‫تحليل الخطاب الدبي‬
‫على ضوء المناهج النقدية الحداثية‬

‫‪-2-‬‬

‫الحقوق كافة‬
‫مـحــــفــــوظـة‬
‫لتـحــاد الـكـتـاب‬
‫الــعـرب‬
‫البريد‬

‫اللكتروني‪:‬‬

‫‪: unecriv@net.sy E-mail‬‬

‫‪aru@net.sy‬‬
‫موقع اتحاد الكّتاب العرب على شبكة النترنت‬
‫‪http://www.awu-dam.org‬‬

‫‪‬‬

‫‪-3-‬‬

‫محمد عّزام‬

‫تحليل الخطاب الدبي‬

‫على ضوء المناهج النقدية الحداثية‬

‫دراسة في نقد النقد‬

‫من منشورات اتحاد الكتاب العرب‬
‫دمشق ‪2003 -‬‬
‫‪-4-‬‬

-5-

‬‬ ‫التي صبرت على انشغالي عنها بشغلي‬ ‫إلى أبنائي‪:‬‬ ‫رهف‪ ،‬ومجد‪ ،‬وأيمن‪ ،‬وأحمد‪ ،‬الذين‬ ‫ج ّ نبتهم قد َ َ ر الدب‪.‫الهداء‬ ‫إلى زوجتي‬ ‫النقدي‪.‬‬ ‫محمد‬ ‫**‬ ‫‪-6-‬‬ .

-7- .

‬ي‬ ‫ي)ييييييي( يييي ييييييي يييييييي‬ ‫ييي يي يييي يييييي ييييي يييي ييييي‬ ‫يي ييييييي ييييييي يييييييي يييييي‬ ‫يييي يييييي يييي يييي ييي‪ .‬ييي ييييي‬ ‫ييي )يييييييي( يييييييي يييييييي‬ ‫ييييي يييييي يييي ييييييي يييي‬ ‫ييييي ييييييي ييي ييييييي ييييي‬ ‫ييييي ييييييي ييييييي يييييييي يييي‬ ‫ييي ييييي يييييي ييي يييي يييييييي‬ ‫ييي يييي ييي يييييييي يييييييييي‪.‬يييي يييييييييي ييي‬ ‫يي يييي ييييي يي ييي يي‬ ‫يييي ييي يييي ي‬ ‫ييي ييييييي ييييييي ييييييييييي‬ ‫ييييييييي يييييي يي ييييييي‬ ‫يييييييي يييي يييييي ييي ييييييي‬ ‫يييي يي يي ييي ييييييييي‬ ‫يييي ي‬ ‫ييييييي ييي ييي يييييييي يييييي‬ ‫يييييييي يي ييييييييي يييييييي ييي‬ ‫يييي يي يييي ييييي ييي ييي ييييييي‬ ‫يي يييي ييي يييييييي ييييييييييي‬ ‫‪-8-‬‬ .‫مقدمة‬ ‫ييييي ييييييي ييييييي ييييييي يي‬ ‫ييي ييييييي يييييييييي ييي ييييي‬ ‫يييييي )ييييي يييييي يييييي( ييييي‬ ‫ييي ييييييي يييي ييييي يي ييييييييي‬ ‫ييييييييي يييييييييي‪.‬‬ ‫ييي يي يييييييي يييييي ييي يييي‬ ‫يييي يييييييييي ييييييي يي ييييييي‬ ‫ييييييي يييييييي يييييييي يييييييي‬ ‫يي يييي ييييييي يي ييييي يييييي‬ ‫ييييييي يييييييي‪ .‬‬ ‫يييي يييي )يييييييي( يي يييييي يي‬ ‫ييييي يييييي يي ييييي ييييييي ييييي‬ ‫يييييي ييييي يييييي ييييي يييي‬ ‫يييييييي ييي ييييييي يييييي‬ ‫ييييييييييي يي ييييي ييي ‪ 1968‬ي ييي‬ ‫ييي ييييييييي يييييي ييييي يي‬ ‫ييييييي ييييييي يييي يييي يي يييي‬ ‫ييييي ييييي ييييي ييييييييييي‬ ‫يييييييييييي ييييييييييي يييييييي‬ ‫ييي ييييييييي يييي يي يييي ييي‬ ‫ييييييي ييييييي ييييي‪.

‬‬ ‫يييي يي يييي ييييي ييي‬ ‫ييييي يي ي‬ ‫يييييي ييييييي ييييي يييييي‪.‬‬ ‫ييي يييييي ييي يييييي ييي يييييي‬ ‫يييي يييييي يييييييي ييييييي‪:‬‬ ‫)يييييي(ي ي)يييييييي(ي يي يييييييي‬ ‫ييييييي‪ :‬ييييييييي يييييييي‬ ‫يييييييييي يييييييي يييييييييي‪.‬‬ ‫محمد عّزام‬ ‫***‬ ‫‪-9-‬‬ .‫ييييي ييي ييي يي يييي ييي يييييييي‬ ‫ييييييييييي يييي ييييي ييييي يي‬ ‫يييي ييي يييييييي يييييييييي‪.

‫الباب الول‬ ‫منهج التحليل البنيوي‬ ‫الشكلي‬ ‫‪ :‬ييييييي يييييييي يييييي‪.‬‬ ‫ب‪-‬في تحليل الخطاب السردي‪.‬‬ ‫‪.10 -‬‬ .‬‬ ‫ييييي يييييي ‪ :‬ييييييي يييييييي‪:‬‬ ‫أ‪-‬في تحليل الخطاب الشعري‪.‬‬ ‫ييييي ييييي‬ ‫ييييي يييييي ‪ :‬ييييييي يييييييي يييييي‪.

11 - ..

‬وقوله بالطابع‬ ‫‪.‬‬ ‫ومن المعلوم أن مدرسة )الشكليين الروس( ظهرت في‬ ‫روسيا بين عامي ‪ 1915‬و ‪ ،1930‬ودعت إلى الهتمام‬ ‫بالعلقات الداخلية للنص الدبي‪ ،‬واعتبرت الدب نظاما ً ألسنيا ً‬ ‫ذا وسائط إشارية )سيميولوجية( للواقع‪ ،‬وليس انعكاسا ً للواقع‪.‬وأّثر قوله بالهتمام بالنساق في دعوة البنيويين إلى‬ ‫الفصل بين دراسته الدب ودراسة تاريخ الدب‪ .‬‬ ‫واستبعدت علقة الدب بالفكار والفلسفة والمجتمع‪ .‫الفصل الول‪:‬‬ ‫المستوى التنظيري الغربي‬ ‫للبنيوية الشكلية‬ ‫‪ -1‬المصادر‬ ‫نشأت البنيوية في فرنسا‪ ،‬في منتصف الستينيات من‬ ‫القرن العشرين عندما ترجم )تودوروف( أعمال الشكليين‬ ‫الروس إلى الفرنسية‪ .‬‬ ‫وفرق بين اللغة والكلم‪) :‬فاللغة( عنده هي نتاج المجتمع‬ ‫للملكة الكلمية‪ ،‬أما )الكلم( فهو حدث فردي متصل بالداء‬ ‫وبالقدرة الذاتية للمتكلم‪.12 -‬‬ .‬‬ ‫المصدر الثاني الذي استمدت منه البنيوية هو )النقد‬ ‫الجديد( الذي ظهر في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين‬ ‫في أمريكا‪ ،‬فقد رأى أعلمه "أن الشعر هو نوع من الرياضيات‬ ‫الفنية" )عزرا باوند(‪ ،‬وأنه ل حاجة فيه للمضمون‪ ،‬وإنما المهم‬ ‫هو القالب الشعري )هيوم(‪ ،‬وأنه ل هدف للشعر سوى الشعر‬ ‫ذاته )جون كرو رانسوم(‪.‬وعلى الرغم من أنه لم يستعمل‬ ‫كلمة )بنية( فإن التجاهات البنيوية كلها قد خرجت من ألسنيته‪،‬‬ ‫فقد مهد لستقلل النص الدبي بوصفه نظاما ً لغويا ً خاصًا‪.‬‬ ‫واللسنية هي المصدر الثالث الذي استمدت منه‬ ‫البنيوية‪ ،‬ولعلها أهم هذه المصادر‪ ،‬وعلى الخصوص ألسنية‬ ‫فرديناند دي سوسير )‪ (1913-1857‬الذي ُيعد أبا اللسنية‬ ‫البنيوية‪ ،‬لمحاضراته )دروس في اللسنية العامة( التي نشرها‬ ‫تلمذته عام ‪ 1916‬بعد وفاته‪ .‬وقد‬ ‫طورت البنيوية بعض الفروض التي جاء بها الشكليون الروس‪.‬فأصبحت أحد مصادر البنيوية‪.‬‬ ‫وقد شدد سوسير على دراسة اللغة دراسة وصفية داخلية‪،‬‬ ‫وعلى كونها نظاما ً خاصا ً من العلمات أو الشارات المعبرة عن‬ ‫الفكار‪ .

‬‬ ‫والكتاب قسمان‪ :‬قسم أول عّرف فيه أوزياس بالبنيوية‪،‬‬ ‫وعلقتها بالمجال الحيوي‪ ،‬وبعلم اللغة‪ ،‬وبعلم العلمات‬ ‫والشارات والدللت‪ .‬وهذه‬ ‫السمة الفردية هي السلوب‪ ،‬وهي بالتالي )أدبية( النص‪..‬‬ ‫وقد تأثر رواد النقد البنيوي الفرنسي بسوسير‪ ،‬ودفعهم‬ ‫هذا التأثر إلى الكشف عن أنساق الدب وأنظمته وبنياته‪،‬‬ ‫باعتبار الدب نظاما ً رمزيا ً يحوي نظما ً فرعية‪ ،‬فذهب )بارت(‬ ‫إلى تقعيد القصة وتحليل السرد‪ ،‬بينما اهتم )تودوروف( بأدبية‬ ‫الدب‪ ،‬أو بما يجعل من الدب أدبًا‪.‬‬ ‫‪ -2‬اوزياس والبنيوية‬ ‫أما )أوزياس( ‪ Auzias‬فلعله من أوائل الذين ع ُّربت‬ ‫مؤلفاتهم‪ ،‬فقد تم تعريب كتابه )البنيوية( عام ‪ .‬ولهذا ركز ريفاتير‬ ‫‪.‬‬ ‫وأما القسم الثاني فقد جمع دراسات لبعض أعلم البنيوية‪:‬‬ ‫شتراوس‪) ،‬يرد على السئلة(‪ ،‬وجيرار جينييت )في النقد‬ ‫البنيوي(‪ ،‬وبول ريكور في )البنية والتفسير(‪ ،‬وجان بويون في‬ ‫)سارتر وشتراوس(‪ ،‬ولو قاد هوش في )النثروبولوجيا‬ ‫البنيوية(‪.‬فما هي )الدبية(؟‪.‬وعلى الرغم من أن النص‬ ‫الدبي ل يقوم إل على اللغة‪ ،‬فإن النقد يستبعد اللغة أيضا ً من‬ ‫مجال التحليل الدبي للظاهرة السلوبية!‪..‬‬ ‫أما التحليل السلوبي للنص‪ -‬عند ريفاتير‪ -‬فهو الذي يضع‬ ‫يدي المحلل على )أدبية( النص الدبي‪ ،‬حيث ينطلق من النص‬ ‫الذي هو صرح مكتمل ينبغي تتبع سمة الفردية فيه‪ .‬‬ ‫بيد أن الظاهرة الدبية‪ -‬عند ريفاتير‪ -‬ليست النص فحسب‪،‬‬ ‫بل هي القارئ أيضًا‪ ،‬وردود فعله إزاء النص‪ .‬‬ ‫‪ -3‬ريفاتير والسلوبية البنيوية‬ ‫ثم وضع )ميشيل ريفاتير(‪ ،‬وهو باحث ألسني‪ ،‬وناقد‬ ‫أدبي بنيوي أمريكي‪ ،‬وأستاذ في جامعة كولمبيا‪ ،‬كتابه‬ ‫)السلوبية البنيوية( عام ‪ ،1971‬ثم أتبعه بكتاب )صناعة النص(‬ ‫‪ ،1979‬وفيه يرى أنه ليس من نص أدبي دون )أدبية(‪ ،‬ول‬ ‫)أدبية( دون نص أدبي‪ .(1)1972‬وهو‬ ‫أول دراسة شاملة عن البنيوية ترجمت إلى اللغة العربية‪.‬كما عّرف برواد البنيوية في مجالت‬ ‫اختصاصهم‪ :‬شتراوس النثربولوجي‪ ،‬وفوكو البستيمولوجي‪،‬‬ ‫ولكان النفساني‪ ،‬وألتوسير الماركسي‪.13 -‬‬ .‫العتباطي للعلمة اللفظية‪ ،‬اعتقادا ً منه بأن )الدال( أو الصورة‬ ‫السمعية للكلمة ل تنطوي على أية إشارة أو إحالة إلى‬ ‫مضمون )المدلول(‪.‬‬ ‫وغيرهم‪ ،‬كما أسهم كثيرون في بيان هذا المنهج النقدي‬ ‫الجديد‪ ،‬أمثال‪ :‬أوزياس‪ ،‬وريفاتير‪ ،‬وكابانس‪ ،‬وشولز‪ ،‬وكيرزويل‪،‬‬ ‫وايغلتون‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬ ‫يستبعد ريفاتير علم البلغة و)النشائية( والتحليل الدبي‪،‬‬ ‫لعجزها‪ -‬عنده‪ -‬عن الكشف عن )أدبية( النص الدبي‪ ،‬لنها‬ ‫تقوم على تعميم الظواهر المستخرجة من النصوص‪ ،‬كما‬ ‫يستبعد النقد الدبي لنه يقوم على إصدار أحكام معيارية‪،‬‬ ‫ويكتفي بتحليل النص من خلل لغته‪ .‬‬ ‫فإذا توغلنا في عمق التنظير البنيوي وجدنا أسماء عديدة‬ ‫في بناء البنيوية منهجا ً نقديا ً أمثال‪ :‬ياكوبسون‪ ،‬وغريماس‪،‬‬ ‫وشتراوس‪ ،‬وفوكو‪ ،‬وجوليا كريستيفا‪ ،‬وسولرز‪ ،‬ولكان‪.

‬وأوضح جهود الشكلنيين في‬ ‫كشف القوانين الداخلية التي تنتظم النص الدبي‪ ،‬واعتبارهم‬ ‫الدب منظومة من الشارات‪ ،‬تستند إلى منظومة اللغة‪ .‬‬ ‫ففي حديثه عن )الشكليين الروس( عرض لنشأتهم‪،‬‬ ‫ولمنتدى براغ اللغوي‪ -‬أصل الشكلنيين الروس‪ -‬وربط‬ ‫مدرستهم بتيار جمالي أوسع شدد فيه مالرميه وجويس على‬ ‫إبراز القوانين الداخلية للخطاب الدبي‪ .‬‬ ‫ويبدأ التحليل النقدي عند الشكليين الروس بتقطيع‬ ‫المقولة إلى )وحدات( لغوية‪ .‬وغرضه‬ ‫‪.‬‬ ‫وميزوا بنية البيت الشعري اللية عما أسموه )الوثب‬ ‫اليقاعي(‪ ،‬وعّرفوا البيت الشعري بأنه بنية طباقية معقدة‪،‬‬ ‫يتراكب فيها الوزن مع اليقاع الخاص بالخطاب‪ ،‬ذلك أن البيت‬ ‫الشعري‪ -‬عندهم‪ -‬هو عنف منظم يغتصب اللغة الدارجة‪.‬‬ ‫وقد حصر الوظائف في ‪ 31‬وظيفة في جميع القصص‪..‬وقد عّرفوا الثر الدبي بأنه‬ ‫منظومة‪ ،‬وللعناصر التي تؤلف هذه المنظومة قيمة وظيفية‪.‬والرائد‬ ‫الحقيقي في هذا الميدان هو )فلديمير بروب( ‪ V.‬‬ ‫‪ -4‬كابانس والنقد الدبي‬ ‫وأما )جان لوي كابانس( فقد وضع كتابه )النقد الدبي‬ ‫والعلوم‬ ‫النسانية()‪ (2‬تحدث فيه عن الشكليين الروس‪ ،‬وعن اللسنية‬ ‫والدب‪ ،‬وعن النموذج السوسيري‪ ،‬وعن النشائية )الشعرية(‬ ‫البنيوية‪ ،‬والنشائية السلوبية‪ ،‬والنشائية لدى ياكوبسون‪ ،‬ولدى‬ ‫باختين‪.‬وناهض التاريخية التي‬ ‫كانت سائدة في الميدان النقدي‪ .(3).‬‬ ‫وفي تحليل الشعر درس الشكليون توزع الوحدات الصوتية‬ ‫الصغرى داخل القصيدة‪ ،‬وعينوا كوكبات صوتية وأشكال ً تختص‬ ‫بوزن الشعر‪ .‬كما تحدث‬ ‫عن وجهي الشارة اللغوية‪) :‬الدال(‪ ،‬و)المدلول(‪ ،‬ورأى أنها‬ ‫اعتباطية‪ ،‬وهي تتميز عن الرمز‪ .‬‬ ‫ويتركز تحليل الثار الدبية في البحث عن )الوحدات( ذات‬ ‫الدللة‪ ،‬وعن )العلقات( المتبادلة بين هذه الوحدات‪ .‬ومن هنا فإنه يرفض منهج الكلمات‪ -‬المفاتيح في‬ ‫التحليل اللسني‪.‬وبهذا يختلف التحليل‬ ‫السلوبي الذي يعتمده ريفاتير عن التحليل البنيوي الذي‬ ‫يفترض )بنية( كبرى للنص‪ ،‬ثم )بنيات( صغرى‪ ،‬تقوم بينها‬ ‫)علقات( تنافر وتضاد أو تشابه ومماثلة‪ ..‫اهتمامه على النص وسلطته على القارئ الذي ليست له‬ ‫الحرية في التأويل‪ ،‬وإنما الطواعية للنص‪ ..‬‬ ‫وفي عرضه للنموذج السوسيري تحدث كابانس عن تشبيه‬ ‫سوسير اللغة بلعبة الشطرنج‪ ،‬وذلك لتوضيح الطابع المنهجي‬ ‫للغة‪ ،‬إذ تتوقف قيمة كل قطعة في الشطرنج بالنسبة إلى‬ ‫القطع الخرى‪ ،‬على وظائفها في لوحة الشطرنج‪ .‬و)الوظيفة( عنده هي )عمل( الشخصية‪.‬فالثر‬ ‫الدبي مادة منظمة تنظيما ً داخليًا‪" :‬وما من جملة واحدة في‬ ‫الثر الدبي تستطيع أن تكون تعبيرا ً مباشرا ً عن عواطف‬ ‫الكاتب الشخصية‪ ،‬ولكنها دائما ً بناء ولعب"‪.Proppe‬الذي‬ ‫حلل في كتابه )مورفولوجيا الحكاية الشعبية( تراكيب القصص‬ ‫إلى أجزاء ووظائف‪ .‬ورفضوا اعتبار التفعيلة وحدة اليقاع الساسية‪.‬وهذا ل يعني أن‬ ‫تحليله السلوبي ل يعتمد على تقسيم النص إلى )وحدات(‪ ،‬فهو‬ ‫يفعل ذلك‪ ،‬ولكن بشرط أن تكون )الوحدات( مترابطة مع‬ ‫بعضها بعضًا‪ .14 -‬‬ ..‬وقد عرض السس الشارية‬ ‫)السيميولوجية( عند سوسير‪ ،‬والتي قال عنها سوسير إنها علم‬ ‫يدرس حياة الشارات في قلب الحياة الجتماعية‪ .

‬ودرس‬ ‫الوظائف الست للغة حسب الترسيمة التالية‪:‬‬ ‫)وظيفة مرجعية(‬ ‫سياق‬ ‫سل إليه‬ ‫مر ِ‬ ‫سل ـــــ رسالة ــــــ مر َ‬ ‫)وظيفة تعبيرية‪ /‬تأثرية صلة )وظيفة شعرية( )وظيفة إفهامية(‬ ‫سنن‬ ‫)وظيفة انتباهية(‬ ‫)وظيفة ما وراء لغوية(‬ ‫‪-1‬فالوظيفة المرجعية هي التوجيه إلى السياق‪ ،‬وهي‬ ‫المهمة المسيطرة في العديد من الرسائل‪.‬‬ ‫‪-6‬والوظيفة الشعرية توضح الجانب الشاري في اللغة‪.‬‬ ‫المر َ‬ ‫‪-4‬والوظيفة النتباهية هي أول وظيفة لفظية يكتسبها‬ ‫الطفال‪ .‬‬ ‫وأما )النشائية البنيوية( فقد نشأت بتأثير ياكوبسون‬ ‫والشكلنيين الروس‪ .‬وبما أنه يهتم بقضايا تخص‬ ‫البنى اللغوية‪ ،‬فإنه يمكن أن يعتبر جزءا ً من علم اللغة‪ .‬وهي تكشف عن الجهد المبذول لتوطيد البلغ‬ ‫أو صيانته‪.‬وقد عّرف بالمحورين البلغيين اللذْين‬ ‫تكونهما صور البيان الساسية‪ :‬الستعارة‪ ،‬والمجاز‪ .(4).‫تعليمنا مم تتألف الشارات‪ ،‬وتصنيفه لعلم اللغة بأنه ليس‬ ‫سوى جزء من هذا العلم الشاري‪.‬‬ ‫وهي عند ياكوبسون إسقاط لمبدأ الختيار على محور‬ ‫التأليف‪.‬‬ ‫‪-3‬والوظيفة الفهامية تميز الرسالة بقصد جعلها فاعلة في‬ ‫سل إليه‪.‬‬ ‫سل‪ .(6‬فالنقد المتجه إلى الثر يؤوله‪ .‬‬ ‫وعلى هذا فإن الوظائف المختلفة للغة تسمح بتحديد‬ ‫الطوابع المختلفة التي تميز الخطاب‪.15 -‬‬ .‬وعرفت بأنها )علم للدب( له الحق‬ ‫بالمكان الول بين الدراسات الدبية‪ .‬وبما أن الناقد ينشئ كتابا ً جديدا ً‬ ‫فإنه يحذف الكتاب الذي يتحدث عنه")‪.(5‬‬ ‫وأما )رولن بارت( فيرى أنه ل يمكن أن يكون هنالك علم‬ ‫خاص بدانتي أو بشكسبير أو براسين‪ ،‬بل هناك علم للخطاب‬ ‫فقط)‪ .‬‬ ‫‪-5‬والوظيفة الماوراء لغوية تشمل اللغة التي تتحدث عن‬ ‫اللغة نفسها‪.‬والفكرة النقدية تظل‬ ‫‪.‬وبهذا‬ ‫فإن ياكوبسون يرى أن "تسمية ناقد أدبي المطبقة على عالم‬ ‫يدرس الدب مغلوطة بقدر ما هي مغلوطة تسمية ناقد نحوي أو‬ ‫معجمي تطبق على عالم لغة"‪ .‬‬ ‫أما باقي الكتاب فقد خصصه كابانس للنشائية )أو‬ ‫الشعرية(‪ ،‬ورأى أن الفضل فيها يعود لـ)ياكوبسون( الذي كان‬ ‫قد أسهم في منتدى براغ اللغوي‪ ،‬وفي منح الشكلية الروسية‬ ‫أسسا ً لغوية أكثر علمية‪ .‬وتجنح إلى‬ ‫‪-2‬والوظيفة التأثرية هي تعبير عن المر ِ‬ ‫إعطاء انطباع عن انفعال معين‪.‬وأن الفصل بين النقد‬ ‫والدراسات الدبية ضروري‪ ،‬ذلك أن الفعالية النقدية‪ -‬عند‬ ‫تودوروف‪ -‬تضيف شيئا ً إلى النص‪ ،‬ولهذا فهي ل تعبر عن النص‬ ‫تعبيرا ً أمينًا‪" :‬فالناقد يقول شيئا ً ل يقوله الثر المدروس‪ ،‬ولو‬ ‫اّدعى أنه يقول الشيء ذاته‪ .

‬‬ ‫وهذه الحدود فجرت قضايا جديدة في البحث والدرس الدبي‪.‬‬ ‫‪ -5‬شولز والبنيوية في الدب‬ ‫وأما الناقد المريكي المعاصر )روبرت شولز(‪ ،‬أستاذ الدب‬ ‫النكليزي والدب المقارن في الجامعات المريكية‪ ،‬فقد أسهم‬ ‫منذ وقت مبكر في تبيان المنهج البنيوي حين وضع كتابه‬ ‫)البنيوية في الدب( ‪ (8)1973‬ثم أصدر كتابه )السيمياء‬ ‫والتأويل( ‪ (9)1982‬وكتابه )سلطة النص( ‪.‬‬ ‫وهذه التحليلت الموجزة بينت حدود النشائية البنيوية‪..‬‬ ‫وبعد أن تبين )سوسير( ضرورة التأكيد على النظام‬ ‫اللغوي‪ ،‬انطلق يستخلص الدوات المفهومية لوصف ذلك‬ ‫النظام وعناصره‪ ،‬فأعاد تعريف العنصر الساسي للبنى اللغوية‬ ‫)الشارة(‪ ،‬حيث أعلن أنها ليست اسما ً لمسمى‪ ،‬وإنما هي كل‬ ‫مركب يربط الصورة السمعية )الدال( بالمفهوم )المدلول(‪،‬‬ ‫‪.‬والتأويل الذي يقدمه‬ ‫يظل إيديولوجيًا‪ .16 -‬‬ .1985‬‬ ‫في كتابه )البنيوية في الدب( عمد شولز إلى التأكيد على‬ ‫المظاهر الدبية للبنيوية في النقد والشعر والسرد‪ ،‬واستبعد‬ ‫الفلسفة والتاريخ وعلم النفس‪ .‫مرتبطة بأساطير عصر الناقد وبتعابيره‪ .Boccace‬فاهتم بتحليل‬ ‫النظام المكاني )الطباعي( حيث مّيز كتابة النص في فضاء‬ ‫الصفحة‪ ،‬وتحرى الطباعة التي زينها رسما ً أبولينير ‪،Apollinaire‬‬ ‫والنظام القائم على التوازي والتوازن‪ ،‬ذلك أن توزيع القصيدة‬ ‫طباعيا ً يشير إلى انبثاق بعض الكلمات التي يسهم هذا التوزيع‬ ‫بطبعها بشحنة شعرية‪.‬و)اللسان( هو نظام من اللغة‬ ‫يستخدمه المرء لتوليد المحادثة‪ -‬بشكل واضح‪ -‬للخرين‪ ..‬لكن لغة النقد‪ ،‬باعتبارها )لغة عن اللغة( ل بد‬ ‫لها من التغير مع تغير النص المدروس لتكون فاعلة‪ .‬والمنظور‬ ‫الذي يختاره الناقد يخصه وحده‪ :‬فقد استخدم )بارت( في‬ ‫دراسته لراسين شبكة خاصة بالتحليل النفسي بالضافة إلى‬ ‫المنهج البنيوي‪.‬وعرف بالبنيوية كحركة‬ ‫للفكر‪ ،‬وكمنهج نقدي عمل على اكتشاف القوانين التي تتحكم‬ ‫بالستخدام الدبي للغة‪ ،‬وركز على الدراسة اللسنية‪ ،‬واتخذ‬ ‫قوته الدافعة من منجزات سوسير وياكوبسون وغيرهما في‬ ‫الحقلين اللسني والنقدي‪.‬وأما‬ ‫)الكلم( فهو أقوالنا الخاصة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وقد قدم لنا تحليل بنيويا في كتابه )مقدمة لتحليل‬ ‫القصص(‪ ،‬حدد فيه )الوحدات( القصصية الصغرى‪ ،‬واستحضر‬ ‫وظائف بروب‪ ،‬فأعطى الوحدات اسم )وظائف(‪ ،‬وأشار إلى‬ ‫أن "الفن منظومة نقية‪ ،‬وأنه ليس هناك وحدة ضائعة")‪،(7‬‬ ‫وأن كل قصة تملك نظامها الزمني‪.Laclos‬و)الديكاميرون( لبوكاش ‪ ،G.‬‬ ‫كما حلل )تودوروف( رواية )الصلت الخطرة( لبيير لكلو‬ ‫‪ ،P.‬‬ ‫ثم تحدث عن اللسنية من سوسير إلى ياكوبسون‪ ،‬حيث‬ ‫تطورت هذه الداة الساسية للتحليل البنيوي على يد العالم‬ ‫اللغوي السويسري سوسير‪ ،‬في مطلع القرن العشرين‪ ،‬في‬ ‫كتابه الذي هو مجموع محاضراته التي كان يلقيها على طلبه‪،‬‬ ‫وكان له تأثير كبير على الدراسات اللغوية الحديثة‪ ،‬وعلى النقد‬ ‫البنيوي‪.‬‬ ‫وقد ميز سوسير بين ثلثة مستويات في اللغة هي‪ :‬اللغة‪،‬‬ ‫واللسان‪ ،‬والكلم‪) :‬فاللغة( هي المظهر الواسع الذي يشمل‬ ‫كل الطاقة النسانية للكلم‪ .

.‬وسوف أسميه سيميولوجيا )من الكلمة اليونانية‬ ‫سيميون التي تعني الشارة(‪ .‬ومن هنا‬ ‫تركيز شتراوس وبروب على بنية السطورة‪ ،‬وتأثيرهما على‬ ‫البنيويين الفرنسيين‪ ،‬وعلى الخصوص بروب‪ ،‬بوصفه عضوا ً في‬ ‫جماعة )الشكليين الروس( في العشرينات من القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬ولكونه مّيز بين العناصر الثابتة والمتغيرة في مائة‬ ‫قصة روسية درسها‪ ،‬واستخلص منها نتائج أصبحت قانونا ً‬ ‫للسرد منذ أيامه وحتى وقتنا الراهن‪ ،‬وهي أن شخصيات القصة‬ ‫تتغير‪ ،‬بينما تظل )وظائفها( ثابتة‪ .‬كما طور تمايزا ً آخر‬ ‫هو‪ :‬التمايز بين العلقات الفقية والعلقات العمودية في‬ ‫الشارات‪ :‬فالعنصر الفقي‪ /‬التتابعي في اللغة يؤثر في وضعية‬ ‫الشارة‪ :‬فمعنى الكلمة يحدده وضعها في الجملة وعلقتها‬ ‫بالوحدات القواعدية لتلك الجملة‪.‬كما عرض تحليل‬ ‫)شتراوس( و)ياكوبسون( لقصيدة )القطط( لبودلير‪ ،‬وتحليل‬ ‫)ريفاتير( للقصيدة نفسها‪ ،‬حيث استفاد منهما‪ ،‬وأضاف جديده‬ ‫دما عرضا ً مقنعا ً للتسلسل الفائق للمتطابقات‬ ‫قائل ً إنهما ق ّ‬ ‫التي تشكل أجزاء الكلم في القصيدة‪ ،‬وبحثا ً في القواعد التي‬ ‫تحدد الخطة التقفوية والنماذج العرابية وعلقات التوازن‬ ‫والختلف‪.‬‬ ‫كما أصبح )ميخائيل باختين( مرحلة انتقالية بين الشكليين‬ ‫والبنيويين‪ .‫وجعل العلقة بينهما اعتباطية‪ .‬وبما أن هذا‬ ‫العلم لم يوجد بعد‪ ،‬فل يمكن لحد أن يتنبأ بما سوف يكون‪.‬وكان قد وضع كتابه )رابليه( عام ‪ 1904‬وكتابه‬ ‫)شعرية دستويفسكي( عام ‪ ،1929‬وقد أعيد طبع الكتابين في‬ ‫‪..‬وقد حدد هذه الوظائف في‬ ‫‪ 31‬وظيفة‪.‬‬ ‫لكن له الحق في الوجود‪ ،‬وفي احتلل مكان متقدم‪ ..‬‬ ‫وعلى الرغم من أن حركة )الشكليين الروس( ازدهرت‬ ‫بين عامي ‪ 1915‬و ‪ 1930‬فإن أفكارها لم تصل إلى أوربا إل‬ ‫بعد خمسة وثلثين عامًا‪ ،‬حين ترجمها )تودوروف( إلى‬ ‫الفرنسية عام ‪ 1965‬فأصبحت أحد مصادر البنيوية الفرنسية‪.(10‬‬ ‫كما مّيز سوسير بين الدراسة التزامنية )السنكروني(‬ ‫والزمنية )الدياكروني( في دراسة اللغة‪ ،‬وشدد على الدراسة‬ ‫التزامنية على حساب الدراسة الزمنية‪ .‬الخ‪ .17 -‬‬ .‬ويرجع السبب في ذلك إلى البصيرة النافذة‬ ‫والبراعة الحاذقة لهذين الرجلين‪ ،‬ولطبيعة المواد السطورية‬ ‫التي اختاراها‪ :‬الساطير‪ ،‬والقصص الشعبي‪ :‬فالسطورة لغة‬ ‫تقوم بوظيفتها في أعلى مستوى حيث ينجح المعنى في أن‬ ‫يستخلص من الساس اللغوي الذي تدور عليه السطورة‪ ،‬وأما‬ ‫الشعر فيسود فيه الجانب المعجمي الصرفي للغة‪ ،‬في حين‬ ‫يسيطر في السطورة الجانب البنيوي النحوي للغة‪ .‬‬ ‫فالعلم الذي يدرس حياة هذه الشارات داخل المجتمع يشكل‬ ‫قسما ً من السيكولوجيا الجتماعية‪ ،‬وبالتالي من السيكولوجيا‬ ‫العامة‪ .‬والقوانين‬ ‫التي اكتشفتها السيميولوجيا سوف تطبق على علم اللغة")‬ ‫‪.‬لكنها أعظم من كل هذه النظمة‪.‬وسوف تبين السيميولوجيا مم‬ ‫تتألف الشارات؟ وما هي القوانين التي تحكمها؟‪ ..‬وعلم‬ ‫اللغة هو جزء من هذا العلم العام )السيميولوجيا(‪ .‬ورأى أن "اللغة نظام من‬ ‫الشارات تعبر عن الفكار‪ ،‬فهي لذلك تقارن بنظام كتابة‬ ‫البجدية الصامتة‪ ،‬والطقوس الرمزية‪ ،‬والصيغ السياسية‪،‬‬ ‫والشارات العسكرية‪ .‬‬ ‫وأما في مجال )الشعرية( فقد عرض شولز جهود‬ ‫)ياكوبسون( في )وظائف اللغة( الست‪ .‬‬ ‫وأما الشعرية البنيوية في الحقل الروائي‪ ،‬فلعل أهم إنجاز‬ ‫بنيوي هو ما قام به الباحثان‪) :‬كلود ليفي شتراوس(‪،‬‬ ‫و)فلديمير بروب(‪ .

‬‬ ‫و)رولن بارت( في كتابه )س‪/‬ز( ‪ 1970‬الذي درس فيه‬ ‫قصة )العربي( لبلزاك‪ .1968‬وكان له تأثيره الحاسم في‬ ‫وضع قوانين للسرد‪ ،‬وبخاصة اكتشافه تعدد الصوات‬ ‫)البوليفونية( في الرواية‪ .‬وخّلف ذرية كما خّلف بروب ذرية‬ ‫أيضًا‪.‬تودوروف( في مقالته )كيف نقرأ؟(‬ ‫التي يرى فيها أن هناك ثلث قراءات هي‪) :‬القراءة السقاطية(‬ ‫باتجاه المؤلف أو المجتمع أو أي شيء آخر يهم المؤلف‪،‬‬ ‫ومثالها‪ :‬النقد النفسي‪ ،‬والنقد السوسيولوجي )الماركسي(‪،‬‬ ‫و)قراءة التعليق(‪ ،‬وهي مكملة للقراءة السقاطية‪ .‬ثم ظهر‬ ‫كتابه )رابليه وعالمه( عام ‪ .‬وهكذا يدعو تودوروف المقاربة النقدية‬ ‫)قراءة(‪ .‬‬ ‫‪-2‬السلسل )وهي النظام الكامل من الفرضيات(‪.‬‬ ‫‪-4‬أقسام الكلم )وهي أسماء الشخصيات‪ ،‬والفعال أو‬ ‫الحداث‪ ،‬والصفات‪.‬‬ ‫وأما )تودوروف( فقد رأى أن )قواعد الديكاميرون( هي‬ ‫أهم خطوة في علم القصة منذ بروب‪ ،‬لنها قواعد شمولية‪،‬‬ ‫تتطابق مع بنية الكون ذاتها‪ .‬وهي قصة قصيرة ل تتجاوز الثلثين‬ ‫‪.‬وكما يسعى‬ ‫السقاط إلى التحرك عبر النص وخلفه‪ ،‬فإن قراءة التعليق‬ ‫تسعى إلى البقاء داخل النص بحيث يمكن أن ندعوها تفسيرا ً‬ ‫للنص أو إعادة صياغة له‪ .‬‬ ‫وأما )بريمون( فقد افترض أن الوحدة القصصية الركيزة‬ ‫ليست وظيفة‪ ،‬بل هي تعاقب‪ ،‬وأن الوظيفة المعقدة يمكن‬ ‫إبرازها على أنها تداخل السلسل‪.‬وتقارب القراءة العمل الدبي باعتباره نظامًا‪ ،‬فتسعى‬ ‫إلى توضيح علئق شتى أجزائه‪.‬‬ ‫‪-3‬الفرضيات )وهي الجمل القصصية الساسية(‪.(.‬وهو تمييز بين ثلثة مظاهر للنص‬ ‫القصصي‪ :‬علم الدللة )أو المضمون(‪ ،‬وعلم السياق‪ ،‬وعلم‬ ‫البلغة )أو المظهر اللفظي وأسلوب التعبير(‪ .‬ولن )غريماس( بنيوي‪ ،‬فإن‬ ‫البنى الدللية تمل ذهنه‪ ،‬وتغدو نماذج خفية لتطبيقاته المجردة‪.‬‬ ‫والواقع أن )غريماس( في كتابه )علم الدللة البنيوي(‬ ‫‪ 1966‬و)كلود بريمون( في كتابه )منطق القصة( ‪،1973‬‬ ‫و)تودوروف( في كتابه )قواعد الديكاميرون( ‪ 1969‬يعدون من‬ ‫ذرية بروب‪ ،‬إذ أن كتبهم الثلثة هذه تعالج السرد الروائي‬ ‫وقوانينه‪ ،‬وتدور حول موضوع الوحدات والبنى الساسية‬ ‫للرواية‪ :‬فغريماس عمل انطلقا ً من ألسنية سوسير‬ ‫وياكوبسون‪ ،‬وميز بين المفاهيم النسانية للفكر‪ :‬العلى‪/‬‬ ‫والدنى‪ ،‬واليمين‪ /‬واليسار‪ .‬‬ ‫وهكذا فإن البنيوية التي اهتمت بسطح العمل الدبي‪،‬‬ ‫وبنيته‪ ،‬ولغته‪ ،‬ونحوه‪ ،‬دون مضمونه‪ ،‬حاولت التعويض عن هذه‬ ‫)الشكلنية( بمفهوم )الشعرية( الذي ل يعني عندها الميل نحو‬ ‫المور الميتافيزيقية‪ ،‬ول النسراب الوجداني ضمن متاهات‬ ‫قصية‪ ،‬وإنما هو )القوانين( التي تؤكد )أدبية( الدب‪..‬الخ‪ .‬وكل منهما يتحدد بعلقته‬ ‫بالخر‪ :‬حسب التعرض المتبادل‪ ..‬والقراءة الثالثة هي )القراءة‬ ‫الشعرية( التي تبحث في المبادئ العامة التي تتجلى في‬ ‫العمال الخاصة‪ ..‬ويمكن توزيع‬ ‫الوحدات التي درسها في‪:‬‬ ‫‪-1‬القصص )مائة القصة في الديكاميرون(‪.‫التحاد السوفييتي في الستينات من القرن العشرين‪ .‬‬ ‫ثم ينتهي شولز إلى )التحليل البنيوي للنصوص الدبية(‬ ‫حيث يناقش أعمال ثلثة نقاد بنيويين هم‪ :‬تودوروف‪ ،‬ورولن‬ ‫بارت‪ ،‬وجيرار جينيت‪) ..18 -‬‬ .

‫صفحة‪ ،‬حللها بارت في كتاب كامل‪ ،‬وطبق فيها كل الجراءات‬ ‫البنيوية‪ ،‬مستلهما ً السيميولوجيا السوسيرية‪ ،‬ومندفعا ً في‬ ‫دراسة السيميولوجيا كما هي في كتابه )عناصر السيميولوجيا(‬ ‫الذي شرح فيه أسرار هذه الثقافة‪ ،‬وبّين انتشار )الشفرات(‬ ‫في التجربة النسانية‪ ،‬فهو يجد تشفيرا ً في الثياب والطعام‬ ‫والثاث وفي كثير من مناحي الحياة المعاصرة‪ .‬‬ ‫‪.‬وقد بدأها بالقول إن‬ ‫المقال القصصي يتألف من ثلث مستويات هي‪ :‬القصة التي‬ ‫ُتروى‪ ،‬والتلوة نفسها ‪ ،RECIT‬والطريقة التي تتم بها التلوة‬ ‫)القص(‪ .‬فوجد ‪ 93‬انحرافا ً عن‬ ‫النظرية الشعرية‪.‬وقد ن ّ‬ ‫في دراسته الطويلة هذه عن بروست‪ .‬‬ ‫‪-4‬الشفرات التضمينية‪.‬‬ ‫ومثله الناقد الفرنسي )جيرار جينيت( البنيوي حتى عندما‬ ‫يقارب النص الخاص الملهم لعلى تحقيقات التفسيرية‪ .‬‬ ‫‪-2‬شفرة اللغاز‪.‬حيث استخلص البنى‬ ‫الخفية عند بروست‪ ،‬وتابع تداخل الستعارة والكناية‪ .‬وقاده هذا‬ ‫إلى قلب بنية العمل الدبي وموضوعه‪ .‬‬ ‫‪-5‬الحقل الرمزي‪ /‬الثيمي ‪.‬هذا ما تريد التحليلت‬ ‫الولى للقصة أن تقوله‪ ،‬أن ترى كل قصص العالم في بنية‬ ‫واحدة"‪.‬‬ ‫في القراءة الولى انتهى بارت إلى معانقة )العربي(‬ ‫لزامبيل معتقدا ً أنها امرأة‪ .‬وفي القراءة الثانية ظهرت زامبيل‪،‬‬ ‫مغنية الوبرا‪ ،‬كاستراتو )أي ولد ُيخصى في صغره ليحافظ‬ ‫على صوت السبرانو في كبره(‪ ،‬فيتلقى القارئ هذه المفاجأة‪.‬‬ ‫وقد استنبط بارت من النص خمس شفرات أساسية هي‪:‬‬ ‫‪-1‬شفرة الحداث‪.‬وكتابه‪:‬‬ ‫أشكال )نشر الجزء الول عام ‪ ،1966‬والثاني عام ‪،1969‬‬ ‫والثالث عام ‪ (1972‬خصصه كله تقريبا ً لدراسة رواية )البحث‬ ‫عن الزمن المفقود( لمارسيل بروست‪ .Theme‬‬ ‫على الرغم من أن الرقم خمسة ليس نهائيًا‪ ،‬وأن هنالك‬ ‫فرصا ً كثيرة لتحسين هذا النظام الذي يمتاز بفضيلة إدخال‬ ‫البعد السيميائي إلى حقل النقد البنيوي بطريقة قوية ومثمرة‪.‬وقد درس جينيت ثلثة مظاهر للقول القصصي القائم‬ ‫على ثلث صفات للعمل في اللغة‪ :‬الصيغة‪ ،‬والصياغة‪،‬‬ ‫والصوت‪) .‬وفي ما يتعلق‬ ‫بالدب يطبق بارت مفهوم )الشفرة( بصورة مختلفة نوعا ً ما‪،‬‬ ‫ولكنها غير مباينة‪ .‬لكنه يظل ناقدا ً بنيويا ً ل تفسيريًا‪.19 -‬‬ .‬فالصيغة( هي العلقة بين القصة والريسيت‪.‬‬ ‫‪-3‬الشفرة الثقافية‪.‬فاعتقد أن من غير‬ ‫فذ ذلك‬ ‫المعقول معالجة نص فردي دون نظرية أدبية‪ .‬‬ ‫والمدهش في )س‪/‬ز( هو المدى الذي وصل إليه بارت في‬ ‫اختبار عبقريته بدراسة التعميمات الشعرية المستندة إلى‬ ‫النص‪ .‬‬ ‫وهكذا انطلق بارت من النص نفسه‪ ،‬فقسمه إلى ‪561‬‬ ‫)وحدة( ذات معنى‪ ،‬وتجاهل التقسيمات البنيوية‪ ،‬وتقسيم‬ ‫الكلم إلى جمل ومقاطع‪ ،‬ليؤكد أن عملية القراءة هي عملية‬ ‫خطية تخترق النص من اليسار إلى اليمين )في الكتابة‬ ‫الفرنسية( ثم توقف ليناقش التضمينات العامة التي تطرحها‬ ‫وحدة المعنى أو تعاقب وحدات المعنى‪ .‬فهو يعتقد أن ل وجود لشيء يسمى السياق‬ ‫فرة ومشكلة‬ ‫الخالص‪ ،‬فكل السياقات تأتي إلى النسان مش ّ‬ ‫ومنظمة في لغة‪ :‬يقول‪" :‬إن بعض البوذيين يرون العالم في‬ ‫حبة فاصولياء بفضل نزعتهم الزهدية‪ .

(12‬‬ ‫وقد ر ّ‬ ‫كز )شتراوس( )‪ (1908‬على اللغة ‪ Langue‬أكثر من‬ ‫الكلم ‪ Parole‬على نحو ما فعل سوسير الذي درس اللغة‬ ‫دراسة آنية وتعاقبية‪ ،‬في حين ركز شتراوس على الدراسة‬ ‫النية‪ ،‬وإن لم ينكر البعاد التعاقبية‪ .(11‬بحثت فيه أعمال‬ ‫ثمانية من أعلم البنيوية في حقول مختلفة‪ ،‬هم‪ :‬شتراوس‬ ‫والنثربولوجيا‪ ،‬وألتوسير والماركسية‪ ،‬وهنري لوفيفر ضد‬ ‫البنيوية‪ ،‬وبول ريكور والهيرمينوطيقا‪ ،‬وآلن تورين والبنية دون‬ ‫بنيوية‪ ،‬وجاك لكان والتحليل النفسي‪ ،‬ورولن بارت والبنيوية‬ ‫الدبية‪ ،‬وميشيل فوكو وبنيات المعرفة‪ .‬‬ ‫وهي أبنية تضرب بجذورها في المجتمع‪.‬وقد افترض سوسير وجود‬ ‫علقة جدلية‪ ،‬داخل النسق‪ ،‬بين الدال )الصوت السمعي(‬ ‫والمدلول )الصور الذهنية(‪ ،‬وأكد مفهوم التعارضات الثنائية في‬ ‫اللغة‪ .‫و)الصياغة( تشتمل على أسئلة حول المسافة والمنظور‬ ‫والمشهد والقصة‪) .‬وقد حاول كل منهم تطبيق هذه المنهجية على‬ ‫الحقل العلمي الذي يعمل فيه‪ .‬وهذا ما ساعد شتراوس على التوسط بين العناصر‬ ‫المتضادة‪ ،‬مثل‪ :‬ساخن‪ /‬بارد‪ ،‬وأرض‪ /‬سماء‪ ،‬وذكر‪ /‬أنثى‪،‬‬ ‫وقديم‪ /‬جديد‪.‬و)المنهجية البنيوية( وحدها هي‬ ‫التي تجمع بينهم‪ .‬وهذا المفهوم الخاص‬ ‫بالبستيمولوجيا‪ ،‬وتأكيده أن الممارسات العلمية في العصور‬ ‫التاريخية تصاحبها معتقدات خاصة‪ ،‬أفاد في تحديد الحقب‬ ‫العلمية عنده‪ ،‬كما أفاد في التنبؤ بنهاية )حقبة النسان( التي‬ ‫نحياها‪ .‬‬ ‫‪ -6‬كيرزويل وعصر البنيوية‬ ‫ثم وضعت الباحثة المريكية )إديث كيرزويل( كتابها‪) :‬عصر‬ ‫البنيوية‪ :‬من شتراوس إلى فوكو()‪ .‬على الرغم من أن‬ ‫ن يرفض صفة‬ ‫هؤلء العلم ليسوا جميعا ً بنيويين‪ :‬فمنهم َ‬ ‫م ْ‬ ‫ن هو ضد‬ ‫م‬ ‫ومنهم‬ ‫البنيوية التي ُتطلق عليهم مثل آلن تورين‪،‬‬ ‫َ ْ‬ ‫البنيوية مثل هنري لوفيفر‪ .‬فقد كان )نظام( الشياء عنده‬ ‫يعتمد على الفرضيات البنيوية‪ .‬‬ ‫أما )لويس ألتوسير( )‪ (1990-1918‬فقد رفض المعطى‬ ‫‪.‬‬ ‫كذلك تقبل )ميشيل فوكو( )‪ (1984-1926‬التعارضات‬ ‫الثنائية في محاولته الكشف عن الركولوجيا اللواعية للمعرفة‬ ‫في كتابه )أركولوجيا المعرفة(‪ .‬وبالطبع فإن هذه المنهجية‬ ‫البنيوية تعتمد أساسا ً على النموذج اللسني السوسيري وتنويعاته‬ ‫ن تله‪ .‬والصوت( هو موقف القاص من الحداث‬ ‫المروية‪.‬وهي الحساس الذي‬ ‫يتكشف ليصبح إحساسا ً بأسطورة أو نسق")‪.‬ومن هنا قول أوزياس‪" :‬البنيوية هي عمل المنهج‬ ‫عند َ‬ ‫م ْ‬ ‫الذي ينطق اللغة الفعلية لموضوعه‪ .‬وقد درستهم الباحثة على هذا‬ ‫العتبار‪ ،‬لتبين الجوانب السلبية للبنيوية‪ ،‬مقابل الجوانب‬ ‫اليجابية التي يمثلها أعلم البنيوية‪ :‬شتراوس‪ ،‬وألتوسير‪،‬‬ ‫ولكان‪ ،‬وفوكو‪ ،‬وبارت‪.‬‬ ‫وقد اتبعت الباحثة منهجا ً واضحا ً في عرض كل عَلم من‬ ‫هؤلء العلم‪ ،‬فبدأت بلمحة عن حياته‪ ،‬ثم عرضت مؤلفاته‪،‬‬ ‫وناقشت أكثرها أهمية‪ ،‬ونسبت إلى كل بنيوي نسقه الفكري‬ ‫الخاص الذي يميزه عن غيره‪ :‬فأنثروبولوجيا شتراوس‪ ،‬ونقد‬ ‫بارت‪ ،‬والتحليل النفسي للكان‪ ،‬وتاريخ المعرفة لفوكو‪،‬‬ ‫وماركسية ألتوسير‪ ،‬جعلت هؤلء العلم يمّثلون مدرسة )بنيوية(‬ ‫واحدة‪ ،‬ولكن في علوم شتى‪ ..20 -‬‬ ..‬ودرس الجنون والطب والعلج النفسي خلل أبنية‬ ‫معرفية ترتبط بحقب تاريخية‪ ،‬وتتضمن اللوعي الفرويدي‪.

‬وقد وجد لكان‬ ‫في كتابات فوكو وبارت ما يدعم آراءه‪ ،‬فقد أشار هذان إلى‬ ‫المكونات اللواعية للنصوص الدبية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وقد ن ّ‬ ‫ظر فيها )سوسير( للغة بوصفها نظاما من الدلة‪،‬‬ ‫تنبغي دراسته )تزامنيًا( ‪ Synchronic‬أي دراسته كنظام مكتمل‬ ‫عند لحظة زمنية معينة‪ .1963‬وما يكاد يصل عام ‪ 1970‬حتى يقوم بدورة‬ ‫انقلبية كاملة‪ ،‬إذ نسي السيميولوجيا‪ ،‬والبنيوية‪ ،‬وأسلم نفسه‬ ‫للنقد التفكيكي‪ ،‬والحر‪ ،‬وللذة النص‪ ،‬ومتعة الكتابة الثانية‪ .‬‬ ‫وأما )جاك لكان( )‪ (1981-1901‬فقد استعان بعلم اللغة‪.21 -‬‬ .‬‬ ‫‪ -7‬ايغلتون ونظرية الدب‬ ‫ثم ظهرت كتب نقدية عالج مؤلفوها البنيوية في فصل‬ ‫واحد منها‪ ،‬وخصصوا الفصول الخرى للمناهج النقدية التي‬ ‫دت بعد البنيوية‪ .‬ثم وضع )مبادئ السميولوجيا( عام‬ ‫‪ 1964‬مؤسسا ً به سيميولوجيا النقد الدبي‪ .‬‬ ‫وأما )رولن بارت( )‪ (1980-1915‬الناقد الفرنسي‬ ‫المشهور‪ ،‬فقد مّر بتحولت نقدية عديدة‪ :‬المرحلة الجتماعية‪،‬‬ ‫والبنيوية‪ ،‬والسيميائية‪ ،‬وحتى التفكيكية‪ ،‬وظل يتجاوز نفسه‬ ‫باستمرار‪ ،‬ويزوغ من تصنيفات الحدود المعرفية‪ ،‬ويرفض أي‬ ‫تصنيف يحصره في نمط معين‪ ،‬لينطلق في تداٍع حر‪.‬‬ ‫والبنيوية هي محاولة لتطبيق النظرية اللسنية على‬ ‫‪.‬كما ينبغي النظر إلى كل )دليل( ‪ sign‬بوصفه مؤلفا ً‬ ‫من )دال( ‪ Signifier‬أي صورة صوتية أو مكافئها الكتابي‪،‬‬ ‫و)مدلول( ‪ Signified‬هو المفهوم أو المعنى‪ .(13‬الذي خصص فصل ً منه للبنيوية‬ ‫والسيميائية‪ ،‬رأى فيه أن البنيوية ازدهرت في ستينات القرن‬ ‫العشرين كمحاولة لتطبيق مناهج مؤسس البنيوية الحديثة‬ ‫)فرديناند دي سوسير( الذي افتتح عهدا ً ألسنيا ً جديدا ً‬ ‫بمحاضراته )دروس في اللسنية العامة(‪.‬والعلقة اعتباطية‬ ‫بين الدال والمدلول‪.‬ففي‬ ‫كاتبه )س‪/‬ز( ‪ 1970‬توّلد القراءة تفاعلت وتفسيرات جديدة‬ ‫خاضعة لسحر الدال‪.‬‬ ‫وتقاربه مع شترواس دفع به إلى العمل من أجل الوصول إلى‬ ‫الجذور اللواعية المشتركة في أحلم الفراد وفي الساطير‬ ‫الجتماعية التي عرفت منذ زمن )الدب الطوطمي( الذي‬ ‫تحدث عنه فرويد في كتابه )الطوطم والتابو(‪ .‫النثروبولوجي الذي تضمنته المعركة الفكرية بين سارتر‬ ‫وشتراوس‪ ،‬ليؤكد المفاهيم القتصادية الماركسية‪ ،‬ويفصل‬ ‫الظواهر الجتماعية المشاهدة عن القوانين الكامنة للصراع‬ ‫الطبقي‪ ،‬فغدا ألتوسير بنيويا ً باستخدامه هذا المنهج الذي أ ّ‬ ‫كد‬ ‫فيه البنية القتصادية والمواقف الطبقية‪.‬وخير مثال لها هو كتاب )نظرية الدب(‬ ‫ج ّ‬ ‫لتيري إيغلتون)‪ .‬وليس )تعاقبيًا( ‪ Diachronic‬في تطوره‬ ‫التاريخي‪ .‬وقد كان موقف‬ ‫الباحثة فيه محايدًا‪ ،‬بل لعله أقرب إلى معاداة البنيوية حين‬ ‫وضعت رواد البنيوية وخصومها في سلة واحدة‪.‬ثم حمله المد‬ ‫البنيوي إلى أفق أبعد على نحو حاول معه الكشف عن أهمية‬ ‫اللغة غير المنطوقة وغير الواعية في الكتابة وفي وسائل‬ ‫العلم‪ ،‬وذلك في كتابه )أسطوريات( ‪ 1957‬وكتابه )عن‬ ‫راسين( ‪ .‬‬ ‫وقد بدأ بكتابه )درجة الصفر في الكتابة( عام ‪ 1953‬الذي‬ ‫تأمل فيه تاريخ اللغة الدبية‪ .‬‬ ‫والواقع أن كتاب كيرزويل هذا هو افضل تقديم شامل‬ ‫للتطبيق البنيوي على حقول العلوم المختلفة‪ .

‬وفي‬ ‫اللحظة التي ترتفع فيها الشمس إلى نقطة فوقه تنير بأشعتها‬ ‫أعماق الحفرة‪ ،‬فتتيح للب إنقاذ طفله‪ .‬‬‫وتكون )توكيدية( حين ينحرف التصال نحو التماس‪.‬ويخرج الب باحثا ً عن ابنه‪،‬‬ ‫فيمر بالحفرة وينظر فيها فل يرى أحدا ً بسبب الظلم‪ .‬‬ ‫سل(‪،‬‬ ‫)المر‬ ‫الست‪:‬‬ ‫ثم وضع ياكوبسون وظائف اللغة‬ ‫ِ‬ ‫سل إليه(‪ ،‬و)الرسالة(‪ ،‬و)السنة( المشتركة التي تجعل‬ ‫و)المر َ‬ ‫الرسالة مفهومة‪ ،‬و)التماس( أو الوسط الفيزيائي للتصال‪،‬‬ ‫و)السياق( الذي ترجع إليه الرسالة‪ .‬‬ ‫وقد تعرض إيغلتون للشكلنية الروسية‪ ،‬على الرغم من‬ ‫كونها ليست بنيوية بشكل دقيق‪ ،‬لنها تنظر إلى النصوص‬ ‫"بنيويًا"‪ ،‬وتصرف النظر عن المرجع‪ ،‬لكي تتفحص الدليل ذاته‪.‬فينطلق سيرا ً على القدام عبر‬ ‫الغابة‪ :‬فيسقط في حفرة عميقة‪ .‬فيحاول التحليل‬ ‫البنيوي أن يعزل )مضمون( الدلة‪ ،‬ويتجاهله‪ ،‬من أجل أن يركز‬ ‫اهتمامه على العلقات الداخلية في النص‪.‬ويمكن لي من هذه‬ ‫العناصر الستة أن يكون مهيمنا ً في فعل اتصالي محدد‪:‬‬ ‫سل‪.‬‬ ‫ولكن ريفاتير رد على تحليلهما هذا بمقالة نقدية رأى فيها‬ ‫أن بعض البنى التي حدداها لم يدركها القارئ اليقظ‪ ،‬وأن‬ ‫تحليلهما لم ينتبه لعملية القراءة‪ ،‬فتناول النص تزامنيًا‪ ،‬بوصفه‬ ‫موضوعا ً في الفراغ‪ ،‬ل حركة في الزمن‪ ،‬وأنهما تجاهل ما‬ ‫للكلمات من تضمنات حاسمة ل يمكن إدراكها بالنتقال خارج‬ ‫النص إلى السنن الثقافية والجتماعية التي يتكئ عليها‪ .‬‬ ‫وأشهر ممثليها اللسني‪) :‬رومان ياكوبسون( الذي أقام صلة‬ ‫الوصل بين المدرسة الشكلنية الروسية والبنيوية الحديثة‪،‬‬ ‫بوصفه كان زعيما ً لحلقة موسكو اللسنية التي تأسست عام‬ ‫‪ .‬‬ ‫وتكون )ندائية( حين ُينظر إليها من موقع المر َ‬‫وتكون )مرجعية( حين ُيعنى التصال بالسياق‪.‬‬‫وتكون )شعرية( عندما يتركز التصال على الرسالة ذاتها‪.‬‬‫ثم مّثل إيغلتون للنقد البنيوي بقصة بسيطة عن صبي يغادر‬ ‫البيت إثر نزاع مع والده‪ .‬وهذه‬ ‫تحرمها الفتراضات البنيوية‪ .‬وبعد مصالحة بينهما‬ ‫‪.‬وقد عالجا القصيدة بوصفها )لغة(‪،‬‬ ‫بينما اعتبرها ريفاتير )خطابًا(‪ ،‬فلجأ إلى سيرورة القراءة‬ ‫والوضعية الثقافية التي يتم فيها فهم النص‪.22 -‬‬ .1915‬ثم هاجر إلى براغ عام ‪ 1920‬فأسس فيها حلقة براغ‬ ‫اللسنية عام ‪ 1926‬وأصبح واحدا ً من منظريها‪ ،‬ومن هاتين‬ ‫الحلقتين اللسنيتين تشكلت المدرسة الشكلنية الروسية )أو‬ ‫البوياز( التي ظلت حتى عام ‪.‫موضوعات وفعاليات أخرى غير اللغة ذاتها‪ ،‬حيث يمكن أن‬ ‫ننظر إلى السطورة‪ ،‬أو مباراة كرة القدم‪ ،‬أو قائمة أنواع‬ ‫الطعام في مطعم‪ ،‬باعتبارها نظام أدلة‪ .1930‬‬ ‫ثم هاجر ياكوبسون إلى أمريكا‪ ،‬حيث التقى النثربولوجي‬ ‫كلود ليفي شتراوس أثناء الحرب العالمية الثانية‪ ،‬فتوطدت‬ ‫بينهما علقة فكرية كان لها الفضل في تطور البنيوية‪ ،‬حين‬ ‫اشتركا معا ً في تحليل قصيدة )القطط( لبودلير تحليل ً بنيويا ً في‬ ‫عام ‪ ،1962‬وأصبح تحليلهما هذا واحدا ً من كلسيات الممارسة‬ ‫البنيوية الرفيعة‪ ،‬حيث استخرجا‪ -‬بعناد وإصرار شديدين‪-‬‬ ‫التقابلت في القصيدة‪ ،‬والمستويات الصوتية والتركيبية‬ ‫والدللية‪.‬‬ ‫فاللغة تكون )انفعالية( حين ُترى من وجهة نظر المر ِ‬‫سل إليه‪.‬‬‫وتكون )ميتالغوية( حين يتوجه إلى السنة‪.

.‬وتحت التغاير الهائل في الساطير ثمة‬ ‫بنى كونية ثابتة معينة يمكن أن نرد إليها أية أسطورة محددة‪.‬وهذا هو هدفها‪.‬كما تدل مسيرتهما في العودة إلى البيت‬ ‫على )وسط(‪.‬‬ ‫هذه القصة التي تحويها عشر كلمات‪ ،‬يمكن أن تمتد ّ إلى‬ ‫عشر صفحات لدى أديب‪ ،‬وإلى مئة صفحة لدى أديب آخر‪ ،‬إذا‬ ‫ما زاد عليها تقنية السترجاع )الفلش باك( والستباق‬ ‫)الستشراف(‪ .‬كما يمكنه أن يتلعب بلفظتي ‪ SUN‬و ‪..‬ومسير الطفل عبر الغابة هو حركة‬ ‫على محور أفقي‪ .‬كما يلحظ أن المنهج البنيوي‬ ‫تحليلي ل تقييمي‪.‬وسقوط ضوء الشمس عمودي‪ .‬‬ ‫وقد أسهم في )التحليل البنيوي للسرد( باحثون ونقاد‬ ‫عديدون‪ ،‬بدءا ً بشتراوس وانتهاًء بجينيت‪ ،‬مرورا ً ببروب‪،‬‬ ‫وغريماس‪ ،‬وتودوروف وبريمون وبارت‪ .SON‬‬ ‫وإن )الناقد النفسي( يمكن أن يجد فيها آثارا ً محددة من‬ ‫عقدة أوديب التي اكتشفها فرويد‪ ،‬فيبين أن سقوط الطفل في‬ ‫الحفرة هو عقاب يتمناه الطفل لنفسه في لوعيه نظرا ً لنزاعه‬ ‫مع أبيه‪ ،‬وربما هو شكل من الخصاء الرمزي أو التجاء إلى رحم‬ ‫الم‪.‬‬ ‫و)الناقد البنيوي( يرى فيها ثنائيات ضدية‪) :‬فالدنى( البن‬ ‫يتمرد على )العلى( الب‪ .‬فإذا ما حاولنا تحليلها‪ ،‬فإن مناهج عديدة يمكن‬ ‫أن تعالجها‪) :‬فالناقد اللسني( يمكنه أن يجد فيها ثنائيات‪:‬‬ ‫الب‪ /‬البن‪ ،‬والنزاع‪ /‬المصالحة‪ ،‬والمغادرة‪ /‬العودة‪ ،‬والشمس‪/‬‬ ‫والظلم‪ .‬وسقوط‬ ‫ضوء الشمس )العلى( على الحفرة )الدنى( يقلب وحدة‬ ‫السرد الدالة الولى حيث كان )الدنى( يقف في مواجهة‬ ‫)العلى(‪ .‬‬ ‫والساطير‪ -‬عنده‪ -‬نوع من اللغة يمكن تفكيكها إلى )وحدات(‬ ‫فردية مثل )الوحدات( الصوتية في اللغة‪ ،‬وهي ل تكتسب‬ ‫معنى إل حين تتركب معا ً بطرائق محددة‪ .‬‬ ‫ويلحظ أن التحليل البنيوي‪ ،‬كالشكلني‪ ،‬يضع )محتوى(‬ ‫القصة بين قوسين‪ ،‬ويركز على الشكل وحده‪ ،‬وعلى العلقات‬ ‫وحدها‪ ..‬وخلقت علما ً جديدا ً هو )علم‬ ‫السرد( ‪ Narratology‬وكان من أشد المساهمين فيه الليتواني‬ ‫)غريماس(‪ ،‬والبلغاري )تودوروف(‪ ،‬والنقاد الفرنسيون‪) :‬جيرار‬ ‫جينيت(‪ ،‬و)كلود بريمون(‪ ،‬و)رولن بارت(‪.23 -‬‬ .‬‬ ‫هكذا تبدو الساطير صنعات للتفكير‪ ،‬وطرائق لتصنيف الواقع‬ ‫وتنظيمه‪ .‬وقد تكون هذه العلقات بين المفردات علقة تواز‪ ،‬أو‬ ‫تقابل‪ ،‬أو تكافؤ‪ ،‬أو قلب‪ ..‬‬ ‫‪.‬ويمكن رؤية القواعد‬ ‫التي تحكم هذه التركيبات بمثابة نوع من النحو والصرف‪ ،‬أي‬ ‫كمجموعة من العلقات تشكل )معنى( السطورة الحقيقي‪.‬‬ ‫ولقد بدأ التحليل البنيوي للسرد مع العمل الرائد الذي قام‬ ‫به النثربولوجي الفرنسي )كلود ليفي شتراوس(‪ ،‬حيث حلل‬ ‫فيه الساطير الهندية‪ ،‬باعتبارها تنويعات على عدد من‬ ‫)الثيمات( الساسية‪ .‬الخ‪ ،‬ذلك أن البنيوية‬ ‫قامت بتثوير دراسة السرد‪ .‬‬ ‫وهذه العلقات متأصلة في العقل البشري‪ ،‬كما يرى شتراوس‪،‬‬ ‫ولذا فإننا‪ -‬عند دراسة أسطورة ما‪ -‬ل ننظر إلى محتواها‬ ‫السردي بقدر ما ننظر إلى العمليات الذهنية الكونية التي تبني‬ ‫هذه السطورة‪ ،‬ذلك أن هذه العمليات الذهنية‪ ،‬كإقامة‬ ‫التقابلت الثنائية مث ً‬ ‫ل‪ ،‬هي ما تحكي عنه السطورة بطريقة ما‪.‬والحفرة‬ ‫تحت مستوى الرض )أدنى(‪ ،‬تقابلها الشمس )أعلى(‪ .‬والمصالحة بين الب والبن تستعيد توازنا ً بين‬ ‫)العلى( و)الدنى(‪ .‫يعودان إلى البيت‪.

‬‬ ‫بقدر ما هي شبكات اتصال وسنن‪ ،‬تسمح بانتقال )المر َ‬ ‫والعقل الذي يقوم ببنائها هو العقل الجمالي ل الفردي‪،‬‬ ‫فالساطير تفكر عبر البشر‪ ،‬وليس العكس‪ .‫ويمكن قول الشيء ذاته‪ ،‬كما يرى شتراوس‪ ،‬عن النظمة‬ ‫الطوطمية والقرابية‪ ..‬ويمكن‬ ‫سل إليه‪،‬‬ ‫للفاعلين الستة )الذات‪ ،‬والموضوع‪ ،‬والمر ِ‬ ‫سل‪ ،‬والمر َ‬ ‫والمساعد‪ ،‬والمعارض( أن يستوعبوا مجالت الفعل المتنوعة‬ ‫لدى بروب‪ ،‬ويساعدوا على القيام بمزيد من التبسيط النيق‪..‬‬ ‫و ُ‬ ‫‪..‬وإذن فإن إحدى نتائج البنيوية هي )نزع مركزية‬ ‫الذات الفردية( التي لم تعد تعتبر بمثابة مصدر للمعنى أو غاية‬ ‫له‪ .‬وهكذا فإن )حبكة( الحداث‬ ‫هذه تقلب القصة أو التسلسل الزمني الحقيقي للفعل‪.‬‬ ‫ويمكن‪ -‬بالتالي‪ -‬قراءة كل قصة في )الديكاميرون( كنوع من‬ ‫الجملة الممتدة التي تجمع هذه الوحدات بطرائق مختلفة‪.‬‬ ‫ولعل )جيرار جينيت( هو وحده الذي خصص جهوده كلها‬ ‫للسرد‪ ،‬فوضع كتابه )الخطاب السردي( ‪ 1972‬ميز فيه بين‬ ‫)الحكي( ‪ RECIT‬الذي يعني به الترتيب الفعلي للحداث في‬ ‫النص‪ ،‬و)القصة( ‪ History‬التي يعني بها التتالي الذي حصلت‬ ‫فيه هذه الحداث "فعليًا" كما يمكن أن نستدل عليه من النص‪،‬‬ ‫و)التسريد( ‪ Narration‬الذي ُيعنى بفعل السرد ذاته‪ .‬وهي ل تجد أي‬ ‫أصل أو منشأ في وعي محدد‪ ،‬ول تملك أية غاية محددة‬ ‫منظورة‪ .‬إن للساطير وجودا ً جمعيا ً شبه موضوعي يكشف )منطقها‬ ‫الملموس(‪ ،‬ويبدي استخفافا ً بالغا ً حيال أوهام الفكر الفردي‬ ‫وأهوائه‪ ،‬ويرد كل وعي محدد إلى مجرد وظيفة لديها‪.‬‬ ‫إذا كان حدث ما قد حصل مرة في القصة‪ ،‬و ُ‬ ‫سرد مرات عديدة‪ ،‬أو حصل مرات‬ ‫أو حصل مرة‪ ،‬و ُ‬ ‫سرد مرات عديدة‪ ،‬أو حصل مرات عديدة‬ ‫عديدة‪ ،‬و ُ‬ ‫سرد مرة فقط‪.‬‬ ‫وأما )تودوروف( فقد قام بتحليل قواعدي‬ ‫‪ GRAMMATICAL‬مشابه طّبقه على )ديكاميرون( بوكاشيو‪،‬‬ ‫حيث نظر إلى الشخصيات بوصفها أسماء‪ ،‬وإلى الخصائص‬ ‫المنسوبة إليها بوصفها نعوتًا‪ ،‬وإلى أعمالها بوصفها أفعا ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫‪-3‬التواتر‪ Frequency :‬الذي يشتمل على تساؤلت عما‬ ‫سرد مرة‪.‬وقد تمكن‬ ‫من تجريد عرضه الخاص من خلل مفهوم )الفاعل( ‪ACTANT‬‬ ‫الذي ليس سردا ً نوعيا ً ول شخصية‪ ،‬وإنما وحدة بنيوية‪ .‬ويكافئ‬ ‫الصنفان الولن الحبكة والقصة في التمييز الشكلني‪ :‬فالقصة‬ ‫البوليسية مثل ً تبدأ باكتشاف جثة‪ ،‬ثم تعود من النهاية إلى‬ ‫البداية لتبين حيث حدثت الجريمة‪ .‬‬ ‫ويميز جينيت خمس مقولت مركزية في تحليل السرد‪،‬‬ ‫وهي‪:‬‬ ‫‪-1‬الترتيب ‪ Order‬الذي يميل إلى الترتيب الزمني‬ ‫للسرد‪ ،‬وكيف يمكن له أن يعمل من خلل الستباق أو‬ ‫السترجاع أو المفارقة الزمنية التي تشير إلى‬ ‫التضاربات بين القصة والحبكة‪.‬فهي ليست مؤسسات اجتماعية ودينية‬ ‫سلت(‪..24 -‬‬ .‬‬ ‫وإذا كان الشكلني الروسي )فلديمير بروب( قد حلل‬ ‫الحكايات الشعبية في كتابه )علم تشكل الحكاية الشعبية(‬ ‫‪ 1928‬حيث رد فيه كل الحكايات الشعبية إلى سبع مجالت‬ ‫للفعل‪ ،‬وإحدى وثلثين وظيفة‪ ،‬فإن )غريماس( في كتابه )الدللة‬ ‫البنيوية( ‪ 1966‬رأى أن ترسيمة بروب تجريبية جدًا‪ .‬‬ ‫‪-2‬الستمرار أو الستغراق الزمني ‪ Duration‬الذي‬ ‫يدل على أن السرد يمكن أن ُيسقط الستطرادات‬ ‫ويطيلها‪ ،‬ويوجز‪ ،‬ويتوقف‪.

‬وقد يكون السرد غير متبئر‪ ،‬يلقيه‬ ‫السارد الكلي المعرفة من خارج الفعل‪ ،‬أو متبئرا ً داخليا ً‬ ‫تقرؤه شخصية واحدة من موقع ثابت أو من مواقع‬ ‫متغيرة أو من وجهات نظر شخصيات متعددة‪ .‬فالسارد قد يعرف‬ ‫أكثر من الشخصيات‪ ،‬أو أقل منها‪ ،‬أو يتحرك معها على‬ ‫المستوى ذاته‪ .‬وحين وضعت البنيوية‬ ‫)الموضوع( الواقعي بين قوسين‪ ،‬فإنها وضعت الذات البشرية‬ ‫أيضا ً بين قوسين‪ ،‬فالعمل الدبي‪ -‬عندها‪ -‬ل يحيل إلى‬ ‫)موضوع(‪ ،‬ول هو تعبير عن ذات فردية‪ ،‬والمهم عندها هو‬ ‫)نسق القواعد( أو )النظام( المستقل بحياته‪ .‬‬ ‫ويمكن أن نجد هنا تركيبات عديدة بين )زمن السرد(‬ ‫و)زمن المسرود(‪ ،‬وبين فعل تلوة القصة والحداث‬ ‫التي ُتتلى‪ ،‬فقد تتم حكاية الحداث قبل حدوثها‪ ،‬أو‬ ‫بعده‪ ،‬أو أثناءه )كما في رواية الرسائل(‪ ،‬ويمكن لسارد‬ ‫أن يكون غائبا ً عن سرده‪ ،‬أو خارجا ً عن نطاقه‪ ،‬أو ممثل ً‬ ‫داخل نطاق السرد )كما في قصص ضمير المتكلم(‪ ،‬أو‬ ‫ممثل ً داخل السرد وبارزا ً فيه بوصف الشخصية‬ ‫الرئيسية في الوقت ذاته‪.‬ورأى أن البنيوية التي حلت محل‬ ‫الوجودية الفرنسية جاءت كرد فعل؛ فإذا كانت الوجودية قد‬ ‫اشتطت في النزعة الفردية‪ ،‬وشددت على الذات وعلى‬ ‫مسؤولية النسان‪ ،‬فإن البنيوية التي ورثتها كنقيض لها‪ ،‬شددت‬ ‫على اللحظة الموضوعية‪ ،‬والصرامة العلمية‪ ،‬وسعت إلى منهج‬ ‫العلوم النسانية كيانا ً ل يقل عن العلوم الطبيعية‪.‬وهو إذ‬ ‫وغارودي في كتابه هذا يلجأ إلى ال ِ‬ ‫‪.‬وأما‬ ‫المنظور فهو ما يمكن أن ُيدعى )زاوية النظر(‪ .‬وهي تطالب بقارئ هو في الواقع ذات‬ ‫متعالية متحللة من كل المحددات الجتماعية المقيدة‪.‬ولهذا فإن‬ ‫البنيوية تبدو لإنسانية‪ .‫‪-4‬الصيغة ‪ Mood‬التي يمكن تقسيمها إلى )الُبعد(‬ ‫و)المنظور(‪ .‬‬ ‫‪-5‬الصوت ‪ Voice‬والذي ُيعنى بفعل السرد ذاته‪ ،‬أي بنوع‬ ‫السارد والمسرود لـه الذي ينطوي عليهما هذا السرد‪.‬ولهذا يعقد فصل ًلـ)ما بعد البنيوية( يعرض‬ ‫فيها إنجازات الحركة التفكيكية لدى )رولن بارت( و)جاك‬ ‫ديريدا(‪.‬فالبعد ُيعنى بعلقة التسريد بمواده‬ ‫الخاصة‪ :‬هل هي علقة تلوة للقصة‪ ،‬أم تمثيل لها‪ .‬ويمكن‬ ‫تقسيمه‪ -‬أيضًا‪ -‬إلى أقسام فرعية‪ .‬‬ ‫ويرى إيغلتون أن الستقبال الذي حظيت به البنيوية في‬ ‫انجلترة قسم النقد الدبي النجليزي إلى معسكرين‪ :‬خصوم يرون‬ ‫فيها نهاية الحضارة‪ ،‬وأنصار "تسلقوا عربة الموسيقى التي كانت‬ ‫في باريس واختفت"‪ ..‬كما لم تلتفت إلى الكيفية‬ ‫التي يتم فيها استهلك هذا النتاج‪ .‬‬ ‫*‬ ‫وليس إيغلتون هو وحده الذي ناقش الطروحات البنيوية‪،‬‬ ‫بعد أن عرض إنجازاتها‪ ،‬فهنالك )سارتر( الذي رأى فيها )بدعة‬ ‫بورجوازية(‪ ،‬و)روجيه غارودي( الذي وضع عنها كتابه )البنيوية‬ ‫فلسفة موت النسان()‪ (14‬ناقش فيه أطروحات شتراوس‪،‬‬ ‫وفوكو‪ ،‬وألتوسير‪ ،‬وغودلييه‪ .25 -‬‬ .‬ولكنها أغفلت مفهوم الدب بوصفه‬ ‫ممارسة اجتماعية وشكل ً من النتاج‪ ..‬‬ ‫وينتهي إيغلتون بعد عرض هذه الجهود البنيوية في السرد‬ ‫إلى أن البنيوية مثلت قطيعة مع النقد الدبي التقليدي‪ ،‬في‬ ‫انكبابها على اللغة‪ .‬كما‬ ‫يمكن أن نجد أيضا ً شكل ً من التبئير الخارجي حيث‬ ‫يعرف السارد أقل مما تعرفه الشخصيات‪.‬وهل‬ ‫السرد محكي بالكلم المباشر‪ ،‬أم المنقول؟‪ ..‬‬ ‫حجاج والجدل‪ ..

1994‬‬ ‫) ‪-(10‬يييييييي يي ييييي‪ -‬يييي يي ييي ييييي ييييي‪ -‬ي ‪.‬‬ ‫بيد أن غارودي إذا كان قد وضع كتابه هذا تحت تأثير‬ ‫الماركسية‪ ،‬ورأى أن ماركس هو الذي أسس )الجدلية‬ ‫البنيوية(! فإنه لم يجعل من البنيوية فلسفة‪ ،‬ذلك أن التصور‬ ‫النقدي والجدلي للبنى يحظر علينا أن ننسى أن هذه البنى‬ ‫ليست بماهيات أفلطونية‪ ،‬وإنما هي )نماذج( نبنيها بأنفسنا‬ ‫كيما نعلل الظواهر ونسيطر عليها‪ ،‬وبهذا نفلت من صنمية‬ ‫البنى واستلبها برؤيتنا لها على أنها تنظيم للظاهرات وليست‬ ‫كشفا ً للماهيات‪.100‬‬ ‫) ‪-(6‬ييييي يييي‪ -‬ييييي يييييييي‪ .12‬‬ ‫) ‪-(4‬يييييييي‪ -‬يييييي يي ييي ييييي ييييي‪ -‬ييييي‪ -‬ييييي‬ ‫‪1969‬ي ي ‪.1979‬‬ ‫***‬ ‫‪.26 -‬‬ .1972‬‬ ‫) ‪-(2‬ييي ييي يييييي‪ -‬ييييي يييييي ييييييي ييييييييي‪-‬‬ ‫يي‪ :‬ييي يييي‪ -‬ييي ييييي‪ -‬يييي ‪.7‬‬ ‫) ‪-(8‬ييييي يييي‪ -‬يييييييي يي ييييي‪ :‬يي‪ :‬ييي يييي‪ -‬ييييي‬ ‫يييييي ييييي‪ -‬يييي ‪.1984‬‬ ‫(‪-‬ييييي يييي‪ -‬يييييييي يييييييي‪ -‬يي‪ :‬يييي ييييييي‪-‬‬ ‫)‪9‬‬ ‫ييييييي ييييييي‪ -‬ييييي ‪.‬ييي‪ -‬ييييي ‪1966‬ي ي ‪.16‬‬ ‫) ‪-(11‬يييي ييييييي‪ -‬ييي يييييييي‪ -‬يي‪ :‬يييي ييييي‪ -‬ييي‬ ‫يييي ييييي‪ -‬ييييي ‪.1982‬‬ ‫) ‪-(3‬يييييييي‪ -‬ييي‪ :‬ييييييي‪ -‬ييييي ييييي‪ .1985‬‬ ‫) ‪-(12‬ييي يييي يييييي‪ -‬يييييييي‪ -‬يييييي ‪1967‬ي ي ‪.58‬‬ ‫) ‪-(7‬ييييي يييي‪ -‬يييي ييي ييييييي ييييييي ييييي‪ -‬يييي‬ ‫)ييييييي(‪ -‬ييي‪ -‬ييييي ‪1966‬ي ي ‪.7‬‬ ‫) ‪-(13‬يييي ييييييي‪ -‬ييييي ييييي‪ -‬يي‪ :‬يييي ييي‪ -‬ييييي‬ ‫ييييييي‪ -‬يييي ‪.‬‬ ‫**‬ ‫هوامش‪:‬‬ ‫) ‪-(1‬ييي يييي يييييي يييييي‪ -‬يييييييي‪ -‬يي‪ :‬ييييييي يييي‪-‬‬ ‫ييييي ييييييي‪ -‬يييي ‪.‫يشيد بمنجزات المنهج البنيوي فإنه ُيعمل مبضع النقد في‬ ‫"اليديولوجيا البنيوية" التي يرى فيها أنها انح ّ‬ ‫طت إلى فلسفة‬ ‫تنفي النسان من التاريخ‪ ،‬وتبشر بموت قريب له على صعيد‬ ‫التحليل العلمي‪.‬ييييي ‪ 1971‬ي‬ ‫‪.1995‬‬ ‫) ‪-(14‬ييييي يييييي‪ -‬يييييييي ييييي ييي ييييييي‪ -‬يي‪:‬‬ ‫يييي ييييييي‪ -‬ييي ييييييي‪ -‬ييييي ‪.211‬‬ ‫) ‪-(5‬ييييييي‪ -‬يي يي ييييييييي ييي‪ -‬ييييي ‪1968‬ي ي ‪.

.‬كما ج ّ‬ ‫البنيوية‪ ،‬ثم استقلت عنها كمناهج نقدية جديدة )كالتفكيكية(‪..‬‬ ‫وعندما وصلت إلى وطننا العربي متأخرة ن ّ‬ ‫ظر لها‪ ،‬وكتب‬ ‫فيها باحثون ونقاد تراوحت كتاباتهم بين اللتزام الدقيق‬ ‫بمقولتها )صلح فضل(‪ ،‬والخروج على أطروحاتها‪ ،‬أو تركيب‬ ‫أكثر من منهج نقدي )الغ ّ‬ ‫ذامي(‪ ،‬وذلك تبعا ً لستيعاب هؤلء‬ ‫النقاد للمقولت البنيوية‪ ،‬وتبعا ً لمتابعتهم لجديدها‪ ،‬لن البنيوية‬ ‫بنيت بالتدريج طوال أكثر من ثلثين عامًا‪ .‬‬ ‫وهكذا كتب في البنيوية مفكرون وباحثون ونقاد عرب في‬ ‫الفكر والنقد‪ ،‬بدءا ً بزكريا إبراهيم‪ ،‬وصلح فضل من مصر‪،‬‬ ‫وعبد الفتاح كيليطو‪ ،‬وصدوق نور الدين‪ ،‬ومحمد برادة‪ ،‬ونجيب‬ ‫العوفي من المغرب‪ ،‬وعبد الملك مرتاض من الجزائر‪ ،‬وفؤاد‬ ‫أبو منصور من لبنان‪ ،‬وعبد الله إبراهيم من العراق‪ ،.‬فمن شهد مقولتها‬ ‫ُفي مرحلة نشوئها وظل يراوح عند مرحلة النشوء بات متخلفا ً‬ ‫إزاء مقولتها التي جدت في مرحلة ازدهارها أو احتضارها‪ ،‬ذلك‬ ‫أنها غيرت جلدها‪ ،‬وطورت مقولتها‪ ،‬خلل مسيرتها النقدية‪:‬‬ ‫فعندما وجدت البنيوية نفسها أمام الباب الشكلني المسدود‪،‬‬ ‫بحثت عن اتجاهات تطيل أمدها‪ ،‬فتبنت المزاوجة بينها وبين‬ ‫الرؤيا الجتماعية التي جعلت منها اتجاها ً بنيويا ً جديدا ً )البنيوية‬ ‫دت اتجاهات نقدية جديدة خرجت من قلب‬ ‫التكوينية(‪ .‬وغيرهم‪...‫الفصل الثاني‪:‬‬ ‫المستوى التنظيري العربي‬ ‫للبنيوية الشكلية‬ ‫إذا كانت البنيوية قد نشأت في فرنسا في الستينات من‬ ‫القرن العشرين‪ ،‬وكتب فيها‪ ،‬تنظيرا ً وتطبيقًا‪ ،‬عدد كبير من‬ ‫البنيويين في شتى الحقول العلمية‪ ،‬بدءا ً بالدب وانتهاًء بالنقد‬ ‫الدبي‪ ،‬ومرورا ً باللسنّية والنثربولوجيا وعلم النفس‬ ‫والماركسية والبستيمولوجيا‪ ،‬وحتى الرياضيات‪ .‬الخ‪ ،‬فإنها‬ ‫انتشرت بعد ذلك وهاجرت إلى معظم بلدان العالم‪ ،‬ون ّ‬ ‫ظر لها‬ ‫وفيها باحثون ونقاد في أمريكا )كيرزويل نموذجًا(‪ ،‬وبريطانيا‬ ‫)تيري إيغلتون نموذجًا(‪.....27 -‬‬ .‬‬ ‫أما النقاد البنيويون فقد طور كثير منهم اتجاهاتهم وخير مثال‬ ‫على ذلك الناقد الفرنسي المشهور )رولن بارت( الذي بدأ‬ ‫سوسيولوجيا ً في كتابه )درجة الصفر في الكتابة(‪ ،‬ثم أصبح‬ ‫بنيويا ً شكليا ً في كتابه )التحليل البنيوي للسرد(‪ ،‬فبنيويا ً تكوينيا ً‬ ‫في كتابه )حول راسين(‪ ،‬فسيميولوجيا ً في كتابه )نظام‬ ‫الموضة(‪ ،‬فتفكيكيا ً في كتابه )س‪/‬ز(‪ ،‬فناقدا ً حرا ً في كتابه )لذة‬ ‫النص(‪.‬‬ ‫‪.

‬‬ ‫و)التنظيم الذاتي( هو أن في وسع هذه )البنيات( تنظيم‬ ‫نفسها بنفسها‪ ،‬مما يحفظ لها وحدتها‪ ،‬ويكفل لها المحافظة‬ ‫على بقائها‪ ،‬ويحقق لها نوعا ً من )النغلق الذاتي(‪ .‬وليس المهم في البنية هو )العنصر(‬ ‫أو )الكل( الذي يفرض نفسه على العناصر‪ ،‬وإنما هو‬ ‫)العلقات( القائمة بين هذه العناصر‪ ،‬أو عمليات تكوين )الكل(‬ ‫باعتبار هذا )الكل( مكونا ً من تلك )العلقات(‪.‫ومن الملحظ أن هذا المنهج النقدي بدأ في بلدان المغرب‬ ‫قبل المشرق‪ ،‬بسبب إطلل مثقفي المغرب مباشرة على‬ ‫الثقافة الوربية‪ ،‬وشيوع الثقافة الفرنسية في هذه البلدان‪ ،‬ثم‬ ‫أخذت به بلدان المشرق العربي‪.‬لكن هذا‬ ‫النغلق ل يمنع )البنية( الواحدة من أن تندرج تحت )بنية(‬ ‫أخرى أوسع‪.‬وما يهمنا‪ -‬كمهتمين بالنقد الدبي‪ -‬هو منهج هؤلء‬ ‫‪.‬‬ ‫و)التحولت( تعني أن هذا )الكل( ينطوي على دينامية ذاتية‬ ‫تتألف من سلسلة من التغيرات الباطنية التي تحدث داخل‬ ‫)النسق( أو )المنظومة( خاضعة في الوقت نفسه لقوانين‬ ‫)البنية( الداخلية‪.28 -‬‬ .‬‬ ‫وسنعرض بعض هذه الجهود التنظيرية‪ ،‬حسب صدورها‬ ‫التاريخي‪:‬‬ ‫‪ -1‬زكريا إبراهيم ومشكلة البنية‬ ‫ولعل أول العرب الذين كتبوا في البنيوية هو المفكر )زكريا‬ ‫إبراهيم( المعروف بإبداعاته الفكرية في المجال الفلسفي‪،‬‬ ‫ولعل كتابه )مشكلة البنية( من أوائل الكتب العربية التي‬ ‫ُوضعت في التنظير للبنيوية‪ ،‬فقد أصدره عام ‪ 1976‬انطلقا ً‬ ‫من أن البنيوية أصبحت "اللغة الشارحة لكل حضارتنا‬ ‫المعاصرة"‪ ،‬وأن إنسان القرن العشرين قد بدأ يعرف ذاته بأنها‬ ‫ن‪.‬‬ ‫والواقع أن كتابه هذا يصلح أن يكون مقدمة للمنهج البنيوي‬ ‫بعامة‪ .‬‬ ‫مجرد )بنية(‪ ،‬وأنه هو نفسه إنسان )دال(‪ ،‬صانع معا ٍ‬ ‫وبداية يتساءل الباحث‪ :‬هل البنيوية علم؟ أم فلسفة؟ أم‬ ‫هي مجرد منهج للبحث العلمي؟‪ .‬ولكنه‪ -‬كفيلسوف‪ -‬اكتفى بالمفكرين‬ ‫في حقول العلوم المختلفة‪ ،‬دون أن يجعل الدب والنقد واحدا ً‬ ‫منها‪.‬‬ ‫)فالكلية( هي تكوين البنية من عناصر داخلية خاضعة‬ ‫للقوانين المميزة للنسق‪ .‬فهي )صورة( الشيء‪ ،‬و)هيكله(‪،‬‬ ‫و)القانون( الذي يفسر تكوينه‪ .(1‬‬ ‫ثم ُيعّرف الباحث )البنية( لغة واصطلحا ً بأنها )نظام أو‬ ‫نسق من المعقولية(‪ .‬يقول جان بياجيه‪" :‬إن البنية‬ ‫هي نسق من التحولت له قوانينه الخاصة باعتباره نسقًا"‪ ،‬وإن‬ ‫هذه البنية تتسم بخصائص ثلث‪ :‬الكلية‪ ،‬والتحولت‪ ،‬والتنظيم‬ ‫الذاتي‪.‬‬ ‫ثم يتحدث الباحث عن أعلم البنيوية ويعرض إنجازاتهم‪:‬‬ ‫اللسني )سوسير(‪ ،‬والنثربولوجي )شتراوس(‪ ،‬والنفساني‬ ‫)لكان(‪ ،‬والماركسي )ألتوسير(‪ .‬وهم الذين شادوا البنيوية في‬ ‫أربعة علوم‪ ،‬وأغفل الحقلين الدبي والنقدي‪ ،‬ولو أنه أضافهما‬ ‫لكان كتابه أشمل وأوفى‪ .‬فيرى أنها منهج للبحث‬ ‫العلمي‪ ،‬اعتمادا ً على آراء روادها‪) :‬شتراوس( الذي أعلن أن‬ ‫البنيوية ليست فلسفة وإنما هي منهج للبحث العلمي‪ ،‬و)جان‬ ‫بياجيه( الذي يقول إن البنيوية منهج ل مذهب)‪.

‬‬ ‫فالعالم اللسني السويسري )فرديناند دي سوسير( هو‬ ‫الب الحقيقي للبنيوية‪ .‬‬ ‫‪-2‬أن يكون منتميا ً إلى )مجموعة( من التحولت‪ ،‬بحيث‬ ‫تتكون من مجموع تلك التحولت )جماعة( من النماذج‪.‬‬ ‫على النموذج في حالة ما إذا تع ّ‬ ‫‪-4‬أن يكون هو الكفيل بتفسير الظواهر الملحظة من‬ ‫خلل عمله‪.‬فدرس فوكو تاريخ الجنون الذي اعتبرته الثقافة‬ ‫الوربية انحرافًا‪ ،‬فأقصت المريض عن مجتمعاتها‪ ،‬ورفضت أن‬ ‫تتعرف على ذاتها في تلك الصورة المرضية‪ ،‬على الرغم من‬ ‫أن الجنون‪ -‬في رأي فوكو‪ -‬هو كيان مستقل‪ ،‬بل هو علقة‬ ‫موجودة في صميم الواقع الجتماعي‪ .‬‬ ‫وأما )شتراوس( فيعّرف )البنية( بأنها تحمل أول ً طابع‬ ‫النسق أو )النظام(‪ ،‬وأنها تتألف من عناصر )متحولة(‪ ،‬والمهم‬ ‫هو )العلقات( القائمة بين عناصر اللغة‪ .29 -‬‬ .‬ولعل هذا ما جعل‬ ‫المفكر الفرنسي المعاصر )جيل دولوز( يقول بوجود سمات‬ ‫مشتركة تجمع بين كل المنتسبين إلى البنيوية هي النظر إلى‬ ‫)البنية( باعتبارها نظاما ً مكتفيا ً بذاته‪.‬وقد دعا فوكو إلى‬ ‫دراسة مجال المعرفة كما يكشف عنه المقال أو الحديث‬ ‫وصول ً إلى مجموعة القواعد أو البنية التي يخضع لها‪.‬‬ ‫‪-3‬أن يكون قادرا ً على التنبؤ بالتغيرات التي يمكن أن تطرأ‬ ‫دل عنصر من عناصره‪.‬وقد مّيز بين )اللغة( و)الكلم(‪ ،‬فعد‬ ‫)اللغة( نظاما ً اجتماعيا ً مستقل ً عن الفرد‪ .‬‬ ‫‪.‬ورأى أن )العلمة( تتألف من )الدال( و)المدلول(‪،‬‬ ‫وأن اللغة ينبغي أن تدرس بمنهج آني سكوني ل تاريخي‬ ‫تطوري‪ ،‬لنها ما دامت )بنية( أو )نسقا ً رمزيًا( فل بد من‬ ‫التسليم بأنها ل تنطوي على أي بعد تاريخي‪.‬وقد تركزت هذه السلسلة المتعاقبة‬ ‫من المتساويات الدللية حول هوية أساسية هي أن البنية =‬ ‫الثقافة‪ .‬والمهم‪ -‬عند شتراوس‪-‬‬ ‫هو أننا ل ندرك )البنية( إدراكا ً تجريبيا ً على مستوى العلقات‬ ‫الظاهرية السطحية المباشرة القائمة بين الشياء‪ ،‬بل نحن‬ ‫ننشئها إنشاًء بفضل )النماذج( التي نعمد عن طريقها إلى‬ ‫تبسيط الواقع وإحداث التغييرات التي تسمح لنا بإدراك البنية‪.‬وهذا يعني أنها محاولة علمية منهجية لدراسة‬ ‫الظواهر من وجهة نظر )البنية( و)النموذج( و)البناء الصوري(‬ ‫و)العلقات( الباطنية المكونة لموضوع ما‪ .‬بخلف )الكلم( الذي‬ ‫هو التحقيق الفردي للغة التي هي نسق عضوي منظم من‬ ‫العلقات‪ .‬و)حقيقة( الظواهر ل‬ ‫تتمثل في )ظاهرها( على نحو ما تبدو عيانا ً للملحظ‪ ،‬بل هي‬ ‫تكمن على مستوى أعمق‪ :‬في )دللتها( فهي الحقيقة‬ ‫المشتركة التي تحملها هذه الظواهر‪ .‬‬ ‫في كتابه )النثربولوجيا البنيوية( يقول شتراوس إن المبدأ‬ ‫الساسي هو أن مفهوم )البنية( ل يرتد إلى الواقع التجريبي‪،‬‬ ‫بل هو يرتبط بالنماذج التي نبنيها انطلقا ً من هذا الواقع‪.‬ذلك أن البنيوية هي‬ ‫ابستيمولوجيا )نظرية في المعرفة( ل إيديولوجيا )موقف‬ ‫عقائدي(‪ .‫العلم الذين تحدث عنهم‪ ،‬والذي يوحد بينهم‪ ،‬على الرغم من‬ ‫اختلف الحقول العلمية التي عملوا فيها‪ .‬‬ ‫وأما )ميشيل فوكو( فقد انطلق في البنيوية‬ ‫البستيمولوجية من معادلة تقول إن البنية = اللشعور =‬ ‫الرمز = النموذج = اللغة‪ .‬‬ ‫وينبغي أن يتصف كل نموذج بسمات أربع هي‪:‬‬ ‫‪-1‬أن يؤلف )نسقًا( أو )نظامًا( من العناصر‪ ،‬من شأن أي‬ ‫تغير يلحق بأحد عناصره أن يؤدي إلى حدوث تغيير في‬ ‫العناصر الخرى‪.

‬‬ ‫وتتركز قيمة الماركسية‪ -‬حسب ألتوسير‪ -‬في أنها‬ ‫استطاعت أن تنقل الفلسفة من الوضع اليديولوجي إلى‬ ‫الوضع المادي عبر المادية الجدلية‪ ،‬وإن الفكرة الرئيسية في‬ ‫المادية الجدلية هي )المجالت( على كافة المستويات‪ :‬فلكل‬ ‫مستوى من هذه المستويات بنية مستقلة نسبيًا‪ .‬أما‬ ‫الستعارة فهي أن تحل لفظا ً محل آخر‪ .‫وأما )جاك لكان( فقد تحقق على يديه التقاء المنهج‬ ‫البنيوي بمنهج التحليل النفسي‪ .‬والخطوة‬ ‫الولى هي تخليص الجدل الماركسي من براثن الجدل الهيغلي‪.‬ورمزية اللشعور ليست رمزية لغوية بل هي‬ ‫رمزية كلمية‪.‬‬ ‫وأما )ألتوسير( فقد حاول تفسير الماركسية تفسيرا ً علميا ً‬ ‫بنيويا ً دون الرجوع إلى مفاهيم )النسان( و)التاريخ(‬ ‫و)الممارسة( و)الغتراب( فقد جعل نوعا ً من التلقي بين‬ ‫الماركسية والبنيوية في نزعة مضادة للنسانية ترفض تفسير‬ ‫التاريخ بالستناد إلى مفهوم )النسان( أو )الذات(‪ .‬‬ ‫ومن أهم خصائص اللشعور‪ :‬الستعارة‪ ،‬والكناية‪ .‬وتقابل الستعارة‬ ‫الكبت‪ ،‬بينما تقابل الكناية التحويل‪ .‬فهذه القراءة )تحل الشفرة( وتتجاوزها إلى مدلولها‪.‬وإن النطلق من مثل هذا‬ ‫التحليل اللغوي هو وحده الذي يظهرنا على منطق اللشعور‪.‬وإن سر قوة‬ ‫الرمز تكمن في أن اللشعور هو بنية تشبه بنية اللغة‪ .‬ويتحدد‬ ‫)الكل( الجتماعي بالبنية المعقدة المكونة من الترابط المنتظم‬ ‫للمستويات البنيوية كلها‪ .‬وقد اتهم الفرويديين الجدد‬ ‫بأنهم غرباء على فرويد‪ .‬ذلك أن‬ ‫اللشعور هو الذي يتكلم في كل مكان‪ :‬في الحلم وفي‬ ‫المراض النفسية وفي الجنون‪ .‬‬ ‫والثانية هي اكتشاف الدور البستيمولوجي الذي لعبته فكرة‬ ‫)البنية( في تفكير ماركس العلمي خلل المرحلة الخيرة من‬ ‫تطوره العقلي‪ .‬فطالب بالعودة من جديد إلى فرويد‬ ‫واضع التحليل النفسي‪ ،‬من أجل الكشف عن أهمية دراسة‬ ‫)اللشعور( الفرويدي باعتباره )لغة( ذات )بنية( خاصة‪ .30 -‬‬ .‬إذ ينبغي أن ُيقرأ ماركس على نحو ما كان‬ ‫فرويد يقرأ الحقيقة وسط خليط أحلم مرضاه وأعراض‬ ‫جنونهم‪ .‬ولم تكن‬ ‫هذه القراءة البنيوية الجديدة لماركس من جانب ألتوسير‬ ‫وتلمذته مجرد محاولة علمية لتخليص الماركسية من التأويلت‬ ‫البراغماتية الرخيصة والنظار السياسية الزائفة‪ ،‬وإنما كانت‬ ‫تأكيدا ً لتلك )المعقولية البنيوية( التي كان من آثارها تصفية‬ ‫الماركسية من كل شوائب اليديولوجيا‪ ،‬من أجل استبعاد كل‬ ‫إحالة إلى البشر بوصفهم القوى الفعالة المحركة لصيرورة‬ ‫العملية التاريخية‪.‬‬ ‫ولكن الرمزية اللغوية للشعور ل تمثل ظاهرة لغوية‬ ‫بالمعنى الدقيق للكلمة‪ ،‬وإنما هي ظاهرة عامة مشتركة بين‬ ‫العديد من الثقافات‪ :‬فعمليتا التحويل والتكثيف تعملن على‬ ‫مستوى الصورة الحسية ل على مستوى النطق الصوتي أو‬ ‫التعبير الدللي‪ .‬وليست الممارسة القتصادية وحدها‬ ‫هي المحدد لهذا الكل‪ .‬‬ ‫لقد وضع ألتوسير‪ -‬من خلل قراءة ماركس‪ -‬دعائم )بنيوية‬ ‫ماركسية( ذات طابع علمي ل إيديولوجي‪ ،‬تمنح الماركسية‬ ‫النظرية البستيمولوجية التي كانت تفتقر إليها‪ .‬وفهم هذه )البنية( هو المدخل‬ ‫الحقيقي إلى فهم الذات النسانية في شعورها ولشعورها‪،‬‬ ‫وأن النسان يتكلم لن الرمز قد خلق منه )إنسانًا(‪ .‬فالبنية تلعب في القتصاد الدور‬ ‫‪.‬وأما الكناية فتشير‬ ‫إلى جزء من الموضوع على أنه يمثل الكل‪ .‬فالنظام‬ ‫الرمزي ينشئ الذات لكي يقتادها إلى شباكه‪ .‬فبالكلم‬ ‫يصير اللشعور شعورًا‪ ،‬ويفهم عبر عملية )فك الشفرة(‬ ‫الخاصة ببنيته‪.

‬ثم عرف بالبنية وبالبنيوية‪،‬‬ ‫وتحدث عن تطبيقاتها في العلوم النسانية‪ ،‬وعن معاركها مع‬ ‫الوجودية‪ .‬‬ ‫وعلى هذا فإن أصول البنيوية ينبغي أن تكون أربعة‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪-1‬اللسنية‪.‬وضرب في الصميم‪ ،‬فتحدث عن أصول البنيوية‬ ‫لدى سوسير‪ ،‬والشكلنيين الروس‪ ،‬وحلقة براغ اللغوية‪،‬‬ ‫والمدرسة اللسنية المريكية‪ .‬‬ ‫ثم يصنف الباحث أصول البنيوية في أربع مدارس هي‪:‬‬ ‫‪-1‬مدرسة جنيف‪.‬‬ ‫إن كتاب زكريا إبراهيم شمولي حاول فيه التعريف‬ ‫بالبنيوية‪ ،‬وبأعلمها في شتى الحقول العلمية‪ ،‬ولكن هذه‬ ‫الشمولية اضطرته إلى التبسيط‪ ،‬وأبعدته عن حقلين أساسيين‬ ‫هما‪ :‬الدب‪ ،‬والنقد الدبي‪.‫الرئيسي في توزيع الدوار على الفراد‪ .‬وهذا ما جعلنا نعدل عن هذه‬ ‫التسمية ونفضل عليها )البنائية( لسلستها وقرب مأخذها" )ص‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ -2‬صلح فضل ونظرية البنائية في النقد الدبي‬ ‫وإذا كان زكريا إبراهيم قد جاء بكتاب بنيوي شامل‪،‬‬ ‫وأغفل النقد البنيوي‪ ،‬فإن )صلح فضل( قد وضع كتابه )نظرية‬ ‫البنائية في النقد الدبي( ‪ (2)1977‬للنقد وحده‪ .‬‬ ‫وبداية يصر الباحث على استعمال تسمية )البنائية( بدل ً من‬ ‫)البنيوية( قائ ً‬ ‫ل‪" :‬إن بعض الباحثين يستخدم كلمة بنيوية نسبة‬ ‫إلى البنية‪ ،‬وهو اشتقاق صائب لول أنه يجرح النسيج الصوتي‬ ‫للكلمة بوقوع الواء )كذا!( بين ضّرتيها‪ ،‬بما يترتب على ذلك‬ ‫من تشدق حنكي عند النطق‪ .‬وتناسى مدرستين أساسيتين أسهمتا في‬ ‫تكوين البنيوية هما‪) :‬النقد الجديد( في أمريكا وبريطانيا‪ ،‬والذي‬ ‫كان يكتفي بدراسة )الكلمات على الصفحة( دون أن يعود إلى‬ ‫مرجع اجتماعي أو سياسي‪ ،‬كما تناسى )العلم الرواد(‬ ‫البنيويين الذين طبقوا المنهج البنيوي على حقول العلوم‬ ‫المختلفة‪ ،‬مثل كلود ليفي شتراوس في النثربولوجيا البنيوية‪،‬‬ ‫وجاك لكان في التحليل النفسي البنيوي‪ ،‬ولويس ألتوسير في‬ ‫الماركسية البنيوية‪ ،‬وميشيل فوكو في البستيمولوجيا البنيوية‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪-3‬حركة براغ اللغوية‪.31 -‬‬ .‬وليس المهم‪ -‬في‬ ‫القتصاد‪ -‬الفراد أو الموضوعات الحقيقية‪ ،‬بل المهم هو الواقع‬ ‫أو الماكن القائمة في مجال طوبولوجي بنائي يتم تحديده من‬ ‫جانب العلقات النتاجية‪ ،‬وهي علقات لبنية معينة‪ .‬‬ ‫‪-2‬ميراث الشكليين الروس‪.‬كما تحدث عن البنيوية في حقلي الدب والنقد‪ ،‬وعن‬ ‫لغة الشعر‪ ،‬وتشريح القصة‪ ،‬والنظم السيميولوجية‪.‬وهكذا جعل‬ ‫ألتوسير الواقع في نظر الماركسية بنيويا ً وليس ديالكتيكيًا‪.‬‬ ‫‪-4‬علم اللغة الحديث‪.‬ولعله أفضل‬ ‫كتاب ُوضع بالعربية عن التنظير للنقد البنيوي آنذاك‪ ،‬لنه كتاب‬ ‫علمي جاد‪ ،‬وضع بلغة نقدية‪ ،‬وعالج أصول البنيوية‪ ،‬واتجاهاتها‪،‬‬ ‫ومستوياتها‪ .‬‬ ‫والواقع أنه يمكن دمج الرقام ‪ 1‬و ‪ 3‬و ‪ 4‬في واحد‪،‬‬ ‫باعتبارها )بنيوية ألسنية(‪ ،‬فتصبح أصول البنيوية عنده اثنتين‪:‬‬ ‫اللسنية‪ ،‬والشكلنية‪ .(17‬ومن الواضح تهافت هذا التعليل‪ ،‬فتسمية )البنيوية( هي‬ ‫التي شاعت وانتشرت ليس في بلدان المشرق العربي فقط‪،‬‬ ‫بل وفي بلدان المغرب الذي كان يعتمد تسمية )الهيكلية(‪.

‬فإذا أخذنا أي كلمة من‬ ‫هذه السلسلة السياقية لوجدنا أنها تثير كلمات أخرى بالتداعي‬ ‫واليحاء‪ :‬فكلمة تعليم مثل ً تتوارد معها على الذهن كلمات‬ ‫أخرى مثل‪ :‬تربية‪ ،‬ومعلم‪ ،‬وعلم‪ ،‬ومدرسة‪ ..‬الخ‪ .‬‬ ‫ويرى )سوسير( أن الكلمات هي مجرد )علمات( أو‬ ‫إشارات للشياء‪ ،‬وأنها تحتوي شيئين معًا‪) :‬الدال(‪ ،‬و)المدلول(‪.‬‬ ‫‪-3‬النقد الجديد‪.‬‬ ‫فثنائية اللغة‪ /‬والكلم تعني أن )اللغة( حصيلة اجتماعية‪،‬‬ ‫ومجموعة من المصطلحات الضرورية التي تتخذها الهيئة‬ ‫الجتماعية لتاحة الفرصة أمام الفراد للتواصل بينهم‪ ،‬بينما‬ ‫)الكلم( فردي‪.‬أما عندما ندرس نظام لعبة‬ ‫الشطرنج وقوانينه فإننا عندئذ نكون أمام عناصره الداخلية‬ ‫)الوصفي(‪.‬‬ ‫وأما النظام اللغوي فهو ليس سوى مجموعة من الفوارق‬ ‫الصوتية المتآلفة مع مجموعة أخرى من الفوارق الفكرية‪.‬أما‬ ‫المحور )المتطور( فهو المحور التاريخي الزمني‪ .‬ومن‬ ‫هنا تتضح وحدتهما في الكلمة )العلمة( اللغوية‪ ،‬حتى إن‬ ‫‪.32 -‬‬ .‬والول يتناول‬ ‫جميع المظاهر التي تتصل بأوضاع النظم اللغوية من الوجهة‬ ‫الوصفية‪ ،‬بينما يتناول المحور الثاني عوامل وأشكال التطور‬ ‫التاريخية المختلفة‪ .‬‬ ‫والعلقة بينهما اعتباطية‪ ،‬بخلف العلقة الرمزية التي تفترض‬ ‫سببًا‪ .‬‬ ‫وأما العلقات السياقية فتقوم بين الكلمات في تسلسلها‪،‬‬ ‫معتمدة على خاصية اللغة الزمنية كخط مستقيم‪ ،‬تتابع فيه‬ ‫العناصر بعضها بعضًا‪ ،‬وتتآلف في سلسلة الكلم )مثل الله‬ ‫أكبر‪ ،‬الحياة النسانية‪ ،‬الطقس جميل(‪ .‬‬ ‫وهذه المقابلة بين عدد من الرموز السمعية وعدد آخر من‬ ‫الفكار تولد نظاما ً من القيم الخلفية يمثل الرابطة الفعالة بين‬ ‫العناصر الصوتية والنفسية داخل كل رمز‪.‬ويقارن سوسير اللغة بلعبة الشطرنج‪،‬‬ ‫فعندما ندرس انتقال لعبة الشطرنج من إيران إلى أوربا فإن‬ ‫هذا يعتبر شيئا ً خارجيا ً )التاريخي(‪ .‬وهذه‬ ‫التوافقات ل تعتمد على المتداد الخفي‪ ،‬وإنما على الذهن‪،‬‬ ‫فهي )إيحائية(‪..‬وبينما ينطبق الدال على المدلول تماما ً في حالة العلقة‬ ‫اللغوية‪ ،‬فإن المر يختلف عن ذلك في الرمز‪ :‬فلكل من الضوء‬ ‫الحمر والخضر في إشارات المرور قيمته الدللية‪ :‬فالحمر‬ ‫يثير معنى الخطر والدم والعنف )قف(‪ ،‬والخضر يثير معنى‬ ‫سْر(‪ .‬‬ ‫والمحور )الثابت( في اللغة هو المحور الوصفي‪ .‬‬ ‫‪-4‬البّناؤون الكبار‪.‫‪-2‬الشكليون الروس‪.‬و)الدال( هو الترجمة الصوتية‬ ‫المل والطمئنان والهدوء ) ِ‬ ‫لتصور ما‪ ،‬و)المدلول( هو المستثار الذهني لهذا الدال‪ ..‬‬ ‫أما )مدرسة جنيف( فمصدر الباحث فيها )دروس في علم‬ ‫اللغة العام( لسوسير أبي اللسنية البنيوية الذي استطاع أن‬ ‫يؤسس مدرسة لغوية حديثة أصبحت نموذجا ً للعلوم النسانية‪.‬‬ ‫ولم يترك سوى محاضرات شفوية كان قد ألقاها على طلبه‬ ‫في جنيف‪ ،‬نشرها طلبه عام ‪ 1916‬بعد وفاته في كتاب‬ ‫)دروس في علم اللغة العام( الذي ُترجم إلى معظم لغات‬ ‫العالم‪ ،‬ومن أهم ما جاء فيه‪ :‬ثنائية النظم اللغوية في مقابلت‬ ‫ثنائية تكشف عن علقاتها التي تحدد طبيعتها وتكوينها‪ ..‬وأهم‬ ‫هذه المقابلت‪ :‬ثنائية اللغة والكلم‪ ،‬وثنائية المحور الثابت‬ ‫والمحور المتطور‪ ،‬وثنائية النموذج القياسي والنموذج السياقي‪،‬‬ ‫وثنائية الصوت والمعنى‪.

‬وعندها حددت الثورة موقفها‬ ‫من الدب‪ ،‬أواخر العشرينات‪ ،‬وجندته لخطط التنمية‪ ،‬وحلت‬ ‫جميع المنظمات الدبية‪ ،‬وأدمجتها في منظمة موحدة يشرف‬ ‫عليها الحزب‪ ،‬واعتبرت كل خروج على اليديولوجية الماركسية‬ ‫انحرافا ً ينبغي القضاء عليه‪ ،‬فوجد زعماء الحركة الشكلية‬ ‫أنفسهم أمام أحد أمرين‪ :‬إما الصمت والرضا بالموت الدبي‪،‬‬ ‫أو التراجع عن البحاث الشكلنية البعيدة عن اليديولوجية‪.‬‬ ‫لقد ولدت الشكلية الروسية في ظل ثورة أكتوبر‬ ‫الشتراكية الروسية التي انفجرت عام ‪ ،1917‬وفي ظل‬ ‫الحرب العالمية الولى التي تلتها‪ .1965‬‬ ‫ومن المعلوم أن المدرسة الشكلية الروسية ازدهرت في‬ ‫العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين‪ :‬ففي عام ‪1915‬‬ ‫قامت مجموعة من طلبة الدراسات العليا بجامعة موسكو‬ ‫بتشكيل )حلقة موسكو اللغوية( كحركة تستهدف استثمار‬ ‫الطليعة الدبية‪ ،‬والقضاء على المناهج القديمة في الدراسات‬ ‫اللغوية والنقدية‪ .‬‬ ‫*‬ ‫وأما المصدر الثاني للبنيوية فهو )الشكلية الروسية(‪.‬وقد‬ ‫تركزت جهود الشكلنيين في مرحلتهم الولى على تحليل‬ ‫الشعر‪ ،‬فميزوا بين المستويات الصوتية العامة والصوتية‬ ‫‪.‬وهذا الوصف العلمي للنص‬ ‫الدبي هو الذي يتيح الفرصة لقامة العلقات بين عناصره‪ .‬‬ ‫ولهذا انفرط عقد الجماعة‪ :‬فانزوى معظمهم‪ ،‬وهاجر‬ ‫ياكوبسون‪ ،‬وتراجع شكلوفسكي عن آرائه‪ ،‬وصارت سمة‬ ‫)شكلي( سبة في عهد الثورة‪ ،‬وتهمة سياسية تستحق العقاب‬ ‫على الرغم من أنهم رفضوا تسميتهم )الشكليين( من طرف‬ ‫خصومهم‪ ،‬ورغبوا في استبدالها بـ)المنهج الصرفي(‪ .‬وهو وصف للعمليات الوظيفية في النظم‬ ‫الدبية‪ ،‬وتحليل لعناصرها الرئيسية‪ ،‬وتعديل لقوانينها لتصبح‬ ‫على مستوى المعارف السائدة‪ .‬‬ ‫والتحليل اللغوي للدب هو الهدف الساسي للبحث النقدي‬ ‫عند الشكلنيين‪ .‬‬ ‫ومصدر الباحث فيها هو فكتور إرليش في كتابه )الشكلية‬ ‫الروسية( ‪ ،1969‬وياكوبسون في كتابه )نظرية الدب( ‪،1965‬‬ ‫وتودوروف في كتابه )نظرية المنهج الشكلي( ‪.‬‬ ‫لقد استبعد الشكلنيون الثنائية التقليدية‪ :‬الشكل‪/‬‬ ‫والمضمون‪ ،‬وأحلوا محلها المادة‪ /‬والجراء‪ ،‬حفاظا ً على الوحدة‬ ‫العضوية للعمل الدبي‪ .‫سوسير يشبههما بوجهي الورقة الواحدة‪ ،‬إذ ل نستطيع عزل‬ ‫الصوت عن الفكر ول الشكل عن المحتوى‪ .‬وبعد عام انضمت إلى صفوفهم مجموعة‬ ‫أخرى من النقاد وعلماء اللغة فألفوا جمعية دراسة اللغة‬ ‫الشعرية التي عرفت باسم )أوباياز( ‪ Opojaz‬ومن هذين‬ ‫المركزين تشكلت الشكلية الروسية‪.‬ول شك أن هذه‬ ‫المبادئ والقوانين اللسنية التي وضعها سوسير كان لها أبلغ‬ ‫الثر في النقد البنيوي الذي هو أساسا ً نقد ألسني‪.‬وكان‬ ‫بروب أشدهم تمسكا ً بهذه التسمية‪ ،‬حتى لقد جعلها عنوان‬ ‫كتابه الذائع الصيت )صرف الحكاية = مورفولوجيا الحكاية(‪.‬وقالوا باستقلل العمل الدبي عن‬ ‫العناصر الخارجة عنه‪ :‬فالدب عندهم ظاهرة لغوية‬ ‫سيميولوجية‪ ،‬والنقد هو مواجهة الثر الدبي نفسه‪ ،‬ل ظروفه‬ ‫الخارجية التي أدت إلى إنتاجه‪ .33 -‬‬ .‬فالدب نفسه هو موضوع )علم‬ ‫الدب(‪ ،‬يقول ياكوبسون‪" :‬إن هدف علم الدب ليس الدب بل‬ ‫)الدبية(‪ ،‬أي العناصر المحددة التي تجعل من الدب عمل ً‬ ‫أدبيًا"‪ .‬ومن هنا فقد رفض الشكلنيون التفسيرات النفسية‬ ‫والجتماعية للدب‪ ،‬لن الدب عندهم يتجاوز نفسية مبدعه‪،‬‬ ‫ويكتسب خلل الموضعة الفنية وجودا ً خاصا ً مستق ً‬ ‫ل‪.

‬‬ ‫وفي مرحلة تالية تجاوز الشكلنيون المرحلة الصوتية إلى‬ ‫المرحلة الدللية‪ ،‬فركزوا على العلقة بين الصوت والمعنى‪،‬‬ ‫وأدركوا أبعاد فكرة الرمز اللغوي‪.‬وبهذا فإن‬ ‫الكلمات بتركيبها ومعناها وشكلها الخارجي والداخلي معا ً‬ ‫تكتسب ثقل ً وقيمة بنفسها في الشعر‪ .‬وهي ترى أن صرف‬ ‫)أو مورفولوجيا( القصة‪ ،‬إنما يدرس الجزاء التي تتكون منها‬ ‫القصة‪ ،‬وعلقة هذه الجزاء ببعضها بعضًا‪ ،‬وبالمجموع‪ .‬‬ ‫على أن وجود )اليقاع( ليس في الشعر وحده‪ ،‬وإنما هو‬ ‫في النثر أيضًا‪ ،‬فقد أثبت الشكلنيون أن النثر الدبي ليس‬ ‫مجرد مادة هلمية مشوشة مضادة لليقاع‪ ،‬وإما يمكن التأكيد‬ ‫بأن التنظيم الصوتي يحتل مكانا ً فيه ل يقل أهمية عن التنظيم‬ ‫الصوتي للشعر‪ ،‬وإن كانت طبيعة كل منهما تختلف‪ :‬فقد نرى‬ ‫في النثر تنظيما ً موسيقيا ً دون أن يصبح شعرًا‪ ،‬كما في النثر‬ ‫الموّقع‪ ،‬وقد نرى في الشعر نقصا ً في اليقاع دون أن يتحول‬ ‫إلى نثر كما في الشعر الحر مث ً‬ ‫ل‪.‬وعلى هذا فإن لغة‬ ‫الشعر‪ -‬عندهم‪ -‬تتميز بأنها )نظام( لغوي تتراجع فيه الوظيفة‬ ‫التوصيلية إلى الوراء‪ ،‬وتكتسب البنية اللغوية قيمة مستقلة‪.‬العامل البنيوي المسيطر في بيت الشعر‪،‬‬ ‫والذي يكيف بقية العناصر‪ ،‬ويمارس تأثيره الحاسم‬ ‫على جميع المستويات الصوتية والصرفية والدللية هو‬ ‫)اليقاع( الذي يتجلى في التناوب الزمني المنظم‬ ‫للظواهر المتراكبة‪ .‬‬ ‫وأما في مجال السرد‪ ،‬فلعل أهم ما جاء به الشكلنيون‬ ‫هي نظرية )بروب( في )صرف القصة( وما كان لها من أثر‬ ‫كبير في الفكر النقدي المعاصر للرواية‪ .‬وبحثوا مشاكل الوزن واليقاع باستفاضة‪ .‬‬ ‫‪ -2‬تصور العنصر المسيطر كخاصية تعتبر المحور المنظم‬ ‫للصياغة‪ .34 -‬‬ .‬ولكنه وجد‬ ‫هذا التصنيف يفتقر إلى معيار ثابت‪ ،‬وأن هناك قيما ً ثابتة‬ ‫)كالعمال‪ ،‬والوظائف(‪ ،‬وأخرى متغيرة )كالسماء والصفات‬ ‫التي تتسم بها الشخصيات(‪ ،‬وأن المعيار الدقيق هو دراسة‬ ‫القصة انطلقا ً من )وظائف شخصياتها( باعتبارها قيما ً ثابتة‪.‬‬ ‫وقد درس )بروب( هذه الوظائف في القصص فوجدها ل‬ ‫تتجاوز إحدى وثلثين وظيفة هي‪) :‬البتعاد‪ ،‬والتحريم‪ ،‬وارتكاب‬ ‫المحرم‪ ،‬والسؤال‪ ،‬والبيان‪ ،‬والخديعة‪ ،‬والتواطؤ‪ ،‬والحرمان‪،‬‬ ‫والتوسط‪ ،‬وبداية العمل المضاد‪ ،‬والرحيل‪ ،‬وعمل الواهب‬ ‫الول‪ ،‬ورد فعل البطل‪ ،‬وتلقي الشيء المسحور‪ ،‬والنتقال عبر‬ ‫المكان‪ ،‬والصراع‪ ،‬وعلمة البطل‪ ،‬والنصر‪ ،‬وإصلح الضرر‪،‬‬ ‫وعودة البطل‪ ،‬والمطاردة‪ ،‬والنجدة‪ ،‬والوصول غير المتوقع‪،‬‬ ‫‪.‬وحللوا علقة‬ ‫هذه العناصر بالمستويات الصرفية والنحوية والدللية‪.‬‬ ‫وقد اعتمدت نظرية النظم الشعري عندهم على مبدأين‪:‬‬ ‫‪ -1‬التأكيد على وحدة العضوية للغة الشعر‪.‬وقد اعتبروا الوزن حالة من حالت‬ ‫اليقاع‪ .‬وقد اختار )بروب( الحكايات‬ ‫الشعبية الروسية‪ ،‬وصنفها في ثلثة أنواع هي‪ :‬حكايات‬ ‫العجائب‪ ،‬وحكايات العادات‪ ،‬وحكايات الحيوانات‪ .‬أو‬ ‫بعبارة أخرى )دراسة بنية القصة(‪ .‫اللغوية‪ .‬كما أدخلوا القافية في تأسيس اليقاع الذي‬ ‫اتسع لديهم ليشمل مظاهر عديدة من تركيب النسيج‬ ‫اللغوي للشعر‪ ،‬على الرغم من تعارض بعض هذه‬ ‫العوامل لبعضها الخر‪ ،‬إل أن هذا يخلق لونا ً من‬ ‫التوازن ل يمنع من قوة بعضها وغلبتها على ما سواها‪.‬‬ ‫وتتمثل خاصية الشعر التي تميزه عن النثر‪ -‬عندهم‪ -‬في أن‬ ‫الكلمة الشعرية يتم تلقيها ككلمة‪ ،‬وليست مجرد تمثيل‬ ‫لموضوع مدلول عليه‪ ،‬أو تفجير لشحنة عاطفية‪ .

‬وقد صاغوا جملة من‬ ‫المبادئ الهامة تحت عناوين )النصوص الساسية لحلقة براغ‬ ‫اللغوية( تقدموا بها إلى المؤتمر الدولي الول لعلماء اللغة‬ ‫دموا‬ ‫الذي عقد في لهاي عام ‪ .‬‬ ‫وقد ُأخذ على الشكلنيين اقتصارهم الدب على بعض‬ ‫جوانبه‪ ،‬فهم يقفون عند مستوى التفصيلت الجزئية دون أن‬ ‫يعالجوا كلية العمل الدبي‪ .‬ومن المستحيل إقامة علقة دقيقة بين النظمة‬ ‫الدبية وغيرها دون معرفة هذه القوانين‪ .‬واعترف في كتابه )نظرية النثر( بتأثير الظروف‬ ‫الجتماعية على الدب من خلل اللغة‪ ،‬فقال‪" :‬لقد شغلت في‬ ‫دراساتي النظرية بالقوانين الداخلية للدب‪ .‫والغراض الخادعة‪ ،‬والمهمة الصعبة‪ ،‬والقيام بها‪ ،‬والتعرف‪،‬‬ ‫واكتشاف الخديعة‪ ،‬وتحول الشكل‪ ،‬والعقاب‪ ،‬والزواج(‪ .35 -‬‬ .‬‬ ‫وفي )تاريخ الدب( تبلورت أفكار الشكلنيين حوله بشكل‬ ‫منهجي منظم في البيان الذي أصدروه عام ‪ ،1928‬واستخدموا‬ ‫فيه‪ -‬لول مرة‪ -‬كلمة )بنيوية( بطريقة منهجية‪ ،‬وأكدها‬ ‫ياكوبسون في بحثه أمام مؤتمر اللغات السلفية عام ‪1929‬‬ ‫والذي دار حول وظائف اللغة الشعرية تبعا ً للمنهج البنيوي‪ .‬‬ ‫*‬ ‫المصدر الثالث للبنيوية هو )حلقة براغ اللغوية( التي‬ ‫أسستها طائفة من علماء اللغة في تشكوسلوفاكيا‪ ،‬وقد ضمت‬ ‫مجموعة من الباحثين الذين ينتمون إلى بلد أخرى كروسيا‬ ‫وهولندا وألمانيا وانكلترة وفرنسا‪ .‬غير أنه ينبغي أل ننسى أنهم قد‬ ‫جدوا في التمييز‪ ،‬داخل العمل الدبي نفسه‪ ،‬بين مستويات‬ ‫متراكبة‪ ،‬ابتداء من المستوى الصوتي والسلوبي واليقاعي‪،‬‬ ‫إلى المستوى الوظيفي العام‪ ،‬إضافة إلى أن التحليل الدبي‬ ‫الشكلي يتعدى هذه المستويات إلى تعدد الدللت‪.‬ومن هنا عودة بعض أعلمها عن‬ ‫مبدئهم في عزل موضوع دراستهم نهائيًا‪ .‬وقد‬ ‫جاء في بيان الشكلنيين‪ :‬إن تاريخ الدب تربطه وشائج حميمة‬ ‫بالعلوم الخرى‪ ،‬ويقتضي من دارسيه اللمام الكامل بالقوانين‬ ‫التي تحكمه‪ .‬وإذا كان لي أن‬ ‫أستخدم عبارة مأخوذة من المجال الصناعي فإنني كنت كمن‬ ‫ل يشغل بوضع القطن ومنتجاته في السواق العالمية‬ ‫والسياسة الحتكارية المتبعة فيه‪ ،‬وإنما يركز اهتمامه على‬ ‫مشاكل الغزل والنسيج من الوجهة الفنية"‪.1928‬وفي العام التالي ق ّ‬ ‫‪.‬وإن التطور الدبي ل‬ ‫يمكن فهمه بطرح مشاكل تعرض عليها من خارج نظمه‬ ‫الخاصة‪ ،‬مثل مشاكل البداع النفسية‪ ،‬أو التأثيرات الخارجية‪.‬‬ ‫لكن الشكلنية آذنت بالقصور عندما أغفلت رصد علقات‬ ‫الدب المتشابكة بالظواهر الثقافية والجتماعية المختلفة‪،‬‬ ‫وتجاهلت الوحدة النفسية للنسان الجتماعي الذي يبدع‬ ‫ويستهلك ما صنعته يداه‪ .‬‬ ‫وقد حرص الشكلنيون على إبراز حقيقة عدم الستقرار‬ ‫في الشكال الدبية‪ ،‬مما يجعل دراسة وظائف هذه الشكال‬ ‫ضروريًا‪ ،‬والتمييز بين العمل الدبي كحقيقة تاريخية في ذاته‪،‬‬ ‫وحرية تأويله من وجهة نظر التطلعات المعاصرة للذواق‬ ‫والمصالح الدبية‪.‬كما فعل شلوفسكي‬ ‫في كتابه )المصنع الثالث( ‪ 1926‬الذي حاول فيه التوفيق بين‬ ‫نظرية الدب والبحث النفسي والجتماعي‪ ،‬قائ ً‬ ‫ل‪" :‬إن الهوة‬ ‫التي كانت تفصل بين الشكلنيين واليديولوجيين قد أخذت‬ ‫بالنكماش"‪ .‬وبهذا‬ ‫وضع )بروب( قانونا ً ثابتا ً للسرد ما يزال يسترشد به النقد‬ ‫المعاصر‪.

‬والعمل الشعري هو بنية‬ ‫وظيفية ل يمكن فهم عناصرها المختلفة خارج نطاق علئقها‬ ‫المشتركة‪ .‬وهما‬ ‫عنصران متضادان‪ ،‬إذ كلما اقتربت لغة الشعر من لغة التفاهم‬ ‫تعارضت مع التقاليد الشعرية‪ .‬‬ ‫وقد أخذ باحثو حلقة براغ بدراسة القوانين التي تحكم بنية‬ ‫النظم الصوتية‪ .36 -‬‬ .‬‬ ‫ومع أن حلقة براغ اشتهرت بدراساتها الصوتية الدقيقة‪،‬‬ ‫فإنها أسهمت أيضا ً في تحليل لغة الشعر‪ ،‬فرأت أنه ل بد لوضع‬ ‫مبادئ وصف لغة الشعر من مراعاة الطابع الثابت المستقل‬ ‫لها‪ ،‬تفاديا ً لخطأ شائع يتمثل في الخلط الدائب بينها وبين لغة‬ ‫التواصل والتفاهم العادية‪ ،‬إذ تتميز اللغة الشعرية بأنها تكتسب‬ ‫صفة الكلم من حيث هي عمل فردي يعتمد على الخلق‬ ‫والبداع‪ ،‬ويرتكز على التقاليد الشعرية ولغة الحياة‪ .‬وفي عام ‪ 1930‬ظهرت أول دراسة منهجية في تاريخ‬ ‫الصوات اللغوية من إعداد ياكوبسون الذي كان المحرك‬ ‫الساسي للحلقة‪ ،‬والذي كان في براغ ملحقا ً ثقافيًا‪ ،‬حيث وجد‬ ‫الجو المناسب لرائه‪ ،‬بعد أن أدرك أن المناخ الذي كان سائدا ً‬ ‫في وطنه سيخنق نظرياته التي التقت بأفكار المثقفين‬ ‫الوربيين في وجوب تعميق الدراسة الوصفية للغة‪.‬وعلى ذلك فإنه ينبغي تأكيد‬ ‫استقلل لغة الشعر‪ ،‬وتحديد الطريقة التي يتم بها تحليلها‬ ‫تحليل ً وصفيا ً باعتبارها عمل ً فرديا ً مبدعا ً يؤدي إلى إنتاج لغة‬ ‫تعتبر بدورها جزءا ً من التقاليد الشعرية‪ .‬ثم ُتدرس نتائج هذا‬ ‫التحليل في إطار أوسع يشمل جميع ارتباطاتها التاريخية‪،‬‬ ‫بهدف الوصول إلى وحدة النتاج الشعري في اللغة‪ ..‬وكلما تواطأت مع هذه التقاليد‬ ‫ابتعدت عن حيوية الخلق العفوي‪.‫الجزء الول من دراستهم الجماعية بعنوان )العمال( التي‬ ‫ظلت تصدر تباعا ً حتى عام ‪ 1938‬حيث صدرت منها ثمانية‬ ‫أجزاء‪ .‬هذه‬ ‫الوحدة التي كثيرا ً ما تتوارى في الدراسات التقليدية التي‬ ‫تفصل بين الجوانب الصوتية والصرفية والتاريخية‪ ،‬ول تدرك أن‬ ‫‪.‬وُيعتبر استكشاف هذا الميدان من أهم‬ ‫المكاسب العلمية التي أسهمت فيها الحلقة‪ ،‬خاصة وأنها‬ ‫استطاعت أن تتجاوز المرحلة الجزئية إلى المرحلة البنيوية‪،‬‬ ‫حيث تولى ياكوبسون تنمية هذا التجاه البنيوي في دراسة‬ ‫الصوتيات‪ ،‬معتمدا ً منهجا ً متكام ً‬ ‫ل‪ ،‬ومشيرا ً إلى أن كل حدث‬ ‫صوتي هو وحدة جزئية تنتظم مع وحدات أخرى في مستويات‬ ‫مختلفة‪ ..‬ول يكفي مجرد وصف التغيرات‪ ،‬إذ ل بد من تفسيرها‬ ‫وشرحها‪ :‬فالوصف يوفر البيانات اللزمة‪ ،‬ولكن ينبغي النتقال‬ ‫بعد ذلك إلى السياق التاريخي‪ ،‬إذ أن الثبات في اللغة مجرد‬ ‫فرض علمي‪.‬ذات صلت حميمة فيما بينها‪ ،‬بحيث‬ ‫يستحيل عزل أحدها عما سواه‪ .‬وتعتبر القيم الصوتية في لغة الشعر نقطة النطلق‬ ‫في وصف البنية الشعرية‪ ،‬وهي تشمل مقارنة استخدام‬ ‫الحروف‪ ،‬ومشاكل اليقاع‪ ،‬وهو المبدأ المنظم للعناصر‬ ‫الصوتية الخرى‪ ،‬وتأثير القافية الذي ل يقف عند حد النظام‬ ‫الموسيقي الصوتي‪ ،‬وإنما هو وثيق الصلة أيضا ً بالنظم الصرفية‬ ‫والنحوية والسلوبية وحتى بمعجم الشعر‪.‬‬ ‫ولما كان ياكوبسون هو أكثر الجماعة اهتماما ً بقضايا‬ ‫الشعر‪ ،‬فإننا نعثر في كتاباته على العناصر الساسية التي تعتبر‬ ‫امتدادا ً وتنمية لمرحلة المدرسة الشكلنية‪ ،‬وذلك في بحثه‬ ‫)عن الشعر( الذي نشره عام ‪ 1933‬وقال فيه‪" :‬إن الخاصية‬ ‫المميزة للشعر تتمثل في أن الكلمة فيه تتلقى ككلمة‪ ،‬وليس‬ ‫كمجرد محاكاة لشيء محدد‪ ،‬ومن هنا تكتسب الكلمات‬ ‫ودللتها ثقل ً وقيمة خاصين بها"‪ .‬‬ ‫والمستويات المختلفة للغة الشعر )من صوتية‪ ،‬وصرفية‪،‬‬ ‫ونحوية‪ ،‬وبلغية‪ (.

‬‬ ‫ومن مبادئ حلقة براغ ما وضعه الفيلسوف جان‬ ‫موكاروفسكي ‪ J.‬‬ ‫‪-5‬وظيفة الميزان‪ ،‬وتمثل الحكم الذي يهب الخير‪.37 -‬‬ .Mokaroyovsky‬الذي رأى أن النشاط اللغوي‬ ‫للحلقة يجب أل يقتصر على الجانب اللغوي وحده‪ ،‬وإنما ينبغي‬ ‫أن يتعداه إلى الطبيعة السميولوجية للفن‪ ،‬وإلى دور الفاعل‬ ‫في الفكر الوظيفي‪ ،‬وإلى خواص الوظيفة الجمالية وعلقاتها‬ ‫بالوظائف الخرى‪ ،‬وإلى دراسة الرموز والعلقات‪ .‬ومثلها )آدم يتلقى‬ ‫التفاحة من حواء( حيث اختلف الفاعل النحوي لكن الفاعل‬ ‫الدللي ظل كما هو‪.‬‬ ‫‪-6‬وظيفة القمر‪ ،‬وتمثل المساعد الذي يعزز إحدى‬ ‫القوتين السابقتين‪.‬وعلى حين‬ ‫تقوم لغة النثر بوظيفتها التوصيلية‪ ،‬فإن لغة الشعر تكتسب‬ ‫استقلل ً خاصا ً وقيمة مميزة‪ ،‬وتجنح إلى استبعاد عنصر اللية‬ ‫والمراتب المسبقة‪ ،‬كاشفة بذلك عن نوع خاص من الدللة‬ ‫الشعرية‪.‬‬ ‫‪-2‬وظيفة الشمس‪ ،‬وتمثل الخير المرغوب فيه والقيمة‬ ‫الموجهة‪.‬‬ ‫‪-4‬وظيفة المريخ‪ ،‬وتمثل المعارض أو العائق‪.‬‬ ‫‪-3‬وظيفة الرض‪ ،‬وتمثل ما يحصل للخير الذي يعمل‬ ‫من أجله السد‪.‫لغة الشعر إنما تمثل بنية وظيفية ل يمكن فهم عنصر منها‬ ‫خارج نظامها المتكامل‪ ،‬كما أنه ل يمكن وضعها في هياكل‬ ‫وجداول مسبقة ومعرفة وظائفها خارج سياقها‪ .‬‬ ‫وبهذا يبتعد علم الجمال البنيوي عن التقاليد الفلسفية‬ ‫المثالية‪ .‬وقد أصبحت هذه الفكرة من المحاور البنيوية التي‬ ‫‪.‬ول يتجلى‬ ‫دور الفاعل الوظيفي )النحوي( في شخص المؤلف‪ ،‬وإنما في‬ ‫سل )أو المسند إليه(‪ :‬ففي جملة )حواء تعطي‬ ‫شخص المر ِ‬ ‫التفاحة لدم( نجد أن حواء هي )الفاعل( لنها نقطة النطلق‬ ‫في العلقة المزدوجة بين حواء والتفاحة‪ .‬‬ ‫وقد طّبق غريماس هذا النموذج الدللي على الفلسفة‪،‬‬ ‫حيث وضع الترسيمة التالية‪:‬‬ ‫اليديولوجيا‬ ‫في‬ ‫الفلسفة‬ ‫في‬ ‫الماركسية‬ ‫المثالية‬ ‫هو النسان‬ ‫هو الفيلسوف‬ ‫الفاعل‬ ‫هو مجتمع بل طبقات‬ ‫الموضوع هو العالم‬ ‫هو التاريخ‬ ‫هو الله‬ ‫سل‬ ‫المر ِ‬ ‫هو النسانية‬ ‫هو النسانية‬ ‫سل‬ ‫المر َ‬ ‫إليه‬ ‫هو الطبقة العاملة‬ ‫هو الروح‬ ‫المساعد‬ ‫هو الطبقة البرجوازية‬ ‫هو المادة‬ ‫العائق‬ ‫وهذا )النموذج( يذكرنا بنظرية )بروب( في التوزيع‬ ‫الوظيفي للدوار والشخصيات في الحكايات الشعبية‪ ،‬بل لعله‬ ‫من ذرية بروب أيضا ً كتاب الناقد الفرنسي )ايتين سوريو(‪:‬‬ ‫)مائتا ألف موقف مسرحي( الذي أحصى فيه الوظائف التي‬ ‫تقوم بها شخصيات المسرحيات فوجدها في ست وظائف هي‪:‬‬ ‫‪-1‬وظيفة السد‪ ،‬وتمثل القوة الموضوعية الموجهة‪.

‬‬ ‫وهكذا خطت حلقة براغ بالدراسات البنيوية خطوات هامة‪،‬‬ ‫حيث جنحت إلى التخلص من الطابع الشكلي البحت‪ ،‬ولم تعد‬ ‫قاصرة على الدراسات اللغوية والدبية بل مدت اهتمامها إلى‬ ‫المجالت الجتماعية والنفسية والفلسفية‪ ،‬دون أن تغفل علم‬ ‫اللغة كنموذج لهذه الدراسات‪ .‬‬ ‫*‬ ‫ثم يعرض الباحث إنجازات )المدرسة اللغوية المريكية(‬ ‫التي من أبرز أعلمها‪ :‬سابير‪ ،‬وبلومفيلد‪ ،‬وشومسكي‪ .‬وتمثل )البنية العميقة( شبكة من‬ ‫العلقات النحوية‪ ،‬يقوم عليها علم معاني القول‪ ،‬بينما تعتمد‬ ‫)البنية السطحية( على المستوى الصوتي وحده‪.‬ولعل من أكبر مكاسبها دعوتها‬ ‫إلى تطوير فكرة تعدد الوظائف للوحدات البنيوية‪ ،‬واعتمادها‬ ‫على بعض العناصر الرياضية في تحليلتها‪ ،‬وعدم اقتصارها‬ ‫على ما ُيلحظ في الواقع المباشر فحسب‪.‬وهي ل تسمح بقيام علقة سببية آلية بين الفن‬ ‫والمجتمع‪ ،‬كما ل تؤدي إلى الحكم بأن نظاما ً اجتماعيا ً ما يولد‬ ‫بالضرورة شكل ً معينا ً للبداع الفني‪.‬‬ ‫والخلصة أن اللسنية البنيوية )أو الوظيفية( قد أصبحت‪،‬‬ ‫بدءا ً من الربعينات‪ ،‬محور اهتمام علماء اللغة في أوربا‬ ‫وأمريكا‪ .‬‬ ‫وكان لهذه الثورة العلمية في الدراسات اللسنية تأثيرها‬ ‫الكبير على باحثينا في اللغويات‪ ،‬فاستوعبوا مكاسب اللسنية‬ ‫الحديثة‪ ،‬وبعض ما في تراثنا اللغوي‪ ،‬وتناولوا القضايا اللسنية‬ ‫بدقة علمية ترقى إلى أحدث مستويات الدراسات اللغوية‪.‬كما أكد أن الحقيقة‬ ‫اللغوية تتمثل في التصنيف والنمذجة الشكلية للتصورات‪.‬ولهذا فهم يرفضون التسليم بأن الفن تابع مباشر‬ ‫للتطور الجتماعي‪ ،‬حتى مع العتراف بالقوى الخارجية التي‬ ‫تمارس تأثيرا ً ما على البنية الفنية‪ ،‬إذ أن طريقة الستجابة‬ ‫لهذا التأثير وتوجيهه تخضع لعوامل جمالية منبثقة من الفن‬ ‫نفسه‪ .‬‬ ‫وأما )بلومفيلد( فقد نشر كاتبه )اللغة( عام ‪ 1933‬وعرض‬ ‫فيه الجانب الخر من النظرية البنيوية المريكية‪ .38 -‬‬ .‬وكان لها فضل الصرار على دراسة اللغة من وجهة‬ ‫النظر الوصفية‪ ،‬مما أدى إلى تصفية الحداث اللغوية من‬ ‫ملبساتها المتغيرة‪ ،‬وإلى التركيز على النظم الكلية الشاملة‪،‬‬ ‫وعدم تبديد الجهود في التفاصيل الصغيرة‪ ،‬وإلى إحياء علم‬ ‫الدللة‪.‬أما‬ ‫)سابير( فقد نشر كتابه )اللغة( عام ‪ 1921‬أكد فيه الطابع‬ ‫اللشعوري للبنية اللغوية‪ ،‬وركز على الجانب النساني ل‬ ‫الغريزي للغة باعتبارها نظاما ً من الرموز‪ .‬‬ ‫وأما )شومسكي( فقد جاء بفكرة المستوى البنيوي‪ ،‬إذ‬ ‫انتقد الذين سبقوه‪ ،‬لنهم قصروا اهتمامهم على البنية‬ ‫السطحية للغة ولم ينتبهوا إلى ما أسماه )البنية العميقة( للغة‪.‬‬ ‫كما ميز فلسفة براغ بين التحليل الوظيفي لعلقات الفن‬ ‫بالمجتمع‪ ،‬ونظرية النعكاس الماركسية‪ ،‬على أساس أن تطور‬ ‫البنية الفنية دائب ومستمر وخاضع لقوانينه وحركته الداخلية‬ ‫الخاصة به‪ .‬‬ ‫وقد لحظ أن هذا القصور كانت له نتائج خطيرة‪ ،‬إذ أدى إلى‬ ‫استبعاد جانب كبير من المعارف اللغوية التي يمكن الهتداء‬ ‫إليها بالحدس والستبطان‪ .‫تخلصت من وهم )الفاعل( المستقل ذي السلطة المطلقة‬ ‫على جميع الحداث‪ ،‬وقصرته على نطاق )الوظائف( التي يقوم‬ ‫بها كما تكشف عنها بنية العمل الدبي نفسه‪.‬‬ ‫ولعل من أشهر دارسينا اللغويين المعاصرين‪ :‬تمام حسان في‬ ‫‪.‬وكان أبعد‬ ‫تأثيرا ً إذ تربى على يديه جيل من الباحثين‪.

‬وقد ركز‬ ‫هذا التصور على السياق‪ ،‬وعالج به كثيرا ً من مشكلت اللغة‪،‬‬ ‫كمشكلة الترادف )توافق المعنى واختلف المبنى‪ :‬سكين‪/‬‬ ‫مدية(‪ ،‬ومشكلة المشترك اللفظي )اختلف المعنى واتفاق‬ ‫المبنى‪ :‬الب ِّر‪ ،‬والب َّر‪ ،‬والب ُّر(‪.39 -‬‬ .‬ثم امتد مفهوم الكلمة‬ ‫ليشمل وضع الجزاء في مبنى ما‪ .‬وقد استخدم شتراوس هذا التصور الصوتي في دراسته‬ ‫لظاهرة القرابة في المجتمعات البدائية‪.‬‬ ‫*‬ ‫وبعد أن انتهى الباحث من معالجة مصادر البنيوية التي‬ ‫نرى فيها قصورا ً واضحًا‪ ،‬وخلطا ً بين المصادر والمنجزات‪ :‬فمن‬ ‫المعلوم أن شومسكي بنيوي وليس مصدرا ً من مصادر‬ ‫البنيوية‪ .‬‬ ‫وأما تعريف )البنية( اصطلحا ً فيعتمد على التصور‬ ‫الوظيفي للبنية كعنصر جزئي مندمج في )كل( أشمل‪ .‬وقد تحدث النحاة عن )البناء( مقابل‬ ‫العراب‪ ،‬وتصوروه على أنه التركيب والصيغة‪ .‬انتقل الباحث إلى التعريف بالبنية وبالبنيوية وتطبيقاتها‬ ‫في العلوم النسانية‪ ،‬فرأى أن مصطلح )البنية( مشتق‪ ،‬في‬ ‫اللغات الوربية‪ ،‬من الصل اللتيني ‪ Stuere‬الذي يعني )البناء(‬ ‫أو الطريقة التي ُيشاد بها المبنى‪ .‬وفي استخدام مصطلح )البنية( يمكن أن نميز‬ ‫اتجاهين كثيرا ً ما يشتبهان‪ :‬اتجاه يطلق )البنية( على مجموعة‬ ‫مكونة من )عناصر ذهنية( تقدم تصورات ذهنية عن الواقع‪،‬‬ ‫واتجاه آخر يطلق )البنية( على مجموعة )العلقات( القائمة بين‬ ‫الشياء في الواقع نفسه‪ .‬فهي في الحالة الولى )نموذج‬ ‫عقلي(‪ ،‬وفي الحالة الثانية )جوهر واقعي(‪ .‬وقد اعتمد التجاه‬ ‫الول المفكر الفرنسي ليفي شتراوس وطّبقه على الحقل‬ ‫النثروبولوجي‪ ،‬منطلقا ً من التأثير على تصور أساسي هو أن‬ ‫التجريبي‪ ،‬وإنما إلى‬ ‫فكرة البنية الجتماعية ل تشير إلى الواقع‬ ‫النماذج التي يتم تكوينها طبقا ً لهذا الواقع‪ .‬‬ ‫والنموذج الواضح لهذا التصور هو علم الصوتيات الذي يرى‬ ‫في الوحدات الصوتية )الفونيمات( أو الحروف عناصر ذات‬ ‫معنى‪ ،‬ولكنها ل تكتسب معناها إل بدخولها في نظام أشمل‬ ‫منها‪ .‬‬ ‫و)البنية( في استخدامها العلمي هي )وصف للنموذج( ل‬ ‫للواقع المباشر‪ .‫كتابيه‪) :‬مناهج البحث في اللغة(‪ ،‬و)اللغة العربية‪ :‬معناها‬ ‫ومبناها( حيث استعاض فيهما عن استعمال المصطلحات‬ ‫البنيوية بمصطلحات أخرى من مثل )الخصائص التركيبية(‪،‬‬ ‫و)المباني للمعاني(‪ ،‬و)المعاني الوظيفية(‪ .‬لكن )غولدمان( ل يقصر‬ ‫‪.‬ومن هنا جاءت‬ ‫تسميتهم )للمبني( للمعلوم و)المبني( للمجهول‪.‬بينما ُأطلق على‬ ‫التجاه الثاني اسم )البنيوية التكوينية أو التوليدية(‪ ،‬ويمثلها‬ ‫العاِلم النفسي )جان بياجيه( والناقد الكبير )لوسيان غولدمان(‪.‬‬ ‫وقد قدم )بياجيه( تصورا ً نظريا ً متكامل ً عن البنية في كتابه‬ ‫)البنيوية( وضع فيه ثلث خصائص للبنية‪ ،‬هي الشمول‪،‬‬ ‫والتحول‪ ،‬والتنظيم الذاتي‪.‬ول يبعد هذا المعنى عن‬ ‫أصل الكلمة في الستخدام العربي القديم للدللة على التشييد‬ ‫والبناء والتركيب‪ .‬ومفهوم )البنية( عنده‬ ‫ينطلق من تصور بياجيه الذي يرى أن البنية توجد عندما تتمثل‬ ‫العناصر المجتمعة في )كل( شامل‪ .‬وعّرف بالفكر‬ ‫اللغوي عند )سوسير( و)بلومفيلد( وغيرهما‪ ،‬وشرح القرائن‬ ‫اللفظية والمعنوية على أساس تحليل البنية اللغوية‪ ،‬كما شرح‬ ‫)نظرية النظم( عند عبد القاهر الجرجاني على ضوء فكرة‬ ‫العلقات السياقية‪.‬‬ ‫وأما لوسيان غولدمان فقد طّبق التصور البنيوي التكويني‬ ‫على مجال الدراسة الجتماعية للدب‪ .

‬فاللكترون مثل ً كان مجرد‬ ‫فرض في البداية‪ .‬وقد استخدم‬ ‫غولدمان مفهوم )البنية(‪ ،‬وأضفى عليه مدلولت متعددة‪ ،‬تبعا ً‬ ‫للسياق الذي يرد فيه‪ .‬ورفض معالجة الكلمات أو الوحدات‬ ‫على أنها عناصر مستقلة‪ .‬ثم قرن النظام الداخلي للدب بالبنية الفكرية‬ ‫والجتماعية للعصر الذي أنتج هذا الدب‪ .‬‬ ‫وليس من الضروري أن نتمكن من مشاهدة هذا الفرض‬ ‫العلمي مباشرة كي نسلم بوجوده‪ .‬واتخذ العلقات القائمة فيما بينها‬ ‫أساسا ً للتحليل‪ ،‬وأدخل فكرة النظام في التحليل‪ ،‬وبحث عن‬ ‫القواعد العامة بغية تقنينها‪ ،‬وذلك عن طريقة الستقراء أو‬ ‫الستنتاج‪.‬كما أفاد من منهج‬ ‫الصوتيات الذي تجاوز دراسة الظواهر اللغوية الواعية إلى‬ ‫دراسة البنية اللشعورية‪ .‬‬ ‫والمرحلة الثانية تجريدية نظرية تختص بالنطلق من عدد‬ ‫محدود من الوقائع الدالة التي تميزت عند الملحظة‪ ،‬لتكوين‬ ‫نماذج منطقية جديرة بأن تشرح بقية الظواهر بدقة علمية‪.‬ففي دراساته عن باسكال وراسين قصد‬ ‫بالبنية )النظام( أو )الكل المنظم( الشامل لمجموعة من‬ ‫العلقات بين عناصره التي تتحدد طبقا ً لعلقاتها داخل الكل‬ ‫الشامل‪ .‬يعد‬ ‫)كلود ليفي شتراوس( الرائد البنيوي بل منازع في الحقل‬ ‫النثربولوجي‪ ،‬فقد درس المجتمعات الفطرية والهندية في‬ ‫البرازيل‪ ،‬ثم أكمل دراسته في نيويورك‪ ،‬حيث التقى ياكوبسون‬ ‫مؤسس الشكلية الروسية وحلقة براغ اللغوية الذي مارس‬ ‫تأثيرا ً منهجيا ً عليه‪ .‬وطّبق شتراوس بنيوية )سوسير( في‬ ‫دراسته للمجتمعات البدائية‪ ،‬وبخاصة ثنائية‪ :‬اللغة‪ /‬والكلم التي‬ ‫ترى أن اللغة شكل وليست جوهرًا‪ .‬وهي تمّثل‬ ‫الداة المنهجية في نفس الوقت الذي تعد فيه خاصية للواقع‪.‬وقد سلم به العلماء قبل أن يتمكنوا‬ ‫بالجهزة العلمية الحديثة المعقدة من مشاهدته بشكل مباشر‪.‬‬ ‫وتتم خطوات منهج التحليل البنيوي لدى شتراوس عبر‬ ‫مرحلتين‪ :‬الولى وصفية يتوفر فيها الباحث على ملحظة أكبر‬ ‫عدد ممكن من الظواهر‪ ،‬ويحللها بجميع تنويعاتها واختلفاتها‪.40 -‬‬ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ويعّرف شتراوس )البنية( بأنها )نموذج( يقوم الباحث‬ ‫بتكوينه كفرض للعمل‪ ،‬انطلقا ً من الوقائع نفسها‪ .‫مفهوم البنية على المظهر الثابت‪ ،‬لنه يعتبر عمليات التوازن‬ ‫أبنية نشطة يتعين على الباحث أن يرصد حركتها‪ .‬‬ ‫والذي يحدد )الوظيفة التاريخية للطبقات الجتماعية( هو‬ ‫وضعها في عملية النتاج‪ ،‬وهي أساس )رؤية العالم( التي هي‬ ‫صلب فكرة البنية التي ُتقاس بها العمال الدبية عند غولدمان‪.‬وتعود أهمية أعمالهم إلى تبلور الحد القصى للضمير‬ ‫الجماعي الذي ينتمي المبدع إليه‪.‬‬ ‫*‬ ‫وفي تطبيقاته للمنهج البنيوي على العلوم النسانية‪:‬‬ ‫النثربولوجيا‪ ،‬وعلم الجتماع‪ ،‬وعلم النفس‪ ،‬والنقد الدبي‪ُ .‬ومن هنا فقد‬ ‫اصطبغت قوانين البنية عند غولدمان بلون جدلي ماركسي‪،‬‬ ‫ولخصها في ثلثة‪ :‬الضرورة القتصادية‪ ،‬والوظيفة التاريخية‬ ‫للطبقات الجتماعية‪ ،‬والوعي الممكن‪) :‬فالضرورة القتصادية(‬ ‫ناجمة عن النشطة التي يمارسها النسان في حياته وأهمية‬ ‫العامل القتصادي فيها‪ ،‬إذ يتوقف عليه إشباع الحاجات المادية‪،‬‬ ‫مما يشغل جزءا ً كبيرا ً من حياة النسان‪ ،‬ويسهم بالتالي في‬ ‫تنظيم وعيه‪ ،‬بيد أن هذه الضرورة القتصادية ل تؤدي إلى‬ ‫رفض تأثير الظواهر الفكرية‪.‬‬ ‫فالضمير الواقعي للجماعة هو جملة الضمائر الفردية‪ ،‬لكنه ل‬ ‫يصل إلى ذروة إمكاناته في الطار الجماعي العام‪ ،‬بل يتجلى‬ ‫لدى بعض الفراد الممتازين الذين هم مبدعو النتاج الثقافي‬ ‫العام‪ .

‬ومن هنا ينبغي أل ندهش مما كان يخصصه‬ ‫فرويد من وقت لدراسة وتحليل التداعيات اللغوية واللعب‬ ‫باللفاظ وخطأ اللسان‪ .‬ويحدث شبيه بهذا‬ ‫في اللغة‪ .‬‬ ‫ويترتب على هذا أن المر الحاسم ليس الحلم في ذاته وإنما‬ ‫مادته المحكية التي هي أهم وثيقة من وجهة النظر التحليلية‪.‬فطبيعة اللغة التجريدية تجعل أي معرفة بشرية‬ ‫ممكنة‪ ،‬وتتضمن نوعا ً من إنكار الحقيقة الواقعة‪ .‬وتآلف هذه المجموعات في‬ ‫أشكال معينة هو الذي يجعلها تكتسب وظيفتها الدللية‪.‬وقد لحظ أن كل بطاقة تتمثل في إسناد محمول إلى‬ ‫موضوع أو حدث إلى فاعل أو مسند إليه‪ ،‬أي أن كل وحدة‬ ‫كبرى ستصبح بطبيعتها )علقة(‪ .‬وكذلك تاريخ الزياء‪ .‬وأطول فتراته هي نماذج ملبس‬ ‫حضارة معينة‪ ،‬مثل العباءة الشرقية‪ ،‬والكيمون الياباني‪،‬‬ ‫والملحفة المكسيكية‪ ،‬وهي تعد نماذج أساسية في مجتمعاتها‪،‬‬ ‫إل أن هناك تنويعات مختلفة داخل هذه النماذج‪ُ ،‬تقاس فتراتها‬ ‫بدورات تستمر زهاء خمسين سنة‪.‬‬ ‫وهي مرتبطة بالبنية اللغوية المتعددة المستويات‪ .‬وبناء على هذا المبدأ فقد وضع لكان بعض‬ ‫السس التي ترى أن كلم اللشعور ينتظم في بنية متماسكة‬ ‫على أنه لغة‪ ،‬وأن بنية الشخصية هي عدة مستويات لغوية‪.‬وقد قام بتحليل كل أسطورة على حدة بشكل مستقل‪،‬‬ ‫وترجم تتابع الحداث فيها بأقل قدر ممكن من الكلمات‪ .‬إذ يلحظ بارت أن الرأي العام يظن‬ ‫)الموضة( ظاهرة متقلبة تخضع لهواء مصممي الزياء‬ ‫وقدرتهم على التخييل‪ ،‬فهي أسطورة من أساطير البداع‬ ‫العفوي الرومانسي الذي ل يسير على قاعدة معروفة‪ .‬‬ ‫وأما )جاك لكان( فقد قام بتطبيق المنهج البنيوي على‬ ‫علم النفس‪ ،‬حيث أصبحت اللغة عنده نظرية علمية مستقلة‬ ‫يمكن بوساطتها وصف اللشعور بطريقة علمية‪ ،‬وفهم قوانينه‬ ‫بدقة متناهية‪ .41 -‬‬ .‬ثم افترض أن الوحدات‬ ‫المكونة الحقيقية للسطورة ليست هي العلقات المنفصلة‬ ‫وإنما هي مجموعة العلقات‪ .‬إذ أن التحليل اللغوي هو المنهج‬ ‫الملئم لدراسة اللشعور‪ .‬وهكذا تتكون )اللغة المنسية( للشعور‪.‬وهذه الصورة ل تلبث أن تسيطر على علقته‬ ‫بالطفال الخرين‪ ،‬وتتحول إلى لعبة السيد والخادم أو الممثل‬ ‫والنظارة‪ .‫وقد طبق شتراوس المنهج البنيوي في تحليل الساطير‪.‬ولكن‬ ‫الواقع غير ذلك‪ ،‬لن من أهم اكتشافات علم التاريخ المعاصر‬ ‫إثبات أن التاريخ يتكون من مراحل ذات أطوال مختلفة‬ ‫متراكبة‪ .‬ومع ذلك فإن‬ ‫الوظيفة الساسية للغة إن لم تكن جزءا ً من الحوار النساني‬ ‫وتخضع لقوانين القول العادي فإنها يمكن أن تطبق جميع‬ ‫إمكانياتها في النقل والتكثيف والسقاط لنكار الواقع والخضوع‬ ‫المطلق لمبدأ اللذة‪ .‬كما يعد‬ ‫التفسير بدوره وثيقة‪ .‬ثم‬ ‫كتب كل جملة في بطاقة تحمل رقما ً يشير إلى موقعها في‬ ‫الحكاية‪ .‬وقد أبرز لكان أهمية مرحلة‬ ‫)المرآة( في التطور المبكر للطفل واكتشافه المندهش‬ ‫لصورته‪ ،‬مما يمثل الدراك الولي لنفسه كجسم موحد يمكن‬ ‫التحكم فيه‪ .‬ويصبح ذلك مظهرا ً لرفض الواقع‪ .‬‬ ‫ومن الواضح أنه إذا كان إيقاع التغيرات في )الموضة( قد‬ ‫‪..‬‬ ‫وأما )رولن بارت( فيجعله الباحث "مطبقا ً للمنهج البنيوي‬ ‫على علم الجتماع"! فيعرض تحليله البنيوي للزياء! )وهو‬ ‫تحليل سيميائي(‪ .‬ومهمة المحلل عندئذ هي اتخاذ موقف‬ ‫تكميلي كان فرويد يصفه بأنه تركيبي‪.‬‬ ‫وعلى هذا فإن المادة التي يعمل بها المحلل النفسي هي‬ ‫المادة اللغوية‪ ..‬‬ ‫ورأى أن السطورة‪ ،‬كأي كيان لغوي‪ ،‬تتشكل من وحدات‬ ‫داخلة في تكوينها‪ ،‬تشمل وحدات أخرى تدخل في تكوين بنية‬ ‫اللغة‪ .

‬والوظيفة التي تقوم بها الزياء هي رمزية دالة‪،‬‬ ‫مما يحملنا على إعادة النظر في الفكرة التقليدية القائلة إن‬ ‫بواعث الملبس ثلثة‪ ،‬هي‪ :‬الحماية من الطبيعة‪ ،‬والحياء الذي‬ ‫يحمل النسان على تغطية عريه الطبيعي‪ ،‬والرغبة في الزينة‬ ‫والتجمل ولفت النظار‪ .‬‬ ‫و)التحليل البنيوي للدب( هو نموذج للتحليل اللغوي‪ ،‬يتكئ‬ ‫على بعض المصطلحات من مثل )العلقات السياقية( التي تدل‬ ‫على علقات التسلسل والتوافق بين الكلمات‪ ،‬وُيطلق عليها‬ ‫)علقات المجاورة(‪ ،‬أو تدل على علقة كل عنصر من السياق‬ ‫بما يثيره من عناصر مخالفة له تم اختياره دونها‪ ،‬وهي تمثل‬ ‫‪.‬فالواقع أن )المعنى( كان‬ ‫هدف نقاد المراحل السابقة‪ ،‬وليس مرحلة النقد البنيوي الذي‬ ‫أدار ظهره للمعنى كليًا‪ ،‬من أجل إعطاء البنيات والعلقات‬ ‫حقها المهضوم‪.‬ولقد كان‪ ،‬في معالجته لموضوع النقد البنيوي‪ ،‬مشتتًا‪،‬‬ ‫وغير شامل‪ :‬إذ جاء بجذاذات من التحليل البنيوي ودمج بها لغة‬ ‫الشعر)!( وتشريح القصة)!(‪ ،‬وأجهز بمقولت رتشاردز‪،‬‬ ‫ونورثروب فراي وغيرهما)!( ممن ل علقة لهم بالبنيوية‪ ،‬وإن‬ ‫كانوا قد بشروا بالشكلنية‪ .‬ولكن عذره أنه‬ ‫جاء في مرحلة مبكرة لم تكن فيها هذه التجاهات قد توضحت‬ ‫تمامًا‪ .‬ومع صدق هذه العتبارات فإنه ينبغي‬ ‫أن نضيف إليها باعثا ً رابعا ً هو الوظيفة الدللية للملبس‪.‬وقد‬ ‫غالط الباحث نفسه عندما رأى "هدف التحليل البنيوي هو‬ ‫اكتشاف تعدد معاني الثار الدبية"‪ .‬ولو أنه عّرف باتجاهات النقد‬ ‫البنيوي‪ ،‬وبأعلم كل اتجاه‪ ،‬وبنماذج تطبيقية من كل اتجاه‪،‬‬ ‫لكان كتابه أوضح وأشمل وأكثر دقة علمية‪ .42 -‬‬ .‬‬ ‫*‬ ‫في القسم الثاني المخصص للنقد الدبي البنيوي يعالج‬ ‫الباحث‪ :‬البنيوية في الدب‪ ،‬ومستويات التحليل البنيوي‪،‬‬ ‫وشروط النقد البنيوي‪ ،‬ولغة الشعر‪ ،‬وتشريح القصة‪ ،‬والنظم‬ ‫السيميولوجية في الدب‪.‬فاللباس نوع من النشاط يعطي‬ ‫معنى للشياء‪ .‬وعلى الرغم من محاولة الباحث الحاطة بالنقد‬ ‫البنيوي‪ ،‬فإن موضوعه هذا بحاجة إلى تعمق أكثر‪ ،‬وبخاصة في‬ ‫اتجاهات النقد البنيوي التي لم يذكر عنها شيئًا‪ ،‬على الرغم من‬ ‫تعددها )النقد البنيوي الشكلي‪ ،‬والتكويني‪ ،‬والسيميائي‪ .‬ولهذا كان من الضروري تعريف هذا المنهج النقدي‬ ‫الجديد‪ ،‬وعلى الخصوص في تلك المرحلة المبكرة من‬ ‫استقبال هذا المنهج الجديد‪ ،‬في مطلع السبعينات من القرن‬ ‫العشرين‪ .‬ومن‬ ‫هنا فإن اللباس عملية اجتماعية عميقة المغزى تقع في قلب‬ ‫النشاط الجدلي للمجتمع‪.‬‬ ‫ومن سلبيات فهم الباحث للنقد البنيوي مناقشته‬ ‫لـ)مضمون( العمل الدبي‪ ،‬على الرغم من أن هذا المنهج ل‬ ‫مه كله في )بنية(‬ ‫يلتفت البتة إلى المضمون‪ ،‬وإنما يحصر ه ّ‬ ‫العمل الدبي المفترضة‪ ،‬و)علقات( وحداته ببعضها بعضًا‪ ..‬‬ ‫فالنسان يلبس‪ -‬حسب بارت‪ -‬كي يمارس نشاطه الدال‪ ..‫اختل في العصر الحديث فإن هذا نتيجة لتأثير وسائل التصال‬ ‫والستهلك المتزايد‪ ،‬مما يكشف عن التغيير العميق في البنية‬ ‫الحضارية للشعوب الحديثة‪ .‬الخ(‬ ‫وتباينها‪ .‬‬ ‫والواقع أن هذا القسم هو أهم ما في الكتاب‪ ،‬لنه يضرب‬ ‫في صميم النقد الدبي البنيوي الذي كثيرا ً ما كان غير واضح‬ ‫في أذهان النقاد والقراء‪ ،‬لجدته‪ ،‬وعدم استساغته من قبل‬ ‫أصحاب الذوق التقليدي‪ ،‬ومن مؤثري النقد الذي يعتمد العلوم‬ ‫المساعدة‪ .‬ومع ذلك فإنه بذل جهدا ً ُيحمد عليه‪ ،‬ل سيما وأنه جاء‬ ‫في مرحلة عزت فيها مثل هذه التآليف النظرية لقلة مصادرها‬ ‫حتى في اللغات الجنبية‪.

‬كما ل‬ ‫يمكن تحليل النص الدبي إلى وحدات متتابعة دون اعتبار‬ ‫مجموعات )الرموز( التي تكونه‪ ،‬فهي رسالة تنقل دللة‬ ‫سياقية‪ ،‬لكنها ذات قيمة بنيوية‪ ،‬مما يفرض ضرورة قيام علقة‬ ‫جدلية بين محوري المجاورة والمخالفة‪ .43 -‬‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫وقد اتخذ ياكوبسون من هذا أساسا للتقعيد الجمالي‬ ‫للشعر والقصة‪ :‬فإذا كنا نميز في اللغة بين )المظهر الختياري(‬ ‫الذي يتصل بانتقاء رمز ما من بين الحتياطي الممكن من‬ ‫الرموز المشابهة‪ ،‬و)المظهر التوفيقي( الذي يتصل بتسلسل‬ ‫الرموز المختارة تبعا ً لحاجات القول‪ ،‬فإن كل واحد من هذين‬ ‫المظهرين يرتبط بشكل نموذجي بلغي‪ :‬فالمظهر )الختياري(‬ ‫يتصل بالستعارة‪ ،‬وهي إحلل كلمة محل أخرى لداء نفس‬ ‫المعنى‪ ،‬وإن لم يكن لهما نفس القيمة‪ ،‬والمظهر )التوفيقي(‬ ‫يقابل المجاز المرسل والكناية حيث ينتقل فيه المعنى من رمز‬ ‫إلى آخر‪ .‬‬ ‫‪-4‬المستوى النحوي‪ ،‬لدراسة تأليف وتركيب الجمل‪،‬‬ ‫وطرق تكوينها‪ ،‬وخصائصها الدللية‪.‬‬ ‫وفي تصور المستويات المتداخلة بنائيا ً يعتمد كل مستوى‬ ‫على ما قبله في كل يكشف عن ضرورة التحليل المنتظم‬ ‫للموضوع‪ .‬وعلى العكس من‬ ‫ذلك فقد نجد في كتاب ما بعض الجزاء التي تبعد عن البعض‬ ‫الخر لدرجة أنه يمكن اعتبار علقتها من النوع الغائب‪.‬وبهذا فإن الرمز في‬ ‫العمل الدبي له قيمتان‪ :‬تشير إحداهما إلى )كود( اللغة‬ ‫وتوصف بأنها عملية توصيلية‪ ،‬وتتصل الثانية بجملة الرموز من‬ ‫حيث تكوينها لك ّ‬ ‫ل بنيوي‪.‬فالتحليل الدبي يمر بمستوى الرموز في العمل‬ ‫ونها وتحددها‪،‬‬ ‫الدبي‪ ،‬وبالوحدات الدللية الكبرى التي تك ّ‬ ‫وبالموضوعات‪ .‬‬ ‫‪-6‬المستوى الرمزي‪ ،‬الذي تقوم فيه المستويات‬ ‫‪.‬مع ملحظة أن هذا‬ ‫التقسيم ل يمكن أن يكون مطلقًا‪ ،‬إذ أن هناك عناصر غائبة من‬ ‫النصوص ولكنها حاضرة في ذاكرة القراء في فترة معينة‪،‬‬ ‫لدرجة أنه يمكن اعتبارها عناصر حاضرة‪ .‬ثم تعزز هذه المستويات بالمنهج البنيوي‬ ‫السيميولوجي الذي أخذ باتجاهين‪ :‬أفقي‪ ،‬ورأسي‪ .‬وهكذا يمكن‬ ‫ترتيب هذه المستويات التي يحللها النقد البنيوي في العمل‬ ‫الدبي‪ ،‬على الشكل التالي‪:‬‬ ‫‪-1‬المستوى الصوتي‪ ،‬حيث يدرس الحروف ورمزيتها‬ ‫وتكوينها الموسيقي )من نبر وتنغيم وإيقاع(‪.‬كما أن العلقات الخلفية أو‬ ‫الستبدالية تقابل )علقات الغياب(‪ .‬‬ ‫وعلى هذا فإن العلقات السياقية في علم اللغة تقابلها‬ ‫)علقات الحضور( في الدب‪ .‫الثروة الحتياطية له‪ ،‬والتي كان يمكن أن تحل محله‪ ،‬وُيطلق‬ ‫عليها اسم )علقات المخالفة أو الستبدال أو اليحاء(‪ .‬‬ ‫‪-5‬المستوى الدللي‪ ،‬ويعنى بتحليل المعاني المباشرة‬ ‫وغير المباشرة‪ ،‬والصور المتصلة بالنظمة الخارجة من‬ ‫حدود اللغة والتي ترتبط بعلوم النفس والجتماع‪،‬‬ ‫وتمارس وظيفتها على درجات في الدب‪.‬ومن هنا فإن المظهر الختياري للغة الستعارية هو‬ ‫محور البداع الشعري‪ ،‬بينما المظهر التوافقي السياقي هو‬ ‫الساس الجمالي لفن القصة‪.‬‬ ‫‪-2‬المستوى الصرفي‪ ،‬وتدرس فيه الوحدات الصرفية‬ ‫ووظيفتها في التكوين اللغوي والدبي‪.‬‬ ‫‪-3‬المستوى المعجمي‪ ،‬وتدرس فيه الكلمات لمعرفة‬ ‫خصائصها الحسية والتجريدية والمستوى السلوبي لها‪.

‬وقد كان النقاد العرب يسمونه )التساع(‪ ،‬وهو‬ ‫الستعارة والمجاز‪ ،‬وهو من البلغة التقليدية‪ ،‬والموضوع‬ ‫الحقيقي لدراسة الشعر‪ .‬وفي النثر تبدأ الوحدة من الفقرة‬ ‫إلى الفصل حتى تشمل الكتاب كله‪ .‬‬ ‫وإذا كانت مهمة الكاتب هي التحدث عن العاَلم‪ ،‬فإن‬ ‫موضوع الناقد ليس العاَلم‪ ،‬وإنما ما قيل عن العاَلم‪ ،‬أي أن‬ ‫النقد هو )لغة ثانية( أو ما وراء اللغة )أو الميتالغة( أو اللغة‬ ‫الشارحة‪ ،‬لنه تناول لغوي لمعالجة لغوية أخرى‪ .‬‬ ‫ولكل واحد من هذه المستويات قوانينه البنيوية الثابتة مثل‬ ‫قواعد النحو والبلغة والعروض وشبكات التداعي وقوانين‬ ‫الدللة ومنطق الصور والمواقف اليديولوجية والثقافية‪ .‫السابقة بدور )الدال( الذي ينتج )مدلو ً‬ ‫ل( جديدا ً يقود‬ ‫بدوره إلى المعنى الثاني أو ما يسمى بـ)اللغة داخل‬ ‫اللغة(‪..‬إن‬ ‫القواعد التي تكيف لغة الدب ل تعتمد على مطابقتها للواقع‪،‬‬ ‫وإنما لخضوعها لنظام الرموز الذي اتخذه المؤلف‪ .‬وبهذا تكون مهمة النقد ليس‬ ‫اكتشاف الحقائق‪ ،‬وإنما بحث )الصلحيات(‪ ،‬أي أن اللغة ل‬ ‫توصف في نفسها بأنها حقيقية أو زائفة‪ ،‬وإنما هي صالحة أو ل‪.‬وبنية الشعر تتولد من صوره‪ .‬واللسنية هي )النموذج( الذي يؤسس عليه‬ ‫‪..44 -‬‬ .‬ومن هنا فإن‬ ‫النقد يعتمد على علقتين‪ :‬علقة لغته بلغة المؤلف الذي يحلله‪،‬‬ ‫وعلقة لغة المؤلف بالعاَلم‪ .‬ومهمة‬ ‫الناقد هي اكتشاف هذا النظام ومدى تماسكه‪ .‬‬ ‫وهي صالحة إذا كانت تمثل نظاما ً متماسكا ً من الرموز‪ .‬فالصورة الشعرية ليست حلية زائفة‪،‬‬ ‫وإنما هي جوهر الشعر‪ ،‬وهي التي تحرر الطاقة الشعرية‬ ‫الكامنة‪ .‬‬ ‫وفي تحليل النص الدبي ل بد من مراعاة المحورين‪:‬‬ ‫الفقي‪ ،‬والستبدالي‪ :‬ففي )التقسيم الفقي( للشعر مثل ً نقوم‬ ‫بوضع هيكل النظم وتوزيعه‪ .‬ولهذا فهو ل‬ ‫يبحث‪ -‬كالديب‪ -‬عن معنى العاَلم‪ ،‬وإنما يتناول القواعد‬ ‫الشكلية التي اتبعها الثر الدبي لضفاء معنى ما على العا َلم‪.‬كما يمكن رصد الروابط‬ ‫النحوية التي تصل بين هذه الوحدات‪ .‬وفي تحليل )المستوى‬ ‫الستبدالي( ُيعالج الجنس الدبي‪ ،‬والختيارات الفنية والسلوبية‬ ‫الخرى‪ ،‬واكتشاف قواعد البنى الدللية التوليدية‪ ،‬والطلع‬ ‫على كيفية تجسيد الفكار والقيم‪.‬وإن‬ ‫دراسة هذه المستويات جميعها‪ ،‬وعلقاتها المتبادلة‪ ،‬وتوافقاتها‪،‬‬ ‫والتداعي الحر فيما بينها‪ ،‬هو الذي يحدد البنية الدبية‪.‬وهذا )النحراف( يسميه جان كوهين‬ ‫)النزياح(‪ .‬‬ ‫*‬ ‫ثم ُينهي الباحث كتابه بفصل يعقده لـ)تشريح القصة( لدى‬ ‫أعلم النقد البنيوي‪ :‬رولن بارت‪ ،‬وتودوروف‪ ،‬وشتراوس‪،‬‬ ‫والسيميائيين‪ .‬‬ ‫فحسب النقد‪ -‬حسب بارت‪ -‬أن يحلل النظم الدبية‪ ،‬ويدرس‬ ‫العمال الدبية وحدها‪ ،‬بمعزل عن مبدعها‪ ،‬وعن سياقها‬ ‫الجتماعي أو التاريخي الذي نشأت فيه‪ ،‬أن يدرس النظمة‬ ‫الرمزية التي يحتويها العمل الدبي‪ ،‬ويكتشف بنيته‪ ،‬دون أن‬ ‫يتجاوز إلى تقييمه كما تفعل المناهج النقدية الخرى‪ .‬‬ ‫وعندما يعالج الباحث )لغة الشعر( يرى أنها )انحراف( عن‬ ‫الستخدام العادي للغة‪ .‬وتحليل هذه الصور هو‬ ‫ما ورثه )علم السلوب( الحديث عن البلغة التي انتهت إلى‬ ‫العقم والجمود‪ ،‬فازدهرت على أنقاضها )السلوبية( وتجاوزت‬ ‫الطابع الجزئي لمقولتها إلى حيث أصبحت "منهجًا" نقديا ً‬ ‫مستق ً‬ ‫ل‪(3).‬ومن هنا‬ ‫اعتماد النقد البنيوي مصطلح )التحليل( ل )النقد( في معالجة‬ ‫الثر الدبي‪.

‬فكل )وحدة( في مستوى ما تكتسب معناها‬ ‫عندما تندرج في مستوى أعلى‪ :‬فالوحدة الصوتية )أو الحرف( ل‬ ‫تعني شيئا ً في ذاتها‪ ،‬ولكن عندما تدخل في تكوين كلمة وتنخرط‬ ‫في جملة يتولد فيها المعنى‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫*‬ ‫وأما النموذج التحليلي الثاني للسرد فيقدمه )تزفيتان‬ ‫تودوروف(‪ ،‬ويعتمد فيه على مفهوم )النحو( باعتباره علم‬ ‫القواعد العالمية التي تنطبق على جميع اللغات مثلما تنطبق‬ ‫الهندسة على جميع المسطحات‪ ،‬والذي يستهدف صحة القول‬ ‫بتجريده من إطاره الفعلي لكتشاف قوانينه العامة‪ ،‬والذي‬ ‫يبرهن من الوجهة النفسية على تشابه العمليات الذهنية‬ ‫والنفسية‪ ،‬مما يعد دليل ً على وجود بنية واقعية خارج اللغة‬ ‫تواجه أنشطتها‪ .‬والثالثة هي أحوال القصة التي تتوقف على‬ ‫نوعية القول الذي يستخدمه الراوي كي يطلعنا على الحكاية‪.‬وسنجد أن الحد الدنى لي قصة يتمثل في النتقال‬ ‫من حالة توازن إلى أخرى بطريقة ينجم عنها فقدان التوازن‬ ‫المبدئي‪ ،‬ثم ل تلبث أن تأتي قوة ثالثة في اتجاه معاكس لتعيد‬ ‫التوازن مرة أخرى‪ .‬ونظرية المستويات اللغوية هذه‬ ‫تميز بين نوعين من العلقات‪ :‬العلقات التوزيعية التي تقع على‬ ‫مستوى واحد‪ ،‬والعلقات التكاملية التي تقع على مستويات‬ ‫مختلفة‪ .‬ولهذه‬ ‫المستويات مراتبها التي تحد علقاتها فيما بينها‪ :‬فلكل مستوى‬ ‫وحداته وعلقاته‪ ،‬مما يضطر الباحث إلى وصفه على حدة‪ ،‬على‬ ‫الرغم من أنه ل يمكن لي من هذه المستويات أن ينتج بمفرده‬ ‫المعنى الخير‪ .‬ثم يشرع في تحليل‬ ‫العلقة بين الحكاية والقول من خلل ثلث مجموعات من‬ ‫العناصر‪ :‬الولى تتصل بالعلقة بين زمن الحكاية وزمن القول‪،‬‬ ‫الثانية تتصل بمظاهر القصة أو بالطريقة التي يتصور بها‬ ‫الراوي الحكاية‪ .‬وهذا المفهوم يقدم تصورا ً عن )نحو القصة(‬ ‫الذي يسهم بدوره في اكتشاف هذا النحو العالمي الطموح‪،‬‬ ‫على اعتبار أن القصة لون من النشاط الرمزي المتعدد‬ ‫الجوانب‪.‬وهي تنتمي إلى العالم‬ ‫الخيالي الذي يخلقه الفنان‪ ،‬وإن كانت تستثير الواقع‪ .‬والتحليل البنيوي يبدأ من هذا الجانب التجريدي‪،‬‬ ‫حيث يعتبر القصة ليست سوى هذا القول‪ .‬‬ ‫ويتم التمييز في العمل القصصي بين مظهرين مختلفين‬ ‫هما‪ :‬الحكاية‪ ،‬والقول‪) .‬‬ ‫ويرى )تودورف( أنه لكي نصف حكاية ما فإنه ينبغي أن‬ ‫نعد ملخصا ً لها يوجز كل حدث في أقل عدد ممكن من‬ ‫مسند إليه‪ ،‬أو من موضوع‬ ‫مسند و ُ‬ ‫الكلمات التي تتكون من ُ‬ ‫ومحمول‪ .45 -‬‬ .‫النقد البنيوي تحليله للدب‪ ،‬لنه يمدنا بتصور حاسم عندما يقرر‬ ‫أن المر الجوهري هو )النظام( أي أن القصة ل تنحل إلى‬ ‫مجرد مجموعة من القوال‪ ،‬بل ل بد من تصنيف العناصر‬ ‫الكثيرة التي تدخل في تركيبها على أساس مبدأ )مستوى‬ ‫الوصف( اللغوي‪.‬وُيلحظ أن حالة التوازن الثانية قد تشبه‬ ‫الولى لكنها تختلف عنها جذريًا‪.‬فالحكاية( هي الحداث المروية‬ ‫والشخصيات المتحركة وغير ذلك من العناصر التي تحيل إلى‬ ‫تجربة المتلقي وتعد محاكاة للواقع‪ .‬وهذا يعني أن النوع الول ل يكفي لداء المعنى‪ ،‬بل ل بد‬ ‫أن ينضم إليه النوع الثاني‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وقد قام )رولن بارت( بتحليل )الجملة( لغويا‪ ،‬على‬ ‫مستويات مختلفة‪ :‬صوتية‪ ،‬وصرفية‪ ،‬ونحوية‪ ،‬وسياقية‪ .‬وأما‬ ‫)القول( فهو الكلمات الواقعية الموجهة من الكاتب إلى‬ ‫القارئ‪ ،‬والمسجلة في الكتاب‪ ،‬والتي تشمل جانب التنظيم‬ ‫والصياغة‪ .

‬وقد درج النقاد على‬ ‫دراسة هذه المجموعة من المسائل تحت اسم )رؤية(‬ ‫العمل الدبي أو )وجهة نظر(ـه‪.‬‬ ‫‪-3‬المظهر الدللي أو موضوعات العمال الدبية‪.46 -‬‬ .‬ولكن كثرتها‬ ‫تشير إلى مدى سلطته واقتداره الداري‪.‬النوع الثاني من‬ ‫الوحدات ذو طابع )تكاملي( ويشمل جميع الشارات‪ .‬وُيعتبر‬ ‫كل من هذه الوحدات جزءا ً من القصة يدخل في عمليات‬ ‫التبادل والتناسب‪ .‬‬ ‫وإذا كان كل نظام يتألف عادة من مجموعة من الوحدات‪،‬‬ ‫فل بد من تقسيم القصة إلى مجموعة من الجزاء التي يمكن‬ ‫توزيعها على عدد محدد من النواع‪ ،‬أي أنه ل بد من الوصول‬ ‫إلى الوحدات القصصية الصغرى‪ .‬‬ ‫وهذه المظاهر الثلثة ل تنفصل عن بعضها بعضا ً إل من‬ ‫أجل التحليل‪ ،‬أما على مستوى العمل الدبي فهي متشابكة‪،‬‬ ‫معقدة‪ ،‬غنية‪ ،‬وتعد مظهرا ً لبنية مجردة مستترة يتم الوصول‬ ‫إليها من خلل العمليات التحليلية العقلية التي تبحث عن‬ ‫النظام الماثل فيها‪.‬وتتعلق الثانية بالتعبير نفسه‪ ،‬أي‬ ‫بمن يصدر عنه النص وبمن يتلقاه‪ .‬ويتصل بهذا المظهر‬ ‫مجموعتان من المسائل‪ :‬أولهما تتعلق بخصائص الكلم‬ ‫وسمات السلوب‪ .‬والقصة تتألف من وظائف‪ ،‬ولكن على‬ ‫مستويات مختلفة؛ فكل شيء فيها له معنى مهما بدا تافهًا‪،‬‬ ‫وحتى الذي ل معنى له فإن معناه هو العبث واللجدوى‪.‬‬ ‫وأما النموذج الثالث لتحليل السرد فهو )التحليل‬ ‫السيميائي(‪ .‬‬ ‫‪-2‬المظهر النحوي‪ ،‬ويتصل بعلقات أجزاء العمل فيما‬ ‫بينها‪ ،‬وهو ما يطلق عليه اسم )تركيب العمل الدبي(‪.‬وتحيل‬ ‫الوحدة فيه إلى تصور مبهم إلى حد ما‪ .‬فـ)الهيكل( هو لغة القصة‬ ‫ومجموع خصائصها البنيوية التي تشترك فيها مع غيرها‪،‬‬ ‫ويشمل مستويين‪ :‬مستوى المقال باعتبار القصة مجموعة من‬ ‫القوال المكونة من جمل متتالية‪ ،‬ومستوى البنية المتمثل في‬ ‫بنية المضمون الذي تعبر عنه القصة‪ .‬مثال ذلك ما أورده بارت في )تحليله‬ ‫البنيوي للسرد( من كثرة عدد أجهزة الهاتف على مكتب أحد‬ ‫المديرين‪ ،‬حيث ل يستخدم منها إل واحدا ً فحسب‪ .‬ولو أنه لم‬ ‫يستخدمه لكان النص على شرائه ل قيمة له‪ .‬والتحليل البنيوي ل يقف‬ ‫‪.‬‬ ‫ويرى )بارت( أن هناك نوعين من الوحدات القصصية‪:‬‬ ‫الول ذو طابع )وظيفي( توزيعي واضح يقتضي عملية تبادل‪،‬‬ ‫مثل شراء مسدس‪ ،‬ومبادلته هي لحظة استخدامه‪ .‬ولكنه ضروري لتركيب‬ ‫القصة‪ .‬ومن هذه الشارات ما يتصل بخصائص الشخصيات‬ ‫والبيانات المتعلقة بها‪ ،‬ومنها ما يتصل بالمناخ العام للقصة‪.‬‬ ‫ولكي ندرك فائدة هذه الشارات ل بد أن ننتقل إلى مستوى‬ ‫أعلى يتصل بأعمال الشخصيات أو بالحكاية نفسها حتى تتضح‬ ‫دللة الشارة أو الوصف‪ .‬وهو يميز في تركيب القصة بين ثلثة عناصر هي‪:‬‬ ‫الهيكل‪ ،‬والرسالة‪ ،‬والشفرة‪ .‬والتحليل البنيوي ل يكتفي‬ ‫بتعريف الوحدات الصغرى وتوزيعها‪ ،‬وإنما يرى أن المعنى هو‬ ‫معيار الوحدة‪ ،‬وأن الخاصية الوظيفية لبعض أجزاء الحكاية هي‬ ‫التي تجعل منها وحدة‪ ،‬ولذلك تسمى )وحدات وظيفية(‪ .‬‬ ‫وتحليله يقتضي التعرض لعلقات القول بالحكاية )وهي‬ ‫علقات منطقية‪ ،‬زمانية‪ ،‬ومكانية(‪.‫وتبعا ً لهذا التصور البنيوي لمستوى القول فإن النقاد‬ ‫يميزون بين ثلثة مظاهر‪:‬‬ ‫‪-1‬المظهر الفعلي اللغوي‪ ،‬ويتمثل في الجمل‬ ‫المحددة التي يتكون منها النص‪ .

‬فكل قصة تتمثل في‬ ‫قول يتضمن تتابعا ً لمجموعة من الحداث البشرية المهمة التي‬ ‫تكون حدثا ً متكامل ً متوحدًا‪ .‫في تحليل المقال على مجرد توالي العبارات‪ ،‬بل إنه يعتبرها‬ ‫)كل ً ذا دللة(‪ .‬وهي‬ ‫تطلق على العمل الذي يدرس النظمة والشارات الدالة‬ ‫وكيفية هذه الدللة‪ .‬وينطلق الباحث‬ ‫من أصغر وحدة دللية فيصف وينظم مجموعات الوحدات‬ ‫ون بنية المضمون‪.‬‬ ‫وأما )الرسالة( فهي المعنى الخاص لكل حكاية‪ ،‬وهو معنى‬ ‫يرتكز أيضا ً على نفس المستويين‪ :‬المقالي والبنيوي‪ .‬‬ ‫وقد مّيز )بويون( في كتابه )زمن الراويـة( ‪ 1968‬بين‬ ‫)الراوي( و)الشخصية(‪:‬‬ ‫ الرواي < من الشخصية‪ .‬ولكل منهم دللته‬ ‫التي تتشابك مع دللة الحدث في نسيج معقد‪ .‬وموضوع‬ ‫التحليل لديهم هو )الشخصية( وليس الواقع‪ ،‬والشخصية عندهم‬ ‫مخلوق وهمي من ورق‪ .‬و)الراوي( هو الذي يقدم الوصاف‪،‬‬ ‫ويجعلنا نرى الحداث بعين هذه الشخصية‪ ،‬دون الحاجة إلى أن‬ ‫يبرز على مسرح الحداث‪.‬فإذا انعدم التتابع تلشت القصة‬ ‫وتحولت إلى لوحة وصفية ل يربط بين عناصرها سوى مجرد‬ ‫التجاور المكاني‪ ،‬أو أصبحت قول ً استدلليا ً يتضمن كل عنصر‬ ‫فيها العنصر الخر‪.‬‬ ‫ الرواي = الشخصية‪.‬وهذا النوع يوجد في القصص‬‫التقليدي‪ ،‬حيث يعرف الراوي أكثر من شخصياته‪.‬ومع أن المستوى المقالي للحكاية يمكن تصوره‬ ‫على أنه توالي أقوال ذات وظائف إسنادية إل أنه يكشف لغويا ً‬ ‫عن مجموعة من عناصر السلوك اللغوي ذات الهداف‬ ‫المحددة‪.‬وهي تشمل جانبا ً شكليا ً في التحليل الدبي‪،‬‬ ‫وجانبا ً آخر إيديولوجيا ً يشير إلى المفاهيم الجتماعية للدللة‬ ‫الدبية‪ ،‬كما يرى غريماس في كتابه )السيمياء البنيوية( ‪.1966‬‬ ‫وهناك نموذج آخر للتحليل السيميائي للقصة لدى )كلود‬ ‫بريمون( يقوم على تقسيم القصة إلى قطاعين‪ :‬قطاع‬ ‫)التحليل الفني للوسائل التقنية( في القصة‪ ،‬وقطاع )البحث‬ ‫عن القوانين( التي تحكم العالم الروائي‪ .‬‬ ‫لقد ميز البنيويون بين )راوي( القصة و)مؤلفها(‪ .‬فعلى‬ ‫)المستوى المقالي( تتوالى الحداث التي تقتضي أبطا ً‬ ‫ل‪،‬‬ ‫ويمكن وصفها من خلل مجموعة من المراتب التي تنتظم‬ ‫هؤلء البطال‪ ،‬إذ قد يكونون أفرادا ً أو جماعات‪ ،‬فاعلين أو‬ ‫مفعولين‪ ،‬معارضين معوقين أو مساعدين‪ .‬‬ ‫الكبرى بكل علقاتها التي تك ّ‬ ‫وأما )الشفرة( فهي مجموعة القوانين الرمزية التي تحكم‬ ‫مدلول الرسالة‪ .47 -‬‬ .‬وإذا كان هذا العلم قد بدأ على يد بيرس‬ ‫في القرن ‪ ،19‬فإن سوسير أشار إليه في مطلع القرن ‪،20‬‬ ‫‪.‬‬‫*‬ ‫و)السيميولوجيا( هي الفصل الخير من كتاب الباحث‪ .‬حيث ل يعرف الراوي الحداث‬‫مثل ما تعرفه الشخصيات‪.‬‬ ‫ الراوي> من الشخصية‪ .‬‬ ‫وأما )الراوي( فحوله يتم التساؤل‪ :‬هل هو مؤلف القصة‬ ‫الذي يمسك بيده القلم ويكتب؟ أم هو شخصياته التي يتحدث‬ ‫من خللها؟ ومؤلف القصة هل هو فرد مستقل؟ أم هو وعي‬ ‫جماعي؟ وهل الشخصيات ينبغي أن تدرك كل شيء أم ينبغي‬ ‫أن تقدم كل شخصية رؤيتها فحسب؟‪.

‬ومثالها‬ ‫الدراسة السيميولوجية التي قام بها )رولن بارت( للزياء‪،‬‬ ‫ودراستنا لبعض المظاهر الجتماعية في كتابنا )النقد‪ .‬فقد كان )الدب( بمعناه‬ ‫القديم يشكل نمطا ً خطابيًا‪ ،‬فيدل‪ -‬عند ابن المقفع‪ -‬على ما‬ ‫يجب التحلي به من الخلق والفضائل‪ .‬وحتى هذه الصفحات الثماني‬ ‫جاءت مغلوطة‪ ،‬إذ مّثل لها بنازك الملئكة في كتابها )قضايا‬ ‫الشعر المعاصر(‪ ،‬ومن المعروف أن نازك لم تهتم بالبنيوية‪،‬‬ ‫وإنما اهتمت بـ)هيكل( القصيدة مقابل )مضمون( القصيدة‪.‬ولعله انساق مع بعض الباحثين الذين يعنون‬ ‫بـ)الهيكلية( المنهج البنيوي‪.‬وتقوم الحواس‬ ‫الخمس الخارجية للنسان بوظائف سيميولوجية في المجتمع‪.‬والدللة‪:‬‬ ‫نحو تحليل سيميائي للدب(‪(4).‬وعلى الرغم من بعض سلبيات هذا الكتاب‬ ‫ونواقصه‪ ،‬فإنه يظل أفضل مرجع في مرحلته )أواسط‬ ‫السبعينات( عن النقد البنيوي‪.(485‬‬ ‫وعلى الرغم من كون كتاب الباحث جاء في مرحلة مبكرة‬ ‫من استقبالنا للبنيوية‪ ،‬فإنه كان ينبغي له‪ ،‬أن يعرض هذه‬ ‫الدراسات العربية للبنيوية‪ ،‬ويناقش تمثلها أو خروجها على‬ ‫الصل البنيوي‪ ،‬ل سيما وأنه خصص كتابه هذا للمنهج البنيوي‬ ‫في النقد الدبي‪ .‬‬ ‫لكنه في إشارتيه التاليتين عن )الغزل العذري عند العرب(‬ ‫للطاهر لبيب‪ ،‬و)البنية القصصية في رسالة الغفران( لحسين‬ ‫الواد أصاب‪ .‫وب ّ‬ ‫شر بولدته‪ ،‬وجعل اللغة جزءا ً منه‪..‬وهو بهذا ذو صبغة‬ ‫‪.‬والدراسة المنهجية‬ ‫لهذه المظاهر السيميولوجية ممتعة ومليئة بالطرائف‪ ...‬وتكتفي ببعض‬ ‫المقولت السريعة المبتورة‪ ،‬ثم تنثرها كالرذاذ على سطح‬ ‫العمل العملق" )ص ‪.‬‬ ‫ومظاهرها ل حصر لها‪ :‬كالمصالحة‪ ،‬والربت على الكتف‪،‬‬ ‫والتقبيل‪ ،‬والعطور‪ ،‬واختيار ألوان الطعام‪ ..‬‬ ‫في تعريفه لكلمة )أدب( يرى أن مفهومها اليوم قد تغير‬ ‫عما كانت عليه في الثقافة الكلسية‪ .‬وعالج في القسم الثاني‬ ‫موضوعات محددة‪ ،‬من مثل‪ :‬أرسطو والجرجاني‪ ،‬والحريري‬ ‫والكلسية‪ ،‬والزمخشري والدب‪.‬‬ ‫*‬ ‫لكن الباحث عندما تحدث عن المحاولت التطبيقية البنيوية‬ ‫في النقد العربي لم يخصص لها سوى ثماني صفحات من كتابه‬ ‫البالغ أكثر من خمسمائة صفحة‪ .‬‬ ‫بينما البنيوية ل تؤمن بهذه الثنائية‪ ،‬لنها تقول بـ)البنية( الشاملة‬ ‫على بنى صغيرة‪ ،‬وبالوحدات الوظيفية‪ ،‬وبالمستويات‬ ‫المتعددة‪ .‬فهي تهجم على أعظم‬ ‫آثارنا الدبية وهي رسالة الغفران للمعري‪ .‬‬ ‫‪ -3‬عبد الفتاح كيليطو والدب والغرابة‬ ‫وأما الناقد المغربي )عبد الفتاح كيليطو( الستاذ في‬ ‫جامعة الرباط والذي يكتب بالفرنسية ويهتم بالحداثة النقدية‪،‬‬ ‫فقد أصدر كتابه )الدب والغرابة‪ :‬دراسات بنيوية في‬ ‫الدب العربي( عام ‪ .‬‬ ‫وقد مّيز بيرس بين ثلثة أنواع من المستويات‬ ‫السيميولوجية‪ :‬الشارة‪ ،‬واليقونة‪ ،‬والرمز‪ ...‬ولكنه لم يف هاتين الدراستين حقهما من الشرح‬ ‫والتفصيل والتقييم‪ ،‬فمر عليهما سريعًا‪ ،‬وساءه من الدراسة‬ ‫الثانية أنها "غير موفقة على الطلق‪ ..48 -‬‬ .(5)1982‬جعله في قسمين‪ :‬شرح في‬ ‫القسم الول بعض المفاهيم العامة من مثل‪ :‬النص الدبي‪،‬‬ ‫والنواع الدبية‪ ،‬وقواعد السرد‪ .

‬لكنه مقيد‬ ‫بثلث قواعد سردية هي‪ :‬تعلق السابق باللحق‪ ،‬وتسلسل‬ ‫الحداث‪ ،‬وتسلسل الفعال السردية‪ ...‬ويجد السارد نفسه‪ ،‬في كل سلسلة من السرد‪،‬‬ ‫أمام اختيارات عديدة‪ ،‬وإمكانيات سرد كثيرة‪ .‬وقد حاولت في هذه الخطة‬ ‫‪..‬فالسرد‬ ‫يمكن أن ُيقرأ أفقيا ً قراءة عادية من البداية إلى النهاية‪ ،‬كما‬ ‫يمكن أن ُيقرأ قراءة )عالمة( بمعنى إعادة صياغة الحكاية عن‬ ‫طريق السترجاع من النهاية إلى البداية‪ .‬‬ ‫وفي )ملحظات منهجية في دراسة الدب الكلسي( يأخذ‬ ‫الباحث على الدارسين العرب اهتمامهم بـ)القمم( الشعرية‬ ‫فحسب‪ ،‬دون التجول في السهول والوديان‪ ..‬ففي القاعدة الولى‬ ‫تتحكم النهاية بالبداية‪ ،‬كما تتحكم البداية بالنهاية‪ .‬لكن هذه الدراسات لم تجد لها صدى كبيرا ً‬ ‫في وطننا العربي‪ ،‬في مطلع الثمانينات‪ ،‬بسبب كون نقادنا‬ ‫يهتمون‪ -‬في هذه المرحلة‪ -‬بالمضمون أكثر من الشكل‪.‬أما التعريف البنيوي للنص فهو "غير موجود" بسبب‬ ‫كثرة التعريفات‪ ،‬وعدم إحاطتها وشموليتها‪..‬وإذا كانت القراءة‬ ‫الولى )الفقية( تجعل القارئ يجري لهثا ً وراء الحداث‪ ،‬فإن‬ ‫القراءة الثانية )السترجاعية( تحرر القارئ من وهم المشاركة‬ ‫الوجدانية‪ ،‬وترفعه إلى مرتبة المشاركة في السرد‪..‬‬ ‫وبما أن )الحكاية( مجموعة من الحداث أو الفعال‬ ‫السردية التي تتوق إلى نهاية )أو غاية(‪ ،‬فإن هذه الفعال‬ ‫السردية تنتظم في )سلسل( يشد أفعالها رباط زمني‬ ‫ومنطقي‪ .‬وخرق هذه القوانين من قبل )الرواية الجديدة( التي‬ ‫واكبت البحاث البنيوية لم يكن صدفة‪.‬والملحظة الثانية‬ ‫هي إهمالهم )المخا َ‬ ‫طب( أو المتلقي وانشغالهم بحياة الشاعر‬ ‫وحده وظروف مجتمعه السياسية والجتماعية والثقافية‪.‬‬ ‫والتفسير بدوره قد يصبح نصًا‪ ،‬ويحتاج إلى مفسر جديد‪.‬‬ ‫وهكذا‪ .‬‬ ‫والواقع أن هذه الملحظات النقدية جديرة بالهتمام لو أنها‬ ‫تعدت مجرد الشارة إلى التفصيل والتمثيل‪.‬‬ ‫في )قواعد السرد( يرى أن السرد لعبة‪ ،‬وأن التناول‬ ‫العلمي للسرد ل نلمسه إل مع )بروب( في كتابه )مورفولوجيا‬ ‫الحكاية الشعبية(‪ ،‬على الرغم من أن بروب نفسه لم يكن‬ ‫يتوقع لكتابه أو لقواعده التي استنبطها هذه الشهرة وهذا‬ ‫الذيوع‪ ،‬حيث أخذ الباحثون بعده يعممون نموذجه المقترح على‬ ‫السرد بصفة عامة‪ .49 -‬‬ .‬أما المنهج البنيوي فيعتبر النص بنية مغلقة‪ ،‬وداخل‬ ‫هذه البنية ثمة علقات منتظمة‪ ..‫تعليمية‪ .‬‬ ‫ويركزون على العلقة بين الرواية والمجتمع‪.‬‬ ‫‪ -4‬صدوق نور الدين وحدود النص الدبي‬ ‫دوق نور الدين( فقد أصدر كتابه‬ ‫وأما الناقد المغربي )ص ّ‬ ‫)حدود النص الدبي‪ :‬دراسة في التنظير والبداع( عام‬ ‫‪ (6)1984‬قال فيه‪" :‬إن اختلف المناهج أدى بنا إلى الوقوف‬ ‫على المنهج الجتماعي‪ ،‬وهو منهج يربط النص بالمجتمع‪ .‬‬ ‫وفي تعريفه )للنص الدبي( يرى أن للنص مدلول ً ثقافيًا‪،‬‬ ‫وأنه ل بد له من مفسر أو مؤول يوضح جوانبه المظلمة‪.‬ولهذا تبدو حريته‬ ‫مطلقة حين ينقل المكانية من القوة إلى الفعل‪ .‬في‬ ‫حين أن المنهج النفسي يهدف إلى الكشف عن الدافع النفسي‬ ‫للبداع‪ ..‬لكن هذا المعنى تغير في عصرنا الحديث‪.‬‬ ‫والقائم بالسرد ملزم باحترام هذه القوانين إلى حد يمكن‬ ‫القول معه إن القائم بالسرد الفعلي هو القارئ ل السارد أو‬ ‫الكاتب‪ .

(8-7‬‬ ‫ولكن "التوفيق" بين مناهج نقدية متباينة ليس سوى‬ ‫)تلفيق( ل يخدم النص وإنما يشتته‪ ،‬ول ُيظهر جمالياته أو بنياته‪.‬وهذه )المقاطع( ل تعطي صورة كاملة عن القصيدة‬ ‫ول عن صاحبها‪ .‬والناقد‬ ‫الحداثي حين يمارس عملية نقد نص ما فإنه يعيد كتابته‬ ‫بطريقة أخرى‪ ،‬حيث تنطبع في ذاكرته تصورات تمت إلى‬ ‫الحاضر والغائب‪ :‬الحاضر الكامن في النص‪ ،‬والغائب فيما وراء‬ ‫النص‪ .‬وعلى الرغم من استقللية النص وخصوصيته‪ ،‬فإن له‬ ‫مرجعه )أو مراجعه( الذي يستمد منه نسغ حياته‪ .‬‬ ‫وما ُيلحظ على الكتاب هو اهتمامه بالدب المغربي‬ ‫المعاصر وحده‪ ،‬إذ معظم الروايات والقصص التي عولجت‬ ‫كانت لدباء مغاربة فحسب‪ ،‬كما ُيلحظ اهتمامه بالسرد‪ ،‬فقد‬ ‫عالج كما ً أكبر من الروايات‪ ،‬مقابل )مقاطع( من بعض‬ ‫القصائد‪ .‬فدرس رواية )محاولة عيش( لمحمد زفزاف‪ ،‬ورواية‬ ‫)رحال ولد المكي( لمحمد صوف‪ ،‬ورواية )البله والمنسية‬ ‫وياسمين( للميلودي شغموم‪ ،‬ورواية )اميلشيل( لسعيد علوش‪،‬‬ ‫ورواية )عالم بل خرائط( لجبرا إبراهيم جبرا‪ ،‬وعبد الرحمن‬ ‫منيف‪ ،‬ورواية )الرحيل بين السهم والوتر( لحليم بركات‪.‬‬ ‫‪ -5‬فؤاد أبو منصور والنقد البنيوي الحديث‬ ‫فؤاد أبو منصور ناقد وباحث لبناني‪ ،‬نشر كتابه )النقد‬ ‫البنيوي الحديث‪ :‬بين لبنان وأوربا( عام ‪ .‬وعلى الرغم من أن الباحث طّبق فيها "المنهج‬ ‫البنيوي"‪ ،‬فإنه لم يخرج بوصف لـ)بنية( القصيدة ول لـ)علقات(‬ ‫وحداتها‪ .‬‬ ‫وفي القصة القصيرة تحدث عن الواقعية المباشرة في‬ ‫مجموعة )عيون تحت الليل( لمبارك الدريبي‪ ،‬والجنون بطرق‬ ‫مختلفة في مجموعة )مجنون الورد( لمحمد شكري‪ ،‬والجانب‬ ‫الفني في مجموعة )اليام والليالي( لدريس الخوري‪.50 -‬‬ .‫الستفادة من المناهج السالفة‪ ،‬رغبة في تشكيل نوع من‬ ‫التوفيق الهادف خدمة النص‪ ،‬ودون الرسو بسفينة النقد عند‬ ‫منهج بذاته" )ص ‪.‬‬ ‫وقد عالج الباحث في كتابه‪ :‬الرواية‪ ،‬والقصة القصيرة‪،‬‬ ‫والشعر‪ .‬ولم يتبع حتى المنهج "التوفيقي" الذي اقترحه‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ومن المستحيل )خلط( هذه المناهج المتباينة للخروج بفرية‬ ‫منهج "تكاملي"‪ ،‬ذلك أن )النص الدبي( ليس هو وحده‪ ،‬وإنما‬ ‫هو مجموعة نصوص متناصة ومتداخلة‪ ،‬منها القديم ومنها‬ ‫الحديث‪ .‬‬ ‫ذلك أن الناقد المسلح بمنهج نقدي يشبه الطبيب الختصاصي‬ ‫الذي يعالج المرض الذي أجرى اختصاصه فيه‪ :‬فالناقد‬ ‫الجتماعي يجيد معالجة الظروف الجتماعية وعلقاتها بالدب‪،‬‬ ‫والناقد النفسي يجيد معالجة ظروف المبدع وتأثيرها على‬ ‫نفسيته وبالتالي على نتاجه الدبي‪ ،‬والناقد البنيوي يجيد تحليل‬ ‫الدب من وجهة النظر اللسنية وعلقات البنيات ببعضها بعضًا‪.‬ومن هنا التداخل بين الواقعي والخيالي‪.(7)1985‬وهو‬ ‫)خلطة( عجيبة أدخلت إلى البنيوية كثيرا ً مما ليس منها‬ ‫)الفصول ‪ 1‬و ‪ 3‬و ‪ 5‬و ‪ 6‬و ‪ 7‬و ‪ (13‬إضافة إلى )الموضوعاتية(‬ ‫و)التحليل النفسي الجذري( اللذين ل يقعان في صلب البنيوية‪.‬‬ ‫وفي الشعر حلل مقطعا ً من قصيدة )بيروت( لمحمود‬ ‫درويش‪ ،‬واستنبط منه ثنائية‪ :‬الدمار‪ /‬والجمال‪ ،‬ومقطعا ً من‬ ‫قصيدة )ل تصالح( لمل دنقل‪ ،‬واستنبط منه ثنائية‪ :‬الرفض‪/‬‬ ‫والمواجهة‪ ،‬ومقطعا ً من قصيدة )مرثية إلى حلوان( لمحمد‬ ‫بوجبيري‪ ،‬واستنبط منه ثنائية‪ :‬الحضور‪ /‬والغياب‪.

‬‬ ‫‪)-3‬البنائية من أين وإلى أين( لنبيلة إبراهيم‪.‬‬ ‫‪)-4‬موقف من البنيوية( لشكري عّياد‪.‬ويفتقر كتابه إلى التأني‬ ‫والتعمق واللغة النقدية المحددة‪ ،‬بالضافة إلى افتقاده‬ ‫المنهجية والتصنيف‪.‬وقــد اســتفاد فيهــا مــن مرجعيــن‬ ‫أساسيين هما‪) :‬نظريــة الدب( لرينيــه ويليــك‪ ،‬واوســتن واريــن‬ ‫الذي ع ُّرب في مطلع السبعينات‪ ،‬وكتــاب )مقدمــة فــي نظريــة‬ ‫الدب( لعبد المنعم تليمة‪.51 -‬‬ .‬‬ ‫وقد درس الباحث في كتابه‪ :‬نظريات الدب )نظرية‬ ‫المحاكاة‪ ،‬ونظرية التعبير‪ ،‬ونظرية الخلق‪ ،‬ونظرية النعكاس(‪،‬‬ ‫ونظريات النواع الدبية‪ ،‬وتطور الدب‪ ،‬وعلقة الدب‬ ‫باليديولوجيا‪ ،‬وبعلم النفس‪ ،‬وبعلم الجتماع‪ .‫وعلى الرغم من الفائدة التي يجنيها القارئ من كتاب‬ ‫)عام( كهذا‪ ،‬حيث وضع فيه كاتبه كثيرا ً من المقابلت التي‬ ‫أجراها مع زعماء النقد الفرنسي المعاصر‪ ،‬البنيويين منهم وغير‬ ‫البنيويين‪ ،‬إل أنه دون منهج واضح‪ ،‬فمعلوماته مجرد انطباعات‬ ‫شخصية حول الموضوع الذي يعالجه‪ .‬‬ ‫‪)-5‬عن البنيوية التوليدية( لجابر عصفور‪.‬‬ ‫‪) -3‬اللسنية والنقد الدبي( ‪ 1987‬لموريس أبو ناضر‪.‬‬ ‫ولكن الباحث ل يحيل في هوامشه إلى أي من هذه‬ ‫المراجع التي استقى منها مادة بحثه! الذي بدأه بالخصومات‬ ‫التي أوجدتها البنيوية‪ .‬‬ ‫‪ -6‬شكري عزيز الماضي في نظرية الدب‬ ‫شكري عزيز الماضي ناقــد وبــاحث‪ ،‬أصــدر كتــابه )فــي‬ ‫نظرية الدب( عام ‪ .‬‬ ‫‪) -2‬نظرية البنائية في النقد الدبي( ‪ 1977‬لصلح فضل‪.‬‬ ‫‪)-2‬الدب والمجتمع( لصبري حافظ‪.‬‬ ‫أما القسم الثاني من الكتاب والذي خصصه الباحث للنقد‬ ‫البنيوي العربي‪ ،‬فالضطراب فيه أكبر وأخطر‪ ،‬ذلك أنه أورد‬ ‫فيه أمثلة بعيدة عن موضوعه‪ ،‬حيث وضع كثيرا ً من الدباء‬ ‫اللبنانيين في سلة البنيوية‪ ،‬أمثال‪ :‬أحمد فارس الشدياق‪،‬‬ ‫واليازجي‪ ،‬والبستاني‪ ،‬وخليل مطران‪ ،‬وجبران خليل جبران‪،‬‬ ‫ومي زيادة‪ ،‬وميخائيل نعيمة‪ ،‬وعمر فاخوري‪ ،‬ورئيف خوري‪،‬‬ ‫وإلياس أبو شبكة‪ ،‬ومارون عبود‪ ،‬وأنطوان غطاس كرم‪،‬‬ ‫وسعيد عقل!! ول يعقل هذا الخليط الذي خصص له مائة‬ ‫وخمسين صفحة ل علقة لها بموضوع البنيوية‪.‬ثم وضع خطاطة للتحليل البنيوي جعلها‬ ‫في تسع نقاط‪ ،‬نجملها في التي‪:‬‬ ‫‪-1‬يهاجم البنيويون المناهج التي ُتعنى بدراسة إطار الدب‬ ‫ومحيطه وأسبابه الخارجية‪ .‬وتنطلق البنيوية من التركيز‬ ‫‪.‬‬ ‫كما استفاد من المقالت المنشورة في العدد الخاص‬ ‫بالنقد الدبي في مجلة )فصول القاهرية( )‪ ،(9‬وهي‪:‬‬ ‫‪)-1‬علم اللغة والنقد الدبي( لعبده الراجحي‪.‬وجعل )البنيوية(‬ ‫فصل ً من فصول كتابه الثمانية‪ .(8)1986‬وهو مجموعــة مــن المحاضــرات‬ ‫ألقاها في جامعــة قســنطينة‪ .‬وجعل مراجعه في فصل‬ ‫البنيوية الكتب التالية التي سبقته‪:‬‬ ‫‪) -1‬مشكلة البنية( ‪ 1976‬لزكريا إبراهيم‪.

‬‬ ‫‪-3‬يقف التحليل البنيوي عند حدود اكتشاف هذه البنية في‬ ‫النص الدبي‪ ،‬أو عند اكتشاف )نظام( النص‪.‬‬ ‫م التركيز على إظهار التشابه‬ ‫ص يت ّ‬ ‫‪-8‬في اكتشاف بنية الن ّ‬ ‫‪.‬وإذا كان الثر‬ ‫الدبي روائيا ً فإن على الناقد البنيوي أن يدرس البنى‬ ‫الحكائية والسلوبية واليقاعية‪ .‬‬ ‫وحين يتم التعرف على بنية النص أو نظامه ل يهتم التحليل‬ ‫البنيوي بدللتها أو بمعناها‪ ،‬لن الدللة إشكالية تحتاج‬ ‫إلى تعليل‪ .‬ومن هنا ضرورة عزل الجانب الدللي المتعلق‬ ‫بالمعنى‪.‫على الجوهر الداخلي للنص الدبي‪ ،‬دون أن أية‬ ‫افتراضات سابقة‪ ،‬من مثل علقة النص بالواقع‬ ‫الجتماعي أو بالحقائق الفكرية أو بالدب وأحواله‬ ‫النفسية والجتماعية‪ ،‬لن للعمل الدبي نظاما ً خاصا ً‬ ‫وبنية مستقلة هي مجموع العلقات التي تؤلف شبكة‪.‬‬ ‫‪-6‬ل يعترف البنيويون بالبعد التاريخي‪ ،‬ول بتطور الدب‪.‬ويمكن الكشف عن هذه‬ ‫البنية العميقة من خلل التحليل المنهجي المن ّ‬ ‫ظم‪.‬‬ ‫‪-4‬ينطلق البنيويون من مسّلمة تقول إن الدب مستقل‬ ‫تماما ً عن أي شيء‪ ،‬إذ ل علقة له بالحياة أو بالمجتمع‬ ‫أو بالفكار أو بنفسية الديب‪ ،‬لن الدب ل يقول شيئا ً‬ ‫عن المجتمع‪ ،‬ولن موضوع الدب هو الدب نفسه‪.‬‬ ‫‪-5‬ل يعترف البنيويون بالبعد الذاتي أو الجتماعي للدب‬ ‫لنهم يعرفون أن الدب هو كيان لغوي مستقل‪ ،‬أو هو‬ ‫نظام من الرموز والدللت التي تولد في النص ول صلة‬ ‫لها بخارج النص‪ :‬فالقصة عند )رولن بارت( هي‬ ‫)مجموعة من الجمل(‪ ،‬والكلم الدبي هو واقع ألسني‬ ‫به وحداته المميزة وقواعده ونحوه‪.‬‬ ‫وهو يرون أن كل دراسة ذات منظور تطوري أو تعاقبي‬ ‫إنما هي مضيعة لجهد الناقد الذي ينبغي أن يكرس‬ ‫جهده لكتشاف البنيات أو النساق التي ينطوي عليها‬ ‫العمل الدبي‪ ،‬والتي تتطلب الدراسة من منظور‬ ‫تزامني‪ .‬‬ ‫‪-2‬هذه الشبكة من العلقات )أو البنية العميقة( هي التي‬ ‫تجعل من العمل عمل ً أدبيًا‪ .‬وقد أصبحت عقلنية )النظام( الذي يتحكم‬ ‫في عناصر النص مجتمعة بديل ً عن عقلنية الشرح‬ ‫والتفسير‪.‬والوظيفة هي العمل الذي تقوم به‬ ‫الشخصية داخل القصة‪.‬‬ ‫والبنيويون يتعاملون مع النص الدبي كما يتعاملون مع‬ ‫الجملة القابلة للوصف على عدة مستويات‪ :‬صوتية‪،‬‬ ‫وتركيبية‪ ،‬ودللية‪.52 -‬‬ .‬‬ ‫‪-7‬للتوصل إلى بنية الثر الدبي ينبغي تخليص النص من‬ ‫الموضوع والمعاني والفكار والبعدين الذاتي‬ ‫والموضوعي‪ ،‬ليبدأ بعد ذلك التحليل البنيوي في دراسة‬ ‫المستويات النحوية واليقاعية والسلوبية‪ .‬ثم يقوم بتجزئة الرواية‬ ‫على )وحدات( أساسية هي أعمال الشخصيات‬ ‫م‬ ‫وأوضاعها والوظائف التي تعّبر عن أعمالها‪ .‬ثم يت ّ‬ ‫م تخليص‬ ‫النتقال إلى )الجراءات التركيبية( ففيها يت ّ‬ ‫النص الروائي مع جميع الشارات التي تدل على الزمان‬ ‫والمكان‪ ،‬ومن فئة الشخوص‪ ،‬وتوضع بدل ً منها فئة‬ ‫العوامل‪ ،‬ذلك أن الرواية –عند البنيويين –هي مجموعة‬ ‫من )الوظائف(‪ .

‫والتناظر والتعارض والتضاد والتوازي والتجاور والتقابل‬ ‫بين المستويات النحوية والسلوبية والحكائية‪ .‬ذلك أن البنيوية الشكلية حين‬ ‫وجدت نفسها أمام الباب المسدود‪ ،‬باعتبارها منهجا ً نقديا ً‬ ‫وصفيا ً ل يهتم بالقيمة‪ ،‬ويعجز عن التفريق بين العمال الدبية‬ ‫الجيدة والرديئة‪ ،‬ويخّلص النص من معناه ومرجعيته‪ ،‬اضطرت‬ ‫وض عن هذا النغلق الشكلي الذي‬ ‫إلى فتح منافذ جديدة تع ّ‬ ‫وه الدب‪ ،‬فأوجدت مسارب جديدة تخفف من غلواء البنيوية‬ ‫يش ّ‬ ‫الشكلية‪ ،‬فكانت البنيوية التوليدية‪ ،‬والبنيوية السيميائية‪،‬‬ ‫وكلهما خرج من قلب البنيوية‪ ،‬وإن اخت ّ‬ ‫ط لنفسه –بعد ذلك –‬ ‫منهجا ً نقديا ً مستق ً‬ ‫ل‪.53 -‬‬ .‬‬ ‫أما )الروافد التاريخية للبنيوية(‪ :‬فيراها الباحث في‬ ‫مدرسة الشكليين الروس‪ ،‬ومدرسة النقد الجديد في أمريكا‪،‬‬ ‫وفي آراء‪ .‬والقارئ ليس ذاتا ً وإنما‬ ‫هو مجموعة من المواصفات التي تشكلت من خلل‬ ‫دد‬ ‫القراءات السابقة‪ .‬وقراءته للنص ورد فعله إزاءه تتح ّ‬ ‫بتلك القراءات السابقة‪ .‬ت‪ .‬‬ ‫ومن الواضح أن الباحث قلب منهجيته في معالجته‬ ‫للبنيوية‪ ،‬فبدل ً من أن يبدأ بأصول البنيوية‪ ،‬ثم ُيثني بتعريف‬ ‫التحليل البنيوي للدب فإنه فعل العكس‪ ..‬‬ ‫ومن هنا فإن )بارت( يرى أنه ل توجد إل قيمتان أدبيتان‬ ‫هما‪ :‬القراءة الكتابة ‪/‬أو الكتابة القراءة‪ ،‬بمعنى أن‬ ‫الكتابة تقرأ القارئ‪ ،‬وأن النص يتكلم طبقا ً لرغبات‬ ‫القارئ‪ ..‬إليوت ول سيما )المعادل الموضوعي( في‬ ‫الخلق الدبي‪ .‬س‪ ..‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪-9‬بما أن البنيوية تستبعد المعنى والموضوع والبعاد الذاتية‬ ‫والموضوعية والطار الزماني والمكاني‪ ،‬فإن القارئ‬ ‫يصبح هو الكاتب الفعلي للنص‪ ..‬كما‬ ‫أن البنيوية حين تنظر إلى النص ككيان مغلق منتهٍ في الزمان‬ ‫والمكان‪ ،‬فإنها –بذلك –تقطع النص عن منتجه )كاتبه(‪ ،‬وعن‬ ‫محيط إنتاجه‪ ،‬وتجعله بل جذور‪..‬لن اللغة إذا كانت مادة الدب فهي ليست‬ ‫مجردة عن المعنى‪ ،‬والقصة إذا كانت مجموعة من الوظائف أو‬ ‫الجمل أو الفعال النحوية فإن هذا يلغي الخصائص الدبية‪ .‬‬ ‫والواقع أن )البنيوية( حين تعّرف الدب بأنه مجرد جسد‬ ‫لغوي‪ ،‬أو مجموعة من الجمل فحسب‪ ،‬فإن هذا التعريف يثير‬ ‫إشكالت عديدة‪ .‬وواضح أنه أغفل ألسنية سوسير‪ ،‬وهي الهم‪.‬وفي )تحليل التركيب( تت ّ‬ ‫الجملة وقصرها‪ ،‬والمبتدأ والخبر‪ ،‬والصفة والموصوف‬ ‫والعلقة بينهما‪ ،‬والصلة‪ ،‬والروابط )حروف الجر‪،‬‬ ‫م دراسة الكلمات‪،‬‬ ‫والعطف( وفي )تحليل اللفاظ( تت ّ‬ ‫وصيغها الشتقاقية‪ ،‬ومصاحباتها اللغوية‪.‬ومع ذلك فقد‬ ‫استطاع في صفحات قلئل جمع فائدة كبيرة وشاملة عن‬ ‫البنيوية الشكلية‪ ،‬إذ أنه لم يتطرق إلى التجاهات البنيوية‬ ‫الخرى كالتكوينية‪ ،‬والسيميائية‪ .‬وبما أن هناك قراء عديدين فإن‬ ‫هناك قراءات متعددة للنص الواحد‪ ،‬حسب عدد القراء‪.‬وفي النص ل يتكلم إل القارئ وحده‪.‬‬ ‫كما أنها عندما تنظر إلى النص على أنه ساكن‪ ،‬ل يؤثر ول‬ ‫يتأثر‪ ،‬فإنها –بذلك –ل تعترف بتطور الشكال الدبية‪ ،‬وتلغي‬ ‫تاريخية النص‪ ،‬فيتساوى عندها القديم والحديث‪.‬فـ‬ ‫م من خلل إظهار الوقف والنبر‬ ‫)التحليل الصوتي( يت ّ‬ ‫والمقطع والتنغيم في النثر‪ ،‬والوزن والقافية في‬ ‫م دراسة طول‬ ‫الشعر‪ .

‬‬ ‫ويرى )ايخنباوم( أن ما يمّيز الشكلنيين هو رغبتهم في‬ ‫خلق )علم أدبي( مستقل‪ ،‬انطلقا ً من الخصائص الجوهرية‬ ‫للمادة الدبية‪ .‬فأ ّ‬ ‫كدوا‬ ‫أن النص الدبي يختلف عن غيره ببروز )شكله(‪ ،‬ومن هنا‬ ‫جاءت تسميتهم )الشكليين(‪.‬ذلك أن الحداثة والتراث هما وجهان لعملة واحدة‪،‬‬ ‫يتكاملن ول يتناقضان‪ .‬ولنا في اليابان أسوة حسنة‪.‬‬ ‫خذنا بالمناهج‬ ‫نأ ْ‬ ‫إن )معرفة الخر( ل تعني التماهي به‪ ،‬وإ ّ‬ ‫الغربية الحديثة في الفكر والنقد ل يعني تخّلينا عن هويتنا وذاتنا‬ ‫تراثنا‪ .54 -‬‬ .‬ص ‪ (5‬تخلصا ً من الّتهم التي ستنالهم بوصفهم‬ ‫من تجار "الفكار المستوردة"‪ ،‬وكأنه ل تثريب علينا إن نحن‬ ‫تركنا تجار المخدرات يعيثون فسادا ً في النفوس‪ ،‬وتجار الدوية‬ ‫يعيثون فسادا ً في البدان‪ ،‬وتجار السلح يعيثون فسادا ً في‬ ‫البلد‪ ،‬ورصدنا تجار الفكار‪ ،‬في الوقت الذي نحن فيه بأمس‬ ‫الحاجة إلى أقلم واعدة تساهم في تطوير واقعنا المتخلف‬ ‫وتحديثه في جميع الحقول وفي شتى الميادين‪.‬‬ ‫وفي الوقت نفسه كان )الشكلنيون الروس( يضعون‬ ‫أسسا ً لثورة منهجية جديدة في دراسة اللغة والدب‪ ،‬هادفين‬ ‫إلى خلق )علم أدب( مستقل‪ ،‬انطلقا ً من الخصائص الجوهرية‬ ‫للمادة الدبّية‪ ،‬رافضين المقاربات النفسية والجتماعية التي‬ ‫كانت سائدة في النقد الدبي آنذاك‪ .‬‬ ‫صدوا بجرأة لمبدأ ثنائية الشكل والمضمون في الثر‬ ‫إذ ت ّ‬ ‫الدبي‪ ،‬وهو ما كانت النظريات النقدية القديمة تأخذ به‪ .‬‬ ‫ويناقش )توماشفسكي( قضيتين هامتين في السرد هما‪:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫دم الباحث عبد الله إبراهيم للبنيوية بتمهيد يرى فيه‬ ‫ويق ّ‬ ‫أن أصول البنيوية تتجّلى في اللسانيات الحديثة‪ ،‬ومدرسة‬ ‫الشكليين الروس‪ ،‬وحلقة براغ اللغوية ففي اللسانيات الحديثة‬ ‫وض )سوسير( أصول الدرس اللغوي التقليدي‪ ،‬وأضفى على‬ ‫ق ّ‬ ‫اللغة أهمية لم تكن تتمتع بها من قبل‪ ،‬ولجأ منهجيا ً إلى‬ ‫دت مرتكزات أساسية في المباحث اللغوية؛‬ ‫اشتقاق ثنائيات ع ُ ّ‬ ‫كاللغة ‪/‬والكلم‪ ،‬والتزامن ‪/‬والتعاقب‪ ،‬والدال ‪/‬والمدلول‪ ..‬ومركزين اهتمامهم في‬ ‫مجالين بارزين هما‪ :‬دراسة الصفة التي تجعل من الثر عمل ً‬ ‫أدبيًا‪ ،‬وهي ما أطلق عليه ياكوبسون )الدبية(‪ ،‬ومفهوم الشكل‪.‬فهدفهم الوحيد هو الوعي النظري والتاريخي‬ ‫ص الدبي كما هو عليه‪ ،‬بعيدا ً عن علم الجمال‬ ‫بالوقائع التي تخ ّ‬ ‫وعلم النفس وعلم الجتماع‪ .‬وقد‬ ‫سّهلت هذه الثنائيات العملية الوصفية –الستقرائية –للظاهرة‬ ‫اللغوية‪ ،‬على مستوى الدراسة المنهجية التزامنية للغة‪ ،‬أو‬ ‫التعاقبية التطورية‪ ،‬أو في الوقوف على ظاهر النص وباطنه‬ ‫كما هو المر في البحث الدللي‪ ،‬أو في القراءة الفقية‬ ‫والعمودية‪ ،‬كما هو المر في تتبع المفردات اللغوية حسب‬ ‫نسقها الخ ّ‬ ‫طي ‪/‬الظاهر أو علقاتها العميقة‪.‬وقد ق ّ‬ ‫الباحثون كتابهم على أنه "مساهمة عربية في التعريف بأبرز‬ ‫دعي تبّني‬ ‫المناهج الحديثة في العلوم النسانية‪ ،‬ول ت ّ‬ ‫طروحاتها"‪) .‫‪ -7‬سعيد الغانمي ومعرفة الخر‬ ‫سعيد الغانمي ناقد حداثي عراقي‪ ،‬أصدر مع زميليه‬ ‫كتاب )معرفة الخر‪ :‬مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة(‬ ‫‪ (10) 1990‬جعلوه ثلثة فصول‪ :‬فصل عن )السيميائية( كتبه‬ ‫عواد علي‪ ،‬وفصل عن )التفكيكية( كتبه عبد الله إبراهيم‪،‬‬ ‫دم‬ ‫والفصل الثالث عن )البنيوية( كتبه سعيد الغانمي‪ .‬وبهذا التقوا مع )المستقبليين(‬ ‫الذين استطاعوا أن يخّلصوا الدراسات الدبية من أثقال العلوم‬ ‫الخرى‪.

‬‬ ‫وإذا كانت )الوبوياز( تشكلت من جهود تجمعين كبيرين‬ ‫هما‪ :‬حلقة موسكو اللغوية‪ ،‬وحلقة بطرسبورغ )براغ( فإن‬ ‫حلقة براغ يمّثلها )ياكوبسون( الذي هجر روسيا‪ ،‬بعد أفول‬ ‫الشكلنية فيها بسبب الضغوط السياسية‪ ،‬والتحق بحلقة براغ‪،‬‬ ‫صل إليه هو وأقطاب المدرسة‬ ‫فق ّ‬ ‫دم فيها خلصة ما تو ّ‬ ‫الشكلنية‪ .‬فالول هو مجموع الحداث‬ ‫المتصلة فيما بينها‪ ،‬والثاني يتألف من نفس الحداث ولكنه‬ ‫يراعي نظام ظهورها في الثر الدبي‪ .55 -‬‬ .‬ويتألف الغرض من‬ ‫وحدات غير قابلة للتفكك وصول ً إلى جملة غرضية‪ ،‬حيث‬ ‫يسمى هذا الغرض )حافزًا(‪ .‬‬ ‫لكن البنيوية إذا كانت قد منحت العلوم النسانية‬ ‫)الموضوعية(‪ ،‬فإنها قادت –من جانب آخر –إلى نتيجة هامة‬ ‫هي فقدان الدراسات خصوصيتها وتوهجها‪ ،‬حيث ظّلت أسيرة‬ ‫النموذج اللغوي‪ .‫المتن الحكائي‪ ،‬والمبنى الحكائي‪ .‬وقد كان لحداث أيار في فرنسا عام ‪1968‬‬ ‫الثر الحاسم في وقف المد ّ البنيوي‪.‬‬ ‫لقد نهضت البنيوية‪ ،‬بوصفها منهج بحث‪ ،‬على تطبيق‬ ‫مقت أفكار‬ ‫النموذج اللسني على المادة قيد الدرس‪ ،‬وع ّ‬ ‫العلوم منهجا ً‬ ‫القطيعة مع المؤثرات الخارجية‪ ،‬فاعتمدتها‬ ‫تحليليًا‪ :‬النثربولوجيا في تحليل السطورة عند )شتراوس(‪،‬‬ ‫و)البستيمولوجيا( في تحليل الفكر الغربي عند )فوكو(‪،‬‬ ‫والسيكولوجيا في تحليل الطفولة عند )لكان(‪ ،‬والقتصاد في‬ ‫التحليل الماركسي عند )ألتوسير(‪ ،‬والنقد الدبي في التحليل‬ ‫النقدي عند )بارت(‪ ،‬و)تودوروف(‪ ،‬و)جيرار جينيت(‪،‬‬ ‫و)غريماس(‪ ،‬وغيرهم‪.‬وبهذا وقعت –حسب جوناثان كللر –في مأزق‬ ‫الوضعية والمعيارية الجامد‪(11) .‬والحافز في المبنى الحكائي هو‬ ‫صياغة فنية للحداث‪ .‬وتأصلت فيها جهوده مع مكاروفسكي‪ ،‬وفاشيك‪،‬‬ ‫وغيرهم من أعلم هذه الحلقة‪ ،‬حيث تبّنوا محور التزامن الذي‬ ‫اكتشفه سوسير‪ ،‬والدراسة التعاقبية للغة‪ ،‬كما اهتموا‬ ‫بالصوات في الشعر‪ ،‬وبنظام المفردات الشعرية‪ .‬‬ ‫ول شك أن محاولة الخروج على الوصفية البنيوية بدأت‬ ‫من أقطاب أنفسهم )فرولن بارت( يؤكد أن صرح اللسانيات‬ ‫‪.‬‬ ‫وأما )النقد الجديد( في أمريكا الذي ي ُّعد أحد أصول‬ ‫البنيوية‪ ،‬فقد أّدت فيه أبحاث الناقد المريكي )جون كرو‬ ‫رانسوم(‪ ،‬ودراسات النقاد النجليز والمريكان أمثال‬ ‫)رتشاردز(‪ ،‬و)امبسون(‪ ،‬و)إليوت(‪ ،‬و)ايفور ونترز(‪ ،‬وغيرهم‬ ‫إلى ظهور مدرسة )النقد الجديد( التي دعت إلى ضرورة وجود‬ ‫ناقد معني بموضوع نقده‪ ،‬دون الهتمام بمعاني الدب أو‬ ‫بمؤثراته الخارجية‪ ،‬وإلى ضرورة عزل النص عما يؤثر فيه‪،‬‬ ‫وإلى النظر إلى العمال الدبية على أنها كائنات قائمة بذاتها‬ ‫ول صلة لها بشيء آخر‪.‬والحوافز قد تكون حرة يمكن الستغناء‬ ‫عنها دون الخلل بالتتابع الزمني والسببي للحداث‪.‬‬ ‫ومنذ منتصف الستينات وما بعدها شاعت شكوك حول‬ ‫ضعف الكفاية المنهجية للبنيوية في شتى حقولها المعرفية‪،‬‬ ‫ولت هذه الشكوك إلى تيار نقدي يحاول نقد‬ ‫وسرعان ما تح ّ‬ ‫ممته على‬ ‫الوصفية البنيوية المجردة ونموذجها اللغوي الذي ع ّ‬ ‫العلوم النسانية‪ .‬‬ ‫وفي المتن الحكائي تبرز أهمية الحــوافز المشــتركة‪ ،‬بينمــا‬ ‫تبرز أهمية الحوافز الحرة في المبنى الحكائي‪.‬وقادهم هذا‬ ‫إلى تحديد نظرية في معنى الشعر وفي علقات التتابع وفي‬ ‫نظام أشكال المفردات‪ ،‬وعنوا بالبنية النحوية‪.

‫وضه ثورة‬
‫أخذ يتفكك من شدة الشبع أو الجوع‪ ،‬وقد ق ّ‬
‫ول )بارت( نفسه عن البنيوية‬
‫السميولوجيا )‪ ،(12‬لذلك تح ّ‬
‫الوصفية إلى السيميائية والبحث عن المعنى‪ ،‬بعد أن وجد في‬
‫السيمياء مجال ً يتيح له الخروج من مأزق انغلقية البنيوية‬
‫الشكلية‪ ،‬ومثله فعل نقاد آخرون مثل )فيليب سولرز( و)جوليا‬
‫كريستيفا(‪ ،‬و)جاك ديريدا(‪ ،‬وغيرهم من أعلم السيمياء‬
‫والتفكيك‪.‬‬
‫ً‬
‫إن النقد الوصفي المحايد للخطاب سّبب سأما )لبارت(‬
‫وغيره‪ ،‬فراح النقاد يستحدثون مناهج نقدية جديدة‪:‬‬
‫)بارت( انتقل من البنيوية إلى السيميائية‪ ،‬فالتفكيكية‪،‬‬
‫فالنقد الحر ولذة النص والكتابة النقدية التي هي نص إبداعي‬
‫جديد‪) .‬وتودوروف( هجر المنهج اللسني البنيوي إلى النقد‬
‫الحواري‪ ،‬و)ألتوسير( أعلن تراجعه عن البنيوية‪ ،‬و)ديريدا(‬
‫تجاوز البنيوية إلى استحداث التفكيكية‪.‬‬
‫ً‬
‫وإذا كان أعلم البنيوية قد تجاوزها‪ ،‬ولم يبق مخلصا لها‬
‫سوى )ليفي شتراوس(‪ ،‬فإن خصومها –من باب أولى – قد‬
‫جعلوها هدفا ً لنتقاداتهم‪) :‬فروجيه غارودي( في كتابه )البنيوية‬
‫فلسفة موت النسان( )‪ (13‬ينتقد شتراوس الذي أقام‬
‫النثربولوجيا البنيوية على دعائم النموذج اللساني‪ ،‬ويرى أن‬
‫اختياره لقبائل هندية بدائية في أمريكا اللتينية هو دراسة‬
‫لمجتمعات بل تاريخ‪ ،‬وأن نتيجة دراسته ستكون مخالفة إذا ما‬
‫طبق المنهج نفسه على مجتمعات مت ّ‬
‫طورة‪.‬‬
‫أما فصل )البنيوية( الذي كتبه )سعيد الغانمي( فيرى فيه‬
‫أن أهم ما يمّيز البنيوية أنها تهتم بتقعيد الظواهر وتحليل‬
‫مستوياتها المتعددة‪ ،‬في محاولة للقبض على العلئق التي‬
‫تتحكم بها‪ .‬وهذا ما يميز البنيوية منهجا ً ل فلسفة‪ ،‬وطريقة ل‬
‫إيديولوجيا‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أن )سوسير( ي ُعَد ّ أبا البنيويين‪ ،‬فإنه لم‬
‫يستعمل أبدا ً كلمة )بنية( في كتابه )محاضرات في علم اللغة‬
‫العام(‪ ،‬بل كان يستعمل كلمة )نسق( أو )نظام(‪ .‬ولعل )بارت(‬
‫هو الذي أشار إلى أن البنيوية هي محاولة لنقل النموذج‬
‫اللسني إلى حقول ثقافية أخرى‪ .‬وسبق لشتراوس أن قال إن‬
‫علم الفونولوجيا يمكن أن يؤدي لعلوم النسان ما أدته‬
‫الرياضيات للفيزياء الحديثة‪.‬‬
‫وقد عرض الباحث بعض جهود )سوسير( اللسنية‪ :‬تمييزه‬
‫بين مستوى اللغة ‪ Langue‬والكلم ‪ .parole‬حيث يقصد‬
‫)باللغة( القوانين والنظمة العامة التي تحكم إنتاج الكلم‪ ،‬دون‬
‫أن توجد جميعا ً بوصفها ُبنى في كتب اللغة‪.‬‬
‫إنها السلطة التجريدية المشاعة التي يستمد الكلم منها‬
‫اختياراته الفعلية‪ .‬أما )الكلم( فهو التطبيق الفعلي لهذه‬
‫القوانين والقواعد‪ ،‬وهو محاولة كل متكلم أن ينسجم داخل‬
‫مؤسسة اللغة الكبيرة بفعل فردي‪ .‬اللغة منظومة اجتماعية ل‬
‫شعورية‪ ،‬والكلم اختيار فردي مقصود‪ .‬وقد انتقل هذا التمييز‬
‫إلى علوم كثيرة‪ ،‬ومن هنا قول )رولن بارت(‪" :‬إن اللغة ليست‬
‫لبرالية‪ ،‬ول ديمقراطية‪ ،‬وإنما هي فاشية"‪(14) .‬‬
‫كما استنبط )سوسير( ثنائيات‪ :‬التزامن ‪/‬والتعاقب‪.‬‬
‫)فالتزامن( عنده هو دراسة اللغة في فترة من الزمن يكون‬
‫فيها المجموع الكلي للمتغيرات الحاصلة ضئيل ً جدًا‪ .‬أما‬
‫)التعاقب( فهو دراسة العلئق بين عناصر متعاقبة‪ ،‬يح ّ‬
‫ل فيها‬
‫كل عنصر بمرور الزمن‪ ،‬محل العنصر الخر‪ .‬ويرى )سوسير(‬
‫إن دراسة علم اللغة التزامني هي الكفيلة بالعثور على بنية‬
‫‪- 56 -‬‬

‫اللغة ونظامها المستقر‪.‬‬
‫ثم يستمر الباحث في عرض أصول المنهج البنيوي‪ ،‬فيعّرج‬
‫على )التيار اللغوي البنيوي( الذي عرفته أميركا قبل ظهور‬
‫البنيوية في فرنسا‪ ،‬والذي كان من أشهر أعلمه‪ :‬سابير ‪Sapir‬‬
‫وبلومفيلد ‪ Bloomfield‬فقد تأثر )سابير( بأستاذه )بواس(‬
‫منه آراءه اللغوية‬
‫فوضع كتابه الوحيد )اللغة( عام ‪ 1921‬ض ّ‬
‫البنيوية‪ ،‬حيث مّيز فيه الشكال اللغوية والتصورات‪ ،‬ورأى أن‬
‫اللغة ليست في التعبير والقول‪ ،‬وإنما هي في البنية التي‬
‫تتحكم في التعبير وُتضفي عليه نماذجها‪.‬‬
‫أما )بلومفيلد( فقد تبّنى وجهة النظر السلوكية‪ ،‬فوضع‬
‫كتابه )اللغة( ‪ 1933‬تطّرق فيه إلى نظرته السلوكية في‬
‫الوقائع اللغوية "التي استوحاها من مادية ميكانيكية أكثر مما‬
‫هي جدلية" )‪ .(15‬وتكمن أهمية )بلومفيلد( في هذه النظرة‬
‫المجردة إلى اللغة‪ ،‬كما تكمن في وصف الوقائع اللغوية وصفا ً‬
‫مى‬
‫بنيويًا‪ ،‬وعلى الخصوص في علمي النحو والصرف‪ ،‬حيث س ّ‬
‫سم‬
‫أصغر وحدة صرفية ذات معنى باسم )المورفيم(‪ ،‬وق ّ‬
‫مى أصغر وحدة في‬
‫)المورفيم( إلى نوعين‪ :‬حر‪ ،‬ومقّيد‪ .‬كما س ّ‬
‫مجال القواعد باسم )تاكسيم(‪ ،‬وأصغر وحدة في الصوتيات‬
‫)الفونيم(‪.‬‬
‫ثم يعرض الباحث لجهود )شتراوس( الذي استفاد من‬
‫الجهود اللسنية واستثمرها في دراسة أساطير هنود أمريكا‬
‫الشمالية من ذوي المجتمعات الشفوية المغلقة‪ .‬وقد جّزأ‬
‫مى أصغر وحدة )ميثيم(‬
‫شتراوس السطورة إلى )وحدات( وس ّ‬
‫‪ Mythemes‬الذي يقوم مقام )الفونيم( في علم الصوتيات‪،‬‬
‫و)المورفيم( في علم الصرف‪ .‬وباستخراج هذه الوحدات‬
‫وترتيبها في أعمدة تبادليًا‪ ،‬وتتابعيًا‪ ،‬وضع )شتراوس( يده على‬
‫الرسالة التي تنقلها السطورة‪ .‬وتم ّ‬
‫كن من خلخة التمركز‬
‫الغربي حول الذات عندما رد ّ اعتبار الشعوب الل كتابية فجعلها‬
‫ل تق ّ‬
‫ل منطقية عن منطقية النسان الوربي‪ ،‬متابعا ً في ذلك‬
‫نموذج )سوسير( اللغوي الذي اقتضى منه أن يتخّلى عن اعتبار‬
‫النسان الوربي معيارًا‪.‬‬
‫ً‬
‫وعلى الرغم من أن )شتراوس( لم يكن فيلسوفا‪ ،‬فقد مّيز‬
‫بين العلم والفلسفة وأ ّ‬
‫كد أن البنيوية هي منهج وليست فلسفة‪.‬‬
‫مما جعله هدفا ً لهجوم الفلسفة‪) :‬سارتر( الذي انتقد العقل‬
‫التحليلي بوصفه أنثربولوجيًا‪ .‬و)بول ريكور( الذي رأى أن‬
‫البنيوية هي "كانتية دون ذات متعالية"‪ ،‬و)غارودي( الذي رأى‬
‫في )البنيوية موت النسان( )‪.(16‬‬
‫أخيرا ً يصل الباحث إلى )البنيوية العربية( فيرى أن‬
‫تجربة )مجلة شعر( البيروتية "أقرب إلى أن تكون تفكيكا ً‬
‫ارتدى لباس صوفية حينًا‪ ،‬وإيديولوجية‪ ،‬أو شكلنية‪ ،‬أو تبشيرية‬
‫أحيانا ً أخرى‪ ،‬لكنها في جميع الحوال كانت تؤدي وظيفة أقرب‬
‫إلى الوظيفة التي أّدتها مجلة )تل كل( عند جماعة التفكيكيين‬
‫الفرنسيين‪ .‬ومن بين السماء الكثيرة التي احتضنتها مجلة‬
‫)شعر( يبرز اسم أدونيس بوصفه الممثل الشهر لهذه‬
‫الجماعة‪ .‬ويمكنني هذا أن أقول "بأن تجربته كانت أكثر‬
‫التجارب شبها ً بديريدا‪ ،‬فديريدا ينتقد الفكر الغربي بوصفه فكرا ً‬
‫متمركزا ً حول المنطق‪ ،‬وأدونيس يأخذ على الفكر العربي‬
‫تمركزه حول الوحي‪ .‬ديريدا يدين التمركز حول الصوت‪،‬‬
‫وأدونيس يدين الشفاهية‪ .‬ديريدا وأدونيس يشتركان بالدعوة‬
‫إلى اللمركز والتعدد وعلم الكتابة‪ ..‬الخ‪ ،‬بل إنني لجد تماثل ً‬
‫في المصطلح أيضًا‪ ،‬فما يسميه ديريدا التخريب يسميه أدونيس‬
‫الخلخلة والتفجير‪) ".‬ص ‪.(7‬‬
‫‪- 57 -‬‬

‫مه في )جذور( البنيوية أو أصولها‪،‬‬
‫وهكذا حصر الباحث ه ّ‬
‫دون أن يتّعمق صلب البنيوية‪ ،‬فيبحث في تعريفاتها‪ ،‬واتجاهاتها‪،‬‬
‫وأعلمها‪ ،‬وازدهارها‪ ،‬واندحارها‪ ..‬الخ‪ .‬كما أن مجلة )شعر(‬
‫كانت تتوخى الحداثة الشعرية‪ ،‬وعلى الخصوص )قصيدة النثر(‬
‫جعت رّوادها بنشر قصائدهم‪ ،‬والتعليق عليها‪ ،‬دون أن‬
‫حين ش ّ‬
‫تهتم بالمنهج النقدي الجديد الذي اقتبسه أدونيس من مثاقفته‬
‫مع النقد الفرنسي‪ .‬ولم تكن هذه المقبوسات الدونيسية‬
‫‪/‬الفرنسية تشكل منهجا ً نقديًا‪ ،‬وإنما كانت تأثر الشاعر ‪/‬الناقد‬
‫بما يقرأ من جديد الفكر الفرنسي ونقده‪.‬‬

‫هوامش‪:‬‬

‫***‬

‫) ‪ -(1‬ييي يييييي –يييييييي ي ‪.7‬‬
‫) ‪ -(2‬يييي ييي ييييي يييييييي يي ييييي يييييي –ييي‬
‫يييييي ييييييي –ييييي ‪ 1985‬ي‪.3 .‬‬
‫) ‪ -(3‬يييي يييييي‪ :‬ييييييييي يييييييييييي–ييييي‬
‫ييييييي –يييي ‪.1989‬‬
‫) ‪ -(4‬يييي يييييي‪ :‬ييييي‪ ..‬يييييييي –ييي ييييي ييييييي‬
‫ييييي –ييييي ييييييي –يييي‬
‫‪.1994‬‬
‫) ‪ -(5‬ييي ييييييي –ييييي‪.‬‬
‫) ‪-(6‬ييي ييييييي –ييييي ييييييي‪.‬‬
‫) ‪ -(7‬ييي ييييي –ييييي‪.‬‬
‫) ‪ -(8‬ييي ييييييي –ييييي‪.‬‬
‫) ‪ -(9‬ييييي ييي ‪.1981‬‬
‫) ‪ -(10‬يييييي ييييييي يييييي –ييييي‪.‬‬
‫) ‪ -(11‬يي ييييي‪ :‬ييييييي يييييييي –يييي ‪ 1977‬ي ‪.3‬‬
‫) ‪ -(12‬ييييي يييي –ييي يييييييييييي –يي‪ :‬ييي يييييي يي‬
‫ييي يييييي –ييي يييييي –ييييي ييييييي –يييييي‬
‫‪ 1986‬ي ‪.21‬‬
‫) ‪ -(13‬ييييي يييييي –يييييييي ييييي ييي ييييييي –يي‪:‬‬
‫يييي ييييييي –ييي ييييييي –ييييي ‪.1979‬‬
‫) ‪-(14‬يييي ييي ‪ 11‬ي ‪.13‬‬
‫) ‪ -(15‬يييي –يييييييي يييييييي ي ‪.85‬‬
‫) ‪ -(16‬يييي ييي ‪ 12‬ي ‪.28‬‬

‫***‬

‫‪- 58 -‬‬

‫الفصل الثالث ‪:‬‬
‫المستوى التطبيقي‬
‫التحليل البنيوي الشكلي‬

‫أ‪ -‬في تحليل الخطاب الشعري‬
‫في المستوى التطبيقي لتحليل الشعر يتراوح النقاد العرب‬
‫المعاصرون بين اللتزام بمبادئ البنيوية‪ ،‬والخروج عليها في‬
‫محاولة "توفيقية" بين مناهج عديدة‪ .‬ولكن هذا "المنهج‬
‫التوفيقي" ُيظهر ضعف الناقد‪ ،‬وعدم استيعابه مبادئ المنهج‬
‫الجديد‪ ،‬لذلك فهو يحاول الترقيع فيه بجذاذات من مناهج‬
‫ة! وأفضل منه ذلك الناقد الذي يحاول تأصيل المنهج‬
‫عديد ‍‬
‫الجديد وتوطينه في نقدنا‪ ،‬وذلك عندما يبحث عن "أصول" له‬
‫و"جذور" في تراثنا النقدي ثم يحاول تطبيقه على نصوص‬
‫عربية لثبات فاعليته وجدواه‪.‬‬

‫‪ -1‬كمال أبو ديب وجدلية الخفاء والتجّلي‬
‫كمال أبو ديب ناقد سوري حداثي تخصص بالمنهج‬
‫البنيوي وحده‪ .‬فوضع فيه كتابه‪) :‬جدلية الخفاء والتجّلي‪:‬‬
‫دراسات بنيوية في الشعر( ‪ 1979‬يؤسس فيه لهذا المنهج‬
‫الجديد‪ ،‬تنظيرا ً وتطبيقًا‪ ،‬في وقت مبكر من تلقي هذا المنهج‬
‫في وطننا‪ .‬ثم وضع كتابه الثاني )الرؤى المقّنعة‪ :‬نحو منهج‬
‫بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي( ‪ 1987‬خصصه للجانب‬
‫التطبيقي في هذا المنهج‪ .‬ولعل كمال أبو ديب في سورية‪،‬‬
‫وصلح فضل في مصر‪ ،‬ومحمد بّنيس في المغرب‪ ،‬وعبد الله‬
‫الغ ّ‬
‫ذامي في السعودية هم رواد التنظير العربي للمنهج البنيوي‬
‫في الوطن العربي‪ ،‬وهم مؤسسوه‪ .‬فقد كان ظهورهم في‬
‫وقت واحد )نهاية السبعينات وبداية الثمانينات( دليل ً على‬
‫الرغبة في تلقي هذا المنهج النقدي في وطننا العربي‪ ،‬على‬
‫الرغم من أن صلح فضل جعل كتابه تنظيرا ً خالصًا‪ ،‬وأبو ديب‬
‫جعل كتابه تطبيقا ً خالصًا‪ ،‬وجمع الغ ّ‬
‫ذامي وبّنيس بين التنظير‬
‫والتطبيق‪.‬‬
‫ّ‬
‫في الصفحات العشر الولى من )جدلية الخفاء والتجلي(‬
‫دم أبو ديب‬
‫الذي يصل عدد صفحاته إلى أكثر من ثلثمائة‪ ،‬ق ّ‬
‫لمنهجه البنيوي في النقد الدبي بأنه يهدف إلى اكتناه جدلية‬
‫الخفاء والتجّلي‪ ،‬وأسرار البنية العميقة وتحولتها‪ ،‬ويطمح إلى‬
‫ونات الساسية للظواهر‪ ،‬واقتناص شبكة العلقات‬
‫تحديد المك ّ‬
‫‪- 59 -‬‬

‫التي تشعّ منها وإليها‪ ،‬والدللت التي تنبع من هذه العلقات‪ ،‬ثم‬
‫البحث عن التحولت الجوهرية للبنية التي تنشأ عبرها‬
‫تجسيدات جديدة ل يمكن أن تفهم إل عن طريق ربطها بالبنية‬
‫الساسية وإعادتها إليها‪ ،‬من خلل وعي حاد لنمطي البنى‪:‬‬
‫السطحية والعميقة‪.‬‬
‫والكتاب في ستة فصول‪ :‬درس الباحث في فصله الول‬
‫)الصورة الشعرية(‪ ،‬وفي الفصل الثاني )فضاء القصيدة(‪ ،‬وفي‬
‫الثالث )اليقاع الشعري(‪ ،‬وفي الرابع )النساق البنيوية(‪ ،‬وفي‬
‫الخامس )نحو منهج بنيوي في تحليل الشعر(‪ ،‬وفي السادس‬
‫)اللهة الخفية(‪.‬‬
‫ومن الواضح أن الباحث جّزأ العناصر الفنية للشعر‪ ،‬وانفرد‬
‫بدراسة كل عنصر على حدة )الصورة‪ ،‬اليقاع‪ ،‬المضمون‪..‬‬
‫الخ( والمفروض أن ُتدرس هذا العناصر كلها ضمن تطبيق‬
‫نقدي على قصيدة واحدة‪ ،‬ليتكامل المنهج‪ ،‬وتصبح له صورة‬
‫تقترب من أن تكون نهائية‪ .‬وسنعرض لهذه العناصر التي‬
‫درسها‪:‬‬

‫‪-1‬الصورة الشعرية‪:‬‬
‫يرى الباحث أن الدراسات البلغية العربية إذا كانت ركزت‬
‫على الطبيعة الزخرفية للصورة الشعرية‪ ،‬على أنها عنصر‬
‫خارجي في الدب‪ ،‬فإن عبد القاهر الجرجاني قد اعتبرها‬
‫عنصرا ً حيويا ً من عناصر التكوين النفسي للتجربة الشعرية‪،‬‬
‫كما أن النقد الحديث )المدرسة الرمزية‪ ،‬والمدرسة الصورية(‬
‫صور التقليدي للصورة‪ ،‬وكشف عن علقاتها‬
‫قد رفض الت ّ‬
‫الحيوية بالعمل الفني‪ .‬وإذا كانت المناهج النقدية تتفق على‬
‫كون الصورة تفعل على المستوى الدللي‪ ،‬وترى أن لها بعدا ً‬
‫واحدا ً هو بعد وظيفتها المعنوية‪ ،‬فإن الباحث يرى أن دللتها‬
‫دى في الفاعلية المعنوية‪ ،‬وفي الفاعلية النفسية‪ .‬وعلى هذا‬
‫تتب ّ‬
‫الضوء فقد ناقش الباحث صورا ً من الشعر العربي القديم‪،‬‬
‫وعرض اهتمام عبد القاهر بتحليل الصورة تحليل ً حداثيًا‪ ،‬على‬
‫كز فيه على كونها مدّركا ً‬
‫الرغم من أنه عاش قبل ألف عام‪ ،‬ور ّ‬
‫تنفعل بها الذات‪ ،‬وتخلق ل لتنقل معنى فحسب‪ ،‬وإنما لتخلق‬
‫جوّا ً أيضًا‪ ،‬وتتناغم فيها الفاعلية النفسية مع الوظيفة المعنوية‪،‬‬
‫بحيث تتكاملن‪ ،‬وتؤكد دور المتلقي في المشاركة البداعية‪.‬‬
‫كما أضاء الجرجاني أيضا ً العلقة بين الصورة والسياق‪.‬‬
‫وهذا كله ليس من البنيوية في شيء‪ ،‬لن المنهج البنيوي ل‬
‫ُيعنى بالصور‪ ،‬بل بالبنيات وبالعلقات بين هذه البنيات‪.‬‬

‫‪-2‬فضاء القصيدة‪:‬‬
‫في هذا الفصل حاول الباحث الدخول إلى المنهج البنيوي‪،‬‬
‫ورات الثنائية( حيث درس خمس‬
‫تطبيقيًا‪ ،‬من خلل )التص ّ‬
‫مقطوعات شعرية‪ :‬لتميم بن مقبل )ثلثة أبيات(‪ ،‬وأبي محجن‬
‫الثقفي )ثلثة أبيات(‪ ،‬وعمر بن أبي ربيعة )‪ 12‬بيتًا(‪ ،‬وأبي‬
‫الهندي )‪ 16‬بيتًا(‪ ،‬وابن الرومي )أربعة أبيات(‪.‬‬
‫ففي أبيات ابن مقبل التي مطلعها‪:‬‬
‫وأخرى أبتغي‬
‫ت‪،‬‬
‫أمو‬
‫ن‬
‫وما‬
‫العيش ُ‬
‫الدهُر إل تارتا ِ‬
‫ح‬
‫فمنهما‬
‫أكد ُ‬
‫ورات الساسية سمتها‬
‫تتحرك البيات في فضاء من التص ّ‬
‫‪- 60 -‬‬

‬‬ ‫سد الثنائية في المثنى )منهما( أو ً‬ ‫ل‪ ،‬وفي التركيب‪:‬‬ ‫وتتج ّ‬ ‫أموت أكدح‪ ،‬وفي الثنائية‪ :‬منهما ‪/‬وأخرى‪ ،‬وفي الثنائية‪:‬‬ ‫أموت ‪/‬أبتغي‪.‬‬ ‫‪-3‬اليقاع الشعري‪:‬‬ ‫هدف الباحث من دراسته لليقاع الشعري هو اكتناه البنية‬ ‫وناتها‪ ،‬من‬ ‫اليقاعية والعلقات المتشابكة التي تنشأ بين مك ّ‬ ‫خلل ظاهرة البدال )فعولن فاعلن( التي طغت في الشعر‬ ‫الحديث‪ ،‬وأصبحت مكون ّا ً إيقاعيا ً جذريا ً من مكونات البحر‬ ‫التداخل بين هاتين التفعيلتين ّ تشكيل ً إيقاعيا ً‬ ‫المتدارك‪ ،‬وأصبح‬ ‫متمّيزا ً ضمن البيت الشعري الواحد‪.‬فتصبح‬ ‫وج عبر جسد القصيدة‪ ،‬في‬ ‫القافية واليقاع انفجارا ً داخليا ً يتم ّ‬ ‫نزوع يتجدد في كل بيت ويشكل قرار القصيدة النهائي‪.‬والثنائية الضدية‪:‬‬ ‫الحياة ‪/‬الموت تعتبر الدهر ذا وجهين‪ :‬سعادة ‪/‬وشقاء‪.‬‬ ‫ونات الصوتية هو التناوس بين‬ ‫والتجّلي الثاني لحركة المك ّ‬ ‫الصوات الخفيفة )ف‪ ،‬ح‪ ،‬د‪ ،‬خ ‪-‬و( وبين القاف الثقيلة‬ ‫)وثاقيا(‪.‫ورات ثنائية(‪ :‬فالدهر تارتان‪ :‬إحداهما موت‬ ‫الممّيزة أنها )تص ّ‬ ‫والخرى كدح من أجل البقاء‪ .‬‬ ‫بيد أن النتقال يكاد يقتصر على التحرك من )فاعلن( إلى‬ ‫)فعولن(‪ .61 -‬‬ .‬وبينما أصبحت )فعولن( جزءا ً من بنية المتدارك‪ ،‬فإن‬ ‫)فاعلن( لم تصبح جزءا ً من بنية المتقارب‪.‬وكلهما مأساوي‪ ،‬فالكدح صورة‬ ‫من صورة الموت‪ .‬‬ ‫وفي تحليله لبيات أبي محجن التي مطلعها‪:‬‬ ‫و ُ‬ ‫حَزنا ً‬ ‫أتر َ‬ ‫ي‬ ‫د‬ ‫أن تطر َ‬ ‫ل َ‬ ‫ك مشدودا ً عل ّ‬ ‫كفى ُ‬ ‫وثاقيا‬ ‫بالقنا‬ ‫الخي‬ ‫ورات الثنائية( التي‬ ‫)التص‬ ‫معالجة‬ ‫إلى‬ ‫الباحث‬ ‫يضيف‬ ‫ّ‬ ‫سدها‪ :‬المغلق ‪/‬المفتوح‪ ،‬معالجة )البنية الصوتية( في إطلق‬ ‫تج ّ‬ ‫سدة حنين الذات‬ ‫قافية القصيدة‪ ،‬لتنتهي باللف الممدودة‪ ،‬مج ّ‬ ‫الِعميق ونزوعها إلى النطلق خارج المدار المغلق‪:‬‬ ‫القنا ‪/‬وثاقيا‪ ،‬أي أن القافية تشكل طرفا ً من ثنائية ضدية‬ ‫طرفها الخر التجربة الساسية‪/ :‬القيد و‪/‬الحصار‪ .‬‬ ‫‪-4‬النساق البنيوية‪:‬‬ ‫وفيها حاول الباحث اكتناه النساق في العمال الدبية‬ ‫)الحكاية الشعبية –والحكاية الخرافية‪ ،‬وحكايات الطفال(‪،‬‬ ‫متخذا ً من تشكل النساق في الحكايات نقطة انطلق لثارة‬ ‫قضية عميقة الدللة هي ميل الفكر البشري إلى تشكيل‬ ‫النساق في كل إبداع له‪ ،‬وطغيان أنساق معينة دون أخرى‬ ‫على أنماط معينة‪ ،‬ثم إمكانية تجسيد هذه النساق البارزة‬ ‫لخصائص أصيلة في بيئة الفكر النساني‪.‬‬ ‫وقد وجد الباحث )النساق الثلثية( في الهندسة القليدية‪،‬‬ ‫وفي المسرح )الوحدات الثلث‪ :‬الزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والموضوع(‪،‬‬ ‫وفي الثالوث المسيحي )الب‪ ،‬والبن‪ ،‬والروح القدس(‪ ،‬وفي‬ ‫مذهب فرويد )النا‪ ،‬والنا العلى‪ ،‬والهو(‪ ،‬وفي البنية الطبقية‬ ‫للمجتمع )الطبقة العليا‪ ،‬والدنيا‪ ،‬والوسطى(‪ ،‬وفي الديالكتيك‬ ‫)الشيء‪ ،‬وضده‪ ،‬وتركيبهما(‪ .‬وقد استثمر الباحث النسق‬ ‫‪.

‬‬ ‫‪D‬‬ ‫يعود ثانية‬ ‫‪X‬‬ ‫تتشكل بنية هذه الغنية من تفاعل ثلث حركات هي ) ‪X.‬‬ ‫وليس من شك في أنه لول حدوث التغير بعد اكتمال‬ ‫النسق الثلثي لبقيت القصيدة مسطحة‪ ،‬ولفقدت قدرتها على‬ ‫المفاجأة ودللتها الوجودية‪ .. A :‬يغ ّ‬ ‫س التوقع بأنه‬ ‫ذي ح ّ‬ ‫سيعود ليتكرر من جديد‪ .‬وكل ما يتلو هو جزء من هذا الكل المخلوق‪.‬‬ ‫ولهذا الكشف أهمية جذرية لنه يضيء دور النسق الثلثي في‬ ‫نمط أدبي معّين‪.‬‬ ‫هكذا يجلو تحليل الغنية حقيقة أساسية هي أن النسق‬ ‫ثلثي‪ ،‬وأن اكتماله بعد حدوثه للمرة الثالثة يقود إلى بدء‬ ‫انحلله وحدوث تغيرات جذرية في القصيدة‪ ،‬وأن العلقة بين‬ ‫اكتماله وانحلله هي مكمن الدللت الفعلي في القصيدة‪.‫الثلثي في تحليله لغنية شعبية‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪-A‬في الزمن الذي خلق فيه دنديد جميع‬ ‫الشياء‬ ‫‪B‬‬ ‫خلق الشمس‬ ‫والشمس تولد‪ ،‬وتموت‪ ،‬وتعود‬ ‫‪-C‬‬ ‫خلق القمر‬ ‫والقمر يولد‪ ،‬ويموت‪ ،‬ويعود ثانية‪.‬‬ ‫فتتكون جملة ثانية تركز على خلق عنصر جزئي محدد ينتمي‬ ‫إلى الشياء المخلوقة‪ ،‬وللجملة الثانية تركيب بسيط‪:‬‬ ‫)فعل ماض ‪ +‬مفعول به ‪ +‬مبتدأ ‪ +‬فعل مضارع‬ ‫)‪ + (1‬فعل مضارع )‪ + (2‬فعل مضارع )‪ + (3‬تابع‬ ‫ظرفي‪. B.‬‬ ‫وجّلي أن )البنية الدللية( للقصيدة تتكون من فاعلية‬ ‫النسق في شكله وانحلله‪ ،‬وأنها تتمحور حول عنصري الثنائية‬ ‫الضدية‪ :‬التشابه ‪/‬التضاد اللذين يربطان بين عناصر النسق‬ ‫‪.‬‬ ‫خلق النجوم‬ ‫والنجوم تولد‪ ،‬وتموت‪ ،‬وتعود ثانية‪.‬وُيحدث هذا‬ ‫التغير هّزة مفاجئة تستقي القصيدة منها دللتها الجذرية‪،‬‬ ‫سد فيها رؤياها العميقة للوجود وللثنائية الضدية التي‬ ‫وتتج ّ‬ ‫يشكّلها العنصران‪ :‬النسان ‪/‬والطبيعة الجامدة‪. A‬وتتشكل الحركة الرئيسية من تكرار جملة أساسية ثلث‬ ‫مرات‪ ،‬أي من نسق ثلثي‪ C.62 -‬‬ .‬وبتقصي أعمق ندرك أن الحركة‬ ‫مهد لنشوء النسق‪،‬‬ ‫الولى )‪ (A‬تتشكل من جملة أساسية ت ّ‬ ‫وتحتوي على عناصره كلها‪ ،‬عن طريق الدللة الشمولية )خلق‬ ‫كل الشياء(‪ .‬‬ ‫خلق النسان‬ ‫ً‬ ‫والنسان يولد‪ ،‬ويموت‪ ،‬وأبدا ل‬ ‫‪L‬‬ ‫ثانية‪.‬‬ ‫‪ ،(L.‬لكن النسق ل يمضي في تكراره‬ ‫حل في الحركة )‪(X‬‬ ‫بصورة نهائية‪ ،‬بل إنه بعد الحدوث الثالث ين ّ‬ ‫لينشأ من انحلله تغّير أساسي في بنية الغنية‪ .

‬وهي كذلك بالفعل‪ ،‬ولكن على‬ ‫صعيد عدد السطر التي يتألف منها الرباعي‪ .‫الم ّ‬ ‫كونة‪ :‬حين يقرر البيت الول أن دنديد "خلق جميع الشياء"‬ ‫فإنه يخلق ذاتا ً شمولية تحتها كل ما سيأتي من عناصر إفرادية‪.‬‬ ‫الشياء‬ ‫الشمس القمر النجوم‬ ‫النسان‬ ‫أي أن البيت يخلق علقة تشابه بين النسان وكل من‬ ‫العناصر الخرى )الشمس‪ ،‬والقمر‪ ،‬والنجوم( باعتبارها جميعا ً‬ ‫سا ً بالتوتر‬ ‫أشياء‪ .‬ولعل فاعلية التشابه والتضاد‬ ‫هذه أن يكون إحدى أجدى الفاعليات وأكثرها جذرية في لغة‬ ‫ماطه‪.‬ومنشأ هذا الكمال هو اكتمال‬ ‫النسق الثلثي للنظام التقفوي بالطريقة )ب ب ج ب(‬ ‫وباكتمال النسق الثلثي يكتمل الرباعي وينتهي‪ ،‬ويتشكل عالم‬ ‫مستقل تام‪.‬لكننا من جهة أخرى نعرف أن النسان‬ ‫ليس شيئًا‪ ،‬لذلك نتوقع أن ما ُيقال عن الشياء الثلثة الولى ل‬ ‫ينطبق على النسان‪.‬‬ ‫البداع الدبي بكل أن َ‬ ‫وقد تبين للباحث أن هذه )النساق الثلثية( ل توجد في‬ ‫الحكايات الشعبية أو في الغاني وحدها‪ ،‬وإنما هي في العمال‬ ‫ض النساق التي‬ ‫البداعية الفردية‪-‬أيضًا‪ ..‬‬ ‫وهذه النساق الثلثية موجودة في معظم أغانينا الشعبية‪:‬‬ ‫‪.63 -‬‬ .‬‬ ‫وباكتمال النسق يبلغ التوتر ذروته‪ ،‬وبورود الجملة المتعلقة‬ ‫بالنسان تعود القصيدة لتؤكد عنصر التشابه بين الشياء‬ ‫والنسان‪ ،‬باستخدام الصيغة نفسها لوصفه )خلق‪/ ..‬فللرباعي بنية تقفوية طاغية هي‪) :‬ب ب ج ب( كما في‬ ‫إحدى رباعيات الخّيام‪:‬‬ ‫فكم توالى اللي ُ‬ ‫ل بعد النهار‬ ‫وطال بالنجم هذا المدار‬ ‫ش الهوينا إن هذا الثرى‬ ‫فام ِ‬ ‫ة الحورار‬ ‫ن ساحر ِ‬ ‫من أعي ٍ‬ ‫هكذا يدخل عنصر تنويع بسيط في الحّيز الثالث للقافية‪،‬‬ ‫وتتشكل دائرة مفتوحة فجأة‪ ،‬فتأتي )ب( في الحيز الرابع‬ ‫للقافية لتغلق الدائرة المفتوحة‪ ،‬ولتخلق انطباعا ً تاما ً بالكمال‬ ‫الشكلي واليقاعي والصوتي‪ .‬لكن القصيدة بتسميتها النسان شيئا ً تخلق ح ّ‬ ‫والتضاد‪ :‬فنتوقع من جهة أن ما ُيقال عن أي شيء من الشياء‬ ‫ينطبق على النسان‪ .‬والنسان‬ ‫يولد‪ ،‬ويموت( لكنها فجأة تؤكد العنصر الثاني‪ ،‬عنصر التضاد‬ ‫والتغاير‪ ،‬بين النسان والشياء‪ ،‬عن طريق استخدام )ل( النافية‬ ‫قبل الفعل الثالث المتعلق به وبالشياء فيما سبق‪ ،‬لتؤكد أن ما‬ ‫يحدث للشياء ل يحدث للنسان‪ .‬لكنها في الواقع‬ ‫تشكيل ثلثي‪ ،‬لنه ينشأ من تكرار قافية واحدة ثلث مرات‪،‬‬ ‫ومن إدخال عنصر توزيع في شكل قافية مغايرة مرة واحدة‬ ‫فقط‪ .‬وقد تضلل الباح َ‬ ‫ث بع ُ‬ ‫توحي بأنها تشكيل رباعي‪ .

‬ففي أبو الزلف تقول‬ ‫فيروز‪:‬‬ ‫ورحت أنا لعندكم‬ ‫ولقيتكم نايمين‬ ‫قبل العشا بنتفه –ب‬ ‫وسراجكم مطفي –ب‬ ‫ديت إيدي ع الحبق‬ ‫م ّ‬ ‫صاحت بنت لكم‬ ‫لقطف أنا أقطفه –ب‬ ‫يما يما حراميه –ج‬ ‫‪-5‬نحو منهج بنيوي في تحليل الشعر‪:‬‬ ‫وفيه حلل الباحث بنيويا ً مقطوعات شعرية لبي نواس‬ ‫وأبي تمام‪ ،‬هادفا ً إلى تحقيق متابعة تطوير منهج في تحليل‬ ‫الشعر‪ ،‬وإضاءة ملمح من بنية القصيدة عند هذين الشاعرين‪.‫أبو الزلف‪ ،‬وعلى دلعونا‪ ،‬وياميجنا‪ ..‬‬ ‫وتتألف الحركة الولى )حركة الخمرة( من ستة أبيات‪،‬‬ ‫بينما الحركة الثانية )حركة الطلل( من ثلثة أبيات )قف بربع‬ ‫الظاعنينا(‪ ،‬ويلحظ فورا ً أن الحركة الولى تشغل الحيز‬ ‫‪.‬ومن تفاعل الحركتين تتشكل حزم من العلقات التي‬ ‫دد بنية القصيدة ودللتها من جهة‪ ،‬وعلقاتها بين القصائد‬ ‫تح ّ‬ ‫الخرى من جهة أخرى‪.‬‬ ‫ونين بنيويين هما‪ :‬الخمرة‬ ‫وهذه القصيدة ترتكز على مك ّ‬ ‫والطلل‪ ،‬فهما علمتان أساسيتان‪) .‬والعلمة مصطلح أساسي‬ ‫في الدراسات اللسنية عند سوسير‪ ،‬وقد أخذه عنه البنيويون(‪،‬‬ ‫أو هما حقلن دلليان لكل منهما خصائصه المميزة ووحداته‬ ‫الولية‪ ،‬أي أن كل علمة تشكل حركة مكونة من حركات‬ ‫القصيدة‪ .‬‬ ‫ففي تحليله لقصيدة أبي نواس التي مطلعها‪:‬‬ ‫ابنة الشيخ‬ ‫‪-1‬يا‬ ‫اصبحينا‬ ‫جرى في‬ ‫‪-2‬قد‬ ‫عودك الما‬ ‫ب منها‬ ‫‪-3‬إنما نشر ُ‬ ‫‪-4‬كل من كان خلفا ً‬ ‫واصرفيها عن‬‫‪5‬‬ ‫ل‬ ‫بخي ٍ‬ ‫‪-6‬أكل الدهُر عليه‬ ‫بربع‬ ‫ف‬ ‫‪-7‬ق ْ‬ ‫الظاعنينا‬ ‫ل الداَر متى‬ ‫‪8‬‬ ‫فا‪ -‬واسأ ِ‬ ‫ما الذي تنتظرينا‬ ‫ءُ فأجرى الخمَر فينا‬ ‫فاعلمي ذاك يقينا‬ ‫لشراب الصالحينا‬ ‫دان بالمساك دينا‬ ‫ة حينا‬ ‫فيرى الساع َ‬ ‫ك إن كنت حزينا‬ ‫واب ِ‬ ‫ت الداُر القطينا‬ ‫رق ِ‬ ‫ب السائلينا‬ ‫‪-9‬قد سألناها‪ ،‬وتأبى‬ ‫أن تجي َ‬ ‫يعتمد المنهج البنيوي الذي يسمح باكتناه العلقات التي‬ ‫تكون بين الحركات المكونة لعمل أدبي‪ ،‬ويؤكد أهمية مبدأ‬ ‫أساسي في المنهج البنيوي هو أن )الظواهر( ل تعني وهي‬ ‫معزولة‪ ،‬وإنما تعني عبر )العلقات( التي تنشأ بين هذه‬ ‫الظواهر‪.64 -‬‬ .

‬كما تظهر ثنائية الفرد ‪/‬الجماعة على صعيد آخر هو‪:‬‬ ‫الشاعر وصحبه ‪/‬الفرد الواقف في الطلل‪ .‬أما الحركة الثانية فإنها تبرز‬ ‫ك‪ .‫العظم من القصيدة )ضعف حجم الحركة الثانية(‪ ،‬وأنها تتألف‬ ‫من أربعين وحدة لغوية )كلمات ‪ +‬حروف جر(‪ .‬وتنشأ من هذا التمايز ثنائية ضدية تتحرك على‬ ‫مستويين‪ :‬المؤنث ‪/‬المذكر‪ ،‬المعرفة ‪/‬النكرة‪ ،‬ابنة الشيخ ذات‬ ‫محددة ‪/‬الضمير في قف غير محدد له دللة عامة‪ .‬ذلك أن الحركة الولى‬ ‫تبرز صيغة جماعية‪ :‬وصحبه في حالة من التناغم والتواصل‬ ‫)أصبحينا جميعًا‪ .‬وثمة فرق آخر في طبيعة جملتي الستفهام إذا ما‬ ‫اعتبرنا الجملة الثانية استفهاما ً حقيقيا ً )اسأل‪ :‬متى فارقت‬ ‫الدار القطينا( فإنها تظل ذات طبيعة مغايرة للجملة‬ ‫الستفهامية الولى )ما الذي تنتظرينا(‪ ،‬على صعيد آخر هو‬ ‫وجه السؤال )الشاعر ‪/‬المخاطب(‪ .65 -‬‬ .‬وينعكس التضاد‬ ‫بين التواصل والنفصام على أكثر من مستوى‪ :‬حركة ابنة‬ ‫الشيخ‪ ،‬حركة باتجاه جماعة الشاربين ‪/‬حركة الظاعنين حركة‬ ‫ابتعاد عن الواقف في الربع‪.‬نشرب جميعًا(‪ .‬ويتلو فعل المر في الحركة الولى جملة‬ ‫استفهامية استفهامها حقيقي؛ بينما يتلو فعل المر في الثانية‬ ‫فعل أمر آخر معطوف عليه‪ ،‬ثم فعل أمر ثالث معطوف‬ ‫عليهما‪ ،‬ثم جملة استفهامية في ظاهرها )متى فارقت الدار(‬ ‫أخرجت عن تركيب الستفهام بوضعها في سياق الفعل‬ ‫)اسأل(‪ .‬بينما تبدأ الحركة الثانية بفعل‬ ‫المر مباشرة )قف(‪ .‬مما تنشأ‬ ‫ثنائية ضدية زمنية‪ :‬أصبحينا ‪/‬متى فارقت الدار؟ زمن الشرب‬ ‫محدد بالصباح ‪/‬وزمن الفراق غير محدد‪.‬أما‬ ‫الخمرة فإنها تمثل عالم الرواء والخضرار‪ .‬‬ ‫كما يلحظ أن الحركتين منفصلتان انفصال ً يميزه مؤشر‬ ‫لغوي هو )التصريع(‪ ،‬إذ أن الحركة الولى تبدأ ببيت فيه تصريع‬ ‫)اصبحينا ‪/‬تنتظرينا( وهذه ظاهرة عادية في الشعر العربي‪.‬ويتجّلى هذا في‬ ‫صورة الخمرة )قد جرى في عودك الماء( وفي حين ل يمنح‬ ‫‪.‬‬ ‫كما يتأكد هذا التمايز والنفصام في )البنية اللغوية‬ ‫والعلقات التركيبية( في الحركتين‪ :‬إذ تبدأ الحركة الولى‬ ‫بمنادى مضاف يتلوه فعل المر‪ .‬‬ ‫وهكذا يجلو البحث وجود سلسلة من )الثنائيات الضدية(‬ ‫بين الحركتين كما مّر‪ ،‬وكما في ثنائية العلقة بين الفرد‬ ‫‪/‬والجماعة‪ ،‬وعلقة تواصل ‪/‬وانفصام‪ .‬‬ ‫على صعيد أعمق تمثل الطلل عالم الجدب والجفاف‪ .‬إل أن‬ ‫صعيد الذات التي ت ّ‬ ‫ثمة تمايزا ً أعمق بين الحركتين هو التمايز بين )يا ابنة الشيخ(‬ ‫و)قف(‪ .‬‬ ‫والحركة الثانية تبدأ أيضا ً ببيت فيه تصريع )الظاعنينا ‪/‬حزينا(‬ ‫وهي ظاهرة نادرة في الشعر العربي‪ ،‬إذ أن التصريع من‬ ‫ملمح مطلع القصيدة‪ .‬اب ِ‬ ‫في صيغة المفرد بح ّ‬ ‫صيغة الجماعة )الظاعنين( فإن العلقة بين الفرد والجماعة‬ ‫تكون علقة انفصام وهجران يسببان اللم )ظعنوا وتركوك‬ ‫حزينا(‪ .‬وتكتسب هذه الظاهرة دللتها‪ ،‬تبعا ً‬ ‫للمنهج البنيوي‪ ،‬ومن التشابه والتضاد اللذين توفرهما‪ :‬فهي‬ ‫تخلق )تشابهًا( بين الحركتين الولى والثانية يؤدي إلى تمييزهما‬ ‫واعتبارهما حركتين منفصلتين‪ .‬اسأل( وحين تظهر‬ ‫دة أكبر )قف‪ .‬يؤكد هذا التأثيُر التقني أن الحركتين تمثلن بدأين‬ ‫مستقلين وكونين منفصلين‪.‬بينما تتألف‬ ‫الحركة الثانية من نصف هذا العدد )عشرين وحدة لغوية(‪ ،‬أي‬ ‫أن حجم الحركة الثانية هو نصف حجم الحركة الولى‪.‬ولول ذلك لما كانت تعني‬ ‫الكثير‪ ،‬ذلك أن التصريع يقتصر على هاتين الحركتين‪ ،‬ويرد في‬ ‫بدئهما فقط‪ ،‬ويختفي من البيات التي تقع في وسط كل‬ ‫منهما‪ .‬وهي تخلق )تضادًا( من مواقع‬ ‫وجود التصريع ومواقع الخلو منه‪ .

‬‬ ‫وهكذا يقلب أبو نواس نظام الكون التراثي ويعيد تركيب‬ ‫مكوناته في صورة جديدة‪ ،‬وضمن شبكة جديدة من العلقات‬ ‫تحتل الخمرة فيها مركز الصورة النمطية المتأصلة في أعماق‬ ‫الذات‪ ،‬بدل ً من الطلل التي تخلخل وضعها في نظام الشياء‪،‬‬ ‫وتسقط إلى موقع هامشي‪ ،‬أي أن رفض الشاعر للتراث‬ ‫ون منها القصيدة‬ ‫يتج ّ‬ ‫سد في تغييره للعلقات البنيوية التي تتك ّ‬ ‫في عزله لحركة الطلل عن الحركة الولى المليئة بالحياة‬ ‫والرواء‪ ،‬ومنحها حّيزا ً مكانيا ً أصغر‪ ،‬وقلب أوضاعها بقذفها إلى‬ ‫القسم الثاني من القصيدة‪.‬لكن هناك عنصرا ً آخر عميق الدللة هو‬ ‫العلقة الفقية التي تتكون بين الخمرة والطلل‪ :‬فالخمرة‬ ‫تشغل الشريحة الولى من القصيدة‪ .‬أما الطلل فتشغل‬ ‫الشريحة الثانية‪ .‬فهذا القلب هو تجسيد‬ ‫لقلبه للرموز التي تمثلها الطلل في التراث الشعري‪ ،‬ولرفضه‬ ‫العميق للعالم الذي ترتبط به الطلل‪.‬والنشوة تختصر الزمن كله في ذاتها‪ .‬وإن الخمرة تشغل الحيز العظم وتمثل‬ ‫ما أن‬ ‫عالما ً مركزي الهمية يرتبط به الشاعر ارتباطا ً حميمًا‪ .‬‬ ‫وبهذا التناول البنيوي ندرك أن الوجود المنعزل لظاهرة ما‬ ‫)الطلل( ليس ذا دللة بحد ذاته‪ ،‬وإنما تنبع الدللة من‬ ‫العلقات التي تتكون بين الظاهرة والعلمات الخرى في‬ ‫القصيدة‪ .‬‬ ‫كما تبدو )العلقة( بين العلمتين المكونتين لبنية القصيدة‬ ‫)الخمرة ‪/‬الطلل( علقة سلبية‪ .‬ك ّ‬ ‫الطلل تشغل الحيز الصغر‪ ،‬وتمثل عالما ً جانبي الهمية في‬ ‫رؤيا الشاعر للوجود‪ .66 -‬‬ .‬‬ ‫ويرتبط زمن البخيل بزمن الطلل لن الطلل تجسد‬ ‫اسمي لطول الزمن ومروره وثقله وإفساده للحظة الحيوية‬ ‫والجمال والخصب‪ .‬أما الخمرة فإنها تج ّ‬ ‫الحيوية والستجابة )أصبحينا(‪ .‫عالم الطلل رواء فإن عالم الخمرة يمنحه )فأجرى الخمر‬ ‫سد عالم الطلل عالم الصمت وانعدام الستجابة‬ ‫فينا(‪ .‬وعلى هذا فإن قلب أبي نواس لموقع شريحة الطلل‬ ‫ل يمكن أن يكون خاليا ً من الدللة‪ .‬وكما أن المت ّ‬ ‫لـه هو زمن الخرة‪ ،‬فيضيق بالزمن الرضي ويحس بثقله‬ ‫وبطئه‪ ،‬فإن البخيل يحس أيضا ً بثقل الزمن الرضي وبطئه‪،‬‬ ‫بخلف شارب الخمرة الذي يرى في اللحظة الحاضرة تجسيدا ً‬ ‫للزمن المطلق‪ ،‬لن اللحظة الحاضرة هي لحظة النشوة‬ ‫والغبطة البدية‪ .‬من هنا يمّثل مطلعا الحركتين‬ ‫أيضا ً ثنائية ضدية على صعيد الستجابة‪ :‬فكل منهما يطرح‬ ‫سؤال ً موجها ً إلى ذات أخرى‪ .‬‬ ‫‪.‬كما يمثل البيتان الخامس والسادس ثنائية ضدية‬ ‫تتحرك على صعيد الزمن‪ :‬البخيل هو النقيض الكمل للذات‬ ‫دين يطلب زمنا ً آخر ويعيش‬ ‫التي تطلب الخمرة‪ .‬وهذا قلب لوضاع شريحة الطلل وعلقتها‬ ‫بالشرائح الخرى في القصيدة العربية‪ ،‬لن الطلل تشكل‬ ‫الحركة الساسية التي تتجسد فيها رؤيا الشاعر القديم للزمن‬ ‫والموت‪ .‬كما يج ّ‬ ‫سد عالم‬ ‫)قد سألناها وتأبى أن تجيبا(‪ .‬كذلك ندرك أن البنية اللغوية لنص أدبي ما ونظامه‬ ‫التركيبي وطريقة تشكل شرائحه الساسية هي المنابع‬ ‫الحقيقية للدللت الفنية التي تبلور الرؤيا العميقة الكامنة في‬ ‫بنية التجربة الشعرية‪.‬لكن الول يلقى استجابة‪ ،‬أما‬ ‫الثاني فل‪ .‬وهكذا تتحرك ثنائية الزمن على صعيد‬ ‫الخمرة ‪/‬الطلل‪ ،‬كما تتحرك على صعيد زمن الشارب ‪/‬زمن‬ ‫الطلل‪.‬من هنا‬ ‫حد الخمرة بالنشوة‬ ‫دللة الحضور في الشعر الصوفي في تو ّ‬ ‫الروحية‪ ،‬أي أن زمن البخيل وزمن شارب الخمرة يشكلن‬ ‫ثنائية ضدية جذرية الهمية‪.‬وإن الخمرة والطلل هما‬ ‫طرفا ثنائية ضدية‪ .

‫وبعد أن أظهر التحليل البنيوي أن القصيدة تنقسم انقساما ً‬ ‫أفقيا ً إلى شريحتين تشكلن ثنائية ضدية ينفي طرفها الول‬ ‫طرفها الثاني برفضه ورفض العالم الذي يمثله‪ ،‬يمكن أن يمّيز‬ ‫انقسام مماثل على مستوى شاقولي في القصيدة هو النقسام‬ ‫سد‬ ‫الذي يضع الشاعر في مواجهة الخر‪ ،‬بوصف الخر المج ّ‬ ‫للقيم الخلقية الجماعية‪) :‬شراب الصالحين‪ .‬كما درس التطابق بين النبر اللغوي‬ ‫والنبر الشعري‪ ،‬ثم قارن بين أبيات حركة الخمرة مع أبيات‬ ‫حركة الطلل‪.‬‬ ‫‪-6‬اللهـــة الخفيـــة‪ :‬نحـــو نظريـــة بنيويـــة‬ ‫للمضمون الشعري‪:‬‬ ‫ينتقل الباحث في هذا الفصل إلى تحليل قصيدة من الشعر‬ ‫العربي المعاصر هي )كيمياء النرجس –حلم( لدونيس‪ ،‬هادفا ً‬ ‫إلى تحقيق غرضين‪ :‬الول اكتناه البنية الدللية لحد الهواجس‬ ‫الجذرية في الشعر بما هو فاعلية خلق ورؤيا متأصلة في‬ ‫الذات النسانية‪ .5.‬وهكذا تصبح القصيدة تجسيدا ً لرفض حاد‬ ‫سد هذا‬ ‫لواقع التراث الخلقي ‪/‬الديني‪ /‬الثقافي‪ /‬الشعري‪ .‬وقد استخدم في دراسته هذه مفهوم )النْبر(‪ ،‬دون‬ ‫لتج ّ‬ ‫أن يقتصر على الوزن‪ ،‬متبعا ً في تحديد مواقع النبر المبادئ‬ ‫ورها في كتابه )في البنية اليقاعية للشعر العربي(‪ .‬‬ ‫ثم ينتقل الباحث إلى دراسة البنية )اليقاعية( للقصيدة‪،‬‬ ‫محاول ً وصفها أو ً‬ ‫ل‪ ،‬واكتشاف العلقات التي تتشكل ضمنها‪ ،‬ثم‬ ‫ربطها بالبنية الدللية للرؤيا الوجودية التي تأتي القصيدة‬ ‫سدها‪ .‬وفيهما تحدث حركة النفصام والنشقاق بين‬ ‫سد البنية اليقاعية العلقات الجذرية في‬ ‫عالمين‪ .‬البخيل(‪ .‬وبهذا‬ ‫النقسام أيضا ً تتشكل ثنائية ضدية طرفاها‪ :‬النا والخر‪،‬‬ ‫ويرفض الطرف الول منها الطرف الثاني والقيم الخلقية –‬ ‫الدينية التي يمثلها‪ .‬ويتج ّ‬ ‫الرفض في بنية متشابكة العلقات يحكمها انقسامان‬ ‫يتقاطعان‪.‬وهو‬ ‫التي ط ّ‬ ‫يمّيز بين نوعين من النبر هما‪ :‬النبر الشعري المجرد الذي يقع‬ ‫على البيت من الشعر من حيث هو نمط أفقي من الوحدات‬ ‫اليقاعية )التفعيلت(‪ ،‬والنبر اللغوي الذي يقع على اللفاظ‬ ‫التي يتألف منها البيت بوصفها وحدات لغوية قاموسية معزولة‬ ‫تشكل الن في جملة وتبقى محتفظة بنبرها اللغوي‪ .8– 4– 7– 1‬وأن‬ ‫للبيتين )‪5‬و ‪ (9‬تركيبا ً موحدًا‪ ،‬إذ يمثلن عالما ً واحدا ً )البخيل‬ ‫والطلل( وهو عالم نقيض لعالم الشاعر‪ ،‬وأن للبيتين )‪ 1‬و ‪(7‬‬ ‫تركيبا ً واحدا ً هو )التصريع( وكلهما يمثل فعل أمر يتجه من‬ ‫الذات الشاعرة إلى ذات أخرى‪ ،‬وأن للبيتين )‪ 4‬و ‪ (8‬تركيبا ً‬ ‫موحدًا‪ :‬فالشطر الثاني من كل منهما يخاّلف الشطر الول‬ ‫ويعكس تركيبه‪ .‬والثاني متابعة تحديد عدد من المنطلقات‬ ‫الساسية لصياغة نظرية بنيوية للمضمون الشعري‪ .‬ويمكن تعميق إدراك هذا التجسيد بدراسة‬ ‫علقات الوحدات اليقاعية باتجاه آخر هو التوزيع الشاقولي‬ ‫للوحدات اليقاعية‪ ،‬فهو ذو دللت عميقة‪.‬وهكذا تج ّ‬ ‫البنية الدللية‪ .‬‬ ‫ثم درس الباحث )الوزن( بمعزل عن النبر‪ ،‬فلحظ أن ثمة‬ ‫تناسقا ً في تكرار صور البيات )‪ (9.‬ثم مواقع‬ ‫النبر الشعري‪ ،‬ودرس عدد النبرات الموجودة في كل بيت‪،‬‬ ‫وفي مجموعة البيات‪ .‬وقد درس‬ ‫الباحث هذين النبرين‪ ،‬فحدد مواقع النبر اللغوي أو ً‬ ‫ل‪ .‬والقصيدة‬ ‫هي‪:‬‬ ‫‪ 1A‬المرايا تصالح بين الظهيرة والليل‬ ‫‪.67 -‬‬ .

‬‬ ‫والمرايا تمتلك هذه الخصيصة‪ ،‬فهي معرفة بأل‪ ،‬ولذلك فإن‬ ‫دورها ليس مطلق التضاد مع دور أي من طرفي الثنائية‬ ‫الضدية )الظهيرة ‪/‬الليل( بل إن هناك اشتراكا ً بين الثلثة‪.‬‬ ‫سد فاعلية المرايا توسطا ً بين هذه الثنائيات الضدية على‬ ‫وتج ّ‬ ‫مستوى دللي أول ً )فعل المصالحة( ثم على مستوى الحيز‬ ‫المكاني )وجود المرايا بين الجسمين(‪ .‬‬ ‫حركة المرايا نسيج من )الثنائيات الضدية(‪ :‬الظهيرة‬ ‫‪/‬الليل‪ ،‬والمرتبة التي تنتمي إليها كل منهما‪:‬‬ ‫مؤنث ‪/‬مذكر‪ .68 -‬‬ .‬‬ ‫ويرى الباحث أن بنية هذه القصيدة تتشكل من الحركات‬ ‫الدللية التي تولدها ثلث علمات أساسية‪ ،‬ومن تفاعل هذه‬ ‫العلمات‪ ،‬ومن النساق المتكررة‪ :‬المتشابه منها والمتضاد‪.‬ابتكرت المرايا‬ ‫هاجسا ً يحضن الشموس وأبعادها‬ ‫الكوكبية‪.‬فثمة عامل مشترك بينهما‪.‬ومستوى غير حرفي‪،‬‬ ‫وفيه تتعدد دللت المرايا‪.‬‬ ‫والعلمات الثلث هي‪ 1 :‬المرايا‪ -2 .‬لكن حتى على هذا المستوى تظل‬ ‫الجملة غامضة‪ ،‬إذ ينسب إلى المرايا فعل المصالحة بين‬ ‫نقيضين هما‪ :‬عالم الضوء وعالم العتمة‪ .‬من جهة‬ ‫أخرى ليس التناقض بين الظهيرة ‪/‬الليل مطلقًا‪ ،‬لن كل ً منهما‬ ‫لغويا ً معّرف بأداة التعريف الـ‪ .‬والحيز المكاني الذي يشغله كل منهما‬ ‫بالقياس إلى المرايا‪ :‬كل إلى جانب من جانبين متقابلين‪.‬‬ ‫ذلك أن المرايا مستحيلة التحديد‪ ،‬ويمكن أن تؤدي دورا ً‬ ‫دلليا ً على مستويين مختلفين‪ :‬مستوى حرفي حقيقي )فالمرايا‬ ‫جسم محدد ذو طبيعة فيزيائية محددة‪ ،‬يعكس الضوء المتجه‬ ‫إليه من الجسام الخارجية(‪ .‫خلف المرايا‬ ‫‪ A 2‬جسد يفتح الطريق‬ ‫لقاليمه الجديدة‬ ‫جسد يبدأ الحريق‬ ‫في ركام العصور‬ ‫ماحيا ً نجمة الطريق‬ ‫بين إيقاعه والقصيدة‬ ‫عابرا ً آخر الجسور‬ ‫‪ A 3‬وقتلت المرايا‬ ‫ومزجت سراويلها النرجسية‬ ‫بالشموس‪ .‬‬ ‫تنسجم هذه الحقيقة مع دور المرايا الدللي‪ :‬التوسط بين‬ ‫نقيضين والمصالحة بينهما‪ ،‬في الوقت نفسه ليست المرايا‬ ‫متوحدة الهوية بأي من طرفي الثنائية الضدية‪ ،‬فهي وجود‬ ‫مستقل عنهما‪ ،‬وينعكس هذا الفتراق في الوضع اللغوي‬ ‫‪.‬‬ ‫‪ A 1‬تنشأ حركة )المرايا( الولى من جملة قصيرة شديدة‬ ‫التركيز )المرايا تصالح بين الظهيرة والليل(‪ ،‬لكن بساطة‬ ‫الصيغة التركيبية تخفي وراءها تعقيدا ً دلليا ً عميقا ً ينبع من‬ ‫غموض العلقة الساسية )المرايا( وتعدد معانيها‪.‬وعلى صعيد المرتبة‪:‬‬ ‫المرايا مؤنث ل علمة تأنيث فيه‪ ،‬فهي تتوسط بين الظهيرة‬ ‫)مؤنث بعلمة تأنيث( والليل )مذكر دون علمة(‪ .‬الجسد ‪-3‬النا‪.

‬‬ ‫الجسد يقيم العالم‪ ،‬فينزع إلى أقاليم جديدة‪ ،‬ويفتح الطريق‬ ‫إليها‪ ،‬ماحيا ً العلقات بينه وبين العوالم القديمة‪ ،‬عابرا ً آخر‬ ‫الجسور التي تصل بين القاليم الجديدة والعوالم القديمة‪.‬‬ ‫حركة الجسد تركيبيا ً مقفلة‪ :‬إنها تفتح عالما ً جديدا ً أو تعبر‬ ‫إليه في دائرة تامة‪ .‬هكذا تتشكل ثنائية ضدية أساسية‬ ‫من حيث العلقات المكانية بين )المرايا( و)جسد(‪ .‬ودللة الثنائية الجديدة جذرية الهمية‪ ،‬لن بنية حركة‬ ‫الجسد امتداد لها وإضاءة لبعادها ودورها في خلق البنية الكلية‬ ‫للقصيدة‪ .‬والجسد‬ ‫يتجاوز المرايا‪ ،‬فهو ليس أمامها‪ ،‬أي ليس بين ما يمكن أن‬ ‫تعكسه من موجودات‪ ،‬أو بين ما تخضعه لفعل المصالحة الذي‬ ‫تقوم به‪.‬‬ ‫لكن الجسد ليس فاعلية إنجاز كلي وخلق نهائي للقاليم‬ ‫الجديدة‪ ،‬بل فاعلية وهجس وانطلق‪ .‬وخبر المبتدأ‬ ‫)المرايا( جملة فعلية فعلها مفرد مؤنث )تصالح(‪.‬الجسد يفتح الطريق‬ ‫دون أن يقطع الطريق ويصل‪ ،‬ويبدأ الحريق دون أن يكون‬ ‫فعله إحراقا ً مطلقًا‪ .‬معزولة عما يليها‪ ،‬لنها‬ ‫نهاية حركة النزوع والتجاوز في القصيدة‪ ،‬ولذلك تكتسب هذه‬ ‫الوحدة ثقل ً خاصا ً بها يجعلها مركزية الهمية‪ ،‬وتبدو هذه‬ ‫المركزية في الخصائص اللغوية واليقاعية للوحدة‪.‬‬ ‫‪ A 2‬تبدأ الحركة الثانية في القصيدة بتحديد الحّيز المكاني‬ ‫للجسد‪ ،‬مولية العلقات المكانية قدرا ً كبيرا ً من العناية ينعكس‬ ‫في أن الجملة فيزيائيًا‪ ،‬تبدأ بالمبتدأ بل بظرف المكان )خلف(‪.‬‬ ‫تتألف حركة الجسد من الجملة )خلف المرايا جسد(‬ ‫وتشكل بنية متكاملة تقع بين طرفي ثنائية ضدية هي )يفتح‬ ‫‪/‬يغلق( ذلك أن العنصر الول يتلقى تأكيدا ً أعمق في القصيدة‪،‬‬ ‫أي أن عبور الجسر يصبح فاعلية إغلق وانفصام بالدرجة‬ ‫الولى‪ .69 -‬‬ .‬ووحدتها الخيرة )عابرا ً آخر الجسور(‬ ‫نهائية في فهمها للعلقات بين عالمين‪ ،‬فهي على العكس من‬ ‫حركة المرايا‪ ،‬ل تنسرب إلى الحركة التالية في القصيدة‪ ،‬بل‬ ‫تقف مستقلة لغويا ً وإيقاعيا ً وتقفويًا‪ .‬الجسد كيان‬ ‫مليء بالحركة والحيوية وإرادة المغامرة والكشف والتجاوز‪.‬تنعكس فاعلية الجسد في الفعال‬ ‫الربعة التي تنسب إليه )يفتح‪ ،‬يبدأ‪ ،‬يمحو‪ ،‬يعبر(‪ .‬الثنائية الضدية‬ ‫)إيقاع الجسد ‪/‬إيقاع القصيدة( تجسيد للثنائية الضدية‬ ‫)الفردي(‪ ،‬الجماعي‪ ،‬الخاص ‪/‬العام‪ ،‬المبدع ‪/‬الموروث( لن‬ ‫‪.‫نفسه‪ :‬النقيضان مفردان‪ ،‬لكن المرايا ذاتها جمع‪.‬‬ ‫الجسد يوجد خلف المرايا‪ .‬‬ ‫حركة الجسد إذن حركة نزوع وتجاوز وفعل إلغاء وفصم‪ .‬الجسد‪ ،‬بخلف المرايا‪ ،‬يبدأ حركة إرادية ترتكز على‬ ‫فاعلية انقلبية ل تعكس المتناقضات أو تصالح بينها‪ ،‬ملغية‬ ‫تناقضها الساسي‪ ،‬بل تعمق هذه المتناقضات وتتجاوزها خالقة‬ ‫دروبا ً إلى عوالم جديدة‪ .‬‬ ‫لكن محتوى الفاعلية محتوى توسطي‪ ،‬مستوى قبول‬ ‫للنقيضين ل رفض ول نزوع إلغائهما أو تجاوزهما‪ .‬وهو يرفض العالم القديم بنهائية أكمل من‬ ‫هجسه بالقاليم الجديدة‪ ،‬إذ أنه يرفض الستضاءة بنور التراث‬ ‫)ماحيا ً نجمة الطريق بين إيقاعه والقصيدة(‪ .‬وهي‬ ‫نسيج من الثنائيات الضدية‪ ،‬فالجسد يبدأ الحريق في ركام‬ ‫العصور وموروثاتها‪ ،‬ماحيا ً النجمة التي تمتلك خصيصة الربط‬ ‫بين الجسد والتراث‪ ،‬فاتحا ً الطريق إلى بدء جديد دون‬ ‫موروثات‪ ،‬وعابرا ً الضفاف القديمة مليئا ً بالحلم‪.‬‬ ‫آخر ملمح حركة المرايا هو )التركيب النظمي( الذي تبرز‬ ‫فيه لفظة المرايا في وضع المبتدأ‪ ،‬حيث تنسب إلى المرايا‬ ‫فاعلية معينة إيجابية تتجاوز الفعل السلبي للمرايا بطبيعتها‬ ‫الفيزيائية )عكس الموجودات( إلى المصالحة بينهما‪.

‬من هنا دللة الفعال المرتبطة‬ ‫بالجسد )يفتح‪ ،‬يبدأ‪ ،‬يمحو‪ ،‬يعبر(‪.‬إنها تش ّ‬ ‫كل آخر‪،‬‬ ‫وتحقق آخر للتراث‪ ،‬فهي إذن وجود موروث‪ ،‬وهي تعبير عن‬ ‫الذات الجماعية‪ ،‬وتجسيد لما نمته وأكدته وصاغته تحقيقا ً‬ ‫لرؤياها للوجود‪ ،‬والجسد الذي يتجه إلى أقاليمه الجديدة ل‬ ‫يمكن أن يتقبل القصيدة –التراث‪ .‬وتزيد حدة اللبس وإشعاعه اللم‬ ‫التي تربط بينه وبين القاليم‪ ،‬إذ أن الجسد يوصف بأنه يفتح‬ ‫الطريق التي تؤدي إلى أقاليم جديدة‪ .‬إل أن ثمة‬ ‫درجة كبيرة من التوتر في هذا الفعل نفسه‪ ،‬إذ أن تمزيق‬ ‫نسيج اليقاع الجماعي ل يصل إلى درجة مطلقة‪ .‬إنه عالم يرفض التحديد المطلق‬ ‫تميزه خصائص ذاتية م‬ ‫ّ‬ ‫والتشكيل التام‪ ،‬ويظل إمكانية حلم وهجسا ً وطاقة نزوع‪.‬‬ ‫‪.‫القصيدة بنية إيقاعية ولغوية‪ ،‬تتشكل على مستوى مجرد‪،‬‬ ‫ضمن التراث‪ ،‬مستقية وجودها من وجوده‪ .70 -‬‬ .‬لذلك يؤسس إيقاعه الفردي‬ ‫الخاص المتميز الذي يرفض أن يكون صورة للتراثي الجماعي‪.‬لكن البحر يتخذ شكل ً آخر‬ ‫في تحقيقه في حركة الجسد‪ ،‬شكل ً يخرج على شكله التراثي‬ ‫ويمزق نسيج القصيدة اليقاعي بوجوده المجرد‪ .‬فالمرايا ترتبط بالمجرد والجسد يرتبط بالحسي‪.‬لكنه يوصف بأنه يفتح‬ ‫الطريق من أجل أن تدخل القاليم الجديدة إلى عالم الجسد‪،‬‬ ‫وتكشف صيغة الضافة )أقاليمه‪ ،‬إيقاعه( عن إدراك مسبق‬ ‫لمتلك الجسد للقاليم الجديدة المتكونة التي هي أقاليمه‬ ‫الخاصة‪.‬‬ ‫فالجسد الذي يفتح الطريق ل يغلقه لنه ل يهدف إلى أن ينغلق‬ ‫من جديد في عالم تام التشكل‪ .‬‬ ‫وتعكس )البنية اليقاعية( لحركة الجسد دوره الدللي‪،‬‬ ‫فالبحر المستخدم في القصيدة هو المتدارك‪ ،‬وهو باعتباره‬ ‫موروثا ً إيقاعيًا‪ ،‬تجسيد للجماعي‪ .‬‬ ‫المرايا والجسد إذن ثنائية على صعيد آخر‪ :‬المرايا غير‬ ‫محددة الملمح ول تمتلك أبعادها الخاصة‪ ،‬والجسد محدد‬ ‫الملمح يملك أبعاده الخاصة‪ ،‬ويبرز التضاد على أكثر من‬ ‫صعيد‪ .‬‬ ‫هكذا تشكل حركة المرايا وحركة الجسد )ثنائية ضدية(‬ ‫على مستوى التشابك بين كل منهما وبين الحركة التالية لها‬ ‫إيقاعيا ً وتركيبيا ً وتقفويًا‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تملك صيغة الفعل )يفتح‪ ،‬الطريق( لبسا داخليا مشعا‪ ،‬لن‬ ‫زمن الفعل ليس محددا ً بدقة‪ ،‬فهو قادر على الدللة النية‬ ‫)الجسد الن يفتح الطريق( كما أنه قادر على الدللة الشمولية‬ ‫)الجسد من طبيعته دائما ً أن يفتح الطريق( أو المستقبلية‬ ‫)الجسد سوف يفتح الطريق(‪ .‬‬ ‫والمرايا ل تتكاثر إل عبر التكرار‪ ،‬بخلف الجسد الذي هو‬ ‫الفاعلية الولى للستمرار في التجدد‪.‬ومن هنا‬ ‫يبقى اليقاع الجماعي )القصيدة( الطار الفعلي الذي يتشكل‬ ‫ضمنه إيقاع الجسد الفردي‪ .‬تظل حركة الجسد‬ ‫استقاء من التراث اللغوي وقاموس الجماعة‪ ،‬مع أنها تبرز‬ ‫القاموس اللغوي في ضوء جديد فردي ومتميز‪.‬وبهذه العزلة بين الحركتين ‪ A 1‬و ‪A 2‬‬ ‫تتجسد مهمة للعالم الذي يتجه إليه الجسد‪ :‬فهو عالم هيولي‪،‬‬ ‫دته وطراوته وفرديته ومناقضته للعالم القديم أكثر مما‬ ‫تمّيزه ج ّ‬ ‫حددة‪ .‬لكنه يوصف بأنه يفتح‬ ‫الطريق التي تؤدي إلى أقاليم جديدة‪ .‬هكذا تكون محاولة محو نجمة‬ ‫الطريق محاولة نسبية الحدة‪ ،‬ل تصل إلى حد ّ إلغاء الموروث‬ ‫الجماعي والعالم القديم‪ ،‬بل تظل بالجديد والفردي‪ ،‬وخلقا ً له‬ ‫في إطار علقات جديدة بالعالم القديم‪ .

‬فالعملية‬ ‫الكيميائية‪ ،‬على عكس العملية الفيزيائية‪ ،‬عملية توسطية يدخل‬ ‫فيها عنصر وسط بين عنصرين متميزين ليؤدي‪ ،‬عبر تفاعلت‬ ‫يغلب أن يرافقها العنف‪ ،‬إلى تحول جذري في خصائص‬ ‫العنصرية وولدة عنصر جديد‪.‬‬ ‫‪.‬وحركة النا بالقتل المتحقق‪ ،‬ل بمحاولة تعمية‬ ‫التناقضات أو تذويبها‪ ،‬وإنما بحّلها حل ً جذريًا‪ ،‬إذ أن النا تقتل‬ ‫المرايا‪ .‬‬ ‫يشكل تفاعل الحركات الثلث بنية القصيدة‪ ،‬ويتم هذا‬ ‫التفاعل على أكثر من صعيد‪ ،‬لعل أبرزها هو صعيد )التضاد( إذ‬ ‫تقع القصيدة بين طرفي ثنائية ضدية )المرايا التي تصالح‬ ‫‪/‬والجسد الذي يتجاوز(‪ .‬لكن اختيار القتل نفسه يرهص بإمكانيات دللية تختلف‬ ‫عن الدللة الفورية للفعل‪ :‬القتل يهجس بأبعاد أسطورية تربط‬ ‫إعادة تكوينها وبعثها )ابتكرت المرايا( إذ يكتمل فعل القتل‬ ‫ويصبح جزءا ً من دورة موسمية تربط بين القتل والبعث‪ ،‬بين‬ ‫احتراق الفينيق وانبعاثه في حياة جديدة‪ ،‬بين موت المسيح‬ ‫وقيامته‪ ،‬بين موت تموز وعودته إلى الحياة ربيع خصب وعطاء‪.‬وتشكل الحركة الثالثة حل ً للتناقض‬ ‫الحاد عن طريق التوفيق السطحي بين طرفي الثنائية‪ ،‬بل عن‬ ‫طريق الفعل الجذري المتمثل في قتل الذات المصالحة‬ ‫وعجنها بدم الذات المتجاورة لتشكل منهما ذات جديدة تهجس‬ ‫بعوالم جديدة‪ ،‬ذات تركيبية‪ ،‬هي إعادة صياغة للذات الولى‬ ‫ول للذات الثانية‬ ‫وحقن لها بدم جديد‪ .‬وبهذه الحركة المتنقلة من القتل إلى‬ ‫المزج والبتكار تتوسط الحركة بين الموت والحياة‪ ،‬فيصبح‬ ‫ممكنا ً إعادة صياغة المرايا‪ ،‬ل بفاعلية المصالحة‪ ،‬بل هاجسا ً‬ ‫بالقاليم الجديدة‪.‬في الحركة الولى تبرز الظهيرة لحظة‬ ‫الضوء السمى‪ ،‬مصالحا ً بينها وبين الليل عن طريق المرايا‪.‬العنوان )مصدر النرجس –حلم(‬ ‫ينجلي لن الكيمياء هي فاعلية تحويل أساسية‪ .‬الذات المركبة هي تح ّ‬ ‫)الجسد( لكنها ليست إياها بشكل مطلق‪.‬‬ ‫وتبعث هذه الحلقة إيجابية الدللة صورة بدء الجسد بإحراق‬ ‫ولة فعل الجسد ل إلى تدمير بل إلى فاعلية‬ ‫ركام العصور‪ ،‬مح ّ‬ ‫إبداع وابتعاث تمارس الحراق السطوري وسيلة لعادة خلق‬ ‫الحياة الخصبة المبدعة‪ .‬وحين يبرز الضوء من‬ ‫جديد في الحركة الثالثة يبرز عنصر آخر‪ ،‬فهو ليس الظهيرة‬ ‫فقط بل الشموس المتعددة التي تخلق الظهيرة‪ ،‬وهو ليس‬ ‫اللحظة بل الزمن المطلق‪ ،‬ليس نقطة الضاءة بل المنابع‬ ‫المتعددة للضوء‪ ،‬أي أن الحركة تصبح حركة اتساع وشمول‬ ‫وانطلق من الجزئي المحدد إلى الكلي غير المحدد‪ ،‬من الثابت‬ ‫إلى المتحول‪ ،‬من الواحد إلى المتعدد‪ ،‬من النجمة إلى‬ ‫الكوكب‪ ،‬بل الكواكب‪.‫سد لحظة التوتر والوصف‪ ،‬بادئة‬ ‫‪A 3‬الحركة الثالثة تج ّ‬ ‫بالفعل )قتلت( الذي يشع بخصائص جديدة منها نسبته إلى‬ ‫ضمير المتكلم )أنا( وزمنيته )الفعل الماضي( وعنفه المفاجئ‬ ‫دلليا ً )القتل(‪ .71 -‬‬ .‬ويبرز الضوء أيضًا‪ ،‬نقطة تجمد وثبا َ‬ ‫تربط بين عالمين متناقضين‪ ،‬وتعيد أحدهما إلى الخر‪ :‬نجمة‬ ‫الطريق‪ .‬‬ ‫في الحركة الثانية يأخذ الضوء شكل ً جديدا ً ينبع من طبيعة‬ ‫الجسد الذي يخلقه‪ ،‬الضوء هنا حريق‪ ،‬تجسيد لقوة ثنائية‬ ‫الدللة‪ :‬فهو التهام وتدمير للركام‪ ،‬وهو نور يضيء الطريق‬ ‫ت تحاول أن‬ ‫على التي‪ .‬‬ ‫على صعيد آخر تتشابك الحركات الثلث على مستوى‬ ‫الصورة المتخللة‪ :‬فالضوء يتخلل بنية القصيدة متناميا ً من‬ ‫حركتها الولى إلى حركتها الخيرة‪ ،‬مارا ً بنقطة ثبات وحيدة في‬ ‫سياق دال على الثبات‪ .‬لكن الجسد يمحو هذه النجمة‪ .‬‬ ‫يمكن إذن أن نصف بنية القصيدة بأنها بنية من التحولت‬ ‫الجذرية‪ ،‬وبذلك نضئ مصدر غموض رئيسي في القصيدة هو‬ ‫العلقة بين عنوانها ورؤياها‪ .

‬‬ ‫وهذه الوحدات ل يمكن أن تعني إل بتحقيق شرطين‪:‬‬ ‫* أن تصبح جزءا ً من نسيج لغوي ودللي ذي علقات‬ ‫نظمية هي جزء من العلقات التي تسمح لغة ما‬ ‫بتوليدها‪.‬والنا تعيد خلق المرايا‪ .‬فالسراويل تستثير العضاء‬ ‫التناسلية‪ .‬هكذا تنتهي القصيدة بضوء الشموس وأبعادها‬ ‫الكوكبية لحظة ينتهي الحلم بالعودة من عالم العتمة واللوعي‬ ‫إلى عالم الضوء والوعي‪.‬وكل‬ ‫وحدة تركيبية‪ .‬‬ ‫في الحركة الخيرة يبرز الزمن الماضي‪ ،‬وتنشأ ثنائية جديدة‬ ‫ونسق جديد يفعل عبر التضاد‪ .‬وبروز الماضي ليس عرضا ً‬ ‫وإنما هو تأكيد لعلقة الحركة الخيرة بما سبقها عن طريق‬ ‫دية بين زمنيهما‪ .‬ولهذا التضاد في النسق دللة مهمة‬ ‫تأكيد الض ّ‬ ‫تضيء عنوان القصيدة‪ ،‬فحدوث القتل والمزج والبتكار في‬ ‫زمن مضى يجعل مستوى الزمن في القصيدة مستحيل ً إذا‬ ‫اعتبرنا العلقة بين الحركات الثلث علقة تاريخية لزمة‬ ‫متوالية‪ ..‬‬ ‫هكذا يكون مصدر التوتر النهائي في القصيدة هو إحساس ل‬ ‫واع بأن المرايا مهما أخضعت لتحولت فإنها ستحتفظ بجوهر‬ ‫من جوانب ذاتها الصلية‪ ،‬هو ذلك الجزء الذي يرتبط بهويتها‬ ‫الجماعية ومتعتها السرية بذاتها وبتكوينها التراثي‪.‬من هذه الثلث هي بدورها جملة فرعية مكتملة‪.‬‬ ‫* أن تقع في سياق دللي معين يمكن تمييزه عن‬ ‫السياقات الممكنة الخرى كلها وتحديد أبعاده‪.‬ونسبة النرجسية إلى العضاء التناسلية تبرز البعد‬ ‫الذي يود الشاعر أن يقتله في المرايا‪ :‬بعد تأكيدها لذاتها عن‬ ‫طريق تكرار ذاتها‪ ،‬بعدها الجماعي المولد للتراث‪ ،‬الحامل له‪.‬‬ ‫يميل الباحث إلى تبني التفسير الول‪ .‬ول يمكن تفسير هذا التضاد إل‬ ‫بتأكيد صفة الحلم التي تكتسبها القصيدة‪ .‬وينسجم هذا التفسير‬ ‫مع واقع القصيدة‪ ،‬إذ أن الحركة الخيرة فيها تنتهي بالهجس‬ ‫بعوالم الشموس وأبعادها ل بامتلكها امتلكا ً نهائيًا‪ ...‬‬ ‫‪...‬ويلحظ أن‬ ‫فعل المزج يقع في سياق دال هو السراويل النرجسية للمرايا‪،‬‬ ‫ولختيار السراويل دللة ترتبط بتأكيد البعد الجنسي ‪/‬التكاثري‬ ‫في الذات التي تقتلها النا‪ .‬وبهذا تكون بنية‬ ‫القصيدة بنية مفتوحة‪ ،‬متوترة‪ ،‬ل نهائية‪ .‬‬ ‫وأما )الوحدات التركيبية( في القصيدة فهي ثلث‪ :‬المرايا‬ ‫تصالح‪ ،‬والجسد يفتح الطريق‪ .‬المزج عملية فيزيائية‪ :‬هل تشعر هذه المفارقة ببقاء‬ ‫توتر أساسي خفي في الذات الشاعرة يحدس باستحالة تحويل‬ ‫المرايا تحويل ً كليا ً وحتمية احتفاظها ببعض من خصائصها‬ ‫الصلية؟ أم أن المر يعود إلى اختيار لغوي ل يستوفي الدقة‬ ‫الضرورية كلها؟‪.‬ول يمكن تفسير بروز الزمن الماضي بالشارة إلى‬ ‫أغراض فنية‪ ،‬أي إعطاء المستقبل صيغة الماضي لتأكيد حتمية‬ ‫حدوثه وزيادة حدته وقدرته على التأثير في القصيدة ل دللة‬ ‫مستقبلية للزمن الماضي‪ .72 -‬‬ .‫وبإدراك هذه النقطة تظهر مفارقة في بنية القصيدة بين‬ ‫طبيعتها التحويلية وعنصر لغوي مهم من عناصرها يبرز في‬ ‫منعطف هام هو فعل )مزج( الذي يقع في سياق عملية‬ ‫التحويل‪ .‬‬ ‫أما )السياق الزمني( في الحركتين الولى والثانية فإن‬ ‫الوحدات تنمو في سياق الزمن الحاضر )تصالح‪ ،‬يفتح‪ ،‬يبدأ‪(.‬فما يحدث في حركة‬ ‫النا جزء من حلم‪ ،‬تفيق منه الذات الخالقة لتضعه بهذا‬ ‫التشابك اللغوي‪ .‬‬ ‫فإذا تغّير أي من هذين الشرطين تغيرت دللة الوحدة تبعا ً‬ ‫لطبيعة التغير الحاصل‪.

‫دد الباحث الجمل الفرعية وأنساقها بطريقة الوصف‬ ‫وقد ح ّ‬ ‫التشجيري المستخدمة في النحو التحويلي‪ ،‬كما في الحركة‬ ‫الولى‪:‬‬ ‫‪.73 -‬‬ .

‬وكل الجملة السمية وفعل الكون تجسيد مطلق‬ ‫للثبات وانتفاء الزمن والتغير‪ ،‬أي لنعدام الحركة‪ .‬وصفة الضافة )آخر الجسور‪ ،‬نجمة الطريق‪ ،‬ركام‬ ‫العصور( هي خلق لعلقات اختصاص وانتساب بين أشياء‬ ‫‪.‬‬ ‫ويبرز المخطط التشجيري عددا ً من النساق التركيبية‬ ‫والظواهر اللغوية التي يسمح تتبعها باكتناه العلقة الوجودية‬ ‫بين البنية اللغوية والبنية الدللية للقصيدة‪ :‬فصيغة )اسم‬ ‫الفاعل منصوبا ً بالحالية‪ :‬ماحيًا‪ ،‬عابرًا( خصيصته وجودية من‬ ‫خصائص حركة الجسد‪ ،‬ترد في موضعين مؤدية دور فعل‬ ‫حركي‪ .‬وهذه الخاصة تشعر بأن التناقض بين الجسد‬ ‫والمرايا ليس مطلقًا‪ ،‬بل إن ثمة عامل ً مشتركا ً بينهما‪.74 -‬‬ .‫جملة ا سمية‬ ‫مبتدأ معر ّف بأ ل‬ ‫المرايا‬ ‫جملة فعلية‬ ‫أداة تعري ف‬ ‫ا سم‬ ‫)أ ل( )مرايا(‬ ‫فع ل م ضارع‬ ‫)ت صال ح(‬ ‫شبه جملة متعلقة‬ ‫اسم‬ ‫ظر ف مكا ن‬ ‫)بي ن (‬ ‫ا سم ح ر ف ع ط ف‬ ‫مع طو ف‬ ‫م ضا ف‬ ‫) ظهيرة(‬ ‫)اللي ل(‬ ‫)و(‬ ‫أداة تعري ف‬ ‫)أ ل(‬ ‫أداة تعري ف ا سم‬ ‫)لي ل(‬ ‫)أ ل(‬ ‫ا سم‬ ‫) ظهيرة(‬ ‫وبهذا الوصف التشجيري وصف الباحث الحركة الثانية‬ ‫)الجسد(‪ ،‬فالثالثة )النا(‪ ،‬لنه يسمح بتمييز النساق الساسية‬ ‫الدالة في كل حركة‪ ،‬وإدراك التحولت التي تطرأ عليها في‬ ‫سياقات أخرى في القصيدة‪ .‬ويتجّلى‬ ‫هذا التجسيد في أبعاد عديدة‪ ،‬أولها‪) :‬المرايا( وكل ما ينتمي‬ ‫ول عنها‬ ‫إليها مباشرة‪ ،‬أو إلى العالم الذي تمثله‪ ،‬وكل ما تح ّ‬ ‫تتخذ شكل ً لها الجملة السمية )أو جملة فعلها المتضمن فعل‬ ‫الكون(‪ .‬كما يسمح بإدراك سمة أساسية‬ ‫في البنية التركيبية للقصيدة هي تجسيد النساق التركيبية‬ ‫والظواهر اللغوية ذاتها للطبيعة الداخلية لكل من الحركات‬ ‫الثلث وللرؤيا النهائية للقصيدة‪ .‬تصبح وحدة العمل الفني‬ ‫وحدة مطلقة‪ :‬تجسيدا ً للرؤيا الشعرية على مستويات لم‬ ‫يكتنفها النقد الحديث حتى الن بعمق وشمولية كافيين‪ .‬وثانيها أن‬ ‫هذا التقسيم ليس مطلقًا‪ ،‬ذلك أن الجسد يتوتر في الواقع بين‬ ‫الجملة السمية )خلف المرايا جسد( المنقلبة‪ ،‬أي أن الجسد‬ ‫يحدث تمزقا ً داخليا ً في الجملة السمية فيقلب طرفيها‪ ،‬وبين‬ ‫الجملة الفعلية‪ .

‬وهذا ما يحدث في سياق وصف العالم‬ ‫الجديد‪ ،‬عالم الشموس الذي تحن إليه النا في الحركة الثالثة‬ ‫وتعتبره تجسيدا ً للحلم )الشموس وأبعادها الكوكبية(‪ .‬وفي ج ّ‬ ‫نفسه تأكيد لجدة العالم الذي تحلم به النا‪ ،‬وجدة الدور الذي‬ ‫تريده النا للمرايا بعد قتلها وابتكارها‪ .‬لكن‬ ‫صيغة الضافة ل تحدث في حركة الجسد إل حيث تأتي وصفا ً‬ ‫للعالم القديم الذي يرفضه الجسد‪ ،‬وهو عالم من العلقات‬ ‫المتكونة الثابتة‪ .‬‬ ‫وأما )صيغة الصفة( فل ترد في حركة المرايا‪ ،‬بل تخص‬ ‫حركة الجسد والعالم الذي يحن إليه‪ .‬لكن الصفة تعود إلى‬ ‫البروز في حركة النا‪ ،‬وتعود إلى البروز خصيصة من خصائص‬ ‫المرايا )سراويلها النرجسية( مما ُيشعر من جديد بوجود هذا‬ ‫الحيز المشترك بين الجسد والمرايا الذي ل تظهره القصيدة‬ ‫على مستواها الظاهري‪ ،‬إل أن هذا التوازن بين الجسد والمرايا‬ ‫الذي تخلقه الصفة الذي ل يستمر‪ ،‬لن الحدوث التالي للصفة‬ ‫يأتي في سياق العالم الجديد الذي تبتكر النا المرايا هاجسا ً به‬ ‫في عبارة )وأبعادها الكوكبية(‪.‬هكذا يلحظ أن القصيدة‬ ‫تبدأ وتتطور دون صفات على الطلق في حركة المرايا‪ ،‬إلى‬ ‫أن تفاجئنا الصفة لول مرة في ورودها في سياق القاليم التي‬ ‫يحن إليها الجسد )لقاليمه الجديدة(‪ .‬ومن المدهش أن الصفة‬ ‫هنا على مستوى دللي تشير إلى الجدة‪ ،‬وعلى مستوى لغوي‬ ‫تأتي بفئة لغوية جديدة هي فئة الصفة‪ .‬هكذا تتشكل ثنائية ضدية‬ ‫بين الصفة والضافة‪ :‬الصفة ل تؤسس علقات تراكمية‪ ،‬بل‬ ‫تفاجئ‪ ،‬ل تربط بين ذاتين بل تدل على خاصة من خواص ذات‬ ‫معينة‪ .‬وترد في حركة‬ ‫الجسد حين تحدد علقته المكنية بالمرايا )خلف المرايا(‪ .‬وبينما تعّبر الضافة عن وجودين مستقلين‪ ،‬فإن الصفة‬ ‫ل تدل على وجود منفصل عن ذات‪ .‫العالم‪ ،‬وتحديد لوجود بوجود‪ ،‬ولذات بذات‪ .‬ويبدو من‬ ‫هذه السياقات أن ثنائية ضدية بين شكلين من أشكال الضافة‪،‬‬ ‫لكن هذه الثنائية ليست مطلقة في اختصاص كل من طرفيها‬ ‫بأحد العالمين‪.‬‬ ‫إن غياب العطف حيث يتوقع ظهوره تركيبيا ً ذو دللة ل تقلّ‬ ‫أهمية عن دللة ظهوره‪ ،‬فبينما تشكل الفعال )قتلت‪ ،‬مزجت‪،‬‬ ‫ابتكرت( حلقات في سلسلة واحدة‪ ،‬ويتوقع لذلك أن يربط‬ ‫العطف جميعًا‪ ،‬ترد )ابتكرت( دون حرف عطف‪ ،‬على عكس‬ ‫)مزجت(‪ ،‬والدللة البنيوية لهذا الغياب تنبع من طبيعة البتكار‬ ‫ذاته‪ .‬النا التي تقتل المرايا وتعيد خلقها‬ ‫من فاعلية الجسد‪ ،‬منضمة إليه متوحدة به‪.‬أما حين يرد شكل من أشكال الضافة وصفا ً‬ ‫للعالم الجديد الذي يتوق إليه الجسد‪ ،‬فإنه يصف علقته بين‬ ‫الجسد ونفسه‪ ،‬بينه وبين مكون من مكوناته‪ ،‬ل علقة بين‬ ‫هويتين متمايزتين‪ .75 -‬‬ .‬فالبتكار خلق من ل شيء‪ ،‬دون بدء‪ ،‬وانفصام عما هو‬ ‫‪.‬ويرافق ورود الظرف‬ ‫)بين(‪ .‬كان العطف يؤكد صيغة‬ ‫مكانية صرفا ً )بين ل ول( لكنه بعد التحول الذي تخضع لـه‬ ‫القصيدة يؤكد فاعلية ضم وتوحيد واحتضان وتجاوز‪ ،‬إذ يربط‬ ‫جزءا ً من الشيء بالشيء‪ ،‬أو حدثين متكاملين‪ ،‬أي أنه يجلو‬ ‫سد العطف روح‬ ‫وحدة العالم الذي يمثله الشيئان‪ ،‬وبذلك يج ّ‬ ‫الحركة الثالثة من القصيدة‪ .‬ويرد ثانية في حركة الجسد محددا ً علقة بين نقيضين‬ ‫كذلك‪ ،‬ومرافقا ً ورود الظرف )بين(‪ .‬لكن هذا المجال المشترك‬ ‫بين حركة الجسد وحركة المرايا ينسف في حركة النا‪ ،‬حيث‬ ‫يرد العطف ليصف ل علقة ضدية‪ ،‬بل علقة تكاملية بين‬ ‫الفعلين )قتلت‪ ،‬ومزجت(‪ ،‬وبين )الشموس‪ ،‬وأبعادها( ويلحظ‬ ‫دة‬ ‫هنا أن العطف يرد مستقل ً عن الظرف ()بين(‪ .‬‬ ‫ومن النساق التي يبرزها المخطط التشجيري كذلك‬ ‫)نسق العطف( الذي يرد أول ً في حركة المرايا )بين الظهيرة‬ ‫والليل( حيث يحدد علقة بين نقيضين‪ .

76 -‬‬ .‬وتبقى أنساق أخرى على قدر كبير من الدللة أيضا ً‬ ‫تعكس المكونات الفعلية لبنية القصيدة‪ ،‬وتبلور تفاعلتها‬ ‫بطريقة تظهر إلى أي مدى تجسد البنية اللغوية للقصيدة البنية‬ ‫الدللية لها والرؤيا التي تتجلى فيها‪ .‬إذ تأتي حركة النا‬ ‫لتصهر هذا النسق في سياق العالم الجديد الذي تصبو إليه‬ ‫بالشموس‪.‬‬ ‫)يبدأ‪ ،‬يفتح(‪.‬‬ ‫*فاعليتها التركيبية ل تؤثر على * يكتسب فاعليته عبر تركيب‬ ‫تركيب الجملة العادي‬ ‫ظرفي )بين( بطريقة‬ ‫)مبتدأ –خبر( تفعل بين‬ ‫سلبية‪ .‬وقد صّنف الباحث‬ ‫القصيدة على هذا الساس‪ ،‬استقاء من شتراوس في دراسته‬ ‫لبنية السطورة‪:‬‬ ‫دية‬ ‫الحركة الولى‪ :‬الثنائيات الض ّ‬ ‫جسد‬ ‫المرايا‬ ‫ف بأل‪ .‬‬ ‫إليه مذكر يسيطر عليه‬ ‫العنصر الصوتي الفتح‬ ‫*ول توصف بصفة‪.‬‬ ‫وما يحدث للعطف يحدث أيضا ً لنسق شيق هو )نسق الجار‬ ‫والمجرور(‪ ،‬يرد هذا النسق مرة في حركة الجسد منتسبا ً إلى‬ ‫العالم الجديد )لقاليمه(‪ ،‬ومرة منتسبا ً إلى العالم القديم )في‬ ‫ركام(‪ .‬‬ ‫مذكر‪ ،‬يظهر عليه التنوين‪.‬‬ ‫*تلحقه جملة لها موقع الصفة‪.‫كائن‪ ،‬ولذلك ينفصم فعل )ابتكرت( فيزيائيا ً عما سبقه‪ ،‬فيرد‬ ‫جزءا ً من عملية سابقة‪ ،‬ويشير إلى ربط عنصرين‪ .‬الفعل الذي تستند‬ ‫إليه مؤنث يسيطر عليه‬ ‫زوالية )يمحو(‪ :‬فراغيا ً خارج‬ ‫العنصر الصوتي الضم‬ ‫كل الجسام )خلف‬ ‫واللف الممدودة )تصالح(‪.‬‬ ‫هذه بعض النساق والظواهر التي يبرزها المخطط‬ ‫التشجيري‪ .‬جمع *اسم مفرد‪ ،‬نكرة )ليس فيه‬ ‫*اسم جمع‪ ،‬معر ّ‬ ‫أل(‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫)يقع في مركز(‪.‬‬ ‫مرفوع )دون علمة رفع(‪.‬ومن هنا‬ ‫يربط فعل )مزجت( لغويا ً بالفعل السابق له )قتلت(‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويبدو من ذلك أن حركة النا تحاول دائما أن تلقي التوازن‬ ‫الذي يحدث بين عالم الجسد وعالم المرايا‪ ،‬بإعادة استخدام‬ ‫العناصر المستخدمة بينهما في سياق العالم الجديد بحيث أن‬ ‫هذه العناصر ل تبقى مجال ً مشتركا ً بين المرايا والجسد بل‬ ‫تتحول إلى ظواهر تخص العالم الجديد وتنتمي إليه ملغية بذلك‬ ‫أي انطباع سابق عن وجود توازن فعلي بين حركتي المرايا‬ ‫والجسد‪.‬لكن هذا التوازن الظاهري ل يستمر‪ .‬‬ ‫تستند إلى فعل توسطي‬ ‫تظهر عليه علمة الرفع‪.‬هي )نقيض الجماد(‪.‬‬ ‫مؤنث )دون علمة تأنيث(‪.‬‬ ‫*فاعليته التركيبية تمزيقية‪،‬‬ ‫يقلب تركيب الجملة )خبر‪،‬‬ ‫مبتدأ‪ ،‬صفة( فاعليته على‬ ‫شيء واحد‪.‬‬ ‫يسند إلى أفعال ظرفية‬ ‫تركيب‬ ‫عبر‬ ‫*تكتسب فاعلية‬ ‫)بدء ونهاية ‪/‬يفتح ‪/‬يبدأ‪/‬‬ ‫بطريقة‬ ‫ظرفي )بين(‬ ‫يعبر(‪.‬‬ ‫إيجابية‪ .‬‬ ‫المرايا(‪.‬الفعل الذي يستند‬ ‫شيئين‪.

77 -‬‬ .‬تستند إليها ثلثة أفعال‬ ‫الحركة يسمح باعتبار النا‬ ‫بينها علقة عطف )المفعول‬ ‫تحول ً للجسد‪.‬‬ ‫به هو عنصر مميز لفاعلية‬ ‫الجسد )الطريق الحريق(‪.‫لكن ثمة حيزا ً للخصائص المشتركة بين المرايا والجسد‪:‬‬ ‫فكلهما )المرايا‪ ،‬والجسد( يقعان في موضع المبتدأ‪.‬‬ ‫*بنيته الجملة التي تنشأ عنها‬ ‫متوحدة الهوية ببنية الجملة‬ ‫التي سيطرت على حركة‬ ‫الجسد في الحركة الثانية‬ ‫)جسد –ماحيا ً –اسم فاعل(‪،‬‬ ‫يفتح )فعل مضارع مذكر( –‬ ‫المرايا –هاجسا ً )اسم‬ ‫حضن )فعل‬ ‫فاعل( –ي ْ‬ ‫مضارع مذكر(‪.‬‬ ‫*الفعال كلها في صيغة الزمن‬ ‫الماضي‪.‬‬ ‫*فيما سبق كان للمرايا‬ ‫وجهان‪ :‬مظلم ومضيء‪.‬‬ ‫*الن تؤثر على تركيب الجملة‬ ‫التي تظهر فيها‬ ‫)بالشموس( تماما ً كما فعل‬ ‫الجسد في الحركة الثانية‪.‬‬ ‫*يظهر في الجملة فاعل جديد‬ ‫)ضمير المتكلم المفرد(‪.‬‬ ‫الحركة الثالثة‪ :‬التحول‬ ‫جسد‬ ‫المرايا‬ ‫*تقع الن في موضع المفعول *ل يذكر في هذه الحركة‬ ‫إطلقًا‪ ،‬ولكن كل ما في‬ ‫به‪ .‬‬ ‫*الن تفعل ل بين شيئين‬ ‫مختلفين ينتميان إلى عالم‬ ‫واحد )الشموس وأبعادها(‪.‬‬ ‫*الن توصف بطريقة متحدة‬ ‫الهوية بطريقة وصف‬ ‫الجسد في الحركة الثانية‬ ‫)الصفة( )سراويلها الذهبية‪،‬‬ ‫أقاليمه الجديدة(‪.‬‬ ‫الن لها وجه واحد يتجه إلى‬ ‫الشموس فقط‪.‬‬ ‫وبذلك ترتبط بعالم الجسد‪.‬‬ ‫*الفعال الجديدة تسيطر عليها‬ ‫حركة ضمير المتكلم‬ ‫والعنصر الصوتي )الفتح(‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وثمة توازيا ً بين الجمل التي تنشأ عن المرايا والجسد‬ ‫)اسم ‪ +‬فعل( لكن النسق التركيبي سرعان ما يتغير )شبه‬ ‫جملة ظرفية بمقابل مفعول به( بعد التشابه المبدئي‪.‬‬ ‫ليس هناك ألف واحدة في‬ ‫أي من الفعال‪.

‬فالمرايا مؤنثة‪ ،‬ومعظم الكلمات المؤنثة في الحركتين‬ ‫الولى والثانية من القصيدة ترتبط بالعالم القديم الذي يرفضه‬ ‫الجسد )عصور‪ ،‬جسور‪ ،‬القصيدة‪ ،‬نجمة‪ ،‬سراويل(‪ .‬عصور = عصر(‪.‬لكن العصور نفسها مؤنثة‬ ‫فهي تشبه المرايا وتناقض الجسد‪.‬‬ ‫ولكن هذه الخصيصة تجمع ين الكلمات التوسطية وبين‬ ‫الكلمات التي ترتبط بالعالم الجديد فقط )أقاليم = إقليم(‬ ‫)أبعاد = بعد( ويمكن أن تضم إلى هاتين الكلمتين )شموس(‬ ‫لنها مؤنثة مفردها مؤنث اصطلحي دون علمة تأنيث‪ .‫جسد‬ ‫المرايا‬ ‫*فاعليتها السابقة سلبية تقريبا ً‬ ‫)مصالحة(‪ ،‬الن لها فاعلية‬ ‫إيجابية )تهجس بالشموس(‪.‬‬ ‫وتتضح صحة هذا التفسير البنيوي من كون النا ل تنفي المرايا‬ ‫وتلغيها‪ ،‬بل تمارس عليها القتل السطوري‪ ،‬وتوحدها بأساطير‬ ‫المسيح وتموز والفينيق‪ ،‬لتعيد بعثها هاجسا ً بحياة جديدة نابضة‬ ‫بروح عالم جديد‪ .‬ولهذه الظاهرة أهمية قصوى ليست في هذه‬ ‫القصيدة فحسب‪ ،‬بل وفي شعر أدونيس كله‪ ،‬إذ أن شعره‬ ‫عرضة لسوء الفهم أكثر من أي شاعر عربي معاصر‪ .‬‬ ‫*الفعال كلها في صيغة الزمن‬ ‫الماضي‪.‬لكن محور الثنائية‬ ‫)مذكر ‪/‬مؤنث( يسمح لنا بشكل عام بتحسس العلقة الزوجية‬ ‫المزدوجة التي تسود بين المرايا ‪/‬جسد فالقاليم مثل ً مؤنثة‬ ‫مثل المرايا‪ .‬تعيد‬ ‫له‪ ،‬فإنها تحرق هذا العالم وتدمره‪ ،‬بل تعيد خلقه وتح ّ‬ ‫خلق عناصره بروح جديدة ومضمون جديد ودللت جديدة‪،‬‬ ‫لتصبح جزءا ً حيويا ً من العالم الجديد الذي تصبو إليه الذات‪.‬والجسد‬ ‫مذكر‪ ،‬ومعظم الكلمات المذكرة ترتبط بالعالم الجديد الذي‬ ‫يصبو الجسد إلى اكتشافه‪ ،‬وبالرؤية الجديدة )طريق‪ ،‬مرتين‪،‬‬ ‫حريق‪ ،‬إيقاع(‪ .‬وهذه هي الرؤيا الساسية للقصيدة‪ ،‬إذ أن‬ ‫القصيدة على الرغم من المستوى الظاهري لها‪ ،‬والذي يشعر‬ ‫بأن مضمونها هو رفض مطلق للعالم القديم وتدمير وإحراق‬ ‫وله‪ .‬لكن القاليم جمع لمفرد مذكر )إقليم(‪ ،‬وهكذا‬ ‫فهي تناقض المرايا وتشبه الجسد‪ .‬لكن هذا التضاد على مستوى المؤنث ‪/‬المذكر‬ ‫ليس بهذا الصفاء‪ ،‬بل إن ثمة لبسا ً واضحا ً يتخلله ويحدث تداخل ً‬ ‫بين طرفيه‪ ،‬ذلك أن الكلمات المؤنثة كلمات جذرية الهمية في‬ ‫إشارتها إلى العالم الجديد وارتباطها به )أقاليم ‪/‬ظهيرة‪/‬‬ ‫شموس ‪/‬أبعاد( كما أن بين الكلمات المهمة التي تدل على‬ ‫العالم القديم كلمات مذكرة )ليل –ركام(‪ .‬‬ ‫وللثنائية مذكر ‪ /‬مؤنث خصيصة أخرى مدهشة‪ :‬كل‬ ‫الكلمات التي تلعب دورا ً توسطيا ً بين طرفي الثنائية الصلية‬ ‫)العالم القديم ‪/‬العالم الجديد( أو ترتبط بهما معًا؛ لها طبيعة‬ ‫مزدوجة وليست ذات بعد واحد‪ .‬‬ ‫فالرؤيا الساسية لهذه القصيدة هي رؤيا تحويلية‪ ،‬تصهر التراث‬ ‫والعالم في بوتقة حساسية جديدة تخلق مبدأ الحلم والواقع‪،‬‬ ‫‪.78 -‬‬ .‬فهي كلمات في صيغة الجمع‬ ‫مؤنثة‪ ،‬لكن مفردها مذكر )جسور = جسر‪ .‬وتشعر‬ ‫هذه الخصيصة العميقة للثنائية مذكر ‪/‬مؤنث بأن العالم الجديد‬ ‫ليس في الواقع عالم الجديد فقط وبشكل مطلق‪ ،‬بل إن له‬ ‫بعض خصائص العالم القديم كذلك‪ ،‬أي أنه توحد بين عالمين‪،‬‬ ‫وإعادة صياغة لهما‪ .‬ويج ّ‬ ‫اللبس الذي يشع من مركز الثنائية الضدية الصلية‪) :‬المرايا‬ ‫‪/‬جسد(‪ .‬وكثيرا ً ما‬ ‫قيل إن موقفه من التراث موقف الرافض رفضا ً مطلقًا‪ .‬لكن‬ ‫التحليل البنيوي الن يظهر أن مثل هذا التفسير لشعره خاطئ‪.‬‬ ‫وتشكل الثنائية الضدية‪ :‬مؤنث ‪/‬مذكر نسيجا ً من العلقات‬ ‫سد هذا النسيج نفسه أبعاد‬ ‫والنساق مليئا ً بالدللت‪ .

‬ولهذه الضدية بعد يرتفع بها عن كونها صدفة أو‬ ‫عرضية‪ ،‬ذلك أن ما يشير إلى العالم القديم في القصيدة كلها‬ ‫هذه الحقيقة الشمولية مفهوميا ً ولغويًا‪ ،‬لن العالم القديم كتلة‬ ‫صلبة شاملة من الموروثات الجماعية‪.‬هما أداة التعريف )أل( وحرف‬ ‫العلة )الياء(‪ ،‬ثم الضافة والعطف والفراد‪.‬‬ ‫ول يفاجئنا هنا وجود خاصة مشتركة بين الظهيرة والليل‬ ‫والمرايا‪ ،‬لن دور المرايا دور مصالحة تحمل خصائص من كل‬ ‫الليل والظهيرة وتختلف عنهما في الوقت نفسه‪ ،‬فالمرايا لها‬ ‫صيغة الجمع )وبذلك تختلف عن كل الليل والظهيرة‪ :‬مفردان(‪.‫ومن القديم والجديد‪ ،‬ذاتا ً جديدة تحمل خصائص من كليهما‪.‬‬ ‫وعلى مستوى آخر تكتسب الثنائية‪ :‬مذكر ‪/‬مؤنث دللت‬ ‫أنثربولوجية وثقافية مهمة‪ ،‬إذ أن ارتباط المذكر بالبحث عن‬ ‫الجديد له علقة بكون الثقافة العربية هي ثقافة ذكور‪ ،‬وله‬ ‫علقة بكون مفهوم المهدي المنتظر في الثقافة والتاريخ‬ ‫العربيين يرتبط بالمذكر دون المؤنث‪ .‬والظهيرة يطغى عليها‬ ‫العنصر الصوتي الحاد )ظ( بينما اللم الناعمة على الليل‪.‬ويتج ّ‬ ‫مشتركتين بين الظهيرة والليل‪ .‬‬ ‫مفهوميًا‪ :‬الظهيرة هي نقطة الضاءة في ذروتها )منتصف‬ ‫النهار( وليست أي لحظة ضوء على الطلق‪ ،‬بينما الليل وجود‬ ‫شامل مطلق‪ .‬‬ ‫وتبعا ً للمنهج البنيوي يصبح كل مستوى من مستويات‬ ‫العمل الفني تحول ً كليا ً لمستوى آخر هو المستوى الدللي أو‬ ‫الرؤيا الساسية في العمل الدبي‪ ،‬وإذا كانت التفكيكية‬ ‫)كريستيفا‪ ،‬ودريدا( ترفض تحديد الرؤيا الساسية للعمل الدبي‬ ‫فإن البنيوية ترى أنه من الممكن إعطاء النص عددا ً ل نهائيا ً‬ ‫من المراكز‪ ،‬وتحليله تبعا ً لطبيعة المركز الذي نختاره وبهذا‬ ‫نوفر لعملية التلقي وللنص شرطا ً أساسيا ً من شروط الكتابة‬ ‫المبدعة هو ل نهائية احتمالتها‪ .‬والمرايا مؤنثة ذات مفرد مؤنث )كالظهيرة( لكن‬ ‫المرايا نفسها تخلو من علقة تأنيث )فهي أقرب إلى الليل(‪.‬‬ ‫ويظهر ذلك في اللفاظ )الليل‪ ،‬ركام‪ ،‬القصيدة‪ ،‬الجسور‪،‬‬ ‫وحتى لفظة )نجمة( التي تمتلك دللة جنسية رغم صيغتها‬ ‫الفردية(‪ .‬‬ ‫لكنها في الوقت نفسه نقية‪ ،‬مضيئة‪ ،‬مغامرة‪ ،‬متحولة‪ ،‬تهجس‬ ‫بأبعاد وجود جديد‪ ،‬وتنذر نفسها لكتشافه وتحقيقه‪.‬وتصبح العملية النقدية في‬ ‫جوهرها هي عملية اكتناه للعلقات المتشابكة والتفاعلت التي‬ ‫تنشأ من اختيار مركز معّين للنص‪ ،‬وعملية بلورة للبنى‬ ‫المتعددة لمستويات النص وكشف لقدرة كل منهما على‬ ‫‪.‬لكن التضاد بين الظهيرة والليل ليس مطلقا ً في رؤيا‬ ‫القصيدة إلى الدرجة التي يستحيل معها إحداث توسط بينهما‪.‬على الرغم من أن النثى تلعب دورا ً مشابها ً في‬ ‫ثقافات أخرى‪.‬‬ ‫والمرايا فيزيائيا ً لها وجه مضيء )كالظهيرة( ووجه معتم‬ ‫)كالليل(‪ ،‬من حيث التركيب الصوتي كذلك فإن للمرايا خاصة‬ ‫تجمع بين خواص الليل والظهيرة إذ أن الكلمات الثلث تتمحور‬ ‫حول حرف العلة )الياء(‪.79 -‬‬ .‬‬ ‫لكنها معرفة بأل )بذلك تشترك مع الظهيرة والليل في عنصر‬ ‫اشتراكهما(‪ .‬وله دللة إنسانية عامة‬ ‫على ارتباط مفهوم البعث والخلص بالمذكر )أدونيس‪ ،‬تموز‪،‬‬ ‫المسيح(‪ .‬‬ ‫وبالضافة إلى الثنائيات الضدية الرئيسية التي تشكل‬ ‫العلقات الساسية في القصيدة فإن القصيدة تتمحور حول‬ ‫سد رؤياها بشكل مدهش‪ :‬أولهما الثنائية‬ ‫ثنائية أخرى تج ّ‬ ‫سد العالمين اللذين تراهما‬ ‫الضدية )الظهيرة ‪/‬الليل( التي تج ّ‬ ‫القصيدة فالظهيرة مؤنثة والليل مذكر‪ .‬‬ ‫فثمة خصائص مشتركة بين العالمين اللذين تمثلهما الظهيرة‬ ‫سد هذا الشتراك لغويا ً في وجود خاصتين‬ ‫والليل‪ .

‬‬ ‫ثم ينتقل الباحث إلى دراسة مستوى )البنية اليقاعية(‬ ‫للقصيدة‪ ،‬والتي تتشكل من تنامي وحدة إيقاعية أساسية هي‬ ‫)فاعلن(‪ ،‬ومن التفاعلت التي تنشأ بينها وبين وحدات أخرى هي‬ ‫في التراث العروضي‪،‬‬ ‫)فاعلتن( و)فعولن( اللتين ل تجتمعان‬ ‫وحركة المرايا ً ذات طبيعة واضحة إيقاعيًا‪ ،‬بينما تتعقد حركة‬ ‫الجسد إيقاعيا وتمزق نسيج البحر الموروث المستخدم فيها‬ ‫لتشكل إيقاعها الفردي الخاص‪ ،‬وتنشأ حركة النا حول نموذج‬ ‫المرايا الواضح أول ً ثم تكتسب طبيعة جديدة ل محددة‪ ،‬كوكبية‪،‬‬ ‫دة مطلقة ليس لها سابق في التراث‪،‬‬ ‫دائرية‪ ،‬تطغى عليها ج ّ‬ ‫سد غيبوبة عالم الشموس وأبعاده الكوكبية‬ ‫وغيبوبة إيقاعية تج ّ‬ ‫اللمحدودة‪.‬ول شك أن خلو حركة النا من أي من‬ ‫القوافي التي شكلت بنية حركة الجسد ظاهرة مفاجئة‪ ،‬ولكن‬ ‫دة‬ ‫دة تصوّرها لج ّ‬ ‫هذه المفاجأة تعمق دللة حركة النا وتزيد ح ّ‬ ‫العالم الجديد‪ ،‬وبذلك تضيف درجة كبيرة من الفن للمستوى‬ ‫الدللي واليقاعي‪.‬إن دراسة مكونات‬ ‫النص وأنساقه اللغوية على ضوء علقات الوحدات التعبيرية‬ ‫على المستويين الفقي والعمودي هي ما قامت بتطبيقه‪،‬‬ ‫‪.‬ويرى الباحث‬ ‫أنها –على الرغم من بساطتها الظاهرية –فإنها شديدة التنوع‬ ‫والغنى‪ ،‬عميقة الدللة‪ .‬لكنها ترد في موضع يتوسط بين العالمين )الجسور(‬ ‫أن العالمين ليسا على انفصال مطلق‪ ،‬بل إن‬ ‫فكأنما تأتي لتؤكد‬ ‫بينهما مجال ً مشتركًا‪. A.‬وهذا النسق‬ ‫القافية يج ّ‬ ‫هو‪A :‬و ‪ . B‬يختص بحركة الجسد واتجاهه نحو العالم‬ ‫الجديد وسلوكه إزاء العالم القديم‪ .A B.‬‬ ‫‪ -2‬خالدة سعيد وحركية البداع‬ ‫خالدة سعيد باحثة وناقدة‪ ،‬وهي زوجة الشاعر الكبير‬ ‫أدونيس‪ ،‬وضعت بعد عشرين عاما ً من كتابها الول )البحث عن‬ ‫الجذور( ‪ 1960‬كتابها الثاني‪) :‬حركية البداع‪ :‬دراسات في‬ ‫الدب العربي الحديث( ‪ ،1979‬رسمت فيه ملمح البداع‬ ‫العربي الجديد في ثلثة أجناس أدبية هي‪ :‬الشعر‪ ،‬والرواية‪،‬‬ ‫والقصة القصيرة‪ ..‬‬ ‫ويتأكد هذا الدور المدهش للنسق التقفوي في ورود‬ ‫القافية ‪ B‬مرتين فقط‪ :‬أولهما تختص بالعالم الجديد‪ ...‬أما حركة الجسد فإن لها نسقا ً مع ّ‬ ‫سد تعقيدها على الصعيد الدللي الرؤيوي‪ .‬بينما تختص ‪ C‬بالعالم‬ ‫القديم‪ ..‬وبهذه الطريقة تصبح العملية النقدية‬ ‫عملية إعادة خلق فّعال ومؤثر للنص‪ ،‬وعملية قراءة مبدعة له‪،‬‬ ‫ول تتضاءل إلى أن تتحول إلى بحث عن وظيفة النص‬ ‫التعبيرية‪.‬والثانية‬ ‫تختص بالعالم القديم‪ .‬ولن الذي يهمنا هنا هو )المنهج‬ ‫البنيوي( الذي درست على ضوئه قصيدتي )هذا هو اسمي(‬ ‫لدونيس‪ ،‬و)النهر والموت( للسّياب‪ ،‬فإننا سنناقش تحليلها‬ ‫البنيوي لهاتين القصيدتين‪.‬‬ ‫في تحليل القصيدة )هذا هو اسمي( لدونيس بدأت بتطبيق‬ ‫المنهج البنيوي‪ ،‬لتصل منه إلى الدللي )أو المضمون( وهي‬ ‫ميه )المستوى الشاري(‪ . C.80 -‬‬ .‬من خلل منهجين نقديين هما‪ :‬المنهج‬ ‫النطباعي‪ ،‬والمنهج البنيوي‪ .‬وقد أولته اهتماما ً بالغا ً بوصفه‬ ‫تس ّ‬ ‫مستوى من التحليل ينصب على بنية النص اللغوية باعتبارها‬ ‫إشارات ورموزا ً تنتج الدللت بعلقاتها‪ .‬ولعل أول ما يلحظ هو أن قافية المرايا‬ ‫تظل معزولة في القصيدة منذ ظهورها في البيت الول )في‬ ‫الظهور ًفي محال قتلها‬ ‫حركة المرايا( إلى أن تعود المرايا إلى‬ ‫قدا على صعيد‬ ‫وابتكارها‪ .‬‬ ‫أما )البنية التقفوية( فهي آخر مستويات البنية‪ .‫تجسيد البنى الخرى فيه وتجسيد بنيته الدللية الساسية‬ ‫النابعة من مركز معّين‪ .

‬‬ ‫وقد حاولت الباحثة الجمع بين منهجين نقديين هما‪ :‬البنيوية‬ ‫الشكلية والدللية )أو السيميائية(! أو أنها خرجت على المنهج‬ ‫البنيوي الشكلي الذي ل يقول بدللة )أو مضمون(‪ .‬وحكم القيمة الذي تطلقه الباحثة على‬ ‫القصيدة هو إنها‪" :‬جديدة مخالفة للمألوف من حيث الطريقة‬ ‫فت بها الكلمات‪ .‬وقصيدة‬ ‫)هذا هو اسمي( هدم لمبدأ الستقرار الشعري‪ ،‬وإعلن لشرعة‬ ‫التجاوز والتغّير‪.‬أعضاؤك نيل يجري‪.‬‬ ‫‪-2‬أرض تدور‪ .‬كما لم تتخذ )بنية( شاملة‪ ،‬بل معاني جزئية عابرة من‬ ‫هذين المنهجين إلى منهج ثالث )تأويلي( يجعل الناقد عالما ً‬ ‫ومحيطا ً بكل شيء‪.‬فإذا اعتبرنا‬ ‫هذا )خروجًا( على المنهج البنيوي الشكلي فهل يمكن اعتباره‬ ‫)اجتهادًا( في المنهج؟ أم عدم فهم لمقولت المنهج؟ الواقع أن‬ ‫هذه هي مشكلة أساسية في تلقينا للمناهج النقدية الغربية‪:‬‬ ‫دة‬ ‫فهنالك جوانب قصور في هذا التلقي‪ .‬نيل يجري‪.‫ولد‬ ‫مستخدمة مصطلح )النظام( وتعني به )النسق( اللغوي الم ّ‬ ‫للدللة بانتظام اللفاظ في علقاتها‪.‬حولي أعضاؤك نيل يجري‪.‬قد تكون أسبابها ج ّ‬ ‫المنهج وعدم اكتماله حتى في بلد المنشأ‪ ،‬مما يجعله ُيبنى‬ ‫مقولة مقولة‪ ،‬كما أن الختيارات التي تحكم الترجمات تجعل‬ ‫)العلم( خاضعًا‪ ،‬أحيانًا‪ ،‬لذائقة المترجم وانحيازه الشخصي‪.81 -‬‬ .‬‬ ‫ومحاولة الباحثة التوفيق بين )المضمون( والمنهج البنيوي‬ ‫الشكلي من هذا النوع‪ ،‬لن البنيوية الشكلية ل تعترف‬ ‫ب اهتمامها على )الدللة( أكثر من‬ ‫بالمضمون‪ ،‬وقد انص ّ‬ ‫)البنية(‪ .‬‬ ‫ُيضاف إلى ذلك اختيارات الباحث نفسه‪ :‬فعدم استيعابه‬ ‫لمقولت النقد يوقعه في "التوفيقية" بين مناهج عديدة‪.‬ص ‪(87‬‬ ‫فت بها‬ ‫ص ّ‬ ‫والجديد الذي أدهش الباحثة هو الطريقة التي ُ‬ ‫الكلمات‪ ،‬أو نظام كتابتها‪ ،‬بحيث يمكن أن ُتقرأ كيفما شاء‬ ‫القارئ‪ ،‬لن الشاعر لم يحدد الجمل بعلمات ترقيم‪ ،‬وإنما ترك‬ ‫الحرية للقارئ كي يضع علمة الترقيم في الموضع الذي يريده‪.‬وهذا ما ينقذ الشعر من الرتابة والجمود‪ .‬‬ ‫والعبارة هي‪:‬‬ ‫أرض تدور حولي أعضاؤك نيل يجري‬ ‫وهي قابلة للقراءة على أكثر من وجه‪ .‬‬ ‫‪-3‬أرض تدور حولي‪ .‬‬ ‫ومثل هذا الشعر ل بد له من قارئ مماثل له في المستوى‬ ‫الفني‪ ،‬ذلك أن القارئ هو القطب الثاني في العملية البداعية‪،‬‬ ‫ق‪ ،‬إلى المشاركة‬ ‫وعليه أن يتجاوز دوره السلبي كمجرد‬ ‫متل ٍ‬ ‫هي لقاء كما يقول‬ ‫الفاعلة في العملية البداعية‪ .‬فالقصيدة‬ ‫‪.‬لكن أدونيس بهلوان حاذق ل يقتصر تجديده على‬ ‫التبدلت الظاهرة التي تخاطب الحواس‪ ،‬وإنما يردفه برؤيا‬ ‫شعرية متحولة إلى المستقبل‪ ،‬ومتجاوزة ما سبقها‪ :‬فالشاعر‬ ‫الرومانسي المجدد يصبح متخلفا ً مثل ً بمقارنته مع شاعر الشعر‬ ‫الحر‪ ،‬وهذا يصبح متخلفا ً أمام شاعر قصيدة النثر أو الكتابة‬ ‫الجديدة‪ .‬‬ ‫وهذا التشويش المقصود من قبل الشاعر فيه مقتله إذا لم‬ ‫يقم القارئ بدوره في وضع علمات الترقيم في وضعها‬ ‫الصحيح‪ .‬‬ ‫ومنذ البداية تحكم الباحثة على القصيدة حكم قيمة )على‬ ‫الرغم من أن المنهج البنيوي ل يأخذ بحكم القيمة‪ ،‬لنه يكتفي‬ ‫بالوصف وحده(‪ .‬وعندما نبدأ القراءة يفاجئنا نظام‬ ‫ص ّ‬ ‫التي ُ‬ ‫الصوات‪ ،‬أي الوزن"‪) .‬فيمكن أن ُتقرأ‪:‬‬ ‫‪-1‬أرض تدور حولي أعضاؤك‪ .

‬ويتجّلى ذلك في مخططها الذي وضعته في‬ ‫دراسة القصيدة‪:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وبعد صفحتين من الرسوم التي خططت فيها الباحثة بعض‬ ‫جمل القصيدة على شكل دوائر وخطوط متوازية ومتقاطعة‪،‬‬ ‫تصل إلى معالجة )مسألة اليقاع( التي ل تعني عندها مجرد‬ ‫الوزن الخليلي‪ ،‬وإنما تراه بمعناه العميق‪ ،‬لغة ثانية ل تفهمها‬ ‫الذن وحدها‪ ،‬وإنما يفهمها‪ ،‬قبل ذلك‪ ،‬الوعي الحاضر والغائب‪.82 -‬‬ .‬‬ ‫وهذا يعني أن اليقاع ليس مجرد تكرار الصوات والوزان‬ ‫تكرارا ً يتناوب تناوبا ً معينًا‪ ،‬وليس عددا ً من المقاطع‪ ،‬ول قوافي‬ ‫تتكرر بعد مسافة صوتية معينة لتشكل قرارًا‪ .‬ويحدث النتقال بين هذا وذاك بحركة‬ ‫التفافية حلزونية هابطة في غور الهذيان‪ ،‬أو إشراقية صاعدة‬ ‫نحو المقطع الغنائي‪ .‬ولكن هذا يظل مجرد‬ ‫تنظير ل أكثر‪ .‬إنه الموقف‬ ‫والنظام من العلقات الداخلية والحركة‪ .‬وهكذا ينتقل الشاعر من تفعيلت البسيط‬ ‫)مستفعلن‪ ،‬فاعلن( إلى تفعيلت المتدارك )فاعلن‪ ،‬فاعلن( فل‬ ‫يجيء النتقال انقطاعا ً مفاجئا ً بل انعطافًا‪.‬‬ ‫وعلى هذا فإن القصيدة الكاملة ل وجود لها‪ ،‬لنها كامنة في ما‬ ‫سيأتي‪ ،‬أي في المستقبل‪.‬هذا التفجر ليس من نوع التداعي المعروف‪ ،‬بل‬ ‫يرجع إلى طبيعة نظام العلقات الداخلية الذي يقوم على تقابل‬ ‫الضداد‪.‬لن ما كان‬ ‫يسمى عادة بالشكل يتخذ هنا طبيعة جديدة‪ .‬فنحن إزاء الشكل ‪/‬المضمون‪ ..‫هيدجر‪ ،‬وهي مثير ومحّرض على المغامرة كما ترى جماعة )تل‬ ‫كل( البنيوية الفرنسية التي ترى أن القارئ هو الصانع الثاني‬ ‫للنص‪ ،‬وأنه يضعه على هواه‪ ،‬أي يملؤه بأبعاده الشخصية‪.‬ذلك أن القصيدة موجة ل بيت‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن القصيدة تخّلت عن المسار الخيطي الذي‬ ‫يتتبع مجرى الفكرة أو الصورة عبر القنية الواعية‪ ،‬وهو الشائع‬ ‫عند عامة الشعراء‪ ،‬من أجل )القصيدة الشبكية( والتجاهات‬ ‫والمحاور المتقاطعة التي تبدو أكثر انسجاما ً مع صوفية‬ ‫أدونيس التي تصالح الضداد‪ ،‬حيث ل تخضع القصيدة لمبدأ‬ ‫التسلسل المنتظم‪ ،‬بل تصبح أقرب إلى مبدأ التفاعل‬ ‫المسلسل في انشطار ال ّ‬ ‫ة‬ ‫ذرة‪ ،‬وذلك أن مؤثرا ً ما ُيحدث إصاب ً‬ ‫فيحّرض فكرة أو صورة تحّرض بدورها صورة أو أكثر‪ ،‬وتحّرك‬ ‫هذه الصور صورا ً أو فكرا ً غيرها لذلك ُينظر إلى القصيدة‬ ‫كمجموعة من التفجرات تحدث في المدن السفلى القابعة‬ ‫تحت الحزان‪ .‬‬ ‫وإذا كان هذا التحليل الذي كتبته الباحثة عام ‪1970‬‬ ‫وحرصت فيه على إثبات تاريخه؛ ليس بنيويا ً شكليًا‪ ،‬ول دلليًا‪،‬‬ ‫وإنما توفيقيا ً بين شيء من هذا وذاك‪ ،‬وأضافت بعض التوابل‬ ‫النطباعية )حكم القيمة(‪ ،‬فإن تحليلها لقصيدة )النهر والموت(‬ ‫للشاعر بدر شاكر السياب‪ ،‬بعد ثماني سنوات‪ ،‬جاء )دراسة‬ ‫نصّية( أكثر منهجية بنيوية‪ ،‬وإن لم تلتزم فيها أيضا ً بكل‬ ‫المقولت البنيوية‪ .‬فهذه كلها عناصر‬ ‫إيقاعية‪ ،‬ولكنها جزء من ك ّ‬ ‫ل واسع متنوع‪.‬‬ ‫وفي هذه القصيدة تتوالى المقاطع الهذيائية واليقاعية‪،‬‬ ‫وأمواج التوتر والنبساط‪ .‬‬ ‫في تحليل القصيدة تستبعد الباحثة ما كان يسمى عادة‬ ‫بالشكل والمضمون‪ .‬ثانيا ً ترى الباحثة أنه ليست للقصيدة هندسة‬ ‫مغلقة ثابتة‪ ،‬لنها دفعة أو حركة‪ ،‬وليس لهذه الحركة بداية أو‬ ‫نهاية‪ .‬ول تنتهي بل تستمر حتى بعد أن يسكت‬ ‫الشاعر‪ .‬إذ تبدأ القصيدة وكأنها إضاءة مفاجئة لحركة كانت‬ ‫مستمرة من قبل‪ .

‬كلها تنتمي إلى‬ ‫الماء‪ ،‬ونسبتها ‪ 45/ 42‬أي ‪ 9/ 7‬مقابل ‪ 58‬إشارة إلى‬ ‫النسان‪..(3‬تليها علقة نفاذ أو تحرر أو غياب‬ ‫)البيت ‪ 4‬و ‪ .‬‬ ‫ولتها‪ :‬وفيها ترى الباحثة أن )الحركة‬ ‫‪-4‬العلقات وتح ّ‬ ‫ي‬ ‫الولى( الغالبة على المقطع الول هي حركة ط ّ‬ ‫ونشر‪ ،‬أو هي حركة تواتر بين المنغلق والمنفتح‪ ،‬نتيجة‬ ‫)البيتين ‪ 2‬و ‪ .‬ولكن الضياع في البحر‬ ‫هو وعد بالولدة الجديدة‪ ،‬حيث ترسم البيات الربعة‬ ‫دائرة تامة‪:‬‬ ‫ضاع‬ ‫في قرارة البحر‬ ‫أجراس برج‬ ‫الماء‬ ‫في الجرار‬ ‫وتنضح الجرار‬ ‫أجراسا ً من المطر‬ ‫بّلورها‬ ‫يذوب في أنين‬ ‫وعلى الرغم من أن حركة المقطع دائرية‪ ،‬فإن الدائرة‬ ‫‪.‬وهي‬ ‫ترد دوريا ً كنوع من اللزمة أو العنصر النغمي المميز‬ ‫الذي يسم الكلم بطابعه‪ ،‬حيث ترد لفظة )بويب( في‬ ‫مطالع المقاطع أو في نهاياتها‪ ،‬بتكرار منظم‪ ،‬عبر صيغة‬ ‫النداء‪ ،‬مما يوحي بجو طقوسي‪ .‬وترد )كاف المخاطبة(‬ ‫التي تعود إلى النهر عشر مرات‪ ،‬ويرد )ضمير المتكلم(‬ ‫فاعل ً ثماني عشرة مرة‪ ،‬مما يسمح بالستنتاج بأن‬ ‫أبيات القصيدة ستكون مسرحا ً لعلقة بين النهر‬ ‫والمتكلم‪.‬وكلمات‬ ‫)الماء( فهناك ثل ٌ‬ ‫القصيدة تتوزع على حقلين‪ :‬الماء ‪/‬والنسان‪ :‬فالمطر‪،‬‬ ‫والنهر‪ ،‬والجزر‪ ،‬والبحر‪ ،‬والسمك‪ ..83 -‬‬ .‬‬ ‫‪-2‬الحقل الذي تنتمي إليه الكلمات‪ :‬يغلب عليه طابع‬ ‫ث وأربعون إشارة إلى الماء‪ .‬‬ ‫‪-3‬الفعال والمجال الذي تتم فيه‪ :‬وفيه تلحظ‬ ‫الباحثة أن الفعال التي بصيغة الغائب تتم في حيز‬ ‫طبيعي خارجي )البيات ‪ (7– 1‬وتذكر بسديم الطوفان‪.‬‬ ‫والحركة الزوالية هنا ليست عدمية‪ ،‬لنها تبطن وعدا ً‬ ‫بالعودة أو الولدة‪.(5‬والعلقة بين الحركتين علقة جدلية‪:‬‬ ‫فعلقة الحتواء هي حالة ضياع‪ .‬‬ ‫وانطلقا ً من البيت الحادي عشر يتحرك الفعل )أود ّ لو(‬ ‫أربع مرات‪ ،‬مولدا ً سلسلة من الفعال تجيء في إطار‬ ‫التمّني‪ ،‬مشروطة بلو‪ ،‬وتجري في حّيز ينتمي إلى‬ ‫الحلم‪ ،‬وذلك حتى البيت الرابع عشر‪ .‬وبدءا ً من البيت‬ ‫الخامس عشر وحتى الثاني والعشرين أفعالها تدل على‬ ‫الرغبة في الحس والمتلء‪ ،‬في حين أفعال البيات )‪23‬‬ ‫–‪ (26‬إخبارًا‪ ،‬وأفعال البيات )‪ (50– 35‬مسندة إلى‬ ‫ضمير المتكلم‪ ،‬ومرتبطة بالواقع المباشر‪...‫‪-1‬التقاط النطباعات الولى‪ :‬لفت نظرها تكرار‬ ‫لفظة )بويب( تسع مرات‪ ،‬فضل ً عن كلمة )النهر(‪ .

.‬وبيتهوفن أصيب بالصمم ثمنا ً لعبقريته‬ ‫في السمع‪ .‬‬ ‫في )الحركة الثانية( تحولت العلقة بين النسان والنهر‬ ‫والكون‪ ..‬‬ ‫حيث تبدأ مرحلة وعي وتبادل الوضعية بين الرائي والمرآة‪،‬‬ ‫وتنتهي بمرحلة الفعل حيث تتبدل العلقة مع القدر من العبــادة‬ ‫والنذور إلى المجابهة‪.‬‬ ‫‪.‫ليست مغلقة‪ ،‬لن إيقاع البيات هو إيقاع تحول وولدة‪:‬‬ ‫فالجراس )عنصر ترابي( يحتويها الماء‪ .‬‬ ‫ثم تعّرضت )للرمز( الرئيسي في القصيدة‪ ،‬وهو)النهر(‬ ‫الذي يحمل دللت تتدرج من المستوى الواقعي‪ ،‬باعتباره‬ ‫مجرى مائيًا‪ ،‬إلى المستوى الميتافيزيقي‪ ،‬حيث يصبح مرآة‬ ‫ومعبودًا‪ .‬والماء تحويه الجرار‬ ‫)عنصر ترابي(‪ ،‬والجرار تلد الماء‪ .‬ثم إلى المستوى الذاتي حيث نراه رحما ً وحضنا ً كونيًا‪،‬‬ ‫ونبع حياة وبابا ً خفيا ً للموت‪.‬وأوديب الذي صدقت‬ ‫النبوءة فيه‪ ،‬فقأ عينيه‪ .‬‬ ‫‪ -3‬عبد الكريم حسن والموضوعية البنيوية‬ ‫عبد الكريم حسن ناقد سوري ظهر في مطلع‬ ‫الثمانينات بكتابه )الموضوعية البنيوية(‪ .‬وفي الدائرة الرابعة يتوّلد المناخ‬ ‫السطوري من طبيعة العلقات بين النسان والنهر الذي تقدم‬ ‫لـه النذور‪ ،‬ويكشف عن وجه إله الخصب‪.‬‬ ‫وهكذا اضطربت خالدة في تحقيق ممارسة نقدية في ضوء‬ ‫المنهج البنيوي في نقدها لقصيدتي أدونيس والسّياب‪ ،‬حين‬ ‫اعتمدت بعض مقولت هذا المنهج‪ ،‬ونبذت مقولت أخرى‪.‬والشكل يعود سائ ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫في )الحركة الرابعة( )البيت ‪ (51‬يدفع الشاعر بالبعاد‬ ‫النسانية نحو الفق الميتافيزيقي‪ ،‬ثم تنتقل الباحثة إلى معالجة‬ ‫)الصورة( على الرغم من أنها ليست من المقولت البنيوية‪،‬‬ ‫فترى أن صور القصيدة تؤسس اللحظة المأساوية التي تختتم‬ ‫القصيدة‪ .‬بينما‬ ‫تقوم المأساة في هذه القصيدة على الهلك أو ً‬ ‫ل‪ ،‬ثم يتم خرق‬ ‫الحدود بعد ذلك‪.84 -‬‬ .‬‬ ‫ولعل سبب هذه "التوفيقية" هو التلقي المبكر لهذا المنهج )في‬ ‫ضحت تمامًا‪ ،‬ولم تكن‬ ‫عام ‪ (1970‬حيث لم تكن مقولته قد تو ّ‬ ‫الترجمات التي عّربته شاملة جميع أبعاده‪..‬وتتجّلى في البيات )‪ (34– 11‬حيث تنمو هذه الحركة‬ ‫عبر دوائر أربع‪ :‬فإذا كان النسان في الدائرة الولى جنينا ً‬ ‫شرت بولدته كلمة )أنين(‪ ،‬فإنه في الدائرة الثانية يصبح طفل ً‬ ‫ب ّ‬ ‫يتحرك فوق مسرح النهر‪ ،‬وفي الدائرة الثالثة يبلغ سن‬ ‫الرجولة )عشرون قد مضين(‪ .1996‬‬ ‫وكتابه )الموضوعية البنيوية‪ :‬دراسة في شعر السّياب(‬ ‫دم بها الباحث إلى جامعة السوريون‬ ‫‪ ،1983‬رسالة جامعية تق ّ‬ ‫عام ‪ 1980‬تحت إشراف البروفسور اندريه ميكيل‪.‬ذلك أن المأساة اليونانية تقوم على الهلك‬ ‫كثمن للتفوق وخرق الحدود‪ :‬فـ أنتيغونا التي دفنت أخاها‬ ‫متحدية إرادة السلطة‪ ،‬واجهت الهلك‪ .1990‬وعّرب )مورفولوجيا القصة( لبروب‬ ‫عام ‪.‬ونيتشه أصيب بالجنون ثمنا ً لعبقرية رؤياه‪ .‬وإن الصور‪ ،‬في ما تقدمه‪ ،‬من مفارقات‪ ،‬تعكس ما‬ ‫يجابه وجدان الشاعر من ظلم أو هلك غير مبرر‪ ،‬تعبر عنه‬ ‫تساؤلت العبثية‪ ،‬غير أن المأساوية هنا ترسم طريق ّا ً معاكسا ً‬ ‫للمأساوية اليونانية‪ .‬‬ ‫في )الحركة الثالثة( )البيات ‪ (50– 35‬تتأكد العودة إلى‬ ‫نداء النهر‪ ،‬والخروج من دائرة الحلم والسطورة‪.‬ثم وضع كتابه )المنهج‬ ‫الموضوعي( عام ‪ .

‬و)الموضوع( عنده هو النوّيات النصية لظهورات‬ ‫المفردات المكونة للعائلة اللغوية )ص ‪ .‬فالموضوع الرئيسي‬ ‫دد الموضوعات )الثانوية( ويفرزها‪.‬أما‬ ‫)الموضوع( فيعني لديه العتماد على قاعدته اللغوية‪ ،‬وليس‬ ‫على دراسة العمل الدبي‪) .(328‬و)العائلة‬ ‫اللغوية( تجمع في داخلها المفردات ذات الجذر اللغوي الواحد‬ ‫)الشتقاق(‪ ،‬والمترادفات )الترادف(‪ ،‬والمفردات التي ترتبط‬ ‫مع بعضها بصلة معنوية )القرابة اللغوية(‪ .85 -‬‬ .‫في الفصل الول يعّرف الباحث بـ " ‪Thematique‬‬ ‫‪ Structurale‬وهو منهج "إشكالي" لنه يحاول التوفيق بين‬ ‫منهجين نقديين هما‪ :‬الموضوعية‪ ،‬والبنيوية‪ .‬‬ ‫والواقع إن أهم ما تنبغي مناقشته في هذا الكتاب هو‬ ‫)منهجه( النقدي‪ ،‬فقد خلط الباحث فيه بين )الموضوعية(‬ ‫مي منهجه‬ ‫و)الموضوعاتية(‪ ،‬حيث كان ينبغي له أن يس ّ‬ ‫)موضوعاتيًا( ل )موضوعيًا(‪ ،‬لنه اعتمد فيه منهج )جان بيير‬ ‫ريشارد( الجذري )أو الثيمي(‪ .‬‬ ‫والواقع أن الباحث اعتمد )المنهج الموضوعاتي( ل‬ ‫)الموضوعي( فأحصى الموضوعات الرئيسية والثانوية لدى‬ ‫السّياب‪ .(32‬ولكنه لم يطمئن إلى‬ ‫"بنيويته" التي لم يطبقها أصل ً في بحثه‪ .‬‬ ‫كما عّرف الباحث )البنيوية( بأنها الكشف عن )البنية( التي‬ ‫تتشابك فيها هذه الموضوات )ص ‪ .‬‬ ‫هو الذي يح ّ‬ ‫ذلك أن الموضوعات الثانوية ليست أكثر من كواكب‬ ‫صغيرة تنجذب إلى الكوكب الكبير‪ ،‬أو هي أغصان الشجرة‬ ‫التي تنبثق عن الجذع‪ .‬وهو مأخوذ عن الناقد الفرنسي‬ ‫المعاصر جان بيير ريشار‪ ،‬الستاذ في جامعة السوريون‪،‬‬ ‫والمعروف بتأسيسه المنهج الجذري أو )الثيمي( ‪Thematique‬‬ ‫والذي عّرف )الموضوع( بأنه مبدأ تنظيمي محسوس‪ ،‬أو‬ ‫دينامية داخلية‪ ،‬أو شيء ثابت يسمح لعالم حوله بالتشكل‬ ‫والمتداد‪.‬وقد أشار الباحث‬ ‫إلى ذلك بقوله‪" :‬إننا لم نتلمس خطى منهج محدد سلفًا" )ص‬ ‫‪ ،(31‬و"تخّيرنا الحل التجريبي" )ص ‪ ،(31‬و"هذا البحث كان‬ ‫نوعا ً من المغامرة‪ ،‬ومن طبيعة المغامرة أنها يمكن أل تفضي‬ ‫إلى شيء" )ص ‪ .‬‬ ‫ولقد عّرف الباحث )الموضوعية( بأنها بحث في‬ ‫)الموضوع( بهدف اكتشاف السجل الكامل للموضوعات‪ .‬أما وصفه لموضوعيته بـ )البنيوية(‬ ‫فهو بعد عن الحقيقة‪ ،‬ولو أنه وصف "موضوعيته" بـ ")الثيمية( أو‬ ‫)الجذرية( لكان أكثر دقة وعلمية‪ .‬والموضوع( عنده هو مجموعة‬ ‫المفردات التي تنتمي إلى عائلة لغوية واحدة )ص ‪ ،(31‬وهذا‬ ‫تعريف )الجذر( ل )الموضوع(‪ .‬وبهذا فإن الموضوع الثانوي هو تطوير‬ ‫لجانب من جوانب الموضوع الرئيسي‪ ،‬وهناك كثير من العناصر‬ ‫المشتركة بين الموضوع الرئيسي والموضوعات الثانوية مثال‬ ‫مم الشاعر مشاعره على الشياء‬ ‫ذلك )التعميم( حيث يع ّ‬ ‫والطبيعة‪ ،‬فإذا تألم الشاعر تألمت الطبيعة معه‪ ،‬وإذا فرح‬ ‫فرحت معه‪.‬وقد لحظ البروفيسور )أندريه‬ ‫‪.‬فاكتفى بالموضوعية‬ ‫)أو الجذرية(‪ ،‬وهي المنهج الذي ثقفه وتبّناه‪ ،‬ونسى )البنيوية(‬ ‫أو حّرفها بما يناسب مقاصده‪ ،‬واكتفى بأخذ مقولة واحدة منها‬ ‫هي )القراءة الحلولية( التي تهمل الظروف الخارجية‬ ‫وانعكاساتها على العمل الدبي‪.(31‬وبالفعل فإن محاولة الجمع بين منهجين‬ ‫لم تفض إلى تشكيل منهج جديد‪ ،‬إضافة إلى أنه )انحراف( عن‬ ‫المنهج‪ ،‬أم أنه "اجتهاد"؟ لعل الجتهاد وارد ومشروع لو أن‬ ‫المنهج من صنعنا‪ ،‬ولكنه ما دام من صنع )الخر( فإن‬ ‫"اجتهادنا" فيه يظل محدودًا‪.

‬الخ‪ ،‬ثم أحصى المفردات ذات القرابة‬ ‫المعنوية معها‪ ،‬مثل‪ :‬اللثم‪ ،‬القبلة‪ .‬فلدى إحصاء ظهورات مفردة )أو جذر(‬ ‫)الحب( مثل ً فإن الباحث أحصى صيغها الفعلية‬ ‫والسمية كلها‪ ،‬وذلك مثل‪ :‬أحب‪ ،‬يحب‪ ،‬الحبيبة‪،‬‬ ‫المحبة‪ .(17– 16‬‬ ‫كذلك لحظ البروفيسور )دافيد كوهين( عضو لجنة مناقشة‬ ‫من( ‪Synchronie‬‬ ‫الرسالة‪ ،‬أن الباحث يريد أن يصالح بين )التز ّ‬ ‫و)التزامن( ‪ ،Diachronie‬لكن المصالحة بينهما غير ممكنة‪.‬الخ‪.‬الخ ثم انتقل إلى مترادفاتها‪ :‬الهوى‪ ،‬الغرام‪،‬‬ ‫الصبابة‪ .(12‬‬ ‫للسّياب )أي الفعل الم ّ‬ ‫كما لحظ البروفيسور )غريماس( عضو لجنة مناقشة‬ ‫الرسالة‪ ،‬أن الباحث استخدم إمكانيات ضخمة أشبه ما تكون‬ ‫بالمدفعية الثقيلة‪ ،‬دون طائل‪ ،‬لن الطريق التي سلكها ليست‬ ‫طريق الموضوعية الدبية‪ ،‬وإنما هي طريق الموضوعية‬ ‫المعجمية التي سادت في الخمسينات من هذا القرن‪ .‫ميكيل( المشرف على الرسالة‪ ،‬أن البحث كان "مغامرة مآلها‬ ‫الخفاق" )ص ‪ (10‬لن المصالحة بين منهجين هي خروج‬ ‫عليهما‪ ،‬وعدم تأسيس لمنهج جديد‪ ،‬وأن جهد سبع سنوات كان‬ ‫دون طائل ما دام المرء يمكن أن يحصل على النتيجة التي انتهى‬ ‫إليها الباحث خلل ساعات يقرأ فيها العمال الشعرية الكاملة‬ ‫حرك( )ص ‪.‬‬ ‫إضافة إلى غموض مفهوم )البنية( لديه‪:‬‬ ‫"فهذه البنيوية ليست بنيوية غريماس‪ ،‬وإنما هي بنيوية عبد‬ ‫الكريم حسن" )ص ‪.(22– 20‬‬ ‫وعلى الرغم من هذه الردود الجارحة‪ ،‬لنها كانت صادقة‬ ‫تتوخى وجه الحقيقة العلمية‪ ،‬فإن الباحث قد امتاز بالشجاعة‬ ‫الدبية‪ ،‬حين أثبتها في مقدمة رسالته‪ .(15– 13‬إضافة إلى ذلك فإن الزواج بين‬ ‫)الموضوعية( و)البنيوية( هو غير مشروع‪" :‬فعندما تريد أن‬ ‫جب‬ ‫تستخدم مثل هذه المناهج التي لم تكتمل بعد‪ ،‬فإنه يتو ّ‬ ‫عليك أن تستخدمها بحذر‪ ،‬وأن تتساءل عن الهداف التي تريد‬ ‫الوصول إليها" )ص ‪..‬وهو الذي يفرز بقية الموضوعات‬ ‫ويوّلدها بشكل آلي‪ .‬وقد أحصى‬ ‫الباحث ثلثة آلف مفردة )أو جذر( دون استعانة‬ ‫بالحاسب اللي‪ .‬ومن هنا‬ ‫فإن قراءتها مخّيبة للمال‪ ،‬لنها تشبه رسائل الدكتوراه التي‬ ‫قدم في الخمسينات‪ ،‬منطلقة من فكرة‪ ،‬ثم يقوم‬ ‫كانت ت ّ‬ ‫الباحث بالحصاء والسّبر والعد ّ لكي يصل في النهاية إلى نفس‬ ‫الفكرة )ص ‪ .‬متتبعا ً في هذا منهج )ريشارد( الذي‬ ‫يقول‪" :‬إن الطرادية هي المقياس في تحديد‬ ‫الموضوعات‪ .‬وهي أول رسالة بالعربية‬ ‫يتجرأ صاحبها على عرض سلبيات رسالته‪.‬‬ ‫دد )الموضوع الرئيسي( في‬ ‫‪-2‬بعد هذه العملية الحصائية ح ّ‬ ‫مرحلة شعرية معينة‪ ،‬وعنى به الموضوع الذي تتردد‬ ‫مفردات عائلته اللغوية بشكل يفوق مفردات العائلت‬ ‫اللغوية الخرى‪ .‬وعلى امتداد العمل الدبي المكتوب فإنه‬ ‫دد العناصر التي تتكرر بشكل ذي دللة‪ ،‬ثم‬ ‫يجب أن تتح ّ‬ ‫توضع هذه العناصر في مجموعات أو حقول شاقولية‪،‬‬ ‫‪...86 -‬‬ ..‬‬ ‫أما خطوات منهجه فقد كانت‪:‬‬ ‫‪"-1‬تكنيس" العمال الشعرية الكاملة للسّياب‪ ،‬بحيث‬ ‫يشمل الحصاء الغلبية الساحقة للمفردات‪ .‬‬ ‫وهذا يعني أنه أحصى أكثر من ثلثين ألف كلمة‪ ،‬وأطلق‬ ‫اسم )الظهورات( على الصيغ التي تنتمي إلى مفردة‬ ‫معينة‪.

‬والسّياب‬ ‫في هذه المرحلة ليس بأحسن حظا ً منه في المرحلة‬ ‫السابقة‪ :‬فالخفاق يلحق حبه‪ ،‬ويشكل السمة‬ ‫الساسية لهذا الحب الذي تعّلق بـ "هالة"‪ ،‬و)لبيبة(‪،‬‬ ‫وغيرهما‪.87 -‬‬ .‬وخصوصية هذا الحب فيه هي الخفاق‪ .‬‬ ‫‪-5‬وبهذا يصل البحث إلى )شبكة العلقات الموضوعية(‬ ‫التي تعّبر عن بنية الموضوعات في مرحلة شعرية‬ ‫معينة‪.‬‬ ‫‪ُ-3‬يعنى المنهج‪ ،‬بعد اكتشاف الموضوع الرئيسي‪ ،‬بتحليل‬ ‫المفردات التابعة له بكل ظهوراتها‪ ..‫وعبر حركة تنظيمية شمولية توضع هذه المجموعات‬ ‫في علقات بعضها مع بعض"‪ .‬وإلحاح الموضوع‬ ‫دد الموضوعات‬ ‫الرئيسي على أفكار بعينها هو الذي يح ّ‬ ‫الفرعية‪ .‬‬ ‫‪-4‬وقد أفضت دراسة الموضوع الرئيسي إلى دراسة‬ ‫الموضوعات الفرعية التي تنبثق عنه‪ .‬مثال ذلك الموضوع الرئيسي في شعر‬ ‫السّياب في مرحلته الولى في ديوانه )البواكير( هو‪:‬‬ ‫الحب‪ ..‬ويتم ذلك على‬ ‫أساس تحليل كل مفردة على حدة‪ ،‬ثم استخراج النتائج‬ ‫التي قد تكون مهمة جدا ً في التفريق بين هذه‬ ‫المفردات ووظائفها‪ .‬وقد أفاد الباحث من النوع‬ ‫الول في تحديد العائلة اللغوية‪ ،‬ومن الثاني في‬ ‫استخراج المعاني النصّية لكل مفردة في مواقعها‬ ‫المختلفة‪.‬والثاني يسميه‪ :‬النوّيات النصية للمعنى‪ ..‬‬ ‫ولهذا تنبغي دراسة موضوع اللم‪.‬وإذا كان ريشاد ينتقل‬ ‫بين مستويين‪ :‬مستوى التحليل‪ ،‬ومستوى مادة التحليل‪،‬‬ ‫فكذلك فعل الباحث في نوعين من المعنى‪ :‬الول‬ ‫يسميه غريماس‪ :‬النوّيات الذرية للمعنى‪ .‬وبعد إكمال التحليل الجزئي تتم‬ ‫دراسة الموضوع من خلل استخراج المخطط الكلي‬ ‫الذي ين ّ‬ ‫ظمه‪ .‬وقد تابعه الباحث في‬ ‫تعريفه للموضوع الرئيسي فقال إنه الموضوع الذي‬ ‫تترّدد مفردات عائلته اللغوية بشكل يفوق مفردات‬ ‫العائلت اللغوية الخرى‪.‬‬ ‫وهي أشبه ما تكون بالشجرة التي يمّثل الموضوع‬ ‫الرئيسي جذعها‪ ،‬وتمّثل الموضوعات الفرعية أغصانها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪-2‬في ديوان )قيثارة الريح( الحب هو أيضا الموضوع‬ ‫الذي تدور حوله باقي الموضوعات الشعرية‪ .‬‬ ‫وقد انتهى الباحث في إحصائه إلى النتائج التالية‪:‬‬ ‫‪-1‬في ديوان )البواكير( موضوع الشاعر هو )الحب( لكن‬ ‫الحبيبة لم تكن تبادله الحب‪ .‬‬ ‫‪-3‬في ديوان )أعاصير( و)أزهار وأساطير( يتدخل موضوع‬ ‫جديد هو حب الوطن‪ ،‬ليعكس القضية السياسية‬ ‫‪.‬فإذا مفردات السهر والليل‬ ‫والحرمان والموت تكثر في شعره‪..‬وهذا‬ ‫يتغّير تبعا ً لموقفه في النص‪ .‬والحب‬ ‫المخفق يقود إلى اللم‪ ،‬خصوصا ً وأن معظم مفردات‬ ‫الحب في هذا الديوان تشير إلى علقة الحب باللم‪.‬وهذا البحث وصفي‪ .‬فهو ظامئ إليه يود ّ لو‬ ‫يمل الحبيبة‪ ،‬فإذا به يمتلئ بها‪ .‬والفراغ العاطفي هو‬ ‫الذي دفعه إلى هذا الحب‪ ،‬ولكن رفضها إياه قاد إلى‬ ‫الفراق ثم إلى اللم‪ .‬وهو معنى‬ ‫ثابت‪ .‬وتحليل الباحث‪ ،‬كما هو عند ريشار‪ ،‬بحث‬ ‫عن المعنى‪ .‬‬ ‫وقد يتوّلد عن هذه الغصان فروع أصغر‪ ،‬وهكذا‪.

‬فهو يبشر بالثورة‪،‬‬ ‫دد بها الظالمين‪.‬وقد عاد الشاعر إلى التاريخ‬ ‫العربي‪ ،‬فأدهشته المفارقة بين صورة الماضي المجيد‬ ‫والحاضر البائس‪ .1978‬أستاذ النقد في جامعة الملك سعود بالرياض‪ ،‬وفي‬ ‫‪.‬وتتسع دائرة الموت حتى تشمل العراق‬ ‫والوطن العربي كله والمشرق بأجمعه‪ .‬فعلى الصعيد الوطني تبدو المدينة مومسا ً‬ ‫تستهلكها السلطة الطاغية وتستترف دمها‪ .‬‬ ‫فيعمد إلى )عشتار( آلهة الخصب في الديانات‬ ‫الرافدية‪ ،‬داعيا ً إياها و)تموز( إلى إنقاذ المدينة من‬ ‫م العراق‪.88 -‬‬ .‬‬ ‫براثن الجوع والحرمان والجفاف الذي ع ّ‬ ‫والموضوع الرئيسي الثاني الذي عالجه الشاعر هو‬ ‫)الثورة المخفقة(‪ .‬‬ ‫والموت هو الداة التي يسّلطها الطاغية على الشعب‪.‬‬ ‫ويتجّلى ذلك في وجه السيد المترف‪ ،‬ووجوه الفلحين‬ ‫الحزينة‪ ،‬وفي )غادة الريف( التي جاء بها الغنياء من‬ ‫الريف‪ ،‬ليتاجروا بها‪ ،‬هي وغيرها‪ ،‬يشترونهن‪ ،‬ثم‬ ‫يتمتعون بهن قلي ً‬ ‫ل‪ ،‬ويلقون بهن‪ ،‬وثمرة فسادهم في‬ ‫أحشائهن‪ ،‬ليلقين قدرهن المحتوم‪:‬‬ ‫سد الظلم‪ ،‬يعرضها الشاعر‪ .‬وإذا كان من بعث وحياة بعد هذا‬ ‫الموت في الحياة‪ ،‬فهو بعث كاذب حتمًا‪.‬‬ ‫‪-5‬في ديوان )المعبد الغريق( تسيطر صورة )الموت(‬ ‫موضوعا ً رئيسيًا‪ ،‬ومحورا ً تستند إليه شبكة العلقات‬ ‫الموضوعية‪ .‬‬ ‫ويه ّ‬ ‫‪-4‬في ديوان )أنشودة المطر( الموضوع الرئيسي هو‬ ‫)الموت( والتعبير به عن القضية السياسية‬ ‫والجتماعية‪ ،‬على كافة الصعدة‪ :‬الوطنية‪ ،‬والعربية‪،‬‬ ‫والنسانية‪ .‬‬ ‫ولول مرة يوظف السّياب )السطورة( في شعره‪..‬وقد‬ ‫الموت‪ .‬صور عديدة تج ّ‬ ‫انتهت به إلى وضع العلج المناسب الذي تمّثل في‬ ‫)الثورة( على الطغاة أعداء الحياة‪ .‬وعلى‬ ‫المستوى العربي تتبادر صورة اللجئ الفلسطيني‪،‬‬ ‫ور‬ ‫وبور سعيد الجريحة‪ ،‬وعلى المستوى النساني يص ّ‬ ‫الغرب وحشا ً يحمل الدمار إلى الشعوب‪ ،‬مقابل صورة‬ ‫الشرق المسالم الوديع‪.‬نال‬ ‫الدكتوراه في الدب والنقد من جامعة اكستر بإنجلترة عام‬ ‫‪ .‬‬ ‫فصار يرى الموت خل َ‬ ‫ً‬ ‫‪-6‬في ديوان )منزل القنان( يستّبد الموت أيضا به‪،‬‬ ‫ويشكل موضوعه الرئيسي‪ :‬فالشاعر يعاني من ألم‬ ‫المرض وعذابه‪ ،‬في بيروت ولندن والعراق‪ ،‬ويصارع‬ ‫الموت بسيف الشعر المفلول‪ ،‬دون جدوى‪.‬‬ ‫‪-7‬في ديوان )شناشيل ابنة الجلبي( يشكل الموت –‬ ‫أيضا ً –الموضوع الرئيسي لشعر الشاعر‪.‬هذا الموت‬ ‫الموضوعي الذي يظهر في صور فساد الحاضر‪ ،‬تقابله‬ ‫صورة أخرى للموت هي الموت الذاتي‪ ،‬حيث دخل‬ ‫الشاعر في علقة مباشرة معه‪ ،‬حين اشتد به المرض‪،‬‬ ‫ص من اللم والعذاب‪.‬لكن )الموت( يظل المرآة التي تنعكس‬ ‫عليها صورة الواقع السياسي والجتماعي في العراق‪.‫الجتماعية دون أن يتوقف عن اقتراح الحل الناجع لها‪،‬‬ ‫وهو )الثورة(‪ .‬‬ ‫‪ -4‬عبد الله الغذامي والخطيئة والتكفير‬ ‫عبد الله الغ ّ‬ ‫ذامي ناقد حداثي من السعودية‪ .

‫دة‪ .‬‬ ‫)مر ِ‬ ‫سل( يرسل )رسالة( إلى )مر َ‬ ‫ً‬ ‫ولكي يكون ذلك عمليا يحتاج إلى ثلثة أشياء هي‪ :‬السياق‪،‬‬ ‫والشفرة‪ ،‬ووسيلة التصال‪ .‬ويستطيع كل جيل أن يبدع شفرته‬ ‫المميزة‪ ،‬بل كل مبدع يمكن أن يبتكر شفرته التي تحمل‬ ‫خصائصه‪ ،‬إلى جانب خصائص شفرة السياق الخاصة بالجنس‬ ‫ققها إل القلة‬ ‫الدبي الذي أبدع فيه‪ ،‬وهذه حالة متميزة ل تح ّ‬ ‫المبدعة التي تغّير مجرى الدب‪ .‬‬ ‫نقل الفكار أو المعاني‪ ،‬وإن ّ‬ ‫ونه‪ ،‬فيجلب إليه عناصر‬ ‫جه يتع ّ‬ ‫وهذا التو ّ‬ ‫قد في أطوار تك ّ‬ ‫أخرى مهمة مثل )السياق( و)الشفرة(‪) .‬‬ ‫وكتابه هذا في قسمين‪ :‬أول وضع فيه مقدمة نظرية في‬ ‫حوالي ثمانين صفحة من كتابه البالغ ثلثمائة وثمانين‪ ،‬عالج‬ ‫فيها‪ :‬نظرية البيان )الشعرية(‪ ،‬ومفاتيح النص )البنيوية‪،‬‬ ‫والسيميولوجية‪ ،‬والتشريحية(‪ ،‬وفارس النص )رولن بارت(‬ ‫ونظرية القراءة‪ .‬ولكن الباحث استطاع‬ ‫‪..‬أما في حال القول الدبي فإن الرسالة‬ ‫)تنحرف( عن خ ّ‬ ‫طها‪ ،‬بحيث ل يصبح )المرسل( باثا ً ول‬ ‫ً‬ ‫ول الثنان إلى فارسين‬ ‫يتح‬ ‫وإنما‬ ‫ا‪،‬‬ ‫قي‬ ‫ّ‬ ‫متل‬ ‫سل إليه(‬ ‫)المر َ‬ ‫ّ‬ ‫ص(‪ ،‬ويتحول‬ ‫)الن‬ ‫هو‬ ‫يضمهما‬ ‫واحد‬ ‫مضمار‬ ‫على‬ ‫متنافسين‬ ‫ّ‬ ‫ص( ول يعود هدف الرسالة‬ ‫القول اللغوي من )رسالة( إلى )ن ّ‬ ‫ما تصبح الرسالة غاية في ذاتها‪.‬فالرسالة كقول لغوي‪،‬‬ ‫تتجه من باعثها إلى متلقيها‪ ،‬وغايتها نقل فكرة‪ ،‬فإذا فهمها‬ ‫المتّلقي‪ ،‬انتهى دورها‪ .(1972– 1909‬‬ ‫في )نظرية البيان( الشعرية يعتمد الباحث المنهج‬ ‫البنيوي‪ ،‬ويرى أن خير وسيلة للنظر في حركة النص الدبي هي‬ ‫خصه )ياكوسبون( في‬ ‫النطلق من مصدره اللغوي‪ ،‬كما يش ّ‬ ‫ددها بستة عناصر تغطي‬ ‫)نظرية التصال( التي جاء بها‪ ،‬وح ّ‬ ‫وظائف اللغة كافة‪ ،‬بما فيها الوظيفة الدبية‪ :‬فالقول يحدث من‬ ‫سل إليه(‪.‬‬ ‫والذي يهمنا هنا هو )الوظيفة الدبية(‪ ،‬وذلك حين يصبح‬ ‫ول فني يحدث للقول‪ ،‬ينقله من‬ ‫القول اللغوي أدبًا‪ ،‬وهو تح ّ‬ ‫الستعمال النفعي إلى الثر الجمالي‪ .‬وكل قول مهما كان نوعه إنما يدور‬ ‫في هذه المدارات الستة‪ ،‬واختلف القوال في طبيعتها وفي‬ ‫جنسها إنما يكون في تركيزها على عنصر من هذه العناصر‬ ‫أكثر من سواه‪.‬وهكذا فإن الشفرة مهمة جدا ً‬ ‫في ابتكار النص وفي حمايته من الذوبان في السياق‪ ،‬لنها‬ ‫خصوصية النص وروح تمّيزه‪.‬‬ ‫وهذا كله مأخوذ من )ياكوبسون(‪ .‬‬ ‫وأما )الشفرة( فهي اللغة الخاصة بالسياق‪ ،‬والسلوب‬ ‫الخاص بالجنس الدبي الذي ينتمي إليه النص الدبي‪ ،‬وللشفرة‬ ‫ول‪ ،‬حتى‬ ‫خاصة إبداعية فريد ة هي قابليتها للتج ّ‬ ‫دد والتغّير والتح ّ‬ ‫وإن ظلت داخل سياقها‪ .89 -‬‬ .‬فالسياق( هو الطاقة‬ ‫المرجعية التي يجري القول من فوقها‪ ،‬ويمثل خلفية للرسالة‬ ‫تم ّ‬ ‫كن المتلقي من تفسير المقولة وفهمها‪ ،‬وهو الرصيد‬ ‫الحضاري للقول‪ ،‬ومادة تغذيته بوقود حياته وبقائه‪ .‬ظهر في الوطن العربي‬ ‫جامعة الملك عبد العزيز في ج ّ‬ ‫في منتصف الثمانينات‪ ،‬بكتابه الول )الخطيئة والتكفير( ‪1985‬‬ ‫فأحدث ضجة كبرى في صفوف نقادنا‪ :‬لنه تبنى فيه أحدث‬ ‫منهجين نقديين آنذاك‪ ،‬وهما‪ :‬البنيوية والتشريحية أو‬ ‫)التفكيكية(‪ ،‬نشر حتى عام ‪ 2000‬أكثر من خمسة عشر كتابا ً‬ ‫نقديا ً كلها في التطبيق الذي غلب عليه أكثر من التنظير‬ ‫النقدي‪.‬ولهذا فهو‬ ‫أكبر من الرسالة وأسبق في الوجود‪.‬وفي القسم الثاني درس شعر الشاعر‬ ‫السعودي المعاصر حمزة شحاتة )‪.

‬‬ ‫‪-3‬استنباط الشفرات المعيارية التي ينطلق منها الجنس‬ ‫الدبي‪.‬‬ ‫والميزة الكثر إيجابية للباحث هي تشّربه للمفهومات‬ ‫الغربية‪ ،‬واستيعابه للمفاهيم التراثية‪ ،‬ومحاولته الجمع بينهما‪:‬‬ ‫ففي )نظرية البيان( الشعرية عّرف بنظرية )التصال(‬ ‫الغربية‪ ،‬وبـ )الّنص( في المنهج البنيوي‪ .‬ثم أخذ يتلمس مقولت‬ ‫البيان في تراثنا لدى الجاحظ )في البيان والتبيين(‪ ،‬ولدى عبد‬ ‫القاهر في )نظرية النظم(‪ ،‬ولدى حازم القرطاجني )في نظرية‬ ‫دث عن )شعرية الشعر( وعن‬ ‫التخييل( وقد وجد أن حازما ً تح ّ‬ ‫)القول الشعري( دون أن يقصد بهما الشعر أو النظم‪ .‬‬ ‫وهكذا فإن الشاعرية هي الكليات النظرية للدب‪ ،‬وهي‬ ‫نابعة من الدب نفسه‪ ،‬وهادفة إلى تأسيس مساره‪ .‬والكتابة ل تحدث‬ ‫بشكل معزول أو فردي‪ ،‬وإنما تحتاج إلى تفاعل ل ُيحصى من‬ ‫النصوص المخزونة داخل المبدع‪.‬وتنبع الشاعرية من اللغة لتصف اللغة‪،‬‬ ‫فهي لغة عن اللغة‪ ،‬تحتوي اللغة وما وراء اللغة‪ ،‬مما تحدثه‬ ‫الشارات من موحيات ل تظهر في الكلمات‪ ،‬ولكنها تختبئ في‬ ‫مساربها‪ .‬وهذا تمييز للشاعرية عن اللغة العادية‪.‬من هنا ندرك أن‬ ‫)الشاعرية( تحتوي )السلوبية( وتتجاوزها‪ :‬فالسلوبية هي‬ ‫إحدى مجالت الشاعرية‪ ،‬لنها تقوم على توصيف الخصائص‬ ‫القولية في النص‪ ،‬وتتناول ما هو في لغة النص فحسب‪ ،‬بينما‬ ‫تتجاوز الشاعرية هذا إلى إدراك ما ينشأ في نفسية المتلقي‬ ‫‪..‬‬ ‫خض عن هذه النصوص جنين ينشأ في ذهن الكاتب‪،‬‬ ‫ويتم ّ‬ ‫ص( وهذا التفاعل بين‬ ‫فيتولد عنه العمل البداعي الذي هو )الن ّ ّ‬ ‫النصوص في توارثها وتداخلها هو ما يسميه رواد المدرسة‬ ‫ص(‪ ،‬فالشاعر عندما يكتب‬ ‫التفكيكية )تداخل النصوص( أو )التّنا ّ‬ ‫قصيدته يضع نفسه في مواجهة كل سالفيه من الشعراء‪،‬‬ ‫فيستمد ّ منهم كمخزون ثقافي‪ ،‬ومن إبداعه الذاتي‪ ..‫صل القول فيه بإسهاب‪ ،‬ويضع له أمثلة عربية‪.‬وهي تناول‬ ‫تجريدي للدب‪ ،‬مثلما هي تحليل داخلي لـه‪ .‬فقد رأى )ياكوبسون( أن الموضوع الرئيسي‬ ‫للشاعرية هو تمايز الفن اللغوي واختلفه عن غيره من الفنون‬ ‫الخرى‪ .(20‬‬ ‫وعلى هذا فإن المتنبي مخبوء في شوقي‪ ،‬وأبو تمام في‬ ‫السّياب‪ ،‬وعمر بن أبي ربيعة في نزار قباني‪.‬‬ ‫أن يف ّ‬ ‫ثم يستمد الباحث من )رولن بارت( الذي يؤكد على‬ ‫السياق كضرورة فنية لحداث فعالية الكتابة‪ .‬‬ ‫‪-2‬تحليل أساليب النصوص‪.‬‬ ‫دد مجالت الشاعرية في ثلثة هي‪:‬‬ ‫أما )تودوروف( فقد ح ّ‬ ‫‪-1‬تأسيس نظرية ضمنية للدب‪.90 -‬‬ .‬وربط‬ ‫بين )الشعرية( و)التخييل(‪.‬‬ ‫دث الباحث عن مفهوم )الشعرية( في النقد الغربي‬ ‫ثم تح ّ‬ ‫المعاصر لدى )ياكوبسون( و)تودوروف( و)بارت( و)ديريدا(‬ ‫وغيرهم‪ .‬وهذا ما يجعل الشاعرية مؤهلة لموضع الصدارة في‬ ‫الدراسات الدبية‪ ،‬وهي تبحث في إشكاليات البناء اللغوي‪،‬‬ ‫ولكنها ل تقف عند حد ما هو حاضر وظاهر من هذا البناء في‬ ‫النص الدبي‪ ،‬وإنما تتجاوزه إلى سبر ما هو خفي وضمني‪،‬‬ ‫ولذلك فإن كثيرا ً من الخصائص الشاعرية ل يقتصر انتماؤها‬ ‫على علم اللغة‪ ،‬وإنما هي تنتمي إلى نظرية الشارات‪ ،‬أي إلى‬ ‫علم )السيميولوجيا(‪ .‬ولهذا قال‬ ‫)بارت(‪" :‬إن الحداثة ليست إل الشكل الم ّ‬ ‫طور للماضي‪ ،‬كما‬ ‫أن اليوم ليس إل انبثاقا ً عن المس" )لذة النص ص ‪.

‬‬ ‫وإذا كانت المناهج النقدية المعتمدة على العلوم‬ ‫المساعدة‪ :‬من تاريخ‪ ،‬وعلم نفس‪ ،‬وعلم اجتماع‪ ،‬وحتى‬ ‫أنثربولوجيا‪ ،‬قد أنجبت مناهج نقدية كانت فتحا ً جديدا ً في‬ ‫زمنها‪ ،‬فإنها اليوم قد اسُتهلكت‪ ،‬بعد أن ظهرت نواقصها‬ ‫وعيوبها‪ ،‬ولهذا ظهرت مناهج نقدية جديدة ل تقيم وزنا ً لنفسية‬ ‫المبدع‪ ،‬ول لظروف البداع‪ ،‬وإنما تحصر كل همها في )النص(‬ ‫الدبي وحده‪ ،‬مستقل ً بنفسه‪ ،‬وهذه المناهج هي‪ :‬البنيوية‪،‬‬ ‫والسيميائية‪ ،‬والتشريحية‪ ،‬وكلها تجعل من لغة النص منطلقا ً‬ ‫نقديًا‪.‬‬ ‫)فالبنيوية( هي مد ّ مباشر من اللسنية‪ ،‬ويقف )فرديناند‬ ‫جه النقدي‪ ،‬منذ أن عّرف‬ ‫دي سوسير( على صدارة هذا التو ّ‬ ‫اللغة بأنها )نظام من الشارات(‪ .‬وعلى الرغم من أن سوسير قد‬ ‫توصل إلى أن الشارة ذات طبيعة اعتباطية‪ ،‬فإن معرفة‬ ‫‪.‬وهذا ما س ّ‬ ‫كز على ما يحدثه النص من أثر إشاري في ذهن‬ ‫حيث ر‬ ‫المتّلقي‪ ،‬ينتج عنه أن تقوم في الذهن صور ينفعل لتخّيلها‪،‬‬ ‫تتبعها صور أخرى يحدثها النفعال اللشعوري من جهة‬ ‫النبساط أو النقباض‪ ،‬وفي إطلق الكلمة كإشارة حّرة من قيد‬ ‫المعنى لتكون )تخيي ً‬ ‫ل( يحدث أثرا ً انفعاليًا‪ ،‬يثير في الذهن‬ ‫صورا ً تنطلق فيها المخيلة حّرة كحرية الشارة‪.91 -‬‬ .‬‬ ‫وعلى الرغم من أن النص يتضمن عناصر عديدة‪ .‬وقد توجد‬ ‫الشاعرية في نصوص غير أدبية‪ .‬إّنها )سحر البيان( وما‬ ‫"السحر" إل تحويل للواقع وانتهاك له‪.‬‬ ‫وهكذا فإن الشاعرية ليست إضافات تجميلية للخطاب‬ ‫بزينة بلغية‪ ،‬ولكنها إعادة تقييم كاملة للخطاب‪ ،‬ولكل عناصره‪.‬‬ ‫وهي انتهاك لقوانين العادة‪ ،‬ينتج عنه تحويل اللغة من كونها‬ ‫انعكاسا ً للعالم أو تعبيرا ً عنه أو موقفا ً منه‪ ،‬إلى أن تكون هي‬ ‫نفسها عالما ً آخر‪ ،‬ربما بديل ً عن العالم‪ .‬أو لعله لم يميز بينها كمناهج نقدية مستقلة عن‬ ‫بعضها‪ ،‬في ذلك الوقت المبكر من مثاقفته وتلقيه لها‪ ،‬حيث‬ ‫كانت الحدود بينها غائمة‪ ،‬ولم تكن مستقلة عن بعضها بعضًا‪،‬‬ ‫وإنما كانت تبدو للناظر إليها من بعيد حداثية‪ .‬والشارات هي أصوات تصدر‬ ‫عن النسان‪ ،‬ول تكون ذات قيمة إل إذا كان صدورها للتعبير‬ ‫عن فكرة ما أو لتوصيلها‪ .‬ولكن النص يو ّ‬ ‫ظف الشاعرية‬ ‫مق ثنائيات‬ ‫فتتع‬ ‫في داخله ليفجر طاقات الشارات اللغوية فيه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشارات‪ ،‬وتتحرك من داخله لتقيم لنفسها مجال ً تفرز فيه‬ ‫مخزونها الذي يمكّنها من إحداث أثر انعكاسي يؤسس للنص‬ ‫ومات التفاعل الدائم‪ ،‬من حيث هي بنية‬ ‫بنية داخلية تملك مق ّ‬ ‫ول فيما بينهما لتوليد ما ل ُيحصى من‬ ‫شمولية مؤهلة للتح ّ‬ ‫النظمة الشاعرية فيها حسب قدرة القارئ على التلقي‪.‬‬ ‫ثم ينتقل الباحث إلى )مفاتيح النص( حيث يعّرف بثلثة‬ ‫مناهج نقدية دفعة واحدة‪ ،‬هي‪ :‬البنيوية‪ ،‬والسيميائية‪،‬‬ ‫والتشريحية‪ ،‬وكأنه يريد أن يسوغ لنفسه "منهجا ً جامعًا" لهذه‬ ‫المناهج الثلثة‪ .‫من أثر‪ ،‬وإلى المكانيات التي يقترحها على القارئ الذي يتولى‬ ‫إتمامها‪.‬‬ ‫وعندئذ تتحول )الكلمة( إلى )إشارة( ل لتدل على معنى‪،‬‬ ‫وإنما لتثير في ّالذهن إشارات أخرى‪ ،‬وتجلب إلى داخلها صورا ً‬ ‫ماه حازم القرطاجني بـ )التخييل(‪،‬‬ ‫ل يمكن ّ حصرها‪ .‬فإن‬ ‫)الشاعرية( هي أبرز هذه العناصر وأخطرها‪ .‬ومن هنا فإننا‬ ‫نجده يقتبس في آن واحد من )ياكوبسون( اللغوي‪ ،‬ومن‬ ‫)رولن بارت( البنيوي‪ ،‬ومن )غريماس( السيميائي‪ ،‬ومن‬ ‫)ليتش( التشريحي‪ ،‬في معالجتهم لتعريف النص‪ ،‬على الرغم‬ ‫من اختلف مناهجهم النقدية‪.

‬‬ ‫‪-3‬تركز البنيوية دائما ً على )النساق( أو النظمة‪.‬أما )علقات‬ ‫التأليف( فتعتمد التجاور بين الوحدات‪ ،‬حيث تكون صلة تآلف‬ ‫تبادلية‪ ،‬أو صلة تنافر‪ ،‬مما يجعل التأليف ممكنًا‪ ،‬أو غير ممكن‪.‬فكلمة )ضللة( مثل ً‬ ‫دها‬ ‫ذات معنى ل لشيء في ذاتها‪ ،‬وإنما لوجود )الهداية( فبض ّ‬ ‫تتوضح الشياء‪ ،‬ولول )السواد( ما عرفنا )البياض(‪ ،‬وهذا ما‬ ‫جعل سوسير يرى اللغة )نظاما ً من الختلفات(‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ور اللساني انطلقت البنيوية‪ ،‬حيث طّبق‬ ‫من هذا التص ّ‬ ‫النثربولوجي الفرنسي )كلود ليفي شتراوس( هذا المنهج على‬ ‫النثربولوجيا‪ ،‬في دراسته البنيوية للساطير الهندية المريكية‪.‬‬ ‫ثم جاء )جان بياجيه( فطّبقها على علم النفس‪ ،‬حيث مّيز‬ ‫)البنية( من خلل ثلث خصائص لها هي‪ :‬الشمولية‪ ،‬والتحول‪،‬‬ ‫والتح ّ‬ ‫كم الذاتي‪.‫الشارة ل تتم من خلل خصائصها الساسية‪ ،‬وإنما من خلل‬ ‫تمايزها باختلفها عن سواها من الشارات‪ .92 -‬‬ .‬فالتي من‬ ‫الداخل نوعان‪ :‬علقات التأليف‪ ،‬وعلقات الختيار‪ .‬من‬ ‫هنا كانت علقات الختيار ذات طبيعة إيحائية‪ ،‬تقوم على إمكان‬ ‫الستبدال على محور )عمودي(‪ ،‬فكل كلمة في أية مجلة هي‬ ‫ح أن‬ ‫)اختيار( حدث من سلسلة عمودية من الكلمات التي تص ّ‬ ‫تح ّ‬ ‫ل محلها إما لتشابه صوتي بينهما أو لتشابه المعنى أو‬ ‫للتشابه النحوي‪ ،‬وهذه علقات مخزونة في ذاكرة اللغة‪،‬‬ ‫وتتداخل مع الكلمة في حالة البداع وفي حالة التلقي‪ .‬وتختلف‬ ‫الكلمات في طاقتها المخزونة في ذاكرة الجماعة‪ ،‬فيلجأ‬ ‫المبدع إلى هذا المخزون ليستثمره في إغناء إبداعه وشحنه‬ ‫بدفق إيحائي‪ ،‬كما فعل صلح عبد الصبور مثل ً في اتخاذه )ليلى‬ ‫والمجنون( عنوانا ً لحدى مسرحياته الشعرية‪ ،‬اعتمادا ً على ما‬ ‫تحمله هذه الجملة من علقات اختيار غنية تجلب رصيدا ً شعريا ً‬ ‫ثرا ً في ذاكرة الجماعة‪.‬‬ ‫‪-2‬تعالج البنيوية العناصر بناء على )علقاتها( وليس على‬ ‫أنها )وحدات( مستقلة‪.‬ولكن كلمة‬ ‫)جاء( تتنافر مع فعل آخر مثل )غاب( فل نستطيع أن نؤلف‬ ‫بينهما فنقول‪ :‬جاء غاب‪ ،‬ولهذا فإن الكلمة تؤسس وظيفتها‬ ‫بعلقتها بمجاوراتها مما سبقها‪ ،‬وما لحقها‪ ،‬من كلمات‪.‬‬ ‫ولمفهوم )العلقة( أهمية كبرى في المنهج البنيوي تضاهي‬ ‫أهمية مفهوم )الصوتيم( كأصغر )وحدة( في النص الدبي‪.‬‬ ‫وتشترك )العلقة( والصوتيم معا ً في رسم ملمح المنهج‬ ‫البنيوي‪ ،‬وهما يتأسسان معا ً من مبدأ )الختلف( الذي يميز‬ ‫الوحدة ويوجد )وظيفتها(‪ .‬وعلى هذا فإن لدينا نوعين من‬ ‫العلقات‪ :‬علقات داخل الوحدة‪ ،‬وعلقات خارجها‪ .‬‬ ‫من هنا نرى أهمية )العلقات( في التحليل البنيوي الذي‬ ‫يسعى إلى وصف العمل الدبي‪ ،‬من خلل الرصد الحصائي‬ ‫للخصائص اللغوية في النص الدبي‪ ،‬عبر تحليل نقدي يتحرك‬ ‫على أربعة منطلقات يحددها )ليتش( في‪:‬‬ ‫‪-1‬تسعى البنيوية إلى استكشاف )البنى( الداخلية‬ ‫اللشعورية للظاهرة‪.‬‬ ‫وأما )علقات الختيار( فهي علقات )غياب(‪ ،‬بخلف‬ ‫)علقات التأليف( التي هي علقات )حضور( في الجملة‪ .‬‬ ‫‪-4‬تسعى البنيوية إلى إقامة )قواعد( عامة عن طريق‬ ‫الستنتاج أو الستقراء‪) ،‬ليتش –النقد التفكيكي(‪.‬‬ ‫فكلمة مثل )جاء( هي على صلة تآلف تبادلية مع )الرجل( مما‬ ‫يمكننا من التأليف بينهما‪ ،‬فنقول‪ :‬جاء الرجل‪ .

‫في عرضه )للسيميولوجيا( يعترف الباحث بحيرته في تبني‬
‫مصطلح لها‪ ،‬بعد أن رأى اضطراب المصطلح عند المترجمين‬
‫دي في كتابه )السلوبية‬
‫العرب‪ ،‬بين )علم العلمات( عند المس ّ‬
‫والسلوب(‪ ،‬و)السيمياء( عند نصرت عبد الرحمن في كتابه‬
‫)النقد الحديث(‪ ،‬وسعد مصلوح في كتابه )السلوب(‪،‬‬
‫و)الدلئلية( عند الطيب البكوش في تعريبه لكتاب جورج مونين‬
‫)مفاتيح اللسنية(‪ ...‬كما يعترف بما يخامر هذا العلم من‬
‫ضبابية‪ ،‬بسبب اتساعه وشموله‪ ،‬مما جعله يتداخل مع علوم‬
‫كثيرة من أهمها اللسنية‪..‬‬
‫ورائدا هذا العلم هما الفيلسوف المريكي )بيرس( )‬
‫‪ ،(1914– 1839‬والعالم اللسني )فرديناند سوسير( )‪-‬‬
‫‪ .(1913‬وإذا كان الول قد تناول السيميولوجيا من وجهة نظر‬
‫فلسفية‪ .‬فإن الثاني تناول السيميولوجيا من وجهة نظر لغوية‪،‬‬
‫فقال‪" :‬إن اللغة نظام من الشارات التي يعبر بها عن الفكار‪.‬‬
‫م والبكم والطقوس‬
‫ولذا فإنها تشبه نظام الكتابة‪ ،‬وأبجدية الص ّ‬
‫العسكرية‪ ...‬إن علما ً‬
‫الرمزية‪ ،‬ومظاهر الدب والشارات‬
‫ور‪،‬‬
‫يدرس حركة الشارات ًفي المجتمع لهو علم قابل للتص ّ‬
‫وسيكون هذا العلم جزءا من علم النفس الجتماعي‪ ،‬وبالتالي‬
‫من علم النفس العام‪.‬‬
‫وسأدعو هذا العلم سيميولوجيا )من المصدر الغريقي‬
‫‪ (Semein‬هذا العلم سيوضح مكونات الشارات والقوانين التي‬
‫تحكمها‪ .‬ولن هذا العلم لم يوجد بعد‪ ،‬فإنه لن يمكن لحد أن‬
‫يتنبأ ماذا سيكون؟ ولكنه يملك الحق في أن يكون‪.‬‬
‫واللسنية هي فرع منه‪ .‬والقوانين التي تكشفها‬
‫السيميولوجيا ستكون قابلة للتطبيق على اللسنية"‪.‬‬
‫تلك كانت نبوءة سوسير في مطلع القرن العشرين في‬
‫م محاضراته في اللسنية التي نشرها تلمذته بعد‬
‫كتابه الذي ض ّ‬
‫وفاته بثلث سنوات )عام ‪ ،(1916‬ومنذ ذلك الحين‬
‫والسيميولوجيا تسير جنبا ً إلى جنب مع اللسنية حتى ليصعب‬
‫فصلهما عن بعضهما بعضًا‪.‬‬
‫وترتكز السيميولوجيا على ثلثة عناصر هي‪:‬‬
‫‪-1‬العلمة ‪ .Index‬والعلقة فيها بين الدال والمدلول‬
‫سببية‪ :‬فالدخان علمة على النار‪ ،‬والطرق على الباب‬
‫علمة على وجود شخص‪..‬‬
‫‪-2‬المثل )أو اليقونة( ‪ :Icon‬والعلقة فيه تقوم على‬
‫التشابه‪ :‬فالرسم هو شبه المرسوم‪ ،‬والتمثال هو شبه‬
‫المنحوت‪..‬‬
‫‪-3‬الشارة )أو الرمز( ‪ :Sign‬والعلقة فيها اعتباطية‪.‬‬
‫وتتكون من )دال( هو الصورة الصوتية‪ ،‬و)مدلول( هو‬
‫المتصور أو المفهوم الذهني لذلك الدال‪.‬‬
‫ولكن السيميولوجيين التالين للرواد مثل )رولن بارت(‪،‬‬
‫و)لكان( وغيرهما‪ ،‬رفضوا فكرة وجود ارتباط ثابت بين )الدال(‬
‫و)المدلول( وقالوا إن الشارات )تعوم( سابحة لتغري‬
‫المدلولت‪ ،‬وتصبح )دوا ً‬
‫ل( تجلب )مدلولت( أخرى‪.‬‬
‫وهذا ما حّرر الكلمة لتكون )إشارة حرة( تمّثل حالة‬
‫حضور‪ ،‬في حين يمثل المدلول حالة )غياب( لنه يعتمد على‬
‫ذهن المتلقي في استحضاره‪ .‬وهذه العلقة ل تنشأ إل بفعل‬
‫المتلقي الذي يقيم هذه العلقة بين الدال والمدلول بما يسمى‬
‫)الدللة( وبما أن الصلة تقوم بين )حاضر( و)الدال( الكلمة‪،‬‬
‫و)غائب( هو )المدلول( أو الصورة الذهنية‪ ،‬فإن المدلول يصبح‬
‫‪- 93 -‬‬

‫عالة على الدال‪ .‬ووجوده يعتمد كليا ً على وجود )الدال(‪ .‬ومن‬
‫الممكن أن نتصور كلمة بل معنى‪ ،‬أي بل متصور ذهني‪ .‬ولكنه‬
‫يستحيل أن نتصور )مدلو ً‬
‫ل( بل دال‪.‬‬
‫إن مفهوم )العتباطية( وما ينتج عنه من إطلق قيد‬
‫الشارة هو أخطر ما قدمته السيميولوجيا‪ ،‬وقد تأسس عنه‬
‫مبدأ )القراءة السيميولوجية( للنص‪ ،‬والتي تقوم على إطلق‬
‫الشارات كدوال حّرة‪ ،‬ل تقيدها حدود المعاني المعجمية‪.‬‬
‫ويصير للنص فعالية قرائية إبداعية تعتمد على الطاقة التخييلية‬
‫للشارة في تلقي بواعثها مع بواعث ذهن المتلقي‪ .‬ويصير‬
‫درب هو صانع النص‪ .‬ويقترح )شولز( في كتابه‬
‫القارئ الم ّ‬
‫)السيميولوجيا( شرطين هما‪:‬‬
‫‪-1‬لكي نقرأ النص ل بد أن نعرف تقاليد الجنس الدبي‬
‫الذي ينتمي إليه‪.‬‬
‫‪-2‬ل بد أن تكون لدينا مهارات نظامية تم ّ‬
‫كننا من جلب‬
‫العناصر الغائبة‪.‬‬
‫ول بد من معرفة سياق النص‪ ،‬فالقارئ مطالب بأن يقرأ‬
‫باطن النص كما يقرأ ظاهره‪ ،‬ليتمكن من تخّيله‪ ،‬ومن ثم‬
‫تفسيره سيميولوجيًا‪ .‬وبذلك تصبح القراءة عمل ً إبداعيا ً كإنشاء‬
‫النص‪ ،‬ويصبح القارئ ل المبدع‪ ،‬أبا ً للنص‪ ،‬وهذه هي فعالية‬
‫القراءة الصحيحة‪.‬‬
‫*‬
‫في عرضه )للتشريحية( ‪ deconstruction‬احتار الباحث أيضا ً‬
‫في تعريبها بين )التحليلية(‪ ،‬و)النقيضة(‪ ،‬و)التفكيكية(‪،‬‬
‫)والتشريحية( التي آثرها‪.‬‬
‫ثم انطلق من )اعتباطية( الشارة وكونها حرة التوجه نحو‬
‫المدلول‪ ،‬ومن ثم قدرتها على تغيير ذلك المدلول واستبداله‪،‬‬
‫ور مسارين للنقد الدبي‪ :‬أحدهما يطلق‬
‫فإن )رولن بارت( ص ّ‬
‫)الدال( إلى أقصى ما يمكن أن يذهب إليه‪ ،‬حيث تتسّنم‬
‫الشارة ظهر حالة من )اليوتوبيا( حرة تتحرك خارج القوى‬
‫التاريخية والجدليات الثقافية‪ ،‬وبذلك تتحول القراءة إلى انعتاق‬
‫ذاتي للقارئ‪ ،‬وكأنها حالة هوس‪ .‬ويقوم هذا المسار إلى إلغاء‬
‫)المدلول(‪.‬‬
‫والمسار الثاني للنقد يأخذ نفسه بتحليقات المعاني‬
‫وإشكاليات التفسير‪ ،‬دون أن يتجاوز المكانات الدللية‬
‫وخلفياتها‪ ،‬ذلك أن المجتمعات محاصرة بمعترك المعاني‪،‬‬
‫ولذلك فإن إزاحة النقد التقليدي ل تتم إل في المعنى وليس‬
‫خارجه‪ ،‬لن سلطان قواعد التصال هي التي تقرر فعاليتها‪.‬‬
‫ولكي يكون النقد فعال ً ل بد أن يتحرك ضمن حدود المعاني‪،‬‬
‫وبذلك يفتح )بارت( أبواب السيميولوجيا لتقود النقد إلى‬
‫مسارات جديدة تأخذ بمبادئ اللسنية في فتح آفاق النص‬
‫الدبي‪.‬‬
‫ثم يأتي )جاك لكان( فيحاول الجمع بين اللسنية وعلم‬
‫النفس‪ ،‬ليدفع بالنقد نحو اتجاه جديد يقوم على مبدأ أن )البنية‬
‫الشاملة للغة هي بنية ل شعورية(‪ ،‬وهي تشبه حالة )الحلم(‪،‬‬
‫حيث يكون الفعل للدال‪ ،‬بينما المدلول في حكم التفسير أو هو‬
‫شيء طائر‪ .‬وبذا يحرر لكان الدال من قيد المدلول‪ ،‬ويصبح‬
‫)المدلول( منزلقًا‪ ،‬و)الدال( عائمًا‪.‬‬
‫ويكون دورنا –كقّراء –هو تفسير الشارات أو البحث عن‬
‫)نواة( أو دال رئيسي مخزون في اللشعور يمثل حالة الصفر‬
‫أو اللمعنى‪ .‬وهذا قمة انعتاق الدال‪.‬‬
‫‪- 94 -‬‬

‫و )ديريدا( ينطلق من الرضية نفسها‪ ،‬لكنه يقلب المعادلة‬
‫قلبا ً تامًا‪ ،‬ويرفع علم )النقد التشريحي( الذي اشتعل أواره في‬
‫مجلة )تل كل( الفرنسية التي أشهرت البنيوية أيضًا‪ .‬ثم دخل‬
‫ديريدا أمريكا عبر جامعة ييل ‪ yale‬حيث صار أستاذا ً فيها‪،‬‬
‫وحيث التف حوله )نقاد جامعة ييل( في مطلع السبعينات‪.‬‬
‫والواقع أن انطلقة ديريدا كانت عام ‪ 1967‬مع صدور‬
‫كتابه‬
‫)الغراما تولوجيا( ‪ grammatology‬أو علم الكتابة الذي حاول فيه‬
‫ماه )التمركز المنطقي(‪ ،‬وهو‬
‫نقض الفكر الفلسفي بما س ّ‬
‫الرتكاز على )المدلول( وتغليبه في البحث الفلسفي واللغوي‪،‬‬
‫فوجد الكاتب ينقض نفسه بنفسه من خلل كتاباته‪ ،‬وكبديل‬
‫ماه )علم الكتابة أو‬
‫للمنقوض فقد دعا )ديريدا( إلى ما س ّ‬
‫قائ ً‬
‫ل‪" :‬وسأدعوه بعلم‬
‫النحوية( وإحلله محل السيميولوجيا‬
‫النحوية‪ ..‬ولن هذا العلم لم يوجد بعد فإنه لن يمكن لحد أن‬
‫يتنبأ بما سيكون عليه هذا العلم‪ ،‬لكنه يملك الحق في أن‬
‫يكون‪ ،‬ومكانه معد ّ سلفًا‪ ،‬واللسنية جزء منه"‪.‬‬
‫وفكرة )النحوية( هذه تذكرنا بالمام عبد القاهر الجرجاني‬
‫ونظريته في )النظم( التي تعني تضافر بلغيات الجملة مع‬
‫نحوها‪ ،‬لتأسيس جماليتها‪ ،‬بعيدا ً عن قيد المدلولت‪.‬‬
‫وأهم ما نجد عند )ديريدا( هو مفهوم )الثر(‪ .‬وهو مفهوم‬
‫يدخل إلى علم الدب أهمية كبرى كقاعدة للفهم النقدي‬
‫تضاهي قواعد الصوتيم والعلقة واعتباطية الشارة‪ .‬بل إنه‬
‫يعطي هذه القواعد قيمة تجعلها ذات جدوى فنية‪ .‬و )الثر( هو‬
‫القيمة الجمالية التي تجري وراءها كل النصوص‪ ،‬ويتصيدها كل‬
‫قراء الدب‪ .‬وكأنما هو )سحر البيان(‪ ،‬لنه التشكيل الناتج عن‬
‫در الشارة الجملة‪ ،‬وتبرز القيمة‬
‫)الكتابة(‪ .‬ويتم ذلك عندما تتص ّ‬
‫ور الظاهرة اللغوية‪ ،‬فتتحول‬
‫الشاعرية للنص‪ .‬ويقوم النص بتص ّ‬
‫الكتابة لتصبح هي القيمة الولى‪ ،‬وتتجاوز حالتها القديمة في‬
‫كونها حدثا ً ثانويا ً يأتي بعد النطق وليس له من وظيفة إل أن‬
‫يدل على النطق ويحيل إليه‪ ،‬إلى إلغاء النطق والحلول محله‪،‬‬
‫وبذلك تسبق حتى اللغة‪ ،‬وتصبح اللغة توّلدا ً ينتج عن النص‪،‬‬
‫وبذا تدخل الكتابة في محاورة مع اللغة‪ ،‬فتظهر سابقة على‬
‫اللغة‪ ،‬ومتجاوزة لها‪ ،‬ومن ثم فهي تستوعب اللغة‪ ،‬و تأتي‬
‫خلفية لها بدل ً من كونها إفصاحا ً ثانويا ً متأخرًا‪.‬‬
‫دة سلفا‪ً،‬‬
‫)الكتابة( إذن ليست وعاء لشحن )وحدات( مع ّ‬
‫وابتكارها‪ .‬وبذا يكون لدينا‬
‫وإنما هي صيغة لنتاج هذه الوحدات‬
‫ـ حسب ديريدا ـ نوعان من الكتابة‪ :‬أول ًَ كتابة تتكئ على‬
‫)التمركز المنطقي(‪ ،‬وهي البجدية الخطية‪ .‬وهدفها توصيل‬
‫الكلمة المنطوقة‪ .‬وثانيا ً كتابة تعتمد على )النحوية( أو هي كتابة‬
‫ما بعد البنيوية‪ .‬وهي التي تؤسس العملية الولية‪ ،‬التي تنتج‬
‫اللغة‪.‬‬
‫دم ديريدا )الثر( بديل ً عن )الشارة( عند سوسير‪.‬‬
‫ق‬
‫وهكذا‬
‫ّ‬
‫دم )الكتابة( كإحدى تجليات الثر وليست الثر نفسه‪ ،‬ذلك‬
‫وق ّ‬
‫أن الثر الخالص ل وجود له‪ .‬وهدف التحليل التشريحي هو‬
‫تصيد الثر )في الكتابة‪ ،‬وخللها‪ ،‬ومعها(‪ .‬وتأتي )النحوية( كعلم‬
‫مستبَعد من‬
‫جديد للكتابة‪ ،‬لترفض إنزال الكتابة إلى صف ثانوي ُ‬
‫اللغة المنطوقة‪ .‬ول تخضع الكتابة للمخاطبة وإنما تفحصها‬
‫وتحّللها قبل الخطاب وفيه‪.‬‬
‫ص( أو )التكرارية( فألغى بذلك‬
‫كما جاء ديريدا بـ )التنا ّ‬
‫الحدود بين نص وآخر‪ .‬ويقوم التناص عنده على القتباس‪ ،‬و‬
‫)تداخل النصوص(‪ ،‬لن النص عرضة للنقل إلى سياق آخر‪ ،‬في‬
‫زمن آخر‪ .‬وكل نص أدبي هو خلصة تأليف عدد من الكلمات‬
‫‪- 95 -‬‬

‫التي هي سابقة للنص في الوجود‪ ،‬كما أّنها قابلة للنتقال إلى‬
‫نص آخر‪ .‬وهي بذلك تحمل تاريخها القديم والمكتسب‪ .‬وينتج‬
‫عن هذا أن أي نص هو خلصة لما ل ُيحصى من النصوص قبله‪.‬‬
‫ول يعتمد )التناص( أو )التكرارية( على نّية المؤلف‪ ،‬ول‬
‫يصدر عن إرادته‪ ،‬لنه فعالية وراثية لعملية الكتابة‪ .‬وبه تكون‬
‫الكتابة‪ .‬ومن دونه ل تكون‪ .‬فكل كلمة في النص هي تكرار‬
‫واقتباس من سياق تاريخي إلى سياق جديد‪ .‬وتتلحم‬
‫)التكرارية( مع الثر كقوى خفية للنص‪ ،‬لنها حتمية تلقائية‬
‫تحدث كالطريق ترسمه أقدام العابرين على التراب‪ .‬ومن‬
‫خلل قصيدة واحدة نقرأ مئات القصائد فنجد فيها ما ل ُيحد ّ من‬
‫سياقات تحضرها الشارات المكررة‪ .‬وهذه نظرة جديدة نصحح‬
‫بها ما كان القدمون يسمونه بـ )السرقات(‪ .‬فالطبيعي هو أن‬
‫صانعي النصوص أنفسهم ليسوا سوى نتاج ثقافي لسياقات‬
‫الموروث الدبي‪ .‬وهم يكتبون من فيض المخزون الثقافي في‬
‫ذاكرتهم وذاكرة اللوعي الجمعي لمجتمعاتهم‪.‬‬
‫كما جاء ديريدا بـ )القراءة التشريحية( الحرة‪ ،‬لكنها نظامية‬
‫حد القديم مع الجديد المبتكر‪ ،‬من خلل مفهوم‬
‫وجاّدة‪ .‬وفيها يتو ّ‬
‫ول الذي هو إيحاء بموت وتبشير بحياة‬
‫السياق‪ ،‬حيث يكون التح ّ‬
‫جديدة‪ .‬وبهذا يصبح النص رابطة ثقافية‪ ،‬لّنه ينبثق من كل‬
‫النصوص‪ ،‬ويتضمن ما ل ُيحصى من النصوص‪ .‬والعلقة بينه‬
‫وبين القارئ هي علقة وجود‪ ،‬لن تفسير القارئ للنص هو ما‬
‫يمنح النص خاصيته الفنية‪ .‬والتفسير ليس شيئا ً خارجيا ً وإنما هو‬
‫ينبع من داخل النص‪ .‬ولهذا قال )دي مان(‪ ،‬أحد أعلم‬
‫التشريحية‪" :‬إن التفسير يعتمد اعتمادا ً مطلقا ً على النص‪ ،‬كما‬
‫أن النص يعتمد اعتمادا ً مطلقا ً على التفسير" وهذا ُيبعد عن‬
‫النص كل ما هو أجنبي عنه كالسيرة الذاتية لمؤلفه‪ ،‬وتاريخ‬
‫عصره‪ ،‬ونّية الكاتب‪ .‬وإذا كانت هذه هي صفات القراءة‬
‫القديمة‪ ،‬فإن القراءة التشريحية تسعى إلى اكتشاف ما لم‬
‫يلحظه الكاتب من مداخلت بين ما هيمن عليه من أنماط لغته‪،‬‬
‫وما لم يسيطر عليه من هذه النماط‪ .‬وكل قراءة تشريحية‬
‫معّرضة أيضا ً للتشريح‪ ،‬ول يمكن أن تكون قراءة نهائية‪.‬‬
‫وتعتمد )القراءة التشريحية( على بلغيات النص لتنفذ منها‬
‫إلى منطقياته فتنقضها‪ .‬وبذا يقضي القارئ على )التمركز‬
‫المنطقي( في النص‪ ،‬كما هو هدف )ديريدا( بغرض ل الهدم‪،‬‬
‫ولون المسّلمات إلى‬
‫ولكن إعادة البناء‪ .‬ذلك أن التشريحيين يح ّ‬
‫إشكاليات ومساءلت‪ .‬فلم يعد النقد مجرد تعليق على ما‬
‫حدث‪ ،‬وإنما صار فعالية عقلية‪ ،‬وقدرة على تحويل المسلمة‬
‫إلى إشكالية‪ ،‬وإبراز ما كان عاديا ً للملحظة‪ ،‬وتحويل المصدر‬
‫ول النقد إلى )نظرية( ويح ّ‬
‫ل محل‬
‫إلى موضوع‪ .‬وبهذا يتح‬
‫الفلسفة‪ ،‬وُيعامل النص ّ على أنه تش ّ‬
‫م عن غير ما‬
‫كل لغوي ين ّ‬
‫يقول‪ ،‬ويبطن أكثر مما يظهر‪ .‬والتعامل معه علم إنساني ينهل‬
‫من كل معارف النسان‪ ،‬من أجل أن يفهم النسان ذاته من‬
‫خلل لغته‪ .‬وكل ذلك كنز مخبوء داخل النص‪.‬‬
‫ص( وجود مبهم ل يتحقق إل بالقارئ‪ ،‬فإن‬
‫وبما أن )الن ّ‬
‫أهمية القارئ تبرز خطورة القراءة كفعالية أساسية لوجود أدب‬
‫دد مصير النص حسب‬
‫ما‪ .‬وكتقرير مصير بالنسبة للنص‪ ،‬إذ يتح ّ‬
‫استقبالنا له‪.‬‬
‫ومن الواضح أن هذه )القراءة التشريحية( تختلف عن‬
‫أنواع القراءة التي عرضها )تودوروف( والمتمثلة في‪:‬‬
‫‪ .1‬القراءة السقاطية‪ ،‬وفي القراءة التقليدية التي ل‬
‫تر ّ‬
‫كز على النص‪ ،‬وإنما تمّر من خلله‪ ،‬ومن فوقه‪،‬‬
‫متجهة نحو الكاتب أو المجتمع‪ .‬وهي تعامل النص وكأنه‬
‫‪- 96 -‬‬

‫وثيقة لثبات قضية شخصية أو اجتماعية أو تاريخية‪.‬‬
‫دعي العام الذي يحاول‬
‫والقارئ فيها يلعب دور الم ّ‬
‫إثبات التهمة‪.‬‬
‫‪ .2‬قراءة الشرح‪ ،‬وهي قراءة تلتزم بالنص‪ ،‬ولكنها تأخذ‬
‫منه ظاهر معناه فقط‪ ،‬وهي تعطي المعنى الظاهري‬
‫حصانة يرتفع بها فوق الكلمات‪ .‬ولهذا فإن شرح النص‬
‫فيها يكون بوضع كلمات بديلة لنفس المعاني‪ ،‬أو يكون‬
‫تكرارا ً يجتر نفس الكلمات‪.‬‬
‫‪ .3‬القراءة الشاعرية‪ ،‬وهي قراءة النص من خلل‬
‫شفرته‪ ،‬بناء على معطيات سياقه الفني‪ ،‬والنص هنا‬
‫خلّية حّية تتحرك من داخلها مندفعة بقوة لتكسر‬
‫الحواجز بين النصوص‪ .‬ولذلك فإن القراءة الشاعرية‬
‫تسعى إلى كشف ما هو في باطن النص‪ ،‬وتقرأ فيه‬
‫أبعد مما هو في لفظه الحاضر‪ .‬وهذا يجعلها أقدر على‬
‫تجلية حقائق التجربة الدبية‪ ،‬وعلى إثراء معطيات‬
‫اللغة‪.‬‬
‫كما أن )القراءة التشريحية(‪ :‬قراءة )ياكوبسون( و‬
‫)شتراوس( لقصيدة بودلير )القطط(‪ .‬هي قراءة أسلوبية بنيوية‬
‫وصفية‪ ،‬وقعت في شيء من الميكانيكية العقيمة لغراقها في‬
‫الوصف السلوبي الذي يقوم على رصد إحصائي شامل لكل‬
‫أبنية النص النحوية والبلغية وكل تركيباته اللغوية‪ ،‬مما جعلها‬
‫منه النص من التراكيب‪ ،‬إذ لم‬
‫مجرد بيانات إحصائية لما يتض ّ‬
‫يترك الباحثان أي تركيب داخلي في القصيدة إل ودرساه‪ ،‬ولم‬
‫يحاول التمييز بين ما هو أثر فني وما هو تركيب عادي‪.‬‬
‫وهذا ما جعل )ريفاتير( يتناول القصيدة نفسها بالتحليل‪،‬‬
‫ناقضا ً منهج ياكوبسون وشتراوس ذا الرصد السلوبي الشامل‪،‬‬
‫ماه )نهج القارئ المثالي(‪ .‬عمد فيه‬
‫ومقدما ً منهجا ً نقديا ً بديل ً س ّ‬
‫إلى )الستجابة الذاتية( التي تبدأ من القارئ وتنتهي بالنص‪.‬‬
‫وبذلك يقدم ريفاتير الشعر على أنه )استجابة( من القارئ‪،‬‬
‫والكلمة الشعرية عنده هي )الباعث( لهذه الستجابة‪ ،‬ولكن بعد‬
‫أن يتناولها القارئ ويدعها تلج أعماقه لتتلقى وسياقه الذهني‪،‬‬
‫وبذا تكون النطلقة من القارئ إلى النص‪ ،‬وليست من النص‬
‫إلى القارئ‪ .‬وهذا أهم فارق بين قراءة ريفاتير وقراءة‬
‫ياكوبسون‪ ،‬إذ لم يقع )ريفاتير( في غلطة الرصد الميكانيكي‪،‬‬
‫لنه أدرك أن القارئ ل يستجيب فعليا ً لـ)ك ّ‬
‫ل( أبنية القصيدة‪.‬‬
‫ولذلك فليس من الضروري رصد )ك ّ‬
‫ل( بنية شعرية فيها‪ ،‬وأي‬
‫بنية ل تحدث أثرا ً في القارئ فهي بنية غير مؤهلة للرصد‪.‬‬
‫ولعل ما جاء به )بيتيت( ‪ Pettit‬هو الحل الفضل‪ .‬إذ قال‬
‫بمبدأ )التوازن النعكاسي( الذي يقوم على حتمية التوازن بين‬
‫)البنية( والذوق الجمالي‪ ،‬ولكي تكون البنية خاصية أسلوبية ل‬
‫بد أن تكون انعكاسا ً للحس الحدسي الذي نشأ عند القارئ‬
‫نتيجة استقباله لها‪.‬‬
‫إن فعالية القراءة تجعلها ذات سلطة على النص‪ ،‬وتمنحها‬
‫قيمة خطيرة‪ ،‬وهذا قد يوقع في مشاكل تأتي من جرأة القراء‬
‫على النصوص‪ ،‬وقد ل يكونون مؤهلين لداء هذا الدور‪ .‬فكيف‬
‫نحمي النص من الضياع‪ ،‬ومن أن يكون ضحية للتطرف في‬
‫فتح باب القراءة الحرة؟‬
‫إن الحماية الحقيقية للنص هي )السياق(‪ .‬فمعرفة السياق‬
‫شرط أساسي للقراءة الصحيحة‪ ،‬ول يمكن أن نأخذ قراءة ما‬
‫على أنها صحيحة إل إذا كانت منطلقة من السياق‪ ،‬لن النص‬
‫توليد سياقي ينشأ عن عملية القتباس الدائمة من المستودع‬
‫‪- 97 -‬‬

‬إن القارئ‬ ‫وعاء ل دور له سوى استيعاب ما ُيص ّ‬ ‫الحقيقي لم يعد يقبل هذا الدور السلبي‪ ،‬بل أصبح يمثل حصيلة‬ ‫ثقافية واجتماعية ونفسية تتلقى مع كاتب هو مثلها في مزاج‬ ‫تكوينه الحضاري‪ .‬‬ ‫وهذان العاملن ـ في رأي ريفاتير ـ يشتركان في صناعة‬ ‫)الدبية(‪ .‬والقارئ حّر في‬ ‫تفسير هذه الشفرة وتحليلها‪ .‬وتختلف هذه القيم وتتنوع‬ ‫بين قارئ وآخر‪ ،‬بل عند القارئ الواحد في أزمنة مختلفة‪ ،‬وكل‬ ‫وعات هي دللت للنص حتى وإن تناقضت مع بعضها‬ ‫هذه التن ّ‬ ‫بعضًا‪ .‬وكل كلمة من هذا المعجم‬ ‫تحمل معها تاريخا ً مديدا ً ومتنوعًا‪ ،‬وعى الكاتب بعضه وغاب‬ ‫عنه بعضه الخر‪ .‫اللغوي‪ ،‬ليؤسس في داخله شفرة خاصة تمّيزه كنص‪ .‬ولكنه مقّيد بمفهومات السياق‪،‬‬ ‫فالشفرة الشعرية ل يجوز أن تفسر بمفهومات السياق‬ ‫الروائي مث ً‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫وفي النص الدبي تتحكم عوامل )الغياب( وتطغى على كل‬ ‫العناصر‪ ،‬ول حضور إل لعاملين فقط هما القارئ والنص‪.‬وكأّنما القارئ ليس سوى مستهلك‬ ‫للنتاج الدبي‪ .‬فالنص ينتصب أمام القارئ كحضور معّلق‪.‬وذاك لن النص ليس عمل ً معزول ً يقف عارضا ً‬ ‫نفسه ومعناه على القارئ‪ .‬ولكننا نستطيع أن نفسرها بما توحي به أصول‬ ‫جنسها الدبي‪ .‬ولذا فإن‬ ‫)الشحم والورم( تصبحان إشارتين حّرتين ووجودا ً معلقا ً يعتمد‬ ‫على )غياب( يتوّلى القارئ إحضاره إلى البيت في ك ّ‬ ‫ل مّرة‬ ‫يقرأ فيها هذا البيت‪ ،‬ويتنوع هذا الحضور ويتشكل حسب ماهية‬ ‫اللتقاء بين الشارة ومفسرها‪ :‬فقد يكون معنى الشحم والورم‬ ‫هو الهدية والرشوة‪ ،‬أو المحبة والنفاق‪ ،‬أو العلم والجهل‪ ،‬أو أي‬ ‫‪.‬وكما أنه ليس للنجم‬ ‫وجود خارج سمائه فكذلك ليس للنص وجود خارج سياقه‪ ،‬وكما‬ ‫أن قيمة النجم هي في ما نراه فيه وفي ما نسبغه عليه‪ ،‬حتى‬ ‫وإن كان النجم قد احترق منذ آلف السنين‪ ،‬فإن معناه ووجوده‬ ‫يظلن قائمين من خلل ما تسبغه نظراتنا إلى ذلك النور التي‬ ‫من السماء‪ .98 -‬‬ .‬وهذه مقدرة ثقافية ل تتهيأ إل للقارئ الصحيح‪ ،‬وهي ما‬ ‫يمكن تسميته بـ )السياق الذهني( للقارئ‪ ،‬أي المخزون‬ ‫النفسي لتاريخ سياقات الكلمة‪.‬والنص هو ملتقى هاتين الثقافتين‪ ،‬والكاتب‬ ‫صاغ النص حسب معجمه اللسني‪ .‬بل المر على عكس ذلك‪ :‬فالنصوص الدبية ل‬ ‫تتجه إلى الخواء‪ ،‬كما أّنها لم تأت من فراغ‪ ،‬والقراءة لم تعد‬ ‫فعالية سلبية ل تتجاوز التلقي اللي من قبل القارئ وكأّنما هو‬ ‫ب فيه‪ .‬ومن هنا تتن ّ‬ ‫اكتساب قيم جديدة على يد القارئ‪ .‬وكذلك الحال مع النص الذي ل يحمل معناه‬ ‫وقيمته كجوهر ثابت فيه‪ ،‬ولكن القارئ هو الذي يمنحه الوجود‪.‬‬ ‫والمطلوب من القارئ هو أن يوجد العناصر الغائبة عن النص‬ ‫ص وجودا ً طبيعيا ً أو قيمة مفهومة‪ ،‬والنص‬ ‫لكي يحقق بها للن ّ‬ ‫يعتمد على هذه الفعالية‪ ،‬وبدونها يضيع‪ ،‬فحينما يقول المتنبي‪:‬‬ ‫ت من َ‬ ‫م فيمن‬ ‫أن‬ ‫ك‬ ‫أعيذها‬ ‫ة نظرا ٍ‬ ‫مالشح َ‬ ‫وَر‬ ‫صادق ً‬ ‫تحسب ُ‬ ‫شح ُ‬ ‫مه َ‬ ‫فإنه يطلق البيت معلقا ً في الهواء معتمدا ً على فهمنا لبعاد‬ ‫إشارات هذا البيت‪ .‬ولكنها ل‬ ‫تستمد وجودها من سياق جنسها الدبي‪ .‬وهو ل يريد منا أن نفهم المعنى الموجود‬ ‫في هذا القول‪ ،‬لكنه يريدنا أن نفهم الغائب عنه‪ ،‬أي دللته‬ ‫المجازية‪ :‬فالشحم والورم ل يعنيان هنا الشحم والورم‬ ‫المعروفين‪ ،‬فهذان المعنيان يعزف عنهما الشاعر‪ .‬ولكن هذا الذي غاب عن ذهن الكاتب لم يغب‬ ‫عن الكلمة التي ظلت حبلى بكل تاريخها‪ ،‬والقارئ عندما‬ ‫ده هذا المعجم‬ ‫يستقبل النص يتل ّ‬ ‫قاه حسب معجمه‪ ،‬وقد يم ّ‬ ‫بتواريخ للكلمات مختلفة عن تلك التي وعاها الكاتب حينما أبدع‬ ‫وع الدللة وتتضاعف‪ ،‬ويتمكن النص من‬ ‫ن ّ‬ ‫صه‪ .‬‬ ‫إن )السياق( للنص هو السماء للنجم‪ .

99 -‬‬ .‬وهذا‬ ‫يمتلك هذا النص المف ّ‬ ‫يجعل القراءة إبداعا ً مثلما هي الكتابة‪.‬‬ ‫الخلق جّراها ويختص ُ‬ ‫ثم ينتقل الباحث إلى الحديث عن )رولن بارت( )‪-1915‬‬ ‫‪) (1980‬فارس النص(‪ ،‬الناقد الفرنسي المعاصر الذي مل‬ ‫ولته النقدية‪ ،‬من الجتماعية إلى‬ ‫الدنيا وشغل الناس‪ ،‬بتح ّ‬ ‫البنيوية فالسيميائية فالنقد التفكيكي فالنقد الحر‪ ،‬والذي جعل‬ ‫ص جديد‪ ،‬وقاد طلئع النقد الحداثي لمدة تزيد‬ ‫النقد إبداعا ً لن ّ‬ ‫على الربع قرن‪ .‬إنه‬ ‫البحث عن الحقيقة الخالصة التي قال عنها شتراوس‪" :‬إنها‬ ‫ليست الكثر ظهورًا‪ ،‬بل الكثر خفاء"‪ ،‬وقال عنها العرب قديمًا‪:‬‬ ‫"المعنى في قلب الشاعر"‪ ،‬أي أنه غياب يلزم استحضاره‪.‬وقد ش ّ‬ ‫استنبطها من حكايات شهرزاد في )ألف ليلة وليلة( حيث كان‬ ‫الحديث معادل ً للحياة‪ ،‬والتوقف عنه يعني الموت‪ .‬‬ ‫وعملية استحضار الغائب تفيد في تحويل القارئ إلى منتج‪،‬‬ ‫مما يجعلها مضاعفة الجدوى‪ ،‬فهي تثري النص باجتلب دللت‬ ‫ل ُتحصى إليه‪ ،‬وهي من ناحية ثانية تفيد في إيجاد قراء‬ ‫إيجابيين يشعرون بأن القراءة هي عمل إبداعي‪ .‬وهي قصة في عشرين صفحة‪ ،‬ولكن بارت‬ ‫‪.‬ولم يقصر‬ ‫م ّ‬ ‫ده إلى مجالت أخرى تتجّلى‬ ‫بارت كتابه على اللغة‪ ،‬وإنما م ّ‬ ‫فيها السيميولوجيا كأنظمة الزياء والملبس‪ ،‬ونظام الطعام‪.‬فحديث‬ ‫شهرزاد يعني استمرار حياتها‪ ،‬وسكوتها يعني موتها‪ ،‬والكلمات‬ ‫تتضمن غياب الشياء مثلما أن الرغبات تمثل غياب المرغوب‬ ‫فيه‪..‬ويشكل هذا الختلف مساحة من الفراغ في النص‬ ‫تمتد بين طرفي عناصر الحضور وعناصر الغياب‪ ،‬وعلى القارئ‬ ‫أن يقيم الجسور فيما بينها ليعمر هذا الفراغ‪ ،‬وتلك هي فعالية‬ ‫القراءة الصحيحة‪ ،‬وذلك هو التفسير الذي يهدف إلى تأسيس‬ ‫المعنى المفقود الذي يدعم كل المعاني ويجعلها ممكنة‪ .‬وقد أصدر كتابه )عناصر السيميولوجيا( عام‬ ‫‪ 1964‬وفيه عمد إلى تحليل الكتابة في ضوء علم الشارات‪،‬‬ ‫قعدا ً لهذا العلم الوليد الذي تداخل مع البنيوية‪ .‬وهذا هو معنى استحضار الغائب في النص‪ ،‬وهو‬ ‫سبب تمّيزه كأدب‪.‬‬ ‫وهذا التفسير هو فعالية صادرة من القارئ‪ ،‬مما يشعره بأنه‬ ‫سر حين أخذ يشارك في إنتاجه‪ .‬‬ ‫مما يحمل دللت اجتماعية وإنسانية‪.‬ومن هنا أيضا ً يبدو أن أفضل‬ ‫أنواع الستعارة هي التي تكثر فيها عناصر الحياد‪ ،‬أي العناصر‬ ‫التي ل تقبل النضواء إلى طرف دون الخر‪ ،‬فتظل حّرة‬ ‫ومعّلقة يتناولها القارئ كيفما شاء‪ ،‬وهي )الشوارد التي يسهر‬ ‫م( كما يرى المتنبي‪.‬‬ ‫ول بارت من السيميائية إلى البنيوية فوضع كتابه‬ ‫ثم تح ّ‬ ‫)عن راسين(‪ ،‬ثم انتقل إلى التشريحية فوضع كتابه )‪ (Z/S‬عام‬ ‫‪ 1970‬الذي قرأ فيه قصة قصيرة لبلزاك عنوانها )سارازين(‬ ‫قراءةً تشريحية‪ .‬‬ ‫من هنا فإنه ل سبيل إلى إيجاد قراءة موضوعية لي نص‪،‬‬ ‫لن القراءة تجربة شخصية‪ ،‬كما أنه ل سبيل إلى إيجاد تفسير‬ ‫واحد للنص‪ ،‬ذلك أن النص يقبل التفسيرات المختلفة‬ ‫والمتعددة‪ ،‬بعدد مرات قراءته‪ .‬وهو شعور ل‬ ‫دم شيئا ً إلى النص عن‬ ‫يمكن تحقيقه إل إذا أحس القارئ أنه يق ّ‬ ‫طريق تفسير إشاراته‪ ،‬حسب طاقة القارئ الثقافية والخيالية‪..‫متضادين قد ينبثقان في ذهن القارئ لحظة احتكاكه بهاتين‬ ‫الشارتين‪ .‬‬ ‫من هنا يأتي )الختلف( في النص كقيمة أولى من حيث‬ ‫اختلف لغته عن اللغة العادية‪ ،‬واختلف الحاضر منها عن‬ ‫الغائب‪ .‬‬ ‫وهذه الصلة بين الحضور والغياب هي صلة حياة ووجود‬ ‫خص )تودوروف( هذه الصلة في نظرية فنية‬ ‫في النص‪ .

‫كتب عنها كتابه هذا الذي يزيد على المائتي صفحة‪ ،‬وحّلل فيه‬ ‫القصة بناء على الجمل )‪ .(Lexias‬و )الجملة( تعني عنده‬ ‫العبارة اللغوية ذات الوظيفة المتميزة‪ .‬وهذا‬ ‫سد هذه العواقب‪.100 -‬‬ ..‬وقد استخرج من‬ ‫القصة ‪ 561‬جملة تمثل الوحدات القرائية‪ ،‬كما قام بفحص كل‬ ‫جملة على حدة‪ ،‬من أجل استنباط دللتها الضمنية‪.‬أما المعنى فل وجود له إل من خلل الكلمات المعّبرة‬ ‫عنه‪ .‬‬ ‫وهكذا انتهى )بارت( إلى تحرير الكلمة من قيدها لتصل‬ ‫إلى )درجة الصفر( أو درجة اللمعنى‪ ،‬أو درجة الحتمالت‬ ‫الممكنة من ماضي الكلمة وتاريخ سياقاتها‪ ،‬ومن مستقبلها‪،‬‬ ‫بكل ما يمكن أن توحي به لمتلقيها‪ .‬‬ ‫جه التشريحي بتأثير مجلة )تل‬ ‫لقد عني )بارت( بهذا التو ّ‬ ‫كل( الحداثية الفرنسية التي كان يكتب فيها مع )ديريدا( ونقاد‬ ‫آخرين بنيويين وتشريحيين‪.‬وهذه الشفرات الخمس هي‪:‬‬ ‫وتنظم دللتها الضمنية المتع ّ‬ ‫‪1‬ـ الشفرات التفسيرية‪ :‬وتتضمن العناصر الشكلية‬ ‫وعة التي تستخدمها لغة القصة لتأويل دللة‬ ‫المتن ّ‬ ‫الجملة أو لتعليق هذه الدللة‪..‬وعندما تصبح الكلمة حرة‬ ‫مطلقة من كل ما يقّيدها‪ ،‬فإنها ل تعني شيئًا‪ ،‬لنها )حّرة(‪ :‬وهي‬ ‫تعني كل شيء‪ ،‬لنها )حّرة(‪ .‬‬ ‫سر هذه الجمل بناء على توجهات )خمس شفرات(‬ ‫وقد ف ّ‬ ‫جه تلك الجمل‪،‬‬ ‫استنبطها من النص‪ ،‬ورأى أنها هي التي تو ّ‬ ‫ددة‪ .‬وهو عنصر بلغي يحتفل به بارت كثيرا ً‬ ‫في تحليله للنظام الرمزي‪.‬والشاعرية الحديثة تعطي‬ ‫حرمت منه على مّر السنين‬ ‫الكلمة هذا الحق الطبيعي الذي ُ‬ ‫ماهم‬ ‫بظلم اقترفه أصحاب )التمركز المنطقي( كما س ّ‬ ‫)ديريدا(‪ .‬‬ ‫‪4‬ـ الشفرات الضمنية‪ :‬وتأتي من ملحظة أن كل قارئ‬ ‫لنص يؤسس في ذهنه دللت خفية لبعض العبارات‬ ‫والكلمات‪ ،‬ثم يأخذ بوضع هذه الدللت مع مماثلتها‬ ‫مما يلمسه في عبارات أخرى في النص نفسه‪ ،‬وعندما‬ ‫يحس بوجود جذر مشترك لهذه الدللت الخفية يقرر‬ ‫)موضوع( القصة‪ ،‬وهو غرضها الضمني‪..‬‬ ‫‪2‬ـ شفرات الحدث‪ :‬وتشمل كل حدث داخل القصة‪ ،‬من‬ ‫حركة فتح الباب إلى الموقف الرومانسي‪ ،‬بناء على أن‬ ‫الحدث ل يكون إل من خلل تمّثل اللغة لـه‪ ،‬لننا ل ندرك‬ ‫الحدث إل بالتعبير عنه‪ ،‬وهو بالتالي ليس سوى نتيجة‬ ‫للقراءة الفنية‪ ،‬وكل قارئ لعمل روائي يقوم برصد‬ ‫الحداث في ذهنه‪ ،‬من غير وعي‪ ،‬تحت عناوين مثل‪:‬‬ ‫أحداث السرقة‪ ،‬أحداث الغيرة‪ ،‬أحداث القتل‪ .‬وهذا ُيبعد عنها هيمنة الفكرة‬ ‫المسبقة‪ ،‬فتصبح أقدر على الحركة‪ ،‬لن الكلمة تستطيع أن‬ ‫تعني أي شيء‪ ،‬ويكفي لذلك تأسيس سياق يوجد هذا المعنى‬ ‫الجديد‪ .‬وما زالت الكلمة تعاني من ذلك القيد حتى جاء‬ ‫‪.‬ولو أزيحت عنه لصبح عدمًا‪ .‬‬ ‫ور البنيوي في‬ ‫‪5‬ـ الشفرات الرمزية‪ ،‬وتقوم على التص ّ‬ ‫أن الدللة تنبثق من خلل مبدأ )التعارض الثنائي( الذي‬ ‫يقوم على )الختلف( بين العناصر المكونة للنص‪،‬‬ ‫ويتجّلى ذلك في الستخدام البلغي للغة مثل العتماد‬ ‫على )الطباق(‪ .‬‬ ‫العنوان يج ّ‬ ‫‪3‬ـ الشفرات الثقافية‪ :‬وتشمل الرجاعات المعرفية‬ ‫التي تشير إلى ثقافة ما تتسّرب من خلل النصوص‪.

Disseminations‬‬ ‫ولكي يتحقق عصر القارئ كما يب ّ‬ ‫شر به )بارت(‪ ،‬فإنه يفتح‬ ‫لهذا العصر مجال النص‪ ،‬بأن يعرض نوعين من النصوص هما‪:‬‬ ‫النص القرائي‪ ،‬والنص الكتابي‪) .‬فالنص هو‬ ‫المصدر‪ ،‬ول وجود للمصدر إل من خلل النص‪ ،‬فنحن ل نعرف‬ ‫المتنبي إل من خلل شعره‪ ،‬فشعره سابق عليه‪ ،‬ولول الشعر‬ ‫ما عرفنا الشاعر‪.‬ومن هنا بداية الكتابة التي يسميها‬ ‫)النصوصية( ‪ Textuality‬بناء على مبدأ أن اللغة هي التي تتكلم‬ ‫وليس المؤلف‪ ،‬فلم يعد المؤلف هو الصوت الذي يقف خلف‬ ‫العمل أو هو مصدر إنتاجه‪ ،‬ولم تعد وحدة النص تنبع من‬ ‫مصدره أو أصله‪ ،‬بل أصبحت من مصيره ومستقبله‪ .‬وهذا المخزون الهائل‬ ‫من الشارات والقتباسات جاء من مصادر ل ُتحصى من‬ ‫الثقافات‪ ،‬ول يمكن استخدامه إل بمزجه وتوليفه وإدخاله في‬ ‫علقات متبادلة من الحوار والمنافسة مع سواه من النصوص‪.‬ولهذا‬ ‫يعلن بارت أننا نقف على مشارف )عصر القارئ(‪ ،‬وأنه ل‬ ‫غرابة أن نقول إن ولدة القارئ ل بد أن تكون على حساب‬ ‫موت المؤلف‪ .‬والقراءة فيه هي إعادة كتابة له‪،‬‬ ‫سر ويكتب‪ ،‬لن النص ليس بنية‬ ‫والقارئ فيه ل يقرأ وإنما يف ّ‬ ‫من الدللت‪ ،‬ولكنه مجّرة من الشارات‪ ،‬وهو بل بداية‪ .‬‬ ‫وهكذا نشهد مصرع النقد التقليدي على يدي )بارت(‪ ،‬حيث‬ ‫يختفي المؤلف‪ ،‬وسيرته الذاتية‪ ،‬وأزماته النفسية‪ ،‬وظروفه‬ ‫الخارجية‪ ،‬وتحل محل ذلك كله نظرية جديدة في )استقبال(‬ ‫النص‪ ،‬حيث يقوم القارئ إلى جانب الناسخ )المؤلف( بإنعاش‬ ‫النص بحياة جديدة‪ .‬فالنص القرائي( هو للقراءة‬ ‫فقط‪ ،‬وقارئه ل يضيف إليه شيئًا‪ ،‬بينما )النص الكتابي( الذي‬ ‫يدعو إليه بارت يمثل )الحضور البدي(‪ .‬وهذا‬ ‫على النقيض من النصوص القرائية التي تطغى على الدب‬ ‫والتي تتصف بأنها )نتاج( ل )إنتاج(‪ ،‬فالدب الكلسي ُيقرأ دون‬ ‫أن ُتعاد كتابته‪ ،‬بينما يحتاج النص الكتابي إلى قارئ معاصر‬ ‫مثقف وعاشق يختطف محبوبته )النص( ويبقى معها بعيدا ً عن‬ ‫‪.‬وهكذا تتحول العلقة‬ ‫بين المؤلف والنص من علقة بين أب وابنه حيث كان البن‬ ‫)النص( ينتسب إلى أبيه )المؤلف(‪ ،‬إلى علقة )ناسخ( و‬ ‫)منسوخ( أي أن المؤلف ل يكتب عمله بل )ينسخ( النص بيده‪،‬‬ ‫ويستمد ّ جهده من اللغة التي هي مستودع إلهامه‪ .‬وبهذا يجهز )بارت( على نظرية )المحاكاة(‬ ‫الكلسية التي كانت تعد ّ الدب مرآة تعكس ما هو موجود في‬ ‫الحياة‪ ،‬من أجل إظهار المبدأ الجديد الذي يؤكد أن )الناسخ(‬ ‫صه مستمدا ً من المخزون اللغوي الذي يعيش في‬ ‫إنما ينسخ ن ّ‬ ‫داخله مما حمله معه على مّر السنين‪ .‬وقارئه ليس مستهلكا ً‬ ‫للنص‪ ،‬وإنما هو منتج له‪ .101 -‬‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫ص( أيضا‪ ،‬ذلك‬ ‫ومثلما حّرر بارت )الكلمة(‪ ،‬فقد حّرر )الن ّ‬ ‫أن )بارت( بعد أن )عشق( النص‪ ،‬رغب ـ وحده كقارئ ـ في‬ ‫تملكه فأعلن )موت مؤلفه(‪ .‬وبهذا يحسم بارت الصراع بين المتنافسين على‬ ‫محبوب واحد‪ ،‬فيقتل القارئ منافسه الكاتب ليصبح هو الكاتب‪،‬‬ ‫ويستأثر وحده بحب معشوقه )النص(‪ .‫فارسها )بارت( فحّررها من قيدها ورفع لعنة السحر عن‬ ‫الجميلة النائمة‪.‬‬ ‫وهكذا فبدل ً من نظرية )المحاكاة( الكلسية‪ ،‬ونظرية‬ ‫دم )بارت(‬ ‫)التعبير( الرومانسية‪ ،‬ونظرية )التوجيه( التعليمية‪ ،‬يق ّ‬ ‫نظرية )النصوصية( التي يموت فيها المؤلف‪ ،‬ويتحول التاريخ‬ ‫م الحتفال بمولد القارئ‪،‬‬ ‫والموروث إلى نصوص متداخلة‪ ،‬ويت ّ‬ ‫جر )النص( إلى ما هو أبعد من المعاني الثابتة‪ ،‬إلى حركة‬ ‫ويتف ّ‬ ‫مطلقة من المعاني اللنهائية‪ ،‬تتحرك منتشرة فوق النص‪،‬‬ ‫عابرة كل الحواجز‪ ،‬وهو ما يسميه بارت )النتشار(‬ ‫‪.

‬وقد استخدمها ديريدا بهدف نقض‬ ‫فكر الفلسفة‪ ،‬فجعل نصوصهم تنقض فكرهم‪ ،‬المر الذي قاده‬ ‫إلى اتهام الفلسفة الغربية بـ )التمركز المنطقي(‪.‬ومن هنا تأتي‬ ‫التشريحية اتجاها ً نقديا ً عظيم الهمية في كونه يعطي النص‬ ‫حياة جديدة مع كل قراءة جديدة للنص‪ ،‬ذلك أن التشريح هو‬ ‫محاولة استكشاف وجود جديد للنص‪ ،‬وبهذا يكون النص من‬ ‫الدللت المتفتحة‪.‬وهذه مسألة تحتاج إلى‬ ‫تفصيل نقاش‪ ،‬وإلى التساؤل‪ :‬هل الخروج على المنهج تقصير‬ ‫أم "اجتهاد"؟ وهل المنهج "التلفيقي" من مناهج عديدة يمكن‬ ‫أن يحقق نتائج أفضل؟ هذا ما تشهد بعكسه دراسة الناقد‬ ‫للشاعر موضوع درسه‪.‬‬ ‫‪3‬ـ قراءة نقدية تعمد إلى )فحص النماذج( بمعارضتها مع‬ ‫العمل على أنها كلّيات شمولية تتحكم في تصريف‬ ‫‪.‬‬ ‫*‬ ‫أما القسم الثاني من الكتاب فقد خصصه الباحث لتحليل‬ ‫شعر الشاعر السعودي المعاصر حمزة شحاته )‪-1909‬‬ ‫‪ ،(1972‬وقد و ّ‬ ‫ظف في تحليله المفهومات النظرية السابقة‪،‬‬ ‫على ضوء منهجيه‪ :‬البنيوي‪ ،‬والتشريحي‪ ،‬معًا‪ ،‬من أجل سبر‬ ‫كوامن النص‪ ،‬لتأسيس الحقيقة الدبية للبناء الدبي‪ .‬‬ ‫لكن هذه "التشريحية" التي تغّياها الباحث تختلف عن‬ ‫تشريحية )ديريدا( التي تقوم على محاولة نقض منطق العمل‬ ‫المدروس من خلل نصوصه‪ .‬والنهج الثاني‬ ‫جاء بعد ذلك في كتبه اللحقة مثل )لذة الّنص( و )خطاب‬ ‫عاشق( حيث صارت التشريحية علقة حب بين القارئ والنص‪،‬‬ ‫وحيث صار القارئ عاشقا ً للغة يهيم فيها ولهًا‪ ،‬ويلتذ ّ بالتداخل‬ ‫وره وتمّثله‪.‬‬ ‫‪2‬ـ قراءة تذوقية )نقدية( مصحوبة برصد الملحظات‪ ،‬مع‬ ‫محاولة )استنباط النماذج( الساسية التي تمثل‬ ‫)صوتيمات( العمل‪ ،‬أي )الّنوى( الساسية فيه‪.‫حدود المنطق والواقع‪ .‬‬ ‫معها‪ ،‬ليتوحدا معا ً في بناء يشتركان في تص ّ‬ ‫كذلك لم يتقيد الغ ّ‬ ‫ذامي بمنهج واحد من هذه المناهج الثلثة‬ ‫التي عرضها )البنيوية‪ ،‬والسيميائية‪ ،‬والتشريحية(‪ ،‬وإنما حاول‬ ‫الخذ منها جميعًا! والخروج عليها جميعًا! أي إنه أخذ ما يناسبه‬ ‫من كل منها‪ ،‬وترك ما ل يناسبه‪ .‬‬ ‫دد الباحث خطوات منهجه في ما يلي‪:‬‬ ‫لقد ح ّ‬ ‫‪1‬ـ قراءة عامة )لكل( أعمال الشاعر‪ ،‬وهي قراءة‬ ‫استكشافية تذوقية مصحوبة برصد للملحظات‪.102 -‬‬ .‬ومن هنا تنشأ علقة الحب هذه بين‬ ‫)فارس( النص والنص‪ ،‬ثم تأتي )لذة النص( التي تبعث أجمل‬ ‫المتع إن استطاع النص أن يجعل نفسه مسموعا ً بطريقة غير‬ ‫مباشرة‪ ،‬واستطاع القارئ في قراءته أن يستمع إلى شيء‬ ‫آخر‪ ،‬على حد تعبير )بارت( نفسه‪.‬فأجرى‬ ‫مبضع النقد في جسد النص‪ ،‬في عملية مزدوجة تبدأ بتفكيك‬ ‫النص‪ ،‬ثم إعادة تركيبه‪ ،‬بغية الوصول إلى )ك ّ‬ ‫ل( عضوي يختلف‬ ‫ل( الولي‪ ،‬باعتبار )الك ّ‬ ‫عن )الك ّ‬ ‫ل( العضوي فعالية تبحث عن‬ ‫القراءة البتكارية للنص المشّرح‪ ،‬بينما )الك ّ‬ ‫ل( الولي حتمية‬ ‫إنشائية مفروضة على العمل الدبي ولو ظاهريًا‪ .‬‬ ‫كما تختلف تشريحية الغ ّ‬ ‫ذامي عن تشريحية )رولن بارت(‬ ‫التي تأخذ باتجاهين يختلفان ولكنهما يتعاضدان في تأسيس‬ ‫اتجاه نقدي مثمر‪ :‬أحدهما نهجه في كتابه ‪ Z/S‬حيث جعل‬ ‫التشريحية تفكيكا ً مرحليا ً لجزاء العمل المدروس‪ ،‬ومن ثم بناء‬ ‫النص من جديد‪ ،‬أي النقض من أجل إعادة البناء‪ .

‫جزئيات العمل الكامل الذي هو مجموع ما كتبه‬ ‫الشاعر‪.‬‬ ‫وأما )الجملة الصوتية( فهي أردأ أنواع الشعر‪ ،‬لنها‬ ‫الجملة المنظومة للنظم فحسب‪ ،‬أي أنها خبر منظوم‪ ،‬أو نثر‬ ‫منظوم‪ .‬‬ ‫وأما )جملة التمثيل الخطابي( فهي )الحكم( أو‬ ‫ص بالمعاني‪ .‬فالجملة الشعرية( هي كل قول‬ ‫أدبي جاء على شكل شعري حيث يقوم على إيقاع مطرد على‬ ‫نظام فني‪ ،‬كما في الشعر العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة‬ ‫النثر‪ .‬‬ ‫‪5‬ـ وأخيرا ً تأتي )الكتابة(‪ ،‬وهي إعادة البناء‪ ،‬وفيها يتحقق‬ ‫النقد التشريحي‪ ،‬إذ يصبح النص هو التفسير‪ ،‬والتفسير‬ ‫هو النص‪ .‬‬ ‫وعلى الرغم من أن الباحث وضع هذه الخطوات المنهجية‬ ‫فقد خرج عليها‪ ،‬وجاء بنموذجين من جمل الشاعر‪ ،‬هما‪ :‬نموذج‬ ‫)الجمل الشاعرية(‪ ،‬و )نموذج الخطيئة والتكفير(‪ .‬‬ ‫‪3‬ـ الفردوس‪ :‬المثال‪ /‬الحلم‪.‬‬ ‫‪.‬وقد س ّ‬ ‫كل وحدة )جملة(‪ .‬وهذه النماذج هي )إشارات عائمة( تسعى‬ ‫إلى تأسيس )أثرها( في القارئ الذي هو الصانع لهذا‬ ‫الثر‪ ،‬عن طريق تفسير إشاراته‪ ،‬وربط النص بسياقه‪،‬‬ ‫من أجل بناء حركة )النصوص المتداخلة(‪.‬ول بد أن تكون الجملة الشعرية شاعرية‪ ،‬وتجسيدا ً لغويا ً‬ ‫تاما ً يسمو على المعنى‪ .‬‬ ‫وأما )نموذج الخطيئة والتكفير( فهو دللي يرتكز على‬ ‫ستة عناصر‪ ،‬وكل عنصر له دللته النفسية والفنية‪ .‬‬ ‫وقد استبعدها الباحث من نموذجه‪.‬والجملة عنده هي أصغر وحدة أدبية في‬ ‫نظام الشفرة اللغوية‪ ،‬أي أنها تمثل )صوتيم( النص الذي ل‬ ‫يمكن تجزئته إلى ما هو أصغر منه‪ .‬وهي جملة‬ ‫)القول( الذي يزخم بالبلغة‪ ،‬ويغ ّ‬ ‫بلغية تعتمد التمركز‪ ،‬وتتجه نحو تأسيس قول جامع لمعنى‬ ‫ثابت‪ .‬وهذا أحد المبادئ التشريحية‪.‬‬ ‫‪4‬ـ )دراسة النماذج( على أنها وحدات كلية‪ ،‬بناء على‬ ‫مفهومات النقد التشريحي‪ ،‬انطلقا ً من المبادئ‬ ‫اللسنية‪ .‬‬ ‫‪2‬ـ حواء‪ :‬المرأة‪ /‬الوسيلة‪ /‬الغراء‪.‬ومنها جاء شعر الحكم والمثال‪.‬‬ ‫وأما )جملة القول الشعري( فهي كل جملة نلمس فيها‬ ‫ما لمسناه في الجملة الشعرية‪ ،‬من حيث حريتها وقدرتها على‬ ‫إحداث الثر وانعتاق إشارتها من عبودية المعنى‪ ،‬وهي تحاول‬ ‫الهرب من قيودها لتفعل فعلها في إحداث الثر‪.103 -‬‬ .‬وهذه‬ ‫العناصر هي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ آدم‪ :‬الرجل‪ /‬البطل‪ /‬البراءة‪.‬ولهذا تجيء كلماتها باردة ميتة‪ ،‬ل إشعاع فيها ول حياة‪.‬وكل كلمة فيها ليست لباسا ً لمعنى‪،‬‬ ‫ولكنها إشارة حرة عائمة‪.‬أما نموذج‬ ‫)الجمل الشاعرية( ففيه ُتعقد العلقة بين النصوص المتداخلة‪،‬‬ ‫م تفكيك النص إلى )وحداته( الصغرى‪ ،‬من خلل التمييز‬ ‫حيث يت ّ‬ ‫مى‬ ‫بين وحدة وأخرى‪ ،‬من حيث قدرتها على الحركة‪ .‬وفي مكان آخر جعل هذه )الجمل( أربعًا‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫الجملة الشعرية‪ ،‬وجملة القول الشعري‪ ،‬وجملة التمثيل‬ ‫الخطابي‪ ،‬والجملة الصوتية‪) .‬وبهذا فهي تختلف عن‬ ‫الجملة النحوية‪ .

‬‬ ‫ـ ليس هناك فرق في أن تكون الغالب أو المغلوب‪ ،‬إذا‬ ‫ناضلتك امرأة‪ ،‬فأنت الخاسر في الحالين‪.‬‬ ‫ثم يحلل الباحث إحدى قصائد الشاعر )يا قلب مت ظمأ(‬ ‫تحليل ً تشريحيًا‪ ،‬بادئا ً بتحليل العنوان‪ ،‬ثم فضاء القصيدة الذي‬ ‫جعله أربع مدارات‪ :‬مدار الجبار التجاوزي‪ ،‬ومدار الجبار‬ ‫الركني‪ ،‬ومدار العودة إلى المنبع‪ ،‬ومدار الثر‪.‬‬ ‫وأما محور )الحب‪ /‬الجسد( ففيه نرى الشاعر مهزوما ً دائما ً‬ ‫أمام المرأة‪ ،‬حتى وإن انتصر ظاهريًا‪ .‬‬ ‫ثم يستخرج الباحث من هذه الثنائية ثلثة محاور دللية‬ ‫استقطبت كافة الثنائيات‪ ،‬وهي‪ :‬محور التحول‪ /‬الثبات‪ ،‬ومحور‬ ‫الشعر‪ /‬الصمت‪ ،‬ومحور الحب‪ /‬الجسد‪ .‬‬ ‫ـ المرأة كالصياد الماهر‪ ،‬تتعامى عن الفريسة‪ ،‬ول تضرب‬ ‫إل في اللحظة الحاسمة‪.‬فآدم وجد في الجنة‪ ،‬ثم خرج منها آثمًا‪،‬‬ ‫وهبط إلى الرض‪ ،‬جزاء ما ارتكب من خطيئة‪ .‬‬ ‫‪5‬ـ التفاحة‪ :‬الغراء‪ /‬الخطيئة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن كتابه )الخطيئة والتكفير( قد أحدث‬ ‫قاه نقادنا كأعلى نموذج تطبيقي في‬ ‫ضجة أثناء صدوره‪ ،‬وتل ّ‬ ‫النقد الحداثي‪ ،‬إل أنه اليوم‪ ،‬وبعد مضي عشرين عاما ً على‬ ‫صدوره‪ ،‬بدأ يفقد بريقه وأهميته بسبب الدراسات النقدية‬ ‫الحداثية التي ع ُّربت و ُ‬ ‫كتبت فتجاوزته‪ ،‬إضافة إلى أنه عندما‬ ‫‪.‬‬ ‫ـ يحدث أحيانا ً أن يفلت رجل من امرأة‪ ،‬ولكن بعد أن‬ ‫يكون قد لحق به العطب‪.‬فالصمت سببه اليأس‪ ،‬واليأس هو‬ ‫إحدى الراحتين كما تقول العرب‪ ،‬والسبب في ذلك هو هجره‬ ‫موطنه )مكة المكرمة(‪ ،‬وغدر صديقه بماله‪ ،‬وفشله في زواجه‬ ‫ثلث مرات )ولهذا قال عن زواجه الول إنه غلطة‪ ،‬وعن زواجه‬ ‫الثاني إنه حماقة‪ ،‬وعن الثالث إنه انتحار(‪ ،‬وتربيته لخمس‬ ‫بنات‪ ،‬وعدم وجود دخل يكفيه‪.‬‬ ‫وهذه العناصـر الســتة تتحـرك فــي مجـال ثنائيـة‪ :‬الخطيئة‪/‬‬ ‫والتكفير‪.‫‪4‬ـ الرض‪ :‬النحدار‪ /‬العقاب‪.‬أما محور )التحول‪/‬‬ ‫الثبات( فينطلق بناء على حس النموذج بوجوده التاريخي‬ ‫)الفردوس‪ /‬الرض(‪ .‬‬ ‫وأما محور )الشعر‪ /‬والصمت( فمن الثوابت الساسية في‬ ‫شخصية الشاعر‪ :‬فالصمت من أبرز علمات حياته‪ ،‬حيث عاش‬ ‫في القاهرة لمدة تقارب الثلثين عاما ً )‪ (1972-43‬ولم يعلم‬ ‫بوجوده فيها أحد من أدبائها‪ .‬ولذلك أصبح الشاعر‬ ‫فيلسوفا ً حكيما ً في هذا المجال‪ ،‬وهذه بعض أقواله‪:‬‬ ‫ـ تدور الفراشة حول النور حتى تحترق‪ ،‬ويدور الرجل حول‬ ‫المرأة حتى تمسك به‪.‬‬ ‫ـ حتى العفريت الذي يركب المرأة يتع ّ‬ ‫ذر عليه الخلص‬ ‫منها وفيه رمق‪.‬فالفردوس‬ ‫بالنسبة له هو الماضي والمستقبل‪ ،‬وهو الحلم الدافع له في‬ ‫ول عند الشاعر ليكون‬ ‫دنياه وهو يرجو تحقيقه‪ ،‬ولذلك يأتي التح ّ‬ ‫سبب حياة وسبب خلص‪ .104 -‬‬ .‬وهو موعود‬ ‫بالعودة إلى الفردوس إذا هو حقق شروط العودة‪ .‬فوجودنا على الرض مؤقت‪ ،‬ومنه‬ ‫تولدت فلسفة التغيير عند الشاعر‪ ،‬وانتصاره للشعر الحر‬ ‫والشعر المنثور باعتبارهما تعبيرا ً عن التحول والتغيير‪.‬‬ ‫‪6‬ـ إبليس‪ :‬العدو‪ /‬الشر‪.

.1996‬‬ ‫في كتابه )تحليل الخطاب الشعري( الذي جعله الباحث‬ ‫قسمين‪ :‬تنظيري وتطبيقي‪ ،‬جمع أكثر من منهج واحد‪ ،‬فقد‬ ‫استوحى من اللسانيات بتياراتها العديدة‪) ،‬التداولية‪،‬‬ ‫والسيميائية‪ ،‬والشعرية(‪ ،‬ومن السيمياء باتجاهاتها المتنوعة‪،‬‬ ‫ومن البلغة )البدالية‪ ،‬والتفاعلية‪ ،‬والعلقية‪ ،‬والغشتالية‪،‬‬ ‫وغه بقوله‪:‬‬ ‫ومات(‪ .‬والباحث يعترف بهذا الجمع‪ ،‬ويس ّ‬ ‫والمق ّ‬ ‫"حينما نوينا الستيحاء من اللسانيات والسيميائيات ترددنا بين‬ ‫أمرين ممكنين‪ :‬العكوف على ما كتبته مدرسة واحدة لفهم‬ ‫مبادئها العامة والخاصة ثم تطبيقها على الخطاب الشعري‪.‬تامين‪..‬‬ ‫ولكننا رفضنا هذا الخيار لسباب موضوعية من حيث أن أية‬ ‫مدرسة لم تتفق إلى الن في صياغة نظرية شاملة‪ ،‬وإنما كل‬ ‫ما نجده هو بعض المبادئ الجزئية والنسبية التي إذا أضاءت‬ ‫جوانب بقيت أخرى مظلمة‪ ..‬ذلك أن الباحث استوحى النظريات اللسانية من ثلثة‬ ‫مصادر هي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ التيار الشعري‪ :‬من )ياكوبسون( الذي أسهم في‬ ‫تأسيس النظرية الشعرية الحديثة‪ ،‬ومن )جان كوهين(‬ ‫الذي انطلق من مسّلمة أن الشعر يقوم على )المجاز(‬ ‫الذي هو خرق العادة اللغوية أو النزياح‪ ،‬وعلى‬ ‫الستعارة‪ .‬وقد أّدى بنا هذا الشعور بقصور‬ ‫النظرة الحادية إلى اختيار المر الثاني وهو التعدد‪ ،‬رغم ما‬ ‫يتضمنه من مشاق ومزالق" )ص ‪..‫استقى من بارت‪ ،‬وليتش‪ ،‬وياكوبسون‪ ،‬وديريدا‪ ،‬وتودوروف‪،‬‬ ‫فإنه جمع بين ثلثة مناهج نقدية كانت الحدود بينها غائمة في‬ ‫ذهنه‪ ،‬لنها ما تزال في بداياتها‪ ،‬ولكنها ـ بعد ذلك ـ انفصلت‪،‬‬ ‫واستقل كل منهج منها بمصطلحاته ومفهوماته ورّواده‪ ،‬مما‬ ‫يجعل "تلفيقيته" مشروعة آنذاك‪ ،‬ولكنها مرفوضة من بعد‪..105 -‬‬ .‬ثم‬ ‫ُوضعت كتب من مثل‪) :‬محاولت في السيميولوجيا‬ ‫الشعرية( و )بلغة الشعر( ‪ 1977‬لجماعة )‪ (M‬التي‬ ‫استقت من الغشتالية‪ ،‬والنثربولوجيا‪ ،‬والتحليل‬ ‫‪..‬ومن جولينو‪ ،‬وج‪ .‬‬ ‫*‬ ‫‪ -5‬محمد مفتاح وتحليل الخطاب الشعري‬ ‫محمد مفتاح ناقد مغربي حداثي‪ ،‬طلع في ميدان النقد‬ ‫في مطلع الثمانينات بكتابه )في سيمياء الشعر القديم( ‪،1982‬‬ ‫ثم أصدر كتابه الثاني )تحليل الخطاب الشعري( عام ‪،1985‬‬ ‫ثم تتابعت كتبه‪) :‬دينامية النص( عام ‪ ،1987‬و )مجهول البيان(‬ ‫قي والتأويل( ‪ ،1994‬و )التشابه والختلف(‬ ‫عام ‪ ،1990‬و )الّتل ّ‬ ‫‪ ،1996‬و )الخطاب الصوفي( ‪.‬‬ ‫‪2‬ـ التيار التداولي لدى )موريس( وفلسفة أكسفورد‬ ‫)أوستن‪ ،‬وسورل‪ ،‬وكرايس( ممن تبّنوا النزعة‬ ‫الختزالية والوضعية ومبدأ شفرة )أوكام( ‪ Occam‬في‬ ‫تقسيمه الثنائي‪ :‬الخيالي‪ /‬وغير الخيالي‪ ،‬والمعنى‬ ‫الحرفي‪ /‬والمعنى اللمباشر‪.(7‬‬ ‫وهذا العتذار عن جمع أكثر من منهج نقدي واحد ليس له‬ ‫وغه سوى ضعف الحاطة بمفاهيم المنهج الواحد‬ ‫ما يس ّ‬ ‫ومقولته‪ ،‬وحب "التوفيق" بين أكثر من منهج )إذا لم نقل‬ ‫التلفيق(‪ .‬‬ ‫‪3‬ـ التيار السيميائي لدى أبرز ممثليه )غريماس( الذي‬ ‫استقى نظريته من مصادر معرفية عديدة‪ :‬لسانيات‬ ‫بنيوية‪ ،‬وتوليدية‪ ،‬ومنطقية‪ ،‬وأبحاث أنثربولوجية‪ .

‬ومن هنا فإن لكل خطاب معجمه‬ ‫مختلفة‪ ،‬لتك ّ‬ ‫الخاص‪ :‬فللشعر الصوفي معجمه‪ ،‬وللشعر الخمري معجمه‪،‬‬ ‫وللشعر الغزلي معجمه‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫‪.‬وكان غريماس هو‬ ‫أول من نقل مفهوم )التشاكل( من ميدان الفيزياء إلى ميدان‬ ‫اللسانيات‪ ،‬فاحتل هذا المفهوم مركزا ً أساسيا ً في التحليل‬ ‫السيميائي‪ .‬فالتركيب النحوي تبدأ فيه‬ ‫الجملة العربية بالفعل‪ ،‬مثل‪) :‬جاء محمد( فإذا قلنا‪) :‬محمد‬ ‫جاء( وقع التركيز على محمد دون سواه من السماء التي‬ ‫تتبادر إلى ذهن المخاطب‪ .‬وكتاب )سيميوطيقا الشعر(‬ ‫لريفاتير الذي رأى أن التحليل السيميائي للشعر هو‬ ‫أخصب من التحليل اللساني‪.‬وأما )تشاكل‬ ‫المعنى( فيتوضح بتحليله‪ ،‬كما في مثل )الدهر يفجع(‪:‬‬ ‫أ ـ الدهر‪ :‬اسم ‪ +‬مجرد ‪ +‬دال على زمان غير محدد ‪+‬‬ ‫دال على الضرر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ومــا يجمــع بيــن هــذه المحــاولت الســيميائية جميعــا هــو‬ ‫القواسم المشتركة التالية‪:‬‬ ‫آ ـ النص الشعري لعب لغوي‪.‬‬ ‫ت ـ جدلية النص والقراءة‪ ،‬وتع ّ‬ ‫ثم انتقل الباحث إلى )عناصر تحليل الخطاب الشعري(‬ ‫فجعلها عنصرين هما‪) :‬التشاكل( و )التباين(‪ .‬وبما أن‬ ‫)التشاكل( ل يحصل إل من تعدد الوحدات اللغوية‪ ،‬فمعنى هذا‬ ‫أنه ينتج عن )التباين(‪ ،‬وإذن فإنه ل يمكن الفصل بين )التشاكل(‬ ‫و )التباين(‪.‬‬ ‫وأما )تشاكل الكلمة( فيكون في )الجناس( وهو اتفاق‬ ‫اللفظين واختلف المعنيين‪ ،‬وأما )تشاكل المعجم( فقد احتل‬ ‫)الفعل( فيه أهمية وظيفية‪ .‬‬ ‫ب ـ يفجع‪ :‬فعل ‪ +‬محمول إلى فاعل حي أو مجرد ‪+‬‬ ‫دال على ضرر‪.106 -‬‬ .‫النفسي‪ ،‬والسيميولوجيا‪ ،‬واللسانيات‪ ،‬وقاربت الخطاب‬ ‫الشعري بعمق وخصب‪ .‬و )التشاكل( عند غريماس يعني "مجموعة متراكمة‬ ‫من المقولت المعنوية التي تجعل قراءة متشاكلة للحكاية‪ ،‬كما‬ ‫نتجت عن قراءات جزئية للقوال بعد ح ّ‬ ‫ل إبهامها" بينما هو عند‬ ‫براستي "كل تكرار لوحدة لغوية مهما كانت"‪ ..‬‬ ‫أما تعبير )التشاكل الصوتي( فيمكن تبّين تيارين عمل‬ ‫به‪ :‬تيار يقول بالقيمة التعبيرية للصوت )ابن جني في كتابه‬ ‫الخصائص(‪ ،‬وتيار يقول بخلف ذلك )ويمثله السيد البطليوسي‬ ‫في كتابه‪ :‬القتضاب(‪.‬وهذا يعني أن تشويش الرتبة له‬ ‫نتائج معنوية تداولية‪ .‬من هنا اهتمام البلغيين العرب بالتقديم‬ ‫والتأخير‪ ،‬واهتمام الدراسات اللغوية المحدثة باستخلص‬ ‫قوانين مجردة شمولية‪ ،‬ووضع مفاهيم إجرائية من مثل‪:‬‬ ‫البؤرة‪ ،‬والتعليق‪ .‬والدللية ترى في المعجم قائمة‬ ‫من الكلمات المنعزلة التي تتردد في النص الدبي بنسب‬ ‫ون حقل ً دلليًا‪ .‬‬ ‫وقد يكون )التشاكل( في التعبير‪ ،‬وفي المعنى‪) :‬فتشاكل‬ ‫التعبير( يكون في الصوت )حرف العين‪ ،‬والهمزة(‪ .‬‬ ‫وأما )تشاكل التركيب( فيشمل نوعين من التركيب‪:‬‬ ‫التركيب النحوي‪ ،‬والتركيب البلغي‪ .‬‬ ‫ب ـ النص الشعري مغلق على نفسه‪ ،‬ول ُيحيل إلى واقع‬ ‫خارجه‪.‬‬ ‫دد قراءات النص الواحد‪.‬وفي النبر‪،‬‬ ‫والكلمة المكررة‪ ،‬والجناس‪ ،‬والتركيب النحوي‪ .‬فـ )محمد جاء(‪ :‬محمد )بؤرة(‪ ،‬وجاء )تعليق(‪..

‬والتيار‬ ‫اللسني الغشتالي الذي من ممثليه‪ :‬جونسون‪ ،‬وبالمر‪،‬‬ ‫ولكوف‪ ..‬‬ ‫ومات‪ :‬وقد تبنتها البنيوية التي‬ ‫‪3‬ـ نظرية التحليل بالمق ّ‬ ‫يمثلها هلمسليف‪ ،‬وياكوبسون‪ ،‬وغريماس‪ ،‬وغيرهم‬ ‫ممن استقوا منهجيتهم من دراسة علم وظائف‬ ‫الصوات‪ ،‬ومن المسّلمة القائلة بثنائية ظواهر‬ ‫الطبيعة‪ ،‬حيث تنقسم كل ظاهرة إلى‪:‬‬ ‫محسوس‬ ‫مجرد‬ ‫حي‬ ‫‪.‬‬ ‫وأما )التركيب البلغي( فيتجّلى في الستعارة‪ ،‬والكناية‪،‬‬ ‫والمجاز‪ .‬فالس ّ‬ ‫كاكي‬ ‫ينطلق من مفهوم )الدعاء( ليؤول على ضوئه‬ ‫الستعارة المكنية‪.‬فإن )التشاكل( ُيقصد به تراكم‬ ‫مستوى معين من مستويات الخطاب هو )المستوى التركيبي(‪.‬‬ ‫‪2‬ـ النظرية التفاعلية )أو التوترية( وترتكز على أن‬ ‫الستعارة توجد في أكثر من كلمة واحدة‪ ،‬وأن الكلمة‬ ‫دد‪ ،‬وإنما السياق‬ ‫أو الجملة ليس لها معنى حقيقي مح ّ‬ ‫هو الذي يعطيها معناها‪ ،‬وأن الستعارة ل تحصل في‬ ‫الستبدال وإنما تحصل من التفاعل بين بؤرة المجاز‬ ‫والطار المحيط بها‪ ،‬وأن المشابهة ليست العلقة‬ ‫الوحيدة في الستعارة‪ ،‬فقد يكون هناك علقات أخرى‪....‬وأن كل‬ ‫كلمة يمكن أن يكون لها معنيان‪ :‬حقيقي‪ ،‬ومجازي‪،‬‬ ‫وأن الستعارة تحصل باستبدال كلمة حقيقية بكلمة‬ ‫مجازية‪ ،‬وأن هذا الستبدال مبني على علقة المشابهة‬ ‫الحقيقية أو الوهمية‪ .‬وقد يكون )التشاكل( كليًا‪ ،‬وقد يكون جزئيًا‪،‬‬ ‫وينعكس ذلك في الشتراك بالحرف الخير كما في )العهن‬ ‫والمهل( و )هلوع وجزوع(‪ ،‬وكل زيادة في المبنى هي زيادة‬ ‫في المعنى‪.‫وإذا كان )التباين( ُيظهر صراع الطراف كما في‪ :‬الحضور‪/‬‬ ‫والغياب‪ ،‬والنفي‪ /‬والثبات‪ .107 -‬‬ ‫غير حي‬ ...‬ففي مثل‪) :‬رأيت أسدًا( و‬ ‫)عاشرت بحرًا( فإن لكلمتي‬ ‫)أسد‪ ،‬وبحر( معنيين‪ :‬حقيقي مستغنى عنه‪ ،‬ومجازي‬ ‫وهو‬ ‫المطلوب‪.‬‬ ‫سموه إلى )ترصيع(‬ ‫ماه البلغيون العرب )المعادلة(‪ ،‬وق ّ‬ ‫وقد س ّ‬ ‫و )موازنة(‪ .‬أما )الستعارة( فقد شغلت الدارسين منذ أحقاب‪،‬‬ ‫وعالجها الباحث على ضوء التيار اللسني البنيوي الذي كان من‬ ‫أهم ممثليه‪ :‬ياكوبسون‪ ،‬وتامين‪ ،‬ومولينو‪ ،‬وتامبا‪ .‬‬ ‫وقد استخدم البلغيون العرب مفاهيم إجرائية تقّربهم‬ ‫من النظرية التفاعلية الحديثة‪ ،‬من مثل‪ :‬القرينة‪،‬‬ ‫والترشيح‪ ،‬والتجريد‪ ،‬والتعلق‪ ،‬والدعاء‪ ...‬وقد عرض الباحث أبرز نظريات الستعارة‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ النظرية البدالية )أو التشبيهية( وتنص على أن‬ ‫الستعارة ل تتعلق إل بكلمة معجمية واحدة‪ .

‬‬ ‫‪ Ballmer‬الذي وضع بحثا ً بعنوان )الجذور المعرفية للنماذج‬ ‫العليا والرموز والستعارة والنماذج والنظريات( عام ‪1982‬‬ ‫انتقد فيه مناهج اللسانيات‪ ،‬فوضع الستعارة في مركز وسط‬ ‫بين المعرفة الخفية والمعرفة العلمية‪ ،‬منطلقا ً من شرط‬ ‫‪.‬‬ ‫أما ل كوف ‪ Lakoff‬وجونسون ‪ Mark Johnson‬فقد‬ ‫انتقدا النظرية الوضعية للستعارة في كتابهما‬ ‫المشترك )الستعارات التي نحيا بها( عام ‪ 1980‬لنها‬ ‫تنكر وجود أنواع من الستعارة بدعوى أنها ميتة‪ ،‬وتتخذ‬ ‫)الغرابة( مقياسًا‪ ،‬فإذا لم تحصل الغرابة في التركيب‬ ‫فليس من استعارة‪ .‬‬ ‫وما ً‬ ‫وهذه المقومات ملصقة لـ )رجل(‪ ،‬ولكن هناك مق ّ‬ ‫عارضا ً مضافا ً إليها هو )شجاع(‪ .‬والدراسة المعاصرة‬ ‫ُدعي )مقوما ً عرضيًا(‪ ،‬لنه صدر س ِ‬ ‫للستعارة تقوم على هذا التحليل‪ :‬إذ تعمد إلى التركيب فتحلله‬ ‫إلى مقوماته‪ ،‬ثم تنظر في مدى توافقها واختلفها‪ .‬وبما أنه ليس ملصقا ً فقد‬ ‫جّية‪ ..‬وكلما كثر‬ ‫التوافق صارت الستعارة أقرب إلى الحقيقة‪ ،‬وكلما كثر‬ ‫الختلف صارت هناك مسافة توتر وتباين‪.‬‬ ‫‪4‬ـ النظرية العلقية )أو التركيبية(‪ ،‬وهي تيار غربي‬ ‫بلغي معاصر‪ ،‬انتقد أصحابه البلغيين الذين اهتموا‬ ‫بمعنى الستعارة دون تركيبها‪ ،‬ويمثلهم )بروك روس(‬ ‫‪ Brooke Rose‬الذي نظم كتابه بحسب انتماء الستعارة‬ ‫إلى أقسام الخطاب المختلفة‪ :‬الفعل‪ ،‬والوصف‪،‬‬ ‫مى البلغيون‬ ‫والظرف‪ ،‬والسم‪ ،‬والنداء‪ .‬‬ ‫ب ـ استعارة تشخيص المعاني المجردة‪) :‬نسير نحو‬ ‫السلم(‪ ،‬و )ل نحتمل ويلت الحرب(‪.‬‬ ‫ت ـ استعارة بنيوية‪ /‬معجمية‪) :‬النظرية بناء(‪...‬‬ ‫وأما النظرية الغشتالية عند اللماني توماس بالمر ‪T.‬ويضع المؤلفان )الستعارة‬ ‫التفاقية( بدي ً‬ ‫ل‪ ،‬وهي ثلثة أنواع‪:‬‬ ‫ً‬ ‫أ ـ استعارة موجهة مكانيا‪) :‬المحاضرة ذات مستوى‬ ‫رفيع‪ /‬منحط(‪ ،‬و )الطالب متفوق‪ /‬منخذل(‪.‬ففي مثل )رجل شجاع(‪:‬‬ ‫ـ رجل‪ :‬حي ‪ +‬إنسان ‪ +‬ذكر ‪ +‬بالغ‪..‬‬ ‫‪5‬ـ النظرية الغشتالية‪ :‬عند لكوف‪ ،‬وجونسون‪ ،‬وبالمر‪.108 -‬‬ .‬وقد س ّ‬ ‫العرب نوعا ً من الستعارة باسم )الستعارة التبعية(‬ ‫ضنا‬ ‫وهي التي يكون فيها المستعار فعل ً كما في )ع ّ‬ ‫الدهر بنابه(‪ ،‬أو اسما ً )نطقت الحال(‪ ،‬أو حرفا ً )علي‬ ‫بنعمة(‪ ،‬أو يا النداء )يا رجل أقبل(‪ ،‬أو الضافة )وعّري‬ ‫أفراس الصبا(‪ ،‬أو الجملة الحالية )كالحادي وليس له‬ ‫بعير(‪.‫حيوان‬ ‫إنسان‬ ‫طبيعي‬ ‫اصطناع‬ ‫ي‬ ‫مؤنث مذكر مؤنث‬ ‫مذكر‬ ‫وقد حلل بعض الباحثين كثيرا ً من الحقول الدللية على‬ ‫ضوء هذه المتقابلت‪ ،‬وأسهم تحليلهم في ح ّ‬ ‫ل كثير من‬ ‫المشتركة‪،‬‬ ‫مشكلت الظواهر اللغوية من مثل‪:‬‬ ‫اللفاظوالمعاني ا ُ‬ ‫لول‪،‬‬ ‫والمترادفة‪ ،‬والمتضادة‪ ،‬والحقول الدللية‪،‬‬ ‫والمعنى العرضي‪ ،‬والستعارة‪ .

.‬وهذا الفعل‬ ‫يهدف إلى تحويل وضع المتلقي وتغيير نظام معتقداته ومواقفه‬ ‫السلوكية‪ .‬‬ ‫وأما )تيار التوليديين( فقد اهتم بالتفاعل بين النص‬ ‫والسياق‪ ....‬‬ ‫ثم ينتقل الباحث إلى تعريف المدرسة )اللسنية التداولية(‬ ‫التي تناولت مظاهر لغوية عديدة بوجهات نظر متنوعة‪ ،‬من‬ ‫أهمها‪ :‬تيار موريس‪ ،‬وتيار أكسفورد‪ ،‬وتيار التوليديين‪ ،‬وتيار‬ ‫السرديين‪) .‬‬ ‫صل الباحث كثيرًا‪ ،‬لنه يراها المعنى‬ ‫في )المقصدية( ل يف ّ‬ ‫)العمودي(‪ ،‬بينما يرى أن كل ما مر هو معنى )أفقي(‪ ،‬وأنه‬ ‫صلب التحليل اللسني‪:‬‬ ‫‪.‬وأما )المجاز‬ ‫المرسل( فهو خرق للعادة التعبيرية‪ ،‬كما في )رعينا الغيث(‬ ‫فالغيث ل ُيرعى‪ ،‬وإنما النبات الذي تسّبب الغيث في إنباته‪ ،‬و‬ ‫)أعصر خمرًا( والمقصود أعصر عنبًا‪..‫قاعدي للستعارة هو مبدأ )النسجام( الذي يتيح للمرء أن يوجه‬ ‫نفسه بنجاح في هذا العالم الذي يحتوي على كثير من مظاهر‬ ‫النسجام‪ ،‬مما يسمح بالتعبير عن شيء بمفاهيم شيء آخر‪...‬‬ ‫فطبيعة الستعارة تسمح بتجاوز المعاني المعجمية التفاقية‪،‬‬ ‫ونقل مظاهرها إلى ميادين تطبيقية‪.‬ويمّثله أوهمان في كتابه )الدب كفعل(‪ ،‬وفان ديك‬ ‫‪ Van Djck‬في بحثه )السياق التداولي(‪ .......‬‬ ‫وأما )تيار السرديين( فيتجّلى لدى ياكوبسون‪ ،‬وغريماس‪،‬‬ ‫وجيرار جينيت‪ .‬‬ ‫وأما )تيار أكسفورد( لدى أوستن‪ ،‬وسورل ‪،Searle‬‬ ‫وكرايس‪ .‬والموجهات )جهة الضرورة والمكان‪ ،‬وجهة‬ ‫المعرفة‪ ،‬وجهة الفعل‪ ،‬وجهة الكينونة والظهور( والثنائية التي‬ ‫اعتبرتها البنيوية من خصائص الفكر النساني‪ ،‬واتخذتها‬ ‫كتقابلت أبستيمولوجية مثل‪ :‬اللغة‪ /‬والكلم‪ ،‬والدال‪/‬‬ ‫والمدلول‪ .‬فغريماس يعتبر السردية مبدأ منظما ً لكل‬ ‫ون من بنيات هي المكونات الساسية على‬ ‫خطاب‪ ،‬وهي تتك ّ‬ ‫المستوى العميق للعملية السيميائية‪ .‬‬ ‫وأما )الكناية( فهي ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما‬ ‫يلزمه‪ ،‬لينتقل من المذكور إلى المتروك‪ ،‬ولها معنيان‪ :‬حرفي‪،‬‬ ‫وغير مباشر‪ .‬فتيار موريس( يقصد باللغة علم علقات الدلة‬ ‫بمتداوليها‪ .‬وقد صّنف علقات اللغة في معّينات )هي الضمائر‪،‬‬ ‫وأسماء الشارة‪ ،‬وأل التعريف(‪ ،‬وفي الزمان النحوي )الماضي‬ ‫والمضارع والمر(‪ ،‬وفي المكان )ظروف المكان(‪ ،‬وفي‬ ‫اللفاظ العاطفية والقيمية )سواء كانت صفات أم أسماء أم‬ ‫أفعا ً‬ ‫ل‪..‬ففي )طويل النجاد( كناية عن شجاعة الرجل‪،‬‬ ‫وفي )نؤوم الضحى( كناية عن المرأة المخدومة‪ .(....‬فقد اهتم بدراسة الفعال الكلمية‪ ،‬وهو يعتمد‬ ‫فرضية مؤداها أن الكلم ُيقصد به تبادل المعلومات‪ ،‬مع القيام‬ ‫بفعل محكوم بقواعد مضبوطة في نفس الوقت‪ .‬و )النص( في هذا التيار‬ ‫هو سلسلة من الفعال الكلمية‪ُ ،‬يلقي كل منها ضوءا ً على‬ ‫الخر‪.‬وتتمثل الصيغ الساسية‬ ‫لديه في‪ :‬المعينات )كظروف الزمان والمكان‪ ،‬والضمائر‪،‬‬ ‫وأسماء الشارة‪ (.‬ولكن هذا التيار اهتم بتحليل اللغة العادية‪ ،‬ل الدبية‬ ‫وشة وغير عادية‪ ،‬باستثناء سورل الذي تناول‬ ‫التي يراها مش ّ‬ ‫اللغة الشعرية في كتبه‪) :‬الفعال الكلمية( ‪ ،1982‬و )التعبير‬ ‫والمعنى( ‪ ،1983‬و )المقصدية( ‪ 1972‬حيث مّيز بين اللغة‬ ‫العادية واللغة الدبية في الرواية والمسرح‪..109 -‬‬ ..‬ومن أهم الذين استفادوا من الثنائية في دراسة‬ ‫المعنى غريماس الذي صّنف التقابلت في عدة أنواع‪ :‬محورية‬ ‫)زوج‪ /‬زوجة(‪ ،‬ومراتبية )كبير‪ /‬صغير(‪ ،‬ومتناقضة )متزوج‪/‬‬ ‫أعزب(‪ ،‬ومتضادة )صعد‪ /‬نزل(‪ ،‬وتبادلية )اشترى‪ /‬باع(‪...

‬كما أن‬ ‫الصل في الستفهام هو طلب العلم‪ ،‬ولكن الشاعر ل يقصد‬ ‫ذلك‪ ،‬وإنما يريد التوبيخ والتقريع‪ .‬فإذا تجاوزنا )علقة الصوت بالمعنى( إلى‬ ‫)المعجم( وجدنا الشاعر يستقي من مدّونة الفرض‪ ،‬وقد تحكم‬ ‫في حضور كلماته مبدأ )التداعي( بالمقارنة‪) :‬فالعين( استدعت‬ ‫)الثر(‪ ،‬و )الشباح( استدعت )الصور(‪ .‬ومن هنا يصبح من‬ ‫المبتذل القول إن الديب يمتص آثاره السابقة أو آثار غيره‪...110 -‬‬ ..‬‬ ‫ثم ُيتبع الباحث تنظيره بتطبيق عملي‪ ،‬فيدرس قصيدة ابن‬ ‫عبدون في رثاء الندلس‪ ،‬التي مطلعها‪:‬‬ ‫ح‬ ‫البكا‬ ‫فما‬ ‫ع بعد‬ ‫الدهر يفج ُ‬ ‫ر؟!ءُ على الشبا ِ‬ ‫بالثر‬ ‫العين‬ ‫والصو ِ‬ ‫وقد بدأ تحليله بتطبيق مبدأ )التشاكل والتباين( في الشعر؛‬ ‫فبدأ بتحليل الصوات‪ ،‬حيث أعاد منها ما هو لحّيز الحلق )أ‪ ،‬هـ‪،‬‬ ‫ع‪ ،‬ح( في البيت الول‪ ،‬وأظهر دللتها على الحزن والزجر )اّوه‪،‬‬ ‫لتحزن‪ .‬‬ ‫ولذلك فإن الدراسة العملية تقتضي تدقيقا ً تاريخيا ً لمعرفة‬ ‫سابق النصوص من لحقها‪ ،‬كما تقتضي الموازنة بينها لرصد‬ ‫سيرورتها‪ ..‬فالتناص ـ بإذن ـ بمثابة الماء والهواء والزمان‬ ‫والمكان للنسان‪ ،‬ل حياة من دونه‪ .‬ولهذا فإن تركيب )الدهر يفجع( جاء‬ ‫على غير الصل‪ ،‬لن هدف الشاعر من تقديم الدهر هو أن‬ ‫يجعله موضوعا ً متحدثا ً عنه‪ ،‬وما يتلوه تعليق عليه‪ .(.‬‬ ‫وبما أن الرتبة الطبيعية في اللغة العربية هي )الفعل ‪+‬‬ ‫الفاعل ‪ +‬المفعول به( و )المبتدأ ‪ +‬الخبر(‪ ،‬و )الموصوف‪+‬‬ ‫الصفة(‪ ،‬فإذا وقع غير هذا الترتيب فإن هناك تشويشا ً في‬ ‫الرتبة يحتاج إلى تعليل‪ .‫أفقي‬ ‫أصوات‪ +‬معجم‪ +‬تركيب‬ ‫‪+‬تداول‬ ‫المقصدية‬ ‫عمودي‬ ‫دث الباحث عن‬ ‫وفي القسم الثاني من الكتاب تح ّ‬ ‫ص(‪ ،‬فاستبعد عنه )الدب المقارن(‪ ،‬و‬ ‫)استراتيجة الّتنا ّ‬ ‫)المثاقفة(‪ ،‬و )دراسة المصادر(‪ ،‬و )السرقات الشعرية(‪ ،‬على‬ ‫ص(‪ .‬وهكذا فإن الجملة الخبرية‬ ‫‪..‬‬ ‫ومن الغريب أن الباحث يرفض إدخال المؤثرات‪،‬‬ ‫والمصادر‪ ،‬والسرقات الشعرية‪ ،‬في باب )التناص( في مطلع‬ ‫بحثه‪ ،‬ثم يعود فيدخلها بعد ذلك‪ ،‬معترفا ً بأن أثرا ً أدبيا ً ما ل‬ ‫يتولد إل من غيره‪ ،‬وأن إعادة نماذج أدبية معينة تتواتر وتتكرر‬ ‫لرتباطها بالسلف وبالسنن‪.‬وكما يكون )التناص( في‬ ‫المضمون‪ ،‬فإنه يكون في الشكل أيضًا‪..‬على أن )الّتنا ّ‬ ‫فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت فيه بتقنيات مختلفة(‪.‬ثم عّرف التناص‬ ‫الرغم من أنها تدخل كلها في باب )الّتنا ّ‬ ‫ددت تعريفاته عند باحثين كثيرين من مثل جوليا‬ ‫الذي تع ّ‬ ‫ص‬ ‫كريستيفا‪ ،‬وآّرفي‪ ،‬ولورانت‪ُ ،‬وريفاتير‪ .‬‬ ‫وعلى أن الديب ليس إل معيدا ً لنتاج سابق في حدود من‬ ‫الحرية‪ ،‬سواء كان ذلك النتاج له أو لغيره‪ ..‬وقد قامت الذاكرة‬ ‫بدور أساسي في هذا التجميع لكلمات معروفة ذهنيا ً لدى‬ ‫المتلقي‪ ،‬ولذلك جاءت مصحوبة بـ )أل( التعريف‪.

‬‬ ‫*‬ ‫‪ -6‬عبد الملك مرتاض وبنية الخطاب الشعري‬ ‫عبد الملك مرتاض ناقد حداثي من الجزائر‪ ،‬تخّرج في‬ ‫كلية آداب‪ ،‬جامعة الرباط عام ‪ ،1963‬ونال دكتوراه السلك‬ ‫الثالث من كلية آداب جامعة الجزائر عام ‪ ،1970‬ودكتوراه‬ ‫الدولة من السوربون الثالثة في باريس عام ‪ .‬إضافة إلى أن معظم كتبه يحمل‬ ‫عناوين فرعية تجمع بين منهجين نقديين‪ ،‬هما على الغلب‪:‬‬ ‫السيميائي‪ ،‬والتشريحي )أو التفكيكي(‪ ،‬لكن مضمونه يخالف‬ ‫عنوانه تمامًا‪ ،‬فهو بعيد حتى عن التوفيق )أو التلفيق( بين‬ ‫منهجين أو أكثر‪.‬وأسباب هذا الحزن‬ ‫ُتلتمس في الليات النفسية والجتماعية التي تتحكم بالشاعر‪:‬‬ ‫دت‬ ‫فذاكرته وتجربته الثقافية‪ ،‬والتقاليد الفنية‪ ،‬ونوع المتلقي‪ ،‬ح ّ‬ ‫من حريته‪ ،‬وجعلته يتحرك ضمن معالم معروفة‪.‬‬ ‫ومن الواضح أن السمة الغالبة على "منهج" مفتاح هي‬ ‫"التوفيقية" بين ثلثة مناهج على القل‪ ،‬وأنه غالبا ً ما يخرج‬ ‫على مقولتها ليعود إلى التراث البلغي العربي‪ ،‬فيشبعه وخزا ً‬ ‫واستنباطًا‪ ،‬ثم يميل إلى التقعيد المنطقي والفلسفي‪..‬‬ ‫*‬ ‫‪.‬‬ ‫ويتابع الباحث تحليل البيات بيتا ً بيتًا‪ ،‬بنفس الطريقــة‪ ،‬عــبر‬ ‫ثلث بنيات هي‪) :‬بنية التوتر( في المطلع وهــي ذاتيــة غنائيــة‪ ،‬و‬ ‫)بنية الرجاء( في الوسط وهي ملحمية‪ ،‬و )بنية الستسلم( في‬ ‫النهاية وهي مأساوية‪.‬‬ ‫في كتابه )بنية الخطاب الشعري‪ :‬دراسة تشريحية لقصيدة‬ ‫أشجان يمنية( عام ‪ ،1986‬كنا نتوقع أن يطلعنا الباحث على‬ ‫نظرية المنهج التشريحي الذي عنون به كتابه‪ ،‬لكنه ما زاد على‬ ‫أن عالج قصيدة الشاعر اليماني عبد العزيز المقالح عبر‬ ‫مناقشته للعناصر التالية‪ :‬خصائص البنية‪ ،‬الصورة الفنية‪ ،‬الحيز‬ ‫الشعري‪ ،‬الزمن الدبي‪ ،‬الصوت واليقاع‪ ،‬المعجم الفني‪ ،‬وكلها‬ ‫عناصر فنية في النقد التقليدي‪ ،‬ل الحداثي‪.1970‬‬ ‫ظهر في ميدان النقد في منتصف الثمانينات‪ ،‬ثم استمر‬ ‫مخلصا ً له‪ ،‬فوضع فيه عدة كتب هي‪) :‬بنية الخطاب الشعري(‬ ‫مال‬ ‫عام ‪ ،1986‬و )ألف ليلة وليلة‪ :‬تحليل سيميائي لحكاية ح ّ‬ ‫بغداد( عام ‪ ،1993‬و )شعرية القصيدة‪ ،‬قصيدة القراءة( عام‬ ‫‪ ،1994‬و )تحليل الخطاب السردي‪ :‬معالجة تفكيكية سيميائية(‬ ‫عام ‪ ،1995‬و)مقامات السيوطي‪ :‬تحليل سيميائي( عام‬ ‫‪ ،1996‬و )في نظرية الرواية‪ :‬بحث في تقنيات السرد( عام‬ ‫‪.‬‬ ‫وهكذا فإن هناك خرقا ً على مستوى التركيب في تشويش‬ ‫الرتبة‪ ،‬وفي الستفهام المجازي الذي يعني النهي )ل تبك(‪،‬‬ ‫وفي السناد المجازي )الدهر يفجع(‪ .111 -‬‬ .1998‬‬ ‫والواقع أن مرتاض يغري القارئ بعناوين كتبه‪ ،‬فإذا ما‬ ‫قرأها القارئ الحداثي خاب أمله‪ ،‬لنه ل يجد فيها ما كان يؤمله‬ ‫من نقد حداثي منهجي‪ ..‫)الدهر يفجع( والجملة النشائية )فما البكاء( قد أحدثتا توترا ً‬ ‫تركيبيا ً في البيت‪ ،‬يعكس صراعا ً بين الشاعر‪ /‬والمتلقي‪ ،‬وبين‬ ‫الدهر‪ /‬والنسان‪.1983‬وهو أستاذ‬ ‫الدب والنقد في جامعة وهران بالجزائر منذ عام ‪.

‬‬ ‫وقد استعرض الباحث )النظرة الشفاهية( لباري ولورد‪،‬‬ ‫كما عرض محاولت القدماء والمحدثين في وصف القصيدة‬ ‫الجاهلية‪ ،‬فرأى أن "صورة القصيدة الجاهلية في نقد القدماء‬ ‫كانت غامضة"! )ص ‪ ،(44‬وأن المحاولت النقدية الحديثة‬ ‫ُ‬ ‫شغلت بمسألتين‪ :‬قضية الوحدة‪ ،‬والوصف السطوري للقصيدة‬ ‫الجاهلية‪ .‫‪ُ -7‬يمنى العيد في القول الشعري‬ ‫ُيمنى العيد ناقدة معاصرة من لبنان‪ ،‬ظهرت في ميدان‬ ‫النقد في منتصف السبعينات‪ .‬‬ ‫ولم تنس )تطعيم( نظراتها الذاتية بمفاهيم سوسيرية‪،‬‬ ‫وبانطباعات بلغية عن الستعارة والتشبيه واليحاء والتخييل‪،‬‬ ‫ومما يدخل في باب المجاز‪.‬وإنما تحمل سمة صاحبها‪.112 -‬‬ .‬ظهر في ميدان النقد في نهاية‬ ‫الثمانينات بكتابه )الكلمات والشياء‪ :‬التحليل البنيوي لقصيدة‬ ‫الطلل في الشعر الجاهلي( ‪ 1989‬الذي هو في الصل رسالة‬ ‫الدكتوراه التي دافع عنها‪ ،‬تحت إشراف عز الدين إسماعيل‪.‬‬ ‫والباحث‪ ،‬مثل غيره من النقاد والباحثين العرب‪ ،‬أخذ بعض‬ ‫مى )تقصيره( هذا‬ ‫المقولت البنيوية‪ ،‬وأهمل البعض الخر‪ ،‬وس ّ‬ ‫"تطويرًا"! فقال إنه "أخذ على عاتقه تطوير بعض مبادئ هذا‬ ‫النقد حتى يمكن الفادة منه على أفضل وجه ممكن"! )ص‬ ‫‪ .‬كما أورد‬ ‫أسماء بعض رواد المدرسة التفكيكية في النقد الدبي أمثال‪:‬‬ ‫)جاك ديريدا( مؤسس المنهج التفكيكي‪ ،‬و )جوناثان كلر( ‪J.‬‬ ‫‪ Culler‬الذي كان ـ كديريدا ـ بنيويا ً ثم تحول تفكيكيًا‪ .‬كما عاد‬ ‫إلى المدارس التي سبقت البنيوية‪ ،‬وكانت أصل ً لها‪ ،‬من مثل‪:‬‬ ‫مدرسة )النقد الجديد( و )الشكلية الروسية(‪ ،‬فأنتجت هذه‬ ‫التوفيقية خلطة نقدية عجيبة‪ ،‬ل تحمل سمة البنيوية‪ ،‬ول‬ ‫الشكلية‪ ،‬ول غيرهما‪ .‬ففي قضية )الوحدة( لحظ المحدثون افتقادها في‬ ‫سر بعضهم ذلك بأنه نابع من مجرد‬ ‫القصيدة الجاهلية‪ ،‬فف ّ‬ ‫شعورهم بالرتباط الباطن بين أجزاء القصيدة‪ .(11‬كما أضاف إلى )توفيقيته( هذه بعض المقولت الشكلية‬ ‫المستمدة من رينيه ويليك في كتابه )نظرية الدب(‪ .‬ورأى غيرهم‬ ‫غير ذلك‪ ،‬وهي مسألة تحتمل النقاش‪ .‬‬ ‫*‬ ‫‪ -8‬حسن البّنا والكلمات والشياء‬ ‫حسن البّنا عز الدين ناقد حداثي من مصر‪ ،‬تخّرج من‬ ‫جامعة عين شمس عام ‪ ،1974‬ونال درجة الدكتوراه من‬ ‫الجامعة نفسها عام ‪ .‬أما قضية )الوصف‬ ‫السطوري( للقصيدة الجاهلية فقد عاد فيها الباحث إلى جهود‬ ‫المستشرقين والباحثين‪ ،‬فعرض كيف ربط ياروسلف‬ ‫استيتكيفيتش بين القصيدة الجاهلية ببعدها الشعائري ومرحلة‬ ‫‪.‬وكمثال على ذلك فإنها في كتابها )في القول‬ ‫الشعري( ‪ 1987‬الذي جعلته في قسمين‪ :‬قسم أول تعاطت فيه‬ ‫التنظير‪ ،‬وقسم ثان عملت فيه الممارسة النقدية التي جاءت‬ ‫عبارة عن انطباعات شخصية‪ ،‬سريعة‪ ،‬حول قصيدة أو ديوان‬ ‫شعري‪ ،‬تناسب نشرها في صحيفة يومية‪ ،‬حيث نهجت التعريف‬ ‫بالقصيدة بشكل سريع ومختصر‪.1986‬وهو عضو هيئة التدريس في كلية‬ ‫الداب بجامعة الزقازيق‪ .‬بدأت النقد حسب المنهج‬ ‫الجتماعي‪ ،‬وعندما ظهرت البنيوية رغبت في تطعيم منهجها‬ ‫الجتماعي بالمنهج البنيوي‪ ،‬لكن هذا )التطعيم( لم يثمر منهجا ً‬ ‫بنيويا ً تكوينيًا‪ ،‬بل انفصال ً حادا ً بين المنهجين‪ ،‬وبين النظرية‬ ‫والتطبيق‪ .

‬‬ ‫وهذه هي جهود المستشرقين في )المنهج السطوري(‬ ‫لدراسة الشعر الجاهلي‪ ،‬ثم عرض الباحث جهود النقاد العرب‬ ‫في هذا المنهج‪ ،‬وعلى الخصوص كمال أبو ديب في كتابه‬ ‫)الرؤى المقّنعة‪ :‬نحو منهج بنيوي لتحليل الشعر الجاهلي(‬ ‫‪ 1986‬حيث ر ّ‬ ‫كز فيه على البنيات الموضوعية‪ ،‬ولمس جوانب‬ ‫تركيبية‪ ،‬وصوتية‪ ،‬وإيقاعية‪ ،‬معتمدا ً الثنائيات الضدية‪ ،‬وغير‬ ‫الضدية‪ ،‬ومستفيدا ً من منهج )بروب( في تحليل الحكاية‬ ‫الخرافية‪.‬ولكن )السؤال( هنا ل ُيقابل )الجواب(‬ ‫بالمعنى الدارج‪ ،‬فالشاعر ل يسأل أحدا ً معّينًا‪ ،‬ول يطلب جوابًا‪.‬‬ ‫ثم انتقل الباحث إلى دراسة )النماط البنائية لقصيدة‬ ‫الطلل في الشعر الجاهلي( فاستنتج نمطين هما‪ :‬نمط‬ ‫القصيدة الثنائية التي تشمل )وحدتين( مكونتين من المقدمة‬ ‫الطللية ‪ +‬وحدة الناقة أو الفخر أو المديح‪ .‬وهذه الجدلية‬ ‫التي ينسجها الشاعر تجد تفسيرها في قانون )القلب‬ ‫‪.‬‬ ‫وأما )الصور( والتشبيهات فأكثرها شيوعا ً هي تشبيه الطلل‬ ‫الدارج بالكتابة‪ ،‬وبالوشم‪ ،‬وبالثياب البالية‪ ،‬والملحظ أن هذه‬ ‫التشبيهات جميعها تنتمي إلى )الحضارة(‪ /‬مقابل المشّبه به‬ ‫)الطلل( الدارس الذي ينتمي إلى )الطبيعة(‪ .‬والواقع أن هذه‬ ‫)الوحدات( التي "اكتشفها" ليست سوى )الموضوعات( التي‬ ‫عالجتها القصيدة الجاهلية‪.(6‬‬ ‫وأخيرا ً ينتهي الباحث إلى )تحليل بنائي للمقدمة الطللية(‬ ‫فيتناول مسألتين‪) :‬الحوار( الطللي‪ ،‬و )الصور(‪ .‬فالحوار يمثل ـ‬ ‫عنده ـ ظاهرة جوهرية في قصيدة الطلل في الشعر‬ ‫در مئة وسبعا ً وعشرين قصيدة‬ ‫الجاهلي‪،‬‬ ‫وصيغة السؤال تتص ّ‬ ‫در الصيغة الخبرية أربعا ً وثمانين‬ ‫ومطلعا ً طلليًا‪ ،‬في‬ ‫حين تتص ّ‬ ‫قصيدة ومطلعا ً طلليًا‪ . Bateson‬من أوائل‬ ‫الذين استخدموا التحليل البنيوي في دراسة الشعر الجاهلي‪،‬‬ ‫وذلك في رسالتها )ال ّ‬ ‫طراد البنيوي في الشعر‪ :‬دراسة لغوية‬ ‫لخمس قصائد جاهلية( حيث حّللت معّلقات كل من امرئ‬ ‫القيس‪ ،‬ولبيد‪ ،‬وزهير‪ ،‬وطرفة‪ ،‬وعنترة‪ .‬ونمط القصيدة‬ ‫الثلثية التي تشمل ثلث )وحدات( هي‪ :‬المقدمة الطللية ‪+‬‬ ‫وحدة الناقة ‪ +‬وحدة الفخر أو المديح‪ .‫النتقال التاريخية التي كان يمّر بها المجتمع العربي آنذاك‪ ،‬كما‬ ‫عرض تصور )سوزان استيتكيفيتش( لعلقة القصيدة الجاهلية‬ ‫بالشعائر‪ ،‬والذي يعتمد على طقس العبور بمراحله الثلث‪،‬‬ ‫ور في دراستين عن لبيد وامرئ القيس‬ ‫حيث طّبقت هذا التص ّ‬ ‫)سوزان استيتكيفيتش ـ القصيدة العربية وطقوس العبور‪:‬‬ ‫دراسة في البنية النموذجية ـ مجلة )مجمع اللغة العربية( ـ‬ ‫دمشق مجلد ‪ 60‬ج ‪.113 -‬‬ .‬‬ ‫ثم تناول الباحث موضوع )النسيب( في المقدمة الطللية‬ ‫لدى النقاد القدماء )ابن س ّ‬ ‫لم‪ ،‬وابن قتيبة‪ ،‬وُقدامة‪ ،‬وابن‬ ‫رشيق‪ ،‬وحازم القرطاجني( والمحدثين )عز الدين إسماعيل‬ ‫الذي رأى أن تفسير ابن قتيبة لم يكن كافيا ً )عز الدين‬ ‫إسماعيل ـ النسيب في مقدمة القصيدة الجاهلية في ضوء‬ ‫التفسير النفسي ـ مجلة )الشعر( ـ فبراير ‪ 1964‬ص ‪.‬وقد اهتمت بالمقطع‪،‬‬ ‫دون النظر إلى القصيدة بوصفها )ك ّ‬ ‫ل(‪ ،‬وحصرت مجال التحليل‬ ‫اللغوي )الصوتي‪ ،‬والصرفي‪ ،‬والنحوي( بالمقطع وحده‪ ،‬وانتهت‬ ‫إلى أن المقطع ُيعد ّ قصيدة داخل القصيدة‪ ،‬أي أنه مرتبط‬ ‫بعلقات داخلية أكثر من ارتباطه بعلقات خارجية‪ ،‬كما انتهت‬ ‫إلى أن المقطع ذو حدود مشتركة مع )استغراق( الشاعر في‬ ‫موضوع ما‪. C.(1‬‬ ‫وكانت )ماري كاترين باتسون( ‪ M.

.‬واكتفى بعرض آراء‬ ‫المستشرقين والنقاد المعاصرين في الشعر الجاهلي وقضاياه‪،‬‬ ‫فناقش بعضها‪ ،‬دون أن يشير إلى المنهج البنيوي الذي زعم أنه‬ ‫يتبّناه‪ .114 -‬‬ .‬ولعله كان يدرك هذا فلم يذكر المنهج في الطبعة الولى‬ ‫لكتابه عام ‪ ،1988‬حيث عنونه بـ )الكلمات والشياء‪ :‬بحث في‬ ‫التقاليد الفنية للقصيدة العربية(‪ .‬‬ ‫ثم جاءت الحركة الثالثة في الحداثة الروائية مع البنيوية‬ ‫التي نبذت )جماليات( الرواية‪ ،‬أو )تقنياتها الفنية(‪ ،‬واستعاضت‬ ‫ونات السردية( التي تتمثل في )الوظائف‪،‬‬ ‫عنها )بالمك ّ‬ ‫‪.‬وكل مرحلة من هذه المراحل الثلث )الطفولة‪،‬‬ ‫الشباب‪ ،‬الشيخوخة( تنطوي على ما هو محبوب وما هو‬ ‫مكروه‪ :‬ففي الطفولة براءة‪ /‬وضعف‪ ،‬وفي الشباب قوة‪/‬‬ ‫ونزق‪ ،‬وفي الشيخوخة حكمة‪ /‬وضعف‪ .‬واستقبلها نقاد‬ ‫نهضتنا بدءا ً بمحمد يوسف نجم‪ ،‬ومرورا ً بأحمد الشايب‪ ،‬وأحمد‬ ‫أمين‪ ،‬وانتهاًء بعباس محمود العقاد‪ ،‬ومحمد غنيمي هلل‪،‬‬ ‫ومحمد مندور‪.‫المتناسق( الذي أشارت إليه )سوزان استيتكيفيتش( في‬ ‫دراستها للقصيدة العربية بما هي بنية نموذجية‪ ،‬بوصفه تعبيرا ً‬ ‫رمزيا ً عن وجود الشاعر والقصيدة والطلل جميعا ً في حالة‬ ‫)عبور( بشكل كلي‪ .‬وتتجّلى هذه )العناصر‬ ‫الفنية( في‪ :‬الحدث‪ ،‬والحبكة‪ ،‬والحوار‪ ،‬والوصف‪ ،‬والعقدة‪،‬‬ ‫والح ّ‬ ‫ل‪ ،‬والشخصيات‪ ،‬والسلوب‪.‬‬ ‫لكن الحركة الثانية في الحداثة الروائية جاءت مع فرسان‬ ‫)الرواية الجديدة( )أو اللرواية أو ضد الرواية(‪ :‬آلن روب‬ ‫غرييه‪ ،‬وميشيل بوتور‪ ،‬وناتالي ساروت الذين دمروا )العناصر‬ ‫الفنية( المتعارف عليها‪ ،‬حين كتبوا روايات دون شخصيات‪،‬‬ ‫ودون أحداث‪ ،‬ودون تسمية الشخصيات‪ .‬والشاعر إذ يعاني الشيب في المقدمة‪،‬‬ ‫يجعله أشبه بالطفل‪ ،‬فيحاول أن يقاوم هذا الشعور بتذكر أيام‬ ‫الشباب‪ .‬الخ بعد أن أشاعها النقاد‬ ‫الغربيون أمثال‪ :‬إدوين موير في كتابه )بناء الرواية(‪ ،‬وبيرسي‬ ‫لوبوك في كتابه )صنعة الرواية( وغيرهما‪ .‬‬ ‫ب ـ في تحليل الخطاب السردي‬ ‫عندما ظهر الهتمام بالرواية عندنا في منتصف القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬استقبل نقادنا )العناصر الفنية( للرواية على أنها‬ ‫أحدث ما وصل إليه الفن الروائي الغربي‪ ،‬بعد أن كانت الرواية‬ ‫متعالقة مع التاريخ‪ ،‬أو متشبثة بأهداب الكلسية‪ ،‬أو مطبوعة‬ ‫بصبغة الميوعة العاطفية الرومانسية‪ ...‬ولكن عندما شاعت )البنيوية(‬ ‫م الدارسون العرب بها‪ ،‬أراد أن يضعها )طعمًا( للقارئ في‬ ‫واهت ّ‬ ‫عنوان كتابه في طبعته الثانية عام ‪ ،1989‬فجعل العنوان‬ ‫الفرعي لكتابه )التحليل البنيوي لقصيدة الطلل في الشعر‬ ‫الجاهلي(‪ ،‬مستبعدا ً وصف )العربية( لشموله‪ ،‬في حين كان‬ ‫موضوعه مقتصرا ً على الشعر الجاهلي‪ ،‬إضافة إلى مغالطته‬ ‫في مصطلح )قصيدة الطلل( إذ ليس هناك من قصيدة‬ ‫مستقلة للطلل في الشعر الجاهلي‪ ،‬وإنما معظم القصائد‬ ‫الجاهلية تبدأ بـ )مقدمة( طللية‪ ،‬ولو أنه استبدلها بـ )المقدمة‬ ‫الطللية( لكان أقرب إلى الدقة والموضوعية‪..‬و )العبور( مأخوذ من الغريق القدماء‬ ‫الذين كانوا يعّبرون عن النتقال من الطفولة إلى البلوغ في‬ ‫الشعائر والساطير‪ ..‬ولعله من المحال أن‬ ‫يجمع المرء بين أجمل ما في هذه المراحل الثلث‪ :‬البراءة‪،‬‬ ‫والقوة‪ ،‬والحكمة‪.‬‬ ‫ولكن الباحث لم يحلل قصيدة أو مطلعا ً طلليا ً تحليل ً بنيويًا‪،‬‬ ‫ولم يصل إلى نتائج تحليل وصفي بنيوي‪ ..‬وأحّلوا )الشياء(‬ ‫محل الشخاص‪.

1992‬وخشية‬ ‫الطالة فقد اكتفينا بعرض ونقد جهود أربعة منهم‪ ،‬كنماذج لنقد‬ ‫الخطاب السردي الشكلي‪.‬‬ ‫وقد درسنا طلئع التحديث النقدي في الحقل السردي مع‬ ‫موريس أبو ناضر الذي وضع كتابه )اللسنية والنقد الدبي(‬ ‫الذي حاول فيه أن يجمع بين اتجاهات البنيوية الشكلية كلها‬ ‫في السرد‪ ،‬وأن يجمع بين النظرية والتطبيق‪ ،‬من أكثر من‬ ‫من ّ‬ ‫ظر غربي‪ ،‬فأخذ عن بارت‪ ،‬وغريماس‪ ،‬وبروب‪ ،‬وشتراوس‪،‬‬ ‫وغيرهم‪ ...1979‬يليه يوسف نور عوض في كتابه‬ ‫)الطيب صالح في منظور النقد البنيوي( الذي أصدره عام‬ ‫‪ ،1983‬تليه سيزا قاسم التي أصدرت كتابها )بناء الرواية( عام‬ ‫‪ ،1984‬فسعيد يقطين الذي أصدر كتابه النقدي الول )القراءة‬ ‫والتجربة( عام ‪ .‬دكتوراه في اللسنية‬ ‫والدب من جامعة السوربون‪ .‬يليه عبد الله إبراهيم الذي أصدر كتابه‬ ‫)السردية العربية( عام ‪ 1992‬فعبد الرحيم الكردي الذي صدر‬ ‫كتابه )السرد في الرواية المعاصرة( عام ‪ .‬وتتبعنا التسلسل‬ ‫التاريخي في ترتيب العرض‪ ،‬فبدأنا بموريس أبو ناضر الذي‬ ‫أصدر كتابه عام ‪ .1985‬وقد أغنى هذا الناقد المكتبة النقدية‬ ‫العربية بخمسة كتب في السرد الروائي‪ .115 -‬‬ .‬‬ ‫وقد استقبل نقدنا المعاصر في الربع الخير من القرن‬ ‫العشرين هذه التقنيات الحداثية في النقد الروائي‪ ،‬فتمّثلها‪،‬‬ ‫ودرس على غرارها‪ ،‬حتى لقد عد ّ الناقد الذي ل يأخذ بها‬ ‫متخلفًا‪.‬فصّنفنا هذه "النقود" حسب هذين المنهجين‪ .‬فحسن بحراوي في‬ ‫كتابه )بنية الشكل الروائي( الذي أصدره عام ‪ 1990‬فكان‬ ‫خلصة الدراسات الغربية والعربية التي سبقته‪ ،‬مطبقة على‬ ‫الرواية المغربية‪ ..‬الخ فنضع تحت كل مك ّ‬ ‫المكونات الروائية كل ما قاله النقاد الغربيون والعرب‪ ،‬أو أن‬ ‫ندرس كل ناقد على حدة‪ ،‬فنعرض أعماله في نقد السرد‪،‬‬ ‫ونناقشها ضمن العرض‪ .‫والفواعل‪ ،‬ووجهة النظر )أو التبئير(‪ ،‬وبنية الزمان‪ ،‬وفضاء‬ ‫المكان‪..‬الخ(‪..‬‬ ‫*‬ ‫‪ 1‬ـ موريس أبو ناضر واللسنية والنقد الدبي‬ ‫أبو ناضر ناقد حداثي من لبنان‪ ..‬وهل فهم‬ ‫هؤلء النقاد هذه المناهج النقدية الحداثية كما هي في بلدانها‬ ‫الم؟ أم أنهم "اجتهدوا" من أجل أن يتفوقوا على أساتذتهم‬ ‫الغربيين؟ وهل هذا "الجتهاد" خصوصية؟ أم هو عجز وقصور‬ ‫عن متابعة مستجدات هذه المناهج التي ُتبنى في بلدانها يوما ً بعد‬ ‫يوم؟‬ ‫وقد وقفنا أمام اختيار منهجنا في هذا الكتاب الذي يعالج‬ ‫هذه المنهجيات‪ ،‬فانتهينا إلى أحد أمرين‪ :‬إما أن نصّنف كتابنا‬ ‫ونات السرد الروائي؛ من صيغة‪ ،‬ومنظور‪،‬‬ ‫هذا على أساس مك ّ‬ ‫ون من هذه‬ ‫وفضاء‪ ،‬وشخصية‪ .‬وقد اخترنا الطريقة الثانية باعتبارها‬ ‫الكثر جدوى‪ ،‬لن القارئ يستطيع أن يخرج منها بخلصة لمنهج‬ ‫الناقد وممارسته النقد الروائي‪.‬أستاذ في السوربون )‪-72‬‬ ‫‪.‬وكان‬ ‫اهتمامنا منصبا ً على منهجية كل ناقد أو دارس‪ ،‬وعلى مدى تمّثله‬ ‫للنقد الحداثي بعامة‪ ،‬وللمنهج البنيوي بفرعيه بخاصة‪ .‬فكان رائدا ً في هذا المنهج‪ .‬‬ ‫وقد قمنا بمسح شامل للنقد الروائي العربي المعاصر في‬ ‫الربع الخير من القرن العشرين‪ ،‬فوجدناه ل يخرج في منهجيته‬ ‫الحداثية عن منهجين هما‪ :‬النقد البنيوي الشكلي‪ ،‬والنقد البنيوي‬ ‫التكويني‪ .

‬‬ ‫وبما أن سوسير مّيز بين )اللغة( و )الكلم( ورأى أن اللغة‬ ‫هي مجموعة القواعد‪ .‫‪ (1974‬وفي الجامعة اللبنانية‪ .116 -‬‬ .‬وُتعنى اللسنيةِ بوصف‬ ‫اللغة وتفسير مستوياتها )الصوتية‪ ،‬والتركيبية‪ ،‬والدللية(‪ .‬ومن ثم فهم‬ ‫يستنتجون أن تحليل النصوص يجب أن يرتكز على سيرة‬ ‫الكاتب ونفسيته‪ ،‬أو يحّللون النصوص الدبية على ضوء‬ ‫العوامل المحددة للبداع الفني كالجتماع والقتصاد‬ ‫والسياسة‪.‬وهذه المستويات يتداخل بعضها في بعض‪ ،‬وتترابط‪،‬‬ ‫وتكشف عن وظيفة كل مستوى ودللته‪ ،‬منفردًا‪ ،‬ومجتمعا ً مع‬ ‫غيره من المستويات‪..‬‬ ‫في مقدمته التنظيرية انطلق الباحث من أن )الدراسة‬ ‫الخارجية( في سعيها إلى تفسير النصوص الدبية على ضوء‬ ‫سياقها الجتماعي والتاريخي تقع في "شرك" الشرح التعليلي‪،‬‬ ‫أو في شرح الصول التي انبثق عنها هذا الدب‪ .‬‬ ‫ثم جاءت رّدات الفعل على هذه المناهج الخارجية‪ ،‬بعد أن‬ ‫أصبحت مستهلكة‪ ،‬وتجّلت في التحريض على )دراسة الدب‬ ‫من الداخل( والتركيز على الثار الدبية ذاتها‪ ،‬ل على مصادرها‬ ‫أو مراجعها‪ .‬وهذه المستويات ترتبط ببعضها بعضا ً حسب‬ ‫نسق متكامل‪.‬‬ ‫وهم يتعاملون مع النص الدبي كما يتعاملون مع الجملة‪،‬‬ ‫فالجملة قابلة للوصف على مستويات عدة )صوتية‪ ،‬وتركيبية‪،‬‬ ‫ودللية(‪ .‬وإن‬ ‫دارسي النصوص الذين يستخدمون المناهج الخارجية في‬ ‫دراسة الدب يسعون إلى تأسيس نوع من العلقات السببية‬ ‫والحتمية بين الثر الدبي وكاتبه‪ ،‬وبيئته‪ ،‬وأسلفه‪ ..‬أما الكلم فهو التجسيد الفردي لهذه‬ ‫القواعد على صعيدي النطق والكتابة‪ ،‬فإن اللسنيين في‬ ‫تحليلهم للنصوص انطلقوا من اعتبار الكلم الدبي مجموعة‬ ‫منظمة من الجمل لها وحداتها الممّيزة‪ ،‬وقواعدها‪ ،‬ودللتها‪.‬‬ ‫‪1‬ـ الوظائف‪:‬‬ ‫ثم ينتقل الباحث إلى مستوى )الوظائف( فيحلل على ضوئه‬ ‫)ألف ليلة وليلة(‪ ،‬واضعا ً في ذهنه أن جميع الدراسات السابقة‬ ‫‪.‬وتقف حائرة‬ ‫أمام وصف الثر الدبي وتحليل بنياته وتقييم مدلولته‪ .‬وضع كتابه )اللسنية والنقد‬ ‫الدبي( عام ‪ ،1979‬وهو أول محاولة بنيوية ظهرت في إطار‬ ‫النقد العربي البنيوي التطبيقي في السرد ضمن كتاب خاص‪.‬وهذا‬ ‫ما أعطى النقد استقلل ً ذاتيا ً حين عزله عن التكال على‬ ‫العلوم المساعدة النفسية والجتماعية واليديولوجيا‪ ،‬ذلك أن‬ ‫الدب قوامه اللغة‪ ،‬واللسنية هي الدراسة العلمية للغة‬ ‫ولتمظهرها الحسي من خلل الكلم‪.‬فبدأ التجاه اللسني في تحليل النصوص مع‬ ‫الشكليين الروس الذين رفضوا اعتبار الدب نقل ً لحياة الدباء‬ ‫أو تصويرا ً للبيئات والعصور‪ ،‬أو صدى للنظريات الفلسفية‬ ‫والدينية‪ ،‬ودعوا إلى البحث عن الخصائص التي تجعل من الثر‬ ‫الدبي )أدبيًا(‪ ،‬والبحث عن البنى السلوبية والحكائية واليقاعية‬ ‫في الثر الدبي‪.‬‬ ‫ونظرية المستويات التي تأخذ بها اللسنية على صعيد‬ ‫الجملة تتمظهر على صعيد النص من خلل عدة مستويات‪:‬‬ ‫مستوى الوظائف‪ ،‬ومستوى العمال‪ ،‬ومستوى السرد‪،‬‬ ‫ومستوى المعنى‪ .‬‬ ‫ّ‬ ‫وإذا كانت دراسة )الدب من الخارج( تركز على دراسة‬ ‫الظروف المكّيفة للثر الدبي‪ ،‬فإن دراسة )الدب من الداخل(‬ ‫تر ّ‬ ‫كز على وصف البنى الخاصة بالدب‪ .

117 -‬‬ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ً‬ ‫دد هويات‬ ‫تع‬ ‫من‬ ‫الرغم‬ ‫على‬ ‫ا‪،‬‬ ‫دائم‬ ‫ثابتة‬ ‫و )الوظيفة(‬ ‫ّ‬ ‫الشخاص الذين يقومون بها‪ .‬‬ ‫وبما أن مسألة )الشكل والمضمون( هي قضية محلولة في‬ ‫وضها بمصطلحات‬ ‫النقد البنيوي‪ ،‬فإن الباحث قد تفاداها‪ ،‬وع ّ‬ ‫بنيوية اقتبسها من جماعة ‪ Mu‬التي اقتبستها بدورها من‬ ‫هلمسليف ‪ Hjelmslev‬الذي مّيز بين )شكل( التعبير و )مادته(‬ ‫من جهة‪ ،‬و )شكل( المضمون و )مادته( من جهة ثانية‪ .‬كما‬ ‫استمد من رولن بارت البنيات والعلقات والوظائف )وهي‬ ‫العمال والحداث والجمل(‪.‬ولتحديد )الوظيفة( فإن كل شكل‬ ‫سردي هو مجموعة منظمة من الجمل‪ ،‬ذات طبيعة وظيفية‪.‬فأخذ بالبنية الداخلية دون اعتبار‬ ‫الوساطات الخارجية‪ ،‬وسعى إلى الكشف عن الرابط بين كل‬ ‫عنصر من النص ببقية العناصر‪ ،‬من أجل بيان النظام الذي‬ ‫يتحكم بعناصر النص مجتمعة‪ ،‬ومن ثم إعطاء هذا النظام شيئا ً‬ ‫من العقلنية تكون بديل ً عن عقلنية الشرح والتفسير المنقرضة‬ ‫بانقراض البحث عن مسّببات الشياء وعللها‪ .‫التي ُ‬ ‫كتبت حول )ألف ليلة وليلة( بنيت على أساس نظرة‬ ‫تاريخية تكمن في إرجاع قصصها إلى واقعها التاريخي الذي‬ ‫تتمحور حوله علقة الثر الدبي بنفسية كاتبه ومجتمعه وتاريخه‪.‬وتحديد هاتين‬ ‫تك ّ‬ ‫الوظيفتين يساعد على تفكيك نصوص القصص‪ ،‬وعلى تكثيف‬ ‫مضمونها بشكل سلسلة من الجمل القصيرة تمّثل كل واحدة‬ ‫منها )وظيفة(‪..‬ولهذا فهو ينظر‬ ‫إلى النص كمدّونة قائمة بذاتها‪ ،‬مكتفية بموادها‪ ،‬أو ككيان‬ ‫ملموس قابل للتجزئ إلى نوعين من العناصر‪ :‬العناصر العامة‬ ‫التي يسميها توماشفسكي )الحوافر المترابطة(‪ ،‬ويسميها رولن‬ ‫بارت )الوظائف الساسية(‪ ،‬والعناصر الثانوية )أو الرشادية(‪.‬‬ ‫وقد توقف الباحث عند العناصر الساسية فحسب‪ ،‬وهي‬ ‫العمال والوظائف أو الحداث التي تحدد مسيرة القصة‪ .‬ثم‬ ‫رّتب هذه الوظائف في )مقاطع( تضم مجموعة من الوظائف‬ ‫ون كل ً متماسكا ً في وحدته المعنوية‪ .‬‬ ‫وبما أن )المدّونة( هي مجموعة من النصوص المختارة‬ ‫دة للوصف‪ ،‬والتي تظهر ـ عند القراءة ـ كمقطع كلمي‬ ‫والمع ّ‬ ‫دد من حيث المعاني‬ ‫محدد‪ ،‬من حيث الطول‪ ،‬ولكنه غير مح ّ‬ ‫التي يحتويها‪ ،‬فإن الباحث أسقط قراءة المستويات المتعددة‬ ‫للمدّونة‪ ،‬ووقف أمام مستوى واحد قرأه على ضوء مقياس‬ ‫واحد هو )الوظيفة(‪.‬‬ ‫لكن الباحث لم يرفض تاريخية النص‪ ،‬كما لم يقبل تحديد ماهيته‪،‬‬ ‫وإنما اختار موقفا ً وسطًا‪ ،‬ل يتخّلى عن علقة النص بعالمه‬ ‫ددت بيئته‬ ‫وتاريخه‪ ،‬ول يفصل النص عن الفكار السابقة التي ح ّ‬ ‫وذاته الظاهرة والباطنة‪ ،‬فسعى إلى استيحاء هذا التاريخ كلما‬ ‫دعت الحاجة‪ ،‬ثم تسخيره بشكل يتماشى مع جعل القراءة‬ ‫الداخلية للنص نقطة ارتكاز تتمحور حولها )خارجيات( النص‪ ،‬من‬ ‫علم نفس‪ ،‬واجتماع‪ ،‬وأفكار‪ .‬‬ ‫وهذه المستويات تقيم نوعا ً من العلقات التراتبية‪ ،‬إذ أن كل‬ ‫وحدة تنتمي إلى مستوى ألسني معّين‪ ،‬وتأخذ معناها من خلل‬ ‫اندماجها في مستوى ألسني أعلى‪.‬‬ ‫إن قراءة المدّونة كنظام تعني أن كل شيء في هذا‬ ‫النظام مترابط‪ ،‬فالعنصر ل وجود له إل من خلل العلقات التي‬ ‫يقيمها مع غيره من العناصر‪ ،‬لذلك فإن استخراج القوانين التي‬ ‫تتحكم بالعلقات التي تقيمها هذه العناصر بعضها مع بعض‬ ‫ون منها )النظام( الذي هو كيان‬ ‫يعني استخراج البنيات التي يتك ّ‬ ‫قابل للقراءة على عدة مستويات )صوتية‪ ،‬وصرفية‪ ،‬ودللية(‪.‬فالشخاص تتغير ولكن العمال‬ ‫تعّبر عن )وظيفة( واحدة‪ ..

‬كما هي محاولة بروب التي أّدت إلى‬ ‫التمييز بين الوحدات الثابتة والمتغّيرة‪ ،‬وكما هي محاولة رولن‬ ‫دم اقتراحا ً حول تصنيف وحدات القصة ُيقابل فيه‬ ‫بارت الذي ق ّ‬ ‫ماها الوظائف‬ ‫بين فئتين من الوحدات‪ :‬الولى توزيعية )وس ّ‬ ‫الساسية‪ ،‬وهي تطابق المفهوم ذاته عند بروب( والثانية‬ ‫ماها الوظائف الثانوية أو الرشادية(‪ .‬فالوظائف‬ ‫تكميلية )وس ّ‬ ‫الساسية عند بارت تعّبر عن العمال أما الوظائف الثانوية‬ ‫فتعّبر عن الوصاف‪ .‬ذلك أن الشخص‪ ،‬من وجهة النظر اللسنية‪،‬‬ ‫دد بميوله النفسية وخصاله الخلقية‪ ،‬وإنما بموقفه داخل‬ ‫ل ُيح ّ‬ ‫م النظر إلى‬ ‫القصة‪ ،‬أو بعمله أو دوره فيها‪ ،‬وبهذا فإنه يت ّ‬ ‫الشخصية كوظيفة نحوية‪.‬‬ ‫* العامل المر ِ‬ ‫سل‪ /‬العامل المر َ‬ ‫* العامل المساعد‪ /‬العامل المعاكس‪.‫سد على مستوى القصة بأشكال مختلفة‪:‬‬ ‫وهذه الجمل تتج ّ‬ ‫كالحوار‪ ،‬والمناجاة‪ ،‬والوصاف‪ ،‬والعمال‪ .‬‬ ‫وتحديد الشخص بالفعل الذي يفعله‪ ،‬ينبع من مفهوم‬ ‫صرفي ـ نحوي‪ ،‬إذ ليس هناك ـ من وجهة نظر نحوية ـ من‬ ‫ن‬ ‫فعل دون فاعل‪ ،‬أو فاعل دون فعل‪ .‬‬ ‫ولدى )إحصاء الوظائف( تبين للباحث أن في )ألف ليلة‬ ‫ددها بروب‬ ‫وليلة( إحدى وثلثين وظيفة‪ ،‬وهي الوظائف التي ح ّ‬ ‫في )مورفولوجيا الحكاية(‪.‬‬ ‫وهذا المفهوم اللسني للفاعل قابل للتطبيق على مستوى‬ ‫القصة‪ ،‬ذلك أن القصة هي مجموعة أفعال تقوم بها مجموعة‬ ‫من الشخاص‪ /‬العوامل يصل عددها ـ عند غريماس ـ إلى ستة‪،‬‬ ‫هي‪:‬‬ ‫* العامل الذات‪ /‬العامل الموضوع‪.‬‬ ‫‪2‬ـ الشخاص‪ /‬العوامل‪:‬‬ ‫وفيها اعتمد على )عوامل( غريماس في كتابه )السيمياء‬ ‫دد فيه الشخاص ل ككائنات نفسية‪،‬‬ ‫البنيوية( ‪ ،1966‬الذي ح ّ‬ ‫وإنما كمشاركين‪ .‬فعندما يضع البطل‬ ‫سيجارته على منفضة )الكريستال( فإن نوع المنفضة يعّبر عن‬ ‫مستوى الحياة الغنية التي يعيشها‪.118 -‬‬ ..‬والوظائف الساسية أو الثابتة تشكل المفاصل‬ ‫الساسية في القصة‪ ..‬والتمييز بين النوعين يسّهل عملية‬ ‫القراءة‪ .‬‬ ‫وقد أثبت هذا المفهوم قابليته للتطبيق في كل مجالت‬ ‫وعت‬ ‫الحياة‪ .‬لذا فإن كل قراءة‬ ‫دد الفئات التي تتكون منها‬ ‫تتناول القصة ل بد لها من أن تح ّ‬ ‫وحدات القصة أو ً‬ ‫ل‪ ،‬ثم تسعى إلى تحديد الثابت من هذه‬ ‫الوحدات والمتغّير منها‪ .‬وهو يشكل البنية الساسية لعالم المعنى‪ ،‬مهما تن ّ‬ ‫ددت من مجتمع إلى آخر‪.‬والفاعل النحوي هو َ‬ ‫م ْ‬ ‫قام بالفعل‪ ،‬وهو نفسه الفاعل الفني على مستوى القصة‪.‬أما الوظائف الثانوية فهي الوظائف التي‬ ‫تمل الحّيز السردي بين وظيفتين أساسيتين‪ ،‬كأن تصف أعمار‬ ‫الشخاص‪ ،‬أو طباعهم‪ ،‬أو الماكن‪ .‬‬ ‫هذه البنية وتع ّ‬ ‫‪3‬ـ السرد القصصي‪:‬‬ ‫وفيه حاول الباحث تطبيق منهجية )أشكال التعبير(‪ ،‬من‬ ‫خلل فهم عملية السرد القصصي‪ ،‬ودراسة البناء الداخلي‬ ‫دده‬ ‫للرواية‪ ،‬وترتيب الحداث تبعا ً لمفهوم زمني معين‪ ،‬ح ّ‬ ‫‪.‬‬ ‫سل إليه‪.

‬‬ ‫‪5‬ـ الوصف القصصي‪:‬‬ ‫وإذا كان السرد ير ّ‬ ‫كز على إبراز الحداث والعمال في‬ ‫بعديها الزمني والمأساوي‪ ،‬فإن )الوصف( ل يأخذ بعين العتبار‬ ‫الحداث والعمال التي تتضمنها القصة‪ ،‬وإنما يسعى إلى‬ ‫خُلقية‪،‬‬ ‫وناتها‪ ،‬والشخاص وطباعها ال ُ‬ ‫الكشف عن الشياء ومك ّ‬ ‫وبالتالي فإنه يوقف سريان الزمن ليطلق سريان الشياء في‬ ‫المكان‪.‬‬ ‫‪4‬ـ الرؤيا القصصية‪:‬‬ ‫وفيها تركيز على )أنا الراوي( الذي هو الكاتب‪ ،‬و )أنا‬ ‫الراوي الحاضر( الذي هو )ياء المتكلم( في الرواية‪ ،‬و‬ ‫)أنا الراوي الغائب( الذي يروي بصيغة الغائب كلما‬ ‫توقف الراوي الثاني عن القص‪ .‬وابتعاد الراوي الغائب‬ ‫عن أحداث القصة مع إمساكه لها من وراء يعني أنه‬ ‫ليس بطل القصة بل ناقلها أو حاملها‪ .‬أما في الوصف‬ ‫فتكثر الفعال التي تدل على الوصف‪ .‬لكن ما يؤخذ على‬ ‫الباحث تحريفه لمصطلحات أخذها من جماعة )مو( ‪ ،Mu‬كما‬ ‫يؤخذ عليه عدم ضبط مصطلحات بروب فالوظيفة ‪) 7‬التواطؤ(‬ ‫أصبحت عنده )الخضوع(! والوظيفة ‪) 9‬الوساطة( أصبحت‬ ‫‪.‬‬ ‫وإذا كان السرد يطلق القصة في الزمان‪ ،‬فإن الوصف‬ ‫يوقفها في المكان‪ ،‬ويجعلها مجموعة من المشاهد‪ ...‬وهو يتدخل في‬ ‫النص الذي يرويه‪ ،‬ويعّلق على الحدث‪ ،‬ويقّيمه‪،‬‬ ‫خُلقًا‪ ،‬والماكن والشياء من‬ ‫خْلقا ً و ُ‬ ‫ويصف الشخاص َ‬ ‫منطلق إيديولوجي محوره الحسن والسيئ‪ ،‬محاول ً‬ ‫إيصال هذا التقييم إلى قرائه‪ ،‬وطالبا ً منهم المشاركة‬ ‫في قبول هذه القيم‪.‬وفيه تكثر الفعال التي‬ ‫تدل على الحالة‪ ،‬مكونة حقل ً دلليا ً قوامه الصفات التي تدل‬ ‫على الوضاع الفيزيولوجية والنفسية‪ ،‬والشخاص النماذج‪،‬‬ ‫والمشاهد المقولبة‪.‬‬ ‫ب ـ النسق الزمني الصاعد‪ ،‬الذي تتابع الحداث فيه‬ ‫كما تتابع الجمل على الورق‪ ،‬والذي يكثر في القصص‬ ‫الكلسي الذي يبدأ بوضع البطل في إطار معّين‪ ،‬ثم‬ ‫يأخذ بالحديث عنه؛ منذ نشأته‪ ،‬فصباه‪ ،‬فزواجه‪،‬‬ ‫فشيخوخته‪.‬وإلى الشكليين الروس‪ :‬بروب‪ ،‬وإلى ما يقاربهم‪:‬‬ ‫بنفنيست‪ ،‬وبويون‪ ،‬وهامون‪ ،‬وميشونيك‪ ...‫الباحث في ثلثة أ نواع‪:‬‬ ‫أـ النسق الزمني الهابط‪ ،‬الذي يطالعنا ليس من خلل‬ ‫زمن الكتابة الذي يروي نهاية زمن الحكاية فحسب‪،‬‬ ‫وإنما من خلل علمات طباعية وأخرى زمانية‪..‬وفي‬ ‫السرد تكثر الفعال التي تدل على الحركة‪ .‬‬ ‫وهكذا يبدو كتاب )اللسنية والنقد الدبي( تطبيقا ً سليما ً‬ ‫للمقولت البنيوية المعروفة‪ ..‬فقد كانت مصادره بنيوية في‬ ‫معظمها حيث استمد من رولن بارت‪ ،‬وتودوروف‪ ،‬وليفي‬ ‫شتراوس‪ ،‬وجيرار جينيت‪ ،‬وغريماس‪ ،‬وسوسير‪ ،‬وأمبرتو‬ ‫دى البنيويين إلى الشكليين‪ :‬ويليك‪ ،‬ووارين‪،‬‬ ‫إيكو‪ .119 -‬‬ .‬ثم ل يلبث أن ينقطع الزمن النف الذكر‬ ‫ليبدأ قصة جديدة‪.‬‬ ‫ج ـ النسق الزمني المتقطع‪ ،‬حيث تتقطع فيه الزمنة‬ ‫في سيرها الهابط من الحاضر إلى الماضي‪ ،‬أو الصاعد‬ ‫من الحاضر إلى المستقبل‪ ،‬فيبدأ الراوي باستعمال‬ ‫الزمن الهابط‪ .‬كما تع ّ‬ ‫وماشيري‪ ..

‬‬ ‫إن المحاولت الجادة في دراسة )الشكل الروائي( التي‬ ‫بدأت في مطلع القرن العشرين تحت تأثير مدرسة )الشكليين‬ ‫الروس(‪ ،‬ومدرسة )النقد الجديد( في أمريكا‪ ،‬قد أثمرت )المنهج‬ ‫البنيوي( الفرنسي بعد منتصف القرن العشرين‪ ،‬وأسهمت في‬ ‫تطوير الشكل الروائي لدى كّتاب الرواية‪ :‬جيمس جويس‪،‬‬ ‫ومارسيل بروست‪ ،‬ورتشاردسون )في رواية تيار الوعي(‪،‬‬ ‫وميشيل بوتور‪ ،‬وآلن روب غرييه‪ ،‬وناتالي ساروت في )الرواية‬ ‫الجديدة أو الرواية الشيئية( وغيرهم‪.‬أصدرت كتابها )بناء‬ ‫الرواية‪ :‬دراسة مقارنة في ثلثية نجيب محفوظ( عام ‪،1984‬‬ ‫وهو طبعة مزيدة ومنقحة لرسالتها الجامعية )الواقعية‬ ‫الفرنسية والرواية العربية في مصر من عام ‪ 1945‬حتى‬ ‫‪ (1960‬التي تقدمت بها عام ‪ 1978‬للحصول على درجة‬ ‫الدكتوراه من كلية آداب جامعة القاهرة‪..‬أقول على الرغم من انتشار مثل هذه‬ ‫الروايات المتتابعة الجزاء في الداب الغربية‪ ،‬فإنها قليلة الكم‬ ‫في أدبنا المعاصر‪ ،‬لكون الرواية فنا ً ناشئا ً لدينا‪ ..‫عنده )التكليف(‪ ،‬والوظيفة ‪) 12‬وظيفة الواهب الولى(‬ ‫أصبحت عنده )إخضاع البطل للتجربة(‪ ،‬وكذا الحال في‬ ‫الوظائف ‪ 3‬و ‪ 10‬و ‪ 13‬و ‪ 15‬و ‪ 16‬و ‪ 17‬و ‪ 21‬و ‪ 22‬و ‪ 26‬ففيها‬ ‫كلها تغيير أو تحريف‪ .‬وعلى الرغم من ذلك فإن الكتاب يظل‬ ‫أول تجربة تطبيقية رائدة‪ ،‬وفق المنهج البنيوي‪ ،‬في نقدنا‬ ‫العربي المعاصر‪.‬وقد التفت‬ ‫بعض أدبائنا المحدثين إلى هذه الظاهرة فكتبوا فيها كما فعل‬ ‫صدقي إسماعيل في ثلثيته )العصاة(‪ ،‬ونبيل سليمان في‬ ‫رباعيته )مدارات الشرق(‪ ،‬وعبد الرحمن منيف في خماسيته‬ ‫)مدن الملح(‪ ،‬وعبد الكريم ناصيف في ثلثيته )الطريق إلى‬ ‫الشمس(‪ ،‬ومحمد ديب في ثلثيته )الجزائر(‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من كثرة مثل هذه الروايات المتتابعة الجزاء‬ ‫ميت بالروايات )النهار(‪ ،‬وروايات‬ ‫في الداب الغربية‪ ،‬حيث ُ‬ ‫س ّ‬ ‫)الجيال(‪ ،‬كما هي عند رومان رولن في روايته )كريستوف( )‬ ‫‪ (1912-1904‬في خمسة مجلدات‪ ،‬ومارسيل بروست في‬ ‫روايته )البحث عن الزمن المفقود( )‪ (1927-1913‬في اثني‬ ‫عشر مجلدًا‪ ،‬وجول رومان في روايته ‪Les homes de Bonne‬‬ ‫‪ (Volonte (1932-1947‬في سبعة وعشرين مجلدًا‪ ،‬وجورج‬ ‫ديهاميل في روايته )‪(La chronique des pasquier) (1933-1944‬‬ ‫في عشرة مجلدات‪ .‬‬ ‫*‬ ‫‪2‬ـ سيزا قاسم وبناء الرواية‬ ‫سيزا قاسم باحثة حداثية من مصر‪ .(15‬‬ ‫ولكي توفر الباحثة لبحثها العمق العلمي المطلوب فقد‬ ‫اختارت عمل ً روائيا ً واحدا ً هو )ثلثية( نجيب محفوظ‪ ،‬تلمست‬ ‫فيها كيفية استخدام الساليب والتقنيات السردية‪ ،‬لنها ))تعتبر‬ ‫من أفضل العمال الروائية التي ُ‬ ‫كتبت في أدبنا الحديث‪،‬‬ ‫وأكملها بناء((‪.‬‬ ‫في )بناء الرواية( أعلنت الباحثة عن اختيارها للمنهج‬ ‫البنيوي في التحليل السردي قائلة‪) :‬وإذا كنا قد اخترنا المنهج‬ ‫البنائي مدخل ً لبحثنا هذا فإننا ل نزعم أننا ننكر أهمية الزوايا‬ ‫الخرى التي يمكن أن ُتدرس من خللها العمال الدبية‪ ،‬ول‬ ‫ننكر أيضا ً حتمية النظر إلى الدب على أنه كائن حي متطور ـ‬ ‫ص ‪.120 -‬‬ .

1970‬‬ ‫وقد حاولت الباحثة أن تدرس الثلثية‪) :‬دراسة موضوعية‬ ‫بعيدة عن الفكار المسبقة‪ ،‬لنحاول التعرف على نسيجها‬ ‫وأبعادها الفنية وملمحها المميزة‪ ،‬مستقرئين التقنيات‬ ‫المختلفة التي لجأ إليها محفوظ لصياغة عمله الضخم‪ .‬‬ ‫وهي ترى أن هناك عدة أزمنة تتعلق بفن القص‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫أزمنة خارجية )خارج النص( هي زمن الكتابة‪ ،‬وزمن القراءة‪،‬‬ ‫وأزمنة داخلية )داخل النص( هي الفترة التاريخية التي تجري‬ ‫فيها أحداث الرواية‪ .‬‬ ‫‪1‬ـ بناء الزمان الروائي‪:‬‬ ‫تعلل الباحثة أسباب ابتدائها بعنصر الزمن‪ ،‬بأن الزمن‬ ‫محوري‪ ،‬وعليه تترتب عناصر التشويق والستمرار‪ ،‬ولنه يحدد‬ ‫طبيعة الرواية ويشكلها‪ ،‬ولنه يتخلل الرواية كلها‪ ،‬فهو الهيكل‬ ‫الذي ُتشاد فوقه الرواية‪ .‫وقد استعانت الباحثة بأعمال الناقد الفرنسي المعاصر‬ ‫جيرار جينيت ‪ G.121 -‬‬ .‬كما اعتمدت بعض كتابات النقاد‬ ‫البنيويين الروس‪ ،‬وبخاصة بوريس أوسبنسكي في كتابه‬ ‫)نظرية الصياغة‪ :‬بناء النص الفني ونوعيات الشكل الفني(‬ ‫‪.‬وقد جعلت الباحثة كتابها في ثلثة‬ ‫فصول‪ :‬بناء الزمان‪ ،‬وبناء المكان‪ ،‬والمنظور‪ .‬ولم تعن بإطلق الحكام التقييمية‪ ،‬لن بحثها‬ ‫دراسة وصفية للبنية‪ .‬ومّهدت لكل‬ ‫فصل بمقدمة نظرية أعقبتها بتطبيقات عملية من الثلثية‬ ‫مقارنة بغيرها من الروايات الواقعية الغربية‪..‬ثم ظهرت محاولت جديدة لتحليل‬ ‫الزمن في الرواية من أهمها دراسة جيرار جينيت حول الزمن‬ ‫‪.(28‬‬ ‫وقد استخدمت الباحثة أدواتها النقدية البنيوية في تحليل‬ ‫العمل الروائي إلى عناصره الولية وطبيعة العلقات التي تقوم‬ ‫بين هذه العناصر‪ .‬غير أن هذه البدايات وئدت لما لقيته مدرسة‬ ‫الشكليين من رفض وانتقاد من قبل الحكم الشيوعي باعتبارها‬ ‫خروجا ً على الفكر الماركسي الذي ح ّ‬ ‫ل جميع المنظمات‬ ‫الدبية‪ ،‬وجمعها تحت لواء منظمة واحدة خاضعة لتوجيه‬ ‫الحزب‪ ،‬فصمت الشكليون‪.‬من هنا تأتي أهميته كعنصر بنيوي‬ ‫يؤثر في العناصر الخرى‪..‬‬ ‫ن بدأ بوضع أسس‬ ‫وقد كان الشكليون الروس هم أول َ‬ ‫م ْ‬ ‫دراسة الزمن وتحليله في الدب‪ ،‬في العشرينات من القرن‬ ‫العشرين‪ .‬‬ ‫وعندما بدأ "ذوبان الثلوج" في منتصف الخمسينيات‪ ،‬في‬ ‫التحاد السوفييتي‪ ،‬مع الهجوم على ستالين‪ ،‬عادت المدرسة‬ ‫الشكلية إلى الزدهار‪ ،‬فترجم تودوروف أعمالها إلى الفرنسية‪،‬‬ ‫في الستينات‪ ،‬وكانت أحد أهم مصادر النقد البنيوي الفرنسي‬ ‫الذي زاد الهتمام بعنصر الزمن في فن القص على أنه أحد‬ ‫العناصر البنيوية في الرواية‪ .. Gennette‬في كتابه )أشكال ‪ ،(1/1966‬و‬ ‫)أشكال ‪ ،(2/1969‬و)أشكال ‪ (3/1972‬التي خرج فيها على‬ ‫اللتزام بالمنهج البنيوي‪ ،‬وقال بضرورة الخذ من المناهج‬ ‫الخرى كالتأويلية والتاريخية‪ .‬لذا حاولنا في‬ ‫هذا البحث أن نخ ّ‬ ‫ط هيكل ً عاما ً يمكن تكراره في دراسة أعمال‬ ‫روائية أخرى ـ ص ‪.‬والزمن الداخلي )أو التخييلي( هو الذي‬ ‫شغل النقاد والدباء منذ نظرية هنري جيمس في الرواية‪،‬‬ ‫واهتماماته بمشكلة الديمومة وكيفية تجسيدها في الرواية‪.‬ومع‬ ‫العناية التي حظيت بها أعمال نجيب محفوظ من نقاد الدب‬ ‫العربي الحديث ومؤرخيه إل أنها لم ُتدرس من ناحية تحليل‬ ‫بنيتها أو مقارنة تقنياتها بتقنيات الرواية الغربية‪ .

‬فهناك الخط المستقيم‬ ‫في التسلسل الزمني الرئيسي والذي يمكن تسميته‪ :‬مستوى‬ ‫القص الول‪ ،‬وهو الذي يحدد المستويات الخرى من خلل‬ ‫السترجاع )العودة إلى الوراء(‪ ،‬والستباق )القفزة إلى المام(‪.‬وقد ُوجد ْ‬ ‫لدى فلوبير في روايته )مدام بوفاري(‪ ،‬ولدى نجيب محفوظ‬ ‫في )بين القصرين(‪ ،‬ولدى جلزورذي‪.‬ول شك أن هذا‬ ‫الهتمام بالحاضر جاء نتيجة لهتمام الروائي بحياة الشخصية‬ ‫الروائية النفسية‪ ،‬أكثر من حياتها الخارجية‪ ،‬فتزامن الماضي‬ ‫والحاضر والمستقبل في النص‪.‬‬ ‫‪1‬ـ في )الفتتاحية( رأت الباحثة أن الفتتاحية تقدم بعض‬ ‫الثيمات التي ستتطور فيما بعد‪ ،‬وأن لها وظيفة أخرى هي إدخال‬ ‫القارئ في عالم الرواية التخييلي بإعطائه الخلفية العامة‪ .‬‬ ‫إن دراسة البنية الزمنية للنص الروائي ل يمكن أن تكون‬ ‫شاملة‪ ،‬لن التعّرجات الزمنية ظاهرة في كل وحدة من‬ ‫وحدات النص الروائي‪ ،‬ولن النص يتذبذب في كل لحظة من‬ ‫الحاضر إلى الماضي فالمستقبل‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك فإنه‬ ‫يمكن تتبع بعض الخطوط العريضة التي يمكن تتبعها‬ ‫لستكشاف البنية الزمنية في الرواية‪ .‬وكذلك فعل نجيب محفوظ‪ ،‬فقد امتدت‬ ‫افتتاحية )بين القصرين( مائة وأربع صفحات‪ ،‬أو خمس الرواية‬ ‫تقريبًا‪ ،‬بينما اقتصرت افتتاحية )قصر الشوق( على نصف هذا‬ ‫العدد من الصفحات )‪ 54‬صفحة(‪ ،‬في حين اكتفى بثماني عشرة‬ ‫صفحة لتقديم )الس ّ‬ ‫كرية( حيث أصبحت المكنة والشخصيات‬ ‫معروفة‪ ،‬وماضي الجزء الثاني هو الجزء الول‪ ،‬وماضي الجزء‬ ‫الثالث هو الجزء الثاني‪.‬‬ ‫وقد لحظ جيرار جينيت أن بروست ل يكتفي بافتتاحية‬ ‫واحدة في )البحث عن الزمن الضائع( فعنده تؤدي الفتتاحية‬ ‫الولى إلى ثانية‪ ،‬والثانية إلى ثالثة‪ .‫في رواية )البحث عن الزمن الضائع( لمارسيل بروست‪ .‬وبما‬ ‫أن )الفتتاحية( تتكون من عنصرين هما‪ :‬الماضي والمكان‪ ،‬فإن‬ ‫الواقعيين قد خصصوا صفحات طويلة في بدايات رواياتهم‬ ‫لوصف المكان وتقديم الماضي‪ .‬وقد‬ ‫اعتمدت الباحثة تطبيق بعض نظريات جينيت‪ ،‬فرأت أن الراوي‬ ‫يروي أحداثا ُ انقضت‪ ،‬ولكن هذا الماضي يمثل الحاضر الروائي‪.‬‬ ‫‪2‬ـ في )الترتيب الزمني للحداث( رأت الباحثة أن‬ ‫القاص البدائي إذا كان يقدم لسامعيه الحداث في خط‬ ‫متسلسل زمنيًا‪ ،‬وبنفس ترتيب وقوعها‪ ،‬فإن القاص المعاصر‬ ‫يواجه صعوبة تكوين اللغة من سلسلة من الوحدات )كلمات‪،‬‬ ‫وجمل‪ ،‬وفقرات(‪ .‬‬ ‫ومع تطور الرواية الحديثة ازدادت أهمية الحاضر‪ ،‬فلجأ بعض‬ ‫الروائيين الجدد إلى استخدام الفعل المضارع‪ .‬‬ ‫‪.‬فبدأوا في لحظة من لحظات‬ ‫حياة الشخصية‪ ،‬ثم عادوا إلى الوراء لسنوات طويلة‪ ،‬لعطاء‬ ‫القارئ الخلفية اللزمة‪ .‬ويصطدم هذا الترتيب الخطي للوحدات‬ ‫اللغوية البسيطة بمشكلت عديدة معقدة عند محاولة ترتيب‬ ‫الحوادث على نفس النسق الخطي حيث أن هذا الخط ُيقطع‬ ‫ويلتوي ويعود على نفسه‪.‬‬ ‫وبينما تمثل )الفتتاحية( في الرواية الواقعية جزءا ً هاما ً‬ ‫وره‪ ،‬فإن كّتاب رواية )تيار‬ ‫يترتب عليه مسار القص وتط ّ‬ ‫في رواياتهم أصبح جزءا ً‬ ‫الوعي( قد استغنوا عنها‪ ،‬لن الماضي‬ ‫من الحاضر‪ ،‬فهو منسوج في ذاكرة الشخصية‪ ،‬ومخزون فيها‪،‬‬ ‫تستدعيه اللحظة الحاضرة على غير نظام أو ترتيب‪ ،‬ولذلك ل‬ ‫تكتمل الحداث في تسلسلها الزمني إل في نهاية القراءة‪،‬‬ ‫حيث ُيعاد ترتيبها في مخيلة القارئ‪.‬وهذا من‬ ‫ت هذه الظاهرات‬ ‫قبيل توالد القص بعضه من بعض‪ .122 -‬‬ .‬ول يبدأ البحث عن الزمن‬ ‫الضائع مساره النسيابي إل بعد الفتتاحية السادسة‪ .

‬وبهذا تصطبغ هذه النظرة الفلسفية بالتشاؤم‪ .‬وهناك زمن عام )موضوعي( يمكن‬ ‫تحديده بوساطة التركيب الموضوعي للعلقة الزمنية في‬ ‫الطبيعة‪ .‬ويستطيع الروائي أن‬ ‫يغترف منه كلما أراد‪.‬‬ ‫ويتجه )الزمن التاريخي( إلى المام فيمثل خطا ً أفقيا ً‬ ‫تنطلق منه حيوات الشخصيات في اتجاه واحد‪ ،‬ذلك أن الزمن‬ ‫يسير نحو المستقبل مؤكدا ً حتمية الموت الذي هو مآل‬ ‫النسان‪ .‬وهذا المفهوم يسود‬ ‫الساطير التي ترمز إلى تجدد الحياة وانبعاثها‪ ،‬فيرتبط الزواج‬ ‫مثل ً بالصيف )رمز الخصب(‪ ،‬بينما ترتبط الثورة بالربيع )رمز‬ ‫تجدد الحياة(‪ ،‬وتمثل حركة الشمس في السماء المواقيت في‬ ‫أسرة عبد الجواد‪ ،‬ل الساعة؛ )فالفجر( يرى أمينة وهي‬ ‫تستيقظ لعداد الفطور‪ ،‬و )الصباح( يشهد حركة السرة في‬ ‫استقبال يوم جديد‪ ،‬و )المغيب( يجمعها حول المجمر في‬ ‫مجلس القهوة‪ .‬‬ ‫دى حدود‬ ‫وهو مستقل عن خبرتنا الشخصية‪ ،‬ويتسم بصدق يتع ّ‬ ‫الذات لكونه يطابق التركيب الموضوعي الموجود في الطبيعة‪.‬وقد غلبت النظرة المأساوية على روايات‬ ‫ور حركة الضمحلل وتمثل مأساوية‬ ‫)الجيال( التي كانت تص ّ‬ ‫المصير النساني ونهايته المحتومة‪ :‬فأبطال زول مثل ً في‬ ‫ددها الوراثة‬ ‫)أسرة ماكار( مسوقون عبر الزمن نحو نهاية تح ّ‬ ‫والبيئة واللحظة التاريخية‪ .‬وهذا البعد الزمني أقرب إلى المفهوم‬ ‫‪.‬وكذلك أبطال دستويفسكي في‬ ‫)الخوة كارامازوف(‪ ،‬وغيرهما ممن تظهر في رواياتهم وطأة‬ ‫القدر الذي يعمل عمله في هذه السر العريقة‪ ،‬ويدفعها إلى‬ ‫التفكك والتشتت‪ .123 -‬‬ .‬والشكل‬ ‫تك ّ‬ ‫الروائي الوحيد الذي يستطيع الراوي فيه أن يشير إلى أحداث‬ ‫لحقة هو شكل الترجمة الذاتية أو القصص المكتوب بضمير‬ ‫المتكلم‪ ،‬حيث يحكي الراوي قصة حياته‪ ،‬وهو يعلم ما وقع وما‬ ‫يقع ماضيا ً ومستقب ً‬ ‫ل‪ .‬وتعريف الزمن هنا هو‬ ‫شخصي‪ ،‬وذاتي‪ ،‬ونفسي‪ ..‬‬ ‫الرواية‪ ،‬واسترجاع مزجي يجمع بين‬ ‫وأما )الستباق( فهو نادر الوقوع في القص التقليدي‪ ،‬ذلك‬ ‫أن تلخيص الحداث المستقبلية يتنافى مع فكرة التشويق التي‬ ‫ون العمود الفقري للنصوص الروائية التقليدية‪ .‬‬ ‫وإذا كان الزمن الول نفسيا ً )أو داخليًا( فإن هذا الزمن طبيعي‬ ‫)أو خارجي( وله ارتباط بالزمن التاريخي والزمن الكوني‪ ،‬حيث‬ ‫يمثل التاريخ إسقاطا ً للخبرة البشرية على خط الزمن‬ ‫الطبيعي‪ ،‬وهو يمثل ذاكرة البشرية‪ .‬والسبب في‬ ‫ذلك أنه روائي واقعي‪ ،‬والواقعية تح ّ‬ ‫ظر التوّقعات‪.‫)فالسترجاع( هو أن يترك الراوي مستوى القص الول‬ ‫ليعود إلى بعض الحداث الماضية‪ ،‬ويرويها في لحظة لحقة‬ ‫لحدوثها‪ .‬ويأتي هذا الهدم من داخلها‪ ،‬ويتجّلى في‬ ‫م بالجيال الناشئة‪ ،‬نتيجة لنحلل‬ ‫صورة فساد وانحراف يل ّ‬ ‫فيه‪ ،‬ويش ّ‬ ‫كلهم على شاكلته‪.‬وهو ثلثة أنواع‪ :‬استرجاع خارجي يعود إلى ما قبل‬ ‫ض لحق لبداية‬ ‫بداية الرواية‪ ،‬واسترجاع داخلي يعود إلى ما‬ ‫النوعين ٍ‬ ‫السابقين‪.‬غير أن خبراتها مدّونة في‬ ‫نص له استقلليته عن عالم الرواية‪ .‬إنه مفهوم الزمن الفيزيائي المأخوذ عن الساعات‪..‬أما نجيب محفوظ فلم يتناول المستقبل‬ ‫في صورة استباق أو تنبؤ لخبار القارئ بما سيقع‪ .‬‬ ‫المجتمع الذي يعيشون‬ ‫وأما )الزمن الكوني( أو )الفلكي( فهو إيقاع الزمن في‬ ‫الطبيعة‪ ،‬ويتميز بالتكرار واللنهائية‪ .‬‬ ‫‪3‬ـ )في طبيعة الزمن الروائي( رأت الباحثة أن‬ ‫)الزمن في الدب( هو )الزمن النساني(‪ ،‬وأن وعينا للزمن هو‬ ‫جزء من الخلفية الغامضة للخبرة‪ .‬وترى‬ ‫الزمن عنصرا ً هداما ً يقضي على قوى النسان‪ ،‬تقابلها نظرة‬ ‫إيجابية إلى مسار الزمن على أنه مسار تصاعدي يسير نحو‬ ‫التقدم والتطور‪ .

‬يتجاوز الصور المرئية‪ ،‬ولكن كثيرا ً من الروائيين‬ ‫يرون أن عملية نقل عالم الواقع إلى عالم الرواية هو )مكر‬ ‫وحيل(‪ ،‬وأن المطلوب ليس وصف الواقع‪ ،‬وإنما خلق واقع‬ ‫شبيه بهذا الواقع‪ .‬و )الوصف( أسلوب إنشائي يتناول ذكر‬ ‫الشياء في مظهرها الحسي ويقدمها للعين‪ ،‬فهو تصوير‬ ‫)لغوي( موٍح‪ .‬وهو يحظى‬ ‫بعناية المؤلف‪ ،‬ويقوم على العرض الدرامي وغير الدرامي‪،‬‬ ‫وفيه يتم التطابق بين زمن القول وزمن الحدث‪.‬وإذا كان‬ ‫)الزمان( يرتبط بالدراك النفسي فإن )المكان( يرتبط بالدراك‬ ‫الحسي‪ .‬وعلى هذا فإن )قاهرة( نجيب محفوظ هي‬ ‫غير )القاهرة( المعّزية‪.‬‬ ‫وتقوم دراسة تشكيل المكان على استخراج مقاطع‬ ‫)الوصف( التي تتميز بنوع من الستقلل النصي‪ ،‬وتقف‬ ‫بمفردها لوحة ثابتة‪ .‬وعنــد غيرهــا‪:‬‬ ‫الستراحة(‪.‬‬ ‫وهذه كلها مأخوذة عن جيرار جينيت في كتابه )أشكال‬ ‫‪.‬‬ ‫‪4‬ـ في )الزمن الروائي من حيث سرعة النص‬ ‫وبطؤه( وفيه‪ :‬أربع سرعات زمنية هي‪ :‬التلخيص‪ ،‬والمشهد‪،‬‬ ‫والوقفة‪ ،‬والثغرة‪) .‬ولـه ـ عند الواقعيين ـ وظائف عديدة‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫تقديم عام للمشاهد‪ ،‬وتقديم شخصية جديدة‪ ،‬وعرض‬ ‫الشخصيات الثانوية‪ ،‬والشارة السريعة إلى الثغرات الزمنية‪،‬‬ ‫وتقديم السترجاع‪) ،‬وعند غيرها‪ :‬الخلصة(‪..‬وإذا كان )الزمان( يرتبط بالفعال والحداث‪ ،‬وأسلوب‬ ‫عرضها هو السرد‪ ،‬فإن أسلوب تقديم )المكان( هو الوصف‪.‬فهذا يجّرد الوصف من وظيفته‬ ‫‪.‬‬ ‫وأمــا )الوقفــة( فهــي قطــع مجــرى القــص‪) .‬‬ ‫وأما )المشهد( فهو محور الحداث الهامة‪ .124 -‬‬ .‬‬ ‫وقد استعمل الفرنسيون كلمة )فراغ( ‪ Espace‬بدل ً من‬ ‫)موقع( للتعبير عن المكان المحدد لوقوع الحدث‪.‬‬ ‫وأما )القفزة( الزمنية فتمثل المقاطع الزمنية في القص‪،‬‬ ‫والتي ل يعالجها الكاتب معالجة نصّية‪) ..‫البدائي للزمن الذي يقوم على تقسيم السنة والنهار‪.‬الخ‪.‬‬ ‫وإذا كان النقاد التقليديون يرون أن الوصف هو أسلوب‬ ‫مستقل بذاته‪ ،‬وأن وظيفته زخرفية‪ ،‬فهو كاللوحات والتماثيل‬ ‫التي تزين المباني الكلسية‪ .‬وإن إضفاء‬ ‫صفات مكانية على الفكار المجردة يساعد على تجسيدها‪ :‬فل‬ ‫يستوي )أهل اليمين( و )أهل اليسار(‪ .‬‬ ‫و )المكان( يمثل الخلفية التي تقع فيها أحداث الرواية‪،‬‬ ‫وأما )الزمن( فيتمثل في هذه الحداث نفسها‪ .‬و )الفوق( في السلم‬ ‫الجتماعي يختلف عن )التحت(‪ ،‬والخلق )العالية( تضاد‬ ‫الخلق )الواطئة(‪ ،‬والذهن )المفتوح( هو غير الذهن‬ ‫)المغلق(‪ .‬فالتلخيص( يقوم بدور هام يتجّلى في‬ ‫المرور السريع على فترات زمنية يرى المؤلف أنها غير جديرة‬ ‫باهتمام القارئ‪ .(3/1972‬‬ ‫‪2‬ـ بناء المكان الروائي‬ ‫بما أن الرواية هي رحلة في الزمان والمكان‪ ،‬وبما أن زمن‬ ‫الرواية ليس زمن الساعة‪ ،‬فكذلك مكان الرواية ليس المكان‬ ‫الطبيعي‪ ،‬إذ أن النص الروائي يخلق‪ ،‬عن طريق الكلمات‪،‬‬ ‫مكانا ً خياليا ً له مقوماته الخاصة‪ ،‬وأبعاده المميزة‪ .‬وعند غيرها‪ :‬القطع(‪.

‬مستمدة من‬ ‫)الثلثية( أمثلة على ما تذهب إليه‪ ،‬ومقارنة مع أدباء غربيين‬ ‫واقعيين‪ .‬ثم اهتم النقاد بعلقة‬ ‫وكان أول َ‬ ‫م ْ‬ ‫ون منها‬ ‫يتك‬ ‫التي‬ ‫بالوقائع‬ ‫إحاطته‬ ‫ومدى‬ ‫بالشخصيات‬ ‫الراوي‬ ‫ّ‬ ‫العالم التخييلي‪ .‬وهي بذلك متأثرة بميشيل بوتور ‪،M.1954‬وإن مصطلح )المنظور( مستمد من‬ ‫الفنون التشكيلية‪ ،‬وهو يعني أن شكل أي جسم تقع عليه العين‬ ‫يتوقف على الوضع الذي ينظر منه الرائي إليه‪ ،‬ثم ُنقل هذا‬ ‫المصطلح إلى الدب الروائي فعنى )الرؤية الدراكية( للمادة‬ ‫دم من خلل نفس مدركة ترى الشياء‬ ‫القصصية التي ُتق ّ‬ ‫وتستقبلها بطريقة ذاتية تتشكل بمنطلق رؤيتها الخاصة‪:‬‬ ‫إيديولوجية كانت أو نفسية‪.‬وهكذا فإن‬ ‫)الروائي( هو خالق العالم التخييلي‪ ،‬وهو الذي يختار الحداث‬ ‫والشخصيات والرواة‪ .‬أما )الراوي( فهو أسلوب صياغة‪ ،‬أو بنية من بنيات‬ ‫القص‪ ،‬شأنه شأن الشخصية والزمان والمكان في العمل‬ ‫الروائي‪ .‬وقد صّنف الناقد الفرنسي )جان بويون( هذه‬ ‫‪.‫الفنية‪ ،‬وينكر التحامه بالعمل الدبي‪ ،‬فإن الروائيين الواقعيين‬ ‫جعلوا للوصف وظيفة بالغة الهمية هي الكشف عن الحياة‬ ‫النفسية للشخصية‪ ،‬والشارة إلى طبعها ومزاجها‪ ،‬واليهام‬ ‫بواقعية الحداث‪.‬‬ ‫كما تحدثت عن )الشياء( في الرواية‪ :‬الثاث‪ ،‬والمأكل‪،‬‬ ‫والمشرب‪ ،‬والصور الوصفية للطبيعة‪ ،‬ودللتها‪ .125 -‬‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫ولكن )الراوي( بدأ يختفي تدريجيا في الروايات الحديثة‪،‬‬ ‫ن نادى بهذا المبدأ‪ :‬فلوبير‪ . Butor‬‬ ‫أحد فرسان الرواية الجديدة في فرنسا‪ ،‬وبرأيه في الفضاء‬ ‫الروائي‪ ،‬وبفلسفته في ذكر المدن والحياء والبيوت والغرف‬ ‫والثاث في الرواية‪.‬وقد‬ ‫حدثت الباحثة عن أهمية وصف المكان )طبيعته‪ ،‬ووظيفته‪،‬‬ ‫وعلقات الوصف بالسرد‪ ،‬وتقنية الوصف عند نجيب محفوظ(‪.‬‬ ‫وض‬ ‫ًوعندما ًيقص الروائي فإنه ل يتكلم بصوته‪ ،‬وإنما يف ّ‬ ‫جه إلى مستمع‬ ‫راويا تخييليا يأخذ على عاتقه عملية القص‪ ،‬ويتو ّ‬ ‫تخييلي يقابله‪ ،‬وتسمى الشخصية التي يتكلم الروائي من‬ ‫خللها )النا الثانية للكاتب(‪ .‬‬ ‫وقد استخرجت الباحثة من )الثلثية( ما يقرب من أربعين‬ ‫مقطعا ً وصفيا ً يتناول وصف المكان‪ :‬أقصرها سطران في‪:‬‬ ‫)السكرية ص ‪ ،(129‬وأطولها ثلثة وعشرون سطرا ً في‪) :‬بين‬ ‫القصرين ص ‪.‬وقد لحظت أن )الشياء( غائبة عند نجيب محفوظ‪،‬‬ ‫وأن حضورها ل يعتبر امتدادا ً للشخصيات‪ ،‬وأن عرضها ل‬ ‫ينسجم والحداث المعروضة‪ ،‬وأن فضاءها ثابت ل يتغير بتغير‬ ‫الزمان‪ .‬ويراوح‬ ‫ويقوم )الوصف( على َ‬ ‫مب ْد َأ ْ‬ ‫الدباء بينهما‪ .(19‬‬ ‫َ‬ ‫ي‪ :‬الستقصاء‪ ،‬والنتقاء‪ .‬‬ ‫‪3‬ـ بناء المنظور الروائي‬ ‫ن تنّبه إلى فكرة )المنظور( في الرواية وعالجها‬ ‫إن أول َ‬ ‫م ْ‬ ‫علجا ً منهجيا ً هو بيرسي لوبوك ‪ Lubbock‬في كتابه )صنعة‬ ‫الرواية( عام ‪ .‬فبعضهم يلتزم بالول‪ :‬وبعضهم بالثاني‪ .‬وقد يكون الراوي غير ظاهر في‬ ‫النص‪ ،‬وقد يكون شخصية من شخصيات القص‪ .‬وهكذا فإن مسافة تفصل بين )الروائي( و )الراوي( إذ‬ ‫أن الراوي هو قناع من القنعة التي يتسّتر وراءها الروائي‬ ‫لتقديم عمله‪.‬وكذا أنواع الطعمة والشربة واللبسة‪ ،‬فانتهت إلى‬ ‫أن )المكان( في الثلثية يمثل )الثابت(‪ ،‬وإلى أن )الزمان( فيها‬ ‫يمثل )المتغير(‪ .‬ولكنه ل يظهر مباشرة في النص‬ ‫القصصي‪ .

‬‬ ‫ددون إلى‬ ‫وعندما خفت صوت الراوي‪ ،‬ودعا الروائيون المج ّ‬ ‫انتفاء شخصية الكاتب لم تعد هذه اليديولوجية تظهر بشكل‬ ‫مباشر‪ ،‬لجأ الكاتب إلى أساليب أكثر مهارة ليوحي للقارئ‬ ‫بهذه القيم العامة‪ .‬‬ ‫وقد اعتمدت الباحثة آراء أوسبنسكي في كتابه )نظرية‬ ‫الصياغة( ‪ ،1970‬حيث يمثل )المنظور اليديولوجي( عنده‬ ‫منظومة القيم العامة لرؤية العالم ذهنيًا‪ .‬وقد ُ‬ ‫عرف في القصص التجريبي‪.‬وعلى الرغم من أنه لم يظهر في‬ ‫رواياته كشخصية من شخصياته‪ ،‬فإن وجوده ملموس في‬ ‫التعليقات التي يسوقها والحكام التي يطلقها والحقائق التي‬ ‫يدخلها على العالم التخييلي‪.‬‬ ‫)فالرؤية من الوراء( تتمثل في القص التقليدي‪ ،‬وتقوم‬ ‫على مفهوم )الراوي( العاِلم بكل شيء‪ ،‬والذي يقدم معلوماته‬ ‫دون إشارة إلى مصيرها‪ .126 -‬‬ .‬في حين امتنع بعض الدباء عن اتخاذ موقف‬ ‫عام‪ ،‬وتركوا القيم النسبية الذاتية للشخصيات والقارئ لتتفاعل‬ ‫حرة مع بعضها بعضًا‪ .‬فهو يتخلل كل أجزاء‬ ‫العمل الدبي‪ .‬‬ ‫‪1‬ـ المنظور اليديولوجي‪:‬‬ ‫ماه )وجهة‬ ‫وأول من أعطاه شكله الجديد في الرواية وس ّ‬ ‫النظر( ‪ Point of View‬هو هنري جيمس‪ ،‬ثم جاء بيرسي لوبوك‬ ‫فأرسى قواعده‪ .‬وترتب على ذلك أن أصبح المنظور‬ ‫اليديولوجي الذي يحكم العمل الدبي أبعد ما يكون عن‬ ‫التحديد‪ ،‬وتحديده يعتمد على الفهم الغريزي للقارئ‪ ،‬واحتماله‬ ‫‪.‬‬ ‫‪2‬ـ الراوي = الشخصية )الراوي يعلم ما تعلمه‬ ‫الشخصية( الرؤية مع‪.‬وقد قام )الراوي( بنفس الدور في‬ ‫الرواية الكلسية والواقعية‪ ،‬فكان يعّلق على الحداث‪ ،‬ويقّيمها‪.‬‬ ‫وقد أخذ )هنري جيمس( على هذا القص أنه يؤدي إلى‬ ‫التفكك وعدم التناسق‪ ،‬حيث إن النتقال المفاجئ من مكان‬ ‫إلى آخر‪ ،‬ومن زمان إلى آخر‪ ،‬ومن شخصية إلى أخرى‪ ،‬دون‬ ‫وغ‪ ،‬نتيجة التشتت وعدم الترابط‪ ،‬ولذلك نادى بضرورة‬ ‫مس ّ‬ ‫اختيار )بؤرة( مركزية تشع منها المادة القصصية أو تنعكس‬ ‫عليها‪.‬ويمثل بلزاك هذا التجاه أحسن‬ ‫تمثيل في الرواية الواقعية‪ .‬‬ ‫‪3‬ـ الراوي> الشخصية )الراوي يعلم أقل مما تعلمه‬ ‫الشخصية( الرؤية من الخارج‪.‬وقد كان )الكورس( في الدراما اليونانية يلتزم‬ ‫بهذه المنظومة‪ ،‬فيعّلق على الحداث والشخصيات‪ ،‬ويقّيمها‬ ‫وفق اليديولوجية الحاكمة‪ .‬‬ ‫همنغواي بهذا السلوب‪ ،‬كما ُ‬ ‫ثم قسمت الباحثة )المنظور( إلى ثلثة أنواع‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫المنظور اليديولوجي‪ ،‬والمنظور النفسي‪ ،‬والمنظور التعبيري‪.‬ثم تتالت البحاث والدراسات حوله من قبل‬ ‫المريكيْين‪ :‬فريدمان‪ ،‬وسيمور شاتمان‪ ،‬والفرنسيين‪ :‬جان‬ ‫بويون‪ ،‬وتودوروف‪ ،‬وجيرار جينيت‪ ،‬والروسيْين‪ :‬باختين‪،‬‬ ‫وأوسبنسكي‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬ ‫وأما )الرؤية من الخارج( فإن الراوي فيها ل يقدم سوى ما‬ ‫يستطيع أن يخبره بحواسه‪ ،‬أي ما يمكن أن ُيرى وُيسمع‪ ،‬ول‬ ‫عرف‬ ‫سبيل إلى معرفة ما يجوس في نفوس الشخصيات‪ .‫العلقة في ثلثة مواقف‪:‬‬ ‫‪1‬ـ الراوي < الشخصية )الراوي يعلم أكثر من‬ ‫الشخصية( الرؤية من الوراء‪.

‬‬ ‫مي الناقد الروسي )باختين( هذا بـ )الصوت المنفرد(‪ .127 -‬‬ .‬وأوضح السمات التي ُتظهر‬ ‫)الثلثية( عمل متع ّ‬ ‫هذا التعدد هو امتناع الراوي عن إصدار الحكام العامة‬ ‫المنفصلة عن منظور الشخصيات اليديولوجي‪ ،‬تلك الحكام‬ ‫ح َ‬ ‫كم‪ ،‬وتقف مستقلة عن النص‪ ،‬محتفظة بدللة‬ ‫التي تشبه ال ِ‬ ‫مطلقة‪ .‬فالجملة العتراضية هنا‬ ‫تعّبر عن منظور الراوي‪ ،‬وعن طبيعة الفترة التاريخية التي‬ ‫كانت تمر بها مصر‪ .‬‬ ‫ويؤكد أوسبنسكي على أنه يجب أن ننظر إلى العمل‬ ‫الدبي ككائن له استقلله عن مؤلفه‪ ،‬وأنه يجب أن ُينسب‬ ‫المنظور اليديولوجي إلى العمل نفسه ل إلى مؤلفه‪ ،‬سواء‬ ‫وافقه في الواقع أو خالفه‪ ،‬فقد يختار الكاتب الحديث صوتا ً‬ ‫يخالف صوته‪ ،‬وقد يغّير منظوره اليديولوجي في عمل واحد‬ ‫أكثر من مرة‪.‬وفي المرات‬ ‫ص‬ ‫بحر‬ ‫ذلك‬ ‫فعل‬ ‫الشخصية‬ ‫منظور‬ ‫عن‬ ‫منها‬ ‫خرج‬ ‫التي‬ ‫النادرة‬ ‫ٍ‬ ‫)ولما‬ ‫شديد‪ ،‬كأن يضع أحكامه كجملة اعتراضية في مثل قوله‪:‬‬ ‫اقترب الضابط من البيت رفع عينيه في حذر‪ ،‬دون أن يرفع‬ ‫رأسه‪ ،‬فلم يكن أحد يرفع رأسه في مصر وقتذاك ـ فأضاءت‬ ‫أسارير وجهه ـ ص ‪ 30‬بين القصرين(‪ .‬فلم يلجأ محفوظ إلى هذا‬ ‫السلوب إل في مقطع واحد في )بين القصرين( عالج فيه‬ ‫العلقة بين قانون الوراثة وقانون الزمن‪ :‬فأمينة جالسة قبالة‬ ‫أمها‪ ،‬والراوي يتأملهما ويقول‪) :‬كان في تقابلهما جنبا ً لجنب ما‬ ‫يدعو إلى تأمل قوانين الوراثة العجيبة وقانون الزمن الصارم‪،‬‬ ‫كأنهما شخص واحد‪ ،‬وصورته المنعكسة في مرآة المستقبل‪،‬‬ ‫أو نفس الشخص وصورته المنعكسة في مرآة الماضي(‪.‬‬ ‫وترى الباحثة أن )بوليفونية( الثلثية وحرفية محفوظ هي‬ ‫التي م ّ‬ ‫كنته من التزام التعبير من خلل شخصياته‪ .‬وهذا بخلف روايات الواقعيين الغربيين حيث نستطيع‬ ‫أن نستخرج من رواياتهم كتيبا ً مليئا ً بالحكم والمثال التي لم‬ ‫ترد على لسان أي من شخصياتهم‪ ،‬ولكنها ترد على لسان‬ ‫الراوي‪ ،‬دون أن تدخل في نسيج النص‪ ،‬حيث ينقطع خط‬ ‫ص ويعلو صوت الراوي‪ ،‬مثل )الكورس( اليوناني‪ ،‬معلنا ً‬ ‫الق ّ‬ ‫المنظور اليديولوجي الذي يحكم الرواية بطريقة مباشرة‪،‬‬ ‫وحيث يمكن استخراج هذه الفقرات من سياق الرواية دون‬ ‫إخلل ببنائها‪.‬وقد اتجهت‬ ‫الرواية الحديثة نحو )البوليفونية(‪ ،‬وابتعدت عن موقف الصوت‬ ‫المنفرد‪.‫أكثر من تأويل‪.‬‬ ‫ومن السمات )البوليفونية( في الثلثية أن المؤلف لم‬ ‫يتحّيز لمنظومة قيم أي من الشخصيات ـ سواء اليجابية منها‬ ‫أو السلبية ـ فلم يعاقب )الشرير( ولم يكافئ )الخّير(‪ ،‬ولم‬ ‫‪.‬‬ ‫وعندما يطغى منظور إيديولوجي واحد في العمل الدبي‪،‬‬ ‫تصبح كل القيم خاضعة لوجهة نظر واحدة‪ ،‬بحيث إذا ظهر‬ ‫منظور مخالف على لسان شخصية من الشخصيات مثل ً ُأخضع‬ ‫هذا المنظور إلى إعادة تقييم من وجهة النظر السائدة‪.‬ويخرج هذا التقييم عن نطاق الشخصيتين‬ ‫المشتركتين في هذا المشهد‪.‬فإذا‬ ‫ويس ّ‬ ‫كان في الرواية أكثر من منظور واحد يحكم العمل الدبي فإن‬ ‫باختين يسميه‪ :‬الرواية متعددة الصوات )أو البوليفونية(‪ ،‬حيث‬ ‫تتواجد عدة منظورات مستقلة داخل العمل‪ .‬‬ ‫لقد خلت )الثلثية( من مثل هذه المقاطع المنفصلة‪ ،‬على‬ ‫لسان الراوي‪ ،‬والتي تمّثل منظورا ً إيديولوجيا ً أكبر من‬ ‫الشخصيات‪ ،‬ويأتي من خارجها‪ .‬‬ ‫ولدى تطبيق )المنظور اليديولوجي( وجدت الباحثة أن‬ ‫دد الصوات‪ .

‬فالحداث والشخصيات يمكن أن‬ ‫دم من منظور ذاتي‪ ،‬أي من خلل إدراك شخصية من‬ ‫ُتق ّ‬ ‫الشخصيات المشتركة في الحدث‪ ،‬أو من منظور موضوعي‪،‬‬ ‫أي من منظور الراوي‪ .‬‬ ‫بل إن )إيديولوجية( الثلثية تجاه الزمن كانت محايدة‪ ،‬فلم‬ ‫ينظر إليها نظرة سلفية ترى أن جيل المس أفضل من جيل‬ ‫اليوم‪ ،‬وأن جيل الغد أسوأ الثلثة‪ ،‬وأن سّنة التطور تتدّرج على‬ ‫سلم الرتقاء‪ ،‬بل جاءت نظرته إلى تخلف الجيال نظرة‬ ‫محايدة‪ ،‬إذ رأى فيهم أشخاصا ً تتعايش وتتفاعل في لحظة‬ ‫زمنية معينة دون أن يؤدي ذلك إلى تفضيل جيل على آخر‪.‬لكنه حرص‬ ‫على أل يحكم على أي منهم حكما ً أخلقيًا‪ ،‬أو يخضعه لمنظومة‬ ‫قيم خارجية تفضل واحدا ً على آخر‪.‬‬ ‫ص يقوم على راو يأخذ على عاتقه سرد‬ ‫وبما أن الق ّ‬ ‫الحوادث ووصف الماكن وتقديم ٍ الشخصيات ونقل كلمها‬ ‫والتعبير عن أفكارها ومشاعرها‪ ،‬فإن علقة دينامية توجد بين‬ ‫كلم الشخصية المنقول وكلم الراوي الناقل‪ .128 -‬‬ .‬‬ ‫‪3‬ـ المنظور التعبيري‪:‬‬ ‫إذا كان )المنظور اليديولوجي( هو منظومة القيم التي‬ ‫تحكم الشخصية من خللها على العالم المحيط بها‪ ،‬و‬ ‫)المنظور النفسي( هو الزاوية التي تقدم من خللها العالم‬ ‫التخييلي‪ ،‬فإن )المنظور التعبيري( هو السلوب الذي تعّبر‬ ‫الشخصية من خلله عن نفسها‪.‬وهذه العلقة‬ ‫‪.‬‬ ‫وإذا كان تعدد الصوات )البوليفونية( عند محفوظ قد ظهر‬ ‫واضحا ً في الثلثية على المستوى الخلقي والجتماعي بشكل‬ ‫محايد وساوى بين مختلف القيم على هذين المستويين‪ ،‬فإنه‬ ‫لم يحقق نفس الدرجة من الحيدة الفكرية والسياسية‪ ،‬فظهر‬ ‫تعاطفه الفكري مع )كمال( الباحث عن الحقيقة‪ ،‬ومع )أحمد(‬ ‫الشيوعي‪ ،‬في مقابل )عبد المنعم( الخ المسلم‪ .‬‬ ‫ول المنظور الذاتي‬ ‫كما أن المنظورين يتداخلن؛ فقد يتح ّ‬ ‫إلى منظور موضوعي‪ ،‬وبالعكس‪ .‫ُيسقط ياسين الذي استسلم لنزواته‪ ،‬أو ُينهيه نهاية سيئة نتيجة‬ ‫استسلمه لجوانب الضعف في شخصيته‪ .‬‬ ‫‪2‬ـ المنظور النفسي‪:‬‬ ‫يقسم أوسبنسكي المنظور النفسي إلى نوعين‪ :‬منظور‬ ‫موضوعي‪ ،‬ومنظور ذاتي‪ .‬كما يرى أن كل ً من هذين المنظورين‬ ‫يمكن أن يكون خارجيا ً وداخليًا‪ :‬فالسلوك ل يمكن أن ُيراقب‬ ‫من منطلق شاهد عيان خارجي‪ ،‬ول من منطلق شخص عالم‬ ‫ببواطن المور‪ ،‬يعرف ما خفي وما ظهر في السلوك‪ ،‬ويحيط‬ ‫علما ً بكل شيء‪.‬وغالبا ً ما نجد المنظور‬ ‫الذاتي يسيطر في قصص المذكرات والرسائل‪ .‬وقد استخدم‬ ‫نجيب في ثلثيته المنظورين‪ :‬الذاتي والموضوعي‪ ،‬وداخل‬ ‫بينهما‪.‬ولو أن شخصية‬ ‫ياسين كانت بين يدي )زول( مثل ً لكان مصيرها الحتمي الدمار‬ ‫والنهيار أو الجنون‪ ،‬بل إن زواجه من زنوبة الذي لم يكن من‬ ‫المتوقع له أن يستمر أو ينجح ـ دع عنك أن يحقق له السعادة‬ ‫والستقرار ـ في إطار قيم المجتمع المحيط به‪ ،‬خالف توقعات‬ ‫المحيطين به‪ ،‬حيث حقق له هذا الزواج حياة هادئة سعيدة في‬ ‫إطار اجتماعي فرض على عائلته تقّبله واحترامه‪.

‬وقد‬ ‫التعجيبية بنيتها النشائية وتح ّ‬ ‫استخدم محفوظ السلوبين‪ ،‬إضافة إلى السلوب المباشر‬ ‫الحر‪.‬وعلى الرغم من تعدد المصادر‬ ‫والمراجع التي استقت منها فإنها تخّلصت من الضطراب الذي‬ ‫يمكن أن يوقعها فيه مثل هذا التعدد والتداخل‪.1989‬‬ ‫‪3‬ـ انفتاح النص الروائي ‪.1994‬‬ ‫‪..129 -‬‬ .‬وتقع محاولتها هذه مع مقاربات‬ ‫)موريس أبو ناصر( في عمق المنهج البنيوي الشكلي‪ ،‬على‬ ‫الرغم من أنه اتجه إلى التحليل البنيوي الشكلي‪ ،‬واتجهت هي‬ ‫إلى عرض تقنيات السرد الروائي في المنهج البنيوي والتمثيل‬ ‫لها من )ثلثية( نجيب محفوظ‪ .‬الخ مما كان يراوح‬ ‫عنده النقاد التقليديون‪ .‬‬ ‫ويفّرق النحو التقليدي بين أسلوبين في نقل كلم الغير‪،‬‬ ‫هما‪ :‬السلوب المباشر‪ ،‬والسلوب غير المباشر‪ .‬أما إذا أدخل قول الشخصية في‬ ‫ص وتوّلى الراوي نقله فيحدث تداخل بين القولين‪،‬‬ ‫سياق الق ّ‬ ‫ويصبح الصوت مزدوجًا‪.1985‬‬ ‫‪2‬ـ تحليل الخطاب الروائي ‪.1992‬‬ ‫‪5‬ـ ذخيرة العجائب العربية‪ :‬سيف بن ذي يزن ‪.‬ومن هنا تأتي مستويات‬ ‫مختلفة في المنظور التعبيري‪ ،‬وقد يقترب منظور الراوي من‬ ‫منظور الشخصية‪ ،‬وقد يبتعد عنه‪ ،‬فالحوار مثل ً ُيعتبر أقرب‬ ‫الصيغ إلى منظور الشخصية‪ .‬اهت ّ‬ ‫بالسرديات‪ ،‬وله فيها‪:‬‬ ‫‪1‬ـ القراءة والتجربة ‪.‬فإذا نقل‬ ‫الراوي كلم غيره كما هو لجأ إلى السلوب المباشر‪ ،‬أما إذا‬ ‫أدخله في سياق كلمه فإنه يلجأ إلى السلوب غير المباشر‪.‬‬ ‫دم بل وساطة كصيغة مستقلة قائلها معروف ويعبر‬ ‫فالحوار ُيق ّ‬ ‫عن نفسه بطريقة مباشرة‪ .‬والنقل من‬ ‫تركيب إلى تركيب ُيفقد الجملة أبعادها النفسية التي تربطها‬ ‫بقائلها‪ ،‬وُيضفي عليها ظلل ً من أسلوب الناقل‪ ،‬فإذا أخذنا على‬ ‫ولناها إلى‬ ‫سبيل المثال الجملة التالية‪) :‬قال‪ :‬ما أسعدني!( وح ّ‬ ‫أسلوب غير مباشر تصبح )قال إنه جد ّ سعيد(‪ :‬فقدت الجملة‬ ‫ولت إلى جملة خبرية‪ .‬‬ ‫*‬ ‫‪3‬ـ سعيد يقطين وتحليل الخطاب الروائي‬ ‫م‬ ‫سعيد يقطين ناقد حداثي من المغرب‪ .‬وقد يصبغه بصبغته الخاصة‪ .‫معقدة ومتداخلة حيث قد ينقل الراوي كلم الشخصية‬ ‫بحذافيره‪ .1989‬‬ ‫‪4‬ـ الرواية والتراث السردي ‪.‬والسرد ُيعتبر أبعد الصيغ عنه‪.‬‬ ‫وهكذا وضعت الباحثة تنظيرات المنهج البنيوي في تقنيات‬ ‫السرد الروائي‪ ،‬ولم تحلل عمل ً روائيا ً تحليل ً بنيويًا‪ ،‬وإنما اكتفت‬ ‫بإيراد أمثلة من )ثلثية( نجيب محفوظ على ما ذهبت إليه من‬ ‫عرض لهذه التقنيات )الزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والمنظور( فكان لها‬ ‫فضل الريادة في استقدام مصطلحات السرد البنيوي في‬ ‫مرحلتها‪ ،‬وتجاوز المصطلحات التقليدية للرواية من مثل‪:‬‬ ‫الحبكة‪ ،‬والحوار‪ ،‬والعقدة‪ ،‬والشخصيات‪ .‬‬ ‫ويقوم القص التقليدي على توالي هذين السلوبين‪ .

‬ويعتبر هاريس أول لساني حاول تحديد موضوع البحث‬ ‫دى الجملة إلى الخطاب‪ .‬لكن آخرين اعتبروا )الخطاب( ككل هو مجال‬ ‫التحليل‪ .‫‪6‬ـ الكلم والخبر‪ :‬مقدمة للسرد العربي ‪.‬وإذا كانت الدراسات الدبية القديمة‬ ‫قد ركزت كل اهتمامها على المادة المحكية )أو المضمون(‬ ‫‪.‬‬ ‫ولكي يقدم الباحث دراسة متكاملة‪ ،‬فإنه مزج النظرية‬ ‫بالتطبيق على نصوص روائية هي رواية )الزيني بركات( لجمال‬ ‫الغيطان‪ ،‬و )الوقائع الغريبة( لميل حبيبي‪ ،‬و )أنت منذ اليوم(‬ ‫لتيسير سبول‪ ،‬و )الزمن الموحش( لحيدر حيدر‪ ،‬و )عودة‬ ‫الطائر إلى البحر( لحليم بركات‪ .‬واستخرج البنيات المشتركة‬ ‫بين هذه الخطابات على صعيد )الزمن‪ ،‬والسرد‪ ،‬والتبئير(‪.1997‬‬ ‫وقد كان كتابه )القراءة والتجربة‪ :‬حول التجريب في‬ ‫الخطاب الروائي الجديد بالمغرب( تجربة مثيرة‪ ،‬حلل فيها ـ‬ ‫بنجاح ـ أربع روايات تجريبية في الدب المغربي المعاصر‪ ،‬وفق‬ ‫المنهج البنيوي الشكلي‪ ،‬ومصطلحاته‪ ،‬دون أن ُتقدم على‬ ‫التنظير الذي وجد فيه الباحث مجال ً للقول فوضع فيه كتابه‬ ‫الثاني )تحليل الخطاب الروائي( الذي انطلق فيه من‬ ‫السرديات البنيوية‪ ،‬ووقف عند ثلث مكونات للخطاب الروائي‪،‬‬ ‫بنى عليها كتابه كله‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ الزمن‪.‬‬ ‫‪3‬ـ الرؤية السردية‪.‬وباعتباره توزيعيا ً‬ ‫اللساني بجعله يتع ّ‬ ‫فإنه سعى إلى تحليل الخطاب بنفس التصور والدوات التي‬ ‫يحلل بها الجملة‪ ،‬وعّرف الخطاب بأنه )ملفوظ طويل‪ ،‬أو‬ ‫ون مجموعة منغلقة يمكن من خللها‬ ‫متتالية من الجمل تك ّ‬ ‫معاينة بنية سلسلة من العناصر بواسطة المنهجية التوزيعية‪،‬‬ ‫وبشكل يجعلنا نظل في مجال لساني محض(‪.‬‬ ‫إن تفكيك كل جملة إلى بنياتها الولية يصبح بل أهمية في‬ ‫تحليل الخطاب‪ ،‬لنه بدل العمل على إبراز البنية الخاصة لجمل‬ ‫نص ما في تسلسلها‪ ،‬يقف التحليل عند حد ّ تقديمه الخطاب‬ ‫كمتتالية من مركبات اسمية وفعلية ذات علقات معينة‪ ،‬مما‬ ‫جعل ناقدا ً فرنسيا ً كـ )بنفنست( يلجأ إلى تعريف الخطاب من‬ ‫منظور مختلف‪ ،‬إذ رأى أن )الجملة( هي أصغر وحدة في‬ ‫الخطاب‪ ،‬وأن )الخطاب( )ملفوظ منظور إليه من وجهة آليات‬ ‫وعمليات اشتغاله في التواصل(‪.‬‬ ‫‪2‬ـ الصيغة‪.‬‬ ‫دث عن الشكلنيين الروس الذين نادوا‬ ‫في )المدخل( تح ّ‬ ‫بضرورة ميلد علم جديد للدب‪ ،‬ليس موضوعه الدب‪ ،‬وإنما‬ ‫)الدبية(‪ ،‬وذلك بدراسة الخصائص النوعية للموضوعات الدبية‪،‬‬ ‫دث عن النجاح الباهر الذي حققته اللسانيات في‬ ‫كما تح ّ‬ ‫الدراسات الدبية‪.‬‬ ‫وقد تعددت الساليب البنيوية في التحليل‪ :‬فجعل بعضهم‬ ‫)الجملة( منطق التحليل‪ ،‬فقال بلومفيلد )الجملة هي أكبر‬ ‫وحدة قابلة للوصف النحوي( وهي تتضمن وحدات صغرى هي‬ ‫)المورفيمات(‪ .130 -‬‬ .1996‬‬ ‫‪7‬ـ قال الراوي‪ :‬البنيات الحكائية في السيرة الشعبية‬ ‫‪.‬‬ ‫وقد استعرض الباحث أعمال الشكلنيين الروس‪ ،‬وعلى‬ ‫الخصوص إيخنباوم‪ ،‬وجهودهم التي انصّبت على النساق‬ ‫البنيوية في العمل الحكائي‪ ،‬انطلقا ً من إقامة تماثل بين‬ ‫أنساق تركيب المبنى الحكائي وبين النساق السلوبية في‬ ‫الستعمال الجاري للغة‪ .

‬‬ ‫وقد انطلق )تودوروف( من تمييز )توماشفسكي( فأ ّ‬ ‫كد أن‬ ‫لكل حكي أدبي مظهرين متكاملين هما‪ :‬القصة‪ ،‬والخطاب‪:‬‬ ‫)فالقصة( هي الحداث في تسلسلها وعلقاتها بالشخصيات‬ ‫وتفاعلها‪ .‬وهذا النجاز‬ ‫)المقترح( يميز بين ثلثة مستويات‪ ،‬هي‪ :‬الوظائف‪ ،‬والحداث‪،‬‬ ‫والسرد‪) .‫فإن الشكلنيين‪ ،‬وخصوصا ً توماشفسكي‪ ،‬قد مّيزوا بين )المتن(‬ ‫مي متنا ً حكائيا ً مجموع‬ ‫الحكائي و )المبنى( الحكائي‪) :‬نس ّ‬ ‫الحداث المتصلة فيما بينها‪ ،‬والتي يقع إخبارنا بها خلل‬ ‫العمل‪ .‬أما )الخطاب( فيظهر من خلل الراوي الذي يقوم‬ ‫قى‬ ‫بتقديم القصة‪ .‬وفي إطار العلقة بينهما ليست الحداث المحكية‬ ‫)القصة( هي ما يهم الباحث‪ ،‬ولكن الطريقة التي بواسطتها‬ ‫يجعل الراوي القارئ يتعرف تلك الحداث )الخطاب(‪.‬وهذا ما أعطى الدراسة الدبية بعدا ً‬ ‫جديدًا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومن هذا المنطلق يقيم )جيرار جينيت( أيضا تمييزا بين ما‬ ‫يسميه )الحكي( و )الخطاب( في دراسته )حدود الحكي(‪،‬‬ ‫فيقترح تمييز )بنفنست( بين الحكي أو القصة والخطاب‪،‬‬ ‫ملحظا ً أن هذا التمييز ُيسعف في تجاوز الختزال الذي‬ ‫حصرت فيه البويطيقا الكلسية نفسها‪.‬أما‬ ‫)الحكي كخطاب( فيركز على تحليله من خلل ثلثة جوانب‬ ‫هي‪ :‬زمن الحكي‪ ،‬وجهاته‪ ،‬وصيغه‪.‬‬ ‫وهكذا ر ّ‬ ‫كز الشكلنيون الروس على )المبنى( الحكائي في‬ ‫حوا على أسبقية‬ ‫بحثهم عن النساق والوظائف والحوافز‪ ،‬وأل‬ ‫ّ‬ ‫)المبنى( على )المادة(‪ .‬‬ ‫وقد أسهم رولن بارت بمقاله )مدخل إلى التحليل البنيوي‬ ‫للسرد( في دراسة السرد‪ ،‬حيث انطلق من اعتماد اللسانيات‬ ‫مبدأ أساسيا ً في تحليل الحكي‪ ،‬وأشار إلى جهود عدد من‬ ‫اللسانيين في تحليل الخطاب‪ ،‬مثل‪ :‬بنفنست‪ ،‬وهاريس‪،‬‬ ‫وروفي‪ .‬وفي مقابل المتن الحكائي يوجد المبنى الحكائي‬ ‫الذي يتألف من نفس الحداث‪ ،‬بيد أنه يراعي نظام ظهورها‬ ‫في العمل‪ ،‬كما يراعي ما يتبعها من معلومات تعّينها لنا(‪.‬ويلحظ أن )الحكي( عند المن ّ‬ ‫ظرين يعني تتابع‬ ‫ون‬ ‫مجموعة من الحداث الواقعية أو المتخيلة‪ ،‬وهي التي تك ّ‬ ‫موضوع الخطاب‪ ..131 -‬‬ .‬‬ ‫ولتجنب البهام أو الغموض سعى )جينيت( إلى التوضيح‬ ‫‪.‬وأن تحليل الحكي يعني دراسة مجموعة‬ ‫الحداث منظورا ً إليها في ذاتها‪.‬وحيال هذا الراوي هناك القارئ الذي يتل ّ‬ ‫الحكي‪ .‬فمستوى الوظائف( يستعمله بارت بمعنى بروب‬ ‫وبريمون‪ ،‬و )مستوى الحداث( بمعنى غريماس للعمال‬ ‫والعوامل‪ ،‬و )مستوى السرد( يأخذ من تودوروف‪.‬‬ ‫ويبدأ )جيرار جينيت( في كتابه )خطاب الحكي( الذي‬ ‫منه كتابه )أشكال ‪ (3‬بطرح المشاكل التي يثيرها مفهوم‬ ‫يتض ّ‬ ‫الحكي‪ ،‬ويرى أن على السرديات أن تسهم في حل هذه‬ ‫المشاكل‪ .‬‬ ‫وإذا كانت اللسانيات تصف الجملة على عدة مستويات‬ ‫)صوتية‪ ،‬ونحوية‪ ،‬وتركييبة( وتتيح نظرية اللسانيات النظر إلى‬ ‫نمطين من العلقات )التوزيعية‪ ،‬والدماجية( فإن بارت حاول‬ ‫القيام بإنجاز مثل هذا العمل المتعلق بالحكي‪ ..‬ورأى أن إمكانية تقديم نظرية لسانية للخطاب ما‬ ‫تزال بعيدة‪ ،‬غير أن ما يمكن القيام به حاليا ً هو إبراز العلقة‬ ‫الموجودة عن طريق المماثلة بين الجملة والخطاب‪.‬‬ ‫ونات ك ّ‬ ‫ل من المظهرين‪) :‬فالحكي‬ ‫ثم ُيق ّ‬ ‫دم )تودوروف( مك ّ‬ ‫كقصة( يتم التمييز فيه بين مستويين هما‪ :‬منطق الحداث من‬ ‫جهة‪ ،‬والشخصيات وعلقاتها ببعضها بعضا ً من جهة ثانية‪ .

‬‬ ‫وعلى غرار تودوروف يرى جينيت أن الحكي )بمعنى‬ ‫الخطاب( هو وحده الذي يمكننا دراسته وتحليله نصي ًّا‪ ،‬بسبب‬ ‫علقته بالقصة التي يحكيها‪ ،‬وبالسرد الذي يرسله‪.‬‬ ‫وينطلق )ليتش وشورت( في دراستهما )السلوب في‬ ‫الرواية‪ :‬مدخل لساني إلى النثر الحكائي النجليزي( ‪1984‬‬ ‫ور جديد في تحليل أسلوب الرواية‪ ،‬فبدل ً‬ ‫إلى هدف تقديم تص ّ‬ ‫ورات التقليدية المبنية على ثنائية الشكل‪ /‬المضمون‬ ‫من التص ّ‬ ‫يقترحان تعدد مستويات السلوب‪ :‬المستوى الكرافي‪،‬‬ ‫والتركيبي‪ ،‬والدللي‪ .‬كما تح ّ‬ ‫وتعاملهم مع الزمن من خلل كتاباتهم النظرية‪ ،‬ومن المعلوم‬ ‫أن الوصف مورس في روايات القرن التاسع عشر لزرع‬ ‫الديكور‪ ،‬وتحديد إطار البحث‪ ،‬وإبراز المظهر الفيزيقي‬ ‫للشخصيات‪ ،‬وذلك بقصد مماثلة العالم الواقعي‪ ،‬ولكن الوصف‬ ‫في الرواية الجديدة اختلف جذريًا‪ ،‬فلم تعد أهميته تكمن في‬ ‫الشيء الموصوف‪ ،‬ولكن في حركة الوصف نفسها‪ .‫التالي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ )القصة( هي المدلول‪ ،‬أو المضمون السردي‪.‬‬ ‫وعلى هذه المك ّ‬ ‫‪1‬ـ الزمن في الخطاب الروائي‪.‬ويدخل الجوانب الفيزيقية في تحليل النص‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫الخط‪ ،‬وتقسيم الفقرات والفصول والصفحات )وهو الجانب‬ ‫الكرافي عند ليتش وشورت(‪ .‬‬ ‫‪2‬ـ )الحكي( هو الدال أو الملفوظ أو الخطاب أو النص‬ ‫السردي‪.‬ولكن التمييز بين هذه المستويات ليس‬ ‫كافيا ً لقامة أسلوبية جديدة‪ ،‬لذلك ل بد من ربط هذه‬ ‫المستويات بالوظائف اللغوية )التجريبية‪ ،‬والتواصلية‪ ،‬والنصّية(‪. Fowler‬في كتابه )اللسانيات‬ ‫والرواية( ‪ 1983‬فينطلق من المماثلة بين الجملة والنص على‬ ‫مستوى التحليل اللساني‪ .‬‬ ‫وبعد هذا الستعراض لجهود الباحثين والنقاد الغربيين في‬ ‫وره‬ ‫التعريف بالنص وبالخطاب‪ ،‬وتحليلهما‪ ،‬يضع الباحث تص ّ‬ ‫لتحليل الخطاب الروائي‪ ،‬فيعلن انحيازه إلى مقولت )جينيت(‬ ‫دد سردية الخطاب الحكائي من خلل ثلثة معايير هي‪:‬‬ ‫ويح ّ‬ ‫‪1‬ـ الصيغة‪ /‬السرد‪.‬‬ ‫‪2‬ـ الزمن‪ /‬استيعاب الحكي‪.‬‬ ‫‪3‬ـ )السرد( هو الفعل السردي‪.‬ويجد )للنص( بنية سطحية‪ ،‬وأخرى‬ ‫عميقة‪ .‬والشيء‬ ‫نفسه بالنسبة للزمن‪ ،‬فلم يعد المر يتعلق في الرواية الجديدة‬ ‫بزمن يمّر‪ ،‬ولكن بزمن يتناهى وُيصنع الن‪ .132 -‬‬ .‬فقصة الحب‬ ‫المحكية ل تستغرق ثلثة أعوام‪ ،‬ول ثلثة أيام‪ ،‬بل ثلث‬ ‫ساعات‪ ،‬هي مدة قراءة القصة أو مشاهدة الفيلم‪ .‬أما )الخطاب( فهو ما تؤديه‬ ‫اللغة عن معتقدات الكاتب‪ ،‬وتطور أفكار الشخصيات‪ ،‬وقيمتها‪.‬‬ ‫‪3‬ـ قصدية الكاتب‪ ،‬وقصدية القارئ‪ ،‬والميثاق بينهما‪.‬‬ ‫استعرض الباحث جهود )لينس( ‪ lyons‬في تعريف الزمن‪،‬‬ ‫وجهود )بنفنست( حيث عرض مفهوم )الزمن الفيزيائي( وهو‬ ‫زمن خ ّ‬ ‫ه‪ ،‬ومفهوم )الزمن الحدثي( الذي يغطي‬ ‫طي ول متنا ٍ‬ ‫دث عن )الروائيين الجدد(‬ ‫حياتنا كمتتالية من الحداث‪ .‬فالزمن‬ ‫‪.‬‬ ‫أما )روجر فاولر( ‪ R.‬‬ ‫ونات الثلث بنى كتابه‪.

‬‬ ‫وفي )إشكالية الزمن في الرواية العربية( استعرض‬ ‫الباحث جهود بعض اللسنيين العرب المعاصرين النحوية فيما‬ ‫يتعلق بزمن الفعل‪ :‬إبراهيم السامرائي في كتابه )الفعل‪:‬‬ ‫سان في كتابه )اللغة العربية‪:‬‬ ‫مام ح ّ‬ ‫زمانه وأبنيته( ‪ ،1966‬وت ّ‬ ‫معناها ومبناها( ‪.‬ويمكن اعتبار‬ ‫العدد الثامن من مجلة )تواصلت( الفرنسية لعام ‪،1966‬‬ ‫‪.‬‬ ‫لكن رأي )آلن روب غرييه( السابق يختلف عن آراء )جان‬ ‫ريكاردو( و )ميشيل بوتور(‪ :‬إذ يمّيز )جان ريكاردو( في كتابه‬ ‫)قضايا الرواية الجديدة( ‪ 1967‬بين زمن السرد وزمن القصة‪،‬‬ ‫ويقسم )ميشيل بوتور( زمن الرواية إلى ثلثة أزمنة هي‪ :‬زمن‬ ‫الكتابة‪ ،‬وزمن المغامرة‪ ،‬وزمن الكاتب الذي يقدم رواية نقرؤها‬ ‫في ساعتين عن أحداث جرت في سنتين‪.‬وإن )التحليل‬ ‫البنيوي للسرد( قد استوى منذ أواسط الستينات‪ .1979‬‬ ‫وعلى ضوء هذه المعطيات الغربية والعربية حلل الباحث‬ ‫رواية )الزيني بركات( لجمال الغيطاني‪ ،‬من منطلق تحليل‬ ‫زمن القصة وزمن الخطاب على مستوى عام‪ ،‬ثم تحليل زمن‬ ‫الخطاب على مستوى جزئي من خلل تحليل كل وحدة من‬ ‫سم إليها خطاب الرواية‪ .‬وهذا الزمن‬ ‫ينتظم حول )الحاضر( كمقولة لسانية محضة تعني لحظة‬ ‫دث )تودوروف( عن الزمن‬ ‫التكلم‪ .‬هكذا يبدو الزمن مقطوعا ً عن زمنيته‪ ،‬وبعد أن كان‬ ‫شخصية رئيسية في الرواية التقليدية‪ ،‬أصبح في الرواية‬ ‫الجديدة هو زمن الخطاب )أو الزمن الحاضر(‪ ..‫الوحيد هو )زمن القراءة أو زمن المشاهدة( ثم ينتهي كل‬ ‫شيء‪ .‬‬ ‫ومع )خطاب الحكي( لجيرار جينيت يمكن الحديث عن‬ ‫مرحلة متطورة في تحليل الخطاب الروائي‪ ،‬حيث يحتل الزمن‬ ‫القسم الرئيسي من كتابه‪ .‬‬ ‫وأشار )تودوروف‪ ،‬وديكرو( إلى إمكانية تحليل الزمن من‬ ‫زاوية نحوية من خلل الخطاب‪ ،‬وذلك في كتابهما )زمن‬ ‫الخطاب( ‪ 1972‬ويقصدان بزمن الخطاب المسافة بين تمثيل‬ ‫الزمن في الفعل مع راهنية إنجاز التلفظ‪ ،‬وبذلك يتم استبعاد‬ ‫علقة زمن الفعل بزمن آخر وجودي أو فلسفي‪ .‬وفي كتابه )البويطيقا( تح ّ‬ ‫كمظهر من مظاهر الخبار يتيح إمكانية النتقال من الخطاب‬ ‫إلى القصة‪.‬ثم معاينة‬ ‫الوحدات العشر التي ق ّ‬ ‫الفرق بين زمن الخطاب الروائي )من خلل الزيني بركات(‬ ‫وزمن الخطاب التاريخي )من خلل بدائع الزهور في وقائع‬ ‫الدهور لبن إياس(‪ .‬وفيه ينطلق من أن هناك زمنين‬ ‫هما‪ :‬زمن الدال‪ ،‬وزمن المدلول )زمن الحكي وزمن الشيء‬ ‫المحكي‪ ،‬أو زمن القصة وزمن الحكي(‪.‬وبهذا فإن الباحث يحاول تجاوز الحدود‬ ‫التي يقف عندها تحليل زمن الخطاب من خلل السرديات‬ ‫البنيوية إلى معالجة سوسيولوجية للنص يتحدث فيها عن زمن‬ ‫النص من خلل العلقة بين زمن الكاتب وزمن القراءة بوضعها‬ ‫في إطار بنية سوسيو ـ لغوية شاملة‪.‬‬ ‫‪2‬ـ صيغة الخطاب الروائي‪:‬‬ ‫ثم انتقل الباحث إلى الفصل الثاني )صيغة الخطاب‬ ‫الروائي( حيث مّهد له نظريا ً بأن اللسانيات إذا كانت ترى أن‬ ‫أعلى وحدة يمكنها التعامل معها هي )الجملة(‪ ،‬فإن )الخطاب(‪،‬‬ ‫باعتباره مجموعة من الجمل‪ ،‬هو جملة كبرى ُتعامل كالجملة‪،‬‬ ‫دراسة وتحلي ً‬ ‫ل‪ ،‬من قبل التجاهات اللسانية‪ .‬أما ما قبل ذلك‪،‬‬ ‫أو ما بعده‪ ،‬فليس لهما وجود‪..133 -‬‬ .

.‬‬ ‫وتعدد الخطابات يطرح مسألة رصد مواصفات كل خطاب على‬ ‫حدة‪ ،‬من أجل إبراز صيغه في مستوى أول‪ ،‬ثم ربط تلك‬ ‫الخطابات في إطار الخطاب الروائي ككل‪ ،‬بهدف تعيين صيغته‬ ‫في المستوى الثاني‪.‬وهذا ما يم ّ‬ ‫كن‬ ‫من الوصول إلى إقامة )نمذجة( للرواية‪ ،‬وذلك من خلل‬ ‫محاولة الجابة عن‪ :‬لماذا تهيمن هذه الصيغة أو تلك في حقبة‬ ‫ما؟ أو عند روائي ما؟ أو في تجربة روائية معينة؟‬ ‫ثم التفت إلى الجانب التطبيقي لهذا المهاد التنظيري‪ ،‬فعاد‬ ‫إلى الروايات الخمس التي حلل )الزمن( فيها في الفصل‬ ‫الول‪ ،‬ليحلل )السرد( فيها هنا فوجد في رواية )الزيني بركات(‬ ‫سبعة أنواع من الخطاب هي‪ :‬خطاب الراوي‪ ،‬والتقرير‪،‬‬ ‫والمذكرة‪ ،‬والرسالة‪ ،‬والنداء‪ ،‬والخطبة‪ ،‬والمرسوم السلطاني‪.‬‬ ‫‪3‬ـ الرؤية السردية في الخطاب الروائي‬ ‫عرفت )الرؤية السردية( بتسميات عديدة‪) :‬وجهة النظر(‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫و)الرؤية(‪ ،‬و)البؤرة(‪ ،‬و)المنظور(‪ ،‬و)التبئير(‪ ،‬و)حصر‬ ‫المجال(‪ .134 -‬‬ .‬وبدأت المرحلة الثانية‬ ‫في مطلع السبعينات مع التطور الذي ُتوج بظهور )السرديات(‪.‬‬ ‫ولقد جال الباحث في رحاب هذا البحث الجديد‪ ،‬وعرض‬ ‫آراء الباحثين المعاصرين وإضافاتهم في )الصيغة( أو الطريقة‬ ‫التي بواسطتها يتم تقديم القصة في الخطاب‪ .‬وق ّ‬ ‫النظر في الشكال التالية‪:‬‬ ‫‪1‬ـ المعرفة المطلقة للراوي‪ ،‬حيث وجهة نظر‬ ‫المؤلف غير محدودة‪.‬‬ ‫وقد مّرت الدراسات حول )الرؤية( بمرحلتين‪ :‬بدأت الولى‬ ‫مع النقد النجلو ـ أمريكي في بدايات القرن العشرين‪،‬‬ ‫واستمرت حتى أواخر الستينات‪ ،‬وخللها احتلت )الرؤية( مركز‬ ‫الصدارة في تحليل الخطاب الروائي‪ .‫والخاص بالتحليل البنيوي للسرد هو المنطلق التأسيسي الذي‬ ‫ورت فيما بعد تطورا ً‬ ‫استندت إليه كل الدراسات التالية التي تط ّ‬ ‫مذه ً‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫وره‬ ‫ثم جاء )فريدمان( فاستوعب آراء سابقيه‪ ،‬واقترح تص ّ‬ ‫دم تصنيفه لوجهات‬ ‫على أساس التمييز بين العرض والسرد‪ ..‬‬ ‫‪.‬‬ ‫في كتابه )صنعة الرواية( ‪ 1950‬وضع )بيرسي لوبوك(‬ ‫حجر الزاوية )الرؤية(‪ ،‬ومّيز بين العرض والسرد‪ ،‬وأ ّ‬ ‫كد أنه في‬ ‫)العرض( يتحقق حكي القصة نفسها بنفسها‪ ،‬وفي‬ ‫)السرد( راوٍ‬ ‫عالم بكل شيء‪ ،‬ومن خلل قراءته لرواية فلوبير )مدام‬ ‫بوفاري( وجد تقديمين للحداث‪ :‬الول مشهدي ذو بعد درامي‪،‬‬ ‫والثاني بانورامي ذو طبيعة تصويرية‪ :‬في التقديم )المشهدي(‬ ‫يبدو الراوي غائبا ً عن الحداث التي تجري أمام المتلقي‪ ،‬وفي‬ ‫التقديم )البانورامي( نفترض وجود الراوي العالم بكل شيء‪.‬ففي هذا العدد نجد دراسة عن )مقولت الحكي(‬ ‫دث فيها عن صيغ الحكي‪ ،‬رابطا ً إياها بجهاته‬ ‫لتودوروف‪ ،‬تح ًّ‬ ‫وزمنه‪ ،‬وموضحا أنه إذا كانت )الرؤيات( تتعلق بالطريقة التي‬ ‫عبرها يتم إدراك القصة من قبل الراوي‪ ،‬فإن صيغ الخطاب‬ ‫تتعلق بالطريقة التي يقدم بها الراوي القصة أو يعرضها‪.‬‬ ‫والصفتان الساسيتان‪ :‬العرض‪ ،‬والسرد‪ ،‬ترتبطان بالقصة‬ ‫وبالخطاب‪.‬ولعل مفهوم )وجهة النظر( هو الكثر شيوعًا‪ ،‬وعلى‬ ‫الخص في الكتابات النجلو أمريكية التي تركز على )الراوي(‬ ‫دد )رؤيتـ(ـه إلى العالم الذي يرويه‬ ‫الذي من خلله تتح ّ‬ ‫بأشخاصه وأحداثه‪.

‬‬ ‫المعرفة المتعددة‪ :‬حيث يوجد أكثر من راوٍ واحد‪.‬ولكن الحداث ل تقدم إل كما يراها‬ ‫هو ل كما تراها الشخصيات‪.‬‬ ‫‪-2‬الراوي غير المعروض )غير الممسرح( وهو‬ ‫الراوي الذي يشتبه علينا‪.‬والكاتب‬ ‫الضمني مختف‪ ،‬وهو ليس الكاتب النسان‪.‬‬ ‫ت‪-‬الراوي المشارك وهو الذي ينفعل ويفعل في‬ ‫مجريات الحداث كشخصية من الشخصيات‪.‬ويوجد‬ ‫في كل رواية حتى ولو كانت سيرة ذاتية‪ .‬‬ ‫ثم جاء الباحث الفرنسي )جان بويون( فاختزل )الرؤيات(‬ ‫في ثلث فحسب‪ ،‬فكان لتصنيفه هذا أثر كبير في التصنيفات‬ ‫اللحقة‪ ،‬وذلك في كتابه )الزمن والرواية( ‪ 1946‬الذي يعتبر‬ ‫من أهم الدراسات التي تناولت )الرؤية السردية(‪ ،‬ول يكاد‬ ‫يخلو كتاب أو مقال في التحليل الروائي من الشارة إليه أو‬ ‫الستفادة منه‪.‬‬ ‫والقصة تقدم كما تحياها الشخصيات‪.‬‬ ‫‪-3‬الرؤية من الخارج‪.‬‬ ‫وفي سنة ‪ 1966‬قام )تودوروف( بالتمييز بين الحكي‬ ‫كقصة‪ ،‬وكخطاب‪ .‬‬ ‫‪-2‬الرؤية من الخلف‪.‬‬ ‫دم إل أفعال الشخصيات‬ ‫‪-7‬النمط الدرامي‪ :‬حيث ل ُتق ّ‬ ‫وأقوالها‪.‬وأبرز إمكانية تحليل الخطاب السردي من‬ ‫جهة الزمن‪ ،‬والصيغة‪ ،‬والجهة‪ ،‬كمقولت للحكي‪ ،‬انطلقا ً من‬ ‫‪.‫‪2‬ـ‬ ‫‪3‬ـ‬ ‫‪4‬ـ‬ ‫‪5‬ـ‬ ‫المعرفة المحايدة‪ ،‬حيث الراوي يتكلم بضمير‬ ‫الغائب‪ ،‬ول يتدخل‪ .‬‬ ‫و )الرؤيات( الثلث عنده‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪-1‬الرؤية مع‪.‬‬ ‫ب‪-‬الراوي الملحظ )الشاهد( وهو الذي يسرد عن‬ ‫طريق المشهد أو التلخيص‪.‬‬ ‫النا الشاهد‪ :‬في روايات ضمير المتكلم حيث الراوي‬ ‫مختلف عن الشخص‪ ،‬وتصل الحداث إلى المتلقي عبر‬ ‫الراوي‪.135 -‬‬ .‬‬ ‫‪-3‬الراوي المعروض )الممسرح( وهو كل شخصية‬ ‫مهما بدت متخفّية‪ ،‬وتتداول الحكي‪ ،‬وتعرض نفسها‪.‬‬ ‫وضمن هذا النوع نجد أنواعا ً أخرى من الرواة‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫أ‪-‬الراصد )كما يسميه جيمس( وهو المرآة التي تعمل‬ ‫على عكس الحداث بوضوح‪.‬‬ ‫ثم ظهرت دراسة هامة حول النقد الروائي من وجهة‬ ‫بلغية هي )بلغة الرواية( ‪ 1977‬قام بها )وين بوث( ‪W.‬‬ ‫النا المشارك‪ :‬الراوي المتكلم هنا هو شخصية‬ ‫محورية‪. Booth‬‬ ‫دد )أنماط‬ ‫حاول فيها تجاوز عمل لوبوك‪ ،‬وفريدمان‪ ،‬حيث ح ّ‬ ‫السرد( في أربعة هي‪:‬‬ ‫‪-1‬الكاتب الضمني )الذات الثانية للكاتب(‪ .‬‬ ‫‪-6‬المعرفة الحادية‪ :‬حيث يوجد راٍو‪ ،‬ولكنــه يركــز علــى‬ ‫شخصية مركزية نرى القصة من خللها‪.

‬بينما الشخصيات‬ ‫الخرى ل ترى إل من الخارج‪ .‬في الحالة الولى نجدنا أمام وجهة‬ ‫نظر إيديولوجية خارجية حيث الراوي خارج القصة‪ .‬‬ ‫‪-4‬المستوى السيكولوجي‪.‬‬ ‫وفي )المستوى المكاني‪ /‬الزماني( يعاين موقع‬ ‫دده بناء على‬ ‫الراوي مكانيا ً وزمانيا ً من القصة وشخصياتها‪ ،‬ويح ّ‬ ‫تقسيمه إلى داخلي وخارجي‪.‬‬ ‫وفي )المستوى التعبيري( بحث أوسبنسكي عن‬ ‫تحولت وجهة النظر‪ ،‬والنتقال من وجهة نظر إلى أخرى‪ ،‬كما‬ ‫بحث في العلقات التي يقيمها الراوي مع خطاب الشخصيات‪،‬‬ ‫ويحددها في وجهتي نظر‪ :‬في الولى يأخذ الراوي وضع‬ ‫الملحظ الموضوعي‪ ،‬فينقل خطاب شخصياته بكل جزئياته‪.‬وفي الثانية يأخذ الراوي‬ ‫وضع المقرر الذي يتبنى وجهة نظر داخلية‪ ،‬لن الراوي هنا ل‬ ‫يركز على جزئيات الخطاب‪ ،‬ولكنه يتدخل فيه عن طريق‬ ‫التفسير والتوضيح‪.‬‬ ‫‪-2‬المستوى التعبيري‪.‬‬ ‫نظر ثابتة أو متح ّ‬ ‫في وجهة النظر الثابتة نجدنا حيال شكلين سرديين‪ :‬في‬ ‫دم كل الحداث بشكل موضوعي‪ .‬وفي الشكل السردي‬ ‫دم كل حدث باستمرار من وجهة النظر نفسها‪،‬‬ ‫الثاني ُيق ّ‬ ‫بواسطة شكل إدراك الشخصية الوحيدة‪ .‬لذلك فنحن أمام‬ ‫الول ُتق ّ‬ ‫وجهة نظر ثابتة‪ ،‬وبتقديم ثابت خارجي‪ .136 -‬‬ .‬واعتبر جهات الحكي هي الطريقة التي‬ ‫بواسطتها تدرك القصة عن طريق الراوي‪ ،‬وذلك في علقته‬ ‫بالمتلقي‪ .‬‬ ‫ومع )خطاب الحكي( لجيرار جينيت نجدنا أمام تقديم‬ ‫عملي لنظرية متكاملة للسرد‪ .‬‬ ‫‪-3‬المستوى المكاني‪ /‬الزماني‪.‬‬ ‫دده من خلل أربعة‬ ‫وفي )المستوى السيكولوجي( يح ّ‬ ‫أنماط سردية تقوم على أساس مقولتين سرديتين‪ ،‬هما‪ :‬وجهة‬ ‫ولة‪ ،‬ووجهة نظر داخلية أو خارجية‪.‬واعتبر أن قراءة عمل حكائي ل تجعلنا مباشرة أمام‬ ‫إدراك أحداثه وقصته إل من خلل الراوي‪ .‫استيحاء اللسانيات‪ .‬وقد استعاد تصنيف‬ ‫بويون للرؤيات‪ ،‬مع بعض التعديلت الطفيفة‪.‬أما في‬ ‫الحالة الثانية فالوجهة داخلية‪ ،‬لن الراوي شخصية مشاركة‪،‬‬ ‫والتمييز هنا يتم على أساس التقابل بين داخل العالم الروائي‬ ‫وخارجه‪.‬‬ ‫وعلى أساس هذه المستويات أقام ثنائية أساسية تتعلق‬ ‫بوجهة النظر الداخلية أو الخارجية‪ :‬فعلى صعيد )المستوى‬ ‫اليديولوجي( يتم التركيز على التقويم اليديولوجي‪ ،‬من خلل‬ ‫)مواقع( مجردة‪ ،‬تقع خارج الكتاب‪ ،‬أو حسب رؤية شخصية‬ ‫موجودة في العمل المحلل‪ .‬‬ ‫وفي مطلع السبعينات طرح الباحث السوفييتي‬ ‫ماه‬ ‫أوسبنسكي )وجهة النظر( بطرق جديدة‪ ،‬من خلل ما س ّ ّ‬ ‫)بويطيقا التوليف(‪ ،‬والسعي إلى معاينة المواقع التي يحتلها‬ ‫المؤلف‪ ،‬من خلل أربع مستويات‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪-1‬المستوى اليديولوجي‪.‬فهو ينطلق من قراءة كل‬ ‫التصورات السابقة‪ ،‬ومن خلل نقده إياها يقدم مشروعا ً‬ ‫‪.‬وفي وجهة النظر المتحولة يظهر‬ ‫الشكل الثالث عندما تتابع وجهات النظر‪ ،‬ويقدم كل مشهد‬ ‫دم من منظور‬ ‫وجهة نظر معينة‪ ،‬ولكن مختلف المشاهد تق ّ‬ ‫أبطال مختلفين‪.‬‬ ‫ونحن هنا أمام وجهة نظر خارجية‪ .

‬‬ ‫ص الروائي( فهو تكملة لكتابه‬ ‫وأما كتاب يقطين )انفتاح الن ّ‬ ‫السابق )تحليل الخطاب الروائي(‪ ..‬ويطمح إلى تحليل‬ ‫النص الروائي العربي باعتباره بنية دللية‪ ،‬مستفيدا ً من أهم‬ ‫إنجازات نظريات النص وسوسيولوجيا النص الدبي‪ ،‬ومحاول ً‬ ‫البحث عن دللة النص الروائي انطلقا ً من داخله‪ ،‬وطامحا ً إلى‬ ‫ور متكامل يسعى إلى تجاوز الدراسات‬ ‫إقامة تص ّ‬ ‫السوسيولوجية البسيطة والمضمونية التي هيمنت طويل ً في‬ ‫مضمار النقد الدبي العربي‪.‬‬ ‫وبوضع النص في )سياق البنية الثقافية والجتماعية( التي‬ ‫ظهر فيها يمكن الكشف عن خصوصيته وإنتاجيته‪.‬ولعلهما كانا كتابا ً واحدا ً في‬ ‫تحليل الخطاب الروائي‪ .‬‬ ‫وقد مّهد الباحث بمدخل إلى )تحليل النص الروائي( عّرف‬ ‫فيه بالخطاب‪ ،‬وبالنص‪ ،‬وبنظريات النص‪ .‬وهذا دليل آخر على أن الكتاب‬ ‫واحد ل اثنان‪.‬‬ ‫‪-3‬التبئير الخارجي الذي ل يمكن فيه التعرف على دواخل‬ ‫الشخصيات‪.137 -‬‬ .‬‬ ‫‪-1‬البناء الن ّ ّ‬ ‫‪-2‬التفاعل النصي‪.‬وقد استبعد تسميات‬ ‫)الرؤية( و )وجهة النظر( واستبدلهما بـ )التبئير( الذي هو أكثر‬ ‫تجريدًا‪ ،‬وقسمه إلى ثلثة أنواع‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪-1‬التبئير الصفر‪ ،‬أو الل تبئير الذي نجده في الحكي‬ ‫التقليدي‪.‫منسجما ً مع ما سبق‪ ،‬مستوحيا ً التصورات اللسانية البنيوية‬ ‫فيما يتصل بـ )وجهة النظر( أو )الرؤية(‪ .‬‬ ‫م عملية البناء النصي من لدن‬ ‫ففي )البناء الّنصي( تت ّ‬ ‫ص عبر‬ ‫الن‬ ‫دللة‬ ‫إنتاج‬ ‫في‬ ‫يسهم‬ ‫الكاتب والقارئ‪ ،‬فكلهما‬ ‫ّ‬ ‫عملية بنائه للّنص‪ ..‬وفي )التفاعل الّنصي( بحث عن العلقات‬ ‫التي يدخل فيها النص مع بنيات نصّية سابقة ومعاصرة‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ثم انتقل الباحث إلى الجانب التطبيقي‪ ،‬فدرس )الرؤية‬ ‫السردية( أو )التبئير( في الروايات الخمس المذكورة‪.‬‬ ‫وكما اشتغل الباحث على خمسة نصوص روائية عربية في‬ ‫كتابه )تحليل الخطاب الروائي( و ّ‬ ‫طبق عليها المقولت النظرية‪،‬‬ ‫فقد تابع هنا أيضا ً تطبيق المقولت النظرية في السرد الروائي‬ ‫على الروايات الخمس نفسها‪ .‬وح ّ‬ ‫صي‪.‬والدليل على ذلك أنهما صدرا في وقت واحد‬ ‫)عام ‪ ،(1989‬وأنهما يعالجان موضوعا ً واحدا ً هو تحليل السرد‪،‬‬ ‫وأن الكتاب الول عالج ثلثة مكونات روائية هي‪ :‬الزمان‪،‬‬ ‫والسرد‪ ،‬والتبئير‪ ،‬وأن الثاني يستكمل معالجة المكونات‬ ‫الروائية في م ّ‬ ‫كونين هما‪ :‬النص‪ ،‬والسياق‪ .‬ولكن الناشر رأى فصلهما في كتابين‪،‬‬ ‫لسباب تجارية‪ .‬‬ ‫‪-2‬التبئير الداخلي‪ ،‬سواء كان ثابتا ً أو متحول ً أو متعددا‪ً.‬‬ ‫ومن خلل تعريف النص بأنه )بنية دللية تنتجها ذات ضمن‬ ‫بنية نصّية منتجة في إطار بنية سوسيونصّية( حاول الباحث‬ ‫صور يتيح النتقال من الخطاب إلى النص‪ ،‬ومن البنيوي‬ ‫إقامة ت ّ‬ ‫دد مكونات النص بـ‪:‬‬ ‫إلى الوظيفي‪ .‬‬ ‫‪-3‬البنيات السوسيوّنصية‪.‬ثم انتقل من‬ ‫)الخطاب( كأكبر وحدة قابلة للتحليل والوصف‪ ،‬إلى )النص(‬ ‫كإمكانية مفتوحة لتعدد المقاربات والتحليلت‪.

.‫في التمييز بين )الخطاب( و )النص( ل يفرق بعض‬ ‫السرديين )جينيت‪ ،‬تودوروف‪ ،‬فاينريش‪ (.‬‬ ‫مظهر آخر للتمييز بين الخطاب والنص يبدو مع )فان ديك(‬ ‫‪ Van Dijck‬الذي سعى إلى إقامة تصور متكامل حول )نحو‬ ‫النص( منذ كتابه )بعض مظاهر أنحاء النص( ‪ 1972‬وحتى كتابه‬ ‫)النص والسياق( ‪ 1977‬حيث ينطلق من تحليل سيكولساني‬ ‫للخطاب والنص‪ ،‬رابطا ً بين الدللة والتداولية‪.‬‬ ‫وقد قدم )فان ديك( نظرية في النص الدبي‪ ،‬متجاوزا ً الحد‬ ‫السكوني الذي تقف عنده البويطيقا والسرديات إلى مقاربة‬ ‫ددا ً إياه بأنه )كل ما يتجاوز الجملة(‪،‬‬ ‫دينامية ًللنص‪ ،‬ومح ّ‬ ‫ص يجب أن يعتبر )إنتاجًا( لفعل‪ ،‬ولعملية‬ ‫ومنطلقا من أن الن‬ ‫ّ‬ ‫ق واستعمال داخل‬ ‫إنتاج من جهة‪ ،‬وأساسا ً لفعال وعمليات تل‬ ‫ٍ‬ ‫نظام التواصل والتفاعل‪ ..‬‬ ‫دد‬ ‫دد الممارسة النصية وتتح ّ‬ ‫وهذه السياقات هي التي تح ّ‬ ‫بوساطتها‪ ،‬وهي التي تتمفصل بحسب جماعات المشاركين‬ ‫وأدوارهم‪ ،‬وبحسب القواعد والستراتيجيات التي تنظم‬ ‫الممارسات النصية‪ ،‬في سياقات تتأسس على قاعدة مجموعة‬ ‫ددة‪..‬وتجسيده الكرافي )الكتابي( يمنحه إمكانية‬ ‫أن يح ّ‬ ‫ل على صعيد الشفرة لمتلكه خصائص لسانية ضمنية‬ ‫إلى جانب الشكل الكتابي‪ .‬وهذه العمليات التواصلية الدبية تقع‬ ‫في عدة سياقات تداولية ومعرفية وسوسيوثقافية وتاريخية‪.‬وإلى جانب هذا‬ ‫)البعد الكتابي( نجد )البعد الوظيفي( حيث ل يكون الوقوف‬ ‫عند الحد السطحي أو التركيبي‪ .‬وهو ينطلق من أن‬ ‫دوا )الجملة( أعلى وحدة قابلة للوصف اللساني‪،‬‬ ‫اللسانيين ع ّ‬ ‫سواء على المستوى المورفو‪ -‬تركيبي أو الدللي‪ .‬وهذا يعني‬ ‫أن الوصف كان يأخذ كل جملة على حدة‪ ،‬أو يأخذ متوالية من‬ ‫‪.‬وهي إذ تربط النص بالقراءة فإنها تفتح‬ ‫بابا ً للدخول إلى عالم القراءة من خلل جماليات التلقي‪ ..‬فُيعنيان‬ ‫بالمستوى الكرافي للنص‪ ،‬باعتباره متوالية خطية ذات علقة‬ ‫مرئية على الورق‪ .138 -‬‬ .‬‬ ‫وهكذا نستخلص من آراء )شلوميت‪ ،‬وفاولر‪ ،‬وليتش‪،‬‬ ‫وشورت( أن )النص( مسجل من خلل تجّليه الكتابي‪.‬‬ ‫فهو ما نقرأ‪ ،‬و هو تلك البنية السطحية الخطية‪ ،‬أو ذلك‬ ‫المظهر الكرافي كما هو متج ّ‬ ‫ل على الورق‪ .‬‬ ‫وبهذه الصفات يتميز النص عن الخطاب أو عن السرد‪ ،‬ويأخذ‬ ‫مظهره المادي في علقته بالقارئ‪..‬بينهما‪،‬‬ ‫فيستعملونهما بنفس الدللة‪ .‬‬ ‫من القيم والحكام المح ّ‬ ‫ففي كتابه )النص والسياق( ‪ 1977‬يوضح )فان ديك(‬ ‫الفرق بين الخطاب والنص‪ ،‬من خلل إقامة نحو عام للنص‪،‬‬ ‫يأخذ بعين العتبار كل البعاد البنيوية والسياقية والثقافية‪ ،‬أي‬ ‫من خلل الجوانب الدللية والتداولية‪ .‬فترى )شلوميت( أن )النص( هو ما‬ ‫يتعامل معه القارئ‪ ،‬وهي تعالجه من خلل‪ :‬الزمن‪،‬‬ ‫والتشخيص‪ ،‬والتبئير‪ .‬كما نجد ربط النص ببنيات‬ ‫ص )فاولر( أو‬ ‫خارجية تتم من خلل القراءة )شلوميت( أو التنا ّ‬ ‫المستويات القيمية للظاهرة السلوبية )ليتش‪ ،‬وشورت(‪.‬ومن خلل دراسة أسلوبية النص‬ ‫يمكن استنتاج الوظيفة الفنية للنص في النسجام‪.‬لكن باحثين آخرين يمّيزون بينهما‬ ‫)شلوميت‪ ،‬فاولر‪ ،‬ليتش‪ (.‬ويرى‬ ‫)فاولر( في كتابه )اللسانيات والرواية( أن النص يعني البنية‬ ‫السطحية الكثر إدراكا ً ومعاينة‪ ،‬مثل‪ :‬التقسيم إلى فقرات‪،‬‬ ‫وفصول‪ ،‬وصفحات‪ ،‬على اعتبار أن أي نص هو فعل لغوي‬ ‫ينجزه كاتب ضمني لقارئ ضمني‪ ..‬وكذلك يميز )ليتش‪،‬‬ ‫وشورت( في كتابهما )السلوب في الرواية( بين الخطاب‬ ‫والنص‪ ،‬من خلل بلغة النص وبلغة الخطاب‪ .

‬وهذا ما دفعه‬ ‫إلى اعتبار الملفوظات قابلة لن ُيعاد بناؤها تحت وحدة واحدة‬ ‫هي )النص( الذي يبدو وحدة مجردة ل تتجسد إل من خلل‬ ‫م الربط بين‬ ‫الخطاب كفعل تواصلي‪ ،‬وفي إطار هذه العلقة يت ّ‬ ‫النص كإعادة بناء نظري مجرد‪ ،‬وبين سياقه التداولي‪.‬‬ ‫عمق )هاليداي( تحديده للنص وتحليله في كتابه )اللغة‬ ‫ثم ّ‬ ‫كسيميوطيقا اجتماعية( ‪ ،1978‬إذ لم يعد )النسجام( عنده هو‬ ‫المركزي‪ ،‬بل جوانبه المحيطة به في إطار علوم إنسانية‪،‬‬ ‫فر‬ ‫وبالخص السوسيولسانّيات‪ ،‬حيث رأى أن النص مش ّ‬ ‫‪ encoded‬في جمل‪ ،‬وهو وحدة دللية‪ ،‬تجعلنه تفاعل ً اجتماعيا ً و‬ ‫)ترهينًا( للمعنى المحتمل‪ .‬‬ ‫كما اهتم )هاليداي‪ ،‬ورقّية حسن( في كتابهما )النسجام‬ ‫في النكليزية( ‪ 1976‬بالنص وعلقته بالنسجام‪ ،‬فعّرفا النص‬ ‫بأنه )وحدة لغوية في طور الستعمال‪ -‬ص ‪ (12‬وهو ليس‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫وأما )الوظيفة النصّية( فتتضمن الصول التي تتركب منها‬ ‫اللغة لبداع النص‪.‬‬ ‫‪-2‬الوظيفة التواصلية‪.‬‬ ‫ويرى هاليداي أن الوظائف ثلث‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪-1‬الوظيفة التجريبية‪.‬‬ ‫و)الوظيفة التواصلية( تتصل بالبعد الجتماعي لوظائف‬ ‫اللغة التعبيرية‪ ،‬وفيها يتم تحديد زاوية المتكلم ووصفه وأحكامه‬ ‫وتشفيره لدور علقته في المقام وحوافز قوله لشيء ما‪.139 -‬‬ .‫الجمل منظورا ً إليها كمركب جملي‪ .‬‬‫‪.‬‬ ‫فـ )المجال( ‪ Field‬هو اتخاذ النص وظيفته الدللية من خلل‬ ‫الهدف الذي يرمي المتكلم إلى تبليغه‪ .‬‬ ‫)فالوظيفة التجريبية( تبرز في مضمون الستعمال‪ ،‬وتتكون‬ ‫من بعدين‪ُ :‬بعد تجريبي يتعلق بتمثيل التجربة التي يعيشها‬ ‫م‬ ‫المتكلم في سياق ثقافي واجتماعي معين‪ ،‬وُبعد منطقي يت ّ‬ ‫عبره التعبير عن العلقات المنطقية المجردة التي ُتشتق‬ ‫التجربة منها ضمنيًا‪.‬و )المعنى( أو )الدللة( ُبعد أساسي في النظرية‬ ‫الوظيفية التي ُيعتبر هاليداي أحد أبرز ممثليها‪ ،‬لنها ل تقف عند‬ ‫حد ّ التحليل اللساني بمعناه التواصلي‪ ،‬بل تتجاوزه إلى اعتبار‬ ‫الوظائف عملية أولى‪.‬و )العلقة( ‪ Tenor‬هي‬ ‫ما بين المتكلم والمستمع‪ ،‬و )المنحى( ‪ Mode‬هو ما يرمي إلى‬ ‫الشارة إلى الداة الرمزية والقنوات البلغية المستعملة‬ ‫للتواصل‪ .‬‬ ‫‪-3‬الوظيفة الّنصية‪.‬ولما كان النص ل يتحقق إل في‬ ‫سياق مقام معّين فإن المقام –كبنية سيميوطيقية‪ -‬يتشكل من‬ ‫خلل ثلثة عناصر سوسيوسيميوطيقية متغيرة هي‪ :‬المجال‪،‬‬ ‫والعلقة‪ ،‬والمنحى‪.‬فقد يكون كلمة أو جملة أو عمل ً‬ ‫وحدة نحوية مثل الجملة مث ً‬ ‫أدبيًا‪ .‬‬‫و)المنحى( ترتبط به الوظيفة النصية‪.‬لكن هناك فرقا ً بين‬ ‫الجملة المركبة ومتواليات الجمل‪ ،‬وأن معنى الجمل يمكن أن‬ ‫يرتبط بمعنى جمل أخرى من الملفوظ نفسه‪ .‬‬‫و )العلقة( ترتبط بها الوظيفة التواصلية‪.‬ويربط )هاليداي( كل عنصر بوظيفته‪:‬‬ ‫)فالمجال( ترتبط به الوظيفة التجريبية‪.‬وبتعبير أعمق )النص وحدة دللية( إنه وحدة معنى‪ ،‬ل‬ ‫وحدة شكل‪ .

‬‬ ‫ص ونظريته(‬ ‫وأما )رولن بارت( في دراسته حول )الن ّ ّ‬ ‫فيعّرف النص بأنه السطح الظاهري لنسيج الكلمات‬ ‫المستعملة والموظفة فيه بشكل يفرض معنى ثابتا ً وواحدًا‪.‬وسيكون هذا العلم‬ ‫الجديد هو )السيميولوجيا( التي تتعامل مع النص باعتباره أكثر‬ ‫من الخطاب‪ ،‬ويندرج ضمن عدة ممارسات سيميولوجية‪ ،‬تنظر‬ ‫إليها كريستيفا كـ )عبر لسانية(‪ ،‬وتسمّيها )اليديولوجيم( وتعني‬ ‫بها الوظيفة التناصية التي يمكن قراءتها وهي تتمظهر ماديا ً‬ ‫على مختلف مستويات بنية كل نص‪ ،‬والتي تمتد خلل‬ ‫صيرورتها‪ ،‬مانحة كل مطابقاتها التاريخية والجتماعية‪.‬وهذا ما يستدعي ضرورة ميلد علم‬ ‫جديد كفيل بوعي هوية النص وتمييزه‪ .‬ويتجّلى الثاني في ميله نحو )المسار الجتماعي( الذي‬ ‫يسهم فيه باعتباره خطابًا‪ .‬‬ ‫*‬ ‫‪-1‬في )نظريات النص(‪:‬‬ ‫عرض الباحث مقاربات نظرية تسعى لتحديد النص انطلقا ً‬ ‫من مبادئ محددة‪ ،‬لدى كريستيفا‪ ،‬وبارت‪ ،‬وأريفي‪ ،‬وزيما‪،‬‬ ‫وريكور‪ .140 -‬‬ .‬فـ )جوليا كريستيفا( مثل ً في كتابها )النص الروائي(‬ ‫‪) 1969‬ص ‪ (53‬تنظر إلى النص على أنه )جهاز عبر لساني‬ ‫ُيعيد توزيع نظام اللسان ‪ Langue‬عن طريق ربطه بالكلم‬ ‫‪ Parole‬التواصلي‪ ،‬راميا ً بذلك إلى الخبار المباشر مع مختلف‬ ‫أنماط الملفوظات السابقة والمعاصرة(‪.‬فالفيلولوجيا تسعى إلى تحقيق النص وتدقيقه للحصول‬ ‫‪.‬‬ ‫وانطلقا ً من هذا التحديد الذي يتجّلى فيه النص إنتاجية‪،‬‬ ‫نتبّين أن للنص توجها ً مزدوجًا‪ :‬يبرز الول في كونه يميل نحو‬ ‫)النسق الدال( الذي ُينتج فيه اللسان واللغة في عصر ومجتمع‬ ‫معّينين‪ .‬يظهر هذا‬ ‫في كون النص موضوع عمليتين هما‪ :‬التحقيق ‪، Restutition‬‬ ‫دد‬ ‫والتأويل ‪ Interpretation‬والعمليتان معا ً ترتبطان بتصور مح ّ‬ ‫للنص‪ .‬‬ ‫إن اعتبار النص إيديولوجيما ً من لدن كريستيفا هو الذي‬ ‫دد عمل السيمولوجيا التي في دراستها للنص كتناص‪ ،‬ينظر‬ ‫يح ّ‬ ‫إليها هكذا في )نص( المجتمع والتاريخ‪ ،‬وبذلك فإن‬ ‫السيمولوجيا تنظر إلى النص من حيث خصوصيته النتاجية‪ ،‬ل‬ ‫كمنتوج‪ ،‬ولكن كدليل منفتح ومتعدد الدللت‪ .‫ومن خلل هذا الربط يقوم هاليداي بتحليل النص وفق هذه‬ ‫السس‪ ،‬من خلل الكشف عن )الدللة( وربطها بالسياق‬ ‫المقامي الذي ُأنتجت فيه‪ ،‬انطلقا ً من ُبعد التفاعل الجتماعي‬ ‫وعلقة النص بأبعاده السوسيولسانية والثقافية والمعرفية‪.‬‬ ‫ون( ‪Geno-texte‬‬ ‫وهذه العملية تسميها كريستيفا )النص المك ّ‬ ‫عن طريق مضاعفة النص إلى ظاهر‪ ،‬بحيث يصبح النص‬ ‫موضوعا ً ديناميا ً يبحث فيه التحليل الدللي‪ ،‬مستفيدا ً من‬ ‫السيميوطيقا والتحليل النفسي والعلوم الرياضية والمنطقية‬ ‫واللسانية‪.‬والعلم الذي‬ ‫يدرس النص وفق هذه المميزات يأخذ اسم )التحليل‬ ‫السيميولوجي( ‪ Semanalyse‬وهو ينطلق من اللسانيات باعتبار‬ ‫النص ُينتج من خلل اللغة‪ ،‬ثم يتجاوزها إلى )التوليد(‪ :‬توليد‬ ‫النسيج اللساني‪ ،‬وتوليد )النا( التي تتموقع لتقديم التدليل‪.‬وهذا‬ ‫النغلق يوقف المعنى ويمنعه من أن يكون متعددًا‪ .‬وحسب هذا التحديد يتمفصل النص كدليل ‪ Signe‬إلى‬ ‫دال‪ ،‬ومدلول‪ .‬غير أن الدليل وحدة منغلقة على ذاتها‪ .‬‬ ‫وهذا السطح قابل للدراك بصريا ً من خلل عملية الكتابة التي‬ ‫تجعل منه موضوعا ً مؤسسيا ً يتصل تاريخيا ً بالقانون والدين‬ ‫والدب‪ ...

‬‬ ‫‪-3‬تمظهر لغة اليحاء من خلل مفهوم التناص‪.‬‬ ‫وتبعا ً لذلك فإن سوسيولوجيا النص الدبي تسعى إلى‬ ‫تمثيل مختلف البنيات النصية كبنيات لسانية واجتماعية في آن‪،‬‬ ‫ما دام المر يتعلق بمستويات دللية وتركيبية )سردية( ذات‬ ‫علقات جدلية‪ .‬ومن التراث‬ ‫الفلسفي والجمالي اللماني بدءا ً بهيغل ومرورا ً بماركس‬ ‫ولوكاش وغولدمان وانتهاء بنظريات النص وجماليات التلقي‪.‬‬ ‫‪-2‬النغلق في الخطاب والحكي‪.‬ففي كتابه )من أجل سوسيولوجيا‬ ‫النص الدبي( ‪ 1978‬ينطلق من النظرية النقدية لجماعة‬ ‫صها بكتاب يحمل‬ ‫فرانكفورت‪ ،‬وبالخص أدورنو‪ ،‬وكان قد خ ّ‬ ‫اسمها عام ‪ . Zima‬إلى تشكيل ما يسميه‬ ‫)سوسيولوجيا النص الدبي( تمييزا ً له عن )سوسيولوجيا‬ ‫الدب( بمختلف اتجاهاتها‪ .‬‬ ‫ولن السرديات الشكلية‪ ،‬وعلى الخصوص أعمال جينيت‬ ‫التي تقوم على أساس التحليل التقني للحكي‪ ،‬ل تتيح إمكانية‬ ‫إقامة علقات بين البنية السردية والبنية الجتماعية‪ ،‬لنها تهمل‬ ‫الساس )الدللي( للحكي‪ ،‬فإن زيما يرى أن من الصعوبة نقل‬ ‫مفاهيم السرديات الشكلية في مجال سوسيولوجيا الدب‪.‬‬ ‫وفي مقاله )من العمل إلى النص( ينطلق )بارت( من‬ ‫ضرورة التمييز بين العمل والنص‪) :‬فالعمل الدبي( هو ما نجده‬ ‫على رفوف المكتبات‪ ،‬أو هو ما يمكن أن نمسكه باليد‪ .‬ثم سعى إلى‬ ‫باللسانيات‪ ،‬استنادا ً إلى تص ّ‬ ‫استخراج كيفيات النص التي حصرها في أربع‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪-1‬غياب المرجع في النص‪ ،‬وحضور ظله‪.‬‬ ‫‪-4‬النتاجية كما هي عند كريستيفا‪.‬‬ ‫والذي يتيح ذلك هو السيميولوجيا‪ .‬‬ ‫كذلك سعى )بيير زيما( ‪ P.‬ولهذا‬ ‫السبب ُتدخل نظرية النص القارئ في اعتبارها‪.‬فالنص –إذن‪ -‬ليس فقط )مج ّ‬ ‫إطار أنظمة مختلفة القيم‪ ،‬ولكنه يعبر‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬على‬ ‫صعيد الكتابة‪ ،‬عن القيم والمعايير الجتماعية‪.‫على الدال الموحد‪ ،‬ويحاول التأويل حصر معنى المدلول بضبط‬ ‫المعنى الحادي‪.‬وهذه‬ ‫الذات ليست فقط ذات الكاتب‪ ،‬بل ذات القارئ أيضًا‪ .‬ومن خلل هذه العلقات يمكن اعتبار العالم‬ ‫ولة بواسطة‬ ‫الجتماعي كجماع لغات اجتماعية مستوعبة ومح ّ‬ ‫النص الدبي‪.141 -‬‬ .‬‬ ‫ومن خلل تزاوج هذه التجاهات جميعا ً يقيم زيما سوسيولوجية‬ ‫النص التي ترى النص ذا طابع مزدوج‪ :‬فهو بنية مستقلة‪ ،‬وهو‬ ‫بنية تواصلية‪ ،‬أي أنه )دليل( ‪ Signe‬مركب من العمل المادي‬ ‫الذي له قيمة الرمز الحسي‪ ،‬وهو )موضوع جمالي( متجذر في‬ ‫الوعي‪ ،‬ويحتل مكانة )المعنى(‪.‬ولذا فإنه على )سوسيولوجيا‬ ‫النص الدبي( أن تستفيد من السيميولوجيا‪ ،‬من أجل إقامة‬ ‫‪.‬‬ ‫والمظهران‪ :‬الستقللي والتواصلي يتضافران‪ ،‬ول يمكن‬ ‫سدًا( في‬ ‫عزل أحدهما عن الخر‪ .1974‬ومن السيميوطيقا الدبية من خلل أهم‬ ‫اتجاهاتها وأعلمها وعلى رأسهم غريماس‪ .‬أما‬ ‫)النص( فتمسكه اللغة‪ ،‬وهو موضوع )التحليل الدللي( الذي ل‬ ‫يقيم تمييزا ً بين النواع الدبية‪ ،‬وذلك لنه ينظر إلى النص كإنتاج‬ ‫دائم‪ ،‬وكتلفظ تستمر من خلله الذات )النا( تتصارع‪ .M Arrive‬في دراسته عن‬ ‫)السيميوطيقا الدبية‪ :‬اللسانيات والدب( ضمن كتاب )معرفة‬ ‫اللسانيات( ‪ 1975‬فقد عالج مسألة )النص( الدبي وعلقته‬ ‫ور كريستيفا‪ .‬‬ ‫وأما )ميشيل أريفي( ‪ .

‬فقد انتقل الشرح من العلوم الطبيعية إلى‬ ‫اللسانيات‪ ،‬وابتعد التأويل‪ ،‬مع الهرمينوطيقا‪ ،‬عن الذاتية‪.‬وعن‬ ‫طريق المظهر الكتابي يختلف النص عن الكلم‪ ،‬باعتبار الكتابة‬ ‫مؤسسة لحقة للكلم‪ ،‬استعملت لتثبت‪ ،‬بواسطة الخط‪ ،‬ما‬ ‫كان شفويًا‪ .‬‬ ‫ومن خلل تحليل الوحدات المعجمية والدللية والتركيبية‬ ‫ضمن إطار المفاهيم المركزية )البنية السوسيولسانية‪،‬‬ ‫والّتناص‪ ،‬واللغات الخاصة‪ ،‬واليديولوجيا( يحاول زيما الكشف‬ ‫عن النص الروائي‪ ،‬منذ بروست وحتى غرييه‪.‬‬ ‫وإذا كانت البنيوية قد مارست الشرح على النص من خلل‬ ‫تركيزها على تفسير علقاته الداخلية وبنيته‪ ،‬كما فعل شتراوس‬ ‫في تحليله لوديب‪ ،‬فقد مارس شرح السطورة ل تأويلها‪ .‬وبحسب هذا التص ّ‬ ‫عن أن يكون عملية ذاتية تجري )على( النص‪ ،‬فيغدو عملية‬ ‫موضوعية وفعل ً )لـ( النص‪ .‬وإذا‬ ‫م من خلل النموذج اللساني‪ ،‬فإن على‬ ‫كان الشرح قد ت ّ‬ ‫التأويل أن يتم من )داخل( النموذج نفسه‪ .‬فيقول‪) :‬إن النص‬ ‫بنية دللية تنتجها ذات‪ ،‬فردية أو جماعية‪ ،‬ضمن بنية نصية‬ ‫ونات‬ ‫منتجة‪ ،‬وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة( فمك ّ‬ ‫هذا التعريف ثلثة‪:‬‬ ‫‪) -1‬عنصر بنيوي( يتضمن أربع بنيات هي‪) :‬بنية دللية(‬ ‫تستوعب دال ً ومدلو ً‬ ‫ل‪ ،‬و )بنية صرفية ونحوية(‪.‬و )بنية‬ ‫ثقافية واجتماعية( ُينتج النص في إطارها‪.‬‬ ‫‪) -2‬عنصر إنتاجي( ناجم عن علقات الفعل والتفاعل‬ ‫بين هذه البنيات‪ .‬وعلقة النص‬ ‫بهذه البنية النصية الكبرى علقة جدلية تقوم على‬ ‫أساس التفاعل الذي يأخذ طابع الهدم أو البناء‪ . Ricoeur‬في كتابه )من النص إلى‬ ‫العمل( ‪ 1986‬تصورا ً متكامل ً لما يسميه )نظرية النص( عبر‬ ‫الشرح والتأويل‪ .‬ذلك أن هذه البنيات ليست معزولة‬ ‫عن بعضها‪ ،‬فهي تنتج ذاتها في إطار علقتها مع‬ ‫الموضوع الذي توجد فيه‪ ،‬ومن خلل تضافر العنصرين‪:‬‬ ‫البنيوي‪ ،‬والنتاجي‪ ،‬نجدنا أمام انفتاح النص وديناميته‬ ‫وتفاعله مع نصوص أخرى وبنيات أخرى ثقافية‬ ‫‪.‬‬ ‫ويضع )بول ريكور( ‪ P.‫علقة نسقية بين المفاهيم السيوسيولوجية والسيميولوجية‪،‬‬ ‫وتطوير البعاد السوسيولسانية‪ .142 -‬‬ .‬‬ ‫فعّرف النص بأنه )كل خطاب مثبت بواسطة الكتابة(‪ .‬و )بنية نصّية( هي جماع بنيات داخلية‪:‬‬ ‫صرفية‪ /‬نحوية يتم إنتاج النص ضمنها‪ .‬وبذلك ترتبط الكتابة بالقراءة‪ ،‬وتجعل النص‬ ‫مختلفا ً عن الكلم الذي نجد فيه العلقة بين المتكلم‬ ‫والمستمع‪.‬وعن طريق هذا الربط يتحقق‬ ‫الطابع المزدوج لـ )النص(‪ ،‬ويتحدد الختصاص الذي تبحث فيه‬ ‫)سوسيولوجيا النص(‪.‬ولما كان التحليل‬ ‫البنيوي يقف عند حدود الشرح‪ ،‬فل بد من مفهوم جديد‬ ‫للتأويل‪ ،‬من أجل تجاوز الجانب السكوني للنص‪ ،‬بتحويله عن‬ ‫طريق )التأويل( إلى أن يأخذ سيره نحو "مشرق" النص‬ ‫حح التأويل‪ ،‬ويبتعد‬ ‫ور يص ّ‬ ‫وقصده الحقيقي‪ .‬‬ ‫بعد هذا العرض للراء المتعددة حول النص ونظريته يحاول‬ ‫الباحث تقديم تعريف للنص‪ ،‬والكشف عن مكوناته‪ ،‬مستلهما ً‬ ‫آراء كريستيفا‪ ،‬وزيما‪ ،‬وهاليداي‪ ،‬وغيرهم‪ .‬ومن هنا إلحاح ريكور على الجانب‬ ‫الخطي أو الكرافي للنص كما يتجسد ماديا ً ويصبح قابل ً‬ ‫للقراءة‪.‬‬ ‫وكل بنية يمكن تحليلها ووصفها وتفسيرها في تعالقها‬ ‫بالبنيات الخرى‪ .

‬أما إذا كان مجرد عاكس لها فل‬ ‫يمكن اعتباره نصًا‪ ،‬ولكنه وثيقة عن العصر ل يهمنا‬ ‫البحث فيها‪ .‬‬ ‫وقد ُأولي التناص أهمية خاصة‪ ،‬فصدر ُفي عام ‪ 1976‬عدد‬ ‫خاص من مجلة )بويطيقا( حول التناص‪ ،‬وأقيمت في عام‬ ‫‪ 1979‬ندوة عالمية عن )التناص( في جامعة كولومبيا تحت‬ ‫جمعت أعمالها في عدد مجلة )الدب(‬ ‫رئاسة ميشيل ريفاتير‪ُ ،‬‬ ‫عام ‪ ،1981‬ومنها مقالة )استراتيجية الشكل( للوران جيني ‪L.‬‬ ‫ً‬ ‫وعّرف الخير بأنه )النص الذي يستوعب عددا من‬ ‫‪.1978‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫دم الباحث مهادا نظريا يسترجع فيه ما‬ ‫في )بناء النص( ُيق ّ‬ ‫جاء في كتابه )تحليل الخطاب الروائي( عن الزمن‪ .‬‬ ‫صي( يفعل مثل ذلك‪ ،‬ويراه مرادفا ً‬ ‫وفي )التفاعل الن ّ‬ ‫)للتناص( ‪ Intertextuatite‬أو )المتعاليات النصية( كما استعملها‬ ‫جينيت‪ .‬‬ ‫ونات النص‪:‬‬ ‫‪-2‬أما مك ّ‬ ‫فيمكن اختزالها في ثلثة‪:‬‬ ‫‪-1‬البناء النصي‪ :‬النص بنية دللية تنتجها ذات‪.‫واجتماعية غير التي أنتجت فيها‪ ،‬والنتاج هنا يقوم به‬ ‫الكاتب كما يقوم به القارئ‪.‬ومنذ أن طرحت كريستيفا‪ ،‬في أواسط الستينات‪،‬‬ ‫ص كإيديولوجيم‪ ،‬باعتباره وظيفة تناصية تتقاطع‬ ‫ورها عن الن ّ‬ ‫تص ّ‬ ‫فيه نصوص عديدة في المجتمع والتاريخ‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ونات‬ ‫ونات النص الروائي( امتدادا )لمك ّ‬ ‫وهكذا تبدو )مك ّ‬ ‫الخطاب الروائي( في الكتاب السابق‪ ،‬وهي )الزمن‪ ،‬والصيغة‪،‬‬ ‫والرؤية( والمأخوذة أصل ً من تودوروف في كتابه )شعرية النثر(‬ ‫‪.‬ومّيز‬ ‫بين )التناص( و )المتناص(‪.‬‬ ‫‪ Genny‬الذي درس تأثير وسائل العلم المعاصرة على النص‪،‬‬ ‫أو بالحرى تأثير الصحافة على جويس ودوس باسوس‪ .‬‬ ‫‪) -3‬في إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة(‪ :‬إذ‬ ‫يتحدد النص بزمن تاريخي‪ ،‬وبسياق اجتماعي وثقافي‪،‬‬ ‫وُينتج في إطار هذه البنيات ويتفاعل معها‪ .‬ولكنه في‬ ‫الوقت نفسه يتعالى عليها من خلل إمساكه بـ "زمنيتها‬ ‫الجوهرية المتعالية"‪ .‬‬ ‫‪-3‬البنيات السوسيونصية‪ :‬في إطار بنيات ثقافية‬ ‫محددة‪.‬وهذا )التفاعل( مع البنيات الثقافية هو‬ ‫الذي يعطي القراءة المفتوحة على الزمن إمكانية توليد‬ ‫الدللت وإنتاجها على الرغم من تبدل هذه البنيات‬ ‫زمانيا ً ومكانيًا‪.‬ومنذ ذلك التاريخ هيمن مفهوم )التناص( بشكل‬ ‫سريع ومثير‪ ،‬في حين لم يلق المفهوم الساسي‬ ‫)اليديولوجيم( هذا الذيوع‪.143 -‬‬ .‬وكانت‬ ‫تمارسه جماعة )تل كل( الفرنسية التي كانت كريستيفا واحدا ً‬ ‫من أعضائها‪ .‬ثم يطّبق مقولة )الزمن( على الروايات‬ ‫الخمس التي درسها في كتابه السابق‪.‬على الرغم من أن‬ ‫كريستيفا التي أدخلته إلى الدراسات الدبية كانت قد استفادت‬ ‫من باختين الذي يسميه )التفاعل السوسيولفظي(‪ .‬‬ ‫‪-2‬التفاعل النصي‪ :‬ضمن بنية نصية منتجة‪.‬ثم يقيم‬ ‫بناء النص على مستويين‪ :‬داخلي )هو زمن الكتابة(‪ ،‬وخارجي‬ ‫)هو زمن القراءة(‪ .

‬وهو جهد ضخم‪ ،‬واطلع واسع على‬ ‫السرديات الغربية‪ُ ،‬يشكر الباحث عليه‪. Daillenbach‬الذي مّيز‬ ‫بين )التناص الخارجي( و )التناص الداخلي( أو )التناص العام(‬ ‫الذي هو علقة نص الكاتب بنصوص غيره‪ ..‬‬ ‫وقد اعتمد الباحث )أنواع التناص( التي جاء بها جيرار‬ ‫جينيت‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫صة‪ Paratextualite :‬وهي البنية النصية التي‬ ‫‪-1‬المنا ّ‬ ‫تشترك وبنية نصية أصلية في مقام وسياق معّينين‪.‬‬ ‫ومنها مقالة )لوسيان ديلنباخ( ‪ L.‬وأكدت أنه في )التناص النقدي(‬ ‫ل تبقى هنالك حدود بين النص والنص النقدي الذي يتداخل‬ ‫والنص المحلل‪ .‬‬ ‫‪-2‬التنا ّ‬ ‫‪-3‬الميتانصّية‪ Metatextualite :‬وتأخذ بعدا ً نقديا ً محضا ً‬ ‫في علقته ببنية نصية طارئة مع بنية نصّية أصل‪.‬‬ ‫*‬ ‫‪ -4‬حسن بحراوي وبنية الشكل الروائي‬ ‫عني بالسرد فوضع‬ ‫حسن بحراوي ناقد مغربي حداثي ُ‬ ‫كتابه )بنية الشكل الروائي( ‪ ،1990‬عرض فيه الهتمام‬ ‫بالرواية منذ هيغل‪ ،‬فلوكاش الناقد المجري ذي التجاه‬ ‫الماركسي الذي عمل على تعميق القتراحات الهيغلية حتى‬ ‫استقامت نظرية متكاملة الجوانب في كتابه )نظرية الرواية(‬ ‫‪ 1923‬الذي يقول عنه غولدمان إنه كتاب ديالكتيكي هيغلي من‬ ‫الطراز الول‪ ،‬لنه يؤكد على أن النوع البشري الكثر ملءمة‬ ‫للعالم الراهن هو الشخص الشكالي‪ .‬‬ ‫ص‪ Intertextualite :‬وهو التضمين‪. Perrone Moises‬التي‬ ‫تحدثت فيها عن )التناص النقدي( الذي حصرته في معنى النقد‬ ‫الذي يكف عن أن يكون لغة ثانية بتحوله إلى كتابة إبداعية‪..‬‬ ‫وفي )البنيات السوسيو‪ -‬نصية(‪ :‬مّهد الباحث أيضا ً بتنظير‬ ‫استفاد فيه من زيما في دراسته )من البنية النصّية إلى البنية‬ ‫الجتماعية(‪ ،‬ومن باختين‪ ،‬والماركسيين‪ ،‬والشكلنيين الروس‪،‬‬ ‫راغبا ً في تطوير )سوسيولوجيا الدب( إلى )سوسيولوجيا النص‬ ‫الدبي(‪ ،‬ومطّبقا ً ما يذهب إليه على الروايات الخمس موضوع‬ ‫الدراسة‪ .‬والواقع أن هذا الكتاب بجزأيه )تحليل‪ (.‬‬ ‫ومنها مقالة )ليلي بيرون موازيه( ‪ L.‬‬ ‫وقد ّ‬ ‫طبق الباحث مقولة )التناص( هذه على الروايات‬ ‫الخمس‪ /‬موضوع الدراسة‪ ،‬عبر أنواع التناص الثلثة )المناص‪،‬‬ ‫والتناص‪ ،‬والميتانص( فوجد نوعين من )التفاعلت(‪ :‬قديمة‬ ‫)تاريخية‪ ،‬ودينية‪ ،‬وأدبية( وحديثة )تاريخية‪ ،‬وإعلمية‪ ،‬وأدبية(‪.‫دد ثلث‬ ‫النصوص‪ ،‬ويظل متمركزا ً من خلل المعنى(‪ .‬و )التناص المقّيد(‬ ‫الذي هو علقة نصوص الكاتب بعضها ببعض‪..‬وتتجّلى إنتاجيته )تناصه( من خلل اشتغاله‬ ‫عليه‪.‬ثم ح ّ‬ ‫قواعد للتناص هي‪ :‬التلفيظ ‪ Verbalisation‬حيث يتم فيه اختزال‬ ‫النصوص غير اللفظية وتقديمها من خلل اللفظ في النص‪،‬‬ ‫والخطّية التي تبدو من خللها عملية الستيعاب مدمجة في‬ ‫خطّية النص‪ ،‬والتضمين‪.‬‬ ‫دمت ثلثة نماذج لكّتاب نقاد هم‪:‬‬ ‫وق ّ‬ ‫بلنشو‪ ،‬وبارت‪ ،‬وريكاردو‪ .‬ومع لوكاش استفادت‬ ‫‪.‬و‬ ‫)انفتاح‪ (..144 -‬‬ .‬يعتبر أكمل وأحدث عرض لمكونات الخطاب‬ ‫الروائي المعاصر‪ .

‬ويقدم‬ ‫الشكل الروائي بوصفه بنية ديالكتيكية تتميز بأن ل شيء فيها‬ ‫يتصف بالثبات‪ ،‬فل البطل الشكالي الذي يبحث عن قيم‬ ‫مطلقة يظل مستقرًا‪ ،‬ول العالم الخارجي يحافظ على طابعه‬ ‫اليجابي بما يكفي ليجعل بحث البطل أمرا ً ممكنًا‪ .‬وهذه الوضعية الشكالية التي عاشتها‬ ‫الرواية الغربية في مطلع نشوئها تكررت في الرواية العربية‬ ‫في بداياتها‪ ،‬فقد تحّرج محمد حسين هيكل من ذكر اسمه على‬ ‫غلف روايته )زينب(‪ ،‬فنشرها باسم )مصري فلح(‪ .‬‬ ‫لقد كان الروائيون الغربيون يرفضون تصنيف مؤلفاتهم‬ ‫ضمن النوع الروائي كما فعل ديفو مثل ً في مؤلفه )روبنسون‬ ‫كروزو( باعتبار الرواية كانت نوعا ً مزيفا ً وصالحا ً للرعاع‬ ‫فحسب‪ ،‬وأنها غير جديرة بالهتمام‪ ،‬على الرغم من أنهم كانوا‬ ‫دوا أيديهم إلى الرواية‬ ‫إذا خلوا لنفسهم في حجراتهم م ّ‬ ‫لقراءتها بشغف واهتمام‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أنها تعتبر عدول ً عن البحث الشكالي‪،‬‬ ‫فإنها ليست قبول ً للعالم التقليدي‪.‬وقد مّيز‬ ‫)لوكاش( بين ثلثة أنواع من الروايات الوربية في القرن‬ ‫التاسع عشر هي‪:‬‬ ‫‪-1‬الرواية المثالية المجردة‪ :‬وتتميز بحيوية البطل‬ ‫ووعيه المحدود بالقياس إلى تعقد العالم‪ ..‫نظرية الرواية من مكاسب الفلسفة الكلسية في مضمار‬ ‫الرواية التي هي –عند لوكاش‪) -‬الشكل الدبي الرئيسي لعالم‬ ‫لم يعد فيه النسان في وطنه‪ ،‬ول مغتربا ً كل الغتراب(‪.‬فموقع الرواية هو بين الملحمة والتراجيديا‪ .‬‬ ‫بيد أن اتساع مجال الرواية‪ ،‬والنجاح الشعبي الذي حققته‬ ‫لم يجعلها تتقدم خطوة حاسمة باتجاه إقامة قانونها الخاص‬ ‫الذي يميزها عن بقية النواع‪ ،‬فقد كان على الروائيين أن‬ ‫يواصلوا الحتكام إلى أذواقهم وأمزجتهم في تقرير الشكل‬ ‫والمضمون والقيمة الدبية لرواياتهم‪ ،‬وذلك في غياب أي‬ ‫نموذج روائي يلزمهم التقّيد بإتباعه‪ ،‬وانعدام أية نظرة نقدية‬ ‫‪.‬وهذه‬ ‫الساليب تتداخل وتتشابك لتجعل من الرواية أحدث النواع‬ ‫الدبية‪ ،‬بوصفها شكل ً غير مكتمل‪ ،‬وتطورا ً مستمرًا‪.‬‬ ‫و)الرواية( هي الشكل الديالكتيكي للملحمة‪ ،‬وهي بين أدب‬ ‫الطفولة والشباب الذي هو )الملحمة(‪ ،‬وأدب الوعي والموت‬ ‫الذي هو )التراجيديا(‪ ،‬تقوم الرواية كشكل أدبي للنضج‬ ‫الرجولي‪ .‬‬ ‫‪-3‬الرواية التربوية‪ :‬وهي التي تنتهي نهاية مقصودة‪.‬‬ ‫‪-2‬الرواية السيكولوجية‪ :‬وتتجه نحو تحليل الحياة‬ ‫الداخلية للبطال‪ ،‬وتتميز بسلبية بطلها واتساع وعيه‬ ‫بحيث ل ُيرضيه ما يقدمه له العالم التقليدي‪ .‬ففي الرواية أجزاء تاريخية وبلغية وحوارية‪ .‬فأعد ّ فرضية مناقضة‪ ،‬ولكن‬ ‫الجمهور لم يستطع أن يتعرف عليها إل بعد خمسين عامًا‪.‬ومثالها‪:‬‬ ‫التربية العاطفية‪.‬‬ ‫ويتعلق المر بالعناصر الملحمية والشعبية في الرواية بوصفها‬ ‫نوعا ً أدبيا ً طارئًا‪ ،‬حيث يفترض باختين قانونا ً خاصا ً بالرواية‬ ‫يقتبسه من الستطيقا الرومانسية اللمانية وأفكار هيغل‬ ‫وغوته‪ .‬ومثالها‪ :‬دون‬ ‫كيشوت‪ ،‬والحمر والسود‪.‬كما كانت‬ ‫الصحف والمجلت تغلق أبوابها في وجه الرواية‪ ،‬وتنظر إليها‬ ‫"النخبة" نظرة ازدراء باعتبارها وليدا ً جديدا ً يتجاوز الموروث‬ ‫المسيطر في )المقامات( و )الخبار( و )القصص الشعبي(‪.‬وفي العشرينات اطلع )باختين( على‬ ‫كتاب )نظرية الرواية( للوكاش‪ .145 -‬‬ .‬‬ ‫ثم جاء )لوسيان غولدمان( فاستفاد من إنجازات أستاذه‬ ‫لوكاش‪ ،‬وأضاف إليها‪ ..

‬‬ ‫ن‬ ‫ّ لكن هذه الوظيفة –حسب الباحث‪ -‬ما لبثت أن أفرزت َ‬ ‫م ْ‬ ‫ظر للرواية‪ ،‬من منطلقات جمالية وفنية‪ :‬فـ )هنري جيمس(‬ ‫ين‬ ‫مثل ً يدافع عن حرية الرواية‪ ،‬ويرفض أن تكون لها قوانين‬ ‫صارمة ينبغي التقّيد بها‪ .‬‬ ‫عنيت‬ ‫في )النظرية والمنهج( عالج الباحث الدراسات التي ُ‬ ‫بالمكان منذ )غاستون باشلر( في كتابه )شعرية المكان(‬ ‫ودراسته للقيم الرمزية المرتبطة بالمناظر التي ُتتاح لرؤية‬ ‫‪.‬لكن هذه الحرية المطلقة جلبت‬ ‫للرواية قدرا ً غير يسير من المشكلت‪ ،‬مما دعا بعض النقاد‬ ‫إلى محاولة البحث عن سند لتسويغ هذه الحرية‪ ،‬مثل‬ ‫)فورستر( الذي وضع كتاب )مظاهر الرواية( الذي جعل فيه‬ ‫العمل الروائي صورة للحياة الواقعية‪ ،‬حيث تكون مهمة‬ ‫دمه‪،‬‬ ‫الروائي أن يدفعنا إلى القتناع بالعالم الذي يق ّ‬ ‫وبالشخصيات التي يصنعها‪.‬‬ ‫ولكن هذه المقاربات التجزيئية للشكل الروائي لم تكن‬ ‫تفلح إل في الكشف عن ملمح منعزلة من ملمح البناء‬ ‫الروائي‪ ،‬ولهذا ظلت قاصرة عن إدراكه في كّليته‪ .146 -‬‬ .‬‬ ‫النماذج والتص ّ‬ ‫‪-1‬بنية المكان في الرواية المغربية‬ ‫دث الباحث في هذا البحث عن ثلثة موضوعات هي‪:‬‬ ‫تح ّ‬ ‫النظرية والمنهج‪ ،‬وأماكن القامة‪ ،‬وأماكن النتقال‪.‬‬ ‫وضمن هذه المحاولت طلعت نظرية الرواية بعدد من‬ ‫الخطط والمداخل التي ترى أنها أكثر ملءمة لتحليل النص‬ ‫الروائي‪ ،‬باعتباره نمطا ً خاصا ً من الخطاب الدبي‪ ،‬والتي‬ ‫سمحت بالتمييز بين المؤلف والراوي والشخصية‪ ،‬وبتحديد‬ ‫العلقات المتبادلة بينهم‪.‬ولقد كانت‬ ‫وع والتساع بحيث ل يمكن‬ ‫عناصر الشكل الروائي من التن ّ‬ ‫إدراكها كليا ً دون اللجوء إلى الفتراض‪ ،‬واستعمال النظرة‬ ‫التجزيئية‪.‫يسترشدون بها‪ ،‬فيما كان الجمهور قد ألف الحكم الفوري على‬ ‫الروايات وأصبح النطباع الول لديه هو النطباع النهائي‪.‬‬ ‫لكن نظرية الرواية ظلت بحاجة إلى النظر إلى الشكل‬ ‫وناته‪ ،‬حتى جاء‬ ‫الروائي الناجز‪ ،‬وإلى اللمام بعناصره ومك ّ‬ ‫دم طرحا ً لمعا ً حول بناء الرواية في كتابه )صنعة‬ ‫)لوبوك( فق ّ‬ ‫الرواية( ‪ 1921‬الذي ُيعتبر تطبيقا ً منهجيا ً لمبادئ جيمس على‬ ‫روايات عالمية لتولستوي وفلوبير وآخرين‪ ،‬وحيث يقصد‬ ‫بالشكل الروائي قدرة الكاتب على المساك بمادته الحكائية‬ ‫وإخضاعها للتقطيع والختبار‪ ،‬وإجراء التعديلت الضرورية عليها‪،‬‬ ‫لتصبح تركيبا ً فنيا ً منسجما ً يتضمن نظامه وجماليته ومنطقه‬ ‫الخاص‪.‬‬ ‫وع والتعقيد فإن‬ ‫ونات الروائية بكل هذا التن ّ‬ ‫ولن هذه المك ّ‬ ‫الباحث قد اختار بعض قضايا الشكل في الخطاب الروائي‬ ‫وهي‪ :‬الزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬والشخصية‪ ،‬لمعالجتها مطّبقة على‬ ‫الرواية المغربية‪ ،‬مع اعترافه المبدئي بأن هذه العناصر الثلثة‪،‬‬ ‫على خصوبتها وأهميتها‪ ،‬ل ُتغني عن معرفة العناصر الخرى‬ ‫المتبقية‪ ،‬وبأن النتائج المستحصلة من دراستها ل تكون قابلة‬ ‫للتعميم‪ ،‬وبأن هذا الختيار أملته رغبة في تلفي أحكام القيمة‪،‬‬ ‫لن هذه القراءة التي يقوم بها الباحث لبعض عناصر الشكل‬ ‫الروائي تبتغي النتقال بالمعرفة النظرية إلى أفق التحليل‬ ‫البنيوي الشكلي‪ ،‬بوصفها أسلوبا ً في العمل‪ ،‬ومنهجا ً لبناء‬ ‫ورات‪ ،‬وليس كمعتقد أو دوغما‪.

‫السارد أو الشخصيات‪ ،‬سواء في أماكن إقامتهم )كالبيت‬ ‫والغرف المغلقة( أو في الماكن المنفتحة )المركزية‬ ‫والهامشية(‪ ،‬ومرورا ً بـ )جورج بوليه( الذي درس الفضاء‬ ‫الروائي لذاته‪ ،‬دون تحليل الروابط التي تجمع بينه وبين‬ ‫النساق الطوبولوجية الخرى‪ .(288‬كما ظهرت اتجاهات أخرى تعطي للشخصيات‬ ‫أهمية فائقة في تشكيل المكان المحيط بها‪ :‬فالمكان ل يظهر‬ ‫إل من خلل وجهة نظر شخصية تعيش فيه أو تخترقه‪ ،‬وليس‬ ‫لديه استقلل إزاء الشخص الذي يندرج فيه‪ .‬ولما كانت اللفاظ قاصرة عن‬ ‫تشييد فضائها الخاص بسبب طابعها المحدود والناقص‬ ‫بالضرورة‪ ،‬فإن ذلك يدعو الراوي إلى تقوية سرده بوضع‬ ‫طائفة من الشارات وعلمات الوقف في الجمل داخل النص‬ ‫المطبوع‪ .‬وهكذا فنتيجة التقاء فضاء اللفاظ بفضاء الرموز‬ ‫الطباعية ينشأ فضاء جديد هو الفضاء الموضوعي للكتاب‪ .‬والحال إن المكان ل يعيش‬ ‫منعزل ً عن باقي عناصر السرد‪ ،‬و إنما يدخل في علقات‬ ‫ونات الحكائية الخرى للسرد )كالشخصيات‪،‬‬ ‫متعددة مع المك ّ‬ ‫والحداث‪ ،‬والرؤيات السردية(‪.‬‬ ‫)أو الفضاء الن ّ‬ ‫)فالفضاء الروائي( يرتبط بزمن القصة‪ ،‬وبالحدث الروائي‪،‬‬ ‫وبالشخصيات التخييلية‪ :‬فالمكان ل يتشكل إل باختراق البطال‬ ‫له‪ ،‬وليس هناك أي مكان محدد مسبقًا‪ ،‬وإنما تتشكل المكنة‬ ‫من خلل الحداث التي يقوم بها البطال‪ .‬وهذا الرتباط بين‬ ‫الفضاء الروائي والحدث هو الذي يعطي الرواية تماسكها‪.147 -‬‬ . Hamon‬عن الوظيفة النثربولوجية‬ ‫للمكان‪) :‬إن البيئة الموصوفة تؤثر على الشخصية وتحفزها‬ ‫على القيام بالحداث‪ ،‬وتدفع بها إلى الفعل حتى إنه يمكن‬ ‫القول إن وصف البيئة هو وصف مستقبل الشخصية – مقدمة‬ ‫لتحليل الوصف ‪ -1989‬ص ‪.‬وبرز اتجاه يقول‬ ‫بالتطابق بين الشخصية والفضاء الذي تشغله‪ ،‬ويجعل من‬ ‫المكان تعبيرات مجازية عن الشخصيات )إن بيت النسان هو‬ ‫امتداد له‪ .‬‬ ‫ونات الخرى للسرد‪ ،‬ل يوجد‬ ‫و)الفضاء الروائي(‪ ،‬مثل المك ّ‬ ‫إل من خلل اللغة‪ ،‬فهو فضاء لفظي يختلف عن الماكن التي‬ ‫ندركها بالبصر أو بالسمع كما في المسرح أو السينما‪ ،‬وتش ّ‬ ‫كله‬ ‫ورات المكانية‬ ‫من الكلمات يجعله يتضمن كل المشاعر والتص ّ‬ ‫التي تستطيع اللغة التعبير عنها‪ .‬أي‬ ‫فضاء الصفحة والكتاب بمجمله‪ ،‬والذي يعتبر المكان المادي‬ ‫الوحيد الموجود في الرواية‪ ،‬حيث يجري اللقاء بين وعي‬ ‫الكاتب ووعي القارئ‪ .(113‬‬ ‫وعلى الرغم من أن المكان مرتبط بالشخصيات‪ ،‬إل أن‬ ‫الشخصيات قد ل تخضع كليا ً للمكان‪ .‬وهكذا أصبح لدينا فضاءان‪ :‬الفضاء‬ ‫الروائي )وهو المظهر التخييلي أو الحكائي(‪ ،‬والفضاء الطباعي‬ ‫صي(‪.‬وعلى مستوى‬ ‫دد أبعاد‬ ‫السرد فإن المنظور الذي تتخذه الشخصية هو الذي يح ّ‬ ‫الفضاء الروائي‪ ،‬ويحقق دللته وتماسكه اليديولوجي‪ .‬‬ ‫يقول )فيليب هامون( ‪ Ph.‬فإذا وصفت البيت فقد وصفت النسان‪ -‬وارين‪،‬‬ ‫وويلك‪ -‬نظرية الدب‪ -‬تر‪ :‬محيي الدين صبحي‪ -‬دمشق ‪1972‬‬ ‫ص ‪ .‬‬ ‫وقد حاول )رولن بورنوف( في )العالم الروائي( أن يمل‬ ‫هذه الثغرة التي تركها مواطنه بوليه‪ ،‬وذلك حين تساءل بصدد‬ ‫الضرورات الداخلية التي يخضع لها التنظيم المكاني في‬ ‫الرواية‪ ،‬مقترحا ً وصف الحدث بطريقة دقيقة‪ ،‬وتحليل مظاهر‬ ‫الوصف‪ ،‬والهتمام بوظائف المكان في علقاته مع الشخصيات‬ ‫ومع المواقف والزمن‪.‬والفضاء‬ ‫الروائي ينشأ من خلل وجهات نظر متعددة لنه ُيعاش على‬ ‫عدة مستويات‪ :‬من طرف الراوي بوصفه كائنا ً مشخصا ً‬ ‫‪.

‬‬ ‫ولغة العلقات المكانية تصبح من الوسائل الساسية للتعرف‬ ‫على الواقع‪ .148 -‬‬ .‬وهذه‬ ‫التقاطبات ل ُتلغي بعضها بعضًا‪ ،‬وإنما تتكامل فيما بينها‪ ،‬لتقدم‬ ‫مفاهيم تساعد على فهم كيفية اشتغال المادة المكانية في‬ ‫‪. Bachlard‬‬ ‫في )شعرية المكان( ‪ 1957‬قد درس جدلية الخارج والداخل‪،‬‬ ‫وعارض بين القبو والعل ّّية‪ ،‬وبين البيت والل بيت‪ ،‬فإن )لوتمان(‬ ‫‪ J.‬كما أبرز التقاطبات المشتقة من مفاهيم المسافة‪،‬‬ ‫والتساع أو الحجم والتي تشكل ثنائيات ضدية )من مثل‪:‬‬ ‫قريب‪ /‬بعيد‪ ،‬صغير‪ /‬كبير‪ ،‬محدود‪ /‬ل محدود‪ (..‬وفي دراسته‬ ‫لشعر )زابولوتسكي( الذي تلعب البنيات المكانية فيه دورا ً‬ ‫عظيمًا‪ ،‬يجد بأن )العلى( يكون دائما ً مرادفا ً عنده لمفهوم‬ ‫)البعيد(‪ ،‬و)السفل( مرادفا ً لمفهوم )القريب(‪ ،‬ولذلك فإن كل‬ ‫انتقال يبقى متجها ً إما إلى )العلى( أو إلى )السفل(‪ ،‬وتنتظم‬ ‫الحركة على المحور العمودي الذي ينظم الفضاء الخلقي‪،‬‬ ‫فالشّر يضعه الشاعر في )السفل(‪ ،‬والخير يوجهه نحو‬ ‫)العلى(‪..‬ويتجاوز )لوتمان( العرض النظري‬ ‫لمفهوم التقاطب إلى الممارسة النقدية‪ ،‬فيحلل شعر‬ ‫)تيوتشيف( من خلل ثنائية‪ :‬العلى‪ /‬السفل‪ ،‬فيربط الطرف‬ ‫الول بـ )التساع( والطرف الثاني بـ )الضيق(‪ ،‬ثم يدل بـ‬ ‫)السفل( على النزعة المادية‪ ،‬ويدل بـ )العلى( على النزعة‬ ‫الروحية‪ ،‬لينتهي بعد مجموعة من التقابلت إلى أن )العلى(‬ ‫هو مجال الحياة‪ ،‬وأن )السفل( هو مجال الموت‪ .‬وإذا كان )باشلر( ‪G..‬‬ ‫ويرى )لوتمان( أن النماذج الجتماعية والدينية والسياسية‬ ‫من وبنسب متفاوتة‪ ،‬صفات مكانية‪ ،‬تارة في‬ ‫والخلقية تتض ّ‬ ‫شكل تقابل‪ :‬السماء‪ /‬والرض‪ ،‬وتارة في شكل نوع من‬ ‫التراتبية السياسية والجتماعية حين تعارض بين الطبقات‬ ‫العليا‪ /‬الدنيا‪ ،‬وتارة في صورة صفة إطلقية حين تقابل بين‬ ‫اليمين‪ /‬واليسار‪ .‫وتخييليا ً أساسيًا‪ ،‬ومن خلل اللغة التي يستعملها‪ :‬فكل لغة لها‬ ‫صفات خاصة لتحديد المكان‪ ،‬ثم من طرف الشخصيات الخرى‬ ‫التي يحتويها المكان‪ ،‬وأخيرا ً من طرف القارئ الذي يدرج‬ ‫بدوره وجهة نظره‪.‬وتلك المستمدة‬ ‫من مفهوم الشكل )دائرة‪ /‬مستقيم( أو الحركة )جامد‪/‬‬ ‫متحرك‪ ،‬أفقي‪ /‬عمودي( أو التصال )منفتح‪ /‬منغلق‪ ،‬مسكون‪/‬‬ ‫مهجور( أو الضاءة )مضاء‪ /‬مظلم‪ ،‬أبيض‪ /‬أسود(‪ .‬‬ ‫وبعد )لوتمان( أقام )جان فيسجر( ‪ Weisgerber‬في كتابه‬ ‫)الفضاء الروائي( ‪ 1978‬البناء النظري الذي تستند إليه‬ ‫التقاطبات المكانية في اشتغالها داخل النص‪ ،‬وذلك عن طريق‬ ‫إرجاعها إلى أصولها المفهومية الولى‪ . Lotman‬هو وحده الذي أقام نظرية متكاملة للتقاطبات‬ ‫المكانية في كتابه )بنية النص الفني( ‪ 1973‬حيث انطلق من‬ ‫فرضية أن الفضاء هو مجموعة من الشياء المتجانسة التي‬ ‫تقوم بينها علقات شبيهة بتلك العلقات المكانية المعتادة‪.‬وكل هذه الصفات تنتظم في نماذج للعالم‬ ‫تطبعها صفات مكانية بارزة‪ ،‬وتقدم نموذجا ً إيديولوجيا ً متكامل ً‬ ‫خاصا ً بنمط ثقافي معطى‪ ...‬ومّيز بين التقاطبات‬ ‫التي تعود إلى مفهوم البعاد الفيزيائية الثلثة‪ :‬مثل التعارض‬ ‫بين اليمين واليسار‪ ،‬وبين العلى والسفل‪ ،‬وبين المام‬ ‫والخلف‪ ..‬كلها تصبح أدوات‬ ‫لبناء النماذج الثقافية دون أن تظهر عليها أية صفة مكانية‪..‬‬ ‫إن القراءة الكفيلة بالكشف عن دللة )الفضاء الروائي(‬ ‫يجب أن تبني على مجموعة من التقاطبات المكانية التي تظهر‬ ‫على شكل ثنائيات ضدية‪ ،‬تجمع بين عناصر متعارضة‪ ،‬بحيث‬ ‫تعبر عن العلقات والتوترات التي تحدث عند اتصال الراوي أو‬ ‫الشخصيات بأماكن الحداث‪ .‬فمفاهيم مثل‪ :‬العلى‪ /‬السفل‪ ،‬والقريب‪ /‬البعيد‪،‬‬ ‫والمنفتح‪ /‬المنغلق‪ ،‬والمتصل‪ /‬المنقطع‪ .

‬‬ ‫إن التأثير متبادل بين الشخصية والمكان الذي تقيم فيه‪،‬‬ ‫وإن الفضاء الروائي يمكنه أن يكشف لنا عن الحياة الل‬ ‫شعورية التي تعيشها الشخصية‪ .‬يقول‪) :‬لقد نظرنا إلى‬ ‫الماكن والفضاءات التي تزخر بها الرواية المغربية فوجدناها‬ ‫وع كبير من حيث الوظيفة والدللة‪،‬‬ ‫تتوزع إلى فئات ذات تن ّ‬ ‫وأمكننا أن نمّيز مبدئيا ً بين أمكنة القامة وأمكنة النتقال‪ ،‬لكي‬ ‫نحصل على ثنائية ضدية أولى سيتلوها اكتشاف ثنائيات أو‬ ‫تقاطبات أخرى تابعة أو ملحقة ص ‪.‬‬ ‫وهكذا أظهر مفهوم )التقاطب( كفاءة إجرائية عالية عند‬ ‫العمل به على الفضاء الروائي المتجسد في النصوص‪ ،‬وذلك‬ ‫بفضل التوزيع الذي يجريه للمكنة والفضاءات‪ ،‬وفقا ً لوظائفها‬ ‫وصفاتها‪.149 -‬‬ .(40‬‬ ‫وهكذا جدول الباحث الماكن في‪:‬‬ ‫أماكن النتقال‬ ‫أماكن القامة‬ ‫خاصة‬ ‫عامة‬ ‫إجبارية‬ ‫اختيارية‬ ‫المقهى‬‫فضاء البيوت ‪-‬فضاء السجن ‪-‬الحياء‬‫والشوارع‬ ‫الحياء الراقية‬‫البيت الراقي ‪-‬الزنزانة‬‫‪-‬البيت المضاء‬ ‫‪-‬الحياء الشعبية‬ ‫فضاء‬‫الفسحة‬ ‫البيت المظلم ‪-‬فضاء المزار‬‫البيت‬‫الشعبي‬ ‫في )أماكن القامة الختيارية( ر ّ‬ ‫كز الباحث على‬ ‫)فضاء البيوت(‪ ،‬آخذا ً بدعوة باشلر إلى ضرورة اللمام بجميع‬ ‫أجزاء البيت والدللت المرتبطة بها‪ ،‬لن القتصار على جانب‬ ‫واحد‪ ،‬مهما بلغ من الفاعلية والخصوبة‪ ،‬يظل حائل ً دون رؤية‬ ‫الجوانب الخرى التي تشكل الصورة المتكاملة للفضاء‬ ‫الروائي‪ ،‬وتعطيه انسجامه وأسباب انبنائه‪ .‬فإذا وصفت‬ ‫البيت فقد وصفت النسان‪ ،‬فالبيوت تعّبر عن أصحابها‪..‬وهكذا فمن الخطأ‬ ‫النظر إلى البيت كركام من الجدران والثاث يمكن تطويقه‬ ‫بالوصف الموضوعي والنتهاء من أمره بالتركيز على مظهره‬ ‫الخارجي وصفاته الملموسة‪ ،‬لن هذه الرؤية ستنتهي إلى‬ ‫الجهاز على الدللة الكامنة فيه وتفرغه من كل محتوى‪:‬‬ ‫فالبيوت والمنازل تشكل نموذجا ً ملئما ً لدراسة قيم اللفة‬ ‫ومظاهر الحياة الداخلية التي تعيشها الشخصيات‪ ،‬وذلك لن‬ ‫بيت النسان هو امتداد لـه‪ ،‬كما يقول )بليك(‪ ..‫الحكي‪.‬ول شيء في البيت يمكنه أن‬ ‫‪.‬الخ(‬ ‫ده القصى من‬ ‫يمثل المظهر الملموس الذي يصل إلى ح ّ‬ ‫الوضوح المفهومي والنقدي‪ ،‬عندما يسمح بوضع اليد على ما‬ ‫هو جوهري في تشكيل الفضاء الروائي‪ .‬‬ ‫ويستفيد الباحث من عرض لكل هذه الجتهادات فيبني‬ ‫مقاربته للفضاء الروائي في الرواية المغربية على )مفهوم‬ ‫التقاطب( الذي أدرجته الشعرية في بنائها النظري‪ ،‬وجعلت‬ ‫منه الدلة الرئيسية للبحث في تشكلت المكان‪ ،‬وإن الخذ‬ ‫بمبدأ التقاطب كمفهوم نقدي‪ ،‬وكأداة إجرائية بالمعنى الذي‬ ‫أعطته له الشعرية الحديثة )لوتمان‪ ،‬باشلر‪ ،‬ميتيران‪ .

‬والثاني ل يأبه لتلك‬ ‫‪.‫يكون ذا دللة من دون ربطه بالنسان الذي يعيش فيه‪.‬وأبرز‬ ‫الدللت تحمل طابعا ً سلبيا ً يشي بما يعانيه الفرد من ضياع‬ ‫وتهميش‪ .(130‬‬ ‫أما )شعرية المكان( فإنها تسّلم بتأثير الوجود النساني‬ ‫على تشكيل الفضاء الروائي‪ ،‬وتّلح على أهمية رؤية النسان‬ ‫للمكان الذي يأهله‪ .‬وعندما ينظر الباحث في الخطاب الروائي‬ ‫المغربي يجد نصوصا ً كثيرة ُتعنى بتصوير فضاء البيت وتوسعه‬ ‫وصفا ً وتشريحًا‪ ،‬ولكن دون أن تربطه بقيم اللفة النسانية‪،‬‬ ‫سواء في ذلك البيت الشعبي أو البيوت الفاخرة‪.150 -‬‬ .‬‬ ‫‪-2‬البنية الزمانية في الرواية المغربية‬ ‫وهي الباب الثاني الذي عالجه الباحث‪ .‬‬ ‫وفي )أماكن النتقال الخصوصية( عالج الباحث )فضاء‬ ‫المقهى( كمكان انتقال خصوصي‪ ،‬بتأطير لحظات العطالة‬ ‫والممارسة المشبوهة التي تنغمس فيها الشخصيات الروائية‬ ‫كلما وجدت نفسها على هامش الحياة الجتماعية‪ .‬‬ ‫وضمن فضاءات السجن عالج الباحث فضاءات أخرى‬ ‫متعلقة به مثل‪ :‬فضاء الزنزانة‪ ،‬وفضاء الفسحة‪ ،‬وفضاء المزار‪.‬ومما يؤكد ذلك أن فضاء المقهى هو مسرح للعديد‬ ‫من الممارسات المنحرفة‪ ،‬سواء كانت دعارة أو قمارا ً أو‬ ‫تجارة مخدرات أو حتى مجرد عطالة مزمنة‪ .‬‬ ‫وفي )أماكن النتقال العمومية( عالج الباحث )فضاء‬ ‫الحياء( والشوارع‪ ،‬وتمشيا ً مع خطته المنهجية في اختياره‬ ‫)التقاطب( فقد شرع في عرض صفات الحي الشعبي بوصفه‬ ‫فضاًء اعتياديا ً للحياة اليومية للمواطنين‪ ،‬وذلك تمهيدا ً للبحث‬ ‫في تمفصلته الطوبوغرافية والدللية‪ .‬وتتكرر هذه‬ ‫الصورة السلبية لفضاء المقهى في أكثر من رواية حتى توشك‬ ‫أن تصبح العصب الرئيسي الذي يحكم دللته ويلتحم بها‪.‬‬ ‫وهذا يخالف ما جاء به رّواد مدرسة )الرواية الجديدة‪ ،‬أو‬ ‫الروائية الشيئية( الذين أحّلوا الشياء محل النسان في‬ ‫الرواية‪ ،‬على الرغم من قولهم‪) :‬إن للشياء تاريخا ً مرتبطا ً‬ ‫بتاريخ الشخاص –ميشيل بوتور‪ -‬بحوث في الرواية الجديدة‪-‬‬ ‫تر‪ :‬فريد أنطونيوس‪ -‬عويدات‪ -‬بيروت ‪ 1971‬ص ‪) ،(55‬وإن‬ ‫كل حائط وكل قطعة أثاث في الدار كانت بديل ً للشخصية التي‬ ‫تسكن هذه الدار –آلن روب غرييه‪ -‬نحو رواية جديدة‪ -‬تر‪:‬‬ ‫مصطفى إبراهيم‪ -‬دار المعارف بمصر‪-‬ص ‪.‬وضمن فضاء الحياء‬ ‫عالج الباحث فضاءات أخرى متعلقة به‪ ،‬مثل‪ :‬فضاء الحي‬ ‫الشعبي‪ ،‬وفضاء الحي الراقي‪.‬فما أن تطأ قدما النزيل عتبة‬ ‫السجن‪ ،‬مخلفا ً وراءه عالم الحرية حتى تبدأ سلسلة العذابات‬ ‫التي ل تنتهي إل بالفراج عنه‪.‬وقد بدأ فيه‬ ‫بالشكلنيين الروس الذين كانوا من أوائل الذين أدرجوا بحث‬ ‫الزمن في نظرية الدب‪ ،‬وجعلوا نقطة ارتكازهم ليس طبيعة‬ ‫الحداث وإنما العلقات التي تجمع بين تلك الحداث‪.‬‬ ‫وفي )أماكن القامة الجبارية( يعالج الباحث )فضاء‬ ‫السجن( بوصفه عالما ً مفارقا ً لعالم الحرية خارج السوار‪ ،‬وهو‬ ‫يشكل مادة خصبة للروائيين‪ ،‬ونقطة انتقال من الخارج إلى‬ ‫الداخل‪ ،‬ومن العالم إلى الذات بالنسبة للنزيل‪ ،‬بما يتضمنه‬ ‫ول في العادات والقيم وإثقال كاهله‬ ‫ذلك النتقال من تح ّ‬ ‫باللزامات والمحظورات‪ .‬‬ ‫ومّيزوا بين )المتن( و )المبنى(‪ :‬فالول ل بد له من زمن‬ ‫ومنطق ينظم الحداث التي يتضمنها‪ .

‬‬ ‫وكان بوتور قد سبق وصّنف الزمن في الرواية في ثلثة‬ ‫أزمنة هي‪ :‬زمن المغامرة‪ ،‬وزمن الكتابة‪ ،‬وزمن القراءة‪:‬‬ ‫فالكاتب قد يوجز أحداثا ً وقعت في سنتين )زمن المغامرة(‬ ‫‪.‬‬ ‫و )زمن القراءة( أي الزمن الضروري لقراءة الن ّ ّ‬ ‫وإلى جانب هذه الزمنة الداخلية هناك أزمنة خارجية‪ ،‬تقيم‪،‬‬ ‫هي كذلك‪ ،‬علقة مع النص التخييلي‪ ،‬وهي على التوالي‪) :‬زمن‬ ‫الكاتب( أي المرحلة الثقافية والنظمة التمثيلية التي ينتمي‬ ‫إليها المؤلف‪ ،‬و )زمن القارئ( وهو المسؤول عن التفسيرات‬ ‫الجديدة التي ُتعطى لعمال الماضي‪ .‬وربط‪ ،‬في مقدمته الهامة لـ‬ ‫)التحليل البنيوي للسرد( ‪ 1966‬بين العنصر الزمني والعنصر‬ ‫السببي‪ ،‬وأكدا أن المنطق السردي هو الذي يوضح الزمن‬ ‫السردي‪ ،‬وأن الزمنية ليست سوى قسم بنيوي في الخطاب‪،‬‬ ‫حيث ل يوجد الزمن إل في شكل نسق أو نظام‪ ،‬أما الزمن‬ ‫السردي فهو زمن دللي‪ /‬وظيفي‪ ،‬وأما الزمن الحقيقي فهو‬ ‫وهم مرجعي واقعي‪.‬فهناك في الرواية –حسب تودوروف‪ -‬ثلثة أصناف من‬ ‫الزمنة‪ ،‬هي‪) :‬زمن القصة( وهو الزمن الخاص بالعالم‬ ‫التخييلي‪ ،‬و )زمن الكتابة أو السرد( وهو مرتبط بعملية التلفظ‪،‬‬ ‫ص‪.‬‬ ‫وقد عرض )بوتور( في كتابه )بحوث في الرواية( ‪1964‬‬ ‫وجهة نظره كروائي في مسألة اليهام الزمني‪ ،‬وأشار إلى‬ ‫صعوبة تقديم الحداث في الراوية وفق ترتيب خطي‬ ‫مسترسل‪ .‬‬ ‫كذلك رأى )غرييه( أن الزمن أصبح‪ ،‬منذ أعمال بروست‬ ‫وكافكا‪ ،‬هو الشخصية الرئيسية في الرواية المعاصرة بفضل‬ ‫استعمال العودة إلى الماضي‪ ،‬وقطع التسلسل الزمني وباقي‬ ‫التقنيات الزمنية التي كانت لها مكانة مرموقة في تكوين‬ ‫السرد‪ .‫القرائن الزمنية والمنطقية قدر اهتمامه بكيفية عرض الحداث‬ ‫وتقديمها للقارئ تبعا ً للنظام الذي ظهرت به في العمل‪.‬‬ ‫سم كل نوع إلى‬ ‫سم تودوروف الزمن إلى نوعين‪ ،‬وق ّ‬ ‫وقد ق ّ‬ ‫ثلثة‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪-1‬الزمن الداخلي )زمن القصة‪ ،‬وزمن الكتابة‪ ،‬وزمن‬ ‫القراءة(‪.‬‬ ‫‪-2‬الزمن الخارجي )زمن الكاتب‪ ،‬وزمن القارئ‪ ،‬والزمن‬ ‫التاريخي(‪.‬‬ ‫دد‬ ‫لكن أول مشكل يصادف الباحث في الزمن هو‪ :‬تع ّ‬ ‫الزمنة التي تتداخل في النص الواحد‪ ،‬واختلف العلقات الدالة‬ ‫عليها‪ .‬كما كانت هنالك جهود البنيويين‬ ‫أك ّ‬ ‫الفرنسيين )بارت‪ ،‬وفرسان الرواية الجديدة(‪ :‬فقد استلهم‬ ‫)بارت( منهج بروب الذي دعا فيه‪ ،‬في مطلع القرن العشرين‪،‬‬ ‫إلى تجذير الحكاية في الزمن‪ .‬‬ ‫وإذا كان الشكلنيون الروس قد تمّيزوا بمعالجتهم‬ ‫المباشرة للزمن في السرد‪ ،‬منذ عشرينات القرن العشرين‪،‬‬ ‫فقد كان هنالك أيضا ً النجلوساكسونيان )لوبوك‪ ،‬وموير( اللذان‬ ‫دا أهمية الزمن في السرد‪ .151 -‬‬ .‬ورأى أننا ل نعيش الزمن باعتباره استمرارا ً إل في‬ ‫بعض الحيان‪ ،‬وأن العادة تمنعنا من النتباه‪ ،‬أثناء القراءة‪ ،‬إلى‬ ‫التقطعات والوقفات والقفزات التي تتناوب على السرد‪.‬وهكذا أصبح الزمن موضوعا ً خصبا ً لبحوث وأطروحات‬ ‫غاية في الدقة والتخصص )انظر تودوروف ‪ 1968‬ص ‪ 53‬حيث‬ ‫أورد قائمة بأهم البحوث في الزمن في اللغات الفرنسية‬ ‫والنكليزية واللمانية والروسية(‪.‬و )الزمن التاريخي(‬ ‫ويظهر في علقة التخييل بالواقع‪.

‬‬ ‫‪-3‬تسريع السرد‪.‬فالقصة –لكي ُتروى‪ -‬يجب‬ ‫مت في زمن ما‪ ،‬غير الزمن الحاضر‪ ،‬لنه من‬ ‫أن تكون قد ت ّ‬ ‫المتعذر حكي قصة أحداثها لم تكتمل بعد‪ ...‬وُتقاس بالسنوات والشهور واليام‪ .‬ومثاله‪) :‬قاسم يتذكر صورة والده‬ ‫كما رسمتها له أمه وهو طفل(‪.‬‬ ‫‪.‬وقد أدرك جينيت أن السرد‬ ‫الدبي ل يمكن أن يستهلك إل داخل زمن القراءة‪ .‬‬ ‫إن كل عودة للماضي تشكل‪ ،‬بالنسبة للسرد‪ ،‬استذكارا ً‬ ‫يقوم به لماضيه الخاص‪ ،‬ويحيلنا من خلله على أحداث سابقة‬ ‫على النقطة التي وصلتها القصة‪ .‬‬ ‫‪-4‬تعطيل السرد‪.‬وإن الثنائية الزمنية التي تكشف عن‬ ‫التعارض بين زمن القصة وزمن الحكي يمكن اعتبارها أهم ما‬ ‫يميز السرد الدبي من حيث مستويات إعداده الجمالي عن‬ ‫غيره من أنواع السرد الخرى‪ .‬كما تتجّلى‬ ‫مظاهر السرد الستذكاري في )سعة الستذكار( وُتقاس‬ ‫بالسطور والفقرات والصفحات التي يغطيها الستذكار من‬ ‫زمن السرد‪ ،‬بحيث توضح لنا التساع التيبوغرافي الذي يمثله‬ ‫الخطاب الخ ّ‬ ‫طي للرواية‪ .‬وتتجّلى‬ ‫مظاهر السرد الستذكاري في )مدى الستذكار( أو المسافة‬ ‫الزمنية التي يطالها الستذكار كما في‪) :‬قبل خمسين سنة‪.‬وهناك وظائف أخرى‬ ‫للستذكار مثل الشارة إلى أحداث سبق للسرد أن تركها جانبا ً‬ ‫ثم اتخذ الستذكار وسيلة لتدارك الموقف وسد ّ الفراغ الذي‬ ‫حصل في القصة‪ ،‬أو العودة إلى أحداث سبقت إثارتها‪ ،‬تكرارًا‪،‬‬ ‫يفيد التذكير‪ ،‬أو لتغيير دللة بعض الحداث الماضية‪ .‬‬ ‫وبعد هذا الطار العام لتناول الزمن باعتباره عنصرا ً شكليا ً‬ ‫في الرواية‪ ،‬درس الباحث تمظهرات البنية الزمنية في الرواية‬ ‫المغربية‪ ،‬من خلل أربعة أنساق زمنية هي‪:‬‬ ‫‪-1‬السرد الستذكاري‪.152 -‬‬ .‬‬ ‫وأما )السرد الستشرافي( فهو كل مقطع حكائي يروي‬ ‫أو يثير أحداثا ً سابقة عن أوانها‪ ،‬أو يمكن توقع حدوثها‪..‬وهكذا ننتهي‬ ‫إلى أنه ل سرد دون زمن‪ ،‬فالزمن هو الذي يوجد السرد‪،‬‬ ‫وليس العكس‪.‬وهذا ما يفسر‬ ‫ضرورة قيام تباعد معقول بين زمن حدوث القصة وزمن‬ ‫سردها‪.‬‬ ‫)فالسرد الستذكاري( خاصية حكائية نشأت مع‬ ‫ور بتطورها‪ ،‬ثم‬ ‫الملحم القديمة وأنماط الحكي الكلسي‪ ،‬وتط ّ‬ ‫انتقل إلى العمال الروائية الحديثة‪ .118‬‬ ‫ثم جاء )جيرار جينيت( فغّير اتجاه المشكلة حين نظر إلى‬ ‫الزمن السردي كنوع من الزمن المزّيف‪ .‬‬ ‫ويقضي هذا النمط من السرد بقلب نظام الحداث في‬ ‫الرواية عن طريق تقديم متواليات حكائية محل أخرى سابقة‬ ‫عليها في الحدوث‪ ،‬أي القفز على فترة ما من زمن القصة‪،‬‬ ‫وتجاوز النقطة التي وصلها الخطاب لستشراف مستقبل‬ ‫الحداث والتطّلع إلى ما سيحصل من مستجدات في الرواية‪.‬‬ ‫أذكر‪ .‬أتذكر(‪ ..‫ليستغرق في كتابتها ساعتين )زمن الكتابة( بينما تقرؤها في‬ ‫دقيقتين )زمن القراءة( )ميشيل بوتور‪ -‬مقالت حول الرواية –‬ ‫غاليمار‪ -‬باريس ‪ 1964‬ص ‪.‬ثم درس المظهرين‬ ‫الساسيين للزمن داخل الرواية‪ ،‬وهما‪ :‬زمن الشيء المروي‪،‬‬ ‫وزمن السرد‪ ،‬أو ما يمكن التعبير عنه بلغة اللسانيات‪ :‬زمن‬ ‫الدال‪ ،‬وزمن المدلول‪ .‬‬ ‫‪-2‬السرد الستشرافي‪.

‬وهو تقنية زمنية‬ ‫تقضي بإسقاط فترة من زمن القصة‪ ،‬وعدم التطرق لما جرى‬ ‫فيها من وقائع وأحداث‪ ،‬كما في )ومّرت بضعة أسابيع(‪ ،‬و‬ ‫)مضت سنتان(‪ .‬‬ ‫وأما )تعطيل السرد( فيتجّلى في تقنيتين‪ :‬المشهد‬ ‫الدرامي‪ ،‬والوقفة الوصفية‪) .153 -‬‬ .‬وتتمظهر الستشرافات في شكلين‪:‬‬ ‫الستشرافات كتمهيد‪ ،‬والستشرافات كإعلن‪.‬‬ ‫وأما )الحذف أو السقاط( فيلعب‪ ،‬إلى جانب الخلصة‪،‬‬ ‫دورا ً حاسما ً في اقتصاد السرد وتسريع وتيرته‪ .‬‬ ‫ويمكن أن تكون للمشهد قيمة افتتاحية عندما يشير إلى دخول‬ ‫شخصية إلى وسط أو مكان جديد‪ ،‬كما يمكن للمشهد أن يأتي‬ ‫وج السرد ويوقف‬ ‫في نهاية الفصل أو نهاية الرواية لكي يت ّ‬ ‫‪.‬فـ )التلخيص( تلخص فيه الرواية مرحلة طويلة من‬ ‫الحياة المعروضة‪ ،‬وقد ُنظر إلى الخلصة كنوع من التسريع‬ ‫الذي يلحق القصة في بعض أجزائها‪ ،‬بحيث تتحول‪ ،‬من جراء‬ ‫تلخيصها‪ ،‬إلى نوع من النظرات العابرة للماضي والمستقبل‪.‬وليست هنالك طريقة لمعرفته سوى‬ ‫افتراض حصوله بالستناد إلى ما قد نلحظه من انقطاع‬ ‫في الستمرار الزمني للقصة‪ ،‬مثل السكوت عن أحداث‬ ‫فترة من المفترض أن الرواية تشملها‪ ،‬أو إغفال‬ ‫الحديث عن جانب من حياة شخصية ما‪.‬فالمشهد( ينقل تدخلت‬ ‫الشخصيات كما هي في النص‪ ،‬ويقوم على الحوار المعّبر عنه‬ ‫لغويًا‪ ،‬والموزع إلى ردود متناوبة كما هو مألوف في النصوص‬ ‫الدرامية‪ .‬وأشكال الحذف ثلثة‪:‬‬ ‫‪)-1‬الحذف المعلن( وهو الفترة الزمنية المحذوفة على‬ ‫نحو صريح‪ ،‬سواء جاء ذلك في بداية الحذف كما هو‬ ‫شائع‪ ،‬أو تأجلت الشارة إلى تلك المدة إلى حين‬ ‫استئناف السرد لمساره‪.‬‬ ‫وعلى المستوى الوظيفي تعمل هذه الستشرافات بمثابة‬ ‫تمهيد أو توطئة لحداث لحقة يجري العداد لسردها من طرف‬ ‫الراوي‪ ،‬فتكون غايتها حمل القارئ على توقع حادث ما أو‬ ‫التكهن بمستقبل إحدى الشخصيات‪ ،‬كما أنها قد تأتي على‬ ‫شكل إعلن عما ستؤول إليه مصائر الشخصيات مثل الشارة‬ ‫إلى احتمال زواج أو مرض أو موت بعض الشخوص‪ .‬‬ ‫وللخلصة ثلث تقنيات‪ :‬التقديم الملخص‪ ،‬وخلصة الحداث غير‬ ‫اللفظية‪ ،‬وخلصة خطاب الشخصيات‪.‫وتعتبر الستشرافات الزمنية عصب السرد الستشرافي‬ ‫ووسيلته إلى تأدية وظيفته في النسق الزمني للرواية ككل‪.‬‬ ‫وأما )تسريع السرد( فيظهر من خلل تقنيتي‪ :‬التلخيص‪،‬‬ ‫والحذف‪ .‬‬ ‫‪)-3‬الحذف الفتراضي( ويشترك مع سابقه في عدم‬ ‫وجود قرائن واضحة تسعف على تعيين مكانه أو الزمان‬ ‫الذي يستغرقه‪ .‬ويسمي‬ ‫)جينيت( هذا النوع )بالستشرافات الخارجية( تمييزا ً لها عن‬ ‫)الستشرافات التكميلية( التي تأتي لتمل ثغرة حكائية سوف‬ ‫تحدث في وقت لحق من جراء أشكال الحذف المختلفة التي‬ ‫تتعاقب على السرد‪ .‬‬ ‫‪)-2‬الحذف الضمني( وهو ل يظهر في النص‪ ،‬بالرغم‬ ‫من حدوثه‪ ،‬ول تنوب عنه أية إشارة زمنية أو مضمونية‪،‬‬ ‫وإنما يهتدي القارئ إلى معرفة موضعه باقتفاء أثر‬ ‫الثغرات والنقطاعات الحاصلة في التسلسل الزمني‬ ‫الذي ينتظم القصة‪ ،‬ولهذا فمن الصعب إعطاء أمثلة‬ ‫ملموسة له‪.‬وللمشاهد الدرامية دور حاسم في تطور الحداث‬ ‫وفي الكشف عن الطبائع النفسية والجتماعية للشخصيات‪.

‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وعندما تزعزعت القيم الفردية البورجوازية في عصر لحق‪،‬‬ ‫انتقل هذا الخلل إلى الشخصية الروائية التي كان التركيز عليها‬ ‫قويًا‪ ،‬فاختفت أو كادت مع )الرواية الجديدة( فأصبح )فولكنر(‬ ‫مي شخصين مختلفين في رواية واحدة باسم واحد‪ ،‬ويقتصر‬ ‫ُيس ّ‬ ‫)كافكا( في روايته )القصر( على تعريف شخصيته بالحرف‬ ‫الول من اسمها‪ ،‬ويغّير )بيكيت( اسم شخصيته وشكل بطله‬ ‫في العمل الواحد‪ .154 -‬‬ .‬‬ ‫وأما )الوقفة الوصفية( فتمطط الزمن السردي وتجعله‬ ‫وكأنه يدور حول نفسه‪ .‬‬ ‫وقد وقع النقد الحديث في مغالطة حين طابق بين المؤلف‬ ‫والشخصية المتخّيلة التي اعتبرها لسان حال المؤلف‪ ،‬أو‬ ‫الشخصية البديلة عنه‪ .‫مجراه فتكون له قيمة اختتامية‪.‬والوقفة الوصفية‬ ‫الخارجة عن زمن القصة والتي تشبه محطات استراحة يستعيد‬ ‫فيها السرد أنفاسه‪ .‬‬ ‫لكن النقد البنيوي استبعد النظرة الشخصية كجوهر‬ ‫سيكولوجي‪ ،‬كما استبعد الشخصية كلها تمامًا‪ ،‬فقال )رولن‬ ‫بارت(‪) :‬إن الشخصيات كائنات من ورق( ور ّ‬ ‫كز نقده على‬ ‫)فعلها( وحده‪ .‬‬ ‫*‬ ‫‪-3‬الشخصية في الرواية المغربية‬ ‫في الباب الثالث والخير عالج الباحث )الشخصية( في‬ ‫الرواية بشكل عام‪ ،‬ثم في الرواية المغربية‪ .‬كما كان )بروب( قد اختزل الشخصية إلى‬ ‫)وظائفها( التي تقوم بها‪.‬ويظل زمن القصة خلل ذلك يراوح‬ ‫مكانه بانتظار فراغ الوصف من مهمته‪ .‬‬ ‫وإذا كان الدب القديم يعطي الشخصية اسمًا‪ ،‬دون أن‬ ‫يسند إليها أية صفة أخرى‪ ،‬كي يوكل إليه القيام بالحداث‬ ‫والفعال‪ ،‬فإن السرد الحديث قد أخذ بعين العتبار انسجام‬ ‫هذه الحداث التي تقوم بها الشخصية‪ ،‬مع طبيعتها النفسية‬ ‫والمزاجية‪ .‬وهكذا ظهر المضمون السيكولوجي للشخصية في‬ ‫الدب والنقد‪ ،‬وذلك بتقديم الحياة الداخلية التي تعيشها‬ ‫الشخصية‪.‬وقد تجّلى هذا أكثر ما يكون في روايات‬ ‫العترافات والسيرة الذاتية والروايات المروية بضمير المتكلم‪.‬وقد مّهد لذلك‬ ‫بمقدمة نظرية عن دور الشخصية في الرواية‪ ،‬عرض فيها رأي‬ ‫)تودوروف( في الشخصية بأنها حظيت باهتمام زائد من قبل‬ ‫م العراض عنها لدى النقاد‬ ‫نقاد القرن التاسع عشر‪ ،‬ولكن ت ّ‬ ‫المعاصرين لكونها ذات طبيعة مطاطية ل تستقر في مقولة‬ ‫واحدة‪ ،‬بينما يربط )آلن روب غرييه( هذا الهتمام بصعود‬ ‫الفرد البورجوازي إلى قمة السلطة وإشاعته قيمه الطبقية‪.‬وقد طبق الباحث هذه‬ ‫المفهومات على الرواية المغربية‪.‬ويمكن التمييز بين‬ ‫نوعين من الوقفات الوصفية‪ :‬الوقفة التي ترتبط بلحظة معينة‬ ‫من القصة حيث يكون الوصف توقفا ً أمام شيء أو عرضا ً‬ ‫يتوافق مع توقف تأملي للبطل نفسه‪ .‬ولعل من أبرز مستلزمات الوقفة الوصفية‬ ‫ظهور الضوء الطبيعي أو الصطناعي‪ ،‬فهو الذي سيتيح فرصة‬ ‫الرؤية السليمة غير المشوشة‪ ،‬ويساعد على تشكيل المناظر‬ ‫والتهيؤ لقيام الوصف البصري‪ .‬ويعلن )لوكاش( القطيعة بين البطل‬ ‫والعالم‪ ،‬فيطلق تسمية )البطل الشكالي( على الشخصية التي‬ ‫تقوم بالبحث عن القيم الصيلة في العالم المنح ّ‬ ‫ط‪.

‬والتطابق الذي تحدثه القراءة بينهما ما هو‬ ‫إل سوء تأويل ساذج‪ ،‬إذ ليست الشخصية سوى )قضية لسانية(‬ ‫عند )تودوروف( الذي يجردها من محتواها الدللي‪ ،‬ليسند إليها‬ ‫الوظيفة النحوية‪ ،‬فيجعلها الفاعل في العبارة السردية‪.‬‬ ‫‪)-3‬الشخصيات المتكررة ذات الوظيفة التنظيمية(‬ ‫وهي تلك التي تب ّ‬ ‫شر بخير‪ ،‬أو تنذر في الحلم‪..‬‬ ‫‪)-2‬الشخصيات الواصلة الناطقة باسم المؤلف(‬ ‫وأكثر ما تعبر عن الرواة والدباء والفنانين‪.‬‬‫وهكذا يمكننا أن نجدول هذه التصنيفات في التالي‪:‬‬ ‫تصنيف‬ ‫هامون‬ ‫تصنيف‬ ‫بروب‬ ‫تصنيف‬ ‫سوريو‬ ‫‪.‫وهذا الخلط بين المؤلف والراوي أعاق فهم الشخصية الروائية‬ ‫التي هي ليست المؤلف الواقعي‪ ،‬بل هي محض خيال يبدعه‬ ‫المؤلف لغاية فنية‪ .‬وكل هذه النواع‬ ‫تحيل على معنى ثابت تفرضه ثقافة يشارك القارئ‬ ‫تشكيلها‪.155 -‬‬ ‫تصنيف‬ ‫غريماس‬ .‬‬ ‫ددت التصنيفات بعد ذلك‪ :‬فـ )فيليب هامون( ‪Ph. Souriau‬فوضع نموذجه في كتابه )‬ ‫‪ 200‬ألف موقف درامي( ‪ 1950‬في ست )وظائف درامية(‬ ‫هي‪:‬‬ ‫البطل‪ /‬والبطل المضاد‬‫الموضوع‪ /‬المساعد‬‫سل إليه‬ ‫المر ِ‬‫سل‪/‬والمر َ‬ ‫ثم جاء )غريماس( ‪) Greimas‬في السيميائية البنيوية(‬ ‫فاعتمد هذا الرث المنهجي‪ ،‬وأسس عليه تصنيفه للنموذج‬ ‫العاملي في ستة أدوار هي‪:‬‬ ‫العامل الذات‪ /‬والعامل الموضوع‬‫سل إليه‬ ‫المر ِ‬‫سل‪ /‬والمر َ‬ ‫المساعد‪ /‬والمعاكس‪.‬‬ ‫دد )بروب( في )مورفولوجيا الحكاية الشــعبية( ســتة‬ ‫وقد ح ّ‬ ‫ت لحركة الشخصيات هي‪:‬‬ ‫مجال ٍ‬ ‫البطل‪ /‬والبطل المزيف‬‫المر‪ /‬والمانح‬‫المساعد‪ /‬والمغتصب‬‫وجاء بعده )سوريو( ‪ E.‬‬ ‫ثم تع ّ‬ ‫‪ Hamon‬صنف الشخصيات الروائية في ثلثة أنواع‪:‬‬ ‫‪)-1‬الشخصيات المرجعية( وضمنها الشخصيات‬ ‫التاريخية‪ ،‬والشخصيات السطورية‪ ،‬والشخصيات‬ ‫المجازية‪ ،‬والشخصيات الجتماعية‪ .‬‬ ‫وقد قامت الجهود التي خصصت للبحث عن القانون‬ ‫الساسي للشخصية بعدة تصنيفات للشخصية‪ :‬أنواعها‪،‬‬ ‫وتطابقها‪ ،‬وتقاطعها‪ ،‬ومنها تصنيف الشخصية في سكونية ثابتة‬ ‫ل تتغير طوال السرد‪ ،‬ودينامية تمتاز بالتغيير الدائم داخل‬ ‫السرد‪ ،‬ثم شخصية محورية )أو رئيسية(‪ ،‬وثانوية‪ ،‬وشخصية‬ ‫قدة متعددة البعاد عميقة تشكل عالما ً شام ً‬ ‫ل‪ ،‬وشخصية‬ ‫مع ّ‬ ‫مسطحة منمذجة محددة دون عمق سيكولوجي‪..

‬ويتم التعرف على )الحاج‬ ‫محمد( عميد عائلة التهامي كلما تقدمنا في القراءة‪ :‬مظهره‬ ‫الجسدي‪ ،‬وهندامه‪ .‬وكمثال على‬ ‫ذلك يسوق الباحث مثال رواية )المرأة والوردة( لمحمد‬ ‫زفزاف‪ ،‬حيث تتميز بندرة المعلومات المعطاة حول‬ ‫الشخصيات‪ ،‬وبخروجها عن المنحى المألوف في تقديمها‬ ‫للقارئ‪.156 -‬‬ .‬الخ‪...‬وتبدو هذه السيطرة مبررة‪ ،‬لنها ستكون نتيجة‬ ‫‪.‬‬ ‫ثم يفحص الباحث أشكال تقديم الشخصيات في الرواية‬ ‫المغربية على ضوء )المقياس النوعي( فيجد )الطريقة غير‬ ‫المباشرة( هي المسيطرة على التقديم‪ ،‬حيث يكون الراوي هو‬ ‫دنا بالمعلومات حول الشخصية بالمقدار وبالشكل الذي‬ ‫الذي يم ّ‬ ‫يقرره المؤلف‪ .‬‬ ‫ويكشف هذا النسق التقليدي السائد عن الطموح الذي‬ ‫راود رواية القرن التاسع عشر في إكساب الشخصية الحد‬ ‫القصى من الوصف الضروري‪ ،‬سعيا ً وراء إعطائها مزيدا ً من‬ ‫الوضوح والواقعية‪.‬ثم يتبعه إلى السوق حيث مكان عمله‪،‬‬ ‫وحيث يستغرق منه هذا الوصف الفصلين الوليين‪ :‬ليتفرغ في‬ ‫الفصول الخرى لشخصيات أخرى يفعل معها ما فعله في‬ ‫الولى‪) :‬عبد الرحمن( و )خدوج( و )ياسمين( و )عائشة( و‬ ‫)عبد الغني( و )محمود(‪ .‬‬ ‫دم الباحث )الشخصية( في الرواية المغربية من‬ ‫وقد ق ّ‬ ‫خلل مقياسين مأخوذين عن )فيليب هامون( هما‪) :‬المقياس‬ ‫الكمي( الذي ينظر إلى كمية المعلومات المتوافرة عن‬ ‫دد مصدر تلك‬ ‫الشخصية‪ ،‬و )المقياس النوعي( الذي يح ّ‬ ‫المعلومات عن الشخصية‪ ،‬وعلى أساس هذين المقياسين‬ ‫درس نموذج )الحاج محمد( في رواية )دفّنا الماضي( لعبد‬ ‫الكريم غ ّ‬ ‫لب للوقوف على التفصيلت المظهرية والخلقية‬ ‫والنفسية التي تستند إلى الشخصية‪ ،‬حيث يصف الروائي‬ ‫)قصر( عائلة التهامي باعتباره يمثل "نموذجا ً لتعايش الجيال‬ ‫من آباء وأعمام وأولد وأحفاد"‪ .‬‬ ‫لكن هناك أكثر من دليل‪ ،‬في الرواية المغربية‪ ،‬على‬ ‫سقوط هذا التصور التقليدي في بناء الشخصية وتقديمها على‬ ‫ذلك النحو الذي يلغي الميل إلى مراكمة المعلومات واتخاذ‬ ‫طرائق جديدة تقيم قطيعة مع الطرائق التقليدية في تقديم‬ ‫الشخصيات‪ ،‬وذلك من خلل اعتماد فرضية تقول بأن‬ ‫الشخصية المتروكة دون وصف يمكنها أن تكون أكثر حضورا ً‬ ‫في الرواية من الشخصية الموصوفة بوضوح تام‪ .‫شخصيات‬ ‫مرجعية‬ ‫شخصيات‬ ‫واصلة‬ ‫شخصيات‬ ‫متكررة‬ ‫البطل‬ ‫البطل‬ ‫البطل المزيف البطل المضاد‬ ‫العامل الذات‬ ‫العامل‬ ‫المعاكس‬ ‫العامل‬ ‫الموضوع‬ ‫المر‬ ‫الموضوع‬ ‫المساعد‬ ‫المساعد‬ ‫المساعد‬ ‫المانح‬ ‫سل‬ ‫المر ِ‬ ‫سل‬ ‫المر ِ‬ ‫سل إليه‬ ‫سل إليه‬ ‫المغتصب‬ ‫المر َ‬ ‫المر َ‬ ‫ولدى قراءة هذا الجدول نتبين أن النقاد اعتمدوا على‬ ‫بعضهم بعضًا‪ ،‬فأخذ اللحق عن السابق‪ ،‬ودارت تصنيفاتهم كلها‬ ‫حول ستة عناصر تجمع أصناف الشخصيات كلها‪.

‫مته‪ .‬ومهمة‬
‫طبيعية لهيمنة الراوي العليم على مجال السرد بر ّ‬
‫الراوي‪ ،‬في هذا النمط‪ ،‬هي أن يجعلنا نرى بأقصى ما يمكن‬
‫من الوضوح الشخصية التخييلية‪ ،‬صنيعة المؤلف‪ ،‬كما لو كانت‬
‫شخصية محتملة‪ .‬وهكذا يلعب الراوي دور الوساطة بين‬
‫القارئ والشخصية‪ ،‬بشكل يترتب عنه توفير الوضوح وتحقيق‬
‫المقروئية الضروريين لبناء الشخصية الروائية‪.‬‬
‫ويظهر أن التعليل المباشر لسيادة هذا المنحى في تقديم‬
‫الشخصيات هو شيوع النسق التقليدي في عرض الشخصية‪،‬‬
‫والذي يقضي بأن تسند مهمة التقديم إلى الراوي بهدف‬
‫استثمار عالميته وحضوره الكلي من ناحية‪ ،‬وللتأكيد على‬
‫المصداقية التي أحرزها في عين المؤلف والقارئ معا ً من‬
‫ناحية ثانية‪ .‬وفي الحقيقة فإن استعمال الراوي لضمير الغائب‬
‫في التقديم ليس فقط تنويعا ً نحويا ً أو لفظيا ً مجردا ً من الدللة‪،‬‬
‫خته التقاليد الروائية المتعاقبة‪،‬‬
‫وإنما هو موقف جمالي رس ّ‬
‫وانتقل إلى المتن الروائي المغربي عبر التأثيرات الغربية‬
‫والمشرقية التي مورست عليه‪.‬‬
‫وهذا الستعمال للضمير الثالث من طرف الراوي هو الذي‬
‫يسمح له باتخاذ مسافة مناسبة من الشخصية التي يقدمها‬
‫بحيث يصبح في إمكانه الحديث عن أوصافها من موقع العين‬
‫الراصدة‪ ،‬كما سيمثل هذا الستعمال أثرا ً من آثار السرد‬
‫الكلسي الذي ما تزال الشخصية التخييلية ماثلة فيه‪.‬‬
‫وقد قدم الباحث أمثلة نموذجية لهذه الطريقة في التقديم‪،‬‬
‫والتي يتمّثل فيها الحضور المتمّيز للراوي بوصفه القائم بعملية‬
‫التقديم‪ .‬ثم أعقب ذلك باستنطاق تلك النماذج المختارة لختيار‬
‫تمثيليتها‪ ،‬والتوقف عند أهم السمات التي تمّيزها‪ ،‬مركزا ً‬
‫الهتمام على نوعية التقديم ومقدار القناع والصالة التي‬
‫يتضمنها‪ ،‬فيتخذ من شخصية )عائشة العرجاء( في رواية )الريح‬
‫الشتوية( لمبارك ربيع مثال ً لتقديم الشخصيات وفق النمط‬
‫التقليدي الذي يستبد به الراوي بالكلمة‪ ،‬ويجبرنا على تلقي‬
‫خطابه غير المباشر حول الشخصية المراد تقديمها‪.‬‬
‫وقد حاول الباحث اختبار )المقياس النوعي( وانتهاجه في‬
‫مقاربة طرق التقديم المستعملة في الرواية المغربية‪ ،‬سعيا ً‬
‫وراء استثمار الوجاهة المنهجية والمكانات التحليلية التي‬
‫يوّفرها‪ .‬وفي إطار دراسة النسق التقليدي للتقديم توقف عند‬
‫أبرز صفتين تمّيزانه وهما‪ :‬الرؤية الخارجية‪ ،‬والتدخل المباشر‬
‫للراوي‪.‬‬
‫وإذا كان البحث لم ير ّ‬
‫كز على التدخل المباشر للراوي‬
‫باعتباره علمة على الحضور الكثيف والدائم للراوي فذلك لكي‬
‫ل يصرفه البحث في مشكلت الراوي المعقدة عن الهدف‬
‫الجوهري للتحليل والذي يتجه إلى قضايا تقديم الشخصية في‬
‫المقام الول‪ .‬وفي الوقت نفسه لم يشأ الذهاب بعيدا ً في‬
‫تجاهل الدور الريادي الذي ينهض به الراوي ضمن هذا النسق‬
‫من التقديم‪ .‬وقد جرى الهتمام والتركيز على الرؤية الخارجية‬
‫السائدة في هذا النسق‪ ،‬وذلك من خلل البحث في المبادئ‬
‫التي تنظمها وتبرزها بمظهر العنصر الساسي في عملية‬
‫التقديم‪ .‬ومن زاوية منهجية وجد أن من المناسب القتصار‬
‫على مبدأين للتمثيل لمظاهر هذه الرؤية‪ ،‬هما‪ :‬مبدأ التدّرج‪،‬‬
‫ومبدأ التحول‪ .‬فـ )مبدأ التدّرج( يشكل التجسيد النموذجي‬
‫لطريقة التقديم النموذجية‪ .‬ومن أولياته أنه يقتضي‪ ،‬في تقديم‬
‫الشخصية‪ ،‬النتقال بالوصف من العام إلى الخاص‪ ،‬ومن‬
‫المظهر الخارجي إلى المظهر الداخلي للشخصية وعلقاتها مع‬
‫الخرين‪ .‬وأما )مبدأ التحول( فهو مكون أساسي آخر للرؤية‬
‫الخارجية المتحكمة في بناء الشخصية‪ .‬وقد قصد الباحث به‬
‫‪- 157 -‬‬

‫افتقاد الشخصية‪ ،‬في النسق التقليدي‪ ،‬إلى الصبغة النموذجية‬
‫ول تبعا ً للتغيرات التي تطرأ على‬
‫القاّرة وميلها إلى التح ّ‬
‫الحداث في السرد‪ .‬وقد بدا هذا المبدأ محك ّا ً لختبار مقدرة‬
‫الشخصية على التغيير وقياس التأثيرات التي تمارسها الحداث‬
‫على بنية الشخصية‪.‬‬
‫*‬
‫وبصدد )السم الشخصي( في الرواية يؤكد الباحث أن‬
‫خى أن تكون متناسبة‬
‫الراوي‪ ،‬وهو يضع أسماء شخصياته‪ ،‬يتو ّ‬
‫ومنسجمة بحيث تحقق للنص مقروئيته وللشخصية احتماليتها‬
‫ووجودها‪ .‬ومن هنا مصدر التنوع والختلف الذي يطبع أسماء‬
‫الشخصيات الروائية‪ .‬وهذه المقصدية التي تضبط اختيار‬
‫المؤلف لسم الشخصية ليست دون خلفية نظرية‪ ،‬كما أنها ل‬
‫تنفي اعتباطية العلقة‪ ،‬ذلك أن السم الشخصي هو علمة‬
‫دد بكونه اعتباطيًا‪ ،‬لكن العتباطية متغايرة‬
‫لغوية‪ .‬فهو إذن يتح ّ‬
‫ومتفاوتة‪.‬‬
‫ومن الواضح أنه ليس هناك ما يجبر الراوي على وضع‬
‫أسماء شخصية لبطاله‪ ،‬فبإمكانه أن يطلق عليهم ألقابا ً مهنية‬
‫مثل‪ :‬الستاذ‪ ،‬والمعلم‪ ،‬والفلح‪ ،‬والمقدم‪ ...‬أو يعّينهم بألفاظ‬
‫القرابة مثل‪ :‬الب‪ ،‬والم‪ ،‬والعم‪ ،‬والجد‪ ...‬أو ينسبهم إلى‬
‫مواطنهم مثل‪ :‬السوري‪ ،‬والمصري‪ ،‬والشامي‪ ،‬والحلبي‪ ...‬أو‬
‫يطلق عليهم سمات وصفية تمّيزهم مثل‪ :‬البله‪ ،‬والعرجاء‪،‬‬
‫والعمى‪ .‬وعلى العموم فإن معظم المحللين البنيويين‬
‫للخطاب الروائي يصّرون على أهمية إرفاق الشخصية باسم‬
‫يعطيها بعدها الدللي‪ ،‬ويميزها عما سواها‪.‬‬
‫وفي الرواية المغربية يصادف القارئ منظومة من السماء‬
‫وع والختلف‪ ،‬فهناك أسماء ذات طابع تقليدي‬
‫غاية في التن ّ‬
‫تنتمي إلى عالم الماضي بما يعنيه ذلك من عتق وتجاوز )مثل‪:‬‬
‫باسو‪ ،‬وعقا‪ ،‬والُتهامي( وهناك أسماء مطابقة لسماء‬
‫الشخاص في واقع الحياة العتيادية المعاصرة )مثل‪ :‬حميد‪،‬‬
‫وعزيز‪ ،‬وإدريس( وهناك أسماء واسعة النتشار )مثل‪ :‬محمد‪،‬‬
‫وفاطمة‪ ،‬وإدريس( وأسماء قّلما نصادفها في الوقت الراهن‬
‫)مثل‪ :‬قدور‪ ،‬وحمو‪ ،‬وهنية( وقد نصادف أسماء مستوردة‬
‫شرقية )مثل‪ :‬فؤاد‪ ،‬وجليل(‪ ،‬وغربية )مثل‪ :‬مارية‪ ،‬ومورينو(‪.‬‬
‫ومن الطريف أن الباحث حاول تقديم رصد نسبة تواتر‬
‫السماء في الرواية المغربية‪ ،‬وذلك للوقوف على درجة ترّددها‬
‫في المتن الروائي‪ ،‬ومعرفة استعمال الكثر ورودًا‪ ،‬على الرغم‬
‫من صعوبة هذا العمل‪ ،‬وافتقاد الوسائل الضرورية لقامة جرد‬
‫دقيق بأسماء الشخصيات في جميع روايات المتن المدروس‪،‬‬
‫لكن الباحث بذل جهدا ً في هذا السبيل‪ ،‬وانتهى إلى نتائج عاجلة‬
‫وأولية بدا له منها أن معظم السماء التي يخلعها الكّتاب‬
‫المغاربة على شخصياتهم الروائية مأخوذة في معظمها من بين‬
‫أسماء الرسل والولياء وأبطال السلم‪ .‬ولعل في هذا ما‬
‫يفسر التفوق الساحق لسم )محمد( الذي يأتي على رأس‬
‫القائمة من حيث عدد المرات التي تكرر فيها في المتن‬
‫الروائي‪ ،‬حتى إن المغربي ل يذكر اسم )محمد( إل ويسبقه‬
‫بلفظ سي )سيدي( تكريما ً وتعظيمًا‪ .‬يتبعه في التواتر اسم‬
‫)إدريس( ثماني مرات‪ ،‬و )فاطمة( ست مرات‪ ،‬و)خديجة( أربع‬
‫مرات‪ ،‬و )مريم( ثلث مرات‪ ،‬وكلها أسماء دينية‪.‬‬
‫ومن الملحظات التي خرج بها الباحث من قراءة ذلك‬
‫الجرد الحصائي بأسماء وأعداد الشخصيات أن هناك كّتابا ً‬
‫يتميزون باستعمال عدد كبير من الشخصيات في رواياتهم مثل‬
‫عبد الكريم غلب الذي استعمل قرابة ثلثين شخصية في‬
‫‪- 158 -‬‬

‫روايته )دفّنا الماضي(‪ ،‬وقريبا ً من هذا العدد في روايته الثانية‬
‫)المعلم علي(‪ ،‬ويشاركه في هذا مبارك ربيع الذي يفوق عدد‬
‫شخصياته في روايته )الطيبون( العشرين شخصية‪ .‬ويكاد‬
‫يضاعف العدد في روايته )الريح الشتوية(‪ ،‬وفي روايته )بدر‬
‫زمانه(‪.‬‬
‫وهناك روائيون يتصف تعاملهم مع الشخصيات بالقتصاد‬
‫وملزمة الحد الدنى في العدد كالعروي وزفزاف‪ ،‬فقد ل‬
‫يتجاوز عدد شخصيات رواية كل منهما العشر شخصيات‪ ،‬بينما‬
‫ينفرد محمد عزيز الحبابي بوضعية خاصة تجعله يقف في‬
‫م في تناول الشخصيات‬
‫الطرف المقابل لمستعملي مبدأ الك ّ‬
‫وذلك لقتصاده في عدد الشخصيات في كلتا روايتيه )إكسير‬
‫الحياة( و )جيل الظمأ(‪.‬‬
‫وهناك السماء المنسوبة إلى المكان أو الموطن مثل‪:‬‬
‫التطواني‪ ،‬والطنجاوي‪ ،‬والتدلوي‪ ...‬وهذا السم المنسوب‬
‫يلغي السم الشخصي ويحل محله في الوظيفة والدللة‪ ،‬كما‬
‫حورة )مثل‪ :‬كريمو‪ ،‬وفيطونة‪،(..‬‬
‫أن هناك أسماء مصّغرة أو م ّ‬
‫وأسماء مجزوءة )مثل‪ :‬سوسو‪ ،‬وفيفي‪ .(..‬وقد يرتبط السم‬
‫بمهنة أو حرفة معينة )مثل‪ :‬المعلم‪ ،‬والفقيه‪ (..‬أو تثليثه بإضافة‬
‫لفظ شريف )كسيدي‪ ،‬ومولي‪ ،‬والشريف(‪ ،‬واللفظ يفيد‬
‫التراتب الجتماعي والديني مثل )الحاج‪ (..‬وهناك مظهر آخر‬
‫للتّنوع الذي تأتي عليه أسماء الشخصيات في الرواية المغربية‬
‫هو وجود بعض السماء الجنبية )مثل‪ :‬بيكا‪ ،‬وتمارا‪ ،‬وكاري )في‬
‫الفعى والبحر(‪ ،‬وسوز‪ ،‬وجورج‪ ،‬وآلن‪ ،‬وبيير‪ ،‬وباربارا )في‬
‫المرأة والوردة(‪ ،‬ولره‪ ،‬ويوليوس )في الغربة( ومادلين‪،‬‬
‫وفرانسوا )في دفّنا الماضي(‪ .‬وقد ترفق هذه السماء الجنبية‬
‫المفردة بلفظ يثنيها ويفيد الجنس )مثل‪ :‬مسيو‪ ،‬مدام‪.(...‬‬
‫وفي التصنيف الثلثي للشخصية )أو تيبولوجية الشخصيات(‬
‫اعتمد الباحث النموذج الثلثي باعتباره يدخل في صميم البناء‬
‫الروائي‪ ،‬ويشكل أداة مهمة وفاعلة في تركيبه‪ ،‬ول أدل على‬
‫شيوعه من كون كثير من الباحثين قد اختبر وجاهته الجرائية‪،‬‬
‫من ثلثة أنواع من الروايات‬
‫فـ )لوكاش( مثل ً أعد ّ تصنيفا ً تض ّ‬
‫الوربية في القرن التاسع عشر هي‪ :‬الرواية المثالية المجردة‪،‬‬
‫والرواية السيكولوجية‪ ،‬والرواية التربوية‪ .‬و )إدوين موير( في‬
‫)بناء الرواية( جعل النموذج الثلثي خطاطة أصيلة لبحثه حين‬
‫قرر أن المقولت الروائية الحقيقية هي‪ :‬الزمن‪ ،‬والفضاء‪،‬‬
‫والبيئة‪ .‬و )رولن بارت( اقترح التمييز في العمال السردية‬
‫بين ثلثة مستويات في الوصف خصص لها دراسته اللمعة‬
‫)مدخل إلى التحليل البنيوي للسرد(‪ .‬و )نورثروب فراي( أبرز‬
‫الشكل الثلثي في عناصر البنية الروائية‪ ،‬ورأى أن البطل غالبا ً‬
‫ما يكون ثالث أفراد السرة‪ ،‬أو نجح في محاولته الثالثة‪ .‬وهكذا‬
‫اكتسب النموذج الثلثي مشروعيته وصلبته المنهجية من خلل‬
‫الستعمالت المختلفة التي أظهرت مقدرته‪.‬‬
‫وقد اعتمد الباحث هذا النموذج الثلثي ليساعد على الولوج‬
‫في عالم الشخصيات‪ ،‬ويتيح إمكانية تصنيفها وفق خطة‬
‫مدروسة‪ ،‬وجعل نموذجه الثلثي على الشكل التالي‪:‬‬
‫‪-1‬نموذج الشخصية الجاذبة‪.‬‬
‫‪-2‬نموذج الشخصية المرهوبة الجانب‪.‬‬
‫‪-3‬نموذج الشخصية ذات الكثافة السيكولوجية‪.‬‬
‫عني الباحث بالشخصية‬
‫في )نموذج الشخصية الجاذبة( ُ‬
‫التي تستأثر باهتمام الشخصيات الخرى‪ ،‬وتنال من تعاطفها‪،‬‬
‫وذلك بفضل صفة تنفرد بها عن عموم الشخصيات في الرواية‪.‬‬
‫‪- 159 -‬‬

‫وهذه الصفة قد تكون مزاجية أو طباعية أو سلوكية أو‬
‫مظهرية‪ ...‬على الرغم من تنوع الشخصيات الجاذبة وكثرتها‪،‬‬
‫فإن الباحث اكتفى بدراسة ثلثة منها هي‪ :‬الشيخ‪ ،‬والمناضل‪،‬‬
‫والمرأة‪ ،‬كتفريع ثلثي أيضا ً على نموذجه الثلثي‪.‬‬
‫)فنموذج الشيخ( يستمد جاذبيته من السلطة الدينية أو‬
‫الخلقية التي يتوفر عليها‪ ،‬وذلك بفضل سّنه المتقدم وسلوكه‬
‫المشهود لـه بالستقامة‪ ،‬ووقاره الظاهر‪ .‬وهي سلطة معنوية‬
‫تؤكد قوة الشخصية‪ ،‬فتجتذب الشخصيات الخرى إليها‪ ،‬وتتعلق‬
‫بها‪ ،‬فتجعل منها مركز الهتمام‪ .‬كما نجد في شخصية )الحاج‬
‫محمد( في رواية )دفّنا الماضي( لعبد الكريم غلب‪ ،‬حيث‬
‫سده الكاتب "شخصا ً في الحي ل غنى لسكان الحي وتجّلده‬
‫يج ّ‬
‫ن‬
‫عنه‪ .‬كلهم يشعر بأبوته ورعايته وحسن مجاملته‪ ،‬كلهم يح ّ‬
‫إليه كلما غاب عن الحي لمرض أو سفر‪ ،‬وكلهم يسأل عنه إذا‬
‫ما غّير عادته في المرور بالحي صباحا ً وفي انتظار آذان‬
‫المغرب أو العشاء مساء‪-‬ص ‪."17‬‬
‫وهذا النص يشير إلى مصادر انجذاب الناس لشخصية‬
‫)الحاج محمد(‪ ،‬والتي هي في نفس الوقت مظاهر لسلطته‬
‫المعنوية عليهم‪ .‬وهذه السلطة ستجعل من شيخ المتصوفة في‬
‫رواية )الطّيبون( لمبارك ربيع شخصا ً محبوبا ً من مريديه إلى‬
‫درجة التقديس‪ ،‬حتى أنهم كانوا )ينحنون على يده يقبلونها‬
‫ويتشممونها( تعبيرا ً منهم عن المكانة الرفيعة التي كانوا‬
‫يضعونه فيها‪.‬‬
‫و)نموذج المناضل( يفرض سلطة من طراز خاص جديد‬
‫هي السلطة النضالية‪ ،‬أو هي الوعي السياسي الذي يتوفر‬
‫عليه المناضل ويضعه في خدمة قضايا الناس وسبيل ً إلى تنوير‬
‫عقولهم‪ ،‬مما يجعله يستقطب اهتمامهم وإعجابهم‪.‬‬
‫وهناك ملحظة أولية هي أن مظهر المناضل ل يوحي‬
‫بمضمونه‪ ،‬فمظهره الخارجي ل أهمية له في بناء شخصيته‪ ،‬بل‬
‫قد يكون مظهره خادعًا‪) :‬شاب في مقتبل العمر‪ ،‬ل يكاد يناهز‬
‫الخامسة والثلثين من العمر‪ .‬نحيف الجسم‪ ،‬غائر العينين‪،‬‬
‫ن يحّييه‬
‫يبتسم في رزانة يشوبها بعض الحزن‪ .‬ويشد ّ على يد َ‬
‫م ْ‬
‫برفق واحتفاء بارز‪ .‬بيد أنه ما إن بدأ في تناول الحديث بنبرات‬
‫هادئة وكلمات مبسطة حتى تتحول خيبتهم إلى إعجاب كبير‬
‫ورغبة ملحة في الستزادة من ذلك الكلم الذي يستحوذ على‬
‫مشاعرهم –ص ‪ 70‬من رواية )المهاجر( لعبد الرحمن‬
‫الشركي(‪.‬‬
‫وإذن فإن الكلم هو مصدر النجذاب إلى شخصية الشاب‬
‫الوطني‪ ،‬وهو أيضا ً مصدر النجذاب إلى شخصية )العاِلم( في‬
‫رواية )الريح الشتوية( لمبارك ربيع حيث يصفه الكاتب بأنه‬
‫)يقارب الخمسين أو يتجاوزها بقليل‪ ،‬حليق الوجه‪ ،‬أبيض مشربا ً‬
‫بحمرة‪ .‬أنيق الملبس‪ ،‬يبدو في جلبته البيضاء وبلفته الصفراء‬
‫أشبه ما يكون وأقرب إلى القضاة‪-‬ص ‪ 64‬ج ‪ (2‬ولم يكن العاِلم‬
‫قاضيا ً ول فقيها ً كما يوحي بذلك مظهره الخارجي‪ ،‬وإنما كان‬
‫مناضل ً وطنيا ً اتخذ من الوعظ والرشاد غطاء لللتقاء بالناس في‬
‫الساحات العمومية لتنوير عقولهم والرتقاء بوعيهم‪ .‬علما ً أنه إذا‬
‫كان المظهر ل يخبر عن المخبر كما في المثالين السابقين‪ ،‬فإن‬
‫مناضلين آخرين يتطابق مظهرهم مع مخبرهم‪ ،‬كشخصية عبد‬
‫الرحمن في رواية )دفّنا الماضي( لغ ّ‬
‫لب حيث يصفه الكاتب بأنه‬
‫)انبعث من بين الجموع كسهم من نور‪ .‬شاب في مقتبل العمر‪،‬‬
‫طويل القامة‪ ،‬واهن الجسم‪ ،‬معروق الخدين‪ ،‬ساهم النظرات‪.‬‬
‫وقف يخطب في الجموع بصوت ضعيف قوي عامر باليمان‪.‬‬
‫كان رائع المظهر في حماسه وانطلقه وجرأته‪ .‬لم يخف ولم‬
‫يترّدد‪ .‬فكانت كلماته القصيرة نارا ً تنبعث في نفوس الجموع‬
‫‪- 160 -‬‬

‫المحتشدة إيمانا ً وحماسًا‪ .‬ولكن شبابه كان أكثر أثرا ً في نفوس‬
‫الجماهير‪ -‬ص ‪.(210‬‬
‫و)نموذج المرأة( الجاذبة يقتضي أن يكون لها مظهر يؤهلها‬
‫لذلك‪ .‬وقد ألح ّالروائيون على المظهر في تقديمهم لنموذج المرأة‬
‫الجاذبة‪ ،‬بحيث أبرزوه في المقام الول‪ ،‬من خلل تركيزهم على‬
‫ملمح الجمال والتناسق في جسد المرأة‪ .‬أما الصفات المزاجية‬
‫والباطنية فقلما يجري الحديث عنها‪ .‬ففي رواية )بامو( لحمد زياد‬
‫زات في‬
‫رت تحدث ه ّ‬
‫يصف الكاتب )بامو( بأنها )كانت كلما م ّ‬
‫أجسام الناس‪ ،‬وانشغال ًفي عقولهم‪ ،‬فل يشعرون إل ويقبل‬
‫بعضهم على بعض يتهامسون‪-‬ص ‪.(83‬‬
‫إن جمال )بامو( يشكل نقطة جاذبة أزلية‪ ،‬وُيمارس إغراء‬
‫ل يمكن مقاومته لدى الشخاص‪ .‬وهكذا فإن المرأة ل تلفت‬
‫النتباه ول تثير العجاب إل بقدر ما يكون حظها من الجمال‪.‬‬
‫وحتى عندما تتوفر لديها بعض المميزات غير المظهرية‬
‫كالمعرفة أو الذكاء أو الوعي‪ ،‬فإن الدباء ل يمحضونها العناية‬
‫اللزمة‪ ،‬ويجعلون منها‪ ،‬في أفضل الحوال‪ ،‬مجرد لواحق ثانوية‬
‫ل ُيعّتد بها عند قياس جاذبية الشخصية‪ ،‬بل إن الجاذبية‬
‫الجنسية وسلطة الجسد تشكلن محور استقطاب أساسي‬
‫بالنسبة لعلقة البطل بـ )سوز( في رواية )المرأة والوردة(‬
‫لمحمد زفزاف‪ ،‬حيث يقول‪) :‬وضعت سوز كل جسدها الن‬
‫تحت تصرفي‪ .‬شعرت بالدفء والحرارة وكل شيء‪ .‬وأيضا ً‬
‫الحرارة‪ ،‬المطلق‪ ،‬وكل شيء‪ .‬وأيضا ً كل شيء‪ .‬وكل شيء‪ .‬ثم‬
‫كل شيء‪ -‬ص ‪.(60‬‬
‫كذلك فإن )سوسو( في رواية )الفعى والبحر( لمحمد‬
‫زفزاف ل تخرج عن دائرة الغراء الجسدي في بعده الجنسي‪.‬‬
‫وقد استطاعت أن تعصف بمشاعر البطل سليمان لمجرد أنها‬
‫امرأة ذات جسد رائع تحسن استعماله في جذب الرجال‬
‫)سوسو لها فخذان جميلن‪ .‬هذا ما أحبه فيها‪ ،‬علوة على أنها‬
‫تتقن فن المضاجعة بشكل جيد‪ -‬ص ‪.(71‬‬
‫ً‬
‫وعلى العموم فإن الجنس هو الذي يكون محددا لجاذبية‬
‫الشخصية النسائية في روايات محمد زفزاف‪ ،‬خصوصا ً إذا كان‬
‫جنسا ً متحررا ً من العقد والمركبات من النوع الذي تمتاز به‬
‫)سوز( و )سوسو( وغيرهما من النساء اللواتي تحفل بهن‬
‫أعمال هذا الكاتب‪.‬‬
‫وأما نموذج )الشخصية المرهوبة الجانب( فهي ذلك‬
‫الطرف الفاعل الذي تمثله الشخصية التي تتصرف من موقع‬
‫قوة ما‪ ،‬وتعطي لنفسها حق التدخل في تقرير مصير الفرد أو‬
‫الفراد الذين تطالهم سلطتها‪ .‬ووجود علقة التسلط هذه بين‬
‫الشخصيات العامة في الرواية يشكل علمة على إيديولوجية ل‬
‫عقلنية ُيعاد إنتاجها على المستوى الدبي من خلل تصوير‬
‫النظم التسلطية السائدة في المجتمع وتجسيدها إبداعيا ً ثم‬
‫إشاعتها في نماذج تخييلية مثل‪ :‬الب‪ ،‬والقطاعي‪ ،‬والمستعمر‪.‬‬
‫فنموذج )الب( يحتل موقعا ً مهما ً في الرواية المغربية‪،‬‬
‫باعتباره مكونا ً أساسيا ً في البنية العاملية‪ ،‬وبفضل حضوره‬
‫الكثيف في الحداث‪ ،‬ذلك الحضور الذي يتمّيز على عدة‬
‫مستويات‪ :‬في الدوار الكبرى‪ ،‬وفي مجرى الحداث‪ .‬وخير‬
‫مثال على سلطة الب المادية والمعنوية شخصيتا )الحاج‬
‫محمد التهامي( في رواية )دفّنا الماضي( لغ ّ‬
‫لب‪ ،‬و )الحاج‬
‫مهدي( في رواية )بدر زمانه( لمبارك ربيع‪) .‬فالحاج محمد‬
‫التهامي( يظهر كنموذج للب المستبد الذي يبسط سيطرته‬
‫ن تطالهم يده‪ ،‬سواء كانوا من أهل القصر وعبيده‬
‫على كل َ‬
‫م ْ‬
‫أو من البدو الذين يستخدمهم في ضيعته بآية جامع‪.‬‬
‫‪- 161 -‬‬

‬وقد أعد ّ مستقبل عبد الغني الذي كان –‬ ‫بحكم أنه أكبرهم سنًا‪ -‬أقرب إلى التفكير في مستقبله‪ ،‬ولم‬ ‫يكن مستقبله في غير دكان ثياب يضمن فيه الستمرار للمهنة‬ ‫التي توارثتها عائلة التهامي أبا ً عن جد – ص ‪..‬لم يكن يدري شيئا ً مما حدث‪ ،‬ولم يكن‬ ‫يفكر في أنه سيتزوج‪ .(183‬‬ ‫وستكون سلطة الحاج محمد قد تشكلت في أقصى‬ ‫تجلياتها واكتسبت طابع العنف العيني عندما سيقدم على‬ ‫اغتصاب الخادمة )ياسمين( في غيبة زوجته خدوج‪ .‬إن التسّري كان مما لم‬ ‫يأنف منه السلف الصالح‪ ،‬وهو مما لم يتورع عنه الباء‬ ‫والجداد‪ ،‬ومن التزمت والزيادة في الدين أن أحرم نفسي مما‬ ‫أح ّ‬ ‫ل الله‪.‬وبمرأى‬ ‫ومعرفة من جميع سكان القصر‪ ،‬ولكنه قبل أن ُيقدم على‬ ‫فعلته هذه حرص على إيجاد السند الشرعي لتبرير شبقيته‬ ‫وتقديم الغطاء الديني لشبقيته‪) :‬إن ما ملكت اليمين هو مما‬ ‫أح ّ‬ ‫ل الله‪ ،‬وقد ملكت يميني ياسمين‪ ،‬فهي للحظوة والمتعة‬ ‫وليست للخدمة والشقاء فحسب‪ .‬ويبدو أول مظهر لسلطة )الحاج مهدي( في‬ ‫حرصه على أن يجلس أبناؤه الثلثة إلى جواره حول مائدة‬ ‫الطعام حتى يكونوا تحت مراقبته المستمرة‪:‬‬ ‫)كنت أفضل أن أتناول غذائي على انفراد مع أخوتي‪،‬‬ ‫‪.(87‬‬ ‫ولم يكن الحاج محمد يكتفي باختيار مهن أبنائه‪ ،‬بل كان‬ ‫يذهب إلى أبعد من ذلك‪ ،‬فيقرر أيضا ً أمر زواجهم‪ :‬فقد أقدم‬ ‫على تزويج ابنه عبد الغني من فتاة دميمة‪ ،‬لم يسبق للشاب‬ ‫رؤيتها‪ ،‬لسبب واحد هو مصاهرة عائلة التازي التي تتفق‬ ‫والمركز الجتماعي والمالي لعائلة التهامي‪) :‬وفي ضجة‬ ‫الزغاريد والهتاف برز عبد الغني من الباب وكأنه كان على‬ ‫موعد مع إعلن النبأ‪ .‬‬ ‫نصادف المظاهر الولى لنفوذ )الحاج محمد( على أهله‬ ‫وأولده في المقام الول‪ ،‬وخاصة على ابنه عبد الرحمن الذي‬ ‫عوقب لمجرد أنه فكر في النقطاع عن )المسيد( وأبدى رغبته‬ ‫في اللتحاق بالمدرسة العصرية‪ ،‬متأثرا ً في ذلك بما كان‬ ‫وها من‬ ‫يرّوجه الطفال الممدرسون عن محاسن المدرسة وخل ّ‬ ‫العقاب الجسدي الذي كان من أساليب فقيه المسيد‪ ،‬وإن كان‬ ‫عبد الرحمن قد حقق رغبته في ولوج مدرسة العيان في نهاية‬ ‫المر‪ ،‬فذلك لن الحاج محمد رضي في الستماع إلى زوجته‬ ‫في هذا الشأن‪.162 -‬‬ .‬ولو ف ّ‬ ‫كر في ذلك لما اعتبر الموضوع‬ ‫من اختصاصه‪ .‫وتبدو هذه السلطة في مراتب متفاوتة تبدأ من تدخله في‬ ‫شؤون رعاياه وإملء إرادته عليهم كّلما تعلق المر بتقرير‬ ‫مصير أو تحديد هدف‪ ،‬وتنتهي باتخاذه عقوبات صارمة‪ ،‬جسدية‬ ‫أو نفسية‪ ،‬أو كلتاهما‪ ،‬ينزلها بمن يقفون في دائرة نفوذه إذا‬ ‫بدر منهم ما يستحق ذلك‪.‬‬ ‫أما ابنه البكر )عبد الغني( فقد سبق أن قرر له مستقبله‬ ‫منذ وقت بعيد‪ ،‬دون أن يواجه أي اعتراض‪) :‬كان الحاج محمد‬ ‫يعد ّ مستقبل أبنائه‪ .(38 -‬‬ ‫فإذا انتقلنا إلى رواية )بدر زمانه( التي صدرت بعد سبع‬ ‫عشرة سنة من رواية )دفّنا الماضي( فإننا سنقف على مقدار‬ ‫التفاق الحاصل بينهما في رسم صورة الب ضمن السرة‬ ‫التقليدية في تركيزهما المشترك على مظهره السلطوي الذي‬ ‫يظل ماثل ً في الروايتين معا ً على الرغم من الفارق الزمني‬ ‫الشاسع بينهما‪ .‬إنه ما يزال تحت رحمة والده‪ ،‬وأّنى له أن‬ ‫يفكر خارج هذه الرحمة‪ -‬ص ‪.

‬كذلك فعل الحاج‬ ‫مهدي الذي قرر الزواج من وراء ظهر زوجته بالبنت فطومة‪،‬‬ ‫ربيبة سي سليمان‪ ،‬شريكه في السهر وإغراء النساء‪ .(15‬‬ ‫وحتى عندما ُيصاب الحاج مهدي بالعجز الشامل‪ ،‬بعد أن‬ ‫تهجره زوجته الشابة وتتركه عرضة للسخرية والتشفي فإن‬ ‫سلطته سُتصادف معبرا ً لمعا ً في شخص زهروية الزوجة‬ ‫والضحية في الن نفسه )المفارقة العظمى أن عجز الحاج‬ ‫مهدي لم يوازه عجز في السلطة والمر‪ ،‬لن بقدر ما تضخم‬ ‫العجز تضخمت السلطة‪ ،‬وضاقت بنا حرية الحركة‪ ،‬لم يعد‬ ‫لسانه بحاجة للمر‪ ،‬فزهروية أمره‪ .(20‬‬ ‫وبهذا‪ ،‬وبما سبقه‪ ،‬تتأكد السلطة البوية وتصبح مرهوبة‬ ‫الجانب‪ ،‬لنها تمتلك القرار الذي تشاء‪ ،‬وتفرض العقاب الذي‬ ‫تريد‪ ..‬وهكذا‬ ‫يمكن القول إن سلطة الب لم تكن تتناول البناء فحسب‪ ،‬بل‬ ‫والزوجة وعموم الهل‪ ،‬فارضة عليهم الطاعة والخضوع‬ ‫العمى‪.(69‬‬ ‫وإلى جانب هذا الحضور الكلي لسلطة الحاج مهدي يظهر‬ ‫كذلك تفّننه في انتقاء العقوبات التي ينزلها بأبنائه‪ ،‬خاصة منهم‬ ‫ن يجهر بتمرده على‬ ‫ولده البكر محمد لنه سيكون أول َ‬ ‫م ْ‬ ‫سلطته ويرفض النقياد لما تمليه عليه‪ .163 -‬‬ ..‬‬ ‫وأما نموذج )القطاعي( في الرواية المغربية فيرى الباحث‬ ‫أن القطاع المغربي إذا كان يختلف عن القطاع الوربي في‬ ‫بعض السمات فإنه يتفق وإياه في بعض الملمح‪ :‬فالمجتمع‬ ‫القروي في المغرب لم يعرف التطور الذي شهدته أوربا ول‬ ‫عاش الظروف التاريخية التي أنجبت ظاهرة القطاع في‬ ‫الغرب‪ ..‬أبوكم مريض‪ .‬وتفعل ما تشاء وما تريد‪ .‬طريقك منذ اليوم إلى‬ ‫درب بنجدية عند المعلم عبد السلم النجار لتكون متعلمه‬ ‫وعبده طول الحياة‪-‬ص ‪.‬اجلبوا‪-.‬ولكن أبي يؤكد أننا‬ ‫يجب أن نأكل معه على مائدة واحدة ليراقب طريقتنا في‬ ‫الكل‪ .‬على‬ ‫الرغم من تأليب زوجته زهروية معارفه عليه ومعارضتها‬ ‫واحتجاجها وصراخها وتهديدها بمغادرة الدار مع أولدها‪،‬‬ ‫ولجوئها إلى السحر والتعاويذ لعادته إليها دون جدوى‪ .‬فتتوالى عليه أشكال‬ ‫دد أساليبه‪ :‬من الجلد بالسوط عندما تبّين للب أن‬ ‫العقاب وتتع ّ‬ ‫ابنه يدخن التبغ )ص ‪ (16‬إلى دفنه حيًا‪ ،‬حقيقة ل مجازًا‪ ،‬وذلك‬ ‫بإغلق باب غرفته عليه بالحجارة والسمنت)ص ‪ (18‬وهو إن‬ ‫لم يكن قد حقق هذا العقاب فإنه فكر فيه‪ ،‬دليل ً على المدى‬ ‫الذي تبلغه ممارسة السلطة البوية من قهر وإذلل عندما ل‬ ‫د‪ .(288‬‬ ‫ويؤكد الباحث ما ذهب إليه عبد الله العروي في روايته‬ ‫)اليتيم( من أن رجال الدين من فقهاء وشرفاء كان لهم دور‬ ‫‪.‬ل تبدأ قبل الكبر منك‪ .‬هاتوا‪.‬‬ ‫اجروا‪ .‬باسم الله‪ ....‬ل تسرع‪ .‬اجعل اللقمة معقولة‪ ،‬أمي‬ ‫تكن آخر َ‬ ‫م ْ‬ ‫كانت تنوب عنه في تبليغ هذه التوجيهات‪ -‬ص ‪.‬وكما فعل الحاج محمد في‬ ‫اغتصاب جاريته ياسمين فاستسلمت زوجته خدوج‪ ،‬ورضيت‬ ‫مرغمة على أن تشاركها ياسمين زوجها‪ .‬وعلى الرغم من أن البناء الجتماعي المغربي )يتوفر‬ ‫على طبقات بالمعنى المتداول في المجتمعات الرأسمالية؛‬ ‫ولت الملكيات العقارية التقليدية‬ ‫فإنه يصعب تفسير كيف تح ّ‬ ‫في المغرب إلى إقطاعات لعبت دورا ً بارزا ً في المخزن‪،‬‬ ‫وما تزال –ص ‪.‬ل تترك مكانك وتنهض قبل الكبر منك‪ .‬ل تمد ّ يدك لما ليس‬ ‫أمامك‪ .‬ص ‪.‫وأفرح بذلك عندما تسمح به الظروف‪ .‬ل‬ ‫ن يرفع يده عن الطعام‪ .‬ثم يتفتق فكر الب عن‬ ‫ن يلجمها ويوقفها عند ح ّ‬ ‫تجد َ‬ ‫م ْ‬ ‫أسلوب مهين لتصفية حسابه مع ابنه المتمرد‪) :‬منذ اليوم لن‬ ‫تعرف طريقك إلى المدرسة يا محمد‪ .

‬فهذا الحاج محمد في رواية )دفّنا الماضي( يبني كل‬ ‫ثروته العقارية وسلطته بانتهاج الطريقة التقليدية الموروثة عن‬ ‫أسلفه‪ ،‬التي كانت تقضي بتشجيع صغار الفلحين على‬ ‫الستدانة‪ ،‬حتى إذا أثقلت الديون كاهل الفلحين‪ ،‬وأصبحوا‬ ‫عاجزين عن الوفاء بها‪ ،‬كانت الراضي هي المقابل الذي ُيطلب‬ ‫ضل القطاعي على سبيل‬ ‫منهم نظير تصفية ذمتهم‪ .(98‬‬ ‫وهكذا يتوازى الخطاب الروائي مع الحقائق التاريخية‬ ‫المعروفة‪ ،‬فيتعاظم نفوذ القطاعيين كلما مّرت بالبلد سنوات‬ ‫عجاف‪ ،‬أو حّلت بها المجاعات والوبئة‪ .‬أما الفلحون –أصحاب الراضي‬ ‫الحقيقيون‪ -‬فتضيق بهم السبل‪ ،‬ول يجدون طريقا ً يؤدي بهم‬ ‫إلى الرض‪ -‬ص ‪.164 -‬‬ .‬وقد يتف ّ‬ ‫التكرم‪ ،‬فيقبل البقاء على الفلح وعائلته للنتفاع بخدمتهم في‬ ‫أرضهم التي سلبها منهم‪) :‬كان الحاج محمد التهامي يملك‬ ‫ضيعة واسعة في أولد جامع‪ ،‬ورث معظم أرضها‪ ،‬واشترى‬ ‫كثيرا ً من الهكتارات من سكان الناحية‪ ،‬كانوا يستدينون منه‬ ‫فيدينهم حتى إذا استغرق الدين الرض فاوضهم في التنازل‬ ‫عنها لقاء ديونه‪ ،‬فتنازلوا مكرهين ل راضين‪ .‬وعندما رحل الستعمار‪،‬‬ ‫حليفها‪ ،‬تحالفت مع الدولة "الوطنية"‪:‬‬ ‫)حكومة الستقلل تضع مشروعا ً لسترداد أراضي‬ ‫المعمرين الجانب‪ ،‬فيتقدم لشرائها أغنياء المدن وكبار‬ ‫الموظفين بطرق ملتوية‪ .‬إذ هي فرصة سانحة‬ ‫لستغلل وضعية الفلحين المتضررين‪ ،‬ومساومتهم على‬ ‫أراضيهم للستحواذ عليها‪.‬ولكنهم ظلوا‬ ‫ماسين‪ -‬ص‬ ‫يسكنون الضيعة ويحرثونها لصالح الحاج محمد كخ ّ‬ ‫‪.(41‬‬ ‫دمت الرواية المغربية نماذج مختلفة من تلك‬ ‫وقد ق ّ‬ ‫الطرائق التي يسلكها القطاعيون للستيلء على أراضي‬ ‫الفلحين‪ ،‬ويفرضون أنفسهم كشخصيات قوية ومرهوبة‬ ‫الجانب‪ .‬وهذا ما كان في رواية )الطيبون( حيث اغتصب‬ ‫)المنصوري( الممالئ للستعمار أراضي كثيرة‪ ،‬وساعد )الحاج‬ ‫علي( عم قاسم‪ ،‬على اغتصاب أراضي والد قاسم‪ .‫في تفشي ظاهرة القطاع في مغرب ما قبل الحماية‪:‬‬ ‫فالمعروف تاريخيا ً عن الشرفاء والمرابطين أنهم كانوا يتمتعون‬ ‫بامتيازات ل يحظى بها عامة السكان‪ ،‬فإلى جانب إعفائهم من‬ ‫الضرائب‪ ،‬وتمهيد السبيل لغتنائهم‪ ،‬كان الحكام ينعمون عليهم‬ ‫ول مع أصحابها لخدمة الشريف‬ ‫بالضياع والعزب التي تتح ّ‬ ‫والسخرة في أرضه‪ ،‬كما كانوا يستفيدون من الراضي التي‬ ‫يتنازل عنها لهم مريدوهم لتوسيع ممتلكاتهم ومضاعفة‬ ‫سيطرتهم على الفلحين‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫واتساع أراضي الحاج محمد مكنه من بسط سيطرته على‬ ‫الفلحين‪ ،‬وجعله شخصية مرهوبة الجانب ماديا ً ومعنويًا‪ ،‬وفوق‬ ‫ذلك فقد جلب له شعورا ً بالغرور ل نجد لـه نظيرا ً إل عند كبار‬ ‫القطاعيين‪ ،‬فقد كان يتخذ لنفسه موكبا ً مهيبًا‪ ،‬يجوب فيه‬ ‫‪.‬فإذا لم يغتصبها المستعمرون الفرنسيون‬ ‫خ ّ‬ ‫فإنهم ساعدوا أعوانهم من الحكام والقواد والثرياء على‬ ‫اغتصابها‪ .‬وتضعنا‬ ‫رواية )الطيبون( مباشرة أمام التركة الثقيلة التي خّلفها‬ ‫الستعمار بعد جلئه‪ ،‬والمتمثلة في استمرار ظاهرة القطاع‬ ‫التي وقفت ضد التحرر الوطني‪ .‬‬ ‫وإذ تحدد رواية )اليتيم( دور رجال الدين في المؤسسة‬ ‫القطاعية‪ ،‬فإن رواية )الطيبون( لمبارك ربيع تبرز الدور الذي‬ ‫لعبته الحماية في تركيز دعائم القطاع الذي يتلءم ونزعتها‬ ‫الستعمارية التوسعية‪ ،‬حيث تحالف الستعمار والقطاع في‬ ‫الستيلء على أجود أراضي الفلحين‪ ،‬وجعلوا أصحابها مجرد‬ ‫ماسين ورعاة‪ .

‬ثم يشير بسبابته يرسم حدود أملكه‪ -‬ص‬ ‫الرعب والتو ّ‬ ‫‪.‬والمستعمر هنا‬ ‫هو الحاكم العسكري الذي يفرض سلطته‪:‬‬ ‫)كان الجنرال حاكم المدينة يذرع أرض مكتبه الواسع‬ ‫ورة‪.‬وقد نمذجها الباحث في ثلثة‪ ،‬هي‪ :‬اللقيط‪،‬‬ ‫والشاذ جنسيًا‪ ،‬والشخصية المركبة‪.165 -‬‬ .‬حيث يركب هو ويتبعه الفلحون راجلين لكي يمثلوا‬ ‫الطاعة والستسلم أمام ولي نعمتهم‪ .‬فهي‬ ‫المغربية فتتميز بكونها ذات محتوى سيكولوجي مع ّ‬ ‫تحبل بالتوترات والنفعالت النفسية التي تغذيها دوافع داخلية‪،‬‬ ‫وهي تعاني تناقضات في تركيبها النفسي تؤدي بها إلى‬ ‫الستسلم للنزوات والرغبات الدفينة‪ .‬ولهذا فهي تفتقد تناسق‬ ‫الشخصية السوية‪ .‬ولم ينتبهوا للغش إل عندما جاءوا كالعادة أثناء الحصاد‬ ‫ليتقاضوا ثمن الكراء‪ ،‬فطردوا من الغريب شر طرد‪ -‬ص ‪.‬ويجول طرفه فيما يحيط بالقرية من أراضي‪،‬‬ ‫أن يح‬ ‫وكأنه يتفقد ملكه‪ .‬‬ ‫وأما نموذج )المستعمر( مغتصب الرض ومستعبد النسان‪،‬‬ ‫والذي تحالف مع القطاع "الوطني" على تثبيت سلطته‪ ،‬فهو‬ ‫وره مبارك ربيع في روايته‬ ‫أيضا ً شخصية مرهوبة الجانب‪ .‬‬ ‫فنموذج )اللقيط( يراه الباحث مؤشرا ً على تقليص القدرة‬ ‫على الندماج والنسجام مع المحيط‪ ،‬ويتخذ له مثالين‪ :‬الول‬ ‫شخصية )محمود( في رواية )دفّنا الماضي( لغ ّ‬ ‫لب‪ .‬والذي كان‬ ‫مة ياسمين‪ ،‬وهي الزوجة‬ ‫ثمرة التسّري بين الحاج محمد وال َ‬ ‫غير الشرعية‪ .‬وكل ذلك ليرضي نزعته‬ ‫الستبدادية‪ ،‬ويؤكد موقعه كشخصية مرهوبة الجانب‪.‬والمثال الثاني هو شخصية )إبراهيم( في رواية‬ ‫‪.‬‬ ‫وأما الشخصية ذات الكثافة )السيكولوجية( في الرواية‬ ‫قد‪ .‬إذ يص ّ‬ ‫)الريح الشتوية( بقوله" )يأتي النصراني البلق بسيارة يتعالى‬ ‫شخيرها‪ ،‬ويتطاير من حولها الدجاج والحمام‪ ،‬ليقف في ساحة‬ ‫م‬ ‫القرية‪ّ ،‬تلمع نظارته تحت أشعة الشمس‪ ،‬وقبعته كغراب يه ّ‬ ‫ط أو يطير‪ .‬وهكذا تبدو القرية خاوية بعد‬ ‫أن غادرها أهلها‪ ،‬فعاث فيها المستعمر فسادًا‪ .(71‬‬ ‫وهكذا استولى اللصوص "الوطنيون" على أراضي الفلحين‬ ‫بطريق الحيلة والخداع كما في رواية )اليتيم( للعروي‪ ،‬أو‬ ‫دين الذي ل يمكن سداده كما في رواية )دفّنا‬ ‫بطريقة ال ّ‬ ‫لغ ّ‬ ‫لب‪ ،‬أو بطريقة الغتصاب المباشر كما فعل عم‬ ‫الماضي(‬ ‫قاسم مع شقيقه والد قاسم في رواية )الطيبون( لمبارك ربيع‪.(67‬‬ ‫ومضمون رواية )الريح الشتوية( هو هجرة الفلح )العربي‬ ‫الحمدوني( من أرضه‪ ،‬بعد أن سلبها المستعمر وأجبره على‬ ‫جرين الذين طردوا من‬ ‫مغادرتها والنضمام إلى فلول المه ّ‬ ‫أراضيهم واضطروا إلى اللتحاق بالمدينة والعيش فيها كأغراب‪،‬‬ ‫ليخلو الجو للمعمرين وحلفائهم‪ ،‬ويتحقق لهم مشروعهم‬ ‫الستيطاني بقوة الحديد والنار‪ .‬‬ ‫بخطوات عريضة ثابتة يهتز لها جسمه الضخم وكرشه المك ّ‬ ‫تعلو وجهه المدّور حمرة لمعة‪ ،‬وتتطاير من عينيه الزرقاوين‬ ‫شرارات لهبة‪ -‬ص ‪ 326‬من رواية المعلم علي(‪.‬والناس على ُبعد منه أو قرب‪ ،‬قد أكلها‬ ‫جس‪ .‬‬ ‫دين( أوردها العروي في‬ ‫حيلة أخرى غير )الرض مقابل ال ّ‬ ‫مرين‪،‬‬ ‫روايته )اليتيم(‪) :‬كانت الرض تحت تصرف أحد المع ّ‬ ‫شريك باشا مراكش‪ ،‬اشتراها من بعض أصحابها‪ ،‬ثم عند أول‬ ‫تجديد لعقد الكراء انتهز أمّيتهم‪ ،‬فوّقعوا على عقد بيع وهم ل‬ ‫يشعرون‪ .‫أراضيه‪ ،‬بدعوى استطلع أحوال الضيعة‪ ،‬ولغاية خفية في‬ ‫نفسه هي المعان في إذلل الفلحين والظهور عليهم بمظهر‬ ‫السيد‪ .

‬محمود يفتقد كل ذلك‪-‬‬ ‫ص ‪.‬فرصتك لكي‬ ‫تحاكم هذا المجتمع‪ .‬وهذه العوامل ع ّ‬ ‫الشقي داخل الصبي‪ ،‬فما أن أصبح يافعا ً حتى بدأ )يشعر‬ ‫بالميز‪ ،‬فإخوته ل يكادون يشركونه في ألعابهم ونشاطهم‪،‬‬ ‫ووالده ل يكاد ُيعنى به‪ .‬فقد جعله الفقيه كبش‬ ‫الفداء كلما أثار الطفال أعصابه‪ ،‬ل سيما وأنه لن يجد اعتراضا ً‬ ‫من الحاج محمد‪.166 -‬‬ .(160‬‬ ‫ولكنه سيبدأ في المدرسة في اكتساب المناعة ضد الوجاع‬ ‫موه بصورة طبيعية‪ ،‬فيجعل من النكباب على‬ ‫التي حالت دون ن ّ‬ ‫الدراسة والتحصيل وسيلة لمغالبة التحديات التي تواجهه‪،‬‬ ‫وطريقة للخلص من الميز المتسّلط عليه‪ ..‬ولكن‬ ‫إرادة النتقام التي ظنها ستكون شفاء لنفسه لم تفلح سوى‬ ‫في مفاقمة وضعه النفسي ومضاعفة إحساسه بالذنب‪ ،‬مما‬ ‫دفع به إلى نهايته المحتومة حيث اصطدمت سيارته بجذع‬ ‫‪.‬فالب يعامله‬ ‫على أساس هذا الميز‪ ،‬فيجعله ابنا ً من الدرجة الثانية‪ ،‬وزوجة‬ ‫الب خدوج ترفض أن يناديها بـ )أمي( أسوة بأبنائها‪.‬فرصتك لكي‬ ‫هذا المجتمع الذي لم يرحم طفولته‪:‬‬ ‫)أنت قا ٍ‬ ‫حكمك‪ .‬وهو يدلل أطفاله الصغار ويمّيزهم‬ ‫بالملبس واللعاب وطيبات الطفال‪ .(287‬‬ ‫وبالفعل فإنه انطلق في إطلق الحكام القاسية على‬ ‫مواطنيه الوطنيين‪ ،‬بعد أن و ّ‬ ‫ظفه المستعمر لديه قاضيًا‪ .‬فرصتك أن تصدر‬ ‫تنتقم‪ -‬ص ‪.‬وعندما أوصله تفوقه الدراسي إلى تحقيق‬ ‫مركز اجتماعي مرموق‪ ،‬اقتنص الفرصة المناسبة للنتقام من‬ ‫ض‪ .(73‬‬ ‫وهذا الوضع الستثنائي داخل السرة الطبيعية التي كان‬ ‫كل أعضائها يتبارون في إيذائه بهذه الحقيقة‪ .‬وقد عانت كلتا الشخصيتين من الشعور‬ ‫بالدونية والمهانة‪ ،‬بسبب وضعها‪.‫)الطيبون( لمبارك ربيع‪ ،‬فقد ولد إبراهيم لم قاسم بعد عدة‬ ‫سنوات من وفاة زوجها‪ ،‬ولم تفلح في إقناع الناس بانتسابه‬ ‫إلى زوجها الراحل‪ .‬فباعتباره ابن أمة‪ ،‬جاء بلون أسود‪ ،‬من أم‬ ‫يستنكف المجتمع من العتراف بها كسيدة في بيئة ورثت‬ ‫عقيدة التمييز بين الناس على أساس ألوانهم وأصولهم‬ ‫جلت بإنضاج الوعي‬ ‫ومراتبهم الجتماعية‪ .‬وقد أتاح له هذا‬ ‫التفوق الدراسي تسكين آلمه النفسية‪ ،‬وأحاطه برعاية الساتذة‬ ‫وإعجاب الطلب‪ ..‬وعندما التحق بـ )المسيد( لقى على‬ ‫يد الفقيه الجبلي ما جعله ل ُيبدي أي تفوق دراسي‪ ،‬مما‬ ‫ضاعف حجم المعاناة التي يكابدها‪ .‬‬ ‫هذه الل مشروعية ظلت تطارد الصبي كما لو كانت لعنة‬ ‫أبدية‪ :‬ففي البيت ميز‪ ،‬وفي الحي شماتة الطفال‪ ،‬وفي‬ ‫المسيد انتقام الفقيه‪ ،‬وحتى عندما التحق بالمدرسة العصرية‬ ‫فقد لحظ أن أساتذتها مثل الفقيه الجبلي )يعرفون الفرق بين‬ ‫ابن الحّرة وابن المة‪ ،‬ويقدرون لكل منهما مستقبل ً خاصًا‪ -‬ص‬ ‫‪..‬‬ ‫وحرصت رواية )دفّنا الماضي( على تقديم شخصية‬ ‫)محمود( بتفاصيل حياته الخفية والجتماعية‪ ،‬وكشفت عن‬ ‫أسباب الضطراب والبؤس الداخلي الذي جعله فريسة الصراع‬ ‫النفسي الرهيب‪ .‬ولكنه لم يقنع بهذا النجاح فنشأت في نفسه‬ ‫عقدة )المنتقم( الذي ينتظر الوقت المناسب لينفث كراهيته في‬ ‫العالم المحيط به‪ .‬‬ ‫وأخوته بدأوا بإشعاره بوضاعة شأنه ومناداته )الكحل( و‬ ‫)ولد الخادم( ولم يكن يجد عند أمه ياسمين جوابا ً شافيا ً عن‬ ‫السئلة الصعبة التي تراود ذهنه‪ ،‬فقد كانت ل تجيبه بغير‬ ‫الدموع‪ ،‬فيدرك أنه غير مرغوب فيه‪ ،‬فيميل إلى العزلة‬ ‫والنطواء على النفس‪ ..

(98‬‬ ‫وأما نموذج )الشخصية المركبة( فهو مثال آخر على‬ ‫الشخصية التي تعاني من تناقضات مع محيطها‪ ،‬وتعجز عن‬ ‫‪.‬قلت له بالسبانية‪ :‬إلى أين نحن ذاهبان؟ قال لي راسما ً‬ ‫بيده حركة دائرية‪.‬‬ ‫وأما شخصية )إبراهيم( في رواية )الطّيبون( لمبارك ربيع‬ ‫فقد كانت معقدة أيضا ً ولكن بشكل آخر‪ ،‬ذلك أنه ولد بعد وفاة‬ ‫دق أحد اّدعاءات أمه بأنه ابن أبيه‪،‬‬ ‫والده بعدة سنين‪ ،‬ولم يص ّ‬ ‫بل كان الكل يشك في نسبه ويعتبره )ابن زنا(‪ ..‬أستطيع أن أدافع عن‬ ‫نفسي إذا لم يعجبني ما يريده مني‪ -‬ص ‪.‬عندما وقعت عيني عليه رأيته يح ّ‬ ‫دق إل ّ‬ ‫ولت نظراتي عنه‪ ..‬وقال الرجل بعربية رطينة‪ :‬تمشي‬ ‫فح ّ‬ ‫معايا‪ .‬إنه أيضا ً يريد مني‬ ‫شيئا ً غير عادي‪ .167 -‬‬ .‬فتح الباب وقال لي‬ ‫بالسبانية‪ :‬اركب! ركبت إلى جانبه‪ .‬لكن ل خوف منه‪ .‬‬ ‫وأما نموذج )الشاذ جنسيًا( في الرواية المغربية ففيه يؤكد‬ ‫الباحث أن استمرار هذه الرغبة الل واعية في الظهور بعد سن‬ ‫الرشد يعتبر علمة على عدم نضج الشخصية‪ ،‬ومظهرا ً للختلل‬ ‫النفسي والجتماعي الذي يصيب الفرد فيمنعه من ممارسة‬ ‫علقة إنسانية سوية قائمة على التبادل‪ ،‬ويجعله عرضة‬ ‫للنحرافات المرضية التي تدمر نفسيته‪ ،‬وتجلب له نبذ‬ ‫المجتمع‪.‬‬ ‫ففي رواية )المرأة والوردة( لمحمد زفزاف يلتقي البطل‬ ‫محمد بأحد هؤلء الشواذ‪) :‬كنت ممددا ً فوق الرمل إذ لم تكن‬ ‫دد‬ ‫معي فوطة‪ ،‬ورأيت على مقربة مني عجوزا ً أوربيا ً وقد تم ّ‬ ‫ي بفضول كبير‪،‬‬ ‫قبالتي‪ .‬ماذا يريد مني؟ هذه هي‬ ‫المرة الولى التي أركب فيها سيارة فخمة مثل هذه‪ .‫شجرة ضخمة فأصبح وإياها كتلة من حديد ونار‪..‬‬ ‫على أن تفوقه الدراسي وإن ضمن له اعتراف المجتمع‪،‬‬ ‫فإنه لم يمنع عنه الشعور بالدونية الذي ظل يغمر حياته‬ ‫بالتعاسة‪ ،‬ولذلك لجأ إلى الممارسة الدبية ونظم الشعر حيث‬ ‫بدا أن من الطبيعي أن يتوافق الشعر مع نفسيته المرهفة‪،‬‬ ‫فوجد فيه معبرا ً عن شجونه‪.‬جولة قصيرة‪ .‬تنعس معايا‪-‬ص ‪.(104‬‬ ‫وفي رواية )الخبز الحافي( لمحمد شكري يقول البطل‪:‬‬ ‫)توقفت سيارة حذاء الرصيف الذي أمشي عليه‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫والملحظة الثانية هي كون الشاذ يأتي دائما‪ ،‬في الرواية‬ ‫المغربية‪ ،‬شخصية أجنبية )أوربي بوجه عام( تستبد به فكرة‬ ‫التصال الجنسي بأشخاص من نفس الجنس‪ ،‬فيظل يتصّيدهم‬ ‫ليعرض عليهم معاشرته بذلك الشكل المخزي الذي ترفضه‬ ‫الشرائع والخلق وتعتبره موضوع تحريم ديني واجتماعي‬ ‫خصوصا ً في بيئة ل تزال متمسكة ببعض القيم الروحية‪.‬عجوز يشير‬ ‫لي أن أقترب منه‪ .‬اقتربت من السيارة‪ .‬يقود‬ ‫ببطء‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫وقد أدلى الباحث بملحظتين‪ :‬أولهما أن الشاذ جنسيا لم‬ ‫يحتل سوى مكانة ثانوية بين شخصيات الرواية بحيث ل يتجاوز‬ ‫كونه شخصية عابرة‪ ،‬ل يبرز دورها في الحداث إل في حدود‬ ‫اتصالها السريع بإحدى الشخصيات المحورية‪.:‬جولة‪ .‬ولم تكن‬ ‫مشكلته مع الخرين فحسب‪ ،‬بل كانت أيضا ً مع ذاته‪ ،‬إذ لم‬ ‫يقتنع هو بمشروعيته‪ ،‬فانكفأ على نفسه يعّنفها‪ ،‬وبدا لديه ميل‬ ‫نحو المازوشية‪ ،‬مقابل الميل إلى السادية عند محمود‪ ،‬وبحث‬ ‫عن طريقة تجّنبه مزيدا ً من النهيار والحساس بالعار فلم يجد‬ ‫ملجأ يحتمي به سوى الغراق في الكتب ومضاعفة جهوده في‬ ‫الدراسة‪ ،‬فيكون تفوقه بها خير مساعد له على تحقيق بعض‬ ‫توازنه النفسي المفقود‪ ،‬ودرء الختلل الذي حاق بشخصيته‪.

‬وهي‬ ‫شخصية مركبة نتاج مشاعر معقدة تجعلها تعيش ازدواجية‬ ‫أخلقية واجتماعية تنعكس على سلوكها وتتحكم في المواقف‬ ‫المتعارضة التي تتخذها‪ ..‬‬ ‫‪-4‬شخصية المرأة في جميع وجوهها‪ :‬أ ّ‬ ‫‪-5‬شخصية الب المستبد‪ /‬والبن المتمرد‪.‬ولعل التصنيف الثنائي المتعاكس كان يمكن أن‬ ‫يكون أكثر جدوى وفاعلية‪ ،‬وكان يمكن أن يكون كالتالي‪:‬‬ ‫ي‪..‬‬ ‫‪-7‬شخصية الرأسمالي‪ /‬والعامل‪.‬وقد‬ ‫في مك ّ‬ ‫وناته بفرش نظري متعدد المصادر‪ ،‬استقاه من‬ ‫لمك‬ ‫مّهد‬ ‫ّ‬ ‫فورستر في كتابه )مظاهر الرواية( ومن لوبوك في كتابه‬ ‫)صنعة الرواية(‪ ،‬ومن باشلر في كتابه )شعرية المكان(‪ ،‬ومن‬ ‫فيليب هامون في كتابه )مقدمة لتحليل الوصف(‪ ،‬ومن وارين‪،‬‬ ‫وويليك في كتابهما )نظرية الدب(‪ ،‬ومن لوتمان في كتابه )بنية‬ ‫النص الفني(‪ ،‬ومن جان فيسجر في كتابه )الفضاء الروائي(‪،‬‬ ‫ومن ميشيل بوتور في كتابه )بحوث في الرواية الجديدة(‪،‬‬ ‫ومن آلن روب غرييه في كتابه )نحو رواية جديدة(‪ ،‬ومن رولن‬ ‫بارت في مقالته )التحليل البنيوي للسرد(‪ ،‬ومن تودوروف‪،‬‬ ‫وديكرو في كتابهما )المعجم الموسوعي لعلوم اللغة(‪ ،‬ومن‬ ‫ميشيل بوتور في كتابه )مقالت حول الرواية(‪ ،‬ومن جينيت في‬ ‫كتابه )أشكال(‪ ،‬ومن بروب في كتابه )مورفولوجيا الحكاية(‪،‬‬ ‫ومن لوكاش‪ ،‬وغولدمان‪ ،‬وسوريو‪ ،‬وهامون‪ ،‬وغريماس‪،‬‬ ‫وغيرهم‪ ،‬مما جعل هذه المصادر جميعا ً تشترك في إغناء أبواب‬ ‫‪.‬والمثال الكلسي الذي ُيعطى لهذا‬ ‫مهاب الذي يظل يواري‬ ‫النموذج هو شخصية الب الصارم ال ُ‬ ‫حقيقته خلف مظهر من الوقار العبوس ما دام بين أهله وذويه‪،‬‬ ‫فإذا غادرهم خلع أقنعته واستحال شخصا ً آخر وديعا ً لطيفًا‪ .168 -‬‬ .‬‬ ‫فإذا كان الباحث قد درس ثلثة أنواع من الشخصيات‪ ،‬ثم فّرع‬ ‫كل شخصية إلى ثلثة أنواع‪ ،‬فإنه لم يستكمل النماذج كلها ولم‬ ‫ُيشر إليها‪ ،‬فهنالك شخصية البن المراهق المتمرد‪ ،‬مقابل‬ ‫شخصية الب المستبد‪ ،‬وشخصية المناضل السياسي في العهد‬ ‫"الوطني" نظير المناضل في عهد الستعمار‪ ،‬وشخصية الفلح‬ ‫الذي سلب القطاعي أرضه مقابل شخصية القطاعي الذي‬ ‫تدعمه السلطة‪ ،‬وشخصية السلطة القامعة بمخبريها‪ ،‬وجنودها‪،‬‬ ‫وسجونها‪ ،‬وغرف تعذيبها‪ ،‬كما أنه أغفل شخصية المرأة في‬ ‫جميع وجوهها فاكتفى بإيراد شخصية البغي على الرغم من أن‬ ‫مساحة الشخصية النسائية أكثر إشراقا ً وألقا ً من أن تمثلها‬ ‫شخصية سلبية كالبغي‪ ،‬فهناك شخصية المرأة‪ /‬الم‪/‬‬ ‫والزوجة‪ .‬‬ ‫‪-1‬شخصية الشيخ‪ /‬وال ّ‬ ‫م ّ‬ ‫‪-2‬شخصية المناضل الوطني‪ /‬والمستعمر‪..‬‬ ‫‪-6‬شخصية القطاعي‪ /‬والفلح‪.‬من‬ ‫هنا مبعث الزدواجية التي يقع هذا النموذج تحت تأثيرها‪..‬ولو أن الباحث التفت إلى التفصيل في مثل هذه‬ ‫النماذج لجاء بحثه أوفى وأشمل‪ .‬‬ ‫مق‬ ‫وعلى الرغم من ذلك فإن بحراوي قد جاء ببحث مع ّ‬ ‫ونات السرد الروائي‪ ،‬مطبقا ً على الرواية المغربية‪ .‫إقامة علقات عادلة وعلى قدم المساواة مع الخرين‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫مًا‪ ،‬وزوجة‪ ،‬وأختا‪.‬ولكن يبدو أنه آثر السلمة‪،‬‬ ‫لن معالجة مثل هذه الموضوعات التي تقع ضمن دائرة‬ ‫)المحظور( تثير الريب والشكوك‪ ،‬وقد تنتهي بالمرء إلى ما ل‬ ‫ُيحمد عقباه‪ .‬‬ ‫‪-3‬شخصية المناضل السياسي‪ /‬والسلطة‪.‬‬ ‫لكن النموذج الثلثي الذي اعتمده الباحث‪ ،‬على الرغم من‬ ‫شموليته‪ ،‬فإنه قد اّتسع في جانب منه واختصر في جانب آخر‪.

169 -‬‬ .‫كتابه الهام‪.‬‬ ‫***‬ ‫‪.

.170 - .

‬‬‫أ‪-‬في تحليل الخطاب الشعري‬ ‫ب‪-‬في تحليل الخطاب السردي‬ ‫‪.‫الباب الثاني‪:‬‬ ‫منهج التحليل البنيوي‬ ‫التكويني‬ ‫ييييي ييييي‪ :‬ييييييي يييييييي يييييي‬‫ييييي يييييي‪ :‬ييييييي يييييييي يييييي‬‫ييييي يييييي‪ :‬ييييييي يييييييي‪.171 -‬‬ .

.172 - .

173 -‬‬ .‬‬ ‫لقد أتاح علم الجتماع البنيوي التكويني للثقافة الفرصة‬ ‫لظهور مجموعة من العمال المتميزة بعدد من الصفات على‬ ‫رأسها أن أصحابها‪ ،‬وهم يسعون إلى إقامة منهج إجرائي لجل‬ ‫الدراسة الوصفية للوقائع البشرية وخاصة منها البداع الثقافي‪،‬‬ ‫وجدوا أنفسهم مرغمين على اللجوء إلى تأمل فلسفي يمكن‬ ‫نعته بالجدلية‪ .‬‬ ‫وبعد تحرير فرنسا عاد )غولدمان( إلى باريس‪ ،‬وحصل‬ ‫‪..‬ولد في بوخارست‪ ،‬وانتقل‬ ‫عام ‪ 1934‬إلى باريس حيث هيأ رسالة دكتوراه في القتصاد‬ ‫السياسي‪ .‬وإن أولى الثباتات العامة التي يستند إليها الفكر‬ ‫م‬ ‫البنيوي هي القائلة بأن كل تفكير في العلوم النسانية إنما يت ّ‬ ‫من داخل المجتمع ل من خارجه‪ ،‬وبأنه جزء من الحياة الفكرية‬ ‫لهذا المجتمع‪ ،‬وبذلك فهو جزء من الحياة الجتماعية‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن غولدمان هو الذي أرسى أسس هذا‬ ‫المنهج )البنيوي التكويني(‪ ،‬فإن نقادا ً وباحثين آخرين تابعوا‬ ‫التنظير لهذا المنهج‪ ،‬من أمثال لينهارت‪ ،‬وجاك دبوا‪ ،‬وجاك‬ ‫دوفينو‪ ،‬وباسكادي‪ ،‬وموييو‪ ،‬وهندلس‪.‬وفي عام ‪ 1940‬هرب من الحتلل اللماني لفرنسا‬ ‫إلى سويسرا حيث بقي في أحد معسكرات اللجئين إلى سنة‬ ‫‪ 1943‬حيث توسط الفيلسوف )جان بياجيه( في تحريره‬ ‫وإعطائه منحة دراسية لرسالة الدكتوراه‪ ،‬ثم عّينه مساعدا ً لـه‬ ‫في جامعة جنيف‪ ،‬حيث تأثر بأعماله حول البنيوية التكوينية‪.‬‬ ‫‪ -1‬لوسيان غولدمان والله المختفي‬ ‫أما )لوسيان غولدمان( )‪ (1970-1913‬فهو مفكر‬ ‫وناقد فرنسي من أصل روماني‪ .‫الفصل الول‪:‬‬ ‫المستوى التنظيري الغربي‬ ‫للبنيوية التكوينية‬ ‫عندما اقتصرت البنيوية الشكلية على تحليل النص وحده‪،‬‬ ‫دون الرجوع إلى مراجعه النفسية لدى مبدعه‪ ،‬أو ظروفه‬ ‫الجتماعية‪ ،‬وجدت نفسها أمام الباب المسدود‪ ،‬بسبب هذه‬ ‫النغلقية‪ ،‬فحاولت البحث عن مسارب جديدة تخّلصها من‬ ‫مأزقها هذا‪ ،‬فوجدت في البنيوية التكوينية )أو التوليدية( بغيتها‪،‬‬ ‫كما وجدت في البنيوية الجذرية )أو النفسية( مسربا ً ثانيًا‪ ،‬وفي‬ ‫البنيوية السيميائية مسربا ً ثالثًا‪ ،‬على الرغم من أن كل مسرب‬ ‫من هذه الثلثة أصبح اتجاها ً نقديا ً مستقل ً بنفسه‪ ،‬فيما بعد‪..

‬‬ ‫م هو العثور على الطريق التي من خللها يعّبر الواقع‬ ‫والمه ّ‬ ‫التاريخي والجتماعي عن نفسه عبر الحساسية الفردية للمبدع‬ ‫‪.‬ومن هنا فإن إدراكها ل يمكن أن‬ ‫يتحقق بوساطة دراسة النوايا الشعورية للمبدع‪ ،‬ول بوساطة‬ ‫تحليل محايث‪ ،‬وإنما بوساطة بحث بنيوي‪ ،‬ذلك أن الفرد الذي‬ ‫يعّبر عن الطبقة الجتماعية‪ ،‬وعن رؤيتها للعالم‪ ،‬إنما يتصّرف‬ ‫انطلقا ً من هذه البنيات الذهنية التي تسود المجموعة التي‬ ‫يعّبر عنها‪.‬ولكن التحليل السوسيولوجي ل يستنفد‬ ‫صل إلى ملمسته‪،‬‬ ‫كل جوانب العمل الدبي‪ ،‬وأحيانا ً ل يتو ّ‬ ‫فيظل خطوة أولى ل بد منها للوصول إلى العمل الدبي‪.‫على عمل كباحث في المركز الوطني للبحث العلمي‪ ،‬وهّيأ‬ ‫رسالة دكتوراه في الدب بعنوان )الله المختفي‪ :‬دراسة للرؤيا‬ ‫المأساوية لفكار باسكال ومسرح راسين( عام ‪ ،1956‬فأثار‬ ‫جة كبيرة في النقد الحديث في فرنسا‪ .‬ثم وضع كتابه‬ ‫بها ض ّ‬ ‫)أبحاث جدلية( عام ‪ .174 -‬‬ .‬‬ ‫وبهذا فإن غولدمان يمّيز بين البنيوية التكوينية‬ ‫وسوسيولوجيا المضامين والشكال‪ :‬ففي حين ترى‬ ‫سوسيولوجيا المضامين والشكال في النتاج الدبي مجرد‬ ‫انعكاس للوعي الجماعي‪ ،‬فإن البنيوية التكوينية‪ ،‬ترى فيه‬ ‫ونة للوعي الجماعي‪.‬فجاء )المنهج البنيوي التكويني( منهجا ً‬ ‫علميا ً موضوعيا ً يؤكد على العلقات القائمة بين النتاج‬ ‫والمجموعة الجتماعية التي ولد النتاج في أحضانها‪ .1970‬‬ ‫وكل هذه النشطة جعلته معروفا ً كأحد ممثلي الفكر‬ ‫الماركسي‪ ،‬فترجمت أعماله إلى أكثر من عشر لغات عالمية‪،‬‬ ‫وشاعت تصوراته وأفكاره‪ .‬وهذه‬ ‫العلقات ل تتعلق بمضمون الحياة الجتماعية والبداع الدبي‪،‬‬ ‫وإنما بالبنيات الذهنية التي هي ظواهر اجتماعية‪ ،‬ل فردية‪.‬‬ ‫إحدى العناصر المك ّ‬ ‫إن التفسير السوسيولوجي هو أحد العناصر الكثر أهمية‪،‬‬ ‫في تحليل العمل الدبي‪ ،‬والمادية التاريخية تسمح بفهم أفضل‬ ‫لمجموع السيرورات التاريخية والجتماعية لفترة ما‪،‬‬ ‫وباستخلص العلقات بين هذه السيرورات والعمال الدبية‬ ‫التي خضعت لتأثيرها‪ .‬‬ ‫والواقع إنه ليس من السهل تقديم وصف شامل لنشاط‬ ‫شخصية دينامية انطفأت –مع السف‪ -‬وهي في أوج نشاطها‬ ‫النقدي‪ ،‬ذلك أن منهجه في تطبيق المادية الجدلية على دراسة‬ ‫الدب قد حقق هدفين في وقت واحد‪ :‬فقد أنقذ البنيوية‬ ‫الشكلية من انغلقها على النص المنقود وحده‪ ،‬كما أنقذ المنهج‬ ‫الجتماعي من إيديولوجيته التي كانت ُتقّيم الدب من وجهة‬ ‫نظرها هي فحسب‪ .1959‬وكان قد نشر كتابه )العلوم‬ ‫النسانية والفلسفية( عام ‪ .‬‬ ‫وهذه البنيات الذهنية ليست بنيات شعورية أو ل شعورية‪ ،‬وإنما‬ ‫هي بنيات عمليات غير واعية‪ .1952‬وفي عام ‪ 1964‬أصبح مديرا ً‬ ‫لقسم علم الجتماع الدبي بمؤسسة علم الجتماع بجامعة‬ ‫بروكسل الحرة‪ ،‬فأصدر كتابه )من أجل علم اجتماع للرواية(‬ ‫عام ‪ ،1964‬ثم وضع )البنيات الذهنية والبداع الثقافي( عام‬ ‫‪ ،1967‬و )الماركسية والعلوم النسانية( عام ‪.‬والحق إن موقفه ل يخلو من‬ ‫مفارقة؛ فعلى الرغم من أنه يعلن نفسه تلميذا ً لماركس‬ ‫ولوكاش الشاب‪ ،‬فإن معالجته للدب جعلت بعض الماركسيين‬ ‫"الرثوذوكسيين" يصفونه بـ )التحريفية(‪ ،‬ويصمون منهجه‬ ‫النقدي بأنه )نزعة اجتماعية مبتذلة(‪ ،‬على الرغم من أنه‬ ‫استطاع أن يتجاوز مأزق البنيوية الشكلية إلى النص المفتوح‬ ‫على مرجعيته‪ ،‬من خلل أبحاثه السوسيولوجية التي جعلها‬ ‫الخطوة التالية للمنهج البنيوي‪ ،‬والتي شكلت منهجه النقدي‬ ‫الذي تفّرد به وأسس له‪.

‬‬ ‫وأما )رؤية العالم( عند غولدمان فهي الكيفية التي ينظر‬ ‫فيها إلى واقع معين‪ ،‬أو هي النسق الفكري الذي يسبق عملية‬ ‫تحقق النتاج‪ .‬أي أن البنى الذهنية )أو المقولتية( ذات‬ ‫الدللة ليست ظواهر فردية‪ ،‬وإنما هي ظواهر‬ ‫اجتماعية‪.‬والوعي المأساوي نابع من وضع الطائفة‬ ‫الجانسينية)‪ (1‬التي تطابق فكرها مع إيديولوجية نبلء الرداء‬ ‫الذين كانوا موّزعين في عصر لويس الرابع عشر بين ولئهم‬ ‫للملكية‪ ،‬ومعارضتهم للملك الذي كان يسعى إلى إضعافهم‪.‬وليس المقصود بها نوايا المؤلف‪ ،‬بل الدللة‬ ‫الموضوعية التي يكتسبها النتاج‪ ،‬بمعزل عن رغبات المبدع‪،‬‬ ‫وأحيانا ً ضدها‪ .‫داخل العمل الدبي‪.‬‬ ‫‪-3‬إن العلقة بين الوعي الخاص بفئة اجتماعية ما والبنية‬ ‫التي تنتظم كون العمل الدبي تكون ملئمة للباحث‪،‬‬ ‫متماثلة تماثل ً دقيقًا‪ ،‬إل أنها غالبا ً ما تشكل مجرد علقة‬ ‫ذات دللة‪.‬‬ ‫ويشكل مفهوم )البنية الدللية( الداة الرئيسية للبحث عند‬ ‫غولدمان يفترض فيه وحدة الجزاء ضمن )كّلية(‪ ،‬والعلقة‬ ‫الداخلية بين العناصر‪ ،‬والنتقال من رؤية سكونية إلى رؤية‬ ‫دينامية مضمرة داخل المجموعات يتجه نحوها فكر ووجدان‬ ‫وسلوك الفراد‪ ،‬ولكنهم ل يصلونها إل لمامًا‪ ،‬وفي حالت‬ ‫متمّيزة يتطابق فيها موقفهم مع موقف طبقتهم الجتماعية أو‬ ‫مجموعتهم‪ .‬‬ ‫‪-4‬إن البنى الذهنية )المقولتية( هي ما يمنح العمل الدبي‬ ‫وحدته‪.‬‬ ‫‪-5‬إن البنى الذهنية التي تنتظم الوعي الجمعي والتي يتم‬ ‫نقلها إلى الكون التخييلي للمبدع من طرف الفنان‪،‬‬ ‫‪.175 -‬‬ .‬وتظهر هذه الحالت في مجالت البداع‪.‬والعلقة‬ ‫م‬ ‫الجوهرية بين الحياة الجتماعية والبداع الدبي ل ته ّ‬ ‫م البنى الذهنية أو‬ ‫مضمون هذين القطاعين‪ ،‬وإنما ته ّ‬ ‫المقولت التي تنظم الوعي التجريبي لفئة اجتماعية‬ ‫معينة والكون التخييلي الذي يبدعه الكاتب‪.‬وقد‬ ‫بلور غولدمان منهجه البنيوي التكويني على مفاهيم )الكلية(‪ ،‬و‬ ‫)البنية الدالة(‪ ،‬و )رؤية العالم(‪ .‬‬ ‫التي است ّ‬ ‫في كتابه )المنهجية في علم الجتماع الدبي()‪ (4‬يضع‬ ‫غولدمان منطلقات )المنهج البنيوي التكويني( في خمس‪:‬‬ ‫ً‬ ‫‪-1‬إن على عالم اجتماع الثقافة أن يفهم الدب انطلقا من‬ ‫المجتمع‪ ،‬وأن يفهم المجتمع انطلقا ً من الدب‪ .‬‬ ‫وقد اكتشف غولدمان الفكر الخاص بمجموعة )الجانسنية(‬ ‫قى منها باسكال )‪ (2‬وراسين)‪ (3‬أفكارهما البداعية‪.‬وطبقها في كتابه )الله الخفي(‬ ‫على أفكار باسكال ومسرحيات راسين وهما اللذان تجمع‬ ‫بينهما رؤيا مأساوية واحدة هي المطالبة بكل شيء أو بل‬ ‫شيء‪ ،‬ورفض كل ما يقّيد النسان‪ ،‬تحت مراقبة إله حاضر‪-‬‬ ‫غائب في آن‪ .‬وهذه الرؤية ليست واقعة فردية‪ ،‬بل هي واقعة‬ ‫اجتماعية تنتمي إلى طبقة اجتماعية أو مجموعة اجتماعية‪،‬‬ ‫فهي –بالتالي‪ -‬وجهة نظر متناسقة لمجموعة من الفراد‪ .‬‬ ‫‪-2‬إن تجربة الفرد الواحد هي أكثر إيجازا ً من أن تقدر على‬ ‫خلق بنية ذهنية من هذا النوع‪ ،‬ول يمكن لها أن تنتج إل‬ ‫عن النشاط المشترك لعدد من الفراد الموجودين في‬ ‫وضعية متماثلة والذين يشكلون فئة اجتماعية ذات‬ ‫امتياز‪ ،‬والذين عاشوا لوقت طويل وبطريقة مكثفة‬ ‫دوا في البحث عن ح ّ‬ ‫ل ذي‬ ‫مجموعة من المشاكل وج ّ‬ ‫دللة لها‪ .

‬أما )التفسير( فهو إدراج هذه البنية‪ ،‬من حيث هي‬ ‫ون ووظيفي‪ ،‬في بنية شاملة مباشرة ل يسبرها‬ ‫عنصر مك ّ‬ ‫صلة‪ ،‬وإنما بالقدر الضروري لجعل تكوين‬ ‫مف‬ ‫بطريقة‬ ‫الباحث‬ ‫ّ‬ ‫‪.‬وعليه أن ُيصدر حكمه‬ ‫على ضوء النص دون أن يعطيه أدنى امتياز‪.‬‬ ‫‪-2‬عدم المبالغة في أهمية الفرد حين القيام بالتفسير الذي‬ ‫هو بحث عن الذات الفردية أو الجماعية التي اتخذت‬ ‫البنية الذهنية المنتظمة للعمل الدبي بفضلها طابعا ً‬ ‫وظيفيا ً ذا دللة‪ .‬ول شيء غير النص‪ .‫ليست واعية وليست ل واعية بالمعنى الفرويدي‪ ،‬ذلك‬ ‫المعنى الذي يفترض كبتا ً ما‪ ،‬ولكنها سيرورات غير‬ ‫واعية مماثلة لتلك التي تنتظم عمل البنى العضلية‬ ‫والعصبية‪ ،‬لهذا فإن الكشف عن هذه البنى أمر متعذر‬ ‫على الدراسة الدبية المحايثة وعلى الدراسة المتجهة‬ ‫نحو النّيات الواعية للكاتب أو في علم نفس العماق‪،‬‬ ‫ول يمكن أن يبلغه سوى بحث من النمط البنيوي‬ ‫والسوسيولوجي‪.‬أما )التفسير( فمسالة تتعلق‬ ‫بالبحث في الذات الفردية أو الجماعية التي تمتلك البنية‬ ‫الذهنية المنتظمة للعمل الدبي‪ .176 -‬‬ .‬‬ ‫‪-3‬إن ما نسميه )تأثيرات( ل يمتلك أية قيمة تفسيرية‪.‬‬ ‫إن )الفهم( يتعلق بالتماسك الباطني للنص‪ ،‬وهو يفترض‬ ‫أن نتناول النص حرفيًا‪ .‬‬ ‫ولكن على الباحث أن يفسرها‪ ،‬فهنالك تأثيرات تمارس‬ ‫فعلها على الكاتب‪ .‬فالمسرحيات التي‬ ‫كتبها )راسين( تكتسب دللة ما انطلقا ً من شبابه الذي‬ ‫قضاه في )بور رويال( ومن علقاته اللحقة مع رجال‬ ‫البلط والمسرح والجماعة الجانسينية وفكرها‪ ،‬إل أن‬ ‫وجود هذه الرؤية المأساوية كان من المعطيات المكونة‬ ‫وصل )راسين( منها إلى كتابة مسرحياته‬ ‫للوضاع التي ت ّ‬ ‫والتي جاءت كرد فعل وظيفي ذي دللة للنبالة المثقفة‬ ‫على وضع تاريخي محدد‪.‬فالعمل الدبي يكاد يمتلك وظيفة‬ ‫فردية ذات دللة بالنسبة لكاتبه‪ ،‬إل أن هذه الوظيفة‬ ‫الفردية غالبا ً ما تكون غير مرتبطة بالبنية الذهنية التي‬ ‫تنتظم الطابع الدبي الخالص للعمل‪ .‬أما الفرق بين المنهج البنيوي التكويني‬ ‫والمناهج النقدية التقليدية فيتجّلى في النقاط التالية‪:‬‬ ‫‪-1‬عدم إيلء أهمية خاصة في فهم العمل الدبي للنّيات‬ ‫الواعية للفراد‪ ،‬وللنّيات الواعية للمبدعين‪ ،‬لن الوعي‬ ‫ل يشكل سوى عنصر جزئي للسلوك البشري‪ .‬وهكذا يبدو الفهم والتفسير‬ ‫غير متعارضين‪ ،‬ذلك أن )الفهم( يكمن في الوصف الدقيق‬ ‫لبنية ذات دللة‪ ،‬أو هو الكشف عن بنية دالة محايثة للموضوع‬ ‫المدروس‪ .‬‬ ‫وهكذا يبدو الفرق واضحا ً بين )المنهج البنيوي التكويني(‬ ‫والمناهج النقدية التقليدية‪ ،‬كما يشترك علم الجتماع التكويني‬ ‫مع التحليل النفسي‪ .‬وأن نبحث داخله‬ ‫عن بنية شاملة ذات دللة‪ .‬وما ينبغي تفسيره هو‪ :‬لماذا ل‬ ‫يمارس تأثيره سوى عدد قليل منها‪.‬فعلى‬ ‫علم اجتماع الدب أن يعامل النوايا الواعية للكاتب على‬ ‫أنها مجرد علمة من بين علمات عديدة‪ ،‬وعلى أنها نوع‬ ‫من التأمل في العمل الدبي‪ .‬‬ ‫وينجم عن هذه المقدمات أن الدراسة البنيوية التكوينية‬ ‫دى معه‬ ‫تسعى إلى تقطيع الموضوع الذي تدرسه إلى حد يتب ّ‬ ‫هذا الموضوع مجموعة من التصرفات ذات الدللة‪ ،‬ثم يكتشف‬ ‫الباحث )البنية( التي تكاد تشمل )كلّية( النص‪ ،‬ول يضيف إلى‬ ‫النص شيئا ً من عنده‪.

‬‬ ‫‪ -2‬جاك لينهارت وقراءة للرواية‬ ‫وإذا كان غولدمان قد تتلمذ على )لوكاش(‪ ،‬فإن )جاك‬ ‫لينهارت(‬ ‫‪ J. Lenhardt‬قد تتلمذ على )لوسيان غولدمان(‪ ،‬على الرغم من‬ ‫أن تلمذته له لم تمنعه من نقده‪ :‬فصرامة التحليل الغولدماني‬ ‫للتناظر بين بنية الشكل الروائي وبنية المجتمع الوربي المنتج‬ ‫من أجل السوق قد حجبت عنه اعتبار )الكتابة(‪ ،‬مفهوما ً‬ ‫جوهريا ً من مفاهيم السوسيولوجيا الدبية‪ ،‬ونتيجة لذلك فقد‬ ‫اعتبر )غولدمان( وصف الشياء في )الرواية الجديدة(‬ ‫ول أدبي‬ ‫ول اجتماعي‪ ،‬وليس نتيجة تح ّ‬ ‫الفرنسية هي نتيجة تح ّ‬ ‫يطرح مشكل الكتابة الروائية التقليدية ويعمل على قطع صلته‬ ‫بها‪ .‬وفي هذا الصدد يمكن اعتبار كتاب لينهارت )قراءة‬ ‫سياسية للرواية‪ :‬الغيرة لغرييه( ‪ 1973‬تدعيما ً لمنهج غولدمان‪،‬‬ ‫وفي نفس الوقت مساهمة في تطويره ونقد مفاهيمه)‪.‬والقطع الثاني يتدخل في وقت‬ ‫تتلشى فيه هذه الدعائم الخارجية للبورجوازية الفردية‪ ،‬وحيث‬ ‫‪.‬ويقتبس‬ ‫)لينهارت(‪ ،‬على مستوى اللغة‪ ،‬ما قاله )غولدمان( عن مشكل‬ ‫القيم في المجتمع المنتج من أجل السوق فيلحظ أن العلقة‬ ‫اليومية للناس باللغة تعتمد على مسّلمة أن السيرورة‬ ‫الخطابية تعّبر عن المعنى بصفة موحدة‪ ،‬أي أنها تعتمد على‬ ‫القيمة الستعمالية‪.‬وإن التفسيرات‬ ‫السيكولوجية لم تنجح قط في الحاطة بجزء يستحق الذكر من‬ ‫النص‪ ،‬وتلك الحاطة ل تشمل سوى بعض العناصر الجزئية أو‬ ‫بعض الملمح العامة‪ .‬‬ ‫عن الرؤية المأساوية المك ّ‬ ‫أما عن علقة المنهج البنيوي التكويني بالتفسيرات‬ ‫السيكولوجية‪ ،‬فعلى الرغم من أنهما يشتركان في التأكيد على‬ ‫أن كل سلوك بشري يشكل جزءا ً من بنية واحدة ذات دللة‪،‬‬ ‫وأنه لفهم هذا السلوك ينبغي إدراجه في هذه ُالبنية التي ينبغي‬ ‫على الباحث اكتشافها‪ ،‬ول يمكن فهمها إل إذا أحيط بها في‬ ‫تكوينها الفردي والتاريخي‪ .‬نقول على الرغم من اشتراك‬ ‫المنهجين في بعض المور فإن التفسيرات السيكولوجية تطرح‬ ‫اعتراضات حاسمة منها أننا ل نملك سوى معرفة جد ضئيلة عن‬ ‫نفسية كاتب لم يسبق لنا أن عرفناه‪ ،‬بحيث تصبح أغلب‬ ‫م‬ ‫التفسيرات‬ ‫المزعومة مجرد إنشاءات ذكية لنفسية وهمية يت ّ‬ ‫خلقها استنادا ً للشهادات المكتوبة‪ .‬وإذا كان )غولدمان( قد فّرق‪ ،‬منذ حقبة )البطل‬ ‫الشكالي()‪ ،(6‬بين قطعين كبيرين‪ :‬الول شاهد ظهور شكل‬ ‫روائي )شكل المحتوى( حيث تركت مقولة السيرة الفردية‬ ‫المجال لنحلل الشخصية الذي تعتبر أعمال جويس وكافكا‬ ‫وميزيل أمثلة نابهة عليه‪ .(5‬‬ ‫وإن اختفاء الشخصية في الرواية هو نظير لختفاء دور‬ ‫الفرد في المجتمع الرأسمالي المؤلل والقائم على التنظيم‪،‬‬ ‫بينما تزداد أهمية )الشياء( من خلل توثين السلعة‪ .177 -‬‬ .‫العمل الذي يدرسه مفهومًا‪ ،‬وعلى سبيل المثال نذكر كيف أن‬ ‫فهم )خواطر( باسكال و )مآسي( راسين هو نفسه الكشف‬ ‫ونة للبنية الدالة المنتظمة‪.‬بالضافة إلى أن التفسيرات‬ ‫السيكولوجية إذا كانت تحيط ببعض أوجه العمل الدبي‪ ،‬فإن‬ ‫ذلك يظل محصورا ً في أوجه ل تمتلك أي طابع أدبي‪ ،‬فأفضل‬ ‫التفسيرات النفسية لعمل ما سوف لن تتمكن قط إطلعنا‬ ‫على ما يميز هذا العمل عن كتابة أنجزها معتوه ما‪.‬‬ ‫إن تاريخ الشكل الروائي يتطور على أصعدة مختلفة‪ ،‬وإن‬ ‫دد بالوعي البورجوازي كوعي شقي‪ ،‬لكنها لم‬ ‫الرواية تن ّ‬ ‫تتجاوزه‪ .

178 -‬‬ .‬‬ ‫‪-4‬هذه الطبقة أو الفئة الجتماعية هل تمثل مكانا ً مدركا ً‬ ‫في البنية الشاملة للمجتمع الفرنسي؟‬ ‫‪ -3‬ايف تادييه وباختين‬ ‫في فصل من كتابه )النقد الدبي في القرن العشرين(‬ ‫‪ (7)1987‬يتحدث )جان إيف تادييه( عن )سوسيولوجيا‬ ‫الدب( التي تقيم علقات بين المجتمع والعمل الدبي‪ ،‬لن‬ ‫الكاتب مشروط به‪ ،‬يعكسه ويعّبر عنه ويسعى إلى تغييره‪ ،‬كما‬ ‫أن المجتمع حاضر في العمل الدبي‪ .‬‬ ‫وباختين‪ ،‬وقد ف ّ‬ ‫أما )جورج لوكاش( )‪ 1885‬ـ ‪ (1971‬الفيلسوف‬ ‫المجري فقد سيطر على مجمل سوسيولوجيا الدب في القرن‬ ‫العشرين‪ .‬‬ ‫وفي مسيحية القرون الوسطى حّلت الرواية محل الملحمة‬ ‫عندما أصبح معنى الحياة إشكاليًا‪ ،‬وأعقب النثُر الروائي الشعّر‬ ‫الملحمي‪ ،‬واستقل الشعر بالغنائية‪ ،‬وتجّردت الرواية من اللهة‪.‬‬ ‫وقد حلل لينهارت رواية )الغيرة( للن روب غرييه انطلقا ً‬ ‫دد من خللها أربعة أصعدة للتحليل‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫من أربعة أسئلة ح ّ‬ ‫دد هذه‬ ‫تح‬ ‫وهل‬ ‫متماسكة؟‬ ‫دالة‬ ‫بنية‬ ‫(‬ ‫الغيرة‬ ‫‪-1‬هل تقدم )‬ ‫ّ‬ ‫البنية الروائية المعنية فقط أم عموم أعمال روب‬ ‫غرييه؟‬ ‫‪-2‬هل يمكن أن تدرج البنية الدالة المتركزة على )الغيرة(‬ ‫في إطار تيار إيديولوجي أعم مثل تّيار )الرواية‬ ‫الجديدة(؟‬ ‫‪-3‬إذا كانت تلك البنية اليديولوجية موجودة فهل لها‬ ‫علقات وظيفية بطبقة اجتماعية أو بفئة اجتماعية‪.‬‬ ‫وهو ما عّبر عنه لينهارت بوساطة مفهوم النزياح عن المركز‪.‫احّتل مكانه خلل الخمسينات‪ ،‬الجيل الرابع من الروايات التي‬ ‫يظهر فيها البطل كأثر من آثار البنية‪ ،‬مختفيا ً باعتباره بط ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫ثم وضع لوكاش كتابه )الرواية التاريخية ( عام ‪ 1937‬وفيه‬ ‫يعلن عن الفعل المتبادل بين التطور القتصادي والجتماعي‬ ‫‪.‬‬ ‫وينتهي كتاب )نظرية الرواية( عند دستويفسكي روائي "العالم‬ ‫الجديد"‪.‬وتؤكد نظرية الرواية أن‬ ‫الشكل الروائي هو انعكاس لعالم مخلخل‪ ،‬فيربط بين التطور‬ ‫الجتماعي والتطور الدبي في مضامينه وأشكاله‪.‬ووسمت رواية القرن‬ ‫التاسع عشر بطلها بأنه يرفض تحقيق ذاته في العالم‪ ،‬فيعتقد‬ ‫باستحالة الصراع مع العالم الخارجي‪ .‬وقد عرف القرن التاسع‬ ‫عشر نقادا ً اجتماعيين من مثل‪ :‬مدام دي ستال‪ ،‬وتين‪ ،‬ثم‬ ‫تطور هذا المنهج النقدي في القرن العشرين فازدهر لدى‬ ‫الماركسيين‪ ،‬ولعل من أشهر مؤسسيه‪ :‬لوكاش‪ ،‬وغولدمان‪،‬‬ ‫صل تادييه القول فيهم‪.‬وقد كان لكتابه النقدي الهام )نظرية الرواية( الذي‬ ‫كتبه عام ‪ 1915‬ونشره في برلين عام ‪ 1920‬الثر الهام في‬ ‫هذا المنهج النقدي‪ ،‬ففيه يأخذ عن هيغل مقولة إعطاء‬ ‫المقولت الجمالية صفة تاريخية‪ .‬وهذه هي روايات الخيبة‪.‬‬ ‫وقد رسم لوكاش )بانوراما( للمجتمعات التاريخية‪ ،‬منذ‬ ‫اليونان التي عاشت حضارة الروح في تناغم مع عالم مغلق‬ ‫وكامل‪ ،‬وحيث ارتبطت الشكال النموذجية ببنية العالم‪،‬‬ ‫وازدهرت الملحمة والمأساة والفلسفة والبطل التراجيدي‪.‬‬ ‫ومثّلت شخصيات ديكنز السطحية البورجوازية أنماطا ً نموذجية‬ ‫لبشرية مصالحة للمجتمع البورجوازي‪ .

‬وبدل ً من طرح التماثل بين الواقع الجتماعي‬ ‫ومضمون الدب الروائي فإن غولدمان يرى هذا التماثل بين‬ ‫الوسط الجتماعي والشكل الروائي‪.‬وفي أدب )سكوت( يتعرف‬ ‫لوكاش على مجمل الحياة الوطنية أو القومية من خلل‬ ‫"السفل" الذي ُيعتبر أساسا ً ماديا ً وتفسيرا ً فنيا ً لما يحصل في‬ ‫"العلى"‪ ،‬فقد كان )سكوت( مدافعا ً عن "التقدم"‪ ،‬لنه قدم‬ ‫حياة شاعرية لقوى تاريخية‪ :‬فطبقات عليا هبطت‬ ‫)الرستقراطية‪ ،‬والبورجوازية الكبيرة(‪ ،‬وطبقات دنيا صعدت‬ ‫)البرجوازية الوسطى(‪.‬والكتاب‬ ‫مساهمة أولية إلى علم الجمال الماركسي‪ ،‬أو إلى الشكل‬ ‫المادي لدراسة التاريخ الدبي‪ :‬فروايات والتر سكوت مثل ً الذي‬ ‫يصور في أبطاله مختلف القوى الجتماعية؛ تمّثل الطبقة‬ ‫الوسطى البريطانية‪ ،‬والصدامات بين الطراف المتناقضة‪.‬‬ ‫ولتحديد النتقال من البنى القتصادية إلى المظاهر الدبية‪،‬‬ ‫يعتمد غولدمان أربعة عوامل‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ ولدة مقولة الوساطة حيث يصبح النقد والخطوة‬ ‫الجتماعية قيما ً مطلقة بدل ً من أن تكون وسيطة‪.‫وبين مفهوم العالم والشكل الفني الذي ُيشتق منه‪ .‬‬ ‫*‬ ‫دم منذ‬ ‫وأما )لوسيان غولدمان(‪ ،‬تلميذ لوكاش‪ ،‬فقد ق ّ‬ ‫ول عنها‪ ،‬إذ أصبحت أساس منهجه‪،‬‬ ‫عام ‪ 1947‬فرضية لم يتح ّ‬ ‫وهي أن الدب والفلسفة تعبيران عن رؤية للعالم‪ ،‬وإن رؤية‬ ‫العالم ليست وقائع فردية بل هي اجتماعية‪ ،‬إذ أنها ليست‬ ‫وجهة نظر الفرد المتغّير باستمرار‪ ،‬بل هي وجهة نظر‪،‬‬ ‫ومنظومة فكر مجموعة بشرية تعيش في ظروف اقتصادية‬ ‫واجتماعية متماثلة‪ ،‬وتعبير الكاتب عن هذه المنظومة له دللة‬ ‫كبيرة فهو يستمد منها‪.‬وهو‬ ‫يرى أن الرواية‪ ،‬باعتبارها أخبارا ً اجتماعية‪ ،‬فإنها تعكس مجتمع‬ ‫عصرها‪ .‬ويقوم المنهج‬ ‫للفنان والشكال التي يج ّ‬ ‫السوسيولوجي لدى غولدمان باستخلص الدللة الموضوعية‬ ‫للعمل الدبي‪ ،‬ثم يربطها بالعوامل الثقافية والجتماعية‬ ‫والقتصادية للفكر‪ .179 -‬‬ .‬‬ ‫وفي كتابه )من أجل سوسيولوجيا للرواية( ‪ 1964‬يؤكد‬ ‫غولدمان أن الموضوعات الحقيقية للبداع الثقافي هي‬ ‫المجموعات البشرية وليس الفراد المنعزلين‪ ،‬على الرغم من‬ ‫اعترافه بأن البداع الفردي هو جزء من إبداع الجماعة‪ .‬‬ ‫‪ 2‬ـ وجود أفراد إشكاليين يبقى فكرهم وسلوكهم مغلوبا ً‬ ‫‪.‬‬ ‫وفي قلب الحبكة يساعد البطل في إقامة علقات إنسانية بين‬ ‫القوى الجتماعية المتعارضة‪ .‬ويبدو أن‬ ‫غولدمان تأثر بكتاب جان بياجيه )البستيمولوجيا التكوينية(‬ ‫‪ 1953‬إذ لم يعد يتجه نحو مضمون الفكر‪ ،‬وإنما نحو البنية‬ ‫المبسطة للفكر الجماعي‪ ،‬فيدرس البنى المتناقضة للفكر‬ ‫ددا ً تيارا ً إيديولوجيا ً‬ ‫التراجيدي‪ ،‬مقربا ً بين باسكال وراسين‪ ،‬ومح ّ‬ ‫تّبنته جماعة بشرية فكان السبب في ولدة هذه العمال‬ ‫الدبية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ومنذ عام ‪ 1947‬أكد غولدمان موضوعا أخذ به بارت‬ ‫والنقد المعاصر من بعد‪ ،‬وهو أن المؤلف ل يعرف أكثر من‬ ‫غيره دللة وقيمة مؤلفاته‪ ،‬وإن سؤال جمهوره ليس أفضل‬ ‫السبل لفهمه‪ ،‬فقد يكون هنالك تفاوت بين المقاصد الواعية‬ ‫سد فيها رؤيته للعالم‪ .‬ففي كتابه )الله الخفي( ‪ 1956‬يقوم‬ ‫)غولدمان( بتطبيق منهجه النقدي )البنيوي التكويني( على‬ ‫الجانسينية لدى راسين وباسكال الل ْ‬ ‫ذين تأثرا بها‪ .

.‬‬ ‫‪.‬التي‬ ‫أشاعها طلب المدارس الكليريكية ورجال الدين الهامشيين‪.‫أمام القيم الكمية‪ .‬فالكّتاب ل يستطيعون الهروب من‬ ‫تأثير السوق‪.‬‬ ‫وهكذا يؤكد )المنهج البنيــوي التكــويني( المبــادئ الساســية‬ ‫للنقد السوسيولوجي‪ ،‬ومنها أن الكاتب العظيم هــو ذلــك الفــرد‬ ‫الستثنائي الذي ينجح فــي خلــق العمــل الدبــي‪ ،‬بعـالم تخييلــي‬ ‫منسجم‪ ،‬ترتبط بنيته بالبنية التي تسعى إليها الجماعة‪.‬‬ ‫وأما )ميخائيل باختين( )‪ 1895‬ـ ‪ (1975‬فيراه تادييه‬ ‫مستكمل ً لعمل غولدمان‪ ،‬وذلك في كتابيه‪) :‬أعمال رابليه‬ ‫والثقافة الشعبية في العصور الوسطى وعصر النهضة( ‪،1965‬‬ ‫ضمنان تجسيد رؤية‬ ‫و)شعرية دستويفسكي( ‪ 1963‬اللذين يت ّ‬ ‫مختلفة للعالم‪ ..‬‬ ‫ً‬ ‫ور النوع الروائي انطلقا من استياء عاطفي غير‬ ‫‪ 3‬ـ تط ّ‬ ‫معقلن‪ ،‬ومن طموح عاطفي إلى قيم كيفية نشأت في‬ ‫المجتمع‪.1968‬وتتجّلى ثورتها في الهمية التي‬ ‫تعزوها للغة‪ ،‬وادعائها العلمية‪ ،‬واستبعادها المؤلف من التحليل‬ ‫النقدي‪ ،‬وعنايتها بالشكل وحده‪.‬فكتاب )رابليه‪ (..‬‬ ‫وقــد جــاء تعريــف )تــادييه( لعلم النقــد السوســيولوجي‬ ‫موجزًا‪ ،‬لنه لم يستحق لديه سوى فصل مــن كتــاب عــن النقــد‬ ‫العالمي‪.‬‬ ‫كلها قّربت أعمال غوغول من أعمال رابليه‪ ،‬وأعادت لغة‬ ‫غوغول إلى مصادرها الشعبية القديمة أو المنسّية‪ ،‬وهي تعبر‬ ‫عن )كرنفال( الثقافة الشعبية‪..‬فإذا استبعدنا مصادر البنيوية‬ ‫)الشكلنية الروسية‪ ،‬واللسانيات البنيوية( لنها وردت سابقا ً‬ ‫عند غيرها‪ ،‬واقتصرنا على البنيوية وما بعدها )السيميولوجيا‪،‬‬ ‫والبنيوية التكوينية( لوجدنا الباحثة تعد ّ البنيوية ثورة نشأت‬ ‫خارج الجامعات‪ ،‬في مؤسسات أكاديمية هامشية‪ ،‬وازدهرت‬ ‫في ستينيات القرن العشرين‪ ،‬حتى بلغت ذروتها مع ثورة‬ ‫الطلب في فرنسا عام ‪ .‬وانطلقا ً من هذه القيم تتطور‬ ‫الرواية كسيرة لفرد إشكالي يشبه مؤلفه‪ ،‬ثم يتحول‬ ‫الشكل الروائي لينتهي إلى النحلل التدريجي‪ ،‬وإلى‬ ‫تلشي الشخصية الفردية‪..‬كذلك فإن‬ ‫دراسة أعمال غوغول تعني العثور على علقتها المباشرة مع‬ ‫أشكال الستمتاع الشعبية على الرض التي نشأت عليها‪:‬‬ ‫فقصص العياد والمعارض الوكرانية والواقعية الغربية‪ .‬ومنهما‬ ‫استقى رابليه رؤيته الخاصة للعالم‪ .‬وقد كتبته مجموعة من أربعة باحثين‬ ‫هم‪ :‬آن جفرسون‪ ،‬وديفيد روبي‪ ،‬وديفيد فورثماكس‪ ،‬وإليزابيت‬ ‫رايت‪ ،‬عالجوا فيه‪ :‬الشكلنية الروسية‪ ،‬واللسانيات الحديثة‪،‬‬ ‫والبنيوية‪ ،‬وما بعد البنيوية‪ ،‬ونظريات الدب الماركسية‪ :‬نظرية‬ ‫النعكاس‪ ،‬ولوكاش‪ ،‬وماشريه‪ ،‬والمنهج البنيوي التكويني‪:‬‬ ‫غولدمان‪ ،‬وادورنو‪ ،‬وباختين‪ .‬‬ ‫‪ 4‬ـ آن جفرسون والنظرية الدبية الحديثة‬ ‫كتبت )آن جفرسون( فصل )البنيوية وما بعدها( في‬ ‫كتاب )النظرية الدبية الحديثة()‪ (8‬وهو كتاب مهم يقع في‬ ‫صلب الهتمام البنيوي‪ ...‬وهي رؤية تختلف عن‬ ‫الرؤية الرسمية‪ ،‬ولكنها تتمتع بأشكالها الخاصة‪ .‬يستند إلى الثقافة الشعبية‬ ‫منذ العصور القديمة عند أرسطوفان الشاعر اليوناني الهزلي‪،‬‬ ‫ثم عادت إلى الظهور عند بوكاشيو في عصر النهضة‪ ..‬‬ ‫‪ 4‬ـ في المجتمع الليبرالي المتجه نحو السوق تظل القيم‬ ‫مرتبطة بوجود التنافس‪ .180 -‬‬ .

‬وبتركيزه على‬ ‫حي جانبا ً مسائل )المضمون(‪ .‬‬ ‫ويتك ّ‬ ‫وهو ل يهّتم بالمعنى )المدلولت( بل بالدوال‪ .‬‬ ‫إن الفتراض القائل بأن )الثقافة لغة( قد أّثر في كل فرع‬ ‫ون من علمات مبنية‬ ‫يم ّ‬ ‫س ّ المسائل الثقافية‪ .‬‬ ‫وقد عاد البنيويون إلى تمييز )سوسير( بين )اللغة( ‪langue‬‬ ‫و)الكلم( ‪ Parole‬بهدف رسم معالم مقاربة للدب‪ .‬وهذا يعني ـ في مجال الدب ـ استبعاد كل من المؤلف‬ ‫والواقع كنقطتي انطلق لعملية التفسير‪ .‫وتمّثل البنيوية الفرنسية تحقيقا ً لحلم )سوسير( بإيجاد علم‬ ‫للعلمات )السيميولوجيا(‪ .‬وأفضل تعريف للبنيوية نجده لديه‬ ‫في قوله‪" :‬إن البنيوية طريقة لتحليل الفنون الثقافية‪ ،‬وذلك‬ ‫بمقدار ما تتولد هذه الطريقة من مناهج اللسانيات المعاصرة"‪.181 -‬‬ .‬‬ ‫وبما أن الدب شكل من أشكال النشاط الجتماعي‬ ‫والثقافي‪ ،‬فإن تحليله بلغة علماتية هو أمر ممكن‪ ،‬وذلك عن‬ ‫طريق الكشف عن طبيعة العلمات التي تتكون منها‪ ،‬وعن‬ ‫كيفية عمل النظام الذي يتح ّ‬ ‫كم باستخدامها وتركيبها‪ .‬‬ ‫ون المنهج البنيوي من تحليل البنى الداخلية في الّنص‪.‬وقد ترّتب على هذا‬ ‫التوسيع لمجال اللسانيات البنيوية إحداث تبديل جذري في‬ ‫منظور معظم العلوم الجتماعية‪.‬غير أن الدب يختلف عن الزياء وعن‬ ‫علقات القرابة في أنه ليس منظما ً على غرار الّلغة فحسب‪،‬‬ ‫ون من اللغة‪ .‬وكان على اللغة‪ ،‬بسبب مكانتها النموذجية‪ ،‬أن تصبح‬ ‫مثال ً رئيسيا ً ُيحتذى لفروع السيميولوجيا‪ .‬وهنا ل‬ ‫يختلف الدب عن الزياء أو الساطير التي يشكل تحليلها جزءا ً‬ ‫من النثربولوجيا البنيوية‪ .‬فالمقاربة البنيوية‬ ‫تستغني عن هذه المرتكزات الساسية للتاريخ والنقد الدبي‬ ‫التقليديين‪ ،‬لكي تميط اللثام عن المنظومات الدللية الفاعلة‬ ‫في الدب‪ ،‬وتر ّ‬ ‫كز على الدوال على حساب المدلولت‪ ،‬وُتعنى‬ ‫بالطريقة التي ينتج بها المعنى‪ ،‬أكثر من المعنى ذاته‪ ،‬وفي هذا‬ ‫يقول جينيت‪" :‬لقد اعتبر الدب‪ ،‬لمد طويل‪ ،‬رسالة دون‬ ‫مدّونة‪ ،‬ولذا بات من الضروري اعتباره مدّونة دون رسالة"‪.‬ويق ّ‬ ‫بارت )منظومة الموضة( نموذجا لهذا المبدأ اللغوي من خلل‬ ‫محاولته قراءة قواعد الزياء‪ .‬وبهذا فإن النموذج الدبي يرتبط‬ ‫بل إنه يتك ّ‬ ‫ارتباطا ً وثيقا ً باللغة من جوانب ثلثة‪ :‬المادي )اللفظي(‪،‬‬ ‫والتنظيم الشكلي )السيميولوجي(‪ ،‬وموضوعاته )اللغوي(‪.‬فعلى الرغم من أنه رأى في اللغة‬ ‫أكثر منظومات التعبير تعقيدا ً وتمييزًا‪ ،‬إل أنها كانت في نظره‬ ‫مشابهة ـ في بنيتها وتنظيمها ـ لي شكل من أشكال السلوك‬ ‫الجتماعي‪ .‬‬ ‫وإذا كانت نظرة )سوسير( إلى اللغة تستبعد البعد الدللي‬ ‫من خلل مفهومه عن العلمة كاتحاد بين الدال )المكتوب‪ ،‬أو‬ ‫المنطوق( والمدلول )المفهوم(‪ ،‬فإن المعنى ل تقرره مقاصد‬ ‫المتحدثين باللغة ورغباتهم الذاتية‪ ،‬فليس المتكلم هو الذي‬ ‫ُيضفي المعنى‪ ،‬مباشرة على أقواله‪ ،‬بل المنظومة اللغوية‬ ‫ككل‪ .‬وهذا يعني‬ ‫البنى الدللية للدب ين ّ‬ ‫النظر إلى لغة الدب على أنها ل تحتل مرتبة ثانوية إزاء‬ ‫الرسالة التي يفترض في النص أن يحملها‪ ،‬ذلك أن تنظيم‬ ‫اللغة سابق لي رسالة أو واقع‪ .‬‬ ‫وجاءت أبكر الستجابات لهذا التعبير من )ليفي شتراوس(‬ ‫مؤسس النثربولوجيا البنيوية‪ ،‬فقد رأى في تحليلته لعلقة‬ ‫القرابة‪ ،‬أو الطهي أنها منظومات ذات بنية مشابهة لبنية اللغة‪.‬وهذا ما يعنيه )بارت( عندما‬ ‫يقول‪" :‬إن الدب يمّثل سيادة اللغة‪ ،‬وإن اللغة هي )مضمون(‬ ‫الدب‪ ،‬وإن كل ما يفعله الكاتب هو قراءة اللغة"‪.‬فالثقافة تتك ّ‬ ‫دم كتاب رولن‬ ‫ومن‬ ‫ظمة على غرار بناء وتنظيم ًاللغة ذاتها‪ .‬وكما أن‬ ‫اللسانيات غير معنية بالقول الفردي )الكلم(‪ ،‬وإنما بمنظومة‬ ‫‪.

.‬والتخّلص‬ ‫من قصد المؤلف يفتح الطريق للتخّلص من فكرة وجود معنى‬ ‫دد وظيفة الناقد باسترجاع معنى‬ ‫مركزي للنص‪ .‬أما )التحليل البنيوي للسرد(‬ ‫عند )رولن بارت( فيرى السرد جملة طويلة‪ ،‬واللغة والسرد‬ ‫يتشاكلن‪ ،‬ومستوى السرد الذي تجاهله )تودوروف( هو‬ ‫ص( ‪ Narration‬وهو السلوب الذي ُتسرد به القصة‪ ..‬والعمال الدبية ل تمتلك ‪-‬في البنيوية ـ معنى‬ ‫ص معّين هو‬ ‫أحاديًا‪ .‬‬ ‫إن التأكيد على )الدال( على حساب )المدلول( هو الذي‬ ‫يجعل )الشعرية( موضوع بحث محّبب عند البنيوية‪ .‬وهذا اللحاح على تع ّ‬ ‫ددية المعاني في ن ّ‬ ‫النتيجة المنطقية لغياب كل قصد للمؤلف في الدب‪ .‬وهكذا ل تتح ّ‬ ‫النص‪ ،‬وإنما هي نتيجة وعي تام بتعدد معانيه‪ ،‬وبالخروج‬ ‫بتفسير يمّثل واحدا ً ل أكثر من المكانيات الكامنة فيه‪ ،‬ذلك أن‬ ‫ددية المعاني‪ ،‬ولو كانت‬ ‫الدب يقوم ـ كما يقول بارت ـ على تع ّ‬ ‫الكلمات ل تحمل سوى معنى قاموسي واحد لما كان هناك‬ ‫أدب‪.‬ويقوم‬ ‫بتحليله لحكايات الديكاميرون على استخدام صارم وحرفي جدا ً‬ ‫للمقولت اللغوية‪ :‬فيبدأ بتقسيم السرد إلى أوجه‪ :‬دللية‬ ‫)مضمونية(‪ ،‬ولفظية )لغوية(‪ ،‬ونحوية )العلقة بين الحداث(‪،‬‬ ‫وهو محط اهتمام )تودوروف( الرئيسي‪ ،‬حيث ُتؤخذ شبه‬ ‫الجملة كوحدة أساسية تتألف بدورها من مبتدأ وخبر‪ .‬ولعل‬ ‫)المساهمات البنيوية في مجال نظرية السرد( تقدم أفضل‬ ‫مثال على طبيعة الشعرية البنيوية‪) :‬فتودوروف( في كتابه‬ ‫)قواعد الديكاميرون( يعالج بنية السرد بشكل عام‪ ،‬وليس بنية‬ ‫مده باسم‬ ‫سرد كتاب بعينه‪ ،‬من أجل تأسيس )علم سرد( يع ّ‬ ‫)السردية( ‪ .‬وهذا هو التحليل‬ ‫البنيوي للسرد عند )تودوروف(‪ .‬‬ ‫يؤكد تودوروف أن النص الفرادي هو الوسيلة التي يمكن‬ ‫للمرء أن يصف من خللها خصائص الدب بصورة عامة‪ ،‬وأن‬ ‫خصائص القول الدبي تقتصر على الدب ذاته‪ ،‬مستشهدا ً‬ ‫بمفهوم )الدبية( لدى الشكلنيين الروس‪.‬فأوضح )بارت( أن القراءة تختلف عن‬ ‫النقد في أنها عملية اندماج مع العمل الدبي‪ ،‬بينما يضع النقد ُ‬ ‫ون النقد من بناء فعلي‬ ‫الناقد َ على ُبعد معّين من الّنص‪ .‬‬ ‫والواقع أن التطبيق التفصيلي لهذه المقولت على أمثلة‬ ‫السرد مم ّ‬ ‫ل‪ ،‬ول يقدم كثيرا ً من التنوير‪ .‬‬ ‫ويفترض النقد البنيوي أن النقد هو امتداد لعملية القراءة‪،‬‬ ‫وأن )الناقد( هو قارئ نموذجي يتمتع بقدرة فائقة على التعبير‪.‬ويأخذ‬ ‫)تودوروف( على عاتقه رسم معالم هذه البنية المجردة‪ .‬ثم ينتقل‬ ‫)تودوروف( إلى وضع المقولت الولية لنحو السرد )اسم‬ ‫العلم‪ ،‬والصفة‪ ،‬والفعل‪ (..‬ولم‬ ‫)الق ّ‬ ‫يكن تطبيق )بارت( لبعض مصطلحات )بنفنست( مثمرًا‪.Narratology‬أما حكايات الديكاميرون فمستخدمة‬ ‫كمادة اختبار فقط‪ ،‬وقد اختيرت لنها تبدو وكأنها مبنية على‬ ‫أسس سردية ل نفسية أو وصفية أو فلسفية‪ .‬أما المقولت الثانوية فتتكون من‬ ‫مفاهيم لغوية مماثلة )النفي‪ ،‬والتعارض‪ ،‬وصيغ التفضيل‪ ،‬وصيغ‬ ‫الفعل‪.‬‬ ‫ثم عرضت الباحثة نظرية )جيرار جينيت( في السرد في‬ ‫‪.‬ويتك ّ‬ ‫لمعنى النص‪ ..‬‬ ‫يؤكد هذا )بارت( في كتابه )نقد وحقيقة( الذي رد ّ به على‬ ‫كتاب )نقد جديد أم دجل جديد( لريمون بيكار الستاذ في‬ ‫السوربون‪ ،‬والذي زعم أن النقد الجديد يتخّلى عن الوضوح‬ ‫والذوق والموضوعية‪ ،‬وهي القيم التي يتحّلى بها النقد‬ ‫الكاديمي )التقليدي(‪ .‬والفتراض هو‬ ‫أن كل حكاية تكشف عن جزء من )بنية سردية(‪ .(..182 -‬‬ .‫اللغة ككل‪ ،‬فإن المنهج البنيوي يعتبر العمال الفردية أمثلة‬ ‫على الكلم تسترشد بقواعد تنتمي إلى )اللغة( الدبية العامة‪.

‬‬ ‫ونة الثقافية التي توفر المعلومات الجتماعية‬ ‫‪ 5‬ـ المد ّ‬ ‫والعلمية‪.‬وبصفة عامة فإن النصوص الكلسية هي‬ ‫نصوص قابلة للقراءة‪ ،‬بخلف النصوص البداعية القابلة‬ ‫للكتابة‪.‬وتقوم دراسة‬ ‫بارت للرموز على التمييز الذي يضعه بين القابل للقراءة‬ ‫والقابل للكتابة‪ :‬فالقابل للكتابة هو المصطلح اليجابي‪ ،‬لن‬ ‫القيمة ُتعزى إلى النتاج الدبي بدل ً من النسخ أو التمثيل‪ .183 -‬‬ .‬وأما‬ ‫القابل للقراءة فهو ما نميزه ونعرفه سابقًا‪ .‬‬ ‫وهذه المدّونات مشتركة بين المؤلف والقارئ‪ ،‬وهي تخلق‬ ‫مر من خللها الّنص‪ ،‬وهي تختلف عن علم‬ ‫نوعا ً من الشبكة ي ّ‬ ‫قواعد الشعرية البنيوية لنها ل تحتل منزلة النموذج‪ ،‬وإنما هي‬ ‫أمثلة على )الكلم( ‪ Parloe‬الذي ل يملك لغة ‪ Langue‬أولية‪.(9‬‬ ‫ثم عرضت الباحثة كتاب )س‪/‬ز( ‪ 1970‬لرولن بارت الذي‬ ‫يشكل قطيعة مع النقد البنيوي‪ ،‬والذي يفتتح به عهدا ً جديدا ً في‬ ‫النقد هو )النقد ما بعد البنيوي( حيث يستبدل فيه النقد بالتعليق‬ ‫على قصة قصيرة لبلزاك عنوانها )سارازين(‪ .‬‬ ‫وهكذا يسعى النقد إلى تفسير العمل الدبي‪ ،‬بينما يهتم‬ ‫المنهج البنيوي بتطبيق القوانين والقواعد الل شخصية التي‬ ‫ليست الشياء الموجودة إل تحقيقا ً لها)‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ المد ّ‬ ‫ونة الرمزية حيث تصبح المعاني متعددة وقابلة‬ ‫‪ 4‬ـ المد ّ‬ ‫للعكس‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ المد ّ‬ ‫ونة الحدثية التي تقرر الحدث والسلوك‪.‬‬ ‫ونة التضمينية التي تقرر الموضوعات‪.‬إّنه الّنص الذي‬ ‫نستهلكه كقراء‪ ،‬باستسلم‪ ،‬في حين أن النص القابل للكتابة‬ ‫يتطّلب من القارئ تعاونا ً فعليًا‪ ،‬ويقتضي منه المشاركة في‬ ‫إنتاج النص وكتابته‪ .‫كتابه )الخطاب السردي(‪ ،‬حيث لم يعد ّ السرد فيه نتاج تفاعل‬ ‫مختلف المستويات التي يتألف منها‪ ،‬وحيث يرى أن )علم‬ ‫ون من تحليل العلقات القائمة فيما بينها‪ .‬ويبّين بارت أن الحقيقة هي أبعد ما تكون عن‬ ‫مهمة تنظيم الدب وإبداعه من الخارج‪ ،‬وإنها مجرد سراب‬ ‫‪.‬‬ ‫وبهذا يتضح أن )الحقيقة( ل تملك أية مكانة واقعية ضمن‬ ‫النص الدبي‪ .‬وتبّنى مصطلحات لغوية مثل )الصيغة(‪،‬‬ ‫السرد وطريقة الق ّ‬ ‫وبلغية مثل )الحذف(‪ ،‬وصاغ تسميات جديدة لمصطلحات‬ ‫قديمة‪ :‬فالسترجاع الفني )الفلش باك( يصبح لديه )استعادة(‬ ‫‪ ،Analepsis‬ووجهة النظر ‪ Point of view‬تصبح لديه )التبئير(‬ ‫‪.‬‬ ‫ون الدب ـ عند بارت ـ من مدّونات خمس هي‪:‬‬ ‫ويتك ّ‬ ‫ونة التأويلية التي تطرح من خللها أحجية‬ ‫‪ 1‬ـ المد ّ‬ ‫يجري حّلها لحقا ً في النص‪.Focalization‬‬ ‫وفي القسم الثاني من كتابه درس )جينيت( رواية بروست‬ ‫)البحث عن الزمن الضائع( حيث طّبق في تحليلها مقولته‬ ‫النظرية في السرد‪ ،‬فّبين الجدوى العملية التي تحملها النظرية‬ ‫السردية في مجال تحليل العمال الدبية‪ ،‬ورأى أن سرد‬ ‫بروست ينحرف عن النموذج‪ ،‬وأن هذه الرواية تخرق قوانين‬ ‫السرد التي يقترحها النموذج المجرد‪ ،‬ولكن دون أن تنتقص‬ ‫صلحيتها‪.‬وعّرف‬ ‫السرد( يتك ّ‬ ‫)القول السردي( بأنه القول الشفهي أو المكتوب الذي يتوّلى‬ ‫الخبار عن حدث أو سلسلة من الحداث؛ ورأى أن تحليل‬ ‫السرد هو في جوهره دراسة للعلقات بين السرد والقصة‪ ،‬بين‬ ‫ص‪ .

‬ول يملك المؤلف نفسه من‬ ‫الجوهر أكثر مما تملكه شخصياته‪ .Macherey‬في كتابه )من أجل نظرية في‬ ‫النتاج الدبي( ‪ 1966‬فيختلف عن نموذج لوكاش النعكاسي‬ ‫في العلقة بين العمل الدبي والواقع‪ ،‬حيث يرى أن العمل‬ ‫الدبي هو عمل إنتاجي‪ ،‬وأن المؤلف ليس مبدعًا‪ ،‬وإنما هو‬ ‫ول المواد الولية إلى نصوص أدبية‪ .‫خادع تحدثه واحدة من مدّوناته الخمس‪ .‬وأغلب المن ّ‬ ‫ظرين الدبيين‬ ‫عالجوا العمال الدبية باعتبارها تدل على حقيقة واقعة‬ ‫خارجها‪ .‬إنه شكل رواية القرن‬ ‫التاسع عشر المبكرة لدى سكوت‪ ،‬وبلزاك‪ ،‬وتولستوي‪ ،‬لنه‬ ‫الشكل الكثر صحة لتجسيد معرفة بالمضمون التناقضي‬ ‫للمجتمع الرأسمالي إبان تطوره‪ .‬أما "الواقعية" المتزايدة‬ ‫لكّتاب القرن التاسع عشر اللحقين مثل فلوبير‪ ،‬وزول‪ ،‬فهي‬ ‫نكوص عن الواقعية إلى نوع من الكتابة يعكس الواقع على‬ ‫نحو زائف‪ ،‬لنها كتابة ترتكز على التفاصيل الدقيقة والتافهة‪ ،‬أو‬ ‫تطرح صورة عن العالم بالغة الذاتية‪ .‬‬ ‫في فصل )ما بعد البنيوية( عرضت الباحثة )لديريدا(‬ ‫باعتباره استمرارا ً للبنيوية‪ ،‬ونقضا ً لها في آن‪.‬وبظهور بروست‪،‬‬ ‫وجويس الطليعيين‪ ،‬أصبح لدينا "انحلل تام لكل مضمون‬ ‫وشكل"‪.‬‬ ‫‪.184 -‬‬ .‬فهو مثلها‪ ،‬ومثل القارئ‪:‬‬ ‫مجموعة من المدّونات‪ ،‬يقول بارت‪" :‬إن النا التي تقارب‬ ‫النص هي في حد ّ ذاتها تعددية من نصوص أخرى‪ ،‬ومن مدّونات‬ ‫أخرى غير متناهية‪ ،‬مفقودة"‪.‬والشكل الصحيح للعمل الدبي هو الشكل الذي‬ ‫يعكس الواقع بأكثر الطرق موضوعية‪ .‬‬ ‫وره الماركسي الفرنسي‬ ‫وأما )نموذج النتاج( الذي ط ّ‬ ‫)بيير ماشريه( ‪ P.‬كذلك فإن‬ ‫)الشخصيات( عنده ليست أشخاصا ً "حقيقيين" وإنما هي‬ ‫مؤشرات تنتجها المدّونة التضمينية من خلل تسميتها‬ ‫لخصائص ُيضفي عليها مظهر الفردية والواقعية عن طريق‬ ‫ماة )سارازين( مثل ً هي‬ ‫إعطائها )اسم ع ََلم( فالشخصية المس ّ‬ ‫م توحيدها بصورة اعتباطية‬ ‫مجرد مجموعة من السمات التي يت ّ‬ ‫عن طريق تسميتها )سارازين(‪ .‬‬ ‫والواقع أن ما جاء به )لوكاش( ليس نظرية في الدب‬ ‫بوجه عام‪ ،‬وإنما نظرية في الدب الواقعي‪ ،‬أو بالحرى في‬ ‫الرواية التي يراها الشكل الدبي الحديث بعينه‪ ،‬وإنها ليست‬ ‫نظرية وضعية بل تقويمية‪ ،‬وإن صلته النظرية باللغة واهية‪ ،‬إذ‬ ‫يعتبر اللغة مجرد وسيلة لمبدأ رفيع عن الشكل‪.‬وقد استخدم لينين هذا النموذج عندما كتب عن تولستوي‬ ‫باعتباره "مرآة الثورة الروسية"‪ .‬وكمثال على ذلك فإن الباحث يعرض جهود المف ّ‬ ‫كر‬ ‫الهنغاري )جورج لوكاش( الذي يرى أن الدب ل يعكس الواقع‬ ‫مثلما تعكس المرآة الشياء الموضوعة أمامها‪ ،‬وإنما الدب‬ ‫معرفة بالواقع الخارجي‪ ،‬تنعكس في الدب‪ ،‬من خلل صياغة‬ ‫الكاتب البداعية لشكل العمل الدبي الذي يعكس شكل العالم‬ ‫الحقيقي‪ .‬‬ ‫وقسم مقارباتهم إلى نماذج هي‪ :‬النموذج النعكاسي‪ ،‬والنموذج‬ ‫التكويني‪ ،‬ونموذج النتاج‪ ،‬ونموذج المعرفة السلبية‪.‬وهذه النظرية ل‬ ‫منتج يح ّ‬ ‫حرفي يستعمل‬ ‫تختلف عن نظرية الشكلنيين إلى الكاتب ك ِ‬ ‫الدوات‪ ،‬ومشابهة لتأكيد بارت في )س‪/‬ز( على أن الكتابة‬ ‫ممارسة تستعمل المدّونات‪.‬‬ ‫)فالنموذج النعكاسي( يرى أن الدب يعكس واقعا ً خارجيا ً‬ ‫عنه‪ .‬‬ ‫وفي فصل )نظريات الدب الماركسية( الذي كتبه )ديفيد‬ ‫ورها‬ ‫فورثماكس( عرض فيه عينة من الستراتيجيات التي ط ّ‬ ‫الماركسيون بغية تفسير الدب من منظور علقته بالمجتمع‪.

‬‬ ‫وأما )النموذج التكويني( فيمّثله من ّ‬ ‫ظر علم الجتماع‪،‬‬ ‫الروماني المولد‪) ،‬لوسيان غولدمان( ‪ L.‬وهكذا يتب ّ‬ ‫إلى السرد الخاطئ‪ .‬ولكن مع‬ ‫تقدم القصة يكتشف منبوذو الجزيرة أنهم ليسوا الوحيدين في‬ ‫الجزيرة‪ ،‬فالكابتن )نيمو( يعيش فيها عند سفح البركان‪،‬‬ ‫ورجاله منتشرون في الجزيرة‪ ،‬وهم مزّودون بالسلع‪ .‫ويرى ماشريه أنه على الرغم من انطلق الكاتب من‬ ‫حد ومتماسك‪ ،‬فإن هذا‬ ‫مشروع يعتزم بوساطته خلق نص مو ّ‬ ‫التماسك لم يتحقق عمليًا‪ :‬فمشروع جول فيرن مثل ً الذي هو‬ ‫بيان لكيفية قهر العلم للطبيعة‪ ،‬ومشروع بلزاك في )كوميدياه‬ ‫النسانية( الذي هو رصد للمجتمع وإصدار حكم عليه‪ ،‬كلهما لم‬ ‫يتحقق وفق مقاصد مؤلفه‪ .‬وهذا ينطوي على افتراض أن ما يحتويه النص تام‬ ‫ومتماسك ويحمل معنى يقتضي الكشف عنه‪.185 -‬‬ .‬وهكذا تنبذ نظرية ماشريه‬ ‫النقد التفسيري‪ ،‬وتختلف عن نقد لوكاش الماركسي فتستبدل‬ ‫النعكاس بالنتاج‪ ،‬وتستبدل فكرة النص التام المتماسك بفكرة‬ ‫النص غير التام والذي يمل فجواته القارئ أو المن ّ‬ ‫ظر‪ .‬‬ ‫وعلى الرغم من أوجه التشابه بين البنيوية وعمل ماشريه‪،‬‬ ‫فإن عمله يبتعد عن البنيوية حين يقترح أن اكتشاف كيفية‬ ‫ون النصوص للمعنى ليس كافيًا‪ ،‬وأنه يجب على المن ّ‬ ‫ظر‬ ‫تك ّ‬ ‫من‬ ‫الدبي أن يشرح النص في‬ ‫ضوء فهم نظري لواقع يتض ّ‬ ‫المؤلف والنص والقارئ المن ّ‬ ‫ظر‪ .‬وهي‬ ‫وصفية ل تقويمية‪ ،‬وتكشف الحضور المبدع للمؤلف بتصويره‬ ‫كشخص غير واٍع تماما ً بما يفعله النص الذي أنتجه‪.‬وتتح ّ‬ ‫دى اليديولوجيا باستخدامه لها‪،‬‬ ‫بفعل التخّيل‪ ،‬ذلك أن الدب يتح ّ‬ ‫وأن المهم في العمل الدبي هو المور التي ل يقولها العمل‬ ‫الدبي‪ .‬لكن ما‬ ‫كشفت عنه رؤية فيرن يختلف عما كانت ترمي إليه‪ :‬فقد كان‬ ‫فيرن يعتقد بإمكان تحقيق الفتح الريادي لعوالم جديدة من‬ ‫قَِبل العلم والصناعة‪ .‬كذلك تتناقض أقوال بلزاك اليديولوجية‬ ‫ول إلى شيء آخر‪،‬‬ ‫مع عناصر أخرى في سرده المتباين‪ .‬ولما كان كل روائي جيد ل بد له من إيديولوجيا‬ ‫ينطلق منها أو تقع في ثنايا عمله الدبي‪ ،‬فإن اليديولوجيا ما‬ ‫أن تدخل النص حتى تبدأ بالعمل مع العناصر الخرى‪ ،‬فتغدو‬ ‫ول إلى تخييل‪ ،‬بحيث ل تعود الشيء نفسه‬ ‫وفة"‪ ،‬وتتح ّ‬ ‫"مج ّ‬ ‫دل مشروع فيرن عندما يدخل‬ ‫الذي كانته من قبل‪ .‬ومن هنا فقد رفض ماشريه فكرة كون النقد تفسيرًا‪،‬‬ ‫ن ينطوي بدهيا ً على استخراج‬ ‫ص‬ ‫وذلك لن التفسير ن ّ‬ ‫معي ّ ٍ‬ ‫الدبي‪ ،‬ولكنها غير واضحة للقارئ‬ ‫أشياء موجودة في العمل‬ ‫المسرع‪ .‬‬ ‫وهكذا تمتلك مقاربة غولدمان كثيرا ً من الرض المشتركة‬ ‫مع النظريات القديمة إلى الدب كشكل من أشكال التعبير‪،‬‬ ‫ولكنه يختلف عنها في كونه يرى في العمل الدبي تعبيرا ً ليس‬ ‫عن ذات المؤلف وإنما عن فئته الجتماعّية التي ينتمي إليها‪.‬فرواية )الجزيرة الغامضة( لفيرن‬ ‫تحاول إضفاء طابع عصري على موضوعة )روبنسون كروزو(‬ ‫بتصوير مجتمع صغير من المنبوذين الذين يضطرون إلى وضع‬ ‫الثروة الطبيعية للجزيرة قيد الستخدام الجتماعي‪ .‬لكن المر لم يصل‬ ‫بغولدمان إلى درجة إلغاء دور المؤلف تمامًا‪ ،‬وإنما اعتبر أن‬ ‫ن يتقن صوغ البنية الذهنية لفئته‬ ‫الكاتب العظيم هو َ‬ ‫م ْ‬ ‫‪.‬وكان ذلك جزءا ً من إيديولوجيا المبريالية‬ ‫الستعمارية‪ .Goldmann‬الذي ربط‬ ‫)بنية العمل الدبي( بـ)البنية الذهنية( للمجموعة البشرية التي‬ ‫يعيش المؤلف بين ظهرانيها‪ ،‬ذلك أن الفئة الجتماعية المعنّية‬ ‫تملك شكل ً من اليديولوجيا يطلق عليها اسم )رؤية العالم(‬ ‫التي هي أسلوب تعبير هذه الفئة الجتماعية‪.‬‬ ‫وقد أكد ّ أن منشأ بنية العمل الذهنية يقع في السلوك‬ ‫الجتماعي الذي رأى أنه ينبثق ليس من إرادة أفراد منفصلين‪،‬‬ ‫وإنما من إرادة مجموعة اجتماعية‪ .

‬‬ ‫ور )أدورنو( وزملؤه في معهد فرانكفورت للبحوث‬ ‫وقد ط ّ‬ ‫الجتماعية نظرية في الثقافة رأت أنه مع تزايد عقلنة المجتمع‬ ‫الرأسمالي غدت الثقافة صناعة‪ .‬‬ ‫وأنما )نموذج المعرفة السلبية( فيمّثلها )تيودور‬ ‫أدورنو( ‪T.‬‬ ‫في كتابه )الله الخفي( ‪ 1955‬يتحّرى )غولدمان( الصلت‬ ‫المتبادلة بين الفئة الجتماعية و الحركة الدينية الجانسينية التي‬ ‫كان تأثيرها واضحا ً على باسكال في )خطراته( وراسين في‬ ‫)مسرحياته(‪ .‫الجتماعية‪ ،‬وبذلك يشكل العمل الدبي إنجازا ً جمعيا ً من خلل‬ ‫وعي مبدعه الفردي‪ .‬‬ ‫والحركة الجانسينية ممزقة بين السلطة المطلقة للله الخفي‪،‬‬ ‫وعقلنية العالم‪ .‬‬ ‫‪.‬وهو إنجاز يكشف للفئة الجتماعية‬ ‫المنحى الذي تسير فيه دون دراية منها‪.186 -‬‬ .‬فوجد فيها رؤية )مأساوية( يبدو فيها النسان‬ ‫ممزقا ً بين التزامات متناقضة يمنعه العالم من التوفيق بينها‪:‬‬ ‫فالفئة الجتماعية )نبلء الرداء( في فرنسا القرن السابع عشر‬ ‫والمؤلفة من القضاة وكبار الموظفين‪ ،‬ممزقة بين اعتمادها‬ ‫على الحكم الملكي المطلق‪ ،‬والجاذبية الفردية للبورجوازية‪.‬بينما يرى )أدورنو( أن الفن والواقع يقفان‬ ‫على مسافة من بعضهما‪ ،‬وأن هذه المسافة تمنح العمل‬ ‫الفني موقعا ً ممتازا ً يمكنه من نقد الواقع‪ ،‬وذلك بواسطة‬ ‫)القوانين الشكلية( الخاصة بالدب‪ ،‬والمتمثلة في )الجراءات‬ ‫والتقنيات( التي تفكك مادة الموضوع وتعيد ترتيبها‪ ،‬وبهذا‬ ‫التشديد على القوانين الشكلية للفن‪ ،‬باعتبارها إجراءات‬ ‫وتقنيات‪ ،‬وباعتبارها اندماجا ً للذات والموضوع‪ ،‬يشرح )أدورنو(‬ ‫كيف أن الكّتاب الذي يقّرعهم لوكاش على )ذاتيتهم( إنما‬ ‫وم عملهم‬ ‫يضعون أنفسهم على مسافة من الواقع‪ ،‬لكي يق ّ‬ ‫بنقده‪.‬وقد احتلت هذه التناقضات موقعا ً مركزيا ً في‬ ‫تفكير باسكال وراسين اللذين كانا جانسينْيين ومن نبلء الرداء‪.Adorno‬‬ ‫ن هجوما ً على‬ ‫)‪ (1969-‬من مدرسة فرانكفورت‪ ،‬والذي ش ّ‬ ‫لوكاش‪ ،‬اتهمه فيه بالدوغمائية‪ ،‬وبّين كيف أن لوكاش كان‬ ‫واقعا ً في فخ النظرة )المادية المبتذلة( إلى العمل الدبي‬ ‫كانعكاس للواقع‪ .‬‬ ‫والعمل العظيم عند )أدورنو( هو العمل الذي ينجح في‬ ‫كشف التناقض بين المظهر والواقع‪ .‬‬ ‫ويمّثل العالم بشخصيتي هيبوليت وتيزيه اللتين يعوزهما الوعي‪،‬‬ ‫ول يملكان واقعا ً ول قيمة‪ ،‬وإنما يوفران الفرصة لفيدر‬ ‫الشخصية المأساوية‪ ،‬لتدرك خطأ حبها المحّرم‪ ،‬وليعيداها إلى‬ ‫الحقيقة‪.‬وبما أن العمل الدبي يحمل‬ ‫مضمونا ً ويسعى إلى طرح رسالة سياسية فإنه سوف ينتقض‬ ‫حال ً من قبل صناعة الثقافة الموجهة نحو تحييد النقد من قبل‬ ‫النظام الجتماعي‪.‬‬ ‫وقد عرض غولدمان هذه اللتزامات المتناقضة في زوايا‬ ‫المثلث‪ :‬الله‪ ،‬والعالم‪ ،‬والنسان‪ ،‬أو الفرد المأساوي‪ ،‬ففي‬ ‫مسرحية)فيدر( ‪ Phedre‬لراسين يمّثل الله باللهتين الوثنيتين‪:‬‬ ‫فينوس والشمس اللتين تقومان بدور ضمير فيدر الخلقي‪.‬فعندما يلجأ بروست‬ ‫وجويس مثل ً إلى المونولوج الداخلي‪ ،‬فهما يعرضان الذات‬ ‫مستلبة ومعزولة عن المجتمع‪ ،‬ولكنهما يضعان الذات ضمن‬ ‫سياق اجتماعي يعيد تأسيس المنظور الصحيح الذي ُيظهر‬ ‫الذات المفردة كمجرد جزء من الكلية‪ ،‬وبذلك يكشفان الواقع‬ ‫المتناقض الذي يقطنانه‪ ،‬وهو واقع يبدو الناس فيه تحت رحمة‬ ‫القوانين الميكانيكية للسوق وللدولة المعقلنة والبيرو قراطية‪.

1992‬‬ ‫ي ييييييي ي ييييييي ييييييي ييييي )يييييي يييي‬ ‫يييي( ي ييي يييي‪ :‬يييييييي ي ييييي يييي ي ييييييي‬ ‫‪ 1973‬ي ‪.‫**‬ ‫هوامش‪:‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪6‬‬ ‫‪7‬‬ ‫‪8‬‬ ‫‪9‬‬ ‫ي يييييييييي‪ :‬يييي ييييي يييي ييي ييي يييييييي‬ ‫يييييييي ييييييييي ) ‪ 1585‬ي ‪ (1638‬يييي ييييي‬ ‫يييييي )ييييييييي( يييي يييي ييي ‪ 1630‬ييييي ييي‬ ‫يي يييييي يييييي‪.187 -‬‬ .‬‬ ‫يييي يي يييييي يييييي يييييي ييي‪ :‬يييييييي‬ ‫يي ييي ييييييي ييييييي ييي‬ ‫ييييييييي‪ .‬يي ييييي يي ي‬ ‫يييي يي ييييي‪ .73‬‬ ‫***‬ ‫‪.1993‬‬ ‫ي يييي ‪ 1982‬يي‪ :‬ييييييييي ي ييييي ييييييي ي يييي‬ ‫‪.‬ييي يييييي يي ييييي ييي ييي ييييي‬ ‫ييييي يييييي ييي يي يييي‪ .‬‬ ‫يييي يييييي ييييييي ييي ييييي‬ ‫ي يييييي‪ 1623 ) :‬ي ‪ (1662‬يييي ييييييي ييييي ييييي‪.‬ييي يييييي ‪ 18‬ييييي‬ ‫ييييي يييي ييييييييييي يييييي ييييييييي يي‬ ‫ييييييي ييييي يييييي‪.123‬‬ ‫ي يييي يييييي‪ :‬ييييي يييييييي يي ييييييي ييييييي‬ ‫يييييييي ي ييي ييييييي ي يييي ‪.1981‬‬ ‫ي يييييييي يييييي يييييي ي يييي ييييي يييييييي‬ ‫ييييييييي يييييي يييييي ي ييييييي يي يييييي‬ ‫ييييييييي ي يي‪ :‬ييييييي يييييي ي ييييي ييييييي‬ ‫ييييييي ي ييييي ‪ 1984‬ي ‪.‬‬ ‫يي يي ييي )ييي‬ ‫ي ييي ييييي‪ :‬ييييييييي ييييي ييييي‪ :‬يي ي‬ ‫ييييي(ي ييي ييي يييييييي‪ :‬يييييييي ) ‪(1667‬ي‬ ‫ييييييييي ) ‪(1673‬ي يييييييي ) ‪(1674‬ي يييييي‬ ‫) ‪(1677‬ي ييييي ) ‪(1689‬ي يييييي ) ‪.1992‬‬ ‫ي يي‪ :‬يييي ييييييي ي ييييي ييييييي ي يييي ‪.(1691‬‬ ‫ي يي‪ :‬ييييي يييييييي ي ييي ييييييي ي ييييي ‪.

‬‬ ‫وقد بدأ الباحث عرضه بتأكيد تأثر غولدمان بلوكاش‬ ‫واعتباره أستاذه‪ ،‬وعلى الخص في كتبه الثلثة الولى‪) :‬الروح‬ ‫والشكال( ‪ ،1911‬و)نظرية الرواية( ‪ ،1920‬و)التاريخ والوعي‬ ‫الطبقي( ‪ .‬والواقع أنه ل‬ ‫يمكن فهم تأملت )غولدمان( دون ربطها بمنبعها‪ ،‬أي بلوكاش‬ ‫الشاب‪ ،‬حيث التقى معه في عدد من المقولت من أهمها‪:‬‬ ‫مفهوم البنية الدللية‪ ،‬والنظرية الكلية‪ ،‬والوعي الممكن‪،‬‬ ‫والتشّيؤ‪.1923‬وقد وضع عنه كتابًا‪ ،‬وترجم له عن اللمانية‬ ‫عددا ً من الكتب منها‪) :‬غوته وعصره(‪ ،‬و)تاريخ موجز للدب‬ ‫اللماني من القرن الثامن عشر حتى أيامنا(‪ .188 -‬‬ .‬‬ ‫وإذا كانت )البنيوية الشكلية( قد انتهت إلى مأزقها‪ ،‬فإن‬ ‫النقد )البنيوي التكويني أو التركيبي أو التوليدي( قد أنقذها من‬ ‫صّية إلى ما وراءها من مؤثرات‬ ‫انغلقها‪ ،‬حين اخترق الدراسة الن ّ‬ ‫ثقافية واجتماعية وتاريخية‪ ،‬في محاولة لربط النتاج الدبي‬ ‫بالجماعة أو الطبقة التي أنتجته وكأن مؤلفه واحدا ً من أفرادها‪.‫الفصل الثاني‬ ‫المستوى التنظيري العربي‬ ‫للبنيوية التكوينية‬ ‫‪ -1‬جمال شحّيد والبنيوية التركيبية‬ ‫جمال شحّيد ناقد حداثي سوري‪ ،‬وأستاذ جامعي‪ ،‬ترجم‬ ‫عددا ً من الكتب الفرنسية‪ .‬‬ ‫وبما أن )البنية( في النقد البنيوي الشكلي ساكنة وغير‬ ‫متحركة في الزمان والمكان‪ ،‬وكأنها معزولة عن سياقها‬ ‫التاريخي والجتماعي والثقافي الذي نشأت فيه‪ ،‬فإن )البنية(‬ ‫في النقد البنيوي التكويني ل ُتفهم بحد ّ ذاتها خارج حدود‬ ‫الزمان والمكان‪ ،‬وإنما ُتفهم من خلل تحركها وتفاعلها‬ ‫دد زمانيا ً ومكانيًا‪ ،‬فدراسة )التفاحة(‬ ‫وتنافرها داخل وضع مح ّ‬ ‫وحدها ل تكفي لعطاء صورة كاملة مالم نأخذ بعين العتبار‬ ‫الشجرة التي أنتجتها والمحيط المناخي والزراعي الذي عاشت‬ ‫فيه‪ ،‬وكذلك ل يمكننا أن نعزل العمل الدبي عن سياقه‬ ‫‪.‬ولعل كتابه في )البنيوية التركيبية‪:‬‬ ‫دراسة في منهج لوسيان غولدمان( أول تنظير عربي في‬ ‫)المنهج البنيوي التكويني(‪ ،‬فقد نشره عام ‪ 1982‬وجعله في‬ ‫قسمين‪ :‬عرض في القسم الول المنهج البنيوي التكويني‬ ‫ومفاهيمه‪ ،‬وعرض في القسم الثاني الدراسات التطبيقية لهذا‬ ‫المنهج من قبل النقاد الغربيين‪ ،‬ثم أردفه بنصوص مختارة من‬ ‫غولدمان‪.

‬‬ ‫ويرى غولدمان أننا نستطيع شرح نص ما باعتمادنا على‬ ‫)البنية الدللية( التي تشكل مع )رؤية العالم( وحدة متكاملة‪:‬‬ ‫فالبنية الدللية تشرح النص وتفسره‪ ،‬ورؤية العالم تفهمه‬ ‫وتصفه في إطاره الجتماعي المتميز‪ .‬ونحن ننيط بالكلم كل الدللت‬ ‫الجتماعية التي تعّبر عن مصالحنا‪ .‬‬ ‫ويطلق )غولدمان( على التطابق الممكن بين المواهب‬ ‫الفردية والوضع التاريخي اسم )عبقرية(‪ .‬‬ ‫المقولة الثانية التي تبّناها غولدمان في منهجه البنيوي‬ ‫التكويني هي مفهوم )البنية الكلية( أو الشاملة‪ ،‬وهي من أهم‬ ‫ورها )غولدمان( بعد أن أخذها عن أستاذه‬ ‫المقولت التي ط ّ‬ ‫لوكاش في كتابه )التاريخ والوعي الطبقي(‪ ،‬ذلك أن الوعي‬ ‫الطبقي يبلور مصالح الناس بشكل عام‪ ،‬أي أنه الفاعل الكلي‬ ‫الذي يتيح للمفكر أن يستوعب شمولية العلقات الجتماعية‬ ‫والقتصادية‪ ،‬كما أنه يترك مجال ً لتطهير الواقع النساني وجعل‬ ‫الفاعل الكلي يتلءم معه‪.‬ولكن هذه الرؤية الشمولية‬ ‫للواقع الجتماعي ل تتوافر إل عندما يتماشى الناقد أو المفكر‬ ‫مع تطلعات الفاعل التاريخي )الفئة أو الطبقة الجتماعية التي‬ ‫‪.‬فاللغة هي وسيلة‬ ‫للدللة وليست دللة‪ .‬وليس )اللغة ـ الشكل( فيه سوى‬ ‫واسطة أو وسيلة ل تستطيع بحد ذاتها أن تأخذ موقفا ً لنها‬ ‫مجرد )أداة( للفكر أو مطّية لليديولوجيا‪ ،‬ولهذا فإن دراسة‬ ‫اللغة‪ /‬الشكل لوحدها ل تؤدي إلى دراسة المعاني‪ .‬‬ ‫ويرى )غولدمان( أن الطابع المميز )للغة( هو أنها دون‬ ‫دللة‪ .‬وبما أن‬ ‫النصوص الدبية هي من صنع الكلم وليست من صنع البنى‬ ‫الخاصة باللغة‪ ،‬فإنه يصعب على البنيوية الشكلية أن تطور بنية‬ ‫دللية‪ .‬‬ ‫ويرى )غولدمان( إن هذه النظرة الشمولية لدراسة الواقع‬ ‫ونقده تشكل رؤية ناجحة للعالم‪ ،‬ولنها شمولية فهي ل تقع في‬ ‫خطر المحدودية أو الرؤية الجزئية‪ .‬بينما ينفرد )الكلم( بطابعه الدال‪ .‬ولهذا يقيم )غولدمان( صلة مستمرة بين )البنية‬ ‫الدللية( من جهة و)رؤية العاَلم( وفق منظور الطبقات‬ ‫الجتماعية في فترة تاريخية محددة على الرغم من أنه ل يرتاح‬ ‫كثيرا ً لكلمة )بنية( لخشيته من الثبات والسكون اللذْين يمكن‬ ‫إضفاؤهما عليها‪ ،‬فيقول‪" :‬تحمل كلمة )بنية( ـ مع السف ـ‬ ‫انطباعا ً بالسكون‪ ،‬ويجب أل نتكلم عن البنى لنها ل توجد في‬ ‫الحياة الواقعية إل نادرًا‪ ،‬ولفترة وجيزة‪ ،‬وإنما عن عمليات‬ ‫تش ّ‬ ‫كل البنى"‪.‬‬ ‫ولفهم الجانسينية ينبغي ربطها بطبقة نبلء الرداء‪ ،‬وهكذا"‪.‬فالعبقرية بالنسبة له‬ ‫ليست موهبة فردية بحتة‪ ،‬وإنما هي تربط بين الفرد النابغ‬ ‫والجماعة التي ينتمي إليها في الزمان والمكان‪ .‬‬ ‫وإن المعنى المقصود هو ربط هذه )البنية( بالوعي‬ ‫الجتماعي‪ ،‬غير أن هذه البنية ل تتجّلى في فكر جميع أفراد‬ ‫الجماعة‪ ،‬وإنما فقط في وعيها ككل‪ ،‬أو في وعي بعض ممثليها‬ ‫الممتازين أمثال الفيلسوف كانط‪ ،‬والقائد نابليون‪ ،‬والكاتب‬ ‫جان راسين‪.‬فنابليون مثل ً‬ ‫لم يكن لينبغ ويشتهر لو وجد في مجتمع آخر‪ ،‬أو في زمن آخر‪.189 -‬‬ ..‫الثقافي والجتماعي والتاريخي الذي نشأ وترعرع فيه‪ ،‬فكل‬ ‫مسألة ينبغي فهمها من خلل الطار العام المحيط بها‪.‬ومن هنا فإن الدراسات‬ ‫البنيوية ل تستطيع أن تعّبر عن المعنى الجتماعي للنصوص‬ ‫الدبية‪ ،‬لن )الكلم( هو )رسالة( ذات معنى ثابت معّبر عن‬ ‫رؤية من رؤى العالم‪ .‬يقول )غولدمان(‪" :‬إذا‬ ‫ي الرجوع إلى جميع‬ ‫أردت أن أشرح خاطرة لباسكال تو ّ‬ ‫جب عل ّ‬ ‫خواطره وفهمها‪ ،‬وشرح نشأتها بالرجوع إلى الجانسينية‪..

‬‬ ‫وينتج عن ذلك أن أشكال الوعي لدى طبقة ما هي‪ ،‬في الوقت‬ ‫نفسه‪ ،‬تعبير عن رؤية العالم لدى هذه الطبقة‪ ،‬وإن العمل‬ ‫سد هذه الرؤية‪ ،‬ويجعلها تنتقل من الوعي‬ ‫الدبي هو الذي يج ّ‬ ‫‪.‬ومع ذلك فإن هذه الرؤية ل تخضع‬ ‫لمنظور رياضي صارم يعتمد المعادلت مقياسا ً للتفكير‪ ،‬وإنما‬ ‫هي تقريبية‪.‬‬ ‫ويرى )غولدمان( أن معنى )الجزء( ل يمكن فهمه إل بفهم‬ ‫)الكل( المتماسك‪ .‬لكن الذي استفاد من‬ ‫الثورة هو البورجوازية التي وعت أن هذه الشعارات هي التي‬ ‫تحّرك الجماهير فطرحتها في سوق التداول لكي تؤمن بها‬ ‫الجماهير ثم تعمل من أجلها‪.‬ولشك أن‬ ‫يفترض وجود آخرين يقرؤون ويتو ّ‬ ‫الرؤية الجماعية للعالم التي تعيشها المجموعة بشكل طبيعي‬ ‫تؤثر في الكاتب المبدع الذي يعيش بين ظهراني هذه‬ ‫المجموعة‪ ،‬فيعيد إنتاج هذه الرؤية لمجموعته أو طبقته‬ ‫الجتماعية‪.‬‬ ‫ويمّيز غولدمان بين )الوعي الممكن( للطبقة الجتماعية‬ ‫و)الوعي الفعلي( فيعترف في كتابه )البداع الثقافي في‬ ‫المجتمع الحديث( بأنه اقتبس مقولة )الوعي الممكن( من‬ ‫عبارة لماركس ذكرها في كتابه )العائلة المقدسة( ر ّ‬ ‫كز فيها‬ ‫على التمييز الضروري بين الوعي الفردي للعامل والوعي‬ ‫الطبقي للبروليتاريا‪ .190 -‬‬ .‬‬ ‫وقد اقتبس )غولدمان( هذه المقولة من هيغل وماركس‬ ‫ولوكاش‪ ،‬فرأى أنهم ربطوا بين الواقع المعيش وفهمنا له وفي‬ ‫العمل الدبي الذي نراه فرديا ً لكن ل يمكن فهمه إل من خلل‬ ‫الطار الذي ُ‬ ‫كتب فيه‪ .‫صب في‬ ‫تح ّ‬ ‫دد مسار التاريخ(‪ .‬وتكمن‬ ‫العال َ‬ ‫أهميتها عندما ندرك أن الثقافة والوعي والدب والفن‬ ‫والفلسفة تشكل جزءا ً من العلقات الجتماعية‪ ،‬وأن التفاعل‬ ‫م(‬ ‫م إدراكه إل ّ من خلل )رؤية العال َ‬ ‫بينها وبين المجتمع ل يت ّ‬ ‫الخاصة بالكاتب‪.‬وعندما يجعل فكره أو أدبه ي ّ‬ ‫تيارها‪ ،‬ويتفاعل معها‪ .‬‬ ‫ومن المقولت الساسية في منهج غولدمان مقولة )رؤية‬ ‫م( ولعلها مفتاح نظريته في العلوم النسانية‪ .‬وهذا يعني أن هنالك بعدين في‬ ‫أن يتو ّ‬ ‫العمل الدبي‪ :‬البعد الفردي الذي ينطلق من خيال الديب‪،‬‬ ‫والبعد الجتماعي الذي ينطلق من الواقع المعيش‪ ،‬والذي‬ ‫خون إيجاد رؤية‪ .‬فمهما أغرق الكاتب في فرديته فإنه لبد‬ ‫جه بكتابته إلى الخارج‪ .‬فالوعي الفعلي هو الوعي الناجم عن‬ ‫الماضي وظروفه وأحداثه‪ :‬فالطبقات الشعبية التي انخرطت‬ ‫في الثورة الفرنسية مثل ً كانت قد استمالتها الشعارات التي‬ ‫حت‬ ‫طرحتها البورجوازية كالحرية والعدالة والمساواة‪ ،‬فض ّ‬ ‫الجماهير بدمائها من أجل انتصار الثورة‪ .‬ولذلك فهو يسعى إلى ربط الجزء بالكل‬ ‫بحيث يذوب ويندمج فيه‪ ،‬إذ ل يجوز للناقد أن يعزل جزءا ً من‬ ‫النص ويدرسه على انفراد بمعزل عن سياقه ومجمله‪ ،‬فل‬ ‫تمكن دراسة الموسيقى في شعر شاعر وحدها دون غيرها من‬ ‫العناصر الفنية المتوافرة في النص الشعري‪ ،‬ول يمكن فهم‬ ‫جزئية ما دون وضعها في إطار النص الدبي ككل‪.‬‬ ‫إن )الوعي الممكن( هو ما يمكن أن تفعله طبقة اجتماعية‬ ‫ما‪ ،‬بعد أن تتعرض لمتغيرات مختلفة دون أن تفقد طابعها‬ ‫ولوا إلى عمال بعد عام‬ ‫الطبقي‪ :‬فالفلحون الروس الذين تح ّ‬ ‫‪ 1912‬هم الذين قاموا بثورة أكتوبر الروسية‪ ،‬لن تطلعاتهم‬ ‫تغّيرت‪ :‬فقد كانوا قبل ذلك يملكون ملكيات محدودة‪ ،‬لذلك لم‬ ‫يكن أفقهم السياسي متوجها ً نحو تأميم الملكيات الفردية‪.‬‬ ‫لكنهم عندما عاشوا كعمال ظروف الستغلل سارعوا إلى‬ ‫القيام بالثورة وتطبيق مبادئها الشتراكية ومن جملتها التأميم‪.

‬‬ ‫وعلى الرغم من أن )غولدمان( كان يحرص على الستفادة‬ ‫من أستاذه )لوكاش( فإن هذا لم يفقده روحه النقدية تجاهه‪،‬‬ ‫فأبدى تحفظه على بعض مقولت لوكاش من مثل الواقعية‬ ‫النقدية والواقعية الشتراكية‪ ،‬واهتم بأدباء كان لوكاش‬ ‫يتحسس منهم أمثال بودلير‪ ،‬وجان جينيه‪ ،‬وسارتر‪ ،‬والرواية‬ ‫الجديدة‪ ،‬ومالرو‪ ،‬وباسكال‪ ،‬وراسين‪ ،‬وغيرهم‪.‬وبسبب هذا التركيز‬ ‫المنتجون وتتح ّ‬ ‫ول القيمة‬ ‫على السلعة أو توثينها‬ ‫)اتخاذها وثنا ً ُيعبد( تتح ّ‬ ‫النسانية إلى قيم سلعية تتح ّ‬ ‫كم بشروط العمل‪ ،‬وبالعامل‬ ‫كأداة إنتاج فحسب‪ ،‬وُينظر إليه من خلل )كمية( إنتاجه‬ ‫فحسب‪ ،‬بغض النظر عن قيمته كإنسان‪.191 -‬‬ .‬كما يعيشها رب‬ ‫العمل في وهم وغياب عن الواقع‪ .‬‬ ‫وكعلج لحالة )التشّيؤ( هذه فقد طرح ماركس ضرورة‬ ‫إلغاء العمل‪ ،‬لنه السبب في شقاء العامل‪ ،‬ولنه عملية توتر‬ ‫يعيشها العامل على حساب إنسانيته وكرامته‪ .‬وقد خص ّ‬ ‫عددا ً من الدراسات رد ّ فيها سبب اهتمامه به إلى التماثل‬ ‫ور تحّرك فئة‬ ‫القائم بين عالم جينيه المأساوي ورؤيته لعاَلم يص ّ‬ ‫اجتماعية أصبحت هامشية في المجتمع الصناعي المعاصر‪،‬‬ ‫وإلى التطابق الموجود بين بعض الحداث التاريخية والبداع‬ ‫‪.‬بينما يرى لوكاش أن‬ ‫البروليتاريا هي الطبقة التي تستطيع أن تلغي هذا التشّيؤ )أو‬ ‫الستلب( عندما تعي موقعها في نظام العمل الرأسمالي‪ ،‬أي‬ ‫عندما تدرك دورها الساسي في حركة التاريخ‪ .‬وبما أن‬ ‫للسلعة قيمتين‪ :‬فائدتها الستعمالية‪ ،‬وقيمتها التبادلية التجارية‪،‬‬ ‫فإن المجتمع الرأسمالي أفرط في التركيز على القيمة‬ ‫التبادلية التجارية‪ ،‬مما جعل العلقات الجتماعية بين الناس‬ ‫يسودها )التشيؤ(‪ ،‬حيث تنحصر العلقات بالسلع المنتجة‬ ‫وحدها‪ ،‬فتغيب صورة النسان وصفاته‪ ،‬لتح ّ‬ ‫ل محلها علقات‬ ‫ول‬ ‫يسيطر فيها أرباب العمل على مجموع المنتجين‪ ،‬فيتح ّ‬ ‫ول المنتوجات إلى )أشياَء(‪ .‬على الرغم من أنها‬ ‫وجدت لدى فلسفة القرن العشرين أمثال نيتشه وسارتر‪ ،‬إل‬ ‫مقها في كتابه )التاريخ والوعي‬ ‫ورها وع ّ‬ ‫أن لوكاش هو الذي ط ّ‬ ‫الطبقي( حيث ربط بين التشّيؤ والواقع القتصادي الرأسمالي‬ ‫مرتكزا ً في ذلك على مقولة ماركس )توثين السلعة(‪ ،‬حيث‬ ‫تخلق السلعة علقات معينة بين المنتج والمستهلك‪ .‬‬ ‫ب الفرنسي )جان جينيه( اهتمامه‪،‬‬ ‫كما استرعى الكات ُ‬ ‫بسبب انتمائه إلى الشريحة المعدمة من الطبقة الكادحة‪،‬‬ ‫والتي تتمّثل باللصوص والهامشيين واللواطيين الذين يرفضون‬ ‫ص له )غولدمان(‬ ‫المجتمع القائم فيتمّردون عليه‪ .‬‬ ‫كذلك جاء غولدمان بمقولة )التشّيؤ(‪ .‬لكن هذا ل يتوافر إل‬ ‫للمبدعين الكبار‪.‬أما )غولدمان(‬ ‫فقد تجاوز البعد القتصادي لنظرية )التشّيؤ( إلى الثقافة‬ ‫الداخلية للطبقات الثورية‪ ،‬فتبّنى مفهوم )الكتلة التاريخية(‬ ‫لغرامشي الذي ير ّ‬ ‫كز على أن وعي المجموعة ليس مجرد‬ ‫انعكاس لوضعها القتصادي‪ ،‬وإنما هو عامل فّعال‪ ،‬وأن‬ ‫البروليتاريا هي وحدها التي تستطيع أن تلغي هذا الستغلل‬ ‫والضطهاد عندما تحقق المجتمع الل طبقي‪.‬‬ ‫ولقد درس )غولدمان( قصيدة )القطط( لبودلير‪ ،‬ردا ً منه‬ ‫على التحليل البنيوي الشكلي الذي قام به ياكوبسون‬ ‫وشتراوس لهذه القصيدة‪ ،‬متوخي ّا ً الوصول إلى معنى شمولي‬ ‫للقصيدة على ضوء منهجه )البنيوي التكويني( الذي يم ّ‬ ‫كنه من‬ ‫الوصول إلى )رؤية( بودلير للعالم‪.‫الفعلي الذي بلغته إلى الوعي الممكن‪ .

‬ومرحلة الرقابة المش ّ‬ ‫القائم بين السادة والمسودين‪ :‬ففي مسرحيته )الخادمات( نجد‬ ‫سيد البيت وزوجته في جهة‪ ،‬وكل الناس البسطاء الذين‬ ‫يترددون على بيت الوهام في جهة ثانية‪ .‬‬ ‫‪ 5‬ـ تبرير التناقض الجذري ومقاومة هذا المجتمع باسم‬ ‫القيم الخلقية والفنية والنسانية‪.‬وإن‬ ‫دى بها إلى أن تكون لها‬ ‫إحساس هذه الفئة بأنها مرفوضة أ ّ‬ ‫رؤية للعالم خاصة بها‪ ،‬فتعاطف معها بعض النتلجنسيا التي‬ ‫كانت تناصب النظام الرأسمالي العداء‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ العجاب الناجم عن النجاح السياسي الذي حققه‬ ‫تكنوقراطيو النظام الرأسمالي‪ ،‬والعجاب بالطبقة‬ ‫التي تقوم به‪.‬وفي )الزنوج( يخوض السود معركتهم‬ ‫ضد البيض‪ ،‬لكنهم يحكمون على زعيمهم السود بالخيانة‪،‬‬ ‫وهذه المسرحيات الثلث تعكس خمسة عناصر تتطابق ورؤية‬ ‫اليسار الفرنسي للعالم في الستينات‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ التأكيد على وجود تناقض جذري بين الطبقات‪،‬‬ ‫وضرورة الحفاظ على هذا التناقض‪.192 -‬‬ .‫الدبي‪ ،‬فروايات جينيه ومسرحياته إنما نشأت من رفض ضمني‬ ‫وجذري قام به المجتمع لهذه الفئة الدنيا من الكادحين‪ .‬فهذه الوضاع التاريخية جعلت سارتر يترك العدمية‬ ‫الخلقية الديكارتية ويهتم بالمسائل الجتماعية والوطنية‬ ‫كالتمييز بين الخير والشر والحتلل‪ .‬وفي مسرحيته‬ ‫)الزنوج( نجد السود في جهة والبيض في جهة مقابلة‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫وكما أن الواقع يجعل السادة هم المنتصرون دوما‪ ،‬فإن‬ ‫)جينيه( ل ُيك ّ‬ ‫ذب هذا الواقع‪ ،‬وإنما يجعل المتمردين ينكسرون‬ ‫أمام خصومهم التاريخيين‪ :‬ففي )الخادمات( تنتحر الخادمات‬ ‫ويخصي روجيه نفسه‪ .‬ومن هذا المنظور قرأ‬ ‫)غولدمان( مسرحية سارتر )الذباب( فوجدها معالجة رمزية‬ ‫لفرنسا أثناء حكم الجنرال )بيتان( المتعاون مع سلطات‬ ‫‪.‬‬ ‫أما مسرحيته )الحواجز الواقية( فهي وحدها التي تختلف‪،‬‬ ‫لنها تر ّ‬ ‫كز على النصر وضرورة تحقيقه‪ ،‬ومما ساعد في ذلك‬ ‫ددا ً هو الثورة الجزائرية‪.‬‬ ‫أنها تعالج موضوعا ً تاريخيا ً مح ّ‬ ‫كذلك اهتم )غولدمان( بمسرح )سارتر(‪ ،‬فكتب عنه‬ ‫دمها سارتر‬ ‫مقالين‪ :‬تتعلق الولى بمناقشة المقولت التي ق ّ‬ ‫في كتابه )نقد العقل الجدلي(‪ ،‬وتتعلق الثانية بالمسائل‬ ‫الفلسفية والسياسية التي طرحها مسرح سارتر‪.‬وفي‬ ‫مسرحيته )الحواجز الواقية( نجد المستعمرين في جهة‪،‬‬ ‫والمتمردين والموتى في جهة ثانية‪.‬‬ ‫وقد مّيز )غولدمان( مرحلتين في نتاج )جينيه(‪ :‬المرحلة‬ ‫الفوضوية التي تعالج رفض القتلة واللواطيين )وهم يمثلون‬ ‫جميع شخوص مسرحياته( للمتثال لمجتمع يكرهونه‬ ‫ددة التي تتمّيز بالصراع‬ ‫ويرفضونه‪ .‬‬ ‫وإذا كانت المرحلة الوجودية عند سارتر متفائلة‪ ،‬فإن‬ ‫المرحلة التالية تأثرت بجو الحرب العالمية الثانية ومقاومة‬ ‫الحتلل‪ .‬‬ ‫‪ 2‬ـ العتراف باستحالة النتصار بالعنف على الطبقات‬ ‫المسيطرة داخل المجتمع الغربي‪ ،‬والعتراف بغياب‬ ‫كل تطّلع ثوري داخل هذا المجتمع‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ الستنكار الخلقي والنساني للواقع الجتماعي الذي‬ ‫خلفته هذه الطبقة التكنوقراطية )الرأسمالية(‪.

‫الحتلل النازي لفرنسا‪ ،‬حيث يعود )أوريست( بطل المسرحية‬ ‫إلى آرغوس‪ ،‬كما في السطورة اليونانية‪ ،‬ل ليثأر من أمه‬ ‫وعشيقها اللذين قتل أباه‪ ،‬وإنما لن )إيجست( طاغية يجب‬ ‫تخليص الشعب من ديكتاتوريته‪ .‬‬ ‫‪ 3‬ـ مرحلة الهيمنة التي تمارسها أنظمة الحكم‬ ‫المعاصرة بمركزيتها وبمؤسساتها‪ .‬أما‬ ‫مسرحيته )سجناء التونا( فتعرض الوحشية الفرنسية في‬ ‫الجزائر حيث حاول فيها سارتر‪ ،‬كما يرى )غولدمان(‪ ،‬التوفيق‬ ‫بين الخلق والسياسة دون جدوى‪ ،‬ذلك أن اللتزام والخلق‬ ‫يستحيل تحقيقهما إل إذا أصبحا جزءا ً ل يتجزأ من الفاعل‬ ‫التاريخي الجماعي‪.193 -‬‬ .‬وقد أفرزت نوعا ً‬ ‫روائيا ً جديدا ً زال فيه البطل من الرواية‪ ،‬وحّلت‬ ‫)الشياء( محله‪ ،‬كما نجد في روايات آلن روب غرييه‪.‬‬ ‫ففي روايته )الممحايات( جماعة ثورية سّرّية آلت على‬ ‫مستهدف‬ ‫نفسها أن تقتل شخصا ً في كل يوم‪ .‬لكنه لم يحرر سوى نفسه‪ .‬وفيها يذوب الطابع‬ ‫الفردي والجماعي ليبقى المجتمع المسّير‪ ،‬وهي‬ ‫مرحلة الرأسمالية المنظمة التي تر ّ‬ ‫كز التشيؤ‬ ‫)الستلب( الكامل على النسان‪ .‬‬ ‫وقد مّيز غولدمان ثلث مراحل مّرت بها الرواية الوروبية‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ مرحلة الرأسمالية الليبرالية التي سمحت للفرد‬ ‫بالقيام ببعض المبادرات‪ .‬والبطل‬ ‫الروائي عند مالرو شاهد على هذه المرحلة‪ .‬لكن ال ُ‬ ‫)دوبون( ينجو وُيقتل خطأ أحد مرافقيه‪ .‬‬ ‫‪ 2‬ـ مرحلة الرأسمالية الحتكارية التي نشطت أواخر‬ ‫القرن التاسع عشر‪ ،‬وفيها ذاب الفرد وقدرته‪ .‬ويلحظ‬ ‫)غولدمان( أن مالرو مّر بأربع مراحل‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ 1‬ـ مرحلة غياب القيم في أوروبا الغربية‪ ،‬وتمثلها‬ ‫كتبه‪) :‬المملكة الغريبة(‪ ،‬و)أقمار من ورق(‪ ،‬و)تجربة‬ ‫الغرب(‪ ...‬فيراه بطل ً مأزوما ً يحاول إقامة توازن‬ ‫وتلؤم بين القيم النسانية والمجتمع المحيط المعادي لها‪،‬‬ ‫ولكنه ل يفلح بسبب تشيؤ المجتمع للفراد واستلبهم‪ ،‬ولذلك‬ ‫نراه يجنح إلى الجنون كما في )دون كيشوت( أو إلى الجريمة‬ ‫كما في )الحمر والسود( لستاندال‪.‬وبسبب هذا الموقف السلبي تجاه الغرب‬ ‫رفض غولدمان اعتبار هذه "الكتب" روايات حقيقية‬ ‫‪.‬وقد‬ ‫أفرزت هذه المرحلة روايات تلشى فيها البطل‬ ‫الشكالي‪ ،‬كما نجد في روايات جيمس جويس‪.‬وهكذا نراه التزم بالنضال من‬ ‫أجل تحرير أرغوس‪ .‬‬ ‫في دراسته )للرواية الجديدة( في فرنسا من خلل نتاج‬ ‫)آلن روب غرييه(‪ ،‬يضعها )غولدمان( في إطار الرواية‬ ‫الوروبية وخلفيتها الجتماعية والسياسية‪ ،‬مقتبسا ً من أستاذه‬ ‫لوكاش كثيرا ً من الفكار عن الرواية ولسيما علقة )البطل‬ ‫الشكالي( بالعالم‪ ...‬وفي روايته‬ ‫صص( يقف الناس بل مبالة أمام جريمة قتل‪.‬‬ ‫)المتل ّ‬ ‫كما تحظى تجربة )مالرو( الروائية باهتمام غولدمان‪،‬‬ ‫فيصّنفه في المرحلة الحتكارية التي يذوب فيها الفرد‪ .‬وقد أفرزت هذه المرحلة‬ ‫إنسانا ً )إشكاليًا( تجّلى في أعمال فلوبير وبلزاك‬ ‫وستاندال وزول‪.‬وهكذا أهملت‬ ‫مسرحيات الفترة الثانية إشكالية الفرد لتركز على التضاد‬ ‫القائم بين الخلق والسياسة‪ ،‬ففي مسرحيته )اليدي القذرة(‬ ‫التي استوحاها سارتر من اغتيال تروتسكي ترجح فيها كفة‬ ‫الخلق على السياسة‪ ،‬بخلف مسرحيته )الله والشيطان(‪ .

‬وهذه الرؤية‬ ‫ُ‬ ‫مر ٍ‬ ‫تتضمن إعجابا ً بالعالم من جهة ٍلنه يشكل المبدأ المفضي إلى‬ ‫جه‬ ‫المعرفة‪،‬‬ ‫ورفضا ً لـه من جهة ثانية لنه ل يستطيع أن يو ّ‬ ‫النسان أخلقيًا‪.‬وقد تجّلى هذا في روايته‪) :‬زمن الحتقار(‪،‬‬ ‫و)المل(‪.‬وينبغي عليه أن‬ ‫يقول نعم للعالم فيقبل بواقع العالم الذي يعيش فيه‪ ،‬أو أن‬ ‫يرفضه لن قيمه تتعارض معه‪ .‬فهو يفتقر إلى مبدأ سام يسّير النسان‪ .‬ولهذا فهو يبدأ بتحليل الوضاع‬ ‫القتصادية والجتماعية والسياسية للطبقة التي نشأت‬ ‫الجانسينية في أحضانها‪ ،‬كي يتمكن ـ بعد ذلك ـ من تحليل رؤية‬ ‫‪.‬‬ ‫وهذا يشكل كل شيء من جهة ثانية إذ عندما يكون الله غائبا ً ل‬ ‫م‪.‬وهو موقف متناقض يقوم على‬ ‫النعم والل معًا‪ .‬والعالم لغز عجيب‪ :‬فهو ل يش ّ‬ ‫للنسان من جهة بسبب الله الحاضر الذي يتعارض مع العاَلم‪.‬وهذا‬ ‫م نتيجة يقين عقلي )لن اليقين البشري وهمي(‬ ‫الرتداد ل يت ّ‬ ‫وإنما نتيجة حدس نابع من القلب‪ .‬ويتضمن أربعة أقسام هي‪ :‬الرؤية المأساوية‪ ،‬والساس‬ ‫الجتماعي والثقافي للجانسينية‪ ،‬وباسكال‪ ،‬وراسين‪.‬ويعزو غولدمان هذا‬ ‫التحول عند مالرو إلى التقائه باليديولوجية الشيوعية‬ ‫التي بدت لـه آنذاك وكأنها الحقيقة الوحيدة في عالم‬ ‫يضمحل ويتلشى‪ .‬‬ ‫ولعل دراسة غولدمان لخواطر باسكال ومآسي راسين هي‬ ‫أفضل نموذج لمنهجه البنيوي التكويني‪ ،‬فقد أصدرها في كتاب‬ ‫)الله المختفي( عام ‪ 1955‬في حوالي أربعمائة وخمسين‬ ‫صفحة‪ .‬وهكذا يرى النسان نفسه‬ ‫وحيدا ً في هذا العالم العمى‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ مرحلة تقّبل فيها مالرو اليديولوجية‬ ‫الشيوعية دون تحفظ‪ ،‬مما أدى إلى زوال البطل‬ ‫الشكالي‪ .‬‬ ‫‪ 2‬ـ مرحلة عّبر فيها مالرو عن مواقف إيجابية‪،‬‬ ‫ور أبطال ً إشكاليين في رواياته‪) :‬الغزاة( و)الطريق‬ ‫وط ّ‬ ‫الملكية( و)الوضع البشري(‪ .‬وأما النسان فيجمع بين النقيضين المتباعدين‪:‬‬ ‫العالم )الحيوان‪ ،‬والشقاء( والله )الملك‪ ،‬والعظمة(‪ .‬‬ ‫أما الرؤية المأساوية فتتميز بمعرفة للعالم‪ ،‬متأثرة‬ ‫بالعقلنية‪ ،‬كما تتمّيز برفض قوي للعالم لنه غير مقنع أو‬ ‫ض‪ .‬وأبطال هذه المرحلة ثوار‬ ‫مناضلون‪ ،‬وقد ربطوا مصيرهم بحركة التاريخ‪.‬ولذا ل‬ ‫يبقى للنسان إل أن يتخذ موقفا ً واحدا ً هو الرتداد من وجوده‬ ‫ومشاركته في العالم إلى الدخول في كنف الله الخفي‪ .‬فالله خفي ل يراه الناس‪ ،‬إل المختارين الذين أنعم‬ ‫كل شيئا ً‬ ‫الله عليهم برؤيته‪ .‬‬ ‫‪ 4‬ـ مرحلة انفصل فيها مالرو عن الشيوعية‬ ‫الرسمية التي اعتبرها )إيديولوجية دولة( فكتب‬ ‫ص على أن كل فكرة حول‬ ‫)أصوات الصمت( التي تن ّ‬ ‫القيمة النسانية قد زالت‪ .‬‬ ‫يبقى للنسان إل حقيقة وحيدة هي العال َ‬ ‫لذا يترّتب على النسان ـ حسب هذه الرؤية ـ أن يعيش‬ ‫في العالم دون أن يشعر فيه بلذة أو متعة‪ .‬و)أشجار الجوز في ألتنبرغ(‬ ‫التي يمكن تصنيفها بين الرواية والكتاب النظري‪.‬واستبدل الشكل الروائي بشكل ملحمي‬ ‫غنائي‪ .‬‬ ‫وأما الساس الجتماعي والثقافي للجانسينية فيلحظ‬ ‫غولدمان أن النتاج الفكري والدبي في مجتمع ما يجب أن‬ ‫يكون نتيجة لوعي طبقي معين‪ .194 -‬‬ .‫مادامت ل تعترف بوجود البطل فيها‪.‬‬ ‫وترتكز هذه الرؤية على ثلثة أقانيم هي‪ :‬الله‪ ،‬والعالم‪،‬‬ ‫والنسان‪ .

‬‬ ‫‪2‬ـ محمد ساري والبحث عن النقد الدبي‬ ‫الجديد‬ ‫وبعد صدور كتاب جمال شحّيد بعامين أصدر الناقد‬ ‫الجزائري‬ ‫محمد ساري كتابه )البحث عن النقد الدبي الجديد( ‪1984‬‬ ‫خصصه )للنقد البنيوي التكويني( وتطبيقاته‪ .195 -‬‬ .‬‬ ‫‪.‬وقد تأثر بهذه‬ ‫كل عنده ح ّ‬ ‫اليديولوجيا أو الرؤية باسكال في )خطراته( وراسين في‬ ‫)مسرحياته( التي قامت على الرفض الكامل لقيم هذا العاَلم‪.‬وهكذا يصّنف غولدمان‬ ‫مسرحيات راسين في ثلثة اتجاهات‪ ،‬تبعا ً لعلقة أبطالها بالله‬ ‫وبالنسان وبالعالم‪ ،‬ويرى أن الفئة أو الطبقة الجتماعية هي‬ ‫التي تفرز رؤيتها للعالم من خلل وضعها الجتماعي والسياسي‬ ‫والقتصادي‪ ،‬وأن هذه الرؤية تتجّلى في العمال الدبية والفنية‪.‬وأما‬ ‫مسرحية )فيدر( فتروي قصة الوهم الذي يراود البطل‬ ‫المأساوي‪ ،‬حيث يشعر بأنه يمكن أن يعيش في هذا العاَلم‬ ‫ويفرض قيمه عليه‪ .‬‬ ‫وبما أن أتباع هذه المجموعة كانوا نزيهين أخلقيًا‪ ،‬فإنهم‬ ‫رفضوا التوّرط في التآمر والنتهازية‪ ،‬ووجدوا أن أفضل ح ّ‬ ‫ل‬ ‫لهم هو البتعاد عن الحياة السياسية‪ ،‬إذ يستحيل ـ في نظرهم ـ‬ ‫أن يبقى النسان نزيها ً وشريفا ً في عالم السياسة‪.‬واختلط فيها بالمثقفين الذين كان‬ ‫التيار الرومانسي المناهض للرأسمالية يجمعهم‪ ،‬فاتجهوا إلى‬ ‫تمجيد العصور القديمة‪ ،‬ليتمكنوا من تحقيق هويتهم‪ ،‬وهجر‬ ‫بعضهم المدن إلى الرياف هربا ً من الغتراب الذي يعانيه في‬ ‫المدينة‪.‫هذه الطبقة للعالم‪ .‬‬ ‫ويرى غولدمان أن خيبة المل التي تعرضت لها هذه الفئة‬ ‫هي التي أدت إلى تشكيل اليديولوجيا الجانسينية التي ترفض‬ ‫قيم هذا العالم لنها مشينة‪ ،‬وتتجه نحو الله‪ ،‬مما يجعل النسان‬ ‫قلقا ً دائمًا‪ ،‬ويش ّ‬ ‫س المأساة‪ .‬وهذا ما يتجّلى في‬ ‫مسرحيات‪) :‬اندروماك( و)بريتا نيكوس( و)برينيس(‪ .‬ثم هاجر إلى ألمانيا حيث ظل فيها حتى‬ ‫قيام الحرب العالمية الولى‪ .‬أما‬ ‫مسرحيات )بايزيد( و)ميتريدات( و)ايفجيني( فإن أبطالها عندما‬ ‫يحاولون الحياة في هذا العالم‪ ،‬ينتهون نهاية مأساوية‪ .‬فجعل الباب الول‬ ‫لنظرية النقد عند لوكاش وغولدمان؛ عرض فيه )نظرية الرواية‬ ‫عند لوكاش( ممهدا ً لها بلمحة سريعة عن حياة لوكاش الذي‬ ‫عاش في المجر في مطلع القرن العشرين تحت ظل‬ ‫امبراطورية إقطاعية‪ .‬ولكنه أمل خائب ينتهي إلى الل جدوى‪:‬‬ ‫فالعالم باطل‪ ،‬والله متفرج وصامت‪ .‬وردا ً على إقصائهم هذا فقد‬ ‫بدؤوا بتشكيل مجموعة فكرية ثقافية دينية تمركزت في دير‬ ‫)بور رويال( في باريس‪ ،‬واعتنقت إيديولوجيا استحالة تحقيق‬ ‫حياة سعيدة في هذا العالم القائم على الغدر ونكران الجميل‪.‬‬ ‫والتجاه هو الهدف السمى )الله(‪ .‬لكن‬ ‫الملكية المطلقة رغبت في ترسيخ سلطتها المركزية فعمدت‬ ‫إلى تشكيل إدارة ملكية جديدة قامت على أكتاف نبلء البلط‪،‬‬ ‫فوجد )نبلء الرداء( أنفسهم مبعدين عن المشاركة الفعالة في‬ ‫الحياة السياسية والجتماعية‪ .‬ومكافأة لهم فقد اعُتبروا )نبلء الرداء(‪،‬‬ ‫وبهم كسر الملوك شوكة الرستقراطيين )نبلء البلط(‪ .‬وقد قدمت البورجوازية في المجالس النيابية‬ ‫مجموعة من رجال القانون وضباط الجيش الذين لعبوا دورا ً‬ ‫سياسيا ً وإداريا ً مهمًا‪ .‬فينتهي إلى أن ملوك فرنسا بعد عصر‬ ‫النهضة‪ ،‬ولسيما منهم لويس الرابع عشر قد لجؤوا إلى‬ ‫المجالس النيابية المرتكزة على الطبقة البورجوازية الصاعدة‪،‬‬ ‫ليخففوا من نفوذ الشراف والقطاعيين والطبقة‬ ‫الرستقراطية‪ .

‬لكن‬ ‫روحه لم تفهم تطور العالم الخارجي فاتهمه بالزيف‬ ‫والنحطاط‪ .‬وقد‬ ‫ور هذين العالمين‪ :‬المثالي والواقعي في‬ ‫استطاع دانتي أن يص ّ‬ ‫)الكوميديا اللهية( التي أخذت شكل الملحمة‪.‬‬ ‫ثم جاء اليمان الذي سمح بخلق عالم ميتافيزيقي خالد‪ ،‬هربا ً‬ ‫من العالم المنحط التائه في الظلم والحرام والثم‪ .‬لقد كانت الثقة بالله تسمح بظهور‬ ‫الملحمة‪ ،‬وفي فترة انتقالية بين الملحمة والرواية ظهرت‬ ‫رواية الفروسية ذات البناء القريب من بناء الملحمة الغريقية‪.‬‬ ‫وتمّثل رواية )التربية العاطفية( لفلوبير هذه المرحلة‪.‫وقد أصدر لوكاش كتابه )نظرية الرواية( عام ‪ 1920‬رصد‬ ‫فيه الرفض الرومانسي للرأسمالية‪ ،‬والبعد الصوفي في‬ ‫ماه‬ ‫مؤلفات دستويفسكي‪ ،‬ثم تعّرض للعصر اليوناني فس ّ‬ ‫)العصر الذهبي( بسبب النسجام الذي كان قائما ً بين الفرد‬ ‫والمجتمع‪ ،‬والروح الشمولية المنسجمة مع العالم الخارجي‪،‬‬ ‫حيث لم يكن النسان يشعر بالغتراب في مجتمعه‪ ،‬بل يعيش‬ ‫اطمئنانا ً تاما ً بفضل اتفاق طموحاته الروحية مع العالم‬ ‫الخارجي الموضوعي‪ .‬بيد أن )العصر الذهبي( الذي تخّيله‬ ‫لوكاش ل ينطبق على حقيقة العصر اليوناني الذي يعرضه‬ ‫التاريخ‪ ،‬لكن لوكاش وغيره من المفكرين اللمان أسقطوا كل‬ ‫أحلمهم واهتماماتهم على ذلك العصر‪.196 -‬‬ .‬ولم يعد الفرد يلعب أي دور في العالم الخارجي‪.‬وظهر التناقض بين عالمين متضادين‪:‬‬ ‫عالم الروح بقيمه المطلقة‪ ،‬والعالم الخارجي بقيمه النسبية‬ ‫المنحطة‪ ،‬وتمثل رواية )دون كيشوت( لسرفانتس هذه‬ ‫المرحلة‪ ،‬حيث يحمل البطل فيها قيما ً أصيلة‪ ،‬يحاول تحقيقها‬ ‫في الواقع الموضوعي‪ ،‬عبر أفعال ومغامرات مختلفة‪ .‬‬ ‫ن من الفشل في‬ ‫وهذا الفشل أّدى إلى شكل ثا ٍ‬ ‫مرحلة)الرواية السيكولوجية( في النصف الول من القرن‬ ‫التاسع عشر‪ ،‬حيث ظهر صراع آخر بين النفس والواقع‬ ‫الخارجي‪ ،‬بسبب كون النفس شاملة أكثر من كل مايمكن‬ ‫للحياة الخارجية أن تقدم لها‪ ،‬أي أن هذا الفشل في تغيير‬ ‫العالم أّدى بالدباء إلى خلق حياة داخلية مكتفية بذاتها وبعالمها‬ ‫الداخلي‪ .‬‬ ‫‪.‬فيعرف أن‬ ‫جه من طرف اللهة‪ ،‬لذلك يظهر‬ ‫مصيره مسطور من قبل ومو ّ‬ ‫مسالما ً وسلبيًا‪ ،‬لن كل ما يقوم به يعود إلى إرادة اللهة‪ .‬عصر اختفت فيه الديانة لتترك المجال‬ ‫لمعرفة جديدة‪ ،‬فبدأت الروح تشعر بالعزلة‪ ،‬ودخلت في صراع‬ ‫مع العالم الخارجي‪ .‬‬ ‫لكن المجتمع الرأسمالي سلب النفوس إيمانها‪ ،‬فعاشت‬ ‫مأساة العزلة والغتراب‪ .‬ولن البطل لم يكن يملك وعيا ً شامل ً بالتناقض‬ ‫الصارخ بين ذاتيته وموضوعية العالم الخارجي فإن العالم لم‬ ‫يستجب له‪ ،‬وانزوت روحه في أصالتها لن مغامراتها لم تجد‬ ‫ولته إلى أضحوكة‪ ،‬ذلك أن البطل يحمل قيما ً‬ ‫نفعًا‪ ،‬بل ح ّ‬ ‫معرفية في وعيه دون مراعاة طبيعة الواقع المادي‪ ،‬لذلك‬ ‫يفشل البطل في تحويل أحلمه إلى واقع‪ ،‬فيصبح أمام أحد‬ ‫خيارين‪ :‬إما أن يضطر إلى التكّيف مع العالم الخارجي فيتنازل‬ ‫عن قيمه الذاتية‪ ،‬أو أن يظل محافظا ً على قيمه الذاتية‪،‬‬ ‫فينعزل داخل ذاتيته‪ ،‬بعيدا ً عن الواقع الذي يتغّير ويتطور‪.‬وهو‬ ‫يشعر باطمئنان تام لكون القيم التي يحملها ويدافع عنها هي‬ ‫قيم المجتمع بأسره‪ .‬‬ ‫ثم ظهرت )الرواية( مع نشأة المجتمع الرأسمالي‪ ،‬في‬ ‫الوقت الذي بدأ فيه الله المسيحي بالتخّلي ـ حسب لوكاش ـ‬ ‫عن الكون‪ ،‬ليبقى النسان في عزلة تامة‪ ،‬ول يجد جوهر‬ ‫الوجود إل داخل نفسه‪ .‬وهذا ما يتجّلى في )الملحمة( الهومرية‪،‬‬ ‫حيث لم يكن )البطل الملحمي( يشعر بعزلة أو يعيشها حتى‬ ‫في حال انكساره‪ ،‬لنه يحافظ دوما ً على التوازن بين عالمه‬ ‫الذاتي الداخلي والعالم الموضوعي الخارجي‪ .

‬‬ ‫والواقع أن لوكاش‪ ،‬قد امتلك ذوقا ً كلسيًا‪ ،‬ورؤية سكونية‬ ‫للنعكاس الفني‪ ،‬ورؤية ماضوية للدب‪ ،‬لذلك لم ينتقل إلى‬ ‫مناقشة الدب الثوري الجديد الذي نشأ في ظل الثورة‬ ‫الشتراكية‪ ،‬كما لم يلتفت إلى التقنيات الروائية الحداثية‬ ‫الغربية‪ ،‬فظل يراوح في مرحلته‪ .‬‬ ‫‪ 3‬ـ مرحلة شعر السلطة الروحية الحيوانية‪ ،‬حين‬ ‫اتضحت كل تناقضات المجتمع البورجوازي‪ ،‬ودخلت‬ ‫البروليتاريا ميدان الصراع كقوة مؤثرة‪ ،‬ووضعت الثورة‬ ‫الفرنسية حدا ً للوهام البطولية لمن ّ‬ ‫ظري الطبقة‬ ‫الرأسمالية‪.‬وتمّثل رواية )ولهلم ميستر( لجوته‬ ‫هذه المرحلة‪.‬وعندما سقط الحكم المبراطوري في‬ ‫المجر عام ‪ 1918‬وصعدت إلى الحكم مجموعة من‬ ‫م لوكاش إلى‬ ‫الديمقراطيين البورجوازيين الراديكاليين انض ّ‬ ‫الحزب الشيوعي‪ ،‬وأصبح قائده‪ ،‬واشترك في الحكومة الشعبية‬ ‫المجرية كمحافظ شعبي للثقافة‪ .‬ومع ظهور‬ ‫تناقضات المجتمع البورجوازي اضطر الروائيون إلى‬ ‫خوض غمار صراعين‪ :‬الول ضد عبودية النسان في‬ ‫المجتمع القطاعي والثاني ضد تدهور النسان في‬ ‫المجتمع الجديد‪ .‬ولكن هذه الكيفية‬ ‫ل تمّثل قبول ً للعالم ول رفضا ً له‪ ،‬وإنما تمّثل تجربة حياتية‬ ‫معاشة‪ ،‬ومحاولة فهم يسيطر فيها العالم الخارجي على ذاتية‬ ‫البطل الذي ل يمكنه تغيير العاَلم‪ ،‬كما ل يمكنه التكّيف معه‬ ‫دون فقدان قيمه الصلية‪ .197 -‬‬ .‬وعندما سقطت هذه‬ ‫الحكومة هاجر إلى فيينا عام ‪ ،1930‬ثم غادر منفاه إلى‬ ‫موسكو حيث عمل في معهد ماركس ـ إنجلز للعلوم النسانية‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ مرحلة غزو الواقع اليومي‪ ،‬حيث تقّلصت النظرة‬ ‫الفانتازية‪ ،‬وأصبحت الحداث والطبائع أكثر واقعية‪،‬‬ ‫حيث سيطرت الطبقة البورجوازية على المجتمع‪،‬‬ ‫فأحدثت التطورات الدبية مع سمولت وفيلدنغ في‬ ‫الدب النكليزي‪ ،‬وظهرت المحاولت الولى لخلق‬ ‫)البطل اليجابي( الذي ينتمي إلى الطبقة البورجوازية‪.‫ثم ظهرت )الرواية التعليمية( التي ل يغامر البطل فيها في‬ ‫فعل يعرف فشله فيه‪ ،‬كما أنه ل ينزوي داخل ذاته‪ ،‬بل يحاول‬ ‫التوفيق بين قيمه الصلية والعالم النسبي‪ ،‬مرتكزا ً على تجربته‬ ‫الحياتية كفرد‪ ،‬ومحاول ً فهم الواقع الخارجي‪ .‬‬ ‫وعندما قامت ثورة أكتوبر ‪ 1917‬اعتقد لوكاش أن العالم‬ ‫الجديد الذي كان يبشر به دستويفسكي في رواياته قد أقبل‪،‬‬ ‫وأن القيم الصلية سوف تتحقق في الواقع‪ ،‬وأن بداية النهاية‬ ‫لعاَلم الثم قد حانت‪ .‬واتسم السلوب بالواقعية الفانتازية‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ المرحلة الطبيعية وزوال الشكل الروائي‪،‬‬ ‫وتمثل شيخوخة اليديولوجية البورجوازية‪ ،‬حين‬ ‫‪.‬ومع ذلك فقد قسم تاريخ‬ ‫تطور الرواية إلى خمس مراحل هي‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ مرحلة ولدة الرواية‪ ،‬حيث ظهرت الرواية مع قيام‬ ‫صبت جهود الروائيين‬ ‫المجتمع الرأسمالي‪ ،‬وان ّ‬ ‫)سرفانتس‪ ،‬رابليه( ضد استعباد النسان في القرون‬ ‫الوسطى‪ ،‬وتمّثل الحرية كمثل أعلى‪ .‬‬ ‫وفي ختام )نظرية الرواية( يتجاوز لوكاش نظرته‬ ‫المأساوية إلى اكتشاف آفاق التغير في المستقبل في روايات‬ ‫تولستوي ودستويفسكي التي تبشر بعصر جديد‪ ،‬إذ يرفض‬ ‫أبطال تولستوي ثقافة العالم الوضعي‪ ،‬ويتجهون نحو البحث‬ ‫عن عالم آخر يجدونه في الطبيعة‪.

‬‬ ‫‪ 3‬ـ إن العلقة بين البنى الذهنية والظواهر الجتماعية هي‬ ‫علقة جدلية‪ ،‬وإن المضامين قد تكون غير متجانسة‪.‬واستعملوا‬ ‫أ ّ‬ ‫الوصف والتحليل عوضا ً عن السرد‪ .‬ول يقصد بمفهوم الجماعة‬ ‫‪.‬لكنه لم يظهر واضحا ً في الدب الروائي الذي‬ ‫ور‬ ‫اتسم بالذاتية والموضوعية المصطنعة‪ ،‬حيث ص ّ‬ ‫الدباء الطبيعيون المجتمع كعالم ثابت ونهائي‪ ،‬وابتعدوا‬ ‫عن النماذج الفردية‪ ،‬فاستبدلوها بالرجل المتوسط مما‬ ‫دى إلى افتقاد الطابع الملحمي للرواية‪ .‬‬ ‫*‬ ‫أما غولدمان ومنهجه البنيوي التكويني فقد عرضه الباحث‬ ‫من خلل المؤثرات اللوكاشية عليه‪ ،‬حيث انطلق غولدمان من‬ ‫هذه المبادئ لحداث تغيير جذري في منهجية سوسيولوجيا‬ ‫الدب‪ ،‬معترفا ً بدور لوكاش المؤسس الول لهذه المنهجية‪.‬والديب قد يكتب أشياء ل يعيها‪ ،‬وقد يهرب من‬ ‫الضغوط الجتماعية إلى عالم خيالي يبدعه‪ .‬وتص ّ‬ ‫)الدون الهادئ( لشولوخوف قمة الشكل الملحمي في‬ ‫الرواية الواقعية الشتراكية‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ آفاق الواقعية الشتراكية‪ ،‬حيث وقفت‬ ‫البروليتاريا كطبقة اجتماعية موقفا ً مختلفا ً عن موقف‬ ‫البورجوازية من تناقضات المجتمع الرأسمالي‪ ،‬وحيث‬ ‫أمكن خلق شكل ملحمي في الرواية الجماعية للنضال‬ ‫والتضامن في المجابهة كما نجد في رواية )الم(‬ ‫لمكسيم غوركي‪ .‬وإذا كان فرويد قد‬ ‫حلل الفاعل كفرد يتمّثل في )النا( فإن المنهج البنيوي‬ ‫التكويني قد جعل )الفاعل( جمعيًا‪ .‬ومن هنا تبدو‬ ‫وظيفة البداع الدبي في أنه يخلق توازنا ً يفتقده النسان في‬ ‫العالم الواقعي‪ ،‬مثلما يحدث في الحلم‪ .‬ونقد زول لبلزاك‬ ‫وستاندال يوضح ملمح هذا التجاه‪.‬وعندما بدأ تشييد الشتراكية لم يبق‬ ‫وغ لتدهور النسان فقد خلقت )بطل ً ملحميًا( ل‬ ‫مس ّ‬ ‫ور رواية‬ ‫تتناقض مصالحه مع مصالح المجتمع‪ .198 -‬‬ .‬أما علم الجتماع البنيوي التكويني‬ ‫فيعتمد المور التالية‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ تبحث العلقة الساسية بين الحياة الجتماعية والبداع‬ ‫الدبي عن البنى الذهنية أو العناصر المقولتية التي‬ ‫ون وتنظم الوعي التجريبي لمجموعة اجتماعية‬ ‫تك ّ‬ ‫والعالم الخيالي الذي أبدعه الديب‪.‫أصبحت البروليتاريا قوة مستقلة‪ ،‬فاحتد ّ الصراع‬ ‫الطبقي‪ .‬‬ ‫وفي إطار هذه المفاهيم يمكن دراسة الدب‪ ،‬لن البنى‬ ‫الذهنية تعكس الواقع التجريبي إلى عالم خيالي‪ ،‬بما يشبه‬ ‫عمليات الل شعور الفرويدية‪ ،‬لذلك ل تكفي دراسة النص‬ ‫الدبي وحده كعنصر مستقل‪ ،‬ول دراسة العوامل النفسية‬ ‫الشعورية والل شعورية للديب‪ ،‬بل تتطلب الدراسة الدبية‬ ‫توظيف المنهج البنيوي التكويني؛ إذ ل يمكن إرجاع كل شيء‬ ‫إلى وعي الديب‪ ،‬لن هذا الوعي ليس سوى جزء من السلوك‬ ‫العام للنسان‪ .‬‬ ‫‪ 2‬ـ البنى الذهنية هي ظواهر اجتماعية ل فردية‪ :‬فتجربة‬ ‫الفرد الواحد قصيرة جدا ً ومحدودة ل يمكنها خلق هذا‬ ‫البناء الذهني الذي ينتج هذا النشاط المشترك‬ ‫لمجموعة اجتماعية‪.‬‬ ‫ولكن الدراسات السابقة في هذا الميدان إذا كانت قد اكتفت‬ ‫بالبحث عن تطابق العالم الواقعي والتجريبي في العالم‬ ‫الدبي‪ ،‬فإنها قد اكتفت بالبحث عن الوثائق التاريخية أكثر مما‬ ‫تبحث عن الدب ووحدته‪ .

‫البشرية مجموعة الفراد‪ ،‬بل مجموعة اجتماعية خاصة‪ ،‬تتفاعل‬ ‫مع مختلف المجموعات البشرية المناقضة لها‪.‬وفي كلها كانت‬ ‫معالجته تقليدية ل بنيوية تكوينية‪ ،‬يكتفي فيها بتلخيص مضمون‬ ‫القصة فقط‪ .‬وفي القصة القصيرة‬ ‫الجزائرية‪ ،‬حيث ناقش كتاب‪ :‬القصة القصيرة في عهد‬ ‫الستقلل للناقد الجزائري محمد مصايف‪ ،‬فأخذ عليه فصله‬ ‫بين )الشكل( و)المضمون(‪ ،‬وحديثه عن القصة وكأنما هي‬ ‫وثيقة اجتماعية وسياسية‪ ،‬وإهماله العناصر الفنية للقصة‪ ،‬ثم‬ ‫ختم الباحث كتابه بفصل عن )النماذج القصصية( عرض فيه لـ‪:‬‬ ‫الليل ينتحر‪ ،‬والجراد المر‪ ،‬والتفكيك‪ ،‬والتلميذ والدرس‪،‬‬ ‫والشمس تشرق على الجميع‪ ،‬والزلزال‪ .‬ول توضع هذه العلقة مع‬ ‫فرد خارج العمل الدبي‪ ،‬بل مع مجموعة اجتماعية ينتمي إليها‬ ‫المبدع الذي أبدع العمل الدبي‪.‬ولعلها مقاربات ُ‬ ‫كتبت من قبل الباحث قبل أن‬ ‫يهتم بالمنهج البنيوي الذي ن ّ‬ ‫ظر له جيدًا‪.‬‬ ‫***‬ ‫‪.‬‬ ‫في القسم التطبيقي من الكتاب حاول الباحث الحاطة‬ ‫بهذا المنهج في النقد الجزائري الجديد )الشكالية في رواية‬ ‫العشق والموت في الزمن الحراشي(‪ .‬وهما يتكاملن أثناء التحليل‬ ‫الدبي‪) .‬‬ ‫وأما )الشرح( فيحيط بالبنى التي تحيط بالعمل الدبي‬ ‫المدروس‪ ،‬وهو يدرك العمل الدبي كعنصر وظيفي في إطار‬ ‫بناء أوسع‪ .‬ول يدخل الباحث في البناء الشامل إل ما يساعده‬ ‫على كشف أصل العمل الذي يدرسه‪ .199 -‬‬ .‬فالفهم( عملية فكرية تتمّثل في وصف الشيء‬ ‫المدروس حتى يتسّنى للباحث استخراج نموذج بنيوي دال‪،‬‬ ‫ون من عدد محدود من العناصر والعلقات بين هذه العناصر‬ ‫يتك ّ‬ ‫التي تم ّ‬ ‫كن من إعطاء صورة إجمالية للنص‪ ،‬بشرط أن يؤخذ‬ ‫النص وحدة متكاملة دون إضافة أي شيء إليه‪.‬‬ ‫وفي تحليل النص الدبي يستعمل المنهج التكويني‬ ‫مستويين هما‪ :‬الفهم‪ ،‬والشرح‪ .

‬‬ ‫وقد وضع الباحث كتابه هذا في سياقه الجتماعي ـ‬ ‫التاريخي المعاصر له‪ ،‬دارسا ً علقة )النعكاس( التي ترى أن‬ ‫الجتماعي يؤثر في الدبي‪ ،‬للبحث في شعر العذريين الذي‬ ‫فة بتأثير السلم عليهم‪ .‬ومعتمدا ً المنهج‬ ‫قيل إنهم من ذوي الع ّ‬ ‫المستوحى من مجال )علم الجتماع الدبي(‪ ،‬ولسيما دراسات‬ ‫)لوسيان غولدمان(‪ ،‬ومستندا ً إلى مبدأ بسيط جدا ً خلصته أنه‬ ‫يجب أل نسأل الشاعر )عن شعره(‪ ،‬بل نسأل شعره )عنه(‪،‬‬ ‫وبالتالي فإن موضوعه هو تحليل الثر الدبي من الداخل‪ .‬‬ ‫دث الباحث عن )اللغة العربية‬ ‫في الفصل الول تح ّ‬ ‫والجنس( حديثا ً مضطربًا‪ ،‬معتمدا ً أقوال بعض المستشرقين‬ ‫المناوئين للسلم أمثال بوسكي ‪ Bousquet‬في كتابه )الخلق‬ ‫الجنسية في السلم(‪ ،‬وسنوك هورغرونجه ‪ S.200 -‬‬ .Hurgronje‬الذي‬ ‫كان يرى )إنه ل قانون في السلم(! )ص ‪ ،(25‬وتور أندريه‬ ‫دعي أن )ل عبادة في السلم(! )ص‬ ‫‪ T.‬وهذه المصادر التي يأخذ منها أو يحيل إليها قد‬ ‫‪.(25‬وأخذ الباحث عن هؤلء المستشرقين الموتورين أوقعه‬ ‫في المغالطات التاريخية‪ :‬فقصة يوسف الحقيقية التاريخية‬ ‫المذكورة في القرآن والنجيل والتوراة‪ ،‬يراها الباحث‬ ‫"أسطورة"‪ .‫الفصل الثالث‪:‬‬ ‫المستوى التطبيقي‬ ‫التحليل البنيوي التكويني‬ ‫أ‪ -‬في تحليل الخطاب الشعري‬ ‫‪ -1‬طاهر لبيب وسوسيولوجية الغزل العربي‬ ‫طاهر لبيب كاتب تونسي‪ ،‬مثقف بالثقافة الفرنسية‪.‬ويأخذ على الدب العربي أنه يهتم‪ ،‬تقليديًا‪ ،‬بمظاهر‬ ‫مد في جملة من الحكام الموروثة‪،‬‬ ‫ثانوية للبداع‪ ،‬وأنه قد تج ّ‬ ‫ولهذا ظل في منأى عن المحاولت المنهجية الجديدة التي ما‬ ‫فتئت تتطور وتؤكد ذاتها في مجال العلوم النسانية‪.‬وقد‬ ‫أفضى به هذا التحليل إلى ملحظة )رؤية خاصة للعاَلم( عند‬ ‫جماعة العذريين‪ ،‬وكأنها نواة وعي أو شعور جمعي لمجموعة‬ ‫اجتماعية مشخصة كانت قد عاشت في شروط مادية خاصة‪.Andrae‬الذي كان ي ّ‬ ‫‪ .‬‬ ‫أصدر كتابه )سوسيولوجية الغزل العربي‪ :‬الشعر العذري‬ ‫نموذجًا( باللغة الفرنسية عام ‪ ،1972‬ثم عّربه حافظ الجمالي‬ ‫عام ‪ 1981‬وفيه يرغب الباحث بأن يطرح من المشكلت أكثر‬ ‫مما يح ّ‬ ‫ل‪ .

‫أوقعته في الخطأ والضطراب‪ ،‬لنها تتحامل على السلم دون‬ ‫دراية‪.‬ثم يأخذ الباحث بمفهوم )النعكاس( الذي‬ ‫أخذت به الدبيات الماركسية‪ ،‬والذي يرى أن العالم الدبي‬ ‫ماهو إل )انعكاس( للعالم الواقعي‪ .‬‬ ‫من خلل هذه المقدمة يدرس الباحث مجموعة )الشعراء‬ ‫العذريين( في الدب العربي‪ ،‬من خلل شعرهم‪ ،‬كجماعة‬ ‫معّبرة عن )غرض( واحد‪ ،‬مستفيدا ً من آراء المستشرقين‪:‬‬ ‫فاديه ‪ Vadet‬وبلشير ‪ ،Blachere‬الذي لحظ موضوعات عديدة‬ ‫في شعر الغزل العربي‪ ،‬منها‪ :‬وقوف الشاعر على الطلل‪،‬‬ ‫وذكرى الخ ّ‬ ‫لن‪ ،‬والفراق الليم‪ ،‬وطيف الخيال‪ ،‬وجمال المرأة‪،‬‬ ‫واللحظات السعيدة‪ .‬وبهذا‬ ‫فإن الموت عنده ليعود مأساويًا‪ ،‬فالجنة الموعودة هي عنده‬ ‫عزاء ل يضاهى‪ ،‬وهكذا فإن الشعر السلمي مشبع بعاطفة‬ ‫الرضى‪.‬وهذا التباين منح‬ ‫المرأة وضعا ً جديدًا‪ ،‬حيث أصبحت الموضوع الرئيسي للنسيب‪،‬‬ ‫وألف وياء الشاعر العذري‪.‬وقد لحظ )رجمونت( ‪ Rougemont‬أن‬ ‫‪.201 -‬‬ .‬ويوافق غولدمان على‬ ‫وجود هذه العلقة الوثيقة بين البداع الدبي والواقع الجتماعي‬ ‫والتاريخي‪ ،‬فيجعلها مع )المجموعة الجتماعية(‪ ،‬مؤكدا ً أنه ليس‬ ‫هنالك من فاعل فردي إل في الحالت الستثنائية‪ .‬‬ ‫وإذا كان )البطل الملحمي( يفاخر بنفسه في الشعر‬ ‫الجاهلي‪ ،‬فإن السلم جعل )الخوة في الله( حيث اشتد‬ ‫التركيز على الجانب المازوشي للوجود‪ ،‬فنشطت الرغبة في‬ ‫التلشي في الخر‪ ،‬أو المتعة التي يجدها المازوشي في التخلي‬ ‫عن نفسه‪ ،‬أو شقائه الخاص‪ ،‬أو في عجزه أمام العقبات‬ ‫المستعصية‪ .‬فالشاعر‪،‬‬ ‫كالكلمة السوسيرية‪ ،‬ل ُيعرف إل في إطار منظومة من‬ ‫العلقات‪ ،‬حتى الجانب الشكلي من عمله الدبي فإنه خاضع ـ‬ ‫أيضا ً ـ لتأثير الجماعة الذي يسّيره وعيها الجماعي‪ ،‬حتى ولو لم‬ ‫يكن شاعرا ً بذلك‪.‬‬ ‫وهناك ميزة أخرى بين )البطل الملحمي( في الشعر‬ ‫الجاهلي‪ ،‬وبين المسلم تجاه النظرة إلى الموت‪ :‬فقد كانت‬ ‫نظرة البطل الملحمي إلى الموت مأساوية )تراجيدية(‪ ،‬بخلف‬ ‫نظرة المسلم الذي يرى الحياة زائلة‪ ،‬وامتحانا ً عابرًا‪ ،‬وطريقا ً‬ ‫قصيرة إلى حياة الخلود‪ ،‬والحياة الحقيقية ل تبدأ إل بعد الموت‬ ‫الذي يعتبر ولدة جديدة )الناس نيام‪ ،‬فإذا ماتوا انتبهوا(‪ .‬وكان بلشير قد درس في كتابه )تاريخ‬ ‫الدب العربي(‪ ،‬شعراء الحجاز‪ ،‬فوجد فيهم شعراء عذريين‬ ‫كجميل‪ ،‬وشعراء ماجنين كعمر بن أبي ربيعة‪ .‬كما لحظ التطور البطيء للشعر مع‬ ‫الوضاع الجديدة للمجتمع السلمي‪.‬‬ ‫وإذا كانت الحرب هي صورة من صور الموت‪ ،‬فإن الموت‬ ‫والحب ل ينفصلن‪ .‬‬ ‫دل فيما بعد؛ ففي الفصل‬ ‫ولعل هذه البداية الضعيفة تتع ّ‬ ‫التالي )البنية والدللة( يرى الباحث أن )البنية( هي جملة من‬ ‫العناصر الساسية تقوم فيما بينها شبكة من العلقات‬ ‫المتقابلة‪ ،‬بحيث إذا تغّير عنصر منها أو انحذف‪ ،‬فإن العناصر‬ ‫الخرى تغّير دللتها بصورة موازية‪ ،‬وتختلف هذه البنية من‬ ‫عمل إلى آخر‪ .‬وهذا ما يجعله فريسة شعور بالثم وعذاب ضمير‬ ‫دائم‪ .‬وقد انتهى الباحث إلى أن هذه الحالة المازوشية يمكن‬ ‫أن تكون ظاهرة جماعية‪ ،‬وأن العذريين قد أنبؤوا ـ قبل‬ ‫ور الجديد‬ ‫الصوفيين ـ بظهور ميل مازوشي متصل بالتص ّ‬ ‫للمجموعة السلمية‪.‬حتى وصل‪ ،‬في منتصف‬ ‫القرن السابع الميلدي إلى شيء من اختلل التوازن النسبي‬ ‫في هيكل القصيدة‪ .

‬فهو ل يفتأ يجابه موتا ً تراجيديًا‪ ،‬لكنه‬ ‫يرفض أن يموت كيفما اتفق‪ ،‬لنه يبحث عن موت )فريد( لكن‬ ‫عقبات تظهر أمامه‪ ،‬والمرأة واحدة منها‪ .‬ولما كانت المرأة من‬ ‫طبيعة ضعيفة‪ ،‬فإنها ل تملك إل أن تخاف من صورة الموت‪.‬‬ ‫وهكذا فإن )البطل الملحمي( هو شخصية منفردة داخل‬ ‫مجموعته وخارجها‪ ،‬وعندما يتأثر بعداء هذه المجموعة نجده‬ ‫يتخذ موقفا ً مأساويًا‪ .‬ل يقترب من واقع‬ ‫معيش مباشرة‪ ،‬بل مما يسميه غولدمان )الوعي الممكن(‬ ‫الذي اكتسبه العذريون عن طريق الرفض الذي اقتضاه التعاهد‬ ‫عرفت منذ القرن‬ ‫على الع ّ‬ ‫فة‪ .‬‬ ‫الحب الطبيعي‪ :‬فإله الحب هو‬ ‫الذي)را ٍ‬ ‫)يأسرها( لنه أفضل‬ ‫والمرأة )تستسلم( للرجل‬ ‫المحاربين‪ .‬‬ ‫وعمل العذريين هو فاعل جماعي‪ .‫الشعراء استخدموا‪ ،‬منذ القديم‪ ،‬صورا ً مجازية للدللة على آثار‬ ‫م( يريش سهامه القاتلة‪.‬و"روايات العذريين"‪ ،‬التي ُ‬ ‫السادس أو السابع واحدة‪ :‬رجل وامرأة يتحاّبان حبا ً شديدًا‪.‬إن ازدواجية معاني الكلمات في‬ ‫اللغة العربية تحملنا على اكتشافها‪ :‬فكلمة )الفتنة( مثل ً تدل‬ ‫على الحرب المادية أو اليديولوجية‪ ،‬كما تعطي أيضا ً معنى‬ ‫الغراء الجنسي‪ .‬وعندما علمت عفراء بموته ماتت هي‬ ‫‪.‬وقد بّين )رجمونت( أنه‬ ‫بدءا ً من القرن الثاني عشر في الغرب اغتنت لغة الحب‬ ‫ب )يحاصر( حبيبته‪ ،‬ويقوم‬ ‫بمفردات الحرب والمعارك‪ :‬فالمح ّ‬ ‫بـ)هجمات( عاطفية على فضيلتها‪ ،‬و)يحيط( بها عن قرب‪،‬‬ ‫ويلحقها‪ ،‬ويلصقها‪ ،‬ويحاول أن يقضي على آخر )حصون(‬ ‫حيائها‪ ،‬و)اللتفاف( عليها بالمباغتة‪ .‬وهذه هي قصة عروة الذي أحب‬ ‫ابنة عمه عفراء‪ ،‬لكن أباها زّوجها غيره‪ ،‬فتاه عروة‪ ،‬ومات‬ ‫وحيدا ً في وادي القرى‪ .202 -‬‬ .‬‬ ‫ومع ذلك فإنه ُيحال بينهما وبين الزواج‪ ،‬فيعيشان منفصلين‪،‬‬ ‫دون أن ينسيا حبهما أبدًا‪ .‬‬ ‫في قسم )عالم العذريين( يعّرف الباحث بالعمل الدبي‪،‬‬ ‫فيأخذ بعين العتبار بعض عناصر التحليل النقدي‪ :‬البنية‪،‬‬ ‫والفاعل التاريخي‪ ،‬وبنية التماثل‪ .‬ويصوغ تعريفا ً للعمل الدبي‬ ‫يراه فيه عالما ً رمزيا ً ُتنشئه مجموعة اجتماعية‪ ،‬يمثلها شخص‬ ‫المؤلف‪ ،‬ولها موقف مشترك تجاه العاَلم الذي كانت بنيته‬ ‫كافية النسجام‪ ،‬وعلى علقة تماثل مع بنية العاَلم الواقعي‬ ‫لهذه المجموعة‪ .‬وهكذا يصبح الحب )إشكاليًا( بالنسبة لعنترة على‬ ‫الطريق المؤدية إلى إنجاز عمل بطولي‪:‬‬ ‫ض‬ ‫أصبحت‬ ‫بكرت‬ ‫وفني الحتو َ‬ ‫كأنني تخ ّ‬ ‫ل‬ ‫عن غر ِ‬ ‫ف الحتو ِ‬ ‫ف بمعز ِ‬ ‫ولكن ما أن يبتعد البطل حتى "يستدعي" صورة حبيبته‬ ‫التي كان من قبل قد أزاحها من طريقه‪ ،‬و"حضورها" يصبح‬ ‫كبير النجاعة في ساحة القتال‪ ،‬إذ يمنحه الشجاعة‪:‬‬ ‫د تقطُر‬ ‫منمّني‪،‬‬ ‫ح‬ ‫دميوبيض الهن ِ‬ ‫لذكرُتك والرما ُ‬ ‫ولقد ٌ‬ ‫نواه‬ ‫وعلى هذا فإن الحب يصبح خطرا ً بمقدار ما يتعارض مع‬ ‫الموت من حيث هو نهاية بطولة‪.‬ويؤكد التحليل النفسي والنثربولوجي علقة وثيقة‬ ‫بين الغريزة الجنسية وغريزة القتال‪ ،‬منذ أن كشف النسان‬ ‫عن عدوانيته في الصيد ثم في الحرب‪ .‬وأخيرا ً فإن المعشوقة‬ ‫)تضع نفسها بين يدي( محّبها‪ .‬‬ ‫وهكذا يصبح حبها عقبة دون إنجاز البطل الملحمي في موت‬ ‫بطولي‪ .‬ويموت الرجل من شدة ما ُيعاني‪،‬‬ ‫فيؤدي ذلك إلى موت الحبيبة‪ .‬ومن الواضح أن هذا التعريف للعمل الدبي‬ ‫هو تعريف البنيوية التكوينية للدب‪.‬وفي القصيدة العربية يمضي النسيب إلى‬ ‫مواضع أخرى هدفها تأكيد الشاعر نفسه كمحارب شجاع‪.

‬‬ ‫وإذا كان هدف المحب هو الوصول إلى الطرف الخر‪ ،‬فإن‬ ‫الحبيبة‪ ،‬بالنسبة للعذري‪ ،‬ليست سوى "أنا" آخر‪ ،‬ذلك أن‬ ‫الحبيب يعتبر متطلبات الحبيبة متطلباته هو تجاه نفسه‪ ،‬فكل‬ ‫م كما لو أن الذعان ليس إل عملية تجاوز للذات‪ .‫أيضا ً فوق قبره‪.‬‬ ‫ولذلك فإن العذريين يعفون عند اللقاء‪ ،‬ويشتاقون عند‬ ‫البعاد‪ ،‬يقول جميل‪:‬‬ ‫د‬ ‫الهوى مني إذا‬ ‫ت‬ ‫ويحيا إذا فارقُتها فيعو ُ‬ ‫يمو ُ‬ ‫لقيُتها‬ ‫ما‬ ‫واسم التفضيل كثير التردد في الشعر العذري‪ :‬فهي‬ ‫)الحسن(‪ ،‬و)الجمل( و)الروع(‪ ...‬‬ ‫ويرفض الباحث التفسير الذي يرد ّ ظاهرة الشعر العذري‬ ‫إلى تأثير السلم على الشعراء العذريين‪ ،‬وهو التفسير الذي‬ ‫أخذ به شكري فيصل في كتابه )تطور الغزل بين الجاهلية‬ ‫مارة بالسوء‪ ،‬على ما جاء في‬ ‫والسلم(‪ ،‬ورأى فيه أن النفس أ ّ‬ ‫فت بالشهوات على‬ ‫ح ّ‬ ‫سورة يوسف )الية ‪ (53‬وأن النار قد ُ‬ ‫حد ّ تعبير الحديث الشريف‪ ،‬وأن من الخير أن ‪‬يستعفف الذين‬ ‫ل يجدون نكاحا ً‪) ‬سورة النور‪ ،‬الية ‪.‬يقول جميل‪:‬‬ ‫ة‬ ‫ق الله جيدا ً ومقل ً‬ ‫وأحس ُ‬ ‫ن خل ِ‬ ‫ومامن إنسان يستطيع مقاومة إغرائها‪ ،‬حتى التقياء‬ ‫الورعون‪ ،‬والحيوانات المنزوية‪ ،‬يقول ك ُّثير‪:‬‬ ‫ك‬ ‫رهبا‬ ‫زلوا ُ‬ ‫ن لو رؤو ِ‬ ‫مدْي َ َ‬ ‫ن َ‬ ‫تن ّ‬ ‫في شعف‬ ‫عصم‬ ‫وال‬ ‫الجبال ُ‬ ‫الغادر‬ ‫‪.203 -‬‬ .‬وهذه‬ ‫شيء يت‬ ‫العملية ّتؤدي إلى وضع ممتاز يكون فيه الحبيب محبوبا ً وجديرا ً‬ ‫ب‪..(33‬‬ ‫سد الحياة‬ ‫والعذري يجعل محبوبته سامية إنسانيًا‪ ،‬وحّبها يج ّ‬ ‫والموت‪ ،‬وفيها يبلى الدهر‪ ،‬وتجد الروح حينها‪ ،‬وهي المرأة‬ ‫الوحيدة التي تشغل قلب المحب‪ ،‬وهذا هو الشيء المأساوي‬ ‫الذي يقضي فيه المحب على كل إمكانية علقة مع امرأة‬ ‫أخرى غير حبيبته‪ ،‬لنه يلتزم بالوفاء لها حتى الموت‪ ،‬يقول‬ ‫جميل‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫س‬ ‫أصطفي في‬ ‫ت‬ ‫حتى أغي ّ َ‬ ‫الحب لغيَر ُ‬ ‫آلي ُ‬ ‫ب تحت الرم ِ‬ ‫ع‬ ‫كم‬ ‫بالقا ِ‬ ‫والعذري ل ينظم الشعر في امرأة غير التي يحبها‪ ،‬يقول‬ ‫جميل‪:‬‬ ‫شعري وأبيها أن يطاوعني‬ ‫أبى‬ ‫الشعَر‬ ‫ت‬ ‫نظم‬ ‫إذا ما‬ ‫ذك ُِ‬ ‫رها‬ ‫ر‬ ‫في غي ِ‬ ‫والحبيبة في تخييلهم الشعري هي مخلوقة صعبة المتناول‪،‬‬ ‫وهي أعلى مثاليا ً من أن تكون زوجة‪ ،‬وعليها أن تبقى مثا ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫بأن ُيح ّ‬ ‫والحب مبني على الذل‪ ،‬ل يأنف العزيز أن يذل لمحبوبته‪،‬‬ ‫ده نقصا ً ول عيبًا‪ ،‬يقول أحدهم‪:‬‬ ‫فل يع ّ‬ ‫تذل ّ ْ‬ ‫تهوى‬ ‫ل‬ ‫ة قد نالها المرءُ‬ ‫فكم عّز ٍ‬ ‫لم ْ‬ ‫بالذ ّ‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫ب‬ ‫نّزةً‬ ‫لتكس َ‬ ‫دى خصومه‪ ،‬ولكنه يستعطف بثينة بقولـه‪:‬‬ ‫وجميل بثينة يتح ّ‬ ‫ت فأسجحي‬ ‫ك قد ملك ِ‬ ‫ن إن ِ‬ ‫أبثي ِ‬ ‫ً‬ ‫وهذا التذلل ليس نقصا في الرجولة لدى العذريين‪.

‫وهذا العلء من شأن المرأة دليل على شباب الشاعر‪ ،‬لن‬ ‫الهرم عندما يأتي يولي الحب‪.‬‬ ‫فة( المعزوة إلى العذريين‬ ‫وهكذا ينتهي الباحث إلى أن )الع ّ‬ ‫إنما هي مظهر عرضي وثانوي‪ ،‬ذلك أن تع ّ‬ ‫ذر الوصول إلى‬ ‫الحبيبة التي تحول دونها العقبات‪ ،‬يجعل المرء خاضعا ً‬ ‫مستسلمًا‪ ،‬لنه ل يستطيع أن يفعل شيئا ً آخر‪ .‬وهذا التماثل تأثير إسلمي مشخص‪.‬‬ ‫فة( وهل هي مجرد مجاز‬ ‫وحين يتساءل الباحث عن )الع ّ‬ ‫شعري أم حقيقة واقعية؟‪ .‬وهذا النوع من تعذيب الذات‬ ‫)المازوشية( يتكرر عندهم كثيرًا‪ .‬يؤكد هذا قول‬ ‫جميل‪:‬‬ ‫‪.‬وقد‬ ‫جعل الباحث العشق نوعا ً من تعذيب الذات )المازوشية( في‬ ‫حين أنه )مرض( تنبغي معالجته‪..‬وهذا ينقلنا إلى‬ ‫ت بعد‪ .‬‬ ‫ثم ينطلق الباحث من فرضية )التماثل( بين وحدانية الله‬ ‫صور الحبيبة الوحيدة‪ .‬والعالم‬ ‫الثقافة‪ :‬أي بين الذي مضى‪ ،‬والذي لم يأ ِ‬ ‫العذري هو صحراء من سراب ل يموت النسان فيها إل من‬ ‫الظمأ‪ ،‬ول تقبل السطورة أن يرتوي بطلها‪ ،‬وتعويض المحب‬ ‫الذي ل يرتوي أبدا ً هو البكاء‪ .204 -‬‬ .‬‬ ‫وعلى ذلك فإن المسلم ل يترّدد في أن يجعل من الجنس‬ ‫موضوع دعاء‪ :‬فقد كان الليث بن سعد إذا غشي أهله يقول‪:‬‬ ‫"اللهم سدد لي أصله وارفع لي صدره‪ ،‬وسّهل علي مدخله‬ ‫ب لي ذرية صالحة تقاتل في‬ ‫ومخرجه‪ ،‬وارزقني لذته‪ ،‬وه ْ‬ ‫و‬ ‫سبيلك"‪ .‬وهذا كله ينتهي بنا إلى أن العجز الجنسي ذو طابع‬ ‫مأساوي وكأنما هو عقاب إلهي وذ ّ‬ ‫ل اجتماعي‪.‬ينتهي إلى أن المسألة زائفة ل‬ ‫مجال للتحقق منها ول نتيجة لها )ص ‪ (134‬بإرواء الحياة‬ ‫الجنسية‪ ،‬فسمح بأن يتزوج الرجل أربع نساء عدا الماء‪،‬‬ ‫والجماع الحلل عمل من أعمال التقوى‪) ،‬وفي بضع أحدكم‬ ‫صدقة(‪ ،‬و)الزواج نصف الدين(‪ ،‬والتناسل والتكاثر واجب‬ ‫مقدس‪ .‬وكان محمد بن ًالمذكور يدعو في صلته‪" :‬اللهم ق ّ‬ ‫لي ذكري‪ ،‬فإن فيه صلحا لهلي" والليث ومحمد من نقلة‬ ‫السّنة النبوية‪..‬‬ ‫وت ّ‬ ‫وقد رافق هذا تزايد تقديس الحبيبة الواحدة‪ ،‬يقول جميل‪:‬‬ ‫الوي ُ‬ ‫ب‬ ‫لي‬ ‫لذكرهافي‬ ‫الصلةفأبكي‬ ‫ُأصّلي‬ ‫ل مما يكت ُ‬ ‫ن‬ ‫الملكا ِ‬ ‫ويقول مجنون ليلى‪:‬‬ ‫بوجهي وإن كان المصّلى‬ ‫أراني‬ ‫مم ُ‬ ‫نحوها إذا صّلي ُ‬ ‫تي ّ‬ ‫ت ورائيا‬ ‫ومابي إشرا ٌ‬ ‫ب‬ ‫كعود‬ ‫ك ولكن‬ ‫المداويا الشجا أعيا الطبي َ‬ ‫حّبها‬ ‫ً‬ ‫ويرى الباحث أن البدوي عندما رأى نفسه عاجزا عن فهم‬ ‫رسالة السلم‪ ،‬كان على العامل اليكولوجي أن يملي صورة‬ ‫إنشاء )وعي ممكن( يمكن أن يتخذ فيه اليمان الديني مكانا ً له‬ ‫فيه‪ ،‬فوجد العذري في المرأة أكمل المخلوقات‪ ،‬أو صنفا ً إلهيا ً‬ ‫من الطراز الول‪ ،‬فأسبغ عليها المثالية‪ ،‬وأصبحت الوسيلة‬ ‫المعقودة لصعود روحاني ل يكتمل أبدًا‪ .‬وهذا الحديث قابل للنقاش‪،‬‬ ‫إذ فيه الصواب والخطأ‪ :‬فليس صحيحا ً أن العرب لم يفهموا‬ ‫رسالة السلم وإل فكيف نشروه في العالم كّله؟ ثانيًا‪ :‬إذا قلنا‬ ‫بتأثير السلم على العذريين‪ ،‬فكيف يجعل العذري من المرأة‬ ‫أكمل المخلوقات أو صنفا ً إلهيا ً من الطراز الول‪ ،‬والسلم لم‬ ‫وامون‬ ‫يقل بذلك‪ ،‬بل جعل المرأة دون الرجل منزلة "الرجال ق ّ‬ ‫على النساء‪ ،‬وشهادة المرأتين تعادل شهادة رجل واحد"‪ .

‬إن الباحث حين ينكر ع ّ‬ ‫‪..‬لكنهم يتكلمون عن متعة حقيقية نالوها على مستوى‬ ‫القبلة‪ ،‬يقول جميل‪:‬‬ ‫وعندما ينتقل الباحث إلى دراسة )المجموعة العذرية(‪:‬‬ ‫عصرها‪ ،‬ونموذجها‪ ،‬وبنو عذرة‪ ،‬واستراتيجيتها الجنسية‪.‬‬ ‫يحوصل نتائجه في التالي‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ إن الركيزة اللسانية هي التي نقلت مجموعة المفاهيم‬ ‫ددت التعبير الشعري‪.‬‬ ‫دد بعض‬ ‫تج‬ ‫الجمالية‪،‬‬ ‫البنية‬ ‫ضمن‬ ‫‪ 3‬ـ هنالك بنى صغيرة‬ ‫ّ‬ ‫التعارضات المتناقضة ظاهرًا‪..‬‬ ‫ثم ينتقل الباحث من )الفهم( إلى )التفسير(‪ ،‬فيضع‬ ‫)المجموعة العذرية( في إطارها الزماني)العصر الموي الذي‬ ‫تمّيز بمثاقفة‪ ،‬وبتغير الشروط القتصادية والجتماعية بسبب‬ ‫الفتوحات‪ ،‬واختلط الجناس‪ ،‬وتدّفق الثروات‪ ،‬وهيمنة العرب(‪،‬‬ ‫والمكاني)وادي القرى الذي يقع بين تيماء وخيبر‪ ،‬واسمه يدل‬ ‫على وجود عدد كبير من القرى فيه(‪ .‫بالذي لرضى من بثينة‬ ‫وإني‬ ‫ع‬ ‫وبل‬ ‫بل‬ ‫منىأستطي ُ‬ ‫وبال ُ‬ ‫ه أبصرهُ الواشي لقّرت‬ ‫بلبل ُ‬ ‫لو ْ‬ ‫م‬ ‫د‬ ‫ه حتى يسأ َ‬ ‫الوعدَ آم‬ ‫وبالوعل ُ ِْ‬ ‫ه‬ ‫أواخره ل نلتقي وأوائل ُ ْ‬ ‫ث‬ ‫تجو‬ ‫ة علينا بالحدي ِ‬ ‫وتاردُ ً‬ ‫ب من‬ ‫تجودُ علينا بالرضا ِ‬ ‫ر‬ ‫الث ّ ْ‬ ‫غ ِ‬ ‫العجلى‬ ‫وبالنظر‬ ‫لِ‬ ‫ةتنقضي‬ ‫وبالحو ِ‬ ‫ومع أن العذريين يستبعدون عن عالمهم أمر العلقة‬ ‫الجنسية بالمعنى الحقيقي‪ ،‬فإنهم ل يتوقفون عن دعوة الحبيبة‬ ‫إلى )الجود( معّبرين عن رغبة جنسية يجعلها الحرمان بائسة‬ ‫ومرهقة‪ .‬‬ ‫ومن أخطاء الباحث أيضا ً أنه يجابه استحالة الوصول إلى‬ ‫الحبيبة باستحالة الزواج‪ ،‬ولهذا يكتفي العذري باستغلل القسم‬ ‫ضمة‪،‬‬ ‫العلى من جسم الحبيبة‪ ،‬فيبيح لنفسه القبلة‪ ،‬وال ّ‬ ‫فة( التي ُوصف‬ ‫واللمسة‪ .‬ومن هنا يظهر ضعف بعض استنتاجات الباحث‪،‬‬ ‫وخطؤها لنها مبنية على مقدمات خاطئة‪..‬‬ ‫والقيم التي ح ّ‬ ‫‪ 2‬ـ إن البنية الجمالية للعالم العذري تتمّثل في معاناة‬ ‫الشخصية العذرية تجارب بؤس تحب أن تخترعها‪،‬‬ ‫فتصبح ضحية مازوشية لها‪ ،‬وذلك بسبب استحالة‬ ‫الوصول إلى الحبيبة‪..‬‬ ‫ولكن علماء التحليل النفسي يرفضون هذه المقولة‪،‬‬ ‫ويؤكدون عكسها؛ وهو أن الحرمان القتصادي يؤدي إلى كثرة‬ ‫التصال الجنسي‪ ،‬ذلك أن الفقراء ليس لديهم بدائل أخرى عن‬ ‫لذة الجنس‪ ،‬كلذة اقتناء المال‪ ،‬أو لذة السلطة‪ ،‬المتوافرتين‬ ‫لدى الثرياء‪ .‬ويبدو أنهم كانوا وسطا ً بين‬ ‫حضر الحجاز‪ ،‬وبدو الصحراء‪ ،‬لنهم )أهل قرى( يعيشون‬ ‫الهامشية القتصادية والثقافية‪ ،‬ومن هنا عدم تلؤمهم مع‬ ‫التملك‪ ،‬حتى إنهم يتخّلون عن امتلك المرأة‪ ،‬ذلك أن الحرمان‬ ‫القتصادي قد أنتج ـ حسب الباحث ـ حرمانا ً جنسيًا‪.‬فإذا كان المر كذلك فأين )الع ّ‬ ‫فة العذريين فإنما ينكر‬ ‫العذريون بها؟‪ .205 -‬‬ ..‬وتاريخها الجاهلي فقير‬ ‫بحوادث الحروب‪ ،‬وهذا يفسر قلة عدد شعرائهم‪ ،‬وعزلتهم‬ ‫الجغرافية‪ ،‬فقد كانت الطرق التجارية منحرفة عنهم بسبب‬ ‫السلسل الجبلية المحيطة بهم‪ .

‬وقد بّين الباحث أسباب اهتمامه بالشعر‬ ‫المغربي المعاصر‪ ،‬وأسباب تبّنيه )المنهج البنيوي التكويني( في‬ ‫النقد الدبي‪ ،‬استنادا ً إلى الوعي بالقوانين والبنيات الداخلية‬ ‫والخارجية للمتن الشعري المغربي‪ ،‬والكشف عن الربط‬ ‫الجدلي بينهما‪ ،‬من أجل الوصول إلى النواة المركزية‪ ،‬وهو‬ ‫خروج صريح على المناهج السائدة في قراءة الدب على‬ ‫الصعيد العربي‪.‬وعلى الرغم من ذلك فإن هذا‬ ‫البحث يظل رائدًا‪ ،‬لنه تجرأ على معالجة موضوع معروف‪ ،‬من‬ ‫زاوية نظر )البنيوية التكوينية( التي كانت جديدة آنذاك )في‬ ‫مطلع السبعينات(‪ ،‬ولنه وضع مقولت هذا المنهج النقدي‬ ‫موضع التطبيق في النقد العربي الجديد‪.‬وإن‬ ‫اعتماد الباحث على المصادر الفرنسية وحدها‪ ،‬لكونه يتقن هذه‬ ‫اللغة‪ ،‬وإغفاله المصادر العربية القديمة التي جمعت أخبار‬ ‫وأشعار العذريين‪ ،‬والمصادر العربية الحديثة التي عالجت‬ ‫قاد وزكي مبارك‬ ‫)ظاهرة الشعر العذري( من مثل ما كتبه الع ّ‬ ‫وشكري فيصل وشوقي ضيف وصادق جلل العظم وغيرهم‬ ‫عن هذه الظاهرة‪ ،‬جعل بحثه يعاني من نقص كبير‪ .‬‬ ‫‪ 2‬ـ محمد بنيس وظاهرة الشعر المعاصر في‬ ‫المغرب‬ ‫محمد بّنيس شاعر وناقد مغربي معاصر‪ .‬‬ ‫وقد تبّنى الباحث مقولت المنهج البنيوي التكويني التي‬ ‫ترى أن البداع تعبير عن تطلعات فرد منضوٍ تحت طبقة‬ ‫يندمج في التعبير عن‬ ‫اجتماعية معينة‪ ،‬وأنه حين يعّبر عن الفرد‬ ‫طموحات هذه الطبقة التي ينتمي إليها‪ .‬له أكثر من عشرة دواوين‬ ‫شعرية‪ ،‬وعدة دراسات أدبية‪ ،‬بدأها بدراسته الهامة )ظاهرة‬ ‫الشعر المعاصر في المغرب‪ :‬مقاربة بنيوية تكوينية( ‪ 1979‬في‬ ‫وقت مبكر لم تكن الدراسات النقدية ذات المناهج الجديدة‪،‬‬ ‫دم بها لنيل شهادة‬ ‫قد بدأت تتوافد علينا‪ ،‬وهو رسالة جامعية تق ّ‬ ‫دبلوم الدراسات العليا )السلك الثالث( بكلية الداب في جامعة‬ ‫الرباط بالمغرب‪ .206 -‬‬ .‬دكتوراه في‬ ‫الدب العربي‪ ،‬أستاذ جامعي‪ ،‬ورئيس تحرير مجلة)الثقافة‬ ‫الجديدة( التي تصدر في المغرب‪ .‬ويصبح عمل الباحث‬ ‫محصورا ً في الكشف عن )الرؤية( المختبئة بمهارة خلف‬ ‫الكلمات‪ .‬ولو أنه‬ ‫استفاد من المراجع العربية والحديثة لجاء بنتائج مختلفة‪،‬‬ ‫ولّعدل كثيرا ً من آرائه التي استوحاها من مراجعه الفرنسية‬ ‫فحسب‪ ،‬ومن غولدمان‪ ،‬وحده‪ .‬وإن الباحث عندما يف ّ‬ ‫)الظاهرة العذرية( بالشروط الجتماعية والقتصادية التي‬ ‫أوجدتها‪ ،‬فإنه ينكر ـ بذلك ـ تأثير التعاليم السلمية عليهم‪ .‬وبهذا تتجاوز الدراسة البنيوية التكوينية الدراسة‬ ‫الجتماعية للمضمون‪ ،‬عندما تعتبر أن قراءة النص ينبغي أن‬ ‫تنطلق من النص‪ ،‬في محاولة للكشف عن القوانين التي تحكم‬ ‫بنيته‪ :‬السطحية‪ ،‬والعميقة‪ ،‬لتنطلق ـ من ثم ـ في مشروع آخر‬ ‫هو اختراق البنية الجتماعية والثقافية وربطها بالبنية الدبية‪.‫سر‬ ‫شيئا ً تواترت فيه الخبار والشعار‪ .‬وتظل مقولت المفكر البنيوي التكويني )لوسيان‬ ‫‪.‬‬ ‫وهكذا اعتمد الباحث )المنهج البنيوي التكويني(‪ ،‬في دراسة‬ ‫وغ تبّنيه هذا المنهج بكون‬ ‫الشعر المغربي المعاصر‪ ،‬وس ّ‬ ‫القراءة‪ ،‬في هذا المنهج‪ ،‬تّتم من داخل المجتمع‪ ،‬مادام الفكر‬ ‫والبداع جزءا ً من الحياة الجتماعية‪ ،‬ومادام للنص الدبي‬ ‫ددة‬ ‫مح‬ ‫وظيفة اجتماعية‪ ،‬إذ هو جواب فرد ينتمي لفئة اجتماعية‬ ‫ّ‬ ‫تاريخيًا‪ ،‬يهدف إلى تغيير وضعية معطاة في اتجاه يلّبي‬ ‫طموحاته التي تلتقي مع طموحات الفئة الجتماعية التي ينتمي‬ ‫إليها‪ .

‬‬ ‫ويعترف الباحث بإشكاليات هذا المنهج القائم على‬ ‫الدراسات اللسانية والجتماعية‪ ،‬فهذه الدراسات إذا كانت قد‬ ‫نضجت في أوروبا‪ ،‬فإنها ما تزال‪ ،‬في الوطن العربي‪ ،‬في‬ ‫بداياتها‪ .‬وهذه الوحدات الدالة تتركب بدورها من‬ ‫بنيات جزيئية تشكل‪ ،‬عند إعادة دمجها بالبنية العامة للمتن‪،‬‬ ‫‪.‬والتحليل هو البحث عن البنية العميقة للنص‪ ،‬أي‬ ‫سد في الممارسة اللغوية الممّيزة‪.‬ثم تدمج هذه‬ ‫البنيات الجزئية للوحدات الدالة في بنية أكثر اتساعًا‪ ،‬كي‬ ‫يتسنى تركيب )البنية العميقة( للمتن‪ ،‬من أجل الكشف عن‬ ‫النواة الحقيقية للنص‪ ،‬وهذا الكشف مشروط بقدرة الباحث‬ ‫على الربط بين قوانين قراءة النص للواقع‪ ،‬وبين الواقع نفسه‪.‬ودرس‬ ‫في الباب الثالث )المجال الجتماعي والتاريخي للنص(‪ .‬أتراه‬ ‫قلبا ً للمنهج النقدي التقليدي الذي كان يبدأ بدراسة عصر‬ ‫الشاعر والظروف التاريخية والجتماعية والثقافية التي أّثرت‬ ‫في شعره‪ ..‬وتشمل‪ :‬اقتصاد النص‪ ،‬وبنياته الزمانية‪ ،‬والمكانية‪،‬‬ ‫والنحوية‪ ،‬والبلغية‪ .‬‬ ‫والجواب في مايلي‪:‬‬ ‫في الباب الول قرأ الباحث المتن الشعري المعاصر في‬ ‫المغرب )قراءة داخلية(‪ ،‬من خلل تجّليات البنيتين‪ :‬السطحية‪،‬‬ ‫والعميقة‪ ،‬للمتن الشعري‪ ،‬ذلك أن النص البداعي ـ حسب‬ ‫المنهج البنيوي التكويني ـ هو مجموعة من الجمل المترابطة‬ ‫وفق تركيب يوّفر لها التآلف‪ ،‬ويعطيها صفة التلحم بين الجزاء‬ ‫التي قد تتراءى أشتاتًا‪.‬ودرس في‬ ‫الباب الثاني )مشروع اختراق البنية الثقافية( للنص‪ .‬والواقع أن النتائج التي‬ ‫انتهى إليها الباحث ل تهمنا كثيرًا‪ ،‬بقدر ما تهمنا منهجيته التي‬ ‫حاول تطبيقها على النصوص الدبية‪ ،‬والمتمثلة في المنهج‬ ‫البنيوي التكويني الذي جمع بين الدراستين اللغوية والجتماعية‪،‬‬ ‫وكسر طوق النغلق البنيوي الشكلي‪ .‬عبر تفكيك الوحدات الدالة المركبة‬ ‫للنصوص داخل المتن‪ .‬ثم دراسة حياته‪ ،‬والمؤثرات عليها‪ ،‬لينتهي إلى‬ ‫دراسة شعر الشاعر‪ ،‬وتصنيف شعره حسب موضوعاته؟ ل‪..‬‬ ‫ن استعمل مصطلح‪:‬‬ ‫وإذا كان النحو التحويلي هو أول َ‬ ‫م ْ‬ ‫)البنية السطحية(‪ ،‬و)البنية العميقة( فإن النقد البنيوي قد‬ ‫استفاد من توظيفهما‪ ،‬ولكن ليس في الكشف عن قوانين‬ ‫اللغة فحسب‪ ،‬بل في مجمل المظاهر الخارجية للنص‬ ‫الشعري‪ .207 -‬‬ .‬فكان دراسة وصفية‪ ،‬ل‬ ‫دد البنيات الدالة‪ ،‬وتربط البنية الداخلية للنص‬ ‫معيارية‪ ،‬تح ّ‬ ‫الدبي بالبنيات الكثر اتساعًا‪ :‬الثقافية‪ ،‬والجتماعية‪.‬وهكذا يتمتع النص الدبي‬ ‫باستقلل ذاتي عن الواقع الجتماعي الذي أنتجه‪ ،‬على الرغم‬ ‫من أن العلقة الحميمة بينهما‪ .‬‬ ‫وقد جعل الباحث دراسته في ثلثة أبواب‪ :‬درس في الباب‬ ‫الول )المتن الشعري المعاصر في المغرب(‪ .‬فالنص هو الساس‪ ،‬ومنطلق‬ ‫الدراسة‪ .‬‬ ‫دد‪،‬‬ ‫وإن النص‬ ‫الدبي ممارسة لغوية في إطار اجتماعي مح ّ‬ ‫وليس عالما ً مغلقا ً على نفسه‪ .‬‬ ‫)رؤية العالم( كما تتج ّ‬ ‫والقراءة اللغوية للوحدات الدالة تمّر عبر تجليات )البنية‬ ‫السطحية(‪ :‬العروضية‪ ،‬واللغوية‪ ،‬والدللية‪ .‫غولدمان( ماثلة أمام خطوات العمل‪ ،‬هادية يسترشد بها‬ ‫الباحث‪..‬إضافة إلى أن الظروف تختلف بين حضارتهم وتخّلفنا‪،‬‬ ‫فهل يمكن تطبيق منهج نقدي حضاري توافرت له الدراسات‬ ‫اللسنية والجتماعية في بلد المنشأ‪ ،‬على شعرنا المنتج في‬ ‫واقع متخلف لم تكد هذه الدراسات تبدأ فيه؟ وإذا أمكن ذلك‬ ‫فهل من الضروري تطبيق هذا المنهج حرفيا ً على شعرنا؟ أم‬ ‫أن هنالك هامشا ً من )الحرية( يمكن أن يناور الباحث فيه‪،‬‬ ‫تحت اسم )التطوير( أو "الجتهاد"؟‪ .

‬كما ُ‬ ‫الشعراء المغاربة بالتشجير‪ ،‬حيث يأتي التشكيل المكاني‬ ‫للشعر على شكل شجرة‪.‬لكن النقاد المتأخرين التفتوا إلى‬ ‫المكان‪ ،‬منذ القرنين السادس والسابع‪ ،‬عند الشعراء المغاربة‬ ‫والندلسيين‪ ،‬فقد كتب القضاعي أشعارا ً على شكل مربعات‪،‬‬ ‫وأورد الرندي صاحب )النونية( المشهورة في كتابه النقدي‬ ‫)الوافي في نظم القوافي( قصيدة له على شكل خاتم‪ ،‬وأبياتا ً‬ ‫على شكل مربع في باب القلب ُتقرأ عرضا ً وطو ً‬ ‫عرف‬ ‫ل‪ .‬وفي )الوزان( خرج الشاعر المعاصر على النص‬ ‫الشعري التقليدي عندما اعتبر التفعيلة المفردة أساسا ً لبناء‬ ‫البيت الشعري‪ .208 -‬‬ .‬‬ ‫ولعل بنية المكان في الشعر العربي القديم قد تجّلت‬ ‫بوضوح لدى الخطاطين الذين كانوا يتفننون في تخطيط‬ ‫‪.‬وفي )القافية( وجد أيضا ً ثلثة قوانين تحكمها هي‪:‬‬ ‫وحدة القافية‪ ،‬والروي‪ ،‬وتزاوج وتناوب القافية‪ ،‬والتخلص نهائيا ً‬ ‫من القافية‪ .‫بنيته العميقة التي ل يمكن النفاذ إليها دون المرور بالبنية‬ ‫السطحية‪.‬فكان الخروج على‬ ‫البنية التقليدية للشعر العربي‪.‬ولم يلتزم بالتساوي في التفعيلت بين‬ ‫الشطرين‪ ،‬والغرض من التحرر من تساوي الشطر هو البحث‬ ‫عن سبل محدثة لكسب حرية أقدر على تلبية شروط تبدل‬ ‫الحساسية الشعرية‪ ،‬مما جعل الشعراء المعاصرين يتشبثون‬ ‫بوحدة التفعيلة كأساس للبناء العروضي في شعرهم‪.‬‬ ‫وعلى هذا الساس فقد عرف الشعر المغربي القديم‬ ‫بنيتين في تشكيل المكان هما‪) :‬التشكيل التناظري( للشعر‪،‬‬ ‫وهو الموروث عن القصيدة العربية القديمة‪ ،‬وفيه ُيبنى النص‬ ‫على أساس التقسيم المتساوي لجزاء القصيدة ككل‪ ،‬تبعا ً‬ ‫للوقفة العروضية‪ ،‬و)الموشح( الذي يأخذ بنية أخرى مغايرة‪،‬‬ ‫يستقيها من طبيعة التوزيع النباتي للبيات التي تتركب في‬ ‫مجموعات هي القفال والبيات‪.‬‬ ‫فـ)بنية الزمان( تعني اليقاع الشعري الذي تمّرد فيه النص‬ ‫الشعري المعاصر في المغرب على النص الشعري العمودي‪،‬‬ ‫ولت السس المادية للمجتمع عن وضعها القديم‪،‬‬ ‫بعد أن تح ّ‬ ‫سد الطموح إلى التغير والتحرر والبتكار‪ ،‬مما استوجب‬ ‫وتج ّ‬ ‫الخروج على تقاليد وقوانين النص الشعري التقليدي‪،‬‬ ‫واستحداث نص شعري مضاد‪ ،‬يريد لنفسه أن يستوعب شروط‬ ‫واقع انقطعت صلته مع الماضي‪ ،‬ولذلك فإن القطيعة التي‬ ‫أعلنها الشعراء المعاصرون بالمغرب‪ ،‬متأثرين بالحركة‬ ‫الشعرية المعاصرة في المشرق‪ ،‬ولم تكن مجرد نزوة عابرة‪،‬‬ ‫ي يقود جماعة متمردة تحتمي بالعصيان في مقتبل‬ ‫أو مجرد غ ّ‬ ‫ول‬ ‫والتح‬ ‫التغير‬ ‫بدواعي‬ ‫للوعي‬ ‫مضيئة‬ ‫علمة‬ ‫كانت‬ ‫عمرها‪ ،‬بل‬ ‫ّ‬ ‫في زمن لم يعد يستسيغ القناعة والرضا‪ .‬‬ ‫وقد جعل الباحث محاور)البنية السطحية( تتمثل في‪ :‬بنية‬ ‫الزمان‪ ،‬وبنية المكان‪ ،‬ومتتاليات النص‪ ،‬وبلغة الغموض‪.‬‬ ‫وقد ناقش الباحث في بنية الزمان‪ :‬بنية البيت الشعري‪،‬‬ ‫والقافية‪ ،‬والوزان‪ .‬‬ ‫وأما )بنية المكان( فتتجّلى في الجانب البصري الذي لم‬ ‫يكن النقاد يحفلون به‪ ،‬على الرغم من أن المكان ذو دللة ل‬ ‫يمكن اعتبارها هامشية‪ .‬‬ ‫وقد قّعد الباحثون لشعر التفعيلة قانونين‪ :‬يستمد ّ أولهما‬ ‫عناصر وجوده من اقتصار الشعراء على استعمال بحر شعري‬ ‫مفرد في القصيدة بكاملها‪ ،‬ويعتمد الشعراء في ثانيهما على‬ ‫المزج بين البحور المتعددة في النص الشعري الواحد‪.‬ففي بنية )البيت الشعري( قّنن ثلثة قوانين‬ ‫هي‪ :‬الوقفة الدللية‪ ،‬والوقفة العروضية‪ ،‬والوقفة المحددة‬ ‫بالبياض‪ .

‬فأما )بنية الزمن النحوي(‬ ‫فتختلف عن بنية الزمن العروضي الذي يلتصق بالكلم‬ ‫الشعري‪ ،‬كما تختلف عن بنية الزمن الفيزيائي والتاريخي‪،‬‬ ‫الزمن النحوي يتم من خلل العلقات التواردية)الصرفية(‬ ‫والترابطية )النظمية(‪ .‬وقد يلجأ إلى تشكيل قصيدته‬ ‫من عدة مقاطع مرّقمة أو معنونة‪ .209 -‬‬ .‬وأما‬ ‫المق ّ‬ ‫بنية الزمان الماضي فإنها ل تنفي الحاضر‪ ،‬وإنما تستعين به‬ ‫لتفجيره‪.‬وقد يستبعد‬ ‫الشاعر استعمال أدوات الربط بين المتتاليات‪ ،‬مما‬ ‫يوحي بتشتت الصور‪ .‬وقد يؤدي تقسيم النص إلى مقاطع فقدان‬ ‫القصيد َ‬ ‫القصيدة وحدتها إذ قد ل يوجد رابط لغوي أو نحوي‬ ‫‪.‬‬ ‫ويراه الباحث قادما ً من الشرق العربي‪ ،‬بعد أن استقدمه‬ ‫الشرق من الشعر الوروبي‪ .‬‬ ‫وليس المقطع إل تكثيفا ً لطاقة شعورية أو دفقة فكرية‬ ‫تندمج مع المقاطع الخرى لتشكل جميعها عالما ً‬ ‫شعريا ً متكام ً‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫‪ 1‬ـ فأما )البعد الدللي( فيفتح النص على أفق قابل‬ ‫مم القارئ نقصه‪ .‬يقول مالرميه‪" :‬لتنظيم الكلمات في الصفحة‬ ‫مفعول بهي‪ .‬وهكذا تغدو اللفاظ مجموعة من النجم المشرقة"‪.‬ولدى التدقيق تبين أن الفعل المضارع‬ ‫الدال على الحاضر يشكل أعلى نسبة في المتن‪ ،‬يليه الماضي‪.‬‬ ‫وأما )متتاليات النص( فهي مستوى آخر من تجليات‬ ‫البنية السطحية‪ ،‬يعكس وحدته نحويا ً ودلليًا‪ ،‬وُيقصد بـ‬ ‫)المتتالية( الجملة كما هي عند شومسكي‪ .‬ولدى التدقيق تبين أن الشاعر المغربي‬ ‫المعاصر يوظف الضمير في الحضور أكثر من الغياب‪ ،‬وأنه‬ ‫يعطي السبقية للمفرد على الجمع‪ ،‬وأنه يتجه نحو استعمال‬ ‫ضمير المتكلم‪.‬وعلى الرغم من أن الغموض‬ ‫يزيد في انفصال الشاعر عن جمهوره‪ ،‬إل أن الشاعر المغربي‬ ‫مق هذا البعد اليحائي الذي هو معنى‬ ‫المعاصر أبى إل أن يع ّ‬ ‫ن‪ .‬‬ ‫وبنية الزمان الحاضر‪ /‬المضارع ُتعطي إمكانية لدراك العالم‬ ‫دم من طرف الشاعر المرتبط بمرحلته التي يحياها‪ .‬وقد وجد‬ ‫الباحث في المتن الشعري المغربي المعاصر متتاليتين هما‪:‬‬ ‫الزمن النحوي‪ ،‬وبنية الضمير‪ .‬وقد جعل الباحث للغموض أربعة أبعاد هي‪ :‬البعد الدللي‪،‬‬ ‫ثا ٍ‬ ‫والبعد النحوي‪ ،‬والبعد اليقاعي‪ ،‬والبعد المعرفي‪.‬وكل مقطع هو‬ ‫مرحلة من مراحل التركيب الكامل للنص الشعري‪.‬وقد يدخل التركي ُ‬ ‫ة‪ .‬وفيه يبحث‬ ‫لكل كتابة جديدة‪ ،‬حيث يت ّ‬ ‫الشاعر عن الدلة المتنافرة ليؤلف بين تناقضاتها‬ ‫قدة تقوم على تحطيم العلقات الدللية‬ ‫استعارة مع ّ‬ ‫داخل اللغة‪ ،‬معتمدا ً على الغرابة الصادرة عن الربط‬ ‫غير العتيادي بين المدلولت المتعددة‪ .‫القصائد والدواوين‪ .‬وقد تشمل بيتا ً أو مقطعا ً أو نصا ً‬ ‫بكامله‪ .‬إن اللفظة الواحدة تحتاج إلى صفحة كاملة‬ ‫بيضاء‪ .‬ولكن الشاعر قد يجمع ما تنافر من‬ ‫المقاطع ظاهريًا‪ ،‬فيلتقي القارئ مع خروج على التقليد‬ ‫ب الدرامي‬ ‫دون سابق تحذير‪ .‬والجملة تتوفر على‬ ‫ترابطات فعلية واسمية‪ .‬وقد تبوأ‬ ‫الغموض صدارة النقاشات النقدية منذ بداية الستينات‪.‬كما تجلت أيضا ً في الشعر الغربي‬ ‫المعاصر‪ .‬‬ ‫وأما )بلغة الغموض( فناتجة عن انفجار لغة النص‪،‬‬ ‫وخروجها على القوانين المقّيدة للغة اليومية العادية‪ ،‬ذلك أن‬ ‫اللغة الدبية تتعارض مع لغة التواصل والستهلك‪ .‬وتتعدد المتتاليات داخل النص بتعدد الوحدات‪ .‬‬ ‫وأما )بنية الضمير( فهي أصغر الوحدات اللغوية‪ ،‬وترافق‬ ‫السماء والفعال والحروف‪ ،‬وتتكرر بأشكال متعددة )متصلة‪،‬‬ ‫ومستترة‪ ،‬ومنفصلة(‪ .

210 -‬‬ .‬وعلى‬ ‫هذا فإن الشاعر يحطم القيم الموروثة‪ ،‬على صعيد‬ ‫الوقفة اليقاعية‪ ،‬ويؤسس قيما ً تصدم وعي القارئ‬ ‫الذي تج ّ‬ ‫ذرت في أعماقه قوانين البيت الشعري‬ ‫التقليدي‪ .‬‬ ‫وأما )عناصر التشويش( في بلغة الغموض فهي‬ ‫الخطاء الل إرادية التي تقتحم على النص صفاءه‪ ،‬فتحول‬ ‫مجرى التواصل‪ ،‬وتبتر اليحاء‪ ،‬فتزيد النص غموضًا‪ ،‬وتضاعف‬ ‫نفور القارئ من النص‪ .‬‬ ‫ويقصد الباحث بـ)التجريب( الوضع الخاص الذي عاشته‬ ‫القصيدة العربية في المغرب‪ ،‬منذ البدايات وحتى المتداد‪،‬‬ ‫حيث انتهج الشعراء سلوك التردد مرة‪ ،‬والقطيعة مع مكتسبات‬ ‫بحثهم مرة أخرى‪ ،‬والعودة إلى ما أهملوه مرة ثالثة‪ ،‬وهذا‬ ‫السلوك جعل قصائدهم تظهر وكأنها دون مستقر‪.‬وقد حاول بعض الشعراء‬ ‫مساعدة القراء على ف ّ‬ ‫ك رموز النص الشعري‪ ،‬فلجؤوا‬ ‫إلى شرح رموزهم في هوامش القصائد‪ .‬وفي تسكين حرف الروي تابع الشعراء‬ ‫المغاربة المعاصرون العروضيين العرب القدماء في‬ ‫جعل حرف الروي ساكنًا‪ ،‬في أغلب أشعارهم‪ ،‬رغبة‬ ‫منهم في الخضوع لواقع اللغة اليومية‪ ،‬التي تتميز‬ ‫بتسكين أواخر الكلمات‪.‬‬ ‫وأما )محاور البنية العميقة( فقد جعلها الباحث ثلثة‬ ‫هي‪ :‬التجريب‪ ،‬والسقوط والنتظار‪ ،‬والغرابة‪ ،‬فالتجريب مأخوذ‬ ‫من بنية الزمكان‪ ،‬والسقوط والنتظار مستخلص من بنية‬ ‫المتتاليات‪ ،‬والغرابة من بنية بلغة الغموض‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ وأما )البعد المعرفي( فيتمثل في شحن النص‬ ‫الشعري‪ ،‬بمعرفة إنسانية‪ ،‬عن طريق تعميق اللقاء مع‬ ‫الحضارات النسانية‪ ،‬دون الكتفاء بمصدر واحد هو‬ ‫أوروبا‪ .‬وتتجّلى في ثلثة‪ :‬الخطأ المطبعي‪،‬‬ ‫الخطأ النحوي‪ ،‬والخطأ اليقاعي‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ وأما )البعد اليقاعي( فبواسطته نقل الشاعر النص‬ ‫الشعري من مدار الستهلك إلى مدار مشحون‬ ‫بتلوينات صوتية خاضعة لنظام إيقاعي متميز‪ .‬‬ ‫م‬ ‫التحطي‬ ‫الباحث‬ ‫به‬ ‫فيعني‬ ‫‪ 2‬ـ وأما )البعد النحوي(‬ ‫َ‬ ‫المقصود للقواعد النحوية )النظمية‪ ،‬والصرفية(‪ ،‬وذلك‬ ‫عبر ثلثة مظاهر هي‪ :‬استعمال الضمير‪ ،‬وتسكين‬ ‫حرف الروي‪ ،‬واستعمال التقديم والتأخير‪ ..‬وهذا ما يجعل نفورا ً متبادل ً بين النص‬ ‫والقارئ‪ :‬فالقارئ التقليدي ينفر من النص الحداثي‪.‫يربط بين هذه المقاطع‪.(.‬ومزج هذه المعرفة )الرموز‪ ،‬والساطير‪،‬‬ ‫والموروث الثقافي( بشعرهم‪ ،‬بالضافة إلى اعتماد‬ ‫الثقافة المحلية أيضا ً )الحكايات‪ ،‬والخرافات‪ ،‬والحداث‬ ‫التاريخية‪ ،‬والتراث‪ .‬‬ ‫والنص الحداثي ينفر من الذن التقليدية‪ ،‬فيحس كل‬ ‫منهما بغربة تجاه الخر‪ ،‬وتح ّ‬ ‫ل القطيعة بينهما محل‬ ‫التواصل‪ ،‬وهذا التحطيم المقصود من طرف الشاعر‬ ‫للمفهوم التقليدي للبيت الشعري يؤدي حتما ً إلى‬ ‫تصعيد بلغة الغموض‪.‬لكن النقد‬ ‫يرى في هذا قيدا ً على حرية التخييل عند القارئ‪.‬‬ ‫وقد تجّلى التجريب في القتصار على بعض الوزان‪ ،‬وفي‬ ‫‪.‬ففي‬ ‫استعمال الضمير حطم الشعراء قانون المرجع في‬ ‫الضمير الذي مهمته دللة الضمير على معين‪ ،‬وأرادوا‬ ‫للضمير أن يبقى مبهما ً ل يدل على مسمى‪ ،‬لنه يعود‬ ‫على مجهول‪ ..

‬وفي‬ ‫بيان نوعية قراءة الشعراء المغاربة للنص الغائب في شعرهم‬ ‫يستعمل الباحث ثلثة معايير تتخذ صبغة قوانين هي‪ :‬الجترار‪،‬‬ ‫والمتصاص‪ ،‬والحوار‪ .‬وإذا كان الجترار قد ساد في عصور‬ ‫النحطاط‪ ،‬حيث تعامل الشعراء مع النص الغائب بوعي‬ ‫سكوني‪ ،‬واتخذوه نموذجا ً جامدًا‪ ،‬فإن المتصاص مرحلة أعلى‬ ‫لنه ينطلق من القرار بأهمية النص الغائب‪ ،‬فيتعامل معه‬ ‫كحركة وتحول يساهمان في استمراره كجوهر قابل للتجدد‪..‬والبطل‪/‬‬ ‫الجمع )الطفال‪ /‬المل بالمستقبل‪.‬‬ ‫وأما )السقوط( فيتجلى في أساليب تتمحور حول‬ ‫الموت‪ ،‬والحزن‪ ،‬والهزيمة‪ ،‬واليأس‪ ،‬والغربة‪ ...‫خروجهم على اجتهادات القدماء‪ ،‬وفي جزئية هذا الخروج‪ ،‬وفي‬ ‫س المستقبلي الباعث على بحث إمكانية خلق بنية‬ ‫غياب الهاج ّ‬ ‫إيقاعية متميزة للقصيدة المغربية المعاصرة‪ ،‬وفي غياب‬ ‫التناسق والتجانس بين مواقفهم بصدد الخروج على بنية‬ ‫اليقاع التقليدية‪..‬‬ ‫فـ)النص الغائب( هو الذاكرة الشعرية التي يلتقي فيها‬ ‫القديم بالحديث‪ ،‬والعلمي بالدبي‪ ،‬والذاتي بالموضوعي‪ ،‬في‬ ‫النص الشعري الذي هو عبارة عن شبكة تلتقي فيها عدة‬ ‫نصوص‪ ،‬مما يجعل قراءة النص بعيدة عن النظرة الحادية التي‬ ‫تتعامل معه بوعي ساذج ل يقدر على الكشف عن خباياه‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫وأما المتن الشعري العربي القديم فيمارس ـ أيضا ـ تأثيره‬ ‫على الشعراء المغاربة المعاصرين الذين نجد في أشعارهم‬ ‫صدى للشعراء الجاهليين والمويين والعباسيين والندلسيين‪،‬‬ ‫بنسب تختلف بين شاعر وآخر‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وأما )الغرابة( فتعني نزوع الشاعر نحو إدخال قيم تعبيرية‬ ‫في النص تبتعد عن المألوف‪ ،‬وتعني الخروج على الموروث‬ ‫وقواعده الخاصة في الشعر‪..(.‬كما يتجّلى‬ ‫)النتظار( في التمحور حول البطل‪ /‬الفرد‪ /‬المهدي)ابن‬ ‫تومرت‪ ،‬والمهدي بن بركة‪ ،‬وعبد الكريم الخطابي‪ ..‬‬ ‫و)الذاكرة الشعرية( هي أهم مصدر ثقافي عمل في‬ ‫تركيب النص الشعري المعاصر بالمغرب‪ ،‬ولعل أهم أنواع‬ ‫المتون التي انعكست في المتن الشعري المعاصر بالمغرب‬ ‫هي‪ :‬المتن الشعري العربي المعاصر‪ ،‬والمتن الشعري العربي‬ ‫القديم‪ ،‬والمتن الشعري الوروبي‪ ،‬والمتن الشعري المغربي‪:‬‬ ‫فالمتن الشعري العربي المعاصر باعتباره السبق إلى الحداثة‬ ‫الشعرية‪ ،‬فقد قرأ الشعراء المغاربة شعر السّياب وأدونيس‬ ‫والبياتي ودرويش وحجازي وعبد الصبور وحاوي‪ .‬فتسللت‬ ‫نصوصهم الغائبة إلى النصوص التي كتبها الشعراء المغاربة‪..211 -‬‬ ..(.‬وأما الحوار فهو أعلى مراحل قراءة‬ ‫الّنص الغائب‪ ،‬لن الشاعر ل يتأمل النص الغائب وإنما يغيره‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن المتصاص يعيد صياغة النص الغائب وفق‬ ‫متطلبات تاريخية لم يكن يعيشها في المرحلة التي كتب فيها‪،‬‬ ‫وبذلك يحيا النص الغائب‪ .‬‬ ‫الباب الثاني جعله الباحث )مشروع اختراق البنية الثقافيــة(‬ ‫وهي قراءة خارجيــة للمتــن الشــعري فــي ثلثــة مجــالت هــي‪:‬‬ ‫النــص الغــائب‪ ،‬ومراحــل تكــوين المتــن الشــعري المعاصــر‬ ‫بالمغرب‪ ،‬والحدود الخمسة للمجال الشعري‪.‬‬ ‫وهذا ل يعني استلب النص الشعري المغربي المعاصر تجاه‬ ‫النص الساسي‪ ،‬بل هو بعث له‪.‬‬ ‫وأما المتن الشعري الوروبي فتأثيره على الشعراء‬ ‫المغاربة المعاصرين محدود‪ ،‬لنه خاضع للمصادفة‪ ،‬على الرغم‬ ‫من أن بعضهم أتقن اللغة الفرنسية أو السبانية أو الثنتين معًا‪.

‬‬ ‫ولكن الباحث يستدرك على هذا التصريح الخطير فيرى أنه‬ ‫ل يصدق إل على شعر الستينات‪ .‬وغياب التعريف النظري‬ ‫للشعر نتيجة كون الخمسينات في المغرب مرحلة تحولت‬ ‫ومجابهة ضد المستعمرين‪ ..‬وأخذ المغاربة على‬ ‫المشارقة عدم اهتمامهم بالنتاج الثقافي المغربي‬ ‫وتعريفهم به‪ .‬وبعد أن تحقق الستقلل بدأ‬ ‫الشعور بالخصوصية والتفرد‪...‬ولم تهب رياح الشعر الحر على المغرب‬ ‫إل بعد عام ‪ 1957‬على شكل تفتيت لليقاع تبعه تغيير‬ ‫في قوانين البعد البصري للنص الشعري‪.212 -‬‬ .‫وأما المتن الشعري المغربي فيضم جملة من المتون‬ ‫الجزئية يرجع بعضها إلى ماقبل السلم‪ ،‬ويلتزم بعضها‬ ‫باللهجات المحلية‪ .‬إل أن تأثيره محدود‪ ،‬بسبب رغبة الشاعر‬ ‫المغربي المعاصر في كتابه قصيدة معاصرة بالمفهوم‬ ‫الوروبي‪.‬وعملية العودة هذه مشروعة‪ ..‬أما اتصالهم بالغرب‬ ‫فكان عن طريق الشرق‪ ،‬حتى الذين تمكنوا من اللغات‬ ‫الوروبية كعبد المجيد بن جلون بالنسبة للنجليزية‪ ،‬ومحمد‬ ‫السرغيني وصبري أحمد بالنسبة للفرنسية‪ ،‬ومحمد الخمار‬ ‫وعبد الكريم الطبال ومحمد الميموني بالنسبة للسبانية‪ ،‬فقد‬ ‫ظل الشرق نموذجهم الول‪ ،‬ولعل هذه الوضعية هي التي‬ ‫جعلت الشعر المغربي‪ ،‬حديثه ومعاصره‪ ،‬يبقى مجرد ظل‬ ‫للتجربة الشعرية الشرقية‪..‬ويرى الباحث أن جميع الشعراء‬ ‫المغاربة المجددين قد عادوا إلى المتن العربي في المشرق‪:‬‬ ‫قديمه‪ ،‬وحديثه‪ ،‬ومعاصره‪ ،‬بدل النضواء داخل المتن الشعري‬ ‫المغربي‪ .‬‬ ‫وقد وضع الباحث خمسة حدود للمجال الشعري هي‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ الظهور المتأخر للشعر المعاصر في المغرب‪،‬‬ ‫حيث انبثقت حركة الشعر العربي المعاصر في أول‬ ‫أمرها بالمشرق بعد الحرب العالمية الثانية‪ ،‬في الوقت‬ ‫الذي كان فيه المغرب ما يزال يقف على عتبة الحركة‬ ‫الرومانسية‪ ..‬ولم يصمت صوت الفكر‬ ‫الوجودي إل بعد هزيمة ‪ ،1967‬حيث حل محله الفكر‬ ‫الشتراكي الذي ركز على أسباب الستغلل‪ ،‬ودينامية‬ ‫الواقع‪.‬والواقع أن التقصير ل نراه من المشارقة‬ ‫إزاء نتاج إخوانهم المغاربة‪ ،‬وإنما هو من القوانين‬ ‫الجمركية بين الحدود القليمية التي تعامل الكتاب‬ ‫‪.‬من خلل كتابات سارتر‪،‬‬ ‫وكامو‪ ،‬وسيمون دي بوفوار‪ ..‬‬ ‫وهذا الظهور المتأخر للنص الشعري المغربي أنتج عقدة‬ ‫نقص تنص على أن كل قصيدة ترد من المشرق هي‬ ‫قصيدة ذات قيمة فنية عالية‪ ،‬وأن كل قصيدة مغربية‬ ‫معاصرة هي أدنى مستوى‪ .‬‬ ‫كذلك ينهل الشاعر المغربي المعاصر من الحضارة العربية‬ ‫)من القرآن الكريم‪ ،‬والتاريخ‪ ،‬والموروث القصصي‬ ‫والسطوري‪ ،‬والمعارف العلمية والفلسفية والصوفية‪ ،(.‬‬ ‫وأما )مراحل تكوين بنية المتن الشعري المعاصر في‬ ‫المغرب( فقد حاول الباحث فيها الجمع بين القراءة التزامنية‬ ‫والقراءة التطورية‪ ،‬لدراك مجمل الملبسات المحيطة بالمتن‬ ‫الشعري المغربي المعاصر‪ ..‬ومن‬ ‫الحضارة المغربية )التي تتجّلى في الحداث والبطولت‬ ‫التاريخية(‪ ،‬ومن الحضارة الوروبية‪ ،‬وعلى الخصوص‪ :‬الفكر‬ ‫الوجودي‪ ،‬والفكر الشتراكي‪ ،‬فالول أشاعته الترجمات التي‬ ‫نشرتها دار ومجلة )الداب( في بيروت‪ ،‬حيث نشرت مفاهيم‪:‬‬ ‫القلق‪ ،‬والسأم‪ ،‬والضياع‪ ،‬والغربة‪ ..

‬ولعل الوضعية الصعبة بالنسبة للنشر في المغرب‬ ‫م الشعر المغربي المعاصر‪.213 -‬‬ ..‬‬ ‫‪ 2‬ـ حركة الشعر المغربي المعاصر هي حركة‬ ‫أفراد وليست حركة مدرسة‪ .‬ولكن بعد السبعينات‪ ،‬وبعد أن ترسخت في‬ ‫المغرب الجناس الدبية‪ ،‬وأثمرت المثاقفة مع الغرب‪،‬‬ ‫أبدع المغرب نتاجا ً ثقافيا ً أصبح فيه رائدا ً للمشرق‬ ‫ذاته؛ في الفكر )عبد الله العروي( وغيره‪ ،‬والفلسفة‬ ‫)محمد عابد الجابري( وغيره‪ ،‬والرواية )عز الدين‬ ‫التازي( وغيره‪ ،‬والمسرح )عبد الكريم برشيد والطيب‬ ‫الصديقي( وغيرهما‪ ،‬والنقد الدبي )محمد برادة‪،‬‬ ‫ونجيب العوفي وعبد الفتاح كيليطو‪ ،‬ومحمد مفتاح(‪،‬‬ ‫وغيرهم‪ ،‬والشعر الحر )عبد الكريم الطبال( وسواه‪..‬كما نشير إلى ماكانت تنشره جريدة‬ ‫)العلم( في ملحقها الثقافي‪ .‬‬ ‫أسهمت أيضا ً في ضعف ك ّ‬ ‫‪ 4‬ـ ضعف النقد وضآلته وعدم قيامه بدوره‬ ‫الفاعل في تنشيط الحركة الشعرية المعاصرة‬ ‫في المغرب والتنظير لها‪ .‫كسلعة تجارية‪ ،‬وتمنع وصول الكتاب المغربي إلى‬ ‫المشرق‪ .‬‬ ‫م الشعر المغربي المعاصر‪ ،‬وهو‬ ‫ك‬ ‫في‬ ‫الضعف‬ ‫‪3‬ـ‬ ‫أمر واضح نتيجة ّاستقراء ثماني صحف نشرت نصوصا ً‬ ‫شعرية خارج الدواوين‪ .‬‬ ‫في الباب الثالث والخير تحدث الباحث عن )المجال‬ ‫م فيه البداع الشعري المغربي‬ ‫الجتماعي والتاريخي( الذي ت ّ‬ ‫المعاصر‪ ،‬فرأى أن البنيات الثلث‪ :‬البنية الشعرية‪ ،‬والبنية‬ ‫الثقافية‪ ،‬والبنية الجتماعية والتاريخية متكاملة ومتفاعلة فيما‬ ‫بينها‪ :‬فالقراءة الداخلية للمتن الشعري تقدم لنا خطوة نحو‬ ‫)فهم( القوانين المتحكمة في وجود هذه البنية الداخلية‪ .‬‬ ‫‪ 5‬ـ التردد بين اليمين واليسار‪ ،‬بسبب التبدلت‬ ‫الخطيرة في الوعي الجتماعي‪ ،‬والتي حدثت بعد‬ ‫استقلل المغرب‪ ،‬فقد خرجت بعض القصائد على‬ ‫مع شعراؤها حول مجلة )أقلم(‬ ‫السلطة البلغية‪ ،‬وتج ّ‬ ‫المغربية التي يمكن اعتبارها لعبت في الحركة‬ ‫الشعرية المعاصرة في المغرب دورا ً شبيها ً بالدور‬ ‫الذي لعبته مجلة )الداب( البيروتية بالنسبة لحركة‬ ‫الشعر الحر‪ .‬‬ ‫وبهذه النهضة الثقافية القومية كاد المغرب يقود‬ ‫الوطن العربي ثقافيًا‪.‬وكذلك كانت الحال في‬ ‫المغرب‪.‬والسبب فيما يراه‬ ‫الباحث هو تلمذة المغرب للمشرق‪ ،‬وأن الشعر‬ ‫المعاصر في المشرق نفسه كان أيضا ً حركة أفراد ل‬ ‫مدرسة‪ ،‬فمن المعروف أن الصراع كان دائرا ً بين نازك‬ ‫الملئكة وبدر شاكر السّياب حول ريادة الشعر الحر‬ ‫في العراق‪ ،‬وأن صلح عبد الصبور وأحمد عبد‬ ‫المعطي حجازي كانا منفردين في مصر‪ ،‬وأن أدونيس‬ ‫كان منفردا ً في لبنان‪ .‬وهذا من المفارقات؛ إذ‬ ‫أن جريدة )العلم( كانت لسان حال حزب الستقلل‬ ‫الوطني الليبرالي‪ ،‬إل أن المفارقة تزول عندما نعلم أن‬ ‫الحزب في تلك الفترة )‪ 1964‬ـ ‪ (1975‬كان في صف‬ ‫المعارضة خارج السلطة‪.‬وهذا‬ ‫‪.‬إضافة إلى أن المغرب قبل السبعينات كان‬ ‫مجرد مستهلك للنتاج الثقافي المشرقي‪ ،‬وكان إبداعه‬ ‫محدودًا‪ .‬وهذا يدل على أن الشعر ما‬ ‫ما ً واحترافا ً‬ ‫يزال هواية لدى الشعراء‪ ،‬وأنه لم يصبح ه ّ‬ ‫بعد‪ .‬فقد كان مجرد عرض‬ ‫صحفي سريع‪ ،‬أو تقليدي‪.

‬ومن أجل أن يكون هذا العمل عظيما ً ينبغي أن‬ ‫نقدر على إيجاد أنواع الوعي بالقيم الخرى المرفوضة داخله‪،‬‬ ‫والمقهورة من شرف الرؤية التي تؤسس وحدة العمل"‪.‬‬ ‫وظاهرة الشعر المغربي المعاصر هي تجسيد لوعي‬ ‫تاريخي محايث لوعي طبقي‪ :‬وعي تاريخي لنها تمثل الوعي‬ ‫الكثر تقدما ً في المرحلة التاريخية التي وجدت فيها‪ ،‬ووعي‬ ‫طبقي لنها تطرح مشاكل وحلول طبقة اجتماعية محددة‬ ‫تاريخيًا‪.‬ومن ثم فإن من‬ ‫مزايا الفكر الجدلي مقولة أن المبدع للثقافة والفكر ليس فردا ً‬ ‫وإنما هو الفئة الجتماعية المحددة تاريخيا ً واجتماعيًا‪ ،‬يقول‬ ‫غولدمان‪" :‬إن الفرد‪ ،‬هذه الوحدة الفاعلة والمنبنية التي تسمح‬ ‫بمعرفة ذات دللة‪ ،‬لعمل ما‪ ،‬ليس فردًا‪ ،‬وإنما هو حقيقة فوق‬ ‫فردية‪ ،‬إنها فئة اجتماعية متميزة تتعارض مع فئات اجتماعية‬ ‫أخرى"‪.‫الفهم يحتاج إلى )تفسير( يتعّين التماسه في البنية الثانية‪/‬‬ ‫الثقافية‪ .‬‬ ‫*‬ ‫ب ـ في تحليل الخطاب السردي‪:‬‬ ‫في تحليل الخطاب السردي )على ضوء المنهج البنيوي‬ ‫التكويني( وجدنا أن طلئع الحديث في هذا الباب بدأت مع عبد‬ ‫الكبير الخطيبي الذي أصدر كتابه )الرواية المغربية( عام‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫والواقع أن أهم ما في كتاب بّنيس هو منهجه )البنيوي‬ ‫التكويني( الذي عندما ُيطّبق جيدا ً فإنه يعطي نتائج باهرة‪.‬غير أن هذا التفسير يظل مجردا ً إذا لم نصل إلى‬ ‫البنية الثالثة‪ /‬الجتماعية والتاريخية التي تمكننا من القبض على‬ ‫المفاتيح الحقيقية في تفسير العمل الدبي‪.214 -‬‬ .‬‬ ‫ويرى الباحث أن ما يميز المنهج الجتماعي التاريخي هو‬ ‫نقده العنيف لنظرية )اللهام( التي تزكي التفسير الميتافيزيقي‬ ‫للعمل الدبي‪ ،‬وارتباطه بالتحليل الموضوعي لطبيعة العمل‬ ‫الدبي التي هي اجتماعية في نهاية التحليل‪ .‬‬ ‫وعلى هذا فإن العمل الدبي هو كل متكامل ومتجانس‪،‬‬ ‫يتوفر على وعيه الخاص‪ ،‬وعلى فرادة رؤياه للعالم‪ ،‬يقول‬ ‫غولدمان‪" :‬كل عمل عظيم يتضمن رؤية للعاَلم موحدة تنظم‬ ‫جملة معانيه‪ .1981‬واتبعنا‬ ‫أيضا ً التسلسل التاريخي في العرض والنقد‪ ،‬فأصدر قاسم‬ ‫المقداد كتابه )هندسة المعنى في السرد السطوري الملحمي(‬ ‫عام ‪ ،1984‬فنجيب العوفي في كتابه )درجة الوعي في‬ ‫الكتابة( عام ‪ 1980‬ثم في كتابه الثاني )مقاربة الواقع في‬ ‫القصة القصيرة المغربية( عام ‪ ،1987‬فُيمنى العيد التي‬ ‫أصدرت كتابها )في معرفة النص( عام ‪ 1983‬فكتبها التالية‪،‬‬ ‫فالحمداني حميد الذي أصدر كتابه الول )الرواية المغربية(‬ ‫عام ‪ 1985‬ثم كتبه التالية‪ ،‬فمحمد نديم خشفة الذي أصدر‬ ‫كتابه )جدلية البداع الدبي( عام ‪ 1990‬فكتابنا )فضاء النص‬ ‫الروائي( الذي أصدرناه عام ‪.1971‬وبعد عشر سنوات أصدر الناقد سعيد علوش كتابه‬ ‫)الرواية واليديولوجيا في المغرب العربي( عام ‪ .1996‬‬ ‫وخشية الطالة فقد اكتفينا بعرض ونقد جهود ثلثة منهم‬ ‫كنماذج لنقد الخطاب السردي التكويني‪.

‬‬ ‫في التطبيق قارب الباحث في )الحقل الشعري( قصيدة‬ ‫‪.‬أصدر كتابه النقدي الول )درجة الوعي في‬ ‫الكتابة( عام ‪ ،1980‬وأصدر كتابه النقدي الثاني )جدل القراءة‪:‬‬ ‫ملحظات في البداع المغربي المعاصر( عام ‪ ،1983‬ثم أصدر‬ ‫كتابه النقدي الثالث )مقاربة الواقع في القصة القصيرة‬ ‫المغربية( عام ‪ 1987‬وهو رسالة جامعية حصل بها على درجة‬ ‫الدكتوراه من جامعة الرباط‪.‬وهي إذ تن ّ‬ ‫والتحولت وتحليلها ل تعدو أن تكون نسقا ً من أنساق الفكر‬ ‫وبنية منهجية ترتبط بالنسبي‪ .‬‬ ‫‪ 3‬ـ ليس هناك تطبيق مسطري جاهز وتام لي منهج نقدي‬ ‫كان‪ ،‬بل هناك مقاربة نسبية ومحدودة‪ .‬‬ ‫‪ 2‬ـ لم يكن المنهج الجدلي بالنسبة للباحث حجرا ً صلبا ً‬ ‫يتيمم عليه‪ ،‬ولم يكن استخدامه له أرثوذوكسيًا‪.1970‬أستاذ في التعليم‬ ‫الثانوي‪ ،‬فالعالي‪ .(34‬‬ ‫وهو يرى أن تلقح المناهج يغني بعضها بعضًا‪ ،‬دون أن ينفي‬ ‫أحدها الخر‪ :‬فالبنيوية كمنهج في التحليل ل تنفي المنهج‬ ‫صب على تفكيك البنيات ودراسة النساق‬ ‫الجدلي‪ .‬كفيل‬ ‫بأن يحقق ذلك المبتغى الصعب للممارسة النقدية ـ ص ‪.‬وأبدى تحفظي‬ ‫خاصة تجاه البنيوية الشكلنية كما تتجلى في المدرسة البارتية‪،‬‬ ‫مستثنيا ً من هذا التحفظ البنيوية التكوينية كما تتجلى في‬ ‫المدرسة الغولدمانية ـ ص ‪ 32‬ـ ‪.‫‪ 1‬ـ نجيب العوفي‬ ‫ودرجة الوعي ومقاربة الواقع في القصة‬ ‫العوفي )‪ (1948+‬ناقد حداثي من المغرب‪ ،‬إجازة في‬ ‫الدب العربي من جامعة فاس عام ‪ .(33‬‬ ‫وبذلك فإنه يتبنى البنيوية التكوينية التي هي مزيج من‬ ‫المنهج الجدلي والمنهج البنيوي الشكلي‪ ،‬وهو يعترف بذلك‬ ‫صراحة‪) :‬إن تفاعل ً بين المنهج البنيوي الشكلي والمنهج‬ ‫الواقعي الجدلي في إطار نظرية نقدية ناظمة‪ ،‬وهي إمكانية‬ ‫واردة يزكيها ويشجع عليها مشروع لوسيان غولدمان‪ .(29‬أكد أنه ل يستطيع الوفاء لقوانين‬ ‫هذا المنهج للسباب التالية‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ إن الدراسات المبثوثة في هذا الكتاب متفاوتة زمنيًا‪،‬‬ ‫وبالتالي منهجيًا‪.215 -‬‬ .‬ولهذا حاول‬ ‫المزاوجة بين المنهج الجدلي والمنهج البنيوي‪ ،‬مقتربا ً بذلك من‬ ‫المنهج البنيوي التكويني‪) :‬وتأسيسا ً على ما سبق‪ ،‬ل يمكن إل أن‬ ‫أبدي تحفظي تجاه حملة التحمس والتبشير التي قامت مؤخرا ً‬ ‫حول المنهج البنيوي‪ ،‬رغم تقديري لقيمة هذا المنهج وإبداعه‬ ‫العلمي‪ ،‬ورغم استعانتي النسبية والل مباشرة ببعض مفاهيمه‬ ‫وقوانينه في بعض ما قمت به من قراءات‪ ..‬‬ ‫ت من‬ ‫وعدم إخلص الباحث للمنهج الجدلي وحده متأ ٍ‬ ‫مزاحمة المنهج البنيوي للمناهج النقدية السائدة‪ ،‬واعتبار الناقد‬ ‫الذي ل يأخذ بالمناهج النقدية الحداثية متخلفًا‪ .‬ويبقى المنهج‬ ‫)دليل عمل نقدي‪ ،‬وليس وصية كنسية تحفظ(‪.‬ويعود ذلك‬ ‫إلى الطبيعة المراوغة للنص البداعي‪ ..‬‬ ‫في كتابه )درجة الوعي في الكتابة( أوضح أن منهجه‬ ‫النقدي هو )المنهج الواقعي الجدلي( )الذي أثبت وما فتئ‬ ‫يثبت‪ ،‬عبر أهم وألمع الممارسات التي تجّلى عبرها‪ ،‬قدرته‬ ‫الفائقة على احتواء النص والواقع معًا‪ ،‬وقدرته الطّيعة على‬ ‫التجدد المستمر ـ ص ‪ .‬وقد تألقت البنيوية في اللسنية‪،‬‬ ‫ويمكن للمنهج الجدلي أن يستوعب ثمراتها‪.

‬‬ ‫شعرية رحب ٍ‬ ‫ّ‬ ‫في مقالة )بين تداعي اللغة وتداعي الوعي( حلل‬ ‫رواية )أبراج المدينة( لمحمد عز الدين التازي‪ ،‬فوجد أن التازي‬ ‫قد اجتهد في كسر جرانيت اللغة‪ ،‬وشق عصا الطاعة على‬ ‫أعرافها ونواميسها‪ ،‬ليخلق نغمة بكرا ً متحررة ومغسولة مما‬ ‫علق بها من كلس وآثار قابلة لن تمتص الشحنات النفسية‬ ‫والفكرية التي تحبل بها اللحظة الروائية المتوهجة‪ ،‬وذلك بخلق‬ ‫لغة جديدة من رفات لغة قديمة‪ ،‬وتحطيم الرواية داخل الرواية‬ ‫لخلق رواية مضادة مشرعة النوافذ‪ ،‬وجعل الحديث الروائي‬ ‫موقفا ً وقول ً إيديولوجيًا‪ .‬‬ ‫‪ 3‬ـ النسق اللغوي‪.‬‬ ‫ور مشترك لوظيفة الشعر‬ ‫فالشعراء الشباب ينطلقون من تص ّ‬ ‫ترتيبا ً على موقفهم المشترك تجاه قضايا الواقع‪ .‬‬ ‫جل الباحث ملحظاته‬ ‫أما في )الحقل السردي( فقد س ّ‬ ‫حول الشكل والمحتوى في رواية )زمن بين الولدة والحلم(‬ ‫‪ 1976‬لحمد المديني‪ ،‬تجّلت في ثلث خصال‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ خصوبة السليقة اللغوية عند الروائي المديني‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ الخلفية الثقافية التي ترشح بها كتابته‪.‬وهذا النشطار يطرح قراءة مزدوجة هي عبارة‬ ‫عن قراءتين متراكبتين‪) :‬قراءة أفقية( تلمس البنية السطحية‬ ‫للنص وتواكبه وفق السياق الزمني الروائي الواقعي المنحصر‬ ‫في حيزه‪ ،‬وهو سياق زمني كرونولوجي محدد‪ ،‬له نقطة بداية‬ ‫ونقطة نهاية‪ ،‬رغم سلسلة التقاطعات الزمنية العمودية التي‬ ‫تربك سيرورته ونظامه‪ .‬‬ ‫‪ 3‬ـ حيوية المخيلة وقدرتها على التحليق في مناخا