‫• رئيس جملس اإلدارة •‬

‫وزير الثقافة‬

‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫• مدير عام هيئة الكتاب •‬

‫حممود عبد الواحد‬
‫• رئيس التحرير •‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫د‪ .‬خملص الريس ‪ -‬د‪ .‬هبجت حممد‬
‫د‪ .‬حامد ابراهيم ‪ -‬م‪ .‬لينا كيالني‬
‫علي القاسم‬
‫• أمني التحرير •‬

‫رائد حامد‬

‫• مكتب تونس ‪ :‬د‪ .‬كوثر عياد‬
‫• مكتب القاهرة ‪ :‬صالح معاطي‬
‫• التدقيق اللغوي •‬

‫حممد اخلاطر‬

‫• اإلخراج الفين •‬

‫وسيم قدورة‬

‫سعر النسخة ‪ 50‬ل‪.‬س يف سورية أو مايعادهلا يف البلدان العربية‬
‫االشرتاكات عشرة آالف لرية سورية لإلدارات واملؤسسات داخل سورية‬
‫وأربعمائة دوالر أو مايعادهلا خارج سورية‬
‫توجه كافة املراسالت واملواد باسم رئيس التحرير‬
‫‪www.moc.gov.sy‬‬
‫‪E-mail: talebomran@yahoo.com‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫• هيئة التحرير •‬

‫جملة علمية ثقافية شهرية تصدر عن‬
‫وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية السورية‬

‫اهليئة اإلستشارية‬
‫أ ‪ .‬هن�������اد ش�����ري�����ف (م����ص����ر)‬
‫د ‪ .‬ح��س��ام اخلطيب ( فلسطني)‬
‫أ ‪ .‬عبد السالم البقايل (املغرب)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ع����ي����اد (ت����ون����س)‬
‫د ‪ .‬ق����اس����م ق����اس����م (ل���ب���ن���ان)‬
‫أ ‪ .‬ط��ي��ب��ة اإلب��راه��ي��م (الكويت)‬
‫د ‪ .‬حم���م���ود ك������روم (س����وري����ة)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ث����اب����ت (ت����ون����س)‬

‫‪1‬‬

‫اإلنسان والفضاء يف أفالم اخليال العلمي (د‪ .‬مسري جرب)‬

‫‪2‬‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي بني االستشراق والواقع (ملك ضاهر)‬

‫‪12‬‬

‫طبائع وقدرات الكائنات الفضائية (حممد عبد اهلل الياسني)‬

‫‪16‬‬

‫األبعاد (د‪ .‬خملص الريس)‬

‫‪34‬‬

‫ذلك الثقب األسود (د‪ .‬طالب عمران)‬

‫‪44‬‬

‫السجني زد (صالح معاطي)‬

‫‪58‬‬

‫هل الزمان واملكان للبشر (د‪ .‬فواز سيوف)‬

‫‪64‬‬

‫عندما يتوهج احلب ( د‪ .‬نظمية أكراد)‬

‫‪70‬‬

‫‪ 3‬قصص ( حممد علي عبد اهلادي)‬

‫‪86‬‬

‫ابن شكشوك ( ضاحي عثمان )‬

‫‪94‬‬

‫األكواريوم ( ميسلون هادي )‬

‫‪100‬‬

‫ترجو جملة اخليال العلمي من كافة الكتاب واملبدعني ارسال ابداعاهتم منضدة على‬
‫احلاسوب والتأكد من تدقيقها وذلك لتسهيل عملية النشر السريع‬

‫هل توجد حياة أخرى ممكنة (اهلادي ثابت)‬

‫الطاقة النووية ومفاعالهتا (م‪ .‬طارق حامد)‬

‫‪112‬‬

‫تاريخ اإلنرتنت ومستقبله (وسيم قدورة)‬

‫‪122‬‬

‫ولع القدماء باقتناء نسخ الكتب األصلية ( د‪ .‬صاحل خضور )‬

‫‪104‬‬

‫‪128‬‬

‫اجلنس واملرأة عرب العصور (سالم مراد)‬

‫‪138‬‬

‫اخليال من الكهف إىل الواقع اإلفرتاضي (نضال غامن)‬

‫‪144‬‬

‫مهندسون معماريون من احلشرات (م‪.‬هناء صاحل)‬

‫‪160‬‬

‫غرائب يف عامل النباتات (قمر مناصفي)‬

‫‪166‬‬

‫‪3‬‬

‫قسّم العرب حركة اجلسم إىل حركة انتقالية وحركة وضعيّة ‪ ،‬فباحلركة االنتقالية‬
‫قصدوا انتقال املتحرك كلية عن موضعه إىل موضع أو مكان آخر ‪ ..‬أما احلركة‬
‫الوضعيّة فقد وضعوا فيها تبدّل أوضاع املتحرك دون انتقال أجزائه إىل خارج‬
‫مكانه ‪ ،‬مثل حركة رحا الطاحون وعجلة السيارة أو الدرّاجة أو العربة ‪..‬‬
‫وفرّق العلماء العرب بني حركة اجلسم الذي يسعى إىل موضعه الطبيعي ‪ ،‬كاجلسم‬
‫الساقط من أعلى ‪ ،‬حيث إن اجلسم يسقط شاقولياً إىل األسفل حتت تأثري اجلاذبية‬
‫األرضية ‪ ،‬وبني احلركة القسريّة وهي تلك احلركة اليت حتدث نتيجة وجود قوّة‬
‫قاهرة ‪ ،‬كقذف جسم إىل أعلى‪ ،‬حيث إنه يصعد معاكساً اجلاذبية ملسافة معينة ‪،‬‬
‫قبل أن تتغلب اجلاذبية عليه وتعيده إىل مكانه ‪..‬‬
‫درس العلماء الغرب حركة األجسام وأشكال مساراهتا كحركة السهم املنطلق من‬
‫وتر مشدود وحركة حجر يقذف ملسافة معيّنة وربطوا احلركة بالزمان ‪..‬‬
‫وقد أشار احلسن بن اهليثم يف كتابه ( املناظر) إىل فكرة حتليل سرعة اجلسم املصطدم باألرض مثالً‬
‫نتيجة قوة مائلة إىل مركبتني ‪ ..‬وهذا شرح واضح النعكاس الضوء أيضاً‪..‬‬
‫كما حكى العلماء العرب عن كمية احلركة ووصفوها‪ ،‬فاحلركة املكتسبة جلسم إمنا تكون حبسب‬
‫مقدار الثقل ‪ ،‬كما يقول ابن اهليثم يف كتابه ( املناظر ) ‪..‬‬
‫ويؤكد هبة اهلل بن ملكا البغدادي يف حديثه عن اجلسم الساقط ‪ ،‬إنه يف اللحظات اليت يقرتب فيها‬
‫من األرض تكون حركته أسرع ‪..‬‬
‫لقد توصل العلماء العرب واملسلمون إىل فهم حركة قبل نيوتن ب� ( ‪ ) 600‬سنة ‪ ..‬وسوف نتعرّض هلذا‬
‫يف حلقات قادمة ‪..‬‬
‫إىل جانب ذلك ‪ ،‬كان هلم باع طويل يف التوصل إىل قوانني فيزيائية مهمة ‪ ،‬كانت األساس يف ترسيخ‬
‫علوم الفيزياء احلديثة ‪..‬‬
‫حنن اآلن يف مدينة ( مرو ) يف أوائل القرن السادس اهلجري ‪ ،‬أوائل القرن الثاني عشر امليالدي ‪..‬‬
‫نطل على قصر ألحد األثرياء العاملني يف البحث عن املعرفة وامسه علي اخلازن ‪ ( ...‬املروزي ) نسبة‬
‫إىل مرو ‪ ..‬كان علي اخلازن ّ‬
‫يطلع على أحد كتب ابن سينا اليت تتحدث عن حتريك األجسام ‪ ،‬وهو‬
‫على شرفة القصر يتأمل املناظر الطبيعية حوله ‪ ،‬حني رأى جسمني متباينني باحلجم يسقطان معاً‬
‫من األعلى أمامه ‪..‬‬
‫ً‬
‫كان عبد الرمحن الذي لقب باخلازني تيمنا باسم سيده علي اخلازن ‪ ،‬فيما بني عامي ‪ 1115‬و‪1121‬‬
‫ميالدية أبرز العاملني يف الفيزياء يف مرو ‪ ..‬ورغم أنه كان يف مقتبل العمر‪ ،‬وقد ولد يف أواخر القرن‬
‫احلادي عشر امليالدي ‪ ..‬فقد أ ّلف عام ‪ 1122‬كتابه املهم ( ميزان احلكمة ) وهو كتاب حيتوي على‬
‫دراسات يف علوم امليكانيك‪ ،‬ويف توازن السوائل وعلوم احلركة واجلاذبية وانتشار النور ‪..‬‬

‫‪4‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وزير الثقافة‬
‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬

‫وقد بنى اخلازني دراسته على التجارب و القياسات العمليّة‪ ،‬وهو الرائد الفعلي لعلميّ احلركة وتوازن‬
‫السوائل ‪ ..‬وقد طوّر نظريات اجلاذبية والوزن النوعي ‪ ..‬كما اهتم بعلم الفلك اهتماماً كبرياً‪ ،‬وقد حدد‬
‫القبلة يف معظم البلدان االسالمية‪.‬‬
‫ويؤكد مؤرخو تاريخ العلم ‪ ،‬أن اخلازني هو أستاذ الفيزياء يف مجيع العصور‪ ،‬وقد تفوق على أساتذته‬
‫يف هذا العلم ‪ ،‬أمثال ابن سينا والبريوني وابن اهليثم ‪..‬‬
‫ألف جداول فلكية مسّاها ( الزيج السنجاري ) نسبة إىل السلطان ( سنجار ) كما يقول خري الدين‬
‫الزركلي يف كتابه ( األعالم ) ‪..‬‬
‫وألف اخلازني كتاباً مهماً مسّاه ( كتاب اآلالت العجيبة ) تعرّض فيه لعلم آالت الرصد ‪ ..‬كما تكلم‬
‫عن الضوء وانكساراته ‪..‬‬
‫ً‬
‫أفرد اخلازني جانباً كبريا من جهده يف دراسة جاذبية األرض ومركز الثقل وسلوك األجسام الساقطة‬
‫واجلاذبية‪ ،‬وضمّن ذلك يف كتابه ( ميزان احلكمة )‬
‫عاش فرتة عصيبة من حياته األوىل يرزح حتت وطأة إحساسه بالعبودية‪ ،‬ورغم أن علي اخلازن سيده‬
‫كان يعتين به ويشجعه على البحوث والدراسات‪ ،‬إال أنه كان يؤكد له يف كل مناسبة أنه سيبقى معه‬
‫ولن يتخلّى عنه ‪..‬‬
‫وكان ذلك حيبط طموحاته يف التحرر من العبودية والسفر إىل البلدان األخرى وااللتقاء بالعلماء‬
‫واألساتذة ‪..‬‬
‫وقد حاول صديقه خالد يف أحد األيام النفوذ إىل أعماقه‪ ،‬وقد ظنّ أنه حيب ابنة سيده ‪ ،‬لذلك أخذ له‬
‫اإلذن من علي اخلازن لكي يذهبا معاً إىل املكتبة العامة لنسخ أحد املخطوطات ‪ ..‬وكان خالد يرغب‬
‫يف معرفة سرّ توتر وقلق وحزن صديقه ‪.‬‬
‫قاس عبد الرمحن اخلازني الثقل النوعي للمعادن واألحجار الكرمية ‪ ،‬وكانت أرقامه وأرقام البريوني‬
‫مقاربة كثرياً لألرقام احلديثة ‪..‬‬
‫كما قاس الثقل النوعي ملاء البحر ‪ ،‬وزيت الزيتون ولنب البقر ودم اإلنسان‪ ،‬وكانت أرقامه مقاربة‬
‫لألرقام احلديثة ‪ ..‬بشكل مذهل ‪..‬‬
‫ترك اخلازني كثرياً من الكتب اليت تبحث يف السوائل واألوزان ونظريات اجلاذبية ونظريات أرمخيدس‬
‫ومفلوس ‪ ،‬واألوزان النوعية وعلم الفلك واآلالت العجيبة واآلالت املخروطية والفجر والشفق وجامع‬
‫التواريخ ‪ ..‬إضافة لرسائل وخرائط فلكية ‪..‬‬
‫تويف أبو الفتح عبد الرمحن اخلازني عام (‪ )550‬للهجرة املوافق ( ‪ ) 1155‬للميالد وعدّ جورج سارتون‬
‫كتابه ( ميزان احلكمة ) ‪ ( :‬من أج ّل الكتب اليت تبحث يف السوائل الساكنة وأروع ما أنتجته القرحية‬
‫اإلسالمية يف القرون الوسطى ‪).‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪5‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اإلنسان و الفضاء‬
‫في أفالم الخيال العلمي‬
‫د‪ .‬مسري جرب‬
‫لقد حلم اإلنسان منذ القدم بالطريان بعيدا إىل الكواكب والنجوم‪ .‬وقد‬
‫كانت أفكاره خيالية حول الوسيلة اليت حيلم بالطريان من خالهلا‪ :‬بلوغ‬
‫سرعة الضوء‪ ،‬أو من خالل التحرر من اجلاذبية وغري ذلك‪ .‬وقد عربت‬
‫أفالم اخليال العلمي عن السرعات الكبرية والضغوطات اجلسدية اليت يتعرض هلا‬
‫رائد الفضاء أثناء الطريان بطرق خمتلفة‪ .‬ولعل أفضل مثال على الضغوط اليت‬
‫يتعرض هلا رائد الفضاء يف فيلم «موسكو – كاسيوبيا»‪ ،‬الذي نفذه مصور اخلدع‬
‫أ‪.‬كرييلوف ‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ح��س��ب م��وض��وع الفيلم ي��ط�ير (ت��ي�ران) يف‬
‫الفضاء بطريقة سقوط ورقة الشجر يف الدلو‪.‬‬
‫لقد مت تصوير هذه اللقطة بكامريا (دروجبا)‬
‫ست مرات فوق بعضهم البعض‪ ،‬على نفس طول‬
‫املقطع من الشريط‪ .‬لقد صمم ق��رص أسود‬
‫دوار‪ ،‬ومت تصوير املمثلني كل على حدة على‬
‫خلفية هذا القرص األسود أثناء الدوران‪ .‬ويف‬
‫كل مرة كان املصور يعيد الشريط املصور إىل‬
‫نقطة البداية ويصور عليه مرة أخرى وهكذا‪.‬‬
‫ومن العمق يظهر وجه قائد العربة من اللقطة‬
‫العامة البعيدة إىل اللقطة القريبة على الشاشة‬
‫يف حلظة خروجه من حالة الضغوط ‪ ،‬وانتصار‬
‫إرادة اإلنسان على هذه الضغوط الفضائية ‪.‬‬
‫بعد ذل��ك متت إع��ادة الشريط املصور إىل‬
‫الكامريا على بدايته‪ ،‬ومت تصوير طبق سليلويد‬
‫شفاف على خلفية س���وداء‪ ،‬ما أضفى بعض‬
‫التشوهات أثناء الضغوط على وجوه املمثلني‪ .‬و‬
‫يف احلصيلة مت تصوير هذه اللقطة سبع مرات‪،‬‬
‫لقطة فوق لقطة ‪.‬‬
‫إن إظهار سرعة العربة الفضائية من خالل‬
‫ماكيت العربة الفضائية ليس ضرورياً يف هذه‬
‫احل��ال��ة‪ ،‬فقد اعتاد املشاهد على رؤي��ة هذه‬
‫السرعات‪ .‬يكفي إظهار هذه الضغوطات أثناء‬
‫التحرر من قوة اجلاذبية على وج��وه املمثلني‬
‫وحالتهم النفسية واجلسدية‪ .‬يف فيلم جورج‬
‫بول «هدف الرحلة القمر» هناك مشهد أثناء‬
‫انطالق العربة الفضائية حيث تصبح الوجوه‬
‫مسطحة ومشوهة‪ ،‬وكأن هناك قوة غري مرئية‬
‫تضغط على وجوههم ‪.‬‬
‫لتصوير هذا املشهد مت وضع نايلون شفاف‬
‫على وج��ه املمثلني ورب��ط��ه م��ن اخللف بقوة‪،‬‬
‫حبيث يشوه وجوه املمثلني و ال يظهر من جهة‬
‫الكامريا (‪ .)90‬لقد مت احل��ص��ول على نفس‬
‫التأثري يف فيلم «من خالل األهوال إىل الفضاء»‬
‫لكن بطريقة خمتلفة‪ .‬مل تكن البطلة جاهزة‬
‫لالنطالق وكانت يف حلظة االن��ط�لاق جتلس‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يف كرسيها دون رب��ط األح��زم��ة‪ .‬لقد ظهرت‬
‫الضغوط على جسمها ووجهها الذي مت تشويهه‬
‫باستخدام عدسة ذات بعد بؤري قصري أثناء‬
‫التصوير على مسافة قريبة جداً من وجهها ‪.‬‬
‫لقد عرب عن هذه الضغوط بطريقة خمتلفة‬
‫أيضا يف فيلم «سولياريس» حيث مت تصوير‬
‫كيلفني قائد الرحلة على لقطة قريبة لوجهه من‬
‫خالل الدخان وتغيري اإلضاءة‪ .‬لقد أدى املمثل‬
‫املعروف دوناتاس بانيونس بكفاءة عالية التعبري‬
‫عن هذه الضغوط من خالل نفخ حاجبيه ونقاط‬
‫العرق الكبرية على وجهه‪ ،‬باإلضافة إىل ظهور‬
‫التأثر الشديد على وجهه (‪.)91‬‬
‫يف الفيلم األمريكي «ستار تريك» لروبرت‬
‫ويلز ‪ 1979‬ال��ذي وضع على أس��اس املسلسل‬
‫التلفزيوني األمريكي بنفس االس��م‪ ،‬تتعرض‬
‫العربة الفضائية إىل جاذبية أح��د النيازك‬
‫وتنطلق بسرعة هائلة جتاه هذا النيزك ‪.‬يظهر‬
‫على وجوه املمثلني خطوط إضاءة كأهنا خترتق‬
‫وجوههم‪ ،‬مشوهة الوجوه والصالون الداخلي‬
‫للعربة‪ .‬وراف��ق هذه السرعة بداية تصدع يف‬
‫العربة‪ ،‬حتى أص���وات املمثلني ب��دت مشوهة‬
‫ومتباطئة وك��أهن��ا ت��ص��در ع��ن رج���ال آليني‪.‬‬
‫يأمر قائد العربة بإطالق ص��اروخ نووي جتاه‬
‫النيزك لتجنب االصطدام به‪ ،‬بعد ذلك تعود‬
‫العربة إىل سرعتها العادية ويرتاح طاقمها‪.‬‬
‫لقد مت استخدام فلرت خاص لتشويه الوجوه‪،‬‬
‫مع استخدام رأس إض��اءة على قاعدة دوارة‬
‫وأمامه شبكة معدنية أثناء تصوير املشهد‪ .‬وقد‬
‫ظهر هذا املشهد بعد إضافة املؤثرات الصوتية‬
‫واملوسيقا مؤثراً جداً ‪.‬‬
‫إن تأثري حالة انعدام اجلاذبية مل يعد مؤثرا‬
‫على املشاهدين بعد رؤية األفالم الوثائقية اليت‬
‫تعرض رجال الفضاء وهم يسبحون يف الفضاء‪.‬‬
‫فقد أصبح ذلك اعتياديا بالنسبة للمشاهد ‪.‬‬
‫لقد مت تنفيذ مشاهد حالة انعدام اجلاذبية‬
‫والسباحة يف الفضاء بطرق معقدة وخمتلفة مت‬

‫‪7‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫شرح بعضها سابقا‪ .‬يف فيلم «ستار تريك»‬
‫مت رب��ط املمثل ب��أس�لاك متينة على خلفية‬
‫الشاشة الزرقاء ومت استخدام حركة الكامريا‬
‫وع��دس��ة ال���زوم لتحريك املمثل امل��رب��وط دون‬
‫حركة‪ .‬وبعد ذلك مت إدخال اخللفية عن طريق‬
‫القناع املتحرك املشكل من الشاشة الزرقاء يف‬
‫املخترب(‪. )92‬‬
‫يف اآلونة األخرية‪ ،‬مل يعد املخرجون يظهرون‬
‫حالة انعدام اجلاذبية يف أفالمهم إذا مل تكن‬
‫هناك ضرورة درامية لذلك‪ .‬وان ذلك مل يقلل‬
‫من أمهية الفيلم‪ .‬على سبيل املثال يف فيلم‬
‫«حرب النجوم» الذي هو من أهم أفالم الفضاء‬
‫ال يوجد سباحة يف الفضاء ‪.‬‬
‫لقد كان هناك مشهد عابر النعدام اجلاذبية‬
‫يف فيلم «سولياريس»‪ ،‬وظف إلظهار حالة احلب‬
‫و السعادة الغامرة لكيلفني وهاري‪ ،‬ولكن هذه‬
‫السعادة كانت ذكرياهتم‪ ،‬فهي عابرة وسريعة وال‬
‫ميكن إعادهتا‪ .‬لقد كانت الكامريا تدور ببطء‬
‫وسالسة حول املمثلني املعلقني يف اهلواء بواسطة‬
‫األسالك‪ .‬كان يعرف كيلفني حلظة االنطالق‪،‬‬
‫حيث أخ�بره أح��د طاقم احملطة بذلك‪ ،‬لذلك‬
‫استوعب املشاهد أن كيلفني سيغادر حبيبته‬
‫هاري احلقيقية إىل األبد ‪.‬‬
‫إن حالة انعدام اجلاذبية يف فيلم فيكتوروف‬
‫«موسكو ‪ -‬كاسيوبيا»‪ ،‬تطلب موضوع الفيلم‬
‫الدرامي أن تكون هناك حالة انعدام اجلاذبية‬
‫يف مساحة كبرية من العربة الفضائية‪ .‬لقد مت‬
‫تصوير هذا املشهد جبهود كبرية وكلفة عالية‬
‫ومت التنفيذ على الشكل التايل ‪:‬‬
‫لقد مت بناء ديكور ممر العربة الدائري بطول‬
‫مح��ل ه��ذا الديكور على ثالثة‬
‫‪ 16‬م�تراً‪ ،‬وق��د ّ‬
‫روملانات خشبية لتدويره‪ .‬و مت التصوير من‬
‫خالل ثالث مراحل ‪:‬‬
‫مت تصوير املرحلة األوىل دون حتريك الديكور‪.‬‬
‫يتقدم قائد العربة راكضاً جتاه الكامريا ويتعثر‬
‫بأنبوب الص��ق ق��وي‪ ،‬خي��رج احمللول الالصق‬

‫‪8‬‬

‫وتلصق رجليه ويتسمر يف مكانه‪ .‬بعد ذلك مت‬
‫تثبيت قائد العربة وهو جاث على ركبتيه بوسيلة‬
‫خاصة يستطيع الدوران بواسطتها مع الديكور‪.‬‬
‫يف هذه احلالة كان غري قادر على احلركة‪ .‬كما‬
‫مت وضع شبكة تول شفافة على شعره حتى ال‬
‫ينسدل أثناء تدويره رأساً على عقب ‪.‬‬
‫يف املرحلة الثانية‪ ،‬مت تثبيت الكامريا على‬
‫أرض دي��ك��ور العربة حبيث ت���دور م��ع��ه‪ .‬ومن‬
‫خالل دوراهنا من وجهة نظر املشاهد الديكور‬
‫مل يتحرك‪ .‬وكذلك قائد العربة اجلاثي على‬
‫ركبتيه‪ .‬أم��ا صديقه ال��ذي ك��ان يركض خلفه‬
‫أثناء دوران الديكور‪ ،‬فقد كان يركض عملياً‬
‫بشكل أفقي‪ .‬ومبا أن الديكور كان يدور‪ ،‬لقد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫مت حساب طول مسريه بالضبط‪ .‬ولكن من وجهة‬
‫نظر املشاهد على الشاشة بدا كأن جيري على‬
‫سقف العربة‪ ،‬ثم ينحدر على جدارها وجيري‬
‫جتاه عدسة الكامريا ويغطيها جبسمه‪ .‬يف هذه‬
‫اللحظة مت إيقاف التصوير وانتهاء املرحلة الثانية‪.‬‬
‫لقد مت التصوير على سرعة ‪ 60‬ص���ورة‪ /‬ث��ا ‪.‬‬
‫بعد ذلك مت تصوير املرحلة الثالثة‪ .‬بعد أن‬
‫غطى صديق قائد العربة العدسة جبسمه‪ ،‬ابتدأت‬
‫مرحلة التصوير الثالثة من حلظة ابتعاده عن‬
‫العدسة‪ ،‬بعد أن فكت قيود قائد العربة‪ ،‬ووقف‬
‫على قدميه حبرية على أرض��ي��ة دي��ك��ور العربة‬
‫الثابت هذه املرة‪ .‬حيث يبتعد الصديق عن عدسة‬
‫الكامريا بنفس السرعة اليت اقرتب هبا من الكامريا‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وغطاها جبسده‪ .‬مما مسح مبونتاج اللقطتني‬
‫دون أي مشكلة وباستمرارية تامة‪ .‬لقد وقف قائد‬
‫العربة على قدميه وركض جتاه الكامريا والديكور‬
‫ثابت‪ .‬يف عمق الكادر كان صديقه معلقاً رأسه إىل‬
‫األسفل وقدميه إىل األعلى‪ .‬كان هذا اجلزء من‬
‫الديكور مفصوالً عن جسم الديكور العام‪ ،‬حبيث‬
‫ميكن تدويره دون أن يتحرك باقي الديكور‪ .‬وهكذا‬
‫مت تدوير هذا اجلزء من الديكور حتى استقام على‬
‫قدميه‪ .‬بدا على الشاشة وكأنه يتشقلب حبالة‬
‫انعدام اجلاذبية خلف قائد العربة الذي جيري‪.‬‬
‫هبذه الطريقة و بعد مونتاج هذه اللقطات حصلنا‬
‫على مشهد انعدام اجلاذبية بشكل مقنع (‪.)93‬‬
‫يف مشهد آخ��ر مت تصوير ان��ع��دام اجلاذبية‬

‫‪9‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بطريقة خمتلفة‪ .‬حيث بين جزء من ديكور‬
‫العربة وهو مقر القيادة بشكل مستقل ومطابق‬
‫من حيث الشكل بكافة تفاصيله مع املعدات‬
‫ال��داخ��ل��ي��ة م��ع ال��دي��ك��ور األص����ل‪ .‬وض���ع هذا‬
‫الديكور بشكل عمودي‪ ،‬مع إمكانية االلتفاف‬
‫إىل اليمني واىل اليسار‪ .‬وقد مت إدخ��ال حبل‬
‫من فتحة صغرية من أعلى الديكور للتعليق‪.‬‬
‫كان الديكور مائال قليال جتاه أرض األستوديو‪.‬‬
‫أما احلبل كان على بكرة وميكن التحكم به من‬
‫خارج الديكور من خالل الفتحة‪ .‬لقد مت تعليق‬
‫املمثل هب��ذا احلبل من زاوي��ة ال ت��رى الكامريا‬
‫احلبل‪ ،‬وكان املصور حيمل الكامريا بيديه وهو‬
‫مستلق على األرض حتت املمثل‪ ،‬يصور املمثل‬
‫وهو معلق باحلبل ويقوم حبركات بيديه ويرتفع‬
‫وينخفض فوق كرسيه وكأنه يف حالة انعدام‬
‫اجلاذبية ‪.‬‬
‫لقد ظهر على الشاشة كأن املصور يصوره‬
‫من األعلى إذا أخذنا بعني االعتبار وضعية‬
‫الديكور العمودية‪ .‬بنفس الطريقة مت تصوير‬
‫آلة التسجيل وهي تطري يف فضاء العربة وهم‬
‫حياولون التقاطها ‪.‬‬
‫كما ك��ان هناك مشهد آخ��ر لتطابق جزء‬
‫الديكور املائل مع الديكور األفقي‪ .‬على صوت‬
‫اإلنذار يدخل الناس إىل هبو العربة الفضائية‪،‬‬
‫ليجدوا صديقهم لوبا معلقاً يف سقف هبو‬
‫العربة حيث تدور الكامريا إىل السقف ونراه‬
‫معلقاً وه��و يقول ‪»:‬ك��ي��ف ت��رون��ي ؟» إن هذه‬
‫املشاهد الثالثة املشروحة أعاله شكلت اجلزء‬
‫املهم من حالة انعدام اجلاذبية والسباحة يف‬
‫الفضاء يف هذا الفيلم (‪.)94‬‬
‫يف فيلم «م��ن خ�لال األه��وال إىل الفضاء»‬
‫مت تنفيذ مشهد انعدام اجلاذبية حتت املاء‪.‬‬
‫لقد شرحنا سابقا كيف متت عملية التنفيذ‪.‬‬
‫إن للتصوير حت��ت امل���اء حم��اس��ن ومساوئ‪.‬‬
‫من املساوئ أن الصورة ليست جيدة مبا فيه‬
‫الكفاية‪ .‬وم��ن احمل��اس��ن أن املمثل يستطيع‬

‫‪10‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫السباحة دون تعليق ويتحرك حبرية‪ ،‬وكذلك‬
‫املصور‪ .‬يف تصوير املشاهد العامة قام باألدوار‬
‫املمثلون البدالء وذلك ألن املمثلني احلقيقيني‬
‫كانوا يقومون بالغريزة حبركات السباحة غري‬
‫الضرورية يف هذه احلالة ‪.‬‬
‫لقد مت تصوير ه��ذه امل��ش��اه��د يف حوض‬
‫سباحة أبعاده (‪ 30 X 30‬م�تراً)‪ .‬معبأ مباء‬
‫البحر وعمقه ستة أمتار ‪.‬‬
‫لقد ك��ان دي��ك��ور ال��ع��رب��ة على شكل كرة‪.‬‬
‫أحدثوا يف ه��ذه العربة فتحات لإلضاءة من‬
‫األعلى واألسفل ‪.‬‬
‫نصبت فوق العربة جسور لتحرك اجملموعة‬
‫الفنية ولنصب اإلضاءة‪ .‬وضعت إضاءة هنارية‬
‫تعمل بأقطاب الفحم‪ ،‬وغطيت اإلضاءة بفلرت‬
‫ك��ال��ك ش��ف��اف ام��ت��د حتى امل���اء ملنع انعكاس‬
‫اإلض��اءة يف املاء‪ .‬عندما كانت تغيب الشمس‬
‫كانوا يشغلون اإلض���اءة‪ .‬لقد كانت اإلضاءة‬
‫منتشرة بشكل متساو على العربة وبداخلها ‪.‬‬
‫كما استخدمت إضاءة خاصة معزولة بشكل‬
‫جيد حتت امل��اء حيث أعطت أج��واء خيالية‪.‬‬
‫ول��ك��ن م��ن م��س��اوئ ه��ذه األج��ه��زة أهن��ا كثرية‬
‫األعطال‪ .‬لقد كان قطر ديكور العربة مخسة‬
‫أمتار‪ ،‬وبسبب كثافة امل��اء مل يستطع املصور‬
‫الرؤية بشكل جيد ألكثر من سبعة أمتار‪ .‬لقد‬
‫كانت هناك مشكلة يف التصوير حتت املاء ألن‬
‫املسافات ختتلف بسبب انكسار األشعة حتت‬
‫امل��اء‪ ،‬وبالتايل ف��إن زاوي��ة الرؤية أيضا كانت‬
‫حتت املاء أقل‪ .‬لذلك صمم مهندسو ‪NIKFI‬‬
‫غالفاً خاصاً للكامريا للتصوير حتت املاء على‬
‫شكل نصف كرة شفاف متاما‪ ،‬يسمح بزاوية‬
‫رؤيا كبرية مع العدسة واسعة الزاوية ‪ 28‬مم‪.‬‬
‫وقد أعطى ذلك سعة لديكور العربة أكرب من‬
‫حجمها احلقيقي ‪.‬‬
‫اللقطات القريبة لوجوه املمثلني مت تصويرها‬
‫خ���ارج امل����اء‪ .‬ح��ي��ث وض���ع امل��ص��ور أ‪ .‬ريبني‬
‫فلرت ضبابي خفيف أم��ام العدسة ما أعطى‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫اإلحساس بضبابية املاء ومل يستطع املشاهد‬
‫التفريق بني اللقطات املصورة حتت املاء واليت‬
‫مت تصويرها خارجه ‪.‬‬
‫كان املمثل يف هذه احلالة مثبتاً على ذراع‬
‫رافعة يقوم حبركات انعدام اجلاذبية‪ ،‬بينما‬
‫كان املصور يدور حوله من كافة الزوايا ملتقطاً‬
‫اللقطات القريبة واملتوسطة (‪.)95‬‬
‫من خالل حتليلنا هلذه األفالم‪ ،‬مت استعراض‬
‫أهم املؤثرات اخلاصة واخلدع السينمائية اليت‬
‫يلجأ إليها صانعو أفالم اخليال العلمي‪ .‬ففي‬
‫فيلم «س��وب��رم��ان» مت تصوير حالة الطريان‬
‫بواسطة شاشة ال��ع��رض األم��ام��ي والشاشة‬
‫الزرقاء ‪.‬‬
‫كما أن طريقة (فوكاج) اليت ابتكرها بوريس‬
‫ترافكني‪ ،‬واليت تعتمد على اخلالئط الكيميائية‬
‫مازالت تستخدم بنجاح ومل تفقد ألقها حتى‬
‫اليوم‪.‬‬
‫ويف اللحظة ال�تي تعجز ك��ل ال��ط��رق حلل‬
‫مشكلة مشهد ما‪ ،‬يهب املختصون يف اخلدع‬
‫السينمائية إىل ابتكار طرق جديدة غري معروفة‬
‫سابقا‪ .‬بطريقة غري معهودة مت تنفيذ مشهد‬
‫احمليط املفكر يف فيلم «م��ن خ�لال األهوال‬
‫إىل الفضاء» حيث استخدم املصور الشريط‬
‫السينمائي اخل��اص ‪ 6m-SN‬ال��ذي أضفى‬
‫على أجواء كوكب ديسْا أجواء خيالية ساحرة ‪.‬‬
‫إن أفالم اخليال العلمي هي خمترب للتجارب‬
‫الفكرية والفلسفية واخليالية بأسلوب علمي‪.‬‬
‫ومازالت أفالم اخليال العلمي تتطور باستمرار‬
‫ع��ل��ى ك��اف��ة ال��ص��ع��د م���ن ح��ي��ث ‪ :‬املواضيع‬
‫امل��ط��روح��ة‪ ،‬أس��ال��ي��ب اإلخ�����راج والتصوير‪،‬‬
‫تكنولوجيا املستقبل‪ ،‬وتقنيات التصوير واخلدع‬
‫السينمائية‪ .‬ولعل أهم حدث يف عصرنا احلايل‬
‫دخول الكمبيوتر على خط اخلدع السينمائية‬
‫واملؤثرات اخلاصة‪ ،‬وتتطور برامج الكمبيوتر‬
‫بسرعة هائلة‪ ،‬وهي تساعد يف تنفيذ الكثري من‬
‫اخلدع بسهولة‪ ،‬وبكلفة وزمن أقل ‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيال العلمي بين‬
‫االستشراق والواقع‬
‫ملك ضاهر‬

‫ُشكل أدب اخليال العلمي تصوراً‬
‫ي ِّ‬
‫ج��دي��داً ل�لأدب احل��اض��ر‪ ،‬وض��رورة‬
‫ل��ل��ق��رّاء‪ ،‬خ��ص��وص��اً‪ ،‬م��ن��ذ عصر‬
‫االكتشافات والتسارع التكنولوجي والتساؤل‬
‫عن إمكانية بلوغ حياة أفضل‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫إن أدب اخل��ي��ال العلمي أضحى راه��ن�اً يف‬
‫القصة‪ ،‬املسرح‪ ،‬السينما‪ ،‬الرواية‪ ،‬والفنون على‬
‫اختالفها وتعددها‪ ،‬وها هو يشق طريقه على‬
‫الرغم من حماولة عميد الرواية جنيب حمفوظ‬
‫الداعية إىل إلغائه من قاموس األدب وسخرية‬
‫غ�يره من الكتاب‪ ،‬إ ّال أن أدب اخليال العلمي‬
‫عرف كيف يثبت‪ ،‬أقدامه يف الفرتة األخرية‪ ،‬وال‬
‫شك ان املؤمتر الذي عقد يف تونس بني ‪8-6‬‬
‫نيسان وشارك فيه العديد من الكتّاب واملهتمني‬
‫هبذا النوع‪ ،‬والذي توج بإقامة مسابقة حوله‪ ،‬هو‬
‫خري دليل على بلوغه سن الرشد ‪.‬‬
‫واخليال العلمي كما أشرنا هو نتاج العصر‬
‫التكنولوجي ففيه جن��د التفكري احمل��اي��د ويف‬
‫األدب التفكري املنفعل وان التزاوج بني االثنني‬
‫و ّلد املتعة والقدرة على إبداع نسيج خيتلف عن‬
‫أدب الغرب الذي متاهى مع املادة‪ ،‬وأدب اخليال‬
‫العلمي هو الوسيط بني األسطورة واألشكال‬
‫احلديثة املتخصصة‪ ،‬وال ننكر أن بينهما قامساً‬
‫م��ش�ترك�اً إ ّال أهن��م��ا حيتكمان إىل ق��وى خارج‬
‫حواسنا‪.‬‬
‫ي��ق��ول (رؤوف وص��ف��ي)‪ :‬إن «أدب اخليال‬
‫العلمي ي��ه��دف إىل ع��رض احلقيقة العلمية‬
‫بأمانة وصدق وبنظرة مستقبلية» ويرى (أرثر‬
‫ك�ل�ارك)‪ :‬إن دور اخل��ي��ال العلمي ه��و التنبؤ‬
‫وتنمية خميالت الناس‪.‬‬
‫وال��س��ؤال كيف نوظف اخل��ي��ال العلمي يف‬
‫خدمة احلاضر واملستقبل؟‬
‫يقول‪( :‬يوسف الشاروني) يف دراسته حول‬
‫اخليال العلمي يف األدب العربي املنشورة يف‬
‫جملة عامل الفكر‪ ،‬أكتوبر ‪« 1980‬إن أدب اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬مل يعد هامشياً يف العمل األدب��ي‪ ،‬بل‬
‫أصبح ملتحماً بالنسيج ال��ف�ني»‪ ،‬وإن اخليال‬
‫العلمي استُخدم للتعبري عن بعض القضايا‬
‫املعاصرة مثل هوية اإلنسان‪ ،‬ففي رواية «قاهر‬
‫الزمن» لعميد أدب اخليال العلمي‪ ،‬هناد شريف‬
‫ن��رى ك��ل ش��يء س��وف يتغري‪ ،‬وي��ق��ول الدكتور‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫صربون يف الرواية أن األمراض اليت ال عالج هلا‬
‫سوف ميكن شفاؤها بالسبات الطويل‪ ،‬وسوف‬
‫ميكن مستقبالً تغري اجمل��رم إىل رج��ل عادي‬
‫مسامل بتغري أفكاره الباطنية بدالً من البقاء يف‬
‫السجن‪ ،‬ولنهاد شريف أقصوصة بعنوان (عني‬
‫السماء)‪ ،‬ت��دور ح��ول جرمية وقعت يف شارع‬
‫حممد علي‪ ،‬و ّ‬
‫مت رصد اجلرمية من خالل أحد‬
‫الكواكب املارة يف حلظة وقوع اجلرمية‪ ،‬ويقوم‬
‫ه��ذا الكوكب ب��إرس��ال رسالة باللغة العربية‪،‬‬
‫هذه الرسالة تُرسل تفاصيل اجلرمية‪ ،‬والفكرة‬
‫طريفة‪ ،‬وقد ق��رأت مؤخراً ان أملانيا ابتكرت‬
‫قمراً صناعياً غايته مراقبة الطرقات ورصد‬
‫حتى أرقام السيارات اليت متر هذه عليها بغية‬
‫مساعدة الشرطة للحد م��ن ح���وادث السري‪،‬‬
‫فإذا حتول القمر الصناعي إىل مراقبة أوكار‬
‫اجلرمية نصل إىل ترمجة رؤية هناد شريف‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يقول زه�ير غ��امن الناقد األدب��ي املسرحي‬
‫والتشكيلي‪ ،‬واملقيم يف بريوت‪ ،‬إن رواية اخليال‬
‫العلمي أخ��ذت متشي‪ ،‬وإن أمس��اء ال يستهان‬
‫بنتاجها أخ��ذت على عاتقها خوض املغامرة‪،‬‬
‫وهي تضمر املعلومات العلمية بل تفرتضها تبعاً‬
‫ملقتضيات الفن الروائي يف هذا اجملال الصعب‬
‫ويتحدث عن رواي��ة (لعنة الغيوم) لكاتب هذه‬
‫احملاضرة اليت جعلت البيئة والتلوث مناخاً هلا‪،‬‬
‫واملسؤولية مما ستؤول إليه األمور‪ ،‬فيما لو تابع‬
‫الصناعيون تلويث املناخ بالغازات وهتديم طبقة‬
‫األوزون‪ ،‬اليت ميكن ان تؤدي إىل ذوبان وتصدع‬
‫جبال اجلليد مما ميكن ان يزيد منسوب املياه‪،‬‬
‫ويسبب الطوفان حيث ‪ %75‬م��ن التجمعات‬
‫البشرية تعيش يف مستوى أخفض من البحر ما‬
‫جيعلها يف تغريات حمتملة على حدود اخلطر‬
‫والكارثة‪.‬‬
‫أم��ام ه��ذا اخلطر املستقبلي‪ ،‬تأتي رواية‬
‫اخليال العلمي مبجموعة من العلماء اليت نذرت‬
‫نفسها الكتشاف مضادات تنظف مناخ األرض‬
‫ومتارس فعلها العلمي‪ ،‬رغم العوائق‪ ،‬وهي تبحث‬
‫عن اجلديد ليكون هلا شرف إنقاذ الكوكب من‬
‫مواته‪ ،‬او احتضاره البطيء‪ ،‬وقد ذكرت الدكتورة‬
‫كوثر عياد يف حبثها القيم الذي ألقته خمتصراً‬
‫بني ‪ 2009/4/9 -/4/6‬يف مؤمتر خرباء أدب‬
‫اخليال العلمي الذي عقد يف تونس ما يلي‪:‬‬
‫حتت عنوان بنية التنبؤ يف رواية (هالة النور)‬
‫تدخل حممد خفيفي‪ ،‬أستاذ باحث يف السرديات‬
‫بورقة تبحث عن عنصر التنبؤ املرتبط بالتخيل‬
‫العلمي‪ ،‬على اعتبار انه جزء من اسرتاتيجيات‬
‫املستقبل‪ ،‬ف��ق��د ح���دد د‪ .‬خفيفي دعامتني‬
‫علميتني‪.‬‬
‫دعامة البحث عن طاقة بديلة للبرتول‪ ،‬معترباً‬
‫أن الطاقة البديلة هاجساً يؤرق البشرية مجعاء‪،‬‬
‫دعامة استكشاف الفضاء واهلدف اتساع األفق‬
‫أمام الرؤية ومعرفة اإلنسان ملستقبله‪.‬‬
‫إذن إن أدب اخل��ي��ال ال��ع��ل��م��ي ي��ت��خ��ذ من‬

‫‪14‬‬

‫املستقبل باباً له يلجه من خالل ما يكتب‪ ،‬وان‬
‫لدى الروائي مهوماً ذاتية وموضوعية تدفعه‬
‫إىل مناقشة املستقبل والرتكيز على اهلواجس‬
‫اليت تُش ِّكل خطراً على اإلنسان واألرض‪ ،‬ويرى‬
‫الدكتور طالب عمران‪ ،‬أن اهلم اإلنساني واحملور‬
‫األساسي هو اهلم االسرتاتيجي وقد سرد قسماً‬
‫من آرائه يف مؤمتر خرباء أدب اخليال العلمي‬
‫يف ال��ورق��ة ال�تي قدمها وج��اء فيها‪ ،‬إن رواية‬
‫(ال��زم��ن الصعب)‪ ،‬هي رحلة إىل كوكب بعيد‬
‫يعود رواده��ا إىل األرض ل�يروا أن حرباً ذرية‬
‫قد حدثت ويف رواية (البعد اخلامس)‪ ،‬يتحدث‬
‫عن القوى اخلفية لإلنسان ومستقبل استخدام‬
‫الطاقة احليوية يف حل مشاكل اإلنسان وعالج‬
‫أمراضه‪.‬‬
‫إن خاصية أدب اخليال العلمي‪ ،‬االستشراف‪،‬‬
‫وهو ميزة خصص هبا دون غريه‪ ،‬يقول (حممد‬
‫أمحد مصطفى) يف جملة فصول العدد ‪-71‬‬
‫‪ ،2008‬يف هذا السياق يتصور األدي��ب عوامل‬
‫خاصة يف أزمنة خارجة عن الزمن املألوف‬
‫واليت من املمكن أن تتحقق بشكل من األشكال‬
‫كما يتخيل األدي��ب أشياء وح��االت خارقة غري‬
‫مألوفة‪ .‬والتنبؤ أو حماولة الدخول إىل رؤية‬
‫املستقبل هو عملية ذهنية تقوم هبا املخيلة‬
‫انطالقاً من معطيات أو فرضيات علمية تصور‬
‫أو تتصور آفاقاً جديدة لإلنسان وللبشرية‪،‬‬
‫والتاريخ شاهد على ذلك‪ :‬مثال خمطط حرب‬
‫النجوم الذي أعدته حكومة ريغان األمريكية مع‬
‫خنبة من كتّاب اخليال العلمي بني مزدوجني‬
‫هو إدراك شيء غري موجود‪ ،‬كما يقول سارتر‪،‬‬
‫أو التفكري بشيء غري موجود‪.‬‬
‫لكن علينا االنتباه إىل نقطة مهمة وهي أن‬
‫أدب اخليال العلمي ليس أدب�اً تعليمياً‪ ،‬وهذا‬
‫ليس شرط األدب كما يقول حممود قاسم يف‬
‫كتابه اخليال العلمي‪ -‬أدب القرن العشرين) يف‬
‫املقام األول اخليال العلمي هو عملية تقع وراء‬
‫األفق املباشر‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وإذا كان اخليال العلمي يتطلب ومهاً كما يورد‬
‫«كي ال ردو» يف أطروحته كما وردت يف مقالة‬
‫حممد أمحد مصطفى يف جملة فصول املصرية‬
‫العدد ‪ ،71‬فلكي ينتج فلسفة وإذا بنى عاملاً‬
‫فلكياً ميتحن العامل‪ ،‬إن هدف اخليال العلمي‬
‫ليس هدفه صنع ع��امل يشبه العامل‪ ،‬لكن أن‬
‫يضع متاماً مشروطاً وكأنه عامل ملموس‪ ،‬وبنية‬
‫اخليال العلمي ليست على غرار «ك» التشبيه أو‬
‫«كما» لكن على غرار «كأن»‪ ،‬إذن املوضوع ليس‬
‫الوهم‪ ،‬ولكن كأنه وهم‪ ،‬وعليه فاخليال العلمي‬
‫كتابة يف الواقع‪ ،‬لكنه واقع ختيلي وكأنه واقع‬
‫دون أن يكون واقعاً‪ ،‬مثالً الفضاء غداً سيصبح‬
‫واقعاً‪ ،‬وأن املكان سيتمدد وقد بدأ بالفعل بعد‬
‫تعدد رح�لات الفضاء والبعد ال��راب��ع أضحى‬
‫راهناً‪ ،‬فماذا نقول عن (جول فرين) الذي أصبح‬
‫أسطورة يف وقت مل تتوفر له أي معلومة‪ ،‬وليس‬
‫بالضرورة ألدب اخليال العلمي أن تدور أحداثه‬
‫يف الفضاء أو‪ ،‬بل ميكن أن ت��دور على كوكب‬
‫األرض‪ ،‬فيهتم بالقضايا الساخنة مثل األوبئة‬
‫املعاصرة‪ ،‬االي��دز‪ ،‬م��رض أنفلونزا الطيور أو‬
‫اخلنازير‪ ،‬أو البقر‪ ،‬اخل‪ ،‬التضخم السكاني‪ ،‬ألن‬
‫غاية أدب اخليال العلمي هو اإلمتاع‪ ،‬وليس علماً‬
‫غايته املعرفة وهو ال يقدم كتاباً علمياً يوضح‬
‫فيه نظريات كما يذكر بو شعيب الساوري يف‬
‫جملة فصول العدد ‪ ،70‬بل هو رواي��ة تقصد‬
‫اإلمتاع‪ ،‬وكذلك أن ال تتصف الرواية بالغرابة‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وأن ال يكون احلرص على الرحلة اخليالية علواً‬
‫يف شأن املكان حتى ال يصبح أبطال الرواية‬
‫بعيدين عن املألوف‪ ،‬تستطيع الرواية العلمية‬
‫هنا حتليل اجملتمع وتفسري التفسري يف املشاكل‬
‫االجتماعية‪ ،‬ك��م تستطيع أن جتسم عواقب‬
‫االجتاهات االجتماعية وأن الرسالة االجتماعية‬
‫كما يورد حممود قاسم يف كتابه تطرح يف املقام‬
‫األول حقيقة الكشف ع��ن خم��اوف البشرية‬
‫وجتسيد توقعاهتا وآماهلا وهي هتيئ للمجتمع‬
‫مهمات جديدة وتغيريات جوهرية وحت ّذره من‬
‫كل األخطار احملتملة‪ ،‬وعلى الرواية العلمية أن‬
‫تقدم ذاهتا على صعيد الفكر وأن تفصح عن‬
‫ع��ادات جديدة وسلوكاً ج��دي��داً أي��ض�اً‪ ،‬ورمبا‬
‫مستقبلياً أخذت مكان الفلسفة‪ ،‬ألنه بات من‬
‫املستحيل طرح اختيار فكري دون معرفة شاملة‬
‫لكل ما ميس وجودنا وقد أورد حممود قاسم‬
‫نقالً عن أحد كتّاب اخليال العلمي ويدعى جاك‬
‫برجيه الدعابة التالية أثناء مناقشة له مع البري‬
‫كامي‪:‬‬
‫جاك‪ :‬أتعرف أن سيزيف كان غبياً؟‬
‫كامي‪ :‬ملاذا؟‬
‫جاك‪ :‬ألنه مل يستخدم الطاقة املتولدة من‬
‫صخرته وهي هتبط اجلبل ليصنع تياراً‪ ،‬مثلما‬
‫حيدث أثناء سقوط املاء‪.‬‬
‫كامي‪ :‬وهل من املمكن توليد الكهرباء من‬
‫شيء ينحدر‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫طبائع وقدرات الكائنات الفضائية‬
‫في روايات الخيال العلمي‬
‫حممد عبد اهلل الياسني‬
‫إن املقارنة بني طبيعة اإلنسان مم ّثلة بقيم اخلري والشرّ و بني طبيعة الكائنات‬
‫الفضائية هي من أهمّ الرّكائز اليت يقوم عليها أدب اخليال العلمي ‪ ,‬ومن‬
‫البديهي أن ال يُظ ِهر كتّاب العامل يف شرقه وغربه هلذه الكائنات طبيع ًة‬
‫واحدةً‪ ،‬بل نراهم يقدّموهنا حتت طبائع ونياتٍ خمتلفةٍ جتاه اجلنس البشري‪ ،‬ال بل إنّ‬
‫هذه الكائنات ختتلف لدى الكاتب الواحد يف الشكل واملضمون من قصةٍ ألخرى أو من‬
‫عمل آلخر ‪ ,‬فنراها يف إحدى قصصه شريرةً وشرس ًة و هلا شك ٌل معنيٌ ثم ما يلبث أن‬
‫يقدّمها يف عم ٍل آخر بصورة الكائن الوديع الطيب ‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫على أنّ هناك خطوطاً عريض ًة أو صفاتٍ‬
‫نقدي على‬
‫عام ًة يف ك ّل أدب تتيح لنا إطالق حك ٍم‬
‫ٍّ‬
‫ذلك األدب يبيّن موقفه جتاه الكائنات الكوكبية‬
‫األخ��رى‪ ،‬فأدب اخليال العلمي الغربي عموماً‬
‫– وخباصةٍ التقليدي منه – وقف يف معظمه‬
‫موقفاً عدائياً ج��داً من الكائنات الفضائية‪،‬‬
‫بينما جند أنّ اخليال العلمي السوفيييت قد‬
‫وقف موقفاً يتسم باملصاحلة ويدعو إىل إقامة‬
‫كوني مع هذه الكائنات‪.‬‬
‫سال ٍم‬
‫ٍّ‬
‫وإذا كنا نتساءل – أدبياً‪ -‬عن طبيعة تلك‬
‫الكائنات وعن موقفها من كوكب األرض‪ ،‬فإنّ‬
‫أول ما يتبادر إىل أذهاننا هو قدرة تلك الكائنات‬
‫على التأثري فينا حنن البشر‪ ،‬وما هي القدرات‬
‫الطبيعية والتقنية اليت متتلكها إلحداث ذلك‬
‫الـتأثري‪ .‬أمّا يف حال كنا حنن املتفوقني حضارياً‬
‫وتقنياً فما هو موقفنا من هذه الكائنات البدائية‬
‫اليت سنعثر عليها‪ ،‬وهل سينجح اإلنسان عند‬
‫ذلك من االنعتاق من شهوة التح ّكم والسيطرة؟‬
‫أ‪ -‬يف األدب الغربي ‪:‬‬
‫يطيب لنقاد اخليال العلمي حتميل ويلز‬
‫مسؤولية رسم العالقة العدائية بني اإلنسان‬
‫وكائنات العوامل األخرى‪ ،‬وهم يف ذلك على حقّ‬
‫ألنّ ويلز كان يؤزم العالقة بني البشر واألغيار‬
‫حبيث تغدو احل��روب بني اجلنسني حتمي ًة ال‬
‫مفرّ منها‪ ،‬إذ املخلوقات الكوكبية ال تصغي‬
‫لنداءات اإلنسان ال��ذي يناشدهم بأن يقيموا‬
‫معه عالقات الصداقة والسالم‪ ،‬ففي «حرب‬
‫العوامل» ( ‪1898‬م ) يبدأ املرخييون عمالً دائباً‬
‫لصناعة أسلحةٍ منذ اللحظة األوىل هلبوطهم‬
‫على األرض‪ ،‬و هذه األسلحة تطلق «أشعة املوت»‬
‫حي تصادفه يف طريقها على‬
‫اليت تقتل أيّ كائنٍ ٍّ‬
‫بعد عدة كيلو مرتات‪.‬‬
‫أمّ��ا يف رواي��ة «أوائ��ل الرجال على القمر»‬
‫(‪1901‬م ) فإنّ الرائدين كافور وبدفورد يواجهان‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫املخلوقات القمرية اليت تشبه حشرةً قريب ًة من‬
‫النمل‪ ،‬وقد أباد البطل بدفورد هناك خلقاً كثرياً‬
‫من القمريني رغم أنّ هلم حضارةً متقدم ًة على‬
‫حضارة األرض يف جوف القمر !‪.‬‬
‫وهكذا كانت العالقة اليت أوجدهتا رؤية ويلز‬
‫التشاؤمية تتلخص يف هجو ٍم أو دفا ٍع متبادل‬
‫ب�ين البشر واألغ���ي���ار‪ ،‬وم��ع أنّ ه��ذه النظرة‬
‫«الكولونيالية» بدأت تتالشى فيما بعد تدرجيياً‬
‫يف العامل الغربي فإنّ روح ويلز االحتاللية حلّت‬
‫يف مهمّة التمدين واالنتداب احلضاري الذي‬
‫ّ‬
‫ميارسه البشر على الكائنات‬
‫األق��ل تقدماً‪،‬‬
‫ويف هذه النقطة حتديداً يلتقي أدب اخليال‬
‫العلمي الغربي ذو التوجهات االستغاللية مع‬
‫أدب اخليال العلمي السوفيييت الذي يعوّل على‬
‫غزو األقكار الشيوعية و احتالل العقول باسم‬
‫الصداقة و السالم بني الشعوب الكونية‪.‬‬
‫وق��د رب��ط الناقد امل��ع��روف ج��ان غاتينيو‬
‫بني املنعطفات السياسية اخلطرية يف العامل‬
‫وبني نظرة كتّاب اخليال العلمي إىل األغيار‪.‬‬
‫يقول مستوحياً كالمه من كتابات آسيموف ‪:‬‬
‫((تطابَقَ اقرتاب احلرب العاملية الثانية‪ ،‬أيّ منو‬
‫الفاشية أوالً‪ ،‬مع تغيّ ٍر يف املنظور‪ ،‬كان هو أيضاً‬
‫عودةً إىل الوراء‪ ،‬فقد أصبحت العوامل الغريبة‬
‫�ذري «اآلخ��ري��ن»‪ ،‬و أصبحت مقلق ًة‬
‫بشك ٍل ج� ٍّ‬
‫هبذه الغريية بالذات‪ ،‬وبرز التحليل السياسي‬
‫واالجتماعي َ‬
‫وضعُف امليل إىل املثري بذاته )) ‪1‬‬
‫ويبدو أنّ روح الفاشية قد سيطرت على كتابات‬
‫اخليال العلمي الغربي يف ذلك احلني فغدا أكثر‬
‫عنصري ًة جتاه األغيار‪ ،‬و بدت املعركة النهائية‬
‫معهم حامس ًة و مميت ًة وقاسي ًة أكثر من أيّ وقتٍ‬
‫مضى‪ .‬ولكن هؤالء – و يا لدماثة املستعمرين –‬
‫يُمنحون السالم والصداقة إذا ما قبلوا هبيمنة‬
‫البشر على مقدّراهتم !‬
‫كما ظلّت هذه ال �رّوح العدائية مس ًة غالب ًة‬
‫لدى غرباء اخليال العلمي الغربي خاص ًة مع‬

‫‪17‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫صعود ال��ت��وت��رات السياسية ب�ين الواليات‬
‫املتحدة األمريكية واالحتاد السوفيييت– سابقاً‬
‫– فقد حاول ك ّل منهما بسط نفوذه وأفكاره على‬
‫العامل بأسلوبني متناقضني يتخذ األول شكل‬
‫الرأمسالية بينما يلبس الثاني ثوب الشيوعية‬
‫املساملة‪ .‬بيد أن��ه‪ ،‬ويف هنايات احل��رب الباردة‬
‫و تباطؤ سباق التسلح ال��ن��ووي بني القطبني‬
‫املتنافسني على ال��ع��امل ف��إنّ اخل��ي��ال العلمي‬
‫الغربي بدا أق ّل حدةً جتاه األغيارالذين كانوا‬
‫مي ّثلون له – فيما يبدو – الشيوعيني األكثر‬
‫خطراً على مستقبل ال��غ��رب‪ ،‬يقول غاتينيو‪:‬‬
‫((ساعدت احل��رب الباردة على استمرارهذا‬
‫النمط م��ن التفكري ال���ذي ستبقيه العوامل‬
‫اخلارجية إىل أن يضعف اخلوف من نزا ٍع آخرَ‬
‫بني الواليات املتحدة واالحتاد السوفيييت‪ ،‬وأن‬
‫كشر ال بدّ منه )) ‪2‬‬
‫تُقبَل الشيوعية على األقل ٍّ‬
‫على أنّ أحداً مل يقل إن األغيار على درجةٍ‬
‫من الضعف يقبلون معه تسلط البشر عليهم‪ ،‬و‬
‫مل تصوِّر حكايات اخليال العلمي الغربي كائنات‬
‫العوامل األخرى على هذه الصورة من الضعف و‬
‫الوهن‪ ،‬بل على العكس متاماً فقد بدت كائنات‬
‫الفضاء ذات قدرةٍ تقنيةٍ و طبيعيةٍ المتناهيةٍ‪،‬‬
‫خاص ًة عندما ت��ؤدّي أدوار الغزاة ل�لأرض‪ ،‬إذ‬
‫نراها متلك األسلحة الفتاكة الغريبة اليت تبيد‬
‫أو تقتل أو تأسر أعداداً هائل ًة من البشر‪ .‬و هذه‬
‫املخلوقات غري األرضية ال ختطر الرمحة يف‬
‫باهلا مطلقاً‪ ،‬بل تستخدم األسلحة الليزرية أو‬
‫أشعة املوت أو القوة الشافطة حلصاد أعدادٍ‬
‫هائلةٍ من بين البشر‪ ،‬و تبدو قدراهتا القتالية‬
‫غري حمدودةٍ و ال ميكن مقارنتها بقدرة التقنية‬
‫اإلنسانية اليت تظهر يف هذه الروايات و كأهنا‬
‫دمىً لألطفال ال تفيد يف صدّ غز ٍو كوني و ال‬
‫تنفع يف انتصار و لو كان حمدوداً‪.‬‬
‫وقد يكون الغرباء ذوي قدرةٍ أكرب من تلك اليت‬
‫ذكرنا فهم ليسوا متقدّمني تقنياً ويستطيعون‬

‫‪18‬‬

‫االنتصار علينا وقتما يشاؤون فحسب‪ ،‬بل إهنم‬
‫أشباه آهلةٍ زرعونا على هذه األرض و يتحكمون‬
‫بنا عن بُعدٍ أو كثبٍ ‪ .‬و تبعاً هلذه النظرية فما‬
‫حنن إال فئران جتارب وُضعت على هذا الكوكب‬
‫الصغري من قِبَل كائناتٍ أخرى أعظم و أرقى‪.‬‬
‫وتتمتع معظم الكائنات الفضائية اليت هتبط‬
‫إىل األرض بقوةٍ طبيعية و نفسية ختصّها فقط‬
‫فهي غالباً ما تستخدم التخاطر وقراءة األفكار‬
‫بدالً من الكالم املنطوق‪ ،‬لكنها تستطيع أن تتعلم‬
‫أي لغةٍ – غالباً ما تكون لغة املؤ ِّلف – خالل‬
‫حلظاتٍ قليلةٍ فتنطقها على حن ٍو رتيبٍ منتظ ٍم‬
‫لتفصح عن نيّاهتا وأهدافها ال�تي ج��اءت من‬
‫أجلها‪.‬‬
‫أمّا املركبات اليت يستقلّها الغرباء فهي ذات‬
‫أشكا ٍل خمتلفةٍ وغريبةٍ عن تلك املركبات اليت‬
‫يعرفها بنو األرض‪ ،‬لكنها مجيعاً تطري بسرعاتٍ‬
‫عاليةٍ‪ ،‬ومع أن الرادار األرضي يتمكن من كشفها‬
‫ف��إنّ أيّ قذيفةٍ ال ميكن أن تصيبها لسرعتها‬
‫اخل��اط��ف��ة ودوراهن�����ا ح���ول نفسها بسرعاتٍ‬
‫خارقةٍ‪.‬‬
‫وعادةً ما تُزوَّد هذه املركبات بأشعةٍ ساطعةٍ‬
‫ختطف األبصار وتتميّز بنوافذ ملونةٍ و براقةٍ‪،‬‬
‫ك��م��ا أنّ ل��دي��ه��ا ق����درات ه��ائ��ل��ة ع��ل��ى املناورة‬
‫واالن��ق��ض��اض و إرس���ال اإلش��ع��اع��ات املخدّرة‬
‫و املميتة و امتصاص اإلش��ع��اع��ات و ابتالع‬
‫القذائف اليت تطلقها املضادات األرضية‪.‬‬
‫وم��ع أنّ النصر يبدو مستحيالً ض �دّ هذه‬
‫الكائنات فإن أغلب القصص تنتهي بنهاياتٍ‬
‫سعيدةٍ وغريبةٍ ال يتو ّقعها القارئ‪ ،‬لكن الفضل‬
‫يف هذه النهايات ال يعود غالباً لإلنسان وإمنا‬
‫لطبيعة األرض اليت ال تصلح لسكن الغرباء‪ ،‬أو‬
‫أهنم يهاجرون بعيداً عنّا ألسبابٍ جمهولةٍ أو‪...‬‬
‫ب‪ -‬يف األدب العربي ‪:‬‬
‫اخت���ذت ك��ائ��ن��ات ال��ع��وامل األخ���رى أشكا ًال‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫و هيئاتٍ منسوخ ًة عن أدب اخليال العلمي‬
‫العاملي – و الغربي خاص ًة – وعن التقليديّ منه‬
‫حتديداً‪ ،‬إذ يبدو بوضو ٍح أنّ أغلب كتّابنا العرب‬
‫ما زالوا ّ‬
‫يفضلون الكتابة عن خملوقات العوامل‬
‫األخ��رى بوصفها كائناتٍ مهجّنةٍ تندمج فيها‬
‫املالمح اإلنسانية يف أشكا ٍل مستعارةٍ من عوامل‬
‫احليوانات و احلشرات و النباتات‪ ،‬و على ذلك‬
‫فهي تطلب ما كان يطلبه أغيار اخليال العلمي‬
‫الغربي يف مرحلته التقليدية‪ .‬كما أنّ كتّاب‬
‫اخليال العلمي العربي ما زال��وا يف معظمهم‬
‫يطلبون ما ك��ان يطلبه كتّاب اخليال العلمي‬
‫الغربي يف مرحلته التقليدية من إثارة الدهشة‪،‬‬
‫وتوليف املفاجأة‪ ،‬وإضفاء أج��واء الرّعب على‬
‫القصة‪... .‬‬
‫لكن‪ ،‬وم��ع أنّ إمكانات األغ��ي��ار ال�تي مرت‬
‫بنا آنفاً قد أصبحت هائل ًة وال ميكن مقارنتها‬
‫بقدراتٍ أرضيةٍ أو بشريةٍ على اإلطالق‪ ،‬فإهنا ‪-‬‬
‫و حلسن احلظ – ال تُستخدم يف أغلب الكتابات‬
‫العربية من أجل العدوان أو إحلاق البشر وإمنا‬
‫يظهرها الكاتب للتدليل على مدى التطورالتقين‬
‫الذي توصلت إليه املخلوقات الكوكبية‪ ،‬وإذ ما‬
‫توصّل إليه اإلنسان من أجهزةٍ و ابتكاراتٍ يصبح‬
‫أضحوك ًة أمام ما هو قادمٌ من الفضاء من تقنيةٍ‬
‫ليس لقدراهتا حدودٌ‪.‬‬
‫أمّ��ا القدرات الطبيعية اليت وهبها اخلالق‬
‫هلؤالء فهي أيضاً تقع يف أعلى درجات الرقي‬
‫من سلّم التطور‪ ،‬فهم حتى و إن بدت أشكاهلم‬
‫مطعّمة بأعضاءَ حيوانيةٍ أو حشريةٍ كاآلذان‬
‫الطويلة الدقيقة و العيون املستديرة أو قرون‬
‫االستشعار و تعدّد األطراف فهم أكثر منّا رقياً‬
‫و حضارةً‪ ،‬ألهنم نبذوا احلروب وراءهم ظهرياً‬
‫منذ مئات أو آالف أو ماليني السنني‪ ،‬تفرّغوا‬
‫خالهلا للعمل على بناء حضارهتم اليت أصبحت‬
‫مذهل ًة إىل ه��ذه ال��درج��ة‪ .‬ف��إذا ما علمنا أنّ‬
‫معظم الغرباء قادرون على قراءة األفكار و ب ّثها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عن طريق التخاطر‪ ،‬وأهنم ال ميوتون إال حينما‬
‫يريدون هم ذلك‪ ،‬و أهنم يعيشون يف جمتمعات‬
‫تو ّفر هلم السعادة املطلقة‪ ،‬إذا ما علمنا ذلك‬
‫عرفنا مقدار اهلوّة احلضارية اليت تفصل بني‬
‫أعظم أمم األرض تقدّماً و بني هؤالء القادمني‬
‫من السماء‪.‬‬
‫وغالباً ما يُسند كاتب اخليال العلمي العربي‬
‫إىل تلك الكائنات أدواراً خيّرةً‪ ،‬فهي تكون يف‬
‫معظم األحيان مبنزلةِ عنيٍ كبريةٍ ترصد األرض‬
‫لتح ّذر اإلنسان ‪ -‬الذي ال يزال يف عهد الطفولة‬
‫احلضارية ‪ -‬من عاقبة اللعب بأدوات الدّمار‪،‬‬
‫جند ذلك عند هناد شريف يف «رقم ‪ 4‬يأمركم»‬
‫و عند طالب عمران يف «الكوكب اخلامس» و‬
‫يف رواي��ة السوري عبدو حممد «عيون ترقب‬
‫األرض» ‪.‬‬
‫وهي يف األغلب كائناتٌ استسالمية وهادئة‬
‫إىل أبعد احلدود رغم ما حتوزه من قوةٍ هائلةٍ‪،‬‬
‫فاملخلوق الفضائي الذي َقدِم إىل األرض على‬
‫منت مركبةٍ تبثّ رسائل السالم بكافة لغات أهل‬
‫األرض‪ ،‬هذا املخلوق عندما تطوَّق مركبته وتطلق‬
‫عليها اإلشعاعات الليزرية يكتفي بالتحذير من‬
‫أنّ مركبته قادرةٌ على تكثيف تلك اإلشعاعات‬
‫القاتلة و إطالقها باجتاهاتٍ خمتلفةٍ قبل أن‬
‫يرتك املؤمتر وينصرف بسالم‪.‬‬
‫بينما يتصرّف العمالق الكوني ( تارا ) يف‬
‫قصة «الطبق الطائر» لطالب عمران مبنتهى‬
‫احلضارة‪ ،‬عندما يغادر األرض فور علمه بأنه‬
‫كائنٌ غري مرغوبٍ به على األرض‪ ،‬و لكن تارا مل‬
‫يتوصل إىل هذه النتيجة بسهولةٍ فقد أمطرت‬
‫القذائف و الصواريخ مركبته بواب ٍل من النريان‬
‫فلم تتأثر بل انطلقت إىل الفضاء اخلارجي‬
‫لتعود ثاني ًة إىل األرض من أجل إنقاذ صديقيّ‬
‫العمالق األرضيني مريم وعاصم‪.‬‬
‫أمّا هناد شريف يف قصته «سرّ القادم من‬
‫أع��ل��ى» ف��إنّ املخلوق الفضائي الصغري الذي‬

‫‪19‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يسقط جرحياً على األرض وهو ينزف دماً‬
‫أزرق‪ ،‬والذي يهامجه القرويون ألسبابٍ تافهةٍ‪،‬‬
‫هذا املخلوق خيتفي عن العيون خملّفاً وراءه‬
‫علب ًة معدني ًة بداخلها ث�لاث كلمات تقول ‪:‬‬
‫«حنن‪ -‬ننشد‪ -‬صداقتكم»‪.‬‬
‫لكنّ الكائنات الفضائية مل تكن لتحتفظ‬
‫هبدوئها دائماً‪ ،‬إذ إهنا مل تكن على درجةٍ واحدةٍ‬
‫من الطيبة دوماً‪ .‬على األقل‪ ،‬هذا ما يراه عددٌ‬
‫من كتّاب اخليال العلمي العربي الذين قدّموا‬
‫هذه الكائنات على أهنا شرٌّ مطلقٌ ال بدّ من‬
‫مواجهته‪ ،‬فتلك الكائنات يف األدب العربي ال‬
‫تبتغي األرض لكي تستعمرها كما هو احلال‬
‫لدى كتّاب الغرب بل إهنا تتّسم خبطورةٍ أشدّ‬
‫ألهنا تنشد اإلنسان ذاته الستغالل جسده أو‬
‫روح��ه أو طاقته احليويّة يف سبيل استمرار‬
‫دميومتها هي أو دميومة حضارهتا‪.‬‬
‫ولرمبا قام األغيار برحالتٍ فلكيةٍ للتجسّس‬
‫على األرض‬
‫ألغراض غامضةٍ‪ ،‬وهم يفعلون من‬
‫ٍ‬
‫أجل ذلك األفاعيل فيلتهمون ويقتلون و حيلون‬
‫أنفسهم يف جسوم األرضيني‪ ،‬أو يتغلغلون يف‬
‫مسامّهم دون أن جيد البشر دفعاً هلذه الكوارث‬
‫الكونية الغريبة‪ ،‬ففي قصة «األنصاب» حملمد‬
‫احلاج صاحل تلقي الكائنات الفضائية حجارةً‬
‫على شكل أنصابٍ مشعةٍ يف ك ّل زاويةٍ و يف كل‬
‫شار ٍع من املدينة‪ ،‬هذه األنصاب ترسل بال تو ّقفٍ‬
‫إشعاعاتٍ ق��ادرةً على مسح الذاكرة اإلنسانية‬
‫وبرجمة األدمغة بغية التحكم بالبشر‪ ،‬يقول ‪:‬‬
‫((‪ .. .‬نبضات اإلشعاع اليت تبثها احلجارة تؤثر‬
‫على اخلاليا العصبية على مستوى األنزميات‬
‫فائقة السرعة‪ ،‬و تقوم ب��دور الوسيط بدالً‬
‫عنها‪ ،‬وميكنها بذلك مسح ال��ذاك��رة ث��م تبث‬
‫رسائ َل جديدةً إليها جتعلها طوع أمرها‪ ،‬و هبذه‬
‫الطريقة مت ّكن الغرباء من التح ّكم عن قربٍ ‪ ،‬و‬
‫لرمبا عن بعدٍ يف عقول الناس )) ‪ 3‬وعندما‬
‫يُفشِل علماءُ األرض مهمّة األشرار فإنّ هؤالء‬

‫‪20‬‬

‫ي��ع��ودون م��ه��زوم�ين إىل سفينتهم ال�تي كانت‬
‫تدورحول كوكب الزّهرة‪ ،‬ولكنهم يتوعّدون أهل‬
‫األرض بالعودة جمدداً‪ ،‬ويؤكدون هلم بأهنم لن‬
‫يفلتوا منهم يف امل��رة القادمة ‪ (( :‬إىل شعوب‬
‫األرض لقد حرّرمت أنفسكم من سيطرتنا لكننا‬
‫نوجّه حتذيراً إليكم ‪ :‬إنّ ح ّكامنا لن يهدؤوا قبل‬
‫العودة إليكم والسيطرة على كوكبكم )) ‪ 4‬أمّا‬
‫ملاذا هذا اللؤم واحلقد لدى الغرباء‪ ،‬فهذا ما مل‬
‫جيب عليه املؤلف‪.‬‬
‫ويف «نبوءة الشيخ مسعود» ‪ 5‬لصالح الدّين‬
‫معاطي خيطف األغيار الكونيون الشيخ مسعود‬
‫«األج��دب» على منت طبقٍ طائ ٍر مع جمموعةٍ‬
‫كبريةٍ من الناس وجيربوهنم على تنفيذ مهماتٍ‬
‫جتسسيةٍ على األرض‪ ،‬وخيربوهنم بأهنم إذا ما‬
‫أفشوا أسرارهم فإهنم سيموتون‪ ،‬لكن الشيخ‬
‫مسعود خيرب أهل القرية بقصة الطبق الطائر و‬
‫كيف أنّ حياته ستكون مثناً هلذا اإلنذار‪ ،‬بيد أنّ‬
‫أهل القرية مل يكونوا ليصدقوا الشيخ مسعود‬
‫يف أق� ّل من هذا الكالم فكيف إذا حت�دّث عن‬
‫األطباق الطائرة فلم يلقوا له باالً‪ .‬ويف صباح‬
‫اليوم التايل جيد القرويون جثة الشيخ مسعود‬
‫حمرتق ًة إثر صاعقةٍ أصابته‪.‬‬
‫وم��ن حيث ال��ق��درات الطبيعية ال�تي ُزوّدت‬
‫هبا هذه الكائنات فإهنا إمّا أن تكون خملوقاتٍ‬
‫بدائي ًة تعيش مرحلة احلياة الفطرية‪ ،‬وعند‬
‫ذلك تتصرّف حبركاتٍ حيوانيةٍ تشبه أفعال‬
‫القردة أو النحل أو النمل‪ ،‬وتندفع بردات فع ٍل‬
‫غريزية حبتة‪.‬‬
‫وميكن أن نالحظ أنّ كتّاب اخليال العلمي‬
‫العربي مل ترُ ْق هلم هذه الصورة كثرياً‪ ،‬فهي ال‬
‫ترتدّد يف كتاباهتم إال نادراً‪ ،‬و نذكر مثاالً على‬
‫ه��ذه احل��ال��ة م��ا ورد يف رواي���ة «س��ك��ان العامل‬
‫الثاني» للكاتب هناد شريف‪ ،‬إذ يتم ّكن العامل‬
‫مسيح م��ن ال��دخ��ول أث�يري �اً إىل ك��وك��بٍ دخي ٍل‬
‫على املعلومات اليت توصل إليها علماء الفلك‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫فريصد هذا العامل خملوقاتٍ بدائي ًة هلا دروع‬
‫ترعى العشب‪ ،‬بينما تعيش القردة اليت تتمتع‬
‫بذكاءٍ حمدودٍ على هذا الكوكب‪ ،‬وهي تقطنه‬
‫على شكل مجاعاتٍ قبليةٍ‪.‬‬
‫وتبدو هذه القردة ذات الذكاء احمل��دود يف‬
‫مرحلةٍ مغرقةٍ يف البدائية إذ إهنا ال تعرف اللغة‬
‫أو النار أو الزراعة‪ ،‬ومل يهدها ذكاؤها الفطري‬
‫إىل صنع أي أدواتٍ أو أس��ل��ح�ةٍ ل��ل��دف��اع عن‬
‫نفسها‪ .‬إذاً فعلى هذه احليوانات أن تنتظر ثالثة‬
‫ماليني سنةٍ لتكتشف النار‪ ،‬و لكنّ زعيم القردة‬
‫الذي ميثل طفرةً من التطور احلضاري يتم ّكن‬
‫من اكتشاف النار اليت كانت ستسرِّع حضارة‬
‫الكوكب ماليني السنني لوال أنّ مجاعات القردة‬
‫ترفض االكتشاف رفضاً قاطعاً‪ ،‬و يكون جزاء‬
‫الزّعيم أن أُلقي يف النار اليت أشعلها بنفسه‪.‬‬
‫و يؤكد مسيح أنّ هذه القردة اليت مل تكتشف‬
‫النار بعد هي احللقة املفقودة يف سلسلة التطور‬
‫البشري اليت ال يزال بعض العلماء يبحث عنها‬
‫حتى اليوم‪... .‬‬
‫يف املقابل جند أنّ كتّاب النوع العرب ذكروا‬
‫كثرياً من اجملتمعات غري البشرية املتقدّمة جداً‬
‫على الكواكب األخرى‪ ،‬فإذا كانت فطرة القرود‬
‫و طبيعتها ال تسمح هلا بتقدير اكتشاف كالنار‪،‬‬
‫فإننا جند بإزاء ذلك يف أدبنا تلك الكائنات اليت‬
‫تعتمد على التخاطر يف تواصلها‪ ،‬أو أنّ حتوّل‬
‫نفسها إىل طاقاتٍ طليقةٍ‪ ،‬ال بل إهنا كثرياً ما‬
‫تتحدى املوت فال متوت إال حني تريد !‪.‬‬
‫وميكن أن نقرأ هذه النقاط الثالث بكثرةٍ لدى‬
‫الكاتب طالب عمران‪ ،‬فعندما يتحدّث أحد رواد‬
‫املركبة ( ابن حيان ‪ 16‬ع اجلوزة ) ‪ 6‬إىل خملوقٍ‬
‫غري‬
‫مرئي من خملوقات الكوكب زحل يقول ‪:‬‬
‫ٍّ‬
‫(( مل ننبس بكلمةٍ كنا نشعر أننا نتخاطب مع‬
‫خملوقاتٍ غري مرئيةٍ تدور حولنا )) ‪.7‬‬
‫ومع أنّ هذه القدرة اهلائلة مت ّكن املخلوقات‬
‫م��ن م��ع��رف��ة م��ا ي����دور يف ذه���ن اآلخ����ر على‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫الفور‪،‬األمر الذي تتمكن من خالله من السيطرة‬
‫على البشر بسهولة يف القصص الغربي‪ ،‬كما‬
‫أهنا هبذه الوسيلة تستطيع أن تضخّ ما تريده من‬
‫أفكا ٍر مباشرةً إىل املليارات من الرؤوس البشرية‪،‬‬
‫لكنها عندما تكون كائناتٍ صديق ًة ‪ -‬كما هو‬
‫احل��ال عند أكثر املؤلفني العرب – ف��إنّ هذه‬
‫القدرة التخاطرية تقتصر على اكتساب اللغة‬
‫من أذهان البشر الستخدامها يف التفاهم مع‬
‫األرضيني‪ ،‬فعندما تلتقي (دميا) رائدة السفينة‬
‫ابن فرناس) بالكائنات املرخيية ختاطبها تلك‬
‫املخلوقات النحيلة الطويلة اليت تتحرك ببطء‪:‬‬
‫((‪ -‬ال ختايف حنن كائناتٌ مسامل ٌة‪ ،‬ال نعرف‬
‫العدوان‪.‬‬
‫هبطت من العربة و هي تسمع أصواهتم ‪:‬‬
‫ حن��ن أص��دق��اء‪ ... .‬كنا نسكن الكوكب‬‫األمحر‪ ،‬حني تعرضنا لكارثة‪.‬‬
‫ كارثة فضائية ؟‬‫ ت��ع��ايل إىل غ��رف��ة ال��ق��ي��ادة يف سفينتنا‬‫سنحكي لك ما جرى لنا‪.‬‬
‫ ولكن ؟‬‫ ال ختايف حنن نتحدث من العقل إىل العقل‪.‬‬‫‪ ..‬حنن كائناتٌ مسامل ٌة‪.‬‬
‫ إن��ه يتكلّم دون أن حي��رك شفتيه‪ ،‬شكله‬‫يشبه البشر‪ ،‬و لكنه عمالق حنيل‪8 )) .. .‬‬
‫وي��ص��ف إي��ه��اب األزه���ري ح��ال��ة ع��ل�يّ رائد‬
‫الفضاء على كوكب امل��ري��خ وق��د ب��دأ يكتسب‬
‫مهارة التخاطر اليت تتمتع هبا الكائنات املرخيية‬
‫منذ أزمان سحيقة فيقول ‪ (( :‬كان علي حيس‬
‫بأن ذهنه مع مرور الساعات يتحول بالتدريج‬
‫إىل جهاز استقبال زائ��د احلساسية يستقبل‬
‫اإلرس����ال الضعيف لكل األذه����ان ال�تي تفكر‬
‫حوله‪9 )).‬‬
‫وباجململ فإننا نالحظ أنّ ك ّ��ت��اب اخليال‬
‫العلمي يف الشرق و الغرب ينطلقون من قاعدةِ‬
‫أنّ الكون معمورٌ بكائناتٍ عاقلةٍ س��واء أكانت‬

‫‪21‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫خ�يرةً أم شريرةً‪ ،‬لكن ّه��ذه الكائنات تكون‬
‫بعيدةً جداً فال ميكن االتصال هبا أو الوصول‬
‫إليها إال إليها مب��رك��ب��اتٍ خياليةِ السرعة و‬
‫َ‬
‫الوقود‪ ،‬أو‬
‫بوسائط حيويةٍ أخرى كأن يسافر‬
‫اإلن��س��ان أث�يري �اً أو روح��ي �اً إىل تلك الكواكب‪،‬‬
‫وقد تبادر تلك الكائنات اليت متتلك الوسائل‬
‫و املراكب املتطوّرة فتقدُم إلينا أوالً حتت نياتٍ‬
‫خمتلفةٍ سلميةٍ أو عدائيةٍ‪.‬‬
‫هذا كالم األدباء أرباب اخليال‪ ،‬أمّا العلماء‬
‫فإنّ أحداً منهم مل جيرؤ على التفوّه مبثل هذا‬
‫الزّعم‪ ،‬مبعنى أنك لن جتد عاملاً أرضياً ذا وقا ٍر‬
‫علمي يؤكد لك بأنه استطاع اكتشاف كوكبٍ‬
‫ٍّ‬
‫واحدٍ على األقل تقطنه كائناتٌ أعلى أو أدنى‬
‫من اإلنسان مرتب ًة‪ ،‬ال بل إنّ معظم علماء اليوم‬
‫يقولون إننا إذا استخدمنا أسرع وسيلةٍ للتخاطب‬
‫منتلكها اليوم‪ ،‬وهي اإلش��ارة الالسلكية‪ ،‬فإنّ‬
‫احتمال ردّ تلك الكائنات علينا لن يتل ّقاه مرسل‬
‫الرسالة وال معاصروه وال حتى أحفاده األوائل‪،‬‬
‫ألهنم مجيعاً سيكونون قد اُنتِقلوا إىل جوار رهبم‪،‬‬
‫و إنّ أحد العلماء إذا إرسل رسال ًة السلكي ًة تقول‬
‫جلرياننا يف الكون ‪« :‬صباح اخل�ير» فإنّ الرّد‬
‫سيأتي بعد ق��رو ٍن ولرمبا آالف السنني‪ ،‬هذا‬
‫إذا اهتمّت تلك الكائنات بتلك الرسائل‪ ،‬وإذا‬
‫استطاعت فهمها‪ ،‬وإذا ارتأت أنه ينبغي عليها‬
‫ردّ التحية‪ ،‬وإذا مت ّكنتْ التلسكوبات واألجهزة‬
‫األرضية من التقاط ال �رّد‪ ،‬و إذا و إذا‪ .. .‬ويا‬
‫للصرب اجلميل !‪.‬‬
‫كما يعارض عددٌ من العلماء فكرة إرسال‬
‫مثل تلك اإلشارات أو اللوحات املعدنية املرمَّزة‬
‫اليت حتملها املركبات الفضائية اليت تطلقها أممُ‬
‫األرض املتحضرة حبجة أنّ تلك الرسائل قد‬
‫ال تُقرأ أو تفسّربالطريقة اليت نريد‪ ،‬و لرمبا‬
‫ُفسّرت بعكس ما أُريد منها متاماً‪ ،‬ألنه ما من‬
‫إشاراتٍ أو لغاتٍ مشرتكةٍ بيننا و بني هؤالء‪ ،‬فإذا‬
‫ما أساءت املخلوقات الكونية فهم إشاراتنا فإننا‬

‫‪22‬‬

‫سنكون قد نبهناها إىل أرضنا اليت خنتبئ عليها‬
‫يف أطراف الكون القصيّ‪ ،‬و بالتايل نكون قد‬
‫فتحنا على أنفسنا أبواب حربٍ كونيةٍ ال قبل لنا‬
‫هبا و ال طاقة لنا على ردّها !‪.‬‬
‫وم��ع أنّ العلماء ي��ؤك��دون صباحاً و مساءً‬
‫على أنّ الكون أوسع بكثريٍ ممّا ميكن أن يتخيله‬
‫اإلن��س��ان‪ ،‬وأنّ مهمة البحث ع��ن خملوقاتٍ‬
‫ذكيةٍ لن يأتي بنتائجَ سريعةٍ ‪ -‬إذ حيتاج األمر‬
‫لتفتيش ماليني و رمبا مليارات الكواكب ‪ -‬فإنّ‬
‫الناس يف طول األرض و عرضها ما ينف ّكون‬
‫يؤكدون أهنم شاهدوا أو التقوا بكائناتٍ فضائيةٍ‬
‫أكثر رقياً وحضارةً‪ ،‬ولرمبا إدعى بعضهم أنّ‬
‫هذه الكائنات تعيش بني ظهرانينا منذ آالف‬
‫السنني دون أن يعلنوا عن هويتهم أو يربزوا‬
‫أنفسهم أو يكرتثوا للبشر‪ .‬وهؤالء – على حدّ‬
‫زعم املتحدثني ‪ -‬يعربون بيننا بطريقةٍ المرئيةٍ‬
‫أو بأشكا ٍل بشريةٍ وعقو ٍل وغاياتٍ كونيةٍ‪ ،‬فإذا‬
‫ما قلت ألحدهم‪ :‬ما الذي مينع هؤالء املتطوّرين‬
‫من اإلعالن عن أنفسهم واحلديث إلينا ؟ أجابك‬
‫بقوله ‪ :‬إهنم حتى ال يهتمون بنا ألهنم ينظرون‬
‫إلينا كحيواناتٍ أو حشراتٍ حقريةٍ‪ ،‬وهل ف ّكر‬
‫إنسانٌ ما يف يو ٍم ما بأن يشرح للصرصار بأنه‬
‫أكثر منه تطوراً و رقياً ؟!‪.‬‬
‫وي��س��اه��م ع���ددٌ ك��ب�يرٌ م��ن ك � ّت��اب الصحافة‬
‫الصفراء يف ترويج تلك األف��ك��ار بني الناس‪،‬‬
‫ف��ن��راه��م م��ا ينف ّكون ينفخون ج��ذوهت��ا كلما‬
‫شارفت على االنطفاء‪ ،‬وأغلب هؤالء من الذين‬
‫يبغون لفت انتباه ال��ق��راء إليهم بأخبار تثري‬
‫الفرقعة‪ ،‬فما إن خيتفي أح��ده��م حتى يطل‬
‫آخر برأسه ليزفّ إلينا أخباراً غريب ًة عن غرباء‬
‫يعيشون بيننا أو يزوروننا طائرين أو راجلني أو‬
‫غري مرئيني‪ .‬وحتى إنّ بعض الصحف الرّمسية‬
‫املعروفة بتح ّفظها وحرصها على عدم ترويج‬
‫الشائعات قد نالت منها عدوى الغرباء‪ ،‬فراحت‬
‫تنشر بني الناس أخباراً ال تتناسب مع وقارها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫واتزاهنا أو صفتها الرّمسية‪ ،‬فقد نشرت صحيفة‬
‫(الثورة) السورية على صفحتها األخ�يرة خرباً‬
‫بعنوان ‪« :‬عدوى الكائن الفضائي تصل محص‪.‬‬
‫‪ »!.‬يقول ‪ (( :‬يبدو أنّ حكاية الكائن الغريب‬
‫بدأت تتناقل بسرعةٍ ويف ك ّل مكانٍ‪ ،‬فبعد أن‬
‫سادت شائع ٌة غريب ٌة عن هذا الطائر الفضائي‬
‫يف إدلب انتقلت العدوى إىل محص‪ ،‬حيث أكد‬
‫البعض منهم رؤيتهم له على طريق تدمر القديم‬
‫شرق جنوب مدينة محص‪ ،‬حيث ظهر فجأةً‬
‫يف السماء – حسب وصفهم – شك ٌل يشبه‬
‫اإلنسان‪ ،‬متوسط الطول واحلجم يطري يف اهلواء‬
‫من الشمال إىل اجلنوب وهو فاتحٌ رجليه ومادٌّ‬
‫يديه على جانبيه‪ ،‬مرتدياً لباساً أسود من أسفل‬
‫رجليه إىل أعلى رأس��ه خيفي تقاسيم الوجه‪،‬‬
‫ويظهر على الظهر انتفا ٌخ دائريٌّ الشكل وكأنه‬
‫حيمل بداخله شيئاً ما يساعده على الطريان‬
‫مع حركة الرجلني اخلفيفة‪ .‬وشدّد هؤالء على‬
‫حقيقة رؤيتهم له بدليل حتديدهم لوقت طريان‬
‫هذا الكائن والذي كان يف متام الساعة السابعة‬
‫والنصف صباحاً ويف ج ٍّو صافٍ وريا ٍح هادئةٍ‪.‬‬
‫ولع ّل هذا يدفعنا للتفكري قليالً‪ .. .‬أهو كائنٌ‬
‫فضائيٌّ أم هي عدوى الغرية من أهايل إدلب‪.‬‬
‫‪ .‬؟ ! )) ‪10‬‬
‫ثالث ًا‪ -‬اخرتاق الزمن ‪:‬‬
‫تستند فكرة احل��رك��ة يف ال��زم��ن إىل فكرةٍ‬
‫أساسيةٍ اختذها كتّاب اخليال العلمي ثيم ًة‬
‫‪ Theme‬هلم وه��ي فكرة «الرحلة»‪ ،‬فالرحلة‬
‫يف أدب اخليال العلمي الغربي كانت تتمّ أفقياً‬
‫وشاقولياً ويف مجيع االجتاهات‪ ،‬إي الصعود‬
‫إىل الفضاء‪ ،‬و اهلبوط إىل باطن األرض وأعماق‬
‫البحار‪ ،‬و استكشاف اجلزر املعزولة و كائناهتا‬
‫املدهشة‪ ...‬أمّا فكرة اخرتاق الزمن فهي تش ّكل‬
‫حتوالً يف منهج الرحلة و شكلها‪ ،‬إذ ال تتمّ الرحلة‬
‫يف املكان الواقعي الذي نستند إليه بقوةٍ و إمنا‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يف أزمنةٍ افرتاضيةٍ وعلى منت آالتٍ افرتاضيةٍ‬
‫يستقلّها أشخاص افرتاضيون‪.‬‬
‫وألنّ اإلن��س��ان ي��درك أن��ه ينجرف يف تيا ٍر‬
‫زمين يتّسم بالدميومة واالستمرار‪ ،‬ومبا أنه ال‬
‫ميلك حيل ًة إليقاف سريان هذا النهر اجلارف‪،‬‬
‫فقد جلأ إىل اخليال مستفيداً من املصطلحات‬
‫اإلنسانية يف حتديد امل��واق��ع الزمنية وه��ي ‪:‬‬
‫املاضي واحلاضر واملستقبل‪ .‬وهبذا فقد حاول‬
‫كتّاب اخليال العلمي التلصص على املاضي‪،‬‬
‫وجتميد احل��اض��ر‪ ،‬واس��ت��ش��راف املستقبل يف‬
‫�ص ورواي������اتٍ طبعتها مس��ة املغامرات‬
‫ق��ص� ٍ‬
‫والتشويق والدهشة‪.‬‬
‫ويعدّ الكاتب اإلنكليزي هـ‪ .‬ج ويلز أول مبتك ٍر‬
‫��ي آلل��ة الزمن ‪the Time Machine‬‬
‫روائ� ٍّ‬
‫مبعناها احلقيقي‪ ،‬وبذلك يكون هو أول كاتب‬
‫حيكم الزمن ويقهره‪ .‬وقد فتح ويلز باب الرحلة‬
‫الزمنية لزمالئه الغربيني‪ ،‬ول��ك� ّت��اب اآلداب‬
‫العاملية األخرى فيما بعد‪ .‬ومع أنه سافر بآلته‬
‫هذه إىل املستقبل البعيد ‪ -‬إىل العام ‪2701‬م‬
‫حتديداً ‪ -‬فإنّ الكتّاب من بعده استغلوا هذه‬
‫اآلل��ة أفضل استغالل فأرسلوها إىل املاضي‬
‫واملستقبل متخذين منها ستاراً لفلسفتهم جتاه‬
‫الزمن ال��ذي تعدّ نظريته من أكثر النظريات‬
‫إشكاالً بني العلماء‪ .‬كما تفنّن الكتاب من بعد‬
‫وي��ل��ز يف تصميم تلك اآلل���ة ك� ٌّ�ل حسب ذوقه‬
‫وثقافته وبيئته‪.‬‬
‫وسنستعرض يف هذا الباب أهمّ الرحالت‬
‫الزمانية اليت قام هبا الكتّاب الغربيون والعرب‪،‬‬
‫مكتفني بأمثلةٍ ألهمّ األمس��اء الروائية وأشهر‬
‫العناوين القصصية ضمن األب��ع��اد الزمنية‬
‫املعروفة وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرحلة إىل املاضي‪.‬‬
‫ب ‪ -‬جتميد احلاضر‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬الرحلة إىل املستقبل‬

‫‪23‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪ -1‬الرحلة إىل املاضي ‪:‬‬
‫أ‪ -‬يف األدب الغربي ‪:‬‬
‫غالباً ما تثري الرحلة إىل املاضي عند كتّاب‬
‫اخل��ي��ال العلمي و ن��ق��اده ت��س��اؤالً ي���دور حول‬
‫أمهية تلك الرحلة‪ ،‬وهل ميكن تغيري املاضي‬
‫فعالً أم االكتفاء برحلةٍ عبثيةٍ أو استطالعيةٍ‬
‫وحسب‪ .‬ف��إذا كانت اإلجابة ب��أنّ الرحلة تتمّ‬
‫لالستكشاف وإرواء الفضول فعند ذلك تنكشّف‬
‫عورات الرواية أو القصة‪ ،‬وإذا هي جمرد قصةٍ‬
‫طفلي ٍ‬
‫ذات خيا ٍل‬
‫مس��ج‪ ،‬كما أنّ البطل يتسم‬
‫ٍّ‬
‫ّاص يكتفي بالتفرج‬
‫بالسلبية املطلقة فيبدو كغو ٍ‬
‫على األمساك وهو حيملق مدهوشاً من خلف‬
‫نظارته‪.‬‬
‫أمّ��ا إذا تناول الكاتب الزمن بوصفه بعداً‬
‫دينامياً قابالً للتغيّر‪ ،‬فعند ذلك تبدو املشكلة‬
‫أصعب وأبعد عن التصديق‪،‬ألنّ تغيري الزمن‬
‫املاضي يثري تناقضاتٍ ال حصر هلا يف الزمن‬
‫احل��اض��ر تصل خ��ط��ورهت��ا إىل مسألة إثبات‬
‫ال��وج��ود م��ن ع��دم��ه‪ .‬إذ تضرب الشخصيات‬
‫الروائية والقصصية الغربية أمثل ًة وتتناول‬
‫فرضياتٍ تضع احلقيقة يف تقاطع ‪ -‬ورمبا يف‬
‫تناقض تام – مع ما ينادي به الروائي نفسه‪،‬‬
‫فبطل رواية «املسافر املتهور» لرينيه بارجافل‬
‫يتساءل فيما إذا سافر إىل املاضي وقتل نفسه‬
‫هناك فهل هو موجودٌ يف احلاضر فعالً أم غري‬
‫موجودٍ؟ فإذا كانت حادثة القتل قد وقعت يف‬
‫املاضي فمعنى ذلك أنه لن يكون موجوداً يف‬
‫احل��اض��ر‪ ،‬و بالتايل فهو مل يقتل نفسه ومل‬
‫يسافر إىل املاضي فعالً‪ .‬وهبذا اخلصوص يقول‬
‫ويلسون منتقداً فكرة السفر يف الزّمن لدى ويلز‪:‬‬
‫((‪ .. .‬و لكنه مثل لوفكرافت مل يواجه مجيع‬
‫املتناقضات الصارخة ال�تي ستنشأ من قوله‬
‫ذاك‪ ،‬فمثالً‪ ،‬يستطيع مسافر الزمن أن يسافر‬
‫عائداً إىل األمس‪ ،‬ويلتقط نفسه كما كانت يف‬
‫اليوم األس��ب��ق‪ ،‬ثم يسافر يوماً آخ��ر ويلتقط‬

‫‪24‬‬

‫نفسه كما كانت قبل يومني‪ ،‬وجيتمع لديه بذلك‬
‫جيشٌ من (نفوسـه) ال يُحصى عدده‪ .‬أي أن هذا‬
‫يشتمل على عددٍ ال حيصى من العوامل املتوازية‬
‫اليت يقع ك ّل واحدٍ منها جبزءٍ من الثانية خلف‬
‫اآلخ��ر‪ ،‬و يكون السفر الزمين انتقاالً جانبياً‬
‫مل إىل آخر )) ‪ 11‬وهكذا تتمّ مناقشة‬
‫من ع��ا ٍ‬
‫القضية بشك ٍل‬
‫دائري ال هناية له تذكرنا باللغز‬
‫ٍّ‬
‫الذي يتندر به األطفال عمّن خُلق أوالً البيضة‬
‫أم الدجاجة ! ‪.12‬‬
‫وعندما يكون السفر إىل املاضي متاحاً فال‬
‫بدّ من حراسته من عبث العابثني‪ ،‬ألنّ النظرية‬
‫األكثر ت��أث�يراً ومنطقي ًة تقول ب��أنّ التأثري يف‬
‫املاضي جيب أن يو ّلد تغيرياً خطرياً يف احلاضر‬
‫و املستقبل‪ ،‬لذا فقد سيّر بول أندرسون دورياتٍ‬
‫من شرطة الزمن حترس املسارات الزمانية يف‬
‫روايته «دوريّة الزمن» ألنّ السيادة على احلاضر‬
‫واملستقبل تعين السيطرة على املاضي و احلفاظ‬
‫عليه من التصرفات السيئة لقراصنة الزمن‪،‬‬
‫إذ (( يصف ب��راد ب��وري يف «تفاحات الشمس‬
‫الذهبية» و ‪ -‬بضربة معل ٍم ‪ -‬كيف أنّ سحق‬
‫فراشة طارئاً حدث خالل رحلةٍ يف أدغال ما‬
‫قبل التاريخ ( سافاري )‪ّ ،‬‬
‫نظمتها وكالة سفرياتٍ‬
‫يف القرن احلادي والعشرين‪ ،‬قد أدّى إىل تغيري‬
‫نتائج االنتخابات الرئاسية األمريكية و «عرضيا‬
‫تغيري الكتابة اإلمالئية» )) ‪.13‬‬
‫وتنطلق معظم الروايات الزمانية اليت تتناول‬
‫املاضي لدى كتاب الغرب من نظريةٍ تقول إنّ‬
‫تعديالً يف املاضي مهما كان صغرياً ميكن أن‬
‫يرتك آث��اراً جسيم ًة على احلاضر واملستقبل‪،‬‬
‫ف���إذا ك��ان احل���ادث ك��ب�يراً وه��ام �اً فعند ذلك‬
‫يكون من املنطقي أن يغيّر مسارات احلاضر‬
‫واملستقبل بانعطافاتٍ خطريةٍ و ح��ادّةٍ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫ك��ان احل��دث تافهاً كسحق ف��راش�ةٍ ل��دى براد‬
‫بـوري مثالً فإنّ آثاره الرتاكمية تش ّكل تسارعاً‬
‫يف األحداث مع مرور الزّمن‪ ،‬وهذا ما يسميه‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫براد بوري «سببية لعبة الدّومينو «‪.‬‬
‫وم��ن الطبيعي أن��ه عندما تكرب األح���داث‬
‫التارخيية وتتعاظم فإنّ اإلنسان يصبح عاجزاً‬
‫عن الوقوف يف وجه العجلة اهلائلة اليت كان هو‬
‫صانعاً هلا – بعلمه أم من غري علمه ‪ -‬من حدثٍ‬
‫تافهٍ مل يكن ليلفت انتباهه‪.‬‬
‫وقد ال تكون وسيلة السفر يف الزمن واضح ًة‬
‫ل��دى الكاتب دائ��م�اً‪ ،‬مبعنى أنّ بعض الكتاب‬
‫يدفع بأبطال قصته للسفر إىل املاضي بطريقةٍ‬
‫غامضةٍ أكثر فنتازي ًة من آالت الزمن املادية‬
‫اليت رأيناها لدى ويلز وبراد بوري وأندرسون‬
‫وغريهم‪ ،‬فالكاتب هبذه الصيغة غالباً ما يظهر‬
‫البطل وقد استقرت قدماه يف املاضي دون أن‬
‫يفسر لنا الطريقة اليت عرب هبا حاجز الزمان‪ ،‬بل‬
‫ير ّكز املؤلفون يف مثل هذه القصص والروايات‬
‫على احلدث بعينه وما ميكن أن يسفر عنه من‬
‫نتائج دراميةٍ أو فلسفيةٍ‪ ،‬فقصة «يتيم آخر»‬
‫جلون كيسيل تتحدث عن رج ٍل يعمل يف سوق‬
‫العملة ( البورصة ) يستيقظ فجأةً ليجد نفسه‬
‫على منت سفينةٍ ذات طرا ٍز أوروبيّ قدي ٍم يقودها‬
‫قبطانٌ متعجرفٌ يطارد حوتاً ضخماً‪.‬‬
‫وتتحدث جوانا روس ‪Joanna Russ‬يف‬
‫قصة «األرواح» عن ام���رأةٍ كانت تسكن ديراً‬
‫وتتصرف بتصرفاتٍ غريبةٍ‪ ،‬فهي تتعامل بلطفٍ‬
‫مع قراصنة «النورمسن» رغم غالظتهم وفظاظة‬
‫قلوهبم‪ ،‬وعندما يغتصب أحد هؤالء راهب ًة من‬
‫راهبات الدير فإهنا تقول لتلك الراهبة إهنا قد‬
‫اُغتصبت هي األخرى منذ زمنٍ بعيدٍ‪ ،‬وتعرتف‬
‫هلا بطالقةٍ أمام الراهبات بأهنا ّ‬
‫تلذذت بعملية‬
‫االغتصاب تلك و أهنا ال تزال تذكرها‪.‬‬
‫باملقابل فإن هذه املرأة حتاول أن حتمي بقية‬
‫الراهبات من الوقوع يف يد أولئك القراصنة‬
‫بأن متنحهم ك ّل ما يريدون من أثاث الدير حتى‬
‫الصليب‪ .‬و بعد هذه التصرفات احملرية ختتفي‬
‫تلك املرأة اللغز مع خملوقات نورانية لكنها أشبه‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫بالشياطني خ�لال بقعة ض��وءٍ غريبةٍ‪ ،‬وهكذا‬
‫ترحل البطلة من زم��نٍ لزمنٍ دون أن ختربنا‬
‫الكاتبة عن هوية تلك املرأة‪ ،‬وهل كانت قديس ًة‬
‫أم شيطان ًة‪.‬‬
‫ولرمبا مل تكن ك ّل األسفار إىل املاضي ذات‬
‫ت��أث�يرٍ يف س�ي�رورة ال��زم��ن‪ ،‬فقصة «املطافئ»‬
‫للكاتب كوني ويلز حتكي عن طالبٍ يف قسم‬
‫التاريخ تبعث به جامعته إىل املاضي يف جتربةٍ‬
‫فريدةٍ‪ ،‬إذ اختار أساتذة اجلامعة نقط ًة حمددةً‬
‫من املاضي أثناء احلرب العاملية الثانية ُقبيل‬
‫اهلجوم على ضاحية «سانت ويلز» مبدينة لندن‪،‬‬
‫وكانت مهمة البطل هي إيقاف اهلجوم على تلك‬
‫الضاحية بأي وسيلةٍ متاحةٍ‪ ،‬لكنّ البطل خيفق‬
‫يف مهمته إخفاقاً ذريعاً‪ ،‬ليس بسبب عجزه عن‬
‫إيقاف ذلك اهلجوم‪ ،‬بل ألنه يكتشف أنّ املاضي‬
‫ال ميكن تغيريه أب��داً‪ ،‬وأنّ سريورته قد ُقدِّرت‬
‫باجتاهٍ واحدٍ‬
‫وهنائي‪ ،‬إذ يركض البطل إلنقاذ‬
‫ٍّ‬
‫«إينوال» الفتاة اليت أحبته قبل أن تُقصف املدينة‬
‫– فهو يعرف من خالل دراسته للتاريخ أنّ ذلك‬
‫سيحصل قريباً – ولكنه يقول ‪ (( :‬لن أعثر‬
‫عليها‪ ،‬مل أستطع إنقاذها‪ ،‬ونظرتُ إىل املرأة‬
‫اليت تشرب الشاي و خُيّل إيل أنين لن أستطيع‬
‫إنقاذها هي األخرى‪ .‬إينوال و ّ‬
‫القط‪ ،‬أو أيّ واحدٍ‬
‫منهم ُفقِد هنا يف املمرات الالهنائية للزّمن‪.‬‬
‫املاضي ال ميكن إنقاذه )) ‪14‬‬
‫ب ‪ -‬يف األدب العربي ‪:‬‬
‫كانت بداية التعامل مع موضوع الزمن يف‬
‫أدب اخليال العلمي العربي فنتازي ًة حبت ًة لدى‬
‫عزّ الدين عيسى‪ ،‬ألهنا اختذت من عامل الزمن‬
‫أو آل��ة ال��زم��ن موضوعاً هامشياً تتكئ عليه‬
‫لعرض مقوالتٍ وأحداثٍ أخرى ال تُعنى بالزمن‬
‫إال كوسيلة من الوسائل الفنية أو األدبية للقصة‪،‬‬
‫فكانت آلة الزمن يف هذه األعمال كدرجة السّلم‬
‫اليت ال ننظر إليها إال إذا أردنا أن نضع أقدامنا‬

‫‪25‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عليها م��ن أج��ل الصعود ال��ذي ه��و الغاية‬
‫املرجوة‪ ،‬يقول حممود قاسم معل ّقاً على أسلوب‬
‫عزّ الدين عيسى يف تعامله مع مسألة الزمن‪:‬‬
‫((‪ ..‬وال��دك��ت��ور يوسف ع �زّ ال��دي��ن عيسى قد‬
‫استخدم املوضوعات العلمية التقليدية املتعارف‬
‫عليها مثل آلة الزمن‪ ،‬إال أنّ الرواية اليت كتبها‬
‫منذ عدة أعوا ٍم قليلةٍ حتت عنوان «الرجل الذي‬
‫باع رأسه» تنتمي إىل األدب الفنتازي وال تنتمي‬
‫ّ‬
‫قط إىل أدب اخليال العلمي‪ ،‬وقد يكون بعض‬
‫هذه األعمال يف شكل مسرحياتٍ قصريةٍ ضمّها‬
‫كتابٌ واحدٌ هو «نريد احلياة» )) ‪ 15‬وعلى هذا‬
‫فإنّ معظم ما كتبه عزّ الدين عيسى عن الزمن‬
‫خيرج من دائرة اخليال العلمي ليصنف يف زمرة‬
‫األحالم الفنتازية اليت ال تستند إىل أي نظرياتٍ‬
‫أو مربراتٍ علميةٍ حقيقيةٍ‪.‬‬
‫أمّا توفيق احلكيم فقد تناول مسألة الزمن‬
‫يف عددٍ من أعماله اليت اختذت شكل اخليال‬
‫العلمي مثل قصة «اآللة العجيبة»‪ ،‬وقصة «يف‬
‫سنة مليون» ومسرحييت «رحلة إىل الغد» و «لو‬
‫عرف الشباب»‪ .‬ويف ك ّل هذه األعمال يناقش‬
‫احلكيم قضية الزمن مناقش ًة فلسفي ًة تعتمد‬
‫املسلمات الزمنية اليت تعارف عليها الفالسفة‬
‫السابقون عليه‪ ،‬ومبا أنّ معظم هذه التعريفات‬
‫تربط بني حركة اجلرم املنتظمة ‪ -‬أو احلوادث‬
‫املنتظمة ‪ -‬كشروق الشمس و غروهبا‪ ،‬و ظهور‬
‫اهلالل وغيابه‪ ،‬والتغريات الفلكية و املومسية‪.‬‬
‫‪ ..‬لذا فإنّ احلكيم يقول بفناء الزمان عند فناء‬
‫احلوادث‪ .‬فبعد أن يكتشف السجينان يف «رحلة‬
‫إىل الغد» أهنما أصبحا كبطاريتني مشحونتني‬
‫تستحضران ح��وادث وص��ور املاضي يف عامل‬
‫خائلي يتحادث السجينان ‪:‬‬
‫افرتاضي‬
‫ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫(( السجني األول ‪ :‬فجأةً غمرني ما يشبه‬
‫الذهول !‪ .. .‬معنىً من املعاني خطر ببايل ‪ :‬هذه‬
‫األمهية اليت نعلقها اآلن على صور املاضي!‬
‫السجني الثاني ‪ :‬ذلك أنه مل لنا حاضرٌ وال‬

‫‪26‬‬

‫مستقب ٌل !‬
‫السجني األول ‪« :‬يف قلقٍ » ال تقل ذلك‪.‬‬
‫السجني الثاني ‪ :‬بل هو الواقع يا صديقي!‪.‬‬
‫‪ ....‬ما هو حاضرنا اليوم ؟‪ .. .‬وما هو مستقبلنا‬
‫غداً ؟!‬
‫السجني األول ‪« :‬مفكراً» اليوم ؟! الغد ؟!‪.‬‬
‫السجني الثاني ‪ :‬أرأيت ؟! كلمتان ال معنى‬
‫هلما هنا‪ .. .‬ألنه ال توجد حوادث‪ ...‬ال حيدث‬
‫هنا شيءٌ‪ .. .‬و لن حيدث‪ .. .‬كما قلتَ أنت ‪ :‬ال‬
‫جوع وال طعام وال عمل وال نوم و ال راحة وال‬
‫مرض وال شفاء‪ .. .‬ال شيء من هذا حيدث‪.. .‬‬
‫وحيث ال حوادث فال وقت‪.. .‬ألنّ احلوادث هي‬
‫اليت تصنع الوقت‪16 )) .. .‬‬
‫وقد تفنّن الكتّاب العرب يف صنع الوسائل‬
‫اليت مت ّكن أبطاهلم من العبور باجتاه األزمنة‬
‫املاضية‪ ،‬فمصطفى حممود خيرتع عقاراً إذا ما‬
‫حُقن به املرء رأى نفسه يف األزمنة املاضية و‬
‫يف حيواته السابقة قبل أن يكون إنساناً‪ ،‬وهي‬
‫فكرة مت��زج بني خرافة التقمّص ومكتشفات‬
‫العلم احلديث لدفع القارئ لالقتناع مبصداقية‬
‫األحداث الروائية اليت يتناوهلا الكاتب‪.‬‬
‫أمّا طالب عمران فقد م ّكن أبطال قصصه‬
‫ورواياته من العودة إىل املاضي بطرق شتى ال‬
‫تشبه بعضها يف ك ّل القصص‪ ،‬فقد ميكن العبور‬
‫إىل املاضي من خالل بئ ٍر عميقٍ أو حفرةٍ منسيةٍ‬
‫بني اآلث��ار‪ ،‬و قد تكون املنامات جسراً زمنياً‬
‫يقود املرء إىل مناطق زمنيةٍ قدميةٍ‪ .‬وقد يفاجأ‬
‫اإلنسان وهو ميارس أعماله اليومية بدخوله‬
‫إىل عص ٍر ما من املاضي دون أن يُربز الكاتب‬
‫لذلك تفسرياً معيناً‪.‬‬
‫ففي «النفق» ‪ 17‬يكتشف بطل القصة الشاب‬
‫بئراً مهجورةً تقوده إىل نفقٍ مظل ٍم يتشعب إىل‬
‫سراديب غامضةٍ‪ ،‬ثم ما يلبث أن يسمع أصوات‬
‫ضحكاتٍ نسائيةٍ ختتفي فجأةً‪ ،‬و عندما يتابع‬
‫سريه يف سردابه احللزونيّ مدفوعاً بالفضول و‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫حبّ املعرفة يفاجأ مبياه شال ٍل هاد ٍر ليسقط‬
‫مغشياً عليه‪ ،‬و حني يصحو ينزل يف مياه الشالل‬
‫فتجرفه على جذع شجرة إىل مكا ٍن‬
‫قصي ليجد‬
‫ٍّ‬
‫أنّ جممعاتٍ من اجلنود يوجهون إليه حراهبم‬
‫وهم يلبسون ثياب اجلند القدمية فيظنّ أهنم‬
‫ممثلون يقومون بتصويرعم ٍل ت��ارخي� ٍّ�ي‪ ،‬لكنه‬
‫يكتشف فيما بعد أنّ النفق أوصله إىل مدينة‬
‫«دورا» على هنر الفرات العظيم‪ ،‬وأنّ الزمن قد‬
‫جرفه إىل عص ِر محورابي سلطان العامل‪.‬‬
‫وامل��ف��ارق��ة ه��ي أنّ بطل القصة «شاهد»‬
‫ينحصر يف ذلك الزمن يف حني أال أحد يصدقه‬
‫عندما يقول بأنه جاء من عص ٍر خمتلفٍ و زمنٍ‬
‫متقدّ ٍم على أزم��اهن��م‪ ،‬وعندما يسأله الشيخ‬
‫احلكيم ‪ :‬كيف تعيش يف عص ٍر تفصلنا عنه‬
‫مئات السنني‪ ،‬وكيف يعود بك الزمن إىل الوراء؟‬
‫جييب الشاب قائالً ‪ (( :‬لست أدري‪ ،‬السرّ كله‬
‫يف ذلك النفق‪ ،‬يبدو أنّ الزمن متوقفُ خالله‪ ،‬أو‬
‫أنّ الزمن فيه مضطربٌ فوضويٌّ‪ ،‬حني يدخله‬
‫الكائن احليّ خيرج من عامله إىل عص ٍر آخر ال‬
‫يعرف عنه شيئاً )) ‪18‬‬
‫ويف قصة «أشباح املوت اجملاني» ‪ 19‬يتجه‬
‫الطبيب فارس بسيارته يف ج ٍّو ماط ٍر عرب طريقٍ‬
‫التوائيةٍ قاصداً مدينة مصياف لعالج زوج أخته‬
‫حامد‪ ،‬و بينما هو يقود سيارته على مهل يعرتّض‬
‫طريقه شابٌ بستانيٌّ يطلب منه أن يقلّه إىل بيته‬
‫داخل الغابة اجملاورة‪ ،‬و رغم خوف فارس فإنه‬
‫يقبل بإيصاله إىل قريته‪ ،‬لكنهما عندما وصال‬
‫إىل هناك وجدا أنّ «قاطعي الرقاب» قد هامجوا‬
‫القرية خبيوهلم اجل��احم��ة حاملني البلطات‬
‫واألس��ن��ة الالمعة فقتلوا األط��ف��ال واغتصبوا‬
‫النساء و مثلوا باجلثث‪ ،‬ثم غادروا القرية بعد‬
‫أن أحرقوا أكواخها وحماصيلها وهنبوا خرياهتا‪.‬‬
‫يسارع فارس إىل إخبار الشرطة مبا رآه من‬
‫أجل التدخل إلنقاذ الناس‪ ،‬هناك لكن الشرطة‬
‫يستغربون كالمه ألهنم مل يسمعوا طوال حياهتم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عن عصابة قاطعي الرقاب يف بلدةٍ آمنةٍ مثل‬
‫هذه البلدة‪ ،‬لكنّ إحلاح فارس عليهم وتأكيده‬
‫هلم مبا رأى جعلهم يذهبون برفقته إىل املكان‬
‫ال��ذي قادهم إليه‪ ،‬ولكن ما من قريةٍ وال أث ٍر‬
‫لبشر هناك !‪.‬‬
‫يتابع فارسٌ مسريه إىل منزل أخته ليفاجأ‬
‫بأنّ صهره حامداً قد رأى قاطعي الرقاب ولكن‬
‫ما من أحد يصدقه‪ ،‬ثم خيربه بأنه رآهم يعيثون‬
‫فساداً يف املكان الذي شاهدهم فيه فارسٌ من‬
‫قبل‪ ،‬وأنه أطلق عليهم النار من بندقيته لكنهم‬
‫اختفوا عن نظره فجأةً و بطريقةٍ غريبةٍ‪.‬‬
‫يذهب فارس وحامد إىل املكان الذي شاهدا‬
‫فيه أشباح املوت لكن النتيجة كانت أن ال أثر‬
‫ملثل هؤالء فعالً ((‪ ...‬ولكنّ أحد املعمَّرين يف‬
‫إحدى القرى‪ ،‬وكان عمره يقارب (‪ )120‬عاماً‬
‫أخ�بره عن وج��ود مثل ه��ؤالء الناس يف القرن‬
‫الثامن عشر‪ ،‬زم��ن السيطرة العثمانية على‬
‫سورية‪ ،‬وحكى هلما نقالً عن أجداده الكثري من‬
‫القصص املرعبة عنهم‪20 )) .‬‬
‫أمّا يف رواية «األزمان املظلمة» فإنّ الكاتب‬
‫يتن ّقل بأبطاله بني مناطق زمنيةٍ ثالث‪ ،‬اثنتان‬
‫منهما‪ ،‬يف املستقبل‪ -‬عام ‪2018‬م وعام ‪2040‬م‬
‫ بينما يسافر الدكتورهاني يف مناماته إىل‬‫عوامل قدميةٍ وعصو ٍر يعيش فيها الناس حكم‬
‫اإلمارة واجلند‪ ،‬وبني هذه األزمنة « املاضوية –‬
‫املستقبلية» حيرّك املؤلف أحداثه وشخصياته‬
‫مستخدماً طريقة اإلس��ق��اط التارخيي على‬
‫أح��داثٍ حاضرةٍ يستشرف من خالهلا أحداثاً‬
‫مستقبلي ًة فاجع ًة ومظلم ًة‪.‬‬
‫كما ق �دّم ص�لاح معاطي قصته «م��اذا لو‬
‫كانت أربعة ؟ «‪ 4‬مستوحياً موضوعها من نظرية‬
‫النسبية أللربت أنشتاين‪ ،‬إذ يشكل الزمن بعداً‬
‫رابعاً بعد الطول والعرض واالرتفاع‪ .‬ففي هذه‬
‫القصة يفاجأ املوظفون الذين يقيمون يف بنايةٍ‬
‫وحيدةٍ خلدمة املفاعل اجلديد وسط الصحراء‪،‬‬

‫‪27‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يفاجؤون يف ليلةٍ صامتةٍ بسماع أربع طلقاتٍ‬
‫ناريةٍ فيهرعون فزعني إىل اخلارج‪ ،‬وبينما هم‬
‫يتحادثون عمّن يكون قد أطلق النار يلتفت بطل‬
‫القصة ليبصر فتاةً أسطورية اجلمال تستند‬
‫إىل حائطٍ بالقرب منهم‪ ،‬مع أنّ البناية الوحيدة‬
‫امل��وج��ودة يف املنطقة ال يقطنها إال الرجال‪،‬‬
‫وعندما يسأهلا أحدهم عن هويتها تقول إهنا‬
‫مديرة املشروعات اجلديدة‪ ،‬وتسكن يف الطابق‬
‫الرابع مع أنه ما من طابقٍ راب ٍع يف البناء كله‪ .‬لكن‬
‫الضيفة الطارئة مل تكرتث بتساؤالهتم ومل تعبأ‬
‫بنظراهتم الشهوانية اليت راحت تلتهم جسدها‬
‫برشقاتٍ عشوائيةٍ‪ ،‬ثم تدعوهم إىل غرفتها يف‬
‫الطابق الرابع‪ ،‬وبالفعل يصعد الرجال خلفها‬
‫فيتجاوزون الطابق الثالث إىل الطابق الرابع –‬
‫الذي مل يكن موجوداً – وهنا يشكّ بطل القصة‬
‫يف أمرها وي��زداد حت�يراً‪ ،‬فيسأهلا عن هويتها‬
‫ومن أين أت��ت‪ ،‬فتقول بطريقة ملؤها اإلغراء‬
‫والرّقة ‪ - (( :‬أنا فينوس ابنة الفراغ مرتامي‬
‫األط���راف يف عاملنا غ�ير امل��رئ �يّ‪ .‬جئت إليكم‬
‫زائرةً من عاملنا الرّباعيّ املختفي خلف أستار‬
‫الزّمن‪ 1))..‬ثم تشرح هلم األبعاد‪ ،‬فهناك البعد‬
‫األول الذي يكون كمستقي ٍم بال بدايةٍ أو هنايةٍ‪،‬‬
‫والبعد الثاني الذي يشبه صورةً يف إطارٍ‪ ،‬والبعد‬
‫الثالث الذي حييا به البشر‪ .‬أمّا البعد الرابع‬
‫فهو العامل القابع يف صمتٍ خلف أسوار الزمن‪،‬‬
‫ثم ختتار بطل القصة ليجتاز معها عتبة البعد‬
‫الرابع‪.‬‬
‫وبالرّغم من أنّ البطل يستيقظ فيجد أنّ ك ّل‬
‫ما كان قد رآه كان حلماً فأنه يهرع إىل أحد‬
‫أصدقائه ليجد ص��ورة فينوس مرفق ًة بأحد‬
‫طلبات التعيني اليت ج��اءت إىل املركز بطريق‬
‫اخلطأ‪ ،‬فينزع الصورة عن ورقة الطلب وخيرج‬
‫من باب البناية يف الظالم الصامت الذي يطبق‬
‫على امل��ك��ان‪ ،‬يقول بطل القصة ‪ (( :‬أطلقتُ‬
‫بصري وعقلي إىل الفراغ املرتامي األطراف إىل‬

‫‪28‬‬

‫ما ال هناية باحثاً عن األنفاق الكونية املندسّة‬
‫بني أستار ال��زم��ن‪ ،‬وعندما ب��دأت أفكر كنت‬
‫أعرب املسام الفاصلة بني هوة األبعاد األربعة‪.‬‬
‫‪21))..‬‬
‫ً‪ -1‬إيقاف الزمن ‪ :‬تناول عددٌ من الروائيني‬
‫يف الشرق والغرب مسألة تثبيت الزمن يف حلظةٍ‬
‫معينةٍ من احلاضر‪ ،‬و لئن كانت قضية إيقاف‬
‫الزمن أيسر تناوالً ألهنا ال تكلّف الكاتب جمهوداً‬
‫ذهنياً يصف به العوامل املغرقة يف القدم أو تلك‬
‫اليت ستأتي يف املستقبل‪ ،‬ف��إنّ إجي��اد العلة أو‬
‫الوسيلة اليت ميكن هبا إيقاف الزمن هي من‬
‫الصعوبة مبكان حبيث يصعب على الكاتب‬
‫إقناع القارئ بإمكانية حتقيقها‪.‬‬
‫وع���ادة م��ا يلجأ كتاب اخل��ي��ال العلمي إىل‬
‫إيقاف الزمن بوسيلتني اثنتني ‪:‬‬
‫الوسيلة األوىل ‪ :‬وه��ي تو ّقف األرض عن‬
‫الدوران‪ ،‬أو توقف احلياة فجأةً ألسبابٍ جمهولةٍ‪،‬‬
‫وهنا يصبح العامل يف وضعية سكو ٍن ومجودٍ‪،،‬‬
‫فيثبت ك � ّل إن��س��ا ٍن وك � ّل ش��يءٍ عن احلركة يف‬
‫اللحظة اليت ّ‬
‫مت فيها إيقاف الزمن‪ ،‬ويبدو العامل‬
‫حينذاك كصورةٍ سينمائية توقفت عن احلركة‬
‫بسبب عط ٍل ما يف قرص التدوير‪ .‬وهذه التقنية‬
‫مل يهتم هبا كتاب اخليال العلمي العربي بل‬
‫وردت – حبسب اطالعنا ‪ -‬يف قصتني ‪ :‬األوىل‬
‫بعنوان «الزلزال» لعزّ الدين عيسى‪ ،‬والثانية هي‬
‫«املوتي» ملصطفــى حممود‪.‬‬
‫الوسيلة الثانية ‪ :‬وهي وسيلة التجميد‪ ،‬وفيها‬
‫تتو ّقف مسرية الزمن ل��دى الكائن أواإلنسان‬
‫الذي ّ‬
‫مت جتميده بينما يتابع العامل اخلارجي‬
‫س�يره اخل��اص ضمن مسرية ال��زم��ن األبدية‪.‬‬
‫وهذه الوسيلة وإن كانت أق ّل تناوالً عند الكتّاب‬
‫عام ًة فإهنا باتت أكثر مصداقي ًة مع تقدّم العلوم‬
‫الطبيّة‪ ،‬و تطور تقنية التجميد يف األحباث‬
‫احليويّة اإلنسانية‪.‬‬
‫وتعدّ رواية اإلنكليزي فاركو ستاتن «عندما‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يتو ّقف الزمن» مثا ًال واضحاً على استخدام‬
‫الوسيلة األوىل يف تثبيت ال�زّم��ن‪ ،‬إذ تتحطم‬
‫سفينة ال��ع��امل «ب��ي�تر ك����اردان» وزوج��ت��ه «آدا»‬
‫على كوكب الزهرة‪ ،‬فتقوم املخلوقات املتقدمة‬
‫يف ه��ذا الكوكب برتميم جسديهما احملطمني‬
‫خباليا صناعيةٍ كثريةٍ‪ ،‬فيبدو ٌّ‬
‫كل منهما مش ّكالً‬
‫من خاليا إلكرتونية بنسبة ‪ .%95‬وعندما يعودان‬
‫إىل األرض يدهشان لتوقف األرض عن الدوران‬
‫ومجود ك ّل شيءٍ فيها‪ ،‬وإذ احلياة تعاني ثباتاً‬
‫مستمراً ليس فيه أدنى حركة‪ .‬وبالبحث يتبني‬
‫هلما أنّ السبب يف ذلك يعود إىل العامل الشهري‬
‫«آدم الثام» الذي ألقم الدماغ اإللكرتوني الرئيس‬
‫سؤاالً يقول ‪ :‬ما هو الزمن ؟ فاستنفر الدماغ‬
‫إمكاناته وطاقاته كلها ليجيب عن السؤال الذي‬
‫تلقاه من ذلك العامل‪.‬‬
‫ويصف ستاتن ذلك العامل املتوقف يف حلظة‬
‫سكونه ف��إذا ه��و ي��رى رص��اص� ًة متوقف ًة قبل‬
‫أن خترتق جسد فتاةٍ كانت قد أث��ارت غضب‬
‫حبيبها الغيور‪ .‬والعب «سريكٍ» كاد له صديقه‬
‫فنخر النُّصب الذي سيهوي إليه‪ .‬وسيدةً تبتسم‬
‫خلادم‪ . .‬إخل‪.‬‬
‫وإلص�لاح اخللل الزمين ال��ذي ح��دث يقوم‬
‫إلكرتوني مضادٍ‪ ،‬ومن‬
‫كاردان وزوجته بصنع دما ٍغ‬
‫ٍّ‬
‫أجل ذلك يسمحان لنفسيهما بتخريب صندوق‬
‫من صناديق العامل الث��ام‪ ،‬فينجحان يف إعادة‬
‫الزمن إىل سابق عهده‪ ،‬وما يلبث العالَم فعالً‬
‫أن يعود إىل احلركة‪ .‬لكنّ البشرية اليت عادت‬
‫جمدداً إىل احلياة مل تدرك أهنا كانت متوقف ًة يف‬
‫قلب الزمن ‪،‬لذا فإنّ احملكمة تقضي بالسجن‬
‫على كاردان وآدا بسبب ختريب صندوق العالِم‬
‫الثام‪ ،‬لكنّ الثام يتنازل عن ح ّقه أمام احملكمة‬
‫أ‪ -‬طيبة إبراهيم ‪ :‬قدّمت الروائية الكويتية‬
‫بعد أن يتفهّم حقيقة ما جرى للعالَم ‪.22‬‬
‫ومييل النقاد إىل تصنيف مثل هذه الروايات طيبة إبراهيم جتربة السبات الشتوي يف اجلزء‬
‫والقصص يف اجلانب الفنتازي‪ ،‬ولكن – و مهما األول من ثالثيتها‪ ،‬وهي رواي ٌة بعنوان «اإلنسان‬
‫يكن من أم ٍر ‪ -‬فإنّ هناك عدة اعتباراتٍ أخرى الباهت» إذ تبدأ أحداث الرواية يف اللحظة اليت‬

‫تقف يف ص��ف ه��ذه ال��رواي��ة لتكون يف زمرة‬
‫اخليال العلمي ليس أقلها الرحلة الفضائية‬
‫وااللتقاء باألغيار على كوكب الزهرة‪ ،‬باإلضافة‬
‫إىل ت��ن��اول ال��زم��ن موضوعاً هل��ا‪ ،‬األم��ر الذي‬
‫يكثرتناوله يف أدب اخليال العلمي‪.‬‬
‫أمّا وسيلة التجميد – أو ما يسميه بعضهم‬
‫بالتربيد ‪ -‬فقد ك��ان حتى وق �تٍ قريبٍ خياالً‬
‫علمياً حبتاً‪ ،‬لكنه اليوم يضع قدميه على أوىل‬
‫درج��ات السلم علمياً‪ ،‬والتجميد هو احلالة‬
‫اليت يدعوها أطباء العصر بـ «احلياة املع َّلقة»‬
‫ألنّ اإلنسان يكون فيها يف حالة مع َّلقةٍ ال هي‬
‫باحلياة وال هي باملوت ‪.23‬‬
‫وكان اخليال العلمي قد تطرّق هلذه الفكرة‬
‫م���راراً من قِبَل الكتّاب الغربيني كاإلنكليزي‬
‫هـ‪ .‬ج ويلز يف رواي��ة «عندما يستيقظ النائم»‬
‫(‪1899‬م ) ‪ -‬أُعيد طبعها معدّل ًة عام ‪1910‬م‬
‫ و األمريكي كليفورد سيماك يف رواية «غداً‬‫الكالب» (‪1952‬م )‪ ،‬فبطل رواية ويلز يتخشّب‬
‫إثر صدمةِ ذع ٍر مفاجئةٍ‪ ،‬ويظل يف حالة سباتٍ‬
‫شتوي مدة مئيت ع��ا ٍم قبل أن يستيقظ ليجد‬
‫مل م��رع��بٍ تنهش فيه القبائل‬
‫نفسه يف ع���ا ٍ‬
‫اإلنسانية بعضها بعضاً‪ ،‬ويف «غ��داً الكالب»‬
‫يصور سيماك بطل روايته «وبسرت» يف حالة‬
‫غيبوبةٍ دائمةٍ ‪.24‬‬
‫أمّا يف األدب العربي فيمكن أن نسلط الضوء‬
‫على ثالث جتارب لكتابٍ عربٍ تطرقوا إىل هذا‬
‫املوضوع يف أعما ٍل تلفت االنتباه وهم ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬طيبة إبراهيم‪.‬‬
‫ب ‪ -‬هناد شريف‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬طالب عمران‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪29‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يستعدّ فيها السيد «جعود» وعائلته الستقبال‬
‫جدهم األكرب السيد «موا» بعد أن رقد يف تابوته‬
‫الثلجيّ مئيت عام‪ ،‬وبالفعل فإنّ السيد موا يعود‬
‫إىل احلياة جمدداً‪ ،‬وتبدو نتائج التجميد ظاهرةً‬
‫منذ اللحظة األوىل ألن السيد موا عاد شاباً‬
‫بكامل عافيته‪ ،‬فهو أصغر من حفيده السيد‬
‫جعود‪ ،‬ليس ذلك فحسب بل إنّ عقله عاد خالل‬
‫عملية التجميد – أوالسبات ‪ -‬إىل طينته األوىل‬
‫فغدا عقالً منطقياً يشبه دماغاً حاسوبياً يعتمد‬
‫على املنطق ويتكل على املقدمات الصحيحة‬
‫للوصول إىل نتائج صحيحة دون أي اعتباراتٍ‬
‫اجتماعيةٍ أو أخالقيةٍ أو دينيةٍ‪ .‬ونتيج ًة هلذا‬
‫املنطق احلاسوبي فإنّ السيد موا يرفض تسلّم‬
‫ثروته اليت تركها قبل سباته الطويل حبجة أال‬
‫دليل على أحقيته بتلك الثروة‪ ،‬وعندما تلزمه‬
‫شركة التجميد باستالم ثروته فإنه يدفعها إىل‬
‫الشركة نفسها لكي توقف له زمنه اخلاص مرةً‬
‫أخ��رى‪ ،‬ألن الزمن ال��ذي استفاق فيه مل يكن‬
‫ليعجبه أو يثري فضوله !‪.‬‬
‫لكن امل��ف��ارق��ة أن��ه و يف اجل���زء الثالث من‬
‫ال��رواي��ة يتم تفجري مهد السيد م��وا ب��دالً من‬
‫إيقاظه‪ ،‬وهبذا يكون اإلنسان الطبيعي قد وضع‬
‫حداً للعبة إيقاف الزمن اليت انتهجها موا ومن‬
‫بعده كثريون‪.. .‬‬
‫ب ‪ -‬هناد شريف ‪ :‬كتب هناد شريف رواية‬
‫«قاهر الزمن» اليت تتناول موضوع التربيد فأظهر‬
‫فيها كيف يُمكن للسبات أن يقهر األمراض‬
‫املستعصية كالسرطان‪ ،‬وأن حيوّل اجملرم إىل‬
‫مل‪ ،‬وأن حيوّل اإلنسان اجلاهل إىل‬
‫إنسا ٍن مسا ٍ‬
‫مل عن طريق ضخّ املعلومات لدرجة‬
‫إنسا ٍن عا ٍ‬
‫أنه ميكن للمرء أن ينال شهادة الدكتوراه بعد‬
‫أربع سنواتٍ من حياته اجلليدية فقط‪.. .‬‬
‫ومن الواضح أنّ الكاتب هناد شريف يعوّل‬
‫ك��ث�يراً ع��ل��ى ف��ك��رة ق��ه��ر ال��زم��ن‪ ،‬ف��ق��د قدّمها‬

‫‪30‬‬

‫وكأهنا احلل السحري الناجع جلميع مشكالت‬
‫البشرية‪ ،‬لذلك فقد تناوهلا يف أكثر من عم ٍل‬
‫من أعماله‪ ،‬فباإلضافة إىل «قاهر الزمن» اليت‬
‫مرّ ذكرها يف هذا البحث‪ ،‬كتب شريف قصة‬
‫«القصر» اليت قهر فيها البطل زمانه‪ ،‬إمنا من‬
‫منظو ٍر خمتلفٍ إذ الطريقة الطبية املعتمدة هنا‬
‫هي اإلكسري العجيب الذي استُخلص من نو ٍع‬
‫ناد ٍر من الفطر أمكن التوصل إليه بعدة عملياتٍ‬
‫علمياتٍ شاقةٍ‪ .‬فقد أدرك الطبيب البارع الثري‬
‫«متويل باشا» أنّ اإلن��س��ان إمن��ا يدركه اهلرم‬
‫بسبب تزايد عمليات اهلدم احليوي يف خاليا‬
‫اجلسم‪ ،‬ومع استمرار عمليات االهن��دام يصل‬
‫االنسان إىل نقطة امل��وت‪ ،‬فظ ّل ذلك الطبيب‬
‫يناضل إىل أن حصل على ذلك اإلكسري الذي‬
‫يتمكن من حتقيق التوازن بني عمليات البناء و‬
‫اهلدم يف اجلسم‪ ،‬وبالتايل إيقاف الزمن مؤقتاً‬
‫وملدةٍ طويلةٍ‪ .‬لكن هذا العقار يعجز عن تأدية‬
‫مهمته على اجللد اخلارجي لإلنسان‪ ،‬لذلك‬
‫ف��إنّ من يتناوله تظ ّل أجهزة جسمه الداخلي‬
‫تعمل بانتظا ٍم‪ ،‬بينما تغزو التجاعيد وجهه‬
‫وي��دي��ه وي�تره��ل ب��اق��ي جسمه‪ ،‬هل��ذا ف���إنّ من‬
‫تناولوا ذلك العقار أصبحت أشكاهلم مقززةً‬
‫ومنفرةً بعد رد ٍح من احلياة الطويلة فلم يعودوا‬
‫جيرؤون على مغادرة قصر الدكتور متويل خوفاً‬
‫من أعني الناس‪ .‬وعندما يقتحم الراوي أسوار‬
‫القصر ّ‬
‫ويطلع على ما يف داخله يصف كائناتٍ‬
‫بشريةٍ كريهة املنظر‪ ،‬رؤوسها صلعاء مشوه ٌة‪،‬‬
‫متأل البثور والقروح أحناء أجسادها‪ ،‬وتنتشر‬
‫منها رائح ٌة نتن ٌة‪.‬‬
‫وهكذا استطاع هذا اإلكسري إيقاف الزمن‬
‫الداخلي – أو الزمن اجلزئي – لكنّ التيار الكليّ‬
‫للزمن ظ ّل يفرض هيمنته على الشخصيات‬
‫األخرى يف القصة‪ ،‬وال سيّما إذا ما عرفنا أنّ‬
‫اإلكسري لن ينقذ أولئك الذين تناولوه من سطوة‬
‫املوت ولو بعد حني‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫جـ ‪ -‬طالب عمران ‪ :‬تناول الكاتب طالب‬
‫عمران موضوع السبات يف أكثر من قصةٍ من‬
‫أقاصيصه‪ ،‬وق��د أ ّك��د يف أغلب تلك القصص‬
‫على فائدتني اثنتني من فوائد التجميد ‪ :‬األوىل‬
‫هي الفائدة اليت جتنيها اإلنسانية من التجميد‬
‫وه��ي باجململ فوائد طبي ٌة وحيوي ٌة‪ .‬والثانية‬
‫هي استخدام تلك الفكرة كغريه من الكتّاب‬
‫بغية تثبيت الزمن اجلزئي – أو دعنا نقل زمن‬
‫األشخاص الذين يدخلون هذه املغامرة – ففي‬
‫قصته «السبات اجلليدي» تُجري «أكادميية‬
‫البحث العربي» عام ‪2020‬م أول عملية جتميدٍ‬
‫حي على أمل أن يتمّ إيقاظه بعد أربعني‬
‫إلنسا ٍن ٍّ‬
‫عاماً‪.‬‬
‫ي��ق�رّر ال��ش��اب ن���زار القيام هب��ذه املخاطرة‬
‫بعد أن أومهته حبيبته املصابة بالسرطان أهنا‬
‫هجرته وتعلّقت بأستاذها يف اجلامعة الذي كان‬
‫يشرف على عالجها سراً‪ ،‬وبالفعل يتم جتميد‬
‫نزار فتحزن حبيبته «لينا» عليه حزناً شديداً‪،‬‬
‫ثم تقرّراللحاق به عرب جتميد نفسهاهي األخرى‬
‫ملدة أربعني عاماً‪.‬‬
‫ويف عام ‪2060‬م يقوم الطبيب الشهري نادر‬
‫بعملية اإليقاظ مستخدماً الشحنات الكهربائية‬
‫بعد تذويب اجلليد من على جسدي العاشقني‬
‫ببطءٍ شديدٍ‪ ،‬و بعد قلي ٍل يستيقظ نزار ومن‬
‫بعده لينا‪ ،‬وعندما يتمّ فحصهما يتبني أنّ‬
‫اجلليد قد قتل اخلاليا السرطانية يف جسم‬
‫لينا‪ ،‬فيعود احل��ب ل�يرف��رف جبناحيه على‬
‫العاشقني السعيدين‪.‬‬
‫لكن امل��ف��ارق��ة حت��دث ل��ن��زار ولينا عندما‬
‫جيدان أنّ العامل الذي تركاه يف عام ‪2020‬م قد‬
‫تغري بطريقةٍ متسارعةٍ جداً‪ ،‬فبدا ك ّل ما حوهلما‬
‫غريباً لعيوهنما ‪ :‬السيارات الطائرة‪ ،‬واألبراج‬
‫العالية‪ ،‬واخلري والسعادة اليت هيّأهتا القوانني‬
‫احلضارية اجلديدة‪.. .‬‬
‫وتنتهي القصة عندما يضمّ ن��زارٌ لينا إىل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫صدره‪ ،‬ويعلن املؤ ِّلف أن ما من شيءٍ هو أحلى‬
‫من احل��ب قائالً ‪ (( :‬هل من ش��يء أغلى من‬
‫احلب يف هذا العامل ؟ )) ‪25‬‬
‫ويف رواية «رج ٌل من القارة املفقودة» يتحدث‬
‫الكاتب عن صيادٍ‬
‫مغربي يعثر على صندوقٍ‬
‫ٍّ‬
‫صخري‪ ،‬فيتجمّع عليه الصيادون ثم يطلبون‬
‫ٍّ‬
‫ٍ‬
‫ل‬
‫خيا‬
‫ب‬
‫ُ‬
‫كات‬
‫�و‬
‫�‬
‫وه‬
‫��ازن»‬
‫�‬
‫«خ‬
‫من‬
‫علمي مشهورٌ‬
‫ٍّ‬
‫أن يساعدهم يف زحزحة الصندوق‪ ،‬بعد ذلك‬
‫تقرتب منه فتاةٌ تبحث عن ابن أختها الضائع‬
‫فيسارع إىل مساعدهتا يف العثور عليه قبل أن‬
‫يذهب إىل الفندق الذي يقيم فيه‪.‬‬
‫يف اليوم التايل يفاجأ بقدوم الفتاة إليه يف‬
‫الفندق لتخربه عن الكالم الغامض الذي تفوّه‬
‫به ابن أختها الصغري «حممد» و إذا هو يرى يف‬
‫منامه رجالً‬
‫ٍ‬
‫بلباس غريبٍ يقول له إنه صديقُ‬
‫خ��از ٍن وإن��ه جيب عليه التوجه إىل الشاطئ‪،‬‬
‫ثم يرى هذا الرجل خيرتق التابوت الصخرى‬
‫ليختفي بداخله‪ ،‬وعندما يلتقي الكاتب بالصيب‬
‫حممد خي�بره عن قصة «دار ٍم» ال��ذي ي��راه يف‬
‫مناماته‪.‬‬
‫يذهب الكاتب إىل الشاطئ برفقة صديقه‬
‫املغربي سعد‪ ،‬وحياوالن فتح الصندوق فيجدان‬
‫صعوب ًة كبريةً يف كسر امل��ادة املتجمدة بداخله‬
‫واليت تشبه الزجاج‪ ،‬ولكن – وبعد معاناةٍ طويلةٍ‬
‫– متكنا من حتطيم القشرة اخلارجية للجليد‬
‫لتطالعهما املفاجئة الكبرية ‪ :‬فقد رأوا جسداً‬
‫ممدداً داخل الصندوق الصخري‬
‫لشاب طوي ٍل‬
‫ٍّ‬
‫بشع ٍر أشقرَ وشاربٍ ٍّ‬
‫كث وحليةٍ طويلةٍ‪ ،‬يرتدي‬
‫لباساً أشبه بلباس رواد الفضاء وعلى رأسه‬
‫خوذةٌ غريب ٌة‪.‬‬
‫يستخرج ال��ك��ات��ب وص��دي��ق��ه ج��ث��ة الرجل‬
‫بصعوبة ثم يلفاهنا بغطاء‪ ،‬وبالبحث واملناقشة‬
‫ي��درك��ان أنّ ال��رج��ل يعود إىل ح��ض��ارةٍ قدميةٍ‬
‫ج��داً‪ ،‬وأن الروائح اليت كانت تفوح من جسده‬
‫هي روائح ملوادَّ طبيةٍ رمبا كانت حتفظ جسده‬

‫‪31‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سليماً‪ ،‬وختطر هلما فكرة أنّ الرجل رمبا‬
‫ك��ان حيّاً فيقرران استدعاء طبيبٍ‬
‫خمتص‬
‫ٍّ‬
‫لفحص جثته‪ ،‬لكنّهما أثناء حديثهما يسمعان‬
‫أن�ين ال��رج��ل ال���ذي راح يتحرك ب��ب��طءٍ وهو‬
‫مسلوب الوعي إال أنّ احلياة ب��دأت تدب يف‬
‫جسده احملنّط من جديد‪.‬‬
‫بعد ذلك يفاجأ الرجالن ومَن حوهلما بأنّ‬
‫دارم�اً يتحدث العربية ويقول بأهنا لغة أبينا‬
‫آدم‪ ،‬ثم يفصح دارمٌ عن هويته وإذا هو طبيبٌ‬
‫من قارة «أتالنتس» اليت كانت متلك أسلح ًة‬
‫ذريّ��� ًة هائل ًة استخدمتها يف ح���ربٍ أهليةٍ‪،‬‬
‫وعندما أدرك أنّ تلك احلرب املدمرة ستعيد‬
‫القارة إىل حياهتا البدائية بعد أن تدمّر ك ّل‬
‫ش��يءٍ يف ساعاتٍ قليلةٍ‪ ،‬أعلن املركز الطيبّ‬
‫الذي يعمل به عن جتميد أجساد من يرغبون‬
‫من ذوي العقول املؤثرة فقد كان لديهم آالف‬
‫التوابيت الصاحلة للتجميد‪.‬‬

‫وبالفعل يتم جتميد ع��ددٍ كبريٍ من علماء‬
‫اجلزيرة مبا يف ذلك دارمٌ وزوجته «دارينا»‬
‫ال�تي يتفق معها على االل��ت��ق��اء يف زم���نٍ ما‬
‫قاد ٍم‪ .‬لكن دارماً الذي راح يسأل عن زوجته‬
‫منذ حلظة استيقاظه علم أنّ زوجته ال تزال‬
‫ضائع ًة يف عُرض البحر‪ .‬ويف ذات يو ٍم خيتفي‬
‫دارمٌ يف البحر مرتدياً لباسه الغريب بعد أن‬
‫ي�ترك رسال ًة شفوي ًة مع الصيب حممد خيرب‬
‫فيها اجلميع أنه سيغوص جمدداً للبحث عن‬
‫دارينا‪.‬‬
‫وال�لاف��ت أنّ ه��ذه ال��رواي��ة مل ت��ر ّك��ز على‬
‫رصد املفارقات احلضارية بني حضارة القرن‬
‫العشرين – زمن طباعة الرواية – وبني حضارة‬
‫«اتالنتس» ‪ ،‬فلم يبدُ دارم مبهوراً من شيءٍ‪،‬‬
‫حتى إننا لنشكّ أحياناً بتخلفنا مقارن ًة‬
‫مبستوى التقدّم الذي توصلت إليه تلك القارة‬
‫اللغز من التقدّم التقينّ والطيبّ املدهش‪.‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ -1‬أدب اخليال العلمي – ص‪105.2‬‬
‫‪ -2‬نفسه – ص‪.106‬‬
‫‪ - 3‬من جمموعة «نداء لولو السرّي» ‪ -‬منشورات احتاد الكتاب العرب – دمشق‬
‫– ‪1994‬م‪.‬‬
‫‪ - 4‬احلب عام ‪ – 2060‬ص‪.38‬‬
‫‪ - 5‬نفسه – ص‪.45‬‬
‫‪ - 6‬من جمموعة «العمر مخس دقائق»‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ - 7‬يوضح الكاتب معنى هذا االسم بقوله ‪ .. « :‬كناية عن شبهها العجيب باجلوزة‪،‬‬
‫وتيمّناً باسم العامل العربي الكبري جابر بن حيّان»‪.‬‬
‫‪ - 8‬الزّمن الصعب – د‪ .‬طالب عمران – دار الفكر دمشق – الطبعة األوىل –‬
‫‪1999‬م ‪ -‬ص‪.30،29‬‬
‫‪ - 9‬رواد الكوكب األمحر ‪ -‬ص‪.61‬‬
‫‪ - 10‬الكوكب امللعون – ص‪.111‬‬

‫‪32‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪ - 11‬صحيفة «الثورة» السّورية – العدد ‪ -13006‬املوافق ‪ 10‬أيار‪ ،‬عام‬
‫‪2006‬م‪.‬‬
‫‪ - 12‬املعقول و الالمعقول – ص‪.154‬‬
‫‪ - 13‬انظر أدب اخليال العلمي – ص‪.136‬‬
‫‪ - 14‬نفسه – ص‪.134‬‬
‫‪ - 15‬قصص من اخليال العلمي ح��ازت على جائزة نيبوال األمريكية –‬
‫ص‪.142،141‬‬
‫‪ - 16‬اخليال العلمي أدب القرن العشرين – ص‪.198‬‬
‫‪ - 17‬رحلة إىل الغدّ – توفيق احلكيم – الشركة العربية للطباعة والنشر –‬
‫سلسلة الكتاب الفضي – ‪1958‬م – ص‪.105،104‬‬
‫‪ - 18‬من جمموعة «النفق» ‪ -‬د‪ .‬طالب عمران – دار الفكر – دمشق –‬
‫الطبعة األوىل – ‪1999‬م‪.‬‬
‫‪ - 19‬النفق ‪ -‬ص‪.24‬‬
‫‪ - 20‬من جمموعة «ابن الغابة» ‪ -‬د‪ .‬طالب عمران – دار الفكر – دمشق –‬
‫الطبعة األوىل ‪1999 -‬م‪.‬‬
‫‪ - 21‬نفسه ‪ -‬ص‪.26،25‬‬
‫‪ - 22‬من جمموعة «بدرية باخللطة السرية»‪.‬‬
‫‪ - 23‬بدرية باخللطة السرية – ص‪.61‬‬
‫‪ - 24‬نفسه – ص‪.71‬‬
‫‪ - 25‬انظر جملة اآلداب األجنبية – العدد (‪ – )1‬السنة اخلامسة – ‪1978‬م‪.‬‬
‫وكذلك كتاب «يف العلم و اخليال العلمي» – ص‪.114،113‬‬
‫‪ - 26‬اليوم استوحت بعض الشركات يف الواليات التحدة األمريكية فكرة‬
‫احلياة املعلقة من أدباء اخليال العلمي و بدأت تقدم خدمة التجميد لعددٍ من‬
‫الزبائن‪ ،‬و مع أنّ كثرياً من العلماء واملهتمني قد اهتموا هذه الشركات بالنصب‬
‫واالحتيال على الناس وسرقة نقودهم مقابل وهم اخللود فإنّ احلكم على‬
‫التجربة بالنجاح أو الفشل لن يتمّ قبل عشرات السنني حني تقوم إحدى هذه‬
‫الشركات بإيقاظ أول زبون هلا من حالة السّبات‪ .‬علماً أنّ تلك الشركات ليس‬
‫لديها حتى اآلن تصورٌ واضحٌ عن الطريقة اليت ستوقظ هبا املع َّلقني‪.‬‬
‫‪ - 27‬انظر أدب اخليال العلمي – ص‪.133،132‬‬
‫‪ - 28‬السبات اجلليدي – د‪ .‬طالب عمران – منشورات احتاد الكتاب العرب‬
‫– دمشق – ‪1993‬م ‪ -‬ص‪.65‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪33‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫األبعــاد‬
‫د‪ .‬خملص عبد احلليم الريس‬
‫أستاذ فيزياء جامعة دمشق‬

‫هل توجد يف أجسامنا أو حولنا عوامل ال نراها ؟ ما هي العوامل املوجودة‬
‫داخل املادة ‪ ..‬ما وراء املادة ؟ أين موضع الروح يف اجلسم البشري ؟‬
‫أين موضع العقل الباطن فينا ؟ أين يوجد اجلن ؟ ملاذا ال نراهم ؟ كيف‬
‫يعبثون بنا ؟ األسئلة كثرية حول ما ال تراه أعينن�ا ؟‪ ...‬ترى هل هناك أجوبة على‬
‫مثل تلك األسئلة ؟ … على العلم أن جييب ؟ ويأتي اجلواب ‪ :‬نعم توجد إجابة لكل‬
‫سؤال‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ونقول ‪ :‬إذا أنت أردت أن تتعرف على شيء‬
‫م��ا‪ ،‬ف��أول ما يتبادر لذهنك أي��ن موضع ذلك‬
‫الشيء؟ أين إحداثياته ؟ ولكي تستطيع تفسري‬
‫ماهية العوامل الال مرئية وما فيها‪ ،‬ال بد لك‬
‫أوالً مـن أن تتعرف على مكان وجودها ‪ ..‬فمثالً‬
‫إذا أردت معرفة مكان ال��روح يف اجلسد إبان‬
‫فتـرة حياة الكائن احلي وفهم اإلجابات على‬
‫األسئلة السابقة !! ال بد لك من التعرف على‬
‫ما يسمى باألبعـاد‪.‬‬
‫فما هي األبعـاد ؟‬
‫ت��ص��ور نفسك تعيش يف ب��ع��د واح����د‪ ،‬أي‬
‫أنك نقطة موجودة على خط مستقيم ممتد‪،‬‬
‫ف��إذا نظرت حولك فلن ت��رى شيئاً‪ ،‬ع��دا أن‬
‫بيئتك خالية من الضوء والنور‪ ،‬وأنك حتيا يف‬
‫الظالم ألن عاملك وحيد البعد ال يقبل بالضوء‬
‫وال النور‪ ،‬فال مشس فيه وال قمر ‪ .‬وأنت إذا‬
‫ن��ظ��رت جب����وارك ع��ل��ى ميينك ف��س��وف جتد‬
‫جارك املباشر فقط‪ ،‬وتراه بشكل نقطة ليس‬
‫إال‪ ،‬هو جارك األبدي الذي لن ترى سواه شئت‬
‫أم أبيت‪ ،‬وإذا نظرت على يسارك فسوف ترى‬
‫جاراً أبديـاً آخر يف الطرف الثاني كنقطة أيضاً‪،‬‬
‫وعاملك هذا مظلم عامت بارد ال ضوء فيه وال‬
‫ح��رارة وال أل��وان‪ ،‬فهذه أشياء ال يقبلها كونك‬
‫الوحيد البعد وال يدركها وال يدخلها يف ماهيته‬
‫وصريورته هي مفاهيم غري موجودة يف كونك‬
‫الوحيد البعد‪ ،‬وأخرياً تشعر باليأس واإلحباط‬
‫‪ ..‬وتلعـن تلك احلياة املضغوطة املظلمة اخلالية‬
‫من احلركة ‪.‬‬
‫لنفرض أن��ك انتقلت للعيش يف ك��ون ذي‬
‫بعدين اثنني فقط فسوف جتد مايلي ‪:‬‬
‫بلدة مسطحة مستوية ثنائية األبعاد ‪ .‬وكل‬
‫شيء فيها ثنائي األبعاد حتى ساكنوه منهم املثلث‬
‫واملربع وال��دائ��رة ‪ ..‬وهم ي��رون بعضهم بشكل‬
‫جانيب على هيئة خطوط مستقيمة‪ ،‬ألن الرؤية‬
‫اجلانبية هي املسموحة يف ذلك العامل ثنائي‬
‫األبعاد‪ ،‬وهم ال يعرفون سوى احلركة لألمـام‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫أو اخللف‪ ،‬وااللتفاف مينة أو يساراً فقط‪ ،‬أما‬
‫احلركة لألعلى أو األسفل فهم ال يعرفوهنـا على‬
‫اإلط�لاق‪ ،‬فهم ال يدركون معنى فوق أوحتت‪،‬‬
‫فهي عوامل ال مرئية بالنسبة هلم ‪ .‬ولكي يطمئن‬
‫الساكن على جاره فإنه يدور حوله متاماً وال‬
‫يرى ما بداخل جوف ج��اره‪ ،‬ويبقى ما بداخل‬
‫تلك الكائنات جمهوالً غامضاً بالنسبة لبعضهم‬
‫البعض مامل يطرأ عليها حادث تشرحيي كأن‬
‫جيرى ألحدهم عمل جراحـي مرضـي بإحداث‬
‫ثقب يف املستقيم اجلانيب جلسم الكائن ثنائي‬
‫األبعاد فيُكشَف عندئذ عما بداخله ‪.‬‬
‫يف هذا العامل سوف لن ترى الشمس إذا‬
‫وقف أمامك أحد أصدقائك فهي مكسوفة دوماً‬
‫بالنسبة لك بسبب أقرانك من سكان ذلك العامل‬
‫ثنائي األبعـاد ‪.‬‬
‫لنفرض أن أحد مواطنيك أراد القيام برحلة‪،‬‬
‫بأن يسري ملسافات بعيدة جداً يف خط مستقيم‬
‫ولألبد (هي مغامرة خطرية جداً يف عامله)‪ ،‬لكنه‬
‫سيدهش آخر األمر الكتشافه سراً عظيماً وهو‬
‫أنه قد عاد ثانية لبلده‪ ،‬ويكتشف أن كونه ثنائي‬
‫األبعاد ليس ثنائياً فقط‪ ،‬بل هو كون منحنٍ‬
‫فراغياً يف بعد ثالث غري منظور‪ ،‬وهذا البعد‬
‫الثالث ال تدركه عقول مواطنيه الثنائيني هلذا‬
‫سيعتربه مواطنوه بطالً عظيماً وينظرون إليه‬
‫على أنه ماجالن عاملهم الثنائي باكتشافه أن‬
‫اخلط املستقم هو يف آخر األمر منحن‪ ،‬إذا عاد‬
‫هلم بالسالمة بعدما قهر هذا اإلحننـاء الشبح‪،‬‬
‫أو يعتربونه كريستوف كولومبس مكتشف البعد‬
‫الثالث العجيب ‪.‬‬
‫اآلن‪ :‬لنفرض أن زائ��راً ثالثي األبعاد (كرة‬
‫مثالً) أتت لتلك البلدة املستوية وأخذت حتـوم‬
‫فوقها‪ ،‬فماذا ترى تلك الكرة ؟‬
‫ما يراه الزائر ثالثي األبعاد ( الكرة ) لتلك‬
‫البلدة هو أن بيوهتا مسطحة مرسومة علـى‬
‫سطح مستوٍ‪ ،‬يبدو فيها ك��ل ش��يء مسطحاً‬
‫وبيوهتا بال أسقف‪ ،‬فريى الزائر ما بداخل كـل‬

‫‪35‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بيت ‪ ..‬داخل غرف النوم ‪ ..‬داخل املطبخ ‪..‬‬
‫داخل جوف كل ساكن‪ ،‬وكل ذلك دون أن يراه‬
‫أحد من السكان الثنائيني ‪ ..‬والسبب يف ذلك‬
‫هو عدم وجود ما هو فوق وما هو حتت‪ ،‬ومثل‬
‫تلك املفاهيم غري موجودة أصالً يف برنامج حياة‬
‫سكان ذاك العامل ثنائي البعد‪ ،‬وال ختطر مثل‬
‫تلك األفكار على بال أي واحد من سكان تلك‬
‫البلدة السعيدة ‪.‬‬
‫لنفرض أن ذلك الزائر ثالثي األبعاد أراد‬
‫التحدث مع أحد السكان احملليني ثنائي البعد‬
‫وأل��ق��ى عليه حتية‪ ،‬فلما مس��ع ذل��ك الساكن‬
‫الصوت نظر حوله فلم يشاهد أح��داً‪ ،‬وشعر‬
‫كـأن الصوت صدر من داخل أعماقه‪ ،‬عندئذ‬
‫يشعر هذا الساكن بالرعب واخل��وف وترتعد‬
‫فرائصه ويكره منزله ويتشاءم منه‪ ،‬وأخرياً يفر‬
‫منه‪ ،‬فهو بفطرته ال يستطيع تفسري ما حدث‪،‬‬
‫وال يعرف شيئاً عن البعد الثالث‪ ،‬وال ما هو فوق‬
‫أو ما هو حتت !‪.‬‬
‫لنفرض أن الزائر الثالثي قرّر أن يدخل هذا‬
‫العامل الثنائي يف منطقة أمام ذلك الساكن‪ ،‬فما‬
‫الذي يراه ذلك الساكن الثنائي ؟؟ ‪.‬‬
‫إن أول ما يشاهده هو ظهور نقطة من العدم‬
‫( نقطة متاس الكرة بسطح البلدة املسطحة)‬
‫وأن تلك النقطة تكرب لتصبح خطاً مستقيماً‪،‬‬
‫هي أثر تقاطع الكرة مع املستوي‪ ،‬عندها ترتعد‬
‫فرائص الساكن الثنائي مرة أخ��رى ألنه يرى‬
‫خملوقاً يظهر له من العدم شكله غريب متغيـِّر‬
‫يف ط��ول جسمه األف��ق��ي‪ ،‬عندئذ يغمى على‬
‫الساكن لشدة خوفه من تلك احلادثـة املشؤومة‬
‫وتداعياهتا القادمة ‪.‬‬
‫ل��ن��ف��رض أن ال���زائ���ر أم��س��ك ب��ي��د الساكن‬
‫الثنائي‪ ،‬وأخذه معه لألعلى يف رحلة فوق البلد‬
‫املسطح عندها يشعر الكائن الثنائي كما لو أن‬
‫كابوساً يضغط عليه بطريقة شاذة وغريبة‪ ،‬فهو‬
‫لـم يتوقع يف حياته إطالقاً أن يرى بلدته هبذه‬
‫الطريقة ومن نقطة غريبة فريدة يف موضعها‬

‫‪36‬‬

‫‪ ..‬الفوق ‪ ..‬إذ صار بإمكان ذلك الساكن احمللّق‬
‫أن يرى ما بداخل غرف مدينته املغلقة‪ ،‬وما‬
‫بداخل أجسام زمالئه أيضاً‪ ،‬ويرى ما يفعلون‬
‫يف بيوهتم‪ ،‬وما جيري يف غرفهم ‪!! ..‬‬
‫أما بالنسبة ملواطنيه فيفسرون اختفاءه عنهم‬
‫بطريقة غامضة غري مفهومة‪ ،‬على أنه بينما كان‬
‫يف غرفته املغلقة تعرّض حلادثة ما‪ ،‬واختفى‬
‫عن األنظار بطريقة غري قابلة للتفسيـر‪ ،‬وأخرياً‬
‫عندما يعود زميلهم املختفي إىل موطنه فإنه‬
‫ينبثق ملشاهديه من العدم‪ ،‬وإذا سألوه أين كنت‬
‫؟ تفاجئهم إجابته بأنه كان فوق‪ ،‬ويشري بإصبعه‬
‫لألعلى دون أن جيرؤ على رفع عينيه لألعلى ‪.‬‬
‫فإذا حتدث إليهم مبا شاهده عندما كان فوق‬
‫البلدة ‪ ..‬فإهنم سيبتعدون عنه ويرتكونه ويرثون‬
‫حلاله البائسة وال يصدقونه‪ ،‬بل رمبا نسبوا‬
‫إليه مس جنون كان يصيب أجداده قدمياً‪ ،‬وإذا‬
‫حاولوا التخفيف عنه ومواساته فيخربونه أن‬
‫مثل تلك املغامرة ليست إال أوهاماً ال أساس هلا‬
‫من الصحة ‪.‬‬
‫لنفرض أن أحد علماء الرياضيات الثنائيني‬
‫مس��ع بتلك ال��ق��ص��ة وأراد أن يفلسف تلك‬
‫الواقعة‪ ،‬أي أراد تفسريها فافرتض وجود بعد‬
‫ثالث وختيله عموداً مقاماً على املسطح الذي‬
‫يعيـش فيه‪ ،‬حماوالً هبذه الطريقة تفسري تعامد‬
‫البعد الثالث االفرتاضي مع البعدين اآلخرين‬
‫‪ ..‬لكن مواطنيه سوف يشعرون بغرابة الفكرة‬
‫ومساجتها وبوقاحة خمرتعها وجرأته ‪ ..‬وسرعان‬
‫ما يصفونه باجلنون ويتساءلون عن مكان وجود‬
‫ذلك البعد الثالث ؟ وعلى أي نقطة سيقام ذلك‬
‫العمود ؟ وكيف هو قائم بنفس الوقت على كل‬
‫أرج��اء مدينتهم ب��دون وج��ود نقطة حم��ددة لـه‬
‫على طول املدينة وعرضها وال يرونه ‪ .‬؟ وأخرياً‬
‫يشعر الناس أن الرياضيني عاجزون عـن وصف‬
‫ذلك البعد الثالث هلم‪ ،‬فينصرفون عنهم وهم‬
‫زاهدون هبم وبعلمهم‪ ،‬وينسون أخيـراً ذلك البعد‬
‫الثالث املشـؤوم وأمره‪ ،‬ويلعنون الساعة اليت ُفتِحَ‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫فيها هذا املوضوع الغريب ‪.‬‬
‫يف عاملنا حنن أمكن حتقيق حلم الثنائيني‬
‫يف إجياد البعد الثالث بواسطة الكمبيوترات ‪..‬‬
‫إذ متكنت العاملة ( ريبيكـا آلـن ) من احلصول‬
‫على ص��ور ثالثية األب��ع��اد انطالقاً من صور‬
‫فوتوغرافية عادية ثنائية األبعاد‪ ،‬بأن حوّلت‬
‫الصورة الثنائية األبعاد لرموز رقمية أدخلتهـا‬
‫يف كمبيوتر‪ ،‬ثم صارت تسجل الرؤية لكل‬
‫رم��ز أو نقطة م��ن ال��ص��ورة م��ن ث�لاث جهات‪،‬‬
‫ثـم قامت برسم منظور جمسّم جلعل الصورة‬
‫االلكرتونية تبدو متحركة يف أبعاد ثالثيـة ‪.‬‬
‫واآلن ‪ :‬ماذا عن عاملنا ثالثي األبعاد ؟؟‬
‫إذا عمّمنا القصة السابقة على حالنا حنن‬
‫سكان األرض ب��أن نزيد إىل األب��ع��اد الثالثة‬
‫املكانية املألوفة لنا بعداً مكانياً رابعاً متعامداً‬
‫مع كل من األبعاد الثالثة بآن واحد ‪ ...‬لوصلنا‬
‫حلالـة مماثلة تنطبق علينا حنن سكان األرض‬
‫ووجدنا أن ‪ :‬كوننا كروي حمدب يف بعد رابع ال‬
‫مركز له وليس له حد أو طرف‪ ،‬وحجمه حمدود‬
‫بـدون حدود‪ ،‬ولو نظرنا بتلسكوب ضخم وهائل‬
‫وباستطاعته أن يرينا هنايـة كوننا الكتشفنـا أننا‬
‫ننظر إىل أقفيتنا‪ ،‬فهذا البعد الرابع نعيش فيه‬
‫دون أن ندركه ‪ .‬ولكي نقرتب من فكرة الكون‬
‫رباعي األب��ع��اد أكثر ‪ ..‬لنتخيل مكعباً ثالثي‬
‫األب��ع��اد ومحلّنا ك��ل نقطة م��ن نقاطه بزاوية‬
‫قائمـة على ذاته عرب بعد مادي رابع ليس من‬
‫اليسار إىل اليمن‪ ،‬وال من األمام إىل اخللف‪ ،‬وال‬
‫من األعلى لألسفل‪ ،‬بل بزوايا قائمة بآن واحد‬
‫يف مجيع االجتاهات على تلك األبعاد‪ ،‬وكل مـا‬
‫علينا هو ختيل البعد الرابع الناتج‪ ،‬فنحصل‬
‫بذلك على مكعب رباعي األبعاد‪ ،‬أو ما نستطيع‬
‫تسميته مبا فـوق املكعب أو باملكعب الفائـق‪،‬‬
‫فإذا كنا بداخله فإننا نراه ثالثياً ألن حواسنا‬
‫اخلمس مقيدة بأبعاد ثالثية ال تدرك ذلك البعد‬
‫الرابع‪ ،‬وإذا استطعنا مشاهدة املكعب الفائق من‬
‫خارجه‪ ،‬فيبدو كمجسم مجيع أطواله متساوية‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪37‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وزواياه قائمة متاماً ‪ .‬أما إذا نظرنا إليه من‬
‫داخل عاملنا ثالثي األبعاد‪ ،‬فإننا نشاهد هذا‬
‫املكعب وكأنه مربعان متقاطعان تصل رؤوسهما‬
‫خطوط مستقيمة فقط ‪.‬‬
‫لنتابع حكايتنا ولنفرتض وجود خملوق رباعي‬
‫الشكل بإمكانه التجسد يف كوننا الثالثي‪ ،‬وإن‬
‫باستطاعة ذل��ك املخلوق أن يغيّر شكله كما‬
‫يريد‪ ،‬وأن خيتار طريقة مالئمة لدخوله عاملنـا‪،‬‬
‫فهو يستطيع رؤية ما بداخلنا وكأن أجسامنا‬
‫شفافة له‪ ،‬كما أنه يستطيع املرور بنا بسهولة‬
‫وأن يقلب ما بداخلنا خارجاً‪ ،‬أي باستطاعته أن‬
‫خيرج أحشاءنا وأعضاءنا الداخلية‪ ،‬فهـي تبدو‬
‫له شفافة هشة سهلة التشكل بأياديه حسب‬
‫طرائقه الغريبة وبالعكس‪ ،‬أي بإمكانـه أن يُدخِل‬
‫ما هو خارجنا إىل داخلنا‪ ،‬كأن يدخل صخراً أو‬
‫أرضاً أو كوكباً أو جمرة‪ ،‬ورمبا حيلو له أن يدخل‬
‫الكون كله فينا‪ .‬لكن مثل تلك األشياء ال هتمنـا‬

‫‪38‬‬

‫وال تؤثـر علينا يف ش��يء‪ ،‬حنن سكان العامل‬
‫ثالثي األبعاد‪ ،‬لسبب بسيط هو أن عضويتنا‬
‫ال تتجاوب مع أعمال ذلك الكائـن الغريب الذي‬
‫يرتع كما يريد يف عامله رباعي األبعاد‪ ،‬وحنن ال‬
‫نتأثر فعلياً مبا يقوم به من أالعيب وحركات‪،‬‬
‫ألننا ال نشعر هبا وال تؤذينا‪ ،‬وكلها جمرد حركات‬
‫هبلوانية ظاهرية وليست حقيقية يف عاملنا‪.‬‬
‫أما بالنسبة له فيشعر بأن ما يقوم به حيدث‬
‫فعالً‪ ،‬ويظن أنه أثر فـي حياتنا وغ��رس فيها‬
‫كوابيس ومزعجات‪ ،‬ويتخيل أننا ال نستطيع‬
‫اإلفالت منها وال نستطيـع احتماهلا وقبوهلا ‪.‬‬
‫واحلقيقة أننا لو أدركناها حتى لو فكرياً فإهنا‬
‫ستقلب حياتنا جحيمـاً ال يطاق‪ ،‬وتبدو حياتنا‬
‫كمن يعيش يف بيوت األشباح املليئة باألوهام‬
‫والتخيالت املرعبـة‪ ،‬وأعتقد جازماً أن مثل تلك‬
‫الصور ال نرحب هبا أب��داً‪ ،‬ألهنا جتعل حياتنا‬
‫كمن يتعاطى مادة حمظورة ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ساكن البعد اخلامس‬
‫ً‬
‫لنفرض أننا أضفنا بعداً مكانياً رابعا لكوننا‬
‫ال���ذي جي��ري فيه بعـد زمنـي لصيق باملادة‬
‫حلصلنا على عامل ميكن تسميته مبا فوق الكرة‪،‬‬
‫ذلك البعد املكاني الرابع هو البعد الفضائي يف‬
‫عاملنا‪ ،‬ويستطيع خملوق الكون اخلماسي أن‬
‫يقوم برحلة والعودة لنقطة انطالقه فـي رحلة‬
‫ال تتعدى مسافتها قطر نواة الذرة الواحدة‪ ،‬أما‬
‫كيف يتم ذلك ‪...‬؟ احلقيقة أهنا تتـم بطريقة‬
‫لولبية يستحيل شرحها ‪.‬‬
‫لنتخيل اآلن شكل أحد سكان ذلك العامل‬
‫مخاسي األبعاد‪ ،‬ولنحاول رسم صورة وصفية‬
‫لـه‪ ،‬فهو خملوق عجيب يعيش يف مكان يبدو‬
‫لناظره وكأنه مكعب مضغوط وملتو‪ ،‬غرفته‬
‫عجيبة ميتد من كل زاوية فيها أربعة خطوط‬
‫بدل ثالثة‪ ،‬حبيث تلتقي معاً مش ّكلة زوايا قائمة‬
‫عددهـا ستـ عشـرة زاوية بدل مثان‪ ،‬كما نراها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يف كوننا ‪ .‬فإذا التقطت صورة ذات بعدين هلـذا‬
‫املكعب فستبدو الصورة كما لو كانت ملكعب‬
‫صغري معلّق خبيوط رفيعة داخ��ل مكعب أكرب‬
‫منه‪ ،‬ولقد حتققت معجزة احلصول على مثل‬
‫تلك الصورة يف عاملنا باستخدام الكمبيوتر‪،‬‬
‫وتبـدو مثل تلك ال��ص��ورة أخ�ي�راً كأهنا لوحة‬
‫سريالية مهووسة للفنان اإلسباني ( السلفادور‬
‫الدايل ) ‪.‬‬
‫لك أن تتخيل أيها القارئ طريقة ما لدخول‬
‫ذلك العامل أو العيش فيه !! ف��إذا أنت وقفت‬
‫يف هكذا زاوي��ة من دون أن تكون لك رجالن‬
‫إضافيتان فرتى ذلك الكائن بشكله الالمنتظم‬
‫والال مألوف بعينيه الستة‪ ،‬وكل ما فيه يغاير‬
‫املقاييس اليت تعرفها‪ ،‬فالكبري عندنا صغري عنده‬
‫‪،‬وبالعكس الصغري عنده كبري عندنا‪ ،‬لسانه أطـول‬
‫من ذراعيه وشفتـاه ال وجـود هلما‪ ،‬وعيونه الستة‬
‫ترى يف كل االجتاهات‪ ،‬صغرية احلدقة واسعة‬
‫احملجر متاماً‪ ،‬ال بطن له والرقبة‪ ،‬وبالنسبة‬
‫ألقدامه الستة فإن بعضها قصري جداً وبعضها‬
‫طويل‪ ،‬وأنت لن تستطيـع التعامـل مع حوائجه‬
‫وأشيائه‪ ،‬ولن تستطيع أكل طعامه وال شرب‬
‫مائه‪ ،‬ألن طرف كأسـه (شفتها) منتفخ أكثر من‬
‫الكأس ذاهتا‪ ،‬وسيارته هلا مثاني عجالت غري‬
‫متساوية األحجـام واألقطار‪ ،‬وكل منها مير على‬
‫خط خيتلف يف طوله واجتاهه عن غ�يره‪ ،‬أي‬
‫بعضها طويـل وبعضها اآلخر قصري‪ ،‬وهلا زوايا‬
‫انفراج خمتلفة حتى لو سارت املسافة ذاهتا !!‪.‬‬
‫طرقه ليست مستوية‪ ،‬بل هي اسطوانية‬
‫حلزونية حبيث تكون بعض العجالت يف األعلى‬
‫وبعضها اآلخ���ر يستند إىل ج��وان��ب الطريق‬
‫احمللّزنة يف األسفل‪ ،‬كما أن الزمن فيه ( وهو‬
‫البعد اخلامس يف عامله) ليس متجانساً وال‬
‫متناظراً‪ ،‬فقد يكون متمدداً يف أحد األركان‬
‫ومتقلصاً يف رك��ن آخ��ر‪ ،‬ومم��ا يبعث البهجة‬
‫يف نفوسنا أننا لن نرى ذلك الساكن الرباعي‬
‫بأعيننا وهو ينظر إلينا بازدراء وسخرية بأعينه‬

‫‪39‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الستة‪ ،‬فهو يرانا يف عامله احلامل كأننا صورة‬
‫مستوية ثنائية األبعاد جامدة ال حراك فيها‪،‬‬
‫وهو حيتفظ بنا حنن ثالثي األبعاد يف دوالب‬
‫خزانتـه مخاسية األبعاد على أننا صور تذكارية‬
‫مت تصويرنا يف زم��ن متخلف عنده باألبعاد‬
‫الثنائية‪ ،‬وحيتفظ بنا م��ع سبائكه الذهبية‬
‫الثمينة على أننا أوراق ملاعة ذات قيمة مجالية‪،‬‬
‫رمبا تبدو صورنا لعيونه الستة متألقة كاألملاس‪،‬‬
‫كما تبدو له سياراتنا وبيوتنا وحدائقنا ومالعبنا‬
‫و أزهارنا كأهنا بطاقات معايدة ملونة مزركشة‪،‬‬
‫أمهلها النسيان يف دوالب خزانته يعود إليهـا‬
‫كلما دب به احلنني للعودة لطفولته ‪.‬‬
‫أو رمبا نبدو يف عيونه كأننا خ��ردة مهملة‬
‫يفضل التخلص منها بعد حني‪ ،‬فهو كائن راقٍ‬
‫يف كونه اخلماسي‪ ،‬وحنن لسنا أكثر من صورة‬
‫مسطحة ال حول هلا وال قوة يف عامله املثايل‪.‬‬
‫لكن ما جدوى البحث عن األبعاد اخلمسة‬
‫فينا ؟‬
‫إن حماولة البحث من قبلنا يف أمور األبعاد‬
‫املتعددة ضرورية جداً ‪ ..‬لرمبا توصلنا يف يوم‬
‫من األيام إلجناز مردود ألق أعظمي يف شيء‬

‫‪40‬‬

‫ما يعود علينا بفوائد هائلة على مجيع الصعد‬
‫النفسية واجلسمية والفكرية واحلضارية‪،‬‬
‫لرمبا نتمكن يف ي��وم ما من إدراك كنه املادة‬
‫وكنه الروح وأسرارها وأشكاهلا احلياتية وكيفية‬
‫ارتباطها بالعضوية احلية‪ ،‬وأين مكاهنا وموضع‬
‫إحداثياهتا فينا ‪ ..‬يف عضويتنا احلية ؟‬
‫يعتقد البعض أن��ه رمب��ا أمكننا التوصل‬
‫ألجوبة مالئمة إذا ما استطعنا تطبيق نظرية‬
‫السلسلة العظمى اليت تعرف ‪ :‬باسم ( نظرية‬
‫األوتار الفائقة ) ( ‪)Super string Theory‬‬
‫اليت تقول ‪:‬‬
‫« إن مجيع الكائنات احلية واجلامدة املرئي‬
‫منها وال�لام��رئ��ي‪ ،‬مب��ا فيهم البشر تتشكل‬
‫أنفسهم ( جسداً وروحاً ) نتيجة حركات ملتوية‬
‫لسالسل صغرية حلقية يف عامل ذي تسعة أبعاد‬
‫مادية والبعد العاشر هو البعد الزمين فيها‪ ،‬وأن‬
‫ستة من األبعاد املكانية ال ميكن اخرتاقها بأقوى‬
‫اآلالت املتوفرة لدينا» ‪.‬‬
‫لرمبا ك��ان امل��ردود األلـق األعظمي املرجو‬
‫حتقيقه من دراسة األبعاد املتعددة هو احلصول‬
‫على فوائد ميكن تطبيقها مثالً يف جمال الذكاء‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫اإلنساني ‪ .‬ولشرح تلك الفكرة نقول ما يلي ‪:‬‬
‫لنشبه اخللية العصبية يف مخ إنسان على أهنا‬
‫برتقالة موجودة يف سلة برتقال‪ ،‬أي يف أبعاد‬
‫ثالثة فهي تالصق عدداً حمدوداً من الربتقاالت‪،‬‬
‫فلو كانت اخللية العصبية مستديرة كالربتقالة‬
‫ألمكنها أن تالمس باتصال مباشر مثل هذا‬
‫ال��ع��دد م��ن اخل�لاي��ا األخ���رى‪ ،‬وه��ذا م��ا يسمح‬
‫بتبادل جيد للمعلومات فيما بينها ! ‪.‬‬
‫لكن لو وضعت يف سلة رباعية األبعاد لصار‬
‫بإمكاهنا أن تالمس ضعف العدد السابق‪ ،‬وهذا‬
‫يعين أن خم�ً�ا ذا أرب��ع��ة أب��ع��اد ميكنه أن يكون‬
‫أكثر تعقيداً وأكثر إنتاجي ًة وذكاءً‪ ،‬الزدياد عدد‬
‫اخلاليا املتالصقة ببعضها مباشرة مع زيادة‬
‫األبعاد‪ ،‬وحالة مثانية أبعاد يكون التالمس أكثر‬
‫إذ يفوق العدد أكثر من مئة برتقالة أخرى‪ ،‬أما‬
‫يف حالة أبعاد أكثر من ذلك وليكن عددهـا اثنني‬
‫وسبعني بعداً ‪ ..‬يغدو عدد التالمسات أكثر من‬
‫عدة مليارات برتقالة ‪ ..‬وهكـذا !!‪ ،‬حنصل على‬
‫مستويات ذكاء خارقة ‪ ...‬فأي ذكاء عظيم هذا‬
‫ال��ذي سنحصل عليه لو أجدنـا لعبة األبعاد‬
‫؟؟!!‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫السر األعظم يكمن يف األبعاد الستة‬
‫توصل علماء الفيزياء من خالل دراساهتم‬
‫إىل أن األبعاد املطلوبة اليت يقوم عليها كوننا هي‬
‫بالتحديد تسعة أبعاد والزمن هو البعد العاشر‬
‫فيها‪ ،‬وبالتايل كل موجودات الكون كافة احلية‬
‫منها واجلامدة تشغل ثالثة أبعاد مكانية‪ ،‬أما‬
‫األبعاد الستة األخرى اليت ال ميكننا اخرتاقهـا‬
‫بأقوى اآلالت املتوفرة للبشرية‪ ،‬هي مقر العوامل‬
‫الال مرئية لنا واملوجودة فينا مثل عوالـم الروح‬
‫وعوامل اجلن ‪ ...‬اخل‪ ،‬وبالتايل ال ميكن الوصول‬
‫ملواقع وج��ذور إحداثيات ال��روح فينا أو يف أي‬
‫كائن حي آخر‪ ،‬ففي تلك األبعاد الستة يعيش‬
‫جزء منا دون أن ن��درك ذلك أو أن حنس به‪،‬‬
‫ألهنا خلف حجاب الرؤية الضوء والزمن‪ ،‬أي‬
‫هي خلف مدارك السمع والشعور والال شعور‬
‫وحتى احلاسة السادسة ‪..‬هي أقوى من بناء‬
‫الضوء وتركيبه وخلف تقلب الزمن ودورانه‪،‬‬
‫فهذه األبعاد الستة تكورت على بعضها البعض‬
‫لتغدو ال مرئية مب��ا تتضمنه مـن مكونات‪،‬‬
‫فغدت شفافة مرنة يتشرهبـا اجلسم احلي‬
‫حبيث متأل كل ذرة من ذراته وتؤثر فيه بشكل‬

‫‪41‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مباشر‪ ،‬وتصرف أموره احلياتية والوجودية‬
‫وف��ق خمطط هلا ال حتيد عنه إطالقـاً‪ ،‬وهي‬
‫ال تستطيع االنفصال عن العضوية املسؤولة‬
‫عنها إال بأمر إهلي‪ ،‬فهي أقرب إلينا من خاليا‬
‫جلودنا‪ ،‬وتسيّر كل فعاليات حياتنا بشفافية‬
‫وآنية زمنية ال عطالة فيها ‪.‬‬
‫إذن لألبعاد الستة مهمة خاصة متارسها‬
‫فينا حنن األحياء شئنا ذل��ك أم أبينا‪ ،‬لرمبا‬
‫ك��ان��ت ه��ذه األب��ع��اد الستة ه��ي مقـر الـروح‬
‫وسكنها فينا‪ ،‬طبعاً حنن ال نعرف مكان الروح‬
‫يف أجسامنا لسبب بسيط ه��و أننا ال منلك‬
‫مفتاح الدخول إىل ذلك العامل سداسي األبعاد‬
‫الالمرئي‪ ،‬أي أننا ال نعرف عنواهنا داخلنا‪،‬‬

‫‪42‬‬

‫وال نعرف الشيفرة السرّية لطريقة التعارف‬
‫معها داخلنا‪ ،‬ومع ذلك مل يعد احلديث يف هذا‬
‫املوضوع شائكاً أو مستحيالً أو حمظوراً‪ ،‬ومسألة‬
‫الكون ذي العشرة أبعاد مل تعد مسألة يستحيل‬
‫حلها بوجود احلواسيب الفائقة‪ ،‬ولـدى علماء‬
‫الرياضيات مـن طرق التفسري ما يقنع متاماً‬
‫بوجود مثل تلك األبعاد‪ ،‬لكن مع متدد الكون‬
‫حتولت ألبعاد أربعة كان منها ثالثة أبعاد مكانية‬
‫مرئيـة وحت�دّب كوننا يف البعد الرابع املكاني‬
‫الال مرئـي لنـا واعترب البعد اخلامس بعداً زمنياً‬
‫لصيقاً باملادة‪ ،‬ويفسر علماء الرياضيات ذلك‬
‫األمر بطريقة الدمج الرياضية ويقولون ‪:‬‬
‫حدث دمج لألبعاد الستة اإلضافية الزائدة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫رافقها تكور ذات��ي وتقلص وتصغري فلم تعد‬
‫مرئية‪ ،‬وبدت كما لو كنا ننظر من مكان بعيد‬
‫إىل حبل غليظ جمدول‪ ،‬إذ يبدو لنا كأنه خيط‬
‫أحـادي البعد‪ ،‬أو نقطة ال متناهية يف الصغر‬
‫إذا نظرنا إليه رأس��ي �اً ‪ .‬وال��دخ��ول إىل عامل‬
‫األبعاد الستة مستحيل ألهنا تقع خلف حواجز‬
‫الضوء والزمان واملكان وخلف مجيع مداركنا‬
‫وأحاسيسنا ‪ .‬وال ميكن اخرتاق حواجزها ولو‬
‫استخدمنا أقوى اآلالت املتوفرة لدينا ‪ .‬ولكي‬
‫نتمكن مـن الولـوج والتسلل داخل شبكات األبعاد‬
‫الستة العظمى‪ ،‬جيب أن نركب كبسـولة فضائيـة‬
‫حتركها طاقة دافعة تعادل مليارات املليارات من‬
‫الطاقة املتوفرة يف أعظم اآلالت لدينا‪ ،‬أي أن‬
‫حن��اول دف��ع الكبسولة بقوة تعادل طاقة دفع‬
‫النجوم كي نتسلل داخ��ل األبعاد الستـة‪ ،‬وإذا‬
‫حاولنا إجياد طريقة عملية الخرتاقها‪ ،‬فأفضلها‬
‫ه��و اس��ت��خ��دام احل��رك��ة املتسارعة والوصـول‬
‫لسرعات ضوئية‪ ،‬ففيها حيدث حتويل طاقة‬
‫من شكل آلخر واملركبة حتتاج مدة سنة كاملة‬
‫وه��ي تتسارع بتسارع اجلاذبية األرض��ي��ة يف‬
‫كل ثانية لتصل سرعتها لسرعة الضوء‪ ،‬فمـا‬
‫بالنا بسرعات تفوق سرعة الضوء إذ يتطلب‬
‫األمر تضخيم طاقة على حساب أخرى‪ ،‬عندئذ‬
‫ميكن احلصول على سرعات عالية من رتبة‬
‫السرعات الضوئية ‪ .‬مثل حتويل طاقة كامنـة‬
‫ثقالية ألخرى طاقة اندفاع حركية‪ ،‬كأن نسرع‬
‫مركبة فضائية بإمرارها جبوار كوكب عمالق‬
‫فتكتسب سرعة هائلة تكفي لقذفها بعيداً يف‬
‫أعماق الفضاء اخلارجي ‪ .‬بعض علماء الفيزياء‬
‫بدأ بالتفكري يف إمكانية تسريع مركبة فضائية‬
‫يف حقل جاذبية ثقب أسود‪ ،‬إذ باستطاعة ثقب‬
‫أسود أن جيتذب جمرة كاملة ويبتلعها وأن يقذف‬
‫جسماً ماراً جبواره بقوة تعادل طاقة دفـع ماليني‬
‫النجوم إن مل يبتلعه ‪ .‬إذ باستطاعـة ثقب أسود‬
‫صغري أن يقذف مركبة فضائية إلـى الالهناية‬
‫لتخرج من كوننا وخترتق حواجز األبعاد الستة‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫لكن املشكلة هو أن الثقب األس��ود ذاته سوف‬
‫يسحق املركبة وخيلصها من أبعادها املكانية‬
‫والزمانية األربعة وجيعلها تُختَـزن يف بعد واحد‬
‫( بعد صفري ) كحالة هنائية مفضلة عنده ‪.‬‬
‫إذاً مسألة اخ�تراق حواجز وحجب األبعاد‬
‫الستة يلزمها سرعات عالية جداً‪ ،‬فمع بداية‬
‫ظهور الكون وانبثاقه جهرياً من العدم بأمر اهلل‬
‫لزم أن تكون سرعته حينها حب��دود مخسيـن‬
‫ضعف سرعة الضوء‪ ،‬ورمبا كان أكثر من ذلك‪،‬‬
‫حينها كانت كثافة مادة الكون حوايل مخسني‬
‫مليون ضعف كثافة معدن الرصاص‪ ،‬ودرجة‬
‫حرارته تزيد على ثالثني مليون مرة من درجة‬
‫حـرارة الشمس‪ ،‬وحنن نضطر دوماً للعودة لتلك‬
‫الفرتة لنتخذها مجلة مقارنة نسبية ملا حنتاجه‬
‫يف رحلة اخ�تراق األبعاد الستة اليت حيلم هبا‬
‫العلماء ‪.‬‬
‫يعتقد العلماء أنه إذا استطاع أحد التجول‬
‫يف أعماق كيان ع��امل األبعاد الستة املختفية‬
‫فـإن املتجول يعود دوماً إىل نقطة انطالقه مهما‬
‫كان اجتاه حركته يف ذلك العامل‪ ،‬وإن املسافـة‬
‫املقطوعة من قبله س��وف لن تزيد على جزء‬
‫واحد من (‪ 33 -10‬جزء من السنتمرت الواحـد)‬
‫أي ( ‪ 33 – 10‬سم )‪ ،‬وإنه سيعود حتماً لنقطة‬
‫انطالقه‪ ،‬وهنا نالحظ أن ذلك الرقم املذكور‬
‫يشبه أرقام األطوال املوجية للجسيمات الدقيقة‬
‫ال�تي حتدثت عنها فرضية العالـم الفرنسـي‬
‫لوبس دوب��روي ‪ .‬وأخ�يراً أين مكان وج��ود تلك‬
‫العوامل ؟؟ هكذا يبقى الدخول للعامل سداسي‬
‫األبعاد مستحيالً ومستعصياً على كل احملاوالت‬
‫البشرية‪ ،‬وهذا يثري املوضوع التالـي ‪ :‬لرمبا نشأ‬
‫كوننا احل��ايل نتيجة ق��ذف ثقب أس��ود ضخم‬
‫هائل له ‪ ..‬لعل ذلك حدث إبان الفرتات األوىل‬
‫من االنفجار األعظم‪ ،‬وأن البيضة الكونية األوىل‬
‫اليت انبثق منها كوننا مل تكن سوى ثقب أسود‬
‫جشع كان يبتلع الكون بكامله ثم تقيأه من ثقب‬
‫أبيض كائن يف طرفه اآلخـر ‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬

‫د‪ .‬طالـب عمـران‬
‫« ‪ ...‬وه��ك��ذا ك��ان علماء احملطة‬
‫العائمة يف سبيلهم إلطالق مركبة‬
‫تتجه حن��و الثقب األس���ود‪ ،‬حتمل‬
‫أحد روادهم ‪ ..‬وكان أمحد متحمّساً لالشرتاك‬
‫يف تلك الرحلة اجملهولة ‪ ..‬إهنا رحلة خميفة قد‬
‫ال تسلم منها أي مادة ‪ ..‬إن الثقب األسود حيفر‬
‫حوله ما يسمّى ببئر اجلاذبيّة إن الضوء املنبعث‬
‫من النجم املتحوّل لثقب أس��ود‪ ،‬ال يغادره ‪..‬‬

‫‪44‬‬

‫فالثقب األسود يتمسّك بإشعاعاته‪ ،‬وألن النجم‬
‫يف هذه احلالة حيفر ما يسمّى ببئر اجلاذبيّة‬
‫‪ ..‬هل سيمتص الثقب األسود (ميدور) املركبة‬
‫املنطلقة ؟ أم ‪ .....‬؟ ‪»..‬‬
‫(حن��ن اآلن يف ال��ع��ام ‪ / 2200 /‬ميالدية‬
‫‪ )..‬هناك حمطة فضاء تنطلق بني النجوم يف‬
‫رحلة كشف علمية ‪ ..‬كانوا جمموعة من الرواد‬
‫من خمتلف االختصاصات توزعوا يف ورديات‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫خلف األجهزة‪ ،‬وكان بعضهم يف غرفة السبات‬
‫الطويل‪ ،‬انبعث صوت قائد املركبة الفضائية‬
‫الضخمة ‪:‬‬
‫ـ امسعي يا ناديا ‪ ..‬أرى شيئاً غريباً على‬
‫شاشة جهاز االستقبال ‪..‬‬
‫ـ تبدو كرسائل موجهة يا سيدي ‪ ..‬العقل‬
‫اإللكرتوني يقوم بفك رموزها حالياً ‪..‬‬
‫ـ حسناً ‪ ..‬وأنت يا أمحد ‪ ..‬حاول أن تسرب‬
‫املنطقة اليت تبثها بواسطة جهازك الاليزري ‪..‬‬
‫ـ حسناً يا سيدي ‪..‬‬
‫وس��رع��ان م��ا متكن العقل اإلل��ك�ترون��ي من‬
‫ترمجة تلك الكلمات الغامضة‪ ،‬كانت رسالة‬
‫بلغة واضحة ‪:‬‬
‫ـ «هنا مركز األحباث الفضائية للكوكب (زيتا)‬
‫أنتم تقرتبون منا‪ ،‬نرجو أن تعرفونا بوجهتكم»‬
‫ـ» إن��ن��ا ن��ت��ج��ه ص���وب جم��م��وع��ة (احل����زام‬
‫الربتقايل) لالكتشاف ‪ ..‬حنن يف مهمة علمية ‪».‬‬
‫امسعي يا ناديا أريد أن يبث هذا الرد فوراً ‪..‬‬
‫ـ حاالً يا سيدي ‪...‬‬
‫ـ هل تعرفت على مكان البث يا أمحد ‪.‬؟‬
‫ـ نعم إهنا حمطة فضاء ضخمة جداً ‪ ..‬تقع‬
‫يف خط سرينا ‪ ..‬نصلها بعد حنو يومني من‬
‫اآلن ‪.‬‬
‫ـ ح��اول سرب ماهيتها ‪ ..‬وتقريب صورهتا‬
‫بقدر ما تستطيع ‪..‬‬
‫ـ سيتم ذلك سريعاً يا سيدي ‪..‬‬
‫وحني توضحت الصورة على الشاشة ‪:‬‬
‫ـ يا إهلي ما هذا ؟ تبدو حمطة أشبه بسيّار‬
‫جبّار‪ ،‬مدينة عائمة يف الفضاء ‪.‬‬
‫ـ إن��ن��ا ننجذب إليها ‪ ..‬ه��ن��اك ق��وة هائلة‬
‫جتذبنا‪..‬‬
‫ـ ما الذي جيري للسفينة ؟ إهنا تدور حول‬
‫نفسها وتنفلت يف الفضاء ‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ـ إننا ننطلق يف مسار خاص بسرعة تقارب‬
‫مخسة آالف كيلو مرت يف الثانية ‪..‬‬
‫سرعتنا تزداد بالتدريج ‪..‬‬
‫ـ أي قوة جمنونة تشدنا إليها ‪ ..‬ماذا يريد‬
‫هؤالء منا ؟مل��اذا اإلص��رار على جذب حمطتنا‬
‫إليهم؟‬
‫ـ سرعتنا تصل (‪ )100‬مئة ألف كيلو مرت يف‬
‫الثانية ‪ ..‬حمطتنا تدور حول نفسها كأن تياراً‬
‫حلزونياً من قوى جاذبة جمهولة يبتلعها ‪..‬‬
‫ومل يعد أحد منهم يشعر بشيء‪ ،‬بينما استمر‬
‫العقل اإللكرتوني يبث بكلماته املتقطعة ‪:‬‬
‫ـ إننا نتجه ‪ ..‬ص��وب احملطة الضخمة ‪..‬‬
‫هنبط فوق أحد أبراجها ‪ ..‬ينفتح سطح الربج‬
‫‪ ..‬تبتلعنا احملطة الضخمة ‪ ..‬كميات هائلة من‬
‫اإلشعاعات تنطلق صوبنا ‪ ..‬شيء ما ‪ ..‬يشوّش‬
‫على ذاكرتي ‪ ..‬ما الذي ‪ ..‬حيدث ‪ ..‬ما ‪ ..‬ذا ‪..‬‬
‫جير ‪ ...‬ي ‪.‬؟‬
‫واستيقظ الدكتور سامل قائد السفينة ‪:‬‬
‫ـ آه ما هذا الصداع الذي يكاد يفلق رأسي ؟‬
‫أين أنا ؟ هه ‪..‬‬
‫ـ أنت يف أمان ال تقلق ‪..‬‬
‫ـ من ‪ ..‬من أنت ‪.‬؟‬
‫ـ أنا أحد املشرفني على احملطة العائمة ‪..‬‬
‫امسي (تامر) ‪..‬‬
‫ـ آه ‪ ..‬أتذكر اآلن ‪ ..‬كنا خنضع لقوة جذب‬
‫هائلة ثم فقدنا الوعي ‪..‬‬
‫ـ اجلميع خبري‪ ،‬ال تقلق ‪..‬‬
‫ـ من أنتم ‪.‬؟ وم��اذا تفعلون يف هذا الفراغ‬
‫الكوني الشاسع ‪.‬؟‬
‫ـ حنن من كوكب زيتا الذي يدور حول النجمة‬
‫(دلتا) يف مركز اجملرة ‪ ..‬جمرة (درب التبانة)‬
‫كما تسموهنا ‪..‬‬
‫ـ وماذا تفعلون هنا ‪.‬؟ وكيف جذبتم حمطتنا‬

‫‪45‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫إليكم ‪.‬؟‬
‫ـ حنن هنا ن��درس الثقب األس��ود (ميدور)‬
‫الذي كانت حمطتكم تتجه إليه ‪ ..‬بذلنا جمهوداً‬
‫هائالً لتخليصكم من قوة جذبه املدهشة ‪..‬‬
‫ـ أكنا خنضع لقوة جذب الثقب األسود ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬واستطعنا بعد دراس��ات مكثفة أن‬
‫نفك ط�لاس��م لغتكم الصعبة ون��ت��ع��رف على‬
‫كوكبكم وموقعه يف طرف اجملرة ‪ ..‬ونتقمّص‬
‫أشكاالً قريبة من أشكالكم ‪..‬‬
‫ـ كنا نعتقد أن حمطتكم جتذبنا إليها ‪ ..‬ومل‬
‫نفهم سبب ذلك ‪..‬‬
‫ـ كانت عملية عسرية ‪..‬‬
‫ـ ولكن ملاذا ال جيذبكم الثقب األسود إليه ‪.‬؟‬
‫ـ خلقنا حول حمطتنا العائمة جماالً مكثفاً‪،‬‬
‫م��ض��اداً‪ ،‬مقاوماً لقوة ج��ذب (م��ي��دور) الثقب‬
‫األسود‬
‫ً‬
‫ـ قلت إن��ك��م تقمصتم أش��ك��اال قريبة من‬
‫أشكالنا ‪ ..‬أكنتم بأشكال مغايرة ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬وستتعرف على ذل��ك أثناء زيارة‬
‫أقسام احملطة ‪...‬‬
‫وجت���ول س��امل يف احمل��ط��ة بصحبة الكائن‬
‫الغريب ‪:‬‬
‫ـ « أمعقول ‪.‬؟ إهنا حمطة غاية يف الضخامة‪،‬‬
‫مدينة كاملة‪ ،‬مبراكز حبث مكثفة ‪ ..‬كم من‬
‫السنوات استغرق بناؤها ؟ كأهنا سيار جبّار‪ ،‬يا‬
‫إهلي هذه احملطة اآللية هائلة الضخامة ‪»..‬‬
‫وبعد ساعات مسع صوتاً ينبعث من املكبّر ‪:‬‬
‫ـ دكتور س��امل ‪ ..‬املدير جاهز الستقبالك‬
‫اآلن‪..‬‬
‫ـ أي��ن سأذهب ؟ أحتاج لدليل يدلين على‬
‫الطريق إىل مكان وجود مدير احملطة‬
‫ـ رمسنا طريقك عرب الشاشة أمامك ‪..‬‬
‫كان مستغرباً وهو يقطع املمرات املتداخلة ـ‬

‫‪46‬‬

‫ال يزال الباقون منا يف مرحلة السبات ‪..‬‬
‫ـ يبدو أن هؤالء الناس ال ينوون إيقاظهم ‪..‬‬
‫ـ أترين يا ناديا هذه األزرار املزروعة قرب‬
‫الشاشة الضخمة على اليمني ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪...‬‬
‫ـ شيء ما يدفعين للتحديق فيها ‪ ..‬ها ‪..‬‬
‫سأهنض اآلن ‪ ..‬كأن األوامر تصلين بأن أضغط‬
‫بعض هذه األزرار ‪..‬‬
‫ظهرت الصورة على الشاشة ‪ ..‬آه ‪ ..‬إهنا‬
‫حمطتنا ‪ ..‬ك��أن ك��ام�يرا دقيقة ت��دخ��ل فيها‬
‫تتابع أنفاقها‪ .‬ها هي غرفة السبات ‪ ..‬رفاقنا‬
‫الستة ما زالوا نائمني الكامريا تقرب األجهزة‬
‫واملؤشرات ‪ ..‬كل شيء يعمل بانتظام ‪..‬‬
‫ـ اختفت الصورة‪ ،‬يبدو أن هذا البث القصري‬
‫كان لطمأنتنا فقط ‪..‬‬
‫ـ أليس غريباً يا أمحد أن حتاول هذه الكائنات‬
‫العاقلة جذبنا إليها وإنقاذنا من السقوط يف‬
‫الثقب األسود ‪.‬؟‬
‫ـ كم أمتنى لو أراقب هذا الثقب املخيف ‪..‬‬
‫وأتعرف على آخر دراساهتم حوله ‪..‬‬
‫ـ أعتقد أهن��م سينظمون ب��رن��اجم�اً خاصاً‬
‫لتعريفنا باحملطة ‪..‬‬
‫ـ أرجو ذلك ‪..‬‬
‫ويف غرفة قائد احملطة الغريبة ‪:‬‬
‫ـ هذا هو الدكتور سامل يا سيدي ‪..‬‬
‫ـ عرفتنا أجهزتنا الدقيقة بكم ‪ ..‬وعلى‬
‫وجهتكم وهدفكم العلمي النبيل ‪ « ..‬يا إهلي‬
‫يبدو شكله غريباً متاماً ‪ ..‬رأس كبري مفلطح‬
‫‪ ..‬عينان واسعتان‪ ،‬أذنان كبريتان منتصبتان ‪..‬‬
‫رأس خا ٍل من الشعر‪ ،‬رقبة طويلة‪ ،‬وجسم طويل‬
‫حنيل ‪ ..‬بأيدٍ كثرية إهنا ستة ‪ ..‬يا إهلي ‪ ..‬إهنا‬
‫تقوم حبركاهتا حبريّة يف نفس الوقت ‪»..‬‬
‫ـ اخ�ترت أن أظهر بشكلي احلقيقي‪ ،‬ألنك‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫املسؤول األول يف سفينتكم ولن يكون شكلي‬
‫األصلي مزعجاً لك ‪»..‬‬
‫ـ ال ‪ ..‬أبداً ‪ ..‬قابلت يف رحالتي املستمرة يف‬
‫الفضاء كائنات عاقلة بأشكاهلا احلقيقية وكنت‬
‫سعيداً بالتعرف إليها ‪..‬‬
‫ـ دك��ت��ور س��امل ‪ ..‬قلتم يف ج��واب رسالتنا‬
‫‪ ..‬نتجه ص��وب جمموعة (احل���زام الربتقايل)‬
‫لالكتشاف أليست هذه وجهتكم ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪..‬‬
‫ـ سنساعدكم يف حتقيق مهمتكم ‪ ..‬بعد أن‬
‫تتعرفوا على مركز أحباثنا‪ ،‬ويف هذه احملطة‬
‫العائمة أتوافقون على ذلك ‪.‬؟‬
‫ـ بالطبع ي��ا س��ي��دي ‪ ..‬سنكون سعيدين‬
‫بالتعرف على إجنازاتكم احلضارية املتفوقة ‪..‬‬
‫ـ حسناً ‪ ..‬سريافقكم كبري املستشارين (تامر)‬
‫وسنحاول تقريب الصورة إليكم ‪ ..‬أقصد سرتون‬
‫أقسام احملطة بعامليها كما لو كانوا من البشر‬
‫‪..‬‬
‫ـ شكراً لكم ‪..‬‬
‫ـ مرحباً باألخوة يف العقل ‪ ..‬أرجو أن تسعدكم‬
‫زيارتنا ‪ ..‬وداعاً ‪..‬‬
‫ـ وداعاً يا سيدي ‪..‬‬
‫خ��رج س��امل بصحبة تامر م��ن غرفة قائد‬
‫احملطة الغريبة ‪:‬‬
‫ـ سيحضر أمحد وناديا اآلن ‪ ..‬سأرافقكم‬
‫مجيعاً يف جولة التعرّف على حمطتنا العائمة‬
‫‪ ..‬خصك مدير احملطة باملقابلة ألنك املسؤول‬
‫األول يف رحلتكم األرضية وألنك الرجل األكثر‬
‫خربة ‪ ..‬كنت تسألين عن أشكالنا ‪ ..‬لقد رأيت‬
‫شكل مدير احملطة الذي هو واحد من كائناتنا‬
‫‪..‬‬
‫وحضر أمحد ومعه ناديا ‪:‬‬
‫ـ ال داع���ي إلي��ق��اظ رف��اق��ك��م اآلخ��ري��ن من‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫سباهتم الطويل ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬ال داعي لذلك ‪ ..‬إن كان جو احملطة‬
‫طبيعياً بالنسبة هلم ‪..‬‬
‫ـ ال تقلق من هذه الناحية ‪.‬‬
‫ـ رأي��ن��اه��م ق��ب��ل دق��ائ��ق م��ن خ�ل�ال البث‬
‫التلفزيوني‪ ،‬كل شيء يعمل بانتظام ‪..‬‬
‫ـ حسناً ‪ ..‬على بركة اهلل إذن لنبدأ اجلولة‪..‬‬
‫ـ « الكوكب « زيتا « كوكب يبلغ حجمه ضعف‬
‫حجم أرضكم ‪ ..‬وهو يدور حول جنمة فتية أكرب‬
‫من مشسكم مبرّة ونصف ‪ ..‬يدور حوهلا أربعة‬
‫عشر كوكباً ‪ ..‬ترتيب كوكبنا يف بعده عنها هو‬
‫اخلامس ‪ ..‬وال تدور توابع أو أقمار حول كوكبنا‬
‫وال��ك��واك��ب القريبة م��ن جنمتنا املشعة ولكن‬
‫الكواكب البعيدة عنها تدور حوهلا أقمار تتعدد‬
‫حتى تصل عشرين ق��م��راً ح��ول أضخم هذه‬
‫الكواكب وأبعدها عن جنمتنا املشعة ‪ ..‬سرتون‬
‫اآلن كوكبنا كما لو أنكم تعيشون فوقه ‪»..‬‬
‫ـ يا إهل��ي ‪ ..‬يبدو املنظر أخّ���اذاً ‪ ..‬السماء‬
‫مزدمحة بالنجوم ‪ ..‬هاهي النجمة (دلتا) املشّعة‬
‫‪ ..‬وها هو الكوكب (زيتا) ‪ ..‬آه يا إهلي ‪...‬‬
‫ـ حنن نعيش يف مركز اجملرّة ‪ ..‬لذلك كانت‬
‫حضارتنا املتطورة سبّاقة يف التعرّف على‬
‫احلضارات اجمل��اورة‪ ،‬حوار احلضارات أفادنا‬
‫كثرياً ‪..‬‬
‫ـ مضى وقت طويل على اكتشاف اإلنسان‬
‫للفضاء احمليط به‪ ،‬وكان لقاؤه مع احلضارات‬
‫العاقلة ال�تي أرس��ل��ت بعثات استكشافها إىل‬
‫أرضه‪ ،‬ليس متواصالً ‪..‬‬
‫ـ بالطبع أنتم تعيشون يف كوكب يف طرف‬
‫اجمل�رّة تقريباً ‪ ..‬ميكن أن يعد امل��رء يف مساء‬
‫كوكبكم الصافية حنو ثالثة آالف جنم فقط ‪..‬‬
‫أما يف الكوكب زيتا وهو يف مركز اجملرّة‪ ،‬فكما‬
‫رأيتم السماء مزدمحة بالنجوم باإلمكان عد‬

‫‪47‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫مليوني جنمة ‪..‬‬
‫ـ وه���ذا سبب ح���وار احل��ض��ارات املتفوقة‬
‫عندكم ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬سنصحبكم اآلن يف جولة على أقسام‬
‫احملطة ‪ ..‬تفضلوا ‪..‬‬
‫وتفرّعت األقسام يف احملطة ‪..‬‬
‫ـ إنه قسم حيوانات التجارب ‪ ..‬فيه عيّنات‬
‫من الكائنات احليّة من أغلب الكواكب اليت زارهتا‬
‫بعثاتنا االستكشافية ‪ ..‬جنري عليها التجارب‬
‫املفيدة لتحسني أنواعها وهتجينها ‪ ..‬ومعرفة‬
‫طرق القضاء على األنواع املؤذية منها ‪..‬‬
‫ـ وم�����ا ال������ذي ي������دور يف ذل�����ك القفص‬
‫الزجاجي‪.‬؟‬
‫ـ إنه حيوان غريب سريع التكيّف مع بيئته‬
‫‪ ..‬وينمو بسرعة خارقة ‪ ..‬حتى أنه يصل إىل‬
‫عشرة أضعاف حجمه خالل يومني ‪..‬‬
‫ـ مل��اذا تسقط قطرات من السائل األصفر‬
‫فوقه ‪.‬؟‬
‫ـ إليقاف منوّه ‪ ..‬إنه خطر فيما لو استمرَّ‬
‫بالنموّ دون توقف كما ذكرت ‪..‬‬
‫ّ‬
‫ويف قسم آخر رأى الروّاد تقنيات معقدة ‪:‬‬
‫ـ إنه قسم البث واالت��ص��االت‪ ،‬يربطنا بكل‬
‫ال��ع��وامل من حولنا ‪ ..‬هنا ج��رى بث الرسالة‬
‫حملطتكم للتعرّف على وجهتكم ‪..‬‬
‫ـ أرى أجهزة غريبة يف األعلى إهن��ا جتمّع‬
‫الضوء يف مركز بؤري داخل كرة زجاجية تعكس‬
‫الضوء داخل قناة معتمة ‪..‬‬
‫ـ إهنا أجهزة نقل الرسائل بواسطة الاليزر‬
‫املتطور ‪ ..‬إهن��ا وسيلة متفوقة لبث الرسائل‬
‫يف م��س��اف��ات شاسعة يف ه��ذا ال��ك��ون فسيح‬
‫األرجاء‪..‬‬
‫ـ م��ا ه��ذه ال��دائ��رة الزجاجية الضخمة يف‬
‫األعلى ‪ ..‬تبدو ملوّنة تتغيّر ألواهنا بانتظام‪.‬؟‬

‫‪48‬‬

‫ـ إهنا موجهة صوب الثقب األسود ‪ ..‬تستقبل‬
‫ما جيري فيه من امتصاص هائل للضوء واملادة‬
‫ستفهمون كل شيء لدى زيارتكم ألهم أقسام‬
‫احملطة ‪ ..‬قسم دراس��ة الثقب األس��ود الذي‬
‫أنشأنا حمطتنا هذه لدراسته ‪..‬‬
‫ـ يبدو عمالً شيّقاً ‪..‬‬
‫ـ ليس كثرياً يا دكتور سامل ‪ ..‬كلفنا الكثري‬
‫من اجلهد ‪ ..‬وظل مغلفاً بأسراره حتى اآلن ‪..‬‬
‫سنلتقي بعد قليل بالعاملني يف هذا القسم ‪..‬‬
‫ميكنكم طرح ما شئتم من أسئلة عليهم والوقوف‬
‫على مدى أمهية التجارب اليت جيروهنا ‪..‬‬
‫ويف القسم األضخم يف احملطة قسم دراسة‬
‫الثقب األسود مهست ناديا مذهولة ‪:‬‬
‫ـ يا إل��ه السموات‪ ،‬يبدو منظراً مرعباً ‪..‬‬
‫دوام���ة حلزونية م��ن ال��ض��وء يتوغل يف قلبها‬
‫ظالم شديد متأل مدّ النظر أمام هذا اجلدار‬
‫الزجاجي اهلائل ‪...‬‬
‫ـ إنه ثقب هائل ‪...‬‬
‫قال تامر ‪:‬‬
‫ـ بإمكانه اب��ت�لاع جن��وم بكاملها ‪ ..‬جنوم‬
‫حجومها أكرب بسبع مرات من حجم مشسكم‪..‬‬
‫ـ غريب‪ ،‬كأنه بقايا عدة جنوم وليس جنماً‬
‫واحداً ‪..‬‬
‫ـ ال أحد يعرف ‪..‬‬
‫دخلت فتاة تشبه ناديا إىل حدٍّ غريب عرّفهم‬
‫عليها تامر ‪:‬‬
‫ـ إهنا املشرفة الرئيسية على البحث هنا ‪..‬‬
‫ميكنكم مناداهتا باسم « زيلما « واطرحوا ما‬
‫تشاؤون من أسئلة عليها أيضاً ‪..‬‬
‫ـ أه�ل�اً ب��ك��م يف حمطتنا أي��ه��ا األخ����وة يف‬
‫العقل‪..‬‬
‫مهس سامل لتامر ‪:‬‬
‫ـ « أه��ذا ه��و شكلها األص��ل��ي‪ ،‬تبدو امرأة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫مجيلة ‪.‬؟ ‪»..‬‬
‫قال تامر هامسا ‪ً:‬‬
‫ـ ال ي��ا دك��ت��ور س���امل ‪ ..‬ت��ق�مّ��ص��ت شكالً‬
‫بشرياً لتساهم يف جعل كل شيء يبدو طبيعياً‬
‫عندكم‪..‬‬
‫ـ فهمت ‪ ..‬وأظ���ن أن ك��ل م��ن قابلناه كان‬
‫يتقمّص شكالً خيتلف عن شكله األصلي ‪..‬‬
‫ـ بالطبع ‪..‬‬
‫بدأت زيلما تتكلم بلغة مفهومة واضحة ‪:‬‬
‫ـ ت��رك��زت أحباثنا ح��ول م��ا ميكن أن يفعل‬
‫الثقب األسود مبادة الكائن احلي‪ ،‬هل يتعامل‬
‫معها كأي مادة عادية ‪.‬؟ أم هناك سر غامض‬
‫لسبب رفضه إياها ‪.‬؟‬
‫ـ أسبق أن أرسلتم مادة حية ورفضها الثقب‬
‫األسود ‪.‬؟‬
‫ـ ن��ع��م ‪ ..‬وس��ن��ج��ري أم��ام��ك��م جت��رب��ة على‬
‫ذلك‪..‬‬
‫ً‬
‫ح�رّك��ت ذراع���اً ص��غ�يرا إىل جانبها‪ ،‬سأهلا‬
‫سامل‪:‬‬
‫ـ ماذا تفعلني ‪.‬؟‬
‫ـ ضغطت على ه��ذا ال���زر لتنطلق مركبة‬
‫صغرية حتمل يف داخلها حيواناً لبوناً من نوع‬
‫اجملرتّات‪ ،‬كما تسموهنا عندكم ‪ ..‬يشبه خروفاً‬
‫صغرياً ‪..‬‬
‫ـ أهذه هي املركبة الصغرية ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬سأجعل الشاشة الضخمة تالحقها‬
‫إىل قلب الثقب وسرتون ما حيدث ‪.‬‬
‫ـ يا إهلي الشاشة تقرب الثقب‪ ،‬يبدو مرعباً‬
‫وهو ميأل مد النظر أمامنا ‪ ..‬ال يبدو والذعر‬
‫على احليوان‪ ،‬إنه يتصرف بشكل طبيعي‪ ،‬ملاذا‬
‫حيين رأسه كثرياً ‪.‬؟‬
‫ـ أمامه أعشاب صناعية لذيذة ‪ ..‬إنه منشغل‬
‫بالتهامها بعد يومني من التجويع ‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ـ جتويع ‪.‬؟ أمل تطعموه شيئاً خالل اليومني‬
‫السابقني ‪.‬؟‬
‫ـ ال ‪ ..‬لكي ال حتدث عنده ردود أفعال وهو‬
‫منطلق يف الفضاء ‪..‬‬
‫ـ احملطة الصغرية تتابع اخرتاقها للفضاء‬
‫صوب الثقب األسود ‪.‬؟‬
‫ـ ثوا ٍن قليلة وحتدث عملية طردها بعيداً ‪..‬‬
‫ـ كم يبعد الثقب األسود عن السفينة‪ ،‬أقصد‬
‫عن حمطتكم العائمة ‪.‬؟‬
‫ـ حنو (‪ )20‬مليون كيلو مرت ‪.‬؟‬
‫ـ وكيف تصمد أمام قوة جذبه اهلائلة ؟ لقد‬
‫قمتم بعمل يبدو مذهالً بالنسبة لنا ‪..‬‬
‫ـ انظروا‪ ،‬حانت اللحظة املناسبة ‪..‬‬
‫ـ وفعالً بدأت املركبة تعود كأن الثقب األسود‬
‫يطردها بقوة إىل اخلارج ‪..‬‬
‫ـ هكذا يف كل م��رة‪ ،‬الثقب يطرد حمطاتنا‬
‫الصغرية وال يتقبلها ‪..‬‬
‫ـ هل الثقب األسود اهلائل هذا‪ ،‬يتعامل مع‬
‫كل الكائنات احلية على هذا الشكل ‪.‬؟ أقصد‬
‫ينبذها بعيداً عنه ‪.‬؟‬
‫ـ نعم كل الكائنات احليّة غري العاقلة ‪..‬‬
‫ـ وم��اذا عن الكائنات العاقلة ؟ أمل جتروا‬
‫اختباراً عليها بعد ‪.‬؟‬
‫ـ إنه اختبار خطر ‪ ..‬ترددنا كثرياً يف القيام‬
‫ب��ه ‪ ..‬ولكننا سنجربه ‪ .‬هكذا ق��رر اجمللس‬
‫االستشاري يف حمطتنا العائمة بعد أن استشرنا‬
‫علماء كوكبنا يف مركز اجمل �رّة ‪ ..‬وأعتقد أن‬
‫موعد االختبار ليس بعيداً ‪..‬‬
‫ـ ستطلقون حمطة أيضاً فيها رائد فضاء من‬
‫روادكم ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬وقد تطوع الكثريون للقيام باملهمة‪..‬‬
‫ـ تطوعوا ‪.‬؟‬
‫ً‬
‫ـ بالطبع حنن ال جنرب أحدا على القيام بشيء‬

‫‪49‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬

‫‪ ..‬إنه اندفاع خلدمة البحث العلمي وحنن‬
‫حنرتمه كثرياً ‪.‬‬
‫ـ إنه اختبار مرعب ‪ ..‬أميكن للثقب األسود‬
‫أن يرفض هذا الكائن احلي العاقل أيضاً ؟ أم‬
‫أن شيئاً ما سيحدث ‪.‬؟‬
‫شد أمحد يد الدكتور سامل باهتمام ‪:‬‬
‫ـ أميكن أن أمهس لك بشيء يا سيدي ‪.‬؟‬
‫ـ بالطبع ‪ ..‬ماذا تريد ‪.‬؟‬
‫ـ ما رأيك لو تطوعت أيضاً للقيام باملهمة ‪.‬؟‬
‫مسعه سامل فسأله بدهشة ‪:‬‬
‫ـ م��اذا تقول ؟‪ .‬أن��ت ختضع هل��ذا االختبار‬
‫اخلطر ‪.‬؟‬
‫ـ وما يف ذلك يا سيدي ‪..‬‬
‫ـ يا أمحد ‪ ..‬حنن خنتلف عنهم مبواصفات‬
‫كثرية ‪ ..‬هم أكثر تطوراً منا وميكن أن يغامروا‬
‫باكتشاف أي شيء غامض دون خوف ‪..‬‬
‫ـ ولِ �مَ خن��اف ‪.‬؟ حنن أيضاً نغامر ونتطوع‬
‫للقيام بأخطر املهمات ‪..‬‬
‫ـ حسناً ‪ ..‬حسناً ‪ ..‬أجّ��ل املوضوع اآلن ‪..‬‬
‫سنتحدّث يف ذلك فيما بعد ‪..‬‬
‫وهكذا كان علماء احملطة العائمة يف سبيلهم‬
‫إلطالق مركبة تتجه حنو الثقب األسود حتمل‬

‫‪50‬‬

‫أحد روادهم ‪ ..‬وكان أمحد متحمّساً لالشرتاك‬
‫يف تلك الرحلة اجملهولة ‪ ..‬إهنا رحلة خميفة قد‬
‫ال تسلم منها أي مادة ‪ ..‬إن الثقب األسود حيفر‬
‫حوله ما يسمى ببئر اجلاذبية ‪ ..‬إن الضوء‬
‫املنبعث من النجم املتحوّل لثقب أسود ال يغادره‪،‬‬
‫فالثقب األسود يتمسك بإشعاعاته ‪ ..‬وألن النجم‬
‫حيفر يف هذه احلالة ما يسمى ببئر اجلاذبية‪،‬‬
‫وهي صورة يستخدمها الفلكيون ‪ ..‬وقد شبه‬
‫أنشتاين الفضاء بقطعة قماش مشدودة من كل‬
‫اجلوانب عليها كرات خمتلفة األحجام واألثقال‬
‫‪ ..‬فالكرة الصغرية خفيفة الوزن حتفر مساحة‬
‫صغرية‪ ،‬أما الكرة الكبرية الثقيلة فتحفر مساحة‬
‫أكرب لذلك جتذب الصغرية إليها‪ ،‬كما هو احلال‬
‫يف جمموعتنا الشمسية حيث جتذب الشمس‬
‫الكواكب بينما جتذب الكواكب أقمارها ‪ ..‬وإذا‬
‫حصلت إشعاعات يف مدى التجويف األسود‬
‫فإنه ميتصها فوراً كما ميتص مجيع أنواع املادة‬
‫‪ ..‬فالثقب األس��ود (ميدور) الذي ينوي أمحد‬
‫التطوع لالنطالق حنوه سيمتص مركبة أمحد‬
‫بكاملها ‪ ..‬هكذا كان سامل يفكر خائفاً‪ ،‬رافضاً‬
‫قرار أمحد ولكن مل ميتص املركبات الصغرية‬
‫األخرى اليت حتمل كائنات غري عاقلة انطلقت‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬

‫حن��وه‪ ،‬ثم طردها بعيداً ؟‪.‬مل���اذا رف��ض الثقب‬
‫األسود مثل هذه املادة احلية ؟ وكيف‪.‬؟‬
‫إن أمح��د ك��ان حي��اول إقناع الدكتور سامل‬
‫رئ��ي��س البعثة ب��امل��واف��ق��ة على انضمامه إىل‬
‫احملطة املأهولة املندفعة صوب الثقب األسود‬
‫‪ ..‬وبعد أن عاد اجلميع إىل مكان إقامتهم ‪..‬‬
‫اجتمع سامل وأمحد وناديا وبدؤوا يناقشون أمر‬
‫انضمام أمحد إىل احملطة املأهولة ‪..‬‬
‫ك��ان الدكتور س��امل ي��رى أن إص��رار أمحد‬
‫على الرحلة هو نوع من االنتحار اجملاني‪ ،‬فال‬
‫ميكن للثقب األس���ود أن يطرد امل���ادة املكونة‬
‫جلسم أمحد‪ ..‬بل سيمتصها ويبتلعها كأي مادة‬
‫أخرى ‪ ..‬ولكن أمحد كان حياول إقناعه من أنه‬
‫سيحدث له ما حدث للكائنات احلية األخرى‬
‫وقد رأوا التجربة أمام أعينهم ‪ ..‬تأملته ناديا‬
‫دامعة العينني ‪..‬‬
‫ـ كيف ي��ا أمح��د ‪ ..‬أمل تفكر ب��ي ‪.‬؟ ماذا‬
‫سأفعل إذا ح��دث لك ش��يء ؟ هل سأبقى يف‬
‫وحدتي ويتمي وغربيت ‪.‬؟‬
‫ـ امسعي يا ناديا ‪ ..‬خضنا هذه املغامرة يف‬
‫رحلة الستكشاف الكون‪ ،‬أمل يكن من املمكن أن‬
‫نتعرض حلادث فجائي وننتهي مجيعاً ‪.‬؟‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ـ ولكن ذلك لو حدث لن يكون لنا دخل فيه ‪..‬‬
‫أما أنت فبملء إرادتك تقدم على االنتحار ‪.‬؟‬
‫ـ ومن قال لك ذلك ‪.‬؟ إهنا جتربة فريدة ‪..‬‬
‫صدقيين يا عزيزتي أنا مقتنع متاماً مبا سأفعله‬
‫‪ ..‬وأرجو أن تغفري يل هذا اإلصرار ‪..‬‬
‫ـ وأنا يا أمحد ‪ ..‬ماذا سيكون وضعي ‪.‬؟ هل‬
‫سأرتدي السواد من اآلن ‪.‬؟‬
‫ـ ماذا حدث لكِ يا ناديا ؟ حتولت إىل امرأة‬
‫عاطفية ال ترى أمامها إال ذاهتا ومشاعرها ‪..‬‬
‫ـ وهل خننق املشاعر من أجل جتربة تدفعك‬
‫إىل االنتحار ‪.‬؟ تعلم كم أحبك ‪.‬؟‬
‫ـ وأنا أحبك كثرياً ‪ ..‬ولكن أرجوكِ ال تؤثري‬
‫عليّ بعاطفتك هذه ‪ ..‬فلن أتراجع عن قراري‬
‫اغفري يل يا ناديا ‪..‬‬
‫استسلمت باكيـة ‪:‬‬
‫ـ كما تشاء يا أمحد ‪ ..‬كما تشاء ‪..‬‬
‫شدَّ الدكتور سامل على يدها مشجعا ‪ً:‬‬
‫ـ خففي عنكِ يا ابنيت ‪ ..‬حنن يف مهمة علمية‬
‫نبيلة ال جيب أن تؤثر علينا عواطفنا إىل احلد‬
‫ال��ذي ننسى فيه أنفسنا ومهمتنا ‪ ..‬زوجك‬
‫مصمم على خوض التجربة وميكن أن نستثمر‬
‫علمياً هذا االختبار ملصلحة اإلنسانية ‪..‬‬

‫‪51‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫وانبعث صوت من املكبّر القريب ‪:‬‬
‫ـ دك��ت��ور س��امل ‪ ..‬أنتم م��دع��وون إىل قسم‬
‫أحباث الثقب األسود ‪ ..‬احملطة تستعد إلجراء‬
‫االختبار املركزي ‪..‬‬
‫ـ حسناً حنن قادمون ‪..‬‬
‫ويف قسم أحباث الثقب األسود مسع تامر‬
‫قرارهم بشأن أمحد‪ ،‬لقد وافقوا على الفكرة ‪:‬‬
‫ـ « استقر رأيكم إذن ‪.‬؟ على إرساله مبحطة‬
‫مستقلة ‪.. »..‬‬
‫ـ « نعم « كان يرغب بإرساله مع كائن منهم‬
‫يف حمطة مشرتكة ‪ ..‬وأكمل متسائالً ‪:‬‬
‫ـ أي لن تكون هناك حمطة مشرتكة لكائن منا‬
‫‪ ..‬ولكائن منكم ‪.‬؟ إهنا مشكلة ‪..‬‬
‫ـ م����اذا ت��ق��ول ‪.‬؟ رمب���ا خن��ت��ل��ف ع��ن��ك��م يف‬
‫املواصفات البيولوجية والفيزيولوجية‪ ،‬وحيدث‬
‫لكائننا شيء خيتلف عن الذي ميكن أن حيدث‬
‫ألمحد ‪..‬‬
‫ً‬
‫ـ ولكن وج��ودمه��ا معا سيكون أفضل ألن‬
‫مقاومتهما تصبح أكرب ‪..‬‬
‫ـ س���أرى م��ا ميكن أن يقوله جملس إدارة‬
‫احملطة العائمة ‪ ..‬وأبلغك بالقرار النهائي ‪..‬‬
‫سريعاً ‪ ..‬هيا يا أمحد ودّعهما ‪ ..‬سريافقك‬
‫العقل اإللكرتوني إىل غرفة االستعداد‪ ،‬لالنطالق‬
‫باحملطة الصغرية ‪..‬‬
‫ـ حسناً ‪...‬‬
‫ضمته ناديا إىل صدرها ‪:‬‬
‫ـ أمحد ‪ ..‬سأنتظر عودتك اليت تبدو شيئاً‬
‫مستحيالً ‪ ..‬وداعاً يا حبييب ‪..‬‬
‫مهس ‪:‬‬
‫ـ اغفري يل يا حبيبيت ‪ ..‬وداعاً ‪..‬‬
‫قال الدكتور سامل ‪:‬‬
‫ـ هيا يا أمحد سأرافقك إىل غرفة االستعداد‬
‫لالنطالق ‪ ..‬سيجرون عليك بعض االختبارات‬

‫‪52‬‬

‫‪ ..‬عودي إىل مكان إقامتنا يا ناديا سأذهب أنا‬
‫وأمحد اآلن ‪..‬‬
‫وب��ع��د دق��ائ��ق أب��ل��غ��ه ت��ام��ر ب��ق��رار جملس‬
‫احملطة‪:‬‬
‫ـ لقد اقتنع اجمللس بفكرتك يا دكتور سامل ‪..‬‬
‫سريسلون أمحد بصحبة أحد كائناتنا يف مركبة‬
‫صغرية واحدة ‪..‬‬
‫ـ إنه خرب طيب ‪ ..‬أين أمحد اآلن ‪.‬؟‬
‫ـ إنه مع (رون��ي) زميله يف الرحلة يف غرفة‬
‫االختبارات الصعبة ‪..‬‬
‫ـ غرفة االختبارات الصعبة ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬ستجرى عليهما اختبارات معقدة‬
‫إضافة لضبط حركة جزئيات مادهتما ‪ ..‬رمبا‬
‫ميكن مساعدهتما إب���ان السقوط يف الثقب‬
‫األسود ‪..‬‬
‫ويف غرفة االختبارات ‪..‬‬
‫ـ ملاذا يئز اجلهاز يا روني ‪.‬؟‬
‫ـ إن جسمك خيتلف عن جسمي املادي‪ ،‬لذلك‬
‫ال يلتقط اجلهاز أي��ة شحنات منك‪ ،‬جسمي‬
‫مشحون بالكهرباء بكميّة أك�بر بكثري منك ‪..‬‬
‫وقد صمم اجلهاز لقياس الشحنات العالية‪،‬‬
‫ومبا أن الشحنات الكهربائية لألجسام البشرية‬
‫ضعيفة‪ ،‬فاجلهاز يئز حمتجاً ‪.‬‬
‫قال أمحد (لنفسه) ‪:‬‬
‫ً‬
‫« كم يبدو (روني) واثقا من نفسه ‪.‬؟ إنه كائن‬
‫لطيف رغ��م منظره الغريب بأذنيه الكبريتني‬
‫ورأسه الضخم وجسمه النحيل ‪..‬‬
‫ـ كان هذا االختبار هو آخر اختباراتنا‪ ،‬جيب‬
‫أن تستعد للدخول يف حجرة اإلطالق والتعرف‬
‫على املركبة اليت ستحملنا ‪..‬‬
‫ـ حسناً ‪ ..‬أنا جاهز ‪..‬‬
‫ك���ان س���امل حي����اول أن خي��ف��ف ع��ن ناديا‬
‫حزهنا‪:‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫ـ خففي عنك يا ابنيت هذا هو قدركما ‪..‬‬
‫ال أحد ال يستطيع معرفة ما ميكن أن حيدث‬
‫ألمحد ‪..‬‬
‫ـ لقد انتهى أمحد ‪ ..‬لن أرى وجهه ثانية‪ ،‬أنا‬
‫متأكدة من ذلك ‪..‬‬
‫ـ يبدو وجهه على الشاشة وكأنه واث��ق من‬
‫نفسه متاماً ‪..‬‬
‫ـ أي نوع من الكائنات سيذهب معه ‪..‬؟‬
‫ـ إنه الشكل احلقيقي للكائنات اليت تعيش يف‬
‫احملطة العائمة‪ ،‬أقصد كائنات الكوكب (زيتا)‬
‫ـ يبدو شكله غريباً ‪ ..‬ولكن ملاذا خيتلف تامر‬
‫وزيلما عنه ‪.‬؟‬
‫ـ هذا حيتاج لشرح ‪ ..‬سأفسر لك األمر فيما‬
‫بعد ‪..‬‬
‫ـ دكتور سامل تفضل أنت واملهندسة ناديا إىل‬
‫غرفة مراقبة الثقب األسود ‪ ..‬سيجري إطالق‬
‫املركبة بعد دقائق ‪..‬‬
‫ً‬
‫وبدأ العد التنازيل متهيدا النطالق املركبة‬
‫‪ ..‬دار حوار بني أمحد وروني يف احملطة ‪:‬‬
‫ـ هل أنت خائف يا أمحد ‪.‬؟‬
‫ـ ال ‪ ..‬أن��ا متشوّق للّحظة الفاصلة حلظة‬
‫االلتحام مع الثقب األسود ‪..‬‬
‫ـ إن���ه خم��ي��ف وه��ائ��ل ب��ف��وه��ت��ه احللزونية‬
‫املدوّرة‪..‬‬
‫ً‬
‫ـ أنت متشوّق أيضا للرحلة ‪.‬؟‬
‫ـ ل��و مل أك��ن متلهفاً للقيام هب��ذه املغامرة‬
‫اخلطرية ملا كنتُ بني املتطوعني ‪..‬‬
‫واقرتبت حلظة االنطالق ‪..‬‬
‫استعداد ‪ ..‬سيتم اإلطالق خالل مخس ثوا ٍن‬
‫من اآلن ‪..‬‬
‫ـ على بركة اهلل ‪..‬‬
‫ك��ان س��امل وت��ام��ر يتابعان م��ا جي��ري على‬
‫الشاشات املوزعة بدقة وقرهبما ناديا احلزينة‪:‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ـ حالته على ما يرام ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬نرجو أن تظل جيدة مع االقرتاب من‬
‫الفوهة احللزونية ‪..‬‬
‫ـ كأن املركبة تندفع حنو هاوية سحيقة ‪..‬‬
‫ماذا يوجد يف مقر هذه اهلاوية ‪.‬؟‬
‫ـ إهن��ا النجمة املتالشية هل��ذا الثقب اليت‬
‫متتص املادة مبختلف أشكاهلا ‪..‬‬
‫كانت ناديا تصرخ ‪:‬‬
‫ـ « يا إله السموات ‪ ...‬املركبة تزداد سرعة‬
‫‪ ..‬كأن شيئاً جيذهبا إىل داخل التجويف األسود‬
‫‪ ..‬ضاع أمحد ‪ ..‬ضاع ‪»..‬‬
‫ـ اهدئي يا ناديا ‪..‬‬
‫ـ انظر يا دكتور سامل ‪ ..‬يبدو أن املركبة تربق‬
‫بأنوار ساطعة ‪..‬‬
‫ـ نعم ‪ ..‬كأهنا تتوهج بضوء يبهر البصر ‪...‬‬
‫« ه��ا حن��ن ن��ق�ترب م��ن ال��ف��وه��ة احللزونية‬
‫اهلائلة ‪ ..‬يا إهلي أحسُّ بدوار ‪ ..‬ما الذي جيري‬
‫يل ؟ كأنين أخرتق جداراً من الطني األسود ‪ ..‬آه‬
‫ماذا جيري ‪.‬؟ كأن جسمي يتحوّل ‪ ..‬يصغر ‪..‬‬
‫يضمح ّل ‪ ..‬ال ‪ ..‬ال أريد يا أبي ‪ ..‬سأختار املهنة‬
‫املناسبة يف املستقبل ‪ ..‬ال حترمين من الدراسة‬
‫أرج��وك ‪ ..‬أع��دك سأظل متفوقاً أدرس على‬
‫نفقة الدولة ‪ ..‬إهنا طفوليت اليت أراها ‪ ..‬هذا‬
‫الطفل املذعور ّ‬
‫املعذب ‪ ..‬النهم للقراءة‪ ،‬اخلائف‬
‫من بطش زوجة أبيه ‪ ..‬املتفوّق يف دراسته هو‬
‫أنا ‪ ..‬نعم ‪ ..‬سأدخل كلية علوم الفضاء ‪ ..‬لقد‬
‫قدمت أوراقي هناك ‪ ..‬وامتحان القبول سيتم‬
‫غ��داً ‪ ..‬ال ‪ ..‬أرج��وك يا أب��ي ال ترغمين على‬
‫دراسة ما ترغبه أنت ملاذا تسمع كالم تلك املرأة‬
‫‪.‬؟ تريد أن تقوض مستقبلي ‪ ..‬آه ‪ ..‬أرجوك يا‬
‫أبي ‪ ..‬أنا أحبك ‪ ..‬آه ‪ ..‬ال أزال أحس بالسوط‬
‫ينهال على ظهري ‪ ..‬نعم تابعت دراسيت ‪ ..‬نعم‬
‫يا سيدي سأقوم باملهمة جيداً ‪ ..‬أعلم أنين أول‬

‫‪53‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫رائد فضاء عربي سيصل‬
‫ً‬
‫(بلوتو) تاسع الكواكب بعدا عن الشمس‬
‫ولكن ال تقلق ‪ ..‬آه ‪ ..‬نعم كانت رحلة ناجحة‬
‫‪ ..‬تصدرت ص��وري الصحف وحمطات البث‬
‫التلفزيوني ‪ ..‬وجاء ذلك الكهل املتعب يزورني‬
‫كان حزيناً مريضاً وهو يطلب مين أن أصفح‬
‫عنه ‪ ..‬أن أصفح عن أبي الذي هجرته زوجته‬
‫بعد ما كتب هلا كل ثروته وعاش فقرياً مدقعاً‪،‬‬
‫لوال األصدقاء لتسوّل ‪ ..‬طبعاً عاش معي ‪..‬‬
‫وظل حتت رعاييت حتى توفاه اهلل ‪ ..‬آه جسمي‬
‫يتقدم به العمر ‪ ..‬م��اذا حي��دث ‪.‬؟ آه ‪ ..‬أنت‬
‫يا ناديا ‪ ..‬أنت من أحب ‪ ..‬نعم ‪ ..‬علمتين يا‬
‫ناديا التجربة وعراك احلياة املستمر أن أحسن‬
‫االنتقاء ‪ ..‬وقد اخرتتك ‪ ..‬اختارك قليب بعد‬
‫ط��ول انتظار ‪ ..‬نعم يا حبيبيت ‪ ..‬أعلم أنك‬
‫موافقة وسنتزوج سريعاً ‪ ..‬قبل أن نرحل معاً‬
‫يف رحلة كشف خارج اجملموعة الشمسية ‪ ..‬نعم‬
‫يا ناديا ‪ ..‬ال أزال أحبك ‪ ..‬أعلم أن محلك األول‬
‫منعين من املوافقة على اخل��روج من األرض‬
‫يف رحلة كشف طويلة إىل ح��دود اجملموعة‬
‫الشمسية وهذا ما جرى بعد محلك الثاني ‪..‬‬
‫ولكننا قررنا إجناب األوالد والسفر معاً يف أول‬
‫رحلة طويلة ‪ ..‬إنين أتقدم بالعمر يا ناديا ‪..‬‬
‫أتقدم بالعمر ‪ ..‬ال تقلقي يا ناديا ‪ ..‬ابننا وابنتنا‬
‫خبري يف املدرسة الداخلية ألطفال رواد الفضاء‬
‫‪ ..‬حيث يعتين هبم خرية املربني واملدرسني ‪ ..‬ال‬
‫داعي للقلق ‪ ..‬آه يا ناديا ‪ ..‬ال داعي للرتدد ‪ ..‬لن‬
‫خنتلف خالل الرحلة ‪ ..‬سنكون أكثر التصاقاً‬
‫ببعضنا وحنن نواجه األخطار ‪ ..‬هذه الرحلة‬
‫معك كانت ممتعة يا ناديا ‪ ..‬أعلم أنك حزينة‬
‫ألجلي ولكن ماذا أفعل ‪ ..‬آه ‪ ..‬جسمي يشيخ ‪..‬‬
‫يبدو أنين أهرم بسرعة آه ‪ ..‬يا إهلي ‪»..‬‬
‫ـ أمحد ‪ ..‬أمحد ‪ ..‬ماذا حيدث لك ‪..‬؟‬

‫‪54‬‬

‫ـ ال أعلم يا روني ‪ ..‬أحس بدوار هائل جسمي‬
‫يشيخ بسرعة ماذا حيدث يل ‪.‬؟ آه ‪ ..‬ما أمجل‬
‫الدخول يف هذا العامل ‪ ..‬حدائق غنّاء مجيلة‬
‫طيور تزقزق ‪ ..‬كأنين أرى العشّاق ينتشرون‬
‫فيها ‪ ..‬أمسع مهساهتم عن ماذا أحبث ‪.‬؟ من‬
‫هي تلك الفتاة اجلميلة اليت تقف قرب النخلة‬
‫الباسقة ‪ ..‬آه ‪ ..‬إهنا تشبه ناديا ‪ ..‬ناديا اجلميلة‬
‫‪ ..‬العذبة ‪ ...‬حبيبيت ‪..‬‬
‫ـ أمحد ‪ ...‬أمحد ‪ ..‬ماذا حيدث ‪..‬؟ الضوء‬
‫يبهر البصر‪ ،‬أمحد يضمحل ‪ ..‬إنه يصغر ‪..‬‬
‫يصغر ‪ ..‬أمحد ‪ ..‬ماذا حيدث لك ‪.‬؟ أمحد ‪..‬‬
‫أمحد ‪..‬‬
‫ـ آه يا روني ‪ ..‬أنا أطري فوق مروج خضراء‬
‫وح��دائ��ق م��زه��رة آه ‪ ..‬النخيل يف ك��ل مكان‬
‫والغزالن اجلميلة واحلمامات البيضاء والطيور‬
‫املغردة ‪..‬‬
‫ـ أمح��د خيتفي ‪ ..‬حتى لباسه الفضائي‬
‫خيتفي معه ‪ ..‬م��ا ه��ذه ال��ق��وة ال�تي تعصف‬
‫باحملطة ‪.‬؟ آه ‪ ..‬يا هلول هذا التجويف احللزوني‬
‫‪ ..‬أحس ب��دوار ‪ ..‬احملطة ختضع لقوة‪ ،‬تدور‬
‫حول نفسها يتسارع دوراهنا ‪ ..‬آه يا إهلي ‪ ..‬ويف‬
‫غرفة املراقبة كان اجلميع حيدقون متلهفني ‪:‬‬
‫ـ إنه ضوء يبهر األبصار ‪ ..‬يبدو أن الثقب‬
‫األس��ود جي��ذب احملطة الصغرية إليه حركتها‬
‫تتسارع منجذبة إىل داخل التجويف ‪..‬‬
‫ً‬
‫ـ ضاع أمحد ‪ ..‬ضاع حبييب ‪ ..‬وداعا يا أعز‬
‫الناس ‪..‬‬
‫ـ اهدئي يا ابنيت ‪ ..‬جيب أن تذهيب ‪ ..‬إىل‬
‫قمرتك لتسرتحيي ‪..‬‬
‫ـ سريافقها العقل االلكرتوني املختص هبذه‬
‫احلاالت ‪..‬‬
‫ـ ما الذي جيري ‪.‬؟ يبدو أن املركبة الصغرية‬
‫تعود ‪ ..‬أليس ما نراه حقيقة ‪..‬؟‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫أم ‪.‬؟‬
‫ـ فعالً إهنا تعود ‪ ..‬يبدو أن الثقب األسود‬
‫ي��ط��رده��ا إىل اخل����ارج ‪ ..‬ه��ا ه��و وج���ه روني‬
‫يلوح على الشاشة ‪ ..‬ولكين ال أرى أمحد إىل‬
‫جانبه‪..‬‬
‫ـ رمبا مل يتحمل الرحلة فأغمي عليه ‪ ..‬جيب‬
‫أن يكون ممدداً يف مكان ما من احملطة ‪.‬‬
‫ـ أرجو ذلك ‪ ..‬لكين لست متأكداً ‪..‬‬
‫ـ ستفرح ناديا بعودة احملطة ‪..‬‬
‫ـ ال يا دكتور سامل ‪ ..‬ال ختربها اآلن ‪ ..‬رمبا‬
‫حصل ألمحد شيء ما ‪ ..‬مقعده يف احملطة خا ٍل‬
‫‪ ..‬وهذا ما حييّرني ‪..‬‬
‫ـ متى سيلتقطون احملطة من مسارها ‪.‬؟‬
‫ـ بعد فرتة قصرية على األغلب ‪ ..‬سيخربوننا‬
‫حينما تصل ‪..‬‬
‫« وانبعث صوت اجلهاز اإللكرتوني يئز ‪»..‬‬
‫قال الدكتور سامل ‪:‬‬
‫ـ ناديا حتاكي أشباحاً ‪ ..‬هكذا يؤكد العقل‬
‫اإللكرتوني ‪..‬‬
‫ضغط تامر على أحد األزرار ‪:‬‬
‫ـ لريسل إليها اخلبري الطيب بالكائنات العاقلة‬
‫من عوامل أخرى ‪..‬‬
‫ـ حسناً يا سيدي ‪..‬‬
‫ـ إهنا حزينة من أجل فقدان زوجها أرجو أن‬
‫يكون أمحد يف احملطة ‪..‬‬
‫ـ ليس من أثر يف احملطة ألمحد‪ ،‬حتى صندوقه‬
‫اإللكرتوني‪ ،‬اختفى أيضاً ‪ ..‬سأنتظر(روني)‬
‫ليخرج ‪ ..‬جيب أن نفهم منه ما حدث ‪..‬‬
‫سأل تامر الدكتور سامل ‪:‬‬
‫ـ كيف حال ناديا اآلن ‪.‬؟‬
‫ـ إهنا يف حالة غريبة من اهللوسة تتخيل أهنا‬
‫حتاكي أمحد وتناغيه ‪..‬‬
‫ـ أكد األطباء أن حالتها ستتحسن ‪ ..‬ولكنها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫حتتاج لرعاية تامة ‪..‬‬
‫ـ ي���ب���دو أن رون�����ي س��ي��خ��رج م���ن غرفة‬
‫االختبار‪..‬‬
‫ً‬
‫وفعالً خرج روني نشيطا واجته حنومها‪،‬‬
‫حيّا تامر باحرتام ‪:‬‬
‫ـ كيف حالك يا سيدي ‪.‬؟‬
‫ـ خبري يا روني ‪ ..‬تبدو خبري أيضاً ‪..‬‬
‫ـ كانت رحلة مرعبة يا سيدي ‪ ..‬يف جتويف‬
‫رهيب يلّفه ال��س��واد ‪ ..‬احملطة ت��دور حبركة‬
‫تطيش الصواب ‪ ..‬حتملت كل ذل��ك وشعرت‬
‫أن تاريخ كوكبنا يعاد أمامي وذاكرتي يف أوج‬
‫نشاطها ‪..‬‬
‫سأله سامل ‪:‬‬
‫ـ وأمحد ‪..‬؟‬
‫ـ لست أدري ما ج��رى له يا دكتور ‪.‬؟ كنا‬
‫معاً كان يبدو نشيطاً‪ ،‬وحنن نقرتب من الثقب‬
‫األسود‪ ،‬وفجأة بدأت تطرأ عليه تغيّرات ‪ ..‬كان‬
‫يردد كلمات فهمت منها أنه يستعرض حياته‬
‫السابقة ‪ ..‬ثم بدأ يشيخ ويهرم بسرعة وهو‬
‫يقول ‪ ..‬إنين أطري فوق مروج خضراء ‪ ..‬النخيل‬
‫يف كل مكان والطيور تزقزق ‪ ..‬ثم بدأ يصغر‬
‫ويضمحل ‪ ..‬ويصدر ض��وءاً باهراً ي��زداد وهو‬
‫يصغر حتى سطع بشكل غري ع��ادي واختفى‬
‫أمحد عندها ‪..‬‬
‫ـ هكذا من دون أثر ‪.‬؟‬
‫ـ نعم ‪ ..‬وعندها أحسست بقوة خارقة تدفع‬
‫املركبة بسرعة هائلة خارج الثقب وهي تدور‬
‫حول نفسها ‪..‬‬
‫ـ يا حسرتي عليك يا أمحد ‪ ..‬كنت مندفعاً‬
‫حن��و امل��غ��ام��رة دون أن ت��دري أن هالكك كان‬
‫وراءها‬
‫ـ مهس تامر خمففا ‪ً:‬‬
‫ـ سنزور ناديا سوياً يا دكتور سامل ‪ ..‬أرجو أن‬

‫‪55‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬

‫ال يعيقكم م��ا ح���دث ع��ن إمت���ام مهمتكم‬
‫يف االجت���اه ص��وب جمموعة احل���زام الربتقايل‬
‫ل��دراس��ت��ه��ا ‪ ..‬سنساعدكم بكل م��ا نستطيع‬
‫لتنجحوا يف اكتشاف تلك اجملموعة النجمية‬
‫الغريبة ‪..‬‬
‫ـ سنستمر يف إمتام مهمتنا بالطبع ‪ ..‬شكراً‬
‫لك ‪..‬‬
‫ويف غرفة ناديا رأى الدكتور سامل منظراً‬
‫عجيباً‪ ،‬كانت الفتاة تضحك وحتاكي أشخاصاً‬
‫حوهلا ومتكن من مس��اع ذل��ك احل��وار الغريب‬
‫بينها وبني شخص ال تراه ‪...‬‬
‫ـ يا إهلي عاد إىل أمحد ‪ ..‬ملاذا أرى وجهك‬
‫مصفرّاً يا حبييب ؟ تعال إيلّ أحت��س بالربد‪.‬؟‬
‫س��ت��دف��ئ��ك ح�����رارة ق��ل�بي ‪ ..‬وح��ب�ي النابض‬
‫باحلياة‪..‬‬
‫ـ « ناديا ‪ ..‬لو تعلمني أي جتربة غريبة مررت‬

‫‪56‬‬

‫هبا ؟ «‬
‫ـ ماذا تقول ‪.‬؟ ‪ ..‬إنسى تلك املغامرة املخيفة‬
‫وحدثين عن نفسك ‪ ..‬املهم أنك جنوت يا حبييب‬
‫ال هتمين التفاصيل ‪..‬‬
‫ـ « رأي��ت حياتي مجيعها تتجسد أمامي ‪..‬‬
‫وب��دأت أع��ود إىل شبابي وفتوتي وطفوليت ‪..‬‬
‫والذكريات تنفلت من ذهين نشيطة كأهنا حصلت‬
‫للتو ‪ ..‬وكنت أنت وحبنا زهرة تلك الذكريات»‬
‫ـ ي��ا حبييب كنت يف أش��د ح���االت اخلوف‬
‫عليك‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ـ « أتصدقني أن شيئا خ��ارق �ا جذبين من‬
‫احملطة ‪ ..‬حيث أحسست أنين اتشتت متاماً ‪..‬‬
‫ولكن قوتي كانت هائلة ‪ ..‬مكنتين من التغلغل‬
‫إىل داخل الذرات املتأنيّة النشطة‪ ،‬ألرى أحداثاً‬
‫كونية جسيمة حصلت من قبل ‪»..‬‬
‫ـ كنت حتلم ‪.‬؟‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ذلك الثقب األسود‬
‫ـ « مل يكن حلماً ‪ ..‬رأيت النجم التوءم الذي‬
‫انطفأ وحتول إىل ثقب أسود رأيت الكواكب اليت‬
‫كانت تدور حول التوءم ‪ ..‬تعرفت على مكوناهتا‬
‫واألحياء اليت عاشت فوقها ‪ ..‬قبل أن تنطفئ‬
‫الشمسان ملتصقتني متحولتني إىل ثقب أسود‬
‫عمالق ‪»..‬‬
‫ـ هتيأ لك كل ذلك ‪..‬‬
‫ـ « كانت حقيقة ي��ا ن��ادي��ا ‪ ..‬قوتي تكرب ‪..‬‬
‫استوعب ما حويل أرى كل شيء دون حجاب ‪..‬‬
‫كن أنت نقية يا ناديا ‪»..‬‬
‫ـ ناديا ‪ ..‬كيف حالك اآلن يا ابنيت ‪..‬؟‬
‫ـ أنا خبري يا دكتور سامل ‪ ..‬احلمد هلل ‪..‬‬
‫ـ حسناً يا ابنيت ‪ ..‬كان أمحد فارساً استشهد‬
‫وهو يؤدي واجبه العلمي ‪..‬‬
‫ـ ماذا تقول يا دكتور سامل ‪.‬؟ أال ترى أمحد‬
‫إنه إىل جانيب ‪.‬؟‬
‫ـ أمحد ‪.‬؟‪ ..‬ماذا تقولني ‪..‬؟‬
‫ـ أال تراه ‪.‬؟ أمحد صافح الدكتور سامل ‪..‬‬
‫فعالً كانت هناك ذبذبات غريبة يف الغرفة‬
‫ع��زاه��ا الدكتور س��امل الض��ط��راب ن��ادي��ا ومسع‬
‫صوت أمحد ‪:‬‬
‫ـ من أمسع ‪.‬؟ صوت أمحد ‪.‬؟ أين أنت ‪.‬؟‬
‫ـ ال أملك جسداً يا دكتور سامل ‪ ..‬أنا طاقة‬
‫موجبة اآلن ‪ ..‬معي كل ذكرياتي وحواسي ولكن‬
‫دون جسد ‪ »..‬قالت ناديا ‪:‬‬
‫ـ م�����اذا ت���ق���ول ي���ا أمح����د ‪ ..‬ول���ك�ن�ي أراك‬
‫متجسداً‪..‬‬
‫ـ أظهر فقط لك يا ناديا ‪ ..‬ألن بي رغبة يف‬
‫ذلك ‪ ..‬ولكنين طيف ‪ ..‬دون جسم ‪..‬‬
‫ـ أمحد أمعقول ‪.‬؟‬
‫ـ شيء عجيب فعالً ‪ ..‬أميكنك أن تظل معنا‬
‫يا أمحد ‪.‬؟‬
‫ـ « ال ي����ا س���ي���دي ‪ ..‬ب���ع���د وق�����ت قصري‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫سأغادركم‪»..‬‬
‫ـ تغادرنا ‪.‬؟ ماذا ‪.‬؟ ماذا تقول ‪.‬؟‬
‫ً‬
‫ـ « سأظل معك يا ناديا ‪ ..‬سنبقى سويا حتى‬
‫النهاية ‪ ..‬ال تقلقي ‪»..‬‬
‫ـ أري���د أن أط���رح عليك ب��ع��ض األس��ئ��ل��ة يا‬
‫أمحد‪»..‬‬
‫ـ « يف وقت آخر يا سيدي ‪ ..‬حان وقت الرحيل‬
‫اآلن ‪»..‬‬
‫كانت ناديا تتمتم مذهولة ‪:‬‬
‫ـ « يا إهلي م��اذا حيدث يل ‪.‬؟‪ ..‬كأنين أعود‬
‫حبياتي إىل ال����وراء‪ ،‬ذاك��رت��ي تنشط آه ‪..‬ماذا‬
‫جيري؟‬
‫ـ م��اذا حيدث هلا ‪ ..‬إهنا تصغر أرج��وك أيها‬
‫املستشار تامر أن تتدخل حاول إنقاذها ‪..‬‬
‫ـ ال فائدة يا دكتور سامل ‪ ..‬إنه شيء خارق‬
‫للعادة ‪ ..‬رمب��ا ك��ان احل��دث م��ن أس���رار الثقب‬
‫األسود لن نستطيع فهمه أبداً ‪..‬‬
‫ـ يا إهلي ‪ ..‬إهنا تضمحل وتصغر ‪ ..‬ناديا ‪..‬‬
‫ناديا ‪ ..‬إهنا ختتفي ‪ ..‬يا إله السموات ‪...‬‬
‫وهكذا اختفت ناديا أيضاً ‪ ..‬رمبا كان الثقب‬
‫األسود خمزناً ملعلومات فلكية مرعبة إذن ‪.‬‬
‫إن أقرب ثقب أسود إىل األرض يبعد عنا حنو‬
‫(‪ )500‬سنة ضوئية‪ ،‬أي ما يقارب من مخسة آالف‬
‫مليون مليون كيلو مرت ‪.‬؟ حدد الفلكيون مكانه يف‬
‫اجملموعة النجمية املسماة بالبجعة ‪ ..‬اكتشفته‬
‫األق��م��ار الصناعية م��ن الكميات اهلائلة اليت‬
‫يطلقها من األشعة السينية ‪ ..‬إن الثقب األسود‬
‫(ميدور) الذي ختيّلنا أحداثاً جتري بالقرب منه‬
‫‪ ..‬كان جنماً مزدوجاً يسمى (سيغنوس) حتول‬
‫أح��د النجمني إىل ثقب أس��ود فامتص قرينه‬
‫مطلقاً كميات هائلة من األشعة السينية ‪..‬‬
‫هناك ثقوب سوداء كثرية يف الكون ‪ ..‬وبعضها‬
‫شره يف امتصاص املادة الكونية ‪..‬‬

‫‪57‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫السجني زد‬

‫صالح معاطي‬
‫عندما عدت بعد الظهر إىل منزيل‬
‫أخذت أفكر من جديد‪ ،‬ولكن هذه‬
‫امل��رة كنت أحس بوخز يف قليب ‪..‬‬
‫مرت نصف الساعة وأنا مازلت ممسكاً بقلمي‬
‫والتقرير أمامي على املكتب تتصارع داخلي‬
‫أفكار عديدة ‪..‬‬
‫ت��رى م��اذا أمس��ي ما سأفعله ؟‪ .‬ضمريي‬
‫وأخالقي ومبادئي وشرف املهنة والقسم الذي‬

‫‪58‬‬

‫أقسمته يأبى علي أن أفعل ‪ ..‬لكن شيئاً آخر‬
‫يدفعين إىل ذلك ‪..‬‬
‫إج��راء جتربة فريدة من نوعها مل جيرؤ‬
‫على القيام هبا إنسان إلنقاذ البشرية من خطر‬
‫حمقق يكاد يفتك هبا‪ .‬التجربة حمتملة الفشل‬
‫والنجاح‪ ،‬ولن خنسر شيئاً‪ .‬سيموت صابر إن‬
‫عاجالً أو آجالً‪ .‬لقد أخربني مأمور السجن أن‬
‫تنفيذ حكم اإلعدام سيقع يف الثامنة من صباح‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫السجني زد‬
‫بعد غد‪ .‬بعد إجراء الفحوصات الالزمة على‬
‫السجني والتوقيع على التقرير الطيب ‪..‬‬
‫يا هلا من فرصة ساحنة ‪ ..‬لكن لو اكتشف‬
‫إنسان احلقيقة ستكون كارثة ‪ ..‬ال‪ .‬لن يكتشف‬
‫أح���د ش��ي��ئ �اً‪ .‬ف��أن��ت الطبيب ال��وح��ي��د املعني‬
‫للكشف على السجني‪ ،‬وسيكون حتت رعايتك‬
‫يف املستشفى ‪ ..‬ال ت�تردد يا دكتور هشام‪ .‬ال‬
‫ترتدد ‪..‬‬
‫هكذا قلت لنفسي وأنا أخرج من درج مكتيب‬
‫مفكرتي اخلاصة‪ ،‬ورحت أقرأ بعض السطور‪..‬‬
‫االثنني ‪ 29‬يناير ‪ :‬مت حتليل العينة املأخوذة‬
‫من دم أح��د ال��ق��ردة من فصيلة املكاك حتت‬
‫اجملهر اإلل��ي��ك�ترون��ي‪ ،‬وك��ان��ت نتيجة التحليل‬
‫وجود أجسام غريبة دقيقة للغاية عندما قيست‬
‫وجد أن أقطارها ترتاوح ما بني ‪ 10‬و‪ 16‬مللي‬
‫ميكرون‪..‬‬
‫ثم أخذت أقلب أوراق املفكرة …‬
‫اخلميس أول ف�براي��ر ‪ :‬مت ترشيح العينة‬
‫باملرشح امليكروسكوبي وتركيزها وفصلها‬
‫كيميائياً‪ ،‬وأج��ري��ت عليها بعد ذل��ك عمليات‬
‫ط��ح��ن وع��ص��ر وض��غ��ط فنتجت ب��ل��ورات من‬
‫مسحوق أبيض ناعم حفظ يف زجاجة باملعمل‪.‬‬
‫السبت ‪ 10‬فرباير ‪ :‬احلالة رقم ‪ .. 1‬مريض‬
‫حضر إىل املستشفى صباح اليوم يشكو من‬
‫أع��راض غريبة ‪ ..‬شعور بالكسل واإلره���اق‪،‬‬
‫ارتفاع يف درجة احلرارة‪ ،‬غزارة العرق‪ ،‬فقدان‬
‫ال���وزن بشكل ملحوظ ومستمر ‪ ..‬مت إجراء‬
‫الفحوصات والتحاليل الالزمة له ‪..‬‬
‫االثنني ‪ 12‬فرباير ‪ :‬أظهرت النتائج أن املريض‬
‫يعاني من مرض غريب‪ .‬فجهاز املناعة املكتسبة‬
‫لديه مل يعد يعمل بصورة طبيعية ‪ ..‬مت حتويل‬
‫املريض إىل قسم العناية املركزة ‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫اخلميس ‪ 15‬ف�براي��ر ‪ :‬مت حتليل عينات‬
‫م��أخ��وذة م��ن دم وب���ول امل��ري��ض‪ ،‬وب��ع��د إجراء‬
‫ال�ترش��ي��ح امل��ي��ك��روس��ك��وب��ي وع��م��ل��ي��ات الفصل‬
‫الكيميائي نتج مسحوق أبيض فريوسي حفظ‬
‫يف زجاجة باملعمل ‪..‬‬
‫اجلمعة ‪ 23‬ف�براي��ر ‪ :‬اهن���ار ج��ه��از املناعة‬
‫بالكامل‪ ،‬وفشلت كل حم��اوالت األطباء وعلى‬
‫رأسهم أنا إلنقاذ حياة املريض ‪ ..‬لفظ أنفاسه‬
‫األخرية يف الثامنة من مساء اليوم ‪..‬‬
‫اخلميس أول مارس ‪ :‬أعلنت الدوائر الطبية‬
‫والعلمية يف العامل عن ظهور مرض جديد يهدم‬
‫جهاز املناعة داخ��ل اجل��س��م‪ ،‬ويستطيع هذا‬
‫امل��رض الفريوسي اخلطري املعروف اختصاراً‬
‫باسم « اإليدز « أن يبيد شعباً بأكمله ‪..‬‬
‫أغلقت مفكرتي ودسستها يف جيب معطفي‬
‫وأنا أفكر ‪ ..‬من املعروف أن دمج فريوسني معاً‬
‫ينتج فريوساً ثالثاً ذا خواص خمتلفة‪ ،‬متاماً مثل‬
‫عمليات التهجني اليت جترى على احليوانات ‪..‬‬
‫بالفعل قمت من فوري إىل املعمل ‪ ..‬أخذت‬
‫حفنة من مسحوق إحدى الزجاجتني ‪ ..‬دجمتها‬
‫مع قليل من مسحوق الزجاجة األخرى‪ ،‬حتت‬
‫عدسة اجملهر اإلليكرتوني رأيت كل شيء ‪..‬‬
‫كان الفريوس يقرتب من نظريه‪ .‬يندمج معه‪.‬‬
‫يدفع داخله مادته احلية‪ .‬ال يلبثان أن يتفجرا‬
‫معاً لتنتج عشرات الفريوسات اجلديدة ‪ ..‬يف‬
‫أقل من نصف ساعة أصبح لدي يف املعمل نوع‬
‫جديد من الفريوسات اخت��ذت مجيعها شكل‬
‫احلرف زد باإلنكليزية « ‪ »Z‬وعلي اآلن اختبار‬
‫تأثري الفريوس اجلديد معملياً ‪.‬‬
‫حقنت أحد فئران التجارب بسائل ملوث‬
‫بالفريوس «زد» ووضعته يف قفص خ��اص ‪..‬‬
‫بعد قليل بدأت تظهر عليه األعراض ‪ ..‬اإلعياء‬

‫‪59‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫السجني زد‬
‫واهلزال الشديدان‪ ..‬ارتفاع مفاجئ يف درجة‬
‫حرارة الفأر ‪ ..‬وأخرياً انكمش يف ركن من القفص‬
‫دون حراك يف انتظار مصريه احملتوم ‪ ..‬عاجلته‬
‫بقليل من املسحوق الفريوسي وتركته‪..‬‬
‫يف الصباح التايل ك��ان الفأر جي��ري داخل‬
‫القفص يف حيوية ونشاط وقد زال عنه اإلعياء‬
‫متاماً ‪ ..‬عندما أخذت عينة من دمه لتحليلها‬
‫مل يكن هناك أثر للفريوس «إيدز» وال للفريوس‬
‫اجلديد «زد» ‪ ..‬بل ظهر نوع آخر من الفريوسات‬
‫ذي شكل بيضاوي‪ .‬لكن على أي ح��ال ليس‬
‫خطرياً بدليل أن الفأر استعاد نشاطه ثانية ‪..‬‬
‫بقي اآلن أن أقوم بتجربة تلك املادة الفريوسية‬
‫اجلديدة «زد» على اإلن��س��ان‪ .‬فبالطبع جهاز‬
‫املناعة لدى الفئران خيتلف عن جهاز املناعة‬
‫لدينا ‪..‬‬
‫حتى استدعيت صباح اليوم للكشف على‬
‫املسجون صابر عبد العاطي احمل��ك��وم عليه‬
‫باإلعدام قبل تنفيذ احلكم عليه ‪ ..‬أليست هذه‬
‫حقاً فرصة ذهبية إلجراء جتربيت ‪ ..‬نعم بال‬
‫شك ‪ ..‬ورحت أكتب تقريري الطيب ‪:‬‬
‫«بالكشف على السجني صابر عبد العاطي‬
‫وجد أنه يعاني من قرحة باملعدة وجيب حجزه‬
‫باملستشفى»‬
‫توقيع ‪ :‬دكتور هشام سامل‬
‫يف اليوم التايل ك��ان صابر يشغل احلجرة‬
‫رقم ‪ 25‬باملستشفى‪ ،‬وعلى باهبا يقف حارس‬
‫السجن‪ .‬وأصبح حتت إشرايف الطيب ‪ ..‬عندما‬
‫دخلت عليه هذا الصباح وجدت وجهه شاحباً‪،‬‬
‫ال��دم��وع ال ت��ف��ارق مقلتيه ‪ ..‬رب��ت على كتفه‬
‫مهدئاً‪:‬‬
‫إي��ه يا عم صابر ‪ ..‬شد حيلك يا رج��ل ‪..‬‬
‫ألست مؤمناً بقضاء اهلل ؟‬

‫‪60‬‬

‫مسح دموعه بكم بيجامته وهو يقول بصوت‬
‫حبه البكاء ‪:‬‬
‫ونعم ب��اهلل ‪ ..‬إن�ني غري عابئ باملوت الذي‬
‫أتوقعه بني حلظة وأخرى‪ .‬لقد عرفت مصريي‪.‬‬
‫لكن املهم البنت ‪ ..‬هدى ‪ ..‬مل أترك هلا شيئاً‬
‫غري اخلزي والعار ومستقبالً مظلماً ‪ ..‬أي غد‬
‫هذا الذي ينتظرك يا ابنيت ‪ ..‬كم أود أن أراها‬
‫ولو آلخر مرة ‪ ..‬لقد وحشتين كثرياً ‪ ..‬وحشين‬
‫أكثر ابتسامتها احللوة ‪ ..‬مسكينة يا هدى ‪..‬‬
‫ماتت أمها وهي صغرية‪ .‬وها هو أبوها سيرتك‬
‫هلا الدنيا بعد أيام‪ ،‬أو قل بعد ساعات ‪..‬‬
‫رحت أهدئ من روعه ‪:‬‬
‫اطمئن يا صابر‪ .‬لن تعيش ابنتك وحيدة‪ ،‬لن‬
‫تكون حياهتا تعسة كما تظن‪ .‬تعشم يف اهلل خرياً‬
‫‪ ..‬أوالد احلالل كثريون ‪..‬‬
‫هتكم قائالً ‪:‬‬
‫أوالد احل�لال ؟ ‪ ..‬أوالد احل�لال هم الذين‬
‫دفعوا بي إىل هذه النهاية ‪..‬‬
‫عاد ضمريي يوخزني من جديد‪ .‬لكنين ال‬
‫أستطيع ال�تراج��ع اآلن‪ .‬فمن غ�ير املعقول أال‬
‫أستغل تلك الفرصة الساحنة‪ ،‬وأدعها متر هكذا‬
‫بال فائدة‪ .‬سيموت صابر بعد أيام ولن خيسر‬
‫شيئاً إذا فشلت التجربة ‪ ..‬مقابل هذا سأتكفل‬
‫بابنته‪ .‬نعم‪ .‬سأرعاها‪ .‬بل إنين سأرصد هلا‬
‫مبلغاً معقوالً يعينها على ظروف احلياة ‪ ..‬ورمبا‬
‫‪ ..‬رمبا أجد هلا عمالً مناسباً يف املستشفى أو‬
‫آخذها لتعني زوجيت يف املنزل زهاء مبلغ من‬
‫املال ‪ ..‬صحت وأنا أقرتب من الرجل ‪:‬‬
‫اطمئن يا صابر‪ .‬ال حتمل هم ابنتك‪ .‬سأتكفل‬
‫هبا متاماً ‪..‬‬
‫ه��م ال��رج��ل حم����اوالً تقبيل ي���دي ولكنين‬
‫اختطفتها سريعاً وأنا أقول يف نفسي ‪ ..‬جيب‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫السجني زد‬
‫أن أجري جتربيت بسرعة ‪..‬‬
‫يف املساء بادرني صابر بابتسامة دون أن‬
‫ينبس بكلمة‪ .‬وتعجبت فهذه هي امل��رة األوىل‬
‫اليت أراه يبتسم فيها ‪ ..‬حييته بابتسامة مماثلة‬
‫ومشيت ‪..‬‬
‫كنت قد أع��ددت كل ش��يء‪ ،‬رح��ت أدس يف‬
‫ذراعه حقنة من املسحوق الفريوسي « زد « ثم‬
‫تركته بعد أن نبهت عليه أن يطلبين إذا شعر‬
‫بشيء‪ ،‬زيادة يف احليطة حذرت مجيع ممرضي‬
‫املستشفى من دخول غرفته ‪ ..‬بالرغم من أنين‬
‫ق��درت أن تأثري املسحوق لن يظهر قبل أربع‬
‫وعشرين ساعة فقد آثرت البقاء باملستشفى‬
‫حتى أمتكن من مراقبة احلالة جيداً ‪..‬‬
‫مل حي��دث ش��يء غري ع��ادي خ�لال ساعات‬
‫الليل‪ ،‬لكنين استيقظت يف الصباح التايل على‬
‫قرع شديد بالباب‪ ،‬عندما فتحت الباب فوجئت‬
‫بصاحل التومرجي يصيح ‪:‬‬
‫صابر عبد العاطي هرب يا دكتور ‪..‬‬
‫محلقت يف وج��ه الرجل دون أن أرد وكأن‬
‫صاعقة قد هوت فوق رأسي‪ ،‬وبدأت األشياء‬
‫تتداعى أمامي ‪ ..‬تقرير ك��اذب يؤجل حكماً‬
‫ب��اإلع��دام ‪ ..‬سجني يهرب م��ن املستشفى ‪..‬‬
‫مل يهرب وح��ده بل ه��رب معه ف�يروس خطري‬
‫سريع االنتشار ‪ ..‬تراه اآلن مندساً بني الناس‬
‫سيتساقطون الواحد تلو اآلخر ‪..‬‬
‫هتالكت على حافة فراشي وأنا أدفن وجهي‬
‫بني كفي‪ .‬ال أنكر أني كنت أبكي‪ ..‬بعد قليل‬
‫مسعت صفارات عربات الشرطة‪ ،‬وتناهى إىل‬
‫مسعي ص��وت حي��ذر امل��ارة من ه��روب سجني‬
‫خطري ‪ ..‬ليت األمر ينتهي عند هروب السجني‬
‫‪ ..‬فالفريوس الذي هرب معه أخطر منه بكثري‬
‫‪ ..‬حتى لو عاد السجني فلن يغري من األمر شيئاً‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪ ..‬لقد انطلق الفريوس‪ .‬حترر من قيده داخل‬
‫زجاجة التجارب ‪ ..‬لقد قتل صابر نفساً واحدة‬
‫أما أنا فسأقتل املئات ‪ ..‬وتذكرت أن الفريوس‬
‫«زد» ال حيتاج سوى حلظات كي ينتشر ‪..‬‬
‫انتفضت م��ن مكاني ثانية عندما مسعت‬
‫طرقات عم صاحل ليخربني أن حالة أتت منذ‬
‫حلظات وتنتظر ‪ ..‬هرعت كاجملنون حنو غرفة‬
‫الكشف ألج��د أم��ام��ي ش��اب�اً جت��اوز العشرين‬
‫بقليل‪ .‬يبدو عليه اإلرهاق واهلزال الشديدين ‪..‬‬
‫وعرق كثيف يغطي وجهه ونشع من مالبسه ‪..‬‬
‫بعد إجراء التحاليل الالزمة هتالكت على أقرب‬
‫مقعد وأنا أمهس ‪ ..‬كما توقعت ‪ ..‬أول حالة‬
‫بعد هروب صابر ‪ ..‬ما هي إال ساعات قالئل‬
‫حتى ينتشر امل��رض انتشار النار يف اهلشيم‬
‫ليبيد املدينة بأكملها‪ .‬كل دقيقة متر فيها خطر‬
‫على عشرات الضحايا‪ .‬سيسري املرض داخلهم‬
‫دون أن يشعروا بأن املوت يتسلل داخل أبداهنم‬
‫ليدمر اجلهاز الدفاعي األول ‪ ..‬جيب أن أطفئ‬
‫النار قبل أن تستعر ويتأجج هليبها ويتحول كل‬
‫شيء إىل رماد تذروه الرياح ‪.‬‬
‫أدرت أكرة الباب وفتحته ألجد أمامي العقيد‬
‫سراج مأمور السجن يستأذنين يف الدخول ‪..‬‬
‫ووج���دت نفسي أع�ترف ل��ه بكل ش��يء ‪ ..‬راح‬
‫الرجل ينظر يل يف ذهول‪ ،‬ال يصدق ما يسمعه‬
‫حتى انتهيت فهب واقفاً وهو يقول حبدة ‪:‬‬
‫أتعي ما تقول يا دكتور ؟‬
‫أومأت دون أن أرد فأردف ‪:‬‬
‫أنت ال تقدر عواقب ذلك عليك ‪..‬‬
‫صحت مسرعاً ‪:‬‬
‫العواقب ستكون وخيمة على املواطنني‪ .‬جيب‬
‫أن نتصرف بسرعة يا فندم ‪.‬‬
‫قال وهو يشعل سيجارته بعصبية ‪:‬‬

‫‪61‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫السجني زد‬
‫وكيف ميكننا التصرف اآلن يا دكتور بعد ما‬
‫فعلته ؟‬
‫قلت وأنا أنظر إىل الناحية األخرى مولياً له‬
‫ظهري ‪:‬‬
‫املهم أن نقبض على هذا الفريوس اهلارب‪.‬‬
‫وقف العقيد سراج وهو يقول يف سخرية ‪:‬‬
‫كيف نقبض عليه يا دكتور ؟ أننشر له صورة‬
‫يف اجلرائد ونكتب حتتها احبث مع الشرطة‪ .‬أم‬
‫نستدعي اإلنرتبول للبحث عنه ؟‬
‫اجلس يا فندم وأنصت يل جيداً ‪ ..‬الفريوس‬
‫«زد» خيتلف عن فريوس «اإلي��دز» املعروف ‪..‬‬
‫فبينما « اإليدز» حيتاج فريوسه إىل فرتة حضانة‬
‫قد متتد إىل سنتني أو ثالث ‪ ..‬فإن الفريوس «‬
‫زد» ال تتجاوز فرتة حضانته بضع ساعات‪ .‬وهلذا‬
‫سينتشر املرض بسرعة يف دقائق معدودة‪ .‬لذلك‬
‫كل ما أريده هو حماصرة الفريوس بأي وسيلة‬
‫مل مت��ض س��وى دق��ائ��ق قليلة حتى بدأت‬
‫عربات الشرطة جتوب الشوارع وهي تلقي على‬
‫الناس أغرب بيان ‪:‬‬
‫«مازال البحث جارياً عن السجني اهلارب ‪..‬‬
‫السجني حامل لفريوس مرض خطري‪ .‬على كل‬
‫إنسان االلتزام مبنزله‪ .‬وزارة الصحة ترجو عدم‬
‫االختالط حلني صدور أوامر أخرى»‪.‬‬
‫يف البداية بدا هذا البيان غريباً‪ ،‬وارتسمت‬
‫إمارات الدهشة والتعجب على الوجوه‪ ،‬واختذ‬
‫البعض م��ن البيان وسيلة للسخرية وإلقاء‬
‫النكات السخيفة ‪.‬‬
‫مت إعداد وحدات لإليواء جمهزة بكل وسائل‬
‫الرعاية الصحية‪ ،‬بدأت الوحدات يف استقبال‬
‫األه����ايل ال��ذي��ن مل ت��س��ع م��ن��ازهل��م‪ ،‬وفرضت‬
‫حالة حظر التجول منذ ساعة إعالن البيان‪،‬‬
‫مت إغالق املدارس واهليئات واحملال خوفاً من‬

‫‪62‬‬

‫انتشار الوباء الفريوسي اخلطري‪ .‬مل أنس أن‬
‫أخرب زوجيت هاتفياً بأن تلزم املنزل وال تستقبل‬
‫إنساناً‪ ،‬حتى أمها ‪.‬‬
‫عدت ثانية إىل غرفيت باملستشفى‪ ،‬ال أعرف‬
‫ملاذا شعرت باخلوف‪ .‬مل أكن أخشى من حتذير‬
‫العقيد سراج يل بعدم تركي املستشفى‪ ،‬واحتمال‬
‫القبض علي يف أي وق��ت‪ .‬فكل ما أخشاه هو‬
‫ذلك الفريوس اهلارب‪ .‬فقد خيل يل أنه سيدخل‬
‫ج��س��دي يف أي حل��ظ��ة ‪ ..‬م��ر ب��ي خ��اط��ر أن‬
‫يكون دخل جسدي بالفعل‪ ،‬وهو اآلن يقضي‬
‫فرتة حضانته داخل جهاز املناعة‪ .‬ازداد خويف‬
‫عندما بدأت أشعر يف أوصايل بإرهاق وتكاسل‬
‫شديدين‪ ،‬وحبات عرق تتفصد من جسدي كله‪،‬‬
‫ارتعدت وأنا ممدد يف الفراش ‪ ..‬حاولت القيام‬
‫فلم أستطع كأنين قيدت بسالسل من حديد‪.‬‬
‫رحت أتنفس بصعوبة‪ ،‬بدت األشياء أمام عيين‬
‫كأهنا خياالت ترتاقص حتى رحت يف إغفاءة ‪..‬‬
‫عندما استيقظت يف الصباح ال��ت��ايل كان‬
‫هناك سؤال يرتدد بني ثنايا عقلي ‪ ..‬كيف ميكن‬
‫القبض على الفريوس اهلارب «زد» ‪..‬؟‬
‫أس��رع��ت م��ن ف���وري حن��و م��ن��زيل‪ ،‬وجتنبت‬
‫أن ألتقي بزوجيت عمالً بقرار احلظر وعدم‬
‫االختالط‪ .‬دخلت غرفة معملي امللحق باملنزل‬
‫وأع��ددت كل ش��يء‪ .‬اجملهر اإلليكرتوني الذي‬
‫يكرب األشياء إىل ما يقرب من ‪ 350‬ألف مرة‬
‫‪ ..‬زجاجات املعمل وهبا املسحوق املسبب ملرض‬
‫نقص املناعة «اإلي���دز» واملسحوق الفريوسي‬
‫املهجن «زد» واملرشح امليكروسكوبي الذي قام‬
‫م��ن قبل بفصل املسحوق ال��ف�يروس��ي م��ن دم‬
‫املريض‪ ،‬بدأت أدون مالحظاتي ‪:‬‬
‫فريوس دقيق دقيق‪ .‬ال يرى إال حتت عدسة‬
‫جمهر ق��وي‪ .‬وه��و بذلك يعد أصغر كثرياً من‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫السجني زد‬
‫األمر ال يعدو عن كونه مادة كيميائية تعاجل‬
‫مبواد كيميائية مشاهبة ‪..‬‬
‫ً‬
‫هذا لن يغري من موقفك شيئا ‪ ..‬مازلت‬
‫أمامي متهماً مبساعدة سجني على اهلرب‪،‬‬
‫وس�����وف ت��ت��خ��ذ ض����دك ك���اف���ة اإلج������راءات‬
‫القانونية‪..‬‬
‫وقفت وأنا أقول ‪:‬‬
‫ً‬
‫ال ش��يء يهم اآلن ‪ ..‬أخ�ي�را أستطيع أن‬
‫أستيقظ من هذا الكابوس الذي عشته قرابة‬
‫ثالثة أيام‪ .‬شعرت أهنا شهور طويلة ‪ ..‬امسح‬
‫يل ي��ا فندم ب��االن��ص��راف‪ ..‬ك��م أن��ا ت��واق إىل‬
‫زوجيت وأعتقد أنت أيضاً مشتاق إىل زوجتك‪.‬‬
‫بل سكان املدينة مجيعاً ‪..‬‬
‫يف الصباح ال��ت��ايل دخلت غرفة معملي‪،‬‬
‫جلست على مقعدي أسرتجع بذاكرتي أحداث‬
‫األيام املاضية‪ .‬رحت أحلم بامسي وهو يرتدد‬
‫فوق كل لسان‪ ،‬وصحف العامل تتحدث عن‬
‫االكتشاف العلمي املثري «زد» ال��ذي توصلت‬
‫إليه ‪ ..‬وب��دأت أعد نفسي ألحاديث اإلذاعة‬
‫والتليفزيون اليت ستتلقفين من اآلن ‪: ..‬‬
‫لقد توصلت ي��ا دك��ت��ور ه��ش��ام إىل عالج‬
‫مرض نقص املناعة املكتسبة الذي فشل فيه‬
‫أعظم أطباء العامل ‪..‬‬
‫ابتسمت يف سعادة ‪ ..‬ووقعت عيناي فوق‬
‫قفص التجارب‪ ،‬بدأت االبتسامة ختبو شيئاً‬
‫فشيئاً‪ .‬ع��ض�لات وج��ه��ي تتقلص‪ ،‬جسدي‬
‫يرجتف بشدة‪ ،‬الدموع تنهمر من عيين رغما‬
‫عين ‪ ..‬كان فأر التجارب ملقياً داخل القفص‬
‫جثة هامدة ‪..‬‬

‫الفريوسات املعروفة لنا حتى اآلن‪ .‬أصل اإلصابة‬
‫باملرض وص��ول الفريوس إىل ال��دم‪ ،‬فيؤثر يف‬
‫اخلاليا الليمفاوية باجلسم فيحد من قدرهتا‬
‫على تصنيع امل��واد املضادة ‪ ..‬لكنين الحظت‬
‫تشاهباً كبرياً بني هذا الفريوس وبني ما ينتج من‬
‫بعض املركبات الكيميائية املخلقة معملياً ‪..‬‬
‫توقفت ع��ن ال��ت��دوي��ن‪ .‬فقد اس�ترع��ى هذا‬
‫التشابه انتباهي‪ ،‬كان علي أن أق��وم مبعاجلة‬
‫املسحوق الفريوسي ببعض املركبات الكيميائية‬
‫ك��األمح��اض وال��ق��ل��وي��ات‪ ،‬وامل��رك��ب��ات العضوية‬
‫األخرى مثل األمينات والربوتينات ‪ ..‬عدت أدون‬
‫مالحظاتي من جديد ‪..‬‬
‫املسحوق الفريوسي يؤثر يف املركبات العضوية‬
‫وينتج من الربوتينات مادة غريبة خيتفي داخلها‬
‫الفريوس ‪ ..‬تركت مفكرتي جانباً ألقوم بتجربة‬
‫املادة الربوتينية اجلديدة على فئران التجارب‪.‬‬
‫حقنت ف��أراً بعد أن لوثت دم��ه باملسحوق‬
‫الفريوسي «زد»‪ ،‬انتظرت بضع ساعات ‪ ..‬أخذت‬
‫بعد ذلك عينة من دمه الختبارها حتت اجملهر‬
‫‪ ..‬لدهشيت وجدت املادة الربوتينية املخلقة تلتهم‬
‫الفريوس «زد» ‪ ..‬بعد عدة جتارب قضيت فيها‬
‫ساعات طويلة هتالكت على مقعدي وأنا أتنفس‬
‫الصعداء ‪ ..‬لقد وضعت يدي على احلقيقة ‪..‬‬
‫ورحت أكتب تقريري النهائي ‪:‬‬
‫«الفريوس زد ما هو إال مادة كيميائية شبه‬
‫حية خملقة معملياً تكونت داخل جسم اإلنسان‪،‬‬
‫وبنفس الطريقة نستطيع القضاء على فريوس‬
‫اإليدز»‬
‫أسرعت إىل العقيد سراج أزف إليه اخلرب‪:‬‬
‫تستطيع اآلن ي��ا س��ي��ادة العقيد أن ترفع‬
‫ً‬
‫ومازال البحث جاريا عن السجني اهلارب‬
‫احلصار عن أهايل املدينة وتبحث عن صابر‬
‫كمسجون عادي‪ .‬فليس هناك فريوس خطري‪« .‬زد»‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪63‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هل الزمان واملكان للبشر أم لكل املخلوقات‬

‫د‪ .‬فواز نصرو سيوف‬
‫أعطى عمر ج���زءاً م��ن اهتمامه‬
‫يف ه���ذا االس���ب���وع خلطيبته ‪..‬‬
‫وزاره��م زي��ارة عائلية مع والديه‬
‫وأخوه وأخته ‪ ..‬وحاول يف جلستني أن اليرتك‬
‫حلديث الرصد ورج��ال الفضاء أن يتمدد‬
‫ألكثر من دقائق ‪ ..‬حتى أنه أخذ إجازة رمسية‬
‫ملدّة ثالثة أيام ‪ ..‬ومل تشعر خطيبته فحسب‬

‫‪64‬‬

‫بالرضا ‪ ..‬لقد وصل الرضا إىل كل أفراد‬
‫عائلتها ‪ ..‬وكان هذا واضحاً من عيوهنم ‪..‬‬
‫وقد تعمَّد يف فرتات متفرقة من هذا االسبوع‬
‫إثارة بعض النقاط العائلية اليت يُحبّ األهل‬
‫اخلوض فيها يف مناسبات اخلطبة والزواج‬
‫‪ ..‬وقدَّم هلم تطميناً قوياً حول البيت الذي‬
‫سيجمعهما يف أقرب فرصة ‪...‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫هل الزمان واملكان للبشر أم لكل املخلوقات‬
‫يف اللقاء األخري قبل انتهاء اإلج��ازة فتح‬
‫عمر موضوع الرصد واخلطة القادمة وبعد‬
‫مراجعة بعض تقانات ق��ي��ادة احل��دي��ث مع‬
‫رجال الفضاء وصل الدور لسلمى ‪:‬‬
‫ ال أُخفي أن األفكار ال�تي تداولتموها‬‫حول الزمان واملكان ذات أمهية خاصة ‪..‬‬
‫بل وإضافاهتم ح��ول حاجة عقلنا للنماذج‬
‫الفكرية واللغة فيها خ�برة ممتازة بأحوال‬
‫البشر‪ ،‬وتاريخ حضارهتم ‪ ..‬ولكن إذا وضعنا‬
‫أنفسنا يف موقع معاكس ‪ ..‬قد ال يتغري شيء‬
‫‪..‬‬
‫نظر عمر وأخو سلمى إىل الصبية اجلميلة‬
‫وقد غري احلديث اجلدي بعض حركات وجهها‬
‫ال�بريء ‪ ..‬وأصبح وجهها مع حركة يديها‬
‫جزءاً من أفكارها اجلديّة ‪ ..‬فكأن نظراهتا‬
‫اللعوب واملتشوِّقة قد ذهبت للنوم ‪ ..‬أو أهنا‬
‫ركنت حت��ت اجللد للحظات ‪ ..‬وق��د مرّت‬
‫تلك اللحظات مع صمت لف الغرفة وأصاب‬
‫حتى خيوط خبار املاء املتصاعد من كاسات‬
‫الزهورات ‪ ..‬لقد أهنت سلمى فكرهتا ‪ ..‬ولكن‬
‫الصبيّان مازاال ينتظران ‪ ..‬وعندما انتبهت‬
‫لذلك‪ ،‬انفجرت ابتسامة مملوءة بالدهشة ‪..‬‬
‫وتبعتها نظرات مجيلة كأهنا تقول ‪..‬هه‪ ..‬مل‬
‫تلقطاها بعد ؟‪ ..‬ولكنها وج��دت أن متابعة‬
‫الكالم أكثر جدوى من إيقاظهما ‪...‬‬
‫سلمى – أقصد ماذا لو كان الزمان واملكان‬
‫مها أساس الكون‪ ،‬وأن ‪ ..‬بقيّة املخلوقات ال‬
‫تشعر هبما ‪ ..‬وحنن نشعر هبما ألننا مكلفون‬
‫بكل أجزاء الكون مبا فيه الزمان واملكان على‬
‫ما مها عليه ‪ ..‬وبقيت املخلوقات األخرى‬
‫عاجزة عن إدراكهما ‪...‬‬
‫عمر‪ -‬نعم ‪ ..‬لقطتها ‪ ..‬ال تقلقي ‪ ..‬ولكن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫من أين تأتيك هذه األفكار ‪...‬‬
‫إنه سجن املنزل ‪ ..‬مينحين الوقت الكايف‬‫للتفكري ‪...‬‬
‫حتيّن عمر فرصة إدخال الفكرة الرئيسية‬
‫اليت تدور يف عقله لصلب حديثه مع رجال‬
‫الفضاء ‪ ..‬فقد ك��ان اهتمامهم يف البداية‬
‫منصباً بوضوح حول نظام التعليم عموماً ‪..‬‬
‫وكيف يستجيب الطالب للمعلومات اليت قد‬
‫يقوهلا املدرس والتكون مدونة يف مرجعهم ‪..‬‬
‫وعندما وصل هذا احلديث إىل نقطة مفردات‬
‫وألفاظ املدرس بدأ عمر بتحويل احلديث ‪:‬‬
‫يف حديث سابق قلت إن اللغة أحد قواعد‬
‫اإلدراك البشري اليت تبعده عن االنسجام‬
‫والتناغم ‪ ..‬فمن الطبيعي إذن أن تكون‬
‫مصطلحات امل��درس ولغته من حيث اللفظ‬
‫وسالمة لسانه هلا أثر كبري يف نقل حقيقة‬
‫الفكرة واملعلومة ‪...‬‬
‫ً‬
‫ه��ذا يفرتض أيضا أن الكتاب ال��ذي يتم‬
‫ال��ت��دري��س ع��ل��ى من��ط��ه الي��ق��وم ب���دور ثابت‬
‫بالنسبة لكل الطالب من جهة‪ ،‬وبالنسبة‬
‫ملعلمني خمتلفني من جهة أخرى‪.‬‬
‫صحيح ‪ ..‬ال يقوم بدور واحد ‪ ..‬ففي أزمنة‬
‫خمتلفة تظهر أمهيته بدرجات متفاوتة ‪ ..‬إن‬
‫الزمن هو عامل هام أيضاً يف ذلك االختالف‬
‫وليس اللغة واللفظ فقط ‪...‬‬
‫نعم ‪ ..‬نعم ‪ ..‬الزمان مرة أخرى ‪ ..‬مع مرور‬
‫الزمان على الفكرة اليت يدور حوهلا الكتاب‬
‫حمور التدريس‪ ،‬ستتطورون ‪ ..‬أي ستتغري‬
‫أمهية حمتويات الكتاب نفسه ‪ ..‬نعم ‪..‬‬
‫وميكن أن تضيف املكان أيضاً ‪ ..‬تصور‬
‫أن��ك ت���درس معلومات ع��ن البحر والبيئة‬
‫الساحلية ‪ ..‬فكيف سيكون تفاعل الطالب‬

‫‪65‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هل الزمان واملكان للبشر أم لكل املخلوقات‬
‫يف صف من مناطق الصحراء ‪ ..‬مقارنة‬
‫مع طالب يسكنون على ساحل البحر ؟‪...‬‬
‫بل وميكن قول الشيء نفسه عن مدّرس‬
‫ع��اش طفولته وشبابه يف ق��ري��ة ساحلية‪،‬‬
‫وم����درس آخ���ر ع���اش طفولته وش��ب��اب��ه يف‬
‫الصحراء أو على سفوح أحد اجلبال ‪..‬‬
‫وبناء على املناقشات املاضية جيب عدم‬
‫إغفال النماذج النشطة يف أذهان املدرسني‬
‫والطالب ‪...‬‬
‫نعم ‪ ..‬تدريس علوم الفلك أثناء أو بعد‬
‫م���رور ك��س��وف مشسي ت��ام ‪ ..‬خمتلف عن‬
‫تدريسها أثناء أو بعد كارثة بيئية مثالً ‪.‬‬
‫الح��ظ أن م��ا قلناه ع��ن ق��واع��د اإلدراك‬
‫وت��أث�يره��ا على عملية التعليم يف ظروف‬
‫األرض غري موجودة يف عاملكم ‪...‬‬
‫صحيح واألدهى بالنسبة لكم ما سنقوله‬
‫لك من أن جمتمعنا الحيتاج إىل التعليم يف‬
‫األصل ‪ ..‬التعليم هو انتقال املعلومة خالل‬
‫الزمن ‪ ..‬عندنا املعلومة توجد فحسب ‪..‬‬
‫ماذا تقول إذن يف معلومتني أتتكما ؟‪ ..‬ألن‬
‫تكون واحدة تسبق الثانية ‪..‬‬
‫ال ‪ ..‬ما أذن اهلل لنا مبعرفته وتع ُّلمه حدث‬
‫كله دفعة واحدة ‪...‬‬
‫ه��ذا ليس تعّلم‪ ،‬على أي ح��ال ‪ ..‬تعال‬
‫نفرتض العكس ‪.‬‬
‫توقف عمر عن الكالم ق��اص��داً تقليد‬
‫م��ا ح���دث م��ع��ه ق���رب سلمى ‪ ..‬وحضرت‬
‫ابتسامتها اليت انفجرت ببطء حتمل قليالً‬
‫من االندهاش ‪ ..‬فمأل الفرح قلبه ‪ ..‬وأحس‬
‫باحلنني لوجودها قربه ‪ ..‬ثم تابع ‪:‬‬
‫لقد خلق اهلل الكون‪ ،‬ومن نواميسه وجود‬
‫الزمان واملكان ‪ ..‬ولكل خملوق قواعد إدراكه‬

‫‪66‬‬

‫اإلض��اف��ي��ة اخل��اص��ة ‪ ..‬ث��م عندما عُرضت‬
‫األمانة على السموات واألرض ‪ ..‬فمن َقبلَها‬
‫تعامل مع قوانني الزمان واملكان كما هي ‪..‬‬
‫ومن اعتذر عن التكليف حجب عنه إدراك‬
‫الزمان واملكان؟‪...‬‬
‫أظن أن هذا اجلواب يتطلب منا أن نضحك‬
‫‪ ..‬لقد قلبت األمور رأساً على عقب ‪ ..‬مجيل‬
‫‪ ..‬الزمان واملكان موجودان وخملوقان مع خلق‬
‫الكون ‪ ..‬واملخلوقات اليت مل تقبل التكليف‬
‫حرمها اهلل من إدراك الزمان واملكان !‪ ..‬يا‬
‫للروعة ‪...‬‬
‫وحنن قبلنا التكليف ‪ ..‬فجعلنا اهلل ممن‬
‫يدرك الزمان واملكان ‪ ..‬ويقوم باحلساب ‪...‬‬
‫من أين أتتك هذه الفكرة ؟‪ ..‬نظن أن هذا‬
‫االفرتاض ال يُغري كثرياً يف النقاش ‪ ..‬ما عدى‬
‫قلب املواقع ‪...‬‬
‫صحيح ‪ ..‬ولكن هل ه��ذا أم��ر ممكن يف‬
‫األصل ؟‪..‬‬
‫يصعب حتديد ذل��ك ‪ ..‬الكون كما يقول‬
‫علماؤنا متناظر ‪ ..‬وم��ن ق��واع��د التناظر‬
‫تساوى ال ُفرص بأن الزمان عندنا متحرك‬
‫وعندكم ثابت أو عندكم متحرك وعندنا‬
‫ثابت ‪...‬‬
‫ال يتساوى األمران ‪ ..‬هناك وحي من خالق‬
‫الكون بني أيديكم ‪ ..‬وهو موجود يف كل شيء‬
‫وال حيده شيء‪ ،‬وهو أول وآخر ‪ ..‬وأزيل ‪.‬‬
‫اتفقنا على أن ال نناقش مبادئ دينية ‪.‬‬
‫نعم ‪ ..‬ولكنا جند أن النقطة املرجعية‬
‫الوحيدة اليت تُجلي الصورة ما بني أيديكم‬
‫ما تعرفونه عن خالق الكون ال��ذي ال يقيِّد‬
‫إرادته وقدرته زمان‪ ،‬وال يعين املكان بالنسبة‬
‫له متكناً‪ ،‬وتباين املواضع ‪ ..‬فما هو فيه هو‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫هل الزمان واملكان للبشر أم لكل املخلوقات‬

‫السائد يف الكون ‪.‬‬
‫تريد القول إن اهلل خلق الكون بال مكان وال‬
‫زمان ألنه تعاىل خارج حدود املكان والزمان‬
‫‪ ..‬ولكن هذا ليس بالضرورة ‪ ..‬أليس من‬
‫اجل��ائ��ز أن ي��ك��ون ال��زم��ان وامل��ك��ان م��ن أهم‬
‫مميزات خلقه‬
‫احلقيقة ‪ ..‬أول م��رة جن��د أنفسنا غري‬
‫مستعدين ملثل هذا السؤال واجلواب ‪ ..‬رمبا‬
‫حنتاج إىل استشارة ‪.‬‬
‫ه��ذه احلالة أيضاً تناقض تصوركم بأن‬
‫الزمان واملكان حالة خاصة عند البشر فقط‬
‫‪ ..‬فما تقولونه اآلن يعين أن قبل وبعد ‪ ..‬قبل‬
‫أن تستشريوا وبعد أن تستشريوا‪ ،‬أليس هذا‬
‫زمناً؟‪..‬‬
‫تتسرعون أنتم أيها البشر ‪ ..‬األمر ليس‬
‫كما تصورت ‪ ..‬تأخذ بزرة تفاح ‪ ..‬تزرعها‬
‫وتعتين هبا إىل أن تكرب ‪ ..‬تُزهر وتُثمر ويذبل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫الثمر‪ ،‬هذا تسمونه عملية منو مثر التفاح‪،‬‬
‫قد تصلك إحدى التفاحات دون أن تعرف من‬
‫أي غصن ‪ ..‬إذا سحبنا الزمان من هذا كله‪،‬‬
‫فلن يتبقى ما تسمونه عملية ‪ ..‬إذن ما حدث‬
‫ميكن أن ندركه حنن ‪ ..‬وأن تدركوه أنتم ‪..‬‬
‫فإذا سحبنا الزمان من إدراكك ‪ ..‬هل سرتى‬
‫البذرة والشجرة والزهر والثمر كلها دفعة‬
‫واح��دة ؟ ‪ ..‬أم فوق بعضه البعض ؟‪ ..‬ماذا‬
‫سيكون بالنسبة لك ؟‪...‬‬
‫حلظة من فضلك ‪ ..‬حلظة‪ ،‬أنتم تفرتضون‬
‫أن��ن��ا نستطيع سحب ال��زم��ن ‪ ..‬عليكم أن‬
‫توضحوا الصورة ‪.‬‬
‫ال بأس سنقوم بذلك ‪ ..‬ولكن ال تنسى‪،‬‬
‫حنن نقول أن الزمان غري موجود يف األصل‬
‫‪ ..‬نريد الوصول لنتيجة أنكم ال تستطيعون‬
‫تصور عملية دون وج��ود زم��ان ‪ ..‬بالنسبة‬
‫إلدراككم سرتون العملية معدومة ‪ ..‬أي غري‬

‫‪67‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هل الزمان واملكان للبشر أم لكل املخلوقات‬

‫موجودة فحسب ‪..‬‬
‫وكيف تروهنا أنتم ؟‪...‬‬
‫الزمان مسحوب من كل شيء عندنا ‪ ..‬فال‬
‫أستطيع أن أقول لك أي شيء يف هذا الصدد‬
‫‪ ..‬وليس لعدم معرفتنا له ‪ ..‬ولكن جيب أن‬
‫نصيغه مبا يناسب إدراكك ‪ ..‬وأنت تتصور أن‬
‫التشاور فيما بيننا عملية فهو حمتاج للزمن‬
‫‪ ..‬أما عندنا فهو ليس كذلك ‪ ..‬وال جند ما‬
‫نقوله لك كبشر يف هذا الصدد ‪..‬‬
‫أستطيع املران والتدرب على فهم العمليات‬
‫اليت مت سحب الزمان منها ؟‪..‬‬
‫تستطيع ‪ ..‬ولكن كل ما تسحب منه الزمن‬
‫يصبح بالنسبة لك معدوماً ‪...‬‬
‫آه ‪ ..‬أتعبتين ‪ ..‬أرى أننا أمام حلني ‪ ..‬إذا‬
‫تدرَّبتُ على ح��االت وعمليات ال زمن فيها‬

‫‪68‬‬

‫فسأصل إىل إدراك حالة العدم لكل عملية ‪..‬‬
‫فما فائدة إدراكي إذن ؟‪ ..‬سأدرك العدم فقط‬
‫أي الال شيء ‪ ..‬أو أن أغيِّر املعطيات اليت‬
‫حياكم ذهين هبا األم��ور حبيث ي��درك حالة‬
‫عدم وجود زمان بصورة طبيعية ‪ ..‬وعندها‬
‫لن أبقى إنساناً ‪ ..‬فما فائدة ذهين إذن ؟‪..‬‬
‫والسؤال األهم اآلن‪ ،‬هل الكون حولكم معدوم‬
‫ألنكم ال تدركون زمانه ومكانه ؟‪...‬‬
‫هذا بالتحديد ما أردن��ا جتنبه يف بداية‬
‫ه���ذا احل��دي��ث ‪ ..‬ال��وص��ول إىل ح��ال��ة غري‬
‫مفهومة لنا ولكم ‪ ..‬لكن قد ّ‬
‫يوضح األمر أن‬
‫نذ ِّكرك بقاعدة هامة ‪ ..‬إن حديثنا كله مبين‬
‫على فهمكم للزمان واملكان ‪ ..‬فطبيعة فهمكم‬
‫هلما جتعل منهما معدومني إن مل يكونا كما‬
‫قررمت ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫هل الزمان واملكان للبشر أم لكل املخلوقات‬
‫مل أف���ه���م ج����ي����داً ‪ ..‬ت��ق��ص��د السبب‬
‫والنتيجة‪...‬‬
‫ال‪ ..‬لديكم يستحيل وج���ود ش��يء دون‬
‫حيز ‪ ..‬وح���دوث ش��يء دون مسبب يسبق‬
‫السبب‪...‬‬
‫مل أفهم أيضاً ‪...‬‬
‫لنُعد صياغة األم��ر ‪ ..‬هناك جمموعة‬
‫من املفردات يف العملية الواحدة‪ ،‬مرتابطة‬
‫زمنياً بقاعدة السبب واملسبب ‪ ..‬ففي مثالنا‬
‫السابق (ب��زرة – غرس – سقي – إزه��ار –‬
‫إمث��ار – تفاحة) ‪ ..‬إذا قلتُ لك أح��د هذه‬
‫املفردات ستتصور تلقائياً جمموعة املفردات‬
‫األخرى ‪ ..‬وبالرتتيب الزمين املوافق ‪ ..‬فهذا‬
‫منوذج جملموعة من األلفاظ مرتبة زمانياً‪،‬‬
‫هكذا األم��ور مفهومة لكم وواضحة ‪ ..‬إذا‬
‫ألغينا فكرة الزمان ‪ ..‬مل يعُد من مربر لوجود‬
‫الرتتيب الزمين لأللفاظ‪ ،‬وبالتايل لوجود‬
‫ألفاظ كثرية ‪ ..‬ومنه سنجد أن منوذج عملية‬
‫زراع��ة نبتة التفاح واحلصول عليها مل يعد‬
‫موجوداً يف أذهانكم ‪...‬‬
‫إذن الذي ينعدم من سحب الزمان مناذج‬
‫العمليات الذهنية لدينا ‪ ..‬وليس العملية‬
‫حبد ذاهتا ‪..‬‬
‫بالضبط ‪ ..‬تقدمك مذهل يف فهمنا ‪...‬‬
‫شكراً ‪ ..‬ويف هذه احلالة ‪ ..‬التفاح موجود‬
‫وخملوق ‪ ..‬ولكن منوذج فهمنا لعملية ظهوره‬
‫خاصة بنا كبشر ‪...‬‬
‫متاماً ‪ ..‬وحنن لدينا آلية إدراك خاصة‬
‫بنا مل��ا خلقه اهلل م��ن حولنا ‪ ..‬وق��د تكون‬
‫خملوقات أخرى غرينا وغريكم ‪ ..‬يرون خلق‬
‫اهلل ‪ ..‬ويدركونه بآليات أخرى ‪...‬‬
‫إذن قولنا معدوم سابقاً ال يعين أنه معدوم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫خلقاً ‪ ..‬ولكن أدوات إدراكنا اليت حتدثنا عنها‬
‫سابقاً تكون غري ق��ادرة على إعطائه كياناً‬
‫مفهوماً ‪ ..‬هذا قريب من قول بعض حكمائنا‬
‫أن هذه احلياة الدنيا الش��يء نسبة للحياة‬
‫األبدية القادمة ‪...‬‬
‫ومثال ذلك موجود يف حياتكم أيضاً ‪..‬‬
‫العني البشرية تتحسس جمل��ال صغري من‬
‫األط���وال املوجية للفوتونات ‪ ..‬ه��و اجملال‬
‫املرئي ‪ ..‬فإذا أخذنا أي جسم آخر خملوق‬
‫وموجود‪ ،‬ولكن ما يصدر عنه أو يعكسه من‬
‫فوتونات يف جمال بعيد عن املرئي (مثل حتت‬
‫األمحر وفوق البنفسجي و الراديوي وما شابه‬
‫ذلك) ‪ ..‬لن تدركوه ‪ ..‬فهو حبكم املعدوم ‪..‬‬
‫وكل احلساسات اليت تتعاملون معها هلا جمال‬
‫عمل مقبول ‪ ..‬وجمال تُخطئ فيه ‪ ..‬وجمال‬
‫ال تعمل فيه أبداً ‪.‬‬
‫ومع ذلك يبقى التساؤل موجوداً ‪ ..‬ماذا لو‬
‫كنتم أنتم ال تدركون أبعاد الزمان واملكان ‪..‬‬
‫وخَلَقكم اهلل مبا ينسجم مع قدراتكم ؟‪..‬‬
‫طبعاً يبقى السؤال مطروحاً ‪ ..‬وجمموعتنا‬
‫على تواصل مع عدة خملوقات ‪ ..‬كل على‬
‫ط��ري��ق��ت��ه��ا ‪ ..‬وس��ن��ح��اول اس��ت��ي��ض��اح هذه‬
‫النقطة‪..‬‬
‫هل تتصلون مع املخلوقات األخرى بتسلسل‬
‫ما ‪ ..‬أم هم يطلبونكم ‪..‬‬
‫نقول لك ببساطة إننا مبقاييسكم على‬
‫تواصل دائ��م مع كل املخلوقات ال�تي ميكن‬
‫التواصل معها دون وقت ودون زمان ‪..‬‬
‫ولذلك تتحدثون معي مجيعاً ؟‪..‬‬
‫ال‪ ..‬ما سألته يتعلق بتحديد مكان لكل منا‬
‫بعضنا بالنسبة لبعض ‪ ..‬وحنن ال نعرف هذا‬
‫البعد أيضاً ‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬

‫د‪ .‬نظمية أكراد‬

‫ع��امل مجيل مشرع على األفق‬
‫ال��واس��ع يدخله أمح��د ك��ل يوم‪،‬‬
‫وي���س���ب���ح يف حب����ر م����ن العلم‬
‫واملعلومات واملوسيقا والرسم واأللعاب وكل‬
‫ما خيطر على باله‪ ،‬لقد أصبح احلاسوب»‬
‫الكومبيوتر» صديقه احلميم ال��ذي أخذه‬
‫من يده بلطف وحمبة وعَّرفه على الكثري‬

‫‪70‬‬

‫م��ن األص��دق��اء املميزين ال��ذي��ن هل��م نفس‬
‫اهتماماته وتطلعاته‪ ،‬وه��م يتبادلون معه‬
‫اآلراء وحيلون املشكالت العالقة ويتناقلون‬
‫املعلومات اجلديدة‪ ،‬ويتكلمون عن بالدهم‬
‫وآثارها وحضارهتا وعمراهنا‪ ،‬ويدخلون على‬
‫املواقع الرقمية ليؤكدوا ه��ذه الطروحات‬
‫ويثبًتوها يف األذه��ان من خالل مناقشات‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫هادئة ومقنعة‪.‬‬
‫كان أمحد ينقل إليهم بعض مهومه وما‬
‫حيصل يف وطنه العربي الكبري م��ن جور‬
‫االحتالل وويالت العدوان واحلروب الطاحنة‬
‫يف فلسطني والعراق ولبنان والسودان‪ ،‬وما‬
‫سببته من موت ودمار وهنب للثروات وتدمري‬
‫للحضارات اليت بناها اإلنسان العربي عرب‬
‫آالف السنني‪ ،‬وكان جيد كل التفهم واحلب‬
‫والتعاطف منهم عندما يقدم هلم احلقائق‬
‫كاملة شاملة موثقة‪ ،‬بعيداً عن اإلعالم الذي‬
‫ال يقدم إال القليل وحسب هواه ووفق ما هو‬
‫مرسوم له‪.‬‬
‫ت��وط��دت أواص����ر ال��ص��داق��ة ب�ين أمحد‬
‫وأردام وسيمون ودومنيك وأول��ي��غ وجاك‬
‫وايزابيال وشريكو وديانا وايزومي وكانوا كل‬
‫يوم يتبادلون اآلراء عرب اإلنرتنت‪ ،‬يتناقشون‬
‫ويتجادلون ويتفقون وخيتلفون‪ ،‬يطرحون‬
‫مه��وم��ه��م وم��ش��ك�لاهت��م ح��ت��ى ي��ص��ل طارح‬
‫املسألة إىل قناعة باحللول املطروحة عليه‪،‬‬
‫وبعد مداوالت ومشاورات وأخذ ورد‪ ،‬يصلون‬
‫إىل أحسن احل��ل��ول‪ ،‬ألهن��ا خالصة عقول‬
‫واعية وانفتاح واقتناع واستفادة من جتارب‬
‫وخربات‪ ..‬وقد أصبحوا أصدقاء محيمني ال‬
‫غنى ألحدهم عن اآلخر‪.‬‬
‫حاول أمحد االتصال بسيمون عدة أيام‬
‫متتالية فلم ينجح‪ ،‬سأل عنه باقي األصدقاء‬
‫وكان يتلقى منهم اإلجابة ذاهتا‪:‬‬
‫_ مل نستطع االتصال به ومل يتصل هو‬
‫بدوره بنا‪ ،‬رمبا كان مشغوالً‪.‬‬
‫سبب ذلك قلقاً للجميع وخاصة ألمحد‬
‫الذي جيد سيمون متفهماً حمباً ذكياً متوقد‬
‫الذهن‪ ،‬ولديه ثقافة واسعة ومتابعة جادة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وموضوعية يف الطرح والتقبّل واحلوار‪.‬‬
‫بعد أيام استطاع أمحد أن يتصل به‪ ،‬اعتذر‬
‫سيمون عن انقطاعه ب��أمل وح��زن وصوت‬
‫تبلله العربات‪.‬‬
‫_ لقد حصل مع والديَّ حادث سري أليم‪،‬‬
‫ومه��ا ع��ائ��دان م��ن عملهما على الطريق‬
‫السريع‪ ،‬كان حادثاً رهيباً حقاً ومل يبق من‬
‫السيارة إال احلديد املشوه املعامل‪ ..‬عندما‬
‫رأيت السيارة وما حل هبا من خراب محدت‬
‫اهلل على جناهتما‪ .‬أنا آسف إلزعاجك مبثل‬
‫هذا اخلرب‪ ،‬لقد قضيت أياماً صعبة للغاية‪،‬‬
‫مرت علي أوقات مرة ومؤملة‪.‬‬
‫ن��زل اخل�بر على أمح��د كالصاعقة‪ ،‬بعد‬
‫فرتة صمت‪ ،‬متالك نفسه وسأل‪:‬‬
‫_ كيف مها اآلن‪ ،‬أرجو أن يكونا خبري ‪.‬‬
‫_ إهنما يف املشفى‪ ،‬وال��دي عنده كسور‬
‫ع��دي��دة يف ال��س��اق واألض�ل�اع ورس���غ اليد‬
‫باإلضافة إىل الرضوض والكدمات واجلروح‬
‫النازفة‪ ،‬آالمه شديدة‪ ،‬كان اهلل يف عونه‪..‬‬
‫تنهد من أعماقه‪ ،‬أما والدتي احلبيبة فهي‬
‫يف العناية املشددة‪ ،‬كانت الضربة يف رأسها‬
‫فأفقدهتا الوعي بشكل كامل‪ ،‬وال يدري‬
‫وال���دي خب��ط��ورة إص��اب��ة أم��ي‪ ،‬وأن��ا ممزق‬
‫وموزع بني االثنني‪.‬‬
‫_ خ�ب�ر أدم�����ى ق���ل�ب�ي‪ ،‬ع���اف���امه���ا اهلل‬
‫وساعدك‪ ،‬كل مشاعري وأحاسيسي معك‪،‬‬
‫أمتنى لو أستطيع أن أقدم لك شيئاً ملموساً‬
‫أو أن أقف إىل جانبك يف هذه الشدةَّ‪ ..‬ولكن‬
‫البعد يكبل اإلنسان وجيعله عديم الفائدة‪.‬‬
‫سأبقى على اتصال دائ��م ب��ك‪ .‬قل يل من‬
‫معك اآلن وكيف تتدبر أمورك ‪.‬؟‬
‫_ إنين يف البيت‪ ،‬وأجد صعوبة يف تأمني‬

‫‪71‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫متطلباتي اليومية‪ ،‬أحس بالفراغ والضياع‬
‫واحلزن‪ ،‬إنين مشتت‪ ،‬مشتت يا أمحد‪.‬‬
‫_ أعرفك قوياً صامداً‪ ،‬ال بد أن تتحمل‬
‫وتصرب وتعتمد على نفسك وال تزيد من‬
‫معاناهتما‪ ،‬وسنحاول أن نساعدك مجيعاً‪.‬‬
‫_ بعض األص��دق��اء اتصلوا ب��ي اليوم‪،‬‬
‫وعرض عليّ شريكو احلضور ليكون جبانيب‪،‬‬
‫ولكنه تراجع ألنه أحس أنه سيكون عبئاً‬
‫علي فوق أعبائي‪ ،‬وأنا أشكر اهتمام اجلميع‬
‫بي ومشاركتهم يل مصابي‪.‬‬
‫حكى أمح��د ل��وال��دت��ه م��ا ح��ل برفيقه‪،‬‬
‫وس��أهل��ا كيف يستطيع مساعدته؟ تأملت‬
‫حلال والديه ودعت هلما بالشفاء العاجل‪،‬‬
‫وطلبت من أمحد أن يسأله إن كان حباجة‬
‫إىل املال‪ ،‬ووضعت خمطط عمل يسري عليه‬
‫سيمون كأنه ابن هلا‪.‬‬
‫يف ال��ي��وم ال��ت��ايل ن��ق��ل أمح���د لصديقه‬
‫خمطط العمل‪ ،‬سَعِدَ سيمون هبذا االهتمام‬
‫والرعاية وسار حسب اخلطوات املرسومة‪..‬‬
‫ي��ذه��ب إىل امل��درس��ة‪ ،‬وحي��ض��ر دروس���ه و‬
‫طعامه ويغسل أدواته و ثيابه ويكويها‪ ،‬ويغري‬
‫م�لاءات س��ري��ره‪ ،‬وي��زور وال��دي��ه يف الوقت‬
‫احمل��دد للزيارة‪ ..‬أصبح يستفيد من وقته‬
‫على أكمل وجه‪.‬‬
‫وكان من بواعث راحة والده أن يراه معافى‬
‫نظيفاً ومرتباً وملتزماً كالسابق‪ ،‬ويداوم على‬
‫الدراسة‪ ،‬ويسأل عن صحتهما‪ ..‬كان يسأله‬
‫عن أم��ه وكيف حاهلا ف�يرد سيمون مبرح‬
‫ظاهر يغطي به قلقه وحزنه على حاهلا‬
‫وغيبوبتها‪ ،‬فهي كامليتة وليس عندها ما‬
‫يدل على احلياة إال حركة صدرها الضعيفة‬
‫ونفسها الضعيف ع�بر املنفسة‪ ،‬ومل يبد‬

‫‪72‬‬

‫عليها أي حتسن ملموس حتى هذا الوقت‪.‬‬
‫قال سيمون‪:‬‬
‫_ وضعها مثل وضعك يا والدي ولذلك ال‬
‫تستطيع زيارتك‪..‬يغمز له وينظر إىل جسمه‬
‫املغطى بالشاش واملثبت‪ ،‬اهنض أنت وزرها‪.‬‬
‫يضحكان وتتوقف األسئلة‪ ،‬ويتمنى أبو‬
‫سيمون الشفاء العاجل لزوجته لتعود إىل‬
‫ابنها وبيتها‪ ،‬ويسأل ولده بشفقة‪:‬‬
‫_ كيف تتدبر أمرك يا بين؟‬
‫_ أنا ال ينقصين شيء كن مطمئناً‪ ،‬مجيع‬
‫أصدقائي عرب اإلنرتنت على اتصال معي‪،‬‬
‫ويتمنون لكما الشفاء والصحة ويتابعون‬
‫أخباركما باهتمام وحمبة‪.‬‬
‫أق��ل��ق أمح��د ج���داً وح��ز يف نفسه هذا‬
‫احل��ادث ومجيع احل��وادث حول العامل وما‬
‫تسببه من آالم للبشرية وتشوهات للمصابني‬
‫وآالم جسيمة لذويهم وخسائر ب��األرواح ال‬
‫تقدر وال تثمن‪.‬‬
‫جلس مع ج��ده مساء يتحدثان يف هذا‬
‫املوضوع وكيفية تاليف هذه احلوادث املروعة‬
‫ونتائجها وتكاليفها الباهظة على البشر‬
‫مادياً ومعنوياً‪ ،‬وقلبه يطفح أملاً وحزناً‪.‬‬
‫_ يا جدو ‪..‬أظن أن هذه نتائج السرعة‬
‫والرعونة يف قيادة السيارات‪.‬‬
‫_ هناك أسباب كثرية أخرى غري السرعة يا‬
‫جدي تسبب احلوادث‪ ..‬ولكن كيف نستطيع‬
‫أن خنلص البشرية م��ن ه��ذه ال��ك��وارث أو‬
‫خنفف منها على األقل‪.‬‬
‫رب���ت اجل���د ع��ل��ى ك��ت��ف أمح���د حبنان‪،‬‬
‫واب��ت��س��ام��ة اع��ت��زاز مشرقة متسح وجهه‬
‫املمتلئ بالتجاعيد‪.‬‬
‫_ أنتم أملنا أيها اجليل الصاعد‪ ،‬اعتمدوا‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫على علمكم وجدكم وعملكم وستصلون إىل‬
‫أهدافكم‪ ..‬كل جيل يضيف اجلديد وحيسن‬
‫ظ��روف احلياة والعمل‪ ،‬ويطور ما صنعه‬
‫اجليل الذي سبقه‪ ..‬هذا قانون احلياة وإال‬
‫ملا وصلنا إىل التقدم واحلضارة والتقنيات‬
‫احلديثة اليت ختدم اإلنسانية وتوفر اجلهد‬
‫وال��وق��ت‪ ،‬وتقدم وسائل األم��ان والراحة‪.‬‬
‫لقد تقدم اإلنسان كثرياً ابتداء من الدوالب‬
‫البسيط الذي هو أساس كل ما جيري من‬
‫عربات وقطارات سريعة وسيارات وانتهاء‬
‫بالطائرات‪ .‬اعرتض أمحد مبرارة‪:‬‬
‫_ يا ليت ما كان هذا الدوالب ‪.‬‬
‫_ وهل كنت تستطيع أن تسافر لعدة أيام‬
‫أو أشهر على ال��دواب يف الربد والعواصف‬
‫واحلر؟‬
‫_ ال يا جدي‪ ،‬ولكن لكل تقدم ضريبة‬
‫مفروضة ال غنى عنها‪.‬‬
‫_ لقد توفرت لكم بفضل أجيال سبقتكم‬
‫وعاصرتكم هواتف سلكية وال سلكية وأخرى‬
‫حممولة‪ ،‬وحواسيب تصلنا بالعامل وتليب‬
‫حاجاتنا ومتطلباتنا‪ ،‬ونصل إىل ما نريد‪،‬‬
‫وحنن يف بيتنا جنلس على مقاعدنا املرحية‪،‬‬
‫وتلفاز والقطات‪ ،‬ووسائل اتصال عجيبة‪،‬‬
‫ومعلومات عن الفضاء والكواكب واألقمار‪.‬‬
‫املعرفة يف تطور مستمر ليس له حدود‪..‬‬
‫ال توجد عوائق دائمة أم��ام اإلنسان‪ ،‬لكل‬
‫مشكلة حل‪ ،‬وعقل اإلنسان يبحث ويكتشف‬
‫ويُطبق ويُنتج ‪ ..‬اإلنسان يضع اهلدف ويبحث‬
‫ويعمل ويشغل وقته به‪ ،‬األفكار تتوالد وتنمو‬
‫وتقوى حتى يصل إىل ما يصبو إليه‪ ،‬فالعلم‬
‫أساس التقدم احلقيقي‪.‬‬
‫_ أع���رف ه��ذا ي��ا ج��دي ح��ق املعرفة‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫أن��ت عندك معرفة وخ�برة وجت��رب��ة كبرية‬
‫واختصاص ‪ ..‬أن��ت مهندس كبري وضليع‬
‫بامليكانيك‪ ،‬وأنا آمل أن تساعدني بأفكارك‪..‬‬
‫أرجوك‪..‬‬
‫_ سأساعدك بكل قواي ومعلوماتي‪ ..‬ما‬
‫هي تصوراتك لنبين عليها؟ البد من الدراسة‬
‫واملثابرة وحتديد اهل��دف والعمل من أجل‬
‫حتقيقه والتعب والتجريب‪ ..‬وسوف تصل‪..‬‬
‫سنقف أنا ووالديك إىل جانبك وندعمك‬
‫بكل إمكانياتنا‪.‬‬
‫ـ سوف أعمل كثرياً يا جدي‪ ..‬شكراً لك‪،‬‬
‫لقد قويت عزمييت وفتحت األفق أمامي‪ ،‬أنا‬
‫أثق بك وحبكمتك وجتربتك‪.‬‬
‫_ ‪ ..‬خطط واعمل‪ ،‬قد تفشل مرة وأخرى‬
‫ولكن يف النهاية ستصل‪ ،‬أو على األقل تفتح‬
‫األفق مشرعاً أمام غريك ليكمل مسريتك‬
‫وحيقق هدفك‪ .‬فلتكن أف��ك��ارك متوهجة‬
‫فياضة وتأتي باجلديد النافع‪.‬‬
‫ـ أعدك يا جدي‪ ..‬لقد أثر هذا احلادث‬
‫بشكل خاص وغ�يره من احل��وادث كثرياً يف‬
‫نفسي‪.‬‬
‫مر الوقت سريعاً وظهر التعب والنعاس‬
‫على اجلد‪ ..‬شكر أمحد جده ومتنى له ليلة‬
‫سعيدة‪ .‬وبقي ص��وت سيمون يالحقه يف‬
‫سريره‪ ،‬وراح يفكر باملأساة اليت تعرض هلا‬
‫ومبا يتعرض له البشر على مدار الساعة‪.‬‬
‫سيعمل وحي��ق��ق جن��اح �اً للحد م��ن هذه‬
‫احلوادث‪.‬‬
‫خطر له أن يصنع سيارة متطورة جتنب‬
‫سائقها ومن فيها ح��وادث الطرق حتى ال‬
‫تتكرر املآسي مع اآلخرين‪ .‬مل جيد النوم‬
‫إل��ي��ه س��ب��ي�لاً غ���ادر س��ري��ره وأم��ض��ى ليله‬

‫‪73‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫وتبعته أي���ام ول��ي��ال طويلة وه��و يسهر‬
‫ويضع املخططات والرسوم والتصميمات‪،‬‬
‫ويفكر كثرياً‪ ..‬يقرر وينفي ويثبت ويستشري‬
‫ويبحث ويدقق ويدخل على مواقع‪ ،‬ويدرس‬
‫يف الكتب ويتابع االخرتاعات وبواعثها وسري‬
‫املخرتعني‪ ..‬وخيرج إىل احلقول ميشي ويفكر‬
‫وينعش أفكاره‪ ،‬ويرسم ما يفكر به وميحو‬
‫ويصحح‪ ،‬وعندما يستقر فكره على شيء‬
‫يهرع إىل البيت ليثبته على جهاز الكومبيوتر‬
‫وحيفظه من الضياع‪ .‬مضت األيام واألشهر‬
‫وهو خيطط ويضيف ويعدل ويتحدث مع‬
‫زمالئه ويسأهلم عن بعض التفاصيل‪ ..‬كان‬
‫فريق منهم يشجعه ويساعده ويهتم بكل ما‬
‫يطرحه وفريق يثبط من عزميته ويسخر‬
‫من أفكاره‪ ..‬ويقول له‪ ..‬إن أمامه الكثري من‬
‫الوقت واجلهد‪ ،‬وق��د يصل وق��د ال يصل‪،‬‬
‫وينصحه ب��أال يضيع شبابه وجي��ري وراء‬
‫سراب خادع‪.‬‬
‫ً‬
‫كان يرجتف هلعا عندما خيطر بباله‬
‫الرتاجع أو الفشل واإلخفاق‪ ،‬ويقول لنفسه‬
‫«من عنده العزمية اليت ال تلني والقناعة مبا‬
‫يفعل‪ ،‬ال بد أن يصل إىل ما يريد‪ ..‬عندما‬
‫يتوهج احلب يف قلب اإلنسان يعطيه القوة‬
‫ليتجاوز العقبات والصعاب ويشعر بالسالم‬
‫والراحة‪ ..».‬كان ال يرتك دقيقة متر دون أن‬
‫يستفيد منها‪.‬‬
‫اتصل به سيمون وزف له بشرى مفرحة‪،‬‬
‫كان صوته يرقص طرباً‪:‬‬
‫_ إن أم��ي صحت م��ن غيبوبتها‪ ،‬زال‬
‫عنها اخلطر يا أمح��د وحالتها مستقرة‪،‬‬
‫بدأت تتعرف على من حوهلا‪ ،‬لقد عرفتين‬
‫وابتسمت يل قبل أن تعود لغيبوبتها ثانية ‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫_ ماذا‪ ..‬عادت للغيبوبة ‪.‬؟!‬
‫_ عفواً اترك يل فرصة ألكمل‪ .‬لكن أكد‬
‫يل طبيبها أهنا خبري وقد جت��اوزت مرحلة‬
‫اخلطر‪ ،‬وصحوهتا دليل خري‪ ..‬أنت أول من‬
‫أُخ�ب�ر‪ ،‬ي��ا أع��ز ص��دي��ق‪ ،‬ألن��ك تفرح يل من‬
‫قلبك‪ ،‬ومل ترتكين أحس بالوحدة‪ ،‬بل شددت‬
‫من عزمييت أنت و أهلك‪.‬‬
‫_ أنا مقصر معك‪ ،‬إنه أقل واجب يقدمه‬
‫صديق لصديقه‪.‬‬
‫وقدم له هتانيه احل��ارة وهتاني أسرته‪،‬‬
‫وش��ارك��ه م��ع مجيع أص��دق��ائ��ه ف��رح��ه عرب‬
‫اإلن�ترن��ت‪ .‬وت��ت��ال��ت األخ��ب��ار احلسنة اليت‬
‫خيربهم هبا‪..‬‬
‫_ أمي ع��ادت للوعي‪ ،‬وتقلب من طرف‬
‫آلخر‬
‫_ ب��ش��رى رائ��ع��ة‪ ،‬أس��ع��دت�ني‪ ،‬أمت��ن��ى هلا‬
‫العافية التامة ‪.‬‬
‫_ ووال��دي بعد عدة عمليات أجريت له‬
‫استطاع أن يرتك الكرسي املتحرك‪ ،‬ويسري‬
‫على قدميه بضعة أمتار مبساعدة العكاكيز‪،‬‬
‫بعد أن فكوا له اجلبس‪ ،‬وهو خيضع اآلن‬
‫للمعاجلة الفيزيائية ‪..‬أول عمل قام به هو‬
‫التحامل على نفسه وزي��ارة والدتي وكان‬
‫لقاء عاصفاً‪ ،‬وإنه يتوجه حنو الشفاء‪ .‬أثلج‬
‫اخلرب صدر أمحد وزاده تصميماً على العمل‬
‫واملتابعة‪.‬‬
‫ابتدأت العطلة الصيفية وازداد تواصل‬
‫األص��دق��اء‪ ،‬وك��ان حم��ور حديثهم وشغلهم‬
‫الدائم هو مشروع أمحد وما يطرأ عليه من‬
‫مستجدات وحتسينات‪ ،‬وكانت املخططات‬
‫تدور بينهم‪ ،‬ويبدون اآلراء حوهلا من حمو‬
‫وتثبيت أو إعادة نظر وتصحيح خطأ بتقدير‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫بعض املقاييس واألب��ع��اد‪ ..‬وم��ا أن يتبادل‬
‫اآلراء معهم ينفتح له أفق جديد وتشرق يف‬
‫رأس��ه أفكار جديدة‪ ،‬خيلو بنفسه ليسجل‬
‫املستجدات للعمل اجلاد املضين الذي يقوم‬
‫به‪ ..‬وكثرياً ما تتشابك لديه األمور فيلجأ‬
‫إىل وال��ده املختص بالرياضيات البحتة أو‬
‫جل��ده ليساعداه على إجي��اد احل��ل��ول من‬
‫خالل النظريات والتطبيقات التجريبية‪.‬‬
‫وهو يف زمحة أفكاره وعمله‪ ..‬اتصلت‬
‫به دومونيك لتخربه أهنا ستقوم بزيارة لبلده‬
‫سورية مع أهلها لتطلع على األوابد التارخيية‬
‫واآلثار احلضارية العريقة‪ ،‬اليت تكلم عنها‬
‫وت���زور دمشق القدمية وامل��ت��اح��ف وقصر‬
‫العظم والقلعة وضريح حمرر القدس صالح‬
‫الدين األيوبي‪ ،‬واجلامع األموي والكنائس‬
‫واألحياء القدمية‪ ،‬حيث عبق التاريخ وزخم‬
‫احلضارة العريقة‪ ،‬وتصعد جبل قاسيون‬
‫لرتى دمشق ممتدة فاحتة ذراعيها تعانقه‬
‫بشوق وهلفة‪ ..‬ثم تذهب إىل بصرى وتزور‬
‫قلعتها ومسرحها العريق وآثارها اخلالبة‬
‫من مربك ناقة الرسول الكريم حممد «ص»‪،‬‬
‫وكنيسة الراهب حبرية وسرير بنت امللك يف‬
‫أعلى عمود سامق‪ ..‬وغريه ذلك من اآلثار‪،‬‬
‫ثم تنتقل إىل قلعة احلصن وقلعة صالح‬
‫الدين يف جبال الالذقية‪ ،‬وإىل تدمر والرقة‬
‫وآثار ماري وصيدنايا حيث مرت العذراء‪،‬‬
‫والكثري الكثري من اآلثار واألواب��د الشاخمة‬
‫اليت تعج هبا سورية‪ .‬قال هلا أمحد بفخر‬
‫واعتزاز‪:‬‬
‫_ ما ذكرته‪ ..‬قليل من كثري‪ ،‬نقطة من‬
‫حبر‪.‬‬
‫سرته الفكرة وسأهلا عن موعد وصوهلم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ليكون يف استقباهلم مع أسرته ويستضيفهم‬
‫يف بيته‪ .‬شكرته وأعطته رقم الرحلة وموعد‬
‫الوصول‪ .‬أخرب أمه اليت رحبت بضيوفه ما‬
‫أدخل البهجة إىل نفسه‪ ،‬وقامت أسرته بكل‬
‫التحضريات لتأمني راح��ة أس��رة دومونيك‬
‫الفرنسية‪ ،‬اليت القت منذ وصوهلا الكثري‬
‫من اإلك��رام واحلفاوة واالهتمام من حلظة‬
‫وصوهلا إىل مطار دمشق الدويل‪.‬‬
‫وضع أبو أمحد سيارته حتت تصرفهم‪،‬‬
‫وراف���ق���ه���م إىل أك���ث���ر امل����واق����ع األث���ري���ة‪،‬‬
‫وك��ان��وا مندهشني وم��ذه��ول�ين أم���ام هذه‬
‫احل��ض��ارات ال��ع��ري��ق��ة‪ ..‬أخ���ذوا الكثري من‬
‫الصور والتذكارات‪ ..‬وزاروا ساحة املرجة‬
‫حيث شنق االستعمار اجملاهدين الشرفاء‬
‫األحرار‪ ،‬وقد تأسفوا هلذه اهلمجية اليت ال‬
‫يقوم هبا إال احلاقدون‪ ،‬ورأوا هناك اجلامع‬
‫الرمز املبين فوق عمود واجلامع األموي‪،‬‬
‫حيث رأس احل��س�ين «ر» وض��ري��ح يوحنا‬
‫املعمدان‪ .‬وس��اف��روا إىل بصرى وأكثر ما‬
‫أعجب دومونيك فيها سرير بنت امللك الذي‬
‫رفعه هلا والدها فوق عمود حتى ال يصل‬
‫إليها العقرب ويلدغها حسب ما تنبأ به أحد‬
‫العرافني‪ ،‬وأجلسها هناك يف هذا االرتفاع‬
‫الشاهق العايل‪ ،‬حيث وصل إليها العقرب يف‬
‫سلة داخل عنقود من العنب‪ ،‬فلدغها وهي‬
‫يف األعلى وماتت‪ .‬أعجبوا هبذه القصة كثرياً‬
‫وباإلبداع واخليال العربيني‪ ،‬وتذكروا قصص‬
‫ألف ليلة وليلة‪ ..‬وأيقن والد دومينيك الذي‬
‫أع��ج��ب بالقصة «أن احل���ذر ال مينع من‬
‫القدر»‪.‬‬
‫زاروا ب��ع��د ذل���ك أم��اك��ن االصطياف‬
‫واجلبال والسهول وقاموا بالنزهات‪ ،‬وقبل‬

‫‪75‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫هن��اي��ة اإلج����ازة راف��ق��ه��م إىل القنيطرة‬
‫احمل��ررة وهاهلم ما رأوا من دم��ار متعمد‬
‫وختريب وحشي ومهجية‪ ..‬وتساءلوا كيف‬
‫أنكم مل تستثمروا ه��ذا لصاحل قضيتكم‬
‫وعدالتها والوصول إىل حقكم‪.‬؟‬
‫قال والد أمحد‪:‬‬
‫ً‬
‫_حنن مل نقصر أب��دا‪ ..‬تكلمنا صرخنا‬
‫بأعلى أصواتنا لكن صوتنا كان حماصراً‪،‬‬
‫هناك من يصم أذنيه عن احلقائق‪ ،‬الصوت‬
‫ال يصل مهما عال إىل من يغلق أذنيه وال‬
‫يريد أن يسمع‪ ،‬لكن لنا اآلن أصدقاء أوفياء‬
‫يستطيعون أن يوصلوا صوتنا ح��ول هذه‬
‫املواضيع ويطرحوها بوسائل اإلعالم وعرب‬
‫االنرتنت موثقة بالصور‪.‬‬
‫حتدث أمحد خالل الرحلة مع دومينيك‬
‫ع��ن م��ش��روع��ه‪ ،‬فعمّقا الفكرة معاً وكانا‬
‫يقضيان الساعات بالعمل والتشاور وحماولة‬
‫التطبيق على جمسمات‪ ،‬ووعدته بأن تتابع‬
‫ذل��ك معه وم��ع باقي ال��رف��اق‪ ،‬وأثنت على‬
‫جهوده وما وصل إليه حتى الساعة‪.‬‬
‫_ سنكون مجيعاً ف��خ��وري��ن مبقدرتك‬
‫وإبداعك وستكون سيارة عام ‪ 2020‬جبدارة‬
‫ومبعث اعتزاز وفخر لنا مجيعاً ‪..‬‬
‫كانت دومونيك تتصل برفاقها وختربهم‬
‫عما رأته من روائع ال ميكن وصفها‪ ،‬وتتكلم‬
‫عن مجال سورية وعظمتها وآثارها وأسواقها‬
‫وقصورها‪ ،‬وعن دمشق القدمية ومساجدها‬
‫وكنائسها وأناسها وطعامها اللذيذ وجوها‬
‫املعتدل اجلميل‪ ،‬وعن تنوع جغرافية سورية‬
‫بني جبل وحبر وسهل وشبه صحراء‪ ،‬وعن‬
‫تنوع لباس مناطقها‪ ،‬وعن الوفرة والغنى‬

‫‪76‬‬

‫باملنتجات الصناعية والزراعية من فواكه‬
‫وخضراوات وحبوب‪ ،‬وعن الكرم واحلفاوة‬
‫وال��ق��ه��وة ال��ع��رب��ي��ة‪ .‬وزودهت����م برؤيتها عن‬
‫م��ش��روع أمح��د العبقري‪ ،‬وش��رح��ت بشكل‬
‫مفصل وواسع أفكاره وحتدثت حبماسة عن‬
‫حلمه بتطوير سيارة فريدة‪ ،‬حيث يستطيع‬
‫إن��ق��اذ حياة الكثري م��ن ال��ن��اس واحل��د من‬
‫احلوادث من خالل صنع سيارة املستقبل‪..‬‬
‫وك���ان ط��ون��ي وم��اري��ا وال���دا دومونيك‬
‫يعربان عن امتناهنما بالدرجة األوىل ألمحد‬
‫ودومونيك ألهنما السبب يف هذه الصداقة‬
‫اليت ربطت بني الطرفني‪ ..‬وغادروا حمملني‬
‫باهلدايا التذكارية والصناعات الدمشقية‬
‫والوطنية الفريدة من نوعها من بروكار‬
‫ودامسكو وم��وزاي��ي��ك وأغباني ومطرزات‬
‫وصناعات يدوية وحلويات عربية‪.‬‬
‫خرجت أم سيمون من املشفى وبعدها بأيام‬
‫تبعها والده ولكنه بقي يرتدد على العيادات‬
‫لينهي جلسات املعاجلة الفيزيائية‪ ،‬وعادت‬
‫حياة البيت واألسرة لالستقرار والبهجة‪..‬‬
‫ما جعل سيمون يغري هنج حياته السابق‬
‫على ما فيه من اهتمام وجدية ويفكر بعمله‬
‫ومتابعة اهتماماته بطريقة أعمق وأوضح‬
‫وأكثر تفهماً للحياة وراحة للوالدين‪.‬‬
‫وضع أمحد خمططاً لسيارة املستقبل‬
‫وعرض األفكار املدونة اليت أصبحت شبه‬
‫ناضجة على ج���ده‪ ،‬أذهلته أف��ك��ار أمحد‬
‫وشعر بأنه حقيقة مشروع خم�ترع‪ ،‬األمر‬
‫الذي محل بشائر خري عميم لألسرة‪ .‬قال‬
‫له والده باعتزاز وهو يضمه إىل صدره‪:‬‬
‫_ ثابر على السري يف طريقك يا ولدي‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫اقرتبت من الوصول‪..‬ادرس وتقص واسأل‬
‫وال تستعجل حتى تنضج أف��ك��ارك‪ .‬إهنا‬
‫أفكار خالقة مبتكرة ال تصدر إال عن خمرتع‬
‫واعد‪.‬‬
‫_ ولكن يا أبي ال بد من املساعدة وتوجيه‬
‫اخلطوات ومن ثم التنفيذ من قبل مهتمني‬
‫وخمتصني وممولني‪ .‬فمن يغامر ويتبنى هذا‬
‫املشروع إن كان قابالً للتحقيق‪.‬‬
‫ص��م��ت األب م��ف��ك��راً‪ ،‬م��ن يتبنى هذا‬
‫الشروع حقيقة ‪.‬؟ إن أمحد مصيب فيما‬
‫يقول‪ ،‬هذا املشروع حيتاج إىل دول صناعية‬
‫تتفهم ظ��روف املبدعني وتتابع أفكارهم‪..‬‬
‫وتغامر بتبين مشروع من شاب طموح حتى‬
‫خيرج إىل حيز الوجود‪.‬‬
‫_ ملاذا أنت صامت يا أبي‪ ،‬هل ما أفكر‬
‫فيه صعب التحقيق‪.‬؟‬
‫_ أب�����داً ‪..‬ول���ك���ن حي��ت��اج إىل دراس����ة‪،‬‬
‫وإمكانيات ج��ب��ارة‪ ،‬ومت��وي��ل ضخم ودولة‬
‫صناعية كربى‪ ،‬تتبين مثل هذه التصورات‪،‬‬
‫ولديها قناعة جبدوى هذا املشروع‪ ،‬ومردود‬
‫هذا العمل مادياً ومعنوياً‪.‬‬
‫_ هل تسمي كل هذه اجلهود تصورات؟‬
‫وك��ي��ف ي��ك��ون َّ‬
‫اجل����د‪.‬؟ ح��دث�ني ج���دي عن‬
‫سهولة تبين مشروع تصنيع املذياع والتلفاز‬
‫والقطارات واهلاتف والغسالة و‪ ..‬وقيمتها‬
‫وفائدهتا للبشرية مجعاء من دون احتكار‪.‬‬
‫_ ما قاله ج��دك صحيح متاماً‪ ،‬وحنن‬
‫مجيعاً نلمس هذا ونستفيد منه على مدار‬
‫الساعة‪ ،‬ولكن هذا احتاج إىل وقت وصرب‬
‫وعمل وجتريب وإقناع ودعم ومال‪ ..‬جيب‬
‫أن تكون مقنعاً مبشروعك وأن تتممه على‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫أكمل وجه‪.‬‬
‫_ وكيف أستطيع أن أصل إىل ما أريد ‪.‬؟‬
‫_ عليك أن تعيد النظر وتصحح وتوضح‬
‫وجترب مرات ومرات من دون ملل‪ ،‬بل برغبة‬
‫وعزمية وإميان بالنجاح‪ .‬تابع دراستك اآلن‬
‫وأن��ا سأساعدك على تسجل أف��ك��ارك يف‬
‫وزارة الصناعة‪ ،‬وسنتابع بعدها البحث‬
‫والسؤال واملراسالت‪ ،‬إلجناح هذه األفكار‬
‫وحتقيق هذه التطلعات‪.‬‬
‫ً‬
‫_ وه���ل ه���ذا ي��أخ��ذ وق���ت���ا ط���وي�ل�اً يا‬
‫والدي‪.‬؟‬
‫_ الصرب ‪ ..‬الصرب يا أمح��د ما زل��ت يف‬
‫مقتبل العمر‪ ،‬فالصرب واملتابعة والروية‬
‫وعدم التسرع من شيم العلماء‪ ،‬إن الوصول‬
‫إىل هدف كبري حمفوف بصعوبات مجة‪ ،‬وال‬
‫بد من فتح الطريق وإن��ارت��ه قبل أن نسري‬
‫فيه‪.‬‬
‫_ م���اذا ق��ل��ت ي��ا أب���ي‪ ،‬م���ايل وللعلماء‬
‫والصعوبات؟ اآلن كنت تقول تصورات وأظن‬
‫أنك خجلت أن تقول هتيؤات‪.‬‬
‫_ ال وم��ن دون جماملة أستطيع القول‬
‫إن��ك اآلن من املبدعني الذين يقفون عند‬
‫أب��واب االخ�تراع بقوة‪ ،‬ولكن إي��اك والغرور‬
‫الذي يدمر كل جليل ومجيل ومفيد‪ ،‬عد إىل‬
‫أفكارك أنضجها هبدوء وتأن أكرب‪..‬‬
‫بقي أمح��د م��دة يعمل حسب إرشادات‬
‫والده وجده‪ ،‬يكرب وتكرب معه الفكرة ويزداد‬
‫تعلقاً هبا‪ ،‬ويبحث مع أصدقائه ويعود للكتب‬
‫العلمية والنظريات والتطبيقات ويضع‬
‫االفرتاضات‪ ،‬حتى تصبح لديه نظرة جديدة‬
‫ومعادالت خاصة به قابلة للتطبيق‪ ..‬بعد‬

‫‪77‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫جن��اح��ه يف امتحان السنة الثانية من‬
‫كلية اهلندسة امليكانيكية‪ ،‬فقد تعلق بذلك‬
‫االخ��ت��ص��اص وأح��ب��ه م��ن خ�لال ح��ب جده‬
‫ل��ه‪ ،‬وه��و اآلن يتابع مشروعة على أساس‬
‫متني من العلم والتخصص‪ ،‬وضع إضافات‬
‫جديدة‪ ،‬وعدَّل‪ .‬فرح الوالد بذلك وشجعه‪.‬‬
‫مرت األيام والشهور وأمحد ينمي فكرة‬
‫انغرست يف نفسه منذ أم��د وتعيش معه‪،‬‬
‫مشروع السيارة الفريدة‪ .‬إنه يعمل وجيتهد‪..‬‬
‫وذات ي��وم بينما ك��ان منهمكاً يف ختطيط‬
‫مفصّل ألحد أج��زاء سيارة املستقبل دخل‬
‫عليه والده فرحاً‪..‬‬
‫ـ أمحد‪ ..‬مبارك‪..‬‬
‫_ ما املبارك يا أبي‪.‬؟‬
‫ـ أنا عائد من وزارة الصناعة‪ ،‬راجعتهم‬
‫لتسجيل ف��ك��رة م��ش��روع��ك وواف��ق��وا على‬
‫ذلك‪ ..‬وأثنوا على أفكارك‪ ..‬مباركة جهودك‬
‫يا ولدي‪.‬‬
‫رق��ص الفرح بعيين أمح��د‪ ..‬فقد بدأت‬
‫جهوده تزهر‪ ،‬لتعطي وتطرح مثارها‬
‫_ الفضل لك وجلدي ووالدتي أنتم من‬
‫دعمين وشجعين وساعدني‪.‬‬
‫ربت الوالد على كتفه وضمه إليه باعتزاز‬
‫وحمبة‪.‬‬
‫ـ كل الفضل لك وألفكارك وتطلعاتك‪،‬‬
‫هذا جناح لألسرة كلها‪ ..‬سوف أخرب جدك‬
‫ليفرح بك‪.‬‬
‫بعد تسجيل الفكرة يف وزارة الصناعة‬
‫وأخذ الوثائق‪ ..‬أخرب دومينيك‪ ،‬اليت مل تنقطع‬
‫صلته هبا‪ ،‬وال انقطع اهتمامها مبشروعه‬
‫ومتابعته خطوة خبطوة مع إضافة ما تراه‬

‫‪78‬‬

‫مناسباً أو قد يساعده‪ ،‬واتصل بصديقه‬
‫الياباني إيزومي وطرح عليه فكرة مشروعه‬
‫بشكله النهائي‪ .‬شجعه إيزومي كثرياً وطلب‬
‫موافقته‪ ،‬على أن يطرح املوضوع على والده‪،‬‬
‫ال��ذي يعمل مهندساً ل��دى شركة «تويوتا»‬
‫لصنع ال��س��ي��ارات‪ ،‬شكره أمح��د حبماسة‪،‬‬
‫ومتنى عليه أن يفعل ذلك وبسرعة‪ ،‬فهذا‬
‫غاية ما يتمناه ويطمح إليه‪ ،‬ويف حال اهتمام‬
‫والده باملوضوع وقبوله بالفكرة سريسل إليه‬
‫تفاصيل أكثر‪ .‬وطلب منه أن خيربه بأن فكرة‬
‫املشروع سُجلت بامسه يف وزارة الصناعة‬
‫وأخذ براءة اخرتاع‪.‬‬
‫ويوماً أخربه صديقه شريكوه‪..‬‬
‫ـ إن جاك قدم مشروع سيارة آمنة بنظرة‬
‫متطورة إىل شركة مرسيدس لدراستها ويف‬
‫حال اقتناعها باملخططات سوف تتبناها‪،‬‬
‫وإن مشروعه له الكثري من مالمح مشروعك‬
‫ونفس اخلطة والتوجه‪ ،‬وإذا كنت ترغب‬
‫أستطيع أن أطلعك عليه‪ ،‬فقد عرضه علي‬
‫وناقشين به مع ايزابيال‪.‬‬
‫ً‬
‫أحس أمحد بان هناك شيئا غري طبيعي‬
‫يف كالم شريكو وهلجته‪ ،‬كأنه يلفت نظره ألمر‬
‫مهم‪ ..‬خاصة عندما قال له «إن مشروعه له‬
‫مالمح مشروعك»‪ .‬عرض األمر على جده‬
‫ووالده ومها على مائدة العشاء‪ ،‬ثم انضمت‬
‫وال��دت��ه ال�ت�ي ومج���ت وب���ان عليها التأثر‬
‫واإلحباط‪ ،‬وبدأت ختمن وتستنتج وتظن‪..‬‬
‫لكن اجلد قطع شكها وقال‬
‫_ قد يكون له اجتهاده وجهده‪ ،‬وبدل‬
‫أن يكون هناك س��ي��ارة آمنة تكون هناك‬
‫اث��ن��ت��ان ف��ه��ذا عمل رائ���ع وم��ب��ش��ر‪ .‬وأمحد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫سيتابع مشروع جاك ويباركه‪ ،‬ولكل جهده‬
‫واجتهاده‪ .‬عمل أمحد مسجل وقد أجرى‬
‫عليه تعديالت مل يطلع عليها جاك وإمنا‬
‫دومنيك وإيزومي وسنرى ذلك ال حقاً‪ .‬ال‬
‫تتسرع يا بين وال تقلق‪.‬‬
‫أم����ا وال�����ده ف��ق��د دع�����اه إىل التفاؤل‬
‫واملوضوعية وقال له‪:‬‬
‫_ اتصل جباك وبارك له واعرف ما هو‬
‫عمله ‪..‬‬
‫ً‬
‫ت��رك أمح��د م��ائ��دة العشاء قلقا زائغ‬
‫األف��ك��ار والنظرات مهموماً‪ ،‬وبقي أفراد‬
‫األس��رة حبالة ليست بأحسن من حالته‪،‬‬
‫ودخل الشك إىل النفوس‪.‬‬
‫مل ينطفئ ضوء غرفة امحد طيلة الليلة‪،‬‬
‫كان ساهراً‪ ..‬اتصل جبميع األصدقاء بعد‬
‫أن أرس��ل له شريكوه الالفت كامالً‪ ،‬وكان‬
‫ص��ورة طبق األص��ل عن مشروعه‪ ،‬إال من‬
‫بعض التعديالت والتصويبات اليت مل يطلع‬
‫عليها ج��اك‪ .‬كان مجيع رف��اق أمحد معه‪،‬‬
‫وه��م متابعون كل ما ق��ام به من البداية‪،‬‬
‫وأن جاك قد سطا على مشروعه ونسبه‬
‫إىل نفسه عندما ن��ض��ج‪ ..‬إهن��م ل��ن يرتكوا‬
‫تعبه يضيع‪ ،‬هناك قوانني دولية معمول هبا‬
‫بني الدول حلماية اإلبداع واالخرتاعات من‬
‫السرقة وادعاء ملكيتها من دون حق‪ ،‬وال بد‬
‫من أن يعملوا جمتمعني‪.‬‬
‫ويف الصباح وض��ع ما ق��ام به يف الليل‬
‫بني يدي أفراد األسرة‪ ،‬فأكدوا له أن احلق‬
‫واض��ح وأن موقفه ق��وي وس�يرب��ح قضيته‬
‫بالطرق القانونية السليمة‪ .‬بدا عليه القلق‬
‫وكان حيس باملرارة‪ ..‬و يلوح له من خالل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫كالمهم بعض األمل‪ .‬كم مرة حلم بسيارته‬
‫حتلق بلني جبسمها املغزيل اللدن‪ ،‬تنساب‬
‫بسهولة ونعومة حاملة احلب الذي يتوهج‬
‫م��ن أع��ط��اف��ه��ا‪ ،‬وجيعلها ترتفع بسالسة‬
‫وسالمة‪ ،‬من دون ضجيج أو تلوث‪ ،‬وهتبط‬
‫براحة كهبوط قطع الثلج وتنضم للسيارات‬
‫األخرى‪.‬‬
‫اس���ت���م���رت امل����ك����امل����ات وامل�����راس��ل��ات‬
‫والتحديات‪ ،‬ال�تي تصل أحياناً إىل حافة‬
‫املهاترات واالنقسامات واالحنيازات‪ ،‬عدة‬
‫شهور‪ ..‬وه��دد أمح��د برفع ال��دع��اوى أمام‬
‫اجلهات الدولية املختصة‪ ،‬وسيكون جاك‬
‫هو اخلاسر‪.‬‬
‫اتصل به ايزومي وزف له بشرى موافقة‬
‫والده املهندس على تبين املشروع‪ ،‬مع علمه‬
‫حب��ادث��ة السطو ال�تي وق��ع��ت‪ ،‬و طلب أن‬
‫يرسل إليه أمحد امللف ال��ذي حيتوي على‬
‫مجيع التصورات واملخططات والتفصيالت‬
‫وشهادة التسجيل يف وزارة الصناعة مصدقة‪،‬‬
‫ليقدمه إىل الشركة‪ ،‬ويدعمه ويدافع عنه إذا‬
‫اقتضت الضرورة‪.‬‬
‫هيأ أمحد امللف كامالً وأرسله‪ .‬خرب أثلج‬
‫صدره‪ ،‬كان سعيداً مبا وصل إليه‪ ،‬وينتظر‬
‫ما ستسفر عنه التحركات واالتصاالت‪،‬‬
‫وبقي يعمل على النسخة امل��وج��ودة لديه‬
‫واحمل��ف��وظ��ة على ج��ه��ازه وي��ط��وره��ا‪ .‬مرت‬
‫األيام وكاد أن ييأس لوال تذكره كالم والده‬
‫وجده بأن هذه األعمال حتتاج إىل الصرب‬
‫وال�تروي واملتابعة اجل��ادة‪ .‬تناسى املوضوع‬
‫وانشغل بالتحضري المتحان التخرج من‬
‫اجلامعة‪ ،‬وقبل هناية االمتحان بأيام جاءته‬

‫‪79‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫رسالة عرب الربيد اإللكرتوني «اإلميل»‬
‫تطلب منه أن حيضر نفسه للسفر إىل اليابان‪،‬‬
‫ليقابل هناك بعض املسؤولني واملهندسني‬
‫يف شركة تويوتا ‪ ..‬وحني تصلهم موافقته‬
‫على السفر‪ ،‬سيقومون بكل اإلج���راءات‬
‫الالزمة ووضع برنامج الزيارة‪ .‬ابتهج أمحد‪،‬‬
‫وزف اخلرب جلده ووال��ده ووال��دت��ه‪ ،‬فكانوا‬
‫أكثر س��روراً منه‪ ،‬واتسعت مساحة األمل‪،‬‬
‫فقد وضع رجله يف أول خطوة على طريق‬
‫التنفيذ اجل��اد‪ ..‬وهذا شيء عظيم وإجناز‬
‫رائع وحلم سيصبح واقعاً‪.‬‬
‫بعد موافقته على السفر‪ ،‬أخذ حيضر‬
‫نفسه‪ ،‬ويراجع تفاصيل مشروعه استعداداً‬
‫ملقابلة املهندسني واملسؤولني يف الشركة‬
‫العمالقة‪ ،‬أخذ يعمل ليل هنار‪ ،‬يدقق ويركز‬
‫وي��ع��ود إىل م��وس��وع��ات ال��ع��ل��وم والفيزياء‬
‫وال��ري��اض��ي��ات وامل��ي��ك��ان��ي��ك‪ .‬ك��ان��ت والدته‬
‫تشفق عليه من التعب وطول السهر وتسهر‬
‫إىل جانبه‪ ،‬ووالده وجدّه مل يبخال عليه بكل‬
‫ما يطلب ويشجعونه ليكون واثقاً من كل‬
‫ما يطرح من أفكار على مستوى الطموح‬
‫واالهتمام ال��ذي يلقاه‪ ،‬وحت��ول البيت إىل‬
‫خلية عمل دؤوب حتى ح��ان وق��ت السفر‬
‫والوداع‪.‬‬
‫كانت رحلة طويلة قطعها وه��و حيلم‬
‫بفرح طفويل ت��ارة‪ ،‬ويتخوف من إجهاض‬
‫أفكاره‪ ،‬إذا حالت عقبة دون تنفيذ الشركة‬
‫هلذا احللم املمتع تارة أخرى‪ ،‬ويغالب أفكاره‬
‫السوداء ويصر على املتابعة وتنفيذ كل ما‬
‫يطلب منه إلجناح هذا املشروع اهلائل ذي‬
‫املنفعة الكبرية للبشرية مجعاء‪ ،‬وستستفيد‬

‫‪80‬‬

‫منه الشركة كثرياً وحتصل على األرباح املادية‬
‫الضخمة‪ ..‬لن يطلب لنفسه أي شيء‪ ،‬املهم‬
‫عنده النجاح والتخفيف من معاناة الناس‪،‬‬
‫بسبب احلوادث وما تسببه من موت وتشويه‬
‫وإعاقات دائمة أو مؤقتة‪.‬‬
‫كان يسبح يف اخليال‪ ،‬يرتفع ويهبط ويركب‬
‫أعتى األمواج ثم يعود إىل الشواطئ الوادعة‬
‫الدافئة‪ ،‬يستمتع بنور الشمس وحرارهتا‪،‬‬
‫يعيش بني مد وجزر‪ .‬ارختى قليالً يف مقعده‬
‫بعد طول عناء‪ ،‬واستعاد حيويته‪ ،‬عندما‬
‫أعلنت املضيفة بصوهتا الرقيق الساحر‪ ،‬عن‬
‫قرب اهلبوط يف مطار طوكيو الدويل‪ ،‬أخذ‬
‫قلبه يطرق أبواب صدره بعنف حتى مسع‬
‫وجيبه بأذنيه‪ ،‬ربط حزامه واسند رأسه إىل‬
‫املقعد املريح‪ ،‬وأخذ يفكر بصديقه ايزومي‬
‫ال��ذي سيكون باستقباله‪ .‬أخ��ذت الطائرة‬
‫باهلبوط التدرجيي‪ ..‬فكر لو كانت الطائرات‬
‫أسرع الختصرت الوقت وقل التعب‪ ،‬ضحك‬
‫وهو يتذكر ما كان يسمعه عن األيام الغابرة‬
‫و الرحالة العرب‪ ،‬وم��ا كانوا يالقونه من‬
‫أهوال‪ ،‬وهم يقطعون املسافات‪ ،‬على الدواب‬
‫واجلمال وعلى منت السفن الشراعية حيث‬
‫ينتظرون الرياح واألوقات املواتية لإلحبار‪،‬‬
‫وما يالقونه من أخطار وأهوال وخوف من‬
‫قطاع الطرق واألمراض ونقص يف األموال‬
‫والطعام ومشقة مجع املعلومات‪ ،‬وأحياناً‬
‫ض��ي��اع م��ا مج��ع��وا ودون����وا وت��ل��ف األوراق‬
‫باألمطار والبلل‪ ..‬يا اهلل كم كانوا شجعاناً‬
‫صابرين‪ ،‬يتحدون األه��وال واملشقات من‬
‫أجل االكتشاف والوصول إىل ما حيلمون به‪،‬‬
‫إلثراء املعرفة البشرية أو إلثبات نظرياهتم‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫أو تغيري ما هو خاطئ ومتعارف على صحته‪.‬‬
‫قال يف نفسه‪« :‬كم كانا حمقني أبي وجدي»‪،‬‬
‫وتذكر أنه قرأ أنه يف املستقبل بفضل العلم‬
‫ميكن أن ينتقل اإلنسان من مكان إىل آخر‬
‫بسرعة الضوء أي بسرعة ‪ 186‬ألف ميل‬
‫يف الثانية‪ ،‬ه��ذا حلم غ�ير قابل للتحقيق‬
‫وما هي الواسطة املستقبلية لتنفيذ هذا‬
‫احللم؟ وتذكر حكايات جدته عن طاقية‬
‫اإلخفاء اليت كانوا يستعملوهنا يف األساطري‬
‫واخلوارق لينتقلوا من مكان إىل آخر بسرعة‬
‫الكلمة‪ ،‬ويتغري املكان واملعطيات واألشخاص‬
‫واملناظر والبحار واجلبال والناس بسرعة‬
‫خاطفة‪ ،‬يسافر ويعود بنفس السرعة اليت‬
‫ذه��ب هب��ا‪ .‬يا له من خيال ساحر‪ ،‬حيقق‬
‫م��ا ي��ري��ده م��ب��دع��وه م��ن دون ه��در للوقت‬
‫واملال والطاقة‪ ،‬ومن دون تلوث من عوادم‬
‫السيارات والطائرات واحرتاق الوقود‪ ،‬وعدم‬
‫هدر ساعات العمر القصري‪ .‬وهنا يستطيع‬
‫اإلنسان أن يكسب كل وقته ويصل إىل ما‬
‫يريد بأقصر وقت‪.‬‬
‫أدرج���ت ال��ش��اش��ات االلكرتونية توقيت‬
‫ال��وص��ول ودرج��ة احل���رارة يف طوكيو‪ ،‬فك‬
‫أمح��د احل���زام والزم مقعده حتى فتحت‬
‫أب��واب الطائرة العديدة‪ ،‬مشى مع الركاب‬
‫ع�بر األروق�����ة إىل ق��اع��ة فسيحة جمهزة‬
‫بأحدث التقنيات‪ ،‬وكلما عرب شخص كانت‬
‫تظهر صورته مع صورة جوازه االلكرتوني‪،‬‬
‫وسرعان ما ختتفي عندما خيرج الراكب‬
‫من املطار ليجد حقائبه على رصيف مائل‬
‫يف عربة رائعة رشيقة‪ .‬دخل مبهوراً هبذا‬
‫التقدم احلضاري املريح‪ ،‬رأى ايزومي على‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫شاشة تلفاز ضخمة مع املستقبلني حيمل‬
‫وردة بيضاء‪ ،‬ابتسامته عريضة وفرحته‬
‫كبرية‪ ،‬وجبانبه شخص يشبهه كثرياً‪ ..‬ال بد‬
‫أنه وال��ده املهندس املشهور‪ ،‬وهو ي��راه بني‬
‫القادمني‪ .‬حث اخلطى باجتاههما وعانق‬
‫إيزومي الذي قدمه لوالده فصافحه حبرارة‬
‫وترحاب كبريين‪ ،‬ثم انطلقوا حنو السيارة‬
‫الصغرية األنيقة اليت كانت تنتظرهم‪ ،‬وال‬
‫يدري كيف اتسعت هلما براحة على الرغم‬
‫من صغرها وقلة ارتفاعها‪ ،‬وس��ارت على‬
‫طريق ناعم كأهنا تسري على وسادة هوائية‪.‬‬
‫ك��ان يتطلع إىل اللوحة املضاءة ال�تي تتغري‬
‫بسرعة مشرية إىل خط السري‪ ،‬واملنعطفات‪،‬‬
‫وك��ث��اف��ة ال��س��ي��ارات ع��ل��ى ال��ط��ري��ق ووقت‬
‫الوصول وتغيري االجت��اه بتمعن وإعجاب‪.‬‬
‫قال أبو ايزومي بصوت قوي‪:‬‬
‫_هذه من آخر جيل من سيارات تويوتا‪،‬‬
‫إهنا اقتصادية يف كل شيء ومرحية‪ ،‬ولكن‬
‫أين هي من السيارة املتطورة اليت فكرت‬
‫هبا‪.‬‬
‫قال أمحد خبجل‪.‬‬
‫_ أمتنى أن تكون الفكرة قد القت قبوالً‬
‫لديكم‪ ،‬وبعدها سنصل إىل ما نطمح إليه‬
‫بفضل التعاون‪ ،‬وإذا وصلنا إىل نتيجة جيدة‬
‫فسيكون ذلك بفضل جهودكم‪.‬‬
‫قال املهندس أو كي بان والد ايزومي جبد‬
‫ودون مقدمات‪:‬‬
‫_ غ��داً بعد اإلف��ط��ار سأصطحبك إىل‬
‫الشركة‪ ،‬ونكون هناك يف متام الساعة الثامنة‪،‬‬
‫وندخل إىل االجتماع مباشرة‪ ،‬وسيمنحك‬
‫املدير مخساً وثالثني دقيقة للحديث حول‬

‫‪81‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫مناقشة مشروعك‪ ،‬ويف الساعة الثامنة‬
‫وأربعني دقيقة سنكون عند املصمم لتشرح‬
‫له بعض تصوراتك وجتيب على أسئلته‪ ،‬ألنه‬
‫سيقوم بوضع التصاميم الالزمة وطرحها‬
‫يف االجتماع القادم‪ ..‬ثم يف الساعة التاسعة‬
‫وال��رب��ع سنذهب إىل معمل صنع اللدائن‬
‫اللينة املقاومة للكسر والصدمات وتركيبها‪،‬‬
‫ونتفق على أن يصنعوا عدة مناذج إلجراء‬
‫التجارب عليها‪ ،‬م��ن أج��ل االخ��ت��ب��ار‪ ،‬ويف‬
‫العاشرة إال ربعاً سنذهب إىل مفاعل الطاقة‬
‫النووية لدراسة نوع الوقود املقرتح‪ ،‬األعلى‬
‫طاقة واألرخص كلفة واألنظف للبيئة‪ ،‬هذا‬
‫نقوم به من أجل التجربة األولية بعد جتميع‬
‫النماذج املفرتضة‪ ،‬ويف العاشرة والنصف‬
‫نرى املهندس املسؤول عن الرقائق العالية‬
‫اجلودة والشفافية اليت سرتكب يف مقدمة‬
‫ال��س��ي��ارة‪ ،‬الخ��ت��ي��ار األن����واع املناسبة اليت‬
‫ال تتأثر بالربد واحل��ر والصقيع والرمال‬
‫وتقاوم العوامل اجلوية املختلفة و ال تنكسر‪،‬‬
‫وسوف يستمعون هناك إىل تصوراتك عنها‬
‫وما قد تضيفه من أفكار وآراء جديدة‪ ،‬ويف‬
‫احلادية عشرة متاماً سنقلع بطائرة املصنع‬
‫إىل معمل لصنع املرتكزات اليت جتثم عليها‬
‫السيارة الطائرة يف املهبط املعد هلا‪ ،‬ويف‬
‫الثانية عشرة‪ ،‬سنكون عند رئيس الشركة‬
‫وصاحبها ل��دراس��ة تصوراتك ع��ن أمكنة‬
‫اهلبوط واإلقالع‪ ،‬واملسارات وعدد اخلطوط‪،‬‬
‫لكل بناء ولكل حي وجتمع ولكل مدينة‪،‬‬
‫وساعات الوصول واملغادرة لتهيئة املسالك‬
‫واحملطات الليزرية وجداول الزمن الدقيقة‪،‬‬
‫وحجم السيارة ومحولتها وعدد األفراد‪ ،‬ثم‬
‫لوحة السائق ودليل الطريق وزمن السفر وما‬

‫‪82‬‬

‫إىل ذلك من جتهيزات‪ ..‬واألل��وان املقرتحة‬
‫املناسبة لكل مسار م��ن م��س��ارات هبوط‬
‫السيارة‪ ،‬ودراسة قوة احملرك ووزن السيارة‬
‫وغري ذلك من أمور الزمة إلكمال الدراسات‬
‫النهائية للمشروع من كل اجلوانب التقنية‬
‫واخلدمية واملادية‪ ،‬وتقدير التكلفة وما يعود‬
‫على الشركة من مردود مادي ومعنوي بني‬
‫الشركات املنتجة للسيارات‪ .‬بعد العمل ويف‬
‫الساعة الواحدة لك لقاء استقبال وتعارف‬
‫مع أصدقاء ايزومي‪ ،‬وستتناولون سوية طعام‬
‫الغداء وتذوق األطعمة البحرية اليابانية‪.‬‬
‫عندما انتهى من آخر كلمة يف الربنامج‬
‫أوق��ف السيارة وق��ال ليلة مرحية‪ ،‬ستجد‬
‫أمتعتك أمامك يف الغرفة املخصصة لك‪،‬‬
‫وهناك من ينتظرك ويرافقك لتناول طعام‬
‫العشاء يف املطعم السداسي‪.‬‬
‫نزل أمحد وانطلقت سيارهتما بسرعة‬
‫واختلطت بالسيارات اليت تنساب كالنهر‬
‫ال��ص��اخ��ب ع��ل��ى ع���رض ال��ش��ارع الفسيح‬
‫وتتشابك فوقه سلسلة من الطرق املنارة‬
‫بأضواء خمتلفة‪ ،‬لكل مسار لونه اخلاص‬
‫وإىل أين يقود ويصل بكتابة ضوئية واضحة‬
‫وجسور مرنة مهتزة‪..‬‬
‫استدار ليدخل الفندق ولكن الفندق فتح‬
‫فمه الواسع العطر فعربه مسرعاً قبل أن‬
‫يُغلق‪ ،‬فهو يفتح لثوان‪ .‬هنا ال تضيع ثانية‬
‫من الوقت هدراً‪ ،‬العمل صعب وشاق ومثمر‪،‬‬
‫لقد ابتدأ العمل اجلاد الذي ال يهادن‪ ..‬كل‬
‫دقيقة هلا قيمة عالية‪ .‬شعر بالنظام والدقة‬
‫ابتداء من املطار‪ ،‬وما مسع ورأى يف الطريق‬
‫ويف الفندق‪ ،‬ومن النظام يف الشوارع‪ ،‬وما‬
‫ملسه من دقة واستعمال اآللة واحلفاظ على‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫الراحة واحلذر وتوخي السالمة واالقتصاد‬
‫يف كل شيء حتى يف الكالم‪ ،‬واالحرتام العايل‬
‫للجميع‪.‬‬
‫قضى ليلة مرحية هادئة بعد تعب وسهر‪،‬‬
‫ونام كأنه يف مكان ليس فيه أحد غريه‪ .‬يف‬
‫الصباح الباكر كان اجلو غائماً‪ ،‬استحم على‬
‫عجل وارت��دى مالبسه‪ ،‬ونزل لتناول طعام‬
‫اإلفطار‪ ،‬وتنفيذ الربنامج كما هو مرسوم‬
‫له‪ .‬أول عمل قام به وهو يرتشف الشاي‬
‫االتصال جبده ووالده وطمأهنما على وضعه‬
‫وس�ير األم���ور معه‪ ،‬ث��م خ��رج إىل البهو يف‬
‫اللحظة اليت دخل فيها املهندس أو كي بان‪،‬‬
‫تبادال االبتسام وحتية الصباح وانطلقا‪ .‬يف‬
‫الطريق أبلغ أمحد برنامج املساء الذي كان‬
‫حافالً‪.‬‬
‫لقد مت تنفيذ الربنامج امل��رس��وم بدقة‬
‫متناهية‪ ،‬ك��ان ي��وم عمل مل مير عليه يوم‬
‫مثله ط��ول أي���ام حياته امل��اض��ي��ة‪ ،‬م��ع كل‬
‫جديته املشهود له هبا وحرصه على استثمار‬
‫الوقت‪ ..‬يا للزمن إهنم يستفيدون من كل‬
‫حلظة بعمل جاد مكثف‪ .‬ذهل أمحد وتساءل‬
‫لو أن الشباب يف بلده يستفيدون من وقتهم‬
‫على هذا النحو‪ ،‬لكانت بلده من أكثر الدول‬
‫تطوراً وغنى‪ ،‬وفكر بأن يقوم بدراسة حول‬
‫االستفادة من الوقت عند الشباب‪ ،‬كم من‬
‫الطاقات والزمن يهدر على أرصفة احلياة‬
‫عندنا‪ ..‬ركب مصاعد ونزل بأدراج تتحرك‬
‫بسرعة ال�برق واجتاز مسافات عرب أنفاق‬
‫خمتصرة وطرق منزلقة أو عميقة كاآلبار‪،‬‬
‫لينفذ إىل مساحات م��ن ال��ض��وء والعمل‪،‬‬
‫بواسطة اآلالت املنفذة والرافعات الضخمة‬
‫والعجالت الدائرة والقاذفة‪ ،‬والطرق اليت‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫تسري على سكك بدواليب صقيلة‪ ،‬ال يسري‬
‫ه��و على الطريق وإمن��ا تسري الطريق به‬
‫وحتمل معه اآلالف من العمال واملهندسني‬
‫يصلون يف وق��ت كالومض‪ ،‬يفرغ الطريق‬
‫محولته ويستعيد محولة أخ��رى باستمرار‬
‫وتدفق على مدار الساعة ويف زمن قياسي‪.‬‬
‫نفذ الربنامج بالدقيقة والثانية كما هو‬
‫مرسوم‪.‬‬
‫عاد إىل الفندق وهو أحوج ما يكون إىل‬
‫الراحة‪ ،‬النوم مقنن وال بد أن ينام يف وقته‪.‬‬
‫تتالت األيام والعمل يزداد كثافة ويطغى على‬
‫كل األوق��ات‪ ،‬حتى أوقات الطعام تقلصت‪،‬‬
‫الطعام يف أغلب األوقات كان يقتصر على‬
‫احل��س��اء والعصري‪ ،‬العمل املتواصل يسري‬
‫حثيثاً إىل األمام دائماُ ومل يتعثر أبداً ألن‬
‫الربامج مدروسة ومرسومة وواضحة‪ .‬وإذا‬
‫واجه بعض الصعوبات‪ ،‬كانت تذلل جبهود‬
‫اجلميع ن وتعاوهنم وحبهم الصادق للعمل‬
‫يداً بيد‪ ،‬من أجل إجناح مشروعهم والوصول‬
‫إىل النتائج املثالية‪.‬‬
‫تبنت الشركة الدعوى املقامة ضد جاك‬
‫وح��دد موعد اجللسة‪ ،‬واش�ترك فيها عدد‬
‫من القضاة‪ ،‬عرب أجهزة اإلنرتنت العمالقة‪،‬‬
‫وج���رى ال��ت��واص��ل وإج����راء س�بر املعلومات‬
‫واخلربة من أجهزة حساسة لدراسة األفكار‬
‫والنظريات‪ ،‬وبعد وقت مل يطل من األسئلة‬
‫ال��دق��ي��ق��ة ال��ب��ارع��ة‪ ،‬ارت��ب��ك ج���اك واهن���ار‪،‬‬
‫واع�ترف باحلقيقة وق��دم ألمح��د اعتذاراً‬
‫رمسياً مسجالً‪ .‬وسجلت األحب��اث باسم‬
‫أمحد واسرتدت الشركة امللفات من الشركة‬
‫املدعى عليها‪.‬‬
‫ً‬
‫عاد أمحد إىل الفندق متأخرا بعد يوم‬

‫‪83‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫ح��اف��ل‪ ،‬ووج���د رس��ال��ة مسجلة على‬
‫هاتفه من وال��ده ي��زف له بشرى جناحه‬
‫بتفوق‪ ،‬ويطلب منه أن يعود إليهم بسرعة‬
‫فقد اشتاقوا إليه‪ ،‬خاصة والدته‪ ،‬ويبلغه‬
‫هتاني أم��ه وج���ده‪ ،‬إهن��م مجيعاً فخورون‬
‫ب��ه‪ .‬مل يصدق كيف مضى ال��وق��ت هبذه‬
‫السرعة‪ ..‬مل ينم بسهولة ككل ليلة‪ ،‬كان‬
‫يتقلب يف سريره الدافئ الطري ويفكر‬
‫بأهله ومستقبله ومب��ا ي��راه هنا‪ ..‬كيف‬
‫يستفيد منه وينقله ويطبقه هناك؟ قبل‬
‫م��دة ك��ان ال يعرف ما يريده مت��ام�اً‪ ،‬أما‬
‫اآلن‪ ،‬فقد اختلفت معايريه ونظرته لألمور‬
‫ومفهومه العلمي واملعريف والتطبيقي‪..‬‬
‫ق��رر أن يطبق على نفسه حكمة العمل‬
‫بدقة واالستفادة من الوقت‪ ،‬استغل وقت‬
‫الغداء وهتف لوالده يشكره ويسأل عن‬
‫صحتهم مجيعاً‪ ،‬ويستشريهم يف موضوع‬
‫أن يبقى يف اليابان‪ ،‬ويتابع دراس��ت��ه يف‬
‫جمال العلوم التطبيقية احلديثة‪ ،‬إنه جيد‬
‫نفسه يف هذه الدراسة‪ ،‬ويشعر بأنه ميكن‬
‫أن يقدم لوطنه الكثري ويساهم يف تطوره‪،‬‬
‫ويتابع مشروعه ويساهم يف احلضارة‬
‫اإلنسانية ورفاه اإلنسان على قدم املساواة‬
‫مع كل األجناس واألع��راق والشعوب‪ .‬إن‬
‫البعد عنهم يرهقه‪ ،‬وهو يشتاق لوجوده‬
‫بينهم‪ ..‬ولكن هذه فرصة ساحنة ومتوفرة‬
‫له ومتنى أن ال يضيعها‪ ،‬وأنه يطلب رأيهم‬
‫وتوجيهاهتم‪.‬‬
‫صدم أهله بقراره واختياره الدراسة‬
‫واملتابعة يف اليابان‪ ،‬سيكون بعيداً عنهم‪،‬‬
‫ولكنهم بعد تفكري بعيداً عن العواطف آثروا‬
‫مستقبله‪ ،‬على كل ما حيبون ويتمنون‪،‬‬

‫‪84‬‬

‫وأبلغوه موافقتهم‪ ،‬إذا ك��ان ه��ذا يرضيه‬
‫وحيقق طموحه وشغفه بالعلم واملعرفة‪.‬‬
‫بدأ وال��ده حيضر له الوثائق املطلوبة‪،‬‬
‫ولكن أمحد أخرب وال��ده بأال يتعب نفسه‬
‫ألن اجلامعة هي اليت تقوم بذلك بطريقتها‬
‫وتأخذ كل ما حتتاج من معلومات وأدلة عن‬
‫طريق اإلنرتنت وعرب مسارات الوميض‪.‬‬
‫أمح���د ي��ت��اب��ع جب��د واه��ت��م��ام وتقص‬
‫ل��ل��ح��ق��ائ��ق‪ ،‬وم��ت��اب��ع��ة ال��ت��ط��ور السريع‪،‬‬
‫واملعلومات املتسارعة اليت تسابق الزمن‬
‫وم��ن ال جي��اري الركب يدوسه‪ ،‬أو يلقيه‬
‫على قارعة الطريق ويستمر يف تقدمه‪.‬‬
‫بعد سنوات من اجلهد املضين‪ ،‬والعمل‬
‫اجل���اد‪ ،‬ظ��ه��رت إىل ال��وج��ود أول سيارة‬
‫جتريبية‪ ..‬كان يوماً رائعاً‪ ،‬يوم اإلعالن عن‬
‫مولد حلم حتقق‪ ،‬فيه إنقاذ ألرواح ماليني‬
‫البشر من احل��وادث والتلوث‪ ،‬ورفعت يف‬
‫املصنع الفتات ضوئية أن « ال حوادث وال‬
‫تلوث بعد اليوم «‪ « ،‬الشوارع للتنزه والراحة‬
‫«‪ « ،‬ش��وارع اجلو أكثر رحابة ومتعة «‪« ،‬‬
‫متع نفسك بالنظر من األعلى « أنظر أين‬
‫أنت «‪.‬وسرتفع من الشوارع ال فتات «ال‬
‫تسرع يا بابا حنن بانتظارك « و « ال تسرع‬
‫فاملوت أسرع «‬
‫أجريت التجربة األوىل بوجود حشد‬
‫هائل من البشر من كل األج��ن��اس‪ ،‬ومن‬
‫كل أحناء العامل‪ ،‬بينهم ممثلون لشركات‬
‫ومؤسسات عاملية‪ ..‬كانت العيون والعقول‬
‫ت�ترك��ز وتنتظر ال��وع��د امل��ؤم��ل‪ ،‬وحضر‬
‫رؤساء دول ومسؤولون من أحناء املعمورة‪،‬‬
‫وحمطات التلفاز وآالف آالت التصوير‬
‫ال��دق��ي��ق��ة وال��ص��غ�يرة ت��وم��ض م���ن قبل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عندما يتوهج احلب‬
‫اجلميع‪ ،‬وهي يف األيدي خامتاً‪ ،‬أو مُعَلقة‬
‫على السرتات‪ ،‬أو مثبتة على الشعر أو حبة‬
‫يف عقد‪..‬‬
‫ابتدأ احلفل بالنشيد الوطين الياباني‬
‫والنشيد العربي ال��س��وري‪ ،‬كانا حيومان‬
‫وحيلقان يف جو القاعة مع رفيف العلمني يف‬
‫األعلى‪ ،‬من أجهزة ضوئية غري مرئية بألوان‬
‫زاهية‪ ،‬ومع انتهاء آخر خفقة علم‪ ،‬انزلقت‬
‫سيارة صغرية مجيلة براقة بلون السماء‬
‫ترفع العلمني السوري والياباني‪ ،‬ومرت بلني‬
‫من دون ضجيج‪ ،‬وقد شد إىل املقعد األمامي‬
‫رجل آيل يشبه اإلنسان يف بنيته وتركيبه‬
‫كأنه من حلم ودم وعظام‪ ،‬وسريت عن بعد‬
‫« بالرميوت كنرتول» وارتفعت بسرعة تتلوى‬
‫كجسم مسكة ل��دن ل�ين ينساب كالنسيم‬
‫برقة وع��ذوب��ة‪ ،‬لتتلقى ضربة عنيفة من‬
‫جسم يزن عشرات األطنان‪ ،‬بسرعة تفوق‬
‫سرعة الطائرة هبط عليها فجأة من سقف‬
‫القاعة‪ ..‬ارتفعت القلوب إىل احللوق خوفاً‬
‫وحتسباً وترقباً للنتائج وهلعاً من اجملهول‪،‬‬
‫وجنحت التجربة وامتصت السيارة الصدمة‬
‫بسهولة واحنرفت متابعة مسارها من دون‬
‫أن يتحرك السائق عن مقعده‪ ،‬ثم هبطت‬
‫بنفس السهولة واليسر اللتني حلقت هبما‪.‬‬
‫وقف أمحد عمالقاً شاخماً بني أصدقائه‪،‬‬
‫ال���ذي ح��ض��روا ل��ي��ك��ون��وا إىل ج��ان��ب��ه ويف‬
‫مقدمتهم سيمون ووال��داه اللذان أضرموا‬
‫احلب يف قلبه وعقله‪ ،‬وقوبل بعاصفة من‬
‫التصفيق والتهاني‪ ،‬والتقطت ل��ه املئات‬
‫من الصور‪ ،‬وبُث احلفل من أجهزة التلفاز‬
‫العمالقة مباشرة عرب العامل‪ .‬ووقف أمحد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يوقع ع��روض ال��ش��راء ال�تي اهن��ال��ت تطلب‬
‫املاليني من هذه السيارة الرائدة‪ ،‬ويتكلم مع‬
‫مندوبي شركات من خالل الشاشات عرب‬
‫العامل‪ ،‬كل من بلده ومكان وج��وده‪ ،‬حلجز‬
‫اإلنتاج لسنوات قادمة حسب طاقة املصنع‬
‫اإلنتاجية‪.‬‬
‫ك��ان أمح��د يفكر جب��ده ووال��دي��ه الذين‬
‫مل يستطيعوا حضور احلفل مل��رض جده‬
‫املفاجئ‪ .‬شكر اجلميع وتركهم يتبادلون‬
‫األخن��اب ب��والدة أول سيارة حديثة ملخرتع‬
‫عربي‪ ،‬وانتحى جانباً وصلى ركعتني شكراً‬
‫هلل تعاىل‪ ،‬واتصل بوالديه وبشرمها بنجاح‬
‫التجربة‪ ،‬وقد كانا يتابعانه على الشاشة‬
‫عرب األقمار‪ .‬كان يوم فرح وفخر حبلم رائع‬
‫يتحقق‪ ،‬ن ّغصه مرض جده وغياب والديه‬
‫عن االحتفال املهيب‪.‬‬
‫طلب أمح��د م��ن الشركة أن تكون أول‬
‫سيارة لوالديه والثانية جلده ألهنم نذروا‬
‫أنفسهم ملساعدته والسهر معه‪ ،‬أطلق عليها‬
‫اسم النسر العربي‪ ،‬فأخذت الشركة االسم‬
‫واعتمدته لطراز السيارة اجلديدة‪ ..‬لكن‬
‫اجلد مل يركب هذه السيارة‪ ،‬لقد اشتد عليه‬
‫املرض ووافته املنية‪ ،‬األمر الذي أحزن أمحد‬
‫كثرياً وأفسد عليه فرحته‪.‬‬
‫عاد إىل الوطن ليتابع أحباثه واخرتاعاته‪،‬‬
‫ووضع قائمة بالكثري من األفكار والتصورات‬
‫واألح��ل�ام للعمل املستقبلي ال���ذي خيدم‬
‫اإلنسان ويساهم يف راحته وحيافظ على‬
‫وقته‪ ،‬وأخ��ذ يشرف على تنفيذ العمل يف‬
‫بلده‪ ..‬وم��ا زال احل��ب يتوهج يف قلبه من‬
‫دون حدود ملزيد من االخرتاعات‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جمموعة قصصية‬

‫ثقب يف قاع اجلمجمة ‪....‬؟‬
‫كان ال يقوي علي احلركة فقد كان‬
‫مغلفاً مب��ئ��ات األن��اب��ي��ب الداعمة‬
‫للحياة حول عقله وجسده اجلديد‪،‬‬
‫فقط يسمع مهسات متقطعة من حوله ‪.‬‬
‫ لقد عاش مبعجزة ‪.‬‬‫‪ -‬يبدو أنه مازال حيتاج إيل أدوات اإلنعاش‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫حممد علي عبد اهلادي‬
‫كاتب من مصر‬
‫أغتم لنفسه عندما مسع ( إن عاش )‬
‫ أهلذه الدرجة األمر معقد ؟‬‫ك��ان حي��س ب�ب�رودة ال��س��وائ��ل وه��ي تتحرك‬
‫كجيوش حت��اول غ��زو أرض ج��رداء … فكر يف‬
‫حتريك جسده لكنه نبذ الفكرة بسرعة ؟‬
‫مل يستطع … ح��اول م��رة أخ��رى لكنه نبذ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫جمموعة قصصية‬
‫الفكرة رغماً عن أنفه ‪ .‬حول فكره إىل صوته‬
‫لعل أح��داً ما ينتبه له ؟ لكن صوته قد خانه‬
‫كعادته‪.‬‬
‫ً‬
‫نعم‪ ،‬فقد ك��ان ملوال يف صمته كأنه صنم‬
‫بيع لتوه … ما حدث له ؟‪ ..‬ال يعرف غري أنه‬
‫م��درك ما حوله من أح��داث جت��ري ‪ .‬أراد أن‬
‫يرتب أوراق فكره‪ ،‬أهو حادث أليم ؟ أم ماذا ؟ ‪.‬‬
‫ثم تذكر زوجته وأبنه الرضيع‪ ،‬كيف حاهلما اآلن‬
‫كيف حال أعماله يف مصنعه‪ ،‬ترى هل علمت‬
‫زوجته مبا حدث له ؟ هل هي والطفل خبري ؟‬
‫زادت دقات قلبه حتى أنه مل يعد يسمع مهسات‬
‫اآلخرين ‪.‬‬
‫ومع ذلك أصر أن يعود إىل أسئلته اليت ال‬
‫تنتهي وخصوصا يف عامله املظلم‬
‫ ماذا حدث يل ‪...‬؟‬‫أحس بوخز يف ذراعه ألول مرة‬
‫ هذا مؤشر حسن‪ ،‬جسدي موجود‬‫لكنه أح��س بعد ذل��ك بتأثري ال��وخ��ز‪ ،‬أحس‬
‫براحة غربية جعلت عقله يستسلم إىل ال شيء؟‬
‫إىل مكان ال وجود له ‪.‬‬
‫ مرحي‪ ،‬إذن أهي النهاية ؟ … أهي النهاية؟‬‫لكنه مل يتلق الرد بعد‪ .‬انتظر وانتظر لكن ؟‬
‫مسع صوت أحد األشخاص يتحدث بصوت‬
‫مسموع‪.‬‬
‫ أتعلم ي��ا دك��ت��ور فهمي أن ه��ذا املريض‬‫حلسن حظه أن عقله سليم بالرغم من تعرضه‬
‫حلادث أليم‪.‬‬
‫زاد نبض صاحبنا أكثر فقد عرف السبب ؟‬
‫ حادث أليم ؟‬‫ب��دأ جيمع شتات فكره ‪.‬ح���اول أن خيرتق‬
‫صفوف الذكريات اجلامدة لكي يصل إىل نقطة‬
‫بعينها‪ .‬اآلن فقط تذكر ‪ ..‬اآلن فقط ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ يا إهلي العظيم نعم حادث عربة لقد كنت‬‫ضحية حادث‪ .‬تنهد بصعوبة وهو يتابع ما تبقي‬
‫من أحاديث األطباء ‪.‬‬
‫ دكتور نظمي ما أخبار مريضك فؤاد ؟‬‫ خبري نسبياً ‪ ..‬فأنت كما تري قد لبس‬‫رداءً جديداً‪.‬‬
‫ أوه يا دكتور أال ترى أن ذلك سيؤمله‪.‬‬‫ احلقيقة ‪ ..‬ال أعتقد بل سيفرح أنه جنا‬‫من حادث أليم ال ينجو منه أحد وخصوصا أن‬
‫جسده قد هتشم متاماً ؟‬
‫بدا واضحا له أن كل ما قيل أنه أصبح ضيفاً‬
‫على جسد جديد ؟‬
‫أحس أن اجلسد غريب عليه بعدما عرف‬
‫احلقيقة وب���دأ ي��س��أل نفسه بعنف أه��و مثل‬
‫جسدي السابق أم أنه جسد بال زائد عن حاجة‬
‫صاحبه أم أن��ه وق��ع ضحية ع��ق��ول أط��ب��اء ال‬
‫يتصفون باألخالق أبدا ‪ .‬تاه يف زمن ال يتحرك‬
‫زم��ن ال ي��وص��ف وال ي��ع��رف ‪ .‬إن��ه جم��ه��ول له‬
‫ومعروف لغريه ؟ ظلت الساعات تتحرك ببطء‬
‫وظل يسأل نفسه ومل ميل‪.‬‬
‫ ميت النهاية ؟‬‫حتى بدا له بعد وقت أن األشياء يف جسده‬
‫تتحرك‪ .‬أزيلت عنه ربطة الرأس‪ ،‬اشتم رائحة‬
‫مطهر قوي زادت من قلقه بدأ صوت األطباء‬
‫يعلو أكثر يبدو أهنا اللحظة احلامسة ‪.‬‬
‫ أتسمعين يا فؤاد ‪.‬‬‫أومأ برأسه ‪.‬‬
‫ جيد ‪ .‬و اآلن حاول أن تتكلم ‪.‬‬‫كانت الكلمات خترج من فمه بصعوبة كأنه‬
‫رجل آيل ‪.‬‬
‫ زو‪ ..‬ج‪ ..‬تي ‪ ..‬زوجيت … ابن ‪ ..‬ابين‬‫ً‬
‫‪ -‬أهن��م��ا خب�ير ‪,‬سيأتيان غ��دا ص��ب��اح�ا‪ ،‬ال‬

‫‪87‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جمموعة قصصية‬
‫تقلق‪.‬‬
‫ ح‪ ..‬حسنا ‪ ..‬شكراً ‪.‬‬‫ أحسنت أنت أفضل اليوم ‪.‬‬‫مل ير شيئاً يف البداية لكنه حاول أن حيرك‬
‫ذراع��ه‪ ،‬جنح على كل ح��ال‪ ،‬ثم أصبح يتحكم‬
‫تلقائياً جبسده‪.‬‬
‫ أحسنت ه��ذا جيد‪ ،‬رائ��ع يا ف��ؤاد‪ ،‬حرك‬‫الرأس ‪ ..‬نعم هذا حسن‪ ،‬واآلن اسرتح‪ ،‬سأجري‬
‫بعض الفحوصات ال تتحرك‪.‬‬
‫أح��س أن��ه ف��أر جت���ارب‪ ،‬ك��ان ي��ت��ج��اوب مع‬
‫طبيبه بالكاد‪ ،‬كل شيء يتم يف صمت تقريباً‪،‬‬
‫سأل نفسه ؟‬
‫ مل أر نفسي ‪ ..‬أقصد مل أر جسدي اجلديد‬‫بعد ؟‬
‫ اآلن سأضع هذا السائل على عينك سرتى‬‫بعد بضع ثوان ال حترك رأسك‪.‬‬
‫أحقا … سأرى ‪ ..‬جس‪ ..‬دي ‪ ..‬اجلديد ؟ أهو‬
‫نفس املقاس أم معدل ؟‬
‫بدا نور خيرتق ظالم فكره بدأ يرى رويدا‪..‬‬
‫رويدا كأنه يصحو من نوم ثقيل ‪.‬‬
‫ ها ‪ ..‬هل ترى يدي يا فؤاد ‪.‬‬‫ نعم‪.‬‬‫كانت حلظة حامسة بالنسبة يل‪ .‬أرى اآلن‬
‫يداً تتحرك أمامي … هل هذا كل شيء ؟‬
‫ال ‪ .‬تالشت اليد من أمامي ثم ظهر فجأة‬
‫أم��ام��ي طبيبان ومم��رض��ة‪ ،‬أزع��ج�ني ذل��ك يف‬
‫البداية لكين اعتدت على ذلك بعد حلظات‪،‬‬
‫تنهدت ألول مرة أحسست بضيق يف صدري‬
‫مل أعهده من قبل ‪.‬كنت خائف من رؤية ذلك‬
‫اجلسد ‪.‬‬
‫ هل أطمع يف مرآة ‪.‬‬‫‪ -‬ال أبداً املمرضة ستأتي لك حاال مبرآة‪ ،‬أ‬

‫‪88‬‬

‫‪ ..‬أخائف أنت من رؤية جسدك ؟‬
‫ نعم ‪ ..‬لكين ال أعرف ملاذا ؟‬‫ أن���ه ش��ع��ور غ��ري��ب ‪ .‬ل��ك��ون��ك أصبحت‬‫خمتلفاً‪.‬‬
‫ أهو جسد جيد ‪.‬‬‫ نعم ‪ .‬ال ختش شيئاً جمرد بعض األعراض‬‫يعاني منها هذا اجلسد سنعاجلها الحقاً‪.‬‬
‫ أحس ببعض الضيق هنا‪ ،‬يف صدري ‪.‬‬‫ نعم ‪ ..‬نعم ‪ ..‬قلت لك ال ختش شيئاً ‪.‬‬‫ لكنه يؤملين ؟ حتى أنين أحس بطعم غريب‬‫يف فمي وكذلك رأس��ي ‪ ..‬رأس��ي تؤملين بعض‬
‫الشيء ‪.‬‬
‫كان رده جافاً ‪.‬‬
‫ أال يهمك أن ترى ذلك اجلسد اجلديد ‪.‬‬‫ كأني أصف أعراض شخص أعرفه ؟‬‫دخلت املمرضة وهي حتمل مرآة يف يدها‪،‬‬
‫ترفعها جتاه فؤاد‪ ،‬يصدر عنه أنة غضب ‪.‬‬
‫ عباس … اللعنة جسد عباس ‪.‬‬‫ متلك نفسك يا ف��ؤاد‪ ،‬لقد كان جسدك‬‫مدمراً بنسبة مثانني باملئة أما عقلك فقد كان‬
‫حبالة جيدة أما من تدعي أنه عباس هذا فقد‬
‫كان عكس حالتك جسد جيد وعقل خرب فلم‬
‫يكن أمامنا غري ‪.‬‬
‫ يكفي ‪..‬‬‫تنهد بقوة أحس أنه ينهار وضع يده على وجه‬
‫اجلديد ‪.‬‬
‫ اللعنة جسد عاشق ‪ ..‬جسد اخلائن ‪.‬‬‫بكي بقوة ‪ .‬مل يتمالك نفسه ثم وقع على‬
‫أرضية الغرفة ………‬
‫ فؤاد ‪ ..‬فؤاد … فؤاد حبييب ‪.‬‬‫كانت زوجة فؤاد تقف جبانب سريره حتاول‬
‫أن توقظه بالرغم من حتذير الطبيب هلا‪ ،‬ضوء‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫جمموعة قصصية‬
‫الغرفة جانيب فلم تر مالحمه بعد ‪ .‬كانت تسمع‬
‫أنفاسه املتالحقة‪ ،‬خلف سريره تقبع بعض‬
‫األجهزة وهي حتصي كل ضربة من ضربات‬
‫قلبه وضغط دم��ه وك��ل ما يلزم للوقوف على‬
‫حالته ‪ .‬عاودت بصوهتا املرجتف ‪.‬‬
‫ فؤاد ‪.‬‬‫اآلن فقط بدأ يفيق من نومه‪.‬‬
‫ أه … أهو حلم ‪ .‬أه رأسي‪.‬‬‫ فؤاد ‪ ..‬حبييب؟‬‫ هيه ‪ ..‬أنت‪.‬‬‫ نعم أنا يا حبييب‪.‬‬‫حاول أن يستدير جتاه زوجته لكنه متلمل من‬
‫ذلك ‪ .‬صدرت عنة أنة ثم بصق ‪.‬‬
‫ ملاذا جئت ‪.‬‬‫ حبييب ‪ ..‬أ‪ ..‬أنت زوجي‬‫ضحك ألول مرة‪ ،‬ضحك بقوة أدهش ذلك‬
‫زوجته‪ ،‬سحب مالءة السرير حتى غطى وجهه‬
‫بالكامل ‪ .‬ثم أكمل ما كان يفعل‪.‬‬
‫ لست حباجة إليك يا سيدتي يبدو أنك‬‫دخلت الغرفة اخلطأ‪.‬‬
‫ ال ‪ ..‬فؤاد ‪ ..‬أنا ال أخطأ أبدا ؟‬‫زاد ذلك من غضبه ‪ .‬بصق مرة أخرى‪.‬‬
‫ اللعنة ‪ ..‬مومس‪.‬‬‫ فؤاد‪.‬‬‫ قلت لك أنت زوجي‬‫هنرها بقوة‪ ،‬مل يعد حيتمل أكثر‪ ،‬سحب‬
‫املالءة ثم‪.‬‬
‫و اآلن رجعت إىل اخللف ثم وضعت يدها على‬
‫فمها‪ ،‬صدرت عنها صرخة‪ ،‬دون أن تدري‪.‬‬
‫ عباس ؟؟‬‫رفع ذراعاه عالياً معلناً عن مقته وغضبه ثم‬
‫رفع صوته بقوة ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ ها‪ ،‬قد أعلنت عن خطيئتها‪.‬‬‫أمسك جبسده بقوة كأنه يريد أن يقتلعه من‬
‫رأسه ‪.‬‬
‫ عباس ‪ ..‬عباس يا شهرية ‪ ..‬جسد العاشق‬‫‪ ..‬الذي خنتيين معه يا امرأة جثة عفنه كانت‬
‫تعتلي جسدك البغيض يوما ما ‪ ..‬أأأأأأأأأأأه‬
‫ماذا فعلت حتى أهان مبثل هذا اجلسد ‪ ..‬أخذ‬
‫يضرب اجلسد اجلديد بعنف ‪ .‬طم‪ ،‬طم ‪,‬طم ‪.‬‬
‫ أترين وضعوا عقلي فوق جسد عباس‪.‬‬‫ك��ان��ت ش��ه�يرة ت�ت�راج���ع إيل ال�����وراء وهي‬
‫مذهولة‬
‫ ال ميكن أن حيدث هذا ‪ ..‬ال ميكن ؟‬‫ وملاذا ‪ ..‬أمل يكن يأتي إليك وأنا يف املصنع‬‫‪ ..‬ها ‪ ..‬أمل تكونا معا يف بييت و علي فراشي‬
‫أيتها العاهرة ‪.‬‬
‫ مل حيدث يا فؤاد ‪ ..‬مل حيدث‪.‬‬‫ أنت كاذبة ‪ ..‬كنت أعرف أنك ستنكرين ‪..‬‬‫كنت أعرف ‪.‬‬
‫حاولت أن أنتقم من ذلك الكلب املسعور لكنه‬
‫كان يعرف وباغتين يف العربة ‪ ..‬آآآآه و اآلن كفي‬
‫عن بكائك ‪ ..‬قلت لك كفي ‪ ..‬اقرتبي قلت لك‬
‫اقرتبي‪.‬‬
‫حاول رغم تعبه أن يقرتب منها‪ ،‬لكنها حاولت‬
‫أن خترج من باب الغرفة ومع ذلك متلك منها‬
‫بسرعة ‪.‬‬
‫ ترى كيف كان وضعه معك أيتها الكلبة ‪.‬‬‫ اتركين ‪..‬أه ‪ ..‬النجدة ‪.‬‬‫ ملاذا ترفضني هذا اجلسد اجلديد ‪ .‬إنه أنا‬‫وهو أال يرضيك هذا ‪.‬‬
‫ اتركين أرجوك ‪ ..‬النجدة ‪.‬‬‫ أريد أن أعرف ‪.‬الطفل ‪ ..‬الطفل هل هو‬‫ابين ؟‬

‫‪89‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جمموعة قصصية‬
‫مل جتب ‪ ..‬أحس برائحة املوت بني يديه‪ ،‬ثم‬
‫حتولت إيل جسد طيع ال يقاوم تركته حائراً بال‬
‫إجابة‪ ،‬فرتكها تتكوم على أرضية الغرفة ‪.‬‬
‫ هذا جنون ‪ ..‬هذا جنون مل أعد أحتمل‬‫هذا فوق طاقيت‪ ،‬اللعنة ‪.‬‬
‫أخذ يدور حول نفسه كأنه ثور مغمض العينني‬

‫حتامل على نفسه‪ ،‬اقرتب من سريره جلس وهو‬
‫يبكي ثم توقف جال ببصره أرك��ان الغرفة ثم‬
‫ركز نظره على صينية عليها بعض أدوات طبية‬
‫أقرتب منها ثم التقط مقص جراحي ‪.‬‬
‫ مل أع���د أح��ت��م��ل و عقلي يعتلي جسد‬‫عاشق؟‬

‫سجني الزمن ‪...‬؟‬
‫كان مندهشا لبضع حلظات‪ ،‬وهو ينظر إيل‬
‫صديقه املخرتع‪ ،‬فلم يستطع أن يعلق علي ما‬
‫رآه أمام بصره ‪ .‬لكنه جنح أخريا يف فك طالسم‬
‫صمته‪ ،‬معلنا بصوته األجش‪.‬‬
‫ أهذا حقيقي يا هشام ؟‬‫حترك هشام أمامه و االبتسامة تعلوه‪ ،‬حتى‬

‫‪90‬‬

‫أقرتب من وجه صديقه الزائر‪.‬‬
‫ ومع ذلك ؟‬‫ ومع ذلك‪ ،‬ماذا ؟‬‫هز هشام رأس��ه عالمة علي ع��دم رضائه‬
‫قائال ‪.‬‬
‫ مل أنتهي بعد ‪.‬‬‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫جمموعة قصصية‬
‫ومع ذلك كان لصديقه رأي أخر ‪.‬‬
‫ ال … هذا ليس صحيح‪ ،‬التجربة اليت أريتين‬‫إياها قد متت … نعم لقد متت أمام عيين‪ ،‬وتقول‬
‫يل أنك مل تنتهي بعد ؟ أهتزأ بي يا هشام ‪.‬‬
‫ضحك هشام ثم رب��ت علي كتفي صديقه‬
‫ثم أعطاه ظهره …‪ .‬حترك حتى ملس بيديه آلة‬
‫الزمن‪ ،‬ثم ب��دأت الكلمات خترج من فمه كما‬
‫خترج املياه من جوف األرض ‪.‬‬
‫ التجربة مل تنتهي بعد‪ ،‬مازال ورائي الكثري‬‫حتى أمت عمل آلة الزمن ‪ .‬هيه‪ ،‬هل لك يف كوب‬
‫من الشاي ‪.‬‬
‫رفض الصديق بأن أشاح بيده معرتضا ثم‬
‫تابع سؤال أحل عليه ‪.‬‬
‫ لكن أين ذهب الكائن ال��ذي سلطة عليه‬‫أشعة الزمن ؟‬
‫ك��ان ه��ش��ام حي���اول أن يلتقط أن��ف��اس��ه يف‬
‫البداية‪ ،‬ولكنه توقف عن ذلك بضع حلظات ‪.‬‬
‫ أه … ال أعرف وهذا ما يضايقين ‪ .‬أمل أقل‬‫لك أني مل أنتهي بعد من التجربة ‪.‬‬
‫حاول الصديق مرة أخري ‪.‬‬
‫ هل ذهب الكائن إيل املستقبل ؟‬‫ ممكن ‪.‬‬‫ أم إيل املاضي ؟‬‫ جيوز ‪.‬‬‫ هل هناك احتمال ثالث يا هشام ؟‬‫ ال أع��رف … ال أع��رف … يبدو أن أمامي‬‫وقت كثري‪ ،‬هيه‪.‬‬
‫أنضم الصديق إيل هشام يتابعان حديثهما‬
‫خارج املعمل اإللكرتوني … فقد بدأت أصواهتم‬
‫تتحول إيل مههمات حتى تالشت رويدا‪ ،‬رويدا‪،‬‬
‫حيت عم الصمت‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫الساعة اآلن الثانية عشر واملعمل يعب يف‬
‫ظالم دامس‪ ،‬لكن هناك شئ ما حيرك مقبض‬
‫ب��اب املعمل اإلل��ك�ترون��ي‪ ،‬هب���دوء وح���ذر دخل‬
‫الصديق املعمل بعد أن قفل الباب خلفه‪ ،‬تقدم‬
‫حتى ملس بيده آلة الزمن وهو ميين نفسه بشيء‬
‫ما‪.‬‬
‫ لكم كنت أحلم أن أعيش يف زمن أخر … أه‬‫… كانت جتربة رائعة … لكنه ال يريد أن يؤكد يل‬
‫أن التجربة قد انتهت … هيه ‪ ..‬هشام أنا أعرفه‬
‫جيدا‪ ،‬دائما ما حيجب احلقيقة … نعم لقد رأيت‬
‫التجربة أمام عيين‪ ،‬وهذا يكفي ‪ ..‬نعم‪.‬‬
‫ك��ان الصديق حي��وم ح��ول آل��ة ال��زم��ن كمن‬
‫حيوم حول طريدته يتلمسها‪ ،‬يشمها حياول أن‬
‫يلعقها‪ ،‬لكنه فطن أهنا آلة … ثم قال حبزم معلنا‬
‫تصميمه النهائي‪.‬‬
‫ سأنتقل عرب الزمن‪.‬‬‫امتدت ي��ده تبحث عن زر التشغيل‪ ،‬كانت‬
‫ترجتف لكن رغما عنها كانت تبحث‪ ،‬حتى‬
‫استطاعت أخريا أن تضغط وتؤكد‪.‬‬
‫ نعم هكذا‪ .‬ستعمل آلة الزمن بعد بضع‬‫دق��ائ��ق‪ ،‬سأجلس أم��ام اآلل��ة وسأنتظر جلس‬
‫الصديق أمام اآللة منتظرا مصريه اجملهول ‪.‬‬
‫ فكما شاهدت ستخرج أشعة زمنية جتاه‬‫جسدي‪ ،‬جمرد حلظة‪.‬‬
‫تذكر م��ا قاله هلشام ‪ .‬م��اذا ل��و ذهبت يف‬
‫املستقبل ؟‬
‫ سأفضل ذلك‪ ،‬نعم سأبدأ حياة جديدة‬‫سأمتتع باهلدوء و الراحة لن أجهد جسدي يف‬
‫العمل مرة أخ��ري‪ ،‬سأحصل علي ما أري��د‪ ،‬ال‬
‫أزمات ال تلوث ال‪ ..‬ال ؟ كم كنت أمتين أن تكون‬
‫حبيبيت معي‪ ،‬لكن ‪ .‬هيه نصيب مل أستطع أن‬

‫‪91‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جمموعة قصصية‬
‫أتقدم إليها‪ ،‬ال أملك حق ال��زواج‪ ،‬هيه‪ .‬كم‬
‫ذلك مؤمل ‪ .‬لكن ماذا لو سافرت إيل املاضي ‪ .‬ال‬
‫يهم‪ ،‬فقد قال يل أبي ذات مرة أن احلياة قدميا‬
‫كانت رخيصة ال تكلف اإلنسان جهدا ‪ .‬والزواج‬
‫مل يكن مكلفا‪.‬‬
‫فاضت عيناه من احلزن فكان الصمت ‪ .‬مل‬
‫يبقي غري ثواني معدودة ثم ينتهي كل شئ ‪ .‬لكنه‬
‫خ��رج من انتظاره حلظة أن رأي مقبض باب‬
‫املعمل يفتح‪ ،‬كم كان يتمين لو أن الثواني جتري‬
‫بسرعة الضوء حتى ال ي��راه أح��د وخصوصا‬
‫هشام‪ ،‬وبدأ فعل اآللة يف حلظة دخول هشام‬
‫الذي مل ينتبه ملا حيدث لكن الصديق قد رآه‬
‫وهو ينظر إيل ورقة يف يده مستغرقا فيها‪ ،‬كتم‬
‫الصديق أنفاسه األخرية‪ ،‬خرجت أشعة الزمن‬
‫جتاه الصديق ثم أختفي فجأة ‪.‬‬
‫أقرتب هشام أكثر من آلة الزمن وهو مازال‬

‫ينظر إيل ورقته‪ ،‬يتمتم بني نفسه بعض الكلمات‪،‬‬
‫وضع يده علي اآللة ثم فجأة ردها مرة أخري‬
‫معلال بصرخة قوية ‪.‬‬
‫ أأأه …‪ ..‬يبدو أني نسيت قفل اآللة ‪.‬‬‫مد يده ثم قفل اآللة‪ ،‬تابع نظره إيل الورقة‪.‬‬
‫ مم … معين ذلك أن الكائن الذي أختفي ‪..‬‬‫أصبح سجني الزمن … ال هو يف املستقبل وال‬
‫هو يف املاضي‪ ،‬ياه … حسب املعادلة‪ ،‬أنه سيثبت‬
‫علي وضع معني‪ ،‬ال يتحرك بسببه إيل األبد‬
‫مع عدم رؤيته بالعني البشرية ‪ ..‬أنه موت بطئ‬
‫احلركة ‪ ..‬اللعنة ‪.‬‬
‫حت��رك ه��ش��ام معطيا ظ��ه��ره ل�لآل��ة الزمن‬
‫متجها خارج املعمل وهو يردد ‪.‬‬
‫ مازال أمامي الكثري حتى أمت عمل اآللة ‪.‬‬‫يقفل نور املعمل ثم الباب ‪ .‬قليال ثم يسمع‬
‫صوت أجش يصرخ بقوة ‪.‬‬

‫( الدقيقة األخرية ) ……………‪.‬؟‬

‫‪92‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫جمموعة قصصية‬
‫حنن يف عام ‪ . 2126‬ويف غرفة صغرية‬
‫يف أحد بيوت العامل املنهار‪ .......‬كانت‬
‫آخر حكاية حتدث يف هذا الزمان ؟‬
‫_ مل يبقي غري ……؟‬
‫صمت ومل يكمل‪ ،‬أحين رأسه‪ ،‬ثم صدرت‬
‫عنه أنة قوية مل يستطع أن خيفها‪ .‬حتول‬
‫إيل الرجفة‪ ،‬نظر إيل سقف الغرفة بعد أن‬
‫أغلق جهاز الكومبيوتر ‪.‬‬
‫_ يا رب ساحمين ‪.‬‬
‫كانت الساعة الرقمية تشري أنه مل يبقي‬
‫غري دقيقة واحدة ؟‬
‫ن��ظ��ر ب��ع��ن��ف وب��ع��م��ق ي��ت��أم��ل الساعة‬
‫الرقمية ثم حتول عنها يتأمل الغرفة وما‬
‫هبا من أجهزة حديثة ثم حييد بنظراته عن‬
‫باقي الغرفة لكي يعود إيل الساعة الرقمية‬
‫مرة أخري‪.‬‬
‫_ ك��أن هبا شئ م��ا‪ .‬يا أهل��ي كم أن��ا …‪.‬‬
‫أمحق؟‬
‫يضع يده علي وجهه يبكي بعنف‪ ،‬فجأة‬
‫يضرب بيده أي شئ‪ ،‬ولكن ؟‬
‫_ إال الساعة الرقمية ال أستطيع …‪ .‬؟‬
‫لقد أصبحت أسريها ‪.‬‬
‫_ أنه يتحول … ال بل تتغري أرقامه … أنه‬
‫ينقص … كم أنا حزين ؟‬
‫_ أرقام تذهب وال تعود‪,‬أمن مفر ؟‬
‫_ يا رب ساحمين ‪.‬‬
‫زاد صوته بعمق‪ ،‬يرجتف ‪ .‬نظر مرة‬
‫أخري حنو الساعة الرقمية ‪.‬‬
‫_ مل يبقي غ�ير مخسني ثانية ‪ ..‬بل‬
‫تسعة وأرب��ع��ون … جسدي ال يقوي حتى‬
‫على الصالة‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫حياول‪ ،‬لكنه يفشل … جيلس مرة أخري‬
‫أمام جهاز الكومبيوتر ثم يبدأ يف البكاء‬
‫مرة أخري‬
‫_ العامل كله سينتهي ؟‬
‫أخذ يضرب وجهه بقوة ‪.‬‬
‫_ لعل هذا يفيد ‪ .‬هل يرضي هذا ربي‬
‫؟ ولكن ؟ …‪ .‬الوقت مير …‪ .‬واحد وأربعون‬
‫ثانية ‪ ..‬أنين أمسع صوت بكاء … ال … أنه‬
‫صراخ يف اخلارج الكل جيري‬
‫هلع و خ��وف‪ .‬أووه ث�لاث��ون عاما بال‬
‫فائدة … هيه ‪ .. .‬واحد وعشرون ثانية‪..‬‬
‫اللعنة لقد قرب ؟ ‪.‬‬
‫فجأة أحس براحة غربية ‪.‬‬
‫_ أه ‪ .‬هل يقبل ربي صالة جنس ؟‬
‫حي��اول القيام م��ن جملسه … ينجح ‪.‬‬
‫يقرتب من النافذة يكاد شعر رأسه يقف‬
‫من شدة الفزع ‪.‬‬
‫_أهنم يائسون حياولون االختفاء … أهنم‬
‫يصرخون بعنف ‪.‬‬
‫يبكي‪ ،‬ثم ينظر يف مساء النافذة ؟‬
‫_هاهو شعاع ضخم من الضوء خيرتق‬
‫السماء ؟ أنه يغلي يا أهلي كتلة ضخمة‬
‫ختلف ورائها غاز أبيض ‪.‬‬
‫يلتفت ورائه لكي يري الساعة الرقمية‪.‬‬
‫_ مل يبقي غ�ير عشر ث��وان … ك��م أنا‬
‫خائف … أن��ا وحيد ؟ أن��ه مذنب كوميت‬
‫سوستيل أهنا النهاية‪ ،‬أنه يقرتب بسرعة‬
‫أربعة آالف ميل يف الساعة … تريليون طن‬
‫من اجلليد و الصخور …‪ .‬الرمحة يا رب …‬
‫مخس ثوان ‪ ..‬أربع ثوان ‪ ..‬ثالث ثوان ‪..‬‬
‫ثانيتان ‪ ..‬؟؟؟‬

‫‪93‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ابن شكشوك ‪!..‬‬

‫ضاحي عثمان‬

‫مل يكن الدكتور دراز الشيمي ‪..‬‬
‫رئيس جملس إدارة شركة الفيوم‬
‫الستخالص األمالح واملعادن ‪..‬‬
‫حيلم بأكثر من رسم جمرد بسمة ‪ ..‬على‬
‫وجوه أبناء بلدته شكشوك مبركز أبشواي ‪..‬‬
‫فشيَّد هلم مصنعاً على أطراف حبرية قارون‬
‫‪ ..‬يستقي منتجاته من مياهها املاحلة ‪..‬‬

‫‪94‬‬

‫الزائد ملحها لثالثة أضعاف مستوياته يف‬
‫مياه البحار األخرى ‪ ..‬وكان أشد ما خيشاه‬
‫أن متوت البحرية بكثرة ملحها ‪ ..‬فكل مئة‬
‫غرام من مائها به تسعة غرامات من األمالح‬
‫املختلفة ‪ ..‬يف حني أن مئة مياه البحار هبا‬
‫ثالثة غرامات ‪ ..‬إال أن البحر الذي مات‬
‫يف فلسطني ‪ ..‬وهو «البحر امليت» ‪ ..‬املئة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ابن شكشوك ‪!..‬‬
‫غرام من مئة هبا سبعة وعشرين غراماً من‬
‫األم�لاح ‪ ..‬فأصبح خالياً من أية كائنات‬
‫حية ‪ ..‬نباتية كانت أو حيوانية ‪..‬‬
‫ومثة أسئلة ترهق ‪ ..‬تفكري الدكتور دراز‬
‫الشيمي ‪ ..‬منها ‪:‬‬
‫ه���ل مت���وت احل���ي���اة حت���ت وط����أة امللح‬
‫األجاج‪..‬؟!‬
‫ملاذا تعيش أشجار الشورى أو املاجنروف‬
‫على شواطئ البحر األمحر ‪..‬؟!‬
‫مل��اذا يستطيع طائر ال��ن��ورس ش��رب ما‬
‫يعادل عُشر وزنه من ماء البحر ‪ ..‬والتخلص‬
‫من امللح الزائد يف ثالث ساعات ‪..‬؟!‬
‫لكن ‪ ..‬مل��اذا يكون اإلنسان أضعف من‬
‫هذا الطائر ‪..‬؟!‬
‫إننا إذا شربنا نفس الكمية ‪ ..‬أي تسعة‬
‫لرتات ‪ ..‬فإن أجسامنا ستضطر ألن تص ِّفي‬
‫نفسها من أي م��اء ‪ ..‬طمعاً يف ن��زح امللح‬
‫الزائد فيها ‪!..‬‬
‫فإذا كانت ال ُكلى البشرية ميكنها أن تر ِّكز‬
‫األم�لاح يف البول بنسبة ‪ 3‬و‪ .. % 2‬فإننا‬
‫أفضل ح��االً من احلصان ال��ذي ال ميكنه‬
‫تركيزه أكثر من ‪ 5‬و‪ % 1‬فقط ‪ ..‬يف حني‬
‫أن اجلمل أقوى منا بكثري ‪ ..‬فهو حيتمل ماءً‬
‫ماحلاً برتكيز ضعف وجوده يف ماء البحر‬
‫‪..‬‬
‫وكذلك احلال مع احلوت الذي يعيش يف‬
‫احمليطات ‪ ..‬فهو حيوان ثديي ‪ ..‬أي حتمل‬
‫إناثه وتلد وتُرضع الصغار من أثداء ‪ ..‬مثل‬
‫إرضاع أمهاتنا لنا ‪ ..‬فإن ُكليتيه على قد ٍر‬
‫كافٍ ‪ ..‬للسماح له بشرب ماء البحر دون‬
‫أي ضرر ‪ ..‬ملاذا ‪ ..‬؟!‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وكيف أن ثعبان السمك ينتقل من األهنار‬
‫‪ ..‬ليبدأ دورة حياته يف احمليط ‪ ..‬ثم يعود‬
‫الصغار إىل أهنار آبائهم ‪ ..‬؟!‬
‫‪ ..‬واجلمربي يهاجر من مناطق حضانته‬
‫يف مصاب األهنار ‪ ..‬إىل البحار إلكمال دورة‬
‫حياته‪..‬؟!‬
‫على حني أن أنواعاً أخرى ‪ ..‬كالسلمون‬
‫َّ‬
‫املخطط ‪ ..‬تعرب مصاب األهنار‬
‫وذئب البحر‬
‫متجهة ضد التيار ‪ ..‬إىل مناطق التفريخ‬
‫اليت تبعد مسافة كبرية ‪ ..‬أما الصغار فإهنم‬
‫يعكسون العملية يف عودهتم إىل البحر ‪..‬‬
‫؟!‬
‫املهم ‪ ..‬أن ثلثي احليوانات اليت تسكن‬
‫احمل��ي��ط��ات ‪ ..‬ع��ل��ى األق���ل مت��ض��ي ج���زءاً‬
‫أساسياً من دورة حياهتا يف مصاب األهنار‬
‫‪ ..‬أو تعتمد اعتماداً كبرياً على األنواع اليت‬
‫تفعل ذلك ‪..‬‬
‫ه��ذه هي بعض األسئلة احلائرة ‪ ..‬يف‬
‫حياة الدكتور دراز الشيمي ‪ ..‬الذي يتمنى‬
‫الوصول إىل إجابة واضحة عنها ‪ ..‬إذ كيف‬
‫تتكيف حياة هذه الكائنات ما بني نوعي املاء‬
‫‪ ..‬العذب الفرات وامللح األج��اج ‪ ..‬ويكون‬
‫اإلنسان أقل منها‪..‬؟!‬
‫كان الدكتور دراز ال يتأمل هذا األمر فقط‬
‫‪ ..‬بل يشغله شيء آخر ‪ ..‬إذ قضى شبابه‬
‫ما بني القاهرة والفيوم ‪ ..‬ثم لعبت الصدفة‬
‫وحدها أن مكث ما يعادل نفس املدة تقريباً‬
‫‪ ..‬ما بني الدوحة ودبي والكويت ‪ ..‬وهو يف‬
‫ذلك يرى أنه عاش على ماء النيل العذب‬
‫ال��ف��رات ‪ ..‬وش��رب امل��اء األج��اج يف بلدان‬
‫اخلليج ‪ ..‬وأنه كان يشكو من زيادة ملوحتها‬

‫‪95‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ابن شكشوك ‪!..‬‬
‫يف البداية ‪ ..‬عن مياه النيل ‪ ..‬ثم سرعان‬
‫ما تكيَّف معها ‪ ..‬ويرى يف نفسه القدرة على‬
‫احلياة ما بني املاء العذب الفرات ‪ ..‬وامللح‬
‫األجاج ‪ ..‬فاستخدم يف مصنعه الذي شيَّده‬
‫ببلدته شكشوك ‪ ..‬الستخالص األمالح‬
‫بأنواعها من مياه حبرية قارون ‪ ..‬كثري من‬
‫األساليب العلمية العاملية املعروفة يف هذا‬
‫اجملال ‪..‬‬
‫لكن الغريب يف الدكتور دراز الذي اشتُهر‬
‫بـ «ابن شكشوك» ‪ ..‬أنه كان جيري جتاربه‬
‫العلمية على نفسه ‪ ..‬بأن يشرب جرعة ماء‬
‫من هذه البحرية قبل التكرير ‪ ..‬ثم جرعات‬
‫أخرى يف كل مرحلة منها ‪ ..‬فكان يشرب‬
‫مثالً جرعة ماء غنية إىل حد ما بكربيتات‬
‫املاغنسيوم ‪ ..‬وكربيتات الصوديوم ‪ ..‬ورغم‬
‫حتذير أطباء مصنعه إال أنه مل يكن يستمع‬
‫لنصائحهم ‪ ..‬وك��ان��وا يقطبون حواجبهم‬
‫‪ ..‬وي��ق��ول��ون ل��ه ‪ :‬إن كربيتات الصوديوم‬
‫‪ ..‬تدخل يف صناعات النسيج والزجاج‬
‫واملنظفات وصناعات الكاوتش غريها ‪..‬‬
‫وكربيتات املاغنسيوم تدخل يف الصناعات‬
‫الكيميائية العديدة واألمسدة الزراعية ‪..‬‬
‫وأن ه��ذه األم�لاح الكربيتية تزيد يف مياه‬
‫حبرية قارون ‪ ..‬عن ثالثة أضعاف وجودها‬
‫يف مياه البحار املفتوحة ‪ ..‬فكان ينظر إليهم‬
‫وميتعض بشد شفتيه ‪ ..‬مؤكداً هلم معرفته‬
‫بكل ذلك وأكثر ‪..‬‬
‫مل يكتف الدكتور دراز بذلك ‪ ..‬بل تناول‬
‫جرعات خمففة من مياه غنية بعدة أمالح‬
‫كل منها على حدة ‪ ..‬مثل أم�لاح البوروم‬
‫والبورون واليود ‪ ..‬وكثرياً ما عانى دراز من‬
‫مشكالت صحية ‪ ..‬إال أنه سرعان ما يعود‬

‫‪96‬‬

‫أفضل مما كان ‪ ..‬األمر الذي يشجِّعه على‬
‫االستمرار يف تناول نوعيات غريبة من املياه‬
‫‪..‬‬
‫وذات يوم حاول أن يتذوق « السائل املر»‬
‫‪ ..‬وهو املاء الذي يتخ َّلف عن عمليات حتلية‬
‫مياه البحرية واستخالص األمالح منها ‪..‬‬
‫إال أن��ه ألول م��رة ي�ت�ردد يف جت��ارب��ه على‬
‫نفسه ‪ ..‬فأمسك بالكوب ونظر إليه ‪ ..‬فرآه‬
‫لزجاً مثل الزيت ‪ ..‬به شيء من االصفرار‬
‫الضعيف ‪ ..‬وهو السائل الذي يستخرج منه‬
‫بعض األكاسيد املستخدمة يف صناعات‬
‫احلراريات والسرياميك والطوب احلراري ‪..‬‬
‫ثم نظر إىل نفسه يف املرآه فرأى وجهه يربق‬
‫مثل السرياميك ‪ ..‬فالمس بأطراف أصابع‬
‫يديه الوجنتني ‪ ..‬فشعر أن مثة أشياء كامللح‬
‫ترتسب على بشرته ‪ ..‬هي السبب يف هذا‬
‫الربيق الذي ينبعث من وجهه ‪..‬‬
‫بعد حلظات من التأمل أم��ام امل��رآه ‪..‬‬
‫أم��س��ك بشفرة ورق��ي��ه وح���اول هب��ا كشط‬
‫بعض األش��ي��اء ال�تي ت��رسَّ��ب��ت على بشرة‬
‫وجهه ‪ ..‬فنزع منها كميات مبعدَّالت أكرب‬
‫مما رآها بعينيه ‪ ..‬ثم اندهش الدكتور دراز‬
‫أكثر وأكثر ‪ ..‬إذ اكتشف أنه كلما كشطها ‪..‬‬
‫ترسَّبت هذه األشياء على بشرة وجهه من‬
‫جديد ‪ ..‬مبعدَّالت أكرب من األول ‪ ..‬فمأل‬
‫وعاءً يشبه كوب املاء ‪ ..‬ثم وزن هذا الوعاء‬
‫فاكتشف أنه كشط مئة غ��رام ‪ ..‬من هذا‬
‫الشيء الذي ينشع من بشرة وجهه ‪ ..‬وذلك‬
‫خالل ربع ساعة فقط ‪..‬‬
‫انطلق يف احل���ال إىل معمل التحاليل‬
‫الدقيقة مبصنعه ‪ ..‬وكان الوقت ضارباً يف‬
‫عمق الليل ‪ ..‬إذ سيؤ َّذن لصالة الفجر بعد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ابن شكشوك ‪!..‬‬
‫قليل ‪ ..‬ومل يشأ أن ينتظر حتى الصباح‬
‫‪ ..‬وك��ان��ت النتائج مذهلة ‪ ..‬تستحق أن‬
‫يصرخ ألجلها ‪ ..‬فيسمع احلرَّاس صوته ‪..‬‬
‫فيهبُّون إليه لنجدته ‪ ..‬فيجدونه مذهوالً ‪..‬‬
‫وظل يردد أمامهم يف رعب ‪ ..‬إن األمالح‬
‫اليت نشعت من وجهه ‪ ..‬هي خليط سهل‬
‫فصله جداً من عناصر اليورانيوم والذهب‬
‫والفضة والنحاس ‪ ..‬ثم صرخ احلراس معه‬
‫‪ ..‬وتساءلوا ‪:‬‬
‫أوج �هُ��ك ينشع ذرَّات ي��وران��ي��وم اآلن يا‬
‫دكتور دراز ‪ ..‬؟! ‪ ..‬فأجاهبم ‪:‬‬
‫نعم ‪ ..‬إن وجهي ينشع أي��ض�اً الذهب‬
‫والفضة والنحاس ‪ ..‬فأسرعوا مجيعاً من‬
‫املعمل ‪ ..‬وارتدوا مالبسهم الواقية لإلشعاع‬
‫‪ ..‬إال أحدهم محل جهازاً لقياس اإلشعاع‬
‫‪ ..‬ومالبس واقية ‪ ..‬وعاد فوراً إىل املعمل‬
‫‪ ..‬فلم جيد هذا اليورانيوم مشعَّاً ‪ ..‬إذ مل‬
‫خي��رج ص��وت التحذير اآليل ‪ ..‬من جهاز‬
‫قيام اإلشعاع ‪ ..‬فظنَّا أن عطباً أصابه ‪..‬‬
‫فعاد احلارس وأبدل جهازه ‪ ..‬فلم ختتلف‬
‫النتيجة ‪ ..‬إنه يورانيوم غري مشع ‪..‬‬
‫وقف الدكتور دراز ‪ ..‬ينظر إىل احلارس‬
‫ويسأل كل منهما اآلخر ‪ ..‬ويقول ‪:‬‬
‫كيف يكون يورانيوم ‪ ..‬وال يشع إشعاعه‬
‫اخل���ط�ي�ر‪ ..‬؟! ‪ ..‬ث���م ت���وجَّ���ه إىل جهازه‬
‫الكروموتوغرايف باملعمل العمالق داخل‬
‫املصنع ‪ ..‬ووزن مخسة غرامات من هذا‬
‫املسحوق املكشوط عن وجهه ‪ ..‬وبدأ يفصل‬
‫هذه العناصر بعضها عن بعض ‪ ..‬ومبجرد‬
‫ب��ل��ورة ذرَّات م��ن ك��ل عنصر على ح��دة ‪..‬‬
‫بعيداً عن باقي العناصر األخرى ‪ ..‬أطلق‬
‫جهاز قياس اإلشعاع صفارة اإلنذار به ‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫لتحذير املتواجدين باملكان ‪ ..‬من وجود‬
‫مصدر خطر على حياهتم ‪..‬‬
‫وال��ش��يء الغريب ال��ذي أذه��ل الدكتور‬
‫دراز الشيمي ‪ ..‬أن��ه ق��ام بفصل مخسة‬
‫غرامات فقط ‪ ..‬وحصل على نفس الوزن‬
‫لكل عنصر على حدة ‪ ..‬األمر الذي جعل‬
‫اخل��م��س��ة غ��رام��ات األوىل م��ن العناصر‬
‫اجملمَّعة ‪ ..‬أعطت مخسة وعشرين من‬
‫العناصر املفردة ‪ ..‬اليت مت فصلها ‪ ..‬حبيث‬
‫بلغ وزن كل عنصر وحده مخسة غرامات‬
‫بعد الفصل ‪..‬‬
‫فتوقف الدكتور دراز الشيمي بعد ذلك‬
‫عن عمليات التحليل الكروموتوغرايف ‪..‬‬
‫ليتفرَّغ إلبداء دهشة أكرب وأعظم ‪ ..‬فاحتاد‬
‫هذه العناصر أوق��ف إشعاع اليورانيوم ‪..‬‬
‫ومبجرد فصل هذه العناصر عن بعضها ‪..‬‬
‫عاد اليورانيوم إىل طبيعته املشعة ‪..‬‬
‫خرج دراز من املعمل ‪ ..‬ومل يعلم حقيقة‬
‫ما جيري على بشرة وجهه من خروج هلذه‬
‫املواد العجيبة ‪ ..‬وال يزال جيمع عن وجهه‬
‫هذه العناصر اجملتمعة ‪ ..‬حتى مأل قارورة‬
‫معملية ‪ ..‬تزن حمتوياهتا ثالثة كيل غرامات‬
‫من هذا النشع ‪..‬‬
‫ظل يفكر يف أم��ره طويالً ‪ ..‬ومل يتوقع‬
‫أب��داً حتقيق ما كان يدور يف رأسه ‪ ..‬وما‬
‫كان حيلم به منذ زمان بعيد ‪ ..‬بأن يصبح‬
‫مثل سائر الكائنات البحرية اليت تتكيف‬
‫حياهتا بني املاء العذب الفرات ‪ ..‬واملاء املاحل‬
‫األجاج ‪ ..‬أو كالكائنات الربية اليت حتتمل‬
‫ملوحة املياه يف حياهتا دون أضرار ‪..‬‬
‫جاء العاملون باملصنع ‪ ..‬فوجَّه الدكتور‬
‫دراز الشيمي ‪ ..‬على الفور دعوة لالجتماع‬

‫‪97‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ابن شكشوك ‪!..‬‬
‫م��ع الباحثني ‪ ..‬م��ن العاملني بوحدة‬
‫البحوث والتطوير ‪ ..‬لعرض تفاصيل‬
‫م��ا ح��دث ل��ه ه��ذا ال��ي��وم ‪ ..‬إال أن��ه بعد‬
‫حضورهم وامتألت القاعة هبم ‪ ..‬وقبيل‬
‫اجللوس إليهم وعرض هذه املشكلة ‪ ..‬آثر‬
‫االنسحاب عائداً إىل بيته ‪ ..‬فزوجته متثل‬
‫حالة شبيهة له ‪ ..‬إذ عاشت معه هذه‬
‫الفرتات السابقة ‪ ..‬فقد يكون ما حدث له‬
‫اليوم من شيء غريب ‪ ..‬قد عانت منه هي‬
‫أيضاً منه وهي ال تدري شيئاً عنه حتى‬
‫اآلن ‪ ..‬مما حدث له ‪..‬‬
‫وبالفعل ‪ ..‬دخل إىل بيته وجد زوجته‬
‫مازالت نائمة ‪ ..‬لكن كانت املفاجأة الكربى‬
‫أن وجد مثل هذه املواد تربق على وجهها‬
‫‪ ..‬فحاول كشط شيء منها فاستيقظت‬
‫وتعجَّبت منه أن حي���اول ذل��ك معها ‪..‬‬
‫فسألته ‪:‬‬
‫ماذا بك يا دراز ‪ ..‬؟! فأجاب وهو زائغ‬
‫َّ‬
‫يتلفت مييناً وي��س��اراً ويهذي‬
‫البصر ‪..‬‬
‫بكلمات غري مفهومة ‪ ..‬فوضعت يدها‬
‫على جبهته ‪ ..‬رمبا تكون درجة حرارته‬
‫مرتفعة ‪ ..‬هي سبب ما ت��راه عليه من‬
‫حالة غريبة ‪ ..‬فأعادت سؤاهلا‪:‬‬
‫َّ‬
‫ماذا بك يا دراز ‪..‬؟! ماذا حل بك ‪..‬؟!‬
‫فأجاهبا ‪:‬‬
‫ال شيء ‪ ..‬إال أن عينيه فضحته ‪ ..‬إذ‬
‫كان يتحدث إليها ‪ ..‬وتركيز بصره يتجه‬
‫إىل زاوية معينة ‪ ..‬فنهضت سريعاً ونظرت‬
‫إىل نفسها يف املرآه ‪ ..‬فشاهدت بريقاً مل‬
‫تره من قبل ‪ ..‬وأبدت انزعاجاً كبرياً ‪ ..‬إال‬
‫أنه َّ‬
‫خفف عنها كثرياً ‪ ..‬بكشفه حلالته وأنه‬

‫‪98‬‬

‫جرى له منذ الفجر ‪ ..‬ما جيري هلا اآلن‬
‫‪ ..‬وشدَّد هلا أنه ال خطر عليهما من ذلك‬
‫‪ ..‬إال أهنا مل تعطه فرصة ليشرح هلا أي‬
‫تفاصيل ‪..‬‬
‫ظ َّلت صامتة تتأمل ما جيري هلا وزوجها‬
‫‪ ..‬فأدركت بعد حني أن الدكتور دراز كان‬
‫حيلم بذلك ‪ ..‬وأهن��ا كانت تشاطره هذا‬
‫احللم ‪ ..‬ثم قالت بصوت مرتفع جداً ‪:‬‬
‫يا زوجي احلبيب ‪ ..‬متنيَّت أن يتحقق‬
‫حلمك من ف��رط حيب لك ‪ ..‬لكن ال أن‬
‫أصبح منجماً للمعادن ‪ ..‬فقال هلا ‪:‬‬
‫أنت أصبحت منجماً للذهب ‪ ..‬يا أغلى‬
‫نساء الدنيا إىل قليب ‪ ..‬إنه احلب الذي‬
‫مجع بيننا ‪ ..‬وأمثر جواهر ومعادن نفيسة‬
‫‪ ..‬أرأي���ت أح���داً مثلنا يف الدنيا ‪ ..‬إننا‬
‫سنضيء العامل بربيق ثرواتنا اليت تطل‬
‫من وجوهنا ‪ ..‬ثم انتابته مرحلة صمت‬
‫‪ ..‬وأخذت هي تلح عليه ‪ ..‬إال أنه مل يرد‬
‫الكالم ‪ ..‬وبعد أن شاركته صمته طويالً ‪..‬‬
‫صرخ الدكتور دراز ‪ ..‬وقال ‪:‬‬
‫سأصنع منا مفاجأة للعامل كله ‪ ..‬ومل‬
‫يشرح هلا ما ينوي عمله ‪ ..‬لكنه قال إنه‬
‫سينطلق إىل مصنعه على شاطئ حبرية‬
‫قارون ‪ ..‬هنا تذ َّكرت زوجته أن مياه قارون‬
‫تسبح فوق أموال الذي كان من قوم موسى‬
‫فبغى عليهم ‪ ..‬إن ق��ارون اجلبار خسف‬
‫اهلل تعاىل به األرض ‪ ..‬ومازالت خزائنه‬
‫حتت املاء ‪ ..‬ثم تساءلت ‪:‬‬
‫أهي جواهر قارون اليت ذابت يف البحرية‬
‫‪ ..‬ثم طفحت على وجوهنا بعد أن شربنا‬
‫مياهها ‪ ..‬على مراحل خمتلفة ‪..‬؟!‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ابن شكشوك ‪!..‬‬
‫عاد الدكتور دراز إىل مصنعه ‪ ..‬وجد‬
‫عدداً من باحثي وحدة البحوث والتطوير‬
‫‪ ..‬ال يزالون على مقاعدهم يف االنتظار‬
‫‪ ..‬ثم جلس بينهم وه��و حيمل ابتسامة‬
‫عريضة على غري عادته ‪ ..‬وروى هلم ما‬
‫حدث له وما توصَّل إليه من نتائج حتاليل‬
‫‪ ..‬فكانت مفاجأة عظيمة هلم ‪ ..‬ثم كشط‬
‫أمامهم بعض ما يعلق على وجهه ‪ ..‬وطلب‬
‫منهم حتليله بأنفسهم ‪ ..‬وك��ان��ت حبق‬
‫مفاجأة أذهلتهم متاماً ‪..‬‬
‫ويا له من عجب ‪ ..‬فقد صار ملح املاء‬
‫أو الصوديوم عالقاً يف ألياف طعام اللفت‬
‫واجلزر الذي يُكثر الدكتور دراز وزوجته‬
‫من تناوله ‪ ..‬دون أن خيتزن باجلسم ‪..‬‬
‫كما أن ال ُكلى ال تتأثر به فتقذف إىل املثانة‬
‫مباء حيمل صفات كثرية من معامل النقاوة‬
‫‪ ..‬وتلك العناصر النادرة والثمينة تطفو‬
‫على بشرة الوجه ‪..‬‬
‫هنا طلب األستاذ منهم وضع برنامج‬
‫عملي وجنوني ‪ ..‬بأن حيددوا اخلطوات‬
‫العلمية بدقة ‪ ..‬وذلك وفقاً لرؤيته اليت‬
‫ن َفذها يف حياته هو وزوج��ت��ه ‪ ..‬حبيث‬
‫ميكنه افتتاح م��درس��ة يتناول أطفاهلا‬
‫ضمن براجمها الغذائية ‪ ..‬أك���واب ماء‬
‫البحرية يف املراحل املختلفة من عمليات‬
‫التحلية ‪ ..‬واألطعمة اليت احتفظ الدكتور‬
‫دراز بسرية قائمة طويلة منها ‪ ..‬أخضعها‬
‫لألمن القومي‪..‬‬
‫ت��ع�جَّ��ب ال��ت�لام��ي��ذ ب��ش��دة ‪ ..‬فكشف‬
‫األستاذ عن شيء من أهدافه ‪ ..‬إنه يؤمن‬
‫بقيمة ومعدن املصري النفيس ‪ ..‬إنه يريد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫جيالً من املصريني ميلكون مناجم الذهب‬
‫يف أحشائهم ‪ ..‬وقد عرض فكرته على‬
‫احلكومة فوافقت عليها يف احلال ‪ ..‬فقد‬
‫تكون طرحاً للخري بني الناس ‪..‬‬
‫وبالفعل ‪ ..‬مرت مخس عشرة سنة ‪..‬‬
‫وبدأت بشائر بريق الوجوه ‪ ..‬يظهر على‬
‫العيان ‪ ..‬بعدها أعلن الدكتور دراز جناح‬
‫برناجمه يف حماربة البطالة ‪..‬‬
‫وت��ع �دَّدت فصول ه��ذه امل��درس��ة ‪ ..‬بل‬
‫وت��ع �دَدت امل���دارس على ح��واف شواطئ‬
‫حبرية قارون ‪ ..‬وأصبح القبول هبا يشرتط‬
‫أن يكون الطفل من أبوين وجدَّين مصريني‬
‫‪ ..‬وذلك وفق تنسيق دقيق جداً ‪ ..‬يضمن‬
‫حصصاً متساوية للمحافظات حسب‬
‫عدد سكاهنا ‪..‬‬
‫وبعد أن فشلت إقامة م��دارس بعيداً‬
‫عن حواف قارون ‪ ..‬لتخفيف الضغط عن‬
‫حمافظة الفيوم ‪ ..‬صارت املنطقة هناك‬
‫أكرب مناطق اجلذب السياحي يف العامل ‪..‬‬
‫يأتي إليها السياح من كل صوب وحدب‬
‫‪ ..‬وصارت حلماً للجميع طمعاً يف حصاد‬
‫الذهب ‪..‬‬
‫واآلن أصبح تعبري « شكشوكي « ‪ ..‬يشري‬
‫إىل هؤالء الناس يف مصر الذين يعيشون‬
‫حياهتم طوالً وعرضاً ‪ ..‬وكل يوم حيصدون‬
‫النفائس من وجوههم ‪ ..‬وحيقق كل واحد‬
‫منهم ما قيمته ألف جنيه على األقل ‪ ..‬وهو‬
‫مثن غرامات الذهب الفضة والنحاس ‪..‬‬
‫أما اليورانيوم ‪ ..‬فتحصل عليه احلكومة‬
‫جماناً ‪ ..‬وتستخدمه يف مفاعالهتا النووية‬
‫‪ ..‬اليت تنتشر جنوب ومشال مصر ‪! ..‬‬

‫‪99‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫األكواريوم‬

‫احل����وض ال��زج��اج��ي ال����ذي كانت‬
‫تسبح فيه األمساك الصغرية‪ ،‬يبدو‬
‫وقت الغروب أمجل من باقي أوقات‬
‫اليوم‪ ،‬حيث تذوب الشمس الغاربة حنو الزوال‪،‬‬
‫وتغمر الغرفة بضوء الغسق الذي ميض الروح‬
‫وجيعل اإلنسان يشعر باألسى واحلزن‪ ،‬فيجلس‬
‫أمام حوض األمساك الصغرية ويراقب حركتها‬

‫‪100‬‬

‫ميسلون هادي‬
‫كاتبة من العراق‬
‫املستمرة بني الصخور الناتئة‪ ،‬ويزجي الوقت‬
‫الذي مير ثقيالً بني الضوء والظلمة‪ ،‬وهو ينظر‬
‫اليها بتمهل ‪.‬‬
‫كانت تلك الصخورالصغرية قد وُضعت داخل‬
‫احلوض بشكل متقارب يسمح للسمكات بالتسلل‬
‫بينها والعبور من مكان مضيء إىل آخر حالك‬
‫الظلمة‪ ،‬ثم العودة مرةً أخرى إىل الظهور خلف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫األكواريوم‬
‫زجاجة احلوض الذي جيلس أمامه اإلنسان‪.‬‬
‫حالتها املستمرة من الدوران والتجوال بني تلك‬
‫األماكن املضيئة واحلالكة‪ ،‬جعلت اإلنسان يفكر‬
‫كيف ال تشعر هذه املخلوقات بالتعب والدوار‬
‫من هذه الطريق امللتوية الذي تسري فيها‪ ،‬تارةً‬
‫بالدلوك إىل مم��ر ضيق ب�ين الصخور وتارة‬
‫أخرى بالظهور شاخصة من قريب‪ ،‬وهي تفتح‬
‫أفواهها العريضة اللتهام النفايات العالقة يف‬
‫املاء‪ ،‬هذه الغاية يسعى ويغمغم من أجلها كل‬
‫ما يسبح يف احلوض مهما بدا األمر غري ذلك‪،‬‬
‫وحتى م��ن ك��ان خ��ج��والً ب�ين األمس���اك‪ ،‬كتلك‬
‫السمكة الوردية فاحتة اللون اليت تتّقي الشر‬
‫باالنطواء‪ ،‬فإن اخلجل ال مينعها من أن هتبط‬
‫اآلن إىل ق��اع احل��وض لقضم حفنة هنية من‬
‫الرتاب األبيض املفروش‪ ،‬عادة ما تكون الريقات‬
‫احلية الئذةً فيه حبثاً عن األمان‪ ،‬فتنقض عليه‬
‫م��ث�يرة ح��وهل��ا عاصفة ص��غ�يرة م��ن الفقاعات‬
‫واهلباء يتناثر رذاذه��ا يف امل��اء قريباً من تلك‬
‫السمكة البنفسجية اللماعة ذات الزعانف‬
‫الربتقالية‪ ،‬فتفزع‪ ،‬ثم ترتد كالرمح إىل اجتاه‬
‫آخر لتستمر يف دوراهنا احملموم حول احلوض‪،‬‬
‫فرتتطم بالزوايا وتنتفض أو ختبط املاء بذيلها‬
‫يف حركات مفاجئة لتعاود من جديد نزوهلا إىل‬
‫األسفل وجتواهلا بني املمرات‪.‬‬
‫أحياناً تدخل إحدى السمكات إىل جحر من‬
‫تلك اجلحور ال��ذي متوضع باملصادفة داخل‬
‫صخرة من الصخور‪ ،‬فيقول اإلنسان لنفسه‪:‬‬
‫ها قد دخلتْ أخرياً مسكة عاقلة لرتتاح وهتدأ‬
‫من هذا العناء‪ ،‬ولكن يبدو أهنا ال تأمن الراحة‬
‫أو النوم حتى يف هذا احلوض الصايف األنيق‪.‬‬
‫وما هي إال طرفة عني حتى خترج من جحرها‬
‫كاملشدوهة لتواصل العوم من جديد منساب ًة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫بني الصخور والطحالب والشُّعب املرجانية اليت‬
‫كانت تنبثق من الصخور على شكل أذرع وأغصان‬
‫حية تشبة نسخاً مصغرة من األشجاراملوجودة‬
‫على األرض ‪ .‬مثة قطعتان من تلك الصخور‬
‫حتركتا من مكاهنما قليالً ‪ ،‬فاعتقد االنسان ان‬
‫ذلك قد حدث بفعل حركة املاء اخلفيفة ولكن‬
‫احلجارتني الصغريتني اقرتبتا من بعضهما ومها‬
‫ترتحنان‪ ،‬وخ�لال سريمها ال��ذي كان يتم بشق‬
‫األنفس ‪ ،‬اكتشف اإلنسان أن لتلك احلجارتني‬
‫أرجل دقيقة ملونة تشبه اخليوط وأهنا واحدة‬
‫م��ن ت��ل��ك ال��ك��ائ��ن��ات احل��ي��ة ال�ت�ي تتماهى مع‬
‫املكان وتتشابه معها يف الكينونة لتنجو من‬
‫اهل�ل�اك ‪ .‬ك��ان��ا قبل قليل نتوءين صخريني‬
‫يف اجلماد واآلن يتحركان فيتبني أهنما ذكر‬
‫وأنثى‪ ..‬وأن أحدمها يبحث عن اآلخر‪ ،‬حلني‬
‫تكتشفه اللوامس فيلتحمان ببعضها من أجل‬
‫التزاوج ‪.‬‬
‫كان اإلنسان يريد شفاء النفس ونفي األسى‬
‫وقت الغروب‪ ،‬فإذا به ينتهي إىل التساؤل كيف‬
‫ميكن للشوق أن يستدرج هذه املخلوقات الغافلة‬
‫لتغشي بعضها فرتكب األهوال من أجل ذلك‪ .‬بل‬
‫كيف ميكنه أن جيعلها ترقص وتغين وترتدي‬
‫العالمات واحللل اجلميلة من أجل حلظة احلب‪،‬‬
‫إهنا عجيبة تلك األلوان اخلالبة اليت تتلون هبا‬
‫مسكات احلوض واليت كانت تتنوع بني الربتقايل‬
‫الغامق واألمح��ر ال��زاه��ر واألرج��وان��ي الكامد‬
‫واألصفر الفاقع والبنفسجي الداكن واألسود‬
‫اللماع‪ .‬إهنا أمجل من ألوان الفراشات‪ ..‬وهذه‬
‫السمكة الوردية املرقشة بنقاط سوداء ماأمجلها‬
‫وهي تنظر إليه قبل أن ترتدّ إىل اخللف وختتفي‬
‫بني حقول املرجان الطافية يف امل��اء‪ .‬أما تلك‬
‫السمكة الصفراء الذاهبة حنو أعايل احلوض‬

‫‪101‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫األكواريوم‬

‫فقد كانت مكحلة خبطوط س��وداء تتقارب‬
‫أكثر عند حافة الذيل وهناية اجلسم لتخدع‬
‫البصر‪ ،‬وحترف املفرتس اىل االجتاه اخلاطئ!‪.‬‬
‫رحج اإلنسان أنْ تكون هذه السمكة الصفراء‬
‫املكحّلة باألسود أنثى‪ ،‬فهذه التقلبات اخلادعة‬
‫للبصر ال تصدر إال من أنثى‪ .‬أما تلك السمكة‬
‫الوردية اليت نظرت إليه قبل قليل فإهنا متتلك‬
‫احليلة املاكرة نفسها بوجود بقعة تشبه العني‬
‫املفتوحة قرب ذيلها ‪ ،‬جتعل املعتدي يتجه إىل‬
‫ذيلها بينما تتجه هي إىل مكان آخر‪.‬‬
‫يا إهلي! كيف حتول ال��زالل يف اخلاليا إىل‬
‫هذه األل��وان والصبغات اخلالبة‪ ،‬وكيف ميكن‬
‫هلذه النجوم السرمدية أن تظهر هبذا الشكل‬
‫اهلني على هذه احلراشف والقشور اليت ال عقل‬
‫هلا وال حيلة وال تدري أهنا حتمل فوق ظهورها‬
‫كل ه��ذه املتاحف من الفن املتماسك املكتمل‬
‫واملتكون دون عناء أو فرشاة أو نظرة واحدة اىل‬
‫املراّة ‪ .‬كان اإلنسان يفكر بأن على اجلدران‪ ،‬اليت‬

‫‪102‬‬

‫تضم لوحات الرسامني الذين وصلوا إىل درجة‬
‫عالية من الشهرة‪ ،‬أن تنحين وترفع قبعاهتا‬
‫هلذه السمكة اجلاهلة اليت علمتهم لغة التجمّل‬
‫وتناسق االلوان ‪ .‬فتتأنق وتصبح ارستقراطية‬
‫زاهية اللون عندما تسبح يف مياه صافية ويف‬
‫ح��وض نظيف ‪ ،‬وتصبح باهتة داك��ن��ة اللون‬
‫عندما تعيش يف األعماق السحيقة والكهوف‬
‫املائية املظلمة‪ ..‬وألن��ه ليس هناك ظ�لام بال‬
‫جن��وم‪ ،‬فحتى هذه األغ��وار السحيقة ال تعدم‬
‫وجود بلورات مضيئة ينتجها الزالل املهضوم يف‬
‫اخلاليا‪ ،‬فتجعل لون بطون األمساك فضياً ‪ ،‬أو‬
‫تعكس ضوْءاً ترسله بعض الكائنات احلية من‬
‫أجسامها‪ ،‬فيصبح وجود السمك امللون يف تلك‬
‫األعماق ممكناً‪.‬‬
‫مثة مسكة سوداء خمططة بالربتقايل كانت‬
‫تريد الصعود إىل األعلى‪ ،‬ولكنها ال تستطيع‪،‬‬
‫وقد انتفضت مبا فيه الكفاية من أجل الصعود‪،‬‬
‫واآلن تعود لتسرتيح وال أحد يهب لنجدهتا أو‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫األكواريوم‬

‫االقرتاب منها‪ ....‬فهل ترقص أم متوت؟ إهنا‬
‫تشبه واحدة أكرب منها ارتعشت ثم ماتت قبل‬
‫شهر‪ ،‬فظهرت هذه السمكة بدالً عنها لتحيا‬
‫ثم تتناسل ثم متوت‪.‬‬
‫ولكن األمساك ال متوت فجأةً أو يف طرفة‬
‫ع�ين‪ ..‬إهن��ا‪ ،‬كما الحظ من حتديقه املستمر‬
‫فيها‪ ،‬ترتنح مييناً ومش���االً أث��ن��اء السباحة‪،‬‬
‫وتقفل زعانفها ثم تطفو على السطح وتلهث‬
‫بفمها وخياشيمها حبثاً عن احلياة العزيزة‪،‬‬
‫وأحياناً تسبح بشكل هستريي يشبه الربق‪ ،‬أو‬
‫حتك جسمها باألحجار وجوانب احلوض‪ ،‬ثم‬
‫هتمد كلياً وتنتهي من الوجود‪ .‬وهذه األعراض‪،‬‬
‫وإن بدت له متشاهبة أحياناً مع حركات التزاوج‬
‫اليت يؤدّيها السمك عندما يراهق يف العمر‬
‫فريقص من الوله‪ ،‬إال أن هذه السمكة ال تبدو‬
‫أهنا تستعد للتناسل؟ إهنا تبدو اآلن يف أسوأ‬
‫حال ول��ون‪ ،‬وعندما نقر اإلنسان على سطح‬
‫احلوض للتأكد من سالمتها‪ ،‬ظلت ساكنة ومل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫هترب‪.‬‬
‫ً‬
‫قبل قليل كانت كائنا يف منتهى الكمال‪ ،‬وبعد‬
‫قليل ستفقد بريقها ثم يقشرها الذبول‪....‬‬
‫هكذا ك��ان اإلن��س��ان غ��ارق�اً بأفكاره‪ ،‬وهو‬
‫يراقب السمكة الغارقة اليت سكنت متاماً يف‬
‫ق��اع احل���وض‪ ،‬ويف ال��وق��ت نفسه مث��ة عينان‬
‫تراقبان ‪ ،‬للغاية نفسها ‪ ،‬اإلنسان الساكن بال‬
‫حراك منذ وقت طويل أمام حوض األمساك‪،‬‬
‫بينما الوقت ينساب ببطء متلمّساً طريقه من‬
‫الضوء إىل الظلمة‪.‬‬
‫نظرت العينان إىل صاحبها وقالت‪ :‬ما بال‬
‫هذا اإلنسان ال يتحرك؟ أال يشعر بالوحشة‬
‫من الظالم الذي بدأ يلف الغرفة؟‬
‫ثم راحت أصابعها تنقر على غشاء الناووس‬
‫الشفاف الذي ال يراه أحد‪ ،‬فسقطت ورقة على‬
‫أرض الغرفة‪ ،‬جعلت اإلنسان ينتبه‪ ،‬ثم ينهض‬
‫ليغلق النافذة‪ ،‬ألن��ه ك��ان قد شعر بالربد من‬
‫الريح الباردة القادمة من النافذة‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هل توجد حياة أخرى‬
‫ممكنة‬
‫خرية بالطيب‬
‫ترمجة اهلادي ثابت‬

‫ل��و ّأن خملوقاً بفمني وبأسنان‬
‫مشحوذتني مثل الشفرة‪ ،‬وله ذيل‬
‫كالكالّب‪ ،‬ومججمة هائلة‪ ،‬وأزواج‬
‫من األعضاء يدخل الغرفة فجأة؟ فهل يكون‬
‫مرهباً؟ رمبا‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫لكن ميكن تصوره‪ ...‬إال إذا وهبنا هذا الكائن‬
‫املسخ ال��ق��ادم من أف�لام (آل��ي��ان)‪ 1‬م��ر ّك��زاً من‬
‫احلامض ل��زج ع��وض ال��دم والريق (يف العادة‬
‫مكوّن من املاء) وجهازاً عظمياً من السيليسيوم‬
‫ال يتحطم (عوض الكربون املعتاد)‪ .‬ألنّ احلياة‬
‫على كوكبنا ما زالت مرتبطة هبذين العنصرين‬
‫األساسيني واليت يظهر أنه لن ميكننا التخلي‬
‫عنهما‪ :‬املاء الذي يكوّن اجلزء اهلام من اجلسد‪،‬‬
‫والكربون‪ .‬هل كان بإمكان احلياة أن تعتمد من‬
‫البداية على عناصر أخ��رى؟ السؤال بالنسبة‬
‫للباحثني ع��ن احل��ي��اة خ���ارج األرض م��ا زال‬
‫عسرياً‪.‬‬
‫لنبدأ خبلية الكربون‪ .‬هل ميكن تعويضها‬
‫بعنصر آخر يف مقدوره إعطاء احلياة؟ حتى‬
‫نتمكن من الفهم‪ ،‬علينا أن نعلم أنّ احلياة كانت‬
‫ق��د ن��ش��أت م��ن خ�لال ب��ن��اء اجل��زي��ئ��ات األكثر‬
‫تعقيدا (بروتينات‪ ،‬دهون‪ ،‬وغريها‪ ،).‬مسحت‬
‫بتطور النظم احلية‪ .‬وللتوصّل إىل ذل��ك‪ ،‬ال‬
‫ب��د أن ال تكون اجلزيئات ال�تي انبثقت منها‬
‫احلياة كثرية االستقرار يف مستوى بنيتها‪ .‬وهي‬
‫خاصيات توفرها بالفعل ذرة الكربون‪( .‬إنّ‬
‫الكيمياء البيولوجية املعتمدة على عنصر آخر‬
‫غري الكربون يعتربها أغلب العلماء غري ممكنة‪.‬‬
‫لكن بعضهم يعتقد أنّ ذرة السيليسيوم ميكنها‬
‫أن تقوم بالعمل)‪ .‬جييب ع��امل فلكية احلياة‬
‫األمريكي دي��رك شولزمكوخ من جامعة والية‬
‫واشنطن ال��ذي نشر مقاالً يف ه��ذا املوضوع‪.‬‬
‫والسبب‪ ،‬أنّ السيليسيوم (‪ ،)Si‬الذي يشبه كثريا‬
‫قريبه الكربون وهو معروف خاصة بتطبيقاته‬
‫يف ميدان اإللكرتوني الدقيق‪ ،‬ميكنه أيضا أن‬
‫يرتبط ب��أرب��ع ذرات أخ��رى يف نفس الوقت‪.‬‬
‫واحل��ال ه��ذه‪ ،‬ف��إنّ هذه اخلصوصية هي اليت‬

‫جعلت من الكربون عنصراً قيّماً للكائن احلي‪.‬‬
‫ويشرح أن��دري ب��راك‪ ،‬ع��امل فلكية احلياة من‬
‫مركز البيولوجيا الفيزيائية اجلزيئية باملركز‬
‫الوطين لألحباث العلمية بليون بفرنسا‪( :‬مي ّكن‬
‫للسيليسيوم م��ع ذرات أخ���رى م��ن الكربون‬
‫ارتباطات تسمح بتنوّعات خارقة للبنى اخلطية‬
‫والدائرية‪ ،‬مفرّعة وعلى شكل أقفاص؛ وهو‬
‫ظرف مواتٍ لظهور حياة متشعّبة‪ ،‬يف مقدورها‬
‫خلق منشآت من اجلزيئات أكثر فأكثر تشعباً‪.‬‬
‫قد يكون للسيليسيون إذن كل ه��ذه القدرة‪.‬‬
‫‪ -1‬جمموعة من أفالم اخليال العلمي قدّمت وليس وحده‪ .‬فبالنسبة إىل دريك شولزمكوخ‪،‬‬
‫للشاشة إبتداء من سنة ‪ .1979‬ولفظة ‪( alien‬هناك ذرات أخ��رى ميكنها أيضاً أن تعوّض‬
‫ّ‬
‫تدل يف اإلجنليزية شخص أجنيب أو شكل من الكربون‪ :‬األكسيجني‪ ،‬الذي يف مقدوره تكوين‬
‫احلياة خارج األرض‪( .‬املرتجم)‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪105‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ارتباطني مع ذرات أخ��رى؛ اآلزوت (ثالثة‬
‫ارت��ب��اط��ات)‪ ،‬ال��ف��وس��ف��ور (مخ��س��ة)‪ ،‬وغريها‪.‬‬
‫هذه الذرات ميكنها أيضاً أن تتجه حنو تكوين‬
‫مك ّثفات ضرورية للحياة)‪ .‬وهل كل هذا يكفي؟‬
‫ليس كافياً حسب أن��دري براك الذي يرى يف‬
‫حالة السيليسيوم ثالثة أسباب لالعتقاد أنه ال‬
‫يصلح‪ .‬أوال ألنّ السيليسيوم منتشر يف القشرة‬
‫األرضية أكثر من الكربون ‪ % 27.7‬بالنسبة‬
‫للسيليسيوم ‪ %0.094‬بالنسبة للكربون‪( .‬إذن‪،‬‬
‫لو كان لكيمياء السيليسيوم املواصفات املطلوبة‬
‫لتطوير احلياة على األرض‪ ،‬ألعطى حياة مبنية‬
‫على السيليسيوم وليس الكربون‪ ).‬ثم ألنّ جو‬
‫األرض غين باألكسيجني (‪( )O2‬واحلال هذه‪،‬‬
‫ففي حضور األك��س��ج�ين‪ ،‬ف��إن امل��رك��ب��ات اليت‬

‫‪106‬‬

‫حتتوي على ذرت�ين من السيليسيوم مرتابطة‬
‫تتحوالن إىل سيليس (‪ )SiO2‬يعين إىل رمل)‬
‫يواصل أن��دري ب��راك‪( .‬وال�تي ال ميكن للكائن‬
‫احلي أن يعيد تأهيلها‪ .‬بينما بعض اجلزيئات‬
‫املكربنة تتحول بواسطة التحرير‪ ،‬إىل ثاني‬
‫أكسيد الكربون‪ ،‬تركيبة قليلة االستمرارية‪ ،‬سهلة‬
‫االبتالع وإعادة التأهيل يف سياقات بيوكيميائية‬
‫مثل التخليق الضوئي‪ ،‬ال��ذي مي ّكن النباتات‬
‫من إنتاج امل��ادة العضوية انطالقاً من الطاقة‬
‫الشمسية‪ ( .‬يف الواقع‪ ،‬كان ميكن حلياة على‬
‫قاعدة السيليسيوم أن تنبثق داخل اجلو البدائي‬
‫لألرض‪ ،‬الذي مل يعرف األكسجني‪ .‬فعالً هي‬
‫احلياة نفسها‪ ،‬من خالل لفظ األكسجني من‬
‫قبل النباتات أثناء عملية التخليق الضوئي‪ ،‬اليت‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫دعمت اجلو باألكسجني‪ .‬لكنّ األشياء تكون قد‬
‫تعقدت فيما بعد‪ .‬ذرة السيليسيوم‪ ،‬يف األخري‪،‬‬
‫تكوّن ترابطات ضعيفة مع ال��ذرات األخرى‪،‬‬
‫وبالتايل تؤدي إىل جزيئات أقل متانة من اليت‬
‫تكون قاعدهتا الكربون‪ .‬فهي إذن‪ ،‬خيتم أندري‬
‫براك‪( :‬قليلة التالؤم مع الكائن احلي‪).‬‬
‫الظاهر أن السيليسيوم غ�ير مالئم على‬
‫األرض‪ ،‬هل يكون ّ‬
‫حظه أوفر على كوكب آخر؟‬
‫جييب ديرك شولزمكوخ‪( :‬نعم‪ ،‬ألن حجج أندري‬
‫ب��راك تكون مقبولة يف ص��ورة م��ا ختيّلنا أنّ‬
‫احلياة نشأت يف ظروف من الضغط‪ ،‬واحلرارة‬
‫وغريها‪ ...‬اليت كانت عليها األرض)‪ .‬بينما يف‬
‫‪ 2004‬أظهر أن��ه يف حميطات أكثر (غرابة)‪،‬‬
‫يكون تكوين جزيئات عظيمة متشعّبة وقارة‬
‫على قاعدة من السيليسيوم ممكناً تصوره‪.‬‬
‫وهل��ذا الغرض‪ ،‬حيدد الباحث‪ ،‬كان ال بدّ من‬
‫ج �وّ حي��ت��وي على ت��راك��م لألكسجني أق��ل من‬
‫الذي يوجد اليوم على األرض؛ وماء سائل قليل‬
‫حتى نتجنّب حتوّله إىل سيليكات غري متفاعل؛‬
‫وحرارة حتت الصفر؛ وشيء من امليتان السائل؛‬
‫وقليل من الكربون‪ ،‬لتجنب إمكانية املنافسة بني‬
‫هذا العنصر والسيليسيوم‪).‬‬
‫امليتان على شاكلة املاء السائل‬
‫هذا ما يشابه الظروف السائدة على أكرب‬
‫قمر لكوكب زحل تيتانس‪ .‬فعالً‪ ،‬احلرارة على‬
‫سطح تيتانس ه��ي يف م��ع��دل ‪ .185°-‬املاء‬
‫السائل غري موجود‪ .‬اجلو مكوّن يف غالبيته من‬
‫ديأزوط (‪ .)N2‬و‪ ،‬معلومة جديدة‪( ،‬اكتشفت‬
‫حديثاً حبريات من امليتان) يؤكد عامل الكواكب‬
‫األمريكي كريستوف ماككاي‪ ،‬يف آمس ريزيش‬
‫بالنازا‪ ،‬يف كاليفورنيا‪ .‬وفعال‪ ،‬ففي شهر جويلية‬
‫‪ ،2006‬مت� ّك��ن امل��س�بر كاسيين هوجينس من‬
‫اكتشاف حاز بالسبق يف أعمدة اجمللة العلمية‬
‫الربيطانية املوقرة (طبيعة) ‪ :Nature‬أظهرت‬
‫على القطب الشمايل لقمر زح���ل‪ ،‬عشرات‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫البقع الغامقة ‪ ،‬طوهلا بني ‪ 3‬و‪ 70‬كم‪ ،‬آسيلة‬
‫بالتمام وبإمكاهنا أن حتتوي على امليتان‪ .‬امليتان‬
‫يوجد على األرض على شكل غاز (إنه املركب‬
‫األساسي يف الغاز الطبيعي)‪ ،‬هذا اهليدروكربور‬
‫ظل يف حالة سائل نظرا لتدني احلرارة السائدة‬
‫هناك‪.‬‬
‫هل ميكن هلذا امليتان أن يعوّض املاء كمخزن‬
‫للحياة؟ جل الباحثني يتفقون على التأكيد أن‬
‫عنصرا سائال يكون ضروريا النبثاق احلياة‪.‬‬
‫ألن يف العنصر الصلب ال ميكن لألجناس‬
‫الكيميائية أن تتنقل‪ ،‬ما جيعل بلورة أي كيمياء‬
‫أمراً صعباً‪ .‬أمّا الغاز فيو ّفر أكثر إمكانيات‪ ،‬لكن‬
‫هل ميكن لكل األجناس الكيميائية الضرورية‬
‫هلذه احلياة الغازية أن تكون يف حالة تبخر‪،‬‬
‫وميكنها أن تكون مثبّتة لتدخل يف اتصال مع‬
‫بعضها البعض‪ .‬هذا ال يقدر على ختيله سوى‬
‫كتّاب اخليال العلمي ليصوّروا أشكاالً من احلياة‬
‫تتطور يف حميطات غازية‪ .‬فالسائل يوفر أكثر‬
‫التالؤمات‪.‬‬
‫وامل�����اء‪ ،‬ع��ل��ى وج���ه اخل���ص���وص‪ ،‬ل���ه ع���دّة‬
‫م��ؤه�لات‪ .‬من ناحية‪ ،‬ميكنه تذويب بسهولة‬
‫ع��دة عناصر كيميائية (مثل ملح الطعام)‪.‬‬
‫من ناحية أخرى‪ ،‬اجلزيئية ‪ ،H2O‬ومن أجل‬
‫انعدام التوازن يف توزيع شحناهتا اإللكرتونية‬
‫اليت ترتكز حول ذرة األكسجني‪ ،‬ميكنها تكوين‬
‫ت��راب��ط��ات م��رن��ة (ع��ش��رون م��رة أق��ل ق��وة من‬
‫الرتابطات الكيميائية الكالسيكية) مع عدد‬
‫كبري من اجلزيئات األخ��رى امل��وج��ودة حوهلا‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬حسب دريك شولزمكوخ‪( :‬إذا ما كان‬
‫املاء جزئية عجيبة‪ ،‬فإهنا ليست حتما ضرورية‬
‫للكائن احل��ي‪ .‬إنّ احلياة على األرض تعلّمت‬
‫العمل مع هذا السائل ألنه الوحيد الذي كان‬
‫حقيقة متوفراً بكثافة‪ .‬لكن يف ظروف أخرى‬
‫من احل���رارة‪ ،‬والضغط‪ ،‬وغ�يره‪ ،‬تسمح أيضا‬
‫حالة سيولة لعنصر معني‪ ،‬أي سائل ميكنه‬
‫نظرياً‪ ،‬أن حيل املشكلة‪ .‬وفعالً‪ ،‬أي سائل مي ّكن‬

‫‪107‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذوبان اجلزيئات‪ ،‬وإذن التفاعالت الكيميائية‬
‫بينها إلعطاء حياة أكثر فأكثر تشعباً‪ ،‬ميكنها أن‬
‫تتطور)‪ .‬والعناصر الكيميائية اليت سوف تتكون‬
‫حوهلا هذه احلياة سرتضخ إذن‪ ،‬وبالتأكيد إىل‬
‫طبيعة هذا السائل‪ .‬ويفصّل كريستوفر ماككاي‪:‬‬
‫( الكائنات احلية اليت ميكن أن تكون موجودة يف‬
‫حبريات تيتانس ميكن أن تكون أجساماً مكروية‬
‫متكوّنة من جزيئات ترتكز على الكربون‪ ،‬والذي‬
‫ميكن أن ينتج امليتان‪ ،‬وقد تتنفس اهليدروجني‬
‫ع��وض األك��س��ي��ج�ين‪ ،‬وت��ت��غ��ذى م��ن اجلزيئات‬
‫العضوية احلاضرة يف اجلو مثل اإلثني (كربون‬
‫اهليدروجني املشبع) أو مركبات عضوية متشعبة‬
‫مكونة من اآلزوت واهليدروجني‪ ،‬تدعى ثولني)‪.‬‬
‫ويتمنى عامل الكواكب أن حيوش هذه املكروبات‬
‫املمكنة أثناء تنفيذ مشروع اكتشاف تيتانس‬
‫من قبل النازا والوكالة األوروبية للفضاء‪ .‬الذي‬
‫ميكن أن ينطلق خالل سنة ‪.2018 -2017‬‬
‫غري أنّ كل العلماء ال يشاطرونه محاسه‪.‬‬
‫(إنّ شكال من احلياة على قاعدة امليتان على‬
‫سح تيتانس يبدو أنه يتعلّق باخليال العلمي)‬
‫يعتقد فرنسوا روالن عامل البيولوجيا الفضائية‬
‫باملخرب بني اجلامعات للنظم اجلوية (‪)LISA‬‬
‫بباريس‪( .‬ألنه نظراً للربد الذي يسود على هذا‬
‫الكوكب‪ ،‬سوف تكون التفاعالت البيو كيميائية‬
‫كثرية البطء حتى مت ّكن من انبثاق احلياة‪).‬‬
‫فيجيب كريستوفر ماككاي‪( :‬نعم‪ ،‬ولكننا ال‬
‫ميكننا استبعاد هذه اإلمكانية)‪ .‬ألنه نظرياً‪،‬‬
‫احلياة داخل امليتان رغم كل شيء تظ ّل ممكنة‪،‬‬
‫ألن امليتان السائل كما املاء السائل‪ ،‬مي ّكن من‬
‫انتشار اجلزيئات اليت تسمح بنشأة احلياة‪...‬‬
‫رمبا املستقبل يقول لنا إذا ما كانت احلياة على‬
‫تيتانس متكنت من االنتصار على الظروف غري‬
‫املالئمة للحياة‪.‬‬
‫بكترييا يف حامض الزهرة‬
‫عكس ذل��ك‪ ،‬على الكواكب احل���ارة‪ ،‬ميكن‬

‫‪108‬‬

‫للحياة أن تتطور يف حميطات من ما فوق أكسيد‬
‫اهليدروجني (‪ )O2 H2‬أو (ماء مؤكسج) سائل‬
‫بني ‪ 0‬و‪ 150‬درجة مئوية على ضغط مشابه ملا‬
‫يوجد على األرض‪ .‬لكن بني هذين الطرفني‪،‬‬
‫ميكن نظريا للحياة أن تظهر كذلك يف حميطات‬
‫من امليثانول (‪ )CH3OH‬السائل ‪ 97.68-‬و‬
‫‪ 64.7‬درجة‪ ،‬أو من األمونياك (‪ )NH3‬السائل‬
‫‪ 57.5‬و‪ 38‬درج��ة‪ .‬ميكن حينئذ أن نسمح‬‫ألنفسنا بتخيّل‪ ،‬يف مكان ما‪ ،‬حياة تعتمد على‬
‫كيمياء مغايرة‪ ،‬وملاذا ال يكون أناس الفضاء بدم‬
‫من احلامض‪! ‬‬
‫بعضهم‪ ،‬مثل شندرا و ياناكي ويكراماسانج‪،‬‬
‫من مركز البيولوجيا الفلكية جبامعة كارديف‬
‫بربيطانيا‪ ،‬يتساءالن فعال إذا ما كانت قطرات‬
‫احلامض السولفوري املعلّقة يف جو الزهرة ال‬
‫تكون حتمل شكال من احلياة الذي قد تطور يف‬
‫امليتان وال يف املاء‪ ،‬لكن يف احلامض السولفوري‪،‬‬
‫هذا احلامض الذي ميكنه أن حيدث لنا حروقا‬
‫خطرية‪ ! ‬م��اذا تشبه هذه الكائنات اخلارجية‬
‫ع��ن األرض؟ ت��ك��ون م��ك��روب��ات‪ ،‬وم���ن املمكن‬
‫بكترييا‪ ،‬إذن كائنات حية متكوّنة م��ن خلية‬
‫واحدة‪ ،‬نشأت هناك‪ ،‬ودون شك من الكربون‪.‬‬
‫وسوف تكون حينئذ ( قابلة للحياة يف جو قاس)‬
‫‪ extrèmophile‬أي قادرة على احلياة يف جو‬
‫الزهرة (ضغط اجلو ‪ 90‬مرة ما هو عليه يف‬
‫األرض‪ ،‬ومعدل حرارة ‪ 462‬درجة)‪ .‬تقريبا مثل‬
‫األجسام املكروية املوجودة داخل املنابع املعدنية‬
‫ال��س��ول��ف��وري��ة ال��ك��ائ��ن��ة يف أع��م��اق احمليطات‬
‫األرضية‪ ...‬لكن بأكثر حدّة‪! ‬‬
‫هذه املكروبات حتى تتمكن من البقاء داخل‬
‫القطرات م��ن حامض ال��زه��رة‪ ،‬تكون حينئذ‬
‫مملوءة حامضا (وه��و غري ح��ات خ��ارج املاء)‬
‫عكس املكروبات األرضية ذات القاعدة املائية‪،‬‬
‫اليت تعيش داخل املنابع السولفورية للمحيطات‬
‫تاركة احلامض خارج خالياها‪ .‬إنّ خملوقات‬
‫«آليان» اخليالية احملشوة حامضاً‪ ،‬مل تعد كثرية‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫الغرابة‪.‬‬
‫وح��ت��ى ي��ؤك��دان على أطروحتهما‪ ،‬يستند‬
‫العاملان الربيطانيان على حتليلهما ملعطيات‬
‫املسرب األوروب��ي «فينوس أك��س�براس»‪ ،‬وهو يف‬
‫مداره حول الزهرة منذ سنة ‪ .2006‬وقد الحظا‬
‫أنّ املسرب سجّل كمية من أكسيد الكربون (‪)CO‬‬
‫أضعف م��ن ال�تي ك��ان منتظرا وج��وده��ا على‬
‫سطح هذا الكوكب ( ‪ .)%0.0017‬ميكن فهم‬
‫هذه املالحظة حسب العاملني على أ ّن��ه يوجد‬
‫مكروبات حية داخل قطرات احلوامض وهي‬
‫تستهلك أكسيد الكربون كمنبع للكربون‪ .‬وهناك‬
‫حجّة أخرى‪ :‬إنّ حجم اجلزيئات اليت لوحظت‬
‫يف جو الزهرة متناسبة مع حجم البكترييا (من‬
‫واحد إىل عشرة مكروماتر)‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫«بقي أن حياة زه��راوي��ة داخ��ل قطرات من‬
‫احل��ام��ض السولفوري ليست معقولة‪ ،‬يعلّق‬
‫أندري براك‪ .‬والسبب ‪ 460‬درجة فوق الصفر‬
‫السائدة داخل جو الزهرة‪ ،‬فكيمياء الكربون ال‬
‫ميكنها الوجود يف ح��رارة تتعدى ‪ 350‬درجة‪.‬‬
‫وبقاء آجر الكائن احلي املتكونة يكون قصريا‬
‫لتمكني نظام حي متشعب من التبلور‪ .‬ميكن‬
‫أن نتصوّر كيمياء السيليسيوم‪ ،‬لكن حينئذ أين‬
‫منبع السيليسيوم؟‬
‫إن��ه لصعب كما رأينا‪ ،‬اخل��روج عن الطرق‬
‫املعبّدة ما دامت احلواجز كثرية‪ .‬هل ميكن أن‬
‫نذهب بعيدا ونتخيل شكال من احلياة أكثر‬
‫غ��راب��ة؟ ه��ل ه��ي حياة ال تعتمد على أي من‬
‫السياقات الكيميائية اليت نعرفها؟ أين يتوق‬

‫‪109‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫خيال علماء البيولوجيا اخلارجية؟ «إهنا‬
‫كيمياء ترتكز على جزئيات تسبح يف سائل‬
‫وتعترب على أهنا األكثر قدرة على إنتاج متيّزات‬
‫تالحظ على أهنا خصائص احلياة‪ .‬مع العلم‬
‫أننا حندد احلياة على أهنا نظام مفتوح (يعين‬
‫يقبل الطاقة والعناصر املقوّمة) ق��ادر على‬
‫نسخ نفسه وعن التطوّر‪ .‬ميكننا أن نتخلص‬
‫من ظروف االستنساخ الداخلي والتطوّر‪ .‬لكن‬
‫حينئذ‪ ،‬كيف ميكن التحديد بطريقة عملية‬
‫موضوع أحباثنا؟ كيف ميكن التعرف على أنه‬
‫شكل من شكل احلياة إذا مل ننطلق من تعريف‬
‫دقيق لضبط وتأطري أحباثنا؟» يتساءل أندري‬
‫براك‪ .‬ألن السؤال احلقيقي‪ ،‬يف األساس‪ ،‬هو‪:‬‬
‫هل أنّ حياة خمتلفة حقا عن حياتنا ميكنها أن‬
‫تكون حياة؟‬
‫هوامش‪:‬‬
‫تعتزم النازا والوكالة األوروبية (آزا) حنو‬
‫سنة ‪ 2018-2017‬إرسال مهبطة‪ ،‬وميكن أن‬
‫تكون غواصة صغرية مملوؤة آالت للقياس‪،‬‬
‫تنزل على قمر زح��ل‪ .‬وبالتحديد‪ ،‬ستكون‬
‫مهمّتها اكتشاف أحد حبريات امليتان السائل‬
‫احمل��ي�رة ع��ل��ى ت��ي��ت��ان��س‪ ،‬ودراس�����ة تركيبتها‬

‫‪110‬‬

‫الكيميائية‪ .‬وامل��ش��روع ي��دع��ى «بعثة نظام‬
‫تيتانس بزحل» (‪)TSSM‬؛ وس��وف يواصل‬
‫املغامرة اليت بدأها املسرب كسيين هوجينس‬
‫ال�ت�ي انطلقت يف س��ن��ة ‪ 1995‬وال�ت�ي سوف‬
‫تنتهي م��ع حلول سنة ‪ .2010‬وس��وف يكون‬
‫أحد مشاريع ((‪ TSSM‬حتديد إذا ما كانت‬
‫كيمياء عضوية متشعبة تعمل داخل اخلزانات‬
‫السائلة‪ ،‬على نفس النموذج السائد على األرض‬
‫منذ مليارات السنني مع امل��اء‪ .‬وحسب عامل‬
‫الكواكب األمريكي كريستوفر ماككاي مبركز‬
‫آمس ريزيش بالنازا يف كاليفرنيا‪ ،‬إهنا طريقة‬
‫إلظهار أنّ مكروبات تتمتع بكيمياء حيوية‬
‫تعتمد على امليتان –وليس على امل��اء‪ -‬ميكن‬
‫أن تقاس كميات اجلو من الغاز اليت هي قابلة‬
‫«لتنفس» اهليدروجني (‪ ،)H2‬ويشرح الباحث‬
‫األمريكي‪« :‬لو أنّ مثل هذه املكروبات موجودة‪،‬‬
‫ال بد أن نسجل تناقصاً يف كمية الديهدروجني‬
‫قريبا من السطح‪ ،‬ألن��ه ال يوجد أي ظاهرة‬
‫غري بيولوجية تفسر هذا التناقص‪ .‬مع العلم‬
‫أنه ميكن احلصول على نتيجة إجيابية تقرتح‬
‫حضور مثل هذه املكروبات دون أن تؤكدها بكل‬
‫د ّقة» ثم حيدد ‪ « :‬إن فرقة مشروع ‪TSSM‬‬
‫تف ّكر يف احتمال هذه الدراسة‪».‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ه�����ل ت���ع���ل���م أن‬
‫الفلكيني استنتجوا‬
‫م���ن من�����اذج نظرية‬
‫من البنية النجمية‪ ،‬أن‬
‫الشمس يف ال���ـ‪ 50‬مليون‬
‫س��ن��ة األوىل م���ن تارخيها‬
‫انقبضت إىل ما يقارب حجمها‬
‫احل��ايل‪ ،‬ثم قامت طاقة اجلاذبية‬
‫ال�تي أطلقها ال��غ��از املنهار بتسخني‬
‫داخ��ل الشمس‪ .‬وعندما سخنت النواة‬
‫مب��ا ف��ي��ه ال��ك��ف��اي��ة ت��وق��ف االن��ق��ب��اض وبدأ‬
‫اح�تراق اهليدروجني نووياً وحتوله إىل هيليوم‬
‫يف ن����واة ال��ش��م��س‪ ،‬وال ت����زال ال��ش��م��س يف هذه‬
‫املرحلة من حياهتا منذ ح��وايل ‪ 4,5‬مليارات سنة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪111‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الطاقة النووية‬
‫ومفاعالتها‬
‫م‪ .‬طارق نواف حامد‬

‫طريقة اتبعها اإلن��س��ان لتحويل الطاقة ه��ي تناوله‬
‫النباتات اليت حتول الطاقة الشمسية يف عملية التمثيل‬
‫الضوئي إىل طاقة كيميائية ختزن يف أجزاء النبات ‪.‬‬
‫وهذه الطاقة الكيميائية تتحول من الطعام إىل طاقة ميكانيكية‬
‫كامنة بعضالت احليوانات واليت أُطلق عليها الطاقة احليوانية اليت‬
‫جتعل احلصان جير عربته والعبيد ي َّ‬
‫ُسخرون ‪ .‬وبداية تعامل اإلنسان‬
‫مع الطاقة كانت مع النار منذ حوايل نصف مليون سنة حيث استغل‬
‫وقود احلطب واألشجار‪ .‬و مع جماري األهنار كان ينقل جذوعها‬

‫‪112‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وبالطاقة اهلوائية كان اإلنسان يسري السفن‬
‫الشراعية ‪ .‬وتعترب الطاحونة من أقدم اآلالت‬
‫ال�تي اخرتعها اإلن��س��ان وال�تي كانت تستخدم‬
‫اهل��واء أو امل��اء كمصدر للطاقة احملركة هلا ‪.‬‬
‫فظهر الدوالب املائي والطاحونة اهلوائية اليت‬
‫كانت تعمل بتحويل الطاقة امليكانيكية إىل طاقة‬
‫حركية أو لتشغيل مضخة لرفع املياه أو مطرقة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫مائية أو رحى الطحن ‪ ..‬ويف حوايل منتصف‬
‫القرن التاسع عشر‪ ،‬كانت بداية التعامل املكثف‬
‫مع املصادر األحفورية ‪،‬ومع احلرارة الناجتة عن‬
‫احرتاق الفحم والنفط ‪.‬‬
‫وارتفع حجم استهالك الكتلة العضوية القابلة‬
‫لالحرتاق‪،‬ومتكن اإلنسان ‪.‬من حتويل الطاقة‬
‫احلرارية إىل طاقة ميكانيكية‪ ،‬وكان هذا بداية‬

‫‪113‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫انطالق عصر الثورة الصناعية‪ .‬اليت بدأت‬
‫مع االستهالك املكثف للفحم احلجري حيث‬
‫كان أول املصادر األحفورية يف حوايل منتصف‬
‫القرن التاسع عشر‪ ،‬ويف بداية القرن العشرين‬
‫كان االستعمال املكثف للبرتول‪ .‬واستعمال الغاز‬
‫والسيما بعد احلرب العاملية األوىل‪ .‬وأدى اخرتاع‬
‫القطار البخاري إىل حتويل الطاقة الكيميائية‬
‫يف احملروقات إىل طاقة ميكانيكية‪.‬‬
‫وظهرت احملركات احلرارية يف وسائل النقل‬
‫البحري واجل���وي وال�ب�ري و تعمل مبحركات‬
‫حرارية تعطي احلركة امليكانيكية باستخدام‬
‫احد احملروقات وأمهها النفط‪.‬وبعض احملركات‬
‫أصبحت تستخدم إلنتاج الكهرباء اليت تنتج يف‬
‫احملطات الكهروحرارية باستخدام احملروقات‬
‫مثل النفط والفحم والغاز الطبيعي ‪.‬ثم اكتشف‬
‫اإلن��س��ان حتويل الطاقة النووية إىل حرارية‬
‫إلنتاج الكهرباء مع بداية السبعينيات من القرن‬
‫العشرين‪.‬‬
‫وخ�لال الثمانينيات من القرن العشرين‪،‬‬
‫ظ��ه��رت مشكلة ارت���ف���اع ظ��اه��رة االحنباس‬
‫احل��راري‪،‬وس��ب��ب��ه��ا انبعاث مفرط لغاز ثاني‬
‫أك��س��ي��د ال��ك��رب��ون (‪ )CO2‬ب��اجل��و احمليط‬
‫ن��ت��ي��ج��ة اإلف������راط يف احمل���روق���ات وتقليص‬
‫الغطاء الغاباتي األخضر من فوق سطح الكرة‬
‫األرضية ‪ .‬وأصبحت الدعوة ملحة الستخدام‬
‫الطاقة املتجددة كالطاقة الشمسية والطاقة‬
‫الرحيية والطاقة املائية للحد من تلوث البيئة‬
‫وظاهرة االحنباس احلراري ‪ ..‬والعلماء حالياً‬
‫‪ ..‬حياولون تطوير أشكال جديدة من الطاقة‬
‫املتجددة كالطاقة الشمسية وط��اق��ة الرياح‬
‫وطاقة املساقط املائية ‪.‬وط��رق توليد الطاقة‬
‫الكهربائية ‪Generation of Electrical‬‬
‫‪ Energy‬هي عملية حتويل الطاقة من شكل‬
‫إىل آخ��ر حسب مصادرها وحسب الكميات‬
‫املطلوبة هلذه الطاقة‪ ،‬األمر الذي حيدد أنواع‬
‫حمطات التوليد و أن���واع االستهالك وأنواع‬

‫‪114‬‬

‫الوقود ومصادره ‪ .‬وكلها تؤثر يف حتديد نوع‬
‫احمل��ط��ة وم��ك��اهن��ا وطاقتها ‪.‬ف��ه��ن��اك حمطات‬
‫التوليد البخارية و حمطات التوليد النووية و‬
‫حمطات التوليد املائية و حمطات التوليد من‬
‫امل��د واجل��زر وحمطات التوليد ذات االحرتاق‬
‫الداخلي (دي��زل – غازية) و حمطات التوليد‬
‫بواسطة ال��ري��اح‪ .‬وحمطات التوليد بالطاقة‬
‫الشمسية‪.‬‬
‫تكوين الذرة‬
‫يتكون قلب ال���ذرة ‪ The atom‬م��ن ن��واة‬
‫‪ nucleus‬ص��غ�يرة نسبياً‪ ،‬شحنتها موجبة‬
‫وح��وهل��ا ت���دور اإلل��ك�ترون��ات ا ‪electrons‬‬
‫السالبة‪.‬‬
‫وتضم النواة معظم كتلة ال��ذرة وتتكون من‬
‫الربوتونات ‪ protons‬والنيرتونات ‪neutrons‬‬
‫ومها مرتبطان معا بقوة نووية قوية جداً أشد‬
‫وأكرب من القوة الكهربائية اليت تربط اإللكرتونات‬
‫بالنواة‪.‬‬
‫ولنتصور الطاقة ال��ن��ووي��ة‪ ،‬فلو أن نواتني‬
‫صغريتني اندجمتا معاً لتكوين نواة أثقل أو أن‬
‫ن��واة ثقيلة انشطرت لنواتني أخ��ف‪ ،‬ف��إن مثة‬
‫طاقة تنطلق ‪ .‬ونطلق عليها الطاقة النووية‬
‫‪ Nuclear energy‬وال�ت�ي ت��ق��اس مباليني‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫فولتات اإللكرتون ‪millions of electron‬‬
‫‪،volts MeV‬‬
‫الطاقة النووية‬
‫الطاقة النووية هي الطاقة اليت تنطلق أثناء‬
‫انشطار أو اندماج األنوية الذرية ‪ .‬وطاقة أي‬
‫نظام سواء أكان فيزيائيا أم كيميائيا أم نووياً‬
‫حتكمه ق��درة النظام على القيام بشغل ما أو‬
‫إط�لاق ح��رارة أو إشعاعات مبكن أن تتحول‬
‫لشكل آخ��ر من‬
‫الطاقة ‪.‬‬
‫ف���ال���ط���اق���ة‬
‫الكهربائية ميكن‬
‫حتويلها حلرارة‬
‫كما يف املدافئ‬
‫أو احل��رك��ة كما‬
‫يف امل�������راوح أو‬
‫ال��ض��وء ك��م��ا يف‬
‫املصباح املنري ‪.‬‬
‫وح���ت���ى عام‬
‫‪ 1800‬ك����ان‬
‫اخلشب الوقود‬
‫ال�����رئ�����ي�����س�����ي‬
‫وطاقته مستمدة‬
‫م�����ن ال���ط���اق���ة‬
‫ال����ش����م����س����ي����ة‬
‫املخزنة يف النباتات أثناء حياهتا ‪ .‬ومنذ الثورة‬
‫الصناعية أخ��ذ الناس يعتمدون علي الوقود‬
‫األح��ف��وري كالفحم احل��ج��ري والنفط والغاز‬
‫الطبيعي ‪ .‬وه��ذا الوقود مستمد من الطاقة‬
‫الشمسية املخزونة ‪ .‬وملا حيرق الوقود األحفوري‬
‫كما يف احرتاق الفحم‪ ،‬فإن ذرات اهليدروجني‬
‫والكربون يف الفحم تتحد بأوكسجني اهلواء‬
‫ليعطي م��اء وثاني أكسيد الكربون وح��رارة ‪.‬‬
‫وه��ذه العملية عبارة عن تفاعالت كيميائية‬
‫نتيجة للتغري اإللكرتوني يف تركيب ال��ذرات ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫والقوة النووية تشكل ‪ % 20‬من الطاقة بالعامل‬
‫‪ .‬العلماء ينظرون إىل الطاقة النووية كمصدر‬
‫حقيقي ال ينضب للطاقة ‪.‬‬
‫وم��ا يثري الشكوك ح��ول مستقبل الطاقة‬
‫النووية هو التكاليف النسبية واملخاوف العامة‬
‫املتعلقة بالسالمة وصعوبة التخلص اآلمن من‬
‫املخلفات عالية اإلشعاع‪ .‬واإلشعاع النووي إن‬
‫مل يكن قاتالً فهو يتسبب‪ ،‬يف عاهات وتشوهات‬
‫وإع��اق��ات يصعب معاجلتها‪ .‬وتنتج من تأثري‬
‫اإلشعاع النووي‬
‫ع��ل��ى مكونات‬
‫اخل�لاي��ا احلية‬
‫نتيجة تفاعالت‬
‫ال ع�ل�اق���ة هلا‬
‫ب���ال���ت���ف���اع�ل�ات‬
‫ال��ط��ب��ي��ع��ي��ة يف‬
‫اخللية‪ .‬وحجم‬
‫اجل��رع��ة املؤثرة‬
‫خي��ت��ل��ف حسب‬
‫نوعية الكائنات‬
‫فهناك حشرات‪،‬‬
‫مت�����وت عندما‬
‫متتص أجسامها‬
‫ط����اق����ة ن���ووي���ة‬
‫تصل فقط ‪20‬‬
‫وح�����دة جْ������رَايْ‬
‫(ج���ول لكل كيلو غ���رام م��ن اجل��س��م املعرض‬
‫لإلشعاع النووي‪ .)Gray = J/kg‬وحشرات ال‬
‫متوت إال عندما تصل اجلرعة إىل حوايل ‪3000‬‬
‫ج�رَايْ (ضعف اجلرعة السابقة ‪ 150‬مرة)‪ .‬و‬
‫تأثر الثدييات يبدأ عند جرعة ال تزيد عن ‪2‬‬
‫جْ��راي‪ ،‬والفريوسات تتحمل جرعة تصل ‪200‬‬
‫جراي أي ضعف اجلرعة املؤثرة على الثدييات‬
‫‪ 100‬مرة‪.‬‬
‫وكمية النفايات املشعة نتيجة االنشطار‬
‫النووي مبحطات إنتاج الكهرباء باملفاعالت‬

‫‪115‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النووية حم���دودة مقارنة بكمية النفايات‬
‫ب��احمل��ط��ات احل���راري���ة ال�ت�ي ت��ع��م��ل بالطاقة‬
‫األحفورية كالنفط أو الفحم ‪ .‬فالنفايات النووية‬
‫تصل ‪ 3‬ميليغرامات لكل كيلو واط ساعة (‪3‬‬
‫‪ )mg/kWh‬مقابل ح��وايل ‪ 700‬غ��رام ثاني‬
‫أكسيد الكربون لكل كيلو واط ساعة باحملطات‬
‫احلرارية العادية لكن هذه الكمية الصغرية جداً‬
‫من اإلشعاع النووي قد تكون قاتلة أو قد تتسبب‬
‫يف عاهات وتشوهات ال عالج هلا‪ .‬وقد تستمر‬
‫فاعلية اإلشعاعات لقرون بل آلالف السنني حتى‬
‫خيمد هذا اإلشعاع أو يصل إىل مستوى يعادل‬
‫اإلشعاع الطبيعي‪ .‬هلذا حي��اول العلماء توليد‬
‫الطاقة النووية عن طريق االندماج النووي ‪a‬‬
‫‪ nuclear fusion‬بدالً من االنشطار النووي‬
‫«‪ »nuclear fission‬الذي فيه ذرات اليورانيوم‬
‫تنشطر وتعطي برتونات ‪ protons‬ونيرتاونات‬
‫‪ neutrons‬وجسيمات دقيقة من الطاقة اليت‬
‫تولد الكهرباء ‪ .‬ومشكلة توليد الكهرباء من‬
‫املفاعالت النووية تتمثل يف النفايات املشعة‬
‫‪ radioactive waste‬اليت تسفر عن العملية‬
‫‪ .‬وهذه النفايات ضارة بالبشر وهذا ما جعل‬

‫‪116‬‬

‫العلماء يسعون للحصول علي الطاقة عن طريق‬
‫تقنية االن��دم��اج ال��ن��ووي ال�تي جتلي حالياً يف‬
‫الشمس واليت تسفر عن نفايات مشعة قليلة‬
‫‪ .‬فمعظم الطاقة فوق األرض تأتي أصالً من‬
‫الشمس عن طريق االندماج النووي بداخلها‬
‫بتحويل اهل��ي��دروج�ين إىل هيليوم ‪helium‬‬
‫وم��واد أخ��رى ‪ .‬وأثناء عملية االندماج تتحول‬
‫املادة إىل طاقة يف شكل حرارة وضوء ‪.‬‬
‫حمطات التوليد النووية‬
‫تعد حمطات التوليد النووية ‪Nuclear‬‬
‫‪ Power Station‬نوعاً من حمطات التوليد‬
‫احلرارية البخارية حيث تقوم بتوليد البخار‬
‫باحلرارة‪.‬اليت تتولد يف فرن املفاعل ‪ .‬والفرق‬
‫يف حمطات التوليد ال��ن��ووي��ة أن��ه ب��دل الفرن‬
‫ال��ذي حي�ترق فيه الوقود يوجد الفرن الذري‬
‫الذي حيتاج إىل جدار عازل وواق من اإلشعاع‬
‫الذري وهو يتكون من طبقة من اآلجر الناري‬
‫وطبقة من املياه وطبقة من احلديد الصلب ثم‬
‫طبقة من األمسنت تصل إىل مسك مرتين وذلك‬
‫حلماية العاملني يف احملطة والبيئة احمليطة من‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫التلوث باإلشعاعات الذرية ‪.‬‬
‫واملفاعل ال��ذري تتولد فيه احل��رارة نتيجة‬
‫انشطار ذرات اليورانيوم بضربات اإللكرتونات‬
‫املتحركة يف الطبقة اخلارجية للذرة وتستغل‬
‫هذه الطاقة احلرارية اهلائلة يف غليان املياه‬
‫يف املراجل وحتويلها إىل خبار ذات ضغط عال‬
‫ودرجة مرتفعة جداً‪ ،‬باستعمال الطاقة احلرارية‬
‫يف تسخني املياه يف مراجل ‪) )BOILERS‬‬
‫وحتويلها إىل خب��ار يف درج��ة ح��رارة وضغط‬
‫معني ‪.‬ثم يسلط هذا البخار على زعانف أو‬
‫توربينات خبارية صممت ليقوم البخار السريع‬
‫بتدوير حمور التوربينات وبذلك تتحول الطاقة‬
‫البخارية إىل طاقة ميكانيكية على حمور هذه‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫التوربينات ‪ .‬ويربط حم��ور املولد الكهربائي‬
‫مع حم��ور التوربينات البخارية فيدور حمور‬
‫املولد الكهربائي (‪)ALTERNATOR‬بنفس‬
‫السرعة لتتولد على طريف اجل��زء الثابت من‬
‫املولد الطاقة الكهربائية الالزمة ‪ .‬وكانت أول‬
‫حمطة توليد حرارية نووية يف العامل نفذت يف‬
‫عام ‪ 1954‬وكانت يف االحتاد السوفيييت بطاقة‬
‫‪ 5‬ميغاواط ‪ .‬عندما توصل العلماء إىل حترير‬
‫الطاقة النووية من بعض العناصر كاليورانيوم‬
‫والبلوتونيوم‪ .‬فوقود املفاعالت النووية اليورانيوم‬
‫املخصب بكمية تكفي حلدوث تسلسل تفاعلي‬
‫انشطاري يستمر من تلقاء ذاته‪.‬‬
‫و الوقود يوضع يف شكل حزم من قضبان‬
‫طويلة داخل قلب املفاعل الذي عبارة عن حجرة‬
‫مضغوطة شديدة العزل‪ .‬ويتم االنشطار النووي‬
‫هبا لتوليد حرارة‪ ،‬لتسخني املياه وتكوين البخار‬
‫ال���ذي ي��دي��ر زع��ان��ف التوربينات ال�تي تتصل‬
‫مبولدات كهربائية ‪ .‬و يتم تغطيس احلزم يف‬
‫امل��اء لإلبقاء عليها ب��اردة ‪ .‬أو استخدام ثاني‬
‫أكسيد الكربون أو معدن مصهور لتربيد قلب‬
‫املفاعل‪.‬‬
‫ويتم إدخال قضبان حتكم يف غرفة املفاعل‪،‬‬
‫م��ن م���ادة‪ ،‬ال��ك��ادم��ي��وم‪ ،‬لتمتص النيوترونات‬
‫املتولدة من انشطار أنويه الذرات داخل املفاعل‪.‬‬
‫فكلما مت تقليل النيوترونات كلما مت حتجيم‬
‫التفاعالت املتسلسلة مب��ا يبطئ م��ن عملية‬
‫انشطار ذرات اليورانيوم‪.‬‬
‫وكان أول مفاعل نووي قد أقيم عام ‪1944‬يف‬
‫هانفورد بأمريكا إلنتاج مواد األسلحة النووية‬
‫وك���ان وق���وده ال��ي��وران��ي��وم الطبيعي ك��ان ينتج‬
‫البلوتونيوم ومل تكن الطاقة املتولدة تستغل ‪.‬‬
‫ثم بنيت أن��واع خمتلفة من املفاعالت يف كل‬
‫أحناء العامل لتوليد الطاقة الكهربائية‪ .‬وختتلف‬
‫يف ن��وع ال��وق��ود وامل��ب�ردات و ال��وس��ي��ط ‪ .‬ويف‬
‫أمريكا يستعمل الوقود النووي يف شكا أكسيد‬
‫اليورانيوم املخصب حتى ‪ %3‬باليورانيوم ‪235‬‬

‫‪117‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫والوسيط واملربد من املاء النقي وهذه األنواع‬
‫م��ن امل��ف��اع�لات يطلق عليها م��ف��اع�لات املاء‬
‫اخلفيف‪.‬‬
‫ختصيب اليورانيوم‬
‫اليورانيوم هو املادة اخلام األساسية للربامج‬
‫النووية‪ ،‬املدنية والعسكرية‪ .‬ويستخلص من‬
‫طبقات قريبة من سطح األرض أو عن طريق‬
‫التعدين م��ن ب��اط��ن األرض‪ .‬ورغ���م أن مادة‬
‫اليورانيوم توجد بشكل طبيعي يف أحناء العامل‪،‬‬
‫لكن القليل منه فقط يوجد بشكل مركز كخام‪.‬‬
‫وحينما تنشطر ذرات معينة من اليورانيوم يف‬
‫تسلسل تفاعلي يسمى باالنشطار النووي‪،.‬‬
‫وحي��دث ببطء يف املنشآت النووية‪ ،‬وبسرعة‬
‫هائلة يف حالة تفجري سالح نووي‪ .‬و ينجم عن‬
‫ذلك انطالق للطاقة ويف احلالتني يتعني التحكم‬
‫يف االنشطار حتكماً بالغاً‪ .‬ويكون االنشطار‬
‫النووي يف أفضل حاالته حينما يتم استخدام‬

‫‪118‬‬

‫النظائر من اليورانيوم ‪( 235‬أو البلوتونيوم‬
‫‪ ،)239‬واملقصود بالنظائر هي ال���ذرات ذات‬
‫نفس ال��رق��م ال���ذري ول��ك��ن ب��ع��دد خمتلف من‬
‫النيوترونات‪ .‬ويعرف اليورانيوم‪ 235-‬بـ «النظري‬
‫االنشطاري» مليله لالنشطار حمدثاً تسلسالً‬
‫تفاعلياً‪ ،‬مطلقاً الطاقة يف ص��ورة حرارية‪.‬‬
‫وحينما تنشطر ذرة من اليورانيوم‪ 235-‬فإهنا‬
‫تطلق نيوترونني أو ثالث نيوترونات‪.‬‬
‫وحينما تتواجد إىل جانبها ذرات أخرى من‬
‫اليورانيوم‪ 235-‬تصطدم هبا تلك النيوترونات ما‬
‫يؤدي النشطار الذرات األخرى‪ ،‬وبالتايل تنطلق‬
‫نيوترونات أخرى‪ .‬وال حيدث التفاعل النووي إال‬
‫إذا توافر ما يكفي من ذرات اليورانيوم‪ 235-‬مبا‬
‫يسمح بأن تستمر هذه العملية كتسلسل تفاعلي‬
‫يتواصل من تلقاء نفسه‪ .‬أو ما يعرف بـالكتلة‬
‫احلرجة‪ .‬غري أن كل أل��ف ذرة من اليورانيوم‬
‫الطبيعي تضم سبع ذرات فقط من اليورانيوم‪-‬‬
‫‪ ،235‬بينما تكون ال��ذرات األخ��رى ال��ـ‪ 993‬من‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫اليورانيوم األكثر كثافة ورقمه الذري يورانيوم‪-‬‬
‫‪.238‬‬
‫ومفاعالت املاء اخلفيف ‪Light Water‬‬
‫‪ Reactors‬هي نوع من املفاعالت االنشطارية‬
‫النووية ‪The nuclear fission reactors‬‬
‫ال�تي تستعمل يف ال��والي��ات املتحدة األمريكية‬
‫لتوليد القوى الكهربائية وتستخدم املاء العادي‬
‫كوسيط يف التربيد والتحويل لبخار لتشغيل‬
‫التوربينات لتوليد الكهرباء من املولدات ‪.‬‬
‫وه���ذا يتطلب ختصيب وق���ود اليورانيوم‬
‫‪of the uranium fuel Enrichment‬‬
‫واليورانيوم الطبيعي يتكون من ‪ %،7‬يورانيوم‬
‫‪235‬وهو نظري ينشطر و‪%99،3‬يورانيوم ‪ 238‬ال‬
‫ينشطر‪.‬‬
‫وال��ي��وران��ي��وم الطبيعي خيصب ليصبح به‬
‫‪ % 3،5 -2،5‬يورانيوم ‪ 235‬القابل لالنشطار‬
‫يف مفاعالت املاء اخلفيف اليت تعمل بالواليات‬
‫املتحدة األمريكية بينما مفاعالت املاء الثقيل‬
‫‪ the heavy water‬ال�ت�ي تعمل يف كندا‬
‫تستخدم اليورانيوم الطبيعي‪.‬‬
‫ويف حالة التخصيب العملية تتطلب ‪ 3‬كجم‬
‫يورانيوم طبيعي إلمداد مفاعل واحد بالطاقة‬
‫اإلن��ش��ط��اري��ة مل���دة ع���ام ‪ .‬وع��م��ل��ي��ة ختصيب‬
‫ال��ي��وران��ي��وم ‪Uranium Enrichment‬‬
‫تتم بانتشار م���ادة هكسافلوريد اليورانيوم‬
‫‪ uranium hexaflouride‬يف مادة مسامية‬
‫فتنفصل مادة اليورانيوم ‪ 235‬اخلفيفة بواسطة‬
‫آالت الطرد املركزي ‪ .‬ووقود اليورانيوم الالزم‬
‫للمفاعالت االنشطارية ال يصنع قنبلة ألهنا‬
‫تتطلب ختصيب أكثر من ‪ %90‬للحصول علي‬
‫تفاعل متسلسل سريع ‪.‬‬
‫واليورانيوم والبلوتونيوم املخصبان بنسبة‬
‫مرتفعة ج���داً يستخدمان يف صنع القنابل‬
‫النووية ألن اليورانيوم املرتفع اخلصوبة به‬
‫نسبة عالية من اليورانيوم‪ 235‬غري املستقر‬
‫واملركز صناعياً‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫والبلوتونيوم ‪ Plutonium‬يصنع نتيجة‬
‫معاجلة وقود اليورانيوم يف املفاعالت الذرية‬
‫أثناء عملها حيث تقوم بعض ذرات اليورانيوم‬
‫(ح��وايل ‪ %1‬من كمية اليورانيوم) بامتصاص‬
‫نيرتون ‪ a neutron‬إلنتاج عنصر جديد هو‬
‫البلوتونيوم الذي يستخلص بطرق كيميائية‪.‬‬
‫ولصنع التفجري ال��ن��ووي يدمج اليورانيوم أو‬
‫البلوتونيوم املخصبني باملتفجرات التقليدية‬
‫وهذا الدمج جيعل املادة النووية مكثفة لتقوم‬
‫بالتفاعل املتسلسل غري املوجه‪ .‬وميكن ختصيب‬
‫اليورانيوم بعدة ط��رق ‪ .‬ففي برنامج تصنيع‬
‫األسلحة النووية بأمريكا يتبع طريقة االنتشار‬
‫الغازي ‪the gaseous diffusion method‬‬
‫بتحويل ال��ي��وران��ي��وم إيل غ���از هكسافلوريد‬
‫اليورانيوم ‪ uranium hexafluoride‬حيث‬
‫يضخ خ�لال غشاء يسمح ل��ذرات اليورانيوم‬
‫‪ 235‬باملرور خالله أكثر من بقية ذرات نظائر‬
‫اليورانيوم وبتكرار هذه العملية يف عدة دورات‬
‫يرتفع تركيز ال��ي��وران��ي��وم ‪ 235‬ليصنع منه‬
‫األسلحة النووية يف الصني وفرنسا وبريطانيا‬
‫واإلحت����اد السوفيييت ال���ذي جل��أ إيل طريقة‬
‫ختصيب اليورانيوم بطريقة الطرد املركزي‬
‫للغاز بالسرعة العالية بدال من االنتشار الغازي‬
‫وه��ذا ما اتبعته إي��ران‪ .‬وه��ذه الطريقة حيول‬
‫اليورانيوم لغاز هكسافلوريد اليورانيوم ويدخل‬
‫يف آلة طرد مركزي تدور بسرعة كبرية ‪.‬‬
‫وب��ت��أث�ير ق���وة ال��ط��رد امل��رك��زي تتجه ذرات‬
‫ال��ي��وران��ي��وم األث��ق��ل م��ن ذرات ال��ي��وران��ي��وم ‪235‬‬
‫للخارج ويرتكز اليورانيوم ‪ 235‬بالوسط ليسحب‪،‬‬
‫وهذه الطريقة تستخدم لتخصيب اليورانيوم يف‬
‫اهلند وباكستان وإيران وكوريا الشمالية ‪ .‬وهناك‬
‫طريقة التدفق النفاث املتبعة يف جنوب أفريقيا‬
‫وطريقة الفصل للنظري بالكهرومغناطيسية اليت‬
‫كان العراق يتبعها قبل حرب اخلليج عام ‪.1991‬‬
‫وميكن استعمال طريقة التخصيب بالليزر‬
‫لفصل اليورانيوم بتحويله ملعدن يتبخر بتسليط‬

‫‪119‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ليزر ليثري ذرات اليورانيوم ‪ 235‬لتتجمع‬
‫وترتكز وهذه التجربة متت يف كوريا اجلنوبية‬
‫عام ‪ 2000‬سرا ‪.‬‬

‫مركز الطاقة امل��ت��ط��ورة يف جامعة مرييالند‬
‫األمريكية من ابتكار وتصميم مفاعل سيزر‬
‫‪ CAESAR‬امل��ت��ط��ور إلن��ت��اج ال��ك��ه��رب��اء دون‬
‫التسبب يف أي تلوث نووي‪ ،‬أو انتشار اإلشعاعات‬
‫النووية‪ .‬عكس املفاعالت النووية التقليدية‬
‫اليت ت��دار ب��أذرع وق��ود اليورانيوم ‪ 238‬املزود‬
‫حبوايل ‪ %4‬من اليورانيوم ‪ .235‬وعند اصطدام‬
‫النيوترون ب��ذرة اليورانيوم ‪ ،235‬تنشطر إىل‬
‫نويات و تنطلق كمية من الطاقة يف شكل حرارة‬
‫ومزيد من النيوترينات اليت تصطدم بالذرات‬
‫األخرى‪ .‬ويتحكم «الوسيط» بإدخاله بني أذرع‬
‫ال��وق��ود ليبطىء بعض النيوترينات لتتحرك‬
‫ببطء ب��درج��ة كافية النشطار ال���ذرات‪ ،‬لكن‬
‫بعد عامني أو ثالثة من تشغيل املفاعل‪ ،‬تصبح‬
‫ذرات اليورانيوم ‪ 235‬الباقية غري كافية فتظهر‬
‫احلاجة إىل أذرع وقود جديدة‪.‬‬
‫لكن مفاعل سيزر يعتمد على انشطار ذرات‬
‫اليورانيوم ‪ 238‬داخ��ل أذرع ال��وق��ود بواسطة‬
‫نيوترونات تتحرك بسرعة مناسبة نتيجة وجود‬
‫البخار كوسيط يف املفاعل‪ ،‬بالتحكم يف كثافته‬
‫بدقة‪ ،‬إلبطاء مرور النيوترينات للحصول على‬
‫االنشطار املطلوب من ذرة اليورانيوم ‪،238‬‬
‫وحدوث انفجار صغري للطاقة وانطالق مزيد‬
‫من النيوترينات اليت تدور حتى تصطدم بذرة‬
‫أخرى من اليورانيوم والقليل من نويات الذرة ‪.‬‬
‫و املفاعل سيزر ميكن تشغيله لعقود دون‬
‫احلاجة إىل إعادة تزويده بالوقود‪.‬‬

‫أنواع املفاعالت‬
‫يطلق على مفاعالت االنشطار النووي ‪The‬‬
‫‪ nuclear fission reactors‬يف الواليات‬
‫املتحدة األمريكية مفاعالت املاء اخلفيف»‪light‬‬
‫‪ »water reactors‬عكس مفاعالت املاء‬
‫الثقيل»‪ »heavy water reactors‬يف كندا ‪.‬‬
‫واملاء اخلفيف هو املاء العادي الذي يستخدم‬
‫يف املفاعالت األمريكية كوسيط ‪moderator‬‬
‫وكمربد وأح��د الوسائل للتخلص من احلرارة‬
‫وحتويلها لبخار يدير زعانف التوربينات اليت‬
‫تدير مولدات القوي الكهربائية ز واستمهال‬
‫املاء العادي يتطلب ختصيب وقود اليورانيوم‬
‫لدرجة ما‪.‬‬
‫وكال النوعني من املفاعالت اللذين يعمالن‬
‫ب��امل��اء اخل��ف��ي��ف مه��ا م��ف��اع��ل امل���اء املضغوط‬
‫‪)pressurized water reactor (PWR‬‬
‫حيث املاء الذي يسري خالل قلب املفاعل معزول‬
‫عن التوربينات ‪ .‬ومفاعل املاء املغلي ‪boiling‬‬
‫‪ ).water reactor (BWR‬يستخدم املاء‬
‫كمربد ومصدر للبخار الذي يدير التوربينات‬
‫ويطلق علي مفاعالت االنشطار ال��ن��ووي يف‬
‫كندا مفاعالت املاء الثقيل ‪Heavy Water‬‬
‫‪ Reactors‬حيث يعمل امل��اء الثقيل كوسيط‬
‫باملفاعل ويقوم الديرتيم ‪ deuterium‬باملاء‬
‫مفاعل البحوث‬
‫الثقيل بتقليل سرعة النيرتونات يف التفاعل‬
‫هناك مفاعالت البحوث وه��ي أبسط من‬
‫االنشطاري املتسلسل ‪.‬وهذا النوع من املفاعالت‬
‫ال يتطلب وق��ود يورانيوم خمصب بل طبيعي مفاعالت الطاقة وتعمل يف درج���ات حرارة‬
‫ويطلق على هذه املفاعالت الكندية مفاعالت ووق���ود أق��ل م��ن ال��ي��وران��ي��وم ع��ايل التخصيب‬
‫(‪ %20‬من ‪ )،U235‬على الرغم من أن بعضاً‬
‫كاندو ‪CANDU‬‬
‫من املفاعالت البحثية األقدم تستخدم ‪ %93‬من‬
‫‪ .U235‬وكمفاعالت الطاقة حيتاج قلب مفاعل‬
‫مفاعل سيزر‬
‫متكن كلوديو فيلبون العامل النووي ومدير البحث للتربيد‪ ،‬و مهدئ م��ن امل��اء الثقيل أو‬

‫‪120‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫باجلرافيت لتهدئة النرتونات وتعزيز االنشطار‪.‬‬
‫ومعظم م��ف��اع�لات البحث حت��ت��اج أي��ض �اً إىل‬
‫عاكس من اجلرافيت أو البرييليوم لتخفيض‬
‫فقدان النرتونات من قلب املفاعل ‪ .‬ومفاعالت‬
‫البحث ‪ Research Reactors‬تستخدم‬
‫للبحث والتدريب واختبار املواد أو إنتاج النظائر‬
‫املشعة من أجل االستخدام الطيب والصناعي‪.‬‬
‫و هذه املفاعالت أصغر من مفاعالت الطاقة‪.‬‬
‫و ي��وج��د ‪ 283‬م��ن ه��ذه امل��ف��اع�لات تعمل يف‬
‫‪ 56‬دول��ة‪ .‬كمصدر للنرتونات من أجل البحث‬
‫العلمي‪ .‬وأخرياً ‪ ..‬إىل أين ستقودنا املفاعالت‬
‫النووية؟ ‪.‬والسيما أن الطاقة النووية تزود دول‬
‫العامل بأكثر من ‪ %16‬من الطاقة الكهربائية؛‬
‫فهي مت��د ‪ %35‬م��ن احتياجات دول االحتاد‬
‫األوروب�����ي‪ .‬و ال��ي��اب��ان حتصل على ‪ %30‬من‬
‫احتياجاهتا من الكهرباء من الطاقة النووية‪،‬‬
‫بينما بلجيكا وبلغاريا واجملر واليابان وسلوفاكيا‬
‫وكوريا اجلنوبية والسويد وسويسرا وسلوفينيا‬
‫وأوكرانيا فتعتمد على الطاقة النووية لتزويد‬
‫ثلث احتياجاهتا من الطاقة ‪ .‬ألن كمية الوقود‬
‫النووي املطلوبة لتوليد كمية كبرية من الطاقة‬
‫الكهربائية أقل بكثري من كمية الفحم أو البرتول‬
‫الالزمة لتوليد نفس الكمية؛ فطن واحد من‬
‫اليورانيوم يقوم بتوليد طاقة كهربائية أكرب من‬
‫ماليني من براميل البرتول أو ماليني األطنان‬
‫من الفحم‪ .‬والطاقة الشمسية كلفتها أكرب بكثري‬
‫من تكاليف الطاقة النووية‪ .‬و ال تطلق غازات‬
‫ضارة يف اهل��واء كغازات ثاني أكسيد الكربون‬
‫أو أكسيد النرتوجني أو ثاني أكسيد الكربيت‬
‫اليت تسبب االح�ترار العاملي واملطر احلمضي‬
‫والضباب الدخاني‪.‬‬
‫و مصدر الوقود النووي (اليورانيوم) متوافر‬
‫و سهل احلصول عليه ونقله‪ ،‬بينما مصادر‬
‫الفحم وال��ب�ترول حم���دودة‪ .‬وتشغل احملطات‬
‫النووية لتوليد الطاقة مساحات صغرية من‬
‫األرض مقارنة مبحطات التوليد اليت تعتمد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫على الطاقة الشمسية أو طاقة ال��ري��اح‪ .‬لكن‬
‫استخدام الطاقة النووية يسبب إنتاج النفايات‬
‫ذات اإلشعاعية العالية؛ اليت ختزَّن يف حبريات‬
‫لتربيدها‪ ،‬بامتصاص حرارة الوقود املستهلَك‬
‫وخت��ف��ي��ض درج����ة إش��ع��اع��ي��ت��ه ‪ .‬وت��ت��م إع���ادة‬
‫معاجلته السرتجاع اليورانيوم والبلوتونيوم غري‬
‫املنشطرَين واستخدامهما من جديد كوقود‬
‫للمفاعل أو يف إنتاج األسلحة النووية‪ .‬و بعض‬
‫العناصر املوجودة يف النفايات كالبلوتونيوم‪،‬‬
‫ذات إشعاعية عالية وتظل ملدة آالف السنني‪.‬‬
‫وال يوجد نظام آمن للتخلص من هذه النفايات‪.‬‬
‫وامل��ف��اع�لات النووية أصبحت سيئة السمعة‬
‫بسبب التسرّب اإلشعاعي يف حمطة الطاقة‬
‫النووية يف تشرينوبل بأوكرانيا ع��ام ‪،1986‬‬
‫فقد أدى إىل مقتل ‪ 31‬شخصاً وتعريض مئات‬
‫اآلالف لإلشعاع‪ ،‬ال��ذي سيستمر تأثريه على‬
‫األجيال القادمة‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تاريخ اإلنترنت‬
‫ومستقبله‬
‫وسيم قدورة‬
‫(ماهو ضمان استمرارية االتصاالت بني السلطات‬
‫األمريكية يف ح��ال نشوب ح��رب ن��ووي��ة؟) س��ؤال أرق‬
‫مضاجع العلماء وقادة الواليات املتحدة األمريكية إثر‬
‫الغزو الروسي للفضاء وبدء سباق التسلح النووي الضاري إبان‬
‫احلرب الباردة‪ ،‬وكان من أهم األسباب الرئيسية لوالدة الشبكة‬
‫العنكبوتية اليت أصبحت حمور تطور حياتنا اليومية وبسرعة‬
‫فائقة‪.‬‬
‫فما هو اإلنرتنت وكيف بدأ ؟‬

‫‪122‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫تعريف اإلنرتنت‬
‫إذ أردن��ا تعريف اإلن�ترن��ت تعريفاً مبسطاً‬
‫فنعرّفه على أنه شبكة ضخمة من الكمبيوترات‬
‫املتصلة بعضها ببعض‪ ،‬حيث خي�دّم االنرتنت‬
‫يف ع��امل��ن��ا ال��ي��وم حن��و أك��ث��ر م��ن ‪ 200‬مليون‬
‫مستخدم‪.‬‬
‫وتنمو هذه الشبكة بشكل سريع للغاية حيث‬
‫تصل نسبة زيادة الكمبيوترات املتصلة باإلنرتنت‬
‫حنو ‪ %100‬سنوياً حسب بعض اإلحصاءات‪.‬‬
‫حكاية البداية‬
‫ب����دأت ف��ك��رة اإلن�ت�رن���ت خل��دم��ة املصاحل‬
‫العسكرية يف ب��ادئ األم��ر‪ ،‬وساهم يف نشأته‬
‫بصرية وتفكري بعض العلماء والباحثون الذين‬
‫رأوا بأن قيمة اإلمكانات اليت سيحصلون عليها‬
‫كبرية جداً يف حال إمكانية التواصل بني العلماء‬
‫يف أحن��اء األرض ومشاركة معلوماهتم ونتاج‬
‫حبوثهم عن طريق اإلنرتنت‪.‬‬
‫ففي ب��داي��ة الستينات وحت��دي��داً يف عام‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪1962‬م اق�ترح العامل ‪ JCR Licklider‬من‬
‫معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا يف الواليات‬
‫امل��ت��ح��دة األم��ري��ك��ي��ة أول ش��ب��ك��ة ع��امل��ي��ة من‬
‫الكمبيوترات‪ ،‬حيث كتب عدة مذكرات حول‬
‫مامساه ( شبكة غاالكتيك ( للتبادل اإللكرتوني‬
‫للبيانات عن طريق شبكة كمبيوترات متصلة‬
‫بعضها ببعض‪ ،‬وانتقل إث��ر ه��ذا االق�ت�راح إىل‬
‫وكالة مشاريع البحوث املتقدمة يف وزارة الدفاع‬
‫األمريكية لتطوير هذه الفكرة‪.‬‬
‫ووض��ع العامل ليونارد كلينروك ال��ذي كان‬
‫مدرساً يف معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا‬
‫والحقاً يف جامعة كاليفورنيا يف لوس أجنلس‬
‫نظرية مسيت بنظري حتويل احلزم اليت شكلت‬
‫األساس لعمل اإلنرتنت فيما بعد‪.‬‬
‫ويف عام ‪1965‬م قام ‪Lawrence Roberts‬‬
‫ب��رب��ط ك��م��ب��ي��وت��رات م��ع��ه��د ماساتشوستس‬
‫بكمبيوترات جامعة كاليفورنيا عن طريق خط‬
‫اهلاتف واليت أظهرت جدوى ربط الشبكات يف‬

‫‪123‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مناطق واسعة ولكنها أظهرت أيضاً أن دائرة‬
‫خط اهلاتف مل تكن كافية لتلك الشبكات يف‬
‫الوقت نفسه‪ ،‬وانتقل ‪ Roberts‬بعدها عام‬
‫‪1966‬م ليطور خطته واليت عرفت فيما بعد بـ‬
‫(أربانيت) ‪.ARPANET‬‬
‫ويف عام ‪1969‬م أسست األربانيت بتمويل‬
‫من وزارة الدفاع األمريكية إلجراء البحوث عن‬
‫طريق الشبكة حيث أحدث يف حينها أربع عقد‬
‫ربطت فيما بينها وه��ي ‪ :‬جامعة كاليفورنيا‬
‫يف سانتا باربرا ‪ ،‬وجامعة كاليفورنيا يف لوس‬
‫اجنليس ‪ ،‬وسري يف ستانفورد ‪ ،‬وجامعة والية‬
‫يوتا‪.‬‬
‫وجت َّلت فائدة هذه الشبكة يف نقل املعلومات‬
‫بسرعة هائلة بني تلك األج��ه��زة‪ ،‬كما أتاحت‬

‫‪124‬‬

‫للعلماء والباحثني إمكان االستفادة املشتَرَكة‬
‫من موارد أنظمة الكمبيوتر لديهم رغم تباعُد‬
‫املسافات‪.‬‬
‫واجلدير بالذكر أنه يف ذلك العام كانت عدة‬
‫منظمات وشركات تعمل يف جمال التكنولوجيا‬
‫أن��ش��أت ب��ال��ت��وازي حب���وث وت��ق��ن��ي��ات مماثلة‬
‫ل�لأرب��ان��ي��ت‪ ،‬دون العلم أن هنالك م��ن يعمل‬
‫على ه��ذه البحوث‪ ،‬وبسبب ذل��ك ف��إن الكثري‬
‫من املخرتعني الذين سامهوا بإجياد اإلنرتنت‬
‫أمسائهم غري معروفة‪.‬‬
‫بعد ذلك‪ ،‬ظهرت يف عام ‪ 1972‬خدمة الربيد‬
‫االلكرتوني (‪ )Email‬اليت ابتكرهتا شركة ‪BBN‬‬
‫إذ قدَّم أحد مربجميها‪ -‬وهو راي توملينسون‪ -‬أول‬
‫برنامج للربيد اإللكرتوني‪ .‬وتعتمد هذه اخلدمة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫على برنامج إلرسال الرسائل اإللكرتونية بني‬
‫الناس عرب شبكة المركزية‪ .‬وقد أصبح الربيد‬
‫اإللكرتوني الذي القى رواجا سريعا‪ ،‬أحد أهم‬
‫وسائل االتصاالت عرب اإلنرتنت‪.‬‬
‫وب��دأت أربانت يف أوائ��ل السبعينيات طرح‬
‫أول استخداماهتا التجارية‪ ،‬ويدعى ‪،Telnet‬‬
‫ثم تال ذلك دخوهلا مرحلة العاملية إثر ربطها‬
‫ببعض اجلامعات ومراكز األحباث يف أوروبا‪.‬‬
‫ويف أواخ��ر السبعينيات‪ ،‬ك��ان بإمكان الناس‬
‫حول العامل الدخول ‪ -‬عرب الشبكة‪ -‬يف نقاشات‬
‫ح��ول مواضيع متفرقة‪ ،‬عرب ما يعرف باسم‬
‫اجملموعات اإلخبارية (‪ )newsgroup‬مثل‬
‫‪.USENET‬‬
‫ومع ظهور شبكات أخرى تقدِّم خدمات الربيد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫اإللكرتوني(‪ )Email‬ونقل امللفات (‪)FTP‬‬
‫مثل شبكة ‪ ،)BITNET‬وشبكة‪،CSNET‬‬
‫إض��اف��ة إىل ‪ NSFnet‬ال�ت�ي ط��ورهت��ا ‪NSF‬‬
‫‪ ، )(National Science Foundation‬بدأ‬
‫انتشار استخدام مصطلح اإلنرتنت ‪ -‬يف أوائل‬
‫الثمانينيات‪ -‬على أنه جمموعة من الشبكات‬
‫املختلفة اليت ترتبط فيما بينها بوساطة جمموعة‬
‫ب��روت��وك��والت التحكم ب���اإلرس���ال‪ /‬بروتوكول‬
‫اإلن�ت�رن���ت (‪Transmission Control‬‬
‫‪Protocol/Internet Protocol- TCP/‬‬
‫‪ ،)IP‬وهي جمموعة بروتوكوالت طورهتا وزارة‬
‫ال��دف��اع األم��ري��ك��ي��ة‪ ،‬إلت��اح��ة االت��ص��االت عرب‬
‫الشبكات املختلفة األنواع‪.‬‬
‫ومع مرور الوقت‪ ،‬كان عدد العُ َقد يتزايَد‪،‬‬
‫وراف���ق ذل��ك ت��زايُ��د يف سرعة نقل البيانات‪،‬‬
‫وال سيَّما إث��ر اس��ت��خ��دام خ��ط��وط خمصصة‬
‫(‪ )dedicated lines‬م��ث��ل ‪T1( T1‬‬
‫‪ .)carrier‬وقد أسهم ذلك يف توسع الشبكة‬
‫اليت أصبحت وسيلة رئيسة لالتصال‪ ،‬وظهر‬
‫إثر ذلك مجعيات وهيئات هتتم بتطوير اإلنرتنت‬
‫مثل ‪IAB‬و ‪.IETF‬‬
‫وم���ع ب��داي��ة التسعينيات‪ ،‬ظ��ه��رت واجهة‬
‫تستخدم النصوص وتعتمد القوائم (‪)menus‬‬
‫للوصول إىل املعلومات عرب العامل‪ ،‬وتُدعى هذه‬
‫الواجهة ‪ Gopher،‬ولكن الثورة احلقيقية يف‬
‫عامل اإلنرتنت كانت ظهور شبكة الويب العاملية‬
‫(‪ ،)World Wide Web- WWW‬وهي‬
‫خ��دم��ة سهلة االس��ت��خ��دام تعتمد يف عرض‬
‫املعلومات على النصوص وال �صُ �وَر والصوت‬
‫والفيديو‪ ،‬وممَّا ساعدها على االنتشار مضاعفة‬
‫سرعة خطوط االتصال‪.‬‬
‫وظ��ه��رت يف ه��ذه ال��ف�ترة الشركات املو ِّفرة‬
‫خل��دم��ة اإلن�ت�رن���ت (‪Internet Service‬‬
‫‪ ،)Providers-ISPs‬وذل��ك لتزويد الناس‬
‫باشرتاك خبدمة اإلنرتنت عرب شبكة االتصال‬

‫‪125‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اهلاتفي‪ .‬وبعد ذل��ك‪ ،‬ظهرت جمموعة أخرى‬
‫من الشركات املتخصصة باإلنرتنت‪ ،‬منها من‬
‫يقدم مستعرِضات (‪ ،)browsers‬ومنها من‬
‫يقدم حمركات حبث (‪)search engines‬‬
‫للمواضيع املختلفة على الشبكة‪ ،‬ومنها من‬
‫يقدم لغات لربجمة وتطوير امل��واق��ع‪ .‬ويوجد‬
‫حالياً على اإلنرتنت ماليني املواقع اليت تغطي‬
‫خمتلف امل��واض��ي��ع م��ن ث��ق��اف��ي��ة‪ ،‬وسياسية‪،‬‬
‫وع��ل��م��ي��ة‪ ،‬وص��ن��اع��ي��ة‪ ،‬إض��اف��ة إىل التجارة‬
‫اإللكرتونية (‪ )E-commerce‬والتعامالت‬
‫املالية عرب الشبكة‪.‬‬

‫يزال هو املشكلة الكربى اليت تقف عائقاً أمام‬
‫العديد من التطبيقات الثورية‪ .‬وكان ال بد من‬
‫اعتماد خطوط أسرع من اخلطوط اهلاتفية‪،‬‬
‫وتتمتع بعرض حزمة (‪ )bandwidth‬أكرب‬
‫مثل‪ :‬األل��ي��اف الضوئية (‪،)fiber optics‬‬
‫وك��واب��ل ال��ب��ث ال��ت��ل��ف��زي��ون��ي (‪television‬‬
‫‪ ،)cable‬واألقمار الصناعية ‪)satellites(.‬‬
‫وهنالك العديد من األحباث الرامية إىل حل‬
‫َّ‬
‫مشكلة البطء‪،‬‬
‫ومتخض عنها عدة مشاريع‬
‫ميكن تقسيمها إىل جيلني من أجيال اإلنرتنت‪.‬‬

‫اجليل الثاني لإلنرتنت ‪:‬‬
‫ب���دأ اجل��ي��ل ال��ث��ان��ي ب��ال��ظ��ه��ور ع��ل��ى أرض‬
‫مستقبل اإلنرتنت؟‬
‫رغم النجاح اهلائل الذي حققه اجليل احلايل ال��واق��ع‪ ،‬ويتمثل ذل��ك يف ع��دة مشاريع منها‪:‬‬
‫من اإلنرتنت‪ ،‬إال إن البطء يف نقل املعلومات ال إنرتنت (‪ ،2 )Internet2‬وإنرتنت اجليل املُقبل‬

‫‪126‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫(‪،)Next Generation Internet- NGI‬‬
‫وشبكة ‪ .CAnet2‬ويعتمد هذا اجليل نسخة‬
‫مطوَّرة من بروتوكول اإلنرتنت هي ‪ ، IPv6‬كما‬
‫يدعم ميزتني مهمتني مها‪ :‬اإلرسال املتزامن‬
‫املتعدد الوجهات (‪ ،)Multicasting‬وميزة‬
‫ج��ودة اخلدمات (‪Quality of Service-‬‬
‫‪ )QoS‬ال��ت�ي ت���دع���م ال���ب���ث احل����ي مللفات‬
‫الفيديو‪ ،‬وتدعم تطبيقات الوسائط املتعددة‬
‫‪)multimedia(.‬‬
‫اجليل الثالث لإلنرتنت‪:‬‬
‫َ‬
‫ما زال اجليل الثالث لإلنرتنت قيْد األحباث‪،‬‬
‫َّ‬
‫ومن‬
‫املتوقع له أن يدعم مجيع املزايا املتقدمة‬
‫وال سيَّما تلك اليت تتط َّلب سرعة عالية جدا‪ً.‬‬
‫ومن أبرز املشاريع املقدَّمة شبكة ‪،Canet3‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وشبكة ‪ .SUPERNet‬ويدعم هذا اجليل‬
‫ميزتني مهمَّتني مها‪:‬‬
‫• استخدام تقنية ‪Dense Wavelength‬‬
‫‪،Division Multiplexing- DWDM‬‬
‫وه��ي تقنية تستخدم األل��ي��اف الضوئية يف‬
‫اإلرس��ال بسُرعات تصل إىل ‪ 400‬غيغابت‪/‬‬
‫ثانية‪ ،‬مما يسرِّع نقل الصوت والفيديو بدرجة‬
‫هائلة‪.‬‬
‫• اس��ت��غ�لال األل���ي���اف امل��ع �تِ��م��ة (‪dark‬‬
‫‪ )fiber‬يف التحويل (‪ )switching‬والتوجيه‬
‫(‪ .)routing‬ويف حقيقة األمر‪ ،‬فإن األلياف‬
‫َ‬
‫املعتِمة هي‬
‫مصطلح يتع َّلق باأللياف الضوئية‬
‫(‪ ،)optic fiber‬وهو يُعبِّر عمّا تنطوي عليه‬
‫البُنى التحتية املستنِدة إىل األلياف الضوئية‬
‫من ُقدرات مل يتمّ استغالهلا حتى اآلن‪.‬‬
‫وس��ي��ؤدي ه��ذا التطور إىل ث��ورة يف جمال‬
‫ال��ت��ج��ارة االل��ك�ترون��ي��ة (‪،)E-commerce‬‬
‫وسيساعد على هذه الثورة طرح العديد من‬
‫األج��ه��زة ال��ق��ادرة على ال��ول��وج إىل خدمات‬
‫اإلن�ترن��ت مثل‪ :‬اهل��وات��ف النقالة‪ ،‬وال�ب�رادات‪،‬‬
‫والسيارات وسواها‪.‬‬
‫وم���ن اجل��دي��ر ب��ال��ذك��ر‪ ،‬أن ه���ذا التطور‬
‫س���ي���ؤدي إىل ان���ت���ش���ار ت��ط��ب��ي��ق��ات ثورية‬
‫ع��ل��ى اإلن�ت�رن���ت م��ث��ل‪ :‬ال��ت��ل��ف��زي��ون التفاعلي‬
‫(‪ ،)Interactive TV‬والتعليم اإللكرتوني‬
‫(‪ ،)E-learning‬ومؤمترات الفيديو (‪video‬‬
‫‪ .)conferencing‬أما عن تطبيقات الواقع‬
‫االفرتاضي (‪ ،)virtual reality‬فسيتمكن‬
‫العلماء من أن يتشاركوا عن بُعد أجهزة ذات تقنية‬
‫عالية مثل املايكروسكوب (‪،)microscope‬‬
‫وسيتمكن األط���ب���اء م��ن م��ع��اي��ن��ة مرضاهم‬
‫وإج����راء العمليات اجل��راح��ي��ة هل��م ع��ن بعد‬
‫(‪ ،)virtual surgery‬إض��اف��ة إىل ظهور‬
‫املتاحف واملكتبات االفرتاضية ‪virtual(.‬‬
‫‪)libraries and museums‬‬

‫‪127‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ولع القدماء‬
‫باقتناء نسخ الكتب األصلية‬
‫د‪ .‬صاحل خضور‬

‫نظراً لتعدد نسخ املخطوط الواحد‪ ،‬فقد حدد العلماء العرب‬
‫ومنذ بدايات التدوين معايري حمددة مازالت هي نفسها اليت‬
‫يرجع إليها العلماء احملققون عند نقد النصوص القدمية‬
‫هبدف نشرها‪ .‬ومن هذه املعايري‪ :‬قدم النّسخة وصحتها‪ ،‬ومقابلتها‬
‫بغريها‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وال��ق��دم‪ :‬يعين أن تكون النسخة قد كتبت‬
‫خبط مؤلفها أو قرأت عليه‪ ،‬أو طالعها بعض‬
‫العلماء‪ .‬وتستمد بعض النسخ قيمتها ألهنا‬
‫كتبت خبط عامل شهري‪ ،‬أو متلكها أحد العلماء أو‬
‫تداوهلا أكثر من عامل‪ ،‬ووجدت عليها مساعات‬
‫أو قراءات أو إجازات‪ .‬وقد اعترب قدم النسخة‬
‫نوعاً من الضمان لصحتها واعتمادها‪.‬‬
‫وقد كان العلماء القدماء يشريون إىل اقتنائهم‬
‫أو اطالعهم على مؤلفات خبطوط مؤلفيها أو‬
‫طالعها واستفاد منها علماء مشهود هلم‪ .‬ومسّى‬
‫عبد القادر البغدادي أمثال هذه النسخ ((نسخاً‬
‫صحيحة مقروءة وعليها خط العلماء))‪ .‬وبرهن‬
‫بعض النسخ ال�تي وص��ل��ت إلينا على عناية‬
‫املؤلفني والعلماء العرب هبا وتقديراً كبرياً هلا‪.‬‬
‫حتى املستشرق برجسرتاسر‪ ،‬الحظ أن العلماء‬
‫العرب كانوا أكثر تقديراً لقيمة املخطوطات‬
‫املكتوبة خبط مؤلفيها عن علماء الغرب‪.‬‬
‫وتؤكد لنا مؤلفات أربعة من العلماء العرب‬
‫ال��ذي��ن اشتهروا جبمع الكتب واالع��ت��ن��اء هبا‪،‬‬
‫وتقدم لنا معلومات مهمة عن تقدير القدماء‬
‫هلذه النسخ اليت أفادوا منها‪ ،‬إضافة لضبطها‬
‫وحتريرها مبعلومات كثرية عن تاريخ تأليفها أو‬
‫تواريخ وفيات كتّاهبا‪ ،‬من خالل تاريخ الفراغ‬
‫من كتابة النسخة وكذلك مبا عليها من إجازات‬
‫ومساعات وقراءات وتقييدات‪.‬‬
‫وه��ؤالء املؤلفون هم ‪ - :‬حممد بن اسحاق‬
‫النديم املتويف حنو سنة ‪ 412‬هـ‪ .‬صاحب كتاب‬
‫((الفهرست )) ‪ -‬أبو عبد اهلل ياقوت بن عبد‬
‫اهلل ال��روم��ي احل��م��وي امل��ت��ويف سنة ‪626‬ه���ـ‪.‬‬
‫صاحب كتاب ((معجم األدب����اء)) و ((معجم‬
‫ال��ب��ل��دان)) ومعاصره ال��وزي��ر مج��ال الدين أبو‬
‫احلسن علي بن يوسف القفطي املتويف سنة‬
‫‪ 636‬هـ‪ .‬صاحب كتاب ((إنباه الرواة على أنباه‬
‫النحاه))‪ .‬ثم صاحب التأليف الضخمة صالح‬
‫الدين خليل أيبك الصّفدي املتويف سنة ‪764‬هـ‪.‬‬
‫وقد نقل كل من ابن النديم وياقوت والقفطي‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫الكثري من املعلومات من الكتب النادرة املتقدمة‬
‫ال�تي فقدت أصوهلا على ع��امل ك��ويف ك��ان من‬
‫أصحاب إم��ام الكوفيني يف النحو واللغة أبي‬
‫العباس أمحد بن حييى‪ ،‬تغلب املختصون به‪،‬‬
‫وه��و أب��و احلسن علي بن حممد بن عبيد بن‬
‫الزبري األسدي النحوي اللغوي املعروف بـ ابن‬
‫الكويف املتويف سنة ‪ 348‬هـ‪ 960 = .‬م‪ .‬هكذا‬
‫وجد ياقوت امسه خبطه على عدة من كتبه‪،‬‬
‫كما يذكر يف كتابه ((معجم األدب����اء)) حيث‬
‫يقول عنه ياقوت بأنه ((صاحب اخلط املعروف‬
‫ب��ال��ص��ح��ة‪ ،‬امل��ش��ه��ور ب��إت��ق��ان ال��ض��ب��ط وحسن‬
‫الشكل‪ ،‬ويضيف‪ :‬رأيت خبطه عدة كتب فلم أر‬
‫أحسن ضبطاً وإتقاناً للكتابة منه‪ ،‬فإنه جيعل‬
‫اإلعراب على احلرف مبقدار احلرف احتياطاً‪،‬‬
‫ويكتب على الكلمة املشكوك فيها عدة مرار‪:‬‬
‫صحّ صحّ صحّ وكان من مجاعي الكتب وأرباب‬
‫اهلوى فيها)) ‪ .‬والبن الكويف بعض املؤلفات منها‬
‫‪ (( :‬كتاب يف معاني الشعر واختالف العلماء ))‬
‫وكتاب ((الفرائد والقالئد يف اللغة والشعر ))‬
‫وكتاب ((اهلمّز)) الذي ظل موجوداً إىل أوائل‬
‫القرن السابع اهلجري حيث يؤكد ياقوت أنه رآه‬
‫خبطه‪.‬‬
‫ويذكر ابن النديم يف أكثر من موضع قائالً‪:‬‬
‫((نقلت من خط ابن الكويف)) أو ((قرأت خبط‬
‫ابن الكويف)) كما وجد خبطه نسخة من كتاب‬
‫((من استجيب دعوته)) وكتاب (( احليل)) حملمد‬
‫بن اسحاق ابن النديم البغدادي‪ ،‬املعروف بابن‬
‫أبي يعقوب الورّاق‪ ،‬سوى أنه صاحب أول وأهم‬
‫كتاب يؤرّخ للرتاث العربي وأكثرها مشوالً حتى‬
‫هناية القرن الرابع اهلجري = العاشر امليالدي‪.‬‬
‫وعنوان كتابه هو ((الفهرست)) أو ((الفهرست‬
‫يف أخبار األدباء)) وكان بدأ يف تأليفه عام ‪377‬‬
‫هـ‪ 987 = .‬م‪ .‬وقد كان ابن النديم ورّاق�اً يبيع‬
‫الكتب يف بغداد‪ ،‬وهذا ما مسح له أن يرى معظم‬
‫الكتب اليت ذكرها‪ ،‬وأن حيدد قيمتها العلمية‬
‫واملادية‪ .‬كما مسحت له حرفته مجع الكثري من‬

‫‪129‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مادة كتابه ماجيعلنا نثق فيما يذكره من أنه‬
‫رأى ه��ذا الكتاب أو شاهد نسخة منه خبط‬
‫مؤلفه أو خبط أحد العلماء‪.‬‬
‫وقد سبقت حماوليت ابن الكويف وابن النديم‬
‫يف وضع فهرست للكتب يف موضوعاهتا‪ ،‬حماولة‬
‫عامل الكيمياء املشهور جابر بن حيان بن عبد‬
‫اهلل الكويف‪ .‬فقد ذكر ابن النديم أن ((له فهرساً‬
‫كبرياً حيتوي على مجيع الكتب اليت أ ّلفت يف‬
‫الصّنعة وغريها‪ ،‬ول��ه فهرست صغري حيتوي‬
‫على م��ا أل��ف يف الصنعة ف��ق��ط))‪ .‬كما صنع‬
‫أبو زكريا حييى بن عدي بن محيد بن زكريا‬
‫املنطقي فهرستاً لكتب أرسطو طاليس‪ .‬وعمل‬
‫حنني بن اسحاق ((فهرست كتب جالينوس))‪،‬‬
‫استفاد منه ابن النديم يف مواضع كثرية‪.‬‬
‫ياقوت احلموي ‪:‬أما شهاب الدين أبو عبد‬
‫اهلل ياقوت بن عبد اهلل الرومي احلموي املتويف‬
‫سنة ‪ 626‬ه��ـ‪ 1229 = .‬م‪ .‬فقد ك��ان يشتغل‬
‫بالنّسخ ب��األج��رة وبتجارة الكتب‪ ،‬ما أت��اح له‬
‫الوقوف على الكثري منها واقتنائها‪ ،‬وقام بنسخ‬
‫العديد من الكتب اليت وصلت إلينا نسخ منها‪.‬‬
‫وقد أشار يف مقدمة كتابه ((معجم األدباء))‬
‫إىل أنه ‪(( :‬مج��ع يف هذا الكتاب ما وقع إليه‬
‫من أخبار النحويني واللغويني والنّسابني والقراء‬
‫املشهورين واإلخباريني وامل��ؤرخ�ين والوراقني‬
‫املعروفني والكتاب املشهورين وأصحاب الرسائل‬
‫املدوّنة وأرباب اخلطوط املنسوزبة واملعيّنة ))‪.‬‬
‫وحرص ياقوت على وصف الكثري من النّسخ‬
‫اليت وقعت له أو ّ‬
‫اطله عليها وذكر ما عليها من‬
‫مساعات وق��راءات وإج��ازات والكثري من هذه‬
‫النسخ خبطوط مؤلفيها أو كتبها علماء أو عليها‬
‫خطوط العلماء‪.‬‬
‫وكان الوزير األكرم مجال الدين أبو احلسن‬
‫علي بن يوسف بن إبراهيم القفطي مجّاعة‬
‫للكتب حريصاً عليها‪ ،‬مجع منها ما ال يوصف‬
‫وقصد هبا من اآلفاق وكان كما يقول الصفدي‬
‫((الحي��ب من الدنيا سواها‪ ،‬ومل تكن له دار‬

‫‪130‬‬

‫وال زوج��ة‪ ،‬وأوص��ى هبا للناصر صاحب حلب‬
‫وكانت تساوي مخسني ألف دينار )) وقد أتاح‬
‫له امتالكه هلذا الكم الكبري من الكتب املعتربة أن‬
‫جيمع مقداراً وافراً من التعليقات والتقييدات‬
‫والفوائد اليت تعوّد العلماء أن يضيفوها على‬
‫ظهور الكتب اليت كانت موضوع كتابه ‪(( :‬هنزة‬
‫اخلاطر ونزهة النّاظر يف أحسن ما نقل من‬
‫على ظهور الكتب)) وقد فقد اليوم هذا الكتاب‬
‫كما يؤكد ياقوت والصفدي واب��ن شاكر وابن‬
‫العماد‪.‬‬
‫أما صالح الدين خليل بن أيبك الصفدي‬
‫املتوفى سنة ‪ 764‬هـ‪ .‬فهو صاحب كتاب ((الوايف‬
‫بالوفيات)) أكرب كتاب يف الرتاجم إىل هناية القرن‬
‫الثامن اهلجري‪ .‬كما قام بنسخ ما يقارب من‬
‫مئتني من اجمللدات وكان جيد اخلط‪.‬‬
‫ووجد ابن سعد خبطه كما ينقل عنه ((كتبت‬
‫خبطي ما يقارب من مخسمئة جملدة)) والصّفدي‬
‫هو أول املؤلفني الذين وصلت إلينا مناذج وافية‬
‫خلطوطهم‪ ،‬سواء ملسودّات مؤلفاته أو ما دوّنه‬
‫خبطه على الكتب اليت متلكها أو مسعها على‬
‫املشايخ أو طالعها‪ .‬ومن الضروري التنويه بأن‬
‫القدماء مل يستخدموا كلمة ((خمطوط)) اليت‬
‫نستخدمها اليوم لإلشارة إىل هذه الكتب‪ .‬وكلمة‬
‫((خم��ط��وط)) ال�تي نستخدمها اليوم للداللة‬
‫على الكتب املكتوبة خبط اليد واليت خلّفها لنا‬
‫القدماء‪ ،‬هي ترمجة لكلمة ‪MANUSCRIT‬‬
‫الفرنسية وال�ت�ي استخدمت ع��ام ‪ 1594‬يف‬
‫مقابل كلمة ((مطبوع)) رغم ورود هذا اللّفظ‬
‫يف بعض املعاجم القدمية‪ ،‬حيث ورد أول ذكر له‬
‫عند الزفخشري املتويف سنة ‪ 538‬هـ‪ .‬يف كتابه‬
‫((أساس البالغة)) يقول يف مادة (( خطط))‪:‬‬
‫((خ� ّ‬
‫ّ‬
‫خيطه‪ ...‬وكتاب خمطوط ))‪.‬‬
‫�ط الكتاب‬
‫وورد ذك��ر ه��ذا اللفظ عند حممد مرتضى‬
‫الزبيدي املتويف ‪ 1205‬هـ‪ .‬يف تاج العروس يقول‬
‫يف نفس املادة ((كتاب خمطوط أي مكتوب فيه))‬
‫وقد اشار القدماء إىل الكتب اليت استفادوا منها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫أو نقول عنها بلفظ ((الكتاب)) أو ((النسخة))‬
‫أو ((اجلزء)) أو ((اجمللد))‪.‬‬
‫ونعود إىل الكتب اليت وقف عليها ابن النديم‬
‫خبطوط مؤ ّلفيها ونذكر منها ‪ :‬كتاب ((اهلدايا))‬
‫وكتاب ((الزّهد وأخبار الزّهاد))‪ .‬ألبي عبد اهلل‬
‫بن عمران بن موسى املرزباني املتوفى سنة‬
‫‪ 384‬هـ‪ .‬وكتاب ((أشعار قريش)) ألبي أمحد‬
‫بشر املرثدي‪ .‬كتاب ((اخل��راج الكبري)) وكتاب‬
‫((ال��ش��راب واملنادمة)) لـ أمح��د بن حممد بن‬
‫سليمان بن بشار الكاتب‪ .‬كتاب ((ال���وزراء))‬
‫الب��ن ع��ب��دوس اجلهشياري‪ .‬أم��ا الكتب فهي‬
‫كثرية ج��داً‪ ،‬منها كتاب ألبي العباس أمحد بن‬
‫حييى ثعلب‪ ،‬خبط عبد اهلل بن مقلة اخلطاط‬
‫املشهور‪ .‬ورأى كتاب ((احليوان)) للجاحظ يف‬
‫سبعة أج��زاء مضافاً إليه كتاب مساه ((كتاب‬
‫ال��ن��س��اء)) خب��ط زك��ري��ا ب��ن حييى ب��ن سليمان‬
‫ويكنى بأبي حييى وراق اجلاحظ‪ ،‬ورأى أيضاً‬
‫كتاب ((النوادر يف الغريب)) ألبي شبل العقيلي‬
‫خب��ط عتيق ب��إص�لاح أب��ي عمر ال��زاه��د‪ ،‬كما‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫شاهد خبط أبي جعفر حممد بن جرير ّ‬
‫الطريي‬
‫((شيئاً كثرياً من كتب اللغة والنحو والشعر‬
‫والقبائل))‪ .‬وقرأ ابن النديم كتباً كثرية خبطوط‬
‫العلماء وكبار الوراقني‪ :‬يقول ((قرأت خبط أبي‬
‫العباس ثعلب)) وق��رأت ((خب��ط أبي عبد اهلل‬
‫بن مقلة)) وقرأت ((خبط أبي الفتح عبيد اهلل‬
‫بن أمحد النحوي)) وق��رأت ((خب��ط حييى بن‬
‫عدي)) ‪.‬‬
‫أما الكتب اليت رآها ياقوت احلموي أو اطلع‬
‫عليها أو نقل عنها خبطوط مؤلفيها مثل ‪ :‬ديون‬
‫شعره خبط ي��ده ألب��ي رش��اد أمح��د بن حممد‬
‫بن القاسم بن أمحد األخسيكثي امللقب بذي‬
‫الفضائل املتويف سنة ‪ 528‬هـ‪ .‬كما رأى كتاباً يف‬
‫النحو خبط أبي العباس أمحد بن حممد األبي‬
‫املتويف سنة ‪ 598‬هـ‪ .‬وذكر كتاب ((تاريخ مرو))‬
‫ومسوّدته وأنه رآه خبط مؤلفه صاحل أمحد بن‬
‫عبد اهلل امللك بن علي بن أمحد بن عبد الصمد‬
‫النيسابوري املتويف سنة ‪ 470‬هـ‪ .‬وأحياناً يذكر‬
‫عناوين الكتب من قبيل ‪ (( :‬قرأت خبط هالل‬

‫‪131‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بن املظفر الرحياني يف كتاب أ ّلفه )) وقرأت‬
‫((خب��ط أبي حيان التوحيدي من كتابه الذي‬
‫ألفه يف تقريظ اجلاحظ))‪.‬‬
‫ووقف ياقوت على نسخة من كتاب ((الوشاح))‬
‫أو ((وشاح الدّمينة)) البن احلسن علي بن زيد‬
‫البيهقي خبطه‪ .‬كذلك فقد وقف ياقوت خبزانة‬
‫امللك املعظم ابن العادل بن أيوب صاحب دمشق‪،‬‬
‫على العديد من املؤلفات خبطوط مؤلفيها مثل‬
‫كتاب ‪(( :‬الصحاح)) للجوهري‪ ،‬قال ((وقفت‬

‫‪132‬‬

‫على نسخة م��ن ال��ص��ح��اح)) خب��ط اجلوهري‬
‫بدمشق عند امللك املعظم ابن العادل بن أيوب‬
‫صاحب دمشق وقد كتبها يف سنة ست وتسعني‬
‫وثالمثئة‪ .‬وكتاب ((تنقيح البالغة)) ألبي سعد‬
‫حممد بن أمح��د بن حممد احلميدي املتوفى‬
‫سنة ‪ 433‬هـ‪ .‬أما الكتب اليت وقف عليها ياقوت‬
‫أو اعتمد عليها‪ ،‬وعليها خطوط مؤلفيها أو‬
‫كتبت خبطوط العلماء والوراقني‪ ،‬فأكثر من أن‬
‫حتصى‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫الوزير القفطي‪ :‬كان الوزير علي بن يوسف‬
‫ب��ن اب��راه��ي��م القفطي امل��ت��ويف سنة ‪ 646‬هـ‪.‬‬
‫= ‪ 1248‬م‪ .‬حريصاً على ذكر عناوين الكتب‬
‫اليت كتبت خبطوط مؤلفيها‪ ،‬سواء امتلكها أم‬
‫اطلع عليها‪ .‬نذكر منها‪ :‬كتاب ((هتذيب اشتقاق‬
‫املربدّ )) ألبي حممد عبد اهلل بن حممد بن عبد‬
‫اهلل بن االش�يري املتويف سنة ‪ 561‬هـ‪ .‬وكتاب‬
‫((غريب القرآن )) ألبي عبد الرمحن عبد اهلل‬
‫بن حييى بن املبارك بن املغرية املعروف بابن‬
‫ال��ي��زي��دي‪ .‬وك��ت��اب ((ال��ك��س��وف)) ألب��ي حنيفة‬
‫أمحد بن داؤد الدّيتوري املتويف سنة ‪ 282‬هـ‪.‬‬
‫وكتاب ((النوادر)) ألبي علي احلسن بن عليل‬
‫بن احلسني بن علي بن حبيش بن سعد العنزي‪.‬‬
‫كتاب ((التذكرة)) ألبي حممد سعيد بن املبارك‬
‫ب��ن علي ب��ن ال��ده��ان ال��ب��غ��دادي امل��ت��ويف سنة‬
‫‪ 569‬هـ‪ 1173 = .‬م‪ .‬كتاب ((االنتصار)) البن‬
‫الشّجري وقد ملكه خبطه ‪ .‬كتاب ((األزهيه))‬
‫لعلي بن حممد اهلروي النحوي وهو يف معاني‬
‫العوامل‪ ،‬وغريها كثر‪..‬‬
‫وك��ان العلماء يستغنون بعضهم بعضاً يف‬
‫التحقق من خطوط النسخ وممتلكيها‪ .‬وذلك‬
‫للتأكد من صحة املخطوط ونسبه‪ ،‬وكان ياقوت‬
‫احلموي قد شاهد مبدينة مرو نسخة من كتاب‬
‫((هت��ذي��ب ال��ل��غ��ة)) ل�لأزه��ري خبطه عند بين‬
‫السّمعاني‪ .‬وكان مع الطبيب املؤرخ موفق الدين‬
‫أبي العباس أمحد بن القاسم بن خليفة‪ ،‬املعروف‬
‫بابن أبي أصيبعه املتوفى سنة ‪ 668‬هـ‪ .‬العديد‬
‫من الكتب األصول اليت ذكرها يف كتابه (( عيون‬
‫األنباء يف طبقات األطباء)) الذي صنّعه سنة‬
‫‪643‬ه��ـ‪ .‬منها كتاب ((احلميّات)) إلسحاق بن‬
‫سليمان‪ .‬وكتاب ((منافع األعضاء جلالينوس))‬
‫البن أبي صادق النيسابوري‪ .‬قال ‪(( :‬وجدت‬
‫األصل من هذا الكتاب‪ ،‬تاريخ الفراغ منه سنة‬
‫تسع ومخسني وأربعمئة موقعاً عليه خبط ابن‬
‫أبي صادق))‬
‫وباإلضافة للمؤلفني السابق ذكرهم‪ ،‬فقد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وصل إلينا العديد من النّسخ اليت أشار إليها‬
‫صالح الدين خليل بن أيبك الصّفدي املتويف‬
‫سنة ‪ 764‬ه��ـ‪ 1363 = .‬م‪ .‬يف كتابه الوايف‬
‫بالوفيات إىل متلكها أو رآه��ا أو نقل منها أو‬
‫ّ‬
‫اطلع عليها‪ ،‬شاهدة على دقة علمائنا القدماء‬
‫يف توثيق أخبارهم‪ .‬من هذه املؤلفات كتب لعلي‬
‫بن سعيد املغربي مثل ‪ :‬كتاب (( كنوز املطالب‬
‫يف آل أب��ي طالب)) ق��ال ‪(( :‬مبكته خبطه يف‬
‫أرب��ع��ة جم��ل��دات ))‪ .‬ك��ت��اب ((الغراميات))‬
‫وكتاب ((حلي الرسائل)) وكتاب ((املشرق يف‬
‫أخبار أهل املشرق)) وكتاب ((املغرب يف حليب‬
‫املغرب)) كذلك امتلك ((معجم)) شهاب الدين‬
‫أبي اسحاق امساعيل بن كامل بن عبد الرمحن‬
‫القوصي املرجّي املتويف سنة ‪ 653‬هـ‪ .‬ونسخه‬
‫من كتاب (شرح اللّمع) ألبي قاسم عمر بن ثابت‬
‫الثمانيين النحوي الضرير املتويف سنة ‪442‬‬
‫هـ‪ .‬ونسخة من (( العباب الزاخر يف اللغة))‬
‫للصاغاتي‪.‬‬
‫املقريزي ‪ :‬وقد أشار شيخ مؤرخي مصر تقي‬
‫الدين أبو العباس أمحد بن علي املقريزي املتويف‬
‫سنة ‪ 845‬هـ‪ 1142 = .‬م‪ .‬إىل بعض املؤلفات‬
‫اليت وقف عليها خبطوط مؤلفيها واستند إليها‬
‫يف مؤ ّلفاته‪ ،‬وخاصة كتابه الرئيس ((املواعظ‬
‫واالع��ت��ب��ار يف ذك��ر اخلطط واآلث����ار)) وكتاب‬
‫((س�يرة املعز لدين اهلل)) الب��ن زوالق وكتاب‬
‫((تعليق املستجدات للقاضي الفاضل عبد‬
‫الرحيم بن علي البيساني )) وكتاب ((السرية‬
‫الناصرية)) لعماد الدين موسى حممد بن حييى‬
‫اليوسفي‪ ،‬وغريها الكثري‪.‬‬
‫ونستطيع أن نقدّر مدى اهتمام العلماء باقتناء‬
‫الكتب اليت خبطوط مصنّفيها نقالً عما رواه‬
‫ابن حجر العسقالني عن قاضي القضاء برهان‬
‫الدين أبي اسحاق ابراهيم بن عبد الرحيم بن‬
‫حممد بن مجاعة املتويف سنة ‪ 790‬هـ‪ .‬من أنه‬
‫((خلّف من الكتب النفيسة ما يعزّ اجتماع مثله‪،‬‬
‫ألنه كان مغرماً هبا‪ ،‬فكان يشرتي النسخة من‬

‫‪133‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الكتاب اليت إليها املنتهى يف احلسن‪ ،‬ثم يقع‬
‫له ذل��ك الكتاب خبط مصنّفة فيشرتيه‪ ،‬فال‬
‫يرتك إىل أن اقتنى خبطوط املصنّفني ماال يعبّر‬
‫عنه كثرة))‬
‫أما احملدّث واملؤّرخ النافذ مشس الدين حممد‬
‫بن عبد الرمحن بن حممد السّخاوي املتويف سنة‬
‫‪ 902‬هـ‪ .‬والذي أمضى حياته يف القاهرة الغنية‬
‫مبكتباهتا‪ ،‬واليت شاهد فيها وامتلك ّ‬
‫واطلع على‬
‫العديد من النسخ األصلية واملعتربة‪ .‬فقد امتلك‬
‫بنفسه كتاب ((تاريخ مصر)) لقطب الدين عبد‬
‫الكريم بن عبد النور احلليب‪ .‬وكتاب ((التقات))‬
‫البن حيان وكتاب ((ذي��ل تاريخ بغداد)) لتقي‬
‫الدين حممد بن رافع املتويف سنة ‪ 774‬هـ‪ .‬و‬
‫((معجم السّفر )) للحافظ أبي الطاهر أمحد بن‬
‫حممد السّلفي املتويف سنة ‪ 576‬هـ‪ .‬و ((معجم‬
‫الدمياطي)) شرف الدين عبد املؤمن بن خلف‬
‫الدمياطي املتويف سنة ‪ 688‬هـ‪ .‬وهو يف أربعني‬
‫جزءاً‪ .‬واملعجم الكبري للذهيب والنصف األول من‬
‫كتاب ((تاريخ اليمن)) للخزرجي وعدة جملدات‬
‫من ((تاريخ حلب)) لكمال الدين أبي حفص‬
‫عمر بن أمحد بن العديم‪.‬‬
‫ووص��ل إلينا من��وذج من خط اب��ن املستويف‬
‫اإلرب���ل���ي ح��ي��ث ك��ت��ب خب��ط��ه ((دي������وان شعر‬
‫القطامي)) احملفوظة بدار الكتب املصرية حتت‬
‫رقم ‪ 546‬أدب‪ .‬أما كتاب ((تاريخ مدينة دمشق))‬
‫للحافظ أبي القاسم علي بن احلسن بن هبة اهلل‬
‫الشافعي املعروف بابن عساكر املتويف سنة ‪571‬‬
‫هـ‪ .‬فذكر أن أصله يف مثانني جملداً وشاهد فيه‬
‫نسخة يف احملمودية يف سبعة ومخسني جملداً‪.‬‬
‫ورأى ذيله ال��ذي أل ّفه احلافظ مشس الدين‬
‫الذهيب وقال ((وهو خبطه يف عشرة أجزاء))‪.‬‬
‫وعند حديث السنحاوي عن ((تاريخ بغداد))‬
‫للخطيب البغدادي قال ‪(( :‬الكتاب كله يف مخسة‬
‫عشر جملداً من املوقوف جبامع احلاكم‪))..‬‬
‫ومن الكتب اليت وقف عليها السنحاوي وهي‬
‫خبطوط مؤلفيها ((ت��اري��خ اب��ن اجل��زري )) لـ‬

‫‪134‬‬

‫مشس الدين حممد بن أب��ي بكر بن ابراهيم‬
‫الدمشقي املتويف سنة ‪ 739‬هـ‪ .‬وكتاب ((شذور‬
‫العقود يف تاريخ العقود)) البن اجل��وزي وهو‬
‫اختصار كبري لتارخيه الكبري ((املنتظم))‪.‬‬
‫أما احلافظ جالل الدين عبد الرمحن بن‬
‫أب��ي بكر السّيوطي املتويف سنة ‪ 911‬هـ ‪= .‬‬
‫‪1505‬م ‪ .‬فقد ك��ان من بني م��ص��ادره العديد‬
‫من املصنفات خبطوط مؤلفيها مثل ‪ :‬كتاب‬
‫((ال��وايف بالوفيات)) للصفدي‪ .‬وقد قال عنه‬
‫‪(( :‬ال��ت��اري��خ الكبري للصالح ال��ص��ف��دي‪ ،‬وهو‬
‫خبطه يف أكثر م��ن مخسني جم��ل��داً)) وكتاب‬
‫((التذكرة)) جلمال الدين يوسف بن أمحد بن‬
‫حممد بن حممود األسدي املعروف باليغموري‬
‫ستة جملدات‪ .‬وكتاب ((بغية ّ‬
‫الطلب يف تاريخ‬
‫حلب)) البن العديم‪ .‬قال رأيته خبطه‪ .‬وقال يف‬
‫ترمجة أبي احملاسن مهلّب بن حسن بن بركات‬
‫املهلّب البهنسي ((رأي��ت له تأليفاً يف الفوائد‬
‫النحوية نظماً وشرحاً وهو جملد لطيف عندي‬
‫خبطه))‪ .‬وكان عند السيوطي نسخة نادرة من‬
‫كتاب ((اجلمهرة يف اللغة)) البن دريد‪ .‬وكذلك‬
‫نسخة م��ن كتاب ((ال��ف��وائ��د)) يف اللغة ألبي‬
‫اسحاق ابراهيم بن عبد اهلل النّجريمي املتويف‬
‫بعد سنة ‪ 357‬هـ‪.‬‬
‫وباإلضافة للنّسخ اليت خبطوط مؤ ّلفيها‪،‬‬
‫ف��إن ال��ع��دي��د م��ن ال�نّ��س��خ ال�تي اعتمد عليها‬
‫ال��ق��دم��اء‪ ،‬تستمد تعاستها مم��ا ج��اء يف قيد‬
‫الفراغ من كتابتها من تواريخ تفيد يف تعيني‬
‫سنة وفاة مؤلفها‪ ،‬أو ما جاء عليها من مساعات‬
‫أو ق��راءات أو إج��ازات خبطوط العلماء‪ .‬فمن‬
‫ذلك حتديد وف��اة أبي حنيفة الدينوري‪ .‬كتب‬
‫ي��اق��وت ((م���ات يف مج��ادى األول سنة اثنتني‬
‫ومثانني ومئتني )) وجدت ذلك على ظهر كتاب‬
‫((النبات)) من تصنيفه‪ .‬ثم وجدت على ظهر‬
‫النسخة اليت خبط ابن املسبّح لكتاب النبات من‬
‫تصنيف أبي حنيفة‪ (( :‬توفى أبو حنيفة أمحد بن‬
‫داود الدينوري ليلة االثنني يف يف اربع بقني من‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫مجادي األوىل سنة مثانني ومئتني ))‪ .‬واستدل‬
‫ياقوت على تأخر وفاة اجلوهري عن سنة ‪393‬‬
‫هـ‪ .‬من نسخة من كتاب الصحاح خبطه فرغ‬
‫منها يف سنة ست وتسعني وثالمثئة‪.‬‬
‫ومن الفوائد اليت وجدت على ظهور النسخ‬
‫ما نقله ياقوت و القفطي من خط سالمة ابن‬
‫ّغياض النحوي‪ ،‬يقول ياقوت ‪(( :‬ق��رأت خبط‬
‫سالمة بن غياض ماصورته ‪ :‬وقفت على نسخة‬
‫من كتاب (احلجة) ألبي علي الفارسي يف صفر‬
‫سنة اثنتني وعشرين ومخسمئة بالرّي يف دار‬
‫كتبها ال�تي وقفها الصاحب ب��ن ع�بّ��اد رمحه‬
‫اهلل وعلى ظهرها خبط أبي علي الفارسي ما‬
‫حكايته هذه‪ (( :‬أطال اهلل بقاء سيدنا الصاحب‬
‫اجلليل‪ ،‬أدام اهلل عزه ونصره وتأييده ومتكينه‬
‫كتابي يف قرّاء األمصار الذي بينّت قراءهتم يف‬
‫كتاب أبي بكر أمحد بن موسى املعروف بكتاب‬
‫السبعة‪ ))...‬وكان حبوزة ياقوت نسخة نفيسة‬
‫من كتاب ((ديوان األدب)) للفارابي ‪ ،‬هي نسخة‬
‫احلاكم سعد بن دوست‪ .‬قال ‪ :‬جاء يف آخر الثلث‬
‫األخري من نسخة احلاكم أبي سعيد بن دوست‬
‫من كتاب ((ديوان األدب)) للفارابي ‪(( :‬قرأ عليّ‬
‫أبو سعيد عبد الرمحن بن حممد بن حممد بن‬
‫عزيز هذا الكتاب من أوله إىل آخره وصححته‬
‫محاد اجلوهري)) ‪ .‬ورأى‬
‫له وكتبه امساعيل بن ّ‬
‫ي��اق��وت كذلك نسخة م��ن كتاب ((القوايف))‬
‫للمربّد وعليها مساع ألبي القاسم احلسن بن‬
‫بشر األمدي‪.‬‬
‫وملك القفطي نسخة من كتاب ((التنبيه يف‬
‫النحو)) ألبي الفتح حممد بن حممد بن أمحد‬
‫األشرس النحوي النيسابوري خبط السمسمي‪.‬‬
‫كما شاهد القفطي نسخة من كتاب ((املقصور‬
‫وامل��م��دود)) ألب��ي علي ال��ق��ايل وعليها خبطه‬
‫أمساء من سبق هلم قراءة الكتاب ((قرأ مجيع‬
‫املمدود واملقصور حممد بن ابراهيم بن معاوية‬
‫القرشي‪ ،‬ومحد بن أبان بن سيّد وعبد الوهاب‬
‫بن أصبع وحممد بن حسن الزّبيدي‪...‬اخل))‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫‪135‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أم��ا اإلج���ازات امل��وج��ودة على ظهور النسخ‬
‫فتفيد يف التعرف على مؤلفات بعض املؤلفني‬
‫أو برواية مؤلفات اجمليز‪ ،‬ومن ذلك ما وجده‬
‫ياقوت احلموي على جزء من كتاب ((التفسري))‬
‫الب��ن جرير ّ‬
‫الطربي خبط الفرغاني ذك��ر فيه‬
‫قطعة من تصانيف ابن جرير قال‪ :‬فنقلته على‬
‫صورته لذلك وه��و ‪(( :‬ق��د أج��زت لك ياعلي‬
‫بن عمران وابراهيم بن حممد ما مسعته من‬
‫أبي جعفر ّ‬
‫الطربي من كتاب التفسري املسمّى‬
‫ب��ـ ((ج��ام��ع ال��ب��ي��ان ع��ن ت��أوي��ل آي القرآن))‪.‬‬
‫وكتاب ((تاريخ الرسل)) وكتاب تاريخ الرجال‬
‫املسمى ((ذي���ل امل��زيّ��ل)) وك��ت��اب ((القراءات‬
‫وتنزيل القرآن)) وكتاب ((لطيف القول)) وكتاب‬
‫((آداب القضاة واحملاضر والسجالت)) وكذلك‬
‫اإلج��ازة اليت كتبها ابن جنّي للشيخ أبي عبد‬
‫اهلل احلسني بن أمحد بن نصر أن يروى عنه‬
‫مصنفاته وه��ي م��ؤرخ��ة سنة ‪ 384‬ه��ـ‪ .‬أورد‬
‫ياقوت صورهتا كالتايل ‪(( :‬بسم اهلل الرمحن‬
‫الرحيم قد أجزت للشيخ أبي عبد اهلل احلسني‬
‫بن أمحد بن نصر‪ ...‬أن يروي عنّي مصنفاتي‬
‫وكتيب مم��ا صححه وضبطه عليه أب��و أمحد‬
‫عبد السالم بن احلسني البصري‪ :‬عنده منها‬
‫كتابي املوسوم بـ ((اخلصائص)) وحجمه ألف‬
‫ورقة‪ ،‬وكتابي (( التمام يف تفسري أشعار هذيل))‬
‫حجمه مخسمئة ورق��ة وكتابي تفسري ديوان‬
‫املتنيب ((الكبري)) وهو ألف ورقة ونيف‪ .‬ويستمد‬
‫يف تعداد كتبه اليت أجاز له هبا وعددها عدة‬
‫عشرات ‪ .‬ووقف القفطي على إجازة أمالها أبو‬
‫العالء املعري على ظهر كتاب (( ذكرى حبيب))‬
‫يقول القفطي‪(( :‬قصد أبا العالء املعري من‬
‫الطلبة رجالً أعجمياً يعرف بالكرداني‪ ،‬وكتب‬
‫عنه فيما كتب ((ذك���رى حبيب)) فتقدم أبو‬
‫العالء إىل بعض نسبائه مبا كتبه له على الكتاب‬
‫املذكور وه��و ‪ (( :‬ق��ال أمح��د بن عبد اهلل بن‬
‫سليمان التّنوخي‪ ،‬من أهل معرة النعمان‪ :‬قرأ‬
‫عليّ هذا اجلزء‪ ،‬وهو اجلزء الثاني من الكتاب‬

‫‪136‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫املعروف ((بذكرى حبيب)) الشيخ الفاضل أبو‬
‫احلسن حييى بن حممد الرازي‪ ،‬أدام اهلل عزه‪،‬‬
‫من أول اجل��زء إىل آخ��ره‪ ،‬ووق��ع االجتهاد يف‬
‫تصحيح النسخة‪ ،‬وكان ابتداؤه بقراءته لسبع‬
‫بقني من شعبان سنة ست وأربعني وأربعمئة‪،‬‬
‫وف��رغ من ق��راءت��ه لثالث بقني من شهر ربيع‬
‫األول سنة سبع وأربعني وأربعمائة ‪ .‬وأجزت له‬
‫أن يرويه عين على حسب ماقرأها‪ .‬ويشهد اهلل‬
‫أني معتذر إىل هذا القارئ من تقصريي فيما‬
‫هو عليّ مفرتض من حقوقه واالعرتاف باملعجزة‬
‫متنع من األئمة املنجزة))‪.‬‬
‫وقد شاهد حاجي خليفة نص قراءة ورواية‬
‫على أحد نسخ ((الصحاح)) اليت كتبها خبطه‬
‫ي��اق��وت املوصلي ك��ات��ب نسخ ال��ص��ح��اح‪ ،‬هذه‬
‫صورته‪ (( :‬يقول ياقوت‪ :‬نقلت هذا الكتاب من‬
‫خط الشيخ أبي سهل حممد بن علي اهلروي‬
‫النحوي‪ ،‬وذكر أنه نقلة من خط املصنف ورواه‬
‫عن امساعيل بن حممد بن عبدوس عن املصنف‬
‫وشاهدت خط ابن عبدوس على النسخة اليت‬
‫نقلت منها‪ .‬شاهدت التايل‪ :‬قرأ عليّ الشيخ أبو‬
‫سهل أكثر هذا الكتاب ومسع مافيه من لفظي‬
‫بقارءتي عليه فصحّ له مساع مجيعه مين وروايته‬
‫عين وذلك يف شهور سنة ‪ 439‬هـ‪.‬‬
‫أما عن اهتمام القدماء باستخراج نسخة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫جيدة عن طريق معارضة النسخ الصحيحة‬
‫بعضها ب��ب��ع��ض‪ ،‬ي��ق��ول األزه�����ري ع��ن كتاب‬
‫((املعاني يف القرآن)) ألبي اسحاق ابراهيم بن‬
‫السّرى الزجاج النحوي املتويف سنة ‪ 311‬هـ‪.‬‬
‫حضرته ببغداد بعد فراغه من إمالء الكتاب‪،‬‬
‫فألفيت عنده مجاعة يسمعونه منه ((‪ )).‬وما‬
‫وقع يف كتابي له يف تفسري القرآن فهو من كتابه‪.‬‬
‫ومل أتفرع ببغداد لسماعه منه‪ .‬ووجدت النسخ‬
‫اليت محلت إىل خراسان غري صحيحة‪ .‬فجمعت‬
‫منها عدة نسخ خمتلفة املخارج وصرف عناييت‬
‫إىل معارضة بعضها ببعض حتى حصّلت منها‬
‫نسخة جيدة))‪.‬‬
‫وك��ث�يراً م��ا ك��ان��ت تقيّد على ظ��ه��ور الكتب‬
‫معلومات وفوائد ال عالقة هلا مبوضوع الكتاب‪،‬‬
‫استفاد من بعضها القفطي وجعلها موضوع‬
‫كتابه ((هنزّة اخلاطر و نزهة الناظر يف أحسن‬
‫ما نقل من على ظهر الكتب))‪ .‬ومن ذلك مثالً‬
‫أن ابن النديم كما ذكر يف كتابه الفهرست وجد‬
‫أمساء شرّاح أرسطو مكتوبة ((على ظهر جزء‬
‫عتيق))‪ .‬كما أن ياقوت احلموي ذكر أن كتاب‬
‫((ش��رح الكايف يف ال��ق��وايف)) الب��ن جنيب وجد‬
‫على ظهر نسخة ذكر ناسخها أنه وجده خبط‬
‫أبي الفتح عثمان بن جين على ظهر نسخة من‬
‫كتاب ((احملتسب يف علل شواذ القراءات))‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الجنس والمرأة عبر العصور‬
‫د‪.‬عبد اللطيف ياسني قصاب‬
‫عرض ‪ :‬سالم مراد‬
‫اجلنس غريزة أساسية من غرائز اإلنسان ال يستغنى عنها‬
‫وبفضلها يتكاثر البشر‪ ،‬فيكونون اجملتمعات واألمم‪ ،‬تكتمل هذه‬
‫العملية بوجود طرفني الذكر واألنثى‪ ،‬وكل واحد من الطرفني‬
‫يشكل نصف العملية املطلوبة‪ ،‬لذلك قال الكتاب واملفكرون والعلماء‪« :‬إن‬
‫املرأة نصف اجملتمع‪ ،‬وبدون املرأة وحصول العملية اجلنسية ال يكون هناك‬
‫جمتمع‪ ،‬وبفضل املرأة يستمر تكاثر البشر ويبقى نسل اإلنسان» ‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ألمهية موضوع امل��رأة واجلنس ك��ان كتاب‬
‫د‪.‬عبد اللطيف ياسني قصاب بعنوان‪« :‬اجلنس‬
‫واملرأة عرب العصور»‪...‬‬
‫لقد تناول د‪.‬عبد اللطيف ياسني قصاب‬
‫يف كتابه أحد التابوات الثالث اليت هي الدين‪،‬‬
‫اجلنس‪ ،‬السياسة‪ ،‬وتوسع يف موضوع اجلنس‬
‫عرب العصور‪ ،‬فتناول نظرة البشرية للجنس‬
‫ع�بر ال��ت��اري��خ‪ ،‬يف احل��ض��ارات ال��ق��دمي��ة‪ ،‬بابل‬
‫وآش��ور وسومر وحضارة مصر القدمية وعند‬
‫الصينيني‪.‬‬
‫يوضح د‪.‬ي��اس�ين أن عالقة امل���رأة بالرجل‬
‫عرب التاريخ أخذت مسارين أوهلما‪ :‬قديم‪ :‬آلت‬
‫فيه الغلبة تارة للرجل وأخرى للمرأة وإن كانت‬
‫الفرتة الزمنية األط��ول ملصلحة الرجل‪ ،‬حيث‬
‫كانت املرأة تعترب خملوقاً جنساً ال حيق له دخول‬
‫املعابد أو امتهان مهنة الكهنة بعكس الرجال‪.‬‬
‫وبعض العقائد تعترب أن األوالد الصبيان‬
‫م��ن نتائج اخلصية اليمنى‪ ،‬وأن البنات من‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫نتائج اخلصية اليسرى‪ ،‬وكانت هذه األخرية يف‬
‫اعتقادهم أصغر وأضعف من اليمنى»‪.‬‬
‫وكانت املرأة عند اليهود جنسة حيث يعتزل‬
‫الرجل زوجته إذا أجنبت ذكراً ‪ /45/‬يوماً‪ ،‬وإذا‬
‫أجنبت أنثى ‪ /75/‬يوماً‪ ،‬ألن األنثى جنسة أكثر‬
‫من الذكر‪...‬‬
‫اجلنس عرب التاريخ‬
‫لقد أدرك��ت الشعوب القدمية ب��أن اجلماع‬
‫اجل��ن��س��ي مل يقتصر يف نتائجه ف��ق��ط على‬
‫جم��رد اإلجن��اب‪ ،‬ال��ذي هو معجزة حبد ذاته‪،‬‬
‫وإمنا هو أيضاً مصدر كبري للمتعة‪ ،‬وباملقابل‬
‫كان العجز اجلنسي مصدراً لإلحباط‪ ،‬فالعجز‬
‫والربودة اجلنسية كان هلما وجودمها قبل القرن‬
‫العشرين‪.‬‬
‫والبدّ أنه كان هناك من يعاني سرعة القذف‬
‫من الذكور أو من كان يعجز عن الوصول إىل‬
‫اللذة من النساء‪ ،‬وحتى املتمرسون يف فنون‬

‫‪139‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اجلنس ميكن هلم أيضاً أن يتعلموا أكثر‪،‬‬
‫وه��ن��اك أم��ر واح���د على م��س��ؤويل ال���زواج أن‬
‫يقوموا به هو تعليم املقبلني على ال��زواج كيف‬
‫يتم اجلماع بالشكل األمثل‪ ،‬وحتى بعد أن يتعلم‬
‫ه��ؤالء األساليب األساسية فإنه يتولد لديهم‬
‫االهتمام يف أن يصبحوا أكثر براعة‪ ،‬ولدينا‬
‫أعداد كبرية من الرسوم واللوحات واملنحوتات‬
‫م��ن امل��اض��ي خت���دم ه���ذا ال���غ���رض‪ ،‬وم��ن��ذ أن‬
‫اخرتعت الكتابة كانت هناك أيضاً أعداد كبرية‬
‫من املخطوطات هتدف يف مدلوالهتا إىل تعليم‬
‫فن ممارسة احلب‪.‬‬
‫وه���ذه املخطوطات القدمية س���واء أكانت‬
‫يونانية أم هندية‪ ،‬أم صينية أم من أي مصدر‬
‫آخر فإهنا تشري إىل الكثري من التجريب يف جمال‬
‫العمل اجلنسي‪ ،‬ومع ذلك وبالرغم من إتياهنا‬
‫على وصف التمهيد للعمل واألوضاع اجلنسية‬

‫‪140‬‬

‫واملعلومات اجلنسية األخرى إال أهنا تشري إىل‬
‫عجزها عن تفهم ما حي��دث فعالً أثناء هذا‬
‫العمل‪.‬‬
‫وي��ع��ت��رب ال��ت��وال��د ع��ن ط��ري��ق اجل��ن��س عند‬
‫احليوانات أحد أكثر مصادر املعلومات العيانية‬
‫الغربية (ومعها أيضاً ثقافات أخ��رى)‪ .‬وجيب‬
‫أن ال يكون هذا أمراً مستغرباً‪ ،‬ذلك أن اجلنس‬
‫بني احليوانات ماثل للعيان بشكل واضح‪ ،‬ومن‬
‫ناحية أخرى‪ ،‬فقد جتاهلت الثقافة الغربية أمر‬
‫النشاط اجلنسي يف عامل النبات‪ ،‬ورمبا كان‬
‫ذلك بسبب عدم وضوحها‪ ،‬ويف كل احلاالت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫كانت النباتات املزهرة تعترب يف الثقافة الغربية‬
‫رمزاً للعفة‪ ،‬وتزاوج احليوانات كان يعترب شبقاً‪،‬‬
‫حتى أن هناك ف��رق�اً دينياً مثل الكاثاريني‬
‫‪ CATHARS‬الذين ح�رّم��وا على أتباعهم‬
‫ت��ن��اول أي ط��ع��ام م��ص��دره اجل��م��اع اجلنسي‪،‬‬
‫ومسحوا هلم بتناول اخلضراوات والفواكه إىل‬
‫جانب األمساك‪ ،‬ألهنم يعتقدون بأن هذه املواد‬
‫مل تنجم عن مجاع جنسي‪.‬‬
‫ً‬
‫لقد كان أرسطو أكثر الكتاب تأثريا يف الثقافة‬
‫الغربية لتناوله موضوع النشاط اجلنسي بني‬
‫احليوانات وهو الفيلسوف اليوناني الذي عاش‬
‫يف القرن الرابع قبل امليالد وميكن اعتبار ما‬
‫كتب يف هذا املوضوع مثل تاريخ احليوانات‪،‬‬
‫وأقسام احليوانات وتوالد احليوانات األساس‬
‫ليس فقط لعلم احليوانات الغربي وإمنا أيضاً‬
‫لعلم اجلنس عند الغرب‪ ،‬وكان تأثريه من الشدة‬
‫حبيث أطلق على املخطوط اجلنسي الذي كتبه‬
‫وش��اع استخدامه على نطاق واس��ع ب��دءاً من‬
‫القرن السابع عشر مروراً بالقرن الثامن عشر‬
‫اسم حتفة أرسطو‪.‬‬
‫ل��ق��د ص��ن��ف أرس��ط��و احل��ي��وان��ات بثالث‬
‫جم��م��وع��ات أوهل���ا ت��ل��ك ال���يت تنجب بالطرق‬
‫اجلنسية‪ ،‬وثانيها تنجب بالطرق‬
‫الال جنسي�����������ة‬
‫وثالثه�����ا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫اليت تنجب تلقائياً وه��ذه اجملموعات األخرية‬
‫تتضمن ع���دداً م��ن احل��ي��وان��ات األدن���ى مرتبة‬
‫كالرباغيث والبعوض والذباب وهذه كما يرى‬
‫تأتي من تفسخ املادة احلية أو جتيفها وحاول‬
‫يف علم الصدفيات البحرية وسرطان البحر أن‬
‫مييز بني تلك اليت تتوالد عن طريق الرباعم وتلك‬
‫اليت تتوالد ذاتياً ويرى بأن السرطان الناسك‬
‫ينمو تلقائياً من الرتبة واألوح��ال ثم يتخذ من‬
‫ال��ق��واق��ع امليتة سكناً ل��ه وب��ازدي��اد من��وه يغري‬
‫مسكنه إىل مواقع أكرب‪ .‬أما أفضل ما يورده من‬
‫أمثلة على التوالد الذاتي فهو مسك احلنكليس‬
‫وب��ره��ان��ه على ذل��ك يشري إىل أن احلنكليس‬
‫ليس م��زوداً حبجريات منوية أو مبايض حتى‬
‫ويف ح��ال��ة تشرحيه ال ت��وج��د أقنية للسائل‬
‫املنوي أو املبايض وملزيد من الربهان يشري إىل‬
‫أن احلنكليس يظهر بعد هطول املطر وأيضاً‬
‫عند جفاف الربك املائية واجنراف تربتها ومن‬
‫ناحية أخرى ال يوجد حنكليس يف املياه الراكدة‬
‫وحتى لو كان ذلك أوق��ات اجلفاف‪ ،‬وه��ذا ما‬
‫جيعله يستنتج بأن احلنكليس يأتي من أحشاء‬
‫األرض وينمو تلقائياً يف الوحل ويستعد أوده من‬
‫ماء املطر‪.‬لقد القى اإلنسان صعوبة يف إدراك‬
‫أمهية اإلجناب عن طريق اجلنس يف األشكال‬
‫األدنى من احلياة‪ ،‬فقد جهد يف ظروف القى‬
‫فيها الكثري من العقبات يف حماولته تفسري‬
‫كيفية تشكل املفاهيم يف حميط نوعه وساللته‪،‬‬
‫ويقتصر بعض الباحثني بأن اإلنسان القديم‬

‫‪141‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ك��ان يعتقد ب��أن ال��ذك��ر مل يكن ل��ه دور يف‬
‫احل��م��ل وإمن���ا ه��ي أرواح األج���داد ال�تي بفعل‬
‫أساليب السحر جتد البذور احلية طريقها إىل‬
‫داخل جسد األم‪.‬‬
‫وعمد بعض املنظرين يف القرن التاسع عشر‬
‫إىل تصنيف مراحل النشوء االجتماعي لتطور‬
‫اإلنسان الثقايف بشكل مراحل تتدرج صعوداً‬
‫من الفوضى إىل سلطة األم ثم إىل سلطة األب‬
‫بدعوى أن سلطة األب‪ ،‬وه��ي أعلى املراحل‪،‬‬
‫بدأت عندما توصل اإلنسان إىل أن األب هو يف‬
‫الواقع املسؤول عن معجزة اخللق‪ ،‬إن مثل هذه‬

‫‪142‬‬

‫النظرية يف الطبيعة النشوئية للمجتمع‪ ،‬إىل‬
‫جانب اكتشاف أمهية الذكر يف اإلجناب ليس‬
‫أكثر من فرضية‪ ،‬وليس هناك من إمجاع بني‬
‫الباحثني حول زمن حدوث هذا احلدث الكبري‬
‫يف التاريخ أو فيما إذا كان هذا قد حدث فعالً‪،‬‬
‫وصحيح أن دمىً حجرية متثل أوصافاً أنثوية‬
‫كالردفني واألثداء املبالغ يف تصويرها هي أكثر‬
‫متثيل الفرتة احلجرية القدمية شيوعاً‪ ،‬إال أهنا‬
‫قد تشري أيضاً إىل أن اإلنسان القديم كان فناناً‬
‫يستمتع بالتصوير أو التدقيق يف اجلنس اآلخر‬
‫متاماً كما حيدث عند إنسان العصر احلاضر‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫فظاهرة الولد املغناج ‪ play poy‬مثالً ليس‬
‫ب��ال��ض��رورة إحي���اءً بعبادة األن��ث��ى‪ ،‬إذ إهن��ا قد‬
‫ختدم غرضاً أقل متجيداً‪ ،‬وعندما أدرك الذكر‬
‫أمهيته‪ ،‬هذا يفرض أنه مل يأتِه هذا اإلدراك يف‬
‫فرتة ما‪ ،‬راح ينادي بأن العنصر الذكري أكثر‬
‫أمهية من العنصر األنثوي‪.‬‬
‫أوض��ح د‪.‬ي��اس�ين أن��ه يف ال��وق��ت ال��ذي كان‬
‫يعرتف فيه اإلس�لام ببداهة اش�تراك الرجل‬
‫واملرأة يف صفة اإلنسانية‪ ،‬كانت فرنسا منهمكة‬
‫يف رع��اي��ة م��ؤمت��ر ع��ق��د يف ال��ق��رن السادس‬
‫امل��ي�لادي‪ ،‬للوصول إىل معرفة حقيقة املرأة‪،‬‬
‫أهي من صنف اإلنسان أم من صنف آخر‪.‬‬
‫ويقول حممد مجيل بيهم يف كتابه «املرأة يف‬
‫اإلس�لام ويف احلضارة الغربية»‪« :‬إن التمدن‬
‫احلديث احتفظ طويالً بسنة تسلط الرجل على‬
‫أموال الزوجة وكسبها‪ ،‬ومبنعها من التصرف‬
‫والعقود إال بإذنه‪ ،‬بل هو جعل املرأة بالزجية‬
‫قاصرة أكثر من البنت‪ ،‬فالشارع بفرنسا‪ ،‬وهي‬
‫أم املدنية‪ ،‬قضى بأن الرجل ليس له أن يتوىل‬
‫على كل أمالك الزوجني املشرتكة فحسب‪ ،‬بل له‬
‫أيضاً حق الوالية على عقارات املرأة اخلاصة‪،‬‬
‫وليس للزوجة حتى يف أثناء غياب بعلها أن تبيع‬
‫شيئاً من األمالك املشرتكة‪ ،‬بل وال أن تتصرف‬
‫يف أمالكها اخلاصة من غري رضاه‪.‬‬
‫وزيادة على ذلك فليس للزوجة أن تقبل هدية‬
‫أيضاً بغري إذن��ه‪ ،‬يف حني أن له احلق أن يهب‬
‫ما شاء من الرياش املشرتكة يف بيتها‪ ،‬فضالً‬
‫عن أمواهلا املنقولة اخلاصة‪ ...‬ويف اإلمجال‬
‫فبموجب قانون فرنسا املعمول به اآلن‪ ،‬على‬
‫الزوجة إطاعة رجلها‪ ،‬والسكن معه حيث أراد‪،‬‬
‫واستئذانه يف كل عمل‪ ،‬حتى يف أمر حضورها‬
‫احملكمة فريافقها‪ ،‬إال أن تكون متهمة جبناية‬
‫أو خمالفة‪ ،‬فلها حينئذٍ أن تليب الدعوة بدون‬
‫إذن منه‪ ،‬ثم ليس هلا أن تعطي وتبيع وتشرتي‬
‫وتأخذ وتقبل هدية إال برضاه خطياً‪.‬‬
‫كما ب�ين د‪ .‬ي��اس�ين أن أي ح��ض��ارة تفقد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫عامل اإلمي���ان واألخ�ل�اق وال���روح اإلنسانية‪،‬‬
‫فإهنا تذبل‪ ،‬والغرب اآلن إسرائيل وحاضنتها‬
‫أمريكا بالذات‪ ،‬ليس لديه حضارة‪ ،‬وإمنا عنده‬
‫مدنية‪ ،‬وهي مؤقتة وحتمل معها عوامل التغري‬
‫وال��ت��ب��دل‪ ،‬ألن احل��ض��ارة من��ط م��ن السلوك‪،‬‬
‫مؤسس على جمموعة من املبادئ‪ ،‬إن البعض‬
‫يربط ب�ين الشخص املتحضر ومظهره دون‬
‫معرفة جوهره وسلوكه‪ ،‬وقد ميلك شخص آخر‬
‫الكثري من وسائل احلضارة لكنه ال ميلك من‬
‫احلضارة شيئاً‪ ،‬ألن احلضارة سلوك وليس‬
‫ابتكار أساليب القوة واإلرهاب الدويل‪ ،‬وال هي‬
‫ابتكار وسائل الرفاهية احلديثة‪ ،‬وإمن��ا هي‬
‫احلفاظ على القيم اإلنسانية األخالقية‪ ،‬فحيث‬
‫يضطهد اإلنسان فال حضارة‪ ،‬وحيث تغتصب‬
‫أرض وهت��د منازهلا ويقتل أطفاهلا ونساؤها‬
‫وشيوخها وعجائزها وي��ش��رد أصحاهبا فال‬
‫حضارة‪ ،‬وحيث ميوت اإلنسان مهمالً جائعاً‪،‬‬
‫فال حضارة‪ ،‬وهذا ما حدث وحيدث حالياً يف‬
‫فلسطني املغتصبة على أيدي إسرائيل النازية‬
‫بتشجيع أمريكا‪ ،‬اليت متثل اإلرهاب بكل معناه‪،‬‬
‫ومتثل مدنية زائفة ال أخالق فيها‪ ،‬وال إنسانية‪،‬‬
‫وال متت إىل احلضارة بصلة‪ .‬والغرب حيسد‬
‫املسلمني‪ ،‬للرتابط املوجود يف األسر اإلسالمية‪،‬‬
‫لذلك جيب احلفاظ على األسرة يف عصر زاد‬
‫فيه الفساد واالغ��ت�راب‪ ،‬وحيث يأكل القوي‬
‫الضعيف‪ ،‬ويصري املدافع عن أرض��ه وشرفه‬
‫وكرامته إرهابياً‪.‬‬
‫كل هذا مع االعرتاف مبدنية الغرب املتطورة‪،‬‬
‫ولكن جيب عدم االنبهار هبا‪ ،‬أي جيب أن ننظر‬
‫إىل السلبيات واإلجيابيات ونبتعد عن السلبيات‬
‫وأمراض الغرب الكثرية‪ ،‬وأن ال ننخدع باملظاهر‬
‫األنيقة والربيق الالمع‪ ،‬وأن نتجنب القشور‬
‫ونرى جوهر احلضارة اإلنسانية الذي ال يتغري‬
‫ويقاوم األمراض وحيافظ على خصوصية كل‬
‫أم��ة‪ ،‬كما أن احلضارة األصيلة حتافظ على‬
‫كرامة اإلنسان وترفعه إىل أعلى الدرجات‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيال ‪ ..‬من الكهف إلى‬
‫الواقع االفتراضي‬

‫تأليف‪ :‬الدكتور شاكر عبد احلميد‬
‫عرض ‪ :‬نضال غامن‬
‫هو كتاب صادر ضمن سلسلة (عامل املعرفة) اليت يصدرها اجمللس‬
‫األعلى للثقافة والعلوم يف الكويت‪..‬‬
‫وموضوع الكتاب ((اخليال)) ذو قيمة غنية وعظيمة‪ ،‬كونه يلعب دوراً‬
‫بالغ األمهية يف احلياة اإلنسانية بكل فعالياهتا األدبية والتصويرية ‪ ،‬والعلمية‪،‬‬
‫ويف احلياة اإلنسانية العادية‪.‬‬
‫واليغيب عن أذهاننا دور اخليال يف العلم املتمثل يف األفكار والتجارب‬
‫واالخرتاعات‪ ،‬واليغيب دوره يف احلياة العقلية من نظريات متنوعة غنية‪ .‬وهل‬
‫ميكن أن يغيب اخليال عن التاريخ وتعليمه‪ ،‬أو عن خيال املؤرخ؟ بالطبع ال‪ ،‬وهذا‬
‫بدوره ينسحب على فروع املعرفة اإلنسانية املتنوعة‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ويقسم املؤلف الكتاب إىل اثين عشر فصالً‪.‬‬
‫يبحث يف الفصل األول (اخليال ومفاهيمه) وفيه‬
‫يؤكد الكاتب على أن اخليال مرتبط باحلركة ال‬
‫بالسكون‪ ،‬من رفرفة أجنحة الطيور إىل صعود‬
‫(ب��روم��ي��ث��ي��وس) إىل ال��ش��م��س‪ ،‬إىل (احلصان‬
‫اجملنّح) حبركته السريعة على األرض‪ ،‬وطريانه‬
‫اخلاطف يف السماء‪ ،‬وهبوطه السريع منها‪..‬‬
‫ومفهوم احلركة مفهوم حموري‪ ،‬كما الرحلة‪،‬‬
‫ويظهر ذلك يف قصص ((ألف ليلة وليلة)) ويف‬
‫((جغرافية الوهم)) عند القزويين وغريه وعند‬
‫ماركيز‪ ،‬و((ه��اري بوتر)) لـ ‪ ( :‬ولنج) وكذلك‬
‫((سيد اخلوامت ))) لـ ‪ :‬توكني‪..‬‬
‫يعلل ((فرويد)) أحالم الطريان الليلية حتليالً‬
‫جنسياً‪ ،‬أما ((يونغ)) فريبطها بدوافع التفوق‬
‫والطموح واإلجناز املوجودة يف الالوعي اجلمعي‬
‫اإلنساني‪ .‬أما ((غاستون باشالر)) فيعترب حلم‬
‫الطريان‪ ،‬احللم القادر على الكشف عن الطبيعة‬
‫املوجهة للروح اإلنسانية‪ ،‬وأن احلركة املتخيلة يف‬
‫مثل هذه األحالم‪ ،‬إمنا تعرب عن جوهو داخلي‬
‫خاص مميز للطبيعة اإلنسانية‪ .‬صور الفراعنة‬
‫ّ‬
‫البط الطائر‪ ،‬وصوّر الصينيون التنانني الطائرة‪،‬‬
‫كما صورت حضارات عديدة يف الشرق والغرب‬
‫حيوانات‪ ،‬وكائنات غريبة وهي تطري‪ ،‬كما صور‬
‫فنانون كثريون حالة الطريان يف أعماهلم‪ .‬كما‬
‫فعل ((فان كوخ)) يف لوحته (( الثعلب الطائر))‬
‫وهو يشبه ((اخلفاش)) الذي ارتبط يف األساطري‬
‫والعديد من األعمال الروائية والسينمائية‪،‬‬
‫مثل ((دراك����وال)) بامتصاص ال��دم��اء‪ .‬ويشري‬
‫الكاتب إىل أن اخليال هو سجل لقدرة اإلنسان‬
‫اإلبداعية املتطورة عرب التاريخ واخليال هو الذي‬
‫م ّكن اإلنسان من غزو العامل واستكشافه وفهمه‬
‫وحماولة السيطرة عليه وهناك أعمال فنية‬
‫تعود إىل مئة ومثانني ألف عام‪ ،‬وجدت يف أحد‬
‫الكهوف على ضفاف هنر ((توين)) يف زامبيا‪،‬‬
‫لكن الرسومات اليت ظهرت يف جنوب فرنسا‬
‫واسبانيا‪ ،‬على يد نبيل اسباني وابنته اليافعة يف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫خريف ‪ ،1879‬عندما انطلقا الستكشاف كهف‬
‫قريب من منزل العائلة يف جنوب اسبانيا يف‬
‫منطقة ((تامريا)) اليت قيل عنها إهنا كانت إحدى‬
‫أهم املناطق املهمة لسكان ماقبل التاريخ‪ ..‬وكان‬
‫هذا النبيل هاوياً لالكتشافات يف ميدان اآلثار‬
‫الدالة على احلضارات القدمية‪ .‬وخالل جتواله‬
‫مع ابنته‪ ،‬أخذ يبحث يف األرض عن بقايا عظام‬
‫وبعض الرماد‪ ،‬وبعض األدوات املستخدمة يف‬
‫ذلك الزمان السحيق يف القدم‪ ،‬بينما أخذت‬
‫ابنته تبحث على طريقتها اخل��اص��ة‪ ،‬وفجأة‬
‫مسع األب صرخة ابنته اليت تقول ‪(( :‬بابا‪...‬‬
‫انظر هناك لوحات من الثريان)) وكانت تلك‬
‫اللوحات تشكل معرضاً لصور ماقبل التاريخ‪.‬‬
‫وكانت هذه اللوحات تعود إىل ح��وايل مخسة‬
‫عشر ألف عام قبل امليالد‪ ،‬وعندما وصل النبيل‬
‫إىل مكان ابنته أصيب بالذهول لشدّة اإلثارة‪،‬‬
‫لكنه مل يكن يدرك حقيقة األسرار الكامنة وراء‬
‫تلك اللوحات‪ .‬حتى جاء العلم الذي حول تلك‬
‫األسرار إىل أرقام وحقائق‪ .‬فقد كانت تعود تلك‬
‫الرسوم إىل حقبة العصر احلجري واليت متتد‬
‫مابني مخسة وثالثني ألف عام‪ ،‬وعشرة آالف‬
‫عام‪ .‬وكانت اللوحات ملونة لتؤكد على معنى‬
‫اللوحة‪ ،‬وعلى عمق مدلوهلا القوي‪.‬‬
‫عندما زار ((بيكاسو)) كهوف ((السكو))‬
‫جنوب فرنسا عام ‪ 1941‬قال ‪ (( :‬حنن مل نتعلم‬
‫شيئاً)) أي أن سكان تلك الكهوف قد سبقوه يف‬
‫إبداعهم‪ ،‬كما أنه حاول أن حياكي تلك األعمال‬
‫يف إبداعه اخلاص أيضاً‪.‬‬
‫أما عن تفسري هذه الرسومات‪ ،‬فقد وضعت‬
‫نظريات ع��دي��دة‪ ،‬منها م��ارب��ط ب�ين الرسوم‬
‫وال��ن��ش��اط ال��رئ��ي��س��ي ال���ذي مي��ارس��ه الناس‬
‫يف ذل��ك ال��زم��ان‪ ..‬ومنها م��ارب��ط بينها وبني‬
‫طقوس اخلصوبة من خالل املقارنة بني األنواع‬
‫واألشكال الذكرية واألنثوية للخيول والثريان‪،‬‬
‫وغريها من احليوانات‪ ..‬أما الباحث اجلنوب‬
‫إفريقي ((لويس وليامز)) فقد فسر تلك ‪..‬‬

‫‪145‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تتجاوز جمرد مشاهد حلياة يومية إىل أهنا‬
‫تنتمي إىل خربة سوريالية متتزج فيها العقول‬
‫واألجساد يف حالة من النشوة اخلالصة‪ ،‬وأهنا‬
‫جتمع ب�ين اإلن��س��ان يف قبائل ((البومشان))‬
‫واحليوان‪ ،‬وبني احلي وامليت يف طقوس خاصة‬
‫التتجسد يف الفن إال على حنو غري مباشر يف‬
‫صور وأخيلة خاصة‪ ،‬حيث تشري املخطوطات‬
‫اخلاصة مبعتقدات ((البومشان)) وطقوسهم‬
‫إىل وجود واقع خاص يشبه صورة ((الشامان))‬
‫أو املعاجل الساحر‪ ،‬صانع املطر الشايف‪ ،‬وهو‬
‫رجل متقدم يف العمر حكيم‪ ،‬متوتر وعصيب‬
‫يرتدي جلداً أس��ود‪ ،‬وهناك شخاشيخ رنانة‬
‫تصدر أصواتاً موسيقية حول كاحليه‪ ،‬ووسط‬
‫مجع متحلق حوله على شكل دائرة يبدأ رقصه‬
‫العنيف‪ ،‬وأحياناً يلمس رؤوس ذلك اجلمع كما‬
‫لو كان ينقل طاقته إليهم‪ ،‬وهو أحياناً يظهر يف‬
‫ضوء النهار‪ ،‬وأحياناً خيتفي ويبتعد يف الظل‬
‫البعيد‪ .‬فماذا عن ال��واق��ع االف�تراض��ي؟ يقول‬
‫املؤلف إنه حياكي الواقع احلقيقي‪ ،‬ولكن من‬
‫خالل عمليات الكرتونية رقمية ترتبط بعامل‬

‫‪146‬‬

‫الكمبيوتر والشاشات واألدوات التكنولوجية‬
‫املتقدمة‪ .‬واليت مبجرد الدخول إليها (الطائرة‬
‫االف�تراض��ي��ة) أو ارت��دائ��ه��ا (أزي����اء‪ ،‬أو خوذات‬
‫معينة) تنقل جسدنا كله ومشاعرنا إىل العامل‬
‫الرقمي‪ ،‬العامل االف�تراض��ي‪ ،‬من خ�لال صور‬
‫وحركات وأصوات تبدو كما لو كانت يف الواقع‬
‫اليومي‪ .‬ولكنها ليست كذلك‪.‬‬
‫وهكذا ميكن تعريف الفن االفرتاضي بأنه‬
‫ذل��ك ال��ن��ش��اط ال���ذي يسمح ل��ن��ا‪ ،‬وم��ن خالل‬
‫التفاعل مع التكنولوجيا‪ ،‬أن نستغرق بأنفسنا‬
‫وتندمج يف الصورة وعاملها وأن تتفاعل معها‬
‫أيضاً‪ .‬وعلى الرغم من أن الواقع االفرتاضي‬
‫ليس واقعاً باملعنى احلريف للكلمة‪ ،‬فإنه ينتج‬
‫تأثريات واقعية على مستخدميه كاالنفعاالت‬
‫والصيحات‪ ،‬والفرح واحلزن‪.‬‬
‫((يروميثيوس)) ه��و ال��ذي ي��رى املستقبل‬
‫ياليونانية‪ ،‬أو ال��رائ��ي مستقبالً‪ ،‬س��رق النار‬
‫وأع��ط��اه��ا للبشر‪ ،‬ألن ال��ن��ار هبة امل��ه��ارة يف‬
‫الفنون‪ ،‬ولكنها مل تكن كافية كما قال أفالطون‬
‫للبقاء ولتطوير العامل بصناعته هو‪ ،‬وبالتايل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫فقد حوّل النظام احليواني للطبيعة إىل النظام‬
‫اإلنساني اخلاص بالثقافة‪.‬‬
‫و ((فن السياسة)) كان يفتقده اإلنسان‪ .‬وهو‬
‫موجود لدى ((زيوس)) كبري اآلهلة الذي يعيش‬
‫يف معبد وحده‪ .‬وممنوع على ((بروميثيوس))‬
‫دخوله‪ .‬وبالتايل فقد البشر قدرة العيش معاً يف‬
‫اجملتمع‪ ،‬ما دفعهم إىل ارتكابه اجلرائم بأنواعها‬
‫ضد بعضهم البعض‪ ،‬وه��ذا يعين أنّ ماقدمه‬
‫((برميثيوس)) للبشرية من فنون إبداعية إمنا‬
‫كانت مدمّرة يف ذاهتا الفتقارها إىل القوانني‬
‫املوجهة إليها‪ ،‬واخلاصة باحلكمة السياسية‬
‫املنتمية إىل (زيوس) وكان غضب (زيوس) من‬
‫(بروميثوس) كبرياً‪ .‬ومتثل ذلك بأن ربطه إىل‬
‫صخرة‪ ،‬ثم أرسل إليه نسراً ليأكل كبده‪.‬‬
‫وهكذا ارتبطت وصمة السرقة باخليال‪ ،‬ملا‬
‫قام به (يروميثيوس) ‪ .‬كما التصقت باخليال‬
‫أي��ض �اً ف��ك��رة امل��ع��ان��اة وال��ق��ي��د‪ ،‬وال��ع��ق��اب‪ ،‬كما‬
‫التصقت به – كذلك‪ -‬القدرة على التنبؤ ومعرفة‬
‫املستقبل‪ .‬وهي قدرة متكن اإلنسان من معرفة‬
‫أسرار اآلهلة العليا‪ ،‬وبالتايل البدّ من عقاب كل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫من امتلك أو حاول امتالك هذه القدرة‪ ،‬ولكنها‬
‫يف الوقت نفسه أصبحت املثال األصلي لكل‬
‫ألوان النشاط الفين اليت امتلكها اإلنسان‪.‬‬
‫ول��ك��ن ((زي������وس)) ال���ذي خ��ش��ي م��ن ترك‬
‫البشر مع إرادهت��م اخلاصة وم��ع فنوهنم اليت‬
‫منحهم إياها ((بروميثيوس)) وبالتايل من فناء‬
‫اجلنس البشري‪ ،‬فقد أرس��ل إليهم ((هرمز‪،‬‬
‫أو‪ ،‬ه��رم��س)) كي ينقل إليهم صفة االحرتام‬
‫لآلخرين‪ ،‬واإلحساس بالعدل‪ ،‬من أجل حتقيق‬
‫ال��ن��ظ��ام يف امل����دن‪ ،‬وخ��ل��ق ال��ص�لات اخلاصة‬
‫بالصداقة واأللفة‪...‬‬
‫ويقف الكاتب عند التعريف اللغوي لكلمة‬
‫((اخل��ي��ال)) وال�تي تشري إىل معنى ((الظنّ))‪.‬‬
‫ومن مشتقاهتا ((املتخيل‪ ،‬واملخيلة‪ ،‬واملخيلة))‬
‫وتطلق على السحابة اليت حتسبها ماطرة‪ ،‬و‬
‫((ختيّلت السماء‪ ،‬أي تغيّمت‪ ،‬واخليال واخليالة‪:‬‬
‫الشخص والطيف‪ ،‬وخيال اإلنسان يف املرآة ويف‬
‫املنام صورة متاثله‪ ،‬وكثرياً مايصعب الفصل بني‬
‫التوهّم واخليال‪ ،‬فالتوهّم يف العربية يرتبط‬
‫بالسهو والغلط‪ ،‬والغفلة والضعف والتعتيم‪،‬‬

‫‪147‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وقابلية ارتسام الصورة يف املاء‪ ،‬ومن معانيه‬
‫ال��غ��ط��اء‪ .‬ول��ك��ن ال��ع��رب جت���اوزوا تلك املعاني‬
‫البتداع صور جديدة الصلة هلا بالواقع‪ .‬كما هو‬
‫احلال يف صعوبة التعرف على الديار الدّارسة‪،‬‬
‫وصعوبة تذكرها بعد الوقوع يف حالة من الشك‬
‫واالرتياب مابني إدراك الشيء وتعرّفه أو تذكره‬
‫وعدم اإلدراك له أو تذكره‪ .‬فالتوهم هنا يدل‬
‫على استعادة الصورة بعدما احمت كلها‪.‬‬
‫واخليال ضروري لإلنسان ولروحه كما املاء‬
‫واهلواء والنور والسماء‪ ،‬ولقلبه‪ ،‬ولعقله وشعوره‪،‬‬
‫وت��رت��ب��ط مبصطلح اخل��ي��ال مفاهيم أخرى‪،‬‬
‫كالتوهم‪ ،‬والتخيّل‪ ،‬واملتخيّل‪ ،‬والتخييل أو أحالم‬
‫اليقظة‪ ،‬والوهم والسراب النفسي‪.‬‬
‫ويعرض املؤلف للصلة بني اخليال واملخ من‬
‫خالل استعراضه آلراء قدمية وحديثة‪.‬‬
‫فأفالطون ربط بني اخليال والكبد‪ .‬وأرسطو‬
‫قال إن اخليال موجود يف القلب‪ ،‬أما جالينوس‬
‫فرأى أنّ اخليال موجود يف املخ‪ .‬أما ابن سينا‬
‫فربط بني اخليال وبني مركزين موجودين يف‬
‫اجلانب األمامي من املخ‪ ،‬ثم أيّده فيما بعد كل‬
‫من ((كيلورابي‪ ،‬وبيكو)) وق��اال بوجود عقدة‬
‫عصبية ما م��وج��ودة يف امل��خ‪ ،‬ووض��ع ديكارت‬
‫اخليال يف الغدة الصنوبرية‪.‬‬
‫أما الرأي العلمي احلديث فقد نأى بعيداً عن‬
‫تلك التصورات‪ ،‬كما حدد بشكل أدق املوضع‬
‫اخلاص باخليال يف املخّ‪ .‬إذ أظهرت الدراسات‬
‫احلديثة أن القشرة املخيّة البصرية وجرياهنا‬
‫يف الفصوص اجلدارية والصدغية تؤدي أدواراً‬
‫متكاملة يف التفكري بالصور واخليال‪.‬‬
‫وأفرد الكاتب فصالً كامالً لدراسة اخليال‬
‫عند األطفال متكئاً يف ذل��ك على الدراسات‬
‫الفلسفية والرتبوية األجنبية منها والعربية‪.‬‬
‫واليت ترى أن اخليال عند األطفال يرتبط ظهوره‬
‫باإلحباطات النامجة عن عدم إشباع رغباهتم‬
‫بشكل فوري‪ ،‬ومع منوهم‪ ،‬تصبح رغباهتم أكثر‬
‫تعقيداً وأقل قابلية للتحقق الفوري‪ ،‬ورمبا عدم‬

‫‪148‬‬

‫التحقق هنائياً‪ ،‬ومن هنا يلجأ األطفال إىل اخليال‬
‫حيث يستطيعون من خالله إشباع رغباهتم اليت‬
‫الميكن حتقيقها يف الواقع‪ ،‬كما يقوم الطفل‬
‫بعملية تبادل لألدوار بينه وبني اآلخرين‪ .‬فيضع‬
‫نفسه – يف اخليال طبعاً – مكاهنم‪ ،‬ويضعهم‬
‫مكانه‪ ،‬وقد يستخدم ملحقات أو مساعدات يف‬
‫عملية اخليال‪ ،‬كالعصي‪ ،‬واحلجارة‪ ،‬واملكعبات‪،‬‬
‫وقد يستغين األطفال عنها تدرجيياً‪ ،‬ويتخيلون‬
‫أهنا موجودة فعالً‪ .‬وأهن��م يروهنا ويلعبون هبا‬
‫ومن خالهلا‪ .‬وقد تتحول بعض تلك امللحقات‬
‫إىل بدائل لنفسهم‪ ،‬أو كرفيق خيايل أو واقعي‬
‫يف لعبة خاصة‪.‬‬
‫وه��ك��ذا‪ -‬ك��م��ا ي���رى فيجوتسكي – عامل‬
‫النفس أن اللعب مينح الطفل شكالً جديداً من‬
‫الرغبات ‪ .‬فهو يعلمه أن يرغب من خالل الربط‬
‫بني رغباته وبني التخيالت املتعلقة هبا‪ ،‬وكذلك‬
‫بني هذه الرغبات وبني األنا اخليالية اخلاصة‬
‫به‪ ،‬بني ال��دور اخلاص هبذه األنا خالل اللعب‬
‫والقواعد اخلاصة هبذه اللعبة‪.‬‬
‫أم��ا م��ن يشغل احل��ي��اة اخليالية لألطفال‬
‫فهم البشر واحليوانات‪ .‬فعند بعض األطفال‬
‫تكون تلك احليوانات أو األشخاص يف اخليال‬
‫نسخة إضافية من صديق واقعي‪ ،‬وقد يتخذ‬
‫بعض األطفال من أشياء أخرى خيالية أصدقاء‬
‫ل��ه‪ .‬وق��د ي��زدح��م اخل��ي��ال بشخصيات بشرية‬
‫وحيوانية كثرية ولكنها غري ثابتة تأتي وتروح‬
‫ليحل حملها شخصيات أخرى‪.‬‬
‫وقد مينح كثري من األطفال بعض احليوانات‬
‫والدمى واللعب األخرى شخصية ثابتة نسبياً‪،‬‬
‫ويتعامل معها كما لو كانت واقعية فيتحدث‬
‫إليها‪ ،‬وخيتلق هلا صوتاً خاصاً هبا‪ ،‬ويوجهها أو‬
‫يستشريها يف بعض املشكالت‪.‬‬
‫وقد قالت الدراسات املبكرة إن النسبة املئوية‬
‫لوجود ظاهرة الرفيق اخليايل هي ‪% 13 ،4‬‬
‫فقط بني األطفال‪ ..‬أما الدراسات التالية فقد‬
‫ارتفعت هبذه النسبة إىل ‪ % 65‬والسبب الرئيسي‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫هنا ه��و أن ال��ب��ح��وث امل��ب��ك��رة ك��ان��ت تستبعد‬
‫احليوانات واللعب الواقعية من أن تكون موجودة‬
‫ضمن هذه الظاهرة العامة بالرفيق اخليايل‪.‬‬
‫أما الدراسات التالية واملستمرة حتى اآلن فقد‬
‫وضعت هذه األشياء ضمن هذه الظاهرة‪.‬‬
‫وهكذا يدخل األطفال العامل اخليايل على‬
‫حنو مبكر‪ ،‬منذ سنّ الثانية‪ ،‬ورمبا قبلها‪ ،‬حيث‬
‫تسرد قصص اجلنيات اخلرافية هلم‪ .‬ويؤخذون‬
‫إىل ق��اع��ات السينما‪ ،‬وي��ش��اه��دون التلفزيون‬
‫حيث يرون احليوانات املتكلمة‪ ،‬وعرائس البحر‪،‬‬
‫والكائنات الفضائية وغريها‪ ،‬كما أهنم يشرتكون‬
‫يف طقوس ثقافية ختلّد فيها كائنات متخيلة مثل‬
‫((بابا نويل‪ ،‬وسانتا كلوز يف الغرب)) وعروسة‬
‫املولد‪ ،‬واحلصان يف الشرق العربي اإلسالمي‪..‬‬
‫فهل يدرك األطفال الفروق بني ماهو واقعي‪،‬‬
‫وماهو‪..‬؟‬
‫إن األط��ف��ال ق��د يدهشوننا بقدرهتم على‬
‫التمييز بني ماهو خيايل وبني ماهو واقعي منذ‬
‫وقت مبكر‪ ،‬وخيرج األطفال يف عمر اخلامسة‬
‫أو السادسة من العامل اخليايل‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫ويقف مطوالً عند فالسفة اخليال يف فصل‬
‫آخ��ر‪ ،‬ويؤكد فيه بداية على أنه من الصعوبة‬
‫مبكان اإلحاطة مبوضوع اخليال عند الفالسفة‬
‫يف كتاب واح��د‪ ،‬فكيف لفصل واح��د أن يقوم‬
‫مبثل تلك اإلحاطة؟ إذن‪ .‬ستكون الكتابة إملامة‬
‫سريعة بعدد من هؤالء الفالسفة ممن قدّموا‬
‫إسهامات قدمية مهمة يف موضوع اخليال كـ‬
‫(أفالطون‪ ،‬وأرسطو‪ ،‬وأوغسطني) ‪.‬‬
‫حيث يقول أفالطون يف كتابه ((فيليبوس))‪:‬‬
‫إن الروح تشبه كتاباً‪ ،‬وإنّ اإلحساس والذاكرة‬
‫ميتزجان معاً لكتابة املقوالت املهمة على هذه‬
‫ال��روح‪ ،‬ثم يعقب ذلك جميء حمرتف آخر هو‬
‫الرسام الذي يرسم الصور الداخلية املصاحبة‬
‫للنص املوجود يف هذه الروح أو الكتاب ‪.‬‬
‫وكتابات أفالطون حافلة بإشارات كثرية إىل‬
‫الصور وأنواعها ودرجاهتا‪ ،‬منها مايتعلق ويتفق‬
‫مع الصور اهلندسية املستخدمة بشكل يناسب‬
‫التفكري ومصلحته‪ ،‬وتسمى القدرة اخلاصة على‬
‫التعامل مع تلك الصورة ((ملكة تعرّف الصورة))‬
‫وهو مصطلح قريب من ((اخليال)) القريب من‬

‫‪149‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫امل��ع��ن��ى اخل����اص ب��ال��ت��ع��رف ع��ل��ى الصورة‬
‫العقلية‪.‬‬
‫تشري كلمة ((الفانتازما)) إىل ذل��ك النوع‬
‫من الصور الشبحية سريعة الظهور وسريعة‬
‫االخ��ت��ف��اء‪ ،‬وتشري كذلك إىل ال��ص��ور العقلية‬
‫يف مواضع متعددة لدى أفالطون يف حماورة‬
‫((إي���ون)) ورد متييزها حاد بني ((األيقونة))‬
‫وال�تي تعين ص��ورة مصغرة تشبه ص��ورة كبرية‬
‫– ال�تي حتافظ على قيم النسب والتناسب‬
‫اخلاصة باألصول أو املثل اليت تتعلق هبا من‬
‫ناحية‪ ،‬وبني الصور العقلية الشبحية أو الومهية‬
‫((ال��ف��ان��ت��ازم��ا)) ال�تي التفعل ذل��ك م��ن ناحية‬
‫أخرى‪ .‬وبالتايل فإن الصورة الذهنية ومكونات‬
‫التخيل عموماً أمور تتعلق باألحالم وباحلاالت‬
‫املماثلة‪ ،‬ومن ثم ليس هلا صفة الثبات أو اليقني‪،‬‬
‫إهنا صور حماكية لصور وعلى حنو غري دقيق‬
‫أيضاً‪.‬‬
‫ف��ل��ل��خ��ي��ال يف ت��ص��ور أف�ل�اط���ون – إذن ‪-‬‬
‫وغامض يقوم به فيما بني اإلحساس والتفكري‬
‫اجملرد‪ ،‬وقد كان دوره حمدداً وحماطاً بالظنون‬
‫والشكوك‪ ،‬وعندما كان يستخدم أفالطون تلك‬
‫الكلمة اليت أصبح هلا معنى ((التخيل)) بعد‬
‫ذلك‪ ،‬فإهنا كانت تعين (التجلّي) أو املظهر‪ ،‬إهنا‬
‫نوع من الصور املوجودة يف امل��خ‪ ،‬وال�تي تتعلق‬
‫بوعينا بالصور العقلية اخلاصة مبا ننظر إليه‬
‫يف العامل الواقعي‪ .‬أو حتى عندما نغرق يف‬
‫أحالم يقظة أو نتصور عقلياً خطة للمستقبل‪،‬‬
‫ف��إن التخيل ((الفانتازيا)) ينشأ يف عقولنا‬
‫هنا‪ .‬لكنه يكون أيضاً جمرد حاالت مصاحبة‬
‫للتفكري‪ ،‬فهناك ((ك��ات��ب)) موجود يف العقل‪،‬‬
‫يكتب املخطوطة األوىل العامة ملا نتصوره أو‬
‫نتخيله‪ ،‬أو نفكر فيه‪ ،‬ثم يقوم الرسام الداخلي‬
‫(املوجود يف العقل أيضاً) بتزويد هذه املخطوطة‬
‫بالتفاصيل أو الرسوم التوضيحية الالزمة‪.‬‬
‫ولكن ماموقف اإلسالم من اخليال؟‬

‫‪150‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يف كتابه الذي صدر بعد وفاته عام (‪)1991‬‬
‫يقوم ج‪.‬م‪ .‬كوكنج يف كتابه ((اخليال دراسة يف‬
‫تاريخ األفكار)) وقد خصص الفصل السادس‬
‫منه للحديث عن اخليال يف اإلسالم يقول ‪(( :‬‬
‫إن اإلسالم مل يشهد هنضة إبداعية فقط‪ ،‬لكنه‬
‫كان أيضاً بوتقة روحية‪ .‬البوتقة األكثر كفاءة‬
‫وفعالية‪ ،‬ألنه كان أكثر تساحماً وتقبالً‪ ،‬مقارنة‬
‫باملسيحية واليهودية‪ ،‬فقد مت تنظيم النمو‬
‫اخلاص باملسيحية وتطورها جمالس الكنائس‪،‬‬
‫ومل تكن ه��ن��اك سلطة مماثلة ل��دى العرب‬
‫واملسلمني تقوم بالتنظيم ألم��وره��م الدينية‪،‬‬
‫وبشكل عام كان احلكم يف اإلسالم متسماً – مع‬
‫بعض االستثناءات – بالتسامح والتقبل واالنفتاح‬
‫العقلي على اآلخرين‪ ،‬وقد حافظ اإلسالم على‬
‫املعرفة اليت تقوم على اساس الفلسفة اليونانية‬
‫القدمية‪ ،‬وقام بتجديدها‪ ،‬أو على األقل منحها‬
‫ق��وة االس��ت��م��رار على قيد احل��ي��اة وم��ن خالل‬
‫ذل��ك‪ ،‬حفظ العرب واملسلمون تلك النصوص‬
‫اليت فقدها الغربيون أو استبعدوها أو نسوها‪.‬‬
‫لقد توافر لديهم – العرب – الفضول املعريف‬
‫وامل��ش��روع املماثل ملا ج��اء بعد ذل��ك يف أوروبا‬
‫خالل عصر النهضة‪ ،‬كما أن اإلسالم كان أقل‬
‫التصاقاً‪ -‬مقارنة بأوروبا – مباضيه اخلاص‪-‬‬
‫العصر اجلاهلي‪ ،‬فقد بدأ معه عصر جديد‪.‬‬
‫وقد تأثر الفكر اإلسالمي الفلسفي والعربي‬
‫يف موضوع اخليال مبؤثرات يونانية قدمية‪،‬‬
‫وخباصة أفكار أفالطون وأرسطو‪ ،‬ومنذ الكندي‬
‫يف القرن التاسع امليالدي‪ ،‬وحتى ابن رشد‪ .‬كان‬
‫هناك تأثري للفكرة األفالطونية احملدثة اليت‬
‫ترى الواقع بوصفه سلسلة من القوى الروحية‬
‫اليت تصدر أو تفيض عن (( الواحد)) يف سلسلة‬
‫من التجليات الكونية املستمرة األزلية‪ .‬وهناك‬
‫أفكار أخرى كان هلا تأثريها الكبري أيضاً‪ .‬ومنها‬
‫ماقدمه أرسطو عن النفس وأنواعها‪ :‬غاذية‪،‬‬
‫نباتية‪ ،‬حيوانية‪ ،‬أما الفارابي فقد وضع اخليال‬
‫داخل بنية متدرّجة للملكات داخل الروح‪ .‬وهي‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫أرب��ع ملكات بزيادة ملكة واح��دة عن أرسطو‪،‬‬
‫فقد أضاف الفارابي ((امللكة الغاذية أو الغاذة‪،‬‬
‫إىل ملكات اإلحساس واخليال والعقل‪.‬‬
‫واحلسّ املشرتك كملكة أخرى‪ .‬فقد مساها‬
‫الفارابي القوة الرتكيبية اليت جتمع بني األحاسيس‬
‫وتؤلف بينها بطرائق متنوعة‪ .‬وأبرز فصول كتاب‬
‫الفارابي عن أخالق املدينة الفاضلة هي تلك اليت‬
‫كتبها حول األحالم والنبوءة والرؤى‪ .‬حيث حترر‬
‫فيها مفهوم اخليال لديه من ذلك األسر اخلاص‬
‫بالرتاث األرسطي‪ .‬ففي األحالم ميكن أن يكشف‬
‫اخليال عن قوى ميكن أن تنسب بعد ذلك إىل‬
‫الفنان املبدع ويضيف الفارابي جانباً آخر خاصاً‬
‫بالرؤى اخل��ارق��ة‪ .‬يتعلق بالتمثيل املباشر من‬
‫خالل الصور للعقل املفارق أو الكلي‪ .‬هكذا يقول‬
‫الفارابي ‪ (( :‬خالل النوم تبتعد القوة اخليالية‪،‬‬
‫ونتحرر من األشكال احلسية لألشياء اليت تقوم‬
‫احل��واس بتكرارها وجتديدها م��رة بعد أخرى‬
‫يف حاالت اليقظة‪ ،‬إهنا ترتك مهمة أن تكون يف‬
‫خدمة القوى العاقلة والغاذية‪ ،‬وتعود إىل تلك‬
‫األشكال اخلاصة باألشياء احلسية اليت جتدها‬
‫حمفوظة وباقية يف داخلها‪ ،‬ثم إهنا تعمل على‬
‫هذه األشياء أو األشكال فتجمع بينها وتفرّق‪.‬‬
‫كما أهنا جتمع بني النظائر (املتشاهبات) احلسية‬
‫احملفوظة يف داخلها‪.‬‬
‫ومييل الكاتب إىل االعتقاد بأن الفارابي قد‬
‫سبق بذلك كثرياً من املفكرين الذين ربطوا بني‬
‫احلسد واخليال وخباصة ‪ :‬باشالر‪ ،‬ومريلوبونيت‬
‫وغريمها‪..‬‬
‫ويعرج يف معرض دراسته هذه على فالسفة‬
‫غربيني مثل ( اسبينوزا‪ ،‬وهوبز‪ ،‬وهيوم‪ ،‬وكانط‪،‬‬
‫وسارتر‪ ،‬ومريلوبونيت‪ ،‬وباشالر‪ ،‬وريكور) مقدماً‬
‫مالمح إلسهاماهتم يف جمال اخليال‪.‬‬
‫وي���درس الكاتب يف فصل آخ��ر (( اخليال‬
‫األدب��ي)) مؤكداً على أن ج��ذور األدب اخليايل‬
‫احلديث موجودة يف األساطري القدمية واملالحم‬
‫البطولية ال��وس��ي��ط��ة‪ ،‬واحل��ك��اي��ات اخلرافية‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إن ف��ه��م األس��اط�ير وامل�لاح��م واحلكايات‬
‫اخلرافية ضروري لفهم األدب اخليايل احلديث‪،‬‬
‫فمصطلح قصة خرافية يشري إىل النوع األكثر‬
‫حتديداً من احلكايات اخلرافية كتلك اخلاصة‬
‫ب��ال��ق��رن ال��ت��اس��ع عشر ال�تي مجعها األخ���وان‬
‫((جريم وآندروالنج)) وقد تشري تلك احلكايا إىل‬
‫مملكة اجلان‪ ،‬وكذلك إىل األدب الواسع العام‬
‫الكلي الذي يتعامل مع هذا اجملال ( كاألساطري‬
‫واملالحم‪ ،‬واحلكاية اخلرافية التقليدية) متتد‬
‫األسطورة عرب مدى جغرايف واسع‪ ،‬قد حتيط‬
‫بالعامل كله‪ .‬وقد تشتمل على ع��وامل خمتلفة‬
‫أي��ض�اً ( ع��امل البشر‪ ،‬وع���امل اآلهل���ة) ( عامل‬
‫األحياء‪ ،‬وعامل األموات)‪ .‬أما احلكاية اخلرافية‬
‫فإهنا غالباً ماتشتمل على مدى جغرايف حمدود‬
‫يتعلق بقرية واحدة أو غابة معينة‪.‬‬
‫وتوجد الفانتازيا األدبية يف املنتصف بني‬
‫األسطورة واحلكاية اخلرافية‪ .‬وهي أكثر اتساعاً‬
‫يف جماهلا من القرية ألهن��ا قد تشمل عوامل‬
‫كلية‪ ،‬ولكنها المتتد إىل عوامل السماء‪ ،‬ولكن قد‬
‫متتد إىل عوامل املوت واخلوف‪ ،‬وماوراء املعرفة‬
‫الظاهرة‪.‬‬
‫وال���ع���امل اخل����اص هب���ا وق��ص��ص األبطال‬
‫والفرسان هو مملكة األرض‪ .‬أما ميدان القصة‬
‫اخل��راف��ي��ة فهو غالباً ق��ري��ة حملية أو الكوخ‬
‫امل��وج��ود يف األدغ���ال أو يف القرية‪ .‬أم��ا املدى‬
‫ال��زم�ني ل�لأس��ط��ورة الالزمنية فقد يستغرق‬
‫ش��ه��وراً طويلة أو سنوات قليلة‪ ،‬أم��ا احلكاية‬
‫اخلرافية فقد حتدث خالل أيام قليلة‪.‬‬
‫شخصيات األساطري غالباً ماتكون من اآلهلة‪،‬‬
‫أما شخصيات الفانتازيا فتكون من األبطال‪.‬‬
‫وليست تلك احلدود بني الفئات السابقة حدية‬
‫أو حامسة‪ ،‬لكن األساطري معنية أكثر بعالقة‬
‫األرض بالسماء‪ ،‬أما القصص اخلرافية فهي‬
‫معنية باألرضي أو اليومي‪.‬‬
‫وعن األدب اخليايل احلديث‪ .‬يقول املؤلف‪:‬‬
‫إنه ميتد جبذوره إىل األساطري القدمية والنزعات‬

‫‪152‬‬

‫الصوفية والسحرية والسرية والفولكلورية‪.‬‬
‫وإىل احلكايات اخلرافية وقصص الفرسان‬
‫(الرومانس) وغريها‪.‬‬
‫أما يف األدب العربي فهناك ( ألف ليلة وليلة‪،‬‬
‫وكليلة ودمنة‪ ،‬واحلكايات والسري الشعبية )‬
‫وخري دراسة نقدية هلذا النوع من األدب هي‬
‫دراسة ((تزفتان تودوروف)) فقد اهتم بالتحليل‬
‫البنيوي لألدب (الفانتازيا) أو العجائيب‪ ،‬فبحث‬
‫ع��ن امل�لام��ح البنيوية ال�تي ت��وج��د على حنو‬
‫مشرتك بني النصوص املختلفة‪ ،‬واليت قد تقدم‬
‫تعريفاً أكثر حتديداً للعجائيب‪ .‬كما أنه أمهل‬
‫كثرياً السياق التارخيي والثقايف ال��ذي تنتمي‬
‫إليه النصوص اليت ناقشها‪ .‬وقد فشلت هذه‬
‫الدراسة – كما يرى املؤلف – يف أن تضع يف‬
‫حسباهنا ال���دالالت االجتماعية والسياسية‬
‫لألدب العجائيب‪ ،‬وحصر اهتمامه بالنص دون‬
‫اخلروج إىل البيئة اخلارجية له‪ ،‬للربط بني هذه‬
‫النصوص وبني عملية التنكل الثقايف هلا‪ .‬وخيال‬
‫الشعر أو الشعر اخليايل عنصران متفاعالن‬
‫م��ت��داخ�لان‪ .‬فاخليال يأتي دائ��م�اً على هيئة‬
‫شعرية‪ ،‬فهو يو ّلد أشياء أو ينشئها وحيدثها‪،‬‬
‫والعملية ه��ذه خاصية ميتاز هبا اخليال عن‬
‫االستعادة أو االستحضار أو االنتاج‪.‬‬
‫واخليال ليس شيئاً مسبقاً على اإلطالق‪ ،‬ألنه‬
‫شيء اليتحقق إال من خالل العقل واملمارسة‬
‫وهو ليس استعادة للمشاهد وال إنتاجاً هلا‪ .‬بل‬
‫هو عملية شاقة‪ .‬فاخليال كما لو أنه يعيد إىل‬
‫املرء تلك النظرة اليت كان قد وجهها حنو شيء‬
‫معني‪ ،‬أو هو املر ّكب األدائي الذي يوجه حبيث‬
‫يعمل كمرآة غري مرئية للذات الشعرية‪.‬‬
‫وقد حتدث خالل عملية اخليال الشعري‬
‫مضاعفة للخيال وللصور‪ ،‬وذلك عندما يو ّلد‬
‫الشاعر األشياء يف ح��االت التجلي التام هلا‪.‬‬
‫وبالتايل يعترب اخليال الشعري نسخة مضاعفة‬
‫للخيال يف حاالت نشاطه اخلاص لتفهم األشياء‬
‫وإدراكها‪ ،‬وهذه هي حالته دائماً‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يف فصل آخر يبحث املؤلف مسألة اخليال‬
‫العلمي كنوع واسع من اإلبداع‪ ،‬كونه يشتمل على‬
‫التأمل القائم على أساس العلم والتكنولوجيا‬
‫احلالية أو املستقبلية‪ ،‬وت�برز أمثلة هذا النوع‬
‫من اخليال يف كتب األدب والفن التشكيلي‪،‬‬
‫والتلفزيون والسينما‪ ،‬وألعاب الفيديو احلديثة‬
‫واملسرح‪ .‬كما يشتمل اخليال العلمي على تلك‬
‫األع��م��ال ال�تي ت��دم��ج ب�ين العناصر اخليالية‬
‫امل��وج��ودة يف ال��واق��ع امل��ع��اص��ر وال�ت�ي تتضمن‬
‫الفانتازيا والرعب ومايرتبط بينهما‪.‬‬
‫وي���رى الكاتب أن للخيال العلمي ج���ذوراً‬
‫وبدايات موجودة يف ذلك الشكل األدبي القديم‬
‫املسمّى ((ال��ي��وت��وب��ي��ا)) وال���ذي يعين إسقاطاً‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫خيالياً إجيابياً أو سلبياً جملتمع ما يكون خمتلفاً‬
‫على حنو جوهري عن اجملتمع الذي يعيش فيه‬
‫مؤلف ((اليوتوبيا)) ويضع بعض الباحثني هذه‬
‫((اليوتوبيا)) ضمن قصص اخليال العلمي‪،‬‬
‫وينظرون إليها أحياناً كنوع أدبي مستقل وهو‬
‫األرج��ح ب��رأي امل��ؤل��ف‪ .‬ألن ((اليوتوبيا)) كما‬
‫يقول التقوم يف كثري من األحيان على أساس‬
‫من العلم كما هو حال اخليال العلمي‪ .‬وترتكز‬
‫((اليوتوبيا)) على خاصية أساسية وهي أهنا‬
‫تتحدث عن مكان غري موجود أو عن حالة من‬
‫حاالت الوجود ملكان ما‪ .‬غري أهنا ترتبط مبكان‬
‫معني أو حتدد موضعها يف الزمان واملكان كي‬
‫متنحها ن��وع�اً م��ن إمكانية التصديق‪ ،‬وعلى‬

‫‪153‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫القارئ املتلقي أن يقدر على التعرف على‬
‫طبيعة املكان سواء أكانت هذه الطبيعة جيدة‬
‫صاحلة أم سيئة غري صاحلة‪.‬‬
‫ويعترب ((ت��وم��اس م���ور)) مبتكر مصطلح‬
‫((اليوتوبيا)) حيث طوره إىل حدّ إثارة الرعب‪،‬‬
‫كما أن هذا املصطلح عند (أوروي��ل) يف القرن‬
‫العشرين يعين تلك األماكن املتخيلة والواقعية‬
‫وال�ت�ي ت��دي��ن ال��ق��م��ع وال��ت��ش��دد وض��ي��ق األفق‬
‫والقسوة والالإنسانية‪.‬‬
‫واألساطري أول أشكال اليوتوبيا واليت تنظر‬
‫إىل ماضي اجلنس اإلنساني وحتى إىل املوت‬

‫‪154‬‬

‫وماوراءه مل يقدم املؤلف تعريفاً خاصاً للخيال‬
‫العلمي‪ ،‬بل اكتف يذكر ع��دداً من التعريفات‬
‫ال�تي ذك��ره��ا ع��دد م��ن ال��ك��ت��اب الغربيني مل‬
‫(دامون نايت‪ ،‬وروبرت هينلني‪ ،‬ورود سريلينج‪،‬‬
‫وروبرت شولز) الذي أكد على أمهية العنصر‬
‫االستعاري اجملازي يف تعريف اخليال العلمي‪،‬‬
‫وقال إنه يقدم عاملاً خمتلفاً مستقالً أو متصالً‬
‫عن عاملنا‪.‬‬
‫واخليال العلمي نقطة التقاء أو تقاطع بني‬
‫ع��امل األش��ي��اء املختلفة عن عاملنا لكنه عامل‬
‫شبيه بعاملنا أيضاً‪ .‬ويرى املؤلف باالستناد إىل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫آراء العلماء أن هناك أن��واع�اً فرعية للخيال‬
‫العلمي‪ ،‬إذ هناك نوعان يتفرعان إىل أنواع‬
‫فرعية عديدة ومها‪:‬‬
‫اخليال العلمي الصارم‪ – 2 -‬اخليال العلمي‬
‫الناعم أو اللني‪ .‬وم��ن األن��واع الفرعية يظهر‬
‫(السيرببنك‪ ،‬والسفر ع�بر ال��زم��ن‪ ،‬والتاريخ‬
‫البديل‪ ،‬واخليال العلمي العسكري‪ ،‬واخليال‬
‫العلمي ال��ك��ارث��ي وم��اب��ع��د ال��ك��ارت��ي‪ ،‬واألوب���را‬
‫الفضائية‪)..‬‬
‫ويعرض للتجارب األوىل يف اخليال العلمي‬
‫بدءاً من (( ادغار آل نبو )) يف قصيدة بعنوان‬
‫((سوناتة مهداة إىل العلم)) وقصيدة ((يوريكا))‬
‫وقصة حول رحلة للقمر بعنوان ((هاتزفال))‬
‫عام ‪. 1835‬‬
‫وه��ن��اك ((روب����رت هنك ال�بري��ط��ان��ي)) ويف‬
‫فرنسا بعد أن ترجم ((بودلري)) أعمال ((بو)) إىل‬
‫الفرنسية حدثت ردة فعل قوية‪ ،‬وقد كان ((جول‬
‫فرين)) أكثر املتأثرين واجملددين عندما قرر أن‬
‫الرحلة اخليالية تقدم فضاء أكرب إىل حد بعيد‬
‫للخطاب العلمي املثري لالهتمام‪ .‬وكان جوهر‬
‫منهج جول فرين هو االستكشاف املنضبط أو‬
‫املتحكم فيه على حنو واع للتكنولوجيا املعاصرة‬
‫له‪.‬‬
‫وه��ك��ذا وض���ع رواي��ت��ه (( م��ن األرض إىل‬
‫القمر)) عام ‪ ،1865‬ورواي��ة ((رحلة إىل مركز‬
‫األرض)) وكذلك ((عشرون ألف فرسخ حتت‬
‫سطح البحر)) عام ‪. 1870‬‬
‫وقد امتدت تأثرياته إىل أمريكا‪ .‬وإىل أوروبا‬
‫وأم��اك��ن أخ��رى من ال��ع��امل‪ ،‬وق��د رف��ض ناشره‬
‫أن ينشر رؤيته اخليالية املغامرة ((باريس يف‬
‫املستقبل)) خالل القرن العشرين اليت صاغها‬
‫((ف�يرن)) أوائ��ل الستينيات من القرن الثامن‬
‫عشر‪ ،‬ومل تنشر إال عام ‪. 1994‬‬
‫وعلى الرغم من توافر عدد الب��أس به من‬
‫روّاد وكتاب اخليال العلمي إال أن الكاتب مل‬
‫يلتفت إليهم بالدراسة بل اكتفى بذكر أمساء‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫بعضهم يف خامتة الفصل‪ ،‬من أولئك ((طيبة‬
‫اإلب��راه��ي��م م��ن الكويت‪ ،‬و طالب ع��م��ران من‬
‫سورية و هن��اد شريف من مصر وغريهم‪))..‬‬
‫مشرياً إىل أن هناك ضعفاً يف هذا اجلانب على‬
‫املستوى الثقايف العربي مرجعاً ذلك – برأيه إىل‬
‫قلة إسهام العرب بشكل عام يف اإلنتاج العلمي‬
‫العاملي‪ ،‬مايتعلق منه بالعلوم احلديثة واملتقدمة‪-‬‬
‫من جهة‪ ،‬وإىل عدم اهتمام النقاد األدبيني هبذا‬
‫النوع من األدب‪ ،‬كونه‪ -‬برأيهم‪ -‬أق��ل درجة‪،‬‬
‫ولذلك فهم يهملونه‪.‬‬
‫غري أن الرأي هذا مردود عليه‪ ،‬إذ إن االهتمام‬
‫باخليال العلمي أصبح ذا حضور واض��ح يف‬
‫أيامنا ه��ذه‪ ،‬وليس ّ‬
‫أدل على ذلك من صدور‬
‫جملة ((اخليال العلمي)) يف سورية املختصة‬
‫باخليال العلمي وح���ده‪ ..‬والش��ك ب��أن هناك‬
‫حماوالت أخرى ستتبعها يف هذا اجملال‪ .‬وكان‬
‫حرياً بالكاتب تقديم دراسة – ولو موجزة‪ -‬عن‬
‫أدب اخليال العلمي عند األدباء العرب املتميزين‬
‫يف هذا اجملال‪.‬‬
‫ويف حديثه ع��ن خيال العلماء يف الفصل‬
‫السابع‪ ،‬ي��رى الكاتب أن اخليال يعتمد على‬
‫التفكري بالصورة وأن الصورة أن��واع ‪ :‬بصرية‬
‫أو مسعية أو ملسية‪ ،‬ويؤكد على ذلك باالستناد‬
‫إىل ((موتسارت)) كان قادراً من خالل خياله‬
‫البصري على مساع بعض سيمفونياته اجلديدة‬
‫قبل كتابتها‪ ،‬وكذلك كان حال الرياضي الفرنسي‬
‫((بوانكاريه)) الذي قال إن الصور احلسية اليت‬
‫ك��ان��ت تتوهج يف عقله جعلته يشعر بوجود‬
‫الرباهني الرياضية ظاهرة أمامه ويف عقله يف‬
‫حملات بصرية سريعة تومض أمامه وختتفي‪،‬‬
‫كما أنه حتدث عن احلاجة امللحة إىل التفكري‬
‫من خالل الصور‪ .‬وكذلك كان تفكري أنشتاين‬
‫العلمي حيدث بشكل بصري‪ .‬ثم تكون عملية‬
‫البحث الشاقة عن الكلمات والرموز واملعادالت‬
‫يف املرحلة الثانية‪.‬‬
‫تروي إحدى األساطري حكاية فتاة أخلصت‬

‫‪155‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حلبيبها الراحل يف سفر طويل‪ ،‬وذلك عندما‬
‫رأت ظ� ّل وجهه املنعكس على اجل��دار نتيجة‬
‫لوجود مصباح جبانبه‪ ،‬ثم قامت بتتبع األثر‬
‫الذي تركه الظل على اجلدار‪ ،‬وحاولت رمسه‪،‬‬
‫وأرادت أن حتتفظ بأثر منه كذكرى له بعد‬
‫غيابه‪ ،‬وتتابع األسطورة قائلة‪ :‬إن والد الفتاة‬
‫كان خزّافاً‪ ،‬ورأى مارمسته ابنته على اجلدار‪،‬‬
‫فوضع طيناً وضغط عليه‪ ،‬وصنع منه نقشاً‬
‫بارزاً من خالل تعريضه للنار‪..‬‬
‫وقد دفعت هذه األسطورة كثرياً من الفنانني‬
‫وامل��ف��ك��ري��ن وال��ن��ق��اد وامل��ه��ت��م�ين جب���ذور الفن‬
‫وبداياته‪ ،‬لرسم هذه احلكاية‪ ،‬رمسها الفرنسي‬
‫(( جوزيف سوفيه)) واالسكتلندي ((ديفيد‬
‫آالن)) كما كتبت قصائد وأغنيات كثرية حول‬
‫تلك الفتاة‪.‬‬
‫والغريب يف هذه األسطورة وما أثري حوهلا‪،‬‬
‫أهن��ا التصف ف �نّ التصوير على حن��و مباشر‬
‫فالفتاة مل متسك بيديها فرشاة رسم وال ألواناً‪،‬‬
‫والصورة تلك‪ ،‬اليت رمستها‪ ،‬مل تكن تصف أي‬
‫ش��يء‪ ،‬بل هي ختطيط ع��ام‪ ،‬احتفظت به يف‬
‫عقلها‪ ،‬وحاولت أن ترمسه بعد ذلك‪ .‬أما الذي‬
‫حوّل هذا الرسم إىل حنت بارز فقد كان والدها‪،‬‬
‫من خالل ّ‬
‫الطمي والنار‪ ،‬ومن هنا ميكن الدخول‬
‫إىل فكرة اخللق واإلبداع‪.‬‬
‫وهكذا تطورت ه��ذه األس��ط��ورة‪ ،‬وتطورت‬
‫عملية اخللق واإلبداع والتصوير معها‪ ،‬فالعملية‬
‫كلها تشتمل على نشاط النظر إىل املوضوع‪،‬‬
‫ثم على االحتفاظ به يف الذاكرة اإلدراكية اليت‬
‫جتمع بني اإلدراك ملا هو أمامنا يف اللوحة‪ ،‬ثم‬
‫التذكر ملا يرتبط به من ذكريات ودالالت وصور‪،‬‬
‫ثم الرتكيب بني التذ ّكر واخليال من أجل تنشيط‬
‫اإلهل���ام اخل���اص بالتأمل ث��م اإلك��م��ال للعمل‬
‫والسيطرة عليه نسبياً‪.‬‬
‫وخيوض املؤلف فروعاً متعددة هلذا املوضوع‬
‫من خالل عرضه لنماذج فنية رمسها فنانون‬
‫منها م��اه��و من���وذج واح����د‪ ،‬رمس���ه ع���دد من‬

‫‪156‬‬

‫الفنانني‪ ،‬ومنها ماهو من��اذج متعددة لفنانني‬
‫خمتلفني كما تناول موضوع اخليال اإلسقاطي‬
‫ومفهوم الشاشة‪ ،‬وال��دور املهم للفراغ‪ ،‬والظل‬
‫والشبح والغموض واخليال‪ ،‬ثم ملكة احملاكاة‬
‫واإلسقاط‪ ،‬واحملاكاة واملرآة‪ ،‬وتناول كذلك عدداً‬
‫من النظريات املتعلقة هبذا اجلانب ومنها نظرية‬
‫((رسكن)) الذي اقرتح يف نظريته وجود ثالثة‬
‫أشكال للملكة اخليالية وهي ‪ :‬اخليال الرتابطي‪،‬‬
‫واخليال االخرتاقي‪ ،‬واخليال التأملي‪ ،‬وملتفتاً‬
‫بعد ذلك إىل العالقة بني السريالية واخليال‪.‬‬
‫أما يف موضوع اخليال املسرحي‪ ،‬فقد تناول‬
‫ال��ك��ات��ب م��وض��وع��ه‪ ،‬م��ن حيث ع�لاق��ة مسرح‬
‫ال��ص��ورة باخليال واالس��ت��ع��ارة‪ ،‬والعالقة بني‬
‫مسرح الذاكرة ومسرح احللم‪ ،‬موضحاً العناصر‬
‫املسرحية يف اخليال‪ ،‬والعالقة بني املسرح واملخ‬
‫البشري من حيث كون املسرح تعبرياً عن تطور‬
‫املخ البشري من حالة االستسالم لنوازع املخ‬
‫احليواني أو الغرائز اجلاحمة‪ ،‬إىل ذلك التنظيم‬
‫هل��ذه ال��ن��وازع واالرت��ق��اء هبا عن طريق توجيه‬
‫أنشطة الفصني األماميني املسؤولني عن التفكري‬
‫والتأمل واحلركة واخليال أيضاً‪.‬‬
‫ويرى املؤلف أن األعمال املسرحية يف أغلبها‬
‫حتتوي على استعارات وحاالت جمازية الحصر‬
‫هلا‪ ،‬وهي تعتمد على كثري من األشياء أمهها‬
‫تلك املسافة اليت حتققها اهلوية االستعارية أو‬
‫اجملازية للمسرحية‪ ،‬وتعيش االستعارات يف‬
‫املسرح من خالل بشر أحياء حقيقيني يؤدون‬
‫أدوارهم على اخلشبة‪ .‬فاملسرح يقدم لنا نوعاً‬
‫خاصاً من االستعارة حيث تكون الشخصيات‬
‫النشيطة على خشبة املسرح ليست استعارات‬
‫لفظية‪.‬‬
‫هكذا يساعدنا املسرح على ال��وص��ول إىل‬
‫مزيد م��ن ال��وع��ي ب��ذوات��ن��ا‪ ،‬وب���ذوات اآلخرين‬
‫وباحلياة يف عمومها وخصوصيتها‪ ،‬هذا إضافة‬
‫إىل تلك املتع وامل��س�رّات االنفعالية اإلجيابية‬
‫الكثرية اليت جيلبها لنا معه‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وكما قيل‪ ،‬فكل األح��زان ميكن حتملّها إذا‬
‫حتدثت عنها‪ ،‬أو كتبت عنها قصة أو مسرحية‬
‫فكذلك يعود املاضي‪ ،‬وينبعث الراحلون أحياء‪،‬‬
‫أو شبه أحياء يف ظالل اخليال والتخيل واحللم‬
‫واملسرح والسينما‪.‬‬
‫إن جوهر اخليال وجوهر السينما هو التحول‬
‫أو التحويل وهو جوهر السحر‪ ،‬وماحيدث هو‬
‫حتويل لشيء معني إىل ش��يء آخ��ر‪ ،‬أو إخراج‬
‫شيء معني من شيء آخ��ر‪ ،‬وهكذا فإن صناع‬
‫السينما اخليالية هم سحرة أو ح��واة باملعنى‬
‫احلريف واجملازي كذلك‪.‬‬
‫ويف كتابه ((طريق املمثل)) للكاتب ((بريان‬
‫بتس)) ي��روي حكاية خاصة تلقي ض��وءاً على‬
‫ال��ع�لاق��ة ب�ين السينما وال��س��ح��ر أو الكهانة‬
‫السحرية))‪.‬‬
‫حي��ك��ي ((ب����ت����س)) ك��ي��ف ال��ت��ق��ى املخرج‬
‫السينمائي جون بورمان كاهناً شهرياً يدعى‬
‫ّ‬
‫حيضر فيلمه ((غابة الزمرد))‬
‫((تاكوما)) وهو‬
‫يف أدغال أمريكا اجلنوبية‪ ،‬فقد طلب الكاهن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫م��ن امل��خ��رج أن يشرح ل��ه عمله وه��و ال��ذي مل‬
‫يشاهد السينما وال التلفزيون‪ .‬فعمل جاهداً‬
‫على أن يوضح له آلية تصوير املشاهد وتثبيتها‪.‬‬
‫وكيف يبدأ بعده مشهد آخر من زمن آخر‪ ،‬وكان‬
‫الكاهن مندهشاً‪ ،‬ومتفهماً من جهة أخرى‪ ،‬ويف‬
‫النهاية قال الكاهن للمخرج‪ :‬أنت تصنع رؤى‬
‫أنت تقوم بالسحر‪ ،‬أنت طبيب ساحر‪ ،‬أنت مثلي‬
‫أنا متاماً‪.‬‬
‫ويتناول املؤلف بعد ذلك عدداً من التجارب‬
‫املسرحية والسينمائية األول��ي��ة م��ؤك��داً على‬
‫العالقة القوية اليت نشأت بني األعمال السحرية‬
‫واألعمال السينمائية‪ ،‬إذ كان بعض العاملني يف‬
‫السينما من السحرة أو احلواة ذوي احليلة وخفة‬
‫اليد من أمثال ((جورج ميليه)) ساحر باريس‪.‬‬
‫ال��ذي ب��اع نصيبه يف شركة لصناعة السفن‬
‫خاصة بعائلته‪ ،‬واش�ترى مسرح باريس الشهري‬
‫املسمى ((روب��رت هوديين)) حيث حاز شهرته‬
‫كأحسن ساحر يقدم حيله وخدعه اخلاصة‬
‫على املسرح‪ ،‬وعندما ظهر التصوير السينمائي‪،‬‬

‫‪157‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عرض ((ميليه)) على األخوين ((لوميري))‬
‫أن يشرتي جهاز العرض السريع اخلاص هبما‬
‫لتطوير عمله اخلاص لكنهما رفضا رغبة منهما‬
‫يف مجع كثري من األرب��اح قبل انتشار اجلهاز‬
‫وازدياد عرضه ومن ثم نقصان مثنه‪ .‬لكنه مع‬
‫ذلك مل ييأس ووجد بديالً هلما واشرتى عدداً‬
‫من األجهزة املماثلة‪ ،‬وعرض عدداً من األفالم‪،‬‬
‫كما ط��ور ع���دداً م��ن ال��ك��ام�يرات اخل��اص��ة به‪.‬‬
‫وأخ�يراً أنتج أفالماً حتتوي على مشهد واحد‬
‫ولقطة واحدة‪ ،‬مدهتا دقيقة واحدة‪.‬‬
‫وميكن تعريف السينما اخليالية كما يقول‬
‫ال��ك��ات��ب ب��االس��ت��ن��اد إىل معجم املصطلحات‬
‫السينمائية بأهنا نوعية من األفالم تعتمد على‬
‫القصة أو على جتربة تدور أحداثها يف جمال‬
‫اخل��ي��ال‪ ،‬أو يف دنيا األح�لام أو اهللوسة اليت‬
‫تستحوذ على الشخصية أو ت�تراءى يف خميلة‬
‫الراوي‪.‬‬
‫وقد مت تصنيف األفالم اخليالية إىل تعبريية‪،‬‬
‫ويف اجت��اه التعبريية‪ ،‬والدرجة الوسطى‪ ،‬ويف‬
‫اجتاه الواقعية‪ ،‬وأخرياً الواقعية‪.‬‬
‫ويوضح الكاتب بعد ذلك أن السينما جيب أن‬
‫متتلك سحراً خاصاً أو أن حتتوي على معجزة‬
‫يف قلب الفيلم‪.‬‬
‫ويلتفت الكاتب إىل سينما اخليال العلمي‪.‬‬
‫فاخليال العلمي يستخدم بعض أن��واع العلم‬
‫ومعلوماته لتربير املعجزات أو األحداث اخلارقة‪.‬‬
‫أو اإلعجازية اليت حتدث فيه‪ ،‬سواء من خالل‬
‫خملوقات كالديناصورات‪ ،‬أو الكائنات املهجنة‪،‬‬
‫من إنسان وحيوان وآله‪ .‬أو من خالل الرحالت‬
‫بني الكواكب‪ ،‬ولكنها تبقى – هذه العوامل‪ -‬بعيدة‬
‫عن العامل املمكن والواقعي اخلاص بنا‪ ،‬ومن ثم‬
‫فإن العقالنية أو التربير العلمي يكونه هو الفارق‬
‫بني أفالم اخليال العلمي والفيلم اخليايل‪ ،‬فإذا‬
‫أوضح الفيلم اخليايل سحره أو فسره من خالل‬
‫التربير العلمي فإنه اليعود فيلماً خيالياً‪.‬‬
‫وخيتتم امل��ؤل��ف كتابه بفصل ع��ن الرتبية‬

‫‪158‬‬

‫واخليال‪ .‬وفيه حياول املؤلف توضيح فكرة أن‬
‫اخليال موجود عند الناس كافة‪ ،‬وأن تطويره‬
‫ممكن وحتسينه بأساليب علمية حديثة متاحة‬
‫ومتوافرة‪.‬‬
‫فمن خالل إعادة االستكشاف لعامل الطفولة‪،‬‬
‫ميكن للكبار أن يصلوا إىل تلك ((األرض السحرية‬
‫أو اليت فقدوها‪ ،‬واليت ميكن هلم أن يعودوا إليها‬
‫ويقطنوها م��رة أخ���رى‪ .‬ميكن ألي إن��س��ان أن‬
‫يدخل إىل الطفولة كإحدى ساحات اللعب مهما‬
‫كان مستوى اخليال لديه فيستكشفها ويستمتع‬
‫مبا فيها من أفراح ومباهج‪.‬‬
‫واألحالم ساحة لعب أخرى مهمة‪ ،‬والقراءة‬
‫أيضاً ساحة لعب‪ ،‬فقراءة كتاب أو جريدة يومية‪،‬‬
‫أو مشاهدة لوحات فنية‪ ،‬أو زيارة متحف عام أو‬
‫متخصص‪ ،‬أو زيارة السينما واملسرح والشاطئ‪،‬‬
‫كل ذل��ك يساعد على فتح ب��واب��ات مساحات‬
‫اللعب اخليالية‪ .‬هناك أنواع من اخليال‪ ،‬منها‬
‫اللغوي‪ ،‬والتشكيلي‪ ،‬واالجتماعي‪ ،‬واهلندسي‬
‫والعلمي والتجاري‪ ،‬واملعلوماتي‪.‬‬
‫ف�لاب��د م��ن اك��ت��ش��اف خ��ي��ال ال��ت�لام��ي��ذ يف‬
‫املدارس واجلامعات بتطويرها حبسب خيال كل‬
‫واحد من خالل تعريفهم بأمهية اخليال بشكل‬
‫عام‪ ،‬وبعد ذلك يتم توجيه كل طفل أو مراهق أو‬
‫راشد وفق خياله اخلاص‪.‬‬
‫وأبرز طرق تنشيط اخليال‪ ،‬تشجيع الناس‬
‫على التحرر من األمناط الثابتة والقوالب اجلامدة‬
‫يف التفكري‪ .‬ويف دراستها عن ((اخليال)) أكدت‬
‫((م��اري وان��وك)) أن تنشيط اخليال ينبغي أن‬
‫يكون اهلدف الرئيس من الرتبية والتعليم‪ ،‬كما‬
‫أشار أحد أساتذة الرتبية يف إحدى اجلامعات‬
‫األمريكية إىل أن خيال األطفال هو األداة األكثر‬
‫قوة وحيوية يف التعليم‪ ،‬وأن معظم النظريات‬
‫السائدة واملطبقة عرب العامل إمن��ا تقوم على‬
‫أس��اس عدد من الربامج احمل��دودة اليت ركزت‬
‫على جمال ضيّق‪ .‬ويرى املؤلف أنه البدّ أن تزوّد‬
‫الربامج الدراسية باملكوّن املفقود يف الرتبية‪ ،‬أي‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫اخليال‪ ،‬فالبد للطالب أن يفكر وفق الطريقة‬
‫التقليدية‪ ،‬والطريقة غري التقليدية ((اخليالية))‬
‫غري املألوفة وفق املوقف والعمر‪.‬‬
‫كما مي ّكننا اخليال من القيام بتجارب فكر‬
‫ليس يف العلم فقط‪ ،‬كما هو احلال يف اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬وإمنا يف األدب والفن واحلياة أيضاً‪،‬‬
‫كما مي ّكن اخليال الطالب من فهم املوضوعات‬
‫واإلضافة إليها من خالل جتارب فكر أيضاً‪،‬‬
‫وم���ن خ�ل�ال اجل��م��ع ب�ين األس��ل��وب السردي‬
‫واألسلوب التصويري‪ ،‬فتقوم الرتبية عن طريق‬
‫اخليال هبذا الشكل‪ ،‬فتؤسس بذلك تربية عن‬
‫طريق اإلبداع‪ ،‬تربية على طريق املستقبل‪.‬‬
‫ويدعو الكاتب إىل ض��رورة اخت��اذ قرارات‬
‫جبعل التعليم أكثر متعة‪ ،‬بأن يضاف املكوّن‬
‫اخلاص باخليال إليه‪ ،‬وأن تعطى درجات أكثر‬
‫للطالب األكثر خياالً‪ ،‬وأن يعد املعلم بطرائق‬
‫الجتعله من أعداء اخليال‪.‬‬
‫فاحلرية جوهرية يف اخليال‪ ،‬واحلرية حترر‬
‫نسيب من القيود‪ ،‬ومن القيود‪ ،‬تلك املواد اليت‬
‫أعدت لتكوين صور ثابتة دقيقة حول الواقع‪،‬‬
‫أما اخليال فينتج صوراً بديلة أو موازية أو حتى‬
‫لكنها خمتلفة ألهنا التتعلق باملاضي واحلاضر‬
‫فقط كما هي حال الصور التعليمية والرتبوية‪.‬‬
‫بل ألهنا تتعلق أكثر باملستقبل وتتجه حنوه‪.‬‬
‫كثرياً ماينظر املسؤولون عن التعليم إىل‬
‫اخليال على حنو غامض‪ ،‬وكثرياً مايتحدثون‬
‫عنه وعن أمهيته‪ .‬لكنهم اليفعلون شيئاً من‬
‫أجل ميالده‪ ،‬بل كثرياً ماينظرون إىل مايرتبط‬
‫ب��اخل��ي��ال على أن��ه ن��ش��اط زائ���د أو مضيعة‬
‫للوقت‪ ،‬كما ينظرون إىل اللعب احلر اخلاص‬
‫باخليال على أنه اليتفق مع النظام واألفكار‬
‫الواجبة والربامج الدراسية املنظمة‪ ،‬واحلصص‬
‫احملددة الوقت‪ ،‬وأسابيع العام الدراسي اليت‬
‫ينبغي االلتزام هبا‪ ،‬ومن ثم فإهنم اليشجعون‬
‫حركة اخليال‪ ،‬والمن ينتمي إليها‪.‬‬
‫ويستند املؤلف إىل أستاذ الرتبية اخليالية‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫الياباني ((ك‪ .‬تاكايا)) الذي يذكر أن هناك‬
‫ث�لاث طرائق ميكن من خالهلا معرفة كيف‬
‫ميكن أن يصبح الشخص ال��ذي نعلمه قادراً‬
‫على التخيل اإلبداعي‪.‬‬
‫جيب أن يوجّه الطالب حنو الذهاب إىل‬
‫ماوراء املعارف واملعلومات املتاحة‪ .‬وينبغي أن‬
‫يفهم املعنى والداللة من خالل وضع مايعرفه‬
‫يف سياق أكرب‪ ،‬وعليه أن يطور فضوله املعريف‬
‫وحب استطالعه وفهمه املتوجه حنو الغائب‬
‫واجملهول‪.‬‬
‫ينبغي تنمية اإلحساس مبا ورد يف الفقرة‬
‫السابقة‪ ،‬وأن التعلم عملية مستمرة‪ ،‬وبالتايل‬
‫البد من تقوية الشعور بالرغبة يف املعرفة عند‬
‫الطالب‪ ،‬كما ينبغي تنمية التفكري االحتمايل‬
‫املستقبلي على حنو مستمر ومقصود‪ ،‬ومتوجهه‬
‫حنو احتماالت أخرى بديلة ألي شيء يف هذه‬
‫احلياة ((فكر وأخربنا)) ((فكر واكتبه)) ((فكر‬
‫وارمس��ه)) ((فكر وصمم)) برناجماً الكرتونياً‬
‫خاصاً‪.‬‬
‫الينفصل اخل��ي��ال والال��ت��ع��ل��م والالتعليم‬
‫والالرتبية عن احلس األخالقي والعن اجلوانب‬
‫االنفعالية األخرى للطالب أو اإلنسان‪ ،‬اإلنسان‬
‫عقل ووج���دان وس��ل��وك‪ ،‬واإلرادة مهمة كما‬
‫االنفعال‪ .‬وينبغي أن نوجه الصغار والكبار‬
‫من أجل تنمية الشعور باالهتمام والبعد عن‬
‫الالمباالة أو عدم االكرتاث‪.‬‬
‫دون شك‪ ،‬حيتاج القارئ إىل وقفة متأنية‪،‬‬
‫وإىل ص�بر وأن���اة طويلني خ�لال ق��راءت��ه هلذا‬
‫الكتاب‪ .‬كون الكتاب غنياً مبعلوماته اجلديرة‬
‫ب��االه��ت��م��ام‪ ،‬وك��ذل��ك ل��ك��ون��ه ه��ام �اً ومفيداً‬
‫للمستويات ال��ف��ك��ري��ة وال��ث��ق��اف��ي��ة املتعددة‪.‬‬
‫صغاراً وكباراً‪ .‬ولكونه أفرد قسماً البأس به‬
‫للجانب الرتبوي‪ ،‬عارضاً فيه رؤيته اخلاصة‬
‫بدور اخليال يف الرتبية‪ ،‬مؤكداً على ضرورة‬
‫االهتمام بالبعد اخليايل واألخذ به عند وضع‬
‫الربامج الرتبية‪ ،‬وعند تنفيذها‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مهندسون معماريون‬
‫من احلشرات و الطيور و احليوان‬
‫م ‪ .‬هناء صاحل‬
‫يف هناية العصور الوسطى عاد (جيميلي كاريرى) و هو احد‬
‫معاصري ماجيالن من رحلة قام هبا إىل اسرتاليا‪ .‬و عندما‬
‫قص على الناس ما شاهده من حاضنات صناعية للتفريخ‬
‫تقوم ببنائها بعض الطيور هناك سخروا منه و مل يصدقوه ‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫و احلقيقة أن ( جيميلي ) مل يكن كاذباً فمن‬
‫املعروف اآلن أن (ميجا ب��ور) احمليط اهلادي‬
‫يبين حاضنات صناعية لبيضه‪ ،‬حتى يتمكن‬
‫من مواجهة املفاجآت السيئة للطبيعة‪ .‬و امليجا‬
‫بور نوع من الديوك الرومية يزن الواحد منها‬
‫كيلو غ��رام�ين‪ .‬و تضع إن��اث��ه بيضا ي��ع��ادل يف‬
‫حجمه بيض النعامة‪ .‬أي أن البيضة تزن عشرة‬
‫أضعاف بيضة الدجاجة العادية‪.‬‬
‫و دج��اج��ة امليجا ب��ور تضع ‪ 35‬بيضة يف‬
‫املوسم الواحد‪ ،‬و هي حتتاج إىل سبعة أسابيع‬
‫من احلاضنة للتفريخ‪ .‬و هكذا يتبني لنا مقدار‬
‫اجلهد الذي يكون على هذه الدجاجة املسكينة‬
‫أن تبذله‪ .‬و من هنا كان البد هلا من البحث‬
‫عن وسيلة أخرى من أجل تأمني احلياة ألجياهلا‬
‫القادمة دون تبديد لوقتها يف حضانتها‪ .‬و كان‬
‫اخرتاع احلاضنة الصناعية هو احلل السعيد‪.‬‬
‫و الواقع أن ه��ذه احلاضنات ليست سوى‬
‫مثال مل��ا استطاع أن يصل إليه احل��ي��وان من‬
‫مستوى رفيع يف هندسة البناء‪.‬‬
‫يقول ( فرانك لويد رايت ) و هو احد كبار‬
‫املهندسني املعماريني يف أمريكا ‪ :‬لقد سبقتنا‬
‫احل��ش��رات و الطيور و احل��ي��وان��ات بأشكاهلا‬
‫املختلفة إىل أنواع من البناء نستطيع إذا أحسّنا‬
‫دراستها أن نستفيد منها و نعمل على تطوير‬
‫هندستنا البنائية‪ .‬لقد توصلت هذه املخلوقات‬
‫إىل كثري من م��واد البناء كالصمغ و الشمع و‬
‫احلرير و ال��ورق و االمسنت‪ ،‬كما استطاعت‬
‫أن تواجه الكثري من املشاكل الفنية و اهلندسية‬
‫لبناء امل��ن��ازل‪ .‬واحلقيقة الثابتة أن ك��ل ما‬
‫اخرتعه اإلنسان يف هذا االجت��اه له أصله يف‬
‫عامل احليوان‪ .‬و الغريب أن اإلنسان ظل قرابة‬
‫العشرين قرن حتى أدرك هذه احلقيقة‪ .‬و لو‬
‫أنه بذل جهداً مبكراً يف مالحظة ما يقوم به‬
‫احليوان أثناء بنائه ملسكنه لكان هلندسة البناء‬
‫اليوم شأن آخر‪.‬‬
‫و ال��واق��ع إن العمل الباهر ال��ذي يقوم به‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫احليوان يف ميدان البناء ليس مقصوراً على‬
‫األن��واع املتطورة وحدها‪ . .‬فعند أسفل السلم‬
‫احليواني نلتقي باحليوان ذي اخللية الواحدة‪،‬‬
‫و هو حيوان ال يرى بالعني اجملردة‪ ،‬و مع ذلك‬
‫فإنه يقوم بإجناز هياكل يف غاية الغرابة هي‬
‫أجسام تلك احليوانات‪ .‬حيث يقوم هذا احليوان‬
‫الوحيد اخللية بصنع جسمه من املواد الطبيعية‬
‫الذي يتكون منها هذا اجلسم‪ ،‬و من الغذاء الذي‬
‫حيصل عليه احليوان من الكالسيوم و السيلكا‪.‬‬
‫ومن احليوانات الوحيدة اخللية حيوان يدعى‬
‫(االيفولوجيا) و هو يصنع لنفسه صدفة أو‬
‫حرشفة واقية بطريقة فريدة يف عامل احليوان‪.‬‬
‫انه يبتلع ذرات من الرمل يدجمها يف جسمه ثم‬
‫يدفع هبا للخارج‪ .‬حيث يلتصق بعضها ببعض‬
‫بواسطة م��ادة الصقة‪ .‬و املنخريات من هذه‬
‫احليوانات الدنيا تستعمل كربونات الكالسيوم‬
‫املذابة يف ماء البحر بكثافة ضعيفة من اجل‬
‫بناء حراشفها‪ .‬و هذه احلراشف تتكون من عدة‬
‫حجرات يتصل بعضها ببعض مشكلة تنويعات‬
‫الحد هلا‪ ..‬و قد مت العثور على حراشف هلذه‬
‫احليوانات يرجع تارخيها إىل مخسني مليون‬
‫سنة مضت‪ .‬و يف بعض االماكن تراكمت هذه‬
‫احلراشف لتكون طبقة من الكالسيوم‪.‬‬
‫لكن أمج��ل ه��ذه احل��راش��ف ه��ي حراشف‬
‫الشعاعيات‪ ،‬وه��ي حيوانات جمهرية مشعة‬
‫األطراف‪.‬‬
‫وه��ذه احليوانات تكون بواسطة السليكا‬
‫هياكل هندسية من مستوى رفيع و يف غاية‬
‫التعقيد‪ ،‬و هي هياكل قابلة للكسر مما يذكرنا‬
‫بالزجاج الذي مل يعرفه اإلنسان إال يف مراحل‬
‫متقدمة من تطوره‪ ،‬يف حني عرفه هذا احليوان‬
‫البدائي منذ سبعة ماليني عام‪.‬‬
‫ف��إذا انتقلنا إىل الرخويات‪ ،‬وه��ي متقدمة‬
‫قليال يف ال��س��ل��م احل��ي��وان��ي‪ ،‬وج��دن��اه��ا تبين‬
‫ألنفسها صدفة من الكالسيوم‪ .‬و بقدر ما يكرب‬
‫احليوان تتطور الصدفة‪ ،‬وغالباً ما تكون على‬

‫‪161‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫شكل حلزوني‪.‬‬
‫وهي يف بعض هذه احليوانات تتخذ أشكاالً‬
‫فنية أشبه ما تكون بالتحف القوطية الرائعة‪.‬‬
‫ك��م��ا أن لبعضها أص����داف ذات أب����واب عند‬
‫مدخلها ميكنها إغالقها إذا ما انكمشت إىل‬
‫الداخل محاية لنفسها‪.‬‬
‫أم���ا امل����واد األول��ي��ة ال�ت�ي تستخدمها تلك‬
‫احل��ي��وان��ات ال��ب��دائ��ي��ة م��ن ح��ش��رات و طيور‬
‫فمتعددة و كثرية ‪:‬‬
‫فالعنكبوت مثالً يصنع نسيجه املعروف‪ .‬و‬
‫امل��ادة األساسية هلذا النسيج يتم إفرازها من‬
‫ست غدد حتت بطن احلشرة‪ .‬وكل واحدة من‬
‫هذه الغدد تنتج خيوطاً خمتلفة‪ ،‬بعضها متني‬
‫ناعم و بعضها اآلخ��ر لني م��رن‪ .‬و من خيوط‬
‫العنكبوت ما ال ميكن ألي جهاز اخرتعه اإلنسان‬
‫أن ينتج مثله‪ ،‬ألنه بالغ الدقة ‪،‬إذ يبلغ قطر هذا‬
‫اخليط بضعة أجزاء من مئة جزء من املليمرت‪.‬‬
‫و يقوم العنكبوت بصنع نسيجه على حنو‬
‫بالغ الدقة‪ .‬و هو يبدأ بتثبيت خيط يف احد‬

‫‪162‬‬

‫األركان ثم يأخذ يف التأرجح حتى يوجد نقطة‬
‫ارتكاز ثانية‪ ،‬و هو يستخدم ه��ذا اجلسر يف‬
‫إجياد املركز‪ .‬و من هذا املركز ينطلق إلفراز‬
‫خيط ثان يربطه ب��األرض‪ ،‬و ما أن يفرغ من‬
‫وضع نقاط االرتكاز الثالث حتى يبدأ يف بناء‬
‫اهليكل ثم يفرز خيطني آخرين على أن يكونا‬
‫متوازيني معاً‪ ،‬و يتصال فيما بينهما عند نقطة‬
‫معينة ليعود بعدها العنكبوت إىل النقطة اليت‬
‫انطلق منها‪.‬‬
‫و يسلك الطريق نفسه ع��دة م��رات هبدف‬
‫تقوية ه��ذه اخليوط‪ ،‬ثم يعيد الكرة بالنسبة‬
‫للخيوط الباقية يف البناء‪ ،‬و أخرياً و انطالقاً من‬
‫املركز يعمل على إفراز حلزون مؤقت من خيط‬
‫متني يستخدم كدعامة لصنع اخليط احللزوني‬
‫النهائي‪ ،‬و هو يفرزه من مادة لزجة‪.‬‬
‫هذا الفخ الشيطاني الذي يقوم العنكبوت‬
‫بصنعه يف يومني أو ثالثة ال يدع ألي فريسة‬
‫جماالً للهرب‪.‬‬
‫و الشمع يستخدمه النحل يف بناء خالياه‪ .‬و‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫هو يفرزه من غدد بطيئة يف درجة حرارة ‪35‬‬
‫مئوية لتكون له صفة املرونة التامة‪ .‬و احلجرات‬
‫اليت يبنيها النحل ذات أشكال حمددة‪.‬‬
‫و حجرة امللكة فريدة من نوعها و هي أكرب‬
‫من حجرات الذكور‪ .‬وحجرات الذكور أكرب من‬
‫حجرات اإلن��اث‪ .‬و كل منها مييل مبقدار ‪13‬‬
‫درج��ة متاماً‪ ،‬و ذل��ك حتى يتمكن العسل من‬
‫انسياب إىل الداخل‪ ،‬وحجرات النحل مسدسة‬
‫الشكل‪ ،‬و قد ثبت أن الشكل السداسي حيتاج‬
‫إىل اق��ل م��ق��دار ممكن م��ن الشمع لبنائه و‬
‫هكذا تستطيع عامالت النحل أن حتتفظ مبا‬
‫يساوي كيلوغرامني من العسل يف جمموعة من‬
‫احلجرات ال يستهلك بناؤها أكثر من مخسني‬
‫غراماً من الشمع‪.‬‬
‫أما الزنابري فتصنع أعشاشها من الورق الذي‬
‫تنتجه بنفسها‪ .‬فهي تنحت جزيئات من اخلشب‬
‫من األشجار ثم ختلطها بلعاهبا لتحوهلا إىل‬
‫كريات صغرية تبسطها على شكل شريط يكون‬
‫العنصر األساسي يف صنع العش‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫و الزنابري تبدأ بإقامة دعامة العش‪ ،‬ثم تضع‬
‫خيوطاً أفقية تقويها بألياف من اخلشب‪ ،‬وأخرياً‬
‫حتيطها بغالف واق من الورق حيمي احلجرات‬
‫اليت تستخدم لفقس الصغار‪.‬‬
‫و إذا كان بعض احليوانات يصنع مواد البناء‬
‫الالزمة له‪ ،‬فإن من الطبيعي أن يقوم بعضها‬
‫اآلخر باستعارة هذه املواد من البيئة اليت يعيش‬
‫فيها‪ ،‬و إذا كان احليوان قد بنى مجيع أنواع‬
‫املساكن من العش حتى ناطحة السحاب‪ ،‬فإن‬
‫الذي يدعو إىل العجب حقاً هو الطريقة اليت‬
‫استطاع أن حيقق هبا أه��داف��ه‪ ..‬لكن العلماء‬
‫تبينوا أن هناك بعض احليوانات املتخصصة يف‬
‫بعض عمليات البناء و منها على سبيل املثال‬
‫الغرير و املرموط و النقار‪ ،‬و هي تستطيع أن‬
‫حتفر األرض و تثقب اخلشب‪ .‬و يعترب الرمل و‬
‫الرتاب من أكثر املواد اليت يلجأ إليها احليوان‪،‬‬
‫نظراً لسهولة احلصول عليهما من الطبيعة‪.‬‬
‫إن (ميجابور) اسرتاليا يستخدم الرمل كعازل‬
‫حراري حلاضنته الصناعية‪ .‬وإذا كان بناء مثل‬

‫‪163‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هذه احلاضنة شيئاً ضرورياً ملثل هذا الطائر‪،‬‬
‫فإنه يعترب عمالً شاقاً بالنسبة للذكر‪ .‬فقبل‬
‫ستة أشهر من بدء احلضن حتفر هذه الطيور‬
‫بأرجلها حفرة يصل قطرها إىل ثالثة أمتار‪.‬‬
‫أم��ا عمقها فيبلغ ‪ 1.5‬م�تر‪ ..‬و تقوم الطيور‬
‫بعد ذل��ك مب��لء احلفرة باألعشاب و األوراق‬
‫الرطبة املائلة إىل التعفن‪ .‬و هكذا تستطيع‬
‫البكترييا املوجودة هبا أن تنتج حرارة هائلة تظل‬
‫موجودة بفضل املطر الذي حيتفظ لألعشاب‬
‫و األوراق برطوبتها يف فصل الشتاء‪ .‬و قبل‬
‫قليل من بداية الربيع يعود الذكر إىل حفرته‬
‫و يقوم بنفسه بإجناز مجيع األعمال املتعلقة‬
‫بالردم و التسميد و تقليب الرتبة بانتظام حتى‬
‫يضمن هتوية ج��ي��دة‪ ،‬و األن��ث��ى ال تتدخل إال‬
‫ملراقبة العمل ووضع البيض‪ .‬و يف هذا الوقت‬
‫على الذكر أن حيافظ على درجة احل��رارة يف‬
‫احلاضنة حبيث تستقر عند ‪ 33‬درجة مئوية‬
‫متاماً‪ .‬وذلك باستخدام فتحات للتهوية‪ .‬و يف‬

‫‪164‬‬

‫الصيف عندما تصبح هذه الفتحات غري كافية‬
‫يقوم هذا الطائر بتغطية هضبته الصناعية‬
‫بطبقة من الرمل تأخذ مسكاً ينسجم مع ارتفاع‬
‫درجة احلرارة يف النهار‪ .‬و يف منتصف فصل‬
‫الصيف يصل مسك هذه الطبقة إىل مرت‪.‬‬
‫أما الزنبور البناء فيختار لصنع مسكنه مادة‬
‫الفخار فقط و طريقته يف البناء تشبه طريقة‬
‫أمثاله من الزنابري اليت تصنع أوكارها بالورق‪.‬‬
‫وهذه احلشرة تبين أواني صغرية دقيقة على‬
‫شكل زجاجات ضيقة العنق تثبتها على نبتة أو‬
‫غصن شجرة لتضع بيضها‪ .‬وعند الضرورة‬
‫ت��ق��وم برتطيب بنائها مب��ا تبصقه عليه من‬
‫ماء حتتفظ به يف مكان احتياطي ببطنها‪ .‬و‬
‫يف الداخل ختزن أنثى الدبور غذاءها‪ ،‬وتضع‬
‫بيضها مربوطاً خبيط تفرزه عندما تبيض‪،‬‬
‫وعندئذ تغلق الوعاء الصغري ثم ترتكه للطبيعة‪.‬‬
‫و من أمجل األعمال اليت تبنى بالرتاب ذلك‬
‫البناء الذي يطلق عليه اسم املأرضة (مكان اقامة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫األرضة) و املأرضة نوع من العمارات تبنيه تلك‬
‫احلشرة األرضية‪ ،‬و يبلغ ارتفاعها سبعة أمتار‬
‫و هي مالئمة جداً للمناطق االستوائية‪ ،‬و هذه‬
‫العمارات تقام يف نظام بديع حول الغرفة امللكية‬
‫ال�تي تبنى يف ال��وس��ط‪ .‬مستعمرات األرضة‬
‫تنقسم الواحدة منها إىل عدة أحياء و هي أشبه‬
‫ما تكون باملدينة العصرية بشوارعها و مراكز‬
‫متوينها و شرطتها و عماهلا ال��ذي��ن يبدون‬
‫مجيعاً يف أوج النشاط‪ .‬و لعل أهم اإلجنازات‬
‫اليت تقوم هبا هذه احلشرات هو النظام الذي‬
‫تطبقه لتكييف املناخ‪ ،‬و ذلك قبل أن يهتدي‬
‫اإلنسان إىل مثل هذا النظام مباليني السنني‪.‬‬
‫ام��ا القندس يعترب ه��ذا احل��ي��وان مهندساً‬
‫بارعاً وبناّء ماهراً يف نفس الوقت حيث ينشئ‬
‫عشه مبهارة فائقة وبنفس املهارة ينشئ سدّاً‬
‫منيعاً أمام عشّه ليحميه من تأثري املاء اجلاري‪،‬‬
‫وهو يبذل جهداً خارقاً وعلى مدى عدة مراحل‬
‫إلجناز هذا العمل املرهق‪.‬‬
‫ويف املرحلة األوىل يقوم بتجميع كمّ هائل من‬
‫أغصان األشجار حيث يستخدمها يف التغذية‬
‫وبناء عشه والسد الذي أمامه‪ ،‬وهلذا يقوم هذا‬
‫احل��ي��وان بقرض األش��ج��ار املتوافرة بأسنانه‬
‫لقطعها وأثبتت األحب���اث العلمية أن��ه يقوم‬
‫حبسابات دقيقة عند عملية القطع‪ .‬ويفضل‬
‫هذا احليوان العمل على ضفة املياه اليت هتب‬
‫عليها الرياح وهكذا تقوم املياه مبساعدة هذا‬
‫احل��ي��وان يف سحبه األغ��ص��ان ال�تي يقطعها‬
‫باجتاهه عشه‪.‬‬
‫ويتميز عش ه��ذا احليوان بتخطيط بارع‬
‫إذ حيتوي على مدخلني سفليني حتت سطح‬
‫امل��اء وم��ك��ان خ��اص ف��وق سطح امل��اء للتغذية‬
‫وف���وق ه��ذا امل��ك��ان ي��وج��د م��ك��ان خ��اص للنوم‬
‫إضافة إىل قناة خاصة لتهوئة ه��ذا املكان‪.‬‬
‫ويقوم القندس بتجميع األغصان واح��داً فوق‬
‫اآلخر لتشكيل اهليكل اخلارجي للعش بعناية‬
‫كبرية فال يرتك فيه أي فجوة أو ثقب ويستخدم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يف هذا العمل األغصان الصغرية مع كمية من‬
‫الطني‪.‬‬
‫واملواد اليت يستخدمها القندس يف بناء عشه‬
‫تساعد على متاسكه من جهة واحلفاظ على‬
‫درجة احلرارة داخله من جهة أخرى‪ ،‬فبالرغم‬
‫من اخنفاض درجة احلرارة يف الشتاء إىل ‪35‬‬
‫درجة حتت الصفر فإن احل��رارة داخل العش‬
‫تبقى فوق الصفر باستمرار‪.‬‬
‫ويقوم القندس أيضاً بإنشاء خمزن لألغذية‬
‫حتت العش يتغذى منه طيلة فصل الشتاء‪ .‬ويف‬
‫تلك األثناء يقوم القندس بإنشاء قنوات حتتية‬
‫على شكل شبكة‪ ،‬و يبلغ عرض هذه القنوات‬
‫مرتان يستطيع هذا احليوان بواسطتها أن يصل‬
‫إىل اليابسة حيث توجد األشجار اليت يتغذى‬
‫عليها‪.‬‬
‫وال��س��دود ال�تي يبنيها القندس تتألف من‬
‫النباتات واألحجار اليت يركمها فوق بعضها‬
‫ال��ب��ع��ض ب��ن��ف��س ال��ط��ري��ق��ة ي��ب�ني هب��ا العش‪.‬‬
‫ويبذل هذا احليوان جهده يف رص األغصان على‬
‫شكل مثلث طويل يربط بني ضفيت املياه إضافة‬
‫إىل عمله الدؤوب يف رتق الفجوات املوجودة يف‬
‫السد عرب ملئها باملواد الالزمة‪ ،‬وك ّل هذا حيدث‬
‫وهو يسبح ضد تيار املاء وميتطي كومة عشه‬
‫يف الوقت نفسه‪ .‬وعند حدوث أي فجوة أو خلل‬
‫يف بناء السد يقوم القندس باستخدام الطني‬
‫أو أغصان األشجار مللئه ثانية‪ ،‬وهكذا يتحول‬
‫السد إىل نوع من احلوض العميق يستطيع من‬
‫خالله القندس أن جيعل من عشه خمبأ كبرياً‬
‫لألغذية واملؤونة تساعده على احلياة طيلة‬
‫فصل الشتاء‪ ،‬ويستطيع القندس أن يوسع من‬
‫املساحة املائية داخ��ل العش لنقل أك�بر كمية‬
‫ممكنة من الغذاء وامل��واد الالزمة لبناء العش‬
‫وترميمه حتى أن هذا األسلوب جيعل العش يف‬
‫مأمن من األعداء‪ ،‬ويف هذا يشبه عش القندس‬
‫قلعة حماطة خبنادق الدفاع يصعب اهلجوم‬
‫عليها‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫غرائب‬
‫في عالم النباتات‬
‫قمر املناصفي‬
‫هناك قصة تتحدث عن النبات الذي خيدع اإلنسان‬
‫ثم يفرتسه‪ ،‬تقول القصة أن شجرةً تصدر صوت أنني‬
‫خافت وحزين وكأهنا إنسان يف النزع األخري يئن ويبكي‪،‬‬
‫جيري اإلنسان حنو األنني ‪،‬يفتش عن صاحب األنني ولكن الجيده‪،‬‬
‫وحني يقرتب حنو مصدر الصوت هبدوء ‪،‬فيجد أن الصوت يصدر‬
‫من الشجرة الضخمة يقرتب منها ليسمع الصوت‪ ،‬وفجأة ينغلق‬
‫الباب عليه‪ ،‬وهو بداخلها يصرخ فال جييبه أحد‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫لقد أغلقت الشجرة عليه أب��واهب��ا وأنزلت‬
‫عليه األمحاض منهمرة لتش ّل حركته حتتضنه‬
‫ثم تبدأ بتحليل جسمه لتتغذى عليه‪ ،‬ثم بعد‬
‫ذلك تلقي هبيكله العظمي املفتت خارج ساقها‬
‫القاتل‪.‬‬
‫وقبل عشرين عاماً سافرت بعثة إجنليزية‬
‫إىل إح����دى ج���زر احمل��ي��ط اهل���ن���دي‪ ،‬وع���ادت‬
‫حتمل أخباراً عن شجرة يُقال أهنا تأكل الناس‬
‫واحليوانات‪ ،‬بأن تلتف أوراقها وأغصاهنا اهلائلة‬
‫على الضحية فتفرتسها ومتتصها فال ترتكها‬
‫إال بعد أن تصبح هيكالً بشرياً‪ .....‬ومما قالته‬
‫البعثة أن هذه الشجرة تنمو يف نفس اجلزيرة‬
‫ال�تي ن��زل فيه السندباد البحري وق��ص عنها‬
‫الغرائب والعجائب املعروفة‪ ،‬ويعتقد السكان‬
‫هناك ب��أن أرواح أج��داده��م وآهلتهم متقمصة‬
‫يف أوراق هذه الشجرة‪ ،‬ولذلك فهم يعبدوهنا‬
‫ويقدّسوهنا ويقدمون إليها ذبيحة خمتارة على‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫اهليكل هيكل األجداد واآلهلة‪.‬‬
‫أفالمٌ كثرية على شاشة التلفاز حتدثت عن‬
‫النباتات الغريبة ال�تي تنمو يف الغابات‪ ،‬يقع‬
‫األبطال فريس ًة هلا تتغذى على حلوم البشر‬
‫فهل هذه النباتات موجودة ياتُرى؟‬
‫إذا أردنا اإلجابة عن هذا السؤال نقول نعم‬
‫إهنا موجودة لكن ليس بالضخامة واخلطر الذي‬
‫نراه يف أفالم السينما!!‬
‫النباتات اخلضراء بشكل عام تصنع طعامها‬
‫بنفسها‪ ،‬وتنمي نفسها وكل ما حتتاج إليه هو‬
‫نور الشمس وغاز الكربون من اجلو واألمالح‬
‫املعدنية من الرتبة‪.‬‬
‫عندما نذكر النبات خيطر على بالنا األشجار‬
‫واحلشائش وال��زه��ور لكن العدد األعظم من‬
‫النباتات يعيش يف البحار وليس على األرض‬
‫واليت نسميها الطحالب‪ ،‬وتلك تُسمى النباتات‬
‫البسيطة أو البدائية‪ ،‬إذا ما قورنت مع الشجرة‪،‬‬

‫‪167‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ومي��ك��ن تصنيف ال��ف��ط��ور يف ع���داد النباتات‬
‫البسيطة‪.‬‬
‫توّفر النباتات الطعام لإلنسان واحليوان‪ ،‬كما‬
‫أهنا تُساعد على تنقية هواء كوكبنا فهي تأخذ‬
‫غاز الكربون الذي خيرجه اإلنسان واحليوان‬

‫‪168‬‬

‫عند التنفس‪ ،‬ومن مصانعه وآلياته‪ ،‬وتعطينا‬
‫بدالً منه األوكسجني النقي احليوي الذي نعيش‬
‫به فما الذي ميكن أن فعله لوال النبات؟‬
‫وبسبب أن النبات يف خطر دائم فقد أنتجت‬
‫الكثري من النباتات أسلحة خاصة للدفاع عن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫نفسها ضد األعداء‪ ،‬منها األشواك‪ ،‬والواخزات‪،‬‬
‫والالسعات‪.‬‬
‫فإذا ما تناول حيوان ما مقداراً ضيئالً يف‬
‫فمه من أحد هذه النباتات الشائكة أو لسعته‬
‫إحدى هذه النباتات يف خطمه‪ ،‬فإنه لن يُعاود‬
‫مهامجة هذا النبات مرةً أخرى استطاعت البقاء‬
‫بفضل ماهلا من خصائص كأن تكون سامة‪ ،‬أو‬
‫رديئة الطعم‪ ،‬كما أن بعض األشجار تُنتجُ مساً‬
‫يف أوراق��ه��ا حينما تتعرض خلطر حقيقي‪،‬‬
‫ويُطلق بعض األشجار‪ ،‬نوعاً من الغازات اليت‬
‫تنبّه األشجار اجملاورة وحت ّثها على إنتاج السمّ‬
‫نفسه لكي تصبح أوراقها رديئة الطعم لكل من‬
‫يريد أن يأكل من أوراقها‪.‬‬
‫ت���ؤذي احل��ش��رات األش��ج��ار ع��ن��دم��ا تثقب‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫حلاءها‪ ،‬والفطر ( مثل األشنة) يزيد يف األذى‬
‫عندما يدخل العفونة إىل أج��زاء من اجلذع‪،‬‬
‫وملكافحة ذلك طوّرت بعض األشجار أنواعاً من‬
‫الصمغ‪ ،‬تفرزها خاليا خاصة إلبعاد احلشرات‬
‫والعفونة‪ ،‬وكل شجرة تقريباً تفرز سائالً إذا‬
‫جُرحت ال يلبث أن خيتم اجلرح ويداويه‪.‬‬
‫وه��ن��اك أن����واع م��ن ال��ن��ب��ات��ات ت��ف��رز مواد‬
‫سُ��م �يّ��ة لتحمي نفسها م��ن ال���رع���ي‪ ،‬فعنب‬
‫الثعلب( ال��ب�لاّدون��ا) وال��ش��وك��ران ال��دات��ورا من‬
‫النباتات اليت حتتوي على مواد شديدة السمّ‬
‫امسها الشّبْقلويَات‪ ،‬وأوراق ش��ج�يرات الغار‬
‫وج���ذور املينهوت وع��ش��ب السهام األمريكي‬
‫مجيعها حتتوي على السمّ القتّال « حامض‬
‫اهليدروسيانك» وش��ج��رة األوب���اس اآلسيوية‬

‫‪169‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وشجرة املنشيل االستوائية األمريكية سامة‬
‫لدرجة أن السكان يتحاشون ملسها أو النوم‬
‫حتتها‪ ،‬وحن��ن مجيعاً نتحاشى مل��س اللبالب‬
‫املتعرّش أو القرّاص‪.‬‬
‫وهناك أنواع من النباتات موطنها األصلي‬
‫ج��زي��رة مدغشقر وأواس����ط آس��ي��ا وأسرتاليا‬
‫اشتهرت بالكثري من الربامج العلمية‪ ،‬وأفالم‬
‫الرسوم املتحركة! لكن هذه النباتات التفرتس‬
‫ال���ن���اس! ل��ك��ن ب��ع��ض احل���ي���وان���ات الصغرية‬
‫واحلشرات‪.‬‬
‫م��ن ه��ذه النباتات نبات ال��ق��در أو اجلرة(‬
‫‪ )Nepenthes‬ويُسميه البعض بنبات السلوى‬
‫الحتوائه على السوائل السكرية‪ ،‬وفيه تتحور‬
‫الورقة إىل شكل جرة له غطاء عمقه ‪ 30‬سم‬
‫يف بعض األنواع‪ ،‬وعرضه ‪ 12‬سم حبيث يسمح‬
‫ب��دخ��ول احل��ش��رات ال��ك��ب�يرة‪ ،‬وب��ع��ض الطيور‬
‫الصغرية والزواحف‪ ،‬وللنبات ألوان زاهي ٌة‪ ،‬وروائح‬
‫زكية وبداخله سائل‪ ،‬وك��ل الطرق والرتاكيب‬
‫تُهيأ إلغراء الفريسة واقتناصها‪ ،‬فقمة القدر‬
‫متدحرجة إىل الداخل وكل شيء يسمح باملرور‬
‫باجتاه الداخل‪ ،‬وحيول دون اخل��روج واجلدار‬
‫الداخلية مغطاة بزوائد وحراشيف زلقة مشعية‬
‫امللمس‪ ،‬وبعض الزوائد املتدالة للداخل كاجلبال‬
‫اهلابطة إىل ال��وادي من أعلى اجلبل‪ ،‬ويف قاع‬
‫القدر بعض املاء املتجمّع من إف��رازات الورقة‬
‫وم��اء املطر‪ ،‬واملخلوط باإلنزميات اهلاضمة‬
‫للربوتني والكاوية للفريسة اليت تفرزها جمموعة‬
‫كبرية من الغدد الداخلية عددها ستة آالف غدة‬
‫يف كل سنتيمرت مربع‪ ،‬وبعد سقوط الفريسة‬
‫يف السائل ينغلق الغطاء عليها‪ ،‬وتبدأ ( عملية‬
‫القتل) واهلضم واالمتصاص والتمثيل الغذائي‬
‫للفريسة‪.‬‬
‫أما نبات الفخ أو الديونيا(‪ )Dionaea‬فقد‬
‫حت��ور نصل ال��ورق��ة إىل صمامني متمفصلني‬
‫عند ال��ع��رق الوسطي‪ ،‬ويف حوافهما أشواك‬
‫متبادلة الوضع يف الصمامني‪ ،‬وعلى السطح‬

‫‪170‬‬

‫العلوي للورقة زوائد استشعار باللمس‪ ،‬فعندما‬
‫تلمس الفريسة سواء أكانت حشرة أو ضفدعة‬
‫أو عصفور ص��غ�ير‪ ،‬أو زاح���ف أص��غ��ر ينطبق‬
‫املفصالن يف سرعة خاطفة على الفريسة كما‬
‫ينطبق الفخ احل��دي��دي ال��ذي يضعه الصياد‬
‫للطيور واحليوانات وبذلك تقتنص الفريسة‪،‬‬
‫وحتبسها يف الفخ ومتنعها من اهلرب واحلركة‬
‫ث��م تغرقها ب��اإلن��زمي��ات وال��س��وائ��ل احلارقة‬
‫فتقتلها وحتللها‪ ،‬ثم متتص عصارهتا املهضومة‬
‫واملتحللة‪ ،‬وبعد متام امتصاص العصارة تفتح‬
‫ال��ورق��ة مصراعيها ملقي ًة بالفضالت أسفل‬
‫النبات‪ ،‬حيث جتد البكترييا احملللة والفطريات‬
‫اهلاضمة رزقها فيها‪ ،‬وهكذا تُعاد دورة الغذاء‬
‫بافرتاس حيوان جديد‪.‬‬
‫وم��ن ال��غ��ري��ب أن ال��ن��ب��ات يستطيع متييز‬
‫ال��ف��ري��س��ة ال��ص��احل��ة ل��ل��ه��ض��م واالمتصاص‬
‫بأنزمياته اخلاصة عن الفريسة غري القابلة‬
‫للهضم واالمتصاص‪ ،‬فيُمسك القابلة‪ ،‬ويُطرد‬
‫غ�ير ال��ق��اب��ل��ة ق��ب��ل أن مت���وت أو ت��ف��رز عليها‬
‫العصارات اهلاضمة‪ ،‬كما أن النبات املفرتس‬
‫ال يكتفي باملصائد اهلوائية السابقة بل هناك‬
‫مصائد مائية تصطاد احل��ي��وان��ات الساحبة‬
‫يف املاء يف أكياس مثانية (‪ )Bladders‬ولكل‬
‫مصيدة مثانية فتحة البواب املزودة باملالمس‬
‫االستشعارية وعندما يالمس احل��ي��وان تلك‬
‫امل�لام��س االستشعارية يفتح ال��ب��اب للداخل‬
‫ف��ي��ن��دف��ع امل����اء ح���ام�ل�اً ال��ف��ري��س��ة إىل داخ���ل‬
‫املثانة‪ ،‬حيث حتتجز إىل أن يتم َقتْلها يف هذا‬
‫ا ُ‬
‫جل� ِّ‬
‫�ب العميق وحتليلها وامتصاص عصارهتا‬
‫املهضومة‪.‬‬
‫بعض النباتات الواقعة يف املناطق ذات الرتبة‬
‫الفقرية باآلزوت حتصل على حاجتها منه بأكل‬
‫احلشرات فربوتني احلشرات غين باآلزوت‪.‬‬
‫وتلك النباتات ّ‬
‫تدل على تطور الكائنات احليّة‬
‫عرب ماليني السنني فهذه النباتات قادرة كغريها‬
‫من النباتات من ذوات اليخضور( الكلورفيل)‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫على التخليق الضوئي للغذاء يف أوراقها لكنها‬
‫اختلفت ع��ن غريها ب��أن األوراق حت�وّل��ت إىل‬
‫أشراك (‪ )traps‬لصيد احلشرات ورافق ذلك‬
‫التطور تطوّر اللون ويف بعض األحيان الرائحة‬
‫واملغرت( السائل السكري) الجتذاب احلشرات‬
‫فيكون هلا بروتني احلشرات تعويضاً عن فقر‬
‫ال�ترب��ة بالنرتوجني ال��ض��روري حل��ي��اة النبات‬
‫ولسائر الكائنات احلية‪.‬‬
‫من هذه النباتات نبات الندوية( ‪)Sundew‬‬
‫وهي من النباتات اليت تعيش يف املناطق الرطبة‪،‬‬
‫وهي ذات أوراق صغرية خضراء طبقية الشكل‬
‫حبجم الظفر‪،‬وتنتشر على األوراق وحوافها‬
‫شعريات محر دبقة تعلق به احلشرات وحتتبس‬
‫احلشرات الصغرية الزائرة من الذباب وغريه‪،‬‬
‫وما أن تدبق احلشرة حتى تتشبث هبا الشعريات‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫وتلتف حوهلا فتمتص عصارهتا وترتك أجزاءها‬
‫الصلبة لتذروها الرياح‪ ،‬وهذا النبات ليس من‬
‫الطفيليات فهو ق��ادر على التخليق الضوئي‬
‫كسائر النباتات اخلضراء‪.‬‬
‫أما عشبة األباريق( ‪ )Pitcherplant‬من‬
‫النباتات األشد غرابة وهي تُسمى بذلك ألن‬
‫أوراقها تُشبه اإلبريق أو الكوز وحتتوي على‬
‫سائل سكري وهلا سِدلة تعمل كالغطاء‪ ،‬فعندما‬
‫تكون السدلة مفتوحة تأتي احلشرة منجذبة‬
‫بلون الورقة األمحر الباهت املخضر وبالسائل‬
‫السكري‪ ،‬وملا كانت حافة الكوز رقيقة زلقة فإن‬
‫احلشرات سرعان ما تسقط يف الكوز‪.‬‬
‫وتبطن رقة الكوز شعريات متجهة إىل أسفل‬
‫جتعل سقوط احلشرة سهالً وخروجها صعباً‪،‬‬
‫ومتى وقعت احلشرة يف السائل تذاب أجزاؤها‬
‫الرخوة وتُهضم‪.‬‬
‫ولعشبة األباريق أنواع يتدىل الكوز يف بعضها‬
‫من هناية عنيق أو معالق‪ ،‬ويف أنواع أخرى ينمو‬
‫الكوز من األرض على شكل كوز بوظة طويل‪.‬‬
‫أما مصيدة فينوس أو خانق الذباب(‪Venus‬‬

‫‪171‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪ ،)fly traps‬ف��ه��ذا ال��ن��ب��ات ينمو يف جنوب‬
‫الواليات املتحدة األمريكية فقط‪ ،‬ويستعمل هذا‬
‫النبات النتوءات الشائكة املوجودة على حواف‬
‫أوراقه لإلمساك بالغذاء‪ ،‬يرتبط الورقة النباتية‬

‫‪172‬‬

‫معاً بواسطة مفصلّة‪ ،‬ويوجد على ك ٍل من وجهي‬
‫النصفني عدد من الشعريات الشائكة الصلبة‪،‬‬
‫حينما مت��ش��ي إح���دى احل���ش���رات ع��ل��ى هذه‬
‫الشعريات فإهنا تدفع هذه املصيدة إىل العمل أي‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫يتنبّه النبات إىل وجودها فيقبض عليها يف أقل‬
‫من ثانية واحدة وينغلق نصفا املصيدة بعضهما‬
‫على بعض انغالقاً قوياً بفضل تداخل أشواك‬
‫احلواف بعضها يف بعض‪ ،‬فتُحبس احلشرة يف‬
‫سجن املوت الذي ال خمرج منه مطلقاً‪.‬‬
‫ويف ث��وا ٍن قليلة‪ ،‬تفرز ه��ذه املصيدة ( أي‬
‫الورقة النباتية) م��واد كيميائية تُذيب جسم‬
‫احلشرة وهتضمه بالداخل‪ ،‬ومتتص سوائله‪،‬‬
‫كوجبة غذائية للنبات ثم تفتح املصيدة مرة‬
‫أخرى لكي تُمسك بوجبة غذائية جديدة وهكذا‬
‫دواليك‪.‬‬
‫أما نبتة الدروسريا(‪ ،)Drosera‬وهي عبارة‬
‫عن نباتات صغرية ذات أوراق زهريية الشكل‬
‫طويلة املعالق تنجذب إليه احلشرات لتأللؤها‬
‫ول��ون األوراق احملمر اجل��زء العلوي من هذه‬
‫الصفيحة مغطى بناميات طويلة تشبه عيون‬
‫احللزون‪ ،‬وسبب تسميتها بالندية هي هنايات‬
‫لوامسها ال�تي تشبه قطرات الندى وحتتوي‬
‫بداخلها على سائل دبق حبيث تبقى احلشرة‬
‫الص��ق��ة ب��ال��ورق��ة‪ ،‬وع��ن��دم��ا حت���اول ختليص‬
‫نفسها تلمس لوامس أخ��رى فتزداد التصاقاً‬
‫بالورقة وبنفس الوقت تقوم اللوامس حبركة‬
‫بطيئة تنحين هبا فوق احلشرة حبيث تضغطها‬
‫وتعصرها باجتاه صفيحة الورقة حتى ختتفي‬
‫الفريسة بني أحضاهنا‪.‬‬
‫وه��ن��اك ن���وع آخ���ر م��ن ال��ن��ب��ات��ات ال تأكل‬
‫احلشرات لكنها سامة كقفاز الثعلب( القِمِعيَّة‬
‫األرجوانية) اليت تلمع بألواهنا قمم الكثري من‬
‫الغابات وذرى مساحات األش��ج��ار اخلفيضة‬
‫حيث توجد أزهارها وحتتوي أوراق هذا النبات‬
‫على س�مّ ق��وي يُسمّى « دجييتاليس» ( أي ‪:‬‬
‫املادة القمعية) وهو السمُّ الذي إذا أعطيت منه‬
‫جرعات عالية أدى إىل حدوث دوار أو دوخة‬
‫وسَبّبَ ارجتافات قلبية وأحدث فشالً يف عمل‬
‫عضلة القلب‪ ،‬وعموماً إذا استخدمت هذه املادة‬
‫السامة جبرعات صغرية‪ ،‬فإهنا تعدّ مادة طبية‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫مهمة يف معاجلة األشخاص الذين يعانون من‬
‫اضطرابات قلبية‪ ،‬وهبذا قد ينقذ نبات قفاز‬
‫الثعلب املاليني من األحياء‪.‬‬
‫أم القرّاص الالسع‪ :‬فعلى أوراق هذا النبات‬
‫توجد السعات شوكاء إذا ملس حيوان ما إحدى‬
‫هذه القراصات فإن الالسعات تلتصق جبلده‬
‫وتطلق سائالً ساماً يدخل جسم هذا احليوان‪،‬‬
‫وي���ؤدي إىل ظهور طفح جلدي يؤمله واالسم‬
‫العلمي للقراص هو « يوريتكاديوكا» وقد ّ‬
‫مت‬
‫اشتقاقه من الكلمة الالتينية «يورو» مبعنى «أنا‬
‫أُحرق»‬
‫الفطريات‪:‬‬
‫هناك ما يربو على مخسني ألف( ‪)50.000‬‬
‫نوع من الفطور يف العامل مبا فيها العديد من‬
‫األن���واع املختلفة للمشروم( عيش الغراب)‪،‬‬
‫وال��غ��اري��ق��ون��ات ال��س��ام��ة واألع���ف���ان‪ ،‬والفطور‬
‫العفينة‬
‫(األعفان الفطرية) وبالرغم من أن الفطور‬
‫تصنف يف عامل النبات فإهنا كائنات حيّة ذات‬
‫خصائص حمددة لدرجة أن العلماء اآلن يعدوهنا‬
‫جمموعة مستقلة بذاهتا‪ ،‬ليس للفطور أوراق وال‬
‫أزهار وال جذور‪ ،‬كما أهنا التنتج غذاءها بنفسها‬
‫مثلما تفعل النباتات اخلضراء وبدالً من ذلك‬
‫تتغذى الفطور باملواد العضوية احلية أو امليتة‪.‬‬
‫فتمتص عصاراهتا خالل كتلة من اخليوط‬
‫ال��دق��ي��ق��ة امل��س��م��اة» ه��ي��ف��ا» ( أي اخليوط‬
‫الفطرية)‬
‫ً‬
‫بعض األنواع من الفطور مفيد جدا فالبنسلني‬
‫الذي ينقذ أرواح الناس يأتي من عفن البنسليوم‪،‬‬
‫ويعدّ بعض أنواع املشروم والغاريقونات طعاماً‬
‫جيداً لإلنسان إال أن هناك البعض( مثل قلنسوة‬
‫املوت) يعدُّ ساماً بدرجة خطرية تصل إىل املوت‬
‫وتبدو هذه الفطور وكأهنا غري مؤذية‪ ،‬لكنها‬
‫تسبب املوت بسرعة ملن يأكلها‪.‬‬
‫من أنواعه « احلافة امللفوفة» فطرٌ مشهور‬

‫‪173‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جداً‪ ،‬وينمو يف اخلريف يف الغابات الصنوبرية‬
‫واملساحات ذات األشجار املتنوعة‪ ،‬خاصة جبوار‬
‫أشجار البتوال‪ ،‬وهو عبارة عن ُقلنْسوةَ لوهنا أصر‬
‫ضارب إىل البين‪ ،‬يزيد قطر حافتها امللفوفة إىل‬
‫أعلى(‪ )10‬سنتمرتات‪ ،‬وينمو هذا الفطر ويصل‬
‫ارتفاعه إىل (‪ )8‬سنتيمرتات تقريباً تعد احلافة‬
‫امللفوفة فطراً عايل السُّمية‪.‬‬
‫وه��ن��اك ف��ط��ر ال��ق��ش��رة ال�برت��ق��ال��ي��ة وفطر‬
‫التاج القرنفلي‪ ،‬وينتمي إىل جمموعة الفطور‬
‫الفنجانية الشكل الالمعة األل��وان‪ ،‬يُشبه فطر‬
‫القشرة الربتقالية قطعاً صغرية جافة بالية من‬
‫قشرة إحدى مثار الربتقال امللقاة على األرض يف‬
‫أواخر اخلريف وأثناء الشتاء‪ ،‬وهي فطور لوهنا‬
‫برتقايل مصفر من الداخل‪ ،‬أبيض من اخلارج‬
‫وتنمو هذه الفطور يف الغابات الصنوبرية‪.‬‬
‫أم��ا قلنسوة امل���وت ف �يُ �عُّ م��ن أش��د الفطور‬
‫قاطبة من حيث القدرة القاتلة؛ فيمكنه قتل‬
‫ش��خ��ص م���ا‪ ،‬ح��ت��ى إن قطعة ص��غ�يرة م��ن��ه ال‬
‫يتعدّى حجمها حجم قالب السكر ميكنها أن‬
‫تكون قاتلة لإلنسان‪ ،‬وينمو هذا الفطر الشائع‬
‫حبرية خالل فصل اخلريف حتت أشجار الزان‬
‫والبلوط‪ ،‬كما يوجد أيضاً يف املتنزهات‪ ،‬وحتى‬

‫يف احلدائق وهو عبارة عن ساق بيضاء عليها‬
‫قلنسوة خضراء ضاربة إىل الصفرة الشاحبة‬
‫وتنبعث م��ن قلنسوات امل��وت القدمية رائحة‬
‫اجلنب بشدة‪ ،‬ويُصاب الكثري من الناس بالتسمم‬
‫عن طريق هذا النوع من الفطور‪ ،‬أكثر من غريه‬
‫من أنواعها‪ ،‬وذلك بسبب اخللط أحياناً بينه‬
‫وب�ين الفطور األخ��رى ال�تي تشبهه لكنها مما‬
‫يؤكل‪.‬‬
‫وفطور الغاريقونات الطائرة ذات القلنسوات‬
‫احلمراء الفنجانية الشكل عليها بقع بيضاء‬
‫اللون لكل فطر منها ساق بيضاء اللون أيضاً‪،‬‬
‫تنمو هذه الفطور خالل اخلريف يف الغابات‬
‫وخ���وص���اً حت���ت أش���ج���ار ال��ب��ت��وال والصنوبر‬
‫واألناناس وهي كأقارهبا من قلنسوات املوت‪،‬‬
‫س��ام��ة ب��درج��ة خ��ط�يرة وجي���ب أال ت��ن��ت��زع من‬
‫مكاهنا‪ ،‬وميكن لكمية صغرية من ه��ذا لفطر‬
‫أن تُسبب اإلغماء وفقدان الوعي وحتى املوت‪،‬‬
‫وتنمو هذه الفطور بطول(‪ )20‬سنتمرتاً ويصل‬
‫قطر القلنسوة فيها إىل(‪ )15‬سنتيمرتاً‪ ،‬وتوجد‬
‫حكايات كثرية واعتقادات غريبة وخرافات كانت‬
‫ترويها اجل��دات عن فطر الغاريقون وحلقات‬
‫الفطر اليت نراها يف احلقول وسبب وجودها‪.‬‬

‫املصادر‬
‫عجائب الكائنات الشائكة والسامة‪ ،‬نظرة قريبة إىل احليوانات والنباتات اخلطرة َكتَبَتْهُ‬
‫أنيتا جانريي‪ ،‬ترمجة د‪ .‬كارم غنيم‪.1995 first published ،‬‬
‫موسوعة الطبيعة‪ ،‬الطبعة العربية‪ ،‬مكدونلد الشرق األوس��ط‪ ،‬مؤسسة نوفل‪ ،‬بريوت‬
‫لبنان‪.1983،‬‬
‫علم النبات العام‪ ،‬د‪ .‬وليد أسود‪ ،‬د‪ .‬حياة طوشان‪ ،‬جامعة حلب‪1981،‬م‪.‬‬
‫املواقع اإللكرتونية‪:‬‬
‫‪55a.net.www‬‬‫‪www.olom.info‬‬‫‪www.emblmart.com-‬‬

‫‪174‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

‫كيف تعوم األمساك ؟‬
‫السمك العظمي ل��ه كيس ه��وائ��ي أو مثانة‬
‫السباحة وحتل حمل الرئة وحيتوي هذا الكيس‬
‫على غاز ميكن أن يتغري الضغط فيه ليماثل ضغط‬
‫املاء اخلارجي ‪ ،‬ويف الواقع فهو جيعل السمكة بال‬
‫وزن يف املاء فتستطيع البقاء (( معلقة)) يف املاء‬
‫على أعماق خمتلفة بكالم آخر تستطيع السمكة‬
‫أن تتوقف عن السباحة وتسرتيح متى شاءت ‪ .‬أما‬
‫أمساك القرش والشفنني فال (( مثانة)) سباحة‬
‫هلا وتغرق عندما تتوقف عن السباحة ويساعدها‬
‫شكل جسمها على العوم فالزعانف الصدرية‬
‫األمامية مبثابة أجنحة الطائرة بينما يساعد‬
‫طرف الذيل األعلى على الدفع إىل فوق‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رئيس التحرير‬
‫يف املناطق احلارة حيث تتشابك أشجار الغابات‪ ،‬وترتفع األعشاب املتطاولة وجتري األهنار الغزيرة‪،‬‬
‫تتعايش احليوانات اجملرتّة مع بعضها حبذ ٍر وريبة ‪ ..‬ال تأمن غدر احليوانات املفرتسة‪ ،‬ولكن خطراً آخر‬
‫يهددها هو خطر الفيضان ‪..‬‬
‫بعد أيام طويلة من اجلفاف الذي قضى على حيوانات كثرية‪ ،‬فإن قطعان اجلواميس يف أفريقيا تتحرك‬
‫بال وجهة‪ ،‬خائفة من املطر املنسكب الغزير‪ ،‬واملياه املتجمعة تتحرك تياراهتا جترف كل شيء يف طريقها‪.‬‬
‫حيوانات مفرتسة هتدد اجلواميس اليت تتجمع مع بعضها ‪..‬‬
‫احليوانات املفرتسة ترتقب ‪ ..‬القطيع يرتاكض للخالص‪ ،‬إهنا الطبيعة القاسية ال ترحم الضعيف‪ ،‬املياه‬
‫تغمر املناطق إنه الفيضان‪ ،‬قطعان هائلة العدد حتاول الفرار من الغرق‪ ،‬حتاصرها املياه بعد أن كانت املياه‬
‫مصدر شقائها وهالكها إبان اجلفاف ‪..‬‬
‫تبدأ القطعان باالندفاع متغلبة على غريزة اخلوف‪ ،‬يندفع القادة أوالً ثم يندفع القطيع‪ ،‬ميوت الكثري‪،‬‬
‫وينقطع البعض يف انتظار املصري البائس غرقاً أو جوعاً أو قتالً على يد احليوانات املفرتسة‪ ،‬إهنا سيمفونية‬
‫الطبيعة تتكرر باستمرار ‪.‬‬
‫وما دمنا نتحدّث عن املياه والفيضان لنتحدّث اآلن عن أغزر أهنار العامل ‪..‬يعترب هنر األمازون من أقوى‬
‫أهنار العامل‪ ،‬فمياهه يف احمليط تندفع لنحو مئة ميل ‪ ..‬واإلسبان هم أول من اكتشفوه‪.‬‬
‫وكان ذلك إبان حبثهم عن الذهب‪ ،‬حيث كانت الشائعات ترتدد من أنه يف مكان ما شرق سلسلة جبال‬
‫األنديز املمتدة على طول غرب أمريكا اجلنوبية‪ ،‬توجد أرض فيها ذهب كثري‪ ،‬وحيكمها امللك (الدورادو)‬
‫الذي تغطي القطع الذهبية جسده ‪..‬‬
‫وقد اكتشفوا النهر حني قامت جمموعة من اإلسبان بقيادة ( فرنسيسكو أوربالنا ) بالسري مع النهر‬
‫ملسافة (‪ )6300‬كيلو مرت يف رحلة قاسية وصراع ضد اجلوع والرعب حتى وصلوا البحر يف النهاية‪..‬‬
‫لقد كان من الالزم أن يسمى النهر باسم ( أوريالنا ) باسم مكتشفه‪ ،‬ولكن ملاذا مسي األمازون‪.‬؟‬
‫يقول اإلسبان الذين اشرتكوا مع ( أوريالنا ) إهنم خاضوا معارك عنيفة خالل رحلتهم مع قبائل تتقدمها‬
‫نساء تقاتل يف الصفوف األوىل وحيملن األقواس والنبال‪ ،‬وهنّ ساحرات اجلمال‪ ،‬وقد أطلق اإلسبان عليهن‬
‫اسم ( أمازون ) ‪ ..‬ومن هنا أتت التسمية ‪..‬‬
‫واألمازون رغم أنه ليس أطول أهنار العامل‪ ،‬إال أنه أقواها فهو حيمل إىل البحر مخس املياه اليت حتملها‬
‫كل أهنار العامل إىل البحار واحمليطات ‪ ..‬وعدد سكان غابات األمازون ‪.‬؟ ال يزيد عن أربعة ماليني‪ ،‬أغلبهم‬
‫يعيش يف الربازيل ‪ ..‬ولكن ما هو سبب قلّة السكان هناك ‪.‬؟ مع أن املنطقة من أخصب مناطق العامل ‪.‬؟‬
‫يف الواقع أن حركة املالحة يف النهر شبه معدومة‪ ،‬بسبب عدم صالحيته للمالحة يف مناطق عديدة‬
‫منه ‪ ..‬كما أن النهر قرب خط االستواء‪ ،‬أي يف منطقة حارّة جداً شديدة الرطوبة حيث يتوالد البعوض يف‬
‫املستنقعات الضحلة‪ ،‬وبالتايل فاألمراض واألوبئة كثرية جداً ‪..‬‬
‫واألحراش واألدغال كثيفة هناك إىل حد يصعب املرور خالهلا ‪..‬‬
‫فغابات األمازون هي أكرب غابة على سطح األرض ‪ ..‬كما أن النباتات فيها تزدحم بشكل غري معقول‪،‬‬
‫وهذا ما يعطل على اإلنسان فرصة العمل واالبتكار ‪..‬‬

‫‪176‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثالث عشر ‪ /‬آب ‪2009 /‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful