجتمع‬
‫عنه‪ ،‬وهذه المسألة هي سبب الزمة التي تعيشها بلدنا الن‪ ،‬فالمجرم الذي يعيش بيننا‪ ،‬أليس‬
‫معلوما لهل المنزل الذي يعيش فيه‪ ،‬بل لهل الحي والشارع؟‬
‫فهل ذهب واحد منهم إلى تاجر فقال له‪ :‬أعطني كذا فقال‪ :‬ل ليس عندي وقطاعه؟ هل سلّم واحد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫منهم على شخص‪ ،‬فلم يردّ عليه السلم؟‬
‫إذن‪ :‬المجتمع كله يتحمل هذه المسئولية‪ ،‬ويتحمل الثم عليها؛ لنه تستّر على هؤلء‪ ،‬لدرجة أن‬
‫نقول‪ :‬إن المجتمع نفسه مجرم أكثر من المجرمين‪.‬‬
‫وينبغي قبل أنْ نتكلم عن المجرم نتكلم معه نحاوره وننصحه ونحسن إليه قبل أن نقاطعه‪ ،‬نفهم‬
‫هذا المعنى من قول سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان‬
‫جائر " ولم يقل على سلطان جائر‪ .‬فقبل أنْ نفضحه ونُشنّع عليه يجب أنْ نتكلم معه‪ ،‬وأنْ ننصحه‬
‫حتى يعلم أنك تريد به الخير‪ ،‬وتريد أنْ ترده إلى الجادة فيقبل منك‪ ،‬وعلى القل ل يضرك‪ ،‬إنما‬
‫آفتنا أننا نُشنّع على المجرم‪ ،‬وربما نُحمّله فوق الصدق الواحد ألف كذب لمجرد كراهيتنا له‪.‬‬
‫لذلك قال العربي في صفات الناس‪ :‬إنْ علموا الخير أخفوه‪ ،‬وإنْ علموا الشر أذاعوه‪ ،‬وإنْ لم‬
‫يعلموا كذبوا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬معنى التغيير بالقلب أن يكون قالبك موافقا لقلبك‪ ،‬وهذه ل تُكلّفك شيئا‪ ،‬على خلف التغيير‬
‫باليد أو باللسان؛ لذلك وصفه رسول ال بأضعف اليمان‪ ،‬يعني أنها مسألة يقوم بها الضعيف‪.‬‬
‫وبعزل المجتمع عن المجرم تنتهي ظاهرة الجرام‪ ،‬وما استشرى الجرام إل حين خاف الناس‬
‫من المجرمين وتملّقوهم وتودّدوا إليهم ربما لتقاء شَرّهم‪ ،‬ولم ل يزداد المجرم في إجرامه والمر‬
‫كذلك؟‬
‫لذلك جعل الشارع الحكيم الدية في القتل الخطأ ليست على القاتل وحده‪ ،‬إنما على العاقلة أي‪ :‬على‬
‫جميع العائلة لنها المنوط بها تقويم أبنائها‪ ،‬والخذ على أيدي المنحرف منهم؛ لنها هي التي‬
‫ستتحمل العاقبة‪ ،‬وبذلك يحدث التوازن في المجتمع‪.‬‬
‫والحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬حين وضع المنهج الذي يُنظّم حياة الخَلْق يريد سبحانه الخير لخلقه‪،‬‬
‫خلْق جميعا كانوا على أتقى قلب رجل‬
‫وهو سبحانه صاحب الخير ول ينتفع منه بشيء‪ ،‬فلو أن ال َ‬
‫واحد منهم ما زاد ذلك في مُلْك ال شيئا‪.‬‬
‫ثم هو سبحانه خلق النسان‪ ،‬وحدد مهمته في الحياة‪ ،‬ووضع له قانون صيانته فيها‪ ،‬كما أن صانع‬
‫اللة يحدد الهدف منها قبل صناعتها‪ ،‬وحدد لها قانون صيانتها‪ ،‬فالذي صنع الغسالة مثلً رأى‬
‫كيف تتعب المرأة في عملية غسيل الملبس‪ ،‬فصنع هذه اللة لتقوم بهذه المهمة‪ ،‬ولم يحدث أنْ‬
‫صنع صانع آلة‪ ،‬ثم قال‪ :‬انظروا في أيّ شيء يمكن أنْ تُستخدم‪.‬‬
‫شلُ العالم كله يأتي من أن الخَلْق يريدون أنْ يحددوا مهمة النسان‪ ،‬ويضعوا له قانون‬
‫لذلك‪ ،‬فَ َ‬
‫صيانته‪ ،‬ويغفلون أنه صنعة ال‪ ،‬والذي يحدد مهمة الصّ ْنعَة هو صانعها‪.‬‬
‫ت ق ْولَ ربك‪{:‬‬
‫والحق سبحانه حدّد لنا مهمتنا في الحياة قبل أنْ يستدعينا إليها‪ ،‬واقرأ إنْ شئ َ‬
‫ق الِنسَانَ }[الرحمن‪]3-1 :‬‬
‫حمَـانُ * عَلّمَ ا ْلقُرْآنَ * خََل َ‬
‫الرّ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالحق سبحانه قبل أنْ يخلق النسان وضع له المنهج‪ ،‬وحدّد له مهمته وقانون صيانته في قرآنه‬
‫الكريم‪ ،‬كما يحدد الصانع مهمة صَنْعته أولً‪ ،‬فإنْ حدث في هذه الصنعة عَطَب فيجب أنْ تُر ّد إلى‬
‫الصانع‪ ،‬وإلى قانون الصيانة بافعل ول تفعل؛ لنه سبحانه هو الذي خلق‪ ،‬وهو الذي يعلم ما‬
‫ق وَ ُهوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ }[الملك‪:‬‬
‫يصلح صنعته ويضمن سلمتها‪ ،‬واقرأ إنْ شئتَ‪َ {:‬ألَ َيعْلَمُ مَنْ خَلَ َ‬
‫‪]14‬‬
‫شيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّ ِه وَالرّسُولِ‪[} ...‬النساء‪]59 :‬‬
‫ويقول تعالى‪ {:‬فَإِن تَنَازَعْ ُتمْ فِي َ‬
‫إذن‪ :‬فآفة المجتمع البشري أولً‪ :‬أنه يريد أن يُحدّد لخَلْق ال مهمتهم‪ ،‬وأن يتدخل في صنعة ليست‬
‫صنعته‪ .‬ثانيا‪ :‬حين يفسد المجتمع يجعلون له قوانين إصلحية من عندهم‪ ،‬وهل تركنا ال بدون‬
‫منهج‪ ،‬وبدون قانون صيانة؟‬
‫لقد كان سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو قدوتنا إذا حزبه أمر أو عَزّ عليه شيء ُيهْرع‬
‫إلى ربه‪ ،‬ويقف بين يديه في الصلة‪ ،‬كما تعرض أنت آلتك أو جهازك على المهندس المختص‪،‬‬
‫فيصلح لك ما فيه من عطب‪ ،‬وهذه مسألة مادية يصلحها المهندس بشيء مادي‪.‬‬
‫أما الحق سبحانه فغيب‪ ،‬فحين يصلحك أنت أيها العبد يصلحك بقانون الغيب‪ ،‬بحيث ل تدري أنت‬
‫كيف أصلحك‪ ،‬المهم حين تعرض نفسك على ربك وعلى خالقك ‪ -‬عز وجل ‪ -‬تعود مُنْشرح‬
‫الصدر‪ ،‬راضيا طّيب النفس‪.‬‬
‫ن وَا ْلمُنَا ِفقِينَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬لنهم أهل فساد‬
‫طعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫الحق سبحانه يقول لرسوله‪ } :‬وَلَ تُ ِ‬
‫يمارسونه وينتفعون به؛ لذلك ل بُدّ أنْ يصادموا الحق‪ ،‬وأنْ يعترضوا طريقه‪ ،‬وأساس الفساد في‬
‫الكون أنْ يحب النسان أنْ يأخذ خير غيره‪ ،‬وأن يكون دمه من عرق الخرين‪ ،‬فإذا جاء مَنْ يعدل‬
‫هذا الميزان المائل وقفوا له بالمرصاد؛ لن دعوته تتعارض ومنافعهم‪.‬‬
‫والحق سبحانه بيّن لنا على مدى موكب الرسل جميعا أنه ما من رسول إل كان له أعداء‬
‫ومعاندون‪ ،‬لكن سنة ال في الرسل أنْ تكون لهم الغَلَبة في نهاية المر‪ ،‬كما قال سبحانه‪:‬‬
‫{ وََلقَدْ سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُ ْرسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َلهُمُ ا ْلمَنصُورُونَ * وَإِنّ جُندَنَا َل ُهمُ ا ْلغَالِبُونَ }‬
‫[الصافات‪]173-171 :‬‬
‫إذن‪ :‬فال تعالى يريد منا الستقامة على منهجه‪ ،‬وأهل الفساد يريدون النحراف عن هذا المنهج‪،‬‬
‫واقرأ‪ {:‬وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما‪[} ...‬النعام‪ ]153 :‬يعني‪ :‬استقامة على إطلقها‪ ،‬فمَنْ منكم‬
‫يرينا فيه التواءً أو اعوجاجا؟{ فَاتّ ِبعُوهُ َولَ تَتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ فَ َتفَرّقَ ِبكُمْ عَن سَبِيلِهِ‪[} ...‬النعام‪]153 :‬‬
‫فالصراط المستقيم واحد‪ ،‬وسبيل الحق واحد‪ ،‬أما الباطل والفساد فله سُبْل شتى‪ ،‬وقد نبهنا سيدنا‬
‫خطّ للصحابة خطا واحدا مستقيما‪،‬‬
‫سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى هذه القضية حين َ‬
‫وعلى جانبيه خطوطا‪ ،‬ثم تل‪ {:‬وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما فَاتّ ِبعُوهُ َولَ تَتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ فَ َتفَرّقَ ِبكُمْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عَن سَبِيِلهِ‪[} ...‬النعام‪]153 :‬‬
‫وتعلّمنا في علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين‪ ،‬فلو خَطّ مهندس طريقا‬
‫مستقيما بين بلدين مثلً تراه لو انحرف في بداية الطريق عدة سنتيمترات فإنها تبعده عن البلدة‬
‫الخرى عدة كيلو مترات‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الطريق المستقيم هو الذي يُسهّل لك السفر‪ ،‬ويقرب لك المسافة‪ ،‬أما السبل المتعددة فإنها‬
‫تهدر مجهودك وتشقّ عليك‪ ،‬حتى أنت في لغتنا العامية تقول لصاحبك‪( :‬تعال دغُري) أو تقول‬
‫(بلش لف ودوران) كذلك يقول لك ربك‪ {:‬وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما فَاتّ ِبعُوهُ َولَ تَتّ ِبعُواْ‬
‫السّ ُبلَ‪[} ...‬النعام‪]153 :‬‬
‫وإن كان طريق الحق واحدا‪ ،‬فطرق الضلل متعددة‪ ،‬فواحد فساده من ناحية المال‪ ،‬وواحد من‬
‫ناحية النساء‪ ،‬وواحد يفسده المنصب والسلطان‪..‬إلخ‪.‬‬
‫فإذا ما جاء رسول من عند ال يكبح جماح هؤلء ل بُدّ أن يتصادموا معه؛ لذلك ينبه الحق ‪-‬‬
‫تبارك وتعالى ‪ -‬نبيه صلى ال عليه وسلم‪ :‬أول مراتب التقوى أن تتقي ال وحده‪ ،‬ثم ل تُطِع‬
‫الكافرين والمنافقين؛ لنهم يريدون أنْ يأخذوك للشر وال يريدك للَخير‪.‬‬
‫ن وَا ْلمُنَا ِفقِينَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬تعني‪ :‬أنه ل مانع أن تطيع غيرهم‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَلَ ُتطِعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫من أصحاب الرأي والمشورة من المؤمنين فيما لم يأتكَ فيه أمر من ال؛ لذلك " نزل سيدنا رسول‬
‫ال في غزوة بدر على رأَي الصحابي الجليل الحباب بن المنذر لما قال له‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أهذا‬
‫منزلٌ أنزلكه ال‪ ،‬أم هو الحرب والمكيدة؟ فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬بل هو الحرب‬
‫والمكيدة " ‪ ،‬فقال‪ :‬إذن هذا ليس لك بمنزل‪.‬‬
‫وقد أشار سلمان الفارسي على رسول ال بحفر الخندق فأخذ بمشورته‪ ،‬والقاعدة الشرعية تقول‪:‬‬
‫ل اجتهاد مع النص‪ ،‬فإذا لم يكُنْ في المسألة نصّ فل مانع من أنْ تطيع المؤمنين الناصحين لك‪،‬‬
‫المشيرين عليك بالخير‪.‬‬
‫فالحق سبحانه لم يمنه عن رسوله ُنصْح الناصحين‪ ،‬ولم يحرمه مشورة أهل الرأي‪.‬‬
‫وقد اختلف الناس حول استشارة الحاكم‪ :‬أهي ملزمة له أم غير ملزمة؟ وإجابة هذا السؤال في‬
‫لمْرِ فَإِذَا عَ َز ْمتَ فَ َت َو ّكلْ عَلَى اللّهِ‪[} ...‬آل عمران‪]159 :‬‬
‫قوله تعالى‪ {:‬وَشَاوِرْهُمْ فِي ا َ‬
‫فللحاكم أنْ يسمع المشورة‪ ،‬وأنْ يقارن بين الراء ويفاضل بينها‪ ،‬ثم يكون له وحده القرار النهائي{‬
‫فَإِذَا عَ َز ْمتَ‪[} ...‬آل عمران‪ ]159 :‬أي‪ :‬أنت وحدك‪.‬‬
‫وفي العالم المعاصر نرى النظمة إذا احتاجت إلى أَخْذ الراء في موضوع ما ترجح الجانب الذي‬
‫به الرئيس‪ ،‬وهذا ل يصح‪ ،‬فالراء تنير للرئيس الطريق‪ ،‬وتوضح له الصورة‪ ،‬وله هو القرار‬
‫الخير؛ لن الحيثية التي انتخبته من خللها أنك تشهد له بالتفوق‪ ،‬إذن‪ :‬فهو الذي يرجح أحد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الراء‪.‬‬
‫وفَرْق بين المشورة والتفويض‪ ،‬فحين يُفوّض رئيس الدولة شخصا أو هيئة لدراسة أمر من‬
‫المور‪ ،‬أو اتخاذ قرار‪ ،‬فهي صاحبة الرأي‪ ،‬وحين تعرض عليه ما توصلتْ إليه يعطيها الموافقة؛‬
‫لنه فوّضها في هذا المر‪ ،‬إذن‪ :‬التفويض يجيز لك اتخاذ القرار‪ ،‬أمّا المشورة فتقف عند عرض‬
‫الرأي فحسب‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم كان ل يريد الخروج لغزوة أُحُد‪ ،‬لكن لما شاور صحابته أشاروا‬
‫عليه بالخروج لما عندهم من العزة والحماس لنصرة دين ال‪ ،‬وظلوا برسول ال حتى استعد‬
‫للحرب‪ ،‬ولبس لها ملبسها‪ ،‬ثم عادوا إلى رأيه صلى ال عليه وسلم في عدم الخروج‪ .‬فقال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ " :‬ما كان لنبي يلبس لمة الحرب‪." ...‬‬
‫وحدث ما حدث في أُحُد ولم ينتصر المسلمون‪ ،‬أما أبو بكر رضي ال عنه ‪ -‬فلم يستمع لمشورة‬
‫المسلمين في حرب الردة وصمّم عليها‪ ،‬وقال‪ :‬وال لقاتلنهم ولو بالذر يعني‪ :‬بالحصى‪ ،‬وانتصر‬
‫الصّديق‪ ،‬وإليه يرجع الفضل في إنقاذ دين ال من فتنة كادت تذهب به‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاجعلوا من اختيار ال لرسوله صلى ال لرسوله صلى ال عليه وسلم مُرجّحا‪ ،‬فيأخذ منكم‬
‫جميع الراء‪ ،‬ويستشيركم‪ ،‬ثم ينفذ هو ما يراه مناسبا‪.‬‬
‫وهنا فَرْق بين الكافرين والمنافقين‪ ،‬ولدينا بعض المصطلحات التي ينبغي أن نكون على علم‬
‫بمدلولها‪ :‬اليمان والكفر والنفاق والجحد‪.‬‬
‫اليمان‪ :‬النسان منا له قلب يحمل النوايا‪ ،‬وله قالب يعبر عنها‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬إنّ الكَلَم َلفِي‬
‫ج ِعلَ اللسَانُ عَلَى الفُؤادِ دَليلًفاليمان هو الحق الذي يعتقده القلب‪ ،‬ويقتنع به‪ ،‬ويوافقه‬
‫الفُؤادِ وإ ّنمَا ُ‬
‫اللسان والقالب‪ ،‬أما إنْ وافق اللسان القلب في الباطل فهذا هو الكفر‪.‬‬
‫لذلك قلنا‪ :‬إن الكافر منطقي مع نفسه؛ لنه نطق بما في قلبه‪ ،‬لكنه غير منطقي مع الحق لنه‬
‫جحده بقلبه وجحده بلسانه‪ ،‬فليس عنده اختلف بين القلب واللسان‪.‬‬
‫أما النفاق فهو أنْ يعتقد القلب الكفر ويضمره‪ ،‬ويعلن اللسان كلمة اليمان‪ ،‬فالمنافق يخالف لسانُه‬
‫قلبَه‪ ،‬فهو غير منطقي ل مع الحق ول مع نفسه؛ لذلك كان المنافق في الدّرْك السفل من النار‪،‬‬
‫لنه أشرّ من الكافر‪.‬‬
‫لذلك لما طلب سيدنا رسول ال من القوم أنْ يقولوا‪ :‬ل إله إل ال قالتها القلة المؤمنة‪ ،‬وامتنعت‬
‫الكثرة الكافرة‪ ،‬لماذا؟ لنهم يعرفون معناها‪ ،‬وإل َلقَالوها من بداية المر‪ ،‬وانتهت المواجهة بين‬
‫اليمان والكفر‪ ،‬فعدم ُنطْقهم بها دليل على فهمهم لها ولمطلوباتها‪.‬‬
‫أما الجاحد فعلى النقيض من المنافق‪ ،‬فهو مقتنع في نفسه‪ ،‬لكنه ل يقدر على النطق بما يقتنع به‬
‫سهُمْ ظُلْما وَعُُلوّا‪[} ...‬النمل‪]14 :‬‬
‫جحَدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫من الحق؛ لذلك يقول تعالى عنهم‪ {:‬وَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولما طال الجدل بينهم وبين رسول ال قالوا‪ {:‬الّل ُهمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ ا ْلحَقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأمْطِرْ‬
‫سمَآءِ َأوِ ائْتِنَا ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }[النفال‪ ]32 :‬بدل أن يقولوا‪ :‬فاهدنا إليه‪.‬‬
‫حجَا َرةً مّنَ ال ّ‬
‫عَلَيْنَا ِ‬
‫وبعد أنْ قالوا في القرآن أنه سحر‪ ،‬وأنه أساطير الولين‪..‬الخ زهق باطلهم‪ ،‬وكشف ال جحودهم‪،‬‬
‫عظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫حين حكى قولهم‪َ {:‬وقَالُواْ َلوْلَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫إذن‪ :‬فالقرآن ل غبارَ عليه وهو حق‪ ،‬لول أنه نزل على هذا الرجل بالذات‪ ،‬ولو نزل على عظيم‬
‫ن يؤمنوا‬
‫من عظماء مكة أو المدينة لمنّا به‪ ،‬وهكذا أثبتوا إيمانهم بالقرآن‪ ،‬والقرآن يستوجب أ ْ‬
‫أيضا بمحمد‪.‬‬
‫ومعلوم أن السلم صاح صيحته الولى في أُذن مَنْ؟ في أذن كفار مكة وسادة قريش والجزيرة‬
‫كلها‪ ،‬وقد كانت لهم الكلمة المسموعة والمنزلة الرفيعة بين العرب جميعا لقيامهم على خدمة‬
‫الحجيج‪ ،‬ووقوع بلدهم على طرق التجارة بين الشمال والجنوب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬السلم لم يستضعف جماعة ليعلن فيهم صيحته الولى‪ ،‬إنما اختار السادة‪ ،‬لكن ال تعالى لم‬
‫يشأ أنْ ينتصر السلم في مكة؛ لنه لو انتصر فيها لكان من الممكن أن يقال‪ :‬قوم من قريش‬
‫تعصبوا لواحد منهم ليسودوا به العالم كما سادوا الجزيرة‪.‬‬
‫ن كنتَ تريد مُلْكا‬
‫لذلك لما أعلن سيدنا رسول ال دعوته بين قومه أسرعوا إليه يقولون‪ :‬يا محمد إ ْ‬
‫ملّكناك علينا‪ ،‬وإنْ كنت تريد مالً جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا‪..‬فقال قولته المشهورة‪" :‬‬
‫وال لو وضعوا الشمس في يميني‪ ،‬والقمر في يساري على أنْ أترك هذا المر ما تركتُه حتى‬
‫يُظهِره ال‪ ،‬أو أهلك دونه "‪.‬‬
‫فشاء ال أن تكون الصرخة الولى في أذن السادة أصحاب الكلمة والسلطة في مكة‪ ،‬وأن تكون‬
‫نصرة الدين في المدينة‪ ،‬لتعلم الدنيا كلها أن اليمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد‪ ،‬وليست‬
‫العصبية لمحمد هي التي خلقتْ اليمان بمحمد‪.‬‬
‫ن وَا ْلمُنَا ِفقِينَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬أن غير الكافرين‬
‫ونفهم أيضا من قوله تعالى‪ } :‬وَلَ ُتطِعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫وغير المنافقين ل يكون لهم أمر يُطاع مع أمر رسول ال؛ لن المؤمن برسول ال يتلقّى من‬
‫رسول ال‪.‬‬
‫لذلك ُي َعدّ من الخطأ بمكان أن نقول‪ :‬كيف فعل رسول ال كذا وكذا؟ فنناقشه ونستدرك عليه صلى‬
‫حكَما يحكم على أفعال الرسول‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وكيف تجعل من نفسك أيها المؤمن ميزانا و َ‬
‫ويضعها في الميزان؟‬
‫كمن يناقشون مثلً مسألة تعدد الزوجات‪ ،‬ويصل بهم الحدّ إلى انتقاد رسول ال‪ ،‬وكأنه يُجري له‬
‫محاكمة‪.‬‬
‫وكيف نعارض رسول ال في هذا‪ ،‬وال تعالى لم يعارضه‪ ،‬ولم ُيقِلْه من مسألة الرسالة‪ ،‬بل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ارتضى ال ِفعْل رسوله وباركه‪ ،‬فل تجعل من نفسك مقياسا على رسول ال؛ لن الصل أنه هو‬
‫ن فعل فعلنا‪.‬‬
‫المقياس الذي نقيس عليه أفعالنا‪ ،‬فنسأل‪ :‬أفعل رسول ال ذلك أم لم يفعل؟ فإ ْ‬
‫صدّيقا‪ ،‬فلما حدّثوه أن رسول ال يخبر أنه أتى بيت المقدس في‬
‫سمّي الصّديق ِ‬
‫ومن هذا المنطلق ُ‬
‫ليلة قال‪ :‬إنْ كان قال فقد صدق‪.‬‬
‫والحق سبحانه حين ينهى رسوله عن طاعة الكافرين والمنافقين إنما يُبيّن له طبيعتهم‪ ،‬وحقيقة‬
‫عدائهم له‪ ،‬فهُمْ غير مخلصين له‪ ،‬وعليه أن يتهم أمرهم إنْ أمروه ويتهم نهيهم إنْ نَهوْه‪ ،‬وكيف‬
‫يُخلِصون في أمره أو نهيه‪ ،‬وقد جاء ليصادم سيادتهم‪ ،‬ويكسر جبروتهم وكفرهم؟‬
‫وهَبْهم مخلصين لك لنك من قريش‪ ،‬ويريدون نصرتك فينقصهم في ُنصْحهم لك العلم والحكمة‪،‬‬
‫فل يصح إذن أنْ تقارن بين طاعة ال وطاعة هؤلء‪ ،‬مهما كانوا مخلصين لك‪.‬‬
‫كما نلحظ أن القوم فعلً طلبوا من رسول ال أشياء‪ ،‬فكأن ال نبهه قبل أنْ يطلبوا منه إلى ما‬
‫يُطلب منه من مخالفتهم وعدم طاعتهم‪ ،‬والطاعة فيها مطيع ومطاع‪ ،‬وهم يريدون ان يكونوا‬
‫مطاعين‪ ،‬ورسول ال طائع ممتثل لمرهم‪ ،‬لكن كيف تقلب المسألة بهذا الشكل‪ ،‬وما جاء رسول‬
‫ال إل ليُشرّع للناس فيطيعوه‪ ،‬فهو الذي يأمر‪ ،‬وهو الذي يُطاع‪.‬‬
‫فكأن الرسول صلى ال عليه وسلم يقول لهم‪ :‬كيف أقارن بينكم وبين ربي؟ وقد ثبت ذلك فقد جاء‬
‫أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل والوليد بن المغيرة والعور السلمي وانضم إليهم وفد ثقيف‪،‬‬
‫جاءوا جميعا إلى المدينة واجتمعوا بعبد ال بن أُبيّ‪ ،‬وعبد ال بن سعد بن أبي السرح‪ ،‬وقد أمّنهم‬
‫رسول ال فقالوا‪ :‬يا محمد ُكفّ عن آلهتنا‪ :‬اللت والعزى ومناة‪ ،‬واشهد بأن شفاعتهم تُقبل عند‬
‫ال‪ ،‬ونريد أن تحفظ لنا كرامتنا ومهابتنا بين العرب‪ ،‬فمتّعنا بآلهتنا سنة وأقرنا على ذلك‪ ،‬ونتركك‬
‫وشأنك مع ربك‪.‬‬
‫فنهاه ال } َولَ تُطِعِ ا ْلكَافِرِينَ وَا ْلمُنَافِقِينَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]1 :‬لنك ل ينبغي أن تتراجع أمامهم في‬
‫شيء أبدا‪ ،‬وإلّ لكنتَ خاضعا لهذه السيادة المزعومة‪ ،‬ولعطيتهم الفرصة حين تطاوعهم؛ لنْ‬
‫يقولوا‪ :‬لقد أطاعنا محمد فيصيرون هم الهادين‪ ،‬وأنت المهدي‪.‬‬
‫ثم إن هذا المر بعدم طاعتهم وهم القادة والصناديد وما زالت الدعوة وليدة تحتاج إلى مهادنة مع‬
‫أعدائها‪ ،‬وربما يقول قائل‪ :‬ولِمَ لم يهادنهم رسول ال حتى يشتدّ عود الدعوة‪ ،‬فهم سادة القوم‬
‫وأصحاب الكلمة والمهابة؟ لكن منطق الحق يرفض هذه المهادنة‪ ،‬ويرفض أن يعتمد رسول ال‬
‫إل على ال؛ لذلك قال في الية بعدها‪:‬‬
‫{ وَ َت َو ّكلْ عَلَىا اللّ ِه َو َكفَىا بِاللّ ِه َوكِيلً }[الحزاب‪]3 :‬‬
‫حكِيما { [الحزاب‪ ]1 :‬فالعلم غير الحكمة‪ ،‬العلم أن تعلم‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيما َ‬
‫القضايا‪ ،‬أمّا الحكمة فأنْ تُوظّف هذه القضايا في أماكنها‪ ،‬فالعلم وحده ل يكفي‪ ،‬فالصفتان‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لمِينُ }[القصص‪]18 :‬‬
‫ياَ‬
‫متلزمتان متكاملتان‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَ ْأجَ ْرتَ ا ْلقَ ِو ّ‬
‫ن كان المين ضعيفا فل تنفعك أمانته؛ لذلك لما‬
‫فالقوي إنْ كان خائنا لم تنفعك قوته‪ ،‬كذلك إ ْ‬
‫اشتكى أمير المؤمنين إلى أحد خاصته من أهل العراق‪ ،‬يقول‪ :‬إن استعملتُ عليهم القوي َيفْجُروه‪،‬‬
‫وإن استعملتُ عليهم الضعيف يُهينَوه‪ ،‬فقال له‪ :‬إن استعملت عليهم القوي فلك قوته وعليه فجوره‪،‬‬
‫فقال له أمير المؤمنين‪ :‬ما ُد ْمتَ قد عرفتَ هذا فل ُأوَلّى عليهم غيرك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالعلم يعطيك قضايا الخير كله‪ ،‬والحكمة أنْ تضع الشيء في موضعه‪ ،‬والقضية في مكانها‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَاتّبِعْ مَا يُوحَىا إِلَـ ْيكَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3459 /‬‬
‫وَاتّبِعْ مَا يُوحَى إِلَ ْيكَ مِنْ رَ ّبكَ إِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرًا (‪)2‬‬

‫نلحظ هنا نهيا بين أمرين‪ :‬الول{ يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّهَ‪[} ...‬الحزاب‪ ]1 :‬والخر‪ { :‬وَاتّبِعْ مَا‬
‫يُوحَىا إِلَـ ْيكَ مِن رَ ّبكَ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]2 :‬وبينهما النهي‪َ {:‬ولَ تُطِعِ ا ْلكَافِرِينَ وَا ْلمُنَافِقِينَ‪} ...‬‬
‫[الحزاب‪ ]1 :‬ووقوع هذا النهي بين هذين المرين ترتيب طبيعي؛ لنك إذا اتقيتَ ال ستُعلى‬
‫منهج الحق‪ ،‬وهذا يؤذي أهل الباطل وأهل الفساد المستفيدين به‪ ،‬فل ُبدّ أنْ يأتوا إليك يوسوسون‬
‫في أُذنك ليصرفوك عن منهج ربك‪ ،‬وعليك إذن أنْ ترد المر إلى ما يوحى إليك وأنْ تتبعه‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن الوحي‪ :‬إعلم بخفاء‪ ،‬فإنْ كان علنية فل ُيعَدّ وحيا‪ ،‬ول تعالى في وحيه وسائل كثيرة‬
‫مع جميع خَلْقه‪ ،‬فيوحي سبحانه إلى الجماد؛ لنه قادر على أن يخاطب الجماد‪ ،‬كما في قوله‬
‫سبحانه وتعالى عن الرض‪َ {:‬ي ْومَئِذٍ تُحَ ّدثُ َأخْبَارَهَا * بِأَنّ رَ ّبكَ َأوْحَىا َلهَا }[الزلزلة‪]5-4 :‬‬
‫خذِي مِنَ ا ْلجِبَالِ بُيُوتا َومِنَ الشّجَ ِر َو ِممّا‬
‫حلِ أَنِ اتّ ِ‬
‫ويوحي إلى النحل‪ {:‬وََأوْحَىا رَ ّبكَ إِلَىا النّ ْ‬
‫َيعْرِشُونَ }[النحل‪]68 :‬‬
‫حوَارِيّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي‪[} ...‬المائدة‪:‬‬
‫ويُوحى إلى غير رسول أو نبي‪ {:‬وَإِذْ َأوْحَ ْيتُ إِلَى الْ َ‬
‫‪]111‬‬
‫ضعِيهِ‪[} ...‬القصص‪]7 :‬‬
‫وقال‪ {:‬وََأوْحَيْنَآ إِلَىا أُمّ مُوسَىا أَنْ أَ ْر ِ‬
‫هذا هو الوحي في معناه العام‪ ،‬أما الوحي الخاص فيكون من ال تعالى لرسول مُرْسَل من عنده‬
‫إلى الخَلْق‪ ،‬وله طرق متعددة‪ ،‬فمر َة يكون بالنفث في الروع‪ ،‬ومرة يكون بالوحي بكلم ل يُرى‬
‫قائله‪ ،‬ول يُعرف مصدره‪ ،‬ومرة يكون عن طريق رسول ينزل به من الملئكة‪.‬‬
‫سلَ رَسُولً‪} ...‬‬
‫حجَابٍ َأوْ يُرْ ِ‬
‫ل وَحْيا َأوْ مِن وَرَآءِ ِ‬
‫يقول تعالى‪َ {:‬ومَا كَانَ لِ َبشَرٍ أَن ُيكَّلمَهُ اللّهُ ِإ ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[الشورى‪]51 :‬‬
‫حجُب‪ ،‬إنما جاء عن طريق رسول‬
‫والقرآن الكريم لم ي ْأتِ باللهام ول بالكلم من وراء الغيب وال ُ‬
‫مَلَك نزل به على رسول ال‪ ،‬فثبت القرآن من هذا الطريق‪.‬‬
‫ول ُبدّ في هذه المسألة من التقارب بين الرسول الملَك‪ ،‬والرسول البشر‪ ،‬فلكل منهما طبيعته‬
‫الخاصة‪ ،‬ولكي يلتقيا ل ُبدّ من أمرين‪ :‬إما أنْ يرتفع البشر إلى مرتبة الملئكية بحيث يستقبل‬
‫منها‪ ،‬أو ينزل الملَك إلى مرتبة البشرية بحيث يستطيع أنْ يُلقنها‪.‬‬
‫لذلك جاء في الحديث أن جبريل عليه السلم نزل إلى مجلس رسول ال في صورة بشرية ليُعلّم‬
‫الناس أمور دينهم‪ .‬وكان النبي صلى ال عليه وسلم في أول الوحي تأخذه قشعريرة‪ ،‬ويتصبب‬
‫جبينه عرقا‪ ،‬حينما يأتيه جبريل بالوحي‪ ،‬وما ذاك إل للتقاء الملكية بالبشرية‪ ،‬فكان صلى ال‬
‫عليه وسلم يبلغ به الجهد حتى يقول‪ :‬زمّلوني زمّلوني‪ ،‬دثّروني دثّروني‪.‬‬
‫وإذا جاءه الوحي وهو جالس مع أصحابه وركبته على ركبة أحدهم يشعر لها بثقل كأنها الجبل‪،‬‬
‫أو يأتيه الوحي وهو على دابة فكانت تئط‪ ،‬لذلك فتر عن رسول ال الوحي بعد فترة ليستريح من‬
‫هذا الجهاد‪ ،‬وتبقى له حلوة ما أُوحي إليه‪ ،‬فيتشوق إليه من جديد‪.‬‬
‫ظهْ َركَ *‬
‫ك وِزْ َركَ * الّذِي أَنقَضَ َ‬
‫ك صَدْ َركَ * َو َوضَعْنَا عَن َ‬
‫وبعدها خاطبه ربه‪َ {:‬ألَمْ نَشْرَحْ َل َ‬
‫وَ َر َفعْنَا َلكَ ِذكْ َركَ }[الشرح‪]4-1 :‬‬
‫والهدف حينما يكون غاليا‪ ،‬والغاية سامية يهون في سبيلها كل جهد‪ ،‬وقد عاد الوحي إلى رسول‬
‫س ْوفَ ُيعْطِيكَ رَ ّبكَ‬
‫ال بعد شوق‪ ،‬وخاطبه ربه بقوله‪ {:‬وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ ّلكَ مِنَ الُولَىا * وَلَ َ‬
‫فَتَ ْرضَىا }[الضحى‪]5-4 :‬‬
‫إذن‪ :‬ثبت القرآن بالوحي عن طريق الرسول الملَك‪ ،‬ولم يثبت باللهام أو النفث في ال ّروْع‪ ،‬أو‬
‫الكلم من وراء حجاب‪ ،‬يقول تعالى‪َ {:‬وكَذَِلكَ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ رُوحا مّنْ َأمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا‬
‫ل الِيمَانُ‪[} ...‬الشورى‪]52 :‬‬
‫ا ْلكِتَابُ وَ َ‬
‫والوحي هنا‪ } :‬وَاتّبِعْ مَا يُوحَىا إِلَـ ْيكَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]2 :‬مِنْ مَنْ؟ } مِن رَ ّبكَ‪[ { ..‬الحزاب‪]2 :‬‬
‫ولم يقل مثلً رب الخلق‪ ،‬نعم هو سبحانه رب الخَلْق جميعا‪ ،‬لكن محمدا صلى ال عليه وسلم سيد‬
‫الخلق‪ ،‬فهو رب الخلق من باب َأوْلَى‪ ،‬وكلمة (ربك) تدل على الحب وعلى الهتمام‪ ،‬وأنه تعالى‬
‫لن يخذلك أبدا‪ ،‬وما اتصاله بك إل للخير لك ولمتك‪.‬‬
‫ن وصل إلى منتهى‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬إِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا { [الحزاب‪ ]2 :‬الخبير مَ ْ‬
‫العلم الدقيق‪ ،‬ومنه قولنا‪ :‬اسأل أهل الخبرة‪ .‬يعني‪ :‬ل يسأل أهل العلم السطحي‪ ،‬فالخبير هو الذي‬
‫ل يغيب عنه شيء‪.‬‬
‫حكِيما }[الحزاب‪ ]1 :‬أي‪ :‬عليما‬
‫علِيما َ‬
‫وتلحظ أن الية السابقة خُتمتْ بقوله تعالى‪ {:‬إِنّ اللّهَ كَانَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بما يُشرّع‪ ،‬حكيما يضع المر في موضعه‪ ،‬وقال هنا‪ } :‬إِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا‬
‫{ [الحزاب‪ ]2 :‬أي‪ :‬بما ينتهي إليه أمرك مع التشريع‪ ،‬استجابةً أو رفضا‪ ،‬فربّك لن يُشرّع لك ثم‬
‫يتركك‪ ،‬إنما يَخْبُر ما تصنع‪ ،‬ولو حتى نوايا القلوب‪.‬‬
‫فالخبرة تدل على منتهى العلم وعلى العلم الواسع‪ ،‬وهذا المعنى واضح في قوله تعالى في قصة‬
‫سمَاوَاتِ َأوْ فِي الَ ْرضِ‬
‫لقمان‪ {:‬يابُ َنيّ إِ ّنهَآ إِن َتكُ مِ ْثقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَ ْر َدلٍ فَ َتكُنْ فِي صَخْ َرةٍ َأوْ فِي ال ّ‬
‫يَ ْأتِ ِبهَا اللّهُ إِنّ اللّهَ َلطِيفٌ خَبِيرٌ }[لقمان‪]16 :‬‬
‫فالخبرة تدل على العلم الواسع الذي ل تفوته جزئية مهما صغرت‪ ،‬واللطف هو التغلغل في‬
‫طفَ عَ ُنفَ‪.‬‬
‫الشياء مهما كانت دقيقة‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن الشيء كلما َل ُ‬
‫فكأن الحق سبحانه يقول لرسوله‪ :‬اطمئن‪ ،‬فمهما صُودِمتَ من خصومك‪ ،‬ومهما تألّبوا عليك‪،‬‬
‫فربّك من ورائك لم يتخلى عنك‪ ،‬وهؤلء الخصوم خَلْقي‪ ،‬وأنا معطيهم الطاقات المفكرة والطاقات‬
‫العاقلة والطاقات المتآمرة‪ ،‬وسوف أنصرك عليهم في كل مرحلة من مراحل كيدهم لك‪.‬‬
‫لذلك لم يقووا عليك مناظرة ول جدلً‪ ،‬ولم يقدروا عليك حين بيّتوا لك ليضربوك ضربة رجل‬
‫واحد‪ ،‬فيتفرق دمك بين القبائل‪ ،‬وخرجتَ من بينهم سالما تحثو التراب على رؤوسهم‪ ،‬حتى لما‬
‫استعانوا عليك بالسحر وبالجن أخبرتُك بما يدبرون لك‪ ،‬ولم أُسِ ْلمْك لكيدهم‪.‬‬
‫علَىا اللّهِ‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَ َت َو ّكلْ َ‬

‫(‪)3460 /‬‬
‫وَ َتوَ ّكلْ عَلَى اللّ ِه َو َكفَى بِاللّ ِه َوكِيلًا (‪)3‬‬

‫يعني‪ :‬إياك أن تظن أن واحدا من هؤلء سوف يساعدك في أمرك‪ ،‬او أنه يملك لك ضرا ول‬
‫نفعا‪ ،‬فل تُحسِن الظن بأوامرهم ل بنواهيهم‪ ،‬ول تتوكل عليهم في شيء‪ ،‬إنما توكل على ال‪.‬‬
‫ول ُبدّ أن نُفرق هنا بين التوكل والتواكل‪ :‬التوكل أن تكون عاجزا في شيء‪ ،‬فتذهب إلى مَنْ هو‬
‫أقوى منك فيه‪ ،‬وتعتمد عليه في أن يقضيه لك‪ ،‬شريطة أن تستنفد فيه السباب التي خلقها ال لك‪،‬‬
‫فالتوكل إذن أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب‪.‬‬
‫وقد ضرب لنا سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم مثلً توضيحيا في هذه المسألة بالطير‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫" لو توكلتم على ال حقّ توكله‪ ،‬لرزقكم كما يرزق الطير‪ ،‬تغدو خماصا وتروح بطانا "‪.‬‬
‫أما التواكل فأنْ ترفضَ السباب التي قدمها ال لك‪ ،‬وتقعد عن الَخْذ بها‪ ،‬وتقول‪ :‬توكلت على ال‪،‬‬
‫ل إنما استنفد السباب الموجودة لك من ربك‪ ،‬فإنْ ع ّزتْ عليك السباب فل تيأس؛ لن لك ربا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أقوى من السباب؛ لنه سبحانه خالق السباب‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬كثير من الناس يقولون‪ :‬دعوتُ ال فلم يستجب لي‪ ،‬نقول‪ :‬نعم صدقت‪ ،‬وصدق ال معك؛‬
‫لن ال تعالى أعطاك السباب فأهملتها‪ ،‬فساعة تستنفد أسبابك‪ ،‬ف ِثقْ أن ربك سيستجيب لك حين‬
‫تلجأ إليه‪.‬‬
‫شفُ السّوءَ‪[} ...‬النمل‪ ]62 :‬والمضطر هو‬
‫واقرأ قوله تعالى‪َ {:‬أمّن يُجِيبُ ا ْل ُمضْطَرّ إِذَا دَعَا ُه وَ َيكْ ِ‬
‫الذي ع ّزتْ عليه السباب‪ ،‬وخرجتْ عن نطاق قدرته كما حدث لسيدنا موسى ‪ -‬عليه السلم ‪-‬‬
‫حين حاصره فرعون وجنوده حتى قال قوم موسى‪ {:‬إِنّا َلمُدْ َركُونَ }[الشعراء‪]61 :‬‬
‫نعم‪ ،‬مدركون؛ لن البحر من أمامهم‪ ،‬والعدو من خلفهم‪ ،‬هذا رأي البشر وواقع المر‪ ،‬لكن‬
‫لموسى منفذ آخر فقال‪( :‬كل) يعني لن ُندْرَك{ إِنّ َم ِعيَ رَبّي سَ َيهْدِينِ }[الشعراء‪ ]62 :‬قالها موسى‬
‫رصيد إيماني وثقة في أن ال سيستجيب له‪.‬‬
‫والبعض يقول‪ :‬دعوتُ ال في كذا وكذا‪ ،‬وأخذت بكل السباب‪ ،‬فلم يستجب لي‪ ،‬نقول‪ :‬نعم لكنك‬
‫ستَ مضطرا‪ ،‬بل تدعو ال عن ترف كمن يسكن مثلً في شقة ويدعو ال أنْ يسكن في فيل أو‬
‫لَ ْ‬
‫قصر‪ ،‬فأنت في هذه الحالة لست مضطرا‪.‬‬
‫ثم يذكر الحق سبحانه حيثية التوكل على ال‪ ،‬فيقول‪َ { :‬و َكفَىا بِاللّ ِه َوكِيلً } [الحزاب‪ ]3 :‬أي‪:‬‬
‫ن يكون ال وكيلك؛ لنه ل شيء يتأبّى عليه‪ ،‬ول يستحيل عليه شيء‪.‬‬
‫يكفيك أ ْ‬
‫ل مكفوف البصر‬
‫وأحكي لكم قصة حدثت بالفعل معنا‪ ،‬وكنا نسير مع بعض الخوان فرأينا رج ً‬
‫يريد أنْ يعبر الشارع فقلنا لزميل لنا‪ :‬اذهب وخذ بيده‪ ،‬فنزل وعبر به الشارع ثم قال له‪ :‬إلى أين‬
‫تذهب؟ قال‪ :‬إلى المنزل رقم كذا في هذا الشارع‪ ،‬فأخرج صاحبنا من جيبه عشرة جنيهات‬
‫ووضعها في يد الرجل‪ ،‬فلما أمسك بورقة العشرة جنيهات لم يلتفت إلى المعطي‪ ،‬إنما رفع وجهه‬
‫إلى السماء وقال‪ :‬ل شيء يستحيل عليك أبدا‪ ،‬ثم قال لصحابنا‪ :‬يا بني أرجعني مكان ما كنت!!‬
‫فقد قضيت حاجته التي كان يسعى لها!!‬
‫نعم { َوكَفَىا بِاللّ ِه َوكِيلً } [الحزاب‪ ]3 :‬لنه ل تعوزه أسباب‪ ،‬ول يُثنيه عن إرادته شيء‬
‫{ مَا عِن َدكُمْ يَنفَ ُد َومَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ‪[} ...‬النحل‪]96 :‬‬
‫وفي التوكل ملحظ آخر ينبغي أنْ نتنبه إليه‪ ،‬هو أنك إذا توكلتَ على أحد يقضي لك أمرا فاضمن‬
‫له أنْ يعيش لك حتى يقضي حاجتك‪ ،‬فكيف تتوكل على شخص وتُعلّق به كل آمالك‪ ،‬وفي الصباح‬
‫تسمع نعيه‪ :‬مات فلن؟‬
‫حيّ الّذِي لَ َيمُوتُ‬
‫إذن‪ :‬ل ينبغي أن تتوكل إل على ال الحي الذي ل يموت‪ {:‬وَ َت َو ّكلْ عَلَى ا ْل َ‬
‫ح ْم ِدهِ‪[} ...‬الفرقان‪ ]58 :‬واستغنِ بوكالة ال عن كل شيء } َو َكفَىا بِاللّ ِه َوكِيلً‬
‫وَسَبّحْ بِ َ‬
‫{ [الحزاب‪]3 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جلٍ‪.{ ...‬‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِ َر ُ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬مّا َ‬

‫(‪)3461 /‬‬
‫ج َعلَ‬
‫جكُمُ اللّائِي ُتظَاهِرُونَ مِ ْنهُنّ ُأ ّمهَا ِتكُمْ َومَا َ‬
‫ج َعلَ أَ ْزوَا َ‬
‫ج ْوفِ ِه َومَا َ‬
‫جلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِرَ ُ‬
‫مَا َ‬
‫ق وَ ُهوَ َيهْدِي السّبِيلَ (‪)4‬‬
‫حّ‬
‫أَدْعِيَا َءكُمْ أَبْنَا َء ُكمْ ذَِل ُكمْ َقوُْلكُمْ بَِأ ْفوَا ِهكُ ْم وَاللّهُ َيقُولُ الْ َ‬

‫ترتبط هذه الية باليات قبلها‪ ،‬فقد ذكر ال تعالى معسكرين‪ :‬معسكرا يحب أنْ يُطاع‪ ،‬فقال تعالى‬
‫لرسوله{ يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّهَ‪[} ...‬الحزاب‪ ]1 :‬وقال‪ {:‬وَاتّبِعْ مَا يُوحَىا إِلَـ ْيكَ مِن رَ ّبكَ‪} ...‬‬
‫ن وَا ْلمُنَافِقِينَ‪} ...‬‬
‫[الحزاب‪ ]2 :‬وبينهما معسكر آخر ُنهِي رسول ال عن طاعته{ َولَ تُطِعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫[الحزاب‪]1 :‬‬
‫إذن‪ :‬نحن هنا أمام معسكرين‪ :‬واحد يمثل الحق في أجلي معانيه وصوره‪ ،‬وآخر يمثل الباطل‪،‬‬
‫وللقلب هنا َدوْر ل يقبل المواربة‪ ،‬إما أنْ ينحاز ويغلب صاحب الحق‪ ،‬وإما أنْ يغلب جانب‬
‫الباطل‪ ،‬وما دمت أنت أمام أمرين متناقضين ل يمكن أنْ يجتمعا‪ ،‬فل ُبدّ أن تُغلّب الحق؛ لن ال‬
‫ج ْوفِهِ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]4 :‬إما الحق وإما الباطل‪ ،‬ول‬
‫جلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِرَ ُ‬
‫تعالى‪ { :‬مّا َ‬
‫يمكن أن تتقي ال وتطيع الكافرين والمنافقين؛ لن القلب الذي يميل ويغلب قلب واحد‪.‬‬
‫ومعلوم أن القلب هو أهم عضو في الجسم البشري فإذا أصيب النسان بمرض مثلً يصف له‬
‫الطبيب دواءً‪ ،‬الدواء يُؤخذ عن طريق الفم ويمرّ بالجهاز الهضمي‪ ،‬ويحتاج إلى وقت ليتمثل في‬
‫الجسم‪ ،‬فإنْ كانت الحالة أش ّد يصف حقنة في العضل‪ ،‬فيصبّ الدواء في الجسم مباشرة‪ ،‬فإنْ كان‬
‫المرض أشد ُيعْطَى حقنة في الوريد لماذا؟‬
‫ليصل الدواء المطلوب جاهزا إلى الدم مباشرة‪ ،‬ليضخه القلب إلى جميع العضاء في أسرع‬
‫وقت‪ .‬إذن‪ :‬فالدم هو الذي يحمل خصائص الشفاء والعافية إلى البدن كله‪ ،‬والقلب هو (الموتور)‬
‫الذي يؤدي هذه المهمة؛ لذلك عليك أنْ تحتفظ به في حالة جيدة‪ ،‬بأن تمله بالحق حتى ل يفسده‬
‫الباطل‪.‬‬
‫وسبق أنْ أوضحنا أن الحيز الواحد ل يمكن أنْ يسع شيئين في وقت واحد فما بالك إنْ كانا‬
‫متناقضين؟ وقد مثّلْنا هذه العملية بالزجاجة الفارغة إنْ أردتَ أن تملها بالماء ل بُدّ أنْ يخرج‬
‫منها الهواء أولً ليدخل مكانه الماء‪.‬‬
‫كذلك الحال في المعاني‪ ،‬فل يجتمع حق وباطل في قلب واحد أبدا‪ ،‬وليس لك أنْ تجعل قلبا للحق‬
‫وقلبا للباطل؛ لن الخالق جعل لك قلبا واحدا‪ ،‬وجعله محدودا ل يسع إل إيمانك بربك‪ ،‬فل تزاحمه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بشيء آخر‪.‬‬
‫ن والذكاء‪ ،‬فكان‬
‫ويُ ْروَى أنه كان في العرب رجل اسمه جميل بن أسد الفهري وكان مشهورا باللسَ ِ‬
‫يقول‪ :‬إن لي قلبين‪ ،‬أعقل بواحد منهما مثل ما يعقل محمد‪ ،‬فشاء ال أنْ يراه أبو سفيان وهو‬
‫منهزم بعد بدر‪ ،‬فيقول له‪ :‬يا جميل‪ ،‬ما فعل القوم؟ قال‪ :‬منهم مقتول ومنهم هارب‪ ،‬قال‪ :‬وما لي‬
‫أراك هكذا؟ قال‪ :‬مالي؟ قال‪ :‬نعل في كفّك‪ ،‬ونعل في ِرجْلك‪ ،‬قال‪ :‬وال لقد ظننتهما في رجلي‪،‬‬
‫فضحك أبو سفيان وقال له‪ :‬فأين قلباك؟‬
‫وإذا كان القلب هو المضخة التي تضخ الدم إلى كل الجوارح والعضاء حاملً معه الغذاء‬
‫والشفاء والعافية‪ ،‬كذلك حين تستقر عقائد الخير في القلب‪ ،‬يحملها الدم كذلك إلى الجوارح‬
‫والعضاء‪ ،‬فتتجه جميعها إلى طاعة ال‪ ،‬فالرّجْل تسعى إلى الخير‪ ،‬والعين ل تنظر إل إلى‬
‫الحلل‪ ،‬والذن تسمع القول فتتبع أحسنه‪ ،‬واللسان ل ينطق إل حقا‪.‬‬
‫فكل الجوارح إذن ل تنضح إل الحق الذي تشرّبته من طاقات الخير في القلب‪.‬‬
‫ت صَلُحَ الجسد‬
‫ح ْ‬
‫لذلك يُعلّمنا سيدنا رسول ال هذا الدرس‪ ،‬فيقول‪ " :‬إن في الجسد مضغة‪ ،‬إذا صَلُ َ‬
‫كله‪ ،‬وإذا فسدتْ فسد الجسد كله‪ ،‬أل وهي القلب "‪.‬‬
‫ثم يأخذ الحق سبحانه من مسألى اجتماع المتناقضين في قلب واحد مقدمة للحديث عن قضايا‬
‫ج ْوفِ ِه َومَا‬
‫جلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِ َر ُ‬
‫المتناقضات التي شاعتْ عند العرب‪ ،‬فيقول سبحانه‪ } :‬مّا َ‬
‫جكُمُ اللّئِي ُتظَاهِرُونَ مِ ْنهُنّ ُأ ّمهَا ِتكُمْ‪[ { ..‬الحزاب‪]4 :‬‬
‫ج َعلَ أَ ْزوَا َ‬
‫َ‬
‫وقد شاع في الجاهلية حين يكره الرجل زوجته‪ ،‬يقول لها‪ :‬أنت عليّ كظهر أمي‪ ،‬ومعلوم أن ظهر‬
‫الم مُحرّم على البن حرمة مؤبدة‪ ،‬لذلك كانوا يعتبرون هذه الكلمة تقع موقع الطلق‪ ،‬فلما جاء‬
‫السلم لم يجعلها طلقا‪ ،‬إنما جعل لها كفارة كذب؛ لن الزوجة ليست أما لك‪ ،‬وحدد هذه الكفارة‬
‫إما‪ :‬عتق رقبة‪ ،‬أو إطعام ستين مسكينا‪ ،‬أو صيام ستين يوما‪.‬‬
‫وهذه المسألة تناولتها سورة (قد سمع){ الّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَآ ِئهِمْ مّا هُنّ ُأ ّمهَا ِتهِمْ إِنْ‬
‫ُأ ّمهَا ُتهُمْ ِإلّ اللّئِي وَلَدْ َنهُ ْم وَإِ ّنهُمْ لَ َيقُولُونَ مُنكَرا مّنَ ا ْلقَ ْولِ وَزُورا‪[} ...‬المجادلة‪ ]2 :‬أي‪ :‬كذبا‪ ،‬لن‬
‫الزوجة ل تكون أما‪.‬‬
‫فالحق سبحانه جاء بمتناقض‪ ،‬وأدخل فيه متناقضا آخر‪ ،‬فكما أن القلب الواحد ل تجتمع فيه طاعة‬
‫ال وطاعة الكافرين والمنافقين‪ ،‬فكذلك الزوجة ل تكون أبدا أما‪ ،‬فهي إما أم‪ ،‬وإما زوجة‪.‬‬
‫كذلك وُجد عند العرب تناقض آخر في مسألة التبني‪ ،‬فكان الرجل يستوسم الولد الصغير‪ ،‬أو يرى‬
‫فيه علمات النجابة فيتبناه‪ ،‬فيصير الولد ابنا له‪ ،‬يختلط ببيته كولده‪ ،‬ويرثه كما يرثه ولده‪ ،‬وله‬
‫عليه كل حقوق البن‪.‬‬
‫وهذه متناقضة أيضا كالسابقة‪ ،‬فكما أن الرجل ل يكون له قلبان‪ ،‬وكما أن الزوجة ل تكون أما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ج َعلَ َأدْعِيَآ َءكُمْ أَبْنَآ َءكُمْ‪[ { ..‬الحزاب‪]4 :‬‬
‫بحال‪ ،‬كذلك المتبنّى ل يكون ولدا‪ ،‬فيقول سبحانه‪َ } :‬ومَا َ‬
‫الدعيّ‪ :‬هو الذي تدعى أنه ابنٌ وليس بابن‪ ،‬وكان هذا شائعا عند العرب‪ ،‬وأراد ال سبحانه أنْ‬
‫يبطل هذه العادة‪ ،‬ومثلها مسألة الظّهار‪ ،‬فألغى القرآن هذه العادات‪ ،‬وقال‪ :‬ضعوا كل شيء‬
‫موضعه‪ ،‬فجعل للظهار كفارة‪ ،‬ونهى عن التبني بهذه الصورة‪.‬‬
‫والحق سبحانه ساعةَ يريد أنْ يلغي حكما يقدم صاحب الدعوى نفسه ليطبق هو أمام الناس؛ لذلك‬
‫جعل سيدنا رسول ال يبدأ بنفسه‪ ،‬ويبطل التبني الذي عنده‪.‬‬
‫تعلمون أن سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم تزوج من السيدة خديجة‪ ،‬وكان لها منزلة عند‬
‫رسول ال‪ ،‬وقد اشترى لها حكيم بن حزام عبدا من سوق الرقيق هو زيد بن حارثة‪ ،‬وكان من‬
‫بني كلب‪ ،‬سرقه اللصوص من أهله‪ ،‬وادعوْا أنه عبد فباعوه‪ ،‬ثم أهدتْه السيدة خديجة لسيدنا رسول‬
‫ال‪ ،‬فصار مولىً لرسول ال‪ ،‬يخدمه طيلة عدة سنوات‪ ،‬وما بالكم بمَنْ يكون في خدمة رسول ال؟‬
‫لقد أحبّ زيدٌ رسول ال‪ ،‬وعَشِق خدمته‪ ،‬وقال عن معاملته صلى ال عليه وسلم له‪:‬‬
‫" لقد خدمتُ رسول ال عشر سنين‪ ،‬فما قال لشيء فعلتُه‪ :‬لِمَ فعلتَه‪ ،‬ول لشيء تركتُه لِمَ تركتَه "‪.‬‬
‫وفي يوم من اليام‪ ،‬رآه واحد من بني كَلْب في طرقات مكة‪ ،‬فأخبر أهله به‪ ،‬فأسرع أبو زيد إلى‬
‫مكة يبحث عن ولده‪ ،‬فدلّوه عليه‪ ،‬وأنه عند محمد‪ ،‬فذهب إلى سيدنا رسول ال‪ ،‬وأخبره خبر ولده‪،‬‬
‫وطلب منه أنْ يعود معه إلى بني كلب‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬ما كان رسول ال ليتخلّى عن خادمه الذي يحبه كل هذا الحب‪ ،‬فقال لبيه‪ :‬خيّره‪ ،‬فإنِ‬
‫اختاركم فخذوه‪ ،‬وإن اختارني فأنا له أبٌ‪ ،‬فلما خيّروه ‪ -‬قال سيدنا زيد‪ :‬وال ما كنت لختار على‬
‫رسول ال أحدا‪.‬‬
‫عندها أحب رسول ال أن يكافئه على هذا الموقف‪ ،‬وعلى تمسّكه بخدمته‪ ،‬فتبنّاه كما تتبنى العرب‪،‬‬
‫وس ّموْه بعدها‪ :‬زيد بن محمد‪.‬‬
‫فلما أراد الحق سبحانه أنْ يبطل التبني بدأ بمتبنّى رسول ال‪ ،‬ليكون هو القدوة لغيره في هذه‬
‫المسألة‪ ،‬فكيف أبطل ال تعالى هذه البنوة؟‬
‫كان سيدنا رسول ال قد زوّج زيدا من ابنة عمته زينب بنت جحش‪ ،‬أخت عبدال بن جحش‪ ،‬وقد‬
‫تعب رسول ال في إقناع عبدال وزينب بهذه الزيجة التي رفضتها زنيب‪ ،‬تقول‪ :‬كيف أتزوج زيدا‬
‫وهو عبد وأنا سيدة قرشية؟‬
‫ن َولَ ُم ْؤمِنَةٍ ِإذَا َقضَى اللّهُ‬
‫ثم تزوجته إرضاءً لرسول ال‪ ،‬وعملً بقوله تعالى‪َ {:‬ومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِ ٍ‬
‫وَرَسُولُهُ َأمْرا أَن َيكُونَ َلهُمُ الْخِيَ َرةُ مِنْ َأمْرِ ِهمْ‪[} ...‬الحزاب‪]36 :‬‬
‫طقْ فأحبّ أنْ‬
‫لكنها بعد الزواج تعالتْ عليه‪ ،‬أنها من السادة‪ ،‬وهو من العبيد‪ ،‬فكَرِه زيد ذلك‪ ،‬ولم يُ ِ‬
‫يطلقها‪ ،‬فذهب إلى رسول ال وشكا إليه ما كان من زينب‪ ،‬وعرض عليه رغبته في طلقها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقال له رسول ال‪ :‬أمسك عليك زوجك‪ ،‬فعاوده مرة أخرى فقال له‪ :‬أمسك عليك زوجك فعاوده‬
‫زيد‪ ،‬عندها علم رسول ال أن رغبتهما في الطلق‪ ،‬وكراهيتهما للحياة الزوجية أمر قدري‪ ،‬أراده‬
‫ال لحكمة‪ ،‬ولمر تشريعي جديد‪ ،‬شاء ال أنْ يُوقِع البغض بين زيد وزينب‪ ،‬ف ُبغْض زينب لزيد‬
‫كان تعاليا واستكبارا‪ ،‬و ُبغْض زيد لزينب كان اعتزازا بالنفس‪.‬‬
‫ولكي يبطل الحق سبحانه تبنّي رسول ال لزيد قضى بأن يتزوّج رسول ال من زينب بعد طلقها‬
‫من زيد‪ ،‬ومعلوم أن امرأة البن تحرم على أبيه‪ ،‬فزواج سيدنا رسول ال من زينب يعني أن زيدا‬
‫ليس ابنا لرسول ال‪ ،‬ويبطل عادة التبني‪ ،‬والثر المترتب على هذه العادة‪.‬‬
‫ن يقول الناس‪ ،‬إن محمدا‬
‫وقد أحسّ رسول ال بشيء في نفسه‪ ،‬وتردّد في هذا الزواج مخافة أ ْ‬
‫أوعز إلى زيد أنْ يُطلّق زينب ليتزوجها هو‪ ،‬كما يقول بعض المستشرقين الن‪ ،‬وأنه صلى ال‬
‫عليه وسلم كان يضمر حبّ زينب في نفسه‪ ،‬وهذا كلها افتراءات على رسول ال‪ ،‬فالذي يحب‬
‫سكْ‬
‫امرأة ل يسعى جاهدا لنْ تتزوج من غيره‪ ،‬وحين يريد زوجها أنْ يُطلّقها ل يقول له‪ :‬أم ِ‬
‫عليك زوجك‪.‬‬
‫حبّ‪ ،‬لكن انظر‬
‫ثم ل ينبغي لحد أنْ يخوض فيما أخفاه رسول ال في نفسه‪ ،‬من أنه عاشق أو مُ ِ‬
‫سكَ مَا اللّهُ مُ ْبدِيهِ‬
‫خفِي فِي َنفْ ِ‬
‫فيما أبداه ال‪ ،‬فالذي أبداه ال هو الذي يُخفيه رسول ال‪ ،‬واقرأ‪ {:‬وَتُ ْ‬
‫حقّ أَن َتخْشَاهُ‪[} ...‬الحزاب‪]37 :‬‬
‫س وَاللّهُ أَ َ‬
‫وَتَخْشَى النّا َ‬
‫ن تقول فيه ما ل يليق به في‬
‫إذن‪ :‬الذي كان يُخفيه رسول ال هو أنه يخاف أنْ تتكلّم به العرب‪ ،‬وأ ْ‬
‫هذه المسألة‪.‬‬
‫ي لَ َيكُونَ عَلَى‬
‫ويقول تعالى‪ {:‬فََلمّا َقضَىا زَيْدٌ مّ ْنهَا َوطَرا َزوّجْنَا َكهَا }[الحزاب‪ ]37 :‬لماذا؟{ ِل َك ْ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَ ْزوَاجِ أَدْعِيَآ ِئهِمْ‪[} ...‬الحزاب‪]37 :‬‬
‫وهكذا قرّر الحق سبحانه مبدأ إبطال التبني في شخص رسول ال‪.‬‬
‫والحق سبحانه حينما يبطل عادة التبني إنما يبطل عادة ذميمة‪ ،‬تُقوّض بناء السرة‪ ،‬وتهدم كيانها‪،‬‬
‫تؤدي إلى اختلط النساب وضياع الحقوق‪ ،‬فالولد المتبنّي يعيش في السرة كابنها‪ ،‬تعامله الم‬
‫على أنه ابنها‪ ،‬وهو غريب عنها‪ ،‬كذلك البنت تعامله على أنه أخوها‪ ،‬وهو ليس كذلك‪ ،‬وفي هذا‬
‫من الفساد مَا ل يخفى على أحد‪.‬‬
‫وأيضا‪ ،‬فكيف يكون الب الذي جعله ال سببا مباشرا لوجودك وتأتي أنت لتردّ هذه السببية‪،‬‬
‫وتنقلها إلى غير صاحبها‪ ،‬وأنت حين تنكر النبوة السّببية في أبيك فمن السهل عليك ‪ -‬إذن ‪ -‬أنْ‬
‫تنكر المسبّب الذي خلق أولً‪ ،‬ولِمَ ل وقد تجرأت على إنكار الجميل‪.‬‬
‫وكذلك الذي ينكر البنوة السببية يتجرأ على أنْ ينسب الشياء إلى غير أهلها‪ ،‬فينسب العبادة لغير‬
‫مستحقها‪ ،‬وينسب الخَلْق لغير الخالق‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإل‪ ،‬فلماذا يحثّنا الحق دائما على برّ الوالدين؟ ولماذا قرن بين عبادته سبحانه وبين الحسان إلى‬
‫الوالدين في أكثر من موضع من كتابه العزيز‪ ،‬فقال سبحانه‪ {:‬وَاعْبُدُواْ اللّ َه َولَ ُتشْ ِركُواْ ِبهِ شَيْئا‬
‫حسَانا‪} ...‬‬
‫حسَانا‪[} ...‬النساء‪ ]36 :‬وقال‪َ {:‬و َقضَىا رَ ّبكَ َألّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّا ُه وَبِا ْلوَالِدَيْنِ إِ ْ‬
‫وَبِا ْلوَالِدَيْنِ إِ ْ‬
‫[السراء‪]23 :‬‬
‫قالوا‪ :‬لن الب هو سبب الوجود المباشر‪ ،‬فإذا لم تبره‪ ،‬وأنكرتَ أبوته وتمر ْدتَ عليها‪ ،‬فلعلّك‬
‫تتمرد أيضا على سبب الوجود الصلي‪ ،‬فالوالدان لهما حق البر والحسان‪ ،‬حتى لو كانا كافرين‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬لما سُئِل صلى ال عليه وسلم‪ :‬أيسرق المؤمن؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬أيزني المؤمن‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬أيكذب‬
‫المؤمن؟ قال‪ :‬ل؟‪ .‬فالشرع حين يضع للجريمة حَدا وعقوبة‪ ،‬فهذا إيذان بأنها ستحدث في المجتمع‬
‫المسلم‪ ،‬أما الكذب فلم يضع له الشارع حدّا‪ ،‬مع أنه أشد من السرقة‪ ،‬أوعظم من الزنى‪ ،‬لماذا؟‬
‫قالوا‪ :‬لن المؤمن ل يُتصوّر منه الكذب‪ ،‬ول يجترئ هو عليه؛ لنه إنْ عُرِف عنه الكذب وقال‬
‫أمامك‪ :‬أشهد أنْ ل إله إل ال يمكنك أنْ تقول له‪ :‬أنت كاذب‪.‬‬
‫جعْل‬
‫جعْل الزوجة أما‪ ،‬أو َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬ذَاِلكُمْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]4 :‬أي‪ :‬ما تقدّم من َ‬
‫الدّعي ابنا‪ ،‬فالزوجة ل تكون أبدا أما؛ لن الم هي التي ولدتْ‪ ،‬كذلك ل يكون للولد إل أب‬
‫ت الفواه‬
‫واحد } ذَاِلكُمْ َقوُْلكُم بَِأ ْفوَا ِهكُمْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]4 :‬وهل يكون القول إل بالفواه؟ فماذا أضاف ْ‬
‫هنا؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬القول بالفم‪ ،‬لكن أصله في الفؤاد‪ ،‬وما اللسان إل دليل على ما في الفؤاد‪ ،‬كما قال‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫ج ِعلَ اللسَانُ علَى ال ُفؤَادِ دَليلً‬
‫إنّ الكَلمَ َلفِي الفُؤاد وَإنّما ُ‬
‫ن يكون الكلم نسبة في القلب‪ ،‬منها تأتي النسبة الكلمية‪ ،‬فهل ما تقولونه له واقع‪،‬‬
‫إذن‪ :‬ل بدّ أ ْ‬
‫ي يكون ابنا‪ .‬فهذا كلم من مجرد الفواه‪ ،‬ل رصيد له في‬
‫هل الزوجة تكون أما؟ وهل الولد الدع ّ‬
‫القلب ول في الواقع‪ ،‬فهو ‪ -‬إذن ‪ -‬باطل‪ ،‬أما الحق فما يقوله الحق سبحانه } وَاللّهُ َيقُولُ ا ْلحَقّ‬
‫وَ ُهوَ َي ْهدِي السّبِيلَ { [الحزاب‪ ]4 :‬والحق هو أن يكون المعتقد في القلب مطابقا للكائن الواقع‪.‬‬
‫فالنسان قد يتكلم بكلم استقر في قلبه حتى صار عقيدة عنده‪ ،‬وهو كلم غير صحيح‪ ،‬فحين يخبر‬
‫بهذا الكلم ل يُسمّى كاذبا لنه أخبر على َوفْق اعتقاده‪ ،‬مع أن الخبر كاذب‪ ،‬فهناك فَرْق بين كذب‬
‫الخبر‪ ،‬وكذب المخبر‪.‬‬
‫فالحق سبحانه يعاملنا في المر المعتقد في القلب‪ :‬إنْ كان له واقع‪ ،‬فهو صِدْق في الخبر‪ ،‬وصِدْق‬
‫في المخبر‪ ،‬وإنْ كان المعتقد ل واقعَ له فهو كذب في الخبر‪ ،‬وصدق في المخبر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬المر المعتقد يكون حقا‪ ،‬إنْ كان له واقع‪ ،‬ويكون كاذبا إنْ لم يكُنْ له واقع‪ ،‬فإذا لم يكُنْ هنك‬
‫ل فهو مجرد كلم بالفم‪ ،‬وهذا أقل مرتبةً من القول الذي تعتقده وهو غير‬
‫اعتقاد في القلب أص ً‬
‫واقع‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فمعنى } وَاللّهُ َيقُولُ ا ْلحَقّ { [الحزاب‪ ]4 :‬أي‪ :‬الواقع الذي يجب أنْ يعتقد‪ ،‬والعجاز هنا ليس في‬
‫أن ال تعالى يقول الحق الواقع بالفعل‪ ،‬إنما ويخبر بالشيء فيقع في المستقبل على َوفْق ما أخبر‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪]45 :‬‬
‫واقرأ قوله تعالى‪ {:‬سَ ُيهْزَمُ الْ َ‬
‫فالحق سبحانه صادق حين يقول ما كان‪ ،‬ويصدق حين يقول ما سيكون‪.‬‬
‫حقّ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]4 :‬كأنه يقول‪ :‬قارنوا بين قولين‪:‬‬
‫والحق سبحانه حين يقول‪ } :‬وَاللّهُ َيقُولُ الْ َ‬
‫َقوْل بالفواه‪ ،‬وقول بالواقع والعتقاد‪ ،‬وإذا كان َقوْل ال أقوى من العتقاد فقط فهو من باب َأوْلَى‬
‫أقوى من القول بالفواه فقط‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَ ُهوَ َي ْهدِي السّبِيلَ { [الحزاب‪ ]4 :‬يهدي السبيل إلى القول الحق‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬ادْعُوهُ ْم لبَآ ِئهِمْ ُهوَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3462 /‬‬
‫علَ ْيكُمْ‬
‫خوَا ُنكُمْ فِي الدّينِ َومَوَالِيكُ ْم وَلَيْسَ َ‬
‫ادْعُو ُهمْ لِآَبَا ِئهِمْ ُهوَ َأ ْقسَطُ عِ ْندَ اللّهِ فَإِنْ لَمْ َتعَْلمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِ ْ‬
‫غفُورًا َرحِيمًا (‪)5‬‬
‫جُنَاحٌ فِيمَا َأخْطَأْ ُتمْ بِ ِه وََلكِنْ مَا َت َعمّ َدتْ قُلُو ُبكُ ْم َوكَانَ اللّهُ َ‬

‫معنى { ادْعُو ُه ْم لبَآ ِئهِمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]5 :‬يعني‪ :‬قولوا‪ :‬زيد بن حارثة‪ ،‬لكن كيف يُنزع من زيد‬
‫هذا التاج وهذا الشرف الذي منحه له سيدنا رسول ال؟ نعم‪ ،‬هذا صعب على زيد ‪ -‬رضي ال‬
‫عنه ‪ -‬لكنه { ُهوَ َأقْسَطُ عِندَ اللّهِ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]5 :‬ل عندكم أنتم‪.‬‬
‫سطُ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]5 :‬أفعل تفضيل‪ ،‬نقول هذا قِسْط وهذا أقسط‪ ،‬مثل عدل وأعدل‪ ،‬ومعنى‬
‫و { َأقْ َ‬
‫ذلك أن الذي اختاره رسول ال من نسبة زيد إليه ُيعَدّ قِسْطا وعدلً بشريا‪ ،‬في أنه صلى ال عليه‬
‫وسلم أحسّ بالبنوة وصار أبا لمن اختاره وفضّله على أبيه‪.‬‬
‫لكن الحق سبحانه يريد لنا القسط‪ ،‬والقسط أنْ ندعو البناء لبائهم { فَإِن لّمْ َتعَْلمُواْ آبَا َءهُمْ‬
‫ن َومَوَالِيكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]5 :‬أي‪ :‬نُعرّفهم بأنهم إخواننا في الدين‪.‬‬
‫فَإِخوَا ُنكُمْ فِي الدّي ِ‬
‫ومعنى الموالي‪ :‬الخدم والنصراء الذين كانوا يقولون لهم " العبيد " ‪ ،‬فالولد الذي ل نعرف له أبا‬
‫هو أخ لك في ال تختار له اسما عاما‪ ،‬فنقول مثلً في زيد‪ :‬زيد بن عبد ال‪ ،‬وكلنا عبيد ال‬
‫تعالى‪.‬‬
‫والبنوة تثبت بأمرين‪ :‬بالعقل وبالشرع‪ ،‬فالرجل الذي يتزوج زواجا شرعيا‪ ،‬وينجب ولدا‪ ،‬فهو ابنه‬
‫كونا وشرعا‪ ،‬فإذا زَنَت المرأة ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬على فراش زوجها‪ ،‬فالولد ابن الزوج شَرْعَا ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كونا؛ لن القاعدة الفقهية تقول‪ :‬الولد للفراش‪ ،‬وللعاهر الحَجَر‪.‬‬
‫كذلك في حالة الزوجة التي تتزوج مرة أخرى بعد وفاة زوجها أو بعد طلقها‪ ،‬لكنها تنجب لستة‬
‫أشهر‪ ،‬فتقوم هنا شبهة أن يكون الولد للزوج الول‪ ،‬لذلك ُيعَدّ ابنا شَرْعا ل كونا؛ لنه وُلد على‬
‫فراشه‪.‬‬
‫فإن جاء الولد من الزنا ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬في غير فراش الزوجية فهو ابنه كونا ل شرعا؛ لذلك‬
‫نقول عنه " ابن غير شرعي "‪.‬‬
‫سطُ عِندَ اللّهِ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]5 :‬تشريفا للنبي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫كما أن في قوله تعالى‪ُ { :‬هوَ َأقْ َ‬
‫جوْرا وظلما‪ ،‬لكن أقسط تعني‪ :‬أن عمل النبي قِسْط‬
‫فلو قال تعالى‪ :‬هو قسْط لكان عمل النبي إذن َ‬
‫وعَدْل‪.‬‬
‫خطَأْتُمْ بِ ِه وَلَـاكِن مّا َت َعمّ َدتْ قُلُو ُبكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪]5 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَلَيْسَ عَلَ ْيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَ ْ‬
‫يُخْرجنا من حرج كبير في هذه المسألة‪ ،‬فكثيرا ما نسمع وما نقول لغير أبنائنا‪ :‬يا بني على سبيل‬
‫العطف والتودد‪ ،‬ونقول لكبار السن‪ :‬يا أبي فلن احتراما لهم‪.‬‬
‫فالحق سبحانه يحتاط لنا ويُعفينا من الحرج والثم‪ ،‬لننا نقول هذه الكلمات ل نقصد الُبوّة ول‬
‫البنوة الحقيقية‪ ،‬إنما نقصد تعظيمَ الكبار وتوقيرهم‪ ،‬والعطف والتحنّن للصغار‪ ،‬فليس عليكم إثْ ٌم ول‬
‫عمْد‪.‬‬
‫ذَ ْنبٌ في هذه المسألة‪ ،‬إنْ أخطأتم فيها‪ ،‬والخطأ هو ألّ تذهب إلى الصواب‪ ،‬لكن عن غير َ‬
‫وإذا كان ربنا ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬قد رفع عنا الحرج‪ ،‬وسمح لنا باللغو حتى في الحلف بذاته‬
‫عقّدتّ ُم الَ ْيمَانَ‪[} ...‬المائدة‪:‬‬
‫سبحانه‪ ،‬فقال‪ {:‬لَ ُيؤَاخِ ُذكُمُ اللّهُ بِالّل ْغوِ فِي أَ ْيمَا ِنكُ ْم وَلَـاكِن ُيؤَاخِ ُذكُم ِبمَا َ‬
‫‪ ]89‬فكيف ل يُعفينا من الخرج في هذه المسألة؟‬
‫غفُورا رّحِيما { [الحزاب‪ ]5 :‬سبق أنْ قُلْنا‪ :‬أن الفعل إذا أُسْنِد إلى‬
‫ثم يقول سبحانه‪َ } :‬وكَانَ اللّهُ َ‬
‫الحق سبحانه انحلّ عنه الزمن‪ ،‬فليس مع ال تعالى زمن ماض‪ ،‬وحاضر ومستقبل‪ ،‬وهو سبحانه‬
‫خالق الزمن‪.‬‬
‫غفُورا رّحِيما { [الحزاب‪ ]5 :‬يعني‪ :‬كان ول يزال غفورا رحيما؛ لن‬
‫لذلك نقول‪َ } :‬وكَانَ اللّهُ َ‬
‫الختلف في زمن الحدث إنما ينشأ من صاحب الغيار‪ ،‬والحق سبحانه ل يطرأ عليه تغيير‪.‬‬
‫لذلك نخاف نحن من صاحب الغيار لنه مُتقلّب‪ ،‬ويقول أهل المعرفة‪ :‬تغّيروا من أجل ربكم ‪-‬‬
‫يعني‪ :‬من النحراف إلى الستقامة ‪ -‬لن ال ل يتغير من أجلكم‪ ،‬أنت تتغير من أجل ال‪ ،‬لكن ال‬
‫ل يتغير من أجل أحد‪ ،‬وما دام الحق سبحانه كان غفورا رحيما‪ ،‬وهو سبحانه ل يتغير‪ ،‬فبالتالي‬
‫سيبقى سبحانه غفورا رحيما‪.‬‬
‫وتلحظ في أسلوب القرآن أنه يقرن دائما بين هذين الوصفين غفور ورحيم؛ لن الغفر سَلْب عقوبة‬
‫غفِر‪ ،‬كأن تُمسِك في بيتك لصا يسرق‪ ،‬فلك‬
‫الذنب‪ ،‬والرحمة مجيء إحسان جديد بعد الذنب الذي ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أنْ تذهب به للشرطة‪ ،‬ولك أن تعفو عنه وتتركه ينصرف إلى حال سبيله‪ ،‬وتستر عليه‪ ،‬وبيدك أنْ‬
‫تساعده بما تقدر عليه ليستعين به على الحياة‪ ،‬وهذه رحمة به وإحسان إليه بعد المغفرة‪.‬‬
‫جتْ هذه المسألة في قوله تعالى‪ {:‬وَإِنْ عَاقَبْ ُتمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ ِبهِ‪[} ...‬النحل‪:‬‬
‫وقد عُول َ‬
‫‪ ]126‬وهذا التوجيه يضع لنا أول أساس من أسس المغفرة؛ لنك ل تستطيع أبدا تقرير هذه‬
‫المثلية‪ ،‬ول تضمن أبدا إذا عاقبتَ أنْ تعاقب بالمثل‪ ،‬ول تعتدي؛ لذلك تلجأ إلى جانب المغفرة‪،‬‬
‫لكي ل تُدخِل نفسك في متاهة اعتداء جديد‪ ،‬يُوجب القصاص منك‪.‬‬
‫وسبق أنْ حكْينا قصة المرابي الذي اشترط على مدينه إذا لم يسدّد ما عليه في الوقت المحدد أن‬
‫يأخذ رطلً من لحمه‪ ،‬فلما تأخر اشتكاه المرابي عند القاضي‪ ،‬وذكر ما كان بينهما من شروط‪،‬‬
‫خذْ رطلً من لحمه‪ ،‬لكن بضربة‬
‫فأقرّه القاضي على شرطه‪ ،‬لكن ألهمه ال أنْ يقول للمرابي‪ :‬نعم ُ‬
‫ت وفّيناها من لحمك أنت‪ ،‬عندها تراجع المرابي‪ ،‬وتنازل عن‬
‫ص َ‬
‫واحدة‪ ،‬فإنْ ِز ْدتَ عنها أو نق ْ‬
‫شَرْطه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬أجاز لك الشرع القصاصَ بالمثل ليجعل هذه المرحلة صعبة التنفيذ‪ ،‬ثم يفتح لك الحق سبحانه‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ }‬
‫باب العفو والصفح في المرحلة الثانية‪ {:‬وَإِن َت ْعفُو ْا وَ َتصْفَحُو ْا وَ َت ْغفِرُواْ فَإِنّ اللّهَ َ‬
‫[التغابن‪]14 :‬‬
‫حبّ‬
‫س وَاللّهُ ُي ِ‬
‫ظ وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّا ِ‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْ َ‬
‫ثم يُفسرها بحيثية أخرى‪ ،‬فيقول سبحانه‪ {:‬وَا ْلكَا ِ‬
‫حسِنِينَ }[آل عمران‪]134 :‬‬
‫ا ْلمُ ْ‬
‫ومعنى كظم الغيظ أنني لم أنفعل انفعالً غضبيا ينتج عنه ر ّد فعل انتقامي‪ ،‬وجعلتُ غضبي في‬
‫قلبي‪ ،‬وكظمتُه في نفسي‪ ،‬وهذه المرحلة الولى‪ ،‬أما الثانية فتُخرِج ما في نفسك من غَيْظ وغضب‬
‫وتتسامح وتعفو‪.‬‬
‫ثم المرحلة الثالثة أنْ ترتقي إلى مرتبة الحسان‪ ،‬فتُحسِن إلى مَنْ أساء إليك‪ ،‬وهذه رحمة‪،‬‬
‫والرحمة؛ أنْ يميل النسان بالحسان لعاجز عنه‪ ،‬فإنْ كان المر بعكس ذلك فل تُسمّى رحمة‪،‬‬
‫كأن يميلَ العبدُ بإحسان إلى سيده‪.‬‬
‫هذه صور أتتْ فيها الرحمة بعد المغفرة‪ ،‬وهذا هو الصل في المسألة‪ ،‬وقد تأتي الرحمة قبل‬
‫المغفرة‪ ،‬كأنْ تُمسك باللص الذي يسرق فتشعر أنه ُمكْره على ذلك‪ ،‬وليس عليه أمارات الجرام‪،‬‬
‫ل وتبعتها‬
‫فيرقّ له قلبك‪ ،‬وتمتد يدك إليه بالمساعدة‪ ،‬ثم تطلق سراحه‪ ،‬وتعفو عنه‪ ،‬فالرحمة هنا أو ً‬
‫المغفرة‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬ما موقف زيد بعد أنْ أبطل ال تعالى التبني‪ ،‬فصار زيدَ بن حارثة بعد أنْ‬
‫بعد ذلك لقائل أ ْ‬
‫ضفْ إلى ذلك ما‬
‫كان زيد بن محمد؟ وكيف به بعد أنْ سُلِب هذه النعمة وحُرِم هذا الشرف؟ أ ِ‬
‫يلقيه من عنتَ المرجفين‪ ،‬وألسنة الذين يُوغرون صدره‪ ،‬ويُوقِعون بينه وبين رسول ال‪ ،‬وهو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذي اختاره على أبيه‪.‬‬
‫ل شكّ أن الجرعة اليمانية التي تسلّح بها زيد جعلتْه فوق هذا كله‪ ،‬فقد تشرّب قلبه حبّ رسول‬
‫ال‪ ،‬ووقر في نفسه قوله تعالى‪َ {:‬ومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ وَلَ ُم ْؤمِنَةٍ إِذَا َقضَى اللّ ُه وَرَسُولُهُ َأمْرا أَن َيكُونَ‬
‫َلهُمُ ا ْلخِيَ َرةُ مِنْ َأمْرِ ِهمْ‪[} ...‬الحزاب‪]36 :‬‬
‫ثم تأتي اليات لتوضح للناس‪ :‬لستم أحنّ على زيد من محمد‪ ،‬لن محمدا صلى ال عليه وسلم‬
‫أوْلى بالمؤمنين جميعا من أنفسهم‪ ،‬ل بزيد وحده‪.‬‬
‫سهِمْ‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬النّ ِبيّ َأوْلَىا بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ مِنْ أَ ْنفُ ِ‬

‫(‪)3463 /‬‬
‫ضهُمْ َأوْلَى بِ َب ْعضٍ فِي كِتَابِ‬
‫سهِ ْم وَأَ ْزوَاجُهُ ُأ ّمهَا ُتهُ ْم وَأُولُو الْأَ ْرحَامِ َب ْع ُ‬
‫النّ ِبيّ َأوْلَى بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ مِنْ أَ ْنفُ ِ‬
‫ن وَا ْل ُمهَاجِرِينَ إِلّا أَنْ َت ْفعَلُوا إِلَى َأوْلِيَا ِئكُمْ َمعْرُوفًا كَانَ ذَِلكَ فِي ا ْلكِتَابِ مَسْطُورًا (‪)6‬‬
‫اللّهِ مِنَ ا ْل ُمؤْمِنِي َ‬

‫فالمعنى‪ :‬إذا كان النبي صلى ال عليه وسلم َأوْلَى بالمؤمنين جميعا من أنفسهم فما بالكم بزيد؟‬
‫إذن‪ :‬لستُم أحنّ على زيد من ال‪ ،‬ول من رسول ال‪ ،‬وإذا كنتم تنظرون إلى الوسام الذي نُزِع من‬
‫زيد حين صار زبد ابن حارثة بعد أنْ كان زيدَ بن محمد‪.‬‬
‫فلماذا تُغمضون أعينكم عن فضل أعظم‪ ،‬ناله زيد من ال تعالى حين ُذكِر اسمه صراحة في قرآنه‬
‫وكتابه العزيز الذي يُ ْتلَى ويُتعبّد بتلوته إلى يوم القيامة‪ ،‬فأيّ وسام أعظم من هذا؟ فقوله تعالى‪{:‬‬
‫فََلمّا َقضَىا زَ ْيدٌ مّ ْنهَا وَطَرا َزوّجْنَا َكهَا‪[} ...‬الحزاب‪َ ]37 :‬قوْل خالد يَخلُد معه ِذكْر زيد‪ ،‬وهكذا‬
‫عوّض ال زيدا عما فاته من تغيير اسمه‪.‬‬
‫سهِمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]6 :‬ما المراد بهذه الولوية من‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬النّ ِبيّ َأوْلَىا بِا ْل ُمؤْمِنِينَ مِنْ أَ ْنفُ ِ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم؟‬
‫قالوا‪ :‬هي ارتقاءات في مجال الحسان إلى النفس‪ ،‬ثم إلى الغير‪ ،‬فالنسان أولً يُحسن إلى نفسه‪،‬‬
‫ثم إلى القرابة القريبة‪ ،‬ثم القرابة البعيدة‪ ،‬ثم على الباعد؛ لذلك يقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ابدأ‬
‫ن تعول "‪.‬‬
‫بنفسك‪ ،‬ثم بمَ ْ‬
‫ويقولون‪ :‬أوطان الناس تختلف باختلف ِهمَمها‪ ،‬فرجل وطنه نفسه‪ ،‬فيرى كل شيء لنفسه‪ ،‬ول‬
‫يرى نفسه لحد‪ ،‬ورجل وطنه أبناؤه وأهله‪ ،‬ورجل يتعدّى الصول إلى الفروع‪ ،‬ورجل وطنه بلده‬
‫أو قريته‪ ،‬ورجل وطنه العالم كله والنسانية كلها‪.‬‬
‫فرسول ال صلى ال عليه وسلم تعدّى خيره إلى النسانية كلها على وجه العموم‪ ،‬والمؤمنين على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجه الخصوص؛ لذلك " كان صلى ال عليه وسلم إذا مات الرجل من أمته وعليه دَيْن‪ ،‬وليس‬
‫عنده وفاء ل يُصلّي عليه ويقول‪ " :‬صَلّوا على أخيكم " "‪.‬‬
‫صلّ عليه الرسول؟‬
‫والنظرة السطحية هنا تقول‪ :‬وما ذنبه إنْ مات وعليه دَيْن؟ ولماذا لم ُي َ‬
‫قالوا‪ :‬لم يمنع الرسولُ الصلة عليه وقال‪ :‬صَلّوا على أخيكم؛ لنه قال في حديث آخر‪ " :‬مَنْ أخذ‬
‫أموال الناس يريد أداءها ‪ -‬لم َيقُل أدّاها ‪ -‬أدى ال عنه "‪.‬‬
‫أما وقد مات دون أنْ يؤدي ما عليه‪ ،‬فغالب الظن أنه لم يكُنْ ينوي الداء؛ لذلك ل أصلي عليه‪،‬‬
‫سهِمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]6 :‬صار رسول ال‬
‫فلما نزل قوله تعالى‪ { :‬النّ ِبيّ َأوْلَىا بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ مِنْ أَ ْنفُ ِ‬
‫يتحمل الدّيْن عمّنْ يموت من المسلمين وهو مدين‪ ،‬ويؤدي عنه رسول ال‪ ،‬وهذا معنى { النّ ِبيّ‬
‫سهِمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]6 :‬فالنبي َأوْلى بالمسلم من نفسه‪.‬‬
‫َأوْلَىا بِا ْل ُمؤْمِنِينَ مِنْ أَ ْنفُ ِ‬
‫ثم ألم َي ُقلْ سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم أمام عمر‪ " :‬ل يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه‬
‫من‪ :‬نفسه‪ ،‬وماله‪ ،‬والناس أجمعين " ولصدْق عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬مع نفسه قال‪ :‬نعم يا‬
‫ي من أهلي ومالي‪ ،‬لكن نفسي‪.‬‬
‫ب إل ّ‬
‫رسول ال‪ ،‬أنت اح ّ‬
‫‪ .‬فقال النبي صلى ال عليه السلم‪ " :‬والذي نفسي بيده‪ ،‬ل يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من‬
‫نفسه " فلما رأى عمر أن المسألة عزيمة فَطِن إلى الجواب الصحيح‪ ،‬فل بُدّ أن ال أنطق رسوله‬
‫حبّ غير الحبَ الذي أعرفه‪ ،‬إنه الحب العقلي‪ ،‬فمحمد صلى ال عليه وسلم أحبّ إليه من نفسه‪،‬‬
‫بُ‬
‫والنسان حين يحب الدواء المرّ إنما يحبه بعقله ل بعاطفته‪ ،‬وكما تحب الولد الذكي حتى ولو كان‬
‫ابنا لعدوك‪ ،‬أما ابنك فتحبه بعواطفك‪ ،‬وتحب مَنْ يثني عليه حتى ولو كان غيبا مُتخلّفا‪.‬‬
‫ومشهورة عند العرب قصة الرجل الغني الذي روقه ال بولد متخلف‪ ،‬وكَبر الولد على هذه الحالة‬
‫حتى صار رجلً‪ ،‬فكان الطالبون للعطاء يأتونه‪ ،‬فيُثْنون عَلى هذا الولد‪ ،‬ويمدحونه إرضاء لبيه‪،‬‬
‫وطمعا في عطائه‪ ،‬مع أنهم يعلمون بلهته وتخلّفه‪ ،‬إلى أن احتاج واحد منهم‪ ،‬فنصحوه بالذهاب‬
‫ضعْفه في ولده‪.‬‬
‫إلى هذا الغنى‪ ،‬وأخبروه بنقطة َ‬
‫وفعلً ذهب الرجل ليطلب المساعدة‪ ،‬وجلس مع هذا الغني في البهو‪ ،‬وفجأة نزل هذا الولد على‬
‫السّلم كأنه طفل يلعب ل تخفى عليه علمات البَلَه والتخلف‪ ،‬فنظر الرجل إلى صاحب البيت‪،‬‬
‫وقال‪ :‬أهذا ولدك الذي يدعو الناس له؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أراحك ال منه‪ ،‬والرزاق على ال‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَأَ ْزوَاجُهُ ُأ ّمهَا ُتهُمْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]6 :‬أي‪ :‬أن أزواجه صلى ال عليه وسلم أمهات‬
‫للمؤمنين‪ ،‬وعليه فخديجة رضي ال عنها أم لرسول ال بهذا المعنى؛ لنه أول المؤمنين؛ لذلك‬
‫كانت ل تعامله معاملة الزوجة‪ ،‬إنما معاملة الم الحانية‪.‬‬
‫ألَ تراها كيف كانت تحنُو عليه وتحتضنه أول ما تعرّض لشدة الوحي ونزول الملَك عليه؟ وكيف‬
‫كانت تُطمئنه؟ ولو كانت بنتا صغيرة لختلفَ المر‪ ،‬ولتهمتْه في عقله‪ .‬إذن‪ :‬رسول ال في هذه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المرحلة كان في حاجة إلى أم رحيمة‪ ،‬ل إلى زوجة شابة قليلة الخبرة‪.‬‬
‫وزوجاته صلى ال عليه وسلم ُيعْتبرن أمهات للمؤمنين به؛ لن ال تعالى قال مخاطبا المؤمنين‪{:‬‬
‫َومَا كَانَ َل ُكمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللّ ِه وَلَ أَن تَن ِكحُواْ أَ ْزوَاجَهُ مِن َب ْع ِدهِ أَبَدا‪[} ...‬الحزاب‪ ]53 :‬لماذا؟‬
‫لن الرجال الذين يختلفون على امرأة توجد بينهم دائما ضغائن وأحقاد‪.‬‬
‫فالرجل يُطلّق زوجته ويكون كارها لها‪ ،‬لكن حين يتزوجها آخر تحلو في عينه مرة أخرى‪ ،‬فيكره‬
‫مَنْ يتزوجها‪ ،‬وهذه كلها أمور ل تنبغي مع شخص رسول ال‪ ،‬ول يصح لمن كانت زوجة‬
‫لرسول ال أن تكون فراشا لغيره أبدا؛ لذلك جعلهن ال أمهات للمؤمنين جميعا‪ ،‬وهذه الحرمة ل‬
‫تتعدى أمهات المؤمنين إلى بناتهن‪ ،‬فمَنْ كانت لها بنت فلتتزوج بمَنْ تشاء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل يجوز لنسان مؤمن برسول ال ويُقدّره قدره أنْ يخلفه على امرأته‪.‬‬
‫لذلك كان تعدد الزوجات في الجاهلية ليس له حَدّ معين‪ ،‬فكان للرجل أن يتزوج ما يشاء من‬
‫النساء‪ ،‬فلما جاء السلم أراد أنْ يحدد العدد في هذه المسألة‪ ،‬فأمر أنْ يُمسك الرجل أربعا منهن‪،‬‬
‫ثم يفارق الباقين‪ ،‬بمعنى أنه ل يجمع من الزوجات أكثر من أربع‪.‬‬
‫أما رسول ال صلى ال عليه وسلم فقد أمسك تسعا من الزوجات‪ ،‬وهذه المسألة أخذها‬
‫المستشرقون مَأخذا على رسول ال وعلى شرع ال‪ ،‬كذلك مَنْ َلفّ َلفّهم من المسلمين‪.‬‬
‫ف لفكم غبي مثلكم؛ لن هذا الستثناء لرسول ال جاء من قول‬
‫نل ّ‬
‫ونقول لهؤلء‪ :‬أنتم أغبياء‪ ،‬ومَ ْ‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ مِن َبعْ ُد َولَ أَن تَبَ ّدلَ ِبهِنّ مِنْ أَ ْزوَاجٍ‪[} ...‬الحزاب‪]52 :‬‬
‫ال تعالى له‪ {:‬لّ َي ِ‬
‫يعني‪ :‬إنْ ماتت إحداهن ل تتزوج غيرها‪ ،‬حتى لو مُتْنَ جميعا ل يحل لك الزواج بغيرهن‪ ،‬في‬
‫ن ماتت‪ ،‬أو إنْ طلقها‪ ،‬وله أنْ يُطلّق‬
‫حين أن غيره من أمته له أنْ يتزوج بدل إحدى زوجاته‪ ،‬إ ْ‬
‫منهن مَنْ يشاء ويتزوج مَنْ يشاء‪ ،‬شريطة ألّ يجمع منهن أكثر من أربع‪ ،‬فعلى مَنْ ضيّق هذا‬
‫الحكم؟ على رسول ال؟ أم على أمته؟ إذن‪ :‬ل تظلموا رسول ال‪.‬‬
‫ثم ينبغي على هؤلء أنْ يُفرّقوا بين الستثناء في العدد والستثناء في المعدود‪ ،‬ف َكوْن رسول ال‬
‫يكتفي بهؤلء التسع ل يتعدّّاهن إلى غيرهن‪ ،‬فالستثناء هنا في المعدود‪ ،‬فلو انتهى هذا المعدود ل‬
‫يحلّ له غيره‪ ،‬ولو كان الستثناء في العدد لجاز لكم ما تقولون‪.‬‬
‫ومن ناحية أخرى‪ :‬حين يمسك الرجل أربعا‪ ،‬ويفارق الباقين من زوجاته لهن أنْ يتزوجن بغيره‪،‬‬
‫ن أمهات المؤمنين‪ ،‬ول يحل‬
‫لكن كيف بزوجاته صلى ال عليه وسلم إنْ طلق خمسا منهن‪ ،‬وهُ ّ‬
‫لحد من أمته الزواج منهن؟ إذن‪ :‬الخير والصلح في أنْ تبقى زوجات الرسول في عصمته‪.‬‬
‫س ِهمْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]6 :‬كذلك يجب أن يكون المؤمنون‬
‫وما دام } النّ ِبيّ َأوْلَىا بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ مِنْ أَ ْنفُ ِ‬
‫أوْلى برسول ال من نفسه‪ ،‬ليردّوا له هذه التحية‪ ،‬بحيث إذا أمرهم أطاعوه‪.‬‬
‫ن وَا ْل ُمهَاجِرِينَ‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَُأوْلُو الَرْحَامِ َب ْعضُهُمْ َأوْلَىا بِ َب ْعضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ [الحزاب‪]6 :‬‬
‫كلمة } وَأُوْلُو الَرْحَامِ { مأخوذة من الرحم‪ ،‬وهو مكان الجنين في بطن أمه‪ ،‬والمراد القارب‪،‬‬
‫وجعلهم ال أوْلى ببعض؛ لن المسلمين الوائل حينما هاجروا إلى المدينة تركوا في مكة أهلهم‬
‫وأموالهم وديارهم‪ ،‬ولم يشأ أنصار رسول ال أن يتركوهم بقلوب متجهة إلى الزواج‪.‬‬
‫فكانوا من شدة إيثارهم لخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أنْ يُطلّق له‬
‫إحدى زوجاته ليتزوجها‪ ،‬وهذا لوْن من اليثار لم يشهده تاريخ البشرية كلها؛ لن النسان يجود‬
‫على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه‪ ،‬إل مسألة المرأة‪ ،‬فما فعله هؤلء الصحابة لون فريد من‬
‫اليثار‪.‬‬
‫وحين آخى النبي صلى ال عليه وسلم بين المهاجرين والنصار هذه المؤاخاة اقتضت أنْ يرث‬
‫المهاجر أخاه النصارى‪ ،‬فلما أعزّ ال السلم‪ ،‬ووجد المهاجرون سبيلً للعيش أراد الحق سبحانه‬
‫ن تعود المور إلى مجراها الطبيعي‪ ،‬فلم َتعُدْ هناك ضرورة لنْ يرث المهاجر أخاه النصاري‪.‬‬
‫أْ‬
‫فقررت اليات أن أُولى الرحام بعضهم أولى ببعض في مسألة الميراث‪ ،‬فقال سبحانه‪ } :‬وَُأوْلُو‬
‫ن وَا ْل ُمهَاجِرِينَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]6 :‬فقد‬
‫ضهُمْ َأوْلَىا بِ َب ْعضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫الَرْحَامِ َب ْع ُ‬
‫ب أموره‪ ،‬والرحام في هذه الحالة أوْلَى‬
‫استقرت أمور المهاجرين‪ ،‬وعرف كل منهم طريقه ورت ّ‬
‫بهذا الميراث‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَُأوْلُو الَرْحَامِ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]6 :‬تنبيه إلى أن النسان يجب عليه أنْ يحفظ ُبضْعة‬
‫اللقاء حتى من آدم عليه السلم؛ لنك حين تتأمل مسألة خَلْق النسان تجد أننا جميعا من آدم‪ ،‬ل‬
‫من آدم وحواء‪.‬‬
‫يُرْوى أن الحاجب دخل على معاوية‪ ،‬فقال له‪ :‬رجل بالباب يقول‪ :‬إنه أخوك‪ ،‬فقال معاوية‪ :‬كيف‬
‫ل تعرف إخوتي‪ ،‬وأنت حاجبي؟ قال‪ :‬هكذا قال‪ ،‬قال‪ :‬أدخله‪ ،‬فلما دخل الرجل سأله معاوية‪ :‬أي‬
‫ن أول مَنْ يصلها‪.‬‬
‫إخوتي أنت؟ قال‪ :‬أخوك من آدم‪ ،‬فقال معاوية‪ :‬نعم‪ ،‬رحم مقطوعة‪ ،‬وال لَكونَ ّ‬
‫وقوله تعالى‪ِ } :‬إلّ أَن َت ْفعَلُواْ إِلَىا َأوْلِيَآ ِئكُمْ ّمعْرُوفا‪[ { ..‬الحزاب‪ ]6 :‬الحق سبحانه يترك باب‬
‫الحسان إلى المهاجرين مفتوحا‪ ،‬فمَنْ حضر منهم قسمة فَليكُنْ له منها نصيب على سبيل التطوع‪،‬‬
‫سمَةَ ُأوْلُواْ ا ْلقُرْبَىا وَالْيَتَامَىا وَا ْلمَسَاكِينُ فَارْ ُزقُوهُمْ مّنْهُ‬
‫حضَرَ ا ْلقِ ْ‬
‫كما جاء في قوله تعالى‪ {:‬وَِإذَا َ‬
‫َوقُولُواْ َلهُمْ َق ْولً ّمعْرُوفا }[النساء‪]8 :‬‬
‫وقوله سبحانه‪ } :‬كَانَ ذَِلكَ فِي ا ْلكِتَابِ َمسْطُورا { [الحزاب‪ ]6 :‬أي‪ :‬في أم الكتاب اللوح‬
‫المحفوظ‪ ،‬أو الكتاب أي‪ :‬القرآن‪.‬‬
‫خذْنَا مِنَ النّبِيّيْنَ مِيثَا َقهُمْ‪.{ ...‬‬
‫ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية عامة لموكب الرسل جميعا‪ } :‬وَإِذْ أَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)3464 /‬‬
‫خذْنَا مِ ْنهُمْ‬
‫ح وَإِبْرَاهِي َم َومُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَ َم وَأَ َ‬
‫وَإِذْ َأخَذْنَا مِنَ النّبِيّينَ مِيثَا َقهُ ْم َومِ ْنكَ َومِنْ نُو ٍ‬
‫مِيثَاقًا غَلِيظًا (‪)7‬‬

‫كلمة (إذ‪ ،‬إذا) ظرف لحدث‪ ،‬تقول‪ :‬إذا جاءك فلن فأكرمه‪ ،‬فالكرام مُعلّق بالمجئ‪ ،‬والمعنى هنا‪:‬‬
‫واذكر إذْ أخذ ال من النبيين ميثاقهم‪ ،‬وهذه قضية عامة في الرسل جميعا‪ ،‬ثم فصلّها الحق سبحانه‬
‫ح وَإِبْرَاهِيمَ َومُوسَىا وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ‪[ } ..‬الحزاب‪]7 :‬‬
‫بقوله‪َ { :‬ومِ ْنكَ َومِن نّو ٍ‬
‫خلْق جميعا‪ ،‬وهم في‬
‫الميثاق‪ :‬هو العهد يُؤخذ بين اثنين‪ ،‬كالعهد الذي أخذه ال تعالى أولً على ال َ‬
‫شهَدَ ُهمْ عَلَىا‬
‫ظهُورِ ِهمْ ذُرّيّ َتهُمْ وَأَ ْ‬
‫خذَ رَ ّبكَ مِن بَنِي ءَا َدمَ مِن ُ‬
‫مرحلة الذّرّ‪ ،‬والذي قال ال عنه‪ {:‬وَإِذْ أَ َ‬
‫ستُ بِرَ ّب ُكمْ‪[} ...‬العراف‪]172 :‬‬
‫سهِمْ أََل ْ‬
‫أَنفُ ِ‬
‫فما العهد الذي أخذه ال على النبيين؟ العهد هنا هو‪ :‬الصطفاء والختيار من ال لبشر أنْ يكون‬
‫رسولً وسفيرا بين ال تعالى والخلق‪ ،‬وحين يصطفي ال رسولً ليبلّغ الناس شرع ال‪ ،‬هذا‬
‫الصطفاء ل يرد‪ ،‬إذن‪ ،‬فهو عرض مقبول‪ ،‬وحين يقبله الرسول كأنه أخذ عهدا وميثاقا من ال‬
‫تعالى بأنْ يحمل رسالة ال إلى الخَلْق‪ ،‬فهي ‪ -‬إذن ‪ -‬مسألة إيجاب وقبول‪.‬‬
‫خذْنَا مِنَ النّبِيّيْنَ مِيثَا َقهُمْ‪[ ]..‬الحزاب‪ ]7 :‬الخذ هو الحق سبحانه‪ ،‬والمأخوذ‬
‫فقوله تعالى‪ { :‬وَإِذْ أَ َ‬
‫منه هم النبيون‪ ،‬والميثاق‪ :‬العهد الموثّق‪ ،‬والعهد تعاهد وتعاقد بين طرفين على أمر يُحقّق الصالح‬
‫عندهما معا‪ ،‬ولو اختلف واحد منهما ما تَمّ العقد‪ ،‬فإنْ كان الطرفان متساويين اشترط كل منهما ما‬
‫يراه لنفسه في العقد‪.‬‬
‫فإنّ كان الميثاق من العلى إلى الدنى فهو الذي يأخذ العهد للدنى‪ ،‬لماذا؟ لنك جعلتَه في مرتبة‬
‫أنْ يعطي عهدا‪ ،‬ويُوثق بينك وبينه أشياء؛ لذلك يقول الحق سبحانه‪َ {:‬ومِيثَاقَهُ الّذِي وَاثَ َقكُم ِبهِ‪} ...‬‬
‫[المائدة‪]7 :‬‬
‫والمواثقة مفاعلة بين الطرفين‪ :‬أنتم واثقتُموه به وهو واثقكم به؛ لن الرسل حين يختارهم ال‪ ،‬ل‬
‫شكّ أنه سبحانه يعلم حيث يجعل رسالته‪ ،‬فإذا اختار ال رسولً‪ ،‬فقبول الرسول للرسالة ارتضاء‬
‫منه بما يريده ال من العهد‪.‬‬
‫ضتْ عليه الرسالة فرفضها؟ إذن‪ :‬قبول الرسالة كأنه‬
‫وهل رأينا رسولً في موكب الرسالت عُ ِر َ‬
‫العهد‪ ،‬جاء من طرف واحد في إملء شروطه؛ لنه الطرف العلى‪ ،‬وحيثية التوثيق في أن ال‬
‫اختاره‪ ،‬وجعله أهْلً للصطفاء للرسالة‪.‬‬
‫لذلك رأينا في قصة سيدنا موسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬لما اصطفاه ال للرسالة آنس من نفسه أنها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مسألة كبيرة بالنسبة له‪ ،‬لكن لم يردّها‪ ،‬إنما طلب من ال أنْ يسانده في هذه المسئولية أخوه‬
‫هارون‪ ،‬فقال للحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وََأخِي هَارُونُ ُهوَ َأ ْفصَحُ مِنّي لِسَانا فَأَرْسِلْهُ َم ِعيَ رِدْءا‬
‫ُيصَ ّدقُنِي‪[} ...‬القصص‪]34 :‬‬
‫فلم يقل‪ :‬أنا ل أصلح لهذه المسألة‪ ،‬إنما أذعن لمر ال‪ ،‬فال أعلم حيث يجعل رسالته‪ ،‬ومسألة‬
‫العقدة التي في لسانه يستعين عليها بأخيه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬كلمة (الميثاق) تدور حول الشيء المؤكّد الموثّق‪ ،‬ومنه قوله تعالى عن العداء‪:‬‬
‫شدّواْ ا ْلوَثَاقَ‪[} ...‬محمد‪]4 :‬‬
‫{ فَِإذَا َلقِيتُمُ الّذِينَ َكفَرُواْ َفضَ ْربَ ال ّرقَابِ حَتّىا إِذَآ أَ ْثخَن ُتمُوهُمْ فَ ُ‬
‫ك َومِن نّوحٍ وَإِبْرَاهِي َم َومُوسَىا وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ‪..‬‬
‫ثم يأتي تفصيل هذه القضية العامة‪َ } :‬ومِنْ َ‬
‫{ [الحزاب‪]7 :‬‬
‫قوله (مِ ْنكَ) أي من سيدنا رسول ال‪ ،‬خاتم النبياء والمرسلين‪ ،‬لكن لماذا قدّم محمدا صلى ال‬
‫عليه وسلم على نوح عليه السلم‪ ،‬وهو الب الثاني للبشرية كلها بعد آدم عليه السلم؟‬
‫نعلم أن البشرية كلها من سللة آدم عليه السلم‪ ،‬إلى أنْ جاء عهد نوح عليه السلم‪ ،‬فانقسموا إلى‬
‫مؤمن وكافر‪ ،‬ثم جاء الطوفان ولم يَ ْبقَ على وجه الرض إل نوح ومَنْ آمن به‪ ،‬فكان هو الب‬
‫الثاني للبشر بعد سيدنا آدم‪.‬‬
‫لذلك يقول البعض‪ :‬إن نوحا عليه السلم رسالته عامة‪ ،‬كما أن رسالة محمد عليه الصلة والسلم‬
‫عامة‪ .‬ونقول‪ :‬عمومية نوح كانت لمن آمن به ولهل السفينة في زمن معلوم ومكان محدد‪ ،‬أما‬
‫رسالة محمد فهي عامة في كل الزمان‪ ،‬وفي كل المكان‪.‬‬
‫أما تقديم ذكر محمد صلى ال عليه وسلم أولً؛ لن الواو هنا عادة ل تقتضي ترتيبا ول تعقيبا‪،‬‬
‫إنما هي لمطلق الجمع‪ ،‬ثم قدم رسول ال لنه المخاطب بهذا الكلم‪ ،‬ومن إكرامه ال لرسوله أنْ‬
‫يبدأ به في مثل هذا المقام‪ ،‬ثم لهذا التقديم ملحظ آخر نفهمه من قوله صلى ال عليه وسلم عن‬
‫نفسه " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين "‪.‬‬
‫ثم يخصّ بالذكر هنا نوحا؛ لنه الب الثاني للبشر‪ ،‬ثم إبراهيم وموسى وعيسى‪ ،‬فإبراهيم‪ ،‬لن‬
‫العرب كانت تؤمن به‪ ،‬وتعلم أنه أبو النبياء‪ ،‬وتُقدّر علقته بالكعبة و َرفْع قواعدها‪ ،‬وأنه قدوة في‬
‫مسألة الذّبْح والسّعي وغيرها‪.‬‬
‫وموسى وعيسى؛ لن اليهودية والمسيحية ديانتان معاصرتان لدعوة رسول ال‪ ،‬حيث كان اليهود‬
‫في المدينة‪ ،‬والنصارى في نجران‪ ،‬وهما أهل الكتاب الذين كان بينهم وبين رسول ال مواقف‬
‫شتى‪ ،‬وكانت لهم في الجزيرة العربية السيادة العلمية والسيادة القتصادية والسيادة العمرانية‬
‫والسيادة الحربية‪ ،‬وكأنهم هم أصحاب هذه البلد‪.‬‬
‫ومن العجيب أن هؤلء كان ال سبحانه ‪ -‬في ميثاقهم مع أنبيائهم ‪ -‬يدخرهم ليشهدوا لمحمد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بصِدْق دعوته؛ لذلك كانوا يستفحتون بمحمد على الذين كفروا ويقولون لعبدة الصنام‪ :‬لقد أطلّ‬
‫زمان نبي سنتبعه‪ ،‬وتقتلكم به قتْل عاد وإرم‪ ،‬فكانوا يعرفون زمان رسول ال وموطنه‪ ،‬وأنه‬
‫سيُبعث في أرض ذات نخل‪ ،‬ومن صفاتها كذا وكذا‪ ،‬لذلك لما قطّعهم ال في الرض أمما‬
‫وشتتهم‪ ،‬جاء المشتغلون منهم بالعلم إلى يثرب ينتظرون بعثته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُ ْم َومَنْ عِن َدهُ‬
‫ستَ مُرْسَلً ُقلْ َكفَىا بِاللّهِ َ‬
‫لذلك يقول تعالى‪ {:‬وَ َيقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ لَ ْ‬
‫عِلْمُ ا ْلكِتَابِ }[الرعد‪]43 :‬‬
‫إذن‪ :‬فأهل الكتاب كان من المفترض فيهم أنْ يشهدوا لرسول ال بِصدْق الرسالة‪ ،‬لكن يحكي‬
‫القرآن عنهم بعد هذا كله‪ {:‬فََلمّا جَآ َءهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ ِبهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }‬
‫[البقرة‪]89 :‬‬
‫فكيف إذن تم هذا التحول؟ وكيف تنقلب عقيدة القلب إلى تمرّد القالب؟ قالوا‪ :‬إنها السلطة الزمنية‬
‫ن تبقى‪ ،‬وأنْ تدوم لهم‪ .‬فقد ُبعِث الرسول وهم أهل مال وتجارة وأهل حِرَف وعمارة‪،‬‬
‫التي أحبوا أ ْ‬
‫وخافوا من رسول ال ومن الدين الجديد أن يسلبهم هذه المكانة‪ ،‬وأنْ يقضي على هذه السيادة‪،‬‬
‫سهُمْ أَن َي ْكفُرُواْ ِبمَآ أنَ َزلَ اللّهُ َبغْيا أَن يُنَ ّزلُ اللّهُ مِن‬
‫سمَا اشْتَ َروْاْ بِهِ أَ ْنفُ َ‬
‫لذلك قال القرآن عنهم‪ {:‬بِئْ َ‬
‫عذَابٌ ّمهِينٌ }[البقرة‪]90 :‬‬
‫ضبٍ وَلِ ْلكَافِرِينَ َ‬
‫غ َ‬
‫ضبٍ عَلَىا َ‬
‫َفضْلِهِ عَلَىا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَا ِدهِ فَبَآءُو ِب َغ َ‬
‫لهذا خصّ بالذكْر هنا موكب النبياء موسى وعيسى عليهما السلم‪.‬‬
‫ونلحظ أن السياق ذكر موسى عليه السلم‪ ،‬ولم يذكر له أبا‪ ،‬أما في عيسى عليه السلم فقال‪} :‬‬
‫وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]7 :‬وهذا دليل على أنه يؤكد الصالة في النجاب‪ ،‬فالب هو‬
‫ن وَجِد مع الزوجة‪ ،‬فإنْ لم يوجد الب فالبوة للزوجة؛ لذلك نسب عليه السلم إلى إمه‪.‬‬
‫الصل إ ْ‬
‫وجاءت هذه المسألة لتبرهن على طلقة القدرة اللهية‪ ،‬فمسألة الخَلْق ليست عملية ميكانيكية‬
‫تخضع لقانون‪ ،‬إنما هي قدرة ال التي خلقتْ آدم بدون أب ول أم‪ ،‬وخلقت حواء من أب دون أم‪،‬‬
‫خلْق من أب وأم‪ ،‬وهكذا استوفى‬
‫وخلقتْ عيسى عليه السلم من أم بدون أب‪ ،‬وخلقتْ سائر ال َ‬
‫الخَلْق القسمة العقلية في كل صورها‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَأَخَذْنَا مِ ْنهُمْ مّيثَاقا غَلِيظا { [الحزاب‪ ]7 :‬أي‪ :‬من النبياء‪ ،‬والميثاق الغليظ أي‬
‫المؤكد‪ ،‬فقد وسّعه ال وأكده حينما أخبر أنبياءه ورسله أنهم سيُضطهدون وسيُحاربون من أممهم‪.‬‬
‫لذلك لم يُوصَف الميثاق بأنه غليظ إل في هذا الموضوع‪ ،‬وفي علقة الرجل بالمرأة حين يطلقها‪،‬‬
‫وقد فرض لها مهرا‪ ،‬فينبغي أنْ يُؤديه إليها‪ ،‬ولو كان قنطارا‪ ،‬يقول سبحانه‪َ {:‬وكَيْفَ تَ ْأخُذُونَ ُه َوقَدْ‬
‫ضكُمْ إِلَىا َب ْعضٍ وََأخَذْنَ مِنكُم مّيثَاقا غَلِيظا }[النساء‪]21 :‬‬
‫َأ ْفضَىا َب ْع ُ‬
‫فسمّى الميثاق بين الزوجين ميثاقا غليظا أي‪ :‬قويا ومتينا؛ لنه في العِرْض‪ ،‬ولم يُوصَف الميثاق‬
‫فيما دون ذلك بأنه غليظ‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا الميثاق الذي أخذه ال تعالى على الرسل المذكّرين المبشّرين المنذرين جاء تفصيله في قوله‬
‫ح ْكمَةٍ ثُمّ جَآ َءكُمْ رَسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ‬
‫تعالى‪ {:‬وَإِذْ َأخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَابٍ َو ِ‬
‫شهَدُو ْا وَأَنَاْ َم َعكُمْ‬
‫لَ ُت ْؤمِنُنّ ِب ِه وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ أََأقْرَرْتُ ْم وََأخَذْتُمْ عَلَىا ذاِل ُكمْ ِإصْرِي قَالُواْ َأقْرَرْنَا قَالَ فَا ْ‬
‫مّنَ الشّا ِهدِينَ }[آل عمران‪]81 :‬‬
‫والشيء الذي شهد ال عليه ل يحتاج إلى قضاء‪ ،‬لكن لماذا أخذ ال هذا العهد؟ قالوا‪ :‬لن الذي ل‬
‫يؤمن بإله ليس لديه دين يتعصّب له حين يأتي رسول جديد‪ ،‬لكن من الصّعب على النسان أن‬
‫يكون له دين‪ ،‬ثم يأتي رسول جديد ليزحزحه عن دينه‪ ،‬وهنا تكمن المشقة التي يعانيها الرسل‪.‬‬
‫لذلك قال ال تعالى للرسل‪ :‬من تمام ميثاقكم أن تقولوا لقوامكم إذا جاءكم رسول مُصدّق لما معكم‬
‫لتُؤمنن به ولتنصرنه‪ ،‬ثم أقررهم على ذلك‪ ،‬وأشهدهم عليه فشهدوا‪ ،‬والمعنى‪ :‬إياكم أن تتركوا‬
‫أممكم التي تؤمن بكم بدون أنْ تضعوا لهم هذه القاعدة‪ ،‬ففيها الوقاية لهم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬لّيَسْ َئلَ الصّا ِدقِينَ عَن‪.{ ...‬‬

‫(‪)3465 /‬‬
‫عذَابًا أَلِيمًا (‪)8‬‬
‫لِيَسَْألَ الصّا ِدقِينَ عَنْ صِ ْد ِقهِ ْم وَأَعَدّ ِل ْلكَافِرِينَ َ‬

‫اللم هنا في { لّيَسَْألَ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]8 :‬لم التعليل‪ ،‬فالمعنى أننا أخذنا من النبيين الميثاق‪ ،‬لكن لن‬
‫خذْنَا مِنَ النّبِيّيْنَ مِيثَا َقهُمْ‪[} ...‬الحزاب‪ ]7 :‬لماذا؟ { لّيَسَْألَ الصّا ِدقِينَ عَن‬
‫نتركهم دون سؤال{ وَإِذْ أَ َ‬
‫صِ ْد ِقهِمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]8 :‬لكن إذا كان المبلّغ صادقا‪ ،‬فكيف يسأل عن صدقه؟‬
‫سؤال الصادق عن صِدْقه ليس تبكيتا للصادق‪ ،‬إنما تبكيتا لمن كذّب به‪ ،‬سنسأل الرسل‪ :‬أبلغتم‬
‫سلَ فَ َيقُولُ مَاذَآ ُأجِبْتُمْ‪[} ...‬المائدة‪ ]109 :‬ويسأل ال‬
‫جمَعُ اللّهُ الرّ ُ‬
‫هؤلء؟ ويقول تعالى‪َ {:‬يوْمَ يَ ْ‬
‫سلٌ مّ ْنكُمْ َيقُصّونَ عَلَ ْيكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُو َنكُمْ ِلقَآءَ َي ْومِكُمْ هَـاذَا‪[} ...‬النعام‪]130 :‬‬
‫القوم‪ {:‬أََلمْ يَأْ ِتكُمْ رُ ُ‬
‫فالستفهام هنا للتقريع والتبكيت لمن كذّب‪.‬‬
‫أو‪ :‬يكون المعنى { لّ َيسَْألَ الصّا ِدقِينَ عَن صِ ْد ِق ِهمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]8 :‬أي‪ :‬أنتم بشّرتم بأن الله‬
‫واحد‪ ،‬فأنتم صادقون؛ لنكم أخذتُمْ هذه مني‪ ،‬ولما قامت الساعة ولم تجدوا إلها آخر يحمي‬
‫الكافرين‪ ،‬إذن‪ :‬فقد صدقت فيما أخبرت به‪ ،‬وصدقتم فيما بلغتم عني‪ ،‬حيث لم تجدوا في الخرة‬
‫إل الله الواحد‪.‬‬
‫لذلك يقول سبحانه‪َ {:‬ووَجَدَ اللّهَ عِن َدهُ َف َوفّاهُ حِسَابَهُ }[النور‪ ]39 :‬ولو كان معه سبحانه إله آخر‬
‫لَدافع عن هؤلء الكافرين‪ ،‬ومنعهم من العذاب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كذلك يسأل الرسل عن البعث الذي وعد ال به‪ ،‬وبلّغوه لممهم‪ ،‬وعن الحساب وما فيه من ثواب‬
‫وعقاب‪ ،‬وكأن الحق سبحانه يسألهم‪ :‬هل تخلّف شيء مما أخبرتكم به؟ هل قصرت في إثابة‬
‫المحسن أو معاقبة المسيء؟ إذن‪ :‬صدق كلمي كله‪.‬‬
‫كما تجلس مع ولدك مثلً تراجع معه المواد الدراسية‪ ،‬وتحثّه على المذاكرة فيُوفّق في المتحان‪،‬‬
‫ثم تسأله‪ :‬ماذا فعلت في إجابة السؤال الفلني؟ فأنت ل تقصد الستفهام‪ ،‬إنما تستعيد معه أمجاد ما‬
‫أنجزه بالفعل تسأله عن توفيق ال له‪ ،‬كذلك الحق سبحانه يستعيد مع الرسل َوقَفْتهم لدين ال‬
‫وإعلءَهم كلمة الحق في هذه الساعة ول مردّ لها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فسؤال الصادقين عن صدقهم تكريم لهم‪ ،‬وشهادة بأنهم أ ّدوْا ما عليهم‪ ،‬وهو كذلك تبكيت لمن‬
‫كذّب بهم‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ { :‬وَأَعَدّ لِ ْلكَافِرِينَ عَذَابا أَلِيما } [الحزاب‪ ]8 :‬والفعل الماضي هنا دليل على أن‬
‫كل شيء معدّ وموجود سَلَفا‪ ،‬ولن ينشيء الحق سبحانه شيئا جديدا‪ ،‬كذلك قال عن الجنة{ أُعِ ّدتْ‬
‫لِ ْلمُ ّتقِينَ }[آل عمران‪]133 :‬‬
‫وسبق أنْ أوضحنا أن ال تعالى خلق الجنة لتسع الناس جميعا إنْ آمنوا‪ ،‬وخلق النار كذلك تسع‬
‫الناس جميعا إن كفروا‪ ،‬يعني‪ :‬لن تكون هناك أزمة أماكن‪ ،‬فإذا ما أخذ أهل اليمان أماكنهم من‬
‫الجنة تتبقى أماكن الذين كفروا شاغرة‪ ،‬فيقول تعالى للمؤمنين‪ :‬خذوها أنتم‪ {:‬وَتِ ْلكَ ا ْلجَنّةُ الّتِي‬
‫أُورِثْ ُتمُوهَا ِبمَا كُن ُتمْ َت ْعمَلُونَ }[الزخرف‪]72 :‬‬
‫وقد وصف العذاب مرة بأنه أليم‪ ،‬ومرة بأنه مهين‪ ،‬ومرة بأنه عظيم‪ ،‬ومرة بأنه شديد‪ ،‬ولكل منها‬
‫ملحظ‪ ،‬فالليم يُلحظ فيه القسوة واليلم‪ ،‬والعذاب المهين يُلحظ فيه إهانة المعذّب والنيل من‬
‫كرامته‪ ،‬فمن الناس مَنْ يحاول التجلّد‪ ،‬ويُظهر تحمل اللم وعدم الكتراث به‪ ،‬في حين يؤلمه أنْ‬
‫تنال من كرامته‪ ،‬فيناسبه العذاب المهين‪.‬‬

‫(‪)3466 /‬‬
‫سلْنَا عَلَ ْيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا َلمْ تَ َروْهَا‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا ا ْذكُرُوا ِن ْعمَةَ اللّهِ عَلَ ْيكُمْ إِذْ جَاءَ ْتكُمْ جُنُودٌ فَأَرْ َ‬
‫َوكَانَ اللّهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرًا (‪)9‬‬

‫أراد الحق سبحانه أنْ يُدلّل على قوله لرسوله في اليات السابقة‪ {:‬وَ َت َو ّكلْ عَلَىا اللّ ِه َو َكفَىا بِاللّهِ‬
‫َوكِيلً }[الحزاب‪ ]3 :‬فجاء بحادثة جمعتْ كل فلول خصومه‪ ،‬فقد سبق أن انتصر عليهم متفرقين‪،‬‬
‫ل على كفار مكة في بدر‪ ،‬وانتصر على اليهود في بني النضير وبني قينقاع‪ ،‬وهذه‬
‫فانتصر أو ً‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المرة اجتمعوا جميعا لحربه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومع ذلك لن يؤثر جمعهم في الصدّ عن‬
‫دعوتك‪ ،‬وسوف تُنصَر عليهم بجنود من عند ال‪.‬‬
‫علَ ْيكُمْ‪} ..‬‬
‫إذن‪ :‬فحيثية (وتوكل على ال) هي قوله تعالى‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَةَ اللّهِ َ‬
‫[الحزاب‪ ]9 :‬النعمة‪ :‬الشيء الذي يخالط النسان بسعادة وبِشْر وطلب استدامته‪ ،‬وهذه الصفات ل‬
‫تتوافر إل في اليمان؛ لن استدامة النعمة فيه تع ّدتْ زمن الدنيا إلى زمن آخر دائم وباقٍ في‬
‫الخرة‪ ،‬وإنْ كانت نعمة الدنيا على َقدْر أسبابك وإمكاناتك‪ ،‬فنعمة الخرة على قَدْر المنعمِ سبحانه‪،‬‬
‫فهي إذن‪ :‬نعمة النعم‪.‬‬
‫وال تعالى يخاطب هنا المؤمنين‪ ،‬ومعنى اليمان هو اليقين بوجود إله واحد له كل صفات الجلل‬
‫والكمال‪ ،‬وال سبحانه يكفي العقل أنْ يهتدي إلى القوة الخالقة الواحدة التي ل تعاند‪ ،‬لكن ليس من‬
‫عمل العقل أنْ يعرف مثلً اسم هذا الله‪ ،‬ول أن يعرف مراده‪ ،‬فكان ول ُبدّ من البلغ عن ال‪.‬‬
‫وسبق أنْ مثّلْنا لذلك بمَنْ يطرق علينا الباب‪ ،‬فنتفق جميعا بالعقل على أن طارقا بالباب‪ ،‬هذا هو‬
‫عمل العقل‪ ،‬لكن أمن عمل العقل أن نعرف مَنْ هو؟ أو نعرف مقصده من المجيء؟ وهذا ما‬
‫نسميه التصور‪.‬‬
‫فآفة العقل البشري أنه لم يقنع بالتعقل للقوة القاهرة الفاعلة‪ ،‬فكان يكفيه أن يتعقل أن وراء هذا‬
‫الكون قوةً‪ ،‬هذه القوة لها صفات الكمال التي بها أوجدتْ هذا الكون‪ ،‬فإنْ أردنا معرفة ما هي هذه‬
‫القوة فلبُدّ أنْ نترك هذا الطارق ليخبرنا عن نفسه‪ ،‬ويفصح عن هدفه وسبب مجيئه‪ ،‬ول يتم ذلك‬
‫إل من خلل رسول يأتي من عند ال يخبرنا عن هذه القوة‪ ،‬عن ال‪ ،‬عن أسمائه وصفاته ومنهجه‬
‫الذي ارتضاه لخَلْقه‪ ،‬وما أعدّه ال لمَنْ أطاعه من النعيم‪ ،‬وما أعدّه لمَنْ عصاه من العذاب‪.‬‬
‫فإنْ كذّبنا هذا الرسول‪ ،‬وطلبنا دليلً على صِدْقه في البلغ أخرج لنا من المعجزات ما يؤيده وما‬
‫يحملنا على تصديقه؛ لنه أتى بلونٍ مما ننبغ فيه نحن‪ ،‬وفن من فنوننا‪ ،‬ومع ذلك عجزنا عن‬
‫التيان بمثله‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالتعقّل أول مراحل اليمان‪ :‬لذلك فإن أبسط ردّ على مَنْ يعبدون غير ال أن نقول لهم‪ :‬بماذا‬
‫أمرتكم آلهتكم؟ وعمّ نهتْكم؟ وماذا أع ّدتْ لمن أطاعها؟ وماذا أعدّت لمنْ عصاها؟ ما المنهج الذي‬
‫تستعبدكم به؟‬
‫فكان من منطق العقل ساعةَ يأتينا رسول من عند ال أنْ نستشرف له‪ ،‬ونُقبل عليه‪ ،‬ونسأله عن‬
‫اللغز الذي ل نعرفه من أمور الحياة والكون‪ ،‬كان علينا أن نستمع له‪ ،‬وأن ننصاع لوامره؛ لنه‬
‫ما جاء إل ليُخرجنا من مأزق فكري‪ ،‬ومن مأزق عقلي ل يستطيع أحد مِنّا أنْ يُحلّله‪ ،‬كان على‬
‫القوم أن يتلهفوا على هذا الرسول‪ ،‬ل أن يعادوه ويعاندوه‪ ،‬لما لهم من سلطة زمنية ظنوها باقية‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَةَ اللّهِ عَلَ ْيكُمْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]9 :‬ما هو الذكر؟ العقل حين يتلقّى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المعلومات من الحواسّ يقارن بينها ويُغربلها‪ ،‬ثم يحتفظ بها في منطقة منه تمثل خزينة‬
‫للمعلومات‪ ،‬وما أشبه العقل في تلقي المعلومات بلقطة (الفوتوغرافيا) التي تلتقط الصورة من مرة‬
‫واحدة‪ ،‬والناس جميعا سواء في تلقي المعلومات‪ ،‬المهم أن تصادف المعلومة خُلوّ الذّهْن مما‬
‫يشغله‪.‬‬
‫وهذه المنطقة في العقل يسمونها بؤرة الشعور‪ ،‬وهي ل تلتقط إل جزئية عقلية واحدة‪ ،‬فإذا أردتَ‬
‫استدعاء معلومة من الحافظة‪ ،‬أو من حاشية الشعور‪ ،‬فالذاكرة هي التي تستدعي لك هذه‬
‫المعلومة‪ ،‬وتُخرِجها من جديد من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور‪.‬‬
‫ثم هناك ما يُسمّى بتداعي المعاني‪ ،‬حين يُذكّرك شيء بشيء آخر‪ ،‬وهناك المخيّلة‪ ،‬وهي التي تُلفّق‬
‫أو تُؤلّف من المعلومات المختزنة شيئا جديدا‪ ،‬ونسميه التخيّل‪ ،‬فالشاعر العربي حين أعجبه الوشم‬
‫س َمكٌ‬
‫شمِ المُزَرّدْ َ‬
‫خوْدٌ كأنّ بَنَا َنهَا فِي َنقْشِ ِه الوَ ْ‬
‫باللون الخضر على بشرة شابة بيضاء تخيّلها هكذا‪َ .‬‬
‫ك تكوّنَ مِنْ زَبَرْجَدْفهذه صورة تخيّلية خاصة بالشاعر‪ ،‬وإل َفمْن مِنّا رأى سمكا‬
‫مِنَ البلّلوْرِ فِي شَ َب ِ‬
‫من البللور في شبك من زبرجد؟ فللشاعر نظرته الخاصة للصور التي يراها‪ ،‬وسبق أنْ ذكرنا‬
‫الصورة التي رسمها الشاعر للحدب‪ ،‬فقال‪َ :‬قصُ َرتْ َأخَادِعُه وغَاصَ َقذَالُه فَكأنّهُ مُترّبصٌ أنْ‬
‫ص ِف َعتْ قفَاهُ مرةً فَأحسّ ثانيةً َلهَا فَتَجمّعاومنذ القِدَم يعتبر الشعراء محلً للحب‬
‫ُيصْ َفعَاوكأ ّنمَا ُ‬
‫وللمشاعر‪ ،‬لكن يخرج علينا هذا الشاعر بصورة أخرى جديدة من نَسْج خياله‪ ،‬فيقول‪:‬خَطَرَاتُ‬
‫عضَائي خُِلقْنَ‬
‫ل وَفي ِه صَبَابَةٌ فَكأنّ أَ ْ‬
‫عضْوَ لِي إ ّ‬
‫ِذكْ ِركَ تَسْتَثِيرُ مَودّتيِ فَُأحِسّ مِنْها فِي الفُؤادِ دَبيبالَ ُ‬
‫قُلُوبَافمعنى‪ } :‬ا ْذكُرُواْ ِن ْعمَةَ اللّهِ عَلَ ْي ُكمْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]9 :‬ل تمروا على النعم بغفلة لرتابتها عندكم‪،‬‬
‫بل تذكروها دائما‪ ،‬واجعلوها في بؤرة شعوركم؛ لذلك جعل ال الذكر عبادة‪ ،‬وهو عبادة بل مشقة‪،‬‬
‫فأنت حين تصلي مثلً تستغرق وقتا ومجهودا للوضوء وللذهاب للمسجد‪ ،‬كذلك حين تزكي تُخرِج‬
‫من مالك‪ ،‬أما الذكْر فل يُكلّفك شيئا‪.‬‬
‫لذلك في سورة الجمعة حينما يستدعي الحق سبحانه عباده للصلة‪ ،‬يقول‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِإذَا‬
‫س َعوْاْ إِلَىا ِذكْرِ اللّ ِه وَذَرُواْ الْبَ ْيعَ‪[} ...‬الجمعة‪ ]9 :‬فهنا حركتان‪:‬‬
‫ج ُمعَةِ فَا ْ‬
‫لةِ مِن َيوْمِ ا ْل ُ‬
‫نُو ِديَ لِلصّ َ‬
‫حركة إيجاب بالسعي إلى الصلة‪ ،‬وحركة سَلْب بت ْركِ البيع والشراء‪ ،‬وكلّ ما يشغلك عن الصلة‪.‬‬
‫ضلِ اللّ ِه وَا ْذكُرُواْ اللّهَ‬
‫ض وَابْ َتغُواْ مِن َف ْ‬
‫لةُ فَان َتشِرُواْ فِي الَ ْر ِ‬
‫ثم يقول تعالى‪ {:‬فَِإذَا ُقضِ َيتِ الصّ َ‬
‫كَثِيرا‪[} ...‬الجمعة‪]10 :‬‬
‫وفي موضع آخر قال‪:‬‬
‫{ وَلَ ِذكْرُ اللّهِ َأكْبَرُ }[العنكبوت‪ ]45 :‬فإياك أن تظن أن ال يريد أنْ تذكره ساعة الصلة فحسب‪،‬‬
‫إنما اذكره دائما وأبدا‪ ،‬وإنْ كانت الصلة لها ظرف تُؤدّي فيه‪ ،‬ف ِذكْر ال ل وقتَ له؛ لذلك جعله‬
‫ال يسيرا سهلً‪ ،‬ل مشقة فيه‪ ،‬ل بالوقت ول بالجهد‪ ،‬فيكفي في ِذكْر ال أنْ تتأمل المرائي التي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تمر بها ويقع عليها نظرك لترى فيها قَدرة ال‪.‬‬
‫والحق سبحانه يُذكّرنا بنعمه؛ لن النعمة بتواليها على النفس البشرية تتعوّد عليها النفس‪ ،‬ويحدث‬
‫لها رتابة‪ ،‬فل تلتفت إليها‪ ،‬فأنت مثلً ترى الشمس كل صباح‪ ،‬لكن قلّما تتذكر أنها آية من آيات‬
‫الخالق ‪ -‬عز وجل ‪ -‬ونعمة من نعمه؛ لنك تعوّدت على رؤيتها‪ ،‬وأصبحت رتيبة بالنسبة لك‪.‬‬
‫كذلك يلفتنا الحق سبحانه إلى نعمه حين يسلبها من الخرين‪ ،‬فحين ترى السقيم تذكّر نعمة العافية‪،‬‬
‫وحين ترى العمى تذكّر نعمة البصر‪..‬الخ وساعتها ينبغي عليك أنْ تشكر المنعم الذي عافاك مما‬
‫ابتلى به غيرك‪ ،‬إذن‪ :‬فهذه الشواذ جعلها ال وسائل لليضاح وتذكيرا للخلق ب ِنعَم الخالق‪.‬‬
‫حصُوهَا }[إبراهيم‪:‬‬
‫والنعمة وردتْ هنا مفردة‪ ،‬وكذلك في قوله تعالى‪ {:‬وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّ ِه لَ تُ ْ‬
‫‪ ]34‬وقد وقف أعداء السلم من المستشرقين أمام هذه الية يعترضون على أن النعمة فيها‬
‫مفردة‪ ،‬يقولون‪ :‬فكيف ُتعَدّ؟ وهذا العتراض منهم ناشئ عن عدم َفهْم لمعاني وأساليب القرآن‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬الذي تروْنه نعمة واحدة‪ ،‬لو تأملتُم فيها لوجدتم بداخلها ِنعَما متعددة تفوق العَدّ؛ لذلك‬
‫استخدم القرآن هنا (إنْ) الدالة على الشك؛ لن ِنعَم ال ليست مظنّة ال َعدّ والحصاء كرمال‬
‫الصحراء‪ ،‬هل تعرّض أحد لعدّها؟ لنك ل تقبل على عَدّ شيء إل إذا كان مظنّةَ ال َعدّ‪ ،‬وإحصاء‬
‫المعدود‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فالحق سبحانه يوضح لنا‪ :‬إنْ حاولتم إحصاء ِنعَم ال ‪ -‬وهذا لن يحدث ‪ -‬فلن تستطيعوا‬
‫عدّها‪ ،‬مع أن الحصاء أصبح عِلْما مستقلً‪ ،‬له جامعات وكليات تبحث فيه وتدرسه‪.‬‬
‫ولك أنْ تأخذ نعمة واحدة من ِنعَم ال عليك‪ ،‬ثم تتأمل فيها وفي عناصرها ومُكوّناتها وفوائدها‬
‫وصفاتها‪ ،‬وسوف تجد في طيّات النعمة الواحدة ِنعَما شتّى‪ ،‬فالتفاحة مثلً في ظاهرها نعمة واحدة‪،‬‬
‫لكن في ألوانها ومذاقها وعناصر مكوناتها ورائحتها واختلف وتنوّع هذا كله ِنعَم كثيرة‪.‬‬
‫والحق سبحانه جعل ِنعَمه عامة للمؤمن وللكافر؛ لنه سبحانه جعل لها أسبابا‪ ،‬مَنْ أحسَنَ هذه‬
‫السباب أعطتْه‪ ،‬حتى لو كان كافرا‪.‬‬
‫حصُوهَا }[إبراهيم‪ ]34 :‬أنها وردتْ في‬
‫ثم نلحظ في قوله تعالى‪ {:‬وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫القرآن مرتين‪ ،‬ولكل منهما تذييل مختلف‪ ،‬فمرّة يقول تعالى‪ {:‬وَآتَاكُم مّن ُكلّ مَا سَأَلْ ُتمُوهُ وَإِن‬
‫حصُوهَا إِنّ النْسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ }[إبراهيم‪ ،]34 :‬ومرة يقول‪ {:‬وَإِن َتعُدّواْ‬
‫َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّ ِه لَ تُ ْ‬
‫حصُوهَآ إِنّ اللّهَ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ }[النحل‪]18 :‬‬
‫ِن ْعمَةَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫وفيه إشارة إلى أن ال تعالى لو عامل المنعَم عليهم من الخَلْق بما يقتضيه إيمانهم‪ ،‬وما يقتضيه‬
‫كفرهم‪ ،‬لعطى المؤمن وسَلبَ الكافر‪ ،‬لكنه سبحانه غفور رحيم بخَلْقه‪ ،‬فبهاتين الصفتين يُنعِم‬
‫سبحانه على الجميع‪ ،‬وما ترفلون فيه من ِنعَم ال عليكم أثر من آثار الغفران والرحمة‪ ،‬فغفر لكم‬
‫عمّن هو دونك‪.‬‬
‫معايبكم أولً‪ ،‬والغفر‪ :‬أنْ تستر الشيء القبيح َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم الرحمة‪ ،‬وهي أنْ تمتدّ يدك بالحسان إلى مَنْ دونك‪ ،‬وسبق أنْ أوضحنا أن المغفرةَ تسبق‬
‫الرحمةَ‪ ،‬وهذه هي القاعدة العامة‪ ،‬لكن قد تسبق الرحم ُة المغفرةَ؛ ذلك لن السّلب للشيء المذموم‬
‫ينبغي أن يسبق النعمة‪ ،‬أو‪ :‬أنْ َدفْع الضرر مُقدّم على جَلْب المنفعة‪.‬‬
‫وقد مثّلْنا لذلك باللصّ تجده في دارك‪ ،‬فتستر عليه أولً حين ل تسلمه للبوليس‪ ،‬ثم يرقّ له قلبك‪،‬‬
‫فتمتد يدُك إليه بالحسان‪ ،‬وهنا تسبق المغفرة الرحمةَ‪ ،‬وقد تتصرف معه بطريقة أخرى‪ ،‬بحيث‬
‫تقدّم فيها الرحم َة على المغفرة‪ ،‬والمغفرة ل تكون إل من العلى للدنى‪ ،‬فتستر على القبيح قُبْحه‪،‬‬
‫وأنت أعلى منه‪ ،‬فل يقال مثلً للخادم‪ :‬إنه ستر على سيده‪.‬‬
‫ثم يرسل لنا الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬هذه البرقية الدالّة على تأييده سبحانه لعبادة المؤمنين‪ } :‬إِذْ‬
‫جَآءَ ْتكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَ ْي ِهمْ رِيحا َوجُنُودا لّمْ تَ َروْهَا َوكَانَ اللّهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرا { [الحزاب‪]9 :‬‬
‫فالجنود تُؤذِن بالحرب‪ ،‬وجاءت نكرة مُبْهمة‪ ،‬ثم جاءت نهاية هذه المعركة في هاتين الجملتين‬
‫القصيرتين } فَأَرْسَلْنَا عَلَ ْي ِهمْ رِيحا وَجُنُودا لّمْ تَ َروْهَا‪[ { ..‬الحزاب‪ ]9 :‬ولم يذكر ما هية هؤلء‬
‫الجنود‪ ،‬إل أنهم من عند ال‪ ،‬جاءوا لردّ هؤلء الكفار وإبطال كيدهم‪.‬‬
‫ثم يأتي بمذكرة تفسيرية توضح مَنْ هم هؤلء الجنود‪ِ } :‬إذْ جَآءُوكُمْ مّن َف ْو ِقكُمْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3467 /‬‬
‫غتِ الْأَ ْبصَا ُر وَبََل َغتِ ا ْلقُلُوبُ ا ْلحَنَاجِ َر وَتَظُنّونَ بِاللّهِ‬
‫س َفلَ مِ ْنكُ ْم وَإِذْ زَا َ‬
‫إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ َف ْو ِقكُ ْم َومِنْ أَ ْ‬
‫الظّنُونَا (‪)10‬‬

‫هذا وَصف لما جرى في غزوة الحزاب التي جمعتْ فُلول أعداء رسول ال‪ ،‬فقد سبق أنْ حاربهم‬
‫مُتفرّقين‪ ،‬والن يجتمعون لحربه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فجاءت قريش ومَنْ تبعها من غطفان وأسد‬
‫وبني فزارة وغيرهم‪ ،‬وجاء اليهود من بني النضير وبني قريظة‪ ،‬وعجيب أنْ يجتمع كل هؤلء‬
‫لحرب السلم على ما كان بينهم من العداوة والخلف‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن أهل الكتاب كانوا يستفتحون برسول ال على كفار مكة‪ ،‬ثم جاءت اليات لتجعل من‬
‫ستَ مُرْسَلً ُقلْ كَفَىا‬
‫أهل الكتاب شهداء على صِدْق رسول ال‪ ،‬فقال تعالى‪ {:‬وَيَقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ َل ْ‬
‫شهِيدا بَيْنِي وَبَيْ َنكُ ْم َومَنْ عِن َدهُ عِ ْلمُ ا ْلكِتَابِ }[الرعد‪]43 :‬‬
‫بِاللّهِ َ‬
‫ن يؤمنوا بصِدْق‬
‫ولو قدّر أهل الكتاب هذه الشهادة التي قرنها الحق سبحانه بشهادته‪َ ،‬لكَان عليهم أ ْ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والمعنى { إِذْ جَآءُوكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]10 :‬أي‪ :‬اذكر يا محمد وتخيّل وتصوّر إذ جاءكم الحزاب‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتجمّعوا لحربك { مّن َف ْوقِكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]10 :‬أي‪ :‬من ناحية الشرق‪ ،‬وهُمْ‪ :‬غطفان‪ ،‬وبنو‬
‫سفَلَ مِنكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]10 :‬أي‪ :‬من ناحية الغرب وهم قريش‪،‬‬
‫قريظة‪ ،‬وبنو النضير { َومِنْ َأ ْ‬
‫ت الَ ْبصَارُ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]10 :‬أي‪ :‬اذكر‬
‫غ ِ‬
‫ومَنْ تبعهم من الفزاريين والسديين وغيرهم { وَإِذْ زَا َ‬
‫طغَىا }‬
‫إذ زاغت البصار‪ ،‬ومعنى زاغ البصر أي‪ :‬مال‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪ {:‬مَا زَاغَ الْ َبصَرُ َومَا َ‬
‫[النجم‪]17 :‬‬
‫سمْتها وسنمها‪ ،‬وقد خلق ال العين على هيئة خاصة‪،‬‬
‫فـ (زاغت البصار) يعني‪ :‬مالتْ عن َ‬
‫بحيث تتحرك إلى أعلى‪ ،‬وإلى أسفل‪ ،‬وإلى اليمين‪ ،‬وإلى الشمال‪ ،‬ولكل اتجاه منها اسم في اللغة‪،‬‬
‫جمْع عَيْنه‪ ،‬ولمح بمؤخّر مُوقِه‪ ،‬ورمق أي‪ :‬من ناحية أنفه‪..‬الخ‬
‫فيقولون‪ :‬رأى أي‪ :‬ب ُ‬
‫سمْت العين وسَنمها أنْ تتحرك في هذه التجاهات‪ ،‬فإذا فزعتْ من شيء أخذ البصر‪ ،‬مال عن‬
‫فَ‬
‫صةٌ أَ ْبصَارُ الّذِينَ َكفَرُواْ‪[} ...‬النبياء‪]97 :‬‬
‫خ َ‬
‫سمْته من التحول‪ ،‬لذلك يقول تعالى‪ {:‬فَإِذَا ِهيَ شَا ِ‬
‫َ‬
‫جفْن‬
‫خصُ فِي ِه الَ ْبصَارُ }[إبراهيم‪ ]42 :‬وشخوص البصر أنْ يرتفع ال َ‬
‫شَ‬
‫وقال‪ {:‬إِ ّنمَا ُيؤَخّرُهُمْ لِ َيوْمٍ تَ ْ‬
‫العلى‪ ،‬وتثبت العين على شيء‪ ،‬ل تتحرّك إلى غيره‪.‬‬
‫خوْفُ رَأَيْ َتهُمْ‬
‫وفي موضع آخر قال تعالى عن المنافقين والمعوّقين‪ {:‬أَشِحّةً عَلَ ْيكُمْ فَِإذَا جَآءَ ا ْل َ‬
‫خ ْوفُ سََلقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ‬
‫علَيْهِ مِنَ ا ْل َم ْوتِ فَإِذَا ذَ َهبَ الْ َ‬
‫يَنظُرُونَ إِلَ ْيكَ َتدُورُ أَعْيُ ُنهُمْ كَالّذِي ُيغْشَىا َ‬
‫حدَادٍ‪[} ...‬الحزاب‪]19 :‬‬
‫ِ‬
‫لن الهول ساعة يستولي العين‪ ،‬فمرة تشخص العين على ما ترى ل تتعداه إلى غيره من شدة‬
‫ج مما هي فيه‪ ،‬فهذه حالت يتعرّض لها‬
‫الهول‪ ،‬ومرة تدور هنا وهناك تبحث عن مفرّ أو مخر ٍ‬
‫الخائف المفزّع‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَبََلغَتِ ا ْلقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]10 :‬معلوم ان الحنجرة أعلى القصبة‬
‫الهوائية في هذا التجويف المعروف‪ ،‬فكيف تبلغ القلوبُ الحناجرَ؟ هذا أثر آخر من آثار الهول‬
‫والفزع‪ ،‬فحين يفزع النسان يضطرب في ذاته‪ ،‬وتزداد دقّات قلبه‪ ،‬وتنشط حركة التنفس‪ ،‬حتى‬
‫ليُخيّل للنسان من شدة ضربات قلبه أن قلبه سينخلع من مكانه‪ ،‬ويقولون فعلً في العامية (قلبي‬
‫هينط مني)‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَاْ } [الحزاب‪]10 :‬‬
‫أي‪ :‬ظنونا مختلفة تأخذهم وتستولي عليهم‪ ،‬فكلّ له ظنّ يخدم غرضه‪ ،‬فالمؤمنون يظنون أن ال‬
‫لن يُسلمهم‪ ،‬ولن يتخلى عنهم‪ ،‬والكافرون يظنون أنهم سينتصرون وسيستأصلون المؤمنين‪ ،‬بحيث‬
‫ل تقوم لهم قائمة بعد ذلك‪.‬‬
‫ونلحظ في هذه الية أن الحق سبحانه ل يكتفي بأنْ يحكي له ما حدث‪ ،‬إنما يجعله صلى ال عليه‬
‫وسلم يستحضر الصورة نفسه‪ ،‬فيقول له‪ :‬اذكُرْ إذ حدث كذا وكذا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬هُنَاِلكَ ابْتُِليَ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3468 /‬‬
‫هُنَاِلكَ ابْتُِليَ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (‪)11‬‬

‫ي اليمان قال‪ :‬لن يُسلمنا‬
‫{ هُنَاِلكَ ابْتُِليَ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]11 :‬أي‪ :‬اختُبِروا وامْتُحِنوا‪ ،‬ف َق ِو ّ‬
‫ال‪ .‬والمنافق قال‪ :‬هي نهاية السلم والمسلمين { وَزُلْزِلُواْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]11 :‬الزلزلة هي الهزة‬
‫العنيفة التي ينشأ عن قوتها تَخْلخل الشياء‪ ،‬لكن ل تقتلعها‪ ،‬والمراد أنهم تعرّضوا لكرب شديد‬
‫زلزل كيانهم‪ ،‬وميّز مؤمنهم من منافقهم؛ لذلك يقول تعالى بعدها‪ { :‬وَإِذْ َيقُولُ ا ْلمُنَافِقُونَ‬
‫وَالّذِينَ‪.} ...‬‬

‫(‪)3469 /‬‬
‫وَإِذْ َيقُولُ ا ْلمُنَا ِفقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُو ِبهِمْ مَ َرضٌ مَا وَعَدَنَا اللّ ُه وَرَسُولُهُ إِلّا غُرُورًا (‪)12‬‬

‫المنافقون هم أنفسهم الذين في قلوبهم مرض‪ ،‬فهما شيء واحد‪ ،‬وهذا العطف يُسمّونه " عطف‬
‫البيان "‪.‬‬
‫والغرور أنْ تخدع إنسانا بشيء ُمفْرح في ظاهره‪ ،‬محزن في باطنه‪ ،‬تقول‪ :‬ما غرّك بالشيء‬
‫الفلني كأن في ظاهره شيئا يخدعك ويغرّك‪ ،‬فإذا ما جئتَ لتختبره لم تجده كذلك‪.‬‬

‫(‪)3470 /‬‬
‫جعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِ ْنهُمُ النّ ِبيّ َيقُولُونَ إِنّ‬
‫وَإِذْ قَاَلتْ طَا ِئفَةٌ مِ ْنهُمْ يَا أَ ْهلَ يَثْ ِربَ لَا ُمقَامَ َلكُمْ فَا ْر ِ‬
‫عوْ َرةٌ َومَا ِهيَ ِب َعوْ َرةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلّا فِرَارًا (‪)13‬‬
‫بُيُوتَنَا َ‬

‫{ وَإِذْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]13 :‬هنا أيضا بمعنى‪ :‬واذكر { وَإِذْ قَالَت طّآ ِئفَةٌ مّ ْنهُمْ ياأَ ْهلَ يَثْ ِربَ‪} ..‬‬
‫[الحزاب‪ ]13 :‬يثرب‪ :‬اسم للبقعة التي تقع فيها المدينة‪ ،‬وقد غيّر رسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اسمها إلى (طَيْبة)‪.‬‬
‫جعُواْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]13 :‬يعني‪:‬‬
‫ومعنى‪ { :‬لَ ُمقَامَ َلكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]13 :‬أي‪ :‬في الحرب { فَا ْر ِ‬
‫اتركوا محمدا وأتباعه في أرض المعركة واذهبوا‪ ،‬أو { لَ ُمقَامَ َلكُمْ } [الحزاب‪ ]13 :‬أي‪ :‬على‬
‫هذا الدين الذي تنكرونه بقلوبكم‪ ،‬وتساندونه بقوالبكم‪.‬‬
‫ثم يكشف القرآن حيلة فريق آخر يريد الفرار { وَيَسْتَ ْأذِنُ فَرِيقٌ مّ ْن ُهمُ النّ ِبيّ‪[ } ..‬الحزاب‪]13 :‬‬
‫عوْ َرةٌ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]13 :‬أي‪ :‬ليست مُحصّنة‪،‬‬
‫أي‪ :‬في عدم الخروج للقتال { َيقُولُونَ إِنّ بُيُوتَنَا َ‬
‫ول تمنع مَنْ أرادها بسوء‪ .‬يقال‪ :‬بيت عورة إذا كان غير مُحْرز‪ ،‬أو غير محكم ضد مَنْ يطرقه‬
‫يريد به الشر‪ ،‬كأن يكون منخفضا أو مُتهدّم الجدران يسهل تسلّقه‪ ،‬أو أبوابه غير محكمة‪..‬إلخ‪.‬‬
‫كما نقول في العامية (مَنَطّ)‪ ،‬لكن الحق سبحانه يثبت كذبهم‪ ،‬ويبطل حجتهم‪ ،‬فيقول { َومَا ِهيَ‬
‫ِب َعوْ َرةٍ } [الحزاب‪ ]13 :‬إنما العلة في ذلك { إِن يُرِيدُونَ ِإلّ فِرَارا } [الحزاب‪ ]13 :‬أي‪ :‬من‬
‫المعركة إشفاقا من نتائجها ومخاف َة القتل‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ { :‬وََلوْ ُدخَِلتْ عَلَ ْيهِمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)3471 /‬‬
‫وََلوْ دُخَِلتْ عَلَ ْيهِمْ مِنْ َأقْطَارِهَا ثُمّ سُ ِئلُوا ا ْلفِتْنَةَ لَآَ َتوْهَا َومَا َتلَبّثُوا ِبهَا إِلّا يَسِيرًا (‪)14‬‬

‫{ دُخَِلتْ عَلَ ْيهِمْ } [الحزاب‪ ]14 :‬أي‪ :‬البيوت‪ { :‬مِنْ َأقْطَا ِرهَا } [الحزاب‪ ]14 :‬من نواحيها { ثُمّ‬
‫سُئِلُواْ ا ْلفِتْنَةَ } [الحزاب‪ ]14 :‬أي‪ :‬طُلب منهم الكفر { لتَوْهَا } [الحزاب‪ ]14 :‬يعني‪ :‬لكفروا‪.‬‬
‫{ َومَا تَلَبّثُواْ ِبهَآ ِإلّ يَسِيرا } [الحزاب‪ ]14 :‬يعني‪ :‬ما يجعل ال لهم لُبْثا وإقامة إل يسيرا‪ ،‬ثم ينتقم‬
‫ال منهم‪.‬‬

‫(‪)3472 /‬‬
‫عهْدُ اللّهِ مَسْئُولًا (‪)15‬‬
‫وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللّهَ مِنْ قَ ْبلُ لَا ُيوَلّونَ الَْأدْبَا َر َوكَانَ َ‬

‫{ عَاهَدُواْ اللّهَ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]15 :‬أخذ ال عليهم العهد وقَبلوه‪ ،‬وهو ما حدث في بيعة العقبة حين‬
‫عاهدوا رسول ال على الّنصْرة والمؤازرة‪ .‬أو‪ :‬يكون الكلم لقوم فاتتهم بدر وفاتتْهم ُأحُد‪ ،‬فقالواك‬
‫وال لئن وقفنا في حرب أخرى لنبلونّ فيها بلءً حسنا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عهْد ال هو الشيء الذي تعاهد ال عليه‪ ،‬وأول عهد لك مع ال تعالى هو اليمان به‪ ،‬وما ُد ْمتَ‬
‫وَ‬
‫خلّ بأمر من أموره‪ ،‬لن الختلل‬
‫قد آمنتَ بال فانظر إلى ما طلبه منك وما كلّفك به‪ ،‬وإياك أنْ ُت ِ‬
‫ن تنقض ما أكّدته من اليْمان‪،‬‬
‫في أي أمر تكليفي من ال ُيعَد نقصا في إيمانك بال‪ ،‬فل يليق بك أ ْ‬
‫ن وفّ ْيتَ بها ُوفّي لك بها أيضا‪ ،‬فل تأخذ المر من جانبك وحدك‪،‬‬
‫بل يلزمك أن توفي به؛ لنك إ ْ‬
‫ولكن انظر إلى المقابل‪.‬‬
‫واعلم أن ال مُطلع عليك‪ ،‬يعلم خفايا الضمائر وما ُتكِنّه الصدور‪ ،‬فاحذر حينما تعطي العهد أنْ‬
‫تعطيه وأنت تنوي أنْ تخالفه‪ ،‬إياك أنْ تعطي العهد خداعا‪ ،‬فربك ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬يعلم ما‬
‫تفعل‪.‬‬

‫(‪)3473 /‬‬
‫ل وَإِذًا لَا ُتمَ ّتعُونَ إِلّا قَلِيلًا (‪)16‬‬
‫ُقلْ لَنْ يَ ْن َفعَكُمُ ا ْلفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ ا ْل َم ْوتِ َأوِ ا ْلقَتْ ِ‬

‫قوله تعالى لنبيه صلى ال عليه وسلم { قُل } [الحزاب‪ ]16 :‬أي‪ :‬لهؤلء الذين يريدون الفرار من‬
‫المعركة { لّن يَن َفعَكُمُ ا ْلفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ا ْل َم ْوتِ َأوِ ا ْلقَتْلِ } [الحزاب‪ ]16 :‬والقرآن هنا يحتاط‬
‫لمسألة إزهاق الروح‪ ،‬وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين الموت والقتل؛ لذلك يقول تعالى عن نبيه‬
‫عقَابِكُمْ‪} ...‬‬
‫سلُ أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ ا ْنقَلَبْتُمْ عَلَىا أَ ْ‬
‫حمّدٌ ِإلّ رَسُولٌ قَدْ خََلتْ مِن قَبْلِهِ الرّ ُ‬
‫محمد‪َ {:‬ومَا ُم َ‬
‫[آل عمران‪]144 :‬‬
‫فالموت ل يقدر عليه إل واهب الحياة سبحانه‪ ،‬ويكون بنقض الروح أولً بأمر خالقها‪ ،‬ثم يتبعه‬
‫ل بنقض البنية الذي يترتب عليه إزهاق الروح؛‬
‫َنقْض البنية‪ ،‬أما القتل فيقدر عليه الخَلْق‪ ،‬ويتم أو ً‬
‫ت المواصفات المطلوبة لبقاء الروح‪.‬‬
‫لن البنية لم َتعُدْ صالحة لستمرار الروح فيها‪ ،‬بعد أنْ فقد ْ‬
‫والفرار لن يُجدِي في هذه المسألة؛ لن لها أجلً محددا‪ ،‬سواء أكان بال واهب الحياة‪ ،‬أو كان‬
‫بفعل واحد من الخَلْق عصى أمر ال‪ ،‬فهدم البنية التي بناها ال‪ ،‬وما جدوى الفرار من المعركة‪،‬‬
‫وقد رأينا مَنْ شهد المعارك كلها‪ ،‬ثم يموت على فراشه‪ ،‬كخالد بن الوليد الذي يقول‪ :‬لقد شهدتُ‬
‫مائة َزحْف أو زهاءها‪ ،‬وما في جسدي شبر إل وفيه ضربة بسيف‪ ،‬أو طعنة ب ُرمْح‪ ،‬وها أنذا‬
‫أموت على فراشي كما يموت البعير‪ ،‬فل نامتْ أعين الجبناء‪.‬‬
‫ثم يناقشهم القرآن‪ :‬هَبُوا أنكم فررتُم من الموت أو القتل‪ ،‬أتدوم لكم هذه السلمة؟ أتخلدون في هذه‬
‫الحياة؟ { وَإِذا لّ ُتمَ ّتعُونَ ِإلّ قَلِيلً } [الحزاب‪ ]16 :‬وسرعان ما تنتهي الحياة‪ ،‬وتواجهون الموت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذي ل َمفَرّ منه‪ ،‬وكلنا ذاهب إلى هذا المصير‪.‬‬
‫ص ُمكُمْ‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ { :‬قلْ مَن ذَا الّذِي َي ْع ِ‬

‫(‪)3474 /‬‬
‫حمَ ًة وَلَا َيجِدُونَ َلهُمْ مِنْ دُونِ‬
‫صمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أَرَادَ ِب ُكمْ سُوءًا َأوْ أَرَادَ ِبكُمْ َر ْ‬
‫ُقلْ مَنْ ذَا الّذِي َي ْع ِ‬
‫اللّ ِه وَلِيّا وَلَا َنصِيرًا (‪)17‬‬

‫المعنى‪ :‬قل لهم يا محمد مَن الذي { َي ْعصِ ُمكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]17 :‬أي‪ :‬يمنعكم { مّنَ اللّهِ إِنْ أَرَادَ‬
‫حمَةً‪[ } ..‬الحزاب‪ ]17 :‬كما قال في موضع آخر‪ {:‬لَ عَاصِمَ الْ َيوْمَ مِنْ‬
‫ِبكُمْ سُوءا َأوْ أَرَادَ ِب ُكمْ رَ ْ‬
‫َأمْرِ اللّهِ ِإلّ مَن رّحِمَ‪[} ...‬هود‪]43 :‬‬
‫فإذا أراد ال بقوم سوءا فل عاصمَ لهم؛ لنه ل يمتنع أحد مع ال؛ لنه ل يوجد معه سبحانه إله‬
‫آخر يدفع السوء عن هؤلء‪.‬‬
‫حمَةً‪[ ]..‬الحزاب‪ ]17 :‬فكيف‬
‫والشكال الذي يحتاج إلى توضيح هنا قوله تعالى‪َ { :‬أوْ أَرَادَ ِبكُمْ رَ ْ‬
‫تكون العصمة من الرحمة؟ قالوا‪ :‬يعصم هنا بمعنى يمنع‪ ،‬والمعنى‪ :‬ل يمنع أحد من أعدائكم‬
‫رحمة ال إنْ أراد ال بكم رحمة‪.‬‬
‫ت على صورة الخبر‪ ،‬فلم َي ُقلْ القرآن‬
‫ونلحظ على سياق الية أنها جاءت بأسلوب الستفهام‪ ،‬ولم ت ْأ ِ‬
‫لمحمد صلى ال عليه وسلم‪ :‬قل يا محمد‪ ،‬ل يُعصَم أحد من ال إنْ أرادكم بسوء‪ ،‬لن الجملة‬
‫الخبرية محتملة للصدق وللكذب‪ ،‬إنما شاء ال أن يجعلها جملة إنشائية استفهامية؛ ليقرروا هم‬
‫بأنفسهم هذه الحقيقة‪ ،‬كأنه تعالى يقول لهم‪ :‬لقد ارتضيتُ حكمكم أنتم‪ ،‬ولو لم يكُنْ الحق سبحانه‬
‫واثقا من أن الجواب لن يأتي إل‪ :‬ل أحدَ َلمَا جاء بالسلوب في صورة استفهام‪ ،‬إذن‪ :‬فالستفهام‬
‫هنا آكد في تقرير صِدْق هذه الجملة‪.‬‬
‫كذلك أنت تلجأ إلى هذا السلوب في الردّ على مَنْ ينكر جميلك‪ ،‬فتقول‪ :‬ألم ُأحْسِن إليك يوم كذا‬
‫وكذا؟ فل يملك عندها إل القرار‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪َ { :‬ولَ يَجِدُونَ َل ُهمْ مّن دُونِ اللّ ِه وَلِيّا وَلَ َنصِيرا } [الحزاب‪ ]17 :‬الولي‪ :‬هو‬
‫القريب منك‪ ،‬وأنت ل تُقرّب منك إل مَنْ ترجو نفعه‪ ،‬هو الذي يليك أو يُواليك‪ ،‬فحبّه يسبق‬
‫الحدث‪ ،‬فإذا ما جاء الحدث حمله حبّه لك على أنْ يدافع عنك‪.‬‬
‫والنصير‪ :‬قريب من معنى الولي‪ ،‬ويدافع أيضا عنك‪ ،‬لكن يأتي دفاعه بعد الحدث‪ ،‬وقد يكون ممّنْ‬
‫ل قرابةَ بينك وبينهم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمعنى‪ :‬حين يريد ال أحدا بسوء فلن يجد أحدا يمنعه من ال‪ ،‬ل الولّي ول النصير‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬قدْ َيعْلَمُ اللّهُ ا ْل ُم َع ّوقِينَ‪.} ...‬‬

‫(‪)3475 /‬‬
‫خوَا ِنهِمْ هَلُمّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلّا قَلِيلًا (‪)18‬‬
‫قَدْ َيعَْلمُ اللّهُ ا ْل ُمعَ ّوقِينَ مِ ْنكُ ْم وَا ْلقَائِلِينَ لِإِ ْ‬

‫قد‪ :‬حرف يفيد التحقيق‪ ،‬خاصة إذا جاءتْ من الحق سبحانه‪ ،‬ويأتي معها الفعل في صيغة‬
‫الماضي‪ ،‬لكن هنا { َقدْ َيعْلَمُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]18 :‬فجاء الفعل بصيغة المضارع‪ ،‬وهذا يعني أن‬
‫الحدث الذي يقع الن سيثبت أن ال يعلم المُعوّقين‪ ،‬وقد علم أزلً‪.‬‬
‫فإنْ قُ ْلتَ‪ :‬فالحق سبحانه يعلم قبل أنْ يكون هناك تعويق‪ ،‬نقول‪ :‬فَرْق بين أنْ يعلم المر قبل أنْ‬
‫يقع‪ ،‬وأنْ يعلمه إذ يقع‪ ،‬فقد يقول قائل‪ :‬علمتُ وسوف تجازيني على ما تعلم سابقا‪ ،‬لكن لو تركتني‬
‫في المستقبل لن تحدث مني مخالفة‪ .‬إذن‪ :‬فالحق سبحانه يريد أن يؤكد هذا المر‪ .‬والمعوّق‪ :‬هو‬
‫الذي يضع العوائق أمام مرادك‪ ،‬ويُثبّط ِهمّتك ويُخذّلك‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬هَُلمّ إِلَيْنَا‪[ } ..‬الحزاب‪ ]18 :‬يعني‪ :‬أقبل وتعال‪ .‬وكلمة (هلم) تأتي هكذا بصيغة المفرد‬
‫شهَدَآ َءكُمُ الّذِينَ‬
‫دائما مع المفرد والمثنى والجمع‪ ،‬ومع المذكر والمؤنث‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪ُ {:‬قلْ هَُلمّ ُ‬
‫شهَدُونَ أَنّ اللّهَ حَرّمَ هَـاذَا‪[} ...‬النعام‪ ]150 :‬أي‪ :‬هاتوا‪ ،‬وهذه هي اللغة الفصيحة‪.‬‬
‫يَ ْ‬
‫وفي لغة من لغات تهامة يُلحقون بها علمة التثنية والجمع‪ ،‬والتذكير والتأنيث‪ ،‬فيقولون‪ :‬هلم‬
‫وهلمي وهلما وهلموا‪ ،‬ولجمع الناث هَُلمْنَ‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ :‬قوله { َولَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ ِإلّ قَلِيلً } [الحزاب‪ ]18 :‬البأس أي‪ :‬الحرب‪ ،‬كما جاء في‬
‫س ُكمْ‪[} ...‬النبياء‪]80 :‬‬
‫حصِ َنكُمْ مّن بَأْ ِ‬
‫قوله تعالى‪ {:‬وَعَّلمْنَاهُ صَ ْنعَةَ لَبُوسٍ ّلكُمْ لِ ُت ْ‬
‫وقال سبحانه‪ {:‬وَالصّابِرِينَ فِي الْبَ ْأسَآ ِء والضّرّا ِء َوحِينَ الْبَأْسِ‪[} ...‬البقرة‪ ]177 :‬ففَرْق بين البأس‬
‫والبأساء‪ :‬البأس أي‪ :‬الحرب‪ .‬أما البأساء‪ ،‬فكل ما يصيب النسان من مكروه في غير ذاته كفَقْد‬
‫ولد‪ ،‬أو خسارة مال‪..‬إلخ‪ ،‬أما الضراء فما يصيب النسان في ذاته‪ ،‬كمرض أو نحوه‪.‬‬
‫سكُمْ‪} ...‬‬
‫حصِ َنكُمْ مّن بَ ْأ ِ‬
‫ومن ذلك قول ال تعالى عن سيدنا داود‪ {:‬وَعَّلمْنَا ُه صَ ْنعَةَ لَبُوسٍ ّلكُمْ لِتُ ْ‬
‫[النبياء‪]80 :‬‬
‫ن المقَاتِل فيه‪ ،‬وعلى أجهزته الحيوية‬
‫والمراد‪ :‬صناعة الدروع التي يلبسها النسان على مظا ّ‬
‫كالصدر والقلب والرأس‪ ،‬ولها غطاء خاص (الخوذة)‪ ،‬وتُصنع الدروع مُسنّنة‪ .‬أي‪ :‬بها تموّج‬
‫وتجاويف‪ ،‬بحيث تتلقى ضربات السيف بإحكام‪ ،‬فل تنفلت الضربة إلى مكان آخر فتؤذيه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك يقول تعالى لنبيه داود عن هذه الصنعة{ َوقَدّرْ فِي السّ ْردِ‪[} ...‬سبأ‪ ]11 :‬أي‪ :‬في إحكام هذه‬
‫الحلقات المتداخلة‪.‬‬
‫وفَرْق أيضا هنا بين لَبُوس ولباس‪ :‬اللباس هو ما يقي النسان تقلبات الجو‪ ،‬ويستر عورته أثناء‬
‫المن وسلم الحياة‪ ،‬وهذه هي الملبس العادية التي يرتديها الناس‪.‬‬
‫ج َعلَ َل ُكمْ‬
‫ج َعلَ َلكُمْ مّنَ ا ْلجِبَالِ َأكْنَانا وَ َ‬
‫للً وَ َ‬
‫ج َعلَ َلكُمْ ّممّا خَلَقَ ظِ َ‬
‫وفيها يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَاللّهُ َ‬
‫سكُمْ َكذَِلكَ يُتِمّ ِن ْعمَتَهُ عَلَ ْي ُكمْ َلعَّلكُمْ ُتسِْلمُونَ }[النحل‪]81 :‬‬
‫سَرَابِيلَ َتقِيكُمُ ا ْلحَ ّر وَسَرَابِيلَ َتقِيكُم بَأْ َ‬
‫أما كلمة (لَبُوس) فهي المُعدّة لحالة الحرب كالدروع ونحوها؛ لذلك جاءت بصيغة دالة على‬
‫التضخيم (لَبُوس)‪.‬‬
‫وهذه الية تلفتنا إلى مظهر من مظاهر الدقة في الداء القرآني المعجز‪ ،‬فالية هنا ذكرت (الحَرّ)‪،‬‬
‫ولم تذكر شيئا عن المقابل له‪ ،‬وهو البرد‪ ،‬والعلماء عادةً ما يلجئون إلى تقدير هذا المحذوف عند‬
‫ن يكملوا أسلوب القرآن‪ ،‬وهذا ل يجوز‪.‬‬
‫تفسير الية‪ ،‬فيقولون‪ :‬أي تقيكم الحر والبرد‪ ،‬يريدون أ ْ‬
‫وحين نمعن النظر في هذه الية‪ ،‬نجد أن ال تعالى خلق الظلل لتقينا حرارة الشمس‪ ،‬وجعل‬
‫اللباس‪ ،‬وكذلك جعل لنا الكنان في الجبال‪ ،‬وال خلق الحرّ على هذه الصورة التي ل يتحملها‬
‫النسان؛ لن للحر مهمة في حياتنا‪ ،‬فحرارة الشمس تخدمك في أمور كثيرة‪ ،‬وإنْ كانت تضايقك‬
‫حمَاك بالظل واللباس والكنان من‬
‫بعض الوقت‪ ،‬فالحق سبحانه أبقاها لتؤدي مهمةَ خير لك‪ ،‬ثم َ‬
‫شّرها‪.‬‬
‫فإنْ قُ ْلتَ‪ :‬فهذه الشياء تقيني أيضا البرد‪ ،‬نقول‪ :‬إياك أنْ تظن أن الدفء يأتيك من غطاء ثقيل أو‬
‫ملبس شتوية‪ ،‬إنما الدفء من ذاتك أنت‪ ،‬فأنت تدفئ (البطانية) والفراش الذي تنام عليه‪ ،‬بدليل‬
‫أنك ساعة تأتي فراشك لتنام تجده باردا‪ ،‬ثم بعد مرور ساعات الليل تجده في الصباح دافئا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فحرارتك الذاتية انتقَلتْ إلى الغطاء فأدفأَته‪ ،‬وكل ما يؤديه الغطاء أنه يحفظ حرارة جسمك‬
‫بداخله‪ ،‬فل تتبدد في الهواء المحيط بك‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬لما درس العلماء مسألة حرارة جسم النسان وجدوا فيها مظهرا من مظاهر قدرة ال‪،‬‬
‫فالنسان تُشع منه حرارة تكفي في أربع وعشرين ساعة ِلغَلْي سبعة عشر لترا من الماء‪ ،‬ومعدل‬
‫هذه الحرارة في الجسم ْ‪ 37‬ثابتة في قيظ الحر وبرد الشتاء‪ ،‬مما يدل على أن لجسمك ذاتية‬
‫منفصلة تماما عن الجو المحيط بك‪.‬‬
‫ومن عجائب خَلْق النسان أن هذه الحرارة تتفاوت من عضو إلى عضو آخر‪ ،‬والجسم واحد‪،‬‬
‫فأعضاء حرارتها ما بين ‪7‬درجه ‪9 -‬درجه كالنف والذن والعين‪ ،‬ولو زادتْ حرارة العين عن‬
‫هذا المعدل تنفجر‪ ،‬أما الكبد فحرارته ‪ 40‬درجه‪..‬إلخ‪ ،‬ومعلوم أن الحرارة تُحدِث استطراقا في‬
‫الجسم الواحد‪ ،‬وفي المكان الواحد‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومن عجائب خَلْق النسان في هذه المسألة العَرَق الذي يتصبب منك في حالة تعرضك للحرارة‬
‫الشديدة‪ ،‬فيخرج العرق من مسامّ الجسم‪ ،‬ليُلطف من درجة حرارته‪ ،‬ويُحدِث عملية تبريد‪ ،‬كالتي‬
‫ل في موتور السيارة‪ ،‬حتى عندنا في الفلحين تجد الفلح من كثرة عمله في الرض‬
‫نراها مث ً‬
‫وكثرة عرقه تتكون على جسمه طبقة مثل الجير‪ ،‬وهذه أملح تخرج مع العرق؛ لذلك يكثر في‬
‫هؤلء الفلحين أكل (المش) و (المخللت) لتعويض نسبة الملح المفقودة مع العرق‪ ،‬إذن‪:‬‬
‫فالحق سبحانه لم يقل (والبرد)‪ ،‬لن الدفء كما رأينا ذاتي‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَلَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ ِإلّ قَلِيلً { [الحزاب‪ ]18 :‬وهذه القلة مستثناه‪ :‬إما من التيان‪ ،‬أو‬
‫أنهم يأتون البأس‪ ،‬لكن قلة منهم يُقاتلون بهمة ونشاط‪ ،‬والباقون أتوْا ذَرّا للرماد في العيون ‪ -‬كما‬
‫يقولون ولئل يُتهموا بالتخلف عن رسول ال‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬أَشِحّةً عَلَ ْيكُمْ فَِإذَا‪.{ ...‬‬

‫(‪)3476 /‬‬
‫خ ْوفُ رَأَيْ َت ُهمْ يَنْظُرُونَ إِلَ ْيكَ َتدُورُ أَعْيُ ُنهُمْ كَالّذِي ُي ْغشَى عَلَ ْيهِ مِنَ ا ْل َم ْوتِ فَِإذَا‬
‫شحّةً عَلَ ْيكُمْ فَإِذَا جَاءَ ا ْل َ‬
‫أَ ِ‬
‫عمَاَلهُ ْم َوكَانَ ذَِلكَ‬
‫شحّةً عَلَى ا ْلخَيْرِ أُولَ ِئكَ لَمْ ُي ْؤمِنُوا فَأَحْ َبطَ اللّهُ أَ ْ‬
‫خ ْوفُ سََلقُوكُمْ بِأَ ْلسِنَةٍ حِدَادٍ أَ ِ‬
‫ذَ َهبَ ا ْل َ‬
‫عَلَى اللّهِ َيسِيرًا (‪)19‬‬

‫علَ ْيكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]19 :‬الشح في معناه العام هو البخل‪ ،‬لكن الشحيح الذي‬
‫شحّةً َ‬
‫قوله تعالى‪ { :‬أَ ِ‬
‫يبخل على الغير‪ ،‬وقد يكون كريما على نفسه وعلى أهله‪ ،‬أما البخيل فهو الذي يبخل حتى على‬
‫نفسه؛ لذلك قال تعالى‪ { :‬أَشِحّةً عَلَ ْيكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]19 :‬ليس على أنفسهم‪.‬‬
‫وأنت حين تتأمل الصفات المذمومة في الكون تجدها ضرورية لحقائق تكوين الكون‪ ،‬وتجد لها‬
‫ن الشحّاءَ أسْخَى الناسِ قَاطِب ًة لنّهم مَلكُوا الدّنيا‬
‫مهمة؛ لذلك َفطِن الشاعر إلى هذه المسألة‪ ،‬فقال‪:‬إ ّ‬
‫طوْا هُموا كُل الذِي ج َمعُواوآخر يرى‬
‫َومَا انت َفعُوالم َيحْ ِرمُوا الناسَ من َب ْعضِ الذي مَلكُوا إلّ لِ ُيعْ َ‬
‫خفّتِهِ علَى َنفْسِينعم‪ ،‬البخيل خفيف على‬
‫للبخيل فضلً عليه‪ ،‬فيقول‪:‬جُزِى البخيلُ عليّ صالحةً مِنّّى ل ِ‬
‫النفس؛ لنه لم َيجُدْ عليك بشيء يأسرك به‪ ،‬ولم يستعبدك في يوم من اليام بالحسان إليك‪ ،‬فهو‬
‫خفيف على نفسك؛ لنك لستَ مدينا له بشيء‪.‬‬
‫حسَانُفالبخل‬
‫ن إلىَ النّاسِ تَسْتعبدِ قُلُو َبهُم وطَالَما اسْتعبَد النْسانَ إ ْ‬
‫وهذا على حَ ّد قول الشاعر‪َ:‬أحْسِ ْ‬
‫وإنْ كان مذموما‪ ،‬فقد ركزه ال في بعض الطباع ليعين التضاد‪ ،‬ومعنى " يعين التضاد " أن البخل‬
‫مقابله الكرم‪ ،‬والبخيل يعاون الكريم على أداء مهمته‪ ،‬فالكريم عادة (إيده سايبه)‪ ،‬ينفق هنا وهناك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حتى ينفد ما معه‪ ،‬ومن أهل الكرم مَنْ يلجأ إلى أنْ يبيع أرضه أو بيته في سبيل كرمه‪ ،‬فمَنْ‬
‫يشتري منه إذن إذا لم يكُنْ هناك مَنْ يكنز المال ويبخل به؟‬
‫إذن‪ :‬لو نظرتَ إلى كل شيء في الوجود تجد له مهمة‪ ،‬حتى إنْ كان مذموما‪ ،‬ثم إن البخيل كثيرا‬
‫ما يكون ظريفا ل يخلو مجلسه من ظُرْفه‪ ،‬فقد كنا في بواكير شبابنا نشرب السجائر‪ ،‬فكان الواحد‬
‫منا يُخرج علبة السجائر يوزعها على الحاضرين‪ ،‬وربما ل تكفي واحدة فأخرج الخرى‪ ،‬وكان‬
‫في مجلسنا واحد من هؤلء‪ ،‬فنظر إليّ في غَيْظ وقال (يا قلبك يا أخي)‪.‬‬
‫وقد كانت هذه السجائر سببا في أننا جُرْنا على شبابنا‪ ،‬فكان لها أثر بالغ علينا في الكِبَر‪ ،‬فليحْمِ‬
‫الشباب شبابهم ول يدمروه بمثل هذه الخبائث المحرمة‪.‬‬
‫خ ْوفُ رَأَيْ َتهُمْ يَنظُرُونَ إِلَ ْيكَ تَدُورُ أَعْيُ ُنهُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]19 :‬أي‪:‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ { :‬فَإِذَا جَآءَ الْ َ‬
‫في ساعة الفزع‪ ،‬يأخذ الفزع أبصارهم‪ ،‬فينظرون هنا وهناك‪ ،‬ل تستقر أبصارهم‪ ،‬ول تسكن إلى‬
‫شيء‪ ،‬زاغتْ أبصارهم { كَالّذِي ُيغْشَىا عَلَيْهِ مِنَ ا ْل َم ْوتِ‪[ } ..‬الحزاب‪]19 :‬‬
‫ومن ذلك الخبر‪ " :‬إنكم لتكثرون عند الفزع‪ ،‬وتَقلّون عند الطمع "‪.‬‬
‫سَلقُوكُمْ بِأَ ْلسِنَةٍ حِدَادٍ‪[ } ..‬الحزاب‪]19 :‬‬
‫خوْفُ َ‬
‫كان هذا حالهم عند الخوف والفزع { فَإِذَا ذَ َهبَ ا ْل َ‬
‫معنى { سََلقُوكُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]19 :‬آلموكم وآذوكم بألسنتهم‪ ،‬وقالوا لكم‪ :‬أعطونا حقنا‪ ،‬فقد حاربنا‬
‫معكم‪ ،‬ولول نحن ما انتصرتُمْ على عدوكم‪ ،‬إلى غير ذلك من التطاول بالقول واليذاء والتأنيب‪.‬‬
‫وهذا كله من معاني (السلق) ومنه‪ :‬سلق اللحم ونحوه‪ ،‬وهو أنْ يغلي في الماء دون أنْ تضيف إليه‬
‫شيئا‪ ،‬ومثله السلخ‪ ،‬فكلها معانٍ تلتقي في اليلم‪.‬‬
‫وعادةً ما تجد في اللغة إذا اشترك اللفظان في حرفين‪ ،‬واختلفا في الثالث تجد أن لهما معنى عاما‬
‫يجمعهما كما في سلق وسلخ‪ ،‬وفي‪ :‬قطف‪ ،‬وقطر‪ ،‬وقطم‪ .‬وكلها تلتقي في النفصال‪.‬‬
‫حدَادٍ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]19 :‬حداد يعني‪ :‬حادة فصيحة بملء الفم‪ ،‬كما في قوله‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬بِأَلْسِنَةٍ ِ‬
‫حدِيدٌ }[ق‪]22 :‬‬
‫تعالى‪ {:‬فَ َبصَ ُركَ الْ َيوْمَ َ‬
‫شحّةً عَلَ ْيكُمْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]19 :‬أكدّ‬
‫ومعنى } َأشِحّةً عَلَى الْخَيْرِ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]19 :‬بعد أنْ قال } أَ ِ‬
‫هذا المعنى بقوله } أَشِحّةً عَلَى الْخَيْرِ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]19 :‬أي‪ :‬في عمومه‪.‬‬
‫} أوْلَـا ِئكَ لَمْ ُي ْؤمِنُواْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]19 :‬لنهم لو آمنوا لَعلموا أن الشحّ‪ ،‬شُحّ عليهم هم‪ ،‬وليس في‬
‫صالحهم؛ لن الكريم يستزيد من ال العطاء‪ ،‬أما الشحيح فليس له زيادة؛ لذلك يقول تعالى‪ {:‬هَاأَن ُتمْ‬
‫خلُ عَن ّنفْسِهِ‪[} ...‬محمد‪:‬‬
‫خلْ فَإِ ّنمَا يَبْ َ‬
‫ل َومَن يَبْ َ‬
‫خُ‬
‫عوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َفمِنكُم مّن يَبْ َ‬
‫هَـا ُؤلَءِ تُدْ َ‬
‫‪]38‬‬
‫وربك حين يراك تنفق مما أعطاك يزيدك؛ لنك مؤتمن على الرزق؛ لذلك يقول أحد الصالحين‪:‬‬
‫اللهم إنك عوّدتني خيرا‪ ،‬وعوّ ْدتُ خلقك خيرا‪ ،‬فل تقطع ما عوّدتني حتى ل أقطع عن الناس ما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عوّدتهم‪ .‬إذن‪ :‬فالعطاء استدرار لنعمة ال‪ ،‬وسبب للمزيد منها‪.‬‬
‫و َهبْ أن لك عدة أولد‪ ،‬أعطيتَ لواحد منهم جنيها مثلً‪ ،‬فذهب واشترى به حلوى‪ ،‬ثم وزّعها‬
‫على إخوته‪ ،‬ولم يُؤثِر نفسه عليهم‪ ،‬ل بُدّ أنك ستأتمنه‪ ،‬وتعطيه المزيد؛ لن الخير في يده يفيض‬
‫على الخرين‪.‬‬
‫عمَاَلهُ ْم َوكَانَ ذَِلكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرا { [الحزاب‪ ]19 :‬أي‪ :‬أنهم‬
‫ونتيجة عدم اليمان } فَأَحْ َبطَ اللّهُ أَ ْ‬
‫عملوا‪ ،‬لكن أعمالهم ل رصيدَ لها من إيمان؛ لذلك أحبطها ال أي‪ :‬جعلها غير ذات جدوى ول‬
‫عمَاُلهُمْ‬
‫فائدةَ تعود عليهم‪ .‬وهذه القضية أوضحها القرآن في قوله تعالى‪ {:‬مّ َثلُ الّذِينَ َكفَرُواْ بِرَ ّبهِمْ أَ ْ‬
‫شيْءٍ ذاِلكَ ُهوَ الضّلَلُ الْ َبعِيدُ‬
‫ف لّ َيقْدِرُونَ ِممّا كَسَبُواْ عَلَىا َ‬
‫ص ٍ‬
‫كَ َرمَادٍ اشْ َت ّدتْ بِهِ الرّيحُ فِي َيوْمٍ عَا ِ‬
‫}[إبراهيم‪]18 :‬‬
‫ق ال تعالى نقول‪ :‬هذا صعب‪ ،‬وهذا يسير؟‬
‫وهذا الحباط أمر يسير على ال تعالى‪ ،‬لكن أفي حَ ّ‬
‫قالوا‪ :‬كلّ أمر ال يسير؛ لنه تعالى ل يفعل بمعالجة الشيء إنما يفعل سبحانه بكن‪ ،‬وسبق أن مثلنا‬
‫لمعالجة الفعال بمَنْ يريد أنْ ينقل مثلً عشرة أرادبّ من القمح‪ ،‬فإنه ل يستطيع إل أنْ يحملها‬
‫مُجزّأة‪ ،‬فينقل (الجُوال) من هنا إلى هناك‪ ،‬ثم الخر‪ ،‬إلى أنْ ينتهي من الكمية كلها‪ ،‬ويأخذ في هذا‬
‫العمل وقتا يتناسب مع قوته‪.‬‬
‫فلما تقدّم العلم‪ ،‬وتطوّر الفكر النساني رأينا اللة التي تحمل كل هذه الكمية وتنقلها في حركة‬
‫واحدة‪ ،‬وبمجرد الضغط على مجموعة من الزرار والمفاتيح‪ ،‬فإذا كان العبد المخلوق ل عز‬
‫وجل قد استطاع أنْ يصل إلى هذا التيسير‪ ،‬فما بالك بالخالق عز وجل؟‬
‫لذلك يقول تعالى‪:‬‬
‫{ إِ ّنمَآ َأمْ ُرهُ ِإذَآ أَرَادَ شَيْئا أَن َيقُولَ لَهُ كُن فَ َيكُونُ }[يس‪ ]82 :‬ول تتعجب من هذه المسألة؛ لن ربك‬
‫أعطاك في ذاتك شيئا منها‪ ،‬لماذا تستبعد ِفعْل ال تعالى بكُنْ‪ ،‬وأنت ترى جوارحك تنفعل لمجرد‬
‫إرادتك للفعل‪ ،‬مجرد رغبتك في القيام ترى نفسك قد ُق ْمتَ‪ ،‬دون حتى أن تأمر جوارحك‬
‫وعضلتك بالقيام‪.‬‬
‫ن قلتَ‪ :‬فلماذا ل يأمر النسان جوارحه وأعضاءه بما يريد؟ نقول‪ :‬لنك ل تملك أنْ تأمرها‪،‬‬
‫فإ ْ‬
‫فهي تنقاد لك ولمرادك بأمر ال‪ ،‬فالشياء كلها إنما تأتمر بأمر الخالق سبحانه‪ ،‬ول تتخلف عن‬
‫حقّتْ }[النشقاق‪]2 :‬‬
‫أمره أبدا‪ ،‬ألم تقرأ عن السماء{ وَأَذِ َنتْ لِرَ ّبهَا َو ُ‬
‫فالسماء مع عِظَم خَلْقها تسمع وتطيع أمر خالقها؛ أما أنت أيها العبد‪ ،‬فأيّ شيء تأمر‪ ،‬وأنت ل‬
‫تعرف أصلً ما تأمره؟ وهل تعرف أنت العضلت والعضاء والعصاب التي تشترك بداخلك‬
‫لداء عملية القيام؟ لذلك ولعدم علمك بما تأمره جعل ال أعضاءك وجوارحك تنفعل لمجرد‬
‫إرادتك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما هو سبحانه فيقول (كُنْ) لنه خالق كل شيء‪ ،‬وكل شيء مؤتمر بأمره‪ ،‬وقال سبحانه (كُنْ)‬
‫حتى ل تقولها أنت‪ ،‬فكأنها سبقتْ منه سبحانه لصالحك أنت‪ ،‬وأنت تفعل من باطن كُنْ الولى التي‬
‫عتْ علينا جميعا‪.‬‬
‫توزّ َ‬

‫(‪)3477 /‬‬
‫حسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَ ْأتِ الَْأحْزَابُ َيوَدّوا َلوْ أَ ّنهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ‬
‫يَ ْ‬
‫أَنْبَا ِئكُ ْم وََلوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلّا قَلِيلًا (‪)20‬‬

‫القرآن الكريم يحكي هذا الموقف عن المنافقين‪ ،‬ويكشف نواياهم السيئة‪ ،‬فبعد أنْ تجمّع الحزاب‬
‫لحْزَابَ لَمْ‬
‫حسَبُونَ ا َ‬
‫وخرجوا لمحاربة النبي صلى ال عليه وسلم ما يزال هؤلء المنافقون { يَ ْ‬
‫يَذْهَبُواْ‪[ } ....‬الحزاب‪ ]20 :‬فهذا التجمّع يخيفهم ويروعهم؛ لذلك لم يُصدّقوه‪ ،‬فقد رأوا النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ينتصر على أعدائه متفرقين‪ ،‬وهذه هي المرة الولى التي يجتمع فيها أعداء‬
‫السلم على اختلفهم‪.‬‬
‫حدَثا يُذكر‬
‫ن يصنعوا َ‬
‫إذن‪ :‬استبعد المنافقون تجمّع الحزاب هذا التجمع‪ ،‬وبعد ذلك ينفضون دون أ ْ‬
‫في التاريخ‪.‬‬
‫والحُسْبان‪ :‬ظن‪ ،‬أي‪ :‬ليس حقيقة‪.‬‬
‫ت الَحْزَابُ َيوَدّواْ َلوْ أَ ّنهُمْ بَادُونَ فِي الَعْرَابِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]20 :‬أي‪ :‬إنْ يتجمع‬
‫{ وَإِن يَ ْأ ِ‬
‫الحزاب يو ّد المنافقون لو أنهم بادون أي‪ :‬مقيمون في البادية بعيدا عن المدينة؛ لنهم يخافون من‬
‫مطلق التجمع‪ ،‬ولنهم إنْ َبقَوْا في المدينة إما أنْ يحاربوا الحزاب وهم غير واثقين من النصر‪،‬‬
‫وإما ألّ يحاربوا فيصيرون أعداءً للمسلمين‪.‬‬
‫فهم يريدون ‪ -‬إذن ‪ -‬أنْ يعيشوا في النفاق‪ ،‬وألّ يخرجوا منه؛ لذلك يودون عيشة البادية مع‬
‫العراب‪ ،‬ومن بعيد { يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآ ِئ ُكمْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]20 :‬أي‪ :‬ما حدث لكم في هذه‬
‫المواجهة‪.‬‬
‫ثم يقرر القرآن هذه الحقيقة‪ { :‬وََلوْ كَانُواْ فِيكُمْ مّا قَاتَلُواْ ِإلّ قَلِيلً } [الحزاب‪ ]20 :‬أي‪ :‬درْءا‬
‫للشبهات‪ ،‬وذَرّا للرماد في العيون‪ ،‬إذن‪ :‬ل ت ْأسَ عليهم‪ ،‬ول تحزن لتخلّفهم‪.‬‬

‫(‪)3478 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حسَنَةٌ ِلمَنْ كَانَ يَ ْرجُو اللّ َه وَالْ َيوْمَ الْآَخِ َر وَ َذكَرَ اللّهَ كَثِيرًا (‪)21‬‬
‫س َوةٌ َ‬
‫َلقَدْ كَانَ َلكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُ ْ‬

‫أسوة‪ :‬قدوة ونموذج سلوكي‪ ،‬والرسول صلى ال عليه وسلم مُبلّغ عن ال منهجه لصيانة حركة‬
‫النسان في الحياة‪ ،‬وهو أيضا صلى ال عليه وسلم أُسْوة سلوك‪ ،‬فما أيسر أنْ يعظ النسانُ‪ ،‬وأنْ‬
‫ن يعمل على َوفْق منطوق كلمه ومراده‪ ،‬وكذلك كان سيدنا رسول ال مُبلّغا وأسوة‬
‫يتكلّم‪ ،‬المهم أ ْ‬
‫سلوكية؛ لذلك قالت عنه السيدة عائشة رضي ال عنها‪ " :‬كان خلقه القرآن "‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬ما السوة الحسنة التي قدّمها رسول ال في مسألة الحزاب؟ لمّا تجمّع الحزاب كان من‬
‫دعائه صلى ال عليه وسلم‪ " :‬اللهم مُنزلَ الكتاب‪ ،‬سريعَ الحساب‪ ،‬اهزم الحزاب‪ ،‬اللهم اهزمهم‬
‫وزلزلهم "‪.‬‬
‫وجعل شعاره اليماني فيما بعد " ل إله إل ال وحده‪ ،‬صدق وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وأعزّ جنده‪،‬‬
‫وهزم الحزاب وحده " وما دام هذه شعار المصطفى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهو لكم ُأسْوة‪.‬‬
‫وقال تعالى عن المؤمنين في هذه الغزوة‪ {:‬وَزُلْزِلُواْ حَتّىا َيقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ مَتَىا‬
‫َنصْرُ اللّهِ‪[} ...‬البقرة‪]214 :‬‬
‫وفي بدر يقول أبو بكر‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬بعض مناشدتك ربك‪ ،‬فإن ال منجز لك ما وعدك‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬إذا كان ال تعالى قد وعد نبيه بالنصر‪ ،‬فَلِم اللحاح في الدعاء؟ نقول‪ :‬ما كان‬
‫ولقائل أ ْ‬
‫سيدنا رسول ال يُلح في الدعاء من أجل النصر؛ لنه وَعْد مُحقّق من ال تعالى‪.‬‬
‫ش ْوكَةِ َتكُونُ َلكُمْ‬
‫حدَى الطّا ِئفَتِيْنِ أَ ّنهَا َلكُ ْم وَ َتوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ ال ّ‬
‫واقرأ قوله تعالى‪ {:‬وَإِذْ َيعِ ُد ُكمُ اللّهُ إِ ْ‬
‫طعَ دَابِرَ ا ْلكَافِرِينَ }[النفال‪]7 :‬‬
‫حقّ الحَقّ ِبكَِلمَا ِت ِه وَيَقْ َ‬
‫وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُ ِ‬
‫فالرسول ل يريد النتصار على العِير‪ ،‬وعلى تجارة قريش‪ ،‬إنما يريد النفير الذي خرج للحرب‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬فِي َرسُولِ اللّهِ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]21 :‬كأن الُسْوة الحسنة مكانها كل رسول ال‪ ،‬فهو‬
‫صلى ال عليه وسلم ظرف للُسْوة الحسنة في كل عضو فيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ففي لسانه‬
‫أُسْوة حسنة‪ ،‬وفي عينه أُسْوة حسنة‪ ،‬وفي يده ُأسْوة حسنة‪..‬إلخ‪ ،‬كله صلى ال عليه وسلم أُسْوة‬
‫حسنة‪.‬‬
‫هذه الُسْوة لمَنْ؟ { ّلمَن كَانَ يَرْجُو اللّ َه وَالْ َيوْمَ الخِ َر وَ َذكَرَ اللّهَ كَثِيرا } [الحزاب‪]21 :‬‬
‫وصف ذكر ال بالكثرة؛ لن التكاليف اليمانية تتطلب من النفس استعدادا وتهيؤا لها‪ ،‬وتؤدي إلى‬
‫مشقة‪ ،‬أما ِذكْر ال فكما قُلْنا ل يكلفك شيئا‪ ،‬ول يشق عليك؛ لذلك قال تعالى‪ {:‬وَلَ ِذكْرُ اللّهِ‬
‫َأكْبَرُ‪[} ...‬العنكبوت‪]45 :‬‬
‫يعني‪ :‬أكبر من أيّ طاعة أخرى؛ لنه يسير على لسانك‪ ،‬تستطيعه في كل عمل من أعمالك‪ ،‬وفي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لةُ فَانتَشِرُواْ فِي الَ ْرضِ‬
‫كل وقت‪ ،‬وفي أيّ مكان‪ ،‬ولذلك قُلْنا في آية الجمعة‪ {:‬فَإِذَا ُقضِيَتِ الصّ َ‬
‫ضلِ اللّ ِه وَا ْذكُرُواْ اللّهَ كَثِيرا‪[} ...‬الجمعة‪]10 :‬‬
‫وَابْ َتغُواْ مِن َف ْ‬

‫(‪)3479 /‬‬
‫وََلمّا َرأَى ا ْل ُم ْؤمِنُونَ الَْأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللّ ُه وَرَسُولُهُ وَصَ َدقَ اللّ ُه وَرَسُولُ ُه َومَا زَادَ ُهمْ إِلّا‬
‫إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (‪)22‬‬

‫أي‪ :‬لما رأى المؤمنون الحزاب منصرفين مهزومين { قَالُواْ هَـاذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُ ُه َوصَدَقَ‬
‫اللّ ُه وَرَسُوُل ُه َومَا زَادَ ُهمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]22 :‬أي‪ :‬هذا النصر‪ ،‬وهذا الوعد الذي تحقق ما زادهم‬
‫{ ِإلّ إِيمَانا وَتَسْلِيما } [الحزاب‪]22 :‬‬
‫وهذه المسألة دليل من أدلة أن اليمان يزيد وينقص‪ ،‬فاليمان يزيد بزيادة الجزئيات التي تُعليه‪،‬‬
‫صدْق الحق في كلّ‬
‫فبعد اليمان بالحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬هناك إيمان بالجزئيات التي تثبت ِ‬
‫تصرف‪.‬‬
‫وتسليما‪ :‬أي ل في كلّ ما يُجريه على العباد‪.‬‬

‫(‪)3480 /‬‬
‫ل صَ َدقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ َفمِ ْنهُمْ مَنْ َقضَى َنحْبَ ُه َومِ ْنهُمْ مَنْ يَنْ َتظِ ُر َومَا َبدّلُوا‬
‫مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ِرجَا ٌ‬
‫تَبْدِيلًا (‪)23‬‬

‫نزلت هذه الية في جماعة من المؤمنين صادقي اليمان‪ ،‬إل أنهم لم يشهدوا بدرا ول أُحُدا‪،‬‬
‫ولكنهم عاهدوا ال إنْ جاءت معركة أخرى لَيُبَادِرُونّ إليها‪ ،‬ويبلُون فيها بلءً حسنا‪.‬‬
‫وورد أنها نزلت في أنس بن النضر‪ ،‬فقد عاهد ال لما فاتته بدر لو جاءت مع المشركين حرب‬
‫أخرى لَيبلونّ فيها بلء حسنا‪ ،‬وفعلً لما جاءت أُحُد أبلى فيها بلءً حسنا حتى استشهد فيها‪،‬‬
‫فوجدوا جسده في نيّفا وثمانين طعنةً برمح‪ ،‬وضربة بسيف‪ ،‬وهذا معنى { صَ َدقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللّهَ‬
‫عَلَيْهِ‪[ } ..‬الحزاب‪]23 :‬‬
‫وساعة تسمع كلمة { رِجَالٌ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]23 :‬في القرآن‪ ،‬فاعلم أن المقام مقام جدّ وثبات على‬
‫الحق‪ ،‬وفخر بعزائم صُلْبة ل تلين‪ ،‬وقلوب رسخ فيها اليمان رسوخ الجبال‪ ،‬وهؤلء الرجال َوفّوا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العهد الذي قطعوه أمام ال على أنفسهم‪ ،‬بأنْ يبلُوا في سبيل نصرة السلم‪ ،‬ولو يصل المر إلى‬
‫الشهادة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬فمِ ْنهُمْ مّن َقضَىا نَحْبَهُ َومِنْهُمْ مّن يَن َتظِرُ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]23 :‬قضى نحبه‪ :‬أي أدّى‬
‫العهد ومات‪ ،‬والنحب في الصل هو النذر‪ ،‬فالمراد‪ :‬أدى ما نذره‪ ،‬أو ما عاهد ال عليه من‬
‫القتال‪ ،‬ثم اسْتُعمِلَت (النحب) بمعنى الموت‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬ما العلقة بين النذر والموت؟ قالوا‪ :‬المعنى إذا نذرتَ فاجعل الحياةَ ثمنا للوفاء بهذا النذر‪،‬‬
‫وجاء هذا التعبير { َفمِ ْنهُمْ مّن َقضَىا نَحْ َبهُ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]23 :‬لتعلم أن الموت يجب أن يكون‬
‫ن تموت‪ ،‬لكن في ُنصْرة الحق وفي سبيل ال‪ ،‬فكأن المؤمن هو الذي‬
‫منك نذرا‪ .‬أي‪ :‬انذر ل أ ْ‬
‫ينذر نفسه وروحه ل‪ ،‬وكأن الموت عنده مطلوب ليكون في سبيل ال‪.‬‬
‫فالمؤمن حين يستصحب مسألة الموت ويستقرئها يرى أن جميع الخَلْق يموتون من لُدن آدم عليه‬
‫السلم حتى الن؛ لذلك تهون عليه حياته ما دامت في سبيل ال‪ ،‬فينذرها ويقدمها ل عن رضا‪،‬‬
‫ولِمَ ل وقد ضحيتَ بحياة‪ ،‬مصيرها إلى زوال‪ ،‬واشتريتَ بها حياة باقية خالدة مُنعّمة‪.‬‬
‫وقد ورد في الثر‪ " :‬ما رأيتُ يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت " ومع أننا نرى الموت ل‬
‫يُبقى على أحد فينا إل أن كل إنسان في نفسه يتصور أنه لن يموت‪.‬‬
‫وحَقّ للمؤمن أنْ ينذر نفسه‪ ،‬وأنْ يضحي بها في سبيل ال؛ لن ال يقول‪َ {:‬ولَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ‬
‫فِي سَبِيلِ اللّهِ َأ ْموَاتا َبلْ َأحْيَاءٌ عِندَ رَ ّبهِمْ يُرْ َزقُونَ * فَرِحِينَ ِبمَآ آتَا ُهمُ اللّهُ مِن َفضْلِ ِه وَيَسْتَبْشِرُونَ‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْيهِ ْم َولَ هُمْ َيحْزَنُونَ * يَسْتَ ْبشِرُونَ بِ ِن ْعمَةٍ مّنَ اللّهِ‬
‫حقُواْ ِبهِم مّنْ خَ ْل ِفهِمْ َألّ َ‬
‫بِالّذِينَ َلمْ يَ ْل َ‬
‫ل وَأَنّ اللّهَ لَ ُيضِيعُ أَجْرَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }[آل عمران‪]171-169 :‬‬
‫َو َفضْ ٍ‬
‫وهذه الحياة التي عند ال حياة على الحقيقة‪ ،‬لن الرزق سِمة الحيّ الذي يعيش ويأكل ويشرب‪.‬‬
‫‪.‬إلخ‪ ،‬وإياك أنْ تظن أنها حياة معنوية فحسب‪.‬‬
‫ن يقول لك‪ :‬هذا يعني أنني لو فتحتُ القبر على أحد الشهداء أجده حيا في قبره؟‬
‫وقد تسمع مَ ْ‬
‫ونقول لمن يحب أنْ يجادل في هذه المسألة‪ :‬ال تعالى قال‪ {:‬أَحْيَاءٌ عِندَ رَ ّبهِمْ‪[} ...‬آل عمران‪:‬‬
‫‪ ]169‬ولم يقل‪ :‬أحياء عندك‪ ،‬فل تحكم على هذه الحياة بقانونك أنت‪ ،‬ل تنقل قانون الدنيا إلى‬
‫قانون الخرة‪.‬‬
‫والمؤمن ينبغي أن يكون اعتقادة في الموت‪ ،‬كما قال بعض العارفين‪ :‬الموت سهم أُرسِل إليك‬
‫بالفعل‪ ،‬وعمرك بقدر سفره إليك‪.‬‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ *‬
‫ك وَ ُهوَ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫والقرآن حين يعالج هذه المسألة يقول تعالى‪ {:‬تَبَا َركَ الّذِي بِيَ ِدهِ ا ْلمُ ْل ُ‬
‫ت وَالْحَيَاةَ‪[} ...‬الملك‪ ]2-1 :‬فقدّم الموت على الحياة‪ ،‬حتى ل نستقبل الحياة بغرور‬
‫الّذِي خَلَقَ ا ْل َموْ َ‬
‫الحياة‪ ،‬إنما نستقبلها مع نقيضها حتى ل نغترّ بها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقوله تعالى‪َ } :‬ومِ ْنهُمْ مّن يَنتَظِرُ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]23 :‬أي‪ :‬ينتظر الوفاء بعهده مع ال‪ ،‬وكأن ال‬
‫تعالى يقول‪ :‬الخير فيكم يا أمة محمد باقٍ إلى يوم القيامة } َومَا بَدّلُواْ تَ ْبدِيلً { [الحزاب‪]23 :‬‬
‫معنى التبديل هنا‪ :‬أي ما تخاذلوا في شيء عاهدوا ال عليه ونذروه‪ ،‬فما جاءت بعد ذلك حرب‪،‬‬
‫وتخاذل أحد منهم عنها‪ ،‬ول أُدخِل أحد منهم الحرب مواربة ورياء‪ ،‬فقاتل من بعيد‪ ،‬أو تراجع‬
‫خوفا من الموت‪ ،‬بل كانوا في المعمعة حتى الشهادة‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬لّيَجْ ِزيَ اللّهُ الصّا ِدقِينَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3481 /‬‬
‫غفُورًا رَحِيمًا‬
‫ص ْد ِقهِ ْم وَ ُيعَ ّذبَ ا ْلمُنَا ِفقِينَ إِنْ شَاءَ َأوْ يَتُوبَ عَلَ ْيهِمْ إِنّ اللّهَ كَانَ َ‬
‫لِيَجْ ِزيَ اللّهُ الصّا ِدقِينَ ِب ِ‬
‫(‪)24‬‬

‫تأمل هنا رحمة الخالق بالخَلْقِ‪ ،‬هذه الرحمة التي ما حُرم منها حتى المنافق‪ ،‬فقال سبحانه‪:‬‬
‫{ وَ ُيعَ ّذبَ ا ْلمُنَا ِفقِينَ إِن شَآءَ َأوْ يَتُوبَ عَلَ ْيهِمْ‪[ } ..‬الحزاب‪]24 :‬‬
‫وسبق أنْ تحدثنا عن صفتي المغفرة والرحمة وقلنا‪ :‬غفور رحيم من صيغ المبالغة‪ ،‬الدالة على‬
‫كثرة المغفرة وكثرة الرحمة‪ ،‬وأن القرآن كثيرا ما يقرن بينهما‪ ،‬فالمغفرة أولً لستر العيب‬
‫والنقائص‪ ،‬ثم يتلوها الرحمة من ال‪ ،‬بأن تمتد يده سبحانه بالحسان‪.‬‬
‫وقد أوضحنا ذلك باللص تجده في بيتك‪ ،‬فتشفق عليه‪ ،‬ثم تمتد إليك يدك بالمساعدة التي تعينه على‬
‫عدم تكرار ذلك‪ .‬وقلنا‪ :‬إن الغالب أن تسبق المغفرةُ الرحمةَ‪ ،‬وقليلً ما تسبق الرحمةُ المغفرةَ‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬أنه يشترط في المغفرة أن تكون من العلى للدنى‪ ،‬فإذا ستر العبد على سيده قبحا ل يقال‪:‬‬
‫غفر له‪ ،‬وكذلك في الرحمة فإن مال القل بالحسان إلى العلى ل يقال رحمة؛ لنه قد يعطيه‬
‫عوَضا عما قدّم له أو يعطيه انتظار أنْ يرد إليه ما أعطاه مرة أخرى‪.‬‬
‫ِ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَ َردّ اللّهُ الّذِينَ‪.} ...‬‬

‫(‪)3482 /‬‬
‫ظهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا َوكَفَى اللّهُ ا ْل ُمؤْمِنِينَ ا ْلقِتَالَ َوكَانَ اللّهُ َقوِيّا عَزِيزًا (‪)25‬‬
‫وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ َكفَرُوا ِبغَيْ ِ‬

‫الغيظ‪ :‬احتدام حقد القلب على مقابل منافس‪ ،‬والمعنى‪ :‬أن ال تعالى ردّ الكافرين والغيظ يمل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قلوبهم؛ لنهم جاءوا وانصرفوا دون أنْ ينالوا من المسلمين شيئا { لَمْ يَنَالُواْ خَيْرا‪[ } ..‬الحزاب‪:‬‬
‫‪ ]25‬ليس الخير المطلق‪ ،‬إنما لم ينالوا الخير في نظرهم‪ ،‬وما يبتغونه من النصر على المسلمين‪،‬‬
‫فهو خير لهم وإنْ كان شرا يُرادَ بالسلم‪.‬‬
‫وقد رد ال الكافرين إلى غير رَجْعة‪ ،‬ولن يفكروا بعدها في الهجوم على السلم؛ لذلك قال سيدنا‬
‫رسول ال بعد انصرافهم خائبين‪ " :‬ل يغزونا أبدا‪ ،‬بل نغزوهم نحن " وفعلً كان بعدها فتح مكة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬وكَفَى اللّهُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ا ْلقِتَالَ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]25 :‬أي‪ :‬أن ردّ الكافرين لم يكُنْ بسبب‬
‫قوتكم وقتالكم‪ ،‬إنما تولّى ال ردّهم وكفاكم القتال‪ ،‬صحيح كانت هناك مناوشات لم تصل إلى حجم‬
‫المعركة‪ ،‬ولو حدثت معركة بالفعل لكانت في غير صالح المؤمنين؛ لنهم كانوا ثلثة آلف‪ ،‬في‬
‫حين كان المشركون عشرة آلف‪.‬‬
‫إذن‪ :‬كانت رحمة ال بالمؤمنين هي السبب الساسي في النصر؛ لذلك ذُيلت الية بقوله تعالى‪:‬‬
‫{ َوكَانَ اللّهُ َقوِيّا عَزِيزا } [الحزاب‪ ]25 :‬قويا ينصركم دون قتال منكم‪ ،‬وعزيزا‪ :‬أي يغلب ول‬
‫يُغلب‪.‬‬
‫هذا ما كان من أمر قريش وحلفائها‪ ،‬أما بنو قريظة فيقول ال فيهم‪ { :‬وَأَن َزلَ الّذِينَ‬
‫ظَاهَرُوهُم‪.} ...‬‬

‫(‪)3483 /‬‬
‫عبَ فَرِيقًا َتقْتُلُونَ‬
‫ن صَيَاصِيهِ ْم َوقَ َذفَ فِي قُلُو ِبهِمُ الرّ ْ‬
‫وَأَنْ َزلَ الّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مِ ْ‬
‫وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (‪)26‬‬

‫معنى { ظَاهَرُوهُم‪[ } ...‬الحزاب‪ ]26 :‬أي‪ :‬عاونوهم { مِن صَيَاصِيهِمْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]26 :‬أي‪:‬‬
‫عبَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]26 :‬أي‪ :‬الخوف وهو جندي‬
‫من حصونهم وقلعهم { َوقَ َذفَ فِي قُلُو ِبهِمُ الرّ ْ‬
‫من جنود ال‪ ،‬وهذا الرعب الذي ألقاه ال في قلوب الكافرين هو الذي فرّقهم‪ ،‬ولم يجعل لكثرة‬
‫حةٍ عَلَ ْيهِمْ‪[} ...‬المنافقون‪:‬‬
‫حسَبُونَ ُكلّ صَيْ َ‬
‫العدد لديهم قيمة‪ ،‬وما فائدة أعداد كثيرة خائفة مذعورة{ يَ ْ‬
‫‪.]4‬‬
‫ألم يُحدّثنا صحابة رسول ال أنهم كانوا يستعملون السواك‪ ،‬فظن الكفار أنهم يسنّون أسنانهم‬
‫ليأكلوهم‪ ،‬هذا هو الرعب الذي نصر ال به عباده المؤمنين‪.‬‬
‫ومعنى { فَرِيقا َتقْتُلُونَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]26 :‬أي‪ :‬المقاتلين الذين يحملون السلح { وَتَأْسِرُونَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فَرِيقا } [الحزاب‪ ]26 :‬وهم النساء والذراري وغيرهم ِممّنْ ل يحملون السلح‪.‬‬
‫ضهُمْ وَدِيَارَهُ ْم وََأ ْموَاَلهُمْ‪.} ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وََأوْرَ َثكُمْ أَ ْر َ‬

‫(‪)3484 /‬‬
‫شيْءٍ قَدِيرًا (‪)27‬‬
‫ضهُ ْم وَدِيَارَ ُه ْم وََأمْوَاَلهُمْ وَأَ ْرضًا َلمْ تَطَئُوهَا َوكَانَ اللّهُ عَلَى ُكلّ َ‬
‫وََأوْرَثَكُمْ أَ ْر َ‬

‫معنى { وََأوْرَثَكُمْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]27 :‬أي‪ :‬أعطاكم أرضَ وديار وأموال أعدائكم من بعد زوالهم‬
‫وانهزامهم { وَأَرْضا لّمْ تَطَئُوهَا‪[ } ...‬الحزاب‪ ]27 :‬أي‪ :‬أماكن جديدة لم تذهبوا إليها بعد‪،‬‬
‫والمراد بها خيبر‪ ،‬وكأن ال يقول لهم‪ :‬انتظروا فسوف تأخذون منهم الكثير { َوكَانَ اللّهُ عَلَىا ُكلّ‬
‫شيْءٍ قَدِيرا } [الحزاب‪.]27 :‬‬
‫َ‬
‫وهكذا انتهى التعبير القرآني من قصة الحزاب‪.‬‬
‫عمّا في هذه القصة من‬
‫وينبغي علينا الن أنْ نستعرض القصة بفلسفة أحداثها‪ ،‬وأن نتحدث َ‬
‫بطولت‪ ،‬ففيها بطولت متعددة‪ ،‬لكل بطل فيها دور‪.‬‬
‫وتبدأ القصة حين ذهب كل من حيي بن أخطب‪ ،‬وسلم بن أبي الحقيق‪ ،‬وكانا من قريظة‪ ،‬ذهبا‬
‫إلى قريش في أماكنها‪ ،‬وقالوا‪ :‬جئناكم لنتعاون معكم على إبطال دعوة محمد‪ ،‬فأتُوا أنتم من أسفل‪،‬‬
‫وننزل نحن من أعلى‪ ،‬ونحيط محمدا ومن معه ونقضي عليهم‪.‬‬
‫وكان في قريش بعض التعقّل فقالوا لحيي بن أخطب وصاحبه‪ :‬أنتم أهل كتاب‪ ،‬وأعلم بأمر‬
‫الديان فقولوا لنا‪ :‬أديننا الذي نحن عليه خير أم دين محمد؟ فقال‪ :‬بل أنتم أصحاب الحق‪.‬‬
‫سمعتْ قريش هذا الكلم بما لديها من أهواء‪ ،‬وكما يقال‪ :‬آفة الرأي الهوى؛ لذلك لم يناقشوه في‬
‫هذه القضية‪ ،‬بل نسجوا على منواله‪ ،‬ولم يذكروا ما كان من أهل الكتاب قبل بعثته صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وأنهم كانوا يستفتحون على الكافرين برسول ال ويقولون لهم‪ :‬لقد أطلّ زمان نبي جديد‬
‫نتبعه ونقتلكم به قَ ْتلَ عاد وإرم‪ ،‬لقد فات قريشا أنْ تراجع حيي بن أخطب‪ ،‬وأن تسأله لماذا غيّرتم‬
‫رأيكم في محمد؟‬
‫ثم جاء القرآن بعد ذلك‪ ،‬وفضح هؤلء وهؤلء‪ ،‬فقال سبحانه‪َ {:‬ألَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ َنصِيبا مّنَ‬
‫ت وَ َيقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ هَاؤُلءِ أَ ْهدَىا مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلً }‬
‫ت وَالطّاغُو ِ‬
‫ا ْلكِتَابِ ُي ْؤمِنُونَ بِالْجِ ْب ِ‬
‫[النساء‪.]51 :‬‬
‫فكانت هذه أول مسألة تغيب فيها العقول‪ ،‬ويفسد فيها الرأي‪ ،‬فتنتهز قريش أول فرصة حين تجد‬
‫مَنْ يناصرها ضد محمد ودعوته‪ ،‬ومن هنا اجتمع أهل الباطل من قريش وأحلفها من بني فزارة‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومن بني مرة‪ ،‬ومن غطفان وبني أسد والشجعيين وغيرهم‪ ،‬اجتمعوا جميعا للقضاء على الدين‬
‫الوليد‪.‬‬
‫ثم كانت أولى بطولت هذه المعركة‪ ،‬لرجل ليس من العرب‪ ،‬بل من فارس عبدة النار والعياذ‬
‫بال‪ ،‬وكأن الحق سبحانه يُعد لنصرة الحق حتى من جهة الباطل‪ ،‬إنه الصحابي الجليل سلمان‬
‫جوّالً يبحث عن الحقيقة‪ ،‬إلى أنْ ساقتْه القدار إلى المدينة‪ ،‬وصادف‬
‫الفارسي‪ ،‬الذي قضي حياته َ‬
‫بعثة رسول ال وآمن به‪.‬‬
‫وكان سلمان أول بطل في هذه المعركة‪ ،‬حين أشار على رسول ال بحفر الخندق‪ ،‬وقال‪ :‬يا رسول‬
‫ال كنا ‪ -‬يعني في فارس ‪ -‬إذا حَزَبنا أمرُ القتال خندقنا يعني‪ :‬جعلنا بيننا وبين أعدائنا خندقا‪،‬‬
‫ولقت هذه الفكرة استحسانا من المهاجرين ومن النصار‪ ،‬فأراد كل منهم أن يأخذ سلمان في‬
‫صَفّه‪ ،‬فلما تنازعا عليه‪ ،‬قال سيدنا رسول ال لهم " بل سلمان منا آل البيت " وهذا أعظم وسام‬
‫يوضع على صدر سلمان رضي ال عنه‪.‬‬
‫وهذه الفكرة دليل على أن الحق سبحانه يُجنّد حتى الباطل لخدمة الحق‪ ،‬فنحن لم يسبق لنا أنْ رأينا‬
‫خندقا ول أهل الفارسي الذين جاءوا بهذه الفكرة‪ ،‬لكن ساقها ال لنا‪ ،‬وجعلها جُنْدا من جنوده على‬
‫يد هذا الصحابي الجليل‪ ،‬لنعلم كما قال تعالى{ وَاعَْلمُواْ أَنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ ا ْلمَرْ ِء َوقَلْبِهِ‪[} ...‬النفال‪:‬‬
‫‪.]24‬‬
‫وقد أوضحنا هذا المعنى في قصة فرعون الذي كان يذبح الطفال بعد النبوءة التي سمعها‪ ،‬ثم‬
‫يأتيه طفل على غير العادة يحمله إليه الماء‪ ،‬وهو في صندوقه‪ ،‬ول يخفي على أحد أنّ أهله‬
‫قصدوا بذلك إبعاده عن خطر فرعون‪ ،‬ومع ذلك حال ال يبين فرعون وبين ما في قلبه‪ ،‬فأخذ‬
‫الولدَ وربّاه في بيته‪.‬‬
‫وقد أحسن الشاعر الذي عبّر عن هذا المعنى‪ ،‬فقال‪:‬إذاَ لَمْ ُتصَا ِدفْ في بنَيكَ كَافِرٌ َفقَد كَذَب الراجي‬
‫عوْنُ مُرْسَلُالبطل الثاني في هذه‬
‫وَخَاب المُؤمّلُ َفمُوسىَ الذِي ربّاه جِبْريلُ كَافِ ٌر ومُوسىَ الذي ربّاهُ فر َ‬
‫المعركة رجل ُيدْعَى نعيم بن مسعود الشجعي‪ ،‬جاء لرسول ال يقول‪ :‬يا رسول ال لقد مال قلبي‬
‫للسلم‪ ،‬ول أحد يعلم ذلك من قومي‪ ،‬فقال له رسول ال‪ " :‬وما تغني أنت؟ ولكن خذّل عنا " أي‪:‬‬
‫ادفع عنا القوم بأيّ طريقة‪ ،‬أبعدهم عنّا‪ ،‬أو ضلّلهم عن طريقنا‪ ،‬أو ُقلْ لهم أننا كثير ليرهبونا‪..‬‬
‫إلخ‪.‬‬
‫هذا رجل كان بالمس كافرا‪ ،‬فماذا فعل اليمان في قلبه‪ ،‬وهو حديث عهد به؟ نظر ُنعَيْم‪ ،‬فرأى‬
‫قريشا وأتباعها يأتون من أسفل‪ ،‬وبني قريظة وأتباعهم يأتون من أعلى‪ ،‬فأراد أنْ يدخل بالدسيسة‬
‫بينهما‪ ،‬فذهب لبي سفيان‪ ،‬وقال‪ :‬يا أبا سفيان‪ ،‬أنا صديقكم‪ ،‬وأنتم تعلمون مفارقتي لدين محمد‪،‬‬
‫ولكني سمعت َهمْسا أن بني قريظة تداركوا أمرهم مع محمد‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن قريشا وأحلفهم ليسوا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مقيمين في المدينة مثلنا‪ ،‬فإنْ صادفوا نصرا ينتصرون‪ ،‬وإنْ صادفوا هزيمة فروا إلى بلدهم‪ ،‬ثم‬
‫ل يقاتلوا معكم إلّ أنْ تعطوهم عشرة من كبرائكم‬
‫يتركون بني قريظة لمحمد؛ لذلك قرروا أ ّ‬
‫ليكونوا رهائن عندهم‪.‬‬
‫سمع أبو سفيان هذا الكلم‪ ،‬فذهب إلى قومه فقال لهم‪ :‬أنتم المقيمون هنا‪ ،‬وليس هذا موطن بني‬
‫قريظة‪ ،‬وسوف يتركونكم لمواجهة محمد وحدكم‪ ،‬فإنْ أردتم البقاء على عهدهم في محاربة محمد‪،‬‬
‫فاطلبوا منهم رهائن تضمنوا بها مناصرتهم لكم‪.‬‬
‫ف والحافر ‪ -‬يعني‪ :‬البل‬
‫بعدها ذهب أبو سفيان ليكلّم بني قريظة في هذه المسألة‪ ،‬فقال‪ :‬هلك الخ ّ‬
‫ن مكثوا نيّفا وعشرين يوما‬
‫والخيل ‪ -‬ولسنا بدار مقام لنا‪ ،‬فهيا بنا نناجز محمدا ‪ -‬هذا بعد أ ْ‬
‫يعدون ويتشاورون ‪ -‬فقالوا له‪ :‬هذا يوم السبت‪ ،‬ولن نفسد ديننا من أجل قتال محمد وعلى كل‬
‫حال نحن لن نشترك معكم في قتال‪ ،‬إل أنْ تعطونا عشرة من كبرائكم يكونون رهائن عندنا‪،‬‬
‫ساعتها علم أبو سفيان أن كلم نعيم الشجعي صِدْق‪ ،‬فجمع قومه وقال لهم‪ :‬الرض ليست أرض‬
‫مقام لنا‪ ،‬وقد هلك الخف والحافر‪ ،‬فهيا بنا ننجو‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم لما جاء نعيم بن مسعود‪ ،‬وأخبر رسول ال بما حدث‪،‬‬
‫ووجد رسول ال الجو هادئا‪ ،‬فقال‪ " :‬أل رجل منكم يذهب فيُحدّثنا الن عنهم‪ ،‬وهو رفيقي في‬
‫الجنة؟ " والمراد‪ :‬أن يندسّ بين صفوف العداء ليعلم أخبارهم‪.‬‬
‫ومع هذه البشارة التي بشر بها سيدنا رسول ال مَنْ يؤدي هذه المهمة‪ ،‬لم َيقُمْ من الحاضرين أحد‪،‬‬
‫و َدلّ هذا على أن الهول ساعتها كان شديدا‪ ،‬والخطر كان عظيما‪ ،‬وكان القوم في حال من الجهد‬
‫والجوع والخوف‪ ،‬جعلهم يتخاذلون عن القيام‪ ،‬فلم يأنس أحد منهم قوة من نفسه يؤدي بها هذه‬
‫المهمة‪.‬‬
‫لذلك كلّف رسول ال يُدْهي حذيفة بن اليمان بهذه المهمة قال حذيفة‪ :‬ولكن رسول ال قال لي‪ :‬ل‬
‫تُحدِث أمرا حتى ترجع إليّ‪ ،‬فلما ذهبتُ وتسللتُ ليلً جلستُ بين القوم‪ ،‬فجاء أبو سفيان بالنبأ من‬
‫بني قريظة‪ ،‬يريد أنْ يرحل بمَنْ معه‪ ،‬فقال‪ :‬ليتعرّف كل واحد منكم على جليسة‪ ،‬مخافة أن يكون‬
‫بين القوم غريب‪.‬‬
‫ن على يميني‪ :‬مَنْ أنت؟ قال‪:‬‬
‫وهنا تظهر لباقة حذيفة وحُسْن تصرفه ‪ -‬قال‪ :‬فأسرعتُ وقلت لمَ ْ‬
‫ن أنت؟ قال‪ :‬عمرو بن العاص‪ ،‬وسمعت أبا‬
‫معاوية بن أبي سفيان‪ ،‬وقلت لمَنْ على يساري‪ :‬مَ ْ‬
‫سفيان يقول للقوم‪ :‬هلك الخفّ والحافر‪ ،‬وليستْ الرض دارَ مقام فهيا بنا‪ ،‬وأنا أولكم‪ ،‬وركب‬
‫راحلته وهي معقولة من شدة تسرّعه‪ ،‬قال حذيفة‪ :‬فهممتُ أن أقتله‪ ،‬فأخرجت قوسي ووترتُها‬
‫وجعلت السهم في كبدها‪ ،‬لكني تذكرت قول رسول ال " ل تحدثن شيئا حتى تأتيني " فلم أشأْ أن‬
‫أقتله‪ ،‬فلما ذهبت إلى رسول ال وجدته يصلي‪ ،‬فلما أحسنّ بي فَرج بين رجليه ‪ -‬وكان الجو شديد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البرودة ‪ -‬فدخلتُ بين رجليه فنثر عليّ مُرْطه ليدفئني‪ ،‬فلما سلم قال لي‪ :‬ما خطبك فقصصت عليه‬
‫قصتي‪.‬‬
‫وبعد أنْ جند الحق سبحانه كلً من نعيم الشجعي وحذيفة لنصرة الحق‪ ،‬جاءت جنود أخرى لم‬
‫يروْهَا‪ ،‬وكانت هذه الليلة باردة‪ ،‬شديدة الرياح‪ ،‬وه ّبتْ عاصفة اقتلعتْ خيامهم‪ ،‬وكفأتْ قدورهم‬
‫ن بقي منهم‪.‬‬
‫وشرّدتهم‪ ،‬ففرّ مَ ْ‬
‫وهذا معنى قوله تعالى‪َ {:‬وكَانَ اللّهُ َقوِيّا عَزِيزا }[الحزاب‪َ {]25 :‬ومَا َيعَْلمُ جُنُودَ رَ ّبكَ ِإلّ ُهوَ‪} ...‬‬
‫[المدثر‪.]31 :‬‬
‫بعد أنْ ردّ الحق سبحانه كفار مكة بغيظهم‪ ،‬وكفى المؤمنين القتال أراد أنْ يتحوّل إلى الجبهة‬
‫الخرى‪ ،‬جبهة بني قريظة‪ ،‬فلما رجع رسول ال من الحزاب لقيه جبريل عليه السلم فقال‪:‬‬
‫ت لْمتَك يا محمد‪ ،‬ولم تضع الملئكة لمتها للحرب؟ اذهب فانتصر لنفسك من بني قريظة‪،‬‬
‫أوضع َ‬
‫فقال رسول ال للقوم‪:‬‬
‫" مَنْ كان سامعا مطيعا فل يصلين العصر إل في بني قريظة "‪.‬‬
‫فاختلف الصحابة حول هذا المر‪ :‬منهم مَنْ انصاع له حرفيا‪ ،‬وأسرع إلى بني قريظة ينوي صلة‬
‫ن يفوته وقت العصر فصلى ثم ذهب‪ ،‬فلما اجتمعوا عند رسول ال‬
‫العصر بها‪ ،‬ومنهم مَنْ خاف أ ْ‬
‫أق ّر الفريقين‪ ،‬وصوّب الرأيين‪.‬‬
‫ح َدثٌ‪ ،‬والحدث له‬
‫وكانت هذه المسألة مرجعا من مراجع الجتهاد في الفكر السلمي‪ ،‬والعصر َ‬
‫ن تغيب فصلّي‪،‬‬
‫الزمان‪ ،‬وله مكان‪ ،‬فبعض الصحابة نظر إلى الزمان الرأي الشمس توشك أ ْ‬
‫وبعضهم نظر إلى المكان فلم ُيصَلّ إل في بني قريظة؛ لذلك أقر رسول ال هذا وهذا‪.‬‬
‫ظلّ كل‬
‫وينبغي على المسلم أنْ يحذر تأخير الصلة عن وقتها؛ لن العصر مثلً وقته حين يصير ِ‬
‫شيء مِثْلَيْه وينتهي بالمغرب‪ ،‬وهذا ل يعني أن تُؤخّر العصر لخر وقته‪ ،‬صحيح إنْ صل ْيتَ آخر‬
‫الوقت ل شيء عليك‪ ،‬لكن مَنْ يضمن لك أن تعيش لخر الوقت‪.‬‬
‫إذن أنت ل تأثم إنْ صلّيْت آخر الوقت‪ ،‬تأثم في آخر لحظة من حياتك حين يحضرك الموت وأنت‬
‫صلّ؛ لذلك يقول سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬خير العمال الصلة لوقتها " فليس‬
‫لم ُت َ‬
‫معنى امتداد الوقت إباحة أنْ تُؤخّر‪.‬‬
‫وفي مسألة الحزاب بطولة أخرى لسيدنا علي بن أبي طالب رضي ال عنه‪ ،‬وقد ظهرت هذه‬
‫البطولة عندما وجد الكفار في الخندقة نقطة ضعيفة‪ ،‬استطاعوا أنْ يجترئوا على المسلمين منها‪،‬‬
‫وأن يقذفوا منها خيولهم‪ ،‬فلما قذفوا بخيولهم إلى الناحية الخرى‪ ،‬فجالت الخيل في السبخة بين‬
‫الخندق وجبل سلع‪ ،‬ووقف واحد من الكفار وهو عمرو بن ود العامري وهو يؤمئذ أشجع العرب‬
‫وأقواها حتى ع ّدوْه في المعارك بألف فارس‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شهِر سيفه‪ :‬مَنْ يبارز؟ فقال علي لرسول‬
‫" وقف عمرو بن ود أمام معسكر المسلمين يقول وهو مُ ْ‬
‫ال‪ :‬أبارزه يا رسول ال؟ قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬اجلس يا علي‪ ،‬إنه عمرو " فأعاد عمرو‪:‬‬
‫أين جَنّتكم التي وعدتم به مَنْ قُتِل في هذا السبيل؟ أجيبوني‪.‬‬
‫فقال علي‪ :‬أبارزه يا رسول ال؟ قال‪ :‬اجلس يا علي‪ ،‬إنه عمرو " وفي الثالثة قال عمرو‪* :‬وََلقَدْ‬
‫حتُ من النّداءِ * بجم ِعكُمُ َهلْ مِنْ مُبَارِزْ*‬
‫حْ‬
‫بُ ِ‬
‫*وَوق ْفتُ إذ جَبُنَ المشجّعُ * ٌمُ ْو ِقفَ القرْن المنَاجزْ*‬
‫*إنّ الشّجاعَة في الفَتَى * والجودَ مِنْ خير الغرائِز*‬
‫عندها انتفض علي رضي ال عنه وقال‪ :‬أنا له يا رسول ال‪ ،‬فأَذِن له رسول ال‪ ،‬فأشار علي‬
‫لعمرو‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫*لَ تَعجَلَنّ َفقَدْ أتَاكَ * مجيب صو ِتكَ غير عَاجِز*‬
‫*ذُو نية وبَصيرة * والصّ ْدقُ مُنجِي ُكلّ فَائزْ*‬
‫علْيك نَائِحةَ الجنَائزْ_*‬
‫*إنّي لَرْجُو أنْ أُقيم * َ‬
‫ن ضَرْبةٍ نَجْلَء * يَ ْبقَى ِذكْرُهَا عِنْدَ الهَزَاهِزْ* أي‪ :‬الحروب‪.‬‬
‫*مِ ْ‬
‫وكانت لسيدنا رسول ال درع سابغة اسمها ذات الفضول‪ ،‬فألبسها رسول ال عليا وأعطاه سيفه ذا‬
‫الفقار وعمامته السحاب‪ ،‬وكانت تسعة أكوار‪ ،‬وخرج علي رضي ال عنه لمبارزة عمرو بن ود‪،‬‬
‫فضرب عمرو الدرقة فشقّها‪ ،‬فعاجله على بضربة سيف علي عاتقه أردتْهُ قتيلً‪ ،‬فقال عليّ ساعة‬
‫وقع‪ :‬ال أكبر سمعه رسول ال فقال‪ " :‬قُتِل عدو ال "‪ .‬ثم حدثت زوبعة العِثْيَر ‪ -‬وهو غبار‬
‫الحرب ‪ -‬فحَجبت المعركة‪ ،‬فذهب سيدنا عمر رضي ال عنه ليرى ما حدث‪ ،‬فوجد عليا يمسح‬
‫سيفه في درع عمرو بن ود‪ ،‬فقال‪ :‬ال أكبر‪ ،‬فقال رسول ال‪ " :‬قُتِل وأَيْم ال "‪.‬‬
‫عمْرا سأله رسول‬
‫ومن الخلق الكريمة التي سجّلها سيدنا علي في هذه الحادثة أنه بعد أنْ قتل َ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪َ " :‬ألَ سل ْبتَ دِرْعه‪ ،‬فإنه أفخر درع في العرب "؟ فقال علي‪ :‬وال لقد‬
‫بانت سوأته‪ ،‬فاستحييت أنْ أصنع ذلك‪ .‬ثم أنشد رضي ال عنه وكرم ال وجهه‪ ،‬وهو يشير إلى‬
‫عمرو‪:‬‬
‫سفَاهَة َرأْيه * و َنصَ ْرتُ ربّ مُحمدٍ بصَوابي*‬
‫* َنصَر الحجَارةَ من َ‬
‫ج ْذعِ بين َدكَا ِدكَ و َروَابي*‬
‫*فصَد ْدتُ حِينَ تركْتُه مُتج ّدلً * كال ِ‬
‫وعَ َف ْفتُ عن أ ْثوَاب ِه وَلَو أنّني * كنتُ ال ُمقَنْطَر بَزّنِي أثْوابِي*‬
‫وفي هذه الواقعة قال سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لو لم يكن لك يا علي غيرها في‬
‫السلم َل َكفَ ْتكَ " "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك قال العارفون بال كأن عليا رضي ال عنه حُسِد حين قتل عمرو بن ود‪ ،‬فأصابته العين في‬
‫ذاته‪ ،‬فقُتِل بسيف ابن ملجم‪ ،‬ومن هنا قالوا‪ :‬أعزّ ضربة في السلم ضربة عليّ لعمرو بن ود‪،‬‬
‫وأشأم ضربة في السلم ضربة ابن ملجم لعلي‪.‬‬
‫وفي المعركة بطولة أخرى لسيدنا سعد بن معاذ رضي ال عنه حيث يقول‪ :‬ضربني يوم الحزاب‬
‫خذْها وأنا ابن العَرِقة ‪ -‬فقلت‪ :‬عرّقَ ال وجهك في النار‪ ،‬فلما‬
‫حِبّان بن قيس بن العَرِقة‪ ،‬وقال‪ُ :‬‬
‫أصابني في أكحلي ‪ -‬والكحل هو‪ :‬العِرْق الذي نضع فيه الحقنة‪ ،‬ومنه يخرج دم ال َفصْد‬
‫والحجامة‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬اللهم إنْ كانت هذه آخر موقعة بيننا وبين قريش فاجعلني شهيدا‪ ،‬وإنْ كنت تعلم أنهم‬
‫يعودون فأبقني لشقي نفسي ِممّنْ أخرج رسول ال وآذاه‪ ،‬ول ُتمِتْني حتى أشفى غليلي من بني‬
‫قريظة‪.‬‬
‫وقد كان‪ ،‬فبعد أنْ مكث الحزاب وبنو قريظة قرابة خمسة وعشرين يوما دون قتال‪ ،‬وانتهى‬
‫المر بالمفاوضات اختار سيدنا رسول ال سعد بن معاذ ليكون حكَما في هذه المسألة‪ ،‬فحكم سعد‬
‫بقتل المقاتلين منهم‪ ،‬وأسر الذراري والنساء والموال‪ ،‬فلما بلغ هذا الحكم رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قال‪:‬‬
‫" لقد حكمتَ فيهم حكم ربك من فوق سبع سماوات "‪.‬‬
‫ثم ثار الجرح على سيدنا سعد حتى مات به‪ ،‬فحملوه إلى خيمة رسول ال بالمسجد‪ ،‬فجاءت‬
‫الملئكة تقول لرسول ال‪ :‬مَنْ هذا الذي مات‪ ،‬وقد اهتزّ له عرش الرحمن؟ قال‪ " :‬إنه سعد بن‬
‫معاذ "‪.‬‬
‫وقد قال تعالى‪ {:‬فَرِيقا َتقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقا }[الحزاب‪.]26 :‬‬
‫وفي قوله تعالى‪ } :‬وَأَرْضا لّمْ تَطَئُوهَا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]27 :‬بشارة للمسلمين بأن البلد ستُفتح لهم‬
‫حتْ بالُسوْة السلوكية‬
‫دون قتال‪ ،‬وهذا حال جمهرة البلد التي دخلها السلم‪ ،‬فغالبية هذه البلد فُتِ َ‬
‫ن يقول‪ :‬إن السلم انتشر بحدّ السيف‪.‬‬
‫للمسلمين آنذاك‪ ،‬وبذلك نستطيع أن نردّ على مَ ْ‬
‫وإذا كان السلم انتشر بحَدّ السيف‪ ،‬فأيّ سيف حمل المسلمين الوائل على السلم وكانوا من‬
‫ضعاف القوم ل يستطيعون حتى حماية أنفسهم؟ إذن‪ :‬ل شيء إل قدوة السلوك التي حملت كل‬
‫هؤلء على اليمان‪.‬‬
‫وسبق أن ذكرنا أن عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬وما أدراك ما عمر قوة وصلب ًة يقول حين سمع‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪.]45 :‬‬
‫قول ال تعالى‪ {:‬سَ ُيهْزَمُ ا ْل َ‬
‫قال‪ :‬أيّ جمع هذا‪ ،‬ونحن ل نستطيع حماية أنفسنا؟ مما يراه من ضعف المسلمين وبطش‬
‫الكافرين‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم لو انتشر السلم بالسيف لصبح سكان البلد التي دخلها السلم كلهم مسلمين‪ ،‬وَلمَا كانت‬
‫للجزية وجود في الفقه السلمي‪ ،‬إذن‪ :‬بقاء الجزية على مَنْ لم يؤمن دليل على بطلن هذه‬
‫المقولة‪ ،‬ودليل على عدم الكراه في الدين‪ ،‬فالفتح السلمي كفل حرية العقيدة{ َفمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن‬
‫َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ‪[} ....‬الكهف‪ ]29 :‬وعليه الجزية لبيت مال المسلمين مقابل ما تقدمه الدولية إليه‬
‫من خدمات‪.‬‬
‫حمْل السيف‬
‫فالجزية التي تتخذونها سُبة في السلم دليل على أن السلم أقرّكم على دينكم‪ ،‬إنما َ‬
‫كان فقط لحماية الختيار في الدعوة‪ ،‬فأنا سأعرض السلم على الناس‪ ،‬ومن حقي أنْ أقاتل مَنْ‬
‫يعارضني بالسلح‪ ،‬من حقي أن أعرض السلم كمبدأ‪ ،‬فمَنْ آمن به فعلى العين والرأس‪ ،‬ومَنْ لم‬
‫يؤمن فليَ ْبقَ في ذمتنا‪.‬‬
‫ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى بيوت أزواج النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيقول سبحانه‪ } :‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ‬
‫جكَ‪.{ ...‬‬
‫قُل لَ ْزوَا ِ‬

‫(‪)3485 /‬‬
‫حكُنّ سَرَاحًا‬
‫ن وَأُسَرّ ْ‬
‫جكَ إِنْ كُنْتُنّ تُ ِردْنَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَ َتهَا فَ َتعَالَيْنَ ُأمَ ّت ْعكُ ّ‬
‫يَا أَ ّيهَا النّ ِبيّ ُقلْ لِأَ ْزوَا ِ‬
‫جمِيلًا (‪)28‬‬
‫َ‬

‫لسائل أنْ يسأل‪ :‬ما سِرّ هذه النقلة الكبيرة من الكلم عن حرب الحزاب وحرب بني قريظة إلى‬
‫هذا التوجيه لزوجاته صلى ال عليه وسلم؟‬
‫ضهُ ْم وَدِيَارَهُمْ وََأمْوَاَلهُ ْم وَأَرْضا لّمْ‬
‫ت بقوله تعالى‪ {:‬وََأوْرَثَكُمْ أَ ْر َ‬
‫قالوا‪ :‬لن مسألة الحزاب انته ْ‬
‫تَطَئُوهَا‪[} ...‬الحزاب‪ ]27 :‬فربما طلبت زوجات الرسول أنْ يُمتّعهن وينفق عليهن‪ ،‬مما يفتح ال‬
‫جكَ‪[ } ...‬الحزاب‪]28 :‬‬
‫عليه من خيرات هذه البلد‪ ،‬فجاءتْ هذه الية‪ { :‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ قُل لَ ْزوَا ِ‬
‫لتقرر أن السلم ما جاء ليحقق مزيّة لرسول ال‪ ،‬ول لل رسول ال‪ ،‬حتى الزكاة ل تصح لحد‬
‫من فقراءبني هاشم‪.‬‬
‫جكَ إِن كُنتُنّ تُ ِردْنَ‪[ } ...‬الحزاب‪:‬‬
‫لكن مجيء الية هكذا بصيغة المر‪ { :‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ قُل لَ ْزوَا ِ‬
‫‪ ]28‬دليل على حدوث شيء منهن يدلّ على تطلعهن إلى زينة الحياة ومُتَعها‪ .‬وقد ُروِي عن عمر‬
‫ رضي ال عنه أنهن اجتمعْنَ يسألْنَ رسول ال النفقة‪ ،‬وأنْ يُوسّع عليهن بعد أنْ قال صلى ال‬‫عليه وسلم عن الكفار‪ :‬لن يغزونا‪ ،‬بل نغزوهم وبعد أنْ بشّرتهم اليات بما سيُفتح من أرض‬
‫جديدة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جمِيلً } [الحزاب‪ ]28 :‬يعني‪ :‬ليس عندي ما‬
‫حكُنّ سَرَاحا َ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬فَ َتعَالَيْنَ ُأمَ ّت ْعكُنّ وَُأسَرّ ْ‬
‫تتطّلعْن إليه من زينة الدنيا وزخرفها‪ ،‬ومعنى { فَ َتعَالَيْنَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]28 :‬نقول‪ :‬تعاليْن يعني‪:‬‬
‫أقبلْنَ‪ ،‬لكنها هنا بمعنى ارتفعْنَ من العلو‪ ،‬ارتفعْنَ عن مناهج البشر والرض‪ ،‬وارتقينَ إلى مناهج‬
‫خالق البشر‪ ،‬وخالق الرض؛ لن السيادة في منهج ال‪ ،‬ل في مُتَع الحياة وزخرفها‪.‬‬
‫علَ ْيكُمْ‪[} ...‬النعام‪]151 :‬‬
‫وقد ورد هذا المعنى أيضا في قوله تعالى‪ُ {:‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّبكُمْ َ‬
‫فتعالوْا أي‪ :‬ارتفعوا عن قوانين البشر وقوانين الرض إلى قوانين السماء؛ لنه يُشترط فيمَنْ يضع‬
‫القانون ألّ يفيد من هذا القانون‪ ،‬وأن يكون مُلِما بكل الجزئيات التي يتعرض لها القانون والبشر‬
‫مهما بلغتْ قدرتهم‪ ،‬فإنهم يعلمون شيئا ويجهلون آخر؛ لذلك ل ينبغي أَنْ يُقنّن لهم إل خالقهم عز‬
‫وجل‪.‬‬
‫ومعنى { ُأمَ ّت ْعكُنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]28 :‬أي‪ :‬أعطيكُنّ المتعة الشرعية التي ُتفْرض للزوجة عند‬
‫حقّا عَلَى ا ْلمُ ّتقِينَ }[البقرة‪.]241 :‬‬
‫مفارقة زوجها‪ ،‬والتي قال ال فيها‪ {:‬وَلِ ْلمُطَّلقَاتِ مَتَاعٌ بِا ْل َمعْرُوفِ َ‬
‫جمِيلً } [الحزاب‪]28 :‬‬
‫حكُنّ } [الحزاب‪ ]28 :‬التسريح هنا يعني الطلق { سَرَاحا َ‬
‫وقوله { وَأُسَرّ ْ‬
‫ن تمتْ إنما تتم بالجمال أي‪ :‬اللطف والرقة والرحمة‬
‫ذلك يدلّ على أن المفارقة بين الزوجين إ ْ‬
‫بدون بشاعة وبدون عنف؛ لن التسريح في ذاته مفارقة مؤلمة‪ ،‬فل يجمع ال عليها شدتين‪ :‬شدة‬
‫الطلق‪ ،‬وشدة العنف والقسوة‪.‬‬
‫ولك أنْ تلحظ أن لفظ الجمال يأتي في القرآن مع المور الصعبة التي تحتاج شدة‪ ،‬واقرأ قوله‬
‫جمِيلٌ‪[} ...‬يوسف‪ ]83 :‬والصبر يكون جميلً حين ل يصاحبه ضَجَر‪ ،‬أو شكوى‪،‬‬
‫تعالى‪َ {:‬فصَبْرٌ َ‬
‫أو خروج عن حَدّ العتدال‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم يعرض على زوجاته التسريح الجميل الذي ل مشاحنةَ فيه ول‬
‫خصومةَ إنْ اخترْنَهُ بأنفسهن‪ ،‬وما كان رسول ال ليمسك زوجة اختارتْ عليه أمرا آخر مهما‬
‫كان‪.‬‬
‫وللعلماء كلم طويل في هذه المسألة‪ :‬هل يقع الطلق بهذا التخيير؟ قالوأ‪ :‬التخيير َلوْنٌ من حب‬
‫صمَة في يدها ‪ -‬فهي إذن تختار لنفسها‪ ،‬فإنْ‬
‫المفارقة الذي يعطي للمرأة ‪ -‬كما نقول مثلً‪ :‬ال ِع ْ‬
‫قَبِلت الخيار الول وقع الطلق‪ ،‬وإن اختارت الخر فَبِها ونعمتْ‪ ،‬وانتهتْ المسألة‪.‬‬
‫وأمرُ ال لرسوله أن يقول لزوجاته هذا الكلم ل ُبدّ أنْ يكون له رصيد من خواطر خطرتْ على‬
‫زوجاته صلى ال عليه وسلم َلمّا رأيْنَ السلم ُتفْتح له البلد‪ ،‬وتُجبى إليه الخيرات‪ ،‬فتطّلعْن إلى‬
‫شيء من النفقة‪.‬‬
‫وكلمة الزواج‪ :‬جمع زوج‪ ،‬وتُقال للرجل وللمرأة‪ ،‬والزوج ل يعني اثنين معا كما يظن البعض‪،‬‬
‫إنما الزوج يعني الفرد الذي معه مثله من جنس‪ ،‬ومثله تماما كلمة التوأم‪ ،‬فهي تعني (واحد) لكن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيْءٍ خََلقْنَا َزوْجَيْنِ‪[} ...‬الذاريات‪ ]49 :‬يعني‪:‬‬
‫معه مثله‪ ،‬والدليل على ذلك قوله تعالى‪َ {:‬ومِن ُكلّ َ‬
‫ذكر وأنثى‪ ،‬فالذكر وحده زوج‪ ،‬والنثى وحدها زوج‪ ،‬وهذه القسمة موجودة في كل المخلوقات‪.‬‬
‫وتُجمع زوج أيضا على زوجات‪.‬‬
‫ونلحظ في السلوب هنا أن الحق سبحانه حين يعرض على رسوله أنْ يُخيّر زوجاته بين زينة‬
‫الدنيا ونعيم الخرة يستخدم (إنْ) الدالة على الشكّ‪ ،‬ول يستخدم مثلً (إذَا) الدالة على التحقيق‪،‬‬
‫ن يكون خواطر جالتْ في أذهان‬
‫وفي هذا إشارة إلى عدم المبالغة في اتهامهن‪ ،‬فالمر ل يعدو أ ْ‬
‫بعض زوجاته‪.‬‬
‫وتعلمون أن سيدنا رسول ال جمع من النساء تسعا معا‪ ،‬منهن خمسٌ من قريش‪ ،‬وهُنّ‪ :‬عائشة‪،‬‬
‫وحفصة‪ ،‬وأم حبيبة‪ ،‬وسودة بنت زمعة‪ ،‬وأم سلمة ابنة أبي أمية‪ ،‬ومن غير قريش‪ :‬صفية بنت‬
‫حيي بن أخطب الذي ذكرنا قصته في الحزاب‪ ،‬ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق‪ ،‬ثم‬
‫ميمونة بنت الحارث الهللية ‪ -‬ومَنْ ذهب عند التنعيم وجد هناك بئر ميمونة‪ ،‬ثم زينب بنت‬
‫ن أمهات المؤمنين التسعة اللئي جمعهنّ رسولُ ال معا‪.‬‬
‫جحش من بني أسد‪ ،‬هؤلء هُ ّ‬
‫فلما سألْنَ رسول ال النفقة كانت أجرأهُنّ في ذلك السيدة حفصة بنت عمر‪ ،‬وقد حدث بينها وبين‬
‫رسول ال مُشَادّة في الكلم‪ ،‬فقال لها‪ " :‬أل تحبين أنْ أستدعي رجلً بيننا؟ " فوافقتْ‪ ،‬فأرسل إلى‬
‫عمر‪ ،‬فلما جاء قال لها رسول ال‪ :‬تكلّمي أنت ‪ -‬يعني‪ :‬اعرضي حاجتك ‪ -‬فقالت‪ :‬بل تكلم أنت‪،‬‬
‫ول تقل إل حقا‪.‬‬
‫أثارت هذه الكلمة حفيظة سيدنا عمر‪ ،‬فهاج وقام إلى ابنته فوجأها‪ ،‬فحجزه رسول ال فتناولها‬
‫ثانية فوجأها‪ ،‬ثم قال لها‪ :‬إن رسول ال ل يقول إل حقا‪ ،‬ووال لول أنّا في مجلسه ما تركتُك حتى‬
‫تموتي‪ ،‬فقام رسول ال من المجلس ليفضّ هذا النزاع‪ ،‬وذهب إلى حجرته‪ ،‬واعتكف بها‪ ،‬وقاطع‬
‫المر كله مدة شهر‪.‬‬
‫ي وَصْف‬
‫وتأمل قول ال تعالى‪ } :‬إِن كُنتُنّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَ َتهَا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]28 :‬فأ ّ‬
‫أحقر‪ ،‬وأقلّ لهذه الحياة من أنها دُنْيا؟ وما فيها من مُتَع إنما هي زينة‪ ،‬يعني‪ :‬ترف في المظهر‪ ،‬ل‬
‫ب وََل ْهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ‬
‫في الجوهر‪ ،‬كما قال سبحانه في موضع آخر‪ {:‬اعَْلمُواْ أَ ّنمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا َل ِع ٌ‬
‫ل ْولَدِ‪[} ...‬الحديد‪ ]20 :‬ثم يعرض رسول ال على زوجاته الخيار‬
‫ل ْموَالِ وَا َ‬
‫بَيْ َنكُ ْم وَ َتكَاثُرٌ فِي ا َ‬
‫الثاني المقابل للحياة الدنيا‪ } :‬وَإِن كُنتُنّ تُرِدْنَ اللّ َه وَرَسُولَهُ‪.{ ....‬‬

‫(‪)3486 /‬‬
‫عظِيمًا (‪)29‬‬
‫حسِنَاتِ مِ ْنكُنّ أَجْرًا َ‬
‫عدّ لِ ْلمُ ْ‬
‫وَإِنْ كُنْتُنّ تُرِدْنَ اللّ َه وَرَسُولَ ُه وَالدّارَ الْآَخِ َرةَ فَإِنّ اللّهَ أَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صعْب يوحي برفض التخيير بين طرفي‬
‫المتأمل جانبيّ التخيير هنا يجد أن المقارنة بينهما أمر َ‬
‫ن تكون له حياة دنيا مقابل ال‪ ،‬وأن تكون له زينتها مقابل رسول ال‪ ،‬ثم‬
‫ن يقبل أ ْ‬
‫هذه المسألة‪ ،‬فمَ ْ‬
‫زِدْ على ذلك الدار الخرة التي لم يُذكَر قبالتها شيء في الجانب الخر‪ ،‬ثم إن الحياة الدنيا التي لم‬
‫صفْ بأنها دنيا‬
‫يُذكَر قبالتها شيء في الجانب الخر‪ ،‬ثم إن الحياة الدنيا التي نعيشها حتى لو لم تُو َ‬
‫كان يجب أنْ يُزهد فيها‪.‬‬
‫والحق أنهن َف ِهمْنَ هذا النص واخترْنَ ال ورسوله والدار الخرة‪ ،‬ومَنْ يرضى بها بديلً‪ :‬والحمد‬
‫ل‪َ {.‬و َكفَى اللّهُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ا ْلقِتَالَ‪[} ...‬الحزاب‪.]25 :‬‬
‫عظِيما }‬
‫عدّ لِ ْل ُمحْسِنَاتِ مِنكُنّ أَجْرا َ‬
‫ثم يأتي جزاء مَن اختار ال ورسوله والدار الخرة { فَإِنّ اللّهَ أَ َ‬
‫[الحزاب‪ ]29 :‬المحسنة هي الزوجة التي تعطي من الرحمة والمودة الزوجية فوق ما طُلب منها‪.‬‬

‫(‪)3487 /‬‬
‫ض ْعفَيْنِ َوكَانَ ذَِلكَ عَلَى اللّهِ َيسِيرًا‬
‫عفْ َلهَا ا ْلعَذَابُ ِ‬
‫حشَةٍ مُبَيّنَةٍ ُيضَا َ‬
‫يَا نِسَاءَ النّ ِبيّ مَنْ يَ ْأتِ مِ ْنكُنّ ِبفَا ِ‬
‫(‪)30‬‬

‫الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬بعد أنْ خيّر زوجات النبي صلى ال عليه وسلم فاخترْنَ ال ورسوله‬
‫والدارالخرة أراد سبحانه أنْ يُعطيهن المنهج والمباديء التي سيسِرْنَ عليها في حياتهن‪ ،‬ونلحظ‬
‫أن آية التخيير كانت من كلم النبي عن ربه‪ ،‬أما هنا فالكلم من ال مباشرة لنساء النبي‪.‬‬
‫جكَ‪[} ...‬الحزاب‪]28 :‬‬
‫{ يا ِنسَآءَ النّ ِبيّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]30 :‬فبداية المسألة{ ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ قُل لَ ْزوَا ِ‬
‫فلما اخترْن ال ورسوله والدار الخرة كأنهن ارتفعْنَ إلى مستوى الخطاب المباشر من ال تعالى‪،‬‬
‫كأنهن ح ّققْنَ المراد من المر السابق{ فَ َتعَالَيْنَ‪[} ...‬الحزاب‪.]28 :‬‬
‫كلمة { نِسَآءَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]30 :‬نعلم أنها جمع‪ ،‬لكن ل نجد لها مفردا من لفظها‪ ،‬إنما مفردها‬
‫من لفظ آأخر هو امرأة‪ ،‬وفي اللغة جموع تُنُوسِي مفردها بشهرة مفرد آخر أرقّ أو أسهل في‬
‫الستعمال‪ ،‬وامرأة أو (مَرة) يصح أيضا من (امرؤ)‪ ،‬وهذه اللفظة تختلف عن ألفاظ اللغة كلها‪،‬‬
‫بأن حركة العراب فيها ل تقتصر على الحرف الخير إنما تمتد أيضا إلى الحرف قبل الخير‪،‬‬
‫فنقول‪ :‬قال امْ ُرؤُ القيس‪ ،‬وسمعت امْرَأَ القيس‪ ،‬وقرأت لمْرِيء القيس‪.‬‬
‫وبعض الباحثين في اللغة قال‪ :‬إن (نساء) من النّسْأ والتأخير‪ ،‬على اعتبار أن خَلْقها جاء متأخرا‬
‫عن خَلْق الرجل‪ ،‬ومفردها إذن (نَسْءٌ) وإنْ كان هذا تكلفا ل داعيَ له‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبعد هذا النداء { يا ِنسَآءَ النّ ِبيّ } [الحزاب‪ ]30 :‬يأتي الحكم الول من المنهج الموجّه إليهن‪ { :‬مَن‬
‫ض ْعفَيْنِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]30 :‬نلحظ أن الحق سبحانه‬
‫حشَةٍ مّبَيّنَةٍ ُيضَاعَفْ َلهَا ا ْل َعذَابُ ِ‬
‫يَ ْأتِ مِنكُنّ ِبفَا ِ‬
‫لم يبدأ الكلم مع نساء النبي بقوله مثلً‪ :‬مَنْ يتق ال منكن‪ ،‬إنما بدأ بالتحذير من إتيان الفاحشة؛‬
‫لن القاعدة الشرعية في التقنين والصلح تقوم على أن " درء المفسدة مُقدّم على جَلْب المصلحة‬
‫ن نتوضأ للصلة نبريء أنفسنا من النجاسة‪.‬‬
‫" كما أننا قبل أ ْ‬
‫ومثّلْنَا لذلك وقُلْنا‪َ :‬هبْ أن واحدا رماك بتفاحة‪ ،‬وآخر رماك بحجر‪ ،‬فأيهما َأوْلَى باهتمامك؟ ل شكّ‬
‫ل وهو‬
‫ن تكون ثوبك مث ً‬
‫أنك تحرص أولً على ردّ الحجر والنجاة من أذاه‪ ،‬وكذلك لو أردتَ أ ْ‬
‫مُتسخ‪ ،‬ل بُدّ أن تغسله أولً‪.‬‬
‫حشَةٍ مّبَيّنَةٍ‪[ } ...‬الحزاب‪:‬‬
‫لذلك بدأ الحق سبحانه التوجيه لنساء النبي بقوله { مَن يَ ْأتِ مِنكُنّ ِبفَا ِ‬
‫‪ ]30‬لكن الفاحشة أمر مستبعد‪ ،‬فكيف يتوقع منتهي الذنوب من نساء رسول ال؟ قالوا‪ :‬ولم ل‪ ،‬وقد‬
‫عمَُلكَ‪[} ...‬الزمر‪.]65 :‬‬
‫خاطب ال تعالى نبيه صلى ال عليه وسلم بقوله‪ {:‬لَئِنْ أَشْ َر ْكتَ لَ َيحْبَطَنّ َ‬
‫ومعلوم أن رسول ال ليس مظنة الوقوع في الشرك‪ ،‬إذن‪ :‬فالمعنى‪ ،‬يا محمد ليس اصطفاؤك يعني‬
‫أنك فوق المحاسبة‪ ،‬كذلك الحال بالنسبة لنسائه‪ :‬إنْ فعَلتْ إحداكن فاحشة‪ ،‬فسوف نضاعف لها‬
‫العذاب‪ ،‬ولن نستر عليها لمكانتها من رسول ال‪ ،‬فإياكُنّ أنْ تظننّ أن هذه المكانة ستشفع لكُنّ‪،‬‬
‫وإل دخلتْ المسألة في نطاق إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد‪ ،‬وإذا سرق الشريف تركوه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬منزلة الواحدة منكُنّ ليست في كونها مجرد زوجة لرسول ال‪ ،‬إنما منزلتها بمدى التزامها‬
‫بأوامر ال‪ ،‬وإل فهناك زوجات للرسل خُنّ أزواجهن واقرأ‪ {:‬ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً لّلّذِينَ َكفَرُواْ امْرََأتَ‬
‫حتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ َفخَانَتَا ُهمَا فََلمْ ُيغْنِيَا عَ ْن ُهمَا مِنَ اللّهِ شَيْئا‬
‫نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا َت ْ‬
‫َوقِيلَ ادْخُلَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ }[التحريم‪.]10 :‬‬
‫ولك أن تسأل‪ :‬هذا حكم الفاحشة المبيّنة‪ ،‬أنْ يُضاعَف لها العذاب‪ ،‬فما بال الفاحشة منهن إنْ كانت‬
‫غير مُبيّنة؟‬
‫قالوا‪ :‬هذا الحكم خاصّ بنساء النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإن حدث من إحداهن ذنب بينها وبين‬
‫نفسها فهو ذنب واحد مقصور عليها‪ ،‬فإنْ كان علنيةً فهو ُمضَاعف؛ لنهن أسوة وقدوة تتطلع‬
‫العيون إلى سلوكهن‪ ،‬فإنْ ظهرت منهن فاحشة كان تشجيعا للخريات‪ ،‬ولم ل وقد جاءت الفاحشة‬
‫من زوجة النبي‪.‬‬
‫فمضاعفة العذاب ‪ -‬إذن ‪ -‬لن الفساد تعدّى الذات إلى الخرين‪ ،‬وأحدث قدوة سوء في بيت‬
‫النبي‪ ،‬فاتسحقتْ مضاعفة العذاب‪ ،‬لنها آتْ شعور رسول ال‪ ،‬ولم تُقدّر منزلته وفضّلَت عليه‬
‫غيره لتأتي معه الفاحشة‪ ،‬وهذا يستوجب أضعاف العذاب‪ ،‬فإنْ ضاعف لها ال العذاب ضعفين‬
‫فحسب‪ ،‬فهو ِرفْق بها‪ ،‬ومراعاة لماضيها في زوجية رسول ال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن فعلتْ إحداهن حسنة‪ ،‬فلها أجرها أيضا ُمضَاعفا؛ لنها فعلتْ صالحا في ذاتها كأيّ إنسانه‬
‫كذلك إ ْ‬
‫أخرى‪ ،‬ثم أعطتْ قدوة حسنة‪ ،‬وأُسْوة طيبة لغيرها‪.‬‬
‫فإنْ أخذْنا في العتبار حديث النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬مَنْ سَنّ سنة حسنة‪ ،‬فَلَهُ أجرها وأجر‬
‫مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة‪ ،‬ومَنْ سَنّ سنة سيئة فعليه وِزْرها‪ ،‬ووِزْر مَنْ عمل بها إلى يوم‬
‫القيامة "‪.‬‬
‫ضعْف‬
‫علمنا أن أجر الحسنة ل يُضاعف فقط مرتين‪ ،‬إنما بعدد ما أثّرت فيه السوة‪ ،‬وفَرْق بين ال ّ‬
‫ضعْف الشيء أي مثله‪ ،‬أما الضّعف فهو َفقْد هذا المثل‪ ،‬فهو أقلّ‪.‬‬
‫ضعْف‪ِ :‬‬
‫ضعْف‪ .‬ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫ثم يقول سبحانه‪َ } :‬وكَانَ ذَِلكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرا { [الحزاب‪ ]30 :‬يعني‪ :‬مسألة مضاعفة العذاب‬
‫أمر يسير‪ ،‬ولن تغني عنكُنّ منزلتكُنّ من رسول ال شيئا‪ ،‬فهذا أمر ل يسألني فيه أحد‪ ،‬ول أحابي‬
‫فيه أحدا‪ ،‬ول بُدّ أن أُسَيّر المور كما يجب أن تكون‪ ،‬ول يعارضني فيها أحد‪ ،‬لذلك كثيرا ما تُذيّل‬
‫حكِيمٌ }[البقرة‪ ]220 :‬فالعزة تقتضي أن يكون الحكم‬
‫أحكام الحق سبحانه بقوله‪ {:‬إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ َ‬
‫ماضيا ل يُعدّله أحد‪ ،‬ول يعترض عليه أحد‪.‬‬
‫وهذا المعنى واضح في قوله تعالى لسيدنا عيسى عليه السلم‪ {:‬وَإِذْ قَالَ اللّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ‬
‫أَأَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ اتّخِذُونِي وَُأ ّميَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُ ْبحَا َنكَ مَا َيكُونُ لِي أَنْ َأقُولَ مَا لَيْسَ‬
‫سكَ إِ ّنكَ أَنتَ عَلّمُ ا ْلغُيُوبِ *‬
‫حقّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ َفقَدْ عَِلمْتَهُ َتعْلَمُ مَا فِي َنفْسِي َولَ أَعْلَمُ مَا فِي َنفْ ِ‬
‫لِي بِ َ‬
‫شهِيدا مّا ُد ْمتُ فِيهِمْ فََلمّا‬
‫مَا قُ ْلتُ َلهُمْ ِإلّ مَآ َأمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْ ُبدُواْ اللّهَ رَبّي وَرَ ّبكُ ْم َوكُنتُ عَلَ ْيهِمْ َ‬
‫ك وَإِن َت ْغفِرْ‬
‫شهِيدٌ * إِن ُتعَذّ ْبهُمْ فَإِ ّنهُمْ عِبَا ُد َ‬
‫شيْءٍ َ‬
‫َت َوفّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ ال ّرقِيبَ عَلَ ْيهِ ْم وَأَنتَ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫حكِيمُ }‬
‫َلهُمْ فَإِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫[المائدة‪.]118-116 :‬‬
‫فقوله‪ {:‬وَإِن َتغْفِرْ َلهُمْ‪[} ...‬المائدة‪ ]118 :‬يقتضي أن يقول‪ :‬فإنك غفور رحيم‪ ،‬لكن الحق سبحانه‬
‫حكِيمُ }[المائدة‪ ]118 :‬لن الذنب الذي وقع فيه القوم ذنب في القمة‪،‬‬
‫عدل إلى{ فَإِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫في اللوهية التي أخذوها من ال وجعلوها لعيسى عليه السلم‪ ،‬وهذا بمقتضى العقل يستوجب‬
‫العذاب الشديد‪ ،‬لكن الحق سبحانه ل يُسأل عما يفعل‪ ،‬يُعذّب مَنْ يشاء‪ ،‬ويغفر لمَنْ يشاء‪ ،‬فإنْ غفر‬
‫لهم فبصفة العزة التي ل يعارضها أحد‪ ،‬فكأن المنطق أن يُسأل ال‪ :‬لماذا لم تُعذّب هؤلء على ما‬
‫ارتكبوه؟ لذلك دخل هنا من ناحية العزة‪ ،‬التي ل تُعارَض‪ ،‬والحكمة التي ل تخطيء‪.‬‬
‫وبعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة الفاحشة‪ ،‬وما يترتب عليها من عقاب ذكر سبحانه المقابل‪ ،‬فقال‬
‫تعالى‪َ } :‬ومَن َيقْنُتْ مِنكُنّ للّ ِه وَرَسُولِهِ‪.{ ....‬‬

‫(‪)3488 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَأَعْتَدْنَا َلهَا رِ ْزقًا كَرِيمًا (‪)31‬‬
‫َومَنْ َيقْ ُنتْ مِ ْنكُنّ لِلّ ِه وَرَسُولِ ِه وَ َت ْع َملْ صَالِحًا ُنؤْ ِتهَا أَجْ َرهَا مَرّتَيْ ِ‬

‫معنى { َيقْنُتْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]31 :‬أي‪ :‬يخضع ل تعالى الخضوع التام‪ ،‬ويخشع ويتذلّل ل في‬
‫دعائه‪ ،‬واختار الحق سبحانه القنوت؛ لنه سبحانه ل يحب من الطائع أنْ يُ ِدلّ على الناس بطاعته؛‬
‫لذلك يقول العارفون‪ُ :‬ربّ معصية أورثت ذلً وانكسارا‪ ،‬خير من طاعة أورثتْ عِزّا واستكبارا‪.‬‬
‫أو { َومَن َيقْ ُنتْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]31 :‬أي‪ :‬بالغ في الصلح‪ ،‬وبالغ في الورع حتى ذهب إلى‬
‫القنوت‪ ،‬وهو الخضوع والخشوع‪.‬‬
‫والنتيجة { ُنؤْ ِتهَـآ أَجْرَهَا مَرّتَيْنِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]31 :‬فالية السابقة تقرر مضاعفة العذاب لمن‬
‫تأتي بالفاحشة‪ ،‬وهذه تقرر مضاعفة الجر لمن تخضع ل وتخشع وتعمل صالحا‪.‬‬
‫{ وَأَعْتَدْنَا َلهَا رِزْقا كَرِيما } [الحزاب‪ ]31 :‬أي‪ :‬أعددناه وجهّزناه لها من الن‪ ،‬فهو ينتظرها‪.‬‬
‫وحين تتأمل السلوب القرآني في هاتين اليتين تطالعك عظمة الداء‪ ،‬فحين ذكر الفاحشة‬
‫سمّ فاعله‪ ،‬أما في الكلم‬
‫عفْ‪[} ...‬الحزاب‪ ]30 :‬مبنيا لما لم يُ َ‬
‫ومضاعفة العذاب جاء الفعل{ ُيضَا َ‬
‫عن القنوت ل‪ ،‬فقال { ُنؤْ ِتهَـآ َأجْرَهَا‪[ } ...‬الحزاب‪ ]31 :‬فجاء الفعل ُمسْندا إلى الحق سبحانه‬
‫مباشرة‪ ،‬وكأن الحق سبحانه لم يُرِدْ أنْ يواجه بذاته في مقام العذاب‪ ،‬إنما واجه العذاب فقط‪.‬‬
‫ومجرد بناء الفعل{ ُيضَاعَفْ‪[} ...‬الحزاب‪ ]30 :‬للمجهول يدل على رحمة ال وُلطْفه في العبارة‪،‬‬
‫فالحق سبحانه يحب خَلْقه جميعا‪ ،‬ويتحبب ويتودد إليهم‪ ،‬ويرجو من العاصي أنْ يرجع ويفرح‬
‫سبحانه بتوبة عبده المؤمن أكثر من فرح أحدكم حين يجد راحلته وقد ضّلتْ منه في فلة‪.‬‬
‫وجاء في الثر‪ " :‬يا ابن آدم‪ ،‬ل تخافنّ من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا وسلطاني ل ينفد أبدا‪،‬‬
‫يا ابن آدم‪ ،‬ل تخْشَ من ضيق الرزق وخزائني ملنة وخزائني ل تنفد أبدا‪ ،‬يا ابن آدم‪ ،‬خلق ُتكَ‬
‫للعبادة فل تلعب ‪ -‬والمراد باللعب العمل الذي ل جدوى منه ‪ -‬وقسمتُ لك رزقك فل تتعب "‪.‬‬
‫والمراد هنا ل تتعب‪ ،‬ول تشغل قلبك‪ ،‬فالتعب يكون للجوارح‪ ،‬كلما جاء في الحديث الشريف‪" :‬‬
‫مَنْ بات كالً من عمل يده بات مغفورا له " ولما رأى رسول ال صلى ال عليه وسلم يدا خشنة‬
‫من العمل قال‪ " :‬هذه يد يحبها ال ورسوله "‪.‬‬
‫فالتعب تعب القلب‪ ،‬فالشيء الذي يطيقه صدرك‪ ،‬وتقدر على تحمّله ل يُتعبك؛ لذلك نجد خالي‬
‫الصدر من الهموم يعمل في الصخر وهو هاديء البال‪ ،‬يغني بحداء جميل ونشيد رائع يُقوّي‬
‫عزيمته‪ ،‬ويعينه على المواصلة‪ ،‬فتراه مع هذا المجهود فَرِحا منشرحَ الصدر‪.‬‬
‫ل إلّ مَا وَعَأهُ‬
‫وقد فطن الشاعر العربي لهذه المسألة فقال‪:‬لَيْسَ بح ْملٍ مَا أطَاقَ الظّهر مَا الح ْم ُ‬
‫الصّدْرُفالمعنى‪ :‬أتعب جوارحك‪ ،‬لكن ل تُتعِب قلبك‪ ،‬والكَلَل والتعب ل يأتي على الجوارح إنما‬
‫على القلب‪ ،‬فأتعب جوارحك في العمل الجاد النافع الذي تأخذ من ثمرته على قدر حاجتك‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتفيض بالباقي على غير القادرين‪.‬‬
‫حتَ قلبك وبدنك وكنتَ عندي محمودا‪ ،‬وإنْ أنت لم‬
‫ت رضيتَ بما قَسمتْهُ لك أر ْ‬
‫ثم يقول‪ " :‬فإنْ أن َ‬
‫سمْتُه لكَ فوعزتي وجللي لسلطنّ عليك الدنيا تركضُ فيها ر ْكضَ الوحوش في‬
‫تَ ْرضَ بما قَ َ‬
‫سمْتُه لك‪ ،‬وكنت عندي مذموما‪ ،‬يا ابن آدم‪ ،‬خلقتُ السماوات‬
‫البرية‪ ،‬ثم ل يكون لك منها إل ما قَ َ‬
‫عيَ بخلقهن‪ ،‬أَ ُيعْييني رغيفٌ أسوقه لك‪ ..‬يا ابن آدم‪ ،‬ل تطالبني برزق غد كما لم‬
‫والرض ولم أَ ْ‬
‫أطالبك بعمل غدٍ‪ ،‬يا ابن آدم أنا لم أَنْسَ مَنْ عصاني‪ ،‬فكيف بمَنْ أطاعني؟ "‬
‫وشاهدنا هنا قوله تعالى في آخر الحديث القدسي‪ " :‬يا ابن آدم‪ ،‬أنا لك محب فبحقي عليك كُنْ لي‬
‫مُحِبا "‬
‫فربّك يظهر لنا بذاته في مقام الخير وجلب النفع لك‪ ،‬أما في الشر فيشير إليك من بعيد‪ ،‬ويلفت‬
‫نظرك ب ِرفْق‪.‬‬
‫كما نلحظ في أسلوب الية قوله تعالى ‪ -‬والخطاب لنساء النّبِي } َومَن َيقْ ُنتْ مِنكُنّ‪[ { ...‬الحزاب‪:‬‬
‫‪ ]31‬ولم يقل تقنت‪ ..‬ثم أ ّنثَ الفعل في } وَ َت ْع َملْ صَالِحا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]31 :‬فمرة يراعي اللفظ‪،‬‬
‫ومرة يراعي المعنى‪ ،‬وسبق أنْ قُلْنا إن (مَنْ) اسم موصول يأتي للمفرد وللمثنى وللجمع‪ ،‬وللمذكر‬
‫وللمؤنث‪.‬‬
‫ونقف أيضا هنا عند وصف الرزق بأنه كريم } وَأَعْتَدْنَا َلهَا رِزْقا كَرِيما { [الحزاب‪ ]31 :‬قلنا‪ :‬إن‬
‫الرزق كل ما يُنتفع به من مأكل‪ ،‬أو مشرب‪ ،‬أو ملبس‪ ،‬أو مسكن‪ ،‬أو مرافق‪ ،‬وقد يأتي في صورة‬
‫معنوية كالعلم والحلم‪ ..‬إلخ‪ ،‬وهذا الرزق في الدنيا ل يُوصف بأنه كريم‪ ،‬إنما الكريم هو الرازق‬
‫سبحانه‪ ،‬فلماذا وصف الرزق بأنه كريم؟‬
‫قالوا‪ :‬فَرْق بين الرزق في الدنيا والرزق في الخرة‪ ،‬الرزق في الدنيا له أسباب‪ ،‬فالسبب هو‬
‫الرازق من ولد أو والٍ أو أجير أو تاجر‪ ..‬إلخ فالذي يجري لك الرزق على يديه هو الذي‬
‫يُوصف بالكرم‪ ،‬أما في الخرة فالرزق يأتيك بل أسباب‪ ،‬فناسب أنْ يُوصف هو نفسه بأنه كريم‪،‬‬
‫ثم فيها ملحظ آخر‪ :‬إذا كان الرزق يوصف بالكرم‪ ،‬فما بال الرازق الحقيقي سبحانه؟‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬يا ِنسَآءَ النّ ِبيّ َلسْتُنّ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3489 /‬‬
‫طمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَ َرضٌ‬
‫ضعْنَ بِا ْلقَ ْولِ فَيَ ْ‬
‫خ َ‬
‫يَا نِسَاءَ النّ ِبيّ لَسْتُنّ كََأحَدٍ مِنَ النّسَاءِ إِنِ ا ّتقَيْتُنّ فَلَا َت ْ‬
‫َوقُلْنَ َقوْلًا َمعْرُوفًا (‪)32‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل في العدد‪ :‬أحد عشر إنْ كان المعدودُ‬
‫كلمة (أحد) تُستخدم في اللغة عدة استخدامات‪ ،‬فنقول مث ً‬
‫مذكرا‪ ،‬وإحدى عشرة إن كان المعدود مؤنثا‪ ،‬أما في حالة النفي فل تُستعمل إل بصيغة واحدة‬
‫(أحد)‪ ،‬وتدل على المفرد والمثنى والجمع‪ ،‬وعلى المذكر والمؤنث‪ ،‬فتقول‪ :‬ما عندي أحد‪ ،‬ل رجلٌ‬
‫ول امرأة ول رجلن ول امرأتان‪ ،‬ول رجال ول نساء‪ ،‬لذلك جاء قوله تعالى‪ {:‬وََلمْ َيكُنْ لّهُ ُكفُوا‬
‫حدٌ }[الخلص‪.]4 :‬‬
‫أَ َ‬
‫حدٍ مّنَ النّسَآءِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]32 :‬هذه خصوصية لهن؛ لن الشياء‬
‫وقوله سبحانه‪َ { :‬لسْتُنّ كَأَ َ‬
‫تمثل أجناسا وتحت الجنس النوع‪ ،‬فالنسان مثلً جنس‪ ،‬منه ذكر ومنه أنثى‪ ،‬وكل نوع منهما تحته‬
‫أفراد‪ ،‬والذكر والنثى لم يفترقا إلى نوعين بعد أنْ كانا جنسا واحدا‪ ،‬إل لختلف نشأ عنهما بعد‬
‫اتفاق في الجنس فالجنس حَدّ مُشترك‪ :‬حيّ ناطق مفكر‪ ،‬فلما افترقا إلى نوعين صار لكل منهما‬
‫خصوصيته التي تُميّزه عن الخر‪.‬‬
‫كما قلنا في الزمن مثلً‪ ،‬فهو ظرف للحداث‪ ،‬فإنْ كانت أحداثَ حركة فهي النهار‪ ،‬وإنْ كانت‬
‫سكُون فهي الليل‪ ،‬فالليل والنهار نوعان تحت جنس واحد هو الزمن‪ ،‬ولكل منهما‬
‫أحداثَ ُ‬
‫خصوصيته‪ ،‬وعلينا أن نراعي هذه الخصوصية‪ ،‬فل نخلط بينهما‪.‬‬
‫جلّىا * َومَا خَلَقَ ال ّذكَ َر وَالُنثَىا * إِنّ‬
‫وتأمل قول ال تعالى‪ {:‬وَالْلّ ْيلِ ِإذَا َيغْشَىا * وَال ّنهَارِ ِإذَا تَ َ‬
‫سعْ َيكُمْ َلشَتّىا }[الليل‪.]4-1 :‬‬
‫َ‬
‫فالليل والنهار متقابلن متكاملن لمتضادان‪ ،‬كذلك الذكر والنثى‪ ،‬ولكلّ دوره ومهمته الخاصة‪،‬‬
‫فإنْ حاولتَ أنْ تجعلَ الليل نهارا‪ ،‬أو الذكر أنثى أو العكس‪ ،‬فقد خالفتَ هذه الطبيعة التي اختارها‬
‫الخالق سبحانه‪.‬‬
‫وحكينا قصة الرجل الذي مرّ على عمدة القرية‪ ،‬فوجده يضرب غفيرا عنده‪ ،‬فدافع عن الغفير‬
‫وقال للعمدة‪ :‬لماذا تضربه يا عم إبراهيم؟ قال‪ :‬مررتُ عليه ووجدتُه نائما‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬نام؛ لنه‬
‫قضي النهار يروي لك أرضك‪ ،‬ومَنْ يحرث ل يحرس‪.‬‬
‫إذن‪ :‬تحت الجنس النوع‪ ،‬وهذا النوع غير متكافيء؛ لنه لو تساوى لكان مكررا ل فائدة منه‪ ،‬إنما‬
‫يختلف الفراد ويتميزون؛ لذلك ل تظن أنك تمتاز عن الخرين؛ لن ال تعالى وزّع المواهب بين‬
‫خَلْقه‪ ،‬فأنت تمتاز في شيء‪ ،‬وغيرك يمتاز في شيء آخر‪ ،‬ذلك ليرتبط الناس في حركة الحياة‬
‫ط تفضّل كما قُلْنا‪.‬‬
‫ارتباطَ حاجةٍ‪ ،‬ل ارتبا َ‬
‫لذلك‪ ،‬فالرجل الذي يكنس لك الشارع مُميّزٌ عنك؛ لنه يؤدي عملً تستنكف أنت عن أدائه‪ ،‬وإذا‬
‫ل وأنت العالم أو‬
‫أدّى لك هذا العامل عملً ل بُدّ أنْ تعطيه أجره‪ ،‬في حين إذا سألك مثلً سؤا ً‬
‫صاحب المنصب‪...‬إلخ فإنك تجيبه‪ ،‬لكن دون أنْ تأخذ منه أجرا على هذا الجواب‪ ،‬وقد مكثتَ أنت‬
‫ن وصلتَ إلى هذه الدرجة‪ ،‬وصارت لك‬
‫السنوات الطوالَ تجمع العلم وتقرأ وتسمع‪ ،‬إلى أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خصوصية‪ ،‬إذن‪ :‬لكل منا‪ ،‬ذكر أو أنثى‪ ،‬فردية شخصية تُميّزه‪.‬‬
‫حدٍ مّنَ النّسَآءِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]32 :‬هذه هي‬
‫هنا يقول الحق سبحانه لنساء النبي } َلسْتُنّ كَأَ َ‬
‫الخصوصية التي تُميّزهن عن غيرهن من مطلق النساء‪ ،‬فمطلق النساء لَسْنَ قدوة‪ ،‬إنما نساء النبي‬
‫خاصة قدوة لغيرهن من النساء وأُسْوة تُقتدى‪.‬‬
‫والشرط بعد هذا النفي } إِنِ ا ّتقَيْتُنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]32 :‬يعني‪ :‬أن زوجيتهن لرسول ال ليست هذه‬
‫ميزة‪ ،‬إنما الميزة والخصوصية في تقواهن ل‪ ،‬وإل فهناك من زوجات النبياء مَنْ كانت غير‬
‫تقية‪.‬‬
‫طعْنَ‬
‫ط َمعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَ َرضٌ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]32 :‬أي‪ :‬ا ْق َ‬
‫ضعْنَ بِا ْل َقوْلِ فَيَ ْ‬
‫خ َ‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فَلَ تَ ْ‬
‫ن المور المشتبهة فيها‪ .‬ومعنى الخضوع‬
‫طريق الفاحشة من بدايته‪ ،‬ول تقربن أسبابها‪ ،‬واتركْ َ‬
‫بالقول أنْ يكون في قول المرأة حين تخاطب الرجال ليونة‪ ،‬أو تكسّر‪ ،‬أو ميوعة‪ ،‬أو أن يكون مع‬
‫القول نظرات أو اقتراب‪.‬‬
‫طمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَ َرضٌ‪...‬‬
‫فإذا اضطرِرِتُنّ لمحادثة الرجال فاحذرْنَ هذه الصفات } فَ َي ْ‬
‫ن ل تضمن الرجل الذي تُحدّثه‪ ،‬فربما‬
‫{ [الحزاب‪ ]32 :‬والمعنى‪ :‬أنا ل أتهمكُنّ‪ ،‬إنما الواحدة منكُ ّ‬
‫كان في قلبه مرض‪ ،‬فل تعطيه الفرصة‪.‬‬
‫وليس معنى عدم الخضوع بالقول أنْ تُكّلمْنَ الناسَ بغلظة وخشونة‪ ،‬إنما المراد أن تكون المور‬
‫عند حدودها؛ لذلك يقول سبحانه بعدها } َوقُلْنَ َقوْلً ّمعْرُوفا { [الحزاب‪ ]32 :‬فلما نهى القرآن عن‬
‫التصرف غير المناسب عرض البديل المناسب‪ ،‬وهو القول المعروف‪ ،‬وهو من المرأة القول‬
‫المعتدل والسماع بالذن دون أنْ تمتد عينها إلى مُحدّثها؛ لن ذلك ربما أطمعه فيها‪ ،‬وجرّاه عليها‪،‬‬
‫وهذا ما يريد الحق سبحانه أنْ يمنعه‪.‬‬
‫حكِي أن رجلً رأى خادمته على الباب تُحدّث شابا وسيما‪ ،‬وكان يسألهَا عن شيء‪ ،‬إل أنها‬
‫لذلك ُ‬
‫أطالتْ معه الحديث‪ ،‬فضربها ربّ البيت ونهرها على هذا التصرف‪ ،‬وفي اليوم التالي جاء شاب‬
‫آخر يسألها عن نفس الشيء الذي سأل عنه صاحبه بالمس‪ ،‬فبادرته بالشتائم والسّباب بعد أنْ‬
‫ظهر لها ما في قلب هذا‪ ،‬وأمثاله من مرض‪.‬‬
‫ك وَبَنَا ِتكَ وَنِسَآءِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ يُدْنِينَ‬
‫جَ‬
‫وفي موضع آخر من هذه السورة سيأتي‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ قُل لَ ْزوَا ِ‬
‫غفُورا رّحِيما }[الحزاب‪]59 :‬؛‬
‫ن َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫عَلَ ْيهِنّ مِن جَلَبِي ِبهِنّ ذاِلكَ أَدْنَىا أَن ُيعْ َرفْنَ فَلَ ُي ْؤذَيْ َ‬
‫لن الرجل حين يجد المرأة محتشمة تستر مفاتن جسمها ل يتجزأ عليها‪ ،‬ويعلم أنها ليستْ من هذا‬
‫الصنف الرخيص‪ ،‬فيقف عند حدوده‪.‬‬
‫وقد قال الحكماء‪ :‬أما إذا رأيتَ امرأةً تُظهر محاسنها لغير محارمها وتُلِحّ في عرض نفسها على‬
‫الرجال‪ ،‬فكأنها تقول للرجل (فتح يا بجم) تقول للغافل تنبه‪ .‬فتستثير فيه شهوته‪ ،‬فَيَتَجَرَأْ عليها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالحق سبحانه يريد لزوجات النبي صلى ال عليه وسلم أولً أنْ يُكّلمْنَ الناس من وراء حجاب‪،‬‬
‫وأنْ يُكّلمْنَ الناس بالمعروف كلما ل لينَ فيه‪ ،‬ول ميوعة حتى ل يَتع ّرضْنَ لسوء‪ ،‬ول يتجزأ‬
‫عليهن بذيء أو مستهتر‪.‬‬
‫ن وَلَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬وقَرْنَ فِي بُيُو ِتكُ ّ‬

‫(‪)3490 /‬‬
‫طعْنَ اللّهَ‬
‫ن وَلَا تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَا ِهلِيّةِ الْأُولَى وََأ ِقمْنَ الصّلَاةَ َوآَتِينَ ال ّزكَا َة وَأَ ِ‬
‫َوقَرْنَ فِي بُيُو ِتكُ ّ‬
‫طهِيرًا (‪)33‬‬
‫طهّ َركُمْ تَ ْ‬
‫وَرَسُولَهُ إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ لِ ُيذْ ِهبَ عَ ْنكُمُ الرّجْسَ َأ ْهلَ الْبَ ْيتِ وَيُ َ‬

‫معنى { َوقَرْنَ فِي بُيُو ِتكُنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]33 :‬الزمنها ول تُكثِرْن الخروج منها‪ ،‬وهذا أدب للنساء‬
‫عامة؛ لن المرأة إذا شغلتْ نفسها بعمل المطلوب منها في بيتها وفي خدمة زوجها وأولدها‬
‫ومصالحهم لما اتسع الوقت للخروج؛ لذلك كثيرا ما يعود الزوج‪ ،‬فيجد زوجته مُنهمِكة في أعمال‬
‫البيت‪ ،‬وربما ضاق هو نفسه بذلك؛ لنه ل يجدها متفرغة له‪.‬‬
‫إذن‪ :‬المرأة المفلسة في بيتها هي التي تُكثِر الخروج‪ ،‬وتقضي مصالح بيتها من خارج البيت‪ ،‬ولو‬
‫ت مصالح بيتها‪ ،‬ووفّرتْ على زوجها‪ ،‬وقد حكوا لنا عن‬
‫ض ْ‬
‫أنها تعلمتْ الصناعات البسيطة لَق َ‬
‫النساء في دمياط مثلً‪ ،‬كيف أن المرأة هناك تعمل كل شيء وتساعد زوجها‪ ،‬حتى أن البنت تتعلم‬
‫حرفة‪ ،‬ول ترهق أباها عند زواجها‪ ،‬بل وتوفر من المال ما يساعد زوجها بعد أن تتزوج‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَلَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ ا ْلجَاهِلِيّ ِة الُولَىا‪[ } ...‬الحزاب‪ ]33 :‬كلمة التبرج من البُرْج‪،‬‬
‫وهو الحصن‪ ،‬ومعنى تبرّج أي‪ :‬خرج من البرج وبرز منه‪ ،‬والمعنى‪ :‬ل تخرجن من حصن‬
‫التستر‪ ،‬ول تبدين الزينة والمحاسن الواجب سَتْرُها‪.‬‬
‫وقال { تَبَرّجَ ا ْلجَاهِلِيّ ِة الُولَىا‪[ } ...‬الحزاب‪ ]33 :‬أي‪ :‬ما كان من التبرج قبل السلم‪ ،‬وكانت‬
‫لمَة ل الحرة ‪ -‬تبدي مفاتن جسمها‪ ،‬بل وتظهر شبه عارية‪ ،‬وكُنّ ل يجدْنَ‬
‫المرأة ‪ -‬ونعني بها ا َ‬
‫غضاضة في ذلك‪ ،‬وقد رأينا مثل هذا مثلً في إفريقيا‪.‬‬
‫أما الحرائر في الجاهلية‪ ،‬فكانت لهُنّ كرامة وعِفّة‪ ،‬في حين كانت تُقام للماء أماكن خاصة‬
‫للدعارة والعياذ بال؛ لذلك لما أخذ رسول ال العهد على النساء المؤمنات ألّ يَزْنين قالت امرأة‬
‫أبي سفيان‪ :‬أو تزني الحرة يا رسول ال؟ يعني‪ :‬هذا شيء مستنكف من الحرة‪ ،‬حتى في الجاهلية‪.‬‬
‫سعْنَ دائرة التبرج التي حددها الشرع‪ ،‬وهي‬
‫ومن معاني البرج‪ :‬التساع‪ ،‬فيكون المعنى‪ :‬ل تُو ّ‬
‫الوجه والكفان‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي موضع آخر‪ ،‬قال تعالى‪ {:‬وَا ْل َقوَاعِدُ مِنَ النّسَآءِ الّلَتِي لَ يَرْجُونَ ِنكَاحا فَلَيْسَ عَلَ ْيهِنّ جُنَاحٌ أَن‬
‫ضعْنَ ثِيَا َبهُنّ غَيْرَ مُتَبَرّجَاتٍ بِزِينَةٍ‪[} ...‬النور‪.]60 :‬‬
‫َي َ‬
‫وتعجب من المرأة تبلغ الخمسين والستين‪ ،‬ثم تراها تضع الحمر والبيض‪ ،‬ول تخجل من‬
‫تجاعيد وجهها‪ ،‬ول تحترم السنّ التي بلغتْها‪.‬‬
‫ل َة وَآتِينَ ال ّزكَـاةَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]33 :‬كثيرا ما قرن القرآن بين‬
‫ثم يقول سبحانه‪ { :‬وََأ ِقمْنَ الصّ َ‬
‫ن كنتَ في الزكاة تنفق بعض المال‪،‬‬
‫الصلة والزكاة‪ ،‬وبدأ بالصلة؛ لنها عمدة التكاليف كلها‪ ،‬وإ ْ‬
‫والمال فرع العمل‪ ،‬والعمل فرع الزمن‪ ،‬فأنت في الصلة تنفق الزمن نفسه وتضحي به‪ ،‬فكأنك‬
‫في الصلة تنفق نسبة سبعة وتسعين ونصف بالمائة‪ ،‬فضلً عن الثنين ونصف نسبة الزكاة‪.‬‬
‫كما يُفهم من إيتاء الزكاة هنا أن للمرأة ذمتها المالية الخاصة المستقلة عن ذمة الغير من أب أو‬
‫زوج أو غيره‪ ،‬بدليل أن ال كلفها بإيتاء الزكاة‪ ،‬لكن الحضارة الحديثة جعلتْ مال المرأة قبل‬
‫الزواج للب‪ ،‬وبعد الزواج للزوج‪ ،‬ثم سلبتْ المرأة نسبتها إلى أبيها‪ ،‬ونسبتها بعد الزواج لزوجها‪.‬‬
‫س و َتعَدّ على هُويتها‪،‬‬
‫وهذه المسألة أشدّ على المرأة من سَلْبها المال؛ لن نسبتها لزوجها طمْ ٌ‬
‫وانظر مثلً إلى السيدة عائشة‪ ،‬فما زلنا حتى الن نقول " عائشة بنت أبي بكر " ولم يقل أحد انها‬
‫عائشة امرأة محمد‪.‬‬
‫طعْنَ اللّ َه وَرَسُوَلهُ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]33 :‬لن المسألة ل تقتصر على إقامة‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وََأ ِ‬
‫الصلة وإيتاء الزكاة‪ ،‬إنما هناك أمور أخرى كثيرة تحتاج طاعة ال وطاعة رسول ال‪.‬‬
‫طعْنَ اللّهَ‬
‫ونلحظ هنا أن الية عطفت رسول ال على ربه تعالى‪ ،‬وجاء المر واحدا } وَأَ ِ‬
‫وَرَسُولَهُ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]33 :‬وحين نستقريء هذا المر في القرآن الكريم نجده مرة يُكرّر الفعل‪،‬‬
‫فيقول‪ {:‬وَأَطِيعُواْ اللّ َه وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ‪[} ...‬التغابن‪.]12 :‬‬
‫ومرة‪ {:‬وَأَطِيعُواْ اللّ َه وَالرّسُولَ‪[} ...‬آل عمران‪.]132 :‬‬
‫لمْرِ مِ ْنكُمْ‪[} ...‬النساء‪.]59 :‬‬
‫ومرة يقول تعالى‪َ {:‬أطِيعُواْ اللّ َه وََأطِيعُواْ الرّسُولَ وَُأوْلِي ا َ‬
‫ل منها مدلول ومعنى‪ ،‬فساعةَ يقول‪ :‬أطيعوا ال وأطيعوا الرسول‪ ،‬كأن ل في‬
‫وهذه الصيغ‪ ،‬لك ّ‬
‫المر طاعةً في الجمال‪ ،‬وللرسول طاعة في التفصيل‪ ،‬فالحق سبحانه أمر بالصلة وأمر بالزكاة‬
‫َأمْرَ إجمال‪ ،‬ثم بيّن الرسول ذلك وفصّل هذا الجمال‪ ،‬فقال‪ " :‬صَلّوا كما رأيتموني أصلي " وقال‪:‬‬
‫خذُوا عنّي مناسككم "‪.‬‬
‫" ُ‬
‫إذن‪ :‬تكرر الفعل هنا؛ لن ل طاعةً في إجمال الحكم‪ ،‬وللرسول طاعة في تفصيله‪ ،‬فإنْ جعل‬
‫الفعل واحدا{ وََأطِيعُواْ اللّ َه وَالرّسُولَ‪[} ...‬آل عمران‪ ]132 :‬فهذا يعني توارد أمر ال تعالى مع‬
‫أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فالطاعة إذن واحدة‪ ،‬و َهبْ أن ال تعالى له ِفعْل‪ ،‬ورسوله له‬
‫ِفعْل‪ ،‬فل يفصل أحدهما عن الخر‪ ،‬بدليل قوله تعالى‪َ {:‬ومَا َن َقمُواْ ِإلّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّ ُه وَرَسُولُهُ مِن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َفضْلِهِ‪[} ...‬التوبة‪.]74 :‬‬
‫فلم َي ُقلْ‪ :‬وأغناهم رسوله حتى يقول قائل‪ :‬كل منهما ُيغْنى بقدرة‪ ،‬انما جاء الفعل واحدا{ أَغْنَاهُمُ‬
‫اللّ ُه وَرَسُوُلهُ‪[} ...‬التوبة‪ ]74 :‬واقرأ أيضا قوله تعالى‪ {:‬وَاللّ ُه وَرَسُولُهُ َأحَقّ أَن يُ ْرضُوهُ إِن كَانُواْ‬
‫ُم ْؤمِنِينَ }[التوبة‪ ]62 :‬ولم يقل‪ :‬يرضوهما‪.‬‬
‫لمْرِ مِ ْنكُمْ‪[} ...‬النساء‪ ]59 :‬فلم يُكرّر المر‬
‫ل وَُأوْلِي ا َ‬
‫أما قوله تعالى‪َ {:‬أطِيعُواْ اللّ َه وَأَطِيعُواْ الرّسُو َ‬
‫ي المر إل من باطن طاعة ال‪ ،‬وطاعة رسول ال‪.‬‬
‫بالطاعة مع أولي المر؛ لنه ل طاعة لول ّ‬
‫طهِيـرا‬
‫طهّ َركُمْ تَ ْ‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْ ِهبَ عَنكُـمُ الرّجْسَ َأ ْهلَ الْبَ ْيتِ وَيُ َ‬
‫{ [الحزاب‪ ]33 :‬الرجس بالسّين هو الرّجز بالزاي‪ ،‬وهو القذارة‪ ،‬سواء أكانت حسية كالميتة‬
‫خمْرُ وَا ْلمَيْسِ ُر وَالَنصَابُ‬
‫مثلً‪ ،‬وكالخمر‪ ،‬أو معنوية كالثام والذنوب‪ ،‬وقد جمعتْها الية‪ {:‬إِ ّنمَا ا ْل َ‬
‫ع َملِ الشّ ْيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ َلعَّلكُمْ ُتفِْلحُونَ }[المائدة‪ ]90 :‬وقد يُراد بالرجس‪ :‬النفاق‬
‫وَالَزْلَمُ ِرجْسٌ مّنْ َ‬
‫والمرض‪.‬‬
‫وكلمة (أهل) تُقال‪ :‬لعشيرة الرجل‪ ،‬لكنها تُطلَق في عُرْف الستعمال على امرأته‪ ،‬ومن بقية‬
‫الصطلحات لهذا المعنى ما نقوله الن حين نذهب لزيارة صديق مثلً فنقول‪ :‬معي الهل أو‬
‫الجماعة‪ ،‬والبعض يقول‪ :‬معي الولد‪ ،‬ونقصد بذلك الزوجة‪ ،‬لماذا؟ قالوا‪ :‬لن أمر المرأة مبنيّ‬
‫على الستر‪ ،‬فإذا كان اسمها مبنيا على الستر‪ ،‬فكذلك معظم تكليفاتها مبنية على الستر في الرجل‪،‬‬
‫ونادرا ما يأتي الحكم خاصا بها‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب‪ ،‬وكانت قد هاجرت إلى الحبشة‪،‬‬
‫فلما عادت سألتْ‪ :‬أنزلَ شيء من أمر المرأة في غَيْبَتي؟ فقالوا لها‪ :‬لم ينزل شيء‪ ،‬فذهبت إلى‬
‫سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم وقالت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬ما أعظم خيبتنا وخسارتنا‪ ،‬فليس لنا‬
‫في الحكام شيء‪ ،‬فقال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إنكن مستورات في الرجال "‪.‬‬
‫ت وَا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَا ْل ُم ْؤمِنَاتِ‬
‫ن وَا ْلمُسِْلمَا ِ‬
‫ومع ذلك نزل القرآن الكريم بقوله تعالى‪ {:‬إِنّ ا ْلمُسِْلمِي َ‬
‫شعَاتِ‬
‫ن وَالْخَا ِ‬
‫شعِي َ‬
‫ن وَالصّابِرَاتِ وَا ْلخَا ِ‬
‫ت وَالصّابِرِي َ‬
‫ن وَالصّا ِدقَا ِ‬
‫وَا ْلقَانِتِينَ وَا ْلقَانِتَاتِ وَالصّا ِدقِي َ‬
‫ت وَالذّاكِـرِينَ‬
‫جهُ ْم وَا ْلحَافِـظَا ِ‬
‫ت وَالْحَا ِفظِينَ فُرُو َ‬
‫ن والصّا ِئمَا ِ‬
‫وَا ْلمُ َتصَ ّدقِينَ وَا ْلمُ َتصَ ّدقَاتِ والصّا ِئمِي َ‬
‫عظِيما }[الحزاب‪.]35 :‬‬
‫اللّهَ كَثِيرا وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ َلهُم ّمغْفِ َر ًة وَأَجْرا َ‬
‫طهِيـرا {‬
‫طهّ َركُمْ تَ ْ‬
‫ت وَيُ َ‬
‫وتلحظ في هذه الية أيضا } إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ لِ ُيذْ ِهبَ عَنكُـمُ الرّجْسَ أَ ْهلَ الْبَ ْي ِ‬
‫[الحزاب‪ ]33 :‬أنها تتحدث عن النساء‪ ،‬لكنها تراعي مسألة سَتْر المرأة فتعود إلى ضمير‬
‫طهِيـرا‬
‫طهّ َر ُكمْ تَ ْ‬
‫الذكور } لِيُذْ ِهبَ عَنكُـمُ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]33 :‬ولم ت ُقلْ عنكُنّ‪ ،‬كذلك في } وَيُ َ‬
‫{ [الحزاب‪ ]33 :‬ويصحّ أنه يريد أهلَ البيت جميعا رجالً ونساءً‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)3491 /‬‬
‫ح ْكمَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (‪)34‬‬
‫وَا ْذكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُو ِتكُنّ مِنْ آَيَاتِ اللّ ِه وَالْ ِ‬

‫قوله تعالى { وَا ْذكُـرْنَ مَا يُتْـلَىا فِي بُيُو ِتكُـنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]34 :‬أي‪ :‬نساء النبي { مِنْ آيَاتِ‬
‫حكْـمَةِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]34 :‬أي‪ :‬حديث‬
‫اللّهِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]34 :‬أي‪ :‬آيات القرآن الكريم { وَا ْل ِ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو‪ :‬أن عطف الحكمة على آيات ال من عطف الصفة على‬
‫الموصوف‪ ،‬لكن القول الول َأوْلَى ما دام أن المر فيه سعة‪.‬‬
‫ومعنى { وَا ْذكُـرْنَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]34 :‬قلنا‪ :‬إن الذكْر استحضار واستدعاء معلومة من حاشية‬
‫الشعور إلى بؤرة الشعور‪ ،‬والمعنى‪ :‬استحضر ِذكْر ال واجعلْه على بالك دائما؛ لذلك قال تعالى‪{:‬‬
‫وَلَ ِذكْرُ اللّهِ َأكْبَرُ‪[} ...‬العنكبوت‪ ]45 :‬أي‪ :‬أكبر من أيّ عبادة؛ لن العبادات كما ذكرنا تحتاج إلى‬
‫استعداد‪ ،‬وإلى وقت‪ ،‬وإلى مشقة‪ ،‬وإلى تفرّغ وعدم مشغولية‪.‬‬
‫ي وقت‪ ،‬وبدون استعداد أو مشقة‪ ،‬ويلهج به لسانك في‬
‫أمّا ذكر ال فهو يجري على لسانك في أ ّ‬
‫أي وقت‪ ،‬وعلى أي حال أنت فيه‪ ،‬واقرأ في ذلك قوله تعالى من سورة الجمعة‪ {:‬فَِإذَا ُقضِ َيتِ‬
‫ض وَابْ َتغُواْ مِن َفضْلِ اللّ ِه وَا ْذكُرُواْ اللّهَ كَثِيرا ّلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ }[الجمعة‪:‬‬
‫لةُ فَانتَشِرُواْ فِي الَ ْر ِ‬
‫الصّ َ‬
‫س ْعيٌ ول عمل؛ لن ال ّذكْر‬
‫‪ ]10‬فما دام أن الذكر هو أنْ تجعل ال على بالك‪ ،‬فل يمنعك من ذلك َ‬
‫أخف العبادات وأيسَرُها على النفس‪ ،‬وأثقلها في الميزان‪.‬‬
‫س َوةٌ حَسَ َنةٌ ّلمَن كَانَ يَرْجُو اللّ َه وَالْ َيوْمَ الخِ َر وَ َذكَرَ اللّهَ‬
‫ثم تأمل‪ّ {:‬لقَدْ كَانَ َلكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ ُأ ْ‬
‫كَثِيرا }[الحزاب‪.]21 :‬‬
‫خلُ لحظة من ذكر ربه أبدا؛ لذلك‬
‫فمن عظمة سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم أن باله لم يَ ْ‬
‫ورد عنه صلى ال عليه وسلم أنه قال عن نفسه‪ " :‬تنام عيني‪ ،‬ول ينام قلبي "‪.‬‬
‫ثم تُختم الية بقوله تعالى‪ { :‬إِنّ اللّهَ كَانَ لَطِيفا خَبِيرا } [الحزاب‪ ]34 :‬اللطف هو الدقّة في تناول‬
‫حسْن تأتّي المور مهما كانت وسائلها ضيقة‪ ،‬وسبق أنْ أوضحنا هذا المعنى وقلنا‪ :‬إن‬
‫الشياء و ُ‬
‫طفَتْ عَنُفتْ‪ ،‬فالحديد الذي تجعله على النوافذ ليحميك من الذئاب‪ ،‬غير‬
‫الشياء الضارة مثلً كما ل ُ‬
‫الحديد الذي يحميك من الثعابين‪ ،‬أو من الناموس والذباب‪ ..‬إلخ؛ لذلك نجد أن أفتك المراض تأتي‬
‫من الفيروسات اللطيفة التي لم تُعرف‪.‬‬
‫وحُسْن التأتّي للمور يعني التغلغل في الشياء مهما َد ّقتْ‪ ،‬فقد تُضطر مثلً لنْ تُدخِل يدك في‬
‫شيء ضيق لتتناول شيئا بداخله‪ ،‬فل تستطيع‪ ،‬فتستعيَن على ذلك بالولد الصغير؛ لن يده ألطف‬
‫من يدك‪ ،‬أو تستعين على ذلك بآلة أدقّ لتؤدي بها هذا الغرض‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ووَصْف اللطيف يُتمّمه وصف الخبير‪ ،‬فإذا كان اللطيف يعني الدقة في تناول الشياء وحُسْن‬
‫التأتّي‪ ،‬فالخبرة تعني معرفة الموضع‪ ،‬فاللطف ل يتأتي إل بالخبرة‪.‬‬
‫ت وَا ْل ُم ْؤمِنِينَ‪.} ...‬‬
‫ن وَا ْلمُسِْلمَا ِ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬إِنّ ا ْلمُسِْلمِي َ‬

‫(‪)3492 /‬‬
‫ن وَالصّا ِدقَاتِ‬
‫ت وَالصّا ِدقِي َ‬
‫ن وَا ْلقَانِتَا ِ‬
‫ت وَا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَا ْل ُم ْؤمِنَاتِ وَا ْلقَانِتِي َ‬
‫ن وَا ْلمُسِْلمَا ِ‬
‫إِنّ ا ْلمُسِْلمِي َ‬
‫ن وَالصّا ِئمَاتِ‬
‫ن وَا ْلمُ َتصَ ّدقَاتِ وَالصّا ِئمِي َ‬
‫ت وَا ْلمُ َتصَ ّدقِي َ‬
‫شعَا ِ‬
‫شعِينَ وَالْخَا ِ‬
‫ت وَالْخَا ِ‬
‫وَالصّابِرِينَ وَالصّابِرَا ِ‬
‫ت وَالذّاكِرِينَ اللّهَ كَثِيرًا وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ َل ُهمْ َم ْغفِرَ ًة وَأَجْرًا عَظِيمًا‬
‫جهُ ْم وَالْحَا ِفظَا ِ‬
‫وَالْحَافِظِينَ فُرُو َ‬
‫(‪)35‬‬

‫قلنا‪ :‬إن هذه الية نزلة تطيبا لخاطر السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب‪،‬‬
‫لما حدّ َثتْ سيدنا رسول ال في أمر الحكام‪ ،‬وأنها تنزل وتتوجّه في الغالب إلى الرجال‪ ،‬ويبدو‬
‫أنها حدّ َثتْ رسول ال في أمر النساء‪ ،‬وأن منهن مثل الرجال مسلمات ومؤمنات‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫ونلحظ أن الية بدأت بذكر السلم‪ ،‬ثم اليمان‪ ،‬فأيّهما يسبق الخر؟ ونجد إجابة هذا السؤال في‬
‫خلِ‬
‫ت الَعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ ُت ْؤمِنُو ْا وَلَـاكِن قُولُواْ َأسَْلمْنَا وََلمّا يَدْ ُ‬
‫قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬قَاَل ِ‬
‫الِيمَانُ فِي قُلُو ِبكُمْ‪[} ...‬الحجرات‪.]14 :‬‬
‫فالسلم أنْ تؤدي أعمال السلم بصرف النظر‪ ،‬أكان أداؤك لها عن إيمان أو عن غير إيمان؟‬
‫ن تؤمن بمَنْ حكم‪ ،‬وتُصدّق مَنْ بلّغك هذا الحكم‪ ،‬وعليه‬
‫لن السلم تلقّي حكم‪ ،‬أما اليمان فأ ْ‬
‫فاليمان سابق للسلم‪.‬‬
‫لذلك جاءت هذه الية لتفضح هؤلء العراب الذين تستروا وراء العمال الظاهرة للسلم‪ ،‬وهم‬
‫غير مؤمنين بها‪ ،‬وقد يأتي اليمان بعد السلم حين تؤدي أعمال السلم فتحلُو لك‪ ،‬وتجذبك إلى‬
‫اليمان والتصديق‪.‬‬
‫ل الِيمَانُ فِي قُلُو ِبكُمْ‪[} ...‬الحجرات‪]14 :‬‬
‫خِ‬
‫لذلك‪ ،‬فرح هؤلء العراب لقوله تعالى‪ {:‬وََلمّا َيدْ ُ‬
‫وقالوا الحمد ل؛ لن (َلمّا) ل تدخل إل على ما يمكن أنْ يجيء‪ ،‬كأن تقول‪َ :‬لمّا يثمر بستاننا‪ ،‬وثد‬
‫أثمرتْ البساتين‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنه سيثمر فيما بعد‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬لن هناك كثيرا من الحكام أنت ل تؤمن بالذي حكم بها إل إذا أدركتَ حلوتها‪ ،‬فالرجل‬
‫الذي جاء سيدنا إبراهيم عليه السلم‪ ،‬وطلب منه أنْ يبيت عنده‪ ،‬أو‪ :‬أنْ يضيفه‪ ،‬فسأله إبراهيم‬
‫عليه السلم عن دينه فقال‪ :‬إنه مجوسي‪ ،‬فردّ الباب في وجهه‪ ،‬فعاتبه ربه في ذلك‪ ،‬وقال له‪ :‬يا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سعُه طوال عمره وهو كافر بي؟ فأسرع إبراهيم في‬
‫إبراهيم تريده أنْ يغير دينه لضيافة ليلة‪ ،‬وأنا َأ َ‬
‫إثر الرجل حتى لحق به ودعاه إلى بيته‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬ألم تنهرني منذ قليل‪ ،‬فماذا حدث؟ فقال‪ :‬لقد‬
‫عاتبني ربي فيك‪ ،‬فقال الرجل‪ِ :‬نعْم الربّ ربّ يعاتب أحبابه في أعدائه‪ ،‬أشهد ألّ إله إل ال‪.‬‬
‫وقد اشتملتْ هذه الية على عشر صفات‪ ،‬بدأت بالمسلمين والمسلمات‪ ،‬وانتهت بالذاكرين ال‬
‫كثيرا والذاكرات‪ ،‬وكأن ال تعالى أوجد مراد السيدة أسماء بنت عُميس في هذه الصفات العَشْر‬
‫التي جمعتْ الرجال والنساء‪ ،‬واشتملت على كل أنواع التكليف‪ ،‬وهي برقية تدلّ على أن حكم‬
‫المرأة التكليفي مطمور في باطن الرجل‪ ،‬وهذه هي الصول‪.‬‬
‫ومعنى { وَا ْلقَانِتِينَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]35 :‬المداومون على عبادة ال وطاعته في خشوع وتضرّع‬
‫ن وَا ْلمُ َتصَ ّدقَاتِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]35 :‬أن للمرأة ذمتها المالية‬
‫كما نفهم من قوله تعالى { وَا ْلمُ َتصَ ّدقِي َ‬
‫المستقلة وحرية التصرّف في مالها بغير إذن زوجها إذا كانت تملك إرثا أو هبة من زوجها أو من‬
‫غيره‪ ،‬فل وليةَ عليها من أحد‪.‬‬
‫وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في كلمنا عن الزكاة‪ ،‬وهذه من مَيْزات المرأة في السلم‪ ،‬حيث‬
‫كانت قبل السلم‪ ،‬وحتى في الحضارات الحديثة تابعة لبيها أو لزوجها‪ ،‬والصدقة تشمل الزكاة؛‬
‫ن وَا ْلعَامِلِينَ عَلَ ْيهَا‪[} ...‬التوبة‪.]60 :‬‬
‫لن ال قال فيها‪ {:‬إِ ّنمَا الصّ َدقَاتُ لِ ْلفُقَرَآ ِء وَا ْلمَسَاكِي ِ‬
‫فالصدقة هي العنوان العم‪ ،‬ومعناها أنك ص ّد ْقتَ الحق سبحانه حين استأمنك على خير‪ ،‬فاستنبط‬
‫بمجهودك وسعيك في أرض ال التي خلقها‪ ،‬فكأنك تُحقّق ما كان من سيدنا أبي بكر حين سأله‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬ماذا صنع بماله الذي كسبه في الغنيمة؟ قال تص ّد ْقتُ به كله‪،‬‬
‫فقال له‪ " :‬وماذا أبقيتَ لهلك؟ " قال‪ :‬أبقيت لهم ال ورسوله‪ .‬فلما سأل عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪-‬‬
‫قال‪ :‬تص ّد ْقتُ بنصفه‪ ،‬ول عندي نصفه‪.‬‬
‫فكلّ منهما تصرّف في ماله تصرّفا منطقيا يناسبه‪.‬‬
‫وإنْ كانت الزكاة يُراد بها نماء المال وطهارته‪ ،‬فالصدقة عطاء ل يُرَاد به إل وجه ال وثوابه في‬
‫الخرة‪ ،‬فكأن المتصدّق يريد أنْ يبرّ‪ ،‬وأنْ يعترف ل المعطي بالفضل؛ لن ال مكّنه من مال لم‬
‫يُمكّن منه الضعيف‪ ،‬ول غير القادر‪.‬‬
‫ثم ذكر الحق سبحانه تكليف الصوم } والصّا ِئمِينَ والصّا ِئمَاتِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]35 :‬والصوم أخذ‬
‫حكْما فريدا من بين أحكام التكاليف كلها‪ ،‬والحق سبحانه جعل لكل تكليف من التكاليف (كادر‬
‫ُ‬
‫خاص) في الجزاء إل الصوم‪ ،‬فليس له (كادر) محدد‪ ،‬لذلك قال عنه الحق سبحانه‪ " :‬إل الصوم‪،‬‬
‫فإنه لي‪ ،‬وأنا أجزي به " يعني‪ :‬قرار عالٍ فوق الجميع‪ ،‬فلماذا أخذ الصوم هذه المنزلة؟‬
‫قالوا‪ :‬لن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يعبد بها بشرٌ بشرا أبدا‪ ،‬فمن الممكن مثلً في شهادة‬
‫أنْ ل إله إل ال أنْ يأتي مَنْ يمدح آخر‪ ،‬فيقول له‪ :‬ليس في الكون إل أنت‪ ،‬أنت النافع وأنت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الضار‪ ،‬وهناك من قال عن نفسه‪ :‬أنا الزعيم الوحيد‪ ،‬كذلك في الصلة نرى مَنْ يخضع ويسجد‬
‫لغير ال كما نخضع ونسجد نحن في الصلة‪ ،‬وكذلك في الزكاة نتقرب إلى العظيم أو الكبير‬
‫بالهدايا له أو لمن حوله‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬هل قال بشر لبشر‪ :‬أنا أصوم شهرا‪ ،‬أو يوما تقرّبا إليك؟ ل‪ ..‬لن الصيام للغير المماثل‬
‫تذنيب للمصوم له ل للصائم؛ لنه سيُضطرّ لنْ يظل طوال اليوم يراقبك‪ ،‬أكلتَ أم لم تأكل؟‬
‫ولن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يتقرب بها بشر لبشر قال ال عنها في الحديث القدسي‪:‬‬
‫كل عمل ابن آدم له إل الصوم‪ ،‬فإنه لي‪ ،‬وأنا أجزي به " يعني‪ :‬جزاؤه خارج المقرر كما قلنا‪.‬‬
‫ومن عظمة تكليف الصوم أيضا أن ال تعالى أحلّ لنا أشياء‪ ،‬وحرّم علينا أشياء أخرى تحريما‬
‫أبديا‪ ،‬فالذي تحمّل التكليف أَِلفَ الحلل ولم يألف ما حُرّم عليه‪ ،‬ورسختْ هذه العقيدة في نفسه‪،‬‬
‫حتى أن الحرام ل يخطر بباله أبدا‪ ،‬فلم ي ْأتِ على باله مرة مثلً أنْ يشرب الخمر‪ ،‬أو يأكل الميتة‪،‬‬
‫فهذه مسألة منتهية بالنسبة له‪ ،‬فأراد ال تعالى أنْ يديم لذّة التكليف على البشر‪ ،‬ففرضَ الصومَ‬
‫الذي يُحرّم عليك اليوم ما كان مُحلّلً لك بالمس ومألوفا حتى صار عادة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬هناك فَرْق بين دوام العادة ولذة العبادة‪ ،‬وتأمل مثلً يوم الفطر‪ ،‬والفطر عادة لك في غير هذا‬
‫اليوم‪ ،‬وأنت حر تفطر أو ل تفطر‪ ،‬فإذا ما جاء يوم عيد الفطر أخرجك ربك من العادة إلى‬
‫العبادة‪ ،‬وجعله تكليفا أنْ تفطر قبل الخروج للصلة‪.‬‬
‫حفْظ‬
‫ج ُه ْم وَالْحَافِـظَاتِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]35 :‬جاءتْ مسألة ِ‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَا ْلحَافِظِينَ فُرُو َ‬
‫الفروج بعد ذكر الصيام؛ لن الصيام امتناعٌ عن شهوتَيْ البطن والفرج‪ ،‬شهوة البطن جعلها ال‬
‫تعالى لحفظ الحياة بالطعام والشراب‪ ،‬وشهوة الفرج جعلها ال تعالى لحفظ النوع بالنكاح والتناسل‪.‬‬
‫قُلْنا‪ :‬إن ال تعالى أرضى السيدة أسماء رضي ال عنها الممثّلة لجنس النساء‪ ،‬فذكر أنواع التكاليف‬
‫مرة للمذكّر‪ ،‬ومرة للمؤنث‪ ،‬لكنه راعي في ذلك سَتْر المرأة‪ ،‬وهنا أيضا يُراعي هذه المسألة‪،‬‬
‫جهُمْ وَالْحَافِـظَاتِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]35 :‬حينما تكلم عن المذكّر قال }‬
‫فيقول‪ } :‬وَالْحَا ِفظِينَ فُرُو َ‬
‫جهُمْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]35 :‬ولم ي ُقلْ‪ :‬والحافظات فروجهن؛ لن أمر النساء ينبغي أنْ‬
‫وَالْحَافِظِينَ فُرُو َ‬
‫يُسْتر وأنْ ُيصَان‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه } وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيرا وَالذّاكِرَاتِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]35 :‬ويعود إلى مسألة السّتْر‬
‫عظِيما { [الحزاب‪ ]35 :‬فقال (لهم) على سبيل‬
‫مرة أخرى في قوله‪ } :‬أَعَدّ اللّهُ َلهُم ّم ْغفِ َر ًة وَأَجْرا َ‬
‫التغليب‪ ،‬وسَتْر المرأة في الرجل‪ ،‬وهذه مسألة مقصودة يُراد بها شرف للمرأة‪ ،‬وصيانة لها‪ ،‬ل‬
‫إهمالها كما يدّعي البعض‪ ،‬ومن هذه الصيانة ما نقوله نحن عن المرأة‪ :‬معي أهلي أو الولد أو‬
‫الجماعة‪ ،‬ونقصد بذلك سَتْرها وصيانتها ل إهمالها‪ ،‬أو التقليل من شأنها‪.‬‬
‫فكأن الحق سبحانه حينما أرضى السيدة أسماء نيابةً عن المرأة المسلمة‪ ،‬فذكر ما ذكر من جمع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المؤنث الذي يقابل جمع المذكر‪ ،‬أراد أنْ يبني حول المرأة سياجا من الستر في كل شيء حتى في‬
‫التكاليف‪.‬‬
‫ونلحظ على سياق الية هنا أيضا أنه قدّم المغفرة على الجر؛ لن القاعدة كما قُلْنا‪ :‬إن دَرْء‬
‫المفسدة مُقدّم على جَلْب المصلحة‪ ،‬والحق سبحانه يُعد لعباده الجر على الحسنة التي فعلوها‪ ،‬مع‬
‫أنه سبحانه ل ينتفع منها بشيء إنما يعود َنفْعها على المكلّف نفسه‪’،‬فهو يستفيد بالطاعة وينال‬
‫عليها الجر في الخرة‪.‬‬
‫أما الحق سبحانه فغنيّ عنّا‪ ،‬وعن طاعتنا‪ ،‬واقرأ الحديث القدسي‪ " :‬يا عبادي‪ ،‬لو أن أولكم‬
‫وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم‪ ،‬ما زاد ذلك في مُلْكي شيئا‪ ،‬ولو أن‬
‫أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم‪ ،‬ما نقص ذلك من ملكي شيئا‬
‫"‪.‬‬

‫إذن‪ :‬نحن المستفيدون من التكاليف‪ ،‬ففيها صلحُنَا في الدنيا‪ ،‬ثم نأخذ عليها الجر يوم القيامة‪.‬‬
‫لذلك نجد الكثير من الرسل يقولون لقوامهم‪َ {:‬ومَآ أَسْأَُلكُمْ عَلَ ْيهِ مِنْ َأجْرٍ‪[} ...‬الشعراء‪ ]109 :‬كأنه‬
‫يقول‪ :‬الذي أؤديه لكم من تبليغ دعوة ال في عرف القتصاد والتبادل يقتضي أنْ آخذَ عليه أجرا؛‬
‫لنني أؤدي لكم خدمة‪ ،‬لكن ماذا سآخذ منكم أيها العرايا وأجري عالٍ ل يقدر عليه المكلّف{ إِنْ‬
‫أَجْ ِريَ ِإلّ عَلَى اللّهِ‪[} ...‬يونس‪ ]72 :‬فهو وحده القادر على أنْ يجازيني بما أستحق‪.‬‬
‫ووَصْف الجر بأنه عظيم يدلّ على كِبَر في الحجم‪ ،‬و َنفَاسة في الصفات‪ ،‬وامتداد في الزمن‪ ،‬وهذه‬
‫هي عناصر العظمة في الشيء‪ ،‬وأيّ أجر عظيم من أجر ال لعباده في الخرة؟‬
‫ن وَلَ ُم ْؤمِنَةٍ إِذَا َقضَى‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِ ٍ‬

‫(‪)3493 /‬‬
‫ن وَلَا ُم ْؤمِنَةٍ إِذَا َقضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ َأمْرًا أَنْ َيكُونَ َلهُمُ الْخِيَ َرةُ مِنْ َأمْرِ ِه ْم َومَنْ َي ْعصِ‬
‫َومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِ ٍ‬
‫ضلّ ضَلَالًا مُبِينًا (‪)36‬‬
‫اللّ َه وَرَسُوَلهُ َفقَ ْد َ‬

‫ن َولَ ُم ْؤمِنَةٍ‪[ } ...‬الحزاب‪]36 :‬‬
‫جمعتْ هذه الية أيضا بين المذكر والمؤنث في { َومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِ ٍ‬
‫فهي امتداد للية السابقة‪ ،‬فهي تخدم ما قبلها‪ ،‬وتخدم أيضا ما بعدها‪ ،‬وما به أصل السبب؛ لنها‬
‫نزلتْ في عبد ال بن جحش وأخته زينب‪ ،‬حين رفضا زواج زينب من زيد بن حارثة‪ ،‬فالمؤمن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عبد ال بن جحش‪ ،‬والمؤمنة أخته زينب من حيث هما سبب لنزول الية‪ ،‬وإل فهي لجميع‬
‫المؤمنين وجميع المؤمنات‪.‬‬
‫وسبق أنْ ذكرنا قصة زيد بن حارثة‪ ،‬وملخصها أنه سُرِق من أهله‪ ،‬وبِيع في سوق العبيد على أنه‬
‫عبد‪ ،‬فاشتراه حكيم بن حزام‪ ،‬ثم وهبه للسيدة خديجة أم المؤمنين‪ ،‬فوهبته خديجة رضي ال عنها‬
‫لسيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فصار َموْليً لرسول ال‪.‬‬
‫وبينما هو ذات يوم بالسوق‪ ،‬إذ رآه جماعة من قومه فعرفوه‪ ،‬وأخبروا أباه أنه بالمدينة‪ ،‬فجاءه‬
‫أبوه وأعمامه‪ ،‬وح َكوْا لرسول ال قصته‪ ،‬وطلبوا عودته معهم‪ ،‬فقال رسول ال‪ :‬خيّروه‪ ،‬فإن‬
‫اختاركم فهنيئا لك‪ ،‬وإن اختارني‪َ ،‬فمَا كان لي أنْ أُسْلِمه‪ ،‬فردّ زيد وقال‪ :‬وال ما كنت لختار على‬
‫رسول ال أحدا‪.‬‬
‫فأراد سيدنا رسول ال أنْ يكافيء زيدا على هذا التصرف‪ ،‬فنسبه إليه على عادة العرب في هذا‬
‫الوقت‪ ،‬فسمّاه زيد بن محمد‪.‬‬
‫ج َعلَ اللّهُ‬
‫فلما أراد الحق سبحانه أن ينهي هذه العادة‪ ،‬ومثلها عادة الظهار‪ ،‬نزل قوله سبحانه‪ { :‬مّا َ‬
‫ج َعلَ َأدْعِيَآ َءكُمْ‬
‫جكُمُ اللّئِي تُظَاهِرُونَ مِ ْنهُنّ ُأ ّمهَا ِتكُمْ َومَا َ‬
‫ج َعلَ أَ ْزوَا َ‬
‫ج ْوفِهِ َومَا َ‬
‫جلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي َ‬
‫لِرَ ُ‬
‫أَبْنَآ َءكُمْ‪[ } ...‬الحزاب‪.]4 :‬‬
‫فكما أن الرجل ل يكون له إل قلب واحد‪ ،‬كذلك ل يكون له إل أب واحد‪ ،‬وشاء ال أنْ يبدأ بمُتَبنّي‬
‫رسول ال؛ ليكون نموذجا تطبيقيا عمليا أمام الناس‪ ،‬وكانت هذه الظاهرة يترتب عليها أنْ يرث‬
‫المتبنّي من المتبنّي بعد موته‪ ،‬وأنْ تُحرم زوجة المتبنّي أنْ يتزوجها المتبنّي‪.‬‬
‫صحيح أن القضاء على هذه العادة قضاءٌ على نظام اجتماعي فاسد موجود في الجزيرة العربية‪،‬‬
‫لكنه في الوقت نفسه دليل على أن رسول ال صلى ال عليه وسلم تبنّي كما يتبنّى العرب‪ ،‬وأن ال‬
‫تعالى أبطل من رسول ال هذا التصرّف؛ وهذا سيفتح الباب أمام معاندي رسول ال أنْ يَشْمتوا‬
‫فيه‪ ،‬وأن تتناوله ألسنتهم؛ لذلك عالج الحق سبحانه هذه القضية علج ربّ بإنفاذ المر في ُنصْرة‬
‫ع ْدلً‪ ،‬وحكمه سبحانه أعدل‪ ،‬فقال‪ {:‬ادْعُو ُهمْ‬
‫حبيب له‪ ،‬فلم يُشوّه عمل الرسول‪ ،‬إنما جعل ِفعْله َ‬
‫سطُ عِندَ اللّهِ‪[} ...‬الحزاب‪.]5 :‬‬
‫لبَآ ِئهِمْ ُهوَ َأقْ َ‬
‫ن تكفلوا هؤلء الولد‪ ،‬وأنْ تنسبوهم إليكم‪ ،‬فهذا‬
‫والمعنى‪ :‬إنْ كُنتم جعلتم من العدل والمحبة أ ْ‬
‫عَدْل بشريّ‪ ،‬لكن حكم ال أعدل وأقْسَط‪ ،‬وشرفٌ لرسول ال أنْ يردّ الُ حكمه إلى حكم ربه‪،‬‬
‫وشرفٌ لرسول ال أن يكون له الصل في المسألة‪ ،‬وأنه يحكُم‪ ،‬فيردّ ال حكمه إلى حكمه‪ ،‬فهذا‬
‫تكريم لرسول ال‪.‬‬
‫ل بقانون‬
‫فقوله تعالى{ ُهوَ َأقْسَطُ عِندَ اللّهِ‪[} ...‬الحزاب‪ ]5 :‬يعني‪ :‬أن ِفعْل محمد كان قسْطا وعَ ْد ً‬
‫البشر‪ ،‬وقد جاء محمد ليُغيّر قوانين البشر بقوانين ربّ البشر‪ ،‬وبهذا خرج سيدنا رسول ال من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا المأزق‪.‬‬
‫أما زيد فقد عوّضه ال عما لحقه من ضرر بسبب انتهاء نسبه إلى رسول ال‪ ،‬فصار زيد بن‬
‫حارثة بعد أنْ كان زيد بن محمد‪ ،‬عوّضه ال وأنصفه بأنْ جعله العَلَم الوحيد من صحابة رسول‬
‫ال الذي ذُكر اسمه في القرآن الكريم بنصّه وفصّه‪ ،‬فقال سبحانه‪ {:‬فََلمّا َقضَىا زَيْدٌ مّ ْنهَا وَطَرا‬
‫َزوّجْنَا َكهَا‪[} ...‬الحزاب‪ ]37 :‬فَخُلَد زيد في كتاب يُتْلى‪ ،‬ويُتعبد بتلوته إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫وعلقة زيد بن حارثة بما نحن بصدده من قوله تعالى } َومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ َولَ ُم ْؤمِنَةٍ‪...‬‬
‫{ [الحزاب‪ ]36 :‬أنه تزوج من السيدة زينب بنت جحش‪ ،‬زوّجه إياها رسول ال‪ ،‬وقد نزلتْ هذه‬
‫الية في زينب‪ ،‬وفي أخيها عبد ال‪.‬‬
‫ومعنى } َومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ وَلَ ُم ْؤمِنَةٍ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]36 :‬معنى (ما كان) أي‪ :‬أنه شيء بعيد‪ ،‬ل‬
‫جحْد هذه‬
‫يمكن أنْ يَرِد على العقل‪ ،‬أي‪ :‬أنه أمر مُسْتبعد غير مُتصوّر‪ ،‬وكان المنفية تدل على َ‬
‫المسألة‪ ،‬فالمؤمن والمؤمنة‪ ،‬ما دام أن اليمان باشر قلبيهما ل يمكن أنْ يتركا أمر ال وحكمه‪ ،‬أو‬
‫أمر رسوله إلى اختيارهما‪.‬‬
‫} َومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ وَلَ ُم ْؤمِنَةٍ إِذَا َقضَى اللّ ُه وَرَسُولُهُ َأمْرا أَن َيكُونَ َلهُمُ الْخِيَ َرةُ مِنْ َأمْرِ ِهمْ‪...‬‬
‫ن ل بال‪ ،‬ول برسول ال‪.‬‬
‫{ [الحزاب‪ ]36 :‬وإل فل إيما َ‬
‫فإنْ قُ ْلتَ‪ :‬كيف وقد أثبتَ ال الختيار؟ نقول‪ :‬هناك فرق بين اختيارٍ داخل في التكليف‪ ،‬إنْ ش ْئتَ‬
‫فعلْته أو لم تفعله‪ ،‬وشيء في إيجاد التكليف بداية‪ ،‬فليس للعباد دخْل في إيجاد الشيء المكلّف به‪،‬‬
‫إنما إذا كلّفتهم أنا‪ ،‬فأنا صاحب التكليف‪ ،‬وكونهم يطيعونه أو ل يطيعونه‪ ،‬فهذا أمر آخر‪ ،‬ليس‬
‫للعباد أن يقترحوا التكليف على هواهم؛ لن التكليف لي‪ ،‬ولهم الختيار في طاعته وفي قبوله‪ ،‬وما‬
‫ن يرتضوا المر‪ ،‬وألّ‬
‫دام قد ثبت أنهم آمنوا بال وآمنوا برسول ال فكان من الواجب عليهم أ ْ‬
‫يُعرضوا عنه إلى غيره‪.‬‬
‫وقصة طلق زيد وزينب‪ ،‬ثم زواج سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم منها قصة خاضَ فيها‬
‫المستشرقون والمغرضون كثيرا‪ ،‬وتجرأوا على سيدنا رسول ال بكلم ل ينبغي في حقه صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ومن قولهم أن محمدا أحبّ زينب وأرادها لنفسه‪ ،‬فأمرها أن تشاغب زيدا حتى يطلقها‬
‫فيتزوجها‪.‬‬
‫ونقول لهؤلء الغبياء‪ :‬أولً زينب بنت جحش السدية هي بنت عمة رسول ال‪ ،‬وكان صلى ال‬
‫عليه وسلم مُكلّفا بإدارة أموالها ورعاية شئونها‪ ،‬وقد نشأتْ تحت عينه‪ ،‬ولو أرادها لنفسه لتزوّجها‬
‫بداية‪ ،‬وهذا بنصّ القرآن‪:‬‬
‫سكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ‪[} ...‬الحزاب‪ ]37 :‬فإن أردت أن تعرف ما أخفاه رسول ال‬
‫خفِي فِي َنفْ ِ‬
‫{ وَتُ ْ‬
‫علَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَ ْزوَاجِ‬
‫ي لَ َيكُونَ َ‬
‫فخذه مما أبداه ال والذي أبداه ال قوله تعالى‪ِ {:‬ل َك ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أَدْعِيَآ ِئهِمْ‪[} ...‬الحزاب‪ ]37 :‬وهذا يهدم كلّ ادعاءاتكم على رسول ال‪.‬‬
‫أما قولهم بانشغال قلب رسول ال بزينب‪ ،‬فنقول‪ :‬ولماذا تجعلون انشغالَ قلب محمد انشغالً‬
‫جنسيا؟ ولوتتبِعتُم القصة من أولها لظهر لكم غير ذلك‪ ،‬فحينما أرسل رسول ال مَنْ يخطب زينب‬
‫حمْنة أنه جاء ليخطبها لرسول ال‪ ،‬فلما علموا أنه يخطبها لموله زيد‬
‫ظنّ أخوها عبد ال وأختها َ‬
‫غضبوا جميعا‪ ،‬فكيف تتزوج السيدة القرشية وبنت عمة رسول ال من عبد‪ ،‬لكن لما علموا أن‬
‫المر من ال أذعنُوا له ووافقوا‪.‬‬
‫ثم بعد أنْ تزوجتْ زينب من زيد تعالتْ عليه‪ ،‬بل وشعر أنها تحتقره لهذا الفارق بينهما‪ ،‬فكان زيد‬
‫يشتكي لرسول ال سوءَ معاملة زوجته له‪ ،‬وأنها كما نقول (منكدة عليه عيشته)‪ ،‬وأنها تعيش معه‬
‫في بيت الزوجية بالقالب ل بالقلب‪ ،‬لكن حبه لرسول ال كان يمنعه من طلقها‪ ،‬وهو أيضا ل‬
‫يريد أن يخسر هذا الشرف الذي ناله بالزواج من ابنة عمة رسول ال‪.‬‬
‫ك وَاتّقِ‬
‫جَ‬
‫سكْ عَلَ ْيكَ َزوْ َ‬
‫وكان سيدنا رسول ال في كل مرة يشتكي فيها زيدٌ من زينب يقول له{ َأمْ ِ‬
‫اللّهَ‪[} ...‬الحزاب‪ ]37 :‬ولو أرادها الرسول لنفسه لقال له طلّقها‪ ،‬ولوجد الفرصة أمامه سانحة‪.‬‬
‫ويجب أن نبحث هنا علقة المرأة بالرجل‪ ،‬فالخالق سبحانه خلق الرجل للمرأة‪ ،‬والمرأة للرجل؛‬
‫لذلك نجد المرأة العربية أم إياس‪ ،‬وهي تُوصي ابنتها لما خطبها الحارث‪ ،‬تقول‪ " :‬أيْ بُنية‪ ،‬إنك‬
‫لو تُر ْكتِ بل نصيحة لكنت أغنى الناس عنها‪ ،‬ولو أن امرأة استغنتْ عن الزوج لغني أبويها وشَدّة‬
‫خِلقْن‪ ،‬ولهُنّ خُلِق الرجال‪ ،‬وأن النصيحة لو‬
‫حاجتهما إليها لكنتِ أغنى الناس‪ ،‬ولكن الرجال للنساء ُ‬
‫تركتْ لفضل أدبٍ لتركت لذلك منك‪ ،‬ولكنها تذكرةٌ للغافل ومعونة للعاقل "‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن النسان يستطيع أنْ يعيش أفضل ما يكون من مأكل ومَشْرب وملبس ومسكن‪ ،‬لكنه مع‬
‫ذلك ل يستغني بحال عن الزوجة والمرأة كذلك؛ لذلك يقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لو‬
‫كنت آمرا أحدا أن يسجد لحد لمرتُ الزوجة أن تسجد لزوجها "‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الزوج يعطيها ما يعطيه الب والم والخوة‪ ،‬ويزيد على ذلك مما يقدرون ول‬
‫يستطيعون‪.‬‬
‫الشاهد أن المرأة للرجل‪ ،‬والرجل للمرأة‪ ،‬مهما وضعوا من أسوار من عِزّ أو من جبروت‪ ،‬أو‬
‫غيره‪.‬‬
‫إن المسألة بالنسبة لزيد كانت صعبة؛ لن ال تعالى جعل للزواج ثل مراحل‪ ،‬وردتْ في قوله‬
‫حمَةً‪} ...‬‬
‫ج َعلَ بَيْ َنكُم ّموَ ّد ًة وَرَ ْ‬
‫سكُنُواْ إِلَ ْيهَا َو َ‬
‫سكُمْ أَ ْزوَاجا لّ َت ْ‬
‫تعالى‪َ {:‬ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خََلقَ َلكُم مّنْ أَنفُ ِ‬
‫[الروم‪.]21 :‬‬
‫فالولى أنْ يسكن الزوج إلى زوجته‪ ،‬وأنْ يطمئن إليها‪ ،‬ويرتاح بجوارها حين تمسح عنه عرقه‪،‬‬
‫سكَن بسبب مُنغّصات للحياة‪ ،‬فليكُنْ بينهما مودة‬
‫وتحتويه بعد تعب اليوم ومشاق الحياة‪ ،‬فإن امتنع ال ّ‬
‫تجمعهما‪ ،‬ولِ َم ل‪ ،‬وأنت حين تصاحب صديقا مثلً مدة طويلة تجد له مودة في قلبك‪ ،‬وتجد أن لهذه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المودة ثمنا‪ ،‬فتتحمله إنْ أخطأ‪ ،‬وتسامحه إنْ أساء‪ ،‬فما بالك بالزوجة‪ ،‬أليست أحق بهذه المودة؟‬
‫فإذا ما ُفقِدَت المودة أيضا‪ ،‬فلي ْبقَ بين الزوجين التراحم‪ ،‬فليرحم كل منهما الخر إنْ أصابه الكِبَر‬
‫أو المرض‪ ،‬أو غير ذلك‪.‬‬
‫سكَن والمودة والرحمة بسبب ما بينهما من فارق‪.‬‬
‫وقد وصل زيد مع زينب إلى مرحلة فقد فيها ال ّ‬
‫أمر آخر‪ ،‬إنْ كان رسول ال صلى ال عليه وسلم قد فكّر في أمر زينب‪ ،‬فلماذا تعدلون به إلى‬
‫التفكير في الغريزة؟ ولماذا ل تعدلون به إلى مرتبة النصاف‪ ،‬وهو الذي أرغم زينب على الزواج‬
‫من زيد‪ ،‬وهي الشريفة القرشية‪ ،‬وهو العبد المملوك‪ ،‬فلما وضعها في هذا المأزق أراد أنْ يُطيّب‬
‫خاطرها‪ ،‬ويصلح ما كان منه بأنْ يضمها إليه‪ ،‬فتصير إحدى أمهات المؤمنين‪.‬‬
‫ثم مَنِ الذي منع رسولً قال ال عنه أنه بشر من أن تكون له هذه الرغبة‪ ،‬وكل الرسل السابقين‬
‫كان لهم هذه ‪ -‬هذا على فرض رغبة رسول ال في زينب ‪ -‬لكن الناس لم يُحسِنُوا الظن‪.‬‬
‫والذي يدلّنا على أن هذه المسألة كانت ترتيبا ربانيا صِرْفا ما نجده من الرياضية اليمانية بين كل‬
‫من سيدنا رسول ال‪ ،‬وموله زيد‪ ،‬وابنة عمته زينب‪ ،‬فقد جمعهم الثلثة رياضة إيمانية كما نقول‬
‫نحن الن‪ :‬فلن عنده روح رياضية‪.‬‬
‫يعني‪ :‬يتقبل الهزيمة بروح عالية بدون عداوات أو أحقاد‪ ،‬فلقد انصاع الجميع لمر ال بهذه الروح‬
‫اليمانية‪.‬‬
‫س وَاللّهُ َأحَقّ أَن تَخْشَاهُ‪} ...‬‬
‫أما الذين يأخذون من قوله تعالى في حق رسوله{ وَتَخْشَى النّا َ‬
‫ن يعلموا أنّ الخشية نوعان‪ :‬خشية من‬
‫[الحزاب‪ ]37 :‬يأخذونها سُبّة في حقّ الرسول‪ ،‬فعليهم أ ْ‬
‫خشَى النّاسَ‪[} ...‬الحزاب‪ ]37 :‬خشية‬
‫شيء تخاف أنْ يضرك‪ ،‬وخشية استحياء‪ ،‬فالخشية في{ وَتَ ْ‬
‫استحياء‪ ،‬ويكفي أن الحق سبحانه قال في حق رسوله صلى ال عليه وسلم‪ {:‬إِنّ ذَاِلكُمْ كَانَ ُيؤْذِي‬
‫النّ ِبيّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُ ْم وَاللّ ُه لَ يَسْتَحْيِي مِنَ ا ْلحَقّ‪[} ...‬الحزاب‪.]53 :‬‬
‫خوْف رسول ال من ألسنة الكفار التي ستخوض في حقه‪ ،‬والتي ستقول إن‬
‫فالخشية هنا تعني َ‬
‫محمدا تزوّج من امرأة مُتبنّأه‪ ،‬لكن غاب عن هؤلء أن ال تعالى ألغي مسألة التبني‪ ،‬فليس لهم‬
‫حجة‪ ،‬وطبيعي أن يخاف رسول ال من ألسنة الكفار؛ لنه جاء لنقض عادات وتقاليد جاهلية‪،‬‬
‫وكان هو صلى ال عليه وسلم أول مَنْ تحمّل تبعة هذا التغيير؛ لنه جاء على يديه وفي شخصه‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وسيدنا رسول ال حين يستحي من زواجه من زينب أو من كلم الناس‪ ،‬فإنما يريد أنْ يبريء‬
‫عِرْضه وساحته‪ ،‬مما يشين‪ ،‬وقد كان صلى ال عليه وسلم يدفع الشبهة عن نفسه دائما‪ ،‬لذلك‬
‫" لما رآه بعض أصحابه مع امرأة‪ ،‬فمالوا عنه صلى ال عليه وسلم خشيةَ أنْ يتسببوا له في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حرج‪ ،‬فناداهما رسول ال‪ " :‬على رِسْلكما إنها صفية " فقالوا‪ :‬نحن ل نشك فيك يا رسول ال‪،‬‬
‫فقال‪ " :‬إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " "‪.‬‬
‫فرسول ال يريد أن ينفض عن نفسه أيّ شبهة‪ ،‬يريد أل يجعل لحد جميلً عليه‪ ،‬بأنه ستر على‬
‫رسول ال‪.‬‬
‫ول أدلّ على حيائه صلى ال عليه وسلم من قصته مع عبد ال بن سعد بن أبي السرح‪ ،‬فلما دخل‬
‫صلى ال عليه وسلم مكة فاتحا ومنتصرا كان قد أهدر دم عبد ال بن سعد بن أبي السرح؛ لنه‬
‫نال كثيرا من رسول ال‪ ،‬فجاء عثمان بن عفان رضي ال عنه يستأمن لعبد ال من رسول ال ‪-‬‬
‫يعني‪ :‬يطلب له المان ‪ -‬فما ردّ عليه رسول ال‪ ،‬وكان ينتظر أن يقوم رجل من القوم فيقتل عبد‬
‫ال‪ ،‬لكن عثمان أعادها مرارا على رسول ال حتى أنه استحي من عثمان فأمّن عبد ال‪ ،‬فلما أمّنه‬
‫أخذه عثمان وانصرف من مجلس رسول ال‪.‬‬
‫فقال رسول ال لصحابته‪ " :‬ألم يكن فيكم رجل رشيد يقوم إليه فيقتله؟ " يعني‪ :‬قبل أن يُكلّمه‬
‫عثمان فيكون قد سبق السيف العذل كما يقولون‪ ،‬فقام عبد ال بن بشر وقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬لقد‬
‫كانت عيني في عينك‪ ،‬أنتظر إشارة منك لقتله‪ ،‬لكنك لم تفعل‪ ،‬فقال سيدنا رسول ال ‪ -‬انظر إلى‬
‫العظمة " ما كان لنبي أن تكون له خائنة العين "‪.‬‬
‫أذكر أنه كان لنا أستاذ‪ ،‬هو سيدنا الشيخ موسى شريف رحمه ال ورضي ال عنه‪ ،‬وكان رجلً له‬
‫مدد من ال‪ ،‬وقد فسر لنا هذه الية‪ ،‬وكنا نذاكر دروسنا قبل أن نحضر درسه‪ ،‬وكان يصطفيني‬
‫من بين إخواني الموجودين أمثال الشيخ حسن جاد‪ ،‬والدكتور خفاجة وأبي العينين وغيرهم‪،‬‬
‫ليسألني عن مذاكرتنا وما وقف أمامنا من قضايا‪ ،‬فناداني وكان قد علم من أبي اسم أمي‪ ،‬فناداني‬
‫بها فتقدّمت إليه‪ ،‬فضربني على قفاي ضربة انحّلتْ معها القضية التي كانت تقف أمامنا‪ ،‬تماما كما‬
‫تضرب الذي يعاني من (الزغطة) ضربة على ظهره فتذهب‪.‬‬
‫ولما حدّثنا الشيخ عن قصة سيدنا عثمان هذه جاء في اليوم التالي وقال‪ :‬يا أولد‪ ،‬رأينا الليلة سيدنا‬
‫عثمان بحيائه‪ ،‬فقلت له‪ :‬كيف تستأمن لرجل قال في رسول ال كذا وكذا؟ فقال لي‪ :‬ألَ تعلم أن ال‬
‫ن تاب‪ ،‬فقلت لرسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ولم يقل‪ " :‬أنا رأيت رسول ال ‪ -‬ما الذي‬
‫يحب مَ ْ‬
‫جعلك تقبل شفاعة عثمان؟ فقال‪ :‬أل أستحي من رجل تستحي منه الملئكة؟‬
‫فالنبي صلى ال عليه وسلم بطبيعته كان شديد الحياء‪.‬‬
‫للً مّبِينا { [الحزاب‪ ]36 :‬وهنا ثلثة‬
‫ضلّ ضَ َ‬
‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬ومَن َي ْعصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ َفقَ ْد َ‬
‫توكيدات‪ :‬قد الدالة على التحقيق وبعدها الفعل الماضي‪ ،‬ثم المفعول المطَلق ضللً‪ ،‬ثم وصف هذا‬
‫الضلل بأنه مبين‪.‬‬
‫والضلل هو عدم الهتداء إلى الطريق المؤدّي إلى الغاية‪ ،‬لكن قد يضلّ إنسانٌ طريقه‪ ،‬ثم يأتي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن يفتح عليه ويدلّه‪ ،‬أما هذا الذي يعصي ال ورسوله‪ ،‬فضلله ضلل مبين ل يجد مَنْ يدلّه‪ ،‬ول‬
‫مَ ْ‬
‫مَنْ يهديه أبدا؛ لن هذا الطريق الذي يسير فيه مُوصّل إلى الخرة‪ ،‬وليس هناك شيء من ذلك‪.‬‬
‫كانت هذه (لقطة) لسيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم مع عثمان وعباد بن بشر أوضحتْ صفة‬
‫الحياء في رسول ال‪ ،‬نعود بعدها إلى ما كنا بصدده من الحديث عن الرياضة اليمانية التي‬
‫جمعتْ بين رسول ال وكل من زيد وزينب‪.‬‬
‫وكان سيدنا رسول ال إذا غاب زيد يذهب فيسأل عنه‪ ،‬فذهب مرة‪ ،‬فرأى زينب منشغلة في أمور‬
‫بيتها‪ ،‬وكانت زينب على حالة طيبة‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬تبارك ال أحسن الخالقين " كما‬
‫ترى مثلً ابنتك في مظهر حسن‪ ،‬فتقول‪ :‬ما شاء ال‪.‬‬
‫وكأن رسول ال أراد أنْ يُطيّب خاطرها‪ ،‬أو يرفع من روحها نظير ما أجبرها عليه من الزواج‬
‫بزيد‪ ،‬ونظير أنها تعيش معه على مضض‪ ،‬فلما جاء زيد قالت له‪ :‬لقد جاء رسول ال وسأل عنك‬
‫ن تكوني لرسول ال؛ لنك وقعت‬
‫وقال لي‪ :‬تبارك ال أحسن الخالقين‪ ،‬فقال لها‪ :‬يا زينب أرى أ ْ‬
‫في قلبه‪ ،‬وأرى أنْ أُطلّقك ليتزوجك رسول ال‪ ،‬فبدا عليها الرتياح‪ ،‬وتعجبتْ كأنها لم تصدق‪ :‬إذا‬
‫طّلقْتني أتزوج برسول ال‪ ،‬كان هذا الحوار مجرد كلم‪.‬‬
‫وبال لو قيل هذا الكلم في غير هذا الموقف‪ ،‬ولواحد غير زيد لغلي الدم في عروقه‪ ،‬وفعل ما‬
‫أفعل‪ ،‬إنما تأمل الرياضة اليمانية التي تحلّي بها زيد‪.‬‬
‫يقول تعالى في هذه المسألة‪ } :‬وَإِذْ َتقُولُ لِلّذِي أَنعَمَ اللّهُ عَلَ ْي ِه وَأَ ْن َع ْمتَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3494 /‬‬
‫سكَ مَا اللّهُ‬
‫خفِي فِي َنفْ ِ‬
‫ك وَاتّقِ اللّ َه وَتُ ْ‬
‫جَ‬
‫سكْ عَلَ ْيكَ َزوْ َ‬
‫وَإِذْ َتقُولُ لِلّذِي أَ ْنعَمَ اللّهُ عَلَيْ ِه وَأَ ْن َع ْمتَ عَلَيْهِ َأ ْم ِ‬
‫حقّ أَنْ َتخْشَاهُ فََلمّا َقضَى زَ ْيدٌ مِ ْنهَا وَطَرًا َزوّجْنَا َكهَا ِل َكيْ لَا َيكُونَ عَلَى‬
‫س وَاللّهُ أَ َ‬
‫مُبْدِي ِه وَ َتخْشَى النّا َ‬
‫ن وَطَرًا َوكَانَ َأمْرُ اللّهِ َمفْعُولًا (‪)37‬‬
‫ضوْا مِ ْنهُ ّ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَ ْزوَاجِ أَدْعِيَا ِئهِمْ إِذَا َق َ‬

‫معنى { وَإِذْ َتقُولُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]37 :‬واذكر جيدا وأدِرْ مسألة زيد في رأسك‪ ،‬اذكر إذ تقول‬
‫للذي أنعم ال عليه باليمان ‪ -‬والمراد زيد وأنعمتَ عليه بالعتق أولً‪ ،‬وأنعمت عليه بقانون‬
‫البشرية بأنْ جعلْتَه ابنا لك وأنعمتَ عليه بأن زوّجته‪ ،‬وهو عبد‪ ،‬من قرشية‪ ،‬هي ابنة عمتك‪ ،‬ثم‬
‫ك وَاتّقِ اللّهَ‪[ } ....‬الحزاب‪.]37 :‬‬
‫جَ‬
‫سكْ عَلَ ْيكَ َزوْ َ‬
‫أنعمتَ عليه حين قُلْت له { َأمْ ِ‬
‫ن يقولوا‪ :‬تزوّج من امرأة مُتبنّاه؟‬
‫لكن‪ ،‬لماذا قُ ْلتَ له هذه الكلمة يا محمد؟ أخوفا من كلم الناس أ ْ‬
‫كيف وهذا مقصود من ال تعالى‪ ،‬إنه يريد أن يُنهي عادة التبني‪ ،‬وأنْ يُنهيها على يدك أنت‪ ،‬فأنت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تخفيه خوفا من كلم الناس‪ ،‬وقد أبداه ال حين أخبرك بهذه المسألة‪ ،‬وأن نهايتها ستكون على يديك‬
‫عكَ من الناس‪.‬‬
‫حقّ أَن َتخْشَاهُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]37 :‬فد ْ‬
‫بأنْ تتزوج امرأة مُتبنّاك { وَاللّهُ أَ َ‬
‫شوْنَ أَحَدا ِإلّ‬
‫شوْنَ ُه َولَ َيخْ َ‬
‫خَ‬
‫لتِ اللّ ِه وَيَ ْ‬
‫لذلك قال سبحانه في موضع آخر‪ {:‬الّذِينَ يُبَّلغُونَ رِسَا َ‬
‫اللّهَ‪[} ...‬الحزاب‪.]39 :‬‬
‫وسبق أن أوضحنا أن خشيته صلى ال عليه وسلم لم تكن خشية خوف من شيء يضره‪ ،‬إنما‬
‫خشية استحياء ليدفع رسول ال الشبهة عن نفسه‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬فََلمّا َقضَىا زَ ْيدٌ مّ ْنهَا وَطَرا َزوّجْنَا َكهَا‪[ } ...‬الحزاب‪ ]37 :‬الوطر‪ :‬هو الشياء‬
‫التي تناسب معاش الرجل‪ ،‬فمعناه الغاية أو الحاجة‪ ،‬وسبق أن قُلْنا‪ :‬إن وطر الرجل من زوجته أن‬
‫تكون سكنا‪ ،‬فإن لم يكُنْ‪ ،‬فمودة تجمعهما‪ ،‬فإنْ لم َيكُنْ فرحمة متبادلة‪.‬‬
‫وقد افتقد زيد في زوجته كل هذه المراحل‪ ،‬فلم يجد معها‪ ،‬ل السكن‪ ،‬ول المودة‪ ،‬ول الرحمة‪،‬‬
‫فلماذا ‪ -‬إذن ‪ -‬يستمر في الرتباط بها؟ لذلك كان يذهب إلى رسول ال‪ ،‬فيشتكي له ما يلقي من‬
‫زينب‪ ،‬فكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول له‪:‬‬
‫ك وَاتّقِ اللّهَ‪[ } ....‬الحزاب‪.]37 :‬‬
‫جَ‬
‫سكْ عَلَ ْيكَ َزوْ َ‬
‫{ َأ ْم ِ‬
‫وتأمل هنا هذه الرياضة اليمانية بين سيدنا رسول ال وزيد وزينب رضي ال عنهما‪ :‬لما طلّق‬
‫زيدٌ زينب تركها رسول ال لتقضي عدّتها‪ ،‬فلما قضتْ العِدّة قال‪ :‬يا زيد اذهب إلى زينب فاخطبها‬
‫عليّ‪ ،‬فما هذه العظمة؟ رسول ال يبعث المطلق ليخطب له المطلّقة‪ ،‬وهذا يدل على ثقته في زيد‪،‬‬
‫وأنه قد قضي وطره من زينب‪ ،‬ولم َيعُدْ فيها حاجة‪.‬‬
‫ويدخل زيد على زينب‪ ،‬فيقول لها‪ :‬أبشري يا زينب‪ ،‬لقد بعثني رسول ال لخطبك له‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫وال ل أجيب حتى أسجد شكرا ل‪ ،‬فقامت زينب فسجدتْ‪ ،‬عندها عاد زيد إلى رسول ال‪ ،‬فأخبره‬
‫ما كان من زينب فجاءها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فدخل عليها بل استئذان‪.‬‬
‫تُرى لماذا يدخل عليها سيدنا رسول ال بل استئذان؟ قالوا لنها حينئذ صارت زوجته‪ ،‬كما قال‬
‫سبحانه { فََلمّا َقضَىا زَ ْيدٌ مّ ْنهَا وَطَرا َزوّجْنَا َكهَا‪.‬‬
‫‪[ { ..‬الحزاب‪ ]37 :‬أي‪ :‬زوّجه ال بها من فوق سبع سماوات‪.‬‬
‫لذلك كانت السيدة زينب حين تجلس مع زوجات النبي صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وهذه أيضا من‬
‫ن أولياؤكن‪ ،‬أما أنا‬
‫الرياضيات اليمانية ‪ -‬تقول لهن‪ :‬إني لفتخر عليكن جميعا بأنك زوجكُ ّ‬
‫فزوّجني ربي‪ ،‬فل تجرؤ إحداهن على الردّ عليها‪.‬‬
‫ليس هذا فحسب‪ ،‬إنما تُ ِدلّ أيضا على سيدنا رسول ال‪ ،‬فتقول له‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أنا ُأ ِدلّ عليك‬
‫بثلث‪ ،‬فيضحك سيدنا رسول ال ويقول‪ :‬أما الولى؟ فتقول‪ :‬أما الولى فجدّي وجدّك واحد‪ ،‬وأما‬
‫الثانية فلن ال زوّجني من فوق سبع سماوات‪ ،‬وأما الثالثة فلن سفيري في الزواج لم يكُن زيدا‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنما كان جبريل‪.‬‬
‫فأيّ عظمة هذه التي نلحظها في هذه القصة‪ ،‬وأيّ رياضة إيمانية عالية من رسول ال وصحابته؟‬
‫إذن‪ :‬لم يتزوج رسول ال من زينب‪ ،‬إنما زوّجه ربه؛ لذلك نقول للمغرمين بالخوض في هذه‬
‫المسألة‪ ،‬يحسبونها سُبّة في حق رسول ال‪ :‬افهموا الفرق بين ُزوّج وتزوج‪ .‬تزوج أي‪ :‬بنفسه‬
‫وبرغبته‪ ،‬إنما ُزوّج أي زوّجه غيره‪ ،‬وكلمة } َزوّجْنَا َكهَا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]37 :‬تحتوي على الفعل‬
‫زوّج والضمير (نا) فاعل يعود على الحق سبحانه‪ ،‬والكاف لخطاب رسول ال‪ ،‬وهي مفعول أول‪،‬‬
‫ن للفعل زوّج‪.‬‬
‫والهاء تعود على السيدة زينب‪ ،‬وهي مفعول ثا ٍ‬
‫فرسول ال في هذه المسألة‪ ،‬وفي كل زوجاته لم يخالف عن أمر ال‪ .‬فلتكونوا منصفين؛ لن‬
‫عسَىا رَبّهُ إِن طَّل َقكُنّ أَن يُبْدَِلهُ‬
‫المسألة ليستْ عند محمد‪ ،‬إنما عند رب محمد‪ ،‬واقرأوا إن شئتم‪َ {:‬‬
‫ت وَأَ ْبكَارا }[التحريم‪.]5 :‬‬
‫أَ ْزوَاجا خَيْرا مّنكُنّ مُسِْلمَاتٍ ّم ْؤمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَا ِبدَاتٍ سَا ِئحَاتٍ ثَيّبَا ٍ‬
‫ثم هَبُوا ‪ -‬جدلً ‪ -‬أن محمدا فعلها‪ ،‬ما العيب فهيا وقد كان التعدّد موجودا‪ ،‬ولم ينشيء رسول ال‬
‫تعدّدا‪ ،‬كان التعدّد موجودا في النبياء والرسل‪ ،‬وفيكم وعندكم‪.‬‬
‫أما الذين يتهمون رسول ال صلى ال عليه وسلم بأنه وسّع على نفسه‪ ،‬فتزوّج تسعا‪ ،‬وضيّق على‬
‫ت للمؤمنين‪ ،‬وما ُدمْنَ‬
‫أمته بأربعة‪ ،‬فالرد على ذلك أن ال تعالى حكم بأن زوجات الرسول أمها ٌ‬
‫أمهات للمؤمنين‪ ،‬فليس لحد أنْ يتزوّجهُنّ بعد رسول ال‪ ،‬أمّا غيرهن من المؤمنات فإنْ كان مع‬
‫الرجل سبعة مثلً‪ ،‬فعليه أنْ يفارق ثلثة منهن‪ ،‬وهؤلء الثلثة سيجدْنَ مَنْ يتزوج بهنّ‪ ،‬إذن‪ :‬على‬
‫ن يفارقوا ما زاد على أربع‪.‬‬
‫الرسول أنْ يُمسِك زوجاته كلهن‪ ،‬وعلى غيره من المؤمنين أ ْ‬
‫شيء آخر‪ :‬تظنون أن رسول ال وسّع ال له هذه المسألة‪ ،‬والحقيقة أن ال ضيّق عليه إذا ما‬
‫قارناه بغيره من عامة المؤمنين‪ ،‬فالمؤمن له أنْ يمسك أربعَ زوجات‪ ،‬فإذا ماتت إحداهن تزوج‬
‫ل منها‪ ،‬فإن مُتْنَ جميعا أو طلّقهن‪ ،‬فله أنْ يتزوّج غيرهن‬
‫بأخرى‪ ،‬وإنْ طلّق إحداهن تزوج بد ً‬
‫حتى يكمل الربعة‪ ،‬وهكذا يكون للمؤمن أن يتزوّج بعدد كثير من النساء‪.‬‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ مِن َبعْ ُد َولَ أَن‬
‫أما رسول ال ‪ -‬نعم تزوج تسعا ‪ -‬لكن خاطبه ربه بقوله‪ {:‬لّ يَ ِ‬
‫ج وََلوْ أَعْجَ َبكَ حُسْ ُنهُنّ‪[} ...‬الحزاب‪ ]52 :‬فمَن الذي ضيّق عليه إذن؟ محمد أم‬
‫تَبَ ّدلَ ِبهِنّ مِنْ أَ ْزوَا ٍ‬
‫أمته؟‬
‫ثم يا قوم تنبهوا إلى الفرق بين الستثناء في العدد والستثناء في المعدود‪ ،‬هل استثني ال نبيه في‬
‫العدد من أربع إلى تسع‪ ،‬أم استثناه في معدود بذاته‪ ،‬استثناه في المعدود ل في العدد‪ ،‬لنه لو‬
‫استثناه في العدد لكان له إذا ماتتْ إحدى زوجاته أنْ يتزوّج بأخرى‪ ،‬إنما وقف به عند معدود‬
‫بذاته‪ ،‬بحيث لو ماتوا جميعا ما كان له صلى ال عليه وسلم أنْ يتزوّج بعدهن‪.‬‬
‫وبعد ذلك أظلّ الحكمُ على رسلو ال هكذا؟ ل‪ ،‬إنما كان في بداية المر وبعد ذلك حينما استقرتْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المور وَأمِن ال رسولَه قال له‪ :‬افعل ما تشاء‪ ،‬لنك مأمون على أمتك‪.‬‬
‫ثم نقول‪ :‬هَبُوا أن رسول ال له اختيار في هذه المسألة‪ ،‬ولم تكن ُمسْبقة‪ ،‬ألم يُؤدّ ِفعْلُه هذا إلى‬
‫ن فعل ما فعل؟ إذن‪ :‬ل يتناقض مراد‬
‫عتْ الرسالة من رسول ال بعد أ ْ‬
‫إلغاء عادة التبني؟ ثم أنُزِ َ‬
‫ال ومراد رسول ال‪.‬‬
‫والذين تناولوا سيدنا رسول ال في هذه المسألة مثل الذين تناولوا سيدنا يوسف ‪ -‬عليه السلم ‪-‬‬
‫لما قال ال فيه‪ {:‬وََلقَدْ َه ّمتْ بِهِ وَهَمّ ِبهَا‪[} ...‬يوسف‪ ]24 :‬وكأنهم أكثر غيرةً على يوسف من ربه‬
‫عز وجل‪ ،‬نعم همّ بها يوسف أي‪ :‬فكّر فيها أو غير ذلك‪ ،‬ولن نقول لكم على الصواب لتظلوا في‬
‫حيرتكم‪ ،‬لكن أنزعَ ال منه الرسالةَ بعد ما همّ بها؟ إذن‪ :‬همّه بها لم يناقض الرسالة‪ ،‬فما تقولونه‬
‫في هذه المسألة فضول منكم‪.‬‬
‫ضوْاْ‬
‫ثم تأتي العلة في هذه المسألة } ِل َكيْ لَ َيكُونَ عَلَى ا ْل ُمؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَ ْزوَاجِ أَدْعِيَآ ِئهِمْ ِإذَا َق َ‬
‫ن وَطَرا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]37 :‬ثم تختم الية بما ل يدع مجالً للشك في رسول ال‪َ } :‬وكَانَ‬
‫مِ ْنهُ ّ‬
‫َأمْرُ اللّهِ مَ ْفعُولً { [الحزاب‪ ]37 :‬أي‪ :‬ل بُدّ أن يحدث‪ ،‬ولن يترك ليّ شخص آخر‪ ،‬حتى ل تفسد‬
‫القضية في إلغاء عادة التبني‪ ،‬إذن‪ ،‬فزواج رسول ال من امرأة مُتبنّاه ما كان إل لرفع الحرج عن‬
‫جميع المؤمنين‪ ،‬والن يصح لكل مُتبنّ أن يتزوج امرأة مُتبنّاه‪.‬‬

‫(‪)3495 /‬‬
‫مَا كَانَ عَلَى النّ ِبيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَ َرضَ اللّهُ لَهُ سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خََلوْا مِنْ قَ ْبلُ َوكَانَ َأمْرُ اللّهِ‬
‫قَدَرًا َمقْدُورًا (‪)38‬‬

‫قوله تعالى‪ { :‬مّا كَانَ عَلَى النّ ِبيّ مِنْ حَرَجٍ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]38 :‬أي‪ :‬إثم أو ملمة { فِيمَا فَ َرضَ‬
‫اللّهُ لَهُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]38 :‬أي‪ :‬كيف تلومون رسول ال على تنفيذ أمر فرضه ال له وتأمل‬
‫{ فَ َرضَ اللّهُ لَهُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]38 :‬أي‪ :‬لصالحه ولم ي ُقلْ فرض عليه؟ ما دام أن ال هو الذي‬
‫فرض هذا‪ ،‬فلتُصعّدوا المر إليه‪ ،‬فليس لرسوله ذنب فيه‪.‬‬
‫وهذه المسألة تشبه تماما مسألة السراء‪ ،‬فحين أخبر سيدنا رسول ال قومه بخبر السراء قالوا‪ :‬يا‬
‫محمد أتدّعي أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة‪ ،‬ونحن نضرب إليها أكباد البل شهرا؟ وهذا غباء‬
‫منهم لن محمدا لم يقل‪ :‬سريْت إنما قال‪ُ :‬أسْرِي بي‪ .‬فالذي أسري به ربه ‪ -‬عز وجل ‪ -‬إذن‪:‬‬
‫المسألة ليست من فعل محمد‪ ،‬ولكن من فعل ال‪.‬‬
‫وسبق أن ضربنا لذلك مثلً توضيحيا ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬قُلْنا‪َ :‬هبْ أن رجلً قال لك‪ :‬أنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صعدتُ بولدي الصغير قمة (إفرست) أتقول له‪ :‬كيف صعد ولدك قمة (إفرست)؟‬
‫لكن انتفعنا الن بقول المكذّبين‪ :‬أتدّعي يا محمد أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها‬
‫أكباد البل شهرا؛ لن غباء المكذّب يؤدي به إلى عكس ما قصده من غبائه‪ ،‬فهذا القول اتخذناه‬
‫الن دليلً للرد على مَنْ يقولون بأن السراء كان رؤيا‪ ،‬أو كان بالروح دون الجسد‪.‬‬
‫فلو قال رسول ال‪ :‬رأيتُ في الرؤيا أني أتيتُ بيت المقدس ما قالوا هذه المقالة‪ ،‬إذن‪َ :‬فهِمَ القومُ أن‬
‫رسول ال أتي بيت المقدس بروحه وجسده‪ ،‬وإل ما قارنوا بين ذهابهم وذهابه‪ ،‬فالذين عاصروا‬
‫هذه الحادثة قالوا هذه المقالة‪ ،‬فكيف نأتي اليوم لنقول‪ :‬إن السراء كنا مناما‪ ،‬أو كان بالروح دون‬
‫الجسد؟‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خََلوْاْ مِن قَ ْبلُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]38 :‬أي‪ :‬إخوانه من الرسل‬
‫السابقين‪ ،‬أو فيما كان قبل السلم من التعدّد‪ ،‬فلم يكُنْ رسول ال بدَعا في هذه المسألة‪.‬‬
‫{ َوكَانَ َأمْرُ اللّهِ قَدَرا ّمقْدُورا } [الحزاب‪ ]38 :‬تلحظ أن الية السابقة خُ ِت َمتْ بقوله تعالى‪َ {:‬وكَانَ‬
‫َأمْرُ اللّهِ مَ ْفعُولً }[الحزاب‪ ]37 :‬فلقائل أن يقول نعم مفعولً في هذا الوقت الذي حدثتْ فيه هذه‬
‫الحداث؛ لذلك قال هنا { َوكَانَ َأمْرُ اللّهِ قَدَرا مّقْدُورا } [الحزاب‪ ]38 :‬أي‪ :‬أن ما حدث لرسول‬
‫جفّ على ما كُتِب‪،‬‬
‫ال كان مقدرا أزلً‪ ،‬ول شيء يخرج عن تقدير ال‪ ،‬وقد صَحّ أن القلم قد َ‬
‫وعلى ما ُقدِر‪.‬‬

‫(‪)3496 /‬‬
‫شوْنَ أَحَدًا إِلّا اللّ َه َوكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا (‪)39‬‬
‫خَ‬
‫شوْنَ ُه وَلَا يَ ْ‬
‫خَ‬
‫الّذِينَ يُ َبّلغُونَ ِرسَالَاتِ اللّ ِه وَيَ ْ‬

‫حقّ أَن‬
‫س وَاللّهُ أَ َ‬
‫وكأن الحق سبحانه يُعيدنا إلى قوله تعالى في نبيه محمد‪ {:‬وَ َتخْشَى النّا َ‬
‫خشَاهُ‪[} ...‬الحزاب‪ ]37 :‬فالرسل ل يخشوْنَ شيئا في البلغ عن ال‪ ،‬فكأنه تعالى نفى عن‬
‫تَ ْ‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم أن تكون خشيته في البلغ‪ ،‬إنما خشيته استحياؤه مخافة أنْ تلوكه‬
‫ألسنة قومه‪ ،‬وإلّ َفهُمْ ل يملكون له شيئا يضره أو يخيفه‪.‬‬
‫شوْنَ َأحَدا ِإلّ اللّهَ‪[ } ...‬الحزاب‪]39 :‬‬
‫شوْنَ ُه َولَ َيخْ َ‬
‫خَ‬
‫لتِ اللّ ِه وَيَ ْ‬
‫نلحظ هنا أن { الّذِينَ يُبَّلغُونَ رِسَا َ‬
‫هذه العبارة مبتدأ لم يُخبر عنه؛ لن قوله تعالى { َوكَفَىا بِاللّهِ حَسِيبا } [الحزاب‪ ]39 :‬ليس خبرا‬
‫لهذا المبتدأ‪ ،‬إنما هو تعليق عليه‪ ،‬فأين خبر هذا المبتدأ؟ قالوا‪ :‬تقديره‪ ،‬الذين يُبلّغون رسالت ال‪..‬‬
‫ل يمكن أنْ يُتّهموا بأنهم خشنوا الناس من أجل البلغ‪.‬‬
‫حسِيبا } [الحزاب‪ ]39 :‬أي‪ :‬أنكم لن تحاسبوهم‪ ،‬إنما سيحاسبهم ال‪ ،‬وكان مقتضى‬
‫{ َو َكفَىا بِاللّهِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن فعل ما ل يصحّ منه أنْ تسحب منه الرسالة‪ ،‬وأنْ يأتي ال بنبي آخر‪،‬‬
‫الحساب مع رسول ال إ ْ‬
‫ولم يحدث شيء من هذا‪.‬‬
‫حمّدٌ أَبَآ َأحَدٍ مّن‬
‫ثم يعود السياق إلى أمر آخر في قضية التبني‪ ،‬فيقول سبحانه‪ { :‬مّا كَانَ مُ َ‬
‫رّجَاِل ُكمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)3497 /‬‬
‫شيْءٍ عَلِيمًا (‪)40‬‬
‫ن َوكَانَ اللّهُ ِب ُكلّ َ‬
‫حدٍ مِنْ رِجَاِل ُك ْم وََلكِنْ رَسُولَ اللّ ِه وَخَا َتمَ النّبِيّي َ‬
‫حمّدٌ أَبَا أَ َ‬
‫مَا كَانَ مُ َ‬

‫حمّدٌ أَبَآ َأحَدٍ مّن رّجَاِلكُمْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]40 :‬لن علج قضية التبني أهمّ‬
‫قال سبحانه { مّا كَانَ ُم َ‬
‫من أُبوته صلى ال عليه وسلم لحد منكم أن يكون أبوه رسول ال؛ لن أبوته لخر ل تنفعه‬
‫بشيء‪ ،‬إنما ينفعه البلغ عن ال‪ ،‬وأن يحمل له منهج ربه الذي يسعده في دينه ودنياه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ففرحكم برسول ال كرسول َأوْلَى من فرحكم به كأب‪ ،‬وإلّ فما أكثر من لهم آباء‪ ،‬وهم‬
‫أشقياء في الحياة ل قيمة لهم‪.‬‬
‫وقوله { مّا كَانَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]40 :‬النفي هنا يفيد الجحود‪ ،‬فهو ينكر ويجحد أنْ يكون محمدا أَبا‬
‫لحد من رجالكم‪ ،‬وتأمل عظمة الداء القرآني في كلمة { مّن رّجَاِلكُمْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]40 :‬ولم‬
‫َيقُلْ مثلً أبا أحد منكم‪ ،‬لماذا؟ قالوا‪ :‬لنه صلى ال عليه وسلم كان أبا لعبد ال وللقاسم ولبراهيم‪،‬‬
‫وكانوا جميعا منهم‪ ،‬وهو صلى ال عليه وسلم أبوهم‪ ،‬فجاءت كلمة { رّجَاِلكُمْ‪[ } ...‬الحزاب‪]40 :‬‬
‫لتُخرج هؤلء الثلثة؛ لنهم لم يبلُغوا مبلغ الرجال‪ ،‬فمحمد ما كان أبدا أبا أحد من الرجال‪ ،‬وإنْ‬
‫كان أبا لولد صغار لم يصلوا إلى مرحلة الرجولة‪.‬‬
‫وقوله { وَلَـاكِن‪[ } ...‬الحزاب‪ ]40 :‬أي‪ :‬أهم من أُبوّته أن يكون رسول ال { وَلَـاكِن رّسُولَ‬
‫اللّهِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]40 :‬ليس هذا فحسب‪ ،‬ولكن أيضا { وَخَاتَمَ النّبِيّينَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]40 :‬أي‪:‬‬
‫الرسول والنبي الذي يختم الرسالت‪ ،‬فل يستدرك عليه برسالة جديدة‪.‬‬
‫خذَ‬
‫وهذه من المسائل التي وقف عندها المستشرقون معترضين‪ ،‬يقولون‪ :‬جاء في القرآن‪ {:‬وَإِذْ أَ َ‬
‫ح ْكمَةٍ ُثمّ جَآ َءكُمْ رَسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ لَ ُت ْؤمِنُنّ ِبهِ‬
‫ب وَ ِ‬
‫اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَا ٍ‬
‫وَلَتَنصُرُنّهُ‪[} ...‬آل عمران‪.]81 :‬‬
‫خذْنَا مِنَ‬
‫ومحمد صلى ال عليه وسلم من ضمن النبياء الذين أُخذَ عليهم هذا العهد‪ ،‬بدليل‪ {:‬وَإِذْ أَ َ‬
‫ك َومِن نّوحٍ‪[} ...‬الحزاب‪.]7 :‬‬
‫النّبِيّيْنَ مِيثَا َقهُ ْم َومِ ْن َ‬
‫إذن‪ :‬أخذ ال العهد على النبياء أنه من ضمن مبادئهم أنْ يُبلّغوا قومهم بمقدم رسول جديد‪ ،‬وأنه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذا جاءهم عليهم أن يؤمنوا به‪ ،‬وأنْ ينصرونه‪ ،‬كما بشّر مثلً عيسى عليه السلم برسالة محمد‬
‫ح َمدُ‪[} ...‬الصف‪.]6 :‬‬
‫سمُهُ أَ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال‪َ {:‬ومُبَشّرا بِ َرسُولٍ يَأْتِي مِن َبعْدِي ا ْ‬
‫فكيف يخبر ال عن محمد أنه خاتم النبيين وهو واحد منهم؟ نقول‪ :‬نعم هو واحد منهم‪ ،‬لكن إنْ‬
‫كانوا قد ُأمِروا بأنْ يُبشّروا وأنْ يُبلغوا أقوامهم برسول يأتي‪ ،‬فقد أمر صلى ال عليه وسلم أن يَبلّغ‬
‫قومه أنه خاتم النبياء والرسل‪.‬‬
‫لذلك يُ ْروَى أن رجلً ادّعَى النبوة في زمن المأمون‪ ،‬فأمر به َفوُضِع في السجن‪ ،‬وبعد عدة أشهر‬
‫ظهر رجل آخر يدعي النبوة‪ ،‬فرأى المأمون أن يواجه كل منهما الخر‪ ،‬فأحضر المدعي الول‬
‫وقال له‪ :‬إن هذا الرجل يدّعي أنه نبي‪ ،‬فماذا تقول فيه؟ قال‪ :‬هو كذاب؛ لنني لم أرسل أحدا ‪-‬‬
‫فارتقى إلى منزلة اللوهية‪ ،‬ل مجدر أنه نبي‪.‬‬
‫عتْ النبوة أيضا في زمن المأمون لما أوقفها أمامه يسألها قالها لها‪ :‬ألم تعلمي أن‬
‫والمرأة التي ادّ َ‬
‫رسول ال قال‪ :‬ل نبيّ بعدي؟ قالت‪ :‬بلى‪ ،‬ولكنه لم يقل ل نبية بعدي!‬
‫علِيما { [الحزاب‪ ]40 :‬وما دام‬
‫شيْءٍ َ‬
‫ثم يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله‪َ } :‬وكَانَ اللّهُ ِب ُكلّ َ‬
‫أن ال تعالى عليهم بكل شيء فليس لحد أنْ يعترض؛ لنه سبحانه هو الذي يضع الرسول‬
‫المناسب في المكان المناسب والزمان المناسب‪ ،‬وقد علم سبحانه أن رسالة محمد تستوعب كل‬
‫الزمان وكل المكان‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3498 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا ا ْذكُرُوا اللّهَ ِذكْرًا كَثِيرًا (‪ )41‬وَسَبّحُوهُ ُبكْ َرةً وََأصِيلًا (‪)42‬‬

‫أمرنا ربنا سبحانه بذكره ِذكْرا كثيرا؛ لن الذكْر عمدة العبادات وأيسرها على المؤمن؛ لذلك نجد‬
‫ربنا يأمرنا به عند النتهاء من العبادات كالصلة والصيام والحج‪ ،‬وجعله سبحانه أكبر فقال{‬
‫وَلَ ِذكْرُ اللّهِ َأكْبَرُ‪[} ...‬العنكبوت‪.]45 :‬‬
‫والذكر شغل الذاكرة‪ ،‬وهي منطقة في المخ‪ ،‬قُلْنا‪ :‬إن المعلومة يستقبلها النسان في بؤرة شعوره‪،‬‬
‫فإذا أراد أنْ يحفظ بها لحين الحاجة إليها حفظها في الحافظة‪ ،‬أو في حاشية الشعور‪ ،‬فأنت مثلً‬
‫ترى شخصا فتقول‪ :‬هذا الرجل لم أَ َرهُ منذ عشرين سنة‪ ،‬وآخر مرة رأيته كان في المكان الفلني‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الذكر لشيء كان موجودا في بؤرة الشعور‪ ،‬الذكر يعني قضية موجودة عندك بواقع كان لها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ساعة وجودها‪ ،‬لكن حصلتْ عنها غفلة نقلتها إلى حاشية الشعور أو الحافظة‪ ،‬بعد ذلك نريد منك‬
‫أل تنساها في الحاشية أو في منطقة بعيدة بحيث تحتاج إلى مجهود لتذكرها‪ ،‬إنما اجعلها دائما في‬
‫منطقة قريبة لك‪ ،‬بحيث يسهل عليك تذكّرها دون عناء‪.‬‬
‫وكذلك ينبغي أنْ يكون ذكرك ل‪ ،‬فهو القضية الحيوية التي ينبغي أنْ تظلّ على ِذكْر لها دائما‬
‫وأبدا‪ ،‬وكيف تنسى ذكر ربك وقد أخذ عليك العهد‪ ،‬وأنت في عالم الذرّ‪ ،‬وأخذ منك القرار بأنه‬
‫سبحانه ربّك‪ ،‬الحق سبحانه خلق العقل ليستقبل المعلومات بوسائل الدراك‪ ،‬كما قال تعالى‪ {:‬وَاللّهُ‬
‫شكُرُونَ }‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫سمْعَ وَالَ ْبصَا َر وَا َ‬
‫ج َعلَ َل ُكمُ الْ ّ‬
‫جكُم مّن ُبطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫أَخْ َر َ‬
‫[النحل‪.]78 :‬‬
‫عمْدة الحواسّ‪ ،‬وبهما نعلم ما لم نكُنْ نعلمه حين نزولنا من بطون‬
‫فكأن السمع والبصر هما ُ‬
‫أمهاتنا‪ ،‬ونحن حين نستقبل المعلومات يظن بعض الناس أن الناس يختلفون في ذلك ذكاء وبلدةً‪،‬‬
‫فواحد يلتقط المعلومة من مرة واحدة‪ ،‬وآخر يحتاج إلى أنْ تعيدها له عدة مرات‪.‬‬
‫والواقع أن العقل مثل آلة (الفوتوغرافيا) يلتقط المعلومة من مرة واحدة شريطةَ أن يكون خاليا‬
‫ومستعدا لستقبالها غير مشغول بغيرها؛ لن بؤرة الشعور ل تسع ول تستوعب إل فكرة واحدة‪،‬‬
‫ج ْوفِهِ‪[} ...‬الحزاب‪.]4 :‬‬
‫جلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِ َر ُ‬
‫وهذه المسألة تناولناها في قوله تعالى‪ {:‬مّا َ‬
‫فالنسان الذكي هو الذي ل يشغل باله بأمرين في وقت واحد‪ ،‬ول يفكر في شيء وهو بصدد‬
‫شيء آخر‪ ،‬فإذا كانت ُبؤْرة الشعور خالية فالناس جميعا سواسية في التقاط المعلومة‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬المدرس الموفّق هو الذي يستطيع أنْ يجتذب إليه انتباه التلميذ‪ ،‬ول يعطيهم الفرصة‬
‫للنشغال بغير الدرس‪ ،‬وهذا ل يتأتى إل بالتلطّف إليهم وإشراكهم في الدرس بالسئلة من حين‬
‫لخر‪ ،‬ليظل التلميذ متوقعا لنْ يسألَ فل ينشغل‪ ،‬لذلك رأينا أن الطريقة الحوارية هي أنجح طرق‬
‫التدريس‪ ،‬أما طريقة سَرْد المعلومات فهي تجعل المدرس في وادٍ والتلميذ في واد آخر‪ ،‬كل منهم‬
‫يفكر في شيء يشغله‪.‬‬
‫وسبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن الطالب حين يعلم بأهمية درس من الدروس فيذاكره وهو ذاهب للمتحان وهو‬
‫يصعد السلم إذا جاءه هذا الدرس يجيب عنه بنصه‪ ،‬لماذا؟ لنه ذاكره في الوقت الحرج والفرصة‬
‫ضيقة ل تحتمل انشغالً ول تهاونا‪ ،‬فيلتقط العقل كل كلمة ويُسجّلها‪ ،‬فإنْ أراد استرجاعها جاءت‬
‫كما هي‪ ،‬لماذا؟ لنها صادفتْ العقل خاليا غير مشغول‪.‬‬
‫وتأمل عظمة الخالق سبحانه في مسألة التذكّر‪ ،‬فالذاكرة جزء صغير في المخ‪ ،‬فكيف بالطفل‬
‫ي وقت‪ ،‬ونحن نتعجب من‬
‫الصغير الذي ل يتجاوز الثامنة يحفظ القرآن كاملً ويُعيده عليك في أ ّ‬
‫شريط التسجيل الذي يحفظ لنا حلقة أو حلقتين‪.‬‬
‫والقرآن ليس حفظا فحسب‪ ،‬إنما معايشة‪ ،‬فحروف القرآن ملئكة‪ ،‬لكل حرف منه ملك‪ ،‬والملَك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يحب مَنْ يودّه‪ ،‬فإذا كنتَ على صلة بالقرآن تكثر من تلوته‪ ،‬فكأنك تود الملئكة‪ ،‬فساعة تريد‬
‫استرجاع ما حفظت تراصتْ لك الملئكة‪ ،‬وجرى القرآن على لسانك‪ .‬فإنْ هجرْته هجرك‪ ،‬وتفلّت‬
‫من ذاكرتك؛ لذلك حذرنا رسول ال صلى ال عليه وسلم من هجر القرآن‪ ،‬فقال‪ " :‬تعاهدوا‬
‫القرآن‪ ،‬فوالذي نفسي بيده لهو أش ّد تفصيا من البل في عقلها "‪.‬‬
‫وسبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن الذكر هو العبادة الوحيدة التي ل تكلفك شيئا‪ ،‬ول تُعطل جارحة من جوارحك‪،‬‬
‫ول يحتاج منك إلى وقت‪ ،‬ول إلى مجهود‪ ،‬وليس له وقت مخصوص‪ ،‬فمَنْ ذكر ال قائما وذكر‬
‫عدّ من الذاكرين ‪ -‬هذا بالنسبة لوضعك ‪ -‬ومَنْ ذكر ال ُبكْرة‪،‬‬
‫ال قاعدا وذكر ال على جَنْبه ُ‬
‫وذكر ال أصيلً‪ ،‬أو غدوا وعشيا‪ ،‬أصبح من الذاكرين ‪ -‬هذا بالنسبة للزمان‪.‬‬
‫ل ول قوة إل بال العلي‬
‫ومن قال‪ :‬سبحان ال‪ ،‬والحمد ل‪ ،‬ول إله إل ال‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬ول حْو َ‬
‫العظيم‪ ،‬ثلثين مرة في اليوم كُ ِتبَ من الذاكرين‪ ،‬ومَنِ استيقظ ليلً فأيقظ أهله‪ ،‬وصلّى ركعتين فهو‬
‫من الذاكرين‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ف ِذكْر ال مسألة سهلة تستطيع أنْ تذكر ال‪ ،‬وأنت تعمل بالفأس‪ ،‬أو تكتب بالقلم‪ ،‬تذكر ال‬
‫وأنت تأكل أو تشرب‪ ..‬إلخ فذكر ال وإنْ كان أكبر إل أنه على المؤمن سهل هَيّن‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَسَبّحُوهُ ُبكْ َر ًة وََأصِيلً { [الحزاب‪ ]42 :‬التسبيح‪ :‬هو التقديس‪ ،‬والتقديس هو‬
‫التنزيه‪ ،‬فعن أيّ شيء نُنزه ال؟ قالوا‪ :‬ننزه ال في ذاته‪ ،‬وفي أفعاله‪ ،‬وفي صفاته‪ ،‬فال تعالى له‬
‫وجود‪ ،‬ولك أنت وجود‪ ،‬وللنهر وللجبل وجود‪ ،‬لكن وجوده تعالى ليس كوجود ما سواه‪ ،‬وجوده‬
‫تعالى عن غير عدم‪ ،‬أما وجود ما سواه فوجود عن عدم‪ ،‬هذا في الذات‪.‬‬
‫ن يكون فعله كفعلك‪ ،‬وهذا ما‬
‫أما في الفعال‪ ،‬فال تعالى له ِفعْل كما أن لك فعلً‪ ،‬لكن نزّه ربك أ ْ‬
‫قلناه في حادثة السراء والمعراج‪ ،‬وفي الفرق بين سَرَى وأسرى به‪ ،‬فإذا كان الفعل ل تعالى فل‬
‫ل ال‪ ،‬وفعل ال بل علج‪ ،‬إنما يقول للشيء‪ :‬كٌنْ‬
‫تنظر إلى الزمن لنه ليس فعلك أنت‪ ،‬بل فع ْ‬
‫فيكون‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إنه حتى في طاقات البشر نجد الفعل يأخذ من الزمن على قدر قوة فاعله‪ ،‬فالولد الصغير‬
‫ستَ فعلَ ال بقدرته تعالى وجدت الفعل بل زمن‪.‬‬
‫ينقل في ساعة ما ينقله الكبير في دقيقة‪ ،‬فلو قِ ْ‬
‫ن يكون‬
‫كذلك نُنزه ال في صفاته‪ ،‬فال تعالى له سمع نُزّه أن يكون كسمعك‪ ،‬وله وجه نُزّه أ ْ‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪.]11 :‬‬
‫كوجهك‪ ..‬إلخ كل هذا في إطار{ لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫وحين تستعرض آيات التسبيح في القرآن تجدها كثيرة‪ ،‬لكن للتسبيح طابع خاص إذا جاء في‬
‫استهللت السور‪ ،‬ففي أول السراء‪ {:‬سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ‪[} ...‬السراء‪.]1 :‬‬
‫فبدأت السورة بتنزيه ال لما تحتويه من أحداث عجيبة وغريبة؛ لذلك قال بداية{ سُبْحَانَ الّذِي‬
‫ن يفعل‪ ،‬وسبحان ال قبل أنْ‬
‫أَسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ‪[} ...‬السراء‪ ]1 :‬فال له التسبيح والتقديس ثابت قبل أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن يوجد من خلق‪ ،‬فهو بالخالقية فيه أولً خلق‪ ،‬كما قلنا في‬
‫يوجد المسبّح‪ ،‬كما أنه تعالى خالق قبل أ ْ‬
‫الشاعر‪ :‬تقول فلن شاعر‪ ،‬هل لنك سمعت له قصيدة أم هو شاعر قبل أن يقولها؟ هو شاعر قبل‬
‫ن يقولها‪ ،‬ولول أنه شاعر ما قال‪:‬‬
‫أْ‬
‫والمتتبع للفاظ التسبيح في القرآن يجد أنه ثابت ل تعالى قبل أن يخلق المسبّحين في قوله{ سُ ْبحَانَ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي‬
‫الّذِي َأسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ‪[} ..‬السراء‪ ]1 :‬ثم بعد أن خلق ال الخَلْق{ سَبّحَ لِلّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫الَ ْرضِ‪[} ...‬الحشر‪.]1 :‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ‪[} ...‬الجمعة‪]1 :‬‬
‫وما يزال الخلق يُسبّح في الحاضر‪ {:‬يُسَبّحُ لِلّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫فتسبيح ال كان وما يزال إلى قيام الساعة‪ ،‬لذلك يأمر الحق سبحانه نبيه صلى ال عليه وسلم‬
‫ك الَعْلَىا }[العلى‪:‬‬
‫ومعه أمته ألّ يخرج عن هذه المنظومة المسبّحة‪ ،‬فيقول له‪ {:‬سَبّحِ اسْمَ رَ ّب َ‬
‫‪.]1‬‬
‫وجاء المر بذكر ال وبعد المر بتسبيحه تعالى‪ ،‬وكأنه يقول لك كلما ذكرته‪ :‬نزّهه ذاتا وصفاتا‬
‫وأفعالً‪ ،‬فمن مصلحتك في رحلة الحياة ألّ يكون ل مثيل ول شبيه ول نظير ول ِندّ؛ لن الجميع‬
‫سيكونون تحت عَدْله سبحانه‪ ،‬فتنزيه ال لمصلحَتك أنت أيها المسبّح‪.‬‬
‫وسبق أنْ ذكرنا في ذلك قول أهل الريف (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) فوجود كبير فوق‬
‫الجميع يحميك أنْ يتكبر أحد عليه‪ ،‬إذن‪ :‬عظمته تعالى وكبرياؤه من أعظم النعم علينا‪ ،‬فساعة‬
‫تُسبّحه وتُنزّهه أحمد ال لنه مُنزّه‪ ،‬أحمد ال أنه ل شريك له‪ ،‬وأن الناس جميعا عنده سواء‪ ،‬أحمد‬
‫ال لن كلمه وأمره نافذ على الجميع‪ ،‬أحمد ال أنه لم يتخذ صاحبة ول ولدا‪ ،‬وليس بينه وبين‬
‫أحد من خَلْقه َنسَب‪.‬‬
‫وكيف ل نذكر ال ول نسبّحه ونحمده‪ ،‬وهو سبحانه الذي خلق الخَلْق‪ ،‬وقبل أنْ يخلقهم رتّب لهم‬
‫غاياتهم ‪ -‬والخَلْق‪ :‬إيجاد على تقدير لغاية ‪ -‬بل وأعدّ لهم ما يخدمهم‪ ،‬فطرأ النسان على كون‬
‫ُمعَدّ لستقباله‪ ،‬فقبل أنْ يخلقه خلق له‪.‬‬
‫ثم ما كلفك بمنهجه مباشرة‪ ،‬إنما تركك تربع في نعمه‪ ،‬منذ ميلدك إلى سِنّ البلوغ بدون تكليف‪،‬‬
‫ومعنى البلوغ أنْ تصل سنّ الرشد فتُقبل على ال بعقل وفكر‪ ،‬فالدين ليس تقليدا إنما عقدة واقتناع‪.‬‬
‫وسبق أنْ شبّهنا نضج النسان بنضج الثمرة‪ ،‬فالثمرة ل تحلو إل حين تنضج بذرتها‪ ،‬وتصير‬
‫صالحة للنبات إنْ زُرعت‪ ،‬وهذه من عظمة الخالق سبحانه‪ ،‬ولو أن الثمرة تحلو وتستوي قبل‬
‫ُنضْج بذرتها لكلنا الثمار مرة واحدة‪ ،‬ولما انتفع بها أحد بعدنا‪ ،‬ومثّلْنا لذلك ببذرة البطيخ إن‬
‫ت وصارتْ صالحة للكل‪ ،‬وهذه المسألة جعلها‬
‫وجدتها سوداء صلبة فاعلم أن ثمرتها استوت وحََل ْ‬
‫الخالق سبحانه لحفظ النوع‪.‬‬
‫شيء آخر‪ :‬بعد أن بلغتْ سنّ التكليف‪ ،‬أجاءك التكليف مستوعبا لكل حركة في حياتك؟ أجاء قَيْدا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لك؟ حين تتأمل مسائل التكليف تجدها في نطاق محدود أمرك ال فيه بافعل كذا ول تفعل كذا‪،‬‬
‫وهذه المنطقة ل تشغل أكثر من خمسة في المائة من حركة حياتك‪ ،‬وترك لك نسبة الخمسة‬
‫والتسعين أنت حُ ّر فيها‪ ،‬تفعل أو ل تفعل‪ ،‬فأيّ عظمة هذه! وأيّ رحمة التي يعاملنا بها ربنا عز‬
‫وجل! وهذا إنْ دلّ فإنما يدلّ على حبّ الخالق سبحانه لخَلْقه وصنعته‪ .‬أفل يستوجب ذلك منّا ألّ‬
‫نغفل عن ذكره‪ ،‬وأن نكثر من تسبيحه وشكره‪ ،‬في كل غدوة وعشية‪.‬‬
‫والعظم من هذا كله أنه ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬جعل ذكْرك له وتسبيحك إياه لصالحك أنت‪ ،‬وفي‬
‫ميزانك؛ لذلك قال في الية التي بعدها‪ُ } :‬هوَ الّذِي ُيصَلّي عَلَ ْيكُمْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3499 /‬‬
‫ج ُكمْ مِنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّو ِر َوكَانَ بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ َرحِيمًا (‪)43‬‬
‫ُهوَ الّذِي ُيصَلّي عَلَ ْيكُ ْم َومَلَا ِئكَتُهُ لِ ُيخْرِ َ‬

‫معنى { ُهوَ الّذِي ُيصَلّي عَلَ ْيكُمْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]43 :‬الصلة هي الدعاء‪ ،‬والدعاء ل يكون إل‬
‫بطلب الخير للداعي‪ ،‬ول يدعو إل قادر على هذا الخير‪ ،‬وعليه كيف نفهم هذا المعنى؟ أيدعو ربنا‬
‫نفسه تبارك وتعالى؟ قالوا‪ :‬إذا كانت نهاية الصلة طلبَ الخير‪ ،‬وهذا الخير إذا طلب حصل‪،‬‬
‫فالحق سبحانه هو الداعي‪ ،‬وهو الذي يملك مفاتح الخير كله‪ ،‬فهو الذي يُصلّي عليكم‪ ،‬وهو الذي‬
‫يعطيكم‪ ،‬وهو الذي يرحمكم‪.‬‬
‫وأيضا يُصلّي عليكم الملئكة { َومَلَ ِئكَتُهُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]43 :‬وقد أخبرنا سبحانه عنهم أنهم{ عِبَادٌ‬
‫ل وَهُمْ بَِأمْ ِرهِ َي ْعمَلُونَ }[النبياء‪.]27 :‬‬
‫ّمكْ َرمُونَ * لَ يَسْ ِبقُونَهُ بِا ْل َقوْ ِ‬
‫وقال‪ {:‬لّ َي ْعصُونَ اللّهَ مَآ َأمَ َرهُ ْم وَ َي ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }[التحريم‪.]6 :‬‬
‫والملئكة أقسام‪ :‬منهم المكلفون بخدمتنا ومنافعنا في الرض‪ ،‬ومنهم مَنْ يحفظنا من الحداث التي‬
‫قد تفاجئنا بإقدار ال لهم عليها‪ ،‬ومنهم الحفظة والكرام الكاتبون‪ ،‬وهؤلء الملئكة المتعلقون بنا هم‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي َف َقعُواْ لَهُ‬
‫سوّيْتُهُ وَنَفَ ْ‬
‫الذين أُمروا بالسجود لدم عليه السلم في قوله تعالى‪ {:‬فَِإذَا َ‬
‫سَاجِدِينَ }[الحجر‪.]29 :‬‬
‫وهذا دليل على أنهم سيكونون في خدمته‪.‬‬
‫ن كنتَ‬
‫وكأن ال تعالى قال لبليس‪ :‬طلبتُ منك أنْ تسجد لدم‪ ،‬وطلبت من الملئكة وأنت معهم‪ ،‬فإ ْ‬
‫من الملئكة فينبغي أن تستجيب‪ ،‬وإنْ لم تكُنْ من الملئكة وحشرتك بطاعتك في زمرتهم كان‬
‫يجب عليك أنْ تطيع لن العلى منك سجد‪.‬‬
‫وقد أوضحنا هذه المسألة بمثَل‪ ،‬ول تعالى المثل العلى قُلْنا‪ :‬إذا أعلن في أحد الدواوين الحكومية‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن الرئيس سيزور هذ االديوان يوم كذا‪ ،‬وعلى الوزراء أنْ يصطفّوا لتحيته‪ ،‬ألم يشمل هذا المر‬
‫وكلء الوزارة من باب َأوْلى؟‬
‫فإذا قال ال للملئكة‪ :‬اسجدوا لدم وكان معهم إبليس وهو أقلّ منهم‪ ،‬فكان عليه أنْ يسجد‪ .‬ثم إنْ‬
‫كنتَ يا إبليسُ أخذتَ منزلة أعلى من الملئكة بالطاعة‪ ،‬فل ُبدّ أنْ تكون طاعتك ل على هذه‬
‫المنزلة‪ ،‬فأنت مَلُوم على أيّ حال‪ ،‬إل أنه كان من الجن‪ ،‬والجن مختار‪ ،‬ففسق عن أمر ربه‪.‬‬
‫وهناك نوع آخر من الملئكة ل دخلَ لهم بالنسان ول بدنياه‪ ،‬وهم الملئكة العالون أو المهيّمون‪،‬‬
‫وهم الذين قال ال فيهم لما أبى إبليس أنْ يسجد قال له ربه‪َ {:‬أسْ َتكْبَ ْرتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ا ْلعَالِينَ }[ص‪:‬‬
‫‪.]75‬‬
‫وهؤلء العالون لم يشملهم المر بالسجود؛ لنهم ل يدرون شيئا عن آدم‪ ،‬وليس لهم علقة به‪،‬‬
‫حمَلة العرش وهم أكرم الملئكة‪ ،‬وهؤلء هم الذين يُصلّون عليكم بعد أنْ صلّى ال‬
‫وأخصّهم َ‬
‫عليكم؛ لذلك يُبيّن لنا الحق سبحانه هؤلء الملئكة ودورهم في الصلة علينا والستغفار لنا‪ ،‬فيقول‬
‫ح ْمدِ رَ ّبهِ ْم وَ ُي ْؤمِنُونَ بِهِ وَيَسْ َتغْفِرُونَ لِلّذِينَ‬
‫حوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِ َ‬
‫ش َومَنْ َ‬
‫حمِلُونَ ا ْلعَرْ َ‬
‫سبحانه‪ {:‬الّذِينَ َي ْ‬
‫آمَنُواْ‪[} ...‬غافر‪.]7 :‬‬
‫ص الملئكة وأكرمهم يُسبّحون بحمد ربهم ويؤمنون به‪ ،‬لكن ما فائدة (يؤمنون به)‬
‫فهؤلء هم أخ ّ‬
‫بعد أن سبّحوه؟ قالوا‪ :‬لن التسبيح قد يكون عن خوف ورهبة‪ ،‬أما تسبيح هؤلء فتسبيح عن حبّ‬
‫وعن إيمان‪ ،‬وأنه سبحانه وتعالى يستحق أنْ يُسبّح‪ ،‬ومن مهام هؤلء أيضا أنهم يستغفرون للذين‬
‫آمنوا‪ ،‬وإنْ لم تكن لهم علقة بالناس وليسوا في خدمتهم‪ ،‬إل أنهم ُيصَلّون عليهم ويستغفرون لهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬نقول الصلة من مالك الدعوة القادر على الجابة رحمة وعطف وحنان‪ ،‬والصلة ممّنْ دونه‬
‫دعاء للقادر المالك للخير‪ ،‬فهم يدعون ال للمؤمنين ويستغفرون ال لهم‪ ،‬بل ويبالغون في الدعاء‬
‫ك َو ِقهِمْ‬
‫غفِرْ لِلّذِينَ تَابُو ْا وَاتّ َبعُواْ سَبِيَل َ‬
‫حمَ ًة وَعِلْما فَا ْ‬
‫شيْءٍ رّ ْ‬
‫س ْعتَ كُـلّ َ‬
‫ويتعطّفون فيه‪ {:‬رَبّنَا وَ ِ‬
‫عَذَابَ ا ْلجَحِيمِ }[غافر‪.]7 :‬‬
‫حدّ طلب النجاة للمؤمنين من النار‪ ،‬إنما يطلبون لهم الجنة{ رَبّنَا وَأَدْخِ ْل ُهمْ جَنّاتِ‬
‫بل لم يقفوا عند َ‬
‫حكِيمُ }[غافر‪:‬‬
‫جهِ ْم َوذُرّيّا ِتهِمْ إِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫عَدْنٍ الّتِي وَعَدْ ّت ُه ْم َومَن صَـلَحَ مِنْ آبَآ ِئهِ ْم وَأَ ْزوَا ِ‬
‫‪.]8‬‬
‫حمْتَ ُه وَذَِلكَ ُهوَ ا ْلفَوْزُ ا ْلعَظِيمُ }‬
‫ثم يزيدون على ذلك‪َ {:‬و ِقهِمُ السّيّئَاتِ َومَن َتقِ السّيّئَاتِ َي ْومَئِذٍ َفقَدْ َر ِ‬
‫[غافر‪.]9 :‬‬
‫ووال‪ ،‬لو أراد المؤمن أنْ يدعو لنفسه ما وجد أعمّ ول أشمل من دعاء الملئكة له‪ ،‬فبعد أنْ طلبوا‬
‫له المغفرة والنجاة من النار لم يتركوه هكذا في أهل العراف‪ ،‬ل هُمْ في الجنة‪ ،‬ول هُمْ في النار‪،‬‬
‫خلَ ا ْلجَنّةَ َفقَدْ فَازَ‪[} ...‬آل‬
‫إنما سألوا ال لهم الجنة عملً بقوله تعالى‪َ {:‬فمَن ُزحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمران‪.]185 :‬‬
‫وهذه المسألة من المسائل التي وقف أمامها المستشرقون‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنها تتناقض مع الحديث النبوي‪:‬‬
‫" ما من يوم تطلع شمسه إل وينادي ملكان يقول أحدهما‪ :‬اللهم أَعْط مُنفقا خَلَفا‪ ،‬ويقول الخر‪:‬‬
‫اللهم أعْط مُمسكا تَلَفا " ‪ ،‬فكيف تقولون‪ :‬إن الملئكة يدعون للناس بالخير وهم يدعون عليهم‬
‫بالشر؟‬
‫وهم معذورون في اعتراضهم؛ لن ملكاتهم ل تستطيع َفهْم المعاني في الحديث الشريف‪،‬‬
‫والتناقض في نظرهم في قوله صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ويقول الخر‪ :‬اللهم أعط ممسكا تلفا " ‪،‬‬
‫فالولى واضحة ل تناقض فيها؛ لنها دعوة بالخير‪ ،‬أما الثانية فهي دعوة بالشر‪ " .‬اللهم أعْط‬
‫ممسكا تلفا "‪.‬‬
‫ولو تأملوا نصّ هذه العبارة لوجدوا فيها الجواب‪ ،‬فالتلف يُعطي أم يؤخذ؟ المفروض أنه يُؤخذ‪،‬‬
‫فحين يقول رسول ال‪ " :‬اللهم أعط ممسكا تلفا " فاعلم أنه عطاء ل َأخْذٌ وإن كان في ظاهره تلفا‪،‬‬
‫والمعنى أن شيئا شغلك‪ ،‬وفتنك فتصيبك فيه مصيبة تخلصك منه فتعود إلى ربك‪ ،‬إذن‪ :‬هو أَخْذ‬
‫في الظاهر عطاء في الحقيقة‪.‬‬
‫جكُمْ مّنَ‬
‫ثم يبيّن لنا الحق سبحانه العلّة في صلة ال وصلة الملئكة على المؤمنين‪ ،‬فيقول } لِ ُيخْرِ َ‬
‫الظُّلمَاتِ إِلَى النّورِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]43 :‬فكأن منهج ال بافعل ول تفعل هو أول صلة ال علينا؛‬
‫سيّ لنقيس عليه المعنوي‪،‬‬
‫لنه الوسيلة التي تُخرجنا من الظلمات إلى النور‪ ،‬وجاء هنا بالشيء الح ّ‬
‫خطَاك وتضلّ‬
‫فأنت في النور ترى طريقك وتهتدي إلى غايتك بل معاطب‪ ،‬أمّا في الظلم فتتخبط ُ‬
‫الطريق في الظلم‪ ،‬تسير على غير هُدى‪ ،‬وعلى غير بصيرة‪ ،‬فتحطم الضعف منك‪ ،‬ويُحطّمك‬
‫القوى منك‪.‬‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم يُوجّهنا حين ننام بالليل أنْ نطفيء المصابيح فيقول‪ " :‬واطفئوا‬
‫المصابيح إذا رقدتم " وقد أثبت العلم أن للنوار المضاءة أثناء النوم تأثيرا ضارا على صحة‬
‫النسان‪ ،‬وأنه ل يرتاح في الضوء الراحة التامة لما يصيبه أثناء النوم من إشعاع الضوء‪ ،‬كما‬
‫حذرونا أيضا من التعرّض لضواء التليفزيون مثلً‪.‬‬
‫إذن‪ :‬للنور مهمة‪ ،‬وللظلمة مهمة ‪ -‬هذا في الحسّيات‪.‬‬
‫كذلك منهج ال بافعل ول تفعل هو النور المعنوي الذي يقيك العطب‪ ،‬ويمنحك الشراقات التي‬
‫تهتدي بها في دروب الحياة‪ ،‬لذلك قال تعالى بعدها‪َ } :‬وكَانَ بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ رَحِيما { [الحزاب‪.]43 :‬‬
‫لكن إنْ كان سبحانه رحيما بالمؤمنين‪ ،‬فما بال الكافرين؟ قالوا‪ :‬هو سبحانه بالكافرين رحمن‪ ،‬فال‬
‫تعالى رحمن الدنيا ورحيم الخرة؛ لن رحمن الدنيا يعني أن خيره يعُمّ الجميع المؤمن والكافر‪،‬‬
‫ص المؤمنين‬
‫والطائع والعاصي‪ ،‬أما في الخرة فتتجلّى صفة الرحيم؛ لن رحمته في الخرة تخ ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫دون غيرهم‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪[} ...‬النور‪ ]35 :‬ل يعني هذا َوصْفا لذاته‬
‫والحق سبحانه حين يقول‪ {:‬اللّهُ نُورُ ال ّ‬
‫سبحانه‪ ،‬إنما يعني أنه سبحانه نور السماوات والرض أي‪ :‬مُنوّرهما كما نقول‪ :‬المصباح نور‬
‫المسجد‪.‬‬
‫سمَاحةِ حاتم في‬
‫وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بقول أبي تمام في مدح المعتصم‪:‬إقْدَامُ عَمروٍ في َ‬
‫حِلْم أح ْنفَ في َذكَاءِ إيَاسِوعمرو مضرب المثل عند العرب في الشجاعة‪ ،‬وحاتم في الكرم‪ ،‬وأحنف‬
‫حلْم‪ ،‬وإياس بن معاوية في الذكاء‪ ،‬فقام إليه أحد الحاضرين وقال له ‪ -‬وكان حاقدا‬
‫بن قيس في ال ِ‬
‫عليه ‪ :-‬أمير المؤمنين فوق ما تقول‪ ،‬أتُشبّهه بأجلف العرب؟ وأنشأ يقول‪:‬وشبّهه المدّاح في‬
‫خمْسونَ ألْفا كعنتْر وفي خُزّانِهِ أَ ْلفُ‬
‫ن لوْ رآهُ كَانَ أصْغر خَا ِدمِفَفِي جَيْشهِ َ‬
‫البَأسِ والنّدَى بمَ ْ‬
‫حَا ِتمِعندها أطرق أبو تمام هُنيهة‪ ،‬ثم قال‪:‬لَ تُنكِرُوا ضَرْبي له مَنْ دُونَهُ مَثَلً شَرُودا في النّدَى‬
‫سفَالُ َق ْد ضَربَ القلّ لِنُو ِرهِ مثَلً من المشْكاةِ والنّبراسإذن‪ :‬فالنور المعنوي يُجنّبك العطب‬
‫والبَا ِ‬
‫سيّ؛ لذلك قال سبحانه عن نوره{ نّورٌ عَلَىا‬
‫المعنوي‪ ،‬كما أن النور الحسيّ يُجنّبك العطب الح ّ‬
‫سيّ يقيكم المعاطب الحسية‪ ،‬ونور معنوي يقيكم المعاطب‬
‫نُورٍ‪[} ...‬النور‪ ]35 :‬يعني‪ :‬نور حِ ّ‬
‫المعنوية{ َيهْدِي اللّهُ لِنُو ِرهِ مَن يَشَآءُ‪[} ...‬النور‪ ]35 :‬والمراد به هنا النور المعنوي الذي يهتدي به‬
‫المؤمن ويسير عليه‪ ،‬أما الكافر فهو ل يعرف إل النور الحسيّ فقط‪.‬‬
‫فإنْ سألت‪ :‬فأين نجد هذا النور يا رب؟ يُجيبك ربك‪ {:‬فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُ ْرفَ َع وَيُ ْذكَرَ فِيهَا‬
‫ل لّ تُ ْلهِيهِمْ ِتجَا َر ٌة وَلَ بَيْعٌ عَن ِذكْرِ اللّهِ‪[} ...‬النور‪:‬‬
‫سمُهُ ُيسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِا ْلغُ ُد ّو وَالصَالِ * رِجَا ٌ‬
‫اْ‬
‫‪.]37-36‬‬
‫فإنْ أردتَ النور الحق فهو في خَلْوتك مع ربك وفي بيته‪ ،‬حيث تتجلّى عليك إشراقاته ويغمرك‬
‫نوره‪.‬‬
‫وقبل أن نترك مسألة صلة ال وصلة الملئكة على المؤمنين نذكر صلتنا نحن على النبي صلى‬
‫ل بقوله تعالى‪ {:‬إِنّ اللّهَ َومَلَئِكَـتَهُ ُيصَلّونَ عَلَى النّ ِبيّ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ صَلّواْ‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬عم ً‬
‫سلِيما }[الحزاب‪.]56 :‬‬
‫عَلَيْ ِه وَسَّلمُواْ تَ ْ‬
‫فالصلة من ال تعالى تعني الحنان والرحمة والعطف‪ ،‬والصلة من الملئكة تعني الدعاء والطلب‬
‫من الذي يملك‪ ،‬أما الصلة منا نحن على سيدنا رسول ال‪ ،‬فلبعض يظن أنها دعاء منا لرسول‬
‫صلّ على محمد‪ ،‬فأنت ل‬
‫ال‪ ،‬وهي ليست كذلك؛ لنك تقول في الصلة على رسول ال‪ :‬اللهم َ‬
‫تصلي عليه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إنما تطلب من ال تعالى أنْ يصلي عليه‪ ،‬لكن كيف تطلب من‬
‫ال أن يصلي على رسوله؟ قالوا‪ :‬لن كل خير ينال الرسول منثور على أمته‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى لم يدع محمدا يصلي عليه كل مَنْ آمن به‪ ،‬ثم ل يرد رسول ال عليه هذه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكَنٌ ّل ُهمْ‪[} ...‬التوبة‪ ]103 :‬وكأنها‬
‫ن صَلَاوتَك َ‬
‫صلّ عَلَ ْيهِمْ إِ ّ‬
‫التحية بصلة مثلها‪ ،‬فقال سبحانه‪َ {:‬و َ‬
‫رَدّ للتحية ولصلة المؤمنين على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬تحِيّ ُتهُمْ َيوْمَ يَ ْلقَوْنَهُ سَلَمٌ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3500 /‬‬
‫تَحِيّ ُتهُمْ َيوْمَ يَ ْل َقوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدّ َلهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (‪)44‬‬

‫الكلم هنا عن الخرة‪ ،‬وهذه التحية‪ ،‬وهذا السلم ليس منا‪ ،‬ولكن من ال‪ ،‬كما قال في موضع‬
‫آخر{ سَلَمٌ َق ْولً مّن ّربّ رّحِيمٍ }[يس‪.]58 :‬‬
‫فالرحمة التي ننالها‪ ،‬والعطف والحنان من ال لنا في الدنيا يعني‪ :‬سدادا في حركة الحياة‪،‬‬
‫واستقامة في السلوك‪ ،‬وراحةَ للبال‪ ،‬واطمئنانا للنفس‪ ،‬لكن مع هذا ل تخلو الدنيا من مُنغّصات‬
‫وأحداث تُصيبك‪ ،‬أما رحمة ال في الخرة فهي سلم تام ل يُنغّصه شيء‪ ،‬والنسان أيضا يتمتع‬
‫بنعم ال في الدنيا‪ ،‬لكن يُنغّصها عليه خشية فواتها‪.‬‬
‫أما في الخرة فيتمتع متعة خالصة‪ ،‬ل ينغصها شيء‪ ،‬فالنعمة دائمة باقية ل يفوتها ول تفوته‪ ،‬لقد‬
‫كان في الدنيا في عالم السباب وهو الن في الخرة مع المسبّب سبحانه الذي يقول‪ّ {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫لكن‪ ،‬ما المراد بقوله تعالى‪َ { :‬يوْمَ يَ ْلقَوْنَهُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]44 :‬أيوم القيامة للثواب‪َ ،‬أمْ يوم يلقوْنَهُ‬
‫بالموت وبانتهاء الحياة‪ ،‬كما نقول مثلً في الموت‪ :‬فلن لقي ربه؟ قالوا‪ :‬المؤمن ل يأتيه مَلَك‬
‫الموت إل إذا سلّم عليه أولً قبل أن يقبض روحه‪ ،‬فإذا سلم عليه فهذا يعني أنه من أهل السلم‪،‬‬
‫وهذه أول مراتبه‪ .‬وقد يكون المراد السلم التام الذي يَلْقاه المؤمن يوم القيامة حيث يجد سلما ل‬
‫مُنغّصات بعده‪.‬‬
‫لذلك نجد أن سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو يعاني سكرات الموت تقول له السيدة‬
‫فاطمة لما رأتْ ما يعانيه‪ :‬واكرباه يا أبتاه‪ ،‬فيقول لها " ل كرب على أبيك بعد اليوم " فأيّ كرب‬
‫على رسول ال بعد أن ينتقل إلى جوار ربه‪ ،‬إلى السلم النهائي الذي ل خوفَ بعده‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ { :‬وَأَعَدّ َلهُمْ َأجْرا كَرِيما } [الحزاب‪ ]44 :‬فوصف الجر نفسه بأنه كريم‪ ،‬والذي‬
‫يُوصَف بالكرم الذي أعدّ الجر‪ ،‬فوصف الجر بأنه كريم يعني أن الكرم تعدّى من الرب سبحانه‬
‫الذي أعده إلى الجر نفسه‪ ،‬حتى صار هو أيضا كريما‪.‬‬
‫ومثال ذلك قوله تعالى‪ { :‬وَأَعْتَدْنَا َلهَا رِزْقا كَرِيما } [الحزاب‪ ]31 :‬فتعدّى الكرم من الرازق إلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الرزق؛ لن الرزق في الدنيا له أسباب بأيدي الخَلْق‪ ،‬لكن الرزق في الخرة يأتيك بل أسباب‪،‬‬
‫سعْي منك‪ ،‬وبمجرد الخاطر‬
‫وليس لحد فيه شيء‪ ،‬ولماذ ل يُوصَف بالكرم وهو يأتيك دون َ‬
‫تستدعيه فتراه بين يديك‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ‪.} ...‬‬

‫(‪)3501 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا النّ ِبيّ إِنّا أَ ْرسَلْنَاكَ شَا ِهدًا َومُبَشّرًا وَنَذِيرًا (‪ )45‬وَدَاعِيًا إِلَى اللّهِ بِِإذْنِ ِه وَسِرَاجًا مُنِيرًا (‪)46‬‬

‫الشاهد‪ :‬هو الذي يؤيد ويُثبّت الحق لصاحبه؛ لذلك يطلب القاضي شهادة الشهود ليأتي حكمه في‬
‫القضية عن تحقيق وبيّنة ودليل؛ لذلك يقولون إن القاضي ل يحكم بعلمه‪ ،‬إنما بالبينة حتى إنْ علم‬
‫شيئا في حياته العامة‪ ،‬ثم جاء أمامه في القضاء يتركه ويتنحّى عنه لقاضٍ آخر يحكم فيه حتى ل‬
‫يبني حكمه على علمه هو‪.‬‬
‫وحين نتأمل هذه المسألة تجد أن ال تعالى يريد أنْ يُوزّع مسئولية الحكم على عدة جهات‪ ،‬حتى‬
‫إذا ما صدر الحكم يصدر بعد تدقيق وتمحيص وتصفية لضمان الحق‪.‬‬
‫فنرى مثلً إذا حدثتْ حادثة نذهب إلى القسم لعمل (محضر) بالحادث‪( ،‬المحضر) يحيله ضابط‬
‫الشرطة إلى النيابة‪ ،‬فتحيله النيابة للقاضي ليحكم فيه‪ ،‬ثم ُيعَاد مرة أخرى للسلطة التنفيذية ليُنفّذ‪،‬‬
‫كل هذه الدورة يُراد بها تحري الحق ووضعه في نصابه‪.‬‬
‫فما بالك إذا كان الحق سبحانه هو الذي يشهد‪ ،‬وهو الذي يحكم‪ ،‬وهو الذي يُنفّذ الحكم؟ ل شكّ أن‬
‫ن قلتَ‪ :‬إذن عَلَم يشهد رسول ال؟‬
‫العدالة هنا ستكون عدالة مطلقة‪ .‬فإ ْ‬
‫قالوا‪ :‬يشهد رسول ال أنه بلّغ أمته‪ ،‬كما يشهد الرسل جميعا أنهم بلّغوا أممهم كما قال سبحانه‪{:‬‬
‫شهِيدا }[النساء‪.]41 :‬‬
‫شهِي ٍد َوجِئْنَا ِبكَ عَلَىا هَـاؤُلءِ َ‬
‫َفكَ ْيفَ ِإذَا جِئْنَا مِن ُكلّ ُأمّةٍ بِ َ‬
‫إذن‪ :‬كل رسول شهيد على أمته‪ ،‬وأنت شهيد على هذه المة أنك قد بلّغتها‪ ،‬لكن ميْزتُك على مَنْ‬
‫سبقك من إخوانك الرسل أن تكون خاتمهم‪ ،‬فل نبيّ بعدك؛ ولذلك سأجعل من أمتك من يخلف‬
‫النبياء الذين يأتون بعد الرسل في مهمتهم‪.‬‬
‫لذلك جاء في الحديث الشريف قول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬علماء أمتي كأنبياء بني‬
‫إسرائيل "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ضمن الحق سبحانه في أمة محمد أنْ يوجد فيه مَنْ يقوم بمهمة النبياء في البلغ‪ ،‬وهذا‬
‫ش َهدَآءَ عَلَى النّاسِ‪[} ...‬البقرة‪.]143 :‬‬
‫معنى{ لّ َتكُونُواْ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن قلتَ كيف؟ نقول‪:‬‬
‫وكلمة الناس هنا عامة‪ ،‬تشمل آدم عليه السلم وذريته إلى قيام الساعة‪ ،‬فإ ْ‬
‫يشهدون على الناس بشهادة القرآن أن الرسل قد بّل َغتْ أممها‪ ،‬هذا بالنسبة لمن مضى منهم‪ ،‬أما‬
‫مَنْ سيأتي فأنتم مطالبون بأن تشهدوا عليهم أنكم قد بلّغتموهم‪ ،‬كما يشهد عليكم رسول ال أنه قد‬
‫بلّغكم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأمة محمد أخذت حظا من النبوة‪ ،‬وهو أنها سُتسْتدعي وتشهد على الناس‪.‬‬
‫لذلك ُي ِعدّ رسول ال صلى ال عليه وسلم أمته لهذه المهمة‪ ،‬فيقول‪ " :‬نضّر الُ امرءا‪ ،‬سمع مقالتي‬
‫فوعاها‪ ،‬ثم أدّاها إلى مَنْ يسمعها‪ ،‬ف ُربّ مُبلّغٍ أوعى من سامع "‪.‬‬
‫جعَلْنَاكُمْ ُأمّةً وَسَطا‪[} ...‬البقرة‪ ]143 :‬لماذا؟{ لّ َتكُونُواْ‬
‫واقرأ أيضا في ذلك قول ال تعالى‪َ {:‬وكَذَِلكَ َ‬
‫شهِيدا‪[} ...‬البقرة‪ ]143 :‬فهذه المة في الوسط‪ ،‬بحيث ل‬
‫شهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَ َيكُونَ الرّسُولُ عَلَ ْيكُمْ َ‬
‫ُ‬
‫إفراط ول تفريط‪ ،‬وما أشبهها بالميزان الذي ل تميل كفة عن الخرى إل بما يُوضعَ فيها‪ ،‬فهي‬
‫كالميزان العادل الذي ل يميل هنا أو هناك‪.‬‬
‫وقوله سبحانه } َومُبَشّرا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]45 :‬لمن استجاب لك بثواب ال‪ ،‬والبشارة هي الخبار‬
‫بالخير قبل أوانه } وَنَذِيرا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]45 :‬أي‪ :‬منذرا لمن لم يُصدقك بعقاب ال‪ ،‬والنذار هو‬
‫طوّعا‬
‫التخويف بشرّ لم يأْت أوانه } وَدَاعِيا إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]46 :‬أي‪ :‬بأمر منه‪ ،‬ل ت َ‬
‫من عندك‪ ،‬فقد يأتي زعيم من الزعماء أو مصلح من المصلحين بمنهج أو بأفكار من عنده ويبثّها‬
‫في مجتمعه‪.‬‬
‫فقوله تعالى‪ } :‬بِإِذْنِهِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]46 :‬يبين الفرق بين الرسول والمصلح من البشر‪ ،‬فهذا الذي‬
‫جاء به محمد من عند ال‪ ،‬وما بلّغكم به إل بأمر ال‪.‬‬
‫ويُشترط فيمَنْ يدعو إلى منهج الخير ثلثة شروط‪:‬‬
‫الول‪ :‬ألّ ينتفع بشيء مما يدعو إليه‪ ،‬وهذا ل يوجد في بشر أبدا‪ ،‬وقد رأينا‪ :‬حينما قنّنَ‬
‫الرأسماليون غَبَنُوا العمال‪ ،‬وحينما قنّنَ الشتراكيون غبنوا الرأسمالين‪ ..‬وهكذا‪.‬‬
‫وذلك لن البشر لهم أهواء مختلفة متعددة‪ ،‬وكلّ يريد أنْ يُقنّن على هواه‪ ،‬وبما يخدم مصالحه‪،‬‬
‫يريد أنْ يُسخّر غيره لخدمة هواه‪ ،‬وبعد فترة قد تطول تفضحهم التجارب‪ ،‬ويفضحهم الواقع‪،‬‬
‫وتُظهِر لهم أنفسهم مساويء ما قنّنُوا حتى يثوروا هم على قوانينهم‪ ،‬وينتفضوا على أنفسهم‪،‬‬
‫ويعودوا إلى تعديل هذه القوانين‪.‬‬
‫الشرط الثاني‪ :‬أن يكون على علم بالحداث المحتملة بعد أنْ يُقنّن‪ ،‬وألّ تغيب عنه جزئية من‬
‫جزئيات الموضوع‪ ،‬فيحتاج إلى تعديل القانون أو الستدراك عليه‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬يُشترط فيمَنْ يُقنّن أن يكون حكيما فيما يُقنّن‪ ،‬بحيث يضع المر في موضعه‪ ،‬فل ينصف‬
‫جماعة على حساب أخرى‪ ،‬وأن يكون الجميع أمامه سواء‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين تتأمل هذه الشروط الثلثة تجدها ل تتوفر إل في الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬إذن‪ :‬ينبغي ألّ‬
‫ييُقنّن للبشر إل ربّ البشر‪ ،‬وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بمثال من المحسوسات‪ ،‬فالناس في‬
‫الظلمة يحتاجون لبعض النور؛ ليهتدوا به إلى قضاء مصالحهم في الليل‪ ،‬فينير كلّ منا ليله بما‬
‫يناسبه من وسائل الضاءة‪ ،‬فواحد يشعل شمعة‪ ،‬وآخر لمبة (نمرة خمسة) وآخر لمبة (نمرة‬
‫عشرة)‪ ،‬وبعد ما استخدمنا الكهرباء رأينا اللمبة العادية والفوروسنت والنيون والكرستال‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬أنتم تنيرون ظلمتكم على قدر إمكاناتكم‪ ،‬فإذا ما أشرقتْ شمس الصباح‪ ،‬أَتُبْقون على هذه‬
‫النوار؟ ل بل يطفيء الجميع أنواره؛ لن نور الشمس يأتي على قدر إمكانات خالقها عز وجل‪،‬‬
‫ي فهو أيضا‬
‫لذلك نقول‪ :‬أطفئوا مصابيحكم‪ ،‬فقد طلعت شمس ال‪ ،‬فإذا كان ذلك في النور الحس ّ‬
‫ومن باب َأوْلَى في النور المعنوي‪ ،‬فإذا جاءك نور التشريع ونور المنهج من ال‪ ،‬فأطفيء ما عداه‬
‫من تشريعات ومناهج‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَسِرَاجا مّنِيرا { [الحزاب‪ ]46 :‬شبّه الحق سبحانه نبيه صلى ال عليه وسلم‬
‫بالسراج‪ ،‬ول تستقلّ هذا الوصف في حقّ رسول ال‪ ،‬فليس معنى السراج أنه كالسراج الذي‬
‫يضيء لك الحجرة مثلً‪ ،‬إنما هو كالسراج الذي قال له عنه‪:‬‬
‫جعَلْنَا سِرَاجا وَهّاجا }[النبأ‪ ]13 :‬والمراد‪ :‬الشمس‪.‬‬
‫{ وَ َ‬
‫فإذا قُ ْلتَ‪ :‬فلماذا لم يُوصفَ النبي صلى ال عليه وسلم بأنه شمس‪ ،‬وقد قال تعالى عنها‪ُ {:‬هوَ الّذِي‬
‫شمْسَ ضِيَآءً‪[} ...‬يونس‪.]5 :‬‬
‫ج َعلَ ال ّ‬
‫َ‬
‫ب والسلوب دقيق معجز‪ ،‬صحيح أن الشمس‬
‫والشمس أقوى من السراج؟ قالوا‪ :‬الكلم هنا كلم ر ّ‬
‫تنير الدنيا كلها‪ ،‬إنما أمة محمد مُكلّفة أن تقوم بدعوته من بعده‪ ،‬فكأن رسول ال سراج‪ ،‬والسراج‬
‫تأخذ منه النور دون أنْ ينقص نورُه‪ ،‬لكن ل تستطيع أنْ تأخذ من الشمس‪.‬‬
‫وحين سطعتْ أنوار الهداية على لسان رسول ال محمد لم َي ُعدْ للشرائع الولى أنْ تتدخل على حدّ‬
‫س والملُوكُ كَوا ِكبُ إذَا طل َعتْ لم يَ ْبدُ مِ ْنهُنّ كوكَبُثم يقول الحق سبحانه‪} :‬‬
‫شمْ ٌ‬
‫قول المادح‪:‬كَأ ّنكَ َ‬
‫وَبَشّرِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ بِأَنّ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3502 /‬‬
‫وَبَشّرِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ بِأَنّ َلهُمْ مِنَ اللّهِ َفضْلًا كَبِيرًا (‪)47‬‬

‫نقول في الدعاء‪ :‬اللهم عاملنا بالفضل ل بالعدل؛ لن العدل أن تأخذ الجزاء المساوي للعمل‪ ،‬أو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضلِ اللّهِ‬
‫تأخذ حقك‪ ،‬أمّا الفضل فأنْ تأخذ فوق حقك وزيادة‪ ،‬ومن ذلك قوله تعالى‪ُ {:‬قلْ ِبفَ ْ‬
‫حمَتِهِ فَ ِبذَِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ‪[} ...‬يونس‪.]58 :‬‬
‫وَبِرَ ْ‬
‫ويقول النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله " قالوا‪ :‬ول أنت يا رسول‬
‫ال؟ قال‪ " :‬ول أنا إل أن يتغمدني ال برحمته " لنني حين أحسب عملي مقابل ما أعطاني ربي‬
‫من ِنعَم قبل أنْ أُخلق‪ ،‬وإلى أن أبلغ وأُكلّف‪ ،‬أجد أنني لو قضيتُ حياتي كلها في طاعة ربي ما‬
‫وفّيتُ بحقه عليّ‪.‬‬
‫ثم من ناحية أخرى تجد أن العبادة والطاعة نفعُها يعود إليك أنت‪ ،‬ول ينتفع ال تعالى منها بشيء‪،‬‬
‫فإذا كانت الطاعة والعبادة يعود نفعها إليك‪ ،‬إذن‪ :‬فالثواب عليها يكون فضلً من ال‪.‬‬
‫ومثّلْنا لذلك ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬بولدك تُشجّعه على المذاكرة‪ ،‬وتُحضر له أدواته‪ ،‬وتنفق عليه‬
‫طوال العام‪ ،‬فإذا ما نجح آخر العام أعطيْتَه هدية أو مكافأة‪ ،‬فهذه الهدية من باب الفضل‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬إنْ أردتَ أنْ تصلح بين متخاصمين‪ ،‬أو تُؤلّف بينهما ف ُقلْ لهم‪ :‬أتحبون أنْ أحكم بينكم بالعدل‬
‫أم بالفضل؟ سيقولون لك‪ :‬ليس هناك أفضل من العدل‪ ،‬وعندها لك أن تقول‪ :‬بل الفضل أحسن من‬
‫العدل؛ لن العدل أنْ تأخذ حقك من خصمك‪ ،‬والفضل أنْ تترك حقّك لخصمك لتأخذه من يد ربك‬
‫عز وجل‪.‬‬
‫وهذا ما رأيناه مُطبّقا في قصة الفك بين سيدنا أبي بكر حين عفا عن مسطح بعد أن نزل قوله‬
‫ن وَا ْل ُمهَاجِرِينَ فِي‬
‫س َعةِ أَن ُيؤْتُواْ ُأوْلِي ا ْلقُرْبَىا وَا ْلمَسَاكِي َ‬
‫تعالى‪ {:‬وَلَ يَأْ َتلِ ُأوْلُواْ ا ْل َفضْلِ مِنكُ ْم وَال ّ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ }[النور‪.]22 :‬‬
‫سَبِيلِ اللّهِ وَلْ َيعْفُواْ وَلْ َيصْفَحُواْ َألَ تُحِبّونَ أَن َي ْغفِرَ اللّهُ َلكُ ْم وَاللّهُ َ‬
‫سوْأتَهُ‪.‬‬
‫فمن أراد أنْ يغفر ال له ذنوبه فليغفر لخيه زلّته و َ‬
‫ن وَا ْلمُنَافِقِينَ‪.} ...‬‬
‫طعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ { :‬ولَ تُ ِ‬

‫(‪)3503 /‬‬
‫ن وَ َدعْ أَذَاهُ ْم وَ َت َوكّلْ عَلَى اللّ ِه َوكَفَى بِاللّ ِه َوكِيلًا (‪)48‬‬
‫وَلَا تُطِعِ ا ْلكَافِرِينَ وَا ْلمُنَافِقِي َ‬

‫في أول السورة خاطب الحق سبحانه نبيه صلى ال عليه وسلم بقوله‪ {:‬يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّ َه وَلَ‬
‫ن وَا ْلمُنَافِقِينَ‬
‫طعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫ن وَا ْلمُنَافِقِينَ‪[} ...‬الحزاب‪ ]1 :‬وهنا خاطبه ربه بقوله‪َ { :‬ولَ تُ ِ‬
‫تُطِعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫وَ َدعْ أَذَا ُه ْم وَ َت َوكّـلْ عَلَى اللّ ِه َو َكفَىا بِاللّ ِه َوكِـيلً } [الحزاب‪ ]48 :‬فالولى كانت في بداية‬
‫الدعوة‪ ،‬حين أخذ الكفار يكيدون لرسول ال‪ ،‬فما بالك وقد قويتْ الدعوة‪ ،‬واشتدّ عودها‪ ،‬ل ُبدّ أنْ‬
‫يتضاعف كيْد الكافرين لرسول ال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَ َدعْ أَذَاهُمْ‪[ } ..‬الحزاب‪ ]48 :‬ول يعني ذلك‬
‫لذلك يكرر له مسألة { َولَ تُطِعِ ا ْلكَافِرِينَ وَا ْلمُنَافِقِي َ‬
‫أنني سأُْسْلِمك‪ ،‬إنما أنا وكيلك { وَتَ َوكّـلْ عَلَى اللّ ِه َوكَفَىا بِاللّهِ َوكِـيلً } [الحزاب‪.]48 :‬‬
‫فإنْ قلت‪ ::‬كيف والوكيل أقل من الصيل؟ نقول‪ :‬ل‪ ،‬فالصيل ما وكّل غيره‪ ،‬إل لنه عجز أنْ‬
‫يفعل‪ ،‬فاختار القوى ليفعل له‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا‪.} ...‬‬

‫(‪)3504 /‬‬
‫ع ّدةٍ‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا إِذَا َنكَحْتُمُ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ ثُمّ طَّلقْ ُتمُوهُنّ مِنْ قَ ْبلِ أَنْ َت َمسّوهُنّ َفمَا َلكُمْ عَلَ ْيهِنّ مِنْ ِ‬
‫جمِيلًا (‪)49‬‬
‫ن وَسَرّحُوهُنّ سَرَاحًا َ‬
‫َتعْتَدّو َنهَا َفمَ ّتعُوهُ ّ‬

‫تتحدث الية عن مسألة اجتماعية تخصّ حفظ النوع‪ ،‬وحفظ النوع النساني ل يتأتّى إل بالزواج‪،‬‬
‫خطْبة‬
‫خطْبة‪ ،‬وكثيرون ل يفهمون معنى ال ِ‬
‫وهو وسيلة التكاثر‪ ،‬وأولى مراحل الزواج مرحلة ال ِ‬
‫وحدودها لكل من الرجل والمرأة‪ ،‬فالخِطبة مجرد أنْ يذهب طالب البنت إلى وليّها ليقول له‪ :‬أإذا‬
‫تقدمتُ لطلب يد ابنتك أكون أهلً للقبول؟‬
‫فيقول وليّها‪ :‬مرحبا بك‪ ،‬هذه تسمى خِطْبة‪ ،‬وربما ل يتقدم‪ ،‬فإنْ تقدّم لها‪ ،‬له أنْ يراها مرة واحدة‬
‫بين محارمها؛ لن النبي صلى ال عليه وسلم قال للشاب الذي أراد الخطبة‪ " :‬انظر إليها‪ ،‬فإنه‬
‫أحْرَى أنْ يُؤدَم بينكما "‪.‬‬
‫وعجيب أنْ يخلط الناس بين الخِطْبة والعقد‪ ،‬فيعطون الخِطْبة صفة العقد‪ ،‬فإذا قيل الوليّ الخاطبَ‬
‫ل تفاصيل الزواج‪ ،‬وأباح له أنْ يجلس مع ابنته‪ ،‬وأنْ‬
‫اتفق معه على المهر أو الشبكة وعلى ك ّ‬
‫يتحدث معها‪ ،‬وربما يختلي بها‪ ،‬ويا ليتهم جعلوها عقدا‪ ،‬فأخرجوا أنفسهم من هذا الحرج‪.‬‬
‫فالخطبة إنْ عدل عنها الخاطب ما عليهم إل أنْ يذهب إلى وليّ البنت فيقول له‪ :‬لقد طلبتُ منك يد‬
‫حلّ من هذا المر‪ ،‬أما العقد فل يُفسخ قبل الدخول إل بالطلق‪ ،‬إذن‪ :‬ل تجعلوها‬
‫ابنتك وأنا في ِ‬
‫صورة خطبة وموضوعية عقد‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يُبيّن لنا في هذه الية الكريمة ما يتعلّق بأحكام الطلق إنْ وقع قبل الدخول‬
‫بالزوجة‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا َنكَحْتُمُ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ ثُمّ طَّلقْ ُتمُوهُنّ مِن قَ ْبلِ أَن َتمَسّوهُنّ َفمَا َلكُمْ‬
‫عَلَ ْيهِنّ مِنْ عِ ّدةٍ َتعْ َتدّو َنهَا‪[ } ...‬الحزاب‪.]49 :‬‬
‫فالنكاح هنا مقصود به العقد فقط‪ ،‬وإل لو قصد به المعنى الخر لما قال { مِن قَ ْبلِ أَن َتمَسّوهُنّ‪...‬‬
‫} [الحزاب‪ ]49 :‬والمسّ كناية عن الجماع‪ ،‬وهو عملية دائما يسترها القرآن بألفاظ ل تدل عليه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقيقة‪.‬‬
‫والحكم هنا { َفمَا َل ُكمْ عَلَ ْيهِنّ مِنْ عِ ّدةٍ َتعْ َتدّو َنهَا‪[ } ...‬الحزاب‪ ]49 :‬فليس للزوج على زوجته عِدّة‬
‫إنْ طلّقها قبل أنْ يدخل بها؛ لن العِدّة إنما كانت لحكمة‪ :‬فالعدة في حالة الطلق الرجعي تعطي‬
‫للزوج فرصة أنْ يراجع زوجته‪ ،‬وأنْ يعيدها بنفسه إلى عصمته‪ ،‬والعدة تكون لستبراء الرحم‬
‫والتأكد من خُلوّه من الحمل‪ ،‬وقد تكون العِدّة‪ ،‬ل لهذا ول لذاك‪ ،‬ولكن لنه تُوفّي عنها‪.‬‬
‫فالعِدّة قبل الدخول لها حكم‪ ،‬وبعد الدخول لها حكم آخر‪ ،‬وهذا الفرق يتضح كذلك في مسألة‬
‫صفُ مَا فَ َرضْ ُتمْ‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫المهر‪ ،‬فقبل الدخول للزوجة نصف مهرها‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬فَ ِن ْ‬
‫سمّي المهر بين‬
‫جمِيلً } [الحزاب‪ ]49 :‬فإنْ ُ‬
‫ن وَسَرّحُوهُنّ سَرَاحا َ‬
‫‪ ]237‬وقال هنا‪َ { :‬فمَ ّتعُوهُ ّ‬
‫الطرفين فلها نصفه‪ ،‬وإنْ لم يُسَمّ فلها نصف مهر المثْل‪.‬‬
‫أما العِدّة بعد الدخول ففيها تفصيل‪ ،‬بحيث تختلف من حالة لخرى بما يناسب الحالة التي تشرع‬
‫فيها العِدّة‪ ،‬والعِدّة كما قلنا‪ :‬تدل على أنها شيء معدود‪ ،‬فإنْ كانت المرأة من ذوات الحيض‪ ،‬فهي‬
‫ثلث حيضات‪ ،‬ليتأكد خللها استبراء الرحم‪ ،‬لكن الرحم يستبريء من مرة واحدة‪ ،‬فلماذا جعلها‬
‫ال ثلث حيضات؟‬
‫قالوا‪ :‬الهدف من ذلك إعطاء الزوج فرصة‪ ،‬فقد يراجع نفسه وتهدأ نفسه‪ ،‬فيراجع زوجته في هذه‬
‫المدة‪ ،‬فالشرع هنا يراعي بناء السرة‪َ ،‬ألَ ترى أن الحق سبحانه شرع التقاء الزوج بزوجته‬
‫بكلمة‪ :‬زوّجني وزوّجتك‪ ،‬أما في حالة الطلق والفراق بين الزوجين‪ ،‬فجعله على ثلث مراحل؛‬
‫ل لن ْقضِ كلمة ال في الزواج‪.‬‬
‫لن ال تعالى يريد ألّ يجعل للغضب العابر سبي ً‬
‫ع ّدةٌ عند الرجل؟‬
‫وأذكر أنهم كانوا يسألوننا سؤالً وكأنه لغز‪ :‬أو يعتدّ الرجل؟ أو‪ :‬أو ليس للمرأة ِ‬
‫قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬يعتدّ الرجل في حالة واحدة وهي‪ :‬إذا تزوج امرأة ثم طلقها‪ ،‬وأراد أن يتزوج بأختها‪،‬‬
‫فعليه أن يمضي العدة ليحلّ له الزواج بأختها‪.‬‬
‫أما عِدّة التي انقطع عنها الحيض فثلثة أشهر‪ ،‬وعدة الحامل أنْ تضع حملَها‪ ،‬أما عدة المتوفّي‬
‫عنها زوجها فأربعة أشهر وعشرة أيام‪ ،‬لكن ما الحكم إذا اجتمع للمرأة الحملُ مع وفاة الزوج‪،‬‬
‫فكيف تعتدّ؟ قالوا‪ :‬تعتدّ في هذه الحالة بأبعد الجلين‪ :‬الحمل‪ ،‬أو الربعة أشهر وعشرة أيام‪.‬‬
‫ولك أنْ تسأل‪ :‬لماذا كانت عِدّة المطلّقة ثلثة أشهر‪ ،‬وعِدّة المتوفّي عنها زوجها أربعة أشهر‬
‫وعشرة أيام؟ قالوا‪ :‬لن هناك فَرْقا بين الطلق والوفاة بالنسبة لعلقة الزوج بزوجته‪ ،‬سببه أن‬
‫الذي خلق الذكر والنثى جعل هناك كلمة تجمعهما‪ ،‬هذه الكلمة هي‪ :‬زوّجني وزوّجتُك شريطة أنْ‬
‫تكون علنية على رءوس الشهاد‪ ،‬ول تستهنْ بهذه الكلمة‪ ،‬فأنت ل تعلم ما الذي تصنعه هذه‬
‫الكلمة في ذرات التكوين النساني‪ ،‬ولكنك تعرفها بآثارها‪.‬‬
‫وقلنا‪َ :‬هبْ أنك تعرضتَ لشاب تعوّد معاكسة ابنتك مثلً‪ ،‬ماذا تصنع أنت؟ ل شكّ أنك ستثور‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضتَ له باليذاء‪ ،‬أما إنْ جاء من الباب‪ ،‬وطلب يدها منك‬
‫ويفور دمك‪ ،‬وتأخذك الغَيْرة‪ ،‬وربما تعر ْ‬
‫ترحب به وتسعد ويفرج الجميع‪ ،‬فما الذي حدث؟ وما الفرق بين الموقفين؟ فالذي أهاجك أنه‬
‫تلصّص عليها من غير إذن خالقها‪ ،‬لذلك يقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬اتقوا ال في النساء‪ ،‬فإنكم‬
‫أخذتموهن بأمان ال‪ ،‬واستحللتم فروجهن بكلمة ال "‪.‬‬
‫" ويقول رسول ال لرجل كان مشهورا بالغيرة على بناته‪ ،‬وقد جاء يدعو رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم إلى زواج إحدى بناته‪ ،‬فضحك رسول ال وقال‪ " :‬جدع الحلل انف الغيرة " "‪.‬‬
‫فالعقد الذي يجمع الزوجين على كلمة ال يجعل ال به بين الزوجين سِيَالً حللً عند كل منهما‪،‬‬
‫ويلتقي هذان السيالن في الحلل وتحت مظلة الشرع الذي جمعهما‪.‬‬
‫وعادة ما يصاحب الطلق ُب ْغضٌ من الطرفين‪ ،‬أو كُرْه من أحدهما للخر؛ لذلك تكون العِدّة بينهما‬
‫ثلثة أشهر أو َوضْع الحمل؛ لن الكراهية التي حدثتْ بينهما تميت خليا اللتقاء بين النسجة‪،‬‬
‫وتُسرِع بانتهاء ما بينهما من سِيال وتطْعسه‪.‬‬
‫أما في حالة موت الزوج‪ ،‬فقد قطع النكاح قدريا من ال‪ ،‬فعادة ما تكون الزوجة مُحبّة لزوجها‪،‬‬
‫حزينة على فَقْده‪ ،‬وتأتي فاجعة الموت‪ ،‬فتزيدها حُبا له‪ ،‬وفي هذه الحالة ليس من السهل أنْ ينتهي‬
‫السيّال بينهما؛ لذلك يشاء الخالق سبحانه أنْ يطيل أمد العِدّة إلى أنْ ينتهي هذا السّيال الذي‬
‫جمعهما‪ ،‬فل يدخل على سيال الرجل سيال جديد‪ ،‬فيحدث صراع بين السيالين؛ لذلك كانت عِدّة‬
‫المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ثُمّ طَّلقْ ُتمُوهُنّ مِن قَ ْبلِ أَن َتمَسّوهُنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]49 :‬يعني‪ :‬أن الطلق قبل‬
‫س والدخول كان موجودا كما هو موجود الن‪ ،‬ونحن نرى الطرفين أو أحدهما يتعجّل العقد‪،‬‬
‫الم ّ‬
‫رغم أنه غير مُستعد لنفقات الزواج‪ ،‬إنما يتعجله لمصلحة تعود عليه من هذا الرتباط‪.‬‬
‫وقد ذكر لنا التاريخ أن كثيرا من السر‪ ،‬خاصة السر العربية الصيلة كانت تفعل ذلك‪ ،‬لكنهم لم‬
‫يكونوا يسمحون للزوج في هذه الحالة أنْ يختلي بالزوجة‪ ،‬وإنْ كان عاقدا عليها‪ ،‬وبعض فيتاتنا‬
‫لهن قصص مُشرّفة في هذه المسألة‪.‬‬
‫ومما رُوى في هذا الصدد قصة بهيثة بنت أوس بن حارثة الطائي والحارث بن عوف‪ ،‬وهو سيد‬
‫من سيادات بني مُرّة‪ ،‬وكان للحارث ابن عوف صديق اسمه ابن سنان‪ ،‬وفي ليلة جلس الحارث‬
‫يتسامر مع صديقه ابن سنان فقال له‪ :‬ترني لو أنني خطبتُ إلى أحد من العرب ابنته أيردّني؟‬
‫قالها وهو ُمعْتَزّ بنفسه فخور بسيادته على قومه‪.‬‬
‫فلما رآه صاحبه على هذه الحالة قال له‪ :‬نعم هناك مَنْ يردّك‪ ،‬قال‪ :‬مَنْ؟ قال‪ :‬أوس بن حارثة‬
‫الطائي‪ ،‬فنادي الحارث على غلمة وقال‪ :‬أحضر المراكب‪ ،‬وهيا بنا إلى أوس بن حارثة الطائي‪،‬‬
‫فذهبوا إليه‪ ،‬فوجدوه جالسا في فناء بيته‪ ،‬فلما رآه أوس قال له‪ :‬ما الذي جاء بك يا حارث‪ ،‬فأقبل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليه الحارث‪ ،‬وقال‪ :‬ويك يا أوس‪ ،‬ما الذي جاء بك؟ وتركه على دابته ‪ -‬قال‪ :‬جئتُك خاطبا‬
‫لبنتك‪ ،‬فقال له‪ :‬لستَ هنك ‪ -‬يعني لستَ أهْلً لها ‪ -‬فلوى الحارث زمام دابته منصرفا‪ ،‬في حين‬
‫بدا على ابن سنان الرتياح؛ لن كلمه صدق في صاحبه‪.‬‬
‫ل وقف معك فلم يُطل ولم ينزل؟ قال‪ :‬إنه الحارث بن‬
‫فلما دخل أوس على امرأته سألتْه‪ :‬مَنْ رج ٌ‬
‫عوف سيد من سادات بني مُرّة‪ ،‬فقالت‪ :‬ولماذا لم تستنزله عندك؟ قال‪ :‬لقد استحمق ‪ -‬يعني‪:‬‬
‫حمْقا ‪ -‬قالت‪ :‬وكيف هذا؟ قال‪ :‬إنه جاء يخطب ابنتي‪ ،‬قالت‪ :‬عجبا أو ل تريد أن تُزوّج‬
‫ارتكب ُ‬
‫بناتك؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قالت‪ :‬فإذا كنتَ ل تُزوّجهن من سادات العرب‪ ،‬فمَنْ تُزوّجهن؟ يا أوس‪ ،‬اذهب‬
‫فتدارك المر‪ ،‬قال‪ :‬كيف وقد فرطَ مني ما فرط؟ قالت‪ :‬الحقْ به‪ ،‬و ُقلْ له‪ :‬إنك جئتني وأنا‬
‫خلَ لك فيه‪ ،‬ولما راجعتُ نفسي جئتُك معتذرا أطلب منك أنْ تعود‪ ،‬ولك‬
‫ُمغْضب من أمر ل د ْ‬
‫عندي ما تحب‪.‬‬
‫فذهب الرجل‪ ،‬فلم يجد الر ْكبَ‪ ،‬فشدّ على راحلته‪ ،‬حتى صار بينهما في الركْب‪ ،‬فالتفت ابنُ سنان‪،‬‬
‫وقال‪ :‬ابن عوف‪ ،‬هذا أوس يلحق بنا‪ ،‬فقال‪ :‬وماذا أصنع به ا ْمضِ‪ ،‬فناداه أوس‪ :‬يا حارث‪ :‬اربع‬
‫عليّ ساعة‪ ،‬يعني‪ :‬انتظرني ‪ -‬ولك عندي ما تحب‪ ،‬ففرح يا حارث وعاد معه‪.‬‬
‫عاد أوس إلى بيته‪ ،‬وقال لمرأته‪ :‬ادْعي ابنتك الكبرى‪ ،‬فجاءت‪ ،‬فقال‪ :‬با بُنيّة إن الحارث بن‬
‫عوف سيد بني مرة جاء ليخطبك فقالت‪ :‬ل تفعل يا أبي‪ ،‬فقال‪ :‬ولم؟ قالت‪ :‬إنني امرأة في وجهي‬
‫عهْدة ‪ -‬أي عيب ‪ -‬وليس بابن عم لي فيرعى‬
‫خلُقي ُ‬
‫ردّة ‪ -‬يعني قُبْح يردّ مَنْ يراني ‪ -‬وفي ُ‬
‫رحمي‪ ،‬ول بجَار لك في بلدك فيستحي منك‪ ،‬وأخاف أنْ يكره مني شيئا‪ ،‬فيُطلّقني فيكون عليّ فيه‬
‫ما تعرف‪ .‬فقال لها‪ :‬قُومي‪ ،‬بارك ال فيك‪.‬‬
‫ثم قال لمرأته‪ :‬ادْعِي ابنتك الوُسْطى فجاءتْ‪ ،‬فقال لها ما قال لختها‪ ،‬فقالت‪ :‬ل تفعل يا أبي‪،‬‬
‫قال‪ :‬ولم؟ قالت‪ :‬أنا امرأة خرقاء ‪ -‬يعني‪ :‬ل تُحسِن عملً ‪ -‬وليست لي صناعة‪ ،‬وأخاف أنْ يرى‬
‫ي ما يكون فقال لها‪ :‬قومي بارك ال فيك‪ ،‬وادْعِي أختك‬
‫مني ما يكره فيُطلّقني‪ ،‬ويكون ف ّ‬
‫الصغرى‪ ،‬وكانت هذه هي ُبهَيْثة التي نضرب بها المثل في هذا الموقف‪.‬‬
‫لما عرض عليها أبوها المر قالت‪ :‬افعل ما ترى يا أبي‪ ،‬قال‪ :‬يا بُنيّتي‪ ،‬لقد عرضتُه على أُختيك‬
‫فأبتَاهُ‪ ،‬قالت‪ :‬لكني أنا الجميلة وجها الصّناع يدا‪ ،‬الرفيعة خُلُقا‪ ،‬فإنْ طلّقني فل أخلفَ الُ عليه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬بارك ال فيك‪ .‬ثم قام إلى الحارث وقال‪ :‬بُو ِركَ لك يا حارث‪ ،‬فإنّي زوّجتك ابنتي بهيثة‪،‬‬
‫فبارك ال لكما‪ ،‬قال‪ :‬وأنا قبلتُ زواجها‪.‬‬
‫ثم قال لمرأته‪ :‬هَيّئي ابنتك‪ ،‬واصنعي لها فُسْطاطا بفناء البيت‪ ،‬ولما صُنع الفسطاط حُملت إليه‬
‫بهيثة‪ ،‬ودخل عليها الحارث‪ ،‬لكنه لم يلبث طويلً حتى خرج‪ ،‬فسأله ابنُ سنان‪ :‬أفرغتَ من شأنك؟‬
‫قال‪ :‬ل وال‪ ،‬يا بن سنان‪ ،‬قال‪ :‬ولم؟ قال‪ :‬جئتُ لقترب منها‪ .‬فقالت‪ :‬أعند أبي وإخوتي؟ وال ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يكون ذلك أبدا‪ ،‬فخرجتُ‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما دامتْ ل ترضى وهي عند أبيها وإخوتها‪ ،‬فهيّا بنا نرحل‪ ،‬فأمر بالرحيل‪ ،‬وسار الركب‬
‫بهم طويلً‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا بن سنان تقدّم أنت ‪ -‬يعني‪ :‬أعطنا الفرصة ‪ 0-‬فتقدّم ابن سنان بالر ْكبِ‪،‬‬
‫وانحاز الحارث بزوجته إلى ناحية من الطريق ونصب خيمته‪ ،‬ثم دخل عليها فقالت له‪ :‬ما شاء‬
‫لمَة الجليبة؟ وال ل يكون ذلك حتى أذهب إلى أهلك‬
‫ال‪ ،‬أتفعل بي كما يُفعل بالسّبِيّة الخيذة‪ ،‬وا َ‬
‫وبلدك‪ ،‬وتذبح لي الذبائح‪ ،‬وتدعو سادة العرب‪ ،‬وتصنع ما يصنعه مثلك لمثلي‪.‬‬
‫الشاهد هنا ‪ -‬وهو درس لبنات اليوم ‪ -‬أنها لم ت ْرضَ لزوجها‪ ،‬ولم تقبل منه في بيت أبيها‪ ،‬ول‬
‫في الطريق‪ ،‬ولم تتنازل عن شيء من عِزّتها وكبريائها‪ ،‬مع أنها زوجته‪.‬‬
‫حتْ لها الذبائح‪ ،‬ودُعي لها سادات العرب‪ ،‬فلما دخل عليها وحاول‬
‫وفعلً تمّ لها ما أرادت‪ ،‬وذُ ِب َ‬
‫القتراب منها‪ ،‬قالت‪ :‬لقد ذكرتَ لي شرفا ما رأيتُ فيك شيئا منه‪ ،‬فقال‪ :‬ولم؟ قالت‪ :‬أتفرغُ لمر‬
‫النساء والعرب يقتلُ بعضُهم بعضا ‪ -‬تريد الحرب الدائرة وقتها بين عبس وذبيان ‪ -‬اذهب فأصلح‬
‫بينهما‪ ،‬ثم عُدْ لهلك‪ ،‬فلن يفوتك مني شيء‪ ،‬فذهب الحارث وابن سنان‪ ،‬وأصلحا بين عبس‬
‫وذُبْيان‪ ،‬وتحمّل ديات القتلى ثلثة آلف بعير يُؤدّونها في ثلث سنوات‪ ،‬ثم عاد إليها‪ ،‬فقالت له‪:‬‬
‫الن لك ما تريد‪.‬‬
‫وهذه الية } ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا َنكَحْتُمُ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ ثُمّ طَّلقْ ُتمُوهُنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]49 :‬بظاهرها‬
‫أعطتْ فهما لبعض الناس الذين يريدون أن يتحلّلوا من أحكام الدين في أشياء قد ترهقهم‪ :‬فمثلً‬
‫الذي طلّق امرأته ثلث مرات‪ ،‬واستوفى ما شُرِع له من مرات الطلق حكمه أنه ل تحلّ له‬
‫زوجته هذه إل بعد أن تنكَح زوجا غيره‪ ،‬فيأتي مَنْ يقول ‪ -‬بناءً على الية السابقة ‪ -‬ما دام‬
‫حلّ لزوجها‬
‫النكاح هنا بمعنى العقد فهو إذن كَافٍ في حالة المرأة التي طُلّقت ثلث مرات‪ ،‬وأنها ت ِ‬
‫الول بمجرد العقد على آخر‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬لكن فاتك أن رسول ال صلى ال عليه وسلم ُفوّض من ربه بالتشريع وبيان وتفصيل ما‬
‫جاء في كتاب ال من أحكام‪ ،‬كما قال سبحانه مخاطبا نبيه‪ {:‬وَأَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ال ّذكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا‬
‫نُ ّزلَ إِلَ ْيهِمْ‪[} ...‬النحل‪.]44 :‬‬
‫فلو أن سُنّة سول ال لم تتعرّض لهذه المسألة‪ ،‬لَكانَ هذا الفهم جائزا في أن مجرد العقد يبيح عودة‬
‫الزوجة لزوجها ثانية‪ ،‬لكن الذي أناط ال به مهمة بيان القرآن وقال عنه‪َ {:‬ومَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ‪[} ...‬الحشر‪.]7 :‬‬
‫فَ ُ‬
‫إذن‪ :‬فهو صلى ال عليه وسلم له حَقّ التشريع‪ ،‬وقد بيّن لنا المراد هنا في قوله تعالى‪ {:‬حَتّىا‬
‫تَ ْنكِحَ َزوْجا غَيْ َرهُ‪[} ...‬البقرة‪.]230 :‬‬
‫فأبقى كلمة النكاح على أنها مجرد العقد‪ ،‬ثم بيّن المراد من ذلك‪ ،‬فقال للرجل‪ " :‬حتى تذوق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عسيلته‪ ،‬ويذوق عسيلتها " إذن‪ :‬تمام الية ل يجيز لمن يقول‪ :‬إن مجرد العقد يبيح للرجل أن يعيد‬
‫زوجته التي طُّل َقتْ ثلث مرات إل بعد أن تذوق عُسَيْلته‪ ،‬ويذوق عُسيَلْتها‪ ،‬وهذه المسألة جعلها ال‬
‫س ُهلَ عليه النطق به‪ ،‬حتى صار على لسانه دائما‪.‬‬
‫تأديبا للرجل الذي تعوّد الطلق‪ ،‬و َ‬
‫ومن رحمة الخالق بالخَلْق‪ ،‬ومن حرصه ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬على رباط السرة أنْ أحلّ المرأة‬
‫للرجل كما قلنا بكلمة زوّجني وزوّجتك لكن عند الفراق لم يجعله بكلمة واحدة إنما جعله على‬
‫مراحل ثلث؛ لُيبقِي للمودة وللرحمة بين الزوجين مجالً‪ ،‬فإنِ استنفد الزوج هذه الفرص‪ ،‬وطلّق‬
‫للمرة الثالثة فل بُدّ أن نحرق أنفك بأنْ تتزوج امرأ ُتكَ من زوجٍ غيرك زواجا حقيقيا تمارس فيه‬
‫هذه العملية‪ ،‬وهي أصعب ما تكون على الزوج‪.‬‬
‫ونلحظ هنا أن دقّة التشريع أو صعوبته في كثير من المسائل ل يريد ال منه أنْ يُصعّب على‬
‫ن تفعل ذلك‪ ،‬يريدك أنْ تبتعد عن لفظ الطلق‪ ،‬وألّ تلجأ إليه إل‬
‫الناس‪ ،‬وإنما يريد أن يرهّب من أ ْ‬
‫عند الضرورة القصوى‪.‬‬
‫لذلك يُعلّمنا سيدنا رسول ال فيقول‪ " :‬إن أبغض الحلل عند ال الطلق " فالذين يعترضون على‬
‫الطلق في شرعنا‪ ،‬ويتعجّبون كيف يفارق الزوجُ زوجته بعد العِشْرة الطويلة والحب والمودة‬
‫يفارقها بكلمة‪ ،‬وفاتَ هؤلء أن الطلقَ وإنْ كان البغض إل أنه حللٌ‪ ،‬ويكفي أن ال تعالى جعله‬
‫على مراحل ثلث‪ ،‬وجعله ل يُستخدم إل عند الضرورة‪ ،‬وحذّؤ الرجل أنْ يتساهل فيه‪ ،‬أو يُجرِيه‬
‫على لسانه‪ ،‬فيتعوّده‪.‬‬
‫ص المؤمنات في قوله‪ } :‬إِذَا َن َكحْتُمُ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]49 :‬مع‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه خ ّ‬
‫أن المؤمن يُبَاح له أنْ يتزوج من الكتابية‪ ،‬مسيحية كانت أو يهودية‪ ،‬فكأن في الية إشارةً لطيفة‬
‫لمن أراد أنْ يتزوج فليتزوج مؤمنة‪ ،‬ول يُمكّن من مضجعه إل مؤمنة معه‪ ،‬وهذا احتياط في‬
‫الدين‪ ،‬فالمؤمنة تكون مأمونة على حياته وعلى عِرْضه‪ ،‬وعلى أولده وماله‪ ،‬فإن غير المؤمنة ل‬
‫تُؤتمن على هذا كله‪.‬‬
‫وقد رأينا بعض بعض شبابنا الذين ذهبوا إلى بلد الغرب‪ ،‬وتزوجوا من أجنبيات‪ ،‬وبعد الزواج‬
‫ظهرت النكبات والمصائب‪ ،‬فالم ل تنسى أنها يهودية أو نصرانية‪ ،‬وتبثّ أفكارها‪ ،‬ومعتقداتها في‬
‫الولد‪ ،‬إذن‪ :‬فعلى المؤمن أنْ يختار المؤمنة؛ لنها مؤتمنة عليه وعلى بيته‪.‬‬
‫وأذكر حين سافرنا إلى الخارج‪ ،‬كنا نُسْأل‪ :‬لماذا أبحتُم لنفسكم أنْ تتزوجوا الكتابية‪ ،‬ولم تبيحوا لنا‬
‫أن نتزوج المسلمة؟ وكان بعض الباء يأتون ببناتهم اللئي وُلِدْن في ألمانيا مثلً‪ ،‬وكانت البنت‬
‫جتَ أنت ألمانية؟‬
‫تُحاج والدها بهذه المسألة‪ ،‬لماذا ل أتزوج ألمانيا كما تزو ْ‬
‫فكنا نرد على بناتنا هناك‪ :‬بأن المسلم له أن يتزوج كتابية؛ لنه يؤمن بكتابها‪ ،‬ويؤمن بنبيّها‪ ،‬لكن‬
‫كيف تتزوجين أنت من الكتابي‪ ،‬وهو ل يؤمن بكتابك‪ ،‬ول يؤمن بنبيك؟ إذن‪ :‬فالمسلم ُمؤْتَمن على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الكتابية‪ ،‬وغير المسلم ليس مُؤتمنا على المسلمة‪.‬‬
‫جمِيلً { [الحزاب‪ ]49 :‬وفي موضع آخر قال‬
‫ن وَسَرّحُوهُنّ سَرَاحا َ‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬فمَ ّتعُوهُ ّ‬
‫ن َوقَدْ فَ َرضْتُمْ َلهُنّ فَرِيضَةً‬
‫سبحانه في نفس هذه المسألة‪ {:‬وَإِن طَّلقْ ُتمُوهُنّ مِن قَ ْبلِ أَن َت َمسّوهُ ّ‬
‫فَ ِنصْفُ مَا فَ َرضْتُمْ‪[} ...‬البقرة‪.]237 :‬‬
‫ويمكن أنْ نُوفّق بين هاتين اليتين بأن الولى نزلتْ فيمَنْ لم ُيفْرض لها مهر‪ ،‬والثانية فيمَنْ فُرِض‬
‫لها مهر‪ ،‬التي لم يُفرض لها مهر لها المتعة } َفمَ ّتعُوهُنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]49 :‬والتي فُرض لها‬
‫مهر لها نصفه‪ ،‬فكل آية تخصّ وتعالج حالة معينة‪ ،‬وليس بين اليتين َنسْخ‪.‬‬
‫وبعض العلماء يرى أنه ل مانع‪ ،‬إنْ فُ ِرضَ لها مهر أنْ يعطيها المتعة فوق نصف مهرها‪ ،‬وهذا‬
‫رأي وجيه‪ ،‬فالعدل أنْ تأخذ نصف ما فُرِض لها‪ ،‬والفضل أنْ يعطيها المتعة فوق هذا النصف‪،‬‬
‫ن تبنى المعاملت دائما على الفضل ل على مجرد العدل‪ ،‬وربنا عز وجل يُعلّمنا ذلك‪،‬‬
‫وينبغي أ ْ‬
‫حين يعاملنا سبحانه بفضله ل بعدله‪ ،‬ولو عاملنا بالعدل لهلكنا جميعا‪.‬‬
‫لذلك جاء في دعاء الصالحين‪ :‬اللهم عاملْنَا بالفضل ل بالعدل‪ ،‬وبالحسان ل بالميزان‪ ،‬وبالجبر ل‬
‫بالحساب‪ .‬نعم‪ ،‬فإن لم يكُنْ في الخرة إل الحساب‪ ،‬فلن يكسب منا أحدٌ‪ ،‬وقد ورد في الحديث‪" :‬‬
‫عذّب "‪.‬‬
‫مَنْ نُوقِشَ الحساب ُ‬
‫ج َمعُونَ }[يونس‪.]58 :‬‬
‫حمَتِهِ فَبِ َذِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ ُهوَ خَيْرٌ ّممّا َي ْ‬
‫ويقول سبحانه‪ُ {:‬قلْ ِب َفضْلِ اللّهِ وَبِرَ ْ‬
‫فالفرح ل يكون إل حين يشملك فضْل ال‪ ،‬وتعمّك رحمته‪ ،‬وفي الحديث الشريف‪ " :‬لن يدخل أحدٌ‬
‫الجنة بعمله " قالوا‪ :‬ول أنت يا رسول ال؟ قال‪ " :‬ول أنا إل أنْ يتغمدني ال برحمته "‪.‬‬
‫فإنْ قُ ْلتَ‪ :‬فكيف نجمع بين هذه النصوص من القرآن والسنة‪ ،‬وبين مكانة العمل ومنزلته في مثل‬
‫قوله تعالى‪ {:‬ا ْدخُلُواْ ا ْلجَنّةَ ِبمَا كُنْتُمْ َت ْعمَلُونَ }[النحل‪.]32 :‬‬
‫قالوا‪ :‬صحيح أن للعمل منزلته وفضله‪ ،‬لكنك حين تعبد ال ل تُقدم ل تعالى خدمة بعبادتك له‪ ،‬إنما‬
‫الخدمة مُقدّمة من ال لك في مشروعية العبادة‪ ،‬وإل فال تعالى بكل صفات الكمال خلقك وخلق‬
‫الكون كله لك‪ ،‬فإنْ كلّفك بعد ذلك بشيء‪ ،‬فإنما هو لصالحك‪ ،‬كما تكلف ولدك بالجد والمذاكرة‪.‬‬
‫ثم لو أنك وضعتَ عملك في ِكفّة‪ ،‬و ِنعَم ال عليك في كفة لما وفّتْ أعمالك بما أخذْتَه من ِنعَم‬
‫ربك‪ .‬إذن‪ :‬إنْ أثابك بعد ذلك في الخرة فإنما بفضله تعالى عليكَ ورحمته لك‪.‬‬
‫ومثّلْنا لذلك ‪ -‬ول تعالى المثل العلى ‪ -‬بقولك لولدك‪ :‬لو نجحتَ آخر العام سأُعطيك هدية أو‬
‫حبّ له وتحب له الخير‪.‬‬
‫مكافأة‪ ،‬فمع أنه هو المستفيد من نجاحه إل أنك تزيده؛ لنك مُ ِ‬
‫إذن‪ :‬ينبغي أنْ نتعامل بهذه القاعدة‪ ،‬وأنْ نتخلّق بهذا الخلق‪ ،‬خاصة في مثل هذه الحالة‪ ،‬حالة‬
‫الزوجة التي طُّل َقتْ قبل الدخول بها‪.‬‬
‫فإنْ قُ ْلتَ‪ :‬ولماذا تأخذ الزوجة التي طُلّقت قبل الدخول بها نصف المهر والمتعة أيضا؟ نقول‪ :‬هو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عوَض لها عن المفارقة‪ ،‬فإنْ كانت هي ال ُمفَارقة الراغبة في الطلق‪ ،‬فليس لها شيء من المهر أو‬
‫ِ‬
‫المتعة‪ ،‬إنما عليها أنْ تردّ على الزوج ما دفعه‪ ،‬كما جاء في حديث المرأة التي جاءت رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم تخبره أنها ل تريد البقاء مع زوجها‪ ،‬فقال لها‪ً " :‬ردّي عليه ما دفعه لك "‬
‫وهذه العملية يسميها العلماء (الخُلْع)‪.‬‬
‫جمِيلً { [الحزاب‪.]49 :‬‬
‫ثم بعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة المتعة قال‪ } :‬وَسَرّحُوهُنّ سَرَاحا َ‬
‫السّرْح في الصل‪ :‬شجر له ثمر‪ ،‬يوجد في البوادي‪ ،‬ترعاه الماشية وتحبه‪ ،‬فالكبيرة منها تأكل من‬
‫ن يضرب بعصاه‬
‫أعلى الشجرة‪ ،‬أما الصغيرة فيتعهدها الراعي إنْ كان عنده دقة رعاية‪ ،‬بأ ْ‬
‫غصون الشجرة‪ ،‬فتتساقط منها بعض الوراق‪ ،‬فيأكلها الصغار‪.‬‬
‫ومن ذلك قوله تعالى عن عصا موسى عليه السلم‪ {:‬وَأَهُشّ ِبهَا عَلَىا غَ َنمِي وَِليَ فِيهَا مَآ ِربُ‬
‫أُخْرَىا }[طه‪.]18 :‬‬
‫ع فقال له‪ :‬يا راع‪ ،‬فنظر الراعي إلى أمير المؤمنين‪ ،‬وقال‪ :‬نعم‬
‫ورُوى أن سيدنا عمر مرّ على را ٍ‬
‫يا راعينا ‪ -‬يعني‪ :‬أنا راعي الغنم وأنت راعي الراعي‪ ،‬فكأنه ل يتكبر راعٍ على راعٍ ‪ -‬فقال‬
‫عمر‪ :‬يا هذا في الرض التي تبعد عنك كذا وكذا سَرْح أجمل من هذا وأخصب‪ ،‬فاذهب إليه‬
‫بماشيتك‪.‬‬
‫وهذا درس في تحمّل مسئولية الرعية والحرص عليها‪ ،‬وكان عمر رضي ال عنه خير مَنْ تحمّل‬
‫هذه المسئولية‪ ،‬فيُرْوى أن سيدنا عمر وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رأيا جماعة من التجار‬
‫عابري السبيل يلجئون إلى المسجد للمبيت فيه‪ ،‬منهم مَنْ يحمل بضاعته‪ ،‬ومنهم مَنْ يحمل ثمن‬
‫بضاعة باعها‪ ،‬فخافا أن يجتريء عليهم أحد فيسرقهم‪ ،‬فبات عمر وعبد الرحمن يتسامران حتى‬
‫الفجر لحراسة هؤلء العابرين‪.‬‬
‫وحتى الن‪ ،‬في الفلحين يقول الذاهب في الصباح إلى الحقول (نسْرَحْ) وللعودة آخر النهار‬
‫(نروح)‪ ،‬ثم تُدوول هذا اللفظ فأْطلق على كل خروج إلى شيء‪ ،‬ومن ذلك نقول‪ :‬اعطني التسريح‪،‬‬
‫فكأني كنت محبوسا فسمح لك بالخروج‪ ،‬ومن ذلك تسريح الزوجة‪.‬‬
‫جمِيلً { [الحزاب‪ ]49 :‬وكل شيء ُوصِف‬
‫لكن تسريح الزوجة وصفه ال تعالى بقوله } سَرَاحا َ‬
‫جمِيلٌ‪[} ..‬يوسف‪ ]18 :‬وتسريح الزوجة‬
‫في القرآن بالجمال له مزية في ذاته‪ ،‬كما في{ َفصَبْرٌ َ‬
‫ل ل عنفَ فيه‪ ،‬كأنْ يُطيّب‬
‫عادة ما يصاحبه غضب وانفعال‪ ،‬فينبغي أنْ يكون التسريح جمي ً‬
‫خارطها بقوله‪ :‬هذا قدرنا‪ ،‬وأرجو ال أن يُعوّض عليك بخير مني أو غير ذلك‪ ،‬مما يراه مناسبا‬
‫لتخفيف الخطْب عليها‪ ،‬ويكفي أن تتحمل هي ألم المفارقة ومصيبة الطلق‪ .‬وأيّ جمال فيمَنْ‬
‫يفارق زوجته بالسّباب والشتائم‪ ،‬ويؤذيها بأن يمنعها حقا من حقوقها‪.‬‬
‫وهذه الية عالجتْ قضية هامة من قضايا السرة؛ لنها مرادة للحق سبحانه‪ ،‬فال تعالى خلق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النسان الخليفة‪ ،‬وهو آدم عليه السلم‪ ،‬وخلق منه الزوجة ليُحقّق منهما الخلفة في الرض‪ ،‬لكن‬
‫لماذا هذه الخلفة؟ قالوا‪ :‬ليستمتعوا بآثار قدرة ربهم وحكمته في كونه‪ ،‬كما تسعد أنت حين تأتي‬
‫لولدك بما لَذّ وطابَ من الطعام‪ ،‬وتفرح حين تراهم يأكلون ويتمتعون بما جئتَ به‪ ،‬تفرح لنك‬
‫عدّ ْيتَ أثر قدرتك للغير ‪ -‬ول تعالى المثل العلى ‪.-‬‬
‫ن الَ ْرضِ‬
‫فما دام الحق سبحانه جعل الخليفة في الرض ثم حدد مهمته‪ ،‬فقال‪ُ {:‬هوَ أَنشََأكُمْ مّ َ‬
‫وَاسْ َت ْعمَ َركُمْ فِيهَا‪[} ...‬هود‪ ]61 :‬إذن‪ :‬ل ُبدّ أنْ يضمن لهذا الخليفة مُقوّمات حياته ومُقوّمات‬
‫استبقاء هذه الحياة ل تكتمل إل بمُقوّمات بقاء النوع‪ ،‬فإنه لن يعيش في الدنيا وحيدا لخر الزمان‪.‬‬
‫واستبقاء الحياة يكون بالقوت؛ لذلك فإن ربك عز وجل قبل أنْ يستدعيك إلى الوجود‪ ،‬وقبل أنْ‬
‫يخلقك خلق لك‪ ،‬خلق لك الشمس والقمر والنجوم والكواكب والرض والهواء والماء‪ ،‬فأعدّ للخليفة‬
‫كل مُقوّمات حياته‪.‬‬
‫جعَلُونَ َلهُ أَندَادا َذِلكَ‬
‫ق الَ ْرضَ فِي َي ْومَيْنِ وَتَ ْ‬
‫واقرأ قول ال تعالى‪ُ {:‬قلْ أَئِ ّنكُمْ لَ َت ْكفُرُونَ بِالّذِي خَلَ َ‬
‫سوَآءً‬
‫سيَ مِن َف ْو ِقهَا وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ َأ ْقوَا َتهَا فِي أَرْ َبعَةِ أَيّامٍ َ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * وَ َ‬
‫لّلسّآئِلِينَ }[فصلت‪.]10 :‬‬
‫إذن‪ :‬فمخازن القوت مملوؤة{ َومَا نُنَزُّلهُ ِإلّ ِبقَدَرٍ ّمعْلُومٍ }[الحجر‪ ]21 :‬وما دام خالق البشر قدّر‬
‫لهم القوات مُقدّما‪ ،‬فليست لك أن تقول " انفجار سكاني " ُقلْ‪ :‬إنك قص ْرتَ في استنباط هذا القوت‬
‫بما أصباك من كسل أو سوء تخطيط‪.‬‬
‫طمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا‬
‫ونلحظ هذا المعنى في قوله تعالى‪َ {:‬وضَ َربَ اللّهُ مَثَلً قَرْيَةً كَا َنتْ آمِ َنةً مّ ْ‬
‫خ ْوفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }[النحل‪:‬‬
‫ع وَالْ َ‬
‫مّن ُكلّ َمكَانٍ َف َكفَ َرتْ بِأَ ْن ُعمِ اللّهِ فََأذَا َقهَا اللّهُ لِبَاسَ ا ْلجُو ِ‬
‫‪.]112‬‬
‫ومن الكفر بنعمة ال سَتْرها بالكسل والقعود عن استنباطها‪ ،‬وقد يَشْقي جيل بكسل جيل قبله‪ ،‬لذلك‬
‫لما تنبّهنا إلى هذه المسألة‪ ،‬وبدأنا نزرع الصحراء ونُعمّرها انفرجتْ أزمتنا إلى حَدّ ما‪ ،‬ولو بكّرْنا‬
‫بزراعة الصحراء ما اشتكينا أزمة‪ ،‬ول ضاقَ بنا المكان‪.‬‬
‫والحق سبحانه يُعلّمنا أنه إذا ضاق بنا المكان ألّ نتشبثَ به‪ ،‬ففي غيره سعة‪ ،‬واقرأ‪ {:‬إِنّ الّذِينَ‬
‫ضعَفِينَ فِي الَ ْرضِ قَالْواْ أََلمْ َتكُنْ أَ ْرضُ‬
‫سهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُن ُتمْ قَالُواْ كُنّا مُسْ َت ْ‬
‫َت َوفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫سعَةً فَ ُتهَاجِرُواْ فِيهَا‪[} ...‬النساء‪.]97 :‬‬
‫اللّ ِه وَا ِ‬
‫لذلك يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى في الخلوة الليلية معه‪ {:‬إِنّ رَ ّبكَ َيعْلَمُ‬
‫أَ ّنكَ َتقُومُ أَدْنَىا مِن ثُلُ َثيِ الْلّ ْيلِ‪[} ...‬المزمل‪ ]20 :‬إلى أن يقول‪ {:‬عَلِمَ أَن سَ َيكُونُ مِنكُمْ‬
‫مّ ْرضَىا‪[} ...‬المزمل‪ ]20 :‬والمرضى غير قادرين على العمل‪ ،‬فعلى القادر إذن أنْ يعمل ل ِيسُدّ‬
‫ضلِ اللّ ِه وَآخَرُونَ ُيقَاتِلُونَ‬
‫حاجته وحاجة غير القادر{ وَآخَرُونَ َيضْرِبُونَ فِي الَ ْرضِ يَبْ َتغُونَ مِن َف ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فِي سَبِيلِ اللّهِ‪[} ...‬المزمل‪.]20 :‬‬
‫سعْي‬
‫إذن‪ :‬قانون الصلح الذي جعله ال لحياة البشر يقوم على دعامتين‪ :‬الضرب في الرض وال ّ‬
‫في مناكبها‪ ،‬وفيه مُقوّمات الحياة‪ ،‬ثم نقاتل في سبيل ال لبقاء الدعوة والمنهج‪ ،‬فالولى للقالب‪،‬‬
‫وبها نأكل ونشرب ونعيش‪ ،‬والخرى للقيم‪.‬‬
‫فإنْ قعدتْ المة أو تكاسلتْ عن أيّ من هاتين الدعامتين ضاعتْ وهلكتْ وصارتْ مطمعا‬
‫لعدائها؛ لذلك تجد الن المم المتخلفة فقيرة‪ ،‬تعيش على صدقات المم الغنية؛ لنها كفرتْ بأنعم‬
‫ال وسترتها‪ ،‬ولم تعمل على استنباطها‪ ،‬قعدتْ عن الستعمار والستصلح‪.‬‬
‫أما الغنياء فعندهم فائض ل ُيعْطي للفقراء‪ ،‬إنما يُرْمي في البحر ويُعدَم‪ ،‬لتظل لهم السيادة‬
‫ن نقول بأن شر العالم كله والفساد إنما يأتي بكفر نعم ال‪ ،‬إما بسترها‬
‫القتصادية‪ ،‬لذلك نستطيع أ ْ‬
‫وعدم استنباطها‪ ،‬أو بالبخل بها على غير الواجد‪.‬‬
‫ولهمية القوت يأتي في مقدمة ما يمتنّ ال به على عباده في قوله‪ {:‬فَلْ َيعْ ُبدُواْ َربّ هَـاذَا الْبَ ْيتِ *‬
‫خوْفٍ }[قريش‪.]4 :‬‬
‫ع وَآمَ َنهُم مّنْ َ‬
‫ط َع َمهُم مّن جُو ٍ‬
‫الّذِي َأ ْ‬
‫ضمِن له أيضا بقاء نوعه ونَسْله‪،‬‬
‫وكما ضَمن الحق سبحانه للخليفة في الرض مُقوّمات حياته َ‬
‫وجعل ذلك بالزواج الذي شرّعه ال؛ ليأتي النسل بطريقة طاهرة شريفة‪ ،‬ل بطريقة خسيسة دَنِسة‪،‬‬
‫وفَرْق بين هذا وذاك‪ ،‬فالولد الشرعي تتلقفه أيدي الوالدين وتتباهَى به‪ ،‬أما الخر فإذا لم تتخلّص‬
‫منه أمه وهو جنين تخلصت منه بعد ولدته‪ ،‬لنه عار عليها‪.‬‬
‫فالحق سبحانه شرع الزواج لطهارة المجتمع المسلم ونظافته وسلمته‪ ،‬مجتمع يكون جديرا بأن‬
‫يتباهى به سيدنا رسول ال يوم القيامة‪ ،‬فقد ورد في الحديث الشريف‪ " :‬تناكحوا تناسلوا‪ ،‬فإنّي مُبَاهٍ‬
‫بكم المم يوم القيامة "‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ إِنّآ أَحْلَلْنَا‪.{ ...‬‬

‫(‪)3505 /‬‬
‫ن َومَا مََل َكتْ َيمِي ُنكَ ِممّا َأفَاءَ اللّهُ عَلَ ْيكَ‬
‫جكَ اللّاتِي آَتَ ْيتَ أُجُورَهُ ّ‬
‫يَا أَ ّيهَا النّ ِبيّ إِنّا َأحْلَلْنَا َلكَ أَ ْزوَا َ‬
‫ن وَهَ َبتْ‬
‫ك وَامْرََأةً ُم ْؤمِنَةً إِ ْ‬
‫ك وَبَنَاتِ خَالَا ِتكَ اللّاتِي هَاجَرْنَ َم َع َ‬
‫عمّا ِتكَ وَبَنَاتِ خَاِل َ‬
‫ك وَبَنَاتِ َ‬
‫ع ّم َ‬
‫وَبَنَاتِ َ‬
‫حهَا خَاِلصَةً َلكَ مِنْ دُونِ ا ْل ُمؤْمِنِينَ قَدْ عَِلمْنَا مَا فَ َرضْنَا عَلَ ْيهِمْ‬
‫سهَا لِلنّ ِبيّ إِنْ أَرَادَ النّ ِبيّ أَنْ يَسْتَ ْنكِ َ‬
‫َنفْ َ‬
‫غفُورًا َرحِيمًا (‪)50‬‬
‫ج َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫جهِ ْم َومَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُن ُهمْ ِلكَيْلَا َيكُونَ عَلَ ْيكَ حَرَ ٌ‬
‫فِي أَ ْزوَا ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬لم يخاطب نبيه محمدا صلى ال عليه وسلم باسمه العَلم أبدا‪ ،‬كما خاطب‬
‫غيره من النبياء فقال‪ :‬يا نوح‪ ،‬يا عيسى‪ ،‬يا موسى‪ ،‬يا إبراهيم‪ ..‬إلخ‪ ،‬أما رسول ال‪ ،‬فناداه ربه‬
‫بقوله { ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]50 :‬و{ ياأَ ّيهَا الرّسُولُ‪[} ...‬المائدة‪.]41 :‬‬
‫ونداء الشخص باسمه العَلَم دليلٌ على أنه ليستْ له صفة مميزة‪ ،‬فإنْ ملك صفة مميزة نُودِي بها‬
‫تقول‪ :‬يا شجاع‪ ،‬يا شاعر‪ ..‬إلخ‪ ،‬الن الجميع يشتركون في العَلَمية‪ .‬إذن‪ :‬فنداء النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم بيأيها النبي‪ ،‬ويأيها الرسول تكريم له صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫جكَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]50 :‬ما معنى { َأحْلَلْنَا‪[ } ...‬الحزاب‪]50 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬إِنّآ َأحْلَلْنَا َلكَ أَ ْزوَا َ‬
‫هنا ما دام الحديث عن أزواجه صلى ال عليه وسلم؟ قالوا‪ :‬معناها أنها كانت في منطقة مُحرّمة‬
‫ثم أحلّها ال له أي‪ :‬جعلها حللً‪ ،‬وهذا المعنى يتضح بقوله تعالى بعدها { اللّتِي آتَ ْيتَ‬
‫ل أولً‪ ،‬بدليل أنه آتى الجر والمهر‪.‬‬
‫حّ‬
‫أُجُورَهُنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]50 :‬كأن رسول ال أخذ بال ِ‬
‫ولقد كان للعلماء َوقْفة عند تسمية المهر أجرا‪ ،‬قالوا‪ :‬كيف يُسمّي المهر أجرا‪ ،‬ومعنى الجر في‬
‫ج ْعلٌ على منفعة موقوتة يؤديها المُستأجر للمُستأجِر‪ ،‬أما النكاح فليس موقوتا‪ ،‬إنما من‬
‫اللغة‪ُ :‬‬
‫شروطه نية التأبيد والدوام؟‬
‫وللجواب على هذه المسألة نقول‪ :‬ل يصح أنْ تُؤخَذ اليات‪ ،‬منفصلة بعضها عن بعض‪ ،‬إنما‬
‫ينبغي أنْ نجمع اليات الواردة في نفس الموضوع جَنْبا إلى جنب؛ ليأتي فهمها تاما متكاملً‪.‬‬
‫فالحق سبحانه يقول في موضع آخر مخاطبا نبيه صلى ال عليه وسلم في شأن زوجاته‪ {:‬تُ ْرجِي‬
‫مَن تَشَآءُ مِ ْنهُنّ‪[} ...‬الحزاب‪ ]51 :‬أي‪ :‬تؤخر استمتاعك بها{ وَ ُت ْؤوِي إِلَ ْيكَ مَن َتشَآءُ‪} ...‬‬
‫[الحزاب‪ ]51 :‬أي‪ :‬تضمّها إليك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ما دم لك أن ترجيء أزواجا منهن وتمنعهن من القسمة‪ ،‬ثم تضم غيرهن‪ ،‬فكأن المنفعة هنا‬
‫موقوتة‪ ،‬فناسب ذلك أن يُسمّى المهر أجرا‪.‬‬
‫والحق سبحانه يعطي نبيه صلى ال عليه وسلم في كل مراحل سيرته أزكى المواقف وأطهرها‬
‫وأنبلها‪ ،‬فقوله تعالى‪ { :‬اللّتِي آتَ ْيتَ ُأجُورَهُنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]50 :‬دليل على أنه صلى ال عليه‬
‫وسلم ما انتفع بهن إل بعد أنْ أدّى مهرهن‪ ،‬في حين أن للنسان أنْ يسمى المهر‪ ،‬ويدخل بزوجته‬
‫دون أن يدفع من المهر شيئا‪ ،‬ويكون المهر كله أو بعضه مُؤخّرا‪ ،‬لكن تأخير المهر يعطي للمرأة‬
‫حتْ له فهو تفضّل منها‪ .‬إذن‪ :‬فرسول ال اختار أكمل شيء‪.‬‬
‫حق أنْ تمتنع عن مضاجعته‪ ،‬فإنْ سم َ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم جاء ليبُيّن للناس ما نُزّل إليهم‪ ،‬وجعله ربه أُسْوة سلوكية في‬
‫المور التي يعزّ على الناس أن يستقبلوها‪ ،‬فنفّذها رسول ال في نفسه أولً كما قلنا في مسألة‬
‫التبني‪.‬‬
‫كذلك في مسألة تعدد الزوجات‪ ،‬فرسول ال أُرسِل والتعدد موجود عند العرب وموجود حتى عند‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النبياء السابقين‪ ،‬لكن أراد ال أنْ يحدد هذا التعدد تحديدا يمتص الزائد من النساء‪ ،‬ول يجعله‬
‫مباحا في كل عدد‪ ،‬فأمر رسوله أن يقول لمته‪ :‬مَنْ كان عنده أكثر من أربع فليمسك معه أربعا‪،‬‬
‫ويفارق ما زاد عنهن‪ ،‬في حين كان عنده صلى ال عليه وسلم تسع زوجات‪.‬‬
‫فلو أن الحكم شمله‪ ،‬فأمسك أربعا‪ ،‬وسَرّح خمسا لصابهُنّ ضرر كبير‪ ،‬ولصِرْنَ مُعلّقات؛ لنهن‬
‫زوجات رسول ال وأمهات المؤمنين‪ ،‬وليس لحد أن يتزوج إحداهن بعد رسول ال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الحكم يختلف مع رسول ال‪ ،‬والعدد بالنسبة له أن يقتصر على هؤلء التسعة بذواتهن‪ ،‬بحيث‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ‬
‫لو ماتت إحداهن أو طُلّقت فليس له أنْ يتزوّج بغيرها؛ لن ال خاطبه بقوله‪ {:‬لّ يَ ِ‬
‫ج وََلوْ أَعْجَ َبكَ حُسْ ُنهُنّ‪[} ...‬الحزاب‪.]52 :‬‬
‫مِن َبعْ ُد َولَ أَن تَبَ ّدلَ ِبهِنّ مِنْ أَ ْزوَا ٍ‬
‫وقد بيّنا للمستشرقين الذين خاضوا في هذه المسألة أن رسول ال لم يُسْتثْن في العدد‪ ،‬إنما استُثنى‬
‫في المعدود‪ ،‬حيث وقف عند هؤلء التسع بذواتهن‪ ،‬وليس له أنْ يتزوج بأخرى‪ ،‬أما غيره من‬
‫ضعْف أو أضعاف هذا العدد‪ ،‬شريطة ألّ يزيد عن أربع في وقت واحد‪.‬‬
‫أمته فلن أنْ يتزوج ِ‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ مِن َبعْدُ‪} ...‬‬
‫جكَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬جاءت قبل{ لّ َي ِ‬
‫وكلمة } َأحْلَلْنَا َلكَ أَ ْزوَا َ‬
‫[الحزاب‪ ]52 :‬وقد ورد عن السيدة عائشة أنها قالت‪ :‬ما مات رسول ال حتى أبيح له أنْ يتزوج‬
‫ما شاء‪ ،‬فكيف ذلك؟‬
‫قالوا‪ :‬لن ال تعالى أراد أنْ يعطي لرسوله تميّز الوفاء لزواجه‪ ،‬فمع أن ال أباح له أنْ يتزوج‬
‫بغيرهن‪ ،‬إل أنه صلى ال عليه وسلم لم يفعل وفاءً لهُنّ‪ ،‬والرسول صلى ال عليه وسلم يفعل ذلك‬
‫لنه كان إذا حُيي بتحية يُحييّ بأحسن منها أو يردّها بمثلها‪ ،‬وقد رأى صلى ال عليه وسلم من‬
‫أزواجه سابقة خير حين خيرّهُنّ فاخترْته وفضّلْن العيش معه على زينة الدنيا ومتعها‪ ،‬فكأنه يردّ‬
‫لهم هذه التحية بأحسن منها‪.‬‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ مِن َبعْدُ‪[} ...‬الحزاب‪:‬‬
‫جكَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬قبل{ لّ يَ ِ‬
‫ومجيء } َأحْلَلْنَا َلكَ أَ ْزوَا َ‬
‫‪ ]52‬دليل على تكريم الرسول ومعاملته معاملة خاصة‪ ،‬فال قد أحل له قبل أنْ يُحرّم عليه‪ ،‬ومثال‬
‫عفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ َلهُمْ‪[} ...‬التوبة‪ ]43 :‬فسبُق العتاب بالعفو‪.‬‬
‫هذا التكريم قوله تعالى‪َ {:‬‬
‫جكَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬أن الزواج جاءت بصيغة‬
‫حلَلْنَا َلكَ أَ ْزوَا َ‬
‫ونلحظ في قوله تعالى‪ } :‬إِنّآ أَ ْ‬
‫المذكّر ولم يقل زوجاتك؛ لن الزوج يُطلق على الرجل وعلى المرأة‪ ،‬والزوج في اللغة هو الواحد‬
‫المفرد ومعه غيره من جنسه‪ ،‬وليس الزوج يعني الثنين كما يعتقد البعض‪ ،‬ومثلها كلمة (توأم)‬
‫فهي تعني الواحد الذي معه غيره‪ ،‬فكل منهما يسمّى توأما‪ ،‬ومن ذلك قوله تعالى‪َ {:‬ثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ‬
‫ن َومِنَ ا ْل َمعْزِ اثْنَيْنِ‪} ...‬‬
‫مّنَ الضّأْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫[النعام‪.]143 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يقول تعالى‪َ } :‬ومَا مََل َكتْ َيمِي ُنكَ ِممّآ َأفَآءَ اللّهُ عَلَ ْيكَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬نعرف أن ملْك اليمين‬
‫يُقصَد به المرأة المملوكة‪ ،‬وجاء قوله تعالى‪ِ } :‬ممّآ َأفَآءَ اللّهُ عَلَ ْيكَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬احتياط‪،‬‬
‫فمِلْك اليمين بالنسبة لرسول ال جاء من طريق شرعي‪ ،‬جاء من الفيء والمراد أسرى الحروب‪.‬‬
‫خذْنَ عُنْوة أو سُ ِرقْنَ‪،‬‬
‫وقد باشر صلى ال عليه وسلم عملية السّبْي بنفسه؛ لن من الماء حرائر أُ ِ‬
‫ومنهم من بيعتْ في سوق الرقيق على أنها َأمَة‪ ،‬وهذا ما رأيناه فعلً في قصة سيدنا زيد بن‬
‫حارثة‪ ،‬إذن‪ :‬فقوله تعالى‪ِ } :‬ممّآ َأفَآءَ اللّهُ عَلَ ْيكَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬أي‪ :‬أنك ملكتها‪ ،‬وأنت واثق‬
‫تمام الثقة أنها أمَة َوفَيءٌ أحله ال لك‪.‬‬
‫ك وَامْرََأةً ّم ْؤمِنَةً إِن‬
‫ك وَبَنَاتِ خَالَ ِتكَ اللّتِي هَاجَرْنَ َم َع َ‬
‫ك وَبَنَاتِ خَاِل َ‬
‫عمّا ِت َ‬
‫ع ّمكَ وَبَنَاتِ َ‬
‫} وَبَنَاتِ َ‬
‫حهَا خَاِلصَةً ّلكَ مِن دُونِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ‪[ { ...‬الحزاب‪.]50 :‬‬
‫سهَا لِلنّ ِبيّ إِنْ أَرَادَ النّ ِبيّ أَن َيسْتَنكِ َ‬
‫وَهَ َبتْ َنفْ َ‬
‫وكذلك أحلّ ال لنبيه أنْ يتزوّج من بنات عمه‪ ،‬أو بنات عماته‪ ،‬أو بنات خاله‪ ،‬أو بنات خالته‪،‬‬
‫والعمومة‪ :‬أقاربه من جهة أبيه‪ ،‬والخئولة أقاربه من جهة أمة‪ ،‬ونلحظ أن رسول ال لم يتزوج ل‬
‫من بنات عمه‪ ،‬ول من بنات عماته‪ ،‬ول من بنات خاله‪ ،‬ول من بنات خالته‪.‬‬
‫والمعنى أن ال تعالى أحلّ له أنْ يتزوّج من هؤلء ما وُجد؛ لن قرابته سيكونون مأمونين عليه‪،‬‬
‫ومعينين له على أمره‪.‬‬
‫وحين تتأمل هذه الية نجد أن العم والخال جاءت مفردة‪ ،‬في حين جاءت العمات والخالت جمعا‪،‬‬
‫لماذا؟ قالوا‪ :‬لن العم والخال اسم جنس‪ ،‬واسم الجنس يُطلَق على المفرد وعلى الجمع‪ ،‬بدليل أنك‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى خُسْرٍ * ِإلّ‬
‫تجد اسم الجنس في القرآن يُستثنى منه الجمع‪ ،‬كما في{ وَا ْل َعصْرِ* إِ ّ‬
‫صوْاْ بِالصّبْرِ }[العصر‪.]3-1 :‬‬
‫ق وَ َتوَا َ‬
‫حّ‬
‫صوْاْ بِالْ َ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ وَ َتوَا َ‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ وَ َ‬
‫فالنسان اسم جنس مفرد‪ ،‬واستثني منه الذين آمنوا وهي جمع‪ ،‬أما العمّات والخالت فليستْ اسم‬
‫جنس؛ لذلك جاءتْ بصيغة الجمع المؤنث‪.‬‬
‫وأيضا‪ ،‬لن العم صِنْو الب‪ ،‬فعلى فرض أنهم أعمام كثيرون‪ ،‬فهم في منزلة الب‪ ،‬واقرأ في ذلك‬
‫حضَرَ َيعْقُوبَ ا ْل َموْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا َتعْبُدُونَ مِن َبعْدِي قَالُواْ َنعْبُدُ‬
‫ش َهدَآءَ إِذْ َ‬
‫قوله تعالى‪ {:‬أَمْ كُنتُمْ ُ‬
‫ل وَإِسْحَاقَ‪[} ...‬البقرة‪ ]133 :‬فدخل العَ ّم في مُجْمل الباء‪.‬‬
‫سمَاعِي َ‬
‫ك وَإِلَـاهَ آبَا ِئكَ إِبْرَاهِي َم وَإِ ْ‬
‫إِلَـا َه َ‬
‫سمّي العمّ أبا في قوله تعالى‪ {:‬وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِي ُم لَبِيهِ آزَرَ‪[} ...‬النعام‪ ]74 :‬ومعلوم أنه‬
‫وكذلك َ‬
‫كان عمه‪.‬‬
‫ج َولَ عَلَى‬
‫عمَىا حَرَ ٌ‬
‫وفي موضع آخر‪ ،‬جاءت عم بصيغة الجمع‪ ،‬وهو قوله تعالى‪ {:‬لّيْسَ عَلَى الَ ْ‬
‫سكُمْ أَن تَ ْأكُلُواْ مِن بُيُو ِتكُمْ َأوْ بُيُوتِ آبَآ ِئكُمْ َأوْ‬
‫علَىا أَنفُ ِ‬
‫ج َولَ َ‬
‫ج َولَ عَلَى ا ْلمَرِيضِ حَرَ ٌ‬
‫الَعْرَجِ حَرَ ٌ‬
‫عمّا ِتكُمْ َأوْ بُيُوتِ‬
‫عمَا ِمكُمْ َأوْ بُيُوتِ َ‬
‫خوَا ِتكُمْ َأوْ بُيُوتِ أَ ْ‬
‫خوَا ِنكُمْ َأوْ بُيُوتِ َأ َ‬
‫بُيُوتِ ُأ ّمهَا ِتكُمْ َأوْ بُيُوتِ إِ ْ‬
‫خوَاِلكُمْ َأوْ بُيُوتِ خَالَ ِتكُمْ‪[} ...‬النور‪.]61 :‬‬
‫أَ ْ‬
‫فجاءت العم والخال هنا بصيغة الجمع‪ ،‬لماذا؟ قالوا‪ :‬لن الحديث هنا عن البيوت التي يُبَاح لك أنْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تأكل منها‪ ،‬وجاءت (بيوت) بصيغة الجمع‪ ،‬والعم له بيت واحد‪ ،‬فما دام قال بيوت فل ُبدّ أنْ تأتي‬
‫(أعمامكم) و (أخوالكم) بصيغة الجمع‪.‬‬
‫سهَا لِلنّ ِبيّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬الوَهْب‪ :‬انتقال ملكية‬
‫ثم يقول تعالى‪ } :‬وَامْرََأةً ّم ْؤمِنَةً إِن وَهَ َبتْ َنفْ َ‬
‫بل مقابل‪ ،‬نقول‪ :‬فلن وهبك كذا يعني‪ :‬أعطاه لك بل مقابل‪ ،‬ليس بيعا وليس بدلً مثلً‪.‬‬
‫ب لمرأة تبتذل نفسها‪ ،‬وتعطي نفسها لرجل‬
‫لذلك لما نزلت هذه الية قالت السيدة عائشة‪ :‬أتعج ُ‬
‫سهَا لِلنّ ِبيّ‪[ { ...‬الحزاب‪]50 :‬‬
‫هكذا مجانا بل مقابل‪ ،‬فنزل النص } وَامْرََأةً ّم ْؤمِنَةً إِن وَهَ َبتْ َنفْ َ‬
‫عندها قالت السيدة عائشة لسيدنا رسول ال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أرى ال يسارع إلى هواك‪ ،‬فقال لها‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ " :‬وأنت يا عائشة‪ ،‬لو اتقيتِ ال لسارع في هواك "‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬أن ال يسارع في هواي‪ ،‬لنني سارعتُ في هواه‪ ،‬طلب مني فأدّ ْيتُ؛ لذلك يُلبي لي ما‬
‫أريد من قبل أنْ أطلب منه‪.‬‬
‫وقال } وَامْرََأةً ّم ْؤمِنَةً‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬لن الهبة هنا خاصة بالمؤمنة‪ ،‬فإنْ كانت كتابية ل‬
‫يصح أن تهبَ نفسها للنبي‪ ،‬لكن أتحل له المرأة بمجرد أن تهب نفسها له؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬إنما ل بُدّ من‬
‫ن يقبل هو هذه الهبة؛ لذلك علّق‬
‫القبول‪ ،‬فإنْ قالت المرأة لرسول ال‪ :‬أنا وهبتُ نفسي لك ل ُبدّ أ ْ‬
‫حهَا‪[ { ...‬الحزاب‪]50 :‬‬
‫سهَا لِلنّ ِبيّ إِنْ أَرَادَ النّ ِبيّ أَن َيسْتَنكِ َ‬
‫على هذه المسألة بقوله } إِن وَهَ َبتْ َنفْ َ‬
‫لن المسألة مبنية على إيجاب وقبول‪.‬‬
‫وللعلماء كلم في هذه المسألة‪ ،‬فبعضهم قال‪ :‬لم يأخذ رسول ال امرأة بهبة أبدا‪ ،‬وقال آخرون‪ :‬بل‬
‫عنده أربع موهوبات هُنّ‪ :‬ميمونة بنت الحارث الهللية‪ ،‬وزينب بنت خزيمة أم المساكين‪ ،‬وأم‬
‫شريك بنت جابر‪ ،‬وخولة بنت حكيم‪.‬‬
‫وليس في هذا التعارض (فزورة)‪ ،‬فمن السهل أنْ نجمع بين هذين القولْين؛ لن ال تعالى قال‪} :‬‬
‫حهَا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬فربما وه َبتْ‬
‫سهَا لِلنّ ِبيّ إِنْ أَرَادَ النّ ِبيّ أَن َيسْتَنكِ َ‬
‫وَامْرََأةً ّم ْؤمِنَةً إِن وَهَ َبتْ َنفْ َ‬
‫نفسها للنبي‪ ،‬لكنه لم يُرِد‪ ،‬أو وهبتْ نفسها للنبي‪ ،‬فأراد أنْ يكرمها‪ ،‬وأنْ يجعل لها مهرا‬
‫ويتزوجها‪.‬‬
‫عجِل واستعجل‪.‬‬
‫حهَا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬مثل ينكحها‪ ،‬فهما بمعنىً واحد‪ ،‬مثل‪َ :‬‬
‫وكلمة } َيسْتَنكِ َ‬
‫خصّ رسوله بأشياء‬
‫ومعنى } خَاِلصَةً ّلكَ مِن دُونِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬أن ال تعالى َ‬
‫ميّزة بها؛ لن مهمته صلى ال عليه وسلم ليستْ مع نفسه هو‪ ،‬إنما مهمته مع الناس جميعا‪ ،‬وليس‬
‫للناس المعاصرين له فحسب‪ ،‬إنما جميع الناس حتى قيام الساعة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمشغولياته صلى ال عليه وسلم كثيرة كبيرة‪ ،‬كما قال سبحانه‪ {:‬إِنّا سَنُ ْلقِي عَلَ ْيكَ َق ْولً َثقِيلً }‬
‫[المزمل‪.]5 :‬‬
‫لذلك أراد الحق سبحانه ألّ يشغله شيء عن مهمته هذه‪ ،‬وأراد أنْ يتوفر رسول ال لداء هذه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المهمة التي هو بصددها‪ ،‬بحيث إذا ما عشق عملية البلغ عن ال واندمج فيها ومعها تموت في‬
‫ل الهواء‪ ،‬ول يبقى إل انشغاله بمهمة الدعوة‪.‬‬
‫نفسه ك ّ‬
‫بدليل أن الوحي في أوله كان يجهد سيدنا رسول ال‪ ،‬وكان جبينه يتفصّد عرقا‪ ،‬ويذهب إلى أهله‬
‫فربما يقول‪َ :‬زمّلوني زمّلوني‪ ،‬ودثّروني دثّروني‪ ،‬ثم شاء ال تعالى أنْ يرفع عنه هذه المعاناة‪،‬‬
‫وأنْ يريحه مما أنقض ظهره وأتعبه‪ ،‬ففتر الوحي فترة عن رسول ال حتى استراحتْ أعصابه‪،‬‬
‫وهدأتْ طاقته‪ ،‬وبقيت معه حلوة ما أوحي إليه هذه الحلوة التي جعلتْ سيدنا رسول ال يتشوّق‬
‫للوحي من جديد‪ ،‬وشوقك إلى الشيء يُنسِيك التعب في سبيله‪.‬‬
‫عكَ رَ ّبكَ َومَا قَلَىا * وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ‬
‫وفي ذلك قوله تعالى‪ {:‬وَالضّحَىا * وَاللّ ْيلِ إِذَا سَجَىا * مَا َودّ َ‬
‫س ْوفَ ُيعْطِيكَ رَ ّبكَ فَتَ ْرضَىا }[الضحى‪.]5-1 :‬‬
‫ن الُولَىا * وَلَ َ‬
‫ّلكَ مِ َ‬
‫وعجيبٌ أن يقول المشركون عند انقطاع الوحي‪ :‬إن ربّ محمد قله‪ ،‬ففي الجفوة عرفوا أن لمحمد‬
‫ربا يجفوه‪ ،‬أما حين الخلوة والجَلْوة قالوا‪ُ :‬مفْترٍ وكذّاب وشاعر‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫ن الُولَىا }[الضحى‪ ]4 :‬يعني‪ :‬ستكون عودة الوحي خيرا لك من‬
‫ومعنى{ وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ ّلكَ مِ َ‬
‫بدايته؛ لنه جاءك أولً فوق طاقتك فأجهدك‪ ،‬أما في الخرى فسوف تستدعيه أنت بنفسك وتنتظره‬
‫على شوق إليه‪ ،‬فطاقتك هذه المرأة مستعدة لستقباله‪ ،‬قادرة على تحمّله دون تعب أو إجهاد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه جعل لرسوله ما يُيسّر له أمر الندماج في المستقبل‪ ،‬لذلك لما عاوده الوحي لم‬
‫يتفصّد جبينه عرقا‪ ،‬ول أُجهد كالمرة الولى‪ ،‬لن طاقة الشوق عنده وطاقة الحب تغلبتا على هذا‬
‫التعب وهذا الجتهاد‪.‬‬
‫جهِـ ْم َومَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُنهُمْ‪[ { ...‬الحزاب‪:‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬قَدْ عَِلمْنَا مَا فَ َرضْنَا عَلَ ْيهِمْ فِي أَ ْزوَا ِ‬
‫سمّي ساعة العقد‪ ،‬والمراد أن لكلّ حكمه‬
‫حدّد بأربعة‪ ،‬ومن المهر الذي ُ‬
‫‪ ]50‬أي‪ :‬من العدد الذي ُ‬
‫وقانونه‪ ،‬فلكَ يا محمد حكم يناسبك‪ ،‬ولمتك حكم‪.‬‬
‫وبمناسبة ما نحن بصدده من الحديث عن أحكام الزواج والتعدد يجدر بنا أن نشير إلى الضجة‬
‫التي يثيرها أعداء السلم بسبب مسألة " تعدد الزوجات " ‪ ،‬مع أن التعدد في مصر لم يصل إلى‬
‫حدّ الظاهرة‪ ،‬وليس وباءً كما يُصوّره البعض‪.‬‬
‫َ‬
‫فالذين أحصوا هذه المسألة وجدوا أن الذين عدّدوا بزوجتين ثلثة بالمائة‪ ،‬والذين عددوا بثلث‬
‫واحد في اللف‪ ،‬والذين عدّدوا بأربع نصف في اللف‪ ،‬فلماذا إذن إثارة الناس ضد ما شرع ال‪،‬‬
‫ثم ألم يمتصّ التعدد فائضا من النساء؟‬
‫شتُ معه كذا وكذا‪ ،‬وخدمته كذا وكذا يتزوج عليّ؟ فأقول لها‪:‬‬
‫عْ‬
‫وتأتي الزوجة تشتكي‪ :‬بعد أنْ ِ‬
‫أضَرّك أنتِ؟ تقول‪ :‬نعم‪ ،‬أقول‪ :‬لكنه نفع أخرى‪ ،‬فواحدة بواحدة‪ ،‬ولماذا ننظر إلى المتزوجة‪،‬‬
‫ونغفل التي لم تتزوج‪ ،‬أليس من حقّها هي الخرى أن تتزوج؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن تكون الولى‪ ،‬وكذلك الثالثة‬
‫ثم إن المرأة التي قبَلتْ أن تكون الثانية ما قبلت إل لنها لم تستطع أ ْ‬
‫ما قبلتْ‪ ،‬إل لنها لم تستطع أن تكون الثانية‪.‬‬
‫‪ .‬إلخ ثم نقول لهؤلء‪ :‬أألزمك ربك أنْ تعدد؟ هذه مسألة أباحها الشارع لحكمة‪ ،‬ولم يلزمك بها‪،‬‬
‫فإنْ كان التعدد ل يعجبك فاكتفِ بواحدة‪.‬‬
‫والذين أثاروا الضجة في تعدّد الزوجات أثاروا أكثر منك في مسألة مِلْك اليمين في السلم‪،‬‬
‫وراحوا يتهمون السلم والمسلمين‪ :‬كيف يجمَع الرجل فوق زوجاته كذا وكذا من ملْك اليمين؟‬
‫ومعلوم أن مِلْك اليمين كان موجودا قبل السلم‪ ،‬وظل موجودا حتى دعا القانون الدولي العام إلى‬
‫منع ظاهرة العبودية‪ ،‬ودعا إلى تحرير العبيد‪ ،‬فسرّح الناس ما عندهم من العبيد‪ ،‬وكان منهم مَنْ‬
‫يشتري العبيد من أصحابهم ثم يُطلِق سراحهم‪.‬‬
‫ومن هؤلء العبيد مَنْ كان يعود إلى صاحبه وسيده مرة أخرى يريد العيش في كنفه وفي عبوديته‬
‫مرة أخرى؛ لنه ارتاح في ظل هذه العبودية‪ ،‬وعاش في حمايتها‪ ،‬وكان بعضهم يفخر بعبوديته‬
‫ول يسترها فيقول‪ :‬أنا عتيق آل فلن‪.‬‬
‫والمنصف يجد أن مِلْك اليمين في السلم ليست سُبّة فيه‪ ،‬إنما مفخرة للسلم؛ لن مِلْك اليمين‬
‫وسيلته في السلم واحدة‪ ،‬هي الحرب المشروعة‪ ،‬فالسلم ما جاء لينشيء رِقا‪ ،‬إنما جاء لينشيء‬
‫عتقا‪.‬‬
‫السلم جاء والرق موجود‪ ،‬وكان العبيد يُباعون مع الرض التي يعملون بها‪ ،‬ول سبيل للحرية‬
‫غير إرادة السيد في عِتْق عبده‪ ،‬في حين كانت منابع الرقّ كثيرة متعددة‪ ،‬فكان المدين الذي ل‬
‫يقدر على سداد دَيْنه يبيع نفسه أو ولده لسداد هذا الدين‪ ،‬وكان اللصوص وقُطّاع الطرق يسرقون‬
‫الحرار‪ ،‬ويبيعونهم في سوق العبيد‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫فلما جاء السلم حرّم كل هذه الوسائل ومنعها‪ ،‬ولم يُ ْبقِ إل منبعا واحدا هو السّبْي في حرب‬
‫مشروعة‪ ،‬وحتى في الحرب ليس من الضروري أن ينتج عنها ِرقّ؛ لن هناك تبادلَ أسري‪،‬‬
‫ومعاملة بالمثل‪ ،‬وهذا التبادل يتم على أقدار الناس‪ ،‬فالقائد أو الفيلسوف أو العالم الكبير ل يُفتدى‬
‫بواحد من العامة‪ ،‬إنما بعدد يناسب قدره ومكانته‪ ،‬واقرأ في ذلك قوله تعالى‪ {:‬فَِإمّا مَنّا َبعْدُ وَِإمّا‬
‫فِدَآءً حَتّىا َتضَعَ الْحَ ْربُ َأوْزَارَهَا‪[} ...‬محمد‪.]4 :‬‬
‫عتْ في السلم ليُرغم الناسُ على الدين‪ ،‬لكن ليُحمي اختيارهم للدين‪ ،‬بدليل أن‬
‫لن الحرب ما شُرِ َ‬
‫البلد التي دخلها الفتح السلمي بقي فيها كثير من الناس على كفرهم‪ ،‬ثم ألزمهم دفع الجزية‬
‫مقابل الزكاة التي يدفعها المسلم‪ ،‬ومقابل الخدمات التي تؤديها إليه الدولة‪.‬‬
‫ثم تأمل كيف يعامل السلم السري‪ ،‬وعلى المجتمع الظالم الذي ينتقد السلم في هذه الجزئية أن‬
‫يعلم أن الذي أَسرْتَه في المعركة قد قد ْرتَ عليه‪ ،‬وتمكّنْتَ منه‪ ،‬وإنْ شئت قتل َتهُ‪ ،‬فحين يتدخّل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقْن دمه أولً‪ ،‬ثم النتفاع به ثانية‪ ،‬إما‬
‫الشرع هنا ويجعل السير مِلْكا لك‪ ،‬فإنما يقصد من ذلك َ‬
‫بالمال حين يدفع أهله فديته‪ ،‬وإما بأنْ يخدمك بنفسه‪.‬‬
‫ق وقتل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬المقارنة هنا ليستْ بين ِرقّ وحرية كما يظن البعض‪ ،‬إنما هي بين ِر ّ‬
‫إذن‪ :‬مشروعية الرق في أسرى الحرب إنما جاءتْ لتحقِنَ دم المأسور‪ ،‬وتعطي الفرصة للنتفاع‬
‫ظلّ أسيرك بيدك‪ ،‬فاعلم أن له أحكاما ل يصح تجاوزها‪،‬‬
‫به‪ ،‬فإذا لم يتم الفداء ول تبادل أسرى و َ‬
‫حقِنَ‬
‫فهو شريكك في النسانية المخلوقة ل تعالى‪ ،‬وما أباح ال لك أنْ تأسره‪ ،‬وأن تملكه إل لكي َت ْ‬
‫دمه‪ ،‬ل أن ُتذِلّهُ‪.‬‬
‫واقرأ قول النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إخوانكم خَوَلكُم‪ ،‬جعلهم ال تحت أيديكم‪ ،‬فمَنْ كان أخوه‬
‫عنده فل ُيطْعمه مما يطعم‪ ،‬وليُلبِسْه مما يلبس‪ ،‬ول يُكلّفه ما ل يطيق‪ ،‬فإن كَلّفه فَلْ ُيعِنه "‪.‬‬
‫فأيّ إكرام للسير بعد هذا‪ ،‬بعد أنْ حقن دمه أولً‪ ،‬ثم كرّمه بأنْ جعله أخا لك‪ ،‬واحترم آدميته‬
‫بالمعاملة الطيبة‪ ،‬ثم فتح له عدة منافذ تؤدي إلى عِتْقه وحريته‪ ،‬فإنْ كان للرقّ في السلم باب‬
‫واحد‪ ،‬فللحرية عدة أبواب‪ ،‬منها العتق في الكفارات وهي في تكفير الذنوب التي بين العبد وربه‪.‬‬
‫فإذا لم تكُنْ هناك ذنوب فقد رغّبَنا الشرع في عِتْق الرقاب لجتياز العقبة كما في قوله تعالى‪ {:‬فَلَ‬
‫حمَ ا ْل َعقَبَةَ * َومَآ أَدْرَاكَ مَا ا ْل َعقَبَةُ * َفكّ َرقَ َبةٍ }[البلد‪.]13-11 :‬‬
‫اقتَ َ‬
‫هذا إنْ كان السير رجلً‪ ،‬فإنْ كان امرأة‪ ،‬ففيها نفس التفصيل السابق‪ ،‬وتُعامَل نفس المعاملة‬
‫لمَة ‪ -‬وهي في بيت سيدها ‪ -‬وضعها خاصا‪ ،‬فهي ترى سيدتها تتمتع‬
‫الطيبة يزيد على ذلك أن ل َ‬
‫بزوجها‪ ،‬وترى البنت تتزوج‪ ،‬فيأخذها زوجها إلى بيت الزوجية‪ ،‬إلى آخر مثل هذه المور‪ ،‬وهي‬
‫تقف موقف المتفرج‪ ،‬وربما أخذتها الغيرة من مثل هذه المسائل‪ ،‬فيكرمها ال حين يُحلّها لسيدها‪،‬‬
‫فيكون لها ما لسيدتها الحرة‪ ،‬فإذا ما أنجبتْ لسيدها ولدا صارت حُرّة به‪ ،‬وهذا منفذ آخر من منافذ‬
‫القضاء على الرق‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ِ } :‬لكَيْلَ َيكُونَ عَلَ ْيكَ حَرَجٌ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]50 :‬هذه هي الهبة الخالصة للنبي صلى‬
‫ال عليه وسلم دون أمته‪ ،‬كأن ال يقول لنبيه‪ :‬ل نريد أنْ نُحمّلك ضيقا في أيّ شيء لتفرغ أنت‬
‫غفُورا رّحِيما { [الحزاب‪.]50 :‬‬
‫لمهمتك الصعبة‪َ } .‬وكَانَ اللّهُ َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬تُ ْرجِي مَن تَشَآءُ مِ ْنهُنّ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3506 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَتُ ْؤوِي إِلَ ْيكَ مَنْ تَشَاءُ َومَنِ ابْ َتغَ ْيتَ ِممّنْ عَزَ ْلتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَ ْيكَ ذَِلكَ َأدْنَى أَنْ‬
‫تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِ ْنهُ ّ‬
‫ن وَاللّهُ َيعَْلمُ مَا فِي قُلُو ِبكُمْ َوكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (‬
‫ن وَيَ ْرضَيْنَ ِبمَا آَتَيْ َتهُنّ كُّلهُ ّ‬
‫ن وَلَا َيحْزَ ّ‬
‫َتقَرّ أَعْيُ ُنهُ ّ‬
‫‪)51‬‬

‫قوله { تُ ْرجِي مَن تَشَآءُ مِ ْنهُنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]51 :‬أي‪ :‬تؤخر مَنْ تشاء من زوجاتك عن ليلتها‬
‫{ وَ ُت ْؤوِي إِلَ ْيكَ مَن َتشَآءُ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]51 :‬أي‪ :‬تضم إليك‪ ،‬وتضاجع مَنْ تشاء منهن { َومَنِ‬
‫ابْ َتغَ ْيتَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]51 :‬من طلبتَ من زوجاتك وقرّبت { ِممّنْ عَزَ ْلتَ‪[ } ...‬الحزاب‪]51 :‬‬
‫علَ ْيكَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]51 :‬أي‪ :‬ل إثم ول حرج‪.‬‬
‫أي‪ :‬اجتنبتَ بالرجاء والتأخير { فَلَ جُنَاحَ َ‬
‫ن وَيَ ْرضَيْنَ ِبمَآ آتَيْ َتهُنّ كُّلهُنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]51 :‬أي‪ :‬أنهُنّ‬
‫ن َولَ يَحْزَ ّ‬
‫{ ذَِلكَ أَدْنَىا أَن َتقَرّ أَعْيُ ُنهُ ّ‬
‫جميعا سيفرَحْنَ‪ ،‬التي تضمها إليك‪ ،‬والتي تُرجئها وتؤخرها‪ ،‬وسوف يرضيْنَ بذلك؛ لنهن يعلَمنَ‬
‫أن مشيئتك في ذلك بأمر ال‪ ،‬فالتي ضمها رسول ال إيه تفرح بحب رسول ال ولقائه‪ ،‬والتي‬
‫أُخّ َرتْ تفرح؛ لن رسول ال أبقى عليها‪ ،‬ثم عاد إليها مرة أخرى وضمّها إليه وقرّبها‪ ،‬وهذا يدل‬
‫على أن لها دورا ومنزلة‪ ،‬وأيضا حين يكون ذلك من تشريع رب محمد لمحمد‪ ،‬فإنه ل يعني أنه‬
‫كرهها أو زهد فيها‪ ،‬فإنْ فع ْلتَ ذلك يا محمد ‪ -‬مع أن فيه مشقة ‪ -‬فإنما فعلْتَه طاعة لمر مَنْ؟‬
‫لمر ال‪ ،‬فتأخذ ثواب ال عليه‪.‬‬
‫وحين نتأمل كلمة { َتقَرّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]51 :‬تجد أنها كعامة كلمات القرآن (كاللماس)‪ ،‬لكل ذرة‬
‫تكوينية فيه بريق خاص وإشعاع؛ لذلك يقولون عنه‪( :‬دا بيللي) ومع كثرة بريقه ل يطمس شعاعٌ‬
‫فيه شعاعا آخر‪ ،‬كذلك كلمات القرآن‪.‬‬
‫(قرّ) وردتْ كثيرا في القرآن كما في{ قُ ّرةُ عَيْنٍ لّي وََلكَ‪[} ...‬القصص‪.]9 :‬‬
‫كلمة قرّ معناها سكن‪ ،‬نقول‪ :‬قَرّ بالمكان أي‪ :‬استقر فيه وسكن‪ ،‬والقرّ هو البرد‪ ،‬وقُرّة العين تأتي‬
‫بالمعنيين‪ ،‬فالعين تسكن عند شيء ما‪ ،‬ول تنتقل إلى غيره إنْ كان جميلً يأسرها فل تفارقه‪،‬‬
‫يقولون‪ :‬فلن قيْد النظر‪.‬‬
‫شعَة) عند إخواننا‬
‫وفي المقابل يقولون‪ :‬فلن عينه زائغة يعني‪ :‬ل تستقر على شيء أو (عينه د ْ‬
‫الذين ينطقون الجيم دالً مثل (دِرْدَة) يقصدون جرجا‪ ،‬والعين الجشعة بنفس المعنى‪ ،‬وفي المعنى‬
‫السياسي يقولون‪ :‬فلن له تطلّعات يعني‪ :‬كلما وصل إلى منصب نظر إلى العلى منه‪.‬‬
‫أما القُ ّر بمعنى البرودة‪َ ،‬فقُرّة العين تعني‪ :‬برودتها‪ ،‬وهي كناية عن سرورها؛ لن العين ل تسخُن‬
‫إل في الحزن واللم؛ لذلك ثبت أخيرا أن حبة العين (ترمومتر) دقيق لحالة الجسم كله‪ ،‬وميزان‬
‫لصحته أو مرضه‪.‬‬
‫ولهمية العين نقول في التوكيد‪ :‬جاءني فلن عينه‪ ،‬وسبق أن تحدثنا عن ظاهرة الستطراق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحراري في جسم النسان وقلنا‪ :‬إن من المعجزات في تكوين النسان أن الستطراق الحراري‬
‫في جسمه يتم بنظام خاص‪ ،‬بحيث يحتفظ كل عضو في الجسم بحرارة تناسبه‪ ،‬فإن كانت حرارة‬
‫الجسم العامة والمثالية ‪ - 37‬ومن العجيب أنها كذلك عند سكان القطب الشمالي‪ ،‬وهي كذلك عند‬
‫سكان خط الستواء ‪ -‬فإن حرارة الكبد مثلً ل تقل عن ‪ 40‬مئوية‪ ،‬أما العين فإذا زادت حرارتها‬
‫عن عشر درجات تنفجر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقُرّة عَيْن زوجات النبي وسُرورهن في مشيئته‪ ،‬حين يُقرّب إليه مَنْ يُقرّب‪ ،‬أو يؤخر من‬
‫يؤخر؛ لن مشيئته نابعة من أمر ال له‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَيَ ْرضَيْنَ ِبمَآ آتَيْ َتهُنّ كُّلهُنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]51 :‬أي‪ :‬في أيّ الحالت‪ ،‬ثم جاء قوله‬
‫تعالى‪ } :‬وَاللّهُ َيعَْلمُ مَا فِي قلُو ِبكُمْ َوكَانَ اللّهُ عَلِيما حَلِيما { [الحزاب‪ ]51 :‬ليشير إلى أن الرضا‬
‫هنا ليس هو رضا القوالب‪ ،‬إنما يراد رضا القلب بتنفيذ أوامر ال دون أنْ يكون في النفوس دخائل‬
‫أو اعتراض‪.‬‬
‫فال سبحانه } َوكَانَ اللّهُ عَلِيما‪[ { ...‬الحزاب‪ ]51 :‬يعلم ما في القلوب } حَلِيما { [الحزاب‪]51 :‬‬
‫ل يجازيكم على ما يعلم من قلوبكم‪ ،‬ولو جازاكم على قَدْر ما يعلم لتعبكم ذلك‪.‬‬
‫وتأمل حِلْم ال علينا ورحمته بنا في مسألة البدء ببسم ال‪ ،‬فالنبي صلى ال عليه وسلم يُعلّمنا أن‬
‫كل عمل ل يبدأ ببسم ال فهو أبتر أي‪ :‬مقطوع البركة‪ ،‬فالنسان حين يبدأ في الفعل ل يفعله‬
‫بقدرته عليه‪ ،‬ولكن بتسخير مَنْ خلقه له‪ ،‬فحين تقول‪ :‬بسم ال أفعل كذا وكذا‪ ،‬فإنك تفعل باسم‬
‫الذي سخّر لك هذا الشيء‪.‬‬
‫ك وَالَنْعَامِ مَا‬
‫ج َعلَ َلكُمْ مّنَ ا ْلفُ ْل ِ‬
‫ق الَ ْزوَاجَ كُّلهَا وَ َ‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَالّذِي خََل َ‬
‫علَيْ ِه وَ َتقُولُواْ سُ ْبحَانَ الّذِي‬
‫ظهُو ِرهِ ثُمّ َت ْذكُرُواْ ِن ْعمَةَ رَ ّبكُمْ ِإذَا اسْ َتوَيْتُمْ َ‬
‫تَ ْركَبُونَ * لِتَسْ َتوُواْ عَلَىا ُ‬
‫سخّرَ لَنَا هَـاذَا َومَا كُنّا َلهُ ُمقْرِنِينَ }[الزخرف‪.]13-12 :‬‬
‫َ‬
‫ستَ أهلً لهذه الكلمة؛ لن‬
‫ن كنتَ عاصيا ل‪ ،‬إياك أن تظنّ أنك ل ْ‬
‫فعليك أنْ تبدأ ببسم ال حتى إ ْ‬
‫ربك حليم‪ ،‬ورحمن رحيم‪.‬‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ مِن َبعْدُ‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬لّ َي ِ‬

‫(‪)3507 /‬‬
‫ج وََلوْ أَعْجَ َبكَ حُسْ ُنهُنّ إِلّا مَا مََلكَتْ َيمِي ُنكَ‬
‫حلّ َلكَ النّسَاءُ مِنْ َب ْع ُد وَلَا أَنْ تَبَ ّدلَ ِبهِنّ مِنْ أَ ْزوَا ٍ‬
‫لَا يَ ِ‬
‫شيْءٍ َرقِيبًا (‪)52‬‬
‫َوكَانَ اللّهُ عَلَى ُكلّ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبق أن تناولنا تفسير هذه الية في إطار سياق اليات السابقة‪ ،‬ونلخصها هنا في أن الحق سبحانه‬
‫جكَ‪[} ...‬الحزاب‪ ]50 :‬ثم‬
‫بدأ رسوله أولً بأن أحلّ له في قوله‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ إِنّآ َأحْلَلْنَا َلكَ أَ ْزوَا َ‬
‫ج وََلوْ أَعْجَ َبكَ‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ مِن َبعْ ُد َولَ أَن تَبَ ّدلَ ِبهِنّ مِنْ أَ ْزوَا ٍ‬
‫قيد هذا التحليل هنا‪ ،‬فقال‪ { :‬لّ يَ ِ‬
‫حسْ ُنهُنّ‪[ } ...‬الحزاب‪.]52 :‬‬
‫ُ‬
‫فالحق سبحانه يأتي بالمخفّف في أشياء‪ ،‬ثم يأتي بالمثقّل؛ ليعلم القوم أن ال تعالى بدأ رسوله‬
‫عفَا اللّهُ عَنكَ‪[} ...‬التوبة‪]43 :‬‬
‫بالعطف والرحمة والحنان‪ ،‬ويُبيّن فضله عليه‪ ،‬كما قال له سبحانه{ َ‬
‫قبل أنْ يعاتبه بقوله‪ِ {:‬لمَ أَذِنتَ َلهُمْ‪[} ...‬التوبة‪.]43 :‬‬
‫عجَ َبكَ حُسْ ُنهُنّ‪} ...‬‬
‫ج وََلوْ أَ ْ‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ مِن َبعْ ُد َولَ أَن تَ َب ّدلَ ِبهِنّ مِنْ أَ ْزوَا ٍ‬
‫وهذه الية { لّ يَ ِ‬
‫[الحزاب‪ ]52 :‬توضح أنْ ما شُرِع لرسول ال في مسألة تعدّد الزوجات غير ما شُرِع لمته‪،‬‬
‫فرسول ال استثناه ال تعالى في المعدود ل في العدد‪ ،‬والفرق بين الستثناء في العدد والستثناء‬
‫في المعدود أن العدد ُيدَار في أشياء متعددة‪ ،‬فلو أنه أباح له عدد تسع ثم تُوفّين َلكَان له أن يتزوج‬
‫ل منها‪.‬‬
‫بتسع أُخَر‪ ،‬وإنْ ماتت واحدة منهن له أن يتزوج بواحدة بد ً‬
‫لكن الستثناء لم يكُنْ لرسول ال في العدد كأمته‪ ،‬إنما في المعدود‪ ،‬بحيث يقتصر على هؤلء‬
‫بخصوصهن‪ ،‬والحكمة في ذلك أن التي يفارقها زوجها من عامة نساء المؤمنين لها أنْ تتزوج‬
‫بغيره‪ ،‬على خلف زوجات رسول ال‪ ،‬فإنهن أمهات للمؤمنين‪ ،‬فل يحل لهُنّ الزواج بعد رسول‬
‫ال‪.‬‬
‫ثم أوضحنا أن مسألة مِلْك اليمين ليستْ سُبّة في جبين السلم‪ ،‬إنما هي ميزة من ميزاته‪ ،‬فال‬
‫مَلَك الرقبة ليحميها من القتل‪ ،‬والمقارنة هنا ليستْ بين رق وحرية‪ ،‬إنما بين رق وقتل كما‬
‫أوضحنا‪ ،‬والذي يتأمل حال المملوك أو المملوكة في ظل السلم ل يسعه إل العتراف بحكمة‬
‫الشرع في هذه المسألة‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‪.} ...‬‬

‫(‪)3508 /‬‬
‫طعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وََلكِنْ ِإذَا‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا لَا َتدْخُلُوا بُيُوتَ النّ ِبيّ إِلّا أَنْ ُيؤْذَنَ َل ُكمْ إِلَى َ‬
‫حدِيثٍ إِنّ ذَِلكُمْ كَانَ ُيؤْذِي النّ ِبيّ فَيَسْتَحْيِي مِ ْنكُمْ‬
‫ط ِعمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِ َ‬
‫دُعِي ُتمْ فَا ْدخُلُوا فَإِذَا َ‬
‫طهَرُ ِلقُلُو ِبكُمْ‬
‫حجَابٍ ذَِلكُمْ أَ ْ‬
‫ن وَرَاءِ ِ‬
‫ق وَإِذَا سَأَلْ ُتمُوهُنّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنّ مِ ْ‬
‫وَاللّهُ لَا َيسْتَحْيِي مِنَ ا ْلحَ ّ‬
‫ن َومَا كَانَ َلكُمْ أَنْ ُت ْؤذُوا َرسُولَ اللّ ِه وَلَا أَنْ تَ ْن ِكحُوا أَ ْزوَاجَهُ مِنْ َب ْع ِدهِ أَبَدًا إِنّ ذَِلكُمْ كَانَ عِنْدَ‬
‫َوقُلُوبِهِ ّ‬
‫عظِيمًا (‪)53‬‬
‫اللّهِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬وزّع المر بين رسول ال وبين أمته‪ ،‬فكما قال للرسول في أول‬
‫السورة{ يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّهَ‪[} ...‬الحزاب‪ ]1 :‬أمر أمته بذكْره وطاعته‪ ،‬وكما تكلّم عن أمر يتعلّق‬
‫برسول ال تكلّم كذلك عن أمر يتعلق بأمته في قوله{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا َنكَحْتُمُ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ ثُمّ‬
‫طَّلقْ ُتمُوهُنّ‪[} ...‬الحزاب‪.]49 :‬‬
‫بعد ذلك لرسول ال‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ إِنّآ أَ ْرسَلْنَاكَ شَاهِدا َومُبَشّرا وَنَذِيرا }[الحزاب‪ ]45 :‬ليُبيّن عموم‬
‫َنفْعه لمته‪ ،‬فجازاه عن المة بأن يُصلّوا عليه‪ ،‬وأنْ يتأدبوا حين دخولهم بيته صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فقال هنا‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لَ َتدْخُلُواْ بُيُوتَ النّ ِبيّ ِإلّ أَن ُيؤْذَنَ َلكُمْ‪[ } ...‬الحزاب‪]53 :‬‬
‫لن التكليف ل بُدّ أن يكون لمن آمن بال‪ .‬وقلنا‪ :‬إن الحق سبحانه رب وإله‪ ،‬ومعنى (رب) أنه‬
‫سبحانه خلق وربّي وأنعم وتفضّل‪ ،‬والخَلْق والتربية والنعام والتفضّل ليس خاصا بالمؤمنين‪ ،‬بل‬
‫لكل مَن استدعاه ال لوجود من مؤمنين وكافرين‪.‬‬
‫فالشمس تشرق على الجميع‪ ،‬والمطر يروى أرض المؤمن والكافر‪ ،‬والرض تستجيب للكل‪،‬‬
‫فالذي يُحسِن َأخْذ أسباب ال من عطاء الربوبية يأخذ النتيجة‪ ،‬وينال نصيبه موقَوتا بمدى الربوبية‬
‫في الدنيا{ مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَزِدْ َلهُ فِي حَرْثِهِ َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا‬
‫لَهُ فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪ ]20 :‬وال ل يضيع أجر مَنْ أحسن عملً‪.‬‬
‫فالمؤمن الذي ل يأخذ يد ال الممدودة له بالسباب ويهملها يعيش مُتخلّفا عالةً على غيره‪ ،‬يعيش‬
‫شحاذا يستجدي قُوتَه حتى من الكافر‪ ،‬فإذا ما خََلتْ الساحة للكافر‪ ،‬وأخذ هو بالسباب‪ ،‬وأعطاها‬
‫حقوقها أخذ هو عطاء الرب‪ ،‬وكان َأوْلَى بالمؤمن ألّ يترك عطاء ربه‪ ،‬يأخذه مَنْ ل يؤمن بال‪،‬‬
‫ثم يتخلف هو عن َركْب الحضارة‪ ،‬وإنْ كانت الحضارة التي وصل إليها الكفار اليوم حضارة في‬
‫الماديات فحسب‪.‬‬
‫أما القيم والخلقيات فقد انحدرتْ في هذه المجتمعات‪ ،‬بدليل أنك حين تذهب إلى هذه البلد‬
‫وتنزل مثلً في فندق ‪ -‬كما نزلنا ‪ -‬تجد مكتوبا على باب الحجرة‪ :‬إذا دخل عليك اللصوص فل‬
‫تقاوم‪ ،‬فإن حياتك أثمن مما معك‪ ،‬إذا خرجتَ إلى الشارع فل تحمل من المال إل بقدر‬
‫ضرورياتك‪ .‬إذن‪ :‬ارتقوا في شيء‪ ،‬وانحدروا في أشياء‪.‬‬
‫خلٍ للفرد في العالم تجده في‬
‫وإذا كان مظهر ارتقائهم في الناحية القتصادية‪ ،‬فانظر إلى أعلى َد ْ‬
‫السويد‪ ،‬ومع ذلك تكثر عندهم المراض النفسية والعصبية والنتحار والجنون والشذوذ وغيرها‬
‫من المراض الجتماعية‪.‬‬
‫لقد تحضّرتْ هذه البلد حضارة مادية؛ لنهم أخذوا بأسبابها‪ ،‬فأتقن ُكلّ عمله‪ ،‬وأعطى وقت العمل‬
‫للعمل‪ ،‬فما بين الثامنة إلى الثانية عشرة ل تجد إنسانا في الشارع‪ ،‬ول تجد أحدا يجلس على‬
‫(القهوة) مثلً أو يضيع وقت العمل‪ ،‬وفي وقت الراحة يذهب الجميع إلى المطعم ليأكل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(السندوتش) الجاهز‪ ،‬ثم يعود إلى عمله‪.‬‬
‫هكذا يعيش المجتمع المادي‪ ،‬فالذي ل يعمل فيه يموت من الجوع‪ ،‬والحمد ل أن شبابنا تنبهوا إلى‬
‫أهمية العمل وتخّلوْا عن الطفولة التي كانوا يعيشون فيها حتى الثلثين‪ ،‬وهم عَالَة على البوين‪.‬‬
‫والحق سبحانه هنا يُعلّمنا الدب مع رسول ال‪ ،‬ويجعله لنا قدوة‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم عاش‬
‫عيشة الكفاف مطعما وملبسا ومسكنا‪ ،‬فليس عنده إل عدة حجرات‪ ،‬لكل زوجة من زوجاته حجرة‬
‫واحدة‪ ،‬فليس لديه حجرة صالون أو استقبال‪ ،‬فل بُدّ أن تتعلم المة آداب الدخول وآداب الزيارة‬
‫في مثل هذه الحالة‪ ،‬وخاصة مع رسول ال في بيوته‪.‬‬
‫خلُواْ بُيُوتَ النّ ِبيّ ِإلّ أَن ُيؤْذَنَ َل ُكمْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬كلمة‬
‫فقال سبحانه‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ تَدْ ُ‬
‫عدّ للبيتوتة أي‪ :‬للمبيت فيه‪ ،‬والمبيت في الغلب العَمّ لليل‪ ،‬فهو‬
‫(بيوت) جمع بيت‪ ،‬وهو ما أُ ِ‬
‫محل السكون والبيات‪ ،‬أما النهار فهو محلّ الحركة‪ ،‬ول بد للنسان بعد التعب والجهد أن يأوي‬
‫سمّيت الزوجة سكنا للسبب‬
‫سمّي البيت سكنا‪ ،‬كذلك ُ‬
‫بالليل إلى مكان يستريح فيه ويفيء إليه؛ لذلك ُ‬
‫نفسه‪.‬‬
‫سكَن ليواء القلب وراحة النفس‪ ،‬فكلهما ينبغي أن‬
‫فالبيت مسكن ليواء القالب وراحته‪ ،‬والمرأة َ‬
‫يكون مصدرا للراحة‪.‬‬
‫سمّي‬
‫والبيت يُجمع على بيوت إنْ أردنا المسكن‪ ،‬ويجمع على أبيات إنْ أردنا البيت الشعري‪ ،‬و ُ‬
‫الشعر بيتا عند العرب وهم أمة فصاحة وبيان؛ لنه تأوي إليه المعاني‪ ،‬كما نأوي نحن إلى بيوتنا‬
‫ونسكن فيها‪ ،‬كذلك المعاني تسكن بيت الشعر‪ ،‬فيصير البيت نفسه حكمة‪.‬‬
‫لذلك يقول أحمد شوقي رحمه ال‪ :‬ل يزال الشعر عاقلً ‪ -‬يعني‪ :‬ل زينة له من قولهم المرأة‬
‫العاقل أي‪ :‬التي ل زينة لها ‪ -‬ما لم تُزيّنه الحكمة‪ ،‬فهو بدونها هراء ل فائدة منه‪.‬‬
‫ول تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت من الشعر يُحفظ ويُتداول على مَ ّر العصور‪ ،‬كما‬
‫نستشهد نحن الن بأبيات المتنبي والمعري وشوقي‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫والبيتوتة في كل شيء بحسبها‪ ،‬فالذين يعملون بالنهار بيتوتهم بالليل‪ ،‬والذين يعملون بالليل بيتوتهم‬
‫بالنهار‪ ،‬وإنْ كان الصل في البيات أن يكون ليلً‪ ،‬وإياك أنْ تشغل إنسانا وقت بيتوته سواء أكانت‬
‫بالليل أو بالنهار‪ ،‬فوقت العمل للعمل‪ ،‬ووقت السكن للسكن‪.‬‬
‫لذلك فإن أهل الحكمة عندنا في الفلحين يقولون‪( :‬مَنْ يحرس) يعني‪ :‬بالليل (ل يحرث) يعني‪:‬‬
‫بالنهار؛ لن النسان إنْ انشغل وقت راحته ل يجيد عمله ول يتقنه‪.‬‬
‫بصرف النظر‪ ،‬أكان وقت الراحة في الليل أو في النهار‪ ،‬فأنت مثلً حين تتأمل البلد التي تشرق‬
‫فيها الشمس ثلثة أشهر أو ستة أشهر‪ ،‬وتغيب أيضا ثلثة أشهر أو ستة أشهر‪ ،‬هل نتصور أن‬
‫يعمل أهل هذه البلد طوال الثلثة أشهر‪ ،‬وينامون ثلثة أشهر؟ ل إنما يُقسّمون هذه الفترة في ليل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أو نهار إلى فترات‪ :‬فترة للعمل‪ ،‬وفترة للراحة‪.‬‬
‫لذلك تجد من عظمة القرآن أنْ يحتاط لمثل هذه المور‪ ،‬فيقول سبحانه‪ {:‬مِنْ آيَاتِهِ مَنَا ُمكُم بِالّيلِ‬
‫وَال ّنهَارِ وَابْ ِتغَآ ُؤكُمْ مّن َفضْلِهِ‪[} ...‬الروم‪ ]23 :‬فالنوم يكون بالليل‪ ،‬ويكون أيضا بالنهار لمن‬
‫تستدعي طبيعة عمله أن يعمل بالليل‪.‬‬
‫والبيت يكون على قدر إمكانات صاحبه‪ ،‬المهم أنْ يكون له مكان يأوي إليه ويستريح فيه‪ ،‬مهما‬
‫َقلّ‪ ،‬حتى لو كان مكانا ضيّقا على قَدْر ما يسع النسان أنْ يضع جنبه على الرض‪ ،‬فإنْ كان فيه‬
‫مُتّسع فبها و ِنعْمت‪ ،‬وعلى طارق البيت أنْ يراعي مدى البيتوتة لمن يطرق عليه‪.‬‬
‫وكما يتفاوت الناس في البيوت‪ ،‬كذلك يتفاوتون في ترف الحياة وأسباب الراحة في البيت على‬
‫حسب المكانات‪ ،‬وما دامت الراحة على قدر المكانات‪ ،‬فينبغي أنْ يتحلّى كلّ بالرضا‪ ،‬وأنْ يربط‬
‫بين عمله و َدخْله وبين ترف حياته‪ ،‬فقبل أنْ تفرض لنفسك حياة مترفة‪ ،‬افرض لها أولً عملً‬
‫مترفا بنفس المستوى‪ ،‬بحيث توفر منه إمكانات هذا الترف‪.‬‬
‫وكما يقول المثل (على قدر لحافظ ِمدّ رجليك) فإذا كانت إمكاناتك ل تفر لك إل الكفاف‪ ،‬فلتكُنْ‬
‫راضيا به‪ ،‬وإنْ تمر ّدتَ وطل ْبتَ المزيد فلتتمرد أولً على نفسك‪ ،‬ولتعمل العمل الذي يوفر لك ما‬
‫تتطلع إليه‪.‬‬
‫وآفة الناس في اقتصادهم أنْ يحددوا مستوى الحياة أولً‪ ،‬ثم يرغمون دخولهم وإمكاناتهم على هذا‬
‫المستوى‪ ،‬فيحدث العجز‪ ،‬ول تفي المكانات بالمتطلبات‪ ،‬إنما الواجب أنْ أُحدّد مستوى حياتي‬
‫على ضوء دَخْلي وإمكاناتي‪ ،‬وبذلك يعيش النسان سعيدا مرتاحا ل يرهقه شيء‪ ،‬ول يفوتنا ونحن‬
‫نتحدث عن الدخول والمكانات أنْ نراعي الحلل في الكسب وفي النفاق‪.‬‬
‫ن تكون أحوالهم النفسية‬
‫وإذا كانت البيوت وأسباب الراحة فيها بحَسْب إمكانات أصحابها‪ ،‬فينبغي أ ْ‬
‫حقْدا على صاحب النعمة‪.‬‬
‫أيضا على قدر إمكاناتهم حتى ل يمتليء قلب الفقير ِ‬
‫إذن‪ :‬ل بُدّ لنا أن نتحلّى بالرضا‪ ،‬وأنْ نقنع بما في أيدينا‪ ،‬ومَنْ يدريك لعل صاحب النعمة هذا‬
‫ورثها‪ ،‬وإنْ كان لم يتعب هو فيها فقد تعب أباؤه وأجداده‪ ،‬وسبق أن قلنا‪ :‬إن الذي يعرق عشر‬
‫سنين من حياته يرتاح بقية عمره‪ ،‬والذي يعرق عشرين سنة يُريح أولده‪ ،‬والذي يعرق ثلثين‬
‫يُريح أحفاده‪ ،‬ومَنْ ذا الذي عرق وكدّ ولم يجد ثمرة عرقه؟‬
‫فمَنْ أراد أنْ يعيش محترما مكرما حال شيخوخته فليعمل في شبابه وحال قدرته‪ ،‬وليعرق قبل أنْ‬
‫يأتيه يوم ل يجد فيه هذه القدرة؛ لذلك يراعي سيدنا رسول ال هذا المعنى في قوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪:‬‬
‫" أعْطوا الجير حقه قبل أنْ يجفّ عرقه "‪.‬‬
‫أما الذين يتسكعون في الشوارع أو على القهاوي فليسوا أهلً لهذه الحياة الكمرية حال شيخوختهم‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كذلك العامل الذي ل يعطي للعمل حقه‪ ،‬أو ل يتقنه‪ ،‬أو يجلس يراقب صاحب العمل يتحيّن‬
‫الفرصة لضاعة الوقت‪.‬‬
‫ومعلوم أن القرش إذا اكتسبه صاحبه دون وجه حق كان وبالً عليه وفسادا لحاله؛ لنه لم يعرق‬
‫به‪.‬‬
‫ن أصاب مالً من مهاوش‪ ،‬أذهبه‬
‫ت قول سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬مَ ْ‬
‫واقرأ إنْ شِ ْئ َ‬
‫ال في نهابر " والمهاوش هي الطرق غير المشروعة لجمع المال‪ ،‬وهو نفس المعنى الذي نقصده‬
‫حين نقول مثلً‪ :‬فلن جمع هذا المال من (الهَبْش) أو (النتش)‪ ،‬والنهابر هي البواب التي تُفتح‬
‫لصرف هذا المال ل فائدة منه‪ .‬وكثيرا ما نرى بعض الناس دخولهم ورواتبهم كبيرة‪ ،‬ومع ذلك‬
‫يعيشون عيشة الفقراء‪ ،‬ل ترى عليهم ول على أولدهم أثرا لهذه النعمة‪.‬‬
‫والناس يختلفون في نظرتهم إلى النعمة في أيدي الخرين فقويّ اليمان ساعة يرى النعمة في يد‬
‫غيره ل يحسده عليها‪ ،‬إنما يرى أنها َفضْل ال على عباده‪ ،‬وتراه يدعو لصاحب النعمة بالبركة‪،‬‬
‫جدّ واجتهد‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬وال إنه يستحق هذه النعمة وأكثر منها؛ لنه َ‬
‫المؤمن يقول‪ :‬ما شاء ال‪ ،‬ل قوة إل بال‪ ،‬اللهم بارك له وأعطني من نعمك‪ ،‬المؤمن يرى في‬
‫نعمة الدنيا نموذجا مُصغّرا نعمة الخرة‪ ،‬فيقول‪ :‬هذا ما أعدّه البشر لنفسهم‪ ،‬فكيف بما أعدّه ال‬
‫لخَلْقه؟ عندها يتراءى له نعيم الجنة‪ ،‬فيُقبل عليها بقلب يملؤه اليمان واليقين‪ ،‬وهذه النظرة للنعمة‬
‫عند الخرين تسمى غِبْطة‪.‬‬
‫أما غير المؤمن ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬فيحقد على صاحب النعمة‪ ،‬ويراه غير أَهْل لها‪ ،‬ويتمنى زوالها‬
‫ضعْف اليمان والعتراض على أقدار ال في‬
‫من عنده‪ ،‬ويحسده عليها‪ ،‬وهذا كله دليل على َ‬
‫خَلْقه‪.‬‬
‫جعِل خصيصا لكي نقابل فيه ال حينما‬
‫سمّي المسجد بيت ال؛ لنه ُ‬
‫ونُسمّي المساجد بيوت ال‪ ،‬و ُ‬
‫نسمع نداء الصلة؛ لذلك حذرنا رسول ال أنْ نُدخل الدنيا معنا بيوت ال‪ ،‬فحذّر أنْ تُقعد الصفقات‬
‫في المساجد‪ ،‬أو تُنشَد فيها الضالة‪ ،‬ول أدلّ على ذلك من قوله صلى ال عليه وسلم لمن عقد‬
‫ل لك في صفقتك " وقال لمن نشد ضالته في المسجد‪ " :‬ل‬
‫صفقة تجارية في بيت ال‪ " :‬ل بارك ا ُ‬
‫ردّ الُ عليك ضالّتك "‪.‬‬
‫لن النسان يعيش طوال وقته للدنيا‪ ،‬فل يجوز أن يأخذها معه حتى في وقت الصلة‪ ،‬فوقت‬
‫الصلة للقاء ال‪ ،‬وهذا الوقت ل يعطل حركة حياتك‪ ،‬إنما يعطيك شحنة إيمانية تُقوّيك على متابعة‬
‫حركة حياتك‪ ،‬وسبق أن قلنا‪ :‬إن هذه الشحنة أشبه بشحنة البطارية‪ ،‬فهل يقال لمن أخذ البطارية‬
‫ليشحنها أنه عطّل البطارية؟‬
‫كذلك أنت صَنْعة ال وخِلْقته‪ ،‬وما بالك بصنعة تُعرض على صانعها كل يوم خمس مرات‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أيصيبها عطب بعد ذلك؟ وكذلك أنت حين تعرض نفسك على ربك‪ ،‬تأخذ من هذا اللقاء شحنة‬
‫إيمان ويقين‪ ،‬وتتخلّص من همومك ومشاكلك‪.‬‬
‫لذلك كان سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم كلما حَزَبَه أمر فزع إلى الصلة‪ ،‬ففي الصلة‬
‫ترمي بنفسك وترمي بهمومك ومشاكلك في (أحضان) ربك؛ لنه سبحانه أعطى الكون أسبابا‪ ،‬فإذا‬
‫ع ّزتْ عليك السباب ولم ُتفِ ْدكَ بشيء فات ُركْ السباب‪ ،‬والجأ إلى المسبّب سبحانه‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن المسجد بيت ال باختيار الخَلْق‪ ،‬أما بيت ال الحرام فهو بيت ال باختيار ال؛ لذلك جعله‬
‫ال قِبْلة كل البيوت‪ ،‬فإذا ما زُرْته ولو مرة واحدة أصلح حياتك كلها‪.‬‬
‫نعود إلى بيوت النبي صلى ال عليه وسلم وما ينبغي أنْ يتحلى به المؤمنون من أدب في دخولها‪،‬‬
‫وما يجب أنْ يُراعَي في دخول هذه البيوت بالذات؛ لن لها طبيعة خاصة تناسب مهمة صاحبها‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫} ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ تَ ْدخُلُواْ بُيُوتَ النّ ِبيّ ِإلّ أَن ُي ْؤذَنَ َلكُمْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬يعني‪ :‬ل تتهجّموا‬
‫عليها؛ لنها ضيّقة وليستْ فيها سعة للستقبال في كل الوقات‪ ،‬والذن هنا مُقيّد بالطعام } ِإلّ أَن‬
‫طعَامٍ‪[ { ...‬الحزاب‪.]53 :‬‬
‫ُيؤْذَنَ َلكُمْ إِلَىا َ‬
‫وحتى إذا دُعِيتَ إلى طعام رسول ال ل تذهبْ إليه قبل وقته‪ ،‬فإذا كان الغداء مثلً الساعة الثانية‪،‬‬
‫فل تذهب أنت الساعة العاشرة؛ لنه ل يليق أن تشغل رسول ال وله في بيته مهمات يجب ألّ‬
‫ينشغلَ عنها‪ ،‬مهام مع ربه‪ ،‬ومهام مع أهل بيته‪ ،‬وهذا معنى‪ } :‬غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ‪[ { ...‬الحزاب‪:‬‬
‫‪ ]53‬أي‪ :‬نضج الطعام واستوائه وإعداده‪ ،‬والفعل (إِنَي) على وزن رضا‪ ،‬وفي لغة‪ :‬إني أنيا مثل‪:‬‬
‫رمي رميا‪.‬‬
‫وهنا تحذير للمؤمنين إذا دُعُوا إلى طعام رسول ال أنْ يدخلوا بيوته ينتظرون ُنضْج الطعام‪ ،‬إنما‬
‫عليهم ألّ يدخلوا إل بعد ُنضْج الطعام وإعداده‪ ،‬بحيث يقول لهم تفضلوا الطعام } وَلَـكِنْ ِإذَا دُعِي ُتمْ‬
‫ط ِعمْتُمْ فَانْ َتشِرُواْ‪[ { ...‬الحزاب‪]53 :‬‬
‫فَا ْدخُلُواْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬فالطعام جاهز و ُمعَدّ } فَإِذَا َ‬
‫فكما نهاهم في أوّليّة الطعام عن انتظار ُنضْجه‪ ،‬كذلك نهاهم في آخريته عن عدم الجلوس بعده‪،‬‬
‫إنما ينبغي عليهم إذا أكلوا أنْ ينتشروا‪.‬‬
‫والنتشار‪ :‬أنْ يأخذ الشيء حيّزا أوسع من حجمه‪ ،‬والنتشار يُعينك على تحقيق الغاية‪ ،‬ألسْنَا ننشر‬
‫الملبس بعد غَسلْها؟ لماذا؟ لن نَشْر الغسيل يساعد على جفافه‪ ،‬ولو تركْتَه في حيّزه الضيق‬
‫لحتاج أسبوعا لكي يجفّ‪ ،‬إذن‪ :‬في النتشار فائدة‪.‬‬
‫وسبق أنْ أوضحنا هذه الظاهرة بكوب الماء إذا تركْتَه مثلً وسافرتَ لمدة شهر‪ ،‬فإنك ستعُود‬
‫فتجده كما هو لم ينقص إل القليل‪ ،‬لكن إنْ سكبْتَه في أرض الحجرة فسوف يجفّ قبل أنْ تخرج‬
‫منها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ط ِعمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬أي تفرّقوا؛ لن المكان الذي‬
‫فقوله تعالى هنا } فَا ْدخُلُواْ فَإِذَا َ‬
‫أنتم فيه في بيت النبي ضيّق‪ ،‬إذن‪ :‬ليذهب ُكلّ إلى عمله‪ ،‬وماذا يُراد من المؤمن بعد أنْ تناول‬
‫طعامه؟ أنْ يسعى في مناكب الرض‪ ،‬ل أنْ يجلس خاملً عَالةً على غيره‪ ،‬وتأمل أيضا قول ال‬
‫تعالى في سورة الجمعة‪:‬‬
‫ضلِ اللّهِ‪[} ...‬الجمعة‪.]10 :‬‬
‫ض وَابْ َتغُواْ مِن َف ْ‬
‫لةُ فَان َتشِرُواْ فِي الَ ْر ِ‬
‫{ فَِإذَا ُقضِ َيتِ الصّ َ‬
‫إذن‪ :‬أمر الحق سبحانه عباده المؤمنين بالنتشار؛ لن له هدفا وغايةً‪ ،‬فالهدف السعي وطلب‬
‫الرزق‪ ،‬وماذا بعد أنْ تناولتهم طعامكم؟ أيليق بكم أنْ تقعدوا مثل (تنابلة السلطان) في بيت رسول‬
‫ال‪ ،‬وأنتم تعلمون أنه يعيش عَ ِيشَة الكفاف في كل شئون حياته؟‬
‫ومن معاني النتشار‪ :‬السياحة‪ ،‬وهي مأخوذة من سَاح الماء إذا فَاض‪ ،‬وأخذ حيّزا أكبر‪ ،‬والنتشار‬
‫ن تكون مُنظمة كما تنتشر نقطة الماء على القماش‪ ،‬فتحدث فيه دائرة منتظمة‪.‬‬
‫أو السياحة ينبغي أ ْ‬
‫كذلك في انتشاركم في الرض للسعي في طلب الرزق يجب أنْ يكون بنظام معين‪ ،‬بحيث ل‬
‫ن يعمره‪ ،‬ويستنبط خيراته‪.‬‬
‫يحدث تكدّس في مكان أو زحام‪ ،‬في حين يخلو مكان آخر ل يجد مَ ْ‬
‫والسياحة في الرض أو النتشار فيها‪ ،‬ال تعالى يريده مِنّا لغايتين‪:‬‬
‫الولى‪ :‬الضرب في الرض وابتغاء رزق ال وفضله‪ ،‬كما قال الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَآخَرُونَ‬
‫ضلِ اللّهِ‪[} ...‬المزمل‪.]20 :‬‬
‫َيضْرِبُونَ فِي الَ ْرضِ يَبْ َتغُونَ مِن َف ْ‬
‫والضرب في الرض ليس مجرد النتشار فيها‪ ،‬إنما المراد العمل والكفاح واستخراج خيراتها؛‬
‫لن الخالق سبحانه نثر القوت في أنحاء الرض بالتساوي‪ ،‬ونثر فيها الخيرات؛ لذلك كل يوم‬
‫تعطينا الرض جديدا من ِنعَم ال‪ ،‬كنا ل نعرف من خيرات الرض إل الزراعة‪ ،‬فلما تق ّد َمتْ‬
‫العلوم والكتشافات وتطوّرت أدواته عرفنا المعادن والبترول والكنوز المطمورة في أرض ال‪،‬‬
‫ي في الرض ل نستخرجه ول نعرفه إل بالضرب في الرض‪ ،‬وسبق أن قلنا‪:‬‬
‫وكل أثر كنز ّ‬
‫الضرب إيقاع شيء بقوة‪.‬‬
‫كنا نتعجّب من الناس الذين يسكنون البوادي والصحراء ونشفق عليهم‪ ،‬كيف يعيشون في هذا‬
‫جدْب والقَحْط؟ ولماذا ل يتركون هذا المكان إلى غيره؟ والن وبعد الكتشافات البترولية صاروا‬
‫ال َ‬
‫هم أغنى الناس وتأتيهم كل خيرات الدنيا تحت أقدامهم‪ .‬لماذا؟ لنهم تمسّكوا بأرضهم وبلدهم‬
‫وصبروا عليها‪ ،‬حتى آن الوان لجني خيراتها‪ ،‬ولو أنهم يئسوا منها ما نالوا كل هذا الخير‪.‬‬
‫وسبق أنْ أوضحنا أن خيرات الرض متساوية‪ ،‬وشبهناها بقطاع طولي في البطيخة مثلً‪ ،‬وإنْ‬
‫تعددت ألوان هذه الخيرات واختلفت من مكان لخر‪.‬‬
‫والخرى‪ :‬أن تكون السياحة للعتبار والتأمل في آيات ال في كونه‪ ،‬فبالتنقل والسير في الرض‬
‫أرى آيات ليست موجودة في بيئتي‪ ،‬وفي ذلك يقول تعالى‪ُ {:‬قلْ سِيرُواْ فِي الَ ْرضِ فَانظُرُواْ كَ ْيفَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيْءٍ قَدِيرٌ }[العنكبوت‪ ]20 :‬ويقول‬
‫بَدَأَ الْخَ ْلقَ ثُمّ اللّهُ يُنشِىءُ النّشَْأةَ الخِ َرةَ إِنّ اللّهَ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫سبحانه في موضع آخر‪ُ {:‬قلْ سِيرُواْ فِي الَ ْرضِ ثُمّ انْظُرُواْ‪[} ...‬النعام‪.]11 :‬‬
‫والمعنى أن السّيْر في الرض لبتغاء الرزق ينبغي أنْ يصاحبه نظر وتأمّل ليات ال‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪َ } :‬ولَ مُسْتَئْنِسِينَ ِلحَدِيثٍ إِنّ ذَاِلكُمْ كَانَ ُيؤْذِي النّ ِبيّ فَ َيسْتَحْيِي مِنكُ ْم وَاللّ ُه لَ َيسْتَحْيِي‬
‫حقّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬أي‪ :‬ل ينبغي أنْ تجلسوا بعد الطعام للحديث‪ ،‬وتجعلوها (سهراية)‬
‫مِنَ الْ َ‬
‫في بيت رسول ال‪ ،‬وهذا النهي كان له سبب وحادثة وقعتْ‪ ،‬فنزلت هذه الية‪.‬‬
‫سيدنا رسول ال لم يُؤلِم وليمة في عُرْس من أعراسه إل لزينب بنت جحش‪ ،‬فذبح صلى ال عليه‬
‫وسلم شاة‪ ،‬وأعدّ لهم الحَيْس‪ ،‬وهو التمر المخلوط بالزبد والسمن‪ ،‬ثم يوضع عليه اللبن الحامض‬
‫أو الرايب‪.‬‬
‫ن يقوموا وينصرفوا‪ ،‬فلم َيقُمْ منهم أحد‪،‬‬
‫فلما أكل الناس جلسوا يتحدثون‪ ،‬انتظر رسول ال أ ْ‬
‫ن يقول لهم‪ :‬قوموا‪ ،‬فأراد صلى ال عليه وسلم أنْ يُظهِر لهم‬
‫وحياؤه صلى ال عليه وسلم يمنعه أ ْ‬
‫أنه يريد أنْ يقوم‪ ،‬وقام فعلً وخرج‪ ،‬فلم يقُم منهم أحد ووجدَ صلى ال عليه وسلم آخرين جالسين‬
‫بالخارج‪ ،‬فعاد إلى مجلسه‪ ،‬فشعر القوم بما يريده رسول ال فانصرفوا‪.‬‬
‫يقول سيدنا أنس‪ :‬فجئتُ فأخبرتُ رسول ال أنهم انطلقوا‪ ،‬فجاء صلى ال عليه وسلم ودخل‪،‬‬
‫فذهبت لدخل وراءه‪ ،‬فألقى الحجاب بيني وبينه ‪ -‬يعني‪ :‬ل أحد يدخل حتى أنت‪.‬‬
‫ومعنى‪ } :‬إِنّ ذَاِلكُمْ كَانَ ُيؤْذِي النّ ِبيّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬لنه صلى ال عليه وسلم‬
‫يريد أنْ تنصرفوا‪ ،‬لكن يمنعه حياؤه‪ ،‬وهذا لن المكان ضيّق‪ ،‬ورسول ال في يوم عُرْس‪ ،‬وليس‬
‫من المناسب الجلوس عنده‪.‬‬
‫} وَاللّ ُه لَ َيسْتَحْيِي مِنَ ا ْلحَقّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬لذلك قالوا‪ :‬حَسْب الثقلء أن ال لم يحتملهم‪.‬‬
‫هكذا حدثتنا الية في صدرها عن‪ :‬آداب الدخول‪ ،‬وآداب الستئذان‪ ،‬وآداب الكل‪ ،‬وآداب الجلوس‬
‫عند رسول ال‪.‬‬
‫ثم تحدّثنا بعد ذلك عن الداب التي يجب أنْ يتحلّى بها المؤمنون في علقتهم بزوجاته صلى ال‬
‫طهَرُ ِلقُلُو ِبكُ ْم َوقُلُو ِبهِنّ‪...‬‬
‫عليه وسلم‪ } :‬وَِإذَا سَأَلْ ُتمُوهُنّ مَتَاعا فَاسَْألُوهُنّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذاِلكُمْ َأ ْ‬
‫{ [الحزاب‪.]53 :‬‬
‫المتاع‪ :‬أواني البيت التي ل تتيسّر للجميع‪ ،‬فعادة ما يكون في الشارع أو الحارة بيت أو بيتان‬
‫مَسْتوران‪ ،‬عندهم مثل هذه الشياء‪ :‬ماجور العجين‪ ،‬أو المنخل‪ ،‬أو الغربال‪ ،‬أو الهون‪..‬إلخ‪.‬‬
‫ومثل هذه الشياء عادة ل تتوفر للفقير‪ ،‬فيذهب إلى جاره فيستعيرها منه‪ ،‬وهذا ما قال ال فيه‪{:‬‬
‫سكِينِ * َفوَيْلٌ‬
‫طعَامِ ا ْلمِ ْ‬
‫حضّ عَلَىا َ‬
‫أَرَأَ ْيتَ الّذِي ُي َك ّذبُ بِالدّينِ * َفذَِلكَ الّذِي َي ُدعّ الْيَتِيمَ * َولَ يَ ُ‬
‫لّ ْل ُمصَلّينَ * الّذِينَ هُمْ عَن صَلَ ِتهِمْ سَاهُونَ * الّذِينَ ُهمْ يُرَآءُونَ * وَ َيمْنَعُونَ ا ْلمَاعُونَ }[الماعون‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪.]7-1‬‬
‫فالمتاع هو الماعون‪ ،‬وهو أدوات البيت التي يستعيرها منك جارك غير القادر على توفيرها في‬
‫بيته‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الحق سبحانه في حين جعل للمؤمنين أدبا خاصا مع رسول ال في الدخول عليه أو الكل في‬
‫بيته والجلوس عنده‪ ،‬لم يمنع النتفاع بما عنده صلى ال عليه وسلم من متاع البيت‪ ،‬ومتاع البيت‬
‫يُطلَب بأنْ تطرق الباب على أهله تقول‪ :‬أعطونا كذا وكذا‪ ،‬وعادة ما ُتسْأل المرأة لنها ربةُ البيت‬
‫والمسئولة عن هذا المتاع‪ ،‬فإذا طلبتُم شيئا من زوجات النبي فاطلبوه من وراء حجاب } ذاِل ُكمْ‬
‫طهَرُ ِلقُلُو ِبكُ ْم َوقُلُو ِبهِنّ‪.‬‬
‫أَ ْ‬
‫‪[ { ..‬الحزاب‪.]53 :‬‬
‫سبق أنْ قُلْنا‪ :‬إن المشاعر والدراكات والمواجيد والعقائد التي تستقرّ في النفس‪ ،‬هذه المظاهر‬
‫الشعورية تتكون على مراحل ثلث‪ :‬آلة تدرك‪ ،‬ووجدان يستقبل‪ ،‬إما بالمحبة‪ ،‬وأما بالكراهية‪ ،‬ثم‬
‫شمّ رائحتها زكية عطرة‪ ،‬فهذا‬
‫نفس تنزع‪ ،‬ومثّلْنا لذلك بالوردة تراها في البستان جميلة نضرة‪ ،‬وت ُ‬
‫إدراك بحاسة البصر وحاسة الشم‪ ،‬نتج عنه إعجاب ومواجيد‪ ،‬يترتب عليها أنْ تمدّ يدك لتقطفها‪،‬‬
‫وهذا هو النزوع‪.‬‬
‫والشرع ل يتدخل‪ ،‬ل في الدراك‪ ،‬ول في الوجدان‪ ،‬إنما يتدخل في النزوع‪ ،‬فَلَك أنْ ترى جمال‬
‫حقّ لك؟ إنْ‬
‫الودرة كما تشاء‪ ،‬ولك أنْ تشمّ عبيرها‪ ،‬لكن إن امت ّدتْ ي ُدكَ إليها قُلْنا لك‪ :‬قف‪ :‬أَهِي َ‬
‫كانت حقك َفخُذْهَا‪ ،‬وإل فهي مُحرّمة عليك لنها ليَستْ مِلْكك‪ ،‬وليس في هذا حَجْرا على حريتك؛‬
‫لن الذي قيّد حريتك في العتداء على مال الغير قيّد حرية الخرين في العتداء عليك‪ ،‬فأعطاك‬
‫قبل أنْ يأخذ منك إذن‪ :‬فالشرع في صالحك أنت‪.‬‬
‫نقول‪ :‬الشرع ل يتدخل إل عند مرحلة النزوع‪ ،‬إل في علقة الرجل بالمرأة والنظر إلى جمالها‪،‬‬
‫فإنه يتدخل فيها من بدايتها‪ ،‬فيحظر عليك مجرد الدراك‪ ،‬لنك حين ترى جمال المرأة‪ ،‬وربما‬
‫كانت أجمل من امرأتك أو لم يسبق لك الزواج‪ ،‬فإنك تُعجب بها‪.‬‬
‫وهذا العجاب ل بُدّ أنْ يدعوك إلى النزوع‪ ،‬فكيف تنزع في هذه الحالة؟ والنزوع في هذه المسألة‬
‫ن تعفّ‬
‫له شروط‪ :‬أولها أنْ تأتيه من باب الحلل‪ ،‬فإنْ لم تكُنْ قادرا على باب الحلل‪ ،‬فإما أ ْ‬
‫نفسك‪ ،‬وإما أنْ تعربد في أعراض الخرين‪ ،‬لذلك تدخّل الشرع في هذه المسألة من أولها‪ ،‬ولم‬
‫يتركك حتى تقع في المحظور وتنزع فيما ل يحلّ لك؛ لن المرأة الجميلة ل شكّ تهيج في الرجل‬
‫معاني خاصة‪.‬‬
‫ل والنْهِزَام لِسَطْو ِت ِهوَلَذَاكَ يأمْرنَا ب َغضّ الطّرْف‬
‫خلَق الجَمَا َ‬
‫وفي ذلك يقول الشاعر‪:‬سُبْحانَ مَنْ َ‬
‫طهْر شريعتِهوبذَا يدُوم له التمتّع هَأهُنَا وبجنّ ِتهِأما الذي يدّعي‬
‫عنه لَرحمتِهِ من شاء يطْلبه فل إلّ ب ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن نظره إلى جمال المرأة ل يترك فيه هذا الثر فهو مخالف للطبيعة‪ ،‬حتى وإنْ كان متزوجا‪،‬‬
‫وإياك أنْ تظن أن امرأة تُغني بجمالها عن جمال في سواها؛ لذلك يقولون‪ :‬النساء كالخمر‪ ،‬كل‬
‫مليحة بمذاق‪ ،‬فمهما كانت زوجتك جميلة‪ ،‬وفيها كل المواصفات التي تعجبك فسوف تجد في‬
‫غيرها الجديد مما ليس فيها‪ .‬إذن‪ :‬من رحمة ال بك أنْ ل تدخل في هذه المسألة من أول‬
‫مراحلها‪ ،‬فحرّم مجرد النظر‪.‬‬
‫وإذا كان هذا في المعنى العام للناس‪ ،‬فكيف يكون مع زوجات النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد قال‬
‫تعالى مخاطبا المؤمنين } َومَا كَانَ َل ُكمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللّهِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬أي بالنظر إلى‬
‫زوجاته؛ لن النظر إدراك يتبعه أنْ تجد في نفسك شيئا‪ ،‬صحيح أنت ل تستطيع أنْ تُقدِم؛ لنهن‬
‫أمهات المؤمنين‪ ،‬إنما سينشغل قلبك‪ ،‬ومجرد خواطر القلب هنا إيذاء لسيدنا رسول ال‪ ،‬بدليل أنه‬
‫قال بعدها‪ } :‬وَلَ أَن تَن ِكحُواْ أَ ْزوَاجَهُ مِن َب ْع ِدهِ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬الحزاب‪.]53 :‬‬
‫و ُروِي أن رجلص رأى السيدة عائشة قبل الحجاب فانبهر بها‪ ،‬فقال‪ :‬وال إنْ مات رسول ال‬
‫ن كان كفّر عن هذه ال َقوْلة وحَجّ ماشيا‪ ،‬وأعتق الرقاب‪ ،‬ليغفر ال له‬
‫لتزوجنّ هذه الحميراء‪ ،‬وإ ْ‬
‫هذه الجرأة على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فمعنى } ذاِلكُمْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬أي‪ :‬أمرنا بأنْ تسألوهنّ من وراء حجاب‪ ،‬وهذا المر احتياط‬
‫طهَرُ ِلقُلُو ِبكُ ْم َوقُلُو ِبهِنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬لقلوبكم أولً‪ ،‬ولقلوبهن ثانيا‪.‬‬
‫للطرفين } َأ ْ‬
‫وقوله تعالى‪َ } :‬ومَا كَانَ َل ُكمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللّهِ { [الحزاب‪ ]53 :‬أي‪ :‬ل ينبغي ول يكون‪ ،‬وهذا‬
‫يعني أنّ شيئا لم يحدث‪ ،‬بل مجرد الخاطر ُي َعدّ إيذاءً؛ لنه في حق مَنْ؟ في حق رسول ال‪.‬‬
‫جهُ مِن َبعْ ِدهِ أَبَدا‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬هذا تكريم لرسول ال‬
‫وقوله‪َ } :‬ولَ أَن تَنكِحُواْ أَ ْزوَا َ‬
‫ن أمهات للمؤمنين‪ ،‬وليس لحد أنْ‬
‫ولزواجه ليس في مدة حياته فحَسْب‪ ،‬إنما حتى بعد مماته؛ لنهُ ّ‬
‫يتزوج منهن بعد رسول ال‪.‬‬
‫ومعلوم أن للزوجة بالنسبة لزوجها خصوصية‪ ،‬فعادةً في طبيعة التكوين النساني ترى الرجل‬
‫عنده ألوان من الخير‪ ،‬فإنْ كان صاحب أريحية ل يمنعك شيئا تتطلبه أو تستعيره منه‪ ،‬يعطيك من‬
‫ماله‪ ،‬من متاع بيته‪ ،‬يعيرك سيارته‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫إل ما يتعلق بالمرأة‪ ،‬فإنه يغار حتى من مجرد أنْ تنظر إليها‪ ،‬ليس ذلك وهي في حوزته ومِلْكه‪،‬‬
‫إنما حتى لو كان كارها لها‪ ،‬حتى لو طلقها يغار عليها أن تتزوج بآخر‪.‬‬
‫إذن المرأة هي المتاع الوحيد الذي يحتل هذه المنزلة‪ ،‬وينال هذا الحفظ وهذه الرعاية‪ ،‬لماذا؟ لنها‬
‫عفّة ونقاء‪،‬‬
‫طهْر و ِ‬
‫وعاء النّسْل‪ ،‬وكأن ال تعالى يريد للمة كثرة النسل شريطة أنْ يكون من ُ‬
‫فوضع في قلب الرجل حُبّها والغيرة عليها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك‪ ،‬تأمل هذا الوصف الذي وصف ال به النصار لما استقبلوا المهاجرين‪ ،‬وأفسحوا لهم في‬
‫أملكهم وفي بيوتهم‪ ،‬فوصفهم ال وصفا أرقى ما يُوصف به مكان في مكين‪.‬‬
‫فقال سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ تَ َبوّءُوا الدّا َر وَالِيمَانَ‪[} ...‬الحشر‪ ]9 :‬فكأنهم يسكنون في اليمان{ مِن قَبِْلهِمْ‬
‫سهِمْ وََلوْ كَانَ‬
‫صدُورِهِمْ حَاجَةً ّممّآ أُوتُو ْا وَ ُيؤْثِرُونَ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫جدُونَ فِي ُ‬
‫يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَ ْيهِمْ وَلَ يَ ِ‬
‫خصَاصَةٌ‪[} ...‬الحشر‪.]9 :‬‬
‫ِبهِمْ َ‬
‫وما استحق النصارُ هذا الوصفَ من الحق سبحانه إل ليثارهم إخوانهم المهاجرين وبَذْل شيء لم‬
‫يبذله أحد قبلهم‪ ،‬حيث كان الواحد منهم يعرض على أخيه المهاجر أنْ يُطلّق له إحدى زوجاته‬
‫ليتزوجها‪ ،‬وهذه هي المسألة التي تثبت أن إيمانَ هؤلء طغي على كل ما عداه‪ ،‬وصار أحبّ‬
‫شيء إليهم حتى من المرأة‪ ،‬ومن الغيرة عليها‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إِنّ ذاِلكُمْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]53 :‬أي‪ :‬ما سبق أنْ ُذكِر من سؤال أمهات المؤمنين من‬
‫وراء حجاب‪ ،‬وألّ تؤذوا رسول ال‪ ،‬أو تنكحوا أزواجه من بعده‪ ،‬كل هذا } كَانَ عِندَ اللّهِ عَظِيما {‬
‫[الحزاب‪ ]53 :‬وكيف ُيؤْذَي رسولُ ال‪ ،‬وهو ما جاء إل ليحمينا من اليذاء في الدنيا في الخرة‪.‬‬
‫خفُوهُ‪.{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬إِن تُبْدُواْ شَيْئا َأوْ ُت ْ‬

‫(‪)3509 /‬‬
‫شيْءٍ عَلِيمًا (‪)54‬‬
‫خفُوهُ فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِب ُكلّ َ‬
‫إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا َأوْ تُ ْ‬

‫فكأن في الية إشارة تحذير‪ :‬إياكم أنْ تسرقكم خواطركم في هذه المسألة؛ لن ربكم ل تخفي عليه‬
‫خافية‪ ،‬ول يع ُزبُ عن علمه شيء‪ ،‬وإنْ كانت الخواطر والهواجس ل يُحاسب عليها المرء‪ ،‬إل‬
‫أنها محظورة منهي عنها‪ ،‬إنْ كانت في حَقّ رسول ال‪.‬‬
‫لقد ورد في الحديث الشريف‪ " :‬مَنْ َهمّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة " هذا في المور العامة‪،‬‬
‫أما إنْ تعلّق المر برسول ال فل؛ لن مراد الحق سبحانه أنْ يُوفّر طاقة رسول ال للمهمة التي‬
‫فل؛ لن مراد الحق سبحانه أنْ يُوفّر طاقة رسول ال للمهمة التي أُرسِل بها‪ ،‬وألّ يشغله عنها‬
‫ي مهمة أعظم من مهمة هداية العالم كله‪ ،‬ليس في زمنه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإنما منذ‬
‫شاغل‪ ،‬وأ ّ‬
‫بعثته وحتى قيام الساعة‪.‬‬
‫خفُوهُ فَإِنّ اللّهَ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬إِن تُبْدُواْ شَيْئا‪[ } ...‬الحزاب‪ ]54 :‬أي‪ :‬أيّ شيء مهما كان { َأوْ ُت ْ‬
‫شيْءٍ عَلِيما } [الحزاب‪ ]54 :‬وعليم صيغة مبالغة في العلم؛ لن عِلْم ال تعالى عِلْم‬
‫كَانَ ِب ُكلّ َ‬
‫أزليّ ليس مُتجدّدا بتجدّد الحدث‪ ،‬فال يعلم قبل الفعل وأثناء الفعل وبعده‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك قلنا‪ :‬إن الزمن عندنا نحن ماض وحاضر ومستقبل‪ ،‬أما بالنسبة للحق سبحانه فليس هناك‬
‫ماض ول حاضر ول مستقبل؛ لذلك يتكلم سبحانه عن المستقبل وكأنه ماض‪.‬‬
‫جلُوهُ‪[} ...‬النحل‪ ]1 :‬وأتى فعل ماض ومع ذلك قال بعده{ فَلَ‬
‫واقرأ مثلً‪ {:‬أَتَىا َأمْرُ اللّهِ فَلَ تَسْ َتعْ ِ‬
‫تَسْ َتعْجِلُوهُ‪[} ...‬النحل‪ ]1 :‬والستعجال ل يكون إل لشيء لم يَ ْأتِ وقته‪ ،‬فكأن (أتى) معناها بالنسبة‬
‫لكم سيأتي‪ ،‬أما بالنسبة للحق سبحانه فإنه أتى بالفعل؛ لن الزمن كله في علم ال سواء‪.‬‬
‫شيْءٍ عَلِيما } [الحزاب‪ ]54 :‬أي‪ :‬كان وما يزال عليما؛ لنه سبحانه‬
‫ومعنى‪ { :‬فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِب ُكلّ َ‬
‫ما دام كان عليما‪ ،‬وهو سبحانه ل تتأتى فيه الغيار‪ ،‬فهو سبحانه عليم فيما مضى ول يزال؛ لنه‬
‫ل يتغير‪ ،‬فكان هنا ل تعني أن علمه تعالى نتيجة لحدثكم الذي أحدثتموه‪ ،‬إنما هو سبحانه عالم قبل‬
‫أنْ يحدث منكم‪.‬‬
‫وهذه الية من اليات التي وقف عندها المستشرقون؛ ليستدركوا كما يظنون على كلم ال؛ لنهم‬
‫دائما يتهموننا أننا ننظر إلى القرآن بقداسة‪ ،‬وأنه كلم ال فل نُعمل فيه عقولنا‪ ،‬وأنهم حين يُدقّقون‬
‫في القرآن ويتجرّأون على البحث فيه يجدون فيه مآخذ ‪ -‬على حَدّ زعمهم‪.‬‬
‫شيْءٍ عَلِيما }‬
‫خفُوهُ فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِب ُكلّ َ‬
‫ووَجْه اعتراضهم في قوله تعالى‪ { :‬إِن تُبْدُواْ شَيْئا َأوْ ُت ْ‬
‫ن َومَا َتكْ ُتمُونَ }[النور‪.]29 :‬‬
‫[الحزاب‪ ]54 :‬ومثله‪ {:‬وَاللّهُ َيعْلَمُ مَا تُ ْبدُو َ‬
‫يقولون‪ :‬إذا كان ال يمتنّ بعلم ما نُخفي‪ ،‬فما الميزة وما العظمة في علم ما نبدي؟‬
‫ن تؤمن أنه صادر من ال تعالى‪ ،‬وأن هذا‬
‫نقول‪ :‬إياك حين تقرأ كلم ال أنْ تُحكّم فيه عقلك قبل أ ْ‬
‫كلمه سبحانه‪ ،‬وعندها أَدِرْ المسألة في عقلك وابحثها حتى تصل إلى الحكمة ووجه العجاز فيها‪.‬‬
‫فقوله تعالى } إِن تُبْدُواْ‪[ { ....‬الحزاب‪ ]54 :‬ال ل يخاطب فردا‪ ،‬إنما يخاطب جمهرة الناس‪،‬‬
‫والبداء من الجمهرة ل يمكن لك أن تحدد مصدر الفعل فيه‪ ،‬بحيث تردّ كلّ صوت‪ ،‬وكلّ حركة‬
‫إلى صاحبها‪.‬‬
‫وسبق أنْ مثّلنا لذلك بالمظاهرة مثلً التي تختلط فيها الصوات وتعلوا الهتافات‪ ،‬وسمعنا مثلً مَنْ‬
‫ينادي بسقوط فلن‪ ،‬أنستطيع في هذه الحالة أنْ نحدد صاحب هذا الهتاف؟ ل ل نستطيع بسبب‬
‫جهْر أعلنه صاحبه بأعلى صوته أبداه على المل‪ ،‬ومع ذلك ل‬
‫اختلط وتداخل الصوات‪ ،‬مع أنه َ‬
‫تستطيع أنت تحديده‪.‬‬
‫أما الحق سبحانه‪ ،‬فيعلم الصوت‪ ،‬ويعلم صاحبه‪ ،‬ويعلم أثره ونتيجته‪ ،‬ويريد كل كلمة‪ ،‬بل وكل‬
‫َنفَس إلى صاحبه‪ ،‬فالذين يحاولون التستّر والستخفاء في جمهرة الناس عليهم أنْ يحذروا إنْ‬
‫خلْق‪ ،‬واستْخفوا منهم‪ ،‬فلن يستخفوا من ال‪ ،‬فال ل تشتبه عليه اللغات‪ ،‬ول تختلط‬
‫شوّشوا على ال َ‬
‫عليه الصوات‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬لّ جُنَاحَ عَلَ ْيهِنّ فِي آبَآ ِئهِنّ‪.{ ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)3510 /‬‬
‫ن وَلَا نِسَا ِئهِنّ‬
‫خوَا ِتهِ ّ‬
‫ن وَلَا أَبْنَاءِ َأ َ‬
‫خوَا ِنهِ ّ‬
‫ن وَلَا أَبْنَاءِ إِ ْ‬
‫خوَا ِنهِ ّ‬
‫ن وَلَا إِ ْ‬
‫ن وَلَا أَبْنَا ِئهِ ّ‬
‫لَا جُنَاحَ عَلَ ْيهِنّ فِي آَبَا ِئهِ ّ‬
‫شهِيدًا (‪)55‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫ن وَا ّتقِينَ اللّهَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَى ُكلّ َ‬
‫وَلَا مَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُنهُ ّ‬

‫بعد أنْ نزلت آية الحجاب‪ {:‬وَإِذَا سَأَلْ ُتمُوهُنّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ‪[} ...‬الحزاب‪]53 :‬‬
‫اشتكى أقارب أمهات المؤمنين وقالوا‪ :‬حتى نحن يا رسول ال؟ فأنزل ال هذه الية‪ { .‬لّ جُنَاحَ‬
‫عَلَ ْيهِنّ فِي آبَآ ِئهِنّ‪[ } ...‬الحزاب‪.]55 :‬‬
‫ج ول إثمَ أنْ يدخل عليهن هؤلء‬
‫ومعنى { لّ جُنَاحَ عَلَ ْيهِنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]55 :‬أي‪ :‬ل حر َ‬
‫المذكورون؛ لن مكانتهم من المرأة معلومة‪ ،‬ول ُيخْشَى من دخولهم عليها‪ ،‬وهم‪ :‬الب‪ ،‬والبن‪،‬‬
‫والخ‪ ،‬وابن الخ‪ ،‬وابن الخت‪.‬‬
‫والكلم في { َولَ نِسَآ ِئهِنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]55 :‬وهي مضاف ومضاف إليه‪ ،‬والضافة في اللغة‬
‫تأتي بمعانٍ ثلثة‪ :‬بمعنى (مِنْ) مثل أردب شعير يعني‪ :‬من شعير‪ ،‬وبمعنى (في) مثل (مكر الليل)‬
‫أي‪ :‬في الليل‪ ،‬وتأتي بمعنى (اللم) مثل مال زيد يعني لزيد‪ ،‬واللم هنا للملكية أو للختصاص‪،‬‬
‫فمعنى مال زيد يعني‪ :‬مِلْك لزيد‪ ،‬وتقول‪ :‬لجام الفرس‪ ،‬فاللجام ليس مِلْكا للفرس‪ ،‬إنما يختص به‪.‬‬
‫فهنا كلمة { ِنسَآ ِئهِنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]55 :‬تأتي بمعنى (من) وبمعنى اللم أي‪ :‬نساء َلهُنّ‪ ،‬أو نساء‬
‫منهن‪ ،‬ول تأتي هنا بمعنى (في) إذن‪ :‬فالمراد نساء منهن يعني‪ :‬من قرابتهن أو نسائهن يعني‪:‬‬
‫ن مؤمنات؛ لن المؤمنة هي المؤتمنة على المؤمنة‪ ،‬أما‬
‫التابعين لهن مثل الخدم شريطة أنْ يكُ ّ‬
‫الكتابية أو الكافرة فل يصح أنْ تقوم على خدمة المؤمنة؛ لنها ربما َتصِفُها لقومها‪.‬‬
‫لذلك نلحظ دقة التعبير هنا في عدم ِذكْر العمام والخوال؛ لن العم أو الخال ‪ -‬رغم أنه في‬
‫منزلة الوالد ‪ -‬إل أنه قد يصف البنت لبنه‪ ،‬فإنْ كان العم أو الخال ليس له ولد‪ ،‬فالعلة مفقودة‪،‬‬
‫ويجوز التساهل معهما ‪ -‬إذن ‪ -‬في الدخول في المرأة‪ ،‬وإبداء الزينة أمامهما‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَلَ مَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُنهُنّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]55 :‬قلنا‪ :‬إن مِلْك اليمين يأتي من السرى‬
‫في حرب مشروعة‪ ،‬وقد باشرتَ َأسْره بنفسك‪ ،‬بمعنى أنه لم يكُنْ حرا‪ ،‬ثم أُخذ وبيع على أنه عبد‪،‬‬
‫ثم بعد الَسْر يمكن أن تأخذ مِلْك اليمين بأنْ تشتريه‪ ،‬أو تأخذه إرثا‪ ،‬أو تأخذه هِبة‪ ،‬ومِلْك اليَمين قد‬
‫يكون من النساء فتدخل في نسائهن‪ ،‬أو يكون من الصبيَان الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال‪.‬‬
‫عوْرَاتِ النّسَآءِ‪[} ...‬النور‪:‬‬
‫ظهَرُواْ عَلَىا َ‬
‫ط ْفلِ الّذِينَ َلمْ يَ ْ‬
‫كما قال سبحانه في موضع آخر‪َ {:‬أوِ ال ّ‬
‫‪.]31‬‬
‫ويدخل في ذلك أيضا التابعون الذين يعملون في البيت كالبوابين والسائقين والطباخين‪ ..‬إلخ‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والشرع يتساهل مع هؤلء؛ لن العرف الجتماعي يأبى أنْ تنشأ علقة بين هؤلء وبين أهل‬
‫البيت‪ ،‬فهؤلء التابعون يعملون في البيوت‪ ،‬وبها نساء وبنات جميلت‪ ،‬لكن كم من هؤلء تجرّأ‬
‫على أنْ ينظر إلى سيدته؛ ذلك لن المركز الجتماعي جعل بينهما حاجزا‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ { :‬وَا ّتقِينَ اللّهَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]55 :‬كأن الحق سبحانه يقول‪ :‬لقد بينتُ لكُنّ الحكم‬
‫ن في هذا‬
‫في الدخول على المرأة‪ ،‬وبينت النواع التي ل جناحَ عليكُنّ في دخولهم‪ ،‬والحارس عليكُ ّ‬
‫تقواكُنّ ل‪ ،‬فتقوى ال هي التي تحملك على طاعته‪ ،‬وتمنعك من الخروج عنها‪ ،‬ويكفي بعد المر‬
‫شهِيدا }‬
‫شيْءٍ َ‬
‫بالتقوى أنْ تعلم { إِنّ اللّهَ كَانَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]55 :‬وما يزال { عَلَىا ُكلّ َ‬
‫[الحزاب‪.]55 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬إِنّ اللّ َه َومَل ِئكَـتَهُ ُيصَلّونَ‪.} ...‬‬

‫(‪)3511 /‬‬
‫إِنّ اللّ َه َومَلَا ِئكَتَهُ ُيصَلّونَ عَلَى النّ ِبيّ يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَّلمُوا َتسْلِيمًا (‪)56‬‬

‫جاء النبي صلى ال عليه وسلم بالخير لمته مُبشّرا للمؤمنين‪ ،‬نذيرا للكافرين‪ ،‬وكان صلى ال‬
‫سكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا‬
‫عليه وسلم حريصا على هداية قومه‪ ،‬كما قال تعالى‪َ {:‬لقَدْ جَآ َءكُمْ َرسُولٌ مّنْ أَنفُ ِ‬
‫عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَ ْيكُمْ بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ }[التوبة‪.]128 :‬‬
‫ن تفّلتَ أحدٌ من يده‪ ،‬وخرج عن ساحة اليمان‪ ،‬وكان‬
‫كان صلى ال عليه وسلم يألم ويحزن إ ْ‬
‫يُكلّف نفسه في أمر الدعوة فوق ما يطيق‪ ،‬وفوق ما طلب منه‪ ،‬حتى خاطبه ربه بقوله‪ {:‬فََلعَّلكَ‬
‫حدِيثِ َأسَفا }[الكهف‪.]6 :‬‬
‫علَىا آثَارِ ِهمْ إِن لّمْ ُي ْؤمِنُواْ ِبهَـاذَا الْ َ‬
‫سكَ َ‬
‫بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫سبْ‪ ،‬أما الهداية فمن ال عز وجل؛ لنه‬
‫ومعلوم أن سيدنا رسول ال لم يُطلَب منه إل البلغ فح َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪.]4 :‬‬
‫سمَآءِ آيَةً َفظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا خَا ِ‬
‫تعالى قال‪ {:‬إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫فلشدة حرصه صلى ال عليه وسلم على هداية قومه عاتبه ربه؛ لنه شَقّ على نفسه‪ ،‬فالعتاب هنا‬
‫حلّ اللّهُ َلكَ‬
‫لصالحه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما جاء في قوله تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ ِلمَ تُحَرّمُ مَآ أَ َ‬
‫جكَ‪[} ...‬التحريم‪.]1 :‬‬
‫تَبْ َتغِي مَ ْرضَاتَ أَ ْزوَا ِ‬
‫وهذا العتاب أشبه بعتابك لولدك الذي أرهق نفسه في المذاكرة‪ ،‬حتى أنك أشفقتَ عليه‪ ،‬فأنت ل‬
‫تلومه على تقصير‪ ،‬إنما على المبالغة في عمل ل تطيقه قوته‪.‬‬
‫وقد ظهرت قمة حرْصه صلى ال عليه وسلم على أمته حين أنزل ال عليه‪ {:‬وَالضّحَىا * وَاللّ ْيلِ‬
‫س ْوفَ ُي ْعطِيكَ رَ ّبكَ‬
‫ن الُولَىا * وَلَ َ‬
‫عكَ رَ ّبكَ َومَا قَلَىا * وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ ّلكَ مِ َ‬
‫إِذَا سَجَىا * مَا َودّ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فَتَ ْرضَىا }[الضحى‪.]5-1 :‬‬
‫فالتقطها رسول ال من ربه وجعلها لمته‪ ،‬فقال‪ " :‬إذن‪ :‬ل أرضى وواحد من أمتي في النار "‪.‬‬
‫فإذا كان رسول ال حريصا عليكم بهذا الشكل‪ ،‬فهو يستحق منكم أنْ تُصلّوا عليه؛ لن كل خير‬
‫يناله ي ُعمّ عليكم‪ ،‬ويعود إليكم؛ لذلك قال سبحانه‪ { :‬إِنّ اللّهَ َومَلَ ِئكَـتَهُ ُيصَلّونَ عَلَى النّ ِبيّ ياأَ ّيهَا‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ صَلّواْ عَلَ ْي ِه وَسَّلمُواْ تَسْلِيما } [الحزاب‪.]56 :‬‬
‫وتلحظ أن الخبر { ُيصَلّونَ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]56 :‬خبر عن ال والملئكة؛ فجمع الحق سبحانه بين‬
‫صلته وصلة ملئكته‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم مرة خطيبا يخطب‪ ،‬يقول‪ :‬مَنْ يتّقِ ال‬
‫ن يعصهما يعاقبه ال‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم له‪ " :‬بِ ْئسَ خطيب القوم أنت‬
‫ورسوله يُثبْه ال‪ ،‬ومَ ْ‬
‫" لماذا؟‬
‫ن يقول‪ :‬ومَنْ َي ْعصِ ال‬
‫قالوا‪ :‬لنه جمع بين ال تعالى ورسوله في‪( :‬ومن يعصهما)‪ ،‬وكان عليه أ ْ‬
‫ورسوله‪ ،‬فال وحده هو الذي يجمع معه سبحانه مَنْ يشاء‪ .‬قال سبحانه‪َ {:‬ومَا َن َقمُواْ ِإلّ أَنْ أَغْنَاهُمُ‬
‫اللّ ُه وَرَسُوُلهُ مِن َفضْلِهِ‪[} ...‬التوبة‪.]74 :‬‬
‫أما نحن‪ ،‬فليس لنا أبدا أنْ نأتي بصيغة تشريكية بين ال تعالى وأحد من خَلْقه‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬إِنّ اللّ َه َومَلَئِكَـتَهُ ُيصَلّونَ عَلَى النّ ِبيّ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]56 :‬هكذا قال ال‪ ،‬وجمع‬
‫معه سبحانه مَنْ يشاء من خَلْقه‪ ،‬وأنت ل يجوز لك أنْ تجمعَ هذا الجمع إل إذا كنتَ تقرأه على أنه‬
‫قرأن‪ ،‬فإن أردتَ أنْ تنشيء كلما من عندك فل بُدّ أن تقول‪ :‬ال يُصلّي على النبي‪ ،‬والملئكة‬
‫يُصلّون على النبي‪.‬‬
‫لذلك احتاط علماء التفسير لهذه المسألة فقالوا أن (يصلون) ليست خبرا للكل‪ ،‬إنما تقدير الخبر أن‬
‫ال يصلي على النبي‪ ،‬والملئكة يُصلّون على النبي‪.‬‬
‫وإذا كان ال يُصلّي على النبي‪ ،‬والملئكة يُصلّون على النبي‪ ،‬فماذا عنكم أنتم؟ يجب أنْ تُصلوا‬
‫أنتم كذلك على النبي } ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا صَلّواْ عَلَيْ ِه وَسَّلمُواْ َتسْلِيما { [الحزاب‪.]56 :‬‬
‫سبق أنْ بينّا أن الصلة من ال لها معنى‪ ،‬ومن الملئكة لها معنى‪ ،‬ومن المؤمنين المأمورين بها‬
‫حسْبه‪ ،‬والصلة في الصل هي الدعاء‪ ،‬والدعاء يقتضي داعيا ومدعوا له‬
‫لها معنى‪ ،‬ف ُكلّ ب َ‬
‫ومدعوا‪ ،‬فمثلً حين أدعو ال أنْ يغفر لفلن‪ ،‬فأنا الداعي‪ ،‬وال تعالى مدعو‪ ،‬وفلن مدعو له‪ ،‬فإذا‬
‫كان المصلي والداعي هو ال عز وجل‪ ،‬فمَنْ يدعو؟ إذن‪ :‬معنى الدعاء ل يأتي مع ال تعالى‪.‬‬
‫عدُك أنْ أعطيك غدا كذا‬
‫لذلك قلنا‪ :‬إنك لو نظرتَ إلى الحداث تجد أن صاحبك مثلً إذا قال لك أَ ِ‬
‫وكذا‪ ،‬فهذا وَعْد منه‪ ،‬ل يملك هو من أسباب الوفاء به شيئا‪ ،‬أما إنْ قال لك‪ :‬أدعو ال أنْ يعطيك‬
‫كذا وكذا‪ ،‬ونسب العطاء ل تعالى‪ ،‬فهذا أَ ْرجَى للتحقيق؛ لنه منسوب إلى ال‪ ،‬فإنْ قبل الدعاء‬
‫تحقق المطلوب‪ ،‬فإنْ كان ال تعالى هو الذي يأمر لك بهذا العطاء فل ُبدّ أنْ تناله ل محالة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬الصلة من ال ليست بمعنى الدعاء‪ ،‬إنما هي تنفيذ مباشر ورحمة شاملة وعامة‪ ،‬ويكفي من‬
‫رحمته تعالى لنبيه صلى ال عليه وسلم أنْ جعله خاتم الرسل‪ ،‬فل يستدرك عليه أحد‪ ،‬يكفيه من‬
‫رحمته وإنعامه وثنائه عليه أنْ قرن اسمه باسمه؛ لذلك خاطبه بقوله‪ {:‬وَ َر َفعْنَا َلكَ ِذكْ َركَ }[الشرح‪:‬‬
‫‪.]4‬‬
‫يكفيه من تكريم ال له أنه سيقبل شفاعته يوم القيامة‪ ،‬ل لمته فحسب‪ ،‬إنما للخَلْق جميعا‪ ،‬يكفيه أن‬
‫ال تعالى خاطب كل رسله بأسمائهم المشخّصة لهم‪ ،‬وخاطبه هو بالوصف المكرم في{ ياأَ ّيهَا‬
‫النّ ِبيّ‪[} ...‬الممتحنة‪ ]12 :‬و{ ياأَ ّيهَا الرّسُولُ‪[} ...‬المائدة‪.]41 :‬‬
‫ح ْمدِ رَ ّبهِمْ‬
‫حوْلَهُ ُيسَبّحُونَ بِ َ‬
‫ش َومَنْ َ‬
‫حمِلُونَ ا ْلعَرْ َ‬
‫أما عن صلة الملئكة‪ ،‬فهي دعاء‪ ،‬واقرأ‪ {:‬الّذِينَ َي ْ‬
‫غفِرْ لِلّذِينَ تَابُواْ‬
‫حمَ ًة وَعِلْما فَا ْ‬
‫شيْءٍ رّ ْ‬
‫س ْعتَ كُـلّ َ‬
‫وَ ُيؤْمِنُونَ بِ ِه وَيَسْ َت ْغفِرُونَ ِللّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَا وَ ِ‬
‫وَاتّ َبعُواْ سَبِيَلكَ َو ِقهِمْ عَذَابَ ا ْلجَحِيمِ * رَبّنَا وَأَ ْدخِ ْلهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الّتِي وَعَدْ ّتهُمْ َومَن صَـلَحَ مِنْ‬
‫ت َومَن تَقِ السّيّئَاتِ َي ْومَئِذٍ َفقَدْ‬
‫حكِيمُ * َو ِقهِمُ السّيّئَا ِ‬
‫جهِ ْم وَذُرّيّا ِتهِمْ إِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫آبَآ ِئهِمْ وَأَزْوَا ِ‬
‫حمْتَهُ وَذَِلكَ ُهوَ ا ْل َفوْزُ ا ْل َعظِيمُ }[غافر‪.]9-7 :‬‬
‫رَ ِ‬
‫فإذا كان الخَلْق جميعا محلّ صلة الملئكة واستغفارهم ودعائهم‪ ،‬حتى الذين أذنبوا منهم‪ ،‬ثم تابوا‪،‬‬
‫فما بالك برسول ال‪ ،‬وهو هادي الناس جميعا‪.‬‬
‫أما الصلة من المؤمنين‪ ،‬فهي الستغفار‪ ،‬واستغفارهم ليس لرسول ال‪ ،‬إنما هو استغفارهم‬
‫لنفسهم؛ لن رسول ال جاء رحمةً لهم‪ ،‬وما دام جاء رحمةً لهم كان من الواجب ألّ يغيب توقيره‬
‫عن بالهم أبدا َفهُمْ إنِ استغفروا‪ ،‬فاستغفار عن الغفلة عنه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو عن أنهم لم‬
‫يتقدم اسمه‪ ،‬فيصلون عليه‪.‬‬
‫والمؤمن حين يُصلّي على رسول ال‪ ،‬ماذا يملك من عطاء يُؤدّيه لرسول ال؟ ماذا بأيدينا؟ لذلك‬
‫صلّ على محمد‪ ،‬أو‬
‫تأمل لفظ صلتك على رسول ال‪ ،‬إنك ل تقول أصلي‪ ،‬ولكن تقول‪ :‬اللهم َ‬
‫صلّى ال على محمد‪ ،‬فتطلب ِممّنْ هو أعلى منك أنْ يُصلي على رسول ال؛ لنه ل يوجد عطاء‬
‫عندك تُؤدّيه لرسول ال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالصلة من ال الرحمة العامة المطلقة‪ ،‬والصلة من الملئكة الدعاء‪ ،‬والصلة من المؤمنين‬
‫الستغفار‪.‬‬
‫لذلك " سُ ِئلَ سيدنا رسول ال‪ :‬يا رسول ال تلك صلة ال‪ ،‬وتلك صلة الملئكة‪ ،‬فما الصلةُ‬
‫صلّ على محمد وعلى آل محمد‪ ،‬كما‬
‫عليك؟ يعني كيف؟ قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬قولوا اللهم َ‬
‫صلّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم‪ ،‬وبارك على محمد وعلى آل محمد‪ ،‬كما باركتَ على‬
‫إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العاملين‪ ،‬إنك حميدٌ مجيدٌ " "‪.‬‬
‫ودخل عليه صحابي‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬ما رأيتك بهذه الطلقة والبِشْر قبل اليوم؟ فقال صلى ال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ي صلة صلّى ال بها عليه عشرا‪،‬‬
‫ن صلى عل ّ‬
‫عليه وسلم‪ " :‬إن جبريل جاءني فأخبرني أن مَ ْ‬
‫وكُتِب له عشر حسنات ومُحي عنه عَشْر سيئات "‪.‬‬
‫وقال عمر رضي ال عنه‪ :‬دخل رجل على رسول ال‪ ،‬فسأله‪ :‬ما الصلة عليك يا رسول ال؟ قال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ذلك من العلم المكنون‪ ،‬ولول أنكم سألتموني ما قلته‪ :‬إن ال وكّل بي‬
‫ملكيْنِ‪ ،‬فإذا صلّى واحد عليّ قال الملكان‪ :‬غفر ال لك‪ .‬ويقول ال‪ :‬آمين وتقول الملئكة‪ :‬أمين "‪.‬‬
‫سبحان ال‪ :‬ال عز وجل بذاته يُؤمّن على دعاء الملكين‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬الصلة على رسول ال فَرْض على المؤمن‪ ،‬كالحج مرة واحدة من العمر‪ ،‬لكنها واجبة‬
‫صلّ‬
‫عليه عند كل ِذكْر لرسول ال‪ ،‬لذلك جاء في الحديث‪ " :‬أبخل البخلء من ُذكِ ْرتُ عنده فلم ُي َ‬
‫عليّ "‪.‬‬
‫وقوله تعالى بعدها‪ } :‬وَسَّلمُواْ َتسْلِيما { [الحزاب‪ ]56 :‬لك أنْ تلحظ في صدر الية } إِنّ اللّهَ‬
‫َومَلَئِكَـتَهُ ُيصَلّونَ عَلَى النّ ِبيّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]56 :‬ولم َي ُقلْ سبحانه ويسلمون‪ ،‬فلما أمر المؤمنين‬
‫قال } صَلّواْ عَلَيْ ِه وَسَّلمُواْ َتسْلِيما { [الحزاب‪ ]56 :‬فزاد‪ :‬وسلّموا تسليما‪.‬‬
‫قال العلماء‪ :‬لن الصلة على رسول ال ل يزن إل مع التسليم له بمعنى طاعته والذعان لمره‪،‬‬
‫وأن تُسْلِم زمامك له في كل صغيرة وكبيرة‪ ،‬وإلّ فكيف تُصلّي عليه وأنت تعصي أوامره‪ ،‬وقد‬
‫سهِمْ حَرَجا‬
‫ح ّكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْ َن ُهمْ ثُ ّم لَ َيجِدُواْ فِي أَ ْنفُ ِ‬
‫ك لَ ُي ْؤمِنُونَ حَتّىا يُ َ‬
‫ل وَرَ ّب َ‬
‫قال تعالى‪ {:‬فَ َ‬
‫ت وَيُسَّلمُواْ تَسْلِيما }[النساء‪.]65 :‬‬
‫ّممّا َقضَيْ َ‬
‫ومن معاني التسليم أن نقول‪ :‬السلم عليك أيها النبي كما نقول في التشهّد‪ ،‬والسلم اسم من أسماء‬
‫ال‪ ،‬ومعنى‪ :‬السلم عليك يا رسول ال أي‪ :‬جعل ال لك وقاية‪ ،‬فل ينالك أحد بسوء‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ الّذِينَ ُي ْؤذُونَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3512 /‬‬
‫عذَابًا ُمهِينًا (‪)57‬‬
‫إِنّ الّذِينَ ُيؤْذُونَ اللّ َه وَرَسُولَهُ َلعَ َنهُمُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالْآَخِ َرةِ وَأَعَدّ َلهُمْ َ‬

‫اليذاء‪ :‬إيقاع اللم من المؤذي للمؤذَي‪ ،‬سواء أكان اليذاء بالقول أم بالفعل‪ ،‬واليذاء بهذا المعنى‬
‫أمر ل يتناسب مع الحق سبحانه وتعالى‪ .‬إذن ما معنى‪ :‬يؤذون ال؟‬
‫قالوا‪ :‬ال تعالى ل يُؤذَي بالفعل؛ لنهم ل يستطيعون ذلك‪ ،‬فهو أمر غير ممكن‪ ،‬أما القول فممكن‪،‬‬
‫واليذاء هنا يكون بمعنى إغضاب ال تعالى بالقول الذي ل يليق به سبحانه‪ ،‬كقولهم‪ {:‬إِنّ اللّهَ َفقِيرٌ‬
‫وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ‪[} ...‬آل عمران‪ ]181 :‬وبعضهم أنكر وجود ال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقولهم‪ {:‬يَدُ اللّهِ َمغْلُولَةٌ‪[} ...‬المائدة‪.]64 :‬‬
‫وقولهم‪ {:‬عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ‪[} ...‬التوبة‪.]30 :‬‬
‫سبّ الدهر‪ ،‬وال يقول في الحديث القدسي‪ " :‬يؤذيني عبدي‪ ،‬وما كان له أنْ يؤذيني‪،‬‬
‫وبعضهم ي ُ‬
‫يسبّ الدهر‪ ،‬وأنا الدهر‪ ،‬بيدي المر‪ ،‬أُقّلبُ الليل والنهار "‪.‬‬
‫وهل الزمن له ذَنْب في الحداث التي تؤلمك؟ الزمن مجرد ظرف للحدث‪ ،‬أما الفاعل فهو ال عز‬
‫وجل‪ ،‬إذن‪ :‬ل تسبّوا الدهر‪ ،‬فالدهر هو ال‪ ،‬وهم أنفسهم قالوا‪ {:‬مَا ِهيَ ِإلّ حَيَاتُنَا الدّنْيَا َنمُوتُ‬
‫وَنَحْيَا َومَا ُيهِْلكُنَآ ِإلّ الدّهْرُ‪[} ...‬الجاثية‪.]24 :‬‬
‫كل هذا إيذاء بالقول‪ ،‬لكن ينبغي أنْ ننظر فيه‪ :‬أهو كذب وبهتان؟ أم قول صادق يقوم عليه دليل؟‬
‫وقد يُؤذيك شخص بكلمة‪ ،‬لكنك ل تُؤذَي منها‪ ،‬وفي هذه الحالة يأخذ هو إثمها‪ ،‬وتسْلَم أنت من‬
‫شرها وتسلم من ألمها‪ ..‬فهذه القوال منهم في الواقع فيها إيذاء‪ ،‬لكن ليس ل تعالى‪ ،‬إنما إيذاء‬
‫لهم‪ ،‬كيف؟‬
‫الحق ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬حينما استخلف النسان في الرض خلق له الكون قبل أنْ يخلقه فطرأ‬
‫النسان على كون ُمعَدّ لستقباله‪ ،‬فيه مُقوّمات بقاء الحياة‪ ،‬ومُقوّمات بقاء النوع‪ ،‬ثم أعدّ له أيضا‬
‫قانون صيانته‪ ،‬بحيث إنْ أصابه عطب استطاع أنْ يصلحه‪ ،‬هذا القانون هو منهجه سبحانه‬
‫ق الِنسَانَ * عَّلمَهُ‬
‫حمَـانُ * عَلّمَ ا ْلقُرْآنَ * خَلَ َ‬
‫المحفوظ في كتابه‪ ،‬واقرأ قول الحق سبحانه‪ {:‬الرّ ْ‬
‫البَيَانَ }[الرحمن‪.]4-1 :‬‬
‫فقانون الصيانة في القرآن موجود قبل أنْ يخلق النسانَ؛ لن النسان خَلْق ال وصَنْعته خلقه ال‬
‫ي التكوين في كل شيء‪ ،‬فإذا ما‬
‫في أحسن تقويم‪ ،‬وعلى أحسن هيئة‪ ،‬ويريد له أنْ يظل هكذا سو ّ‬
‫ن يغضب ال‪ ،‬لن ال يريد‬
‫خرج هذا الخليفة المخلوق ل على قانون صيانته‪ ،‬فإنه ول شكّ ل بُدّ أ ْ‬
‫أنْ تظلّ صنعته جميلة‪ ،‬كما أبدعها سبحانه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالذين أنكروا وجود ال‪ ،‬أو الذين أشركوا به‪ ،‬والذين قالوا‪ " :‬إن ال فقير ونحن أغنياء " أو‬
‫قالوا‪ :‬الملئكة بنات ال‪ ..‬إلخ هذه القوال التي ترتب عليها غضب الحق سبحانه؛ لنه خليفته في‬
‫الرض لم ُيؤَدّ المطلوب منه على حَسْب منهج ال‪.‬‬
‫ونقول لهؤلء‪ :‬إياكم أنْ تظنوا أنكم بكفركم خرجتم من قبضة الحق سبحانه‪ ،‬بل أنتم في قبضته‪،‬‬
‫وتحت مشيئته‪ ،‬ولو شاء سبحانه لقهركم على طاعته‪ ،‬أو خلقكم على هيئة الصلح ل تأتي منكم‬
‫المعصية كما خلق الملئكة‪ ،‬إنما جعلكم مختارين فيما كلفكم به‪ ،‬مَنْ شاء آمن‪ ،‬ومَنْ شاء كفر‪،‬‬
‫ن يقبل عليه بحب ل بقهر‪.‬‬
‫ليعلم مَ ْ‬
‫والدليل على ذلك أنكم مخلوقون‪ ،‬على هيئتين‪ .‬هيئة لكم فيها اختيار وهي التكاليف‪ ،‬وهيئة‬
‫مقبوضين في قبضة الحق سبحانه وهي القضاء‪ ،‬فما دمتم تعودتم التمرد على التكاليف‪ ،‬فلماذا ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تتمرّدُون على أقدار ال فيكم‪ ،‬كالمرض والموت مثلً؟‬
‫ومع ذلك ما ُد ْمتَ قد اخت ْرتَ الكفر وأنا رَب‪ ،‬ومطلوب مني أنْ أعينك على ما تحب‪ ،‬فسوف أختم‬
‫على قلبك‪ ،‬بحيث ل يدخله اليمان‪ ،‬ول يخرج منه الكفر الذي تحبه‪ .‬إذن‪ :‬أنا جئت على مرادك‬
‫مما يدل على أن كفرك بي ل يضرني ول يؤذيني‪.‬‬
‫وقد ورد في الحديث القدسي‪( :‬يا عبادي‪ ،‬إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني‪ ،‬ولن تبلغوا ضُرّي‬
‫فتضروني)‪.‬‬
‫وإنْ كانت لكم منطقة اختيار في الدنيا هي أمور التكاليف‪ ،‬فسيأتي يوم القيامة‪ ،‬ويمتنع الختيار‬
‫كله‪ ،‬فل اختيارَ لحد في شيء يوم يقول الحق سبحانه{ ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ‪[} ...‬غافر‪ ]16 :‬فل‬
‫يجيب أحد‪ ،‬ل مالك ول مملوك‪ ،‬فيجيب الحق سبحانه على ذاته‪ {:‬لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫هذا في معنى إيذاء ال تعالى‪ ،‬أما اليذاء في حقّ سيدنا رسول ال‪ ،‬فرسول ال بشر‪ ،‬يمكن أنْ‬
‫يصيبه اليذاء بالفعل واليذاء بالقول‪ ،‬فكما قالوا‪ :‬إن ال فقير ونحن أغنياء قالوا عن رسول ال‪:‬‬
‫كاهن وساحر ومجنون وشاعر‪ ،‬ثم تعدّى اليذاء إلى الفعل الذي أصاب رسول ال وآلمه بالفعل‪.‬‬
‫ألم يُ ْرمَ بالحجارة حتى َدمِيتْ قدماه في الطائف؟ ألم يضعوا على ظهره الشريف سَلَ البعير في‬
‫سقَط البعير ‪ -‬ألم تكسَر رباعيته يوم أحد ويُشَجّ ويسيل دمه صلى ال عليه وسلم؟‬
‫مكة ‪ -‬أي َ‬
‫فرسول ال ناله مع ربه ‪ -‬عز وجل ‪ -‬إيذاء بالقول‪ ،‬ثم ناله إيذاء آخر بالفعل‪ ،‬إيذاء بشرى فيه‬
‫إيلم‪ ،‬وقمة اليذاء بالفعل ما يتعرّض لمر محارمه وأزواجه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لذلك قال تعالى‪َ {:‬ومَا كَانَ َلكُمْ أَن ت ْؤذُواْ َرسُولَ اللّهِ‪[} ...‬الحزاب‪ ]53 :‬أي‪ :‬بمخالفة ما جاء به‪،‬‬
‫ن تتهموه بما ليس فيه‪ ،‬أو تتعرّضوا له بإيلم حسي‪ ،‬ثم لم يخص من ألوان اليذاء إل مسألة‬
‫أو بأ ْ‬
‫الزواج‪ ،‬فقال‪َ {:‬ولَ أَن تَن ِكحُواْ أَ ْزوَاجَهُ مِن َبعْ ِدهِ أَبَدا‪[} ...‬الحزاب‪ ]53 :‬وذكر هذه المسألة‬
‫بالذات صراحةً مراعاة لطبيعة النفس البشرية‪ ،‬فقد قلنا‪ :‬إن الرجل يمكن أن يتجمل على أصحابه‬
‫أو أحبابه بأغلى ما يملك‪ ،‬لكنه أبدا ل يقبل أن ينظر أحد إلى زوجته‪ ،‬يحميها ويغَارُ عليها من‬
‫مجرد النظر‪.‬‬
‫لذلك فإن سيدنا حذيفة‪ ،‬وكان يحب امرأته‪ ،‬فقال لها‪ :‬ألَ تحبين أن تكوني معي في الجنة؟ فقالت‪:‬‬
‫بلى‪ ،‬فقال لها‪ :‬إذن إذا متّ فل تتزوجي بعدي ‪ -‬فهو يغار عليها حتى بعد موته ‪ -‬لني سمعت‬
‫رسول ال يقول‪:‬‬
‫" المرأة لخر أزواجها "‪.‬‬
‫لكن هذا الحديث وُوجه بحديث آخر " لما سُئِل رسول ال‪ :‬أيّ نساء الرجل تكون معه في الجنة؟‬
‫فقال‪ " :‬أحسنهن خلُقا معه " "‪.‬‬
‫وقد رأى البعض تعارضا بين هذين الحديثين‪ ،‬والواقع أنه ليس بينهما تعارض‪ ،‬لن الخرية هنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل يُراد بها آخرية الزمن‪ ،‬إنما آخرية النتقال‪ ،‬كما لو تمتعت برحلة جميلة مع أحد الصدقاء منذ‬
‫عشرين سنة‪ ،‬فلما ذكّرته بها قال‪ :‬كانت آخر متعة‪ ،‬مع أنك تمتعت بعدها برحلت أخرى‪.‬‬
‫حسْن الخلق‪ ،‬إذن‪ :‬فالمعنيان متفقان‪ ،‬ل‬
‫فالمعنى‪ :‬تكون لخر أزواجها في المتعة‪ ،‬وإن كان مُتقدّما ب ُ‬
‫تعارض بينهما‪.‬‬
‫ومسألة غَيْرة الرجل على المرأة لها جذور في تاريخنا وأدبنا العربي‪ ،‬ومن ذلك قول الشاعر‪:‬أَهِيمُ‬
‫ن يموت‪ ،‬لكن‬
‫سفَي مَنْ ذَا يهيمُ بهَا َبعْديفهو مشغول بها حتى بعد أ ْ‬
‫ت فوَا أ َ‬
‫عدٍ مَا حيَيتُ فإن َأ ُم ْ‬
‫بِدَ ْ‬
‫ُيؤْخذ عليه أنه شغل بمن يحل محله في هيامه بمحبوبته؛ لذلك كان أبلغ منه َقوْل الخر‪:‬أَهِيمُ بدَعْدٍ‬
‫عدٌ لذِي خُلّةٍ َبعْديإذن‪ :‬فهذه الغيرة مراتب ودرجات‪.‬‬
‫حتْ دَ ْ‬
‫ل صَلُ َ‬
‫مَا حَييتُ فإن َأ ُمتْ فَ َ‬
‫ويُحدّثنا التاريخ أن أحد الخلفاء العباسيين ‪ -‬أظنه الهادي ‪ -‬كان يحب جارية اسمها غادر‪ ،‬ولشدة‬
‫حبه لها قالوا إنه تزوجها‪ ،‬وفي خلوة من خلوات الهيام والعِشْق قال لها‪ :‬عاهديني ‪ -‬لن صحته‬
‫لم تكُنْ على ما يرام ‪ -‬إذا أنا ِمتّ أن ل تتزوجي بعدي‪ ،‬وفعلً أعطتْه هذا العهد‪ ،‬فلما مات الهادي‬
‫لم تلبث أن نس َيتْ غادر عشقها للهادي‪ ،‬ونسيتْ حُزْنها عليه ‪ -‬وهذا من رحمة ال بنا أن كل شيء‬
‫يبدأ صغيرا ثم يكبر إل المصائب‪ ،‬فإنها تبدأ كبيرة ثم تصغر‪.‬‬
‫بعدها تزوجت غادر من أخي الهادي‪ ،‬وفي يوم من اليام استيقظت فَزِعة صارخة‪ ،‬حتى اجتمع‬
‫ع ْهدِي‬
‫عليها مَنْ في القصر‪ ،‬وسألوها‪ :‬ماذا بك؟ قالت‪ :‬جاءني الهادي في المنام‪ ،‬وقال لي‪:‬خَاَل ْفتِ َ‬
‫سمّاكِ غَأدِرْل َيهْنك ال ْلفُ الجدي ُد ول‬
‫صدَق الذِي َ‬
‫حتِ غادرةً أخِي َ‬
‫ن المقَابرْونك ْ‬
‫سكّا َ‬
‫َبعْ َدمَا جَاوَ ْرتُ ُ‬
‫عَدتْ عَنْك الدّوائرْوَلَحقتِ بي مُنْذُ الصّباح وصِ ْرتِ حَ ْيثُ ذهَ ْبتُ صائِروما كادت تنتهي من قولها‬
‫حتى لفظت أنفاسها الخيرة‪ ،‬وماتت لذلك‪ ،‬فالحق سبحانه يراعي هذه الغرائز النسانية وهذه‬
‫الطبيعة‪ ،‬أَل ترى أن عِدّة المتوفّي عنها زوجُها كانت سَنةً كاملة‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ‬
‫حوْلِ غَيْرَ ِإخْرَاجٍ‪[} ...‬البقرة‪.]240 :‬‬
‫جهِمْ مّتَاعا إِلَى ا ْل َ‬
‫يُ َت َوفّوْنَ مِنكُ ْم وَيَذَرُونَ أَ ْزوَاجا َوصِيّ ًة لَزْوَا ِ‬
‫ثم جُعَلتْ عِدّة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام احتراما لهذه الغريزة في المرأة‪.‬‬
‫ثم يُبيّن الحق سبحانه الجزاء العادل لمن يؤذي ال ويؤذي رسول ال‪ ،‬فيقول سبحانه‪َ } :‬لعَ َنهُمُ‬
‫اللّهُ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]57 :‬أي‪ :‬طردهم من رحمته } فِي الدّنْيَا وَالخِ َر ِة وَأَعَدّ َلهُمْ عَذَابا ّمهِينا‬
‫{ [الحزاب‪.]57 :‬‬
‫ثم يعطينا الحق سبحانه إشارةً إلى أن هذا الجزاء العادل الذي أعدّه لمن يؤذي ال ورسوله ليس‬
‫تعصّبا ل‪ ،‬ول تعصبا لرسول ال‪ ،‬بدليل أن الذي يؤذي مؤمنا أو مؤمنة ل بُدّ أن يُجازَي عن هذا‬
‫اليذاء‪ ،‬فسوّى المؤمن والمؤمنة في إرادة اليذاء بإيذاء ال‪ ،‬وبإيذاء رسول ال‪ ،‬فقال سبحانه‪} :‬‬
‫وَالّذِينَ ُيؤْذُونَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3513 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَا ْل ُمؤْمِنَاتِ ِبغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا َفقَدِ احْ َتمَلُوا ُبهْتَانًا وَإِ ْثمًا مُبِينًا (‪)58‬‬
‫وَالّذِينَ ُيؤْذُونَ ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬

‫خصّ هذا اليذاء بقوله { ِبغَيْرِ مَا‬
‫لما تكلم الحق سبحانه عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات َ‬
‫حدّ‬
‫اكْتَسَبُواْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]58 :‬لن هناك إيذاءً مشروعا أوجبه ال للذين يخرجون على حدوده‪ ،‬ف َ‬
‫الزنا والقذف وشرب الخمر‪ ..‬إلخ كلها فيها إيذاء للمؤمن وللمؤمنة‪ ،‬لكنه إيذاء مشروع ل يُعاقب‬
‫مَنْ قام به‪ ،‬كما في إيذاء ال ورسوله‪.‬‬
‫لذلك يقول تعالى في اللذين يأتيان الفاحشة‪ {:‬وَاللّذَانِ يَأْتِيَا ِنهَا مِنكُمْ فَآذُو ُهمَا‪[} ...‬النساء‪.]16 :‬‬
‫والحق سبحانه حين شرع هذه الحدود وهذا اليذاء‪ ،‬إنما شرعه ليكون عقوبةً لمن يتعدّى حدود‬
‫ال‪ ،‬وتطهيرا له من ذنبه‪ ،‬ثم لتكون رادعا للخرين‪ ،‬فسيدنا عمر رضي ال عنه لما قرأ هذه‬
‫الية‪ { :‬وَالّذِينَ ُيؤْذُونَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَا ْل ُم ْؤمِنَاتِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]58 :‬بكي فقال له جليسه‪ :‬ما يُبكيك يا‬
‫ت المؤمنين والمؤمنات‪ ،‬قال‪ :‬يا أمير المؤمنين إنك تؤذي لتُعلّم‬
‫أمير المؤمنين؟ قال‪ :‬لنني آذي ُ‬
‫ولتُقوّم وال تعالى أمرنا أن نرجم‪ ،‬وأن نقطع‪ ،‬فضحك عمر وسُرّ‪.‬‬
‫خ ْذكُمْ ِب ِهمَا رَ ْأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ‪[} ...‬النور‪:‬‬
‫بل أكثر من هذا يأمرنا الحق سبحانه في الحدود‪ {:‬وَلَ تَأْ ُ‬
‫‪.]2‬‬
‫لن الرأفة في حدود ال رحمة حمقاء‪ ،‬ولسنا أرحم بالخَلْق من الخالق سبحانه‪ ،‬وال تعالى حين‬
‫يُضخّم العقوبة ويؤكد عليها‪ ،‬إنما يريد ألّ يجتريء على حدوده‪ ،‬وألّ نُعرّض أنفسنا لهذه‬
‫العقوبات‪ ،‬ولك أنْ تسأل حين تقرأ قوله تعالى‪ {:‬وََلكُمْ فِي ا ْل ِقصَاصِ حَيَاةٌ‪[} ...‬البقرة‪.]179 :‬‬
‫كيف تكون الحياة في القتل؟ نعم‪ ،‬في القصاص حياة؛ لنك حين تعلم أنك إنْ قتلتَ تُقتَل‪ ،‬فلن تُقدم‬
‫حمَى ال القاتل والمقتول‪ ،‬وهل ُيعَدّ هذا إيذاءً؟‬
‫أبدا على القتل‪ ،‬وبذلك َ‬
‫ومعنى { ِبغَيْرِ مَا اكْ َتسَبُواْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]58 :‬أي‪ :‬بغير جريمة تستحق اليذاء‪ ،‬وكلمة‬
‫{ اكْ َتسَبُواْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]58 :‬قلنا‪ :‬هناك فَرْق بين‪ :‬فعل وافتعل‪ ،‬فعل أي الفعل الطبيعي الذي‬
‫ليس فيه مبالغة ول تكلّف‪ ،‬أما افتعل ف ِفعْل فيه تكلّف ومبالغة‪ ،‬كذلك كسب واكتسب‪ ،‬كسب‪ :‬أنْ‬
‫تأخذ في الشيء فوق ما أعطيت‪ ،‬كما لو اشتريت بخمسة و ِبعْتَ بسبعة مثلً فهذا كسْب‪ ،‬أما‬
‫اكتسب ففيها زيادة وافتعال‪.‬‬
‫لذلك تجد في العُرْف اللغوي العام أن كسب تأتي في الخير واكتسب تأتي في الشر‪ ،‬مثل قوله‬
‫ت وَعَلَ ْيهَا مَا اكْتَسَ َبتْ‪[} ...‬البقرة‪ ]286 :‬لها ما كسبتْ تفيد الملكية‪ ،‬وعليها تفيد‬
‫تعالى‪َ {:‬لهَا مَا كَسَ َب ْ‬
‫الدّيْن‪.‬‬
‫ذلك لن المر الحلل يأتي طبيعيا تلقائيا‪ ،‬أما الحرام فيحتاج إلى محاولة وافتعال واحتياط‪ ،‬فحين‬
‫تنظر مثلً إلى زوجتك تكون طبيعيا ل تتكلف شيئا‪ ،‬أما حين تنظر إلى امرأة جميلة في الشارع‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإنك تتلصص لذلك وتسرق النظرات‪ ،‬خشية أن يطلع أحد على ِفعْلتِك‪ ،‬هذا هو الفرق بين الحلل‬
‫والحرام‪.‬‬
‫سبَ‬
‫وفي آية واحدة في كتاب ال جاء الفعل كسب في الشر‪ ،‬وذلك في قوله تعالى‪ {:‬بَلَىا مَن كَ َ‬
‫خطِيـئَتُهُ فَُأوْلَـ ِئكَ َأصْحَابُ النّارِ‪} ...‬‬
‫طتْ بِهِ َ‬
‫سَيّئَةً وَأَحَا َ‬
‫[البقرة‪.]81 :‬‬
‫سهَُلتْ‬
‫ن تعوّد السيئات‪ ،‬وأحاطت به الخطايا حتى أصبحت عادة‪ ،‬و َ‬
‫فلماذا؟ قالوا‪ :‬لن الية فيمَ ْ‬
‫عليه حتى صارت عنده كالحلل‪ ،‬يفعله بل تكلّف‪ ،‬بل ويجاهر به ويتباهى‪ ،‬هذا هو المجَاهر الذي‬
‫قال فيه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬كل أمتي ُمعَافَى إل المجَاهرين " وفيه‪ " :‬ستر ال عليه‬
‫وأصبح يفضح نفسه "‪.‬‬
‫وهذا الذي يُسَرّ بالمعصية ويتباهى بها بلغ به الحتراف أنه يستطيع أنْ يستر حركات انفعاله في‬
‫الحرام‪ ،‬كأنها الحلل بعينه؛ لذلك جاء الفعل كسب هنا‪ ،‬وكأن السيئة أصبحت مَلكةً‪.‬‬
‫أذكر بمناسبة التكلّف والفتعال في الحرام رجلً من بلدتنا اسمه الشيخ مصطفى‪ ،‬ذهب إلى السوق‬
‫لشراء بقرة‪ ،‬وأخذ النقود في جيبه‪ ،‬ومن حرصه وضع يده على جيبه خوفا من اللصوص‪ ،‬فلما‬
‫رأوه في السوق يمسك جيبه بيده عرفوا أنه ضالتهم‪ ،‬فكيف احتالوا ليسرقوه؟ لطخ أحدهم كتفه‬
‫بروَث البهائم‪ ،‬ثم احتكّ بالشيخ مصطفى‪ ،‬حتى اتسخت ملبسه فغضب‪ ،‬وأخذ ينظف ملبسه من‬
‫الروث‪ ،‬ونسي مسألة النقود التي في جيبه فسرقوه‪.‬‬
‫وكما يأتي الحرام بافتعال‪ ،‬كذلك يكون العقاب فيه أيضا افتعال ومبالغة تناسب افتعال الفعل؛ لذلك‬
‫يقول سبحانه في عقاب الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا‪َ } :‬فقَدِ احْ َتمَلُواْ‪...‬‬
‫حمْله‪ ،‬إنما‬
‫{ [الحزاب‪ ]58 :‬ولم َي ُقلْ حملوا‪ ،‬وفَرْق بين حمل واحتمل‪ ،‬حمل تُقال لما في طاقتك َ‬
‫احتمل يعني فوق الطاقة‪ ،‬وإنْ حملْته تحمله بمشقة‪ ،‬فالجزاء هنا من جنس العمل‪ ،‬فكما تفاع ْلتَ‬
‫وتكلّ ْفتَ في المعصية كذلك يكون الجزاء عليها‪.‬‬
‫} َفقَدِ احْ َتمَلُواْ ُبهْتَانا وَإِثْما مّبِينا { [الحزاب‪ ]58 :‬البهتان‪ :‬أن تقول في غيرك ما ليس فيه‪ ،‬فالبهتان‬
‫ن تصفِه‬
‫كذب‪ ،‬أمّا الثم‪ :‬فأنْ ترتكب ذنبا في حقه بأن تؤذيه بصفة هي فيه بالفعل‪ ،‬لكنه يكره أ ْ‬
‫بها‪ ،‬كما تقول للعمى مثلً‪ :‬يا أعمى‪.‬‬
‫لذلك ورد في الحديث لما سُئل سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أرأيتَ إنْ كان في أخي ما‬
‫أقول؟ قال‪ " :‬إنْ كان فيه ما تقول فقد اغتبْتَهُ‪ ،‬وإنْ لم يكن فيه ما تقول فقد بَهته " أي‪ :‬كذ ْبتَ‬
‫وافتر ْيتَ عليه‪.‬‬
‫ي واضح؛ لن‬
‫ووصف الحق سبحانه الثم هنا بأنه مبين } وَإِثْما مّبِينا { [الحزاب‪ ]58 :‬يعني‪ :‬جَل ّ‬
‫ن يكون بالبينة‪ ،‬فلو‬
‫الوضوح في الثم إما أن يكون بأنْ ُتقِر أنت به وتعترف بذنبك‪ ،‬وإما أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سألناك‪ :‬أنت قلت لهذا الرجل يا أعمى‪ ،‬أتحب أنْ تُوصَف أنت بصفة تكرهها؟ ل بُدّ أنْ تقول‪ :‬ل‬
‫أحب‪ .‬إذن‪ :‬فالثم هنا واضح‪ ،‬ويكفي إقرارك به‪.‬‬
‫وينبغي أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك كما عّلمَنَا سيدنا رسول ال‪ ،‬فكما أنه ل يُرضيك أنْ‬
‫يسرق الناس منك‪ ،‬كذلك أنت ل تسرق منهم‪ ،‬وكما يُؤذيك الثمُ كذلك يؤذيهم‪.‬‬
‫ثم يأخذنا الحق سبحانه إلى أدب آخر من آداب السرة‪ ،‬فيقول سبحانه‪ } :‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ‪.{ ....‬‬

‫(‪)3514 /‬‬
‫ك وَبَنَا ِتكَ وَنِسَاءِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَ ْيهِنّ مِنْ جَلَابِي ِبهِنّ َذِلكَ أَدْنَى أَنْ ُيعْ َرفْنَ‬
‫جَ‬
‫يَا أَ ّيهَا النّ ِبيّ ُقلْ لِأَ ْزوَا ِ‬
‫غفُورًا رَحِيمًا (‪)59‬‬
‫ن َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫فَلَا ُيؤْذَيْ َ‬

‫نلحظ أن المر توجّجه أولً لزواج النبي‪ ،‬ثم لبناته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذا يعني أن رسول‬
‫ال ل يأمر أمته بشيء هو عنه بنجوى‪ ،‬إنما يأمرهم بشيء بدأ فيه بأهل بيته‪ ،‬وهذا أدْعَى لقبول‬
‫المر وتنفيذه‪ ،‬فقبل أنْ آمركم أمرت نفسي فلم أتميز عنكم بشيء‪.‬‬
‫لذلك جاء في سيرة القائد المسلم " طارق بن زياد " أنه لما ذهب لفتح الندلس وقف بجنوده على‬
‫شاطيء البحر‪ ،‬وأعداؤه على الشاطيء الخر‪ ،‬ثم قال للجنود‪ :‬أيها الناس أنا لن آمركم بأمر أنا‬
‫عنه بنجوى‪ ،‬وإنني عند ملتقى القوم سابقكم‪ ،‬فمبارز سيّدَ القوم‪ ،‬فإنْ قتلتُه فقد كُفيتم أمره‪ ،‬وإنْ‬
‫قتلني فلن يعوزكم أمير بعدي‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنني سابقكم إلى القتال‪ ،‬ولن أرسلكم وأجلس أتفرج وأرقب ما يحدث‪ ،‬يعني‪ :‬أنا ل أتميز‬
‫عنكم بشيء‪.‬‬
‫وبهذه المساواة أيضا ساد عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬القوم وقاد العالم وهو يرتدي مُرقّعته بالمدينة؛‬
‫لذلك لما رآه رجل وهو نائم تحت شجرة كعامة الناس قال‪ :‬حكمتَ فعد ْلتَ فأم ْنتَ‪ ،‬فنمتَ يا عمر‪.‬‬
‫وكان ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬إذا أراد أنْ يأخذ قرارا في أمر من أمور رعيته يعلم أن الفساد إنما‬
‫يأتي أولً من الحاشية والقارب والتباع ومن مراكز القوى التي تحيط به؛ لذلك كان يجمع قرابته‬
‫ويحذرهم‪ :‬أنا اعتز ْمتُ أنْ صدر قرارا في كذا وكذا‪ ،‬فوالذي نفسي بيده مَنْ خالفني منكم إلى شيء‬
‫منه لجعلته نكالً للمسملين‪ ،‬أيها القوم إياكم أنْ يدخل عليكم مَنْ يدّعي صلته بي‪ ،‬فتعطونه غير‬
‫حق مَنْ لم يعرفني‪ ،‬وال إنْ فعلتُم لجعلنكم نكالً للمسلمين‪.‬‬
‫جكَ‪[} ...‬الحزاب‪ ]59 :‬دليل على أن سيدنا‬
‫وورود النص القرآني بلفظ{ ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ قُل لَزْوَا ِ‬
‫رسول ال كان ينقل النص الذي جاءه‪ ،‬والصيغة التي تكلّم ال بها دون أنْ يٌغيّر فيها شيئا‪ ،‬وإل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقد كان بإمكانه أن ينقل المر لزواجه‪ ،‬فيقول‪ :‬يا أيها النبي أزواجك وبناتك يدنين عليهن من‬
‫جلبيبهن‪ .‬إنما نقل النص القرآني كما أُنزل عليه؛ ليعلم الجميع أن المر من ال‪ ،‬وما محمد إل‬
‫مُبلّغ عن ال‪ ،‬فمَنْ أراد أنْ يناقش المر فليناقش صاحبه‪.‬‬
‫وأزواج النبي صلى ال عليه وسلم ساعة نزلتْ عليه هذه الية كُنّ تسعة أزواج‪ ،‬كرّمهن ال‬
‫وخيّرهن فاخترْنَ رسول ال‪ ،‬كان منهن خمس من قريش هُنّ‪ :‬عائشة‪ ،‬وحفصة‪ ،‬وأم حبيبة‪ ،‬وأم‬
‫سلمة‪ ،‬وسودة بنت زمعة‪ ،‬وثلث من سائر العرب هُنّ‪ :‬ميمونة بنت الحارث‪ ،‬وزينب بنت جحش‪،‬‬
‫وجُويرية بنت الحارث من بني المصطلق‪ ،‬وواحدة من نسل هارون أخي موسى ‪ -‬عليهما السلم‬
‫ هي السيدة صفية بنت حيي بن أخطب‪.‬‬‫صغَر‪ ،‬أما البنات‬
‫أما بنات رسول ال‪ ،‬فرسول ال أنجب البنين والبنات‪ :‬البنون ماتوا جميعا في ال ّ‬
‫فأبقاهُنّ ال حتى تزوّجْنَ جميعا‪ ،‬وهُنّ‪ :‬زينب‪ ،‬ورقية‪ ،‬وأم كلثوم‪.‬‬
‫وأصغرهن فاطمة‪ ،‬وهي الوحيدة التي بقيتْ بعد موت سيدنا رسول ال‪ ،‬أما زينب ورقية وأم‬
‫كلثوم فقد مُتْنَ في حياة رسول ال‪.‬‬
‫ولفاطمة قصة في الضحك والبكاء؛ لذلك بعض العارفين كان يقول في قوله تعالى‪ {:‬وَأَنّهُ ُهوَ‬
‫ك وَأَبْزىا }[النجم‪ ]43 :‬أن السيدة فاطمة حينما سُئلت ما الذي أبكاكِ وما الذي أضحكك؟‬
‫حَ‬
‫َأضْ َ‬
‫قالت‪ :‬لنني لما دخلتُ على أبي وهو مريض قال لي‪ :‬إن هذا هو مرض الموت يا فاطمة فبكيت‪،‬‬
‫ي وقال لي‪ :‬يا فاطمة ستكونين أول أهل بيتي لحوقا بي فضحكت‪ .‬لذلك لم‬
‫ثم انصرفت فأشار إل ّ‬
‫تمكث فاطمة بعد رسول ال إل ستة أشهر‪.‬‬
‫وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أن لقاء الموات يكون بمجرد الموت‪ ،‬وإل لو كان اللقاء في‬
‫البعث والقيامة لستوى في ذلك مَنْ مات أولً‪ ،‬ومَنْ مات آخرا‪ ،‬فدلّ قوله‪ " :‬ستكونين أول أهل‬
‫بيتي لحوقا بي " على أن لقاءه صلى ال عليه وسلم بها سيكون بمجرد أنْ تموت‪.‬‬
‫حكَ‬
‫الشاهد في هذه القصة أن أحدهم ‪ -‬أظنه المام عليا ‪ -‬قال لفاطمة‪ :‬ال يقول{ وَأَنّهُ ُهوَ َأضْ َ‬
‫وَأَ ْبكَىا }[النجم‪ ]43 :‬أما رسول ال فأبكاك أولً‪ ،‬ثم أضحكك حتى ل يكون أضحك وأبكى كربه‪.‬‬
‫أما السيدة زينب فتزوجت العاص بن الربيع قبل أنْ يُحرّم الزواج من الكفار‪ ،‬وقد ُأسِر العاص في‬
‫غزوة بدر‪ ،‬فذهبتْ زينب لتفديه‪ ،‬وقدمت قلدة كانَت معها‪ ،‬فلم رآها رسول ال وجد أنها قلدة‬
‫خديجة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬قد وهبتْها لبنتها‪ ،‬فقال‪ :‬إنْ رأيتم أنْ تردوا لها قلدتها وتفكّوا لها‬
‫أسيرها فافعلوا‪ ،‬فردّ صلى ال عليه وسلم المر إلى مَنْ ينتفع به‪ ،‬فتنازلوا عن القلدة‪.‬‬
‫أما رقية وأم كلثوم فلهما حوادث‪ ،‬منها حوادث مؤسفة‪ ،‬ومنها حوادث مبهجة‪ ،‬أما المؤسف فإنّ‬
‫عتبة بن أبي لهب عقد على رقية‪ ،‬وأخوه عتيبة عقد على أم كلثوم‪ ،‬وكان هذا قبل بعثة رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلما بُعث رسول ال وحدث ما حدث بينه وبني أبي لهب وأنزل ال تعالى‪{:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبَ }[المسد‪.]2-1 :‬‬
‫ب وَ َتبّ * مَآ أَغْنَىا عَنْهُ مَاُل ُه َومَا َك َ‬
‫تَ ّبتْ يَدَآ أَبِي َل َه ٍ‬
‫قال لبنه عتبة‪ :‬رأسي ورأسك عليّ حرام حتى تُطلّق رقية فطلّقها‪ ،‬بعدها مَرّ عتبة على رسول‬
‫ال‪ ،‬وفعل َفعْلةً فيها استهزاء برسول ال‪ ،‬فقال له صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أكلك كلب من كلب ال‬
‫"‪.‬‬
‫أخبر عتبة أباه بما كان من دعاء رسول ال عليه‪ ،‬وكان أبو لهب يعلم صدْق رسول ال‪ ،‬وأن‬
‫دعاءه مستجاب ل يرَدّ‪ ،‬فخاف على ابنه‪ ،‬وأخذ يحتاط له‪ ،‬ويوصي به رفاقه في رحلت تجارته‬
‫ وعجيب أنه مع هذا كله لم يؤمن‪.‬‬‫وفعلً كان عتبة في رحلت التجارة ينام في وسط القوم‪ ،‬وهم يحيطون به من كل جانب‪ ،‬وفي‬
‫إحدى الليالي جاءه أسد‪ ،‬فأخذه من بين القوم‪ ،‬ولم يَبْقَ منه إل ما يُعرف به‪.‬‬
‫علّق على هذه الحادثة أحد المغرضين فقال‪ :‬إن رسول ال قال‪ " :‬أكلك كلب " وهذا أسد‪ ،‬فردّ‬
‫عليه أحد العارفين فقال‪ :‬إذا ُنسِب الكلب إلى ال‪ ،‬فل ُبدّ أنْ يكون أسدا‪ ،‬فرسول ال لم يقل‪ :‬كلب‬
‫من كلبكم‪ ،‬إنما من كلب ال‪.‬‬
‫هذا ما كان من أمر عتبة‪ ،‬أما عتيبة فقد طلّق أم كلثوم‪ ،‬لكنه لم يتعرض لرسول ال بإيذاء‪ ،‬بل‬
‫قالوا‪ :‬إنه كان يستحي أنْ يواجه رسول ال‪ ،‬لذلك لم يَ ْدعُ عليه رسول ال‪.‬‬
‫أما الحادث المبهج في حياة رقية وأم كلثوم‪ ،‬فقد أبدلهما ال خيرا من عتبة وعتيبة‪ ،‬حيث تزوجت‬
‫رقية من سيدنا عثمان‪ ،‬فلما ماتت تزوج بعدها من أم كلثوم؛ لذلك ُلقّب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬بذي‬
‫حسَن مَا رأى إنْسَانٌ رُقيّة وزوجُها‬
‫النورين‪ ،‬وكانت النساء يُغنين حين تزوج عثمان برقية‪:‬أَ ْ‬
‫عُ ْثمَانُفانظر إلى عِظَم هذا العوض أنْ يُبدَِل ُهمَا ال بعتبة وعتيبة مَنْ؟ عثمان‪ ،‬نعم ال ِعوَض هذا‪،‬‬
‫وال ِعوَض في مثل هذه المسائل إنما يتأتّى بقبول القضاء في نظائره‪ ،‬فإذا أُصيب النسان فاستسلم‬
‫وسلّم المر ل؛ فقال كما علّمنا رسول ال‪ " :‬إنّا ل وإنّا إليه راجعون‪ ،‬اللهم أَجْرني في مصيبتي ‪-‬‬
‫أيّا كانت هذه المصيبة ‪ -‬وأخُْلفْنِي خَيْرا منها "‪.‬‬
‫إذا قال ذلك وعلم أن ل حكمة في كل قضاء يقضيه ل بُدّ أنْ يُعوّضه ال خيرا‪ ،‬وأظن أن قصة‬
‫السيدة أم سلمة مشهورة في هذا المقام‪ ،‬فلما توفي زوجها أبو سلمة حزنتْ عليه حزنا شديدا‪ ،‬ولما‬
‫جاءها النسوة يُعزّينها في زوجها قالت إحداهن‪ :‬يا أم سلمة‪ ،‬قولي كما قال رسول ال‪ :‬إنّا ل وإنّا‬
‫إليه راجعون‪ ،‬اللهم أأجرني في مصيبتي‪ ،‬واخُْلفْني خيرا منها‪ ،‬فقالت‪ :‬وهل هناك خير من أبي‬
‫سلمة‪ ،‬يعني‪ :‬هو في نظرها أحسن الناس وخيرهم‪.‬‬
‫عدّتها حتى طرق عليها طارق يقول‪ :‬يا أم سلمة‪ ،‬إن‬
‫ضتْ ِ‬
‫لكنها مع هذا رض َيتْ بقضاء ال فما انق َ‬
‫ت لن ال عوّضها بمَنْ هو خير من أبي‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم يخطبِك لنفسه‪ ،‬فضحك ْ‬
‫سلمة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بعد أن أمر الحق سبحانه أزواج النبي وبناته أولً بهذا الدب ثِنّى بنساء المؤمنين‪ ،‬فقال } ياأَ ّيهَا‬
‫ك وَنِسَآءِ ا ْل ُمؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَ ْيهِنّ مِن جَلَبِي ِبهِنّ ذاِلكَ أَدْنَىا أَن ُيعْ َرفْنَ فَلَ‬
‫ك وَبَنَا ِت َ‬
‫جَ‬
‫النّ ِبيّ قُل لَ ْزوَا ِ‬
‫غفُورا رّحِيما { [الحزاب‪ ]59 :‬لن أسرة رسول ال ليست أزواجه وبناته‬
‫ن َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫ُيؤْذَيْ َ‬
‫فحسب‪ ،‬إنما العالم كله‪ ،‬وكلمة (نساء) جمع‪ ،‬ل واحد له من لفظه‪ ،‬فمفرد أزواج زوج‪ ،‬ومفرد‬
‫بنات بنت‪ ،‬أما (نساء) فمفردها من معناها‪ ،‬ل من لفظها‪ ،‬فتقول‪ :‬امرأة‪ ،‬واسْتُ ْثقِل جمع امرأة على‬
‫جلَ خَ ْلقُها بعد خَلْق الرجل‪.‬‬
‫امرآت فقالوا‪ :‬نساء وأصلها في اللغة من النسيء‪ ،‬قالوا‪ :‬لن المرأة ُأ ّ‬
‫وفي اللغة‪ :‬النّسْء أي‪ :‬التأخير والتأجيل‪ ،‬فقالوا‪ :‬نساء‪.‬‬
‫ثم يذكر سبحانه المر الذي وُجّه إلى زوجات النبي‪ ،‬وبناته ونساء المؤمنين جميعا } يُدْنِينَ عَلَ ْيهِنّ‬
‫مِن جَلَبِي ِبهِنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]59 :‬فالفعل } يُدْنِينَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]59 :‬مجزوم في جواب الطلب‬
‫( ُقلْ) مثل‪ :‬اس ُكتْ تسْلَم‪ ،‬ذاكر تنجح‪ ،‬وفي الية شرط مُقدّر‪ :‬إنْ َتقُلْ لهُنّ ادنين يُدنين‪.‬‬
‫كما في{ وَأَذّن فِي النّاسِ بِا ْلحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالً‪[} ...‬الحج‪ ]27 :‬لن الخطاب هنا للمؤمنات‪ ،‬وعلى‬
‫رَأْسِهن أزواج النبي وبناته‪ ،‬وإنْ لم يستجب هؤلء للمر‪ ،‬فقد اختلّ فيهِنّ شرط اليمان‪.‬‬
‫ومعنى‪ :‬الدناء‪ :‬تقريب شيء من شيء‪ ،‬ومن ذلك قوله تعالى في وصف ثمار الجنة{ قُطُو ُفهَا‬
‫سهْلة الجَنْي‪ ،‬والمراد‪ :‬يُدنين جلبيبهن أي‪ :‬من الرض‬
‫دَانِ َيةٌ }[الحاقة‪ ]23 :‬أي‪ :‬قريبة التناول َ‬
‫لتستر الجسم‪ .‬وقوله‪ } :‬عَلَ ْيهِنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]59 :‬يدل على أنها تشمل الجسم كله‪ ،‬وأنها ملفوفة‬
‫حوله مسدولة حتى الرض‪.‬‬
‫وكلمة } جَلَبِي ِبهِنّ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]59 :‬مفردها جلباب‪ ،‬وقد اختلفوا في تعريفه فقالوا‪ :‬هو الثوب‬
‫الذي يُلْبس فوق الثوب الداخلي‪ ،‬فتحت الجلباب مثلً (فانلة) أو قميص وسروال‪ ،‬ويجوز أن تكون‬
‫الملبس الداخلية قصيرة‪ ،‬أما الجلباب فيجب أن يكون سابغا طويلً قريبا من الرض‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬الجلباب هو الخمار الذي يغطي الرأس‪ ،‬ويُضرب على الجيوب ‪ -‬أي فتحة الرقبة ‪ -‬لكن‬
‫هذا غير كافٍ‪ ،‬فل ُبدّ أنْ يُسدل إلى الرض ليستر المرأة كلها؛ لن جسم المرأة عورة‪ ،‬ومن‬
‫اللباس ما يكشف‪ ،‬ومنه ما يصف‪ ،‬ومنه ما يلفت النظر‪.‬‬
‫ل يكون كاشفا‪ ،‬ول واصفا‪ ،‬ول مُ ْلفِتا للنظر؛ لن من النساء مَنْ‬
‫وشرط في لباس المرأة الشرعي أ ّ‬
‫ترتدي الجلباب الطويل السّابغ الذي ل يكشف شيئا من جسمها‪ ،‬إل أنه ضيّق يصف الصّدْر‪،‬‬
‫ويصف الرداف‪ ،‬ويُجسّم المفاتن‪ ،‬حتى تبدوا وكأنها عارية‪.‬‬
‫لذلك من التعبيرات الدبية في هذه المسألة َقوْل أحدهم ‪ -‬وهو على حق ‪ -‬إنّ مبالغة المرأة في‬
‫تبرّجها إلحاح منها في عَرْض نفسها على الرجل‪ .‬يعني‪ :‬تريد أنْ تُلفت نظره‪ ،‬تريد أنْ تُنبّه الغافل‬
‫وكأنها تقول‪ :‬نحن هنا‪ .‬وإنْ تساهلنا في ذلك مع البنت التي لم تتزوج‪ ،‬ربما كان لها عُذْر‪ ،‬لكن ما‬
‫عذر التي تزوجت؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يُبيّن الحق ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬الحكمة من هذا الدب في مسألة اللباس‪ ،‬فيقول‪ } :‬ذاِلكَ‪...‬‬
‫{ [الحزاب‪ ]59 :‬أي‪ :‬إدناء الجلباب إلى الرض‪ ،‬وسَتر الجسم‪ ،‬وعدم إبداء الزينة } أَدْنَىا‪...‬‬
‫{ [الحزاب‪ ]59 :‬أي‪ :‬أقرب } أَن ُيعْ َرفْنَ فَلَ ُيؤْذَيْنَ‪[ { ...‬الحزاب‪.]59 :‬‬
‫حشْمتها‪ ،‬فل يجرؤ أحد على التعرض لها بسوء أو مضايقتها‪،‬‬
‫فالمرأة المسلمة ُتعْرف بزيّها و ِ‬
‫فلباسها ووقارها يقول لك‪ :‬إنها ليست من هذا النوع الرخيص الذي ينتظر إشارة منك‪ ،‬وليست‬
‫ممّنْ َيعْرض نفسه عَرْضا مُهيّجا مستميلً مُلْفتا‪.‬‬
‫غفُورا رّحِيما { [الحزاب‪ ]59 :‬جاء َوصْف‬
‫وقوله تعالى بعد ذلك وفي ختام الية } َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫المغفرة والرحمة هنا ليشير إلى أن عقوبة ال ليست بأثر رجعي‪ ،‬فما سبق هذا المر من‬
‫تجاوزات مغفور معفوّ عنه برحمة ال‪ ،‬والعبرة بسلوك المؤمنة بعد أنْ تسمع هذا المر بإدناء‬
‫الجلباب والتستّر‪.‬‬
‫والحق سبحانه بمثل هذا الدب إنما يُؤمّن حياة المرأة المسلمة‪ ،‬كيف؟ نقول‪ :‬معنى التأمين أنْ نأخذ‬
‫منك حال يُسْرك‪ ،‬وحين تكون واجدا‪ ،‬لنعطيك حينما تكون غير واجد‪.‬‬
‫كذلك السلم حين يستر جمال المرأة ومفاتنها حال شبابها ونضارتها يسترها حين تكبر‪ ،‬وحين‬
‫يتلشى الجمال‪ ،‬ويحلّ محلّه أمور تحرص المرأة على سترها‪ ،‬فالسلم في هذه الحالة يحمي‬
‫المرأة ويحفظ لها عِزّتها‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬لّئِن لّمْ يَن َتهِ ا ْلمُنَا ِفقُونَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3515 /‬‬
‫جفُونَ فِي ا ْلمَدِينَةِ لَ ُنغْرِيَ ّنكَ ِب ِهمْ ثُمّ لَا‬
‫لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ا ْلمُنَا ِفقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُو ِبهِمْ مَ َرضٌ وَا ْلمُرْ ِ‬
‫يُجَاوِرُو َنكَ فِيهَا إِلّا قَلِيلًا (‪ )60‬مَ ْلعُونِينَ أَيْ َنمَا ُث ِقفُوا ُأخِذُوا َوقُتّلُوا َتقْتِيلًا (‪)61‬‬

‫المتتبع لموكب الرسالت يجد أن الرسل واجهوا في نشر رسالتهم ثلثة أصناف من البشر‪ :‬صنف‬
‫آمن‪ ،‬وصنف كفر‪ ،‬وصنف وقف مترددا بين الكفر واليمان‪ ،‬وهؤلء هم المنافقون‪.‬‬
‫ذلك؛ لن الرسول حين يُبعث إنما يُبعَث لتغيير وضع اجتماعي بلغ من السوء درجةً ل يحتملها‬
‫الناس‪ ،‬فالذي يعاني من هذا الوضع ينتظر هذا الرسول الجديد‪ ،‬فما أنْ يُبعث حتى يبادر إلى‬
‫اليمان به؛ لنه جاء بمباديء جديدة‪ ،‬ل ظُلْم فيها‪ ،‬ول قهر‪ ،‬ول استبداد‪ ،‬ول رشوة‪ ،‬ول فساد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬مَنْ عضته هذه الحداث‪ ،‬وشقى بهذا الفساد سارع إلى اليمان‪ ،‬وكذلك آمن أهل مصر‪ ،‬وما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شقُوا قبله بحكم الرومان‪ ،‬وكذلك آمن الفُرْس‬
‫إنْ دخلها السلم حتى أسرعوا إليه‪ ،‬لماذا؟ لنهم َ‬
‫عضّهم فساد غير‬
‫بمجرد أنْ سمعوا بالسلم‪ ،‬ورأوا السوة الحسنة في المسلمين بعد أنْ َ‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫شقَى الناسُ بفساد الوضاع يتطلّعون إلى منقذ‪ ،‬فإنْ جاءهم اتبعو‪ ،‬خاصة إنْ كان منهم وله‬
‫ساعة ي ْ‬
‫فيهم مَاضٍ مُشرّف لم يُجربوا عليه كذبا ول نقيصة‪.‬‬
‫وهذا ما رأيناه مثلً في قصة إسلم سيدنا أبي بكر‪ ،‬فما أنْ أعلن محمد أنه رسول ال حتى سارع‬
‫إلى اليمان به دون أنْ يسأله عن شيء‪ ،‬لماذا؟ لنه عرف صِدْقه‪ ،‬وعرف أمانته‪ ،‬ووثق من ذلك‪.‬‬
‫ومثله كان إيمان السيدة خديجة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬فما إنْ جاءها رسول ال مُضطربا مما لقى‬
‫من نزول المَلك عليه حتى احتضنته‪ ،‬وهدّأتْ من َروْعه‪ ،‬وأنصفته‪ ،‬وذهبتْ به إلى ورقة بن نوفل‬
‫لتثبت له أنه على الحق‪ ،‬وأن ال تعالى لن يُسلمه ولن يتخلى عنه‪.‬‬
‫وكان مما قالتْ‪ " :‬وال إنك لتقري الضيف‪ ،‬وتحمل الكلّ‪ ،‬وتُكسِب المعدوم‪ ،‬وتعين على نوائب‬
‫الدهر‪." ...‬‬
‫لذلك قال العلماء‪ :‬إن السيدة خديجة كانت أول فقيهة في السلم قبل أنْ ينزل السلم‪.‬‬
‫وطبيعي أن يكون أهل الفساد والمستفيدون منه على النقيض‪ ،‬فهم ينتفعون بالفساد والستبداد‪،‬‬
‫ويريدون أن تظلّ لهم سيادتهم ومكانتهم‪ ،‬وأنْ يظل الناسُ عبيدا لهم‪ ،‬يأكلون خيراتهم ويستذلونهم‪.‬‬
‫وهؤلء الذين استعبدوا الناس‪ ،‬وجعلوا من أنفسهم سادةً بل آلهة‪ ،‬ويعلمون أن الرسول ما جاء إل‬
‫ن يكفروا بها‪،‬‬
‫للقضاء على سيادتهم وألوهيتهم الكاذبة‪ ،‬هؤلء ل ُبدّ أن يصادموا الدعوة‪ ،‬ل ُبدّ أ ْ‬
‫حفَاظا على سيادتهم وسلطتهم الزمنية‪.‬‬
‫وأن يحاربوها‪ِ ،‬‬
‫وعجيب أن نرى من عامة الناس مَنْ أَلِف هذه العبودية‪ ،‬ورضي هذه المذلة‪ ،‬واكتفى بأنْ يعيش‬
‫في كَنَف هؤلء السادة مهما كانت التبعاتُ‪ ،‬هؤلء وأمثالهم هم الذين كقالوا‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪.]31 :‬‬
‫هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫فبعد أنْ جاءهم الرسول المنقذ ما زالوا يتطلعون إلى عظيم يستعبدهم‪.‬‬
‫وكلّ من هذيْن الفريقين (المؤمن‪ ،‬والكافر) كان منطقيا مع نفسه‪ ،‬فالمؤمن آمن بقلبه‪ ،‬ونطلق‬
‫بلسانه‪ ،‬والكافر كفر بقلبه‪ ،‬وكفر بلسانه‪ ،‬والكافر كفر بقلبه‪ ،‬وكفر بلسانه‪ ،‬لنه لم ينطق بكلمة‬
‫ب ما في القلب‪.‬‬
‫ب وقالبٌ‪ ،‬ول بُدّ في اليمان أنْ يوافق القال ُ‬
‫التوحيد‪ ،‬والنسان قل ٌ‬
‫أما الصنف الثالث وهو المنافق‪ ،‬فليس منطقيا مع نفسه‪ ،‬لنه آمن بلسانه‪ ،‬ولم يؤمن بقلبه‪ ،‬فهو‬
‫جبان يُظهر لك الحب‪ ،‬ويُضمِر الكره؛ لذلك جعلهم ال في الدّرْك السفل من النار‪.‬‬
‫ن يقولوا‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬ليبطل بها سيادة زعماء الكفر أبوْا‬
‫لذلك‪ ،‬فالعرب لما سألهم رسول ال أ ْ‬
‫أن يقولوها‪ ،‬لماذا؟ لنهم يعلمون أنها ليست كلمة تُقال‪ ،‬إنما لها تبعات‪ ،‬ويترتب عليها مسئوليات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل يقدرون هم على القيام بها‪ ،‬ولو أنها كلمة ُتقَال لقالوها‪ ،‬وانتهى العداء بينهم وبين رسول ال‪.‬‬
‫فمعنى ل إله إل ال‪ :‬ل عبودية إل ل‪ ،‬ول خضوعَ إل ل‪ ،‬ول تشريعَ إل ل‪ ،‬ول نافع إل ال‪...‬‬
‫إلخ‪ ،‬وكيف تستقيم هذه المعاني مع مَنْ أَلِف العبودية والخضوع لغير ال؟‬
‫خصّ المدينة‪ ،‬فقال سبحانه } لّئِن لّمْ يَن َتهِ‬
‫والحق ‪ -‬تبارك وتعالى ‪ -‬لما تكلّم هنا عن المنافقين َ‬
‫جفُونَ فِي ا ْلمَدِي َنةِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]60 :‬فالنفاق لم يظهر‬
‫ض وَا ْلمُرْ ِ‬
‫ن وَالّذِينَ فِي قُلُو ِبهِمْ مّ َر ٌ‬
‫ا ْلمُنَا ِفقُو َ‬
‫في مكة‪ ،‬وهي َمعْقل الكفر والصنام‪ ،‬إنما ظهر في المدينة‪ ،‬وهي التي آ َوتْ مهاجري رسول ال‪،‬‬
‫وكان غالبية أهلها من أهل الكتاب‪ ،‬وهم أقرب إلى اليمان من الكفار‪ ،‬فلماذا هذه الظاهرة؟‬
‫قالوا‪ :‬إن السلم كان ضعيفا في مكة‪ ،‬وصار قويا في المدينة‪ ،‬فالنفاق ظاهرة صحية للسلم؛‬
‫لنه لول قوته ما نافقه المنافقون‪ ،‬فظهور النفاق في المدينة دليل على قوة السلم فيها‪ ،‬وأنه‬
‫صارت له شوكة‪ ،‬وصارت له سطوة؛ لذلك نافق ضعافُ اليمان؛ ليأخذوا خير السلم‪ ،‬وليحتموا‬
‫بحماه‪ ،‬وإل فالضعيفُ ل يُنَافَق‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬ظهر النفاق في المدينة التي قال ال في حق أهلها‪ {:‬وَالّذِينَ تَ َبوّءُوا الدّا َر وَالِيمَانَ مِن قَبِْل ِهمْ‬
‫سهِمْ وََلوْ كَانَ‬
‫صدُورِهِمْ حَاجَةً ّممّآ أُوتُو ْا وَ ُيؤْثِرُونَ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫جدُونَ فِي ُ‬
‫يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَ ْيهِمْ وَلَ يَ ِ‬
‫خصَاصَةٌ‪[} ...‬الحشر‪.]9 :‬‬
‫ِبهِمْ َ‬
‫ويقول عنها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن اليمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى‬
‫جحْرها "‪.‬‬
‫ُ‬
‫وأيضا القرآن هو الذي قال عن أهل المدينة‪َ {:‬ومِنْ َأ ْهلِ ا ْلمَدِينَةِ مَ َردُواْ عَلَى ال ّنفَاقِ‪[} ...‬التوبة‪:‬‬
‫‪ ]101‬وهذا ليس استضعافا للمدينة‪ ،‬إنما إظهار لقوة السلم فيها‪ ،‬بحيثُ أصبحتْ له سطوة وقوة‬
‫تُنافَق‪.‬‬
‫هنا قوله تعالى‪ } :‬لّئِن لّمْ يَن َتهِ ا ْلمُنَا ِفقُونَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]60 :‬ساعة تسمع } لّئِن لّمْ يَنتَهِ‪...‬‬
‫{ [الحزاب‪ ]60 :‬فاعلم أن ال تعالى أقسم بشيء وهذا القول هو جواب القسم‪ ،‬والحق سبحانه ل‬
‫يُقسِم إل على الشيء العظيم‪ ،‬ونحن البشر نُقسِم لنؤكد كلمنا‪ ،‬كما تقول‪ :‬وال إنْ ما حدث من‬
‫فلن كذا وكذا سأفعل كذا وكذا‪.‬‬
‫أما الحق سبحانه‪ ،‬فكلمه صادق ونافذ دون قَسَم‪ ،‬فما باُلكَ إنْ أقسم؟ لذلك يقول بعض العارفين إذ‬
‫سمع ال تعالى يُقسِم‪ :‬مَنْ أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟‬
‫كلمة } ا ْلمُنَافِقُونَ‪.‬‬
‫‪[ { ...‬الحزاب‪ ]60 :‬مفردها منافق‪ ،‬مأخوذ من نَافَقاء اليربوع‪ ،‬واليربوع حيوان صغير يشبه‬
‫جحْره‪ ،‬لكن‬
‫الفأر‪ ،‬يعرفه أهل البادية‪ ،‬يعيش في جحور‪ ،‬فيترصدونه ليصطادوه ساعة يخرج من ٌ‬
‫هذا الحيوان الصغير فيه ُلؤْم ودهاء‪ ،‬فماذا يفعل؟ يجعل لجُحْره مدخلين‪ ،‬واحد معروف‪ ،‬والخر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مستتر بشيء‪ ،‬فإذا أحس بالصياد على هذا المدخل ذهب إلى المدخل الخر؛ لذلك أشبه المنافق‬
‫تماما الذي له قلب كافر ولسان مؤمن‪.‬‬
‫ن وَالّذِينَ فِي قُلُو ِبهِمْ مّ َرضٌ‬
‫وتلحظ أن المنافقين وصفهم ال هنا بصفات ثلث } ا ْلمُنَا ِفقُو َ‬
‫جفُونَ فِي ا ْلمَدِي َنةِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]60 :‬فالعطف هنا ل يقتضي المغايرة‪ ،‬إنما عطف صفات‬
‫وَا ْلمُرْ ِ‬
‫مختلفة لشيء واحد‪ ،‬وجاءتْ هذه الصفات مستقلةً؛ لنها أصبحتْ من الوضوح فيهم‪ ،‬بحيث تكاد‬
‫تكون نوعا منفردا بذاته‪.‬‬
‫وقد وصف القرآن في موضع آخر المنافقين بأن في قلوبهم مرضا‪ ،‬فقال سبحانه‪َ {:‬ومِنَ النّاسِ مَن‬
‫َيقُولُ آمَنّا بِاللّ ِه وَبِالْ َيوْمِ الخِ ِر َومَا هُم ِب ُمؤْمِنِينَ * ُيخَادِعُونَ اللّ َه وَالّذِينَ آمَنُوا َومَا َيخْدَعُونَ ِإلّ‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ ِبمَا كَانُوا َيكْذِبُونَ }‬
‫شعُرُونَ * فِي قُلُو ِبهِم مّ َرضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضا وََلهُم َ‬
‫سهُم َومَا يَ ْ‬
‫أَ ْنفُ َ‬
‫[البقرة‪.]10-8 :‬‬
‫وفي هذا دليل على أن الواو هنا أفادت عطف صفة على صفة‪ ،‬ل طائفة على طائفة‪ ،‬ومِثْله‬
‫العطف في قوله تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ تَ َبوّءُوا الدّا َر وَالِيمَانَ‪[} ...‬الحشر‪ ]9 :‬فالدار أي المدينة‪ ،‬وكذلك‬
‫اليمان يُراد به المدينة أيضا‪.‬‬
‫جفُونَ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]60 :‬المرجف من الرجاف‪ ،‬وهو الهزّة العنيفة التي تزلزل‪،‬‬
‫ومعنى } وَا ْلمُ ْر ِ‬
‫جفَةُ * تَتْ َب ُعهَا الرّا ِدفَةُ }[النازعات‪ ]7 :‬فالمرجفون هم الذين‬
‫جفُ الرّا ِ‬
‫ومنه قوله تعالى‪َ {:‬يوْمَ تَ ْر ُ‬
‫يحاولون زلزلة الشيء الثابت‪ ،‬وزعزعة الكيان المستقر‪ ،‬كذلك كان المنافقون كلما رأو للسلم‬
‫قوةً حاولوا زعزتها وهزّها لضعافه والقضاء عليه‪.‬‬
‫وهؤلء هم الذين نسميهم في التعبير السياسي الحديث (الطابور الخامس)‪ ،‬وهم الجماعة الذين‬
‫يُروّجحون الشاعات‪ ،‬ويذيعون الباطيل التي ُتضِعف التيار العام وتهدد استقراره‪.‬‬
‫وكثيرا ما قعد المنافقون يقولون‪ :‬إن قبيلة فلن وقبيلة فلن اجتمعوا للهجوم على المدينة والقضاء‬
‫على محمد ورسالته‪ ،‬وهدفهم من هذه الشاعات إضعاف وهزيمة الروح المعنوية لدى المسلمين‬
‫الجدد والمستضعفين منهم‪.‬‬
‫ن يفكر في السلم‪ ،‬أو يرون أنه ارتاح إليه‪،‬‬
‫حتى على مستوى الفراد‪ ،‬كانوا يذهبون إلى مَ ْ‬
‫فيقولون له‪ :‬ألم تعلم أن فلنا أخذه قومه‪ ،‬أو أخذه سيده وعذّبه حتى الموت لنه اتبع محمدا‪ ،‬ذلك‬
‫ليصرفوا الناس عن دين ال‪.‬‬
‫جفُ يعني الذي يمشي بالفتنة والكاذيب؛ ليصرف أهل الحق عن حقهم‪ ،‬بما يُشيع من‬
‫إذن‪ :‬المر ِ‬
‫بهتان وأباطيل‪.‬‬
‫لذلك يهددهم الحق سبحانه‪ :‬لئن لم ينته هؤلء المنافقون عن الرجاف في المدينة وتضليل الناس‬
‫لَيكُونَنّ لنا معهم شأن آخر‪ ،‬كان هذا وقت مهادنة ومعاهدة بين المسلمين واليهود وأتباعهم من‬
‫ن قو َيتْ شوكة السلم‪ ،‬أما وقد‬
‫المنافقين‪ ،‬وكأن ال تعالى يقول‪ :‬لقد سكتنا على جرائمهم إلى أ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن نقضوا عهدهم معنا فسوف نواجههم‪.‬‬
‫صار للسلم شوكة فإ ْ‬
‫وعجيب من هؤلء المرجفين أنْ يظنّوا أن ال ل يعلم أباطيلهم‪ ،‬ول يعلمها رسوله‪ ،‬وال تعالى‬
‫ضغَا َنهُمْ * وََلوْ َنشَآ ُء لَرَيْنَا َكهُمْ‬
‫سبَ الّذِينَ فِي قُلُو ِبهِمْ مّ َرضٌ أَن لّن ُيخْرِجَ اللّهُ َأ ْ‬
‫حِ‬
‫يقول‪َ {:‬أمْ َ‬
‫عمَاَل ُكمْ }[محمد‪.]30-29 :‬‬
‫فََلعَ َرفْ َتهُم بِسِيمَا ُه ْم وَلَ َتعْ ِرفَ ّنهُمْ فِي لَحْنِ ا ْل َق ْولِ وَاللّهُ َيعْلَمُ أَ ْ‬
‫ومعنى لحن القول‪ :‬أن يميلوا عن غير معناه‪ ،‬ومن ذلك قولهم في السلم على رسول ال‪ :‬السام‬
‫عليكم‪ ،‬والسام هو الموت‪ ،‬وكما لووا ألسنتهم بكلمة (راعنا) فقالوا‪ :‬راعونا يقصدون الرعونة‪.‬‬
‫سهِمْ َل ْولَ ُي َعذّبُنَا اللّهُ ِبمَا َنقُولُ‪} ...‬‬
‫وأغرب من ذلك ما حكاه القرآن عنهم‪ {:‬وَ َيقُولُونَ فِي أَنفُ ِ‬
‫[المجادلة‪ ]8 :‬فهذا القول منهم دليل على غبائهم‪ .‬أولً‪ :‬لنهم يتمنوْنَ العذاب‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬لنهم قالوا ذلك في أنفسهم لم يقولوا للناس‪ ،‬ولم يقولوا حتى لبعضهم البعض؛ لن (يقولون)‬
‫جمع‪ ،‬و (في أنفسهم) جمع‪ ،‬فكأن كلً منهم كان يقول ذلك في نفسه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ألم يسأل واحد منهم نفسه‪ :‬مَنِ الذي أعلم رسولَ ال بما في نفسي؟ َألَ يدل ذلك على أن‬
‫محمدا موصول بربه‪ ،‬وأنه ل بُدّ فاضحهم‪ ،‬وكاشفٌ مكنونات صدورهم‪ ،‬إذن‪ :‬هذا غباء منهم‪.‬‬
‫والمتتبع لتاريخ اليهود والمنافقين في المدينة يجد أن السلم لم يأخذهم على غرّة‪ ،‬إنما أعطاهم‬
‫العهد وأمنّهم ووسّع لهم في المسكن والمعيشة طالما لم يُؤذُوا المسلمين‪ ،‬لكن بلغ رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم أنه يتناجوْنَ بالثم والعدوان‪ ،‬فبعث إليهم ونهاهم عن التناجي بالثم والعدوان‪ ،‬لكنهم‬
‫جوَىا ثُمّ َيعُودُونَ ِلمَا ُنهُواْ‬
‫عادوا مرة أخرى‪ ،‬كما قال القرآن عنهم{ أََلمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ ُنهُواْ عَنِ النّ ْ‬
‫عَنْهُ‪[} ...‬المجادلة‪.]8 :‬‬
‫ن عقّبَ َبعْدهَا وَعيدا فإنْ لم ُيغْنٍ‬
‫ح ّد قول الشاعر‪:‬أَنَاةٌ فإنْ َلمْ ُتغْ ِ‬
‫إذن‪ :‬لم يَبْقَ إل المواجهة على َ‬
‫ن وَالّذِينَ فِي قُلُو ِبهِمْ مّ َرضٌ‬
‫أغ َنتْ عَزَائمهُلذلك يأتي جواب الشرط‪ } :‬لّئِن لّمْ يَن َتهِ ا ْلمُنَا ِفقُو َ‬
‫جفُونَ فِي ا ْلمَدِي َنةِ لَ ُنغْرِيَ ّنكَ ِبهِمْ‪[ { ...‬الحزاب‪.]60 :‬‬
‫وَا ْلمُرْ ِ‬
‫فجواب الشرط‪ } :‬لَ ُنغْرِيَ ّنكَ ِب ِهمْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]60 :‬من الغراء‪ ،‬وهو باب من أبواب الدراسات‬
‫النحوية اسمه الغراء‪ ،‬ويقابله التحذير‪ ،‬الغراء‪ :‬أنْ تحمل المخاطب وتُحبّبه في أمر محبوب‬
‫ليفعله‪ ،‬كما تقول لولدك مثلً‪ :‬الجتهادَ الجتهادَ‪.‬‬
‫أما التحذير فأنْ تُخوّفه من أمر مكروه ليجتنبه‪ ،‬كما تقول‪ :‬السدَ السدَ‪ ،‬أو الكسلَ الكسلَ‪.‬‬
‫فمعنى } لَ ُنغْرِيَ ّنكَ ِبهِمْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]60 :‬أي‪ :‬نُسلّطك عليهم‪ ،‬ونُغريك بمواجهتهم والتصدّي لهم‪،‬‬
‫فكأن هذه المواجهة صارتْ أمرا محبوبا ُيغْري به؛ لنها ستكون جزاءَ ما فزّعوك وأقلقوك‪.‬‬
‫وما دمنا سنسلطك عليهم‪ ،‬وما دمتم ستصيرون إلى قوة وشوكة تُغري بعدوها‪ ،‬فلن يستطيعوا‬
‫البقاء معكم في المدينة‪.‬‬
‫} ُث ّم لَ يُجَاوِرُو َنكَ فِيهَآ ِإلّ قَلِيلً { [الحزاب‪ ]60 :‬أي‪ :‬في المدينة‪ ،‬وكلمة } ِإلّ قَلِيلً { [الحزاب‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن يكون المعنى‪ :‬قليل منهم‪ ،‬أو قليل من الزمن ريَثْما يجدوا لهم مكانا آخر‪ ،‬يرحلون‬
‫‪ ]60‬يمكن أ ْ‬
‫إليه مُشيّعين بلعنة ال‪.‬‬
‫خذُو ْا َوقُتّلُواْ َتقْتِيلً { [الحزاب‪.]61 :‬‬
‫} مّ ْلعُونِينَ أَيْ َنمَا ُثقِفُواْ أُ ِ‬
‫الملعون‪ :‬المطرود من رحمة ال‪ ،‬أو مطرودون من المدينة بعد أنْ كشف ال دخائلَ نفوسهم‬
‫الخبيثة؛ لذلك طردهم رسول ال من المسجد؛ لنهم كانوا من خُبْثهم وُلؤْمهم يدخلون المسجد‪ ،‬بل‬
‫ويُصلّون في الصف الول‪ ،‬يظنون أن ذلك يستر نفاقهم‪.‬‬
‫لكن رسول ال كان يطردهم بالسم‪ :‬يا فلن‪ ،‬يا فلن‪ ،‬فكان صلى ال عليه وسلم يعرفهم‪ ،‬ولم ل‬
‫وقد قال ال له‪ {:‬وََلوْ َنشَآ ُء لَرَيْنَا َكهُمْ فََلعَ َرفْ َتهُم بِسِيمَا ُهمْ‪[} ...‬محمد‪.]30 :‬‬
‫خذُواْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]61 :‬أي‪ :‬أُسِروا }‬
‫ومعنى } أَيْ َنمَا ُث ِقفُواْ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]61 :‬أي‪ :‬وُجِدوا } أُ ِ‬
‫َوقُتّلُواْ َتقْتِيلً { [الحزاب‪ ]61 :‬ولحظ المبالغة في } َوقُتّلُواْ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]61 :‬والتوكيد في }‬
‫َتقْتِيلً { [الحزاب‪ ]61 :‬يعني‪ :‬اقتلوهم بعنف‪ ،‬ول تأخذكم فيهم رحمة جزاءَ ما ارتكبوه في حق‬
‫السلم والمسلمين‪.‬‬
‫ولن المنافق الذي طُبع على النفاق صارت طبيعته مسمونة مُلوّثة ل تصفو أبدا‪ ،‬فالنفاق في دمه‬
‫يلزمه أينما ذهب‪ ،‬ول بُدّ أنْ ينتهي أمره إلى الطرد من أي مكان يحل فيه‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فمع أن ال تعالى قطّعهم في الرض أمما‪ ،‬إل أن كل قطعة منهم في بلد من البلد لها‬
‫تماسك فيما بينها‪ ،‬بحيث ل يذوبون في المجتمعات الخرى فتظل لهم أماكن خاصة تُعرف بهم‪،‬‬
‫وفي كل البلد تعرف حارة اليهود‪ ،‬لكن ل بد أنْ يكتشف الناس فضائحهم‪ ،‬وينتهي المر بطردهم‬
‫وإبادتهم‪ ،‬وآخر طرد لهم ما حدث مثلً في ألمانيا‪.‬‬
‫وصدق ال حين قال فيهم‪ {:‬وَِإذْ تَأَذّنَ رَ ّبكَ لَيَ ْبعَثَنّ عَلَ ْي ِهمْ إِلَىا َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ مَن َيسُومُهُمْ سُوءَ‬
‫ا ْلعَذَابِ }[العراف‪.]167 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)3516 /‬‬
‫جدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلًا (‪)62‬‬
‫ل وَلَنْ تَ ِ‬
‫سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خََلوْا مِنْ قَ ْب ُ‬

‫بعد أن بيّن الحق سبحانه نهاية أعدائه بالتقتيل وانتصار رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أوضح أن‬
‫هذا ليس شيئا جديدا في موكب الرسالت‪ ،‬إنما هي سنة متُبعة ومتواترة‪ ،‬وهل رأيتم في موكب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الرسالت رسولً أرسله ال‪ ،‬ثم خذله أو تخلى عنه‪ ،‬وانتهى أمره بنصر أعدائه عليه؟‬
‫والسنة‪ :‬هي الطريقة الفِطْرية الطبيعية المتواترة التي ل تتخلّف أبدا‪ ،‬فالمر إذا حدث مرة أو‬
‫مرتين ل يسمى سُنة‪ ،‬فالسنة إذن لها رتابة واستدامة‪.‬‬
‫فالمراد بالسنة هنا غَلَبة الحق على الباطل { فِي الّذِينَ خََلوْاْ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]62 :‬يعني‪ :‬الذين‬
‫َمضَوْا من المم السابقة‪ ،‬وما زالتْ سنة ال في نصر الحق قائمة‪ ،‬وستظل إلى قيام الساعة؛ لنها‬
‫سنة‪.‬‬
‫{ وَلَن َتجِدَ ِلسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلً } [الحزاب‪ ]62 :‬نعم ل تتبدل ول تتغير؛ لنها سنة مَنْ؟ سنة ال‪،‬‬
‫وال سبحانه ليس له نظير‪ ،‬وليس له شريك يُبدل عليه‪ ،‬أو يستدرك على حكمه بشيء‪.‬‬
‫بعد ذلك أراد الحق سبحانه أنْ يخبرنا أن المنهج الذي جاء به رسول ال صلى ال عليه وسلم من‬
‫ربه وفيه أوامره‪ ،‬وفيه نواهيه‪ ،‬وفيه سبل الخلص من الخصوم‪ ،‬هذا المنهج ل ُبدّ أنْ يٌحترمَ؛ لنه‬
‫سيُسلم الناس جميعا إلى حياة أخرى يُستقبلون فيها استقبالً‪ ،‬ل ينفعهم فيه إل أعمالهم‪.‬‬
‫حياة أخرى يعيشون فيها مع المسبّب سبحانه‪ ،‬ل مع السباب فإياكم أنْ تظنوا أن ال خلقكم‬
‫ورزقكم وتنعمتُمْ بنعمه في الدنيا‪ ،‬وانتهت المسألة‪ ،‬وأفلت من عقابه مَنْ خرج على منهجه‪ ،‬ل بل‬
‫تذكروا دائما أنكم راجعون إليه‪ ،‬ولن ُتفِلتوا من يده‪.‬‬

‫(‪)3517 /‬‬
‫عةَ َتكُونُ قَرِيبًا (‪)63‬‬
‫عةِ ُقلْ إِ ّنمَا عِ ْل ُمهَا عِنْدَ اللّ ِه َومَا يُدْرِيكَ َل َعلّ السّا َ‬
‫يَسْأَُلكَ النّاسُ عَنِ السّا َ‬

‫سُئِل رسول ال كثيرا عن الساعة‪ ،‬والسؤال ظاهرة صحية إذا كان في المر التكليفي؛ لن السؤال‬
‫ب التكليف‪ ،‬فأراد أنْ يبني حركة‬
‫عن التكاليف الشرعية دليل على أن السائل آمن برسول ال‪ ،‬وأح ّ‬
‫حياته على أسس إسلمية من البداية‪.‬‬
‫فعلى فرض أن السلم جاء على أشياء كانت مُتوارثة من الجاهلية فأقرّها السلم‪ ،‬فيأتي مَنْ‬
‫يسأل عن رأي السلم فيها حِرْصا منه على سلمة دينه وحركة حياته‪.‬‬
‫لكن أراد الحق سبحانه أنْ يُهوّن المسائل على الناس‪ ،‬فقال سبحانه‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لَ َتسْأَلُواْ‬
‫س ْؤكُمْ‪[} ...‬المائدة‪.]101 :‬‬
‫عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ َلكُمْ تَ ُ‬
‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬دعوني ما تركتكم‪ ،‬فإنما أُهلك مَنْ كان قبلكم بكثرة‬
‫سؤالهم واختلفهم على أنبيائهم "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬السؤال المطلوب هو السؤال عن المور التكليفية التي تهم المسلم‪ ،‬حتى وإنْ كانت من أمور‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجاهلية‪ ،‬وقد أقرّ السلم كثيرا منها‪ ،‬فالدية مثلً في السلم جاءت من جذور كانت موجودة عند‬
‫الجاهليين وأقرّها السلم‪ ،‬وقد أمر ال تعالى المسلم بأنْ يسأل عن مثل هذه المسائل في قوله‬
‫تعالى‪ {:‬فَاسْأَلُواْ أَ ْهلَ ال ّذكْرِ إِن كُنْتُم لَ َتعَْلمُونَ }[النحل‪.]43 :‬‬
‫أما السؤال عن الساعة‪ ،‬فالساعة أمر غيبي ل يعلمه إل ال‪ ،‬فهو سؤال ل جدوى منه‪ ،‬لذلك لما‬
‫سُئِل رسول ال‪ :‬متى الساعة؟ قال للسائل‪ " :‬وماذا أعددتَ لها " فأخذه إلى ما ينبغي له أنْ يسأل‬
‫عنه ويهتمّ به‪.‬‬
‫وهذه الية الكريمة { َيسْأَُلكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ‪[ } ...‬الحزاب‪ ]63 :‬جاءت بعد معركة اليذاء ل‬
‫تعالى‪ ،‬واليذاء لرسوله وللمؤمنين به‪ ،‬هذا اليذاء جاء ممّنْ ل يُؤمنون بالسماء‪ ،‬ول يؤمنون بال‪،‬‬
‫ول يؤمنون بالبلغ عن ال بواسطة رسوله‪.‬‬
‫وإيذاء هؤلء ل تعالى هو في الحقيقة إيذاء لنفسهم؛ لنه ل يصل إلى ال تعالى‪ ،‬وال يريد لهم‬
‫الخير؛ لنهم عباده وصَنْعته‪ ،‬فحين يخرجون على منهجه فإنما يؤذون أنفسهم‪ ،‬أما إيذاؤهم لرسول‬
‫ال فقد آذوه صلى ال عليه وسلم في أهله وفي نفسه‪ ،‬فقد تعرّضوا له صلى ال عليه وسلم بما‬
‫يتأبّى عنه أيّ إنسان كريم‪ ،‬آذوْه بالقول وبالفعل‪ ،‬ومع ذلك صبر صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وصبر‬
‫أصحابه‪ ،‬وقد أوذوا في أنفسهم وفي أموالهم‪.‬‬
‫والمتأمل يجد أن هذا اليذاء مقصود وله فلسفة‪ ،‬فقد أراده ال تعالى ليُمحّص المؤمنين‪ ،‬وليرى ‪-‬‬
‫سبَ النّاسُ أَن يُتْ َركُواْ أَن َيقُولُواْ‬
‫وهو أعلم سبحانه ‪ -‬مَنْ يثبت على اليمان؛ لذلك قال تعالى‪َ {:‬أحَ ِ‬
‫آمَنّا وَهُمْ لَ ُيفْتَنُونَ }[العنكبوت‪.]2 :‬‬
‫وسبق أن أوضحنا أن اليمان ليس كلمةً تُقال‪ ،‬إنما اليمان مسئولية وعمل‪ ،‬ولهذا السبب امتنع‬
‫كفار مكة عن النطق بكلمة اليمان؛ لنهم يعلمون حقيقتها‪ ،‬وهم أهل بيان وفَهْم للساليب‬
‫وللمعاني‪.‬‬
‫وثبات سيدنا رسول ال وصبره هو والذين آمنوا معه دليل على أنهم أج َروْا مقارنة بين هذا اليذاء‬
‫في الدنيا من بشر له قدرة محدودة‪ ،‬وإيذاء ال سبحانه في الخرة‪ ،‬وهذا إيذاء يناسب قدرته تعالى‪،‬‬
‫ول يمكن أنْ يفرّ منه أحدٌ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬نقول‪ :‬إن لليذاء فلسفةً مقصودة‪ ،‬وإل فقد كان من الممكن أن يأخذ ال أعداء دينه أَخْذ عزيز‬
‫مقتدر‪ ،‬كما أخذ قوم نوح بالطوفان‪ ،‬وقوم فرعون بالغرق‪ ،‬وكما خسف بقارون الرض‪ ،‬لكن أراد‬
‫سبحانه أن يعذب هؤلء بأيدي المؤمنين وبأيدي رسول ال‪ ،‬وربما لو نزلت بهم أخذه عامة لقالوا‪:‬‬
‫آية كونية كالزلزل والبراكين مثلً؛ لذلك قال تعالى مخاطبا المؤمنين‪ {:‬قَاتِلُوهُمْ ُيعَذّ ْب ُهمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ‬
‫وَيُخْزِ ِه ْم وَيَ ْنصُرْكُمْ عَلَ ْيهِمْ‪[} ...‬التوبة‪.]14 :‬‬
‫جعُونَ }‬
‫ثم يُصبّر الحق سبحانه نبيه ويُسلّيه‪ {:‬فَـِإمّا نُرِيَ ّنكَ َب ْعضَ الّذِي َن ِعدُهُمْ َأوْ نَ َت َوفّيَ ّنكَ فَإِلَيْنَا يُ ْر َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[غافر‪.]77 :‬‬
‫إذن‪ :‬ردّ الحق سبحانه على هذا اليذاء جاء على نوعين‪ :‬نوع في الدنيا بأنْ ينصرَ الُ نبيّه عليهم‪،‬‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪.]45 :‬‬
‫كما بشّره ال بقوله‪ {:‬سَ ُيهْ َزمُ ا ْل َ‬
‫والخر رَدّ أخروي يوم القيامة؛ لذلك قال تعالى‪َ } :‬يسْأَُلكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ‪[ { ...‬الحزاب‪.]63 :‬‬
‫والسؤال الذي سُئِلَه رسول ال صلى ال عليه وسلم كان متوجها إلى أمرين‪ :‬الول‪ :‬إعجازي‬
‫لنهم كانوا يعملون من كتبهم وأنبيائهم بعض المور‪ ،‬فيريدون أنْ يُحرِجوا بها رسول ال حين‬
‫ي ل يقرأ ول يكتب‪ ،‬ولم يجلس أبدا‬
‫يسألونه عنها‪ ،‬فلم يجدوا جوابا‪ ،‬وهم يعرفون أن رسول ال ُأ ِم ّ‬
‫إلى مُعلّم‪ ،‬لكن الحق سبحانه كان يُسِعف رسوله ويُعلمه الجواب‪ ،‬فيجيب عليهم الجواب الصحيح‪،‬‬
‫فيموتون غيظا‪ ،‬ويتمحكون في أيّ مسألة ليثبتوا لنفسهم أن محمدا ل يعلمها‪.‬‬
‫من ذلك مثلً سؤالهم عن أهل الكهف‪ :‬كم لبثوا؟ فأجابهم ال تعالى‪ {:‬وَلَبِثُواْ فِي َك ْه ِفهِمْ ثَلثَ مِاْ َئةٍ‬
‫ن وَازْدَادُواْ تِسْعا }[الكهف‪ ]25 :‬فقالوا‪ :‬نحن نعلم أنها ثلثمائة‪ ،‬فمن أين هذه الزيادة؟ وجهلوا‬
‫سِنِي َ‬
‫أن تقويت المناسك اللهية في الدين إنما يقوم على التقويم الهللي ل على حركة الشمس؛ لن‬
‫ُمقْتضى ما تعطيه لنا الشمس أن نعلم بها بداية اليوم ونهايته‪ ،‬لكن ل نعرف بها أول الشهر ول‬
‫آخره‪.‬‬
‫أما التوقيت العربي الهللي‪ ،‬فله علمة مميزة هي ظهور الهلل أول الشهر‪ ،‬وإذا ما قار ْنتَ بين‬
‫التقويم الهللي والتقويم الميلدي تجد أن كل سنة هجرية تنقص أحد عشر يوما عن السنة‬
‫الشمسية‪ ،‬فالثلثمائة سنة الميلدية تساوي في السنة الهجرية ثلثمائة وتسعة‪.‬‬
‫فكأنهم أرادوا تجهيل محمد‪ ،‬فنبّههم ال إلى أنهم هم الجهلة‪ .‬وعجيب أن يعترض اليهود على هذا‬
‫التوقيت‪ ،‬مع أنه التوقيت العبادي لسيدنا موسى عليه السلم‪ ،‬ألم يقل سبحانه‪َ {:‬ووَاعَدْنَا مُوسَىا‬
‫ثَلَثِينَ لَيْلَ ًة وَأَ ْت َممْنَاهَا ِبعَشْرٍ فَتَمّ مِيقَاتُ رَبّهِ‪[} ...‬العراف‪.]142 :‬‬
‫إذن‪ :‬فقوله تعالى‪ {:‬وَازْدَادُواْ تِسْعا }[الكهف‪ ]25 :‬فيه إعجاز أدائي بليغ‪ ،‬يدل على أنّ التسْع سنين‬
‫إنما جاءتْ زيادةً من داخل الثلثمائة‪ ،‬وليستْ خارجة عنها‪.‬‬
‫ثم سألوه صلى ال عليه وسلم عن رجل جوّال‪ ،‬فأنزل ال‪ {:‬وَيَسْأَلُو َنكَ عَن ذِي ا ْلقَرْنَيْنِ‪} ...‬‬
‫[الكهف‪.]83 :‬‬
‫فكان ينبغي أن يلفتهم ذلك إلى صدق محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأن يسألوا أنفسهم‪ :‬من أين له‬
‫هذا العلم‪ ،‬وهو الميّ الذي لم يجلس مرة إلى مُعلّم؟‬
‫لذلك قلنا‪ :‬إن الُمية عَ ْيبٌ في كل إنسان‪ ،‬إل أنها كانت شرفا وميزة في رسول ال بالذات؛ لنها‬
‫تعني في حقّ رسول ال أنه لم يُعلّمه بشر كما اتهموه‪ ،‬إنما علمه ربه‪.‬‬
‫كذلك كانت المة الت نزل فيها القرآن أمة أمية‪ ،‬وهذا أيضا شرف في حقها‪ ،‬فلو أن هذه المة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كانت أمةَ علم وثقافة لقالوا عن السلم‪ :‬إنه قفزة حضارية‪ ،‬لكنها كانت أمة أمية يسودها النظام‬
‫القبلي‪ ،‬فلكل قبيلة قانونها ونظامها‪ ،‬ولكل قبيلة رئيسها‪ ،‬ومع ذلك خرج منهم مَنْ جاء بنظام عام‬
‫يصلح لسياسة الدنيا كلها‪ ،‬إلى أنْ تقوم الساعة‪ ،‬وهذا ل يتأتّى إل بمنهج إلهي‪.‬‬
‫إذن‪ :‬المية في العرب شرف‪ ،‬وعجزهم عن محاكاة القرآن‪ ،‬والتيان بمثله أيضا شرف لهم‪،‬‬
‫فكوْن الحق سبحانه يتحدّاهم بأسلوب القرآن دليل على عظمتهم في هذا المجال‪ ،‬وإل فأنت ل‬
‫تتحدّى الضعيف إنما تتحدّى القوي في مجال التحدي‪ ،‬فكأن تحدّى ال العرب شهادة منه سبحانه‬
‫بأنهم أفصح الخَلْق؛ لذلك جاءهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه‪.‬‬
‫ثم يسأل اليهود رسول ال عن الساعة } َيسْأَُلكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ‪[ { ...‬الحزاب‪ ]63 :‬وهم‬
‫ل يكون هذا اليوم‪،‬‬
‫يسألون عن الساعة يعني‪ :‬عن يوم القيامة؛ لنهم ينكرونه‪ ،‬ومن مصلحتهم أ ّ‬
‫س ْفكٍ‬
‫حتى ل يقفوا موقف المساءلة والحساب على ما أجرموه في الدنيا من ظلم وشرك وعربدة و َ‬
‫للدماء‪ ،‬وَلغْو في أعراض الناس‪.‬‬
‫ولو بحث هؤلء قضية القيامة والحساب بالعقل ‪ -‬ل بنصوص القرآن ‪ -‬لوجدوا أنها أمر منطقي‬
‫ل ُبدّ أنْ يحدث‪ ،‬فمثلً نحن عاصرنا الحزب الشيوعي في روسيا سنة ‪ ،1917‬ورأينا كيف أخذوا‬
‫القطاعين والرأسماليين وعذّبوهم‪ ،‬وفعلوا بهم الفاعيل‪ ،‬وصادروا ممتلكاتهم جزاءً لهم على‬
‫ن تقتصّ من الظالم‪ ،‬لكن ما بال كثير من‬
‫ظلمهم للناس‪ ،‬وكنا نقول لهم‪ :‬نعم هذا أمر منطقي أ ْ‬
‫الظّلمة الذين ماتوا أو لم تدركوهم وأفلتوا من قبضتكم؟‬
‫بال‪ ،‬لو جاء شخص ودلّكم على مكان أحد الظلمة هؤلء‪ ،‬ألستم تحمدون له هذه المساعدة؟ فكيف‬
‫به لو قال‪ :‬بل سأحضره وأحاسبه وأقتصّ منه‪ ،‬أليست هذه إعانة لكم على مهمة النتقام من‬
‫الظالمين؟‬
‫لذلك نقول‪ :‬كان من الواجب أن يكون الشيوعيون أول الناس إيمانا بيوم القيامة وبالبعث والحساب‬
‫ليتداركوا مَنْ أفلت من أيديهم‪.‬‬
‫شيء آخر‪ :‬ألستم تضعون ‪ -‬في أيّ نظام من أنظمتكم الوضعية ‪ -‬القوانين المنظمة؟ ما معنى‬
‫القانون‪ :‬القانون قواعد تحدد للمواطن ما له وما عليه‪ ،‬أليس في قوانينكم هذا مبدأ الثواب للمحسن‪،‬‬
‫والعقاب للمقصر؟‬
‫إذن‪ :‬كل مجتمع ل ُبدّ أن تكون فيه عناصر خارجة على نظامه‪ ،‬وتستحق العقوبة‪ ،‬فمَنِ استطاع‬
‫أنْ يُدلّس على المجتمع‪ ،‬وأنْ يداري جريمته ما حظه من العقوبة‪ ،‬وقد استشرى فساده وكَثُر‬
‫ظلمه؟‬
‫خفَي عليها أحد‪ ،‬ول يُدلّس عليها أحد‪ ،‬ول يهرب منها أحد‪،‬‬
‫ن نؤمن بقدرة أخرى ل يَ ْ‬
‫إذن‪ :‬ل بُدّ أ ْ‬
‫قدرة تعرف الخفايا وتفضحها وتحاسب أصحابها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سقُطُ‬
‫هذه القضية ل ُبدّ أنْ تسوقك إلى فطرية اليمان بال تعالى‪ ،‬وأنه سبحانه خبير عالم{ َومَا تَ ْ‬
‫ب َولَ يَا ِبسٍ إل فِي‪[} ...‬النعام‪.]59 :‬‬
‫ط ٍ‬
‫ت الَ ْرضِ َولَ رَ ْ‬
‫مِن وَ َرقَةٍ ِإلّ َيعَْل ُمهَا َولَ حَبّةٍ فِي ظُُلمَا ِ‬
‫حصُون‬
‫لماذا إذن تنكرون القيامة وأنتم في أنظمتكم الدنيوية تُجنّدون الجواسيس والمخابرات‪،‬وتُ ْ‬
‫َهمْسَ الناس لمعرفة الذين يحتالون في ألّ يراهم القانون؟ أليس من فضل ال عليكم أنه سبحانه‬
‫خفِي عليكم ويقتصّ لكم من خصومكم؟‬
‫يعلم ما َ‬
‫فقضية القيامة والحساب واضحة بالفطرة؛ لذلك تجد أن المنكرين لها هم الذين أسرفوا على أنفسهم‬
‫ويخافون ما ينتظرهم من العقاب في هذا اليوم‪ ،‬ول يملكون إل إنكاره وعدم العتراف به‪ ،‬وكأن‬
‫هذا الهروب هو الحل‪.‬‬
‫عةَ قَا ِئمَةً‪} ...‬‬
‫وسورة الكهف تعطينا نموذجا لهؤلء‪ ،‬وهو صاحب الجنة الذي قال‪َ {:‬ومَآ َأظُنّ السّا َ‬
‫[الكهف‪ ]36 :‬بعد أنْ أسرف على نفسه وجحد نعمة ال عليه‪ ،‬ولما تنبّه وراجع فطرته قال‪ {:‬وَلَئِن‬
‫جدَنّ خَيْرا مّ ْنهَا مُنْقَلَبا }[الكهف‪.]36 :‬‬
‫رّدِدتّ ِإلَىا رَبّي لَ ِ‬
‫فالتكذيب بيوم القامة هو الغلب والكد والشكّ في{ وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىا رَبّي‪[} ...‬الكهف‪]36 :‬‬
‫يعني‪ :‬وعلى فرض أَنّي رُد ْدتُ إلى ربي يوم القيامة فسوف يكون لي عنده أفضل مما أعطاني في‬
‫الدنيا‪ ،‬فكما أكرمني هنا سيكرمني هناك‪.‬‬
‫وهذا اعتقاط خاطيء و َفهْم أحمق‪ ،‬فال تعالى ل يكرم في الخرة إل مَنْ أكرم نفسه باتباع منهجه‬
‫في الدنيا‪ ،‬ومَنْ لم يكرم نفسه هنا بمنهج ال ل يكرمه ال في الخرة‪.‬‬
‫لذلك كثيرا ما نسمع‪ :‬دَع ْوتُ فلم يُستجب لي‪ ،‬خصوصا السيدات‪ ،‬جاءتني إحداهن تشتكي أنها‬
‫توجهت إلى ال بالدعاء‪ ،‬ومع ذلك البنت لم تتزوج والولد كذا والزوج كذا‪ .‬فكنت أقول لها (كتر‬
‫خيرك) أولً أنك عرفت أن لك ربا تفزعين إليه وقت الشدة كما قال سبحانه‪ {:‬فََلوْل ِإذْ جَآءَ ُهمْ‬
‫بَأْسُنَا َتضَرّعُواْ‪[} ...‬النعام‪.]43 :‬‬
‫إنما أسألك‪ :‬هل أنت أجبت ال أولً فيما طلبه منك كي تنتظري منه أنْ يُجيبك إلى ما طلبتِ؟‬
‫خلْقة ال؟ فكانت ل تجد جوابا‪ ،‬إل‬
‫أأجبت ال في شعرك هذا؟ أأجبتِ ال في (شفايفك) وتغييرك ل ِ‬
‫ن تقول‪ :‬وال أنا قلبي (صافي) ول أوذي أحدا‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫أْ‬
‫إذن‪ :‬أخذتم على ال أنكم دعوتُم فلم يَسْتجب لكم‪ ،‬ولم تأخذوا على أنفسكم أنه سبحانه دعاكم أولً‬
‫وناداكم فلم تستجيبوا لندائه‪ ،‬احرصوا أولً على إجابة نداء ال‪ ،‬وثقوا أنه سبحانه سيجيبكم‪.‬‬
‫نعود إلى ما كنا بصدده من الحديث عن السؤال في القرآن الكريم‪ ،‬فسؤالهم عن الساعة إمّا ليتأكد‬
‫السائل أنها ستحدث‪ ،‬وإما لنه يستبطئها ويريدها الن‪.‬‬
‫ومادة السؤال جاءت كثيرا في كتاب ال؛ لن القرآن لم ينزل على رسول ال جمل ًة واحدة‪ ،‬إنما‬
‫حسْب الحداث ليعطيهم الفرصة للسؤال‪ ،‬وجاء السؤال إما لتحدي رسول ال‪ ،‬وإما‬
‫نزل مُنجّما َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للستزادة من أحكام ال التي أنزلها على رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذا جاء ِممّنْ عشقوا‬
‫اليمان‪ ،‬فأحبوا أنْ تُبني حركة حياتهم على هدى اليمان‪.‬‬
‫حتى المسائل التي كانت لها جذور في الجاهلية راحوا يسألون عنها‪ ،‬لماذا‪ ،‬مع أن السلم أقرها؟‬
‫قالوا‪ :‬لنهم أرادوا أنْ يَبْنوا أعمالهم على العبادة‪ ،‬ل على العادة الجاهلية‪.‬‬
‫والقرآن حينما عرض لهذه السئلة قال مرة‪ {:‬وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ ا ْلمَحِيضِ ُقلْ ُهوَ َأذًى‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫‪ ]222‬فرسول ال صلى ال عليه وسلم حينما سُئِل هذا السؤال لم َيقُلْ‪ :‬هو أذى؛ لن الجواب ليس‬
‫من عنده‪ ،‬إنما هو مُبَلّغ عن ال‪ ،‬وال هو الذي يقول‪ ،‬فقال{ ُقلْ ُهوَ أَذًى‪[} ...‬البقرة‪ ]222 :‬فكلمة‬
‫ُقلْ هذه من مقول ال تعالى‪ ،‬وأنا أقولها كما هي‪.‬‬
‫لذلك نعجب ممن ينادي بحذف كلمة } قلْ { من القرآن‪ ،‬بحجة أنها ل تضيف جديدا للمعنى في‬
‫حين أنها دليل على صدق سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ودليل على أن ما جاء به لس من‬
‫عنده إنما من عند ال وهو مبلغ فحسب فرب ُه قال له قل وهو يقولها كما هي{ وَيَسْأَلُو َنكَ مَاذَا‬
‫يُنفِقُونَ ُقلِ ا ْل َع ْفوَ‪[} ..‬البقرة‪ ]219 :‬وفي موضع آخر‪ {:‬يَسْأَلُو َنكَ مَاذَا يُ ْنفِقُونَ ُقلْ مَآ أَ ْن َفقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ‬
‫لقْرَبِينَ‪[} ...‬البقرة‪.]215 :‬‬
‫ن وَا َ‬
‫فَلِ ْلوَالِدَيْ ِ‬
‫لكن ُقلْ تأتي مرة مقترنة بالفاء‪ ،‬ومرة أخرى غير مقترنة بها‪ ،‬فلماذا؟ هذا مَلْمح إعجازي في أداء‬
‫ن الَهِلّةِ ُقلْ ِهيَ‬
‫القرآن‪ ،‬لن الجواب ب ُقلْ يعني أن السؤال قد حدث بالفعل‪ ،‬مثل{ يَسْأَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫َموَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ‪[} ...‬البقرة‪.]189 :‬‬
‫أما الجواب حين يقترن بالفاء‪ ،‬فإنه يعني وجودَ شرطٍ‪ ،‬فالسؤال لم يحدث بالفعل‪ ،‬إنما سيحدث في‬
‫س ُفهَا رَبّي َنسْفا }[طه‪.]105 :‬‬
‫المستقبل‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ {:‬وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ ا ْلجِبَالِ َف ُقلْ يَن ِ‬
‫والمعنى‪ :‬إن سألوك في المستقبل عن الجبال ف ُقلْ ينفسها ربي نَسْفا‪ ،‬فالجواب ُمعَدّ مسْبقا لسؤال لم‬
‫يُسأل َبعْد‪ ،‬لكنه ل ُبدّ أنْ يُسأل‪ ،‬وأنْ يقع منهم‪ ،‬وهذا وجه آخر من وجوه العجاز في القرآن‬
‫ن ينقض أحد كلم ال‪ ،‬أو ينقض علمه‬
‫الكريم‪ ،‬وإل فقد كان بإمكانهم ألّ يسألوا‪ ،‬لكن هيهات أ ْ‬
‫تعالى‪.‬‬
‫ن يقولوا‪ ،‬وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى‪ {:‬تَ ّبتْ يَدَآ أَبِي َل َهبٍ وَتَبّ‬
‫ما دام ال قال فل بُدّ أ ْ‬
‫طبِ * فِي جِيدِهَا‬
‫حَ‬
‫حمّالَةَ الْ َ‬
‫سبَ * سَ َيصْلَىا نَارا ذَاتَ َل َهبٍ * وَامْرَأَتُهُ َ‬
‫* مَآ أَغْنَىا عَنْهُ مَاُل ُه َومَا كَ َ‬
‫سدٍ }[المسد‪.]5-1 :‬‬
‫حَ ْبلٌ مّن مّ َ‬
‫فحكم ال تعالى على هذا الكافر العنيد أنه سيموت على كفره‪ ،‬وسيكون مصيره وزوجته النار‪،‬‬
‫وقد سمع أبو لهب وامرأته هذه الية‪ ،‬وعرفوا صِدْقها‪ ،‬لكنه مع ذلك لم يؤمن ولو نفاقا‪ ،‬وقد آمن‬
‫مَنْ هو أش ّد كفرا وعنادا‪ ،‬أمثال‪ :‬عمرو بن العاص‪ ،‬وخالد بن الوليد وغيرهما‪.‬‬
‫لكن الذي حكم وأخبر أنه لن يؤمن يعلم أنه سينتهي إلى هذه النهاية مهما حذّره وأنذره؛ لذلك كان‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أبو لهب مثالً لغباء الشرك‪ ،‬فلو أنه جاء في مَحْفل من محافل قريش بعد نزول هذه السورة‪،‬‬
‫وقال‪ :‬أشهد أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال لحرجَ رسول ال وكذّب القرآن‪ ،‬لكن لم‬
‫يحدث شيء من هذا‪ ،‬وما كان ليحدث بعد أنْ قال ال‪ ،‬مع أنه حُرّ مختار‪.‬‬
‫وفي آية واحدة من كتاب ال وردت الجابة عن السؤال غير مُصدّرة ( ُقلْ) ول (فقل)‪ ،‬وهي قوله‬
‫سبحانه‪ {:‬وَِإذَا سَأََلكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ‪[} ...‬البقرة‪ ،]186 :‬لماذا؟‬
‫قالوا‪ :‬لن السؤال هنا عن ذات ال تعالى؛ لذلك جعل الجواب منه سبحانه مباشرة بل واسطة؛ لن‬
‫المقامَ مقامُ سؤال عن قريب مباشر لك‪ ،‬كذلك جاءتْ الجابة مباشرة‪.‬‬
‫هذا عن السؤال‪ ،‬أما عن الساعة التي سألوا عنها‪ ،‬فكلمة الساعة حين نطلقها في هذا العصر نريد‬
‫بها اللة المعروفة التي تحدد أجزاء الوقت من ليل أو نهار بالسوية‪ ،‬فليس هناك ساعة أكبر من‬
‫ساعة‪.‬‬
‫والعرب حينما اخترعوا الساعة أو المزولة‪ ،‬كانت ساعة دقّاقة بالماء‪ ،‬وهي عبارة عن خزان‬
‫سمّيت‬
‫يقطر منه الماء قطرة قطرة‪ ،‬وكلما نزلت قطرة الماء حرّكتْ عقارب الساعة بالتساوي‪ ،‬و ُ‬
‫ساعة بالذات؛ لن الساعة هي أقرب أجزاء الوقت لليل أو للنهار‪ ،‬وبعد ذلك عرفنا الدقيقة والثانية‬
‫والجزء من الثانية‪.‬‬
‫وقد حرص العرب بالذات على حساب الوقت‪ ،‬وفكّروا في آلة تضبطه؛ لن السلم يقوم على‬
‫عبادات موقوتة ل ُبدّ أنْ تُؤدّي في وقتها‪ ،‬من هنا اخترعوا الساعة‪.‬‬
‫سمّي القيامة (الساعة) فالساعة التي‬
‫وكأن الحق سبحانه استعار فطرة البشرة منهم‪ ،‬حين َ‬
‫تنتظرونها هي آلة مواقيتكم في الحركة؛ لذلك قال شوقي رحمه ال‪َ :‬دقّاتُ قَ ْلبِ المْرءِ قَائِلةٌ لَهُ إنّ‬
‫ق وثَوانِوالحق سبحانه يقول‪ {:‬وَيَوْمَ َتقُومُ السّاعَةُ‪[} ....‬الروم‪ ]55 :‬أي القيامة‪ُ {:‬يقْسِمُ‬
‫الحَياةَ َدقَائِ ُ‬
‫عةٍ‪[} ...‬الروم‪ ]55 :‬أي ساعتكم وآلتكم التي تعارفتم عليها لضبط‬
‫ا ْلمُجْ ِرمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَا َ‬
‫الوقت‪ ،‬فجمع سبحانه بين الساعة الفاصلة بالقيامة‪ ،‬وبين الساعة التي هي جزء من الليل‪ ،‬أو من‬
‫النهار‪.‬‬
‫والمعنى‪َ } :‬يسْأَُلكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ‪[ { ..‬الحزاب‪ ]63 :‬يعني‪ :‬أتوجد أم ل توجد؟ وإذا كانت‬
‫تُوجَد‪ ،‬قالوا‪ {:‬فَأْتِنَا ِبمَا َتعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ }[العراف‪.]70 :‬‬
‫عةِ ُقلْ إِ ّنمَا‬
‫الحق سبحانه تكلّم في السؤال عن الساعة في موضعين‪ :‬هنا } يَسْأَُلكَ النّاسُ عَنِ السّا َ‬
‫عةَ َتكُونُ قَرِيبا { [الحزاب‪.]63 :‬‬
‫عِ ْل ُمهَا عِندَ اللّ ِه َومَا يُدْرِيكَ َل َعلّ السّا َ‬
‫عةَ قَرِيبٌ }‬
‫ن َومَا يُدْرِيكَ َل َعلّ السّا َ‬
‫ق وَا ْلمِيزَا َ‬
‫حّ‬
‫وفي سورة الشورى‪ {:‬اللّهُ الّذِي أَن َزلَ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫[الشورى‪.]17 :‬‬
‫ونلحظ أولً أن كلمة (قريب) جاءت بدون تأنيث‪ ،‬والساعة مؤنثة‪ ،‬فلم َي ُقلْ قريبة‪ ،‬قالوا‪ :‬لن المراد‬
‫وقت قيامها‪ :‬وما يدريك لعل وقت قيامها قريب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقال اللغويون‪ :‬إن (قريب) على وزن فعيل‪ ،‬وهذا الوزن يستوي فيه المذكّر والمؤنث‪ ،‬كما في‬
‫ظهِيرٌ }[التحريم‪.]4 :‬‬
‫قوله سبحانه‪ {:‬وَا ْلمَلَئِكَةُ َب ْعدَ ذَِلكَ َ‬
‫ثم في الية الولى جاء بالفعل تكون‪ ،‬فقال‪َ } :‬تكُونُ قَرِيبا { [الحزاب‪ ]63 :‬وفي الخرى قال‪:‬‬
‫(قريب) لماذا؟ قالوا‪ :‬لن السؤال مرة يكون عن أصل الوجود‪ ،‬ومرة يكون عن شيء تابع لصل‬
‫الوجود‪ ،‬وفي الدراسات النحوية نُدرّس للتلميذ كان وأخواتها‪ ،‬وهي فعل مَاضٍ ناقص‪ ،‬يرفع‬
‫عسْ َرةٍ‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫المبتدأ وينصب الخبر‪ ،‬وقد تأتي كان تامة تكتفي بفاعلها كما في{ وَإِن كَانَ ذُو ُ‬
‫عسْرة‪.‬‬
‫ن ُوجِد ذو ُ‬
‫‪ ]280‬يعني‪ :‬إ ْ‬
‫إذن‪ :‬إنْ أردتَ الوجود الول فهي تامة‪ ،‬وإنْ أردتَ وجودا ثانيا طارئا على الوجود الول فهي‬
‫ناقصة‪ ،‬كما لو قُ ْلتَ‪ :‬كان زيد مجتهدا‪ ،‬فأنت ل تتكلم عن الوجود الول لزيد‪ ،‬إنما تتكلم عن شيء‬
‫طرأ على وجوده‪ ،‬وهو اجتهاده‪ ،‬وهذه هي كان الناقصة؛ لن الفعل ينبغي أنْ يدلّ على زمن‬
‫وحدث‪ ،‬والفعل كان دلّ على زمن فقط‪ ،‬فاحتاج إلى خبر ليدل على الحدث‪ ،‬فكأنك قُ ْلتَ‪ :‬اجتهد‬
‫زيد‪ ..‬في الزمن الماضي‪.‬‬
‫كذلك نقول في الوجود الول وكان التامة‪ " :‬كان ال ول شيء معه " هذا هو الوجود العلى‪ ،‬فإنْ‬
‫غفُورا رّحِيما }[النساء‪.]152 :‬‬
‫أردتَ شيئا آخر مُتعلّقا بهذا الوجود الول تقول‪َ {:‬وكَانَ اللّهُ َ‬
‫فالحق سبحانه في هاتين اليتين يردّ على الذين يسألون عن الساعة‪ ،‬إما لنهم ينكرونها وجودا‪ ،‬أو‬
‫عةَ َتكُونُ قَرِيبا { [الحزاب‪ ]63 :‬ومرة{‬
‫يؤمنون بها‪ ،‬ويسألون عن وقتها‪ ،‬فقال مرة‪َ } :‬ل َعلّ السّا َ‬
‫َل َعلّ السّاعَةَ قَرِيبٌ }[الشورى‪.]17 :‬‬
‫ت بالموضوع‬
‫كلمة{ َومَا يُدْرِيكَ‪[} ...‬الشورى‪ ]17 :‬معنى الدراية‪ :‬العلم‪ ،‬كما نقول‪ :‬هل در ْي َ‬
‫الفلني‪ ،‬يعني‪ :‬علمتَ به‪.‬‬

‫(‪)3518 /‬‬
‫سعِيرًا (‪)64‬‬
‫ن وَأَعَدّ َل ُهمْ َ‬
‫إِنّ اللّهَ َلعَنَ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3519‬‬
‫جدُونَ وَلِيّا وَلَا َنصِيرًا (‪)65‬‬
‫خَاِلدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3520‬‬
‫طعْنَا الرّسُولَا (‪)66‬‬
‫طعْنَا اللّ َه وَأَ َ‬
‫َيوْمَ ُتقَّلبُ ُوجُو ُههُمْ فِي النّارِ َيقُولُونَ يَا لَيْتَنَا َأ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3521‬‬
‫طعْنَا سَادَتَنَا َوكُبَرَاءَنَا فََأضَلّونَا السّبِيلَا (‪)67‬‬
‫َوقَالُوا رَبّنَا إِنّا أَ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3522‬‬
‫ب وَا ْلعَ ْنهُمْ َلعْنًا كَبِيرًا (‪)68‬‬
‫ضعْفَيْنِ مِنَ ا ْلعَذَا ِ‬
‫رَبّنَا آَ ِت ِه ْم ِ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3523‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا لَا َتكُونُوا كَالّذِينَ َآ َذوْا مُوسَى فَبَرَّأهُ اللّهُ ِممّا قَالُوا َوكَانَ عِنْدَ اللّ ِه وَجِيهًا (‪)69‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3524‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا ا ّتقُوا اللّ َه َوقُولُوا َقوْلًا سَدِيدًا (‪)70‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3525‬‬
‫عظِيمًا (‪)71‬‬
‫عمَاَلكُمْ وَ َيغْفِرْ َلكُمْ ذُنُو َبكُ ْم َومَنْ ُيطِعِ اللّ َه وَرَسُولَهُ َفقَدْ فَازَ َفوْزًا َ‬
‫ُيصْلِحْ َلكُمْ أَ ْ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3526‬‬
‫حمََلهَا الْإِنْسَانُ‬
‫شفَقْنَ مِ ْنهَا وَ َ‬
‫حمِلْ َنهَا وَأَ ْ‬
‫ض وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ َي ْ‬
‫ت وَالْأَ ْر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫إِنّا عَ َرضْنَا الَْأمَانَةَ عَلَى ال ّ‬
‫جهُولًا (‪)72‬‬
‫إِنّهُ كَانَ ظَلُومًا َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3527‬‬
‫ت وَيَتُوبَ اللّهُ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَا ْل ُم ْؤمِنَاتِ‬
‫ن وَا ْلمُشْ ِركَا ِ‬
‫ت وَا ْلمُشْ ِركِي َ‬
‫لِ ُيعَ ّذبَ اللّهُ ا ْلمُنَا ِفقِينَ وَا ْلمُنَا ِفقَا ِ‬
‫غفُورًا رَحِيمًا (‪)73‬‬
‫َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3528‬‬
‫حكِيمُ ا ْلخَبِيرُ (‪)1‬‬
‫حمْدُ فِي الْآَخِ َر ِة وَ ُهوَ ا ْل َ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْرضِ وَلَهُ ا ْل َ‬
‫ح ْمدُ لِلّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي ال ّ‬
‫الْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3529‬‬
‫سمَا ِء َومَا َيعْرُجُ فِيهَا وَ ُهوَ الرّحِيمُ ا ْل َغفُورُ (‬
‫ض َومَا يَخْرُجُ مِ ْنهَا َومَا يَنْ ِزلُ مِنَ ال ّ‬
‫َيعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَ ْر ِ‬
‫‪)2‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3530‬‬
‫َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُوا لَا تَأْتِينَا السّاعَةُ ُقلْ بَلَى وَرَبّي لَتَأْتِيَ ّنكُمْ عَاِلمِ ا ْلغَ ْيبِ لَا َيعْ ُزبُ عَ ْنهُ مِ ْثقَالُ ذَ ّرةٍ فِي‬
‫صغَرُ مِنْ َذِلكَ وَلَا َأكْبَرُ إِلّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (‪)3‬‬
‫ض وَلَا َأ ْ‬
‫سمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫ال ّ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3531‬‬
‫عمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولَ ِئكَ َلهُمْ َم ْغفِ َرةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (‪)4‬‬
‫لِيَجْ ِزيَ الّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3532‬‬
‫عذَابٌ مِنْ ِرجْزٍ أَلِيمٌ (‪)5‬‬
‫س َعوْا فِي آَيَاتِنَا ُمعَاجِزِينَ أُولَ ِئكَ َلهُمْ َ‬
‫وَالّذِينَ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3533‬‬
‫حمِيدِ (‪)6‬‬
‫وَيَرَى الّذِينَ أُوتُوا ا ْلعِلْمَ الّذِي أُنْ ِزلَ إِلَ ْيكَ مِنْ رَ ّبكَ ُهوَ ا ْلحَقّ وَ َيهْدِي إِلَى صِرَاطِ ا ْلعَزِيزِ ا ْل َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3534‬‬
‫جدِيدٍ (‪)7‬‬
‫جلٍ يُنَبّ ُئ ُكمْ إِذَا مُ ّزقْ ُتمْ ُكلّ ُممَزّقٍ إِ ّنكُمْ َلفِي خَ ْلقٍ َ‬
‫َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُوا َهلْ َندُّلكُمْ عَلَى رَ ُ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3535‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ب وَالضّلَالِ الْ َبعِيدِ (‪)8‬‬
‫َأفْتَرَى عَلَى اللّهِ َكذِبًا أَمْ ِبهِ جِنّةٌ َبلِ الّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِالَْآخِ َرةِ فِي ا ْلعَذَا ِ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3536‬‬
‫سقِطْ‬
‫سفْ ِب ِهمُ الْأَ ْرضَ َأوْ نُ ْ‬
‫خِ‬
‫سمَا ِء وَالْأَ ْرضِ إِنْ َنشَأْ نَ ْ‬
‫خ ْلفَهُمْ مِنَ ال ّ‬
‫َأفَلَمْ يَ َروْا إِلَى مَا بَيْنَ أَ ْيدِيهِ ْم َومَا َ‬
‫سمَاءِ إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَ َيةً ِل ُكلّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (‪)9‬‬
‫سفًا مِنَ ال ّ‬
‫عَلَ ْيهِمْ كِ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3537‬‬
‫حدِيدَ (‪)10‬‬
‫وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنّا َفضْلًا يَا جِبَالُ َأوّبِي َمعَهُ وَالطّيْ َر وَأَلَنّا َلهُ الْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3538‬‬
‫عمَلُوا صَاِلحًا إِنّي ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرٌ (‪)11‬‬
‫ت َوقَدّرْ فِي السّرْدِ وَا ْ‬
‫ع َملْ سَا ِبغَا ٍ‬
‫أَنِ ا ْ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3539‬‬
‫شهْ ٌر وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ا ْلقِطْ ِر َومِنَ الْجِنّ مَنْ َي ْع َملُ بَيْنَ يَدَ ْيهِ‬
‫حهَا َ‬
‫شهْ ٌر وَ َروَا ُ‬
‫غ ُدوّهَا َ‬
‫وَلِسُلَ ْيمَانَ الرّيحَ ُ‬
‫سعِيرِ (‪)12‬‬
‫بِإِذْنِ رَبّ ِه َومَنْ يَ ِزغْ مِ ْنهُمْ عَنْ َأمْرِنَا نُ ِذقْهُ مِنْ عَذَابِ ال ّ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3540‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شكْرًا‬
‫عمَلُوا َآلَ دَاوُودَ ُ‬
‫ب َوقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ا ْ‬
‫جوَا ِ‬
‫جفَانٍ كَالْ َ‬
‫ب وَ َتمَاثِيلَ وَ ِ‬
‫َي ْعمَلُونَ َلهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِي َ‬
‫شكُورُ (‪)13‬‬
‫َوقَلِيلٌ مِنْ عِبَا ِديَ ال ّ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3541‬‬
‫فََلمّا َقضَيْنَا عَلَيْهِ ا ْل َم ْوتَ مَا دَّلهُمْ عَلَى َموْتِهِ ِإلّا دَابّةُ الْأَ ْرضِ تَ ْأ ُكلُ مِ ْنسَأَتَهُ فََلمّا خَرّ تَبَيّ َنتِ الْجِنّ أَنْ َلوْ‬
‫كَانُوا َيعَْلمُونَ ا ْلغَ ْيبَ مَا لَبِثُوا فِي ا ْلعَذَابِ ا ْل ُمهِينِ (‪)14‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3542‬‬
‫شكُرُوا لَهُ بَ ْل َدةٌ طَيّ َبةٌ‬
‫شمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَ ّب ُك ْم وَا ْ‬
‫ن وَ ِ‬
‫سكَ ِنهِمْ آَيَةٌ جَنّتَانِ عَنْ َيمِي ٍ‬
‫َلقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَ ْ‬
‫غفُورٌ (‪)15‬‬
‫وَ َربّ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3543‬‬
‫شيْءٍ مِنْ‬
‫ل وَ َ‬
‫ط وَأَ ْث ٍ‬
‫خمْ ٍ‬
‫فَأَعْ َرضُوا فَأَ ْرسَلْنَا عَلَ ْيهِمْ سَ ْيلَ ا ْلعَرِ ِم وَبَدّلْنَا ُهمْ ِبجَنّتَ ْيهِمْ جَنّتَيْنِ َذوَا َتيْ ُأ ُكلٍ َ‬
‫سِدْرٍ قَلِيلٍ (‪)16‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3544‬‬
‫ذَِلكَ جَزَيْنَاهُمْ ِبمَا كَفَرُوا وَ َهلْ نُجَازِي إِلّا ا ْلكَفُورَ (‪)17‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3545‬‬
‫جعَلْنَا بَيْ َنهُ ْم وَبَيْنَ ا ْلقُرَى الّتِي بَا َركْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِ َر ًة َوقَدّرْنَا فِيهَا السّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَاِليَ وَأَيّامًا‬
‫وَ َ‬
‫َآمِنِينَ (‪)18‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3546‬‬
‫جعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ َومَ ّزقْنَا ُهمْ ُكلّ ُممَزّقٍ إِنّ فِي ذَِلكَ‬
‫سهُمْ َف َ‬
‫سفَارِنَا وَظََلمُوا أَ ْنفُ َ‬
‫عدْ بَيْنَ أَ ْ‬
‫َفقَالُوا رَبّنَا بَا ِ‬
‫شكُورٍ (‪)19‬‬
‫لَآَيَاتٍ ِل ُكلّ صَبّارٍ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3547‬‬
‫وَلَقَدْ صَدّقَ عَلَ ْي ِهمْ إِبْلِيسُ ظَنّهُ فَاتّ َبعُوهُ إِلّا فَرِيقًا مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ (‪)20‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3548‬‬
‫ك وَرَ ّبكَ عَلَى ُكلّ‬
‫شّ‬
‫َومَا كَانَ َلهُ عَلَ ْيهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلّا لِ َنعْلَمَ مَنْ ُي ْؤمِنُ بِالَْآخِ َرةِ ِممّنْ ُهوَ مِ ْنهَا فِي َ‬
‫حفِيظٌ (‪)21‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3549‬‬
‫ض َومَا َلهُمْ‬
‫ت وَلَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫عمْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا َيمِْلكُونَ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ فِي ال ّ‬
‫ُقلِ ادْعُوا الّذِينَ زَ َ‬
‫ظهِيرٍ (‪)22‬‬
‫ك َومَا لَهُ مِ ْنهُمْ مِنْ َ‬
‫فِي ِهمَا مِنْ شِ ْر ٍ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3550‬‬
‫ق وَ ُهوَ‬
‫حّ‬
‫شفَاعَةُ عِنْ َدهُ إِلّا ِلمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذَا فُ ّزعَ عَنْ قُلُو ِبهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَ ّب ُكمْ قَالُوا الْ َ‬
‫وَلَا تَ ْنفَعُ ال ّ‬
‫ا ْلعَِليّ ا ْلكَبِيرُ (‪)23‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3551‬‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ ُقلِ اللّ ُه وَإِنّا َأوْ إِيّاكُمْ َلعَلَى ُهدًى َأوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (‪)24‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ُقلْ مَنْ يَرْ ُز ُق ُكمْ مِنَ ال ّ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3552‬‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ (‪)25‬‬
‫عمّا َأجْ َرمْنَا وَلَا ُنسَْألُ َ‬
‫ُقلْ لَا تُسْأَلُونَ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3553‬‬
‫ق وَ ُهوَ ا ْلفَتّاحُ ا ْلعَلِيمُ (‪)26‬‬
‫جمَعُ بَيْنَنَا رَبّنَا ثُمّ َيفْتَحُ بَيْنَنَا بِا ْلحَ ّ‬
‫ُقلْ َي ْ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3554‬‬
‫حكِيمُ (‪)27‬‬
‫حقْتُمْ ِبهِ شُ َركَاءَ كَلّا َبلْ ُهوَ اللّهُ ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫ُقلْ أَرُونِيَ الّذِينَ أَلْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3555‬‬
‫َومَا أَ ْرسَلْنَاكَ إِلّا كَافّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وََلكِنّ َأكْثَرَ النّاسِ لَا َيعَْلمُونَ (‪)28‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3556‬‬
‫وَيَقُولُونَ مَتَى َهذَا ا ْلوَعْدُ إِنْ كُنْتُ ْم صَا ِدقِينَ (‪)29‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3557‬‬
‫ع ًة وَلَا تَسْ َتقْ ِدمُونَ (‪)30‬‬
‫ُقلْ َلكُمْ مِيعَادُ َيوْمٍ لَا تَسْتَ ْأخِرُونَ عَ ْنهُ سَا َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3558‬‬
‫ن وَلَا بِالّذِي بَيْنَ َيدَيْ ِه وََلوْ تَرَى إِذِ الظّاِلمُونَ َم ْوقُوفُونَ عِنْدَ‬
‫َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُوا لَنْ ُن ْؤمِنَ ِبهَذَا ا ْلقُرْآَ ِ‬
‫ض ِعفُوا لِلّذِينَ اسْ َتكْبَرُوا َلوْلَا أَنْتُمْ َلكُنّا ُم ْؤمِنِينَ (‬
‫ضهُمْ إِلَى َب ْعضٍ ا ْل َقوْلَ َيقُولُ الّذِينَ اسْ ُت ْ‬
‫رَ ّبهِمْ يَ ْرجِعُ َب ْع ُ‬
‫‪)31‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3559‬‬
‫ن صَ َددْنَاكُمْ عَنِ ا ْلهُدَى َبعْدَ ِإذْ جَا َءكُمْ َبلْ كُنْتُمْ ُمجْ ِرمِينَ (‬
‫ضعِفُوا أَنَحْ ُ‬
‫قَالَ الّذِينَ اسْ َتكْبَرُوا ِللّذِينَ اسْ ُت ْ‬
‫‪)32‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3560‬‬
‫ج َعلَ َلهُ‬
‫ل وَال ّنهَارِ إِذْ تَ ْأمُرُونَنَا أَنْ َن ْكفُرَ بِاللّهِ وَنَ ْ‬
‫ض ِعفُوا لِلّذِينَ اسْ َتكْبَرُوا َبلْ َمكْرُ اللّ ْي ِ‬
‫َوقَالَ الّذِينَ اسْ ُت ْ‬
‫جعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الّذِينَ َكفَرُوا َهلْ ُيجْ َزوْنَ إِلّا مَا‬
‫أَنْدَادًا وَأَسَرّوا النّدَامَةَ َلمّا رََأوُا ا ْلعَذَابَ َو َ‬
‫كَانُوا َي ْعمَلُونَ (‪)33‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3561‬‬
‫َومَا أَ ْرسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ َنذِيرٍ إِلّا قَالَ مُتْ َرفُوهَا إِنّا ِبمَا أُرْسِلْ ُتمْ بِهِ كَافِرُونَ (‪)34‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3562‬‬
‫َوقَالُوا َنحْنُ َأكْثَرُ َأ ْموَالًا وََأوْلَادًا َومَا نَحْنُ ِب ُم َعذّبِينَ (‪)35‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3563‬‬
‫ُقلْ إِنّ رَبّي يَ ْبسُطُ الرّزْقَ ِلمَنْ َيشَا ُء وَ َيقْدِ ُر وََلكِنّ َأكْثَرَ النّاسِ لَا َيعَْلمُونَ (‪)36‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3564‬‬
‫ل صَالِحًا فَأُولَ ِئكَ َلهُمْ جَزَاءُ‬
‫عمِ َ‬
‫َومَا َأ ْموَاُلكُمْ وَلَا َأوْلَا ُدكُمْ بِالّتِي ُتقَرّ ُبكُمْ عِنْدَنَا ُز ْلفَى إِلّا مَنْ َآمَنَ وَ َ‬
‫عمِلُوا وَهُمْ فِي ا ْلغُ ُرفَاتِ َآمِنُونَ (‪)37‬‬
‫ض ْعفِ ِبمَا َ‬
‫ال ّ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3565‬‬
‫حضَرُونَ (‪)38‬‬
‫س َعوْنَ فِي آَيَاتِنَا ُمعَاجِزِينَ أُولَ ِئكَ فِي ا ْل َعذَابِ مُ ْ‬
‫وَالّذِينَ يَ ْ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3566‬‬
‫شيْءٍ َف ُهوَ ُيخِْلفُ ُه وَ ُهوَ خَيْرُ‬
‫ُقلْ إِنّ رَبّي يَ ْبسُطُ الرّزْقَ ِلمَنْ َيشَاءُ مِنْ عِبَا ِد ِه وَيَقْدِرُ لَ ُه َومَا أَ ْنفَقْتُمْ مِنْ َ‬
‫الرّا ِزقِينَ (‪)39‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3567‬‬
‫جمِيعًا ثُمّ َيقُولُ لِ ْلمَلَا ِئكَةِ أَ َهؤُلَاءِ إِيّا ُكمْ كَانُوا َيعْ ُبدُونَ (‪)40‬‬
‫وَ َيوْمَ يَحْشُ ُرهُمْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3568‬‬
‫قَالُوا سُبْحَا َنكَ أَ ْنتَ وَلِيّنَا مِنْ دُو ِنهِمْ َبلْ كَانُوا َيعْ ُبدُونَ الْجِنّ َأكْثَرُ ُهمْ ِبهِمْ ُم ْؤمِنُونَ (‪)41‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3569‬‬
‫ضكُمْ لِ َب ْعضٍ َن ْفعًا وَلَا ضَرّا وَ َنقُولُ لِلّذِينَ ظََلمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النّارِ الّتِي كُنْتُمْ ِبهَا‬
‫فَالْ َيوْمَ لَا َيمِْلكُ َب ْع ُ‬
‫ُتكَذّبُونَ (‪)42‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3570‬‬
‫عمّا كَانَ َيعْبُدُ آَبَا ُؤكُ ْم َوقَالُوا مَا‬
‫جلٌ يُرِيدُ أَنْ َيصُ ّد ُكمْ َ‬
‫وَإِذَا تُتْلَى عَلَ ْيهِمْ آَيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلّا َر ُ‬
‫حقّ َلمّا جَاءَ ُهمْ إِنْ َهذَا إِلّا سِحْرٌ مُبِينٌ (‪)43‬‬
‫هَذَا إِلّا ِإ ْفكٌ ُمفْتَرًى َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُوا لِلْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3571‬‬
‫َومَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُ ُتبٍ َيدْرُسُو َنهَا َومَا أَ ْرسَلْنَا إِلَ ْيهِمْ قَبَْلكَ مِنْ نَذِيرٍ (‪)44‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3572‬‬
‫َوكَ ّذبَ الّذِينَ مِنْ قَبِْلهِمْ َومَا بََلغُوا ِمعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ َفكَذّبُوا رُسُلِي َفكَ ْيفَ كَانَ َنكِيرِ (‪)45‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3573‬‬
‫ظكُمْ ِبوَاحِ َدةٍ أَنْ َتقُومُوا لِلّهِ مَثْنَى َوفُرَادَى ثُمّ تَ َت َفكّرُوا مَا ِبصَاحِ ِبكُمْ مِنْ جِنّةٍ إِنْ ُهوَ إِلّا‬
‫ُقلْ إِ ّنمَا أَعِ ُ‬
‫عذَابٍ شَدِيدٍ (‪)46‬‬
‫نَذِيرٌ َل ُكمْ بَيْنَ يَ َديْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3574‬‬
‫شهِيدٌ (‪)47‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫ُقلْ مَا سَأَلْ ُتكُمْ مِنْ َأجْرٍ َف ُهوَ َلكُمْ إِنْ َأجْ ِريَ إِلّا عَلَى اللّ ِه وَ ُهوَ عَلَى ُكلّ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3575‬‬
‫ُقلْ إِنّ رَبّي َيقْ ِذفُ بِا ْلحَقّ عَلّامُ ا ْلغُيُوبِ (‪)48‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3576‬‬
‫طلُ َومَا ُيعِيدُ (‪)49‬‬
‫ق َومَا يُ ْب ِدئُ الْبَا ِ‬
‫حّ‬
‫ُقلْ جَاءَ الْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3577‬‬
‫سمِيعٌ قَرِيبٌ (‪)50‬‬
‫ضلّ عَلَى َنفْسِي وَإِنِ اهْتَدَ ْيتُ فَ ِبمَا يُوحِي إَِليّ رَبّي إِنّهُ َ‬
‫ن ضَلَ ْلتُ فَإِ ّنمَا َأ ِ‬
‫ُقلْ إِ ْ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3578‬‬
‫وََلوْ تَرَى ِإذْ فَزِعُوا فَلَا َف ْوتَ وَُأخِذُوا مِنْ َمكَانٍ قَرِيبٍ (‪)51‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3579‬‬
‫َوقَالُوا َآمَنّا بِ ِه وَأَنّى َلهُمُ التّنَاوُشُ مِنْ َمكَانٍ َبعِيدٍ (‪)52‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3580‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َوقَدْ َكفَرُوا بِهِ مِنْ قَ ْبلُ وَ َيقْ ِذفُونَ بِا ْلغَ ْيبِ مِنْ َمكَانٍ َبعِيدٍ (‪)53‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3581‬‬
‫شكّ مُرِيبٍ (‪)54‬‬
‫عهِمْ مِنْ قَ ْبلُ إِ ّنهُمْ كَانُوا فِي َ‬
‫وَحِيلَ بَيْ َنهُ ْم وَبَيْنَ مَا يَشْ َتهُونَ َكمَا ُف ِعلَ بَِأشْيَا ِ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3582‬‬
‫علِ ا ْلمَلَا ِئكَةِ ُرسُلًا أُولِي أَجْ ِنحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ جَا ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ح ْمدُ لِلّهِ فَاطِرِ ال ّ‬
‫الْ َ‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ (‪)1‬‬
‫الْخَ ْلقِ مَا يَشَاءُ إِنّ اللّهَ عَلَى ُكلّ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3583‬‬
‫حكِيمُ (‬
‫سلَ لَهُ مِنْ َب ْع ِدهِ وَ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ الْ َ‬
‫سكْ فَلَا مُرْ ِ‬
‫سكَ َلهَا َومَا ُي ْم ِ‬
‫حمَةٍ فَلَا ُممْ ِ‬
‫مَا َيفْتَحِ اللّهُ لِلنّاسِ مِنْ رَ ْ‬
‫‪)2‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3584‬‬
‫سمَاءِ وَالْأَ ْرضِ لَا إِلَهَ إِلّا‬
‫يَا أَ ّيهَا النّاسُ ا ْذكُرُوا ِن ْعمَةَ اللّهِ عَلَ ْيكُمْ َهلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللّهِ يَرْ ُز ُق ُكمْ مِنَ ال ّ‬
‫ُهوَ فَأَنّى ُت ْؤ َفكُونَ (‪)3‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3585‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ك وَإِلَى اللّهِ تُ ْرجَعُ الُْأمُورُ (‪)4‬‬
‫سلٌ مِنْ قَبِْل َ‬
‫وَإِنْ ُيكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّ َبتْ رُ ُ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3586‬‬
‫حقّ فَلَا َتغُرّ ّنكُمُ ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَا وَلَا َيغُرّ ّنكُمْ بِاللّهِ ا ْلغَرُورُ (‪)5‬‬
‫ن وَعْدَ اللّهِ َ‬
‫يَا أَ ّيهَا النّاسُ إِ ّ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3587‬‬
‫سعِيرِ (‪)6‬‬
‫ع ُدوّا إِ ّنمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِ َيكُونُوا مِنْ َأصْحَابِ ال ّ‬
‫خذُوهُ َ‬
‫إِنّ الشّ ْيطَانَ َلكُمْ عَ ُدوّ فَاتّ ِ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3588‬‬
‫عمِلُوا الصّالِحَاتِ َل ُهمْ َمغْفِ َر ٌة وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (‪)7‬‬
‫عذَابٌ شَدِي ٌد وَالّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬
‫الّذِينَ َكفَرُوا َلهُمْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3589‬‬
‫سكَ‬
‫ضلّ مَنْ َيشَا ُء وَ َيهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَ ْذ َهبْ َنفْ ُ‬
‫حسَنًا فَإِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫عمَلِهِ فَ َر َآهُ َ‬
‫َأ َفمَنْ زُيّنَ لَهُ سُوءُ َ‬
‫عَلَ ْيهِمْ حَسَرَاتٍ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ ِبمَا َيصْ َنعُونَ (‪)8‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3590‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سقْنَاهُ إِلَى بََلدٍ مَ ّيتٍ فََأحْيَيْنَا بِهِ الْأَ ْرضَ َبعْدَ َموْ ِتهَا كَذَِلكَ‬
‫سلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا َف ُ‬
‫وَاللّهُ الّذِي أَرْ َ‬
‫النّشُورُ (‪)9‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3591‬‬
‫صعَدُ ا ْلكَِلمُ الطّ ّيبُ وَا ْل َع َملُ الصّالِحُ يَ ْر َفعُ ُه وَالّذِينَ‬
‫جمِيعًا ِإلَيْهِ َي ْ‬
‫مَنْ كَانَ يُرِيدُ ا ْلعِ ّزةَ فَلِلّهِ ا ْلعِ ّزةُ َ‬
‫َي ْمكُرُونَ السّيّئَاتِ َلهُمْ عَذَابٌ شَدِي ٌد َو َمكْرُ أُولَ ِئكَ ُهوَ يَبُورُ (‪)10‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3592‬‬
‫ح ِملُ مِنْ أُنْثَى وَلَا َتضَعُ إِلّا ِبعِ ْلمِ ِه َومَا‬
‫جعََلكُمْ أَ ْزوَاجًا َومَا َت ْ‬
‫طفَةٍ ثُمّ َ‬
‫وَاللّهُ خََل َقكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ مِنْ ُن ْ‬
‫عمُ ِرهِ إِلّا فِي كِتَابٍ إِنّ ذَِلكَ عَلَى اللّهِ َيسِيرٌ (‪)11‬‬
‫ُي َعمّرُ مِنْ ُم َعمّرٍ وَلَا يُ ْن َقصُ مِنْ ُ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3593‬‬
‫حمًا طَرِيّا‬
‫ج َومِنْ ُكلّ تَ ْأكُلُونَ لَ ْ‬
‫ع ْذبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَاُب ُه وَهَذَا مِلْحٌ أُجَا ٌ‬
‫َومَا َيسْ َتوِي الْبَحْرَانِ هَذَا َ‬
‫شكُرُونَ (‪)12‬‬
‫وَتَسْتَخْ ِرجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُو َنهَا وَتَرَى ا ْلفُلْكَ فِيهِ َموَاخِرَ لِتَبْ َتغُوا مِنْ َفضْلِ ِه وََلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3594‬‬
‫سمّى َذِلكُمُ‬
‫جلٍ مُ َ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ ُكلّ َيجْرِي لِأَ َ‬
‫شمْ َ‬
‫سخّرَ ال ّ‬
‫ل وَ َ‬
‫يُولِجُ اللّ ْيلَ فِي ال ّنهَارِ وَيُولِجُ ال ّنهَارَ فِي اللّ ْي ِ‬
‫طمِيرٍ (‪)13‬‬
‫اللّهُ رَ ّب ُكمْ لَهُ ا ْلمُ ْلكُ وَالّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا َيمِْلكُونَ مِنْ ِق ْ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫( ‪)1/3595‬‬
‫س ِمعُوا مَا اسْ َتجَابُوا َلكُ ْم وَ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ َي ْكفُرُونَ بِشِ ْر ِك ُك ْم وَلَا يُنَبّ ُئكَ‬
‫س َمعُوا دُعَا َءكُ ْم وََلوْ َ‬
‫إِنْ تَدْعُو ُهمْ لَا يَ ْ‬
‫مِ ْثلُ خَبِيرٍ (‪)14‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3596‬‬
‫حمِيدُ (‪)15‬‬
‫يَا أَ ّيهَا النّاسُ أَنْتُمُ ا ْل ُفقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ ُهوَ ا ْلغَ ِنيّ الْ َ‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3597‬‬
‫إِنْ يَشَأْ ُيذْهِ ْبكُمْ وَيَأْتِ ِبخَلْقٍ جَدِيدٍ (‪)16‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3598‬‬
‫َومَا ذَِلكَ عَلَى اللّهِ ِبعَزِيزٍ (‪)17‬‬
‫تفسير هذه الية غير موجودة‬

‫( ‪)1/3599‬‬
‫شيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِ ّنمَا‬
‫ح َملْ مِنْهُ َ‬
‫حمِْلهَا لَا يُ ْ‬
‫وَلَا تَزِ ُر وَازِ َرةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ ت