‫ملف‬

‫ملف‬

‫‪:‬‬

‫اعتقال‬

‫الر�أي!‬
‫ا�سرتاتيجية‬
‫�صراع البقاء‬

‫‪:‬‬

‫تاريـخ ظاهرة االختفاء الق�سري‬
‫النـواحي القانونية املتعلـق ــة باعتقـال الر�أي‬
‫اجلـالد وال�سجان‪ ..‬هل هم �ضحايا؟‬
‫�شـهادات معتقلي الر�أي قبل ‪�15‬آذار ‪2011‬‬
‫�شهادات معتقلي الر�أي يف ثورة ‪�15‬آذار ‪2011‬‬
‫معتقل الر�أي والتـ�أثيـر النفـ�سي لتجربة االعتقال‬
‫معتقل الر�أي والت�أثري الإجتماعي لتجربة االعتقال‬
‫معتقل الر�أي والت�أثري الإقت�صادي لتجربة االعتقال‬
‫جتارب االعتقال يف الأدب والفن ال�سوري‬

‫�أيها الأ�صدقاء ‪..‬‬
‫يف ظ ��ل خما�ض التغيري الذي تعي�ش ��ه �س ��وريا‪ ،‬وانطالقا من �أهمي ��ة �أن احلل يجب �أن يكون نتاجا لأفكار و ر�ؤى ال�س ��وريني‬
‫�أنف�س ��هم على خمتلف �أطيافهم و اجتاهاتهم الفكرية‪ ،‬بحيث يت�ش ��اركون يف �إيجاد �أر�ض ��ية م�ش�ت�ركة ت�ؤ�س�س لر�ؤية م�ستقبلية‬
‫وا�ضحة ‪.‬‬
‫مع هذا اال�صدار تطلق جمموعة «�شباب بكرا �سوريا « جملتها الدورية «ملفات بكرا» تطرح يف كل عدد منها ملف ًا رئي�سيا‬
‫ملوا�ض ��يع مت�س املواطن ال�س ��وري يتم مناق�ش ��ته من خمتلف النواحي ال�سيا�س ��ية‪ ،‬االجتماعية‪ ،‬الثقافية‪ ،‬واالقت�صادية‪ ،‬وذلك‬
‫به ��دف البح ��ث عن خمارج للأزم ��ات املتجذرة يف الواقع ال�س ��وري‪ ،‬وبلورة تعريف حمدد ووا�ض ��ح عن املواطن ��ة‪ ،‬دعم ثقافة‬
‫احلوار‪ ،‬تقدمي م�صدر للمعلومات و التحليل‪ ،‬و توثيق ما يجري حاليا يف �سوريا‪.‬‬
‫متت كتابة الكثري من الدرا�س ��ات والتحليالت حول الواقع ال�س ��وري و لكن القا�سم امل�شرتك بني جميع هذه الدرا�سات انها‬
‫كانت موجهة ل�ش ��ريحة معينة من �شرائح املجتمع ال�سوري وهي �ش ��ريحة املثقفني واملهتمني بال�ش�أن العام‪ ،‬وهذا ما خلق فجوة‬
‫كبرية يف معرفة تفا�صيل هذا الواقع وم�سببات ازماته لدى جيل ال�شباب وذلك ب�سبب اال�سلوب الكتابة االكادميي غالبا واللغة‬
‫املتعالية يف معظم االحيان‪ .‬ال�شباب اليوم بحاجة اىل طرح كافة الآراء والتجارب بلغة ب�سيطة ومبا�شرة وبجرعات خمت�صرة‪.‬‬
‫كيفية امل�شاركة‬
‫يتم حتديد املحور و جوانب امل�ش ��اركة فيه يف ورقة عمل تعمم على امل�ش ��اركني و امل�ش ��اركات وتتم امل�ش ��اركة بار�سال ما ال‬
‫يزيد عن ‪ 500 - 300‬كلمة تعرب عن ر�ؤية �أو جتربة وخربات �شخ�صية �أو ر�أي اخت�صا�صي فيما يتعلق مبحور امللف و يرتك‬
‫للم�شاركني اخليار يف التوقيع بالأحرف الأوىل من �أ�سمائهم ‪� ،‬أو ب�أ�سمائهم الكاملة ‪،‬و�ستحمي �أ�سرة التحرير الأ�سماء احلقيقة‬
‫بكل ال�س ��بل املمكنة‪ ،‬وميكن للم�ش ��اركني اختيار مو�ض ��وع �أو �أكرث من موا�ضيع امللف للم�ش ��اركة به ‪ .‬علما ب�أن جميع امل�شاركات‬
‫تطوعية‪.‬‬
‫�أما فيما يخ�ص حقوق الت�أليف و الن�شر ف�ستعتمد املجلة على حقوق «امل�شاع اجلماعي» ‪� ،‬أي �أن املجلة �ستكون قابلة لإعادة‬
‫الن�ش ��ر و الن�ش ��ر الورقي مع احلفاظ على ال�ش ��كل و املحتوى الأ�ص ��لي دون جتزئة �أو �إعادة حترير ‪ .‬علما �أن �أ�سرة التحرير لن‬
‫تقوم مبمار�سة �أي نوع من �أنواع الرقابة �أيا كانت ويعود قرار ن�شر اي م�شاركة او عدمه لأ�سرة التحرير علما ان عدم ن�شر اي‬
‫مادة ال يعد تقييما جلودتها‪.‬‬
‫يف حال عربت م�ش ��اركات الأفراد عن ر�ؤي املنظمات �أو الأحزاب �أو امل�ؤ�س�س ��ات التي ينتمون �إليها ‪ ،‬ف�إن ذلك ي�أتي �ض ��من‬
‫�إطار احلوار و لي�س �ضمن تبني املجلة لر�أي �أو �آخر ب�شكل ح�صري‪.‬‬

‫�شباب بكرا �سوريا ‪:‬‬

‫جمموع��ة تفك�ير و ر�أي ح��ر ‪ ،‬تعم��ل عل��ى امل�ساهم��ة يف الو�صول �إىل جمتم��ع مدين دميقراط��ي يحكمه‬
‫القانون ‪.‬و ذلك من خالل �صفحة «بحب �سوريا‪.‬وب�س» على موقع الفي�س بوك‪:‬‬
‫‪https://www.facebook.com/I.love.syria.w.bass‬‬
‫ويت��م توزي��ع موا�ضي��ع ال�صفحة اليومي��ة بالربيد االلكرتوين عل��ى �شكل ن�شرة اوف الي��ن با�سم «بحب‬
‫�سوريا و ب�س» ‪.‬ويتم ار�سالها للم�شرتكني بالربيد الإلكرتوين ‪.‬‬
‫ال ترتب��ط املجموع��ة ب���أي منظمة �أو ح��زب �أو م�ؤ�س�سة ‪ ،‬علما ب�أنه��ا ترحب ب�أي تعاون ب�ين الأفراد �أو‬
‫امل�ؤ�س�سات بهدف تطوير و �إثراء احلوار الوطني ال�سوري‪ .‬تعتمد جمموعة بكرا �سوريا على املجهود التطوعي‬
‫‪ ،‬و يتم تغطية النفقات اخلا�صة باملوقع �أو اخلدمات املرافقة من الدخل ال�شخ�صي للأفراد امل�ؤ�س�سني ‪.‬‬
‫يرجى �إر�سال امل�شاركات على العنوان ‪:‬‬
‫‪files@bukrasyria.com‬‬
‫�شباب بكرا �سوريا‬

‫تاري�‪ï‬‬
‫ظاهرة‬
‫االختفاء‬
‫الق�سري‬

‫عرف ــت �ســوري ــة ظاه ـ ــرة االختف ـ ــاء الق�س ــري ب�س ــكل منهج ــي مع‬
‫بداي ــة اأحداث الثمانينيــات (املواجه ـ ــة امل�ســلحــة بني جماعة االإخوان‬
‫امل�سلم ــني واحلكوم ــة ال�سوري ــة) م ــن الق ــرن املا�س ــي‪ ،‬الت ــي �سبغته ــا‬
‫عملي ــات اختف ــاء ق�س ــري الأعداد كبرية ج ــداً من املواطن ــني مل يك�سف‬
‫عن م�سريهم حتى اللحظة‪.‬‬
‫وتوالت بعد ذلك عمليات االختفاء الق�سري والفقدان يف ال�سجون‬
‫ومراك ــز التحقي ــق حتى و�سل ع ــدد املفقودين قراب ــة �سبعة ع�سر األف‬
‫مفق ــود من ــذ ع ــام ‪ ،1979‬لك ــن بع� ــص امل�س ــادر ترف ــع الع ــدد اإىل خم�ص‬
‫وع�سري ــن األفـ ـاً‪ .‬هذه االأرقام املقلقة والتي يوؤك ــد كثريون اأنها توقعات‬
‫ق ــد تخفي وراءها اأع ــداداً خمفية من املفقودين ت�سكل ح�سيلة �سل�سلة‬
‫من االأحداث املاأ�ساوية الدامية‪.‬‬
‫البد من القول اأن ك ً‬
‫ال من االعتقال ال�سيا�سي واالختفاء الق�سري‬
‫كان ــا يف طليع ــة االنته ــاكات االأ�سا�سي ــة حلق ــوق االإن�س ــان‪ ،‬وق ــد ترافقا‬
‫يف معظ ــم احل ــاالت تقريبـ ـاً‪ ،‬بل وي�س ــكل االعتقال ال�سيا�س ــي يف معظم‬
‫االأحي ــان مقدمة حتمية لعمليات االختف ــاء الق�سري التي تعر�ص لها‬
‫مواطنون �سوريون‪ ،‬كما �سيجري تبيانه الحقاً‪.‬‬
‫وينتم ــي �سحايا االعتقال ال�سيا�سي واالختفاء الق�سري يف �سورية‬
‫اإىل خمتلف التيارات واالجتاهات ال�سيا�سية واأهمها‪:‬‬
‫املعتقل ــون واملفق ــودون ما قب ــل عام ‪ ،2000‬وقد اأف ــرج عن املعتقلني‬
‫منه ــم خ ــالل ال�سن ــوات القليل ــة املا�سية‪ ،‬فيم ــا بقي م�س ــري املفقودين‬
‫جمهول حتى اللحظة‪.‬‬
‫‪ -1‬جماع ــة االإخ ــوان امل�سلم ــني‪ ،‬وه ــي ت�س ــم الع ــدد االأك ــرب م ــن‬
‫املفقودين واملختفني ق�سرياً ‪.‬‬
‫‪ -2‬االأحزاب ال�سيوعية والي�سارية‬
‫‪ -3‬جمموعات فل�سطينية خمتلفة‬
‫‪ -4‬مواطنون لبنانيون‬
‫‪ -5‬باالإ�سافة اإىل املعتقلني الأ�سباب خمتلفة‪ ،‬كاالنت�ساب اإىل بعث‬
‫الع ــراق‪ ،‬اأو النا�سري ــني اأو ح ــزب التحري ــر االإ�سالم ــي اأو كرهائن عن‬
‫ذويهم املطلوبني اأو ب�سبب تقارير اأمنية كيدية‪...‬الخ ‪.‬‬
‫وعل ــى الرغ ــم م ــن م�س ــي نح ــو اأربع ــة عق ــود عل ــى معظ ــم ح ــوادث‬
‫االختف ــاء الق�س ــري يف �سورية‪ ،‬ال يزال ه ــذا امللف طي التجاهل وال�سمت‬
‫الر�سميني‪ .‬بل ال يزال احلديث العلني حول تفا�سيل تلك الوقائع يعترب‬
‫م ــن غ ــري امل�سموح به؛ فال�سلطات ال�سورية‪ ،‬اتبعت اأ�سلوباً يف التعامل مع‬
‫ما�سيه ــا احلافل بانتهاكات حقوق االإن�سان وال�سحايا‪ ،‬يقوم على اإ�سدال‬
‫ال�ست ــار عل ــى ما ح�سل‪ ،‬لناحية ك�سف احلقيقة وج ــرب االأ�سرار واإن�ساف‬
‫ال�سحاي ــا‪ ،‬لذل ــك مل يل ــق هذا املل ــف االإن�ساين حتى اللحظ ــة اأية مبادرة‬
‫ر�سمي ــة يف طري ــق احل ــل املن�س ــف والعادل‪،‬وباملث ــل مل يتح الأي ــة مبادرات‬
‫جمتمعي ــة بـ ـاأن تخط ــو جت ــاه ه ــذا املل ــف ب�س ــكل فع ــال‪ ،‬نظ ــرا ال�ستمرار‬
‫مناخات القمع الر�سمي و�ستى اأنواع انتهاكات حقوق االإن�سان‪.‬‬

‫يق ــول اأحد الن�سطاء احلقوقيني ال�سوريني‪“* :‬االختفاء الق�سري‬
‫كاأي انته ــاك اآخر حلق ــوق االإن�سان يحتاج اإىل تعاون ال�سحية اأو ذويها‬
‫م ــن اأجل اأية اإج ــراءات ت�ستهدف اإثارة املو�س ــوع ق�سائياً اأو غري ذلك؛‬
‫وذوي �سحاي ــا االختف ــاء الق�سري يف �سورية‪ ،‬هم االأكرث حذراً وتوج�ساً‬
‫جت ــاه اإث ــارة ق�سيته ــم علنـ ـاً‪ ،‬اأو ًال ب�سب ــب ارتب ــاط عملي ــات االختف ــاء‬
‫الق�سري اأو معظمها‪ ،‬باأحداث ذات اأبعاد �سيا�سية واجتماعية وطائفية‪،‬‬
‫ال ت ــزال مفاعليها �سارية حتى اليوم مع ا�ستمرار النظام احلاكم الذي‬
‫وقعت االأحداث يف زمنه‪ ،‬واإن اختلفت ال�سخو�ص وبع�ص االأ�سماء”‪.‬‬
‫ويتابع‪“ :‬اأما ثانياً‪ ،‬فالأن اخلو�ص يف هذا املو�سوع هو بالفعل خط‬
‫اأحمر بالن�سبة لل�سلطة‪ ،‬نظرا الأنها مل تتخذ قراراً بالقطع مع املا�سي‬
‫واإ�سرارها على اإتباع النهج القمعي واالإق�سائي نف�سه حتى اليوم”‪.‬‬
‫ب ــداأت عملي ــات االعتق ــال ال�سيا�س ــي واالختف ــاء الق�س ــري تاأخ ــذ‬
‫�س ــك ً‬
‫ال ممنهجـ ـاً وم�ستم ــراً يف التطبي ــق من قب ــل النظ ــام ال�سوري مع‬
‫نهاي ــة ال�سبعينات وبداية الثمانين ــات من القرن املا�سي‪ ،‬بالرتافق مع‬
‫ان ــدالع النزاع العنيف بني تنظيم االإخ ــوان امل�سلمني والنظام ال�سوري‬
‫اآنذاك‪ .‬اأخذ النظام ميار�ص العنف العاري‪ ،‬لي�ص فقط �سد التنظيمات‬
‫االإ�سالمية امل�سلحة واإمنا �سد جميع اأطياف املعار�سة و�سرائح املجتمع‬
‫ال�س ــوري‪ ،‬وه ــو ما توج بعدد م ــن املجازر الت ــي راح �سحيتها االآلف من‬
‫املدني ــني‪ ،‬واأبرزه ــا جم ــزرة حماة يف فرباي ــر‪ .1982‬ه ــذا باالإ�سافة اإىل‬
‫املفقودي ــن الذين ذهب ــوا �سحية ما يعرف مبجزرة تدمر‪ ،‬التي حدثت‬
‫يف ‪ (7‬حزي ــران م ــن ع ــام ‪ ،1980‬اإث ــر حماولة الغتي ــال الرئي�ص حافظ‬
‫االأ�س ــد حينه ــا‪ ،‬حي ــث ج ــرى فتح الن ــار على مئ ــات املعتقل ــني يف �سجن‬
‫تدم ــر الع�سك ــري �سيئ ال�سيت‪ ،‬ودفن ال�سحاي ــا الذين تقدر املنظمات‬
‫احلقوقي ــة عدده ــم بنح ــو األ ــف �سحي ــة‪ ،‬يف م ــكان جمه ــول ومل يبل ــغ‬
‫ذويه ــم مبقتلهم ‪ .‬ال توج ــد اإح�سائيات ر�سمية ح ــول اأعداد املفقودين‬
‫يف تل ــك الف ــرتة‪ .‬وهوؤالء‪ ،‬اإما جرى اعتقاله ــم من قبل اإحدى اجلهات‬
‫االأمنية اآنذاك‪ ،‬ثم انقطعت اأخبارهم بعد فرتة معينة متكنت خاللها‬
‫عائالته ــم م ــن التوا�س ــل معه ــم؛ اأو اأن م�سريهم اأ�سب ــح جمهو ًل من‬
‫حلظ ــة اختطافهم على يد االأجهزة االأمني ــة ال متناهية ال�سالحيات‪.‬‬
‫وكان ال�سائ ــد اآن ــذاك‪ ،‬اأن يحتج ــز املوق ــوف يف اإح ــدى الف ــروع االأمنية‬
‫طوال فرتة التحقيق‪ ،‬قبل اأن ينقل اإىل اإحدى ال�سجون �سيئة ال�سيت‬
‫املخ�س�س ــة للمعتقل ــني ال�سيا�سي ــني‪ ،‬ك�سج ــن تدمر الع�سك ــري و�سجن‬
‫امل ــزة الع�سك ــري‪“ .‬يف العدي ــد م ــن احل ــاالت‪ ،‬كان املعتق ــل يلقى حتفه‬
‫اأثن ــاء التعذيب ال�سديد يف الفرع االأمني‪ ،‬ويف حاالت اأكرث �سيوعاً‪ ،‬كان‬
‫يقت ــل اأثن ــاء وج ــوده يف ال�سجن اإم ــا نتيجة التعذي ــب اليومي وظروف‬
‫االعتق ــال الالاإن�ساني ــة‪ ،‬اأو نتيج ــة اأح ــكام ع�سكرية ميداني ــة باالإعدام‪،‬‬
‫خا�س ــة م ــع �س ــدور القان ــون رق ــم ‪ 49‬لع ــام ‪ 1980‬القا�س ــي باإع ــدام كل‬
‫منت�س ــب جلماعة االإخوان امل�سلمني ” يقول اأحد املعتقلني ال�سيا�سيني‬
‫لثمانية ع�سر عاما على ذمة اأحد االأحزاب الي�سارية‪.‬‬

‫من تقرير "�سنوات اخلوف" احلقيقة والعدالة يف ق�سية املختفني ق�سريا يف �سوريا‪ ،‬لالطالع على التقرير كامال من الرابط التايل‪:‬‬
‫‪http://sites.google.com/site/nazzelha/download/Years_of_fears.pdf‬‬

‫نظ��ام روم�ا االأ�س�ا�س�ي‬

‫للمحكمة اجلنائية الدولية‬
‫اعتم ــد م ــن قب ــل موؤمت ــر االأمم املتح ــدة الدبلوما�س ــي للمفو�سني‬
‫املعنى باإن�ساء حمكمة جنائية دوليةبتاريخ ‪ 17‬متوز‪/‬يوليو ‪1998‬‬
‫تاريخ بدء النفاذ‪ 1 :‬حزيران‪/‬يونيه ‪ ،2001‬وفقا للمادة ‪126‬‬
‫املادة ‪ :7‬اجلرائم �سد االإن�سانية‬
‫‪ -1‬لغر�ص هذا النظام االأ�سا�سي‪ ،‬ي�سكل اأي فعل من االأفعال التالية‬
‫"جرمي ــة �س ــد االإن�ساني ــة" مت ــى ارتكب يف اإطار هج ــوم وا�سع النطاق‬
‫اأو منهج ــي موج ــه �س ــد اأي ــة جمموعة من ال�س ــكان املدني ــني‪ ،‬وعن علم‬
‫بالهجوم‪:‬‬
‫(ط) االختفاء الق�سري لالأ�سخا�ص؛‬
‫حي ــث يع ــرف "االختف ــاء الق�س ــري لالأ�سخا� ــص" كالت ــايل‪ :‬اإلق ــاء‬
‫القب� ــص عل ــى اأي اأ�سخا� ــص اأو احتجازه ــم اأو اختطافه ــم م ــن قبل دولة‬
‫اأو منظم ــة �سيا�سي ــة‪ ،‬اأو باإذن اأو دعم منه ــا لهذا الفعل اأو ب�سكوتها عليه‪.‬‬
‫ث ــم رف�سه ــا االإقرار بحرمان هـ ـوؤالء االأ�سخا�ص من حريته ــم اأو اإعطاء‬
‫معلوم ــات عن م�سريه ــم اأو عن اأماكن وجودهم‪ ،‬به ــدف حرمانهم من‬
‫حماية القانون لفرتة زمنية طويلة‪.‬‬

‫يف القوانني الدولية‪:‬‬

‫الن�واحي‬
‫القانونية‬
‫املتعل�ق���ة‬
‫باعتق�ال‬
‫ال��������راأي‬

‫االتفاقية الدولية حلماية جميع االأ�سخا�ص من االختفاء الق�سري‬
‫اعتم ــدت ون�س ــرت عل ــى املـ ـالأ وفتح ــت للتوقي ــع والت�سدي ــق واالن�سمام‬
‫مبوج ــب قرار اجلمعية العامة لالأمم املتحدة رقم ‪ 177/61‬املوؤرخ يف ‪20‬‬
‫كانون االأول‪/‬دي�سمرب ‪،2006‬‬
‫ورد يف االتفاقية‪:‬اجلزء االأول املادة ‪1‬‬
‫‪ - 1‬ال يجوز تعري�ص اأي �سخ�ص لالختفاء الق�سري‬
‫‪ - 2‬ال يج ــوز الت ــذرع بـ ـاأي ظ ــرف ا�ستثنائ ــي كان‪� ،‬سواء تعل ــق االأمر‬
‫بحال ــة ح ــرب اأو التهديد باندالع حرب‪ ،‬اأو بانع ــدام اال�ستقرار ال�سيا�سي‬
‫الداخلي‪ ،‬اأو باأية حالة ا�ستثناء اأخرى‪ ،‬لتربير االختفاء الق�سري‪.‬‬
‫املادة ‪2‬‬
‫الأغرا� ــص ه ــذه االتفاقية‪ ،‬يق�سد ب ”االختف ــاء الق�سري“ االعتقال‬
‫اأو االحتج ــاز اأو االختط ــاف اأو اأي �سكل من اأ�سكال احلرمان من احلرية‬
‫يت ــم عل ــى اأيدي موظفي الدولة‪ ،‬اأو اأ�سخا� ــص اأو جمموعات من االأفراد‬
‫يت�سرف ــون بـ ـاإذن اأو دع ــم م ــن الدول ــة اأو مبوافقته ــا‪ ،‬ويعقب ــه رف� ــص‬
‫االع ــرتاف بحرم ــان ال�سخ� ــص م ــن حريت ــه اأو اإخفاء م�س ــري ال�سخ�ص‬

‫املختفي اأو مكان وجوده‪ ،‬مما يحرمه من حماية القانون‪.‬‬
‫املادة ‪3‬‬
‫تتخ ــذ كل دول ــة ط ــرف التداب ــري املالئم ــة للتحقي ــق يف الت�سرفات‬
‫املح ــددة يف امل ــادة ‪ 2‬الت ــي يق ــوم بها اأ�سخا� ــص اأو جمموعات م ــن االأفراد‬
‫يت�سرف ــون دون اإذن اأو دعم اأو موافق ــة من الدولة‪ ،‬ولتقدمي امل�سوؤولني‬
‫اإىل املحاكمة‪.‬‬
‫املادة ‪4‬‬
‫تتخ ــذ كل دول ــة ط ــرف التداب ــري الالزم ــة لك ــي ي�س ــكل االختف ــاء‬
‫الق�سري جرمية يف قانونها اجلنائي‪.‬‬
‫املادة ‪5‬‬
‫ت�س ــكل ممار�سة االختف ــاء الق�سري العام ــة اأو املنهجية جرمية �سد‬
‫االإن�سانية كما مت تعريفها يف القانون الدويل املطبق وت�ستتبع العواقب‬
‫املن�سو�ص عليها يف ذلك القانون‪.‬‬
‫املادة ‪6‬‬
‫‪ - 1‬تتخ ــذ كل دول ــة ط ــرف التداب ــري الالزم ــة لتحمي ــل امل�سوؤولي ــة‬
‫اجلنائية على اأقل تقدير‪:‬‬
‫(اأ) ل ــكل م ــن يرتك ــب جرمي ــة االختف ــاء الق�س ــري‪ ،‬اأو ياأم ــر اأو‬
‫يو�س ــي بارتكابه ــا اأو يح ــاول ارتكابه ــا‪ ،‬اأو يك ــون متواطئ ــا اأو ي�سرتك يف‬
‫ارتكابها؛(ب) الرئي�ص الذي‪:‬‬
‫‘‪ ‘1‬كان عل ــى عل ــم باأن اأحد مروؤو�سي ــه ممن يعملون حتت اإمرته‬
‫ورقابت ــه الفعليت ــني ق ــد ارتك ــب اأو كان عل ــى و�س ــك ارت ــكاب جرمي ــة‬
‫االختف ــاء الق�س ــري‪ ،‬اأو تعم ــد اإغف ــال معلوم ــات كان ــت ت ــدل عل ــى ذل ــك‬
‫بو�س ــوح؛‘‪ ‘2‬كان ميار� ــص م�سوؤوليته ورقابته الفعليت ــني على االأن�سطة‬
‫التي ترتبط بها جرمية االختفاء الق�سري؛‘‪ ‘3‬مل يتخذ كافة التدابري‬
‫الالزم ــة واملعقول ــة الت ــي كان بو�سع ــه اتخاذه ــا للحيلول ــة دون ارت ــكاب‬
‫جرمية االختفاء الق�سري اأو قمع ارتكابها اأو عر�ص االأمر على ال�سلطات‬
‫املخت�س ــة الأغرا� ــص التحقيق واملالحق ــة؛(ج) لي�ص يف الفق ــرة الفرعية‬
‫(ب) اأع ــاله اإخ ــالل بالقواعد ذات ال�سلة الت ــي تنطوي على درجة اأعلى‬
‫م ــن امل�سوؤولي ــة والواجب ــة التطبيق مبوجب القانون ال ــدويل على قائد‬
‫ع�سكري اأو على اأي �سخ�ص يقوم فعال مقام القائد الع�سكري‪.‬‬
‫‪ - 2‬ال يج ــوز الت ــذرع باأي اأمر اأو تعليمات �سادرة من �سلطة عامة اأو‬
‫مدنية اأو ع�سكرية اأو غريها لتربير جرمية االختفاء الق�سري‪.‬‬
‫وما تزال �سوريا غر موقعة على هذه االتفاقية‪.‬‬

‫لالطالع على نظام روما االأ�سا�سي للمحكمة اجلنائية الدولية‪:‬‬
‫‪www1.umn.edu/humanrts/arab/icc.html‬‬
‫لالطالع على الن�س الكامل لالتفاقية الدولية‪:‬‬
‫‪www1.umn.edu/humanrts/arabic/CONVEnforcedDisappearance.html‬‬

‫االختفاء الق�سري‬
‫يف القوانني ال�سورية‪:‬‬
‫ال ين�ص���ر الد�ست���ور ال�س���وري الذي �ص���در ع���ام ‪� 1973‬صراحة على‬
‫من���ع ارتكاب جرمي���ة االختفاء الق�سري‪ ،‬بل ميكن ا�ستنتاج هذا املنع يف‬
‫مواد تتحدث عن واجب الدولة يف احلفاظ على حرية و�أمن املواطنني‬
‫ومن���ع توقي���ف �أي مواط���ن �أي مواط���ن خالفاً للقانون‪ .‬ب���ل �إن ظاهرة‬
‫االختفاء الق�س���ري ت�شكل خرقاً لواجبات الدولة ال�سورية التي تكفلت‬
‫به���ا مبوجب د�ستورها الدائم ال�صادر عام ‪ ،1973‬فقد ن�ص الد�ستور يف‬
‫مادته ‪ 25‬على �أن‪:‬‬
‫‪ -1‬احلري���ة ح���ق مقد����س وتكف���ل الدول���ة للمواطن�ي�ن حريته���م‬
‫ال�شخ�صية وحتافظ على كرامتهم و�أمنهم‪.‬‬
‫‪� -2‬سيادة القانون مبد�أ �أ�سا�سي يف املجتمع والدولة‪.‬‬
‫كما ن�صت املادة ‪ 28‬على �أنه‪:‬‬
‫ال يجوز حتري �أحد �أو توقيفه �إال وفقاً للقانون‪.‬‬
‫ال يجوز تعذيب �أحد ج�سدياً �أو معنوياً �أو معاملته معامله مهينه‬
‫ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك‪.‬‬
‫ح���ق التقا�ضي و�سلوك �سبيل الطعن والدفاع �أمام الق�ضاء م�صونٌ‬
‫بالقانون‪.‬‬
‫وباملثل‪ ،‬فلم تن�ص �أي من القوانني ال�سورية على جترمي االختفاء‬
‫الق�س���ري �صراحة‪ ،‬لكن هناك جمموعة من الن�صو�ص القانونية التي‬
‫يفرت�ض �أن تكون حائ ً‬
‫ال دون ارتكاب هذه اجلرمية‪.‬‬
‫حي���ث يح���دد القان���ون ال�س���وري اجله���ات املخول���ة ب�أم���ر التوقي���ف‬
‫واالعتق���ال بال�ضابط���ة العدلي���ة (املادة ‪ 6‬من قانون �أ�ص���ول املحاكمات‬
‫اجلزائي���ة)‪" :‬موظف���و ال�ضابطة العدلية مكلف���ون ا�ستق�صاء اجلرائم‬
‫وجم���ع �أدلته���ا والقب�ض على فاعليه���ا و�إحالتهم عل���ى املحاكم املوكول‬
‫�إليها �أمر معاقبتهم"‪.‬‬
‫بينما تن�ص املادة ال�سابعة من القانون ذاته على �أنه "يقوم بوظائف‬
‫ال�ضابط���ة العدلية النائب الع���ام ووكال�ؤه ومعاونوه وق�ضاة التحقيق‬
‫ويقوم بها �أي�ضاً ق�ضاة ال�صلح يف املراكز التي ال يوجد فيها نيابة عامة‬
‫كل ذلك �ضمن القواعد املحددة يف القانون"‪.‬‬
‫وبع���د التوقيف‪ ،‬ي�ص���ون القانون ن�سبياً‪ ،‬ح���ق ال�شخ�ص املحتجز يف‬
‫الإط�ل�اع على املعلومات اخلا�ص���ة ب�أ�سباب احتج���ازه �أو توقيفه‪ ،‬وحقه‬
‫باال�ستعان���ة مبحام حتى قب���ل املحكمة‪ ،‬حيث ن�صت املادة ‪ 69‬من قانون‬

‫الأ�ص���ول عل���ى �أن���ه "عندما ميث���ل املدعى علي���ه �أمام قا�ض���ي التحقيق‬
‫يتثبت القا�ضي من هويته ويطلعه على الأفعال املن�سوبة �إليه ويطلب‬
‫جواب���ه عنه���ا منبه���اً �إياه من حق���ه �أال يجيب عنه���ا �إىل بح�ضور حمام‬
‫وي���دون ه���ذا التنبي���ه يف حم�ض���ر التحقي���ق ف����إذا رف����ض املدع���ى علي���ه‬
‫‘قامة حمام �أو مل يح�ضر حمامياً يف مدة �أربع وع�شرين �ساعة جرى‬
‫التحقيق مبعزل عنه"‪.‬‬
‫ونق���ول ن�سبي���اً‪ ،‬لأن الفقرة الثانية من املادة املذكورة‪� ،‬أعطت احلق‬
‫با�ستج���واب املوق���وف قبل دع���وة حماميه للح�ض���ور "يف حالة ال�سرعة‬
‫ب�سب���ب اخل���وف من �ضي���اع الأدلة"‪ .‬كم���ا �أن املر�س���وم الت�شريعي رقم ‪5‬‬
‫تاريخ ‪ 1952-6-26‬ن�ص على عدم �إمكانية املدعى عليه بجرائم اخليانة‬
‫�أو التج�س�س اال�ستعانة مبحام لدى قا�ضي التحقيق‪.‬‬
‫كم���ا �أعطى امل�شروع ال�سوري احل���ق للموقوف باالت�صال مبحاميه‬
‫يف كل وق���ت ومبع���زل ع���ن �أي رقي���ب ‪،‬حت���ى ل���و ق���رر قا�ض���ي التحقي���ق‬
‫من���ع االت�ص���ال باملوقوف ‪ ،‬كم���ا ن�صت عليه املادة ‪ 72‬م���ن قانون �أ�صول‬
‫املحاكمات اجلزائية‪ ،‬وهي املادة نف�سها التي حتمي املوقوف من العزل‬
‫ع���ن الع���امل اخلارجي وتعطيه احلق بتلقي الزيارات ‪ ،‬حيث تن�ص على‬
‫�أن لقا�ضي التحقيق �أن يقرر منع االت�صال باملدعي عليه املوقوف مدة‬
‫ال تتجاوز ع�شرة �أيام قابلة للتجديد مرة واحدة ‪ ،‬وهذا املنع ال ي�شمل‬
‫املحامي كما �سبق ذكره‪.‬‬
‫ويج ّرم القانون ال�سوري حجز احلرية يف غري الأماكن املخ�ص�صة‬
‫له���ا قانوني���اً‪ ،‬حيث ن�ص قان���ون الأ�صول يف مادتي���ه ‪ 252-242‬على �أن‪:‬‬
‫" على كل من علم بتوقيف �أحد النا�س يف �أمكنة غري التي �أعدتها‬
‫احلكوم���ة للحب�س والتوقي���ف �أن يخرب بذلك النائ���ب العام �أو معاونه‬
‫�أو قا�ضي ال�صلح"‪.‬‬
‫عندم���ا يبلغ املوظفون املذكورون يف املادة ال�سابقة مثل هذا اخلرب‬
‫عليه���م �أن يتوجه���وا يف احل���ال �إىل املح���ل احلا�ص���ل في���ه التوقيف و�أن‬
‫يطلقوا �سراح من كان موقوفاً ب�صورة غري قانونية‪.‬‬
‫و�إذا تب�ي�ن له���م �سبب قانوين موجب للتوقي���ف �أر�سلوا املوقوف يف‬
‫احلال �إىل النائب العام �أو قا�ضي ال�صلح العائد �إليه الأمر‪.‬‬
‫وعليهم �أن ينظموا حم�ضراً بالواقعة‪.‬‬
‫و�إذا �أهملوا العمل مبا تقدم عدوا �شركاء يف جرمية حجز احلرية‬
‫ال�شخ�صية وجرت املالحقة بحقهم بهذه ال�صفة "‪.‬‬
‫و�أعط���ى القان���ون للموق���وف ح���ق املث���ول �أم���ام الق�ضاء عل���ى وجه‬
‫ال�سرعة‪ ،‬حيث ن�ص قانون الأ�صول يف مادته ‪ 104‬على �أن ‪:‬‬
‫ي�ستج���وب قا�ضي التحقيق يف احلال املدعى عليه املطلوب مبذكرة‬
‫دع���وة‪� .‬أما املدعى عليه الذي جل���ب مبذكرة �إح�ضار في�ستجوبه خالل‬
‫�أربع وع�شرين �ساعة من و�ضعه يف النظارة‪.‬‬
‫حال انق�ضاء الأربع وع�شرين �ساعة ي�سوق رئي�س النظارة من تلقاء‬
‫نف�س���ه املدعى علي���ه �إىل النائب العام فيطلب هذا �إىل قا�ضي التحقيق‬
‫ا�ستج���واب املدع���ى علي���ه ف�إن �أب���ى �أو كان غائباً �أو ح���ال دون ذلك مانع‬
‫�شرعي طلب النائب العام �إىل قا�ضي حتقيق �آخر �أو �إىل رئي�س املحكمة‬

‫البدائية �أو �إىل قا�ضي ال�صلح �أن ي�ستجوبه ف�إن تعذر ا�ستجواب املدعى‬
‫عليه �أمر النائب العام ب�إطالق �سراحه يف احلال"‪.‬‬
‫كم���ا ن�ص���ت املادة ‪ 105‬من القانون نف�سه علة �أنه " �إذا �أوقف املدعى‬
‫عليه مبوجب مذكرة �إح�ضار وظل يف النظارة �أكرث من �أربع وع�شرين‬
‫�ساع���ة دون �أن ي�ستج���وب �أو ي�س���اق �إىل النائ���ب الع���ام وفق���اً مل���ا ورد يف‬
‫امل���ادة ال�سابق���ة اعترب توقيفه ً‬
‫عم�ل�ا تع�سفياً ولو ح���ق املوظف امل�س�ؤول‬
‫بجرمي���ة حج���ز احلري���ة ال�شخ�صية املن�صو�ص عليه���ا يف املادة ‪ 385‬من‬
‫قانون العقوبات"‪.‬‬
‫كم���ا �أعطى امل�شروع ال�سوري احل���ق للموقوف باالت�صال مبحاميه‬
‫يف كل وق���ت ومبع���زل ع���ن �أي رقي���ب ‪،‬حت���ى ل���و ق���رر قا�ض���ي التحقي���ق‬
‫من���ع االت�ص���ال باملوقوف ‪ ،‬كم���ا ن�صت عليه املادة ‪ 72‬م���ن قانون �أ�صول‬
‫املحاكمات اجلزائية‪ ،‬وهي املادة نف�سها التي حتمي املوقوف من العزل‬
‫ع���ن الع���امل اخلارجي وتعطيه احلق بتلقي الزيارات ‪ ،‬حيث تن�ص على‬
‫�أن لقا�ضي التحقيق �أن يقرر منع االت�صال باملدعي عليه املوقوف مدة‬
‫ال تتجاوز ع�شرة �أيام قابلة للتجديد مرة واحدة ‪ ،‬وهذا املنع ال ي�شمل‬
‫املحامي كما �سبق ذكره‪.‬‬
‫ويج ّرم القانون ال�سوري حجز احلرية يف غري الأماكن املخ�ص�صة‬
‫له���ا قانوني���اً‪ ،‬حيث ن�ص قان���ون الأ�صول يف مادتي���ه ‪ 252-242‬على �أن‪:‬‬
‫" على كل من علم بتوقيف �أحد النا�س يف �أمكنة غري التي �أعدتها‬
‫احلكوم���ة للحب�س والتوقي���ف �أن يخرب بذلك النائ���ب العام �أو معاونه‬
‫�أو قا�ضي ال�صلح"‪.‬‬
‫عندم���ا يبلغ املوظفون املذكورون يف املادة ال�سابقة مثل هذا اخلرب‬
‫عليه���م �أن يتوجه���وا يف احل���ال �إىل املح���ل احلا�ص���ل في���ه التوقيف و�أن‬
‫يطلقوا �سراح من كان موقوفاً ب�صورة غري قانونية‪.‬‬
‫و�إذا تب�ي�ن له���م �سبب قانوين موجب للتوقي���ف �أر�سلوا املوقوف يف‬
‫احلال �إىل النائب العام �أو قا�ضي ال�صلح العائد �إليه الأمر‪.‬‬
‫وعليهم �أن ينظموا حم�ضراً بالواقعة‪.‬‬
‫و�إذا �أهملوا العمل مبا تقدم عدوا �شركاء يف جرمية حجز احلرية‬
‫ال�شخ�صية وجرت املالحقة بحقهم بهذه ال�صفة "‪.‬‬
‫و�أعط���ى القان���ون للموق���وف ح���ق املث���ول �أم���ام الق�ضاء عل���ى وجه‬
‫ال�سرعة‪ ،‬حيث ن�ص قانون الأ�صول يف مادته ‪ 104‬على �أن ‪:‬‬
‫ي�ستج���وب قا�ضي التحقيق يف احلال املدعى عليه املطلوب مبذكرة‬
‫دع���وة‪� .‬أما املدعى عليه الذي جل���ب مبذكرة �إح�ضار في�ستجوبه خالل‬
‫�أربع وع�شرين �ساعة من و�ضعه يف النظارة‪.‬‬
‫حال انق�ضاء الأربع وع�شرين �ساعة ي�سوق رئي�س النظارة من تلقاء‬
‫نف�س���ه املدعى علي���ه �إىل النائب العام فيطلب هذا �إىل قا�ضي التحقيق‬
‫ا�ستج���واب املدع���ى علي���ه ف�إن �أب���ى �أو كان غائباً �أو ح���ال دون ذلك مانع‬
‫�شرعي طلب النائب العام �إىل قا�ضي حتقيق �آخر �أو �إىل رئي�س املحكمة‬
‫البدائية �أو �إىل قا�ضي ال�صلح �أن ي�ستجوبه ف�إن تعذر ا�ستجواب املدعى‬
‫عليه �أمر النائب العام ب�إطالق �سراحه يف احلال"‪.‬‬
‫كم���ا ن�ص���ت املادة ‪ 105‬من القانون نف�سه علة �أنه " �إذا �أوقف املدعى‬
‫عليه مبوجب مذكرة �إح�ضار وظل يف النظارة �أكرث من �أربع وع�شرين‬

‫�ساع���ة دون �أن ي�ستج���وب �أو ي�س���اق �إىل النائ���ب الع���ام وفق���اً مل���ا ورد يف‬
‫امل���ادة ال�سابق���ة اعترب توقيفه ً‬
‫عم�ل�ا تع�سفياً ولو ح���ق املوظف امل�س�ؤول‬
‫بجرمي���ة حج���ز احلري���ة ال�شخ�صية املن�صو�ص عليه���ا يف املادة ‪ 385‬من‬
‫قانون العقوبات"‪.‬‬
‫وجرم���ت املادة ‪ 359‬من قانون العقوبات ت�أخري �إح�ضار املوقوف �أو‬
‫ال�سجني �أمام القا�ضي املخت�ص "�إن الأ�شخا�ص ال�سابق ذكرهم وبوجه‬
‫ع���ام جميع �ضباط القوة العام���ة و�أفرادها وجميع املوظفني الإداريني‬
‫الذي���ن يرف�ض���ون �أو ي�ؤخ���رون �إح�ضار �شخ�ص موق���وف �أو �سجني �أمام‬
‫القا�ضي ذي ال�صالحية الذي يطلب �إليهم ذلك يعاقبون باحلب�س من‬
‫�شه���ر �إىل �سن���ة ‪ 2-‬وم���ن مل ميتث���ل فوراً مل���ا يطلبه القا�ضي م���ن �إبراز‬
‫�سج���ل ال�سجن وجميع �سج�ل�ات �أمكنة التوقيف التي هم ملحقون بها‬
‫يعاقبون بالعقوبة نف�سها"‪.‬‬
‫وحم���ا امل�ش���رع �ضحاي���ا �إ�س���اءة ا�ستعم���ال ال�سلطة يف امل���ادة ‪ 367‬من‬
‫قان���ون العقوب���ات الع���ام التي ن�ص���ت على �أن���ه ‪ 1- ":‬يف ماخال احلاالت‬
‫التي يفرت�ض فيها القانون عقوبات خا�صة عن اجلرائم التي يرتكبها‬
‫املوظف���ون ف����إن الذين يقدمهم منه���م ب�صفتهم املذك���ورة �أو ب�إ�ساءتهم‬
‫ا�ستعم���ال ال�سلط���ة �أو النفوذ امل�ستمدين من وظائفهم على ارتكاب �أية‬
‫جرمي���ة كانت‪ ،‬حمر�ضني كانوا �أو م�شرتكني �أو متدخلني ي�ستوجبون‬
‫العقوبات امل�شددة التي تفر�ضها عليهم املادة ‪."237‬‬
‫غ�ي�ر �أن جمي���ع امل���واد ال�سابق���ة الت���ي كان م���ن املفرو����ض �أن ت�شكل‬
‫حواج���ز قانوني���ة مانع���ة دون ارت���كاب جرمي���ة االختفاء الق�س���ري‪ ،‬قد‬
‫جرى �إهدارها مبوجب القوانني اال�ستثنائية والأحكام العرفية‪.‬‬
‫وعلى الرغم من �أن �إعالن حماية جميع الأ�شخا�ص من االختفاء‬
‫الق�سري قد ن�ص يف مادته العا�شرة على �أنه‪:‬‬
‫"‪ -1‬يج���ب �أن يك���ون كل �شخ����ص حمروم من حريته موجوداً يف‬
‫م���كان احتج���از مع�ت�رف به ر�سمي���اً ‪ ،‬و�أن ميثل وفقاً للقان���ون الوطني‪،‬‬
‫�أم���ام �سلط���ة ق�ضائي���ة بعد احتج���ازه دون ت�أخ�ي�ر "‪ .‬وتتلخ����ص املبادئ‬
‫التي تكر�سها هذه الن�صو�ص يف الآتي‪:‬‬
‫�ضرورة �إبالغ ال�شخ�ص ب�سبب توقيفه مع التهم املوجهة �إليه‪.‬‬
‫ح���ق العر����ض على املحكمة بدون ت�أخ�ي�ر وت�سهيل االت�صال مبحام‬
‫وتامني الدفاع عن النف�س �أمام املحكمة واحلق يف حماكمة عادلة‪.‬‬
‫�أن يحتج���ز ال�شخ����ص يف م���كان معرتف به ر�سمي���اً خا�ضع للرقابة‬
‫القانونية‪.‬‬
‫حماية املعتقل من ال�ضغط اجل�سدي �أو املعنوي �أثناء االعتقال‪".‬‬
‫وم���ع ذلك يت���م احتجاز ال�شخ�ص ب���دون معرفة الأ�سب���اب ‪ ،‬وبدون‬
‫�أن يح���ال �إىل �أي���ة حمكمة �أو �أن يحق له االت�صال بعائلته �أو اال�ستعانة‬
‫بحم���ام‪ ،‬فيحتج���ز يف �أح���د ف���روع التوقيف الأمني���ة املت�شعب���ة االنت�شار‬
‫والت���ي ال تخ�ض���ع لأي رقاب���ة ومتار����س فيه���ا �شت���ى �أن���واع التعذي���ب‪،‬‬
‫واملعاملة املهينة و الال�إن�سانية‪.‬‬
‫وق���د ن�صت امل���ادة الثالثة من �إعالن حماي���ة جميع الأ�شخا�ص من‬
‫االختفاء الق�سري على �أنه ‪:‬‬
‫" عل���ى كل دول���ة �أن تتخ���ذ التداب�ي�ر الت�شريعي���ة والإداري���ة‬

‫والق�ضائي���ة وغريها من التداب�ي�ر الفعالة ملنع و�إنهاء �أعمال االختفاء‬
‫الق�سري يف �أي �إقليم تابع لواليتها‪".‬‬
‫كما ن�صت املادة ال�ساد�سة من الإعالن على �أنه ‪:‬‬
‫ال يج���وز الت���ذرع ب�أي �أمر �أو تعليمات �ص���ادرة عن �أي �سلطة عامة‪،‬‬
‫مدني���ة كان���ت �أو ع�سكرية �أو غريها ‪ ،‬لتربير عمل من �أعمال االختفاء‬
‫الق�س���ري ‪ .‬ويك���ون من حق كل �شخ�ص يتلقى مثل هذه الأوامر �أو تلك‬
‫التعليمات ومن واجبه عدم �إطاعتها‪.‬‬
‫على كل دولة �أن حتظر �إ�صدار �أوامر �أو تعليمات توجع �إىل ارتكاب‬
‫�أي عمل ي�سبب االختفاء الق�سري �أو ت�أذن به �أو ت�شجع عليه‪.‬‬
‫يج���ب الرتكي���ز عل���ى الأح���كام ال���واردة يف الفقرت�ي�ن ‪1‬و‪ 2‬من هذه‬
‫املادة يف تدريب املوظفني املكلفني ب�إنقاذ القوانني‪.‬‬
‫ون�ص���ت امل���ادة العا�ش���رة م���ن الإع�ل�ان عل���ى �أن���ه‪ -2:‬تو�ض���ع ف���وراً‬
‫معلوم���ات دقيقة عن احتج���از الأ�شخا�ص وم���كان �أو �أمكنة احتجازهم‬
‫‪ ،‬مبا يف ذلك حركة نقلهم من مكان �إىل �آخر‪ ،‬يف متناول �أفراد �أ�سرهم‬
‫�أو حماميه���م �أو �أي �شخ����ص �آخ���ر ل���ه م�صلح���ة م�شروع���ة يف الإحاطة‬
‫بهذه املعلومات‪ ،‬ما مل يعرب الأ�شخا�ص املحتجزون عن رغبة خمالفة‬
‫لذلك‪.‬‬
‫‪ .3‬يج���ب االحتف���اظ ب�سج���ل ر�سم���ي يج���ري حتديث���ه با�ستم���رار‬
‫ب�أ�سم���اء جمي���ع الأ�شخا����ص املحروم�ي�ن من حريته���م يف كل مكان من‬
‫�أمكن���ة االحتج���از‪ .‬و�إ�ضاف���ة �إىل ذل���ك‪ ،‬يج���ب عل���ى كل دول���ة �أن تتخذ‬
‫اخلطوات الالزمة لإن�شاء �سجالت مركزية مماثلة‪.‬‬
‫وتو�ضع املعلومات الواردة يف هذه ال�سجالت يف متناول الأ�شخا�ص‬
‫املذكوري���ن يف الفق���رة ال�سابق���ة ويف متن���اول �أي �سلط���ة ق�ضائي���ة �أو �أي‬
‫�سلطة �أخرى وطنيه خمت�صة وم�ستقلة‪ ،‬و�أي �سلطة خمت�صة‪ ،‬مرخ�ص‬
‫له���ا بذل���ك مبوجب الت�شري���ع الوطني �أو �أي �ص���ك قانوين دويل تكون‬
‫الدول���ة املعني���ة طرفا فيه‪ ،‬ت�سع���ى �إىل تق�صي مكان وج���ود الأ�شخا�ص‬
‫املحتجزين‪.‬‬
‫كما ن�صت املادة ‪ 14‬على �أنه " يجب �إحالة جميع املتهمني بارتكاب‬
‫عم���ل م���ن �أعمال االختف���اء الق�سري يف دولة م���ا‪� ،‬إىل ال�سلطات املدنية‬
‫املخت�ص���ة يف تل���ك الدول���ة لإقام���ة الدعوى واحلك���م عليه���م‪� ،‬إذا كانت‬
‫النتائ���ج الت���ي �أ�سفر عنه���ا التحقيق الر�سمي تربر ذل���ك‪ ،‬ما مل يكونوا‬
‫قد �سلموا �إىل دولة �أخرى ترغب يف ممار�سة واليتها طبقاً لالتفاقات‬
‫الدولية املعمول بها يف هذا املجال‪ .‬وعلى جميع الدول اتخاذ التدابري‬
‫القانونية املنا�سبة لكفالة حماكمة �أي �شخ�ص خا�ضع ل�سلطتها‪ ،‬متهم‬
‫بارتكاب عمل من �أعمال االختفاء الق�سري يت�ضح �أنه خا�ضع لواليتها‬
‫�أو �سلطتها‪".‬‬
‫تت�ضمن هذه املواد التزامات على الدولة تتمثل يف ما يلي‪:‬‬
‫اتخاذ التدابري الت�شريعية والإدارية والق�ضائية ملنع و�إنهاء �أعمال‬
‫االختفاء الق�سري ‪.‬‬
‫توفري معلومات دقيقة عن احتجاز الأ�شخا�ص و�أماكن احتجازهم‬
‫لأ�سرهم وحماميهم‪.‬‬
‫تنظي���م �سج�ل�ات ر�سمي���ة ب�أ�سم���اء جمي���ع املحتجزي���ن م���ع �أماك���ن‬

‫احتجازهم‪.‬‬
‫ع���دم االمتث���ال للأوام���ر ال�ص���ادرة ع���ن �أي �سلطة عام���ة مدنية �أو‬
‫ع�سكرية �أو غريها ب�أعمال االختفاء الق�سري‪.‬‬
‫حظ���ر �إ�ص���دار �أوامر االختف���اء الق�س���ري ومنعها من قب���ل الدولة‬
‫وعدم الت�شجيع عليها‪.‬‬
‫تدري���ب املوظفني يف الدول���ة على عدم االمتث���ال لأوامر االختفاء‬
‫الق�سري‪.‬‬
‫�ض���رورة حماكم���ة املتهم�ي�ن بارت���كاب عم���ل م���ن �أعم���ال االختف���اء‬
‫الق�سري‪.‬‬
‫وم���ع ذلك ف����إن �سلطة الأجه���زة الأمنية يف �سوري���ة مازالت تطغى‬
‫عل���ى �سلط���ة القان���ون‪ ،‬حي���ث ال يطب���ق �أي من تل���ك املبادئ عل���ى �أر�ض‬
‫الواقع‪.‬‬
‫كما ن�ص �إعالن حماية الأ�شخا�ص من االختفاء الق�سري يف مادته‬
‫التا�سع���ة ع�ش���رة عل���ى �أن���ه " يج���ب تعوي����ض الأ�شخا�ص الذي���ن وقعوا‬
‫�ضحي���ة اختف���اء ق�س���ري‪ ،‬و�أ�سرهم‪،‬ويكون لهم احل���ق يف احل�صول على‬
‫التعوي����ض املنا�سب‪ ،‬مبا يف ذلك الو�سيل���ة الكفيلة ب�إعادة ت�أهيلهم على‬
‫�أكمل وجه ممكن‪ .‬ويف حالة وفاة �شخ�ص نتيجة الختفاء ق�سري ‪ ،‬يحق‬
‫لأ�سرته احل�صول على التعوي�ض �أي�ضاً"‪.‬‬
‫ومل ت���رد �أي معلوم���ات ع���ن دع���اوى رفع���ت عل���ى جه���ات �أمني���ة يف‬
‫�سوري���ة قام���ت ب�أعمال االختف���اء الق�سري بح���ق املواطن�ي�ن‪ ،‬وذلك �إما‬
‫خل���وف عائل���ة املفق���ود �أو خوفه هو عل���ى نف�سه – بعد الإف���راج عنه –‬
‫مم���ا ميك���ن �أن يتعر����ض له م���ن �إج���راء انتقامي م���ن تلك اجله���ة ‪� ،‬إذا‬
‫�أقام �ضدها دعوى ق�ضائية‪ ،‬خا�صة بعدما يكون قد تعر�ض له يف فروع‬
‫الأم���ن من �إيذاء‪� ،‬أو لعدم الثقة بعدالة الق�ضاء ال�سوري وا�ستقالليته‬
‫بعد �أن �أ�صبح تدخل الأجهزة الأمنية يف عمل ال�سلطة الق�ضائية �أمراً‬
‫روتينياً‪.‬‬
‫ويزي���د من �صعوبة الأم���ر �أن ال�شخ�ص بعد الإفراج عنه قد يعرف‬
‫�أخ�ي�راً اجله���ة الأمنية الت���ي اعتقلته لكنه ال يعرف ا�س���م �أو �أ�سماء من‬
‫قام باعتقاله �أو التحقيق معه �أو تعذيبه‪.‬‬
‫ويف هذا الإطار يجدر بالذكر ما ن�ص عليه املر�سوم الت�شريعي رقم‬
‫‪ 14‬القا�ضي ب�إحداث �إدارة �أمن الدولة ال�صادر عام ‪ 1969‬والذي ق�ضى‬
‫يف مادته ‪ 16‬مبا يلي " ال يجوز مالحقة �أي من العاملني يف الإدارة عن‬
‫اجلرائم التي يرتكبوها �أثناء تنفيذ املهمات املحددة املوكولة �إليهم �أو‬
‫يف معر����ض قيامه���م به���ا �إال مبوجب �أمر مالحقة ي�ص���در عن املدير"‪،‬‬
‫وه���و م���ا �سنتو�س���ع يف احلدي���ث عنه يف ف�ص���ل الحق ‪ ،‬وبالت���ايل حجبت‬
‫ه���ذه امل���ادة حق مقا�ض���اة �أي م���ن الأ�شخا�ص الذين يقوم���ون بجرمية‬
‫االختفاء الق�سري ‪ ،‬التابعني لإدارة املخابرات العامة ‪ ،‬يف انتهاك �سافر‬
‫ملا ن�صت عليه املواثيق الدولية ال�سابقة الذكر‪.‬‬
‫ومع �أن هذه املادة تتنافى مع الد�ستور ال�سوري والقوانني الوطنية‬
‫الأخ���رى الت���ي حتمي حري���ة املواطن و�أمنه‪ ،‬ف�إن �أح���دا مل ميار�س حق‬
‫الطعن يف هذه املادة �أو طلب مقا�ضاة مقرتيف الأعمال التي حتميها‪.‬‬
‫كم���ا ن�ص���ت امل���ادة ال�سابع���ة م���ن الإع�ل�ان ذات���ه ملتعل���ق باالختف���اء‬

‫الق�سري على اأنه‪" :‬ال يجوز اتخاذ اأي ظروف مهما كانت ‪� ،‬سواء تعلق‬
‫االأم ــر بالتهدي ــد باندالع ح ــرب اأو قيام حالة حرب اأو ع ــدم اال�ستقرار‬
‫ال�سيا�س ــي الداخلي اأو اأي حالة ا�ستثنائية اأخرى‪ ،‬ذريعة لتربير اأعمال‬
‫االختفاء الق�سري"‪.‬‬
‫اإال اأن اإع ــالن حال ــة الط ــوارئ يف �سورية منذ ع ــام ‪ ،1963‬وما جنم‬
‫عنها من تغييب القانون و�سيطرة االأجهزة االأمنية على مناحي احلياة‬
‫وفق ــدان ال�سلط ــة الق�سائي ــة ال�ستقالليتها‪ ،‬جعل م ــن حالة االختفاء‬
‫الق�سري �سائعة احلدوث وال تخ�سع الأية �سوابط قانونية‪.‬‬
‫اإذ تن� ـ ّـص امل ــادة الرابع ــة م ــن قان ــون الط ــوارئ عل ــى اأن ــه " للحاكم‬
‫العريف اأو نائبه اأن ي�سدر اأوامر كتابية باتخاذ جميع القيود والتدابري‬
‫االآتي ــة اأو بع�سه ــا واأن يحي ــل خمالفيها اإىل املحاك ــم الع�سكرية‪ :‬و�سع‬
‫قي ــود على حرية االأ�سخا�ص يف االجتم ــاع واالإقامة والتنقل واملرور يف‬
‫اأوقات معينة ‪ ،‬وتوقيف امل�ستبه فيهم اأو اخلطرين على االأمن والنظام‬
‫العام توقيفاً احتياطياً‪ ،‬واالإجازة يف حتري االأ�سخا�ص واالأماكن يف اأي‬
‫وقت ‪ ،‬وتكليف اأي �سخ�ص بتاأدية اأي عمل من االأعمال ‪".‬‬
‫وتن� ـ ّـص امل ــادة الثالث ــة منه عل ــى اأنه " عن ــد اإعالن حال ــة الطوارئ‬
‫ي�سم ــى رئي� ــص جمل� ــص ال ــوزراء حاكمـ ـاً عرفيـ ـاً وتو�سع حت ــت ت�سرفه‬
‫جميع قوى االأمن الداخلي واخلارجي"‪.‬‬
‫وبذلك يتيح هذا القانون توقيف اأي �سخ�ص خالفاً للقانون ومن‬
‫قبل غري اجلهات املخت�سة ويف غري االأماكن املحددة قانوناً وملدة غري‬
‫حمددة وبدون توفري ال�سمانات الالزمة من عدم التعر�ص للتعذيب‬
‫واملعاملة الالاإن�سانية والعزل عن العامل اخلارجي‪.‬‬
‫من ناحية اأخرى ‪ ،‬فقد ن�ص قانون الطوارئ على اإحالة املوقوفني‬
‫اإىل الق�س ــاء الع�سك ــري كم ــا تن�ص عليه امل ــادة ال�ساد�س ــة ‪ ":‬يف املناطق‬
‫الت ــي اأعلنت فيها حالة الطوارئ حتال اإىل الق�ساء الع�سكري~ مهما‬
‫كانت �سفة الفاعلني اأو املحر�سني اأو املتدخلني – اجلرائم التالية‪:‬‬
‫اأ~ خمالفة االأوامر ال�سادرة عن احلاكم العريف‪.‬‬
‫ب‪ -‬اجلرائ ــم الواقع ــة عل ــى اأم ــن الدول ــة وال�سالم ــة العامة (من‬
‫املادة ‪ 260‬حتى املادة ‪ 293‬من قانون العقوبات )‪.‬‬
‫ج‪ -‬اجلرائ ــم الواقع ــة عل ــى ال�سلط ــة العامة ( من امل ــادة ‪ 369‬حتى‬
‫املادة ‪.)873‬‬
‫د‪ -‬اجلرائ ــم املخل ــة بالثق ــة العام ــة ( م ــن امل ــادة ‪ 427‬حت ــى امل ــادة‬
‫‪.)459‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ه‪ -‬اجلرائ ــم الت ــي ت�سكل خطرا �سامال ( م ــن املادة ‪ 573‬حتى املادة‬
‫‪.)586‬‬
‫كما تن�ص املواد ( من ‪ )11-8‬على ما يلي ‪:‬‬
‫امل ــادة ‪ -8‬يف�س ــل احلاكم العريف بقرار م ــربم يف تنازع االخت�سا�ص‬
‫بني الق�ساء املدين والق�ساء الع�سكري‪.‬‬
‫املادة ‪ -9‬االأحكام القا�سية باالإعدام والتي ت�سبح مربمة ‪ ،‬ال تنفذ‬
‫اإال اإذا �س ــادق عليها احلاكم العريف بعد ا�ستطالعه راأي جلنة العفو يف‬
‫وزارة العدل‪.‬‬
‫امل ــادة‪ -11‬ت�ستم ــر املحاك ــم الع�سكرية‪ -‬بعد اإنهاء حال ــة الطوارئ‪-‬‬

‫عل ــى نظ ــر الق�سايا الداخل ــة يف اخت�سا�سها �سواء اأكان ــت حمالة اإليها‬
‫اأم مل تكن"‪.‬‬
‫ه ــذه االإحال ــة اإىل الق�س ــاء اال�ستثنائ ــي ‪ ،‬كان له ــا دور كب ــري يف‬
‫عملي ــات االختف ــاء الق�س ــري حيث �س ــدرت اأحكام باالإع ــدام �سد اأعداد‬
‫كبرية من معتقلي عقد الثمانينات من قبل حماكم ع�سكرية ميدانية‬
‫تفتق ــر اإىل املعاي ــري الدني ــا للعدال ــة ‪ ،‬ومل يخط ــر اأهايل هـ ـوؤالء بتلك‬
‫االأح ــكام اأو بتنفيذه ــا بح ــق اأبنائهم ‪،‬وهو ما ت ــرك م�سريهم جمهو ًال‬
‫حتى اللحظة‪.‬‬
‫وزاد االأمور �س ــوءاً‪� ،‬سدور مرا�سيم ت�سريعية ت�سكل مظلة حلماية‬
‫مرتكب ــي تلك اجلرائ ــم وحتول دون م�ساءلتهم قانونيـ ـاً‪ .‬كما هي حال‬
‫املر�سوم الت�سريعي رقم ‪ 14‬القا�سي باإحداث اإدارة اأمن الدولة ال�سادر‬
‫عام ‪ 1969‬الذي اأ�سرنا األيه قبل قليل‪.‬‬
‫وبالت ــايل حجبت هذه املادة ح ــق مقا�ساة اأي من العنا�سر االأمنية‬
‫التابع ــة لـ ـالإدارة العامة للمخابرات‪ ،‬الذين ينتهك ــون حقوق ال�سحايا‬
‫مهم ــا بلغ ــت خط ــورة اجلرائ ــم التي يرتكبونه ــا ‪ ،‬مب ــا يف ذلك جرمية‬
‫االختفاء الق�سري‪.‬‬
‫كما اأن املادة ‪ 74‬من قانون التنظيمات الداخلية الإدارة اأمن الدولة‬
‫وقواع ــد خدمة العامل ــني فيها‪ ،‬ال�سادر باملر�س ــوم الت�سريعي رقم ‪549‬‬
‫تاري ــخ ‪ 1969-5-25‬اأعط ــت ح�سان ــة مماثل ــة للعامل ــني يف اإدارة اأم ــن‬
‫الدولة ‪:‬‬
‫" ال يج ــوز مالحق ــة اأي م ــن العامل ــني يف اإدارة اأم ــن الدولة اأو‬
‫املنتدب ــني اأو املعارين اإليه ــا اأو املتعاقدين معها مبا�س ــرة اأمام الق�ساء‪،‬‬
‫يف اجلرائ ــم النا�سئ ــة ع ــن الوظيف ــة‪ ،‬اأو يف معر� ــص قيام ــه به ــا قب ــل‬
‫اإحالت ــه عل ــى جمل�ص التاأدي ــب يف االإدارة وا�ست�س ــدار اأمر مالحقة من‬
‫قبل املدير"‪.‬‬
‫وج ــرى ا�ستكمال تلك احل�سان ــة باإ�سدار املر�س ــوم الت�سريعي رقم‬
‫‪ 69‬تاري ــخ ‪ ، 2008-9-30‬ال ــذي ح�س ــر قرار مالحق ــة عنا�سر ال�سرطة‬
‫واالأم ــن ال�سيا�سي واجلمارك بالقيادة للجي�ص والقوات امل�سلحة ‪ ،‬رغم‬
‫اأنهم يتبعون اإدارياً لوزارة الداخلية ‪.‬‬
‫فن�س ــت امل ــادة االأوىل من املر�سوم علة اأن ــه ‪ ":‬ت�ساف اإىل اآخر املادة‬
‫‪ /47/‬م ــن قان ــون العقوب ــات واأ�س ــول املحاكم ــات الع�سكري ــة ال�س ــادر‬
‫باملر�س ــوم الت�سريع ــي رقم ‪ 61‬تاري ــخ ‪ 1950/2/27‬وتعديالت ــه ‪ ،‬الفقرة‬
‫االآتي ن�سها‪:‬‬
‫اجلرائ ــم املرتكبة من �سب ــاط و�سف واأفراد قوى االأمن الداخلي‪،‬‬
‫وعنا�سر �سعبة االأمن ال�سيا�سي‪ ،‬وعنا�سر ال�سابطة اجلمركية ‪ ،‬ب�سبب‬
‫تاأدية املهام املوكلة اإليهم‪.‬‬
‫ت�س ــدر اأوام ــر املالحق ــة بحق �سباط و�س ــف �سباط واأف ــراد قوى‬
‫االأم ــن الداخل ــي وعنا�سر �سعبة االأم ــن ال�سيا�سي وعنا�س ــر ال�سابطة‬
‫اجلمركي ــة بق ــرار من القي ــادة العامة للجي�ص والق ــوات امل�سلحة‪ .‬وفق‬
‫اأح ــكام املادة ‪ /53/‬من قان ــون العقوبات واأ�س ــول املحاكمات الع�سكرية‬
‫وتعديالته"‪.‬‬
‫وق�س ــت املادة الثاني ــة منه باإحال ــة الدعاوى املقامة اأم ــام الق�ساء‬

‫العادي ذات ال�صلة باملادة ال�سابقة‪� ،‬إىل الق�ضاء الع�سكري‬
‫�إذ يتداخ���ل ال�سيا�سي بالقان���وين يف تكوين �أ�صل ظاهرة املفقودين‬
‫( املختف�ي�ن ق�سري���اً )‪ ،‬فال�ص���راع عل���ى احلك���م يف �سورية ميث���ل الرتبة‬
‫الت���ي مه���دت جلمل���ة االنته���اكات احلقوقي���ة الت���ي �أدت �إىل ت�شكل هذه‬
‫الظاه���رة‪� ،‬إذ ترج���ع اجل���ذور البعي���دة له���ا �إىل �أ�ص���ل تكوي���ن احلي���اة‬
‫ال�سيا�سي���ة يف �سوري���ة يف عه���د االنت���داب الفرن�س���ي وتداعيات���ه عل���ى‬
‫ا�ستقرار احلياة ال�سيا�سية يف �سورية ‪ ،‬بالتزامن مع موجة املد الي�ساري‬
‫وفك���ر " ال�شرعي���ة الثورية" الذي �أخذ باالنت�ش���ار يف �سورية وعدد من‬
‫ال���دول العربي���ة يف عه���د م���ا بعد اال�ستق�ل�ال ‪ ،‬وب�شكل خا����ص يف نهاية‬
‫اخلم�سينيات ومطلع ال�ستينيات‪.‬‬
‫فق���د �سمح���ت الرتكيب���ة االجتماعي���ة ذات اجل���ذور الأقلي���ة لكبار‬
‫�ضباط اجلي�ش ‪ ،‬واملمار�سة االنقالبية ل�ضباط اجلي�ش والتي �أدت �إىل‬
‫ه�شا�ش���ة احلك���م املدين الدميقراط���ي واال�ستهتار ب���ه ‪،‬بتعميق النزعة‬
‫الأقلوي���ة ب�ي�ن ع���دد وا�سع م���ن ال�ضب���اط‪ ،‬وذلك مب���وازاة توطيد منط‬
‫الدول���ة البولي�سية وتو�سيع نف���وذ الأجهزة الأمنية وانتهاكات احلقوق‬
‫الإن�ساني���ة عل���ى نطاق وا�س���ع وقد عزز ذلك " �أن اجلماع���ات ال�سيا�سية‬
‫{ال�سوري���ة} –بغ����ض النظ���ر ع���ن �آرائه���ا ال�سيا�سي���ة غالباً م���ا تكونت‬
‫م���ن خالل قن���وات اجتماعية تقليدية فقد كان ع���دد من �أع�ضاء حزب‬
‫البع���ث‪ ،‬ال���ذي وجد منا�صري���ه يف عدد من �ضباط الأقلي���ات‪ ،‬ويف �إطار‬
‫�شعور من اخليبة املريرة يف الوحدة مع م�صر عبد النا�صر‪ ،‬قد �شكلوا‬
‫جلن���ة ع�سكري���ة �سرية م�ؤلفة من خم�سة �ضباط (هم‪ :‬حممد عمران‪،‬‬
‫�ص�ل�اح جديد‪ ،‬حاف���ظ الأ�سد (علوي���ون)‪ ،‬و�أحمد امل�ي�ر‪ ،‬وعبد الكرمي‬
‫اجلندي(�إ�سماعيلي���ان) ) �سيك���ون انتمائه���م الأقل���وي �أ�سا�س���اً للنزع���ة‬
‫الطائفية املتزايدة يف ال�صراع على ال�سلطة منذ انقالب ‪� 8‬آذار ‪.1963‬‬

‫�أو ًال‪ -‬قانون حالة الطوارئ‪:‬‬

‫ال بد من القول �أن حالة الطوارئ �أعلنت يف �سورية �أكرث من مرة‪،‬‬
‫لك���ن �آخره���ا مت مبوجب الأم���ر الع�سكري رقم ‪ 2‬بتاري���خ ‪� 8‬آذار‪/‬مار�س‬
‫‪ ،1963‬ال�ص���ادر ع���ن املجل����س الوطني لقي���ادة الثورة‪ ،‬وال���ذي ن�ص على‬
‫التايل‪:‬‬
‫"�إن املجل����س الوطن���ي لقي���ادة الث���ورة يقرر ما يل���ي‪ :‬تعلن حالة‬
‫الط���وارئ يف جمي���ع �أنح���اء اجلمهوري���ة العربي���ة ال�سورية ابت���دا ًء من‬
‫‪ 1963/3/8‬وحتى �إ�شعار �آخر"‪.‬‬
‫كان �إع�ل�ان الط���وارئ مبثابة اللبنة القانوني���ة الأوىل التي مهدت‬
‫ل�سل�سل���ة م���ن القوان�ي�ن الت���ي ت�شكل انته���اكات وا�سعة وغ�ي�ر حمدودة‬
‫حلق���وق الإن�س���ان يف �سوري���ة‪ ،‬كان���ت الغاي���ة م���ن القان���ون من���ع خ�صوم‬
‫ال�ضب���اط البعثيني امل�ستولني عل���ى ال�سلطة من �أي حماولة انقالبية‪،‬‬
‫و�إطالق يدهم للتنكيل بخ�صومهم �أو �أي معار�ضني حمتملني لهم‪.‬‬
‫ال ب���د م���ن الإ�ش���ارة �إىل �أن حالة الط���وارئ تعترب ناف���ذة د�ستورياً‪،‬‬
‫وغ�ي�ر �شرعي���ة‪ ،‬وذللك لعدة �أ�سباب‪ ،‬منه���ا �أن قانون حالة الطوارئ مل‬
‫يعر�ض على جمل�س ال�شعب‪� ،‬أو على �أي جمل�س ت�شريعي �آخر منذ بدء‬
‫العم���ل ب���ه وحت���ى الآن‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل �إع�ل�ان حالة الط���وارئ مرتبط‬

‫بحال���ة احل���رب �أو اال�ضطراب���ات يف الدول���ة‪ ،‬وه���ذا غ�ي�ر منطب���ق على‬
‫احلالة يف �سورية‪.‬‬
‫وكان القا�ض���ي ن�ص���رت من�ل�ا حيدر(قا�ض د�ست���وري �شغل من�صب‬
‫رئي����س املحكم���ة الد�ستوري���ة العليا ال�سابق) قد انتق���د �سري الق�ضاء يف‬
‫�سورية وتنازع(تعار�ض) القوانني منذ ال�ستينات يف عدد من الدرا�سات‬
‫يف جمل���ة "حمام���ون" التي تناول���ت "د�ستورية القوان�ي�ن التي حتجب‬
‫ح���ق التقا�ضي" و"م���دى قانونية قرار احلاكم الع���ريف �أو نائبه والذي‬
‫يتج���اوز في���ه ال�صالحي���ات املعط���اة ل���ه يف قان���ون الط���وارئ"‪ ،‬و"مبد�أ‬
‫امل�س���اواة �أم���ام الق�ض���اء"‪ ،‬و"دور الق�ضاء يف حماي���ة احلقوق واحلريات‬
‫العام���ة"‪ ،‬والت���ي ي�ؤك���د فيه���ا عل���ى "�أن �سي���ادة القان���ون ال تعقد ملجرد‬
‫فر�ض النظام �أو ا�ستتباب الأمن �إذا مل حتمل هذه ال�سيادة يف جنباتها‬
‫معن���ى تقييد احل���كام و�إلزامهم باحرتام القان���ون؛ �إذ تغدو ال�سيادة يف‬
‫ه���ذه احلال���ة ذريعة لتربي���ر اال�ستبداد"‪ ،‬وعلى ع���دم د�ستورية املحاكم‬
‫اال�ستثنائي���ة التي "ت�شكل خرقاً د�ستورياً" و"تفتقد �أ�ص ً‬
‫ال مل�شروعيتها‬
‫الد�ستورية؛ �إذ مل ين�ص الد�ستور على ت�شكيلها"‪.‬‬
‫لق���د �أ�سه���م فر����ض حالة الط���وارئ يف تفاقم ظاه���رة املفقودين يف‬
‫�سورية وفق ما يلي‪:‬‬
‫�أو ًال‪ :‬و�ض���ع قانون الط���وارئ (ا�ستناداً �إىل املادة ‪ 3‬منه التي تن�ص‬
‫عل���ى �أن���ه " عند �إع�ل�ان حالة الط���وارئ ي�سمى رئي�س جمل����س الوزراء‬
‫حاكم���اً عرفي���اً‪ ،‬وتو�ض���ع حت���ت ت�صرف���ه جمي���ع ق���وى الأم���ن الداخلي‬
‫واخلارج���ي" جمي���ع ق���وى الأم���ن الداخل���ي واخلارج���ي حت���ت ت�صرف‬
‫(احلاك���م الع���ريف ونواب���ه)‪ ،‬الأم���ر ال���ذي فت���ح الب���اب عل���ى م�صراعي���ه‬
‫للفو�ض���ى والعم���ل بح�س���ب الأه���واء ال�شخ�صي���ة للأف���راد امل�س�ؤول�ي�ن‬
‫يف ال�سلط���ة‪ ،‬فكم���ا يق���ال‪" :‬ال�سلط���ة املطلقة مف�سدة مطلق���ة"‪ .‬وتقوم‬
‫تل���ك الفئ���ة با�ستخدام �صالحياته���ا مبالحقة املواطن�ي�ن واحتجازهم‬
‫والتنكيل بهم و�إخفائهم يف كثري من الأحيان دون �أن جتد من يراقب‬
‫�أو يعرت����ض على ما تقوم به‪ ،‬وهذا م���ا حدث �إ�شباعاً لرغبات �شخ�صية‬
‫�أو توجه���ات طائفي���ة وحزبي���ة و�أيديولوجي���ة‪ ،‬بدون مراع���اة ل�ضوابط‬
‫قانونية �أو د�ستورية �أو حلقوق �إن�سانية وخ�صو�صيات �شخ�صية‪.‬‬
‫ثاني�� ًا‪� :‬إن بن���ود امل���ادة الرابع���ة م���ن قان���ون الط���وارئ ت�ضيق على‬
‫املواطن�ي�ن بطريق���ة ال حتتم���ل على امل���دى البعيد‪ ،‬وتطل���ق يد احلاكم‬
‫الع���ريف ليحك���م بالقوان�ي�ن العرفية كيفم���ا ي�شاء‪ .‬مم���ا �أدى �إىل ظهور‬
‫التي���ارات املعار�ض���ة بكاف���ة توجهاته���ا والتي عربت ع���ن غ�ضب ال�شعب‬
‫والكب���ت النف�س���ي ال���ذي يعاني���ه‪ ،‬الأم���ر ال���ذي كان ل���ه احلاك���م العريف‬
‫باملر�صاد فا�ستخ���دم �صالحياته الواردة يف هذه املادة بالذات للتخل�ص‬
‫م���ن �أي���ة ق���وى معار�ض���ة �سلمي���ة وغ�ي�ر �سلمي���ة‪ ،‬باالعتق���ال و�إل�ص���اق‬
‫الته���م واملحاكمات وغريها من املمار�سـ ـ���ات التي �أدت لتك ــري�س ظاهرة‬
‫االختف���اء الق�س ــري‪ .‬ناهيك ع���ن �أن التطب ــيق العملي لبنود هذه املادة‬
‫�سـ ـم���ح لكل جهاز من �أجهزة الأم���ن ال�سورية العديدة ب�إ�صدار الأوامر‬
‫باعتق���ال �أي مواط���ن دون بي���ان الأ�سب���اب‪( .‬فالأم���ر مل يقت�ص���ر عل���ى‬

‫احلاكم العريف �أو نوابه)‪.‬‬
‫ولدى كل جهاز من هذه الأجهزة الأمنية �أوراق مطبوعة بالأوامر‬
‫العرفية فيها فراغ مكان ا�سم املطلوب اعتقاله وتاريخ اعتقاله وموقعة‬
‫عل���ى بيا�ض م���ن قبل وزير الداخلية ب�صفته نائباً للحاكم العريف‪ ،‬ف�إذا‬
‫م���ا مت اعتق���ال املواط���ن فلن ي�ص���در بحقه الأمر الع���ريف باالعتقال �إال‬
‫بع���د التحقي���ق‪ ،‬و�إذا م���ات حت���ت التعذي���ب تق���وم اجله���ة الأمني���ة التي‬
‫حقق���ت مع���ه بدفن���ه �س���راً وتنك���ر �أنها اعتقلت���ه �أو �أنه���ا على عل���م به �أو‬
‫مبكان وجوده‪.‬‬
‫ثالث�� ًا‪ :‬فيما يخ�ص اجلرائم التي ذكرها قانون الطوارئ يف املادة‬
‫‪( 6‬الت���ي تن����ص عل���ى �أنه "حت���ال �إىل الق�ض���اء الع�سك���ري‪ -‬مهما مانت‬
‫�صفة الفاعلني �أو املحر�ضني �أو املتدخلني‪ -‬اجلرائم الآتية‪:‬‬
‫�أ‪ -‬خمالفة الأوامر ال�صادرة عن احلاكم العريف‪.‬‬
‫‌ب‪ -‬اجلرائ���م الواقع���ة عل���ى �أم���ن الدول���ة وال�سالم���ة العامة (من‬
‫املادة ‪� 260‬إىل املادة ‪ 293‬من قانون العقوبات)‪.‬‬
‫‌ج‪ -‬اجلرائم الواقعة على ال�سلطة العامة (من املادة ‪� 369‬إىل املادة‬
‫‪.)873‬‬
‫‌د‪ -‬اجلرائم املخلة بالثقة العامة (من املادة ‪� 427‬إىل املادة ‪.)459‬‬
‫‌ه‪ -‬اجلرائ���م الت���ي ت�ش���كل خطراً �شام ً‬
‫ال (م���ن امل���ادة ‪� 573‬إىل املادة‬
‫‪.)586‬‬
‫فاملت�أم���ل يف �صياغ���ة ه���ذه اجلرائ���م يجد �أنه���ا ف�ضفا�ض���ة �إىل حد‬
‫كب�ي�ر‪ ،‬والتعابري امل�ستخدم���ة فيها ذات ت�أويالت غ�ي�ر حمدودة‪ ،‬الأمر‬
‫الذي ميكن ال�سلطات من اعتبار �أي �سلوك ال تر�ضى عنه جرمية من‬
‫اجلرائم املذكورة ومن املمكن �إحالته �إىل الق�ضاء الع�سكري‪ ،‬مما يزيد‬
‫م���ن حاالت االعتق���ال بالدرجة الأوىل‪ ،‬ومما يخلق حالة من الفو�ضى‬
‫يف اخت�صا�ص���ات املحاك���م يف الدرجة الثانية‪ ،‬وكلما زادت الفو�ضى زادت‬
‫فر�ص���ة ال�سلط���ات امل�ستب���دة يف �إخف���اء جرائمه���ا وتعوميه���ا‪ ،‬وه���ذا م���ا‬
‫انعك����س ب�ش���كل مبا�ش���ر على تفاقم ق�ضي���ة املفقودين‪ ،‬ليكون���وا �ضحايا‬
‫له���ذه الفو�ضى‪ .‬ويعترب قانون حالة الط���وارئ القانون الأ�سا�س الذي‬
‫مه���د ملجموعة م���ن القوانني الأخ���رى التي �أ�سهم���ت يف ظهور وتفاقم‬
‫ق�ضية املفقودين يف �سورية‪.‬‬
‫م���ع ا�ست�ل�ام حزب البعث ال�سلط���ة يف �سوري���ة يف �آذار‪/‬مار�س ‪1963‬‬
‫و�إع�ل�ان حال���ة الط���وارئ الت���ي �أدت �إىل ت�شكي���ل الدول���ة ال�شمولي���ة‬
‫وم���ا رافقه���ا من غي���اب كامل ملب���د�أ القانون‪ ،‬دخل���ت احلي���اة ال�سيا�سية‬
‫واحلزبي���ة يف �سوري���ة مرحل���ة جدي���دة خمتلف���ة كلي���اً خا�ص���ة بالن�سبة‬
‫حلركة الإخوان امل�سلمني يف �سورية التي ت�صدرت عملية االحتجاجات‬
‫وجتلى ذلك �أو�ضح ما يكون يف ما عرف ب "ع�صيان حماه" يف ني�سان‪/‬‬
‫�أبري���ل ‪ 1964‬الذي ق���اده قادة الإخوان املحليني يف مدينة حماة ملدة ‪29‬‬
‫ي���وم وعلى ر�أ�سهم مروان حديد و�سعيد حورى‪ ،‬حيث اعت�صم عدد من‬
‫م�ؤي���دي الإخوان بجامع ال�سلطان وا�شتبكوا مع وحدات اجلي�ش الذي‬
‫ق���رر يف النهاية اقتحام امل�سجد وف����ض االعت�صام عنو ًة مما خلق توتراً‬
‫مبك���راً بني حزب البع���ث والإخوان امل�سلمني الذي���ن انق�سموا بني قادة‬

‫دم�ش���ق الذين رف�ضوا الع�صيان واعت�ب�روه خروجاً عن قراراتهم وبني‬
‫القي���ادة املحلي���ة للحرك���ة يف حم���اه الت���ي ر�أت �أن القي���ادة وافق���ت عليه‬
‫وفو�ضت مركز حماه بالت�صرف‪.‬‬
‫خل���ق "ع�صي���ان حماه" م�ؤ�شراً مبكراً عل���ى ت�صاعد "تيار جهادي"‬
‫داخ���ل الإخ���وان ال يواف���ق عل���ى �أطروحته���م ال�سيا�سي���ة وال�سلمي���ة‬
‫والدميقراطية‪ ،‬هذا التيار حمل ا�سم "كتائب حممد" هو نف�سه الذي‬
‫�سيل���د الحق���اً ما يع���رف ب"الطليعة املقاتلة للإخ���وان امل�سلمني" التي‬
‫خا�ض���ت �أح���داث حم���اه امل�أ�ساوي���ة يف ع���ام ‪ ،1982‬وال ميك���ن ق���راءة هذا‬
‫التح���ول �إال بالنظ���ر �إىل التح���ول يف ال�ضفة املقابل���ة متمثلة يف احتكار‬
‫ال�سلطة ال�سيا�سية وفر�ض حالة الطوارئ و�إلغاء التعديدية ال�سيا�سية‬
‫وال�صحافة امل�ستقلة‪.‬‬
‫كان ذل���ك �أر�ضي���ة لأحداث حماه التي تفج���رت يف �آذار ‪ 1964‬والتي‬
‫�أدت �إىل ان���دالع ح���وادث عنف �أف�ضت �إىل مقت���ل الع�شرات‪ ،‬فقد قتل يف‬
‫احل���ادث م���ا يزي���د عن �ست�ي�ن �شخ�صاً‪ ،‬وحك���م على عدد م���ن امل�شاركني‬
‫بالإعدام يف �أول حمكمة ع�سكرية تقام ملدنني مبوجب قانون الطوارئ‪،‬‬
‫تر�أ�سها م�صطفى طال�س (الذي �سي�شغل من�صب وزير الدفاع يف عهد‬
‫الرئي�س الراحل حافظ الأ�سد)‪.‬‬
‫كان ه���ذا �أول قم���ع م���دين وا�س���ع النط���اق مبوج���ب ه���ذا القانون‪،‬‬
‫غ�ي�ر �أن اال�ستخدام املفرط للق���وة يف الأحداث �أدى �إىل تزايد احتجاج‬
‫الأه���ايل ورج���ال الدي���ن يف حم���اه وامل���دن ال�سوري���ة الأخ���رى‪ ،‬وب���د�أت‬
‫الإ�ضرابات ت�شهد تو�سعاً حاداُ مما ا�ضطر ال�سلطة للعفو عنهم جميعاً‬
‫بع���د ع���دة �أ�شهر‪ ،‬وب���دل �أن يحتفل البعث بالذك���رى الأوىل ل "ثورته"‬
‫وجد نف�سه يف �صراع مع "انتفا�ضة �شعبية �ضد حكمه"‪ ،‬وقد كان ال بد‬
‫للقيادة القطرية‪ ،‬التي كان حافظ الأ�سد جزءاً منها‪� ،‬أن تقوم "باتخاذ‬
‫الق���رارات القا�ضي���ة بقمع اال�ضطراب���ات ل "حماي���ة الثورة"(على حد‬
‫تعبري �أمني احلافظ)‪.‬‬
‫كان ذل���ك يف ذروة ال�ص���راع الطائف���ي والتكتل���ي للرف���اق البعثي�ي�ن‬
‫(ال�ضب���اط) عل���ى ال�سلطة‪ ،‬وهند�سة ت�صفية اخل�صوم‪� ،‬أي يف ظل طوق‬
‫م���ن الأزم���ات الداخلي���ة واخلارجي���ة اخلانق���ة الأمر ال���ذي دفعهم �إىل‬
‫�إ�ص���دار قان���ون "حماية الث���ورة"‪ ،‬ت�أ�سي���اً ب�أنظمة الأح���زاب ال�شيوعية‪،‬‬
‫�أنظمة احلزب الواحد الدائرة يف فلك املنظومة ال�سوفيتية‪.‬‬

‫ثاني ًا‪ -‬قانون حماية الثورة‪:‬‬

‫�ص���در قان���ون حماية الث���ورة باملر�سوم الت�شريعي رق���م(‪ )6‬تاريخ ‪7‬‬
‫كان���ون ثاين‪/‬يناي���ر ‪ ،1965‬وين����ص القان���ون عل���ى �أنه يعاق���ب مرتكبي‬
‫"الأفعال التي تعترب خمالفة لتطبيق النظام اال�شرتاكي يف الدولة‬
‫�س���واء �أوقع���ت بالفع���ل �أم بالق���ول‪� ،‬أم بالكتاب���ة‪� ،‬أو ب����أي و�سيل���ة م���ن‬
‫و�سائ���ل التعب�ي�ر �أو الن�شر"‪ .‬وكذلك يعاقب عل���ى "القيام بالتظاهرات‬
‫�أو التجمع���ات �أو �أعم���ال ال�شغ���ب‪� ،‬أو التحري����ض عليها �أو ن�ش���ر البلبلة‬
‫وزعزع���ة ثق���ة اجلماهري ب�أهداف الثورة"‪" ،‬بالأ�شغ���ال ال�شاقة امل�ؤبدة‪،‬‬
‫ويج���وز احلك���م بالعقوبة الأك�ث�ر ت�شدداً"!‪ .‬وقد �صيغ���ت مواد القانون‬
‫ب�شكل رخو وغام�ض يقبل تف�سريات وا�سعة ت�شمل �أي �شكل من �أ�شكال‬

‫الت�صريح باختالف وجهة النظر مع البعث احلاكم!‪.‬‬
‫�أم���ا الأفع���ال املن�صو�ص عليها بالفقرة (�أ) م���ن املادة ال�سابقة وهي‬
‫امل���ادة (‪ )3‬م���ن ه���ذا القانون والتي يعاق���ب مرتكبها بالأ�شغ���ال ال�شاقة‬
‫امل�ؤبدة والأكرث ت�شدداً وهي الإعدام فهذا ن�صها‪:‬‬
‫"الأفع���ال الت���ي تعت�ب�ر خمالفة لتطبي���ق النظ���ام اال�شرتاكي يف‬
‫الدول���ة �س���اء �أوقعت بالفع���ل �أم بالقول‪� ،‬أم بالكتاب���ة‪� ،‬أو ب�أي و�سيلة من‬
‫و�سائل التعبري �أو الن�شر"‪.‬‬
‫كان ه���ذا القان���ون يف احلقيق���ة �أخطر انعط���اف يف امل�سار القانوين‬
‫ملواجه���ة خ�صوم البعث‪ ،‬ب���ل وقمع املعار�ض�ي�ن ال�سيا�سيني بدون رحمة‬
‫يف �أي م�ست���وى م���ن امل�ستوي���ات‪ ،‬ويحم���ي احل���زب من �أي نق���د؛ �إذ يلوح‬
‫مبعاقبتهم بالإعدام �إن اقت�ضى الأمر‪ ،‬كما �أن هذا القانون كان موجهاً‬
‫بالدرج���ة الأوىل لقم���ع �إي اعرتا�ض �شعبي مهم���ا كان‪ ،‬وباخت�صار كان‬
‫املر�سوم الت�شريعي ي�سن قانوناً حلماية الثورة من ال�شعب!‪.‬‬
‫�إن هذا القانون لهو �أبرز مثال على الإرهاب الفكري الذي متار�سه‬
‫ال�سلط���ة ال�سوري���ة جتاه �شعبه���ا‪ ،‬والذي ينتهك ح���ق الإن�سان بالتعبري‬
‫ع���ن ر�أيه بالطريقة ال�سلمية‪ ،‬ال���ذي ت�ضمنه العهود واملواثيق الدولية‬
‫حلق���وق الإن�س���ان‪ ،‬لع���ل �أبرزها ما جاء يف املادة ‪ 19‬م���ن الإعالن العاملي‬
‫حلقوق الإن�سان‪ " :‬لكل �شخ�ص احلق يف حرية الر�أي والتعبري‪ ،‬وي�شمل‬
‫هذا احلق حرية اعتناق الآراء دون �أي تدخل‪ ،‬وا�ستقاء الأنباء والأفكار‬
‫وتلقيها و�إذاعتها ب�أية و�سيلة كانت دون تقيد باحلدود اجلغرافية"‪.‬‬
‫لك���ن �صيغة القان���ون الآنف الذكر �شاملة بحيث ا�ستغلتها ال�سلطة‬
‫ال�سوري���ة لك���ي تغلق كل �أبواب املعار�ضة‪ ،‬وترهب كل من يفكر يف اجتاه‬
‫غري الذي ميثله النظام‪ ،‬بحيث ي�شكل كل قول مبا�شر �أو فعل �أو ن�شرة‬
‫�أو حدي���ث يخال���ف �آراء احلزب احلاكم‪ ،‬وينتق���ده ويبني خط�أه جرمية‬
‫"خمالفة لتطبيق النظام اال�شرتاكي"‪.‬‬
‫وق���د اجتهدت حمكمة �أم���ن الدولة يف �سوية واعت�ب�رت �أن الدعوة‬
‫الح�ت�رام حقوق الإن�سان والنقد املوجه النتهاكات هذه احلقوق ي�شكل‬
‫جرمي���ة "خمالف���ة لتطبي���ق النظ���ام اال�شرتاك���ي" وحكمت عل���ى دعاة‬
‫حقوق الإن�سان بالأ�شغال ال�شاقة ملدة ترتاوح بني خم�س �سنوات وع�شر‬
‫�سن���وات‪ .‬فف���ي ع���ام ‪ 1992‬مت اعتقال خم�سني �شخ�صاً له���م �صله بلجان‬
‫الدف���اع ع���ن احلريات الدميقراطي���ة وحقوق الإن�س���ان يف �سورية‪ ،‬وقد‬
‫�أحيل �سبعة ع�شر �شخ�صاً منهم �إىل حمكمة �أمن الدولة ومتت حماكمة‬
‫معظمهم �سراً بني ‪� 29‬شباط‪/‬فرباير و‪�/17‬آذار‪/‬مار�س ‪ 1992‬وقد منع‬
‫املحام���ون من الت�شاور مع املتهمني وكان���ت الأدلة بياناً �أ�صدرته جلان‬
‫الدفاع عن احلريات الدميقراطية وحقوق الإن�سان مبنا�سبة الذكرى‬
‫الثالثة والأربعون ل�صدور الإعالن العاملي حلقوق الإن�سان‪.‬‬
‫ظه���ر يف تل���ك الف�ت�رة �ص���راع عل���ى ال�سلط���ة ب�ي�ن ق���ادة اللجن���ة‬
‫الع�سكري���ة البعثي���ة عق���ب االنق�ل�اب النا�ص���ري الفا�ش���ل يف ‪ 18‬متوز‪/‬‬
‫يولي���و ‪ ،1963‬فق���د انق�سم���ت اللجن���ة �إىل �أربع���ة تكت�ل�ات (تكتل�ي�ن‬
‫علوي���ن (جدي���د ‪ /‬عمران)‪ ،‬وتكتل �سني (�أم�ي�ن احلافظ)‪ ،‬و�آخر درزي‬
‫(حاط���وم)‪ ،‬غ�ي�ر �أن���ه "مت تقوي���ة بع����ض ال�ضب���اط العلوين م���ن جراء‬
‫حمل���ة الت�صفية للعديد م���ن ال�ضباط الدروز البارزي���ن و�أعداد قليله‬

‫م���ن �ضب���اط حمافظة ح���وران على �سبي���ل املثال‪ ،‬فق���د �أقلقلت م�شاعر‬
‫التوت���ر وال�شك���وك الطائفي���ة والإقليمي���ة اجلماعي���ة املتداخل���ة والتي‬
‫اندلع���ت خالل ال�ص���راع على ال�سلطة ب�ي�ن النخب���ة ال�سيا�سية البعثية‬
‫ع���دداً م���ن �أع�ضاء احلزب حول مدى �سيط���رة الطائفية داخل احلزب‬
‫والق���وات امل�سلح���ة‪ ،‬وح�سم ال�ص���راع ب�إم�ساك ال�ضب���اط العلوين بزمام‬
‫ال�سلطة ب�شكل نهائي بعد انقالب ‪� 23‬شباط‪ /‬فرباير ‪ 1966‬على �أمني‬
‫احلاف���ظ ال���ذي كان بالن�سب���ة للجن���ة الع�سكرية رج ً‬
‫ال م���ن ق�ش بدون‬
‫قاعدة �سيا�سية �أو خلفية حزبية‪.‬‬
‫تداخلت يف �أدوات ال�صراع على ال�سلطة بني قادة االنقالب البعثي‬
‫الأف���كار والأيديولوجي���ات احلزبية املتعلقة بالأ�سئل���ة الكربى للدولة‬
‫ً‬
‫ف�ض�ل�ا عن الق�ضي���ة الفل�سطيني���ة وتطوراته���ا‪� ،‬إال �أن الأيام‬
‫النا�شئ���ة‪،‬‬
‫�أثبت���ت �أن ذلك كل���ه �صهر يف بوتقة طائفي���ة وا�ستهلك يف ال�صراع على‬
‫ال�سلطة‪.‬‬
‫فبع���د الإطاح���ة مبحم���د عم���ران وا�ستق���رار الأم���ر لالنقالبي�ي�ن‬
‫"اجلدد" وت�شكلت احلكومة وفق هوى قائد االنقالب (�صالح جديد)‬
‫‪ ،‬مت �إ�ص���دار قان���ون املحاك���م الع�سكري���ة امليداني���ة لتمكينه���م م���ن قمع‬
‫معار�ضيه���م بقب�ض���ة حديدي���ة‪ ،‬فف���ي ‪� 17‬آب‪� /‬أغ�سط����س ‪� 1967‬ص���در‬
‫املر�س���وم الت�شريع���ي اخلا����ص ب�إح���داث ه���ذه املحاك���م‪ ،‬وكان���ت القي���ادة‬
‫القطري���ة امل�ؤقتة قد قررت �ض���رورة �إ�صداره عند انعقادها بعد يومني‬
‫فقط من االنقالب‪� ،‬أي يف يوم ‪� 25‬شباط‪ /‬فرباير ‪ ،1966‬مما يعني �أنه‬
‫مل يكن م�صمماً ملواجهة حالة احلرب التي حدثت يف حزيران‪ /‬يوليو‬
‫‪ ،1967‬بق���در م���ا كان م�صمم���اً لقمع ح���ركات "التم���رد" الداخلية‪ ،‬كما‬
‫�سيتبني فيما بعد‪.‬‬

‫الطابع املنهجي للجرائم‬
‫بحق الإن�سانية‬

‫عن��د حماول��ة تف�س�ير الأفع��ال امل�صنفة‬
‫كجرائ��م ح��رب �أو جرائ��م �ض��د الإن�سانية‬
‫‪،‬من خالل عل��م النف�س االجتماعي‪� ،‬أو عند‬
‫تقيي��م اال�ستجاب��ة احلقوقي��ة �ضده��ا ‪،‬من‬
‫خالل القانون الدويل‪ ،‬من ال�ضروري البحث‬
‫�أبع��د م��ن خ�صائ���ص "اجلالدي��ن" الأفراد‪،‬‬
‫�أو الظ��روف الت��ي �أدت �إىل اق�تراف ه��ذه‬
‫الأفع��ال‪� .‬إذ ال ب��د معاينته��ا �ضم��ن �سياقها‬
‫الأو�س��ع يف النظ��ام ال�سيا�س��ي ال�سائ��د و‬
‫منهجية اتخاذ القرار‪.‬‬

‫جرائم الطاعة‪:‬‬

‫عند حماولة �إ�ستك�شاف الطبيعة اخلا�صة لهذه الأفعال اجلرمية‪،‬‬
‫جن���د �أن بع����ض احل���االت تدخ���ل يف باب اجلرائ���م اجلنائي���ة "العادية"‬
‫وذل���ك عندم���ا تقرتف ه���ذه اجلرائم بخ���رق وا�ضح للتعليم���ات و �ضد‬
‫توجه���ات ال�سلط���ة �صاحب���ة الق���رار‪ .‬يف ه���ذه احلال���ة ف����إن امل�شارك���ة يف‬
‫جم���ازر �أو تعذي���ب �أو تطه�ي�ر عرق���ي يعترب ج���رم جنائي���ا عاديا‪ .‬حيث‬
‫جن���د �أن "جالدي���ن" �أفرادا ب���ادروا من تلقاء �أنف�سه���م و بدون اكرتاث‬
‫لأوامر ال�سلطة �صاحبة القرار‪.‬‬
‫غ�ي�ر �أن جوه���ر جرائم احلرب واجلرائم �ض���د االن�سانية يكمن يف‬
‫�أنه���ا لي�س���ت جرائ���م جنائية عادية ب���ل هي جرائم طاعة‪ ،‬يت���م ارتكابها‬
‫ب�أوام���ر �صريح���ة و توجي���ه م���ن ال�سلط���ة �صاحب���ة الق���رار‪� ،‬أو يف ظ���ل‬
‫املوافقة ال�ضمنية واملت�ساهلة مع هكذا �أفعال‪.‬‬
‫يف ه���ذا البح���ث مت تعري���ف جرائ���م الطاع���ة على �أنه���ا‪“ :‬فعل يتم‬
‫تنفيذه ا�ستجابة لأوامر ال�سلطة و يخرق العرف القانوين والأخالقي‬
‫لغالبية املجتمع"‪.‬‬
‫ويق���دم "التعذي���ب" مثاال وا�ضحا عن ذل���ك‪ ،‬فرغم �إدانته كفعل ال‬
‫قانوين وغري �أخالقي من قبل املجتمع الدويل‪ ،‬و جترميه يف "ميثاق‬
‫الأمم املتح���دة �ض���د التعذي���ب" والذي مت اعتماده م���ن قبل "اجلمعية‬
‫العام���ة" يف ‪ 1984‬و م���ن قب���ل الهيئ���ات الدولي���ة ذات ال�صل���ة‪ ،‬كم���ا مت‬
‫�إدخال���ه يف القوان�ي�ن القطري���ة يف العدي���د م���ن الدول الأع�ض���اء‪ .‬رغم‬
‫ذل���ك ف�إن �سلط���ات هذه الدول بالذات هي من ي�أمر وي�شجع ويتغا�ضى‬
‫عن حاالت التعذيب املنهجية منها والع�شوائية‪.‬‬
‫�إذا كيف نفرق بني اجلرائم اجلنائية العادية وجرائم الطاعة؟‬
‫غالبا ما جند �أن الأفراد "اجلالدين" ينغم�سون يف الفظائع بحق‬
‫الإن�ساني���ة ب�إرادته���م و بحما�س���ة وبدرج���ات متفاوتة م���ن املبادرة‪ ،‬غري‬
‫�أن حقيق���ة كون �أفعالهم اجلرمية تخ���دم م�صاحلهم الفردية املتنوعة‬
‫ال�ش���يء ال���ذي يع���رف ع���ادة الأفع���ال اجلرمي���ة اجلنائي���ة العادية‪ -‬ال‬‫يعن���ي بال�ضرورة عدم ت�صنيفها كجرائ���م طاعة‪،‬طاملا �أن هذي الأفعال‬
‫جت���د الدع���م ال�ل�ازم يف بنية ال�سلط���ة �صاحب���ة الق���رار ‪� :‬أي طاملا �آمن‬
‫"اجل�ل�ادون" �أو ظن���وا ب����أن �أفعالهم حتظى ب�شرعي���ة ودعم �أو �سيتم‬
‫التغا�ض���ي عنه���ا من قب���ل ال�سلطة‪� ،‬أي �أن �أفعاله���م تتما�شى مع �سيا�سة‬
‫ر�سمية‪ ،‬وتعك�س �إرادة ر�ؤو�سائهم‪.‬‬
‫و�س���واء كان���ت هذه الأفع���ال نتيجة مبا�شرة لأوام���ر �صريحة �أو مت‬
‫تربيره���ا ب�ش���كل مبطن من قبل الرتب الأعل���ى‪ ،‬ف�إنها ت�ستويف تعريف‬
‫جرائم الطاعة‪ ،‬مفرت�ضني ب�أن هذه الفظائع مل تكن ممكنة احلدوث‬
‫بدون �إقرار من جانب ال�سلطة‪.‬‬
‫�إن متييزن���ا له���ذه الأفع���ال عل���ى �أنه���ا جرائ���م طاع���ة ال ب���د �أن‬
‫يقودن���ا للنظ���ر يف الوج���ه الآخ���ر للعمل���ة‪� ،‬أي جرائم ال�سلط���ة �صاحبة‬
‫القرار‪،‬والت���ي غالب���ا م���ا ت�صاح���ب جرائم الطاع���ة‪� .‬إذ �أن ل���كل �شخ�ص‬
‫م���ن الرتب الدنيا يق���وم بفعل جرمي ب�أمر ر�سم���ي مبا�شر �أو بت�شجيع‬
‫وتغا�ض���ي من قب���ل ال�سلطة �صاحب���ة القرار‪ ،‬مقابل���ه يف الرتب الأعلى‬

‫–ويف الغال ــب بني ــة هرمي ــة من االأعلى رتبة‪ -‬ال ــذي ي�سدر االأوامر‬
‫ويقوم ببلورة ال�سيا�سة التي تفر�ص هكذا اأفعال اأو ت�سمح بها‪.‬‬
‫ورغ ــم اأن راأ� ــص اله ــرم الرتاتب ــي ق ــد ال ي�س ــدر االأوام ــر املبا�س ــرة‬
‫باق ــرتاف االأفعال اجلرمي ــة‪ ،‬غري اأنه امل�سوؤول ع ــن �سياغة ال�سيا�سات‬
‫وخل ــق اجل ــو املوات ــي‪ ،‬واإيج ــاد االإط ــر الت ــي ت�سم ــح للرت ــب املتو�سط ــة‬
‫برتجمة التوجيهات والتعميمات اإىل اأوامر عملياتية على االأر�ص‪.‬‬
‫ول�سب ــب اأن جرائ ــم الطاع ــة حت ــدث �سم ــن بنية تراتبي ــة هرمية‪،‬‬
‫يجع ــل م ــن ال�سع ــب حتدي ــد امل�سوؤولية عنه ــا‪ .‬حيث �سي�س ــري اأ�سحاب‬
‫الرت ــب الدني ــا اإىل االأوام ــر ال�سادرة ع ــن القيادات لنف ــي م�سوؤوليتها‪.‬‬
‫اأما القيادات يف را�ص الهرم في�سهل عليها نفي م�سوؤوليتها‪ ،‬اإذ يف�سلها‬
‫ع ــدة درج ــات من الرتب نزوال عن اجلرم الفعلي‪ ،‬وميكنها االدعاء باأن‬
‫مب ــادرة الفع ــل مت اتخاذه ــا يف امل�ستويات االأدنى م ــن هرمية الرتب‪ ،‬اأو‬
‫اأنه قد اأ�سيء فهم التعليمات‪.‬‬
‫ه ــذه ال�سعوب ــة يف حتديد امل�سوؤولية بني راأ�ص اله ــرم �سانع ال�سيا�سة‬
‫ن ــزوال يف الرتاتبي ــة اإىل م�ستوى ترجمة التوجيه ــات اإىل اأوامر مبا�سرة‪،‬‬
‫جتعلن ــا نتوقف عن طرح �سوؤال‪" :‬من هو امل�سـ ـوؤول؟" وا�ستبداله ب�سوؤال‪:‬‬
‫“من هو امل�سوؤول عن (هذا االأمر اأو ذاك)؟" بهذه الطريقة ي�سبح ممكنا‬
‫اإدان ــة االثن ــني "الرت ــب العلي ــا والدني ــا"‪" .‬اجل ــالدون" ب�سب ــب اأفعاله ــم‬
‫املبا�س ــرة واالأذى الن ــا‪ œ‬عنها‪ ،‬حتى ولو ت�سرف ــوا بناء على توجيهات من‬
‫فوق‪ ،‬اإذ اأن مبادئ نورمربغ التي مت تبنيها بنتيجة احلرب العاملية الثانية‪،‬‬
‫تق ــول باأن االأوامر م ــن القيادات ال حتل املروؤو�سني م ــن م�سوؤوليتهم عن‬
‫اأفعاله ــم اجلرمية‪ .‬وهذا ما يتبناه "ميثاق االأمم املتحدة �سد التعذيب"‬
‫مب ــا يخ� ــص اجلالدي ــن اإذ ين� ــص عل ــى‪ ”:‬اإن االأم ــر ال�س ــادر ع ــن �ساب ــط‬
‫برتب ــة اأعل ــى اأو �سلطة �ساحبة قرار ال ميك ــن ا�ستخدامه كعذر للتعذيب‪.‬‬
‫املروؤ�سيني من الرتب االأدنى يتوجب عليهم تقدير مدى قانونية االأوامر‬
‫وع�سيانها يف حال عرفوا اأو كان باإمكانهم اأن يعرفوا بعدم قانونيتها‪ ،‬اأما‬
‫بالن�سب ــة للرت ــب االأعلى فيتوجب عليه ــم االأخذ بعني االعتب ــار العواقب‬
‫لل�سيا�س ــات الت ــي ي�سعونها‪ ،‬و االإ�سراف على ال�سب ــل التي يتم بها ترجمة‬
‫ه ــذه ال�سيا�سات اإىل اأوامر مبا�سرة واأفعال نزوال عرب تراتبية الهرم"‪ .‬اإن‬
‫واجب "االإ�سراف" يجعل من دفاع املبني على اجلهل مبا يحدث اأو نق�ص‬
‫ال�سيط ــرة عل ــى املروؤو�س ــني غري مقبوال‪ ،‬حي ــث اأن املتوقع منه ــم مراقبة‬
‫�سلوكيات مروؤو�سيهم‪ ،‬واحلقيقة اأن املجازر والتعذيب قلما حدثوا ب�سبب‬
‫اجله ــل من قبل قمة الهرم‪ ،‬بل ع ــادة ما يكونوا نتيجة ل�سيا�سات متعمدة‬
‫اأو جتاهل متعمد للطريقة التي يتم فيها تنفيذ االأوامر نزوال‪.‬‬
‫تقرير ‪Ã‬نا�سبة يوم املعتقل ال�سيا�سي ال�سوري �سادر عن‬
‫املنظمة الكردية للدفاع عن حقوق االإن�سان واحلريات العامة يف �سوريا بتاري‪2009 / 6 / 26 ï‬‬
‫‪http://www.shrc.org/data/aspx/d6/3956.aspx‬‬
‫‪Source: HC Kelman, ‘The Policy Context of Torture: A Social-Psychological Analy‬‬‫ترجمة واإعداد �سباب بكرا �سوريا ‪sis’ (2005) 87(857) International Review of the Red Cross 128.‬‬

‫مبادرات حقوقية‬
‫رغ ــم اأن االإف ــراج ع ــن املعتقل ــني ال�سيا�سيني واإعادة احلق ــوق املدنية‬
‫اإىل املحروم ــني منه ــا بن ــود ثابت ــة عل ــى اأجن ــدة العم ــل الدميقراطي يف‬
‫�سوري ــا يف ال�سنوات االأخرية‪ ،‬بل من ــذ اأ�سحت ق�سية االعتقال ال�سيا�سي‬
‫ق�سي ــة وطني ــة يف اأواخ ــر ال�سبعين ــات‪ ،‬اإال اأنه لي�ص ثمة ن�س ــاط منظم اأو‬
‫هيئ ــة م�ستقلة معنية بق�سايا املعتقلني ال�سيا�سيني ال�سابقني يف �سوريا‪.‬‬
‫ق�س ــر عن خماطبة الق�سية يف و�سفه ــا ق�سية �سيا�سية‬
‫ثم ــة مبادرات‪ُ ،‬ت ِّ‬
‫ووطني ــة وم�ستقبلي ــة‪ ،‬ولي�ست حم� ــص ق�سية اإن�ساني ــة تت�سل مبعاجلة‬
‫مظ ــامل ج ــرت يف املا�سي‪ .‬بل منيل اإىل االعتق ــاد باأن احل�سور احلقوقي‬
‫البح ــت لق�سي ــة املعتقل ــني ال�سابق ــني م ــا انف ــك يحج ــب احلاج ــة اإىل‬
‫مقاربتها معرفيا ومعاجلتها �سيا�سيا‪.‬‬
‫م ــن اأه ــم املبادرات تلك عري�س ــة وقع عليه ــا ‪ 387‬معتقال ومالحقا‬
‫�سابقا‪ ،‬قدمت اإىل ال�سلطات يف عام ‪ ،2005‬تت�سمن املطالب التالية‪:‬‬
‫‪" -1‬اإلغ ــاء اآثار االأحكام ال�س ــادرة عن كافة املحاكم بحقنا واإعادة‬
‫االعتبار لنا‪.‬‬
‫‪ -2‬التعوي� ــص امل ــادي لكل منا ح�سب �سن ــوات اعتقاله‪� ،‬سواء كان‬
‫موظفاً اأم غري موظف عند اعتقاله‪ .‬وح�ساب �سنوات ال�سجن وما بعدها‬
‫�سن ــوات خدم ــة فعلي ــة‪ ،‬على اأن ي�سم ــل ذلك املف�سولني م ــن عملهم بعد‬
‫اإطالق �سراحهم‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ اإع ــادة م ــن مل يعد اإىل عمله‪ ،‬الذي كان له قبل االعتقال‪ ،‬واإيجاد‬
‫عم ــل لل�سجن ــاء الذي ــن مل يكن لهم عم ــل عند اجله ــات احلكومية قبل‬
‫االعتقال‪ ،‬ويرغبون يف ذلك‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ اعتبار �سنوات املالحقة االأمنية مبثابة �سنوات اعتقال ومعاملتها باملثل‪.‬‬

‫‪ 5‬ـ اإلغ ــاء ق ــرارات ال�س ــوق اإىل اخلدم ــة االإلزامية ال�س ــادرة بحق كل‬
‫�سجني اعتقل اأو اأجلت خدمته دون اإرادته‪ ،‬وت�سريح من �سبق �سوقه اإىل‬
‫اخلدمة من هوؤالء‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ من ــح ج ــوازات �سفر لكل ال�سجن ــاء ال�سيا�سيني ال�سابق ــني‪ ،‬واإزالة‬
‫جمي ــع اإج ــراءات من ــع ال�سف ــر واملغادرة ال�س ــادرة بحق اأي منه ــم‪ ،‬واإلغاء‬
‫االإجراءات االأمنية التي متنع ذلك"(‪.)16‬‬
‫اإن االأ�سم ــاء ال ــواردة يف قائم ــة املوقعني على العري�س ــة هي ل�سجناء‬
‫اأو مالحقني �سابقني حل�ساب تنظيمات �سيوعية اأو نا�سرية اأو التنظيم‬
‫البعث ــي امل ــوايل للعراق‪ .‬وهي تخلو من معتقلي االإ�سالميني‪ ،‬وقد كانوا‬
‫اأكرثية املعتقلني ال�سيا�سيني يف �سوريا‪ .‬وقد يكون هذا‪ ،‬وطغيان الطابع‬
‫احلقوق ــي على ح�ساب الطابع ال�سيا�س ــي والوطني للق�سية‪ ،‬هو ال�سبب‬
‫يف امتناع معتقلني ي�ساريني اآخرين عن التوقيع على العري�سة‪ .‬وجدير‬
‫بالذك ــر اأن املعتقل ــني ال�سابقني الذين ق�سوا خم� ــص �سنوات فما فوق ال‬
‫ي�ستدع ــون اإىل اخلدم ــة الع�سكرية يف �سوريا‪ .‬وكان معتقلون ق�سوا اأقل‬
‫م ــن ‪� 5‬سن ــوات ق ــد نالوا تاأجي ــال اإداريا متك ــررا من اخلدم ــة الع�سكرية‬
‫اي�سا‪ ،‬لكن بع�سا منهم ا�ستدعوا خالل عام ‪ ،2005‬و�سيقوا اإىل اجلي�ص‪،‬‬
‫وبع�سه ــم يف اأربعينات اأعمارهم‪ .‬جدير بالذكر اأي�سا اأن بع�ص املعتقلني‬
‫ال�سابق ــني مل يح�سل ــوا عل ــى جوازات �سف ــر‪ ،‬فيما ح�سل عليه ــا اآخرون‪،‬‬
‫دون اأن يكون ثمة قاعدة مطردة دوما وراء هذا التمييز‪.‬‬
‫وكانت اللجنة التي �ساغت العري�سة ال�سابقة قد تلقت وعودا بحل‬
‫امل�سكلة قبل اأيلول من عام ‪ ،2005‬لكن �سيئا من ذلك مل يح�سل‪ .‬ويبدو‬
‫اأن الق�سي ــة ماتت‪ ،‬بع ــد اأن كانت اللجنة قد ظنت اأنها ح�سلت على وعد‬
‫برف ــع احلرم ــان عن احلق ــوق املدنية ع ــن املحرومني‪ ،‬واأ�سي ــع وقتها اأن‬

‫ال�سلط ــات وعدت مبنح كل منه ــم ‪ 100‬األف لرية �سورية (اأقل بقليل من‬
‫‪ 2000‬دوال اأمريك ــي) ع ــن كل عام ق�سوه يف ال�سج ــن‪ ،‬كم�ساهمة منها يف‬
‫اإعادة تاأهيلهم من جهة‪ ،‬وعمال على طي امللف من جهة اأخرى‪.‬‬
‫ومل يحـ ـ ّل بعد مكان ه ــذه املبادرة ن�ساط اآخ ــر متمحور حول العون‬
‫املتب ــادل والتوج ــه اإىل املجتم ــع‪ ،‬حل ــل امل�سكل ــة ب ــدال م ــن التوج ــه اإىل‬
‫ال�سلط ــات‪ .‬وقد يكون ال�سبب امله ــم وراء ذلك هو ال�سراعات واملناف�سات‬
‫احلزبية التي لطاملا كانت م�سدر اإف�ساد وت�سميم للعمل العام يف �سوريا‪.‬‬
‫كذلك افتقار ال�سوريني اإىل تقاليد وجتارب يف التكافل االجتماعي غري‬
‫اخل ــريي وغ ــري القائم على اأ�س� ــص دينية‪ .‬بالنتيجة‪ ،‬بق ــي اجلانب العام‬
‫م ــن ق�سي ــة املعتقلني ال�سابقني حمتكرا من قب ــل اأحزابهم غري القادرة‬
‫عل ــى م�ساعدته ــم فعليا‪ .‬اأما اجلانب اخلا�ص ف ــال يزال واقعا على عاتق‬
‫اأ�سره ــم‪ .‬وه ــو ما يفت ــح الباب وا�سعا اأمام �سعيه ــم اإىل البحث عن حلول‬
‫�سخ�سية كيفما اتفق‪.‬‬
‫يف كتاب مفتوح وجهه اإىل رئي�ص الدولة يف مطلع عام ‪ 2006‬احلايل‪،‬‬
‫يق ــول معتق ــل �ساب ــق‪ ،‬ا�سمه جاب ــر �سلمى‪ ،‬مكث يف ال�سج ــن فرتة ما بني‬
‫‪ 1987‬و‪ ،1994‬وج ــرد م ــن حقوق ــه املدني ــة على يد حمكمة اأم ــن الدولة‬
‫العلي ــا الت ــي ق ــدم اأمامها بعد خم�ص �سن ــوات من توقيف ــه‪ ،‬وحكمته �ست‬
‫�سن ــوات‪ ،‬يق ــول‪" :‬اأتوج ــه اإليك ي ــا �سي ــادة الرئي�ص باإعط ــاء االأوامر لهم‬
‫(مديري ــة الرتبي ــة يف حمافظ ــة الالذقي ــة) لي�سرع ــوا يف اإعادت ــي اإىل‬
‫عملي عمال بقاعدة اإن كنت مظلوما لرفع الظلم عني‪ ،‬وان كنت م�سيئا‬
‫فراأف ــة باأ�سرت ــي واأطف ــايل‪ .‬وكلي ثقة انك ل ــن تخذلني و�سك ــرا �سلفا"‪.‬‬
‫قب ــل اعتقال ــه كان �سلم ــى معلم ــا‪ .‬وكي يقن ــع الرئي�ص ب�سالم ــة طويته‪،‬‬
‫يبلغ ــه‪" :‬يهمن ــي يا �سي ــادة الرئي�ص اأن اأو�س ــح اأن كاأ�ص ع ــرق عندي اأهم‬
‫م ــن كل �سيا�س ــة االأر� ــص‪ ،‬واأن و�سع ــي اليائ� ــص يدع ــوين اإىل التفكري يف‬
‫االنتح ــار"‪ .‬ويوؤك ــد انه ترك احلزب الي�ساري الذي كان ينتمي اإليه منذ‬
‫ع ــام ‪ ،1984‬اأي ث ــالث �سنوات قبل اعتقاله‪ .‬ويب ــدو اأن �سلمى اهتدى اإىل‬
‫ه ــذا احل ــل الأنه مل يجد غ ــريه‪ .‬يقول‪" :‬ومع اأنن ــي و�سعت نف�سي حتت‬
‫ت�س ــرف مديري ــة الرتبية اإثر خروجي م ــن ال�سجن اإال اأن احلكم (حكم‬
‫حمكم ــة اأم ــن الدولة علي ــه بال�سجن ‪� 6‬سنوات) حرمن ــي من العودة اإىل‬
‫عمل ــي مث ــل رفاق ــي الذين مل يحكم ــوا‪ .‬منذ ذلك التاريخ ب ــداأت غربتي‬
‫داخ ــل وطن ــي‪ ،‬فلق ــد بع ــت كل العق ــارات الت ــي اأملكها يف قري ــة القنجرة‬
‫(التابع ــة ملحافظ ــة الالذقي ــة) م ــن اجل ت�سدي ــد نفقات اأ�سرت ــي ومنهم‬
‫من اأ�سبح جامعيا‪ ،‬وعملت بعدها عامل حفريات مياوم‪ ،‬ومن ثم عامل‬
‫حف ــر يف متدي ــد جم ــاري ال�سرف داخ ــل قريت ــي‪ ،‬وال اأزال اأعم ــل يوميا‬
‫عام ــل حفريات‪ ،‬رغ ــم كرب �سني‪ ،‬حتى كتابة ه ــذه ال�سطور"‪� .‬سلمى من‬
‫مواليد ‪.)17(1958‬‬
‫ه ــذه �سك ــوى رج ــل خ ــرج م ــن ال�سج ــن من ــذ ع ــام ‪ .1994‬وه ــو لي�ص‬
‫ا�ستثن ــاءا‪ .‬اإن م ــن مل ي�سمح له ــم باإكمال درا�ساتهم العلي ــا اأو باحل�سول‬
‫على وظيفة اأو بال�سفر خارج البالد هم اأكرثية املعتقلني‪.‬‬
‫ثم ــة ع ــدد حمدود جدا من احل ــاالت نالوا دعما م ــن منظمة العفو‬
‫الدولي ــة للقي ــام بعمليات جراحية مكلفة اأو لع ــالج باهظ الثمن (اأورام‬
‫خبيثة ب�سورة خا�سة)‪ .‬على اأن الن�سبة ال تكاد تذكر‪ .‬باملقابل تلقى عدد‬
‫حمدود اأي�سا دعما ماليا من رفاق لهم خارج البالد‪ .‬لكن الن�سبة اأي�سا‬
‫ال تكاد تذكر‪ ،‬ولعلها كذلك ال ت�ستند اإىل معايري احلاجة احلقيقية‬
‫يا�سني احلاج �سالح‬

‫اجل������الد‬
‫وال�سجان‬
‫هل هم‬
‫�سحايا؟‬

‫يهرب االإن�سان دائما من الوح�ص الذي بداخله « و لكن باملقابل‬
‫حني يقوم هذا االإن�سان‪ ،‬ذاته‪ ،‬بفر�ص حياة اأقرب اإىل حياة احليوان‬
‫عل ــى ب�س ــر اآخرين‪ ،‬و مبعاملتهم معاملة احلي ــوان فاإنه يعمل على‬
‫االإبقاء على احليوان يف اأعماقهم ( و بالتدقيق يف اأعماقه هو اأي�سا)‬
‫ب ــل و تغذيت ــه و تنميته و خل ــق ال�سروط املالئمة ل ــه كي ي�ستفحل‪،‬‬
‫و ح ــني تب ــدر منه ــم ب ــوادر احتج ــاج «حيواني ــة» ال بد م ــن ا�ستنفار‬
‫حيوانه هو لقمع احليوان االآخر «(‪. )1‬‬
‫م ــا ه ــي االأ�سباب التي تدفع باجل ــالد و ال�سجان ملمار�سة القوة‬
‫و الوح�سية �سد اآخرين ؟ اإطاعة االأوامر تعوي�سا عن اخلوف من‬
‫غ�س ــب امل�سـ ـوؤول االأعل ــى ؟ اأم اال�ستمتاع مبمار�س ــة القوة و ا�ستثارة‬
‫اخلوف؟ اأم الدفاع امل�سلحة ال�سخ�سية ؟‬
‫ال �سك اأن لالأ�سباب الثالثة ن�سيب كبري يف �سلوك االثنني من‬
‫حي ــث اأنهما مطيعني‪ ،‬فالطاعة الت ــي تفر�ص عليهما تدريجيا عن‬
‫طريق التدريب و العقوبة تعطي باملح�سلة نتائج « توؤدي اإىل اإلغاء‬
‫ال ــذات و االإرادة و انتظ ــار كل �س ــيء من االآم ــر» (‪ )2‬و بالتايل فهي‬
‫ترف ــع امل�سوؤولي ــة ع ــن من يطي ــع االأوام ــر و حت ّمله ــا لل�سلطة التي‬
‫تطلقه ــا‪ .‬و لكن الطاع ــة تغري يف االإن�سان نف�سه عرب مظاهر نراها‬
‫يف �سلوك ــه‪ ،‬م ــن اأبرزه ــا التملق لل�سلط ــة التي ت�س ــدر االأوامر ‪ « ،‬و‬
‫جمتمع ــات القم ــع هي املجتمعات التي ت�سع هدفها اأنه البد من اأن‬
‫يتغ ــري �س ــيء ما يف االإن�س ــان ل�سمان ان�سياعه الت ــام و الدائم»(‪، )3‬‬
‫حيث ت�سبح الطاعة هي طاعة �سيء يف داخله هو‪.‬‬
‫اأم ــا املتعة يف ممار�سة القوة فتن�سـ ـاأ كدفاع عن النف�ص يف حلظة‬
‫اخل ــوف و مقاومة اجلوع ال�سلط ــوي و التملكي « ا�ستمراء ال�سلطة‬
‫و التخويف ( و الرتهيب)‪ ،‬اأي تلذذ ال�سخ�ص باإح�سا�سه باأنه مثري‬
‫للخ ــوف‪ ،‬وان اأوامره مطاعة‪ ،‬وان االآخرين لي�سوا يف خدمته فقط‬
‫بل اإنهم رهن اإ�سارته»(‪.)4‬‬
‫و تع ــرب �سخ�سي ــة اجل ــالد عبا�ص اأحد اأبطال ق�س ــة « الع�سكري‬
‫االأ�سود» و التي كتبها يو�سف اإدري�ص عن تلك املتعة التي تبدو غري‬
‫معقول ــة مل ــن يراقبه ــا من اخلارج‪ ... « :‬و ح ــني ي�سرب كان كل من‬
‫ي ــراه ال يظ ــن اأبدا انه ميت اإىل االإن�س ــان اأو احليوان ب�سلة‪ ،‬بل وال‬
‫حت ــى اإىل االآل ــة‪ .‬فاالآل ــة ال تبدو على وجهها املتع ــة املتوح�سة و هي‬
‫ت�سرب‪ ...‬و كانوا يقولون اإنه حني ي�سرب يفقد وعيه و �سوابه‪ ،‬و‬
‫ي�سبح كال�سكران اأو املجنون‪)5(»،‬‬
‫و بال �سك فاإن الطاعة و متعة ال�سلطة و التملك تولد جميعها‬

‫دفاعا م�ستميتا عن املكا�سب و امل�سالح ال�سخ�سية عن طريق الفوز‬
‫بح�س ــن ظ ــن �ساح ــب الق ــرار و الذي ي�سب ــح على راأ� ــص االأولويات‬
‫االأخالقية ‪.‬‬
‫اأجرى الدكتور �ستانلي ملغرام جتربة يف جامعة بيل االأمريكية‬
‫ته ــدف الو�س ــول اإىل ج ــواب ع ــن ال�سـ ـوؤال الت ــايل ‪ « :‬اإىل اأي م ــدى‬
‫ميك ــن اأن ي�س ــل االإن�س ــان يف اإيقاع ــه االأذى باإن�سان اآخ ــر ‪ ،‬اأو ت�سبب‬
‫االأمل ل ــه‪ ،‬وه ــو الذي ال تربطه به اأي رابطة �سلبي ــة اأو اإيجابية ( و‬
‫حت ــى معرف ــة م�سبقة اأو ح ــب اأو حقد اأو م�سلح ــة )؟ (‪ )......‬و قد‬
‫بل ــغ املق ــدار عند الدكتور ملغ ــرام (‪ )26‬من اأ�س ــل (‪ )40‬اأي مبقدار‬
‫(‪)6(« .)%65‬‬
‫و لك ــن تل ــك التجرب ــة ال تنف ــي اأن �سلطة الق ــرار عندما ت�سدر‬
‫اأمرا و توزعه على �سكل مهمات و م�سوؤوليات على االأفراد املطيعني‬
‫الذين و على الرغم من اإح�سا�سهم اأنهم ينفذون اأمرا حمددا ‪ ،‬لكن‬
‫كل واح ــد منه ــم ق ــد قرر ‪ ،‬بينه و ب ــني نف�سه على االأق ــل‪ ،‬التغا�سي‬
‫عم ــا �سيفعل ــه االآخرون و ذل ــك الإعف ــاء النف�ص م ــن امل�سوؤولية اأمام‬
‫الذات و االآخرين ‪.‬‬
‫«م ــن غ�سب املتم ــرد اإىل عطف اجلالد‪ :‬نهايت ــان حتدان مكانا‬
‫ما‪ ،‬نوعا من من�سة م�سرح‪ ،‬و على هذه املن�سة يتم متثيل م�سرحية‬
‫ب ــداأت من ــذ وق ــت طوي ــل‪ ،‬وال اأح ــد يع ــرف نهايته ــا‪ ،‬و ه ــي حتوالت‬
‫العنف» (‪.)7‬‬

‫)‪ (1‬حيونة االإن�سان‪‡ ،‬دوح عدوان‪ ،‬دار ‡دوح عدوان للن�سر و التوزيع‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ ،‬اأيار ‪� ،2010‬س ‪58‬‬
‫)‪ (2‬نف�سه �س ‪87‬‬
‫)‪ (3‬نف�سه �س ‪93‬‬
‫)‪ (4‬نف�سه �س ‪99‬‬
‫)‪ (5‬نف�سه �س ‪83‬‬
‫)‪ (6‬نف�سه �س ‪19‬‬
‫)‪ (7‬نف�سه �س ‪70‬‬

‫�سهادات معتقلي‬

‫الراأي يف ثورة‬
‫‪15‬اآذار ‪2011‬‬

‫اأحيــان ــا ال �س ــيء ي�س ـع ــرين بحقيق ـ ــة حبي� ــص �س ـجــن يف فك ـ ــرة تعبد املوت‬
‫عر�ص حزين لق�سيدة �سائعة مثلي ال تواجه‪ ،‬تهرب كلما اقرتبت من ال�سماء‬
‫ال اأدري م ــن اأي ــن اأتتن ــي تل ــك الق ــدرة عل ــى التما�س ــك و التح ــدي عند حلظة‬
‫االعتق ــال ‪ ،‬خا�س ــة عندما ترجمت على �سكل �سخرية وقف ــت بوجه كل اأ�سكال‬
‫العن ــف الت ــي تعر�ست له ــا يف الطريق اإىل الفرع ‪ ،‬حي ــث يدا�ص راأ�سك ب�سباط‬
‫و يب� ــص علي ــك ‪ ،‬و ي�سمعك اأحدهم اأنه يحاف ــظ على حياتك فقط لت�سل اإىل‬
‫الف ــرع‪ ،‬فتتخي ــل اأن ــك ذاه ــب اإىل امل ــوت ‪ .‬واأثن ــاء التحقيق حتول ــت اإىل طالب‬
‫خبيث يف غرفة مدير املدر�سة ‪ ،‬و الذي ال يريد اأن يف�سل ‪ ،‬لكنــه ال يريد اأي�سا‬
‫تفويت فر�سة ال�ســخرية من مقام املدير و من اأ�ســئلته ال�ســاذجة والعنيفة ‪ ،‬و‬
‫حماوالته البائ�سة الإغ�سابك و اإذاللك‪...‬‬
‫اأختل ــق عذرا‪ -‬يبدو مقنعا‪ -‬لتواج ــدي يف املظاهرة ‪،‬في�سدقني املحقق اأو‬
‫اأن ــه يتظاه ــر اأن ــه ي�سدقن ــي‪ ..‬فاأفخ ــر لقدرتي عل ــى اخلب ــث و التحايل ‪ ..‬ثم‬
‫‪ ...‬يطلق ــون �سراح ــي بعد ليل ــة من ال�سح ــك و ال�سخرية ق�سيته ــا يف زنزانة‬
‫عفن ــة م ــع �سديقي و �سريك ــي يف التظاهر ‪� ...‬سعادة مطلقة �سعرت بها و اأنا يف‬
‫طريقي اإىل البيت ‪ ،‬و جل ما متنيته هو حمام بدا يل فاخرا كحمامات امللوك‬
‫‪ ..‬ث ــم ‪ ...‬و يف مواجه ــة املتعاطفني و املحبني كن ــت اأقلهم مباالة بالتفا�سيل و‬
‫االأحداث‪ ،‬واأكرثهم قدرة على االبت�سام ‪.‬‬
‫منت ‪ ..‬و تتالت الكوابي�ص مع تتايل االأيام ‪:‬‬
‫ق�ستي اأو جمرد خيال‬
‫يجرين اإىل االأ�سفل يف قعر كاأ�ص‬
‫يف �سقوط ال مينحني حرية اليقظة ‪.‬‬
‫حلم اأزرق �ساحب‬
‫وجوه ت�سبح �سورا حترتق ‪.‬‬
‫اأ�ستفيق على خمدة مليئة مباء ج�سدي البارد ‪ ...‬و يرهبني كل �سوت واأي‬
‫�سوت من م�سدر مفاجئ ‪ :‬جر�ص الباب اأو �سوت انغالقه ‪ ،‬رنني الهاتف اأو اأي‬
‫�س ــوت غري ــب ياأتي من اخلارج‪ ..‬و اأدركت حاجت ــي اإىل ا�سرتاحة من التظاهر‬
‫‪ ..‬و بعد �سهر ا�ستعدت جراأتي و خرجت العتقل مرة ثانية مع اأ�سدقائي ‪ ..‬و‬
‫لكن هذه املرة اختلفت كل امل�ساعر‪ ..‬خيم علي �سمت‪ ..‬و عاد �سيناريو االعتقال‬
‫االأول يف ذهن ــي و اأ�سبح ــت اأرى م�سبق ــا كل التفا�سي ــل الت ــي تنتظ ــرين ‪ ،‬عل ــى‬
‫الرغم من اأن العنف البدين كان اأقل بكثري ‪ ..‬و لكن الغرف التي انت�سرت على‬
‫ح ــواف املم ــر كانت ت�سدح باأ�س ــوات تعذيب اأعلى و اأكرث ق�سوة ‪ .‬و يف التحقيق‬
‫حتول ــت اإىل طال ــب مذن ــب ي�سعر بال�سعف اأم ــام مديره فيفق ــد كل متا�سكه ‪،‬‬
‫يريد اأن يخرج �ساملا ‪ ..‬وال �سيء اآخر ‪ ...‬بب�ساطة‪ ...‬خفت ‪...‬‬
‫تاأني ــب �سم ــري اأعاي�س ــه من ــذ خروج ــي ‪ ..‬عن حلظ ــة �سعف م ــررت بها ‪..‬‬
‫علي اأن اأكون متما�سكا على االأقل ‪ ..‬كان‬
‫فربغم الذل و الق�سوة و العنف ‪ ،‬كان ّ‬
‫علي اأن اأكون اأقوى ‪..‬‬
‫ّ‬
‫اأذوي كل مرة و اأت�سائل هل من نهاية!‬
‫متى �ساألفظ اأنفا�ص حريتي؟‬
‫اأبحر يف حلم بديل لواقعي‬
‫و اأعود كلما اختنق قلبي بغ�سة ‪.‬‬
‫اأم ّني نف�سي بحلم اأكرب‬
‫�سوء يحرقني ال يقتلني ‪.‬‬
‫اأختبئ يف حجري اإىل اأن اأجروؤ فاأن�سى ما يقيدين ‪.‬‬
‫اأحاول‬
‫فاأهزم من جديد‬
‫�ساب �سوري – ‪ 20‬عاما‪ 30-‬اآب ‪ -20011‬دم�سق‬

‫عائدون من “وراء ال�س��م�س”‬

‫يروون جتربتهم ملوقع ‪ 14‬اآذار‪:‬‬
‫�سنغ�سل �سورية من “عار اآل االأ�سد”‬
‫اجللد وال�سعق بالكهرباء ونزع االأظافر والتهديد بانتهاك ال�سرف‬
‫والقتل‪“ :‬اأدوات للتحقيق” مع املحتجني يف ال�سجون ال�سورية‪..‬‬
‫امل�ساف ــة الفا�سل ــة بني م ــكان االجتماع ال ــذي طلب من ــا النا�سطون‬
‫ح�س ــوره تبتعد عن نقطة اللقاء يف ال�سارع حوايل ع�سرين دقيقة م�سيا‬
‫عل ــى االأقدام‪ ،‬وفور و�س ــول مر�سدنا اإىل مكان اللقاء طلب اإغالق جهاز‬
‫الهات ــف املحم ــول ون ــزع البطارية وال�سريحة قب ــل اأن ن�سري اإىل وجهتنا‬
‫يف و�س ــط العا�سم ــة دم�س ــق خوف ــا م ــن اأي تن�س ــت اأو تتب ــع‪ .‬هن ــا يعتقد‬
‫النا�سط ــون اأن ال�سلطات ال�سورية باتت ت�ستعني بخربات خارجية عالية‬
‫الكف ــاءة‪ ،‬يعتقد اأنه ــا اإيرانية‪ ،‬للتن�س ــت والر�سد واملتابع ــة االألكرتونية‬
‫مب ــا ي�سمل �سبكة االنرتنت التي تديره ــا احلكومة اأو �سركة االت�ساالت‬
‫(�سرييات ــل) العائ ــدة اإىل رام ــي خمل ــوف اب ــن خ ــال الرئي� ــص ال�س ــوري‬
‫ب�س ــار االأ�س ــد‪ ،‬اأو �سركة ات�س ــاالت “م‪.‬ت‪.‬ن” التي ميل ــك اأحد ال�سيا�سني‬
‫اللبناني ــني النافذي ــن واملقرب ــني م ــن النظ ــام ال�س ــوري غالبي ــة االأ�سهم‬
‫فيه ــا‪ ،‬وي ــرتدد على ل�سان �سغ ــار املوظفني ومتو�سط ــي ال�سلم الوظيفي‬
‫فيها اأن ال�سركة تعود اأي�سا لرجل االأعمال النافذ رامي خملوف‪.‬‬
‫و�سلن ــا اإىل البي ــت حي ــث اجتم ــع نح ــو ع�س ــرة نا�سط ــني يح�سرون‬
‫الإح ــدى املظاهرات‪ ،‬ا�ستقبلنا (م) وزوجته (ك) وهما �سابان تزوجا منذ‬
‫مدة قريبة‪ ،‬الزوج موظف يف �سركة تتبع لرجل االأعمال رامي خملوف‪،‬‬
‫اأم ــا الزوج ــة فه ــي موظفة حكومي ــة‪ ،‬وكالهما من منا�س ــري الثورة يف‬
‫�سورية التي انطلقت يف منت�سف �سهر اآذار املا�سي‪.‬‬
‫وفيم ــا تبق ــى الزوجة يف املن ــزل كونها حام ــل‪ ،‬ي�سارك ال ــزوج ب�سكل‬
‫منتظ ــم يف التنظيم وال�سري يف التظاهرات االحتجاجية داخل العا�سمة‬
‫كم ــا ال�سواح ــي املج ــاورة والريف‪ ،‬وتق ــول الزوجة اإنها عل ــى الرغم من‬
‫خوفه ــا ال�سدي ــد عل ــى زوجه ــا ب�سب ــب القت ــل واالعتقال ال ــذي يرتب�ص‬
‫بامل�ساركني باالحتجاجات ب�سكل دائم‪ ،‬اإال اأنها ترى يف م�ساركته “واجبا‬
‫وطني ــا”‪ ،‬واأخالقي ــا واأبويـ ـاً‪“ :‬حت ــى تنع ــم طفلتن ــا بغد اآم ــن” على حد‬
‫تعبري االأم امل�ستقبلية‪.‬‬
‫ال يب ــايل الزوج ــان مب�ستقبلهم ــا الوظيف ــي يف ح ــال تغي ــري النظام‬
‫ال ــذي يوف ــر لهم ــا وظيفتيهم ــا‪ ،‬ويق ــول الزوج “نح ــن ل�سن ــا مرتزقة”‪،‬‬
‫ويعن ــي بذل ــك ال�سعب ال�سوري ب�سكل عام‪ ،‬واأن ما يحلما به هو “غد بال‬
‫�سلط ــة االأم ــن القمعية‪ ،‬وبال ف�س ــاد وحم�سوبية؛ غد ين ــال فيه االإن�سان‬
‫ح ــداً اأدن ــى من الكرامة والعدالة االجتماعية”‪ ،‬و ُيغلق الباب نهائيا فيه‬
‫“اأمام االعتقال ال�سيا�سي‪ ،‬وم�سادرة حرية التعبري والنقد واالحتجاج‬
‫ال�سلمي”‪.‬‬
‫الزوج ــان ال�ساب ــان كانا التقيا للم ــرة االأوىل يف مظاهرة احتجاجية‬
‫اندلعت يف حرم كلية احلقوق يف دم�سق تاأييدا لالنتفا�سة الفل�سطينية‬
‫الثاني ــة يف العام ‪ ،2002‬وانخرط ــا منذ ذلك الوقت يف الن�ساط ال�سيا�سي‬
‫املنا�س ــر للق�سي ــة الفل�سطيني ــة وملختل ــف الق�ساي ــا العربي ــة‪ ،‬كاإحتالل‬
‫الع ــراق واحل ــرب االإ�سرائيلي ــة عل ــى لبن ــان يف الع ــام ‪ 2006‬واحل ــرب‬
‫االإ�سرائيلي ــة االأخ ــرية عل ــى غزة نهاية الع ــام ‪ .2008‬ويق ــول (م) بلهجة‬

‫ال تخل���و م���ن ثق���ة �إن “ال�شع���ب ال�س���وري ه���و احلا�ضن احلقيق���ي لتلك‬
‫الق�ضايا العادلة‪ ،‬و�سيبقى كذلك يف ظل النظام وبعد رحيله”‪.‬‬
‫ي�ص���ل النا�شط���ون تباعا وفرادى “من ب���اب احليطة”‪ ،‬منهم ثالثة‬
‫�سب���ق و�أن اعتقل���وا يف �أماكن و�أوقات خمتلف���ة يف االحتجاجات الأخرية‪.‬‬
‫(ع) �ش���اب دم�شق���ي يعمل مهند�سا يف �إحدى �ش���ركات الإن�شاءات اخلا�صة‬
‫يف �سوري���ة‪ ،‬ي�ؤك���د �أن���ه كان م���ن املتحم�سني ب�ش���دة للرئي�س ب�ش���ار الأ�سد‪،‬‬
‫لكن���ه الي���وم ا�ستب���دل احلما����س بال�سخ���ط بعدم���ا الق���اه م���ن تعذي���ب‬
‫وانته���اك للكرامة داخل ال�سجن‪ ،‬وحتدث كي���ف راعه ما �شاهده و�سمعه‬
‫بع���د خروج���ه م���ن املعتق���ل‪ .‬وكان اعتقل �أثن���اء م�شاركت���ه يف مظاهرة يف‬
‫دم�ش���ق و�أم�ض���ى فرتة االعتقال يف مطار امل���زة الع�سكري‪ ،‬وابتد�أت رحلة‬
‫املعان���اة منذ اللحظة الأوىل التي �ألقى فيها “ال�شبيحة” القب�ض عليه‪،‬‬
‫وي�ضي���ف (ع) �أن رحلت���ه �إىل مط���ار امل���زة كان���ت عنيف���ة بدوره���ا‪ ،‬ا�ستمر‬
‫رج���ال الأم���ن يف كيل اللكم���ات وال�صفعات ل���ه ويداه مقيدت���ان للخلف؛‬
‫وف���ور نزول���ه م���ن ال�سيارة ج���رى “تطمي�شه” (�أي حج���ب نظره بغطاء‬
‫خا����ص على العينني) و�ألق���ي به يف ممر ب�أحد الأبنية داخل املطار‪ ،‬حيث‬
‫تواج���د غ�ي�ره من املعتقل�ي�ن‪ ،‬و�أم�ضى يف املم���ر �أ�سبوع���ا مل يتوقف فيها‬
‫�ضربه وزمالءه من قبل ال�سجانني واملارين حلظة واحدة‪.‬‬
‫�أ�ش���ار (ع) �إىل �أن ال�ض���رب اجل�س���دي كان “نزه���ة” مقارنة بجل�سات‬
‫التعذي���ب والتحقي���ق الت���ي تل���ت ليل���ة توقيف���ه‪ ،‬و�إىل �أنه �أم�ض���ى‪ ،‬وبقية‬
‫املعتقل�ي�ن‪� ،‬أ�سبوع���ه الأول م�شبوح���ا يف و�ضعية الركوع م���ع و�ضع �أحمال‬
‫ثقيلة على �أكتافهم ت�شبه ال�سجاد امللفوف‪.‬‬
‫وق���ال �إن���ه بق���ي “مطم�ش���اً” ط���وال ه���ذه الف�ت�رة با�ستثن���اء وق���ت‬
‫التحقيق املعتمد على و�سائل التعذيب‪ ،‬و�أن �أول ما وقع نظره ال�ضعيف‬
‫علي���ه كان ملف���ا مفتوح���ا �أم���ام حمقق عاب����س يحيط به نح���و �سبعة من‬
‫ال�سجان�ي�ن مفتويل الع�ضالت‪ ،‬يحمل بع�ضهم ع�صي وكابالت الكهرباء‬
‫الت���ي ت�ستخدم للجل���د‪ .‬وي�ضيف‪ ،‬مبرارة بالغ���ة‪� ،‬أن �ساعة من احتفاظه‬
‫بكلم���ة �س���ر ح�ساب �صفحته على “في�س بوك” كلفته نحو �سبعني ع�صى‬
‫تلقاه���ا عل���ى �أ�سفل قدميه يف جل�سة “فلق���ة”‪� ،‬إ�ضافة لع�شرات اجللدات‬
‫الت���ي تلقاه���ا على ظهره و�ساقي���ه ور�أ�سه و�أينما تي�سر‪ ،‬ع���دا عن ال�سباب‬
‫والتحق�ي�ر ال�شديدين الت���ي رافقت جل�سة التحقيق‪ /‬التعذيب‪ .‬وعندما‬
‫فت���ح ح�ساب���ه على �شبكة التوا�ص���ل االجتماعية وجدوه م�ش���اركا ب�إحدى‬
‫�صفح���ات االحتجاج ال�سوري���ة‪ ،‬ووجدوا تعليقا له يدع���و للتظاهر‪ ،‬وب�أن‬
‫�أح���د �أخ���وال �أمه قت���ل يف �سن���وات الثمانينيات من الق���رن املا�ضي بتهمة‬
‫االنتماء جلماعة “الإخوان امل�سلمني” املحظورة‪.‬‬
‫ي�سك���ت (ع) قلي�ل�ا ثم يتابع‪“ :‬كان ذل���ك كفيال ب�أن ينقلوين جلولة‬
‫تعذي���ب �أ�شر����س ا�ستعملوا فيه���ا ال�صعق بالكهرباء عل���ى حلمات ال�صدر‪،‬‬
‫وكلم���ا غب���ت ع���ن الوع���ي جراءه���ا �أيقظ���وين ب�سك���ب امل���اء الب���ارد عل���ي‪،‬‬
‫و�صاروا ي�س�ألونني عمن �أعرف ومن هي اجلهات التي �أت�صل بها وتت�صل‬
‫ب���ي من اخلارج؟ واتهموين بتلقي �أم���وال واالنتماء للإخوان امل�سلمني؛‬
‫وه���ددوين بقتل���ي دون �أن يع���رف �أحد بذلك‪ ،‬وب�إح�ض���ار �أمي و�شقيقاتي‬
‫الأرب���ع واغت�صابهن‪� ،‬آخذين بو�صفهن مب���ا ال ير�ضي م�ؤمن وال �شريف‬
‫(مي�س���ح دموع���ه) تلك اللحظ���ة الوحيدة الت���ي بكيت به���ا‪ ،‬ورجوتهم �أن‬
‫يتوقفوا طالبا منهم قتلي بدال من الطعن ب�أمي و�شقيقاتي‪.‬‬
‫يف الأ�سب���وع الث���اين ترك���وين م�شبوح���ا ومقي���دا بو�ضعي���ة الوق���وف‬
‫دون طع���ام �أو �ش���راب �إال ما ندر‪ ،‬حمروما من النوم �أو �إمكانية ا�ستخدام‬
‫املرحا����ض‪ .‬خ�ل�ال اعتقايل تناوب���ت والع�شرات غريي عل���ى دخول غرف‬

‫التحقي���ق‪ ،‬وكن���ا ن�ستم���ع على م���دار ال�ساعة ل�ص���راخ املعتقل�ي�ن وبكا�ؤهم‬
‫و�شتائم املحققني وال�سجانني‪ .‬يف الأ�سبوع الثالث جرى �إنزايل ملهجع يف‬
‫قب���و بن���اء جماور غ�ص هو �أي�ضا باملئات من املعتقلني امل�شبعني بال�ضرب‬
‫والتعذي���ب”‪ .‬وي�ؤك���د ال�ش���اب �أن الليل���ة الت���ي �سبق���ت �إنزال���ه �إىل مهجع‬
‫احلب����س �شهدت و�صول عدد م���ن املتظاهرين اجلرحى بر�صا�ص الأمن‪،‬‬
‫و�شه���د كيف �أنهم بقوا ينزفون طيلة الليل وينادون ب�صوت متوجع على‬
‫طبي���ب‪ ،‬و�سمع �صرخات من مثل‪“ :‬م���ات الرجل‪� ..‬أين الطبيب؟‪ ،‬نحن‬
‫منوت‪ ،‬ت�صفى دمنا”‪.‬‬
‫بالرغم من هذه التجربة امل�ؤملة تربق عينا (ع) وهو يتذكر ما �سمعه‬
‫عل���ى ل�س���ان �سجاني���ه فيق���ول ب�ص���وت متفائ���ل‪� ” :‬أتذكر جي���دا تعليقات‬
‫احلر����س وال�سجان�ي�ن اخلافت���ة ي�س���رون به���ا �إىل بع�ضهم البع����ض‪ ،‬التي‬
‫تع�ب�ر عن تخوفه���م ال�شديد من تكرار التجربت�ي�ن التون�سية وامل�صرية‪،‬‬
‫وتعجبه���م م���ن توا�صل االحتجاجات على الرغم م���ن كثافة القتل‪ ،‬وهو‬
‫م���ا ع�ب�روا عن���ه با�شت���داد التعذي���ب‪ ،‬وجعلني �أيق���ن �إنهم خائف���ون”‪ .‬يف‬
‫مهج���ع ال�سجن �شاه���د (ع) �أنا�ساً من املع�ضمي���ة‪ ،‬ال�ضاحية القريبة من‬
‫دم�ش���ق‪ ،‬اعتقل���وا يف مظاه���رة و�ضربوا ب�ل�ا رحمة‪ ،‬ق���ال �إن �أحدهم كانت‬
‫ذراع���ه مك�س���ورة بك�س���ور متع���ددة‪ ،‬و�شخ�ص من درع���ا �أي�ض���ا كان م�صابا‬
‫بع���دة ر�صا�ص���ات يف �أماكن غري قاتلة‪� ،‬إحداه���ا يف خا�صرته بقيت تنزف‬
‫بع���د معاجل���ة قا�صرة وغري كافية‪“ ،‬خاف �أن يخ�ب�ر الطبيب لأن املوت‪،‬‬
‫كم���ا �أك���د يل و�أن���ا �أح���اول �شد الرب���اط على جرح���ه بقمي�ص���ي الداخلي‪،‬‬
‫�أرح���م م���ن مقابل���ة ذاك الطبيب ال�س���ادي ال���ذي تواجد �أثن���اء التحقيق‬
‫م���ع اجلرح���ى لي�ضمن �أال ميوتوا لتح�صيل �أكرب قدر من االعرتافات”ـ‬
‫ي�ضيف املعتقل ال�سابق‪.‬‬
‫جمي���ع املقربون م���ن (ع) ن�صحوه ب�أن ي�أخذ فرتة نقاهة حتى تلتئم‬
‫جراح���ه النف�سي���ة واجل�سدية (كان ما زال يعاين م���ن فقدان الإح�سا�س‬
‫بكفي���ه ب�ش���كل طبيع���ي)‪ ،‬و�أن يتوق���ف عن اخل���روج لل�ش���ارع وامل�شاركة يف‬
‫االحتجاجات املتوا�صلة‪ ،‬لكنه رف�ض متعلال ب�أن اال�ستنكاف عن امل�شاركة‬
‫من �ش�أنه �أن يثبت للنظام جدوى حملة القمع الوا�سعة التي ي�شنها �ضد‬
‫املحتج�ي�ن‪ ،‬ق���ال ب�إ�ص���رار‪“ :‬ل���ن �أترب���ى عل���ى ي���د �أولئ���ك الفا�شيني بعد‬
‫الي���وم”‪ ،‬ي�ست���درك في�ش�ي�ر �إىل توخي���ه احل���ذر البال���غ يف حتركاته التي‬
‫بد�أها بعد م�ضي نحو �أ�سبوع من �إطالق �سراحه‪.‬‬
‫يعم���ل (ع) حالياً عل���ى توثيق ما يجري يف دم�شق وحميطها من قتل‬
‫و�سحب اجلثث‪ ،‬وي�ؤكد على وجود فظائع مرعبة وقعت بحق متظاهرين‬
‫جرح���ى �سحبوا م���ن امل�شايف املدنية واقتيدوا مل�شفى “ت�شرين” الع�سكري‪،‬‬
‫وبح�سب عاملني يف القطاع ال�صحي يف امل�شفى‪ ،‬ينقل (ع) عنهم‪ ،‬ف�إن ق�سما‬
‫خا�ص���ا �أخلي يف امل�شفى املذكور ال�ستقبال املعتقلني اجلرحى‪ ،‬حيث اختري‬
‫طاق���م الأطب���اء واملمر�ض�ي�ن املخولني بالدخ���ول‪ ،‬وب�أن �أولئ���ك املمر�ضني‬
‫مل يتوقف���وا ع���ن ال�ض���رب والتنكي���ل باجلرحى‪ ،‬وب����أن �أح���د امل�صابني بال‬
‫ممر����ض منه���م عل���ى جرح���ه وه���و يهت���ف بهي�ستريي���ة بعب���ارات الت�أيي���د‬
‫للنظ���ام والوعي���د للمتظاهري���ن‪ .‬والأخط���ر‪ ،‬ي�ضي���ف (ع)‪ ،‬ه���و املعلومات‬
‫الت���ي تتداول ع���ن حاالت �إع���دام بالر�صا�ص وو�ض���ع اجلرحى يف ثالجات‬
‫املوتى وهم يحت�ضرون‪ .‬ويقر (ع) �أن تلك املعلومات من ال�صعوبة مبكان‬
‫ت�أكيده���ا يف الوق���ت احلايل ب�سب���ب �صعوبة التنقل وتن�ص���ت �أجهزة الأمن‬
‫على املكاملات الهاتفية ور�سائل الربيد الإلكرتوين ما مينع �إىل حد بعيد‬
‫�إجراء املقابالت واحلوار مع ه�ؤالء ال�شهود‪.‬‬
‫موقع ‪� 14‬آذار‬

‫ّ‬
‫لتطل �شم�س احلرية‬
‫غابت طل ‪..‬‬
‫دع���وين �أحك���ي لك���م ق�ص���ة م���ن ق�ص����ص وطنن���ا احلبيب‬
‫�سوري���ة‪ .‬ط���ل دو�سر امللوح���ي‪ ،‬فت���اة �سور ّية‪ ،‬حم�صي���ة املولد‪،‬‬
‫ُول���دت يف نوفمرب‪/‬ت�شري���ن ث���اين ع���ام ‪ .1991‬نابغ���ة‪ ،‬ذكي���ة‪،‬‬
‫متفوق���ة درا�سي���ا‪ ،‬حمب���ة للعل���م‪ ،‬وذات �أف���ق وا�س���ع‪ .‬م�ؤمن���ة‬
‫بق�ضاي���ا الأم���ة‪ ،‬وعلى اط�ل�اع على ق�ضايا املنطق���ة والعامل‪.‬‬
‫مد ِّون���ة تكت���ب ال�شعر والنرث واخلاط���رة‪ ،‬وتدافع عن ق�ضية‬
‫فل�سطني والعروبة ب�شرا�سة وعزة �أكرث رمبا من ثلثي احلكام‬
‫الع���رب وث�ل�اث �أرب���اع ال�شعوب العربية‪ .‬حمل���ت قلمها – وال‬
‫�ش���يء �س���واه ‪� -‬سالح���ا يف مواجهة الطغي���ان‪� ،‬أي���اً كان هويته‬
‫وم�ص���دره وامل�سته���دف به‪ ،‬فالطغيان واح���د يف كل الأم�صار‪،‬‬
‫ووقعه واحد على كل ال�شعوب‪ .‬طل‪ ،‬بنتُ �سوري َة التي �أجنبت‬
‫�أي�ضا نزار قباين الذي ختم «الق�صيدة الدم�شقية» قائال‪:‬‬
‫�أُقاتل القبح يف �شعري ويف �أدبي‬
‫وقــــــداح‬
‫حتــــى يفتّــــــح نــــــ ّوار‬
‫ ‬
‫ّ‬
‫وال�شعر ماذا �سيبقى من �أ�صـــــالته‬
‫ومـــــــداح‬
‫ن�صــــــــاب‬
‫ّ‬
‫ �إذا تـــــولاّ ه ّ‬
‫وكيف نكتب والأقفــال يف فـــمنا؟‬
‫وكـــل ثــانيـــة يـ�أتيــك �ســـــــفّاح‬
‫ ‬
‫حملت �شعري على ظهري ف�أتعبني‬
‫ماذا من ال�شــــعر يبقى حني يرتاح‬
‫ ‬
‫وطل �أي�ضا‪� ،‬أبى �شعرها ونرثها �إال �أن يتعبها طاملا ننتمي‬
‫�إىل بقع���ة يف الع���امل ال زال���ت تفر�ض الأقفال عل���ى �أفواههنا‬
‫عندما نكتب‪ ،‬وعندما نتكلم‪ ،‬وحتى عندما نتنف�س الهواء ‪..‬‬
‫اع ُت ِقل���ت ط���ل يف ‪ 27‬دي�سمرب‪/‬كان���ون �أول ‪ ،2009‬وكان‬
‫عمرها حينها ثمانية ع�شر عاما و�شهرا واحدا فقط‪ ،‬لت�صبح‬
‫�أ�صغ���ر معتقلة �سيا�سي���ة يف العامل ب�أ�سره حينه���ا‪� ،‬إن مل تكن‬
‫�أ�صغر املعتقلني على الإطالق‪ .‬ومل يكتفِ َمنْ اع َت َقلَها بذلك‬
‫وح�س���ب‪ ،‬بل اختفت طل واختف���ت �أخبارها حتى عن والديها‬
‫لفرتة جتاوزت الأ�شهر الت�سعة �إىل �أن مت الإف�صاح عن مكان‬
‫وجودها حتت ت�أثري املطالبات ال�شعبية بالإفراج عنها‪.‬‬

‫طل لي�ست �أول من ُيعتقل لأنه كتب كلمة �أو قال حرفا ال‬
‫يتنا�سب و�أهواء البع�ض يف �سورية احلبيبة �أو الوطن العربي‬
‫العزيز ‪ ..‬ولكن ما يجعل ق�ضيتها خا�صة وخمتلفة عن غريها‬
‫�أم���ران‪� :‬أما الأول فهو التجر�ؤ على اعتقالها وهي الفتاة ذات‬
‫الثماني���ة ع�شر ربيعا‪� .‬أما الأمر الث���اين‪ ،‬فهو مقدار التغطية‬
‫الإعالمي���ة وردة الفعل ال�شعبية الت���ي حظيت بها ق�ضية طل‬
‫الحق���ا‪ ،‬وه���ي ال �ش���ك ردة فع���ل طبيعي���ة تتنا�س���ب م���ع فح�ش‬
‫احل���دث ولكنها �أي�ضا تظهر �ضيق ذرع ال�شرائح الوطنية على‬
‫اختالفه���ا حينها باملمار�سات القمعي���ة التي �أ�صبحت ال تفرق‬
‫ب�ي�ن �صغ�ي�ر وطاع���ن يف ال�سن‪ ،‬وب�ي�ن فتاة و�ش���اب‪ ،‬وال تخجل‬
‫حت���ى من ت�أليف م�سرحي���ات اتهامية على ن�سق �أفالم جيم�س‬
‫بون���د (ا ّتهم���ت ط���ل امللوح���ي – يف ت�سريب���ات نقله���ا الإع�ل�ام‬
‫املق���رب م���ن احلكوم���ة ‪ -‬بالتج�س����س حل�ساب دول���ة �أجنبية –‬
‫دون الإف�ص���اح ع���ن ا�س���م ه���ذه الدول���ة – يف حماول���ة اغتيال‬
‫م�س����ؤول �س���وري يف القاه���رة – مل يف�ص���ح ع���ن ا�س���م امل�س�ؤول‬
‫ومل ن�سم���ع بعملي���ة اغتي���ال يف القاهرة قط – وجم��� ّرد اتهام‬
‫�صبي���ة عمرها ‪ 18‬عاما ب�شيء كه���ذا يجعلنا ن�شعر بالقلق من‬
‫قيام نف�س العقلية هذه باحلفاظ على �أمن الوطن‪ ،‬واكت�شفنا‬
‫جميع���ا الآن كيف �أن �أمن الوطن ه���و �أمن ا�ستمرارية النظام‬
‫يف احلك���م)‪� .‬إن اعتق���ال ط���ل كان يه���دف �إىل اعتق���ال ر�أيه���ا‪،‬‬
‫واعتق���ال ر�أي كل من يحاول التج���ر�ؤ على �إبداء ر�أيه‪ ،‬خا�صة‬
‫الر�أي املبدع ال�شاب‪ ،‬وهو �أخوف ما يخاف منه النظام‪.‬‬
‫انته���ت ق�صت���ي ومل تنت ِه ق�ص���ة طل بعد‪ ،‬فم���ع كتابة هذه‬
‫ال�سط���ور ال ت���زال ط���ل خل���ف الق�ضب���ان‪ ،‬واهلل وح���ده الع���امل‬
‫مب���ا يخفي الق���در له���ذه الفتاة امل�سكين���ة‪� .‬أ�شعلت ط��� ّل �شمعة‬
‫احلري���ة‪ ،‬فكانت هي الكربيتة بالأم�س‪ ،‬و�شباب الثورة الوقود‬
‫الي���وم‪ ،‬لتن�ي�ر �سوري���ة �شعلة احلري���ة غدا‪ .‬قاله���ا ال�شابي ومل‬
‫يكذب‪:‬‬
‫�إذا ال�شعب يوما �أراد احلياة‬
‫فال بد �أن ي�ستجيب القدر‬
‫ ‬
‫فادي عرودكي‬

‫�ستارة �سوداء‬
‫�ست���ارة �س���وداء عل���ى العي���ون‪ ،‬رب���اط يثب���ت الذراعني خل���ف الظهر ‪،‬‬
‫طري���ق ال تع���رف وجهته ‪ ،‬تفتي�ش ي�ستبي���ح ج�سدك و كرامتك ‪..‬و ت�صل‬
‫�إىل قب���و رط���ب برائح���ة نتن���ة‪ ،‬لتعي����ش يف عتم���ة تفقد معه���ا الإح�سا�س‬
‫بالزمن ‪ ،‬حيث �أياد غريبة تنزل ر�أ�سك نحو الأر�ض كلما ارتفع ‪ ،‬وتتحدد‬
‫�أوق���ات ق�ض���اء حاجتك ح�س���ب رغبة �أحد احلرا����س ‪ ،‬و كلما نظر حار�س‬
‫�آخر من �شباك زنزانتك ال�صغري البائ�س عليك �أن تقف ا�ستعدادا ل�سيل‬
‫من الإهانات و ال�سباب و ال�شتائم ‪..‬‬
‫تن���ام جال�س���ا متك���ورا على �أر�ضي���ة القبو الرطب���ة يف �سيلول �ضيق ال‬
‫يت�سع لك‪ ،‬و حتاول منع �أذنيك من �سماع ال�صرخات و الآهات من غرف‬
‫التحقيق دون جدوى ‪ ،‬منتظرا اللحظة التي �ستجر �أنت �أي�ضا فيها �إىل‬
‫�إحداه���ا لتواج���ه عذابا ال يرقى خيالك �إىل مدى عنفه و ق�سوته‪ ..‬عنف‬
‫ال يبتغ���ي من���ك اعرتافا ‪ ،‬و �إمنا يفرغ يف ج�سدك و روحك غ�ضبا ‪ ،‬حقدا‬
‫و كرها و قد عجنوا بالدونية و املر�ض‪.‬‬
‫تفا�صي���ل حدثني بها �أحد معتقلي الثورة ال�سورية والذي اعتقل يف‬
‫بداياتها ‪ -‬منت�صف �شهر �آذار ‪، - 2011‬حيث بقي يف �أحد الفروع الأمنية‬
‫بدم�ش���ق مل���دة ما يق���ارب الثمانية ع�شرة يوما‪ .‬و عندم���ا �أفرج عنه كانت‬
‫قد فقد �أغ�شية الطبل يف �أذنيه ‪ ،‬و هو يعاين من ك�سور يف �أ�ضالع �صدره‬
‫‪ ،‬و ح���روق يف قدمي���ه ‪ ،‬و كدم���ات يف كل ج�س���ده ‪ .‬و الأه���م م���ن كل ذلك ‪،‬‬
‫كان���ت روحه تن���زف‪ ،‬و ذكريات �ستطارده �إىل الأبد يف �أحالمه و حلظات‬
‫�صمت���ه ‪� .. .‬صديق���ي مل يهت���م بال�سيا�س���ة يوم���ا قب���ل الربي���ع العربي‪ ،‬و‬
‫بالت���ايل مل يلتح���ق ب�أية حرك���ة �سيا�سية �أو منظمة �أو حزب ‪ ،‬هو مواطن‬
‫�سوري ي�سعى للكرامة و احلرية ‪.‬‬
‫يف مطلع عام ‪� 1959‬شنت ال�سلطات �آنذاك حملة مريعة على احلزب‬
‫فزج���ت ب�أع�ضائ���ه و�أ�صدقائ���ه يف ال�سج���ن وكان �أح���د قيادي‬
‫ال�شيوع���ي‪ّ ،‬‬
‫احلزب واحدا من �ضحايا تلك احلملة الظاملة‪ ،‬و �سجن ملدة عام و ن�صف‬
‫يف �سجن قلعة دم�شق الع�سكري ‪ ،‬ف�أورثته فرتة �سجنه الأمرا�ض و�أدمت‬
‫روح���ه املرح���ة‪ ،‬و قتلته بع���د ثمانية و ع�شرين عاما �إث���ر نوبة قلبية كان‬
‫التعذيب بالكهرباء �أحد �أهم �أ�سبابها ‪.‬‬
‫ال يجم���ع بني هذين املعتقلني �سوى جترب���ة االعتقال التي تتطابق‬
‫بتفا�صيله���ا و بطريق���ة مده�ش���ة عل���ى الرغ���م م���ن ال�سن���وات االثن�ي�ن‬
‫و اخلم�س�ي�ن الت���ي تف�ص���ل ب�ي�ن التجربت�ي�ن ‪ ،‬وم���ن اخت�ل�اف داف���ع كل‬
‫منهم���ا للتعب�ي�ر ع���ن ر�أيه‪ .‬و كذلك انتمائهم���ا �إىل وطن حكمته عقلية‬
‫ا�ستبدادية �أ�س�ست ‪ ،‬منذ زمن الوحدة و حتى الآن‪� ،‬آلية تفكري و �أ�سلوب‬
‫تعام���ل م���ع الر�أي الآخر ‪ .‬تلك العقلية الت���ي ت�ؤمن �أن العنف و القمع و‬
‫الإق�صاء هي الو�سائل الوحيدة الناجعة لال�ستمرار يف احلكم ‪،‬دون �أن‬
‫تفرق بني �سيا�سي حزبي و بني حمتج مدين ‪.‬‬
‫الزمن عند امل�ستبد ثابت ال يتحرك ‪ ،‬بينما يراكم راف�ضو اال�ستبداد‬
‫جتاربه���م ع�ب�ر الأي���ام و ال�شه���ور و ال�سن�ي�ن ‪ ،‬لي�ضيف كل منه���م لونا يف‬
‫لوح���ة احل���ق و احلرية و العدل‪ ،‬و التي مل يكن من املمكن ل�شباب ثورة‬
‫‪� 2011‬أن ي�ضيف���وا عليه���ا �ألوانه���م لوال جي���ل �آبائهم ال���ذي �أ�س�س للوحة‬
‫ال�سورية و ترك �ألوانا ت�ستحق منا جميعا االعرتاف و التقدير ‪.‬‬

‫االعتقال الأول – معتقل ر�أي‬
‫االعتقال التع�سفي الذي تعر�ضت له مع جمموعة من ال�شباب و‬
‫ال�شابات خالل مظاهرة كان �أوىل جتاربي مع النظام‪ .‬جتربة فريدة‬
‫كان���ت بدايته���ا يف �إحدى �ساحات دم�شق القدمية ‪ ،‬حتت �أعني ال�سكان‬
‫و خالل هتافاتهم ( �أبو حافظ ‪� ...‬أبو حافظ ‪ )..‬حيث ال هتاف با�سم‬
‫الوطن ‪.‬‬
‫بع���د انتظ���ار لنح���و �أرب���ع �ساع���ات حول���ت خالله���ا ال�شاب���ات �إىل‬
‫�سج���ن خا����ص بالن�ساء( �سج���ن كفر�سو�سة ) ‪ ،‬يجل�سون���ك على كر�سي‬
‫�أم���ام املحق���ق و تنهال علي���ك الأ�سئلة ‪ ،‬ثم توقع عل���ى �ضبط ال يحوي‬
‫كامل الق�صة احلقيقية (و ما باليد حيلة ) ‪ ..‬و اجلرم ‪ :‬خرق قانون‬
‫التظاهر ( ال�سلمي )‪.‬‬
‫و�ضع���ت الأ�صف���اد يف �أيدينا و نقلنا �إىل فرع �آخر للأمن ‪،‬و مررنا‬
‫ب�أ�س���و�أ مرحل���ة م���ن التجرب���ة و ه���ي التفتي����ش حي���ث تخل���ع ثيابك ‪،‬و‬
‫�أخ�ي�راً ‪ ...‬و�صلن���ا �إىل الزنزان���ة و ه���ي مهج���ع حت���ت الأر����ض بحوايل‬
‫ع�ش���رة �أمت���ار ‪ ،‬ال ترى ال�شم�س �أبداً ‪�،‬إ�ضاءته���ا خفيفة جداً ‪ ،‬ويف �أحد‬
‫جوانبه���ا �شب���ك م���ن احلدي���د ال�صل���ب و عدة بطاني���ات و�سخ���ة‪ ... .‬و‬
‫ت�ستقبل من �شاغلي املهجع بال�س�ؤال االعتيادي ‪� :‬شو اجلرم �شباب؟‬
‫ تظاهر‬‫اجتمع اجلميع حولنا‪:‬‬
‫ �أه�ل�ا و �سه�ل�ا‪ ...‬وين تظارهتو ؟ كيف الأو�ضاع برا؟ ‪ ,‬حكولنا‬‫�إىل جان���ب بع����ض املوقوف�ي�ن بته���م الن�ص���ب و االحتي���ال �أو القت���ل �أو‬
‫تروي���ج املخ���درات ‪ ،‬كان معظم املعتقلني م���ن املتظاهرين و امل�شاركني‬
‫يف ت�شيي���ع ال�شه���داء يف مناط���ق خمتلف���ة م���ن دم�ش���ق و ريفه���ا‪� ،‬صغار‬
‫و كبار‪،‬متزوج���ون و ع���زاب‪ ،‬م���ن �أع���راق و طوائف خمتلف���ة‪ .‬جميعهم‬
‫متعط�ش���ون ل�سم���اع �أخب���ار م���ا يح���دث يف اخلارج بعد ح���وايل خم�سة‬
‫ع�شر يوماً من احتجازهم‪.‬‬
‫مت�ض���ي ال�ساع���ات ‪ ،‬و اجلمي���ع يح���اول �أن يقتل الوق���ت بالنوم‪،‬و‬
‫ال�ت�رف الوحي���د املتاح لن���ا هو املاء الب���ارد الذي يقدم���ه ال�سجان عند‬
‫الطلب‪� ،‬أما وجبتي الطعام فت�ؤكالن باخلبز (حتى ال�شوربة �أو اللنب‬
‫املطبوخ)‪.‬‬
‫و ي�أتي التحقيق اجلماعي‪ ،‬و يطلب منك �أن تب�صم على �أقوالك‬
‫الت���ي ي�ضيف عليها املحق���ق بع�ض التفا�صيل ‪ :‬كالن���دم على امل�شاركة‬
‫يف املظاه���رة‪ ,‬و ع���دم الإدالء بوح�شي���ة الأم���ن و همجي���ة م���ن يعملون‬
‫ل�صاحله‪ ،‬و عدم ا�ستخدامهم لأي �أ�سلحة بي�ضاء‪ ...‬و ك�أنهم مالئكة‪.‬‬
‫و �أج�ب�رين املحقق بطريقة ( لبق���ة ) �أن �أ�ستخدم كلمة( الزعران‬
‫) ب���دال رجال الأم���ن ‪ .‬و مت ت�صويرنا ك�أي جمرمني ‪ ،‬و ب�صمنا بكامل‬
‫�أ�صابعن���ا و �أكفن���ا على ا�ستم���ارات عديدة باللون الأ�صف���ر و �أعطي لنا‬
‫�أرقما ( كرمال ما ي�ضيعونا )‪.‬‬
‫ع�شرة �أيام ق�ضيناها يف تلك الزنزانة ‪،‬نتبادل الأحاديث املختلفة‬
‫‪ ،‬فيحدثن���ا �أح���د �شب���اب منطق���ة املي���دان (م) ع���ن تعر�ض���ه و �أخوت���ه‬
‫ل�ضرب مربح بالع�صي ال�سوداء من قبل رجال الأمن ( جتمع حوايل‬
‫ع�شرة رجل �أمن على كل �شخ�ص) بحجة التواجد بالقرب من امليدان‬

‫�أثن���اء �صالة اجلمع���ة ‪ .‬و حدثنا �شباب من منطقة ( ركن الدين) عن‬
‫املظاه���رات و املداهمات و االعتق���االت و ال�ضرب و النهب و الرتويع ‪.‬‬
‫وامل�ضحك يف الأمر وجود بع�ض امل�ؤيدين بيننا و الذين احتجزوا على‬
‫�أ�سا�س وجود �أ�سماءهم يف تقارير �أمنية تدين خروجهم يف مظاهرات‬
‫�أو يف ت�شيي���ع �شه���داء و �ضحاي���ا م���ن املدني�ي�ن ‪ ،‬فينقل���ب ال�سح���ر على‬
‫ال�ساحر‪.‬‬
‫حالة العواينية و تقاريرهم التي ال ت�ستند لأي م�صداقية جعلت‬
‫املعتقل�ي�ن ينقم���ون عل���ى �أجهزة الأم���ن و رجاله���ا ‪ ،‬و ي�شعرون بغ�ضب‬
‫�شدي���د وك���ره جت���اه املخربي���ن الذي���ن ي�شاطرونه���م نف����س ال�سكن �أو‬
‫احلارة ‪..‬‬
‫�أحادي���ث عميق���ة دارت يف زنزانتن���ا ب�ي�ن ال�سوري�ي�ن الأك���راد و‬
‫غريهم حول التاريخ العربي و الكردي‪ ،‬و الرتاث‪ ،‬و العي�ش امل�شرتك‪،‬‬
‫و تبادل الثقافات‪ ،‬و التعاي�ش بني الأديان‪.‬‬
‫مل �أك���ن �أتخي���ل �أن مكان���اً كالزنزان���ة �سيكون من �أف�ض���ل الأماكن‬
‫لتب���ادل الأحادي���ث و الآراء بنج���اح باهر مل �أ�شه���ده يف االجتماعات �أو‬
‫امل�ؤمت���رات التنموي���ة التي كن���ت �أح�ضرها‪ .‬كان ال�ص���دق و روح التقبل‬
‫�أف�ضل ما ات�سمت به تلك اجلل�سات برفقة �صرا�صري �صغرية احلجم‬
‫ال ميك���ن �أجزم �إن كان���ت تعمل ل�صالح النظام �أو �أنها خاليا جت�س�س‪..‬‬
‫فكل �شيء ممكن يف هذه الأيام‪.‬‬
‫كنا بني �أربعة جدران و �سجان و روح وطنية مل �أمل�س لها مثيل من‬
‫قبل‪ ..‬كنا منثل ال�شارع ال�سوري بكل �أطيافه و �أعراقه و رغم اختالف‬
‫بع�ض الآراء حول الو�ضع و الأزمة ( كما ي�سمونها ) يف �سورية �إىل �أن‬
‫اجلميع �أن�صت للجميع دون �إكراه �أو �إحراج‪.‬‬
‫مل تك���ن وجهات نظرنا متقاربة فق���ط بل متطابقة حول �ضرورة‬
‫�إن�ش���اء دولة جديدة مدنية علماني���ة حتفظ للجميع حقوقهم املدنية‬
‫و الدينية ‪.‬‬
‫خ�ل�ال ع�ش���رة �أي���ام م���ن االحتج���از زارنا الكث�ي�ر م���ن ال�شباب من‬
‫بينهم ( ع ك ح ) وهو �شاب ح�سن املظهر و اخللق وكان تهمته التعامل‬
‫م���ع القاع���دة منذ خم����س �سنوات �أي قبل �أن يبلغ �س���ن الر�شد ‪ ،‬اعتقل‬
‫مل���دة �سنت�ي�ن دون �أن يع���رف �أهل���ه �أي���ة معلوم���ات عن���ه ‪ .‬و مب���ا �أنهم ال‬
‫ميلك���ون �أدل���ة تدينه مت حتويل���ه �إىل زنزانتنا لتجهي���ز �سيناريو �آخر‬
‫خلروج���ه بع���د �أن زار جمي���ع الأفرع الأمني���ة دون ا�ستثن���اء‪ .‬كان �شاباً‬
‫م�ؤمن���اً مل يقب���ل عل���ى ال�صالة دون �أن ي����ؤذن‪ ،،‬و �أي �ص���وت ذاك الذي‬
‫ميل���ك! ت���ردد �صوت���ه اجلمي���ل يف �أرج���اء الزنزان���ة فك�س���ر ظالمه���ا و‬
‫وح�شته���ا‪ .‬حف���ز هذا ال�شاب كل املعتقلني على ال�صالة جماعة يف كل‬
‫يوم ‪ ،‬و اعترب ذلك �إجناز يف ال�سجون ال�سورية ‪ .‬تقدم �أحدهم و قال‬
‫يل ‪ :‬لي����ش م���ا بت�صل���ي �صالتك ي���ا رجل؟ قوم �صلي �إن���ت كمان‪ .‬رغم‬
‫�أنني �أعترب نف�سي �شخ�صا منفتحا �إال �أن هذا الرجل �سبقني ب�أ�شواط‬
‫م���ن خ�ل�ال طرحه ذاك ‪ ..‬و طبع���اً �أجبته ب�أن���ه ال م�شكلة لدي و كنت‬
‫بالفع���ل يومي���اً �أ�صل���ي بقلبي له����ؤالء ال�شجعان‪ ..‬فلق���د كانت حالتي‬
‫�أب�سط حالة بني اجلميع ‪.‬‬
‫االنتظار يطول ‪ ...‬و الدقائق متر و ك�أنها �ساعات‪ ...‬و �أنت مذنب‬
‫حت���ى و ل���و مل تتم �إدانت���ك ‪،‬و �ستبقى حتت رحمتهم حتى تعرتف مبا‬

‫يري���دون ‪ ،‬و �أحيان���ا يكفي �أن ينظر �أحدهم �إىل هيئتك ليحدد التهم‬
‫التي تليق بك ‪ .‬و مينع عنك االت�صال ب�أهلك �أو ا�ستدعاء حمام �أثناء‬
‫توقيفك �أو التحقيق معك‪ ...‬و هذا مما يحدث فقط يف �سورية‪.‬‬
‫يف ليلة اليوم اخلام�س قررنا �أنا و رفيقي الإ�ضراب عن الطعام و‬
‫عن اجللو�س على الأر�ض ‪ ،‬و فور ا�ستيقاظنا �أخربنا ال�سجان بذلك و‬
‫�أننا �سنبقى واقفني حتى يعجلوا بخروجنا �أو يقابلنا �أحد امل�س�ؤوليني‬
‫�أو املحقق�ي�ن ‪ .‬مل يت�شج���ع باق���ي املعتقل�ي�ن للأم���ر فل���م يتوقع���وا �أي‬
‫فائ���دة من���ه ‪� ،‬إال �أن ا�ستمرارن���ا حت���ى �صب���اح الي���وم الت���ايل كان له �أثر‬
‫طي���ب ‪ .‬فقل���د ن���زل �إلينا عمي���د الفرع ليقابلن���ا و كان���ت الده�شة على‬
‫وج���وه املعتقل�ي�ن كبرية ‪ .‬و حتدثن���ا عن الو�ضع ال�س���يء للمكان الذي‬
‫ال ي�صل���ح لال�ستخ���دام الب�ش���ري ‪،‬و كانت حجة العمي���د �أن املكان غري‬
‫جمهز منذ عام ‪ 1982‬و هل يا ترى وجود �صابون �أو فر�شاة �أ�سنان �أو‬
‫�سل���ة مهمالت �أو حمارم �أو ‪ .....‬من اال�ستخدامات ال�شخ�صية للب�شر‬
‫حتت���اج لبناء حديث �أو للتجدي���د!!! ‪ ,‬و�أ�صر املعتقلون على مطالبهم‬
‫و احتجاجه���م عل���ى اعتقاله���م التع�سف���ي فتج���اوب العمي���د لبع����ض‬
‫احلاالت و �أمر �أحدهم بتلبية مطالبنا و بعد �ساعة �أتوا لنا ب�صابونة‬
‫!!!!!‬
‫�إ�صرارن���ا عل���ى الإ�ض���راب �شج���ع �أك�ث�ر م���ن ع�شري���ن �شخ�ص���ا‬
‫باالن�ضم���ام �إلين���ا ‪ .‬و يف م�ساء اليوم الت���ايل ح�ضر �أحد املحققني من‬
‫الفرع ال�سيا�سي و �أخربنا �أن الإ�ضراب عن الطعام جرم �أكرب من جرم‬
‫التظاهر و عليه ف�إنه ي�ستطيع توجيه تهمة �أخرى لنا ‪ ،‬و احتجازنا يف‬
‫منفردات بحجة التمرد‪.‬‬
‫و هن���ا تدخ���ل باقي املعتقلني و احتجوا على عدم حتويلنا جميعا‬
‫�إىل الق�صر العديل و لكن املحقق �أجاب‪ :‬يا �شباب يف ر�ؤ�ساء �إلنا و هم‬
‫من يحددون موعد خروجكم �أو حتويلكم ‪.‬‬
‫و عرفن���ا �أن العنا�ص���ر و املحقق�ي�ن ال ح���ول له���م و ال ق���وة ‪ ،‬و �أن‬
‫�إ�ضرابن���ا �سي�ؤذيه���م ‪ ،‬و هن���ا تفاو�ضن���ا عل���ى �إيق���اف الإ�ض���راب �ش���رط‬
‫التعجي���ل بخروجن���ا‪ ,‬و ج���اء الع�ش���اء و ت�أك���د املحق���ق م���ن ف����ض حالة‬
‫الإ�ضراب ‪.‬‬
‫�أح���د �أه���م االجن���ازات الت���ي حققناه���ا �إىل جانب الإ�ض���راب كانت‬
‫توا�صلنا مع عنا�صر الفرع و ال�سجانني و �إقناعهم �أننا ل�سنا قتلة وال‬
‫�إرهابي�ي�ن‪ ،‬و ال نري���د ت�صفيته���م و �أخ���ذ �أماكنه���م ( كم���ا ي�صلهم من‬
‫ر�ؤ�سائه���م ) ‪ ،‬ب���ل نحن �أفراد �شعب و بلد واحد ‪ ،‬خرجنا للتظاهر من‬
‫�أج���ل الوطن متام���ا كما هم يعتقلوننا من �أج���ل الوطن( كما �أقنعهم‬
‫ر�ؤ�سائهم �أي�ضا ) ‪ ...‬فكلنا نريد م�صلحة الوطن ‪...‬‬
‫يف الي���وم التا�س���ع مت ا�ستدع���اء حوايل ثالث�ي�ن �شخ�صا من �أ�صل‬
‫ع���دد يتج���اوز املائ���ة لإخبارنا �أنن���ا �سنذهب �إىل الق�ص���ر العديل غدا ‪،‬‬
‫و مت تب�صيمن���ا عل���ى ورق���ة اخل���روج م���ع الت�أكي���د عل���ى موافقتنا على‬
‫�أقوالنا دون �أي �إكراه �أو �ضغط ‪.‬‬
‫و يف الي���وم العا�ش���ر ج���اء الف���رج �أخ�ي�راً ‪ ..‬و خرجن���ا م���ن الق�ص���ر‬
‫الع���ديل م���ع حكم الرباءة!!!! و اجتمع �أكرث من �سبعة ع�شر �شخ�صاً‬
‫ح���ول طاول���ة واح���دة يف �أح���د مقاه���ي دم�ش���ق ‪ ،‬ليحت�س���ون القه���وة و‬
‫ال�شاي‪ ،‬و ليتحدثون بحرية و دون خوف بل وب�إ�صرار �أكرب‪.‬‬

‫ملحة عن تاري‪ ï‬االعتقال ال�سيا�سي‬
‫يف �سوريا‬

‫�س�هادات معتقلي‬
‫الراأي قبل‬
‫‪15‬اآذار ‪2011‬‬

‫ارتب ــط االعتق ــال ال�سيا�س ــي يف �سوري ــا امل�ستقل ــة باأنظم ــة احل ــزب‬
‫الواحد‪ .‬فاأول موجة كبرية ن�سبيا من االعتقال والتعذيب جرت يف عهد‬
‫الوح ــدة ب ــني �سوريا وم�س ــر ‪ 1961-1958‬برئا�سة جم ــال عبد النا�سر‪،‬‬
‫وكان �سحاياها من ال�سيوعيني اأ�سا�سا؛ واملوجة الكبرية الثانية وقعت‬
‫يف العه ــد البعث ــي بع ــد �سهور اأربعة من االنقالب البعث ــي االأول يف اآذار‬
‫‪ .1963‬يف ه ــذه املوجة فتك البعثيون بحلفائهم النا�سريون‪ ،‬فاأعدموا‬
‫الع�س ــرات منه ــم و�سجن ــوا املئات‪ .‬وبلغ به ــم االأمر اأن حول ــوا التعذيب‬
‫اإىل متع ــة(‪ .)2‬ويف العه ــد البعثي الث ــاين‪ ،1970-1966 ،‬اعتقل بعثيون‬
‫موال ــون للعهد االأول ونا�سريون و�سيوعيون وغريهم‪ .‬وحني ا�ستوىل‬
‫الرئي� ــص حاف ــظ االأ�س ــد على احلك ــم يف �سوري ــا بانق ــالب ع�سكري عام‬
‫‪ ،1970‬د�س ــن عه ــده مبوجة اعتق ــاالت جديدة‪ ،‬طالت رفاق ــه البعثيني‬
‫الذي ــن انقل ــب عليه ــم‪ .‬بعد ذلك واأثن ــاءه‪ ،‬كانت تقع اعتق ــاالت‪ُ ،‬يح َّول‬
‫ح�ساده ــا اإىل حماك ــم ا�ستثنائي ــة مثل حمكم ــة اأمن الدول ــة العليا يف‬
‫دم�س ــق اأو حماك ــم ميدانية‪ ،‬حتى لو مل يكن املعتقلون ع�سكريني‪ .‬على‬
‫اأن االعتق ــال ال�سيا�سي مل مي� ــص ق�سية عامة ووطنية يف �سورية اإال يف‬
‫مطلع ثمانينات القرن الع�سرين‪ ،‬حني بلغ عدد املعتقلني الأول مرة يف‬
‫تاري ــخ الب ــالد االألوف‪ ،‬وناف عل ــى الع�س ــرة اآالف‪ ،‬والأن املعتقلني كانوا‬
‫م ــن خلفيات �سيا�سي ــة واإيديولوجية متنوع ــة‪ :‬اإ�سالميني‪� ،‬سيوعيني‪،‬‬
‫بعثيني موالني للحكم البعثي العراقي املناف�ص‪ ،‬ومن عامة املواطنني‪،‬‬
‫مم ــن �س ــاء حظه ــم املنك ــود اأن ي�س ــي به ــم اأح ــد املخربين ال ــذي جتاوز‬
‫عدده ــم يف عقد الثمانينات ع ــدد املعتقلني ال�سيا�سيني اأ�سعافا‪ .‬كذلك‬
‫الأن ال�س ــيء الروتين ــي وقت ــذاك كان تعذيب ال�سجن ــاء وعدم تقدميهم‬
‫ملحاكم ــة لوق ــت طويل‪ .‬ويعتقد اأن األوفا م ــن معتقلي االإ�سالميني قد‬
‫اأعدم ــوا يف �سج ــن تدمر ال ــذي كان التعذي ــب يوميا فيها حت ــى اأواخر‬
‫ت�سعينات القرن الع�سرين(‪ .)3‬وتتحدث منظمات حلقوق االإن�سان عن‬
‫ح ــوايل ‪ 15‬األفا اأعدموا هناك‪ ،‬وجلهم م ــن االإ�سالميني‪ .‬ويتعمد اأحد‬
‫م�س ــادري‪ ،‬وق ــد كان معتق ــال يف �سج ــن تدمر ه ــو ذات ــه‪ ،‬االإدالء باأرقام‬
‫متحفظ ــة‪ 15 :‬األف �سجين ــا اإ�سالميا‪ ،‬قتل منهم يف �سجن تدمر ‪.6000‬‬
‫وهو يلح ب�سدة على اأن تقديراته هذه متحفظة جدا‪.‬‬
‫لك ــن م�س ــدرا اآخر يق ــول اإن عدد م ــن اأفرج عنهم ح ــوايل ‪ 6‬اآالف‪،‬‬
‫وه ــو رق ــم م�سبوط تقريبا‪ .‬ويقدر اأن عدد م ــن اأعدموا ال يقل‪ ،‬تاليا‪،‬‬
‫عن ‪ 10‬اآالف‪ .‬وين�سب اإىل م�سدر ثالث‪ ،‬و�سف باأنه "مهوو�ص باالأرقام‬
‫ويتمتع بذاكرة خارقة"‪ ،‬عدد من اأعدموا بـ‪ 15‬األفا(‪.)4‬‬
‫كان االعتق ــال ال�سيا�س ــي جزءا اأ�سا�سيا م ــن حملة ترويعية‪ ،‬قادتها‬
‫اأجه ــزة اأمنية وميلي�سياوية‪ ،‬هدف ــت اإىل �سحق اأي حتد لنظام الرئي�ص‬
‫حافظ االأ�سد الذي قاومه االإ�سالميون بال�سالح‪ ،‬والي�ساريون بالكالم‬
‫والتعبئ ــة �س ــده‪ .‬م ــن عنا�س ــر احلمل ــة تل ــك اأي�س ــا اأك ــرث م ــن جمزرة‬
‫�سغ ــرية اأو كب ــرية ج ــرت يف حل ــب ومناطقه ــا‪ ،‬ومناطق اإدل ــب‪ ،‬و�سجن‬
‫تدم ــر (قت ــل ّ‬
‫ر�سـ ـاً يف مهاجعه ــم قراب ــة ‪ 1000‬معتقل اإ�سالم ــي يوم ‪26‬‬

‫حزي ــران ‪ ،1980‬اإث ــر حماول ــة اغتي ــال فا�سلة للرئي�ص حاف ــظ االأ�سد)‪،‬‬
‫وذروتها مذبحة مدينة حماة التي يعتقد اأن ما بني ‪ 10‬و‪ 30‬األف قتلوا‬
‫فيه ــا اإثر مترد اإ�سالميني حمليني يف �سباط ‪ .1982‬من وجوه احلملة‬
‫تل ــك اأي�س ــا احت ــالل كثي ــف لعنا�س ــر اأمني ــة وع�سكري ــة وميلي�سياوي ــة‬
‫لل�س ــوارع واجلامع ــات‪ ،‬وح�سوره ــم الب ــارز يف احلي ــاة اليومي ــة لعموم‬
‫النا� ــص‪ ،‬وانت�سار الو�ساية و"كتابة التقاري ــر"‪ ،‬واال�ستدعاءات االأمنية‪،‬‬
‫واالعت ــداء عل ــى ال�سابلة يف ال�سوارع لرتهيبه ــم ونزع فكرة امل�ساركة يف‬
‫ال�سـ ـاأن الع ــام من اأذهانه ــم‪ .‬نتيجة احلملة تلك كان ــت ا�ستيالء بالقوة‬
‫عل ــى املجتم ــع‪ ،‬بع ــد اأن كان انق ــالب ع ــام ‪� 1970‬سم ــن لنظ ــام االأ�س ــد‬
‫ا�ستي ــالء بالق ــوة عل ــى ال�سلط ــة‪ .‬وقد غ ــرزت احلملة يف ج�س ــم النظام‬
‫ع ــداء �ساري ــا لكل اأ�سكال االنتظام االجتماع ــي امل�ستقل‪ .‬وبنتيجتها مل‬
‫يعد يف �سوريا اأحزاب �سيا�سية اأو جمعيات اأو اأن�سطة ثقافية اأو طالبية‪،‬‬
‫ع ــدا الداجن منه ــا (اجلبهة الوطنية التقدمي ــة‪ .)..‬وتدنت نوعية ما‬
‫هو موجود لغياب املناف�سة ودافع تطوير الذات‪.‬‬
‫يف اأواخر الثمانينات كان املجتمع ال�سوري قد اأنهك متاما‪ .‬فبفعل‬
‫حم ــالت اعتق ــال ا�ستنزافي ــة دام ــت طوال العق ــد‪ ،‬واالخ ــرتاق االأمني‬
‫العمي ــق واخل�سن للمجتمع‪ ،‬واأزمة اقت�سادي ــة حادة يف الن�سف الثاين‬
‫من العقد‪ ،‬اأخذ املجتمع ال�سوري يب�سط اأطرافه االأربعة م�ست�سلما‪ ،‬بعد‬
‫اأن كان تك ّور على نف�سه دفاعا لبع�ص الوقت يف مطلع الثمانينات‪.‬‬
‫كان عق ــد الت�سعينات عقدا مريحا للنظام على ال�سعيد الداخلي‪.‬‬
‫و�سه ــد اآخ ــر ع ــام ‪ 1991‬اأول اإف ــراج مه ــم ع ــن معتقل ــني اإ�سالمي ــني‬
‫و�سيوعيني‪ .‬قالت اجلهات الر�سمية وقتها اإن ‪ 2865‬قد اأفرج عنهم‪ ،‬لكن‬
‫ال �سبي ــل اإىل التحق ــق م ــن �سحة هذه املعلومة‪ .‬فق ــد داأبت جمموعات‬
‫حق ــوق االإن�س ــان الت ــي تكون ــت يف ال�سن ــوات االأخرية عل ــى الت�سكيك يف‬
‫�سحة االأرقام التي تعلنها ال�سلطات‪ ،‬علما اأن هذه ال ترفق اأبدا بقوائم‬
‫ا�سمي ــة ملن تق ــرر االإفراج عنهم‪ .‬ويف ربيع ‪ ،1992‬حول ‪� 600‬سخ�ص اإىل‬
‫حمكم ــة امن الدولة العليا بدم�س ــق‪ ،‬وكان بينهم كاتب هذه ال�سطور‪.‬‬
‫كان ق ــد انق�س ــى ‪ 11‬عاما واأربعة اأ�سهر على اعتقايل قبل اأن اأحال على‬
‫املحكم ــة‪ ،‬واته ــم بـ"مناه�سة اأهداف الث ــورة" (االنقالب البعثي االأول‬
‫يف ‪ )1963‬و"االنت�س ــاب جلمعي ــة �سرية بهدف قل ــب نظام احلكم"‪ .‬كان‬
‫املحال ــون للمحكم ــة ينتمون اإىل تنظيمني �سيوعيني‪ ،‬واإىل جناح حزب‬
‫البع ــث املوايل للحكم العراقي‪ ،‬وعدد �سغري منهم اإىل تنظيم نا�سري‬
‫وتنظي ــم بعث ــي حافظ على والئه للعه ــد البعثي الث ــاين ‪.1970-1966‬‬
‫ومل تكن ثمة قاعدة وا�سحة الإ�سدار االأحكام‪ ،‬وال �سمانة باالإفراج عن‬
‫املعتقلني بعد اإنهاء اأحكامهم‪ .‬فقد ق�سيت عاما اإ�سافيا فوق ال�سنوات‬
‫اخلم�س ــة ع�سر الت ــي حكمتني بها حمكمة اأمن الدولة العليا‪ ،‬بل نقلت‬
‫اإىل �سج ــن تدم ــر الفظيع مع ثالثني اآخرين تراوحت اأحكامهم بني ‪8‬‬
‫و‪ 15‬عام ــا‪ .‬وكان منه ــم من اأمتوا‪ ،‬حتى نفينا اإىل تدمر‪ ،‬ما بني ‪ 6‬و‪14‬‬
‫عاما‪.‬‬
‫كان الن�س ــف الثاين م ــن الت�سعينات وحتى عام ‪ 2005‬زمن االإفراج‬
‫عم ــن بق ــي من ال�سجن ــاء‪ ،‬اأي عمن مل ميت ومل يفرج عن ــه عام ‪.1991‬‬
‫على اأن االإفراج عن املعتقلني ال�سيا�سيني مل يعن يف اأي يوم من االأيام‬
‫االإفراج عن ال�سيا�سة‪ .‬لقد خرج ال�سجناء اإىل جمتمع مذعور ومنكفئ‬

‫على نف�سه‪� ،‬إىل حياة �سيا�سية غائبة‪ .‬وكانت �أحزابهم قد �أبيدت �سيا�سيا‬
‫بالكامل‪� ،‬أو حافظت‪ ،‬مب�شقة بالغة‪ ،‬على ا�ستمرار رمزي طفيف‪.‬‬
‫عن التحقيق وال�سجن‬
‫يق���دم املعتق���ل �إىل التحقي���ق ف���ور توقيف���ه‪ .‬التعذي���ب روتين���ي‬
‫ج���دا النت���زاع املعلوم���ات من���ه‪ .‬ويتف���اوت التعذي���ب ح�س���ب التنظي���م‪:‬‬
‫الإ�سالمي���ون �أ�ش���د من ال�شيوعي�ي�ن؛ وح�سب �أهمي���ة ال�شخ�ص املعتقل‬
‫واملعلوم���ات املهم���ة الت���ي يفرت����ض �أن���ه يحوزه���ا‪ .‬عل���ى العم���وم‪ ،‬كان‬
‫تعذي���ب ال�شيوعيني "هادفا"‪ ،‬يتوق���ف �إذا مت احل�صول على املعلومات‪،‬‬
‫�أو ا�ستط���اع املع��� َّذب �إقن���اع جالديه ب�أنه ال يح���وز معلومات‪ .‬فيما هناك‬
‫عن�ص���ر انتقام���ي قوي يف تعذيب الإ�سالميني‪ .‬قت���ل بع�ض ال�شيوعيني‬
‫حتت التعذيب‪ ،‬لكن الراجح �أن قتلهم مل يكن �سيا�سة معتمدة من قبل‬
‫�أجهزة الأمن‪ ،‬فيما كان القتل م�ألوفا �أثناء التحقيق مع الإ�سالميني‪.‬‬
‫يف احلالني‪ ،‬يتمتع اجلالدون ور�ؤ�سا�ؤهم بح�صانة مطلقة‪ ،‬متنع عنهم‬
‫�أية م�ساءلة على ما يقرتفونه �أثناء التحقيق‪.‬‬
‫بع���د ف�ت�رة تط���ول �أو تق�ص���ر‪ ،‬بني �أي���ام و�أ�سابي���ع �أو �شه���ور‪ ،‬ينتهي‬
‫التحقي���ق وينقل املعتقلون �إىل ال�سج���ن‪ ،‬لكن ميكن لبع�ضهم �أن يبقوا‬
‫�شه���ورا �أو �سن���وات يف ف���روع الأمن‪ ،‬دون �أن يكون هن���ا �أي�ضا ثمة قاعدة‬
‫مطردة لتف�سري بقائهم‪.‬‬
‫تتف���اوت �ش���روط احلي���اة يف ال�سج���ون ال�سوري���ة‪ .‬يف �سج���ن حل���ب‬
‫املركزي (امل�سلمية) الذي ق�ضيت فيه احد ع�شر عاما و�أربعة �أ�شهر‪ ،‬كنا‪،‬‬
‫لبع�ض الوقت‪� 26 ،‬شخ�صا‪� ،‬شيوعيا‪ ،‬يف مهجع (ي�سمى �أي�ضا‪ :‬قاوو�ش)‬
‫م�صم���م �أ�ص�ل�ا ل�سبعة‪ .‬بعد �شهور‪ ،‬يف ني�س���ان ‪ُ 1980‬ر ّحل الإ�سالميون‪،‬‬
‫وكان���وا �أك�ث�ر من �أربع���ة �أ�ضعافنا ع���ددا يف جناح ال�سيا�سي�ي�ن امل�شرتك‬
‫بينن���ا يف ال�سج���ن ذاك‪ ،‬رحلوا �إىل �سجن تدم���ر‪ ،‬فتوزعنا �إىل مهجعني‬
‫منا�صفة‪.‬‬
‫وط���وال عامني وخم�س���ة �أ�شهر مل يكن م�سموح���ا لنا باخلروج �إىل‬
‫باح���ة ال�سج���ن‪ .‬بعده���ا �صرن���ا "نتن ّف����س" ملدة �ساع���ة �أو �ساع���ة ون�صف‬
‫يومي���ا‪ .‬لك���ن الزي���ارات كان���ت متاح���ة �أ�سبوعي���ا ل���كل �سج�ي�ن بعد وقت‬
‫ق�ص�ي�ر م���ن حتويل���ه �إىل ال�سج���ن‪ ،‬مدته���ا ع�ش���ر دقائ���ق‪ ،‬ويف�صل بني‬
‫ال�سج�ي�ن وزواره (قراب���ة الدرج���ة الأوىل ح�ص���را) �شب���كان حديدي���ان‬
‫بينهم���ا م�ساف���ة ‪� 80‬سنتمرتا‪ .‬قطع���ت الزيارة الأ�سبوعي���ة ملدة �شهر يف‬
‫�شب���اط ‪� 1982‬أثن���اء مذبح���ة حماة‪ ،‬و�صارت كل �أ�سبوع�ي�ن يف بداية عام‬
‫‪ ،1985‬ثم كل �شهر مرة بعده ب�شهور قليلة‪ ،‬وقطعت ملدة ع�شرين �شهرا‬
‫ب�ي�ن عامي ‪ 1988‬و‪ .1989‬وع���ادت كل �شهر بعدها‪ .‬يف �سجن عدرا الذي‬
‫�أحي���ل �إلي���ه معتقل���و جه���از الأمن ال�سيا�س���ي ممن مل يف���رج عنهم �آخر‬
‫ع���ام ‪ 1991‬من �أجل �أن يحاكموا �أمام حمكمة �أمن الدولة العليا‪ ،‬كانت‬
‫الزي���ارة مرت�ي�ن يف ال�شه���ر‪ .‬لك���ن رئي�س املحكم���ة فايز الن���وري قطعها‬
‫عل���ى جمموعتنا‪ 10 ،‬م���ن �أع�ضاء احلزب ال�شيوع���ي ‪ -‬املكتب ال�سيا�سي‬
‫مل���دة ثالثة �أ�شهر‪ ،‬لأننا‪ ،‬فيما يبدو‪ ،‬كن���ا "طوال الأل�سنة" �أثناء �إحدى‬
‫جل�سات حماكمتنا‪.‬‬
‫بع���د عام ون�ص���ف من اعتقالنا‪ ،‬يف �صي���ف ‪� ،1982‬سمح لنا يف �سجن‬
‫حل���ب املركزي (امل�سلمية) ب�إدخال الكت���ب واملعاجم‪ .‬ثم توقف الإدخال‬
‫بع���د �شهري���ن لكن مل ت�سح���ب الكتب املوجودة بحوزتن���ا‪ .‬وقد ا�ستفدنا‬

‫م���ن الف�ساد وم���ن املح�سوبيات مل�ضاعف���ة غلتنا من الكت���ب‪ ،‬ما اقت�ضى‬
‫منا بالطبع الإ�سهام يف �شبكة الف�ساد كلية الإحاطة‪.‬‬
‫كن���ا متفاوت���ي الأعم���ار والت�أهي���ل العلم���ي وم�ست���وى احلي���اة‪5 .‬‬
‫متزوج���ون م���ن ‪� 26‬سجين���ا‪ .‬الباق���ون ط�ل�اب جامعي���ون‪ ،‬واثنان فقط‬
‫جتاوزا الثالثني دون زواج‪ .‬معظمنا من ال�شريحة الدنيا من الطبقة‬
‫الو�سط���ى‪� ،‬صغ���ار الربجوازية ح�سب مارك����س‪ ،‬وبيننا خم�سة موظفني‬
‫وعامل واحد وخريج جامعي واحد‪ ،‬والباقون طلبة‪.‬‬
‫اذك���ر ه���ذه املعلوم���ات لأنه���ا تعط���ي فك���رة ع���ن كتل���ة املعتقل�ي�ن‬
‫ال�سيا�سي�ي�ن ال�سوريني الإجمالية‪ .‬املعتقلون الإ�سالميون يف معظمهم‬
‫مل يحظوا‪ ،‬ولو بزيارة واحدة‪ ،‬خالل ‪ 15‬عاما و�أكرث‪ .‬بع�ضهم مل يعلم‬
‫�أهلوه���م �إن كان���وا �أحياء �أو �أم���وات حتى اليوم‪� ،‬أو حت���ى حلظة الإفراج‬
‫عنه���م بع���د ‪� 15‬أو ع�شري���ن عام���ا‪ .‬وه���م ينتم���ون عموم���ا �إىل �شريح���ة‬
‫اجتماعية �أعلى قليال‪� ،‬سن الزواج لديهم �أدنى‪ ،‬وتاليا ن�سبة املتزوجني‬
‫�أعل���ى‪ .‬لك���ن ال�شريح���ة ال�شبابية عالي���ة يف �أو�ساطهم �أي�ض���ا‪ ،‬بل و�أعلى‬
‫م���ن غريه���م‪ .‬مل يكن ثم���ة من اعتقل���وا �أحداثا دون الثامن���ة ع�شر �إال‬
‫يف �صف���وف الإ�سالمي�ي�ن (هن���اك دوم���ا ا�ستثن���اءات)‪ .‬واملقاتل���ون م���ن‬
‫�أو�ساطهم كانوا �شبابا بالكامل تقريبا‪.‬‬
‫ه���ذه كله���ا معلوم���ات تقديري���ة‪ ،‬مبنية عل���ى املالحظ���ة والتجربة‬
‫احلية‪ ،‬لأنه ال تتوفر حتى اللحظة درا�سات موثقة‪.‬‬
‫بع���د حتويله���م �إىل �سج���ن تدم���ر‪� ،‬أحي���ل الإ�سالمي���ون والبعثيون‬
‫املوال���ون للعراق �إىل حماكم ميدانية حكمت كثريين من الإ�سالميني‬
‫بالإع���دام‪� ،‬أو مب���دد متفاوت���ة قد ت�ص���ل �إال احلب�س امل�ؤب���د‪ .‬كان املعتقل‬
‫ين���ال احلك���م بعد جل�سة �أو اثنتني‪ ،‬ب���ل كان يبلغ احلكم دون �أن يح�ضر‬
‫�أي���ة جل�سة �أحيان���ا(‪ .)5‬لكن مل يكن لأحكام املحاك���م قيمة‪ ،‬لأنه ميكن‬
‫�أن يحكم املرء خم�س �سنوات‪ ،‬ويق�ضي ع�شرا �أو حتى ع�شرين عاما(‪.)6‬‬
‫هذا �إن مل ميت يف ظروف �سجن تدمر الوح�شية‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1988‬جلب من تدمر �إىل �سجن �صيدنايا‪ ،‬الذي كان افتتح‬
‫حديث���ا وقته���ا‪ ،‬كل من �أمت���وا �أحكامهم‪ .‬بع�ضه���م كان �أنهى حكمه منذ‬
‫عام�ي�ن مثل م‪ .‬ب الذي �سنتحدث عنه الحقا‪ .‬و�سيفرج عنهم ع�شوائيا‬
‫بدءا من نهاية عام ‪� ،1991‬أي بعد �أن كان بع�ضهم �أنهى حكمه ب�سنوات‪.‬‬
‫بع�ض "املحكومني بالرباءة" ق�ضوا ‪� 13‬أو ‪ 14‬عاما‪.‬‬
‫ال�سجناء الي�ساريون ظلوا موقوفني "عرفيا"‪� ،‬أي ال يعرفون متى‬
‫يف���رج عنه���م‪ ،‬بل ال يعلمون �شيئا عن م�صريه���م املحتمل‪� .‬إن جتريدنا‬
‫ط���وال �سن�ي�ن‪ 11 ،‬عام���ا و�أربع���ة �أ�شهر يف حالت���ي ال�شخ�صي���ة وع�شرات‬
‫غ�ي�ري‪ ،‬م���ن احل���ق يف معرف���ة امل�ص�ي�ر‪ ،‬كان يعن���ي عملي���ا �أنن���ا رهائن‪،‬‬
‫م�صرينا حتدده تقلبات �أحوال و�أمزجة "خمتطفينا" الر�سميني‪.‬‬
‫كان���ت �أجه���زة الأم���ن تبل���غ الأه���ايل �أن �أبناءه���م م�س�ؤول���ون ع���ن‬
‫بقائه���م يف احلب����س‪ ،‬لأنه���م عني���دون �أو "ياب�س���و الر�ؤو����س"‪ ،‬م���ا يعن���ي‬
‫�أنه���م يرف�ض���ون "التعاون" مع الأجهزة واالن�ضم���ام �إىل جي�ش الو�شاة‬
‫الإجب���اري والتطوع���ي ال���ذي ل ّغ���م املجتم���ع ال�س���وري يف الثمانين���ات‪،‬‬
‫وبدرج���ة �أدنى فيما بعد حت���ى اليوم‪ .‬وغالبا ما كان الأهايل‪ ،‬الزوجات‬
‫بخا�ص���ة‪ ،‬ميار�سون �ضغطا على الأبناء والأزواج للتعاون واخلروج من‬
‫ال�سجن‪ ،‬ما يجعل حياة ال�سجني �أحيانا بالغة الع�سر‪.‬‬

‫حتى �أوا�سط الت�سعينات كان املعتقل ال�سيا�سي يخرج �أما بـ"وا�سطة"‬
‫قوي���ة ج���دا‪ ،‬وهذا ينطبق على عدد قليل منهم‪� ،‬أو بعد م�ساومة قا�سية‬
‫تفر����ض علي���ه �أن ينقلب على نف�س���ه‪ ،‬ويتعاون مع �أجه���زة الأمن‪ ،‬حتى‬
‫بع���د �أن يك���ون ق���د ن���ال عقاب���ه "الع���ادل" املفرت����ض‪ .‬بع���د الإحالة �إىل‬
‫حمكمة �أمن الدولة تغري الأمر‪ ،‬لكن بحدود فقط‪ .‬خرج البع�ض دون‬
‫م�ساوم���ات‪ ،‬لك���ن بعد حتذير‪ ،‬و�أخ�ض���ع �آخرون مل�ساوم���ة‪ ،‬ومنهم كاتب‬
‫ه���ذه ال�سطور‪ .‬بع���د عام ‪ ،2000‬مل يعد املعتقلون الي�ساريون يخ�ضعون‬
‫مل�ساومات‪� .‬أما الإ�سالميون واملوالون للبعث العراقي فقد كانوا طوال‬
‫الوق���ت‪ ،‬وحت���ى الي���وم‪ ،‬يج�ب�رون على توقي���ع "عقود �إذع���ان"‪ ،‬ت�ضعهم‬
‫حتت رحمة �أجهزة �أمنية ال ترحم‪.‬‬
‫�أخ���ذ الثل���ج يذوب ببطء �شدي���د عن احلياة ال�سيا�سي���ة ال�سورية يف‬
‫الن�ص���ف الثاين م���ن الت�سعينات‪ ،‬وبالأخ�ص بعد عام ‪ 1998‬الذي تفاقم‬
‫في���ه مر�ض حاف���ظ الأ�سد و�شه���د الإفراج عن ريا�ض ال�ت�رك (املعتقل‬
‫الوحي���د ال���ذي مل يقدم �إىل حمكم���ة‪ ،‬والذي كان يو�ص���ف ب�أنه �سجني‬
‫حل�ساب الق�صر اجلمهوري)‪ ،‬وبدرجة �أكرب بعد �سنة ‪ 2000‬حني ق�ضى‬
‫الرج���ل ال���ذي حكم البالد ‪ 30‬عاما‪ .‬هذا يعني �أن عددا كبريا املعتقلني‬
‫ال�سيا�سيني ال�سوريني خرجوا من �سجونهم �إىل جمتمع يحكمه النظام‬
‫نف�سه‪ ،‬وقد جعل منه بالفعل �سجنا كبريا‪ .‬خرجوا �إىل جمتمع خائف‬
‫و"متحج���ب"‪ ،‬وال ت���زال حتكمه الأجهزة ذاتها الت���ي اعتقلتهم‪ ،‬وحالة‬
‫ِّ‬
‫الط���وارئ ذاته���ا التي �شرع���ت اعتقالهم تخيم علي���ه‪ .‬خرجوا وقد كرب‬
‫كل فرد يف �أ�سرهم ‪� 10‬سنوات �أو ‪� 15‬أو ‪� ،20‬أو حتى ثالثني‪ :‬عماد �شيحا‬
‫وفار����س م���راد اللذين �أفرج عنهم���ا عام ‪ .2004‬خالل ذل���ك غاب بع�ض‬
‫�أف���راد الأ�سرة‪� ،‬أمهات �أو �آباء‪ ،‬ورمبا طلقت الزوجة زوجها ال�سجني‪� ،‬أو‬
‫تركت احلبيبة رجلها ال�سجني (�أو العك�س يف حاالت اقل)‪.‬‬
‫يا�سني احلاج �صالح‬

‫اعتقال �سيا�سي ‪ ..‬بكل ب�ساطة‬
‫«خ���ذي هويت���ك وام����ض‪ ,‬ج���اء ق���رار ب�إط�ل�اق �سراح���ك»‪ ،‬نطقه���ا‬
‫العميد ك�أنه يقول‪« :‬رمبا ت�أخرت على الع�شاء»‪!.‬‬
‫قب���ل �أرب���ع �سن���وات وخم����س و�أربعني يوم���ا عندما دخل���ت من هذا‬
‫الباب اخذوا مني قرطاي وحزامي اجللدي و�ساعتي وبطاقة هويتي‪.‬‬
‫بع���د �أربع���ة �أ�شهر مت نقلي وثالث�ي�ن امر�أة �إىل �سجن م���دين يتنا�سب‬
‫و�إقامتن���ا الطويل���ة‪ .‬يومه���ا �أع���ادوا يل قرط���اي وحزام���ي اجلل���دي‬
‫و�ساعت���ي الت���ي توقفت عند ال�ساع���ة العا�شرة من �صب���اح يوم اجلمعة‬
‫‪ 1987/10/2‬وبقيت بطاقة هويتي لديهم دليال على توقيفي ل�صالح‬
‫جهاز الأمن الع�سكري وان كنت �أ�صبحت ورفيقاتي وديعة لدى وزارة‬
‫الداخلية‪.‬‬
‫يف ‪ ،1991 / 11/26‬مت نقلن���ا جم���ددا م���ن ال�سج���ن املدين �إىل فرع‬
‫التحقي���ق الع�سك���ري‪ .‬وبد�ؤوا با�ستدعائنا ملقابل���ة رئي�س الفرع واحدة‬
‫بعد �أخرى‪.‬‬

‫م���ا �أن دخل���ت بدوري مكتب العميد حت���ى �أ�شار يل كي �أجل�س على‬
‫كر�س���ي يتو�س���ط الغرف���ة امل�ستطيل���ة دون �أن ينظ���ر �إىل وجه���ي وبق���ي‬
‫�صامت���ا يق���ر�أ �أوراق���ا �أمام���ه‪ .‬طريقته يف ا�ستخ���دام ال�صم���ت لإرباكي‬
‫ذكرتن���ي ب�أي���ام التحقي���ق قبل �سن���وات‪ .‬بعد ع���دة دقائ���ق �س�ألني ودون‬
‫�أن ينظ���ر �إىل وجه���ي‪ « :‬م���اذا �ستفعل�ي�ن بعد خروجك م���ن ال�سجن؟»‬
‫ف�أجبت���ه ب�سخرية تعلمتها للتحايل على ق�سوة الواقع ‪« :‬لي�ش مليتوا‬
‫من���ا ؟؟» نظ���ر �إيل للم���رة الأوىل حينه���ا ث���م فت���ح درج مكتب���ه و�أخ���رج‬
‫بطاق���ة و�أ�ش���ار �إيل �أن اق�ت�رب ث���م �س�ألني «�أه���ذه بطاق���ة هويتك ؟؟ «‬
‫‪.‬كان���ت بطاقة هويتي اخل�ض���راء التي �أخذوها مني قب���ل �أربع �سنوات‬
‫وخم����س و�أربع���ون يوماً‪� .‬أ�ش���ار يل �أن �أخذها فمددت ي���دي والتقطتها‬
‫ب�أ�صاب���ع متلهف���ة وك�أنها ج���زء حميم من حياة �سابق���ة ا�ستعدته للتو‪.‬‬
‫ق���ال‪« :‬ب�إمكان���ك �أن مت�ض���ي من ه���ذا الباب فقد �أ�ص���در الرئي�س �أمراً‬
‫ب�إط�ل�اق �سراحك���ن « !!! و�أ�شار �إىل باب غري ال���ذي دخلت منه والذي‬
‫يف�ض���ي مبا�ش���رة �إىل حديق���ة الف���رع‪� .‬أردت �أن ام�ض���ي لك���ن قدم���اي‬
‫ت�سمرت���ا �أم���ام مكتب���ه واحتق���ن وجهي و�شع���رت �أين �أتنف����س كجبل ‪..‬‬
‫�سن���وات �سجن���ي مرت �أمامي يف حلظة‪ »..‬خ���ذي هويتك واخرجي من‬
‫ه���ذا الب���اب!» ب���كل ب�ساط���ة!؟‪ .‬م���رت �أمامي عين���ا �أمي اللت���ان تيب�ستا‬
‫انتظ���ارا عل���ى ب���اب بيتن���ا وقل���ق �أبي ال���ذي حتول مر�ض���اً مزمن���اً وذل‬
‫�إخوت���ي يف جمتمع ذكوري ال يرحم‪ .‬مرت �أمام عيني حلظة االعتقال‬
‫و�أ�شه���ر التحقي���ق و�سن���وات ال�سجن الط���وال‪« .‬اخرج���ي الآن من هذا‬
‫الب���اب» ‪..‬هكذا مبنتهى الب�ساط���ة؟؟؟ بدون التوقيع على ورقة تثبت‬
‫وج���ودي لديه���م كل ه���ذا ال�سن���وات؟؟ وال ورق���ة �أب���رر به���ا غيابي عن‬
‫اجلامع���ة؟؟؟‪� .‬أربع �سنوات وخم�س و�أربع�ي�ن يوما مل ي�س�أل فيها �أحد‬
‫عن���ي �س���وى �أهل���ي الذي���ن مل �أرهم �إال بع���د �سنة تقريبا م���ن توقيفي‪،‬‬
‫قا����ض وال مرافع��� ٍة وال �أي �شيء‪ .‬كن���ت يف الع�شرين من‬
‫ال حم���ا ٍم و ال ٍ‬
‫عمري حني دخويل املعتقل وخرجت منه �أنا يف اخلام�سة والع�شرين‪.‬‬
‫نظ���رت �إىل الب���اب ال���ذي �أ�ش���ار اليه‪ ،‬ب���اب خ�شبي تاف���ه كان من املمكن‬
‫عب���وره يف ثوان لوال �أن قدماي تيب�ستا وروحي قبلهما نتيجة الإهانة‬
‫الأخ�ي�رة الت���ي �أحلق���ت ب���ي وب�إن�سانيت���ي وبعمري‪ .‬ع���دت خطوة �إىل‬
‫ال���وراء و�س�ألت���ه ‪« :‬و�أرب���ع �سن���وات و�شهرين من عمري كي���ف تعيدهم‬
‫يل»؟؟ باغته �س�ؤايل فتلعثم‪ ،‬و�أذكر �أين ر�أيت نظرة تعاطف يف عينيه‬
‫قد تكون �سذاجتي القروية التي مل يرتكوها تتطور يف بيئة طبيعية‬
‫ط���وال �سن���وات ه���ي الت���ي �أوح���ت يل بذلك‪ ،‬لكن���ه ق���ال يل بعد حلظة‬
‫�صم���ت‪�« :‬ستخرج�ي�ن الآن لتلتق���ي ب�أ�شخا����ص مل يفعل���وا �شيئا طوال‬
‫هذه ال�سنوات»!‬
‫مطبق���ة بكف���ي عل���ى بطاقة هويت���ي‪ ،‬م�ضي���ت �أجر قدم���اي خارج‬
‫الغرف���ة مث���ل غري���ق يجاه���د لدف���ع املي���اه بيدي���ه متعج�ل�ا الو�ص���ول‬
‫�سمي‬
‫لل�سط���ح ليحظ���ى بهواء يتنف�س���ه‪ .‬عربت الباب ال���ذي يف�ضي ملا ّ‬
‫يومه���ا «حريت���ي»‪ ،‬الب���اب ال���ذي ع�ب�ره كث�ي�رون قبلي وكث�ي�رون رمبا‬
‫بعدي وبنف�س الطريقة‪ ..‬هكذا مبنتهى الب�ساطة ‪!...‬‬
‫وجدان نا�صيف‬

‫ما بني االعتقال وال�سجن واملحكمة‪ ....‬جتربة حياة‬
‫ال �أرغب بالإطالة يف مثل هذه املوا�ضيع ولكنها باخت�صار «جتربة‬
‫حي���اة» ف�أن تظلم يعني الكثري وال يعني �شيء بذات الوقت‪� .‬أنت تت�أثر‬
‫وتع���اين وتدف���ع ثمن �أ�شي���اء رمبا ارتكبتها ورمب���ا ال ورمبا ال يتوجب‬
‫عقاب���ك عليه���ا ولكن باملقابل هناك من ي���رى �أن عقوبتك ال تقدم وال‬
‫ت�أخ���ر ويرى وج���ودك بحد ذاته �أزمة وم�شكلة والتخل�ص منك �أف�ضل‬
‫احللول‪.‬‬
‫به���ذه الكلم���ات رمبا اخت�ص���ر جتربتي مع االعتق���ال يف عام ‪2002‬‬
‫حيث كتب �أحد زمالئي تقريرا ناعماً لأحد فروع الأمن الع�سكري ما‬
‫توج���ب اعتقايل عامني و�إ�صدار حكم بحقي من حمكمة �أمن الدولة‬
‫العليا يف ربيع عام ‪ 2004‬بتهمة نقل الأنباء الكاذبة التي من �ش�أنها �أن‬
‫توهن نف�سية الأمة‪ ،‬والق�صة باخت�صار دون وهن وال �إيهان‪ ،‬هي عبارة‬
‫ع���ن كلم���ات عابر حتدثت بها و�أ�صدقائ���ي يف مقر �إقامتنا الدرا�سي يف‬
‫الع���ام الأول ملعهدن���ا املتو�س���ط‪ ،‬والكب�ي�ر بيننا مل يتجاوز م���ن �سنوات‬
‫حياته الع�شرين بعد‪.‬‬
‫كان���ت تل���ك الكلم���ات تتحدث ع���ن ق���درت امل�ؤ�س�س���ات العاملية على‬
‫ال�سيطرة وبخا�صة اجلمعيات ال�سرية والتي تتهم دائما بالتبعية �إىل‬
‫ال�صهيوني���ة �أو احل���ركات املعادية للعاملني العرب���ي والإ�سالمي وبذات‬
‫الوق���ت وللمفارق���ة العجيبة يك���ون من �أبرز �شخ�صياته���ا ر�ؤ�ساء عرب‬
‫ومل���وك خلي���ج وغريهم من الق���ادة ومدع���ي الن�ضال ف�إم���ا املنظمات‬
‫تل���ك بريئ���ة من تهمه���ا املعتادة يف عاملن���ا و�إما ر�ؤ�ساء الع���رب متهمون‬
‫باخليانة‪ ،‬وبالطبع هذه العبارات �أوجبت علي العذاب جلداً و�شبحاً يف‬
‫ف���رع فل�سطني ال�شهري‪ ،‬ف�أنا �أ�صبحت متهم باالنتماء لتلك امل�ؤ�س�سات‬
‫�أو املنظم���ات الدولي���ة و�أعم���ل لديها رغم �أن عم���ري ع�شرون عاماً وال‬
‫�أملك من الدنيا �إال ج�سدي فقط‪ ،‬اتهمت ب�أين منظم و�أعمل لتخريب‬
‫احلياة العامة يف البالد و�أ�شكل خطراً على �أمن مواطنيها �أي �أخوتي‬
‫و�أخواتي من ال�سوريني‪.‬‬
‫واحتاج���ت تل���ك الكلم���ات عام�ي�ن كامل�ي�ن حت���ى ينط���ق الق�ضاء‬
‫اال�ستثنائ���ي كلمت���ه به���ا ف�أ�سقط تهم االنتم���اء الغريب���ة الأطوار تلك‬
‫وحك���م بنق���ل الأنب���اء الكاذب���ة الت���ي توه���ن نف�سي���ة الأم���ة‪ ،‬واملفارق���ة‬
‫الغريب���ة �أن املحي���ط الع���ام بعد ال�سج���ن ومنهم �أي�ضا �أبن���اء امل�ؤ�س�سات‬
‫احلقوقي���ة والنا�شط�ي�ن مل ي�ب�ر�ؤوا �ساحت���ي ب���ل دائم���ا تعامل���وا معي‬
‫ك�أين معتق���ل درج���ة ثانية ولي�س معتق���ل ر�أي ف�أن يومها بقيت متهما‬
‫ورمب���ا ال �أزال بعيونه���م ب�أين عاملي االنتم���اء ومعادي لهم ولوجودهم‬
‫ولق�ضيتهم املركزية وحربهم الأوىل مع العدو ال�صهيوين ف�أنا رفيق‬
‫بعدوهم كما يعتقدون على �أقل تقدير‪.‬‬
‫امله���م م���رت الأيام بع���د االعتقال وكانت �أكرثها ق�س���وة �أن يتهمك‬
‫�أق���رب املقرب�ي�ن �إلي���ك باخلطيئ���ة و�أن���ك �إن مل تك���ن خمط����أ فلم���اذا‬
‫�أخ���ذك الأم���ن؟ وك�أن الأم���ن يعمل لأم���ن الوطن ال لرف���ع مزيد من‬
‫النج���وم عل���ى �أكت���اف القائمني عليه فكي���ف لهم �أن ي�ب�رروا وجودهم‬

‫خلف الق�ضبان‬

‫يف ف���روع ي�ص���رف عليها املاليني من الدوالرات �سنوياً؟ دون معتقلني‬
‫وجمرم�ي�ن وجوا�سي�س وموهني نف�سي���ة �أمة ومهددي الدولة و�أمنها‬
‫القومي‪.‬‬

‫باخت�صار �أيامها �أي عام ‪ 2004‬مل يكن املجتمع‬
‫ال�س��وري يتفه��م �أن الأم��ن كاذب وميثل الكثري‬
‫عل��ى املجتم��ع ويختلق عند احلاج��ة كل �شيء‬
‫كمنظم��ات جت�س�س تركي��ا �إذا وقع خالف بني‬
‫النظ��ام ال�سوري والنظ��ام الرتك��ي‪ ،‬ومنظمات‬
‫تخري��ب فرن�سية لذات ال�سبب وهكذا وميكنه‬
‫�أن يبن��ي تهم من خيال��ه الوا�سع والرحب يزج‬
‫عل��ى �أ�سا�سها ع�ش��رات املعتقلني وميوتون حتت‬
‫التعذي��ب وال فرق فهم جمرم��ون بعينه وعني‬
‫املجتم��ع الذي يراعي �ضرورة بقاء الأمن على‬
‫ح�ساب �أرواح الب�شر الأبرياء‪.‬‬

‫ال �أعلم �إن تغريت الر�ؤية اليوم بعد كل هذه الف�ضائح التي �أعلنت‬
‫وكل تل���ك املج���ازر الت���ي وقع���ت ولكن امله���م �أن يعلم الع���امل �أن اخلط�أ‬
‫لي�س �أن تتكلم فالكلمات �إن مل تنفع ال ت�ضر ولكن املهم �أال تقتل فهذا‬
‫يدم���ر عاملاً بكامله‪� ،‬أن حت���رم النا�س من حريتهم هذه جرمية ال تقع‬
‫عل���ى عات���ق املعتقل وح���ده ف�أبي �أ�صيب بنوبة قلبية ح���ادة كادت تودي‬
‫بحيات���ه وجدت���ي الت���ي ربتني انطف����أت عيناها من �ش���دة احلزن و�أمي‬
‫وحرمت منه���م عامني متتاليني دون‬
‫دخل���ت امل�ست�شف���ى مرات ومرات ُ‬
‫خرب �أو زيارة �إال يف املحكمة و�أنا مقيد مع الزمالء كخراف ن�ساق �إىل‬
‫الذبح فتخيلوا �شعور �أهلي بهذا امل�شهد؟‬
‫خ�س���رت عام�ي�ن يف ال�سج���ن وبعده���ا �سب���ع �سن���وات م���ن احلج���ر‬
‫والتجري���د امل���دين ومن���ع ال�سفر امل�ستم���ر دون مربر وا�ض���ح �إال جواب‬
‫«املعل���م ال يري���د ل���ك ال�سف���ر الآن» وال �أع���رف م���ن ه���ذا املعل���م‪ ،‬بغ�ض‬
‫النظ���ر خ�س���رت معهدي والي���وم �أبد�أ درا�ستي من جدي���د‪ ،‬حملت معي‬
‫م���ن ال�سج���ن ماليني الذكري���ات التي ال تت�س���ع الكلمات له���ا وحملت‬
‫مع���ي �أي�ضا مر�ضا نف�سيا ي�سمى «قلق الأداء احلاد» احتاج عام ون�صف‬
‫الع���ام من الع�ل�اج بالعقاقري والتحليل النف�سي املعمق‪ ،‬ورجفة ب�سبب‬
‫ال�ضغ���ط الكبري على �أع�صاب اليدي���ن نتيجة ال�شبح‪ ،‬وم�ساحة �سوداء‬
‫يف قلبي لن ت�ضيئها �إىل حرية وطني و�أخوتي ال�سوريني‪.‬‬
‫‪2011_9_2‬‬

‫وحي���دة يف مهج���ع الإخواني���ات‪ ...‬ال ح ّيز يل وال م���كان‪ ,‬من البداية‬
‫حاكمنني واتخذن قرارهن‪ ..‬فكن ال�سجن وال�سجان! وحيدة يف قلعتهن‪,‬‬
‫وال�صمت �س ّيد املوقف؟؟‬
‫املهج���ع‪ ..‬له���ن وحده���ن‪� ...‬أ�صواته���ن ت�صل عن���ان ال�سم���اء و ُينزلن‬
‫�إلهه���ن �أل���ف م���رة!! م���ا �أكرث خالفاته���ن وما �أعل���ى �صخبه���ن ك�أنني يف‬
‫م�سرح و�أنا كل اجلمهور!!!!!‬
‫وم���ن �أنت يا هند لتعرت�ضي؟؟؟ جردنني من كامل حقوقي و�أرحن‬
‫�ضمريهن‪ ...‬فما اختلفن عن غريهم �أبداً‪.‬‬
‫ح���دودي فر�شت���ي‪ ..‬ب�صعوب���ة حت�س���م �إحداه���ن تردده���ا لت�شاركن���ي‬
‫فنجان قهوتي‪ ..‬حتى ال�سخرة �أعفينني منها‪:‬‬
‫معلي����ش ارتاحي‪..‬ما بدنا منك �ش���ي؟؟؟؟ طبعاً ال يردن مل�س �أياً من‬
‫�أغرا�ضه���ن‪� ..‬أناال �أتو�ض����أ ال �أ�صلي‪ ...‬قالتها حركاتهن‪ ,‬وعندما �أ�سقط‬
‫�سهواً عنهن‪ ,‬تخرتقني عيونهن‪ ..‬خا�صة عندما �أمار�س طقو�سي‪ ,‬هم ٌز‬
‫ومل ٌز لكل حتركاتي �أح�سهن دائماً خلفي‪ ..‬يحا�صرنني‪ ..‬رقابة �شديدة‪..‬‬
‫بل وقحة �أكرث الأحيان‪.‬‬
‫���ي عندم���ا �أخف�ض �ص���وت م�سجلتي وق���ت �صالتهن‪ ...‬كم‬
‫وزه��� ٌو ُخف َ‬
‫ع�شقت �صالتهن‪ ...‬ينزلنني عن كاهلهن‪� ,‬أحترر منهن ف�أعي�ش حريتي‬
‫املنقو�صة يف ال�سجنني معاً‪.‬‬
‫ب���ات عامل���ي �صغ�ي�راً و�ض ِيق���اً‪� ...‬أنتظ���ر ال�صب���اح لأخل���و بنف�سي وقت‬
‫التنف����س‪ ...‬فيع ًو����ض نه���اري ليل���ي املوح����ش‪ ..‬وكث�ي�راً م���ا يرافقن���ي‬
‫���ب غ ٌ‬
‫���ارق يف حريته‪� ..‬أهديته���ا له من‬
‫�أهل���ي وبع����ض الأ�صدق���اء‪ ..‬وحبي ٌ‬
‫�سجني!!!!‬
‫م���ع الأيام‪� ...‬ص���ارت ترافقني حياته���ن اليومية‪ ....‬ون�س�ي�ن �أننا يف‬
‫ال�سج���ن!!! ال قن���اع ال رتو�ش ال حول لهن وال قوة‪ ...‬ال�سجن هو العري‬
‫الكامل ف�أين املفر؟؟؟ �صارت تفا�صيلهن ترمى �أمامي‪ ...‬ت�ساقطت �أورق‬
‫تينه���ن‪ ...‬متر م���ن جانبي تهم�س يل‪ ...‬قلبت �أوراق تينهن املوازين‪....‬‬
‫و�ص���رت بينه���ن ومعهن �شئ���ن �أم �أب�ي�ن!!!! يتهام�سن ً‬
‫لي�ل�ا وهم�سهن ال‬
‫ينته���ي؟؟ يف البداي���ة كان يخ�صني مع الأيام �صار يخ�صهن وحدهن‪....‬‬
‫�ص���ار علني���اً وا�ضحاً‪.....‬يا �إله���ي كم �أرعبتن���ي �أوراق تينهن؟؟؟ وخ�شيت‬
‫عل���ى نف�سي م���ن نف�سي؟؟؟ وكم ع�شق���ت وحدتي‪ ..‬كان���ت ح�صانتي �أمام‬
‫�شجرة تينهن املت�ساقطة الأوراق‪.‬‬
‫وم���ع �أول زيارة لأهل���ي‪ ....‬انقلبت موازينهن‪ ...‬ودكت حريتي بوابة‬
‫قلعتهن املنيعة!!!!‬
‫فج����أة تغ�ي�رت نظرته���ن ور ّقت كلماته���ن‪ ...‬وبد�أن م���ن خلف ظهور‬
‫بع�ضهن(كنّ حمرومات من الزيارة)‬
‫هند‪ :‬معلي�ش تو�صيلي �أهلك يجيبويل‪..‬؟؟؟؟‬
‫ب�س ال تقويل حلدا!!!!‬
‫هند‪ :‬ممكن غر�ض �صغري‪.‬؟؟؟ ب�س بيني وبينك!!!‬
‫اختلفن كلهن معي‪ ..‬واتفقن على ب�س!!!!!!‬

‫يف ليل���ة خريفي���ة ماطرة‪�...‬ض���وء ال���كاز بينه���ن يف ّت���ق �إن�سانيته���ن‬
‫لوحات �سريالية على اجلدران‪..‬‬
‫يت�سام���رن‪ ..‬في�ص���رن غريهن!!! و�أن���ا‪ ..‬كعادتي وحي���دة يف فرا�شي‬
‫داخ���ل ح���دودي‪ ....‬ته���رب روح���ي منه���ن‪ ..‬و�أ�ص�ي�ر كلي هن���اك‪ ..‬هم�س‬
‫خفيف‪ :‬هند‪.‬‬
‫ينتف����ض ج�س���دي ‪ ..‬ما ب���ايل �أغالط نف�سي‪� ...‬أتع���ب ال�سجن هذا؟؟‬
‫هم�س �أقوى‪� :‬إي هند‪...‬‬
‫هلو�س���ات!! ا�سرتخيت وتركت لنف�سي العنان‪ٌ ..‬‬
‫تعي عدي معنا‪.‬‬
‫�إذاً‪ ..‬لي�س التعب هو‪ ...‬وال هلو�سات‪� ..‬إنها احلقيقة ينادينني؟؟؟؟؟؟‬
‫ما �إن رفعت ر�أ�سي‪� ..‬صدمتني كومة الأعني �أمامي‪ ..‬تلبكت‪ ..‬تلعثمت‪..‬‬
‫�صوت رقيق‪:‬هند‪ :‬تعي ا�شربي �شاي معنا‪..‬‬
‫برتدد وخجل‪ ..‬تخطيت حدودي‪ ..‬وال �أعرف كيف �صرت بينهن‪..‬‬
‫نظراتهن حا�صرتني‪ ..‬حريتني‪ :‬تف�ضلي ا�شربي �شاي‬
‫ارتع�شت يداي فاحرتقت‪ ..‬ولأول مرة تالم�ست �أيادينا‪ ..‬وتداخلت‬
‫الكلمات‪ :‬بتعريف يا هند نحن حبيناكي كتري‪ .....‬ب�س؟؟؟‬
‫ع���اد ال�صمت مرة �أخرى كجبل على �صدورنا‪...‬ك�سره �صوت �أمومي‬
‫�آخر‪ :‬هو ب�صراحة �أكرت‪ ..‬كل �شي فيك منيح‪� ...‬إال �إنك �شيوعية!!!!!!‬
‫هرب���ت عيونه���ن‪ ..‬تلملم���ن قليال‪.....‬وخي���م ه���دوء ثقي���ل‪ ...‬غابت‬
‫مالم���ح وجوهه���ن‪ ..‬وكل واح���دة حت���ث الأخ���رى لل���كالم‪ ...‬ليخ�ت�رق‬
‫�صمتن���ا �صوت���ا قوي���ا‪ ..‬ون�ب�رة �صارم���ة‪ :‬واهلل ي���ا هن���د بدن���ا نقل���ك وم���و‬
‫عارف�ي�ن كي���ف؟؟ يعني مو ح���رام واحدة متلك ما تك���ون باجلنة!!!! مو‬
‫م�شانا م�شانك �إنت‪ ..‬يعني م�شان الآخرة؟؟؟‬
‫�ش���و ر�أيك ه�ل��أ تقومي تتو�ض���ي‪ ..‬وت�صلي معنا‪ ..‬ونكم���ل هال�سهرة‬
‫بالقر�آن!!!!!!!!!!‬
‫يا لثقل هذا ال�صمت الذي �ساد‪� ..‬أيّ هدوءٍ‪ ..‬و�أية �سكينة؟؟‬
‫جر�أته���ن �صدمتن���ي‪ ..‬لك���ن ردة فعل���ي �أجفلته���ن‪ ..‬به���دوء �أك�ث�ر‬
‫م���ن اله���دوء ولأول م���رة ترب���ع �صوتي عر�شه���ن‪ ...‬ونربة �أك�ث�ر قوة‪ ..‬و‬
‫�صرامة‪� ...‬أعلنتها لهن‪ :‬ال‪.....‬الااااااااااا‬
‫لهون وب�س�س�س هذا خطي الأحمر‪........‬‬
‫ومن تلك الليلة التاريخية‪ ..‬ومن يومها فقط‬
‫احرتمن خطي الأحمر‪ ...‬واخرتقت قلعتهن‪....‬‬
‫و�صرت مواطنة يف مهجع الإخوانيات‪...‬‬

‫‪1984- 11- 20‬‬
‫�سجن قطنا‬
‫هند القهوجي‬

‫بورتريهات‬
‫الفق���رة التالي���ة خم�ص�ص���ة لر�س���م مالم���ح مف�صلة بع����ض ال�شيء‬
‫ملعتقل�ي�ن �سيا�سي�ي�ن �سابق�ي�ن م���ن خلفي���ات �إيديولوجي���ة وتنظيمي���ة‬
‫خمتلف���ة‪ .‬الغر����ض منه���ا ت�سلي���ط �ض���وء على م���ا ال يقبل االخت���زال �أو‬
‫التمثي���ل املج���رد‪ :‬الأمل وال�صراع الإن�ساين مع �ش���روط ع�سرية غالبا‪،‬‬
‫وخمتلف���ة دوم���ا‪ ،‬وب�ل�ا دليل دوم���ا‪� .‬سرنى �أن���ه ال �سجني �سابق���ا ي�شبه‬
‫�سجين���ا �آخ���ر‪� .‬إن التوثي���ق ال�شخ�ص���ي‪ ،‬وبال�ص���وت وال�ص���ورة‪ ،‬لأك�ب�ر‬
‫ع���دد م���ن املعتقل�ي�ن ال�سابقني‪ ،‬هو فق���ط ما ميكن �أن يحي���ي جتاربهم‬
‫وحمنهم‪.‬‬

‫• م‪ .‬ب‬

‫كان طالب���ا يف البكالوري���ا‪ ،‬عم���ره ‪ 17‬عام���ا‪ ،‬حني اعتق���ل عام ‪1980‬‬
‫بتهم���ة الع�ضوي���ة يف "جماع���ة الإخ���وان امل�سلم�ي�ن"‪ .‬كان واح���دا م���ع‬
‫�ست���ة �آخري���ن يكربونه ب�سنة واحدة‪ ،‬ق���ر�ؤوا ن�شرة "النذي���ر" التي كان‬
‫ي�صدره���ا الإخ���وان يف ذل���ك الوقت‪ .‬ق�ضى م‪ 12 .‬عام���ا و�سبعة �أ�شهر يف‬
‫ال�سج���ن‪ .‬كان ن���ال حكما بالإع���دام‪ ،‬لكن �أعيدت حماكمت���ه لأنه حدث‪،‬‬
‫فن���ال حكم���ا ب�س���ت �سن���وات �سجن���ا‪ ،‬بينم���ا �أعدم زم�ل�ا�ؤه ال�ست���ة‪ .‬بعد ‪3‬‬
‫�شه���ور ن�ص���ف يف حل���ب (جناح "ام���ن الدولة" يف �سج���ن امل�سلمية) نقل‬
‫�إىل تدم���ر‪ ،‬حي���ث ق�ض���ى �سب���ع �سنوات ون�ص���ف‪ .‬نقل بعده���ا �إىل �سجن‬
‫�صيدناي���ا قرب دم�شق‪ ،‬حيث ق�ضى خم����س �سنوات �إ�ضافية‪ ،‬و�أفرج عنه‬
‫يف نهاية عام ‪.1992‬‬
‫كان ملزم���ا مبراجع���ة ف���رع �أم���ن الدول���ة بحلب كل �شه���ر طوال ‪3‬‬
‫�سن���وات (املراجع���ة الأوىل بع���د الإف���راج عن���ه بثالث���ة �أي���ام)‪ .‬بعد ذلك‬
‫�ص���ارت املراجع���ة كل ‪� 3‬أ�شهر‪ .‬يق���ول �إن من اعتقله���م الأمن الع�سكري‬
‫كان���وا ملزم�ي�ن مبراجعة كل �شهرين ثم �ص���ارت كل �شهر‪ .‬وكان يف كل‬
‫مرة يوقع على �صفحة خا�صة به يف فرع امن الدولة بحلب‪.‬‬
‫عا�ش مع �أ�سرته‪� 9 ،‬إخوة و�أختان والأب والأم‪ ،‬حتى تزوج بعد ثالث‬
‫�سنوات من الإفراج عنه‪.‬‬
‫من���ع من ال�سفر ملدة ‪� 7‬سنوات‪ ،‬كان يجدد طلب جواز �سفر �أثناءها‬
‫كل عام‪ ،‬ثم نال جوازا بف�ضل "وا�سطة ثقيلة"‪.‬‬
‫بع���د ‪ 20‬يوم���ا م���ن الإفراج عنه �أخ���ذ يتعلم املحا�سب���ة والعمل على‬
‫احلا�س���وب‪ ،‬بف�ضل مع���ارف والده عمل يف �شركة خا�ص���ة حما�سبا‪ .‬كان‬
‫ي�ساع���د عائلت���ه يف الدخل‪ .‬وحني تزوج بعد ثالث �سن���وات من الإفراج‬
‫عنه‪ ،‬كان لديه مبلغ ‪� 125‬ألف لرية من ثمار عمله‪.‬‬
‫م‪ .‬ب م�ؤمن معتدل‪ .‬مل ميار�س اجلن�س �أبدا قبل الزواج‪ .‬كان �أحب‬
‫فتاة ُبعيد الإفراج عنه‪ ،‬لكن �أمها رف�ضت جمرد ر�ؤية وجهه حني رغب‬
‫يف خطبته���ا ب�سب���ب �سابق اعتقاله‪ .‬بعد ذلك ت���زوج من زوجته احلالية‬
‫من���ذ ع�ش���ر �سنوات وله اليوم بنتان‪ .‬وهو يعم���ل حاليا يف �شركة خا�صة‬
‫كربى يف دم�شق‪ ،‬وال يراجع �أي جهاز �أمني‪ .‬لكنه يقول �إنه ا�ستثناء‪.‬‬
‫م‪.‬ب ا�ستثناء بالفعل‪ .‬ف�إذا كان جنا من الإعدام بف�ضل �صغر �سنه‪،‬‬
‫ف�إن���ه ينج���و الي���وم من مراجع���ة �أجه���زة الأمن بف�ض���ل دهائ���ه وات�ساع‬

‫عالقات���ه وح�سن ت�صرف���ه‪ .‬وهو اليوم ي�ساف���ر �إىل دول كثرية من �أجل‬
‫العم���ل‪ .‬ويح���ب م�شاه���دة الأف�ل�ام ال�سينمائي���ة اجليدة‪ .‬ول���ه �أ�صدقاء‬
‫علماني���ون و�شيوعي���ون‪ ،‬تعرف على بع�ضه���م يف ال�سجن وعلى بع�ضهم‬
‫خارجه‪.‬‬
‫ي�شك���و م‪� .‬أحيان���ا م���ن نوب���ات م���ن �آالم الظه���ر يف ال�شت���اء‪" ،‬مردها‬
‫للتعذي���ب وال�ض���رب ال���ذي تلقيته عل���ى ظهري خالل ف�ت�رة التحقيق‬
‫و�سج���ن تدمر"‪ ،‬كم���ا يعاين �أحيانا من اعت�ل�االت مِ َعد ّية‪ ،‬لكن �صحته‬
‫جي���دة عل���ى العموم‪ .‬ويقول �إن���ه يدين للفرتة الت���ي �أم�ضاها يف �سجن‬
‫�صيدناي���ا ال�ستع���ادة ق�س���ط كب�ي�ر م���ن عافيت���ه النف�سي���ة‪ ،‬وللت���درب‬
‫عل���ى الع���ودة �إىل احلي���اة‪ ،‬ع���ن طري���ق "الق���راءة و احل���وار واالحتكاك‬
‫اليوم���ي والعمي���ق ب�شرائ���ح متنوعة م���ن االنتماءات" (جدي���ر بالذكر‬
‫�أن معتقل���ي �سج���ن تدمر يعت�ب�رون حتويلهم �إىل �سج���ون �أخرى‪ ،‬مثل‬
‫ع���درا و�صيدناي���ا وامل�سلمية‪�" ،‬أكرث من ن�صف �إف���راج")‪ .‬يبقى �أن اكرث‬
‫م���ا يزع���ج م‪� .‬أن �أجهزة الأمن ال تزال تتعاطى م���ع املعتقلني ال�سابقني‬
‫بو�صفه���م "مواطن���ون من الدرج���ة الثانية" �أو "رعاي���ا" لها‪ ،‬ال ينبغي‬
‫لهم اخلروج من �سطوتها‪.‬‬

‫• �آ‪.‬ك‬

‫اعتق���ل �آ‪ .‬ك‪ ،‬الأرمن���ي الأ�ص���ل‪ ،‬واملنت�س���ب �إىل احل���زب ال�شيوعي ‪-‬‬
‫املكت���ب ال�سيا�س���ي‪ ،‬ع���ام ‪ ،1987‬و�أف���رج عن���ه ع���ام ‪ .2000‬حكمته حمكمة‬
‫�أم���ن الدول���ة عام ‪ 1994‬بـ‪ 13‬عاما‪ ،‬ومثله���ا حرمانا من احلقوق املدنية‬
‫بع���د الإف���راج عن���ه‪� ،‬أي تنته���ي ع���ام ‪ .2013‬كان يف التا�سع���ة والع�شري���ن‬
‫عن���د اعتقاله‪ ،‬وخ���رج يف الثانية والأربعني‪ .‬كان �آ‪ .‬عازبا‪ ،‬يعمل م�ساعد‬
‫مهند����س يف حمافظ���ة احل�سكة‪� ،‬شمال �شرق �سوري���ا‪� .‬صديقته تزوجت‬
‫بعد ‪� 8‬سنوات من اعتقاله‪.‬‬
‫بع���د خروج���ه من ال�سجن‪ ،‬تلقى �آ‪ .‬معون���ة تبلغ ‪� 150‬ألف لرية من‬
‫�أهله يف �سوريا و�شقيقته املغرتبة يف اليمن‪ .‬هو اليوم الجئ �سيا�سي يف‬
‫ال�سوي���د‪ .‬كان يتعر����ض ال�ستدعاءات متكررة من قبل الأجهزة الأمنية‬
‫يف مدينته وملراقبة مزعجة ومنع من العمل‪ .‬وقد فا�ض به الكيل حني‬
‫ا�ستدع���ي ذات م���رة �إىل فرع الأم���ن ال�سيا�سي يف احل�سك���ة‪ .‬هناك جتر�أ‬
‫على القول للعميد رئي�س الفرع‪" ،‬وجودكم (يق�صد الأجهزة الأمنية)‬
‫يف هذا البلد خط�أ‪ ،‬وعليكم الرحيل‪� ،‬أنت ومن معك‪ ،‬و�أن يكون املرجع‬
‫للمواطن الد�ستور وامل�ؤ�س�سات ال �شلة من الل�صو�ص وقطاع الطرق!"‬
‫وق���ف العمي���د مذه���وال حيال هذا التط���اول غري امل�سب���وق‪ ،‬ثم انفجر‪:‬‬
‫"واهلل‪� ،‬س�أ�سلخ جلدك يا كلب!" لكن ال�سجني ال�سابق كان قد حترر‬
‫م���ن اخل���وف‪" :‬ال �أخ���اف من���ك وال مم���ن وراءك‪ ،‬لأنن���ي تع���ودت عل���ى‬
‫التعذيب يف �سجن تدمر‪ ،‬ومل يبقى لكم �إال �أن ت�صفوين ج�سديا‪ ،‬وهذا‬
‫�أي�ضا ال يخيفني"! ويبدو �أنه �أ�سقط يف يد ال�ضابط‪ ،‬فقد وقف يحملق‬
‫يف �آ‪ ،.‬قب���ل �أن يلتف���ت �إىل �ضاب���ط �صغ�ي�ر الرتب���ة‪ ،‬وي�س�أل���ه‪�" :‬أال ت���رى‬
‫مع���ي �أن ه���ذا الواقف �أمامي جمنون؟!" رد الآخر‪" :‬نعم يا �سيدي �إنه‬
‫جمن���ون!" وال ري���ب �أنهما كانا على حق‪ .‬فلي����س غري املجنون يتحدى‬
‫�سلط���ة قادرة عل���ى �سحقه ك�أن���ه �صر�صار‪ ،‬دون �أن تخ�ش���ى م�ساءلة من‬

‫�أحد! كان العميد �صريحا كفاية ليعرتف لل�سجني الأعزل‪�" :‬أتعرف؟‬
‫لق���د مكث���ت يف هذه املحافظة مدة ع�شرين عاما‪ ،‬ومل يتجر�أ ابن امر�أة‬
‫�أن يتكل���م مع���ي بالطريقة الذي تتكلم بها �أن���ت!" وو�سط حريته‪ ،‬رفع‬
‫يده لي�ضرب �آ‪ ،.‬لكنه �أ�سبلها ثانية‪ .‬ومل يعرف ما يفعل غري �أن يطرد‬
‫�آ‪ ،.‬ويتوع���ده‪�" :‬سنع���رف كي���ف نربي���ك ي���ا ‪ ."..‬لك���ن �آ‪ .‬رد متحدي���ا لن‬
‫ت���راين �إال �إذا اعتقلتن���ي‪ .‬ومل يلبث �أن ترك مدينت���ه يف �أق�صى ال�شمال‬
‫ال�شرقي‪ ،‬و�أتى �إىل دم�شق‪.‬‬
‫هناك عمل ملدة ‪� 8‬شهور عند �شخ�ص‪ ،‬يقول �آ‪� .‬إنه خدعه ومل مينحه‬
‫�أج���ره رغ���م �أن���ه هو ال���ذي عر�ض علي���ه العم���ل‪ ،‬ودفع���ه �إىل املجيء �إىل‬
‫دم�ش���ق‪ ،‬وا�ستئج���ار بيت فيها بـ ‪� 5000‬آالف لرية �شهريا‪ .‬حني �ضاقت به‬
‫ال�سبل‪ ،‬وا�ستجابة لن�صيحة من �أخيه‪� ،‬سافر �إىل الأردن املجاور ل�سوريا‬
‫وجل�أ �إىل مفو�ضية الأمم املتحدة فيها‪ .‬وهناك �أنفق معظم املبلغ الذي‬
‫تلق���اه كمعونة من �أهل���ه‪ ،‬فيما اكتفت املفو�ضي���ة بحمايته من الت�سفري‬
‫املحتم���ل عل���ى ي���د ال�سلطات الأردني���ة (ب�سب���ب �إقامته غ�ي�ر ال�شرعية)‬
‫وبتموي���ل تعلم���ه للغ���ة االنكليزي���ة‪ .‬كان �آ‪ .‬ق���د �أ�صي���ب بارتف���اع �ضغ���ط‬
‫ال���دم يف �سج���ن تدمر "نتيج���ة التعذيب واخل���وف اليوم���ي املتوا�صل"‪،‬‬
‫لك���ن الإ�صاب���ة تفاقمت يف الأردن‪ ،‬حيث تخلى �أخوه عنه �أي�ضا‪ ،‬رغم �أنه‬
‫ه���و ال���ذي اقرتح علي���ه الذهاب �إىل عم���ان‪ ،‬وكان يف وحدته هناك يلقى‬
‫امل�ؤازرة املعنوية و‪� ،‬إىل حد ما‪ ،‬املادية من �شقيقته فقط‪.‬‬
‫بع���د ‪� 21‬شه���را مرهقة جدا يف الأردن‪ ،‬كتب خالله���ا ب�ضع مقاالت يف‬
‫�صحف �أردنية دون �أن ينال عليها �أجراً‪ ،‬متكن من ال�سفر �إىل ال�سويد التي‬
‫كان هاجر �إليها �أغلب �أفراد �أ�سرته‪ ،‬حيث ح�صل على اللجوء ال�سيا�سي‪.‬‬
‫مث���ل �أك�ث�ر الالجئ�ي�ن يف البل���دان الغربي���ة‪ ،‬يق���ول �آ‪�" :‬أعي�ش على‬
‫ال�ضم���ان االجتماع���ي‪ .‬يدفع���ون �أج���رة البي���ت والطباب���ة والكهرب���اء‪،‬‬
‫ويعط���وين مبل���غ ‪ 3360‬ك���رون �سوي���دي‪� .‬أدف���ع منها تلفون ع���ادي ‪300‬‬
‫ك���رون وهات���ف خليوي ‪ 350‬ك���رون‪ ،‬و�إنرتنت ‪ 220‬ك���رون‪ ،‬وطعام مببلغ‬
‫‪ 1000‬كرون‪ ،‬والباقي �أ�صرفه على اللب�س وال�سفر‪ .‬املبلغ يجعلني �أعي�ش‬
‫ب�ش���كل مقبول‪� .‬أما ال�سويدي فال يكفي���ه هذا املبلغ"‪ .‬ويعلق‪" :‬امل�شكلة‬
‫�أين �أ�شع���ر باخلجل م���ن ذلك‪ ،‬فهي يف نظر ال�سوي���دي �أ�شبه بال�شحاذة‬
‫املنظمة‪ ،‬لهذا �س�أبحث عن عمل حتى �آكل من عرق جبيني"‪.‬‬
‫يف ال�سوي���د ب���د�أ �آ‪ .‬ي�ؤل���ف كتابا يجم���ع بني الرواي���ة واملذكرات عن‬
‫ال�سج���ن‪ .‬وقد �أخ���ذ �إجازة من ال�سلط���ات ال�سويدية املعني���ة ب�أمره ملدة‬
‫ع���ام لينه���ي الكتاب‪ ،‬وعليه بعد ذلك �أن يعود �إىل املدر�سة �أو يبحث عن‬
‫عم���ل يعتا�ش من���ه‪ .‬وال يزال ي�شكو من ارتفاع �ضغ���ط الدم يف ال�سويد‪،‬‬
‫رغم الأدوية التي يتناولها يوميا‪.‬‬
‫يتكت���م �آ‪ .‬عل���ى عالقته بامل���ر�أة‪ .‬يف�ضل القول �إن���ه ال يعاين من �أي‬
‫م�شكلة مع الن�ساء منذ خروجه من ال�سجن �إىل الآن‪.‬‬

‫• ف‪ .‬خ‬

‫كان���ت ف‪ .‬يف الرابع���ة والع�شري���ن عام ‪ 1987‬ح�ي�ن اعتقلت وزوجها‬
‫النتمائهم���ا �إىل ح���زب ي�ساري �س���وري‪ ،‬حزب العم���ل ال�شيوعي‪� .‬أم�ضت‬
‫�أرب���ع �سنوات‪ ،‬وخرجت "غري مكتملة ال�سعادة"‪ ،‬كما تقول‪ ،‬ب�سبب بقاء‬

‫زوجه���ا يف ال�سج���ن لوقت مل يكن ممكنا تقدي���ره‪ .‬فحني �أفرج عنها يف‬
‫نهاي���ة ‪ ،1991‬مل يك���ون ق���د �أحيل املعتقل���ون الباق���ون �إىل حمكمة �أمن‬
‫الدولة‪ .‬لن يجري ذلك �إال يف ني�سان ‪.1992‬‬
‫ع���ادت ف‪ .‬لعملها كمعلمة‪ ،‬و�أخذت تعوي�ضات عن رواتبها ل�سنوات‬
‫اعتقاله���ا الأربع���ة‪ ،‬ومب�ساع���دة من �أه���ل زوجها ا�شرتت من���ز ًال �صغرياً‬
‫لي�سه���م معه���ا يف انتظ���ار الزوج الغائ���ب‪ ،‬ح�سب تعبريه���ا‪ ،‬وليحقق لها‬
‫نوعاً من الأمان واال�ستقرار‪.‬‬
‫وقد رف�ضت مرارا اال�ستجابة ال�ستدعاءات �أجهزة الأمن‪ ،‬ومنعتهم‬
‫من دخول بيتها‪ .‬طلبت منهم �أن يروها يف بيت والدها‪ ،‬وهو ما ح�صل‬
‫عدة مرات‪ ،‬قبل �أن يتوقفوا‪.‬‬
‫كان���ت ف‪ .‬ت���زور زوجه���ا ب‪.‬ج كل �شه���ر يف �سجنه‪" .‬كنت م���رة �أعود‬
‫�سعي���دة و�أم�ض���ي �شه���را كام�ل�ا منتع�شة"‪ ،‬وم���رة "�أعود حزين���ة ب�سبب‬
‫�س���وء توا�ص���ل بينن���ا‪� ،‬أو نح���وال ب���دا علي���ه‪� ،‬أو لأن زيارتي �إلي���ه تزامنت‬
‫م���ع حتويل���ه �إىل امل�شف���ى"‪ .‬كان ب‪ .‬يعال���ج م���ن ح�صي���ات كلوي���ة وم���ن‬
‫ارتف���اع �ضغ���ط الدم‪ .‬خالل ال�سنوات الأربعة ون�صف التي انق�ضت قبل‬
‫�أن يف���رج ع���ن زوجه���ا‪ ،‬تلقت ف‪ .‬دعم���ا وتفهما وعونا م���ن �أهلها‪ .‬وكان‬
‫علي التعامل‬
‫الزوج "رائعاً و�إيجابياً ومتعاوناً وهو داخل ال�سجن‪� ،‬سهّل ّ‬
‫م���ع �أي���ة م�شكالت كان ميكن �أن حتدث م���ع عائلته"‪ ،‬التي تقول ف‪� .‬إن‬
‫تعاملهم معها كان جيداً‪.‬‬
‫حني خرج زوجها عام ‪ 1996‬كانت ف‪ .‬تعتقد �أنه طاملا كانت �سجنت‬
‫ه���ي ذاته���ا ف�إنهم���ا �سيتفاهم���ان دون �صعوب���ة وينجح���ان يف جت���اوز �أي‬
‫عائق بينهما‪ .‬لكن الأمر مل يكن كذلك‪" .‬ما حدث"‪ ،‬تقول‪�" ،‬أين كنت‬
‫بحاج���ة للتعوي�ض عن �سنوات االنتظار والغرب���ة‪ ،‬وهو بحاجة للملمة‬
‫نف�س���ه والبح���ث عن عمل بع���د �أن جرد من حقوق���ه املدنية وف�صل من‬
‫عمله" (قبل اعتقاله‪ ،‬كان ب‪ .‬يعمل مهند�ساً يف �إحدى �شركات القطاع‬
‫احلكوم���ي)‪ .‬و�سرع���ان م���ا غ���دا البح���ث ع���ن عم���ل �شغل���ه ال�شاغل دون‬
‫ج���دوى‪ .‬و�سرع���ان ما بد�أت املتاع���ب العمل ت�ستهل���ك قواهما معا‪ .‬كان‬
‫ب‪ .‬بحاج���ة �إىل اال�سرتخ���اء‪ ،‬لكن���ه مل يكن قادرا عل���ى اال�سرتخاء دون‬
‫عم���ل‪� .‬أخ���ذت عالقتهما تتوت���ر‪ .‬وت�شخ�ص ف‪" .‬الأزم���ة" بينهما ب�أنها‬
‫"�أزمة توا�صل"‪ ،‬فقد كان "كل منا ينتظر �أن يرمي تعبه عنه"‪" .‬بعد‬
‫ه���ذا الزم���ن الطويل‪ ،‬كل من���ا ينتظر احلب‪ ،‬يبحث ع���ن حبه القدمي‪،‬‬
‫ويري���د �أن نعي�ش���ه بق���وة"‪ .‬كان���ت ف‪ .‬يف احلادي���ة والع�شري���ن و ب‪ .‬يف‬
‫ال�سابعة والع�شرين حني تزوجا دون ر�ضا والدها بعد حب جامح‪" .‬كنا‬
‫متعب�ي�ن‪ ،‬ف�أخذت الهوة تكرب بيننا‪� ،‬إىل �أن و�صلنا �إىل حافة الطالق"‪.‬‬
‫فاق���م من ذل���ك �أن ف‪ .‬خ�سرت جنينا يف ال�شه���ر الثالث من احلمل به‪.‬‬
‫هن���ا‪ ،‬تق���ول‪�" ،‬أعلن���ت ا�ست�سالم���ي ورغبت باخل���روج من حيات���ه‪ .‬فهذا‬
‫لي�س زوجي الذي انتظرته"‪ .‬وي�شرح الزوج الأمر بالقول �إن ف‪ .‬كانت‬
‫بحاجة �إىل كتف ت�ستند �إليه‪" ،‬وللأ�سف مل �أكن ذاك الكتف‪ .‬كنت �أي�ضا‬
‫متعب���ا‪ ،‬وبحاج���ة لوق���ت لأ�ستعيد �شيئا من �شخ�صيت���ي وكياين بالعمل‬
‫واالندم���اج باملجتم���ع‪ ،‬ف�أدى ذل���ك �إىل �شيء من الإحب���اط لديها‪ ،‬و�إىل‬
‫علي‪ ،‬فح�صل ما ح�صل من تباعد كاد‬
‫�إح�سا�س مني ب�ضغطها ال�شديد ّ‬
‫�أن ي�ؤدي �إىل الطالق"‪.‬‬

‫يبدو �أن هذا الذروة من "الأزمة"‪ ،‬وابتعادهما عن بع�ضهما طوال‬
‫�أ�سبوع�ي�ن‪� ،‬أ�سهم���ا يف "تفري���غ ال�ضغ���وط" الت���ي عا�شاه���ا‪ ،‬ح�س���ب ف‪،.‬‬
‫ومل يلب���ث احل���ب الق���دمي �أن �أخذ ي�ستيقظ‪ ،‬وق���رر الطرفان‪ ،‬وبتدخل‬
‫حمم���ود من �أ�سرتيهما‪� ،‬إتاحة فر�صة �أخرى لأنف�سهما‪ .‬كان عام كامل‬
‫قد انق�ضى على خروج ب‪ .‬من ال�سجن‪.‬‬
‫يف تل���ك الأثن���اء ح�ص���ل ب‪ .‬عل���ى عم���ل جي���د‪ .‬لك���ن فرح���ة العم���ل‬
‫واالنفراج مل تلبث �أن تعكرت بف�صل ف‪ .‬من عملها يف التعليم (�شباط‬
‫‪ )1997‬دون �سب���ب �إال �سابق���ة اعتقاله���ا‪ .‬تب�ي�ن فيما بع���د �أنها مف�صولة‬
‫منذ قرابة عام ون�صف‪ ،‬و�أنها مل تب ّلَغ قرار ف�صلها نتيجة خط�أ �إداري‪.‬‬
‫لكنه���ا ه���ي التي �ستدفع ثم���ن اخلط�أ‪ .‬فق���د �أجربت على دف���ع �أجورها‬
‫خ�ل�ال العام ون�ص���ف العام ذاك‪ .‬وهكذا �أع���ادت املواطنة ف‪ .‬خ حلكومة‬
‫بلده���ا ‪� 66‬أل���ف لرية �سورية! تقول ف‪" .‬مل يك���ن يحق يل مراجعة �أي‬
‫كان �أو االعرتا����ض �أو حتى فهم �سبب الف�صل"(‪ .)18‬حيال هذا الظلم‬
‫"الأق�سى والأ�صعب" فكرت ف‪ .‬يف الهجرة من البالد‪ .‬لكن عالقتها‬
‫الت���ي حت�سنت بثبات مع زوجه���ا �ساعدتها على االحتمال‪ .‬ظلت عاطلة‬
‫خم����س �سن���وات قب���ل �أن حت�ص���ل على عم���ل كمعلمة �أطف���ال يف مدر�سة‬
‫غ�ي�ر حكومية‪ .‬تق���ول‪" :‬عو�ضني هذا العمل عن الظلم الذي �أ�صابني‪،‬‬
‫والطف���ل ال���ذي فقدت���ه‪� ،‬إ�ضاف���ة لتح�سن م�ستوان���ا املعي�ش���ي"‪ .‬وحينها‬
‫فق���ط "توقف���ت عن ال�ص���راع مع الأطب���اء يف حماولة لإجن���اب طفل"‪.‬‬
‫تتوا�ص���ل ف‪ .‬م���ع زميالته���ا يف ال�سج���ن‪ .‬لق���د ابتع���دت ع���ن الن�ش���اط‬
‫ال�سيا�س���ي ومتلكه���ا �إح�سا����س ب�ل�ا ج���دواه‪ ،‬لكنه���ا ت�شعر �أنه���ا ميكن �أن‬
‫تعمل يف جماالت تخ�ص حقوق الطفل واملر�أة و�أ�سر املعتقلني‪.‬‬
‫بع���د ع�ش���ر �سنوات م���ن خروج زوجها م���ن ال�سجن‪ ،‬تق���ول ف‪ .‬لقد‬
‫"خ�س���رت م���ا خ�س���رت‪ ،‬ولكني ربح���ت �أحلى زوج ونف�س���ي"‪ .‬مع ذلك‪،‬‬
‫"�أحياناً �أ�سائل نف�سي ملاذا يزورين حزن عميق يوجع قلبي"‪.‬‬
‫رغم عالقتهما املمتازة الآن‪� ،‬شكرتني ف‪ .‬وزوجها لأنني �أ�سهمت يف‬
‫ك�ش���ف غطاء عن �أ�شي���اء مل يقوالها لبع�ضهما (وتتوفر لدي م�ؤ�شرات‬
‫كث�ي�رة عل���ى �أن �أزواج���ا كثريي���ن‪ ،‬وكذلك �آب���اء و�أبن���اء‪ ،‬مل يعرفوا‪ ،‬بكل‬
‫ب�ساطة‪ ،‬كيف يتكلمون مع بع�ضهم‪ ،‬ومل ي�شرح �أحدهم للآخر ما يريد‬
‫�أو ما ي�شكو منه)‪.‬‬

‫• ح‪ .‬ن‬

‫ق�ض���ى ح‪ .‬ن ‪ 15‬عام���ا يف ال�سج���ن ب�ي�ن ع���ام ‪ 1986‬و‪ ،2001‬بتهم���ة‬
‫االنت�ساب حلزب البعث املوايل للعراق‪ .‬كان يف الثالثة والع�شرين وقت‬
‫اعتقال���ه‪ ،‬وخ���رج وه���و يف الثامن���ة والثالث�ي�ن‪� .‬أحي���ل �إىل حمكمة �أمن‬
‫الدولة عام ‪ 1992‬ونال حكما ب‪ 15‬عاما‪ .‬ال�سنوات ال�ستة الأخرية منها‬
‫تقريب���ا يف �سج���ن تدمر‪ .‬وقد كانت "الأ�س���و�أ والأق�سى والأكرث مرارة"‬
‫يف ال�سن���وات اخلم����س ع�ش���رة‪ .‬وقد �أف���رج عنه يف ت�شري���ن الثاين ‪.2001‬‬
‫وبالطبع مل يتلق �أية زيارة من �أهله خالل تلك ال�سنوات ال�ستة‪.‬‬
‫"يف طريق���ي �إىل حل���ب"‪ ،‬يقول ح‪ .‬متكلما على ال�ساعات التالية‬
‫للإف���راج عن���ه‪" ،‬كان ال�س����ؤال الذي ي�ؤرقن���ي‪ :‬هل �س�أج���د والدتي على‬
‫قي���د احلي���اة �أم ال؟" بع���د حلظات من و�صول���ه يف ال�ساد�سة �صباحاً من‬

‫يوم الأربعاء ‪ 14‬ت�شرين الثاين ‪� 2001‬أدرك �أن والدته كانت توفيت قبل‬
‫ثالث �سنوات‪.‬‬
‫�أم�ض���ى الأ�سبوع الأول ي�ستقبل املهنئني والزوار‪ ،‬حماوال االبت�سام‬
‫ومتظاه���را بالدماث���ة‪ .‬كان���ت �سن���وات ال�سج���ن الط���وال والقا�سي���ة قد‬
‫عودته على التحمل وابتالع غ�صات قلبه‪.‬‬
‫يف ع���ام ‪� 2002‬أع���اد ت�سجيل���ه يف اجلامع���ة التي كان طالب���ا يف �سنته‬
‫الثالث���ة م���ن درا�س���ة الأدب العرب���ي فيه���ا‪ .‬ويف ‪ 2003‬ن���ال ح‪ ،.‬ال�شاع���ر‬
‫املتف���وق يف �آداب العربي���ة‪� ،‬شهادت���ه اجلامعي���ة‪ .‬ويف �صي���ف الع���ام ذات���ه‬
‫تزوج‪ .‬جاء زواجه و�سط م�صاعب وم�شكالت عائلية مع بع�ض �أ�شقائه‪،‬‬
‫م���ا ت���رك �آث���اراً �سلبية عميقة عل���ى و�ضعه املعي�شي والنف�س���ي‪ .‬ترفع ح‪.‬‬
‫ع���ن التح���دث ع���ن تفا�صي���ل تل���ك امل�ش���كالت‪ ،‬لكن���ه يق���ر �أنها م���ا تزال‬
‫ترافق���ه حتى الآن (�شب���اط ‪ .)2006‬كان قد بقي عامان بال عمل‪ ،‬لكنه‬
‫امتنع عن طلب العون ممن ا�ستولوا على حقوقه‪.‬‬
‫يرف�ض ح‪ .‬لوم �أحد غري ال�سلطات‪ ،‬ويعتقد �أن "ما يواجهه املعتقل‬
‫ال�سيا�س���ي من �صعوب���ات خارج ال�سجن‪ ،‬والتي تتمثل بحاالت الت�ضييق‬
‫وامل�ساءلة وحجب فر�ص العمل‪� ،‬إمنا هي ا�ستمرار لالعتقال‪ ،‬بطريقة‬
‫�أخرى‪� ،‬أي خروج من �سجن �صغري �إىل �آخر كبري"‪.‬‬
‫يف ربي���ع ‪ 2004‬حت�س���ن حال���ه قلي�ل�ا‪ ،‬ف�أق���دم على م���ا كان يحلم به‬
‫دوم���ا‪" :‬طباع���ة جمموعة �شعرية �ضمت معظ���م الق�صائد التي كتبتها‬
‫يف املعتق���ل" عل���ى ح�ساب���ه‪ .‬كان ق���د ن�ش���ر ديوان���ه الأول قب���ل اعتقال���ه‬
‫ب�شه���ور‪ .‬وه���و ال ي�ستطي���ع �إخف���اء ح�سرت���ه العميق���ة على م���ا �ضاع من‬
‫ق�صائد وكتابات داخل �سجني امل�سلمية وعدرا ب�سبب امل�صادرات الأمنية‬
‫والتفتي�ش املتكرر‪.‬‬
‫يف �صي���ف ‪ 2005‬تقدم ح‪ .‬المتحان م�سابق���ة انتقاء مدر�سني‪ ،‬كانت‬
‫�أعلنت عنها وزارة الرتبية‪ ،‬وجنح يف االمتحانني ال�شفهي و التحريري‪،‬‬
‫وكان ا�سم���ه �ضم���ن من قبلوا‪ ،‬ومت �إ�صدار قرار بتعيينهم‪ .‬وحني حاول‬
‫ا�ستكم���ال �أوراق���ه‪ ،‬طلب���ت منه خال�ص���ة �سجل ع���ديل (وثيقة "ال حكم‬
‫عليه")‪ ،‬لكنه بالطبع كان حمكوما وحمروما من حقوقه املدنية حتى‬
‫ع���ام ‪ .2016‬وهو يج���زم ب�أن اجلهات الأمنية مل حتج���ب عنه موافقتها‬
‫الأمنية املحتومة على �أي وظيفة "عند الدولة"‪ ،‬كما يقول ال�سوريون‬
‫ع���ادة‪� ،‬إال لأنه���ا تعل���م �أنه حمكوم وجمرد من حق���وق املدنية‪ ،‬و�أن ذلك‬
‫يكفي كي ال ينال الوظيفة‪.‬‬
‫بع���د �أرب���ع �سنوات من خروج���ه من ال�سجن �أ�صب���ح ح‪� .‬أبا لطفلني‪،‬‬
‫يحاول تربيتهما و�إعالتهما ب�إعطاء درو�س خ�صو�صية‪ ،‬ت�ؤمن له دخ ً‬
‫ال‬
‫غ�ي�ر منتظ���م‪ .‬والي���وم ت���راوده رغبة عارم���ة للعم���ل يف ال�ش����أن الثقايف‬
‫ومتابع���ة ن�شاطه الأدبي‪" ،‬لك���ن امل�ؤ�س�سات الثقافي���ة يف �سورية موبوءة‬
‫يقوم باغت�صابها عدد من املنتفعني"‪.‬‬
‫ال يتعر����ض ح‪ .‬مل�ضايق���ات �أمني���ة يف بلدته ال�صغ�ي�رة �شمال �سوريا‪.‬‬
‫ورمب���ا يك���ون لتحل���ل التنظي���م ال���ذي كان ينتم���ي ل���ه �ضل���ع يف ك���ف‬
‫الإزعاجات الأمنية عنه‪.‬‬
‫يا�سني احلاج �صالح‬

‫معتقل الراأي‬
‫والت�اأثي�ر النف��سي‬
‫لتجربة االعتقال‬

‫ن ــادرة ه ــي الدرا�س ــات املتخ�س�سة و التي تناول ــت التاأثري النف�سي‬
‫لتجرب ــة االعتق ــال و االأ�س ــر و التعذي ــب يف العامل العرب ــي عموما و يف‬
‫�سوري ــة خ�سو�س ــا‪ .‬و اقت�س ــر االأمر على �سهادات كتبه ــا املعتقلون على‬
‫�سكل يوميات‪ ،‬اأو حولها االأدباء منهم و الفنانون اإىل ق�س�ص و روايات‬
‫ا�ستندت اإىل جتاربهم ال�سخ�سية‪.‬‬
‫لك ــن الدرا�س ــات القليلة املتوفرة توؤك ــد اأن « هناك تاأثريات نف�سية‬
‫كب ــرية يرتكه ــا تعر� ــص االإن�س ــان لالعتق ــال والتعذي ــب وللظ ــروف‬
‫ال�سعب ــة خ ــالل ف ــرتة االعتق ــال ت�سم ــل اأبع ــاد ال�سخ�سي ــة كله ــا منها‬
‫العقلية واالنفعالية وال�سلوكية وال�سحية»(‪.)1‬‬
‫و تع ــرف االآث ــار النف�سي ــة عل ــى اأنه ــا « االإ�ساف ــات عل ــى �سخ�سي ــة‬
‫الف ــرد وكذل ــك التغ ــريات والبقاي ــا الت ــي وجدت ل ــدى االأ�س ــري املحرر‬
‫والناجت ــة ع ــن تعر�س ــه للتعذي ــب خ ــالل ف ــرتة االعتق ــال وق ــد تكون‬
‫ه ــذه البقاي ــا نف�سي ــة مثل القلق واالكتئ ــاب وكرب ما بع ــد ال�سدمة اأو‬
‫اأي اأعرا� ــص اأخ ــرى ‪،‬اأو م ــن طبيعة ع�سوية مثل االأوج ــاع اجل�سمية اأو‬
‫اأمرا� ــص �سغ ــط اأو �سك ــر ‪...‬الخ‪ . )2( ».‬و تتفق معظ ــم الدرا�سات على‬
‫وج ــود اأعرا� ــص ي�س ــرتك بها م ــن عا�ص جترب ــة االعتقال بع ــد اإطالق‬
‫�سراحه ــم و عل ــى امل ــدى البعي ــد و هي اأعرا� ــص الربانوي ــا و االأعرا�ص‬
‫ال�سيكو�سوماتي ــة‪ ،‬و كذل ــك امليل اإىل ال�سعور بعزل ــة اجتماعية وانزواء‬
‫وع ــدم رغب ــة يف خمالطة النا� ــص ‪ ،‬و م�ساكل ع ــدم التكيف يف العالقات‬
‫الزوجي ــة و اأخ ــرى تتعل ــق باحلياة اجلن�سية‪ .‬باالإ�ساف ــة اإىل االكتئاب‬
‫والع�سبي ــة و الره ــاب والو�سوا� ــص والقل ــق ‪ ،‬واالإ�سطراب ــات النف�سي ــة‬
‫الناجت ــة ع ــن ال�سدمة ‪ ،‬و لوحظ عند البع�ص ميول و اأفكار انتحارية‬
‫‪ « .‬كما لوحظ تعدد امل�ساكل النف�سية الناجتة عن التعذيب لدى الفئة‬
‫التي تعر�ست للتعذيب مقارن ًة مع املجموعة االأقل تعذيباً» (‪.)3‬‬
‫و تعر�س ــت الدرا�س ــات التخ�س�سية املتوف ــرة اإىل حتليل للمقايي�ص‬
‫الفرعي ــة لالكتئ ــاب و التي تذكر بدقة احل ــاالت و امل�ساعر التي يعي�سها‬
‫املعتقل ال�سابق بعد اإطالق �سراحه كاحلزن ‪ ،‬الت�ساوؤم ‪ ،‬االإح�سا�ص بخيبة‬
‫االأمل اأو الف�سل ‪ ،‬ال�سخط وعدم الر�سا ‪ ،‬ال�سعور بالذنب ‪ ،‬كراهية الذات‬
‫‪ ،‬اإي ــذاء النف� ــص ‪ ،‬عدم احل�س ــم ‪ ،‬االن�سحاب من املجتمع ــات ‪ ،‬تغري �سورة‬
‫الذات ‪� ،‬سعوبة اأداء االأعمال ‪ ،‬الوهن واالإجهاد و �سعف ال�سهية‪.‬‬
‫كم ــا تذك ــر درا�سات اأخ ــرى ا�سرتاتيجي ــات التكيف ل ــدى املعتقلني‬
‫املتحرري ــن و الت ــي تعرف على اأنه ــا ‪ »:‬ا�ستجابات �سلوكي ــة اأو انفعالية‬
‫متعلمة ‪ ،‬ق�سدية وهادفة ملواجهة ال�سغوط والتكيف معها اأو تغيريها»‬
‫(‪ )4‬و تلخ�ص ب�سبعة ا�سرتاتيجيات و هي ‪ :‬التفكري بالتمني والتجنب‬
‫‪ ،‬التخطيط حلل امل�ساكل ‪ ،‬اإعادة التقييم ‪ ،‬االنتماء ‪ ،‬حتمل امل�سئولية ‪،‬‬

‫التحكم بالنف�ص ‪ ،‬و االرتباك والهروب‪.‬‬
‫و بناءا على ذلك فاإن البع�ص ممن عا�سوا جتربة االعتقال خرجوا‬
‫بنتائ ــج تعترب اإيجابية من حيث الفوائد ال�سخ�سية لتجربتهم و التي‬
‫و�سفوها ‪ « :‬باأنها اإعادة النظر يف االآراء واملواقف حول اأنف�سهم وزيادة‬
‫االهتم ــام واحل�سا�سي ــة للعالق ــات االإن�سانية ‪ ،‬وتغي ــري النظرة ملفاهيم‬
‫امل�سرية املهنية واملفاهيم احل�سارية يف املدى الوا�سع» (‪.)5‬‬
‫و اعتربوا اأن هذه اجلوانب تعد جتربة مفيدة للنمو وتاأكيد الذات‬
‫تفوق يف قيمتها االأ�سرار التي حلقت بهم يف املعتقل ‪.‬‬
‫اإن حج ــم التدم ــري النف�س ــي ل ــدى املعتقلني كب ــري و كذلك االأمر‬
‫بالن�سب ــة اإىل االأثري ــن النف�س ــي و اجل�س ــدي بعي ــدي امل ــدى و اللذين‬
‫يظ ــالن يف �سخ�سي ــة املعتق ــل ال�ساب ــق الذي يخلق اأمرا�س ــا ج�سدية و‬
‫نف�سية مزمنة ‪.‬‬
‫مايح ــدث يف �سوري ــا اأنهم ا�ستطاعوا اغتي ــال اجل�سد ومل ي�سادروا‬
‫ال�س ــوت رغم ت�سديد القب�س ــة االأمنية باعتقاالتهم امل�ستمرة لنا�سطي‬
‫احل ــراك وعل ــى خلفي ــة التظاه ــرات الت ــي جت ــد نف�س ــك يف مواجه ــة‬
‫حمتدم ــة ومبا�س ــرة م ــع �سبيح ــة النظ ــام م ــن االأه ــايل امل�ستلب ــني‬
‫واملدجج ــني باأ�سلحته ــم الب�س ــاء التقليدي ــة مدفوع ــني حت ــت غط ــاء‬
‫االأم ــن الذي ا�ستغل عق ــد نق�سهم ودونيتهم بت�سي ــد ال�سارع وحماولة‬
‫اإق�سائن ــا ق�س ــرا بالت�سبي ــح م ــن خ ــالل اال�ستف ــزاز بهتافاته ــم با�س ــم‬
‫قائدهم املبجل الذي غيب عقولهم و دجنها ومل يعوا �سيا�سة التفقري‬
‫والتجهي ــل التي مور�ست �سده ــم �سنني طوال فوجهوا انتقامهم جتاه‬
‫م ــن يطال ــب بحريتهم وكاأنه الثـ ـاأر ويده�سك و اأن ــت يف مواجهته كما‬
‫ح�س ــل مع ــي حني �سارك ــت يف تظاهرة و�س ــط دم�سق خرجن ــا بها حقنا‬
‫لدم ــاء ال�سوري ــن بتحرير مدننا م ــن احل�سار الع�سك ــري وا�ستباحتها‬
‫وكاأنه ــا مزرع ــة م ّورث ــة ومطالب ــني بالدول ــة املدني ــة الدميقراطي ــة‬
‫ل�سوري ــا احل ــرة وحدث ــت التجرب ــة ومل حت ــدث الكارثة حي ــث انف�ست‬
‫التظاه ــرة ومل ا�ستطع الهروب الأن �سوت ــا مزلزال كان ي�ستجري املكان‬
‫و�سكان ــه للت�سام ــن مع موقفنا عل ــى اعتبار اأن ال�سع ــب ال�سوري واحد‬
‫وحقيق ــة كان هج ــوم ال�سبيح ــة علين ــا بال�س ــرب واالإهان ــة والتخوي ــن‬
‫وب�س ــاق الن�س ــاء امل�ستنف ــرات بحقده ــن ال ــذي مل اأ�ستطع تربي ــره واأنا‬
‫حما�س ــرة ومقي ــدة بكفوفهم النكراء التي تنه ــال علي على الرغم من‬
‫حماولت ــي املقاومة والرد بع ــد �سماع احدهم يقول ال ت�سربوا والن�ساء‬
‫اللواتي كن معي اأخذن حيث بقيت وحدي مع ال�سباب الذين ي�سربون‬
‫ويه ــددون بال�سكاك ــني واملنا�سري طيلة الطريق حت ــى و�سلنا اإىل املكان‬
‫ال ــذي ا�ستلمن ــا في ــه االأم ــن م ــن اأيديه ــم وعي ــون النا� ــص ترقبن ــا بفزع‬

‫)‪ (1‬االآثار النف�سية الناجمة عن االأ�سر وعالقتها باإ�سرتاتيجيات التوافق لدى اأ�سرى قطاع غزة املحررين من ال�سجون االإ�سرائيلية‪،‬‬
‫اإعداد د‪ .‬ف�سل خالد اأبو هني‪ ،‬اأ�ستاذ علم النف�س امل�سارك بكلية الرتبية‪ ،‬جامعة االأق�سى ‪� – 2006-2005‬س‪2‬‬
‫)‪ (2‬نف�سه �س ‪5‬‬
‫)‪ (3‬نف�سه ‪9‬‬
‫)‪ (4‬نف�سه �س‪6‬‬
‫)‪ (5‬نف�سه �س ‪19‬‬
‫ملن يود اال�سطالع على كامل الدرا�سة على الرابط ‪www.ctccm.ps/ar/index.php?act=Show&id// :‬‬

‫وللحظ���ة مل �أع���ي تفا�صيله���ا هجم علي �ش���اب �صغ�ي�ر لي�صفعني عنوة عل���ى وجهي �أمام‬
‫�شتائ���م الن�س���اء املدني���ات �ساكنات احلي مم���ا دفعني لل�صراخ يف وجهه���م ال�شعب ال�سوري‬
‫لي����س بواح���د ك���ردة فعل ه�ستريية مل يتحمل العقل كمية احلق���د الذي ا�ستطاع النظام‬
‫زرع���ه يف نفو�سه���م جتاهن���ا وما �أن �صرن���ا يف قب�ضتهم عرفنا �أن كل من ج���اء لل�س�ؤال عنا‬
‫�ضرب و�أهني خارج املخفر وبد�أ الت�صعيد من قبلنا على مبد�أ املوت وال املذلة بتنا نح�ضر‬
‫ج�سدن���ا نف�سي���ا �إذا ما مور�س التعذيب علينا فكم هذا اجل�س���د �سيتحمل �أخريا ففوجئنا‬
‫بخ�صو�صية الأناقة املزيفة يف التحقيق خا�صة و�أننا مل ننكر امل�شاركة بالتظاهرة على‬
‫الرغ���م بعلمن���ا �أنه���ا غ�ي�ر مرخ�ص���ة بالنتيجة �أن���ت حتاورهم من داخ���ل جحرهم وعدم‬
‫�إظه���ار الن���دم �أو اخل���وف جعلنا ن�ستغ���رب تدفق الق���وة لدينا ومتاثلنا ب�ص���وت واحد �أننا‬
‫ل�سن���ا �أعداءك���م ب���ل �سوريا لنا جميعا واختالفن���ا بالر�أي ال ي�سم���ح باعتقالنا كما وطلبنا‬
‫علن���ا مبقا�ض���اة ال�شبيحة امل�سلح�ي�ن الذين هددوا �أمنناوحقن���ا بالت�صريح مبوقفنا ومن‬
‫امل�ستغ���رب ج���دا �أن���ه بني كل �س�ؤال و�آخر ي�ؤكدون على ع���دم �إهانتنا لأننا موقوفون فقط‬
‫ملخالف���ة قان���ون التظاه���ر الغ�ي�ر مرخ����ص وبديه���ي �أن نفه���م م���ا يح�صل يف اخل���ارج من‬
‫ت�صعي���د لك���ن التعني���ف النف�س���ي كان حا�ض���را بوجودنا �أم���ام غرفة تعذي���ب املتظاهرين‬
‫الذي���ن ي�صرخ���ون دون وع���ي ليال ونه���ارا عدا حم���اوالت الكثري من ال�ضب���اط وعنا�صر‬
‫الأم���ن الذي���ن ي�سرتق���ون النظ���ر بف�ض���ول ليع�ب�روا ع���ن ا�شمئزازهم ومنهم م���ن يرمي‬
‫بعب���ارات اخلزي والعار والتعهري والتندمي والتهديد والوعيد ومن جتاوز مكانه فر�ض‬
‫نقا�ش���ا يب���دي في���ه االهتمام لإقناعنا ب����أن ماقمنا به من���اف للأخالق العام���ة ويجب �أن‬
‫ن�ؤمن بعدل النظام وقوته ووطنية جي�شه‪.‬‬
‫ثورتن���ا متثل���ت ب�أق���وى �أ�ش���كال ال�ص���راع ال�سيا�س���ي واالجتماعي �إما م���ع النظام �أو‬
‫�ضد وما بينهما كتلة �صامتة مهم�شة جتاه ال�ش�أن العام وبالتايل ولطاملا تعهرت املر�أة‬
‫الت���ي ت�ش���ارك يف احل���راك على الأر�ض من قب���ل رعاع النظام فكي���ف �أن اكون �سجينة يف‬
‫�أحد فروع الأمن ال�سورية التي تنتهك كرامة الإن�سان من خالل التعذيب اجل�سدي �أو‬
‫النف�سي حتى تفا�صيل املكان فيه كثري من االمتهان حلقوق الإن�سان البديهية هو نظام‬
‫يفرت�س���ك لرتكع ملفا�سده���م وبط�شهم و�أكرث ما يهينك �أن ت�سك���ن وطنا يحاربك �شعبه‬
‫ف�أنا امر�أة و�أم قاومت تخلفه قبل وبعد اعتقايل وكل ال�سيناريوهات التي حيكت حويل‬
‫من تقوالت �أثارت اندها�شا مقيتا باتهاماتهم املخزية جتاه عالقتي بزوجي الذي هتكت‬
‫�أ�ست���ار احلي���اء بتجاوزه و�إهم���ايل لأطفايل حني تركتهم ف�ت�رة اعتقايل بفرتة جتاوزت‬
‫الأ�سب���وع مب���ا فيه من ترويع يف اخل�ب�ر بتعر�ضي لالغت�صاب ترك���ت الأثر ال�سيئ لدى‬
‫عائلتي �ضمن احلامل التقليدي و رغمه كان من ال�ضروري تفعيل ما حدث يف الداخل‬
‫من متثيلية االحرتام التي عوملنا بها فما ح�صل لي�س فعال دعائيا لهذا النظام الذي‬
‫ب���د�أ يتف���كك من الداخل بقدر ما هو جتيي�ش للأخريات من �أجل اال�ستمرار فاالعتقال‬
‫مل يه���زم ثقتن���ا ومل ي���زدين �إال �إ�صرارا وثباتا ومل يرتك الأث���ر ال�سلبي الذي يق�صيني‬
‫ويقل����ص دور الن�س���اء ب�ش���كل عام من الرهاب الذي يخيفهن م���ن االعتقال و ملا لدورهن‬
‫من �أهمية يف ثورتنا التي هي ثورة يف الإدراك ملنتهى وجودنا الإن�ساين ومتردنا ففكرنا‬
‫احل���ر جعلن���ا ن�صوغ واقعا ناقال للتحرر ومقاوما يف العمق وحريتنا هي مبد�أ احل�ضارة‬
‫اجلدي���د و�أخالقه���ا ل���ذا �أق���وم ق�ص���دا بتحيي���د تخلف جمتمع���ي كيال ا�ستن���زف طاقتي‬
‫و�أتعام���ل م���ع م���ن ي�شبهني وي�ؤم���ن بالتغيري من �أج���ل م�ستقبل �أطف���ايل الذين تعلموا‬
‫م���ن جتربت���ي �أال يخاف���وا و�أن يثبتوا مبدركاتهم الفطرية �أن ه���ذا النظام لن يحتويهم‬
‫ويحقق �أحالمهم فكل من ي�ستب�سل من �أجل بقائه ويعول عليه بحجة نظرية امل�ؤامرة‬
‫و�أنن���ا واالند�سا����س و ن�ساهم بت�سلم الأ�صوليني �سدنة ال�سلطة و�إبادة الأقليات و �سنوثق‬
‫لتاري���خ ال�سوري�ي�ن �أن الدميقراطي���ة لي�ست جمرد �صن���دوق انتخاب و�أن ث���ورة التغيري‬
‫�ست�ضمن القانون الذي نت�ساوى به وحتت �سقفه بوحدتنا و �سلميتنا‬

‫قراءة يف كتاب التحليل النف�سي للمهجر واملنفى ‪...‬‬
‫ليون و ربيكا غرينربغ‬

‫يتناول ليون وربيكا غرينربغ يف كتابهما التحليل النف�سي للمهجر‬
‫واملنفى‪،‬العقد وامل�شاعر الأليمة التي ترتبط بكل هجرة ‪،‬بغ�ض النظر‬
‫ع��ن احل���االت ال��ف��ردي��ة‪.‬ويف ح���االت املنفى حيث ت�صبح ك��ل االع��را���ض‬
‫واخللفيات ا�شد كثافة و�أكرث معاناة و�أملاً‪.‬‬
‫م���������ص����ط����ل����ح «امل�����ن�����ف�����ى»ي�����������س�����ت�����خ�����دم ل����ل����اغ����ت����راب ال����ق���������س����ري‬
‫�أوال����ق����ه����ري‪،‬وه����ذا ي��ن��ط��ب��ق �أي�������ض���ا ع���ل���ى «ال�����ب�����دون»(ب�����دون ه���وي���ة)‬
‫و»املتنقل»و»امل�ستوطن»الخ‪.....‬و له عالقة بالنفي يف الع�صور القدمية‬
‫حيث كان اليونانيون ينفون مواطينيهم لأنهم اعتربوا النفي من ا�شد‬
‫العقوبات التي ميكن �أن تنزل باملواطن‪،‬وكانت على الأغلب لأ�سباب‬
‫�سيا�سية‪.‬‬
‫املنفي ال��ذي يبرت من وطنه وحميطه‪،‬عليه �أن يغادر حامال �أمل‬
‫الفقدان واخل�سارة دون توديع الأهل والأ�صدقاء‪.‬فالوداع هطق�سي‪،‬يهدف‬
‫اىل»حماية احلدود» كما يذكر �سان�شيز فريلو�سيو( ‪.)1983‬والرحيل هو‬
‫حدود‪،‬تفرق بني االلتئام والفراق‪،‬احلدود بني الراحلني والباقني‪،‬وبني‬
‫الغياب واحل�ضور‪.‬وعلى هذو احلدود تبد�أ فج�أة حالة القلق بني الثقة‬
‫يف اللقاء و اخلوف من عدمه‪.‬الراحل من دون وداع‪،‬ت�سيطر عليه حالة‬
‫من القلق والال�صرب اليائ�س‪،‬فيحاول اثناء رحلته تعوي�ض الوداع غري‬
‫املحقق من خالل ات�صاله هاتفيا كيما يخفف من وط�أة قلقه وارتباكه‪.‬‬
‫ف�سماع �صوت الآخرين (االه��ل واال�صدقاء)يتمتع بفعالية تعوي�ضية‬
‫و�إعادة اال�شياء اىل مكانها الطبيعي‪.‬‬
‫ال����وداع ه��ن��ا ي��خ��دم ك���درع واق ع��ل��ى احل����دود ال��ت��ي �ستقطع �صوب‬
‫البالد اجلديدة‪.‬هذا الدرع الواقي ال يكفي فقط لبث �أمل اللقاء ثانية‬
‫وح�سب‪،‬و�إمنا يكفي لتحمل عدم القاء �أي�ضا‪.‬‬
‫و�إذا مت الوداع ‪ ،‬ف�إنه يهيئ النف�س لفهم الرتاجيديا وتقبلها‪.‬طق�س‬
‫ال��وداع يتيح حتديدا افرتا�ضيا ملا هو غري معقول (مل��ا هو ع�صي عن‬
‫الفهم)‪،‬والتحديدات هي رموز لوجهات واجتاهات حمددة‪،‬يخطط لها‬
‫يف احلاالت الع�صيبة‪.‬‬
‫و�أول ���ش��يء ي�����س���أل عنه ال��وع��ي ه��و ‪�،‬إىل اي��ن ي��ذه��ب وك��ي��ف؟وه��ذا‬
‫الطق�س هو م�ؤ�شر رمزي يف�صل بكل و�ضوح ومنذ �أقدم الع�صور بني‬
‫عامل الأموات والأحياء‪.‬‬
‫املنفيون حرموا من طق�س الوداع الواقي‪،‬وعلى االغلب يرحل املنفي‬
‫ب�صورة فجائية عجولة‪.‬و�إ�ضافة اىل خماوفه هناك اخل��وف الناجم‬
‫عن ال��وداع الفا�شل‪.‬فيعي�ش الرحلة كمن يجتاز احل��دود بني مملكتي‬
‫االم��وات واالحياء‪،‬ويتحول يف �أعمق �أعماقه كل �أولئك الذين �أحبهم‬
‫ومل ي�ستطع توديعهم ويخ�شى من عدم ر�ؤيتهم اىل االبد‪،‬يتحولون اىل‬
‫�أموات مل يفرتق عنهم ب�شكل طبيعي ‪.‬كما ي�شعر يف الوقت نف�سه‪،‬ب�أنه‬
‫�إن�سان ميت بالن�سبة لهم‪.‬‬
‫العديد من املنفيني يعانون‪،‬من» �أعرا�ض النجاة» او (البقاء على‬
‫قيد احلياة)وهي حالة مر�ضية خا�صة تعر�ض لها كل من عانى من‬
‫االعتقاالت والتعذيب واملالحقات وفقدان �أف��راد من عائلته‪،‬والعامل‬

‫املوحد بني ه�ؤالء ال�ضحايا هو جتربتهم امل�شرتكة يف فقدان �أعزائهم‬
‫و�أماكنهم وحتمل الهوان واملذلة والتعذيب اجل�سدي والنف�سي‪ .‬االمر‬
‫الذي ي�ؤثر يف االح�سا�س بقيمة الذات والهوية‪.‬ونتيجة لذلك ‪،‬تت�صرف‬
‫ال�ضحية ب�لا م��ب��االة وف��ق��دان ال�شعولر �أو اجل��م��ود (ف��ق��دان احل�س‬
‫باحلياة)‪،‬او بحاالت من اختالل الإنية والت�صلد واخلوف املتطرف‪.‬‬
‫كما ي��واج��ه املنفي اع��را���ض االح�����س��ا���س ب��ال��ذن��ب �إزاء رف��اق��ه ممن‬
‫�سقطوا ‪،‬او عذبوا ومازالوا باملعتقل‪،‬وهذا االح�سا�س يعد �أر�ضا خ�صبة‬
‫للي�أ�س وزوال التوهمات وفقدان االمل‪.‬‬
‫‪،‬عرب عن هذا الو�ضع بالكلمات التالية‪»:‬ه�ؤالء ال�شباب يتم ّتعون‬
‫�أحياناً‪)1983(Mario Benedtti‬ماريو بينديتي الكاتب الروائي‬
‫املنفي ب�شجاعة االعتداد �أم��ام الر�صا�ص‪،‬وبالرغم من ذلك تنق�صهم‬
‫الثقة للوقوف بنف�س الثقة �أم���ام خيبات الأم��ل»(م��ن رواي���ة ربيع يف‬
‫الظل)‪.‬‬
‫وال ب��د ل��ه���ؤالء ال�شباب مم��ن حت��ل��وا بقناعات �سيا�سية وعر�ضوا‬
‫�أنف�سهم للخطر‪،‬البد لهم من اختبار �شجاعتهم يف تقبل مرارة الف�شل‬
‫واخل�سارة‪،‬ومل�س الواقع املختلف عن كل �أحالمهم والبدء ببناء تفا�صيل‬
‫حياتهم‪.‬‬
‫اللذان يواجههما بع�ض املنفيني‪،‬يعتربونهما �ضياع هوية معرفة‬
‫وم�شخ�صة‪ .‬ل���ذا جندهم‪Sakrallisierung‬االندماج وك�سر‬
‫«القد�سية»‬

‫ال يعرف��ون االطمئن��ان ويعرتيهم اخل��وف وحاالت‬
‫اجلنون‪:‬املنف��ي يع��اين �أك�ثر م��ن بقي��ة املهاجري��ن يف‬
‫ايجاد «مكان» له يف املجتمع اجلديد‪،‬لأنه غري قادر على‬
‫�إع��ادة خلق م��ا كان يف املا�ض��ي حم��ورا �أوقطبا حلياته‬
‫تت�ش��كل ل��دى املنف��ي مناعة ومقاوم��ة للزم��ن الراهن‪.‬‬
‫ويبق��ى يف «ت�ضارب»بني ريبة وغمو�ض احلياة ال�سابقة‬
‫و�سريته��ا الت��ي يعتربها احلي��اة الوحي��دة التي حتمل‬
‫قيم��ة حقيقية‪،‬وبني حيات امل�ستقبلية التي تتكثف من‬
‫خالل �أوهام العودة اىل موطنه اال�صلي‪.‬وهو وهم كلما‬
‫تزين باملثالية �أ�صبح حتقيقه بعيد املنال‪.‬‬
‫ه��ذا الرف���ض ل��كل م��ا ال يرتب��ط بالوط��ن اال�صلي‬
‫ول��كل مامي��ت للبل��د اجلديد‪،‬ه��و رف���ض يغط��ي ب�ين‬
‫طيات��ه الإح�سا���س بالذن��ب جت��اه الذي��ن بق��وا يف‬
‫الداخل‪،‬والغ�ضب �ضد الوطن الذي نبذه‪:‬الغ�ضب‪-‬و�إن‬
‫ب��دا �شيئا معقوال‪-‬يتم ا�سقاط��ه على البلد اجلديد ‪،‬يف‬
‫حني يتحول الوطن اىل حنني مثايل ال يفنى وال ينفذ‪.‬‬
‫وهو ا�شبه ما يكون باليتم‪.‬‬

‫ا�ستاذ منفي من امريكا الالتينية ويقيم يف ا�سبانيا ‪،‬يقدم �شهادته‬
‫قائال‪»:‬لقد عانيت من �أزم��ة الهوية واحل��زن واخل�سارة‪،‬والي�أ�س يف‬
‫ايجاد التعوي�ض املطلوب‪� .‬أح�س�ست بالغ�ضب والذنب والفرح‪،‬ووجدت‬
‫بداخلي امل��ق��اوم��ة وال��ق��ب��ول جت��اه احل�����ض��ارة اجل��دي��دة‪،‬وزي��ن��ت �أدوات‬
‫ح�ضارتي‬
‫وثقافتي املا�ضية باملثالية واالوهام‪.‬ولكن مع مرور الوقت ‪،‬تغريت‬
‫م��اه��ي��ة وم�����ض��ام�ين ال��ت�����ص��ور وااله�����داف‪ .‬وط��ب��ق��ا لرتكيبة ال��ع��وام��ل‬
‫الداخلية واخلارجية الديناميكية ب��رزت التناق�ضات املختلفة‪،‬فقد‬
‫�صارعت بني احلفاظ على هويتي وتغيريها يف �آن‪ .‬ويف كل االحوال‬
‫‪،‬نحن نبحث عن االم��ان �ضمن ظروف اخل�سارة وهذا يعني ‪،‬البحث‬
‫عن النجاة �أي�ضا‪� .‬إن ال�شخ�صية القوية واملتوازنة تتحلى ‪،‬رغم دراما‬
‫تيكية الظرف ‪،‬بقدرة التحمل وا�ستيعاب الآالم واالح��ب��اط وكذلك‬
‫حتمل ثقل الذنب �إزاء الأموات واملتبقني يف الوطن‪.‬كما يتمتع االن�سان‬
‫القوي بقدرة �أكرب على االنتظار وتغيري ظروف احلزن على الفقدان‪.‬‬
‫�إن حالة التوتر التي يحدثها املنفى تنعك�س �أي�ضا على احلياة‬
‫العائلية‪،‬وتنجم عنها �أزم����ات ج���دي���دة‪�،‬أو تن�شيط وجت��دي��د لأزم���ات‬
‫قدمية(موجودة �أ�صال)‪.‬على هذا ال�صعيد‪،‬ميكن للإح�سا�س بالذنب‬
‫ان ي���أخ��ذ حيزا كبريا عند ال�شخ�ص املنفي ال��ذي ي�شعر ب���أن��ه ورط‬
‫�أع�ضاء العائلة بذلك القدر من االمل واملعاناة‪.‬ومن املمكن جدا‪،‬ان‬
‫تتم تلك الإ�سقاطات على احلياة الزوجية �إذ ي�ضع كل طرف اللوم على‬
‫الطرف االخ��ر ‪،‬ب�سبب تعري�ض الأطفال مل�ستقبل غري �آم��ن و�صعب‬
‫وخال من الطم�أنينة‪.‬‬
‫ماريو بينديتي عرب عن ذل��ك بقوله‪......»:‬املنفى ي�سحق املرء‬
‫ويطحنه‪/‬املنفى يعني التعذيب‪/‬فال بد �أن يتم �إ�سقاط اللوم والذنب‬
‫على �أح���د م��ا (ا���س��ق��اط اخليبة واخل���وف )‪،‬وي��ك��ون ع���ادة على اق��رب‬
‫املقربني للإن�سان املنفي ‪»...‬‬
‫ه����ذا ال���ظ���رف اخل����اا�����ص ي���ق���وديف االغ���ل���ب اىل ت��ف��ري��ق ال��ع��ائ��ل��ة‬
‫واالنف�صال بني الزوجني ‪،‬وغالبا اىل الأبد‪.‬البع�ض ي�شعر ب�أنه مل‬
‫يلتفت اىل رعاية االطفال بال�شكل املطلوب‪:‬يف املا�ضي ب�سب االهتمام‬
‫اخلا�ص وامللح بن�شاطهم‪.‬والآن‪،‬لأنهم ي�شعرون بالف�شل واخليبة وعدم‬
‫مقدرتهم على ت�شكيل املوذج امل�ش�ص الذي ُيحتذى به �أمام االطفال‪.‬‬
‫�إن النق�ص يف اال���س��ت��ق��رار واالح�����س��ا���س «ب�سفر امل����رور ال��ع��اب��ر»‪-‬‬
‫طبقا لالعتقاد ب��ال��ع��ودة القريبة‪-‬يف�سران حالة الالاهتمام لدى‬
‫بع�ض امل��ن��ف��ي�ين‪،‬يف ا���س��ت��ع��ادة امل��ك��ان��ه االجتماعية واملهنية ال�سابقة‪.‬‬
‫والعك�س �صحيح �أي�ضا‪،‬حيث يزيد الت�صاعد االجتواعي لدى الكثري‬
‫منهم‪،‬االح�سا�س بالال�أمان وتخيالت جنون اال�ضطهاد‪.‬‬
‫�أما ال�ضرورة التي تدفع باملنفي للعمل من �أجل العي�ش ‪،‬يف عدة‬
‫جماالت مهنية خمتلفة الطابع ‪،‬واملغاالة باالرتباط مع الآخرين(على‬
‫عك�س حالة ال�لاارت��ب��اط ال�سابقة)تقودان اىل االح�سا�س باختالل‬
‫الإنية وفقدان ال�شخ�صية بحيث ي�صعب عليه تقبل �أو تقم�ص �أية‬
‫هوية �أخرى غري �شخ�صية «املنفي»‬
‫ذكرالعديد من املنفيني‪�،‬أن العامل املحيط بهم يبدو وك�أنه �سجنا‬

‫كبريا‪،‬لأنهم تعر�ضوا للمنع من البقاء يف املكان الوحيد الذي يودون‬
‫العي�ش فيه‪:‬يف الوطن‪.‬‬
‫وكل الذين عاي�شوا جتربة ال�سجن‪ ،‬ي�شعرون وك�أنهم «منفيون»لأن‬
‫الوجود داخل جدران ال�سجن يعني ‪،‬احلكم عليهم بالنبذ والنفي‪.‬‬
‫احد ال�صحفيني املنفيني الذين تناولهم الكتاب يقول‪:‬‬
‫«لقد مت احلكم على �أوالدنا �أن يكربوا �ضمن لغة غري لغتهم‪،‬وحكم‬
‫على �أعيننا �أن ت��رى ال�����ش��وارع واال���ش��ج��ار ال��ت��ي ال ن��ع��رف‪.‬ل��ق��د حكم‬
‫علينا ان ن�شهد كيف ميوت �أهلنا و�أجدادنا عرب ر�سائل الربيد‪،‬وكيف‬
‫ي��ول��د �أب��ن��اء الأخ���وة والأخ����وات ع�بر امل��ك��امل��ات التلفونية‪...‬ومع ذلك‬
‫‪،‬يبقى الأمل الأك�ب�ر ه��و ان ن��رى وطننا يبتعد كاملد واجل���زر البعيد‬
‫والغريب عنا‪,‬وكيف ان اج�سادنا تبد�أ رحلة ال��ت���أزم والإن��ه��اك باحثة‬
‫عن متك�أما‪�:‬أج�سادنا تبد�أ –رغما عنها ورمبا اىل االبد‪-‬االعتياد على‬
‫بلد مل نخرته ب�إرادة حرة‪� .»...‬إن عبارة «رمبا اىل االبد»حتمل مغزى‬
‫تراجيديا‪�:‬إنه تعبري عن اخلوف من املوت الذي ال يرحم‪.‬فاالن�سان‬
‫يتناول املوت يف املخيلة البدائية «ك�إحتاد مع الأجداد»‪.‬هذه اال�ستعارة‬
‫تخبئ بني طياتها هم الفرد ال��ذي يود اختبار نهايته فيه‪،‬والرغبة‬
‫يف العودة �إىل �أر�ض االجداد تظهر كمخيلة فانتازية ال واعية تعادل‬
‫العودة اىل �أح�ضان الأم‪.‬‬
‫واملوت بعيدا»يف �أر�ض الغربة»‪،‬يحمل موتا �أكرث من املوت نف�سه‪�:‬أال‬
‫وهو ا�ستحالة العودة‪-‬احللم‪.‬‬

‫عالقة املعتقل ال�سابق ب�صورته‬
‫حتى �أواخ����ر �سبعينات ال��ق��رن الع�شرين ك��ان��ت ���ص��ورة املعتقل‬
‫ال�سيا�سي يف �سوريا حمفوفة بالهيبة وال��ن��درة والأ���س��ط��ورة‪ .‬بعد‬
‫ذلك �أخذ يغمرها االبتذال لكرثة عدد املعتقلني ال�سابقني وخلروج‬
‫ك��ث�يري��ن م��ن��ه��م "مك�سورين"‪ .‬م���ع ذل���ك ث��م��ة درج����ة م���ن ال�سحر‬
‫والأ���س��ط��ورة حتيط ب�صورة املعتقل ال�سيا�سي‪ ،‬باخل�صو�ص ال��ذي‬
‫يعود �إىل االنخراط يف العمل العام‪ .‬وهو ما ينطبق على الي�ساريني‪.‬‬
‫ول�ل�أ���س��ف‪ ،‬ه��ن��ا �أي�����ض��ا‪ ،‬ال �أم��ل��ك م��ع��ل��وم��ات م��وث��وق��ة ع��ن ال�سجناء‬
‫الإ�سالميني‪ .‬لكن م‪ .‬ب الذي �س�أورد معلومات �أو�سع عنه بعد قليل‬
‫ير�صد �أن���ه و�أم��ث��ال��ه "من ال��ت��ي��ار الإ���س�لام��ي يحظون بثقة عالية‬
‫واحرتام كبري" بني عموم النا�س‪" ،‬وال�سيما يف الأيام التي يربز فيها‬
‫�أثر ف�ساد النظام وت�شتد ال�ضائقة على املواطنني"‪.‬‬
‫بيد �أن ال�سحر ذاك مق�صور على دوائر حمدودة ن�سبيا ويت�صف‬
‫ب�سهولة التبدد‪ .‬يخرج املعتقل من ال�سجن حامال "ر�أ�سماال رمزيا"‬
‫مهما‪ ،‬لكنه �ضعيف امل��رون��ة‪ :‬يتبدد ف��ور ا�ستخدامه‪ ،‬و�شرط بقائه‬
‫هو �أن ال ي�ستخدم‪ .‬فاملعتقل الذي ي�ستخدم ر�أ�سماله لنيل �أف�ضليات‬
‫خا�صة‪ ،‬مادية �أو عاطفية‪� ،‬سرعان ما تتدهور قيمة ر�أ�سماله‪ .‬واملعتقل‬
‫الذي يتوقع �أن حتبه الن�ساء‪� ،‬أو يبيح لنف�سه اال�ستفادة من ر�أ�سماله‬
‫الرمزي ل�صيد الن�ساء‪ ،‬يتبهدل ب�سرعة‪ .‬واملعتقل ال��ذي يكرث من‬

‫الكالم على ما قا�ساه يف ال�سجن يجازف ب�أن يثري نفور منه النا�س‪.‬‬
‫وال��واق��ع �أن هناك داف��ع��ا غ�ير م��درك عند املعتقلني ال�سابقني‬
‫كافة لتطلب رعاية خا�صة من الآخرين �أو لال�ستفادة من و�ضعهم‬
‫كمعتقلني �سابقني‪ .‬ال�سجن يف �أحد وجوهه رحم حنون يلقى ال�سجني‬
‫فيه عطف وعناية �أ�سرته وتقدير معارفه �إن كانت الزيارة ممكنة‬
‫(ويف وجه �آخر هو رحم ياب�س لأم قا�سية‪ ،‬يخنق ال�سجني وي�ضغط‬
‫عليه‪ ،‬وقد يقتله)‪ .‬لذلك‪ ،‬كل �سجني دون ا�ستثناء‪ ،‬يحمل نزوعا ال‬
‫�شعوريا للبقاء يف ال�سجن �أو لال�ستفادة من ميزات احلياة ال�سجنية‬
‫املناظرة للحياة الرحمية‪ .‬قد يتجلى ذلك يف تذكري م�ستمر ب�أنه كان‬
‫يف ال�سجن‪� ،‬أي يف مبادرة ال�سجني �إىل �سجن نف�سه يف �صورة ال�سجني‬
‫ال�سابق‪ .‬ل�سان حاله يقول‪� :‬أحبوين! اهتموا بي! اعتنوا ب�ش�ؤوين!‬
‫"احرتموا ن�ضايل"! لقد ق�ضيت ك��ذا �سنة يف ال�سجن! ولقد‬
‫تعر�ضت لكذا وكذا من التعذيب! ثمة �شيء من الطفالة يف ذلك‪،‬‬
‫مينع ال�سجني من �أن يكرب‪ .‬ك�أنه يرف�ض اخل��روج من ال�سجن‪� ،‬أو‬
‫يحتج على هذا اخلروج‪� .‬إن ال�شخ�ص الذي يختزل نف�سه �إىل �سجني‬
‫�سابق يف�شل بالفعل يف �أن يعيد ت�أهيل نف�سه حلياة جديدة وتاريخ‬
‫جديد‪ .‬وكم هو �شائع يف �أو�ساطنا‪ ،‬نحن مع�شر ال�سجناء ال�سيا�سيني‬
‫ال�سابقني الناجني‪ ،‬احلنني �إىل �أيام ال�سجن التي تكت�سب �شيئا من‬
‫الربيق بعد �أن تن�أى عنا(‪.)15‬‬
‫وق��د ي��ب��دو غريبا‪� ،‬إذن‪� ،‬أن���ه‪ ،‬رغ��م ان�����ش��داده��م �إىل ال�سجن‪ ،‬مل‬
‫يكتب ال�سوريون �سجنهم‪ .‬هذا رمبا لأنهم مل ينف�صلوا عنه‪� ،‬أو ال‬
‫يريدون االنف�صال عنه‪ .‬فلكي نكتب عن ال�سجن ال يكفي �أن نخرج‬
‫منه‪ ،‬ينبغي �أن نتحرر نهائيا من احلنني �إليه ومن دافع اال�ستفادة‬
‫منه كما قد ي�ستفيد مري�ض من مر�ضه‪� .‬إننا ال نكتب ال�سجن‪ ،‬ما‬
‫يقت�ضي �أن ننف�صل عنه‪ ،‬لأن��ه ال ي��زال م�شروعا نف�سيا �أو معنويا‪،‬‬
‫�أو حتى ماديا‪ ،‬رابحا‪ .‬ولعل االنف�صال عن ال�سجن غري ممكن دون‬
‫�أن ينال ال�سجناء حريات وحقوقا مادية ومعنوية ت�ساعدهم على‬
‫�إدارة ظهورههم لل�سجن‪� .‬إن املعنى ال�سيا�سي ل��ذل��ك ه��و ان��ط��واء‬
‫�صفحة النظام ال�سيا�سي احلايل‪ ،‬املحرو�س بال�سجن‪ ،‬واقعا وفكرة‬
‫ومنعك�سات �شرطية‪.‬‬
‫لي�ست قليلة‪� ،‬أخ�يرا‪ ،‬ن�سبة ال�سجناء ال�سابقني "املتحررين من‬
‫الأوهام"‪� ،‬أي الذين ينظرون �إىل ما�ضيهم ال�سيا�سي ب�سلبية �أو حتى‬
‫ب���ازدراء‪ .‬بعد خروجه من ال�سجن‪ ،‬مل يكتف غ‪ .‬خ بقطيعة مطلقة‬
‫مع رفاقه ال�سابقني وكل ما يذكر بن�شاط �شبابه‪ ،‬بل قاطع �شقيقته‬
‫ال��ت��ي �أح��ب��ت ث��م ت��زوج��ت معتقال �سيا�سيا �سابقا‪ .‬بع�ض املعتقلني‬
‫ال�سابقني جعلوا من موقفهم هذا ق�ضية عامة و"ر�سالة" �شخ�صية‬
‫لهم‪ ،‬و�أخ��ذوا يهاجمون �أحزابهم �أو الن�شاط املعار�ض ككل‪� ،‬ساعني‬
‫�إىل ك�سب �أنا�س �آخرين لهذا املوقف‪.‬‬
‫يا�سني احلاج �صالح‬

‫معتقل الراأي‬
‫والتاأثر االإجتماعي‬
‫لتجربة االعتقال‬

‫ال تنتهي معناة املعتقل ال�سيا�سي اأو معتقل الراأي يف املجتمعات‬
‫العربية مبجرد االإفراج عنه ‪ ،‬بل متتد اإىل فرتة قد ت�ستمر طوال‬
‫ف ــرتة حيات ــه ‪ ،‬حيث يواجه حميطه االأ�س ــري و االجتماعي و الذي‬
‫غالب ــا ال يتقبل جتربته و يطل ــق عليها اأحكاما �سلبية ‪ ،‬مما ي�ساهم‬
‫اإىل درج ــة كب ــرية يف معانات ــه و يف عرقل ــة اجله ــود الت ــي يبذله ــا‬
‫ال�ستعادة مكانته يف االأ�سرة و املجتمع‪.‬‬
‫يف تقري ــر حت ــت عنوان « دروب ما بعد املعتق ــل اأو�ساع املعتقلني‬
‫ال�سيا�سي ــني ومعتقل ــي الراأي املفرج عنهم يف �سوري ــة» و الذي اأعده‬
‫كل من د‪.‬ح�سام ال�سعد و املحامية رزان زيتونة عام ‪ ، 2006‬مت تناول‬
‫ع ــدة حماور و منه ــا « االآث ــار االجتماعية والنف�سي ــة على ال�سجني‬
‫ال�سيا�س ــي يف �سوري ــة» ‪ ،‬حي ــث مت ــت درا�س ــة املح ــور م ــن اجلان ــب‬
‫التطبيقي و ذلك عن طريق « مقابلة عدد من ال�سجناء ال�سيا�سيني‬
‫بف ــرتات زمنية خمتلفة‪ ،‬للحديث ع ــن جتربتهم وعالقتها بكل ما‬
‫ي�س ــكل حميطه ــم اخلا� ــص والعام‪ ،‬عل ــى م�ستوى االأ�س ــرة واالأقارب‬
‫واملجتم ــع املحي ــط‪ .‬ومت كذل ــك ر�س ــد ع ــدد من احل ــاالت اخلا�سة‪،‬‬
‫مث ــل الطالق القانوين‪ ،‬والط ــالق النف�سي‪ ،‬واالنف�سال‪ ،‬وذلك من‬
‫ال�سجن ــاء الذين عانوا م ــن تلك التجربة واأثرت ب�سكل مبا�سر على‬
‫حياتهم اخلا�سة والعامة كذلك»‪)1(.‬‬
‫و تب ــني اأن مكان ــة و دور الفرد داخل اأ�سرته يتغري مع غيابه يف‬
‫املعتقل و بالتايل يجد �سعوبة يف التكيف مع واجباته االجتماعية ‪،‬‬
‫و اأن بنية و ثقافة االأ�سرة يلعب الدور االأكرب يف قبول اأو عدم قبول‬
‫العم ــل ال�سيا�س ــي الأحد اأفرادها مع التاأكي ــد اأن تعاطف املحيط مع‬
‫ال�سج ــني يب ــدو يف الف ــرتات االأوىل م ــن االإفراج عن ــه‪ ،‬لكن اخلوف‬
‫االأمن ــي يب ــدو حا�س ــرا و بق ــوة ‪ .‬و يف بع� ــص احل ــاالت توؤث ــر عالقة‬
‫اأ�س ــرة م ــع ال�سج ــن ب�سكل �سلب ــي عل ــى امل�ستقبل املهن ــي و الوظيفي‬
‫الأفراده ــا و ي�سبح االأمر مبثابة عقاب جماعي‪ .‬مما يوقع ال�سجني‬
‫يف اأزم ــة مركب ــة و مت�سعب ــة مل ــا يرتك ــه ه ــذا العقاب م ــن منعك�سات‬
‫�سلبية يف العالقة االأ�سرية‪.‬‬
‫كما تاأخذ املراأة ق�سطا اأكرب من النتائج ال�سلبية لتجربة العمل‬
‫ال�سيا�س ــي الأ�سب ــاب عديدة « ترتكز جميعها ح ــول البنية الذكورية‬
‫للمجتمع وموقع املراأة املتدين يف ال�سلم الرتاتبي لالأ�سرة بو�سفها‬

‫احللقة االأكرث �سعفا‪ )....( .‬فمع اأن كثريا من االأ�سر ترف�ص عمل‬
‫امل ــراأة ال�سيا�س ــي وت�ستنك ــر عليها اهتمامه ــا بال�ساأن الع ــام‪ ،‬الأ�سباب‬
‫�سيا�سي ــة واأخالقي ــة‪ ،‬باملعن ــى ال�سيق‪ ،‬فاإن هناك الكث ــري من االأ�سر‬
‫الت ــي �س ّرع ــت الأفرادها م ــن الن�ساء العم ــل ال�سيا�سي‪ ،‬لظ ــروف اإما‬
‫خا�س ــة باالأ�س ــرة اأو بامل ــكان‪ -‬البيئة التي تتواجد فيه ــا‪ .‬اإ�سافة اإىل‬
‫دور املن ــاخ الع ــام يف م ــدى قب ــول املجتم ــع لهك ــذا جت ــارب‪ ،‬للرج ــال‬
‫والن�ساء على حد �سواء‪)2(.».‬‬
‫لك ــن « (‪ )...‬القب ــول االجتماع ــي ال يعن ــي نهاي ــة االأزم ــة اأو‬
‫جتاوزه ــا‪ ،‬اإذ يدخ ــل املتغ ــري االقت�س ــادي ليلع ــب دوره الكب ــري هنا‪،‬‬
‫وال�سيم ــا اإن كان هن ــاك اأوالد لل�سجن ــاء‪ )...(.‬وي ــربز العام ــل‬
‫االقت�س ــادي كعن�س ــر توازن وا�ستقرار م ــن �ساأنه اأن ي�سهم يف جتاوز‬
‫ال�سجني لكثري من املنعك�سات ال�سلبية عليه»(‪. )3‬‬

‫« وت��ربز باملقاب��ل م�سكل��ة ‪ -‬اأزم��ة عل��ى درج��ة م��ن‬
‫احل�سا�سية والتاأثر‪ ،‬وه��ي العالقة مع االأبناء‪ ،‬ال�سيما‬
‫الأولئ��ك ال�سجن��اء الذين ق�س��وا فرتات زمني��ة طويلة‬
‫داخ��ل ال�سج��ن‪ ،‬وبع��د خروجهم وج��دوا اأبنائهم وقد‬
‫كربوا ‪Ã‬كونات نف�سية واجتماعية بعيدة عن اإ�سرافهم‬
‫املبا�س��ر»‪ (4).‬و ق��د عان��وا بدوره��م عل��ى اعتباره��م‬
‫اأبن��اء �سجناء – �سيا�سيني ‡ا ي�سكل �سعوبة يف تعاطي‬
‫ال�سجناء مع اأوالدهم‪.‬‬

‫اإن غي ــاب ال�سيا�س ــة عل ــى جمتمعن ــا ال متن ــح الأف ــراده احل ــق‬
‫باختيارات ــه ال�سيا�سي ــة ‪ ،‬و بالت ــايل ال يح�س ــل الف ــرد عل ــى ج ــو من‬
‫القب ــول االأ�س ــري ل�س ــرورة عمله ال�سيا�س ــي ‪ .‬لكن امل�ساأل ــة تبقى يف‬
‫حدوده ــا الفردي ــة و على م�ستوى التجرب ــة‪ ،‬لكنها و يف الوقت ذاته‬
‫جتم ــع كل املعتقل ــني ال�سيا�سي ــني يف اإط ــار معاناة تتف ــاوت درجاتها‬
‫م ــن �سخ� ــص الآخ ــر فكل من خرج م ــن املعتقل قد عان ــى «(‪ )...‬من‬
‫اإ�سكالية اندماج‪ ،‬تبدو �سيا�سات ال�سجن واآليات عملها هي امل�سوؤولة‬
‫عنه ــا بالدرجة االأوىل‪ )....( .‬من املحتمل اإيجاد �سعوبة كبرية يف‬
‫جتاوزها بعد اخلروج»(‪.)5‬‬

‫)‪ (1‬دروب ما بعد املعتقل اأو�ساع املعتقلني ال�سيا�سيني ومعتقلي الراأي املفرج عنهم يف �سورية ‪،‬‬
‫اإعداد د‪.‬ح�سام ال�سعد و املحامية رزان زيتونة‪ ،‬اآب ‪� ، 2006‬س ‪11‬‬
‫)‪ (2‬نف�سه �س ‪15،14‬‬
‫)‪ (3‬نف�سه �س ‪17‬‬
‫)‪ (4‬نف�سه �س ‪18‬‬
‫)‪ (5‬نف�سه �س ‪10‬‬
‫ملن يود االطالع على كامل التقرير على الرابط ‪http://www.mokarabat.com/s1692.htm :‬‬

‫�شروط ما بعد ال�سجن‬
‫هناك عدد من العوامل التي حتدد كيف يعي�ش املعتقل ال�سابق بعد‬
‫الإف���راج عن���ه‪� .‬أولها‪ ،‬كيف عا�ش ال�سجن‪ ،‬وهو ما يتحدد بدوره بكيفية‬
‫تفاعله مع التحقيق‪ ،‬وما يواكبه روتينيا من تعذيب‪ .‬فال�سجني الذي‬
‫"انهار"‪ ،‬يعاين ال�سجن اكرث من �سجني "�صمد"‪ ،‬ومن قاد املخابرات‬
‫�إىل �أح���د رفاق���ه يحم���ل �شع���ورا بالذنب قد يكون باهظ���ا خالفا ملن مل‬
‫يفع���ل‪ .‬وثانيه���ا‪� ،‬سنه وحالته العائلية وم�ست���وى الدخل املتاح له‪ .‬و ْقع‬
‫ال�سج���ن عل���ى ال�شاب �أقل ممن هو �أكرب �سن���ا‪ ،‬والعازب �أقل من املتزوج‪،‬‬
‫وم���ن ال �أوالد لدي���ه �أقل مم���ن لديه �أوالد‪ ،‬وال�صحي���ح اجل�سم �أقل من‬
‫املري����ض‪ ،‬وم���ن يت���اح ل���ه دخل معق���ول غري م���ن ال يتوفر ل���ه مثل هذا‬
‫الدخ���ل‪ .‬وكانت حي���اة التكافل التي يعي�شها ال�سجن���اء يف الغالب تعمل‬
‫على احلد من ت�أثري هذا العامل الأخري‪ ،‬بنجاح حقيقي �أحيانا‪.‬‬
‫تتح���دد كيفي���ة احلي���اة يف ال�سجن �أي�ضا بنوعي���ة ال�سجن ذاته‪ ،‬وما‬
‫ق���د يتوفر فيه م���ن �أدوات ومرافق‪ ،‬تتيح لل�سجن���اء تروي�ض الوقت‪� ،‬أو‬
‫حت���ى فت���ح �صفحة جدي���دة من حياتهم‪ :‬وج���ود الكت���ب ي�ساعد‪ ،‬وجود‬
‫�أدوات طب���خ ي�ساع���د‪ ،‬الزي���ارة الدوري���ة ت�ساع���د ال�سج�ي�ن عل���ى ط���رد‬
‫الزم���ن املرتاك���م داخ���ل ال�سج���ن وتقري���ب زمن���ه ال�شخ�ص���ي م���ن زمن‬
‫حياة �أ�سرته يف اخلارج وزمن احلياة العامة‪ .‬ومن البديهي �أن �شروط‬
‫حي���اة املعتقل�ي�ن الإ�سالمي�ي�ن‪ ،‬ب�ص���ورة خا�ص���ة يف �سج���ن تدم���ر‪ ،‬كانت‬
‫بالغ���ة الق�س���وة‪ ،‬خللوها بالكامل مما ي�ساع���د على حتمل ال�سجن‪ ،‬لكن‬
‫كذل���ك لأنها حياة تعذيب يومي وع�شوائ���ي طوال قرابة ع�شرين عاما‬
‫يف بع����ض احلاالت‪� .‬إن �سجون���ا مثل امل�سلمية يف حلب وعدرا و�صيدنايا‬
‫ق���رب دم�ش���ق تتيح للمعتقل �إقامة درجة م���ن التوا�صل بني حياته قبل‬
‫ال�سجن وحياته يف ال�سجن‪ .‬وتاليا‪ ،‬ي�سهل عليه اعتبار ال�سجن مرحلة‬
‫ع�ضوية من حياته‪� .‬أما �سجن تدمر فيقيم قطيعة جذرية بني احلياة‬
‫في���ه واحلي���اة قبل���ه‪ ،‬لذل���ك يعت�ب�ر زمن���ا مه���دورا يف �أح�س���ن الأح���وال‬
‫وح�سما من العمر يف �أغلبها ال�سيئ‪.‬‬
‫على �أن املحدد الأهم لكيفية احلياة يف ال�سجن‪ ،‬وللحياة بعده‪ ،‬هو‬
‫املدة التي يق�ضيها ال�سجني فيه‪ .‬وقد يبدو للوهلة الأوىل �أنه كلما طال‬
‫املق���ام يف ال�سج���ن ازداد �صعوبة‪ .‬لكن الأمر لي����س كذلك دائما‪ .‬الفرتة‬
‫الأوىل تكون قا�سية دوما‪ .‬وهي ت�ستغرق عاما �أو عامني �أو �أكرث‪ ،‬ح�سب‬
‫�س���ن ال�سجني (املت���زوج والأب تكيفه �أ�صعب بكث�ي�ر)‪ ،‬وطبعه‪ ،‬و�شروط‬
‫احلي���اة مب���ا فيه���ا الزي���ارة الدوري���ة‪ ،‬وكذلك وج���ود �سجن���اء قبله(‪.)7‬‬
‫بع���د ال�سن���وات الأوىل‪ ،‬قد "ي�ستحب����س" ال�سج�ي�ن وي�ستوطن ال�سجن‪،‬‬
‫و"يرتح���رح" بتنا�س���ب ط���ردي م���ع ط���ول املق���ام يف ال�سج���ن‪ .‬ال�سجني‬
‫�ستح ِب�س" �شخ�ص يبدو ك�أنه ولد يف ال�سجن فال يعي�ش يف انتظار‬
‫"امل ُ ْ‬
‫دائ���م لإط�ل�اق �سراح���ه‪ ،‬خالفا ل�سج�ي�ن مل ي�ستحب�س ويق����ض �سنوات‬
‫�سجن���ه انتظارا مم�ضا(‪ .)8‬عل���ى �أن هذا ينطبق على ال�سجناء ال�شبان‪،‬‬
‫غري املتزوجني‪ ،‬الذين يتي�سر لهم دخل معقول‪ ،‬والذين ميكن لهم �أن‬
‫يفتح���وا �صفح���ة جديدة يف ال�سجن‪ .‬لقد بلغ���ت �شخ�صيا �أعلى مراحل‬
‫"اال�ستحبا�س" بعد وفاة والدتي عام ‪ ،1990‬وبدرجة �أكرب بعد الإفراج‬
‫ع���ن �أخ���ويّ يف نهاية عام ‪ .1991‬لكن ال ا�ستحبا�س يف �سجن تدمر‪� ،‬إذ ال‬

‫ميكن للمرء �أن ي�ألف التعذيب واخلوف اليومي‪.‬‬
‫العامل املهم جدا اي�ضا الذي يحدد كيف يعي�ش ال�سجني يف اخلارج هو‬
‫كيفية الإفراج عنه‪ .‬الفارق النف�سي واملعنوي كبري بني من يخرج "مو ّقعا"‬
‫عل���ى "التع���اون" م���ع �أجه���زة الأم���ن‪ ،‬ومن مل يوق���ع؛ بني م���ن يجرب على‬
‫زي���ارة ف���روع الأم���ن دوري���ا وب�ي�ن م���ن ال يزوره���ا �أب���دا‪ .‬معظ���م ال�سجن���اء‬
‫الي�ساري�ي�ن ال ي���زورون ف���روع الأمن‪ ،‬حتى لو كانوا وقع���وا على "التعاون"‬
‫معه���ا مقابل الإفراج عنهم‪ .‬بينما الإ�سالميون مكرهون على جت ّرع مذلة‬
‫زي���ارات دوري���ة له���ا‪ :‬م���رة كل �شهر �أو �شهري���ن �أو ثالثة‪ .‬لي����س ثمة قاعدة‬
‫م�ستق���رة‪ .‬ه���م‪ ،‬عل���ى العموم‪ ،‬حتت رحم���ة �أجهزة اعتباطي���ة تت�صرف على‬
‫هواها‪ .‬هذا ينطبق حتى على من �أفرج عنهم منذ ‪ 15‬عاما‪.‬‬
‫الظ���روف العامة بعد الإفراج عامل مهم �أي�ضا‪ .‬الي�ساريون الذين‬
‫�أف���رج عنه���م بعد عام ‪ 2000‬خرجوا �إىل جمتم���ع �أقل هلعا‪ ،‬و�إىل �أجهزة‬
‫�أم���ن �أدن���ى جربوت���ا‪ ،‬و�إىل رفاق لهم يعمل���ون عالنية يف املج���ال العام‪.‬‬
‫ه���ذا ي���رمم معنوياته���م ب�سرع���ة ويدجمه���م يف ع���امل ما بع���د ال�سجن‬
‫ب�سرعة �أي�ضا‪ .‬ويوفر كذلك �شبكة من العالقات واملعونات التي ت�سهل‬
‫�إعادة ت�أهيلهم‪ .‬الإ�سالميون �أي�ضا ا�ستفادوا من �شرط �أقل ق�سوة‪ ،‬و�إن‬
‫بقي���ت احلواج���ز املن�صوب���ة دون دخولهم املجال الع���ام مرتفعة كحالها‬
‫منذ �أواخر ال�سبعينات‪.‬‬
‫تتدخ���ل �أي�ض���ا عوامل من ن���وع حالة �أ�سرة ال�سج�ي�ن بعد خروجه‪.‬‬
‫باخل�صو�ص م�ستوى الدخل ودرجة متا�سك الأ�سرة وقدرتها على دعم‬
‫املعتقل خالل فرتة ب�ضع ال�شهور الأوىل القا�سية‪ ،‬التي يحتاج فيها �إىل‬
‫رعاي���ة خا�ص���ة‪ .‬ال حاجة �إىل القول �أن املعتقلني ال�سيا�سيني ال�سوريني‬
‫مل يتلقوا دعما ماديا �أثناء اعتقالهم وال بعده‪ ،‬ال من النظام الذي ما‬
‫انفك يعتربهم �أعداء‪ ،‬وال من �أية منظمات دولية‪ .‬لقد حتملت ع�شرات‬
‫�أل���وف الأ�س���ر عبئا باهظا طوال �سنوات غي���اب �أبنائها �أو معيليها‪ ،‬عبئا‬
‫معي�شي���ا و�أمني���ا‪� ،‬إذا لطاملا اعت�ب�رت �أ�سر املعتقل�ي�ن م�شبوهة‪ ،‬وتعر�ض‬
‫�إخوته���م و�أخواته���م و�أقاربه���م ل�ضغ���وط �أمني���ة متنوعة‪ ،‬ت�ت�راوح بني‬
‫ا�ستدع���اءات متك���ررة �إىل حج���ب املوافق���ات الأمني���ة عنه���م للعم���ل يف‬
‫�إدارات الدول���ة وم�ؤ�س�ساته���ا‪ ،‬وباخل�صو����ص التعليم‪ .‬ومل���ا كانت الدولة‬
‫ه���ي رب العمل الأ�سا�س���ي‪ ،‬ف�إن هذا يعني رمي �أك�ث�ر املعنيني للبطالة‪.‬‬
‫لق���د تولت الأ�سرة ال�سورية وحده���ا �أعباء �إعادة ت�أهيل �ألوف املعتقلني‬
‫املف���رج عنه���م‪ ،‬ج�سدي���ا ونف�سي���ا واجتماعي���ا ومهنيا‪ ،‬وق���د كانت مهمة‬
‫ع�س�ي�رة‪ ،‬وم�ستحيل���ة يف بع����ض احلاالت‪ ،‬حني كان العائ���د من ال�سجن‬
‫ي�شكو من مر�ض ع�ضال يف ج�سمه �أو يف روحه‪.‬‬
‫والواق���ع �أن ال�ضغط الذي متار�سه الأ�س���رة ال�سورية على ع�ضوها‬
‫املعتق���ل‪ ،‬ح�ي�ن يكون �سجينا‪� ،‬أو على �أع�ضائه���ا الآخرين كيال يتورطوا‬
‫يف عم���ل عام ي���ورد لالعتقال وال�سجن‪ ،‬يعك�س ما تتعر�ض له هي ذاتها‬
‫م���ن �ضغ���ط يف غيابه���م‪ ،‬وحقيقة �أنه���ا �ستتحمل دون ع���ون احت�ضانهم‬
‫ومعاجل���ة �آالمه���م النف�سية واجل�سدي���ة بعد عودتهم‪ .‬وه���ي يف الغالب‬
‫تنجح يف ما انتدبت نف�سها له‪ ،‬لكن ثمن ذلك هو احلجر على �أع�ضائها‬
‫�سيا�سي���ا (كم���ا كان يحج���ر عل���ى مر�ضى الطاع���ون يف �أزمن���ة �سالفة)‪،‬‬

‫واالنكف���اء على ذاتها‪ ،‬واحت���كار حياة �أع�ضائها العامة �أو الإ�شراف على‬
‫جوانبها كافة‪.‬‬
‫به���ذه الطريق���ة‪� ،‬أي بح���رق الأر����ض االجتماعي���ة ال�سوري���ة كي ال‬
‫تنب���ت عليه���ا �أح���زاب �سيا�سية ومنظم���ات اجتماعية م�ستقل���ة‪ ،‬ا�ستطاع‬
‫نظ���ام الرئي����س حافظ الأ�س���د �أن ي�ص���ادر احلياة ال�سيا�سي���ة لل�سوريني‬
‫ويطرده���م م���ن املج���ال الع���ام‪ .‬و�إىل جمال ع���ام �سكنه اخل���وف‪ ،‬و�أجلي‬
‫عنه عموم ال�سكان‪ ،‬خرج �أكرث املعتقلني ال�سيا�سيني ال�سوريني‪.‬‬

‫جمتمع �سجناء �سابقني؟‬

‫ه���ل ي�صح الكالم على جمتمع من املعتقلني ال�سيا�سيني ال�سابقني‬
‫يف �سوري���ا؟ بتحف���ظ �شدي���د فقط‪ .‬فقد �آل���ت �سيا�سات النظ���ام العنيفة‬
‫�إىل متزي���ق املجتمع ال�سوري ذاته‪ ،‬وعزل النا�س عن بع�ضهم‪ ،‬وحرا�سة‬
‫العزلة هذه باخلوف والريبة‪ .‬وبعد ع�شرين عاما من اخلوف والعزلة‬
‫�آلت �شبكات العالقات الأفقية بني �سكان البالد �إىل اال�ضمحالل‪ ،‬فيما‬
‫�أ�ضحت ال�سلطة‪ ،‬و�أجهزة الأمن يف قلبها‪ ،‬املمر الإلزامي لأية عالقات‬
‫بينهم‪ ،‬حتى "احلميدة" منها‪ .‬من باب �أوىل‪� ،‬إذن‪� ،‬أال نتوقع نظاما من‬
‫عالقات متنوعة يربط بني �أفراد الفئة التي مثلت يف �أعني ال�سوريني‬
‫امل�صري الذين ي�سعون �إىل جتنبه ما ا�ستطاعوا‪.‬‬
‫ي�ضاف �إىل مفعول اخلوف املبعثرِ واملو ِّلد للعزلة حاجة املعتقلني‬
‫�إىل �إعال���ة �أنف�سه���م و�أ�سره���م م���ن �أج���ل ا�ستع���ادة احرتامه���م لذواتهم‬
‫و�إحي���اء الثق���ة بقدراته���م ال�شخ�صية‪ .‬يعود �أكرث الط�ل�اب اجلامعيني‬
‫ملتابع���ة درا�سته���م‪ ،‬ويبح���ث �أرب���اب الأ�س���ر ع���ن �أعم���ال تتي���ح لهم دخال‬
‫يعتا�شون منه ويعيلون �أ�سرهم‪ .‬يندمج املحظوظون يف م�شاريع عائلية‪،‬‬
‫�أو يلقون دعما ماديا قويا ميكنهم من الوقوف على �أقدامهم ب�سرعة‪.‬‬
‫يف كل احل���االت ي�ستهلك هذا اجله���د وقتا كبريا‪ ،‬يكون يف الغالب على‬
‫ح�س���اب االهتم���ام بال�ش����ؤون العامة‪ ،‬وخ�صما من بن���اء عالقات جديدة‬
‫والتع���رف عل���ى �أ�شخا����ص ج���دد‪ .‬يعزز من ه���ذا ال�ش���رط �أن معظم من‬
‫حافظ���وا على درجة من التما�سك ال�شخ�صي من املعتقلني ال�سيا�سيني‬
‫ال�سابقني يتملكهم �شعور ب�ضرورة �إجناز �أكرث ما ميكن يف الوقت املتاح‬
‫يق�صر الروابط حتى مع زمالء ال�سجن ال�سابقني‪ ،‬دع‬
‫لهم‪ .‬هذا بدوره ّ‬
‫عنك جتريب التعرف على �أو�ساط جديدة‪.‬‬
‫عل����ى �أن املالحظ����ة امل�ؤك����دة تثب����ت �أن ال�سجناء الي�ساري��ي�ن ال�سابقني‬
‫�أق����رب �إىل ت�شكي����ل "جمتم����ع"‪� ،‬أي �شبكة عالقات �شخ�صي����ة تتيح جلميع‬
‫املنخرط��ي�ن فيه����ا اال�ش��ت�راك يف خ��ب�رات �سابقيه����م ومعلوماته����م‪ ،‬ومتد‬
‫القادم��ي�ن اجل����دد �إلي����ه (م����ن �أفرج عنه����م مت�أخري����ن) ب�أنواع م����ن الدعم‬
‫االجتماع����ي واملعنوي ال�ض����روري‪ .‬فالأمر هنا كم����ا يف ال�سجن‪ :‬من ي�أتي‬
‫مت�أخرا ي�ستفيد مما راكمه ال�سابقون من خربات ومعارف عملية وحلول‬
‫للم�ش����كالت املتوات����رة‪ .‬ويعود متايز ال�سجن����اء الي�ساريني يف هذه النقطة‬
‫�إىل عامل��ي�ن‪� :‬أولهم����ا‪� ،‬أنه����م يتمتع����ون بدرج����ة �أك��ب�ر م����ن الأم����ن قيا�س����ا‬
‫للمعتقل��ي�ن الإ�سالمي��ي�ن �أو املنتمني �إىل البعث امل����وايل للنظام العراقي‪،‬‬
‫م����ا يو�س����ع من جمال حركتهم وتن����وع معارفهم‪ .‬ثانيهم����ا‪� ،‬إن عددا يقدر‬
‫بالع�ش����رات منه����م م�شارك����ون ن�شطون يف احلي����اة العامة خ��ل�ال ال�سنوات‬
‫املنق�ضي����ة م����ن ه����ذا الق����رن‪ :‬كت����اب‪ ،‬مرتجم����ون‪ ،‬نا�شط����ون حقوقي����ون‬

‫و�سيا�سي����ون‪ ،..‬الأم����ر ال����ذي يعطيهم درج����ة من احل�صان����ة‪ ،‬ويو�سع �أكرث‬
‫�شبكات عالقاتهم‪ .‬ولعل مقيا�س احل�صانة الن�سبية هذه يتمثل يف انه مل‬
‫يتك����رر اعتقال �أي معتقل ي�ساري �سابق خ��ل�ال ال�سنوات اخلم�سة ون�صف‬
‫ال�سابق����ة‪ ،‬رغ����م م�ساهمتهم املهم����ة يف حرك����ة املعار�ضة‪ ،‬با�ستثن����اء ريا�ض‬
‫ال��ت�رك ب��ي�ن عامي ‪ 2001‬و‪ ،2002‬وحممد ح�سن ديب الذي ق�ضى ثمانية‬
‫�شه����ور معتقال(‪ ،)9‬لأنه كان ي�ص����ور وين�شر مقاالت ون�شرات معار�ضة يف‬
‫مكتبت����ه يف بل����دة �سلمي����ة و�سط الب��ل�اد (�أفرج عن����ه يف �شهر كان����ون الأول‬
‫‪ .)2005‬ومل يعتق����ل �إ�سالمي����ون مفرج عنهم ثانية يف حدود علمي‪ ،‬ولكن‬
‫لأن احلجر ال�سيا�سي عليهم حمرو�س ب�صرامة مفرطة‪.‬‬
‫عل���ى �أن الي�ساري�ي�ن �أنف�سه���م يتوزع���ون �إىل �أك�ث�ر م���ن ع���امل ح�س���ب‬
‫الأح���زاب التي كانوا ينتمون �إليها‪ .‬كان هن���اك تنظيمان �شيوعيان اعتقل‬
‫�أكرثي���ة �أع�ضائهم���ا يف ثمانين���ات الق���رن املا�ض���ي‪ .‬و�شبك���ة التفاع�ل�ات‬
‫الداخلي���ة ب�ي�ن معتقل���ي كل م���ن التنظيم�ي�ن‪� ،‬أكثف من �شبك���ة تفاعل كل‬
‫منهم���ا مع الأخ���رى �أو مع �شبكات �أخرى‪� .‬أي �أن تب���ادل العون واملعلومات‬
‫واخلربات و�شراكة �أوقات التمتع‪� ..‬أقوى بني �أفراد كل من املجموعتني‪.‬‬
‫باملقاب���ل‪ ،‬ال ت���كاد تك���ون ثم���ة عالق���ات ب�ي�ن املعتقل�ي�ن ال�سابق�ي�ن‬
‫الي�ساري�ي�ن واملعتقل�ي�ن الإ�سالمي�ي�ن‪� .‬أح���د الأ�سب���اب القوي���ة لذل���ك‬
‫تباع���د �أمن���اط احلي���اة والأذواق وط���رق ق�ض���اء �أوق���ات الف���راغ ومناذج‬
‫ال�سلوك والأزياء‪ .‬من غري النادر �أن ي�سهر �سجناء ي�ساريون معا‪ ،‬وهم‬
‫يتناول���ون م�شروب���ات كحولي���ة‪ ،‬وبرفق���ة ن�سائه���م �أو �صديقاتهم‪ .‬فيما‬
‫ال يت���ذوق الإ�سالميون اخلمر‪ ،‬ويراع���ون الف�صل بني اجلن�سني بقوة‪.‬‬
‫م���ن �أ�سباب ذل���ك �أي�ضا قوة الرقابة الأمنية عل���ى الإ�سالميني مقارنة‬
‫بالي�ساري�ي�ن‪ ،‬علم���ا �أن ه����ؤالء بدوره���م مراقبون ويتعر�ض���ون لأ�شكال‬
‫متنوع���ة م���ن التقييد وال�ضغوط‪ .‬لقد �أعاد الي�ساري���ون بناء �أحزابهم‪،‬‬
‫وغريوه���ا �أو �أع���ادوا بناءه���ا يف بع����ض احل���االت (احل���زب ال�شيوع���ي ‪-‬‬
‫املكت���ب ال�سيا�س���ي عقد م�ؤمترا يف ني�س���ان ‪ ،2005‬وغري ا�سمه �إىل حزب‬
‫ال�شعب الدميقراطي ال�سوري)‪ ،‬ما يعني �أنهم د�شنوا لأنف�سهم تاريخا‬
‫جديدا‪ .‬وهم ين�شطون علنا �أو ب�صورة ن�صف علنية دون �أن يعيد النظام‬
‫اعتقالهم(‪ .)10‬و�أعاد ي�ساريون �أي�ضا �صلتهم بامليدان العام عن طريق‬
‫الكتاب���ة ال�سيا�سي���ة والأدبية‪ ،‬الت���ي تن�شر يف االنرتن���ت �أو يف ال�صحافة‬
‫العربي���ة واللبناني���ة‪� ،‬أو ع���ن طري���ق الن�ش���اط احلقوق���ي‪ .‬فيم���ا ع���زل‬
‫الإ�سالمي���ون عزال حمكما عن املجال الع���ام وتقطعت عمليا روابطهم‬
‫بغ�ي�ر �أ�سرهم و�أو�ساط �ضيق���ة حولهم‪ .‬ومن املحتمل �أن يواجه تنظيم‬
‫الإخ���وان امل�سلمني ال�سوريني م�ش���كالت �سيا�سية يف امل�ستقبل حني يتاح‬
‫لقي���ادات التنظي���م خ���ارج الب�ل�اد �أن تع���ود‪ ،‬لأن���ه مل يت���ح له���م م���ا �أتيح‬
‫للي�ساريني من متر�س مب�شكالتهم وحماولة التغلب عليها‪.‬‬
‫على �أن الإ�سالميني يجدون تعوي�ضا عن االنخراط يف ال�ش�أن العام‬
‫ب�سهولة ا�ستئناف حياتهم االقت�صادية والعثور على فر�ص عمل‪ .‬مييل‬
‫النا����س �إىل من���ح فر�صة عمل �إىل �سج�ي�ن �إ�سالمي �سابق لأنه "�أمني"‪.‬‬
‫ال يق���ال �إن الي�ساري�ي�ن غ�ي�ر �أمناء‪ ،‬لك���ن يف�ضل كث�ي�رون منوذجا من‬
‫الأمان���ة ي�ألفون���ه ويرتاحون �إىل �سنده الدين���ي‪ .‬والواقع �أن ال�سوريني‬
‫عموما يحرتمون "�أ�صحاب املب���ادئ"‪ ،‬وباخل�صو�ص �أخالقياتهم‪ ،‬و�إن‬
‫مل ي�شاركوهم �شيئا من مبادئهم‪.‬‬

‫ثم���ة ا�ستثن���اءات لعالق���ات مفتوح���ة ب�ي�ن �إ�سالمي�ي�ن �سابق�ي�ن‬
‫وي�ساري�ي�ن �سابق�ي�ن‪ .‬لق���د ذللت ال�سج���ون عند البع�ض م���ن الطرفني‬
‫احلواج���ز الإيديولوجي���ة والفوارق ب�ي�ن �أمناط احلي���اة‪ ،‬لكن خطوط‬
‫التوا�صل ظلت حمدودة ونادرة بالفعل‪.‬‬

‫العالقة بال�ش�أن العام‬

‫�أ�شرت للتو �إىل �أن فر�صة املعتقلني الي�ساريني‪ ،‬وغري الإ�سالميني‬
‫ب�صورة �أعم‪ ،‬يف االنخراط يف العمل العام ال�سيا�سي والثقايف �أو�سع من‬
‫فر�صة الإ�سالميني‪ .‬غري �أن التم ّعن يف الأمر يك�شف تلوينات �أغنى‪.‬‬
‫�إن ن�سب���ة م���ن �أظه���روا درج���ة م���ن االهتم���ام بال�ش����أن الع���ام ب�ي�ن‬
‫ال�شيوعي�ي�ن كان���ت متدنية جدا ب�ي�ن املفرج عنهم يف نهاي���ة عام ‪.1991‬‬
‫هن���ا �أي�ضا ال جمال لإعط���اء ن�سب دقيقة لغياب �أية معطيات موثوقة‪.‬‬
‫كذل���ك لأن التنظيم���ات املعني���ة ال ت���زال الي���وم‪ ،‬مطل���ع ‪ ،2006‬تعم���ل‬
‫ب�صورة غري �شرعية قانونيا‪ .‬وبني يدي قائمة ب�أ�سماء معتقلي احلزب‬
‫ال�شيوع���ي ‪ -‬املكتب ال�سيا�سي (حزب ال�شعب الدميقراطي حاليا) غري‬
‫مكتملة‪ ،‬ترد فيها �أ�سماء ‪ 217‬معتقال‪ ،‬وحافلة بالأخطاء فوق ذلك‪.‬‬
‫كان ثم���ة م���ن حر�صوا على قطيعة تامة بكل ما يذكرهم مبا�ضيهم‬
‫ال�سيا�س���ي‪ .‬وهن���اك زمالء �سجن يل ق�ضيت معهم �سن���وات‪ ،‬ومل �أرهم �أو‬
‫�أ�سم���ع عنهم �أي �شيء بعد �إط�ل�اق �سراحي مت�أخرا عنهم ب�سنوات‪ .‬كانت‬
‫التنظيمات تلك مطلع الت�سعينات منهكة‪� ،‬إن مل نقل منهارة‪ .‬وهي تاليا‬
‫غ�ي�ر قادرة على دع���م معتقليها املفرج عنهم‪ ،‬وكان كثري من ه�ؤالء غري‬
‫راغبني يف االت�صال برفاقهم ال�سابقني‪� ،‬سواء لأنهم غريوا �أفكارهم‪� ،‬أو‬
‫باخل�صو����ص لأنه���م يخاف���ون تبع���ات �أي ات�صال‪ .‬ومن ال�شائ���ع �أن تروى‬
‫طرائف م�أ�ساوية عن �أ�شخا�ص �سلكوا دربا �آخر لأنهم ملحوا عن بعد زميل‬
‫�سج���ن قادم���ا باجتاههم‪ .‬لق���د حولوا خوفهم م���ن ال�سلطات �إىل موقف‬
‫معاد لكل ما من �ش�أنه تذكريهم باالعتقال والتعذيب وال�سجن‪.‬‬
‫وم���ن يحتم���ل �أنه���م �شارك���وا يف ن�ش���اط الأح���زاب املح���دود فعل���وا‬
‫ذل���ك ب�ص���ورة بالغة ال�سري���ة‪ .‬وا�ستمر هذا ال�شرط كذل���ك حتى �أواخر‬
‫الت�سعينات‪ .‬لكن ن�سبة �أعلى من �أولئك الأفراد �أنف�سهم الذين ابتعدوا‬
‫ع���ن املخاط���ر يف الت�سعينات اقرتبت من الأن�شط���ة العامة املتاحة بدءا‬
‫م���ن عام ‪ ،1998‬وباخل�صو�ص بعد ع���ام ‪ .2000‬وحتى من �آثروا االبتعاد‬
‫ع���ن �أحزابه���م �ص���ارت مواقفهم �أك�ث�ر �إيجابية حيالها وحي���ال رفاقهم‬
‫الذين مار�سوا ن�شاطا علنيا‪.‬‬
‫عل���ى �أن العدي���د من املعتقل�ي�ن الي�ساريني‪ ،‬يتعل���ق الأمر ب�إجمايل‬
‫يتع���دى �أل���ف رجل وب�ضع ع�ش���رات من الن�س���اء‪ ،‬ا�ست�أنف���وا العمل العام‬
‫بطريق���ة خمتلف���ة‪ :‬حتول���وا مث�ل�ا م���ن ال�سيا�س���ة �إىل الثقاف���ة‪� ،‬أو من‬
‫احل���زب ال�سيا�س���ي �إىل منظم���ة حلق���وق الإن�س���ان‪ .‬وم���ن العائدين من‬
‫مل يغ�ي�روا يف �أنف�سهم �شيئا‪ ،‬ومنهم م���ن تغري فكريا و�سيا�سيا‪ ،‬ومنهم‬
‫(قلة) حتولوا �إىل �أعداء �ألداء لأحزابهم ال�سابقة‪.‬‬
‫�أ�شرن���ا‪ ،‬فيم���ا يخ����ص الإ�سالمي�ي�ن‪� ،‬إىل ال���دور احلا�س���م لعن�ص���ر‬
‫الت�ضيي���ق الأمن���ي يف احل���د م���ن م�شاركته���م يف ال�ش����أن الع���ام‪ .‬بالفعل‪،‬‬
‫ال ن���كاد جن���د �أي معتق���ل �إ�سالم���ي �ساب���ق �ش���ارك يف احل���راك امل�ستق���ل‬
‫والدميقراط���ي ال���ذي �شهدت���ه الب�ل�اد �أثن���اء "ربي���ع دم�ش���ق‪� .‬إن ربي���ع‬

‫دم�ش���ق‪ ،‬وهو كناية عن حيازة هوام�ش �أو�سع يف حرية الكالم والتعبري‬
‫ع���ن الر�أي‪ ،‬ويف التجمع الطوعي امل�ستق���ل نتاج علماين حم�ض‪� ،‬أ�سهم‬
‫معتقلون �سيا�سيون �سابقون بق�سط وافر فيه(‪ .)11‬وبخ�صو�ص بع�ض‬
‫الإ�سالمي�ي�ن‪ ،‬ق���د يكون هناك عن�صر �إيديولوج���ي خلف ابتعادهم عن‬
‫الأن�شط���ة العام���ة‪� ،‬أعن���ي رف�ضه���م امل�شارك���ة يف ن�شاط���ات يهيمن عليها‬
‫علماني���ون‪ .‬وال ري���ب �أن بع�ضه���م يرف����ض‪ ،‬مثل النظ���ام البعثي متاما‪،‬‬
‫فك���رة جم���ال عام مفت���وح ملختلفني على ق���دم امل�ساواة فيم���ا بينهم‪ .‬ما‬
‫ي�صع���ب تقدي���ره ه���و ن�سب���ة املعتقل�ي�ن الإ�سالمي�ي�ن ال�سابق�ي�ن الذين‬
‫ميك���ن �أن ي�شارك���وا يف الن�ش���اط الع���ام يف ظ���روف �آمن���ة‪ ،‬ون�سب���ة م���ن‬
‫يتقبل���ون ال�شراك���ة م���ع علمانيني‪ ،‬ون�سب���ة من ي�أخ���ذون موقفا عدائيا‬
‫�ضد العلمانيني‪.‬‬
‫التنظيم البعثي املوايل للنظام العراقي ال�سابق حتلل بفعل مزيج‬
‫م���ن �سبب �أمني (حظي باملعامل���ة الأ�سو�أ بعد "الإخوان امل�سلمني" بني‬
‫التنظيم���ات ال�سورية املعار�ضة)‪ ،‬ول�سبب �إيديولوجي يتمثل يف تراجع‬
‫الفك���رة القومي���ة العربية التي كان���ت �إيديولوجية التنظي���م‪ ،‬وتدهور‬
‫طاقته���ا التعبوي���ة‪ .‬و�أخ�ي�را انهي���ار النظ���ام ال���ذي كان ي�سن���د اجلن���اح‬
‫البعث���ي ال�س���وري املعار����ض‪ .‬علم���ا �أن اجلناح هذا كان دوم���ا متورطا يف‬
‫لعبة العالقة ال�سيئة بني النظامني البعثيني‪.‬‬

‫العالقة بالأ�سرة‬

‫ط���وال �شه���ورا عانى �ص‪ .‬ع‪ ،‬ال���ذي ق�ضى ‪ 15‬عام���ا يف ال�سجن‪ ،‬من‬
‫�صعوب���ة يف التفاه���م مع ابنته اليافعة الت���ي كانت بلغت اخلام�سة ع�شر‬
‫م���ن عمره���ا حني �أفرج عنه ع���ام ‪ .1998‬كانت �أم الفتاة حامال بها حني‬
‫اعتق���ل الأب؛ الأم ذاته���ا اعتقل���ت لوق���ت ق�ص�ي�ر م���ع الزوج ع���ام ‪.1983‬‬
‫وكان الرج���ل ال���ذي خرج من ال�سج���ن وهو يف �أوا�س���ط �أربعينات عمره‬
‫والفتاة املراهقة يتنازعان الأم ويغاران من بع�ضهما عليها‪ ،‬ح�سب ر�أي‬
‫الأم نف�سها‪.‬‬
‫وواج���ه ف‪.‬م ال���ذي ق�ضى ‪� 10‬سنوات حالة معاك�سة‪ .‬فقد �أفرج عنه‬
‫عام ‪ ،2000‬وكان �سمع عن امل�صاعب التي يواجهها زمالئه الذين �سبق‬
‫�أن �أف���رج عنه���م م���ع �أبنائه���م‪ .‬لذل���ك تعم���د �أن ال يتدخل يف حي���اة ابنه‬
‫البالغ من العمر ‪ 17‬عاما‪ .‬بعد عامني‪� ،‬شكا االبن الكتوم من �أن والده‬
‫مل يك���ن مبالي���ا به‪ ،‬وال مهتما مبعرفة ما يفكر في���ه وما يحتاجه‪� .‬أما‬
‫ابنته‪ ،‬وكانت يف الثالثة ع�شرة‪ ،‬فقد كانت تنكم�ش حني ي�ضع �أبوها يده‬
‫عل���ى كتفها‪ ،‬وظل���ت لب�ضعة �أ�شهر تت�صرف حيال���ه بتحفظ‪ ،‬فال تخلع‬
‫�شيئ���ا م���ن ثيابه���ا �أمام���ه‪ .‬لك���ن حالتي ����ص‪ .‬ع و ف‪.‬م كانت���ا خمففتني‬
‫قيا�سا �إىل حاالت كثرية �أ�صعب‪.‬‬
‫�أخف���ق م‪.‬د‪ ،‬وكان ع�ض���وا يف ح���زب ي�س���اري‪ ،‬يف ترمي���م عالقت���ه مع‬
‫ابنت���ه البالغ���ة ‪ 12‬عام���ا حني �أف���رج عنه بع���د ‪� 8‬سنوات ون�ص���ف �سجنا‪.‬‬
‫تقول الفتاة �إنه لطاملا تعامل معها كطفلة عمرها �أربع �سنوات‪� ،‬أي كما‬
‫تركها قبل اعتقاله‪ ،‬ورغم ذلك لطاملا نعى عليها وعلى جيلها �أذواقهم‬
‫وت�صرفاته���م‪ ،‬وكان ال مي���ل من تذكريها ب����أن جيله �أف�ضل من جيلها‪.‬‬
‫وتلخ����ص موقف���ه حياله���ا‪" :‬يناق�شني ككب�ي�رة‪ ،‬ويعاملن���ي ك�صغرية"‪.‬‬
‫ولأنه���ا اعتق���دت �أنه كان يري���د حلياتها �أن تكون مث���ل حياته‪ ،‬جاهرته‬

‫مرة ب�أنها تتمنى له �أن يعود �إىل ال�سجن‪ .‬يف ال�ساد�سة ع�شر من عمرها‬
‫بل���غ �ضيقه���ا م���ن �أبيها حد �أنه���ا �أخذت حبوب���ا منومة بِن ّي���ة �أن تنتحر‪،‬‬
‫لكنه���ا ب���دال م���ن �أن متوت نام���ت ‪� 20‬ساعة متوا�صلة‪ .‬وهك���ذا قررت �أن‬
‫ت�ستمر يف �أخذ احلبوب لتنام �أوقاتا طويلة‪ ،‬وكي تكرب وهي نائمة دون‬
‫�أن حت����س بالوق���ت‪ ،‬ودون �أن ت���رى الأب البغي�ض‪ .‬وك���م ا�ستمتعت وهي‬
‫ت���راه ي�أخذه���ا م���ن طبي���ب �إىل �آخر ويج���ري فحو�صا مكلف���ة‪ :‬حتاليل‬
‫لوظائ���ف القل���ب والدماغ‪ ،‬رن�ي�ن مغناطي�س���ي ‪ ،MRI‬ت�صوير طبقي‬
‫حم���وري‪ CT scan‬وغريها‪ ،‬لتف�سري �سب���ب نومها امل�ستمر‪ .‬تقول‪:‬‬
‫"كنت �سعيدة و�أنا �أراهم يتعبون بي"‪ .‬انق�ضى �شهران طويالن قبل �أن‬
‫ينك�ش���ف �سب���ب النوم‪ ،‬وخاللهما‪� ،‬شيئ���ا ف�شيئا‪� ،‬أخذ يتك���ون بني الفتاة‬
‫و�أبيه���ا "توا�صل روح���ي" ح�سب تعبريها‪ ،‬و�أخذت حتب���ه كثريا دون �أن‬
‫تك���ف �أحيان���ا عن كرهه كث�ي�را‪" .‬اكت�شفت"‪ ،‬تق���ول‪�" ،‬أن حب الأب ي�أتي‬
‫باملعاي�ش���ة وامل�شارك���ة ولي����س م���ن تلقاء نف�س���ه"‪" .‬لي�س لأب���ي وجود يف‬
‫ذاكرتي ال�سابقة‪ ،‬لقد ح�ضر فج�أة‪ ،‬وكان والدي و‪..‬فقط‪.‬‬
‫ق���د ال يك���ون �صحيحا �أو دقيقا كل ما تقول���ه الفتاة التي تبلغ الآن‬
‫الثالثة والع�شرين‪ ،‬وترى �أن �أباها �أ�ضحى الآن �صديقا لها‪ ،‬لكنه يلقي‬
‫�ضوءا على �صورة جانبية للآباء يف عيون �أوالدهم الذين كانوا �صغارا‬
‫وكربوا يف غيابهم واعتادوا عليه‪.‬‬
‫بع����ض الأزواج مل يتمكنوا من ا�ستئناف حياتهم الزوجية‪ .‬يرتطم‬
‫تعب���ان‪ ،‬تعب الزوجة املنتظرة والتي كانت تعيل الأ�سرة يف غياب الزوج‬
‫وتعب الزوج الذي ق�ضى �سنوات طوال حبي�سا‪ ،‬فيتولد عن ارتطامهما‬
‫حي���اة �شقي���ة �أو ط�ل�اق‪ .‬خ�ل�ال تل���ك ال�سن���وات‪ ،‬ك�ب�رت الزوج���ة‪ ،‬وذبل‬
‫جماله���ا‪ ،‬و�ص���ارت تريد �أن تو�سد ر�أ�سها ذراع���ا قويا‪ .‬وبعد غيابه يريد‬
‫ال���زوج حبا ورعاية وعمال‪ ،‬وقلم���ا تت�سنى تلبية هذه املطالب ب�سهولة‪.‬‬
‫الزوج���ة الت���ي قا�ست الكثري خ�ل�ال �سنوات قد تغدو �شخ�ص���ا قا�سيا ال‬
‫يل�ي�ن‪ ،‬وق���د ال ت�سمح للزوج �أن يتدخل يف نظ���ام البيت وكيفية التعامل‬
‫مع الأوالد‪ .‬وه�ؤالء �أنف�سهم قد ال يتقبلون هذا الدخيل الذي �شبوا يف‬
‫غيابه وال ي�شعرون ب�أي التزام حياله‪ ،‬فكيف �إن حاول فر�ض �سيادته يف‬
‫البيت‪ ،‬كما يح�صل كثريا!‬
‫يف روايته���ا "كم���ا ينبغ���ي لنه���ر" ت�ص���ور منه���ل ال�س���راج‪ ،‬الروائي���ة‬
‫ال�سوري���ة م���ن مدينة حماة التي �شهدت مذبحة فظيعة يف �شباط ‪،1982‬‬
‫ع�س���ر العالق���ة بني �أحمد الذي كان �صغريا "بال يف ثيابه" حني اعتقل‪،‬‬
‫وق�ض���ى ع�ش���ر �سن���وات يف �سج���ن تدم���ر املرعب‪ ،‬وب�ي�ن �شقيقت���ه فطمة‪:‬‬
‫يحاول �أن يفر�ض تف�ضيالته وقراراته عليها وعلى البيت الذي يعي�شان‬
‫فيه‪ .‬كان عدد من �إخوة فطمة و�أحمد قد اعتقلوا ومل يعودوا (‪.)12‬‬
‫مل يحدث �أن كان زوجان معتقالن �سابقان‪ ،‬و�أفرج عنهما يف الوقت‬
‫نف�سه‪ .‬فعلى العموم ق�ضت الن�ساء مدة �أقل يف ال�سجون‪ ،‬وخرجن قبل‬
‫�أزواجهن‪ .‬كانت ف‪.‬خ على و�شك �أن تطلق زوجها الذي ق�ضى ‪� 8‬سنوات‬
‫ون�ص���ف يف ال�سج���ن‪ ،‬بينما ق�ض���ت هي �أربع �سن���وات‪ .‬مل يتمكن زوجها‪،‬‬
‫ب‪ .‬ج‪ ،‬م���ن ت�أمني عم���ل يدر دخال كرميا‪ .‬لكن الأهم �أن ف‪ .‬التي كانت‬
‫يف الثالثة والثالثني حني �أفرج عن الزوج‪ ،‬وهذا الذي كان يف التا�سعة‬
‫والثالث�ي�ن‪ ،‬مل يعرفا كي���ف يتوا�صالن‪ ،‬وكيف ي�شرح���ان لبع�ضهما ما‬
‫يتوقعان من بع�ضهما‪ ،‬وكيف يحبان بع�ضهما‪ .‬اليوم وبعد ع�شر �سنوات‬

‫من الإفراج عن الزوج يتمتع ب‪ .‬وف‪ .‬بعالقة ممتازة‪ .‬ت�أ�سف ف‪ .‬لأنها‬
‫مل تنجب �أطفاال‪ ،‬لكن زوجها املحب ي�سهل الأمر عليهما(‪.)13‬‬
‫وي�سه���ل الأم���ر اي�ض���ا �أن ب‪ ،.‬وه���و مهند�س‪ ،‬ح�صل عل���ى عمل يدر‬
‫دخ�ل�ا حمرتم���ا ن�سبي���ا‪ .‬وبعد جه���ود م�ضني���ة ح�صل���ت ف‪ .‬التي حتب‬
‫الأطف���ال كثريا على عمل كمعلمة يف مدر�سة غري حكومية حيث تعلم‬
‫�أطفاال فل�سطينيني يف ال�ساد�سة من �أعمارهم (تفا�صيل �أو�سع �أدناه)‪.‬‬

‫العالقة باجلن�س الآخر‬

‫يت���زوج �سجن���اء كث�ي�رون ب�سرع���ة بع���د الإف���راج عنه���م‪� .‬إن حاجات‬
‫عاطفي���ة وجن�سي���ة �ضاغط���ة تدفعه���م �إىل االرتب���اط ب����أول م���ن‬
‫تالطفه���م تقريب���ا‪ .‬ه���ذا لأن ال�سجناء قلما ميي���زون يف الفرتة الأوىل‬
‫التالي���ة للإف���راج عنه���م بني ام���ر�أة وام���ر�أة‪ :‬كلهن لطيف���ات وحنونات‬
‫وجمي�ل�ات‪ ...‬ب���ل كله���ن �أمه���ات رقيقات للطف���ل الذي خ���رج لتوه من‬
‫ذاك الرح���م الف���ظ‪ :‬ال�سجن‪ .‬لكن يف الغالب تك���ون الزيجات ال�سريعة‬
‫غ�ي�ر موفق���ة‪ .‬كذل���ك ميي���ل بع����ض ال�سجن���اء ال�سابق�ي�ن �إىل ا�ستغالل‬
‫م���ا ينالون���ه م���ن تعاطف وتقدي���ر بعد خروجه���م من ال�سج���ن لإقامة‬
‫عالقات جن�سية متعددة تروي لديهم عط�شا مع ّذبا للحب والأمن‪.‬‬
‫�أم���ا الن�س���اء بني ال�سجن���اء فتكون معاناتهن �أ�ش���د‪ :‬يف�ضل الرجال‬
‫ام���ر�أة حديث���ة كرفيقة و�صديقة ورمب���ا ك�شريك جن�س���ي‪ ،‬لكن قليلني‬
‫منه���م يقبلونه���ا زوج���ة‪ .‬بو�صفهن العن�ص���ر الأ�ضعف‪ ،‬تتحم���ل الن�ساء‬
‫الوط����أة الأ�ش���د للأو�ضاع الأق�سى‪ .‬فقدت بع�ضه���ن فر�صهن يف الزواج‪،‬‬
‫�أو كان ثم���ن زواجه���ن اال�ست�س�ل�ام للأعراف امل�ستق���رة يف جمتمعاتهن‬
‫املحلي���ة‪ .‬وق���د تك���ون املعاناة الأق�س���ى هي معان���اة امر�أة غ�ي�ر متزوجة‬
‫اعتق���ل حبيبه���ا �سن���وات ط���واال‪ .‬انتظ���رت ه‪.‬غ حبيبه���ا ‪ 11‬عام���ا‪ ،‬كانت‬
‫ت���زوره خالله���ا بانتظ���ام‪ ،‬لكن م���ا �إن �أفرج عنه حتى �أبلغت���ه �أنها قررت‬
‫الرهبنة واعتزلت يف دير‪.‬‬
‫�أم���ا ال�سجين���ات الإ�سالمي���ات ال�سابقات ف�إن العازب���ات منهن تزداد‬
‫فر�صه���ن يف ال���زواج‪ ،‬ب���دل �أن تق���ل‪� .‬إن ال�سوريني بعام���ة حمافظون يف‬
‫اختي���ار زوجاته���م‪ ،‬ولذلك يتوفر ب�سهولة �أك�ب�ر زوج المر�أة حمافظة‪.‬‬
‫ويف جم���ال �أخالقي���ات ال���زواج والعالق���ة ب�ي�ن اجلن�س�ي�ن‪ ،‬تهيمن بقوة‬
‫اك�ب�ر الأخالقي���ات الديني���ة‪ ،‬ال ف���رق تقريب���ا ب�ي�ن الطوائ���ف‪ ،‬وال فرق‬
‫مهماً بني علمانيني ودينيني‪.‬‬
‫يفاق���م من �صعوب���ات ال�سجناء املفرج عنهم حديث���ا والذين ق�ضوا‬
‫وقت���ا طوي�ل�ا يف ال�سجن حقيقة �أن ن�سبة عالية منه���م فقدت �أبا �أو �أما‬
‫يف غيابه���م‪ .‬كان���ت والدت���ي قد توفيت بع���د اعتقايل بع�ش���ر �سنوات‪ ،‬ثم‬
‫ت���زوج �أب���ي بعده���ا‪ ،‬وعا�ش م�ستق�ل�ا‪ ،‬وكذلك �أخ���وي الأكربي���ن و�أختي‬
‫الوحي���دة‪ .‬وكان ا�صغ���ر �أخوت���ي الثماني���ة يف الرابع���ة والع�شري���ن وقت‬
‫خروج���ي‪ .‬وهك���ذا وجدت نف�س���ي بعد ثالث���ة �أ�سابيع م���ن الإفراج عني‬
‫وحي���دا تقريبا‪ ،‬يف بيت بال ن�س���اء‪ ،‬كان قبل ال�سجن يعج باحلياة دوما‪.‬‬
‫ولعل هذا ما زاد من احتياجي للمر�أة حدة‪ .‬كنت �أت�ضور جوعا لعطف‬
‫�أنثوي ال ينتهي‪ ،‬وال �أعرف كيف �أطلبه‪ ،‬وال كيف �أحافظ عليه‪.‬‬
‫يا�سني احلاج �صالح‬

‫العمل وتدبر العي�س‬

‫معتقل الراأي‬
‫والتاأثر االإقت�سادي‬
‫لتجربة االعتقال‬

‫عل ــى اأن امل�سكل ــة االأك ــرب الت ــي يتعني عل ــى ال�سج ــني ال�سابق حلها‬
‫ه ــي تدب ــري املعي�س ــة‪ .‬على العم ــوم مل متانع ال�سلط ــات يف عودة طالب‬
‫اجلامعة اإىل كلياتهم‪ .‬كان م�سهد رجال يف ثالثينات اأعمارهم اأو حتى‬
‫يف اأربعيناتها ماألوفا يف جامعة حلب حني عدت اإىل الدرا�سة فيها بني‬
‫‪ 1997‬و‪ .2000‬كن ــت اأك ــرب م ــن زمالئ ــي يف كلية الطب بـ ــ‪ 16‬عاما‪ .‬لكن‬
‫كان يف �سف ــي ع ــام ‪ 1998/1997‬خم�س ــة اآخرين ق�س ــوا بني �ست �سنوات‬
‫و‪ 12‬عاما يف ال�سجن‪.‬‬
‫وخالل �سنوات اجلامعة يعتمد ال�سجني على دعم اأ�سرته‪ ،‬اأو يعمل‬
‫ويدر�ص معا‪.‬‬
‫كان تعام ــل ال�سلطات مع ال�سجناء الذين كانوا موظفني ع�سوائيا‬
‫ال يخ�س ــع لقاع ــدة مط ــردة‪ .‬اأعي ــد بع�سه ــم اإىل وظائفه ــم ونال ــوا‬
‫تعوي�ساتهم‪ ،‬فيما مل يعد بع�ص اآخر‪ .‬ومنعوا من احل�سول على عمل‬
‫يف جه ــاز الدول ــة االإداري اأو االإنتاج ــي‪ ،‬و‪ ،‬بالطب ــع‪ ،‬التعليمي الذي مت‬
‫تبعيثه بالكامل منذ اأوا�سط �سبعينات القرن الع�سرين‪.‬‬
‫يعتق ــد م‪ .‬ب (انظ ــر اأدن ــاه) اأن ن�سب ــة املعتقل ــني االإ�سالمي ــني الذين‬
‫اأم ــن اأهاليه ــم له ــم عمال ال ت ــكاد تبل ــغ ‪ .%20‬اأما الباقون فق ــد "ابتدءوا‬
‫م ــن ال�سفر" كم ــا فعل هو‪ .‬توجه ن�سفهم نحو اأعم ــال اإدارية يف القطاع‬
‫اخلا� ــص‪ :‬مدير �سال ــة بيع‪ ،‬كاتب ق ّبان‪ ،‬مراقب دوام عاملني‪ ...‬اأما ن‪.‬د‪،‬‬
‫وق ــد اعتقل وهو يف ال�ساد�سة ع�س ــر من عمره بتهمة الع�سوية يف تنظيم‬
‫"االإخ ــوان امل�سلم ــني"‪ ،‬وق�س ــى ‪ 12‬عام ــا بني �سجني تدم ــر و�سيدنايا‪،‬‬
‫فيق ــول اإن م ــن مل متكنهم اأ�سرهم‪ ،‬لعدم قدرته ــا‪ ،‬من انطالقة قوية يف‬
‫عامل العمل‪" ،‬تل ّوعوا"‪ .‬يبداأ احدهم مب�سروع �سغري‪ ،‬ور�سة خياطة مثال‬
‫اأو جتارة مفرق‪ ،‬لكن كثريين منهم "اأكلهم" التجار الكبار ب�سهولة‪.‬‬
‫وي�سه ــم تكاف ــل العائل ــة الوا�سع ــة دورا بال ــغ االأهمي ــة يف م�ساع ــدة‬
‫ال�سجن ــاء بع ــد االإف ــراج عنهم �سواء ع ــرب منحهم مبال ــغ مالية اأو عرب‬
‫امل�ساع ــدة يف تاأم ــني عم ــل‪ .‬وه ــي يف ذل ــك مت ــد ي ــد الع ــون اإىل االأ�س ــرة‬
‫ال�سغرية اأو النووية‪ .‬وال ي�ستطيع عموم املتعاطفني تقدمي الدعم الأن‬
‫كل اأ�س ــكال الروابط ال�سنعية والطوعي ــة مقيدة ب�سدة‪ ،‬فيما الروابط‬
‫االأهلية‪ ،‬العائلة الوا�سعة والع�سرية‪ ،‬اأكرث حرية وال جمال لتقييدها‪.‬‬
‫معظ ــم م ــن ت�سن ــى له ــم ال�سف ــر اإىل اأوربا قب ــل ع ــام ‪ 2000‬ف�سلوا‪،‬‬
‫حيثم ــا ت�سن ــى له ــم ذلك‪ ،‬اللج ــوء ال�سيا�س ــي هناك‪ ،‬كذل ــك فعل بع�ص‬
‫م ــن �ساف ــروا بعد ع ــام ‪ .2000‬كان من �س ــوء حظه ــم اأن قوانني اللجوء‬
‫يف بل ــدان اأورب ــا كانت ت ــزداد �سرامة‪ .‬ق�سى بع�سه ــم �سنوات يف ظروف‬
‫بالغ ــة الق�س ــوة يف مع�سك ــرات خا�سة‪ ،‬قبل اأن يت ــم قبولهم‪ .‬وال ريب يف‬
‫اأن داف ــع االأم ــن امتزج لدى معظمه ــم مع دافع التخل� ــص من �سروط‬
‫معي�س ــة قا�سي ــة يف بالدهم‪ .‬لكن ظ ــروف عي�سهم يف اأوربا مل تكن دوما‬
‫اأح�س ــن‪ .‬ورمبا اأ�ساء اإىل اأو�ساعه ــم اأن �سوريني اآخرين كانوا يف الواقع‬
‫الجئ ــني اقت�ساديني‪ ،‬دون اأن ي�سبق لهم اأن عانوا من ا�سطهاد �سيا�سي‬
‫يتخط ــى م ــا يعاني ــه مواطنوه ــم جميعا‪ .‬لي� ــص هن ــاك معطيات ميكن‬

‫االعتماد عليها عن عدد الالجئني ال�سيا�سيني ال�سوريني يف اأوربا ممن‬
‫�سبق اأن كانوا معتقلني‪ ،‬تخمينيا رمبا مئة اأو اأكرث‪.‬‬
‫بني املعتقلني ال�سابقني عدد غري قليل ممن يعي�سون مما تعلموه‬
‫يف ال�سجن‪ :‬الرتجمة‪ ،‬وخ�سو�سا من اللغة االنكليزية‪ ،‬الكتابة االأدبية‬
‫وال�سحفية والفكرية‪ ،‬ويف حاالت اأخرى قليلة التفرغ للعمل ال�سيا�سي‬
‫يف اأحزابه ــم الت ــي تعم ــل يف �س ــروط ن�س ــف �سري ــة‪ .‬اإن ع ــددا م ــن اأهم‬
‫املرتجم ــني يف �سوريا كانوا معتقلني �سابقني‪ ،‬من اأغزرهم اإنتاجا ثائر‬
‫دي ــب ال ــذي ق�سى اأكرث م ــن اأربع �سنوات يف ال�سجن‪ .‬وه ــو اليوم يعمل‬
‫يف وزارة الثقاف ــة ال�سورية متخليا ع ــن ممار�سة ما تعلمه يف اجلامعة‪،‬‬
‫الط ــب‪ .‬عل ــى اأن االأم ــر يتعلق بعدد حم ــدود‪ ،‬ع�سرات قليل ــة‪ ،‬جميعهم‬
‫تقريبا معتقلني ي�ساريني‪.‬‬
‫املعتق ــالت ال�سابق ــات الالت ــي مل يتزوجن يواجه ــن م�ساعب العمل‬
‫والعي� ــص بحدة اأكرب‪ .‬تقول ح�سيبة عب ــد الرحمن‪ ،‬وهي روائية ونا�سطة‬
‫�سيا�سي ــة‪ ،‬اأوقفت ثالث م ــرات وق�ست �سبع �سنوات يف ال�سجن‪ ،‬اإنها ظلت‬
‫ط ــوال �سنوات "ا�سماً حمروق ــا"‪ ،‬ال يقبل اأحد بت�سغيله ــا خ�سية اجتالب‬
‫غ�س ــب اأجه ــزة االأمن على نف�سه‪ .‬ومل تك ــن حتى قادرة على و�سع ا�سمها‬
‫على عمل تكتبه حتى اأواخر الت�سعينات حني ن�سرت روايتها االأوىل (‪.)14‬‬
‫هذا ينطبق على اأخريات‪ ،‬ويتفاقم مع الزمن ومع تقدمهن يف ال�سن‪.‬‬
‫يا�سني احلاج �سالح‬

‫املهجع الرابع‬

‫جتارب االعتقال‬
‫يف االأدب‬
‫والفن ال�سوري‬

‫تعت ــرب ق�س ــة «املهج ــع الراب ــع» و الت ــي كتبه ــا ع ــام ‪ 1960‬الكات ــب‬
‫ال�س ــوري الراح ــل �سعي ــد حوراني ــة ( ‪� ) 1927 -1994‬سم ــن جمموع ــة‬
‫ق�س�سي ــة بعن ــوان « �سنت ــان و حت ــرتق الغاب ــة»‪ ،‬اإح ــدى اأه ــم الق�س� ــص‬
‫ال�سوري ــة الت ــي تناولت جترب ــة االعتقال يف زمن الوح ــدة مع م�سر و‬
‫الت ــي ا�ستهدف ــت ب�س ــكل رئي�س ــي ال�سيوعي ــني و غريهم م ــن ال�سوريني‬
‫الذي ــن طالب ــوا بنف� ــص املطالب الت ــي ترفعها الث ــورة ال�سوري ــة ‪، 2011‬‬
‫حني يحدثنا من�سور امليداين ‪� ،‬ساحب فرن يف حي امليدان ‪ ،‬الذي مل‬
‫يتعاط ــى كث ــريا بال�سيا�سة ‪ ،‬ومل يدخل باأحزاب ‪ ،‬و لكنه يقراأ اجلرائد‬
‫و يع ــرف م ــا ينفعن ــا و ما ي�سرن ــا ‪� « :‬سمعته ــم يري ــدون دمقراطية‪ ،‬و‬
‫داعيك ــم عام ــي ال يفه ــم هالكلم ــات ال�سعب ــة ‪ ،‬فهمته ــا اأخ ــريا ‪ ،‬بده ــم‬
‫برمل ــان‪ ،‬بده ــم قان ــون ‪ ،‬بدهم يكون ــوا ب�س ــر ال حيوانات‪ ،‬بده ــم يكونوا‬
‫اإخ ــوان للم�سري ــني ال عبيد ‪ ،‬يعني باخت�س ــار بدهم كل اخلري للبلد و‬
‫اأهل البلد‪.)1(»...‬‬
‫يف �سجن املزة ‪ ،‬يلتقي القارئ �سخ�سيات املهجع الرابع من حمامني‬
‫و عم ــال و اأ�سات ــذة و مهند�سني و بقال ــني و اأطباء و كتاب و فالحني و‬
‫مثقف ــني و باأعمار خمتلفة ‪ ،‬يعي�سون عل ــى اإيقاع اال�ستدعاء للتحقيق‬
‫و اأه ــات غ ــرف التعذيب و ال ــذي ينظمه اأ�سوات احلرا� ــص بكلمة ال�سر‬
‫‪ :‬جاه ــز ‪ »...‬ي�سي ــح الواح ــد ( جاه ــز) ت ــد ّوي به ــا القيع ــان‪ ،‬و ينتظ ــر‬
‫حت ــى يت�سل ــم ال�سدى رفيقه‪ ،‬و ها هي( جاهز ) اأخ ــرى مت�سح االأبعاد‬
‫و تلحقه ــا ثالث ــة و رابعة حتى تت ــم ال ــدورة ‪ .‬جاهز‪..‬جاهز‪..‬جاهز!! و‬
‫تق�س ــر امل�ساف ــة بني اجلاهز و االأخرى‪ ،‬فاإذا هي تختلط و تت�سابه‪ ،‬فال‬
‫ت�سمع �سوى �سرخات بدائية للحرب « (‪. )2‬‬
‫و تط ــل �سخ�سية عبد الوه ــاب اخلطيب ‪ ،‬مدير املخابرات العامة‬
‫وقته ــا ‪ ،‬و رئي� ــص جلن ــة التحقي ــق ‪ ،‬و ه ــو �سخ� ــص جمي ــل يك�س ــر معه‬
‫الكات ــب ال�س ــورة التقليدي ــة لل�سخ�سي ــة العنيف ــة و الكريه ــة ليعطي‬
‫�س ــورة اأكرث تاأثريا و رعب ــا ‪� ... « :‬ساقان طويالن حتمالن راأ�سا اأ�سقر‬
‫ذا عين ــني مبتهجتني ‪ ،‬و فم مك�س ــر عن ابت�سامة �سعيدة جدا‪ ،‬ابت�سامة‬
‫كان م ــن الوا�س ــح اأنه ــا مل ت�س ــل اإىل ه ــذا الوج ــه الذي يت�سل ــى بروؤية‬
‫ه ــذه االأ�س ــالء االآدمي ــة املذلة اخلارجة م ــن معركة غ ــري متكافئة‪ ،‬اإال‬
‫عل ــى اأكدا�ص من حقد اأ�سود طوي ــل عتيق عتق عنكبوت يف قبو مهجور‬
‫«(‪.)3‬‬
‫و ع ــرب �سفح ــات الق�سة تل�سع ــك �سياط العن ــف النف�سي ‪ ،‬اللفظي‬
‫و اجل�س ــدي لل�سج ــان ‪ ،‬و ذل ــك بنف� ــص الق ــدر ال ــذي تده� ــص في ــه م ــن‬

‫ق ــوة امل�سج ــون « ل ــك �س ــو بكم �ساكت ــني كاأنك ــم يف جنازة؟ ل ــك ا�سحكوا‬
‫‪ ،‬كل عق ــدة و اإله ــا ح ـ ّـالل‪ ،‬ل ــوال وجود زل ــزال حتت اأرجلهم م ــا �سنعوا‬
‫كل هالفظاع ــات هن ــا‪ ،‬ل ــك واهلل ع ــم ترج ــف رجليه ــم ق�س ــب (‪ )...‬ال‬
‫تفرحوه ــم و ت�سمتوه ــم بالزع ــل الل ــي مال ــه نهاي ــة‪ .‬ارفع ــوا روؤو�سكم‪،‬‬
‫طول عمركم را�سكم مرفوع ‪ ..‬ارفعوا ارفعوا يا اأخوان»(‪. )4‬‬
‫و يخت ــم الكات ــب ق�سته بن�سي ــد املعتقلني يف �سجن املزة ‪« :‬و ن ّد من‬
‫اأح ــد االأركان �س ــوت بدا فريدا مرتددا ثم اأخذ يقوى و ي�ستد‪ ،‬و ان�سم‬
‫اإليه �سوت و �سوتان ‪ ،‬ثم انطلق املهجع كله‪ ،‬و تلته املهاجع املجاورة و‬
‫ار‪ œ‬املعتقل باالأ�سوات الغا�سبة ‪:‬‬
‫ا�س�رب يا ج�����الد‬
‫واقف��ل يا �س���جان‬
‫لن توقى االأ�سفاد‬
‫اأن “حو االإميان» )‪(5‬‬

‫)‪ (1‬االأعمال الق�س�سية الكاملة ‪� ،‬سعيد حورانية ‪،‬‬
‫�سل�سة االأعمال الكاملة ‪ ، 1‬من�سورات وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية ال�سورية ‪ ،‬دم�سق ‪� ، 2005‬س ‪256‬‬
‫)‪ (2‬نف�سه �س ‪230‬‬
‫)‪ (3‬نف�سه �س ‪239‬‬
‫)‪ (4‬نف�سه �س ‪258‬‬
‫)‪ (5‬نف�سه �س ‪261‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful