‫كتاب أخبار النساء‬

‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫ابن الجوزي‬

‫كتاب مشهور‪ ،‬طبع لول مرة بمصر سنة ‪1319‬هـ منسوبا ً إلى‬
‫ابن القيم‪ ،‬والصحيح أنه من تأليف ابن الجوزي‪ ،‬اختصره مع‬
‫تجريد أسانيده من كتاب النساء لبي الفرج الصفهاني‪ ،‬ولم‬
‫ينبه إلى ذلك د‪ .‬نزار رضا في نشرته للكتاب منسوبا ً لبن‬
‫القيم ومادة الكتاب تشهد أنه أبعد ما يكون من تآليف ابن‬
‫القيم‪ ،‬الذي تبرز شخصيته العلمية والدبية في كل تآليفه‪.‬‬
‫والكتاب مبني على تسعة أبواب‪ ،‬بل مقدمة‪ .‬وهي في أوصاف‬
‫النساء وأخلقهن‪ ،‬وفيه الباب الثامن‪) :‬من أحاديث المؤلفين(‬
‫وهو عنوان اعتباطي‪ ،‬ربما كان من إضافات النساخ‪ .‬وللسيدة‬
‫منى الخراط مختارات من هذا الكتاب )بيروت ‪1998‬م( حذفت‬
‫منه كما تقول ما ل يصلح أن تطلع عليه ناشئتنا من بعض‬
‫القصص واللفاظ والشعار‪.‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫باب ما جاء في وصف الّنساء‬
‫المرأة بين معاوية وصعصعة‬
‫ب إليك? قال‪:‬‬
‫ي الّنساء أح ّ‬
‫قال معاوية لصعصعة‪ :‬أ ّ‬
‫المواتية لك فيما تهوى‪ .‬قال‪ :‬فأّيهن أبغض إليك? قال‪:‬‬
‫ن لما ترضى‪ .‬قال معاوية‪ :‬هذا الّنقد العاجل‪.‬‬
‫أبعده ّ‬
‫فقال صعصعة‪ :‬بالميزان العادل‪.‬‬
‫وقال معاوية‪ :‬ما رأيت نهما ً في الّنساء إل ّ عرف ذلك‬
‫في وجهها‪.‬‬
‫قضاء عمر في المرأة‬
‫ّ‬
‫شكت امرأةٌ إلى زوجها قلة إتيانه إليها‪ ،‬فقال لها‪ :‬أنا‬
‫ن الّرجل إذا‬
‫وأنت على قضاء عمر‪ .‬قالت‪ :‬قضى عمر أ ّ‬
‫دى ح ّ‬
‫أتى امرأته في ك ّ‬
‫قها‪.‬‬
‫ر فقد أ ّ‬
‫ل طه ٍ‬
‫ال ّ‬
‫جماع‬
‫شّر مجلب ٌ‬
‫ة لل ّ‬
‫جماع‪،‬‬
‫وقع بين امرأ ٍ‬
‫ة وزوجها شّر فجعل يكثر عليها بال ّ‬
‫فقالت له‪ :‬أبعدك الله!‬
‫ي إثمها‬
‫اقتلها وعل ّ‬
‫جاء رج ٌ‬
‫ن لي‬
‫ل إلى علي‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬فقال له‪ :‬إ ّ‬
‫ي‬
‫امرأةً كّلما غشيتها تقول قتلتني‪ .‬فقال‪ :‬اقتلها وعل ّ‬
‫إثمها‪.‬‬
‫غدرت به زوجته فقتلها‬

‫‪1‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ساني الحارث بن عمر فلم يصبه في‬
‫غزا ابن هبيرة الغ ّ‬
‫منزله‪ ،‬فأخرج ما وجد له‪ ،‬واستاق امرأته فأصابها في‬
‫ال ّ‬
‫ة‪ ،‬فأعجبت به‪،‬‬
‫طريق‪ ،‬وكانت من الجمال في نهاي ٍ‬
‫فقالت‪ :‬له أنج فوالله لكأّني به يتبعك كأّنه بعيٌر أكل‬
‫مرارًا‪ .‬فبلغ الخبر الحارث فأقبل يتبعه حّتى لحقه‬
‫فقتله‪ ،‬وأخذ ما كان معه‪ ،‬وأخذ امرأته‪ .‬فقال له‪ :‬هل‬
‫أصابك? فقالت‪ :‬نعم‪ ،‬والله ما اشتملت الّنساء على‬
‫م‬
‫م أمر بها فوّثقت بين فرسين ث ّ‬
‫مثله قط‪ .‬فلطمها ث ّ‬
‫أحضرهما حتى تق ّ‬
‫م أنشأ‪:‬‬
‫طعت‪ .‬ث ّ‬
‫ك ّ‬
‫آية الودّ حّبها‬
‫ل أنثى وإن بدا لك‬
‫خيتعـور‬
‫منها‬
‫بعد هذا لجاه ٌ‬
‫ل‬
‫ن من غّره الّنساء‬
‫إ ّ‬
‫مغرور‬
‫د‬
‫بـو ّ‬
‫رأي الحكماء وغيرهم في المرأة‬
‫ء إل ّ‬
‫قال بعض الحكماء‪ :‬لم تنه قط امرأةٌ عن شي ٍ‬
‫فعلته‪ .‬للغنوي‪:‬‬
‫د‬
‫ن الّنساء متى‬
‫إ ّ‬
‫ع لب ّ‬
‫فإّنه واق ٌ‬
‫مـفـعـول‬
‫ق‬
‫ينهين عن خل ٍ‬
‫ولغيره‪:‬‬
‫ن‬
‫ل تأمن النثى حبتك‬
‫إ ّ‬
‫ن النساء وداده ّ‬
‫سـم‬
‫بودهـا‬
‫مقـ ّ‬
‫وغدا ً لغيرك ك ّ‬
‫فها‬
‫اليوم عندك دّلها‬
‫والمعصم‬
‫وحديثـهـا‬
‫ي في الّنساء‬
‫رأي أعراب ّ‬
‫ن‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫م به ّ‬
‫ي عن الّنساء‪ ،‬وكان ذا ه ّ‬
‫سئل أعراب ّ‬
‫ن إذا قعدت‪،‬‬
‫ن إذا قامت‪ ،‬وأعظمه ّ‬
‫أفضل الّنساء أطوله ّ‬
‫سمت‪ ،‬وإذا‬
‫ن إذا قالت‪ ،‬التي إذا ضحكت تب ّ‬
‫وأصدقه ّ‬
‫ودت؛ التي تطيع زوجها‪ ،‬وتلزم بيتها؛ العزيزة في‬
‫ج ّ‬
‫ذليلة في نفسها‪ ،‬الولود‪ ،‬التي ك ّ‬
‫قومها‪ ،‬ال ّ‬
‫ل أمرها‬
‫محمود‪.‬‬
‫ذنب يساوي ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫طلق‬
‫طّلق رج ٌ‬
‫ة‬
‫ة خمسين سن ً‬
‫ل امرأته‪ ،‬فقالت له‪ :‬أبعد صحب ً‬
‫ب غيره?‪.‬‬
‫قال‪ :‬ما لك عندنا ذن ٌ‬
‫جواري‬
‫رأي عبد الملك في ال ّ‬

‫‪2‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة‬
‫قال عبد الملك بن مروان‪ :‬من أراد أن يّتخذ جاري ً‬
‫ة ومن أراد للولد فليّتخذها‬
‫للمتعة‪ ،‬فليّتخذها بربري ّ ً‬
‫ة‪.‬‬
‫ة؛ ومن أرادها للخدمة فليّتخذها رومي ّ ً‬
‫فارسي ّ ً‬
‫م‬
‫الصمعي وبنات الع ّ‬
‫م أصبر‪ ،‬والغرائب أنجب‪ .‬وما‬
‫قال الصمعي‪ :‬بنات الع ّ‬
‫ضرب رؤوس البطال كابن عجمّية‪.‬‬
‫أعوذ بعدلك يا أمير المؤمنين‬
‫من جور مروان‬
‫س‬
‫ذكر أ ّ‬
‫ن معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يوم ٍ بمجل ٍ‬
‫كان له بدمشق على قارعة ال ّ‬
‫طريق‪ ،‬وكان المجلس‬
‫مفّتح الجوانب لدخول الّنسيم‪ ،‬فبينما هو على فراشه‬
‫ل يمشي نحوه‬
‫وأهل مملكته بين يديه‪ ،‬إذ نظر إلى رج ٍ‬
‫وهو يسرع في مشيته راجل ً حافيًا‪ ،‬وكان ذلك اليوم‬
‫م قال لجلسائه‪ :‬لم يخلق‬
‫مله معاوية ث ّ‬
‫شديد الحّر‪ ،‬فتأ ّ‬
‫م قال‪:‬‬
‫من أحتاج إلى نفسه في مثل هذا اليوم‪ .‬ث ّ‬
‫الله م ّ‬
‫صته فوالله لئن‬
‫يا غلم سر إليه واكشف عن حاله وق ّ‬
‫كان فقيرا ً لغنيّنه‪ ،‬ولئن كان شاكيا ً لنصفّنه‪ ،‬ولئن‬
‫كان مظلوما ً لنصرّنه‪ ،‬ولئن كان غنيا ً لفقرّنه‪ .‬فخرج‬
‫م‬
‫إليه الرسول متلقيا ً فسّلم عليه فردّ عليه ال ّ‬
‫سلم‪ .‬ث ّ‬
‫من الّرجل? قال‪ :‬سّيدي أنا رج ٌ‬
‫ي من‬
‫قال له‪ :‬م ّ‬
‫ل أعراب ّ‬
‫بني عذرة‪ ،‬أقبلت إلى أمير المؤمنين مشتكيا ً إليه‬
‫ماله‪ .‬فقال له الّرسول‪:‬‬
‫بظلم ٍ‬
‫ة نزلت بي من بعض ع ّ‬
‫م سار به حّتى وقف بين يديه‬
‫أصبحت يا أعرابي? ث ّ‬
‫م أنشأ يقول‪:‬‬
‫فسّلم عليه بالخلفة ث ّ‬
‫ويا ذا الّندى والجود‬
‫معاوي يا ذا العلم‬
‫والّنابل الجزل‬
‫والحلم والفضـل‬
‫فيا غيث ل تقطع‬
‫ما ضاق في‬
‫أتيتك ل ّ‬
‫رجائي من العدل‬
‫الرض مذهبي‬
‫شواني شي ّا ً كان‬
‫ف من‬
‫وجد لي بإنصا ٍ‬
‫أيسـره قـتـلـي‬
‫جائر الـذي‬
‫ال ّ‬
‫سباني سعدى وانبرى وجار ولم يعدل‪،‬‬
‫وأغصبني أهلـي‬
‫لخصومـتـي‬
‫ن وأنواع العذاب‬
‫قصدت لرجو نفعه‬
‫بسج ٍ‬
‫مع الكـبـل‬
‫فـأثـابـنـي‬
‫م بقتلـي غـير أن تأّبت‪ ،‬ولم أستكمل‬
‫وه ّ‬

‫‪3‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مـنـّيتـي‬
‫أغثني جزاك الـلـه‬
‫ة‬
‫عـّنـي جـن ّ ً‬

‫الّرزق من أجلي‬
‫د‬
‫فقد طار من وج ٍ‬
‫بسعدى لها عقلي‬

‫ما فرغ من شعره قال له معاوية‪ :‬يا إعرابي إّني‬
‫فل ّ‬
‫مالنا ولم تسمعه لنا! قال‪:‬‬
‫أراك تشتكي عامل ً من ع ّ‬
‫مك مروان‬
‫أصلح الله أمير المؤمنين‪ ،‬وهو والله ابن ع ّ‬
‫صتك معه‬
‫بن الحكم عامل المدينة‪ .‬قال معاوية‪ :‬وما ق ّ‬
‫م‬
‫يا أعرابي‪ .‬قال‪ :‬أصلح الله المير‪ ،‬كانت لي بنت ع ّ‬
‫وجني منها‪ .‬وكنت كلفا ً بها لما‬
‫خطبتها إلى أبيها فز ّ‬
‫كانت فيه من كمال جمالها وعقلها والقرابة‪ .‬فبقيت‬
‫ل‪،‬‬
‫ل وأنعم با ٍ‬
‫معها يا أمير المؤمنين‪ ،‬في أصلح حا ٍ‬
‫ل‬
‫مسرورا ً زمانًا‪ ،‬قرير العين‪ .‬وكانت لي صرم ً‬
‫ة من إب ٍ‬
‫وشويهات‪ ،‬فكنت أعولها ونفسي بها‪ .‬فدارت عليها‬
‫دهر‪ ،‬فوقع فيها داءٌ فذهبت‬
‫أقضية الله وحوادث ال ّ‬
‫بقدرة الله‪ .‬فبقيت ل أملك شيئًا‪ ،‬وصرت مهينا ً مف ّ‬
‫كرًا‪،‬‬
‫قد ذهب عقلي‪ ،‬وساءت حالي‪ ،‬وصرت ثقل ً على وجه‬
‫ما بلغ ذلك أباها حال بيني وبينها‪ ،‬وأنكرني‪،‬‬
‫الرض‪ .‬فل ّ‬
‫وجحدني‪ ،‬وطردني‪ ،‬ودفعها عّني‪ .‬فلم أدر لنفسي‬
‫ة‪ .‬فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم‬
‫ة ول نصر ٍ‬
‫بحيل ٍ‬
‫ما وقف بين يديه‪ ،‬قال له‬
‫مي‪ ،‬فبعث إليه‪ ،‬فل ّ‬
‫مشتكيا ً بع ّ‬
‫مروان‪ :‬يا أّيها الّرجل لم حلت بين ابن أخيك وزوجته?‬
‫قال‪ :‬أصلح الله المير‪ ،‬ليس له عندي زوجة ول زوجته‬
‫ض‬
‫من ابنتي قط‪ .‬قلت أنا‪ :‬أصلح الله المير‪ ،‬أنا را ٍ‬
‫جارية‪ ،‬فإن رأى المير أن يبعث إليها ويسمع منها ما‬
‫بال ّ‬
‫ما وقفت‬
‫جارية مسرع ً‬
‫تقول? فبعث إليها فأتت ال ّ‬
‫ة‪ ،‬فل ّ‬
‫بين يديه ونظر إليها وإلى حسنها وقعت منه موقع‬
‫العجاب والستحسان‪ ،‬فصار لي‪ ،‬يا أمير المؤمنين‬
‫سجن‪ .‬فبقيت كأني‬
‫خصما ً وانتهرني‪ ،‬وأمر بي إلى ال ّ‬
‫م قال لبي‬
‫خررت من ال ّ‬
‫ق‪ ،‬ث ّ‬
‫سماء في مكا ٍ‬
‫ن سحي ٍ‬
‫ر‪،‬‬
‫بعدي‪ :‬هل لك أن تز ّ‬
‫وجها مّني‪ ،‬وأنقدك ألف دينا ٍ‬
‫وأزيدك أنت عشرة آلف درهم ٍ تنتفع بها‪ ،‬وأنا أضمن‬
‫وجتها‬
‫طلقها? قال له أبوها‪ :‬إن أنت فعلت ذلك ز ّ‬
‫منك‪.‬‬
‫ي‬
‫ي‪ ،‬فل ّ‬
‫فل ّ‬
‫ما أدخلت عليه نظر إل ّ‬
‫ما كان من الغد بعث إل ّ‬

‫‪4‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫كالسد الغضبان‪ ،‬فقال لي‪ :‬يا أعرابي طّلق سعدى‪.‬‬
‫سجن‪،‬‬
‫قلت‪ :‬ل أفعل‪ .‬فأمر بضربي ثم ر ّ‬
‫دني إلى ال ّ‬
‫ما‬
‫ي بالعرابي‪ .‬فل ّ‬
‫فل ّ‬
‫ما كان في اليوم الّثاني قال‪ :‬عل ّ‬
‫ّ‬
‫وقفت بين يديه‪ ،‬قال‪ :‬طلق سعدى‪ .‬فقلت‪ :‬ل أفعل‪.‬‬
‫دامه فضربوني ضربا ً ل‬
‫ي يا أمير المؤمنين خ ّ‬
‫فسّلط عل ّ‬
‫ما‬
‫م أمر بي إلى ال ّ‬
‫سجن؛ فل ّ‬
‫يقدر أحدٌ على وصفه‪ ،‬ث ّ‬
‫ما‬
‫ي بالعرابي‪ ،‬فل ّ‬
‫كان في اليوم الّثالث قال‪ :‬عل ّ‬
‫سيف والّنطع وأحضر‬
‫ي بال ّ‬
‫وقفت بين يديه قال‪ :‬عل ّ‬
‫م قال‪ :‬يا أعرابي‪ ،‬وجللة رّبي‪ ،‬وكرامة‬
‫السّياف‪ ،‬ث ّ‬
‫ن بين جسدك‬
‫والدي‪ ،‬لئن لم تطّلق سعدى لفّرق ّ‬
‫وموضع لسانك‪.‬‬
‫ة‬
‫ة واحد ً‬
‫فخشيت على نفسي القتل فطّلقتها طلق ً‬
‫سجن فحبسني‬
‫م أمر بي إلى ال ّ‬
‫على طلق ال ّ‬
‫سّنة‪ ،‬ث ّ‬
‫م‬
‫مت ع ّ‬
‫وجها‪ ،‬فبنى بها‪ ،‬ث ّ‬
‫دتها ث ّ‬
‫فيه حّتى ت ّ‬
‫م تز ّ‬
‫أطلقني‪ .‬فأتيتك مستغيثا ً قد رجوت عدلك وإنصافك‪،‬‬
‫فارحمني يا أمير المؤمنين‪ .‬فوالله يا أمير المؤمنين‬
‫لقد أجهدني الرق‪ ،‬وأذابني القلق‪ ،‬وبقيت في حّبها‬
‫م أنشأ‬
‫ى كادت نفسه تفيض‪ .‬ث ّ‬
‫ل‪ ،‬ث ّ‬
‫بل عق ٍ‬
‫م انتحب حت ّ‬
‫يقول‪:‬‬
‫دمار‬
‫في القلب مّني ناٌر‬
‫والّنار فيه ال ّ‬
‫فيه ال ّ‬
‫طبيب يحار‬
‫م‬
‫وال ّ‬
‫جسم مّني سقي ٌ‬
‫والعين تهطل دمعا ً‬
‫فدمعها مـدرار‬
‫حملت منه عظيما ً‬
‫فما عليه اصطبار‬
‫فليس ليلـي لـي ٌ‬
‫ول نهاري نهـار‬
‫ل‬
‫فارحم كئيبا ً حزينا ً‬
‫فؤاده مستطـار‬
‫يثيبك الـجـّبـار‬
‫ي سعادي‬
‫اردد عل ّ‬
‫م خّر مغشي ّا ً عليه بين يدي أمير المؤمنين كأّنه قد‬
‫ث ّ‬
‫صعق به قال‪ :‬وكان في ذلك الوقت معاوية مت ّ‬
‫ما‬
‫كئًا‪ ،‬فل ّ‬
‫م جلس‪ ،‬وقال‪ :‬إّنا لله‬
‫نظر إليه قد خّر بين يديه قام ث ّ‬
‫وإّنا إليه راجعون‪ .‬اعتدى والله مروان بن الحكم ضرارا ً‬
‫م‬
‫في حدود ال ّ‬
‫دين‪ ،‬وإحسارا ً في حرم المسلمين‪ :‬ث ّ‬
‫ث ما سمعت‬
‫قال‪ :‬والله يا أعرابي لقد أتيتني بحدي ٍ‬
‫س فكتب‬
‫ي بداو ٍ‬
‫بمثله‪ .‬ث ّ‬
‫م قال‪ :‬يا غلم عل ّ‬
‫ة وقرطا ٍ‬
‫ما بعد‪ ،‬فإّنه بلغني عنك أّنك اعتديت على‬
‫إلى مروان‪ :‬أ ّ‬

‫‪5‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ل من‬
‫دين‪ ،‬وانتهكت حرم ً‬
‫رعّيتك في بعض حدود ال ّ‬
‫ة لرج ٍ‬
‫ة أو‬
‫المسلمين‪ .‬وإّنما ينبغي لمن كان واليا ً على كور ٍ‬
‫ض بصره وشهواته‪ ،‬ويزجر نفسه عن‬
‫إقليم ٍ أن يغ ّ‬
‫ل ّ‬
‫ة‪ ،‬فإذا رفق به بقيت‬
‫ذاته‪ .‬وإّنما الوالي كالّراعي لغنم ٍ‬
‫م كتب‬
‫معه‪ ،‬وإذا كان لها ذئبا ً فمن يحوطها بعده‪ .‬ث ّ‬
‫بهذه البيات‪:‬‬
‫وّليت‪ ،‬ويحك أمرا ً‬
‫فاستغفر الله من‬
‫ئ زاني‬
‫لست تحكمـه‬
‫فعل امر ٍ‬
‫مع القراطيس تمثال ً‬
‫قد كنت عندي ذا‬
‫وفـرقـان‬
‫ب‬
‫ل وذا أد ٍ‬
‫عقـ ٍ‬
‫م‬
‫يشكو إلينا بـبـ ّ‬
‫حّتى أتانا الفتى‬
‫ث ثـ ّ‬
‫ي منتحـبـا ً‬
‫أحـزان‬
‫العذر ّ‬
‫ح ّ‬
‫قا ً وأبرأ مـن دينـي‬
‫أعطي الله يمينا ً ل‬
‫أكـ ّ‬
‫وديانـي‬
‫فـرهـا‬
‫لجعلّنك لحما ً بين‬
‫إن أنت خالفتني‬
‫عـقـبـانـي‬
‫فيما كتبـت بـه‬
‫مع الكميت‪ ،‬ومع‬
‫جلها‬
‫طّلق سعاد وع ّ‬
‫نصر بن ذبيان‬
‫ة‬
‫هـز ً‬
‫مـجـ ّ‬
‫ول كفعلك حقا ً فعـل‬
‫فما سمعت كما‬
‫إنـسـان‬
‫ر‬
‫بّلغت في بـشـ ٍ‬
‫ما أن أو أن تلقي المنايا‬
‫فاختر لنفسك إ ّ‬
‫بين أكـفـان‬
‫تجود بـهـا‬
‫ي بنصر بن ذبيان والكميت‬
‫ث ّ‬
‫م ختم الكتاب‪ .‬وقال‪ :‬عل ّ‬
‫ما وقفا بين يده قال‪ :‬اخرجا بهذا‬
‫ي البريد‪ .‬فل ّ‬
‫صاحب ّ‬
‫ّ‬
‫الكتاب إلى مروان بن الحكم ول تضعاه إل ّ بيده‪ .‬قال‬
‫م ناوله‬
‫فخرجا بالكتاب حّتى وردا به عليه‪ ،‬فسّلما ث ّ‬
‫م قام ودخل‬
‫الكتاب‪ .‬فجعل مروان يقرأه وير ّ‬
‫دده‪ ،‬ث ّ‬
‫ما نظرت إليه قالت له‪ :‬سّيدي‬
‫على سعدى وهو با ٍ‬
‫ك‪ ،‬فل ّ‬
‫ي‬
‫ما الذي يبكيك? قال كتاب أمير المؤمنين‪ ،‬ورد عل ّ‬
‫هزك وأبعث بك‬
‫في أمرك يأمرني فيه أن أطّلقك وأج ّ‬
‫م يقتلني‪،‬‬
‫إليه‪ .‬وكنت أودّ أن يتركني معك حولين ث ّ‬
‫م كتب إلى‬
‫فكان ذلك أح ّ‬
‫ي‪ .‬فطّلقها وج ّ‬
‫هزها ث ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫معاوية بهذه البيات‪:‬‬
‫أوفي بنذرك في‬
‫ن أمير‬
‫ل تعجل ّ‬
‫ق وإحسان‬
‫المؤمنين فـقـد‬
‫رف ٍ‬

‫‪6‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وما ركبت حراما ً‬
‫فكيف أدعى باسم‬
‫الخائن الزاني‬
‫حين أعجبني‬
‫منك الماقي على‬
‫أعذر فإّنك لو‬
‫أمثال إنسان‬
‫أبصرتها لجـرت‬
‫سل‬
‫س عند الخليفة إن ٌ‬
‫فسوف يأتيك شم ٌ‬
‫ول جـان‬
‫ل يعادلهـا‬
‫د‬
‫لول الخليفة ما‬
‫ن في لح ٍ‬
‫م ّ‬
‫حّتى أض ّ‬
‫طّلقتـهـا أبـدا ً‬
‫وأكفـان‬
‫ب‬
‫على سعاٍد سل ٌ‬
‫م من حّتى خّلفته بأوصا ٍ‬
‫وأحـزان‬
‫ق‬
‫فت ً‬
‫ى قلـ ٍ‬
‫دث‬
‫صفة التي ح ّ‬
‫م دفعه إليهما‪ ،‬ودفع ال ّ‬
‫ث ّ‬
‫جارية على ال ّ‬
‫ما وردا على معاوية ف ّ‬
‫م‬
‫ك كتابه وقرأ أبياته ث ّ‬
‫له‪ .‬فل ّ‬
‫قال‪ :‬والله لقد أحسن في هذه البيات‪ ،‬ولقد أساء إلى‬
‫ة‬
‫جارية فأدخلت إليه‪ ،‬فإذا بجاري ٍ‬
‫م أمر بال ّ‬
‫نفسه‪ .‬ث ّ‬
‫ة ل تبقي لناظرها عقل ً من حسنها وكمالها‪.‬‬
‫رعبوب ٍ‬
‫ول إلى جلسائه وقال‪:‬‬
‫فعجب معاوية من حسنها ث ّ‬
‫م تح ّ‬
‫جارية لكاملة الخلق فلئن كملت لها‬
‫والله إ ّ‬
‫ن هذه ال ّ‬
‫صفة‪ ،‬لقد كملت الّنعمة لمالكها‪.‬‬
‫الّنعمة مع حسن ال ّ‬
‫م قال‪:‬‬
‫فاستنطقها‪ ،‬فإذا هي أفصح نساء العرب‪ .‬ث ّ‬
‫ي بالعرابي‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫ما وقف بين يديه‪ ،‬قال له معاوية‪ :‬هل لك عنها من‬
‫فل ّ‬
‫ر مع ك ّ‬
‫ة‬
‫ل جاري ٍ‬
‫و‪ ،‬وأع ّ‬
‫ر أبكا ٍ‬
‫وضك عنها ثلث جوا ٍ‬
‫سل ٍ‬
‫م‪ ،‬على ك ّ‬
‫ع من‬
‫ل واحد ٍ‬
‫ة منه ّ‬
‫ن عشر خل ٍ‬
‫ن ألف دره ٍ‬
‫منه ٍ‬
‫ن‬
‫الخّز وال ّ‬
‫ديباج والحرير والكّتان‪ ،‬وأجري عليك وعليه ّ‬
‫ن حظا ً من‬
‫ما يجري على المسلمين‪ ،‬وأجعل لك وله ّ‬
‫م معاوية كلمه غشي على‬
‫صلت والّنفقات? فلما أت ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن معاوية أّنه قد مات منها‪.‬‬
‫ي وشهق شهق ً‬
‫ةظ ّ‬
‫العراب ّ‬
‫فّلما أفاق قال له معاوية‪ :‬ما بالك يا أعرابي? قال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬أعوذ بعد لك يا أمير المؤمنين من‬
‫ل‪ ،‬وأسوأ حا ٍ‬
‫شّر با ٍ‬
‫م أنشأ يقول‪:‬‬
‫جور مروان‪ .‬ث ّ‬
‫كالمستجير من‬
‫ل تجعلني هداك الله‬
‫الّرمضاء بالّنار‬
‫ك‬
‫من ملـ ٍ‬
‫أردد سعاد على حّران يمسي ويصبح في‬
‫م وتذكار‬
‫ب‬
‫ه ّ‬
‫مكتـئ ٍ‬
‫قد ش ّ‬
‫وأسعر القلب منـه‬
‫ق ما‬
‫فته قل ٌ‬

‫‪7‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ي إسـعـار‬
‫ق‬
‫أ ّ‬
‫مـثـلـه قـلـ ٌ‬
‫حّتى أغّيب في‬
‫والله والله ل أنسى‬
‫قبري وأحجـاري‬
‫مـحـّبـتـهـا‬
‫و وقد هام فإن فعلت فإنـي‬
‫كيف ال ّ‬
‫سل ّ‬
‫غـير كـ ّ‬
‫فـار‬
‫الفـؤاد بـهـا‬
‫ل فعل غيرك‪ ،‬فعل‬
‫فأجمل بفضلك‬
‫وافعل فعل ذي كرم ٍ اللؤم والعـار‬
‫م قال‪ :‬والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني ك ّ‬
‫ل ما‬
‫ث ّ‬
‫احتوته الخلفة ما رضيت به دون سعدى‪ .‬ولقد صدق‬
‫مجنون بني عامر حيث يقول‪:‬‬
‫ي نساءٌ ما لـهـن‬
‫ب‬
‫أبى القلب إل ّ ح ّ‬
‫إل ّ‬
‫ذنـوب‬
‫غضت‬
‫ليل وب ّ‬
‫فأبهت حّتى ل أكـاد‬
‫وما هي إل ّ أن أراها‬
‫أجـيب‬
‫ة‬
‫فجـاء ً‬
‫ما فرغ من شعره‪ ،‬قال له معاوية‪ :‬يا أعرابي? قال‪:‬‬
‫فل ّ‬
‫نعم يا أمير المؤمنين‪ .‬قال‪ :‬إنك مقّر عندنا أّنك قد‬
‫طّلقتها‪ ،‬وقد بانت منك ومن مروان‪ ،‬ولكن نخّيرها‬
‫ول معاوية‬
‫بيننا‪ .‬قال‪ :‬ذاك إليك‪ ،‬يا أمير المؤمنين‪ .‬فتح ّ‬
‫ب إليك‪ :‬أمير‬
‫م قال لها‪ :‬يا سعدى أّينا أح ّ‬
‫نحوها ث ّ‬
‫المؤمنين في عّزه وشرفه وقصوره‪ ،‬أو مروان في‬
‫غصبه واعتدائه‪ ،‬أو هذا العرابي في جوعه وأطماره?‬
‫م أنشأت‬
‫فأشارت ال ّ‬
‫مها العرابي‪ ،‬ث ّ‬
‫جارية نحو ابن ع ّ‬
‫تقول‪:‬‬
‫أعّز عندي من أهلي‬
‫هذا وإن كان في‬
‫ومن جاري‬
‫ع وأطمـار‬
‫جو ٍ‬
‫وك ّ‬
‫وصاحب الّتاج أو‬
‫ل ذي درهم ٍ‬
‫منهـم ودينـار‬
‫مروان عاملـه‬
‫م قالت‪ :‬لست‪ ،‬والله‪ ،‬يا أمير المؤمنين لحدثان الزمان‬
‫ث ّ‬
‫ق من‬
‫بخاذلته‪ ،‬ولقد كانت لي معه صحبة جميلة‪ ،‬وأنا أح ّ‬
‫ضّراء‪ ،‬وعلى ال ّ‬
‫دة والّرخاء‪،‬‬
‫سّراء وال ّ‬
‫ش ّ‬
‫صبر معه على ال ّ‬
‫وعلى العافية والبلء‪ ،‬وعلى القسم الذي كتب الله لي‬
‫معه‪ .‬فعجب معاوية ومن معه من جلسائه من عقلها‬
‫وكمالها ومروءتها وأمر لها بعشرة آلف درهم ٍ وألحقها‬
‫في صدقات بيت المسلمين‪.‬‬
‫?الذي جاء شّر من الذي مّر‬

‫‪8‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال أبو الخ ّ‬
‫طاب‪ :‬كان عندنا رج ٌ‬
‫ب فسقط في‬
‫ل أحد ٌ‬
‫ر فذهبت حدبته وصار آدرا ً فدخل عليه جيرانه‬
‫بئ ٍ‬
‫يهّنئونه فقال‪ :‬الذي جاء شّر من الذي مّر‪.‬‬
‫ي يصف رجل ً جميل ً‬
‫?أعراب ّ‬
‫ي رجل ً جميل ً فقال‪ :‬والله لو أبصرته العيدان‬
‫ذكر أعراب ّ‬
‫لتحّركت أوتارها‪ ،‬ولو رأته عاتق الخدر لطار خمارها‪.‬‬
‫وقال بعض العراب‪:‬‬
‫جل الّرأس ذو‬
‫ن سليمي إن مر ّ‬
‫ماذا تظ ّ‬
‫بردين مّزاح‬
‫م بـنـا‬
‫أل ّ‬
‫في ك ّ‬
‫فه من رقى‬
‫و‬
‫خّر عمامته‪ ،‬حل ٌ‬
‫إبليس مفتاح‬
‫فكـاهـتـه‬
‫?رأي عائشة في خطيبة الّرسول‬
‫صّلى الله عليه وسّلم‬
‫ن رسول الله صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬خطب‬
‫يروى‪ ،‬أ ّ‬
‫ب فبعث عائشة رضي الله عنها تنظر‬
‫امرأةً من كل ٍ‬
‫إليها‪ ،‬فقال لها‪" :‬كيف رأيتها"? قالت‪ :‬ما رأيت طائ ً‬
‫ل‪.‬‬
‫قال‪" :‬لقد رأيت طائ ً‬
‫ل‪ ،‬ولقد رأيت حال ً تجدينها حتى‬
‫ة فيك"‪ .‬فقالت‪ :‬وما دونك ستٌر يا‬
‫اقشعّرت كل شعر ٍ‬
‫رسول الله‪.‬‬
‫يرى صورته في وجه قتادة‬
‫ويروى عن حّيان بن عمير أّنه قال دخلت على قتادة‬
‫بن ملحان فمّر رج ٌ‬
‫دار فرأيت صورته‬
‫ل في أقصى ال ّ‬
‫ن النبي صّلى الله عليه وسّلم‪،‬‬
‫في وجه قتادة‪ ،‬وذلك أ ّ‬
‫مسح وجهه‪.‬‬
‫ب من الله‬
‫ذو الّنسب والحسب قري ٌ‬
‫ة‬
‫وعن عون بن عبد الله‪ ،‬أّنه قال‪ :‬من كان في صور ٍ‬
‫سع عليه في الّرزق‪ ،‬كان‬
‫حسن ٍ‬
‫ب‪ ،‬وو ّ‬
‫ب‪ ،‬وحس ٍ‬
‫ة‪ ،‬ونس ٍ‬
‫من خلصاء الله‪.‬‬
‫إشراق الوجه يجلو البصر‬
‫ويروى عن عائشة‪ ،‬رضي الله عنها‪ ،‬أّنها قالت‪ :‬يؤم‬
‫القوم أقرؤهم لكتاب الله عز وجل‪ ،‬فإن كانوا في‬
‫القراءة سواء‪ ،‬فأصبحهم وجهًا‪ .‬وعن ابن عباس أّنه‬
‫قال‪ :‬قال رسول الله صّلى الله عليه وسّلم‪" :‬الّنظر‬
‫إلى الوجه يجلو البصر؛ والّنظر إلى الوجه القبيح يورث‬
‫الفلج"‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة لعباد الله‬
‫جمال الوجه فتن ٌ‬
‫قال حلّيلن المغّني‪ :‬دخلت دار هارون الّرشيد فإذا أنا‬
‫ة‪ ،‬أحسن الّناس وجهًا‪ ،‬على يدها‬
‫ة خماسي ّ ٍ‬
‫بجاري ٍ‬
‫ما عمل‬
‫سطران مكتوبان بالغالية‪ ،‬فقرأتهما فإذا هما م ّ‬
‫في طران الله‪ ،‬فتنة لعباد الله وقال بعضهم‪ :‬سمعت‬
‫ة بيعت بألف‬
‫يحيى بن سفيان يقول‪ :‬رأيت بمصر جاري ً‬
‫ر‪ ،‬فما رأيت وجها ً قط أحسن من وجهها صّلى الله‬
‫دينا ٍ‬
‫عليها‪ .‬قال‪ :‬فقلت له يا أبا زكرّيا‪ ،‬مثلك يقول هذا مع‬
‫ي من ذلك? صّلى‬
‫ورعك وفقهك? فقال‪ :‬وما تنكر عل ّ‬
‫الله عليها وعلى ك ّ‬
‫صلة رحمة‪.‬‬
‫ح‪ :‬يا ابن أخي ال ّ‬
‫ل ملي ٍ‬
‫غدرت بزوجها وخانته‬
‫قال‪ :‬خرج شامة بن لؤي بن غالب من م ّ‬
‫كة حّتى نزل‬
‫ل من الزد‪.‬‬
‫بعمان على رج ٍ‬
‫وكان شامة بن لؤي من أجمل خلق الله‪ ،‬فقراه وبات‬
‫ن فنظرت إليه زوجة الزدي‬
‫عنده‪ .‬فلما أصبح قعد يست ّ‬
‫ما رمى‪ ،‬مضت إلى سواكه فأخذتها‬
‫فأعجبها‪ ،‬فل ّ‬
‫ة وجعل في‬
‫صتها‪ ،‬فنظر إليها زوجها‪ ،‬فحلب ناق ً‬
‫فم ّ‬
‫دمه إلى شامة‪ ،‬فغمزته المرأة‪ ،‬فأراق‬
‫ما ً وق ّ‬
‫اللبن س ّ‬
‫ع يقال له خرق‬
‫اللبن وخرج يسير‪ .‬فبينما هو في موض ٍ‬
‫جميلة أهوت ناقته في عرفجة? فانتشلها وفيها‬
‫ال ّ‬
‫أفعى فنهشت مشفريها فحكتها على ساق شامة‬
‫فمات‪ .‬فقالت الزد‪:‬‬
‫ت منها‬
‫ل‬
‫ما أنب ّ‬
‫جملة ل ّ‬
‫إذا ناقتي حّلت بلي ٍ‬
‫قرينهـا‬
‫ففارقـت‬
‫ة‬
‫فقلت لها حّثي قليل ً وإّياك نخفي عبر ً‬
‫سترينهـا‬
‫فإنـنـي‬
‫ة‬
‫صفاء وشّر مصافي خل ّ ٍ‬
‫غدرت بنا بعد ال ّ‬
‫من يخونها‬
‫وخنتنـا‬
‫صبا تبلسم قلب المحزون‬
‫ال ّ‬
‫وج رج ٌ‬
‫ة‬
‫ل من تهامة امرأ ً‬
‫قال سليمان بن أبي سمخ تز ّ‬
‫ح من‬
‫من نج ٍ‬
‫ما نقلها إليه‪ ،‬قالت له‪ :‬ما فعلت ري ٌ‬
‫د فل ّ‬
‫نجد كانت تأتينا يقال لها الصبا ما رأيتها ههنا? فقال‪:‬‬
‫جبلن‪ .‬فأنشأت تقول‪:‬‬
‫يحجزها عّنا هذان ال ّ‬
‫صبا يخلص‬
‫أيا جبلي نعمان‬
‫نسيم ال ّ‬
‫ي نسيمهـا‬
‫بـالـله خـّلـيا‬
‫إل ّ‬

‫‪10‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن‬
‫فإ ّ‬
‫صبا ري ٌ‬
‫ن ال ّ‬
‫ح إذا ما على قلب محزو ٍ‬
‫تن ّ‬
‫تجّلت همومها‬
‫فـسـت‬
‫د لم يبق إل‬
‫أجد بردها أو يشف‬
‫على كب ٍ‬
‫صميمـهـا‬
‫ة‬
‫مّني حـرار ً‬
‫فّرقهما الفقر وجمعهما معاوية‬
‫قال الّزبير حدثني أبي‪ ،‬قال‪ :‬كان عندنا بالمدينة رج ٌ‬
‫ل‬
‫من قريش كانت له امرأة تعجبه ويعجبها‪ ،‬وكانت تحول‬
‫بينه وبين طلب الّرزق‪ ،‬وك ّ‬
‫دة محّبته‬
‫ل ذلك يحتمله لش ّ‬
‫ما ساءت حاله وكثر دينه قال‪:‬‬
‫إّياها فل ّ‬
‫شكى الفقر أو لم‬
‫إذا المرء لم يطلب‬
‫صديق فأكثرا‬
‫معاشا ً لنفـسـه‬
‫ال ّ‬
‫وصار على الدنين كل ّ قلوب ذوي القربى له‬
‫أن تن ّ‬
‫كـرا‬
‫وأوشكـت‬
‫ر أو تموت‬
‫فسر في بلد الله‬
‫تعش ذا يسا ٍ‬
‫فتـعـذرا‬
‫والتمس الغـنـى‬
‫وكيف ينام الليل من‬
‫ش‬
‫ول ترض من عي ٍ‬
‫كان معسـرا‬
‫ن ول تنـم‬
‫بدو ٍ‬
‫د‬
‫وما طالب الحاجات من من الّناس إل ّ من أج ّ‬
‫مـرا‬
‫حيث يبتغي‬
‫وشـ ّ‬
‫فّلما أصبح قال لمرأته‪ :‬أنا‪ ،‬والله أحّبك‪ ،‬ول صبر لي‬
‫هزته‪،‬‬
‫هزيني‪ .‬فج ّ‬
‫على ما نحن فيه من ضيق العيش‪ ،‬فج ّ‬
‫فخرج حّتى قدم على معاوية بن أبي سفيان فقام بين‬
‫ص ّ‬
‫فين‪ ،‬فأخبره بحاله‪ ،‬وأنشده ال ّ‬
‫شعر‪ .‬فرقّ له‪ ،‬وأمر‬
‫ال ّ‬
‫ر وقال له‪ :‬لقد دّلني حالك على محّبتك‬
‫له بألف دينا ٍ‬
‫لهلك وكراهّيتك لفراقهم فخذ وانصرف إليهم فأخذها‬
‫وانصرف راجعًا‪.‬‬
‫أل أّيها الغيران‬
‫وأنشد الّزبير بن بكار‪ :‬لجميل بن معمر‪:‬‬
‫حدودٌ لقد حّلت‬
‫ب‬
‫لئن كان في ح ّ‬
‫عـلـي حـدود‬
‫الحبيب حبيبـه‬
‫بسخطك ينمو‬
‫أل أّيها الغيران بي‬
‫حـّبـهـا ويزيد‬
‫أن أحّبـهـا‬
‫لها في فؤادي الوجد‬
‫ت كان الموت‬
‫فلو م ّ‬
‫وهو جديد‬
‫يخلف للهوى‬
‫هن‬
‫ن إذا‬
‫وتحسب نسوا ٌ‬
‫بثينة أّنـي بـعـضـ ّ‬

‫‪11‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫جـئت زائرا ً‬
‫ب‬
‫فتخبركم عّنا جنـو ٌ‬
‫ة‬
‫مـضـل ّ ٌ‬
‫ة‬
‫إذا بلغتكم حاج ٌ‬
‫رجعـت لـنـا‬
‫م الوليد‬
‫يا حّبذا أ ّ‬
‫ً‬
‫وأنشد أيضا لجميل بن معمر العذري‪:‬‬
‫على عجل‬
‫تمّتعت منكم يا بثين‬
‫والّناعجات وقوف‬
‫ة‬
‫بنـظـر ٍ‬
‫لنا ولها بالمنحنى‬
‫م الولـيد‬
‫فيا حّبذا أ ّ‬
‫ومصـيف‬
‫ع‬
‫ومـربـ ٌ‬
‫ي‬
‫بثنتان يسترن‬
‫وبطن كط ّ‬
‫ي لطيف‬
‫الوشاح عليهمـا‬
‫ال ّ‬
‫سابر ّ‬
‫أتصرم حبلي يا جميل?‬
‫وأنشداه في مثل ذلك أيضًا‪:‬‬
‫بثينة قالت يا جـمـيل مجال القذى منها‬
‫بثينة بالكحـل‬
‫ودت‬
‫وسـ ّ‬
‫إليك الهوى قيد‬
‫أتصرم حبلي يا‬
‫الجنيبة بالحـبـل‬
‫جميل وقـادنـي‬
‫س رأس من‬
‫وقالت لقينا ما‬
‫ما م ّ‬
‫ن ول غسل‬
‫لقيت من الهـوى‬
‫دها ٍ‬
‫أنت طالق‬
‫ي بن المغيرة كانت زينب بنت يوسف بن الحكم‬
‫قال عل ّ‬
‫مها‬
‫بن أبي عقيل أخت الح ّ‬
‫جاج بن يوسف لبيه وأ ّ‬
‫الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعوٍد الّثقفي عند‬
‫المغيرة بن شعبة فرآها يوما ً تتخّلل بكرةً فقال لها‬
‫ء لقد جشعت‬
‫ق والله لئن كان هذا من غذا ٍ‬
‫أنت طال ٌ‬
‫ء لقد أنتنت وقذرت‪ ،‬فقالت‬
‫ونهمت‪ ،‬وإن كان من عشا ٍ‬
‫قّبح الله الذواق والمطلق ول يبعد الله‪ ،‬والله ما هو‬
‫الذي ظننت‪ ،‬ولكّنه استمسك بين أسناني شظّية من‬
‫سواك‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ن أباها يوسف بن‬
‫وكان سبب قول الّنميري فيها‪ :‬إ ّ‬
‫الحكم مرض‪ ،‬وكان يزيد معاوية قد و ّ‬
‫له صدقات‬
‫ال ّ‬
‫طائف وأرض ال ّ‬
‫شراة‪ ،‬فنذرت إن الله عافاه أن‬
‫طائف‪ ،‬وبين ال ّ‬
‫تمشي إلى الكعبة معتمرةً من ال ّ‬
‫طائف‬
‫أريد‬
‫وتخبرنا هتف‬
‫ي بـرود‬
‫العـشـ ّ‬
‫إليكم بأخرى مثلـهـا‬
‫فـيعـود‬

‫‪12‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وم ّ‬
‫كة يومان وليلتان‪ ،‬فمشت ذلك في اثنين وأربعين‬
‫مد‬
‫ة وسيم ً‬
‫يومًا‪ ،‬وكانت جميل ً‬
‫ة فلقيها الّنميري‪ ،‬وهو مح ّ‬
‫ر الّثقفي‪ ،‬ببطن نعمان فقال‪:‬‬
‫بن عبد الله بن نمي ٍ‬
‫ة‬
‫وع مسكا ً بطن‬
‫ب في نـسـو ٍ‬
‫به زين ٌ‬
‫تض ّ‬
‫عـطـرات‬
‫نعمان إذ مشـت‬
‫وأقبلن ل شعـثـا ً ول‬
‫تهادين ما بين‬
‫غـبـرات‬
‫المحصب من مـنـى‬
‫مررن بـفـ ّ‬
‫ت يلّبين للّرحـمـن‬
‫خ رائحـا ٍ‬
‫مـؤتـجـرات‬
‫ة‬
‫عـشـي ّ ً‬
‫لها أرج بالعنبـر الـورد تطـّلـع رياه مـن‬
‫الـفـتـرات‬
‫فـاغـم‬
‫يخّبئن أطراف البنان ويمشين شطر الليل‬
‫معـتـمـرات‬
‫من الـّتـقـى‬
‫ف‬
‫وليست كأخرى‬
‫وأبدت بنان الك ّ‬
‫جـمـرات‬
‫أوسعت جنب درعها‬
‫لـلـ ّ‬
‫د برؤيتها من راح مـن‬
‫ومالت تراءى من بعي ٍ‬
‫عـرفـات‬
‫فأفـتـنـت‬
‫ف فاتك‬
‫سمن لّبي يوم‬
‫بليت بطر ٍ‬
‫تق ّ‬
‫الـّلـحـظـات‬
‫نـعـمـان إّنـنـي‬
‫يظاهرن أستـارا ً‬
‫ويقطعن دور اللهو‬
‫بالحـجـرات‬
‫ة‬
‫ودورا ً كـثـير ً‬
‫ن من أن تلـقـينـه‬
‫ما رأت ركب‬
‫وك ّ‬
‫ول ّ‬
‫حـذرات‬
‫الّنميري أعرضت‬
‫أوانس ملء العين‬
‫م‬
‫دعت نسوةً ش ّ‬
‫كـالـ ّ‬
‫ظـبـيات‬
‫دمـا‬
‫العرانين كـالـ ّ‬
‫ي‬
‫ما قمن‬
‫فأبدين ل ّ‬
‫بطونا ً لطاف الطّ ّ‬
‫مضطمـرات‬
‫يحجـبـن زينـبـا‬
‫قلت‪ :‬يعافير ال ّ‬
‫ظـبـاء يناع غصون الورد‬
‫مهتـصـرات‬
‫تـنـاولـت‬
‫خرجن من الّتعمير‬
‫فلم ترعيني مـثـل‬
‫معـتـمـرات‬
‫ب رأيتـه‬
‫ركـ ٍ‬
‫تق ّ‬
‫وكدت اشتياقا ً‬
‫طع نفسي إثـرهـا‬
‫حـسـرات‬
‫ة‬
‫نحـوهـا وصـبـاب ً‬
‫ب ذو‬
‫وغادرت من وجدي‬
‫بإ ّ‬
‫ن الح ّ‬
‫من الح ّ‬

‫‪13‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غـمـرات‬
‫ة‬
‫بزينب غمـر ً‬
‫على لوعة الشواق‬
‫وظل صحابي‬
‫والـّزفـرات‬
‫يظهرون ملمـتـي‬
‫بللت رداء العصب‬
‫فراجعت نفسي‬
‫بالـعـبـرات‬
‫والحفـيظة إّنـمـا‬
‫ن‬
‫وقد كان في عصياني لذي عبر ٍ‬
‫ة لو ك ّ‬
‫مـعـتـبـرات‬
‫الّنفس زاجٌر‬
‫زينب سبب نفي الّنميري وعذابه‬
‫قال مسلم بن جندب الهللي كنت مع عبد الله بن‬
‫الّزبير بنعمان وغلم ينشد خلفه‪ ،‬وهو يشتمه أقبح‬
‫ال ّ‬
‫شتم‪ .‬فقلت له‪ :‬ما هذا? فقال‪ :‬دعه فإني تشّببت‬
‫جاج عبد‬
‫ما قتل الح ّ‬
‫بأخت هذا الح ّ‬
‫جاج بن يوسف‪ .‬فل ّ‬
‫مد حّتى‬
‫الله بن الّزبير دعا الّناس إلى البيعة‪ ،‬فتأخر مح ّ‬
‫ما دنا‬
‫قام في آخر الّناس ولم يجد من الحضور بدًّا‪ .‬فل ّ‬
‫د? قال نعم‪ :‬قال‪ :‬أنشدني ما قلت‪.‬‬
‫م ٌ‬
‫منه قال‪ :‬أمح ّ‬
‫فأنشدته قصيدتي هذه فقال‪ :‬لول أن يقول قائ ٌ‬
‫ل‬
‫لضربت عنقك‪ ،‬أنج ل نجوت ول تعد فقال‪ :‬ل تعرضت‬
‫لسم زينب ما بقيت‪.‬‬
‫جاج عاذ بأبيه يوسف‬
‫قال‪ :‬ولما خاف الّنميري من الح ّ‬
‫جاج لقتال ابن‬
‫ما أرسل عبد الملك الح ّ‬
‫بن الحكم‪ .‬فل ّ‬
‫الّزبير‪ ،‬قام إليه يوسف بن الحكم وقال له‪ :‬يا أمير‬
‫ي‬
‫المؤمنين إ ّ‬
‫ى مّنا ذكر زينب بما يذكر به العرب ّ‬
‫ن فت ً‬
‫ّ‬
‫ن هذا لم يزل يتقلب عليه‪ .‬قال‬
‫مه‪ ،‬وقد علمت أ ّ‬
‫ابنة ع ّ‬
‫عبد الملك‪ :‬أليس الّنميري? قال‪ :‬بلى‪ ،‬قد سمعت‬
‫جاج وقال‪:‬‬
‫م أقبل على الح ّ‬
‫شعره فما سمعت مكروها ً ث ّ‬
‫ل تعرض له‪.‬‬
‫ما بلغه شعر الّنميري كتب إلى‬
‫ويقال إ ّ‬
‫ن عبد الملك ل ّ‬
‫جاج‪ :‬قد بلغني ما كان من قول الّنميري‪ ،‬فل تدنه‬
‫الح ّ‬
‫فتقطعه‪ ،‬ول تقصه فتغره‪ .‬ولكن أهمله واله عنه‪ .‬فلم‬
‫جاج ومن قوله فيها‪:‬‬
‫يهجه الح ّ‬
‫ومصيفها بال ّ‬
‫تشتو بم ّ‬
‫طائف‬
‫كة نعـمة‬
‫وبزينب من واقف‬
‫أكرم بتلك مواقفـا‬
‫ومن شعره فيها أيضًا‪:‬‬
‫بم ّ‬
‫كة مكحول ً أسيل ً‬
‫ء‪،‬‬
‫وما أنس من شي ٍ‬
‫مـدامـعـه‬
‫فل أنس شاديا‬

‫‪14‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تشّربه لون الّزرافي أو الّزعفران خالط‬
‫المسك أدرعه‬
‫في بياضـه‬
‫ترك زوجته وتعّلق بأروى وقسطا‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬حكى الحسن بن علي مولى بني‬
‫أمّية قال‪ :‬خرجت إلى ال ّ‬
‫سمهاة ودنا‬
‫ما كنت بال ّ‬
‫شام فل ّ‬
‫ة لم أر‬
‫الليل رفع لي قصٌر فأهويت إليه‪،‬فإذا أنا بامرأ ٍ‬
‫قط مثلها حسنا ً وجما ً‬
‫سلم‪،‬‬
‫ي ال ّ‬
‫ل‪ .‬فسّلمت‪ ،‬فردت عل ّ‬
‫من أنت? قلت‪ :‬من بني أمّية‪ .‬قالت‪ :‬مرحبا ً‬
‫قالت‪ :‬م ّ‬
‫ل‬
‫بك‪ ،‬أنزل‪ ،‬فأنا امرأةٌ من أهلك‪ .‬فأنزلتني أحسن منز ٍ‬
‫ت‪.‬‬
‫ت أحسن مبي ٍ‬
‫وب ّ‬
‫ن لي إليك حاجة‪ .‬قلت ما هي?‬
‫ما أصبحت قالت‪ :‬إ ّ‬
‫فل ّ‬
‫مي‪،‬‬
‫ر‪ ،‬وقالت‪ :‬إ ّ‬
‫ن في ذلك ال ّ‬
‫دير ابن ع ّ‬
‫فأشارت إلى دي ٍ‬
‫دير‪،‬‬
‫وهو زوجي‪ ،‬وقد غلبت عليه نصراني ّ ٌ‬
‫ة في ذلك ال ّ‬
‫دير‪،‬‬
‫فتمضي إليه وتعظه‪ .‬فخرجت حّتى انتهيت إلى ال ّ‬
‫ل في فنائه من أحسن الّرجال وأجملهم‪.‬‬
‫فإذا برج ٍ‬
‫ت‪،‬‬
‫فسّلمت عليه‪ ،‬فردّ وسأل‪ .‬فأخبرته من أنا‪ ،‬وأين ب ّ‬
‫وما قالت المرأة‪ .‬فقال‪ :‬صدقت‪ ،‬أنا رج ٌ‬
‫ل من أهلك من‬
‫م صاح‪ :‬يا قسطا‪ .‬فخرجت‬
‫أهل الحارث بن الحكم‪ .‬ث ّ‬
‫ة عليها ثياب حبرات وزنانير ما رأيت قبلها‬
‫إليه نصراني ّ ٌ‬
‫ول بعدها أحسن منها‪ .‬فقال‪ :‬هذه قسطا‪ ،‬وتلك أروى‪،‬‬
‫وأنا الذي أقول‪:‬‬
‫كذاك لعمري يذهب‬
‫دلت قسطا بعـد‬
‫وب ّ‬
‫ب‬
‫أروى وحـّبـهـا‬
‫ب بالـحـ ّ‬
‫الح ّ‬
‫دجى أوفى‬
‫وما هي أما ذكـرهـا‬
‫كبدر ال ّ‬
‫ن رطب‬
‫ة‬
‫بـنـبـطـي ّ ٍ‬
‫على غص ٍ‬
‫سفر‬
‫شاطرته مالها ولم تدعه لل ّ‬
‫دثني عبد الملك بن عبد العزيز‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬ح ّ‬
‫قال كانت بنت أبي عبيدة بن المنذر بن الّزبير عند أبي‬
‫بكر بن عبد الّرحمن من محرمه وكان يخدمها وكانت‬
‫ن عنه‪ ،‬فخرج يريد‬
‫ل‪ ،‬ول مال له‪ .‬وكانت تض ّ‬
‫ذات ما ٍ‬
‫ّ‬
‫ال ّ‬
‫ما كان ببعض الطريق رجع فمّر‬
‫شام بطلب الّرزق‪ ،‬فل ّ‬
‫م دخل عليها‬
‫بجلسائه بالمصّلى فقالوا‪ :‬زاد خير‪ .‬ث ّ‬
‫ر رجعت? فقال لها‪:‬‬
‫فقالت له‪ :‬أبخي ٍ‬
‫ع سراعا‪،‬‬
‫بينـما نحن من بلكث فالقا‬
‫والعيش تهوي‬

‫‪15‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫خطرت خطرةً على القلب من‬
‫ذكراك وهنًا‪ ،‬فما استطاع مضّيا‬

‫هوّيا‪،‬‬

‫ب‬
‫ق وللحاديين ح ّ‬
‫قلت‪ :‬لّبيك‪ ،‬إذ دعاني لك ال ّ‬
‫شو‬
‫المطّيا‬
‫قالت له‪ :‬ل جرم والله لشاطرّنك مالي فشاطرته إّياه‬
‫سفر بعد‪.‬‬
‫ولم تدعه لل ّ‬
‫منازل الحّبة الخالية تثير ال ّ‬
‫شوق‬
‫خ من ساكني‬
‫روى إبراهيم بن حسن بن يزيد‪ ،‬عن شي ٍ‬
‫ف بالعقيق‪ ،‬وقد جاء الحاج‪ ،‬إذ‬
‫العقيق قال‪ :‬إّني لواق ٌ‬
‫طلعت امرأة على راحلة وحولها نسوة‪ ،‬فنظرنا إليها‪،‬‬
‫ما كانت حذاء قصر سفيان بن‬
‫فأعجبتنا حالها‪ .‬فل ّ‬
‫عاصم بن عبد العزيز بن مروان‪ ،‬عدلت إلينا‪ ،‬ونحن‬
‫ننظر‪ .‬فنزلت قصرا ً من تلك القصور فأقامت فيه‬
‫ن عينيها لتنقطان‬
‫ساع ً‬
‫م خرجت‪ ،‬فركبت ومضت‪ ،‬وإ ّ‬
‫ةث ّ‬
‫ً‬
‫دموعا‪ .‬فقلت‪ :‬لنظر ما صنعت هذه المرأة? فدخلت‬
‫جدار‪ ،‬فقرأته فإذا‬
‫القصر‪ ،‬فإذا كتاب يواجهني في ال ّ‬
‫هو‪:‬‬
‫أليس كفى حزنا ً لذي منازل من يهوى‬
‫ال ّ‬
‫ة قـفـرا?‬
‫شوق أن يرى‪،‬‬
‫معطل ً‬
‫ن ذا ال ّ‬
‫يزيد اشتياقا ً كّلما‬
‫شوق‬
‫بلى‪ ،‬إ ّ‬
‫المو ّ‬
‫صـبـرا‬
‫كل بالهـوى‪،‬‬
‫حاول الـ ّ‬
‫ب‪ :‬وكتبته آمنة بنت عمر بن عبد العزيز‪.‬‬
‫وتحته مكتو ٌ‬
‫وكان سفيان بن عاصم زوجها فتو ّ‬
‫في عنها‪.‬‬
‫شكت إلى الله عقوق أبنائها‬
‫ما قدمت‬
‫ذكروا عن عائشة‪ ،‬رضي الله عنها‪ ،‬أّنها ل ّ‬
‫البصرة خطبت وبحضرتها الحنف بن قيس وموسى‬
‫بن طلحة ورجا ٌ‬
‫ل من وجوه العرب‪ ،‬فقالت بعقب ذلك‪:‬‬
‫مته الحرمات‬
‫إّني أتيت أطلب بدم المام المذكور بر ّ‬
‫ل‬
‫ق قبلناه‪ ،‬ومن ر ّ‬
‫الربع‪ .‬فمن ر ّ‬
‫دنا عنه بح ّ‬
‫دنا عنه بباط ٍ‬
‫قاتلناه‪ .‬فرّبما نصر الظالم على المظلوم والعاقبة‬
‫للمّتقين‪.‬‬
‫قال لها موسى بن طلحة‪ :‬قد فهمنا كلمك‪ ،‬فما الرق‬
‫حرمات? فقالت‪ :‬حرمة ال ّ‬
‫شهر‪ ،‬وحرمة البلد‪ ،‬وحرمة‬
‫المامة‪ ،‬وحرمة الختونة‪ ،‬ل يصلح إمراء بعده أبدًا‪ .‬فقال‬

‫‪16‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لها الحنف رحمه الله‪ :‬إني سائلك ومغل ٌ‬
‫ظ لك في‬
‫ي‪ .‬أعندك عهدٌ من رسول الله‬
‫المسألة فل تجدين عل ّ‬
‫في خروجك هذا? قالت‪ :‬ل‪ .‬قال لها‪ :‬أفعندك عهدٌ من‬
‫ة من الخطأ? قالت‪ :‬ل‪ .‬قال‬
‫رسول الله أّنك معصوم ٌ‬
‫لها‪ :‬صدقت‪ ،‬أن الله رضي لك المدينة فأبيت إل ّ‬
‫مد صّلى الله عليه‬
‫البصرة‪ ،‬وأمرك بلزوم بيت نبّيه مح ّ‬
‫م‬
‫وسّلم فنزلت بين الحرسة ال ّ‬
‫ضبي‪ .‬أل تخبريني يا أ ّ‬
‫صلح‪،‬‬
‫صلح? قالت‪ :‬بل لل ّ‬
‫المؤمنين أللحرب قدمت أم لل ّ‬
‫فقال لها‪ :‬والله لو قدمت وما بينهم إل ّ الخفق بالّنعال‬
‫والقذف بالحصبا‪ ،‬ما اصطلحوا على يديك‪ ،‬فكيف‬
‫سيوف على عواتقهم? قالت‪ :‬لقد استغرق حكم‬
‫وال ّ‬
‫الحنف هجاه أياي‪ ،‬إلى الله أشكون عقوق أبنائي‪.‬‬
‫جاج عنهم‬
‫أقنعوه فعفا الح ّ‬
‫جاج عبد الّرحمن بن الشعث‪،‬‬
‫ذكروا‪ ،‬أّنه لما قتل الح ّ‬
‫وأسر من معه‪ ،‬أمر بضرب رقابهم‪ .‬فقال رج ٌ‬
‫ل منهم‪:‬‬
‫ء‪ .‬قال‪ :‬وما هو? قال‪:‬‬
‫أّيها المير إّني أتيت إليك بشي ٍ‬
‫إّني كنت جالسا ً يوما ً عند عبد الّرحمن فأخذ في‬
‫عرضك‪ ،‬فناضلته عنك‪ .‬قال‪ :‬ومن يشهد لك بذلك?‬
‫فقال رج ٌ‬
‫جماعة يشهد له بما قال فقال‪:‬‬
‫ل من ال ّ‬
‫م قال للّرجل‪ :‬أفل كنت مثله? قال له‪ :‬بغضي‬
‫اتركوه‪ .‬ث ّ‬
‫فيك لم يدعني أتكّلم فيك بمثل ذلك‪ .‬فقال‪ :‬واتركوا‬
‫م قام رج ٌ‬
‫ل آخر فقال‪ :‬أّيها المير لئن‬
‫هذا لصدقه‪ .‬ث ّ‬
‫كّنا أسأنا في الخطأ لما أحسنت في العفو‪ .‬فقال‬
‫جيف‪ ،‬أما والله لو كان فيكم من‬
‫جاج‪ :‬أ ّ‬
‫ف لهذه ال ّ‬
‫الح ّ‬
‫يتكّلم والله ما قتل منكم أحد‪.‬‬
‫جنون‬
‫باب يذكر فيه من صّيره العشق إلى الخلط وال ّ‬
‫خبر فورك المجنون‬
‫قال بعضهم‪ :‬مررت بفورك المجنون وقد أتاه أهله‬
‫ب‪ ،‬يقال له عبد العزيز‪ ،‬ليعالجه‪ .‬فسملت وقلت‪:‬‬
‫بطبي ٍ‬
‫مد? فقال‪ :‬خبري والله مع هؤلء‬
‫ما خبرك يا أبا مح ّ‬
‫ق وهم يظّنون بي جّنة وقد‬
‫المجانين ظري ٌ‬
‫ف‪ .‬أنا عاش ٌ‬
‫أتوني بهذا ال ّ‬
‫م أنشأ يقول‪:‬‬
‫طبيب ليعالجني‪ .‬ث ّ‬
‫أتوني بال ّ‬
‫ن‬
‫طبيب‬
‫على أن قيل مجنو ٌ‬
‫غريب‬
‫فعالجـونـي‬
‫من الّيام يعقـل أو‬
‫طبيب الجر فيه‬

‫‪17‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عساه يومـا ً‬
‫وما صدقوا الفتى‬
‫محوي قلبي‬
‫ن‬
‫وما بي جن ّ ٌ‬
‫ة لكـ ّ‬
‫قـلـبـي‬
‫وما عبد العزيز‬
‫طبيب قلبـي‬
‫خبر المجنون أبي عبد الله‬
‫ة‪ ،‬وهو‬
‫ة وفيها عذب ٌ‬
‫ن بيده قصب ٌ‬
‫وقال آخر‪ :‬مررت بمجنو ٍ‬
‫يقول‪:‬‬
‫تل ّ‬
‫قاها عرابة‬
‫ة رفعت‬
‫إذا ما راي ٌ‬
‫باليمـين‬
‫د‬
‫بنج ٍ‬
‫قال فأخذت بيد الغلم الذي كان يتع ّ‬
‫شقه فوقفت بين‬
‫يديه‪ ،‬فقال له‪ :‬كيف أصبحت يا أبا عبد الله? فقال في‬
‫ة‪:‬‬
‫ة بديه ٍ‬
‫ساع ٍ‬
‫متعّرضا ً لموارد‬
‫أصبحت منك على‬
‫الـّتـلـف‬
‫ف‬
‫شفا جر ٍ‬
‫وأراك نحوي غير مـا متحّرفا ً من غير‬
‫منحـرف‬
‫ة‬
‫ثـق ٍ‬
‫كلفي عليك أشدّ من‬
‫ده‬
‫يا من أطال بص ّ‬
‫أسفـي‬
‫أسـفـي‬
‫صبيان‬
‫فورك في جماعة من ال ّ‬
‫ة‬
‫وقال بعضهم‪ :‬اجتزت بفورك المجنون وهو في جماع ٍ‬
‫ة‪ ،‬وهو يقول‪ :‬من كان عاشقا ً‬
‫ب قصب ً‬
‫صبيان راك ٌ‬
‫من ال ّ‬
‫منكم فيقف في الميمنة‪ ،‬ومن كان معشوقا ً فليقف‬
‫في الميسرة‪ .‬ووقف هو في القلب‪ ،‬فف ّ‬
‫كر وقال‪:‬‬
‫إلى كم ترى في‬
‫إلى مـن أشـتـكـيك‬
‫صتي غير محسن‬
‫إلـى مـن‬
‫ق ّ‬
‫سألتك بالّرحمن أل ّ‬
‫إلى كم يدوم الهجر‬
‫رحـمـتـنـي‬
‫والعتب بينـنـا‬
‫فيا لئمي في أحـمـد لما لمتني في حّبه‪،‬‬
‫وعـذرتـنـي‬
‫لـو رأيتـه‬
‫بنفسي ومالي من‬
‫أتعجب أن قالـوا‬
‫هواه أجـنـنـي‬
‫بـفـورك جـّنة‬
‫يتـوب‬
‫أج ّ‬
‫ل من أن يعالجه‬
‫ال ّ‬
‫طبـيب‬
‫به داءٌ تموت به‬
‫القـلـوب‬
‫ن الطبيب هو‬
‫ولك ّ‬
‫الحـبـيب‬

‫‪18‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م قال‪ :‬احملوا على بركة الله‪ .‬فحملت الميمنة على‬
‫ث ّ‬
‫ق معشوقه‪.‬‬
‫الميسرة‪ ،‬وأخذ كل عاش ٍ‬
‫صبيان‪،‬‬
‫س في جماع ٍ‬
‫ة من ال ّ‬
‫قال ولقيته في يوم خمي ٍ‬
‫دثهم‬
‫منصرفًا‪ .‬من تشييع غلم ٍ كان يحّبه‪ ،‬وهو يح ّ‬
‫ويلطم خده ويقول‪ :‬ما أحّر الفراق? فقلت‪ :‬يا أبا‬
‫جاج‪ .‬وبكى‪،‬‬
‫مد‪ ،‬من أين أقبلت? قال‪ :‬من تشييع الح ّ‬
‫مح ّ‬
‫وقال‪:‬‬
‫ما‬
‫هم رحلوا يوم‬
‫فو ّ‬
‫دعتهم ل ّ‬
‫اسـتـقـّلـوا وودعـوا‬
‫ة‬
‫الـخـمـيس عـشـي ّ ً‬
‫فقلت‪ :‬ارجعي قالت‪:‬‬
‫ما تولوا وّلت‬
‫فل ّ‬
‫إلى أين أرجع?‬
‫الّنـفـس مـعـهـم‪،‬‬
‫ول فيه إل أعظـم‬
‫د مـا فـيه‬
‫إلى جسـ ٍ‬
‫تـتـقـعـقـع‬
‫م ول دم‬
‫لـحـ ٌ‬
‫ذبت فيك ال ّ‬
‫وك ّ‬
‫طرف‪ ،‬وأسمعت أذني فيك‬
‫وال ّ‬
‫ما ليس أسـمـع‬
‫ق‬
‫طرف صاد ٌ‬
‫أخبار علوّية المجنون‬
‫ً‬
‫قال الحسن بن رفاعة‪ :‬رأيت علوّية المجنون يوما وفي‬
‫عنقه حب ٌ‬
‫ما رآني قال‪ :‬يا أبا‬
‫صبيان يجّرونه‪ ،‬فل ّ‬
‫ل وال ّ‬
‫ي بماذا يع ّ‬
‫جرائم يوم القيامة? قلت‪:‬‬
‫ذب الله أهل ال ّ‬
‫عل ّ‬
‫بأشدّ العذاب‪ .‬قال‪ :‬فأنا‪ ،‬والله‪ ،‬في أشدّ من عذابه‪ .‬لو‬
‫ع ّ‬
‫د‬
‫ب والهجر والّرقباء لكان أش ّ‬
‫ذب الله أهل جهّنم بالح ّ‬
‫م قال‪:‬‬
‫عليهم‪ ،‬ث ّ‬
‫م ول‬
‫انظر إلى ما صنع‬
‫لم يبق لي جس ٌ‬
‫قـلـب‬
‫ب‬
‫الـحـ ّ‬
‫من شأنه الهجران‬
‫ب‬
‫أنحل جسمي ح ّ‬
‫والعتـب‬
‫من لم يزل‬
‫من دونه الستار‬
‫ما كان أغناني عن‬
‫والحجـب‬
‫ب من‬
‫ح ّ‬
‫ب يعالجه‪ ،‬وال ّ‬
‫طبيب‬
‫قال‪ :‬وحضرته وقد أتوه بطبي ٍ‬
‫يعاتبه ويقول له‪ :‬لو تركتني لعالجتك ورجوت أن تبرأ‪،‬‬
‫فقال في ذلك‪:‬‬
‫ما بي أج ّ‬
‫ل من‬
‫أنا منك أعلم أيها‬
‫جنون وأعظـم‬
‫الـمـتـكـّلـم‬
‫ال ّ‬
‫برأ ً مننت به وأنـت‬
‫ق‪ ،‬فإن‬
‫أنا عاش ٌ‬
‫مـحـ ّ‬
‫كـم‬
‫ق‬
‫استطعت لعاشـ ٍ‬

‫‪19‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫داء الذي‬
‫وسواك‪ ،‬بال ّ‬
‫بي أعـلـم‬
‫جوانح‬
‫هوى‪ ،‬تحت ال ّ‬
‫ضرم‬
‫ناره تت ّ‬

‫هيهات‪ ،‬أنت لغير ما‬
‫م‬
‫بي عـالـ ٌ‬
‫س‪ ،‬قد‬
‫دائي دسي ٌ‬
‫مـنـه ال‬
‫تضـ ّ‬
‫خبر بعض المجانين‬
‫س وحده‬
‫قال‪ :‬ومررت ببعض المجانين وهو جال ٌ‬
‫متف ّ‬
‫كرًا‪ ،‬فقلت‪ :‬ما خبرك? قال‪:‬‬
‫ب من‬
‫صوت وما بي إل ح ّ‬
‫أقول بأعلى ال ّ‬
‫ليس ينـصـف‬
‫مـا بـي جـّنة‬
‫ق‬
‫ن غـير‬
‫إذا انكشفت مـنـه أر ّ‬
‫وما بي جنـو ٌ‬
‫وألـطـف‬
‫ن بـلـّيتـي‬
‫أ ّ‬
‫بنفسي وأهلي‪ ،‬من إذا ما بدا منه البنـان‬
‫الـمـطـّرف‬
‫ة‪،‬‬
‫أرى الموت جهر ً‬
‫شعر فورك في غلمه غلب‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قال‪ :‬وكان فورك يتع ّ‬
‫شق غلما يسمى غلبا فأتاه بعض‬
‫ة?‬
‫إخوانه فقال‪ :‬إّني خارج نحو غلب‪ ،‬فهل من حاج ٍ‬
‫فقال‪:‬‬
‫فقّبل وجنتـيه وإن‬
‫نعم أوصيك إن‬
‫تـأّبـى‬
‫أبصرت غلًبا‬
‫إليك قتلته شغفـا ً‬
‫وقل هذي وصية‬
‫وحـّبـا‬
‫مستـهـام ٍ‬
‫وصف ظبية بالعفاف فأكرم‬
‫ودخل مهدي على بعض ولة اليمامة‪ ،‬فسأله الوالي‬
‫عن مجلسه مع ظبية‪ ،‬واستنشده ما قال فيها من‬
‫ال ّ‬
‫ي بيتين‬
‫شعر‪ .‬وكان ابن ظبية حاضرًا‪ ،‬فأنشده مهد ّ‬
‫يصفها فيهما بالعفاف‪ .‬فقام ابنها فنزع عن نفسه‬
‫مه‬
‫ما وصف أ ّ‬
‫جّبة خّز ووشاحا ً ألقاهما على مهدي ل ّ‬
‫بالعفاف‪.‬‬
‫القيطنون ونكاح الفتيات‬
‫قال أحمد بن يحيى‪ :‬كان القيطنون متمّلكا ً على أهل‬
‫المدينة‪ .‬وكان قد سامهم خسفًا‪ ،‬وشرط عليهم أّنه ل‬
‫وج مالك بن‬
‫تدخل امرأة على زوجها حّتى يبدأ بها‪ .‬فز ّ‬
‫هزها وأراد إهداءها إلى‬
‫عجلن الخزرجي أخته‪ .‬فلما ج ّ‬
‫زوجها‪ ،‬وهو قاعدٌ في مجلس الخزرج‪ ،‬إذا خرجت أخته‬
‫ة‪ .‬فغضب مالك‪ ،‬ووثب إليها ليتناولها‬
‫ي سافر ً‬
‫على الح ّ‬

‫‪20‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سيف‪ ،‬وقال لها‪ :‬فضحتني‪ ،‬ون ّ‬
‫كست رأسي‪،‬‬
‫بال ّ‬
‫وأغضضت بصري‪ .‬فقالت له‪ :‬الذي تريد بي أنت شر‬
‫من هذا وأقبح وأفضح‪ .‬إن كنت تهديني إلى غير بعلي‬
‫ة! فقال‬
‫فيصيبني‪ ،‬فهذا شّر من خروجي سافرةً حاسر ً‬
‫مالك‪ :‬صدقت‪ ،‬وأبيك‪.‬‬
‫ما رجعت إلى خدرها دخل إليها‪ ،‬فقال‬
‫وسكت عنها‪ ،‬فل ّ‬
‫ة إل ّ‬
‫ر عند امرأ ٍ‬
‫لها‪ :‬هل فيك من خير? فقالت‪ :‬أ ّ‬
‫ي خي ٍ‬
‫أن تناك? فقال لها اكتمي ما أريده‪ .‬قالت‪ :‬نعم‪ .‬فشرح‬
‫ما أمست أتتها رسل القيطنون‬
‫لها ما عزم عليه‪ .‬فل ّ‬
‫ليأتوه بها‪ ،‬فلبست وتع ّ‬
‫طرت وتحّلت‪ ،‬ولبس معها‬
‫وتع ّ‬
‫سيف ومضى معها في جملة‬
‫طر واشتمل على ال ّ‬
‫ما خل بها في مشربة‬
‫نسائها إلى قصر القيطنون‪ .‬فل ّ‬
‫حى نساؤها عنها إل ّ مالك وحده‪ ،‬فقال‬
‫له‪ ،‬ودنا منها تن ّ‬
‫ة حّتى ترجع‬
‫ق الّتوراة أل أمهلتني ساع ً‬
‫القيطنون‪ :‬بح ّ‬
‫ي‪ ،‬وتركت أختي هذه تؤانسني عندك‪،‬‬
‫نفسي فيها إل ّ‬
‫ما هدأت‬
‫فإّني ألفتها من بين أهلي? فقال‪ :‬نعم‪ .‬فل ّ‬
‫دمي إلى فراشك حتى ألحقك‪ .‬فقام‬
‫ساع ً‬
‫ة‪ .‬قال‪ :‬تق ّ‬
‫القيطنون إلى باب مشربته فأغلقه‪ ،‬وأتى فراشه‪.‬‬
‫م ضربه به حّتى برد‪.‬‬
‫وكشف مالك عن ال ّ‬
‫سيف ث ّ‬
‫ودوه على‬
‫فاجتمع الحيان من الوس والخزرج فس ّ‬
‫دهر‪ .‬وذّلت‬
‫أنفسهم‪ ،‬ومّلكوه‪ ،‬إذ أراحهم من عار ال ّ‬
‫اليهود بعد ذلك فلم ترفع رأسًا‪.‬‬
‫خبر سلمة الّزرقاء‬
‫مار‬
‫مع عبد الّرحمن بن أبي ع ّ‬
‫مار من‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬كان عبد الّرحمن بن أبي ع ّ‬
‫عّباد أهل م ّ‬
‫كة‪ ،‬فسمي الق ّ‬
‫س من عبادته‪ .‬فمّر ذات يوم ٍ‬
‫بدار سهل بن عبد الّرحمن بن عوف مولى سلمة‬
‫الّزرقاء‪ ،‬وهي تغّني‪ ،‬فسمع غناءها‪ ،‬فبلغ منه ك ّ‬
‫ل مبلغ‪،‬‬
‫فرآه مولها وتبّين ما لحقه‪ ،‬فقال له‪ :‬هل لك أن تدخل‬
‫إليها وتسمع منها? فامتنع وأبى‪ ،‬فقال له‪ :‬أنا أقعدك‬
‫ع تسمع من غنائها ول تراها ول تراك‪ .‬ولم‬
‫في موض ٍ‬
‫يزل به حّتى دخل وسمع غناءها‪ ،‬فأعجبه‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫م أجابه‪.‬‬
‫هل لك أن أخرجها لك? فامتنع بعض المتناع‪ ،‬ث ّ‬
‫فأخرجها إليه‪ ،‬وأقعدها بين يديه‪ ،‬وغّنته‪ ،‬فشغف بها‪،‬‬
‫وشغفت به‪ .‬وكان أديبا ً ظريفًا‪ .‬واشتهر أمره معها‬
‫بم ّ‬
‫س‪.‬‬
‫كة حّتى س ّ‬
‫موها سلمة الق ّ‬

‫‪21‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وخل معها يومًا‪ ،‬فقالت له‪ :‬أنا‪ ،‬والله‪ ،‬أحّبك فقال له‪:‬‬
‫ب أن أضع فمك على‬
‫أنا‪ ،‬والله‪ ،‬كذلك‪ .‬قالت له‪ :‬أح ّ‬
‫فمي‪ .‬قال‪ :‬وأنا‪ ،‬والله‪ .‬قالت‪ :‬فما يمنعك من ذلك‪،‬‬
‫ل? فقال لها‪ :‬ويحك‪ ،‬إّني‬
‫فوالله إ ّ‬
‫ن الموضع لخا ٍ‬
‫سمعت الله عّز وجل يقول في كتابه‪" :‬الخ ّ‬
‫لء يومئذ‬
‫بعضهم لبعض عدو إل ّ المّتقين"‪ .‬وأنا أكره أن تكون‬
‫م نهض وعيناه‬
‫خّلة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة‪ .‬ث ّ‬
‫تذرفان من حّبها وعاد إلى ال ّ‬
‫طريقة التي كان عليها‬
‫من الّنسك والعبادة‪ .‬وكان يمّر في بعض الّيام ببابها‬
‫سلم فيقال له‪ :‬أدخل فيأبى‪ .‬وقال‬
‫فيرسل إليها بال ّ‬
‫ة‪ ،‬وغّنته بها‪ .‬فمنها‪:‬‬
‫فيها أشعارا ً كثير ً‬
‫تمشي بمزهرها‬
‫ن التي طرقتك‬
‫إ ّ‬
‫وأنت حـرام‬
‫بـين ركـائب‬
‫في ذاك أيقاظ‬
‫باتت تعّللنا‪،‬‬
‫ونـحـن نـيام‬
‫وتحسـب أّنـنـا‪،‬‬
‫صبح فإذا الذي ما بـينـنـا‬
‫حّتى إذا سطع ال ّ‬
‫أحـلم‬
‫ر‬
‫لنـاظـ ٍ‬
‫فاعجب بما تـأتـي‬
‫قد كنت أعذل في‬
‫بـه اليام‬
‫سفاهة أهلها‬
‫ال ّ‬
‫ضللة‬
‫فاليوم أعذرهم‬
‫طرق ال ّ‬
‫والهدى أقسـام‬
‫وأعلـم أّنـمـا‬
‫وفيها قوله‪:‬‬
‫على س ّ‬
‫تحية من زيارته‬
‫لمة القلب‬
‫لـمـام‬
‫سلم‬
‫ال ّ‬
‫ب لقاءها‪ ،‬وألوم‬
‫ن لقاءها شيءٌ‬
‫كأ ّ‬
‫أح ّ‬
‫حـرام‬
‫نفسي‪،‬‬
‫وحّنت نحوه‪ ،‬أذن‬
‫ن مزهرها‬
‫إذا ما ح ّ‬
‫الكرام‬
‫إليها‬
‫دوا نحوها العناق كأّنهم وما نـامـوا‬
‫فم ّ‬
‫نـيام‬
‫حّتى‬
‫وله فيها أشعار كثيرة تركت ذكرها ها هنا لّنها‬
‫مستقصاةٌ من أخبارها في كتاب طبقات المغّنين‪.‬‬
‫عبد الملك بين عّزة وبثينة‬
‫قال‪ :‬وفدت عّزة وبثينة على عبد الملك بن مروان‬
‫ما دخلتا عليه انحرف إلى عّزة‪ ،‬وقال لها‪ :‬أنت عّزة‬
‫فل ّ‬

‫‪22‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ضمرّية‪.‬‬
‫ر ال ّ‬
‫كثير? قالت‪ :‬لست لكثير بعّزة ولكّني أ ّ‬
‫م بك ٍ‬
‫ر فيك?‬
‫قال أتروين قول كثي ٍ‬
‫ومن ذا الذي يا عّز ل‬
‫لقد زعمت أني‬
‫يتغـّير‬
‫تغّيرت بعدهـا‬
‫عهدت‪ ،‬ولم يخبر‬
‫تغّير جسمي‬
‫بسّرك مخبر‬
‫والخليقة كالـتـي‬
‫قالت‪ :‬لست أروي هذا‪ ،‬ولكّني أروي غيره حيث يقول‪:‬‬
‫م لو يمشي‬
‫ة‬
‫كأّني أنادي صخر ً‬
‫ص ّ‬
‫من ال ّ‬
‫بها العصم زّلت‬
‫حين أعرضـت‬
‫فمن م ّ‬
‫ل منها ذلك‬
‫صفوحا ً فما تلـقـاك‬
‫الوصف مّلـت‬
‫ة‬
‫إل ّ بـحـيل ٍ‬
‫م عطف على بثينة فقال لها‪ :‬ما رأى جميل حين لهج‬
‫ث ّ‬
‫بذكرك بين الّنساء كّلهن? قالت‪ :‬الذي رأى فيك الّناس‬
‫حين جعلوك خليفة من بين رجال العالمين‪ .‬فضحك‬
‫ن له سوداء‪ ،‬كان يخفيها‪ ،‬وأجزل جائزتهما‬
‫حّتى بدت س ّ‬
‫وقضى حوائجهما‪.‬‬
‫تغّير العادات بالنسبة لعلقة الّرجل بالفتاة‬
‫مد بن يحيى المدني‪ :‬سمعت عطاء يقول‪:‬‬
‫وقال مح ّ‬
‫ب الفتاة فيطوف بدارها حول ً كامل ً‬
‫كان الّرجل يح ّ‬
‫س تشاكيا‬
‫يفرح إن رأى مرآها‪ ،‬وإن ظفر منها بمجل ٍ‬
‫وتناشدا الشعار‪ .‬فاليوم يشير إليها‪ ،‬وتشير إليه‪ ،‬فإذا‬
‫التقيا لم يشكوا حب ًّا‪ ،‬ولم ينشدا شعرًا‪ .‬وقام إليها كأّنه‬
‫أشهد على نكاحها أبا هريرة وأصحابه‪.‬‬
‫هل قبلة المشتاق جناح‬
‫وحكى أبو الحسن المدايني قال‪ :‬هوى بعض المسلمين‬
‫ة بم ّ‬
‫كة فأرادها‪ ،‬فامتنعت عليه‪ .‬فأنشدها‪:‬‬
‫جاري ً‬
‫وقبلة مشتاق‬
‫ي‬
‫سألت الفتى المك ّ ّ‬
‫الفؤاد‪ ،‬جـنـاح?‬
‫ر‬
‫هل في تزاو ٍ‬
‫ن‬
‫فقال‪ :‬معاذ الله أن‬
‫تلصق أكبـاٍد بـهـ ّ‬
‫جـراح‬
‫يذهب الهـوى‬
‫فقالت له‪ :‬بالله‪ ،‬إّنك سمعته وسألته فأجابك بهذا‬
‫جواب? قال‪ :‬نعم‪ .‬فزارته وجعلت تقول‪ :‬إّياك أن‬
‫ال ّ‬
‫تتعدى ما أمرك به عطاء‪.‬‬
‫الحسنات يذهبن السّيئات‬

‫‪23‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن أبا هريرة سئل عن‬
‫وروى عبد الرحمن بن نافع‪ ،‬أ ّ‬
‫قول الله عز وجل "الذين يجتنبون كبائر الثم‬
‫والفواحش إل اللمم"‪ .‬فقال‪ :‬هي النظرة والغمزة‬
‫م بال ّ‬
‫مل‬
‫ذنب مّرةً ث ّ‬
‫والقبلة‪ .‬وقال مجاهد‪ :‬هو الّرجل يل ّ‬
‫يعود‪ ،‬وبإسناٍد عن رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪،‬‬
‫ن رجل ً جاء إليه فقال له‪ :‬إّني أخذت امرأةً في‬
‫أ ّ‬
‫البستان فأصبت منها ك ّ‬
‫ء‪ ،‬إل ّ أّني لم أنكحها‬
‫ل شي ٍ‬
‫فاصنع ما شئت? فسكت عنه‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪.‬‬
‫صلة طرفي‬
‫فل ّ‬
‫ما ذهب‪ ،‬دعاه فقرأه عليه "أقم ال ّ‬
‫ن الحسنات يذهبن السيئات"‬
‫النهار وزلفا من الليل إ ّ‬
‫الية‪.‬‬
‫ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى?‬
‫ي‪ :‬ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى?‬
‫قيل لعراب ّ‬
‫قال‪ :‬كنت أمّتع عيني في وجهها‪ ،‬وقلبي من حديثها‪،‬‬
‫وأستر منها ما ل يحّبه الله ول يرضى بكشفه إل عند‬
‫حّله‪ .‬قيل‪ :‬فإن خفت أن ل تجتمعا بعد ذلك? قال‪ :‬أكل‬
‫قلبي إلى حّبها‪ ،‬ول أصير بقبيح ذلك الفعل إلى نقض‬
‫عهدها‪.‬‬
‫سبعة يظّلهم الله بظّله‬
‫ويروى عن أبي هريرة‪ ،‬عن النبي‪ ،‬صّلى الله عليه‬
‫ة يظّلهم الله بظّله يوم ل ظ ّ‬
‫ل‬
‫وسّلم‪ ،‬أّنه قال‪" :‬سبع ٌ‬
‫ب نشأ في عبادة الله‪ ،‬ورج ٌ‬
‫م عاد ٌ‬
‫ل‬
‫ل‪ ،‬وشا ٌ‬
‫إل ظّله‪ :‬إما ٌ‬
‫ق بالمسجد حّتى يعود إليه‪ ،‬ورجلن تحاّبا في‬
‫قلبه متعل ّ ٌ‬
‫الله اجتمعا على ذلك وتفّرقا عليه‪ ،‬ورج ٌ‬
‫ل طلبته ذات‬
‫ل فقال إّني أخاف الله‪ ،‬ورج ٌ‬
‫دق‬
‫ل تص ّ‬
‫منص ٍ‬
‫ب وجما ٍ‬
‫بصدقه فلم تعلم شماله ما تسّر يمينه‪ ،‬ورج ٌ‬
‫ل ذكر الله‬
‫خاليا ً ففاضت عيناه"‪.‬‬
‫الّزّباء وعمر بن أبي ربيعة‬
‫وعن عبد الملك بن قريب الصمعي قال‪ :‬بصرت الّزّباء‬
‫بعمر بن أبي ربيعة‪ ،‬وهو يطوف بالبيت‪ ،‬فتن ّ‬
‫كرت له‬
‫وفي ك ّ‬
‫ق‪ ،‬فمسحته بثوبه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫فها خلو ٌ‬
‫جّنة الخلد من ملني‬
‫ب‬
‫أدخل الله ر ّ‬
‫خلوقا‬
‫موسى وعيسى‬
‫حين طفنا بالبيت‬
‫مسحت كفها بجيب‬
‫ً‬
‫مسحا رقيقا‬
‫قميصـي‬

‫‪24‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قلبها مائل ً إلينـا‬
‫لو تجازى القلوب‬
‫شـفـيقـا‬
‫بالودّ أمسى‬
‫فنظر إليه عبد الله بن عمر في تلك الحالة ينشد‬
‫البيات‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا زي المحرم وما يح ّ‬
‫ل للمحرم أن‬
‫يقول مثل هذا القول في هذا الموضع فقال‪ :‬يا أبا‬
‫ب هذه‬
‫عبد الّرحمن قد سمعت مّني ما سمعت‪ ،‬فور ّ‬
‫البنية‪ ،‬ما حللت إزاري على حرام ٍ قط‪.‬‬
‫جاج‬
‫ليلى الخيلّية والح ّ‬
‫قال الهيثم بن عدي دخلت ليلى بنت عبد الله الخيلية‬
‫جاج وعنده وجوه الّناس وأشرافهم‪ .‬فاستأذنته‬
‫على الح ّ‬
‫في النشاد‪ ،‬فأذن لها‪ ،‬فأنشدته قصيدةً مدحته بها‪.‬‬
‫جاج لجلسائه‪ :‬أتدرون‬
‫ما فرغت من إنشادها‪ ،‬قال الح ّ‬
‫فل ّ‬
‫جارية? قالوا‪ :‬ل نعلم‪ ،‬أصلح الله المير‪،‬‬
‫من هذه ال ّ‬
‫ولكّنا لم نر امرأةً أكمل منها كما ً‬
‫ل‪ ،‬ول أجمل منها‬
‫جما ً‬
‫ل‪ ،‬ول أطلق لسانًا‪ ،‬ول أبين بيانًا‪ ،‬فمن هي? قال‪:‬‬
‫هذه هي ليلى الخيلية صاحبة توبة بن الحمير الذي‬
‫يقول فيها‪:‬‬
‫وش ّ‬
‫ط نواها واستمّر‬
‫نأتك بليلى دارها ل‬
‫مريرها‬
‫تزورها‬
‫م قال لها‪ :‬يا ليلى ما الذي رابه من سفورك حيث‬
‫ث ّ‬
‫يقول‪:‬‬
‫فقد رابني منها‬
‫وكنت إذا ما زرت‬
‫الغداة سفورها‬
‫ليلى تبرقت‬
‫ة‬
‫قالت‪ :‬أصلح الله المير‪ ،‬لم يرني قط إل متبرقع ً‬
‫ي‬
‫ي رسول ً أّنه يل ّ‬
‫م بنا‪ ،‬ففطن الح ّ‬
‫وكان أرسل إل ّ‬
‫دوا له وكمنوا‪ ،‬وفطنت لذلك‪ ،‬فلم يلبث‬
‫لرسوله‪ ،‬فأع ّ‬
‫ما رأى ذلك‬
‫أن جاء‪ ،‬فألقيت‪ ،‬برقعي وسفرت له‪ ،‬فل ّ‬
‫أنكره وعرف ال ّ‬
‫ي وسأل عن‬
‫شّر‪ ،‬فلم يزد أن سّلم عل ّ‬
‫جاج لها‪ :‬لله دّرك فهل‬
‫حالي وانصرف راجعًا‪ .‬فقال الح ّ‬
‫كانت بينكما ريبة? قالت‪ :‬ل‪ ،‬والذي أسأله أن يصلحك‬
‫إلى أن قال مرةً قول ً ظننت أّنه خضع لبعض المر‪،‬‬
‫ة هذا الشعر‪ .‬وأنشأت وهي تقول‪:‬‬
‫فقلت له مسرع ً‬
‫ة قلنا له ل فليس إليها ما حييت‬
‫وذي حاج ٍ‬
‫سبـيل‬
‫تبح بها‬
‫ب‬
‫ب ل ينبغي‬
‫وأنت لخرى صاح ٌ‬
‫لنا صاح ٌ‬

‫‪25‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وخليل‬
‫أن نخونه‬
‫ء بعدها‬
‫فل‪ ،‬والذي أسأله صلحك‪ ،‬ما كّلمني بشي ٍ‬
‫دهر بيني وبينه‪.‬‬
‫استربته حّتى فّرق ال ّ‬
‫العفاف أّيام زمان‬
‫ي‪ ،‬وظاهره ظاهر‬
‫قال أبو عثمان‪ :‬قد ترى العراب ّ‬
‫جفاء‪ ،‬فما هو إل ّ أن يعشق حّتى تجده أرقّ من الماء‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫وألطف من الهواء‪ .‬ومع ذلك يلقى أحدهم عشيقته‬
‫فيتر ّ‬
‫شفها ويعانقها من دون الّثياب ويمنعه الّتكّرم‬
‫ويحجزه الورع عن وطئتها وإن أمكنته‪ .‬قال ابن هرمة‪.‬‬
‫بل ّ‬
‫وحرامها لحللها‬
‫ة قد‬
‫ذة ليل ٍ‬
‫ولر ّ‬
‫مدفوع‬
‫نلتهـا‬
‫ويقتصرون على الحديث والقبل واللمس‪ .‬للعشيق من‬
‫حبيبته نصفها العلى‬
‫قال العتيبي‪ :‬قيل لبعض العراب‪ ،‬ما الذي ينال أحدكم‬
‫من عشيقته إذا خل بها? قال اللمس والقبل والحديث‪.‬‬
‫مي ليس هذا‬
‫قال فهل يطؤها? قال‪ :‬بأبي أنت وأ ّ‬
‫عاشقا ً هذا طالب ولد‪.‬‬
‫قال‪ :‬وكان ال ّ‬
‫شرط بين العاشق ومعشوقه إذا خلوا أن‬
‫مة رأسها‬
‫يكون له نصفها العلى من سّرتها إلى ق ّ‬
‫يصنع فيها ما شاء‪ ،‬ولبعلها من سّرتها إلى أخمصها‪.‬‬
‫ي في مثل ذلك‪:‬‬
‫وأنشد ابن العراب ّ‬
‫فللخ ّ‬
‫وللبعل شطٌر ما‬
‫ق‬
‫ل شطٌر مطل ٌ‬
‫يرام منـيع‬
‫من عقاله‬
‫وأنشد أبو عمرو بن العلء في نحوه‪:‬‬
‫ونصف كالبحيرة ما‬
‫ل‬
‫لها نصفان من ح ٍ‬
‫يهاج‬
‫ل‬
‫وبـ ٍ‬
‫ق‪ ،‬ونصفها الخر‬
‫يقول نصفها العلى لعشيقها طل ٌ‬
‫جاهلية حراما ً ل تهاج‬
‫عليه كالبحيرة‪ -‬فإّنها كانت في ال ّ‬
‫ول تركب ول تمنع من كل ول ماء‪ -‬وأنشد الصمعي‬
‫لبعض ظرفاء العرب يخاطب بعل عشيقته‪:‬‬
‫وأقنع بالكارع‬
‫فهل لك في البدال‬
‫والعجوب‬
‫أبا زنيم‬
‫قال إبراهيم بن بشارة الّناظم‪ :‬قد يمكن الرجل أن‬
‫يحتجز عن ذلك ما دام ليس له هنالك إل ّ الحديث‬
‫ما إذا تر ّ‬
‫شفها وعانقها من دون ثيابها فل‬
‫والقبلة‪ ،‬فأ ّ‬

‫‪26‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بد أن ينعظ وينشط وإذا أنعظ وهو في الزار معها‬
‫م الحكم‪:‬‬
‫انتقض العزم‪ ،‬كما قال عبد الّرحمن بن أ ّ‬
‫قذى العين قد‬
‫وكأس ترى بين‬
‫نازعت أم أبـان‬
‫الناء وبينهـا‬
‫يمـيل أحـيانـا ً‬
‫ترى شاربيها حين‬
‫ويعـتـدلن‬
‫يعترونـهـا‬
‫وبيضاء خوٍد حين‬
‫ن ذا الواشي‬
‫فما ظ ّ‬
‫يلـتـقـيان‬
‫د‬
‫بأبيض ماج ٍ‬
‫أخاها ولم أرضع لها‬
‫م عمرو‬
‫دعتني أخا أ ّ‬
‫بلـبـان‬
‫ولم أكـن‬
‫من المر ما ل يفعل‬
‫دعتني أخاها بعد ما‬
‫الخوان‬
‫كان بيننـا‬
‫عادات أهل طبرستان في الّزواج‬
‫جارية منهم‬
‫وقد ذكرنا‪ :‬أ ّ‬
‫وج ال ّ‬
‫ن أهل طبرستان ل تتز ّ‬
‫ً‬
‫م يقدم بها‬
‫حّتى يستظهر بها حول ً كامل ً محّرما ث ّ‬
‫وج بها‪ ،‬ويزعمون مع ذلك‬
‫فيخطبها إلى أهلها ثم يتز ّ‬
‫ة‬
‫د سن ً‬
‫ر واح ٍ‬
‫أّنهم يجدونها بكرًا‪ ،‬وقد عانقها في إزا ٍ‬
‫ة وهو ل يستظهر بها‪ ،‬ويحتمل وحشة الغتراب‪،‬‬
‫تام ً‬
‫وانقطاع السباب إل ّ من عشق غالب‪ .‬ول يجوز أن‬
‫ن من أعجب‬
‫جارية إل وبها شبه الذي به‪ .‬وإ ّ‬
‫تؤاتيه ال ّ‬
‫م يحتجزان‬
‫ف واح ٍ‬
‫العجب أن يمكثا متعانقين في لحا ٍ‬
‫دث ّ‬
‫عن الّزنا تكّرما ً وتحّرجًا! وهذا الّتكّرم عند علوج‬
‫طبرستان من العجائب‪.‬‬
‫العقلء والمجانين‬
‫ة من المجانين وإن‬
‫ومن قول سهيل بن هارون‪ :‬ثلث ٌ‬
‫سكران‪ .‬فقال له‬
‫كانوا عقلء‪ :‬الغضبان‪ ،‬والعزبان‪ ،‬وال ّ‬
‫أبو عبيد الله الخليع‪ :‬والمنعظ يا أبو عمرو? فقال‪:‬‬
‫والمنعظ‪ .‬وضحك وأنشد‪:‬‬
‫بصاحبك الذي ل‬
‫م‬
‫وما شّر الّثلثة أ ّ‬
‫تصحبينا‬
‫عمرو‬
‫فقيد ثقيف عاشق زوجة أخيه‬
‫ف شديد الحياء‪ ،‬كريما ً‬
‫ى من ثقي ٍ‬
‫قال الصمعي‪ :‬كان فت ً‬
‫أديبًا‪ ،‬فبينا هو جالس‪ ،‬إذ مّرت به امرأةٌ من أجمل‬
‫الّنساء فلم يتمالك أن قام من الحياء من مجلسه ليعلم‬
‫من هي‪ ،‬وأين تريد‪ .‬وقد كلف بها واشتدّ عشقه لها‪،‬‬

‫‪27‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فاّتبعها حتى دخل منزل أخيه فإذا هي امرأته‪ ،‬فضاق‬
‫به المر ولم يدر ما يصنع‪ ،‬وكتم شأنه‪ ،‬وجعل ما به‬
‫يزداد كل يوم ٍ حّتى نحل جسمه‪ ،‬فأنكر شأنه أخوه‬
‫ء من أمره‪.‬‬
‫ما به‪ .‬فلم يخبرهم بشي ٍ‬
‫وأهله وسألوه ع ّ‬
‫ما‬
‫فدعا أخوه الطّباء فعالجوه فلم يغنوا عنه شيئًا‪ ،‬فل ّ‬
‫أعياهم ما به‪ ،‬وزاد سقمه‪ ،‬سّلمه أخوه إلى الحارث بن‬
‫كلدة وكان من أطّباء العرب فنظر إليه الحارث فلم‬
‫ن أّنه عاشق‪ .‬فخل به‬
‫يرى به داءٌ ينكر‪ ،‬غير أّنه ظ ّ‬
‫ما أعيا‬
‫الحارث فسأله‪ ،‬فأبى أن يقّر له بشي ٍ‬
‫ء‪ .‬فل ّ‬
‫الحارث جعل يسأل عن أسمائهم وأسماء نسائهم‪،‬‬
‫ميت امرأةٌ منهم نظر‬
‫ى بين يديه‪ ،‬كّلما س ّ‬
‫والفتى ملق ً‬
‫الحارث وجه المريض حّتى جاء اسم امرأة أخيه فارتاح‬
‫وتن ّ‬
‫دموع‪ .‬فعلم الحارث‬
‫فس‪ ،‬واغرورقت عيناه بال ّ‬
‫أمره‪ ،‬وقال لخيه‪ :‬إذهب فجئني بجميع أهليكم‪ ،‬ول‬
‫يتخّلف عّني منهم امرأةً ول رج ً‬
‫ل‪ ،‬فإّني قد وقعت على‬
‫دائه‪.‬‬
‫فخرج أخوه حّتى أتى أهله‪ ،‬فجميعهم في منزل ونقل‬
‫ن عنه امراةٌ ول‬
‫الحارث المريض إليهم‪ ،‬وقال‪ :‬ل يغيب ّ‬
‫رج ٌ‬
‫ف عنه بعض‬
‫ما نظر الّرجل إلى امرأة أخيه خ ّ‬
‫ل‪ .‬فل ّ‬
‫ة‬
‫ما كان يجده‪ .‬فعرف الحارث ذلك منه‪ ،‬فأمر بشا ٍ‬
‫م أطعمه‬
‫فذبحت‪ ،‬وأخرج كبدها فوضعها على الّنار‪ ،‬ث ّ‬
‫ة فسقاه‪ ،‬وفعل به‬
‫ة خفيف ً‬
‫م مزج له شرب ً‬
‫منها فأكل ث ّ‬
‫ذلك أّياما ً يزيده في ك ّ‬
‫ل يوم ٍ شيئا ً قليل ً في مطعمه‬
‫ومشربه‪ .‬فحسنت حاله‪ ،‬ورجع إليه بعض جسمه‪.‬‬
‫وة صنع له طعاما ً‬
‫فل ّ‬
‫ما رأى الحارث أّنه قوي بعض الق ّ‬
‫م أحضر الفتى وأخاه فطعما وشربا‪،‬‬
‫وهّيأ له شرابا ً ث ّ‬
‫وأمر الحارث أخاه أن ينصرف وقام هو وو ّ‬
‫كل هو‬
‫بالفتى من يسقيه ويغنيه‪ ،‬وقال‪ :‬احفظ حديثه‪ ،‬وك ّ‬
‫ل‬
‫دثه ك ّ‬
‫ث تعرفه في العشق وأخبار‬
‫ل حدي ٍ‬
‫ما يتكّلم به‪ ،‬وح ّ‬
‫ما أخذ ال ّ‬
‫الع ّ‬
‫شراب في الفتى‬
‫شاق‪ ،‬وأشعارهم‪ .‬فل ّ‬
‫تغّنى‪:‬‬
‫أهل و ّّ‬
‫دي‪ ،‬أل سلموا وقفوا كي تكّلموا‪:‬‬
‫يح ّ‬
‫من فؤادي وأنعـم‬
‫ظـهـم‬
‫أخذ الح ّ‬
‫وفـؤادي مـتـّيم‬
‫ة‪،‬‬
‫فهمومي كـثـير ٌ‬
‫دهر يسـقـم‪.‬‬
‫ب جسمـه‬
‫أبد ال ّ‬
‫وأخو الح ّ‬

‫‪28‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما أصبح الحارث‪ ،‬دعا المو ّ‬
‫كل بالفتى فسأله‪ ،‬فعّرفه‬
‫فل ّ‬
‫بك ّ‬
‫دثه وأنشد البيات التي تغّنى بها‪ .‬فدعا‬
‫ل شي ٍ‬
‫ء‪ ،‬فح ّ‬
‫ق لمرأته‪ .‬فقال له‪ :‬يا أخي أنا‬
‫أخاه فعّرفه إّنه عاش ٌ‬
‫ما سمعه الفتى استحيا‬
‫وجها‪ .‬فل ّ‬
‫أنزل لك عنها وتتز ّ‬
‫ر إلى‬
‫وخرج هاربا ً على وجهه‪ ،‬فلم يقفوا له على خب ٍ‬
‫مي فقيد ثقيف‪.‬‬
‫اليوم فس ّ‬
‫ة خيرا ً يره‬
‫من يفعل مثقال ذّر ٍ‬
‫وروى نافع مولى ابن عمر قال‪ :‬قال رسول الله صّلى‬
‫ر يمشون إذ أخذهم‬
‫الله عليه وسّلم‪" :‬بينا ثلثة نف ٍ‬
‫ر في جبل‪ .‬فانح ّ‬
‫ط عليهم من‬
‫المطر فأووا إلى غا ٍ‬
‫الجبل صخرةٌ فانطبقت عليهم‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬انظروا‬
‫ة‪ ،‬فادعوا الله بها‪ .‬فدعوا‬
‫أعمال ً عملتموها لله صالح ً‬
‫م إّنك تعلم أّنه‬
‫الله‪ ،‬تبارك وتعالى‪ ،‬فقال أحدهم‪ :‬الله ّ‬
‫كان لي أبوان شيخان كبيران‪ ،‬وامرأةٌ وصبيان‪ ،‬فكنت‬
‫ي‬
‫أرعى عليهم فإذا رحت إليهم حلبت‪ ،‬وبدأت بوالد ّ‬
‫ي‪ .‬وإّني لم آت يوما ً حّتى أمسيت‪،‬‬
‫أسقيهما قبل بن ّ‬
‫فوجدتهما قد ناما‪ ،‬فحلبت كما كنت أحلب‪ ،‬فقمت عند‬
‫رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما‪ ،‬وأكره أن أبدأ‬
‫بالصبية قبلهما‪ ،‬فجعلوا يتضاغون تحت قدمي‪ ،‬فلم‬
‫يزل ذلك دأبهم حّتى طلع الفجر‪ .‬فإن كنت تعلم إّني‬
‫ة نرى منها‬
‫فعلت ذلك إبتغاء وجهك‪ ،‬فأفرج عّنا فرج ً‬
‫ة‪.‬‬
‫سماء‪ .‬ففّرج الله له فرج ً‬
‫ال ّ‬
‫م‬
‫م إّنك تعلم إّنه كانت لي إبنة ع ّ‬
‫وقال الخر‪ :‬الله ّ‬
‫ب الّرجال الّنساء‪ ،‬فطلبت إليها‬
‫فأحببتها كأشدّ ما يح ّ‬
‫ر‪ ،‬فسعيت حّتى‬
‫نفسها فأبت حّتى آتيها بمائة دينا ٍ‬
‫ما قعدت بين رجليها‪،‬‬
‫ر فجئتها بها‪ ،‬فل ّ‬
‫جمعت مائة دينا ٍ‬
‫ن الخاتم إل بحقه‪.‬‬
‫قالت‪ :‬يا عبد الله‪ ،‬اّتق الله ول تف ّ‬
‫ض ّ‬
‫فقمت عنها فإن كنت تعلم إّني فعلت ذلك إبتغاء وجه‬
‫سماء‪ .‬ففّرج الله ج ّ‬
‫ل‬
‫رّبك‪ ،‬فأفرج عّنا فرج ً‬
‫ة من ال ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫ثناؤه فرج ً‬
‫ما‬
‫م إّنك تعلم أّني استأجرت أجيرا ً فل ّ‬
‫وقال الخر‪ :‬الله ّ‬
‫قضى عمله‪ ،‬قال‪ :‬أعطني ح ّ‬
‫قي‪ .‬فأعرضت عنه‬
‫م اشتريت بح ّ‬
‫قه بقرا ً وراعيا ً لها فجاءني بعد‬
‫وتركته‪ ،‬ث ّ‬
‫حين‪ ،‬فقال لي‪ :‬اّتق الله ول تظلمني‪ ،‬وأعطني ح ّ‬
‫قي‪.‬‬
‫فقلت له‪ :‬إذهب إلى تلك البقر وراعيها‪ .‬فأخذها‬

‫‪29‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وذهب‪ ،‬فإن كنت تعلم أّني فعلت ابتغاء وجهك‪ ،‬فأفرج‬
‫لنا ما بقي‪ .‬ففّرجها الله عنهم‪".‬‬
‫هذا طالب ولد‬
‫ة من بني عذرة‪ :‬أنتم أكثر‬
‫قال الصمعي‪ :‬قلت لعرابي ّ ٍ‬
‫دون العشق فيكم? قالت‪ :‬الغمزة‬
‫الّناس عشقا ً فما تع ّ‬
‫م قالت‪:‬‬
‫مة‪ .‬ث ّ‬
‫والقبلة والض ّ‬
‫وغمز كف‪ ،‬وعضد‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫ب إل قـبـل ٌ‬
‫ما الح ّ‬
‫ب فسد‪.‬‬
‫ب إل هكـذا‪،‬‬
‫إن نكح الح ّ‬
‫ما الح ّ‬
‫دون العشق فيكم?‬
‫م قالت‪ :‬وأنتم يا حضر‪ ،‬كيف تع ّ‬
‫ث ّ‬
‫قلت‪ :‬يقعد بين رجليها ويجهد نفسه‪ .‬فقالت‪ :‬يا ابن‬
‫أخي‪ ،‬ما هذا عاشقا ً هذا طالب ولد‪.‬‬
‫سبيل لدخول المرأة إلى الجّنة‬
‫ال ّ‬
‫ي صّلى الله‬
‫وروي عن عبد الّرحمن بن عوف‪ ،‬عن الّنب ّ‬
‫عليه وسّلم أّنه قال‪ " :‬إذا صّلت المرأة خمسها‪،‬‬
‫جّنة‪.‬‬
‫وحفظت فرجها‪ ،‬وأطاعت زوجها‪ ،‬دخلت ال ّ‬
‫راودته عن نفسها فأبى‬
‫ل فقال له‪ :‬ما‬
‫عرض الح ّ‬
‫جاج سجنه يومًا‪ ،‬فأتي برج ٍ‬
‫كان جرمك? قال‪ :‬أصلح الله المير‪ ،‬أخذني العسس‬
‫صدق‬
‫وأنا مخبرك بخبري‪ ،‬فإن يكن الكذب ينجي فال ّ‬
‫ل‬
‫أولى بالّنجاة‪ .‬فقال‪ :‬ما ق ّ‬
‫صتك? قال‪ :‬كنت أخا ً لرج ٍ‬
‫فضرب المير عليه العبث إلى خراسان‪ ،‬فكانت إمرأته‬
‫ي يوما ً رسول ً قد جاء‬
‫تجد بي وأنا ل أشعر‪ ،‬فبعثت إل ّ‬
‫م لتقرأه‪ .‬فمضيت إليها‪ ،‬فجعلت‬
‫كتاب صاحبك فهل ّ‬
‫م أظهرت لي ما‬
‫تشغلني بالحديث حّتى صّلينا العشاء‪ ،‬ث ّ‬
‫سوء‪ ،‬فأبيت ذلك‪ .‬فقالت‪:‬‬
‫في نفسها‪ ،‬ودعتني إلى ال ّ‬
‫ما‬
‫ن ولقول ّ‬
‫والله لئن لم تفعل لصيح ّ‬
‫ن أّنك لص‪ .‬فل ّ‬
‫أبيت عليها صرخت فخرجت هاربًا‪ .‬وكان القتل أهون‬
‫ي من خيانة أخي‪ .‬فلقيني عسس المير فأخذوني‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫وأنا أقول متمث ّ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫ب بيضاء ذات د ّ‬
‫قد دعتني لوصلها‬
‫ل‬
‫ر ّ‬
‫فـأبـيت‬
‫وحسـن‬
‫كنت ندمان زوجها‬
‫لم يكن شأني‬
‫فاستحيت‬
‫العفاف ولكـن‬
‫فعرف صدق حديثه وأمر بإطلقه‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يعاملها بما يرضي الّرب‬
‫ة‪ :‬ما أنت‬
‫قيل لبعض العراب‪ ،‬وقد طال عشقه لجاري ٍ‬
‫ع لو ظفرت بها ول يراكما غير الله? قال‪ :‬إذا‪،‬‬
‫صان ٌ‬
‫والله ل أجعله أهون الّناظرين‪ ،‬لكّني أفعل بها ما أفعل‬
‫ث يطول‪ ،‬ولح ٌ‬
‫ظ كليل وترك ما يكره‬
‫بحضرة أهلها‪ ،‬حدي ٌ‬
‫ب‪.‬‬
‫ب‪ ،‬وينقطع به الح ّ‬
‫الّر ّ‬
‫جّنة‬
‫جارية ولك ال ّ‬
‫ردّ ال ّ‬
‫ة فبعتها‪،‬‬
‫مد بن عبيد الّزاهد‪ :‬كانت عندي جاري ٌ‬
‫قال مح ّ‬
‫فتبعتها نفسي‪ ،‬فسرت إلى مولها مع جماعة إخوانه‪،‬‬
‫ي ما شاء‪ ،‬فأبى‪،‬‬
‫فسألوه أن يقيلني ويربح عل ّ‬
‫ت ساهرا ً ل‬
‫فانصرفت من عنده مهموما ً مغمومًا‪ ،‬فب ّ‬
‫جهد‪ ،‬كتبت‬
‫ما رأيت ما بي من ال ّ‬
‫أدري ما أصنع‪ ،‬فل ّ‬
‫اسمها في راحتي‪ ،‬واستقبلت القبلة‪ .‬فك ّ‬
‫ل ما طرقني‬
‫سماء وقلت‪ :‬يا‬
‫طارق من ذكرها رفعت يدي إلى ال ّ‬
‫سحر من اليوم‬
‫صتي‪ .‬حّتى إذا كان في ال ّ‬
‫سّيدي هذه ق ّ‬
‫ل يدقّ الباب‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا‪ :‬أنا‬
‫الّثاني‪ ،‬إذ أنا برج ٍ‬
‫جارية‪ .‬ففتحت‪ ،‬وإذا بها‪ .‬فقال‪ :‬خذها بارك‬
‫مولى ال ّ‬
‫الله لك فيها! فقلت‪ :‬خذ مالك والّربح‪ .‬فقال‪ :‬ما كنت‬
‫لخذ دينارا ً ول درهمًا‪ .‬قلت فلم ذلك? قال‪ :‬أتاني‬
‫جارية على ابن عبيد‬
‫الليلة في منامي آ ٍ‬
‫ت فقال‪ :‬ردّ ال ّ‬
‫الله‪ ،‬ولك الجّنة‪.‬‬
‫جود عبد الله بن جعفر‬
‫مار فقيه أهل الحجاز قد‬
‫وكان عبد الّرحمن بن أبي ع ّ‬
‫ة‬
‫مّر بن ّ‬
‫ن‪ ،‬فتعّلق بواحد ٍ‬
‫س معه فتيات‪ ،‬فنظر إليه ّ‬
‫خا ٍ‬
‫ن‪ ،‬فاشتد وجده بها‪ ،‬واشتهر بذكرها‪ ،‬حّتى أتى إليه‬
‫منه ّ‬
‫عطاء ومجاهد يعذلونه‪ .‬فلم يكن جوابه إل ّ أن قال‪:‬‬
‫م فما أبالي أطال‬
‫يلومونني فيك أقوا ٌ‬
‫اللوم أم قصرا‬
‫أجالسهـم‬
‫جا ً‬
‫فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر فخرج حا ّ‬
‫جارية واشتراها منه بأربعين‬
‫بسببه‪ ،‬وبعث إلى مولى ال ّ‬
‫ألفًا‪ ،‬وأمر قّيمة جواريه فحّلتها وزّينتها‪ .‬وبلغ الّناس‬
‫سلم عليه وفيهم عبد الّرحمن‬
‫قدومه‪ ،‬فدخلوا إليه لل ّ‬
‫ما أراد ال ّ‬
‫شخوص استجلسه‪ ،‬فقال له‪ :‬ما‬
‫مار‪ .‬فل ّ‬
‫بن ع ّ‬
‫دم والم ّ‬
‫خ‬
‫ب فلنة? قال‪ :‬مشوب اللحم و ال ّ‬
‫فعل ح ّ‬
‫جارية فأخرجت إليه‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫والعظم والعصب‪ .‬وأمر ال ّ‬
‫هي هذه? قال‪ :‬نعم‪ ،‬أصلحك الله‪ .‬قال‪ :‬إّنما اشتريتها‬

‫‪31‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لك‪ ،‬فوالله ما دنوت منها‪ ،‬فشأنك بها‪ ،‬فهي لك‬
‫م‪ ،‬وقال له‪ :‬خذ هذا المال‬
‫مباركة‪ .‬وأمر له بمائة دره ٍ‬
‫م بك‪ .‬قال‪ ،‬فبكى عبد الّرحمن فرحا ً‬
‫م بها وتهت ّ‬
‫لئّل تهت ّ‬
‫ص به‬
‫صكم الله بأشرف ما خ ّ‬
‫وقال‪ :‬يا أهل البيت قد خ ّ‬
‫أحدا ً من صلب آدم‪ ،‬فلتهنئكم هذه الّنعمة‪ ،‬وبارك لكم‬
‫فيها‪ .‬فكان هذا الفعل بعض ما اشتهر به عبد الله بن‬
‫جود‪.‬‬
‫جعفر من ال ّ‬
‫الّزنا أنواع‬
‫ي‪ :‬أتعرف الّزنا‪ ،‬قال‪ :‬وكيف ل‪ .‬قيل‪ :‬فما‬
‫وقيل لعراب ّ‬
‫ص الّريقة‪ ،‬ولثم العشيقة‪ ،‬والخذ من‬
‫هو? قال‪ :‬م ّ‬
‫ده فينا! قال‪ :‬فما‬
‫الحديث بنصيب‪ .‬قيل‪ :‬ما هكذا نع ّ‬
‫ق الشديد أن تجمع بين الّركبة‬
‫تع ّ‬
‫دونه? قيل‪ :‬الن ّ ّ‬
‫ت يوقظ الّنوام‪ ،‬وفع ٌ‬
‫ل يوجب كثيرا ً من‬
‫والوريد‪ ،‬وصو ٌ‬
‫و البعيد‪ ،‬فكيف‬
‫الثام‪ .‬قال‪ :‬لله ما يفعل هذا العد ّ‬
‫صديق الودود‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫أخبار أهل العفاف‬
‫وقيل لخر‪ :‬ما كنت صانعا ً لو ظفرت بمن تهوى? قال‪:‬‬
‫ب في لثامها‪ ،‬وأعصي ال ّ‬
‫شيطان في‬
‫كنت أطيع الح ّ‬
‫آثامها‪ ،‬ول أفسد بضع عشرة سنين فيما يبقى ذميما ً‬
‫ة تفقد ل ّ‬
‫ذتها‪ .‬إّني‬
‫عاره‪ ،‬وينشر قبيح أخباره في ساع ٍ‬
‫م‪.‬‬
‫م‪ ،‬ولم يلدني كري ٌ‬
‫إذا ً لئي ٌ‬
‫ب ما ل يغضب الّرب‬
‫الح ّ‬
‫ع إن ظفرت بمن تحب? قال‪:‬‬
‫وقيل لخر‪ :‬ما أنت صان ٌ‬
‫أحلل ما يشتمل عليه الخمار وأحّرم ما كتمه الزار‪،‬‬
‫ما يغضب الّرب‪.‬‬
‫وأزجر الح ّ‬
‫بع ّ‬
‫وح‬
‫ليلى وقيس بن المل ّ‬
‫س مات لما به من عشقك‪ .‬قالت‪:‬‬
‫وقيل لليلى هذا قي ٌ‬
‫ولقد خفت والله أن أموت بذلك منه‪ .‬قيل لها‪ :‬فما‬
‫ة تخ ّ‬
‫فف ما به? قالت‪ :‬صبري‪ ،‬وصبره‪ ،‬أو‬
‫عندك حيل ٌ‬
‫يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين‪.‬‬
‫عفراء وعروة بن حزام‬
‫وقيل لعفراء‪ ،‬وقد بلغها ما نزل بعروة‪ ،‬فكادت تبوح‬
‫ة تخ ّ‬
‫فف ما به?‬
‫بسّرها فقيل لها‪ :‬أما عندك له حيل ٌ‬
‫فقالت‪ :‬والله‪ ،‬لنا أسّر بذلك وأشوق إليه منه‪ ،‬ولكن ل‬
‫سبيل إلى احتمال العار‪ ،‬ودخول الّنار‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مة‬
‫مّية وذو الّر ّ‬
‫وقيل لمّية‪ ،‬بعد موت قابوس‪ :‬ما كان يضّرك لو أمتعته‬
‫بوجهك قبل موته? قالت‪ :‬منعني من ذلك خوف العار‪،‬‬
‫ما كان‬
‫وشماتة ال ّ‬
‫جار‪ .‬ولقد كان بقلبي منه أكثر م ّ‬
‫صدر‬
‫بقلبه‪ ،‬غير أّني وجدت ستره أبقى لنا لما في ال ّ‬
‫دة‪ ،‬وأحمد للعافية‪.‬‬
‫من المو ّ‬
‫المر ما تصفون‪ ،‬ولكن‪...‬‬
‫ك من ملوك الفرس‪ ،‬وقد أجهدها عشق‬
‫وقيل لبنة مل ٍ‬
‫وحت عن قلبك بالجتماع‬
‫ل من أساورة أبيها‪ :‬لو ر ّ‬
‫رج ٍ‬
‫ن المر على ما‬
‫معه‪ ،‬ك ّ‬
‫ف ذلك من وجدك‪ .‬قالت‪ :‬إ ّ‬
‫تصفون‪ ،‬ولكن ما عذري إذ هتكت ستري‪ ،‬وأظهرت‬
‫أمري‪ ،‬عند من ل يلزمه عاري‪ ،‬ويرغمه اشتهاري‪ ،‬والله‬
‫ل كان هذا أبدًا‪.‬‬
‫عفراء بنت أحمر والحارث بن ال ّ‬
‫شريد‬
‫ي بن الم ّ‬
‫طلب قال‪ :‬كان الحارث بن‬
‫وحكى ال ّ‬
‫سر ّ‬
‫ال ّ‬
‫ما عيل صبره كتب‬
‫شريد يعشق عفراء بنت أحمر‪ .‬فل ّ‬
‫إليها‪:‬‬
‫وبي منك في‬
‫صبرت على كتمان‬
‫الحشاء أصدق شاهد‬
‫ة‬
‫حّبـك بـره ً‬
‫تقوم لقلبي في‬
‫هو الموت إن لم‬
‫مـقـام الـعـوائد‬
‫ة‬
‫يأتني منك رقـع ٌ‬
‫ما وصلت الّرقعة كتبت إليه‪:‬‬
‫فل ّ‬
‫ونلت الذي تهوى‬
‫كفيت الذي تخشى‬
‫برغم الحـواسـد‬
‫وصرت إلى المنى‬
‫سوء‪ ،‬ما جانبت‬
‫فوالله لـول أن يقـال بي ال ّ‬
‫تـظـنـنـا ّ‬
‫فعل العـوائد‬
‫م‬
‫ما ش ّ‬
‫ما وصلت الّرقعة إليه وضعها على وجهه‪ ،‬فل ّ‬
‫فل ّ‬
‫ة فقضى نحبه‪ .‬فقيل لعفراء ما‬
‫رائحة يدها شهق شهق ّ‬
‫وحت عن قلبه وأجبته بزورة? قالت‪:‬‬
‫كان يضّرك لو ر ّ‬
‫ن عفراء قد صبت إلى الحرث!‬
‫منعني من ذاك قولك ّ‬
‫ن نفسي من حيث ل يعلم بي أحد إل الله‪.‬‬
‫فوالله لقتل ّ‬
‫فلحقت به سريعا‪ً.‬‬
‫أسماء بنت عبد الله وكامل بن الّرضين‬
‫قال العتبي‪ :‬عشق كامل بن الّرضين أسماء بنت عبد‬
‫مه‪ ،‬فلم يزل به‬
‫الله بن مسافر الثقيفة‪ ،‬وهي ابنة ع ّ‬

‫‪33‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫العشق حّتى صار كال ّ‬
‫ما اشتدّ ما به‪ ،‬شكا‬
‫شن البالي‪ .‬فل ّ‬
‫وجها له‪ ،‬فحمل إلى دارها وفيه رمق‪،‬‬
‫أبوه إلى أبيها فز ّ‬
‫ع تسمع أسماء‬
‫ما دخل ال ّ‬
‫فل ّ‬
‫دار‪ ،‬قال‪ :‬أوأنا بموض ٍ‬
‫ة قضى مكانه‪ .‬فقيل‬
‫كلمي? قيل‪ :‬نعم‪ .‬فشهق شهق ّ‬
‫ن‬
‫صة‪ .‬قالت‪ :‬والله لموت ّ‬
‫لها‪ :‬يا أسماء قد مات بغ ّ‬
‫بمثلها‪ ،‬ولقد كنت على زيارته قادرة فمنعني قبح ذكر‬
‫د‬
‫ما اشت ّ‬
‫الّريبة‪ ،‬وسماجة الغيبة‪ .‬وسقطت بالمرض‪ ،‬فل ّ‬
‫وري لي صورته‪ ،‬فإّني‬
‫بها‪ ،‬قالت لخ ّ‬
‫ص نسائها‪ :‬ص ّ‬
‫صورة‬
‫أح ّ‬
‫ب أن أزوره قبل موتي‪ .‬ففعلت‪ .‬فل ّ‬
‫ما رأت ال ّ‬
‫ة قضت نحبها‪ .‬فدفنت مع‬
‫اعتنقتها وشهقت شهق ً‬
‫د‪.‬‬
‫ر واح ٍ‬
‫الفتى في قب ٍ‬
‫وكتب على قبرهما‪:‬‬
‫دهر حّتى غّيبا‬
‫بنفسي هما ما مّتعا‬
‫على ال ّ‬
‫في المقابر‬
‫بهـواهـمـا‬
‫ما أصيبا قّربـا‬
‫أقاما على غير‬
‫فل ّ‬
‫بـالـتـزاور‬
‫ة‬
‫التـزاور بـره ً‬
‫ويا زورةً جاءت بريب‬
‫ر زار‬
‫فيا حسن قب ٍ‬
‫المقـادر‬
‫قبرا ً يحـّبـه‬
‫أوصاف الهوى‬
‫ة من جنون‬
‫العشق لسع ٌ‬
‫ي‪ :‬إن لم يكن العشق ضربا ً من‬
‫قال العتبي‪ :‬قال أعراب ّ‬
‫جنون‪.‬‬
‫سحر إّنه لسع ٌ‬
‫ة من ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫الهوى وال ّ‬
‫طلول‬
‫ة عن الهوى‪ ،‬فقالت‪ :‬هو الهوان غل ٌ‬
‫ط‬
‫وسئلت أعرابي ّ ٌ‬
‫باسمه‪ ،‬وإّنما يعرف ما نقول من أبكته المعارف‬
‫وال ّ‬
‫طلول‪.‬‬
‫الهوى والّنار‬
‫ة عن صفة الهوى‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫وسئلت أعرابي ّ ٌ‬
‫ولـه مـي ٌ‬
‫ب فيلقى‬
‫ل‬
‫نفس المح ّ‬
‫الحـ ّ‬
‫بأ ّ‬
‫الموت كاللعب‬
‫تـهـيم بـه‬
‫ة أشعلت في‬
‫يكون مبدؤه من‬
‫أو مزح ٍ‬
‫القلب كاللهب‬
‫ة عـرضـت‬
‫نظر ٍ‬
‫تضّرمت أحرقت‬
‫كالّنار مبدؤها مـن‬
‫مستجمع الحطب‬
‫ة‪ ،‬فـإذا‬
‫قـدح ٍ‬
‫وأنشد لبي جعفر ال ّ‬
‫ي‪:‬‬
‫طربخ ّ‬

‫‪34‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ليس خطب الهوى‬
‫ر‬
‫بخط ٍ‬
‫ب يسي ٍ‬
‫ليس أمر الهوى يدّبر‬
‫بـالـّرأ‬
‫ب والهوى‬
‫إّنما الح ّ‬
‫ت‬
‫خـطـرا ٍ‬
‫الهوى والبلء‬

‫لينّبئك عنه مـثـل‬
‫خـبـير‬
‫ي ول بالقياس‬
‫والّتـفـكـير‬
‫محدثات المور بعد‬
‫المـور‬

‫صبر‬
‫ي‪ :‬إ ّ‬
‫صبر على الهوى أشدّ من ال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫وقال أعراب ّ‬
‫صبر على المحبوب أشدّ من‬
‫على البلء‪ ،‬كما أ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫صبر على المكروه‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫الهوى وال ّ‬
‫طبيب‬
‫وليم بعض الحكماء على الهوى‪ ،‬فقال‪ :‬لو كان لذي‬
‫ى‪ .‬وأنشد لمجنون ليلى‪:‬‬
‫ى اختياٌر لختار أن ل هو ً‬
‫هو ً‬
‫ضحى‬
‫أصّلي فل أدري إذا‬
‫أثنتين صّليت ال ّ‬
‫أم ثمـانـيا‬
‫ما ذكرتـهـا‬
‫بوجهي وإن كان‬
‫أراني إذا صّليت‬
‫المصّلـى ورائيا‬
‫أقبلت نحـوهـا‬
‫وما بي إشرا ٌ‬
‫وعظم الجوى أعيا‬
‫ك‬
‫ال ّ‬
‫طبيب المداويا‬
‫ن حـّبـهـا‬
‫ولكـ ّ‬
‫الهوى والموت‬
‫وأنشد لبي العتاهية‪:‬‬
‫و‬
‫ل بارك الله فيمن‬
‫أ ّ‬
‫ن المحّبين في لهـ ٍ‬
‫ولـ ّ‬
‫ذات‬
‫كان يخبرني‬
‫ة تأخذ النـسـان خيٌر له من لقاء‬
‫لموت ٌ‬
‫الموت مّرات‬
‫ة‬
‫واحـد ً‬
‫الهوى وأغصانه‬
‫ي‪:‬‬
‫وأنشد لعراب ّ‬
‫ن تراها وفي طعمها‬
‫ب أغصا ٌ‬
‫وللح ّ‬
‫للعاشقين ذعاف‬
‫ة‬
‫نضير ً‬
‫ن‬
‫رأيت المنايا في‬
‫تقّتلن أرواحا ً وه ّ‬
‫ضعـاف‬
‫س‬
‫عيون أوان ٍ‬
‫دد‬
‫الهوى المتج ّ‬
‫وأنشد‪:‬‬
‫ب نيرانا ً‬
‫قلوب العاشقين لها‬
‫رأيت الح ّ‬

‫‪35‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تل ّ‬
‫وقود‬
‫ظـى‬
‫ولكن مثل ما كانت‬
‫فلو كانت‪ ،‬إذا فنيت‬
‫تعود‬
‫ضت‬
‫تق ّ‬
‫أعيد من ال ّ‬
‫شقاء لهم‬
‫كأهل الّنار إذ فنيت‬
‫جلود‬
‫د‬
‫جلـو ٌ‬
‫سكينة بنت الحسين وعروة بن أذينة‬
‫ي بن أبي طالب‬
‫وركبت سكينة بنت الحسين بن عل ّ‬
‫رضي الله عنهم مع جواريها‪ ،‬فمّرت بعروة بن أذينة‬
‫الليثي‪ ،‬وهو في فناء قصر ابن عتبة‪ ،‬فقالت لجواريها‪:‬‬
‫من ال ّ‬
‫شيخ? فقلن لها ‪ :‬عروة‪ .‬فعدلت إليه فقالت له‪:‬‬
‫يا أبا عامر‪ ،‬تزعم أّنك لم تعشق قط وأنت تقول?‪:‬‬
‫قالت‪ :‬وأبثثتها وجدي قد كنت عندي تحت‬
‫ستر فاستتـر‬
‫فبـحـت بـه؛‬
‫ال ّ‬
‫غ ّ‬
‫طي هواك وما‬
‫ألست تبصر من‬
‫ألقى على بصري‪.‬‬
‫حولي? فقلت لهـا‪:‬‬
‫ك ّ‬
‫ر إن كان خرج الكلم‬
‫ل ما ترى حوال ّ‬
‫ر أحرا ٍ‬
‫ي من جوا ٍ‬
‫م‪.‬‬
‫من قل ٍ‬
‫ب سلي ٍ‬
‫دعاوي الباطلة‬
‫أهل ال ّ‬
‫دعاوي الباطلة‪ ،‬التي ليست أجسامهم‬
‫ما أهل ال ّ‬
‫وأ ّ‬
‫بناحلة‪ ،‬ول ألوانه بحائلة‪ ،‬ول عقوله بذاهبة‪ ،‬فهم عند‬
‫ذوي الفراسة‪ ،‬يكذبون‪ ،‬وعند ذوي ال ّ‬
‫ظرف محرومون‪.‬‬
‫فمن ذلك ما روى العّباس بن الحنف‪ ،‬قال‪ :‬بينما أنا‬
‫ما أبصرنني‪ ،‬قلن هذا‬
‫ب‪ ،‬فل ّ‬
‫ر أترا ٍ‬
‫أطوف‪ ،‬إذ بثلث جوا ٍ‬
‫ن‪ ،‬فقالت‪ :‬يا عّباس أنت‬
‫ي إحداه ّ‬
‫العّباس‪ .‬ودنت إل ّ‬
‫القائل?‪:‬‬
‫ة من‬
‫ي بلي ّ ٌ‬
‫ماذا لقيت من الهوى طلعت عل ّ‬
‫بابـه‬
‫وعذابه‬
‫قلت‪ :‬نعم‪ .‬قالت‪ :‬كذبت يا ابن الفاعلة‪ ،‬لو كنت كذلك‬
‫م كشفت عن أضاجع معراة من اللحم‪،‬‬
‫كنت أنا‪ .‬ث ّ‬
‫فأنشأت تقول‪:‬‬
‫فما لي أرى العضاء‬
‫ب‪،‬‬
‫ما شكوت الح ّ‬
‫ول ّ‬
‫منك كواسيا!‬
‫قالت‪ :‬كذبتنـي‪،‬‬
‫وتخرس حّتى ل‬
‫ب حّتى يلزق‬
‫فل ح ّ‬
‫تجيب المـنـاديا‪.‬‬
‫الجلد بالحـشـا‬
‫ب قلبي وما درى بدني‬
‫أح ّ‬

‫‪36‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومن ذلك‪ ،‬ما روي عن إبراهيم بن المهدي قال‪ :‬دخل‬
‫ي المأمون فقال‪ :‬بالله يا عم‪ ،‬هل عشقت قط?‬
‫عل ّ‬
‫ق‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬نعم‪ .‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬وأنا ال ّ‬
‫ساعة عاش ٌ‬
‫قال‪ :‬وأنت على هذه الجّثة والجسم الكبير عاشق?‬
‫فأنشأ يقول‪:‬‬
‫وجه الذي يعشق‬
‫لّنه أصفـٌر مـنـخـول‬
‫معروف‬
‫إلى أن قال‪:‬‬
‫ة كأّنه لل ّ‬
‫ذبح‬
‫جث ّ ٍ‬
‫ليس كمن تـلـقـاه ذا‬
‫معلوف‬
‫فأجابه إبراهيم‪:‬‬
‫كنت محب ّا ً لذبت مـذ‬
‫ل لست‬
‫وقائ ٍ‬
‫زمـن‬
‫ب ولـو‬
‫بالمحـ ّ‬
‫ب قلبي‪ ،‬وما درى ولو درى‪ ،‬ما أقام‬
‫أح ّ‬
‫سمن‬
‫بدنـي‪،‬‬
‫في ال ّ‬
‫دعيا المحّبة ففضحهما شاهد الّنظر ولم‬
‫وهذان قد ا ّ‬
‫دعاؤهما على ذوي المعرفة والّنظر‪ .‬وقول‬
‫يجز إ ّ‬
‫ب قلبي وما درى بدني من كثرة المحال أن‬
‫إبراهيم أح ّ‬
‫ل‪،‬‬
‫يتعّلق القلب لسب ٍ‬
‫ب فيسلم الجسم منه على حا ٍ‬
‫دعائه اعتذر‪ ،‬فقبح في اعتذاره‪.‬‬
‫ولكّنه لستحيائه من ا ّ‬
‫وأنشدني بعض المشايخ‪:‬‬
‫سقيما ّ وأجسام‬
‫ة‪ :‬ما بال‬
‫وقائل ٍ‬
‫المحّبين تـسـقـم?‬
‫جـسـمـك ل يرى‬
‫لجسمي‪ ،‬فجسمي‬
‫فقلت لها‪ :‬قلبي‬
‫بالهوى ليس يعلم!‬
‫بحـّبـك لـم يبـح‬
‫سمن‬
‫والعرب تمدح أهل الّنحول‪ ،‬وتذ ّ‬
‫م أهل ال ّ‬
‫والجسوم‪ ،‬وتنفيهم عن الدب‪ ،‬و تنسب أهل الّنحول‬
‫سمن إلى الغباوة‬
‫إلى المعرفة وحسن البيان‪ ،‬وأهل ال ّ‬
‫وبعد الذهان‪.‬‬
‫البطنة تذهب الفطنة‬
‫زعموا أن من غلب عليه البلغم غلظ جسمه‪ ،‬وكبر‬
‫ل فهمه‪ ،‬وطال نسيانه‪ ،‬وتع ّ‬
‫شحمه‪ ،‬وزاد لحمه‪ ،‬وق ّ‬
‫قد‬
‫لسانه‪ ،‬لغلبة البلغم على قلبه والّرطوبة على لّبه‪ .‬ومن‬
‫ف جسمه‪ ،‬وق ّ‬
‫ح‬
‫كان أغلب مزاجه المرة ج ّ‬
‫ل لحمه‪ ،‬وص ّ‬

‫‪37‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ذهنه‪ ،‬ودقّ فهمه‪ .‬وأّنه يستد ّ‬
‫ل بها على أحسن أدب‬
‫حة أذهان ذوي الداب‪ .‬ل تكاد تخطي‬
‫ذوي اللباب‪ ،‬وص ّ‬
‫دللة لما أخبرتك من غلبة‬
‫به الفراسة‪ ،‬ول تكذب فيه ال ّ‬
‫أحد المزاجين على صاحبه واستقراره في مركبه‪.‬‬
‫سمن‪ ،‬وخاب الهزال‪ .‬ول يكون ذلك إل‬
‫ورّبما أنجب ال ّ‬
‫في الفرد الّنادر من الّرجال ومن أمثلة العرب في‬
‫ذلك‪" :‬البطنة تذهب الفطنة‪".‬‬
‫المغّنية محبوبة والمتو ّ‬
‫كل‬
‫ما أفضت الخلفة إلى جعفر‬
‫ي بن ال ّ‬
‫جهم‪ :‬ل ّ‬
‫قال عل ّ‬
‫المتو ّ‬
‫كل على الله‪ ،‬أهدي إليه ابن طاهر من خراسان‬
‫ة يقال لها محبوبة‬
‫ن جاري ٌ‬
‫ة جليل ً‬
‫هدي ّ ً‬
‫ر‪ ،‬منه ّ‬
‫ة فيها جوا ٍ‬
‫كانت قد نشأت بال ّ‬
‫ى قد عنى بها‪،‬‬
‫طائف‪ ،‬وكان لها مول ً‬
‫فبرعت في فنون الدب‪ ،‬وأجادت ال ّ‬
‫ة‬
‫شعر‪ .‬وكانت راوي ً‬
‫ة‪ ،‬مجيدةً للغناء‪ .‬فقربت من قلب المتو ّ‬
‫كل‪.‬‬
‫ظريف ً‬
‫ي يومًا‪ ،‬وقال لي‪ :‬يا علي‪،‬‬
‫وغلبت عليه‪ .‬قال‪ :‬فخرج عل ّ‬
‫دها‬
‫ساعة على قينة وقد كتبت بالمسك على خ ّ‬
‫دخلت ال ّ‬
‫ساعة‬
‫جعفرًا‪ ،‬فما رأيت أحسن منه‪ ،‬فافعل فيه ال ّ‬
‫ي‪ ،‬حّتى‬
‫شعرًا‪ .‬فأخذت ال ّ‬
‫دواة والقرطاس‪ ،‬فانقفل عل ّ‬
‫كأّني ما عملت بيتا ً قط فقلت‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬لو‬
‫أذنت لمحبوبة أن تقول شيئا ً عسى أن ينفتح لي‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وأخذت العود فجسته‪،‬‬
‫فأمرها‪ ،‬فقالت مسرع ً‬
‫وصاغت لحنًا‪ ،‬واندفعت وغّنت‪:‬‬
‫بنفسي خ ّ‬
‫ط المسك‪،‬‬
‫ة بالمسك في‬
‫وكاتب ٍ‬
‫من حيث أثـّرا‬
‫الخدّ جعـفـرًا‪،‬‬
‫لئن أودعت سطرا ً‬
‫لقد أودعت قلبي من‬
‫ال ّ‬
‫شوق أسطرا‪.‬‬
‫دها‪،‬‬
‫من المسك خ ّ‬
‫مطيعا ً له فيمـا أسـّر‬
‫ك‬
‫فاعجب لمملو ٍ‬
‫يظـ ّ‬
‫وأجـهـرا‬
‫ل مـلـيكـه‬
‫ي‪ :‬وغضب عليها مّرة‪ ،‬وكان ل يصبر عنها‪،‬‬
‫قال عل ّ‬
‫ن‪ .‬فكانت‬
‫فأمر جواري القصر أن ل تكّلمها واحدةً منه ّ‬
‫غص عيشه لفراقها‪ ،‬فبكرت‬
‫في حجرتها أّيامًا‪ ،‬وقد تن ّ‬
‫عليه يومًا‪ ،‬فقال‪ :‬يا علي‪ .‬قلت لّبيك يا أمير المؤمنين‪.‬‬
‫قال‪ :‬رأيت الليلة في منامي كأّني رضيت عن محبوبة‬
‫فصالحتها وصالحتني‪ .‬فقلت‪ :‬خيرا ً يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫سخط‬
‫أقّر الله عينك وسّرك‪ .‬إّنما هي عبيدتك‪ ،‬وال ّ‬

‫‪38‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة‪،‬‬
‫والّرضا بيدك‪ ،‬فوالله‪ ،‬إّنا لفي حديثنا إذ جاءت وصيف ً‬
‫فقالت‪ :‬يا أمير المؤمنين سمعت صوت عوٍد من غرفة‬
‫ي ننظر ما تصنع‪ ،‬فنهضنا‬
‫محبوبة‪ .‬قال‪ :‬فقم بنا يا عل ّ‬
‫حّتى أتينا حجرتها‪ ،‬فإذا هي تضرب العود وتغّني‪:‬‬
‫أشكو إلـيه‪ ،‬ول‬
‫أدور في القصر‪ ،‬ل‬
‫أرى أحـدا ً‬
‫يكـّلـمـنـي‬
‫ة‬
‫كأّنني قـد أتـيت‬
‫ليست لها توب ٌ‬
‫تخـّلـصـنـي‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫مـعـصـي ً‬
‫قد زارني في الكرى‬
‫ع لنـا‪،‬‬
‫فهل شفي ٍ‬
‫فصالحني‪،‬‬
‫ك‪،‬‬
‫إلـى مـلـ ٍ‬
‫عاد إلى هجره‬
‫صباح‬
‫حّتى إذا ما ال ّ‬
‫فصـادمـنـي‪.‬‬
‫لح لـنـا‪،‬‬
‫قال‪ :‬فصاح أمير المؤمنين‪ ،‬وصحت معه‪ .‬فتلقته وأ ّ‬
‫كبت‬
‫على رجله تقّبلها‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا? فقلت‪ :‬يا مولي‬
‫رأيت في ليلتي هذه كأّنك صالحتني‪ ،‬فتعّللت بما‬
‫سمعت‪ .‬قال‪ :‬فأنا والله قد رأيت مثل ذلك‪ .‬وقال‪ :‬يا‬
‫ي أرأيت أعجب من هذا وكيف اّتفق ورجعنا إلى‬
‫عل ّ‬
‫الموضع الذي كّنا فيه‪ .‬واصطلح‪ .‬وما زالت تغّنيه هذه‬
‫البيات يومنا ذلك‪ .‬وازدادت حظوتها عنده حّتى كان‬
‫من أمره ما كان‪ .‬فتفّرقت جواريه‪ ،‬فصارت محبوبة‬
‫ة‪ ،‬فدعاها‬
‫ة حزين ً‬
‫إلى الوصيف الكبير‪ ،‬فما زالت باكي ً‬
‫يوما ً مع من صار إليه من جواري المتو ّ‬
‫ن‬
‫كل فأمره ّ‬
‫م أمرها فاستعفته فأبى‪ ،‬فقلن لها‪ :‬لو كان‬
‫فغّنين‪ .‬ث ّ‬
‫ح لطال حزننا معك‪ .‬وجيء بعوٍد فغّنت به‪:‬‬
‫في حزننا فر ٌ‬
‫ل أرى فيه جعفرا‬
‫ش يلـذّ لـي‬
‫أ ّ‬
‫ي عي ٍ‬
‫ل من كان ذا ضنا ً‬
‫ك ّ‬
‫وسقام ٍ فقـد بـرا‬
‫ترى الموت يشترى‬
‫غير محبوبة التـي‬
‫من أحاديث بني عذرة‬
‫ومن ذلك ما حكى جمي ٌ‬
‫ل بن معمر العذري‪ :‬أّنه دخل‬
‫دثني‬
‫على عبد الملك بن مروان‪ ،‬فقال له‪ :‬يا جميل ح ّ‬
‫ب‬
‫ببعض أحاديث بني عذرة‪ .‬فإّنه بلغني إّنهم أصحاب أد ٍ‬
‫ن آل بثينة‬
‫ل‪ .‬قال‪ :‬نعم يا أمير المؤمنين‪ ،‬أعلمك أ ّ‬
‫وغز ٍ‬
‫انتجعوا عن حّيهم‪ ،‬فوجدوا الّنجعة بموضع نازح‬
‫فظعنوا‪ ،‬فخرجت أريدهم‪ ،‬فبينما أنا أسير إذ غلطت‬

‫‪39‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ال ّ‬
‫طريق وأجّنني الليل فلحت لي ناٌر‪ ،‬فقصدها حّتى‬
‫ف‬
‫ع في أصل جبل قد انحنى عنه إلى كه ٍ‬
‫وردت على را ٍ‬
‫سلم‪ ،‬وقال‪ :‬أظّنك قد‬
‫ي ال ّ‬
‫فيه‪ ،‬فسّلمت‪ ،‬فردّ عل ّ‬
‫غلطت ال ّ‬
‫طريق? فقلت‪ :‬أجل‪ .‬فقال‪ :‬انزل وبت الليلة‬
‫فإذا أصبحت وقفت على القصد فنزلت فرحب بي‬
‫جج ناره‪ ،‬وجعل يشوي ويلقي‬
‫وأكرمني وذبح شاة‪ ،‬وأ ّ‬
‫ر كان‬
‫بين يدي‪ ،‬ويح ّ‬
‫دثني في خلل ذلك‪ .‬ث ّ‬
‫م قام بإزا ٍ‬
‫هد لي محّل ً خاليا ً فنمت‪.‬‬
‫معه فوضع به جانب الخبا وم ّ‬
‫ص كان معه‪،‬‬
‫فل ّ‬
‫ما كان في الليل سمعته يبكي إلى شخ ٍ‬
‫ما أصبحت طلبت الذن فأبى‪،‬‬
‫فأرقت له ليلتي‪ .‬فل ّ‬
‫ضيافة ثلث‪ .‬فجلست وسألته عن اسمه‬
‫وقال‪ :‬ال ّ‬
‫ونسبه وحاله‪ ،‬فانتسب فإذا هو من بني عذرة‪ ،‬من‬
‫أشرفهم‪ .‬فقلت‪ :‬وما الذي جاء بك إلى هذا? فأخبرني‬
‫م له‪ ،‬وأّنه خطبها من أبيها فأبى‬
‫أّنه كان يهوى ابنة ع ّ‬
‫وجها رج ٌ‬
‫ل من‬
‫وجها إّياها لقّلة ذات يده‪ ،‬وأّنه تز ّ‬
‫أن يز ّ‬
‫بني كلب وخرج بها عن الحي‪ ،‬وأسكنها في موضعه‪.‬‬
‫مه‬
‫وأّنه رضي أن يكون لزوجها راعيا ً حّتى تأتيه ابنة ع ّ‬
‫فيراها‪ .‬وأقبل يشكو قديم عشقه لها‪ ،‬وصبابته بها‬
‫حّتى أتى المساء‪ ،‬وحان وقت مجيئها‪ .‬فجعل يتقلقل‬
‫م وثب قائما ً على قدميه‪ ،‬وأنشأ يقول‪:‬‬
‫ويقوم ويقعد‪ ،‬ث ّ‬
‫ب أو‬
‫ما بال مّية ل تأتي‬
‫أعاجها طر ٌ‬
‫دها شغـل‬
‫كـعـادتـهـا‬
‫ص ّ‬
‫حّتى الممات وما لي‬
‫ن قلبي عنكم‬
‫لك ّ‬
‫غيركم أمل‬
‫ليس يشـغـلـه‬
‫لما اعتذرت‪ ،‬ول‬
‫لو تعلمين الذي بي‬
‫طابت لك العلل‬
‫من فراقـكـم‬
‫تكاد من حّره‬
‫نفسي فداؤك‪ ،‬قد‬
‫أحللت بي سقما ً‬
‫العضاء تنفصـل‬
‫لزال وانهدّ من‬
‫ن ما بي من‬
‫لو أ ّ‬
‫أركانه الجـبـل‬
‫ل‬
‫سقم ٍ على جبـ ٍ‬
‫م قال لي‪ :‬اجلس‪ ،‬يا أخا بني عذرة‪ ،‬حّتى أكشف خبر‬
‫ث ّ‬
‫م مضى فغاب عن بصري‪ ،‬فلم ألبث أن‬
‫مي‪ .‬ث ّ‬
‫ابنة ع ّ‬
‫أقبل وعلى يديه محمول‪ ،‬وقد عل شهيقه ونحيبه‪،‬‬
‫مي أرادت زيارتي فاعترضها‬
‫فقال‪ :‬يا أخي هذه ابنة ع ّ‬
‫ي‪ ،‬وقال‪ :‬على رسلك‪،‬‬
‫م وضعها بين يد ّ‬
‫السد فأكلها‪ .‬ث ّ‬

‫‪40‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حّتى أعود إليك‪ .‬فغاب عن نظري فأبطأ‪ ،‬حّتى آيست‬
‫من رجوعه‪ ،‬فلم ألبث أن أقبل ورأس السد على يديه‬
‫ي‬
‫فوضعه ث ّ‬
‫م‪ ،‬قال‪ :‬يا أخي إّنك ستراني مّيتا ً فاعمد إل ّ‬
‫د‪ ،‬وأدفّنا في‬
‫ن واح ٍ‬
‫وإلى ابنة ع ّ‬
‫مي فأدرجنا في كف ٍ‬
‫د‪ ،‬واكتب على قبرنا هذين البيتين‪:‬‬
‫ر واح ٍ‬
‫قب ٍٍ‬
‫وال ّ‬
‫شمل يجمعنا‬
‫كّنا على ظهرها‬
‫دار والوطـن‬
‫ل‬
‫وال ّ‬
‫والعيش في مه ٍ‬
‫فصار يجمعنا في‬
‫دهر‬
‫ففّرق ال ّ‬
‫بطنها الكفـن‬
‫بالّتصريف إلفتـنـا‬
‫صتها‪.‬‬
‫وردّ الغنم إلى صاحبها‪ ،‬وأعلمه بق ّ‬
‫ق وطرحه في عنقه‪ ،‬فناشدته الله ل‬
‫ث ّ‬
‫م عمد إلى خنا ٍ‬
‫ما أصبحت‬
‫تفعل‪ ،‬فأبى وخنق نفسه حّتى مات‪ .‬فل ّ‬
‫ك ّ‬
‫فنتهما ودفنتهما وكتبت ال ّ‬
‫شعر كما أمر‪ ،‬ورددت الغنم‬
‫صتهما‪ ،‬فحزن حزنا ً خفت عليه‬
‫إلى صاحبها وأعلمته بق ّ‬
‫الهلك أسفا ً على ما فّرط من عدم اجتماعهما‪.‬‬
‫طعم العشق‬
‫مد بن جعفر بن الّزبير‪ ،‬قال‪ :‬كّنا عند‬
‫وقد روي عن مح ّ‬
‫عروة بن الّزبير وعنده رج ٌ‬
‫ل من بني عذرة‪ .‬فقال له‪:‬‬
‫ن فيكم ر ّ‬
‫ة وغزل ً فأخبرني ببعض‬
‫ق ً‬
‫يا عذري بلغني أ ّ‬
‫ي ثلثين مريضا ً ما بهم‬
‫ذلك? فقال‪ :‬لقد خلف في الح ّ‬
‫ن فيه من المرارة‬
‫داءٌ إل ّ الحب قد خامر قلوبهم وأ ّ‬
‫ن‬
‫والّنكد والكمد ما هو مستعذ ٌ‬
‫ب عند أربابه‪ ،‬مستحس ٌ‬
‫ة‪.‬‬
‫ة‪ ،‬ومّر ل تعدّ له مرار ٌ‬
‫و ل تعدّ له حلو ٌ‬
‫عند أصحابه‪ ،‬حل ٌ‬
‫قال الكميت بن زيد في ذلك‪:‬‬
‫سائ ٌ‬
‫ل بذلك من‬
‫ة‬
‫ب فيه حلو ٌ‬
‫الح ّ‬
‫عم أو ذق‬
‫ة‬
‫ومـرار ٌ‬
‫تط ّ‬
‫فيما مضى أحدٌ إذا‬
‫ة‬
‫ما ذاق بؤس معيش ٍ‬
‫لم يعشق‬
‫ونعيمها‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫إّني بأحوال الهوى‬
‫يا أّيها الّرجل‬
‫المع ّ‬
‫لعـلـيم‬
‫ذب بالهوى‬
‫فيطير منه فـؤاده‬
‫ب صاحبه يبيت‬
‫الح ّ‬
‫هـدا ً‬
‫ويهـيم‬
‫مس ّ‬
‫منه بين الجوانح‬
‫والح ّ‬
‫ب داءٌ قد تض ّ‬
‫ضلوع مقيم‬
‫الحشا‬
‫وال ّ‬

‫‪41‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن البكاء على‬
‫إ ّ‬
‫الحبيب يدوم‬
‫ة‬
‫ب فيه شقاو ٌ‬
‫والح ّ‬
‫ونـعـيم‬
‫ب أصغر ما‬
‫والح ّ‬
‫يكون عظيم‬

‫ب ل يخفى وإن‬
‫والح ّ‬
‫أخفيته‬
‫ة‬
‫ب فيه حـلو ٌ‬
‫والح ّ‬
‫ة‬
‫ومـرار ٌ‬
‫ب أهون ما‬
‫والح ّ‬
‫ح‬
‫يكون مبّر ٌ‬
‫وأنشدني أحمد بن يحيى‪:‬‬
‫ب لول‬
‫ب يا‬
‫ما أطيب الح ّ‬
‫سلني عن الح ّ‬
‫أّنه نـكـد‬
‫من ليس يعلمه‬
‫في حلق ذائقه مّر‬
‫و ومّر‬
‫طعمان حل ٌ‬
‫ول شـهـد‬
‫ليس يعـدلـه‬
‫وأنشد أبو الطّّيب‪:‬‬
‫ب إن‬
‫ب يا‬
‫عندي من الح ّ‬
‫سلني عن الح ّ‬
‫ساءلتني خبر‬
‫من ليس يعلمه‬
‫إّني امر ٌ‬
‫لقيت فيه الذي لم‬
‫ؤ بالهوى ما‬
‫زلت مشتهرا ً‬
‫يلقه بـشـر‬
‫ن آخره الّتنغـيص‬
‫ب‬
‫ولـه عـذ ٌ‬
‫الح ّ‬
‫لك ّ‬
‫بأ ّ‬
‫والـكـدر‬
‫مـذاقـتـه‬
‫وعا ً‬
‫عروة بن حزام يموت مل ّ‬
‫وذكر ابن عتيق‪ ،‬قال‪ :‬بينما أنا أسير في أرض بني‬
‫ز تعّلل‬
‫ت جدي ٍ‬
‫عذرة‪ ،‬إذ أنا ببي ٍ‬
‫د‪ ،‬فدنوت منه‪ ،‬فإذا بعجو ٍ‬
‫شاب ّا ً قد نهكته العّلة‪ ،‬وبانت عليه الذّّلة‪ .‬فسألتها عن‬
‫خبره‪ ،‬فقالت‪ :‬هذا عروة بن حزام‪ .‬فدنوت منه‪،‬‬
‫فسمعته يقول‪:‬‬
‫فاليوم‪ ،‬أّني أراني‬
‫من كان من إخواننا‬
‫اليوم مقبوضا‬
‫د‬
‫باكيا ً لـغـ ٍ‬
‫فقلت‪ :‬أنت عروة بن حزام? قال‪ :‬نعم‪ ،‬الذي أقول‪:‬‬
‫د إن هما‬
‫جعلت لعّراف اليمامة وعّراف نج ٍ‬
‫شـفـيانـي‬
‫حـكـمـه‬
‫واد‬
‫فقال‪ :‬نعم‪ ،‬تشفى‬
‫وقاما مع العـ ّ‬
‫يبـتـدرانـي‪.‬‬
‫داء كـّلـه‪.‬‬
‫من ال ّ‬
‫ة إل ّ وقـد‬
‫ة‬
‫ول شرب ٍ‬
‫فما تركا من سلو ٍ‬
‫سـقـيانـي‪.‬‬
‫يعلـمـانـهـا‪،‬‬
‫بما حملت منك‬
‫فقال‪ :‬شفاك الله‪،‬‬
‫ضـلـوع‪ ،‬يدان‬
‫واللـه مـالـنـا‪،‬‬
‫ال ّ‬

‫‪42‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫على الّنحر والحشاء‬
‫فويلي على عفـراء‬
‫حدّ سنـان‪،‬‬
‫ويل ً كـأّنـه‬
‫فعفراء أصفى الّناس وعفراء عندي‬
‫المعرض المتواني‪.‬‬
‫ة‬
‫عندي مـودّ ً‬
‫حيت عنه‪ ،‬ودنت‬
‫م شهق شهق ً‬
‫ة تو ّ‬
‫همت أّنها غشية فتن ّ‬
‫ث ّ‬
‫العجوز فوجدته قد قضى نحبه‪ .‬فما برحنا حّتى دفّناه‪.‬‬
‫ل ذنب على أهل الهوى‬
‫وبلغ العشق أيضا ً مجنون عامر إلى ما ذكرناه في‬
‫ة تطوف وهي‬
‫موضعه‪ .‬قال بعضهم‪ :‬سمعت أعرابي ّ ً‬
‫سماء‪،‬‬
‫م مالك يوم القضا‪ ،‬وخالق الرض وال ّ‬
‫تقول الله ّ‬
‫ارحم أهل الهوى‪ ،‬وأنقذهم من عظيم البل‪ ،‬فإّنك‬
‫م أنشأت تقول‪:‬‬
‫تسمع الّنجوى‪ ،‬قري ٌ‬
‫ب لمن دعا‪ .‬ث ّ‬
‫ة منك‬
‫ن‬
‫دارك بعافي ٍ‬
‫يا ر ّ‬
‫ب إّنك ذو مـ ّ‬
‫المحـّبـينـا‬
‫ة‬
‫وذو سـع ٍ‬
‫ال ّ‬
‫حّتى نراهم على‬
‫ذاكرين الهوى من‬
‫اليدي مكّبينـا‬
‫بعد ما رقدوا‬
‫فقلت لها‪ :‬يا هذه أيقال هذا في ال ّ‬
‫طواف? فقالت‪:‬‬
‫ب? فقالت‪:‬‬
‫ب‪ .‬فقلت‪ :‬وما الح ّ‬
‫إليك عّني‪ ،‬ل يرهقك الح ّ‬
‫ج ّ‬
‫ن ككمون‬
‫ل أن يخفى‪ ،‬ودقّ على أن يرى‪ :‬له كمو ٌ‬
‫الّنار في الحجر‪ ،‬إن قدحته أروى‪ ،‬وإن تركته توارى‪.‬‬
‫د جاء‬
‫ما كان من غ ٍ‬
‫قال‪ :‬فتبعتها حّتى عرفت منزلها‪ ،‬فل ّ‬
‫ب لها‪،‬‬
‫مطٌر شديدٌ فمررت ببابها وهي قاعدةٌ مع أترا ٍ‬
‫ن يقلن لها‪ :‬أضّر بنا المطر‪ ،‬ولول ذاك لخرجنا إلى‬
‫وه ّ‬
‫ال ّ‬
‫طواف فأنشأت تقول‪:‬‬
‫ما رأزها بعبرتي‬
‫قالوا أضّر بنا‬
‫ل ّ‬
‫تحكـي‪،‬‬
‫سحاب بقطره‬
‫ال ّ‬
‫سماء لرحمتي‬
‫ما ترون‪ ،‬تلك ال ّ‬
‫ل تعجبوا م ّ‬
‫تبكـي‪.‬‬
‫فإّنمـا‬
‫م أّنه ل ذنب على أهل الهوى‪ ،‬ول وزر‬
‫وقد زعم قو ٌ‬
‫ن خطاياهم تنمحي عنهم لطول‬
‫على ذوي ال ّ‬
‫ضنا‪ .‬إ ّ‬
‫بلئهم‪ ،‬وكثرة شقائهم‪،‬ولما يلقون من القلق‪،‬‬
‫ويعانون من الرق‪.‬‬
‫لو أدرك عمر عفراء وعروة لجمعهما‬

‫‪43‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ي قال عمر بن‬
‫أبو الحسن الميداني عن الصمع ّ‬
‫الخ ّ‬
‫طاب رضي الله عنه‪ :‬لو أدركت عفراء وعروة‪،‬‬
‫لجمعت بينهما‪.‬‬
‫ي المحتال‬
‫العرج ّ‬
‫ي وهو عبد الله بن‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬كان العرج ّ‬
‫عمرو بن عثمان بن ع ّ‬
‫م‬
‫فان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬يعشق أ ّ‬
‫الوقص المخزومي القاضي‪ ،‬وهي امرأةٌ من بني‬
‫تميم‪ ،‬فكان يتعّرض لها‪ ،‬فإذا رأته رمت بنفسها‬
‫ن‬
‫وتسّترت منه‪ .‬فمّر بها يوما ً وهي في بعض نسو ٍ‬
‫ة وه ّ‬
‫ب‪ ،‬فعدل عنها‬
‫دثن‪ ،‬فعرفها فأح ّ‬
‫يتح ّ‬
‫ب أن يراها عن قر ٍ‬
‫ب‪ ،‬فدفع داّبته وثيابه‬
‫ن رط ٌ‬
‫ولقي أعرابّيا راكبا ً معه لب ٌ‬
‫م أقبل على الّنسوة‪.‬‬
‫وأخذ قعوده ولبنه‪ ،‬ولبس ثيابه‪ ،‬ث ّ‬
‫ن‪،‬‬
‫ي‪ :‬عندك لبن? قال‪ :‬نعم ومال إليه ّ‬
‫فصحن يا أعراب ّ‬
‫مل الّتميمّية وينظر أحيانا ً إلى الرض كأّنه‬
‫وجلس يتأ ّ‬
‫ة‬
‫ن يشربن من اللبن‪ ،‬فقالت له امرأ ٌ‬
‫يطلب شيئًا‪ .‬وه ّ‬
‫ي أضاع منك في‬
‫ي شي ٍ‬
‫منه ّ‬
‫ن‪ :‬أ ّ‬
‫ء تطلب يا أعراب ّ‬
‫ما سمعت الّتميمّية كلمه‬
‫الرض? قال‪ :‬نعم قلبي‪ :‬فل ّ‬
‫نظرت إليه‪ ،‬وكان أزرق‪ ،‬فعرفته‪ ،‬وقالت‪ :‬ابن عمر‪،‬‬
‫ب الكعبة‪ .‬ووثبت فسترها نساؤها‪ ،‬وقلن له انصرف‬
‫ور ّ‬
‫عّنا‪ ،‬ل حاجة لنا إلى لبنك‪ .‬فمضى منصرفًا‪.‬‬
‫أهل العشق صحيح مساكين‬
‫ة تقول‪ :‬مسكين العاشق‪،‬‬
‫ي‪ :‬سمعت أعرابي ّ ً‬
‫قال العتب ّ‬
‫ك ّ‬
‫وه‪ :‬هبوب الّريح تقلقه‪ ،‬ولمعان البرق‬
‫ل شي ٍ‬
‫ء عد ّ‬
‫ديار تحرقه‪ ،‬والعذل يؤلمه‪ ،‬والّتذكير‬
‫يؤرقه‪ ،‬ورسوم ال ّ‬
‫يسقمه‪ .‬إذا دنا الليل منه هرب الّنوم عنه‪ ،‬ولقد‬
‫تداويت بالقرب والبعد فما أنجح فيه دواء‪ .‬ولقد أحسن‬
‫الذي يقول‪:‬‬
‫بك ّ‬
‫دار‬
‫ل تداوينا فلم‬
‫على أ ّ‬
‫ن قلب ال ّ‬
‫خيٌر من البعد‬
‫يشف مـا بـنـا‬
‫داؤهما دواؤهما‬
‫وعًا‪ ،‬فماذا‬
‫ي‪ :‬إ ّ‬
‫ن لي عينا ً دموعًا‪ ،‬وقلبا ً مر ّ‬
‫وقال أعراب ّ‬
‫يصنع ك ّ‬
‫ن داؤهما دواؤهما‪،‬‬
‫ل واح ٍ‬
‫د منهما بصاحبه مع أ ّ‬
‫وسقمهما شفاؤهما‪.‬‬
‫البعيدة القريبة‬

‫‪44‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة فقال‪ :‬ما ازدادت مّني بعدا ً‬
‫ي وجده بامرأ ٍ‬
‫وذكر أعراب ّ‬
‫إل ّ ازددت بها قربًا‪.‬‬
‫ساعة شهٌر‬
‫بعدها دهٌر وال ّ‬
‫ي امرأةً كان يواصلها في شبابه‪ ،‬فقال‪ :‬ما‬
‫وذكر أعراب ّ‬
‫م طالت‬
‫كانت أّيامي معها إل ّ كأباهيم القطا قصرا‪ ،‬ث ّ‬
‫بعدها شوقا ً إليها‪ ،‬وأسفا ً عليها‪ ،‬فاليوم بعدها دهر‪،‬‬
‫ساعة شهر‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫رعت لعيسى الودّ‬
‫قال أبو بكر بن دريد‪ :‬كانت امرأةٌ من لخم ٍ يقال لها‬
‫ما خشي‬
‫م لها‪ ،‬يقال له عيسى‪ .‬فل ّ‬
‫سعدى تهوى ابن ع ّ‬
‫ر قطعنا‬
‫أهلها الفضيحة قالوا لها‪ :‬إن نطقت فيه بشع ٍ‬
‫لسانك‪ .‬فعندها قالت‪:‬‬
‫بلدا ً هوى نفسي بها‬
‫ي إن أصعدتما‬
‫خليل ّ‬
‫فأذكـرانـيا‬
‫أو هبطتـمـا‬
‫ول تدعـا إن لمـنـي على سخط الواشين‬
‫أن تعذرانـيا‬
‫م‬
‫م لئ ٌ‬
‫ثـ ّ‬
‫أحاديث عن عيسى‬
‫ف جسمي‬
‫فقد ش ّ‬
‫تشيب الّنواصيا‬
‫بعد طول تجّلدي‬
‫د وإن قطعوا في ذاك‬
‫سأرعى لعيسى الو ّ‬
‫عمدا ً لسانيا‪.‬‬
‫صبا‬
‫ما هبت ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫طلق بين سعة الّثقبة وسرعة النزال‬
‫ي امرأته‪ :‬فقالت‪ :‬لم طّلقتني? فقال‪ :‬لّنك‬
‫طّلق أعراب ّ‬
‫واسعة الّثقبة‪ ،‬حديدة الّركبة خفيفة الوثبة‪ .‬فقالت له‪:‬‬
‫وأنت سريع الراقة‪ ،‬بطيء الفافة‪ ،‬ثقي ٌ‬
‫ل بين اليدين‪،‬‬
‫ف بين الّرجلين‪.‬‬
‫خفي ٌ‬
‫لبنى وقيس بن ذريح‬
‫ّ‬
‫ح امرأته لبنى فندم على ذلك‪،‬‬
‫وطلق قيس بن ذري ٍ‬
‫وقال‪:‬‬
‫فكان فراق لبنى‬
‫فواكبدي على‬
‫كالخداع‬
‫تسريح لبنى‬
‫فيا للّناس للواشي‬
‫تكّنفني الوشاة‬
‫المطاع‬
‫فأزعجوني‬
‫ر وليس‬
‫فأصبحت الغداة ألوم على أم ٍ‬
‫بمستطاع‬
‫نفسي‬
‫تبّين غبنه بعـد‬
‫ض علـى‬
‫ن يع ّ‬
‫كمغبو ٍ‬

‫‪45‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الـبـياع‬
‫يديه‬
‫جاج وابنة عبد الله بن جعفر‬
‫الح ّ‬
‫ما دخلت عليه‬
‫وج الح ّ‬
‫جاج ابنة عبد الله بن جعفر‪ ،‬فل ّ‬
‫وتز ّ‬
‫دها‪ ،‬فقال لها‪ :‬بأبي‬
‫نظر إليها وعبرتها تجود على خ ّ‬
‫ة‬
‫ف اّتضع‪ ،‬ومن ضع ٍ‬
‫م تبكين? فقالت‪ :‬من شر ٍ‬
‫مي‪ ،‬م ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ما كتب إليها عبد الملك بن مروان بطلقها‪،‬‬
‫شرفت‪ .‬فل ّ‬
‫ن أمير المؤمنين امرني بطلقك‪ .‬قالت‪ :‬هو‬
‫قال لها‪ :‬إ ّ‬
‫ما مات أبوها لم تبك‬
‫وجك إباي‪ .‬فل ّ‬
‫والله أبّر بي م ّ‬
‫من ز ّ‬
‫ن الحزن‬
‫عليه‪ ،‬فقيل لها في ذلك‪ ،‬فقالت‪ :‬والله أ ّ‬
‫ن الغيظ ليصمتني‪.‬‬
‫ليبعثني‪ ،‬وإ ّ‬
‫زينب بنت مّرة والمغيرة‬
‫وكانت زينب بنت مّرة عند ابن تميم لها يقال له‬
‫المغيرة فجرى بينهما عتاب فطّلقها ثلثا ً فقالت‪:‬‬
‫عرج أبّثك عن بعض‬
‫يا أّيها الّراكب‬
‫د‬
‫الغادي مطـّيتـه‬
‫الذي أج ّ‬
‫إل ّ وجدت به فوق‬
‫ما عالج الّناس من‬
‫الذي وجدوا‬
‫د ومن كمد‬
‫وج ٍ‬
‫ده آخـر الّيام‬
‫حسبي رضاه‪ ،‬وإّني‬
‫وو ّ‬
‫اجـتـهـد‪.‬‬
‫في مسّرته‬
‫الثم لها في الخرة‬
‫كانت عند رجل امرأةٌ يقال لها أم مالك وكان بها‬
‫مه أن يطّلقها‪ ،‬فذهب عقله‪،‬‬
‫معجبًا‪ .‬فأقسمت عليه أ ّ‬
‫ونحل جسمه‪ .‬فحضره الموت‪ ،‬فدخلت عليه أم مالك‬
‫مه‪ :‬يا عجوز ليهنك فقد ابنك‬
‫ما وّلت قال ل ّ‬
‫تعوده‪ ،‬فل ّ‬
‫م أنشأ أن يقول‪:‬‬
‫في ال ّ‬
‫دنيا‪ ،‬والثم لك في الخرة‪ .‬ث ّ‬
‫من الّنفر الغّر‬
‫ة في آل‬
‫لنا حاج ٌ‬
‫الوجوه قـبـيل‬
‫مروان دونهـا‬
‫أو اصبر على ما‬
‫ن كان‬
‫فمت كمدا ً إ ّ‬
‫خّليت فقليل‬
‫يومك قد أتى‬
‫ما خرجت عنه‪ ،‬فاضت نفسه‪ .‬وما وصلت إلى منزلها‬
‫فل ّ‬
‫حّتى سقطت مّيتة‪.‬‬
‫ولت ساعة مندم ٍ‬
‫ّ‬
‫ي امرأته وحمله‬
‫قال إبراهيم بن عقبة‪ :‬طلق أعراب ّ‬
‫على ذلك عقله فندم‪ .‬وأنشأ يقول‪:‬‬

‫‪46‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن بها‬
‫إذا ذكرت ليلى‬
‫كأن لم تكن عي ٌ‬
‫قبل قـّرت‬
‫ترقرق دمـعـه‬
‫دنت دون حلو العيش‬
‫ن ثلثا ً منك لو‬
‫وإ ّ‬
‫حّتى أمّرت‬
‫تعـلـمـينـه‬
‫وجها‬
‫راودها عن نفسها ث ّ‬
‫م تز ّ‬
‫ي‬
‫أبو العيناء‪ ،‬عن أبي حمزة الغ ّ‬
‫ساني قال‪ :‬نزل أعراب ّ‬
‫ة من بني تميم ضيفًا‪ ،‬فأتته‬
‫من بني أسد ببيت أعرابي ّ ٍ‬
‫ء بارٍد‪ .‬فجعل ينظر إليها من وراء‬
‫ر‪ ،‬وما ٍ‬
‫بقر ً‬
‫ى حاض ٍ‬
‫م راودها عن نفسها‪ ،‬فقالت له‪ :‬يا هذا أما‬
‫ال ّ‬
‫ستر‪ ،‬ث ّ‬
‫يقّرعك السلم والكرم? كل‪ ،‬وإن أردت غير ذلك‬
‫وجيني إذا ً نفسك‪ .‬فقالت له‪:‬‬
‫فارتحل‪ .‬فقال لها‪ :‬ز ّ‬
‫وجوه للعداوة بين‬
‫وجونك‪ .‬فخاف أن ل يز ّ‬
‫الولياء يز ّ‬
‫وجوه فأقام عندهم‬
‫الحّيين‪ ،‬فانتسب إلى بني عذرة فز ّ‬
‫م علموا أّنه أسدي فقالوا له‪ :‬والله إّنك لكفءٌ‬
‫زمانًا‪ .‬ث ّ‬
‫ب لنا‪ ،‬فحل‬
‫م‪ ،‬ولكن نكره أن تنكح فينا وأنت حر ٌ‬
‫كري ٌ‬
‫عن صاحبتنا‪ .‬وكان يحّبها حب ّا ً شديدا ً فطّلقها‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ونيل المنى وبلوغ‬
‫ب‬
‫أحّبك يا عم حـ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ظفـر‬
‫الـحـياة‬
‫حياء الكلم‪ ،‬وموت‬
‫ويعجبني منك عند‬
‫الّنظر‬
‫اّللقـاء‪،‬‬
‫ونائي الجبين‪ ،‬شديد كثيف الجوانب‪ ،‬مثل‬
‫القمر‪.‬‬
‫البياض‪،‬‬
‫يكاد يمّزق جلـد‬
‫ج كضرام‬
‫له وه ٌ‬
‫الـ ّ‬
‫ذكـر‬
‫الحـريق‪،‬‬
‫قال أبو ذكوان‪ :‬لم تقل العرب فيما يريده الّرجال من‬
‫الّنساء أحسن من هذا‪.‬‬
‫عرضوا عليه زواج البصرّية فأبى‬
‫مد بن المشيري الخارجي إلى البصرة‬
‫قال‪ :‬خرج مح ّ‬
‫ث له‪ ،‬وبها نفٌر من قومه‪ .‬فأقام بها‬
‫في طلب ميرا ٍ‬
‫ل‬
‫حول ً ينشدهم ويح ّ‬
‫دثهم‪ .‬وكانت امرأةٌ منهم ذات جما ٍ‬
‫ل ل يطمع فيها أحد‪ .‬فقالوا له‪ :‬يا أبا سلمان هل‬
‫وما ٍ‬
‫ة مّنا‪ ،‬سّيدةٌ في قومها جمال ً وعق ً‬
‫ل‪،‬‬
‫لك في امرأ ٍ‬
‫وعفافًا‪ ،‬ورأيًا‪ ،‬قد سمعت بمقدمك‪ ،‬فذكرت لها‪،‬‬
‫فزعمت أّنك طّلقت زوجتك التي خّلفتها في بلدك‬
‫فرغبت فيك‪ ،‬فإن أحببت أقمت عندنا فيما ترى من‬

‫‪47‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫طّيب بلدنا وربعنا‪ ،‬وعلينا صداقك‪ ،‬وما تحتاج إليه?‬
‫فأقبلوا به وأدبّروا واجتهدوا فأبى عليهم‪ ،‬وقال في‬
‫ذلك‪:‬‬
‫أسائ ٌ‬
‫ل بالعراق فراق ول تبدي ول يراها‬
‫الفراق‬
‫د‬
‫سعـ ٍ‬
‫ي أشدّ ما ربح‬
‫لئن ربح الفراق‬
‫عل ّ‬
‫الفـراق‬
‫لهجر سعدى‬
‫ق ل يح ّ‬
‫ل لها‬
‫إذا عدلوا أقول لهم‪ :‬خلئ ٌ‬
‫ال ّ‬
‫طـلق‬
‫لسعـدى‬
‫م أن يقول نسـاء تركتك أو تحدث بي‬
‫حرا ٌ‬
‫الفراق‬
‫قـوم ٍ‬
‫أهكذا تجازى الّنساء?!‬
‫ة تقول لزوجها‪ :‬يا مفلس‪ ،‬يا قرنان‪،‬‬
‫سمعت أعرابي ّ ٌ‬
‫ً‬
‫فقال لها‪ :‬إن كان ما ذكرت حقا فواحدةٌ من الله‪،‬‬
‫ق ثلثًا‪.‬‬
‫وأخرى منك‪ ،‬يا زانية‪ ،‬وأنت طال ٌ‬
‫حرها واسع‬
‫ّ‬
‫خاصمت امرأةٌ زوجها‪ ،‬فطلقها فقالت له‪ :‬يا هذا‪ ،‬لم‬
‫ي‬
‫ة‪ ،‬وعليك شفيق ً‬
‫طّلقتني وقد كنت لك ناصح ً‬
‫ة‪ ،‬وما ف ّ‬
‫ق بجبهتي? فقال لها زوجها‪ :‬لو كان‬
‫عي ٌ‬
‫ب إل ّ ضي ٌ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ضيق في حرك ما طلقتك أبدا! ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫الهوازّية أشدّ ذكاءً‬
‫ة بالبصرة‪ ،‬وكان يتعاهدها‬
‫ل في الهواز ضيع ٌ‬
‫كانت لرج ٍ‬
‫ة‪ ،‬وانتهى‬
‫وج بها امرأ ً‬
‫في حين النتفاع بالّثمار‪ .‬فتز ّ‬
‫الخبر إلى امرأته الهوازّية فاستخرقت كتابا ً على‬
‫لسان بعض إخوانه بالبصرة يعزيه في البصرّية و‬
‫خر‪ .‬وأعطت‬
‫يقول‪ :‬إلحق المال الذي خّلفت ول تتأ ّ‬
‫الكتاب لبعض المّلحين وجعلت له جع ً‬
‫ما وصل‬
‫ل‪ .‬فل ّ‬
‫الكتاب إلى زوجها وجد لموتها وجدا ً عظيمًا‪ ،‬وقال‬
‫ب إلى‬
‫للهوازّية‪ :‬أصلحي لي سفرتي‪ ،‬فإّني راك ٌ‬
‫ما أصبح الغد ركب فرسه‪ ،‬وأعطته‬
‫البصرة‪ .‬ففعلت‪ ،‬فل ّ‬
‫م قبضت على عنان فرسه وقالت له‪ :‬ما‬
‫ال ّ‬
‫سفرة‪ ،‬ث ّ‬
‫وجتها?‬
‫تكثر اختلفك إلى البصرة إل ّ ولك بها امرأةً تز ّ‬
‫ة‪ .‬للذي وقف عليه‬
‫فقال لها‪ :‬والله مالي بالبصرة امرأ ٌ‬
‫من الكتاب‪ .‬فقالت له‪ :‬لست أدري ما تقول؛ وإّنما‬

‫‪48‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ق ثلثا ً بقول‬
‫ي امرأ ٍ‬
‫ة لي غيرك طال ٌ‬
‫تحلف وتقول أ ّ‬
‫جميع المسلمين? فللذي وقف عليه الّرجل من موت‬
‫البصرّية قال في نفسه‪ :‬تلك ماتت‪ ،‬فلم أغير صدر‬
‫هذه‪ :‬فقال لها‪ :‬ك ّ‬
‫ة لي غيرك في جميع القاليم‬
‫ل امرأ ٍ‬
‫ق ثلثا ً بقول جميع المسلمين‪ .‬فقالت له‪ :‬ل‬
‫فهي طال ٌ‬
‫تتعبن فقد طّلقت الحبيبة‪ .‬فندم الّرجل‪ ،‬وأسقط ما‬
‫في يديه‪.‬‬
‫س بعد زواج ليلى‬
‫شعر قي ٍ‬
‫وح‪ ،‬هام على‬
‫ول ّ‬
‫وجت ليلى صاحبة قيس بن المل ّ‬
‫ما تز ّ‬
‫وجهه مع الوحش‪ ،‬وكان يقول‪:‬‬
‫وللّناس في ذاك‬
‫لها في سواد القلب‬
‫المكـان عـشـير‬
‫تسـعة أسـهـم ٍ‬
‫من الّناس إل ّ من‬
‫ب‬
‫صح ّ‬
‫ولست بمح ٍ‬
‫يقـول كـثـير‪.‬‬
‫ل‬
‫ليلـى لـسـائ ٍ‬
‫ة‬
‫وتنشر نفسي بعد‬
‫فموت نفـسـي مـّر ُ‬
‫ونـشـور‪.‬‬
‫موتي لذكـرهـا‪،‬‬
‫أتاني بعد ظهر الغيب فكادت بي الرض‬
‫البراح تـمـور‬
‫وجت‪،‬‬
‫أن قد تز ّ‬
‫ق‪ ،‬وعيني‬
‫فقلت‪ ،‬وقد أيقنت أن تل ٍ‬
‫دمـوع تـفـور‪:‬‬
‫لـيس بـينـنـا‬
‫بالـ ّ‬
‫لفقر مـّنـي أّنـنـي‬
‫لئن كان تبدي برد‬
‫لـفـقـير‪.‬‬
‫إيمانها الـعـلـى‬
‫فهل يأتينني‬
‫فما أسرع الخبار أن‬
‫بالـ ّ‬
‫طـلق‪ .‬تـشـير?‬
‫وجـت‪،‬‬
‫قد تز ّ‬
‫أيريده فحل ً لبناته‬
‫م عبد‬
‫مد بن عرفة قال‪ :‬كانت أ ّ‬
‫حكى إبراهيم بن مح ّ‬
‫د بن عمرو‪ ،‬عند الوليد بن يزيد‬
‫د بن خال ٍ‬
‫الملك بن سعي ٍ‬
‫د‪ ،‬وهو بالبادية‪ ،‬فعاده‪،‬‬
‫بن عبد الملك‪ .‬فمرض سعي ٌ‬
‫فدخل عليه وعنده أختها سلمى‪ ،‬فستروها‪ ،‬فرأى منها‬
‫م قامت‪ ،‬فرأى طولها فطّلق أختها وخطبها‪،‬‬
‫لمح ً‬
‫ةث ّ‬
‫م عثمان عند هشام ٍ بن‬
‫وجه إّياها وكانت أختها أ ّ‬
‫فلم يز ّ‬
‫وج الوليد‪،‬‬
‫عبد الملك‪ ،‬فبعث إلى أبيها‪ :‬إّياك أن تز ّ‬
‫وج‬
‫تريده أن تّتخذه فحل ً لبناتك يطّلق واحدةً ويتز ّ‬
‫وجه‪ .‬فقال الوليد‪ :‬العجب من‬
‫أخرى? فأبى أن يز ّ‬
‫م‬
‫سعي ٍ‬
‫د‪ ،‬خطبت إليه فر ّ‬
‫دني‪ ،‬ولو قد مات هشا ٌ‬

‫‪49‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وجتها فهي طالق‪ ،‬وإن‬
‫وجنيها‪ ،‬فإن ز ّ‬
‫واستخلفت لز ّ‬
‫ى في موضعه‬
‫كنت أهواها‪ .‬وقد ذكرنا حديثه مستقص ً‬
‫من هذا الكتاب‪.‬‬
‫ق ألف مّرة‬
‫هي طال ٌ‬
‫خاصمت امرأةٌ زوجها إلى الم ّ‬
‫طلب بن حبط المخزومي‬
‫ي وأوجعتني‪،‬‬
‫قاضي المدينة‪ ،‬وكانت قالت له‪ :‬أسأت إل ّ‬
‫ن بنتك تمسي من الجوع والجهد‬
‫ووالله ما أستطيع‪ ،‬فإ ّ‬
‫ّ‬
‫ق إن كان ل‬
‫وما أقمن إل ّ على الوطن‪ .‬فقال‪ :‬أنت طال ٌ‬
‫يقمن إل ّّ على الوطن! فأخبرت القاضي بما قالت‪،‬‬
‫ب‬
‫وبما قال‪ .‬فقال القاضي‪ :‬بطلب المقادير‪ ،‬ور ّ‬
‫ن الّيل ليكون بالمكان الجدب الخسيس‬
‫الكعبة‪ ،‬إ ّ‬
‫ن‬
‫ب الوطن‪ .‬فقال الّزوج‪ :‬كأ ّ‬
‫المرعى فتقيم فيه بح ّ‬
‫ق‬
‫المسألة‪ ،‬أصلح الله القاضي‪ ،‬أشكلت عليك هي طال ٌ‬
‫ألف مّرة‪.‬‬
‫طّلقها وندم‬
‫ي بن منظور امرأته فندم عليها ندما ً شديدًا‪،‬‬
‫وطّلق عل ّ‬
‫فقال‪:‬‬
‫وفقدت عاقبة‬
‫ما لل ّ‬
‫طلق فـقـدتـه‬
‫ال ّ‬
‫طلق‬
‫سموات‬
‫تحت ال ّ‬
‫ة‬
‫طّلقت خـير خـلـيل ٍ‬
‫ال ّ‬
‫طباق‬
‫ي أن تفارقه فقال‪:‬‬
‫وأحّبت امرأة العراب ّ‬
‫تمّنين ال ّ‬
‫ش مثل مشرفة‬
‫طلق وأنت‬
‫بعي ٍ‬
‫الجمال‬
‫مّنـي‬
‫ة طّلق فيها نساؤه‬
‫ب إليه ليل ً‬
‫أح ّ‬
‫ة‬
‫ت ليل ً‬
‫ي من ليل ٍ‬
‫ة أح ّ‬
‫قال خالد بن صفوان‪ :‬ما ب ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫ستور قد هتكت ومتاع‬
‫طّلقت فيها نسائي‪ ،‬فأرجع وال ّ‬
‫م‪،‬‬
‫ي بنتي سليلة فيها طعا ٌ‬
‫البيت قد نقل‪ .‬فبعثت إل ّ‬
‫ش أنام عليه‪.‬‬
‫وبعثت الخرى إل ّ‬
‫ي بفرا ٍ‬
‫أو ضيق الفرج أو ال ّ‬
‫طلق‬
‫ة كانت تطّلق كثيرًا‪ :‬ما لك تطّلقين أبدًا?‬
‫وقيل لمرأ ٍ‬
‫ضيق‪ ،‬ضّيق الله عليهم قبورهم‪.‬‬
‫قالت‪ :‬يريدون ال ّ‬
‫طّلقها ثلثا ً‬
‫ي لمرأته‪:‬‬
‫وقال أعراب ّ‬
‫وأفنيت عمري عاما ً‬
‫وهت باسمي في‬
‫أن ّ‬

‫‪50‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فعاما‬
‫طلق ثلثا ً‬
‫ق وأنت ال ّ‬
‫توأما‬

‫العالمين‬
‫فأنت ال ّ‬
‫طلق وأنت‬
‫ال ّ‬
‫طـل‬
‫حلوة الجماع‬
‫ن‬
‫عن عروة بن الّزبير‪ ،‬عن عائشة‪ ،‬رضي الله عنها‪ :‬أ ّ‬
‫ي‪ ،‬صّلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫امرأة رفاعة أتت إلى الّنب ّ‬
‫ت طلقي‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬يا رسول الله إ ّ‬
‫ن رفاعة طّلقني‪ ،‬فب ّ‬
‫وجت بعده بعبد الّرحمن بن الّزبير وما معه إل ّ‬
‫وإّني تز ّ‬
‫ّ‬
‫سم رسول الله صلى الله عليه‬
‫مثل هدبة الّثوب‪ ،‬فتب ّ‬
‫وسّلم‪ ،‬وقال‪ :‬أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة! ل‪ ،‬حّتى‬
‫تذوقي عسيلة الّزوج الّثاني ويذوق عسيلتك‪.‬‬
‫خرتها‬
‫طّلقها عدد شعر مؤ ّ‬
‫م حصل بينهما‬
‫وج فيها امرأ ً‬
‫ة‪ :‬ث ّ‬
‫ي البصرة‪ ،‬فز ّ‬
‫دخل مدن ّ‬
‫ستك‪ .‬فقالت‪:‬‬
‫ق عدد شعر أ ّ‬
‫شّر‪ ،‬فقال لها‪ :‬أنت طال ٌ‬
‫ّ‬
‫قاتلكم الله يا أهل المدينة تسّرعون الطلق وتؤثرون‬
‫الخلق‪.‬‬
‫ضيق ضّيق الله عليهم‬
‫يلتمسون ال ّ‬
‫ي‬
‫سان بن ثابت لعطا ٍ‬
‫قال عبد الّرحمن بن ح ّ‬
‫ء بن صيف ّ‬
‫ي‪ :‬لو أصبت ركوةً مملوءةً خمرا ً بالبقيع ما كنت‬
‫الّثقف ّ‬
‫جار فإّنها ل‬
‫صانعا ً بها? قال‪ :‬أفّرقها في بني الن ّ ّ‬
‫دتك‬
‫دك ثابت أم ج ّ‬
‫تعدوهم‪ .‬ولكن أخبرني‪ ،‬أّيهما أكبر ج ّ‬
‫فريعة? قال ل أدري‪ .‬قال عطاء‪ :‬الفريعة كانت أكبر‪،‬‬
‫ج كّلهم يلقاها بمثل ذراع‬
‫وقد تز ّ‬
‫وجتها قبله أربعة أزوا ٍ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م يطلقها‪ .‬فقيل لها‪ :‬يا فريعة‪ ،‬لم تطلقين‬
‫البكر ث ّ‬
‫ضيق‪ ،‬ضّيق‬
‫وأنت بمثل هذا الجمال? قالت‪ :‬يلتمسون ال ّ‬
‫الله عليهم‪.‬‬
‫مكابدة الع ّ‬
‫فة ايسر من الحتيال‬
‫وج بعدها?‬
‫ي زوجته‪ ،‬فقيل له‪ :‬أل تتز ّ‬
‫وطّلق أعراب ّ‬
‫فقال‪ :‬مكابدة الع ّ‬
‫فة‪ ،‬أيسر من الحتيال بمصلحة‬
‫العيال‪.‬‬
‫ضرط فسخرت منه فطّلقها‬
‫ي ابنة المهّلب بن أبي‬
‫تز ّ‬
‫وج الفضل بن قطن الحارث ّ‬
‫صفرة‪ .‬فجلس معها يشرب‪ ،‬فأراد الفتخار عليها‬
‫فقال‪:‬‬
‫ة يوما ً‬
‫كأس المدام‬
‫إن كنت ساقي ً‬

‫‪51‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فأسقيها بني قطن‬
‫على كرم ٍ‬
‫م إّنه تحّرك فضرط‪ .‬فقالت‪ :‬وأسقي هذه بني قطن‬
‫ث ّ‬
‫أيضًا? فخجل وقال‪ :‬إذهبي فأنت طالق‪.‬‬
‫وجت رجل ً دميما ً‬
‫طّلقها فتز ّ‬
‫وطّلق عطّية بن أشجع محجوبة بنت عبد الله‪ ،‬امرأته‬
‫وجت رجل ً دميما ً فقال في ذلك‪:‬‬
‫فز ّ‬
‫بسلمى‪ ،‬فقد أمست‬
‫لعمري أبي سلمى‪،‬‬
‫بها الّنعل زّلت‪.‬‬
‫ت‬
‫ولست بشامـ ٍ‬
‫وإن هي صامت ك ّ‬
‫ل‬
‫وليس لمغفوٌر‬
‫يوم ٍ وصّلت‪،‬‬
‫لسلمـى ذنـوبـهـا‬
‫ما‬
‫ولو ركبت ما حّرم‬
‫بأعظم عند الله م ّ‬
‫استـحـلـت?‬
‫اللـه لـم يكـن‬
‫ضارطة‬
‫الكاذبة الفاجرة ال ّ‬
‫صالحين امرأةً تبغضه‪ ،‬فكان إذا نهاها عن‬
‫كانت لبعض ال ّ‬
‫جل طلقها‪،‬‬
‫ر دعت الله أن يريحها منه‪ ،‬وأن يع ّ‬
‫أم ٍ‬
‫فأضجرته يوما ً فطّلقها‪ ،‬فسجدت لله شكرّا‪ ،‬فقال‬
‫م إّنها وضعت إليك فما كاذبًا‪ ،‬ووجها ً‬
‫الّرجل‪ :‬الله ّ‬
‫ة‪ .‬فوثب‬
‫وقاحًا‪ ،‬ورفعت أستا ً مجاهرةً بالفحشاء فاجر ً‬
‫سنور في البيت فأفزعها‪ ،‬فضرطت‪ ،‬فقال‪ :‬الحمد لله‬
‫جل فضيحتك‪.‬‬
‫هل فرقتك وع ّ‬
‫الذي س ّ‬
‫باب ما جاء في الغيرة‬
‫يروى عن عروة بن الّزبير‪ ،‬عن أسماء بنت أبي بكر‪،‬‬
‫قالت سمعت رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬يقول‬
‫وهو على المنبر‪" :‬ل شيء أغير من الله‪ ".‬وعن عبد‬
‫ن الله ليغار للمسلم فليغر‬
‫الله بن مسعوٍد أّنه قال‪ :‬أ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وعنه‪ ،‬وعن رسول الله‪ ،‬صلى الله عليه وسلم‪ ،‬أّنه‬
‫قال‪" :‬ليس شيءٌ أغير من الله ‪ ،‬من أجل ذلك حّرم‬
‫ن رسول الله‪ ،‬صّلى‬
‫الفواحش‪ ".‬وعن كعب بن مالك أ ّ‬
‫الله عليه وسّلم‪ ،‬قال‪" :‬الغيرة‪ ،‬غيرتان‪ :‬فغيرةٌ يحّبها‬
‫الله‪ ،‬وغيرةٌ يكرهها الله"‪ .‬قلنا يا رسول الله‪ ،‬ما الغيرة‬
‫التي يحّبها الله‪ ،‬قال‪" :‬أن يغار أن يأتي معاصي الله‪،‬‬
‫وينتهك محارمه"‪ .‬قلنا وما الغيرة التي يكرهه‪ :‬قال‬
‫"أن يغار أحدكم في غير كنهه‪ ".‬وعن عبد الملك بن‬
‫عمير بن عبد الله بن بكار أّنه قال‪" :‬الغيرة غيرتان‪:‬‬
‫غيرةٌ يصلحها بها الّرجل أهله‪ ،‬وغيرةٌ تدخله الّنار"‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ب إبراهيم خليل الّرحمن‪.‬‬
‫ويروى‪ :‬أ ّ‬
‫ن سارة كانت تح ّ‬
‫ما رأت ذلك وهبت له‬
‫فمكثت معه دهرا ً ل ترزق ولدًا‪ ،‬فل ّ‬
‫ة‪ ،‬فولدت لبراهيم‬
‫ة لها قبطي ّ ً‬
‫هاجر‪ ،‬وكانت أم ً‬
‫إسماعيل‪ ،‬صّلى الله عليهما‪ ،‬فغارت من ذلك سارة‬
‫ووجدت في نفسها‪ ،‬وعتبت على هاجر‪ .‬فحلفت‬
‫ن عضوا ّ من أعضائها فقال لها إبراهيم‪ ،‬صّلى‬
‫لتقطع ّ‬
‫الله على نبينا وعليه‪ :‬هل لك أن تبري يمينك? قالت‪:‬‬
‫صفيها‪ .‬والخصف هو‬
‫كيف أصنع? قال‪ :‬أثقبي أذنيها وخ ّ‬
‫الخياطة‪ .‬ففعلت ذلك بها‪ ،‬فوضعت في أذني هاجر‬
‫قرطين فازدادت حسنًا‪ .‬فقال سارة‪ :‬إّني إّنما زدتها‬
‫جما ً‬
‫ل‪ :‬فلم تتركه على كونها معه‪ .‬ووجد بها إبراهيم‬
‫وجدا ً شديدًا‪ ،‬فنقلها إلى م ّ‬
‫كة وكان يزورها في ك ّ‬
‫ل‬
‫ت من ال ّ‬
‫شام لشغفه بها‪ ،‬وقّلة صبره عنها‪.‬‬
‫وق ٍ‬
‫الكلم عن بعد ممنوع‬
‫ن ابن عمرو سمع امرأته تكّلم‬
‫وعن ابن أبي مليكة‪ :‬أ ّ‬
‫ة ل يعلمها ابن‬
‫امرأةً من وراء جدار‪ ،‬بينها وبينها قراب ً‬
‫م أتى فضربها بها‪.‬‬
‫عمرو‪ ،‬قال‪ :‬فجمع لها جرائد ث ّ‬
‫ة‬
‫عادةٌ غير مستحسن ٍ‬
‫ن معاذ بن جبل كان يأكل ت ّ‬
‫ة ومعه‬
‫فاح ً‬
‫وعن علقمة‪ :‬أ ّ‬
‫م‪ ،‬فناولته أمرأته ت ّ‬
‫ة قد‬
‫فاح ً‬
‫امرأته فدخل علها غل ٌ‬
‫أكلت منها فأوجعها ضربًا‪.‬‬
‫غيرة المرأة على قدر ل ّ‬
‫ذتها‬
‫وقال بعضهم‪ :‬ل ّ‬
‫ذة المرأة على قدر شهوتها‪ ،‬وغيرتها‬
‫على قدر ل ّ‬
‫ذتها‪ .‬واستدل بإفراط غيرتها على إفراط‬
‫د‬
‫حرصها‪ .‬وهذا القول خطأ قد علمنا أ ّ‬
‫ن الّرجل أش ّ‬
‫غيرةً على المرأة من المرأة على الّرجل‪ .‬ورّبما كان‬
‫سراري‬
‫الذي يبدو من المرأة عند تسّري زوجها بال ّ‬
‫ن توهيما ً‬
‫وتزويجه المهيرات‪ ،‬وحين تراه مع بعضه ّ‬
‫ن ذلك من ال ّ‬
‫طربة والكراهة المشاركة فيه‪.‬‬
‫للفعل أ ّ‬
‫وبعض ذلك يكون من طريق اللفة والّنفاسة به‪ ،‬وليس‬
‫شكل ما تلقى المرأة إذا رأت فراشها‪ ،‬من شكل ما‬
‫يلقى الّرجل إذا رأى على فراش امرأته رج ً‬
‫ن‬
‫ل‪ .‬ل ّ‬
‫ة‬
‫ة وألف جاري ٍ‬
‫ن الّرجل له أربع نسو ٍ‬
‫المرأة قد عاينت أ ّ‬
‫ن بملك اليمين‪ ،‬لما أحّله الله في ال ّ‬
‫شريعة‪.‬‬
‫يطؤه ّ‬
‫ن فحل‬
‫وكذلك غيرة فحول الحيوان على إناثها‪ ،‬ل ّ‬
‫الحيوان يقاتل دونها ك ّ‬
‫ل يعرض لها حّتى تصير‬
‫ل فح ٍ‬

‫‪53‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إلى الغالب‪ .‬قال الّراجز‪.‬‬
‫يغار والغيرة في خلق ال ّ‬
‫ذكر والمم تختلف في الغيرة‪.‬‬
‫ب منهم في‬
‫وجون من قر ٍ‬
‫صقالبة نا ٌ‬
‫فمن ال ّ‬
‫س ل يتز ّ‬
‫دار‪ .‬وإذا مات البعل خنقت المرأة نفسها‬
‫الّنسب ول ال ّ‬
‫أسفا ً عليه‪.‬‬
‫والمرأة في الهند إذا مات زوجها وأرادوا حرقه‪ ،‬جاءت‬
‫ليحرقوها معه‪.‬‬
‫ديلم إلى حدود ما بين دار‬
‫ي يخرج من ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫ديلم ّ‬
‫ن‬
‫السلم وال ّ‬
‫ماته فيبيعه ّ‬
‫ديلم‪ ،‬ومعه امرأته وإخوانه وع ّ‬
‫ن إلى المبتاع‪ ،‬ل تدمع عينه ول‬
‫ة واحد ً‬
‫صفق ً‬
‫ة‪ ،‬ويسّلمه ّ‬
‫ة من عياله‪.‬‬
‫ن واحد ٍ‬
‫عي ٌ‬
‫تكّرم طبرستان من العجائب‬
‫ن حّتى‬
‫وج الّرجل الجارية منه ّ‬
‫وأهل طبرستان ل يتز ّ‬
‫م يقدم بها فيخطبها إلى‬
‫يستبطن بها حول ً محّرما ً ث ّ‬
‫م يزعمون مع ذلك أّنه يجدها بكرًا‪،‬‬
‫وجها‪ ،‬ث ّ‬
‫أهلها ويتز ّ‬
‫ة وهو ل يستبطن‬
‫ة كامل ً‬
‫د سن ً‬
‫ر واح ٍ‬
‫وقد عانقها في إزا ٍ‬
‫ن‬
‫بها‪ ،‬ويحتمل وحشة الغتراب‪ ،‬وانقطاع السباب‪ .‬وإ ّ‬
‫د‬
‫ف واح ٍ‬
‫من أعجب العجب أن يمكثا متعانقين في لحا ٍ‬
‫يحتجران عن أّلذ المور تكّرمًا‪ .‬وهذا الّتكّرم عند علوج‬
‫طبرستان من العجائب‪.‬‬
‫سؤدد‬
‫ل من ال ّ‬
‫ثلث خصا ٍ‬
‫سؤدد‪،‬‬
‫ل من ال ّ‬
‫قال معاوية‪ ،‬رضي الله عنه‪ :‬ثلث خصا ٍ‬
‫صلع‪ ،‬واندماج البطن‪ ،‬وترك الفراط في الغيرة‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫غيرة قيس بن زهير‬
‫ما نزل قيس بن زهير ببعض العرب قال لهم‪ :‬أّني‬
‫ول ّ‬
‫ف‪ ،‬ولكن ل أغار حّتى أرى‪ ،‬ول‬
‫غيوٌر‪ ،‬وأنا فخوٌر‪ ،‬وأنا أن ٌ‬
‫أفخر حّتى افعل‪ ،‬ول آنف حّتى أضام‪ .‬فعابوه بقوله ل‬
‫سبب ل رؤية‬
‫ن به إّنما عني رؤية ال ّ‬
‫أغار حّتى أرى ويظ ّ‬
‫المرافقة‪.‬‬
‫وعابوا معاوية أيضا ً بقوله هذا ونسبوه إلى قّلة الغيرة‬
‫ن‬
‫وما أرى في قوله وترك الفراط في الغيرة عيبا ً ل ّ‬
‫ق ولمقدار المصلحة وظلم الخليلة‬
‫الفراط المجاوز للح ّ‬
‫ق‪.‬‬
‫العفيفة والحرمة الكريمة غير لئ ٍ‬
‫وعاب الّناس قول هدبة بن خشرم حيث يقول‪:‬‬
‫م القفا والوجه‬
‫فل تنكحي إن فّرق‬
‫أغ ّ‬
‫ليس بأنزعا‬
‫دهر بيننا‬
‫ال ّ‬

‫‪54‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فهذا يأمرها بتزويج النزع القليل شعر القفا والوجه‪.‬‬
‫ن إّنما قال ذلك ليذ ّ‬
‫كرها جمال‬
‫ول أرى فيه عيبا ً أيضا ً ل ّ‬
‫نفسه ليزهدها في غيره‪.‬‬
‫عبد الملك يعيب قول ً على نصيب‬
‫ب‪:‬‬
‫وأ ّ‬
‫ما قول نصي ٍ‬
‫د ما حـييت فيا ليت شعري من‬
‫أهيم بدع ٍ‬
‫يهيم بها بعدي‬
‫وإن أمـت‬
‫فإّني لم أجد له تأوي ً‬
‫ل‪ .‬وعاب ذلك عليه عبد الملك بن‬
‫مروان‪ ،‬وقال لجلسائه‪ :‬أو لو كنتم قائلين هذا البيت ما‬
‫كنتم تقولون? قالوا‪ :‬ل ندري‪ ،‬فكيف كان أمير‬
‫المؤمنين قائ ً‬
‫ل‪ :‬قال‪ :‬كان يقول‪:‬‬
‫فل صلحت دعد لذي‬
‫د ما حييت‬
‫أهيم بدع ٍ‬
‫ة بعدي‬
‫فـإن أمـت‬
‫خل ّ ٍ‬
‫بعض عادات العرب‬
‫وكان الّرجل من العرب إذا خرج مسافرا ً بدأ بال ّ‬
‫شجرة‬
‫ن من أغصانها‪،‬‬
‫يعقد خيطا ً على ساقها أو على غص ً‬
‫فإذا رجع إلى أهله بدا إلى ال ّ‬
‫شجرة فنظر إلى الخيط‪،‬‬
‫ن امرأته خانته‪ ،‬وإن كان على‬
‫فإن كان منحّل ً حكم أ ّ‬
‫حاله حكم أّنها حفظته‪.‬‬
‫ي‪:‬‬
‫وأنشد أبو زي ٍ‬
‫د النحو ّ‬
‫كثرة ما توصي‬
‫هل ينفعك اليوم إن‬
‫وتعفي والّرتم‬
‫همت بهم‬
‫م للخيط الذي يعقد في الخنصر لتذ ّ‬
‫كر‬
‫والّرتم اس ٌ‬
‫الحاجة‪.‬‬
‫وكان معاوية بن أبي سفيان يتمّثل بقول ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫ع لم يستطع‬
‫ب رجع ال ّ‬
‫ومراك ٍ‬
‫سلم ومودّ ٍ‬
‫بك ّ‬
‫تسليمـا‬
‫فه‬
‫الغيور المتم ّ‬
‫طق‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫على ملتقانا قائما ً‬
‫وأضحى الغيور‪،‬‬
‫يتـمـ ّ‬
‫طـق‬
‫أرغم الله أنفه‪،‬‬
‫كما مدّ شدقيه‬
‫وقد مدّ شدقيه من‬
‫الحمار المحّنـق‬
‫الغيظ والذى‬
‫الغيور في نظر الّراعي‬

‫‪55‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال الّراعي‪:‬‬
‫ل الغيور آرضـا ً‬
‫وظ ّ‬
‫بـبـنـانـه‬
‫ن‬
‫لقد رابنـي أ ّ‬
‫دنـي‬
‫الـغـيور يو ّ‬
‫وصدّ ذوات ال ّ‬
‫ظعن‬
‫عّني وقـد رأت‬
‫دمينة وخميص الحشا‬
‫ابن ال ّ‬
‫دمينة‪:‬‬
‫وقال عبد الله بن ال ّ‬
‫ما لحقنا‬
‫ول ّ‬
‫بـالـحـمـول‪ ،‬ودونـنـا‬
‫عرضنا‪ ،‬فسلمنا‪،‬‬
‫فسـلـم كـارهـا ً‬
‫ل‬
‫فرافقته مقـدار مـي ٍ‬
‫ولـيتـنـي‪،‬‬
‫ي ل يفارق عرسه‬
‫ال ّ‬
‫دارم ّ‬
‫ي‪:‬‬
‫وقال مسكين ال ّ‬
‫دارم ّ‬
‫وإّني امر ٌ‬
‫ؤ ل ألـقـى‬
‫إل ّ قـاعـدا ً‬
‫م ل تبرح‬
‫ول مقس ٌ‬
‫دهر بـيتـهـا‬
‫ال ّ‬
‫إذا هي لم تحصن‬
‫أمام قنـاعـهـا‪،‬‬
‫ول حاملي ظّنـي‪ ،‬ول‬
‫ل‬
‫قـول قـائ ٍ‬
‫ً‬
‫فهبني امرأ راعيت ما‬
‫دمت شاهـدا ً‬
‫وقال مسكين أيضًا‪:‬‬
‫أل أّيها الغائر‬
‫المستـشـيط‪،‬‬
‫تعار على الّناس أن‬
‫ينظـروا!‬
‫س إذا‬
‫فما خير عر ٍ‬
‫خفتـهـا‬

‫ض برذون على‬
‫كما ع ّ‬
‫الفاس جامح‬
‫ن نداماي الكهول‬
‫وأ ّ‬
‫الجـحـاجـح‬
‫سنا‬
‫كلمي لمراء ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫طـوامـح?‬
‫خميص الحشا تؤذي‬
‫القميص عواتقه‪،‬‬
‫ح من‬
‫علينا‪ ،‬وتبري ٍ‬
‫الغيظ خـانـقـه‪.‬‬
‫على زعمه‪ ،‬ما دمت‬
‫حي ّا ً أرافـقـه‬
‫إلى جنب عرسي ل‬
‫أفارقها شبـرا‬
‫ليجعلها قبل الممات‬
‫لهـا قـبـرا‪.‬‬
‫ي‬
‫فليس بمنجيها بنأ ٍ‬
‫لـه قـصـرا‪،‬‬
‫على غيرها‪ ،‬حّتى‬
‫أحيط بها خبرا‪.‬‬
‫فكيف إذا ما سرت‬
‫عن بيتها شهرا?‬
‫على ما تغار إذا لم‬
‫تـغـر?‬
‫وهل يغبن للحاصنات‬
‫الّنظر?‬
‫ت عليها شديد‬
‫وب ّ‬
‫الـحـذر?!‬

‫‪56‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إذا ما رأى زائرا ً أو‬
‫زفـر‪.‬‬
‫ي‪،‬‬
‫إذا ض ّ‬
‫مه‪ ،‬والمط ّ‬
‫سفر?‬
‫ال ّ‬

‫تكاد تـصـ ّ‬
‫فـق‬
‫أضـلعـه‬
‫فمن ذا يراعي له‬
‫عـرسـه‬
‫شعراء ماتوا قتل ً‬
‫من كان مشتهرا ً‬
‫وثلث ٌ‬
‫ة من شعراء أولد العجم م ّ‬
‫بالقول مذكورًا‪ ،‬بال ّ‬
‫شعر بالبادية‪ ،‬كّلهم قتلوا منهم‪:‬‬
‫ضاح اليمن‪ ،‬ويسار الكواعب‪ ،‬وسحيم عبد بني‬
‫و ّ‬
‫فا ً عن أولئك الّنساء‪ ،‬وحفظا ً‬
‫الحسحاس‪ .‬وإّنما قتلوا ك ّ‬
‫ن‪ ،‬حين رأوا التعّرض‪ ،‬وشنعة تلك الشعار ل‬
‫له ّ‬
‫يشغلهم عنها إل ّ قتلهم مخافة أن يكون ذلك القتل‬
‫يح ّ‬
‫جاج بن يوسف‬
‫قق المقالة القبيحة‪ .‬أل ترى أ ّ‬
‫ن الح ّ‬
‫ر في تشّبهه بزينب أخته‬
‫في عت ّ‬
‫وه لم يتعّرض لبن نمي ٍ‬
‫مخافة أن يكون ذلك سببا ً للخوض في ذكرها‪ .‬فيزيد‬
‫د‪ ،‬ويكثر مكث ٌّر‪ .‬وكذلك معاوية بن أبي سفيان لم‬
‫زائ ٌ‬
‫سان بن ثابت وكان يتشّبب‬
‫يعترض لعبد الّرحمن بن ح ّ‬
‫بابنته‪ ،‬حّتى قال‪:‬‬
‫ر‬
‫م حاضرتها إلى‬
‫ث ّ‬
‫نمشي في مرم ٍ‬
‫مـسـنـون‬
‫القّبة الخضراء‬
‫ي‬
‫شعر سحيم ٍ الباح ّ‬
‫ق بالقتل من سحيم عبد بني الحسحاس? حيث‬
‫ومن أح ّ‬
‫يقول‪:‬‬
‫ف تهاداه الّرياح‬
‫وبتنا وسادانا إلـى‬
‫وحق ٍ‬
‫تـهـاديا‬
‫ة‬
‫عـلـجـان ٍ‬
‫سدني ك ّ‬
‫ي‪ ،‬ونحوي رجلها‬
‫فا ً وتثني‬
‫تو ّ‬
‫عل ّ‬
‫من ورائيا‬
‫بمـعـصـم ٍ‬
‫وهّبت شما ٌ‬
‫ول ثوب إل ّ درعـهـا‬
‫ل آخر‬
‫وردائيا‬
‫ة‬
‫اللـيل قـّر ً‬
‫فما زال ثوبي طّيبا ً‬
‫إلى الحول حّتى‬
‫أنهج الّثوب باليا‬
‫من نسيمهـا‬
‫ومّروا به ليقتلوه على الذي اّتهم بها‪ ،‬فضحكت‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫تركتك فيها كالقباء‬
‫فإن تضحكي مّني‬
‫المفـرج‬
‫ة‪،‬‬
‫ب ليل ٍ‬
‫فيا ر ّ‬
‫كاد يقتلها عقيل المّري‬

‫‪57‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ي‪ ،‬قال‪ :‬سمع عقيل بن علقمة المّري بنتا ً‬
‫وحكى العتب ّ‬
‫سيف‬
‫له ضحكت‪ ،‬فشهقت في آخر ضحكها‪ .‬فأخذ ال ّ‬
‫وحمل عليها وهو يقول‪:‬‬
‫فرقت‪ ،‬أّني رج ٌ‬
‫ة آخرها‬
‫ل‬
‫من ضحك ٍ‬
‫شهيق‬
‫ق‪،‬‬
‫فرو ٌ‬
‫قال‪ :‬فنادت يا أخوتاه! فبادروا فحالوا بينه وبينها‪.‬‬
‫عقيل وابنته الجرباء‬
‫سجستاني عن الصمعي‪ ،‬قال‪ :‬كان‬
‫وحكى أبو حاتم ال ّ‬
‫عقيل بن علقمة غيورًا‪ ،‬وكان الخلفاء يصاهرونه‪،‬‬
‫ة يقال لها الجرباء‪ .‬فكان إذا خرج إلى‬
‫وكانت له ابن ٌ‬
‫ال ّ‬
‫ن‬
‫شام خرج بها لفرط غيرته‪ .‬فخرج بها مّرةً وباب ٍ‬
‫د قال عقيل‪:‬‬
‫ما كانوا بدير سع ٍ‬
‫يقال له عميس‪ ،‬فل ّ‬
‫ض ناطحته‬
‫قضت وطرا ً من دير‬
‫غل غر ٌ‬
‫بالجماجـم‬
‫د ورّبما‬
‫سع ٍ‬
‫م قال لبنه أجز يا عميس‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫نشاوي من الدلج‪،‬‬
‫فأصبحن بالموماة‬
‫ميل العمائم‬
‫ة‬
‫يحملن فتـي ً‬
‫م قال لبنته‪ :‬أجيزي‪ ،‬يا جرباء‪ .‬فقالت‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫عقاٌر تم ّ‬
‫شت في‬
‫ن الكرى أسقاهم‬
‫كأ ّ‬
‫المطا والقوائم‪.‬‬
‫صّر خـدية‬
‫ة‬
‫فقال لها‪ :‬وما يدريك أنت ما نعت الخمر? هذه صف ٌ‬
‫من قد شربها‪.‬‬
‫سوط فأهوى نحوها‪ ،‬وجاء عميس فحال بينه‬
‫وأخذ ال ّ‬
‫م‪ ،‬فش ّ‬
‫ك‬
‫وبينها‪ ،‬فضربه فأوجعه فرماه عميس بسه ٍ‬
‫فخذيه فبرك‪ ،‬فمضوا وتركوه حّتى إذا بلغوا أداني‬
‫م أسقطنا جزورا ً لنا‪ .‬فأدركوه‬
‫المياه منهم‪ ،‬قالوا‪ :‬الله ّ‬
‫وخذوا معكم الماء‪ .‬ففعلوا‪ ،‬فإذا عقي ٌ‬
‫ل بارك وهو‬
‫يقول‪:‬‬
‫من يلق أبطال‬
‫ن ابني زملنـي‬
‫أ ّ‬
‫الّرجال يكلم‬
‫دم‬
‫بـالـ ّ‬
‫ة أعرفها من‬
‫ومن يكن درءٌ بـه‬
‫شنشن ً‬
‫أخـزم‬
‫يقـوم‬
‫وجها يزيد بن عبد الملك‪ .‬وقد ذكرنا خبره في ما‬
‫ث ّ‬
‫مز ّ‬
‫مضى‪.‬‬
‫دمات الغيرة‬
‫مق ّ‬

‫‪58‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما يحدث الهوى في قلوب الّنساء لغير‬
‫قال‪ :‬وم ّ‬
‫ن إلى الحرص على الّرجال‪ ،‬وال ّ‬
‫طلب‬
‫ن‪ ،‬ويدعوه ّ‬
‫أزواجه ّ‬
‫دة الحذر عليها‪،‬‬
‫ن أموٌر منها‪ :‬أن يظهر لها زوجها ش ّ‬
‫له ّ‬
‫والحتفاظ بها‪ ،‬والغيرة في غير موضعها‪ .‬أو يكون‬
‫ن‬
‫الّرجل منهمكا ً في الفساد‪ ،‬مظاهرا ً لها بالّزنا‪ .‬فإ ّ‬
‫ما يغريها من طلب الّرجال‪ ،‬والحرص عليهم‪ .‬كما‬
‫ذلك م ّ‬
‫قال ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫ما أحسن الغيرة في وأقبح الغيرة في ك ّ‬
‫ل‬
‫حين‪.‬‬
‫حينها‪،‬‬
‫من لم يزل مّتهما ً‬
‫مّتبعا ً فيها لرجم‬
‫ال ّ‬
‫ظنـون‪،‬‬
‫عرسـه‬
‫يخاف‪ ،‬أو ينصبها‬
‫أوشك أن يغريها‬
‫للعيون‪.‬‬
‫بـالـذي‬
‫ي‬
‫حسبك من تحصينها‬
‫ض نق ّ‬
‫منك إلى عر ٍ‬
‫ودين‬
‫مها‬
‫ض ّ‬
‫فيّتبع المقرون حبل‬
‫ل تطلع منك عـلـى‬
‫القرين‬
‫ة‬
‫ريب ٍ‬
‫عبد الله بن رواحة وزوجته‬
‫ذكر ال ّ‬
‫ة له‪،‬‬
‫ن عبد الله بن رواحة أصاب جاري ً‬
‫يإ ّ‬
‫شعب ّ‬
‫فسمعت به امرأته‪ ،‬فأخذت شفرةً فأتته حين قام‬
‫وقالت له‪ :‬أفعلتها يا ابن رواحة? فقال‪ :‬ما فعلت‬
‫شيئًا‪ .‬فقالت‪ :‬لتقرأن قرآنًا‪ ،‬وإل ّ بعجتك بها‪ .‬قال‪:‬‬
‫فف ّ‬
‫كرت في قراءة القرآن وأنا جنب فهبت ذلك‪ ،‬وهي‬
‫امرأةٌ غيراء في يدها شفرةً ل آمن أن تأتي بما قالت‪.‬‬
‫فقلت‪:‬‬
‫ف‬
‫وفينا رسول الله‬
‫ق معرو ٌ‬
‫إذا أنش ّ‬
‫صبح ساطع‬
‫يتـلـو كـتـابـه‬
‫من ال ّ‬
‫ت‪ ،‬أن مـا‬
‫أرانا الهدى‪ ،‬بعد‬
‫به موقنـا ٌ‬
‫قـال واقـع‬
‫العمى‪ ،‬فقلـوبـنـا‬
‫إذا استثقلت‬
‫يبيت يجافي جنبه‬
‫بالكافرين المضـاجـع‬
‫عـن فـراشـه‪،‬‬
‫س ّ‬
‫كين من يدها‪ ،‬وقالت‪ :‬آمنت بالله‪،‬‬
‫قال‪ :‬فألقت ال ّ‬
‫وك ّ‬
‫ي‪ ،‬صّلى الله عليه‬
‫ذبت البصر‪ .‬قال‪ :‬فأتيت الّنب ّ‬
‫وسّلم‪ ،‬فأخبرته بذلك‪ ،‬فضحك وأعجبه ما صنعت‪.‬‬
‫المصيبة في معاتبة المرأة الّرجل‬

‫‪59‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دة شهوة الباه في قلوب‬
‫وكان بعض العلماء لش ّ‬
‫الّنساء‪ ،‬وتم ّ‬
‫دة غيرته‪ ،‬يقول‪ :‬ليس‬
‫ن‪ ،‬وش ّ‬
‫كنه فيه ّ‬
‫المصيبة في معاتبة الّرجل المرأة‪ ،‬إّنما المصيبة في‬
‫معاتبتها إّياه‪ .‬فإّنها إن نظرت إليه ووقع بقلبها موقع‬
‫ة لم يلبث أن تصير في يده‪ ،‬وتبعث الّرسائل‬
‫حظو ٍ‬
‫والشعار والّتحف‪.‬‬
‫يخاف عليها من عينيها‬
‫قال إسحاق‪ :‬رأيت رجل ً بطريق م ّ‬
‫كة‪ ،‬تعادله في‬
‫ة قد شدّ عينيها والغطا مكشوف‪ ،‬ووجها‬
‫المحمل جاري ٌ‬
‫باٍد‪ ،‬فقلت له في ذلك‪ .‬فقال‪ :‬إّنما أخاف عليها من‬
‫عينيها‪ ،‬ل من عيون الّناس‪.‬‬
‫سعيد بن سليمان والنكشاف‬
‫ل على‬
‫قال سعيد بن سليمان لئن يرى حرمتي ألف رج ٍ‬
‫ي من أن ترى‬
‫ل يكشف منها‪ ،‬ول تراهم‪ ،‬أح ّ‬
‫حا ٍ‬
‫ب إل ّ‬
‫حرمتي رجل ً واحدا ً غير منكشف‪.‬‬
‫حّتى على العميان‬
‫م مكتوم ٍ عل رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه‬
‫واستأذن ابن أ ّ‬
‫وسّلم‪ ،‬وعنده امرأتان من نسائه‪ ،‬فقال لهما‪" :‬قوما‬
‫وأدخل البيت‪ ".‬فقالتا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هو أعمى‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫"أفعمياوان أنتما?‪".‬‬
‫ع لما قبله‬
‫باب تاب ٌ‬
‫ة إلى أن يعرفوه ويقفوا عليه‪،‬‬
‫وبالّرجال أعظم حاج ٍ‬
‫سمع‬
‫سابق إلى ال ّ‬
‫وهو الحتراس من أن يلقى الخبر ال ّ‬
‫سابق إلى مقّره دخول ً‬
‫لّنه إذا ألقي دخل ذلك الخبر ال ّ‬
‫ة‪ .‬ومتى‬
‫ة قابل ً‬
‫سهل ً وصادف موضعا ً وطيئًا‪ ،‬وطبيع ً‬
‫صادف القلب كذلك رسخ رسوخا ً ل حيلة في إزالته‪.‬‬
‫ومتى ألقي إلى الفتيات شيءٌ من أمور الفتيان في‬
‫وقت الغرارة وعند غلبة ال ّ‬
‫طبيعة وشباب ال ّ‬
‫شهوة‪ ،‬وعند‬
‫قّلة ال ّ‬
‫شواغل‪ ،‬قوي استحكامه‪ ،‬وصعبت إزالته‪ .‬وكذلك‬
‫ن وهناك سكر‬
‫متى ألقي إلى الفتيان شيءٌ من أموره ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫شياطين ليخلو‬
‫شباب‪ .‬فكذلك يكون حالهم‪ ،‬وإ ّ‬
‫ى أبدا ً‬
‫أحدهم بالغلم الغرير فيقول له ل يكن الغلم فت ً‬
‫ى‪ .‬فما الماء البارد العذب بأسرع في‬
‫حّتى يصادف فت ً‬
‫ى‬
‫طباع العطشان من كلمته إذا كان الغلم أدنى هو ً‬
‫وة‪ .‬وكذلك إذا خلت العجوز بالجارية الحديثة‪.‬‬
‫في الفت ّ‬

‫‪60‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقيل لبنة الحسن‪ :‬لم زنيت بعبدك ولم تزن بحّر‪ ،‬وما‬
‫ن‬
‫سواد‪ ،‬وقرب الوساد‪ .‬ولو أ ّ‬
‫أغراك به? قالت‪ :‬طول ال ّ‬
‫ة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫م ً‬
‫قبح الّناس وجهًا‪ ،‬وأخبثه نفرًا‪ ،‬وأسقطهم ه ّ‬
‫ة قد تمكن كلمها وأعطته سمعها‪ :‬والله يا‬
‫لمرأ ٍ‬
‫سّيدتي ويا مولتي‪ ،‬لقد أتعبت قلبي‪ ،‬وأرقت عيني‪،‬‬
‫م أمري‪ ،‬فما أعقل أهل ً ول مال ً ول‬
‫وشغلتني عن مه ّ‬
‫ولدًا‪ .‬لنقض طباعها‪ ،‬وفتح عقدها ولو كانت أبرع‬
‫ل‪ ،‬وأكملهم كما ً‬
‫الخلق جما ً‬
‫ل‪ .‬وإّنما قال عمر رضي الله‬
‫داعية إلى‬
‫ن بالعري ل ّ‬
‫ن الّثياب هي ال ّ‬
‫عنه‪ :‬أضربوه ّ‬
‫الخروج من العراس‪ ،‬والقيام في المناجاة‪ ،‬وال ّ‬
‫ظهور‬
‫في العياد‪ .‬فمتى كثر خروجها لم يعدمها أن ترى من‬
‫م حسنا ً والذي‬
‫هو من شكل طبعها‪ ،‬ولو كان بعلها أت ّ‬
‫ما‬
‫رأت أنقض حسنًا‪ ،‬لكانت بما ل تملكه أطرف م ّ‬
‫ما لم تمّله وتستكثر منه أشدّ الوجد‬
‫تملكه‪ .‬وكانت م ّ‬
‫وهي به أشدّ استقبا ً‬
‫ل‪ .‬كما قال‪:‬‬
‫هوى الّنفس شيئا ً‬
‫وللعين ملعى في‬
‫كاقتياد ال ّ‬
‫طرائف‬
‫البلد ولـم يقـد‬
‫ن حّتى ل يأشرن‬
‫وعه ّ‬
‫يج ّ‬
‫وقيل لعقيل بن علقمة‪ :‬أما تخاف على بناتك وقد‬
‫ن فل يأشرن‪،‬‬
‫وعه ّ‬
‫وجه ّ‬
‫ن? قال‪ :‬كّل‪ ،‬أج ّ‬
‫عنسن ولم تز ّ‬
‫ن فل ينظرن‪ .‬فوافقت إحدى كلمتيه قول‬
‫وأعّريه ّ‬
‫سلم‪ ،‬ووافقت الخرى قول‬
‫الّنبي صّلى الله عليه و ّ‬
‫ي صّلى الله عليه وسّلم‬
‫عمر رضي الله عنه‪ .‬فإ ّ‬
‫ن الّنب ّ‬
‫صوم وجاء‪ ".‬وقال عمر بن الخ ّ‬
‫طاب رضي الله‬
‫قال‪" :‬ال ّ‬
‫ن بالعري‪.‬قال‪:‬‬
‫عنه‪ :‬أضربوه ّ‬
‫هارون البردعي والع ّ‬
‫طار‬
‫م‬
‫ي يقول لهله‪ :‬محّر ٌ‬
‫وكان هارون بن عبد الله البردع ّ‬
‫ل يقف ببابك‪ ،‬وسمعت حلوة‬
‫عليك إن نظرت إلى سائ ٍ‬
‫نغمه‪ .‬وكان ينهي الباعة إذا دخلوا سكنه عن الّنداء‬
‫على بضائعهم‪ .‬ورأيته مّرةً يضرب ع ّ‬
‫طارا ً سمعه يترّنم‬
‫بوصف العطر وكان ينفق بضاعته حسن صوته‪،‬‬
‫ي‪ ،‬والمحلب واللبان والمسك‬
‫فيقول‪ :‬العود المطر ّ‬
‫جعه‪.‬‬
‫دد ذلك بصوته فير ّ‬
‫والعنبر‪ .‬وير ّ‬
‫فكان الّنساء يستمعن إليه ويشرفن من المطالع‬
‫ن إلى الّنظر إليه لو‬
‫ويتبعن البواب حّتى تصل عيونه ّ‬
‫أراد الجماع لكفتهن الذان وربما اشترين منه ما ل‬

‫‪61‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫يحتجن إليه‪ .‬قال‪ :‬فقلت له‪ :‬يا أبا وائل‪ ،‬فإّنك قد انعم‬
‫ء كنت تمنعه! قال‪ :‬جعلت فداك‪ ،‬إّنما أمنع‬
‫الله بشي ٍ‬
‫ن الّنساء‬
‫منعي لنفسي لئل ّ يسمعه من في منزلي‪ .‬فإ ّ‬
‫ب إلى الّنغمة الحسنة‪ ،‬فإن كان‬
‫أسرع شي ٍ‬
‫ء ذهاب قلو ٍ‬
‫ه برئت المرأة من الله أن لم تحتل في‬
‫معه حسن وج ٍ‬
‫وادًا‪ .‬قلت‪ :‬ل‪ ،‬ول ك ّ‬
‫ل‬
‫صرف قلبه إليها‪ ،‬ويصير الّزوج ق ّ‬
‫هذا! قال‪ :‬فأسألك أل سألته أن يستعمل هذا الكلم‬
‫س ّ‬
‫كة‪ .‬فذبنا به‬
‫مّرةً أو مّرتين أو ثلثا ً في غير هذه ال ّ‬
‫إلى غيرها وجعل الع ّ‬
‫م الّثالثة حّتى‬
‫طار ينادي فما أت ّ‬
‫ما‬
‫تحّركت أكتافي له طربا ً وجعلت ل أمّر ول آجي ل ّ‬
‫سكرت من حسن صوته‪ .‬فقال‪ :‬كيف تراه? قلت‪ :‬أراه‬
‫يستولي على قلوب الّرجال‪ .‬قال‪ :‬فكم قلب الّرجل‬
‫على ترك الّتهتك من قلب المرأة? هذا إذا كانت بلغت‬
‫ة‬
‫ما إذا كانت شاب ّ ً‬
‫من ال ّ‬
‫س ّ‬
‫ن مبلغا ً ونقضت شهوتها فأ ّ‬
‫ة‪ ،‬وهي‬
‫ة‪ ،‬وكثرة لذّ ٍ‬
‫دة شهو ٍ‬
‫ل‪ ،‬ومعها ش ّ‬
‫ولها فضل جما ٍ‬
‫ذات حاجة‪ ،‬وخالية ال ّ‬
‫ذرع من الفكرة في المعاش‪،‬‬
‫وخالية القلب‪ ،‬وقد أمنت ضرب الّزوج وتطليقه‪ ،‬وغيرة‬
‫جعها على‬
‫الخ‪ ،‬وقّلة صيانة الب‪ ،‬وأصابت من يش ّ‬
‫فعلها‪ ،‬ويفتح لها أبواب نظرتها‪ ،‬ويسعى لها في طلب‬
‫ديق‪ ،‬ويحّرضها على الّتهّتك‪ ،‬وقد قرب منها‬
‫ص ّ‬
‫ال ّ‬
‫صوت‪ ،‬وخلت من الّرقيب‪ ،‬ولم يكن لها في الرض‬
‫ال ّ‬
‫سهم من الّرمية‬
‫أشرا ٌ‬
‫ف‪ ،‬ول أهل عفا ٍ‬
‫ف‪ ،‬فما يمرق ال ّ‬
‫كمروق هذه إلى الباطل‪.‬‬
‫شيئان ل تؤمن عليهما المرأة‬
‫وكانت هند بنت المهّلب من عقلء الّنساء وكانت‬
‫تقول‪ :‬شيئان ل تؤمن عليهما المرأة‪ :‬الّرجال‪،‬‬
‫وال ّ‬
‫طيب‪.‬‬
‫ب‬
‫دة الح ّ‬
‫ن من ش ّ‬
‫سوء الظّ ّ‬
‫وأنشد إسحاق بن إبراهيم‪:‬‬
‫وإّني بها في ك ّ‬
‫ن من‬
‫ل‬
‫ن سوء الظ ّ‬
‫ولك ّ‬
‫ب‬
‫ق‬
‫دة الح ّ‬
‫ش ّ‬
‫ل لـواثـ ٌ‬
‫حا ٍ‬
‫ن الّنساء‬
‫ل تأمن ّ‬
‫وأنشد آخر‪:‬‬
‫ن على الّنساء ما في الّرجال على‬
‫ل تأمن ّ‬
‫ً‬
‫الّنساء أمين‬
‫ولو أخـا‪،‬‬

‫‪62‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ك ّ‬
‫ل الّرجال وإن‬
‫تع ّ‬
‫فف جـهـده‬
‫ن وجاريته وغلمه‬
‫ديك الج ّ‬
‫ن شعرا ً‬
‫وقال عبد ال ّ‬
‫سلم بن رغبان المشهور بديك الج ّ‬
‫ة‬
‫م كالقمر‪ ،‬وجاري ٌ‬
‫ة حسن ٍ‬
‫م ٍ‬
‫ة‪ .‬وكان له غل ٌ‬
‫أديبًا‪ ،‬ذا ه ّ‬
‫كال ّ‬
‫شمس‪ .‬وكان يهواهما جميعًا‪ .‬فدخل ذات يوم ٍ بوجد‬
‫ة للغلم تقّبله‪ ،‬فشدّ عليهما فقتلهما‬
‫الجارية معانق ً‬
‫م جلس عند رأس الجارية فبكاها طويل ً وقال‪:‬‬
‫جميعًا‪ .‬ث ّ‬
‫فجنى لها ثمر‬
‫ة طلع‬
‫يا طلع ً‬
‫الـّردى بـيديهـا‬
‫الحمـام عـلـيهـا‬
‫ح ّ‬
‫ومدامعي تجري‬
‫كمت سيفي في‬
‫ديهـا‬
‫مجال خناقـهـا‬
‫علـى خـ ّ‬
‫ي‬
‫رويت من دمها‬
‫ر ّ‬
‫وى الهوى شفت ّ‬
‫من شفتـيهـا‬
‫الّثرى ولطالـمـا‬
‫ي مـن‬
‫فوحق نعليها‪ ،‬وما‬
‫شيءٌ أعّز عل ّ‬
‫عـينـيهـا‬
‫وطىء الحصى‪،‬‬
‫ما كان قتليهـا لّنـي أبكي إذا سقط‬
‫الغبار عـلـيهـا‬
‫لـم أكـن‬
‫وأنفت من نظر‬
‫لكن بخلت على‬
‫العـيون إلـيهـا‬
‫النام بحسـنـهـا‬
‫ثم جلس عند رأس الغلم يبكي‪:‬‬
‫أو أبتلي بعد الّزمان‬
‫أشفقت أن يرد‬
‫بهـجـره‬
‫الّزمان بـغـدره‬
‫دتي وجلوتـه‬
‫قمٌر أنا استخرجته‬
‫لمو ّ‬
‫فـي خـدره‬
‫ة‬
‫مـن دجـن ٍ‬
‫فلي الحشا وله‬
‫ي‬
‫فقتلتـه وبـه عـلـ ّ‬
‫الفؤاد بـأسـره‬
‫ة‬
‫كـرام ً‬
‫وال ّ‬
‫عهدي به مّيتا ً‬
‫طرف يسفح‬
‫دمعتي في نحره‬
‫كـأحـسـن نـائم ٍ‬
‫ي منه بكى له‬
‫لو كان يدري المّيت‬
‫بالح ّ‬
‫في قـبـره‬
‫ماذا بـعـده‬
‫ويكاد يخرج قلبه مـن‬
‫ص تكاد تفيض‬
‫غص ٌ‬
‫صـدره‬
‫منها نفسـه‬
‫الّرازي وبدر الّتمام‬
‫وأنشد الّرازي‪:‬‬
‫ة‬
‫ن بنـظـر ً‬
‫ل بدّ أ ّ‬
‫سـيخـون‬

‫‪63‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫لما لحظ الّناس بدر‬
‫الّتمـام‬
‫ويحيى إذا شاء‬
‫بالبتـسـام‬
‫فمن أين للبدر حسن‬
‫القوام?‬
‫ك وكان بذلك عنـد‬
‫النـام‬

‫أما واهتزازك لو‬
‫أستطـيع‬
‫ومن أين للبدر وجـه‬
‫ت‬
‫مـي ّ ٍ‬
‫فهبه حكاك بحسن‬
‫ضـيا‬
‫الـ ّ‬
‫أغار على حسنه إذ‬
‫حـكـا‬
‫مام‬
‫غيرة أبي ت ّ‬
‫مام‪:‬‬
‫وأنشد لبي ت ّ‬
‫بنفسي من أغار‬
‫عليه مّنـي‬
‫ولو أّني قدرت‬
‫طمست عنه‬
‫وأنشد الخر‪:‬‬
‫أغار عليك من قلبـي‬

‫ة نظـرت‬
‫وأحسد مقل ً‬
‫إلـيه‬
‫عيون الّناس من‬
‫حذري عليه‬

‫دي‬
‫وأشفق أن أرى خ ّ‬

‫ولو أعطيتني أملـي‬
‫ك نصب مواقع‬
‫القبل‬

‫غيرة جميل بن معمر‬
‫ن جميل بن معمر قال لبثينة‪ :‬ما رأيت مصعب‬
‫ويروى أ ّ‬
‫بن الّزبير يخطر بالبلد إل ّ أخذتني عليك الغيرة‪.‬‬
‫علي الجعفري وحرارة الهوى‬
‫وعن علي بن عبد الله الجعفري‪ ،‬وكان شاعرا ً وأديبًا‪،‬‬
‫ج أبو‬
‫قال‪ :‬كنت أجلس بالمدينة وأنشد أشعاري‪ ،‬فح ّ‬
‫ما صار إلى المدينة وأنا ذات يوم ٍ أنشد‪،‬‬
‫نواس فل ّ‬
‫والّناس مجتمعون علي‪ ،‬إذ دخل أبو نواس‪ .‬فرأيته من‬
‫م قال‪ :‬يا هذا أل تنشد بيتيك اللذين‬
‫بين الّناس ث ّ‬
‫تك ّ‬
‫شحت فيهما? فقلت‪ :‬وما هما‪ .‬قال‪ :‬اللذان تقول‬
‫فيهما‪:‬‬
‫ن هواها ليس عّني‬
‫ما بدا لي أّنها ل‬
‫وأ ّ‬
‫ول ّ‬
‫بمنجلـي‬
‫تـحـّبـنـي‬
‫تذوق حرارات الهوى‬
‫تمّنيت أن تبلي‬
‫فترقّ لي‬
‫بغيري لعّلـهـا‬
‫قلت‪ :‬أفل أنشدك بيتي اللذين أتغاير فيهما? قال‪:‬‬
‫بلى‪ .‬فأنشدته‪:‬‬

‫‪64‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وطلبيك وامتناعك‬
‫رّبما سّرني صدودك‬
‫مّنـي‬
‫عّنـي‬
‫حذرا ً أن يكون مفتاح فإذا ما خلوت كنت‬
‫الّتمني‬
‫غيري‬
‫قال‪ :‬فسألت عنه‪ .‬فقيل لي أبو نواس‪.‬‬
‫ن رجل ً فيم يضرب امرأته?‬
‫ل تسأل ّ‬
‫ي‪،‬‬
‫قال الشعث بن قيس نزلت ببعض أصحاب الّنب ّ‬
‫صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬فقام إلى امرأته فضربها‪،‬‬
‫فحجزت بينهما‪ .‬قال‪ :‬فرجع إلى فراشه‪ ،‬وقال‪ :‬يا‬
‫أشعث‪ ،‬احفظ شيئا ً سمعته من رسول الله صّلى الله‬
‫ن رجل ً فيم ضرب امرأته?"‪.‬‬
‫عليه وسّلم "ل تسأل ّ‬
‫أبو الصبع وبناته الربع‬
‫ي غيورًا‪ ،‬وكان‬
‫قال ابن عائشة‪ :‬كان أبو الصبع العدوان ّ‬
‫ن‪:‬‬
‫ن‪ ،‬فقالت واحدةٌ منه ّ‬
‫وجه ّ‬
‫له أربع بنات‪ ،‬فأبى أن يز ّ‬
‫لتقل ك ّ‬
‫ة مّنا ما في نفسها‪ .‬فقالت كبراهن‪:‬‬
‫ل واحد ٍ‬
‫حديث ال ّ‬
‫شباب طّيب‬
‫أل ليت زوجي من‬
‫الّنشر وال ّ‬
‫ذكر‬
‫ى‬
‫س ذوي غن ً‬
‫أنا ٍ‬
‫ر ل يقيم‬
‫لصوقٌ بأكباد‬
‫خليفة جا ٍ‬
‫على الهـجـر‬
‫الـّنـسـاء كـأّنـه‬
‫قلن لها أنت تريدين شاب ّا ً غني ًّا‪ :‬وقالت الّثانية‪:‬‬
‫ة يشقى بها‬
‫عظيم رماد القدر‬
‫له جفن ٌ‬
‫الّنيب والجزر‬
‫ب فـنـاؤه‬
‫رح ٌ‬
‫له خلقان‪ :‬ال ّ‬
‫ن ول‬
‫شيب‬
‫تشين‪ ،‬ول وا ٍ‬
‫صرع غمر‬
‫ة‬
‫من غير كبـر ٍ‬
‫فقلن لها أنت تريدين سّيدًا‪.‬‬
‫وقالت الّثالثة‪:‬‬
‫م كبعل‬
‫ة‬
‫أل هل تراها مّر ً‬
‫يض ّ‬
‫ي المـهـّنـد‬
‫وخـلـيلـهـا‬
‫المشرف ّ‬
‫إذا ما انتمى من أهل‬
‫عليه رواءٌ للـيسـار‬
‫بيتي ومحتدي‬
‫ورهـطـه‬
‫م لك قد عرفته‪.‬‬
‫فقلن لها أنت تريدين ابن ع ّ‬
‫صغرى‪ :‬ما تقولين أنت? فقالت‪ :‬ل أقول شيئًا‪.‬‬
‫وقلن لل ّ‬
‫فقلن لها‪ :‬لن ندعك لّنك أ ّ‬
‫طلعت على أسرارنا وكتمت‬
‫ج من عود‪،‬‬
‫سّرك‪ .‬فقالت‪ :‬ل أدري ما أقول‪ ،‬إل ّ أّنه زو ٌ‬
‫ن جميعًا‪.‬‬
‫وجه ّ‬
‫خيٌر من قعود‪ .‬قال‪ :‬فخطبن‪ ،‬فز ّ‬

‫‪65‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ل تكثروا الغيرة على أهلكم‬
‫سلم أّنه قال‬
‫وروي عن سليمان بن داود عليهما ال ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫لبنه‪ :‬يا بني‪ ،‬ل تكثر الغيرة على أهلك من غير ريب ٍ‬
‫ة‪.‬‬
‫سوء من أجلك وإن كانت بريئ ً‬
‫فترمى بال ّ‬
‫مدّ يده فلمس أربعا ً‬
‫وقال بعض ال ّ‬
‫ظرفاء‪ :‬كنت شديدة الغيرة‪ ،‬فأخبرت‬
‫ة‬
‫ة سوداء فذهبت مع إخوان لي عندها ليل ً‬
‫بمجيء قبيح ٍ‬
‫سراج‪ ،‬فضربت بيدي إلى صدرها فإذا دون‬
‫فطفىء ال ّ‬
‫د‪ ،‬فما أعلم أّني خطٌر ببالي امرأةً بعد ذلك‪.‬‬
‫يدي أربع أي ٍ‬
‫غيرة سليمان بن عبد الملك‬
‫ة‪.‬‬
‫قال‪ :‬كان سليمان بن عبد الملك من أشدّ الّناس غير ً‬
‫د السدي قال‪ :‬دخلت على سليمان بن‬
‫فحكي أبو زي ٍ‬
‫ط بالّرخام الحمر‪،‬‬
‫ن مبل ّ ٍ‬
‫عبد الملك وهو على دكا ٍ‬
‫ن قد أينعت‬
‫ش بال ّ‬
‫مفرو ٌ‬
‫ديباج الصفر في وسط بستا ٍ‬
‫ثماره‪ ،‬ورنت أطياره‪ ،‬وأزهر نبت الّربيع؛ وعلى رأسه‬
‫وصائف ك ّ‬
‫سلم‬
‫ل واحد ٍ‬
‫ة أحسن من صاحبتها‪ ،‬فقلت‪ :‬ال ّ‬
‫عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته‪ .‬وكان‬
‫سليمان مطرقا ً فرفع رأسه فقال‪ :‬أبا زيد‪ ،‬في مثل‬
‫هذا اليوم يصلب أحدٌ حي ًّا‪ .‬فقلت‪ :‬يا سّيدي‪ ،‬يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬أو قد قامت القيامة? قال‪ :‬نعم على رأس‬
‫أهل الهوى سّرًا‪.‬‬
‫م أطرق رأسه‪ ،‬وقال‪ :‬أبا زيد ما يطيب في يومنا هذا?‬
‫ث ّ‬
‫ة بيضاء‪ ،‬تناولنيها‬
‫فقلت‪ :‬قهوةٌ حمراء‪ ،‬في زجاج ٍ‬
‫ة لفاء دعجاء‪ ،‬أشربها في‬
‫مقدودةٌ هيفاء‪ ،‬مضموم ٌ‬
‫فها‪ ،‬وأمس فمي بفمها‪ :‬فأطرق سليمان ملي ّا ً‬
‫ك ّ‬
‫حين عنه‬
‫ما رأى الوصائف ذلك تن ّ‬
‫ودموعه تنحدر‪ .‬فل ّ‬
‫فرفع رأسه وقال‪ :‬يا أبا زيد‪ ،‬حللت والله في يوم ٍ فيه‬
‫دتك‪ ،‬وفناء عمرك‪ .‬والله‬
‫انقضاء أجلك‪ ،‬وتصرم م ّ‬
‫صفة من‬
‫لضرب ّ‬
‫ن عنقك أو تخبرني ما الذي أثار هذه ال ّ‬
‫قلبك? قلت‪ :‬نعم يا أمير المؤمنين‪ ،‬كنت جالسا ً على‬
‫ة قد خرجت‬
‫باب أخيك سعيد بن عبد الملك وإذا جاري ٌ‬
‫ص اسكندراني‪ ،‬يبين منه‬
‫إلى باب القصر عليها قمي ٌ‬
‫بياض ثدييها‪ ،‬وتدوير سّرتها‪ ،‬ونقش تكتها؛ وفي‬
‫رجليها نعلها‪ ،‬قد أشرق بياض قدميها على حمرة‬
‫ة تضرب إلى حقويها وتسّيل‬
‫نعليها؛ ولها ذؤاب ٌ‬
‫كالعثاكيل على منكبيها؛ وطّرةٌ قد أسبلت على جبينها؛‬

‫‪66‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ولها صدغان كأّنهما نونان على وجنتيها‪ ،‬وحاجبان قد‬
‫وسا على محجري عينيها‪ ،‬وعينان مملوءتان سحرًا‪،‬‬
‫تق ّ‬
‫دواء‬
‫وأن ٌ‬
‫ف كأّنه قصبة دّر‪ ،‬وهي تقول‪ :‬عباد الله ما ال ّ‬
‫ما ينتمي? طال الحجاب‪،‬‬
‫لما ل يشتكي‪ ،‬والعلج م ّ‬
‫ب عازب‪ ،‬والعين‬
‫وأبطأ الكتاب‪ .‬العقل ذاهب‪ ،‬والل ّ‬
‫عبرى‪ ،‬والرق دائم‪ ،‬والوجد موجود‪ ،‬والّنفس والهة‪،‬‬
‫والفؤاد مختلس‪ .‬فرحم الله قوما ً عاشوا تجّلدًا‪ ،‬وماتوا‬
‫صبر حيلة‪ ،‬وإلى العزاء وسيلة‪،‬‬
‫تبّلدًا‪ :‬لو كان في ال ّ‬
‫لكان أمرا ً جمي ً‬
‫ل! ‪.‬‬
‫ة أو‬
‫ة أنت أم جن ّّية سماوي ّ ٌ‬
‫فقلت‪ :‬أّيتها الجارية أنسي ّ ٌ‬
‫أرضّية‪ ،‬فقد أعجبني ذكاء عقلك‪ ،‬وأذهلني حسن‬
‫مها كأنها لم ترني‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫منطقك? فسترت وجهها بك ّ‬
‫أعذر أّيها المتكّلم‪ ،‬فما أوحش الوجد بل مساعد‪،‬‬
‫م انصرفت‪ ،‬فوالله يا أمير‬
‫والمقاساة لصب معاند‪ .‬ث ّ‬
‫المؤمنين ما أكلت طّيبا ً إل ّ غصصت به لذكرها‪ ،‬ول‬
‫رأيت حسنا ً إل ّ سمج في عيني لحسنها‪ .‬فقال‬
‫صبا يعاودني‪،‬‬
‫سليمان‪ :‬أبا زيد كاد الجهل يستفّزني‪ ،‬وال ّ‬
‫والحلم يغرب عّني‪ .‬تلك ال ّ‬
‫ذلفاء التي يقول فيها‬
‫ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫إّنما ال ّ‬
‫أخرجت من كيس‬
‫ذلـفـاء‬
‫دهقان‬
‫ياقـوتـه‬
‫ة‬
‫م‪ ،‬وهي عاشق ٌ‬
‫شراؤها على أخي ألف ألف دره ٍ‬
‫لمولها الذي باعها منه‪ .‬والله ل ملت إل ّ بحسرتها‪ ،‬ول‬
‫صبر سلوة‪ ،‬وفي تو ّ‬
‫قع‬
‫فارق ال ّ‬
‫صتها‪ .‬وفي ال ّ‬
‫دنيا إل ّ بغ ّ‬
‫الموت نهية‪ .‬قم أبز زيد فأكتم المفاوضة‪ ،‬ويا غلم‬
‫ث ّ‬
‫ما هلك سعيد بن عبد الملك‬
‫قل يده ببدر ٍ‬
‫ة‪ .‬قال‪ :‬فل ّ‬
‫صارت الجارية إلى أخيه سليمان ولم يكن في عصرها‬
‫أجمل منها‪ ،‬فملكت قلبه‪ ،‬وغلبت عليه دون سائر‬
‫ً‬
‫ع يقال له‬
‫جواريه‪ .‬فخرجا يوما إلى دهناء الغوطة بموق ٍ‬
‫ة خضراء‬
‫دير الّرهبان فضرب فسطاطه في روض ٍ‬
‫مونقة‪ ،‬زهراء ذات حدائق وبهجة‪ ،‬ح ّ‬
‫ع الّزهر‬
‫فها أنوا ٌ‬
‫ض‪ .‬فمن بين أصفر فاقع‪ ،‬وأبيض ساطع‪ ،‬مثل‬
‫الغ ّ‬
‫الّنبات تحمل منه الّريح نسيم المسك الذفر‪ ،‬ويؤدي‬
‫وع عرفها فتيت العنبر‪.‬‬
‫تض ّ‬
‫ن يأنس به‪ ،‬ويكثر الخلو معه‪ ،‬ويستمع‬
‫وكان له مغ ّ‬
‫حديثه‪ ،‬يقال له يسار‪ .‬وكان أحسن الّناس وجهًا‪،‬‬

‫‪67‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة بالقرب منه‬
‫وأظرفهم ظرفًا‪ .‬فأمر بضرب فسطاط ٍ‬
‫وكانت ال ّ‬
‫ذلفاء قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المنتزه‪.‬‬
‫ر‪،‬‬
‫فلم يزل يسار يومه ذلك عند سليمان في أكمل سرو ٍ‬
‫ر إلى‬
‫وأت ّ‬
‫ر‪ ،‬إلى أن أتى الليل وحان انصراف يسا ٍ‬
‫م حبو ٍ‬
‫د‬
‫موضعه فوجد جماع ً‬
‫ة قد أناخوا به‪ ،‬فسّلموا عليه‪ ،‬فر ّ‬
‫ح بدخولهم‪ .‬فأحضر‬
‫عليهم ال ّ‬
‫سلم جذلن بنزولهم‪ ،‬وفر ٍ‬
‫ال ّ‬
‫طعام فأكلوا‪ ،‬وقدم ال ّ‬
‫م قال‪ :‬هل‬
‫شراب فنالوا منه‪ .‬ث ّ‬
‫ة? قالوا‪ :‬ما جئناك إل ّ للقرى‪ .‬فقال‪ :‬بالجانب‬
‫من حاج ٍ‬
‫ما‬
‫الخصب نزلتم‪ ،‬وبالمنزل الّرحب حللتم‪ .‬فقالوا له‪ :‬أ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ما ال ّ‬
‫شراب فقد حضر‪ ،‬وبقي‬
‫طعام فقد أكلنا‪ ،‬وأ ّ‬
‫سماع‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫سماع فل سبيل إليه مع غيرة أمير‬
‫ما ال ّ‬
‫قال‪ :‬أ ّ‬
‫المؤمنين ونهيه إّياي عن الغناء إل ّ ما كان في مجلسه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬فل حاجة لنا في ال ّ‬
‫طعام عندك ما لم تسمعنا‪.‬‬
‫ما رآهم غير موقلين عنه رفع عقيرته وغّنى بهذه‬
‫فل ّ‬
‫البيات‪:‬‬
‫في آخر الليل حّتى‬
‫ة سمعت‬
‫محجوب ٌ‬
‫سهـر‬
‫صوتي فأرقـهـا‬
‫مّلها ال ّ‬
‫فدمعها لطوق‬
‫صوت‬
‫لم يحجب ال ّ‬
‫صوت ينـحـدر‬
‫ق‬
‫س ول غل ٌ‬
‫ال ّ‬
‫أجرا ٌ‬
‫أوجهها عنده أضوا‪،‬‬
‫في ليلة البدر ل‬
‫أم القـمـر‬
‫يدري مضاجعها‪،‬‬
‫يكاد من لينه‬
‫لو خّليت لمشت‬
‫للمشـي ينـفـطـر‬
‫نحوي علـى قـدم‬
‫ما سمعت ال ّ‬
‫ر خرجت إلى صحن‬
‫قال فل ّ‬
‫ذلفاء صوت يسا ٍ‬
‫صوت‪ ،‬فجعلت ل تسمع شيئا ً من‬
‫الفسطاط تسمع ال ّ‬
‫خلق‪ ،‬ولطافة ق ّ‬
‫ط‪ ،‬إل ّ الذي وافق المعنى‪ .‬ومن نعت‬
‫ٍ‬
‫صوت إل ّ رأت ذلك كّله في نفسها‪،‬‬
‫ال‬
‫واستماع‬
‫الليل‬
‫ّ‬
‫فحّرك ذلك ساكنا ً كان في قلبها فهملت عيناها‪ ،‬وعل‬
‫نشيجها‪ .‬فانتبه سليمان فلم يجدها معه في الفسطاط‬
‫فخرج إلى صحنه فرآها على تلك الحال‪ ،‬فقال لها‪ :‬ما‬
‫هذا يا ذلفاء? فقالت‪ :‬يا أمير المؤمنين‪:‬‬
‫قبيح المحّيا واضع‬
‫ع‬
‫ب صو ٍ‬
‫أل ر ّ‬
‫ت رائ ٍ‬
‫الب والجد‬
‫ه‬
‫و ٍ‬
‫من مش ّ‬

‫‪68‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة يعزى معا ً‬
‫وعك منه صوته‬
‫إلى أم ٍ‬
‫ير ّ‬
‫وإلى عبد‬
‫ولـعـّلـه‬
‫فقال سليمان‪ :‬دعيني من هذا‪ ،‬فوالله لقد خامر قلبك‬
‫ذلفاء خادما ً‬
‫ي يسار‪ .‬فدعت ال ّ‬
‫منه ما خامر‪ .‬يا غلم‪ ،‬عل ّ‬
‫ر فح ّ‬
‫ذرته فلك عشرة‬
‫لها وقالت‪ :‬إن سبقت إلى يسا ٍ‬
‫آلف درهم ٍ وأنت حٌر‪ .‬فسبق رسول سليمان فأحضره‬
‫ة‪ ،‬قال‪ :‬من‬
‫ما وقف بين يديه? وسليمان يرعد غير ً‬
‫فل ّ‬
‫أنت? فقال‪ :‬يسار‪ .‬فقال سليمان‪:‬‬
‫ة‬
‫تثكل في الّثكل‬
‫كان لها ريحان ً‬
‫مـه‬
‫مه‬
‫تش ّ‬
‫يسارا ً أ ّ‬
‫مـه‬
‫مـه‬
‫ذو شفة حياته تغـ ّ‬
‫وخاله يثكلـه وعـ ّ‬
‫فقال يسار‪:‬‬
‫ن لساني بال ّ‬
‫شراب‬
‫واستبقني إلى‬
‫إ ّ‬
‫منكسـر‬
‫صباح أعتذر‬
‫ال ّ‬
‫فإن أكن أذنبت ذنبا ً‬
‫ق‬
‫فالسّيد المولى أح ّ‬
‫من غفر‬
‫أو عثـر‬
‫م قال‪ :‬يا يسار ألم أنهك عن مثل هذا الفعل? فقال‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫م طرقوني‪ ،‬وأنا‬
‫يا أمير المؤمنين حملني الّثمل وقو ٌ‬
‫عبد أمير المؤمنين‪ .‬فإن رأى أن ل يضيع ح ّ‬
‫ظه مّني‬
‫فليفعل‪ .‬قال‪ :‬أما ح ّ‬
‫ظ منك فلم أضّيعه‪ ،‬ولكن ل تركت‬
‫ن الّرجل إذا‬
‫للّنساء فيك حظّا ً أبدا ً يا يسار‪ .‬أما علمت أ ّ‬
‫دقت‬
‫تغّنى أصغت إليه المرأة? وأ ّ‬
‫ن الفرس إذا صهل تو ّ‬
‫ن الفحل إذا هدر صغت له الّناقة‪ .‬يا‬
‫له الحصان؛ وأ ّ‬
‫ة ومات‪.‬‬
‫غلم إئتني بخّتان‪ .‬فختنه‪ ،‬فعاش بعد ذلك سن ً‬
‫دير دير الخصيان وبه يعرف إلى الن‪.‬‬
‫مي ال ّ‬
‫فس ّ‬
‫وكتب إلى عثمان بن حّيان المّري عامله على المدينة‪:‬‬
‫أن أحص من قبلك من المغّنين‪ .‬فخصي الدّّلل فقال‪:‬‬
‫الن صرنا نساءً ح ّ‬
‫قًا‪.‬‬
‫حف‪ .‬وإّنما‬
‫دعى بعض بني مروان أ ّ‬
‫ن عمل المدينة ص ّ‬
‫وا ّ‬
‫رأى في الكتاب أخص من قبلك‪ ،‬فقال الكاتب الذي‬
‫ة‬
‫قرأ الكتاب‪ :‬كيف يقولون ذلك ولقد كانت الخاء مبعج ً‬
‫ة كأّنها سهيل?‪.‬‬
‫بنقط ٍ‬
‫غيرة عقيل بن علقمة‬
‫قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي قيل لعقيل بن‬
‫علقمة وكان شديد الغيرة‪ ،‬وأراد سفرًا‪ :‬أين غيرتك‬

‫‪69‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن الجوع والعري‪،‬‬
‫على من تخّلف? قال‪ :‬أخّلف معه ّ‬
‫ن إذا جعن لم يمزحن‪ ،‬وإذا عرين لمم يبرحن‪.‬‬
‫فإّنه ّ‬
‫غيرة سعد بن عبادة‬
‫ن سعد بن عبادة قال‪ :‬لو رأيت‬
‫وعن المغيرة بن شعبة أ ّ‬
‫سيف‪ .‬فبلغ ذلك‬
‫رجل ً مع امرأتي لضربت رأسه بال ّ‬
‫الّنبي‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬فقال‪" :‬ل تعجبوا من‬
‫د‪ ،‬والله أغير‬
‫د‪ ،‬فوالله إّني لغير من سع ٍ‬
‫غيرة سع ٍ‬
‫مّني‪ ،‬من أجل ذلك حّرم الله الفواحش ما ظهر منها‬
‫سيف?"‬
‫وما بطن"‪ .‬فقال‪" :‬يا أبا ثابت أكنت ضاربه بال ّ‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬والذي نّزل عليك الكتاب‪ .‬فقال رسول الله‪،‬‬
‫مها‪.‬‬
‫صّلى الله عليه وسّلم‪" :‬كفى بال ّ‬
‫سيف شا‪ ".‬ولم يت ّ‬
‫سكران‪.‬‬
‫أراد شاهدا ً لئّل يبالغ فيه الغيران أو ال ّ‬
‫قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة‪ :‬كان امرؤ القيس بن‬
‫حجر مئناثا ً ل يولد له ذكر‪ ،‬وكان غيورا ً شديد الغيرة‪،‬‬
‫ما رأى نساؤه ذلك غّيبن‬
‫فإذا ولدت له بنتا ً قتلها‪ .‬فل ّ‬
‫ن في أحياء العرب‪ .‬وبلغه ذلك فركب راحلته‬
‫بناته ّ‬
‫ي من أحياء العرب‪،‬‬
‫وخرج مرتادا ً له ّ‬
‫ن حّتى أناخ على ح ّ‬
‫ن تجيز لي هذا البيت‬
‫وإذا جوار مجتمعا ٍ‬
‫ت‪ ،‬فقال‪ :‬أّيتك ّ‬
‫ولها راحلتي? فسكتن عنه‪ ،‬وقالت ابنته‪ :‬هات‪ .‬فأنشأ‬
‫يقول‪:‬‬
‫بيضاء بهنكة عليها‬
‫تبلت فؤادك إذ‬
‫لـؤلـؤ‬
‫ة‬
‫عرضت عشي ً‬
‫م قالت‪:‬‬
‫قال‪ :‬فسكتت ساعة‪ ،‬ث ّ‬
‫كنقا ال ّ‬
‫ظليم وزال‬
‫لعقيلة الدحي بات‬
‫يحـ ّ‬
‫عنها الجؤجؤ‬
‫فـهـا‬
‫ي آخر‪،‬‬
‫فضربها بال ّ‬
‫سيف فقتلها‪ .‬وسار حّتى نزل بح ّ‬
‫ن تجيز لي هذا البيت ولها‬
‫ر يلعبن فقال‪ :‬أّيتك ّ‬
‫فإذا بجوا ٍ‬
‫راحلتي? فسكتن عنه‪ ،‬وقالت ابنته‪ :‬هات‪ .‬فقال‪:‬‬
‫على مثل الحصير‬
‫إذا بركت تعالى‬
‫من الّرخام‬
‫مرفقـاهـا‬
‫م قالت‪:‬‬
‫فسكتت ساع ً‬
‫ة‪ ،‬ث ّ‬
‫فهبت كالفنيق من‬
‫وقاموا بالعصي‬
‫الّنعـام‬
‫ليضربوها‬
‫ر‬
‫قال‪ :‬فقتلها‪ ،‬ث ّ‬
‫م سار حّتى نزل بح ّ‬
‫ي آخر‪ ،‬فإذا بجوا ٍ‬

‫‪70‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن تجيز لي هذا البيت ولها راحلتي?‬
‫يلعبن‪ .‬فقال‪ :‬أّيتك ّ‬
‫فسكتن عنه‪ .‬وقالت ابنته‪ :‬هات‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ف يمدن كما يميد‬
‫ل‬
‫بد ّ‬
‫وكأّنه ّ‬
‫ن نعاج رمـ ٍ‬
‫ال ّ‬
‫شارب‬
‫ل‬
‫هـائ ٍ‬
‫م قالت‪:‬‬
‫فسكتت ساع ً‬
‫ة‪ ،‬ث ّ‬
‫ن الخرائد مشـيهـا‬
‫بل هي أقرب في‬
‫إ ّ‬
‫مـتـقـارب‬
‫الخطا من خطوها‬
‫قال‪ :‬فنزل إليها فقتلها وسار‪.‬‬
‫أهدر دمه ولم يتمّتع بها‬
‫ي من طيء‪ ،‬يقال له المثّنى بن معروف‪،‬‬
‫نزل أعراب ّ‬
‫ت‬
‫بأبي جبر الفزاري فسمعه يوما ً يقول‪ :‬لوددت أّني ب ّ‬
‫الليلة خاليا ً ببنت عبد الملك بن مروان‪ .‬فقال المثّنى‪:‬‬
‫أحلل ً أم حرامًا? فقال‪ :‬ما أبالي‪ .‬قال‪ :‬فوثب إليه‬
‫م ارتحل وهو يقول‪:‬‬
‫فضرب رأسه برحال ٍ‬
‫ة فش ّ‬
‫جه‪ ،‬ث ّ‬
‫أبلغ أمير المـؤمـنـين على الّنأي إّني قد‬
‫وترت أبا جبر‬
‫ة‬
‫رسـال ً‬
‫لنصري أمير‬
‫نشرت على اليافوخ‬
‫المؤمنين ول يدري‬
‫ة‬
‫منه رحـال ً‬
‫ينادي نساء‬
‫وما كان شيءٌ غير‬
‫المؤمنين بل مـهـر‬
‫أّني سمعتـه‬
‫قال‪ ،‬فبلغ ذلك أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان‬
‫ر وبعث إلى المثّنى بصلة جزيلة‪.‬‬
‫فأهدر دم أبي جب ٍ‬
‫هند وزوجها روح‬
‫وعن عبد الملك بن عمير قال‪ :‬كانت هند بنت الّنعمان‬
‫ة‬
‫بن بشير النصاري عند روح بن زنباع‪ ،‬وكانت امرأ ً‬
‫ً‬
‫ة‪ ،‬برز ً‬
‫ة أديب ً‬
‫فصيح ً‬
‫ة؛ وكان رجل ً غيورا‪ ،‬فرآها ذات يوم ٍ‬
‫د من جذام‪ .‬فجعل يضربها‪ ،‬ويقول‪.‬‬
‫مشرف ً‬
‫ة على وف ٍ‬
‫أتشرفين وتنظرين إلى الّرجال? قالت‪ :‬ويحك‪ ،‬وهل‬
‫ب منهم الحلل فكيف‬
‫أرى إل ّ جذامي ًّا‪ ،‬والله ما أح ّ‬
‫الحرام? فقال روح في ذلك‪:‬‬
‫أثني عليك بأن باعك وأ ّ‬
‫ن أصلك في جذام ٍ‬
‫ملتصق‬
‫ق‬
‫ضـي ّ ٌ‬
‫وفيه تقول هند?‬
‫س‬
‫ة‬
‫وهل أنا إل ّ مـهـر ً‬
‫سلسلة أفرا ٍ‬
‫تحللهـا بـغـل‬
‫ة‬
‫عـربـي ّ ً‬

‫‪71‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ف فما‬
‫فإن نتجت حّرا ً كريما ً وإن يك أقرا ٌ‬
‫أنجب الفحل‬
‫فبالحـّرا‬
‫ج يلطم‬
‫م إن م ّ‬
‫فقال لها روح‪ :‬الله ّ‬
‫ت قبلها فابتلها بزو ٍ‬
‫وجهها‪ ،‬ويقيء في حجرها‪ .‬ومات روح بن زنباع‬
‫ل الّثقفي‪،‬‬
‫وجها بعده مح ّ‬
‫مد بن الحكم بن أبي عقي ٍ‬
‫وتز ّ‬
‫وكان شاب ّا ً جمي ً‬
‫ل‪ ،‬شّرابا ً للخمر؛ فأحّبته حب ّا ً شديدًا‪،‬‬
‫فكان يلطم وجهها ويقيء في حجرها‪ .‬فقالت‪ :‬رحم‬
‫الله أبا زرعة‪ ،‬فقد استجيبت دعوته‪ .‬وأنشدت‬
‫للخذيمي‪ :‬ما أحسن الغيرة في حينها إلى آخر البيات‬
‫دمة‪.‬‬
‫المتق ّ‬
‫والشنفرى يدلي بدلوه‬
‫وقال الشنفرى‪:‬‬
‫إذا ما جئت ما أنهاك ولم أنكر عليك‬
‫فطّلقـينـي‬
‫عـنـه‬
‫بسوطك ل أبا ً لك‬
‫ذ‬
‫فأنت البعل يومئ ٍ‬
‫فاضربيني‬
‫فقـومـي‬
‫الغيرة المفرطة‬
‫نزل عاصم بن عمر الخ ّ‬
‫طاب‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬خّيمته‬
‫ت من بيوت قديد‪ ،‬وهو يريد م ّ‬
‫كة‬
‫بقديد‪ .‬بفناء بي ٍ‬
‫معتمرًا‪ ،‬فح ّ‬
‫ط رحله‪ ،‬وكان رجل ً جسيما ً من أعظم‬
‫الّناس بدنًا‪ ،‬وأحسنهم وجهًا‪ .‬فأرسلت إليه رّبة البيت‪:‬‬
‫ن لي زوجا ً غيورا ً يمّر النسان بجانب بيتي‬
‫يا هذا إ ّ‬
‫فيضربني‪ ،‬وإن رآك في هذا المنزل لقيت منه شّرًا‪،‬‬
‫ولت عّني! فأرسل إليها‪ :‬إّني قد‬
‫فأنشدك الله أل تح ّ‬
‫نزلت وأنا مرتح ٌ‬
‫ل عن قليل وليس عليك من زوجك بي‬
‫دت إليه الّرسول‬
‫ق علي‪ .‬قال فر ّ‬
‫بأس‪ ،‬والّتحويل يش ّ‬
‫ة من عندها‬
‫ول عنها‪ .‬ومّرت به عجوٌز خارج ٌ‬
‫حّتى تح ّ‬
‫فدعاها وسألها عن المرأة‪ ،‬فقالت‪ :‬هي خردّية بن‬
‫مته‬
‫ي صغيٌر س ّ‬
‫أكتم‪ ،‬وتز ّ‬
‫وجها ربيع بن أصرم‪ ،‬ولها بن ّ‬
‫م ذهبت العجوز‪ .‬وقال عاصم بن عمر‬
‫باسم أبيها‪ .‬ث ّ‬
‫ما‬
‫م دخل زوجها واستقّر في منزله‪ ،‬فل ّ‬
‫ر‪ .‬ث ّ‬
‫أبيات شع ٍ‬
‫فرغ من شعره سمعه وهو يضربها فصبر حّتى علم أّنه‬
‫م إّنه أتاه‪ ،‬فصاح به‪ ،‬فخرج‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫شفى غيظه ث ّ‬
‫بأبي أنت‪ ،‬ما عرضك لي? فأخبره خبره وخبرها‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫‪72‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ي منك‬
‫بأبي أنت‪ ،‬لو كنت معي في منزلي ما كان عل ّ‬
‫بأس‪.‬‬
‫أبت أعراقه إل ّ احمرارا ً‬
‫قال كان عقيل بن علقمة من الغيرة والنفة على ما‬
‫ليس عليه أحد علمناه‪ ،‬فخطب إليه عبد الملك بن‬
‫ما إذا كنت فاعل ً‬
‫مروان ابنته على أحد بنيه‪ ،‬فقال‪ :‬أ ّ‬
‫فجّنبني هجناك‪ .‬وخطب عقيل وقال‪:‬‬
‫أبت أعراقه إل ّ‬
‫رددت صحيفة‬
‫احمرارا ً‬
‫ما‬
‫يل ّ‬
‫القرش ّ‬
‫لقمان الحكيم الغيور‬
‫علي بن سليمان الخفش قال‪ :‬قال ابن الكلبي‪ :‬كان‬
‫لقمان بن عاد حكيم العرب غيورًا‪ ،‬فبنى لمرأته صرحا ً‬
‫وجعلها فيه‪ ،‬فنظر إليها رج ٌ‬
‫ل من الحي فعلقها‪ ،‬فأتى‬
‫قومه فأخبرهم وجده بها‪ ،‬وسألهم الحيلة في أمره‪.‬‬
‫فأمهلوه حّتى أراد لقمان الغزو‪ ،‬فعمدوا إلى صاحبهم‬
‫ف وأتوا إلى لقمان‬
‫دوه في حزمة سيو ٍ‬
‫وش ّ‬
‫ما مضى‬
‫فاستودعوها إّياه‪ ،‬فوضع ال ّ‬
‫سلح في بيته‪ ،‬فل ّ‬
‫سيوف‪ ،‬فقانت إليه المرأة تنظر‬
‫تحّرك الّرجل في ال ّ‬
‫ل‪ ،‬فشكا إليها حّبه إّياها‪ ،‬فأمكنته من‬
‫فإذا هي برج ٍ‬
‫دته‬
‫نفسها‪ ،‬فلم يزل معها مقيما ً حّتى قدم لقمان فر ّ‬
‫ن‬
‫سيوف كما كان‪ ،‬وجاء قومه فاحتملوه‪ .‬وإ ّ‬
‫في ال ّ‬
‫سقف فقال‪ :‬من‬
‫لقمان نظر يوما ً إلى نخام ٍ‬
‫ة في ال ّ‬
‫خمي‪ .‬فقصرت فقال‪:‬‬
‫خم هذه? فقالت‪ :‬أنا‪ .‬قال‪ :‬فتن ّ‬
‫تن ّ‬
‫م نزل فقلي ابنته‬
‫يا ويلتاه وال ّ‬
‫سيوف دهتني‪ .‬فقتلها ث ّ‬
‫صخر قاعدةً فأخذ حجرا ً فه ّ‬
‫شم رأسها فماتت‪ .‬وقال‪:‬‬
‫أنت أيضا ً امرأة‪ .‬فضربت العرب بذلك المثل‪ .‬فكان‬
‫يقول المظلوم منهم ما أذنبت إل ّ ذنب صخر‪.‬‬
‫??????عمر والّنعمان بن نضلة‬
‫???????????????وّلى عمر بن الخ ّ‬
‫طاب‪ ،‬رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬الّنعمان بن نضلة العوي بميسان‪ ،‬وأراد رحيل‬
‫ما وصل إلى ميسان‬
‫امرأته معه‪ ،‬فأبت ذلك وكرهته‪ .‬فل ّ‬
‫أراد أن يغيرها فترحل إليه‪ ،‬فكتب إليها‪:‬‬
‫بميسان يسقى في‬
‫أل هل أتى الخنساء‬
‫ج وحنتم‬
‫ن خليلهـا‬
‫أ ّ‬
‫زجا ٍ‬

‫‪73‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وصاحبه يجثو على‬
‫إذا شئت غنتني‬
‫خدّ مبسـم‬
‫ة‬
‫دهاقين قـري ٍ‬
‫ول تسقني بالصغر‬
‫فإن كنت ندماني‬
‫المتثـّلـم‬
‫فبالكبر اسقني‬
‫لع ّ‬
‫ل أمير المؤمـنـين تنادمنا في الجوسق‬
‫دم‬
‫يسـوؤه‬
‫المتـهـ ّ‬
‫فبلغت البيات عمر بن الخ ّ‬
‫طاب‪ ،‬فقال‪ :‬أي والله‪ ،‬وأبي‬
‫ما قدم على‬
‫وأبيك‪ ،‬يسوؤني‪ .‬يا غلم ‪ ،‬اكتب بعزله‪ .‬فل ّ‬
‫عمر ب ّ‬
‫كته بهذا‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين ما شربها قط‪،‬‬
‫ن ذلك‬
‫ول قلت البيات إل ّ بسبب كذا‪ .‬فقال عمر‪ :‬أظ ّ‬
‫ولكن ل تعمل لي عمل ً أبدًا‪.‬‬
‫ل من أهل‬
‫ذاق طعم الغيرة ضرب البعث على رج ٍ‬
‫ً‬
‫ة‬
‫الكوفة فخرج إلى أذربيجان فاشترى فرسا وجاري ً‬
‫مه فكتب ليغريها‪:‬‬
‫وكان مملكا ً بابنة ع ّ‬
‫م المؤمـنـين غنينا وأغنينا‬
‫أل بلغ أ ّ‬
‫جـرد‬
‫بـأّنـنـا‬
‫الغطارفة ال ّ‬
‫بعيد مناط المنكبـين وبيضاء كالّتمثال‬
‫زّينها العـقـد‬
‫إذا جـرى‬
‫لحاجة نفسي حين‬
‫فهـذا لّيام الـغـدو‬
‫جند‬
‫وهـــذه‬
‫ينصرف ال ّ‬
‫دواة وكتبت إليه‪:‬‬
‫ما ورد كتابه‪ ،‬دعت بال ّ‬
‫فل ّ‬
‫م ونازعته في ماء‬
‫إذا شئت غناني غـل ٌ‬
‫مـرجـ ٌ‬
‫معتصر الـورد‬
‫ل‬
‫د ملساء أو‬
‫وإن شاء منهم‬
‫إلى كب ٍ‬
‫ناشىءٌ مدّ كـ ّ‬
‫ل نـهـد‬
‫فـه‬
‫كفـ ٍ‬
‫شهودا ً فتقضوها‬
‫فما كنتم تقضون‬
‫على الّنأي والبعد‬
‫حاجة أهـلـكـم‬
‫منانا ً ول ندعو لك‬
‫جل علينا‬
‫فع ّ‬
‫د‬
‫سـراح فـإّنـه‬
‫اللـه بـالـّر ّ‬
‫بـالـ ّ‬
‫ب الّناس‬
‫ول قفل الجند الذي‬
‫وزادك ر ّ‬
‫بعدا ً على بعد‬
‫أنـت فـيهـم‬
‫ما ورد كتابها لم يزد على أن ركب الفرس وأردف‬
‫فل ّ‬
‫ء بدأها به أن قال‬
‫ول شي ٍ‬
‫ال ّ‬
‫جارية ولحق بها‪ ،‬فكان أ ّ‬
‫ة ما قلت? فقالت‪ :‬الله في قلبي‬
‫لها‪ :‬بالله أكنت فاعل ً‬
‫ل‪ ،‬وأنت في عيني أحقر وأذ ّ‬
‫أعظم وأج ّ‬
‫ل من أن أعصي‬

‫‪74‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م قالت له‪ :‬كيق ذقت طعم الغيرة? فوهب‬
‫الله فيك‪ .‬ث ّ‬
‫جارية‪ ،‬ورجع إلى مكانه‪.‬‬
‫لها ال ّ‬
‫أثر الغيرة عند روح بن زنباع‬
‫ر لزوجها روح بن زنباع‪،‬‬
‫قالت هند بنت الّنعمان بن بشي ٍ‬
‫ودك قومك‬
‫وكان شديد الغيرة‪ :‬عجبا ً منك كيف يس ّ‬
‫ل أنت من جذام وأنت جبان‪ ،‬وأنت‬
‫وفيك ثلث خصا ٍ‬
‫ما‬
‫ما في جذام فإّني في أرومتها؛ وأ ّ‬
‫غيور? فقال لها‪ :‬أ ّ‬
‫س واحدةٌ فأنا أحفظها‪ ،‬ولو كانت‬
‫الجبن فإّنما لي نف ٌ‬
‫ق لمن‬
‫ما الغيرة فحقي ٌ‬
‫س أخرى لجدت بها؛ وأ ّ‬
‫لي نف ٌ‬
‫كانت له امرأةٌ حمقاء مثلك أن يغار عليها مخافة أن‬
‫د من غيره فتقذف به في حجره‪.‬‬
‫تجيئه بول ٍ‬
‫عبد الله بن سيرة ال ّ‬
‫شديد الغيرة‬
‫ي قال‪ :‬عبث ع ّ‬
‫طاٌر اسمه فيروز‬
‫حكى دعبل بن عل ّ‬
‫ة من ال ّ‬
‫شام تسومه عطرا ً فعلقت بقلبه‪ ،‬فقعد‬
‫بامرأ ٍ‬
‫ن عبد‬
‫ما أضجرها قالت‪ :‬والله لو أ ّ‬
‫لها على طريقها‪ ،‬فل ّ‬
‫الله بن سيرة بقربي ما طمعت في هذا مّني‪ .‬فبلغت‬
‫عبد الله بن سيرة هذه الكلمة وهو في البعث بأرمينية‪،‬‬
‫ى وقف‬
‫فترك مركزه وأقبل ل يلوي على أح ٍ‬
‫د‪ ،‬حت ّ‬
‫ببابها لي ً‬
‫دة الغيرة‪ ،‬فاستأذن عليها‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وكان يوصف بش ّ‬
‫فأذنت له‪ ،‬فقال لها‪ :‬أّيتها المرأة من هذا الذي عبث‬
‫لع ّ‬
‫بك حّتى تمّنيت أّني بقربك? قالت‪ :‬رج ٌ‬
‫طار‪ .‬قال‬
‫لها‪ :‬فما ابتنى? قالت‪ :‬ل‪ .‬قال لها‪ :‬فعديه الليلة‬
‫القابلة وإّني أسبقه إلى بيتك‪.‬‬
‫م إلى‬
‫فبعثت إليه تقول له‪ :‬إذ أبيت إل ّ ما تريد‪ ،‬فهل ّ‬
‫بيتي الليلة عندي‪ .‬فأقبل إليها وقد سبقه ابن سيرة‪،‬‬
‫م قتل‬
‫ما دخل وثب عليه وضربه ضرب ً‬
‫ة رمى برأسه‪ ،‬ث ّ‬
‫فل ّ‬
‫د‬
‫خادمها‪ ،‬وقال لها‪ :‬إّنما قتلته لئّل يطلع على الخبر أح ٌ‬
‫ر‪ ،‬وقال لها‪ :‬اشتري بها‬
‫من الّناس‪ .‬ث ّ‬
‫م ناولها مائة دينا ٍ‬
‫مي‬
‫م قال‪ :‬هل ّ‬
‫خادما ً وانفقي باقيها على نفسك‪ .‬ث ّ‬
‫م‬
‫م جّرهما فألقاهما فيها‪ ،‬ث ّ‬
‫فأسا ً فقلع رأس البالوعة ث ّ‬
‫ن الخادم‬
‫وى رأس البالوعة‪ ،‬وقال للمرأة‪ :‬أظهري أ ّ‬
‫س ّ‬
‫م خرج‪ ،‬ولم يعلم به أحد‪ ،‬ولم يأت منزله حّتى‬
‫قد أبق‪ .‬ث ّ‬
‫قدم أرمينّية وقال في ذلك‪:‬‬
‫يغتاله الّنحـر أو‬
‫ن‬
‫إ ّ‬
‫ن المنـايا لـغـيرا ٍ‬
‫يغـتـالـه السـد‬
‫ة‬
‫لـمـعـرض ٌ‬

‫‪75‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة في أعالي‬
‫أو حي ّ ٌ‬
‫منتـهـى الـزبـد‬

‫ب أو شجى‬
‫أو عقر ٌ‬
‫ض‬
‫في الحلق معتر ٌ‬
‫دمينة‬
‫حما زوجة ابن ال ّ‬
‫دمينة امرأةٌ يقال لها حما‪ ،‬وكان مزاحم‬
‫وكانت لبن ال ّ‬
‫دث إليها‪ ،‬فمنعها ابن‬
‫سلولي يأتيها ويتح ّ‬
‫بن عمر ال ّ‬
‫دمينة من ذلك فاشتدّ ذلك عليه‪ ،‬فقال مزاحم عند‬
‫ال ّ‬
‫ذلك يذكرها‪:‬‬
‫وخد الّنجائب تبديها‬
‫دمينة‬
‫يا ابن ال ّ‬
‫وتنميهـا‬
‫والخبار تحملها‬
‫وبين سّرتها ل ش ّ‬
‫ك‬
‫ة ما بين‬
‫أمار ٌ‬
‫ة‪ ،‬كي ّ ٌ‬
‫كاويهـا‬
‫عانتـهـا‬
‫دمينة ذلك عرف العلمة التي في‬
‫ما بلغ ابن ال ّ‬
‫فل ّ‬
‫زوجته وعلم أّنه لم ير ذلك منها إل ّ وقد أفضى إليها‪.‬‬
‫فأتى امرأته فقال‪ :‬قد بلغني غشيان مزاحم لك‪ ،‬وقد‬
‫قال فيك ما قال‪ .‬فأنكرت ذلك‪ ،‬وقالت‪ :‬والله ما أرى‬
‫ذلك الموضع قط‪ .‬قال‪ :‬فما أعلمه بعلمتك التي‬
‫ن‪،‬‬
‫وصفها? قالت‪ :‬الّنساء رأين ذلك إذ كنت جارته ّ‬
‫دمينة عن‬
‫دثن بذلك‪ ،‬فسمعه مزاحم‪ .‬وتغافل ابن ال ّ‬
‫فتح ّ‬
‫م قال لمرأته‪:‬‬
‫مزاحم حّتى ظ ّ‬
‫ن أّنه ذهب من قلبه‪ ،‬ث ّ‬
‫لئن لم ترسلي إليه الليلة يأتيك في موضع كذا‬
‫ب أن‬
‫معت بي ول أح ّ‬
‫لقتلّنك‪ .‬فأرسلت إليه‪ :‬إّنك قد س ّ‬
‫تأتيني وأنا سآتيك في موضع كذا‪ .‬فقعد في الموضع‬
‫ن أّنها في‬
‫ابن ال ّ‬
‫دمينة وأصحابه‪ ،‬وجاء مزاحم وهو يظ ّ‬
‫الموضع الذي وعدته به‪ ،‬فخرجوا إليه وأوثقوه وصّروا‬
‫ب وضربوا بها كبده حّتى مات‪،‬‬
‫ل في ثو ٍ‬
‫صّرةً من رم ٍ‬
‫واحتملوه حّتى أتوا به ناحية دور قومه فطرحوه بها‪.‬‬
‫ن‬
‫وجاء أهله فأخذوه ولم يجدوا به أثر سلح‪ ،‬فعلموا أ ّ‬
‫دمينة إلى امرأته فقتلها‬
‫دمينة قتله‪ .‬ورجع ابن ال ّ‬
‫ابن ال ّ‬
‫سلولّيون فلم يجدوه‪:‬‬
‫وقتل ابنه له منها‪ ،‬وطلبه ال ّ‬
‫ليلى وحارثة بن عوف‬
‫ّ‬
‫ة‬
‫ن رجل ً من بني عقيل تعلق جاري ً‬
‫ي‪ :‬أ ّ‬
‫وحكى الّثور ّ‬
‫وجوه إّياها‪ ،‬وكانت من أجمل الّنساء‪،‬‬
‫وأبى أهلها أن يز ّ‬
‫وكان اسمها ليلى‪ ،‬فسمع بها رج ٌ‬
‫ل موسٌر من ثقيف‬
‫يقال له حارثة بن عوف‪ ،‬فقدم على أهلها فأرغبهم‪،‬‬
‫وجوه وظعن بها‪ .‬فقال العقيلي الذي كان تعّلقها‪:‬‬
‫فز ّ‬

‫‪76‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ف‬
‫ن ليلى العامرّية‬
‫أل إ ّ‬
‫تقطع إل ّ من ثقي ٍ‬
‫وصالـهـا‬
‫أصبحـت‬
‫ف‬
‫كأ ّ‬
‫ن مع الّركب الذين غمامة صي ٍ‬
‫زعزعتها شمالها‬
‫ملـوا‬
‫تح ّ‬
‫م اشتدّ شوقه وزاد ولعه‪ ،‬فخرج في أثرها حّتى قدم‬
‫ث ّ‬
‫ّ‬
‫الطائف‪ ،‬فانتسب أّنه أ ٌ‬
‫دقت هي فأدخله‬
‫خ لها وص ّ‬
‫ر‪ .‬فجلس هو‬
‫زوجها‪ ،‬وذبح له ونحر‪ ،‬وكان صاحب خم ٍ‬
‫ما أخذت الخمر‬
‫والّثقفي يشربان وهي تسقيهما فل ّ‬
‫م‬
‫م به ث ّ‬
‫ما سمعه الّثقفي ه ّ‬
‫في العقيلي باح بسّره‪ ،‬فل ّ‬
‫سكر فخرج العقيلي تحت الليل وتبعه الّثقفي‬
‫غلبه ال ّ‬
‫بأكلب له عقٌر فأدركه وقد شارف بلد بني كليب‪ ،‬وقد‬
‫غلبه العطش فمات‪ .‬فخلى أكلبه على جيفته فأكلته‪.‬‬
‫فسمعت بذلك الكلبّيون فرحلوا في أثر الّثقفي‬
‫فأدركوه فقتلوه وخلوا عليه أكلبه فأكلته‪ .‬وسمع‬
‫العقيلّيون بخبر الّرجلين فركبوا إلى المرأة فطرقوها‬
‫في منزله فقتلوها‪ ،‬ورحلوا‪ .‬فوثبت عليها أكلب زوجها‬
‫فأكلتها‪ .‬فقال جار الّثقفي‪:‬‬
‫وما خبر ليلى كان‬
‫لعمري لقد ساق‬
‫عنها بأبعـد‬
‫العقيلي حتفـه‬
‫ي وأمسى مقيما ً بين‬
‫وخبر الفتى القيس ّ‬
‫أضلع أزبـد‬
‫قد سيق نحوه‬
‫كذلك أمر الله في‬
‫أقاموا جميعا ً رهن‬
‫اليوم والغـد‬
‫ب‬
‫أجواف أكل ٍ‬
‫الغيرة من اليمان‬
‫ويروى عن رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬أّنه‬
‫ء من‬
‫س بشي ٍ‬
‫ل أح ّ‬
‫قال‪" :‬الغيرة من اليمان‪ ،‬وأيما رج ٍ‬
‫الفجور في أهله فلم يغيره‪ ،‬إل ّ بعث الله إليه ملكا ً‬
‫يقول له غر أربعين يومًا‪ ،‬فإن لم يفعل مسح بجانحه‬
‫على عينيه‪ ،‬فإن رأى حسنا ً لم يدره‪ ،‬وإن رأى قبيحا ً لم‬
‫ينكره"‪.‬‬
‫جهاد على الّرجال والغيرة على الّنساء‬
‫ال ّ‬
‫جهاد على‬
‫وعنه صّلى الله عليه وسّلم أّنه قال‪ :‬كتب ال ّ‬
‫ن‬
‫متي‪ ،‬والغيرة على نسائها‪ ،‬فمن صبرت منه ّ‬
‫رجال أ ّ‬
‫واحتسبت أعطاها الله أجر ال ّ‬
‫شهيد‪.‬‬
‫ي لعلي في المرأة‬
‫رأ ٌ‬

‫‪77‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سلم أّنه قال‪ :‬من أطاع امرأته في‬
‫وعن علي عليه ال ّ‬
‫أربع أكّبه الله في الّنار على وجهه‪ .‬أن يعطيها في أن‬
‫مامات‬
‫تذهب إلى العرسات وإلى المعّلمات وإلى الح ّ‬
‫وإلى الجنائز‪.‬‬
‫الحوص وأم جعفر‬
‫وقال الحوص يتشّبب بأم جعفر الحطمّية‪:‬‬
‫بأبياتكم‪ ،‬ما درت‬
‫م‬
‫أدور‪ ،‬فلول أن أ ّ‬
‫حـيث أدور‬
‫جـعـفـر‬
‫وارا ً ولكن إذا لم يزر ل بـدّ أن‬
‫وما كنت د ّ‬
‫سـيزور‬
‫ذا الهوى‪،‬‬
‫وإّني إلى معروفها‬
‫لقد منعت معروفها‬
‫لـفـقـير‬
‫م جعفـر‪،‬‬
‫أ ّ‬
‫فاستعدى أيمن‪ ،‬أخوها‪ ،‬عليه عامل المدينة وكان أيمن‬
‫جسيما ً ضخما ً وكان الحوص نحيفًا‪ ،‬فدفع إلى ك ّ‬
‫د‬
‫ل واح ٍ‬
‫ن سوطا ً وقال لخالد‪ :‬أضرب الحوص‪ .‬فقال بعض‬
‫منه ّ‬
‫ال ّ‬
‫شعراء‪:‬‬
‫ة عند الحفاظ‬
‫لقد منع المعروف‬
‫أخو ثق ٍ‬
‫صبـور‬
‫ر‬
‫من أ ّ‬
‫م جعف ٍ‬
‫بأصغر من ماء‬
‫سوط‬
‫علك بمتن ال ّ‬
‫صفاق يفور‬
‫حّتى لقيتـه‬
‫ال ّ‬
‫قال الحوص بعد ذلك‪:‬‬
‫فمن ذا الذي يعفو‬
‫إذا أنا لم أغفر‬
‫له ذنبه بعدي‬
‫ليمـن ذنـبـه‬
‫ة‬
‫يسيء فأعفو ذنبه‪،‬‬
‫أياٍد يدانيها مبـارك ً‬
‫عـنـدي‬
‫دنـي‬
‫فـتـر ّ‬
‫من الغيرة إلى البوادي‬
‫وج عبد الله بن يزيد الحنفي امرأةً حسناء‪ ،‬وكان‬
‫تز ّ‬
‫رجل ً ثقيل ً جسيما ً ظريفًا‪ ،‬فأحّبها حب ّا ً شديدًا‪ ،‬وكان من‬
‫دة غيرتها عليها‪،‬‬
‫أشدّ الّناس غير ً‬
‫ة‪ .‬فدعاه حّبه لها‪ ،‬وش ّ‬
‫أن خرج بها إلى بعض البوادي فابتنى لها قصرا ً وسكن‬
‫ة‪.‬‬
‫به وأقام معها مدّ ً‬
‫لم يكن شأنه العفاف ولكن‪. . .‬‬
‫وخرج عمر بن سعيد العبدي يريد سفرا ً له‪ ،‬فأخذته‬
‫سماء في بعض ال ّ‬
‫م‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫طريق فنظر‪ ،‬فإذا هو بقص ٍ‬
‫ر عظي ٍ‬
‫فعدل إليه‪ ،‬وقرع بابه‪ ،‬فخرج إليه عبد الله بن يزيد‬

‫‪78‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م دعا‬
‫فعرفه‪ ،‬فسّلم عليه وأنزله‪ ،‬وهّيأ له طعاما ً ث ّ‬
‫ق‪ .‬فبينما هما يشربان إذ تطّلعت‬
‫بشرا ٍ‬
‫ب من خم ٍ‬
‫ر عتي ٍ‬
‫د وكان غلما ً شاب ًّا‪ ،‬وسكر زوجها‬
‫المرأة فرأت ابن سعي ٍ‬
‫دثته‬
‫سكرا ً شديدا ً فخرجت المرأة إلى عمر بن سعيد فح ّ‬
‫وآنسته ودعته إلى نفسها فأبى‪ ،‬وقال‪ :‬ما كنت بالذي‬
‫ل أتاني منزله‪ .‬ولم يزل يدافعها حّتى أفاق‬
‫أفعل برج ٍ‬
‫عبد الله بن يزيد من سكره‪ ،‬فأنشأ عمر يقول‪:‬‬
‫قد دعتني لوصلها‬
‫ب بيضاء خصرها‬
‫ر ّ‬
‫فـأبـيت‬
‫يتثّنـى‬
‫كنت ندمان زوجها‬
‫لم يكن شأني‬
‫فاستحيت‬
‫العفاف ولكـن‬
‫ما انصرف عمر بن‬
‫فعلم عبد الله بن يزيد ما أراد‪ ،‬فل ّ‬
‫سعيد عمد عبد الله إلى المرأة فجعل في عنقها حبل ً‬
‫سقف‪ ،‬فاضطربت حّتى ماتت‪ .‬وعلم‬
‫وعّلقها به إلى ال ّ‬
‫وج‬
‫أ ّ‬
‫ن الّنساء ل حفظ له ّ‬
‫ن‪ ،‬وآلى على نفسه أّنه ل يتز ّ‬
‫امرأةً أبدًا‪ .‬وترك قصره وعاد إلى منزله‪.‬‬
‫إذا نام الحارس أفاقت العقرب‬
‫مي نائما ً‬
‫وقال الفضيل بن الهاشمي‪ :‬كنت مع ابنة ع ّ‬
‫ي بعض جواري‪ ،‬فنزلت‪،‬‬
‫ر إذ ظهرت إل ّ‬
‫على سري ٍ‬
‫م انصرفت‪ .‬فبينما أنا أراجع‪ ،‬إذ‬
‫فقضيت حاجتي‪ ،‬ث ّ‬
‫ب فصبرت حّتى عدت إلى موضعي من‬
‫لدغتني عقر ٌ‬
‫مي‪:‬‬
‫ال ّ‬
‫سرير‪ ،‬فغلبني الوجع‪ ،‬فصحت‪ ،‬فقالت لي ابنة ع ّ‬
‫سرير‬
‫ما لك? قلت لها‪ :‬لدغتني عقر ٌ‬
‫ب‪ .‬قالت‪ :‬وعلى ال ّ‬
‫ما‬
‫عقر ٌ‬
‫ول فأصابتني‪ ،‬ففطنت‪ ،‬فل ّ‬
‫ب? قلت‪ :‬نزلت لب ّ‬
‫ن أن ل يقتلن عقربا ً‬
‫أصبحت جمعت خدمها واستحلفته ّ‬
‫م قالت‪:‬‬
‫في دارها إلى سن ٍ‬
‫ة‪ .‬ث ّ‬
‫إذا عصي الله في‬
‫ن عقاربنا تغضـب‬
‫فإ ّ‬
‫دارنا‬
‫أقام الحدود بها‬
‫ر إذا نام‬
‫ودا ٍ‬
‫العقرب‬
‫حّراسـهـا‬
‫ال ّ‬
‫ذئاب تعدو على من ل كلب له‬
‫قالوا وبينا ابن أبي ربيعة في ال ّ‬
‫ة‬
‫طواف‪ ،‬إذ رأى جاري ً‬
‫من أهل البصرة‪ ،‬فأعجبته‪ ،‬فدنا منها‪ ،‬فكّلمها‪ ،‬فلم‬
‫ما كان في الليلة الّثانية عاودها‪ ،‬فقالت‬
‫تلتفت إليه‪ .‬فل ّ‬

‫‪79‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ع عظيم‬
‫له‪ :‬إليك عّني أّيها الّرجل فإّنك في موض ٍ‬
‫ح عليها وشغلها عن ال ّ‬
‫طواف‪ ،‬فأتت‬
‫الحرمة! وأل ّ‬
‫زوجها‪ ،‬فقالت له‪ :‬تعال معي فأرني المناسك‪ .‬فأقبلت‬
‫ما رأى الّرجل‬
‫س على طريقها فل ّ‬
‫وهو معها وعمر جال ٌ‬
‫معها عدل عنها فقالت‪:‬‬
‫تعدو الذئاب على من وتّتقي مربض‬
‫المستأسد الحامي‬
‫ل كلب له‬
‫دث المنصور هذا الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬وددت أّنه لم تبق‬
‫فح ّ‬
‫فتاةٌ من قريش في خدرها إل ّ سمعت الحديث‪.‬‬
‫مه محرما ً‬
‫ل يراعي لبن ع ّ‬
‫وكان عمارة بن الوليد بن المغيرة بن الوليد سيف الله‬
‫ش جمال ً وشعرًا‪ ،‬وهو الذي جاءت به‬
‫من فتيان قري ٍ‬
‫قريش إلى أبي طالب قالوا‪ :‬هذا عمارة‪ ،‬قد عرفت‬
‫مدا ً نقلته‪ .‬فقال لهم أبو‬
‫حاله‪ ،‬فخذه بدل ابن أخيك مح ّ‬
‫طالب‪ :‬ما أنصفتموني تعطوني ابن أخيكم أحفظه‬
‫وأعطيكم ابن أخي تقتلوه? وبعثت قريش عمارة بن‬
‫الوليد‪ ،‬وعمرو بن العاص إلى الّنجاشي في أمر من‬
‫سفينة ومع‬
‫ما كانوا في ال ّ‬
‫قدم إليه من المهاجرين‪ ،‬فل ّ‬
‫م عبد الله فقال لها عمارة‪ :‬قّبليني‪.‬‬
‫عمرو امرأته أ ّ‬
‫مك‪ .‬وقال عمرو في ذلك‪:‬‬
‫فقال لها عمرو‪ :‬قّبلي ابن ع ّ‬
‫لمثلك أن يدعى ابن‬
‫ن من‬
‫ماٌر أ ّ‬
‫ليعلم ع ّ‬
‫م له ابن ما‬
‫ة‬
‫شـّر شـيم ٍ‬
‫ع ّ‬
‫ولست تراعي لبن‬
‫أإن كنت ذا بردين‬
‫مك محّرما ً‬
‫أحوى مرجل ً‬
‫ع ّ‬
‫ولم ينه قلبا ً عاريا ً‬
‫إذا المرء لم يترك‬
‫مـمـا‬
‫طعاما ً يحّبـه‬
‫حيث ي ّ‬
‫إذا ذكرت أمثالها‬
‫قضى وطرا ً منه‬
‫تمل الفـمـا‬
‫ة‬
‫وغـادر سـب ً‬
‫سفينة لقضاء الحاجة‪،‬‬
‫وقعد عمرو على منجاف ال ّ‬
‫ّ‬
‫فدفعه عمارة‪ ،‬فألقاه في البحر‪ ،‬فما تخلص حّتى كاد‬
‫ما صار إلى الّنجاشي أظهر له عمرو أّنه لم‬
‫يموت‪ .‬فل ّ‬
‫ن‬
‫دثه أ ّ‬
‫يحفل بما أصابه منه‪ ،‬فجاده عمارة يوما ً فح ّ‬
‫ما‬
‫زوجة الملك الّنجاشي عّلقته وأدخلته إلى نفسها‪ ،‬فل ّ‬
‫تبّين لعمرو حال عمارة وشى به عند الملك واخبره‬
‫ة أستد ّ‬
‫ل بها على‬
‫خبره‪ ،‬فقال له الّنجاشي‪ :‬أئتني بعلم ٍ‬

‫‪80‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما قلت? فعاد عمارة‪ ،‬فأخبره عمرو بأمره وأمر زوجة‬
‫الّنجاشي فقال له عمرو‪ :‬ل أقبل هذا منك إل ّ أن‬
‫هن به غيره‪ .‬فكّلمها‬
‫تعطيك من دهن الملك الذي ل يدّ ّ‬
‫دهن‪ ،‬فقالت له‪ :‬أخاف من الملك‪ .‬فأبى‬
‫عمارة في ال ّ‬
‫دهن‪ ،‬فأعطته‬
‫أن يرضى منها إل ّ أن تعطيه من ذلك ال ّ‬
‫منه‪ ،‬فأعطاه إلى عمرو‪ ،‬فجاء إلى الملك‪ ،‬فأمر‬
‫سواحر فنفخن في إحليله‪ ،‬فذهب مع الوحش‪ ،‬فلم‬
‫ال ّ‬
‫حشا ً حّتى خرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة في‬
‫يزل متو ّ‬
‫ة من أصحابه‪ ،‬فجعل له على الماء شركًا‪ ،‬فأخذه‪،‬‬
‫جماع ٍ‬
‫فجعل يصيح به‪ :‬أرسلني فإّني أموت إن أمسكتني‪.‬‬
‫فأمسكه‪ ،‬فمات في يده‪.‬‬
‫عائشة تغار على خديجة‬
‫عروة بن الّزبير‪ ،‬عن عائشة رضي الله عنها‪ ،‬قالت‪ :‬ما‬
‫ة لرسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪،‬‬
‫غرت على امرأ ٍ‬
‫وجني‬
‫ما غرت على خديجة‪ .‬ولقد هلكت قبل أن يتز ّ‬
‫ن‪ ،‬لما أسمع من كثرة ذكره إّياها‪ .‬وكان يذبح‬
‫بثلث سني ٍ‬
‫ال ّ‬
‫شاة فيفّرقها على صدائق خديجة‪ .‬قال ودخل رسول‬
‫الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬على خديجة وهي في‬
‫مرضها الذي تو ّ‬
‫فيت فيه فقال لها‪ " :‬بالكره مّني يا‬
‫خديجة ما أرى منك‪ ،‬وقد يجعل الله في الكره خيرا ً‬
‫وجني معك في الجّنة مريم‬
‫كثيرًا‪ .‬أما علمت أ ّ‬
‫ن الله ز ّ‬
‫ابنة عمران‪ ،‬وكلثم أخت موسى‪ ،‬وآسية امرأة فرعون?‬
‫" قالت‪ :‬وقد فعل الله ذلك برسوله? قال‪ " :‬نعم" ‪.‬‬
‫قالت‪ :‬فبالّرفاء والبنين‪.‬‬
‫باب ما جاء في وفاء الّنساء‬
‫وجا‬
‫تعاهدا أل يتز ّ‬
‫ل من بني ضّبة قال‪ :‬ضّلت لي‬
‫حكى الصمعي‪ ،‬عن رج ٍ‬
‫إب ٌ‬
‫ما‬
‫ل فخرجت في طلبها حّتى أتيت بلد بني سليم‪ ،‬فل ّ‬
‫ة غشى بصري إشراق‬
‫كنت في بعض تخومها‪ ،‬إذا جاري ٌ‬
‫وجهها‪ ،‬فقالت‪ :‬ما بغيتك فإّني أراك مهمومًا? قلت‪:‬‬
‫إب ٌ‬
‫ل ضّلت لي‪ ،‬فأنا في طلبها‪ .‬قالت‪ :‬فتحب أن أرشدك‬
‫ن‬
‫إلى من هي عنده? قلت‪ :‬نعم‪ .‬قالت‪ :‬الذي أعطاكه ّ‬
‫ن‪ ،‬فاسأله من طريق‬
‫ن فإن شاء ر ّ‬
‫ده ّ‬
‫هو الذي أخذه ّ‬
‫اليقين ل من طريق الختيار‪ .‬فأعجبني ما رأيت من‬
‫ل?‬
‫جمالها وحسن منطقها‪ ،‬فقلت لها‪ :‬هل لك من بع ٍ‬
‫قالت‪ :‬كان والله فدعي فأجاب إلى ما منه خلق‪ ،‬ونعم‬

‫‪81‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م خلئقه‪،‬‬
‫ل ل تذ ّ‬
‫البعل كان‪ .‬قلت لها‪ :‬فهل لك في بع ٍ‬
‫م رفعت رأسها‬
‫ول تخشى بوائقه? فأطرقت ساع ً‬
‫ةث ّ‬
‫وعيناها تذرفان دموعا ً فأنشأت تقول‪:‬‬
‫ماء الجداول في‬
‫ن‬
‫كّنا كغصنين من با ٍ‬
‫روضات جّنات‬
‫غذاؤهـمـا‬
‫ت‬
‫ث صاحبها من‬
‫فاجت ّ‬
‫دهٌر يكّر بفرحـا ٍ‬
‫وتـرحـات‬
‫جنب صاحبه‬
‫أن ل يضاجع أنثى‬
‫وكان عاهدني إن‬
‫بعد موتـات‬
‫ن‬
‫خاننـي زمـ ٌ‬
‫ريب المنون قريبا ً‬
‫وكنت عاهدته أيضًا‪،‬‬
‫مذ سنـينـات‬
‫فعـاجـلـه‬
‫من عن الوفاء له خلب‬
‫فاصرف عتابك ع ّ‬
‫الـّتـحـّيات‬
‫ليس يصرفه‬
‫قال‪ :‬فانصرفت وتركتها‪.‬‬
‫ة‬
‫على العهد باقي ٌ‬
‫قال الصمعي‪ :‬قال لي الّرشيد‪ :‬امض إلى بادية‬
‫البصرة فخذ من تحف كلمهم وطرف حديثهم‪.‬‬
‫مب ّ‬
‫كرت أنا‬
‫ق لي بالبصرة‪ ،‬ث ّ‬
‫فانحدرت‪ ،‬فنزلت على صدي ٍ‬
‫ة نادى‬
‫ما صرت إليها إذا بجاري ٍ‬
‫وهو على المقابر‪ ،‬فل ّ‬
‫ت‬
‫و منها‪ ،‬عليها ثيا ٌ‬
‫إلينا ريح عطرها قبل ال ّ‬
‫ب مصبغا ٌ‬
‫دن ّ‬
‫وحلى‪ ،‬وهي تبكي أحّر بكاء‪ .‬فقلت‪ :‬يا جارية ما شأنك?‬
‫فأنشأت تقول‪:‬‬
‫رهينة هذا القـبـر يا‬
‫فإن تسألني فيم‬
‫فـتـيان‪.‬‬
‫حزني? فإّنـنـي‬
‫أهابك إجل ً‬
‫مخافة يوم ٍ أن يسؤك‬
‫ل‪ ،‬وإن‬
‫مـكـانـي‬
‫كنت في الّثرى‪،‬‬
‫كما كنت أستحييك‬
‫وإّني لستحييك‪،‬‬
‫حين تـرانـي‪.‬‬
‫والّترب بـينـنـا‪،‬‬
‫فقلنا لهاك ما رأينا أكثر من الّتفاوت بين زّيك وحزنك‬
‫فأخبري بشأنك? فأنشأت تقول‪:‬‬
‫دنيا‬
‫يا صحب القبر‪ ،‬يا‬
‫حي ًّا‪ ،‬ويكثر في ال ّ‬
‫مواساتـي‪،‬‬
‫من كان يؤنسني‬
‫ي كأّنني لست من أهل‬
‫أزور قبرك في حل ّ‬
‫المصيبـات؛‬
‫ل‪،‬‬
‫وفي حلـ ٍ‬
‫ي تبكي‬
‫فمن رآني‪ ،‬رأى‬
‫مشهورة الّز ّ‬

‫‪82‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بين أمواتي‪.‬‬
‫ة‬
‫ى مفجـع ً‬
‫عبر ً‬
‫فقلنا لها وما الّرجل منك‪ :‬قالت‪ :‬بعلي‪ ،‬وكان يجب أن‬
‫ي‪ ،‬فآليت على نفسي أن ل‬
‫يراني في مثل هذا الّز ّ‬
‫ّ‬
‫ي لّنه كان يحّبه أّيام‬
‫أغشى قبره إل ّ في مثل هذا الّز ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫حياته‪ ،‬وأنكرتماه أنتما عل ّ‬
‫قال الصمعي‪ :‬فسألتها عن خبرها ومنزلها‪ .‬وأتيت‬
‫دثته حديث‬
‫دثته بما سمعت ورأيت‪ ،‬حّتى ح ّ‬
‫الّرشيد فح ّ‬
‫ي من‬
‫ال ّ‬
‫جارية‪ .‬فقال‪ :‬ل بدّ أن ترجع حّتى تخطبها إل ّ‬
‫جه معي‬
‫ي‪ ،‬ول يكون من ذلك بد‪ .‬وو ّ‬
‫ولّيها‪ ،‬وتحملها إل ّ‬
‫خادما ً ومال ً كثيرًا‪ .‬فرجعت إلى قومها فأخبرتهم الخبر‪،‬‬
‫وجوها من أمير المؤمنين وحملوها معنا‬
‫فأجابوا وز ّ‬
‫ما صرنا إلى المدائن نما إليها الخبر‪،‬‬
‫وهي ل تعلم‪ .‬فل ّ‬
‫ة فماتت‪ ،‬فدفّناها هنالك‪ .‬وسرت إلى‬
‫فشهقت شهق ً‬
‫الرشيد فأخبرته الخبر‪ ،‬فما ذكرها وقتا ً من الوقات إل ّّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫بكى أسفا عليها‪.‬‬
‫ة للعهد‬
‫كان يحسبها راعي ً‬
‫تو ّ‬
‫في رج ٌ‬
‫ة‪ ،‬فما زال بها‬
‫ة جميل ً‬
‫ل وبقيت امرأته شاب ّ ً‬
‫ما كانت ليلة زفافها رأت في‬
‫وجت‪ .‬فل ّ‬
‫الّنساء حّتى تز ّ‬
‫ي الباب وقد فتح يديه‬
‫المنام زوجها ال ّ‬
‫ول آخذا ً بعارضت ّ‬
‫وهو يقول‪:‬‬
‫ّ‬
‫إل ّ الّربـاب فـإّنـي ل‬
‫حّييت ساكن هذا‬
‫أحـييهـا‬
‫البـيت كـّلـهـم‬
‫أمست عروسا ً وأمسى بين القبـور وإّنـي ل‬
‫ألقـيهـا‬
‫ث‬
‫مسكني جد ٌ‬
‫ن القبور تواري من‬
‫واستبدلت بدل ً غيري‪ ،‬أ ّ‬
‫ثوى فـيهـا‬
‫فقد علمـت‬
‫حّتى تموت وما‬
‫قد كنت أحسبها‬
‫ج ّ‬
‫فت مـآقـيهـا‬
‫ة‬
‫للـعـهـد راعـي ً‬
‫ففزعت من نومها فزعا ً شديدًا‪ ،‬وأصبحت فاركا ً وآلت‬
‫أن ل يصل إليها رج ٌ‬
‫ل بعده أبدًا‪.‬‬
‫س ترى?!‬
‫أذات عرو ٍ‬
‫ما قتل عثمان‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬وقفت يوما ً على‬
‫ول ّ‬
‫م‬
‫قبره نائلة بنت الفرافصة الكلبي‪ ،‬فتر ّ‬
‫حمت عليه ث ّ‬
‫م قالت‪ :‬إّني رأيت الحزن يبلى‬
‫انصرفت إلى منزلها‪ ،‬ث ّ‬
‫كما يبلى الّثوب‪ ،‬وقد خفت أن يبلى حزن عثمان في‬

‫‪83‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ر فهتفت فاها‪ ،‬وقالت‪ :‬والله ل يقعد‬
‫قلبي‪ .‬فدعت بفه ٍ‬
‫رج ٌ‬
‫ل مّني مقعد عثمان أبدًا‪ .‬وخطها معاوية فبعثت إليه‬
‫س ترى? وقالوا‪ :‬لم يكن‬
‫أسنانها‪ ،‬وقالت‪ :‬أذات عرو ٍ‬
‫في الّنساء أحسن منها مضحكا‪ً.‬‬
‫م القفا‬
‫ل تنكحي أغ ّ‬
‫ر يقال له‬
‫كان هدبة بن خشرم العذري قتل ابن عم ٍ‬
‫زياد بن زيد فطلبه سعيد بن العاص‪ ،‬وهو يلي المدينة‬
‫سجن قصيدته التي يقول‬
‫لمعاوية فحبسه‪ ،‬فقال في ال ّ‬
‫فيها‪:‬‬
‫ج‬
‫عسى الكرب الذي‬
‫يكون وراءه فـر ٌ‬
‫قـريب‬
‫أمسيت فيه‬
‫وفي سجنه يقول أيضًا‪:‬‬
‫ذكرتك والطراف‬
‫سجن‬
‫ما دخلت ال ّ‬
‫ول ّ‬
‫في حلق سمر‬
‫م مـالـك‬
‫يا أ ّ‬
‫بذكرك إل ّّ من يذ ّ‬
‫كـر‬
‫وعند سعيد غـير‬
‫بـالمـر‬
‫أّنـي لـم أبـح‬
‫د شّبهت به‬
‫ما رأيت ثغر سعي ٍ‬
‫وسئل عن هذا‪ ،‬فقال‪ :‬ل ّ‬
‫ثغرها‪ ،‬وكان سعيد حسن الّثغر‪ .‬فحبس هدبة سبع‬
‫ما‬
‫ن ينتظر به احتلم المستورد بن زيادة‪ ،‬فل ّ‬
‫سني ٍ‬
‫احتلم‪ ،‬أخرج صبح تلك الليلة إلى عامل المدينة فر ّ‬
‫غبه‬
‫ت‪ ،‬فأبى إل ّّ القود‪.‬‬
‫في العفو‪ ،‬وعرض عليه عشر دّيا ٍ‬
‫من عرض الدّّيات عليه الحسن بن علي‪ ،‬عليهما‬
‫وكان م ّ‬
‫سلم‪ ،‬وعبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص ومروان‬
‫ال ّ‬
‫ما أبى‪ ،‬بعث هؤلء وغيرهم من إخوانه‬
‫بن الحكم‪ .‬فل ّ‬
‫سجن‬
‫بالحنوط والكفان فدخل عليه رسولهم ال ّ‬
‫فوجدوه يلعب بالّنرد‪ .‬فجلسوا ولم يقولوا له شيئًا‪،‬‬
‫ما لحظهم إذا بطرف برٍد خرج من بعض الكفان‬
‫فل ّ‬
‫م قال‪ :‬كأّنه قد فرغ من أمرنا? فقالوا‪:‬‬
‫فأمسك‪ ،‬ث ّ‬
‫م رجع إليهم فأخذ من ك ّ‬
‫د‬
‫ل واح ٍ‬
‫أجل‪ .‬فقام فاغتسل ث ّ‬
‫ثوبا ً وردّ ما بقي‪ .‬وأخرج ليقاد منه‪ ،‬فجعل ينشد‬
‫الشعار‪ .‬فقالت له حيا المدينة‪ :‬ما رأيت أقسى قلبا ً‬
‫منك‪ ،‬تنشد الشعار‪ ،‬وقد دعي بك لتقتل‪ ،‬وهذه خلفك‬
‫كأّنها غزا ٌ‬
‫ن تولول? يعني امرأته‪ .‬فوقف‪،‬‬
‫ل عطشا ٌ‬
‫ووقف الّناس معه‪ ،‬فأقبل على حيا فقال‪:‬‬

‫‪84‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن‬
‫وجدت بها ما لم تجـد ول وجد حّبي بابـ ٍ‬
‫أم كـلب‬
‫د‬
‫م واجـ ٍ‬
‫أ ّ‬
‫على ما اشتهيت من‬
‫وإّني طويل‬
‫ساعدين شمرطـ ٌ‬
‫ة وشباب‪.‬‬
‫و ٍ‬
‫ال ّ‬
‫ل ق ّ‬
‫فأغلقت الباب في وجهه‪ .‬وعرض له عبد الّرحمن بن‬
‫سان فقال‪ :‬أنشدني! فقال له‪ :‬على هذه الحال?‬
‫ح ّ‬
‫قال‪ :‬نعم‪ .‬فابتدأ ينشده‪:‬‬
‫ع من صرفه‬
‫ح إذا‬
‫ول جاز ٍ‬
‫ولست بمفرا ٍ‬
‫المتقّلـب‬
‫دهر سّرني‬
‫ال ّ‬
‫ول أتمّنى ال ّ‬
‫ولكن متى ما أحمل‬
‫شّر‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫شّر أركب‬
‫شّر تاركي‪،‬‬
‫قال‪:‬ونظر رج ٌ‬
‫ة‪ ،‬وقد كان‬
‫ل إلى امرأته فدخلته غير ٌ‬
‫زيادة جدع أنفع بسيفه‪:‬‬
‫فما حسبي في‬
‫فإن يك أنفي بأن‬
‫صالحين بأجدعا‬
‫عّني جمـالـه‬
‫ال ّ‬
‫م القفا والوجه‬
‫ن فّرق‬
‫فل تنكحي إ ّ‬
‫أغ ّ‬
‫ليس بأنزعـا‬
‫دهر بيننـا‬
‫ال ّ‬
‫خنت يا فلنة عهدي‬
‫وعن أبي حمزة الكناني قال‪ :‬كنت في حرس خالد بن‬
‫ث‬
‫دثني بحدي ٍ‬
‫عبد الله القسري‪ ،‬فقال خالد‪ :‬من يح ّ‬
‫عسى يستريح إليه قلبي? فقلت‪ :‬أنا‪ .‬فقال‪ :‬هات‪.‬‬
‫ى من بني عذرة‪ ،‬وكانت‬
‫فقلت‪ :‬إّنه بلغني أّنه كان فت ً‬
‫ب لها‪ ،‬وكانت له مثل‬
‫له امرأةٌ منهم‪ ،‬وكان شديد الح ّ‬
‫ذلك‪ ،‬فبينا هو ذات يوم ٍ ينظر وجهها إذ بكى‪ ،‬فنظرت‬
‫إلى وجهه وبكت‪ ،‬فقالت له‪ :‬ما الذي أبكاك? قال‪:‬‬
‫والله‪ ،‬أتصدقيني إن صدقتك? قالت‪ :‬نعم‪ .‬قال لها‪:‬‬
‫دة حّبي‪ ،‬فقلت أموت‬
‫ذكرت حسنك وجمالك وش ّ‬
‫ن ذاك الذي‬
‫وج غيري‪ .‬فقالت‪ :‬والله والله‪ ،‬أ ّ‬
‫فتتز ّ‬
‫أبكاك? قال‪ :‬نعم‪ .‬قالت‪ :‬وأنا ذكرت حسنك وجمالك‬
‫وج امرأةً غيري‪ .‬قال‬
‫وش ّ‬
‫دة حّبي لك فقلت أموت فيتز ّ‬
‫ي بعدك‪ .‬فلبثا ما شاء‬
‫الّرجل‪ :‬فإ ّ‬
‫ن الّنساء حرا ٌ‬
‫م عل ّ‬
‫الله‪.‬‬
‫ن الّرجل تو ّ‬
‫في فجزعت عليه جزعا ً شديدا ً فخاف‬
‫مإ ّ‬
‫ث ّ‬
‫أهلها على عقلها أن يذهل‪ ،‬فأجمع رأيهم على أن‬
‫ما كان‬
‫وجوها‪ ،‬وهي كاره ٌ‬
‫ة‪ ،‬لعّلها تتسّلى عنه‪ .‬فل ّ‬
‫يز ّ‬

‫‪85‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫في الليلة التي تهدى فيها إلى بيت زوجها‪ ،‬وقد نام‬
‫ة‬
‫يء من شعرها‪ ،‬إذ ناكت نوم ً‬
‫أهل البيت‪ ،‬والماشطة ته ّ‬
‫ول داخل ً عليها من الباب وهو‬
‫يسيرةً فرأت زوجها ال ّ‬
‫يقول‪ :‬خنت يا فلنة عهدي‪ ،‬والله ل هنيت العيش بعدي‬
‫ة على وجهها‪ ،‬وطلبها‬
‫ة‪ ،‬وخرجت هارب ً‬
‫فانتبهت مرعوب ً‬
‫أخلها فلم يقعوا لها على خبر‪.‬‬
‫ماتا ودفنا معا ً‬
‫قال إسحق خرجت امرأةٌ من قريش من بني زهرة إلى‬
‫المدينة تقضي ح ّ‬
‫ة‬
‫قا ً لبعض القرشّيين‪ .‬وكانت ظريف ً‬
‫ة‪ ،‬فرآها من بني أمّية رج ٌ‬
‫ملها‬
‫جميل ً‬
‫ل فأعجبته‪ ،‬وتأ ّ‬
‫فأخذت بقلبه‪ ،‬وسأل عنها فقيل له‪ :‬هذه حميدة بنت‬
‫عمر بن عبد الله بن حمزة‪ .‬ووصفت له بما زاد فيها‬
‫ه منها‪،‬‬
‫وجوه إّياها على كر ٍ‬
‫كلفه‪ ،‬فخطبها إلى أهلها فز ّ‬
‫وأهديت إليه فرأت من كرمه وأدبه وحسن عشرته ما‬
‫وجدت به‪ ،‬فلم تقم عنده إل ّّ قليل ً حّتى أخرج أهل‬
‫المدينة بني أمّية إلى ال ّ‬
‫شام‪ ،‬فنزل بها أمٌر ما ابتليت‬
‫بمثله‪ ،‬فاشتدّ بكاؤها على زوجها وبكاؤه عليها‪ ،‬وخّيرت‬
‫بين أن تجمع معه مفارقة الهل والولد والقارب‬
‫ف‬
‫والوطن أو تتخّلف عنه مع ما تجد به‪ ،‬فلم تجد أخ ّ‬
‫دنيا وما فيها‪.‬‬
‫عندها من الخروج معه مختارةً له على ال ّ‬
‫ما صارت بال ّ‬
‫شام صارت تبكي ليلها ونهارها ول تتهّنأ‬
‫فل ّ‬
‫طعاما ً ول شرابا ً شوقا ً إلى أهلها ووطنها‪ ،‬فخرجت‬
‫ة تقضي ح ّ‬
‫قا ً لبعض القرشّيين‬
‫يوما ً بدمشق مع نسو ٍ‬
‫س على باب منزله‪ ،‬وهو يتمّثل بهذه‬
‫فمّرت بفت ً‬
‫ى جال ٍ‬
‫البيات‪:‬‬
‫صحون المصّلى‪ ،‬أم‬
‫أل ليت شعري‪ ،‬هل‬
‫كعهدي القرائن?‬
‫تغـّير بـعـدنـا‬
‫ي‪ ،‬أم هل‬
‫وهل أدور حول‬
‫من الح ّ‬
‫بالمدينة سـاكـن?‬
‫الـبـلط عـوامـٌر‬
‫إذا لمعت نحو الحـجـاز دعا ال ّ‬
‫شوق مّني برقها‬
‫المـتـيامـن‬
‫ة‪،‬‬
‫سـحـاب ٌ‬
‫در الـلـه‬
‫وما أشخصتنا رغـبة‬
‫ولكـّنـه مـا قـ ّ‬
‫كـائن‪.‬‬
‫عـن بـلدنـا‪،‬‬
‫ما سمعت المرأة ذكر بلدها وعرفت المواضع‪،‬‬
‫فل ّ‬
‫ً‬
‫تن ّ‬
‫ة‪ .‬فحملت إلى‬
‫دع فؤادها فوقعت ميت ً‬
‫فست نفسا ص ّ‬

‫‪86‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ب عليها‬
‫أهلها وجاء زوجها‪ ،‬وقد عرف الخبر‪ ،‬فانك ّ‬
‫سل جميعا ً وك ً‬
‫ر‬
‫فوقع عنها مّيتًا‪ .‬فغ ّ‬
‫فنا ودفنا في قب ٍ‬
‫د‪.‬‬
‫واح ٍ‬
‫أرادها لحسن ثغرها فقط‬
‫وكانت خولة بنت منظور بن زياد الفزاري عند الحسن‬
‫بن علي بن أبي طالب‪ ،‬رضي الله عنهم‪ ،‬وكانت أختها‬
‫عند عبد الله بن الّزبير‪ ،‬وهي أحسن الّناس ثغرًا‪،‬‬
‫مهم جما ً‬
‫ما رأى ذلك عبد الملك بن مروان قتل‬
‫ل‪ .‬فل ّ‬
‫وأت ّ‬
‫م خطبها‪ ،‬فكرهت أن‬
‫عبد الله بن الّزبير زوجها‪ ،‬ث ّ‬
‫سرت به‬
‫وجه وهو قاتل زوجها‪ ،‬فأخذت فهرا ً وك ّ‬
‫تتز ّ‬
‫أسنانها‪ .‬وجاء رسول عبد الملك فخطبها‪ ،‬فأذنت له‬
‫دى إليها رسالته ورأى ما بها‪ ،‬فقالت‪ :‬ما لي‬
‫ليراها‪ ،‬فأ ّ‬
‫عن أمير المؤمنين رغبة‪ ،‬ولكّني كما ترى‪ ،‬فإن أحّبني‬
‫فأنا بين يديه‪ ،‬فأتاه الّرسول فأعلمه بذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أنا‪،‬‬
‫ما‬
‫والله‪ ،‬إّنما أردتها على حسن ثغرها الذي بلغني‪ ،‬وأ ّ‬
‫الن فل حاجة لي فيها‪.‬‬
‫ف‬
‫ل حّر بوادي عو ٍ‬
‫من يضرب به المثل في الوفاء جماعة بنت عوف بن‬
‫وم ّ‬
‫محلم ال ّ‬
‫ن عمرو بن عبد الملك طلب‬
‫شيباني وذلك أ ّ‬
‫ي فخرج‬
‫مروان القرط وهو مروان بن زنباع العبس ّ‬
‫هاربا ً حّتى هجم على أبيات بني شيبان‪ ،‬فنظر إلى‬
‫أعظمها بيتا ً ببصره فإذا هو بيت جماعة بنت عوف‬
‫فألقى نفسه بين يديها فاستجارها فأجارته‪ .‬ولحقته‬
‫خيل عمرو فبعثت إلى أبيها فعّرفته أّنها أجارته‬
‫فمنعهم عوف عنه وأنصرف أصحاب عمرو‪ .‬فأرسل‬
‫عمرو إلى عوف قد آليت أل أقطع طلبي إل ّّ أن يضع‬
‫ن‬
‫يده في يدي‪ .‬فقال عوف‪ :‬والله ما يكون ذلك أبدا ً لك ّ‬
‫يدي بين يديك ويده‪ .‬قال‪ ،‬فرضي عمرو بذلك‪ .‬فوضع‬
‫مروان يده في يد عوف ووضع عوف يده في يد عمرو‪.‬‬
‫فقال عمرو‪ :‬ل حّر بوادي عوف‪ .‬فذهبت مث ً‬
‫ل‪.‬‬
‫من أحاديث المحّبين‬
‫وحكى عصام المّري‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬بعثنا رسول الله‪،‬‬
‫ة قبل نجد‪ ،‬وقال‪ :‬إن‬
‫صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬في سري ّ ٍ‬
‫سمعتم مؤ ّ‬
‫ن أحدًا‪ .‬فبينا‬
‫ذنًا‪ ،‬أو رأيتم مسجدا ً فل تقتل ّ‬
‫نحن نسير إذ لحقنا رج ٌ‬
‫ل معه ظعائن يسوقها أمامه‪،‬‬
‫فأخذناه‪ ،‬فقلنا له‪ :‬أسلم‪ .‬قال‪ :‬وما السلم? فعزمنا‬

‫‪87‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عليه‪ ،‬قال‪ :‬أرأيتم إن لم أسلم ما أنتم صانعون بي?‬
‫قلنا‪ :‬نقتلك‪ .‬قال‪ :‬فهل أنتم تاركي حّتى أوصي من‬
‫ت‪ .‬قلنا‪ :‬نعم‪ .‬فدنا من الهودج‬
‫في هذا الهودج بكلما ٍ‬
‫وفيه ظعينة فقال‪ :‬أسلمي جبيش قبل انقطاع العيش‪.‬‬
‫فقالت‪ :‬أسلم عشرا ً أو تسعا ً وترًا‪ ،‬أو ثانيا ً تترا‪ .‬قال‪،‬‬
‫م جاء فمدّ عنقه‪ .‬قال‪ :‬شأنكم اصنعوا ما أنتم‬
‫ث ّ‬
‫صانعون‪ .‬فضربنا عنقه ولقد رأيت تلك ال ّ‬
‫ظعينة نزلت‬
‫من هودجها وألقت نفسها عليه فما زالت تقّبله وتبكي‬
‫حّتى هدأت فحّركناها فإذا هي مّيتة‪.‬‬
‫خانته وبموتها وفت له‬
‫ة‬
‫ي ذات ليل ٍ‬
‫ي قال‪ :‬كان خالد بن عبد الله القسر ّ‬
‫العتب ّ‬
‫دثونا حديثا ّ‬
‫مع فقهاء من أهل الكوفة فقال بعضهم‪ :‬ح ّ‬
‫لبعض الع ّ‬
‫شاق‪ .‬قال أحدهم‪ :‬أصلح الله المير‪ ،‬ذكر‬
‫ن‪.‬‬
‫هشام بن عبد الملك غدر الّنساء وسرعة رجوعه ّ‬
‫دثك‪ ،‬يا أمير المؤمنين‪:‬‬
‫فقال له بعض جلسائه‪ :‬أنا أح ّ‬
‫م عقبة بنت‬
‫بلغني عن امرأ ٍ‬
‫ة من يشكر يقال لها أ ّ‬
‫م لها يقال له‬
‫عمرو بن العران‪ ،‬وإّنها كانت عند ابن ع ّ‬
‫سان‪ ،‬وكان شديد المحّبة لها‪ ،‬والوجد بها‪ ،‬وكانت له‬
‫غ ّ‬
‫كذلك‪ .‬فأقام بها على هذا الحال ما شاء الله‪ ،‬ل يزيد‬
‫ك ّ‬
‫د منهما بصاحبه إل ّّ اعتباطًا‪.‬‬
‫ل واح ٍ‬
‫م عقبة‬
‫سان الوفاة قال لها‪ :‬يا أ ّ‬
‫ما حضرت غ ّ‬
‫فل ّ‬
‫ق‪ .‬فقالت له‪:‬‬
‫اسمعي ما أقول‪ ،‬وأجيبي عن نفسك بح ّ‬
‫ب‪ ،‬ول أجعله آخر ح ّ‬
‫ظك معي‪ .‬فقال‪:‬‬
‫والله ل أجبتك بكذ ٍ‬
‫ت‬
‫إّني رجوت أن تحفظي العهد‪ ،‬وأن تكوني لي إن م ّ‬
‫ن‬
‫ق بك‪ ،‬غير إّني بسوء الظّ ّ‬
‫عند الّرجاء‪ .‬أنا والله واث ٌ‬
‫م اعتقل لسانه فلم ينطق حّتى‬
‫أخاف غدر الّنساء‪ .‬ث ّ‬
‫ّ‬
‫مات‪ .‬فلم تمكث معه إل ّ قليل ً حّتى خطبت من ك ّ‬
‫ل‬
‫ن‪ ،‬ورغب فيها الزواج لجتماع الخصال الفاضلة‬
‫مكا ٍ‬
‫فيها من العقل والجمال والمال والعفاف والحسب‪.‬‬
‫ة له‪:‬‬
‫فقالت مجيب ً‬
‫وأرعاه حّتى نلتقي‬
‫سانًا‪،‬‬
‫سأحفط غ ّ‬
‫يوم نحشر‪.‬‬
‫على بعد داره‪،‬‬
‫ل عن فك ّ‬
‫فوا‪ ،‬فما مثلي‬
‫وإّني لفي شغ ٍ‬
‫من الّناس يغدر‪.‬‬
‫الّناس كّلهـم‪،‬‬
‫دين‬
‫سأبكي عليه‪ ،‬ما‬
‫تحول على الخ ّ‬

‫‪88‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫مّني فتكثـر‬
‫ة‬
‫حييت‪ ،‬بـدمـع ٍ‬
‫ما طالت بها الّيام نسيت‬
‫فيئس الّناس منها حينًا‪ .‬فل ّ‬
‫عهده‪ ،‬وقالت‪ :‬من قد مات فقد فات‪ .‬وأجابت بعض‬
‫خ ّ‬
‫وجها المقدام بن حابس‪ ،‬وقد كان بها‬
‫طابها فتز ّ‬
‫دخول‪ ،‬أتاها‬
‫ما كانت الليلة التي أراد بها ال ّ‬
‫معجبًا‪ .‬فل ّ‬
‫ول فقال لها‪:‬‬
‫في منامها زوجها ال ّ‬
‫ولم تعرفي ح ّ‬
‫قًا‪ ،‬ولم‬
‫غدرت‪ ،‬ولم ترعي‬
‫ترعي لي عهدا‬
‫ة‪،‬‬
‫لبعلـك حـرم ً‬
‫كذلك ينسى ك ّ‬
‫ل من‬
‫ما ثوى‬
‫غدرت به ل ّ‬
‫سكن اللـحـدا‬
‫في ضـريحـه‪،‬‬
‫ة منه كأّنه يراها أو تراه كأّنه‬
‫ة مستحيي ً‬
‫فانتبهت مرتاع ً‬
‫في جانب البيت‪ .‬فأنكر حالها من حضرها‪ ،‬وقلن لها‪:‬‬
‫ن في الحياة‬
‫سا ٌ‬
‫ما لك? وما بالك? قالت‪ :‬ما ترك لي غ ّ‬
‫م أنشدتها‬
‫إربًا‪ ،‬أتاني ال ّ‬
‫ساعة فأنشدني هذه البيات‪ .‬ث ّ‬
‫ما‬
‫ب شدي ٍ‬
‫ع‪ .‬فل ّ‬
‫د من قل ٍ‬
‫ر‪ ،‬وانتحا ٍ‬
‫ع غزي ٍ‬
‫ح موج ٍ‬
‫ب جري ٍ‬
‫بدم ٍ‬
‫ث آخر لتنسى ما‬
‫سمعن ذلك منها أخذن بها في حدي ٍ‬
‫هي فيه‪ ،‬فتغ ّ‬
‫ة‬
‫م قامت كأّنها تقضي حاج ً‬
‫فلته ّ‬
‫نث ّ‬
‫ن‪ .‬فقمن في طلبها‪ ،‬فوجدنها قد جعلت‬
‫فأبطأت عليه ّ‬
‫سوط في حلقها وربطته إلى عمود البيت وجبذت‬
‫ال ّ‬
‫ما بلغ ذلك زوجها المقدام‪،‬‬
‫نفسها حّتى ماتت‪ .‬فل ّ‬
‫حسن عزاؤه عنها‪ ،‬وقال‪ :‬هكذا فليكن الّنساء في‬
‫ل من يحفظ ميتًا‪ ،‬إّنما هي قلئ ٌ‬
‫الوفاء‪ ،‬ق ّ‬
‫ل حّتى ينسى‬
‫وعنه يتسّلى‬
‫ن‬
‫لم يلتفت إليه ّ‬
‫استعدى آل بثينة مروان بن الحكم على جميل بن‬
‫معمر‪ ،‬فهرب حّتى أتى رجل ً شريفا ً من بني عذرة في‬
‫ن البدور جما ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ت سب ٌ‬
‫أقصى بلدهم وله بنا ٌ‬
‫ع كأّنه ّ‬
‫ّ‬
‫فقال ال ّ‬
‫ن‪ ،‬والبسن فاخر‬
‫شيخ لبناته‪ :‬تحلين بأجود حلّيك ّ‬
‫وجته‬
‫ل‪ .‬فمن اختار منك ّ‬
‫ثيابك ّ‬
‫ن‪ ،‬ث ّ‬
‫نز ّ‬
‫م تعرضن لجمي ٍ‬
‫إّياها‪ .‬ففعلن ذلك مرارا ً وجعلن يعارضنه‪ :‬فلم يلتفت‬
‫ن‪ .‬وأنشأ يقول‪:‬‬
‫إليه ّ‬
‫صدق‬
‫حلفت لكي تعلمن أّني صاد ٌ‬
‫ق‪ ،‬ولل ّ‬
‫ي خير المور وأنجح‬
‫ورؤيتـهـــا عـــنـــدي‪ ،‬ألـــذّ وأمـــلـــح‪،‬‬
‫تكليم يوم ٍ من بثينة واحد‬
‫أعـالـج قـلـبـا ً طـامـحـا ً حـــيث‬
‫ن‬
‫ن الـ ّ‬
‫دهـر أن أخـلـو بـكـــ ّ‬

‫‪89‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫يطـــمـــح‬
‫ـــإّنـــمـــا‪،‬‬
‫ن‪ :‬دعن هذا‪ ،‬فوالله ل أفلح أبدًا‪.‬‬
‫قال أبوه ّ‬
‫ش خير الّنساء‬
‫نساء قري ٍ‬
‫م هاني بنت أبي طالب تحت زوجها هبيرة بن‬
‫كانت أ ّ‬
‫أبي ليث المخزومي‪ ،‬فهرب يوم فتح م ّ‬
‫كة إلى اليمن‬
‫فمات كافرًا‪ .‬فخطب رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه‬
‫م هاني فقالت‪ :‬والله لقد كنت أحّبك في‬
‫وسّلم‪ ،‬أ ّ‬
‫ة‬
‫الجاهلّية فكيف في السلم? ولكّنني امرأةٌ مصيب ٌ‬
‫ي‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪" :‬‬
‫وأكره أن يؤذك‪ .‬فقال الّنب ّ‬
‫د‬
‫ش خير نسا ٍ‬
‫ن على ول ٍ‬
‫ء ركبن المطايا‪ ،‬أحناه ّ‬
‫نساء قري ٍ‬
‫د‪" .‬‬
‫ج ذي ي ٍ‬
‫ر‪ ،‬وأرغاه ّ‬
‫صغي ٍ‬
‫ن‪ ،‬على زو ٍ‬
‫ماتت في ال ّ‬
‫طريق‬
‫أبو بكر النباري‪ ،‬عن أبي اليسر قال‪ :‬دخلت منزل‬
‫ة‪ ،‬فسمعت في بيت بازاء البيت‬
‫ن ّ‬
‫س لشراء جاري ٍ‬
‫خا ٍ‬
‫ة تقول‪:‬‬
‫جاري ً‬
‫ش‬
‫ج من قطا‬
‫لدى خفض عي ٍ‬
‫وكّنا كزو ٍ‬
‫ق رغد‬
‫ة‬
‫فـي مـفـاز ٍ‬
‫معج ٍ‬
‫ب مون ٍ‬
‫ولم أر شيئا ً ق ّ‬
‫ط‬
‫أصابهما ريب‬
‫أوحش مـن فـرد‬
‫الـّزمـان فـأفـردا‬
‫ي هذه المنشدة‪ .‬فقال إّنها‬
‫فقلت للن ّ ّ‬
‫خاس‪ :‬أعرض عل ّ‬
‫ث‪،‬‬
‫حزين ٌ‬
‫ة‪ .‬قلت‪ :‬ولم ذلك? قال‪ :‬اشتريتها من ميرا ٍ‬
‫م لم ألبث أن أنشدت‪:‬‬
‫فهي باكي ٌ‬
‫ة على مولها‪ .‬ث ّ‬
‫نشم جنا الجّنات في‬
‫ة‬
‫وكّنا كغصني بان ٍ‬
‫ة رغد‬
‫ة‬
‫عيش ٍ‬
‫وسـط دوح ٍ‬
‫ن‬
‫فأفرد هذا الغصن‬
‫فيا فردةٌ باتت تح ّ‬
‫إلـى فـرد‬
‫ع‬
‫من ذاك قاط ٌ‬
‫سمراء‪ :‬فكتبت إلى عبد الله بن طاهر‬
‫قال أبو ال ّ‬
‫ي‪ :‬أن ألق عليها هذا البيت‪ ،‬فإن‬
‫بخبرها‪ .‬فكتب إل ّ‬
‫أجازته فاشتراها ولو كانت بخراج خراسان‪ .‬والبيت‪:‬‬
‫د‬
‫د‪ ،‬بعي ٌ‬
‫بص ّ‬
‫قري ٌ‬
‫جعلت منه لي مـلذا‬
‫وصل‪،‬‬
‫فقالت‪:‬‬
‫فمات عشقًا‪ ،‬فكان‬
‫فعاتبوه‪ ،‬فـزاد‬
‫شـوقـا ً‬
‫ماذا?‬

‫‪90‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ر وحملتها إليه‪.‬‬
‫قال أبو ال ّ‬
‫سمراء‪ :‬فاشتريتها بألف دينا ٍ‬
‫فماتت في ال ّ‬
‫طريق‪ ،‬فكانت إحدى الحسرات‪.‬‬
‫تستحييه في الحياة والممات‬
‫قال الصمعي‪ :‬خرج سليمان بن عبد الملك ومعه‬
‫سليمان بن المهّلب بن أبي صفرة من دمشق‬
‫ر‬
‫متنّزهين‪ ،‬فمّرا بالجبانة‪ ،‬وإذا امرأةٌ جالس ٌ‬
‫ة على قب ٍ‬
‫تبكي‪ ،‬فهّبت الّريح‪ ،‬فرفعت البرقع عن وجهها‪ ،‬فكأّنها‬
‫جبين ننظر إليها‪،‬‬
‫غمام ٌ‬
‫ة جلت شمسًا‪ ،‬فوقفنا متع ّ‬
‫فقال لها ابن المهّلب‪ :‬يا أمة الله‪ ،‬هل لك في أمير‬
‫المؤمنين بع ً‬
‫م نظرت إلى القبر‪،‬‬
‫ل? فنظرت إليهما‪ ،‬ث ّ‬
‫وقالت‪:‬‬
‫بملحود هذا القبر‪ ،‬يا‬
‫فإن تسألني عن‬
‫فتـيان‬
‫هواي‪ ،‬فإّنه‬
‫كما كنت أستحييه‬
‫وإّني لتسحييه‬
‫وهو يراني‬
‫والّترب بيننـا‪،‬‬
‫جبون‪.‬‬
‫فانصرفنا ونحن متع ّ‬
‫ة ل تتكّلم‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫قال الصمعي‪ :‬رأيت بالبادية أعرابي ّ ً‬
‫أخرساء هي? فقيل لي‪ :‬ل‪ ،‬ولكّنها كان زوجها معجبا ً‬
‫بنغمتها فتو ّ‬
‫في‪ ،‬فآلت أن ل تتكّلم بعده أبدًا‪.‬‬
‫المب ّ‬
‫كرة إلى القبر‬
‫ل من بني نهشل‪ ،‬يقال له‬
‫قال الفرزدق أبقي لرج ٍ‬
‫ما‬
‫حصن‪ ،‬غلم‪ .‬فخرجت في طلبه أريد اليمامة‪ .‬فل ّ‬
‫ة‪ ،‬فرعدت‬
‫صرت في ما ٍ‬
‫ء لبني حنيفة ارتفعت لي سحاب ٌ‬
‫وبرقت وأرخت عزاليها‪ ،‬فعدلت إلى بعض ديارهم‬
‫دار‪ ،‬وأنخت ناقتي‪،‬‬
‫وسألت القرا‪ .‬فأجابوا‪ ،‬ودخلت ال ّ‬
‫من‬
‫وجلست‪ .‬فإذا جاري ٌ‬
‫ة كأّنها طلعة قمر‪ ،‬فقالت‪ :‬م ّ‬
‫ي حنظلة?‬
‫الّرجل? قلت من بني حنظلة‪ .‬قالت‪ :‬من أ ّ‬
‫قلت‪ :‬من بني نهشل‪ .‬قالت‪ :‬فأنت من الذين يقول‬
‫فيهم الفرزدق‪:‬‬
‫بيتا ً دعائمـه أعـّز‬
‫ن الذي سمك‬
‫إ ّ‬
‫وأطـول‬
‫سماء بنى لنـا‬
‫ال ّ‬
‫ع وأبو‬
‫ب‬
‫بيتا زرار ٍ‬
‫ومجاش ٌ‬
‫ة محت ٍ‬
‫الفوارس نهشل‬
‫بـفـنـائه‬
‫ن جريرا ً هدم‬
‫م قالت‪ :‬فإ ّ‬
‫فقلت‪ :‬نعم‪ .‬فتب ّ‬
‫سمت‪ ،‬ث ّ‬
‫قوله‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬

‫‪91‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وأح ّ‬
‫ل بيتك‬
‫أخزي الذي سمك‬
‫سماء مجاشعا ً‬
‫بالحضيض السفـل‬
‫ال ّ‬
‫م‬
‫قال‪ :‬فأعجبني ما رأيت من جمالها وفصاحتها‪ ،‬ث ّ‬
‫فست نفسا ً‬
‫قالت لي‪ :‬أين تؤم? قلت‪ :‬اليمامة‪ .‬فتن ّ‬
‫ل? فبكت‪.‬‬
‫ر‪ ،‬أم ذات بع ٍ‬
‫وصل إل ّ‬
‫ي حّرة‪ ،‬فقلت‪ :‬أذات خد ٍ‬
‫ما فهمت قولي‬
‫ما سألتك‪ .‬قال فل ّ‬
‫فقلت‪ :‬ما أجبتني ع ّ‬
‫ما كان بعد‬
‫ول ً فهمته من ش ّ‬
‫دة استغراقها‪ ،‬فل ّ‬
‫ولم تكن أ ّ‬
‫ة أنشأت تقول‪:‬‬
‫ساع ٍ‬
‫بأّنك قد حملت على‬
‫يخّيل لي‪ ،‬أبا عمرو‬
‫سـرير‬
‫بن كعب‪،‬‬
‫مب ّ‬
‫كرةً عليك إلى‬
‫فإن يك هكذا‪ ،‬يا‬
‫القـبـور‬
‫عمرو‪ ،‬إّني‬
‫ة فماتت‪ .‬فقلت لهم‪ :‬من هذه? قالوا‪:‬‬
‫م شهقت شهق ً‬
‫ث ّ‬
‫حاك بن الّنعمان بن المنذر‪ .‬قلت‪ :‬فمن‬
‫عقيلة بنت ال ّ‬
‫ض ّ‬
‫مها‪ ،‬خطبها ولم يدخل بها‪.‬‬
‫عمرو? قالوا‪ :‬ابن ع ّ‬
‫فارتحلت من عندهم فدخلت اليمامة‪ ،‬فسألت عن‬
‫عمرو فإذا به قد دفن في ذلك الوقت من اليوم‪.‬‬
‫الوفاء في الجاهلّية يختلف عنه غي السلم‬
‫يروى عن سماك بن حرب‪ :‬أن زيد بن حارثة قال‪ :‬يا‬
‫ي‬
‫رسول الله‪ ،‬انطلق بنا إلى فلنة نخطبها عليك أو عل ّ‬
‫إن لم تعجبك‪ :‬فأتيناها فذكر لها زيد رسول الله‪ ،‬صّلى‬
‫الله عليه وسّلم‪ ،‬فقالت له‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إّني عاهدت‬
‫وج بعده أبدًا‪ ،‬وأعطاني مثل ذلك‪ .‬فقال‬
‫زوجي أل ّ أتز ّ‬
‫لها رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪" :‬إن كان ذلك‬
‫في السلم ففي له‪ ،‬وإن كان ذلك في الجاهلية‬
‫ء"‪.‬‬
‫فليس بشي ٍ‬
‫الوفاء وال ّ‬
‫ذكاء‬
‫قال الصمعي خرجت إلى مقابر البصرة‪ ،‬فإذا أنا‬
‫ر‪ ،‬من أجمل الّنساء‪ ،‬وهي تندب صاحبه‬
‫بامرأةً على قب ٍ‬
‫وتقول‪:‬‬
‫هل أخبر القبر‬
‫أم قّر عينـا ً بـزائريه‬
‫سائلـيه‬
‫بالجسد المستكين‬
‫أم هل تراه أحاط‬
‫علما ً‬
‫فـيه‬
‫ع وطودا ً عـد لمـلـيه‬
‫يا جبل ً كان ذا امتنـا ٍ‬

‫‪92‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة طلعها نـضـيد‬
‫يا نخل ً‬

‫ف‬
‫يقرب من ك ّ‬
‫مجتنيه‬
‫ح ّ‬
‫ققت ما كنت‬
‫أّتقـيه‬

‫يا موت ماذا أردت‬
‫مّني‬
‫دهٌر رماني بفقد‬
‫م دهري وأشتـكـيه‬
‫أذ ّ‬
‫إلفـي‬
‫ف وك ّ‬
‫منك الله كـ ّ‬
‫ل ما كنت تّتـقـيه‬
‫ل خـو ٍ‬
‫أ ّ‬
‫أسكنك الله في‬
‫تكون أمنا ً لساكـنـيه‬
‫ن‬
‫جـنـا ٍ‬
‫قال‪ ،‬فقلت لها‪ :‬يا أمة الله‪ ،‬ما هذا منك? قالت‪ :‬لو‬
‫أعلمك مكانك ما أنشدت حرفًا‪ ،‬هذا زوجي وسروري‬
‫وأنسي‪ ،‬والله ل زلت هكذا أبدا ً أو ألحق به‪ .‬قلت لها‪:‬‬
‫ي ال ّ‬
‫شعر‪ .‬فقالت‪ :‬هذا من ذاك‪ .‬فقلت خذي‬
‫أعيدي عل ّ‬
‫دنيا‬
‫إليك‪ .‬وأنشدتها البيات‪ ،‬فقالت فإن يكن في ال ّ‬
‫الصمعي فأنت هو‪.‬‬
‫صة عاشقين‬
‫ق ّ‬
‫ة‪ ،‬يقال لها‬
‫سلمي جاري ً‬
‫قال‪ :‬كان لشجع بن عمرو ال ّ‬
‫ريم‪ ،‬وكان يجدها وجدا ً شديدًا‪ ،‬وكانت تحلف له أّنها إن‬
‫بقيت بعده لم يحكم عليها رج ٌ‬
‫ل أبدًا‪ .‬فقال يخاطبها‪:‬‬
‫من الرض فابكيني‬
‫إذا غمضت فوقي‬
‫بما كنت أصنـع‬
‫ة‬
‫جفـون حـفـير ٍ‬
‫تعزيك عّنـي بـعـد ذلـك وإن ليس فيمن‬
‫وارت الرض مطمع‬
‫ة‬
‫سـلـو ٌ‬
‫فأجابته ريم تقول‪:‬‬
‫ذكرت فراقا ً‬
‫ة بعد موتـك‬
‫ي حيا ٍ‬
‫وأ ّ‬
‫تـنـفـع‪.‬‬
‫دع‪،‬‬
‫والـفـراق يصـ ّ‬
‫ب من‬
‫دار‬
‫إذا الّزمن الغ ّ‬
‫فمالي في طي ّ ٍ‬
‫العيش مطمع‪.‬‬
‫فـّرق بـينـنـا‪،‬‬
‫ر غيثها‬
‫فلو أبصرت عيناك‬
‫شآبيب جد ٍ‬
‫ليس تقـشـع‬
‫ي أبصرت‪،‬‬
‫عين ّ‬
‫وقالت فيها أيضًا‪:‬‬
‫ن إخوان الّرجال‬
‫وليس لخوان الّنساء ولك ّ‬
‫يطـول‪.‬‬
‫تطـاول‪،‬‬
‫ع‪ ،‬عن‬
‫دمع‬
‫فل تبخلي بال ّ‬
‫يض ّ‬
‫ن بدم ٍ‬
‫ى‪ ،‬لبخيل‪.‬‬
‫ن من‪،‬‬
‫عّني فإ ّ‬
‫هو ً‬

‫‪93‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫د‬
‫فما لي إلى ر ّ‬
‫ال ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫شبيبة حـيل ً‬
‫ن لداتي قد مضوا‬
‫وإ ّ‬
‫لسبيلهـم‪،‬‬
‫فأجابته ريم‪:‬‬
‫ن‬
‫بكـى مـن صـرو ٍ‬
‫ف خـطـبـهــ ّ‬
‫جـــلـــيل‬
‫ومـن ذا الـذي ينـعـى عـلـى حــدث‬
‫الـــّردى‪،‬‬
‫وكـ ّ‬
‫ل سـوف يلـقـى‬
‫ل جـلـي ٍ‬
‫حــمـــامـــه‪،‬‬
‫مـرت بـــعـــدك‬
‫لي الـويل‪ ،‬إن عـ ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ســـاع ً‬

‫ول لي إلى دفع‬
‫المنون سبيل‪.‬‬
‫ن بقائي بعدهم‬
‫وإ ّ‬
‫لـقـلـيل‪.‬‬
‫ومـن ذا بـه عـمــر الـــحـــياة‬
‫يطـــول?‬
‫ولـلـمـوت فـي أثـر الـّنـفـــوس‬
‫رســـول‪.‬‬
‫وكـــ ّ‬
‫ل نـــعـــــيم ٍ دائم ٍ ســـــــيزول‪.‬‬

‫ن كـثـير الــويل لـــي‬
‫وإ ّ‬
‫لـــقـــلـــيل‪.‬‬
‫إذا نـجـمـه قـد حــان مـــنـــه‬
‫ة‪،‬‬
‫وتـزعـم أّنــي ل أجـــود بـــعـــبـــر ٍ‬
‫أفـــول‪.‬‬
‫سواك‪ ،‬ومـن دمـعـــي عـــلـــيه‬
‫ومـن ذا الـذي أبـكـي لـه‪ ،‬إن‬
‫يســـيل‪.‬‬
‫فــقـــدتـــه‪،‬‬
‫م‪ ،‬إذًا‪ ،‬مـــا‬
‫فل وقـــيت ري ٌ‬
‫إذا نـــاب لـــلـــّزمـــان جـــلـــيل‪.‬‬
‫تـــخـــافـــه‬
‫ول لــقـــيت يوم الـــقـــيامة‬
‫صـالـحـــات ثـــقـــيل‬
‫ومـيزانـهـا بـالـ ّ‬
‫رّبـــهـــا‬
‫ة‪ ،‬فقلبي‬
‫إذا ماسخا قلب امرى ٍ‬
‫ء بمودّ ٍ‬
‫بودّ عن سواك بخيل‪.‬‬
‫ما مات أشجع‪ ،‬آلت على نفسها أن ل تأكل طعامًا‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫م تو ّ‬
‫فيت‪ ،‬فدفنت‬
‫ول تذوق شرابا‪ .‬فعاشت بعده أّياما‪ ،‬ث ّ‬
‫إلى جانبه‪.‬‬
‫باب ما جاء في غدر الّنساء‬
‫رأي عمر في الّنساء‬
‫قال عمر بن الخ ّ‬
‫طاب‪ ،‬رضي الله عنه‪ :‬أستعيذوا بالله‬
‫ر‪.‬‬
‫من شرار الّنساء وكونوا من خياره ّ‬
‫ن على حذ ٍ‬
‫رأي الملك عمرو في الّنساء‬
‫قال عمرو الملك‪:‬‬
‫د لجاه ٌ‬
‫ل‬
‫ن من غّره الّنسـاء‬
‫بعد هن ٍ‬
‫إ ّ‬
‫مغـرور‬
‫د‬
‫بـو ّ‬
‫حلوة العين واللسان ك ّ‬
‫ء يجن فيه‬
‫ل شي ٍ‬

‫‪94‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ضمير‬
‫وفيهـا‬
‫ال ّ‬
‫رأي طفيل الغنوي في الّنساء‬
‫وقال طفيل الغنوي‪:‬‬
‫ن مّر‪ ،‬وبعض‬
‫ن الّنساء لشجاٌر‬
‫إ ّ‬
‫منه ّ‬
‫المّر مأكول‬
‫تبـين لـنـا‬
‫د‬
‫ن النساء متى‬
‫إ ّ‬
‫ع ل بـ ّ‬
‫فإّنه واق ٌ‬
‫مـفـعـول‬
‫ق‬
‫ينهين عن خلـ ٍ‬
‫ضلوع انكسارها‬
‫ن تقويم ال ّ‬
‫إ ّ‬
‫ع عوجاء‪،‬‬
‫وفي حديث المرفوع أ ّ‬
‫ن المرأة خلقت من ضل ٍ‬
‫ج‬
‫فإن ذهبت تق ّ‬
‫ومها كسرتها‪ ،‬فاستمع بها على عو ٍ‬
‫فيها‪.‬‬
‫وكان أبو ذّر الغ ّ‬
‫فاري يقعد على منبر رسول الله‪ ،‬صّلى‬
‫الله عليه وسّلم فينشده‪:‬‬
‫ضلوع‬
‫ضلع العوجاء‬
‫ن تقويم ال ّ‬
‫هي ال ّ‬
‫أل إ ّ‬
‫انكسارهـا‪.‬‬
‫لست تقيمهـا‬
‫أيجمعن ضعفا ً‬
‫أليس عجيبا ً ضعفها‬
‫واقتدارا ً على الفتى واقتدارهـا?‬
‫ن البركة‬
‫في خلفه ّ‬
‫ن‬
‫ن‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن في خلفه ّ‬
‫ن وخالفوه ّ‬
‫وفي الحديث شاوروه ّ‬
‫البركة‪.‬‬
‫ب بأدواء الّنساء‬
‫??????علقمة ط ّ‬
‫قال علقمة بن عبدة‪:‬‬
‫بصيٌر بأدواء الّنساء‬
‫فإن تسألوني‬
‫طـبـيب‬
‫بالّنساء فـإّنـنـي‬
‫ن‬
‫إذا شاب رأس المرء فليس له في و ّ‬
‫ده ّ‬
‫أو ق ّ‬
‫نـصـيب‬
‫ل ماله‬
‫??تلين لك ولغيرك‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫جزوعا ً إذا بانت‪،‬‬
‫تمّتع بها‪ ،‬ما‬
‫فسوف تبـين‪.‬‬
‫ساعفتك‪ ،‬ول تكـن‬
‫لغيرك من طّلبهـا‬
‫وإن هي أعطتك‬
‫سـتـلـين؛‬
‫الليان فإّنـهـا‪،‬‬
‫على قدم الّيام‬
‫وخنها وإن كانت‬
‫سـوف تـخـون‬
‫تفي لك‪ ،‬إّنـهـا‬
‫فليس لمخضوب‬
‫وإن حلفت أن ليس‬

‫‪95‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫البنـان يمـين‬
‫تنقض عهدها‪،‬‬
‫????????????????????????????????????????????‬
‫ج وتكشف عن وجهها لل ّ‬
‫شباب‬
‫???????تح ّ‬
‫سلولي معه‪،‬‬
‫وقال أبو عبيدة‪ :‬ح ّ‬
‫جت امرأة عجير ال ّ‬
‫ّ‬
‫ب في الّرفقة إل ّ وتكشف‬
‫فأقبلت ل تطرق على شا ّ‬
‫وجهها‪ ،‬فقال في ذلك‪:‬‬
‫ب ل تغفر لعتمة وإن لم يعاقبها‬
‫أيا ر ّ‬
‫العجير‪ ،‬فعاقب‬
‫ذنبهـا‪،‬‬
‫ج‬
‫جل‬
‫إذا كان ح ّ‬
‫م عليك الح ّ‬
‫حرا ٌ‬
‫المسلمات الّثوائب‬
‫تطعمينـه‬
‫للفارس العجلن منها نصيب‬
‫ي‪:‬‬
‫?وقال أعراب ّ‬
‫ل تكثري قول ً‬
‫فقولك هذا للـفـؤاد‬
‫مـريب‪،‬‬
‫دنـا‪،‬‬
‫منحتـك و ّ‬
‫وللفارس العجلن‬
‫تعدين ما أوليتني‬
‫منك قـابـ ً‬
‫منك نصيب?‬
‫ل‪،‬‬
‫?لم تكن عنده شريفة‬
‫أراد رج ٌ‬
‫ة وقد كان أحّبها‪ ،‬فبات عند‬
‫ل أن يشتري قين ً‬
‫ة فأمكنته من نفسها وكان المتناع منه‪،‬‬
‫مولها ليل ً‬
‫فأنشأ يقول‪:‬‬
‫منظرا ً لو تزينه‬
‫ما رأينا بواسط‬
‫بـعـفـاف‬
‫كسـلـيمـى‬
‫جنب القلب طاهر‬
‫بت في جنبها وبات‬
‫الطراف‬
‫ضجيعـي‬
‫م لست عندي من فتية‬
‫فأقيمي مقامنـا ثـ ّ‬
‫الشراف‬
‫بـينـي‪،‬‬
‫?ل يشتهي الفاجرة‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ل أشتهي رنق الـحـياة تخاف وتغشاها‬
‫المعبـدة الـحـرب‬
‫ول الـتـي‬
‫عن الّناس حّتى ليس‬
‫ولكّنني أهـوى‬
‫في صفوها عيب‬
‫مـشـارب أحـرزت‬
‫????الصبع ل تستر زانية‬
‫ي أيضا ً‬
‫وقال أعراب ّ‬

‫‪96‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما صرت‬
‫وأمسكت ل ّ‬
‫نهبا ً مقسما‪.‬‬
‫على كثرة الوّراد أن‬
‫دمـا‬
‫يتهـ ّ‬

‫تبعتك لما كان‬
‫قلـبـك واحـدًا‪،‬‬
‫ولن يلبث الحوض‬
‫الوثيق بنـاؤه‬
‫?الباغية دون اكتفاء‬
‫وقال أبو نواس‪:‬‬
‫وتلقي يالّتحـّية‬
‫ة لخلق الله‬
‫ومظهر ٍ‬
‫سـلم‬
‫حـّبـًا‪،‬‬
‫والـ ّ‬
‫فلم أخلص إليه من‬
‫أتيت فؤادها أشـكـو‬
‫الّزحـام‬
‫إلـيه‪،‬‬
‫ل كـ ّ‬
‫ل‬
‫فيا من ليس يكفيها‬
‫ول ألفا خلـي ٍ‬
‫عـام‪،‬‬
‫خـلـيل‪،‬‬
‫فهم ل يصبرون على‬
‫ة من قوم‬
‫أراك بقي ّ ً‬
‫طعام‪.‬‬
‫موسـى‪،‬‬
‫?إذا غاب بع ٌ‬
‫ل جاء بعل‬
‫وكان رج ٌ‬
‫ب امرأةً فخطب في اليوم الذي ماتت‬
‫ل يح ّ‬
‫فيه‪ ،‬فقيل له في ذلك فقال‪:‬‬
‫ول‬
‫خطبت كما لو كنت‬
‫لكانت بل ش ٍ‬
‫كل ّ‬
‫خاطـب‬
‫دمت قبلها‬
‫ق ّ‬
‫إذا غاب بع ٌ‬
‫ت وآخر‬
‫ل كان‬
‫فل بدّ من آ ٍ‬
‫بع ٌ‬
‫ذاهـب‬
‫ل مكانـه‬
‫ة‬
‫وجته وطافت بالبيت عريان ً‬
‫?تز ّ‬
‫وعن الم ّ‬
‫ي قال‪ :‬كانت ضباعة‬
‫طلب بن الوداعة ال ّ‬
‫سهم ّ‬
‫بنت عامر‪ ،‬من بني عامر بن صعصعة‪ ،‬تحت عبد الله بن‬
‫جدعان‪ .‬فمكثت عنده زمانا ً ل تلد‪ ،‬فأرسل إليها هشام‬
‫بن المغيرة‪ :‬ما تصنعين بهذا ال ّ‬
‫شيخ الكبير الذي ل يولد‬
‫له‪ :‬فقولي له فليطّلقك‪ .‬فقالت ذلك لعبد الله بن‬
‫وجي‬
‫جدعان‪ ،‬فقال لها‪ :‬إّني أخاف إن طّلقتك تتز ّ‬
‫ي أن ل أفعل‬
‫هشام بن المغيرة??! قالت له‪:‬فإ ّ‬
‫ن لك عل ّ‬
‫ة من البل‬
‫ن عليك مائ ً‬
‫هذا‪ .‬قال لها‪ :‬فإن فعلت‪ ،‬فإ ّ‬
‫تنحرينها وتنسجين ثوبا ً يقطع ما بين الخشبين‬
‫ة‪ .‬قالت‪ :‬ل أطيق ذلك‪.‬‬
‫وتطوفين بالبيت عريان ً‬
‫وأرسلت إلى هشام فأخبرته‪ ،‬فأرسل إليها ما أهون‬
‫ذلك‪ ،‬وما يكن بك من ذلك‪ ،‬أنا أيسر من قريش في‬
‫المال‪ ،‬ونسائي أكثر الّنساء بالبطحاء‪ ،‬وأنت أجمل‬

‫‪97‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الّنساء ول تعابين في عريك‪ ،‬فل تأبي ذلك عليه‪.‬‬
‫وجت هشاما ً‬
‫فقالت لبن جدعان‪ :‬طّلقني‪ ،‬فإن تز ّ‬
‫وجها‬
‫ي ما قلت‪ .‬فطّلقها بعد استيثاقه منها‪ .‬فتز ّ‬
‫فعل ّ‬
‫هشام‪ ،‬فنحر عنها مائة جزور‪ ،‬وأمر نساؤه فنسجن‬
‫ة‪.‬‬
‫م طافت بالبيت عريان ً‬
‫ثوبا ً يمل ما بين الخشبين‪ ،‬ث ّ‬
‫قال الم ّ‬
‫طلب‪ :‬فأتبعها بصري إذا أدبرت وأستقبلها إذا‬
‫ما خلق الله منها وهي واضعة‬
‫أقبلت‪ ،‬فما رأيت شيئا ً م ّ‬
‫يدها على فرجها وقريش قد أحدقت بها‪ ،‬وهي تقول‪:‬‬
‫اليوم يبدو بعضه أو‬
‫وما بدا منه فل أحّلـه‬
‫كّله‬
‫الّتلفيق عند الّزبير بن بكار‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬خطب الحسن بن الحسن بن علي‬
‫مه الحسين بن علي رضي الله‬
‫بن أبي طالب من ع ّ‬
‫عنهما فقال له‪ :‬يا ابن أخي‪ ،‬قد انتظرت هذا منك‬
‫م أخرج إليه‬
‫انطلق معي‪ ،‬فخرج معه حّتى أدخله منزله ث ّ‬
‫ابنته فاطمة وسكينة‪ ،‬وقال له‪ :‬اختر أّيهما شئت!‬
‫ما حضرت الحسن‬
‫وجه إّياها‪ .‬فل ّ‬
‫فاختار فاطمة‪ ،‬فز ّ‬
‫وف إليك‬
‫الوفاة قال لها‪ :‬إّنك امرأة مرغوب فيك‪ ،‬متش ّ‬
‫ل تتركين‪ ،‬وإّني ما أدع في قلبي حسرةً سواك‪.‬‬
‫وجي من شئت سوى عبد الله بن عمر بن عثمان‪.‬‬
‫فتز ّ‬
‫م قال لها‪ :‬كأّني قد خرجت وقدمت جاءك لبسا ً حّلته‪،‬‬
‫ث ّ‬
‫مرجل ً جمته‪ ،‬يسير في جانب الّناس معترضا ً لك‪،‬‬
‫ما ً غيرك‪ .‬فلم يدعها حّتى‬
‫ولست أدع من ال ّ‬
‫دنيا ه ّ‬
‫استوثق منها باليمان‪.‬‬
‫ومات الحسن‪ ،‬فأخرجت جنازته‪ ،‬فوافاه عبد الله بن‬
‫عمر وكان يجد بفاطمة وجدا ً شديدًا‪ ،‬وكان رجل ً جميل ً‬
‫كان يقال له المطرف من حسنه‪ ،‬فنظر إلى فاطمة‬
‫وهي تلطم وجهها على الحسن‪ ،‬فأرسل إليها مع‬
‫مك أربا ً في وجهك فارفقي به‪.‬‬
‫وليدة له‪ :‬أ ّ‬
‫ن لبن ع ّ‬
‫فاسترخت يدها واحمّر وجهها حّتى عرف ذلك جميع‬
‫دتها خطبها فقالت‪ :‬كيف‬
‫ما انقضت ع ّ‬
‫من حضرها‪ .‬فل ّ‬
‫ل مالن؛ وبك ّ‬
‫أفعل بإيماني? قال لها‪ :‬لك بك ّ‬
‫ل‬
‫ل ما ٍ‬
‫ك مملوكان‪ .‬فو ّ‬
‫فى لها وتزوجها فولدت له‬
‫مملو ٍ‬
‫ديباج والقاسم‬
‫مى من حسنه ال ّ‬
‫مدًا‪ .‬وكان يس ّ‬
‫مح ّ‬
‫ورقّية‪.‬‬
‫ما حضرت الوفاة حمزة بن عبد الله بن‬
‫وقال الّزبير‪ :‬ل ّ‬

‫‪98‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الّزبير خرجت عليه فاطمة بنت القاسم بن علي بن‬
‫جعفر بن أبي طالب فقال لها‪ :‬كأّني????????? بك‬
‫وجت طلحة بن عمر بن عبد الله بن معمر‪ ،‬فحلفت‬
‫تز ّ‬
‫نك ّ‬
‫ء لها في سبيل الله أن‬
‫ل شي ٍ‬
‫له بعتق رقيقها‪ ،‬وإ ّ‬
‫ما تو ّ‬
‫في حمزة بن عبد الله وحّلت‪،‬‬
‫وجته أبدًا‪ .‬فل ّ‬
‫تز ّ‬
‫أرسل إليها طلحة بن عمر فخطبها فقالت له‪ :‬قد‬
‫حلفت‪ .‬وذكرت يمينها‪ ،‬فقال لها‪ :‬أعطيك بك ّ‬
‫ء‬
‫ل شي ٍ‬
‫شيئين‪ .‬وكانت قيمة رقيقها وما حلفت عليه عشرين‬
‫وجته‪ ،‬فولدت له‬
‫ألف دينار‪ ،‬فأصدقها ضعفها فتز ّ‬
‫وج طلحة ابنته رملة من إسماعيل‬
‫إبراهيم ورملة‪ .‬فز ّ‬
‫بن علي بن العّباس بمائة ألف دينار وكانت فائقة‬
‫الجمال والخلق‪ ،‬فقال إسماعيل لطلحة بن عمر‪ :‬أنت‬
‫أتجر الّناس‪ .‬قال له والله ما عالجت تجارةً قط‪ .‬قال‪:‬‬
‫وجت فاطمة بنت القاسم بأربعين ألفا ً‬
‫بلى حين تز ّ‬
‫وجت رملة بمائة ألف‬
‫فولدت لك إبراهيم ورملة‪ ،‬فز ّ‬
‫دينار فربحت سّتين ألفا ً وإبراهيم‪.‬‬
‫دتها‬
‫وجته قبل انقضاء ع ّ‬
‫تز ّ‬
‫وعن هشام بن الكلبي قال‪ :‬قال عبد الله بن عكرمة‪:‬‬
‫دخلت على عبد الّرحمن بن هشام أعوده فقلت‪ :‬كيف‬
‫ي‬
‫تجد? فقال‪ :‬أجد بي والله الموت‪ ،‬وما موتي بأشد عل ّ‬
‫وج بعدي‪ .‬فحلفت له أّنها ل‬
‫من أ ّ‬
‫م هشام‪ ،‬أخاف أن تتز ّ‬
‫وج بعده فغشي وجهه نورًا‪ ،‬وقال‪ :‬الن فلينزل‬
‫تتز ّ‬
‫وجت عمر بن‬
‫ما انقضت ع ّ‬
‫الموت متى شاء‪ .‬فل ّ‬
‫دتها تز ّ‬
‫عبد العزيز‪ .‬فقلت في ذلك?‪.‬‬
‫وإن تعست بؤسا ً‬
‫فإن لقيت خيرا ً فل‬
‫فللعين والفم‬
‫يهنـيهـا‬
‫ي‪ :‬قد بلغني ما تمّثلت به‪ ،‬وما‬
‫ما بلغها ذلك‬
‫فل ّ‬
‫كتبت إل ّ‬
‫ّ‬
‫مثلي في أخيك إل ّ كما قال ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫وهل كنـت إل ّّ والـهـا ً قضت نحبها بعد‬
‫جـع‬
‫ة‬
‫ذات تـرح ٍ‬
‫الحنين الـمـر ّ‬
‫فدع ذكر من قد وارت ففي غير من قد‬
‫وارت الرض مقنع‬
‫الرض شخصه‬
‫قال‪ :‬فبلغ مّني ك ّ‬
‫ل مبلغ‪ .‬فحسبت حسابها فإذا هي قد‬
‫دتها أربعة أّيام‪.‬‬
‫وج وبقي عليها من ع ّ‬
‫ع ّ‬
‫جلت بالتز ّ‬
‫فدخلت على عمر فأخبرته فانقضى الّنكاح‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫هل يزول الهوى بعد الموت‬
‫وجت‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬كانت إمرأةٌ من العرب تز ّ‬
‫رج ً‬
‫ل‪ ،‬فكانت تجد به‪ ،‬ويجد بها وجدا ً شديدًا‪ ،‬فتحالفا‬
‫وج الباقي منهما‪ .‬فما لبث أن مات‬
‫وتعاهدا أن ل يتز ّ‬
‫وجت‪ ،‬فلمها أهلها على نقض عهدها‪،‬‬
‫بعلها‪ ،‬فتز ّ‬
‫فقالت‪:‬‬
‫وحّبي لذا مـات ذاك‬
‫لقد كان حّبي ذاك‬
‫حب ّا ً مبّرحـا ً‬
‫شـديد‪.‬‬
‫وحّبي لذا طول‬
‫وكانت حياتي عند‬
‫الـحـياة يزيد‬
‫ة‬
‫ذلـك جـن ّ ٌ‬
‫كذاك الهوى بعد‬
‫ما مضى‪ ،‬عادت‬
‫فل ّ‬
‫الممات يبـيد‬
‫دتي‪،‬‬
‫لهذا مو ّ‬
‫ة‬
‫لم ترع لبعلها حرم ً‬
‫حكى الهيثم بن عدي قال‪:‬عاهد رج ٌ‬
‫ل امرأته وعاهدته‬
‫وج الباقي منهما‪،‬فهلك الّرجل‪ ،‬فلم تلبث‬
‫أن ل يتز ّ‬
‫ما كان ليلة البناء بها رأت في‬
‫وجت‪ .‬فل ّ‬
‫المرأة أن تز ّ‬
‫ملته‪ ،‬فإذا هو زوجها‪ ،‬وهو يقول‬
‫ول الليل شخصا ً فتأ ّ‬
‫أ ّ‬
‫مت‬
‫لها‪ :‬نقضت العهد ولم ترعي له‪ .‬وأصبحت فأت ّ‬
‫نكاحها‪.‬‬
‫تركها وأوصى بها فخانته‬
‫ن رجل ً من النصار غزا فأوصى‬
‫وروى ابن شهاب‪ :‬أ ّ‬
‫م الّرجل ليلة من الليالي‬
‫م له بأهله‪ ،‬فأتى ابن ع ّ‬
‫ابن ع ّ‬
‫ح‬
‫مه فإذا بالبيت مصبا ٌ‬
‫فتطّلع على حال زوجة ابن ع ّ‬
‫ء على فراش ابن‬
‫ل مّتكى ٍ‬
‫ة طّيب ٌ‬
‫يزهر ورائح ٌ‬
‫ة‪ ،‬وإذا برج ٍ‬
‫مه وهو يتغّنى ويقول‪:‬‬
‫ع ّ‬
‫وأشعث غّرة السلم خلوت بعرسه بدر‬
‫الّتمام‬
‫مّني‬
‫على جرداء لحقة‬
‫أبيت على ترائبها‬
‫الحزام‬
‫ويغـدو‬
‫فئام ينتمـين إلـى‬
‫ن مجامع الّربلت‬
‫كأ ّ‬
‫فـئام‬
‫منها‬
‫در الّرجل أن يملك نفسه حّتى دخل عليه‬
‫فلم يق ّ‬
‫ّ‬
‫فضربه حّتى قتله‪ .‬ورفع الخبر إلى عمر بن الخطاب‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬فصعد المنبر وخطب وقال‪ :‬عزمت‬

‫‪100‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عليكم أن كان الّرجل الذي قتل حاضرا ً ويسمع كلمي‬
‫فليقم‪ .‬فقال‪ :‬أبعده الله‪ ،‬ما كان من خبره? فأخبره‬
‫وأنشده البيات‪ ،‬فقال‪ :‬أضربت عنقه? قال‪ :‬نعم يا‬
‫أمير المؤمنين‪ .‬فقال‪ :‬أبعده الله‪ ،‬فقد هدر دمه‪.‬‬
‫ة‬
‫لم ترع عهدا ً ولم يرع قراب ً‬
‫قال أبو عمرو ال ّ‬
‫شيباني‪ :‬كان أبو ذؤيب الهذلي يهوى‬
‫امرأةً يقال لها أم عمرو‪ ،‬وكان يبعث إليها خالد ابن‬
‫أخيه زهير‪ ،‬فراودت الغلم عن نفسها‪ ،‬فامتنع وقال‪:‬‬
‫أكره أن يبلغ أبا ذؤيب‪ .‬فقالت له‪ :‬ما يراني وإياك إل ّّ‬
‫ّ‬
‫الكواكب‪ .‬فبات وقال‪:‬‬
‫م عمرو فلنعم‬
‫م إل ّّ أنا‬
‫وأ ّ‬
‫ما ث ّ‬
‫صاحب‬
‫والكـواكـب‬
‫ال ّ‬
‫ما رجع إلى أبي ذؤيب استراب به‪ ،‬وقال‪ :‬والله إّني‬
‫فل ّ‬
‫ّ‬
‫م جعل ل يأتيه إل ّ استراب به‪،‬‬
‫لجد ريح أ ّ‬
‫م عمرو منك‪ .‬ث ّ‬
‫فقال خالد‪:‬‬
‫كنت إذا ما جئته من‬
‫يا قوم ما لي وبـي‬
‫غيب‪،‬‬
‫ذؤيب‪،‬‬
‫م كأّننـي أربـتـه‬
‫س عطفي‪ ،‬ويش ّ‬
‫يم ّ‬
‫بـريب‪.‬‬
‫ثوبـي‪،‬‬
‫فقال أبو ذؤيب‪ ،‬وهي من قصيدة من جّيد شعره‪:‬‬
‫يولي على قصد‬
‫دعا خالدا ً أسرى‬
‫سبيل أمورهـا‬
‫ليالي نـفـسـه‬
‫ال ّ‬
‫ما تو ّ‬
‫وفي الّنفس منه‬
‫فاها‬
‫فل ّ‬
‫ال ّ‬
‫غدرها وفجورها‬
‫شـبـاب وغـدره‪،‬‬
‫أغانيج خوٍد كان حينـا ً‬
‫لوى رأسه عّني‪،‬‬
‫يزورهـا‬
‫ده‪،‬‬
‫ومـال بـو ّ‬
‫يظ ّ‬
‫ل لصحاب‬
‫تعّلقـهـا مـنـه دلل‬
‫سفاه يثـيرهـا‬
‫ومـقـلة‬
‫ال ّ‬
‫فأجابه خالد‪:‬‬
‫م‬
‫ن الله‬
‫فل يبعد ّ‬
‫وسافر والحلم ج ّ‬
‫غيورهـا‬
‫عقلـك إن غـزا‬
‫ر‬
‫وكنت إماما ً للعشيرة إليك إذا ضاقت بأم ٍ‬
‫صدورها‬
‫تنتـهـي‬
‫ألذّ من ال ّ‬
‫شكوى إذا‬
‫وقاسمها بالله‬
‫ما يسورها‬
‫جـهـدا ً لنـتـم‬

‫‪101‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫صريمته والّنفس مّر‬
‫فلم يغن عنه خدعه‬
‫ضميرها‬
‫حين أزمعت‬
‫قال‪:‬وكان أبو ذؤيب أخذها من ملك بن عويمر وكان‬
‫ما كبر‬
‫ما كبر أخذت أبا ذؤيب‪ ،‬فل ّ‬
‫ملك يرسله إليها‪ ،‬فل ّ‬
‫أخذت خالدًا‪ .‬وقال‪:‬‬
‫سيفان‪،‬‬
‫تريدين كيما تجـمـعـينـي وهل يصلح ال ّ‬
‫وخـالـدا ً‬
‫ويحك‪ ،‬في غمد?‬
‫د‪ ،‬مـا راعـيت مـّنـي فتحفظني بالغيب أو‬
‫أخال ٌ‬
‫بعض ما تبـدي‪.‬‬
‫ة‬
‫قـراب ً‬
‫ب تبيع كفلها‬
‫عن قري ٍ‬
‫شريد يتع ّ‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬كان صخر بن عبد الله ال ّ‬
‫شق‬
‫مه سلمى بنت كعب‪ ،‬وكان يخطبها فتأبى عليه‪،‬‬
‫ابنة ع ّ‬
‫ً‬
‫د على بني‬
‫م أغارت بنو أس ٍ‬
‫فأقام على ذلك حينا ث ّ‬
‫سليم ٍ فغلبوهم وصخر غائب‪ .‬وأخذت سلمى فيمن أخذ‬
‫من الّنساء‪ ،‬وقتل عددٌ منهم‪ ،‬وأسر آخرون‪ .‬وأقبل‬
‫صخر فنظر إلى ديارهم بلقعا ً وأخبر الخبر‪ ،‬فشدّ عليه‬
‫سلحه‪ ،‬واستوى على فرسه‪ ،‬وأخذ أثرهم حّتى‬
‫ما نظروا إليه قالوا‪ :‬هذا كان شّرد من بني‬
‫لحقهم‪ ،‬فل ّ‬
‫ً‬
‫ب الله أن ل يدع منهم أحدا‪ .‬فجعل يبرز‬
‫سليم‪ ،‬وقد أح ّ‬
‫ما أكثر فيهم‬
‫إليه الفارس بعد الفارس فيقتله‪ ،‬فل ّ‬
‫القتل‪ ،‬حّلت أسارى بني سليم بعضها بعضًا‪ ،‬وثاروا‬
‫على بني أسد‪.‬‬
‫دها‬
‫ونظر صخر إلى سلمى وهي مع عبد أسود‪ ،‬قد ش ّ‬
‫على ظهره‪ ،‬فطعنه صخٌر فقتله واستنقذ سلمى ورجع‬
‫بها‪ .‬وقد أصابته طعنة أبي ثور السدي في جنبه‪،‬‬
‫ضلها على‬
‫وج سلمى‪ .‬وكان يحّبها ويكرمها‪ ،‬ويف ّ‬
‫وتز ّ‬
‫م بعد ذلك انتقض جرحه فمرض حو ً‬
‫ل‪ ،‬وكان‬
‫أهله‪ .‬ث ّ‬
‫ي يدخلن إلى سلمى عوائد فيقلن‪ :‬كيف‬
‫نساء الح ّ‬
‫ي فيرجى ول ميت فينسى‪.‬‬
‫أصبح صخر? فتقول‪ :‬ل ح ّ‬
‫ومّر بها رج ٌ‬
‫ق وأرداف‪،‬‬
‫ل وهي قائم ٌ‬
‫ة وكانت ذات خل ٍ‬
‫ب فسمعها‬
‫فقال‪ :‬أيباع هذا الكفل? فقالت‪ :‬عن قري ٍ‬
‫سيف أنظر هل‬
‫صخر‪ ،‬ولم تعلم‪ ،‬فقال لها‪ :‬ناوليني ال ّ‬
‫صدىءٌ أم ل? وأراد قتلها‪ ،‬فناولته ولم تعلم‪ ،‬فإذا هو ل‬
‫يقدر على حمله فقال‪:‬‬
‫ر ما تم ّ‬
‫ل ومّلت سليمى‬
‫أرى أ ّ‬
‫م صخ ٍ‬

‫‪102‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عيادتـي‬
‫وما كنت أخشى أن‬
‫ة‬
‫أكون جناز ً‬
‫ء ساوى‬
‫ي امرى ٍ‬
‫فأ ّ‬
‫ة‬
‫بأم ٍ حـلـيل ٍ‬
‫م بأمر الحرم لو‬
‫أه ّ‬
‫أستطيعـه‪،‬‬
‫لعمري لقد أيقظت‬
‫من كان نائما ً‬
‫فللموت‪ ،‬خيٌر من‬
‫ة كأّنـهـا‬
‫حيا ٍ‬

‫مضجعي ومكاني‬
‫عليك ومن يغتّر‬
‫بالـحـدثـان‬
‫ّ‬
‫فل عاش إل ّ في‬
‫شقا وهـوان‬
‫وقد حيل بين العير‬
‫والّنـزوان‬
‫وأسمعت من كانت‬
‫لـه أذنـان‬
‫محلة يعسوب برأس‬
‫سـنـان‪.‬‬

‫ة فأشاروا عليه‬
‫قال‪ :‬ونتأت في موضع الجرح قطع ً‬
‫ما قطعت مات‪.‬‬
‫بقطعها‪ ،‬فقال لهم‪ :‬شأنكم‪ .‬فل ّ‬
‫غدرت حّتى بأبيها‬
‫ساطرون والملك‪ ،‬ملك اليونانيين‪ ،‬قد بنى‬
‫قال كان ال ّ‬
‫ب ظاهٌر فك ّ‬
‫ل من‬
‫مى الّثرثار ولم يكن له با ٌ‬
‫حصنا ً يس ّ‬
‫غزاه من الملوك رجع عنه خائبا ً حّتى غزاه سابور ذو‬
‫الكتاف‪ ،‬ملك فارس‪ ،‬فحصره أشهرا ً ل يقدر على‬
‫ء‪ .‬فأشرفت يوما ً من الحصن الّنضيرة ابنة الملك‪،‬‬
‫شي ٍ‬
‫فنظرت إلى سابور فهويته‪ ،‬وكان من أجمل الّناس‬
‫ة‪ ،‬فأرسلت إليه‪ :‬إن أنت ضمنت لي أن‬
‫دهم قام ً‬
‫وأم ّ‬
‫ضلني على نسائك دللتك على فتح هذا‬
‫وجني وتف ّ‬
‫تتز ّ‬
‫الحصن‪ .‬فضمن لها ذلك فأرسلت إليه‪ :‬أن أنثر في‬
‫الّثرثار تبنا ً واجعل الّرجال يتبعونه حّتى يروا حيث‬
‫ن ذلك المكان يفضي إلى الحصن‪ ،‬وفيه بابه‪.‬‬
‫يدخل‪ .‬فإ ّ‬
‫ففعل ذلك سابور‪ ،‬وعمدت الّنضيرة إلى أبيها فسقته‬
‫الخمر حّتى أسكرته‪ ،‬فلم يشعر أهل الحصن إل ّّ وسابور‬
‫معهم وهم آمنون‪.‬‬
‫ما فر سابور بالحصن‪ ،‬وقتل الملك أبا نضيرة‪،‬‬
‫قال‪ :‬فل ّ‬
‫وج بالّنضيرة فباتت معه مسهرةً ل تنام‬
‫وجمع جنده‪ ،‬تز ّ‬
‫ب إلى جنب‪ .‬فقال لها سابور‪ :‬ما لك ل‬
‫تتقّلب من جن ٍ‬
‫ن جنبي تجافى عن فراشك‪ .‬قال‪:‬‬
‫تنامين? فقالت‪ :‬إ ّ‬
‫ولم‪ ،‬فوالله ما نامت الملوك على ألين منه ول أوطأ‪،‬‬
‫ما أصبح سابور نظر إلى‬
‫وإ ّ‬
‫ن فرشه لزغب اليمام‪ .‬فل ّ‬

‫‪103‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ورقة آس بين أعكانها‪ ،‬فتناولها‪ ،‬فدمى موضعها‪.‬‬
‫ذيك? قالت‪ :‬بالم ّ‬
‫فقال لها‪ :‬ويحك بماذا كان أبوك يغ ّ‬
‫خ‬
‫والّزبد والبلح وال ّ‬
‫شهد وصفو الخمر‪ .‬فقال لها سابور‪:‬‬
‫إّني لجديٌر أن ل أستبقيك بعد إهلك أباك وقومك‪،‬‬
‫وكانت حالك عندهم هذه الحالة التذ تصفين‪ ،‬وأمر‬
‫بإحضار فرسين فربطت إلى أرجلهما بغدائرها ون ّ‬
‫فرا‬
‫فقطعاها نصفين‪ ،‬فذلك قول عدي حيث يقول‪:‬‬
‫من قعره أيد‬
‫والحصن صّبت عليه‬
‫مناكـبـهـا‬
‫ة‬
‫داهي ٌ‬
‫أرباب ملك جزل‬
‫من يعد ما كان وهو‬
‫مواهبها‬
‫يعمره‬
‫م البنين?‬
‫وصلت الخيانة حّتى إلى أ ّ‬
‫م البنين بنت عبد‬
‫نو ّ‬
‫ويروى أ ّ‬
‫ضاح اليمن نشأ هو وأ ّ‬
‫العزيز بن مروان بالمدينة صغيرين فأحّبها وأحّبته‪،‬‬
‫وكان ل يصبر عنها حّتى إذا شّبت حجبت عنه‪ ،‬فطال‬
‫م‬
‫بهما البلء‪ .‬فح ّ‬
‫ج الوليد بن عبد الملك فبلغه جمال أ ّ‬
‫وجها ونقلها معه إلى ال ّ‬
‫شام فذهب‬
‫البنين وأدبها فتز ّ‬
‫ما طال عليه‬
‫عقل و ّ‬
‫ضاح عليها وجعل يذوب وينحل فل ّ‬
‫البلء وصار إلى الوسواس خرج إلى م ّ‬
‫كة حاجا ً وقال‬
‫ما أنا فيه وأدعو الله فلعّله‬
‫لعّلي أستعيذ بالله م ّ‬
‫يرحمني‪.‬‬
‫جه شخص إلى ال ّ‬
‫شام فجعل يطوف بقصر‬
‫ما قضى ح ّ‬
‫فل ّ‬
‫الوليد بن عبد الملك في ك ّ‬
‫ة حّتى أرى‬
‫ل يوم ٍ ل يجد حيل ً‬
‫ة من القصر‬
‫ة صفراء خارج ً‬
‫في يوم ٍ من الّيام جاري ً‬
‫تمشي فمشى معها ولم يزل بها حّتى أنست به فقال‬
‫م البنين بموضعي? فقالت‪ :‬عن مولتي‬
‫لها‪ :‬أتعرفين أ ّ‬
‫مي‪ ،‬وإّنها لتسّر بموضعي‬
‫تسأل? قال لها‪ :‬هي ابنة ع ّ‬
‫لو أخبرتها‪ ،‬قالت‪ :‬فأنا أخبرها‪.‬‬
‫م البنين فقالت لها‪ :‬ويلك‬
‫فمضت ال ّ‬
‫جارية فأخبرت أ ّ‬
‫ي هو? قالت لها‪ :‬نعم يا مولتي‪ .‬قالت لها‪ :‬إرجعي‬
‫أح ّ‬
‫إليه‪ ،‬وقولي له كن مكانك حّتى يأتيك رسولي‪ ،‬فإّني ل‬
‫أدع الحتيال لك‪ :‬واحتالت له فأدخلته في صندوق‪،‬‬
‫فمكث عندها حينا ً فإذا أمنت أخرجته فقعد معها‪ ،‬وإذا‬
‫صندوق‪.‬‬
‫خافت عين رقيب أدخلته في ال ّ‬
‫وأهدي يوما ً لوليد جوهر فقال لبعض خدمه خذ هذا‬

‫‪104‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م البنين وقل لها‪ :‬أهدي هذا إلى‬
‫العقد وأمض به إلى أ ّ‬
‫ة‬
‫جه به إليك‪ .‬فدخل الخادم مفاجأ ً‬
‫أمير المؤمنين فو ّ‬
‫م البنين‪،‬‬
‫وو ّ‬
‫ضاح معها قاعد فلمحه الخادم‪،‬ولم تشعر أ ّ‬
‫صندوق فدخله‪.‬‬
‫فبادر إلى ال ّ‬
‫دى الخادم الّرسالة وقال‪ :‬هبي لي من هذا الجوهر‬
‫وأ ّ‬
‫م لك‪ ،‬فما تصنع بهذا‪.‬‬
‫حجرا ً واحدًا‪ .‬فقالت له‪ :‬ل أ ّ‬
‫فخرج وهو عليها حنق‪ ،‬فجاء الوليد فأخبره الخبر‬
‫صندوق الذي رآه دخله‪ ،‬فقال له‪ :‬كذبت‪ ،‬ل‬
‫ووصف له ال ّ‬
‫م نهض الوليد مسرعا ً فدخل إليها وهي في‬
‫أ ّ‬
‫م لك‪ :‬ث ّ‬
‫ذلك البيت وفيه صناديق كثيرة فجاء حّتى جلس على‬
‫م‬
‫صندوق الذي وصف له الخادم فقال لها‪ :‬يا أ ّ‬
‫ذلك ال ّ‬
‫البنين هبي لي صندوقا ً من صناديقك هذه? قالت‪ :‬أنا‬
‫لك يا أمير المؤمنين‪ ،‬وهي لك‪ ،‬فخذ أّيها شئت‪ .‬قال‪:‬‬
‫ما أريد إل ّّ هذا الذي تحتي‪ .‬قالت له يا أمير المؤمنين‬
‫ن فيه شيئا ً من أمور الّنساء‪ .‬فقال‪ :‬ما أريد غيره‪.‬‬
‫إ ّ‬
‫قالت فهو لك‪.‬‬
‫قال فأمر به فحمل‪ ،‬ودعا بغلمين وأمرهما أن يحفرا‬
‫صندوق وقال‬
‫حّتى وصل إلى الماء ث ّ‬
‫م وضع فمه في ال ّ‬
‫قا ً‬
‫صندوق قد بلغنا عنك شيء فإن كان ح ّ‬
‫يا صاحب ال ّ‬
‫فقد دفّنا خبرك‪ ،‬وإن كان كذبا ً فما أهون علينا‪ ،‬إّنما‬
‫صندوق فألقي في الحفيرة‪،‬‬
‫دفّنا صندوقًا‪ .‬وأمر بال ّ‬
‫دام الذي عرفه فقذف معه‪ ،‬وردّ الّتراب‬
‫وأمر بالخ ّ‬
‫ّ‬
‫م البنين ل ترى إل ّ في ذلك‬
‫عليهما‪ .‬قال فكانت أ ّ‬
‫ة على‬
‫المكان تبكي إلى أن وجدت ذات يوم ٍ مكبوب ً‬
‫وجهها مّيتة‪.‬‬
‫استطعن الّتخلص في آخر لحظة‬
‫وروي عن أبي نواس قال حجبت مع الفضل بن الّربيع‬
‫ما كّنا بأرض فزارة أّيام الّربيع‪ ،‬نزلنا منزل ً بفنائهم‬
‫فل ّ‬
‫ض‪ ،‬وقد اكتست الرض نبتها‬
‫ض‪ ،‬ونب ٍ‬
‫ت غري ٍ‬
‫ض أري ٍ‬
‫ذا أر ٍ‬
‫الّزاهر‪ ،‬وبرزت براخم غررها والّتحف أنوار زخرفها‬
‫الباهر ما يقصر عن حسنه الّنمارق المصفوفة‪ ،‬ول‬
‫يداني بهجته الّزرابي المبثوثة‪ .‬فزادت البصار في‬
‫نضرتها‪ ،‬وابتهجت الّنفوس بثمارها‪ .‬فلم نلبث أن‬
‫م اندهمت‬
‫سماء بال ّ‬
‫أقبلت ال ّ‬
‫سحاب‪ ،‬وأرخت عزاليها ث ّ‬
‫ديم‪ ،‬كالوهاد‬
‫ل حّتى إذا تركت ال ّ‬
‫شث ّ‬
‫برذاٍذ ث ّ‬
‫م بواب ٍ‬
‫م بط ٍ‬
‫ق‪،‬‬
‫انقشعت وأقلعت وقد غادرت الغدران مترع ً‬
‫ة برف ٍ‬

‫‪105‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ض‬
‫والقيعان ناضرةً تتأّلق‪ ،‬يتضاحك بأنوار الّزهرالغ ّ‬
‫ن رددته إليه‪ ،‬وإذا‬
‫حّتى إذا هممت بتشبيه منظ ٍ‬
‫ر حس ٍ‬
‫ّ‬
‫ب لم يجد في البكاء معول ً إل ّ عليه‪.‬‬
‫ع طي ّ ٍ‬
‫تقت إلى موض ٍ‬
‫ً‬
‫ر‪ ،‬واستنشقت‬
‫فسرحت طرفي راتعا في أحسن منظ ٍ‬
‫من رياها أطيب من ريح المسك الذفر‪ .‬فقلت لزميلي‪:‬‬
‫ويحك أمض بنا إلى هذه الخيمات‪ ،‬فلعّلنا نلقى من نأثر‬
‫عنه خبرًا‪ ،‬نرجع به إلى بغداد‪.‬‬
‫ما انتهينا إلى أوائلها إذا نحن بخباء على باب جارية‬
‫فل ّ‬
‫مبرقعة بطرف مريض وسنان الّنظر قد حشي فتورًا‪،‬‬
‫ومليء سحرًا‪ ،‬فقلت لصاحبي‪ :‬والله إّنها لترنو عن‬
‫مقلة ل رقية لسليمها ول برء لسقيمها‪ .‬فقال لي‪:‬‬
‫ء‪ .‬فدنونا‬
‫سبيل إلى ذلك? فقلت‪ :‬استسقها ما ً‬
‫وكيف ال ّ‬
‫منها فاستسقيناه فقالت نعم‪ ،‬ونعما عين وإن نزلتما‬
‫دعص‬
‫م قامت تتهادى كال ّ‬
‫ففي الّرحب وال ّ‬
‫سعة‪ .‬ث ّ‬
‫الملبد‪ .‬فراعني والله ما رأيت منها‪ ،‬فأتت بالماء‬
‫م قلت‪:‬‬
‫فشربت منه‪ ،‬وصببت باقية على يدي‪ ،‬ث ّ‬
‫م‬
‫وصاحبي عطشا ٌ‬
‫ن أيضًا‪ .‬فأخذت الناء ودخلت الخباء ث ّ‬
‫جاءت‪ ،‬فقلت لصاحبي‪ :‬تعرض لكشف وجهها‪ .‬فقال‪:‬‬
‫فل بارك الله في‬
‫إذا بارك الله في‬
‫البرقع‬
‫س‬
‫ملبـ ٍ‬
‫ر‬
‫تريك عيون المها‬
‫وتكشف عن منظ ٍ‬
‫أشنع‬
‫ة‬
‫غـّر ً‬
‫ر‬
‫فمّرت مسرع ً‬
‫ة وأتت وقد كشف البرقع وتقّنعت بخما ٍ‬
‫أسود وأنشأت وهي تقول‪:‬‬
‫ما يعرفا‬
‫ي ضيفي معشر أضّل ول ّ‬
‫أل ح ّ‬
‫مبتغاهـمـا‬
‫قد أراهما‬
‫هما استقيا ماءً على ليستمتعا باللحظ‬
‫من سقاهمـا‬
‫ة‬
‫غير ظمأ ٍ‬
‫م ّ‬
‫ة‬
‫مان تلباس‬
‫م تجرا سلع ً‬
‫كما ذ ّ‬
‫يذ ّ‬
‫مشتراهمـا‬
‫البـراقـع ضـّلة‬
‫قال‪ :‬فشّبهت‪ ،‬والله كلمها بعقد دّر وهي من سلكه‪.‬‬
‫م‬
‫ة رخيم ٍ‬
‫ة عذب ٍ‬
‫فهو ينتثر بنغم ٍ‬
‫ص ّ‬
‫ة لو خوطبت به ال ّ‬
‫صلب لنبجست ماءٌ لرطوبة منطقها‪ ،‬وعذوبة‬
‫ال ّ‬
‫ه يظلم لنوره ضياء العقول‪ ،‬ويتلف من‬
‫لفظها‪ ،‬بوج ٍ‬
‫رؤيته مهج الّنفوس‪ .‬فهي كما قال‪:‬‬

‫‪106‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فر ّ‬
‫ن من‬
‫قت وجّلت‬
‫ن إنسا ٌ‬
‫فلو ج ّ‬
‫الحسن جّنت‬
‫واستكرت فأكملت‬
‫فلم أتمالك أن خررت ساجدًا‪ ،‬فقالت‪ :‬ارفع رأسك غير‬
‫ما‬
‫م ّ‬
‫ن بعدها برقعًا‪ .‬فكشف البرقع ع ّ‬
‫ر‪ ،‬ول تذ ّ‬
‫مأجو ٍ‬
‫ب‪ ،‬ول‬
‫يطرد الكرى‪ ،‬ويشغل الهوى‪ ،‬من غير بلوغ أر ٍ‬
‫ب‪ .‬وليس إل ّّ الحين المملوب‪ ،‬والقدر‬
‫إدراك طل ٍ‬
‫المكتوب‪ ،‬والمل المكذوب‪ .‬فبقيت والله معقول‬
‫اللسان عن الجواب‪ ،‬حيران ل أهتدي إلى طريق‬
‫ما رأى لهفي فقال‪ :‬ما‬
‫ي صاحبي ل ّ‬
‫ال ّ‬
‫صواب‪ .‬والتفت إل ّ‬
‫هذه الخ ّ‬
‫ة لعّلك ما تدري ما‬
‫ه‪ ،‬إّنما برقت لك بارق ً‬
‫فة لوج ٍ‬
‫تحتها‪ .‬أما سمعت قول ال ّ‬
‫شاعر? حيث يقول‪:‬‬
‫ة وتحت الّثياب العار‬
‫ي مسح ٌ‬
‫على وجه ّ‬
‫م ٍ‬
‫لو كان باديا‬
‫ة‬
‫من ملح ٍ‬
‫فقالت‪ :‬بئس ما ذهبت إليه‪ ،‬ل أبالك‪ ،‬لّنا أشبه بقول‬
‫ال ّ‬
‫شاعر حيث يقول‪:‬‬
‫على كشح مرتج‬
‫منعمة حوراء يجري‬
‫الّروادف أهضم‬
‫وشاحـهـا‬
‫فزارّية العينـين‬
‫خزاعّية الطراف‬
‫طـائّية الـفـم‬
‫كندّية الحشـا‬
‫م رفعت ثيابها حّتى جاوزت نحرها‪ ،‬فإذا هي كقضيب‬
‫ث ّ‬
‫ة قد شّيب بماء ال ّ‬
‫ذهب‪ ،‬يهتّز على مثل كثيب؛ ولها‬
‫ف ّ‬
‫ض ٍ‬
‫ج يملن يد‬
‫صدٌر كالورد عليه ر ّ‬
‫مانتان أو حقان من عا ٍ‬
‫ل رجراج‪،‬‬
‫ر مطو ّ‬
‫ي الندماج‪ ،‬يهتّز في كف ٍ‬
‫اللمس؛ وخص ٍ‬
‫ة يقصر وهمي‬
‫ة مستدير ٍ‬
‫لو رمت عقده لنعقد؛ وسّر ٍ‬
‫د‬
‫م أو جبهة أس ٍ‬
‫عن بلوغ وصفها؛ تحت ذلك أرن ٌ‬
‫ب جاث ٌ‬
‫ر‪ ،‬وفخذان ل ّ‬
‫فاوان‪ ،‬وساقان خدلجان يحسان‬
‫غاد ٍ‬
‫الخلخيل‪ ،‬وقدمان خمصاوان‪ .‬فقالت‪ :‬أعاٌر ترى? قلت‪:‬‬
‫ل والله‪ ،‬قال‪ :‬فخرجت عجوٌز من الخباء وقالت‪ :‬أّيها‬
‫ن قتيلها مطلول ل يودى‪،‬‬
‫الّرجل امض لشأنك‪ ،‬فإ ّ‬
‫جارية‪ :‬دعيه‬
‫وأسيرها مكبول ل يفدى‪ .‬فقالت لها ال ّ‬
‫مة‪:‬‬
‫فمثله قول ذي الّر ّ‬
‫ّ‬
‫ع لي‬
‫وإن لم يكن إل ّ تمّتع قليل ً فإّني ناف ٌ‬
‫قليلها‬
‫ة‬
‫ساع ً‬
‫فوّلت العجوز وهي تقول‪:‬‬

‫‪107‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫بعينيك عينيها‪ ،‬فهل‬
‫فما لك منها‪ ،‬غير‬
‫ذاك نافع?‬
‫ح‬
‫أّنك ناكـ ٌ‬
‫قال‪ :‬فبينما نحن كذلك إذ ضرب ال ّ‬
‫طبل للّرحيل‬
‫ة‪،‬‬
‫س هائم ٍ‬
‫فانصرفت بكم ٍ‬
‫ل‪ ،‬وكر ٍ‬
‫ب داخ ٍ‬
‫د قات ٍ‬
‫ل‪،‬ونف ٍ‬
‫ة‪ ،‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫ة دائم ٍ‬
‫وحسر ٍ‬
‫عفا عليه بكا علـيك‬
‫رسم الكرى بين‬
‫طـويل‬
‫الجفون مخيل‬
‫ن‬
‫يا ناظرا ً ما أقلعت‬
‫حّتى تشخص بيته ّ‬
‫قـتـيل‬
‫لحظـاتـه‬
‫ما حّلها المشروب‬
‫أحللت من قلبي‬
‫والمأكول‬
‫ة‬
‫هواه محـل ّ ً‬
‫يتحّير الّتشبيه‬
‫بكمال صورتك التي‬
‫والّتـمـثـيل‬
‫في مثلها‬
‫سمين ودونها‬
‫فوق القصيرة‬
‫دون ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫المهزول‬
‫طويلة فوقها‬
‫ما كنت‬
‫قال‪ :‬فوالله ما انتفعت بح ّ‬
‫ج ول لقيت أحدا ً م ّ‬
‫ما كّنا بذلك‬
‫تأ ّ‬
‫م رجعنا منصرفين‪ ،‬فل ّ‬
‫هبت للقائه‪ .‬ث ّ‬
‫م نبته‪ ،‬وتزايد حسنه‪،‬‬
‫واره‪ ،‬واعت ّ‬
‫المنزل وقد تضاعف ن ّ‬
‫ما مضينا‬
‫قلت لصاحبي‪ :‬امض بنا إلى صاحبتنا‪ .‬فل ّ‬
‫ة‬
‫وأشرفنا على الخيام ونحن دونها‪ ،‬سترني روض ً‬
‫ة‪ ،‬عليها جمان الطّ ّ‬
‫ل‪ ،‬يغازلها كالعين‬
‫ة مونق ً‬
‫أريض ً‬
‫الّنجل‪ ،‬وقد أشرقت بدموعها على قضب الّزبرجد‪،‬‬
‫صبا فصبت له الغصان‪،‬وتمايلت تمايل‬
‫وهبت ريح ال ّ‬
‫ة‪ ،‬فإذا هي بين‬
‫ة‪ ،‬ونزلنا وهد ً‬
‫الّنشوان‪ .‬فصعدنا ربو ً‬
‫ن يجنين‬
‫س ل تصلح أن تكون خادم ً‬
‫ن‪ ،‬وه ّ‬
‫ة لحداه ّ‬
‫خم ٍ‬
‫ة‬
‫وار ذلك الّزهر‪ ،‬وينقلبن على ما أعتم من عشب ٍ‬
‫من ن ّ‬
‫ن‪ .‬وقالت‬
‫ما رأيننا تقربن‪ ،‬فسّلمنا عليه ّ‬
‫وزهرة‪ .‬فل ّ‬
‫سلم‪ ،‬ألست صاحبي آنفا?ً‬
‫ال ّ‬
‫جارية من بينهن‪ :‬وعليك ال ّ‬
‫ن لحّبي كان ذلك‪ .‬فقلن لها‪ :‬أو‬
‫قلت‪ :‬بلى‪ ،‬ولك ّ‬
‫صة كّلها ما‬
‫صت عليه ّ‬
‫ن الق ّ‬
‫تعرفينه? قالت‪ :‬نعم‪ .‬فق ّ‬
‫كتمت منها حرفا ً واحدًا‪.‬‬
‫ودته والله‬
‫ودته شيئًا? قالت ز ّ‬
‫قلن لها‪ :‬ويحك‪ ،‬أفما ز ّ‬
‫ن وجهًا‪،‬‬
‫موتا ً مريحًا‪ ،‬ولحدا ً ضريحًا‪ .‬فانبرت لها أنضره ّ‬
‫ن شك ً‬
‫وأر ّ‬
‫ن‬
‫ل‪ ،‬وأكمله ّ‬
‫ن قدًّا‪ ،‬وأبدعه ّ‬
‫ن خدًّا‪ ،‬وأرشقه ّ‬
‫قه ّ‬
‫عق ً‬
‫ل‪ ،‬فقالت‪ :‬والله ما أجملت بدءًا‪ ،‬ول أحسنت عودًا‪،‬‬

‫‪108‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫د‪ ،‬وإّني أحسبه‬
‫د‪،‬ولم تكافئيه بالو ّ‬
‫ولقد أسأت في الّر ّ‬
‫إليك وامقًا‪ ،‬وإلى لقائك تائقًا‪ ،‬فما عليك من إسعافه‬
‫م عليك‪ .‬فقالت لها‪ :‬يا‬
‫في هذا المكان ومعك من ل ين ّ‬
‫ً‬
‫تعسا ً إلى ما دعوتني‪ ،‬والله ل أفعل من ذلك شيئا أو‬
‫تفعلينه وتشركيني في حلوه ومّره‪ ،‬وخيره وشّره‪.‬‬
‫فقالت لها‪ :‬تعسا ً تلك إذا قسمة ضيزي تعشقين أنت‬
‫فترهبين‪ ،‬وتوصلين فتقطعين‪ ،‬ويرغب فيك فتزهدين‪،‬‬
‫م تأمريني أن أشاركك‬
‫ويبذل لك الودّ فتمنعين الّرفد‪ ،‬ث ّ‬
‫ة? ما‬
‫ة‪ ،‬ومّني عناءً وسخر ً‬
‫فيما يكون منك شهوةً ولذّ ً‬
‫أنصفت في القول‪ ،‬ول أجملت في الفعل‪.‬‬
‫ن الخطاب في غير قضاء‬
‫ن‪ :‬قد أطلت ّ‬
‫قالت أخرى منه ّ‬
‫صته وما في نفسه من‬
‫أر ٍ‬
‫ب? فاسألن الّرجل عن ق ّ‬
‫ن فيه‪ .‬فقلن‪ :‬حّياك الله وأقّر‬
‫بقّيته? فلعّله لغير ما أنت ّ‬
‫ما السم‬
‫بك عينًا‪ ،‬من أنت‪ ،‬ومن تكون? فقلت‪ :‬أ ّ‬
‫سلطان‬
‫فالحسن بن هانىء الحكمي وأنا من شعراء ال ّ‬
‫العظم ومن يتزّين بمجلسه‪ ،‬ويفتخر بحمده وشكره‪،‬‬
‫ة قد‬
‫ة‪ ،‬وإطفاء لوع ٍ‬
‫ويّتقي لسانه‪ .‬قصدت لتبريد غل ّ ٍ‬
‫م استبطنت الحشاء‬
‫أحرقت الكبد‪ ،‬وأذابت الجسد‪ ،‬ث ّ‬
‫فمنعت من القرار‪ ،‬ووصلت الليل بالّنهار‪ .‬فقالت‪ :‬لقد‬
‫أضفت إلى حسن المنطق والمنظر‪ ،‬كريم الخيم‬
‫والمخبر‪ ،‬وأرجو أن تبلغ أمنيتك‪ ،‬وتنال بغيتك‪ .‬فهل‬
‫قلت شيئا ً في صبوتك? قلت‪ :‬نعم‪ .‬قلن‪ :‬أنشد‬
‫ن‪:‬‬
‫فأنشدته ّ‬
‫لح ّ‬
‫ط ذنوب من‬
‫حجبت رجاء الفوز‬
‫ركوب الكبـائر‪،‬‬
‫بالجر قاصدًا‪،‬‬
‫حنين‪ ،‬فلم أوجر‬
‫فأبت‪ ،‬كما آب‬
‫ي بـخـ ّ‬
‫ال ّ‬
‫بتلك المشاعـر‬
‫فـه‬
‫شق ّ‬
‫ة‪ ،‬كمثل ال ّ‬
‫شمس‬
‫دهتني بعينيها‪،‬‬
‫فتا ٌ‬
‫أسحر ساحر؛‬
‫وبهجة وجهـهـا‪،‬‬
‫ما طلعت بيض‬
‫منعم ٍ‬
‫ة‪ ،‬لو كان للبـدر ل ّ‬
‫الّنجوم الّزواهر‪.‬‬
‫نـورهـا‪،‬‬
‫وإن لم تنلني‪ ،‬زرت‬
‫فإن بذلت‪ ،‬نلت‬
‫أهل المقابر‪.‬‬
‫الماني كّلـهـا‪،‬‬
‫م قالت‪ :‬إّنها والله ساعتك‬
‫فقلن‪ :‬أحسنت‪ ،‬والله‪ .‬ث ّ‬
‫ال ّ‬
‫طولى‪ ،‬إن خالفتني! قالت‪ :‬لقد سمعت جوابي‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فقالت أخرى‪ :‬أجيبيها إلى ما دعت من ال ّ‬
‫شركة لتكن‬
‫ن‬
‫ن في المر‪ .‬فقلن‪ :‬قد انتصفت‪ ،‬وقد أطلت ّ‬
‫إحداك ّ‬
‫ر فأمضيه قبل انتشار الحي‪ ،‬فالوقت‬
‫الخطاب على أم ٍ‬
‫ل‪ .‬فأجمعن على ذلك ولست أش ّ‬
‫ك‬
‫ممكن‪ ،‬والمكان خا ٍ‬
‫م قلن‪ :‬بمن تبدأ? قلت اقترعن‪.‬‬
‫فيما أظهرن‪ ،‬ث ّ‬
‫ن‪ .‬فصرت إلى باب المغارة‬
‫فوقعت القرعة على أملحه ّ‬
‫هناك‪ ،‬فأدخلتني وأبطأت عّني قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وجعلت أتوق‬
‫ي‬
‫وأنظر إلى دخول إحداهن‪ .‬فبينا أنا كذلك‪ ،‬إذ دخل عل ّ‬
‫أسود كأّنه سارية‪ ،‬بيده أيره وهو منعظ كمثل ذراع‬
‫متني والله‬
‫البكر‪ .‬فقلت‪ :‬ما تريد? قال‪ :‬أنيكك‪ .‬فأه ّ‬
‫نفسي‪ ،‬فصحت بصاحبي‪ ،‬وكان أجلد مّني‪ ،‬فخّلصني‬
‫من السود‪ .‬ولم أكد أخلص منه فخرجت من المغارة‬
‫ن للىء ينحدرن من‬
‫ن ينظرن من الخيمات كأّنه ّ‬
‫فإذا ه ّ‬
‫ن يتضاحكن حّتى غبن عن بصري‪ .‬فأسرعنا‬
‫سل ٍ‬
‫ك‪ ،‬وه ّ‬
‫الّرجعة إلى رحالنا فقلت لصاحبي‪ :‬من أين جاء‬
‫ة من المغارة‪،‬‬
‫السود? قال‪ :‬كان يرعى غنما ً عند ربو ٍ‬
‫ن‪ ،‬فأوحين إليه شيئا ً‬
‫فأومأن إليه‪ ،‬فأسرع نحوه ّ‬
‫فرابني ذلك‪ .‬فأسرعت نحوك فسبقني ودخل عليك‪،‬‬
‫ولول ذلك لكان قد تم ّ‬
‫كن منك السود‪ .‬فقلت‪ :‬أتراه‬
‫كان يفعل? قال لي‪ :‬فأنت في ش ّ‬
‫ك من هذا? فقلت‬
‫ي‪ .‬وانصرفت وأنا والله أخزى من ذات‬
‫له‪ :‬اكتم عل ّ‬
‫الّنحيين‪.‬‬
‫سرداب‬
‫فاجرة ال ّ‬
‫قال دعبل بن علي‪ :‬بينا أنا سائٌر بباب الكرج وقد‬
‫ر خطر به‬
‫استولى الفكر على قلبي فحضرني بيت شع ٍ‬
‫لساني من غي الّنطق به‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫ونوم جفني له‬
‫دموع عيني لها‬
‫انقباض‬
‫انبساط‬
‫ة تسمع كلمي فقالت‪:‬‬
‫ة معترض ٌ‬
‫وإذا جاري ٌ‬
‫بلحظها العين‬
‫ل لمـن‬
‫وذا قلي ٍ‬
‫المراض‬
‫دهـتـه‬
‫ة أعذب منها لفظًا‪ ،‬ول‬
‫فلم أعلم أّني خاطبت جاري ً‬
‫أسحر طرفًا‪ ،‬ول أنضر خدًّا‪ ،‬ول أحسن مشيًا‪ ،‬ول أرجح‬
‫عق ً‬
‫نك ّ‬
‫ب‬
‫ل جارح ٍ‬
‫ل‪ .‬فوددت أ ّ‬
‫ن تنظر‪ ،‬أو قل ٌ‬
‫ة مّني عي ٌ‬
‫ن تسمع‪ .‬فقلت‪:‬‬
‫يفهم‪ ،‬أو أذ ٌ‬

‫‪110‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م مشتاقا ً إلى‬
‫أترى الّزمان يسّرنا‬
‫ويض ّ‬
‫مشتاق‬
‫ق‬
‫بتل ٍ‬
‫أنت الّزمان فسّرنا‬
‫ما للّزمان يقال فيه‬
‫ق‬
‫وإّنما‬
‫بتل ٍ‬
‫قال‪ :‬فلحظتها‪ ،‬وتبعتني‪ .‬وذلك حين أملقي‪ ،‬واختلل‬
‫حالي‪ .‬فقلت‪ :‬مالي إل ّّ منزل صريع الغواني‪ ،‬فأتيته‪،‬‬
‫واستوقفتها‪ ،‬ودخلت إليه‪ .‬وقلت‪ :‬ويلك يا مسلم‪،‬‬
‫أجمل لك الحبروجة على الباب تق ّ‬
‫دنيا وما فيها‬
‫ل له ال ّ‬
‫ة‪ .‬قال لي‪ :‬شكوت إلى ما كدت أبدؤك‬
‫ر وضيق ٍ‬
‫من عس ٍ‬
‫شكوى‪ ،‬ولكن أئت بها على ك ّ‬
‫به ال ّ‬
‫ما دخلت‬
‫ل حال‪ .‬فل ّ‬
‫قال لي‪ :‬والله ما أملك إل ّ هذا المنديل‪ .‬فقلت له‪ :‬هو‬
‫البغية‪ .‬قال‪ ،‬فأخذته فبعته بثلثين درهمًا‪ ،‬واشتريت‬
‫خبزا ً ولحما ً ونبيذًا‪ .‬وإذا هما يتنازعان حديثا ً كأّنه قطع‬
‫الّروض ذكرت به قول ب ّ‬
‫شار فقلت‪:‬‬
‫صفراء‬
‫ث كأّنه قـطـع‬
‫وحدي ٍ‬
‫ض وفيه ال ّ‬
‫والحمراء‬
‫الـّرو‬
‫ف‪ ،‬ول نفل‬
‫ه ظري ٌ‬
‫ت نظي ٌ‬
‫فقال لي مسلم‪ :‬بي ٌ‬
‫ف‪ ،‬ووج ٌ‬
‫ول ريحان? أخرج فالتمس لنا ذلك‪ .‬قال‪ ،‬فخرجت‬
‫س منهما ول أثر لهما‪،‬‬
‫وجئت بما طلب‪،‬فإذا ل ح ّ‬
‫فجعلت أطيل ال ّ‬
‫ن الليل‬
‫ن‪ ،‬حّتى إذا ج ّ‬
‫ذكر‪ ،‬وأرجم الظّ ّ‬
‫ي عقلي وقلت‪ :‬لع ّ‬
‫ل‬
‫وفي قلبي لهيب الّنيران‪ ،‬ثاب عل ّ‬
‫ّ‬
‫ي‪ .‬فوقفت على باب‬
‫ع خف ّ‬
‫الطلب يوقعني على موض ٍ‬
‫ب وإذا هما قد نزل ومعهما جميع ما يحتاجان إليه‬
‫سردا ٍ‬
‫فأكل وشربا ونعما‪ .‬فدّليت رأسي وصحت مسام ثلث‬
‫ت‪ ،‬فلم يكّلمني بأكثر من أن قال لي‪ :‬محّلنا‪،‬‬
‫مّرا ٍ‬
‫والّنفقة من عندنا‪ ،‬وأنت فضولي‪ ،‬ما هذا الذي تقترح?‬
‫اصبر مكانك حّتى يؤذن لك‪ ،‬فبقيت طول ليلتي أتقّلى‬
‫صبح إذا‬
‫ما انش ّ‬
‫على جمر الغضا ل أعرف أين أنا‪ .‬فل ّ‬
‫ق ال ّ‬
‫جارية في أثره‪ ،‬فأسرعت إليه‬
‫به طلع وطلعت ال ّ‬
‫ة نزلت‬
‫وخرجت تعدو ولم تخاطبني‪ ،‬فكانت أعظم حسر ٍ‬
‫بي‪.‬‬
‫باب ما جاء في الّزنا والّتحذير من عواقبه‬
‫سّيئات الّزنا‬
‫ن رسول‬
‫روي عن العمش‪ ،‬عن سفيان‪ ،‬عن حذيفة‪ ،‬أ ّ‬
‫الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬قال‪ " :‬يا معشر المسلمين‬

‫‪111‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دنيا‪،‬‬
‫إّياكم والّزنا‪ ،‬فإ ّ‬
‫ت خصال‪ :‬ثلثا ً في ال ّ‬
‫ن فيه س ّ‬
‫دنيا‪ :‬فزوال البها‪،‬‬
‫ما التي في ال ّ‬
‫وثلثا ً في الخرة‪ .‬فأ ّ‬
‫ما اللواتي في الخرة‪.‬‬
‫ودوام الفقر‪ ،‬وقصر العمر؛ وأ ّ‬
‫فسخط الله ج ّ‬
‫ل ثناؤه‪ ،‬وسوء الحساب‪ ،‬والخلود في‬
‫ن‬
‫الّنار" ‪ .‬المقيم على الّزنا كعابد وث ٍ‬
‫وعن الحارث بن النعمان قال‪ :‬سمعت أنس بن مالك‬
‫ن رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫يقول أ ّ‬
‫"المقيم على الّزنا كعابد وثن"‪.‬‬
‫هؤلء اللواتي يزنين‬
‫د الخدري‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول الله‪ ،‬صّلى‬
‫وعن أبي سعي ٍ‬
‫ّ‬
‫ق‬
‫الله عليه وسلم‪" :‬ليلة أسرى بي انطلق بي إلى خل ٍ‬
‫ن‪،‬‬
‫من خلق الله ونسا ٍ‬
‫ء معّلقا ٍ‬
‫ن بأرجله ّ‬
‫ن ومنه ّ‬
‫ت بثديه ّ‬
‫من ّ‬
‫ن صرا ٌ‬
‫خ وخوار‪ .‬فقلت‪ :‬يا جبريل من‬
‫كسا ٍ‬
‫ت‪ ،‬وله ّ‬
‫هؤلء? فقال‪ :‬هؤلء اللواتي يزنين ويقتلن أولدهن‪،‬‬
‫ة من غيرهم"‪.‬‬
‫ن ورث ً‬
‫ويجعلن لزواجه ّ‬
‫الله يبغض ثلثة‬
‫ي‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪،‬‬
‫درداء‪ .‬أ ّ‬
‫وعن أبي ال ّ‬
‫ن الّنب ّ‬
‫ن الله عّز وجل ليبغض ثلثة‪ .‬ال ّ‬
‫شيخ الّزاني‪،‬‬
‫قال‪" :‬أ ّ‬
‫والمق ّ‬
‫ل المختال‪ ،‬والبخيل المّنان"‪.‬‬
‫أعظم ال ّ‬
‫ذنوب أن تزاني حليلة جارك‬
‫وعن عمر بن شرحبيل‪ ،‬عن عبد الله بن مسعود أّنه‬
‫ي ال ّ‬
‫ذنوب‬
‫قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أو قال غيري‪ :‬أ ّ‬
‫أعظم عن الله? قال‪" :‬أن تجعل لله ندّا ً وهو خلقك‪".‬‬
‫م‬
‫ق"‪ ،‬ث ّ‬
‫م أي? قال‪" :‬أن تقتل الّنفس بغير ح ّ‬
‫قلت‪ :‬ث ّ‬
‫م أنزل الله‬
‫أي? قال‪" :‬أن تزاني حليلة جارك"‪ .‬قال‪" :‬ث ّ‬
‫م قال‪" :‬والذين ل يدعون مع‬
‫في كتابه تصديق ذلك" ‪ .‬ث ّ‬
‫الله إلها ً آخر‪ ،‬ول يقتلون الّنفس التي حّرم الله إل ّ‬
‫بالحق‪ ،‬ول يزنون‪ .‬ومن يفعل ذلك يلق آثاما ً يضاعف له‬
‫العذاب يوم القيامة ويخّلد فيها مهانًا"‪.‬‬
‫وعن عبد الله بن عمر قال‪ :‬قال رسول الله‪ ،‬صّلى الله‬
‫عليه وسّلم‪" :‬الّزاني بحليلة جاره ل ينظر الله إليه يوم‬
‫القيامة ول يز ّ‬
‫داخلين"‪.‬‬
‫كيه‪ ،‬ويقول أدخل الّنار مع ال ّ‬
‫مسؤولّية الّرجل‬
‫وعن أبي هريرة‪ ،‬أّنه سمع رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه‬
‫وسّلم‪ ،‬يقول حين نزلت آية الملئكة‪" :‬أيما امرأة‬
‫أدخلت على قوم ٍ من ليس منهم فليست من الله في‬

‫‪112‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ل جحد ولده‬
‫شي ٍ‬
‫ء‪ ،‬ولن يدخلها الله جّنته‪ .‬وأيما رج ٍ‬
‫وهو ينظر إليه احتجب الله منه‪ ،‬وفضحه على رؤوس‬
‫ولين والخرين"‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ّ‬
‫الّزنا يجمع خصال ال ّ‬
‫شّر كلها‬
‫ذكر الّزنا عند يحيى بن خالد بن برمك فقال‪ :‬الّزنا‬
‫يجمع الخصال كّلها من ال ّ‬
‫شر‪ .‬ل تجد زانيا ً معه ورع‪ ،‬ول‬
‫ة من‬
‫ة على صديق؛ الغدر شعب ٌ‬
‫وفاءً بعهد‪ ،‬ول محافظ ً‬
‫ب من‬
‫ن من فنونه‪ ،‬وقّلة المروءة عي ٌ‬
‫شعبه‪ ،‬والخيانة ف ّ‬
‫ة من جناياته‪.‬‬
‫دم الحرام جناي ٌ‬
‫عيوبه‪ ،‬وسفك ال ّ‬
‫الملك زائ ٌ‬
‫ل وما تدين تدان‬
‫وحكى ابن العرابي قال‪ :‬كان الحارث بن أبي شمر‬
‫ساني إذا أعجبته امرأة ووصفت له‪ ،‬بعث إليها‬
‫الغ ّ‬
‫واغتصبها نفسها‪ ،‬فأتاه أبوها فقال له‪:‬‬
‫ليل ً وصبحا ً كيف‬
‫يا أّيها الملك‬
‫يختلـفـان‬
‫المخوف أما ترى‬
‫ليل ً وهل لك‬
‫هل تستطيع‬
‫ال ّ‬
‫شمس أن تأتي بها بالمـلـيك يدان‬
‫واعلم بأّنك مـا تـدين‬
‫ن‬
‫فاعلم وأيقن أ ّ‬
‫ملـكـك زائ ٌ‬
‫تـدان‬
‫ل‬
‫كمثل ال ّ‬
‫شيطان إذ قال للنسان أكفر‬
‫وعن عدي بن ثابت قال‪ :‬سمعت عبد الله بن عّباس‬
‫ب عبد الله زمانا ً من‬
‫يقول‪ :‬كان في بني إسرائيل راه ٌ‬
‫وذهم فيبرؤون‬
‫ال ّ‬
‫دهر‪ ،‬حّتى كان يؤتى بالمجانين يع ّ‬
‫ة من أشراف قومها قد جّنت‬
‫على يديه‪ .‬وأنه أتي بامرأ ٍ‬
‫وكان لها أخوة‪ ،‬فأتوه بها‪ ،‬فلم يزل ال ّ‬
‫شيطان يزّين له‬
‫ما استبان حملها‪ ،‬لم يزل‬
‫حّتى وقع عليها‪ ،‬فحملت‪ ،‬فل ّ‬
‫ال ّ‬
‫وفه ويزّين له قتلها ودفنها‪ ،‬فقتلها‬
‫شيطان يخ ّ‬
‫ودفنها‪.‬‬
‫وذهب ال ّ‬
‫ل حّتى أتى بعض أخوتها‬
‫شيطان في صورة رج ٍ‬
‫م أتى بقّية أخوتها رجل ً‬
‫فأخبره بالذي فعل الّراهب‪ ،‬ث ّ‬
‫رجل ً فجعل الّرجل يلقى أخاه فيقول له‪ :‬والله لقد‬
‫ت فذكر لي شيئا ً كبيرا ً علينا‪ .‬فأخبر بعضهم‬
‫أتاني آ ٍ‬
‫بعضا ً بما قيل لهم‪ ،‬فأتوا إلى الّراهب فقالوا‪ :‬ما فعلت‬
‫أختنا? قال‪ :‬خرجت‪ ،‬ولست أدري أين ذهبت‪ .‬فرفعوا‬
‫ذلك إلى ملكهم‪ ،‬فسار إليه الّناس حّتى استنزلوه من‬

‫‪113‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫صومعته‪ ،‬فأقّر لهم بالذي فعل‪ ،‬فأمر به فصلب على‬
‫ة‪ ،‬وتمّثل له ال ّ‬
‫شيطان فقال له‪ :‬أنا الذي زّينت لك‬
‫خشب ٍ‬
‫هذا وألقيتك فيه‪ ،‬فهل أنت مطيعي فيما أقول لك‬
‫ة‬
‫وأخلصك? قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬تسجد لي سجدةً واحد ً‬
‫م قتل‪ .‬فهذا داخ ٌ‬
‫ل تحت قول الله‬
‫فسجد له الّرجل‪ ،‬ث ّ‬
‫عّز وجل‪ " :‬كمثل ال ّ‬
‫ما‬
‫شيطان إذ قال للنسان أكفر فل ّ‬
‫ب‬
‫كفر قال إّني بريءٌ منك إّني أخاف الله ر ّ‬
‫العالمين" ‪ .‬ولم تزل أشراف العرب في الجاهلّية‬
‫مونه‪ ،‬وينهون عنه‪.‬‬
‫يتجّنبون الّزنا ويذ ّ‬
‫الّزنا يورث الفقر‬
‫وروى هشام بن عروة عن أسماء بنت أبي بكر‬
‫ديق‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬قالت‪ :‬سمعت زيد بن عمرو‬
‫ص ّ‬
‫ال ّ‬
‫بن نفيل في الجاهلّية وهو مسندٌ ظهره إلى الكعبة‬
‫ش إّياكم والّزنا‪ ،‬فإّنه يورث الفقر‪.‬‬
‫يقول‪ :‬يا معشر قري ٍ‬
‫إّياكم وفضيحة الّنساء‬
‫صمة‪ :‬إّياكم وفضيحة الّنساء‬
‫وفي وصّية دريد بن ال ّ‬
‫د‪ ،‬يكاد صاحبها يعاقب في‬
‫د‪ ،‬وعار أب ٍ‬
‫فإّنها عقوبة غ ٍ‬
‫حرمه بمثلها‪ ،‬ول يزال لزما ً ما عاش له عارها‪.‬‬
‫مته‬
‫راودته فامتنع فس ّ‬
‫وحكى بعضهم قال‪ :‬وفد عبد الم ّ‬
‫طلب بن هاشم على‬
‫ما ً‬
‫بعض ملوك حمير فألطف منزلته وأكرمه‪ .‬وكان تا ّ‬
‫جمي ً‬
‫ب أن ينادمني‬
‫ل‪ ،‬فقال له الملك‪ :‬يا أبا الحارث‪ ،‬أح ّ‬
‫ابنك‪ .‬فأذن له أبوه في ذلك‪ .‬وكان الحميري أجمل‬
‫ملوك حمير‪ ،‬وكانت زوجته أجمل منه‪ .‬فكان إذا شرب‬
‫مع الحارث خرجت زوجته فجلست معهما تسقيهما‪،‬‬
‫فعشقت الحارث زوجة الملك‪ ،‬فكلفت به‪ ،‬فراسلته‪،‬‬
‫حت‬
‫فأعلمها أّنه محصن عن الّزنا ول يخون نديمه‪ .‬فأل ّ‬
‫عليه فكتب إليها‪:‬‬
‫ل تطعمي فيما رأيت عف منادمتي عفيف‬
‫الـمـئزر‬
‫فـإّنـنـي‬
‫غمروا فطفن البيت‬
‫أسعى لدرك مجد‬
‫عند المشعر‬
‫ة‬
‫قـوم ٍ سـاد ٍ‬
‫فافني خيال ً واعلمي أربى بنفسي أن‬
‫يعّير معشـري‬
‫أّني امـرءٌ‬

‫‪114‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن‬
‫وب رأيه وقال له‪ :‬يا بني إ ّ‬
‫ث ّ‬
‫م إّنه أخبر أباه‪ ،‬فص ّ‬
‫ما رأته قد عزفت نفسه عنها‬
‫لنساء الملوك طفاحًا‪ .‬فل ّ‬
‫ست إليه‬
‫قالت‪ :‬والله ل أدعه تتمّتع به امرأة أبدًا‪ .‬فد ّ‬
‫ما قدم م ّ‬
‫كة مات‬
‫شرب ً‬
‫ة فشربها وارتحل مع أبيه‪ ،‬فل ّ‬
‫فجزع عليه عبد الم ّ‬
‫طلب جزعا ً شديدا ً وقال يرثيه‪:‬‬
‫ببطن م ّ‬
‫كة تعفوه‬
‫سقى الله صدى‬
‫العـاصـير‬
‫واريته بـيدي‬
‫فما لقلبي عن‬
‫يا حارث الخير قد‬
‫أورثتني شجنا ً‬
‫ذكراك تـغـيير‬
‫م في الل‬
‫فلست أنساك ما‬
‫وما بدا عل ٌ‬
‫معمـور‬
‫هبت شـآمـّية‬
‫مه والدها‬
‫راودته فامتنع فس ّ‬
‫ما قتلت بنو أسد بن خزيمة حجر بن الحارث أبا‬
‫ول ّ‬
‫ء القيس دار في أحياء العرب فلم ير منهم ما‬
‫امرى ٍ‬
‫يحب‪ ،‬فمضى حّتى قدم على هرقل ملك الّروم‪ ،‬فأقام‬
‫عنده شهرا ً فأكرمه ونادمه‪ ،‬وأعجبه كماله وعقله‪.‬‬
‫ة من أبناء الملوك ومن تبعهم‪.‬‬
‫مبعث معه سّتمائ ً‬
‫ث ّ‬
‫ونظرت إليه ابنة الملك فعشقته وأرسلت إليه أن‬
‫يلقاها قبل خروجه‪ ،‬فجعل يعتذر لها ويعّللها ول يرضى‬
‫أن يخون أباها فيها مع ما فعله معه‪ .‬وخرج منصرفا ً‬
‫إلى بلده فقالت بنت هرقل لبيها‪ :‬ما صنعت بنفسك‬
‫وجهت أبناء ملوك الّروم مع ابن ملك العرب? لو قد‬
‫جه إليه الملك‬
‫ما أراد غزاك ونزع ملكك‪ .‬فو ّ‬
‫استمكن م ّ‬
‫ة بال ّ‬
‫ما لبسها تنفط‬
‫ذهب مسموم ٌ‬
‫ة منسوج ٍ‬
‫بحل ّ ٍ‬
‫ة فل ّ‬
‫ل فسأل عنه‪،‬‬
‫جلده‪ ،‬وتساقط لحمه‪ ،‬فنظر إلى جب ٍ‬
‫فقيل له‪ :‬اسمه عسيب‪ .‬فقال‪:‬‬
‫م ما أقام‬
‫ن المزار‬
‫أجارتنا إ ّ‬
‫وإّني مقي ٌ‬
‫عسـيب‬
‫قـريب‬
‫وك ّ‬
‫ب للغريب‬
‫أجارتنا إّنا غريبان‬
‫ل غري ٍ‬
‫نسيب‬
‫ههـنـا‬
‫وقيل إّنه قال هذا لّنه رأى قبرا ً عند هذا الجبل فسأل‬
‫ة من بنات ملوك الّروم‪ .‬فمات‬
‫عنه فأخبر أّنه قبر امرأ ٍ‬
‫هناك‪.‬‬
‫أفضل الّثلثة‪ :‬العفيف الجواد‬

‫‪115‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما فضل به بسطام بن قيس على عامر بن طفيل‬
‫وم ّ‬
‫ن بسطاما ً كان فارسا ً‬
‫وعتبة بن الحارث بن شهاب‪ .‬أ ّ‬
‫عفيفا ً جوادًا؛ وكان عتبة فارسا ً عفيفا ً بخي ً‬
‫ل؛ وكان‬
‫عامر فارسا ً جوادا ً عاهرًا‪ .‬فاجتمعت في بسطام ثلث‬
‫ة فبذلك فضلهما بسطام‪.‬‬
‫ل شريف ٍ‬
‫خصا ٍ‬
‫ساد بعفافه‬
‫شعبي تنافر عامر بن ال ّ‬
‫قال ال ّ‬
‫طفيل بن ملك بن جعفر‬
‫وعلقمة بن علثة بن الحوص إلى هرم بن قطبة بن‬
‫سنان ال ّ‬
‫ء‬
‫ي شي ٍ‬
‫ذبياني حكيم العرب فقال لعلقمة‪ :‬بأ ّ‬
‫أنت أسود من عامر? قال‪ :‬أنا بصيٌر‪ ،‬وهو أعوٌر‪ ،‬وأنا أبو‬
‫ف وهو عاهٌر‪.‬‬
‫م‪ ،‬وأنا عفي ٌ‬
‫عشرة وهو عقي ٌ‬
‫العوام أكثر الّناس عذرا ً‬
‫ما‬
‫وإّنما أطلقت العرب حديث الّرجال إلى الّنساء ل ّ‬
‫كانوا يرون من الّنقص في الّريب‪ ،‬ويأخذون أنفسهم‬
‫ض من‬
‫بحفظ الجيران‪ ،‬وما يعرف بعضهم من بع ٍ‬
‫ن الّرجل منهم‬
‫استعمال الوفاء‪ ،‬والّتحّرز من العار‪ .‬ل ّ‬
‫كان يصون حرمة جاره وصاحبه كصيانة البنة والخت‬
‫ة‬
‫والّزوجة من حرمه‪ .‬ل يرى أحدٌ منهم لنفسه رخص ً‬
‫مل الغدر‪ ،‬ويرخص نفسه‬
‫في إضاعة ذلك‪ ،‬وإّنما يتح ّ‬
‫فيه‪ ،‬من باين البوادي‪ ،‬وخالط الحضر‪ ،‬لّنه رأى أجناس‬
‫ة فجروا‬
‫العبيد‪ ،‬وأخلط العوام‪ ،‬وقد نشأوا على عاد ٍ‬
‫حت بنيته وترك‬
‫عليها ولن يستوي من كرم طبعه وص ّ‬
‫الفواحش وجانبها تنّزها ً عنها ولّنها محظورةٌ عليه‬
‫ء إلى النسان ما منع عنه‪.‬‬
‫ب شي ٍ‬
‫وغير مباحة له‪ .‬وأح ّ‬
‫ما العوام وأخلط‬
‫ع‪ ،‬وترك هذا تكل ّ ٌ‬
‫ول طب ٌ‬
‫ف‪ .‬وأ ّ‬
‫فترك ال ّ‬
‫م‪ ،‬ول يستحيون‬
‫الّناس فل يكادون يتوّرعون عن محّر ٍ‬
‫ر‪ ،‬وهم أكثر العالم غدرًا‪.‬‬
‫من عا ٍ‬
‫شهادة المسح ع‬
‫سلم‪ :‬ل يزني طرفك بما غضضت‬
‫قال المسيح عليه ال ّ‬
‫بصرك‪.‬‬
‫أحبلها بنظراته‬
‫ونظر أشعث إلى ابنه يوما ً وهو يديم الّنظر إلى امرأته‬
‫ن نظرك إليها قد أحبلها‪ .‬أخذ هذا‬
‫فقال له يا بني أظ ّ‬
‫بعض ال ّ‬
‫شعراء فقال‪:‬‬
‫بنظرته أنثى لقد‬
‫ولي نظرةٌ لو كان‬

‫‪116‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حبلت مّني‬

‫ر‬
‫يحبل ناظ ٍ‬
‫رشقوها بأبصارهم فعّنفتهم‬
‫مّرت امرأةٌ بقوم ٍ من بني نمير فرشقوها بأبصارهم‬
‫وأداموا الّنظر إليها‪ ،‬فقالت‪ :‬قّبحكم الله يا بني نمير‪،‬‬
‫فوالله ما أخذتم بقول الله تبارك وتعالى‪ " :‬قل‬
‫ضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم" ول‬
‫للمؤمنين يغ ّ‬
‫بقول ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫ض ال ّ‬
‫فل كعبا ً بلغت ول‬
‫طرف إّنك‬
‫فغ ّ‬
‫كلبـا‬
‫ر‬
‫من نمي ٍ‬
‫ما قالت وأطرقوا‪.‬‬
‫فخجل القوم م ّ‬
‫ع ل يشبعن من أربع‬
‫أرب ٌ‬
‫ن من نظر‪،‬‬
‫وكان يقال‪ :‬أرب ٌ‬
‫ع ل يشبعن من أربع‪ :‬عي ٌ‬
‫ض من مطر‪ ،‬وأنذى من ذكر‪.‬‬
‫وأذ ٌ‬
‫ن من خبر وأر ٌ‬
‫يخاف عينيها‬
‫قال إسحاق بن بهيل‪ :‬رأيت رجل ً في طريق م ّ‬
‫كة‬
‫ة قد شدّ عينيها وكشف‬
‫وعديله في المحمل وجاري ٍ‬
‫سائر وجهها فقلت له في ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬إّنما أخاف‬
‫عينيها ل عيون الّناس‪.‬‬
‫حلقت شعرها لّنه رآه خصي‬
‫ة فدخل عليها‬
‫وكان عند بعض القرشيين امرأةٌ عربي ّ ٌ‬
‫ة خمارها تم ّ‬
‫شط شعرها‪،‬‬
‫خصي لزوجها وهي واضع ٌ‬
‫فحلقت شعرها‪ ،‬وقالت‪ :‬ل يصحبني شعٌر نظر إليه غير‬
‫ذي محّرم ٍ مّني‪.‬‬
‫الّزنا ليس فقط بإجهاد الّنفس‬
‫وقال رج ٌ‬
‫ل لعرابي‪ :‬ما الّزنا عندكم? قال‪ :‬الّنظرة‪،‬‬
‫والقبلة‪ .‬قيل له‪ :‬ليس هذا الّزنا عندنا! قال‪ :‬وما هو?‬
‫م يجهد نفسه‪ .‬قال‪:‬‬
‫قال‪ :‬أن يجلس بين شعبها الربع ث ّ‬
‫بأبي أنت‪ ،‬ليس هذا زانيا ً هذا طالب ولد!‪.‬‬
‫دير?‬
‫دير وما ليلة ال ّ‬
‫ليلة ال ّ‬
‫قيل لبي ال ّ‬
‫طمحان القبني‪ :‬أخبرنا عن أقبح ذنوبك?‬
‫دير? قال‪ :‬نزلت على‬
‫دير‪ .‬قيل‪ :‬وما ليلة ال ّ‬
‫قال‪ :‬ليلة ال ّ‬
‫ة فأكلت طفشل ً بلحم خنزير‪ ،‬وشربت من‬
‫نصراني ّ ٍ‬
‫خمرها‪ ،‬وزنيت بها‪ ،‬وسرقت كساءها‪ ،‬ومضيت‪.‬‬
‫لو تمّرست به ما استعصمت‬

‫‪117‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن الذي لمتني‬
‫وقال الجاحظ‪ :‬قرأ قارىء‪ :‬قالت فذلك ّ‬
‫فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم‪ .‬فقال إبراهيم‬
‫بن عزوان‪ :‬ل والله ما سمعت بأعدل من هذه‬
‫ما والله لو تمّرست بي ما استعصمت‪.‬‬
‫الفاسقة‪ ،‬أ ّ‬
‫ة عندها‬
‫منعه ثلث ٌ‬
‫م أن‬
‫ي ضيفا ً لبعض الحضر فرأى امرأته‪ ،‬فه ّ‬
‫بات أعراب ّ‬
‫ة‬
‫م أراد ذلك مّر ً‬
‫يأتي إليها في الليل فمنعه الكلب؛ ث ّ‬
‫سحر‪،‬‬
‫م أرادت ذلك في ال ّ‬
‫أخرى‪ ،‬فمنعه ضوء القمر؛ ث ّ‬
‫ما رأى ذلك قال‪:‬‬
‫فإذا عجوٌز قائم ٌ‬
‫ة تصّلي‪ .‬فل ّ‬
‫لم يخلق الله شيئا ً‬
‫غير العجوز وغير‬
‫الكلب والقمر‬
‫كنت أبغـضـه‬
‫وامة‬
‫هذا يبوح‪ ،‬وهذا‬
‫وهذه سبح ٌ‬
‫ةق ّ‬
‫سـحـر‬
‫يستصـاء بـه‪،‬‬
‫الـ ّ‬
‫عيدان القيان أجمل‬
‫ً‬
‫ي رجل ً ماجنا فقال‪ :‬والله لو أبصرته‬
‫وصف أعراب ّ‬
‫ة لطار‬
‫عيدان القيان لتحّركت أوتارها‪ ،‬ولو رأته مومس ٌ‬
‫خمارها‪.‬‬
‫ت‬
‫بغت ثلث مّرا ٍ‬
‫وحكى خريدة بن أسماء‪ ،‬قال‪ :‬حججنا‪ ،‬ونحن في‬
‫ة‬
‫م انتبهت وحي ّ ٌ‬
‫رفق ٍ‬
‫ة‪ ،‬إذ نزلنا منزل ً ومعنا امرأةٌ نامت ث ّ‬
‫ء‪ ،‬فلم يجترىء أحدٌ مّنا أن‬
‫على عنقها ل تضّرها بشي ٍ‬
‫ينحيها عنها‪ ،‬فلم تزل كذلك حّتى أبصرت الحرم‬
‫فانسابت ومضت عنها‪ ،‬فحمدنا الله ودخلنا م ّ‬
‫كة‬
‫فقضينا نسكنا‪ ،‬ورأى الغريض المغّني المرأة وقد سمع‬
‫الحديث وما تحاكاه الّناس عنها فقال لها‪ :‬يا شقّية ما‬
‫فعلت حّيتك? قالت‪ :‬في الّنار‪ .‬قال‪ :‬ستعلمين في‬
‫الّنار‪ .‬قال فضحكت المرأة ولم تفهم ما أراد وارتحلنا‬
‫منصرفين حّتى إذا كّنا بالموضع الذي حين نزلناه جاءت‬
‫ما تأّلمت المرأة‬
‫وقت عليها‪ ،‬فل ّ‬
‫الحّية حيث انسابت وتط ّ‬
‫مص ّ‬
‫فرت الحّية‪ ،‬فإذا الوادي يسل علينا من‬
‫عرفتها‪ ،‬ث ّ‬
‫ت‪ ،‬فنهشتها حّتى بقيت عظاما ً ونحن نرى‬
‫جنباته حّيا ٍ‬
‫م انصرفنا جميعا ً فقلنا للجارية التي معها‪:‬‬
‫ذلك‪ .‬ث ّ‬
‫ويحك خّبرينا بخبر هذه المرأة‪ ،‬فقد والله رأينا منها‬
‫ت‪ ،‬تلد في ك ّ‬
‫ة‬
‫ل مّر ٍ‬
‫عجبًا? قالت‪ :‬نعم بغت ثلث مّرا ٍ‬

‫‪118‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫غلمًا‪ ،‬فإذا وضعته حمت تّنورا ً ورمته فيه وتكتم خبره‪.‬‬
‫قال‪ :‬فقلت سبحان الله ما أعجب هذا‪ .‬وذكرت قول‬
‫جبا ً‬
‫الغريض لها ستعلمين من في الّنار‪ ،‬فزادنا ذلك تع ّ‬
‫منها‪.‬‬
‫ب جناه‬
‫على غير ذن ٍ‬
‫م عمرو بن قميئة‬
‫قال أحمد بن يحيى‪ :‬كان مرثد‪ ،‬ع ّ‬
‫ال ّ‬
‫ة‪ ،‬وكان قد كبر‪ ،‬وكان يجمع‬
‫شاعر‪ ،‬عنده امرأةٌ جميل ٌ‬
‫مه في منزله للغداء ك ّ‬
‫م‪ .‬وكان‬
‫بني أخيه وبني ع ّ‬
‫ل يو ٍ‬
‫عمرو بن قمية شاب ّا ً جمي ً‬
‫ل‪ ،‬وكانت أصبع رجله‬
‫الوسطى والتي تليها مفترقتين‪ .‬فخرج مرثد يرمي‬
‫بالقداح‪ ،‬فأرسلت امرأته إلى عمرو بن قميئة‪ :‬ابن‬
‫ما دخل‬
‫مك يدعوك‪ .‬فجاءت به من دير البيوت‪ ،‬فل ّ‬
‫ع ّ‬
‫مه فأنكر أمرها‪ ،‬فراودته عن نفسها‪،‬‬
‫عليها لم يجد ع ّ‬
‫م‪ ،‬وما كان مثلي يدعى‬
‫فقال لها‪ :‬لقد جئت بأم ٍ‬
‫ر عظي ٍ‬
‫ن ما أقول لك أو لسوأتك‪.‬‬
‫لمثل هذا! قالت‪ :‬لتفعل ّ‬
‫م أّنه قام فخرج‪ .‬وأمرت‬
‫قال‪ :‬إلى المساءة دعوتني! ث ّ‬
‫ما رجع مرثد وجدها‬
‫بجفن ٍ‬
‫ة فكّبت على إثر رجله فل ّ‬
‫ن رجل ً من قومك‬
‫ضب ً‬
‫متغ ّ‬
‫ة فقال لها‪ :‬ما لك? قالت‪ :‬إ ّ‬
‫قريب القرابة جاء يستامني نفسي ويريد فراشك منذ‬
‫ميه‪ ،‬ولكن‬
‫ما أنا فل أس ّ‬
‫خرجت‪ .‬قال‪ :‬ومن هو? قالت‪ :‬أ ّ‬
‫ما رأى الثر عرفه‬
‫قم فاقتف أثره تحت الجفنة‪ .‬فل ّ‬
‫فأعرض عنه وجفاه‪ ،‬ولم يزده على ذلك‪ ،‬وكان أعجب‬
‫الخلق إليه‪ .‬وعرف ابن قميئة ذلك وكره أن يخبره‬
‫فقال‪:‬‬
‫تؤامرني شّرا ً لصرم‬
‫لعمرك ما نفسي‬
‫مـرثـدا‬
‫ة‬
‫بجـدّ رشـيد ٍ‬
‫ول مؤيس منها إذا‬
‫م رماه القدر ل‬
‫عظي ٌ‬
‫هو أخمـدا‬
‫س‬
‫متـعـّبـ ٌ‬
‫وأفرغ في لومي‬
‫فقد ظهرت منـه‬
‫ً‬
‫مرارا وأصعدا‬
‫ة‬
‫م ً‬
‫بـوائق جـ ّ‬
‫غ جاهد‬
‫ب أن‬
‫على غير ذن ٍ‬
‫سوى قول با ٍ‬
‫جـدا‬
‫أكون جن ّّيتـه‬
‫فتهـ ّ‬
‫وبلغت البيات مرثدا ً فكشف عن المر حّتى تبين له‪،‬‬
‫فطّلق امرأته وعاد على ما كان عليه لبن أخيه‪.‬‬
‫الله يعلم شأن ذاك الجار‬

‫‪119‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مد الكلبي‪ ،‬عن الحصين بن لبيد‬
‫وذكر هشام بن مح ّ‬
‫قال‪ :‬كان الحطيئة نازل ً في بني المسند من بني ضّبة‬
‫ة‪،‬‬
‫فرأى لبنة بنت قرطة أخت العلء‪ ،‬وكانت فاسد ً‬
‫م‬
‫فأعجبته فكّلمها فأجابته‪ ،‬فوقع عليها‪ ،‬فحملت منه‪ .‬ث ّ‬
‫وجها العلء بن‬
‫ارتحل الحطيئة‪ ،‬فل ّ‬
‫ما بان حملها‪ ،‬ز ّ‬
‫غالب بن صعصعة فولدت الفرزدق على فراشه فنسب‬
‫إليه‪ .‬ففي ذلك يقول جرير بن الخطفي‪.‬‬
‫والله يعلم شأن ذاك‬
‫كان الحطيئة جار‬
‫الجـار‬
‫ة‬
‫مك مّر ً‬
‫أ ّ‬
‫وافخر بعبس يوم‬
‫ب‬
‫ل تفخر ّ‬
‫ن بغال ٍ‬
‫ك ّ‬
‫ل فخار‬
‫د‬
‫مـ ٍ‬
‫ومحـ ّ‬
‫اختبره ونفاه‬
‫قال‪ :‬وقدم الفرزدق على عمر بن عبد العزيز‪ ،‬وهو‬
‫ن‬
‫أمير المدينة‪ ،‬فأكرمه وأحسن ضيافته‪ .‬فبلغه أّنه زا ٍ‬
‫ة له‪ :‬انطلقي إلى الفرزدق‪،‬‬
‫أن يختبر ذلك‪ ،‬فقال لجاري ٍ‬
‫ة له ينظر ما يصنع الفرزدق‪ ،‬فأتته‬
‫وعمر في حجر ٍ‬
‫دهن‪ ،‬وذهبت لتغسل رأسه‪ ،‬فوثب‬
‫جارية بالغسل وال ّ‬
‫ال ّ‬
‫م خرجت‬
‫عليها فركضته وقالت‪ :‬لعنك الله من شيخ‪ .‬ث ّ‬
‫فأتت عمر فأخبرته فنفاه من المدينة‪ .‬وقال جرير‪:‬‬
‫وح ّ‬
‫قك تنفى من‬
‫نفاك العّز بن عبد‬
‫المسجـد‬
‫العزيز‬
‫فقال الفرزدق‪:‬‬
‫كما وعدت بمهلكها‬
‫فأوعني وأجّلني‬
‫ثـلثـا ً‬
‫ثمود‬
‫ودخا الفرزدق يوما ً على سليمان بن عبد الملك‪ ،‬وهو‬
‫ة‪ ،‬فقال‪ :‬أنشدني يا أبا فراس! فأنشده قصيدته‬
‫خليف ٌ‬
‫حّتى بلغ إلى قوله‪:‬‬
‫ح من بيض‬
‫ي لم‬
‫فملن أص ّ‬
‫خرجن إل ّ‬
‫النعام‬
‫يطمثن قبلي‬
‫وبت أفض أغلق‬
‫فبتن بجانبي‬
‫الختـام‬
‫ت‬
‫مصـرعـا ٍ‬
‫قال ما لم يفعل‬
‫س إل ّ قد أحللت‬
‫فقال له سليمان‪ :‬ما أظّنك يا أبا فرا ٍ‬
‫م‪ ،‬ول بدّ من إقامة‬
‫نفسك‪ ،‬أقررت عندي بالّزنا‪ ،‬وأنا إما ٌ‬
‫الحدّ عليك‪ .‬فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬ما أحللت نفسي‬

‫‪120‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إن كنت تأخذ بقول الله وتعمل به‪ .‬قال سليمان‪:‬‬
‫ن الله‬
‫فبقول الله نأخذ عليك الحد‪ .‬قال الفرزدق‪ :‬فإ ّ‬
‫شعراء يتبعهم الغاوون‪ ،‬ألم تر أّنهم في ك ّ‬
‫يقول‪" :‬وال ّ‬
‫ل‬
‫واٍد يهيمون‪ ،‬وإّنهم يقولون ما ل يفعلون"‪ .‬وأنا‪ ،‬يا‬
‫سم سليمان‪،‬‬
‫أمير المؤمنين‪ ،‬قلت ما لم أفعل‪ .‬فتب ّ‬
‫وقال‪ :‬تلفيتها يا أبا فراس‪ ،‬ودرأت الحدّ عن نفسك‪.‬‬
‫وخلع عليه‪ ،‬وأمر له بجائزة‪.‬‬
‫ة فوجد أيرا ً‬
‫طلب غنيم ً‬
‫قال أبو عبيدة‪ :‬هوى أبو العّباس العمى امرأةً ذات‬
‫ل فراسلها فأعلمت زوجها‪ ،‬فقال لها‪ :‬أطمعيه‪.‬‬
‫بع ٍ‬
‫م قال‪ :‬أرسلي إليه فليأتك‪ .‬فأرسلت إليه‪،‬‬
‫فأطمعته‪ ،‬ث ّ‬
‫فأتاها‪ ،‬وجلس زوجها إلى جانبها‪ ،‬فقال لها أبو‬
‫العّباس‪ :‬إّنك وصفت لنا فألمسينا‪ .‬فأخذت يده فجعلتها‬
‫على أير زوجها وقد أنعظ‪ ،‬فنثر يده وعلم أّنه قد كيد‪،‬‬
‫فخرج من عندها وقال‪:‬‬
‫ر أشدّ من‬
‫أتيتك زائرا ً فوضعت‬
‫على أي ٍ‬
‫ك ّ‬
‫الحـديد‬
‫في‬
‫سك طائعـا ً أل‬
‫ي ألّية ما دمـت‬
‫أم ّ‬
‫عل ّ‬
‫حـي ّا ً‬
‫أعـود‬
‫فخيٌر منك من ل خير وخيٌر من زيارتكم‬
‫قعودي‬
‫فيه‬
‫طّيبة عليه حراما ً‬
‫وكان ب ّ‬
‫شار العمى يرتع‪ ،‬فبلغ امرأته ذلك‪ ،‬فعاتبته‬
‫مرارا ً فحلف لها‪ .‬وإّنها سألت عن المكان الذي يمضي‬
‫ة تجمع بين الّنساء وبين الّرجال‪،‬‬
‫إليه فدّلت على امرأ ٍ‬
‫فبذلت لها شيئا ً وسألتها إذا جاءها ب ّ‬
‫شار أن تبعث‬
‫إليها‪ .‬ففعلت‪ ،‬وقالت‪ :‬أب ّ‬
‫شار قد وقعت اليوم امرأة من‬
‫ما خل بها‬
‫أجمل الّنساء ووصفتها له فطرب إليها‪ ،‬فل ّ‬
‫وخالطها ضربت بيديها في لحيته وشتمته‪ ،‬وقالت‪ :‬أين‬
‫إيمانك الفاجرة? فقال لها‪ :‬لعنك الله أل تركتني حّتى‬
‫أقضي حاجتي‪ ،‬فوالله ما رأيت أبرد منك حل ً‬
‫ل‪ ،‬ول‬
‫أطيب منك حرامًا! !‬
‫زوجة الّرشيد ومخارق‬
‫قال إسحاق بن إبراهيم‪ :‬كان مخارق يهوى البهار‬
‫م جعفر وشغف بها حّتى أفضى غايته في‬
‫جارية أ ّ‬

‫‪121‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة من دار المأمون في‬
‫حّبها‪ .‬فبينما هو منصر ٌ‬
‫ف ذات ليل ٍ‬
‫دجلة‪ ،‬وقد عمل ال ّ‬
‫م جعفر جالسة في‬
‫شراب فيه‪ ،‬وأ ّ‬
‫دارها على دجلة إذ رفع عقيرته يغّني شعر عّباس بن‬
‫الحنف‪:‬‬
‫د‬
‫إن يمنعوني ممّري‬
‫فسوف أنظر من بع ٍ‬
‫دار‪.‬‬
‫قرب داركـم‪،‬‬
‫إلى ال ّ‬
‫لول شقائي إقبـالـي‬
‫ما ضّر جيرانكم‪،‬‬
‫وإدبـاري‬
‫والله يكلؤهـم‪،‬‬
‫إذا مررت‪ ،‬وتسليمي‬
‫ل يقدرون على‬
‫بإجهـاري‪.‬‬
‫منعي‪ ،‬وإن جهدوا‬
‫دامها فصاحوا‬
‫م جعفر صوته فأمرت خ ّ‬
‫فسمعت أ ّ‬
‫ة‬
‫ي وصيني ّ ٍ‬
‫بملحة فقدم وصعد إليها‪ ،‬فدعت له بكرس ّ‬
‫فيها نبيذٌ فشرب‪ ،‬وخلعت عليه وقالت لجواريها‪:‬‬
‫ول ما تغّنى به‪:‬‬
‫أضربن معه‪ .‬فكان أ ّ‬
‫نأي المح ّ‬
‫ف‬
‫أغـيب عـنـك بـودّ ل‬
‫ل ول صر ٌ‬
‫من الّزمن‬
‫يغـيره‬
‫فإن أعش فلع ّ‬
‫وإن أمت فبطول‬
‫ل‬
‫ال ّ‬
‫شوق والحزن‬
‫دهر يجمعـنـا‬
‫ال ّ‬
‫حّتى أرى حسنا ً ما‬
‫ي‬
‫قد ح ّ‬
‫سن في عين ّ‬
‫ليس بالحسـن‬
‫ما صنـعـت‬
‫صوت وتغّني‪:‬‬
‫قال‪ ،‬فاندفعت البهار تباريه في ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫ل بال ّ‬
‫تعت ّ‬
‫شغل للقلب ليس‬
‫شغل عّنا ل‬
‫ال ّ‬
‫شغل للبدن‬
‫تكّلـمـنـا‬
‫م جعفر‪ ،‬وقالت‪ ،‬ما رأيت ول سمعت قط‬
‫فضحكت أ ّ‬
‫جارية فأخذها وانصرف‪.‬‬
‫بأحسن من هذا‪ .‬ووهبت له ال ّ‬
‫دنانير‬
‫جارية والعتيدة وال ّ‬
‫أخذ ال ّ‬
‫دثني مخارق قال‪ :‬كنت‬
‫قال إبراهيم بن الخطيب‪ :‬ح ّ‬
‫ما أراد النصراف قال لي‪ :‬يا مخارق ب ّ‬
‫كر‬
‫عند الّرشيد فل ّ‬
‫ما أصبحت ب ّ‬
‫كرت‬
‫ي‪ .‬فقلت‪ :‬نعم يا أمير المؤمنين‪ .‬فل ّ‬
‫عل ّ‬
‫أريد ما ذكره‪ ،‬فإذا جارية راكبة وهي أحسن الّناس‬
‫ي‪ ،‬فلم‬
‫عينين في الّنقاب‪ ،‬فنظرت إليها‪ ،‬ونظرت إل ّ‬
‫أملك نفسي وتع ّ‬
‫شقتها وتبعتها حّتى دخلت منزل‬
‫المعبدي الهاشمي‪ ،‬فقلت لغلماني‪ :‬إذا كان المغرب‬
‫دنيا خرجت إليكم‪ ،‬وإذا‬
‫ي‪ ،‬فإذا كنت في ال ّ‬
‫فصيروا إل ّ‬

‫‪122‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ت فقد قضيت وطرًا‪ .‬قال‪ :‬واقتحمت ودخلت‬
‫كنت م ّ‬
‫ة مجتمعون وقد أحضروا طعاما ً فأكلت‬
‫دار‪ ،‬فإذا جماع ٌ‬
‫ال ّ‬
‫معهم‪ ،‬وأحضر ال ّ‬
‫جارية فإذا هي أحذق‬
‫شراب‪ ،‬وغّنت ال ّ‬
‫الّناس وأطيبهم‪ ،‬فغّنيت‪ ،‬فقال المعبدي‪ :‬ما أحسنه‬
‫وأبهاه‪ ،‬فمن هو? فقال له القوم‪ :‬ما نعرفه‪ .‬فقال‪ :‬ما‬
‫ي صاحب‬
‫أظرف هذا يدخل منزلي بغير أمري أبغوا إل ّ‬
‫شرطة‪ .‬وك ّ‬
‫ال ّ‬
‫جارية‪ :‬يا مولي‬
‫ل ذلك بمسمعي‪ ،‬قالت ال ّ‬
‫ل تفعل‪ ،‬لع ّ‬
‫ل له عذرًا‪ .‬فبحياتي هب لي جرمه فقد‬
‫ن هذه صناعته‪ .‬قال‪ :‬فطابت نفسي‬
‫رحمته‪ ،‬وأحسب أ ّ‬
‫ما خرجت قال لي‪ :‬يا فتى تغّني? فقلت‪ :‬نعم‪.‬‬
‫فل ّ‬
‫فغّنيت‪ ،‬فطرب القوم وقال المعبدي‪ :‬إن كان في‬
‫دثته‬
‫دنيا مخارق فأنت هو! قلت‪ :‬نعم أنا مخارق وح ّ‬
‫ال ّ‬
‫سبب في دخول منزله‪ ،‬فسّر وفرح ودعا‬
‫حديثي وال ّ‬
‫م‬
‫بدوا ٍ‬
‫س وأقبل يكتب ويعود إليه الجواب‪ ،‬ث ّ‬
‫ة وقرطا ٍ‬
‫جه به‪.‬‬
‫وزن مال ً وو ّ‬
‫ي قال‪ :‬يا غلم هات تلك العتيدة‪.‬‬
‫فل ّ‬
‫ما كان بالعش ّ‬
‫فأحضر عتيدةً مملوءةً طيبًا‪ ،‬وقال‪ :‬هات ذلك الّتخت‪.‬‬
‫فأحضره إّياه‪ ،‬فقال‪ :‬أتدري ما نحن فيه‪ :‬قلت‪ :‬ل‪.‬‬
‫جارية بأربعين ألف دينار‪ ،‬وهذه‬
‫قال‪ :‬قد اشتريت لك ال ّ‬
‫عتيدةٌ فيها طيب‪ ،‬وتخت ثياب‪ .‬فأخذت بيدها وانصرفت‬
‫ما أصبحت ب ّ‬
‫كرت على الّرشيد فقال لي‪:‬‬
‫بها عروسًا‪ ،‬فل ّ‬
‫دثته الحديث فسّر به‪،‬‬
‫يا ابن الفاعلة أين كنت? فح ّ‬
‫ن في أهلي مثل هذا‪ .‬وأمر من‬
‫وقال‪ :‬ما تو ّ‬
‫همت أ ّ‬
‫ساعته أن يحمل إليه أربعون ألف دينار‪.‬‬
‫جارية لشعره وأدبه‬
‫أخذ ال ّ‬
‫وكان ليوسف بن القاسم‪ ،‬وهو أبو أحمد بن يوسف‪،‬‬
‫ب نشأ في العراب‬
‫م أسودٌ متأدّ ٌ‬
‫وزير المأمون‪ ،‬غل ٌ‬
‫ي لموله‪،‬‬
‫فهوى جاري ً‬
‫ة لرج ٍ‬
‫ي‪ ،‬فشكاه القرش ّ‬
‫ل قرش ّ‬
‫فضربه وحبسه‪ ،‬وحلف أن ل يطلقه إل ّ بعد شفاعة من‬
‫شكاه‪ ،‬فقيل له‪ :‬ويحك أتحّبك كما تحّبها? فقال‪:‬‬
‫تجلد أحيانا ً وما بي‬
‫كلنا سواءٌ في‬
‫من تجّلـد‬
‫الهوى غير أّنها‬
‫جنوني عليها حين‬
‫تخاف وعيد‬
‫أنهي وأوعد‬
‫الكاشحين وإّنـمـا‬

‫‪123‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن فيه لهذا الفضل! فركب‬
‫فبلغ موله شعره فقال‪ :‬وإ ّ‬
‫ي فقال له‪ :‬أسألك أن تبيعني‬
‫من وقته إلى القرش ّ‬
‫ن شئت‪ .‬فقال‪ :‬ما أفعل حّتى‬
‫هذه ال ّ‬
‫جارية بأ ّ‬
‫ي ثم ٍ‬
‫سبب في ذلك‪ .‬فعّرفه الخبر وأنشده البيتين‪،‬‬
‫أعرف ال ّ‬
‫جارية‪ ،‬وأنا أعطي‬
‫فقال‪ :‬أشهدك إّني قد وهبت له ال ّ‬
‫الله عهدا ً أن أخذت لها ثمنا ً أبدًا‪ ،‬لشفاعتك وأدب‬
‫جارية معه فدفعها إلى الغلم‪.‬‬
‫جه ال ّ‬
‫الغلم‪ .‬وو ّ‬
‫المتو ّ‬
‫م المحّبين‬
‫كل يعيش ه ّ‬
‫قالوا كان المتو ّ‬
‫كل جالسا ً يوما ً في القصر الذي يقال‬
‫م أسودٌ لفتيحة مبادرا ً يريد‬
‫له المختار إذ مّر خاد ٌ‬
‫م‪،‬‬
‫دخول إلى دار الّنساء‪ ،‬فسقط منه كتا ٌ‬
‫ال ّ‬
‫ب مختو ٌ‬
‫ب‪:‬‬
‫فأمر من جاءه بالكتاب وفتحه فإذا فيه مكتو ٌ‬
‫حه‬
‫أكثري المحو في الكتاب وم ّ‬
‫بريق اللسان ل بالبنان‬
‫ك الـعـذاب الـمـفـلـجـات‬
‫وأمّري الختام فوق ثنايا‬
‫الـحــســـان‬
‫و لـطـعـتـه بـلــســـانـــي‬
‫إّنـنـي كـّلـمــا مـــررت بـــحـــر ٍ‬
‫ف فيه مـحـ ٌ‬
‫أهـديت لـي ومـا بـرحـت‬
‫د‬
‫فأراهـا تـقـــبـــيلة مـــن بـــعـــي ٍ‬
‫مـكـــانـــي‬
‫ي من كتب هذا‬
‫فقال‪ :‬يا فتح ما ترى? قلد اجترأ ل ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن‬
‫ي بالخادم‪ .‬فأتي به‪ ،‬وقد علم الخادم إ ّ‬
‫شعر! عل ّ‬
‫الكتاب سقط منه فطار عقله خوفا ً ورعبًا‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫من دفع هذا الكتاب إليك وأنت آمن? فإن صدقت‬
‫ن‬
‫نجوت‪ ،‬وإن لم تصدق ضربت عنقك‪ .‬قال‪ :‬يا مولي إ ّ‬
‫لمولتي فتيحة وكيل ً يتصّرف في أمرها من أبناء‬
‫ب جاريتها نسيم الكاتبة‪ ،‬وأنا أسعى‬
‫البرامكة وهو يح ّ‬
‫بينهما بالكتب التي يتكاتبان بها‪ .‬فقال له‪ :‬امض بل‬
‫م قام المتو ّ‬
‫كل فدخل على فتيحة وقال‬
‫خوف عليك‪ .‬ث ّ‬
‫لها خذي في أمر جاريتك نسيم الكاتبة فإّني قد‬
‫م‪.‬‬
‫ز ّ‬
‫وجتها من فلن وكيل وأنقدت عنه عشرة آلف دره ٍ‬
‫م?‬
‫وأمر بإحضار الوكيل فقال له‪ :‬هل لك في نسي ٍ‬
‫فذهب عقله‪ ،‬وطار قلبه‪ ،‬وخاف خوفا ً شديدًا‪ ،‬فقال‬
‫وجتك بها‪ ،‬ومهرتها عشرة‬
‫له‪ :‬تكّلم وأنت آمن‪ ،‬فقد ز ّ‬
‫آلف درهم ٍ وأمرت ل بعشرة آلف تولم بها‪ .‬وسأل‬
‫فتيحة تعجيل زفافها إليه ففعلت‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫واد‬
‫خدعها الق ّ‬
‫وحكى الهيثم بن عدي‪ ،‬عن ابن عّباس‪ ،‬قال‪ :‬كانت‬
‫عاتكة بنت يزيد بن معاوية تحت عبد الملك بن مروان‪،‬‬
‫وكان يجد بها ويحّبها حب ّا ً شديدًا‪ ،‬فغضبت عليه‪ ،‬فطلب‬
‫رضاها بك ّ‬
‫ر‪ ،‬فأبت حّتى أضّر به ذلك وشكا إلى‬
‫ل أم ٍ‬
‫صته‪ .‬فقال له عمر بن السدي‪ :‬ما لي إن أرضيتها?‬
‫خا ّ‬
‫قال له‪ :‬حكمك‪ .‬قال‪ ،‬فخرج فأتاها وجلس بين يديها‬
‫يبكي‪ .‬فقال له حاضنتها‪ :‬ما لك يا أبا حفص? قال‪ :‬لقد‬
‫م‪ ،‬فاستأذني‬
‫ر مه ّ‬
‫جئت إلى بنت ع ّ‬
‫مي في أم ٍ‬
‫م عظي ٍ‬
‫لعّلها تقضي حاجتي‪ .‬فقالت‪ :‬ما بالك? فقال لها‪ :‬قد‬
‫عرفت حالي مع أمير المؤمنين عبد الملك‪ ،‬ولم يكن‬
‫دى أحدهما على الخر فقتله‪.‬‬
‫لي غير ابنين‪ ،‬فتع ّ‬
‫دم وقد عفوت‪ .‬فقال أمير المؤمنين‪:‬‬
‫ي ال ّ‬
‫فقلت‪ :‬أنا ول ّ‬
‫ود رعّيتي هذا‪ .‬وهو قتله بالغداة فنشدتك‬
‫ما أح ّ‬
‫ب أن أع ّ‬
‫الله أل كّلمته فيه‪ ،‬وسألته في إبقائه لي‪ ،‬فإّنك‬
‫تجمعين في ذلك إحياءه وإحياء نفسي‪ .‬فإّنه إن قتله‬
‫قتلت نفسي‪ .‬فقالت‪ :‬ما أكّلمه‪ .‬فقال لها‪ :‬ما أظّنك‬
‫ب من إحياء نفسين‪ . . .‬وبكى بكاءً‬
‫تكسبين شيئا ً أح ّ‬
‫شديدًا‪ :‬فلم يزل بها صواحبها وخدمها وحاشيتها حّتى‬
‫ب قد‬
‫ي بثيابي‪ .‬فلبست‪ ،‬وكان بينها وبينه با ٌ‬
‫قالت‪ :‬عل ّ‬
‫م دخلت‪ .‬فأقبل أحد الغلمان‬
‫ردمته‪ .‬فأمرت بفتحه ث ّ‬
‫فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين هذه عاتكة‪ .‬قال‪ :‬ويلك رأيتها?‬
‫قال‪ :‬نعم يا أمير المؤمنين‪ .‬وإذا هي قد أقبلت وعبد‬
‫ما‬
‫الملك على سريره‪ .‬فسّلمت‪ ،‬فسكت‪ ،‬فقالت‪ :‬أ ّ‬
‫والله لول مكان عمر ابن بلل ما فعلت‪ ،‬ول أتيتك‬
‫ي‬
‫والله‪ .‬إن عدا أحد بنيه على الخر فقتله‪ ،‬وهو الول ّ‬
‫م‪.‬‬
‫وقد عفا عنه‪ ،‬لتقتله? قال‪ :‬أي والله‪ ،‬وهو راغ ٌ‬
‫قالت‪ :‬أنشدك الله أن ل تفعل‪ .‬فدنت فأخذت‬
‫ب عليها‬
‫بيده‪،‬فأعرض عنها‪ ،‬فأخذت أرجله فقّبلتها‪ ،‬فأك ّ‬
‫مها إلى نفسه ورفعها إلى سريره‪ ،‬وقال‪ :‬قد‬
‫وض ّ‬
‫عفوت عنه‪ .‬فتراضيا‪.‬‬
‫صة‪ ،‬فدخل عمر بن‬
‫وراح عبد الملك فجلس مجلس الخا ّ‬
‫بلل‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا حفص ألطفت الحيلة في القيادة‬
‫ر‬
‫فلك حكمك! فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬ألف دينا ٍ‬
‫ومزرعة بما فيها من الّرقيق واللة‪ .‬قال‪ :‬هي لك‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال‪ :‬ومرابض لولدي وأهل بيتي‪ .‬قال‪ :‬وذلك كّله لك‪. .‬‬
‫واد خدعني‪.‬‬
‫‪ .‬وبلغ عاتكة الخبر فقالت‪ :‬ويلي على الق ّ‬
‫حسب الّتفاق بعد حين‬
‫ن معاوية بن أبي سفيان‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬رأى‪،‬‬
‫ويروى أ ّ‬
‫ة لمرأته فاختة بنت قريظة‪ ،‬في‬
‫كاتبا ً له يكّلم جاري ً‬
‫بعض طرق داره‪ ،‬فقال له‪ :‬أتحّبها? قال‪ :‬أي والله‪ ،‬يا‬
‫أمير المؤمنين‪ .‬قال‪ :‬أخطبها من فاختة‪ .‬فخطبها‪.‬‬
‫وجها منه‪ ،‬فدخل‬
‫وكّلم معاوية فاختة فأجابته‪ ،‬فز ّ‬
‫معاوية وبين يديه عتيدة من العطر لعرس جاريتها‪،‬‬
‫وني عليك يا بنت قريظة‪ ،‬إّني أحسب الّتفاق‬
‫فقال‪ :‬ه ّ‬
‫كان بعد حين‪.‬‬
‫ن اللئام‬
‫يغلبن الكرام ويغلبه ّ‬
‫قال عمر بن شّبة‪ :‬كان الحنف بن قيس يوما ً جالسا ً‬
‫مع معاوية‪،‬إذ مّرت بهما وصيفة فدخلت بيتا ً من‬
‫ب هذه‬
‫البيوت‪ ،‬فقال معاوية‪ :‬يا أبا بحر‪ ،‬أنا والله أح ّ‬
‫جارية وقد أمكنتني منها لول الحياء من مكانك‪ .‬فقال‬
‫ال ّ‬
‫الحنف‪ :‬فأنا أقوم‪ .‬بل تجلس لئّل تستريب بنا فاطمة‪.‬‬
‫فقال الحنف‪ :‬شأنك‪ .‬فقام معاوية إليها‪ .‬فبينا هو‬
‫واد‪،‬‬
‫يماجنها إذ خرجت بنت قريظة فقالت للحنف‪ :‬يا ق ّ‬
‫أين الفاسق‪ .‬فأومأ الحنف إلى البيت الذي هو فيه‪،‬‬
‫فأخرجته ولحيته في يدها‪ ،‬فقال لها الحنف‪ :‬أرفقي‬
‫واد‪ ،‬وتتكّلم أيضًا?‬
‫بأسيرك‪ ،‬رحمك الله‪ .‬فقالت‪ :‬يا ق ّ‬
‫ن اللئام‪.‬‬
‫فقال معاوية‪ :‬يغلبن الكرام ويغلبه ّ‬
‫ثقبها ثقب اللؤلؤ‬
‫قال ابن شّبة‪ :‬كانت بالمدينة امرأةٌ يقال لها صهباء‪،‬‬
‫من أحسن الّناس‪ :‬وكانت من هذيل‪ .‬وكانت رتقاء‪.‬‬
‫دة‬
‫م لها‪ .‬فمكث حينا ً ل يقدر عليها لش ّ‬
‫وجها ابن ع ّ‬
‫فتز ّ‬
‫ارتقاقها‪ ،‬فأبغضته بغضا ً شديدًا‪ ،‬فطلبت منه ال ّ‬
‫طلق‬
‫د‪ ،‬في‬
‫م إّنه أصاب أهل المدينة مطٌر شدي ٌ‬
‫فطّلقها‪ .‬ث ّ‬
‫الخريف‪ ،‬وسي ٌ‬
‫م‪ .‬فخرج أهل المدينة‪ ،‬وخرجت‬
‫ل عظي ٌ‬
‫ب له للنزهة‪.‬‬
‫ش وأصحا ٌ‬
‫صهباء مع أهلها‪ ،‬وخرج ابن جح ٍ‬
‫ما انتصف الّنهار وخل الوادي‪ ،‬خرجت صهباء‬
‫فل ّ‬
‫ش ولم تشعر به‬
‫واستنقعت في ال ّ‬
‫سيل‪ ،‬وخرج ابن جح ٍ‬
‫صهباء‪ ،‬فرآها وأحّبها وتهالك عليها‪.‬‬
‫ة على الّنساء يقال لها قطبة‪.‬‬
‫وكان بالمدينة دّلل ٌ‬
‫ش‬
‫وكانت تداخل القرشيين بنسائهم‪ :‬فلقيها ابن جح ٍ‬

‫‪126‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ي‪ .‬قالت‪ :‬قد‬
‫فسألها عن صهباء فقال‪ :‬اخطبيها عل ّ‬
‫خطبها عيسى بن طلحة بن عبيد الله‪ ،‬وأنعم له بها‬
‫أهلها ول أراهم يتخ ّ‬
‫طون عيسى إليك‪ . .‬فشتمها ابن‬
‫ش وقال‪ :‬ك ّ‬
‫ك لي حّر لوجه الله إن تحتالي‬
‫ل مملو ٍ‬
‫جح ٍ‬
‫سيف‪ -‬وكان‬
‫وجها‪ ،‬لضربّنك ضرب ً‬
‫ة بال ّ‬
‫فيها حّتى أتز ّ‬
‫مقداما ً جسورًا‪ -‬ففزعت منه فدخلت على صهباء‬
‫مها‪ ،‬فقال‬
‫وأهلها‪ ،‬فتح ّ‬
‫م ذكرت ابن ع ّ‬
‫دثت معهم‪ ،‬ث ّ‬
‫مة صهباء‪ :‬ما باله فارقها? فأخبرتها خبره فأصغت‬
‫لع ّ‬
‫ما والله لو‬
‫متها فقالت لها‪ ،‬وأسمعت صهباء‪ :‬أ ّ‬
‫إلى ع ّ‬
‫م خرجت من‬
‫ش لنقبها نقب اللؤلؤة‪ .‬ث ّ‬
‫كان ابن جح ٍ‬
‫عندهم‪.‬‬
‫ش فليخطبني‪.‬‬
‫فأرسلت إليها صهباء أن مري ابن جح ٍ‬
‫ش فأخبرته الخبر‪ .‬فخطبها‪،‬‬
‫فلقيت قطبة ابن جح ٍ‬
‫فأنعمت له‪ ،‬وأبى أهلها إل ّ عيسى بن طلحة‪ .‬وأتت‬
‫وجها وأفتضها من ساعته‪.‬‬
‫ش فتز ّ‬
‫صهباء إلى ابن جح ٍ‬
‫وفيها يقول‪:‬‬
‫عن ذكرها أبدا ً ول‬
‫صهباء الذي ل‬
‫دار ال ّ‬
‫ينهـاهـا‬
‫ينتـهـي‬
‫ي الجمانة لّينا ً‬
‫صفراء يطويها‬
‫ط ّ‬
‫مثـنـاهـا‬
‫ة‬
‫ضجيع لطاف ً‬
‫ال ّ‬
‫بالقرب أخراها على‬
‫ضجيع إذا‬
‫نعم ال ّ‬
‫أولها‪.‬‬
‫ورت‬
‫الّنجوم تغ ّ‬
‫ن‬
‫ألحقوا الّنساء بأكفائه ّ‬
‫قالوا‪ :‬كان رج ٌ‬
‫جار أهل المدينة من ذوي الّنعمة‪،‬‬
‫ل من ت ّ‬
‫ة من شهر رمضان‪ ،‬في المسجد يصّلي إذ عرض‬
‫في ليل ٍ‬
‫له في منزله بعض المر‪ .‬فانصرف من الّتراويح‬
‫فأصاب بابه مفتوحًا‪ ،‬وإذا رج ٌ‬
‫ل مع ابنته في محّلها‬
‫دثها‪ .‬فأخذ بيده وذهب به إلى منزل ابن أبي عتيق‪.‬‬
‫يح ّ‬
‫فدقّ عليه‪ ،‬فأشرف عليه‪ ،‬فقال‪ :‬أردت أن أكّلمك‪،‬‬
‫ن هذا الفتى‬
‫جعلت فداك‪ .‬قال‪ ،‬فانحدر إليه فقال له‪ :‬إ ّ‬
‫وجدته في منزلي على حال كذا‪ .‬فسألته فزعم أّنه‬
‫ق فأخذ بيد الّتاجر فشكره وجزاه‬
‫ابنك‪ .‬فأقبل ابن عتي ٍ‬
‫ء تكرهه أبدا ً إن شاء‬
‫خيرًا‪ ،‬وقال‪ :‬لن يعود إلى شي ٍ‬
‫ما وّلى الّرجل قال‬
‫الله‪ .‬فأخذ الفتى ولكزه وشتمه‪ .‬فل ّ‬
‫ن الّتاجر‬
‫للفتى‪ :‬من أنت ويلك? قال‪ :‬أنا ابن فل ٍ‬

‫‪127‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وابتليت بابنة هذا الّتاجر فدخلت عليها هذه الليلة‬
‫ف على رأسي‪.‬‬
‫دث عندها‪ .‬فما راعني إل ّ أّنه واق ٌ‬
‫أتح ّ‬
‫ً‬
‫ما علمت من قدرك‬
‫فلم أجد ملجأ إل ّ أن اعتزيت إليك‪ ،‬ل ّ‬
‫جارية‪ ،‬أتحّبك?‬
‫وشرفك وكرمك‪ .‬قال‪ :‬أخبرني عن ال ّ‬
‫قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬فهل يمكنك أن تأتي بها إلى منزلي‬
‫هذا? قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬فعدها وأت بها‪ .‬وأمر غلما ً له‪،‬‬
‫وقال‪ :‬إذا جاءت المرأة التي يأتيك بها هذا الفتى‬
‫ي من‬
‫فأدخلها‪ ،‬واجلس أنت مع الفتى‪ ،‬وأرسل إل ّ‬
‫جارية إلى المكان‪.‬‬
‫يعلمني‪ .‬ففعل الفتى‪ ،‬وأتى بال ّ‬
‫ق فعّرفه‪ .‬فأرسل إلى أبي‬
‫وأرسل إلى ابن أبي عتي ٍ‬
‫جارية‪ :‬إّنك اصطنعت إلى فتانا يدًا‪ ،‬وقد أحببنا أن‬
‫ال ّ‬
‫نصنع إليك مثل ذلك في فتاتكم‪.‬‬
‫ما رآها استرجع‪ ،‬فقال له ابن أبي‬
‫فأدخله عليها‪ ،‬فل ّ‬
‫ق‪ :‬ما هذا? أهون عليك هذا المر وأقبل وصّية‬
‫عتي ٍ‬
‫رسول الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬حين قال‪ " :‬ألحقوا‬
‫ن هذا الفتى ليس والله بولدي‪،‬‬
‫ن" ‪ .‬إ ّ‬
‫الّنساء بأكفائه ّ‬
‫ي لما أدرك من الّنجاة منك‪ ،‬وهو‬
‫ولكن هو قد انتسب إل ّ‬
‫فلن ابن فلن الّتاجر‪ ،‬وهو من نظرائها وأكفائها‪.‬‬
‫وجه إّياها وأصدقها عنه من مالي مائة‬
‫فهل لك أن تز ّ‬
‫ر‪ .‬قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫دينا ٍ‬
‫وجها منه وأصدقها وأخرج المهر من‬
‫ولم يبرحوا حّتى ز ّ‬
‫عنده‪ ،‬وسأله الّتعجيل بزفافها إليه‪.‬‬
‫أحييت نفسي بقتل نفسك‬
‫وحكي عن ابن أبي ورقاء الجبلي قال‪ :‬خرجت من‬
‫ة نزل غلماننا‬
‫ول مرحل ٍ‬
‫الكوفة أريد بغداد‪ .‬فل ّ‬
‫ما صرت بأ ّ‬
‫ففرشوا بسطهم‪ ،‬وهّيأوا عداءهم‪ ،‬ونزلت‪ .‬ولم يجء‬
‫أحدٌ بعد‪ .‬فرمانا ال ّ‬
‫ل حسن الهيئة‪ ،‬فاره‬
‫طريق برج ٍ‬
‫البرذون فصمت بالغلمان‪ .‬فأخذوا داّبته‪ .‬ودعوت‬
‫م‪ .‬وجعلت ل أكرمه‬
‫بالغداء فبسط يده غير محتش ٍ‬
‫م‬
‫بشي ٍ‬
‫ء إل ّ قبله‪ .‬وكّنا كذلك ساع ً‬
‫ة‪ ،‬إذ جاء غلمانه‪ .‬ث ّ‬
‫تناسبنا فقال الّرجل‪ :‬أتا طريح بن إسماعيل الّثقفي‪.‬‬
‫ة ل تدرك طرقها‪.‬‬
‫ما ارتحلنا كّنا كذلك في قافل ٍ‬
‫فل ّ‬
‫فقال لي طريح‪ :‬ما حاجتنا إلى زحمة الّناس‪ ،‬وليست‬
‫خر بنا بعد القوم‪.‬‬
‫بنا إليهم وحشة ول مخافة‪ .‬فتأ ّ‬
‫ل بال ّ‬
‫م قمنا‬
‫شجر فتغ ّ‬
‫دينا ث ّ‬
‫ر مظل ٍ‬
‫فنزلنا إلى جانب نه ٍ‬
‫ة‬
‫ما نزع ثيابه إذ آثار داهي ٍ‬
‫إلى الّنهر نستنقع فيه‪ .‬فل ّ‬

‫‪128‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ء‪،‬‬
‫في جنبيه يلج فيها الكف‪ ،‬فوقع في نفسي منه شي ٌ‬
‫سم‪ ،‬وقال لي‪ :‬قد رأيت عجبا ً‬
‫ي وفطن وتب ّ‬
‫فنظر إل ّ‬
‫دثك حديثه إذا سرنا‬
‫منك لما رأيت ما بي وأنا أح ّ‬
‫العشّية‪.‬‬
‫م ركبنا قلت له‪ :‬الحديث? قال‪ :‬نعم‪ ،‬قدمت من عند‬
‫فل ّ‬
‫دنيا وما فيها‪ ،‬وركبت إلى يوسف بن‬
‫الوليد بن يزيد بال ّ‬
‫عمر‪ ،‬مع قرابتي منه‪ ،‬فمل يدي‪ .‬فخرجت من عنده إلى‬
‫ما اشتدّ بي ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫طريق‪ ،‬وليس يصحبني فيه‬
‫طائف‪ .‬فل ّ‬
‫ي على قعوٍد له‪ ،‬وهو حسن الحديث‬
‫خلق‪ ،‬ع ّ‬
‫ن لي أعراب ّ‬
‫قد روى ال ّ‬
‫شعر‪ ،‬وأنشدني لنفسه‪ .‬فقلت له‪ :‬من أين‬
‫ممت?‬
‫أقبلت? قال‪ :‬ل أدري والله‪ .‬قلت‪ :‬فإلى أين ي ّ‬
‫صتك? فقال‪ :‬أنا‬
‫قال‪ :‬ل أدري والله‪ .‬قال‪ ،‬فقلت‪ :‬ما ق ّ‬
‫ق بجارية من قومي‪ ،‬قد أفسدت عيشتي وتلفت‪،‬‬
‫عاش ٌ‬
‫فأنا أستريح بأن أنحدر في ال ّ‬
‫طريق مع منحدريه‪،‬‬
‫عديه‪ .‬قال‪ ،‬فقلت له‪ :‬وأين هي? قال‪:‬‬
‫عد مع مص ّ‬
‫وأص ّ‬
‫دثني بحديثه معها‪.‬‬
‫غدا ً تنزل بإزائها‪ .‬وأخذ يح ّ‬
‫م جئنا إلى الموضع قال لي‪ :‬انزل ذلك المكان فإّنها‬
‫فل ّ‬
‫ة‪ .‬فأدركتني أريحّية الحداثة‪ ،‬وأخذت منه‬
‫عنده منقطع ً‬
‫ت‬
‫علمة ما بينهما‪ ،‬وقصدت حيث أشار إلي‪ .‬فإذا ببي ٍ‬
‫د على ال ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫ة ظريف ٌ‬
‫ة حديث ٌ‬
‫طريق‪ ،‬وإذا امرأةٌ جميل ٌ‬
‫جدي ٍ‬
‫ة‬
‫فذكرته لها ووريت رسالته وأمارته‪ .‬فزفرت زفر ً‬
‫ي هو? قلت‪ :‬نعم‬
‫كادت تتفتت أضلعها‪ ،‬وقالت‪ :‬أو ح ّ‬
‫تركته في رحلي وراء هذا الجبل ونحن بايتون‬
‫ومصطحبون قالت‪ :‬فإّني أرى لك وجها ً يد ّ‬
‫ل على‬
‫الخير‪ ،‬فهل لك في الجر? فقلت‪:‬فقيٌر إليه‪ .‬قالت‪:‬‬
‫فالبس ثيابي وادخل في أريكتي ودعني حّتى آتيه‪.‬‬
‫فإّنك تحيي نفسين‪ ،‬وتغنم أجرا ً عظيمًا‪ .‬قلت‪ :‬أفعل ما‬
‫تريدين‪ .‬قالت‪ :‬إّنك إذا أصبحت أتاك زوجي في هجعته‬
‫فقال يا فاجرة‪ ،‬فأوسعك شتمًا‪ ،‬فأوسعته صمتا ً ول‬
‫ن يقول في آخر كلمه‪ :‬اقمعي‬
‫تجعل إّنك سمعته فإ ّ‬
‫سقاء الخر‬
‫وة‪ .‬فضع المقمع في ذلك ال ّ‬
‫سقاك يا عد ّ‬
‫فإّنه منخرق‪ .‬قال‪ :‬ومضت‪ .‬فجاء زوجها ففعل ما‬
‫قالت‪ .‬وقال إقمعي سقاك فحببني الله أن تركت‬
‫صحيح وقمعت الواهي‪ ،‬فما شعر إل ّ واللبن يتسّيب‬
‫ال ّ‬
‫م ثناه‬
‫بين رجليه‪ .‬فعدا إلى زاوية البيت فتناول حبل ً ث ّ‬
‫ن‪ ،‬فجعل ل يّتقي بع رأسا ً‬
‫على اثنين فصار على ثما ٍ‬

‫‪129‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ول وجها ً ول جنبا ً فخشيت أن يبدو له وجهي فألزمته‬
‫الرض‪ ،‬فعمل بجنبي وظهري ما ترى‪ ،‬ومضى عّني‪.‬‬
‫ل بي من ال ّ‬
‫صباح جاءت فرأت ما ح ّ‬
‫شّر‬
‫فل ّ‬
‫م كان ال ّ‬
‫ي وقالت‪ :‬بأبي أحييت نفسي بقتل نفسك‪.‬‬
‫فأكّبت عل ّ‬
‫هف لما بي‪ ،‬وتدعو لي وتتضّرع‪.‬‬
‫ودخلت تعتذر وتتل ّ‬
‫فأخذت ثيابي وانصرفت ول يعدل ظفرهما عندي‬
‫شيء‪.‬‬
‫وجها لقيس‬
‫طّلق لبنى وز ّ‬
‫قد قدمنا في أخبار قيس بن ذريح كيف كان سبب‬
‫م ساءت حاله‪ ،‬ولف عقله‪،‬‬
‫تطليقه لبنى وندمه عليها ث ّ‬
‫واشتدّ مرضه‪ ،‬وأشرف على حتفه‪ .‬فقال أهله‪ :‬لو‬
‫وجتموها إّياه ليئس منها‪ ،‬وسل عنها‪ .‬فخطبها رج ٌ‬
‫ل‬
‫ز ّ‬
‫وجه إّياها‪،‬‬
‫من قريش وحكم أباها في المهر‪ .‬فز ّ‬
‫فحملها معه إلى المدينة‪ .‬فقال قيس‪:‬‬
‫ر‪ ،‬فل تندم عليها‬
‫ة‬
‫وقالوا تراها فتن ً‬
‫بخي ٍ‬
‫ّ‬
‫وطـلـق‬
‫كنت قبلـهـا‬
‫فأنبت في رضوانها‬
‫فليت‪ ،‬وبيت الله‪،‬‬
‫ك ّ‬
‫ل مونـق‬
‫أّني عصيتهـم‬
‫ر‬
‫وكّلفت خوض الّنار‬
‫وكنت على أثباج بح ٍ‬
‫مغـّرق‬
‫ة‬
‫ج ً‬
‫سبعين ح ّ‬
‫نقاعة ماء الحنظل‬
‫كأّني أرى الّناس‬
‫المتغـّلـف‬
‫المقيمين بعدها‬
‫ويكره سمعي بعدها‬
‫وتكره عيني بعدها‬
‫ك ّ‬
‫ك ّ‬
‫ل منطق‪.‬‬
‫ر‬
‫ل منظـ ٍ‬
‫ي قيس‬
‫قال‪ :‬وخرج أبي عتيق يريد العمرة‪ .‬فنزل بح ّ‬
‫ّ‬
‫ما‬
‫بن ذريح فسألهم عنه‪ ،‬فقال‪ :‬دّلوني عليه‪ .‬فدلوه فل ّ‬
‫حب به وقال‪ :‬من أنت‪ ،‬حّياك‬
‫رآه قيس أقبل عليه ور ّ‬
‫ق وقال له‪ :‬بّين‬
‫الله وعافاك? قال‪ ،‬فانتسب له ابن عتي ٍ‬
‫حديثك لي تجدني معينا ً لك على أمرك إن شاء الله‪.‬‬
‫دثه‬
‫فاستحى قيس من ذلك وامتنع ساع ً‬
‫م جعل يح ّ‬
‫ة‪ ،‬ث ّ‬
‫حّتى بلغ إلى خبر القرشي‪ .‬فقال‪:‬يا هذا‪ ،‬إّني خرجت‬
‫من منزلي أريد العمرة التماسا ً للّثواب‪ .‬وقد عزمت‪،‬‬
‫عندما سمعت‪ ،‬أن أترك ما خرجت إليه فارجع معك‬
‫احتسابا ً للجر‪ ،‬فب ّ‬
‫كر فامض معي أّيها الّرجل‪ ،‬وأكتم‬

‫‪130‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫شأنك‪ ،‬ول يعلم أحدٌ من أهلك‪ .‬فحمله معه وأقبل راجعا ً‬
‫نحو المدينة فاستقبله أهله وإخوانه يسألونه عن سبب‬
‫رجوعه‪ .‬فجعل يعتذر وهو يقول لهم‪ :‬عاقني عن ذلك‬
‫م سأل عن منزل‬
‫ق‪ .‬وأخفى قيسا ً في منزله أّياما ً ث ّ‬
‫عائ ٌ‬
‫القرشي فد ّ‬
‫ل عليه‪ .‬فبعث مولة له عجوزا ً إلى لبنى‬
‫تخبرها بقيس وبما صار له من عشقها‪ .‬فقالت‪ :‬يعّز‬
‫م‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫ي‪ ،‬وما حيلتي له‪ .‬أطاع أباه وفارقني في غير جر ٍ‬
‫وقد صرت الن عند غير هول سبيل لي على نفسي‪.‬‬
‫ن عيني لغبرا مذ فارقته وإّنها‬
‫ن كبدي عليه لحّرا‪ ،‬وإ ّ‬
‫وإ ّ‬
‫ما علمت بمكانه إشتدّ ولهها حّتى أنكر زوجها شأنها‬
‫ل ّ‬
‫فسألها عن خبرها وهل رأت شيئا ً تنكره‪ .‬فجعلت ل‬
‫تجيب جوابًا‪ .‬وجعل يعتذر إليها‪ ،‬فقال لها‪ :‬ما أراك إل ّ‬
‫ذكرت قيسًا‪ .‬فقالت له‪ :‬هيهات وأين أنا من قيس‪،‬‬
‫وأين قيس مّني? أله عن هذا الحديث‪.‬‬
‫قال‪ :‬وبلغت العجوز ابن أبي عتيق ما سمعت من لبنى‬
‫فقال لها‪ :‬عودي إليها فقولي لها‪ :‬إن كنت على العهد‬
‫فإّنك ستصلين إلى ما تريدين‪ .‬قالت‪ :‬أي والله ل أزال‬
‫ة أو يفارق روحي جسدي؛ ول أكافئه‬
‫على عهده مقيم ً‬
‫ي‪.‬‬
‫بسوء فعل كان منه إل ّ‬
‫قال‪ :‬وأقبل ابن أبي عتيق ومعه جماعة من أشراف‬
‫ش وغيرهم حّتى أتوا منزل القرشي زوج لبنى‬
‫قري ٍ‬
‫ة ول سبيل‬
‫فأكبر مجيئهم‪ .‬فقالوا‪ :‬إّنا جئناك في حاج ٍ‬
‫دنا عنها‪ .‬قال لهم‪ :‬قضيت حاجتكم‪.‬قال ابن‬
‫إلى ر ّ‬
‫ن حاجتنا‬
‫عتيق‪ :‬كائنة ما كانت? قال له‪ :‬نعم‪ .‬قال فإ ّ‬
‫أن تجعل أمر لبنى في يدي‪ .‬قال القرشي‪ :‬وهل رأيت‬
‫أحدا ً سأل مثل هذا? قال‪ :‬فهي حاجتنا‪ ،‬وقد جئت‬
‫ن‬
‫إليها‪ .‬قال‪:‬فإّني قد فعلت‪ .‬قال‪ :‬فيشهدون عليك أ ّ‬
‫أمرها في يدي‪ .‬قال‪ :‬نعم‪ .‬قال ابن عتيق‪ :‬فأشهدوا‬
‫ق ثلثًا‪ .‬قال‪ :‬قد أجزت‪ :‬قال‪ :‬فما برحوا حّتى‬
‫إّنها طال ٌ‬
‫دتها‬
‫ما انقضت ع ّ‬
‫نقلها ابن أبي عتيق إلى منزله‪ .‬فل ّ‬
‫هزها بأحسن جهاز‪،‬‬
‫وجها من قيس وأصدق عنه وج ّ‬
‫ز ّ‬
‫وحملها معه إلى منزله‪ .‬فما لبثت عنده إل ّ يسيرا ً حّتى‬
‫دمنا في حديثه فمات وماتت بعد‪.‬‬
‫نهشته الفعى كما ق ّ‬
‫حة هذا‬
‫هكذا رواه أحمد بن أبي طاهر‪ .‬ولست أدري ص ّ‬
‫دمنا في حديثه ما يخالف هذا من أّنه‬
‫الحديث‪ ،‬لّنا كّنا ق ّ‬
‫وج بها ثانيًا‪.‬‬
‫لم يتز ّ‬

‫‪131‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مكر به في امرأته‬
‫حكى الهيثم بن عدي‪ ،‬عن الكلبي قال‪ :‬كان ملك‬
‫ة لم ير منه في ملكه‬
‫الّنعمان بن المنذر أربعين سن ً‬
‫ً‬
‫ة‬
‫سقط ً‬
‫ة غير هذه‪ :‬وذلك أّنه ركب يوما فنظر إلى امرأ ٍ‬
‫ة من الكنيسة فأعجبه جمالها وحسنها وهيئتها‬
‫خارج ٍ‬
‫صته فقال‬
‫فقال‪ :‬علي بعدي بن زيد‪ ،‬وكان كاتبه وخا ّ‬
‫له‪ :‬يا عدي‪ ،‬قد رأيت امرأةً لئن لم أظفر بها إّنه هو‬
‫الموت‪ .‬فل بدّ في أن تتل ّ‬
‫طف في الجميع بيني وبينها‪.‬‬
‫قال‪ :‬ومن هي? قال‪ :‬قد سألت عنها فقيل لي امرأة‬
‫حكم بن عوف‪ ،‬رج ٌ‬
‫ل من أشراف أهل الحيرة‪ .‬قال‪:‬‬
‫فهل أعلمت بذلك أحدًا? قال‪ :‬ل فاكتمه‪ ،‬فإذا أصبحت‬
‫فجد بك ّ‬
‫ة لنزيلك‪ ،‬يريد حكم بن عوف‪.‬‬
‫ل كرام ٍ‬
‫ما أذن للّناس بدأ به وأكرمه وأجلسه معه على‬
‫فل ّ‬
‫ما أمسى‬
‫سريره‪ .‬فأعجب الّناس حاله‪ ،‬وتح ّ‬
‫دثوا به‪ .‬فل ّ‬
‫فأذن للّناس بدأ به فأكرمه وأجلسه معه وكساه‬
‫م قال له عدي‪ :‬أّيها‬
‫مله‪ .‬ففعل به ذلك أّيامًا‪ .‬ث ّ‬
‫وج ّ‬
‫م‬
‫ن عنك منزل ً‬
‫الملك عندك عشر نسو ٍ‬
‫ة فطّلق أقّله ّ‬
‫ةث ّ‬
‫ما دخل عليه قال له‪ :‬يا‬
‫وجها‪ .‬ففعل‪ .‬فل ّ‬
‫قل له فليتز ّ‬
‫وجها‪ .‬فقال حكم‬
‫حكم إّني قد طّلقت فلن ً‬
‫ة لك فتز ّ‬
‫لعدي‪ :‬ما صنع الملك بأحد ما صنع بي ول أدري بما‬
‫أكافئه? فقال له عدي طّلق امرأتك كما طّلق امرأته‪.‬‬
‫ففعل‪ .‬وحظي عدي بها عند الملك‪ :‬وعلم الّرجل أّنه‬
‫مكر به في امرأته‪ .‬وفيها يقول بعض أهل الحيرة‪:‬‬
‫إل ّ التي أخذ الّنعمان‬
‫ما في البّرّية من‬
‫من حكم‬
‫أنثى تعادلها‬
‫رّيا وعمرو وبساط الّنوم‬
‫ى من بني عذرة يقال له‬
‫وح ّ‬
‫دث الّزبير‪ :‬إّنه كان فت ً‬
‫مى‬
‫عمرو بن عود‪ ،‬وكان عاشقا ً لجاري ٍ‬
‫ة من قومه تس ّ‬
‫وجها رج ٌ‬
‫ل منهم يقال له دهيم‪.‬‬
‫رّيا بنت الّركين‪ .‬فتز ّ‬
‫ب عمرو بن عود‪ ،‬وأبى إل ّ حّبها وقول‬
‫فأبت رّيا إل ّ ح ّ‬
‫ال ّ‬
‫شعر فيها‪ ،‬والوجد بها حّتى أتى اليمن فنزل في بني‬
‫الحارث بن كعب فطلبها عمرو‪ ،‬فخفي عليه أمرها ولم‬
‫يعلم لها خبرا ً ول موضعًا‪ .‬فمكث حينا ً لما به‪ ،‬يبكي له‬
‫دة ما أصابه‪ .‬فخرج به أهله إلى‬
‫من عرفه‪ ،‬لولهه وش ّ‬
‫م ّ‬
‫كة لعّله يتعّلق بأستار الكعبة عسى أن يرحمه رّبه‬

‫‪132‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ويذهب ما في قلبه من حّبها‪.‬‬
‫ى من بني الحرث بن كعب‬
‫فل ّ‬
‫ى نظر إليه فت ً‬
‫ما كان بمن ً‬
‫دث معه‪ ،‬وسأله عن حاله‬
‫ما به‪ ،‬وجلس يتح ّ‬
‫فتع ّ‬
‫جب م ّ‬
‫ق‬
‫فشكا إليه عمرو وجده بها‪ ،‬وأنشد ما قال فيها‪ ،‬فر ّ‬
‫له الفتى ورحمه‪ .‬وسأله عن صفتها وصفة زوجها‪.‬‬
‫فوصفها له‪ .‬فقال له الفتى‪ :‬عندي خبر هذه المرأة‬
‫م‬
‫وهذا الّرجل منذ سنسن قليلة فخّر عمرو ساجدا ً ث ّ‬
‫ةل‬
‫ة وأّنها باكي ٌ‬
‫سأله عن حالها‪ ،‬فأخبره أّنها سالم ٌ‬
‫يهينها شيءٌ من العيش‪ .‬قال عمرو‪ :‬فهل لك في‬
‫ة عندي? فقال له الفتى‪ :‬إذن افعل ما بدا لك‪.‬‬
‫صنيع ٍ‬
‫قال‪ :‬تتخّلف عن أصحابك‪ ،‬وأتخّلف عن أصحابي حّتى ل‬
‫م أمضي معك متن ّ‬
‫كرا ً حّتى‬
‫يكون عند أح ٍ‬
‫د منهم علم‪ .‬ث ّ‬
‫م تعلمها بمكاني‪ .‬فقال الفتى‪:‬‬
‫ع؛ ث ّ‬
‫تخفيني في موض ٍ‬
‫لك ذلك في عنقي‪.‬‬
‫سفر‪ ،‬تخّلف ك ّ‬
‫د منهما عن أصحابه‪.‬‬
‫ل واح ٍ‬
‫ما كان ال ّ‬
‫فل ّ‬
‫فجهد أصحاب عمرو أن ل يتخّلف وأن يمضوا به فأبى‬
‫م مضيا حّتى وصل به الفتى‬
‫عليهم فو ّ‬
‫دعوه ومضوا‪ .‬ث ّ‬
‫فأدخله مع أخته وامرأته في سترهما‪ .‬ومضى إلى رّيا‬
‫فأخبرها‪ .‬فكانت تجيء إليه ك ّ‬
‫ل يوم ٍ فيشكوان ما كانا‬
‫دثان‪ .‬فاستراب زوجها غشيانها‬
‫فيه من البلء‪ ،‬ويتح ّ‬
‫ذلك البيت‪ .‬ولم تكن تغشاه ول تعرف أهله‪ ،‬واستراب‬
‫أيضا ً تطبيب نفسها وأّنها ليست كما كانت‪.‬‬
‫ج معها‪.‬‬
‫وخرجت رفق ً‬
‫ة له إلى حّران فأخبرها أّنه خار ٌ‬
‫فخرج وأقام ليلتين مختفيا ً في موضع‪ .‬وأقبل راجعا ً‬
‫في الليلة الّثالثة‪ ،‬وقد أمّناه وظن ّا ً أّنه قد خرج‪ ،‬فأتى‬
‫دثا‬
‫عمرو إلى رّيا فبسطت له بساطا ً قدام البيت وتح ّ‬
‫ة إلى جانب البساط‬
‫حّتى غلبهما الّنوم‪ ،‬وهي مضطجع ٌ‬
‫وعمرو إلى الجانب الخر‪ .‬وأقبل الّرجل حّتى وجدهما‬
‫على تلك الحال‪ .‬فنظر في وجه عمرو‪ ،‬فانتبه فزعًا‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬ويلك يا عمرو‪ ،‬وما ينجيني منك بٌر ول بحٌر!‬
‫ة‪ ،‬ول يسألني‬
‫مي‪ ،‬ما أنا والله على ريب ٍ‬
‫فقال‪ :‬يا ابن ع ّ‬
‫ح؛ ولكن نشأت أنا وهي وألفتها‬
‫الله عن أهلك عن قبي ٍ‬
‫ونحن صبيان‪ ،‬ولست أستطيع عنها صبرًا‪ ،‬وما بيننا‬
‫ما أنا فلم أهرب‬
‫أكثر من هذا الحديث الذي ترى‪ .‬قال‪ :‬أ ّ‬
‫إلى هذا البلد إل ّّ منك‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فانصرفنا راجعين وهي معهما حّتى قدما على‬
‫وطنهما‪ ،‬فأقاما بعده بيسير‪.‬‬
‫مواعيد بثينة وجميل‬
‫دثني رج ٌ‬
‫حكى سنة بن عقال‪ ،‬عن ال ّ‬
‫ل‬
‫شعبي قال‪ :‬ح ّ‬
‫ي إذ أقبل‬
‫من بني أس ٍ‬
‫د‪ ،‬قال‪ :‬إّني لذات يوم ٍ في الح ّ‬
‫ى نظيف الّثوب‪ ،‬حسن الوجه‪ ،‬حّتى وقف بي‪،‬‬
‫فت ً‬
‫ي من بني عذرة? قال‪،‬‬
‫ى‪ ،‬هل نزا بك ح ّ‬
‫فقال‪ :‬يا فت ً‬
‫ة‬
‫قلت‪ :‬نعم‪ ،‬وتيك بيوتهم‪ .‬قال‪ :‬وهل أحسست لي بكر ً‬
‫م قال‪ :‬أأنت‬
‫صفتها كذا وكذا? قال‪ ،‬قلت‪ :‬ل‪ .‬فنزل ث ّ‬
‫منشدها لي في أبات الحي? قال فخرجت وأنا أنشدها‬
‫ة‪ :‬عند‬
‫حّتى مررت بالبيوت وأنا أنشد‪ .‬فقالت لي جاري ٌ‬
‫الكمة‪ .‬فأشرفت على الكمة فلم أر شيئا ً فأخبرته‪،‬‬
‫م نام‪ .‬وجعلت‬
‫فأخرج سفرةً معه ودعاني فأكلنا‪ ،‬ث ّ‬
‫ن أّني قد نمت‪ .‬فأخرج من رحله‬
‫أراعيه حّتى ظ ّ‬
‫م اشتمل على سيفه وخرج حّتى أتى الكمة‬
‫فلبسها‪ ،‬ث ّ‬
‫وأنا أتبعه من حيث ل يراني‪ .‬فإذا بها قاعدةٌ كأّنها‬
‫م قال لها‪ :‬يا‬
‫مهرةٌ عربي ّ ٌ‬
‫ة‪ .‬فسّلم عليها وسّلمت عليه ث ّ‬
‫بثينة قلت فيك كذا‪ .‬ولقيت فيك كذا‪.‬‬
‫دثه حّتى إذا كان في‬
‫دثها وينشدها‪ ،‬وتح ّ‬
‫ولك يزل يح ّ‬
‫ة‪ .‬فلم يشعر‬
‫سحر وضع رأسه في حجرها فنام ساع ً‬
‫ال ّ‬
‫إل ّّ بالفجر قد برق‪ .‬فقالت‪ :‬قم يا جميل‪ ،‬ل يفضحنا‬
‫صبح‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫قال‪ :‬فرجعت مبادرا ً حّتى رميت بنفسي في الّرحل‪.‬‬
‫ب من ثيابه فكسانيه‪،‬‬
‫وجاء فأيقظني‪ ،‬ث ّ‬
‫م عمل إلى ثو ٍ‬
‫فلم يزل جميل يغشاني في ك ّ‬
‫ل‪ ،‬فأطير إلى‬
‫ر ولي ٍ‬
‫ل نها ٍ‬
‫ع يجتمعان فيه‬
‫الح ّ‬
‫ي وآتيه فآخذ ميعاد بثينة إلى موض ٍ‬
‫ي بأمري‪ .‬فقالت لي‬
‫ويتح ّ‬
‫دثان إلى أن فطن بعض الح ّ‬
‫ي قد شعروا بك‪ ،‬وقل‬
‫بثينة‪ .‬أنج بنفسك‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الح ّ‬
‫لجميل موعدك وسكن البطن‪ .‬وأتيته فأخبرته‪ ،‬فمضى‬
‫وانقطع عّني خبره‬
‫دخل وأجبر على تركها‬
‫وروي عن يحيى بن خالد بن برمك قال‪ :‬كنت أهوى‬
‫ما وضع‬
‫جاريتي دنانير‪ ،‬وهي لمولتها زهراء‪ ،‬فل ّ‬
‫ء‬
‫المهدي الّرشيد في حجري اشتريتها؛ فلم أسّر بشي ٍ‬
‫من الدنيا مثل سروري بها وبملكها‪ ،‬فما لبثت إل ّّ‬
‫ّ‬

‫‪134‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫جه المهدي ابنه الّرشيد غازيا ً إلى بلد‬
‫يسيرا ً حّتى و ّ‬
‫الّروم‪ ،‬فخرجت معه‪ ،‬فعظم على فراقها‪ ،‬فأقبلت ل‬
‫ة‬
‫ة بها وذكرا ً لها‪ .‬فأنا ليل ً‬
‫ب صباب ً‬
‫ن ول شرا ٍ‬
‫أتهّنأ بطعا ٍ‬
‫ج كثيٌر‪ ،‬وأنا‬
‫في مضربي‪ ،‬وقد أصابني بردٌ شديدٌ وثل ٌ‬
‫جارية‪ ،‬إذ سمعت غناءً خفي ّا ً‬
‫أتقّلب على فراشي أذكر ال ّ‬
‫وصوت عوٍد بالقرب مّني‪ .‬فأنكرت ذلك وجلست على‬
‫صوت من غير أن أفهم حّتى‬
‫فراشي فأشجاني ال ّ‬
‫أبكاني‪ .‬فقمت‪ ،‬ولم أوقظ أحدا ً من العسكر‪ ،‬حّتى‬
‫ة من خيام الجند‪ ،‬فإذا فيها‬
‫ة صغير ٍ‬
‫انتهيت إلى خيم ٍ‬
‫س‪ ،‬وإذا بين يديه‬
‫سرا ٌ‬
‫ى جال ٌ‬
‫ج‪ ،‬فدنوت منها‪ ،‬فإذا فت ً‬
‫ب وفي حجره عودٌ يضرب عليه ويتغّنى‬
‫ركوةٌ فيها شرا ٌ‬
‫صوت‪:‬‬
‫بهذا ال ّ‬
‫أل يا لقومي أطلقوا ومّنوا على مستشعر‬
‫غ ّ‬
‫م والحزن‪.‬‬
‫ل مرتـهـن‬
‫اله ّ‬
‫ي البطن‬
‫ألم ترها بيضاء‪ ،‬رودا ً لطيف ٌ‬
‫ةط ّ‬
‫كال ّ‬
‫شادن الغن‬
‫شبـابـهـا‬
‫ب فبه من‬
‫قال‪ :‬فكّلما غّنى بيتا ً بكى وتناول قدحا ً فص ّ‬
‫ذلك ال ّ‬
‫م يعود إلى مثل ذلك‪.‬‬
‫شراب‪ ،‬وشرب‪ ،‬ث ّ‬
‫م‬
‫قال‪ :‬فأقمت طويل ً أرى ما يفعل وأبكي لبكائه‪ ،‬ث ّ‬
‫ما‬
‫سّلمت فردّ ال ّ‬
‫سلم‪ ،‬واستأذنت فأذن لي فدخلت‪ ،‬فل ّ‬
‫رآني أجّلني وأوسع لي‪ .‬فقلت‪ :‬يا فتى خّبرني بخبرك‪،‬‬
‫ى من‬
‫وما أنت فيه‪ ،‬وما سبب هذا البكاء? قال‪ :‬أنا فت ً‬
‫م قد نشأنا جميعا ً فعلقتها وعلقتني‪،‬‬
‫البناء‪ ،‬لي ابنة ع ّ‬
‫وجنيها فأجاب‪،‬‬
‫م بلغنا فحجبت عّني‪ ،‬فسألت ع ّ‬
‫ث ّ‬
‫مي ليز ّ‬
‫ديته‪ ،‬فدخلت‬
‫فمكثت حينا ً أحتال لمهرها حّتى تهّيأ فأ ّ‬
‫ي البعث‬
‫بها‪ ،‬فل ّ‬
‫ما أن كان يوم سابعها ضرب عل ّ‬
‫وخرجت وبي من ال ّ‬
‫شوق إليها ما ل أجده‪ ،‬فحملت معي‬
‫هذا العود‪ ،‬فإذا أصبت شرابا ً في بعض هذا القرى‬
‫م أفعل ما ترى تذكارا ً إليها‪.‬‬
‫أخذت منه شيئًا‪ ،‬ث ّ‬
‫مدا ً أم‬
‫فقلت‪ :‬فهل تعرفني? فأنكرني‪ ،‬فما أدري أتع ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫حقيق ً‬
‫ما قلت له ذلك‬
‫قال‪ ،‬فقلت له‪ :‬أنا يحيى بن خالد‪ ،‬فل ّ‬
‫نهض قائمًا‪ .‬فقلت‪ :‬اجلس‪ ،‬فإذا كان غدا ً فألقني‪،‬‬
‫فهذا مضربي بالقرب منك‪ ،‬فإّني أصير منك إلى ما‬
‫تحب‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال‪ :‬ووافق ذلك رسول ً قد هّيأناه إلى المدينة‪ ،‬فما‬
‫صبح وتهّيأ الّناس للّرحيل‪،‬‬
‫كان أسرع شي ٍ‬
‫ء حّتى دنا ال ّ‬
‫ول من لقيني ذلك الفتى‪ ،‬فأثبت وجهه وقلت له‪:‬‬
‫فأ ّ‬
‫من أنت‪ ،‬وفي قيادة من أنت? فخّبرني‪ ،‬فمضيت حّتى‬
‫دخلت على الّرشيد ومعي المؤتمرات‪ ،‬فكنت آمرها‬
‫ى من‬
‫على سمعة من عنوا ٍ‬
‫ن يكون له فيها‪ ،‬فقلت وفت ً‬
‫النباء فلن بن فلن يطلق سراحه ويعطى عشرة‬
‫ة له ويصحب فلنا ً الّرسول‪ .‬ففعل‬
‫آلف درهم ٍ معون ً‬
‫ذلك وانصرف إلى أهله‪.‬‬
‫الّزنا بالجملة‬
‫سائب‬
‫وحكى إبراهيم بن إسحاق الموصلي‪ ،‬عن أبي ال ّ‬
‫المخزومي قال‪ :‬تع ّ‬
‫شق العرجي امرأةً من قريش‬
‫ة وأخذت موعدها‬
‫فجعلني رسول ً إليها‪ ،‬فأتيتها برسال ٍ‬
‫ن‬
‫ماه‪ ،‬ث ّ‬
‫عس ّ‬
‫م بكرت أنا فأتت على أتا ٍ‬
‫لزيارته إلى موض ٍ‬
‫دثنا‬
‫م‪ .‬فتح ّ‬
‫ر ومعه غل ٌ‬
‫ومعها جاريتها‪ ،‬وجاء على حما ٍ‬
‫م قمت عنهما‪ ،‬فوثب عليها‪ ،‬ووثب الغلم على‬
‫ساع ً‬
‫ةث ّ‬
‫جارية‪ ،‬والحمار على التان‪ ،‬وقعدت أسمع الّنخير من‬
‫ال ّ‬
‫ك ّ‬
‫ل ناحية‪.‬‬
‫م غابت‬
‫سائب‪ ،‬هذا يو ٌ‬
‫قال‪ ،‬فقال لي العرجي‪ :‬يا أبا ال ّ‬
‫ة أرجو ثوابها‬
‫سائب‪ :‬فما لي حسب ً‬
‫عواذله‪ ،‬قال أبو ال ّ‬
‫رجائي لذلك اليوم وثوابه‪.‬‬
‫ة‬
‫حلف أل ّ يجتمع بها ثاني ً‬
‫وقال‪ :‬كان عمر بن أبي ربيعة يتع ّ‬
‫شق امرأةً يقال لها‬
‫أسماء‪ ،‬فوعدته أن يزورها‪ ،‬فتهّيأ لذلك يوما ً فأبطأت‬
‫ة‪ ،‬فضربت‬
‫عليه‪ ،‬فنام‪ ،‬فلم يلبث أن جاءت ومعها جاري ٌ‬
‫الباب فلم يستيقظ‪ ،‬فانصرفت وحلفت أن ل تأتيه‬
‫حو ً‬
‫ولها‪:‬‬
‫ل‪ .‬فقال عمر قصيدته التي أ ّ‬
‫م‬
‫طال ليلي وتعّناني‬
‫واعتراني طول ه ّ‬
‫الـ ّ‬
‫ونصـب‬
‫طـرب‬
‫ت رجبا ً‬
‫أشهد الّرحمان ل‬
‫سقف بي ٍ‬
‫على رجـب‬
‫يجمـعـنـا‬
‫تخلط الجدّ مرارا ً‬
‫ة‬
‫فبـعـثـنـا طـب ّ ً‬
‫بالـلـعـب‬
‫ة‬
‫عـالـم ً‬
‫وتراخي عند سورات‬
‫صوت إذا‬
‫ترفع ال ّ‬
‫الغضب‬
‫لنت لـهـا‬

‫‪136‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫عن منيف اللون‬
‫فأجابت يا فتى‬
‫ف كالّثغب‬
‫وابـتـسـمـت‬
‫صا ٍ‬
‫ق هذه البيات قال له الّناس‬
‫فل ّ‬
‫ما سمع ابن أبي عتي ٍ‬
‫في طلب إمام ٍ مثل قيادتك هذه مذ قتل علي‪ ،‬فما‬
‫يقدرون عليه‪.‬‬
‫ماد الّراوية‪ :‬استنشدني الوليد بن يزيد شعرا ً‬
‫قال ح ّ‬
‫ّ‬
‫ماد‬
‫كثيرا ً فما استعادني إل ّ هذه البيات‪ .‬وقال لي‪ :‬يا ح ّ‬
‫اطلب لي مثل هذه وأرسلها إلى سلمى‪.‬‬
‫كفى أخاه العذري ما أصابه‬
‫ماد قال‪ :‬أتيت م ّ‬
‫ة‬
‫كة فجلست إلى جماع ٍ‬
‫ويروى عن ح ّ‬
‫ة فيها عمر بن أبي ربيعة المخزومي‪ ،‬وإذا هم‬
‫في حلق ٍ‬
‫يتذ ّ‬
‫كرون العذريين وعشقهم وصيانتهم‪ ،‬قال عمر‪:‬‬
‫دثكم عن بعض‪ ،‬وذلك‪ :‬أّنه كان لي خلي ٌ‬
‫ل من بني‬
‫أح ّ‬
‫ً‬
‫ن‬
‫عذرة‪ ،‬وكان مشتهرا بحديث الّنساء فيتشبب به ّ‬
‫ن‪ ،‬على أّنه ل عاهر الخلوة ول سريع‬
‫وينشد فيه ّ‬
‫سلوة وكان يوافي الموسم في ك ّ‬
‫ة‪ ،‬فإذا أبطأ‬
‫ل سن ٍ‬
‫ال ّ‬
‫ترجمت له الخبار وأّلفت له الشعار حّتى يقدم‬
‫ة‪ ،‬حّتى‬
‫ب‪ .‬وإّنه راث ذات سن ٍ‬
‫فيتح ّ‬
‫ن كئي ٍ‬
‫دث حديث محزو ٍ‬
‫قدم وفد عذرة‪ ،‬فأتيت القوم وأنا أنشد عن صاحبي‬
‫م قد تن ّ‬
‫م قال‪ :‬عن أبو المسهر‬
‫وإذا غل ٌ‬
‫صعداء ث ّ‬
‫فس ال ّ‬
‫تسل? قلت نعم عنه سألت قال هيهات هيهات أصبح‬
‫وا ً فيعلل؛‬
‫والله أبو المسهر ل ميؤوسا ً فيهمل ول مرج ّ‬
‫ل أصبح والله كما قال ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫صحيحا ً ول أقضي به‬
‫لعمرك ما حّبي‬
‫فأموت‬
‫لسماء تاركي‬
‫ه! قلت‪:‬‬
‫قلت له‪ :‬وما الذي به? قال لي‪ :‬هو مي ٌ‬
‫ت مول ّ ٌ‬
‫ومن أنت يا ابن أخي? قال‪ :‬أنا أخوه‪ .‬قلت وما يمنعك‬
‫أن تركبل طريق اخيك الذي ركبه‪ ،‬وتسلك مسلكه‪ .‬أل‬
‫م‬
‫إّنك وأخاك كالوشي والن ّ ّ‬
‫جار ل ترفعه ول يرفعك‪ .‬ث ّ‬
‫انصرف وأنا أقول‪:‬‬
‫ما يرح في القوم‬
‫أرائح ٍ‬
‫ة حـجـاج عـــذرة ول ّ‬
‫جعد بن مهجـع‬
‫ة‬
‫روح ً‬
‫خليلن نشكو ما نلقي متى ما يقل أسمع‪،‬‬
‫وإن قال يسمـع‬
‫من الـهـوى‬
‫فل يبعدنك الـلـه خـ ً‬
‫ل‪ ،‬سألقى كما لقيت‬

‫‪137‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ب مصرعي‬
‫فـإّنـنـي‬
‫في الح ّ‬
‫ما كان في العام التي وقفت في الموضع الذي كّنا‬
‫فل ّ‬
‫ب قد أقبل وقد تغّير لونه‪،‬‬
‫نقف فيه بعرفات‪ ،‬فإذا شا ٌ‬
‫وساءت هيئته فما عرفته إل ّّ بناقته‪ ،‬فأقبل حّتى‬
‫اعتنقني وجعل يبكي‪ .‬قلت‪ :‬ما هذا وما دهاك وما‬
‫ي‬
‫غالك? قال بّرح الغرام وطول ال ّ‬
‫سقام‪ .‬وأخذ يشكو إل ّ‬
‫ة‪ ،‬فلو دعوت الله‬
‫ة عظيم ٌ‬
‫فقلت‪ :‬يا أبا مسهر‪ ،‬إّنها ساع ٌ‬
‫كنت تظفر بحاجتك‪ .‬فجهل يدعو حّتى إذا بدت ال ّ‬
‫شمس‬
‫ء‪،‬‬
‫م الّناس أن يفيضوا‪ ،‬سمعته يهمهم بشي ٍ‬
‫للغروب وه ّ‬
‫فأصغيت إليه مستمعا ً فجعل يقول‪:‬‬
‫ب عذوة وروحة‬
‫يا ر ّ‬
‫ضحى واللواحة‬
‫من محرم ٍ بعد ال ّ‬
‫دوحة‪.‬‬
‫أنت حسيب الخطب يوم ال ّ‬
‫دوحة? قال سأخبرك إن شاء الله‪.‬‬
‫قلت‪ :‬يا أخي‪ ،‬وما ال ّ‬
‫دثني بخبرك! قال‪:‬‬
‫جنا وأحللنا قلت له‪ :‬ح ّ‬
‫ما قضينا ح ّ‬
‫فل ّ‬
‫نعم‪ ،‬أعلمك أّني امر ٌ‬
‫ء‪،‬‬
‫ر من نعم ٍ وشا ٍ‬
‫ؤ ذو ما ٍ‬
‫ل كثي ٍ‬
‫وإّني خشيت على مالي الّتلف فأتيت أخوالي فأوسعوا‬
‫لي عن صدر المجلس فكنت في عّز أخوالي‪ ،‬فخرجت‬
‫يوما ً إلى مالي وهو ببعض مياههم‪ ،‬وركبت فرسي‪،‬‬
‫وعّلقت معي شرابا ً أهدي إلي‪ .‬فانطلقت حّتى إذا كنت‬
‫ة‬
‫ة عظيم ٌ‬
‫عم رفعت لي دوح ٌ‬
‫ي ومرعى الن ّ‬
‫بين الح ّ‬
‫فقلت‪ :‬لو نزلت تحت ال ّ‬
‫وحت مبّردًا! فنزلت‬
‫شجرة وتر ّ‬
‫دمت‬
‫م جلست وق ّ‬
‫ن من أغصانها‪ ،‬ث ّ‬
‫وشددت فرسي بغص ٍ‬
‫ي فبدت لي‬
‫ر قد سطع من ناحية الح ّ‬
‫شرابي‪ ،‬فإذا بغبا ٍ‬
‫ما قرب‬
‫س يطرد عنزا ً وأتانًا‪ ،‬فل ّ‬
‫ص‪ ،‬وإذا فار ٌ‬
‫ثلثة شخو ٍ‬
‫ع أصفٌر وعمامة خز سوداء‪ ،‬وإذا فروع‬
‫مّني إذا عليه در ٌ‬
‫ن‬
‫شعره تنال كعبه‪ .‬فقلت في نفسي‪ :‬غل ٌ‬
‫م حديث ال ّ‬
‫س ّ‬
‫س أعجلته ل ّ‬
‫صيد‪ ،‬فأخذ ثوب امرأته‬
‫راك ٌ‬
‫ذة ال ّ‬
‫ب على فر ٍ‬
‫م عطف‬
‫ونسي ثوبه‪ .‬فما لبث أن لحق بالعنز فطعنه ث ّ‬
‫م قال‪:‬‬
‫على التان فقتلها‪ ،‬ث ّ‬
‫نطعنهم سلكا ً‬
‫كر ّ‬
‫ك المين على‬
‫نائل‪.‬‬
‫ة‬
‫ومخلوج ً‬
‫فقلت له‪ :‬إّنك قد تعبت وأتعبت فرسك‪ ،‬فلو نزلت‪.‬‬
‫ن من أغصان ال ّ‬
‫م‬
‫شجرة‪ ،‬ث ّ‬
‫فثنى رحله‪ ،‬وشدّ فرسه بغص ٍ‬

‫‪138‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دثني حديثا ً كأّنه‬
‫أقبل حّتى جلس قريبا ً مّني فجعل يح ّ‬
‫الدّّر‪ ،‬ذكرت به قول ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫جنى الّنحل في‬
‫ن حديثا ً منك لو‬
‫وإ ّ‬
‫ألبان عوٍد مطافل‬
‫تـبـذلـينـه‬
‫سوط على ثنيته‪،‬‬
‫قال‪ ،‬فبينما هو كذلك إذ نقر بال ّ‬
‫سوط بينهما فما ملكت نفسي إن‬
‫فرأيت والله خلل ال ّ‬
‫سوط وقلت‪ :‬أخاف أن تكسرهما فإّنهما‬
‫قبضت على ال ّ‬
‫م رفع‬
‫رقيقان‪ .‬وقال‪ :‬وهما مع ذلك عذبتان‪ .‬قال‪ ،‬ث ّ‬
‫عقيرته وجعل يغّني‪:‬‬
‫ثناياه لم يأثم وكان‬
‫إذا قّبل النسان‬
‫لـه أجـرا‬
‫مـن يحـّبـه‬
‫م ّ‬
‫فإن زاد زاد الله في مثاقيل يمحو الله‬
‫عنه بها وزرا‬
‫حسنـاتـه‬
‫م قال لي‪ :‬ما هذا الذي عّلقت على سراجك? قلت‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫ي بعض أهلي‪ ،‬فهل لك فيه? قال‪ :‬وما‬
‫شرا ٌ‬
‫ب أهداه إل ّ‬
‫ما شرب منه‬
‫أكره منه? فأتيت به فوضعته بين يديه‪ .‬فل ّ‬
‫ة قد أضّلت ولدا ً‬
‫نظرت إلى عينيه كأّنهما عينا مها ٍ‬
‫فأذعرهما قانص‪ .‬فعلم نظري فرفع عقيرته وجعل‬
‫يغّني‪:‬‬
‫م لـم يحـيين‬
‫ن العيون التي في‬
‫إ ّ‬
‫قتلننا ث ّ‬
‫قـتـلنـا‬
‫طرفها حـوٌر‬
‫ن أضعف خلق‬
‫يصرعن ذا الل ّ‬
‫ب حّتى وه ّ‬
‫الله إنسـانـا‪.‬‬
‫ل حراك به‬
‫شعر? قال‪ :‬وقع رج ٌ‬
‫فقلت له‪ :‬من أين لك هذا ال ّ‬
‫ل مّنا‬
‫باليمامة فأنشدنيه‪.‬‬
‫ً‬
‫م قمت لصلح شيئا من أمر فرسي‪ ،‬فرجعت‬
‫قال‪ :‬ث ّ‬
‫م كأّنما وجهه‬
‫وقد حسر العمامة عن رأسه‪ ،‬فإذا غل ٌ‬
‫ال ّ‬
‫م ما أعظم‬
‫شمس حسنًا‪ ،‬فقلت‪ :‬سبحانك الله ّ‬
‫قدرتك‪ ،‬وأج ّ‬
‫ما‬
‫ل صنعك‪ .‬قال‪ :‬فكيف? قلت له‪ :‬م ّ‬
‫راعني من نورك وبهرني من جمالك‪ .‬قال‪ :‬وما الذي‬
‫م ل تدري أينعم‬
‫بث ّ‬
‫ب ورزق دوا ٍ‬
‫وعك من رهن ترا ٍ‬
‫ير ّ‬
‫ً‬
‫بعد ذلك أم ل? قلت‪ :‬بل يصنع الله بك خيرا إن شاء‬
‫الله‪.‬‬
‫ما أقبل برقت له بارقة من‬
‫م أقبل على فرسه؛ فل ّ‬
‫ث ّ‬

‫‪139‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة?‬
‫ق‪ ،‬فقلت‪ :‬نشدتك الله امرأ ً‬
‫ال ّ‬
‫ي كأّنه ح ّ‬
‫درع‪ ،‬فإذا ثد ٌ‬
‫ب الغزل‪ .‬فقلت‪:‬‬
‫قالت‪ :‬أي والله امرأةٌ تكره العهر وتح ّ‬
‫دثني ما أفقد من‬
‫وأنا والله كذلك‪ .‬فجلست والله تح ّ‬
‫دوحة سكرى‪،‬‬
‫أنسها شيئا ً حّتى مالت على ال ّ‬
‫ة‪ ،‬الغدر‪ ،‬وزّين في‬
‫فاستحسنت‪ ،‬والله يا ابن ربيع ٍ‬
‫ن الله عصمني‪ .‬فما لبثت أن انتبهت‬
‫مإ ّ‬
‫عيني‪ ،‬ث ّ‬
‫ة‪ ،‬فلثت عمامتها برأسها وأخذت رمحها وجالت‬
‫مرعوب ً‬
‫وديني منك زادًا‪ .‬فأعطتني‬
‫في متن فرسها‪ ،‬فقلت‪ :‬ز ّ‬
‫م‬
‫ثوبا ً من ثيابها‪ ،‬فشممت منه كالّروض الممطور‪ .‬ث ّ‬
‫ن لي أخوةً شوسا ً‬
‫إّني قلت‪ :‬أين الموعد? فقالت‪ :‬إ ّ‬
‫ي من أن أضّرك‪.‬‬
‫وأبا ً غيورًا؛ والله لن أسّرك أح ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫م مضت فكان والله آخر العهد بها إلى يومي‬
‫قال‪ ،‬ث ّ‬
‫هذا‪ .‬فهي التي بلغت بي هذا المبلغ‪ ،‬وأحّلتني هذا‬
‫المحل‪ .‬قلت له‪ :‬والله يا أبا المسهر‪ ،‬والله ما كان‬
‫يحسن بك الغدر إل ّّ بك‪ .‬فإذا به قد اخضّلت لحيته‬
‫بدموعه باكيًا‪ .‬فقلت‪ :‬والله ما قلت هذا إل ّّ مازحًا‪.‬‬
‫ودخلتني له ر ّ‬
‫ما انقضى الموسم شددت على‬
‫قة‪ .‬فل ّ‬
‫ر وحملت عليه‬
‫ناقتي وشدّ وحملت غلما ً لي على بعي ٍ‬
‫قبه أدم ٍ حمراء كانت لبي ربيعة‪ ،‬وأخذت معي ألف‬
‫م خرجنا حّتى أتينا كلبا ً فسألناه عن‬
‫ر ومطرفا ً ث ّ‬
‫دينا ٍ‬
‫ال ّ‬
‫شيخ فإذا هو في نادي قومه‪ ،‬فسّلمت فقال‪ :‬وعليك‬
‫سلم‪ ،‬من أنت? قلت عمر بن ابي ربيعة المخزومي‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫قال‪ :‬المعرف غير المنكر؛ فما الذي جاء بك? قلت‪:‬‬
‫خاطبًا‪ .‬قال‪ :‬أنت الكفء الذي ل يرغب عن حسبه‪،‬‬
‫والّرجل الذي ل يردّ عن حاجته‪ .‬قلت له‪ :‬إّني لم آتك‬
‫عن نفسي‪ ،‬وإن كنت موضع الّرغبة‪ ،‬ولكن أتيتكم في‬
‫ابن أخيكم العذري‪ .‬وقال‪ :‬والله إّنه لكفء الحسب‪ ،‬غير‬
‫ّ‬
‫ي من قريش‪ .‬فعرف‬
‫إ ّ‬
‫ن بناتي ل يقعن إل ّ في هذا الح ّ‬
‫الجزع في نفسي وتبّين له في وجهي‪ ،‬وقال‪ :‬أنا أصنع‬
‫لك شيئا ً ل أصنعه لغيرك‪ .‬قلت‪ :‬ما هو? قال‪ :‬أخبرها‬
‫لّنك أنت تختار لغيرك‪.‬‬
‫ي صاحبي أن أمره أن يخبرها‪ .‬فقلت‪ :‬افعل‪.‬‬
‫فأومأ إل ّ‬
‫م مضى ال ّ‬
‫ن‬
‫شيخ‪ .‬وقد أتى وقال لي إّنها قالت‪ :‬إ ّ‬
‫ث ّ‬
‫المر أمرك والّرأي للقرشي يختار لي ما رأى‪ .‬فحمدت‬
‫الله عّز وج ّ‬
‫ل وصّليت على نبّيه‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‬
‫جارية بجعد بن مهجع وأصدقتها‬
‫وجت ال ّ‬
‫وقلت‪ :‬قد ز ّ‬

‫‪140‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ر‪ ،‬وهي هذه‪ ،‬وجعلت كرامتها الغلم والبعير‬
‫ألف دينا ٍ‬
‫والقّبة وكسوت ال ّ‬
‫شيخ المطرف فقبله‪ ،‬وسألته أن‬
‫يبني بها من ليلته‪ ،‬فأجابني إلى ذلك‪ .‬وضربت القّبة‬
‫ي وأهديت إليه لي ً‬
‫ت عند ال ّ‬
‫شيخ خير‬
‫ل‪ .‬وب ّ‬
‫في وسط الح ّ‬
‫ت‪.‬‬
‫مبي ٍ‬
‫ي‪،‬‬
‫فل ّ‬
‫ما أصبحت غدوت فقمت بباب القّبة‪ ،‬فخرج إل ّ‬
‫فقلت له‪ :‬كيف كنت بعدي? وكيف هي? فقال‪ :‬أبديت‬
‫م أخفت يوم رأيتها‪ .‬فقلت‪ :‬عليك أهلك‪،‬‬
‫لي كثرا ً م ّ‬
‫بارك الله فيهم‪ .‬وانطلقت إلى أهلي وأنا أقول‪:‬‬
‫ومثلي لثقال‬
‫ي‬
‫كفيت أخي العذر ّ‬
‫الّنوائب أحـمـل‬
‫ما قد أصابه‬
‫إذا عرضت إّني أقول‬
‫أما استحسنت مّني‬
‫وأفعـل‬
‫المكارم إّنها‬
‫نساؤهم شّر الّنساء والفرع يجري على الصل‬
‫مى‬
‫وحكى المدائني‪ :‬أ ّ‬
‫ل كان يس ّ‬
‫ن رجل ً من بني عقي ٍ‬
‫ب‬
‫م تدعى ليلى‪ ،‬فكان بينهما ح ّ‬
‫صخرًا‪ ،‬وكانت له ابنة ع ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ة واحد ً‬
‫ح ولم يكن أحدهما يصبر عن الخر ساع ً‬
‫مبّر ٌ‬
‫ن يجتمعان فيه للحديث في ك ّ‬
‫م‬
‫ل ليل ٍ‬
‫وكان لهما مكا ٌ‬
‫ة‪ .‬ث ّ‬
‫ة من الزد‪ ،‬وصخٌر لذلك‬
‫وج صخرا ً لمرأ ٍ‬
‫إ ّ‬
‫رز ّ‬
‫ن أبا صخ ٍ‬
‫ما بلغ ليلى الخبر قطعته‪ ،‬فمرض مرضا ً‬
‫ه؛ فل ّ‬
‫كار ٌ‬
‫شديدًا‪ .‬فكان أهله يقولون سحرته ليلى‪ ،‬لما كانوا‬
‫يرونه يصنع بنفسه‪ .‬وكانت ليلى أشدّ وجدا ً به وحب ّا ً له‪.‬‬
‫فأرسلت جاريتها إليه وقالت لها‪ :‬اذهبي إلى مكاننا‬
‫وانظري هل تري صخرًا‪ ،‬فإذا رأيته قولي له‪:‬‬
‫ب قد كنت‪ ،‬يا صخر‪،‬‬
‫تعسا ً لمن بغير ذنـ ٍ‬
‫زمانا ً تزعم‬
‫يصـرم‬
‫حّتى بدا منك لنا‬
‫ف بـنـا‬
‫إّنك مشغـو ٌ‬
‫المجمـجـم‬
‫م‬
‫مـقـي ٌ‬
‫جارية فأبلغته قولها‪،‬ووجدته كال ّ‬
‫شن‬
‫قال‪:‬فأتته ال ّ‬
‫البالي وجدا ً وحزنًا‪ ،‬فقال‪ :‬قولي لها‪:‬‬
‫لما كان عن رأيي‬
‫فهمت الذي عّبرت‪،‬‬
‫ول كان عن أمري‬
‫د‬
‫واللـه شـاهـ ٌ‬
‫لضعف عن حمل‬
‫ميت‬
‫فإن كنت قد س ّ‬
‫القليل من الهجر‬
‫صخرا ً فـإّنـنـي‬

‫‪141‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حبيبا ً ولو عشنا إلى‬
‫ب البيت‪،‬‬
‫ولست‪ ،‬ور ّ‬
‫ملتقى الحشـر‪.‬‬
‫أبغي سـواكـم‬
‫جارية‪ :‬يا صخر‪ ،‬إن كنت كارها ً لتزويج أبيك‬
‫فقالت له ال ّ‬
‫لك فاجعل أمر إمرأتك بيدي لتعلم ليلى أّنك لغيرها‬
‫ع‪ ،‬وإّنك مكرهًا‪ .‬قال‪ :‬قد فعلت‪ .‬قالت‪:‬‬
‫خا ٍ‬
‫ل ولعهدها را ٍ‬
‫ق منك ثلثًا‪ .‬وأخبرت ليلى‪ ،‬فأظهرت من ذلك‬
‫فهي طال ٌ‬
‫جارية‬
‫جزعا ً وتراحعا ً إلى ما كانا عليه من اللقاء‪ ،‬وال ّ‬
‫تختلف بينهما‪ .‬ولم يظهر صخر طلق امرأته حّتى قال‬
‫له أبوه‪ :‬يا صخر أل تبتني بأهلك? قال‪ :‬وكيف وقد‬
‫ن حلفت بها‪ .‬فأعلم أبوه أهل المرأة‬
‫بانت مّني في يمي ٍ‬
‫فقالت المرأة تهجو ليلى‪:‬‬
‫أل بّلغا عـّنـي عـقـيل ً‬
‫ء‬
‫ل من حـيا ٍ‬
‫فما لعقي ٍ‬
‫ول فـضـل‪:‬‬
‫ة‪،‬‬
‫رسـال ً‬
‫ن الفرع‬
‫نساؤكـم شـّر الـّنـسـاء‪ ،‬كذلك‪ ،‬إ ّ‬
‫يجري على الصل‪.‬‬
‫وأنـتـم‬
‫وما خير حّر ل يغار‬
‫أما فيكـم حـّر يغـار‬
‫على الهـل!‬
‫بـأخـتـه?‬
‫جارية‬
‫قال‪ ،‬وهجتها ليلى حّتى شاع خبرها‪ ،‬وسعت ال ّ‬
‫إلى أهل صخر وأهل ليلى وما هما عليه‪ ،‬وإّنهما يخاف‬
‫عليهما من لؤم الفعل‪ .‬ولم تزل حّتى جمعت بينهما‬
‫وجها‪.‬‬
‫وتز ّ‬
‫المهدي وحديث الع ّ‬
‫شاق‬
‫جًا‪ ،‬حّتى إذا كّنا‬
‫ي حا ّ‬
‫وحكى الصمعي قال‪ :‬خرج المهد ّ‬
‫ببعض ال ّ‬
‫ي يقول‪ :‬يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫طريق‪ ،‬إذا أعراب ّ‬
‫ب‬
‫ق‪ -‬وكان المهدي يح ّ‬
‫جعلني الله فداك‪ ،‬أنا عاش ٌ‬
‫شاق وحديثهم‪ -‬موك ٌ‬
‫الع ّ‬
‫ما نزل‬
‫ل به بعض الغلمان‪ .‬فل ّ‬
‫أمر بإحضاره‪ ،‬قال‪ :‬أنت المنادي? قال‪ :‬نعم‪ ،‬يا أمير‬
‫المؤمنين‪ .‬قال له‪ :‬ما اسمك? قال‪ :‬أبو مّياس‪ .‬قال‬
‫مي‪ ،‬وقد‬
‫أمير المؤمنين‪ :‬من عشيقتك? قال له‪ :‬ابنة ع ّ‬
‫وجنيها‪ .‬قال‪ :‬لعّله أكثر منك ما ً‬
‫ل?‬
‫ي أبوها أن يز ّ‬
‫أبى عل ّ‬
‫قال‪ :‬أنا أكثر منه ما ً‬
‫صتك? قال له‪:‬‬
‫ل! قال له‪ :‬فما ق ّ‬
‫ادن رأسك مّني‪ .‬فجعل المهدي يضحك‪ ،‬وأصغى إليه‬
‫ن‪ .‬قال له‪ :‬ليس يضّرك ذلك‬
‫برأسه‪ .‬قال له‪ :‬إّني هجي ٌ‬
‫م قال له‬
‫أخو أمير المؤمنين وأكثر أولده هجناء! ث ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫وأين ع ّ‬
‫مك? قال له‪ :‬على ثلثة أميا ٍ‬

‫‪142‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال‪ :‬فأرسل أمير المؤمنين في طلبه فجيء به فقال‬
‫ة?‬
‫وج أبا مّياس‪ ،‬فإّني أرى عليه نعم ً‬
‫له‪ :‬ما لك ل تز ّ‬
‫ن‬
‫قال‪ :‬متاع سو ٍ‬
‫وج مثله‪ .‬قال‪ :‬فإ ّ‬
‫ء‪ ،‬وليس مثلي يز ّ‬
‫ط صداق‬
‫ما يعاب به عندنا‪ ،‬وأنا مع ٍ‬
‫الذي كرهت ليس م ّ‬
‫ما ذكرت عشرة‬
‫وضك م ّ‬
‫م‪ ،‬ومع ّ‬
‫ابنتك عشرة آلف دره ٍ‬
‫م! قال‪ :‬فذلك لك! قال فخرج أبو مّياس وهو‬
‫آلف دره ٍ‬
‫يقول‪:‬‬
‫يعطي الغلء لمثلها‬
‫ة بالغلء‬
‫واّتبعت ظبي ً‬
‫أمثـالـي‬
‫وإّنـمـا‬
‫ن القباح وإن‬
‫وتركت أسواق‬
‫إ ّ‬
‫رخصن غوالي‪.‬‬
‫القباح لهلهـا‬
‫صغير‬
‫المنتصر بالله وجارية سعيد ال ّ‬
‫صغير‪ :‬كان المنتصر بالله في أّيام إمارته‬
‫قال سعيد ال ّ‬
‫سلطان‪ ،‬فاعترضن‬
‫و ّ‬
‫جهني إلى مصر في بعض أمور ال ّ‬
‫ة‬
‫عند بعض الن ّ ّ‬
‫ة تامة المحاسن حاذق ً‬
‫خاسين جاري ً‬
‫ّ‬
‫ر‪ .‬ولم‬
‫بالغناء‪ .‬فأبى مولها أن يأخذ مّني إل ّ ألف دينا ٍ‬
‫تكن تحضرني‪ ،‬ول وجدت أن أقرضها‪ ،‬وأزعجني‬
‫ال ّ‬
‫شخوص‪ ،‬وقد علقها قلبي وأخذني المقيم المقعد‬
‫ما قدمت إلى المنتصر وعّرفته ما بعثني‬
‫من حّبها‪ .‬فل ّ‬
‫جارية‬
‫فيه? سألني عن حالي وخبري‪ .‬فأخبرته بمكان ال ّ‬
‫صتي مع مولها‪ .‬فأعرض عّني وصار ما‬
‫وكلفي بها‪ ،‬وق ّ‬
‫بي يزداد‪.‬‬
‫ولم أملك صبرًا‪ .‬وجعل المنتصر‪ ،‬كّلما دخلت وخرجت‬
‫من عنده‪ ،‬يذكرها ويهيج أشواقي إليها‪ ،‬ويعّيرني بقّلة‬
‫صبر عنها‪ .‬وكان قد أمر ابن الخطيب أن يكتب إلى‬
‫ال ّ‬
‫مصر في شراها وحملها إليه من حيث ل أعلم ول‬
‫أدري‪.‬‬
‫ما سارت إليه‪ ،‬وعرضت عليه أمرها‪ ،‬فغّنت وعذرني‪،‬‬
‫فل ّ‬
‫ما ذهب‬
‫فأمر قّيمة جواريه فأصلحت من شأنها‪ .‬فل ّ‬
‫سفر استجلسني يوما ً وهو على فراشه‪.‬‬
‫عنها ألم ال ّ‬
‫ما سمعتها عرفتها‬
‫ما غّنى جواريه كانت آخرهن‪ .‬فل ّ‬
‫فل ّ‬
‫ي ما كتمت‪ ،‬وغلب‬
‫وكرهت أن أعلمه حّتى ظهر عل ّ‬
‫صبر‪ ،‬فقال لي‪ :‬ما لك يا سعيد? قلت‪ :‬خيرا ً أّيها‬
‫ي ال ّ‬
‫عل ّ‬
‫المير!‪.‬‬
‫قال‪ ،‬فاقترح عليها صوتا ً كنت أعلمته أّني سمعته منها‬

‫‪143‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫فاستحسنه من غنائها‪ ،‬فغّنته‪ ،‬فقال‪ :‬هل تعرف هذا‬
‫صوت? قلت‪ :‬أي والله أّيها المير‪ ،‬فما تكون المعرفة‬
‫ال ّ‬
‫ما الن فقد يئست‬
‫وقد كنت أطمع في صاحبته! فأ ّ‬
‫منها وكنت كقاتل نفسه بيده‪ ،‬وجالب حتفه إلى حياته‪.‬‬
‫قال‪ :‬والله يا سعيد ما اشتريتها إل ّّ لك‪ ،‬وما يعلم الله‬
‫ّ‬
‫ي‪ ،‬وأنا‬
‫إّني رأيت لها وجها ً إل ّ ال ّ‬
‫ساعة التي أدخلت عل ّ‬
‫سير‪ ،‬وهي لك‪. .‬‬
‫تركتها حّتى استراحت من تعب ال ّ‬
‫دعاء؛‬
‫فأكببت على رجليه‪ ،‬ودعوت له بما أمكنني من ال ّ‬
‫وشكره عّني من حضر من الجلساء‪ ،‬وأمر بها فحملت‬
‫د‬
‫إلى منزلي‪ .‬فما أحدٌ أحظى عندي منها‪ ،‬ول لي ول ٌ‬
‫ب من ولدها‪.‬‬
‫أح ّ‬
‫من أحاديث المؤّلفين‬
‫وادين‬
‫ذكاء ال ّ‬
‫سفهاء والق ّ‬
‫من أحاديث المؤّلفين‪ :‬ما حكاه أبو الحسن المدائني‪،‬‬
‫قال‪ :‬كان بم ّ‬
‫ه يجمع بين الّنساء والّرجال على‬
‫كة سفي ٌ‬
‫أقبح الّريب؛ وكان من قريش‪ ،‬ولم يذكر اسمه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فشكا أهل م ّ‬
‫كة ذلك إلى الوالي فنفاه إلى عرفات‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ودخل م ّ‬
‫فأخذ بها منز ً‬
‫كة مستترًا‪ .‬فلقي حرفاءه من‬
‫الّرجال والّنساء فقال لهم‪ :‬وماذا يمنعكم مّني? قالوا‬
‫له‪ :‬وأين بك وأنت بعرفات! قال لهم‪ :‬حماٌر بدرهمين‬
‫وقد صرتم إلى المن والّنزهة والخلوة واللذة‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫ق‪ .‬فكانوا يأتونه‪ ،‬فكثر ذلك حّتى أفسد‬
‫نشهد بأّنك صاد ٌ‬
‫على أهل م ّ‬
‫كة أحداثهم وسفهاءهم‪ ،‬فعادوا بال ّ‬
‫شكاية‬
‫و‬
‫على أميرهم‪ ،‬فأرسل وراءه‪ ،‬فأتي به فقال‪ :‬أي عد ّ‬
‫الله‪ ،‬طردتك من حرم الله عّز وج ّ‬
‫ل فصرت إلى‬
‫المشعر العظم تفسد وتجمع بين الخبائث!! فقال‪:‬‬
‫ي ويحسدونني‪ .‬فقالوا‬
‫أصلح الله المير يكذبون عل ّ‬
‫للوالي‪ :‬بيننا وبينه واحدة تجمع حمير الم ّ‬
‫كارين‬
‫ما اعتادت من‬
‫وترسلها نحو عرفات‪ ،‬فإن قصدت داره ل ّ‬
‫سير لها‪ ،‬فالقول كما قلنا‪ ،‬وإل ّّ فالقول كما قال‪. . .‬‬
‫ال ّ‬
‫ل‪ .‬وأمر بحمير الم ّ‬
‫ن في ذلك دلي ً‬
‫كارين‬
‫فقال للوالي‪ :‬إ ّ‬
‫م أرسلت فقصدت نحو منزله‪ ،‬وجاءه بذلك‬
‫فجمعت ث ّ‬
‫سياط بكى‪،‬‬
‫ما نظر إلى ال ّ‬
‫أمناؤه‪ .‬فأمر بتجريده‪ .‬فل ّ‬
‫و الله? قال‪ :‬والله‪ ،‬أصلح الله‬
‫فقال له‪ :‬ما يبكيك يا عد ّ‬
‫ضرب جزعت‪ ،‬ولكن يسخر مّنا أهل‬
‫المير‪ ،‬ما من ال ّ‬

‫‪144‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن أهل م ّ‬
‫كة يجيزون شهادة الحمير‪.‬‬
‫العراق ويقولون إ ّ‬
‫فضحك الوالي وأمر بتخليته‪.‬‬
‫كان يمزح‬
‫جاج في ك ّ‬
‫قال المدائني‪ :‬كان مزيد يسبق الح ّ‬
‫ل عام ٍ‬
‫ج‪ ،‬وكان يأتي إلى المدينة في ثلثة أّيام ٍ على‬
‫إلى الح ّ‬
‫ة‬
‫راحلته‪ .‬فتأ ّ‬
‫خر مّرةً عن وقته الذي كان يجيء فيه لعل ّ ٍ‬
‫ن‬
‫ما تأ ّ‬
‫وا ٌ‬
‫خر ظ ّ‬
‫ف‪ .‬فل ّ‬
‫أصابته‪ ،‬وكان لمرأته صدي ٌ‬
‫قص ّ‬
‫واف أّنه قد مات فأقام عندها ولم يبرح‪ ،‬وجاء مزيد‬
‫ال ّ‬
‫ص ّ‬
‫ما رأى‬
‫فدخل على الوالي فأخبره ودنا إلى منزله‪ .‬فل ّ‬
‫واف مع‬
‫و ٍ‬
‫ة وإذا ال ّ‬
‫ص ّ‬
‫أّنه قرب من الباب تطّلع من ك ّ‬
‫امرأته في البيت‪ ،‬فلم يستفتح‪ ،‬فمضى إلى المخّنثين‬
‫فدعاهم‪ ،‬فأتوا معه‪ ،‬فوقفوا على بابه‪ ،‬وأمرهم‬
‫فضربوا طبولهم وزمروا‪ ،‬فاجتمع الّناس من ك ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ل ناحي ٍ‬
‫فأقبلوا يقولون له‪ :‬يا أبا إسحاق‪ ،‬أشيءٌ حدث? فيقول‬
‫وجت امرأتي‪ .‬فقالوا له‪ :‬ما بك‪ :‬وما هذه‬
‫لهم‪ :‬تز ّ‬
‫واف خلف‬
‫صة? فلم يخبرهم بشي ٍ‬
‫ء‪ .‬فوقف ال ّ‬
‫الق ّ‬
‫ص ّ‬
‫الباب وقال‪ :‬يا أبا إسحاق أدن أكّلمك‪ .‬فدنا منه فقال‪:‬‬
‫إّتق الله في الفضيحة‪ ،‬وأنا أفتدي منك‪ .‬فقال له‪ :‬أردد‬
‫ي مهرها ونفقتي عليها فقد أفسدتها‪ .‬قال‪ :‬وكم‬
‫عل ّ‬
‫ة إلى غلمه في‬
‫ذلك? قال خمسون دينارًا‪ .‬فكتب رقع ً‬
‫سوق فبعث بها من قبض المال وجاء به‪ .‬فقال‪ :‬أي‬
‫ال ّ‬
‫واف‬
‫بني تفّرقوا‪ .‬إّنما كنت أمزح‪ .‬فقّنع رأس ال ّ‬
‫ص ّ‬
‫وأنزله‪ ،‬وقعد مع امرأته وسكت‪.‬‬
‫من أخبار المخّنثين‬
‫ث‬
‫قال أبو عثمان الجاحظ‪ :‬كان عندنا بالبصرة مخن ّ ٌ‬
‫يجمع بين الّرجال والّنساء في منزله‪ .‬وكان بعض‬
‫شق غلمًا‪ .‬فلم يزل المخّنث يتل ّ‬
‫المهالبة يتع ّ‬
‫طف له‬
‫د‪ ،‬وقد بلغني الخبر‪،‬‬
‫حّتى أوقعه‪ .‬قال‪ :‬فلقيته من غ ٍ‬
‫فقلت له‪ :‬كيف كانت وقعة الجعرانة‪ ،‬فقد بلغني‬
‫ق‬
‫ما تدانى القوام وقع اللتزام‪ ،‬ور ّ‬
‫خبرها? قال‪ :‬ل ّ‬
‫ساق‪ ،‬ول ّ‬
‫الكلم‪ ،‬والت ّ‬
‫طخ باطنها بالبصاق‪،‬‬
‫ساق بال ّ‬
‫فت ال ّ‬
‫وجعلت الّرماح تمور‪ ،‬وقرع البيض بال ّ‬
‫ذكور‪ ،‬وشفيت‬
‫د فأصيبت مقاتل ك ّ‬
‫صدور‪ ،‬ومال ك ّ‬
‫ل‬
‫ل واح ٍ‬
‫حرارات ال ّ‬
‫ر‪ ،‬وانعقد الوصل واّتصل الحبل‪ .‬فلو كان أعدّ هذا‬
‫هج ٍ‬
‫ر كان قد أجاد وملح‪.‬‬
‫الكلم لمسألتي قبل ذلك بده ٍ‬

‫‪145‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حبابة وسليمان بن عبد الملك‬
‫ج سليمان‬
‫مد بن سلم‪ ،‬عن يونس‪ ،‬قال‪ :‬ح ّ‬
‫وحكى مح ّ‬
‫ر‪ ،‬وكان اسمها‬
‫بن عبد الملك فاشترى حبابة بألف دينا ٍ‬
‫ما رجل بها قال الحارث بن خالد المخزومي‪:‬‬
‫العالية‪ ،‬فل ّ‬
‫ل مطلع‬
‫ظعن المير بأحسن‬
‫وغدا بلي ٍ‬
‫ال ّ‬
‫شـرق‬
‫الخلق‬
‫كال ّ‬
‫شمس أو كغمامة‬
‫وبدت لنا من تحت‬
‫البرق‬
‫كّلتهـا‬
‫قال‪ :‬وبلغ خبرها يزيد بن عبد الملك فقال‪ :‬لقد هممت‬
‫أن أحجر على سليمان‪ .‬فبلغ سليمان ذلك فاتقاه‬
‫دها إلى مولها‪ ،‬فاشتراها رج ٌ‬
‫ل من أهل مصر من‬
‫ور ّ‬
‫ر ورحل بها إلى مصر‪ ،‬وكانت‬
‫مولها بأربعة آلف دينا ٍ‬
‫في نفس سليمان إلى أن وّلي الخلفة‪ .‬فقالت له يوما ً‬
‫سعدى بنت عبد الله بن عمر بن عثمان زوجته‪ :‬يا أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬هل بقي في نفسك شيءٌ تتمّناه? قال‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬حبابة‪ .‬فأرسلت سعدى رجل ً إلى مصر فاشتراها‬
‫ر وسار بها إلى سعدى‪ ،‬فاستأذنت‬
‫بخمسة آلف دينا ٍ‬
‫سليمان أن تتنّزه في بستانه بالغوطة‪ ،‬وأن يزورها إذا‬
‫استزارته‪ .‬فأذن لها‪ ،‬فصّيغت حبابة وهّيأتها وأعلمتها‬
‫ي‬
‫بمكانها من قلب سليمان‪ ،‬وضربت له قّبة وش ٍ‬
‫م أرسلت إلى سليمان تستزيره‪،‬‬
‫وفرشتها‪ .‬ث ّ‬
‫ر وقالت له‪ :‬يا‬
‫فزارها‪.‬وقد أجلست حبابة وراء سري ٍ‬
‫ة ذكرت أّنها قد‬
‫أمير المؤمنين إّني قد أخذت لك جاري ً‬
‫أخذت عن حبابة‪ ،‬فهل لك أن تسمعها? فقال‪ :‬إن‬
‫شئت‪ .‬قالت‪ :‬غّني يا جارية‪ .‬فغّنت سليمان صوتا ً كان‬
‫سليمان قد سمعه منها بالمدينة‪.‬‬
‫ب الكعبة‪ .‬فقالت‪ :‬هي‬
‫ما سمعه قال‪ :‬حبابة ور ّ‬
‫قال‪ ،‬فل ّ‬
‫حبابة‪ ،‬ولك اشتريتها‪ ،‬فشأنك بها‪ .‬فقامت وانصرفت‬
‫وخّلتهما‪ ،‬فكان سليمان ل يزال يشكر سعدى على‬
‫ذلك‪.‬‬
‫حديث سمّية الّزانية‬
‫سلم‬
‫وذكر أبو عبيدة معمر بن المثّنى‪ :‬أ ّ‬
‫ن علي ّا ً عليه ال ّ‬
‫وّلى زيادا ً فارسا ً حين أخرج منها سهل بن حنيف‬
‫ض حّتى غلب عليها‪ ،‬وما يزال‬
‫فضرب بعضهم ببع ٍ‬
‫مو ّ‬
‫يتن ّ‬
‫له على‬
‫قل في كورها حّتى أصلح أمر فارس‪ .‬ث ّ‬

‫‪146‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م أخذ بشر بن أرطاة‬
‫اصطخر‪ ،‬وكان معاوية يته ّ‬
‫دده‪ ،‬ث ّ‬
‫ابنته وكتب إليه يقسم عليه ليقتلها إن لم يدخل في‬
‫طاعة معاوية‪ .‬وتو ّ‬
‫سلم‪ ،‬فكتب معاوية‬
‫ي عليه ال ّ‬
‫في عل ّ‬
‫يدعوه إلى طاعته وأن يقّره على عمله ويستخلفه إذا‬
‫سلولي شهد عنده أّنه جمع بين أبي‬
‫كان أبو مريم ال ّ‬
‫سفيان وسمّية في الجاهلّية على الّزنا‪ .‬وكانت سمّية‬
‫من الّزانيات بال ّ‬
‫ضريبة إلى الحارث بن‬
‫دي ال ّ‬
‫طائف تؤ ّ‬
‫كلدة‪ .‬وكانت تنزل بموضع ينزل فيه البغايا بال ّ‬
‫طائف‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ي‪ .‬فشاور زياد‬
‫الع‬
‫من‬
‫المشورة‬
‫فقال له‪ :‬كره ترك‬
‫ّ‬
‫المغيرة بن شعبة قال‪ :‬إرم الغرض القصى ودع عنك‬
‫ن هذا المر ل يمدّ أحدٌ إليه يدا ً إل ّّ الحسن‬
‫الفضول‪ ،‬فإ ّ‬
‫بن علي‪ .‬وقد بايع لمعاوية‪ ،‬فخذ لنفسك‪ ،‬وانقل أصلك‬
‫إلى أصله‪ ،‬وصل حبلك بحبله‪ ،‬وأعر الّناس منك أذنا ً‬
‫ماء‪ ،‬وعينا ً عمياء‪ .‬فقال له زياد‪ :‬يا ابن شعبة‪ ،‬لقد‬
‫ص ّ‬
‫قلت قول ً ل يكون غرسه في غير منبته‪ ،‬ل أص ٌ‬
‫ل يغ ّ‬
‫ذيه‬
‫ول ماءٌ يسقيه‪ .‬وعزم على ذلك‪ ،‬وقبل رأي المغيرة‪،‬‬
‫وقدم على معاوية‪ .‬فأرسلت إليه جويرّية‪ ،‬عن أمر‬
‫معاوية‪ ،‬فأتاها ودنت له وكشفت شعرها بين يديه‬
‫وقالت‪ :‬أنت أخي‪ ،‬أخبرني بذلك أبي‪.‬‬
‫م أخرجه معاوية إلى المسجد وجمع الّناس‪ ،‬فقام أبو‬
‫ث ّ‬
‫ن أبا سفيان قدم علينا‬
‫سلولي فقال‪ :‬أشهد أ ّ‬
‫مريم ال ّ‬
‫بال ّ‬
‫ماٌر بالجاهلّية‪ ،‬فقال‪ :‬إبغني بغيا ً فقلت‬
‫طائف‪ ،‬وأنا خ ّ‬
‫له‪ :‬لم أجد إل ّّ سمّية جارية الحارث بن كلدة! فقال‪:‬‬
‫إئتني بها على ذفرها وقذرها‪ .‬فقال زياد مه ً‬
‫ل‪ ،‬إّنما‬
‫بعثت شاهدا ً ولم تبعث شاتمًا‪ .‬فقال أبو مريم‪ :‬لو كنتم‬
‫ي‪ ،‬فما شهدت إل ّّ بما عاينت‬
‫أبغضتموني كان أح ّ‬
‫ب إل ّ‬
‫م درعها وأغلق الباب عليها‪،‬‬
‫ورأيت‪،‬فوالله لقد أخذ بك ّ‬
‫ي يمسح جبينه‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫وقعدت‪ ،‬فلم ألبث أن خرج عل ّ‬
‫مه يا أبا سفيان? فقال‪ :‬ما أصبت مثلها يا أبا مريم‪،‬‬
‫ء من ثديها وذفر مرفقيها‪ .‬فقال زياد‪ :‬أّيها‬
‫لول استرخا ٍ‬
‫الّناس‪ ،‬هذا ال ّ‬
‫شاهد قد ذكر ما سمعتم‪ ،‬ولست أدري‬
‫ق ذلك من باطله‪ ،‬ومعاوية وال ّ‬
‫شهود أعلم بما قالوا‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫فقام يونس بن الّثقفي فقال‪ :‬يا معاوية‪ ،‬قضى رسول‬
‫الله‪ ،‬صّلى الله عليه وسّلم‪ ،‬بالولد للفراش؛ وشهادة‬
‫أبي مريم على زنا أبي سفيان‪ .‬فقال معاوية‪ :‬والله يا‬
‫ن بك طيرةً يطيب وقوعها‪ ،‬هل‬
‫يونس لتنتهين أو لطير ّ‬

‫‪147‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫إل ّّ إلى الله أقع‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬فاستغفر الله‪ .‬فقال ابن‬
‫م الحكم ونحلها‬
‫مفزع‪ ،‬ويقال أّنها لعبد الّرحمن بن أ ّ‬
‫ابن مفزع‪:‬‬
‫ة على الّرجل‬
‫أل أبلغ معاوية بن‬
‫مغلغل ً‬
‫اليماني‬
‫ر‬
‫صـخـ ٍ‬
‫وترضى أن يقال‪:‬‬
‫أتغضب أن يقال‪:‬‬
‫أبوك زان‬
‫ف‬
‫أبوك ع ّ‬
‫فاشهـد أن آلـك مـن كآل الغيل من ولـد‬
‫التـان‬
‫زياٍد‬
‫هل حفصة كذلك?!‬
‫وج‬
‫وروى الهيثم بن عدي‪ ،‬أ ّ‬
‫ن الحسن بن علي تز ّ‬
‫ديق رضي الله‬
‫ص ّ‬
‫ر ال ّ‬
‫حفصة بنت عبد الّرحمن بن أبي بك ٍ‬
‫عنه‪ ،‬وكان المنذر بن الّزبير يهواها‪ ،‬فبلغ الحسن عنها‬
‫شيئا ً أنكره فطّلقها‪ ،‬فخطبها المنذر فأبت أن تتزوذجه‪،‬‬
‫وخطبها عاصم بن عمر بن الخ ّ‬
‫وجته‪ ،‬فرمى‬
‫طاب فتز ّ‬
‫إليه المنذر بن الّزبير شيئا ً فطّلقها‪ ،‬وخطبها المنذر‬
‫س لها امرأةً من قريش‪ ،‬فأتتها‬
‫وجه فد ّ‬
‫فأبت أن تتز ّ‬
‫م ذكرت لها المنذر‪ ،‬وأعلمتها أّنه قد‬
‫فتح ّ‬
‫دثت معها ث ّ‬
‫وجه‪.‬‬
‫ش ّ‬
‫هر بحّبها‪ ،‬فقالت‪ :‬قد خطبني فآليت أن ل أتز ّ‬
‫قالت‪ :‬ولم ذلك? فوالله إّنه لفتى قريش وشريفها‬
‫هرني وفضحني! قالت لها‪:‬‬
‫وابن شريفها‪ .‬قالت‪ :‬ش ّ‬
‫ن كلمه كان‬
‫وجيه ليعلم الّناس أ ّ‬
‫والن ينبغي أن تتز ّ‬
‫باط ً‬
‫ل‪ .‬فوقع في نفسها كلمها‪ ،‬وجاءت المرأة إلى‬
‫المنذر فقالت‪ :‬أخطبها فقد أصلحت لك قلبها‪ .‬فخطبها‬
‫وجته‪ ،‬فعلم الّناس أّنه كان يكذب عليها‪.‬‬
‫فنز ّ‬
‫ء‪ ،‬وكان إّنما طّلقها‬
‫وكان في نفس الحسن منها شي ٌ‬
‫لما أبلغه عنها الّزبير‪ .‬فقال الحسن يوما ً لبن أبي‬
‫عتيق‪ :‬هل لك في العقيق? قال‪ :‬نعم‪ .‬فعدل الحسن‬
‫دثا طوي ً‬
‫م خرج‪،‬‬
‫إلى منزل حفصة فدخل عليها فتح ّ‬
‫ل‪ ،‬ث ّ‬
‫ق يوما ً آخر‪ :‬هل لك في العقيق يا ابن‬
‫ث ّ‬
‫م قال لبن عتي ٍ‬
‫ق? فقال له‪ :‬أل تقول هل لك في حفصة‬
‫أبي عتي ٍ‬
‫م‪ ،‬وأسعى لك منها فيما تحب?!‬
‫فتصير إليها على عل ٍ‬
‫فقال الحسن‪ :‬أستغفر الله‪.‬‬
‫عاتكة المزواجة‬

‫‪148‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ديق‪ ،‬رضي الله‬
‫ويروى أ ّ‬
‫ص ّ‬
‫ر ال ّ‬
‫ن عبد الله بن أبي بك ٍ‬
‫وج عاتكة بنت زيد بن عمر بن نفيل فعشقها‬
‫عنه‪ ،‬تز ّ‬
‫صلوات في‬
‫وأحّبها حب ّا ً شديدا ً حّتى منعته عن حضور ال ّ‬
‫ر‪ ،‬رضي الله عنه‪ .‬بطلقها‪،‬‬
‫جماعة‪ .‬فأمره أبو بك ٍ‬
‫ففارقها‪ ،‬فوجد عليها وجدا ً عظيمًا‪ ،‬فأمره أن يراجعها‪،‬‬
‫فراجعها وكانت عنده حّتى تو ّ‬
‫في عنها‪ .‬وكان قد أخذ‬
‫وج بعده‪ ،‬فجاءها عمر بن الخ ّ‬
‫طاب‪،‬‬
‫عليها يمينا ً أن ل تتز ّ‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬فأفتاها أن تنكح‪ ،‬فقالت‪ :‬لست أقبل‬
‫في هذا كلمك وحدك‪ .‬لّنه قد بلغها أّنه يريد أن‬
‫وجها فجاءت بعلي بن أبي طالب‪ ،‬رضي الله عنه‪،‬‬
‫يتز ّ‬
‫فأفتاها بذلك‪ ،‬فخطبها عمر بن الخ ّ‬
‫طاب رضي الله عنه‬
‫وجته‪ ،‬فبعث إليها بعشرين دينارا ً ك ّ‬
‫فرت بها عن‬
‫فتز ّ‬
‫م تو ّ‬
‫في عنها فخطبها طلحة بن عبيد الله‪،‬‬
‫يمينها‪ ،‬ث ّ‬
‫وام هناد بن السود‪ ،‬وكان لهناد‬
‫فلقي الّزبير بن الع ّ‬
‫ة لعاتكة فقال له الّزبير‪ :‬ما أنا عنك‬
‫امرأة كانت صديق ً‬
‫وجني عاتكة بنت زيد‪ .‬قال‪ ،‬فحلف هناد‬
‫ض حّتى تز ّ‬
‫برا ٍ‬
‫وج الّزبير لعاتكة ليجلدّنها مائة‬
‫لمرأته إن هي لم تز ّ‬
‫جلدة‪.‬‬
‫فانطلقت امرأة هناٍد لعاتكة‪ ،‬وكانت عندها حّتى أتاها‬
‫د‬
‫رسول طلحة بن عبيد الله فقالت له‪ :‬فديتك ومن ير ّ‬
‫دي رسوله اليوم‬
‫طلحة لقدمه وشرفه وسخائه? ولكن ر ّ‬
‫دته‪ ،‬فقالت‬
‫فإّنه سيزيدك ضعفا ً ما أراد أن يعطيك‪ .‬فر ّ‬
‫ن‬
‫امرأة هناٍد لهناد‪ :‬إلق طلحة فقل له‪ :‬أما تستحي أ ّ‬
‫وجك? ففعل ذلك‪ ،‬فقال‬
‫عاتكة ر ّ‬
‫دتك وحلفت أن ل تتز ّ‬
‫وجها أبدًا‪ .‬فأمرت الّزبير أن يرسل إليها‪،‬‬
‫طلحة‪ :‬ل أتز ّ‬
‫فجاءها رسوله وهي عندها فقالت لها امرأة هناد‪ :‬قد‬
‫ق الّزبير من ال ّ‬
‫وجته‬
‫ش ّ‬
‫دة؛ أ ّ‬
‫بلغك ما في ح ّ‬
‫ما والله لو تز ّ‬
‫ن لك بذلك ال ّ‬
‫شرف في نساء‬
‫م غلبت عليه ليكون ّ‬
‫ث ّ‬
‫قريش‪.‬‬
‫وجت الّزبير‪ .‬وسنذكر بقّية‬
‫ث ّ‬
‫م لم تزل بها حّتى تز ّ‬
‫خبرها بعد هذا إن شاء الله‪.‬‬
‫واد‬
‫ابن زهير المخّنث الق ّ‬
‫قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي‪ :‬كان ابن زهير‬
‫المدايني مخّنثًا‪ ،‬وكان يؤّلف بين الّرجال والّنساء‪،‬‬
‫ش يقولون من‬
‫وكانت له قّبة خضراء وكان فتيان قري ٍ‬
‫وة شيئًا‪.‬‬
‫يدخل قّبة ابن زهير لم يصنع في الفت ّ‬

‫‪149‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫قال‪ :‬فواعد رج ٌ‬
‫ة له إلى قّبة ابن زهير فجاءت‬
‫ل صديق ً‬
‫بعد العتمة‪ ،‬وجاء الّرجل‪ ،‬فتعشّيا‪ ،‬فقالت المرأة‪:‬‬
‫أشتهي نبيذًا‪ .‬فقال صاحبها لبن زهير‪ :‬أطلب لنا نبيذًا‪.‬‬
‫ساعة?! قال‪ :‬ل بدّ منه‪.‬‬
‫قال‪ :‬من أين لنا في هذه ال ّ‬
‫ء وصّيره في‬
‫ض فضربه بما ٍ‬
‫ما أل ّ‬
‫فل ّ‬
‫ح عليه عمد إلى حض ٍ‬
‫ب‬
‫قّنين ٍ‬
‫م جاءه به فقال‪ :‬والله ما وجدنا غير هذا فص ّ‬
‫ةث ّ‬
‫ح فذاقه فوجده مّرا ً فكره أن يعيبه‬
‫الّرجل منه في قد ٍ‬
‫ما صار في‬
‫مص ّ‬
‫ب فسقاها‪ .‬فل ّ‬
‫فيكرهه إليها فشرب ث ّ‬
‫بطنه تحّرك‪ .‬فقال لبن زهير‪ :‬أين المخرج‪ ،‬فصعد إلى‬
‫أن حّركها بطنها فصعدت إلى أن تحّرك بطنه فصعد‪،‬‬
‫ق‬
‫فلم يزال كذلك ليلتهما‪ .‬فقال ابن زهير‪ :‬امرأته طال ٌ‬
‫ّ‬
‫ما يختلفان‪،‬‬
‫إن كانا التقيا إل ّ على ال ّ‬
‫درجة حّتى أصبحا م ّ‬
‫ة لّنهما يطلبان الّنبيذ في‬
‫صبح ولم يقضيا حاج ً‬
‫وجاء ال ّ‬
‫واد بعد العتمة‪.‬‬
‫منزل ابن زهير الق ّ‬
‫جميل وبثينة‪ ،‬وكثّير وعّزة‬
‫عده أهلها‪،‬‬
‫وكان جميل أيضا ً لما اشتهر في بثينة تو ّ‬
‫فكان يأتيها سّرا ً فجمعوا له جميعا ً يرصدونه‪ ،‬فقالت‬
‫بثينة‪ :‬يا جميل‪ ،‬احذر القوم‪ .‬فاستخفى وقال في ذلك‪:‬‬
‫غيارى وك ّ‬
‫ل حارب‬
‫ن ألفا ً دون‬
‫ولو أ ّ‬
‫ع قتلي?‬
‫بثـينة كـّلـهـم‬
‫مزم ٌ‬
‫ما نهـارا ً‬
‫ل وإن‬
‫وإ ّ‬
‫لحاولتها‪ ،‬إ ّ‬
‫ما سرى لي ٍ‬
‫ق ّ‬
‫مـجـاهـرا ً‬
‫طعوا رجلي‪.‬‬
‫فالتقى جميل وكثّير فشكا ك ّ‬
‫د منهما إلى صاحبه‬
‫ل واح ٍ‬
‫أّنه محصوٌر ل يقدر أن يزور‪ .‬فقال جميل لكثير‪ :‬أنا‬
‫ق‬
‫رسولك إلى عّزة‪ .‬قال‪ :‬فأتهم فأنشدهم ثلث نو ٍ‬
‫م احفظ ما يقال لك‪ .‬قال فأتاهم‬
‫سوٍد مررن بالقاع‪ ،‬ث ّ‬
‫جميل ينشدهم فقالت له جاريتها‪ :‬لقد رأينا ثلثا ً سودا ً‬
‫ن تحت ال ّ‬
‫طلحة فانصرف حّتى أتى‬
‫مررن‪ ،‬عهدي به ّ‬
‫ما نصف الليل أتيا ال ّ‬
‫طلحة فإذا‬
‫كثير فأخبره‪ .‬فأقاما‪ ،‬فل ّ‬
‫دثا طوي ً‬
‫ل‪ ،‬وجعل كثير يرى عّزة‬
‫عّزة وصاحبة لها‪ .‬فتح ّ‬
‫تنظر إلى جميل‪ .‬وكان جميل جميل ً وكان كثير دميما ً‬
‫فغضب كثير وغار‪ ،‬وقال لجميل‪ :‬انطلق بنا قبل أن‬
‫م قال كثير لجميل‪ :‬متى عهدك‬
‫نصبح‪ .‬فانطلقا‪ :‬ث ّ‬
‫صيف‪ ،‬وقعت سحابة بأسفل‬
‫ول ال ّ‬
‫ببثينة? قال في أ ّ‬
‫خص ثيابًا‪ .‬قال‪،‬‬
‫دوم فخرجت معها جارية تر ّ‬
‫وادي ال ّ‬

‫‪150‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫دثنا‬
‫فخرج كثير حّتى أناخ بآل بثينة فقالوا‪ :‬يا كثير ح ّ‬
‫كيف قلت لزوج عّزة حين أمرها بسّبك قال كثير‪:‬‬
‫خرجنا نرمي الجمار فوجدني قد اجتمع الّناس بي‬
‫فطالعني زوجها‪ ،‬فسمع مّني إنشادًا‪ ،‬فقال لعّزة‪:‬‬
‫ّ‬
‫ح‬
‫اشتميه‪ .‬فقالت‪ :‬ما أراك إل ّ تريد أن تفضحني? فأل ّ‬
‫مه‪:‬‬
‫وحلف عليها‪ ،‬فقالت مكره ً‬
‫ض بظر أ ّ‬
‫ة‪ :‬المنشد يع ّ‬
‫فقلت‪:‬‬
‫لعّزة من أعراضنا ما‬
‫ء‬
‫هنيئا ً مريئا ً غير دا ٍ‬
‫استحلت‪.‬‬
‫ر‬
‫مخـامـ ٍ‬
‫فقالت بثينة‪ :‬أحسنت يا كثير‪ .‬وقلت أبياتا ً لعّزة أعاتبها‬
‫ن وأنشدتها‪:‬‬
‫فيه ّ‬
‫ر‬
‫فقلت لها يا عّز‬
‫على بعد دا ٍ‬
‫والمو ّ‬
‫كل مرسل‬
‫أرسل صاحبي‬
‫?بأن تجعلي بيني وبينك موعدًا=وأن تأمريني بالذي‬
‫فيه أفعل‬
‫دوم‬
‫د منك يوم‬
‫وآخر عه ٍ‬
‫بأسفل وادي ال ّ‬
‫والّثوب يغسل‪.‬‬
‫لـقـيتـكـم‬
‫فقالت بثينة‪ :‬يا جارية‪ ،‬أبغنا خطبا ً من الّروضات لنذبح‬
‫لكثير غريضا ً من البهم‪ :‬فراح إلى جميل فأخبره‪.‬‬
‫ن‬
‫مإ ّ‬
‫ن بثينة قالت لبنات خالتها‪ ،‬وكانت اطمأّنت إليه ّ‬
‫ث ّ‬
‫ن‬
‫دومات فإ ّ‬
‫ن على حديثها‪ :‬أخرجن بنا إلى ال ّ‬
‫وتطلعه ّ‬
‫ر‪ ،‬وقد وعدته‪ .‬فخرج جميل وكثير حّتى‬
‫جميل ً مع كثي ٍ‬
‫دومات‪ ،‬وجاءت بثينة وصواحبها‪ .‬فما برحن حّتى‬
‫أتيا ال ّ‬
‫صبح‪ .‬وكان كثير يقول‪ :‬ما رأيت مجلسا ً قط‬
‫برق ال ّ‬
‫ً‬
‫أحسن من ذلك المجلس‪ ،‬ول فهما أحسن من فهم‬
‫أحدهما من صاحبه‪ ،‬ما أدري أّيهما كان‬
‫أفهم!??????????????????????????? ‪??????? ? .‬‬
‫??شروط الّزواج عند الجاحظ‬
‫ة‬
‫قال أبو عثمان الجاحظ‪ :‬إذا ابتلى الّرجل بمحّبة امرأ ٍ‬
‫وج مثله مثلها‬
‫ة نظر إليها‪ ،‬ولمح ٍ‬
‫لنظر ٍ‬
‫ة منها‪ ،‬لم يكن يز ّ‬
‫ة‬
‫ة‪ ،‬فالحيلة في ذلك أن يرسل إليها امرأ ً‬
‫وكانت ممتنع ً‬
‫ن‪ :‬أن تكون كتومة‬
‫ل منه ّ‬
‫قد كملت فيها سبع خصا ٍ‬
‫ة بالمكر؛ وأن تكون‬
‫ة لها معرف ٌ‬
‫داع ً‬
‫سّر؛ وأن تكون خ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ص؛ وأن تكون ذات‬
‫ة متيقظ ً‬
‫فطن ً‬
‫ة؛ وأن تكون ذات حر ٍ‬
‫ح ّ‬
‫ل ول تحتاج إلى الّناس ول ينكر الّناس‬
‫ظ من ما ٍ‬

‫‪151‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ب‪ ،‬أو‬
‫اختلفها ودخولها عليها‪ ،‬بأن تكون إ ّ‬
‫ما بّياعة طي ٍ‬
‫ق‬
‫ة‪ ،‬أو صانع ً‬
‫قابل ً‬
‫دم إليها أر ّ‬
‫ة للة العرائس‪ ،‬وتق ّ‬
‫وألطف ما تقدر عليه‪ ،‬ول تدع شيئا ً من ال ّ‬
‫شكوى‬
‫ة‬
‫ن نفسه في يدها‪ ،‬وأّنها متمّثل ٌ‬
‫واللطف‪ ،‬وتخبرها أ ّ‬
‫بين عينيه‪ ،‬وأّنه ل ينسى ذكرها‪ ،‬وأّنه يراها في المنام‬
‫ك ّ‬
‫ة تضربه وتخاصمه‪ ،‬وأّنه إن لم ير منها نظرةً أو‬
‫ل ليل ٍ‬
‫ّ‬
‫خلوةً هلك‪ ،‬وإّنه لم يمنعه من خطبتها إل ّ خشية‬
‫المتناع من أهلها إن كان دونهم في الحسب والجاه‬
‫والمال وخوف الّتمّنع منها هي أيضًا‪ .‬فإّنها إذا سمعت‬
‫ل إن‬
‫هذا وأمثاله مّرةً أو مّرتين لم تدع أن تمكنه بما ٍ‬
‫قدرت عليه وأذنت له في خطبتها من أوليائها‪ ،‬فإذا‬
‫شاوروها في ذلك‪ .‬رضيت‪ ،‬وقد تم ّ‬
‫كن قوله من قلبها‪،‬‬
‫ة من‬
‫صل منها إلى ما أراد بحلل الّتزويج دون حيل ٍ‬
‫تو ّ‬
‫حيل الحرام‪.‬‬
‫ن‬
‫ن من يعشقه ّ‬
‫?ليس له ّ‬
‫وقال هارون بن المنذر‪ :‬رأيت عطيطا المفتي يضرب‬
‫ن‪ .‬فقلت له?‬
‫جواريه على أ ّ‬
‫ن من يعشقه ّ‬
‫ن ليس له ّ‬
‫ن في هذا? ما أهون‬
‫ب له ّ‬
‫ويحك‪ ،‬أما تتقي الله? أ ّ‬
‫ي ذن ٍ‬
‫ن أين قلت‬
‫عليك! قال‪ :‬إذا أردت أن أشتري كسوته ّ‬
‫تكوهن لنك مولهن فقال وما لهن الزواني أل تجعل‬
‫ن ما قال? قلن‪:‬‬
‫ن سمعت ّ‬
‫كسوتهم عليهم?!? فقلت‪ :‬إّنك ّ‬
‫نعم‪ ،‬والله‪ ،‬ونجعل له أولدًا? قال‪ :‬فتن ّ‬
‫فس وقال‪:‬‬
‫يقولون ما ل يفعلون!‬
‫ماها ليلى‬
‫?????????????س ّ‬
‫سائب المخزومي وعبد‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬خرج أبو ال ّ‬
‫ع يتنّزهان فيه‪ ،‬فلقيا ابن‬
‫الله بن جندب إلى موض ٍ‬
‫المولى ال ّ‬
‫شاعر‪ ،‬فصلح به ابن جندب‪ .‬فقال‪ :‬ما شأنك?‬
‫وأنشد‪:‬‬
‫وأبكي فل ليلى بكت لما بي ول ليلى لذي‬
‫الودّ تبذل‬
‫ة‬
‫من صباب ٍ‬
‫وإّني إذ نبت كنت‬
‫واخضع للعتبى إذا‬
‫كنت مذنبـا ً‬
‫صل‬
‫الذي أتن ّ‬
‫ثباتي عن إتيانها‬
‫وقد زعمت أّني‬
‫متـعـّلـل‪.‬‬
‫سلوت وأننـي‬

‫‪152‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ق إن لم‬
‫قال ابن جندب‪ :‬من ليلى هذه? امرأته طال ٌ‬
‫ميتها ليلى‪.‬‬
‫أفدها‪ .‬قال‪ :‬هي والله يا أخي فرسي س ّ‬
‫?أمرته بتقوى الله‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬قال عمر بي أبي ربيعة‬
‫المخزومي‪:‬‬
‫وأبكي إن سمعت لها‬
‫ن إذا رأيت حجال‬
‫أح ّ‬
‫حنينـا‬
‫سعـدى‬
‫فديتك أخبري ما‬
‫وقد أزف المسير‬
‫تأمـرينـا‪.‬‬
‫فقل لسعدى‬
‫ق فخرج حّتى أتى الحّيان من‬
‫قال‪ ،‬فسمعه ابن أبي عتي ٍ‬
‫م أتى خيمة سعدى‪ ،‬فاستأذن عليها‬
‫أرض غطفان‪ ،‬ث ّ‬
‫م قال لها‪ :‬ما تأمريه به? قالت‪ :‬آمره‬
‫وأنشدها البيتين ث ّ‬
‫بتقوى الله‪.‬‬
‫?الّنساء فتن الّرجال‬
‫ديق‪ ،‬رضي الله‬
‫ص ّ‬
‫أبو غ ّ‬
‫سان المهدي قال‪ :‬مّر أبو بكر ال ّ‬
‫ق من طرق المدينة‪ ،‬فإذا جارية‬
‫عنه‪ ،‬في خلفته بطري ٍ‬
‫تطحن وتنشد‪:‬‬
‫متمايسا ً مثل‬
‫وعشقته من قبل‬
‫القضيب الّناعم‬
‫قطع تمائمي‬
‫ينمى ويصعد في‬
‫ن نور البدر سّنة‬
‫وكأ ّ‬
‫ذؤابة هاشم‬
‫وجهـه‬
‫فدقّ عليها الباب فخرجت إليه‪ ،‬فقال‪ :‬ويلك أحّرةً أم‬
‫ة يا خليفة رسول الله‪ .‬قال‪:‬‬
‫ة? قالت‪ :‬مملوك ٌ‬
‫مملوك ً‬
‫م قالت‪ :‬يا خليفة رسول الله‬
‫فمن هو? قال فبكت ث ّ‬
‫ق الغير أل انصرفت عّني?! قال‪ :‬وح ّ‬
‫قه ل أريم‬
‫بح ّ‬
‫مكاني أو تعلميني! ‪ .‬فقالت‪:‬‬
‫مد بن‬
‫وأنا التي لعب الغرام فبكت بح ّ‬
‫ب مح ّ‬
‫القاسم‪،‬‬
‫بقلبهـا‬
‫قال‪ ،‬فسار إلى المسجد وبعث إلى مولها فاشتراها‬
‫مد بن القاسم بن جعفر بن أبي‬
‫منه‪ :‬وبعث إلى مح ّ‬
‫طالب‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬وقال‪ :‬هؤلء فتن الّرجال‪ ،‬فكم‬
‫ن سليم!!‪ .‬رأى القطع‬
‫م‪ ،‬وعطب عليه ّ‬
‫مات به ّ‬
‫ن كري ٌ‬
‫ً‬
‫ق‬
‫خيرا من فضيحة عاش ٍ‬
‫ة‪ ،‬وكان أهلها‬
‫ى من أهل الكوفة عاشقا ً لجاري ٍ‬
‫وكان فت ً‬
‫عدوه ورصدوه‪ ،‬فلم يقدر على‬
‫سوا به فتو ّ‬
‫قد أح ّ‬

‫‪153‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ة أن تسير إليه‪.‬‬
‫ة مظلم ٍ‬
‫الوصول إليها فواعدها في ليل ٍ‬
‫ور عليها حائطًا‪ .‬فعلم به أهلها فأخذوه وأتوا‬
‫وأتى فتس ّ‬
‫ور‬
‫به خالد بن عبد الله القسري وقالوا له‪ :‬إّنه ل ّ‬
‫ص تس ّ‬
‫علينا من الحائط‪ .‬فسأله خالد عن ذلك فكره أن يجحد‬
‫جارية‪ ،‬فقال‪ :‬أسارقٌ أنت? قال‪:‬نعم‪،‬‬
‫سرقة فيفضح ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫أصلح الله المير‪ .‬فأمر بقطه يمينه‪ .‬وكان للجارية ابن‬
‫م من أهل الفضل قد ا ّ‬
‫طلع على بعض شأنه فأخذ‬
‫ع ّ‬
‫ة وكتب فيها هذه البيات‪:‬‬
‫رقع ً‬
‫وما العاشق المظلوم‬
‫أخالدٌ قد‪ ،‬واللـه‪،‬‬
‫فينا بـسـارق‬
‫ة‬
‫أوطـئت عـشـو ً‬
‫رأى القطع خيرا ً من‬
‫أقّربمـا لـم يجـن‬
‫فضيحة عاشق‬
‫عـمـدا ً لّنـه‬
‫للفيت في أمر‬
‫ولول الذي قد خفت‬
‫من قطع ك ّ‬
‫الهوى غير ناطـق‬
‫فـه‬
‫فأنت ابن عبد الـلـه‬
‫دت الغابات في‬
‫إذا م ّ‬
‫ول سـابـق‬
‫سبق للعـلـى‬
‫ال ّ‬
‫أ ّ‬
‫م أمر‬
‫م حذف الّرقعة فوقعت في حجر خالد فقرأها ث ّ‬
‫ث ّ‬
‫ما خل مجلسه‬
‫بالفتى إلى ال ّ‬
‫سجن‪ ،‬وصرف القوم‪ .‬فل ّ‬
‫صته فعّرفه‪ ،‬فبعث إلى أبي‬
‫دعا به فسأله عن ق ّ‬
‫صة هذا الفتى فما يمنعك‬
‫ال ّ‬
‫جارية فقال‪ :‬قد عرفت ق ّ‬
‫من تزويجه? قال‪ :‬خوف العار‪ .‬قال‪ :‬ل عار عليك في‬
‫وجه فتشف أمره! ‪ .‬فسأله أن‬
‫ذلك‪ ،‬والعار أن ل تز ّ‬
‫م‪،‬‬
‫يز ّ‬
‫وجه ففعل‪ ،‬فدفع إليه عن الفتى خمسة آلف دره ٍ‬
‫وأمره بتعجيل إهدائها إليه‪.‬‬
‫كانت تنزيه بين يديها‪.‬‬
‫سأل رج ٌ‬
‫ل بعض العلماء عن الواصلة‪ ،‬فقال‪ :‬إّنك‬
‫لمن ّ‬
‫فر‪ .‬قال‪ ،‬قالت عائشة‪ ،‬رضي الله عنها‪ :‬ليست‬
‫الواصلة كما تعنون‪ ،‬لّنهم كانوا يقولون‪ :‬الواصلة هي‬
‫أن تكون المرأة بغيا ً في شبيبتها فإذا شابت وصلته‬
‫بالقيادة‪ .‬وكانت كلمة التي يضرب بها المثل في‬
‫ما‬
‫القيادة صبي ّ ٌ‬
‫صبيان فل ّ‬
‫ة في الكّتاب تسرق أقلم ال ّ‬
‫ً‬
‫ما أقعدت اشترت تيسا وكانت تنزيه‬
‫شّبت قادت‪ ،‬فل ّ‬
‫بين يديها‪.‬‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫وادة ل يشفع فيها إل ّ زا ٍ‬
‫الق ّ‬

‫‪154‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مال البصرة كان ل يزال يأخذ‬
‫ذكر المدائني أ ّ‬
‫ن بعض ع ّ‬
‫وادةً فيحبسها‪ ،‬فيأتي من يشفع فيها فيخرجها‪ .‬فأمر‬
‫ق ّ‬
‫وادة‬
‫صاحب شرطته وكتب رقع ً‬
‫ة يقول فيها‪ :‬فلنة الق ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن‪ .‬فكان‬
‫تجمع بين الن ّ‬
‫ساء والّرجال‪ ،‬ل يتكلم فيها إل ّ زا ٍ‬
‫صتها‪ .‬حّتى إذا قرئت‬
‫إذا كّلمه فيها أحدٌ قال‪ :‬أخرجوا ق ّ‬
‫قام الّرجل مستحيًا‪.‬‬
‫ب إل ّّ أن يزرع‬
‫هل ينبت الح ّ‬
‫وحكى يقظان بن عبد العلى قال‪ :‬رأيت القين يضرب‬
‫ة‪ ،‬ما‬
‫جاريته سلمى المغّنية ويقول‪ :‬ما جئتني بهدي ّ ٍ‬
‫ة قط‪ ،‬هل هو إل ّّ هذا الكرى? فهبك لم‬
‫جئتني بخلع ٍ‬
‫د?‪ .‬فقالت‪:‬‬
‫تقدري على شي ٍ‬
‫ء‪ ،‬فما تقدرين على ول ٍ‬
‫ن‪ .‬فقال‪ :‬يا زانية إن لم تصدقي‬
‫هذه المّرة أجيئك باب ٍ‬
‫ن متحّر ٌ‬
‫ك‬
‫لضربّنك ألف سو ٍ‬
‫ط‪ .‬فرأيتها بعد ذلك ولها اب ٌ‬
‫تخدمه‪ .‬فقلت لها‪ :‬وقد وفيت لمولك? قالت‪ :‬نعم‪،‬‬
‫ولكن ما ناكني رج ٌ‬
‫ل حّتى جاءني هذا الولد! فقال‬
‫ّ‬
‫ب إل ّ أن يزرع? فعجبت‬
‫مولها‪ :‬صدقت‪ ،‬فهل ينبت الح ّ‬
‫جارية‪.‬‬
‫من كشخنة المولى وطيب نفس ال ّ‬
‫باب ما جاء في ما ل يحاط به‬
‫وهذا باب‪ ،‬أعّزك الله‪ ،‬أكثر من ل يحاط به‪ .‬ولكّني‬
‫ع‪ .‬وستقف‬
‫اختصرت من ملح أحاديثهم ما فيه مستمت ٌ‬
‫ر‬
‫في الخر التي أفردناها من أخبار القيان على كثي ٍ‬
‫منه‪ .‬وقد قالت ال ّ‬
‫شعراء في الّرسل في الجاهلّية‬
‫والسلم‪ .‬ومن ذلك قول حميد بن ثور الهللي‪:‬‬
‫ك ما لتستقينا ما قد‬
‫ي إّني مشت ٍ‬
‫خليل ّ‬
‫لقيت وتعـلـمـا‪،‬‬
‫أصـابـنـي‬
‫بها يحتمل يوما ً من‬
‫ن المـانة‬
‫أمنتكما‪ ،‬إ ّ‬
‫الله مأثـمـا‪.‬‬
‫مـن يخـن‬
‫فل تفشيا سّري‪ ،‬ول أبّثكما منه الحديث‬
‫تخـذل أخـا ً‬
‫المكـّتـمـا‪،‬‬
‫لتتخذا لي‪ ،‬بارك اللـه إلى أهل ليلى‬
‫العامرّية سّلـمـا‪.‬‬
‫فـيكـمـا‪،‬‬
‫فإن كان لي ً‬
‫ل‪ ،‬فألوناه وإن خفتما أن تعرفا‬
‫فتلـثـمـا‪،‬‬
‫هـديتـمـا‪،‬‬
‫ب تركناهـا بـثـد‬
‫وقول‪ :‬خرجنا تاجرين ركا ٌ‬
‫قـّيمـا‪.‬‬
‫فأبـطـأت‬

‫‪155‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬

‫وأخليتما ما شئتما‬
‫فإن أنتما أطمأننتما‬
‫فتـكـّلـمـا‪،‬‬
‫وأمـنـتـمـا‬
‫وقول لها‪ :‬ما تأمرين لنا قد تركت القلب‬
‫منه متـّيمـا?‬
‫ب‬
‫بصـاحـ ٍ‬
‫إليك‪ ،‬وما نرجوك إل ّّ‬
‫أبيني لنا إّنا رحلـنـا‬
‫هـمـا‪.‬‬
‫مـطـّينـا‬
‫تو ّ‬
‫صداي‪ ،‬إذا ما كنت‬
‫م‬
‫أل هل صدا‪ ،‬أ ّ‬
‫رمسا ً وأعظما‬
‫م‬
‫الولـيد مـكـّلـ ٌ‬
‫المأمون‪ :‬يا ليتني كنت الّرسول‬
‫ل بعث له‪:‬‬
‫وقال المأمون لرسو ٍ‬
‫وأغـفـلـتـنـي‪ ،‬حـّتـى أسـأت بـك‬
‫ثـتـك مـرتـادًا‪ ،‬فـــفـــزت بـــنـــظـــر ٍ‬
‫ة الــ ّ‬
‫ظـــّنـــا‪،‬‬
‫وك مـــا‬
‫اجـيت مـن أهـدى وكـنـــت‬
‫فيا لـيت شـعـري‪ ،‬عـن دنـ ّ‬
‫أغـــنـــى?‬
‫ـقـــّربـــا ً‪.‬‬
‫ومـّتـعـت بـاسـتـمـتـاع نـغـمـتـهـــا‬
‫ددت طـرفـا ً فـي مـحـاســن‬
‫ّ‬
‫الذنـــا‪.‬‬
‫ـــهـــهـــا‪،‬‬
‫ى أثرا ً منها بعينيك لم يكن‪ ،‬لقد سرقت‬
‫ناك من وجهها حسنا‪.‬‬
‫وكـنـت الـذي يعـصـي وكـنــت الـــذي‬
‫ا ليتني كنت الّرسول فأشتفي‪،‬‬
‫أدنـــى‪.‬‬
‫المتنّبي‪ :‬أنا أهوى وقلبك المتبول‬
‫وقال أبو الطّّيب المتنّبي في مثل ذلك‪:‬‬
‫أنا أهوى‪ ،‬وقلبك‬
‫ى‪ ،‬يا‬
‫ما لنا كّلنا جو ً‬
‫المتبـول‬
‫رسول‪،‬‬
‫غار مّني‪ ،‬وخان فيما‬
‫كّلما عاد من بعثت‬
‫يقول‪.‬‬
‫إلـيهـا‪،‬‬
‫ن‬
‫أفسدت بيننا‬
‫ها وخانت قلوبه ّ‬
‫العقـول‬
‫المانات عـينـا‬
‫فعليه لك ّ‬
‫ب‬
‫وإذا خامر الهوى‬
‫ل قـلـ ٍ‬
‫دلـيل‪.‬‬
‫ب‬
‫قلب ح ّ‬
‫دثين‪ :‬شغلتني وشغلت عّني‬
‫بعض المح ّ‬
‫دثين‪:‬‬
‫وقال بعض المح ّ‬
‫يا سوء منقلب الّرسول مخبرا ً بخلف ظّني‬
‫إّني أعيذك أن تكون شغلتني وشغلت عّني‬

‫‪156‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مر ثيابك‬
‫أبو نواس‪ :‬ش ّ‬
‫وأنشد لبي نواس‪:‬‬
‫بابًا‪ ،‬وأحراس به‬
‫يا من أتى من دون‬
‫وكلوا‪:‬‬
‫حاجته‬
‫م خلق الله‬
‫مر ثيابك‪ ،‬قد‬
‫لو ع ّ‬
‫ش ّ‬
‫لشتغلوا‪،‬‬
‫شغلت بما‬
‫مه‬
‫وانظر رسول ً ذا‬
‫لول مرارة غ ّ‬
‫عسـل‬
‫ة‬
‫ملطف ٍ‬
‫أفعاله كالّنار‬
‫ة‪،‬‬
‫من عليه غباو ٌ‬
‫م ّ‬
‫تشتـعـل‬
‫وتـرى‬
‫البتذال ول إذا‬
‫ل يحلفون به إذا‬
‫دخـلـوا‬
‫خرجوا‬
‫وادة‬
‫رأي الهوازي في الق ّ‬
‫وادة‪:‬‬
‫وأنشد أحمد بن عيسى الهوازي في ق ّ‬
‫تجري من النسان‬
‫تكاد لو لـم تـكـن‬
‫دم‬
‫ة‬
‫أنـسـي ّ ً‬
‫مجرى ال ّ‬
‫ل يعصم المقدار من محّله في الموضع‬
‫العظـم‬
‫كـيدهـا‬
‫شروط مناجاة الغادة‬
‫وأنشد لخر أيضًا‪:‬‬
‫من الغواني صعبة‬
‫إذا أردت أن تناجـي‬
‫المنقده‬
‫ة‬
‫غـاد ً‬
‫ب في ال ّ‬
‫فادسس لها عجـيزا ً‬
‫ظلماء من‬
‫أد ّ‬
‫جرادة‬
‫وادة‬
‫قـ ّ‬
‫تلوح في جبينها‬
‫دة‬
‫قد انحنت من ش ّ‬
‫جـادة‬
‫العبـادة‬
‫س ّ‬
‫ال ّ‬
‫في يدها سبحتها‬
‫كالحسن البصري أو‬
‫صـّيادة‬
‫قتـادة‬
‫ال ّ‬
‫قد ألفت غرائب‬
‫دة‬
‫قد أحكمت من ش ّ‬
‫الـقـيادة‬
‫المرادة‬
‫بذكر ك ّ‬
‫ل‬
‫فإّنها تدخل‪،‬‬
‫ل غافـ ٍ‬
‫مـعـادة‬
‫كالـمـرتـادة‪،‬‬
‫وتصف ال ّ‬
‫حّتى إذا نصبت لها‬
‫شقاء‬
‫الوسادة‬
‫سـعـادة‬
‫وال ّ‬

‫‪157‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ولحظت عـقـلة‬
‫و ّ‬
‫قـادة‬
‫وضها بالّلجم‬
‫تر ّ‬
‫الـمـقـادة‬
‫زهدها يغّر العيون‬
‫وقال أحمد بن أبي طاهر‪:‬‬
‫فأرسلتها أمضى من‬
‫سيف مقدمـا ً‬
‫ال ّ‬
‫ب دبيب الّنمل في‬
‫تد ّ‬
‫ك ّ‬
‫ل مفـصـل‬
‫يذ ّ‬
‫صعب‬
‫ل لها ال ّ‬
‫الجـمـوح قـياده‬
‫داهي‬
‫يرى الفطن ال ّ‬
‫عليهـا عـبـادة‬
‫يؤّلف بين السد‬
‫وال ّ‬
‫شاء لطـفـهـا‬
‫ولو أّنها شاءت‪،‬‬
‫بأهون سـعـيهـا‪،‬‬
‫ولو جبـ ٌ‬
‫ل رامـت إزالة‬
‫ركـنـه‬
‫يغّر العيون زهدها‬
‫وخشـوعـهـا‬
‫هل ما قد كان‬
‫تس ّ‬
‫وعـرا ً طـريقـه‬
‫ن ممطور‬
‫قامتها غصن با ٍ‬
‫وأنشد لبن بشير‪:‬‬
‫ة في الذي‬
‫وزول ٍ‬
‫رامت يتاح لـهـا‬
‫ل تحزر الخود منها‬
‫ب لهـا‬
‫أن تد ّ‬
‫ن في قلب من‬
‫كأ ّ‬
‫يصغي لمنطقهـا‬
‫أخفى من الّروح في‬
‫ة‬
‫تأليف معصي ٍ‬

‫م خلت بالغادة‬
‫ث ّ‬
‫الـمـرادة‬
‫حّتى ترى طاعتها‬
‫سعـادة‬
‫ل‬
‫ل بلي ٍ‬
‫وأسرع من سي ٍ‬
‫إذا احتـفـل‬
‫لطافتها في الّرأي‬
‫والقول والحـيل‪.‬‬
‫وتهدي إلى طرق‬
‫ضلل فل تضل‬
‫ال ّ‬
‫إذا ما رآها وهي أختل‬
‫من خـتـل‬
‫ويستنزل العصماء‬
‫من شغف القلل‬
‫لّلفت ال ّ‬
‫ذئب الزل‬
‫مع الـحـمـل‬
‫برقيتها يوما ً لز ّ‬
‫ل بهـا‬
‫الـجـبـل‬
‫وتسبيحها عند‬
‫ال ّ‬
‫شروق وفي الصل‬
‫وتفتح ما قد كان‬
‫غلقا ً وما قـفـل‪.‬‬
‫مت الّتجارب أسباب‬
‫المـقـادير‬
‫مشي ّدٌ محكم‬
‫سـور‬
‫البـنـيان والـ ّ‬
‫من حّر ما نعتت‬
‫لسب الّزنـابـير‬
‫ف‬
‫ملت من لطـ ٍ‬
‫إذا تأ ّ‬
‫وتـقـدير‬

‫‪158‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تشيمها بذوات الـبـّر‬
‫والـخـير‬
‫ن رشيق‬
‫كغصن با ٍ‬
‫القدّ ممطـور‬
‫تقارب الخطو في‬
‫ميل وباطـير‬
‫يرنو بمقلتها أنفـاس‬
‫مـبـهـور‬
‫سوم‪ ،‬حّتى‬
‫في ال ّ‬
‫أجابت بعد تعسير‬
‫أزهو برؤيته زهو‬
‫المـياسـير‪.‬‬

‫دهر‬
‫قد ناطت ال ّ‬
‫مصباحا ً بمعصمها‬
‫دين‬
‫خلت بواضحة الخ ّ‬
‫ة‬
‫مخـطـف ٍ‬
‫باتت تعّلمها في‬
‫طول ليلـتـهـا‬
‫ً‬
‫ن‬
‫رفقا‪ ،‬وتقليب عي ٍ‬
‫عند ك ّ‬
‫ى‬
‫ل فتـ ً‬
‫ما زلت أسألها حظّا ً‬
‫وترفـع لـي‬
‫ل أصغر‪ ،‬دهرا ً‬
‫لبذ ٍ‬
‫كنت أدخـره‪،‬‬
‫الماشية على الماء‬
‫وأنشد لسحاق بن خلف البصري‪:‬‬
‫أو أذن خرساء‬
‫ن رقيتها في‬
‫لو أ ّ‬
‫أضحت غير خرساء‬
‫ة نطـقـت‬
‫صخر ٍ‬
‫ولو تشاء مشت‬
‫أخفى من الّروح إذ‬
‫ً‬
‫رفقا على المـاء‪.‬‬
‫دّبت لحاجتـهـا‬
‫عيبه إصلح شأن العشائر‬
‫مار‪:‬‬
‫وأنشد الخ ّ‬
‫ظلم الّناس‪،‬‬
‫ورموه بـالـكـبـائر‬
‫حسـبـنـا‬
‫ب سوى‪،‬‬
‫ما له عي ٌ‬
‫حه بين الـعـشـائر‬
‫إصل‬
‫وادٌ يخلي منزله بدرهمين‬
‫ق ّ‬
‫وأنشد لعبد بن وهب‪:‬‬
‫كذبتم‪ ،‬ما أبو حفص‬
‫قالوا ابن عثمة‬
‫واد‬
‫د‪ ،‬فقلت لهم‪:‬‬
‫وا ٌ‬
‫بـقـ ّ‬
‫ق ّ‬
‫لكّنه رج ٌ‬
‫درهمين وما يبقى‬
‫ل يخلـيك‬
‫بال ّ‬
‫من الّزاد‬
‫مـنـزلـه‬
‫المتكامل‬
‫وأنشد ابن العرابي‪:‬‬
‫هل من رسول‬
‫ل عـنـيف‬
‫إلى غزا ٍ‬
‫لطيف‬
‫س عفـيف‬
‫ب‬
‫له ســـريرة ذئ ٍ‬
‫وسمت ق ّ‬

‫‪159‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫تكامل ال ّ‬
‫ظرف فـيه‬
‫نحن منصرفان‬
‫دمينة‪:‬‬
‫ومن ملح ما قيل في هذا المعنى قول ابن ال ّ‬
‫على حاضر الماء‬
‫ي سيرا‬
‫خليل ّ‬
‫الذي تردان‬
‫مسعدين فسّلـمـا‬
‫ومّرا فقول‪ :‬نحن‬
‫ومّرا فقول‪ :‬نحن‬
‫منصرفـان‬
‫ة‬
‫نطلب حاج ً‬
‫باب ما جاء في خلق الّنساء‬
‫أوصاف الّنساء‬
‫ل فهي‪:‬‬
‫إذا كانت المرأة ضخم ً‬
‫م ٍ‬
‫ة في تع ّ‬
‫د وعلى اعتدا ٍ‬
‫رمجلة‪ .‬فإذا زاد ضخمها ولم تقبح فهي‪ :‬مسبحلة‪ .‬فإذا‬
‫ة وعيطبول‪ .‬فإذا كانت‬
‫ة سبط ٌ‬
‫ة قيل‪ :‬جاري ٌ‬
‫كانت طويل ً‬
‫ة‪ .‬فإذا أشبه‬
‫ة ووضيئ ٌ‬
‫ل فهي‪ :‬جيل ٌ‬
‫بها مسح ٌ‬
‫ة من جما ٍ‬
‫ة‪ .‬فإذا استغنت‬
‫سان ٌ‬
‫بعضها في الحسن بعضا ً فهي‪ :‬ح ّ‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت ل تبالي أن‬
‫بجمالها عن الّزينة فهي‪ :‬غاني ٌ‬
‫تلبس ثوبا ً حسنا ً ول قلدةً فاخرةً فهي‪ :‬معطا ٌ‬
‫ل‪ .‬فإذا‬
‫ة‪ .‬فإذا‬
‫كان حسنها ثابتا ً كأّنها رسمت به فهي‪ :‬وسيم ٌ‬
‫قسم لها ح ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫ظ وافٌر من الحسن فهي‪ :‬قسيم ٌ‬
‫ضاءة في البشرة‪.‬‬
‫صباحة في الوجه الو ّ‬
‫وقالوا‪ :‬وقال ال ّ‬
‫الجمال في النف‪ .‬الحلوة في العينين‪ .‬الملحة في‬
‫الفم‪ .‬ال ّ‬
‫د‪ .‬الّلباقة‬
‫ظرف في الّلسان‪ .‬الّرشاقة في الق ّ‬
‫شمائل‪ .‬كمال الحسن في ال ّ‬
‫في ال ّ‬
‫شعر‪.‬‬
‫والمرأة الّرعبوبة‪ :‬البيضاء‪ .‬الّزهراء‪ :‬التي يضرب‬
‫ة كلون القمر والبدر‪ .‬والهجان‪:‬‬
‫بياضها إلى صفر ٍ‬
‫الحسنة البياض‪.‬‬
‫م وليدةٌ إذا تحّركت؛‬
‫ة ما دامت صغير ً‬
‫والمرأة طفل ٌ‬
‫ة؛ ث ّ‬
‫م معصٌر إذا‬
‫م كاع ٌ‬
‫م ناهدٌ إذا زاد؛ ث ّ‬
‫ب إذا كعب ثديها؛ ث ّ‬
‫ث ّ‬
‫سطت ال ّ‬
‫شباب‪.‬‬
‫م خودٌ إذا تو ّ‬
‫أدركت؛ ث ّ‬
‫دتهما حّتى كأّنهما‬
‫دقيقة الحاجبين الممت ّ‬
‫والّزجاء‪ :‬ال ّ‬
‫ّ‬
‫ة‪ ،‬وهو‬
‫م‪ .‬والبلج‪ :‬إن يكون بينهما فرج ً‬
‫خطا بقل ٍ‬
‫دعج‪ :‬أن تكون‬
‫ب‪ ،‬ويكره القرن وهو اّتصالهما‪ .‬وال ّ‬
‫يستح ّ‬
‫دة‬
‫سواد مع سعة المقلة‪ .‬والبرج‪ :‬ش ّ‬
‫العين شديدة ال ّ‬
‫دة بياضهما‪ .‬والّنجل‪ :‬سعتهما‪ .‬الكحل‪:‬‬
‫سوادهما وش ّ‬
‫ل‪ .‬الحور‪ :‬اّتساع سوادهما‪.‬‬
‫سواد جفونهما من غير كح ٍ‬
‫شنب‪ :‬ر ّ‬
‫ال ّ‬
‫قة السنان واستواؤهما وحسنها‪ .‬الّرتل‪:‬‬
‫ففاق كـ ّ‬
‫ف‬
‫ل ظـري ٍ‬

‫‪160‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫حسن تنضيدها واّتساقها‪ .‬الّتفليج‪ :‬تفرج ما بينهما‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ن‬
‫د في استوا ٍ‬
‫شتت‪ :‬تفّرقها في غير تباع ٍ‬
‫ء وحس ٍ‬
‫ت‪ .‬الشر‪ :‬تحديدٌ في أطراف الّثنايا‬
‫يقال منه‪ ،‬ثغٌر شتي ٌ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يد ّ‬
‫ل على الحداثة‪ .‬الظلم‪ :‬الماء الذي يجري على‬
‫السنان من البريق‪ .‬الجيد‪ :‬طول العنق‪ .‬الّتلع‪:‬‬
‫إشرافها‪.‬‬
‫ة حسنة الخلق فهي‪ :‬خود‪ .‬فإذا‬
‫وإذا كانت المرأة شاب ّ ً‬
‫كانت جميلة الوجه حسنة المعرى فهي‪ :‬بهنكة‪ .‬فإذا‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت حسنة‬
‫كانت دقيقة المحاسن فهي‪ :‬مملود ٌ‬
‫ة‪ .‬وإذا كانت لم يركب‬
‫د‪ ،‬لّينة العصب‪ :‬فهي‪ :‬خرعب ٌ‬
‫الق ّ‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت لطيفة‬
‫بعض لحمها بعضا ً فهي‪ :‬مبتل ٌ‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت لطيفة الكشحين‬
‫البطن فهي خمصان ٌ‬
‫م‪ .‬فإذا كانت لطيفة الخصر مع امتداد‬
‫فهي‪ :‬هضي ٌ‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت طويلة العنق في‬
‫القامة فهي‪ :‬ممشوق ٌ‬
‫ن فهي‪ :‬عطبول‪ .‬فإذا كانت عطيمة‬
‫اعتدا ٍ‬
‫ل وحس ٍ‬
‫ة ممتلئة‬
‫ح‪ .‬فإذا كانت سمين ً‬
‫العجيزة فهي‪ :‬ردا ٌ‬
‫ال ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫ساقين فهي خدلج ٌ‬
‫ذراعين وال ّ‬
‫ة‪ .‬فإذا‬
‫ج من سمنها فهي مرماد ٌ‬
‫فإذا كانت سمين ً‬
‫ة ترت ّ‬
‫ة‪ :‬فإذا‬
‫كانت ترعد من الّرطوبة والغضاضة فهي برهره ٌ‬
‫ة‪ .‬فإذا‬
‫ن الماء يجري في وجهها فهي رقراق ٌ‬
‫كانت كأ ّ‬
‫ة‪ .‬فإذا‬
‫ض ٌ‬
‫كانت رقيقة الجلد ناعمة البشرة فهي‪ :‬ب ّ‬
‫ة‪ .‬فإذا كان‬
‫عرفت في وجهها نضرة الّنعيم فهي‪ :‬نظر ٌ‬
‫ة‪ .‬فإذا‬
‫فيها فتوٌر عند القيام لسمنها فهي‪ :‬أناةٌ ووهنان ٌ‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت عظيمة الخلق‬
‫كانت طّيبة الّريح فهي بهنان ٌ‬
‫ة فهي‪:‬‬
‫ل فهي عرهر ٌ‬
‫ة جميل ً‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت ناعم ً‬
‫مع جما ٍ‬
‫د فهي‪ :‬غيداء‬
‫عبقر ٌ‬
‫ة‪ :‬فإذا كانت مثني ّ ً‬
‫م ٍ‬
‫ن وتع ّ‬
‫ة للي ٍ‬
‫ف‪ .‬فإذا كانت‬
‫وغاد ٌ‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت طّيبة الفم فهي‪ :‬رشو ٌ‬
‫ف‪ .‬فإذا كانت طّيبة الخلوة‬
‫طّيبة ريح اليد فهي‪ :‬أنو ٌ‬
‫ع‪.‬‬
‫ف‪ .‬فإذا كانت لعوبا ً ضحوكًا‪ .‬فهي‪ :‬شمو ٌ‬
‫فهي‪ :‬رصو ٌ‬
‫مة ال ّ‬
‫شعر فهي‪ :‬فرعاء‪ .‬فإذا لم يكن‬
‫فإذا كانت تا ّ‬
‫م من سمنها فهي‪ :‬درماء‪ .‬فإذا ضاق‬
‫لمرفقيها حج ٌ‬
‫ملتقى فخذيها لكثرة لحمها فهي‪ :‬ل ّ‬
‫فاء‪.‬‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت‬
‫ة فهي‪ :‬خفرةٌ وخّريد ٌ‬
‫فإذا كانت حيي ّ ً‬
‫ة زوجها‬
‫ة‪ .‬فإذا كانت محب ّ ً‬
‫صوت فهي‪ :‬رخيم ٌ‬
‫منخفضة ال ّ‬
‫ب‪ .‬فإذا كانت نفورا ً من الّريب‬
‫متحبب ّ ً‬
‫ة إليه فهي‪ :‬عرو ٌ‬
‫فهي‪ :‬نواٌر‪ .‬فإذا كانت تجتنب القذار فهي‪ :‬قذوٌر‪ .‬فإذا‬

‫‪161‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن‪ .‬وإذا كانت عاملة الك ّ‬
‫فين‬
‫كانت عفيف ً‬
‫ة فهي‪ :‬حصا ٌ‬
‫فهي صناع‪.‬‬
‫فإذا كانت كثيرة الولد فهي‪ :‬بنون‪ .‬فإذا كانت قليلة‬
‫الولدة فهي‪ :‬نزوٌر‪ .‬فإذا كانت تلد ال ّ‬
‫ذكور فهي‪ :‬مذكاٌر‪.‬‬
‫ة‬
‫فإذا كانت تلد الناث فهي‪ :‬مئنا ٌ‬
‫ث‪ .‬فإذا كانت تلد مّر ً‬
‫ب‪ .‬فإذا كانت ل يعيش لها‬
‫ذكرا ً ومّرةً أنثى فهي‪ :‬مها ٌ‬
‫ب‪.‬‬
‫ت‪ .‬فإذا كانت تلد الّنجباء فهي‪ :‬منجا ٌ‬
‫ولدٌ فهي‪ :‬مقل ٌ‬
‫ة‪.‬‬
‫فإذا كانت تلد الحمقاء فهي‪ :‬محمق ٌ‬
‫فإذا كانت يغشى عليها عند الجماع فهي‪ :‬ربو ٌ‬
‫خ‪.‬‬
‫ي الخلق‪ .‬والّلدنة‪ :‬الّلينة الّناعمة‪.‬‬
‫والممكورة‪ :‬المطو ّ‬
‫ّ‬
‫والمقصدة‪ :‬التي ل يراها أحدٌ إل ّ أعجبته‪ .‬والخبرنجة‪:‬‬
‫ء‪ .‬والمسبطّرة‪:‬‬
‫جارية الحسنة الخلق في استوا ٍ‬
‫ال ّ‬
‫الجسيمة‪ .‬والعجزاء‪ :‬العظيمة العجيزة‪ .‬والّرعبوبة‪:‬‬
‫دقيقة الجلد‪ .‬والّرتكة‪ :‬الكثيرة‬
‫الّرطبة‪ .‬والّرجراجة‪ :‬ال ّ‬
‫الّلحم؛ وال ّ‬
‫طفلة الّناعمة‪ .‬والّرود‪ :‬المتثّنية الّلينة‪.‬‬
‫والملود‪ :‬الّناعمة؛ ومثلها الخرع‪ -‬مأخوذٌ من نبت‬
‫ن‪ -‬والبارقة‪ :‬البيضاء الّثغر‪.‬‬
‫الخروع وهو نب ٌ‬
‫ت لي ّ ٌ‬
‫وج‪ .‬والبلهاء‪:‬‬
‫وال ّ‬
‫دهثمة‪ :‬ال ّ‬
‫سهلة‪ .‬والعاتق‪ :‬التي لم تتز ّ‬
‫سره الغّريرة‪ .‬والعيطموس‪:‬‬
‫الكريمة‪ ،‬والمف ّ‬
‫ضلة عن ال ّ‬
‫الفطنة الحسناء‪.‬‬
‫سلهبة‪ :‬الخفيفة الّلحم‪ ،‬والمجدولة الممشوقة‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫سرعوفة‪ :‬الّناعمة ال ّ‬
‫طويلة‪ .‬والفيصاء والع ّ‬
‫فاء‪:‬‬
‫وال ّ‬
‫ال ّ‬
‫حاكة المهلّلة‪.‬‬
‫طويلة العنق‪ .‬والّتهنانة أيضًا‪ :‬ال ّ‬
‫ض ّ‬
‫والغيلم‪ :‬الحسناء‪ .‬والخليق‪ :‬الحسنة الخلق؛ وقال‬
‫الفّراء هي أحسن الّناس حيث نظر ناظٌر‪ ،‬أي هي‬
‫أحسن الّناس وجهًا‪ .‬وقال أبو عمرو‪ :‬ويقال للمرأة إذا‬
‫س شرهاء‪ -‬وال ّ‬
‫شرهاء‪ :‬الحديدة‬
‫كانت حسناء‪ :‬كأّنها فر ٌ‬
‫الّنفس‪ -‬وامرأةٌ حسنة المعارف‪ -‬ومعارفها‪ :‬وجهها‪-‬‬
‫والمتحّرية‪ :‬الحسنة المشية في خيلء‪ .‬وال ّ‬
‫شموس‪:‬‬
‫التي ل تطمع الّرجل في نفسها‪ ،‬وهي ال ّ‬
‫ة‬
‫ذعور‪ .‬وامرأ ٌ‬
‫ظمياء‪ :‬إذا كانت سمراء‪ ،‬وش ّ‬
‫ة ظمياء كذلك‪ .‬ويقال‬
‫ف ٌ‬
‫ة أي‬
‫لها إّنها لحسنة العطل أي الجسم‪ .‬ويقال عبق ٌ‬
‫التي يشاكلها ك ّ‬
‫ل الّناس‪.‬‬
‫ة‬
‫ر عدّ ٍ‬
‫اختلف الّناس في أمو ٍ‬
‫ونذكر اختلفات الّناس في الّثدي والعجز والمجدولة‬
‫ضخمة ال ّ‬
‫طويلة‪ ،‬والغضيضة‪ .‬واختلف‬
‫من الّنساء وال ّ‬

‫‪162‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫شهواتهم في الممسوحة والمفلكة والكاعب والّناهد‬
‫ضخم الذي يمل‬
‫والمنكسرة‪ .‬ومن استحسن الّثدي ال ّ‬
‫الك ّ‬
‫م ذلك‪.‬‬
‫فين‪ ،‬ومن ذ ّ‬
‫من وصف ال ّ‬
‫شحم عبد بني الحسحاس حيث يقول‪:‬‬
‫وم ّ‬
‫سدني ك ّ‬
‫ي وتحنو رجلهـا‬
‫فا ً وترفع‬
‫تو ّ‬
‫عل ّ‬
‫مـعـصـمـا ً‬
‫مـن ورائيا‬
‫ش ّ‬
‫بها القطر‪ ،‬وال ّ‬
‫قان‬
‫أميل بها ميل‬
‫من عن شماليا‬
‫الّنـزيف‪ ،‬وأّتـقـي‬
‫فسحيم لم يّتخذها هدفا ً تستر عنه الريح والقطر إل ّّ‬
‫ّ‬
‫ضخم‪.‬‬
‫وهي في غاية ال ّ‬
‫ل يريدها خّناء قّباء‬
‫ي بن أبي‬
‫وقال أبو عبيدة‪ :‬دخل مالك الشتر على عل ّ‬
‫طالب‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬في صبحة بنائه على نسائه‬
‫فقال‪ :‬كيف وجد أمير المؤمنين أهله! قال كالخير من‬
‫ة‪ ،‬لول أّنها خّناء قّباء قال‪ :‬وهل يريد الّرجال من‬
‫امرأ ٍ‬
‫ّ‬
‫الّنساء إل ّ ذلك يا أمير المؤمنين? قال‪ :‬ك ّ‬
‫ل‪ ،‬حّتى‬
‫ضجيع‪ ،‬وتروي الّرضيع‪.‬‬
‫تدفىء ال ّ‬
‫تفضيل المرأة المجدولة‬
‫ضخم وال ّ‬
‫وهذا يد ّ‬
‫شحم‪ .‬وأكثر البصراء‬
‫ل على العجب بال ّ‬
‫دمون‬
‫بجواهر الّنساء الذين هم جهابذة هذا المر يق ّ‬
‫سمينة‬
‫المجدولة‪ ،‬فهي تكون في منزل ٍ‬
‫ة بين ال ّ‬
‫والممشوقة مع جودة القدّ وحسن الخرط‪ .‬ول بدّ أن‬
‫ة‬
‫تكون كاسية العظام‪ .‬وإّنما يردون بقولهم مجدول ً‬
‫ة من‬
‫جدولة العصب وقّلة السترخاء‪ ،‬وأن تكون سليم ً‬
‫ة‪،‬‬
‫ة وسيفان ً‬
‫الّزوائد والفضول‪ ،‬لذلك قالوا خمصان ً‬
‫ن وقضيب خيزران‪.‬‬
‫ن وغصن با ٍ‬
‫وكأّنها جدل عنا ٍ‬
‫والّتثّني من مشية المرأة أحسن ما فيها‪ .‬ول يمكن‬
‫سمينة‪ .‬ووصفوا المجدولة فقالوا‪:‬‬
‫ذلك ال ّ‬
‫ضخمة وال ّ‬
‫ب‪.‬‬
‫ب‪ ،‬وأسفلها كثي ٌ‬
‫أعلها قضي ٌ‬
‫وقال بعض العراب‪:‬‬
‫ومن رشأ الغزلن‬
‫ة من خوط‬
‫لها قسم ٌ‬
‫جيد ومـذرف‬
‫ى‬
‫با ٍ‬
‫ن ومن نقـ ً‬
‫يكاد كليل ال ّ‬
‫إذا ما بدت من‬
‫طرف‬
‫خدرها حين تطرف‬
‫دهـا‬
‫يكلـه خـ ّ‬

‫‪163‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫تنوء بخصريها ثقال‬
‫ة جدل‬
‫ومجدول ٍ‬
‫الّروادف‬
‫العنان إذا مشت‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ما ردفها‬
‫ما مجال‬
‫ومجدول ٌ‬
‫ض‪ ،‬وأ ّ‬
‫ة‪ ،‬أ ّ‬
‫فغ ّ‬
‫فكثـيب؛‬
‫وشاحهـا‬
‫لتطلع أحيانا ً لـه‬
‫ساري‬
‫لها القمر ال ّ‬
‫فـيغـيب‪.‬‬
‫ب‪ ،‬وإّنها‬
‫نصي ٌ‬
‫وقال أبو نواس‪ .‬وقد أحسن ما شاء‪:‬‬
‫ما حّلها المشروب‬
‫أحللت من قلبي‬
‫والمأكول‪.‬‬
‫ة‬
‫هواك محـل ّ ً‬
‫يتحّير الّتشبيه‬
‫بكمال صورتك التي‬
‫والـّتـمـثـيل‪.‬‬
‫في مثلهـا‬
‫سمين‪،‬‬
‫فوق القصيرة‪،‬‬
‫دون ال ّ‬
‫وال ّ‬
‫ودونها المهزول‪.‬‬
‫طويلة فوقها؛‬
‫ما قول العشى حيث يقول‪:‬‬
‫وأ ّ‬
‫غّراء فرعاء مصقو ٌ‬
‫تمشي الهوينا كما‬
‫ل‬
‫يمشي الوحى الوجل‬
‫عـوارضـهـا‬
‫ث‬
‫سـحـابة ل ري ٌ‬
‫كأ ّ‬
‫ن مشيتها مـن بـيت مّر ال ّ‬
‫ول عـجـل‬
‫جـاريتـهـا‬
‫ضخم‪ ،‬ولكّنه يذكر أفراطًا‪.‬‬
‫فقد وصفها كما ترى بال ّ‬
‫وقال الحوص‪:‬‬
‫ن ضاع أنعمت أن‬
‫من المدمجات الّلحم عنا ٌ‬
‫ودا‬
‫جدل ً كأّنها‬
‫تج ّ‬
‫قال أبو عثمان الجاحظ‪ :‬كان أبو معمر بن هلل يقول‪:‬‬
‫عذرت الّرجل ال ّ‬
‫ة‪ .‬ولكن‬
‫طويل الير حّتى يتمّناها ضخم ً‬
‫صغير الير في ذلك?‪.‬‬
‫ما عذر ال ّ‬
‫وفي اختلفهم في الّثدي‬
‫أنشد للمرار بن سعيد‬
‫صلبة الخدّ طوي ٌ‬
‫ما‬
‫ل‬
‫سجمة الّثدي ول ّ‬
‫ينكسر‬
‫جيدها‬
‫وقال الّنابغة في الّنهود‪:‬‬
‫ي‬
‫يحططن بالعيدان‬
‫مان الّثد ّ‬
‫ويخّبأن ر ّ‬
‫في ك ّ‬
‫الّنواهـد‬
‫د‬
‫ل مقع ٍ‬
‫وأنشد لمسلم بن الوليد‪:‬‬

‫‪164‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫وقد فجأتها العين‬
‫فأقسمت أنسى‬
‫صبى وال ّ‬
‫شـّر واقـع‬
‫ال ّ‬
‫داعيات إلى ال ّ‬
‫فغ ّ‬
‫كأيدي السارى‬
‫طت بأيديها ثمـار‬
‫أثقلتها الجوامـع‬
‫صـدورهـا‬
‫د‪ ،‬ول‬
‫ي امرأةً فقال‪ :‬والله ما بطنها بوال ٍ‬
‫وذ ّ‬
‫م أعراب ّ‬
‫د‪ ،‬ول فوهها ببارٍد‪.‬‬
‫شعرها بوارٍد‪ ،‬ول ثديها بناه ٍ‬
‫جاج بن يوسف إلى الحكم بن أّيوب قال‪:‬‬
‫وكتب الح ّ‬
‫ة‬
‫د‪ ،‬مليح ً‬
‫اخطب على عبد الملك امرأةً جميل ً‬
‫ة من بعي ٍ‬
‫ة‬
‫ة في نفسها‪ ،‬أم ً‬
‫ة في قومها‪ ،‬ذليل ً‬
‫ب‪ ،‬شريف ً‬
‫من قري ٍ‬
‫لبعلها‪ . .‬فكتب إليه‪ :‬أصبتها‪ ،‬وهي خولة بنت مسمع‪،‬‬
‫جاج‪ :‬ل يحسن بدن‬
‫لول عظم ثديها! فكتب إليه الح ّ‬
‫ضجيع‪ ،‬وتروي‬
‫المرأة حّتى يعظم ثدياها فتدفي ال ّ‬
‫الّرضيع‪.‬‬
‫م عظم الّثدي‪:‬‬
‫وقال آخر يذ ّ‬
‫صدر‬
‫ض يحتللن لطائف ثدي ال ّ‬
‫لعمري لبي ٌ‬
‫سوالف‬
‫ة‬
‫بـقـفـز ٍ‬
‫غيد ال ّ‬
‫لباطها تحت الّثدي‬
‫ب إلينا من ضخام‬
‫أح ّ‬
‫تعـاطـف‬
‫بطـونـهـا‬
‫صدر‬
‫في الممسوحة ال ّ‬
‫ء‪:‬‬
‫وقال آخر في الممسوحة التي لم يبد بصدرها شي ٌ‬
‫ولم يبد للتراب من‬
‫وعّلقت ليلى وهي‬
‫ثديها حجـم‬
‫ة‬
‫بكـٌر خـريد ٌ‬
‫إلى اليوم لم نكبر‬
‫صغيرين نرعى‬
‫ولم تكبر البهم‬
‫البهم‪ ،‬يا ليت أّنني‬
‫وقال نصيب‪:‬‬
‫لقلت‪ :‬بنفسي‬
‫ولول أن يقال‪ :‬صبا‬
‫صغار؛‬
‫ب‪.‬‬
‫نصي ٌ‬
‫الّنشو ال ّ‬
‫بنفسي ك ّ‬
‫ل مهضوم ٍ إذا ظلمت فليس لها‬
‫انتصار‪.‬‬
‫حشاهـا‬
‫إذا ما الّز ّ‬
‫كفاها أن يلث بهـا‬
‫ل ضاعفن‬
‫الزار‬
‫الحشـايا‬
‫مة‪:‬‬
‫وقال ذو الّر ّ‬
‫بعيدات مهوى ك ّ‬
‫لطاف الحشا تحت‬
‫ل‬
‫الّثدي الفوالك‬
‫ط عقدنـه‬
‫قر ٍ‬
‫وذكر آخر ابتداء الّنهود فقال‪:‬‬

‫‪165‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫على حين شّبت‬
‫ة‬
‫نظرت إليها نظر ً‬
‫واستبان نهودها‬
‫ق‬
‫وهي عاتـ ٌ‬
‫صدر غير النسان‪.‬‬
‫وليس في الحيوان شيءٌ واسع ال ّ‬
‫ّ‬
‫ي إل ّ المرأة‬
‫ول في جميع الحيوان أنثى في صدرها ثد ٌ‬
‫والفيلة‪ ،‬وكذلك الّرجل‪ .‬والعرب تمدح الّرجال والّنساء‬
‫بطول العناق‪ .‬قال ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫آراءٌ في طول العناق‬
‫ومن ك ّ‬
‫ز‬
‫ء قد‬
‫ل شي ٍ‬
‫سوى ضخم أعجا ٍ‬
‫ثقال الّروادف‬
‫قضيت لبانتـي‬
‫وهصري أعناقا ً تلين كما كان خيطان‬
‫صعائف‬
‫وتنـثـنـي‬
‫الراك ال ّ‬
‫ي مقادير الّثدي أحمد?‬
‫وقيل لبراهيم بن الّنظام‪ :‬أ ّ‬
‫قال‪ :‬وجدت الّناس يختلفون في ال ّ‬
‫شهوات‪ ،‬وسمعت‬
‫ن‬
‫الله تبارك وتعالى حين وصف حور العين جعله ّ‬
‫كواعب أترابًا‪ .‬ولم يقل فوالك ول نواهد‪ .‬وقالت‬
‫العرب‪ :‬يسار الكواعب‪ .‬ولم تقل يسار الّنواهد ول‬
‫يسار الفوالك‪.‬‬
‫ولم أرهم يختلفون في مدح عظم الّركب كما اختلفوا‬
‫في مقادير الّندي في طول العناق‪ .‬يقول ال ّ‬
‫شمردل‪.‬‬
‫ويشبهون ملوكا ً في وطول أنصبة‬
‫العناق والمم‬
‫مهابتهـم‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫طوال أنصبة العناق ريح الماء إذا راحت‬
‫بأذفار‪.‬‬
‫لم يجدوا‬
‫ن ما لم يطل جدًّا‪ ،‬فإذا أفرط كان عيبًا‪ .‬كما‬
‫وهوة حس ٌ‬
‫مي عنق‬
‫عيب بذلك واصل بن عطاء رئيس المعتزلة فس ّ‬
‫نعامة‪ ،‬وعيب بذلك جعفر بن يحيى البرمكي‪.‬‬
‫وكذلك قال فيه الحسن بن هانىء‪:‬‬
‫كأّنه ناخٌر في‬
‫ذاك الوزير الذي‬
‫سيف بال ّ‬
‫طـول‬
‫طاولت علوته‬
‫ال ّ‬
‫ول من اّتخذ هذا الطواق العراض‪،‬‬
‫وقد زعموا أّنه أ ّ‬
‫فاستحسنها الّناس بعده‪ ،‬فاّتخذوها‪.‬‬
‫آراءٌ في صفة العكان‬
‫وفي صفة العكان يقول يزيد بن معاوية‪:‬‬
‫ف عنها‬
‫ن‬
‫إذا ش ّ‬
‫ض كأ ّ‬
‫لها عك ٌ‬
‫ن بي ٌ‬

‫‪166‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫سابري فداح‬
‫ال ّ‬

‫غضونها‬
‫وقال أبو الطّّيب المتنّبي‪:‬‬
‫حّتى يصير على‬
‫م‬
‫مها المسك ض ّ‬
‫يض ّ‬
‫العكان أعكانا‬
‫المستهام بها‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫طوع العناق فل بكٌر‬
‫غّراء واضحة أقراب‬
‫ول نصف‬
‫خرعـبة‬
‫وقال الّنابغة ال ّ‬
‫ذبياني‪:‬‬
‫والّنحر ينفجه بـثـدي‬
‫ن‬
‫والبطن ذو عك ٍ‬
‫مـعـ ّ‬
‫قـد‬
‫ف طـّيه‪،‬‬
‫لـطـي ٍ‬
‫ضة‬
‫محطوطة المتنين‬
‫رّيا الّروادف ب ّ‬
‫المـتـجـّرد‬
‫ة‬
‫غير مـفـاض ٍ‬
‫متحّيزا ً بمـكـانـه‬
‫وإذا لمست‪ ،‬لمست‬
‫أجثم جاثـمـا ً‬
‫مـلء الـيد‬
‫ور بالّرشاء‬
‫وإذا نزعت‪ ،‬نزعت‬
‫نزع الحز ّ‬
‫المخـضـد‬
‫ف‬
‫عن مستحص ٍ‬
‫ي آخر‪:‬‬
‫وأنشد لعراب ّ‬
‫قامت تهادى في‬
‫ن الّرحيل‬
‫ما رأيت أ ّ‬
‫ل ّ‬
‫رقيق الكّتان‬
‫قد حان‬
‫وعكن مثل متون‬
‫بواضح الوجه قليل‬
‫الغـزلن‬
‫الخـيلن‬
‫وقال الفرزدق‪:‬‬
‫ر‬
‫إذا بطحت فوق‬
‫بثديين في صد ٍ‬
‫ض وكعثب‬
‫الثافي رفعتهـا‬
‫عري ٍ‬
‫س الرض‬
‫فزعم أّنها إذا بطحت على وجهها لم تم ّ‬
‫ء من سائر جسدها إل ّّ نهود ثدييها وعظم ركبها‬
‫بشي ٍ‬
‫فصارت لبدنها كأثافي القدر‪.‬‬
‫وقال عبد بني الحسحاس‪:‬‬
‫من ك ّ‬
‫مثل سنام البكرة‬
‫ء لها‬
‫ل بيضا ٍ‬
‫المائل‬
‫كعثب‬
‫وحلف ابن مطيع الّليثي ال ّ‬
‫ن جاريته خردانة‬
‫شاعر أ ّ‬
‫كانت تستلقي على ظهرها فتشخص كتفاها ومنكباها‬
‫مان والترج من تحت‬
‫حّتى لقد كان يتدحرج الّر ّ‬
‫خصريها‪.‬‬
‫ب جّرة الماء على‬
‫قالوا‪ :‬كانت الّزّباء بنت عبد الله تص ّ‬

‫‪167‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫رأسها فل يصيب فخذيها للبد عجيزتها‪.‬‬
‫وقال ال ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫حجما ً وليس لساقها‬
‫نفج الجفينة ل ترى‬
‫ظنبـوب‬
‫لكعوبهـا‬
‫ة‬
‫عظمت روادفها‬
‫والوالدان نجـيب ٌ‬
‫ونـجـيب‬
‫هل وجهها‬
‫وس ّ‬
‫ومن مليح ما قيل في هذا‪ ،‬قول العرابي‪:‬‬
‫س البطون وإن‬
‫أبت الّروادف والّثد ّ‬
‫ي م ّ‬
‫س ظهورا‬
‫لقمصهـا‬
‫تم ّ‬
‫نّبهن حاسدةً وهجـن‬
‫وإذا الّرياح مع‬
‫غـيورا‬
‫ي تناوحت‬
‫العش ّ‬
‫والعرب تمدح الملوك بسعة العيون كما يصفون ذلك‬
‫الّنساء ويستحسنونه‪.‬‬
‫مة‪:‬‬
‫قال ذو الّر ّ‬
‫ج العين‬
‫م أل ّ‬
‫ق للملك أبيض أش ّ‬
‫ومختل ٌ‬
‫كالقمر البدر‬
‫قد غمز‬
‫شار بن برد قول ال ّ‬
‫ما أنشد ب ّ‬
‫شاعر‪:‬‬
‫ل ّ‬
‫ف‬
‫أل إّنما ليلى عصا‬
‫إذا لمسوها بالك ّ‬
‫تلـين‬
‫ة‬
‫خيزران ٍ‬
‫ضحك ب ّ‬
‫ة وقال‪ :‬لو زعم أّنها‬
‫شار من قوله عصا خيزران ٍ‬
‫ً‬
‫جنها وكان ذلك خطأ بعد أن‬
‫عصا رن ٍ‬
‫د أو عصا ندّ له ّ‬
‫ً‬
‫جعلها عصا‪ .‬فهل ّ قال كما قلت‪:‬‬
‫ن عظامها من‬
‫إذا قامت لسبحتها‬
‫كأ ّ‬
‫خيزران‬
‫تثـّنـت‬
‫وكانت ميمونة عند هشام بن عبد الملك‪ ،‬خلف عليها‬
‫ن رجل ً ابتلع ميمونة ما اعترض‬
‫بعد العزيز قال‪ :‬لو أ ّ‬
‫في حلقه منها شيءٌ للينها‪ .‬وقال ب ّ‬
‫شار‪:‬‬
‫خلت من الّرمل‬
‫إذا مشت نحو بيت‬
‫خلفها حقف‬
‫جارتهـا‬
‫ة‬
‫ج من مرطها‬
‫وفوقه غصن بان ٍ‬
‫يرت ّ‬
‫قصـف‪.‬‬
‫مؤّزرهـا‬
‫ضخمة‬
‫ما قيل في ال ّ‬
‫ضخمة‪:‬‬
‫وقد قيل في ال ّ‬
‫ض من‬
‫قليلة لحم‬
‫شبا ٌ‬
‫ب ومخفو ٌ‬
‫العيش بارد‬
‫الّنـاظـرين يزّينـهـا‬

‫‪168‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ن طأطـأتـه‬
‫إليه ولك ّ‬
‫الـولئد‪.‬‬

‫أرادت لتنتاش‬
‫الّرواق فلم تـقـم‬
‫وقال آخر أيضًا‪:‬‬
‫ق بدا لعينيك أم شّبت بذي الثل من‬
‫ضوء بر ٍ‬
‫سلفة نار‬
‫أوقدتها بالمسك والعنبر الّلدن فتاةً يضيق‬
‫عنها الزار‬
‫وأنشد أيضًا‪:‬‬
‫عناقيد كرم ٍ تـدّلـين‬
‫وتبدي على المتن‬
‫سـودا‬
‫من شعرها‬
‫ذ من الدّّر يبدي‬
‫سواك على لذي ٍ‬
‫ويجري ال ّ‬
‫نضـيدا‬
‫بـارٍد‬
‫تزّين بالّنحر منها‬
‫وما زانها العقد‬
‫العقـودا‬
‫لـكـّنـهـا‬
‫ضحى بين موافين يوما ً‬
‫كشمس ال ّ‬
‫ليشهدن عـيدا‬
‫أترابهـا‬
‫ل توّلى‬
‫ل بتلك‬
‫وكم من قتي ٍ‬
‫فكم من قتي ٍ‬
‫عمـيدا‬
‫الـعـيون‬
‫فلم يجعل الله‬
‫فإن يك عّني قسا‬
‫قلبـي حـديدا‬
‫قلـبـهـا‬
‫بنا واشيا ً أو تطيعي‬
‫أعيذك بالله أن‬
‫حسـودا‬
‫تـشـتـمـي‬
‫وج فلقي منها برحًا‪ ،‬وكانت‬
‫وقال جران العود‪ ،‬وقد تز ّ‬
‫حسنة ال ّ‬
‫شعر فقال‪:‬‬
‫ن امـر ٌ‬
‫على الّرأس منها أو‬
‫ؤ‬
‫أل ل يغـّر ّ‬
‫ضح‬
‫ة‬
‫نـوفـلـي ّ ً‬
‫ترائب و ّ‬
‫أساود يزهاها‬
‫م يشفي‬
‫ول فاح ٌ‬
‫بعينـيك أفـطـح‬
‫دهـان كـأّنـه‬
‫ال ّ‬
‫وأنشد لخر‪:‬‬
‫ن القلوب إلى سعاد‬
‫ل تنه قلبك أن يتوق إ ّ‬
‫تتـوق‬
‫إلى الحما‬
‫وتغيب فيه وهو جثل‬
‫فرعاء تسحب من‬
‫مونـق‬
‫قيام ٍ شعرها‬
‫فكأّنه لي ٌ‬
‫وكأّنها فيه نهـاٌر‬
‫ل عليهـا‬

‫‪169‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫مـشـرق‬

‫ف‬
‫مـغـد ٌ‬
‫وأنشد لخر‪:‬‬
‫لي عندها العبرات‬
‫مقدورةٌ مـا أن لـهـا‬
‫والـخـبـل‬
‫مـثـل‬
‫ولعينها من عينـهـا‬
‫فلشعرها من‬
‫كـحـل‬
‫شعـرهـا زجـل‬
‫بين الّروادف والحشا‬
‫إن شئت قلت‪ ،‬إذا‬
‫نـصـل‬
‫هي انصرفت‪،‬‬
‫وأنشد لخر وذكر طول العنق‪:‬‬
‫ف لها‬
‫وأعجبتني فيها غداة تبلبل أردا ٍ‬
‫ومحاجـر‬
‫لقيتهـا‬
‫ة صّبت عليه‬
‫د كأملود‬
‫بمنهل ّ ٍ‬
‫وجي ٍ‬
‫الغـدائر‬
‫ة‬
‫الّرخامى رعاي ً‬
‫وقد وصفوا الفواه والّريق وال ّ‬
‫شفاه‬
‫قال بعضهم‪:‬‬
‫ومقب ّ ٌ‬
‫در من غمام‬
‫ل عذب المذاق‬
‫بردٌ تح ّ‬
‫ماطـر‬
‫كـأّنـه‬
‫من ك ّ‬
‫ن أو‬
‫ل دا ٍ‬
‫دواء لدائنا‪،‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ء باط ٌ‬
‫ه ّ‬
‫ظاهر‪.‬‬
‫وشفـاؤنـا‬
‫مة‪:‬‬
‫وقال ذو الّر ّ‬
‫وفي الّلثاة وفي‬
‫لمياء في شفتيها‬
‫أنيابها شنب‬
‫س‬
‫حوةٌ لع ٍ‬
‫العلقة بين الّريق وطيب الّريح‬
‫ن أطيب الفواه أفواه ال ّ‬
‫ظباء؛ كما‬
‫والعرب يزعمون أ ّ‬
‫ن‬
‫ن أبعارها أطيب رائح ً‬
‫ة من سائر الباعر‪ .‬ويزعمون أ ّ‬
‫أ ّ‬
‫سباع أطيب أفواها ً من الكلب‪ .‬وفي الّناس‬
‫ليس في ال ّ‬
‫ن عّلة ذلك كثرة‬
‫أطيب أفواها ً من الّزنج‪ .‬ويزعمون أ ّ‬
‫ن عّلة الخلوف‪ ،‬جفوف الّريق‪ ،‬والبخر يحدثه‬
‫الّريق‪ ،‬ل ّ‬
‫الكبر وقد اعترى إشرافا ً من الّناس‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫شيخ البخر‬
‫ما‬
‫قال‪ :‬سارر أبو السود الدؤولي عبيد الله بن زياد‪ ،‬فل ّ‬
‫أدنى فاه من أنف عبيد الله خمر أنفه عبيد الله فجذب‬
‫حاها‪ ،‬وقال‪ :‬إّنك والله لن تسود حّتى‬
‫أبو السود يده فن ّ‬
‫تصير لسرار ال ّ‬
‫شيخ البخر‪ .‬فعجب الّناس من جلده‬

‫‪170‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ومراسه‪ .‬والفواه الموصوفة بالّنتن أفواه السود‬
‫صقور‪.‬‬
‫وأفواه ال ّ‬
‫الّنهي عن استعمال المسواك‬
‫وال ّ‬
‫سواك‪ .‬وقالوا‪ :‬إّنما‬
‫شعوبّية وغيرهم ينهون عن ال ّ‬
‫يعتري الخلوف من يستاك‪ ،‬والمره من يكتحل وال ّ‬
‫شعث‬
‫سواك يقّلل السنان ويأكل ما‬
‫من ي ّ‬
‫دهن‪ .‬وزعموا ال ّ‬
‫عليها من الّلحم‪ ،‬أني اللّثة‪ ،‬ويذهب العمور التي بينها‬
‫ويرخيها‪.‬‬
‫وقال حسين بن مطير‪:‬‬
‫ف‬
‫جة الرداف‬
‫ب ثناياها عجا ٌ‬
‫عذا ٌ‬
‫بمرت ّ‬
‫قـيودهـا‬
‫ف خصورها‬
‫هي ٌ‬
‫ة‬
‫ب عجا ٌ‬
‫ة ول مسترخي ٍ‬
‫ف غير وارم ٍ‬
‫يريد أّنها صل ٌ‬
‫سواك يوهنها ويزيلها عن أماكنها‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫سواك‬
‫ال ّ‬
‫دفاع عن ال ّ‬
‫سواك يجلب ماء الوجه فيغني على الّيام‬
‫وزعموا أ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫نضرة اللون وحمرة الوجنات‪ ،‬كما يصنع رضاع ال ّ‬
‫طفل‬
‫في لبة المرأة وفي لون وجهها فإذا تحلب الماء‬
‫المستكن في الغلصم والفواه أعقب ذلك في الفواه‬
‫جفوفًا‪ ،‬فإذا ج ّ‬
‫فت لعد الّريق أدرثها خلوفًا‪ .‬فقال من‬
‫ن من أعظم المم التي‬
‫ردّ على هؤلء‪ :‬قد علمنا أ ّ‬
‫عليها مدار المور في العقل والعلم والّرضا قد‬
‫سواك‬
‫سواك والخضاب فلو كان ال ّ‬
‫اجتمعوا على ال ّ‬
‫متان مع ما فيهما من بعد‬
‫يورث البخر لم تكن هاتان ال ّ‬
‫ن‬
‫الغور وش ّ‬
‫دة الغزل بالّنساء والّتقّرب إلى قلوبه ّ‬
‫ن ليجهل هذا القدر من العيب الفاحش‪.‬‬
‫والستهتار به ّ‬
‫ب أن يعرف إفراط العرب في الغزل والصبابة‬
‫فمن أح ّ‬
‫بالّنساء فليقرأ أشعارهم وأحاديثهم السلمّية‪ ،‬وليقرأ‬
‫كتب الهند في الباه‪ ،‬ولو تتّبعت أشعارهم في‬
‫سواك لطال به الكتاب‪.‬‬
‫استعمال الّنساء لل ّ‬
‫عمر والمرأة‬
‫وعن عمر بن دينار‪ ،‬قال‪ :‬سمعت الحسن بن علي ‪،‬‬
‫سلم يقول لذريح بن سّنة‪ :‬حل لك أن فّرقت‬
‫عليهما ال ّ‬
‫بين قيس ولبنى! أما إّني سمعت عمر بن الخ ّ‬
‫طاب‪،‬‬
‫ٍ‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬يقول‪ :‬ما أبالي مشيت إلى الّرجل‬
‫سيف أو فّرقت بينه وبين امرأته! ‪.‬‬
‫بال ّ‬
‫إثمه في عنقها‬

‫‪171‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م البنين بنت عبد‬
‫قال الّزبير بن بكار‪ :‬دخلت عّزة على أ ّ‬
‫ء وعدت كثيرا ً‬
‫ي شي ٍ‬
‫العزيز فقالت‪ :‬أقسمت عليك بأ ّ‬
‫حيث يقول‪:‬‬
‫وعّزة ممطو ٌ‬
‫قضى ك ّ‬
‫ل معّنى‬
‫ن‬
‫ل دي ٍ‬
‫فو ّ‬
‫غريمها‬
‫فى غريمـه‬
‫ح في الّتقاضي‬
‫قالت لها‪ :‬وعدته فمطلته سن ً‬
‫ما أل ّ‬
‫ة‪ ،‬فل ّ‬
‫ن فاستحييت منه‬
‫مني وإّياه طري ٌ‬
‫هجرته‪ ،‬فض ّ‬
‫ق بعد حي ٍ‬
‫فقلت‪ :‬حّياك الله يا جمل‪ ،‬ولم أحّيه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ي ويحك من‬
‫حّيتك عّزة بعد الهجر فح ّ‬
‫حّياك يا جمـل‬
‫وانصرفت‬
‫ليت الّتحّية كانت لي مكان‪ :‬يا جم ٌ‬
‫ل؛ حّياك‬
‫يا رجـل‬
‫فأجعلـهـا‬
‫وهو على تقاضيه إلى اليوم‪ .‬قالت‪ :‬أقسمت عليك‪ ،‬أل ّ‬
‫قضيته إّياه وإثمه في عنقي?‪.‬‬
‫أريحّية عبد الملك بن مروان‬
‫أبو عبيدة قال‪ :‬كان بأرض الحجاز رج ٌ‬
‫ة‬
‫ة جميل ٌ‬
‫ل له ابن ٌ‬
‫م‪ ،‬فأبى‬
‫فهويها ابن ع ّ‬
‫م لها فبذل لها أربعة آلف دره ٍ‬
‫مها‬
‫وجها منه‪ ،‬وأجدبت البادية‪ ،‬فدخل ابن ع ّ‬
‫أبوها أن يز ّ‬
‫مه ذات يوم ٍ فشكا إليه ما يلقى‪ .‬فقال له‪ :‬قد‬
‫على ع ّ‬
‫م‪ ،‬فأعطنا إّياها‪ ،‬فأنت‬
‫كنت بذلت لنا أربعة آلف دره ٍ‬
‫جله‪ ،‬ولم‬
‫جلني شهرًا‪ .‬فأ ّ‬
‫ب إلينا لقرابتك‪ .‬قال له‪ :‬أ ّ‬
‫أح ّ‬
‫ّ‬
‫ة‪ ،‬فركبها ومضى إلى عبد الملك‬
‫يكن مع الفتى إل ّ ناق ً‬
‫بن مروان فطلب الذن فلم يؤذن له‪ .‬فقال‪ :‬إّني‬
‫ن عامل أمير المؤمنين على الحجاز‪ .‬فأدخل‬
‫رسول فل ٍ‬
‫ب من فلن? قال‪ :‬ل‪،‬‬
‫عليه من ساعته‪ .‬قال‪ :‬معك كتا ٌ‬
‫ة? فأنشأ يقول‪:‬‬
‫قال فرسال ٌ‬
‫أدلى إليك بل قـربـى‬
‫ماذا يقول أمير‬
‫ول سـبـب‬
‫المؤمـنـين لـمـن‬
‫ة بكمال‬
‫ب موصوف ٍ‬
‫ه‪ ،‬عقـلـه مـن حـ ّ‬
‫مدل ّ ٌ‬
‫الـحـسـن والدب‬
‫ة‬
‫جـاري ٍ‬
‫خطبتها إذ رأيت الّناس بذكرها‪ ،‬والهوى يدعو‬
‫إلى العطـب‬
‫قد لـهـجـوا‬
‫دراهم خيٌر‬
‫ك‪ ،‬قالوا‪ :‬ال ّ‬
‫ب زا ٍ‬
‫فقلت‪ ،‬لي حس ٌ‬
‫من ذوي الحسب‪،‬‬
‫ف‬
‫ولي شـر ٌ‬
‫إّنـا نـريد ألـوفـا ً مـنـك ولست أملك غير‬

‫‪172‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫س والقـتـب‪.‬‬
‫ة‬
‫أربـع ً‬
‫الح ّ‬
‫واجمع بها شمل هذا‬
‫ي‪ ،‬أمير‬
‫فامنن عل ّ‬
‫البائس العـرب‬
‫المؤمنـين‪ ،‬بـهـا‪،‬‬
‫فما وراءك‪ ،‬بعد اللـه‪ ،‬أنت الّرجاء وأقصى‬
‫غاية ال ّ‬
‫مـ ّ‬
‫طـلـب‬
‫ب‪،‬‬
‫طـلـ ٌ‬
‫م‪ ،‬وقال‬
‫فضحك عبد الملك وأمر له بأربعة آلف دره ٍ‬
‫ة أخرى وقال له أولم‬
‫هذا صداق أهلك‪ ،‬وزاده أربع ً‬
‫وج‬
‫بهذه‪ ،‬وأنفق عليها منها‪ .‬فقبضها ومضى‪ .‬فتز ّ‬
‫جارية‪.‬‬
‫بال ّ‬
‫خبلت عقله‬
‫وكان إسحاق بن سليمان بن علي شاب ّا ً ظريفًا‪ ،‬محب ّا ً‬
‫لل ّ‬
‫م‪ ،‬وأبوه يلي البصرة‪ ،‬لبي جعفر‬
‫شعر‪ .‬فخرج ذات يو ٍ‬
‫المنصور‪ ،‬متنّزها ً إلى ناحية البادية‪ .‬فلقي أعرابي ّا ً‬
‫فصيحا ً إل ّّ أّنه شاحب اللون‪ ،‬مصفّرًا‪ ،‬ظاهر الّنحول‬
‫فاستنشده‪ ،‬فمضى عنه‪ ،‬فقال له ما بالك‪ ،‬فوالله‪ ،‬إّنك‬
‫ح! قال له أما ترى الجبلين? قال‪ :‬قلت بلى‪.‬‬
‫لفصي ٌ‬
‫قال‪ :‬في طلبهما ما شغلني عن إنشادك‪ .‬قلت‪ :‬وما‬
‫ملي قد تّيمتني‪ ،‬وأذهلت عقلي‪،‬‬
‫ذاك? قال‪ :‬ابنة ع ّ‬
‫سماء أنا أم في‬
‫ي ل أدري أفي ال ّ‬
‫وتالله أّنه يأتي عل ّ‬
‫الرض‪ .‬قال‪ :‬قلت وما يمنعك منه? قال‪ :‬ق ّ‬
‫ل ذات‬
‫ة‪ .‬قال‪:‬‬
‫يدي!‪ .‬قلت‪ :‬وكم مهرها? قال خمسون ناق ً‬
‫وجونك إذا دفعتها? قال‪ :‬نعم‪ .‬فقلت له أنشد‬
‫قلت‪ :‬فيز ّ‬
‫ما قلت فيها! فأنشدني‪:‬‬
‫لي م ّ‬
‫غزالن مكحـولن‬
‫سعى العلم الفرد‬
‫يرتـعـيان‬
‫الذي في طلله‬
‫وخبل ً ففاتاني وقد‬
‫أرعتهما صيدا ً فلم‬
‫خبـلنـي‪.‬‬
‫أستطعهـمـا‬
‫قال‪ .‬فقلت له‪ :‬يا أعرابي‪ ،‬لقد قتلتني بقتلك‪ ،‬فنفيت‬
‫من العّباس إن لم أقم بأمرك‪ .‬فرجع إلى البصرة فأخذ‬
‫ة من أهله وما أحتاج إليه‪ ،‬وحمل معه العرابي‪،‬‬
‫جماع ً‬
‫وجه‪ ،‬وساق‬
‫وسار إلى ال ّ‬
‫جارية فخطبها إلى الفتى‪ ،‬فز ّ‬
‫ة وأقام عندهم ثلثة أّيام ٍ نحر فيها‬
‫إليه خمسين ناق ً‬
‫ثلثين جزورًا‪ ،‬ووهب للعرابي وللجارية مثل ذلك‪،‬‬
‫وانصرف إلى البصرة‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ل يخفى عنه مخاطبة الكاتب والحائك‬
‫ما فرغ المهدي من بناء قصره ركب‬
‫قال نفطويه‪ :‬ل ّ‬
‫للّنظر إليه‪ ،‬فدخله فجأةً وأخرج من هناك من الّناس‪،‬‬
‫فبقي رجلن خفّيان عن أبصار العوان‪ ،‬فرأى المهدي‬
‫من أنت?‬
‫ما يفعل فقال له‪ :‬م ّ‬
‫أحدهما وهو دهش م ّ‬
‫ة? قال‪:‬‬
‫قال‪ :‬أنا أنا قال‪ :‬ويلك‪ :‬ل أدري! قال‪ :‬لك حاج ً‬
‫ما‬
‫ل‪ .‬قال أخرجوه أخرج الله نفسه فدفع في قفاه‪ ،‬فل ّ‬
‫أخرج قال لبعض الغلمان‪ :‬اتبعه من حيث ل يعلم حّتى‬
‫يصل إلى منزله‪ ،‬فاسأله عن صنعته فإّني أخاله حائكًا‪.‬‬
‫م أتى الخر فاستنطقه فأجابه‬
‫فخرج الغلم يقفوه ث ّ‬
‫ق‪ ،‬قال له‪ :‬من أنت? قال‪:‬‬
‫ب جري ٍ‬
‫بقل ٍ‬
‫ء‪ ،‬ولسا ٍ‬
‫ن طل ٍ‬
‫رج ٌ‬
‫ل من أبناء رجال دعوتك‪ .‬قال‪ :‬فما جاء بك إلى‬
‫ههنا? قال‪ :‬جئت لنظر إلى هذا البناء الحسن‪ ،‬وأتمّتع‬
‫دعاء لمير المؤمنين بطول البقاء‬
‫بالّنظر إليه‪ ،‬وأكثر ال ّ‬
‫ة? قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫ودوام العّز‪ ،‬وهلك العداء‪ .‬قال‪ :‬ألك حاج ً‬
‫دني وقال‪ :‬ل مال لك‪ .‬وإّني لها‬
‫مي فر ّ‬
‫خطبت ابنة ع ّ‬
‫ق‪ ،‬قال‪ :‬قد أمرت لك بخمسين ألف‬
‫ق‪ ،‬وبها وام ٌ‬
‫عاش ٌ‬
‫درهم قال‪ :‬جعلني الله فداك‪ ،‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬قد‬
‫صلة‪ ،‬ومننت فأعظمت المّنة‪ .‬فجعل‬
‫وصلت فأجزلت ال ّ‬
‫الله باقي عمرك أكثر من ماضيه‪ ،‬وآخر أّيامك خيرا ً من‬
‫ولها‪ ،‬وأمتعك بما به أنعم عليك‪ ،‬وأمتع بك رعّيتك‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫جه بغلم ٍ آخر معه قال‪ :‬سل‬
‫جل صلته وو ّ‬
‫فأمر أن تع ّ‬
‫عن مهنته فإّني أخاله كاتبًا‪ :‬فرجع الّرسولن جميعا ً‬
‫فقال الّرسول الول‪ :‬وجدت الّرجل حائكًا‪ ،‬ولم يرجع‬
‫إليه قلبه‪ ،‬ول ثاب إلى نفسه‪ .‬وقال الخر‪ :‬وجدت‬
‫الّرجل كاتبًا‪ .‬فقال المهدي أنا إبن المنصور ل يخفى‬
‫عّني مخاطبة الكاتب والحائك‪.‬‬
‫جارية برير?‬
‫أريحّية ال ّ‬
‫قال أحمد بن أبي خثعمة‪ :‬أخبرتني مولة‪ ،‬كانت لل‬
‫جعفر بن أبي جعفر المنصور‪ ،‬قالت‪ :‬علق عيسى بن‬
‫م ولده فمنعته إّياها غيرةً عليه‪ ،‬وتبعتها‬
‫جعفر جاري ً‬
‫ةل ّ‬
‫ة لعيسى يقال لها برير إلى‬
‫ست جاري ً‬
‫نفسه‪ ،‬فد ّ‬
‫مولتها في أن تبيعها منها‪ ،‬وأرغبتها‪ ،‬فباعتها منها‪،‬‬
‫ة‬
‫فأخذتها برير فصنعتها وكانت لبرير من عيسى ليل ً‬
‫ة تضمخ به شعرها‪.‬‬
‫ح غالي ٍ‬
‫جه إليها بخلع ٍ‬
‫فو ّ‬
‫ة وبقد ٍ‬
‫جارية الخلعة وضمخت‬
‫ما كانت ليلتها ألبست ال ّ‬
‫فل ّ‬

‫‪174‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ما رآها سألها عن حالها‬
‫رأسها وو ّ‬
‫جهت بها إليه‪ ،‬فل ّ‬
‫فأخبرته بالخبر‪ .‬وإّنها آثرت هوى نفسه على هوى‬
‫وج بها‬
‫نفسها‪ .‬فسّر بذلك ودعا ببرير فأعتقها وتز ّ‬
‫ن من‬
‫ومهرها ضياعا ً بالكوفة لها قدر‪ .‬فقالت برير‪ :‬إ ّ‬
‫شكر الله على ما وهب لي من رأي أمير المؤمنين أن‬
‫ة لله عّز وجل‪،‬‬
‫ضياع قرب ً‬
‫أجعل ما أعطاني من هذه ال ّ‬
‫ت من‬
‫ي أجرها‪ .‬فأوقفها على أهل بي ٍ‬
‫تجري للمير ول ّ‬
‫النصار منهم ابن معاٍذ فلم يزل ذلك يجري عليهم‪.‬‬
‫وجها الّرشيد وأمر لها بالمال‬
‫ز ّ‬
‫ما كّنا‬
‫قال إبراهيم بن المهدي‪ :‬حجبت مع الّرشيد‪ ،‬فل ّ‬
‫بالمدينة خرجت إلى العقيق أسير على داّبتي وليس‬
‫ة‬
‫م‪ ،‬فوقفت على بئر عروة وعليها جاري ٌ‬
‫معي غل ٌ‬
‫ة لها‪ ،‬فقلت‪ :‬يا هذه‬
‫و تمل قرب ً‬
‫سوداء وفي يدها دل ٌ‬
‫ة عنك‪.‬‬
‫ي وقالت‪ :‬أنا مشغول ٌ‬
‫اسقني‪ .‬فنظرت إل ّ‬
‫فقرعت قربوسي بمقرعتي مو ّ‬
‫قعا ً بها على القربوس‪،‬‬
‫ما سمعت ذلك مّني ملت دلوها وبادرت به‬
‫وغّنيت‪ .‬فل ّ‬
‫م فشربت‪ ،‬فقالت‪ :‬بالله يا عم‬
‫ي وقالت‪ :‬اشرب يا ع ّ‬
‫إل ّ‬
‫أين أهلك أحمل إليهم هذه القربة? فقلت‪ :‬بين يدي‪.‬‬
‫ما رأت الولدان‬
‫فمضت معي حّتى أتت المضرب فل ّ‬
‫والخدم ذعرت‪ ،‬فقلت لها‪ :‬ل بأس عليك‪ .‬وأخذت الماء‬
‫وأمرت من وصله‪ ،‬فقال لي الغلمان‪ :‬قد جاء رسول‬
‫أمير المؤمنين مرارا ً فمضيت إليه‪ ،‬فقال لي‪ :‬أين‬
‫جارية‪ ،‬فأمر بطلبها‪ ،‬فأتي بها‪،‬‬
‫كنت? فأخبرته بخبر ال ّ‬
‫فأمر بابتياعها من مولها‪ ،‬وأعتقها‪ ،‬وقال لها‪ :‬هل من‬
‫دك وتحّبينه يحّبك? قالت‪ :‬نعم عبدٌ لل فلن‪.‬‬
‫دينه يو ّ‬
‫تو ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫فأمر بابتياعه وأعتقه ث ّ‬
‫وجها إّياه‪ ،‬وأمر لهما بما ٍ‬
‫مز ّ‬
‫وجه من يحب‬
‫أرجعه من اليمن وز ّ‬
‫ما نزل‬
‫ح ّ‬
‫ج الّرشبد سنة إحدى عشرة من خلفته‪ ،‬فل ّ‬
‫بالكوفة‪ ،‬بعد قفوله من الحج‪ ،‬دعا إسماعيل بن صبيح‬
‫فقال‪ :‬إّني أردت الليلة أن أطوف في محال الكوفة‬
‫ما مضى ثلث‬
‫وقبائلها فتأه ّ‬
‫ب لذلك‪ ،‬قلت‪ :‬نعم‪ .‬فل ّ‬
‫الليل قام وقمت معه‪ ،‬وركب حمارا ً وركبت أنا آخر‪،‬‬
‫صة خدمه‪ .‬فلم نزل‬
‫م ومعه خاد ٌ‬
‫ومعي خاد ٌ‬
‫م من خا ّ‬
‫نطوف المحال والقبائل حّتى انتهينا إلى الّنخع‬
‫فسمعنا كلمًا‪ .‬فقال الّرشيد لحد الخادمين‪ :‬أدن من‬

‫‪175‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ّ‬
‫ع في‬
‫الباب وتعّرف ما هذا الكلم? فتطلع من موض ٍ‬
‫ن‬
‫ح وجاري ٍ‬
‫ة منه ّ‬
‫الباب فرأى نسوةً يغزلن حول مصبا ٍ‬
‫دد أبياته وتتّبع ك ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ة وأن ّ ٍ‬
‫ت برن ٍ‬
‫ل بي ٍ‬
‫تنشد شعرا ً وتر ّ‬
‫ة‪ ،‬والّنسوان اللواتي معها‬
‫ة‪ :‬وتفيض عبر ً‬
‫وتبدي زفر ً‬
‫يبكين لبكائها فحفظ الخادم من شعرها هذه البيات‪:‬‬
‫بعـد فـقـدانـيه‪ ،‬أفـــراط‬
‫ب‬
‫هل أرى وجـه حـبــي ٍ‬
‫الـــجـــزع؛‬
‫شـــفـــنـــي‪،‬‬
‫قد برى شوقي إليه أعظمي‪،‬‬
‫وبلى قلبي هواه وفزع‪.‬‬
‫جذ ٌ‬
‫و قـــد‬
‫ل‪ ،‬والـعـيش حـلـــ ٌ‬
‫ليت دهرا ً مّر‪ ،‬والقلب به‬
‫رجـــع؛‬
‫دهـر‬
‫وعــفـــت آثـــاره مـــنـــه فـــيا‪ ،‬ليت شـعـري‪ ،‬مـا بـه الـ ّ‬
‫صـنـــع?‬
‫صـبـر‪ ،‬لـو كـان‬
‫سـكـت عـلـــى وجـــدي‬
‫قد تـمـ ّ‬
‫بجـمـيل الـ ّ‬
‫نـــفـــع‪.‬‬
‫بـــه‬
‫فقال للخادمين‪ :‬أعرفا الموضع إلى غد‪ .‬ورجعنا إلى‬
‫ما طلع الفجر وفرغ من صلته وتسبيحه‪،‬‬
‫البصرة‪ ،‬فل ّ‬
‫دار فإن كان فيها رج ٌ‬
‫ل من‬
‫قال للخادمين‪ :‬أمضيا إلى ال ّ‬
‫ما أريده‪ .‬فسار‬
‫ي فجيئا به حّتى أسأله ع ّ‬
‫وجوه الح ّ‬
‫دار فلم يجدا فيها رج ً‬
‫ل‪ ،‬فدخل إلى‬
‫الخادمان إلى ال ّ‬
‫ي فقال لهله‪ :‬أمير المؤمنين يقرأ عليكم‬
‫مسجد الح ّ‬
‫ة‬
‫سلم ويقول لكم‪ :‬أحببت أن يجيئني منكم أربع ً‬
‫ال ّ‬
‫ة‪ .‬وقاموا معهما‬
‫ر‪ .‬قالوا‪ :‬سمعا ً وطاع ً‬
‫أسألهم عن أم ٍ‬
‫فدخلوا على الّرشيد‪ ،‬فقّربهم وأدناهم‪ ،‬وقال لهم‪:‬‬
‫طفت البارحة في بلدكم تف ّ‬
‫قدا ً لحوالكم‪ ،‬فسمعت في‬
‫ر من دياركم امرأةً تنشد شعرا ً وتبكي‪ .‬وقد خفت أ‬
‫دا ٍ‬
‫ن نزاع الّنفس أهون من نزاع ال ّ‬
‫شوق‪،‬‬
‫تكون مغيب ً‬
‫ة‪ ،‬وأ ّ‬
‫وقطع الوصال أهون من قطع الوصال‪ ،‬وقد أحببت أن‬
‫أعرف خبرها منكم‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬هذه البارعة بنت عوف بن‬
‫م لها يقال له سليمان بن‬
‫وجها ابن ع ّ‬
‫سهم كان أبوها ز ّ‬
‫م‪ ،‬فهلك أبواهما من قبل‬
‫همام على عشرة آلف دره ٍ‬
‫ّ‬
‫أن يجتمعا‪ ،‬فاكتتب زوجها مع عاملك إلى اليمن لقلة‬
‫ذات يده‪ ،‬وخرج منذ خمس سنين‪ ،‬فحزنت عليه‪ ،‬وطال‬
‫شوقها إليه‪ ،‬فهي تنشد الشعار فيه وتستريح إلى‬

‫‪176‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫ذكره‪ .‬فأمر الّرشيد من ساعته أن يكتب إلى عامله‬
‫باليمن في حمل سليمان بن همام على البريد إلى‬
‫حضرته إلى بغداد‪.‬‬
‫م بعد وصول الّرشيد حّتى دخل عليه‬
‫فما مضت أّيا ٌ‬
‫إسماعيل بن صبيح‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين قد وصل‬
‫الّنخعي الذي أمرت بحمله إليك‪ .‬فأمر بإدخاله عليه‪،‬‬
‫ل معتدل القامة‪ ،‬ظاهر الوسامة‪ ،‬ذرب‬
‫فنظر إلى رج ٍ‬
‫اللسان‪ ،‬حسن البيان‪ ،‬فقال‪ :‬أنت سليمان بن همام?‬
‫ي‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬يا أمير المؤمنين‪ .‬قال له‪ :‬أقصص عل ّ‬
‫ما خّبره به‬
‫ص عليه الخبر فوجده مطابقا ً ل ّ‬
‫خبرك! فق ّ‬
‫م‪ ،‬فأخذ ذلك‬
‫الربعة الّنفر‪ ،‬فأمر له بعشرين ألف دره ٍ‬
‫من يومه ورحل إلى الكوفة فدخل بأهله وكان الّرشيد‬
‫يتعاهده ببّره‪.‬‬
‫م الكتاب بعون الله وتوفيقه‬
‫ت ّ‬
‫ما كّنا‬
‫قال إبراهيم بن المهدي‪ :‬حجبت مع الّرشيد‪ ،‬فل ّ‬
‫بالمدينة خرجت إلى العقيق أسير على داّبتي وليس‬
‫ة‬
‫م‪ ،‬فوقفت على بئر عروة وعليها جاري ٌ‬
‫معي غل ٌ‬
‫ة لها‪ ،‬فقلت‪ :‬يا هذه‬
‫و تمل قرب ً‬
‫سوداء وفي يدها دل ٌ‬
‫ة عنك‪.‬‬
‫ي وقالت‪ :‬أنا مشغول ٌ‬
‫اسقني‪ .‬فنظرت إل ّ‬
‫فقرعت قربوسي بمقرعتي مو ّ‬
‫قعا ً بها على القربوس‪،‬‬
‫ما سمعت ذلك مّني ملت دلوها وبادرت به‬
‫وغّنيت‪ .‬فل ّ‬
‫م فشربت‪ ،‬فقالت‪ :‬بالله يا عم‬
‫ي وقالت‪ :‬اشرب يا ع ّ‬
‫إل ّ‬
‫أين أهلك أحمل إليهم هذه القربة? فقلت‪ :‬بين يدي‪.‬‬
‫ما رأت الولدان‬
‫فمضت معي حّتى أتت المضرب فل ّ‬
‫والخدم ذعرت‪ ،‬فقلت لها‪ :‬ل بأس عليك‪ .‬وأخذت الماء‬
‫وأمرت من وصله‪ ،‬فقال لي الغلمان‪ :‬قد جاء رسول‬
‫أمير المؤمنين مرارا ً فمضيت إليه‪ ،‬فقال لي‪ :‬أين‬
‫جارية‪ ،‬فأمر بطلبها‪ ،‬فأتي بها‪،‬‬
‫كنت? فأخبرته بخبر ال ّ‬
‫فأمر بابتياعها من مولها‪ ،‬وأعتقها‪ ،‬وقال لها‪ :‬هل من‬
‫دك وتحّبينه يحّبك? قالت‪ :‬نعم عبدٌ لل فلن‪.‬‬
‫دينه يو ّ‬
‫تو ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫فأمر بابتياعه وأعتقه ث ّ‬
‫وجها إّياه‪ ،‬وأمر لهما بما ٍ‬
‫مز ّ‬
‫وجه من يحب‬
‫أرجعه من اليمن وز ّ‬
‫ما نزل‬
‫ح ّ‬
‫ج الّرشبد سنة إحدى عشرة من خلفته‪ ،‬فل ّ‬
‫بالكوفة‪ ،‬بعد قفوله من الحج‪ ،‬دعا إسماعيل بن صبيح‬
‫فقال‪ :‬إّني أردت الليلة أن أطوف في محال الكوفة‬
‫ما مضى ثلث‬
‫وقبائلها فتأه ّ‬
‫ب لذلك‪ ،‬قلت‪ :‬نعم‪ .‬فل ّ‬

‫‪177‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫الليل قام وقمت معه‪ ،‬وركب حمارا ً وركبت أنا آخر‪،‬‬
‫صة خدمه‪ .‬فلم نزل‬
‫م ومعه خاد ٌ‬
‫ومعي خاد ٌ‬
‫م من خا ّ‬
‫نطوف المحال والقبائل حّتى انتهينا إلى الّنخع‬
‫فسمعنا كلمًا‪ .‬فقال الّرشيد لحد الخادمين‪ :‬أدن من‬
‫ّ‬
‫ع في‬
‫الباب وتعّرف ما هذا الكلم? فتطلع من موض ٍ‬
‫ن‬
‫ح وجاري ٍ‬
‫ة منه ّ‬
‫الباب فرأى نسوةً يغزلن حول مصبا ٍ‬
‫دد أبياته وتتّبع ك ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ة وأن ّ ٍ‬
‫ت برن ٍ‬
‫ل بي ٍ‬
‫تنشد شعرا ً وتر ّ‬
‫ة‪ ،‬والّنسوان اللواتي معها‬
‫ة‪ :‬وتفيض عبر ً‬
‫وتبدي زفر ً‬
‫يبكين لبكائها فحفظ الخادم من شعرها هذه البيات‪:‬‬
‫بعـد فـقـدانـيه‪ ،‬أفـــراط‬
‫ب‬
‫هل أرى وجـه حـبــي ٍ‬
‫الـــجـــزع؛‬
‫شـــفـــنـــي‪،‬‬
‫قد برى شوقي إليه أعظمي‪،‬‬
‫وبلى قلبي هواه وفزع‪.‬‬
‫جذ ٌ‬
‫و قـــد‬
‫ل‪ ،‬والـعـيش حـلـــ ٌ‬
‫ليت دهرا ً مّر‪ ،‬والقلب به‬
‫رجـــع؛‬
‫دهـر‬
‫وعــفـــت آثـــاره مـــنـــه فـــيا‪ ،‬ليت شـعـري‪ ،‬مـا بـه الـ ّ‬
‫صـنـــع?‬
‫صـبـر‪ ،‬لـو كـان‬
‫سـكـت عـلـــى وجـــدي‬
‫قد تـمـ ّ‬
‫بجـمـيل الـ ّ‬
‫نـــفـــع‪.‬‬
‫بـــه‬
‫فقال للخادمين‪ :‬أعرفا الموضع إلى غد‪ .‬ورجعنا إلى‬
‫ما طلع الفجر وفرغ من صلته وتسبيحه‪،‬‬
‫البصرة‪ ،‬فل ّ‬
‫دار فإن كان فيها رج ٌ‬
‫ل من‬
‫قال للخادمين‪ :‬أمضيا إلى ال ّ‬
‫ما أريده‪ .‬فسار‬
‫ي فجيئا به حّتى أسأله ع ّ‬
‫وجوه الح ّ‬
‫دار فلم يجدا فيها رج ً‬
‫ل‪ ،‬فدخل إلى‬
‫الخادمان إلى ال ّ‬
‫ي فقال لهله‪ :‬أمير المؤمنين يقرأ عليكم‬
‫مسجد الح ّ‬
‫ة‬
‫سلم ويقول لكم‪ :‬أحببت أن يجيئني منكم أربع ً‬
‫ال ّ‬
‫ً‬
‫ة‪ .‬وقاموا معهما‬
‫ر‪ .‬قالوا‪ :‬سمعا وطاع ً‬
‫أسألهم عن أم ٍ‬
‫فدخلوا على الّرشيد‪ ،‬فقّربهم وأدناهم‪ ،‬وقال لهم‪:‬‬
‫طفت البارحة في بلدكم تف ّ‬
‫قدا ً لحوالكم‪ ،‬فسمعت في‬
‫ر من دياركم امرأةً تنشد شعرا ً وتبكي‪ .‬وقد خفت أ‬
‫دا ٍ‬
‫ن نزاع الّنفس أهون من نزاع ال ّ‬
‫شوق‪،‬‬
‫تكون مغيب ً‬
‫ة‪ ،‬وأ ّ‬
‫وقطع الوصال أهون من قطع الوصال‪ ،‬وقد أحببت أن‬
‫أعرف خبرها منكم‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬هذه البارعة بنت عوف بن‬
‫م لها يقال له سليمان بن‬
‫وجها ابن ع ّ‬
‫سهم كان أبوها ز ّ‬

‫‪178‬‬

‫كتاب أخبار النساء‬
‫مكتبة مشكاة السلمية‬
‫م‪ ،‬فهلك أبواهما من قبل‬
‫همام على عشرة آلف دره ٍ‬
‫أن يجتمعا‪ ،‬فاكتتب زوجها مع عاملك إلى اليمن لقّلة‬
‫ذات يده‪ ،‬وخرج منذ خمس سنين‪ ،‬فحزنت عليه‪ ،‬وطال‬
‫شوقها إليه‪ ،‬فهي تنشد الشعار فيه وتستريح إلى‬
‫ذكره‪ .‬فأمر الّرشيد من ساعته أن يكتب إلى عامله‬
‫باليمن في حمل سليمان بن همام على البريد إلى‬
‫حضرته إلى بغداد‪.‬‬
‫م بعد وصول الّرشيد حّتى دخل عليه‬
‫فما مضت أّيا ٌ‬
‫إسماعيل بن صبيح‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين قد وصل‬
‫الّنخعي الذي أمرت بحمله إليك‪ .‬فأمر بإدخاله عليه‪،‬‬
‫ل معتدل القامة‪ ،‬ظاهر الوسامة‪ ،‬ذرب‬
‫فنظر إلى رج ٍ‬
‫اللسان‪ ،‬حسن البيان‪ ،‬فقال‪ :‬أنت سليمان بن همام?‬
‫ي‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬يا أمير المؤمنين‪ .‬قال له‪ :‬أقصص عل ّ‬
‫ما خّبره به‬
‫ص عليه الخبر فوجده مطابقا ً ل ّ‬
‫خبرك! فق ّ‬
‫م‪ ،‬فأخذ ذلك‬
‫الربعة الّنفر‪ ،‬فأمر له بعشرين ألف دره ٍ‬
‫من يومه ورحل إلى الكوفة فدخل بأهله وكان الّرشيد‬
‫يتعاهده ببّره‪.‬‬
‫م الكتاب بعون الله وتوفيقه‬
‫ت ّ‬

‫‪179‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful