‫أصول‬

‫الفلسفة‬
‫الماركسية‬
‫جورج بوليتزر‬
‫الجزء الثاني‬

‫‪1‬‬

‫الدرس الخامس‬
‫ميزة الجدلية الرابعة‬
‫نضال الضداد (‪)1‬‬
‫‪ – 1‬نضال الضداد هو الدافع لكل تغيير‪ .‬مثال‬
‫‪ – 2‬ميزة الجدلية الرابعة‬
‫‪ -3‬ميزة التناقض‬
‫أ) التناقض داخلي‬
‫ب) التناقض مجدد‬
‫ج) وحدة الضداد‬

‫‪ – 1‬نضال الضداد هو الدافع لكل تغيير‬
‫رأي نا أن الوا قع متحرك‪ ،‬وأن هذه الحر كة الشاملة ترتدي صورتين‪ :‬كم ية وكيف ية‪ ،‬مرتب طة‬
‫كل منه ما بالخرى ارتبا طا ضرور يا‪ .‬ول كن لماذا تو جد الحر كة؟ و ما الدا فع للتغي ير وتحول‬
‫الكمية إلى كيفية والنتقال من صفة إلى صفة جديدة؟ يحمل الجواب على هذا السؤال الميزة‬
‫الرابعة للجدلية‪ .‬وهي قانون الجدلية الساسي الذي يفسر لنا سبب الحركة‪ .‬وسوف يظهر‬
‫مثال ملموس هذا القانون‪.‬‬
‫ادرس الفل سفة الماركسية‪ ،‬الماد ية الجدل ية‪ .‬ول يمكن هذا ال إذا ك نت مدر كا لجهلي‪ ،‬وأر يد‬
‫أن أتغلب على هذا الجهل وأن اكسب المعرفة‪ .‬فالدافع لدرسي والشرط الساسي لتقدمي في‬
‫الدرس هو النضال ب ين جهلي وب ين رغبتي في التغلب على هذا الج هل‪ ،‬و هو التنا قض ب ين‬
‫ادرا كي لجهلي ورغب تي في التخلص من هذا الج هل‪ .‬ول يس هذا النضال ب ين الضداد‪ ،‬وهذا‬
‫التناقض‪ ،‬بخارجين عن الدرس‪ .‬فإذا كنت أتقدم في درسي فبقدر استمرار هذا التناقض‪ .‬ول‬
‫شنك أن كنل كسنب جديند يتخلل درسني هنو حنل لهذا التناقنض (أعلم اليوم منا كننت أجهله‬
‫بالمس)‪ :‬ولكن يطرأ بعد هذا الكسب تناقض جديد بين ما أعرفه وما أدرك أني أجهله‪ :‬ينشأ‬
‫عنه جهد جديد في الدرس وحل جديد يتبعه تقدم جديد‪ .‬ومن يعتقد أنه يعرف كل شيء لن‬
‫يتقدم قنط لننه لن يحاول التغلب على جهله‪ .‬ومبدأ هذه الحركنة التني هني الدرس‪ ،‬كمنا أن‬
‫الدافنع للنتقال التدريجني منن معرفنة ضيقنة إلى معرفنة أوسنع‪ ،‬هنو النضال بينن الضداد‪،‬‬
‫النضال بين جهلي (من جهة) وبين ادراكي لوجوب التغلب على جهلي (من جهة ثانية)‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ – 2‬ميزة الجدلية الرابعة‬
‫تعتمند الجدلينة‪ ،‬على عكنس الميتافيزيقنا‪ ،‬على القول بأن أشياء الطبيعنة وظواهرهنا تحتوي‬
‫على تناقضات داخل ية‪ ،‬لن ها تحتوي جميعهنا على جا نب سلبي وجاننب إيجابني فلهنا ماض‬
‫ولها مستقبل؛ وفيها جميعا عناصر تزول أو تنمو‪ ،‬وأن النضال بين هذه الضداد‪ ،‬بين القديم‬
‫والحد يث‪ ،‬ب ين ما يموت و ما يولد‪ ،‬ب ين ما يزول و ما ين مو ويتطور هو المحتوي الداخلي‬
‫لعملية التطور وتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية‪.‬‬
‫و سوف تت يح ل نا درا سة التنا قض‪ ،‬كمبدأ للن مو والتطور‪ ،‬تبين ميزا ته ال ساسية و هي أن‬
‫التناقض داخلي‪ ،‬وأنه مجدد‪ ،‬وأن هناك وحدة بين الضداد‪.‬‬

‫‪ – 3‬ميزات التناقض‬
‫أ) التناقض داخلي‬
‫رأي نا أن الوا قع هو حر كة‪ ،‬غ ير أن الحر كة هي نتي جة لتنا قض ونضال ب ين الضداد‪ .‬هذا‬
‫التناقض وهذا النضال هما داخليان‪ .‬أي أنهما ليسا خارجين على الحركة بل هما جوهر هذه‬
‫الحركننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫فهل هذا القول تأكيد اعتباطي؟ كل‪ .‬لن القليل من التفكير يطلعنا على أنه لول التناقض في‬
‫العالم لمنا تغينر العالم فلو أن الذرة لم تكنن ال بذرة لظلت بذرة دائمنا‪ .‬غينر أن البذرة تملك‬
‫القوة على التحول لنهنا تصنير فيمنا بعند شجرة‪ .‬وهكذا تخرج الشجرة منن البذرة بعند أن‬
‫تختفي هذه البذرة‪ .‬كذلك شأن كل واقع‪ ،‬وإذا كان الواقع يتغير فلنه في جوهره ذاته وشيئا‬
‫اخنر غينر هذه الذات‪ .‬فلماذا تسنير الحياة‪ ،‬بعند أن أعطنت ورودهنا وثمارهنا‪ ،‬نحنو الموت؟‬
‫تتحول الحياة إلى موت لن الحياة تحمنل فني أحشائهنا تناقضنا داخلينا‪ ،‬ولن الحياة نضال‬
‫يو مي ضد الموت (تموت في كل لح ظة خل يا بين ما ت حل محل ها خل يا أخرى ح تى يتغلب‬
‫الموت علي ها)‪ .‬يعارض الميتافيزي قي الحياة بالموت على أنه ما مطلقان دون أن يرى الوحدة‬
‫التي تج مع بينهما و هي وحدة القوى المتناق ضة‪ .‬ذلك لن العالم الخالي من كل تنا قض ان ما‬
‫هو عالم م صيره إلى أن يعيد نفسه دون أن يعرف التجد يد‪ .‬وهكذا يكون التنا قض داخل كل‬
‫تغير‪.‬‬
‫سبب كل نمو أساسي للشياء انما ل يكون خارج هذه الشياء بل داخلها‪ ،‬في طبيعة الشياء‬
‫المتناق ضة‪ ،‬فل كل ش يء ول كل ظاهرة تناقضات ها الداخل ية الكائ نة في ها‪ .‬وهذه التناقضات هي‬
‫التي تولد حركة الشياء ونموها‪ ،‬وهكذا تكون التناقضات الكامنة في الشياء والظواهر هي‬
‫السباب الرئيسية لنموها‪.‬‬
‫ولقد قال لينين "النمو هو نضال الضداد"‬

‫‪3‬‬

‫أو ليس هذا الرجل الذي يدرس هو جاهل ومحتاج للمعرفة في نفس الوقت؟ فهو يمثل في‬
‫درسنه النضال بينن هاتينن القوتينن المتناقضتينن‪ .‬ذلك هنو جوهنر النسنان الذي يدرس‪.‬‬
‫واذ ما عدنا إلى العملية التي عرضناها في الدرس السابق وهي تحول الماء إلى ثلج أو إلى‬
‫بخار ماء لرأي نا أ نه يم كن تف سير م ثل هذا التحول بوجود تنا قض داخلي‪ :‬تنا قض ب ين قوى‬
‫الن سجام ب ين جزيئات الماء من ج هة‪ ،‬وب ين حر كة كل جز يء الخا صة به من ج هة ثان ية‬
‫(وهي طاقة تدفع الجزيئات إلى التفرق)؛ أي التناقض بين قوى النسجام والتفريق‪ .‬ول شك‬
‫أن هذا النضال ل يبدو إذا نظرنا إلى الماء السائل بين درجتي صفر ومئة بل يبدو كل شيء‬
‫سناكنا‪ .‬وكنل منا يبدو هنو سنكون حالة السنائل‪ .‬غينر أن المظهنر الخارجني يخفني الحقيقنة‬
‫والجوهر أي النضال بين قوى النسجام وقوى التفريق‪ .‬وهذا التناقض الداخلي هو المحتوي‬
‫الحقيقي لحالة السائل‪ .‬كما أن التناقض يفسر لنا تحول الماء المفاجيء إلى ماء جامد أو إلى‬
‫بخار ماء‪ .‬ول يم كن النتقال الكي في إلى حالة جديدة ال بانت صار احدى هات ين القوت ين على‬
‫الخرى‪ .‬فتنتصنر قوة التفرينق فني حالة تحول السنائل إلى بخار‪ ،‬ول يقضني هذا النتصنار‬
‫على القوى المعارضنة بنل يغينر منن صنفتها‪ .‬فتصنبح‪ ،‬فني حالة التجمند‪ ،‬حركنة الجزيئات‬
‫الجا نب ال سلبي (أو الثانوي)؛ و في حالة الغاز‪ ،‬ت صبح النز عة إلى الن سجام الجا نب ال سلبي‬
‫(أو الثانوي)‪.‬‬
‫فالماء‪ ،‬مه ما كا نت حال ته الحال ية‪ ،‬هو نضال ب ين قوى متناق ضة و هي قوى داخل ية‪ ،‬وبهذا‬
‫تفسر تحولت الماء‪.‬‬
‫هنل يعنني هذا إن الظروف الخارجينة المحيطنة ل تقوم بأي دور؟ كل‪ .‬فلقند دلتننا دراسنة‬
‫القانون الول للجدلية (كل شيء مرتبط بالخر) على أنه ل يجب أن نعزل الواقع عن ظروفه‬
‫المحيطنة بنه‪ .‬ففني حالة الماء‪ ،‬هناك شرط خارجني ضروري لتحوينل الحالة وهنو هبوط‬
‫الحرارة أو ارتفاعهنا إذ أن ارتفاع الحرارة يجعنل منن الممكنن ازدياد طاقنة الجزيئات منن‬
‫الحركنة أي ازدياد سنرعتها‪ .‬بينمنا يؤثنر انخفاض الحرارة تأثيرا عكسنيا‪ .‬ولكنن يجنب أن ل‬
‫ننسى أنه لو لم يكن هناك تناقضات داخلية في داخل الشيء (في الماء مثل)‪ ،‬كما رأينا ذلك‬
‫سابقا‪ ،‬فأن الظروف الخارجية تفقد تأثيرها‪ .‬ولهذا تعتبر الجدلية اكتشاف التناقضات الداخلية‬
‫الكامننة فني العملينة التني درسنناها‪ ،‬التني تفسنر لننا نوعينة هذه العملينة‪ ،‬شيئا أسناسيا‪.‬‬
‫فالتناقضات الكامنة في الشياء والظواهر هي السبب الرئيسي لنموها‪ ،‬بينما صلة الشيء أو‬
‫الظاهرة المتبادلة مع الشياء أو الظواهر الخرى وتأثيرها عليها انما هي اسباب ثانوية‪.‬‬
‫وهذا منا ل يرضاه الذهنن الميتافيزيقني‪ ،‬فهنو مجنبر على تفسنير جمينع التغييرات بواسنطة‬
‫تدخلت خارجية‪ ،‬لنه يجهل التناقضات الداخلية التي تكون الواقع وتدفع إلى التغير الكيفي‪.‬‬
‫وذلك أمنا بواسنطة "أسنباب" آلهينة (ال "خلق" الحياة والفكنر والممالك) أو بواسنطة أسنباب‬
‫ا صطناعية‪ :‬فهناك رجال مفضلون يملكون قدرة عجي بة تمكن هم من تغي ير الشياء؛ وهؤلء‬
‫هنم "الدعاة" الذينن "يصننعون" الثورة‪ ،‬و "يغرسنون بذورهنا"‪ .‬الخ‪ ..‬وهكذا يرجنع بعنض‬
‫المفكر ين الرجعي ين ثورة ‪ 1789‬إلى التأث ير ال سيء لب عض الرعاة الشرار‪ .‬وكذلك شأن‬
‫الثورة الشتراك ية ال تي حد ثت في تشر ين الول سنة ‪1917‬؛ بين ما تدلل الجدل ية ‪ ،‬على‬
‫العكس‪ ،‬بصورة علمية‪ ،‬أن الثورة‪ ،‬كحل للمشاكل التي تعترض سبيل النمو الجتماعي ل بد‬
‫منها إذا كان هناك تناقض داخلي يكون هذا المجتمع؛ وهو التناقض بين الطبقات المتنازعة‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫وما الثورة ال نتيجة هذا التناقض الذي يمر بعدة مراحل؛ ولهذا ليست الثورة من صنع ال‬
‫أو الشيطان‪.‬‬
‫ويجب علينا أن ل ننسى مهمة كل من التناقضات الداخلية كأسباب أساسية ومهمة الظروف‬
‫الخارج ية كأ سباب ثانو ية‪ .‬لن ها تف سر ل نا أن "الثورة ل تورّد" إذ ل يم كن أن يكون التحول‬
‫الكي في نتي جة مباشرة لتد خل خار جي‪ .‬ولهذا غيّ ر وجود التحاد ال سوفياتي وتقد مه الظروف‬
‫العامة لنضال البروليتاريا في البلد الرأسمالية‪ ،‬ولكن ل يمكن‪ ،‬لوجود التحاد السوفياتي أو‬
‫تقدمنه‪ ،‬أن يولد الشتراكينة فني البلد الخرى‪ .‬لن ازدياد نضال الطبقات الخاص بكنل بلد‬
‫رأ سمالي وازدياد التناقضات الداخل ية ال تي يمتاز ب ها كل بلد رأ سمالي يم كن أن يؤد يا إلى‬
‫انقلبات ثور ية في هذه البلد‪ .‬ولهذا كان ستالين يردد غال با‪ ،‬قوله " سوف يقوم كل بلد‪ ،‬لو‬
‫أراد‪ ،‬بثورته‪ ،‬ولن تقوم الثورة إذا لم يردها"‪ .‬وكذلك المر في لعب الطفل إذ لن تجدي جميع‬
‫الوسائل لحمله على المشي إذا لم يسمح له نموه الداخلي العضوي بالمشي‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن ميزة التناقنض الداخلينة التني يلح عليهنا سنتالين فني سنرده للميزة الرابعنة‬
‫للجدلية لها مغزى عملي كبير‪.‬‬
‫ب) – التناقض مجدد‬
‫لو عدننا إلى ننص سنتالين للقانون لرأيننا أننه يعتنبر نضال الضداد "كنضال بينن القدينم‬
‫والحديث‪ ،‬بين ما يموت وما يولد‪ ،‬بين ما يزول وما ينمو"‪.‬‬
‫ويزداد نضال الضداد مع الزمن‪ .‬ولقد رأينا (في الدرس الثالث) أن للعالم الفيزيائي تاريخه‬
‫كمنا للمجتمعات وللطبيعنة الحينة‪ .‬وهكذا تكشنف التحولت الكيفينة‪ ،‬فني مرحلة معيننة منن‬
‫مرا حل تاريخ ها‪ ،‬عن جوا نب جديدة هي ثمرة النت صار على القد يم‪ .‬ول يم كن هذا إل لن‬
‫قوى التجديند قند ازدادت كمنا ازدادت علقات النتاج المتعلقنة بهنا داخنل المجتمنع القدينم‬
‫القطا عي وبالر غم ع نه‪ ،‬فن شأ عن ذلك المجت مع الرأ سمالي‪ ،‬وكذلك ين شأ اليا فع عن الط فل‬
‫وبالرغم عنه‪ ،‬كما ينشأ البالغ من اليافع وبالرغم عنه‪ .‬ل يكفي اذن الكتفاء بادراك الطابع‬
‫الداخلي للتناقض بل يجب أن ندرك أيضا أن هذا التناقض هو نضال بين القديم والحديث وأن‬
‫الحد يث يولد من أحشاء القد يم‪ ،‬وأ نه ين مو بالر غم ع نه‪ .‬وين حل هذا التنا قض ح ين يتغلب‬
‫الحد يث نهائيا على القد يم‪ .‬فيبدو عندئذ طا بع التناقضات الداخل ية المجدد وخ صبها‪ .‬وي صنع‬
‫المستقبل خلل النضال ضد الماضي‪ ،‬وليس هناك من نصر بدون نضال‪ .‬يجهل الميتافيزيقي‬
‫قدرة التناقض المجددة‪ ،‬فهو يعتقد أن التناقض ل يأتي بشيء مفيد‪ .‬وهو يرى في التناقض‬
‫ضربنا منن العبنث لننه ينظنر إلى الكون نظرة ثابتنة وهنو يريند أن يظنل الكائن (سنواء كان‬
‫طبيعنة أم مجتمعنا) على منا هنو علينه‪ .‬ولذلك يسنعى لزالة هذا التناقنض‪ .‬كمنا يرى‬
‫الميتافيزيقني فني الزمات القتصنادية‪ ،‬التني يعتبرهنا الجدليون دلئل ظاهرة على التناقضات‬
‫الداخل ية ال ساسية في الرأ سمالية‪ ،‬أمرا ضا عابرة‪ ،‬ك ما أ نه يرى في نضال الطبقات عار ضا‬
‫مؤ سفا سببه اهمال "الدعاة"‪ .‬يعلم الجدلي أ نه ح يث يو جد التنا قض يو جد الخ صب والتجد يد‬
‫والمنل فني انتصناره‪ .‬فنضال الطبقات يبشنر بميلد مجتمنع جديند‪ .‬ولهذا يعمنل الجدلي على‬
‫إيجاد الظروف المنا سبة لزدياد هذا النضال الخ صب؛ فل تخي فه مقاو مة قوى الما ضي ل نه‬
‫‪5‬‬

‫يعلم أن قوى المستقبل تظهر في النضال كما يدل عليه تاريخ الحركة العمالية‪ .‬ولهذا كانت‬
‫مهمنة الشتراكينة الديمقراطينة السناسية البتعاد بالقوى الثورينة عنن النضال عاملة على‬
‫افسناد هذه القوى وتعقيمهنا‪ .‬ويحفنل تارينخ العلوم والفنون بالمثلة التني تدل على خصنب‬
‫التناقنض‪ .‬اذ أن الكتشافات العظيمنة انمنا هني ثمرة لحنل التناقنض بينن النظريات القديمنة‬
‫والوقائع التجريبينة الجديدة‪ .‬مثال‪ :‬أثارت تجربنة توريشلي تناقضنا خصنبا بينن الواقعنة‬
‫المشاهدة (وهني أن الزئبنق الموجود فني النبوب المقلوب على الوعاء يهبنط لعلو معينن‬
‫يختلف حسنب الرتفاع عنن سنطح البحنر‪ ،‬وفوقنه الفراغ) وبينن الفكرة القديمنة (وهني أن‬
‫الطبي عة ل تعرف الفراغ)‪ .‬وتع جز الفكرة القدي مة عن تف سير ك يف أن م ستوى الزئ بق في‬
‫النبوب يختلف باختلف الرتفاع عنن سنطح البحنر‪ .‬ويحنل هذا التناقنض اكتشاف الضغنط‬
‫الجوي‪.‬وكل تغير كيفي هو حل مثمر لتناقض‪ .‬ويبدو خصب التناقض في كتب جوركي‪ .‬فلقد‬
‫انقل بت "الم" إلى ثور ية في نضال ها ضد أفكار ها البال ية كامرأة م ستسلمة للضطهاد‪( .‬وهذا‬
‫تناقنض داخلي يزداد بفضنل الظروف الخارجينة فتقتدي بابنهنا المناضنل الثوري)‪ .‬كمنا أن‬
‫بطرس زالوموف‪ ،‬المحرض على المظاهرة العماليننة فنني أول أيار سنننة ‪ 1902‬فنني‬
‫سورموفو‪ ،‬وهو بطل الكتاب‪ ،‬يصرح معتزا إلى المحكمة القيصرية‪ :‬لقد آلم العمال الختلف‬
‫بين الحياة التي يطمحون إليها وبين الحياة التي يعيشونها في المجتمع‪ ،‬فأخذوا يبحثون عن‬
‫الوسائل التي تمكنهم من الخروج من الوضع المقيت الذي قدره لهم ما في النظام الحالي من‬
‫نقص"‪.‬‬
‫ويفسر لنا زالوموف كيف استطاع‪ ،‬بواسطة نضاله المستميت للتغلب على هذا التناقض‪ ،‬أن‬
‫يتحول منن عامنل يائس إلى رجنل جديند ثوري‪ .‬قلننا فني مطلع هذا الدرس أن الرجنل الذي‬
‫يدرس العلم يتقدم فني دراسنته بحنل التناقضات التني يثيرهنا الدرس باسنتمرار‪ .‬وكذلك شأن‬
‫المناضل الثوري الذي يعرف خصب قوة التناقض فانه يسير على هدى قول موريس توريز‪:‬‬
‫"النقد والنقد الذاتي هما خبزنا اليومي"‪ :‬نقد ما يقوم به الرفاق من عمل‪ ،‬ونقد كل منا لما‬
‫يقوم هو به من عمل (النقد الذاتي)‪ .‬ويعتقد العامل‪ ،‬وقد تأثر بأفكار الشتراكية الديمقراطية‪،‬‬
‫أن النقد الذاتي هو خزي واستسلم‪ .‬والصحيح أن النقد الذاتي يعتمد على نظرة علمية للعمل‬
‫الثوري‪ .‬إذ يهيء المناضل‪ ،‬بواسطة النقد الذاتي‪ ،‬الظروف المواتية للنضال من أجل انتصار‬
‫الجديد على القديم في وعيه هو وفي نشاطه اليومي‪ .‬ولهذا كان رفض النتقاد الذاتي‪ ،‬ليس‬
‫حفاظنا على الكرامنة‪ ،‬بنل إفسنادا لمكانياتننا فني التقدم‪ ،‬وحكمنا عليننا بالتقهقنر‪ ،‬وانحطاطنا‬
‫بماهيت نا‪ .‬لن ممار سة الن قد والن قد الذا تي هي ال تي كو نت الحزب الشيو عي (البولشفي كي)‬
‫بزعامة لينين وستالين‪ ،‬كما أنقذ موريس توريز‪ ،‬بواسطة هذه الممارسة‪ ،‬الحزب الشيوعي‬
‫الفرنسي‪ ،‬خلل سنوات ‪ ،1930‬من الهوة التي كاد يتردى فيها على يد جماعة باربيه ‪-‬‬
‫سيلور‪.‬‬
‫ج) – وحدة الضداد‬
‫ل يوجد تناقض ال بوجود النضال بين قوتين على القل‪ .‬ولهذا يحتوي التناقض على طرفين‬
‫نة‪.‬‬
‫نها بعناين‬
‫نة للتناقنض‪ .‬فلندرسن‬
‫نو الوحدة بينن الضداد وهذه ميزة ثالثن‬
‫يتعارضان‪ :‬فهن‬
‫ل مع نى‪ ،‬في ن ظر الميتافيزي قي‪ ،‬للحد يث عن وحدة الضداد‪ .‬ف هو يع تبر‪ ،‬مثل‪ ،‬العلم‪ ،‬من‬
‫‪6‬‬

‫ج هة‪ ،‬والج هل‪ ،‬من ج هة ثان ية‪ .‬بين ما لحظ نا أن كل علم ان ما هو نضال ضد الج هل‪ .‬ول قد‬
‫لحظ لينين "أنه ل يمكن استنفاد موضوع "المعرفة"‪ :‬فليس هناك‪ ،‬إذن‪ ،‬علم مطلق‪ ،‬بل يبقى‬
‫هناك دائ ما ش يء ت جب معرف ته‪ .‬وهكذا يحتوي كل علم على جا نب من الج هل‪ .‬وكذلك ل يس‬
‫هناك جهل مطلق‪ :‬ذلك لن أجهل الناس له احساسات كما له عادة في الحياة وتجربة أولية‬
‫(وال لما تمكن من الحياة)‪ .‬كل ذلك يكون بذرة للمعرفة‪.‬‬
‫وإذا كا نت الضداد تتحارب فان ها ل ينف صل كل من ها عن ال خر‪ .‬ولهذا ل تو جد البرجواز ية‬
‫فني ذاتهنا‪ .‬بنل وجند أول‪ ،‬وسنط المجتمنع القطاعني‪ ،‬البرجوازينة المناضلة ضند الطبقنة‬
‫القطاع ية‪ .‬ك ما و جد‪ ،‬و سط المجت مع الرأ سمالي‪ ،‬البرجواز ية ضد البروليتار يا‪ .‬إذ ل يم كن‬
‫و ضع الضداد كل من ها على حدة‪ .‬ل نه م تى زالت البروليتار يا كطب قة م ستغَلّة زالت مع ها‬
‫البرجوازية كطبقة مستغِلة‪.‬‬
‫وعدم انف صال الضداد أ مر موضو عي تأباه الميتافيزي قا‪ .‬ولهذا تش جع البرجواز ية النظريات‬
‫الميتافيزيقينة التني تدعني‪ ،‬مثل‪" ،‬القضاء على ظروف حياة البروليتارينا" (ل سنيما باشتراك‬
‫الع مل مع رأس المال)‪ ،‬مع الحتفاظ بالبرجواز ية! فهل يمكن أن توجد برجوازية رأ سمالية‬
‫بدون وجود بروليتاريا تكدح من أجلها!‬
‫ل تفصل الجدلية بين الضداد ابدا؛ بل هي تنظر إليها في وحدتها التي ل تنفصم‪" .‬ل موت‬
‫بدون الحياة؛ ول حياة بدون الموت‪ .‬ل انخفاض بدون العلو؛ ول علو بدون النخفاض‪ .‬ل‬
‫سنعادة بدون شقاء؛ ول شقاء بدون السنعادة‪ ،‬ل صنعوبة بدون سنهولة‪ ،‬ول سنهولة بدون‬
‫الصعوبة‪ .‬ل زارع بدون ملك زراعي‪ ،‬ول بروليتاريا بدون برجوازية‪ .‬ول برجوازية بدون‬
‫بروليتاريا‪ .‬ل مستعمرات ونصف مستعمرات بدون النير الوطني الستعماري‪ ،‬ول نير وطني‬
‫اسنتعماري بدون المسنتعمرات‪ ،‬وكذلك الحال منع جمينع الضداد التني تتعارض فني ظروف‬
‫معينة من جهة‪ ،‬وهي من جهة ثانية‪ ،‬مرتبطة بعضها ببعض‪ ،‬فيتداخل بعضها ببعض ويتعلق‬
‫بعضها بالبعض الخر"‪.‬‬
‫تع ني هذه ال صلة المتبادلة أن ال ضد أ يؤ ثر في ضده ب بقدر ما يؤ ثر ال ضد ب في ضده أ‪،‬‬
‫وأن الضند ب يؤثنر فني ضده أ بقدر تأثينر أ فني ب‪ .‬وهكذا ل تتراكنم الضداد بعضهنا فوق‬
‫بعنض بصنورة تجعنل الواحند منهنا يغينر الخنر الذي يظنل بدون تأثينر‪ .‬ولهذا كاننت تقوينة‬
‫البرجوازينة اضعافنا لضدهنا‪ ،‬وهني البروليتارينا‪ .‬وكذلك فأن أضعاف الفكرة الشتراكينة هنو‬
‫تقدم للفكرة البرجوازية‪ .‬والعكس بالعكس‪ .‬من الوهم إذن العتقاد بأن البرجوازية‪ ،‬تضعف‬
‫إذا لم تناضنل البروليتارينا ضدهنا باسنتمرار‪ ،‬لنهنا إذا لم تفعنل قوينت البرجوازينة وضعفنت‬
‫البروليتار يا‪ .‬ويوضنح ل نا مار كس أننه إذا لم تنت هز الطبقنة العاملة جم يع الفرص لتح سين‬
‫حال ها "فأن ها تن حط إلى م ستوى جما عة من الكائنات المضطهدة الجائ عة ال تي ل خلص ل ها‬
‫من شقائها"‪.‬‬
‫ويصبح لهذا الوحدة بين الضداد معنى هام حين تتحول الضداد بعضها إلى البعض الخر‪،‬‬
‫لن كل من الضداد يتحول‪ ،‬في ظروف معينة‪ ،‬إلى ضده‪ :‬فتصبح البرجوازية‪ ،‬وهي الطبقة‬
‫السائدة‪ ،‬طبقة مسودة كما تصبح البروليتاريا‪ ،‬و هي الطبقة المسودة‪ ،‬طبقة سائدة‪ .‬وكذلك‬
‫يتحول النسنان الجاهنل‪ ،‬الذي يدرس العلم‪ ،‬إلى ضده‪ ،‬أي إلى إنسنان عالم‪ ،‬بينمنا يتحول‬
‫‪7‬‬

‫النسان العالم‪ ،‬بدوره‪ ،‬وقد اكتشف أنه ل يعلم كل شيء إلى ضده‪ ،‬إلى إنسان جاهل يرغب‬
‫في التعلم من جديد‪".‬ل تموت الوحدة بين الجوانب المتعارضة في ظاهرة موجودة موضوعيا‬
‫ول تتحجر بل هي دائما حية‪ ،‬مشروطة متحركة مؤقتة‪ ،‬نسبية‪ .‬وتتحول جميع الضداد‪ ،‬في‬
‫ظروف معيننة‪ ،‬كنل منهنا الى الخنر فيكوّن انعكاس هذا الوضنع فني تفكينر النسنان النظرة‬
‫الجدل ية الماد ية المارك سية للعالم‪ ،‬ول تع تبر الطبقات ال سائدة الرجع ية ال تي تو جد الن ك ما‬
‫وجدت فني الماضني‪ ،‬كمنا ل تعتنبر الميتافيزيقنا التني تخدم هذه الطبقات‪ ،‬الضداد حينة‪،‬‬
‫مشروطة‪ ،‬متحركة‪ ،‬يتحول كل منها إلى الخر بل تعتبرها ميتة‪ ،‬متحجرة‪ ،‬وهي تشيع هذه‬
‫النظرينة الخاطئة فني كنل مكان فتضلل الجماهينر الشعبينة لتطينل عهند سنيطرتها"‪.‬‬
‫ولهذا تعلم البرجوازينة الرأسنمالية‪ ،‬اليوم‪ ،‬كمنا علمنت الطبقنة القطاعينة فني الماضني‪ ،‬أن‬
‫سنيطرتها أبدينة‪ ،‬فتلحنق الماركسنيين اللينيينن الذينن‪ ،‬يعملون‪ ،‬حسنب منا يقول بنه العلم‬
‫الجدلي‪ ،‬تحول الضداد المتبادل‪ ،‬أي انت صار البروليتار يا المضطهدة الذي ل م فر م نه‪ ،‬على‬
‫الذين يستغلونها‪.‬‬
‫ومنن المهنم‪ ،‬منع ذلك‪ ،‬أن ل نجعنل لهذا التحول طابعنا آلينا‪ .‬فنحنن حينن نقول بأن الضداد‬
‫يتحول كل منها إلى الخر ل نعني بذلك مجرد تبدل‪ ،‬متى تم النتقال فيه من ضد إلى ضد‪ ،‬لم‬
‫يتغير شيء‪ ،‬فتصبح البرجوازية‪ ،‬وهي الطبقة السائدة‪ ،‬طبقة مسودة‪ ،‬وتتحول البروليتاريا‪،‬‬
‫و هي الطب قة الم سودة‪ ،‬إلى طب قة سائدة‪ .‬إذ أن البروليتار يا طب قة تختلف كل الختلف عن‬
‫البرجوازينة‪ ،‬لن هذه البرجوازينة مسنتغلة بينمنا البروليتارينا‪ ،‬فني ممارسنتها لدكتاتوريتهنا‬
‫الطبق ية‪ ،‬ل ت ستغل أي إن سان بل تع مل على توف ير ظروف البناء الشترا كي‪ .‬أي أن تحول‬
‫الضداد المتبادل يوجد حالة كيفية جديدة‪ ،‬لنه انتقال من السفلي إلى العلوي فهو بذلك تقدم‬
‫كبير‪ .‬ويؤدي تحول الضداد إلى القضاء عليهما معا‪ ،‬لن الشتراكية تقضي على البرجوازية‬
‫كطبقة مستغِلة‪ .‬كما تقضي على البروليتاريا كطبقة مستغَلة‪ .‬ثم تظهر تناقضات جديدة يمتاز‬
‫بهنا المجتمنع الشتراكني بعند أن يكون التناقنض بينن البرجوازينة والبروليتارينا قند ولى‪.‬‬
‫ول معننى لوحدة الضداد‪ ،‬منن جهنة ثانينة‪( ،‬وتحولهنا المتبادل) ال بالنسنبة لنضال الضداد‬
‫الذي هنو جوهنر هذه الوحدة‪ ،‬فل يجنب إذن محاولة تحقينق هذا التحول المتبادل للضداد‬
‫بصورة اعتباطية إذا لم تتحقق ظروف هذا التحول‪.‬‬
‫ول قد صدق ماوت سي تو نج في قوله‪ ،‬في ال نص ال سابق‪ ،‬أن الضداد يتحول كل من ها إلى‬
‫الخر "في ظروف معينة"‪ .‬فما الذي يحدد هذه الظروف؟ يحددها النضال وميزاته الملموسة‪.‬‬
‫وهكذا تتعلق وحدة الضداد وتحولهنا بالنضال‪ ،‬فإذا منا انفصنمت وحدة ظهرت وحدة جديدة‬
‫أخرى‪ ،‬ولكن تفسر جميع مراحل هذه العملية بواسطة النضال‪.‬‬
‫وحدة‪ ..‬الضداد مشرو طة‪ ،‬وقت ية‪ ،‬عابرة‪ ،‬ن سبية بين ما نضال‪ ،‬الضداد‪ ،‬في قضاء كل من ها‬
‫على الخر‪ ،‬مطلق كما هو شأن النمو والحركة‪.‬‬
‫وأن من يجهل أن وحدة الضداد تقوم وتستمر وتنحل في النضال يتردى في الميتافيزيقا‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫الدرس السادس‬
‫ميزة الجَدليّة الرّابعَة‬
‫نضال الضدَاد (‪)2‬‬
‫‪ – 1‬شمول التناقض‬
‫أ) في الطبيعة‬
‫ب) في المجتمع‬
‫‪ – 2‬بين التعارض والتناقض‬
‫‪ – 3‬نضال الضداد محرك للفكر‬

‫‪ -1‬شمول التَنَاقض‬
‫يش مل التنا قض‪ ،‬و هو الدا فع ل كل حر كة‪ ،‬كل ش يء‪ .‬ويف هم الفل سفة المثاليون ح ين نتحدث‬
‫عن "التناقض" مجرد "نضال بين الفكار" فهم ل يمكنهم أن يتصوروا التناقض ال بين أفكار‬
‫متناقضنة‪ .‬وهنم بذلك يفهمون منن الكلمنة معناهنا العادي ("قول العكنس") غينر أن تناقنض‬
‫الفكار ليس سوى صورة من صور التناقض‪ ،‬وذلك لن التناقض حقيقة موضوعية موجودة‬
‫فني العالم فأنننا نجده أيضنا فني "الذات" أي فني النسنان "الذي هنو جزء منن العالم)‪.‬‬
‫يم كن تف سير كل تطور ( طبيعي أو اجتما عي) عن طر يق التنا قض‪ .‬وي ستمر هذا التنا قض‬
‫ا ستمرار عمل ية التطور‪ :‬وان كان ل يظ هر للعيان‪ .‬ول قد رأي نا مثال ذلك في الدرس ال سابق‬
‫حينن تحدثننا عنن الماء‪ .‬ويعلق ماوتسني توننج‪ ،‬فيمنا يتعلق بالمجتمعات‪ ،‬على خطنأ بعنض‬
‫أ صحاب النظريات الذ ين ينتقد هم الفل سفة ال سوفيات إذ يرى هؤلء " في بحث هم عن الثورة‬
‫الفرن سية‪ ،‬أ نه لم يو جد تنا قض في الطب قة الثال ثة ال تي كا نت تتكون من العمال والفلح ين‬
‫ومن البرجوازية‪ ،‬بل كان هنالك اختلفات‪ .‬وهذه النظرة ضد الماركسية‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫ف هم ين سون أن " كل اختلف يرت كز على تنا قض‪ ،‬وأن الختلف نف سه تنا قض‪ .‬إذ ما كادت‬
‫البرجواز ية والبروليتار يا يظهران ح تى ظ هر معه ما التنا قض ب ين الع مل ورأس المال؛ ولم‬
‫يكن هذا التناقض قد بلغ درجة خطيرة آنذاك‪.‬‬
‫ولو أن التناقنض لم يكنن موجودا مننذ بداينة التطور لوجنب تفسنير هذا التطور بتدخنل قوة‬
‫خارجية عجيبة‪ .‬غير أننا رأينا في الفصل السابق (‪ ،3‬أ) أن الظروف الخارجية‪ ،‬وأن كانت‬
‫ضرورية للتطور‪ ،‬ل يمكنها أن تحل محل التناقضات الداخلية‪ .‬فالتناقض الداخلي مستمر دائم‬
‫وأن نمنا وتطور‪ .‬ولهذا ل يمكنن دراسنة تطور طنبيعي أو اجتماعني ال بعند نمنو تناقضاتنه‬
‫الداخلية نموا كافيا‪ .‬وهكذا استحالت دراسة الرأسمالية عام ‪ 1820‬بصورة علمية لنها لم‬
‫ت كن ب عد قد ن مت جوهر ها‪ :‬فلم ي كن بالمكان أدراك سوى جوانب ها الجزئ ية‪ ،‬وهذا ما فعله‬
‫السابقون على ماركس‪ .‬وكذلك ل يمكن دراسة النبتة ال بعد أن تكون قد تقدمت في النمو‪.‬‬
‫حتنى إذا منا اسنرعنا إلى تعمينم منا عرفناه عنن بداينة تطور معينن كان ذلك مننا موقفنا‬
‫ميتافيزيقيا لن في ذلك اهمال لجوانب مهمة في التطور‪.‬‬
‫لنعرض‪ ،‬بعند أن انتهيننا الن منن توضينح طابنع الشمول فني نضال الضداد‪ ،‬بعنض المثلة‬
‫الملموسنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫أ) ن في الطَبيعَة‬
‫عرضننا فني الدرس السنابق مثال الماء ورأيننا أن نضال الضداد يفسنر تحوله الكيفني منن‬
‫سائل إلى غاز ومن سائل إلى جليد‪ .‬وتحتوي جميع التطورات الطبيعية على نضال الضداد‪.‬‬
‫إذ يمكن تف سير النتقال‪ ،‬وتغي ير المحل بواسطة التنا قض‪ .‬فلنن ظر الن إلى عربة ت سير (أو‬
‫إلى رجنل يمشني)‪ .‬ل يمكنن للعربنة النتقال منن أ إلى ب ومنن ثنم منن ب إلى ج‪ .‬الخ‪ .‬ال‬
‫شريطنة أن تناضنل باسنتمرار ضند الوضنع الذي كاننت تحتله سنابقا‪ .‬حتنى إذا منا كنف هذا‬
‫النضال كف معه السير‪ .‬يقول المنطقيون أنه كي تؤكد ب يجب ازالة أ‪ ،‬ولكي تؤكد ج يجب‬
‫إزالة ب وهكذا تخرج ب من النضال ضد أ؛ كما تخرج ج من النضال ضد ب‪ .‬وهكذا دواليك‪.‬‬
‫"ولذلك ل يتم مجرد تغيير المحل اللي ال لن جسما وجد‪ ،‬في نفس اللحظة‪ ،‬في محل وفي‬
‫محل اخر في نفس الوقت‪ ،‬في محل واحد وليس فيه‪ .‬وتقوم الحركة على طريقة حدوث هذا‬
‫التناقض باستمرار وانحلله في نفس الوقت‪.‬‬
‫ونضال الضداد شامنل فني العالم الفيزيائي‪ .‬وهكذا فأن ظاهرة بسنيطة كالصندأ الذي يعلو‬
‫الشوكة هو ثمرة نضال بين الحديد والوكسجين‪ .‬وصورة الحركة الساسية في الطبيعة هي‬
‫النضال ب ين الجذب والد فع‪ ،‬حدوث التطور وال ستقرار والتحول والفناء في جم يع التجمعات‬
‫المادينة سنواء كاننت التجمعات الكونينة البعيدة فني النجوم أو النظام الشمسني نن وكذلك‬
‫تجمعات المواد الصنلبة وقطرات الماء أو الغازات نن وكذلك تجمعات الجزيئات والذرات أو‬
‫تجمع قلب هذه الذرات‬

‫‪10‬‬

‫ولنمثنل على ذلك بالنظام الشمسني‪ :‬ل يمكنن أن نفهنم حركنة الكواكنب حول الشمنس بدون‬
‫نضال هذ ين ال صندين وه ما‪ :‬حر كة الدوران ال تي تنزع إلى ال سقوط بالكو كب على الش مس‪،‬‬
‫وجمود الكوكب الذي ينزع إلى ابعاده عنها‪.‬‬
‫كذلك شأن الجسم الذي يتمدد أو يتقلص كجسم صلب يذوب أو سائل يتجمد أوسائل يتبخر أو‬
‫غاز ي صبح سائل‪ :‬ل يم كن أن تو جد جم يع هذه التحولت بدون النضال ب ين ال صندين وه ما‬
‫قوى التجمينع بينن الجزيئات‪ .‬وهني قوى جاذبنة والطاقنة الحرارينة التني هني دافعنة‪.‬‬
‫وكذلك حال الظوا هر الكيماو ية ال تي تمتزج في ها أج سام ب سيطة في ما بين ها كما تن حل أجسام‬
‫مركبنة إلى عناصنر بسنيطة‪ .‬تقوم جمينع هذه العمليات على وحدة عمليات متناقضنة وهني‬
‫اتصال الذرات وانحللها؛ ومن هنا كانت التناقضات الخاصة بالكيمياء‪ .‬بين الحامض والس‬
‫‪ ،Base‬وبين المؤكسد ‪ Oxydant‬والمرجع ‪ reducteur‬بين‬
‫‪ lectrification‬و ‪Hydrolyse‬‬
‫وكذلك إذا تأملنا الذرة نجد أن التوازن النسبي الذي يحفظ اللكترونات حول النواة ينتج عن‬
‫النضال ب ين هذ ين الضد ين وه ما‪ :‬الطا قة الكهربائ ية الثاب تة و هي ه نا جاذ بة وب ين الطا قة‬
‫الحركية وهي دافعة‪ .‬وكذلك يعتقد العلم الحديث بوجود ضروب نوعية من الجذب والدفع بين‬
‫البروتون والنوترون في نواة الذرة‪.‬‬
‫يعرف كنل مننا نوعينن متضادينن منن الكهرباء‪ :‬اليجابينة والسنلبية‪ ،‬كمنا يعرف قطنبين نن‬
‫شمالينا وجنوبيانن للمغناطينس؛ وكذلك ظواهنر الجذب أو الدفنع بينن الجسنام المختلفنة فني‬
‫كهربتها أو المتماثلة‪ ،‬وبين القطبين المختلفين أو المتماثلين في المغناطيس‪.‬‬
‫كمنا كشفنت الفيزياء الحديثنة‪ ،‬مؤخرا‪ ،‬أن الجزيئات التني تكون جمينع الشياء المادينة‪،‬‬
‫كالليكترونات فني الذرة مثل‪ ،‬ليسنت مماثلة ميتافيزيقينا لنفسنها‪ .‬بنل هني متناقضنة تناقضا‬
‫شديدا‪ ،‬ذات طبي عة ثنائ ية لن ها ج سم ومو جة في ن فس الو قت‪ ،‬إذ يم كن تشبيه ها بالبذور‬
‫والمواج وهكذا يبدو طابنع المواج المادي كأمواج الرادينو‪ ،‬كمنا يتضنح سنر طبيعنة النور‬
‫القدينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننم‪.‬‬
‫أما الطبيعة الحية فهي تنمو حسب قانون الضداد‪ .‬ولقد رأينا في الدرس السابق أن الحياة‬
‫نضال مستمر ضد الموت‪ .‬ولنمثل على ذلك بنوع من الحيوان أو النبات نجد أن كل فرد من‬
‫الفراد التني يتكون منهنا هذا النوع يموت بدوره ل محالة‪ .‬منع ذلك يسنتمر النوع ويتكاثنر!‬
‫وهكذا ينت صر الموت على الحياة في الفراد بين ما تنت صر الحياة على الموت في النوع‪ .‬ل ما‬
‫كا نت الحياة غزوا ل ما هو ل يس ب حي‪ ،‬يمكن نا القول بأن الموت وتحلل الفرد هو تقه قر أو‬
‫عودة العلوي إلى السنفلي‪ ،‬والجديند إلى القدينم‪ .‬بينمنا نمنو النوع العام‪ ،‬هنو‪ ،‬على العكنس‪،‬‬
‫انتصنار للجديند على القدينم وتقدم للسنفلي على العلوي‪ .‬وهكذا تكون الحياة والموت جاننبي‬
‫تناقنض ينشنأ وينحنل‪ .‬تتحول الطبيعنة فإذا بهنا نفسنها دائمنا وإذا بهنا متجددة باسنتمرار‪.‬‬
‫ول ت ستعصي الرياضيات على قانون الضداد‪ ،‬ح تى في اب سط صورها‪ .‬فعمل ية الطرح (أ –‬
‫ب) فني مبادينء الجنبر هني عملينة جمنع (ب ‪ +‬أ) ولهذا تبدو وحدة الضداد غريبنة للذهنن‬
‫العادي الذي يقول بأن الج مع هو ج مع والطرح طرح؟ وهوم حق جزئيا لن العمل ية الجبر ية‬

‫‪11‬‬

‫هي نف سها ضد ها‪ .‬ول ي ستعصي التفك ير الريا ضي على قوان ين الكون‪ ،‬و هو ل يتقدم ال إذا‬
‫كان‪ ،‬كالكون‪ ،‬جدليا‪ .‬ولقد خصص انجلز صفحات رائعة للرياضيات حسب النظرة الجدلية‪.‬‬
‫ب) – في المجتمع‬
‫يمكن تفسير جميع جوانب الواقع الجتماعي أيضا بواسطة التناقض‪ .‬وكذلك تكون المجتمع‬
‫نف سه‪ .‬وذلك لن المجت مع الن ساني‪ ،‬كجا نب جد يد من جوا نب الوا قع‪ ،‬هو ثمرة نضال ب ين‬
‫الطبيعنة وأجدادننا القدماء الذينن كانوا أقرب إلى القرود العلينا منهنم إلى أناسني اليوم‪.‬‬
‫ول قد كان محتوي هذا النضال‪ ،‬ول يزال‪ ،‬هو الع مل الذي يحول الطبي عة والن سان في ن فس‬
‫الوقت‪ .‬فكان العمل مصدر المجتمعات لنه وحد بين أجدادنا في نضالهم من أجل الحياة‪ .‬كما‬
‫أن الع مل هو الذي ح قق النتقال الكي في من الحيوان إلى الن سان‪ .‬ول قد قام مار كس‪ ،‬في‬
‫كشفنه عنن الدور الذي يقوم بنه العمنل‪ ،‬كنضال بينن الضداد ينشنأ عننه المجتمنع‪ ،‬باكتشاف‬
‫خط ير؛ فأ سس علم المجتمعات الذي يقوم على نظر ية عا مة‪ ،‬هي الماد ية التاريخ ية‪ .‬و من‬
‫المفيد قراءة الفصل الرائع الذي كتبه انجلز في كتابه "جدلية الطبيعة" وعنوانه "أثر العمل في‬
‫تحو يل القرد إلى إن سان" للتدل يل على هذا التنا قض ال ساسي في المجتمعات إل و هو الع مل‬
‫(الذي يوحد بين الطبيعة والنسان وهما ضدان)‪.‬‬
‫غ ير أن التنا قض ل ي قف ع ند هذا ال حد‪ .‬بل هو المحرك للتار يخ م نذ ال قبيلة البدائ ية ح تى‬
‫المجتمع الشتراكي والشيوعي‪ ،‬ولسوف تقوم الدروس المخصصة للمادية التاريخية بتحليل‬
‫هذه الحر كة ب صورة أو ضح‪ .‬فتظ هر التنا قض ال ساسي ب ين قوى النتاج الجديدة وعلقات‬
‫النتاج القديمنة‪ .‬وكذلك التناقنض بينن الطبقات‪ ،‬أي النضال الطبقني‪ ،‬كالنضال بينن الطبقات‬
‫المستغِلة والطبقات المستغَلة فهو جانب أساسي من قانون الضداد الكبير‪ .‬ولقد رفض بلوم‪،‬‬
‫وهو مزور الماركسية‪ ،‬القول بالمادية الجدلية كي يستطيع انكار أثر النضال الطبقي ووجوده‬
‫(ول سيما نضال الضداد)‪.‬‬
‫ولو استشهدنا بنظام اجتماعي معين لرأينا أنه يمكن تفسيره أيضا بواسطة تناقض أساسي‬
‫وتنا قض ثانوي‪ .‬وهكذا ل وجود للرأ سمالية بدون تنا قض ب ين البرجواز ية الرأ سمالية ال تي‬
‫تملك وسنائل النتاج‪ ،‬وبينن البروليتارينا‪ .‬وليسنت هذه الرأسنمالية جامدة ل تتحرك بنل هني‬
‫تتحول‪ :‬فتتحول رأ سمالية الفترة الولى‪ ،‬و هي رأ سمالية المضار بة‪ ،‬إلى رأ سمالية الحتكار‬
‫فني الفترة التالينة‪ :‬وذلك لن المضاربنة تضمنن انتصنار أقوى الرأسنماليين فينتنج عنن ذلك‬
‫رأسمالية الحتكار‪ ،‬ثم تتحول المضاربة إلى ضدها‪.‬‬
‫وسننجد تحليل عميقنا للتناقضات التني تتكون منهنا الرأسنمالية فني "رأس المال" الماركنس‪.‬‬
‫‪ -2‬التعارض والتناقض‬
‫هناك سنؤال يخطنر ببالننا غالبنا وهنو "أننه ل وجود للرأسنمالية بدون تناقنض داخلي‪ ،‬لن‬
‫الرأ سمالية نظام ا ستغلل تتعارض ف يه م صالح البرجواز ية مع م صالح البروليتار يا ب صورة‬
‫دائمنة‪ .‬ولكنن ال تقضني الشتراكينة على كنل تناقنض؟ " ويجنب الجابنة على ذلك‪" :‬بأن‬

‫‪12‬‬

‫الشتراكينة ل تخرج على قانون التناقنض‪ ،‬وذلك لننه طالمنا وجند المجتمنع طالمنا وجدت‬
‫التناقضات التي تكون هذا المجتمع"‪.‬‬
‫ويقوم الوهنم القائل بأن القضاء على الرأسنمالية قضاء على التناقنض أيضنا على خطنأ بينن‬
‫التناقنض والتعارض‪ .‬إذ أن التناقنض لينس سنوى حالة خاصنة منن حالت التعارض‪ :‬فكنل‬
‫تناقض متعارض وليس كل تعارض متناقضا‪.‬‬
‫فهناك بعض التعارض بين كمية صغيرة جدا من الرسنيك وبين الجسد‪ ،‬ولكن اذا ظلت كمية‬
‫الر سنيك ضعي فة لم يتطور التعارض إلى تنا قض‪ .‬فإذا ما زد نا هذه الكم ية صار التعارض‬
‫تناق ضا ممي تا للج سم‪ .‬وكذلك يو جد نضال دائم ب ين الضداد في المجت مع الرأ سمالي وه ما‬
‫البرجوازية والبروليتاريا‪.‬‬
‫"حتى إذا ما بلغ ازدياد التعارض (بين هذه الطبقات) درجة معينة "اتخذ صورة تناقض ظاهر‬
‫يتحول إلى ثورة"‪.‬‬
‫ول يس التنا قض سوى مرحلة من مرا حل التعارض! و هو أخ طر هذه المرا حل‪ .‬فالحرب ب ين‬
‫الدول ال ستعمارية هي أخ طر مرحلة من مراحل النضال الدائم بينها‪ .‬ولهذا يجب الن ظر إلى‬
‫التعارض خلل جم يع أطواره‪ .‬فل قد ن تج التعارض ب ين الطبقات‪ ،‬مثل‪ ،‬عن تق سيم الع مل في‬
‫المجتمع الول البدائي؛ اذ كان في هذا المجتمع‪ ،‬في تلك المرحلة‪ ،‬اختلف بين ألوان النشاط‬
‫الجتماعينة (كالصنيد البري‪ ،‬والصنيد البحري‪ ،‬وتربينة الحيوانات) ولقند تطور هذا الختلف‬
‫إلى نضال حيننن نشأت عنننه الطبقات الجتماعيننة فأصننبح تناقضننا فنني فترة الثورة‪.‬‬
‫ماذا يحدث اذن عنند حلول الشتراكينة؟ يزول التناقنض بينن الطبقات بفضنل القضاء على‬
‫البرجواز ية الم ستغِلة‪ .‬و مع ذلك ت ظل الخلفات قائ مة‪ ،‬لفترة ما‪ ،‬ب ين طب قة العمال وطب قة‬
‫الفلحينن‪ ،‬بينن القرينة والمديننة‪ ،‬وكذلك بينن العمنل اليدوي والعمنل الفكري‪ .‬وليسنت هذه‬
‫الختلفات تناقضات بنل هني تعارضات يجنب التغلب عليهنا لن النسنان‪ ،‬فني المجتمنع‬
‫الشيوعني‪ ،‬يمكننه القيام بمختلف ألوان النشاط التني يتقاسنمها اليوم أفراد مختلفون‪ ،‬ولن‬
‫التعارض بين العمل اليدوي والعمل الفكري ينحل في وحدة أسمى‪ .‬كما توفر الثقافة العلمية‬
‫المتعددة الظروف لتحقيق هذه الوحدة التي تجعل من الفرد ممارسا وعالما في نفس الوقت‪.‬‬
‫وهكذا نرى نهاية التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا ل يعني نهاية التعارض ولهذا كتب‬
‫لينين يقول منتقدا بوخارين‪:‬‬
‫"لينس التناقنض والتعارض شيئا واحدا‪ .‬إذ يزول الول بينمنا يسنتمر الثانني فني النظام‬
‫الشتراكننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننني"‪.‬‬
‫إذ كيف يمكن أن يحدث التقدم بدون التناقض الذي يدفع للتقدم؟ وهكذا يفسر لنا ستالين في‬
‫كتا به "مشا كل الشتراك ية القت صادية في التحاد ال سوفياتي" أن انتقال الشتراك ية التدري جي‬
‫إلى الشيوع ية ل يم كن ال ب عد حل التنا قض الكائن ( في المجت مع الشترا كي) ب ين صورتين‬
‫للملكية الشتراكية‪ :‬الملكية الكولخوزية‪ ،‬وهي ملكية اشتراكية‪ ،‬الملكية القومية (كالمصانع‬
‫مثل) وهي ملكية يمتلكها المجتمع بأكمله‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫و مع ذلك ل تتطور التعارضات‪ ،‬في المجت مع الشترا كي‪ ،‬إلى ضروب من النزاع والتنا قض‬
‫لن مصالح أعضاء هذا المجتمع مترابط بعضها ببعض‪ ،‬ولن هذا المجتمع يدير أموره حزب‬
‫م سلح بعلم المارك سي و هو علم التعارض‪ .‬وهكذا ي تم حل التعارضات بدون نزاع أو از مة‪.‬‬
‫كما أن هذه التعارضات مفيدة لنها تعين المجتمع على التقدم‪.‬‬
‫وكذلك يكون اسنتخدام النقند والنقند الذاتني فني حياة السنوفياتيين أروع مثال على تطور‬
‫التعارضات بدون تناقنض‪ .‬ولقند صنرح جورج مالنكوف فني المؤتمنر التاسنع عشنر للحزب‬
‫الشيوعني فني التحاد السنوفياتي بقوله‪ :‬يجنب النضال ضند الوقائع السنلبية منن أجنل تقدم‬
‫قضيت نا‪ ،‬وأن نو جه اهتمام الحزب وجم يع ال سوفياتيين ن حو إزالة الخطاء بوا سطة الع مل‪.‬‬
‫ويقوم بهذا الن قد ملي ين العمال و هم ا سياد بلد هم وكل ما ات سع الن قد في ال ساس كل ما تم‬
‫ظهور القوى المبد عة ك ما تم ظهور طا قة شعب نا المبد عة‪ ،‬وكذلك ازداد تغل غل الشعور في‬
‫الجماهير الشعبية بأنها سيدة في أوطانها‪.‬‬
‫وي سرد مالنكوف أمثلة على الخطاء ال تي ي جب ا صلحها بوا سطة هذا الن قد كتبذ ير المواد‬
‫الول ية في ب عض الم صالح؛ واضا عة الو قت في ب عض الكولخوزات‪ ،‬أو التقل يل من شأن‬
‫الحصار الرأسمالي‪ ،‬أو عدم الشراف كافيا على المهمات الملقاة على عاتق بعض المنظمات‬
‫أو بعض المناضلين‪.‬‬
‫ويقول مالنكوف أن مهمنة الحزب الشيوعني هني إيجاد الظروف التني تسناعد كنل مواطنن‬
‫سنوفياتي شرينف على أن ينقند بجرأة وبدون خوف مظاهنر النقنص فني عمنل المنظمات‬
‫نع‬
‫ني جمين‬
‫نن والمحاضرات فن‬
‫نبح المجالس واجتماعات المناضلين‬
‫نب أن تصن‬
‫والدارات فيجن‬
‫المنظمات منابر ضخمة لنقد وجود النقص نقدا جزئيا قويا‪.‬‬
‫هذا النقد مظهر من مظاهر النضال بين الضداد لنه يتيح القضاء على الخطاء والبقايا التي‬
‫تعينق تقدم المجتمنع الشتراكني‪ :‬وهنو نقند أخوي يقوم بنه أناس لهنم نفنس المصنالح‪.‬‬
‫وكذلك فان النضال ب ين الفكار‪ ،‬دا خل الحزب نف سه‪ ،‬هو الت عبير عن النضال ب ين الضداد‪.‬‬
‫ويساعد هذا النقد الحزبي الماركسي اللينيني الستاليني على تحسين عمله بدون انقطاع‪ ،‬ول‬
‫يفضي هذا النضال إلى تناقض‪ .‬فإذا ما افضى إلى التناقض فمعنى ذلك أن الحزب يناضل ضد‬
‫أعدائه الذينن يعملون لمصنلحة البرجوازينة كنضال الحزب الشيوعني (البولشفيكني) ضند‬
‫تروتسكي وبوخارين وبيريا‪.‬‬
‫‪ – 3‬نضَال الضْداد ُمحَرك لِلفكْر‬
‫اذا كان قانون تعارض الضداد يقوم بدور مهم في الطبيعة والمجتمع فانه من السهل التنبؤ‬
‫با نه ل ما كان الن سان كائ نا طبيع يا واجتماع يا فان فكره يخ ضع أي ضا لقانون الضداد‪ .‬ول قد‬
‫رأي نا طا بع الف كر الجدلي في الدرس الرا بع‪ .‬ول يس هذا بم ستغرب‪ .‬فن حن نن ظر إلى الف كر‪،‬‬
‫كماديين‪ ،‬على أنه مرحلة من مراحل التطور العام؛ وهكذا تسيطر قوانين الجدلية على الفكر‬
‫كما تسيطر على مجموع الواقع‪ .‬كما أن جدلية الفكر‪ ،‬في جوهرها‪ ،‬من نفس طبيعة جدلية‬
‫العالم؛ وقانونها الساسي هو التناقض‪ :‬ولهذا كتب لينين يقول‪" :‬المعرفة هي الوسيلة التي‬
‫يقترب ب ها الف كر دائ ما من الموضوع‪ .‬وي جب أن نف هم انعكاس الطبي عة في الف كر الن ساني‬
‫‪14‬‬

‫ل يس ب صورة "مي تة" ولب صورة "مجردة" أو بدون حر كة أو تنا قض بل عن طر يق عمل ية‬
‫الحركة الدائمة وظهور التناقضات وحلها‪.‬‬
‫وهكذا يكون النتقال الكيفي من الحساس إلى المفهوم ‪( Concept‬الذي تحدثنا عنه في‬
‫الدرس الرا بع) حر كة ت تم بوا سطة التنا قض فيع كس الح ساس جان با محدودا من الوا قع؛‬
‫وينكنر المفهوم هذا الجاننب الخاص ليؤكند شموله‪ .‬فيتجاوز حدود الحسناس ليعنبر عنن‬
‫الموضوع بأكمله‪ .‬وهكذا المفهوم نفينا للحسناس (مثال‪ :‬المفهوم العلمني عنن النور كوحدة‬
‫من الموجة والجسيم ينفي الحساس بالنور‪ ،‬ذلك الحساس الذي يكشف لنا عن وجود النور‬
‫ول يطلعننا على كنهنه‪ .‬ويؤثنر المفهوم بدوره فني الحسناس بعند أن تكوّن بواسنطة نفينه‬
‫للحساس (عن طريق النضال ضد هذا المستوى السفلي من المعرفة) فيمد الحساس‪ ،‬بعد‬
‫نفينننه له‪ ،‬بالوسنننائل ليثبنننت وجوده بقوة جديدة لنننننا ندرك جيدا منننا فهمناه‪.‬‬
‫وتدلننا التجربنة على أنننا ل نسنتطيع فهنم الشياء المدركنة مباشرة بواسنطة حواسننا وأن‬
‫الشياء يمكن أن تدرك بالحساس بعد فهمها بصورة أعمق‪.‬‬
‫وهكذا يكون كل من الح ساس والمفهوم والح ساس وحدة من ضد ين متفاعل ين‪ ،‬يؤ كد كل‬
‫منهما نفسه ضد الخر بالرغم من أن كل منهما يقوي الخر (لن الحساس بحاجة للمفهوم‬
‫لتوضيحه‪ ،‬كما أن المفهوم بحاجة للحساس الذي يعتمد عليه)‪.‬‬
‫فإذا ما نظرنا إلى مختلف الطوار التي تكون المفهوم‪ ،‬الفينا فيها قانون الضداد‪ .‬وهكذا فأن‬
‫التحل يل والترك يب ه ما عمليتان ضروريتان في كل ف كر‪ ،‬يعتبره ما الميتافيزي قي كل منه ما‬
‫معارض للخرى‪ .‬وهمنا متعارضتان حقنا ولكنن تعارضهمنا هنو تعارض عمليتينن ل يمكنن‬
‫الفصل بينهما لن كل من التحليل والتركيب يقوم أحدهما على الخر‪ .‬لن التحليل هو البحث‬
‫عن أجزاء الكل؛ ولكن الجزاء انما هي أجزاء من كل‪ ،‬فليس هناك "أجزاء في ذاتها" فالكل‬
‫إذن كائن في الجزاء؛ وهكذا يحدد كل من التركيب والتحليل الخر وأن كان كل منهما عكس‬
‫الخنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننر‪.‬‬
‫وكذلك المر في النظرية والتطبيق فهما قوتان متضادتان متفاعلتان تفاعل جدليا‪ :‬تتداخل كل‬
‫منهما في الخرى وتبعث كل منهما الخصب في الثانية‪.‬‬
‫ولما كان الفكر جدليا‪ ،‬أمكنه فهم جدلية العالم (الطبيعة والمجتمع)‪ .‬فتنعكس ألوان التناقض‬
‫فني العالم الموضوعني‪ ،‬وإذا بحركنة الفكنر جدلينة هني أيضنا‪ ،‬شأنهنا كشأن جمينع مظاهنر‬
‫الواقنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننع‪.‬‬
‫وهكذا يغ يب جو هر الوا قع عن الف كر الذي يج هل التنا قض‪ ،‬وان مجرد تعر يف ش يء ضئ يل‬
‫هنو تعنبير عنن تناقنض‪ .‬فاذا قلت‪" :‬الوردة زهرة" جعلت منن الوردة شيئا اخنر غينر نفسنها‬
‫ف صنفتها في طائ فة الزهار‪ .‬وهذه بدا ية تفك ير جدلي‪ ،‬لن ني سوف أ صل‪ ،‬عن طر يق هذه‬
‫الوردة‪ ،‬إلى الكون أجمع (وذلك لننا نفهم أن كل شيء مرتبط بالخر) ولسوف يكتفي الفكر‬
‫غينر الجدلي بالقول‪" :‬الوردة هني الوردة" وهذا ل يطلعننا على شينء منن طبيعنة صنفات‬
‫الوردة‪.‬‬
‫ومن المفيد‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬التذك ير‪ ،‬في بعض الحيان‪ ،‬بأن الوردة هي وردة وليست عربة ذات‬
‫مقاعد‪ .‬وليس المنطق الولي‪ ،‬غير الجدلي‪ ،‬الذي يعتمد على مبدأ التماثل ( أ هي أ وليست أ‬

‫‪15‬‬

‫غير أ ) خاطئا‪ .‬بل هو منطق جزئي يعبر عن المظهر المباشر السطحي للشياء‪ .‬فهو يقول‪:‬‬
‫"الماء هو الماء"؛ و "البرجواز ية هي البرجواز ية" أ ما المن طق الجدلي ف هو يدرك‪ ،‬وراء‬
‫الظا هر الثا بت‪ ،‬الحر كة الداخل ية والتنا قض‪ .‬ف هو يكت شف أن الماء يح مل في احشائه ألوان‬
‫التناقض التي تفسر لنا النتقال من الماء إلى الهيدروجين والوكسجين‪ .‬وكذلك يحدد المنطق‬
‫الجدلي البرجوازية بمعارضتها للبروليتاريا كما يحددها في تعدد العناصر التي تكونها (فهو‬
‫يقول‪" :‬البرجوازية هي البرجوازية كطبقة مماثلة لنفسها ولكن هناك برجوازية ضد القومية‬
‫وبرجوازية قومية لهما مصالح متناقضة نوعا ما)‪.‬‬
‫وبعد فأن منطق التماثل المسمى بالمنطق الشكلي أو منطق عدم التناقض ضروري وان كان‬
‫غير كاف‪ .‬والتنكر لهذا المنطق انما هو تنكر للواقع‪ .‬مثال‪ :‬كتب جول موش في موازناته‪:‬‬
‫"يوجد في النظام الحالي طبقتان‪ :‬هما الرأسمالية والبروليتاريا"‪.‬‬
‫هذا قول ل معننى له‪ .‬فإذا كاننت البروليتارينا طبقنة اجتماعينة؛ فان الطبقنة المناقضنة‬
‫للبروليتارينا هني طبقنة البرجوازينة وليسنت الرأسنمالية‪ ،‬التني هني نظام اجتماعني‪ .‬اذا أن‬
‫المؤلف يضع في نفس الطائفة حقائق ليست من نفس النوع‪ .‬فالطبقة الجتماعية هي طبقة‬
‫اجتماعية والنظام الجتماعي هو نظام اجتماعي‪ .‬والخلط بينهما امتهان للمنطق الولي الذي‬
‫يقوم على تحديند اللفاظ التني نسنتعملها وبالتالي يكون هذا القول امتهاننا للمنطنق الجدلي‬
‫الذي ل ي سمح بم ثل هذا الخلط‪ ،‬بل يع تبر التماثل مظهرا من مظا هر الوا قع ل يم كن تجاهله‬
‫بدون تزو ير للوا قع ول يعارض التنا قض الجدلي أي ش يء آ خر ف هو يرى أن ال قط هو قط‬
‫أول وأن كان هذا ل يكفي لتحديد ماهية القط‪.‬‬
‫غينر أن قول جول موش هذا مفيند لننا‪ .‬فهنو يدل على أن رفنض الجدلينة ونضال الضداد‬
‫يؤدي إلى رفنض المنطنق العادي‪ .‬ولهذا يخاصنم المزورون الرأي السنليم بمعاداتهنم للعلم‬
‫لسباب سياسية‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫الدرس السابع‬
‫ميزة الجدلية الرابعة‬
‫نضال الضداد (‪)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫–‬
‫–‬
‫–‬
‫–‬
‫–‬

‫ميزة التناقض الخاصة‬
‫العام والخاص متلزمان‬
‫التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي‬
‫المظهر الرئيسي والمظهر الثانوي للتناقض‬
‫خلصة عامة عن التناقض‬

‫‪ 1‬ن ميزة التناقض الخاصة‬
‫ل يجب أن ينسينا شمول التناقضات المطلق ما تمتاز به التناقضات من ثراء ل حد له‪ .‬ذلك‬
‫لن قانون الضداد ت عبير عام عن وا قع يرتدي اشكال متعددة في الوا قع‪ .‬ول يكت فى الجدلي‬
‫بتأكيد شمول نضال الضداد كمبدأ لكل حركة‪ ،‬بل هو يدلل على تخصص هذا القانون حسب‬
‫مظاهر الواقع المتعددة‪.‬‬
‫"ي جب علي نا‪ ،‬ح ين نعرض ل كل ش كل خاص من أشكال الحر كة‪ ،‬أن ن تبين علق ته بمختلف‬
‫أشكال الحر كة الخرى‪ .‬ال هم من ذلك‪ ،‬و هو أ ساس معرفت نا للشياء‪ ،‬أن نرى ما ل كل ش كل‬
‫منن أشكال الحركنة منن ميزة خاصنة‪ ،‬أي منا يميزه كيفينا عنن سنائر أشكال الحركنة‪ .‬وهكذا‬
‫يمكنننا أن نمينز ظاهرة عنن أخرى‪ .‬ويحتوي كنل شكنل منن أشكال الحركنة على تناقضاتنه‬
‫الخا صة به ال تي تكون طبي عة الظاهرة ال تي تميز ها عن الظوا هر الخرى‪ .‬وهذا هو سبب‬
‫تنوع الشياء المتعددة وأسناسه‪ ،‬كمنا هنو سنبب تنوع الظواهنر الموجودة فني العالم‪.‬‬
‫ويع ني هذا أن تأك يد شمول نضال الضداد ل يك في‪ .‬لن العلم هو وحدة النظر ية والت طبيق‪.‬‬
‫ولهذا يظهنر قانون الضداد الشامنل بصنورة ملموسنة منع خواص الحياة نفسنها‪ .‬وهكذا إذا‬
‫وضعنا البيضة في حرارة معينة مكنا التناقض الداخلي الذي تمتاز به البيضة من النمو حتى‬
‫تتفتح عن "النقف"‬
‫((‪ .))Poussin‬وإذا غلينا ليترا من الماء‪ ،‬بنفس الكمية من الحرارة‪ ،‬اختلفت النتائج عن‬
‫نه المميزة له‪.‬‬
‫نه وتناقضاتن‬
‫نة بن‬
‫نه الخاصن‬
‫نع حركتن‬
‫نن الواقن‬
‫نر من‬
‫نل مظهن‬
‫نابقتها‪ .‬لكن‬
‫سن‬
‫ل يتغينر أي شينء إلى أي شينء آخنر‪ .‬ولهذا تتحول حرب معيننة إلى سنلم معينن‪ .‬كمنا أن‬
‫‪17‬‬

‫نظا ما رأ سماليا معي نا له خوا صه في الن مو ي حل محله نظام اشترا كي له هو أي ضا خوا صه‬
‫المميزة‪ .‬وهكذا ي ستمر القد يم في الجد يد‪ .‬ولهذا كان من الخ طأ القول بأن نظا ما اجتماع يا‬
‫جديدا يقضني قضاء مبرمنا على القدينم؛ ولكنن ألينس هناك منن مجال للتوفينق بينن القدينم‬
‫والجديند‪ ،‬لن الجديند ل يمكنن أن يسنتقر ال بمعارضتنه للقدينم‪ .‬ول يعنني "تخطني" الضداد‬
‫الجمع بينها‪ ،‬بل انتصار أحدها على الخر‪ ،‬انتصار الجديد على القديم‪.‬‬
‫وتف سر ل نا طبي عة كل مرحلة من مرا حل الحر كة الماد ية تعدد العلوم من الفيزياء إلى علم‬
‫الحياة (البيولوجيا) ومن علم الحياة إلى العلوم النسانية‪ .‬ويجب على كل علم أن يكشف عن‬
‫التناقضات الخا صة بموضو عه ويفهم ها‪ .‬وهكذا فان القوان ين الخا صة بالكهرباء؛ والقوان ين‬
‫الخا صة بالطا قة (والكهرباء صورة من صور الطا قة) ل تك في لتحد يد الكهرباء‪ :‬بل ي جب‬
‫القيام بتحلينل ظاهرة "الكهرباء" تحليل جدلينا‪ .‬ويحدث أن تثينر كمينة منن الكهرباء بعنض‬
‫التفاعلت الكيمائية؛ فإذا بنا أمام موضوع جديد له قوانينه الخاصة به؛ وكذلك إذا ما انتقلنا‬
‫من الكيمياء إلى علم الحياة (البيولوجيا)‪ .‬ومن علم الحياة إلى القتصاد السياسي الخ‪ ...‬ول‬
‫شك أن جميع مراحل الواقع تكون وحدة ولكن هذه المراحل تختلف كل منها عن الخرى‪.‬‬
‫ول يصندق هذا على مجموع العلوم‪ ،‬بنل نلقنى‪ ،‬فني داخنل كنل علم‪ ،‬الضرورة لدراسنة‬
‫التناقضات الخاصة به‪ .‬مثال‪ :‬هناك حركات خاصة بالذرة إذ حين ينتقل الفيزيائي من حركة‬
‫الجسام المرئية (كالكلة التي تسقط) إلى الحركات الذرية تبدو له قوانين جديدة هي موضوع‬
‫علم الميكاني كا المتمو جة‪ .‬تت خذ الجدل ية صورة موضوع ها كي تف هم حر كة هذا الموضوع‪.‬‬
‫وهكذا فان الفنن صنورة منن النشاط ل يمكنن رده إلى صنور النشاط الخرى‪ ،‬ول سنيما إلى‬
‫العلم (بالرغم من أن الفن وسيلة من وسائل المعرفة لنه يعكس العالم)‪ .‬يوجد إذن تناقضات‬
‫نن الخرى؛ فإذا بالفنان جدلي بقدر حله لهذه‬
‫ني الميادين‬
‫نا فن‬
‫ني هذا الميدان كمن‬
‫نة فن‬
‫نوعين‬
‫التناقضات؛ ح تى إذا ما ع جز عن حل ها لم ي كن فنا نا‪ .‬ك تب النا قد ال كبير بيالن سكي يقول‪:‬‬
‫"مهما كان الشعر مفعما بالفكار الجميلة‪ ،‬ومهما صور لنا كل العصر فأنه ليس شعرا إذا ما‬
‫خل من مضمون الشعر ول يمكن أن يحتوي على أفكار جميلة أو أية مسألة أخرى؛ وكل ما‬
‫نجده فيه قصد جميل لم يتحقق"‪.‬‬
‫فبينما يعبر العلم عن الواقع بواسطة الفكار إذا بالشعر يعبر عنه بواسطة الصور الخاصة‬
‫التني تملك قوة كنبرى على الثارة ول يمكنن للفنن‪ ،‬أن يبلغ هدفنه حقنا‪ :‬إل إذا كان الفنان‬
‫(الشاعنر‪ ،‬الرسنام‪ ،‬الموسنيقي) قادرا على السنيطرة على احاسنيسه الولى وعلى تعمينم‬
‫تأثرا ته؛ ح تى إذا ما اخ طأ ال ثر الف ني في ايجاد ال صور الخا صة بفكرة الفنان كان فاشل‪.‬‬
‫ير جع الف ضل للين ين في اكتشاف التناقضات الخا صة بالرأ سمالية في المرحلة ال ستعمارية‬
‫(ول سيما اختلف نمو البلد الرأسمالية الذي ينشأ عنه نزاع قوي للوصول إلى اقتسام جديد‬
‫للعالم بين المحظوظين وغيرهم) وذلك باعتماده على التحليل الماركسي للرأسمالية‪ .‬فلقد دلل‬
‫على أن هذه التناقضات تجعنل الحرب ل بند منهنا وأننه يمكنن لحركنة البروليتارينا الثورينة‬
‫العالمية‪ ،‬تساندها حركة الشعوب المستعبدة القومية‪ ،‬أن تكسر‪ ،‬في مثل هذه الظروف‪ ،‬قيود‬
‫الرأسمالية في أضعف موضع فيها‪.‬‬
‫وهكذا اسنتطاع لينينن أن يتنبنأ بان الثورة الشتراكينة سنتنتصر أول فني بلد أو عدة بلدان‪.‬‬
‫ويلح ستالين على القول‪ ،‬في كتاب "مشاكل الشتراكية القتصادية في التحاد السوفياتي" ن‬

‫‪18‬‬

‫إذ يبرهن على الطابع الموضوعي لقوانين القتصاد ن على احدى ميزات هذه القوانين وهي‬
‫أنها ليست دائمة‪:‬‬
‫"يختنص القتصناد السنياسي بميزة وهني أن قوانيننه‪ ،‬على عكنس قوانينن الطبيعنة‪ ،‬ليسنت‬
‫دائ مة؛ وأن اغلب هذه القوان ين يؤ ثر خلل فترة معي نة من التار يخ‪ ،‬ثم ت حل محل ها قوان ين‬
‫أخرى‪ .‬ول تزول هذه القوان ين بل تف قد قوت ها لظهور ظروف اقت صادية جديدة فتغ يب لي حل‬
‫محلهنا قوانينن جديدة ل تبدعهنا ارادة الناس بنل تنبعنث منن الظروف القتصنادية الجديدة"‪.‬‬
‫وهكذا ظهر قانون القيمة مع ظهور النتاج التجاري لن القيمة هي القانون الخاص بالنتاج‬
‫التجاري ول سوف تزول بزواله‪ .‬والقانون الخاص بالرأ سمالية هو قانون فائض القي مة ل نه‬
‫يحدد الميزات السناسية للنتاج الرأسنمالي‪ .‬ولكنن هذا القانون ل يمكنن أن يكفني لتحديند‬
‫المرحلة الحال ية في الرأ سمالية ال تي ن مت في ها رأ سمالية الحتكار جم يع امكانات ها فإذا بهذا‬
‫القانون عام‪ ،‬فكان أن ننص سنتالين على القانون الخاص بالرأسنمالية الحالينة وهنو قانون‬
‫الربح القصى‪.‬‬
‫ول يم كن ال للدرا سة الدقي قة للميزات الخا صة بجا نب مع ين من الوا قع أن تبت عد ب نا على‬
‫التع صب الع مى الذي يدفع نا إلى ت طبيق اطار وا حد على أوضاع مختل فة تطبي قا آل يا‪ .‬ولهذا‬
‫كان لينين ينصح الثوار بأن يكدوا اذهانهم في كل حين‪ .‬إذ ليس الماركسي الصحيح هو من‬
‫يعرف عن ظهر قلب مصادر الماركسية الكلسيكية فيعتقد أنه يحل جميع المشاكل بواسطة‬
‫بعنض حلول نموذجينة؛ بنل الماركسني الصنحيح هنو محلل يسنتطيع اسنتعراض كنل مشكلة‬
‫ب صورة ملمو سة دون أن يه مل أي عن صر ضروري لحل ها‪ .‬ي جب علي نا‪ ،‬كي نعرف ح قا أي‬
‫ش يء‪ ،‬أن نلم بجم يع جوان به وأن ندرس جم يع علقا ته و "و سائطه"‪ .‬ولن نبلغ ذلك تما ما‬
‫قط‪ ،‬ولكننا إذا أوجبنا على أنفسنا استعراض الشياء من جميع جوانبها فأننا نحفظ أنفسنا‬
‫من الخطاء ومن التحجر‪.‬‬
‫يكتفني المتعصنب بالعموميات‪ .‬فإذا منا صندر قرار عنن نقابنة منن النقابات‪ ،‬مثل‪ ،‬لم يعبنأ‬
‫بتطبيقه تطبيقا خاصا على مؤسسته وعلى كل م صنع في هذه المؤسسة كما أنه ل يح سب‬
‫حسابا للمطالب الخاصة بكل طائفة من العمال‪.‬‬
‫لهذا التجر يد نتائ جه الخطيرة ل نه يف صل المناضل ين عن جمهرة العمال‪ .‬وهكذا فأن اقت صار‬
‫حركة المقاومة الفرنسية على نضال المناضلين الحرار والنصار المسلح تشويه لها وتنكر‬
‫لطابع المقاومة الخاص وهو أنها كانت نضال الشعب الفرنسي الوطني بقيادة الطبقة العاملة‬
‫وحزبها ال وهو الحزب الشيوعي‪ .‬ومن جهل هذا الطابع الخاص للمقاومة عجز عن تقدير‬
‫مختلف نواحيهنا تقديرا صنحيحا ومنهنا هذه الناحينة المهمنة وهني نضال (‪.).P.F.T‬‬
‫وكذلك‪ ،‬ك ما يل حظ ستالين في كتا به "مشا كل الشتراك ية القت صادية في التحاد ال سوفياتي"‬
‫بانه ليس غرض حركة السلم العالمية اقامة الشيوعية‪ .‬بل أن جوهر هذه الحركة وقانونها‬
‫الخاص هو توح يد ملي ين الناس العادي ين من أعداء الشيوع ية وأن صارها للمحاف ظة على‬
‫ال سلم؛ و هي ل تهدف في فرن سا إلى القيام بالثورة البروليتار يا بل إلى النتقال من سياسة‬
‫الحرب إلى سنياسة المفاوضنة‪ .‬التناقنض بينن "سنياسة الحرب وسنياسة السنلم" يختلف عنن‬

‫‪19‬‬

‫التناقض بين الرأسمالية والشتراكية" (بالرغم من أن الرأسمالية الستعمارية مسؤولة عن‬
‫سياسة الحرب)‪.‬‬
‫يلح ماوتسي تونج في دراسته "حول التناقض" على ضرورة حل "التناقضات المختلفة كيفيا"‬
‫بواسطة "طرق مختلفة كيفيا" فيقول‪" :‬فالتناقض‪ ،‬مثل‪ ،‬بين البروليتاريا والبرجوازية ل يحل‬
‫بواسطة الثورة الشتراكية‪ .‬لن التناقض بين الجماهير الشعبية وبين النظام القطاعي يحل‬
‫بوا سطة الثورة الديمقراط ية‪ .‬ك ما ي حل التنا قض ب ين الم ستعمرات وب ين ال ستعمار بوا سطة‬
‫الحرب القومينة الثورينة‪ .‬وكذلك يحنل التناقنض بينن طبقنة العمال وطبقنة الفلحينن بجعنل‬
‫الزرا عة اشتراك ية آل ية‪ .‬وت حل التناقضات في دا خل الحزب الشيو عي بوا سطة الن قد والن قد‬
‫الذا تي‪ .‬ك ما ت حل التناقضات ب ين المجت مع والطب قة بوا سطة ن مو قوى النتاج‪ .‬وهكذا تتغ ير‬
‫العمليات فتزول العمليات القدي مة والتناقضات القدي مة لي حل محل ها عمليات جديدة وتناقضات‬
‫جديدة‪ ،‬ك ما تتغ ير الو سائل ل حل هذه التناقضات اي ضا‪ .‬ولهذا اختل فت التناقضات ال ني حلت ها‬
‫ثورة شباط وثورة تشرينن الول فني روسنيا‪ ،‬كمنا اختلفنت الوسنائل المسنتخدمة فني هاتينن‬
‫الثورتين لحل التناقضات‪.‬‬
‫لن حل مختلف التناقضات بطرق مختل فة مبدأ ي جب على المارك سيين اللينني ين أن يحافظوا‬
‫عليه محافظة شديدة‪.‬‬
‫تنت هي هذه الملحظات‪ ،‬في ما تنت هي إل يه من نتائج‪ ،‬عمل ية‪ ،‬إلى النتائج التال ية ال تي تتعلق‬
‫بنشاط الحزب الثوري‪:‬‬
‫‪)1‬ل يم كن للحزب الثوري‪ ،‬حزب مار كس ولين ين و ستالين‪ ،‬أن يقوم بوظيف ته العلم ية‬
‫في قيادة الحركة ال إذا اجتهد كل مناضل‪ ،‬فيما يخصه‪ ،‬باستعراض المهمات الملقاة‬
‫على عاتقه وحلها‪ ،‬كما حاولت كل منظمة في الحزب وكل خلية استعراض المهمات‬
‫الملقاة على عاتقها وحلها (سواء كان في المؤسسة أوالمنطقة أو الحي) فكل مناضل‬
‫ذهن مفكر‪ ،‬وكل خلية مجموعة تفكر قبل أن تعمل‪.‬‬
‫ب) ل يمكن للحزب أن يقوم بوظيفته العلمية في الدارة ال إذا أمده كل مناضل بنصيبه وكل‬
‫خل ية بن صيبها من التجر بة الخا صة ب ها فيقوم مجموع الحزب بالتوف يق ب ين جم يع التجارب‬
‫في منظما ته النظام ية‪ .‬ولهذا تو جب ن ظم الحزب الشيو عي في التحاد ال سوفياتي على كل‬
‫شيوعي أن يقول الحقيقة دائما لحزبه لن تجربة كل مناضل‪ ،‬وكل خلية ان ما هي شيء ل‬
‫يسنتعاض عننه‪ .‬منن ذا الذي يقول للحزب‪ ،‬مثل‪ ،‬مطالب شباب قرينة منن القرى إذا جهنل‬
‫الشاب الشيوعي هذه المطالب؟‬
‫ج) ل يمكن للحزب أن يقوم بوظيفته العلمية في الدارة إل اذا أحتفظ اعضاؤه بعلقة وثيقة‬
‫منع جماهينر العمال فكانوا‪ ،‬حقنا‪ ،‬أهل لتقدينر جمينع الناس‪ .‬وال فكينف يمكنهنم‪ ،‬بدون هذه‬
‫العلقة الدائمة‪ ،‬معرفة مشاكل كل طبقة من السكان‪ ،‬وحل التناقضات الخاصة بفترة معينة‬
‫من الزمن؟‬

‫‪20‬‬

‫والحزب الذي يهمل هذه الواجبات أنما يعرض مستقبله للخطر ويفقد قيادة الحركة العمالية‪.‬‬
‫‪ – 2‬العَام والخَاص مُتَلزمَان‬
‫الحح نا على القول بضرورة درا سة الطا بع الخاص بالتناقضات الملمو سة‪ .‬و من البدي هي أن‬
‫هذه الدراسة تفقد كل صفة جدلية لها إذا جعلتنا ننسى أن الخاص ليس مطلقا بل هو نسبي‬
‫وأنه ل معنى له إذا ما فصلناه عن ما هو عام‪.‬‬
‫مثال‪ :‬قل نا في الجزء الول من هذا الدرس أن هناك قانونا خا صا بالرأ سمالية (قانون فائض‬
‫القيمنة) وقانونا خاصنا بالرأسنمالية الحالينة (قانون الفائدة القصنوى)‪ .‬ولكنن هذا ال يقضني‬
‫على مفعول قانون أ عم و هو القانون الذي ظ هر مفعوله م نذ وجود المجتمعات الن سانية ول‬
‫يزال يبدو منن خلل مختلف النظنم الجتماعينة كمنا يذكنر ذلك سنتالين فني كتابنه "مشاكنل‬
‫الشتراكينة القتصنادية فني التحاد السنوفياتي"‪ :‬وهنو قانون التصنال بينن علقات النتاج‬
‫وقوى النتاج ( وسنتكون دراسنة هذا القانون موضوع الدرس السنادس عشنر)‪ .‬يتعرض‬
‫التحل يل الجدلي ال صالح‪ ،‬إذن‪ ،‬لتحل يل الطا بع الخاص بعمل ية معي نة ول يم كن هذا ال إذا لم‬
‫يعزل هذه العملينة عنن حركنة المجموع الذي يتوقنف علينه وجودهنا (راجنع الميزة الولى‬
‫للجدلية)‪ .‬لن ما هو خاص ل تصبح له قيمة ما إل بالنسبة لما هو عام‪ .‬وهكذا يكون ما هو‬
‫خاص وما هو عام متلزمين‪.‬‬
‫لما كان الخاص مرتبطا بالعام‪ ،‬ولما كان ماهو خاص في التناقض وما هو عام متلزمين في‬
‫كنل ظاهرة فأن العام كائن فني الخاص‪ .‬ولهذا فنحنن حينن ندرس ظاهرة معيننة يجنب عليننا‬
‫اكتشاف هذ ين المظهر ين وعلقته ما المتبادلة‪ ،‬اكتشاف ما هو خاص و ما هو عام‪ ،‬ما هو‬
‫ملزم لظاهرة معي نة والعل قة المتبادلة بينه ما‪ ،‬اكتشاف العل قة المتبادلة ب ين ظاهرة معي نة‬
‫والعلقنة المتبادلة بينهمنا‪ ،‬اكتشاف العلقنة المتبادلة بينن ظاهرة معيننة والظواهنر المتعددة‬
‫الخرى الخارجينة‪ .‬يحلل سنتالين فني كتابنه الرائع عنن "مبادىء مذهنب لينينن" تناقضات‬
‫الرأسمالية التي بلغت أقصى حد لها في ظل الستعمار‪ ،‬كما يشرح الصول التاريخية لمذهب‬
‫لينين‪ .‬وهو يدلل كيف جعلت هذه التناقضات الثورة البروليتارية مسألة تطبيق عملي مباشر‬
‫وكينف أوجدت الظروف الملئمنة للوثوب المباشنر على الرأسنمالية‪ .‬وهنو يحلل‪ ،‬فوق ذلك‪،‬‬
‫السباب التي من أجلها أصبحت روسيا مركز مذهب لينين‪ ،‬وكيف أن روسيا القيصرية كانت‬
‫آنذاك عقدة جم يع تناقضات الرأ سمالية‪ ،‬ولماذا أم كن للبروليتار يا الرو سية أن ت صبح طلي عة‬
‫البروليتاريا الثورية العالمية‪.‬‬
‫وهكذا بر هن ستالين‪ ،‬ب عد أن حلل ما هو عام في التناقضات الخا صة بالرأ سمالية‪ ،‬على أن‬
‫مذهب لينين هو مذهب ماركس في عصر الستعمار والثورة البروليتارية‪ ،‬كما شرح‪ ،‬بعد أن‬
‫حلل ما هو خاص بالتناقضات العا مة و ما هو خاص برأ سمالية رو سيا القي صرية‪ ،‬ال سباب‬
‫التي جعلت روسيا تصبح موطن نظرية الثورة البروليتارية ومحل تطبيقها‪ ،‬وأن هذا الخاص‬
‫كان يحتوي على ما كان عاما في التناقضات المذكورة‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫هذا التحلينل ال ستاليني هنو‪ ،‬بالنسنبة إلي نا‪ ،‬نموذج لمعرفنة منا هو خاص ومنا هو عام في‬
‫التناقضات والعلقة المتبادلة بين كل منهما‪.‬‬
‫ل يعرف الميتافيزي قي ك يف يب قي على هذه العل قة ب ين ما هو خاص و ما هو عام بل هو‬
‫يضحي الخاص في سبيل العام (وهذا ما تفعله نزعة أفلطون العقلية التجريدية‪ ،‬مثل‪ ،‬التي‬
‫تحتقر التجربة العيانية) أو يضحي العام من أجل الخاص‪( .‬كالنزعة التجريبية التي ترفض‬
‫كل فكرة عامة وتقتصر على التجربة المحدودة)‪.‬‬
‫تعتبر نظرية المعرفة الماركسية مثل هذا الموقف موقفا منافيا للجدلية وهو موقف من جانب‬
‫واحد‪ .‬وذلك لن المعرفة تعتمد على الحسي المحدود الذي يعكس وضعا خاصا‪ ،‬ولكنها تصل‬
‫إلى ما هو عام بوا سطة الت طبيق العملي لتعود من ثم إلى الح سي و قد اكت سبت قوة جديدة‪.‬‬
‫ل يملك الفيزيائي مثل‪ ،‬في أول المر‪ ،‬سوى عدد محدود من الوقائع المجربة؛ فيرتفع منها‬
‫إلى القانون الذي يسنمح له اكتشافنه بتغيينر الواقنع تغييرا عميقنا بواسنطة تجارب جديدة‪.‬‬
‫ومرحلتنا المعرفنة متلزمتان‪ :‬فهني تبدأ منن الخاص إلى العام ومنن العام إلى الخاص وهكذا‬
‫دواليك‪ .‬وقد شبه لينين هذه الحركة بالحركة اللولبية (‪ :)en spirale‬نبدأ من التجربة‬
‫المباشرة الحسية (كشراء بضاعة ما مثل)‪ ،‬فنحلل عملية الشراء هذه لنكتشف قانون القيمة‪،‬‬
‫فنعود من ثم إلى التجر بة العيان ية (الحر كة اللولب ية)‪ .‬ولكن نا نف هم الن و قد ت سلحنا بقانون‬
‫القيمنة‪ ،‬هذه التجربنة التني فاتننا مغزاهنا العمينق فني المرحلة الولى‪ :‬نسنتطيع الن التنبنؤ‬
‫بتطور العملية؛ وأن نهيء الظروف التي تعمل على الحد منها أو اتساعها‪ .‬الخ‪ ..‬ونحن لن‬
‫ندرك العام إذا لم نبدأ بالخاص ول كن ادراك العام يت يح ل نا‪ ،‬من ج هة ثان ية‪ ،‬تع مق الخاص‪.‬‬
‫وهكذا لي ست الحر كة اللولب ية حر كة عود على بدء عقي مة بل هي تع مق للوا قع‪ .‬ولهذا ف قد‬
‫اكتشف ماركس‪ ،‬في دراسته للتناقضات الخاصة بالرأسمالية في عصره‪ ،‬قانون الصلة بين‬
‫علقات النتاج وقوى النتاج العام‪ .‬وهكذا أتاح لنننا فهننم التناقضات الخاصننة بالنظننم‬
‫الجتماعية السابقة على الرأسمالية‪ ،‬لن هذه التناقضات تتعلق بقانون الترابط العام؛ كما أنه‬
‫جعنل من المم كن دراسنة الرأ سمالية نفسنها درا سة أعمنق في حركت ها التال ية (رأسنمالية‬
‫الحتكار‪ ،‬والستعمار)‪.‬‬
‫ويكون الفنان عظيما بقدر معرفته التعبير عن العام من خلل الخاص في سعيه لبلوغ ما هو‬
‫نموذجي‪( .‬راجع المسألة من هذا الدرس)‪.‬‬
‫فلقد عبر اليوار عن حزن باريس المحتلة على يد النازيين في هذين البيتين من الشعر من‬
‫خلل حادثة بسيطة تقع كل يوم‪:‬‬
‫باريس ترتعد من البرد‪ ،‬باريس تتلوى من الجوع‬
‫باريس لم تعد تأكل الكستناء في الشوارع‬
‫ونرى في حياة أفضل ما رسمه بلزاك وتولستوي من شخصيات انعكاس الميزات الساسية‬
‫لمجتمنع عصنر كنل منهمنا‪ .‬وتربنط رواينة ج‪ .‬نيقويفنا‪" :‬الحصناد"‪ ،‬بصنورة رائعنة‪ ،‬تارينخ‬
‫أشخاصها الشخصي والعائلي بتاريخ كولخوز وتاريخ المجتمع السوفياتي‪ .‬وتنحل التناقضات‬
‫‪22‬‬

‫الشخصنية التني كان يعانيهنا أبطال الرواينة خلل انحلل التناقضات التني كاننت تعينق تقدم‬
‫الكولخوز‪ .‬وهكذا يضمن كل من فاسيلي وافدويتا انتصار المستقبل على الماضي بنضالهما‬
‫لضمان انتصار المستقبل على الماضي في الكولخوز‪.‬‬
‫أوليست هذه الوحدة بين العام والخاص هي ما يمتاز به البطال الذين يحبهم الشعب؟ كتب‬
‫جنود كتيبة‪ ،‬في حزيران عام ‪ 1917‬إلى لينين يقولون‪:‬‬
‫"أيها الرفيق الصديق لينين" تذكر أننا نحن جنود هذه الكتيبة مستعدون للسير وراءك كرجل‬
‫واحد في كل مكان لن آراءك هي التعبير الصحيح عن ارادة الفلحين والعمال"‪.‬‬
‫وتتجسد في ستالين اخص خلئق النسان السوفياتي‪.‬‬
‫ولقند أثار جوليوس واتينل روزننبرج عطنف الناس فني العالم أجمنع لن ضخامنة التضحيات‬
‫التني رضينا بهنا (التضحينة بشبابهمنا واولدهمنا وسنعادتهما) دلت على حنب الناس الذي ل‬
‫يقهر للسلم‪.‬‬
‫‪ – 3‬التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي‬
‫سوف نرى بوضوح‪ ،‬ب عد أن أدرك نا قوة ال صلة ب ين الخاص والعام‪ ،‬العلقات ب ين التنا قض‬
‫الرئي سي وب ين التناقضات الثانو ية‪ .‬وذلك لن أ ية عمل ية ما لي ست ب سيطة قط لن ها تد ين‬
‫بوجود ها الخاص إلى عدد كبير من الشروط الموضوع ية ال تي ت صلها بالمجموع‪ .‬ين تج عن‬
‫ذلك أن كل عملية هي محل سلسلة من التناقضات‪ .‬ومن بين هذه التناقضات‪ ،‬تناقض رئيسي‬
‫يوجند مننذ بداينة العملينة حتنى نهايتهنا ويحدد وجوده وتطوره طبيعنة سنير العملينة‪ .‬أمنا‬
‫الخريات فهي تناقضات ثانوية تتعلق بالتناقض الرئيسي‪.‬‬
‫فمنا هنو‪ ،‬مثل‪ ،‬التناقنض الرئيسني فني المجتمنع الرأسنمالي؟ ل شنك أننه التناقنض بينن‬
‫البروليتاريا وبين البرجوازية‪ .‬طالما وجدت الرأسمالية طالما وجد معها هذا التناقض؛ وهو‬
‫الذي يقرر‪ ،‬فني نهاينة المنر‪ ،‬مصنير الرأسنمالية لن إنتصنار البروليتارينا يؤذن بزوال‬
‫الرأ سمالية‪ .‬ول كن إذا نظر نا للمجت مع الرأ سمالي في تطوره التاري خي وجد نا ف يه تناقضات‬
‫أخرى ثانوية بالنسبة للتناقض الرئيسي‪ .‬مثل‪ :‬التناقض بين البرجوازية السائدة وبين بقايا‬
‫القطاعينة الزائلة؛ والتناقنض بينن طبقنة الفلحينن الكادحنة (منن صنغار الملكينن‪ ،‬والخدم‪،‬‬
‫والمأجورينن) وبينن البرجوازينة‪ ،‬وكذلك التناقنض بينن البرجوازينة والبرجوازينة الصنغرى‬
‫والتنا قض ب ين البرجواز ية المحتكرة والبرجواز ية غ ير المحتكرة‪ ،‬الخ‪ ...‬و سائر التناقضات‬
‫التي تنشأ وتنمو في تاريخ الرأسمالية نفسها‪ .‬ولما كان هذا النمو يتم في الميدان العالمي‪،‬‬
‫وجب اعتبار التناقضات بين مختلف البلد الرأسمالية كالتناقض بين البرجوازية الستعمارية‬
‫والشعوب المستعمرة‪.‬‬
‫ول تتراكم هذه التناقضات كل منها فوق الخر‪ ،‬بل هي تتداخل وتتفاعل حسب قانون الجدلية‬
‫الولى‪ .‬فما تأثير هذا التفاعل؟ تزداد أهمية تناقض ثانوي؛ في بعض الحوال‪ ،‬فيصبح لفترة‬
‫‪23‬‬

‫معيننة‪ ،‬تناقضنا رئيسنيا بينمنا يصنبح التناقنض الرئيسني الول ثانوينا (ول يعنني هذا زوال‬
‫تأثيره) فليست التناقضات‪ ،‬إذن متحجرة بل هي تتغير‪.‬‬
‫وهكذا يصنبح التناقنض بينن البرجوازينة والبروليتارينا‪ ،‬فني البلد المسنتعمرة‪ ،‬ثانوينا لفترة‬
‫معينة‪ ،‬بالرغم من خطورته إذ ينحل بانتصار الشتراكية في هذه البلد‪ .‬فيصبح التناقض بين‬
‫الستعمار المستعمِر وبين المة المستعمَرة (كطبقة العمال‪ ،‬والفلحين والبرجوازية القومية‬
‫التي تتحدد في جبهة قومية للنضال من أجل التحرر) رئيسيا‪.‬‬
‫ول يق ضي هذا على الوان النضال ب ين الطبقات دا خل البلد الم ستعمِرة‪( .‬ل سيما وأن فري قا‬
‫من البرجواز ية في البلد الم ستعمِرة حل يف لل ستعمار الم ستعمر)‪ .‬غ ير أن التنا قض الذي‬
‫يجب حله أول هو التناقض الذي يثيره الستعمار ويحله النضال القومي من أجل الستقلل‪.‬‬
‫يوضح لنا ستالين في كتابه‪" :‬مشاكل الشتراكية القتصادية في التحاد السوفياتي" بصورة‬
‫نا كثيرا‪.‬‬
‫نم شعبنن‬
‫نة مشكلة انتقال التناقضات بصنندد المسننألة اللمانيننة التنني تهن‬
‫رائعن‬
‫فهنو يذكرننا أول بأن الرأسنمالية تحتوي على تناقضات داخلينة خاصنة وهني تناقضات‬
‫موضوعينة تظنل منا ظلت الرأسنمالية‪ .‬وتدفنع هذه التناقضات البرجوازينة إلى البحنث‪ ،‬فني‬
‫الحرب الستعمارية‪ ،‬عن حل لمصاعبها‪.‬‬
‫فينتنج عنن ذلك‪ ،‬بصنورة حتمينة‪ ،‬أن مختلف البلد الرأسنمالية بعضهنا لبعنض عدو منبين‪.‬‬
‫ولهذا كان العتقاد‪ ،‬بأن سيطرة الرأسمالية الميركية على سائر البلد الرأسمالية يضع حدا‬
‫للتناقضات الكام نة في الرأ سمالية كرأ سمالية‪ ،‬وهما من الوهام‪ .‬ول يس لي ميثاق كميثاق‬
‫الطلنط يك أو أي تحالف عدائي ضد رو سيا أن يقض يا على هذه التناقضات‪ .‬ويظ هر ستالين‬
‫لننا كينف أن البرجوازينة النجليزينة والبرجوازينة الفرنسنية ل تسنتطيعان احتمال سنيطرة‬
‫الرأ سمالية الميرك ية على القت صاد في كل من بلديه ما إلى ما ل نها ية‪ .‬وكذلك الحال في‬
‫البلد المغلوبة كالمانيا واليابان‪.‬‬
‫ويمكنن لكنل واحند مننا أن يتحقنق‪ ،‬اليوم‪ ،‬إلى أي حند كان سنتالين صنادقا فني قوله‪.‬‬
‫فل قد ازدادت خطورة التناقضات ب ين البلد الرأ سمالية (ول سيما ب ين الوليات المتحدة وب ين‬
‫بريطانينا العظمنى) بصنورة هائلة مننذ الوقنت الذي أصندر فينه سنتالين حكمنه‪( .‬شباط سننة‬
‫‪ 1952‬ن حتى أن فريقا من البرجوازية النجليزية والفرنسية تفضل التفاق مع التحاد‬
‫السنوفياتي على القضاء علينه فني حرب ضند التحاد السنوفياتي تحنت قيادة أميركنة‪ .‬وهكذا‬
‫يمكننا فهم أهمية حكم ستالين‪.‬‬
‫"يقولون أن التناقضات بين الرأسمالية والشتراكية أقوى من التناقضات الكائنة بين البلد‬
‫الراسمالية‪ .‬وهذا صحيح من الناحية النظرية‪ ،‬ول يصح هذا اليوم فقط بل كان هذا صحيحا‬
‫قبل الحرب العالمية الثانية‪ .‬وهذا ما أدركه زعماء البلد الرأسمالية ومع ذلك لم تبدأ الحرب‬
‫العالم ية الثان ية بمحار بة التحاد ال سوفياتي‪ .‬فلماذا؟ لن الحرب ضد التحاد ال سوفياتي في‬
‫بلد الشتراكية‪ ،‬هي أول‪ ،‬أخطر بالنسبة للرأسمالية من الحرب بين البلد الرأسمالية‪ ،‬لنه‬
‫إذا كانت الحرب بين البلد الرأسمالية تثير فقط مشكلة سيطرة بعض البلد الرأسمالية على‬
‫الخرى‪ ،‬فأن الحرب ضد التحاد السوفياتي تثير بالضرورة مسألة وجود الرأسمالية نفسها‪.‬‬
‫ول نه‪ ،‬بالر غم من أن الرأ سماليين يثيرون الضج يج حول نز عة التحاد ال سوفياتي العدائ ية‪،‬‬
‫‪24‬‬

‫على سبيل "الدعاية"‪ ،‬فهم ل يؤمنون بهذا هم أنفسهم لنهم يحسبون حساب سياسة التحاد‬
‫السوفياتي السلمية‪ ،‬ويعرفون أن التحاد السوفياتي لن يهاجم البلد الرأسمالية‪.‬‬
‫وي ستعرض ستالين الحوادث ال سابقة على الحرب العالم ية الولى‪ ،‬إذ مه ما كان عداء البلد‬
‫الرأسنمالية نحنو البلد الشتراكينة‪ ،‬فأن ألمانينا السنتعمارية (التني جددتهنا البرجوازينة‬
‫النجليز ية والفرن سية أمل في أطلق الجحا فل الهتلر ية ضد التحاد ال سوفياتي) قد وج هت‬
‫أولى ضربات ها إلى المجمو عة الرأ سمالية المؤل فة من انجلترا وفرن سا وأمير كا‪ .‬ح تى إذا ما‬
‫أعلنت ألمانيا الهتلرية الحرب على التحاد السوفياتي‪ ،‬اضطرت هذه المجموعة‪ ،‬بدل من أن‬
‫تنضنم إلى ألمانينا الهتلرينة‪ ،‬إلى التحالف منع التحاد السنوفياتي ضند ألمانينا الهتلرينة‪.‬‬
‫نستخلص من ذلك أن نضال البلد الرأسمالية من أجل امتلك السواق‪ ،‬ورغبتها في القضاء‬
‫على منافسنيها كاننا أقوى منن التناقضات بينن المعسنكر الرأسنمالي والمعسنكر الشتراكني‪.‬‬
‫يجنب عليننا أن ننتظنر مثنل هذا النتقال بينن التناقضات‪ ،‬فيصنبح تناقنض ثانوي‪ ،‬لفترة منا‪،‬‬
‫التناقض الرئيسي وما يتبع من نتائج عملية وهما نتيجتان‪:‬‬
‫‪)1‬تهدف اعادة تسنليح الجينش اللمانني (‪ )Wehrmacht‬على يند القواد منن‬
‫مجرمني الحرب‪ ،‬بالشتراك منع البرجوازينة الفرنسنية‪ ،‬إلى العتداء على التحاد‬
‫السوفياتي‪ .‬ولكن كما أن هتلر احتل باريس عام ‪ 1940‬قبل أن يسير إلى موسكو‪،‬‬
‫وكذلك يستعد مجرمو اورادور إلى احتلل بلدنا (فرنسا) وتخريبها‪ ،‬مرة أخرى‪ ،‬لحل‬
‫مشاكلهنننننننننننننننننم القتصنننننننننننننننننادية‪.‬‬
‫ول يس هناك من مجال لل شك في سياسة اديناور‪ ،‬حا مي النازي ين وشريك هم‪ ،‬بهذا‬
‫الصندد‪ .‬وكذلك يجنب فهنم ايزنهاور حينن يصنرح بقوله‪" :‬منن مصنلحتنا‪ ،‬كمنا أن‬
‫مهمتننا‪ ،‬اعداد الجينش اللمانني ليهجنم فني التجاه الذي نراه‪ ،‬نحنن الميركيينن‪،‬‬
‫ضروريا"‪ .‬وأن فرنسا التي انهكتها الحرب في الهند الصينية وعبث بها الستعمار‬
‫الميركني لفريسنة أهون على البرجوازينة اللمانينة أن تلتهمهنا (بعند أن اسنتعادت‬
‫مكانتها بفضل البرجوازية الفرنسية ؟) من التهام التحاد السوفياتي القوي‪.‬‬
‫ب‌) تزداد أهم ية التناقضات ب ين البلد الرأ سمالية بح يث ي صبح من ال صعب على ال ستعمار‬
‫الميركني أن يفرض سنلطته فني هذه المأسندة‪ .‬ومنا التأخنر فني الموافقنة على اتفاقات بون‬
‫ومعاهدة باريس ال مثال على ذلك‪.‬‬
‫ولما كانت الدبلوماسية السوفياتية تسيطر تماما على جدلية الضداد فانها تستفيد إلى أقصى‬
‫حد من التناقضات ب ين الرأ سماليين (فيع مل التحاد ال سوفياتي على نمو تجار ته مع انجلترا‬
‫الرأسنمالية)‪ .‬وهكذا يكون التعاينش السنلمي بينن النظنم المختلفنة ثمرة نضال تقوم فينه‬
‫التناقضات الداخلية للرأسمالية‪ ،‬وأن كانت ثانوية بالنسبة للتناقض الرئيسي بين الرأسمالية‬
‫والشتراكية‪ ،‬بدور مهم‪.‬‬
‫وإذا ما طبقنا هذه الطريقة في التحليل على فرنسا اليوم لظهرت لنا مجموعة معقدة جدا من‬
‫التناقضات‪ :‬كالتنا قض ب ين البروليتار يا والبرجواز ية؛ والتنا قض ب ين البرجواز ية ال صغيرة‬
‫(فني المدن والقرى) والبرجوازينة الكنبيرة‪ ،‬والتناقنض بينن طوائف البرجوازينة المتعادينة؛‬

‫‪25‬‬

‫الخ‪ ..‬كمنا أن هناك التناقنض‪ ،‬فني الميدان الخارجني‪ ،‬بينن السنتعمار الفرنسني والشعوب‬
‫المسنتعمرة التني يسنتغلها؛ والتناقنض بينن السنتعمار الفرنسني وسنائر ضروب السنتعمار‬
‫(كالستعمار الميركي والستعمار اللماني الجديد)‪.‬‬
‫كذلك التناقض بين الرأسمالية الفرنسية والشتراكية‪.‬‬
‫فهنل يمكنننا أن نجعنل جمينع هذه التناقضات على مسنتوى واحند؟ كل‪ .‬لنننا إذا نظرننا إلى‬
‫المجتمنع الفرنسني المعاصنر فني مجموعنه وجدننا أن التناقنض الرئيسني هنو النضال بينن‬
‫البروليتارينا والبرجوازينة‪ ،‬ذلك النضال الذي يخترق تارينخ فرنسنا ضند انتصنار الثورة‬
‫البرجوازية كخيط أحمر‪ ،‬وسوف تقرر خاتمة هذا النضال مستقبل البلد بانتصار الشتراكية‪.‬‬
‫ولقد ا ستعانت البرجوازية الرأ سمالية بال ستعمار الميركي لحمايت ها‪ .‬فتنكرت بذلك لم صالح‬
‫المة‪ .‬لن سياستها الطبقية تجعلها تقف في وجه البروليتاريا الثورية ووجه سائر الطبقات‪،‬‬
‫ومنها تلك الطائفة من البرجوازية التي ل تستفيد من سيطرة اميركا‪ .‬ينتج عن ذلك أن ينمو‬
‫التناقنض الثانوي الذي نشنأ عنن التناقنض الرئيسني (وهنو وقوف السنتعمار الميركني‬
‫والبرجوازية ضد المة الفرنسية بقيادة الطبقة العاملة) ولقد ازدادت أهمية التناقض الثانوي‬
‫حتى أصبح‪ ،‬لفترة ما‪ ،‬التناقض الرئيسي‪ .‬ولهذا فأن المهمة الملقاة على عاتق الشيوعيين‪،‬‬
‫حالينا‪ ،‬وهنم طليعنة الطبقنة العاملة فني المنة‪ ،‬هني حنل هذا التناقنض برفنع لواء السنتقلل‬
‫القومنني‪ ،‬الذي تدوسننه البرجوازيننة المنحطننة بارجلهننا‪ ،‬فنني جبهننة قوميننة‪.‬‬
‫يتضح أن الحزب الثوري الذي لم يتسلح كفاية نظريا ل يمكنه أن يفهم الحركة المتبادلة بين‬
‫التناقضات ويتنبأ بها‪ .‬فيصبح عالة على الحوادث‪.‬‬
‫‪ – 4‬المظهر الرئيسي والمظهر الثانوي للتناقض‬
‫ل تقوم درا سة الميزة الخا صة بالتناقضات في حركت ها على التمي يز ب ين التنا قض الرئي سي‬
‫والتناقضات الثانوية بل هي تؤدي أيضا إلى اظهار أهمية كل من المظهرين النسبية في كل‬
‫تناقنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننض‪.‬‬
‫ويحتوي كل تناقض بالضرورة على مظهرين يحدد تناقضهما التطور الذي ندرسه‪ .‬ول يجب‬
‫أن نضنع هذينن المظهرينن نن أو هذينن القطنبين نن فني مسنتوى واحند‪ .‬ولنمثنل على ذلك‬
‫بالتناقض أ ضد ب و ب ضد أ‪ .‬إذا كانت أ و ب قوتين متساويتين دائما لم يحدث أي شيء‬
‫إذ تتعادل القوتان إلى منا ل نهاينة وتتوقنف كنل حركنة‪ .‬هناك دائمنا‪ ،‬إذن‪ ،‬قوة تتغلب على‬
‫الخرى ولو قليل فين مو بذلك التنا قض‪ .‬نطلق ا سم المظ هر الرئي سي للتنا قض على المظ هر‬
‫الذي يقوم بدور رئيسني‪ ،‬فني وقنت منا‪ ،‬أي أننه يحدد حركنة الضداد المتنازعنة‪ .‬والمظهنر‬
‫الثاني هو المظهر الثانوي‪.‬‬
‫ولما كان كل من التنا قض الرئي سي والتناقض الثانوي يمكنه ما أن يغيرا مكانه ما ن فينتقل‬
‫التناقنض الثانوي ويحتنل المكان الرئيسني نن كذلك فان وضنع المظهنر الثانوي والمظهنر‬
‫المتبادل في تناقنض ما متحرك فيتحول المظ هر الرئي سي‪ ،‬في ب عض الظروف‪ ،‬إلى مظ هر‬
‫ثانوي كما يتحول المظهر الثانوي إلى مظهر رئيسي‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫فالماء الذي تحدث نا ع نه في الدرس الرا بع م حل لتنا قض ب ين قوة الج مع ال تي تنزع لج مع‬
‫الجزيئات وقوة التفرينق التني تنزع لبعادهنا‪ .‬فالمظهنر الرئيسني للتناقنض‪ ،‬فني حالة تجمند‬
‫الماء‪ ،‬هنو قوة الجمنع‪ ،‬بينمنا المظهنر الرئيسني فني حالة تحول الماء إلى بخار هنو قوة‬
‫التفريننق‪ .‬أمننا حالة السننيولة فهنني حالة توازن غيننر مسننتقر بيننن القوتيننن‪.‬‬
‫ولقد كان مظهر التناقض الرئيسي‪ ،‬في فرنسا‪ ،‬في العهد القديم‪ ،‬بين القطاعية والرأسمالية‬
‫هو مظ هر "القطاع ية"‪ .‬ول قد ن مت البرجواز ية الرأ سمالية في نضال ها ضد العلقات القدي مة‬
‫للنتاج بصنورة جعلتهنا تفرض سنيطرة علقات جديدة رأسنمالية‪ .‬وهكذا أصنبحت هذه‬
‫العلقات‪ ،‬بعد أن كانت مظهرا ثانويا؛ المظهر الرئيسي‪.‬‬
‫ملحظة مهمة‬
‫رأيننا أن التحول الكيفني يحدث (راجنع الدرس الرابنع) حينن يتغينر وضنع كنل منن مظهري‬
‫التنا قض ب صورة جذر ية في صبح المظ هر الرئي سي ثانو يا‪ ،‬وي صبح المظ هر الثانوي رئي سيا‪،‬‬
‫وكذلك تتفرق الوحدة القديمننننة ليحننننل محلهننننا وحدة جديدة مننننن الضداد‪.‬‬
‫ولهذا فأن تحد يد المظ هر الرئي سي أ ساسي لن هذا المظ هر هو الذي يحدد حر كة التنا قض‪.‬‬
‫والمظهر الرئيسي للتناقض الرئيسي‪ .‬تلك هي النقطة الحساسة في التحليل الجدلي‪ .‬ول يعني‬
‫هذا أن المظهر الثانوي ل فائدة منه‪ .‬لنه إذا نظرنا إلى النضال بين القديم والحديث لوجدنا‬
‫الحدينث‪ ،‬عنند ظهوره‪ ،‬شديند الضعنف‪ ،‬فهنو لينس سنوى المظهنر الثانوي للتناقنض‪ .‬ولكنن‬
‫الم ستقبل له ل نه حد يث؛ ف سوف ي صبح المظ هر الرئي سي و سوف يؤدي انت صار إلى تغي ير‬
‫كيفنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننني‪.‬‬
‫وإذا مادرسنا المادة التاريخية رأينا كيف أن النتاج يتطور على أساس تناقض رئيسي بين‬
‫علقات النتاج وميزة قوى النتاج‪ ،‬وكينف أن المظهنر الرئيسني لهذا التناقنض يكون تارة‬
‫قوى النتاج وتارة علقات النتاج (راجع الدرس السادس عشر)‪.‬‬
‫وهناك مثل اخر‪:‬‬
‫يكون الت طبيق الجتما عي والنظر ية الثور ية وحدة من الضداد يؤ ثر كل من ها في ال خر‪.‬‬
‫والمظ هر الفعال‪ ،‬إذا نظر نا إلى العمل ية خلل فترة طويلة من الز من‪ ،‬هو الت طبيق‪ :‬ولهذا لم‬
‫تتكون الماركسية ولم تتقدم ال بفضل نضال البروليتاريا الموضوعي‪ ،‬ولكن يصبح‪ ،‬في فترة‬
‫معيننة‪ ،‬المظهنر الثانوي رئيسنيا ويصنبح للنظرينة قيمنة خطيرة‪ ،‬وهكذا لو أن الحزب‬
‫البولشفيكي عام ‪ 1917‬لم يكن محقا في تقديره النظري للحالة الموضوعية لما استطاع‬
‫أن يصندر الوامنر الخاصنة بهذه الحالة؛ ولمنا اسنتطاع تجنيند الجماهينر وتنظيمهنا للقيام‬
‫بهجومهنا المظهنر‪ ،‬ولصنبح مسنتقبل الحركنة الشيوعينة فني روسنيا مزعزعنا لمدة طويلة‪.‬‬
‫ولهذا ل يس المظ هر النظري مهما ف قط بل هو ي صبح المظ هر الرئي سي في ب عض الحوال‪.‬‬
‫فنحن حين نقول مع لينين‪" :‬بأنه ل وجود للحركة الثورية بدون النظر ية الثورية" يقوم كل‬
‫من ابداع النظرية الثورية واشاعتها بالدور الرئيسي‪ .‬وهكذا يصبح اعداد التوجيه والمنهج‬
‫ووضع الخ طط وا صدار التعليمات لتنفيده شيئا أ ساسيا عند تنف يذ كل أ مر‪ ،‬وت مس الضرورة‬
‫إلى التوجيه والمنهج والخطط والتعليمات‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫وهكذا يتفا عل العامنل الموضو عي مع العامنل الذا تي ولهذا و جب تقدينر أهمينة كنل منه ما‬
‫النسبية في كل وقت‪.‬‬
‫ف هل تقلل هذه النظريات من قي مة الماد ية؟ كل‪ .‬لن نا ن جد عبر مجرى التطور التاري خي‪ ،‬أن‬
‫المبدأ المادي يحدد المبدأ الروحني‪ ،‬والكائن الجتماعني يحدد الوعني الجتماعني‪ ،‬كمنا نجند‬
‫تأث ير المبدأ الرو حي على المبدأ المادي‪ ،‬وتأث ير الو عي الجتما عي على الكائن الجتما عي‪.‬‬
‫ويلحظ ماوتسي تونج أن ذلك يعني أفضلية المادية الجدلية على المادية اللية (الميكانيكية)‬
‫(الميتافيزيقية لن العنصر الرئيسي فيها يظل رئيسيا كما يظل العنصر الثانوي ثانويا مهما‬
‫تبدلت الظروف والحوال)‪.‬‬
‫‪ – 5‬خلصَة عَامّة عَن التَنَاقض‬
‫الجدلية هي دراسة التناقض في جوهر الشياء نفسها‪.‬‬
‫ويلح لينين على أهمية هذا القانون الرابع العظيمة التي يعتبرها أسس الجدلية‪ .‬ولهذا يصيب‬
‫العجز عن فهم هذا القانون الشتراكية في الصميم‪ .‬وأشهر مثال على ذلك هو برودون‪ .‬فلقد‬
‫صننف ماركنس‪ ،‬فني "بيان الحزب الشيوعني" برودون ضمنن الشتراكينة المحافظنة أو‬
‫البرجوازيننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫إذ ي سعى الشتراكيون البرجوازيون لتأم ين ظروف المجت مع الحد يث بدون النضال من أ جل‬
‫ذلك وما يتبع ذلك النضال من أخطار ل مفر منها‪ .‬فهم يريدون المجتمع الحالي من العناصر‬
‫التي تبعث فيه الثورة وتؤدي إلى انحلله‪ ،‬أي أنهم يريدون البرجوازية بدون البروليتاريا‪.‬‬
‫ويعتنبر برودون وحدة الضداد كوحدة بينن الصنالح والطالح‪ .‬لهذا يريند أن يزينل الطالح‬
‫ويحتفنظ بالصنالح‪ ،‬وهذا نكران للطابنع الداخلي للتناقنض‪ :‬لن التناقنض بينن البرجوازينة‬
‫والبروليتار يا هو الذي يكون المجت مع الرأ سمالي‪ ،‬ول يم كن لل ستغلل الرأ سمالي أن يزول‬
‫ال بزوال هذا التناقض‪ .‬ولهذا كان التوفيق بين مصالح طبقات متناقضة في الساس ضربا‬
‫من الوهم‪ .‬ويعرف ماركس برودون بقوله‪ :‬كان يريد التحليق‪ ،‬كرجل علم‪ ،‬فوق البرجوازيين‬
‫والبروليتاري ين؛ و هو بهذا ل يس سوى ذاك البرجوازي ال صغير الذي يتناز عه كل من رأس‬
‫المال والعمننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننل‪.‬‬
‫يؤدي هذا الجهنل للجدلينة بنبرودون إلى النزعنة الصنلحية‪ ،‬وإلى إنكار العمنل الثوري أي‬
‫النضال الطبقي‪ .‬ولهذا ل نعجب من كتابه للمبراطور نابوليون الثالث (في رسالة ‪ 18‬أيار‬
‫‪:)1850‬‬
‫"دعوت إلى التوفيق بين الطبقات رمز التوفيق بين العقائد" أو أن يكتب في كراسة ملحظاته‬
‫عام ‪:1847‬‬
‫"ي جب أن أحاول التفا هم مع جريدة (‪ )Le Moniteur lndustriel‬و هي صحيفة‬
‫السنياد‪ ،‬بينمنا تصنبح جريدة "الشعنب" صنحيفة العمال‪ :‬كمنا يصنرح بعند انقلب بادنجينه‪.‬‬
‫"لوينس نابوليون هنو‪ ،‬كعمّه‪ ،‬دكتاتور ثوري‪ ،‬منع هذا الفارق وهنو أن القنصنل الول ختنم‬
‫الطور الول للثورة‪ ،‬بينمنننننا يفتتنننننح الرئينننننس الطور الثانننننني"‪.‬‬
‫ني‬
‫ناني" وجول موش فن‬
‫نتوى النسن‬
‫ويحاول الزعماء الشتراكيون كبلوم (مؤلف على "المسن‬
‫‪28‬‬

‫"موازناتنه" التني تحدثننا عنهنا فني درس سنابق) أن يرقعوا مذهنب برودون بحجنة احترام‬
‫"القوانين العامة للتوازن والستقرار"‪.‬‬
‫وبهذا يفسرون لنا استسلمهم أمام البرجوازية وتصرفهم على أنهم "المشرفون المناء على‬
‫الرأ سمالية" ويع ني "نضال هم" المزعوم على "جبهت ين" وتكوين هم "القوة الثال ثة" في زعم هم‪،‬‬
‫الستسلم ووضع البروليتاريا تحت رحمة البرجوازية‪ .‬ولهذا كانت الشتراكية الديمقراطية‬
‫تع ني النتهاز ية على طول ال خط‪ ،‬فو جب على البروليتار يا محاربت ها بدون هوادة إذا أرادت‬
‫قهر عدوها الطبقي‪.‬‬
‫واشتراكية ماركس وانجلز ولينين وستالين العلمية هي وحدها الشتراكية الثورية لنها تقدم‬
‫نضال الضداد على كل ش يء‪ ،‬وذلك ل نه قانون أ ساسي للوا قع‪ .‬ولهذا تحارب بدون شف قة‬
‫"نق يض" البروليتار يا الثور ية ال و هي البرجواز ية الرجع ية ك ما تحارب زعماء الشتراك ية‬
‫الديمقراطينة الذينن يحاولون اخفاء التناقضات ليقضوا على البروليتارينا وهني فني خضنم‬
‫المعركننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫ومثال المناضل الجدلي الذي يعرف أفضيلة نضال الضداد المجددة هو‪ ،‬في فرنسا‪ ،‬موريس‬
‫توريز‪ .‬فلقد كتب في "ابن الشعب" يذكر فترة تعليمه كزعيم ثوري‪ ،‬يقول‪" :‬استقر في ذهني‬
‫فكرة رئي سية لمار كس و هي أن الحر كة الجدل ية تد فع بالثورة ونقيض ها في نضال م ستمر‪،‬‬
‫فتجعل الثورة نقيضها يستميت في محاربتها‪ ،‬كما أن نقيض الثورة يدفع بالثورة إلى التقدم‬
‫ويضطرها إلى تأليف حزب ثوري لها"‪.‬‬
‫ول تعينننا الجدلينة فقنط على فهنم التناقنض الرئيسني الذي يكوننه النضال الطبقني (نضال‬
‫البروليتاريا ضد البرجوازية)‪ ،‬ذلك النضال الذي سيولد الشتراكية‪ ،‬بل هي تمد البروليتاريا‬
‫بالوسيلة التي تمكنها من التعرف على القوى الهائلة التي يمكنها الستعانة بها في محاربة‬
‫البرجوازينة‪ .‬ذلك لن ازدياد سنياسة البرجوازينة الرجعينة يثينر معارضنة طبقنة الفلحينن‬
‫الكادحة والطبقات الوسطى والمثقفين الخ‪..‬‬
‫كل هذه التناقضات تكشف عنها الجدلية على يد موريس توريز الماهرة وهو صاحب نظرية‬
‫الجبهنة الشعبينة لمقاومنة البرجوازينة الرجعينة والجبهنة القديمنة لسنتغلل البلد‪.‬‬
‫ول تبدو جميع التناقضات لول وهلة‪ .‬ولهذا يتخطى الجدلي الظاهر إلى الحقيقة ول يستسلم‬
‫لللجوج الذي يع يق الحر كة و هو ير يد زيادة سرعتها‪ .‬كذاك الم ستخدم ال صغير الذي يع طي‬
‫صنوته لحزب ديغول (‪ )F.R.P.‬ويقرأ جريدة "الفجنر"‪ ،‬ويقتات منن الشيوعينة"‪ .‬هنل هنو‬
‫رجعي؟ يعني مثل هذا القول أننا ل نسبر غور الحقيقة‪ ،‬لنه إذا كان هذا المستخدم يصوت‬
‫منع حزب ديغول ويقرأ "الفجنر" فذلك لننه غينر راض ويعتقند أننه يجند فني حزب ديغول و‬
‫"الفجنر" حلفاء له‪ .‬يعكنس مسنلكه اذن بصنورة ذاتينة التناقضات الموضوعينة التني ذهنب‬
‫ضحيتهنا‪ .‬ويهتنم المناضنل الذي يسنيطر على النظرينة بأن يسناعد هذا البرجوازي الصنغير‬
‫المسنتاء على النظنر الصنحيح فني نفسنه‪ ،‬وعلى إدراك التناقضات الموضوعينة الكافينة فني‬
‫الرأ سمالية وال تي ذ هب ضحيت ها فيدرك‪ ،‬حينئذ‪ ،‬أن حل هذه التناقضات ل يم كن أن يأ تي ال‬
‫بواسطة النضال الذي تقوم به البروليتاريا بالتحالف مع جميع العمال‪ ،‬وليس بواسطة حزب‬
‫ديغول وجريدة "الفجر" اللذين يستميتان في الدفاع عن حرية كبار الرأسماليين بأسم "حرية‬

‫‪29‬‬

‫الصننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننغار"‪.‬‬
‫ملحظنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‬
‫ل صنلة للبحنث عنن التناقضات باختلط الفكار‪ .‬إذ ل يجنب أن نخلط بينن كنل شينء بحجنة‬
‫البحنث عنن وحدة الضداد‪ .‬ولهذا فالفكنر الذي يناقنض نفسنه لينس فكرا جدلينا‪ .‬لماذا؟ لن‬
‫الف كر الجدلي يدرك التنا قض‪ ،‬أ ما الف كر الذي ينا قض نف سه فا نه يذ هب ضح ية هذا التنا قض‬
‫لنه فكر مشوش‪.‬‬
‫مثال‪ :‬ردد بعنض الرؤسناء البرجوازيينن والشتراكيينن الديمقراطيينن خلل سننوات القول‪:‬‬
‫"نرغب في المقاومة في الفيتنام وإقرار السلم‪ ،‬ولكننا ل نرغب في مفاوضة "هو شي منه"‬
‫وهذا تفكير منا قض للجدلية لنه يدير ظهره للوا قع‪ .‬وذلك لن إقرار السلم يعني المفاوضة‬
‫منع العدو‪ ،‬وعدو البرجوازينة السنتعمارية فني الفيتنام هنو "هنو شني مننه" ولينس غيره‪.‬‬
‫هذا التفكينر إذن خاطينء‪ .‬وإذا بحثننا عنن سنبب ذلك لوجدننا أن هذا التفكينر خاطىء لننه‬
‫يكشف عن تناقض موضوعي يذهب ضحيته من يتحدثون على هذه الوتيرة‪ :‬وهو التناقض‬
‫ب ين م صالح الم ستعمرين‪ ،‬الذ ين يرغبون في ا ستمرار الحرب‪ ،‬وب ين م صالح الش عب الذي‬
‫يريد السلم (وهذا ما يدفع الستعماريين إلى الحديث عن السلم)‬
‫يمكن لتفكير خاطىء مشوش أن يعبر‪ ،‬إذن‪ ،‬عن واقع موضوعي جدلي‪ .‬وهكذا ينتقل التحليل‬
‫الجدلي من التفكير الخاطىء إلى الواقع الذي يخفيه أو يجهله‪.‬‬

‫القسم الثاني‬
‫دراسة المادية‬
‫الفلسفية الماركسية‬
‫الدّرس الثامِن‬
‫مَا هي النظرة الماديّة للعَالم؟‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫–‬
‫–‬
‫–‬
‫–‬
‫–‬

‫معنيا كلمة "المادية"‬
‫المادة والروح‬
‫مشكلة الفلسفة الساسية‬
‫معنيا كلمة "المثالية"‬
‫تتعارض "المادية" مع "المثالية" في التطبيق وفي النظرية‬
‫‪30‬‬

‫‪ – 6‬تمتاز المادية الفلسفية الماركسية بثلث ميزات أساسية‬

‫لينس للجدلينة التني درسنناها آنفنا منن معننى إذا منا فصنلناها عنن عالم الواقنع نن الطبيعنة‬
‫والمجتمع ن كما دل على ذلك جميع المثلة التي استشهدنا بها‪.‬‬
‫ولقد قلنا‪ ،‬منذ الدرس الول لنا عن الجدلية‪ ،‬أن الجدلية كامنة في الواقع نفسه‪ ،‬وأن ليس‬
‫الف كر هو الذي يأ تي ب ها‪ .‬فإذا كان التفك ير الن ساني جدل يا فذلك لن الوا قع جدلي ق بل هذا‬
‫التفكيننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننر‪.‬‬
‫فالجدلية إذن هي جدلية العالم الواقعي‪ ،‬فإذا ما كان المنهج جدليا‪ ،‬في النظرية الماركسية ن‬
‫اللينينية فأن النظرة إلى العالم مادية‪ .‬وسنحاول أن نعرض هذه "النظرة إلى العالم" فيما يلي‪:‬‬
‫‪ – 1‬مَعنَيا كَلمة "الماديَة"‬
‫يجنب عليننا‪ ،‬قبنل كنل شينء‪ ،‬أن نتجننب الوقوع فني خلط كنبير‪ ،‬وهنو القول بأن الفلسنفة‬
‫المارك سية هي فل سفة ماد ية‪ .‬و قد عاد ذلك علي ها‪ ،‬م نذ ظهور ها‪ ،‬بهجوم اعدائ ها واعداء‬
‫الماركسية عليها‪ .‬ولقد لقيت المادية نفس الهجوم منذ القدم عامة‪ .‬ويقوم هذا الهجوم على‬
‫تشويه معنى كلمة "المادية" فيختفي معناها الفلسفي الصحيح ليضفي عليها معنى " اخلقيا"‬
‫للطعن فيها‪.‬‬
‫وهكذا تصبح "المادية" هي "الل أخلقية" والرغبة الجامحة في المتع واقتصار النسان على‬
‫حاجا ته الماد ية ف قط‪ .‬ول يس هذا الط عن جديدا‪ .‬فل قد ا ستخدمته سابقا‪ ،‬الكني سة ضد مدر سة‬
‫ابيقور الفلسنفية التني كاننت تقول بحنق النسنان فني السنعادة‪ ،‬وضرورة اشباع الحاجات‬
‫الساسية في الطبيعة النسانية لتتحقق هذه السعادة‪.‬‬
‫ول قد شوه رجال الكليروس والجامعيون‪ ،‬عن ع مد‪ ،‬الفل سفة البيقور ية خلل قرون عديدة‪،‬‬
‫وقالوا بأن الماديين هم "أصحاب اللذة" عند ابيقور‪.‬‬
‫ولو أردننا‪ ،‬فني الحقيقنة‪ ،‬أن نقتصنر على هذا المعننى للمادينة لسنتطعنا تطنبيقه على‬
‫البرجوازينة نفسنها وعلى الطبقنة المسنتغِلة‪ ،‬التني تقينم رفاهيتهنا ومتعتهنا على شقاء‬
‫المستغَلين‪ ،‬وليس على طبقة البروليتاريا الثورية‪.‬‬
‫ولقد رد انجلز على ذلك ردا مفحما في قوله‪:‬‬
‫"الواقع أننا نتساهل هنا تساهل ل يغفر نحو الرأي المعادي لكلمة "المادية" الذي صدر في‬
‫الصنل عنن الكهننة‪ .‬وتعننى كلمنة "المادينة" عنند أصنحاب هذا الرأي النغماس فني الملذات‬
‫الحسنية‪ ،‬والتمتنع بحياة البذخ والشراهينة والبخنل‪ ،‬والبحنث عنن الفائدة‪ ،‬والمضاربنة فني‬
‫‪31‬‬

‫نني الخفاء‪.‬‬
‫ننم فيهنننا فن‬
‫ننون هن‬
‫نني ينغمسن‬
‫ننع العيوب التن‬
‫ننة‪ ،‬أي جمين‬
‫البورصن‬
‫أما المعنى الصحيح لكلمة "المادية" فهو المعنى الفلسفي‪ .‬وتعنى "المادية" بهذا المعنى نظرة‬
‫للعالم‪ ،‬أي طريقة في فهم ظواهر الطبيعة وتأويلها اعتمادا على مبادىء محددة‪ ،‬وكذلك فيما‬
‫يتعلق بالحياة الجتماعية‪ .‬تصح "هذه النظرة للعالم" في جميع الظروف فهي أساس عدد من‬
‫العلوم‪ .‬و هي بهذا تكون تف سيرا عا ما للعالم يج عل للعمال العالم ية أ ساسا متي نا ولهذا ف هي‬
‫تكون نظرية‪ .‬وموضوع هذا الدرس هو تحديد أساس النظرية المادية‪.‬‬
‫‪ – 2‬المادة والروح‬
‫ي جب علي نا‪ ،‬ق بل كل ش يء‪ ،‬أن نحدد مع نى كل مة "المادة" ال تي اشت قت من ها كل مة "الماد ية"‪.‬‬
‫يحوي العالم‪ ،‬أي الطبيعنة والمجتمنع‪ ،‬على عدد هائل متنوع منن الظواهنر ذات الجواننب‬
‫المتعددة‪ ،‬ومن بين جميع التمييزات التي يمكن أن نقيمها بين مختلف جوانب الظواهر‪ ،‬تميز‬
‫أهم منها جميعا‪ ،‬يمكن ادراكه بدون دراسات علمية سابقة‪.‬‬
‫يعلم كل منا أنه يوجد في الواقع أشياء يمكننا رؤيتها أو لمسها أو قياسها وتسمى بالشياء‬
‫المادينة‪ .‬وهناك‪ ،‬منن جهنة ثانينة‪ ،‬أشياء ل يمكنننا رؤيتهنا أو لمسنها أو قياسنها‪ ،‬ولكنهنا‬
‫موجودة مع ذلك كأفكار نا‪ ،‬وعواطف نا‪ ،‬ورغبات نا‪ ،‬وذكريات نا والخ‪ ..‬ول كي ن عبر عن كون ها‬
‫ليسنت مادينة نقول بأنهنا فكرينة‪ .‬وهكذا نقسنم الموجودات إلى نوعينن‪ :‬المادينة والفكرينة‪.‬‬
‫ونسنتطيع القول‪ ،‬أيضنا‪ ،‬بصنورة أكثنر جدلينة‪ ،‬أن للواقنع جانبنا مادينا وجانبنا فكرينا‪.‬‬
‫ويدرك كل م نا الفرق ب ين فكرة النحات عن التمثال الذي سينحته والتمثال ب عد النتهاء من‬
‫نح ته‪ .‬ويدرك كل م نا أي ضا‪ ،‬أن شخ صا آ خر ل يم كن أن يكون فكرة عن التمثال ال ب عد أن‬
‫يراها بعينيه‪ .‬ويمكن‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬نقل الفكار‪ ،‬بواسطة اللغة‪ .‬فيستطيع هذا الشخص أن يكوّن‬
‫فكرة عن التمثال إذا شرح له النحات التمثال الذي سينحته كأن يكون تمثال لهنري مارت ين‪،‬‬
‫وهكذا يقوم إلى جاننب العالم المادي عالم فكري يمثنل لننا ذلك العالم المادي ولهذا نسنميه‬
‫"تمثيل له"‪.‬‬
‫كذلك ل ي جب أن نخلط‪ ،‬في ميدان الحياة الجتماع ية‪ ،‬ب ين الجا نب المادي والجا نب الفكري‪.‬‬
‫ولهذا فأن طري قة النتاج الشتراك ية ال تي تقوم على امتلك و سائل النتاج حقي قة واق عة في‬
‫التحاد السوفياتي‪ ،‬ومع ذلك فليست فكرة العامل‪ ،‬الذي خدعه زعماء الشتراكية الفرنسية‪،‬‬
‫عنها كفكرة المناضل الشيوعي الذي يعرف المبدأ الذي تعتمد عليه‪.‬‬
‫نجند هننا‪ ،‬أيضنا‪ ،‬الواقنع منن ناحينة وتصنوراتنا لهذا الواقنع منن ناحينة ثانينة‪.‬‬
‫ولم يخنف هذا التميينز السناسي على أي واحند منن الناس الذينن حاولوا‪ ،‬فني مرحلة منن‬
‫مراحنل تطور المجتمعات‪ ،‬أن يرسنموا لوحنة منسنجمة عنن الكون‪ ،‬وذلك قبنل ميلد العلوم‬
‫الحقة وبقواهم الخاصة‪.‬‬
‫ولهذا أف ضى ب هم ال مر إلى و ضع مبدأ "الروح" إلى جا نب مبدأ "المادة"‪ .‬وكا نت هذه الكل مة‬
‫تع ني‪ ،‬عامة‪ ،‬جم يع الشياء غير الماد ية‪ ،‬أي ما عدا ظوا هر تفكير نا وما يبد عه خيال نا من‬

‫‪32‬‬

‫كائنات كتلك التي تحفل بها الحلم‪ .‬وهكذا نشأ العتقاد بوجود الرواح‪ ،‬ووجود عالم تعيش‬
‫فيه هذه الرواح‪ ،‬وأخيرا فكرة وجود روح أعلى تسميه الديان بالله‪.‬‬
‫ندرك إذن أن التمي يز ب ين المادة والروح له أهم ية كبرى‪ .‬وي جب علي نا أن نف هم تحد يد هذا‬
‫التمييز في جميع صوره وأشكاله‪ .‬نجد ذلك مثل في التمييز بين النفس والجسد في الديان‪.‬‬
‫ونجند فني بعنض الحيان بدل منن الحدينث عنن "المادة" و "الروح" الحدينث عنن "الكينوننة"‬
‫‪ l,etre‬و "الف كر" ‪ le peusee‬أو ن جد معار ضه "الطبي عة" "بالو عي"‪ .‬وهذا هو ن فس‬
‫التميينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننز‪.‬‬
‫‪ – 3‬مُشكلَة الفَلسَفَة السَاسِيّة‬
‫ل يزال للتحل يل ال سابق قيم ته بالر غم من تقدم العلوم الحدي ثة‪ .‬بل أن التمي يز ب ين الطا بع‬
‫المادي والطابنع الفكري للواقنع ضروري لتكوينن ثقافنة العالم الفلسنفية‪ .‬إذ يجنب علينه أن‬
‫يعرف كيف يميز بين المادة والفكرة التي كونها عن هذه المادة‪ ،‬كما أنه يجب على المناضل‬
‫أن يميز بين رغباته وما هو ممكن حقا‪.‬‬
‫ولم يدرك الفلسنفة أنفسنهم‪ ،‬فني أول المنر‪ ،‬أن هذينن المبدأينن السناسيين همنا الفكرتان‬
‫العامتان فني الفلسنفة‪ .‬ثنم أدركوا ذلك شيئا فشيئا خلل تطور المعارف النسنانية‪ ،‬ويرجنع‬
‫الف ضل في ذلك للفيل سوف الفرن سي ال كبير ديكارت (‪ .)1650 – 1596‬و مع ذلك‪ ،‬ل‬
‫يزال هناك في أيامنا هذه‪ ،‬أكثر من فيلسوف من فلسفة الجامعة البرجوازية‪ ،‬ل يمكنه إدراك‬
‫هذا التمي يز ال ساسي في عظم ته وب ساطته و ما يؤدي إل يه من نتائج‪ .‬ف هو بهذا أ قل من‬
‫العامل المناضل الذي تثقف في مدرسة الماركسية‪.‬‬
‫ح تى إذا ما رأي نا بوضوح أن العالم في مجمو عة يف سّر بمبدأ ين ف قط الفي نا أنف سنا ل محالة‬
‫أمام مشكلة الفلسنفة السناسية‪ .‬يمكنن القول إذن أن معظنم فلسنفة الجامعنة البرجوازينة لم‬
‫يطرقوا بوضوح مشكلة الفلسنفة السناسية‪ .‬وهنم يأبون التصندي لهذه المشكلة ويحرمون‬
‫سؤالهم عنها‪ .‬ويجب علينا‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬أن نلحظ أن تاريخ الفلسفة بأجمعه ليس سوى نقاش‬
‫طو يل حول هذه المشكلة ال ساسية ال تي تعود‪ ،‬بالر غم من تعدد صورها وأشكال ها‪ ،‬إلى ما‬
‫يلي‪ :‬وهو أنه إذا كان هناك حقا مبدآن فقط لتفسير العالم فأي هذين المبدأين يفسر الخر؟‬
‫وأيهما أساسي أكثر من الخر؟ أيهما الصل وأيهما الفرع؟ أيهما خالد ل حد له يتفرع عنه‬
‫الخنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننر؟‬
‫تلك هي مشكلة الفلسفة الساسية؟‬
‫ل تتطلب مثل تلك المشكلة سوى جوابين ممكنين‪:‬‬
‫أ ما أن تكون المادة (الكون والطبي عة) خالدة‪ ،‬ل حد ل ها‪ ،‬أول ية يتفرع عن ها الروح (الف كر‪،‬‬
‫الو عي)‪ .‬وأ ما أن تكون الروح (الف كر والو عي)‪ ،‬خالدة ل حد‪ ،‬ل ها أول ية تتفرع عن ها المادة‬
‫(الكون والطبيعة)‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫ويكون الجواب الول أسناس المادة الفلسنفية‪ ،‬وأمنا الجواب الثانني فأننا نلقاه فني جمينع‬
‫المذاهب التي تتفرع عن المثالية الفلسفية‪.‬‬
‫هذان الموقفان الفلسفيان يعارض كل منهما الخر على طول الخط‪.‬‬
‫‪ – 4‬مَعنَيا ك ِلمَة "المثَاليّة"‬
‫يجب علينا‪ ،‬قبل أن نستطرد في البحث‪ ،‬أن نحذر الوقوع في الشرك الذي ينصبه لنا أعداء‬
‫الماديننة الذيننن يسننتبدلون بمعنننى كلمننة "المثاليننة" الفلسننفي معنننى "أخلقيننا"‪.‬‬
‫فالم ثل العلى‪ ،‬بالمع نى الخل قي‪ ،‬هو هدف أ سمى نب يل كر يم‪ ،‬على ع كس الهداف النان ية‬
‫الضيقة المنح طة‪ ،‬الخ‪ ..‬وتستعمل كلمة "المثالي" خ طأ في بعض الحيان للدللة على الرجل‬
‫الذي يكرس نف سه لخد مة قض ية ويض حي في سبيل فكرة ممك نة التحق يق أو غ ير ممك نة‪.‬‬
‫ويريد أعداء المادية أن يقنعوا الناس بأنهم يستطيعون‪ ،‬لوحدهم‪ ،‬التكرس لفكرة والدفاع عن‬
‫مثل أعلى لنهم يفسرون العالم بوجود مبدأ سابق على المادة‪ .‬فيا لها من سفسطائية رائعة!‬
‫والحقيقة غ ير هذا‪ .‬وذلك لن المثالية الفل سفية أبعد من أن تستطيع بعث الشهداء‪ ،‬بل هي‬
‫تستخدم لتغطية أشد الفعال أجراما‪ .‬ولهذا شاعت على لسان الخائن بيتان‪ ،‬كما شاعت على‬
‫ألسنة مجر مي اورادور الذ ين كانوا يدعون محار بة "البربرية البلشف ية"‪ ،‬النمي مة القائلة بأن‬
‫نة"‪.‬‬
‫نة" على "روح التضحين‬
‫نار "لروح المتعن‬
‫نو انتصن‬
‫نة هن‬
‫نة العمال الثورين‬
‫نار طبقن‬
‫انتصن‬
‫أما الماديون‪ ،‬فهم ل ينكرون‪ ،‬كما قلنا‪ ،‬وجود الفكار‪ .‬وسوف نرى الدور الكبير الذي تقوم‬
‫به هذه الفكار في رأيهم‪ .‬ومن الواضح أنه يوجد مثل أعلى للعمال‪ .‬ومثل العمال الثوريين‬
‫العلى ن و هو أج مل مثل سعى لتحقي قه الب شر ن هو الشيوع ية وتحر ير الناس وتفتح هم‪.‬‬
‫هذا المثل العلى‪ ،‬وهو أسمى مثل وأصعبه‪ ،‬هو أشد المثل العليا نزا هة وتحررا لن المل‬
‫في "الخلص" الشخصي عن طريق الخرة ل وجود له فيه‪.‬‬
‫ل يعني ذلك أن هؤلء الثوريين "مثاليون" أو أنهم "مسيحيون على غير علم منهم" كما يقول‬
‫الذين يرون المثالية في كل من سما بنظره وراء أفق الواقع الرأسمالي الكريه‪ .‬كما ل يعني‬
‫ذلك أن نا أمام حلم نتحدث ع نه دائما دون الع مل على تحقي قه‪ .‬وأخيرا ل يع ني ذلك أن نا أمام‬
‫تعّله (‪ )alibi‬كمنا يفعنل ترومان وايزنهور حينن يتعللن بال والمدنينة المسنيحية لتنبرير‬
‫المزاجنر الرأسنمالية فني كورينا‪ .‬إذ أن للعمال الثوريينن مثل أعلى يريدون العمنل لتحقيقنه‪.‬‬
‫ويعت مد هذا التحق يق على نظرة ماد ية للعالم تبت عد به عن النظريات الخال ية و عن النفاق‪.‬‬
‫ول قد ندد انجلز نهائ يا بالبرجواز ية "المثال ية"‪ ،‬ال تي تع تبر الحد يث عن الم ثل العلى تغط ية‬
‫لستغللها لطبقة العمال‪ ،‬في قوله‪" :‬يعني البرجوازية بالمثالية اليمان بالفضيلة وبالنسانية‬
‫وبوجود "عالم أف ضل" عا مة يلوح به أمام الخر ين‪ ،‬ول يؤ من هو به ال ليعي نه على اجتياز‬
‫فترة الزمنة التني تتبنع حتمنا مغالتنه المادينة المعتادة فإذا بنه يردد نغمتنه المفضلة "منا‬
‫النسان؟ أن هو ال نصف حيوان ونصف ملك!"‪.‬‬
‫‪ – 5‬تتعَارض "المَادية" مَع "المثاليَة" في التَطبيق وَفي النَظريّة‬

‫‪34‬‬

‫نسنتطيع الن العودة إلى الجوابينن اللذينن يُذكران عادة للرد على السنؤال الرئيسني فني‬
‫الفلسفة‪ .‬ويتضح أن هذين الجوابين ينفي كل منهما الخر بصورة مطلقة وأنه ل يمكن ال‬
‫أن يكون وا حد منه ما صحيحا‪ .‬فلماذا لم يعرف الناس‪ ،‬لول وهلة الجواب ال صحيح؟ سوف‬
‫نرى سبب ذلك فيما بعد‪ ،‬عند حديثنا عن أصول النزعة المثالية‪.‬‬
‫يكفينا أن نلحظ الن أنه‪ ،‬لما كانت النزعة المثالية والنزعة المادية تنفي كل منهما الخرى‪،‬‬
‫فل يم كن أن يكون هناك سوى جواب وا حد صحيح‪ ،‬فأن نا أمام تنا قض‪ .‬وهكذا فأن النز عة‬
‫المثالية والنزعة المادية تكوّنان وحدة ل يمكن فصل احداهما عن الخرى‪ ،‬كما ل يمكن فصل‬
‫الضد عن ضده‪ .‬فكل تقدم تحرزه أحداهما هو تأخر بالنسبة للخري‪ .‬وهكذا فان تقدم النزعة‬
‫المادية أنما هو ضربة تنزل بالنزعة المثالية‪ .‬كما أن كل تأخر يصيب النزعة المادية انما‬
‫هو تقدم للنزعة المثالية‪ .‬تعني وحدة الضدين هذه أن النضال بين النزعة المثالية والنزعة‬
‫المادينة ل مفنر مننه وأننه ل يمكنن التوفينق بينهمنا‪( :‬راجنع الدرس الخامنس‪ ،3 ،‬والدرس‬
‫السابع‪ ،‬الخلصة العامة)‪.‬‬
‫وهذا مهنم لن بعنض الفلسنفة المثاليينن يحاولون تشوينه الماركسنية فيدعون أن المادينة‬
‫الجدلينة عبارة عنن مركّب (‪ )synthese‬يتخطنى التناقنض بينن المادينة والمثالينة‪ .‬ول‬
‫يمكنن لمثنل هذا "المركنب" فني الحقيقنة ال أن يكون سنتارا تختفني وراءه المثالينة‪.‬‬
‫صحيح أن ماركس كتب يقول بأن المادية الجدلية ستقضي على التعارض القديم بين المادية‬
‫والمثالينة‪ .‬وهنو يعنني بذلك أن المادينة الجدلينة تسنمح بفنض النقاش الذي اسنتمر آلف‬
‫ال سنين؛ وذلك بانت صار الماد ية ال تي اكت مل نمو ها وجعلت المثال ية تنهزم أمام ها انهزا ما ل‬
‫مرد له‪ .‬يمكن حل التناقض إذن بالنضال ضد المثالية ‪ .‬وليس بمحاولة التوفيق بينها وبين‬
‫المادية كما رأينا ذلك في دراستنا للجدلية‪ .‬ولهذا النضال النظري أهمية عملية كبرى‪ .‬وذلك‬
‫لن هاتينن النظرتينن المتعارضتينن للعالم تسنيطران على مواقنف عملينة متعارضنة‪.‬‬
‫يمكن تجنب الصاعقة بواسطة طريقتين‪ :‬اما باستخدام القضيب المضاد لها أو بإشعال شمعة‬
‫والتوسل إلى السماء‪ .‬وتعتمد الطريقة الولى على الفكرة القائلة بأن الصاعقة ظاهرة مادية‬
‫لها أسبابها المادية المعينة ويمكن تفادي نتائجها بواسطة الوسائل التي تمدنا بها المعرفة‬
‫العلمية وآلتها وأما الطريقة الثانية فهي تعتمد على الفكرة القائلة بأن الصاعقة هي قبل كل‬
‫شيء‪ ،‬مظهر من مظاهر غضب ال وقوته‪ ،‬لها أسبابها الخارقة ولهذا يمكن تفاديها بوسائل‬
‫سحرية خار قة كالشم عة أو ال صلة‪ ،‬عن طر يق تأث ير الروح الن ساني في الروح الل هي‪،‬‬
‫وهكذا‪ ،‬تؤدي طري قة ت صور أ سباب الظوا هر إلى طري قة ت صور الو سائل العمل ية المختل فة‬
‫وهي وسائل مادية في الحالة الولى‪ ،‬روحية في الحالة الثانية‪ ،‬وكذلك تصور النتائج العملية‬
‫المختلفننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫ولهذا التعارض النظري نتائج أخرى عملينة إذ لينس منن الصنعب أن ندرك أننه كلمنا انتشنر‬
‫ا ستعمال القض يب المضاد لل صاعقة كل ما قل إشعال الشموع وترت يل ال صلوات‪ .‬ولهذا كا نت‬
‫الكنيسنة‪ ،‬التني رأت زوال نفوذهنا‪ ،‬غينر راضينة عنن تقدم العلوم وزوال سنرعة التصنديق‬
‫السننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننناذج‪.‬‬
‫ول ي قل التعارض أي ضا في ما يتعلق بظوا هر الحياة الجتماع ية‪ .‬فل قد خلّف ل نا رابل يه و صفا‬
‫رائعا لهذ ين الموقف ين‪ ،‬في الف صل الذي عقده حول الحرب البكرو كول ية (‪La guerre‬‬
‫‪ )Picrocholine‬إذ كان مع ظم الرهبان يغلقون على أنف سهم باب الكني سة إذ ما ها جم‬
‫‪35‬‬

‫بكرو كول ‪ picrocole‬الدينر لنهبنه متضرعينن إلى ال أن يغفنر له‪ .‬ولم يشنذ عنن ذلك‬
‫سوى الراهب حنا ‪ Jean Des Entommeunes‬الذي كان يتسلح بعصا غليظة‬
‫صلبة يضرب ب ها ضربات قوية يفر على صوتها أ صحاب بكرو كول بعد اجتياح هم لب ساتين‬
‫الدير‪ .‬وهذا دليل على أن الهجوم أفضل من الصلة للتخلص من المعتدي‪.‬‬
‫ولهذا شارك عدد من الكاثول يك‪ ،‬أثناء المقاو مة الوطن ية للمعتدي النازي في مختلف صور‬
‫النضال ضد المحتل‪ .‬ويلحظ عادة أن أصحاب الفلسفات المثالية يتصرفون في الحياة تصرف‬
‫الماديينن‪.‬ويوضنح لننا هذا أخطار النزعنة المثالينة العلمينة‪ ،‬ذلك لن نزعنة الرهبان‪ ،‬كمنا‬
‫صنورهم رابلينة‪ ،‬تؤدي فني الحياة العملينة إلى ترك الحقنل بينن يدي المعتدي‪ .‬وكذلك كاننت‬
‫نزعة السلميين المثالية‪ ،‬الذين كانوا يأبون العمل ضد الحرب ويتظاهرون بإيمانهم في "حسن‬
‫نية" الستعماريين عامة‪ ،‬أمثال هتلر خاصة‪ ،‬أقوال كانت نزعة هؤلء تساعد النازيين وتؤكد‬
‫القول المشين‪" :‬العبودية أفضل من الموت"‪.‬‬
‫وكذلك تبعد اليوم النظرية المثالية‪ ،‬القائلة بأن الحرب مقدرة وأنه يجب الرضوخ لها كعقاب‬
‫ال هي عن خطا يا النان ية‪ ،‬عددا كبيرا من الكاثول يك عن ساحة النضال من أ جل ال سلم‪.‬‬
‫ولما كانت النزعة المثالية تؤدي‪ ،‬كما رأينا‪ ،‬لمواقف عملية تساعد أنصار الحرب والطبقات‬
‫المسنتغِلة عامنة (حسنب الفكرة المثالينة القديمنة القائلة بعدم مقاومنة الشرينر) فأنننا ندرك‬
‫بسهولة كيف أن الطبقات المستغِلة قد اتخذت‪ ،‬عبر التاريخ‪ ،‬جميع الوسائل لتشجيع النزعة‬
‫المثال ية ب ين الجماه ير‪ ،‬والع مل على تنميت ها والدفاع عن ها‪ .‬ول نزال نذ كر ك يف هرع حفار‬
‫القبور بول رينننننو إلى كنيسننننة نوتردام يجأر بالدعاء لحمايننننة فرنسننننا‪.‬‬
‫ولهذا يهنم الطبقات المسنتغِلة‪ ،‬للمحافظنة على الوضاع الراهننة التني تسنتفيد منهنا‪ ،‬تعلينم‬
‫الناس بأن هذه الوضاع تج سد "ارادة سامية" أن ها تم ثل "الع قل الكلي" الخ‪ ..‬ولهذا كان من‬
‫مصننلحتهم نشننر النزعننة المثاليننة التنني تلقننن الجماهيننر الخضوع والسننتسلم‪.‬‬
‫نرى إذن الهمية الكبرى العملية لدراك النظريات المثالية ودراسة النزعة المادية الفلسفية‪.‬‬
‫سفِيّة الماركسِيّة بثَلث ميزات أسَاسِيّة‬
‫‪ – 6‬تمتَاز المَادَية الفَل َ‬
‫وجدت النزعة المادية‪ ،‬كنظرة للعالم‪ ،‬قبل وجود النزعة الماركسية‪ .‬وسوف نرى أن النزعة‬
‫الماد ية أن ما تقوم على اعتبار العالم "ك ما هو" دون أن تض يف إل يه أي عن صر غر يب ع نه‪.‬‬
‫ولقد اضطر النسان إلى الخذ بهذه الطريقة في النظر للعالم منذ أمد بعيد وفي كل مرة كان‬
‫يضطره في ها أشباع حاجا ته لل سيطرة على الطبي عة بالو سائل التقن ية الفعالة‪ .‬ولهذا شج عت‬
‫الطبقات ال صاعدة‪ ،‬عبر التار يخ‪ ،‬التفك ير المادي‪ ،‬وذلك لن م ستقبلها كان يعت مد على تقدم‬
‫الو سائل العمل ية وازدهار العلم؛ ك ما أن هذه الطبقات كا نت تحارب الفكرة القائلة بأن النظام‬
‫القديم للشياء‪ ،‬الذي كانت تسعى لزالته‪ ،‬انما هو تجسيد لرادة العناية اللهية‪ .‬وكانت هذه‬
‫الطبقات تعتقد أنه لما كان باستطاعة النسان أن يحول المادة والطبيعة بعمله فهو يستطيع‬
‫أيضا أن يحسن مصيره بعمله أيضا‪.‬‬
‫ول ن ستطيع هنا دراسة تار يخ النزعة المادية؛ فلقد كانت أهم عصور الفلسفة المادية هي‬
‫العصنور القديمنة اليونانينة‪ ،‬حينن سنيطرت طبقات التجار‪ ،‬التني كاننت آنذاك أكثنر الطبقات‬
‫‪36‬‬

‫تقدما؛ وكذلك القرن الثامن عشر في فرنسا‪ ،‬حيث وجدت طبقة البرجوازية الثورية؛ وأخيرا‬
‫العصر الحاضر الذي يمتد من أواسط القرن التاسع عشر‪ .‬فظهرت طبقة البروليتاريا الثورية‬
‫ول سنيما فني البلد التني اسنتولت فيهنا هذه البروليتارينا على الحكنم اعنني فني التحاد‬
‫السنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننوفياتي‪.‬‬
‫ولسوف ندرس بالتفصيل النزعة المادية الفلسفية الماركسية التي تمثل النزعة المادية في‬
‫الع صر الخ ير‪ ،‬و قد بل غت الذروة‪ .‬ك ما سنرى في دروس أخرى ك يف أن الفل سفة الماد ية‬
‫اتخذت طابعهنا النهائي فني مؤلفات ماركنس وانجلز العبقرينة اللذينن وضعنا أسنسها حوالي‬
‫أواسط القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫و سنرى أي ضا أن النز عة الماد ية ال سابقة على المارك سية لم ت كن جدل ية ب صورة مذهب ية‬
‫منطق ية‪ ،‬ولهذا لم يكن با ستطاعتها أن ت صور الوا قع بكل خوا صه‪ ،‬ك ما لم يكن با ستطاعتها‬
‫أن تكوّن نظرة نهائية للعالم‪.‬‬
‫لهذا ي جب التمي يز بينن النز عة الماد ية الفلسنفية الماركسنية وب ين جم يع المذا هب الماد ية‬
‫السابقة عليها‪ .‬وسوف ندرك في الدروس التالية صفات هذه الفلسفة الساسية‪ .‬وهي ثلث‬
‫صفات تتعارض مع صور النزعة المثالية الفلسفية الرئيسية‪.‬‬
‫‪ – 1‬العالم مادي بطبيعته‪.‬‬
‫‪ – 2‬المادة هي المعطى الول والوعي هو معطى ثانوي مشتق منها‪.‬‬
‫‪ – 3‬يمكن معرفة العالم وقوانينه معرفة تامة‪.‬‬
‫ح تى إذا ما أخذ نا بدرا سة كل من هذه ال صفات و صلنا ب ين درا سة النز عة الماد ية وب ين‬
‫النضال ضد النز عة المثال ية‪ ،‬ثم وضح نا القول في نتائج النز عة الماد ية في ميدان الحياة‬
‫الجتماعية‪.‬‬
‫***‬
‫الدّرسُ التاسع‬
‫ميزة النّزعة المادّية الماركسيّة الولى‬
‫مَادّية العَالم‬
‫‪ – 1‬الموقف المثالي‬
‫‪ – 2‬النظرة الماركسية‬

‫‪37‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫–‬
‫–‬
‫–‬
‫–‬

‫المادة والحركة‬
‫الضرورة الطبيعية‬
‫الماركسية والدين‬
‫الخلصة‬

‫‪ – 1‬المَوقِفُ المِثالي‬
‫تقوم أقدم صورة للنزعة المثالية على شرح الظواهر الطبيعية بواسطة فعل قوى غير مادية‪،‬‬
‫واعتبار الطبيعة مزودة "بأرواح" تسيرها‪.‬‬
‫ويبدو أنه ليس من الصعب محاربة هذه الصورة من النزعة المثالية‪ .‬فلقد أدى تقدم النتاج‬
‫والوسننائل التقنيننة وتقدم العلم إلى القضاء على هذه الشروح بالتدريننج‪ .‬فإذا بالشعوب‬
‫المتقدمة تقضي‪ ،‬منذ أمد بعيد‪ ،‬على جنيات النار والماء والهواء‪ ،‬وعلى القوى الغريبة التي‬
‫نامع الطفال‪.‬‬
‫نص الجنيات حكايات تردد على مسن‬
‫ني قصن‬
‫نحر فتمسن‬
‫نا السن‬
‫نيطر عليهن‬
‫يسن‬
‫وهكذا وّلى عهند العتقاد بوجود "الرواح" أو "النفوس" ولم نعند نقول بأن "الطبيعنة تكره‬
‫الفراغ" كل ما صعد الزئ بق في ميزان الط قس (الباروم تر) ك ما لم ن عد نقول بأن الفيون ينوم‬
‫لن يملك "فضيلة التنويم" لن الطفال وحدهم هم الذين يثورون على الشياء التي آذتهم كما‬
‫لو كا نت هذه الشياء تملك ارادة شريرة تدفع ها للذى فإذا ب هم أش به بأولئك الذ ين يتملك هم‬
‫الغيظ ضد "الحظ السيء" أو يستخدمون جوالب الحظوظ‪.‬‬
‫لقد أزال نيوتن من أرجاء الفضاء الملك الحارس الذي كانت العناية اللهية قد أقامته على‬
‫كل كوكب ليسيره في فلكه‪ .‬كما قضى الفلسفة الديكاريتون‪ ،‬من جانبهم‪ ،‬على الزعم القائل‬
‫بأن للحيوانات "نفسا" فتساءل ديدرو ساخرا عما إذا كان العضو المبتور من الحيوان ل يزال‬
‫مر كز الحركات العضل ية‪ ،‬ل نه ي جب أن نت صور وجود "قط عة من الن فس" في ذلك العضنو‬
‫لتفسير حركته‪.‬‬
‫و مع ذلك فا نه إذا كا نت الفكرة‪ ،‬القائلة بأن كل ظاهرة في الطبي عة تتطلب ف عل روح خاص‪،‬‬
‫غري بة ع نا اليوم‪ ،‬فأن الفكرة القائلة بأن العالم في مجمله بحا جة‪ ،‬كي يو جد‪ ،‬لروح أ سمى‬
‫شامل ل تزال حتى اليوم حية في الديان الموحدة‪.‬‬
‫يعترف التوحيند المسنيحي مثل بوجود الواقنع المادي فني العالم‪ ،‬ولكنن هذا الواقنع المادي‬
‫حقي قة ثانو ية مخلو قة‪ .‬أ ما الكون الحقي قي والوا قع النهائي العم يق ف هو الروح‪ ،‬وال روح‬
‫صرف شامل‪ .‬وهاك مثال لما يسمى بالمثالية الموضوعية‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫اتخذت هذه النظرة الفل سفية عدة صور وأشكال‪ .‬إذ ل يس الوا قع المادي‪ ،‬في ن ظر أفلطون‪،‬‬
‫سنوى انعكاس للعالم المثالي‪ ،‬عالم الفكار‪ ،‬حينث يحلق الفكنر الصنرف الذي ل يحتاج للعالم‬
‫المادي في وجوده‪ .‬ولم يكن العالم في نظر السوفسطائيين سوى كائن حي هائل‪ ،‬تحييه نار‬
‫الهينة داخلينة‪ ،‬أمنا هيجنل فهنو يعتقند أن الطبيعنة وتطور المجتمعات النسنانية لينس سنوى‬
‫الغلف الخارجني والمظهنر المرئي وتجسند الفكنر المطلق الشامنل الذي يوجند نفسنه‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن العالم فني نظنر جمينع هذه الفلسنفات مادي فني ظاهره‪ ،‬أمنا سنبب وجوده‬
‫الحقيقي فهو في وجود الروح‪ .‬وهذا الروح مستقل عن وعينا النساني الفردي ولهذا ضُمت‬
‫هذه الفلسفات إلى النزعة المثالية الموضوعية‪.‬‬
‫ويمكن أن نشير أيضا إلى أن النزعة المثالية الموضوعية تؤدي غالبا‪ ،‬فيما يتعلق بالنسان‪،‬‬
‫إلى التمييز ب ين النفس والجسد فتصل النفس بالعالم الروحي وت صل الجسد بالعالم المادي‪.‬‬
‫تلك هي حال النز عة المثال ية الم سيحية‪ .‬وكذلك ت سمى النظر ية ال تي تج عل الن سان مرتب طا‬
‫بمبدأين النزعة الثنائية (‪ .)dualisme‬وتقوم النزعة الثنائية‪ ،‬في العلوم النسانية‪ ،‬على‬
‫النزعة المثالية‪.‬‬
‫‪)1‬لنهننا تفسننر الكائن الطننبيعي بوجود "نفننس" فنني داخننل هذا للكائن‪.‬‬
‫ب) لنهنا تعلق وجود هذه "النفنس" على وجود روح أعلى‪ ،‬لنهنا لو علقنت وجود‬
‫هذه النفس على وجود مبدأ مادي لما كانت ثنائية بل موحدة‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن النزعة الملحدة الساذجة تنتمي للنزعة الثنائية‪ .‬فهي تنكر وجود ال ولكنها‬
‫ل تعتمد على نظرية مادية علمية‪ .‬بل تتحدث عن "الروح النساني" و "الوعي النساني" كما‬
‫لو كان هذا الروح مبدأ مسنتقل بذاتنه‪ ،‬فهني بذلك مديننة للنزعنة المثالينة‪ ،‬وتلك هني حال‬
‫فلسنفتنا الجامعيينن علمانيينن كانوا أم روحيينن‪ .‬ولهذا ل تجزع الكنيسنة كثيرا منن هؤلء‬
‫الملحدينن المثاليينن‪ :‬أمثال مينن دوبيران(‪ )Main de Biran‬فني عهند نابوليون‬
‫ني عهنند‬
‫وبرجسننون (‪ )Bergson‬وفروينند (‪ )Freud‬أو كامننو (‪ )Camus‬فن‬
‫الستعمار‪ .‬لنها تعرف وتقول بحق أن هؤلء الفلسفة ليسوا سوى نعاج ضالة‪ ،‬وكثيرا ما‬
‫نرى هذه النعاج‪ ،‬تعود إلى الحظيرة‪ ،‬في نهاية المطاف‪.‬‬
‫إذا كانت النزعة الموضوعية‪ ،‬في بعض العصور‪ ،‬قد أدت إلى وجود فلسفات كبرى ذات نواة‬
‫عقلن ية (‪ )Rationnel‬كالفل سفة ال ستعمارية في ع صرنا ح ين تش عر البرجواز ية في‬
‫رمقها الخير أنها بحاجة لتضليل الجماهير وإبعادها عن التفسير المادي للعالم بجميع الطرق‬
‫والوسائل فان النزعة المثالية تمسي نزعة غير عقلية‪.‬‬
‫يف سر فرو يد‪ ،‬مثل‪ ،‬الن سان وظوا هر الحياة الجتماع ية بوجود قوة غ ير ماد ية في الن سان‬
‫تظ هر في نواز عه الخف ية ي سميها "اللو عي"‪ .‬وهكذا يت يح فرو يد فر صة نادرة للمشعوذ ين‬
‫لسنتغلل السنذج منن الناس‪ .‬ذلك الن "اللوعني" هنو آخنر صنورة للعتقاد بوجود القوى‬
‫اللمادية في العالم‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫ويق ضي برج سون من جه ته على ماد ية العالم‪ .‬ذلك لن ماد ية العالم بالن سبة إل يه أن ما هي‬
‫ثمرة فعل خلق‪ .‬وهي في جوهر حياة‪ .‬فكل مادة هي ثمرة "دفعة حيوية" هائلة تدفع بالعالم‪.‬‬
‫والحياة نفسها ما هي في نظر برجسون؟ هي "الوعي" والفكر والروح‪ .‬فهو يقول‪" :‬الوعي‬
‫عامة ملزم لوجود الروح الشامل"‪.‬‬
‫الوعي هو مبدأ الحياة‪ .‬وبدل من أن تكون المادة هي الساس الضروري لنمو الوعي‪ ،‬فأن‬
‫الوعي‪ ،‬على العكس‪ ،‬هو الذي يفسر لنا نمو المادة حين يتجسد منها‪.‬‬
‫ذلك هو برجسون الفيلسوف "العبقري" المعاصر الذي جعلته البرجوازية المعاصرة من أعظم‬
‫الفلسفة‪ ،‬وتلك هي الفلسفة التي يدحض بها النزعة العلمية المغالية (‪)Scientisme‬‬
‫محاول التقليل من شأن العلم‪.‬‬
‫وتتابنع النزعنة المثالينة هجومهنا فني الميدان العلمني فإذا بننا نرى بعنض العلماء المثاليينن‬
‫الميركان يحاولون التدلينل "علميا" على خلق الكون‪ ،‬وعلى عمنر الكون وعلى الزمنن الذي‬
‫اسننننتغرقه هذا الخلق‪ ،‬وأعادة بناء النظريننننة القديمننننة حول "موت العالم" الخ!‬
‫وإذا ما تنبه نا أخيرا إلى عودة "العلوم الغيب ية" للظهور من جد يد وتلك النز عة الروحان ية (‬
‫‪ )Spiritisme‬التني شجعهنا برجسنون وأنصنار فرويند للحيلولة دون الجهلة والغنبياء‬
‫والتفسنير المادي للمراض الجتماعينة التني يقاسنونها‪ ،‬أدركننا بوضوح أهمينة النظرينة‬
‫الماركسية حول مادية العالم‪.‬‬
‫‪ – 2‬ال َنظْرَة الماركسِيّة‬
‫تقوم النز عة الماد ية الفل سفية ع ند مار كس‪ ،‬على ع كس النز عة المثال ية ال تي تع تبر العالم‬
‫"تج سيدا" "للفكرة المطل قة" و "الروح الشا مل" و "الو عي"‪ ،‬على المبدأ القائل بأن العالم‪،‬‬
‫بطبيعته‪ ،‬مادي‪ ،‬وأن مختلف ظواهر الكون أنما هي جوانب مختلفة للمادة في حركتها‪ ،‬وأن‬
‫العلقات والشروط بين الظواهر التي يكشف عنها المنهج الجدلي هي القوانيين الضرورية‬
‫لن مو المادة المتحر كة‪ ،‬وأن العالم ين مو ح سب قوان ين حر كة المادة و هو ل يس بحا جة لي‬
‫"روح شامل"‪.‬‬
‫يشير ستالين هنا‪ ،‬في حديثه عن النزعة المثالية‪ ،‬إلى فلسفة هيجل الذي تحدثنا عنه آنفا‪.‬‬
‫ذلك لن فلسنفة هيجنل تمثنل آخنر فلسنفة مثالينة فني تارينخ الفلسنفة‪ ،‬وهني تمثنل مختصنرا‬
‫منسنجما لجمينع الميزات التاريخينة للنزعنة المثالينة الموضوعينة‪ ،‬فني ميدان الطبيعنة‬
‫والمجتمنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننع‪.‬‬
‫ويل حظ ستالين أن مختلف ظوا هر الكون ل تحدث بف ضل تد خل أرواح وقوى "ل ماد ية" بل‬
‫هي جوانب مختلفة من المادة المتحركة‪.‬‬
‫ويش ير ستالين كذلك إلى ضرورة طبيع ية كام نة في المادة‪ ،‬و هي أ ساس قوانين الكون ال تي‬
‫يقيمها المنهج الجدلي‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫وأخيرا يشينر سنتالين إلى خلود العالم وخلود المادة المتحركنة التني تتحول باسنتمرار‪.‬‬
‫‪ – 3‬المَاديّة وَالحَ َركَة‬
‫أن مسألة علقات المادية بالحركة مسألة خطيرة في تحديد كل من النزعة المثالية والنزعة‬
‫المادينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫ذلك لن النزعنة المثالينة تعتقند أن الحركنة والنشاط والقدرة الخلقنة أنمنا هني منن ميزات‬
‫الروح ف قط‪ .‬و هي ترى أن المادة عبارة عن كتلة جامدة سلبية ل صورة ل ها‪ .‬و هي بحا جة‬
‫لميسم الروح الذي يحيي ها كي تتخذ صورة معي نة‪ .‬وهكذا ترى النز عة المثال ية أن المادة ل‬
‫يمكنن أن تنتنج أي شينء بنفسنها فإذا منا أخذت تتحرك فأن ذلك بفضنل ال أو الروح‪.‬‬
‫ولهذا فأن فصل المادة عن الحركة طابع مميز للفكر الميتافيزيقي‪ .‬كما أنه منهج ضروري‬
‫فني بداينة العلوم كلمنا كاننت المادة الثابتنة أسنهل فني الدراسنة منن المادة المتحركنة‪.‬‬
‫حتى إذا ما ازدهرت العلوم الحديثة ظلت الفكرة القائلة بأن الحركة قد وهبها ال للمادة عند‬
‫ننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫الخليقن‬
‫وهكذا تخ يل نيو تن‪ ،‬و هو الذي طور علم حر كة الج سام ال سماوية‪ ،‬الكون على أ نه ساعة‬
‫ضخمة محكمة الصنع‪ ،‬ولكنها كانت بحاجة لهزة أولية سيرت آلتها‪.‬‬
‫ذلك لن أول علم أصاب حظا من الكمال هو علم الميكانيكا أي علم تحركات الجسام الصلبة‬
‫في الفضاء‪ ،‬سواء كانت سماوية أم أرضية‪ .‬ويمكن لول وهلة أن نفترض في علم الميكانيكا‬
‫أن كم ية المادة في ج سم من الج سام تتحرك م ستقلة عن ال سرعة ال تي يتحرك ب ها‪ .‬ويبدو‬
‫ننننة حقيقتان متميزتان‪.‬‬
‫ننننة القائلة بأن المادة والحركن‬
‫هذا تأكيدا للفكرة الميتافيزيقين‬
‫أ ما النز عة الماد ية ف هي تقول‪ ،‬على الع كس‪ ،‬بأن الحر كة صفة أ ساسية للمادة و أن المادة‬
‫هنني حركننة‪ ،‬وتخيننل ديمقريننط الذرات التنني تكون العالم تدفعهننا حركننة خالدة‪.‬‬
‫ول قد أثرت هذه الفكار في ع صر النه ضة‪ ،‬وقام غاليلي‪ ،‬في مطلع القرن ال سابع‪ ،‬بدرا سة‬
‫سقوط الجسام دراسة علمية‪ ،‬كما أدى تطور الرياضيات إلى التدليل‪ ،‬لول مرة‪ ،‬على حركة‬
‫الجسنم الذي يهوي إلى الرض بصنورة مرضينة‪ .‬وهكذا أدى تقدم العلوم إلى تقدم النزعنة‬
‫الماد ية‪ ،‬وظهور الفل سفة‪ ،‬ومن هم ديكارت‪ ،‬الذ ين قالوا بأن كل ش يء في الطبي عة تف سره‬
‫قوانين حركة الجسام‪ .‬فحل محل تأثير الفعل اللهي حتمية صارمة‪.‬‬
‫يف سر ل نا هذا النز عة الماد ية الفرن سية في القرن ال سابع ع شر‪ ،‬و هي تم ثل تقد ما عظي ما‬
‫بالنسنبة لمختلف صنور النزعنة المثالينة الدينينة‪ .‬ومنع ذلك فقند كاننت هذه النزعنة المادينة‬
‫ناق صة‪ ،‬ذلك لن علم الميكاني كا‪ ،‬ك ما رأي نا‪ ،‬كان ي ساعد آنذاك على افتراض أن الحر كة قد‬
‫جاءت إلى المادة "منذ بدء الخليقة" مما يترك المجال لعودة النزعة المثالية الدينية‪ .‬ومع ذلك‬
‫فقد دافع أقوى المفكرين‪ ،‬أمثال ديدرو‪ ،‬بنجاح عن الفكرة القائلة بأن الحركة صفة كامنة في‬
‫المادة‪.‬‬
‫غير أنه يجب هنا أن نشير إلى واقع تاريخي وهو أن الناس لم يكونوا يعرفون سوى قوانين‬
‫الحركنة فني المكان بصنورة علمينة‪ .‬ولم تكنن صنور حركنة المادة الخرى قند كشفنت عنن‬
‫قوانينها‪ ،‬ولم تكن علوم الكيمياء‪ ،‬والحرارة‪ ،‬والحياة قد ظهرت للوجود‪ .‬ولهذا فسرت جميع‬
‫الظواهر التي تدرسها هذه العلوم بواسطة أسباب ميكانيكية‪ .‬فضل العلماء في جهلهم ميزة‬
‫كل شكل من أشكال الحركة في المادة‪ ،‬ومن هنا نشأ اسم النزعة المادية الميكانيكية المغالية‬
‫‪41‬‬

‫(‪ )Materialisme mecaniste‬الذي أطلق على النزعة المادية في ذلك العصر‪.‬‬
‫ويلحنظ انجلز أن ذلك يدل على ضينق أفنق النزعنة المادينة السنابقة على ماركنس‪.‬‬
‫ولهذا لم تن جح هذه النز عة الماد ية في تف سير الشكال العل يا لحر كة المادة‪ ،‬كالحياة والف كر‪.‬‬
‫فقد كان الديكارتيون‪ ،‬مثل‪ ،‬يعتقدون أن الحيوانات ل روح لها‪ ،‬فهي أشبه باللت‪ .‬فكان أن‬
‫أ خذ العلماء يحاولون صنع الن سان اللة (‪ )Robot‬لتقليد ها‪ .‬غ ير أ نه من الوا ضح أن‬
‫الجسنم الحني ل يشبنه اللة مهمنا كان نصنيبها منن الدقنة والحكام‪ ،‬وبالرغنم منن أن "بطنة‬
‫فوكانسون" الشهيرة (‪ )Canar de vaucanson‬كانت تقوم بجميع وظائف الحياة‬
‫فأنها كانت تهمل وظيفة التناسل‪.‬‬
‫وهكذا تشوه النزعة المادية الواقع‪ .‬كما أنها تجعل من النسان ثمرة سلبية للطبيعة ل تأثير‬
‫له في المادة ول حول له ول حرية‪.‬‬
‫وتعت مد النز عة المثال ية في هجمات ها في الوا قع على النز عة الماد ية الل ية ال تي تت يح ل ها‬
‫فر صة نادرة لم ثل هذه الهجمات فتلح في القول على جوا نب الوا قع ال تي تشوه ها النز عة‬
‫المادية اللية‪.‬‬
‫ومن هنا كان القول "عن النزعة المادية التي تجعل من النسان آلة وإنسانا آليا" حتى إذا ما‬
‫أخذننا بدراسنة صنور الحركنة المادينة الخرى كالحرارة والكهرباء والمغناطينس والعمليات‬
‫الكيمائينة والحياة لم تعترف النزعنة المثالينة بهزيمتهنا‪ .‬فهني تعلن‪ ،‬معتمدة على القول بأن‬
‫المادة جامدة‪ ،‬أن ال قند وهنب المادة "قوى" كالقوة الكهربائينة والقوة المغناطيسنية والقوة‬
‫نو رأي‬
‫نع هذه القوى‪ .‬ذلك هن‬
‫نتطيع خلق جمين‬
‫نة والحياة والروح وأن المادة ل تسن‬
‫الكيمائين‬
‫الفيزيائي النجليزي جول (‪ 1818‬ن ‪.)1889‬‬
‫ولقد استطاعت النزعة المادية الجدلية أن تفسير هذه الظواهر تفسيرا مرضيا فدلت على أن‬
‫هذه الظوا هر أن ما هي صور لحر كة المادة‪ ،‬وأن المادة ل ت ستطيع ف قط إحداث الحر كة بل‬
‫تستطيع أيضا إحداث تغييرات نوعية‪ ،‬وأنها تملك ديناميكية داخلية نشيطة وقدرة على الخلق‬
‫تعتمد على وجود التناقض داخل الشياء ذاتها‪.‬‬
‫وصفنا هذه النظرة الجدلية لحركة المادة عند دراستنا للجدلية‪ ،‬ولقد أثبتت العلوم صحة هذه‬
‫النظرة‪ .‬ولهذا يؤ كد ستالين في ال نص الذي ذكرناه آن فا أن ماد ية مختلف ظوا هر الكون ل‬
‫يمكن فهمها علميا إل إذا قامت قوانينها على نه جٍ جدلي‪ ،‬وال أتاح العلم الفرصة لكل تفسير‬
‫مثالي‪.‬‬
‫والكتشافات العلمينة الكنبرى التني أظهرت بوضوح جدلينة الطبيعنة وأتاحنت تجاوز النزعنة‬
‫الماديننة الليننة وأقامننة النزعننة الماديننة الجدليننة هنني ثلثننة اكتشافات‪:‬‬
‫أ) اكتشاف تحول الطاقنة الذي أوجند فكرة التغينر النوعني وأظهنر مختلف القوى الفيزيائينة‬
‫على أنها مظاهر لحركة المادة‪.‬‬
‫‪)2‬اكتشاف الخل ية الح ية الذي ك شف سر تكون الج سام الح ية وأتاح ت صور النتقال‬
‫مننن الجسننم الكيمائي إلى الجسننم الحيوي‪ ،‬وإدراك نمننو الكائنات الحيننة‪.‬‬
‫‪42‬‬

‫ج) اكتشاف تطور النواع الحية الذي قضى على الحاجز الميتافيزيقي بين مختلف‬
‫النواع‪ ،‬ب ين الن سان و سائر أنواع الطبي عة‪ ،‬وكذلك اكتشاف نظر ية التطور عا مة‬
‫التني أظهرت الكون جميعا‪ ،‬والمجتمنع النسناني‪ ،‬على أننه تطور تاريخني طنبيعي‪،‬‬
‫فإذا بالمادة تبدو وكأنها تصاعد في نمو تاريخي‪.‬‬
‫ومنع ذلك كان ل بند منن إنتهاج المنهنج الجدلي بقوةٍ لدراك أهمينة هذا الكتشاف وهذا منا‬
‫فعله ماركس وانجلز‪.‬‬
‫وهكذا يبدو أن النز عة الجدل ية هي الوحدة ال تي ا ستطاعت أن تف سر الظوا هر العل يا كالحياة‬
‫والفكر تفسيرا طبيعيا دون أن تنزع من هذه الظواهر أية ميزة خاصة أو تعتمد على مساعدة‬
‫"مبدأ حيوي" أو "روحي" فما هي تفاصيل هذا التفسير؟ يجيب العلم على هذا السؤال‪ ،‬ذلك‬
‫العلم الذي تنينر طريقنه النزعنة المادينة الجدلينة‪ ،‬العلم الذي نادى بنه ميتشورينن وليسنكنوا‬
‫وأولجا لبيشنسكايا وستشنوف وبافلوف وأمثالهم‪.‬‬
‫تؤمن النزعة المادية الجدلية بالعلم‪ ،‬بينما تسرع النزعة المثالية إلى إعلن عجزها كما لو‬
‫أن ها كا نت تنت ظر جوا با جاهزا‪ .‬ول يطلب جوابا مباشرا على المشا كل ال تي ت قف في و جه‬
‫العلم إل الغنبياء‪ .‬ولينس لدى العلم جواب جاهنز‪ ،‬وأمنا النزعنة المثالينة فلديهنا مثنل هذا‬
‫الجواب وهو القول بوجود "الروح"‪ .‬ولكن هذا القول ليس سوى كلمة تخفي الجهل وراءها‪.‬‬
‫ولما كا نت "الروح" ل تمتاز بأية صفة من الصفات المادية المعرو فة فأنها تسمح "بتف سير"‬
‫كل ما يتعلق بصفات المادة المجهولة‪ .‬ولهذا يقول المثالي‪:‬‬
‫"أنسب كل ما اجهله إلى الروح"‪.‬‬
‫يتصور المثالي‪ ،‬الذي يأخذ على النزعة المادية أنها لم تتطور منذ ألفي سنة(!) وأنها تردد‬
‫دائ ما ن فس الش يء‪ ،‬المادة ب صورة جامدة ل تتغ ير‪ .‬ح تى إذا ما اكت شف العلم وج ها جديدا‬
‫لحركة المادة الشاملة وضاق مجال "التفسير" المثالي أسرع المثالي إلى القول بأن "المادة" قد‬
‫زالت وتبخرت الخ‪ .‬أمنا الذي تبخنر حقيقنة فهني الفكرة الضيقنة اللينة الميتافيزيقينة التني‬
‫ت صورها عن المادة ول غ ير‪ .‬إذ ل ي جب أن نخلط ب ين الفكار العلم ية المثال ية عن المادة‬
‫ال تي ت عبر عن حالة معلومات نا في فترة معي نة من الز من وب ين الفكرة الفل سفية عن المادة‬
‫التي تقوم عليها البحاث العلمية‪.‬‬
‫قال انجلز‪" :‬يجنب على النزعنة المادينة أن تتخنذ طابعا جديدا منع كنل اكتشاف كنبير جديند"‪.‬‬
‫نخلص منن ذلك إلى القول منع انجلز بأن "الحركنة هني صنورة الوجود للمادة" وأن منبنع‬
‫الحركة والديناميكية قائم في المادة نفسها‪.‬‬
‫ولهذا ل تعني النظرة المادية للطبيعة سوى فهم الطبيعة كما هي بدون أي عامل أجنبي‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫‪ – 4‬الضَرُورَ ُة الطَبيعيّة‬
‫يجب أن نوضح القول من جديد إذ أردنا أن ندرك تماما فكرة "الحركة الذاتية" للمادة‪ .‬إذ أن‬
‫هذه الحر كة الذات ية تؤدي لظهور كائنات طبيع ية ل ها صور معي نة م ما يت يح الفر صة لهجوم‬
‫جديد تشنه النزعة المثالية‪.‬‬
‫كيف نفسر مثل أن قطع الثلج تتبلور دائما بصورة هندسية معينة؟ وكيف أن بيضة الدجاجة‬
‫تفقنس صنوصا وبيضنة الطينر تفقنس طيرا صنغيرا بينمنا هذان الحيوانان ل يوجدان فني‬
‫البيضت ين؟ لن هات ين البيضت ين ل تختلفان في المادة وإن ما في ال صورة ف قط‪ .‬نرى أن هذا‬
‫السؤال عام يمكن إثارته في جميع أجزاء العلوم "الوصفية" لنها تدرس الصورة والشكال‪،‬‬
‫الشكال الجغرافينة والشكال المتبلورة والصنور النباتينة والحيوانينة والنحوينة ول تهمنل‬
‫ضروب الحركة والسلوك التي تسمى "بالغرائز" في الحيوانات‪.‬‬
‫ترد النزعنة المثالينة على ذلك بقولهنا أن صنورة الشينء الطنبيعي تتحقنق بواسنطة المادة‪،‬‬
‫ولكن ها موجودة ق بل هذا "التح قق"‪ ،‬وأن ال صورة هي ال تي تقرر ن مو الكائن ال طبيعي‪ ،‬ف هي‬
‫تكون "مصيره" وإذا بالطبيعة تخضع "لمخطط" سابق عليها‪.‬‬
‫وكذلك "يُوجنه" التطور مسنبقا‪ ،‬فهنو ل يتقرر بواسنطة ظروف حياة الجسنام الحالينة بنل‬
‫بواسنطة "هدف" تسنعى للوصنول إلينه‪ ،‬فإذا "بالغريزة" عبارة عنن مظهنر "لقصند" ((‬
‫‪ lntention‬الحيوانات العمنى‪ .‬وهكذا تكشنف الطبيعنة عنن وجود "عقنل" فني داخلهنا‪.‬‬
‫ول كن أ ين يم كن أن تو جد "ال صورة" و "المخ طط" و "الهدف" و "الع قل" إذا كا نت سابقة على‬
‫نمو المادة الناقص؟ ل يمكن أن توجد ال داخل "عقل" سام يتصورها‪ .‬هذه العقيدة هي عقيدة‬
‫الغائية (‪ .)Finalite‬ونحن نرى بذلك أن "الغائية" هي نتيجة للنزعة المثالية التي تعتبر‬
‫العالم تجسيدا لفكرة‪.‬‬
‫أما جواب النزعة المادية الجدلية فهو يختلف عن ذلك (أما النزعة المادية اللية فهي تعجز‬
‫عن الجابة)‪.‬‬
‫بل تترك المجال واسعا أمام القول بوجود الغائية‪ .‬ترى النزعة المادية الجدلية أن الصورة (‬
‫‪ )La forme‬تتعينن بواسنطة المحتوي (‪ )Le Contenu‬الحالي أي بواسنطة‬
‫"العلقات والظروف المتبادلة ب ين الظوا هر"‪ ،‬بوا سطة الحالة الراه نة للمادة وحال التناقضات‬
‫التي تنمو داخلها والتي ترتبط بظروف البيئة المحيطة بها‪ .‬وأفضل دليل على ذلك أنه يمكننا‬
‫أن نتدخل في نمو صورة معينة‪.‬‬
‫ولقند برهنن علماء الحياة (البيولوجيون)‪ ،‬بواسنطة التجربنة‪ ،‬على العلقنة بينن الصنورة‬
‫والمحتوى‪ .‬فلو أنننا نقلننا جزءا صنغيرا منن مادة بيضنة تنمنو الى مكان آخنر منن البيضنة‬
‫لشاهدننا نمنو قدم فني غينر مكانهنا‪ .‬وهكذا نخلق بصنورة صنناعية كائنا غريبا ول تتمينز‬

‫‪44‬‬

‫مختلف أجزاء مادة البيضة عن بعضها‪ ،‬خلل العملية‪ ،‬ال بصفاتها الكيمائية وبطبيعة المواد‬
‫التي تتجمع فيها‪ .‬ويتنوع هذا المحتوى الكيمائي بتأثير الظروف الخارجية (كالحرارة مثل)‪،‬‬
‫وعلى أسناس تناقضاتنه الداخلينة‪ .‬فالذي يعينن صنورة جسنم الحيوان هني الطبيعنة الحيوينة‬
‫الكيمائينة لمادة مختلف بيوض النواع المتعددة‪ .‬وهكذا نرى أن نمنو المحتَوى يسنبق نمنو‬
‫"الصورة" وليس هناك أي تصوير سابق‬
‫(‪ )Preformation‬مثالي‪ .‬ول يس هناك أ ية صورة بذات ها (‪)Forme- en-soi‬‬
‫معينة سابقا‪ .‬ولو كان المر كذلك لوجب أن يكون جميع أفراد نوع ما متشابهين تماما‪.‬‬
‫أما النزعة المادية الجدلية فهي ترى أن الصورة ل يمكن أن توجد بدون محتوى معين‪ ،‬كما‬
‫أن المحتوى ل يمكن أن يوجد بدون صورة معينة‪.‬‬
‫ول يع ني القول بأن المحتوى ل يم كن أن يو جد بدون ال صورة أن ال صورة هي ال تي تعي نه‬
‫وتحدده؛ بل هو الذي يعينها ويحددها‪ .‬يعني ذلك أن الصورة ليست سابقة في الوجود‪ ،‬ول‬
‫هني أزلينة بنل تتغينر حسنب التغيرات التني تطرأ على المحتوى‪ .‬يتغينر المحتوى أول بتغينر‬
‫ظروف البيئة المحيطة به‪ .‬ثم تتغير الصورة حسب تغير المحتوى‪ ،‬ونمو التناقضات الداخلية‬
‫في المحتوى‪ .‬ن تج عن ذلك أن ال صورة بدل من أن ت سبق الن مو في الوجود‪ ،‬تعك سه ل نا‬
‫فتتأخر بذلك عن المحتوى‪.‬‬
‫يسنبق المحتوى الصنورة خلل النمنو وتتأخنر الصنورة عنن المحتوى‪ :‬ول يمكنن وجود‬
‫المحتوى بدون الصنورة ومنع ذلك فأن الصنورة ل تتفنق تماما منع المحتوى لتأخرهنا عننه‬
‫ولهذا "يضطر" المحتوى الجديد لتخاذ الصورة القديمة مؤقتا فينشأ عن ذلك النزاع بينهما‪.‬‬
‫فكيف يحدث في كل حالة وفي كل ميدان من ميادين الطبيعة والمجتمع ظهور صورة جديدة‬
‫تحنت ضغنط المحتوى التالي الذي يبحنث عنن صنورة جديدة ويسنعى نحوهنا؟ (سنتالين)‪.‬‬
‫على العلوم أن تجينب على ذلك‪ ،‬تلك العلوم التني تضينء النزعنة المادينة الجدلينة الطرينق‬
‫أمام ها‪ ،‬والش يء الثا بت أن تأ خر ال صورة عن المحتوى يحدث عدم الن سجام في الطبي عة‪.‬‬
‫وهكذا بدل منن أن تشينع النسنجام فني الطبيعنة‪ ،‬فأنهنا مفعمنة "بالتناقضات" والعيوب‪.‬‬
‫نرى أن النز عة الماد ية الجدل ية تق ضي على النظر ية المثال ية في الغائ ية قضا ًء مبرما‪ .‬ك ما‬
‫أنها ترفض الحتمية اللية التي تتصور فعل مختلف الظواهر بعضها في البعض بصورة آلية‬
‫ل تتبدل‪.‬‬
‫تح مل النز عة الماد ية المارك سية إلى العلم عقيدة مثمرة تقوم على القول بأن القوان ين ال تي‬
‫تكتشفهنا والعلقات التني تقيمهنا بواسنطة المنهنج الجدلي ليسنت علقات اعتباطينة بنل هني‬
‫قوانين ضرورية للمادية في حركتها‪.‬‬
‫يج هل العلم المادي قلق "التجر يبيين" الذ ين يكتفون بمراق بة تتا بع الظوا هر فيت ساءلون دائ ما‬
‫إذا كانت الشمس ستشرق غدا!‬
‫ويعتمند العلم المادي على الفكرة القائلة بأن القانون العلمني يعنبر عنن ميزة موضوعينة‬
‫نة‪.‬‬
‫ني ظروف معينن‬
‫نة خلل تطور فن‬
‫نة ظهور ظاهرة معينن‬
‫نن حتمين‬
‫نبر عن‬
‫نا يعن‬
‫للمادة‪ ،‬كمن‬
‫‪45‬‬

‫ولقد أشار انجلز إلى حتمية ظهور الحياة فوق كوكب معين حين تجتمع الشروط الضرورية‪،‬‬
‫وحتم ية ظهور الن سان خلل تطور النواع‪ ،‬و من ذلك ظهور الن سان فوق كوكب آ خر و في‬
‫نننننة لظهوره‪.‬‬
‫نننننا توفرت الظروف الضرورين‬
‫نننننر إذا من‬
‫نننننت آخن‬
‫وقن‬
‫هذا منا يجنب فهمنه منن الضرورة الطبيعينة‪ ،‬ومنن وحدة الكون وشمول قوانينن المادة‪.‬‬
‫ين تج عن ذلك أ نه ل يمكن نا خلق قوان ين الطبي عة أو المجت مع أو القضاء علي ها بل كل ما‬
‫يمكننا هو اكتشافها‪.‬‬
‫يم كن اكتشاف هذه القوان ين ومعرفت ها ودرا ستها وال خذ ب ها في أفعال نا وا ستغللها لخ ير‬
‫المجتمع‪ ،‬ولكن ل يمكننا تغييرها أو القضاء عليها‪ .‬فل يمكننا إذن خلق قوانين جديدة للعلم‪.‬‬
‫فالنزعنة المادينة الجدلينة إذن هني وحدهنا التني تمدننا بأسناس نظري متينن للتنبنؤ العلمني‬
‫بظواهنر الطبيعنة والمجتمنع‪ ،‬وتقضني على الشنك بنتائج عمنل نقوم بنه على أسناس معرفنة‬
‫علمية للواقع‪ .‬فهي تضمن للنسان‪ ،‬إذن‪ ،‬أقصى اليقين وأقصى الحرية إذ تمكنه من العمل‬
‫باطمئنان ويقين‪.‬‬

‫‪ – 5‬المَارْكسِيّة وَالدّين‬
‫يتيح لنا كل ما رأيناه حتى الن أن نقدر ضعف الصورة الذائعة للنزعة المثالية الموضوعية‬
‫أل وهو الدين‪.‬‬
‫نعرف مثل أن الد ين الم سيحي يتطلب تد خل أله خلق لتف سير العالم‪ .‬ونرى الن علم يقوم‬
‫هذا الطلب‪:‬‬
‫‪)1‬تعتقند النزعنة المثالينة أن المادة سنلبية جامدة‪ :‬لهذا وجنب أن تتلقنى حركتهنا عنن‬
‫الروح‪.‬‬
‫ب) تعتقند النزعنة المثالينة أن المادة ل تملك بنفسنها أينة ضرورة طبيعينة أو أينة‬
‫وحدة‪ .‬ولهذا وجب أن يقوم روح آخر بالمحافظة على قوانين المادة‪.‬‬
‫ت) تعت قد النز عة المثال ية أن المادة ل ت مر بتطور تاري خي في نمو ها‪ :‬للعالم إذن بدا ية ك ما‬
‫ستكون له نهاية‪ ،‬ولهذا وجب أن يكون قد خلق على يد كائن أبدي‪.‬‬
‫أما النزعة المادية فأن نظرتها إلى المادة ونموها الداخلي الضروري يؤدي بها إلى النظرية‬
‫القائلة بخلود الكون ول نهائيتنه فني تحوله المسنتمر‪ ،‬والقول بأن المادة ل تفننى وليسنت‬
‫مخلوقننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫ولهذا طالب ديدرو بأن ل يُفسر العالم حتى ل يصعب فهم خلود المادة عن طريق خلود آخر‬
‫أصعب من الول‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫ولقند زعزعنت الكتشافات العلمينة‪ ،‬مننذ عهند ديدرو‪ ،‬مكاننة القائلينن بالخلق‪ .‬كمنا وضنع‬
‫الفيل سوف اللما ني "كا نت"‪ ،‬م نذ القرن ال سابع ع شر‪ ،‬فرضي ته المشهورة حول تطور النظام‬
‫الشم سي‪ ،‬ثم دلل علي ها في ما بعد لبلس الفرنسي ب صورة علم ية ورد على نابوليون‪ ،‬الذي‬
‫كان يشكو من أنه ل يرى ال‪ .‬بهدوء قائل‪:‬‬
‫"سنيدي! لسنت بحاجنة إلى هذه الفرضينة"‪ .‬كمنا أن اكتشاف لينل (‪ )Lyele‬النجليزي فني‬
‫ميدان تطور الرض‪ ،‬ولمارك الفرنسي‪ ،‬ول سيما دارون في ميدان تطور النواع الحية‪ ،‬قد‬
‫أدت إلى قيام نظرية التطور العامة‪ ،‬وخلقت وراءها النزعة المادية القديمة التي كانت تفتقر‬
‫إلى هذه النظر ية التاريخ ية عن الكون‪ .‬وكان ذلك هو الن قص الثا ني في ها الدال على ضيق ها‬
‫المحتنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننم‪.‬‬
‫وأخيرا امتدت هذه النظرينة التاريخينة بفضنل اكتشافات ماركنس وانجلز فني ميدان العلوم‬
‫الجتماعينة الى جمينع ظواهنر الحياة الجتماعينة وقضنت على النقنص الثالث فني النزعنة‬
‫المادينة القديمنة التني لم تكنن تعتنبر المجتمنع النسناني كتطور تاريخني طنبيعي‪.‬‬
‫ول قد ك تب لين ين يقول‪" :‬أن نظر ية الفيل سوف القد يم هيرقل يط الماد ية ن الذي كان يرى أن‬
‫العالم واحند لم يخلقنه آله أو إنسنان‪ ،‬كان وسنوف يظنل شعلة خالدة حينة تتوهنج وتنطفىء‬
‫حسنب قوانينن معيننة نن أنمنا هني عرض رائع لمبادىء النزعنة المادينة الجدلينة‪.‬‬
‫ولقد غير ظهور النزعة المادية الجدلية النقد الديني والفقهي‪ ،‬اذ كان الفلسفة العقليون فيما‬
‫مضنى ينتقدون الله المسنيحي فيوضحون التناقضات العديدة التني تؤدي إليهنا تلك الفكرة‪.‬‬
‫إذا كيف يمكن لروح صرف أن يولّد المادة؟ وكيف يمكن لكائن ل يخضع للزمن وللصيرورة‬
‫والتغ ير‪ ،‬بل ي ظل سرمديا في خلوده البدي‪ ،‬أن يخلق العالم في لح ظة معي نة من الز من؟‬
‫وكينف أمكنن لكائن "خينر" أن يخلق الحيوانات المضرة والهزات الرضينة والمراض التني‬
‫يرمز إليها الفرسان الثلثة السود في النبوءة‪.‬‬
‫هنل كان بامكان ال القوي الجبار أن يجعنل مجموع اثنينن منع اثنينن خمسنة‪ ،‬وأن يمسني‬
‫ال صحيح خ طأ؟ وإذا لم ي ستطع ذلك ف هل هو قوي جبار؟ وإذا كان كاملً ف هل ي ستطع معاق بة‬
‫الظلم؟ وإذا كان خيرا فهنننل يمكننننه أن ل يكون رؤوفا ومنننن ثنننم ظالما؟ الخ‪...‬‬
‫أظهر النقد العقلي بحق جميع المستحيلت التي تحتوي عليها فكرة "ال" وجميع التناقضات‬
‫التي تكشف عنها‪ ،‬تلك التي يعترف بها علم الكلم ويستعين من أجلها بفكرة "السر" اللهي‬
‫الذي ل يمكنن للخليقنة أن تسنبر غوره‪ ،‬كمنا يسنتعين بفكرة الشيطان لوضنع فكرة الخطيئة‬
‫نننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫نننننننننننننننننننلية المزعومن‬
‫الصن‬
‫أ خذ الفل سفة المثاليون العقليون إذن على أنف سهم أن يعيدوا الن ظر في فكرة الله الم سيحي‬
‫فجاءوا بأفكار ي ستحيل كل من ها أك ثر من الخرى وإذا ب ها تث ير صعوبات جديدة كل ما خ يل‬
‫إلينا أن الصعوبات السابقة الذكر قد زالت‪.‬‬
‫أ ما الماديون ال سابقون على المارك سيين ف قد ا صطدموا أي ضا بجم يع ال صعوبات ال تي اشر نا‬
‫‪47‬‬

‫إليهنا سنابقا‪ :‬كتفسنير الحياة والفكنر وتفسنير ضرورة العالم ومنا فني الطبيعنة والظواهنر‬
‫الجتماع ية‪ ،‬من تنا قض‪ ،‬و ما عادت به من آلم على الن سانية كالمرض والموت والجوع‬
‫والحرب‪.‬‬
‫ول قد أثارت النز عة الماد ية الجدل ية هذه ال صعوبات وفقدت فكرة "ال" كل محتوا ها‪ :‬ولم ي عد‬
‫النقاش حول وجود ال أو عدم وجوده‪ ،‬ذلك النقاش الذي أثارتنه النز عة اللحاد ية السناذجة‬
‫غير الماركسية‪ ،‬يثار كما أشير سابقا‪ .‬لقد أصبح ال‪ ،‬كما قال لبلس‪ ،‬فرضية ل نفع فيها‪.‬‬
‫وحنل محنل مشكلة وجود ال مشكلة وجود فكرة ال فني رؤوس الناس‪ .‬هاتان مشكلتان ل‬
‫تميز النزعة المثالية الموضوعية بينهما‪.‬‬
‫ول شك في أن فكرة ال والعواطف الدينية والديانة موجودة‪ ،‬وهي تتطلب تفسيرا‪ :‬وبدل من‬
‫القول بأن النسان كائن "الهي" يجمع في ذاته العنصر الطبيعي والعنصر اللهي‪ ،‬كما يجمع‬
‫عن صر الموت والخلود في هذه الحياة و في الحياة الخرى‪ ،‬ي جب القول بأن "ال" و"الديا نة"‬
‫ه ما ظاهرتان إن سانيتان لن العن صر الل هي هو من إبداع الن سان ول يس الن سان هو من‬
‫إبداع ال‪.‬‬
‫ولقد قال فولتير في حديثه عن الديان بأنه "إذا كان ال قد خلق النسان فأن النسان قد رد‬
‫له هذا الجميل"‪ .‬ولقد بدأ المادي اللماني فورباخ بنقد الظاهرة الدينية من زاوية جديدة‪ ،‬ثم‬
‫جاءت النزعنة الماركسنية بالعناصنر النهائينة لتفسنير الدينن وهاك مبادىء هذا التفسنير‪:‬‬
‫‪ )1‬أن الصور البدائية للديانة‪ ،‬وكذلك المراسيم السحرية والتفسيرالمثالي البدائي للظواهر‬
‫الطبيعية والجتماعية‪ ،‬وكذلك أسمى صور الديانة التي تقوم على نظريات فلسفية وأخلقية‬
‫ومرا سيم سحرية "روحان ية" كال صلة والضحيات الت صوفية ت عبر جميعا عن مع طى مع ين‬
‫حقيقي عن الفعل النساني ال وهو عجزه النسبي الكبير في مطلع النسانية‪ ،‬وهو عجز أمام‬
‫الطبيعنة‪ ،‬ذلك العجنز الذي يتعلق بنمنو النتاج الضعينف‪ .‬وهنو أيضا عجنز أمام الظواهنر‬
‫الجتماعينة الذي يتعلق بالضطهاد الطبقني وفقدان المنل وضعنف الوعني الجتماعني‪.‬‬
‫يعرف كنل واحند مننا أن على المراسنيم الدينينة أن تضمنن النجاح والفوز "فني العمال"‬
‫والنتصنار على العدو‪ ،‬وأن تعود بالسنعادة البدينة‪ ،‬الخ‪ ..‬وهكذا تبدو الدياننة كأنهنا وسنيلة‬
‫يسنتخدمها النسنان لبلوغ أهدافنه‪ ،‬وهني مراسنيم تتعلق بجهنل أسنباب شفائه وسنعيه نحنو‬
‫السننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننعادة‪.‬‬
‫ولكن إذا كانت الديانة تعكس لنا معطيات الحياة العملية فأنها تصور هذه المعطيات معكوسة‪.‬‬
‫و هي ل تعك سها ح سب المعطيات الموضوع ية بل ح سب المعطيات الذات ية‪ .‬ف هي تع كس ل نا‬
‫رؤى الحلم ورغبات النسان الذي وقع فريسة للجهل‪ .‬فيصبح "ال" المنقذ السمى‪ ،‬وأكمل‬
‫الكمالت‪ .‬ول ت عبر التناقضات ال تي وجدنا ها في فكرة "ال" ال عن التناقضات الداخل ية في‬
‫أفكار "الكمال المطلق" و "المعرفة المطلقة" و "السعادة المطلقة" التي يصنعها النسان لنفسه‪.‬‬
‫و هي أفكار خيال ية ميتافيزيق ية يع كس في ها تناقضات العالم الواق عي والرغبات الخيال ية ال تي‬
‫تصورها في جهله‪.‬‬
‫وتختصنر فكرة ال جمينع التناقضات التني تصنبح ميتافيزيقينة مطلقنة ل يمكنن حلهنا‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫فالديانة إذن هي نقيض العلم المادي الجدلي الذي يعكس لنا تناقضات الواقع باخلص وبدون‬
‫أية زيادات غريبة خيالية كما قال انجلز‪:‬‬
‫"تكمنن أصنول الدياننة فني النظريات المحدودة الجاهلة التني تنشنأ فني حالة الهمجينة"‪.‬‬
‫‪ )2‬يجب مع ذلك أن نقدر أهمية عامل آخر في دراستنا للدين‪ ،‬ذلك لن الديانة لما كانت‬
‫تتولد من الجهل فأنها تحل محل التفسيرات العلمية تفسيرات خيالية فتعمل بذلك على ستر‬
‫الوا قع وإسدال ال ستار على التف سير الموضوعي للظوا هر‪ ،‬ولهذا كان الرجل المتد ين مناوئا‬
‫لمبادىء العلم التي هي عمل الشيطان لنه حريص على أوهامه‪ .‬وتستخدم الطبقات المستغلة‬
‫هذه الخاصية لهتمامها بإخفاء استغللها عن أعين الطبقات الكادحة كما أشرنا إلى ذلك في‬
‫الدرس ال سابق‪ .‬ف هي بحا جة إلى سلبية هذه الطبقات وجمود ها كي ي ستمر اضطهاد ها‪ ،‬ك ما‬
‫أن ها بحا جة لخضوع ها وايمان ها بالقضاء المحتوم‪ .‬هذا من ناح ية و من ناح ية ثان ية ي جب‬
‫توجيه أمل الجماهير بالسعادة نحو العالم الخر‪ .‬وهكذا يعرض المل والعزاء بدخول الجنة‬
‫على أنه ما تعو يض ع ما بذل ته الطبقات الشعب ية من تضحيات على الرض‪ .‬فيتحول العتقاد‬
‫بخلود النفس‪ ،‬الذي كان ينظر إليه في القدم على أنه مصيبة مرهقة‪ ،‬إلى أمل بالخلص في‬
‫الخرة‪.‬‬
‫اسنتخدمت الدياننة‪ ،‬إذن‪ ،‬مننذ أقدم العصنور كقوة فكرينة "للمحافظنة على النظام" وكأفيون‬
‫للشعب حسب قول ماركس بالرغم من أن الطبقات الحاكمة المستنيرة لم تعد تعتقد بأية كلمة‬
‫مننن النظريات التنني كانننت تعمننل على اسننتمرار تاثيرهننا فنني الطبقات الشعبيننة‪.‬‬
‫فكان الكهان في مصر القديمة "يختلقون" المعجزات بتحريك تماثيل اللهة‪ ،‬كما كان الرومان‬
‫يؤكدون أن هناك "فألينن ل يمكنن النظنر إليهمنا بدون الضحنك" كمنا كان شيشرون يقول بأن‬
‫الديانة مفيدة للنساء والعبيد‪ .‬وكذلك استخدام الرجعيون الديانة في النظام القديم للتخفيف من‬
‫تقدم العلم فسنعوا إلى مننع البحاث الطبينة كالتشرينح والتلقينح كمنا عملوا على الحكنم على‬
‫غاليله لنه أدعى بأن الرض ليست مركز العالم‪ ،‬كما أتهم متشورين في القرن العشرين في‬
‫روسيا القيصرية بأنه خارج على الدين أمام شرطة القياصرة لنه كان يقوم "بتطعيم" النواع‬
‫النباتينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة!‬
‫ولقد وجهت النزعة المادية الفرنسية في القرن الثامن عشر ضربات قاسية إلى الديانة‪ .‬ثم‬
‫عادت الديانة إلى سابق عهدها في بلدنا بفضل سلسلة من القرارات السياسية الرجعية بعد‬
‫الثورة وفي خلل القرن التاسع عشر‪ ،‬ول سيما بعد سقوط المبراطورية الولى بعد حزيران‬
‫عام ‪ 1848‬أ ثر كومون بار يس‪ .‬وعلى عهد في شي وكان إخراج المعجزات المختل فة من‬
‫وسائل الستعمار‪.‬‬
‫ويم ثل "ك نت" معا صر ثورة ‪ 1789‬ال ستخدام ال سياسي للديا نة‪ ،‬على الم ستوى النظري‪،‬‬
‫بالرغم من فشل مضمون الديانة الفل سفي‪ .‬فهو يعتقد أن وجود ال ل يمكن البرهنة عليه‪.‬‬
‫ومنع ذلك يجنب "قبول" هذا الوجود لننه بدون هذه الفكرة يصنبح كنل شينء مباحنا‪ ،‬فيزول‬
‫القاضي العادل الكبر‪ ،‬وتزول الشرطة السماوية‪ ،‬كما يزول الثواب والعقاب‪ ،‬فيتخاذل الشرير‬
‫ويتجرأ‪ .‬وهكذا يتزعزع النظام البرجوازي‪ .‬ال إذن سنلح الثورة‪ ،‬ولينس منن الضروري‬
‫التأكند نظرينا منن وجوده‪ ،‬بنل يكفني قبول هذا الوجود عمليا ونفعيا‪ .‬أليسنت تلك عادة‬
‫‪49‬‬

‫البرجواز ية الدائ مة في الم سائل الدين ية؟ و هل هناك دل يل أروع على ف شل النز عة المثال ية‬
‫الدينية النظرية؟‬
‫ل قد و ضع انت صار النز عة الشتراك ية التاري خي حدا ل سيطرة الطبقات الرجع ية‪ .‬وهكذا فقدت‬
‫الديانة قاعدتها الجتماعية كقوة فكرية في خدمة هذه الطبقات‪ .‬ولكنها ظلت بعض الوقت في‬
‫ضمائر الناس‪.‬‬
‫ولهذا ي ستمر في النظام الشترا كي نضال نظري ب ين العلم والد ين‪ ،‬ب ين الج هل والمعر فة‪.‬‬
‫وهذا النضال جانب من جوانب عملية المعرفة‪ ،‬لن المعرفة تتقدم بواسطة النضال‪ .‬ذلك هو‬
‫مضمون مبدأ حرية الوعي في التحاد السوفياتي‪.‬‬

‫‪ – 6‬الخلصة‬
‫نخرج من هذا الدرس بفكرة عن مادية العالم‪ .‬فالنزعة المادية الجدلية في أيامنا هي النزعة‬
‫الثورينة الوحيدة‪ .‬فإذا كاننت "فكرة ال" أو فكرة "الروح" الخ‪ ...‬ليسنت سنوى فكرة فارغنة‬
‫ور مز للدللة على جم يع ألوان الج هل الماض ية للن سان "فل يس هناك أي من قذ أعلى" كمال‬
‫تقول العالمية‪.‬‬
‫ليس للنسان ما يرتجيه أل ما يكسبه بنفسه في هذه الحياة الدنيا‪ ،‬والنزعة المادية تعلمه أن‬
‫يرى "العالم كما هو"‪ ،‬العالم في وضعه الصحيح وليس بالمقلوب‪.‬‬
‫وبدل من أن يقضي النزعة المادية على النسان فأنها على العكس تظهر له أن ليس هناك‬
‫"مصير" أو "قدر" وأنه يستطيع‪ ،‬بواسطة المعرفة العلمية للواقع‪ ،‬أن يتمتع بحياة جديدة‪ ،‬وأن‬
‫يتعرف على السعادة في الحياة‪.‬‬
‫وكمنا كان يقول الفيلسنوف المادي اليونانني أبيقور فأن النزعنة المادينة تحرر المعرفنة‬
‫النسنانية المضطهدة مننذ آلف السننين لخوفهنا منن الغضنب اللهني والخوف منن الدولة و‬
‫"النظام القائم" اللذين يتمثل فيهما ما يسمى بقوى "العناية اللهية"‪.‬‬
‫كما أن النزعة المادية تؤدي‪ ،‬كما قال ماركس‪ ،‬إلى الشتراكية‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫ول يس هناك من تكف ير عن خطيئة‪ ،‬ك ما أد عى بيتان‪ ،‬ك ما أ نه ل يس هناك من قضاء مقدر‬
‫"مكتوب" وليس هناك أبد خالد سوى المادة المتحركة‪ .‬وكما أن علم المراض يساعد على‬
‫محاربنة هذه المراض بمحاربنة أسنبابها فكذلك معرفنة أسنباب الحرب تسناعد على محاربنة‬
‫الحرب‪ .‬وكلما كانت معرفتنا أفضل بالسباب التي تؤدي إلى الحروب حتما كلما ازداد تسلحنا‬
‫لمحاربتها بصورة فعالة‪.‬‬
‫الحرب إذن ليسنت قضا ًء ل يم كن الهروب مننه‪ .‬وبدل من أن تولد النز عة الماد ية ال سلبية‬
‫والستسلم فأنها دعوة للعمل فهي تتيح لنا معرفة ما هو ممكن‪ ،‬كما تتيح لنا تحديد مقدرة‬
‫النسانية الفعلية‪ .‬هذه هي الحرية فهي ليست أعلنا أجوف بل هي قدرة فعّالة‪.‬‬

‫الدّرسُ العَاشِر‬
‫ميزَة النزعَة المادّية الماركسيّة الثانية‬
‫المادة سَابقة عَلى الوَعي‬
‫‪ – 1‬حيلة جديدة مثالية‬
‫‪ – 2‬النظرة الماركسية‬
‫أ) موضوعية الكينونة‬
‫ب) الوعي انعكاس للكينونة‬
‫‪ – 3‬الفكر والدماغ‬
‫‪ - 4‬درجتا المعرفة‬
‫‪ – 5‬خلصة‬

‫‪ 1‬ن حيلَة جَديدَة مثاليّة‬
‫رأينا في الدرس السابق أن نزعة الدين المثالية قد حاربها تطور العلوم منذ عصر النهضة‪،‬‬
‫وأن ها تدا عت في القرن الثا من ع شر ت حت ضربات النز عة الماد ية‪ .‬فظهرت عندئذ صيغة‬
‫جديدة للنزعة المثالية لتحل محل النظرة التي أخذت بالفول‪.‬‬
‫‪51‬‬

‫ونجند هذه الصنيغة إلى أيامننا عنند عدد منن الفلسنفة‪ .‬وهني منن صننع الراهنب النجليزي‬
‫باركلي (‪ 1685‬ن ‪.)1753‬‬
‫وتهدف هذه النزعة إلى تقويض الهمية النظرية للكتشافات العلمية وذلك بمحاولة البرهنة‬
‫على أن المبدأ المادي في العالم ل وجود له‪ .‬ول ما لم يعد بالمكان‪ ،‬في ذلك الع صر‪ ،‬القضاء‬
‫على المادي ين بالقائ هم في النار ك ما كان الحال أيام "الضطهاد الدي ني" ف سوف يق ضي على‬
‫المادة نف سها بال سخرية من أن صارها وإظهار هم بمظ هر ال سذج العاجز ين عن "التفل سف"؛‬
‫ولهذا فسوف يقرر أن المادة وهم‪ ،‬وهكذا يُقضى على هذه الفلسفة التي تدعي العتماد على‬
‫الواقنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننع‪.‬‬
‫لن يُتفلسف منذ الن فصاعدا ال حول موضوع "الوعي" وكل ما تجاوز حدود "الوعي" فهو‬
‫ليس موضوعا فلسفيا‪.‬‬
‫ولم ي كن باركلي يخ في ال سباب ال تي تعلو على الفل سفة وال تي تع مل‪ ،‬ح سب رأ يه‪ ،‬من أ جل‬
‫هذه النظرة‪ .‬فقد صرح قائل‪:‬‬
‫"إذا ما ازيلت المادة من الطبي عة حملت مع ها الكث ير من النظريات الشا كة (أي الملحدة)‬
‫الكافرة‪ ،‬والكثير من المناقشات والمسائل المتشابكة‪ ..‬لن المادة قد شغلت الناس بدون طائل‬
‫ح تى أ نه لو بدت الح جج ال تي نثير ها ضد ها غ ير مقن عة تما ما‪ ،..‬فلن يقلل هذا من اقتنا عي‬
‫بأن أصدقاء الحقيقة (أي النظرية الفكرية القطاعية)‪ .‬والسلم (أي النظام القطاعي) والدين‬
‫لهم الحق في أن يتمنوا أن يُعترف بهذه الحجج على أنها كافية"‪.‬‬
‫كما صرح في موضوع آخر‪" :‬إذا قبلت هذه المبادىء ونُظر إليها على أنها صحيحة‪ ،‬قضي‬
‫بذلك على نزعة اللحاد ونزعة الشك تماما‪ ،‬وتوضحت المسائل الغامضة‪ ،‬وانحلت الصعوبات‬
‫المعقدة‪ ،‬وعاد الناس الذيننننننننننننن كانوا يلهون بالمتناقضات إلى الرأي العام"‪.‬‬
‫ولقند هاجنم بار كلي‪ ،‬بتأثينر جنوننه المثالي‪ ،‬جمينع الكتشافات العلمينة ل سنيما "الحسناب‬
‫المتناهني فني الصنغر" فني الرياضيات قائل عنهنا أنهنا عبنث وغينر منطقينة ومتناقضنة‪.‬‬
‫ودرا سة نظر ية بار كلي مه مة لن ها ت عبر جيدا عن جو هر النز عة المثال ية الحدي ثة‪ .‬ف هي‬
‫مصدر الرأي الشائع‪ ،‬في الجامعات البرجوازية‪ ،‬القائل بأن الرجل المادي مفكر فج كما أنها‬
‫مصدر احتقار "الفلسفة المثاليين للعلوم" و "لرجال العلم"‪.‬‬
‫ولم يخطينء ديدرو‪ ،‬حول أهمينة مذهنب بار كلي الرجعينة‪ ،‬حينن قال عننه "بأننه أصنعب‬
‫الفل سفة على من ير يد محارب ته وأن كان أكثر هم عب ثا‪ .‬وهذه لط خة عار للف كر الن ساني‬
‫والفلسنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننفة"‪.‬‬
‫فك يف يع مل بار كلي للو صول إلى هد فه؟ عرف ديدرو النز عة المثال ية ال تي أ سسها بار كلي‬
‫كما يلي‪:‬‬
‫‪52‬‬

‫"المثاليون هم أولئك الفلسفة الذين ل يعون ال وجودهم والحاسيس التي تتوالى في داخلهم‬
‫فل يعترفون بوجود شيء آخر"‪.‬‬
‫يجب إذن البرهنة على أ نه ل يوجد ش يء عدا وعي نا وت صوراتنا وأفكار نا‪ .‬فل يس هناك من‬
‫وا قع "خار جي" و كل ش يء عبارة عن ت صورات عقل ية خا صة ب نا‪ .‬ح تى إذا ما قضي نا على‬
‫"الوعي" أو "النا" واختفى معه كل واقع‪.‬‬
‫وهكذا ل يمكن أن توجد الكينونة والطبيعة والمادة خارج الوعي‪ ،‬وعيي أنا‪ ،‬ومستقلة عنه‪.‬‬
‫لهذا سننُمي هذا الضرب مننن النزعننة الماديننة بالنزعننة الماديننة الذاتيننة‪.‬‬
‫ولن صغ الن إلى بار كلي لن سمعه يقول‪" :‬لي ست المادة ما نعتقده ح ين نف كر بأن ها موجودة‬
‫خارج تفكير نا‪ .‬نعت قد أن الشياء موجودة لن نا نرا ها ونلم سها‪ .‬ون حن نعت قد بأن ها موجودة‬
‫لنها تمدنا بالحاسيس‪".‬‬
‫ول كن أحا سيسنا لي ست سوى أفكار كام نة في أذهان نا‪ .‬لي ست الشياء ال تي ندرك ها بحوا سنا‬
‫إذن‪ ،‬سوى أفكار‪ ،‬ول يمكن للفكار أن توجد خارج ذهننا‪.‬‬
‫ويقول بار كلي‪" :‬ضنع يدينك فني الماء الفاتنر‪ ،‬ولتكنن احدى يدينك حارة والخرى باردة‪ .‬أل‬
‫يبدو الماء باردا بالنسنبة لليند الحارة وحارا بالنسنبة لليند الباردة؟ هنل يجنب إذن القول بأن‬
‫الماء حار وبارد في ن فس الو قت؟ أل يس ذلك هو الع بث ذا ته؟ قل م عي إذن الماء بذا ته ل‬
‫يوجد ماديا مستقل عنا‪ .‬فهو ليس سوى اسم نطلقه على أحاسيسنا‪ .‬فالماء ل يوجد ال فينا‪،‬‬
‫ني الفكرة!‬
‫نا‪ ،‬فالمادة هن‬
‫نا عنهن‬
‫ني نكونهن‬
‫ني الفكرة التن‬
‫نار هن‬
‫نا‪ .‬المادة باختصن‬
‫ني ذهننن‬
‫فن‬
‫وهكذا نرى ال سفسطة ال تي ي صل بوا سطتها بار كلي إلى تحق يق هد فه؛ ف هو ي ستخلص من‬
‫تعارض أحا سيسي ون سبيتها أن المادة غ ير موجودة‪ ،‬ف هو ين سى أن يش ير إلى أ نه ب سبب‬
‫تعارض احاسيسي استخلص أن الماء فاتر‪ .‬فإذا كان القمر يبدو تارة هلل وتارة بدرا كامل‪،‬‬
‫هل ينتج عن ذلك أن القمر غير موجود في الخارج عنا‪ ،‬بل ينتج عن ذلك أن القمر موجود‬
‫بأحوال تجعلني أراه بصورة مختلفة حسب كل حالة‪.‬‬
‫إذا قال لي أ حد الناس أ نه يرى قط عة من القماش الح مر صفراء‪ ،‬ل ا ستخلص من ذلك أن‬
‫تلك القط عة ل تو جد ال في ذ هن كل م نا‪ ،‬بل ا ستخلص من ذلك أن هذا الش خص م صاب‬
‫بمرض‪ .‬وإذا بدا لي قضينب مكسنورا إذا منا أدخنل فني الماء ل اسنتخلص منن ذلك أن هذه‬
‫الظاهرة ل توجند أل فني وعيني‪ ،‬بنل على العكنس اسنتخلص منن ذلك أن انكسنار الشعنة‬
‫الضوئية في الماء ظاهرة موضوعية مستقلة عني‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫وهكذا نرى أي ضا علم يعت مد بار كلي في سفسطته‪ :‬على الطري قة الميتافيزيق ية في التفك ير‬
‫التني تزينل التعارض فني الظواهنر وتأثينر الظواهنر كنل منهنا على الخرى ‪ .‬فهنو يرى أن‬
‫التناقض ل يمكن أن يوجد ال في الذهن وليس في الواقع الموضوعي‪ .‬ولهذا يبدو له أنه إذا‬
‫كانت أحاسيسي متناقضة فما ذلك ال لن الشيء الذي تمثله ل يوجد ال في ذهني وهو ليس‬
‫سوى وهم وخيال كآلهة البحر التي تتكون من جسد أمرأة وذنب سمكة‪.‬‬
‫وهناك مسألة أخرى‪ :‬فإذا كانت المادة غير موجودة فمن أين يمكن أن تأتي هذه الحاسيس‬
‫ال تي تنب عث "في نا" في كل لح ظة؟ الجواب حا ضر‪ :‬ال هو الذي ير سلها ألي نا‪ .‬وهكذا يعود‬
‫الرا هب راه با ب عد رحل ته في عالم "علم ن فس الحا سيس" فتأ خذ نز عة باركلي الذات ية ب يد‬
‫النز عة المثال ية الموضوع ية القدي مة ال تي كا نت على و شك الزوال‪ .‬ف قد كان بار كلي يأ مل‬
‫بانقاذه "الله" "الداخلي" أن ينقنذ أيضنا "الله" التقليدي الخالق كمنا ينقنذ اللهوت بأجمعنه‪.‬‬
‫وهكذا تتضح لنا أقوال بار كلي المشهورة‪:‬‬
‫"الكينوننة أنمنا هني كينوننة مدركنة أو مدرَكنة" ولكنن لمنا كننت ل أعرف وجود الخرينن ال‬
‫بوا سطة الحا سيس ال تي يمثل ها لي "ذه ني" ين تج عن ذلك ب صورة منطق ية أن الناس لي سوا‬
‫سنوى أفكار فني ذهنني‪ .‬والخلصنة منن ذلك أن الموجود الوحيند فني العالم هنو وعني‪.‬‬
‫ينكنر باركلي أن يكون قند قال بهذه الخلصنة التني تسنمى (‪( )solipsisme‬وهني‬
‫الفرض ية القائلة بوجود الذات لوحد ها)‪ .‬ول كن ل يس هناك من و سيلة لبعاد ها ع نه إذا كان‬
‫ير يد أن يكون منطق يا مع نف سه؟ وي جب علي نا أن ل نغ فل الشارة إلى أن النز عة المثال ية‪،‬‬
‫على عكس النزعة المادية الجدلية‪ ،‬ل يمكنها قط أن تكون منطقية مع نفسها لنها تتراجع‬
‫دائما أمام هذه الخلصة غير المنطقية‬
‫ول قد حاولت النز عة المثال ية الذات ية‪ ،‬ب عد بار كلي‪ ،‬أن ت تم ب حث ب عض التفا صيل وأن تو جد‬
‫ألفا ظا جديدة تم عن في الغموض لب عث الحيو ية في ها والرتفاع بر صيد الفيل سوف المثالي!‬
‫ولكن الطاحونة كانت تطحن نفس الحب‪.‬‬
‫يقول لينينن‪" :‬لم يأت الفلسنفة المثاليون المحدثون بأينة حجنة ضند الماديينن ل نجدهنا عنند‬
‫الراهب بار كلي‪.‬‬
‫يدل انتشار "فل سفات الذ هن" و "الو عي" ال تي ل تؤ من بوجود المادة بل تعتبر ها نتا جا ذهن يا‬
‫عل استمرار النزعة المثالية الذاتية على طريقة بار كلي‪.‬‬
‫وهذه هي فلسفة البرجوازية الرجعية المحببة التي انتشرت في المدارس بعد قيام الكومون‬
‫‪54‬‬

‫في باريس والتي تعبر عن خوف البرجوازية أمام ازدهار النزعة المادية وسط البروليتاريا‪.‬‬
‫فإذا بالفلسفة البرجوازي ين يلبون نداء تي ير الذي أر سله م نذ عام ‪ ،1848‬ويحاولون ب كل‬
‫الوسائل إعادة العتبار للدين‪.‬‬
‫وهكذا يبدو الكون للشول يه على أ نه "فكرة ل تف كر بنف سها معل قة بفكرة تف كر بذات ها" وأ ما‬
‫بوترو ف هو يعت قد أن‪" :‬ال هو هذا الكائن الذي نش عر بفعله الخلق في أع مق أعماق نا خلل‬
‫جهودننا للقتراب مننه" ويقول هاملينن "الواقنع هنو نتيجنة "تركينب" يقوم بنه ذهنننا"‪.‬‬
‫وأ ما دوه يم ف هو يرى أن النظريات العلم ية لي ست سوى "رموز" يبدع ها الذ هن الن ساني‪.‬‬
‫ويقول برنشف يك "الذ هن ل يج يب ال على الذ هن" وأن تقدم العلوم ير جع لتقدم "الو عي " في‬
‫الغرب‪ .‬ولن نتحدث عن السياد القل شأنا من هؤلء الفلسفة‪.‬‬
‫وفي نفس الوقت تحيط "الفلسفة" نفسها بضرب من السرار‪ .‬فلم تعد كلمة "فلسفة" تستعمل‬
‫إل كمرادف للنزعنة المثالينة الرسنمية‪ .‬حتنى أن هناك منن يدعني أن السنتعمال الحنق لهذه‬
‫الكلمة ليس في إمكان كل إنسان‪ ،‬إذ يجب إتقان معرفة تلوة القداس المثالي‪ .‬وتتعدد الكتب‬
‫التي تحمل اسم "المدخل إلى الفلسفة" للرد على أولئك الذين لم تنفعهم حجج المثاليين والقول‬
‫بأنهم ليسوا بالفلسفة‬
‫ويمثنل انتصنار هذه "النكسنة" الفلسنفية فلسنفة برجسنون زعينم المثاليينن البرجوازيينن مننذ‬
‫‪ 1900‬ن ‪ 1914‬وقد تحدثنا عنه في الدرس السابق‪ .‬وقد اعتمد برجسون على نظرية‬
‫بار كلي دون أن يعترف بذلك فهو يؤكد في مطلع كتابه "المادة والذاكرة" أن العالم يتكون من‬
‫صنور‪ ،‬وأن هذه الصنور ل توجند ال فني وعيننا‪ ،‬وأن الدماغ لينس سنوى واحدة منن هذه‬
‫الصنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننور‪.‬‬
‫نخرج من ذلك أ نه بدل من أن ل يو جد الو عي بدون "الدماغ" فأن الدماغ هو الذي ل يو جد‬
‫بدون "الوعي" إذ أن الوعي "واقع مستقل" والدماغ هو في خدمة الفكر السابق عليه‪ .‬فإذا ما‬
‫أصنيب الدماغ ظلت الذاكرة‪ ...‬فني "اللوعني"‪ .‬كمنا كاننت تقول الديانات القديمنة هناك روح‬
‫صاف ل سند عضوي له‪.‬‬
‫ولقد دلل بوليتزر في الفصل الخير من كتابه "نهاية استعراض فلسفي‪ :‬البرجسونيه"‪ ،‬على‬
‫المغزي التاريخي المادي لهذه الفلسفة الروحية‪.‬‬
‫فل قد قام برج سون عام ‪ 1914‬وفل سفته الروح ية بخد مة الم ستعمرين الفرن سيين فإذا به‬
‫يعرض لننا الشعنب اللمانني كمادة خالينة منن الروح بعند أن لجنأ الروح إلى ثناينا أعلم‬
‫السنتعمار الفرنسني! كمنا نرى هذا "الفيلسنوف" وقند توله الذعنر أمام جروح الرأسنمالية‬
‫المحتضرة يجعل المسؤول عن ذلك النزعة اللية وكتب يقول‪" :‬يمكن أن يؤدي تطور المدنية‬

‫‪55‬‬

‫المادي‪ ،‬إذا ما اكتفى بنف سه وو ضع نفسه في خدمة عواطف منحطة ومطامح شريرة‪ ،‬الى‬
‫أرذل همجية"‪.‬‬
‫وهذه نغمة من النغمات ضد النزعة المادية‪ .‬وهكذا يقوم برجسون بدوره الفكري إلى جانب‬
‫الرجعية ليصد الناس عن المشاكل الحقيقية ويقلل من شأن العلم‪.‬‬
‫وكان هوسرل المثالي يؤكد في نفس الع صر في ألمانيا أن الو عي يوجد قبل وجود محتواه‬
‫ويد عو من أ جل ذلك باتباع "من هج فل سفي" يقوم على و ضع العالم ومتناقضا ته الموضوع ية‬
‫بين هللين فبدل من البحث عن أصل الوعي في الواقع يبحث عن أصل الواقع في الوعي‪.‬‬
‫وتلك محاولة يائسة تعكس لنا قلق البرجوازية أمام عجزها عن السيطرة على تطور العلوم‬
‫ال تي ت ضع با ستمرار أمام النز عة المثال ية مشا كل جدل ية جديدة ت ستعصي على ال حل‪ .‬يعت قد‬
‫هوسرل أن الجواب على المشاكل الفلسفية التي تثيرها العلوم يجب أن يكون استقلل وجود‬
‫المادة أو عدم وجودها‪.‬‬
‫وآ خر بد عة للنز عة المثالية هي وجود ية هيدي جر اللما ني وزملئه الفرن سيين (و من بينهم‬
‫جان بول سارتر)‪" .‬والوجود" الذي تتحدث عنه هذه الفلسفة ليس سوى "الوعي الوجودي"‪.‬‬
‫وهذا الوعني هنو الواقنع الوحيند‪ .‬أمنا الكينوننة والمعرفنة العلمينة والمعطيات الموضوعينة‬
‫والفكار التني تعكسنها فهني ل قيمنة لهنا‪ .‬إذ يجنب على الفكار العقلنينة أن تختفني أمام‬
‫"الوجود"‪.‬‬
‫ول شك أن هذا "الوجود" يحدده "و ضع معين" لن النسان يع يش " في وضع مع ين" غ ير أن‬
‫هذا الو ضع ل يحدد و عي الن سان‪ ،‬بل و عي الن سان هو الذي يحدد وض عه‪ .‬لن كل و ضع‬
‫ير جع في النها ية إلى و عي هذا الو ضع‪ :‬ويم كن في كل لح ظة أن يكون ل نا الو عي الذي‬
‫نريده‪ ،‬إذ يمكن "أن يختار المرء نفسه"‪ .‬نستخلص من ذلك أن السجين في خليته أكثر حرية‬
‫من السنونوة في الربيع لنها ل "تشعر" شعورا وجوديا بحرمانها من الحرية! وهكذا يسخر‬
‫الوجود من الكينونة‪ ،‬ومن المعطيات الموضوعية لنه مستقل عنها‪ .‬ول توجد المادة إذا ما‬
‫اسنتطعت عدم الشعور بوجودهنا‪ .‬فإذا لم يختنر العالم نفسنه عامل فهنو لينس بعامنل!‬
‫وسواء كانت هذه "الفلسفات" ملحدة أم لم تكن فأنها تساعد على انتشار النزعة العينية لنها‬
‫تنكنر أن يكون العلم ضرورينا لحنل المشاكنل الجتماعينة‪ ،‬وليسنت المشكلة إذن هني مشكلة‬
‫الرأسمالية أو الشتراكية بل هي معرفة ما إذا كان العامل سيختار نفسه ثوريا أم ل‪ .‬ولهذا‬
‫ل تش تد الكني سة في محار بة هذه الفل سفات أو هي ل تحارب ها الب تة فت سمح ببقاء فل سفة‬
‫برجسنونية مسنيحية وفلسنفة وجودينة مسنيحية‪ .‬كمنا أنهنا تسنتخدمها لتتخنذ طابعنا تقدمينا‬
‫ولتحول المفكرينن المسنيحيين عنن التفكينر الفلسنفي حول التناقضات الشخصنية فني العقيدة‬
‫الدينية أو التفكير بالعلوم والنزعة المادية‪ .‬أما الشتراكية الديمقراطية فهي تستغل النزعة‬
‫المثالية الذاتية لتشويه الماركسية‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫‪ – 2‬النظرية الماركسية‬
‫تعت مد النز عة الماد ية الفل سفية المارك سية على المبدأ القائل بأن المادة والطبي عة والكينو نة‬
‫هي وقائع ماد ية موجودة خارج الو عي وم ستقلة ع نه‪ .‬و هي بذلك تعارض النز عة المثال ية‬
‫ال تي تؤ كد بأن الو عي وحده موجود حقا وأن العالم المادي والكينو نة والطبي عة ل تو جد إل‬
‫في وعينا وفي أحاسيسنا وتصورتنا‪.‬‬
‫كما تقول النزعة المادية أن المادة معطى أولى لنها مصدر الحاسيس والتصورات والوعي‪،‬‬
‫بينما الوعي هو معطى ثان‪ ،‬لنه انعكاس المادة والكينونة‪ ،‬وأن الفكر نتاج المادة متى بلغت‬
‫هذه المادة في تطور ها در جة عال ية من الكمال‪ .‬وأن الف كر ب صورة أدق هو ثمرة الدماغ‪.‬‬
‫يقول ستالين‪" :‬والدماغ هو ع ضو الف كر‪ ،‬ولهذا ل يم كن ف صل الف كر عن المادة وأل ارتكب نا‬
‫خطأ جسيمًا‪.‬‬
‫وهكذا ي ضع ستالين فرضيت ين أ ساسيتين عن النظر ية المارك سية للمعر فة‪ :‬الكينو نة وا قع‬
‫موضوعي‪ ،‬والوعي هو انعكاس ذاتي لهذا الواقع‪ .‬وهو يشير من ثم إلى أن النزعة المادية‬
‫تثينر مشكلة مصندر الفكنر خلل تطور الكائنات الحينة‪ ،‬ومشكلة العلقات بينن الفكنر وبينن‬
‫الدماغ‪ .‬ول شك أن الدرا سة العلم ية لهذه المشكلة ل يم كن أن تؤدي إل إلى تدقيقات جديدة‬
‫في نظرية المعرفة‪ .‬فلنبحث هذه المسائل المختلفة‪.‬‬
‫أ) – َموْضُوعيّة الكَينُونَة‬
‫رأيننا "فني الدروس السنابقة أننه ل يجنب الخلط بينن النظريات العلمينة عنن المادة نن تلك‬
‫النظريات التني تتطور وتتعمنق ويزداد غناهنا كلمنا ازدادت جدليتهنا‪ ،‬لن ميزات المادة ل‬
‫تنضبن وبين الفكرة الفلسفية عن المادة التي هي أساس كل عمل فلسفي وكل معرفة والتي‬
‫ل يمكن أن تعتريها الشيخوخة‪.‬‬
‫ولقند حان الن الوقنت لتحديند المفهوم الفلسنفي للمادة‪ :‬المادة هني مقولة فلسنفية تسنتخدم‬
‫للدللة على الواقنع الموضوعني الذي يجده النسنان فني أحاسنيسه التني تنسنخه وتصنوره‬
‫وتعكسه دون أن يكون وجوده متعلقا بوجودها‪.‬‬
‫ويقول لينين في موضوع آخر‪" :‬يوجد الواقع الموضوعي مستقل عن الوعي النساني الذي‬
‫يعكسننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننه"‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫وهكذا ل يُرجع لينين الواقع إلى ما ندركه عنه كما كان يفعل باركلي بل هو يفسر ما ندركه‬
‫من الواقع بالواقع نفسه‪.‬‬
‫تبدو النزعة المثالية كأنها موقف رجل يعتقد أنه وحيد في العالم وأن ل شيء يوجد مستقل‬
‫ع نه ف هو يف سر كل ش يء ب سذاجة اعتمادا على حال ته النف سية‪ .‬فإذا بالعالم ي صبح عال مه‪.‬‬
‫وهي سذاجة مزدوجة تكتفي بنفسها بصورة عجيبة كما لو أنه لم تكن هناك حاجة للخروج‬
‫عنن الذات للمعرفنة!‪ .‬وهنو موقنف منن لدينه الجواب على كنل سنؤال‪ ،‬كمنا لو كان "حكمنة"‬
‫الشريعنة والننبياء‪ ،‬ذاك يتخنذ منن وعينه معيارا لكنل واقنع والذي يحدد للنوع البشري حدا‬
‫ليتخطاه‪ ،‬هو الحد الذي يقف عنده وعيه‪ .‬ولقد أدى تطور العلوم منذ عدة قرون إلى الكشف‬
‫عنن جواننب للواقنع ل مجال للشنك فيهنا‪ ،‬وان القول بأن العالم ل يحتاج إلى وعيننا والى‬
‫رخصة المثاليين في وجوده‪ ،‬يعبر عن نظرة العلوم الدائمة التي تنادي‪ ،‬بهذا الصدد‪ ،‬بنزعة‬
‫ماد ية تلقائ ية بوجود وا قع موضو عي خارج عن الو عي‪ .‬فإذا كان العلم يكت شف با ستمرار‬
‫ميزات جديدة للمادة فمننا ذلك إل لن المادة ل توجنند فنني داخلنننا بننل فنني الخارج‪.‬‬
‫وليس هناك من يشك في أن الجراثيم كانت موجودة قبل اكتشافنا لوجود المراض التي أتاح‬
‫اكتشاف جراثيمها وشفاءها‪.‬‬
‫ول شك أ نه قد م ضى ز من لم تتو فر ف يه على سطح الرض جم يع ال سباب ال تي يتطلب ها‬
‫وجود الكائن الحي‪ ،‬ويعترض المثاليون على ذلك بقولهم‪" :‬ما معنى الوجود بدون الوعي" إذا‬
‫كان الوعي هو الذي يتمثل وجود العالم بدون النسان وقبل النسان؟ ما معنى وجود أميركا‬
‫قبل أن تراها عين كريستوف كولومبس إذا كان الوعي هو الذي يتخيل هذا الوجود السابق؟‬
‫فل توجنند الصننحراء القاحلة بدون الوعنني لن الوعنني هننو الذي يتصننورها لنننا"‪.‬‬
‫ولقد أجاب لينين‪ ،‬منذ زمن طويل‪ ،‬بأن نظرية المعرفة تقوم على معرفة التمييز بين وجود‬
‫الن سان الواق عي الحا ضر في العالم في ظروف زمان ية ومكان ية وب ين وجود الف كر الخيالي‬
‫ووجود الوعي الملحق عقليا بتمثل العالم الموجود حقا قبل النسان وبدون النسان‪ .‬أن عدم‬
‫التمييز هذا يدل على انعدام الفلسفة‪.‬‬
‫ولينس هناك منن يشنك بأن حياة المجتمنع المادينة توجند مسنتقلة عنن وعني الناس لننه ل‬
‫نا‪.‬‬
‫نن حدوثهن‬
‫ند من‬
‫ني ل بن‬
‫نادية التن‬
‫نة القتصن‬
‫نيتمنيان الزمن‬
‫نل سن‬
‫نمالي ول العامن‬
‫الرأسن‬
‫ويعمنل قانون القيمنة الذي يقول بأن كمينة العمنل التني تحتوي عليهنا بضاعنة معيننة تبدو‬
‫بواسطة القيمة‪ ،‬منذ بداية النتاج التجاري‪ ،‬بالرغم من أن ريكاردو القتصادي لم يكتشفه ال‬
‫في القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫كما أن النضال بين البرجوازية وطبقة النبلء هو واقع منذ بداية عهد البرجوازية؛ ومع ذلك‬
‫لم يكت شف هذه الحقي قة وي عبر عن ها المؤرخون البرجوازيون أمثال جيزو ومين يه وتي ير ال‬
‫في القرن الثامن عشر‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫ماذا نقول إذن عن م ثل هذا التأك يد المثالي‪ " :‬كل ما ل تف كر به هو عدم صرف‪ ...‬لي ست‬
‫الطبيعة هي التي تفرض علينا تصور المكان والزمان بل نحن الذين نفرضهما على الطبيعة‪.‬‬
‫سوى أن ج هل المفكر ين البرجوازي ين ال ساسي ب صدد النز عة الماد ية الجدل ية ي سمح ل هم‬
‫بأدعاء مثل هذه الفرضيات‪.‬‬
‫ول شك أنه ربما بدا لمن ل يملك المنهج الفلسفي أن الطبيعة‪ ،‬والكينونة والمادة تعكس فكر‬
‫النسان الذي يفرض عليها ضرورياته‪ ،‬مثال ذلك أنه بعد بناء سد من السدود تعكس الطبيعة‬
‫التخط يط الذي ت صوره المهند سون‪ .‬وهكذا يخ ضع ال سيل لرادة الن سان‪ .‬ف هل يع ني هذا أن‬
‫قوانين الطبيعة قد انتهكت أو تبدلت أو أزيلت أو أنها ل توجد مستقلة عن الوعي النساني‬
‫وأنها بدون الوعي تزول؟‬
‫لقند اتخذت جمينع هذه الجراءات‪ ،‬على العكنس منن ذلك‪ ،‬على أسناس قوانينن الطبيعنة‬
‫والقوانين العلمية لن كل خروج على قوانين الطبيعة والقوانين العلمية يؤدي إلى فشل هذه‬
‫الجراءات‪.‬‬
‫وهكذا حين نتكلم عن السيطرة على قوى الطبيعة والقوى القتصادية ل يعني ذلك أنه يمكن‬
‫"إزالة" القوانين العلمية أو تكوينها‪ .‬بل يعني ذلك‪ ،‬على العكس أنه يمكن اكتشاف القوانين‬
‫ومعرفتها وتمثلها وتعلم تطبيقها على ضوء معرفة السباب‪ ،‬واستخدامها لمصلحة المجتمع‬
‫والحصول عليها بهذه الوسيلة وإخضاعها لسيطرتنا‪.‬‬
‫يسمح لنا كل ذلك بتقدير أهمية الفرضية الماركسية الساسية التي عرضها ستالين في آخر‬
‫مؤلف له حول قوانينن العلم حينث يقول‪" :‬تنظنر الماركسنية لقوانينن العلم نن سنواء كاننت‬
‫قوانين الطبيعة أم قوانين القتصاد السياسي ن على أنها انعكاس لعمليات موضوعية تجري‬
‫مستقلة عن الرادة النسانية"‪.‬‬

‫ب) – الوَعي انعِكاس للكَيْنُونة‬
‫ماذا تعنني الفكرة القائلة بأن الوعني انعكاس للكينوننة وللواقنع الطنبيعي والجتماعني؟‬
‫يعنني ذلك أن الثنائينة قند زالت وأن الفكنر ل يمكنن فصنله عنن المادة المتحركنة‪ :‬فل يوجند‬
‫الوعي خارج المادة مستقل عنها‪.‬‬
‫العالم المادي الذي ندركه بحواسنا والذي ننتمي إليه هو الواقع الوحيد‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫غير أن ذلك ل يعني قط أن الفكر مادي كالمواد التي تفرزها أعضاؤنا‪ .‬والعتقاد بذلك أن ما‬
‫هو خطوة خاطئة نحو الخلط بين النزعة المادية والنزعة المثالية‪ ،‬وإقامة تماثل بين المادة‬
‫والفكنر وبينن المادة والوعني‪ .‬ويؤدي ذلك إلى الوقوع فني النزعنة المادينة السناذجة‪.‬‬
‫ل تعني الفكرة القائلة بأن الوعي صورة من صور الكينونة قط أن الوعي‪ ،‬بطبيعته‪ ،‬هو من‬
‫المادة أيضا‪ ...‬وتقول النزعة المادية عند ماركس أن الوعي والكينونة والفكرة والمادة أنما‬
‫همنا صنورتان مختلفتان لظاهرة واحدة تحمنل اسنما عامنا هنو أسنم الطبيعنة أو المجتمنع‪.‬‬
‫فالواحد منهما إذن ليس نفيا للخر‪ ،‬هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فهما ل يكونان نفس‬
‫الظاهرة‪.‬‬
‫وكذلك ل تعنني الفرضينة الماركسنية القائلة أن الوعني سنلبي ول عمنل له أن الماركسنيين‬
‫"ينكرون عمل الوعي" الخ‪ ...‬لن القول بذلك يؤدي إلى الخلط بين الماركسية وبين النظريات‬
‫الخاطئة التي تقول بها فلسفة "الظاهرية المصاحبية" كما يؤدي إلى إتباع مزيفي الماركسية‪.‬‬
‫فإذا كان الوعني ل عمنل له فلماذا كتنب ماركنس هذا العدد الضخنم منن المؤلفات وأسنس‬
‫العالمية الولى‪ ،‬واستخدم جميع الوسائل لنشر أفكاره؟‬
‫تع ني الفرض ية المارك سية أن ل م صدر لمضمون وعي نا ال الخواص الموضوع ية ال تي تبدو‬
‫في الظروف الخارجية التي نعيش فيها والتي نشعر بها في أحاسيسنا‪.‬‬
‫فل توجد تصوراتنا ول توجد "انيتنا" ال بمقدار وجود الظروف الخارجية التي تولد انفعالت‬
‫"انيتنا"‪ ...‬لن الشيء القائم في الخارج سابق على الصورة التي نتصوره بها‪ ،‬وتتأخر هنا‬
‫أي ضا ال صورة عن الش يء ومضمو نه‪ .‬فإذا ما نظرت ورأ يت شجرة فهذا يع ني بب ساطة أن‬
‫الشجرة موجودة قبل أن تنبعث صورة الشجرة في ذه ني‪ ،‬وان هذه الشجرة هي ال تي ولدت‬
‫فيّ صورة الشجرة‪.‬‬
‫فالوعي هو انعكاس لحركة المادة في دماغ النسان‪.‬‬
‫وتعني الفرضية الماركسية أخيرا ان الوعي سواء من وجهة نظر تاريخ الطبيعة أو المجتمع‬
‫أم منن وجهنة نظنر تارينخ الفرد وشخصنية كنل مننا أنمنا هنو نتاج تطور تاريخني‪.‬‬
‫يسبق الوع يَ‪ ،‬وهو عبارة عما يجري في دماغنا‪ ،‬خلل تطور الطبيعة‪ ،‬تغيير مادي مماثل‪،‬‬
‫وهنو عبارة ممنا يجري خارجننا‪ ،‬وسنوف يتبنع هذا التغيينر المادي تغيينر فكري مماثنل‪.‬‬
‫يسبق التطور الفكري من ناحية الوعي تطور للظروف الخارجية من الناحية المادية فتتغير‬
‫أول الظروف الخارجينة التني تمثنل الناحينة المادينة ثنم يتغينر الوعني الذي يمثنل الناحينة‬
‫الفكريننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫يكوّن هذا المنر‪ ،‬الذي يمكنن لكنل إنسنان أن يتأكند مننه‪ ،‬البرهان التجرينبي للنزعنة المادينة‬
‫وتعلق الوعني بالنسنبة للكينوننة كمنا أننه ينبرهن على أن الوعني ل يمكنن أن يكون رأسنا‬

‫‪60‬‬

‫انعكاسا دقيقا للواقع كالنعكاس الذي يحدث في المرآة بل هو انعكاس حي متحرك في تطور‬
‫دائم‪.‬‬
‫ول شنك أن ذلك ل يبدو لننا لول وهلة حينمنا نفكنر‪ :‬إذ يبدو أن الفكنر يقوم بذاتنه بصنورة‬
‫رائ عة‪ .‬ويم كن أن نتخ يل‪ ،‬ك ما كان يقول ديكارت‪ ،‬أ نه يكفي نا أن نف كر كي نو جد‪ ،‬وأن هذا‬
‫التفك ير ل يحتاج إلى الج سم كي ي تم‪ .‬ولهذا كان الفل سفة المثاليون سعداء بتفكير هم ح تى‬
‫أنهم مستعدون للعتقاد بأن كل موجود أنما هو موجود بفضل تفكيرهم الحر‪ .‬فهم يجهلون‬
‫الجذور الطبيع ية الجتماع ية للف كر ولذلك يعتقدون أن كل ش يء ي صدر عن هذا الف كر ولهذا‬
‫يطأطئون رؤوسهم ساجدين أمام الفكر ويرددون مع بول فاليري‪:‬‬
‫"كل الكون يتهادى ويرتجف فوق جذعي"‪.‬‬
‫وهذه محاولة خطرة عابثة أل وهي العتقاد بأن الفكار تقوم بذاتها وتتطور من نفسها‪ ،‬وأن‬
‫الو عي عبارة عن إله داخلي جبار‪ .‬و قد حارب هذا الو هم الفيل سوف المادي ال كبير ديدرو‪،‬‬
‫فهو يشبه عملية تكوين النزعة المثالية بأوهام البيان الذي يخيل إليه‪ ،‬وقد وهب الحساس‪،‬‬
‫أنه وحيد في عصره ويعتقد بأن كل "أنغام الكون" تجري في داخله‪.‬‬

‫‪ – 3‬الفِكْر وَال ّدمَاغ‬
‫حاربت النزعة المادية باستمرار هذا الوهم‪ .‬ولقد قال ديدرو بفرضية تدعي أن المادة يمكن‬
‫أن تف كر‪ .‬ك ما ك تب مار كس يقول‪" :‬ل يم كن ف صل الف كر عن المادة المفكرة‪ .‬لن هذه المادة‬
‫هي أساس جميع التغييرات التي تحدث"‪.‬‬
‫كما يقول انجلز من ناحية أخرى‪:‬‬
‫"مه ما بدا ل نا وعي نا وتفكير نا أنه ما متعاليان فه ما لي سا سوى ثمرة ع ضو مادي أل و هو‬
‫الدماغ"‪.‬‬
‫نا"‪.‬‬
‫نة تفكيرهن‬
‫نة تحرك المادة و "كيفين‬
‫نر العالم على كيفين‬
‫نا منظن‬
‫نن‪ :‬يدلنن‬
‫وكذلك يقول لينين‬
‫كما يلحظ أن القول بأن الفكر ليس حركة بل هو "الفكر" هو قول علمي كالقول بأن "الحرارة‬
‫ليست حركة‪ ،‬بل هي الحرارة"‪.‬‬
‫تدل العلوم الطبيعية على أن عدم اكتمال نمو الدماغ عند شخص من الشخاص يكون عائقا‬
‫مهما أمام نمو الوعي والفكر‪ :‬ذلك هو شأن الغبياء‪ .‬لن الفكر نتاج تاريخي لتطور الطبيعة‬
‫‪61‬‬

‫وبلوغ ها در جة سامية من الكمال" يتمثل في النواع الح ية في العضاء والحواس والجهاز‬
‫العصنبي ول سنيما فني جزئه العلى المركزي الذي يسنيطر على الجسنم بأكمله أل وهنو‬
‫الدماغ‪ .‬فالدماغ يع كس في ن فس الو قت الظروف ال تي تح يط بالج سم ك ما يع كس الظروف‬
‫الخارجينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫ف من أ ين يبدأ الو عي والف كر؟ يبدأ من الح ساس بتأث ير حاجا ته الطبيع ية‪ .‬فالع مل والتجر بة‬
‫والنتاج هي التي تثير أولى حركات الفكر في بدء الجنس البشري‪ .‬ومصدر الحاسيس هو‬
‫في المادة ال تي يشت غل ب ها الن سان ول يس الع مل ثمرة اللع نة ك ما تقول التوراة‪ " :‬ستكسب‬
‫خبزك بعرق جبينك" لن العمل هو اتحاد جوهري بين النسان والطبيعة‪ ،‬وهو نضال النسان‬
‫ضد الطبيعة في سبيل العيش كما أنه مصدر كل تفكير‪.‬‬
‫"أن خطأ كل نزعة مادية الساسي في الماضي هو أن الشيء والواقع والعالم الحسي لم يكن‬
‫يُنظر إليها كنشاط إنساني ملموس في ميدان العمل"‪.‬‬
‫ولقند دلل انجلز فني ننص مشهور كينف أن العمنل‪ ،‬باكثاره منن أحاسنيس النسنان فني أول‬
‫خروجه من الحيوانية‪ ،‬قد نمى يده وبذلك نمى دماغه مما أتاح له القيام بتقدم عملي جديد‪.‬‬
‫وهكذا اليد‪ ،‬عضو العمل‪ ،‬هي ثمرة العمل‪.‬‬
‫وتعلم نا العلوم‪ ،‬من ناح ية ثان ية‪ ،‬أ نه إذا ابت عد فرد من الفراد عن الحياة الجتماع ية تع طل‬
‫تفكيره وتداعت ذاكرته وتخاذلت ارادته فتصبح ل شيء‪ .‬فإذا لم يعرف قط الحياة الجتماعية‬
‫زال خل قه الن ساني‪ .‬فل قد رأي نا اطفا ًل تركوا في الغابات فحضنت هم الذئاب فإذا ب هم يتخلقون‬
‫بأخلق الذئاب‪.‬‬
‫ويل حظ انجلز أن كل ع مل إن ساني كان ول يزال م نذ البدا ية عمل ض من المجت مع وال ل ما‬
‫استطاع النسان أن ينجو من الخطار الطبيعية‪ .‬وهذه الملحظة مهمة جدا لفهم أصول الفكر‬
‫والتأ مل‪ ،‬لن الع مل يو ضح جوا نب جديدة للوا قع‪ ،‬ك ما أ نه يث ير مشا كل جديدة‪ .‬ف هو يك شف‬
‫عن علقات موضوع ية جديدة ل تك في الحا سيس للت عبير عن ها‪ ،‬ب يد أن الع مل يتطلب جهدا‬
‫مشتركا وعمل مشتركا لكي تتوحد جميع الطاقات لجماعة من الناس فتعمل في موضع معين‬
‫ووقت معين‪ ،‬كتحريك صخرة مثل‪ .‬ولكي ندفع الناس إلى العمل حقا نحتاج إلى اشارة وإلى‬
‫أمر‪ :‬ولكن كلما ازداد تعقد العمل لم يعد الصراخ أو الحركة كافيين ووجب القدرة على شرح‬
‫العمل الذي يجب القيام به‪ ،‬أي أننا بحاجة إلى إشارات جديدة في نوعها تعبر عن العلقات‬
‫بين الحاسيس أل وهي الكلمات‪ .‬وهكذا يتخذ العمل طابع تبادل الناس النفعالت التي يثيرها‬
‫في هم‪ .‬الع مل إذن هو الذي أثار الحا جة للت صال فتولد عن ذلك الل غة ال تي هي عبارة عن‬
‫اتصال بالخرين قبل أن تكون تعبيرا‪.‬‬
‫ويزداد‪ ،‬فني نفنس الوقنت‪ ،‬غننى دماغ النسنان بعلقات جديدة‪ .‬لن الدماغ نتاج اجتماعني‪،‬‬
‫‪62‬‬

‫وأخيرا يع ني ظهور الفل سفة ظهور الف كر ال صرف والتأ مل‪ .‬وهذه خطوة مه مة‪ .‬فل ل غة ول‬
‫فكر بدون العمل الذي هو نشاط اجتماعي‪.‬‬
‫يقولون أن الفكار تأ تي إلى ذ هن الن سان ق بل أن ي عبر عن ها في حدي ثه وأن ها تولد بدون‬
‫واسطة اللغة عارية من غطاء اللغة‪ .‬ولكن مهما كانت الفكار التي ترد على ذهن النسان‬
‫فهني ل يمكنن أن تولد وتوحند ال معتمدة على اللغنة والفاظهنا وجملهنا‪ .‬فلينس هناك أفكار‬
‫خالية من وسائل اللغة ومن "مادتها الطبيعة"‪.‬‬
‫"لن الل غة هي وا قع الف كر المبا شر" (مار كس) ويظ هر وا قع الف كر في الل غة‪ .‬والمثاليون‬
‫وحدهم يمكنهم التحدث عن فكر منفصل عن "المادة الطبيعية" وهي اللغة‪ ،‬أو عن فكرة بدون‬
‫لغننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫ولقد اثبتت العلوم الطبيعية صحة هذه النظريات التي قالت بها النزعة المادية الجدلية‪ ،‬كما‬
‫تنبأ لينين‪ ،‬وذلك في أعمال العالم الفيزيولوجي الكبير بافلوف‪.‬‬
‫فلقد اكتشف بافلوف أن عمليات النشاط الذهني الساسية أنما هي انعكاسات مشروطة تثيرها‬
‫الحا سيس الداخل ية أو الخارج ية و هي تحدث في ظروف معي نة‪ ،‬ك ما أ نه دلل على أن هذه‬
‫الحاسيس تستخدم كاشارات لكل نشاط الجسم الحي‪.‬‬
‫ك ما اكت شف أن الكلمات ومضمون ها ومعاني ها يم كن أن ت حل م حل الحا سيس ال تي تبعث ها‬
‫الشياء ال تي تدل علي ها فتث ير بدور ها انعكا سات مشرو طة وردود ف عل عضو ية أو لفظ ية‪.‬‬
‫فتكون بذلك إشارات للشارات أي نظاما ثانيا للشارات يقوم على أسناس النظام الول وهنو‬
‫خاص بالنسنان‪ .‬اللغنة إذن هني الشرط لنشاط النسنان السنمى‪ ،‬وعمله الجتماعني‪ ،‬وهني‬
‫تحمل الفكر المجرد الذي يتجاوز الحساس الحالي‪ .‬اللغة هي التي تتيح للنسان أن يعكس‬
‫الواقع بأكبر قدر من الدقة‪.‬‬
‫ول قد بر هن بافلوف في الو قت ذا ته على أن ما يحدد و عي الن سان في ال ساس ل يس هو‬
‫ج سده ول الظروف الحيو ية ك ما يعت قد الماديون ال سذج والمحللون النف سيون بل المجت مع‬
‫الذي يعينش فينه ومعرفتنه لهذا المجتمنع‪ ،‬وهكذا تتعلق الناحينة البيولوجينة فني النسنان‬
‫بالناح ية الجتماع ية لن الظروف الجتماع ية للحياة هي ال تي تحدد الحياة العضو ية والحياة‬
‫الذهنية فالفكر بطبيعته ظاهرة اجتماعية‪.‬‬
‫يحنق إذن القول بأن الدماغ هنو عضنو الفكنر فقنط وهذا ل يخالف أبدا قول الماركسنية‬
‫السنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننناسي‪.‬‬
‫"ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم‪ ،‬بل وجودهم الجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"‪.‬‬
‫‪63‬‬

‫‪ – 4‬د َرجَتَا المَعرفَة‬
‫تتينح أبحاث الفيزيولوجني بافلوف واكتشافاتنه أن نحدد بدقنة الطريقنة التني يتكون بهنا فني‬
‫الوعي انعكاس الواقع والكينونة أي تكون المعرفة‪.‬‬
‫لنضرب على ذلك مثل بسيطا‪ :‬كيف نعلم الطفل معنى الكلمات المستعملة؟ يجب اطلعه عدة‬
‫مرات متتالية على الشيء الذي تعنيه الكلمة‪ ،‬وفي نفس الوقت يذكر له السم ويُحمل على‬
‫لف ظه كل ما كان ذلك ضرور يا ح تى يج مع من تلقاء نف سه ب ين الكل مة والش يء‪ ،‬يعرف ك يف‬
‫يستعمل الكلمة عند غياب الشيء أي بصورة تجريدية‪.‬‬
‫وهكذا أ صبح مع نى الكل مة ب عد تمثله يم ثل فكرة الش يء‪ ،‬وتتكون هذه الفكرة وهذا المفهوم‬
‫على أ ساس الحا سيس المتكررة وعلى أ ساس الل غة ال تي تش ير إلى هذه الحا سيس‪ .‬هناك‬
‫إذن درجتان للمعرفة‪ :‬الحساس المباشر‪ ،‬والفكرة المجردة (أو المفهوم) والحساس بمفرده‬
‫معرفة أقل كما ًل من الفكرة‪ ،‬فطالما لم ير الطفل ال البجعات البيضاء فسوف يعتقد أن البجعة‬
‫طائر أبينض وهذا خطنأ نوعنا منا‪ .‬امنا عالم الحيوانات الذي يعرف البجعنة بتعريفهنا العلمني‬
‫فسوف يكوّن عنها فكرة أدق وأصدق وأكثر مطابقة لها‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن الفكرة المجردة هي ال تي تع كس بد قة الوا قع‪ .‬ول كن هذه الفكرة العلم ية عن‬
‫البج عة لم تتكون ال على أ ساس ح صر أنواع البجع ال تي توجد في الطبي عة أي على أ ساس‬
‫الحاسنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننيس‪.‬‬
‫أ ما في ما يتعلق بالشياء "المجردة" بذات ها كفكرة القرا بة مثل فأن الط فل ل يمك نه تلقي ها ال‬
‫بواسطة الستعمال الجتماعي الذي يتكرر غالبا‪.‬‬
‫ل أ شد تعقيدأ‪ .‬يرزح التا جر ال صغير ت حت ع بء الضرائب الثق يل‪ .‬ك ما‬
‫ولنضرب على ذلك مث ً‬
‫تهدد البطالة عامنل النسنيج وكذلك يربنح الموظنف الصنغير ‪ 20000‬فرننك فني الشهنر‪.‬‬
‫لنفرض أن الول يقرأ جريدة "الورور"‪ .‬والثاننني جريدة "فرانننك تيرور"‪ .‬والثالث جريدة‬
‫"الفيجارو"‪ .‬يجد كل منهم صدى لشقائه في جريدته‪ ،‬فمحرر الجريدة البرجوازي يتألم لمصير‬
‫الفقراء المحزن‪.‬‬
‫تع كس هذه الجرائد الو ضع إذن في مظاهره الح ية ول تتعدى ذلك‪ .‬ف هي تحذر جيدا من أن‬
‫تشرحنه وتفسنره فتتهنم إسنراف الدارة أو عدد المؤسنسات الصنغيرة أو عدد الفلحينن‪.‬‬
‫أما قارىء جريدة "الومانيتي" أو قارىء تقرير وضعه موريس توريز‪ ،‬فلسوف يجد التفسير‬
‫الذي ي ضع بيد نا مفتاح جم يع أو جه الو ضع‪ ،‬كتحل يل أز مة الرأ سمالية وتناقضات ها‪ ،‬وفكرة‬
‫‪64‬‬

‫قانون الرأسمالية الساسي الحالي الذي يعكس الواقع بعمق‪ ،‬والجري وراء الربح القصى‪.‬‬
‫وهكذا تنت قل المعر فة من الح سي إلى العقل ني في جم يع المياد ين‪ .‬ويرى باركلي أن رؤيت نا‬
‫للشمس مسطحة حمراء "دليل" على أنها ل توجد إل في وعينا‪ ،‬أما الماركسية فهي ترى أن‬
‫ذلك ليس سوى دليل على أن المعرفة الحسية غير كافية لنها إذا كانت تصلنا بالواقع فانها‬
‫ل تجعلنا نفهم ما هو الواقع‪.‬‬
‫ول قد علمت نا الجدل ية أ نه ي جب علي نا‪ ،‬كي نف هم ظاهرة ما‪ ،‬أن نربط ها بظوا هر أخرى هي‬
‫أصلها‪ ،‬وأن ندرك تناقضاتها الداخلية‪ .‬لن العلم والمعرفة بواسطة الفكار ل يجعلننا نعرف‬
‫ف قط ك يف تكون الش مس حقي قة بل لماذا نرا ها م سطحة حمراء‪ .‬فالعلم يطلع نا على جو هر‬
‫الظواهننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننر‪.‬‬
‫تختلف المعر فة المنطق ية عن المعر فة الح سية‪ ...‬وذلك لن المعر فة الح سية تح يط بجوا نب‬
‫الظاهرة الخاصة وعلقة الشياء الخارجية‪ ،‬بينما المعرفة المنطقية تحيط بالمور المشتركة‬
‫ب ين الشياء‪ ،‬ف هي تح يط بمج مل الشياء وجوهر ها وعلقت ها الداخل ية فتؤدي إلى اكتشاف‬
‫التناقضات الداخلينة فني العالم الذي يحينط بننا‪ ،‬وتتمثنل بذلك تطوره والعديند منن علقاتنه‬
‫الداخليننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫والنتقال منن الدرجنة الولى للمعرفنة‪ ،‬وهني درجنة الحسناسات والتأثرات والنفعالت‪ ،‬إلى‬
‫الدرجة الثانية‪ ،‬وهي درجة المفاهيم‪ ،‬أنما هو مثال رائع على الجدلية لن تجمع الحساسات‬
‫الكمنننني هننننو الذي يحدث الظاهرة النوعيننننة الجديدة ال وهننننو "المفهوم"‪.‬‬
‫الدرجنة الولى للمعرفنة هني منا يسنمى بالدرجنة النفعالينة للمعرفنة أي درجنة الحسناسات‬
‫والتأثرات‪.‬‬
‫ويؤدي ا ستمرار ال ستعمال الجتما عي في تجر بة الناس إلى تكرار الشياء ال تي يدركون ها‬
‫بحوا سهم وال تي تؤ ثر في هم‪ .‬فيحدث في دماغ الن سان قفزة في عمل ية المعر فة‪ :‬إذ يظ هر‬
‫المفهوم‪ .‬ويمثنل المفهوم بطنبيعته تمثنل طبيعنة الشياء ومنا بينهنا منن عناصنر مشتركنة‬
‫وعلقتها الداخلية‪.‬‬
‫وهناك اختلف بين المفهوم والحساس وهو ليس اختلفا كميا بل هو اختلف نوعي أيضا‪.‬‬
‫ويقول لينين‪" :‬المفاهيم هي أسمى ما ينتجه الدماغ‪ ،‬والدماغ نفسه أسمى ما تنتجه المادة‪.‬‬
‫فإذا كان هناك تناقنض فني أفكار الناس فذلك لن هناك تناقضا فني الواقنع الذي يعكسنه‬
‫ننحيحا‪.‬‬
‫ننس صن‬
‫ننس لين‬
‫ننة الفكار والعكن‬
‫ننة الشياء تحدث جدلين‬
‫ننا‪ .‬وجدلين‬
‫تفكيرنن‬
‫ولقد قال مار كس‪ :‬ليست حركة الف كر سوى انعكاس لحركة الوا قع بعد أن انتقلت إلى دماغ‬
‫النسننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننان‪.‬‬
‫‪ – 5‬الخلصة‬
‫ندرك الن أهمينة النظرينة الماركسنية منن الناحينة العلمينة فيمنا يتعلق بأسنبقية المادة على‬
‫الوعننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننني‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫أولً‪ :‬إذا كانت الظروف هي التي تتغير أول ثم يتغير وعي الناس فل يجب البحث عن سبب‬
‫أ ية عقيدة نظرية أو مثال ية في أدم غة الناس أو في مخيلت هم أو عبقريت هم المبد عة بل في‬
‫تطور الظروف الماد ية لن الفكرة ال تي تقوم على درا سة هذه الظروف هي الفكرة ال صائبة‬
‫المقبولة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬إذا كان و عي الناس وعواطف هم وأخلق هم وعادات هم تحدد ها الظروف الخارج ية‪ ،‬فأ نه‬
‫ي صبح من البدي هي أن تغي ير هذه الظروف وحده يم كن أن يغ ير و عي الناس‪ .‬فل يس هناك‬
‫إن سان خالدا أو "طبي عة إن سانية خالدة"‪ .‬و من ال طبيعي إذن أن يكون الن سان‪ ،‬في نظام يقوم‬
‫على الملكية الفردية ويحتدم فيه النضال الفردي من أجل الحياة‪ ،‬ذئبا يفترس أخاه النسان‪.‬‬
‫كمنا أننه منن المحتنم أن تنتصنر أفكار الخاء بينن الناس فني نظام تحتدم فينه المنافسنة‬
‫الشتراكية ويقوم على الملكية الشتراكية‪.‬‬
‫الن سان ل يس صالحا ول طالحا بل هو ما ت صنع م نه الظروف‪ .‬وتح مل المارك سية جوابا‬
‫حاسما على السؤال الذي يردده المفكرون البرجوازيون ال وهو‪:‬‬
‫هل يجب القول بأن "المؤ سسات السيئة" هي ال تي تجعل الن سان شريرا أم أن ال شر الكا من‬
‫فني النسنان هنو الذي يفسند "المؤسنسات"؟ لسننا بصندد "المؤسنسات" وأنمنا نحنن بصندد‬
‫الرأسمالية التي تفسد النسان‪ .‬ولهذا كانت فكرة الثورة عن طريق "الصلح الخلقي" فكرة‬
‫كاذبنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫ويمكن أن يتكون إنسان جديد‪ ،‬له وعي جديد اشتراكي في ظروف معاشية جديدة اشتراكية‪.‬‬
‫فماذا يجب من أجل ذلك؟ السراع في إيجاد هذه الظروف الجديدة بتحويل الواقع الجتماعي‬
‫والنظام الرأسنمالي الظالم‪ .‬أو كمنا يقول ماركنس‪" :‬اذ كاننت الظروف تكوّن النسنان فيجنب‬
‫تكوين هذه الظروف بصورة إنسانية"‪.‬‬
‫وهكذا تبدو بوضوح العلقة بين النزعة المادية وبين الشتراكية‪ .‬ولقد بدت لنا هذه العلقة‬
‫سنابقا عنند عدد منن الفلسنفة الفرنسنيين فني القرن الثامنن عشنر‪ ،‬وهكذا اضطنر الزعماء‬
‫الجتماعيون الديمقراطيون اليمينيون ن الذ ين ل يؤمنون بالشتراك ية ن إلى بذل جهود هم‬
‫لتشويه الماركسية برفض النزعة المادية‪ ،‬والتجأوا وراء النزعة المثالية الرجعية كما سنرى‬
‫في دروس أخرى‪.‬‬
‫أ ما النز عة الماد ية ف هي تف تح‪ ،‬على الع كس‪ ،‬أمام البروليتار يا والن سانية طر يق تحرر ها‬
‫المادي والثقافي ال وهو الطريق الثوري‪.‬‬

‫الدّرسُ الحَادي عشر‬
‫‪66‬‬

‫ميزة النّزعَة الماديّة الماركسيّة الثالِثة‬
‫مَعرفة العَالَم ممكنة‬
‫‪ – 1‬الملجأ الخير للنزعة المثالية‬
‫‪ – 2‬النظرية الماركسية‬
‫أ) أثر الناحية العلمية‬
‫ب) تشويه الفكرة الماركسية عن الناحية العلمية‬
‫‪ – 3‬الحقيقة النسبية والحقيقة المطلقة‬
‫‪ – 4‬اتحاد النظرية بالناحية العملية‬

‫عةِ المثاليّة‬
‫‪ – 1‬المَلجَأ الخِير للنّز َ‬

‫رأينا في الدرس السابق أن ظهور النزعة المثالية الذاتية عند باركلي في القرن الثامن عشر‬
‫يُف سّر بضرورة إنقاذ النزعة المثالية الموضوعية للدين بطريق غير مباشر‪ .‬غير أن فلسفة‬
‫باركلي كانت عاجزة عن أن تفسر تقدم العلوم الذي حدث في عصرها‪ .‬مثال ذلك الرياضيات‪.‬‬
‫فقند تجاهلتهنا فلسنفة باركلي وأعلننت أنهنا عبنث ل طائل وراءه‪ .‬ولقند رأيننا أن الفلسنفة‬
‫المثاليين أمثال باركلي يتحاشون الخوض في المسائل العلمية‪ .‬غير أن هذا ل يكفي‪ .‬فلقد بلغ‬
‫من تطور العلوم‪ ،‬منذ القرن الثامن عشر‪ ،‬ول سيما بعد أن وضع نيوتن النظرية الميكانيكية‬
‫العا مة عن الكون‪ ،‬أن أ صبح و ضع باركلي ل يم كن الدفاع ع نه‪ ،‬فاضطرت النز عة المثال ية‬
‫إلى أن تب حث ل ها عن و ضع للترا جع فكان ل بد من إتا حة الفر صة للد ين أن ي ستمر وأن‬
‫يستفيد من الشك‪ ،‬وذلك حسب ادعاء الفلسفة الجديدة في قولها‪" :‬تدعي النزعة المادية أن‬
‫المادة هي الولى ول علم لنا بذلك"‪.‬‬
‫وهكذا تحاول هذه الفلسفة أن تبدو " كطريق ثالثة" بين النزعة المثالية الذاتية وبين النزعة‬
‫الماد ية‪ ،‬ف هي تر فض أن تت خذ موق فا معي نا ب صدد مشكلة الفل سفة ال ساسية بقول ها أ نه ل‬
‫يمكننن اتخاذ موقننف معيننن‪ ،‬فتدعنني أنهننا تتخننذ موقفا "نقديا" ل موقفا "عقيديا"‪.‬‬
‫كانت النزعة المثالية الموضوعية تعلق المادة بفكر عام شامل‪ ،‬بينما كانت النزعة المثالية‬
‫الذات ية تذ يب المادة في وعي نا‪ .‬غ ير أن النز عة المثال ية الموضوع ية قد ق ضت علي ها علوم‬
‫‪67‬‬

‫الطبيعة بينما قضت الفيزيولوجيا والعلوم الجتماع ية على النزعة المثالية الذاتية‪ ،‬ثم تأتي‬
‫فل سفتنا الجديدة ال تي تقول‪ " :‬من أ ين ل كم أن تعرفوا أن العلم يجعل نا نعرف الوا قع ك ما هو؟"‬
‫ل شك أن العلوم موجودة‪ .‬ولكن كي نعرف ما إذا كان الواقع الموضوعي هو في مبدئه مادة‬
‫أو ف كر‪ ،‬ي جب أن نعرف أولً ما إذا كان ذهن نا يمك نه معر فة الوا قع الموضو عي في ذا ته‪.‬‬
‫وهكذا ل تعلق هذه "الفل سفة الثال ثة" المادة بالف كر و هي ل تذ يب المادة في الو عي بل هي‬
‫تفكر كما لو كان كل منهما غريبا عن الخر‪ ،‬كما لو كانت المادة ل يمكن للفكر أو المعرفة‬
‫تمثلهنا‪ ،‬كمنا لو كاننت معرفتننا عاجزة أيضا عنن أن تسنبر غور الطبيعنة وإمكانيات فكرننا‪.‬‬
‫وت سمى هذه النز عة‪ ،‬ال تي تد عي أ نه ل يم كن الجا بة على ال سؤال ال ساسي للفل سفة لن نا‬
‫عاجزون ن و سنظل كذلك دائ ما ن عن معر فة مبادىء الشياء الول ية‪ ،‬ت سمى هذه النز عة‬
‫"باللأدرينة" (‪( )agnosticisme‬وتتألف هذه الكلمنة منن كلمتينن يونانيتينن تعنيان "‬
‫العجز عن المعرفة")‪.‬‬
‫رائد هذه الفل سفة في القرن الثا من ع شر هو دافيدهيوم اليقو سي‪ .‬وممثل ها الرئي سي هو‬
‫عمانويل كنت اللماني (‪ 1724‬ن ‪ )1804‬وقد عاش في أيام الثورة الفرنسية وتحدثنا‬
‫عنه سابقا‪.‬‬
‫ولقد اتخذ‪ ،‬في فرنسا‪ ،‬في القرن التاسع عشر‪ ،‬أوجوست كومت (‪ 1798‬ن ‪) 1857‬‬
‫موقفا مشابها‪ ،‬وكذلك عدد منن المؤلفينن الذينن تمتزج عندهنم اللأدرينة بصنورة النزعنة‬
‫المثاليننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة الخرى‪.‬‬
‫(ل نجد في الحقيقة عند هؤلء المؤلف ين النزعات الفلسفية في حالت ها الصرفة كما نجد ها‬
‫عند مؤسسي المذاهب بل نجد عندهم مزيجا غير مستقر)‪.‬‬
‫هذا و قد قا مت فل سفة ك نت بدور ها في الحر كة العمال ية لن أعداء المارك سية قد اعتمدوا‬
‫عليها لمحاولة القيام "بإعادة النظر" في الماركسية‪.‬‬
‫فلنر إذن "حجج" اللأدرية‪ .‬كتب هميوم يقول‪:‬‬
‫"يمكن أن نعتبر أن من البديهي أن الناس يميلون بغريزتهم "الطبيعية‪ ...‬إلى العتماد على‬
‫حواسهم‪ ،‬وأننا نفترض‪ ،‬في أي نقاش‪ ،‬وجود عالم خارجي ل يتعلق وجوده بإرادتنا بل هو‬
‫موجود حتى ولو فنينا مع جميع الكائنات ذات الحساسية"‪.‬‬
‫وهكذا نرى أننه حتنى هيوم يعترف بأن النزعنة المادينة ممنا يقول بنه الرأي العام‪ .‬ولكنن‬
‫تزعزع هذا الرأي السناسي الشامنل أشند الفلسنفات سنطحية‪ ،‬تلك التني تعلمننا أن ل شينء‬

‫‪68‬‬

‫يتمثله الذ هن سوى ال صورة أو الدراك‪ .‬فتبدو الطاولة ال تي نرا ها أ صغر إذا ابتعد نا عن ها‪،‬‬
‫بيد أن الطاولة الحقيقية التي توجد مستقلة عنا ل تتغير‪ .‬وهكذا لم يدرك ذهننا سوى صورة‬
‫الطاولة‪.‬‬
‫ها نحن أولء إذن أمام صيحة على طريقة باركلي‪ :‬فلنذكر مثال الشمس "المسطحة الحمراء"‬
‫(الدرس السابق) مع فارق واحد وهو أن باركلي كان ينكر وجود المادة المستقل‪ .‬فهيوم ل‬
‫ينكنر ذلك بنل هنو يقول بوجود "طاولة حقيقينة" توجند مسنتقلة عننا ل تتغينر بينمنا تتغينر‬
‫اح ساساتنا‪ ،‬غ ير أن نا لن نعرف قط ما هي هذه الطاولة لن نا ل نعرف من ها سوى ال صور‬
‫النسبية التي تنقلها إلينا حواسنا‪ .‬أما الطاولة نفسها فهي ل يمكن معرفتها‪.‬‬
‫وهكذا يم يز هيوم في الوا قع ب ين م ستويين‪ :‬من ناح ية الطاولة ك ما نرا ها‪ ،‬الطاولة بالن سبة‬
‫إلينا التي تبدو في وعينا على شكل صورة وهي طاولة ذاتية‪ ،‬ومن الناحية الثانية‪ ،‬الطاولة‬
‫الحقيق ية‪ ،‬الطاولة في ذات ها‪ ،‬ال تي هي خارج وعي نا‪ ،‬و هي طاولة موضوع ية تكون الوا قع‬
‫ولكن ها ل يم كن معرفت ها‪ .‬الخل صة ان نا لن نعرف قط سوى مظا هر الشياء و سوف نج هل‬
‫كينونت ها‪ ،‬ولهذا ل ن ستطيع تحد يد موقف نا من النز عة المثال ية والنز عة والماد ية‪ .‬ذلك لن‬
‫المثالي والمادي اللذين يتناقشان باستمرار حول ماهية الشياء في ذاتها‪ ،‬أهي مادة أم فكر‪،‬‬
‫يشبهان رجل ين يمشيان على الثلج و قد و ضع أحده ما على أن فه نظارات زرقاء ب ين و ضع‬
‫الخنر نظارات وردينة وقند أخذا فني النقاش لمعرفنة لون الثلج‪ ،‬فالمادي يرى الهمينة فني‬
‫الناح ية الماد ية للشياء بين ما يرى المثالي الهم ية في الناح ية الفكر ية‪ .‬أ ما تحد يد ماه ية‬
‫الشياء في ذات ها ف هي خد عة باطلة‪ ،‬لن كل منه ما " سجين نظر ته" وهكذا تقدر أهم ية هذه‬
‫الفلسنفة بالنسنبة للذينن يدعون "البقاء على الحياد" والمحافظنة على "التحفنظ العلمني"‪.‬‬
‫وسنوف يتدخنل "كننت" بصندد العلم معتمدا على أفكار هيوم‪ .‬ولقند اشتهنر عنن "كننت" أننه‬
‫فيل سوف صعب جدا‪ .‬ون حن نل قى في الوا قع‪ ،‬أفكار "ك نت" في كل مكان‪ .‬ول سيما الفكرة‬
‫القائلة بوجود "سر" للشياء‪ ،‬وأنه يستحيل علينا اكتناء هذا السر‪ .‬هذا الحياد الخاطىء الذي‬
‫فرض على المدرسنة البرجوازينة كمنا لو كان منن الممكنن الخنذ بالقسنطاس المنبين بينن‬
‫الحقيقة والخ طأ‪ ،‬ب ين العلم والج هل‪ ،‬وهذه هي الفكرة القائلة بأ نه ل ي جب أن يش تد الن سان‬
‫في تأكيده‪ ،‬وأن الحق في كل مكان‪ ،‬وأن "لكل إنسان وجهة نظره" الخ‪...‬‬
‫كل ذلك نموذج صرف للفكار التي يمكن أن تضلل الجماهير‪.‬‬
‫يعت مد "ك نت" إذن على التمي يز ب ين الش يء في ذا ته الذي ل تم كن معرف ته‪ ،‬وب ين الش يء‬
‫بالنسنبة إليننا فني ظاهره الذي يتولد عنن الثنر الذي يحدثنه الشينء فني ذاتنه على أعضاء‬
‫حواسنا‪ ،‬فنحن لسنا في الشياء ولن نكون فيها قط‪ .‬هذا من ناحية ومن ناحية ثانية تتعدد‬
‫الظواهر وتختلط وتتناقض‪ .‬ولهذا فلسوف تكون مهمة العلم هي تنظيم هذه الظواهر وتكوين‬
‫لوحنة منسنجمة ترضني حاجتننا إلى المنطنق‪ .‬فكينف سنيحدث ذلك؟ يقول "كننت" أن الذهنن‬
‫النساني هو الذي يفسر معطيات الحواس حسب متطلباته الخاصة‪ ،‬وليس العلم سوى ثمرة‬
‫هذا التفسير‪ .‬وهكذا تكون قوانين العلم ن التي هي عبارة عن العلقات بين الظواهر ن ثمرة‬

‫‪69‬‬

‫الذ هن الن ساني ف قط‪ .‬ف هي بدل من أن تع كس قوان ين المادة الحقيق ية فأن ها تعكس "قوان ين"‬
‫الذهن النساني ومتطلباته‪ ،‬وهي بد ًل من أن تمثل الحقيقة الموضوعية فأنها ل تمثل سوى‬
‫حقيقة ذاتية‪ .‬وهي ل تتعلق‪ ،‬حقا‪ ،‬بزيد أو عمر من الناس ولكنها تظل مع ذلك‪ ،‬عند "كنت"‬
‫متعلقنة بالذهنن النسناني (كمنا لو كان يمكنن أن يكون هناك ذ هن الهني يرى العالم بطريقنة‬
‫أخرى)‪.‬‬
‫منا هني نتيجنة هذه النظرينة؟ يطفنو العلم على سنطح الشياء ويجري تطور العلوم الوهمني‬
‫على ستار يك من وراءه سر مطلق خالد ل يُ سبر غوره‪ .‬ولهذا ل ي جب أن نن سب للعلم أ ية‬
‫حقيقة مطلقة‪ .‬فهو ليس سوى تفسير‪ .‬وهكذا تفضي فلسفة "كنت" الى الشك والجمود حتى‬
‫في ميدان البحث العلمي النظري‪.‬‬
‫يف ضي ال مر باللأدري ين إلى عدم التمي يز ب ين أخطاء العلم في الما ضي وحقائق العلم اليوم‪.‬‬
‫فهم يقولون‪" :‬أن ما هو حقيقة اليوم سيصبح خطأ غدا" ثم يخلصون إلى القول بأن العلم اذا‬
‫أخ طأ مرة ل يمكن نا معر فة م تى لن يخطىء‪ .‬ف هم يخلطون ب ين ذ هن العالم النقدي المنه جي‬
‫في مخ تبره وب ين ذ هن ال شك الشا مل‪ .‬فهم يرون أن المعر فة تق يم حاجزا بيننا وبين العالم‪.‬‬
‫و من ه نا كا نت القوال ال تي ل تنت هي وال تي نشرت ها الجام عة البرجواز ية حول قي مة العلم‬
‫وإفلس العلم الخ‪ ...‬فإذا كان العلم ل يبحنث ال فني المظاهنر فأننه فني النهاينة لينس سنوى‬
‫مظهر علم ومظهر معرفة‪.‬‬
‫قل نا أن اللأدر ية اتخذت أشكالً متشاب هة ي جب علي نا معرفت ها‪ .‬فهذه نز عة أوجو ست كو مت‬
‫تؤ كد أ نه ي جب على العلم أن يكت في بادراك العلقات ب ين الوقائع دون الب حث عن سبب هذه‬
‫العلقات‪ ،‬يجب عليه أن يحرم على نفسه البحث عن "سبب" الشياء وأن ل يسعى للوصول‬
‫إلى المطلق‪ ،‬لن كنل بحنث منن هذا النوع وكنل نظرينة تفسنيرية للظواهنر توضنح جوهرهنا‬
‫يرفضها أوجوست كومت لنها "ميتافيزيقية" مستخدما هذه الكلمة استخداما غير شرعي‪ .‬تلك‬
‫هي عقيدة الجامعة البرجوازية الرسمية فيما يتعلق بالعلم‪.‬‬
‫أ ما النز عة "ال سمانية" (‪ )Nominalisme‬ال تي قال ب ها‪ ،‬مثل‪ ،‬هنري بونكار يه ف هي‬
‫ترى أن العلم ل يس سوى "ل غة" وطري قة ل صوغ ما ندر كه من الظوا هر‪ ،‬و هي لي ست قط‬
‫تفسنيرا نهائينا للواقنع‪ .‬حتنى أن هنري بونكارينه يشنك منن جديند بالكتشاف الكنبير القائل‬
‫بدوران الرض حول الشمنس‪ ،‬ول يرى فني نظرينة كوبرنينك سنوى "لغنة"‪ .‬ل تعطني هذه‬
‫الفل سفات فكرة خاطئة عن العلم فقط بل تدفع به في طرق ي صبح فيها مجدبا‪ ،‬فهي تحرمه‬
‫منن جرأة العلم فني عصنر النهضنة‪ ،‬وتعمنل على جعنل العلم مسنالما‪ .‬ولقند كان لجمينع هذه‬
‫النزعات‪ ،‬منذ مئة عام خلف كثير في فرنسا وفي ألمانيا وفي انجلترا وفي أميركا‪ ،‬ونجحت‬
‫نجاحا باهرا في ميدان العلوم الجتماعية‪.‬‬
‫ولنوجز القول الن في الل أدرية‪:‬‬

‫‪70‬‬

‫‪ 1‬ن ل تجابه الل أدرية العلم وجها لوجه‪ ،‬لن ذلك لم يعد ممكنا أيام "كنت" و "كومت"‪ .‬كما‬
‫أنها ل تنكر وجود الواقع الموضوعي‪ ،‬فهي أمام العلم‪ ،‬إذن‪ ،‬مادية‪ ،‬ولكنها تسرع إلى القول‬
‫بأن العلم لينس كنل المعرفنة‪ .‬يسنعى اللأدري إذن إلى التقلينل منن رصنيد العلم‪ .‬وإلى إخفاء‬
‫محتواه المادي وقيمتنه كمعرفنة‪ ،‬وإلى الهروب منن المادة منع القول بهنا بصنورة ل تجلب‬
‫المضايقات‪ .‬يع ني ذلك أن ها ت سعى إلى م صادرته لخد مة النز عة المثال ية‪ .‬ول سوف يُ ستخدم‬
‫العلم للتغ ني بفضائل "الذ هن الن ساني"‪ .‬وهذه النز عة الماد ية‪ ،‬باخت صار هي نز عة مخجلة‪.‬‬
‫وإذا حاول أنصنار "كننت" المحدثون فني المانينا أحياء أفكار "كننت" منن جديند‪ ،‬أو حاول‬
‫اللأدريون في انجلترا أحياء أفكار "هيوم" من جد يد‪ ،‬فأن ذلك‪ ،‬من الناح ية العلم ية‪ ،‬تقه قر‬
‫بالنسبة لدحض هذه الفكار نظريا وعلميا منذ أمد طويل‪ .‬كما أن ذلك‪ ،‬من الناحية العلمية‪،‬‬
‫طريقة مخجلة لقبول النزعة المادية خفية ونكرانها جهارا‪.‬‬
‫‪ 2‬ن يت فق هذا المو قف "المتو سط" مع حاجات البرجواز ية ال تي لم ي كن يمكن ها‪ ،‬في ع صر‬
‫ازدهار الرأ سمالية‪ ،‬ال ستغناء عن تطور العلوم في خد مة النتاج وال تي كا نت تب حث‪ ،‬في‬
‫نفنس الوقنت‪ ،‬عنن حنل وسنط منع الفكار القطاعينة ومنع الدينن لنهنا بحاجنة إلى توطيند‬
‫سنلطانها‪ ،‬كمنا كان الحال فني فرنسنا أيام "كومنت"‪ ،‬أو لنهنا لم تكنن قند تحررت منن النظام‬
‫القطاعي‪ ،‬كما كان الحال في ألمانيا أيام "كنت"‪.‬‬
‫‪3‬نن ليسنت اللأدرينة موقفنا وسنطا ال فني الظاهنر‪ .‬فماذا يعنني رفنض المطلق‪ ،‬مثلً‪ ،‬فني‬
‫السياسة عند "كومت" من الناحية العملية؟ نجد الجواب على ذلك في قوله المأثور‪" :‬ل بعث‬
‫ول ثورة"‬
‫وهذا قول برجوازي رائع‪ .‬وإذا كاننت اللأدرينة تكتفني بنزعنة مادينة مخجلة‪ ،‬ل تجرأ على‬
‫النضال جهارا مدعينة أننه ل يمكنن تحديند موقنف معينن‪ ،‬فأنهنا بذلك ل تترك المجال على‬
‫السواء بين الخصمين بل تتركه للقوى‪.‬‬
‫فمن هو القوى من الناحية العملية؟ ل شك أنها النزعة المثالية كما دلل على ذلك‪ ،‬لينين في‬
‫"منا العمنل؟" لن النزعنة المثالينة أقدم‪ ،‬كفلسنفة رسنمية‪ ،‬ولنهنا تغري العقول‪ ،‬نظريا‪،‬‬
‫بالسنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننهولة‪.‬‬
‫أما النزعة المادية‪ ،‬فهي‪ ،‬على العكس‪ ،‬ليست رسمية‪ ،‬وهي صعبة لنها عملية كما أنها غير‬
‫معتادة‪ .‬يشبه "تجرد" اللأدر ية إذن "عدم التدخل" ع ند "ليون بلوم" بين الجمهورية ال سبانية‬
‫والتدخنل الفاشيسنتي‪ .‬ويعلم "كننت" جيدا أننه إذا تركننا الناس بدون جواب نظري له قيمتنه‬
‫فأنهم سوف يسعون نحو الذين يدعون تقديم الجواب‪ ،‬وهم من المثاليين واللهوتيين‪ ،‬لن‬
‫الناس بحاجنننة لليقينننن الفلسنننفي‪" ،‬فالحياد" اللأدري لينننس إذن سنننوى رياء‪.‬‬
‫وسنوف نرى‪ ،‬فوق كنل ذلك‪ ،‬أن اللأدرينة لهنا أصنول مثالينة على المسنتوى النظري‪.‬‬
‫‪71‬‬

‫‪4‬نن تؤدي اللأدرينة‪ ،‬أخيرا رأسنا إلى التصنوف ونزعنة "اليمانينة" (‪ )fideisme‬وهني‬
‫عقيدة رجعينة تقول بوجود نوع آخنر منن "المعرفنة" يسنمو على العقنل‪ ،‬أل وهنو اليمان‪.‬‬
‫تر فض اللأدرية جميع محاولت العقائد الدين ية للتدل يل العقل ني‪ ،‬تلك المحاولت ال تي قا مت‬
‫ب ها النز عة المثال ية الموضوع ية لن ها تعت قد أن معر فة مباد يء العالم‪ ،‬سواء كان ال أو‬
‫المادة‪ ،‬غير ممكنة بواسطة العقل والفلسفة‪.‬‬
‫والخلصة أننا لما كنا نجهل الشياء ولما كان النسان محاطا بسر ل يُسبر غوره فل مانع‬
‫من أن نصل للحقيقة المثلى بواسطة طرق غير عقلنية أو صوفية‪ .‬كما أنه ل مانع من أن‬
‫نتيح لليمان الفرصة وأن نعتقد بأن التصوف هو المعرفة الحقة‪.‬‬
‫ل تقول اللأدرية‪ ،‬كما تقول النزعة المثالية الدينية‪" ،‬الدين هو الحقيقة بصورة فلسفية"‪ .‬بل‬
‫هي تقول‪" :‬ربما لم يكن الدين خطأ‪ ،‬ربما كانت الحقيقة في الدين" وهكذا نرى الفرق‪ ،‬وهو‬
‫فرق يكفي ليثير عليها صواعق الكنيسة من الناحية النظرية ومساعدتها من الناحية العملية‪.‬‬
‫نزعة اليمانية المعاصر ل ترفض العلم البتة‪ .‬وهي ل ترفض سوى "مزاعمه المبالغة" وهو‬
‫ادعاؤه اكتشاف الحقيقنة الموضوعينة‪ .‬وإذا كاننت هناك حقيقنة موضوعينة (كمنا يعتقند‬
‫الماديون)‪ ،‬وإذا كانت العلوم الطبيعية‪ ،‬وهي تعكس العالم الخارجي في "التجربة" النسانية‪،‬‬
‫الوحيدة التني تسنتطيع أن تمدننا بالحقيقنة الموضوعينة لوجنب عليننا رفنض كنل نزعنة إلى‬
‫اليمان بصورة مطلقة‪.‬‬
‫فإذا كاننت اللأدرينة تجعنل منن العلم حقيقنة ذاتينة فأنهنا بذلك تترك لليمان الحقيقنة‬
‫الموضوع ية‪ .‬ول قد قال لين ين‪" :‬إذا كشف تم الغطاء عن اللأدري الفي تم المثالي"‪ .‬ول ما كا نت‬
‫اللأدرية تبدأ بالنزعة المثالية الذاتية فأنها تفضي إلى النزعة المثالية الموضوعية‪ .‬لهذا فأن‬
‫كل ما يتطل به اللهوت هو أن نت يح له الفر صة ليجرب ح ظه‪ .‬وإذا كا نت اللأدر ية والنز عة‬
‫الموضوع ية تحدان من أ فق العلماء وتحرمان علي هم كل تعم يم نظري وا سع النطاق فأنه ما‬
‫تسنلمانهم للختلقات الخيالينة التني يعدهنا اللهوت منن أجلهنم‪ ،‬ويخاطبهنم البابنا بقوله‪:‬‬
‫"أن كم ترون أن العلم عا جز‪ .‬واليمان وحده يت يح ل نا ك شف سر الكون"‪ .‬غ ير أن النظر ية‬
‫الماركسنية عنن المعرفنة ومنهنج النزعنة المادينة الجدلينة‪ ،‬يمكنهمنا أن ينقذا العلم منن هذا‬
‫"العجز" الذي وضعته فيه النزعة الموضوعية‪.‬‬

‫‪ 2‬ن النظرية الماركسية‬
‫تعتمد النزعة المادية الفلسفية الماركسية على المبدأ القائل بأنه يمكن معرفة العالم ومعرفة‬
‫قواني نه تما ما‪ ،‬وأن معرفت نا لقوان ين الطبي عة ال تي تبرهن على صحتها التجر بة والت طبيق‬

‫‪72‬‬

‫العملي هي معر فة صحيحة ل ها مع نى الحقي قة الموضوع ية‪ ،‬وأ نه ل يس في العالم أشياء ل‬
‫يمكن معرفتها بل هناك أشياء لم تعرف بعد‪ ،‬وأن هذه الشياء سوف تُكتشف وتُعرف بوسائل‬
‫العلم والتطبيق العملي‪ .‬وهذا عكس ما تقول به النزعة المثالية التي ل تؤمن بإمكانية معرفة‬
‫العالم وقواني نه‪ ،‬ك ما ل تؤ من بقي مة معارف نا ول بالحقي قة الموضوع ية بل تع تبر العالم مليئا‬
‫"بأشياء في ذواتها" ل يمكن أن يعرفها العلم‪.‬‬
‫نرى أن ستالين يلح هنا على الدور الرئيسي الذي يقوم به التطبيق العملي كوسيلة لكتشاف‬
‫الحقيقة‪ ،‬وللتدليل على معارفنا‪ ،‬وكأساس للعلم‪.‬‬

‫أ) ‪ -‬أثر النَاحِيَة العمَليّة‬
‫انتقد انجلز في نص مشهور نظرية "كنت" عن "الشيء في ذاته"‪:‬‬
‫وأكنبر دحنض لهذه الفلسنفة ولغيرهنا منن الفلسنفات الخرى هنو التطنبيق العملي ول سنيما‬
‫التجربة الصناعية‪ .‬فإذا استطعنا التدليل على صحة نظرتنا لظاهرة طبيعية بواسطة خلق هذه‬
‫الظاهرة بأنفسننا وتوليدهنا بواسنطة ظروفهنا واسنتخدامها في خدمتننا فأن ذلك يقضني على‬
‫"الشيء في ذاته" الذي ل يمكن إدراكه كما يقول "كنت"‪.‬‬
‫ولقد ظلت المواد الكيمائية التي تتولد في الجسام النباتية والحيوانية "أشياء في ذاتها" حتى‬
‫أخذت الكيمياء العضوية بتحضيرها الواحدة تلو الخرى‪ ،‬فأصبح "الشيء في ذاته" شيئا من‬
‫أجل نا كمادة الليزرن‪ ،‬ال تي لم ن عد نزرع ها في الحقول بل ن ستخرجها ب سهولة ور خص من‬
‫قطران الفحم الحجري‪.‬‬
‫ل قد ظل نظام كوبرن يك الشم سي‪ ،‬خلل ثلثمئة سنة‪ ،‬فرض ية تدور حول ها المراهنات ولكن ها‬
‫ظلت فرضية حتى إذا ما حسب لوفيرييه بواسطة الرقام التي حصل عليها بفضل هذا النظام‪،‬‬
‫ضرورة وجود كوكب مجهول ومكان هذا الكوكب في ال سماء‪ ،‬ثم اكتشفه جال فيما بعد‪ ،‬دل‬
‫ذلك على صحة نظام كوبرنيك‪.‬‬
‫فلماذا يدحض التحليل العملي الفلسفة اللأدرية؟ كيف يدحض التطبيق العملي نظرية ما؟ إل‬
‫يخرج بنا هذا من ميدان الفلسفة كما يدعي المثاليون؟‬

‫‪73‬‬

‫فليلحنظ أول أن وجهنة نظرهنم هزيلة فهنم يدعون أن للعلم قيمنة صنناعية وأننه يمكنن‬
‫ا ستخدامه‪ ،‬و في ن فس الو قت ل يعترفون للعلم بأ ية قي مة نظر ية‪ .‬فك يف يوفقون ب ين هات ين‬
‫النظرتين للعلم‪ ،‬وماذا يريدون بالقيمة "العملية" للعلم؟‬
‫أن هم ل يحرون جوا با على كل ذلك‪ ،‬وإذا كان للتمي يز ب ين الناح ية النظر ية والناح ية العمل ية‬
‫من معنى فهو ما يلي‪:‬‬
‫يعني ذلك التمييز التناقض في النظام الرأسمالي بين العمل الفكري والعمل اليدوي ول شيء‬
‫آخننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننر‪.‬‬
‫فما هي النظرية الماركسية عن الناحية العملية؟ يطلق هذا التعبير‪:‬‬
‫‪ – 1‬على العمل‪ ،‬والنتاج والصناعة‪.‬‬
‫‪ – 2‬على البحث العلمي والتجربة والتدليل التجريبي‪.‬‬
‫‪ – 3‬على التطبيق العملي الجتماعي وهو أسمى هذه النواع‪ .‬مثال‪ :‬التطبيق العملي للنضال‬
‫الطبقي‪ .‬فالتطبيق العملي إذن هو نشاط النسان الذي يحول الواقع‪ ،‬وهو يبدأ بالعمل المادي‬
‫والحساس‪ .‬ويعتبر "كنت" الحساس مجرد صورة والحساسية سلبية‪ .‬أما الجدلية فهي ترى‬
‫أن الح ساس حر كة‪ .‬ول قد رأي نا في الدرس السنابق أن الح ساس مرت بط بالنشاط العملي‪.‬‬
‫فالحساسية والنشاط ليسا منفصلين كما يقول "كنت" كميتافيزيقي‪.‬‬
‫إذن كان التطنبيق العملي هنو مصندر الحاسنيس والنفعالت‪ ،‬كمنا أننه مصندر أول درجنة‬
‫للمعرفة‪ ،‬فهو أيضا إنتاج للشياء‪ .‬يقول "كنت"‪" :‬نحن لسنا في الشياء"‪ ،‬فهو يفصل بصورة‬
‫ميتافيزيق ية ب ين الموضوع والذات فيحدث بذلك انقطا عا ب ين الف كر والوا قع‪ .‬ول ش يء أك ثر‬
‫خطنأ منن ذلك‪ .‬فنحنن فني الشياء بقدر منا ننتنج هذه الشياء‪ ،‬لنننا بأنتاجننا لهذه الشياء‬
‫نضمنها نشاطنا وتفكيرنا‪ .‬فإذا كنا نستطيع إنتاج "الليزارين" فما ذلك أل لننا سيطرنا على‬
‫طبيعته وعرفناها في ذاتها‪ .‬وتعتقد النزعة المادية أن الوهم القائل بأن "المنتوج الصناعي"‬
‫ل يسناوي "المنتوج الطنبيعي" ل أسناس له‪ .‬فإذا كاننت نظرتننا لشينء منن الشياء صنحيحة‬
‫صنادقة فان نتائج التطنبيق العملي سنتكون كمنا ننتظنر منهنا أن تكون فيكون ذلك تدليل‬
‫موضوع يا لمعارف نا‪ .‬لن كل ش يء مرت بط بعمل ية إنتا جه‪ .‬والن سان ح ين يتد خل في عمل ية‬
‫إنتاجه يرتبط بالشيء ذاته ويدخل فيه ويبرهن على صحة نظرته‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫لمنا كننا نسنتعمل هذه الشياء لخدمتننا معتمدينن على الصنفات التني نعرفهنا لهنا فأنننا بذلك‬
‫نخضع ها للتدل يل الذي ل يخطىء للبره نة على صحة مدركات نا الح سية أو عدم صحتها‪ .‬فإذا‬
‫كا نت هذه المدركات خاطئة فأن ا ستعمال الش يء الذي أو حت ل نا به خاطىء ولهذا و جب أن‬
‫تفشل محاولتنا‪.‬‬
‫أما إذا نجحنا في تحقيق هدفنا أي إذا تحققنا أن الشيء ينطبق على تصورنا له وأنه يعطينا‬
‫منا ننتظره منن اسنتعماله فأن ذلك دلينل على ادراكننا للشينء وحدوده يتفنق منع الواقنع‬
‫الخار جي‪ ،‬أ ما إذا فشل نا فلن يطول ب نا الحال ح تى نكت شف سبب فشل نا‪ ،‬و سنجد أن الدراك‬
‫الذي كان أسناس محاولتننا امنا أن يكون هنو ناقصنا أو سنطحيا وأمنا أننه الحنق بصنورة ل‬
‫يبرر ها الوا قع بمعطيات مدركات أخرى‪ .‬وهذا ما ن سميه تفكيرا متداعيا‪ .‬فن حن طال ما أخذ نا‬
‫أنفسنا بتثقيف حواسنا واستخدامها بصورة صحيحة وطالما حضرنا عملنا في النطاق الذي‬
‫تحدده مدركات نا طال ما وجد نا أن نتي جة عمل نا تبرهن على مطاب قة مدركات نا لطبي عة الشياء‬
‫المدركة الموضوعية‪.‬‬
‫وإذا منا اسنتشهدنا بقول ذكره انجلز وهنو‪" :‬أن الدلينل على صنحة البودننج هنو أنننا نأكله"‬
‫وكذلك الدل يل على أن العلم الحقي قي هو أ نه يت يح ل نا تحو يل العالم ال طبيعي والجتما عي‪.‬‬
‫ولهذا كتب ماركس يقول‪:‬‬
‫"أن معرفة ما إذا كان الفكر النساني يمكنه أن يؤدي إلى حقيقة موضوعية ليست مسألة‬
‫نظر ية‪ ،‬بل هي م سألة عمل ية‪ .‬لن على الن سان أن يبرهن عمل يا على الحقي قة‪ ،‬أي على‬
‫حقيقة فكره وقوته‪.‬‬
‫وهكذا يمد نا الت طبيق العملي بمعيار الحقي قة‪ .‬ولرب ما ت ساءل الب عض لماذا كان ال مر كذلك؟‬
‫ولماذا كان العلم ممكنا‪ ،‬وما هو أساس إمكانية العلم‪ ،‬وما هو أساس الحقيقة؟ عرفنا الجواب‬
‫على هذا السؤال في الدرس السابق‪ .‬فلقد حدثنا "كنت" عن (الذهن النساني) وأنه يشك فيما‬
‫إذا كان هذا الذهن يستطيع معرفة الواقع‪ ،‬فهو يتخيله غريبا على المادة سابقا للتجربة‪ ،‬كما‬
‫يعتقد أنه ل يتغير وأنه عاجز عن التحول‪.‬‬
‫وهذا هو موق فه الميتافيزي قي المعارض للجدل ية‪ ،‬ك ما أن هذا يجعل نا ندرك أ ساس كل نز عة‬
‫مثالية تعتقد بوجود الذهن وما يتمتع به من حواس ل تتبدل‪ .‬ولقد رأينا أن النزعة المادية‪،‬‬
‫على العكس من ذلك‪ ،‬تثير مشكلة أصل الذهن النساني وتحلها وتدلل على أنه ثمرة التطور‬
‫والتجر بة الن سانية م نذ آلف ال سنين‪ ،‬ك ما أ نه ثمرة الت طبيق العملي‪ .‬وهكذا يكون الو عي‬
‫نتاجا اجتماعيا‪ .‬فإذا كان الوعي يتولد من الطبيعة والمجتمع فهو إذن ليس غريبا عليهما‪،‬‬
‫وهو يستطيع أن يعكس بدقة قوانين الطبيعة والمجتمع‪ .‬كما قال لينين‪:‬‬
‫‪75‬‬

‫"أن جدلية الشياء هي التي تولد جدلية الفكار وليس العكس"‪.‬‬
‫وهكذا تدلل النزعنة المادينة على أن الحقيقنة هني الولى وأن لم تكنن للوهلة الولى كاملة‬
‫لن ها لي ست سوى انعكاس الوا قع في دماغ الن سان وهذا النعكاس عمل ية طبيع ية‪ ،‬وهكذا‬
‫تكون كينوننة العالم ماثلة أمامننا دائمنا‪ .‬وهذا عكنس منا تقوله النزعنة المثالينة التني تظهنر‬
‫الخطأ شيئا طبيعيا في النسان واكتشاف الحقيقة معجزة‪.‬‬
‫فكيف تفسر النزعة المادية الخطأ في مثل هذه الحوال؟ ولماذا كانت الحقيقة ممكنة؟ ومن‬
‫أ ين جاءت النظريات الخاطئة عن العالم كالنظريات المثال ية ول سيما الديان؟ ي جب علي نا‪،‬‬
‫كي نج يب على هذه ال سئلة‪ ،‬أن نذ كر أن للشياء أوج ها متعددة تكتشف ها حوا سنا بالتدر يج‬
‫بفضنل تطور نشاطننا العملي‪ ،‬فإذا منا اقتصنرنا على وجنه منن هذه الوجنه عجزننا عنن أن‬
‫نعرف الشياء معر فة ح قة‪ .‬مثال ذلك أ نه ل يمكن نا معر فة صورة ع صا في الماء بد قة إذا‬
‫اعتمدنا فقط على ما تشاهده أعيننا‪ .‬وتلك هي الحال في جميع الشياء‪ .‬فالخطأ ليس مطلقا‬
‫بل هو ينشأ إذا ما عزلنا لحظة من التطبيق العملي عن جميع اللحظات الخرى‪ .‬ولهذا يمكن‬
‫تصحيحه وإزالته بواسطة هذا التطبيق العملي نفسه‪.‬‬
‫ولكنننا رأيننا فني الدرس السنابق أن للمعرفنة درجتينن‪ :‬وهني‪ :‬الحسنان والدراك‪ .‬ويكون‬
‫النتقال من الدر جة الولى إلى الدر جة الثان ية تعمي ما وهذا م صدر ثان مم كن للخ طأ‪ ،‬لن نا‬
‫نعمنم اعتمادا على أسنس غينر كافينة‪ .‬تلك هني حال منن يراقنب مسنلك بعنض السنياسيين‬
‫البرجوازيين حين يقول‪" :‬جميع السياسيين فاسدون"‪ .‬وهذه هي طريقة التفكير الميتافيزيقي‬
‫التي تجعل للواقع مظهرا مطلقا‪ ،‬كما أن هذا نقص التحليل الذي هو مصدر الخطأ‪ .‬ويجب أن‬
‫نل حظ أن نا م تى عمم نا أمكن نا التخلي عن الوا قع وتشو يه صورة هذا الوا قع‪ ،‬والخ طأ ل يس‬
‫مطل قا بل هو حقي قة مشو هة‪ .‬وتك من في عمل ية المعر فة ذات ها‪ ،‬ك ما يقول لين ين‪ ،‬إمكان ية‬
‫البتعاد عن الواقع على أجنحة الخيال‪ .‬ذلك لن للفكار قوة خاصة‪ ،‬تدفعنا في تيارها‪ .‬حتى‬
‫إذا ما وجدت الفكار وجدت بذات ها‪ .‬ويع ني هذا أن النشاط الذهنني يمكنن أن يجري بصنورة‬
‫مستقلة نسبيا فنفصل عن التطبيق العملي الذي يمكنه لوحده أن يتحقق من قيمة التركيبات‬
‫الفكرينة التني تتكون خارج نطاقنه‪ .‬فالتطنبيق العملي هننا أيضنا هنو الوسنيلة الوحيدة لجعنل‬
‫الخطأ على قدر الحقيقة والعودة بالفكر إلى "الرض"‪.‬‬
‫ويجنب أن نلحنظ أن بعنض ظروف النتاج والوجود الجتماعني ل تسناعد على إزالة الخطنأ‬
‫باسنتمرار‪ .‬مثال ذلك أن ضعنف تطور قوى النتاج فني بداينة المجتمعات لم يكنن ليسناعد‬
‫النسنان على اكتشاف السنباب الحقيقينة للظواهنر الطبيعينة فكاننت تفسنر بواسنطة أسنباب‬
‫خيالينة‪ :‬ومنن هننا نشأت الخرافات والسناطير والمعتقدات الدينينة فقند كتنب انجلز يقول‪:‬‬

‫‪76‬‬

‫"أن غريزة تشخيص (قوى الطبيعة) التي "أوجدت اللهة في كل مكان (وهي تعتبر) مرحلة‬
‫انتقال "ضرورية تفسر شمول الدين"‪.‬‬
‫ويش جع انق سام المجت مع إلى طبقات متناحرة تع مل إحدا ها بين ما الخرى تملك وتد ير النتاج‬
‫وتصننع المشارينع ويمكنهنا أن تقوم ببعنض العمال الفكرينة‪ ،‬يشجنع هذا النقسنام انتشار‬
‫النظريات الفكرينة الصنرفة‪ .‬فيبدو أن منتوجات نشاط النسنان الذهنني والفكار التني يدينر‬
‫بواسطتها النتاج والحياة الجتماعية‪ ،‬يبدو أنها أصل الواقع الحقيقي وأنها مستقلة بذاتها‪.‬‬
‫يكوّن هذا القلب للعلقة بين الواقع الموضوعي والفكار ن وهو ل يمكن حدوثه إل بواسطة‬
‫البتعاد عن الواقع بواسطة الخيال ن النظرية المثالية للعالم التي تعطي عن الشياء صورة‬
‫معكوسة "خيالية" فتمثل بذلك أسمى صورة للخطأ‪.‬‬
‫وهكذا ل تدحض النزعة المادية النزعة المثالية فقط بل هي تفسر أصل هذه النزعة‪ .‬كتب‬
‫لينين يقول أن النزعة المثالية هي تضخم في النمو وهي احدى ميزات المعرفة التي تغرق‬
‫فني المطلق البعيند عنن المادة‪ .‬ل شنك أن النزعنة المثالينة تعكنس الواقنع ولكنهنا تعكسنه‬
‫بالمقلوب وتجعله يسنير على رأسنه‪ .‬ويقول لينينن أن المثاليينن هنم ثمار فجنة وطفيليون‬
‫ينبتون على الشجرة الحية المثمرة للمعرفة الحقة النسانية الموضوعية المطلقة‪ .‬كما كتب‬
‫ماوتسي تونج يقول‪" :‬ل يمكن تصور المعرفة منفصلة عن التطبيق العملي"‪.‬‬

‫ب) – تَشويه الفِكرة الماركسيّة عَن النَاحِيَة ال َعمَليّة‬
‫لقد بلغ من أهمية فكرة الناحية العملية‪ ،‬بعد انتشار الشيوعية‪ ،‬أنه يستحيل أهمالها‪ .‬ولهذا‬
‫حاولت البرجوازية الرجعية تبنيها وتشويهها‪ .‬لنها أرادت أن تكون لها‪ ،‬هي أيضا‪ ،‬فلسفة‬
‫تقوم على العمل‪ .‬وهذه هي العقيدة التي تسمى بالبرجماتزم‪.‬‬
‫ظهرت فلسفة البرجماتزم في الوليات المتحدة الميركية أيام الغزو الستعماري وانتشرة في‬
‫أور با أنتشارا كبيرا ول سيما م نذ الحرب العالم ية الثان ية‪ .‬ول يس من ال صعب أن نرى أن‬
‫البرجماتزم نوع فنج منن اللأدرينة‪ ،‬فهني تعتقند أن أسناس الحقيقنة لينس مطابقنة الواقنع‬
‫وانعكاس الواقع الصحيح ومراقبته بل هي الفائدة‪ .‬ولكن فائدة من؟ فائدة زيد أو عمر‪ ،‬فائدة‬
‫البرجواز ية أم البروليتار يا؟ إذ أن كل ما هو حقي قي مف يد ما عدا أولئك الذ ين هم بحا جة‬
‫للكذب‪ .‬ول قد أ صبح الكذب أف يد للبرجواز ية الرجع ية والحقي قة وحد ها يم كن أن تكون مفيدة‬
‫للبروليتار يا‪ .‬أ ما البرجماتزم ف هي تعت قد أن الحقي قة ذات ية ولي ست موضوع ية‪ ،‬ف هي ل تع بأ‬
‫بالحقيقنة فني ذاتهنا بنل هني فلسنفة أشند ضروب الجهنل رجعينة فني الفلسنفات المثالينة‪.‬‬
‫تقول فلسفة البرجماتزم‪" :‬الدين موجود‪ ،‬وهو مفيد لبعض الناس‪ ،‬إذن هو حقيقي" فهي تعلق‬

‫‪77‬‬

‫الحقي قة بفوائد الطب قة الم سيطرة‪ ،‬لن البرجماتزم فل سفة البرجواز ية المتداع ية ال تي تن كر‬
‫العلم‪ .‬فهي بهذا تتغنى بأمجاد المكيافيلية‪.‬‬
‫وهكذا تبرر م صلحة الدولة (ك ما يقول مكار تي) اغتيال آل روز نبرج‪ .‬ك ما ت صبح صحيحة‬
‫أكثنر الشياء تعارضا إذا كاننت تلك مصنلحة رأس المال‪ .‬وهذا يؤدي بننا الى عبادة الفائدة‬
‫القصننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننوى‪.‬‬
‫تقول فلسنفة البرجماتزم‪ ،‬بمنا أنهنا فلسنفة تقوم على العمنل‪ ،‬بالعمنل الناجنح مهمنا كاننت‬
‫المباديء‪ ،‬فهي تعتقد أن الغاية تبرر الوسيلة‪ ،‬فهي بذلك فلسفة المقامرين الفاشيست حسب‬
‫القول الذائع‪" :‬الحقيقة هي ما يفكر به موسوليني هذه اللحظة"‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بالعلم فأن فلسفة البرجماتزم توحي بالتخلي عن النظرية وعن الفكر والتنبؤ‪.‬‬
‫فهني تدعنو إلى القيام "بالتجارب" مهمنا كاننت‪ ،‬فإذا نجحنت كان بنه وإل فل‪ .‬وهكذا تسنمح‬
‫فلسنفة البرجماتزم "بالتجارب" المجرمنة‪ .‬ولقند كاننت هذه "النظرينة" المجرمنة زاد الطباء‬
‫النازي ين الفكري وزملئ هم الياباني ين الذ ين كانوا يجرون التجارب على ال سجناء‪ ،‬ك ما أن ها‬
‫اليوم زاد زملئهم الميركان فيما يتعلق بحرب الجراثيم‪.‬‬
‫وينسب المفكرون البرجوازيون هذه الفلسفة إلى الماركسيين بينما يحاولون في نفس الوقت‬
‫" تبرير" ما تقوم به طب قة البرجواز ية‪ .‬ح تى يخ يل ل من ي سمعهم أن المارك سيين يهتمون‬
‫"بالفعال ية" ق بل كل ش يء فل يس حقيقيا عند هم إل ما يف يد أغراض طبقت هم‪ .‬ويد عي ب عض‬
‫المفكرين نسبة نظرية "الكذب الحيوي"‪ ،‬التي قال بها هتلر‪ ،‬إلى الماركسيين‪.‬‬
‫وأما النظرية الماركسية فهي شيء آخر‪ .‬فليست الفكرة صحيحة لنها نافعة‪ ،‬بل هي‪ ،‬على‬
‫عكس‪ ،‬مفيدة لن ها صحيحة‪ ،‬و هي بذلك ف قط يم كن تطبيقها لن الت طبيق العملي‪ ،‬كما ل حظ‬
‫ديكارت العقلني‪" ،‬يقضي" على الفكرة الخاطئة والمنهج الخاطئ‪.‬‬
‫ويمر الستعمار الميركي‪ ،‬كما مر هتلر‪ ،‬بنفس التجربة كل يوم‪ .‬فليست الفكرة خاطئة لنها‬
‫فشلت‪ ،‬بل هي فشلت‪ ،‬على العكس‪ ،‬لنها خاطئة موضوعيا‪.‬‬
‫أما أن تجعل من الكذب "المفيد" مساويا للحقيقة فأن هذه خطة النتهازي‪ .‬ول يمكن أن يدعو‬
‫إلى مثنل هذا المسنلك إل الوصنوليون الذينن ل مبدأ لهنم والمقامرون الذينن وّلدهنم عصنر‬
‫النحطاط ال ستعماري‪ .‬لن المارك سية ل تض حي قط بالحقي قة‪ .‬إذ يعرف المارك سيون تح مل‬
‫"الفشنل" الظاهنر العابر والعلن عنن الحقيقنة العلمينة فني سنبيل التطنبيق العملي‪.‬‬
‫ولقند منر زمنن هاجنم فينه الشيوعيون لوحدهنم فني فرنسنا مشروع مارشال على أننه ضند‬

‫‪78‬‬

‫المصلحة الوطنية‪ .‬أما فلسفة البرجماتزم فهي دائما من حيث تهب الريح لنها ل تبحث إل‬
‫عن النجاح المباشر‪.‬‬
‫غينر أن التطنبيق العملي قند اتاح التحقنق منن المعطيات النظرينة التني كاننت تعتمند عليهنا‬
‫مهاجمة مشروع مارشال‪ ،‬وإظهار الحقيقة أمام أع ين الش عب‪ ،‬وتوض يح التقديرات المطابقة‬
‫للواقنع والتقديرات المعارضنة لهذا الواقنع‪ .‬ولهذا كان التطنبيق العملي معيار الحقيقنة‪.‬‬
‫‪ – 3‬الحَقيقَة ال ِنسْبيّة وَالحَقيقَة المط َلقَة‬
‫يت يح ل نا الت طبيق العملي إذن التح قق من صحة الفكرة ال تي لدي نا عن صفات ش يء من‬
‫الشياء‪ .‬فماذا يب قى إذن من الش يء في ذا ته ك ما قال "ك نت" ؟ ل ش يء! تعلم الجدل ية‪ ،‬ك ما‬
‫يعلم الجدلي ه جل‪ ،‬أن التمي يز ب ين صفات ش يء من الشياء وب ين الش يء في ذا ته ع بث ل‬
‫طائل وراءه‪ ،‬فإذا كننت تعرف جمينع صنفات الشينء فاننك تعرف الشينء ذاتنه‪ ،‬فهنل هذه‬
‫الصفات مستقلة عنا؟ هذا ما يجب أن نفهمه من مادية العالم‪ .‬ولكن هذا الواقع الموضوعي‬
‫ل ي ستعصي على المعر فة لن نا ل نعرف صفاته‪ ،‬ولهذا كان من الع بث القول "خل قك ش يء‬
‫و صفاتك وم ساوئك ش يء آ خر‪ ،‬وأ نا أعرف صفاتك وم ساوئك ولك ني ل اعرف خل قك" لن‬
‫"الخلق" هو مجموعة الصفات والمساوىء‪ .‬كما أن الرسم هو عبارة عن مجموع الرسوم‪.‬‬
‫وأنه لمن العبث القول‪ ،‬بأن هناك فن اللوحات والرسامين واللوان‪ ،‬والساليب والمدارس ثم‬
‫هناك فنن الرسنم فني ذاتنه الذي يخينم عليهنا ول تمكنن معرفتنه‪ .‬إذ لينس هناك جانبان فني‬
‫الشيء‪ .‬بل هو كل تكتشف بالتدريج أوجهه المتعددة عمليا‪.‬‬
‫ول قد علمت نا الجدل ية‪ ،‬في ما يتعلق ب صفات الشياء "المخف ية"‪ ،‬بأن ها تظ هر بوا سطة النضال‬
‫الداخلي للضداد الذي يتولد عنه التغير‪ .‬وحالة الشيء " في ذاته" هي حالة التوازن النسبي‬
‫الذي يكشنننف عنننن تناقنننض الشينننء الداخلي وقنننت التجمننند أو الغليان‪.‬‬
‫ولهذا ل يمكن أن يوجد أي فرق مبدأي بين الظاهرة والشيء في ذاته‪ .‬والفرق هو بين ما‬
‫هو معروف وما لم يعرف بعد‪.‬‬
‫ويصنبح الشينء "فني ذاتنه"‪ ،‬بواسنطة ازدياد معرفنة الواقنع‪ ،‬شيئا "منن أجلننا" بالتدرينج‪.‬‬
‫وهكذا نرى أنه يوجد‪ ،‬بالنسبة للنظرية المادية الجدلية للمعرفة‪ ،‬حقيقة مطلقة‪ ،‬أي مطابقة‬
‫للواقع بذاته‪.‬‬
‫وأمنا الماركسنية فهني تحدد الحقيقنة‪ ،‬على عكنس رأي "كننت" الذي يعتقند بأن الحقيقنة هني‬
‫بالن سبة للذ هن الن ساني‪ ،‬بأن ها عمل ية طبيع ية‪ .‬هي انعكاس الوا قع الموضو عي في و عي‬
‫النسننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننان‪.‬‬
‫ولهذا فأن القول بأن الماديين ينكرون وجود الحقيقة‪ ،‬كذب وافتراء‪.‬‬
‫‪79‬‬

‫وإذا ما عد نا إلى مثال "ال سائل" رأي نا أن التغ ير هو الذي يظ هر مضمون الظاهرة الداخلي‪.‬‬
‫ولهذا كان منن الضروري فني بعنض الحيان انتظار بلوغ الظاهرة درجنة معيننة منن النمنو‬
‫والنضج لتظهر حقيقتها بوضوح‪ .‬لنه ل يمكن تمييز التناقضات عند بدايتها‪ .‬وهذا ما يجعل‬
‫دراسة بداية الكائن الحي‪ ،‬مثل‪ ،‬صعبة‪ .‬وكذلك حال الرأسمالية التي تبدو تناقضاتها المعقدة‬
‫بشكنل أوضنح فني نظنر الجماهينر وهني فني النزع الخينر‪ .‬ولهذا يقول هيجنل الجدلي‪:‬‬
‫"ل تأخنذ بومنة منيرفنا (وهني مثال العلم والحقيقنة) بالطيران إل عنند الصنيل"‪.‬‬
‫يت يح إذن ن مو الظوا هر نف سها تقدم المعر فة ولهذا ي جب أن نعرف ك يف نل حظ ب صبر‪ ،‬وأن‬
‫يُحسب حساب الزمن الضروري لتكوين انعكاس الواقع في الدماغ‪.‬‬
‫ي جب أن نف كر دائ ما ب صورة جدل ية سواء حول نظر ية المعر فة أم في جم يع مياد ين العلم‬
‫الخرى‪ ،‬أي أن ل نفترض قط أن وعي نا ل يتغ ير بل ي ظل ك ما هو‪ ،‬بل ي جب تحل يل العمل ية‬
‫ال تي بفضل ها تتولد المعر فة من الج هل أو ت صبح المعر فة الغام ضة الناق صة أك مل وأدق‪.‬‬
‫هل هناك إذن أشياء ل يمكن معرفتها؟ كل‪ ،‬بل هناك أشياء ل تزال مجهولة وسوف "تكتشف‬
‫وتُعرف بوا سطة العلم والت طبيق العملي" ذلك لن تار يخ العلم يؤ كد عدم وجود المجهول ك ما‬
‫يؤكد تحول المجهول إلى معلوم باستمرار‪.‬‬
‫كان "ك نت" يعت قد أن هناك ب عض المشا كل الم ستعصية على ال حل‪ .‬فكان اف قه العل مي محدودا‬
‫بحدود العلم في زمانه‪ .‬مثال ذلك أن الكيمياء العضوية والبيولوجيا لم تكونا موجودتين بعد‪.‬‬
‫ومنن ثنم اتسنع الفنق‪ .‬أمنا الذينن يلوكون أقوال "كننت" فهنم ل يريدون رؤينة ذلك‪.‬‬
‫وهكذا نجد أنه بينما اللأدرية متشائمة تشكو من عجز "الذهن النساني" فإن النزعة المادية‬
‫متفائلة ل ترى أي مشكلة‪ ،‬كمشكلة السننننرطان مثل‪ ،‬مسننننتعصيه على الحننننل‪.‬‬
‫فل يس هناك سوى مجهول مؤ قت‪ ،‬ولهذا فأن حيلولة الرأ سمالية دون ازدهار العلم يز يد من‬
‫أجل هذا المجهول المؤقت‪.‬‬
‫زد على ذلك أن النز عة الماد ية تت يح ل نا و ضع الخ طط لن مو العلم بالتن بؤ في المياد ين ال تي‬
‫تنضج فيها الكتشافات‪ ،‬واتخاذ الوسائل التي تعجل بذلك‪ .‬ألم يحدث غالبا في الماضي أن قام‬
‫بالكتشافات‪ ،‬في نفس الوقت‪ ،‬علماء يجهل بعضهم بعضا‪ .‬وهذا دليل رائع على أن المعرفة‬
‫عملية طبيعية تحدثها الشياء نفسها فنيا‪.‬‬
‫غ ير أن ن مو ظاهرة معيننة غ ير م ستقل عن سائر الظوا هر‪ .‬والطبي عة ل ت حد في المكان‬
‫والزمان‪ ،‬ف هي تبدع با ستمرار ول ت كف عن البداع‪ .‬ولهذا كان ن مو المعر فة ذا ته ل ي حد‪.‬‬
‫وسوف تظل الشياء في العالم أكثر مما نجد في معرفتنا‪ ،‬وكل ما نجهله مرتبط بما نعرفه‪.‬‬
‫ولهذا ل يم كن للعلم أن ي قف ع ند حد مع ين‪ .‬و كل حقي قة من حقائ قه في ذات ها ن سبية لن ها‬
‫تتعلق بالحقائق الخرى‪ .‬وهكذا اكتشف الذرة بعد الجسيم كما اكتشف اللكترون بعد الذرة ثم‬

‫‪80‬‬

‫اكتشف اللب وسوف تكتشف جسيمات أخرى‪ .‬وليس هناك مجال للعتقاد بأنه يمكن استنفاد‬
‫الواقع‪ ،‬ولهذا قال لينين "اللكترون نفسه ل يمكن استنفاده"‪.‬‬
‫كنل هذا ل يقلل منن قيمنة معارفننا الموضوعينة لن "فني النسنبي يكمنن المطلق" (لينينن)‪.‬‬
‫ترى النزعنة المادينة المحدثنة‪ ،‬أي الماركسنية‪ ،‬أن حدود مقدار قرب معارفننا منن الحقيقنة‬
‫الموضوعية المطلقة نسبية تاريخيا‪ ،‬غير أن وجود هذه الحقيقة ذاتها ل اعتراض عليه‪ ،‬كما‬
‫أنه ل اعتراض على أننا نقترب منها‪ .‬وهكذا إذا كانت أطراف اللوحة نسبية تاريخيا ولكن ل‬
‫شك أن هذه اللوحة تمثل مثال موجودا بصورة موضوعية‪.‬‬
‫وإذا ك نا في فترة معي نة‪ ،‬و في ظروف معي نة‪ ،‬قد تقدم نا في معرفت نا لطبي عة الشياء ح تى‬
‫اكتشفننا الليزارينن فني قطران الفحنم الحجري أو اللكترونات فني الذرة فأن هذا الكتشاف‬
‫ن سبي تاريخيا‪ .‬غ ير أن كل اكتشاف من هذا النوع تقدم في "المعر فة الموضوع ية المطل قة"‬
‫وليس هذا أمرا نسبيا قط‪.‬‬
‫ولهذا فل يس هناك نظر ية علم ية صحيحة ت صبح خاطئة أو عدي مة الجدوى مع الز من‪ .‬بل‬
‫تحتفظ كل نظرية بقيمتها فإذا ما ظهر نقص النظرية أمكننا التغلب على هذا النقص بواسطة‬
‫التجربننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫ولينس تقدم العلم سنباقا إلى الصنالة والمهارة بنل هنو تقدم داخنل الحقيقنة وفني أعماقهنا‪.‬‬
‫‪ – 4‬إتحَاد النَظريّة بالنَاحِيَة العَمليّة‬
‫ليست المعرفة‪ ،‬في نظر النزعة المادية عملية "يفسر" بواسطتها الذهن معطيات الحواس‪ ،‬بل‬
‫ننان‪.‬‬
‫نني دماغ النسن‬
‫ننع فن‬
‫ننطتها انعكاس الواقن‬
‫ننة معقدة يتكون بواسن‬
‫نني عملين‬
‫هن‬
‫ونعلم أن هذه العملية تتضمن درجتين مختلفتين نوعيا‪ :‬الدرجة الحسية والدرجة العقلنية أو‬
‫التطبيق العملي والنظرية‪.‬‬
‫ول قد رأي نا أيضا أن الت طبيق العملي هو بدا ية النظر ية وم صدر المعر فة ومعيار حقيقت ها‪.‬‬
‫وهكذا ي جب على كل نظر ية أن تر جع بالضرورة إلى الت طبيق العملي ل سببين‪ .‬ال سبب الول‬
‫هو أن النظر ية ان ما وض عت من أ جل الت طبيق العملي ولم تو ضع من أ جل فضول ل طائل‬
‫وراءه بتأ مل العالم‪ ،‬بل ل كي تع مل على تحو يل هذا العالم‪ ،‬وال سبب الثا ني هو أ نه ل ما كان‬
‫الوا قع عبارة عن حركة وتغ ير م ستمر فان النظرية التي تسعى إلى الكتفاء بذات ها ي صيبها‬
‫العقنم‪ ،‬وتمسني عقيدة ميتنة‪ ،‬وتتوقنف عملينة المعرفنة إذا لم ترجنع باسنتمرار إلى التطنبيق‬
‫العملي‪ ،‬ويستحيل الحصول على انعكاس صادق للواقع وإصلح نقص النظرية وتعمق معرفة‬
‫العالم‪.‬‬
‫والفلسنفة التجرينبيون هنم أولئك الذينن يعتقدون أن المعرفنة هني معرفنة الدرجنة الولى‪،‬‬
‫‪81‬‬

‫معرفنة الحسناسات‪ ،‬وأمنا الفلسنفة العقلنيون المثاليون فهنم أولئك الذينن يعترفون بعمنل‬
‫الفكار والمعرفة النظرية ولكنهم يعتقدون مع ذلك أن هذه الفكار قد هبطت من السماء ول‬
‫يمكنها الخروج عن نطاق التطبيق العلمي‪ .‬وكل من الفريقين يف صل باعتباط بين الدرجتين‬
‫للمعرفة ول يدرك وحدتهما‪.‬‬
‫ندرك أهمية هذه الفرضية في ميدان العمل الثوري لن كل شخص هنا ن كما هو الحال في‬
‫العلوم ن ل يستطيع أن يختبر كل شيء بنفسه‪ ،‬بل هناك تجربة اجتماعية تجمعت على مدى‬
‫الع صور‪ ،‬تقوم النظر ية بتنظيم ها‪ ،‬وي جب على كل وا حد م نا تمثل ها‪ .‬إذا كان ل ير يد النزول‬
‫نلحها‪.‬‬
‫نا وقامننت الحركننة العماليننة بإصن‬
‫إلى مسننتوى النظريات التنني ظهننر خطأهن‬
‫أن كل من يهمل النظرية يغرق في النزعة العملية المثالية ويسير في الظلمات‪ ،‬كما أن كل‬
‫منن يهمنل التطنبيق العملي يجمند فني عقيدتنه فإذا بنه صناحب عقيدة‪ ،‬أجوف التفكينر‪.‬‬
‫ول شنك أن النظرينة تصنبح ل موضوع لهنا إذا لم تتصنل بالعمنل الثوري‪ ،‬كمنا أن التطنبيق‬
‫العملي يضل طريقه إذا لم يضيء هذا الطريق النظرية الثورية‪.‬‬
‫تتيح لنا النظرية الماركسية عن المعرفة أن ندحض الفكرة الخاطئة القائلة بأنه يجب علينا‬
‫البتعاد عنن التطنبيق العملي لنظنل "محايدينن" "موضوعيينن"‪ ،‬وهذا منا يسنمى بالنزعنة‬
‫الموضوع ية البرجواز ية ال تي ت شن الحرب ضد المارك سية‪ .‬و هو أش به بقول نا أن الفيزيائي‬
‫الذي قام بالتجارب ل يمكنننننن أن يكون موضوعيا لننننننه "ثائر" بتجاربنننننه؟‬
‫إذا أردت الحصنول على المعارف فيجنب علينك المشاركنة فني التطنبيق العملي الذي يحول‬
‫الوا قع‪ ،‬فإذا‪ ،‬ما أردت معر فة ط عم اجا صة في جب عل يك أن تضع ها في ف مك وتقضم ها وإذا‬
‫أردت معرفة تكوين الذرة وطبيعتها وجب عليك القيام بالتجارب الفيزيائية والكيمائية وتغيير‬
‫بيئة الذرة‪ .‬وإذا أردت معرفة نظرية الثورة ومناهجها وجب عليك الشتراك في الثورة‪ .‬لن‬
‫جميع المعارف الحقة انما تتولد عن التجربة المباشرة‪.‬‬
‫لهذا يستحيل تمثل الماركسية تماما إذا ظللنا مكتوفي اليدي نتأمل العمل بدل من أن نشارك‬
‫فينه‪ ،‬بالرغنم منن أدعاء المفكرينن البرجوازيينن الصنغار أننه ل يمكنننا الحكنم على قيمنة‬
‫الماركسية ال إذا ابتعدنا عن الحركة التي تتكون بواسطتها النظرية وتتحقق صحتها ويزداد‬
‫غناها‪ .‬والعمل الثوري وحده هو الذي يتيح لنا اكتشاف حقيقة المجتمع الرأسمالي لنه وحده‬
‫هو الذي يسعى لتحويل المجتمع وتغيير ظروف هذا المجتمع‪ .‬والعمل الثوري وحده بحاجة‬
‫إلى الحقيقنة لنننا نسنير إلى الفشنل بدون النظرينة‪ .‬ولهذا تقوم النزعنة المادينة على الروح‬
‫الحز بي‪ .‬ف هي تضطر نا إلى ال خذ بوج هة ن ظر فئة اجتماع ية معي نة للح كم على كل حر كة‪.‬‬
‫هذه الفئة الجتماعية في أيامنا هي البروليتاريا الثورية‪.‬‬
‫تُكت شف الحقائق من خلل الت طبيق العملي وتتأ كد الحقائق وتن مو‪ .‬ل نه ي جب علي نا النتقال‬
‫منن الحسناسات والتصنورات الحسنية إلى المعرفنة العقلنينة‪ ،‬ومنن المعرفنة العقلنينة إلى‬

‫‪82‬‬

‫الرادة الفعالة للتطنننبيق العملي الثوري‪ ،‬وتحوينننل العالم الذاتننني والموضوعننني‪.‬‬
‫يؤدي التطبيق العملي إلى المعرفة ثم نعود إلى التطبيق ومن ثم إلى المعر فة‪ .‬وتستمر هذه‬
‫الحركة بصورة دورية‪ .‬فيرتفع مضمون كل دورة للعمل والمعرفة‪ ،‬بالنسبة للدورة السابقة‪،‬‬
‫إلى مستوى أرفع وأسمى‪.‬‬
‫من الخ طأ إذن اعتبار الماركسنية نظرينة ل تم ثل سنوى المغزى "الذا تي" للتارينخ في ن ظر‬
‫البروليتاريا (أي تأويلها الذاتي للحوادث) وليست علما من العلوم‪ .‬وال لما كانت البروليتاريا‬
‫بحاجة لتعليم الماركسية لنها تمثل وجهة نظرها التلقائية‪ ،‬ولما وجب على من هم ليسوا من‬
‫طبقة البروليتاريا أن يتعلموها لنها ل تمثل وجهة نظرهم! ولكن الماركسية‪ ،‬على العكس‪،‬‬
‫علم يحتاجه الجميع ويجب عليهم تعلمه‪.‬‬
‫وإذا كان المرء موضوعينا فل يعنني ذلك أن يرفنض جمينع النظريات‪ ،‬بنل يعنني ذلك الخنذ‬
‫بنظرينة تتفنق وعمليات التطور الجتماعني الموضوعينة‪ .‬ول يمكنن التحقنق منن صنحة هذا‬
‫التفاق ال بوا سطة الت طبيق العملي‪ ،‬وهذا الت طبيق ل يخلق عمل ية التطور بل ي ساعد عل يه‪،‬‬
‫ك ما يم كن للعالم في مخ تبره أن ي سعى لل سراع في سير عمل ية من العمليات وأن كان ل‬
‫يمكنه أن يقضي على قانون العملية أو يبدعه‪.‬‬
‫ولهذا ل يجنب عليننا فقنط أن نحارب اللأدرينة نظرينا بنل يجنب القضاء عليهنا عملينا فنقينم‬
‫الدلينل‪ ،‬بواسنطة العمنل‪ ،‬على أننه يمكنننا التأثينر على العالم وأن الماركسنية هني الحقيقنة‬
‫التاريخينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬بينما تقول اللأدرية عن الحرب‪ :‬على من تقع خطيئتها؟ ل يمكن معرفة ذلك‪ .‬فأن‬
‫عمل الشرفاء من الناس يؤدي بهم إلى اكتشاف مسببي الحرب‪ .‬وهكذا تحققت البروليتاريا‪،‬‬
‫بواسنطة التجربنة‪ ،‬منن قيمنة النزعنة المادينة الماركسنية‪ ،‬ومنن قيمتهنا فني التنبنؤ‪.‬‬
‫فرأت البروليتار يا أن الشيوعي ين ل ذ نب ل هم إل أن هم على حق‪ .‬غ ير أن من يقول بالتن بؤ‬
‫الصحيح يقول بالعلم الصحيح‪.‬‬
‫نرى إذن أن اللأدرينة تخدم مصنالح البرجوازينة الطبقينة‪ .‬وإذا لم يكنن هناك علم اجتماعني‬
‫لعجزنا عن التنبؤ والعمل ولنعمت البرجوازية بنوم هانىء! لن اللأدرية تؤدي بالمستغلين‬
‫إلى العجز‪ .‬أما إذا كانت المعرفة العلمية ممكنة فأن المضطهدين والمستغلين يمكنهم الخذ‬
‫بهنا للتوحيند بينن التطنبيق العلمني والنظرينة وجعله منارا يهتدون بنه فني نضالهنم‪.‬‬
‫تولد النز عة الماد ية الجدل ية أمام اللأدر ية‪ ،‬ال تي تث ير ال شك والتشاؤم ن (و هي من صنع‬
‫رجال تجاوزتهم الحداث التي ل يفهمونها فكفروا بكل شيء وأصبحوا مستعدين لليمان بأي‬
‫ش يء) ن تفاؤلً مقبول وت سمح بأن ندرك أن الن سان يمك نه أن يقود مجرى الحوادث‪ .‬لن‬
‫النزعة توحي بثقة ل تحد في قوة الفكر والعمل‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫وهكذا تتوضح حقيقة فرضية ماركس القائلة بأن الفلسفة لم يقوموا إل بتفسير العالم بطرق‬
‫مختلفة بينما الواجب هو تحويل العالم‪.‬‬

‫***‬

‫القسم الثالث‬
‫النزعة المادية الجدلية‬
‫حياة المجتمع الروحية‬
‫النزعة المادية الجدلية هي وحدها التي تحمل جوابا علميا على مشكلة الوعي‪ ،‬كما رأينا في‬
‫الجزء الثانني‪ .‬كمنا أنهنا تتينح لننا فهنم أصنل الفكار وعملهنا‪ ،‬وفهنم النظريات الجتماعينة‬
‫والراء السننياسية والمؤسننسات السننياسية التنني هنني جزء مننن المجتمننع‪.‬‬
‫ولقد خصص ستالين لهذه المسألة صفحات مهمة من كتابه "النزعة المادية الجدلية والنزعة‬
‫المادية التاريخية"‪.‬‬
‫وتتضمن هذه المسألة جانبين يجب التمييز بينهما بدقة‪:‬‬
‫‪ – 1‬ظهور مختلف صور الوعي في الحياة الجتماعية‪.‬‬
‫‪ – 2‬أهميتها والدور الذي تقوم به‪.‬‬
‫ويب حث الدرس الثا ني ع شر الجا نب الول‪ ،‬بين ما يب حث الدرس الثالث ع شر الجا نب الثا ني‪.‬‬
‫وأما الدرس الرابع عشر فهو يدرس أصل الشتراكية العلمية وأهميتها‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫الدّرس الثاني عشر‬
‫حيَاة المجْتمَع الرّوحيّة‬
‫هي انعكاس لحياته المادية‬
‫‪ –1‬مثال‬
‫‪" –2‬التفسيرات" المثالية‬
‫‪ –3‬النظرية المادية الجدلية‬
‫أ) حياة المجتمع المادية واقع موضوعي موجود مستقلً عن الوعي وعن إرادة الفراد‬
‫والنسان عامة‬
‫ب) حياة المجتمع الروحية انعكاس لواقع المجتمع الموضوعي‬
‫ج) كيف تتولد الفكار الجديدة والنظريات الجتماعية‬
‫د) مسألة الثار الباقية‬
‫‪ –4‬الخلصة‬

‫‪ – 1‬مثَال‬
‫نقرأ في بعض نشرات الونسكو أن السلم ل يمكن تحقيقه إل بواسطة "تهدئة العقول"‪ ،‬وأنه‬
‫يجب‪ ،‬إذا ما أرد نا القضاء على الحرب‪ ،‬القضاء علي ها في عقول الناس‪ .‬لن سبب الحروب‬
‫ذاتي‪ .‬أو كما يقول المحللون النفسيون هناك "غريزة للعتداء" تكمن في وعي كل إنسان أو‬
‫ما يسمى "بالكراهية الموروثة"‪.‬‬
‫مثل هذه النظرية‪ ،‬عن أسباب الحرب‪ ،‬هي نظرية مثالية يختلف عنها موقف النزعة المادية‬
‫الماركسنية‪ ،‬فهني تقول أن سنبب الحروب يكمنن فني واقنع المجتمعات الموضوعني‪ .‬أصنل‬
‫الحروب في ع صر ال ستعمار الزمات القت صادية ال تي تؤدي إلى الب حث عن أ سواق جديدة‬
‫بواسطة القوة‪ .‬وهذا قانون موضوعي وهو قانون الفائدة القصوى الذي يفسر لنا الحروب‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بالمور الذاتية (كفكرة الحرب) (والكراهية وغريزة العتداء) فهي تتولد عن‬

‫‪85‬‬

‫التناقضات المادية التي توجد وضعا موضوعيا للحرب‪ .‬والواقع الموضوعي هو الذي يفسر‬
‫لنا ظهور المور الذاتية وليس العكس‪.‬‬
‫يمكن نا أن ن ستشهد بغ ير ذلك من المثلة‪ .‬ويل حظ ب صورة عا مة أن الع صور الحال ية تظ هر‬
‫تعارضا قويا بين النظرية الفكرية للرأسمالية في النزع الخير‪ ،‬وهي نظرية فكرية تقوم على‬
‫العداوات القومينة والعنصنرية وعلى السنلب والحرب‪ ،‬وبينن النظرينة الفكرينة للشتراكينة‬
‫المنت صرة‪ ،‬و هي تقوم على التعاون والخاء ب ين ال مم والفراد ك ما تقوم على ال سلم‪ .‬ول قد‬
‫عنبر بول اليوار عنن هذا النضال بينن النظريات الفكرينة المتناقضنة فني شعنر رائع‪.‬‬
‫يجعلننا الواقنع الموضوعني للمجتمعات ندرك‪ ،‬فني كلتنا الحالتينن‪ ،‬نن حالة الرأسنمالية‬
‫والبرجوازية الكبرى من جهة وحالة الشتراكية والحركة العمالية من جهة ثانية ن نضال‬
‫الفكار لن حياة المجتمع الروحية هي انعكاس لحالته المادية‪.‬‬
‫وتتعدد وجوه حياة المجت مع الروح ية من فن وقانون ود ين‪ ،‬الخ‪ .‬ول يمكن نا أن ندرس هذه‬
‫الوجوه جميعا بالتفصنيل‪ .‬وإذا رجنع القارينء إلى كتاب "النزعنة المادينة الجدلينة والنزعنة‬
‫المادية التاريخية" لوجد ستالين يلح في القول على الفكار الجتماعية والنظريات الجتماعية‬
‫والراء السننياسية والمؤسننسات السننياسية وذلك نظرا لهميتهننا العمليننة الكننبرى‪.‬‬
‫الفكار الجتماعية‪ :‬وهي الفكار التي يكونها الفرد في مجتمع معين حول مكانه في الوجود‪،‬‬
‫وكذلك الفكار عن الملكية والفكار الخلقية عن العائلة والحب والزواج وتربية الطفال (أو‬
‫ما يسميه فلوبير بالفكار "الموروثة") وكذلك الفكار التشريعية‪ .‬مثال ذلك الفكرة البرجوازية‬
‫القائلة بأن حق الملكية "حق طبيعي" قائم بذاته‪ .‬وتعبر هذه الفكرة عن الواقع المادي‪ ،‬وهو‬
‫أن الملكية الخاصة هي أساس المجتمع البرجوازي‪ ،‬ولما كانت ملكية وسائل النتاج ل تُمس‬
‫في ن ظر البرجواز ية المتمل كة‪ ،‬كا نت فكرة الملك ية الخا صة‪ ،‬في رأي الخلق البرجواز ية‪،‬‬
‫معطى أساسيا‪.‬‬
‫النظريات الجتماع ية‪ :‬و هي النظريات ال تي تج عل من الفكار الجتماع ية ال تي أشر نا إلي ها‬
‫سابقا مذهبا وعقيدة تجريدية‪ .‬مثال ذلك نظرية "المدينة" عند أفلطون‪ ،‬ونظرية الدولة عند‬
‫هوبس وجان جاك روسو وهيجل ونظريات الخياليين الجتماعية أمثال بابوف وسان سيمون‬
‫الخ‪...‬‬
‫الراء السنياسية‪ :‬وهني الراء الملكينة أو الجمهورينة المحافظنة أو المتحررة الفاشينة أو‬
‫الديمقراطية الخ‪...‬‬
‫والفكار حول حرية الرأي والجتماع والتظاهر الخ‪..‬‬
‫المؤسسات السياسية‪ :‬أي الدولة ومختلف أجزاء نظام الدولة‪ .‬وهناك فرضية ماركسية مهمة‬

‫‪86‬‬

‫جدا تعتنبر الدولة عنصنرا منن حياة المجتمنع الروحينة فهني تعكنس حياتنه المادينة‪.‬‬
‫‪ – 2‬التفسِيرَاتُ المثَاليّة‬
‫فلنعند إلى الموقنف المثالي الذي بدأننا مننه فهنو أكثنر المواقنف انتشارا ويتخنذ وجوها‬
‫عدة منها‪:‬‬
‫أ) أقدم النظريات وأشدهنا غموضنا هني النظرينة الدينينة اللهوتينة‪ .‬فهني ترى فني حياة‬
‫المجتمعات الماد ية انعكا سا للفكرة الله ية وتحقيقا لمخ طط وضع ته العنا ية الله ية‪ .‬فالنظام‬
‫الجتما عي صادر عن الرادة الله ية‪ .‬ول ما كا نت الطبي عة والع قل البشري ل يتغيران ف كل‬
‫تغيير في المجتمع كفر والحاد وهو من عمل الشيطان لنه مس لرادة ال‪ ،‬ولهذا كانت كل‬
‫فكرة تدعنو للتغيينر آثمنة‪ .‬وقند تولد عنن هذه النظرة النزعنة الكليركينة التني تقول بأن‬
‫الكليروس‪ ،‬وهنو المؤتمنن على اسنرار ال‪ ،‬يمكننه أن يضمنن النظام "الجتماعني" وقامنت‬
‫البرجوازينة الثورينة بمحاربنة هذه النظرينة التني كاننت تلئم تماما المجتمنع القطاعني‪.‬‬
‫ب) ثم تأ تي نظر ية مثال ية جوهر ها برجوازي و قد تو سع ب ها فل سفة القرن الثا من ع شر‬
‫الفرنسي‪ .‬فقد قاموا بمحاربة "الحق اللهي" باسم "الحق الطبيعي" و "الديانة الطبيعية" وباسم‬
‫"العقل"‪ .‬فكانوا يقولون بأن النظام القطاعي فوضى لنه ل يتفق ومتطلبات العقل الذي يجد‬
‫كل إن سان صورته في نف سه‪ .‬ي جب إذن تغي ير المجت مع با سم الع قل الشا مل الخالد‪ ،‬في صبح‬
‫النظام الجتماعي أخيرا انعكاسا للنظام العقلني‪.‬‬
‫وهذه النظر ية كال سابقة مثال ية بالر غم من أن ها تمثل خطوة للمام بالنسبة للنظرية السابقة‬
‫لنها تعبر عن أفكار البرجوازية الثورية أمام أفكار القطاعية الرجعية‪ .‬فهي ل تتساءل عن‬
‫أصننل الفكار بننل هنني تعتبرهننا معطننى اوليا يتولد منننه واقننع المجتمعات المادي‪.‬‬
‫يجنب أن نلحنظ‪ ،‬منع ذلك‪ ،‬أن فلسنفة القرن الثامنن عشنر الماديينن – ول سنيما هلفتيوس‬
‫أدركوا أن أفكار النسنان هني ثمرة تربيتنه‪ .‬كمنا إنهنم ألحوا على القول حول تعدد النظريات‬
‫الفكر ية في المجتمعات عبر الزمان والمكان ن ولكن هم كانوا يجهلون علم المجتمعات الذي‬
‫سننيؤسسه ماركننس‪ ،‬ولذلك عجزوا عننن الندفاع فنني التحليننل أكثننر ممننا فعلوا‪.‬‬
‫ج) يجب أن نعترف لهيجل بمكانة مهمة‪ .‬فلقد قام في كتابه "فلسفة التاريخ" بدراسة العلقات‬
‫بين التطور المادي والتطور الروحي في المجتمع‪ .‬ولما كان مثاليا فلقد أقام "الفكرة" السيدة‪،‬‬
‫في البدء‪ ،‬التي تولد المجتمع ول تقل في ذلك عن الطبيعة‪ .‬وما التاريخ إل عبارة عن تطور‬
‫الفكرة‪ .‬وهكذا يصنبح تارينخ اليونان القدينم عبارة عنن تجلي فكرة الجمال‪ .‬وكذلك يكون‬
‫سقراط وعيسى المسيح ونابوليون لحظات من لحظات الفكرة‪.‬‬
‫ول ما كان هي جل جدليا ف هو يقوم في ب عض الحيان بتحال يل رائ عة‪ .‬غ ير أن نزع ته المثال ية‬
‫تقضي به إلى أن يجعل للرجال العظام دورا كبيرا مبالغا فيه فيمسون العوامل الوحيدة للتقدم‬
‫التاريخي‪ .‬كان ل بد لهذا الجانب من فلسفة هيجل أن تستغله بوقاحة الفلسفة الفاشية التي‬

‫‪87‬‬

‫تعتقد أن الشعب ل شيء‪ ،‬وأن "السوبرمن" المعصوم هو كل شيء‪ .‬ولهذا قال أحد المعجبين‬
‫بالدوتسي "الفاشية هي ما يفكر به موسوليني في هذه اللحظة" كما كان هتلر يقول أمام فرق‬
‫الصاعقة‪" :‬سأفكر من أجلكم"‪.‬‬
‫د) الصورة الخرى للنزعة المثالية علم الجتماع الذي وضعه دور كهايم وزملؤه‪.‬‬
‫لرب ما تولت الكثير ين الده شة إذا قلت ل هم بأن علم الجتماع الذي وض عه دور كها يم مثالي‪.‬‬
‫ألم يهاجنم علماء الجتماع اللهوت والميتافيزيقنا؟ ألم يحاولوا دراسنة الوقائع الجتماعينة‬
‫(كالمؤسسات‪ ،‬والقانون‪ ،‬والعادات) دراسة موضوعية حسب تطورها وهم خالو الذهن من‬
‫أي رأي سابق ب صددها‪ .‬ل شك أن هم أرادوا ذلك ول كن الفرق ال كبير ب ين الرادة والف عل‪ .‬إذ‬
‫أن علماء الجتماع البرجوازيينن‪ ،‬عادة‪ ،‬يفسنرون التغيرات المادينة بواسنطة نمنو "الوعني‬
‫الجما عي" الذي ي ظل سرا غام ضا في ذا ته‪ .‬فيبدو تار يخ المجتمعات عندئذ كتحق يق م ستمر‬
‫للمطامح الخلقية التي تكمن في الوعي النساني منذ العصور الولى‪ .‬فلماذا يتطور "الوعي‬
‫الجتماعني" باتجاه معينن ول يتخنذ أتجاهنا أخنر؟ ل أحند يدري‪ .‬ذلك لن علماء الجتماع‬
‫يجهلون (أو يتجاهلون) النتاج‪ ،‬ونضال الطبقات وهمنا منن عوامنل التارينخ‪ .‬بنل يفضلون‬
‫العوم على السنطح‪ .‬فإذا وجند الضمان الجماعني فمنا ذلك ال لن "الفكار تطورت" لن كنل‬
‫شيء يرجع كما ترى فلسفة ليون برنشفيك إلى "تقدم الوعي"‪.‬‬
‫هن) يجب أن نشير إلى أن من بين أبطال النزعة المثالية المندفعين في هذا الميدان برودون‬
‫الذي تحدث نا عنه سابقا يرى برودون أن تاريخ المجتمعات هو تجسيد م ستمر لفكرة العدالة‬
‫"الكام نة" في "الو عي" م نذ بدا ية الن سانية‪ .‬ولهذا كا نت علقات النتاج تحقيقا "للمقولت‬
‫القتصنادية" التني ترقند فني "عقنل النسنانية"‪ .‬وهذا الوعني غينر المحدث نن أو "العبقرينة‬
‫الجتماع ية" ك ما يقول برودون ن ما ثل في التار يخ بأكل مه‪ .‬ف هو يف سر كل ش يء ول ش يء‬
‫يف سره‪ .‬ول ما كان الو عي هو ما هو عل يه انت هى ال مر ببرودون إلى إنكار وا قع التار يخ‬
‫نفسنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننه‪.‬‬
‫ليس من الصحيح القول بأن شيئا من الشياء يحدث أو أ نه ينتج لن كل شيء موجود في‬
‫المدن ية و في الكون يف عل م نذ القدم‪ .‬وكذلك شأن القت صاد الجتما عي" ول ش يء جد يد ت حت‬
‫الشمس‪ .‬وهكذا يزول التاريخ بجرة قلم‪.‬‬
‫نل حظ أن برودون الذي يثور دائما ضد الجزو يت ورجال اللهوت با سم الو عي ن برودون‬
‫الذي يتبجح بمعارضة "نظام الثورة" (أي نظامة) "بنظام الوحي"‪ ،‬برودون الذي يخيفه تنظيم‬
‫البروليتاريا الثوري فيتوله الذعر أمام العمل فيجعل من حزب العمال "كنيسة" كما يفعل اليوم‬
‫زملؤه الشتراكيون الديمقراطيون ن هو نفسه ضحية الفكار الكلييركية التي يخيل إليه أنه‬
‫يحارب ها‪ .‬لن "الو عي" بالن سبة للبرجوازي الذي يخ يل إل يه أ نه معيار العالم والتار يخ ل يس‬

‫‪88‬‬

‫سوى الله القديم بعد أن أصبح علمانيا بصورة غامضة‪ .‬وهكذا تكون فلسفة برودون مثالية‬
‫في أصلها‪.‬‬
‫وقف ماركس في وجه هذه الفلسفة في أحد كتبه الرائعة‪" :‬بؤس الفلسفة" (‪ )1847‬فكتب‬
‫يقول‪" :‬لنقل كما يقول السيد برودون أن التاريخ الحقيقي الذي يسير حسب الزمن هو التتابع‬
‫التاريخي الذي ظهرت فيه الفكار والمقولت والمبادىء"‪.‬‬
‫فلقد كان لكل مبدأ عصره الذي ظهر فيه‪ ،‬فظهر مبدأ السلطة‪ ،‬مثلً‪ ،‬في القرن الحادي عشر‪،‬‬
‫كما ظهر مبدأ النزعة الفردية في القرن الثامن عشر‪ .‬وهكذا كان العصر ينتمي للمبدأ وليس‬
‫المبدأ هو الذي ينتمي للعصر‪ ،‬أي أن المبدأ هو الذي يضع التاريخ وليس التاريخ هو الذي‬
‫ي ضع المبدأ‪ .‬ح تى إذا ما ت ساءلنا‪ ،‬كي نن قذ المباد يء والتار يخ معا‪ ،‬لماذا ظ هر مبدأ ما في‬
‫القرن الحادي ع شر أو في القرن الثا من ع شر بدل من أن يظ هر في ع صر أ خر‪ ،‬اضطر نا‬
‫ذلك للب حث عن حالة الناس في القرن الحادي ع شر وحالت هم في القرن الثا من ع شر‪ ،‬و ما‬
‫هني حاجاتهنم وقواهنم النتاجينة وطريقتهنم فني النتاج والمواد الولينة لهذا النتاج وأخيرا‬
‫كينف كاننت العلقات بينن الناس‪ ،‬تلك العلقات التني هني ثمرة لهذه الظروف الحياتينة‪.‬‬
‫أليس تعمق جميع هذه المسائل هو صنع للتاريخ الحقيقي للناس في كل عصر وتمثيل هؤلء‬
‫الناس على أن هم أبطال مأ ساتهم وممثلو ها في ن فس الو قت؟ ول كن حين ما نن ظر للناس على‬
‫أن هم ممثلو تاريخ هم وأبطال هذا التار يخ ن صل من وراء ذلك إلى نق طة البدا ية الح قة لن نا‬
‫تخلينا عن المبادىء الخالدة التي تحدثنا عنها آنفا‪.‬‬
‫ويصح نقد ماركس لبرودون على جميع صور النزعة المثالية التي اشرنا اليها في المقاطع‬
‫(أ) (ب) (ج) (د) لننا نجد في جميع هذه الحالت أن الواقع ينظر إليه بالمقلوب حتى يصبح‬
‫تفسنير الفكار الحسني غينر مفهوم‪ .‬وتدلل النزعنة المادينة الجدلينة‪ ،‬التني تعيند الشياء إلى‬
‫نخ المادي‬
‫نة هني انعكاس لتطور التارين‬
‫نحيحة‪ ،‬على أن الفكار الجتماعين‬
‫نا الصن‬
‫أوضاعهن‬
‫الموضوعي‪ .‬لن النزعة المادية الجدلية وحدها هي التي تقيم دعائم علم النظريات الفكرية‪.‬‬
‫فالنز عة المثال ية تعلن عن الفكار وتقوم بعرض ل ها آخذة على "النز عة الماد ية" "الملعو نة"‬
‫أن ها تن كر الفكار (و سنرى أن هذا غ ير صحيح) والحقي قة أن النز عة المثال ية تتحدث عن‬
‫الفكار بقدر جهلهنا لهنا‪ ،‬فهني تطلب منهنا أن تفسنر كنل شينء وأن ظلت هذه الفكار غينر‬
‫مفهومة لها‪.‬‬

‫‪ 3‬ن النظريّة المَاديّة الجَدليّة‬
‫إذا صح أن الطبي عة والكينو نة والعالم المادي هي المع طى الول بين ما الو عي والف كر ه ما‬

‫‪89‬‬

‫المع طى الثا ني المش تق من المع طى الول‪ ،‬إذا صح أن العالم المادي هو وا قع موضو عي‬
‫ي ستقل في وجوده عن و عي الناس‪ ،‬بين ما الو عي هو انعكاس لهذا الوا قع الموضو عي فأن‬
‫نتي جة ذلك أن حياة المجت مع المجت مع الماد ية وكينون ته ه ما أي ضا المع طى الول بين ما حياة‬
‫المجتمع الروحية هي المعطى الثاني المشتق من المعطى الول‪ ،‬وأن حياة المادية هي واقع‬
‫موضو عي ي ستقل في وجوده عن إرادة الن سان‪ ،‬بين ما حياة المجت مع الروح ية هي انعكاس‬
‫لهذا الواقع الموضوعي ولهذه الكينونة‪.‬‬
‫وهكذا تكون النظرية القائلة بأن حياة المجتمع الروحية تعكس حياته الماد ية نتيجة مباشرة‬
‫للنزعنة المادينة الفلسنفية التني عرضناهنا فني الجزء الثانني منن هذا الكتاب (ول سنيما فني‬
‫الدرس العاشر)‪.‬‬

‫أ) ‪ -‬حَياة المجْتَ مع المَادَ ية وَا قع مَوضُو عي مَوجُود مُ ستَقلً عَن الوَ عي وَع نْ إرادة الفراد‬
‫والنسنننننننننننننننننننننَان عَامّةننننننننننننننننننننن‬
‫سمى بعض المفكرين المثاليين هذا الواقع الموضوعي المستقل عن الوعي بالقضاء المحتوم‬
‫ول قد جدد الوجوديون اللفاظ مع احتفاظ هم بن فس الش يء‪ ،‬ف هم يتحدثون عن "الن سان ن‬
‫الملقى به ن في العالم" وعن "وضع" النسان‪ .‬وسوف نرى في الجزء الرابع من هذا الكتاب‬
‫المخصص للنزعة المادية التاريخية أن هذا الوضع ليس سرا وأنه يمكننا أن ندرسه بصورة‬
‫علمينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫و سوف ندرك‪ ،‬بدرا سة ب عض المثلة‪ ،‬ما هو هذا الوا قع الموضو عي الم ستقل عن الو عي‪.‬‬
‫ح ين أخذت البرجواز ية الفت ية الوروب ية‪ ،‬في ع صر القطاع‪ ،‬ببناء الم صانع ال كبيرة‪ ،‬كا نت‬
‫تجهل نتائج هذا "التجديد" الجتماعية الذي سيؤدي إلى ثورة ضد السلطان الملكي الذي كانت‬
‫تن عم بعط فه (ب عد أن شج عت الملك ية الم صانع الجديدة) ك ما أدت إلى ثورة ضد طب قة النبلء‬
‫التي كانت تحلم بدخولها!‬
‫حتنى إذا منا أدخنل الرأسنماليون الروس الصنناعة الحديثنة الضخمنة إلى روسنيا فني عهند‬
‫نتقبل‪.‬‬
‫ني المسن‬
‫نة فن‬
‫نار الثورة الجتماعين‬
‫نم يمهدون بذلك لنتصن‬
‫نرة لم يدركوا أنهن‬
‫القياصن‬
‫وحين ما د خل صانع الحذ ية‪ ،‬الذي يتحدث ع نه ستالين في كتا به "فوضو ية أم اشتراك ية ؟"‪،‬‬
‫في خد مة ادلخنوف فأ نه كان يج هل أن النتي جة البعيدة لهذا القرار‪ ،‬الذي كان يظ نه مؤق تا‪،‬‬
‫ستكون انضمامه إلى الفكار الشتراكية‪.‬‬
‫حينمنا أقام السنتعماريون المريكان‪ ،‬ثنم الرأسنماليون الغربيون‪ ،‬الحصنار القتصنادي حول‬
‫التحاد ال سوفياتي والديمقراطيات الشعب ية عام ‪ 1947‬على أ ساس مشروع مارشال‪ ،‬لم‬
‫يخطر ببالهم أنهم يعملون بذلك على تكون سوق عالمي جديد‪ ،‬سوق اشتراكي يقضي على‬
‫السوق الرأسمالي الوحيد القديم‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫ذلك هنو القضاء المحتوم الذي يدور حوله الكثينر منن القصنص‪ .‬يؤدي النضال منن أجنل‬
‫ارضاء المصنالح المباشرة الى نتائج اجتماعينة بعيدة عنن إرادة أولئك الذينن قاموا بهذا‬
‫النضال‪ .‬وليست هذه الم صالح المباشرة اعتباطية لنها صدى للوضع الموضو عي في فترة‬
‫معينة وفي مجتمع معين وفي طبقة اجتماعية معينة‪.‬‬
‫وهذا جزء مهم من النزعة المادية التاريخية عبر عنه ماركس بقوله‪:‬‬
‫يد خل الناس‪ ،‬خلل النتاج الجتما عي لوجود هم‪ ،‬في علقات معي نة ضرور ية م ستقلة عن‬
‫ارادتهم‪ ،‬وهي علقات إنتاجية تمثل درجة معينة من نمو قواتهم المادية‪.‬‬
‫مثال ذلك أن العلقات الرأسنمالية للنتاج لم يخترهنا الناس بأنفسنهم لن نمنو قوى النتاج‪،‬‬
‫وسنط المجتمنع القطاعني‪ ،‬يؤدي بالضرورة إلى تكوينن علقات رأسنمالية للنتاج‪ ،‬ولينس‬
‫غيرها سواء أراد الناس ذلك أم لم يريدوا‪ .‬وهكذا يُجبر كل جيل جديد على الخضوع لظروف‬
‫موضوعينة‪ .‬فهنل هذا هنو القضاء المحتوم؟ كل‪ .‬لنننا نن سننرى نن أن الدراسنة العلمينة‬
‫للعلقات الموضوعينة للنتاج تسنمح لننا بفهنم طبيعتهنا والتنبنؤ بتطورهنا والسنراع بهنا‪.‬‬
‫أ ما القول "با ستقلل" الذ هن‪ ،‬في كل منا سبة‪ ،‬ك ما يف عل المثاليون‪ ،‬فأن ذلك ج هل للظروف‬
‫الموضوعينة التني تفرض نفسنها على الذهنن وهنو ل يدري منهنا شيئا‪ .‬لن هذا هنو حنظ‬
‫المف كر المثالي الت عس‪ .‬ف هو يعت مد على وع يه دون أن يت ساءل عن الظروف الموضوع ية‬
‫التني تعمنل على وجود هذا الوعني وفعله فيخينل إلينه أن الوعني يكتفني بذاتنه‪ .‬وهذا وهنم‬
‫تحار به النز عة الماد ية‪ .‬نخلص من الملحظات ال تي قدمنا ها إلى نتي جة مه مة عمل ية‪ .‬فل قد‬
‫برهنا على أن تغييرات مهمة مادية قد تمت عبر التاريخ دون أن يعي الذين شاركوا فيها أو‬
‫أثاروهنا نتائجهنا أو يريدوا هذه النتائج‪ .‬منن الخطنأ القول‪ ،‬إذن‪ ،‬بأن الثورة الشتراكينة لن‬
‫تحدث فني بلد إل إذا آمنن جمينع العمال سنابقا بالنظرينة الثورينة‪ .‬لن مليينن الناس الذينن‬
‫صننعوا بأيديهنم‪ ،‬فني تشرينن الول سننة ‪ ،1917‬الثورة لم يكونوا بعيدي النظنر كمنا كان‬
‫لين ين أو البلشف يك و هم طلي عة الثورة العلم ية‪ .‬ولكن هم ح ين قاموا بهذه المه مة التاريخ ية‬
‫الكبرى كانوا يعملون على تغيير وعيهم الخاص وانتصار النسان الجديد‪ ،‬وهو انتصار تنبأ‬
‫به ماركس علميا‪.‬‬

‫ب) – حَياة المجتمع الرّوحيّة انعكَاس لواقِع المجْتمع المَوضُوعي‬
‫ليست إرادة الناس هي التي تحدد‪ ،‬بصورة اعتباطية‪ ،‬العلقات الجتماعية‪ ،‬كما قلنا‪ .‬بل أن‬
‫وعي الناس يحدده واقع المجتمع المادي الذي هم أعضاء فيه‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫غ ير أن هذا المجت مع ن و سنعود لتف صيل ذلك في الجزء الرا بع من هذا الكتاب ن لم تولده‬
‫معجزة‪ .‬بل هو مجمو عة العلقات ال تي تكو نت لتؤ من للناس نضال ينت صر على الطبي عة‪،‬‬
‫وهني علقات يحددهنا‪ ،‬بالضرورة‪ ،‬مسنتوى قوى النتاج التني يملكهنا الناس والتني يجنب‬
‫عليهم التلؤم معها‪( .‬ل يمكن أن تكون العلقات بين الناس منذ عشرة آلف سنة هي نفس‬
‫العلقات التي أوجدتها الصناعة الحديثة الكبرى)‪.‬‬
‫حتى إذا ما أردنا أن ندرك كيف تكون الفكار الجتماعية انعكاسا للمجتمع وجب علينا النظر‬
‫إلى هذا المجموع المعقد‪.‬‬
‫يدلل التاريخ على أنه كان للناس‪ ،‬في عصور مختلفة‪ ،‬أفكار ورغبات مختلفة فما ذلك إل لن‬
‫الناس كانوا فني هذه العصنور المختلفنة يناضلون ضند الطبيعنة بصنور مختلفنة منن أجنل‬
‫معيشت هم‪ ،‬ولهذا ارتدت علقات هم القت صادية طاب عا مختل فا‪ .‬فل قد جاء ز من كان الناس ف يه‬
‫يناضلون ضد الطبيعة مشتركين على أساس الشيوعية البدائية‪ ،‬فكانت ملكيتهم نفسها‪ ،‬في‬
‫ذلك الوقت‪ ،‬شيوعية‪ ،‬ولهذا لم يكونوا يميزون بين "ما يخصني" و "ما يخصك" فكان وعيهم‬
‫شيوعينا‪ .‬ثنم جاء زمنن تسنرب فينه التميينز بينن "منا يخصنني" و "منا يخصنك" إلى النتاج‪،‬‬
‫فاتخذت الملك ية من ثمّ طابعا خا صا فرديا‪ .‬ولهذا ت سرب الشعور بالملك ية الفرد ية إلى و عي‬
‫الناس‪ .‬وأخيرا أق بل الز من ن و هو زمان نا ن الذي ات خذ ف يه النتاج طابعا اجتماعيا جديدا‪.‬‬
‫ولهذا لم تعتنم الملكينة بدورهنا‪ ،‬أن اتخذت طابعا اجتماعيا وأخذت الشتراكينة تتسنرب شيئا‬
‫فشيئا إلى وعي الناس‪.‬‬
‫ندرك الن خطأ النزعة المادية الساذجة‪ ،‬فهي تلحظ أن ليس هناك فكر بدون دماغ فتستنتج‬
‫من ذلك أن الفكار الجتماعية تقوم على أساس عضوي صرف‪ .‬فإذا ما غيرنا جسم النسان‬
‫غيرنا بذلك أفكاره السياسية!‬
‫تل حظ النز عة الماد ية الفل سفية‪ ،‬ب حق‪ ،‬أن الدماغ هو ع ضو التفك ير‪ .‬وأن هذا الدماغ نف سه‬
‫مرت بط بالظروف الموضوع ية ال تي تع مل على وجود الناس‪ :‬ف هو دماغ كائن اجتما عي‪ .‬أو‬
‫ك ما ك تب مار كس يقول‪" :‬الن سان في واق عه هو مجموع العلقات الجتماع ية"‪ .‬ينع كس إذن‬
‫في دماغ المفكر "مجموع العلقات الجتماعية" (أما أن النسان يجهل ذلك أو أن أحد فلسفة‬
‫الجامعات لم يفكر به فهذا ل يغير من المر شيئا)‪.‬‬
‫والدين أصدق مثال على أن الفكار انعكاس للواقع‪.‬‬
‫يقول المثاليون‪ ،‬على غرار اللهوتي ين‪ ،‬أن كل إن سان ي جد من تلقاء نف سه في داخله فكرة‬
‫‪92‬‬

‫ال‪ ،‬وأن هذه الفكرة موجودة مننذ بداينة النسنانية‪ ،‬وأنهنا سنوف تسنتمر باسنتمرارها‪.‬‬
‫والواقننع أن فكرة ال هنني ثمرة وضننع الناس الموضوعنني فنني المجتمننع القديننم‪.‬‬
‫ويقول انجلز أن الدينن يولد منن نظريات النسنان المحدودة‪ ،‬وهذه النظريات محدودة بعجنز‬
‫الناس البدائي ين المطلق تقري با أمام الطبي عة المعاد ية ال تي كانوا ل يفهمون ها‪ .‬و هي محدودة‬
‫من ناح ية ثان ية بتعلق هم الع مى بالمجت مع الذي ل يفهمو نه والذي كان يبدو ل هم أ نه ت عبير‬
‫عن إرادة سامية‪ .‬وهكذا كانت اللهة‪ ،‬وهي الكائنات المهمة الجبارة المسيطرة على الطبيعة‬
‫والمجتمننع‪ ،‬انعكاسننا ذاتيا لعجننز الناس الموضوعنني أمام الطبيعننة والمجتمننع‪.‬‬
‫وكان على تقدم العلوم الطبيعينة والجتماعينة أن يظهنر طابنع المعتقدات الدينينة الوهمني‬
‫(العتقاد بوجود آلهة متعددة ثم العتقاد بوجود آله واحد)‪ .‬ومع ذلك فطالما استمر استغلل‬
‫الن سان للن سان ا ستمرت الظروف الموضوع ية ال تي تح مل على العتقاد بوجود كائن فوق‬
‫البشر يوزع السعادة والشقاء على الناس‪ .‬أو كما يقولون‪" :‬النسان يرجو ويأمل وال يحكم‬
‫ويقرر"‪.‬‬
‫ولهذا كان الفلح في رو سيا القدي مة‪ ،‬و قد أره قه الف قر وف قد كل أ مل بالم ستقبل‪ ،‬ي ستسلم‬
‫للرادة الله ية‪ .‬ولقد جاءت الثورة الشتراكية فوضعت في يد المجت مع ال سيطرة على قوى‬
‫النتاج ومكنته‪ ،‬في نفس الوقت‪ ،‬من إدارة المجتمع بصورة علمية‪ ،‬كما زادت في سيطرته‬
‫على الطبي عة‪ .‬فوجدت عندئذ الظروف الموضوع ية لتنم حى من و عي الناس الفكار الدين ية‬
‫التي ولدتها ظروف موضوعية أخرى‪.‬‬
‫وكذلك فأن الفكار الخلق ية هي انعكاس للعلقات الجتماع ية الموضوع ية وللت طبيق العملي‬
‫الجتماعني‪ .‬يرى المثاليون فني الخلق مجموعنة منن المبادىء الخالدة المسنتقلة عنن‬
‫الظروف الخارجية فهي تأتينا من عند ال أو يفرضها علينا "الضمير" المعصوم عن الخطأ‪.‬‬
‫ولكن يكفي أن نعلم أن الوصية القائلة "لن تقتل قط" لم توجد وتصبح ذات مغزى أل بعد أن‬
‫ظهرت الملكية الخاصة‪.‬‬
‫و سوف تف قد فكرة ال سرقة‪ ،‬في المجت مع الشيو عي‪ ،‬كل أ ساس واق عي لن أزدياد الخيرات‬
‫سنيبلغ حدا تزول معنه الحاجنة إلى السنرقة‪ .‬فكينف نتحدث إذن عنن أخلق خالدة؟ تتغينر‬
‫الخلق مع المجتمع وبواسطته‪ .‬ولما كان المجتمع يتطور بواسطة نضال الطبقات فأن هناك‬
‫نضا ًل آخنر بينن أخلق الطبقنة المسنيطرة وأخلق الطبقنة المسنتغلة (بالفتنح)‪ ،‬يسنيطر على‬
‫الخلق الولى روح محافظ أو رجعي‪ ،‬ويسيطر على الخرى روح ثوري‪ .‬ولما كانت الطبقة‬
‫المسيطرة تملك‪ ،‬خلل سنوات طويلة‪ ،‬الوسائل القوية لفرض أفكارها فأن مليين الناس تقبل‬
‫أخلق الطبقة المسيطرة على أنها الخلق الوحيدة‪ .‬ويذهب ضحية هذا الوهم أعضاء الطبقة‬
‫المسيطرة أنفسهم‪.‬‬
‫ولنضرب لذلك مثل‪ :‬قامت البرجوازية الفرنسية الثائرة في القرن الثامن عشر بهجومها ضد‬
‫القطاع باسنم الحرينة والعقنل والعدالة الخالدة‪ .‬فكاننت تجعنل منن مصنالح‪ ،‬كطبقنة ثورينة‪،‬‬
‫مصالح النسانية عامة‪ .‬وكانت مخلصة في ذلك‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫غير أن انتصار الثورة البرجوازية جعل للكلمات معناها الحقيقي والتاريخي‪ .‬فدللت على أن‬
‫هذه الفكار الخلقية الشاملة هي التعبير عن المصالح الخاصة بطبقة معينة‪ :‬الحرية؟ أجل‬
‫حر ية البرجواز ية بأن تن تج وتتا جر من أ جل أرباح ها الطبق ية‪ ،‬وأن تحت فظ لنف سها بال سلطة‬
‫السياسية الخ‪..‬‬
‫وكانت تأبى هذه البرجوازية‪ ،‬التي قامت بالثورة تحت شعار الحرية‪ ،‬على البروليتاريا حرية‬
‫تألينف النقابات والنضال عنن طرينق الضراب‪ .‬الخ‪ .‬فشنقنت "بابوف" باسنم الخلق الخالدة‬
‫لنه أراد إلغاء الملكية البرجوازية‪ .‬ولهذا قال انجلز‪:‬‬
‫"نعلم اليوم أن حكم العقل هذا لم يكن سوى حكم البرجوازية فكريا‪ ،‬وأن العدالة الخالدة كما‬
‫أعلن عنها آنئذ قد تحققت تماما في العدالة البرجوازية‪.‬‬
‫فهل يعني هذا أنه لن يكون هناك قط أخلق شاملة؟ كل‪ .‬فلسوف تصبح الخلق عامة بين‬
‫الناس حين تتح قق‪ ،‬ب صورة موضوعية‪ ،‬الظروف الجتماعية التي تجعل هذه الخلق فعالة‬
‫ن أي حين يلغي انتشار الشيوعية العالمي كل تعارض للمصالح بين الناس‪ ،‬كما يلغي جميع‬
‫الطبقات‪.‬‬
‫يفتح نضال البروليتاريا الثوري ضد البرجوازية (وضد أخلقها الشاملة المزعومة) الطريق‬
‫أمام انت صار أخلق شاملة إن سانية ول يس انت صار فل سفة المثالي ين المشو شة‪ .‬أفل يمكن نا‪،‬‬
‫اليوم‪ ،‬أن نتوصنل لهذه الخلق الشاملة؟ كل‪ .‬فلقند تحققنت مبادئهنا التني تدعنو للتعاون‬
‫الخوي‪ ،‬لول مرة منذ المجتمع الرأسمالي‪ ،‬في أخلق الطبقة الثورية ال وهي البروليتاريا‪.‬‬
‫ول سيما في البلد ال تي انت صرت في ها الثورة الشتراك ية‪ .‬فبين ما أقا مت البرجواز ية‪ ،‬في‬
‫قضائها على القطاع‪ ،‬استغلل مكان آخر فلقد قضت البروليتاريا‪ ،‬بقضائها على الرأسمالية‪،‬‬
‫على كل استغلل للنسان بواسطة النسان‪.‬‬
‫لن القضاء على التناقضات الطبقينة يمهند السنبيل لزدهار الخلق الشيوعينة الشاملة التني‬
‫تكون أخلق طبقة البروليتاريا الثورية أول صورة لها‪.‬‬
‫نرى أن تعارض الفكار الخلقينة عنبر التارينخ‪ ،‬وبصنورة عامنة‪ ،‬تعارض الفكار‪ ،‬يعكنس‬
‫تعارض المصنالح فني الطبقات الجتماعينة المتناحرة‪ .‬ولهذا يمكنننا أن نفهنم سنبب تطور‬
‫الفكار الجتماع ية‪ .‬فإذا انتقلت البرجواز ية‪ ،‬مثل‪ ،‬في فرن سا‪ ،‬خلل مئة و ستين عا ما‪ ،‬من‬
‫النزعنة الشمولينة الخلقينة القائلة بأن الناس جميعنا أخوة إلى النزعنة العنصنرية الفاشينة‬
‫القائمنة على كراهينة اليهود واضطهاد العمال الفريقيينن الشماليينن‪ ،‬فأن ذلك يفسنره تطور‬
‫هذه الطب قة المادي‪ .‬ف هي كا نت تعت قد‪ ،‬ح ين كا نت ثور ية كا نت ثور ية‪ ،‬أن ها ت ستطيع التكلم‬

‫‪94‬‬

‫با سم جم يع الناس‪ .‬ح تى إذا ما هدد ها الخ طر بررت سيطرتها واد عت صفاء دم ها‪ ،‬وهكذا‬
‫كان يفعل القطاعيون!‬

‫ج) – كيفَ تتولّد الفكَار الجَديدَة وَالنظريّات الجتماعيّة الجَدِيَدة‬
‫تعت قد النز عة المثال ية أن الفكار تتولد في ذ هن الناس دون أن يعرفوا سببها م ستقلة عن‬
‫ظروف حياتهنم‪ .‬غ ير أن النزعنة المثالينة تعجنز عنن الرد على السنؤال التالي‪ :‬لماذا ظهرت‬
‫فكرة ما في أيامنا هذه ولم تظهر في القدم؟‬
‫ل تعت قد النز عة الماد ية الجدل ية‪ ،‬و هي ال تي ل تف صل قط الفكار عن أ ساسها الموضو عي‪،‬‬
‫ول تؤمنن بأن الفكار الجديدة تتولد بصنورة سنحرية‪ .‬تتولد ألفكار الجديدة كحنل لتناقنض‬
‫موضوعني نشنأ فني المجتمنع‪ .‬فنحنن نعلم بأن الدافنع على كنل تغيينر هنو التناقنض ( انظنر‬
‫الدرس الخا مس)‪ .‬لن ن مو التناقضات دا خل مجت مع مع ين يث ير مه مة حل ها ع ند اشتداد ها‪.‬‬
‫فتظهر حينئذ الفكار الجديدة كمحاولة لحل هذه التناقضات‪.‬‬
‫وهكذا فأن ن مو التناقضات الخا صة بالمجت مع القطا عي ن أي النف صال ب ين علقات النتاج‬
‫القديمة وقوى النتاج الجديدة ن هو الذي ولد الفكار الثورية في الطبقة الصاعدة‪ :‬فإذا بنا‬
‫نش هد ظهور مشار يع ال صلح الجتما عي وال سياسي بالمئات‪ .‬ول قد حدث ما يش به ذلك في‬
‫المجتمنع الرأسنمالي‪ ،‬فقند تولدت الفكار الشتراكينة لحنل التناقضات التني كان يشقنى بهنا‬
‫مليين الرجال والنساء والطفال‪ .‬ومما يميز كبار المجددين قدرتهم على حل المشاكل التي‬
‫هي انعكاس لتناقضات المجت مع الموضوع ية‪ ،‬وال تي تعترض و عي معا صري هذه المشا كل‪.‬‬
‫لن الن سانية ل تث ير سوى المشا كل ال تي يمكن ها أن تحل ها‪ ،‬ولن المشكلة ل تبدو ال ح يث‬
‫توجننند الظروف المادينننة لحلهنننا أو أن هذه الظروف قننند أخذت فننني الظهور‪.‬‬
‫وتبدو هذه الجملة غير مفهومة لمن لم يتعرف على النزعة المادية الجدلية وهي تفسر كما‬
‫يلي‪ :‬أن منن يقول بوجود "مشكلة" يقول بوجود "تناقنض" يجنب حله‪ .‬ومنا التناقنض سنوى‬
‫نضال ب ين القد يم والجد يد! فإذا ما ظ هر تنا قض ما فمع نى ذلك أن الجد يد قد و جد ب صورة‬
‫جزئية ولو أنه لم يولد بعد‪ .‬مثال ذلك أن الخطر ل يمكن أن يهدد المجتمع القطاعي إل حين‬
‫تأ خذ القوى المتناق ضة في داخله‪ ،‬بالع مل‪ ،‬تلك القوى ال تي ستقضي عل يه في ما ب عد (و هي‬
‫الصناعة والبرجوازية)‪.‬‬
‫وكان حنل هذه المشكلة هنو انتصنار هذا الجديند الذي كان يبحنث عنن طريقنة للظهور‪.‬‬
‫د) – َمسْألة الثَار البَاقية‬

‫‪95‬‬

‫تت يح ل نا النظر ية ال تي عرضنا ها في هذا الدرس أن نو ضح ميزة مه مة لتار يخ الفكار إل‬
‫وهي مسألة الثار الباقية‬
‫فهناك أثنر باق حينن تسنتمر فكرة فني الذهان بينمنا زالت الظروف الموضوعينة التني يقوم‬
‫عليها وجودها‪.‬‬
‫وهناك نظر ية أ ساسية في النز عة الماد ية الفل سفية تقول بأن الو عي ل حق للوا قع المادي‬
‫(الطبي عة والمجت مع)‪ .‬فالو عي يتأ خر عن الو ضع الموضو عي‪ .‬وهكذا يع يش الحذّاء الذي‬
‫تحدث عننه سنتالين حياة عامنل بصنورة موضوعينة بينمنا هو يحتفنظ بعنض الوقنت بوعني‬
‫برجوازي صغير‪.‬‬
‫وكذلك يتأ خر الناس‪ ،‬الذ ين يعيشون في مجت مع يتغ ير‪ ،‬في إدراك هم لهذه التغيرات‪ .‬ح تى إذا‬
‫ما ظهرت هذه التغيرات حاولوا البحث عن الحلول بين الفكار القديمة التي احتفظوا بها من‬
‫الماضني‪ .‬وتقنف هذه الفكار الباقينة منن الماضني (وهني الفكار التني ولدت فني ظروف‬
‫موضوعية قديمة) في وجه الفكار الجديدة التي تتعلق بالظروف الموضوعية الجديدة‪ .‬مثال‬
‫ذلك‪ :‬كان العمال الذ ين كا نت تستغلهم البرجوازية ال صناعية‪ ،‬في مطلع الرأ سمالية‪ ،‬يبحثون‬
‫عنن حنل لشقائهنم فني عودة خيالينة إلى الصنناعة اليدوينة فأخذوا فني تحطينم اللت‪.‬‬
‫ولكنن على الفكار الباقينة أن تتراجنع كلمنا نمنت التناقضات الموضوعينة‪ ،‬فتبدو العودة إلى‬
‫الماضني مسنتحيلة‪ ،‬بينمنا يقوى سناعد الفكار الجديدة‪ ،‬التني تتفنق منع القوى الموضوعينة‬
‫الصنننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننناعدة‪.‬‬
‫يمتد وجود الماضي في الوعي حتى يصبح الحاضر غير محتمل فتمس الضرورة للبحث عن‬
‫الجديد فينتصر المستقبل عندئذ‪.‬‬

‫‪ – 4‬الخلصَة‬
‫كان لعنوان هذا الدرس ما يبرره‪ .‬إذ يجب علينا العتماد على حياة المجتمعات المادية لفهم‬
‫حياتهنا الروحينة‪ ،‬ونسنتخلص منن ذلك بعنض التعالينم ذات الهمينة العملينة الكنبيرة‪.‬‬
‫‪ 1‬ن المشاكل الوحيدة التي يمكن حلها في زمن معين هي تلك التي تثيرها حاجات المجتمع‬
‫الواقعية‪ .‬ولهذا يقيم الماركسيون عملهم على دراسة عميقة للظروف الموضوعية‪ ،‬في زمن‬
‫معين‪ ،‬ولهذا كان عملهم مثمرا‪ .‬فهم يعارضون في ذلك نزعة "بلوم" المثالية التي تنكر طابع‬
‫الوقائع الجتماعينة المادي‪ ،‬ول سنيما الوقائع القتصنادية‪ ،‬فتجعنل منن الشتراكينة نزعنة‬
‫صوفية‪ ،‬فيكون بذلك مصير كل عمل الفشل‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫‪ 2‬ن ل يجب على المناضل الثوري‪ ،‬في علقاته مع العمال‪ ،‬أن يكتفي بما يفكر به هؤلء‬
‫العمال‪ .‬فالفكار ش يء والظروف الماد ية ش يء آ خر‪ .‬إذ يم كن للعا مل أن يخ ضع‪ ،‬على غ ير‬
‫وعي منه‪ ،‬لتأثير الفكار البرجوازية فتكون أفكاره محافظة‪.‬‬
‫فهل هذا م ما يد هش؟ كل‪ .‬لن الطب قة الم سيطرة‪ ،‬في ن فس الو قت الذي تستغل ف يه العمال‪،‬‬
‫تبذل كنل جهدهنا لقناعهنم بأن هذا هنو الكمال‪( .‬ذلك لن الخلق الرسنمية التني تلقنن فني‬
‫المدارس ل تعلم النضال الطبقي بل الرضى بالواقع)‪.‬‬
‫فل ي جب إذن مؤاخذة هذا العا مل لن أفكاره الخاطئة ت عبر عن الوا قع الموضو عي لمجت مع‬
‫ت سيطر ف يه البرجواز ية‪ .‬وفوق هذا يع مد الثوري‪ ،‬بالضا فة إلى تعدد الراء ال تي تفرق ب ين‬
‫العمال‪ ،‬إلى التحلينننل المادي للظروف الموضوعينننة فيوضنننح وحدة المصنننالح‪.‬‬
‫وهكذا تقوم وحدة العمنل‪ .‬وتصنبح وحدة العمنل هذه ممكننة لن منا يحدد ظروف النضال‬
‫الطبقي ليست الفكار بل ظروف النضال الطبقي هي التي تحدد الفكار‪ .‬ولهذا توجه موريس‬
‫توريز إلى العمال الكاثوليك عام ‪ 1936‬بقوله‪ :‬أنهم عمال مثلنا نحن الشيوعيين‪ .‬فلنتحد‬
‫في النضال المشترك من أجل مصلحة شعبنا ووطننا"‪.‬‬
‫‪ 3‬نن دللننا فني هذا الدرس على أن تغينر الفكار له أسناس مادي‪ .‬ولهذا نتائج مهمنة فني‬
‫تربية العمال الثورية‪ ،‬إذ ل يمكن تمثل الفكار الثورية إل في النضال وبواسطته في المصنع‬
‫وفي المكتب‪ .‬ويجعل النضال الجتماعي (وهو ظرف موضوعي) التغيرات المهمة في وعي‬
‫العمال ممك نة‪( .‬وهذا هو النعكاس الذا تي)‪ .‬وهكذا يقوم العمال‪ ،‬الذ ين لم ي صبحوا ثوري ين‪،‬‬
‫بتجربتهم خلل نضالهم لحل تناقضات المجتمع الرأسمالي الموضوعية‪ .‬فيكتشفون بمساعدة‬
‫الطليعة الماركسية اللينينية حلول مصائبهم فيصبحون بدورهم ثوريين‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫الدّرس الثالث عشر‬
‫تأثير الفكار في الحَيَاة الجتماعِيّة وأهمّيتها‬

‫‪ – 1‬مثال‬
‫‪ – 2‬خطأ النزعة المادية الساذجة‬
‫‪ – 3‬النظرة المادية الجدلية‬
‫أ) اصل الفكار المادي هو الذي يضفي عليها القوة‬
‫ب) الفكار القديمة والفكار الجديدة‬
‫ج) عمل الفكار الجديدة هو التنظيم والتعبئة والتحويل‬
‫‪ – 4‬الخلصة‬

‫‪ – 1‬مثَالٌ‬
‫هناك قول باطنل شائع يقوم على العتقاد بأن النزعنة المادينة الماركسنية ل تقينم أي وزن‬
‫للفكار ول تعترف لها بأية أهمية أو أي عمل‪.‬‬
‫وسوف يدلل هذا الدرس على أن هذا خطأ وأن الماركسيين يهتمون بالفكار والنظريات على‬
‫السنواء‪ ،‬ولقند برهنن على ذلك ماركنس نفسنه‪ .‬فلو أننه لم يعترف للفكار بأي سنلطان لمنا‬
‫كرس حيا ته لتكو ين نظري ته الثور ية ونشر ها‪ .‬ك ما بر هن على ذلك زملؤه من المناضل ين‬
‫الشيوعيينن الذينن هنم أول منن يضرب المثنل فني أحلك سناعات النضال‪ ،‬ويضحون‪ ،‬عنند‬
‫الضرورة‪ ،‬ببطولة‪ ،‬بحياتهم في سبيل انتصار مثل الشتراكية السامية‪.‬‬
‫فلنعند إلى المثال الذي قدمننا بنه للدرس السنابق‪ ،‬إل وهنو الفكرة التني اذاعتهنا الونسنكو‬
‫والقائلة بأن الحروب تولد " في و عي الناس" وأ نه تك في تهدئة العقول للقضاء على الحرب‪.‬‬
‫رأيننا أن هذه الفكرة ل تصنمد أمام امتحان مادي‪ ،‬لن الحرب نن وفكرة الحرب نن تصندران‬
‫عن واقع المجتمعات المادي‪.‬‬
‫‪98‬‬

‫وبالر غم من خ طأ نظر ية الون سكو هذه فأن ل ها أهم ية كبيرة مع ذلك‪ .‬ف هي‪ ،‬عمل يا‪ ،‬تقوم‬
‫بدور محدد جدا‪ :‬فهي تعمل‪ ،‬من وراء ستار محاربة الحرب‪ ،‬على الحيلولة دون البحث عن‬
‫أسنباب الحرب الحقيقينة! لن هذه النزعنة المثالينة‪ ،‬بادعائهنا أن "وعني الناس" هنو مصندر‬
‫الحرب‪ ،‬تخ في م سؤوليات المجرم ين الحقيقي ين الواقع ية أل و هم الم ستعمرون‪ .‬تح سن هذه‬
‫النزعة المثالية القول ولكنها تسيء إلى قوى السلم وتحبذ قوى الحرب‪ .‬إذ ليس "دعاة تهدئه‬
‫العقول" الحقيقيون هنم أولئك الذينن يخفون عنن العقول‪ ،‬تحنت سنتار منن النزعنة المثالينة‪،‬‬
‫أ سباب الحرب الموضوع ية‪ ،‬بل هم أولئك الماديون‪ ،‬الذ ين يحللون هذه ال سباب ويفضحون‬
‫المستعمرين المعتدين‪.‬‬
‫لينس صنحيحا إذن أن الماركسنية تهمنل قوة الفكار‪ .‬ويقول سنتالين‪" :‬لقند قلننا بأن حياة‬
‫المجتمنع الروحينة هني انعكاس لظروف حياتنه المادينة‪ .‬أمنا فيمنا يتعلق بأهمينة الفكار‬
‫والنظريات الجتماعينة‪ ،‬والراء والمؤسنسات السنياسية ودورهنا فني التارينخ فأن النزعنة‬
‫المادية التاريخية‪ ،‬بدل من أن تنكرها‪ ،‬تشير‪ ،‬على العكس‪ ،‬إلى دورها وأهميتها الكبرى في‬
‫الحياة الجتماعية وفي تاريخ المجتمع‪.‬‬
‫ولمنا كاننت الفلسنفة الماركسنية مادينة فهني تبحنث عنن أصنل الفكار الجتماعينة فني حياة‬
‫المجتمات المادينة‪ .‬ولمنا كاننت جدلينة فهني تدلل على أهميتهنا الموضوعينة وتحدد دورهنا‬
‫الحقيقي‪ :‬وهذا موضوع درسنا الثالث عشر‪.‬‬
‫خطَأ النزعة الماديّة السّاذجَة‬
‫‪َ –2‬‬
‫أن من يأخذون على النزعة الماركسية إهمالها للفكار يرفعون عليها دعوى باطلة عن قصد‬
‫أو غ ير ق صد‪ .‬ف هم ين سبون إلي ها خ طأ النز عة الماد ية ال ساذجة‪ .‬لن نكران أهم ية الفكار‬
‫موقف ضد العلم حاربته النزعة المادية الجدلية دائما‪.‬‬
‫"يختلف تفكير نا في الق صر ع نه في الكوخ" هذا القول لفورباخ و هو يدل على ال سذاجة‬
‫والغموض‪ .‬فهو ينسى أن من بين الظروف التي تحدد نظريات النسان الفكار البالية‪ .‬حتى‬
‫أن سناكن الكوخ يمكننه أن تكون له مطامنح أمينر! كمنا يمكنن للعامنل أن تكون له مطامنح‬
‫البرجوازي الصنغير! هنل كان الحذّاء الجورجني الذي تحدث عننه سنتالين يعتننق الفكار‬
‫الشتراكية لو أن هذه الفكار لم توجد ولم تقم بدورها في المجتمع؟‬
‫ل حيا‬
‫يضرب جاستون مونموسو في كتابه ‪ La Musette de Jean Brécot‬مث ً‬

‫‪99‬‬

‫ن أقرأ فصل " بقرة نبيل" ص ‪ 84‬ن على هذه الحقيقة‪ ،‬وهي أن بعض الفراد يمكنهم أن‬
‫يحتفظو وقتا طويلً بأفكار تتعارض مع ظروف معيشتهم المادية‪.‬‬
‫أن النظريات اللينة فني النزعنة المادينة المعارضنة للجدلينة نن ونسنميها بالنزعنة المادينة‬
‫الساذجة‪ ،‬معارضة للنزعة المادية العلمية ن خطيرة جدا‪ .‬لماذا؟ لنها تخدم النزعة المثالية‪.‬‬
‫لن النزعنة المادينة السناذجة بإنكارهنا عمنل الفكار تترك المجال أمام الفلسنفة المثالينن‬
‫لحتلل الميدان الذي تركوه لهم‪ .‬فنجد أمامنا من جهة نزعة مادية تفقر الواقع؛ ومن ناحية‬
‫أخرى "فيض النفس" الذي تحمله النزعة المثالية "للتعويض عن هذا النقص" فما هو موقف‬
‫النزعة المادية الجدلية؟‬
‫بين ما ترى الماد ية الل ية أن الو عي ل يس سوى انعكاس سلبي للوجود المادي‪ ،‬فأن النز عة‬
‫المادينة الجدلينة تعتقند أن الوعني الجتماعني هنو انعكاس حقنا ولكننه انعكاس فعال‪.‬‬
‫ونحنن نعلم أن الواقنع هنو حركنة (القانون الثانني للجدلينة‪ ،‬راجنع الدرس الثالث)‪ ،‬وأن كنل‬
‫مظهنر منن مظاهنر الواقنع حركنة أيضا‪ .‬والفكار والنظريات‪ ،‬وأن كاننت لحقنة على المادة‪،‬‬
‫فهي مظاهر من الواقع بأكمله‪ .‬فلماذا ل نعترف لها بالصفة الساسية لكل ما هو كائن؟ لماذا‬
‫ل نعترف لها بالحركة والنشاط؟ الجدلية شاملة عامة‪ :‬فهي تظهر إذن الفكار كما تظهر في‬
‫الشياء‪ ،‬في الوعي الجتماعي كما تظهر في النتاج‪.‬‬
‫والنظرية التي ل تعترف للفكار بأي قوة أو سلطان هي نظرية معارضة للجدلية بمعنى آخر‪:‬‬
‫ونحن نعلم (القانون الول للجدلية‪ ،‬راجع الدرس الثاني) أن الواقع هو ترابط جميع مظاهر‬
‫الواقع‪ ،‬وتأثير كل منها في الخر‪ .‬ينتج عن ذلك أن حياة المجتمع الروحية‪ ،‬لما كانت مشتقة‬
‫من الحياة الماد ية‪ ،‬فأن ها ل تنف صل عن هذه الحياة الماد ية؛ ف هي تؤ ثر بدور ها على حياة‬
‫المجتمعات المادية‪.‬‬
‫ولهذا فأن تطبيق قوانين الجدلية ل يظهر فقط أهمية الفكار والنظريات الجتماعية بل ينتج‬
‫لنا فهم عملها‪.‬‬
‫ولقد عبر عن هذه العلقة المتبادلة وتفاعل المجتمع الفكار كما يلي‪:‬‬
‫الوضع القتصادي هو الساس ولكن صور النضال الطبقي السياسية ونتائجها ن والدساتير‬
‫القائ مة ب عد فوز الطب قة المنت صرة‪ ،‬وال صور التشريع ية وانعكا سات جم يع صور هذا النضال‬
‫الحقيقي في أدمغة المشتركين بها في النظريات السياسية والتشريعية والفلسفية والنظريات‬
‫الدينينة ثنم تطورهنا فيمنا بعند إلى نظنم عقيدينة نن كنل ذلك يؤثنر فني مجرى ألوان النضال‬
‫التاريخي ويحدد صورته‪ .‬فهناك فعل ورد فعل تقوم بهما جميع العناصر‪.‬‬
‫‪100‬‬

‫كما كتب انجلز يقول‪" :‬يا لها من فكرة بلهاء تلك الفكرة التي ينادي بها المفكرون تقول بأنه‬
‫لما كنا ل نعترف لمختلف الفكار التي تقوم بدور في التاريخ بأي نمو تاريخي مستقل فأننا‬
‫ل نعترف ل ها أي ضا بأ ية فعال ية تاريخ ية‪ .‬ويقول انجلز أن هذه فكرة غ ير جدل ية عن ال سبب‬
‫والنتيجة كأنهما قطبان معارض كل منهما للخر بصورة شديدة‪.‬‬
‫كمنا يقول يبدو له بديهيا القول بأن وجهنة النظنر الفكرينة تؤثنر بدورهنا على السناس‬
‫القتصادي ويمكن أن تغيره نوعا ما‪ ،‬وحينما يدعي "بارت" أننا أنكرنا كل رد فعل للنعكاسات‬
‫ال سياسية الخ‪ ،‬وانعكاس الحر كة القت صادية على ن فس هذه الحر كة فأ نه في ذلك ي قف في‬
‫وجه طواحين الهواء‪.‬‬
‫أن ما ين قص هؤلء ال سادة جميعا هي الجدل ية‪ .‬ل يرون ه نا سوى ال سبب ول يرون هناك‬
‫سنوى النتيجنة أمنا أن مجرى الشياء يحدث بصنورة فعنل ورد فعنل لقوى غينر متسناوية‬
‫وأهمها وأشدها وقعا الحركة القتصادية فأنهم ل يرون كل هذا‪.‬‬
‫ويعتمد بعض العاملين على تبسيط النز عة المادية على أن القوانين القتصادية هي أ ساس‬
‫التطور التاريخني فيخلصنون إلى نتيجنة خاطئة وهني أنهنم يعتقدون أننه يكفني أن ندع هذه‬
‫القوانين تعمل بنفسها دون أن نقوم بأي عمل‪ .‬وهكذا يدعون النسان إلى العجز والتقاعس‪.‬‬
‫بيد أن التجربة تدلل على أنه كلما ازدادت معرفة الناس لقوانين المجتمع الموضوعية كلما‬
‫ازدادت فعالينة نضالهنم ضند القوى الجتماعينة الرجعينة التني تعترض سنبيل تطنبيق هذه‬
‫القوانين لنها تضر بمصالحهم الطبقية‪.‬‬
‫فكيف ننكر من ثم عمل الوعي الذي يعرف هذه القوانين؟ كيف ننكر قوته وهو يتمتع بهذه‬
‫النتائج؟‬
‫فإذا كان الناس يعلمون قوانيننن التطور الجتماعنني اسننتعانوا بهذه القوانيننن وإذا كانوا‬
‫يجهلونهنا كانوا ضحيتهنا‪ .‬وهكذا تسناعد معرفنة أسنباب الحرب السنتعمارية العلمينة على‬
‫النضال بصورة فعالة ضد هذه الحرب‪ .‬فإذا ما قال الماركسيون‪ ،‬مع ستالين‪ ،‬أن الحروب "ل‬
‫يمكن تفاديها بين الشعوب الرأسمالية‪ ..‬تستنتج النزعة المادية الساذجة بأن الحروب قضاء‬
‫مقدر‪ .‬فيشبهون في ذلك نزعة اللهوتي المثالية الذي يعتبر الحرب عقابا إلهيا‪ .‬والقول بأن‬
‫الرأسنمالية تجعنل منن الصنعب تفادي الحروب كالقول بأن الرأسنمالية بطبيعتهنا تولد الحرب‬
‫الستعمارية‪ .‬ولكن إذا كانت الرأسمالية السبب الضروري للحروب فل يكفي وجودها لشعال‬
‫نار الحرب‪ ،‬لماذا؟ لننه يجنب أن ترضنى الشعوب أيضنا بخوض غمار هذه الحرب‪ .‬يحتاج‬
‫الرأسماليون إلى جنود‪ .‬ومن هنا كانت سياستهم الحربية‪ ،‬وفلسفتهم الحربية التي تسعى إلى‬
‫إقناع الشعوب بأنه يجب خوض غمار الحرب‪ :‬ولهذا يسعون للعمل بشكل يتحقق معه قانون‬
‫الرأ سمالية لم صلحتهم‪ .‬ول كن م تى ناضلت الشعوب جنبا إلى ج نب‪ ،‬دون أن تنت ظر سياسة‬

‫‪101‬‬

‫الحرب وفل سفة الحرب فأن ها‪ ،‬تم نع الرأ سماليين من تحق يق الظروف الممهدة للحرب‪ .‬نرى‬
‫من ه نا أهم ية الفكار‪ .‬ل قد أ صبحت فكرة امكان ية التعا يش ال سلمي ب ين نظام ين اجتماعي ين‬
‫مختلف ين ح جر عثرة في و جه الحملة ضد التحاد ال سوفياتي‪ .‬لماذا؟ لن الجماه ير قد أ خذ‬
‫يزداد تم سكها بهذه الفكرة‪ .‬بين ما الرأ سمالية‪ ،‬ال تي هي بحا جة للحرب‪( ،‬ولهذا كا نت الحرب‬
‫ضرورينة لهنا) ل يمكنهنا ارضاء هذه الحاجنة إذا قالت الشعوب‪ ،‬كل (ولهذا كاننت الحرب‬
‫ليست قضاء محتوما)‪.‬‬
‫‪ 3‬ن النْظريّة المَاديَة الجَدَليّة‬
‫أ) – أصْل الفكَار المَادّي هُو الذي يُضفي عَليهَا القوّة‬
‫تؤكد النزعة المادية الجدلية إذن‪ ،‬في نفس الوقت الذي تؤكد فيه طابع القوانين الجتماعية‬
‫الموضوعي ن ول سيما القوانين القتصادية ن عمل الفكار الموضوعي (مما يتيح للناس‬
‫التعجينل بعمنل القوانينن الجتماعينة أو تأخيره‪ ،‬وكذلك تشجيعنه أو اعاقتنه)‪ .‬وسنوف يقول‬
‫بعض سجناء النزعة المادية الساذجة‪" :‬هذا غير منطقي فإما هذا المر أو ذاك! اما أن نقول‬
‫بقوة "العا مل الموضو عي" أو نقول بقوة "العا مل الذا تي"‪ .‬ي جب الختيار بينه ما‪ .‬وهذا مو قف‬
‫ميتافيزيقننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننني‪.‬‬
‫ل تج عل النز عة الماد ية الجدل ية من المادة والف كر مبدأ ين منف صلين‪ .‬بل ه ما مظهران و كل‬
‫منهما واقعي كالخر‪.‬‬
‫فهما من طبيعة واحدة أو مجتمع واحد‪ ،‬ول يمكن تمثيل كل منهما على حدة‪ ،‬فهما يعيشان‬
‫وينموان معننا وليننس هناك مننا يدعننو إلى القول بأن كل منهمننا ينفنني الخننر‪.‬‬
‫ويقول ستالين أي ضا‪" :‬الطبي عة واحدة ل تنق سم و هي تبدو في صورتين مختلفت ين‪ :‬صورة‬
‫مادينة وصنورة فكرينة‪ ،‬وكذلك الحياة الجتماعينة واحدة ل تنقسنم وتبدو فني صنورتين‬
‫مختلفت ين‪ :‬صورة ماد ية و صورة فكر ية‪ :‬هكذا ي جب علي نا إن نن ظر لتطور الطبي عة والحياة‬
‫الجتماعينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫مع العلم بأن ال صورة الماد ية سابقة على ال صورة الروح ية‪ .‬ولهذا ل تقول النز عة الماد ية‬
‫الجدلية بسلطان الفكار على العالم بل هي تجعل هذا السلطان مفهوما‪ .‬وأما النزعة المثالية‬
‫ف هي‪ ،‬على الع كس‪ ،‬تف صل الفكار عن مجموع الوا قع فتج عل من ها كائنات سرية غام ضة‬
‫فنتساءل عندئذ كيف يمكن هذه الفكار أن تؤثر في عالم (طبيعة أو مجتمع) ل علقة لها به‪.‬‬
‫لن عزلة الفكار الرائعة تصيبها بالشلل‪.‬‬
‫وميزة النزعة المادية الجدلية هي في أنها‪ ،‬بعد أن اكتشف أصل الفكار الجتماعية المادي‪،‬‬
‫أ صبح في مقدور ها ف هم فعال ية تأثير ها على العالم الذي خر جت م نه‪ .‬وهكذا نرى أن أ صل‬
‫الفكار والنظريات المادي ل يضنر بأهميتهنا أو عملهنا بنل يعيند إليهنا كنل فعاليتهنا‪.‬‬
‫‪102‬‬

‫وليست النزعة المادية الجدلية هي التي تحتقر الفكار بل هي النزعة المثالية التي تحولها‬
‫إلى كلمات جوفاء‪ ،‬وتجعل منها أشباحا ل قوة لها‪ .‬اما النزعة المادية الجدلية فهي ترى في‬
‫الفكار قوة ملموسة لها نتائج مادية كقوى الطبيعة‪.‬‬
‫ويم كن لهذه القوة ن بالر غم من أن ها ت صبح غ ير مفهو مة إذا نظر نا إلي ها على حدة ن أن‬
‫تنمنو بحركتهنا الذاتينة‪ .‬مثال ذلك‪ :‬لقند ولد الدينن على أسناس ظروف المجتمنع المادينة‬
‫والتاريخية‪ .‬ولكن هذه المجموعة من الفكار التي تكون الدين ليست سلبية‪ .‬بل لها حياتها‬
‫الخاصنة فهني تنمنو فني أدمغنة الناس ل سنيما وأن هؤلء الناس نن لجهلهنم أسنباب الدينن‬
‫الموضوع ية ن يعتقدون أن ال هو الذي ي سيّر كل ش يء‪ .‬يم كن إذن للفكار أن تنت قل من‬
‫جينل إلى جينل بينمنا تكون قند تغيرت الظروف التني ولدتهنا‪ .‬حتنى إذا منا طال الزمنن أثّرن‬
‫مجموع هذا الواقنع على هذا الجاننب منن الواقنع الذي هنو الفلسنفة الدينينة‪ .‬للفكرة تطور‬
‫مستقل نسبيا‪ ،‬حتى إذا ما اشتد التناقض بين الفكرة والعالم الموضوعي انحل لصالح العالم‬
‫الموضوعي والفكار التي تعكس هذا العالم الموضوعي‪ ،‬فشقت النظريات الصحيحة طريقها‬
‫في النهاية وفرضت نفسها على الجماهير ضد الوهام والكاذيب‪.‬‬

‫ب) – الفكَار القَديمَة وَالفكَار الجَديدَة‬
‫رأينا في دراستنا لصل الفكار (الدرس الثاني عشر المسألة الثالثة) أن التناقض بين الفكار‬
‫والنظريات يعكس تناقضا موضوعيا في المجتمع‪.‬‬
‫فلننظر مثلً إلى الزمات القتصادية التي تولدها الرأسمالية سببها الموضوعي هو التناقض‬
‫ب ين طا بع ملك ية و سائل النتاج الخاص وطا بع عمل ية النتاج الجتما عي‪ .‬فك يف ن حل هذا‬
‫التناقننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننض؟‬
‫تج يب طب قة البروليتار يا الثور ية بقول ها‪ :‬بوا سطة ج عل و سائل النتاج اشتراك ية‪ ،‬وبوا سطة‬
‫الشتراكينة‪ ،‬فتزول عندئذ الزمات‪ ،‬وتزدهنر قوى النتاج فني خدمنة الجمينع‪ .‬وتجينب‬
‫البرجوازية بقولها على ذلك‪ ،‬وهي المالكة لوسائل النتاج التي تستفيد منها أقصى الرباح‪:‬‬
‫فلنحدد قوى النتاج لنهنا تجلب الخطنر على نظامننا‪ ،‬فننقنذ بذلك علقات النتاج الرأسنمالية‬
‫التي تضمن لنا إمتيازاتها‪ .‬وإذا بنفس الطبقة‪ ،‬التي كانت بالمس تتغنى بفضائل العلم‪ ،‬تلعن‬
‫اليوم هذا العلم لنها تعتقد أن الخطأ في تضخم النتاج أنما هو خطأ العلم‪ .‬وأما البروليتاريا‬
‫ف هي‪ ،‬على الع كس‪ ،‬تتغ نى بمد يح العلم ف هي تعتقد أن سبب الزمات ليس هو تقدم العلم بل‬
‫هنو النظام الجتماعني والرأسنمالية‪ ،‬ولهذا فأن العلم‪ ،‬فني النظام الشتراكني‪ ،‬يجلب الرخاء‪.‬‬
‫نرى أن هناك نضال بين الفكار على أساس تناقض موضوعي إل وهو تناقض الرأسمالية‪.‬‬
‫فهناك منن جهنة الفكرة التني ينشرهنا المفكرون والصنحفيون البرجوازيون القائلة بأن العلم‬
‫شر ير‪ ،‬ي جب وض عه ت حت المراق بة‪ ،‬وأن ما يحرزه من تقدم م صيبة‪ ،‬في جب رب طه بالد ين‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫ولهذا نجد الجرائد والمجلت تطفح بالسحر و "بالعلوم الغيبية" إلى جانب مناهضة الشيوعية‬
‫و صور فتيات الغلف‪ .‬وكذلك نجد وز ير التربية الوطن ية يد عو في نص ر سمي إلى النز عة‬
‫التجريبيننة‪ ،‬أي إلى وسننائل البحننث التنني تخطاهننا العلم منننذ أمنند طويننل‪.‬‬
‫ولهذا فليست هذه الدعاية الصاخبة الخفية ضد العلم والعودة إلى النظريات الصوفية للقرون‬
‫الوسطى مجرد صدفة‪.‬‬
‫وكذلك لينس مجرد صندفة أن نسنمع اليوم البرجوازينة تردد بصنور مختلفنة أننه لينس هناك‬
‫قوانين موضوعية‪ ،‬ولهذا يجب أن ل "نحاول الفهم"‪ .‬وليس مجرد صدفة أن يسعى مشروع‬
‫"إ صلح" التعل يم‪ ،‬الذي قد مه الوز ير اندر يه ماري‪ ،‬على غرار فرن كو‪ ،‬إلى أف ساد الثقا فة‬
‫العامة‪ .‬كل هذا (وما شابهه من موضوعات ظهرت في عهد فيشي الفاش ستي) هو الت عبير‬
‫الفكري عنن مصنالح طبقنة حكنم عليهنا تطور المجتمعات وتود أن يعود التارينخ القهقرى‪.‬‬
‫فهناك أفكار قديمة ونظريات مضى زمانها تخدم الن مصالح قوى المجتمع الزائلة‪ .‬وأهمية‬
‫هذه الفكار هي في أنها تعيق تطور المجتمع وتقدمه‪.‬‬
‫ومن البديهي أن كراهية العلوم واحتقارها يفيدان في الوقت الحاضر البرجوازية لن ازدهار‬
‫العلوم السلمي يعرض نظام هذه البرجوازية للخطر‪.‬‬
‫تقوم البروليتاريا‪ ،‬وهي الطبقة الثورية‪ ،‬مقابل ذلك بنشر الفكرة القائلة بوجوب تشجيع تقدم‬
‫العلوم‪.‬‬
‫وتتفق هذه الفكرة تماما مع نمو قوى النتاج‪ ،‬ول يمكن أن يقوم بهذا التشجيع سوى نضال‬
‫البروليتاريا الثوري‪.‬‬
‫فهناك قوى ونظريات جديدة تقنف فني الطليعنة تخدم مصنالح قوى الطليعنة فني المجتمنع‪.‬‬
‫وأهمينة هذه الفكار والنظريات أنهنا تسنهل تطور المجتمنع وتقدمنه‪ ،‬وزيادة على ذلك تزداد‬
‫أهميتها كلما عكست بصورة صادقة حاجات تطور حياة المجتمع المادية‪.‬‬
‫ولهذا توجد الطبقة العمالية‪ ،‬عند استلمها الحكم‪ ،‬الظروف المادية التي تساعد على ازدهار‬
‫العلوم‪ .‬وهني تشجنع الفكرة القائلة بأن العلم ضروري لسنعادة الناس‪ .‬ولهذا فأن تطور علم‬
‫الحياة (البيولوجينا) المتشوري فني التحاد السنوفياتي أصنبح قضينة الفلحينن الكولخوزيينن‬
‫الذين يشاركون في تكوين أنواع جديدة‪ ،‬وبهذا تزداد سرعة الوصول إلى الشيوعية‪( .‬انظر‬
‫الشريط‪ :‬صيف رائع)‪.‬‬
‫الفكار هي إذن قوى‪ .‬والفكار القدي مة هي قوى رجع ية‪ ،‬ولهذا تأ خذ ب ها الطبقات الرجع ية‪،‬‬
‫وأفكار الطليعنة هني قوى تسناعد على تقدم المجتمعات ولهذا تشجعهنا الطبقات الصناعدة‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫ل يجب أن نستخلص من ذلك أن الطبقات المتضاحنة توجد بصورة تلقائية الفكار المطابقة‬
‫لحاجات ها‪ .‬الفكار هي ثمرة عمل ية المعر فة‪ .‬تتكون الفكار في مجت مع ي سيطر ف يه تق سيم‬
‫العمنل (كحال المجتمعات المنقسنمة إلى طبقات) كنظريات يقوم بوضعهنا أشخاص مختصنون‬
‫بهذه المهنة وهم الكهان‪ ،‬والفلسفة والعلماء والفنيون والمربون والفنانون والكتاب‪ ،‬الخ‪...‬‬
‫ولكن تستخدم هذه الفكار الطبقية بأجمعها‪.‬‬
‫هذا من جهة ومن جهة ثانية فأننا‪ ،‬حين نتحدث عن الفكار الجديدة‪ ،‬فل يجب أن نفهم ذلك‬
‫ب صورة تخطيط ية‪ .‬إذ يحدث أن تتخلى طب قة ما عن فكرة فت ستخدمها في ما ب عد طب قة أخرى‬
‫في صور أخرى‪ .‬وهكذا ف قد قالت البرجواز ية الثور ية (ديدرو‪ ،‬كوندو سيه) أن العلم خيّ ر‪.‬‬
‫فقال بهذه الفكرة العا مل الثوري وجدد ها‪ ،‬ويمك نه أن ي ستخلص من ها جم يع النتائج العمل ية‬
‫(في بناء الشتراكية) بينما عجزت البرجوازية عن السير بهذه الفكرة حتى النهاية‪ .‬وهكذا‬
‫يمكن أن تستخدم الطبقات أفكارا استُخدمت من قبل‪ .‬وليس في هذا ما يبعث على الدهشة‪.‬‬
‫فلقد تعلم الناس من التجربة قدرة الفكار فل تهمل طبقة ما‪ ،‬من بين الفكار الموجودة تلك‬
‫التي تساعد على امتداد سلطانها‪ .‬كما أنه يمكن لطبقة ما أن تطرد من أفكارها الفكرة التي ل‬
‫تناسبها‪ .‬فإذا بالبرجوازية‪ ،‬اليوم‪ ،‬تطأ بأقدامها "علم الحريات الديمقراطية البرجوازية" التي‬
‫جعلت الجماهير المضطهدة تتحالف معها ضد القطاع‪.‬‬
‫وتحاول هذه الطبقنة‪ ،‬فيمنا عدا ذلك‪ ،‬أن تجعنل منن الفكار القديمنة التني تسنتخدمها أفكارا‬
‫"جديدة"‪ :‬مثال ذلك أن هتلر أراد أن يج عل من النظر ية القدي مة عن العن صر أو الدم فكرة‬
‫علمينة‪ .‬وكان هناك علماء آمنوا بمنا قال‪ .‬كمنا كان موسنوليني يصنرح أن الشتراكينة‬
‫البروليتارينننة هننني "أسنننطورة قديمنننة" وأن الفاشينننة "أسنننطورة الجديدة"!‬
‫ول يحكم على "الجدة" بالزمن بل بقدرتها على حل المشاكل التي تنشأ في زمن معين‪ .‬ولهذا‬
‫فأن كتاب "رأس المال" لماركس هو أكثر جدة من كل ما يُعلم حديثا في الجامعات البرجوازية‬
‫كاقتصنننننننننننننننننننناد سننننننننننننننننننننياسي‪.‬‬
‫وهناك ملحظة أخرى‪ .‬إذا كانت الفكار دائما في خدمة طبقة ما أو مجتمع معين تاريخيا فل‬
‫يجنب أن نخلص للقول بأن الفكار جميعهنا تتسناوى فني قيمتهنا‪ .‬فالفكرة القائلة بأن العلم‬
‫م سيء هي فكرة خاطئة ن أي أن ها تعارض الوا قع لن تقدم المجتمعات الن سانية م ستحيل‬
‫بدون العلوم‪.‬‬
‫أمنا الفكرة القائلة بأن العلم خيّرن فهني فكرة صنحيحة‪ ،‬تطابنق واقنع الوقائع‪ .‬والبروليتارينا‪،‬‬
‫وهني الطبقنة الصناعدة‪ ،‬بحاجنة للحقيقنة كحاجنة البرجوازينة‪ ،‬الطبقنة الزائلة إلى الكذب‪.‬‬
‫غير أن الفكار الخاطئة هي قوة فعالة ول تقل فعاليتها عن فعالية الفكار الصحيحة‪ .‬ويجب‬
‫محاربت ها بوا سطة أفكار صحيحة تقدم ية تع كس ب صورة أ صدق حاجات التطور الجتما عي‬
‫مما يضمن لها النصر الخير وتزداد قيمتها يوما بعد يوم حتى تصبح ل غنى عنها‪ ،‬وهذا ما‬
‫يفسر امتداد انتشار هذه الفكار‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫ج) – تقومُ الفكار الجَديدَة بالتّنظيم وَالتعبئَة وَالتَحويل‬
‫ل تظهنر الفكار والنظريات الجديدة ال حينن يثينر تطور حياة المجتمنع المادينة مهام جديدة‬
‫أمام المجت مع‪ .‬ح تى إذا ما ظهرت هذه الفكار والنظريات أ صبحت قوة ل ها أهميت ها ال كبرى‬
‫ت سهل أتمام المهام الجديدة ال تي أثار ها تطور حياة المجت مع الماد ية‪ ،‬ك ما أن ها ت سهل تقدم‬
‫المجتمنع‪ .‬تظهنر عندئذ أهمينة عمنل هذه الفكار والنظريات الجديدة فني التنظينم والتعبئة‬
‫والتحويل‪ ،‬وكذلك أهمية عمل الراء والمؤسسات السياسية الجديدة‪.‬‬
‫والحقيقة أن ظهور الفكار الجديدة والنظريات الجتماعية حق لنها ضرورية للمجتمع‪ ،‬ولن‬
‫حل المشاكل الملحة التي يثيرها تطور حياة المجتمع المادية يصبح مستحيل بدون عمل هذه‬
‫الفكار والنظريات في التنظيم والتعبئة والتحويل‪.‬‬
‫وبمنا أن هذه الفكار والنظريات الجديدة قند أثارتهنا المهام الجديدة التني يولدهنا تطور حياة‬
‫المجتمع المادية فأنها تشق طريقها وتصبح ملك الجماهير الشعبية التي تعبؤها وتنظمها ضد‬
‫قوى المجتمنع الزائلة فتسناعد بذلك على قلب هذه القوى التني تعينق تطور حياة المجتمنع‬
‫المادينننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننة‪.‬‬
‫لهذا ال نص أهم ية كبرى ل نه يو ضح ل نا ال صور ال تي تتخذ ها الفكار الجديدة في عمل ها‪:‬‬
‫ن فهي تعبىء الهمم أي أنها تثير وتبعث الحماس وتحرك الجماهير‪.‬‬
‫نن وهني تنظنم‪ ،‬أي أنهنا تضفني على هذه الحركنة الوحدة والنسنجام الدائمينن (مثال‪ :‬فكرة‬
‫النضال مننن أجننل السننلم ولدت جمعيات السننلم التنني تنظننم حركننة السننلم)‪.‬‬
‫ن وهي تحول‪ ،‬أي أنها ل تؤثر فقط على الوعي فتسمو به‪ ،‬بل هي تتيح حل المشاكل التي‬
‫يعانيها المجتمع بصورة فعلية‪.‬‬
‫"تصبح النظرية قوة مادية متى ما آمنت بها الجماهير"‪.‬‬
‫وفي التاريخ أمثلة كثيرة على هذا الدور الثلثي للفكار الجديدة‪.‬‬
‫فل قد عبأت‪ ،‬في عام ‪ ،1789‬الفكرة التقدم ية القائلة بأن ال مة سيدة م صيرها وأن علي ها‬
‫أن تضنع لنفسنها دسنتورا يجعنل جمينع الفرنسنيين متسناوين أمام القانون ويقضني على‬

‫‪106‬‬

‫المتيازات‪ ،‬عبأت هذه الفكرة الجماهينر لنهنا كاننت جوابا على مشكلة العصنر التاريخينة‪،‬‬
‫وأثارت اندفاع الشعب المنظم ضد النظام القطاعي القديم‪.‬‬
‫كمنا أتاحنت‪ ،‬في تشر ين ‪ ،1917‬الفكرة التقدمينة القائلة بأننه يجنب القضاء على حكومنة‬
‫كيرنسنكي وتسنليم السنلطة إلى السنوفيات لضمان تحرينر القوميات المضطهدة‪ ،‬أتاحنت هذه‬
‫الفكرة تنظيم الجماهير وتعبئتها ومن ثم تحويل المجتمع‪.‬‬
‫ويمكنننا أن نعدد المثلة على ذلك‪ ،‬ولكنن ألينس هناك مثال يهنم العمال الفرنسنيين أكثنر منن‬
‫غيره؟‬
‫ل حظ مور يس تور يز في تحليله للو ضع الذي القاه في اللج نة المركز ية للحزب الشيو عي‬
‫الفرنسي (حزيران ‪ )1953‬أن "المر الخطير في هذه الساعة هو تقدم فكرة الوحدة بين‬
‫الجماهينر الشعبينة" فلماذا هذه الوحدة؟" أنهنا منن أجنل العمنل على انتصنار سنياسة سنلمية‬
‫واستقلل قومي في بلدنا‪ ،‬سياسة حرية وتقدم اجتماعي"‪ .‬فكيف توصل العمال‪ ،‬الذين يزداد‬
‫عددهنم يوما بعند يوم‪ ،‬إلى هذه الفكرة؟ لن جمينع التناقضات السنياسية التني نشأت عنن‬
‫مشروع مارشال وعن ميثاق الطلنطي قد ظهرت"‪.‬‬
‫وهذه سياسة حرب وا ستعباد مره قة‪ ،‬ك ما أن ها سياسة فاش ستية ورجع ية اجتماع ية‪ .‬فل قد‬
‫أدرك العمال أنه ل سبيل لتغيير ذلك ال بالتحاد والعمل بفضل التحاد"‪.‬‬
‫وهكذا استولت فكرة التحاد على الجماهير شيئا فشيئا فهي‪ ،‬تعبئهم وتنظمهم سواء كان ذلك‬
‫فنننني لجان الضراب أم فنننني لجان السننننلم أم لجان الدفاع عننننن الحريات‪.‬‬
‫وهكذا ت تم التحولت الماد ية ال تي جعل ها الو ضع ضرور ية‪ .‬وذلك بف عل الجماه ير الوا عي‪.‬‬
‫كمنا يظهنر خطنر الفكار الجديدة‪ ،‬التني تثيرهنا المهام التني يبعثهنا التارينخ‪ ،‬حينن تتلقفهنا‬
‫الجماه ير ال تي ت صنع التار يخ‪ .‬فتع مل عندئذ ك ما تع مل القوى الماد ية‪ .‬ح تى أن اعداء التقدم‬
‫مضطرون إلى خداع هذه الفكار التني يخشونهنا فني أيدي الرجال الشجعان‪ .‬وذلك هنو شأن‬
‫البرجوازية وخدامها الزعماء الشتراكيين‪ .‬ويلحظ موريس توريز أنه بلغ من خوف هؤلء‬
‫من ات ساع حر كة الوحدة "أن هم يحاولون التم سك بشعار الوحدة للنضال ضد الوحدة"‪ .‬ول كن‬
‫الخداع ل يم كن أن ي قف في و جه قوة الجماه ير الواع ية ال تي تعرف إلى أ ين ت سير‪ ،‬وماذا‬
‫تريد‪ ،‬وماذا يجب عليها‪.‬‬
‫‪ – 4‬الخلصَة‬
‫أن أهمينة الفكار والنظريات الجتماعينة وعملهنا عظينم نخلص منن ذلك إلى بعنض النتائج‪:‬‬

‫‪107‬‬

‫‪ 1‬ن الفكار قوى فعالة‪ .‬ولهذا يسيء الثوري الذي يهمل محاربة وجهات النظر الخاطئة‬
‫المنتشرة ب ين العمال إلى مجموع الحر كة‪ ،‬ف هو ي سير على طر يق النز عة الماد ية ال ساذجة‬
‫السيء‪ .‬ول يسير عن طريق النزعة المادية الجدلية الصلب‪ ،‬وهي أساس الشتراكية العلمية‬
‫النظرية‪ .‬مثال‪ :‬أن ترك الصحافة البرجوازية‪ ،‬ومنها جريدة "الفرانك تيرور" تؤثر في العمال‬
‫يعننني ترك هؤلء العمال فريسننة للفكار القديمننة التنني تعيننق التقدم الجتماعنني‪.‬‬
‫ول قد غرس لين ين عام ‪ 1900‬بوا سطة جريد ته ال سكرا بذور الفكار الجديدة في و عي‬
‫العمال‪ .‬ون مت هذه البذور وترعر عت‪ .‬وتب نى الثوريون هذه الفكار فتولد عن ها الحزب الذي‬
‫قاد الثورة الشتراك ية في ها ب عد‪ .‬فنضال الفكار مظ هر ضروري من مظا هر النضال الطب قي‪.‬‬
‫ولهذا فأن عدم محاربنة الفكار المفيدة لسنيطرة البرجوازينة يعنني تقييند البروليتارينا‪.‬‬
‫‪ 2‬ن الوجود الجتماعي يحدد الوعي الجتماعي‪ ،‬ولكن الوعي الجتماعي يؤثر بدوره على‬
‫المجتمع‪ .‬وليس هذا التأثير ضروريا فقط لتحقيق التغييرات المادية بل أن الفكرة في بعض‬
‫الحيان‪ ،‬هنني التنني تقوم بدور خطيننر‪ .‬ويكون صنندق الشعارات حينئذ حاسننما‪.‬‬
‫مثال‪ :‬تنتقنص البرجوازينة الرجعينة‪ ،‬فني الوقنت الحاضنر‪ ،‬مصنالح العمال والفلحينن‬
‫والموظف ين‪ .‬فوحدة العمل إذن ممك نة ماد يا‪ .‬ولكن يجب أن يفهم هؤلء ذلك! في صبح عندئذ‬
‫العن صر الفعال هي فكرة إمكان ية تحق يق الوحدة‪ .‬ول ما كا نت هذه الفكرة هي العن صر الفعال‬
‫يردد الزعماء الشتراكيون على مسامع العمال الشتراكيين قائلين‪" :‬ل تصادقوا الشيوعيين"!‬
‫كما يبدل المناضلون الشيوعيون ن وهم أبطال الوحدة ن جهودهم لحمل العمال الشتراكيين‬
‫على العمل المشترك‪.‬‬
‫يولد نجاح الع مل المشترك ع ند هؤلء المناضل ين فكرة إمكان ية الوحدة وح سن صنيعها‪ ،‬لن‬
‫هذه الفكرة تسننهل أعمال مشتركننة جديدة‪ ،‬وهكذا دواليننك حتننى النصننر المشترك‪.‬‬
‫مثال آخر‪ :‬يولد ازدياد قوى السلم المادية بفضل (التحاد السوفياتي والديمقراطيات الشعبية‬
‫وحركة السلم العالمية) وتضاؤل قوى الحرب المادية (كالستعمار) ظروفا موضوعية تساعد‬
‫على انتصار التفاوض العالمي‪ ،‬فتصبح عندئذ أرادة السلم‪ ،‬عند المليين العديدة من الناس‪،‬‬
‫العامل الفاصل‪ ،‬لن هذه الرادة إذا بذلت كل جهدها وجب أن تفضي إلى النتيجة الحتمية لن‬
‫ظروف نجاحها الموضوعية قد توفرت‪.‬‬
‫يدلل هذا المثال بوضوح على أن الفكرة تزداد قوت ها كل ما ازداد عك سها للو ضع الموضو عي‬
‫في ذلك الو قت‪ ،‬وأن ها أقرب إلى إمكانيات ذلك الو قت الموضوع ية‪ .‬وي صبح العن صر الذا تي‬
‫ل كلما عكس بصدق العنصر الموضوعي‪ .‬ولهذا فالنزعة المادية الجدلية ل تقضي على‬
‫فاص ً‬
‫الو عي بل هي تج عل له كل قيم ته‪ .‬والمادي الحقي قي ن على ع كس المادي ال ساذج الذي‬
‫يت صور " النعكاس الفكري" كثمرة جامدة ل ن فع في ها فيقول‪" :‬الظروف الموضوع ية ح سنة‪.‬‬
‫فلنستسلم لها وكل شيء يجري بسلم" ل يستسلم قط للظروف‪.‬‬
‫ولقد عبر ستالين في جملة مشهورة عن قوة الفكرة الفاصلة إذا ما توفرت أفضل الظروف‬
‫الموضوعينة لهنا بقوله‪ :‬سنوف يبقنى السنلم ويقوى إذا منا تولت الشعوب قضينة اسنتقرار‬
‫‪108‬‬

‫ال سلم وداف عت ع نه ح تى النها ية‪ .‬ويم كن للحرب أن ت صبح ل م فر من ها إذا تو صل صانعو‬
‫الحروب إلى الهيم نة على الجماه ير الشعب ية بالكاذ يب وخداع ها وجر ها إلى حرب عالم ية‬
‫جديدة‪.‬‬
‫‪ 3‬ن يضطرنا عمل الفكار والنظريات الجتماعية الفعال إلى تكوين نظرية تتفق وحاجات‬
‫المجت مع الماد ية اتفاقا تاما‪ ،‬كمنا تت فق مع حاجات الجماه ير الكاد حة التني ت صنع التارينخ‬
‫وتملك لوحدهنا القوة القادرة على تحطينم مقاومنة البرجوازينة المسنتغلة‪ .‬ولهذا فأن احتقار‬
‫النظرية ن كما يفعل النتهازيون "أمثال المنشقين الروس وليون بلوم وجول موش ن يعني‬
‫حرمان الطبقة العاملة من البوصلة التي تقود الحركة الثورية"‪.‬‬
‫ولهذا قال لينين‪" :‬ل حركة ثورية بدون نظرية ثورية"‪.‬‬
‫ومن فضائل الشتراكية العلمية‪ ،‬وسنتحدث عن ذلك في الدرس الثاني‪ ،‬أنها‪ ،‬باعتمادها على‬
‫النزعة المادية الجدلية‪ ،‬تقدر تماما أهمية عمل الفكار‪ .‬فهي تضع إذن النظرية في المكانة‬
‫السنامية التني تسنتحقها وترى أن منن واجبهنا اسنتخدام كنل قوتهنا على التعبئة والتنظينم‬
‫والتحويل‪.‬‬

‫***‬
‫يتبع‪ .......‬الجزء الثالث قريبا‬

‫‪109‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful