‫• رئيس جملس اإلدارة •‬

‫وزير الثقافة‬

‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫• مدير عام هيئة الكتاب •‬

‫حممود عبد الواحد‬
‫• رئيس التحرير •‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫د‪ .‬خملص الريس ‪ -‬د‪ .‬هبجت حممد‬
‫د‪ .‬حامد ابراهيم ‪ -‬م‪ .‬لينا كيالني‬
‫د‪ .‬أمين امسندر ‪ -‬علي القاسم‬
‫• أمني التحرير •‬

‫رائد حسني حامد‬
‫• مكتب تونس ‪ :‬د‪ .‬كوثر عياد‬
‫• مكتب القاهرة ‪ :‬صالح معاطي‬
‫• مكتب لندن ‪ :‬توفيق السهلي‬
‫• التدقيق اللغوي •‬

‫حممد اخلاطر‬

‫• اإلخراج الفين •‬

‫وسيم قدورة‬

‫• اإلشراف الطباعي •‬

‫أمحد العكيدي‬

‫سعر النسخة ‪ 50‬ل‪.‬س يف سورية أو مايعادهلا يف البلدان العربية‬
‫االشرتاكات عشرة آالف لرية سورية لإلدارات واملؤسسات داخل سورية‬
‫وأربعمائة دوالر أو مايعادهلا خارج سورية‬
‫توجه كافة املراسالت واملواد باسم رئيس التحرير‬

‫‪www.moc.gov.sy‬‬
‫‪E-mail: talebomran@yahoo.com‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫• هيئة التحرير •‬

‫جملة علمية ثقافية شهرية تصدر عن‬
‫وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية السورية‬

‫اهليئة اإلستشارية‬
‫أ ‪ .‬هن�������اد ش�����ري�����ف (م����ص����ر)‬
‫د ‪ .‬ح��س��ام اخلطيب ( فلسطني)‬
‫أ ‪ .‬رؤوف وص����ف����ي (م���ص���ر)‬
‫أ ‪ .‬عبد السالم البقايل (املغرب)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ع����ي����اد (ت����ون����س)‬
‫د ‪ .‬ق����اس����م ق����اس����م (ل���ب���ن���ان)‬
‫أ ‪ .‬ط��ي��ب��ة اإلب��راه��ي��م (الكويت)‬
‫د ‪ .‬حم���م���ود ك������روم (س����وري����ة)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ث����اب����ت (ت����ون����س)‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫مقومات كاتب أدب اخليال العلمي (هناد شريف)‬

‫‪6‬‬

‫مااألستشراف (د‪ .‬حممد اهلادي عياد)‬

‫‪10‬‬

‫األبعاد النفسية ألدب اخليال العلمي (د‪ .‬خملص الريس)‬

‫‪18‬‬

‫أدب اخليال العلمي بني النقد األدبي والثقايف (د‪ .‬أمحد حممد)‬

‫‪32‬‬

‫اخليال العلمي بني الرومانسية واألخالق (نصر الدين البحرة)‬

‫‪48‬‬

‫علم املستقبلية وأدب اخليال العلمي (رائد حامد)‬

‫‪52‬‬

‫املدينة املفقودة (د‪ .‬طالب عمران)‬

‫‪64‬‬

‫أقنعة (صالح معاطي)‬

‫‪76‬‬

‫فهم املكان والزمان (د‪ .‬فواز سيوف)‬

‫‪82‬‬

‫خطاب احلب األخري (رؤوف وصفي)‬

‫‪88‬‬

‫ترجو جملة اخليال العلمي من كافة الكتاب واملبدعني ارسال ابداعاهتم منضدة على احلاسوب‬
‫والتأكد من تدقيقها وارساهلا على قرص مدمج وذلك لتسهيل عملية النشر السريع‬

‫بشر آليّون‪ ..‬أم آالت بشرية؟ (لينا كيالني)‬

‫عامل اجلرمية الرقمي «اهلاكرز» (وسيم قدورة)‬

‫‪94‬‬

‫طرق اكتشاف سرطان الثدي (هناء الصاحل)‬

‫‪106‬‬

‫‪92‬‬

‫آالت اوتوماتيكية من العصر اإلغريقي (رامز احلوش)‬

‫‪112‬‬

‫الكوما ‪ ..‬رحلة صعبة يف عامل اخليال (د‪ .‬أمحد غنام)‬

‫‪114‬‬

‫قراءة األفكار (م‪ .‬طارق حامد)‬

‫‪120‬‬

‫دورات الزمن يف احلضارات القدمية (د‪ .‬جهاد ملحم)‬

‫‪132‬‬

‫تطور نظام النقل يف العامل (م‪ .‬لينا قدورة)‬

‫‪140‬‬

‫من أسرار احمليطات (قمر مناصفي)‬

‫‪158‬‬

‫جون ميلتون (حممد عيد اخلربوطلي)‬

‫‪168‬‬

‫‪3‬‬

‫رمبا كان اهتمام العرب إبان احلضارة العربية اإلسالمية اليت امتدت فيما بني‬
‫القرن الثامن حتى السادس عشر امليالدي‪ ،‬رمبا كان اهتمامهم بالكتب‪ ،‬ومجعها‬
‫وتأليفها وتصنيفها هي اليت حفظت فعالً تراث احلضارات السابقة ‪..‬‬
‫فمنذ أن توسعت الدولة اإلسالمية‪ ،‬واختلط العرب بغريهم من القوميّات‪ ،‬بدأت‬
‫حركة الرتمجة تنشط نشاطاً كبرياً‪ ،‬حتى بنى الرشيد داراً للرتمجة‪ ،‬أصبح‬
‫امسها بيت احلكمة‪ ،‬الذي توسّع وازدهر يف عصر املأمون ‪..‬‬
‫ويف بيت احلكمة غرف للناسخني واخلطاطني واملرتمجني والباحثني والدارسني‪،‬‬
‫وكان املأمون يعطي (حنني بن إسحاق ) وزن الكتاب الذي يرتمجه ذهباً ‪ ..‬ويقال‬
‫إن (حنيناً) كان يكتب ترمجاته خبط كبري وعلى ورق مسيك‪ ،‬حتى أن قيّم بيت‬
‫احلكمة اشتكى للمأمون من مسك الكتب اليت ينقلها حنني ومن تباعد السطور‬
‫فيها‪ ..‬وأنه يستغل قرار اخلليفة بإعطاء وزن الكتاب ذهباً‪ ،‬فال يقدم سوى‬
‫الكتب السميكة قليلة األسطر ‪..‬‬
‫ولكن املأمون نبّه القيّم على بيت احلكمة إىل أن ما يرتجم هو كنوز احلضارات‬
‫السابقة‪ ،‬وأن تلك الكتب املرتمجة أمثن من الذهب ‪..‬‬
‫وبعد ترمجة الكتب واملؤلفات عن اليونانية والفارسية واهلندية ‪ ..‬وغريها من‬
‫لغات احلضارات السابقة‪ ،‬بدأت عملية نسخ هذه الرتمجات ‪ ..‬وتنافس احلكام‬
‫والوالة والسالطني يف جتميع الكتب واقتنائها‪ ،‬وامتدت عدوى اقتناء الكتب إىل‬
‫الناس ‪..‬‬
‫ً‬
‫ورغم أن اخلليفة أنشأ مكتبات ودورا للكتب‪ ،‬خصصت لعامة الناس ليقرؤوا‬
‫فيها‪ّ ،‬‬
‫ويطلعوا فيها على األحب��اث والدراسات يف خمتلف فروع العلوم‪ ،‬فإن‬
‫نشاطاً ملحوظاً يف تكوين املكتبات اخلاصة بدأ يظهر يف خمتلف األقاليم واملدن‬
‫اإلسالمية ‪..‬‬
‫ونافس قصر أبناء موسى بن شاكر‪ ،‬بيت احلكمة يف حمتواه من الكتب املؤلفة‬

‫‪4‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وزير الثقافة‬
‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫واملرتمجة‪ ،‬ويف إقبال العلماء على العمل فيه ‪..‬‬
‫كانت احلركة العلمية هي السائدة يف خمتلف مناطق العامل اإلسالمي‪ ،‬ويف عام‬
‫‪ 891‬ميالدية وصل عدد دور الكتب العامة يف بغداد إىل ‪ 100‬دار ‪..‬‬
‫ّ‬
‫وبالطبع كانت كل مدينة صغرية أو كبرية تسعى لتكوين مكتباهتا العامة ليطلع‬
‫على كتبها وخمطوطاهتا الناس من طالب العلم والفقراء الذين ال يستطيعون‬
‫اقتناء الكتب وشراءها ‪..‬‬
‫يف مكتبة النجف يف العراق وصل عدد الكتب يف القرن العاشر امليالدي إىل‬
‫(‪ )40‬ألف جملّد وكتاب ‪ ..‬ومجع نصري الدين الطوسي يف مرصد مراغة حنو‬
‫( ‪ )400‬ألف خمطوطة ‪..‬‬
‫ّ‬
‫أما العزيز باهلل الفاطمي فحوت مكتبته ‪ 600‬ألف جملد ‪ ..‬ورمبا كانت أضخم‬
‫مكتبة يف العامل اإلسالمي‪ ،‬صنّفت (‪ )6500‬خمطوطة يف الرياضيات و (‪)18‬‬
‫ألف خمطوطة يف الفلسفة ‪.‬‬
‫وبعد أن اعتلى العرش ابنه احلاكم بنى مكتبة ضخمة فيها (‪ )18‬قاعة للمطالعة‬
‫إىل جانب املكتبة اليت بناها والده ‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫وكثرت الكتب وكثرت املكتبات وكثر املتعلمون وامتدت الثقافة شرقا وغربا يف‬
‫حركة ( وعي ) نشرت فيها القيم والفهم وروح املعرفة احلقيقية ‪.‬‬
‫ومل خي ُل قصر حاكم من مكتبة ضخمة ‪..‬‬
‫ويقال إن ابن اجلزّار الطبيب والرحالة القريواني قد ترك عند وفاته ( ‪)250‬‬
‫طناً من لفائف جلد الغزال‪ ،‬وقد مألها بكتاباته ودراساته املبدعة ‪..‬‬
‫مل يكن عشق الكتب واللهفة على مجعها وقفاً على احلكام واألمراء والعلماء‪ ،‬بل‬
‫كان هوى الناس على اختالف أجناسهم ‪..‬‬
‫كان العرب املسلمون قد تعرّفوا على كنوز املعارف‪ ،‬ونشروها بينهم ‪ ..‬ونشروا‬
‫إبداعات علمائهم يف خمتلف األقاليم ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪5‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مقومات كاتب‬
‫أدب الخيال العلمي؟‬
‫هناد شريف‬

‫البد أن يبدأ الكاتب باستخدام كل املؤثرات يف‬
‫ترويض أفكاره وقدرته علي التصوير وهذه هي‬
‫البداية األولي‪ ,‬والثانية كثرة القراءة يف العلوم‪,‬‬
‫والثالثة أنه عندما يكتب أدب خيال علمي البد أن تكون‬
‫لديه الطرق السريعة الستكمال املسرية‪ :‬بأن يزور املكتبات‬
‫العلمية ويطلع علي أحدث ما فيها من كتب حيت جيد‬
‫الفكرة ويدرسها جيدا ويسأل املختصني يف هذا العلم‬
‫ثم يكتب بالقالب ال��ذي خيتاره س��واء رواي��ة أم قصة أم‬
‫مسرحية‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ال يستطيع أي مبدع الكتابة يف أدب‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬مل��اذا؟‪ ..‬ألنه البد أن‬
‫يكون لديه تفكري وخيال علمي جامح‪،‬‬
‫حيث هناك إمجاع من كتاب هذا النوع‬
‫من اإلبداع علي أن جماالت الكتابة فيه‬
‫صعبة‪ ،‬فإذا كان املبدع يف فنون الكتابة‬
‫األخرى حيتاج لورق وقلم ومكان هادئ‬
‫يكتب فيه ف��ه��ذه رفاهية بعيدة عن‬
‫املتخصص يف اخليال العلمي; فالكاتب‬
‫حيتاج إيل البحث والتقصي واجلري‬
‫وراء املعلومة العلمية الدقيقة‪ ،‬ومع‬
‫مرور الوقت يتأقلم مع ذلك‪.‬‬
‫دراس����ي ه��ي ال��ت��اري��خ ومع‬
‫ذلك ختصصت يف كتابة اخليال‬
‫العلمي؟‬
‫الكاتب األمريكي « ت��ريي سيزر»‬
‫أستاذ األدب املقارن بالواليات املتحدة‬
‫األمريكية سألين يف أول مقابلة بيننا‬
‫عن دراسيت اجلامعية وعندما علم أني‬
‫خترجت يف قسم التاريخ بكلية اآلداب‬
‫جامعة القاهرة ومع ذلك اجتهت إيل‬
‫كتابة اخل��ي��ال العلمي‪ ،‬ق��ال يل‪« :‬إن‬
‫قصة التاريخ ما هي إال قصة احلضارة‬
‫ومنوها‪ ،‬وك��ث��ريا م��ا جن��د ف��ي��ه بعض‬
‫األفكار العلمية أو غريها مما يستفيد‬
‫البشر من نتائجه»‪...‬‬
‫ال أستطيع أن أح��دد سببا واحدا‬
‫الجتاهي إيل الكتابة يف اخليال العلمي‪،‬‬
‫فقد كان جدي «إبراهيم أسعد شريف»‬
‫( املستشار القانوني مبجلس النواب يف‬
‫ذاك الوقت) ميتلك مكتبة كبرية يف عدة‬
‫قاعات نصفها يضم كتبا يف القانون‬
‫والنصف اآلخ��ر يف العلوم‪ ،‬ويف هذه‬
‫املكتبة بدأت أتعرف علي كتاب اخليال‬

‫العلمي األجانب مثل‪ :‬الفرنسي «جول‬
‫فرين» وغريه‪ ،‬وبدأت القراءة بشغف يف‬
‫الكتب العلمية‪ ،‬كما كان عمي «أمحد»‬
‫جييد عدة لغات حتدثا وكتابة وعند‬
‫معرفته اهتمامي ب��اخل��ي��ال العلمي‬
‫قام برتمجة الكثري من الكتب العلمية‬
‫األجنبية وأعطاني إياها‪ ،‬ومن هنا جاءت‬
‫كتاباتي القصصية األوىل من خالل‬
‫فكرة علمية أحملها مما أقرأه من كتب‪.‬‬
‫بعض املفكرين ال��ع��رب ب���دأوا بكتابة‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬وجند ذلك يف بعض‬
‫قصص «أل��ف ليلة وليلة» ويف قصة‬
‫«حي بن يقظان»‪ ،‬وتصادف أهنا كانت‬
‫مرتمجة لدي فقمت بإعطائها للكاتب‬
‫األمريكي «ت���ريي سيزر» ث��م فوجئت‬
‫ب��ه فيما بعد يكتب مقاال يؤكد فيه‬
‫أن العرب لديهم إرهاصات يف كتابة‬
‫اخليال العلمي منذ القدم‪ ..‬ومصر هي‬
‫السباقة علي مستوى الدول العربية يف‬
‫هذا اجملال (حديثا) وأول من كتب فيه‬
‫هو الدكتور مصطفي حممود والدكتور‬
‫يوسف عز الدين إيل جانب إبداعاهتم‬
‫يف فنون الكتابة األخرى‪ ،‬ثم جئت أنا‬
‫ألخ��ص��ص كتاباتي ووق���يت كله ألدب‬
‫اخليال العلمي‪.‬‬
‫يوجد بالفعل كتاب متميزون يف‬
‫ع��دد من ال��دول العربية مثل‪ :‬دكتور‬
‫«ط��ال��ب عمران» يف س��وري��ا و «عبد‬
‫ال��س��الم البقايل» يف امل��غ��رب وتونس‬
‫ومصر متلك ع��ددا كبريا من الكتاب‬
‫الشباب مثل‪ :‬صالح معاطي وحممد‬
‫ع��ل��ي ع��ب��د اهل����ادي وأم��ي��م��ة خفاجي‬
‫وغريهم‪ ،‬وإن شاء اهلل املستقبل واعد‬
‫بالنماذج الشابة املبدعة واملبتكرة‬
‫يف الكتابة العلمية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ال يستطيع‬
‫أي مب������دع‬
‫ال��ك��ت��اب��ة يف‬
‫أدب اخليال‬
‫ال���ع���ل���م���ي‪،‬‬
‫مل�����اذا؟‪ ..‬ألنه‬
‫البد أن يكون‬
‫ل��دي��ه تفكري‬
‫وخيال علمي‬
‫جامح‪ ،‬حيث‬
‫ه��ن��اك إمجاع‬
‫م�����ن ك���ت���اب‬
‫هذا النوع من‬
‫اإلب���داع علي‬
‫أن جم���االت‬
‫ال��ك��ت��اب��ة فيه‬
‫صعبة‬
‫‪7‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من هم ق��راء أو مجهور أدب اخليال‬
‫العلمي؟‬
‫ال أنسى أنه يف أحد األيام وجدت ثالثة شباب‬
‫‏ ‏‪ -‬يف إحدى رحالتي إيل مدينة اإلسكندرية‏‪-‬‏ يف‬
‫أيديهم رواية من رواياتي يتناقشون فيها جبدية‬
‫وفهم ووع��ي عال‏‪،‬‏ مما يؤكد أن الشباب أكثر‬
‫قراءة هلذا النوع‏‏‪ ،‬ولكين أشعر باإلحباط الشديد‬
‫من جتاهل املؤسسات الرمسية هلذا األدب‏‪،‬‏ يف‬
‫حني وج��دت املسئولني يف سوريا يستقبلونين‬
‫برتحاب كبري كما يف الدول األوروبية اليت تعترب‬
‫هذا اجملال دليال علي التحضر والرقي‏‪.‬‏‬
‫السينما وأدب اخليال العلمي‬
‫قدمت يل السينما رواي ‏ة «قاهر الزمن‏»‪..‬‏‬
‫هذه الرواية حتمس هلا كثريا املخرج الراحل‏‬
‫«كمال الشيخ»‏‪،‬‏ وكان سيكرر التجربة باختياره‬
‫رواي ‏ة «الشيء‏» وأجرى عدة جلسات حتضريية‬
‫وأحضر خبريا تكنولوجيا من اخل��ارج لتنفيذ‬
‫بعض األف��ك��ار ول��ك��ن ال��ق��در مل ميهله فتويف‬
‫رمحه اهلل‏‪..‬‏ كما قدمت رواي ‏ة «هنر السعادة»‏‏ يف‬
‫سهرة تليفزيونية قام ببطولتها الفنان الراحل‬
‫الراحل «ياسني‬
‫‏‏‬
‫حممود املليجي‏‏‪ ،‬وكذلك أخرج‬
‫إمساعيل ياسني‏»‏ رواي ‏ة «املاسات الزيتونية»‏ يف‬
‫فيلم تليفزيوني بعد أن جعله بعنوان‏ «املاسات‬
‫اخلضراء‏»‪..،‬‏ وأيضا أحد املخرجني أخذ مين‬
‫مسرحي ‏ة «أحزان السيد مكرر‏»‏ لتقدميها على‬
‫املسرح‏‪.‬‏‬
‫أنواع أدب اخليال العلمي؟‬
‫هناك نوعان‏‪:‬‏ األول قابل للتنفيذ علميا‬
‫ويعتمد علي الفانتازيا كأفكار مستحيلة‏‪،‬‏ أما‬
‫النوع الثاني‏‏‪ :‬فه ‏و «اخليال العلمي املنضبط»‏‏‬
‫األول‪ :‬يتحرر من قيود العلم ومييل إىل الرؤى‬
‫ال��ص��ادم��ة بالغة ال��غ��راب��ة وال��ن��أي ع��ن الواقع‬

‫‪8‬‬

‫واملنط ‏ق‪،‬‏ بينما الثاني غالباً ما يلتزم برؤي العلم‬
‫ويتبع منهجه ومسارات ‏ه‪،‬‏ ويستكمل األحداث‬
‫املنتظر حدوثها يف الزمن املقبل واليت مل تتحقق‬
‫بع ‏د‏‪ ،‬من خالل قدرة عالية للكاتب علي ختيل‬
‫صور األشياء املقبلة يف املستقبل‏‪.‬‏‬
‫كيف تتعامل ال���دول املتقدمة مع‬
‫اخليال العلمي؟‬
‫يف اخل���ارج يهتمون ب��أدب اخل��ي��ال العلمي‬
‫ب���درج���ة ك��ب�يرة ج����دا‏‪،‬‏ ف��م��ن خ�ل�ال زي���ارات���ي‬
‫وحضوري ملؤمترات ون��دوات خارجية عديدة‬
‫الحظت وج��ود كثري من األن��دي��ة ال�تي حترص‬
‫علي رعاية الشباب الصغري وبث العلوم لديهم‬
‫وجعلهم يتابعون كل ما يكتب يف اخليال العلمي‬
‫وتشجيعهم علي التفكري والقراءة‏‪،‬‏ ففي إحدي‬
‫الزيارات لـ‏‏ «بودابست»‏‏ وجدت معرضا هبرني‬
‫جدا حتت عنوان‏‏ «السياحة يف الفضاء»‏‏ أقامه‬
‫جمموعة من الشباب وطلب منهم البحث عن‬
‫معلومات يف مجيع الصحف اليت ص��درت يف‬
‫عامني‏‏‪ ،‬ومجع كل ما نشر هبا حول «الفضاء»‬
‫وقاموا بلصق ما عثروا عليه ووضعه يف شكل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫قصاصات على اجل���دران تتضمن ما‬
‫كتب عن سفن فضاء روسية وأمريكية‬
‫وأفكار مستقبلية‏‪.‬‏‬
‫املعروف أن كثريا من أعمال أدب‬
‫اخليال العلمي تنبأت باخرتاعات‬
‫حتققت فيما بعد‏‪..‬‏‬
‫ي «جول فرين‏ ‏» كتب‬
‫الروائي الفرنس ‏‬
‫قصة ختيل فيها الصعود إيل القمر‬
‫يف عام‏‪ 864‬‏‪ 1‬وحتققت يف عام‏‪،1969‬‏‬
‫عندما صعد اإلنسان إيل القمر‏‏‪ ،‬كما‬
‫أنين بعد كتاباتي رواية‏ «قاهر الزمن»‏‬
‫وال�تي كانت تعتمد علي قصة جتميد‬
‫اإلنسان‏‏‪ ،‬قرأت فيما بعد مبجلة علمية‬
‫خ�برا مضمونه أهن��م ب��دأوا يفكرون يف‬
‫كيفية ثبات شخص كنوع من التنويم‬
‫املغناطيسي‏‏‪ ،‬فالكاتب يعطي الفكرة‬
‫بعمق ويأتي آخر ليأخذها بدوره ويبحث‬
‫فيها ويتحقق من تنفيذها‏‪.‬‏‬
‫أدب اخليال العلمي يف العامل‬
‫العربي؟‬
‫هناك ت��واص��ل بيين وب�ين كثري من‬
‫كتاب اخليال العلمي يف الوطن العربي‬
‫علي رأسهم السوري د‏‪.‬‏طالب عمران‏‪،‬‏‬
‫ففي املؤمتر األول قبل عامني أقيم يل‬
‫حفل تكريم كبري يف سوريا ومت منحي‏‏‬
‫«ال���ري���ادة العربية ‏» يف أدب اخليال‬
‫العلمي‏‏‪ ،‬وبعد ذلك بدأنا نفكر يف كيفية‬
‫أن ننمي هذا النوع من الكتابة‏‏‪ ،‬ودعوا‬
‫إىل إنشاء مراكز يف كل الدول العربية‬
‫لتبين املبدعني يف هذا اجملال‏‪،‬‏ وقال يل‬
‫وزي��ر الثقافة السوري الدكتور رياض‬
‫نعسان أغ��ا‪ ..‬إن��ه «يعترب أدب اخليال‬
‫العلمي ه��و أس��اس النهضة والتطور‬

‫احل��ض��اري ألي دول��ة هبا ه��ذا النوع»‏‏‪،‬‬
‫الثقافة هي نظرة عامة للوجود واحلياة‬
‫ال��ب��ش��ري��ة وه���ي واق���ع اإلن��س��ان الذي‬
‫يعيشه‪ ،‬ولقد تأثر هذا الواقع وتطورت‬
‫ح��ي��اة ال��ب��ش��ر بكيفية م��ذه��ل��ة خالل‬
‫النصف األخري من هذا القرن بالذات‬
‫يف أع��ق��اب احل���رب ال��ع��امل��ي��ة الثانية‪،‬‬
‫وكنتيجة للمتغريات الضخمة واجلذرية‬
‫اليت أحدثها العلم احلديث يف حياتنا‬
‫االجتماعية‪ ،‬مبجاالت الطب وهندسة‬
‫التشييد وامل���واص�ل�ات واالتصاالت‪،‬‬
‫امتدادًا إىل آخر القائمة حيث الفنون‬
‫كاألدب واملسرح واملوسيقى… إخل‪ ،‬فال‬
‫شك أن التأثري كان مباشرًا وعمي ًقا على‬
‫مفاهيمنا وسلوكنا ورد فعلنا‪ ،‬بل امتد‬
‫ذلك إىل منطوق لغتنا وخطوط أزيائنا‬
‫!! على أنين أضيف أنه إذا كانت للغرب‬
‫ثقافته اجلديدة اآلخذة مسرية التطور‬
‫يف مجوح وخ��روج متصل عن املألوف‪،‬‬
‫كما أن للشرق عامة ثقافته اخلاصة به‬
‫واألقل مجوحًا واألصلب على مقاومة‬
‫ال��ت��ي��ارات غ�ير املنضبطة‪ ،‬فإننا حنن‬
‫املسلمني لنا يف ثقافتنا اإلسالمية‬
‫خري ضابط وسط موجات املَدِّ العلمي‬
‫وتطبيقاته التقنية ال�تي يغلب على‬
‫بعضها املبالغة والشطط أحيا ًنا‪.‬‬
‫وق��د تعلمنا م��ن جتاربنا السابقة‬
‫واملتعددة أن األدب احلقيقي هو الذي‬
‫يتعامل مع ال��واق��ع امل��ع��اش‪ .‬ويبدع يف‬
‫نقل مالمح من حياة الناس وعالقاهتم‬
‫وصراعاهتم ويغوص يف أعماق نفسيَّاهتم‬
‫باح ًثا عن اجلوهر‪ ،‬وتعلمنا ً‬
‫أيضا أن‬
‫األدب امللتزم هو ذلك ال��ذي يطمع يف‬
‫تغيري الواقع حنو األفضل واألحسن من‬
‫خالل املنظور احمللي املألوف‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫هناك نوعان‏‏‪:‬‬
‫األول قابل‬
‫للتنفيذ علميا‬
‫ويعتمد علي‬
‫ال���ف���ان���ت���ازي���ا‬
‫ك�����أف�����ك�����ار‬
‫مستحيلة‏‪،‬‏‬
‫أم�����ا ال���ن���وع‬
‫الثاني‏‪:‬‏ فهو‏‬
‫«اخل������ي������ال‬
‫ال���ع���ل���م���ي‬
‫املنضبط»‬
‫‪9‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ما االســــتشــــراف؟‬
‫د‪ .‬حممد اهلادي عيـّاد‬

‫ما االستشراف ؟‬
‫ه��ل ه��و م��ن اخليال‬
‫ال��ع��ل��م��ي؟ ه���ل هو‬
‫استبصار لقراءة أحداث‬
‫موهبة‬
‫ٍ‬
‫األزم��ن��ة ال��ق��ادم��ة؟ ه��ل ه��و نوع‬
‫من التنبؤ قائم على احلدس‬
‫واالس��ت��ش��ع��ار؟‪ ...‬أم هو اجلرأة‬
‫على إزال��ة قشرة الثمرة وكسر‬
‫نواتها واس��ت��خ��راج ال��ل� ّ�ب الذي‬
‫سيكون البذرة اليت سيزرعها‬
‫الكاتب لتكوّن مثرة الغد؟‬
‫ّ‬
‫هل االستشراف حُيلمنا ويسلينا‬
‫أم يدفعنا إىل التفكري يف قراءة‬
‫واقعنا لتصوّر ما سيكون عليه‬
‫مستقبلنا؟‬
‫هل هو دف� ٌع للنعامة كي ترفع‬
‫رأس���ه���ا وت��ن��ظ��ر إىل السماء‬
‫وت��س��ت��ع � ّد مل��واج��ه��ة مشس‬
‫الظهرية يف الرمضاء؟‬
‫إذا كانت الكارثة قادمة ال حمالة‪،‬‬
‫هل امله ّم هو انتظارها ح ّتى تقع‬
‫أم االستعداد هلا قبل أن تقع ؟‬

‫‪10‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫هذه بعض اإلشكاليات اليت يطرحها هذا‬
‫النوع من الكتابة‪ ،‬وهي إشكاليات بقدر ما هي‬
‫حميِّرة وخميفة وباعثة على التشاؤم‪ ،‬هي فاعلة‬
‫يف تأسيس حياة أفضل لإلنسان ف��وق هذا‬
‫الكوكب‪...‬‬
‫م���ا ه���و ال���ق���ول ال��ف��ص��ل يف ت��ع��ري��ف أدب‬
‫االستشراف؟ ال أحد يف ظنّنا يستطيع أن ميدّنا‬
‫بالتعريف الشايف الكايف‪ ،‬بل ال ميكن لكاتبني‬
‫أن يتّفقا على تعريفه نظراً لثراء مادّته ولتعدّد‬
‫طرق تناوله‪.‬‬
‫هل هو من اخليال العلمي؟ نعتقد ذلك‪ .‬ألنّ‬
‫اخليال العلمي ف�نّ أدب �يّ يعتمد على اخليال‬
‫حيث خيلق امل��ؤ ِّل��ف عالَماً خيالياً أو كوناً ذا‬
‫طبيعة ج��دي��دة ب��االس��ت��ع��ان��ة بتقنيات أدبية‬
‫متضمِّنة لفرضيات أو استخدامات أو نظريات‬
‫علمية فيزيائية أو بيولوجية أو تكنولوجية‪ .‬ومن‬
‫املمكن أن يتخيّل الكاتب نتائج هذه الظواهر‬
‫والنظريات فيحاول قراءة ما ستؤول إليه احلياة‬
‫مستقبالً‪.‬‬

‫م��ا يتميّز ب��ه أدب اخل��ي��ال العلمي ه��و أ ّنه‬
‫حياول أن يبقي متّسقاً مع النظريات العلمية‬
‫دون االستعانة بقوى خارقة أو سحرية وهذه‬
‫خاصية متيّزه عن الفنتازيا‪.‬‬
‫كانت املراحل األوىل من أدب اخليال العلمي‬
‫تُشعرنا باالطمئنان مبا كانت تُحلمنا بقدرة‬
‫العلم على إدخال الرفاهة على حياة اإلنسان‬
‫وتبين جمتمعاً مر ّفهاً قائماً على التطوّر التقين‪.‬‬
‫غري أنّ االستخدامات السيئة هلذا العلم جعل‬
‫املف ّكرين يش ّكـكون يف هذه الرفاهة‪ ،‬إذ مل يعد‬
‫العالَم يف اطمئنان ذلك أنّ الكوارث اليت سبّبها‬
‫االستخدام السيئ للمنجزات العلمية جعلته‬
‫مييل إىل التشاؤم‪ .‬وهكذا وُلِد منط جديد من‬
‫األدب يسمّيه البعض أدب التشاؤم واخلوف من‬
‫مصري اإلنسان والكون ويسميه البعض اآلخر‬
‫األدب الكوابيسي‪.‬‬
‫ول���ع��� ّل ك��ل��م��ة االس���ت���ش���راف ت��ن��ط��وي على‬
‫املسمَّيني‪ .‬وق��د تكون قنبلة هريوشيما‬
‫وح��رب فيتنام ث �مّ احل��رب ال��ب��اردة قد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪11‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أسهمت إسهاماً كبرياً يف ظهور نوع جديد من‬
‫الروايات اليت حتتجّ على هذه االستخدامات‬
‫السيئة للعلم وحت� ّ‬
‫��ذر م��ن املستقبل وتتصوّر‬
‫الكوارث املمكن وقوعها وما سيؤول إليه مصري‬
‫اإلنسان وحميطه‪.‬‬
‫يف التسعينيات من القرن املاضي ازدهر أدب‬
‫اخليال العلمي بصفة عامة وأدب االستشراف‬
‫بصفة خ��اص��ة بعد ظ��ه��ور اب��ت��ك��ارات علمية‬
‫جديدة وازدهار اهلندسة اجلينية وظهور بوادر‬
‫احنرافها مع النعجة «دو ّل��ي»‪ .‬فبدأ التفكري يف‬
‫الغد يشغل بال الفالسفة واألدب��اء واستشرت‬
‫ن��زع��ة ال��ق��ل��ق ل���دى ال��ن��اس فانعكس ذل���ك يف‬
‫رواي����ات االس��ت��ش��راف‪ .‬ب��ل وازده����ر ن��وع آخر‬
‫م��ن االس��ت��ش��راف ه��و االس��ت��ش��راف السياسي‬
‫فأصبحت الرواية السياسية جزء ال يتجزّأ من‬
‫هذا النمط من الكتابة‪.‬‬
‫روايات االستشراف روايات قلقة تعكس خوف‬
‫اإلنسان من مصريه‪ ،‬من األزمات السياسية‪ ،‬من‬
‫االستخدام الالواعي للعلم‪ ،‬من تلوّث البيئة‪،‬‬
‫من احنراف اهلندسة اجلينية‪ ،‬من الفريوسات‪،‬‬
‫م��ن الدميوقراطيات اجل��دي��دة‪ ،‬م��ن التالعب‬
‫باألدمغة البشرية‪ ،‬من انتشار املخدّرات‪ ،‬ممّا‬
‫يُسمَّى إرهاباً‪...‬‬
‫مل يعد العَالَم ينعم مبنجزات العلم‪ ،‬فالكوارث‬
‫جعلته مييل إىل التشاؤم واخلوف على مصريه‪.‬‬
‫هذه الروايات كسّرت احلواجز بني األصناف‬
‫األدبية‪ ،‬فيها تساؤالت أساسية حول اإلنسانية‪.‬‬
‫هذه التساؤالت يقع احلديث عنها خارج الزمن‬
‫احل��ايل وخ���ارج امل��ك��ان‪ ،‬أي يف فضاء خمتلف‬
‫وزمن آتٍ‪ .‬اخليال فيها خيال استشرايف‪.‬‬
‫أدب االستشراف إ ًذا‪ ،‬هو أدب يدفعنا إىل‬
‫التفكري يف غدنا‪ .‬هو ق��راءة للحاضر وتصوّر‬
‫للمستقبل‪.‬‬
‫من منّا ال يتصوّر انفجار مو ِّلد ن��ووي كما‬
‫حدث يف تشارنوبيل؟‬

‫‪12‬‬

‫من منّا ال يتو ّقع أن حييد صاروخ عن مساره‬
‫فيسقط على رأسه؟‬
‫ألسنا نعيش رع��ب ال��ف�يروس��ات؟ أمل نكن‬
‫باألمس القريب مهوسني بأنفلوونزا الطيور‬
‫واآلن ألسنا نعيش رعب أنفلوونزا اخلنازير؟ من‬
‫منّا يف مأمن؟ حنن اليوم نرتعد من األنفلوونزا‬
‫القادمة؟‬
‫كلّنا إذن مستشرفون‪ ،‬كلّنا متطلّعون إىل ما‬
‫خيفيه املستقبل من كوارث…‬
‫الفرق بيننا وبني كتّاب هذا النمط من األدب‬
‫هو أنّ ه��ؤالء هلم اجل��رأة على بيان احلقائق‬
‫وفضح املمارسات السيئة للعلم‪.‬‬
‫كاتب أدب االستشراف يدرس حاضره ويبين‬
‫عليه وبإمكانه أن يتخيّل أحداث الغد‪ .‬بإمكانه‬
‫أن يشري إىل من هو وراء بثّ هذه األن��واع من‬
‫األنفلونزا مثالً‪ ،‬وبإمكانه أن يفضح الغاية من‬
‫وراء نشرها‪ .‬كأن يقول لنا إنّ القوّة الفالنية‬
‫ترغب يف تغطية جرائمها يف البلد الفالني‬
‫فتستعمل هذه الوسيلة لتلهيتنا‪ ،‬أو أ ّنها تريد أن‬
‫جتعلنا نعيش يف رعب متواصل لكي ال نكشف‬
‫ّ‬
‫خمططاهتا بل نبقى نعاجل مهومنا وهكذا ندور‬
‫يف دائرة مفرغة وال نتقدّم…‬
‫كاتب أدب االستشراف هو إنسان مهموم‪،‬‬
‫ملتزم بقضية‪ .‬والميكن ألدب االستشراف إ ّال‬
‫أن يكون أدباً ملتزماً‪ ،‬ملتزماً بقضية‪ .‬قضيّته‬
‫الكربى هي الدفاع عن احلياة‪ ،‬عن اإلنسان وعن‬
‫حميطه‪.‬‬
‫كاتب االستشراف جيب عليه أن يكون متم ِّكناً‬
‫من أحداث عصره‪ ،‬جيب أن يكون مستبصراً‪،‬‬
‫يتمتّع حب �سّ راقٍ ليستنتج م��ا سيكون عليه‬
‫املستقبل‪.‬‬
‫يقول الكاتب الفرنسي»رينيه برجافال»‬
‫معرّفاً باخليال العلمي‪»:‬اخليال العلمي ليس‬
‫من��ط �اً م��ن األدب‪ ،‬ب��ل ه��و ك��� ّل األمن����اط‪ :‬هو‬
‫التّغين‪ ،‬هو اهلجاء‪ ،‬هو التحليل‪ ،‬هو القِيم‪ ،‬هو‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫املاورائيات‪ ،‬هواملالحم‪.‬‬
‫إ ّنه ك ّل نشاطات العقل البشري يف حركيّته‬
‫املسرتسلة يف اآلفاق الال حمدودة‪ .‬فهو األدب‬
‫الوحيد يف زمننا الراهن‪».‬‬
‫أدب اخليال العلمي هو إذن أدب املعاصرة‪.‬‬
‫فهو ال يتحدّث عن املستقبل‪ ،‬بل يصف الراهن‪.‬‬
‫وما املستقبل إ ّال واسطة‪.‬‬
‫رواي��ات االستشراف ال تصف املستقبل إ ّال‬
‫لتجلب انتباهنا للراهن‪ ،‬لتح ّذرنا‪ ،‬لتضعنا أمام‬
‫مسؤولياتنا وأمام ضمائرنا‪ ،‬فهي تدفعنا دفعاً‬
‫للتصدّي واملواجهة واالستعداد ملا سيحدث‪،‬‬
‫بل ملنع وقوعه والعمل على احملافظة على هذا‬
‫العالَم الذي نساهم حنن يف تدمريه‪.‬‬
‫إنّ تناول الكتّاب ملوضوع البيئة واحنراف‬
‫اهل��ن��دس��ة اجلينية ع��ن م��س��اره��ا ولألزمات‬
‫السياسية تعطي نفساً جديداً هلذا األدب وتو ّثق‬
‫الصلة بني اإلنسان وحميطه‪.‬‬
‫لع ّل الرواية األكثر رواجاً يف العامل اليوم رواية‬
‫«ويليام قيبسون» «النريومانسيه» أو «الروائي‬
‫اجلديد»‪.‬‬
‫تدور أحداث هذه الرواية يف سنوات ‪2050‬‬
‫أحداثها ليست خمتلفة كثرياً عن أحداث جمتمعنا‬
‫غري أنّ اإلنسان فيها يفقد إنسانيته تدرجيياً‪ ،‬إذ‬
‫من املمكن أن ي��زرع يف جسده أعضاء آلية أو‬
‫أجزاء من الكمبيوتر فيصبح نصف آلة ونصف‬
‫إنسان ومت��وت فيه العواطف و يـ َ‬
‫ُقضي على‬
‫اإلحساس باحلبّ وتصبح احلياة غري احلياة‪.‬‬
‫تعكس هذه الرواية خماوف اإلنسان وآماله‬
‫وتعكس األسئلة األس��اس��ي��ة ح��ول اإلنسانية‬
‫وح��ول كوكب األرض‪ ،‬بل حول مصري اجلنس‬
‫البشري نفسه‪.‬‬
‫تقرع هذه الرواية ناقوس اخلطر وحت ّذرنا‬
‫ممّا حنن فيه من غفلة عمّا جيري أمامنا ومن‬
‫صمتنا الرهيب عمّا يدور حولنا‪.‬‬
‫إ ّن��ه��ا تنقد احل��اض��ر وال��واق��ع امل��ع��اش وما‬

‫احلديث فيها عن املستقبل إ ّال مطية لتكسري‬
‫احلواجز و للتحرّر من الرقابة‪ .‬لذلك مل تكن‬
‫أحداث الرواية تدور يف زمن بعيد عن زماننا‪،‬‬
‫إ ّنما يف سنة ‪.2050‬‬
‫هذه التقنية هي من سُنن الكتابة يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪13‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أدب االستشراف‪ .‬فال ميكن أن تكون األحداث‬
‫بعيدة عن زماننا‪.‬‬
‫كذلك فعل طالب عمران يف روايته الشهرية»‬
‫األزمان املظلمة» اليت صدرت عام ‪ 2004‬واليت‬
‫كان لنا شرف ترمجتها إىل الفرنسية فأحداثها‬
‫تدور يف سنة ‪.2025‬‬
‫كتبها صاحبها بُعيد أح��داث احل��ادي عشر‬
‫من سبتمرب وإثر حرب العراق وكان متم ّكناً من‬
‫ّ‬
‫ومطلعاً على الواقع ومتفهّماً‬
‫دراس��ة التاريخ‬
‫ألحداث املعاصرة فتكوّن لديه حسّ مرهف و‬
‫منت عنده حاسة استبصار جعلته يتخيل ما‬
‫سيقع من مصائب يف العراق ويف غريها من‬
‫دول الشرق األوسط‪.‬‬
‫تو ّقع أن حتدث تغيّرات سياسية يف أنظمة‬
‫احلكم‪ ،‬ختيّل أن تُـنصِّب القوّة العظمى ح ّكاماً‬
‫يبيعون بلداهنم‪ ،‬ت��ص�وّر هن��ب ال��غ��رب لثروات‬
‫الشرق األوسط‪ ،‬ختيّل ظهور مقاومة للمحت ّل‬
‫وختيّل طرق احملت ّل الوحشية يف قمعها مثل‬

‫‪14‬‬

‫إل��ق��اء القنابل على األح��ي��اء ال��ف��ق�يرة اآلهلة‬
‫بالسكان‪ .‬كما تصوّر ظهور طرق أخرى للقضاء‬
‫على الشعوب مثل نشر فريوسات جديدة قاتلة‬
‫ونشر البعوض السامّ املدجّن واملعدّل جينياً‪ ،‬كما‬
‫تصوّر ظهور أمراض مل يعرفها الكون من قبل‪.‬‬
‫ت��ص �وّر جمتمعاً م��ن��ه��اراً‪ ،‬مفلساً ومنهكاً‬
‫ب��األم��راض‪ ،‬تصوّر ال�رّع��ب ال��ذي تعيشه هذه‬
‫الشعوب ال�تي تُـلقي عليها أن��واع من القنابل‬
‫اجلديدة يومياً ويف ك ّل األوقات لتجريبها‪.‬‬
‫تصوّر أنّ من ال ينبطح للمحت ّل يُعدّ إرهابياً‬
‫ويُـساق إىل «غوانتنامو» ليكون فأر اختبار يف‬
‫خمابر ال��ق�وّة العظمى ث �مّ تُستأصل أعضاؤه‬
‫لتكون قطع غيار للمرضى من منظوري هذه‬
‫ال��ق�وّة‪ .‬ومل يُغفل الكاتب ختيّل ما ط��رأ على‬
‫البيئة واحمليط من تغيّرات كالتصحّر وتلوّث‬
‫املائدة املائية‪...‬‬
‫ً‬
‫هل ت��رك طالب عمران موضوعا خييفنا‬
‫وي��ه�دّد مستقبل اإلنسانية مل يتحدّث عنه؟‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫أليست جرأة منقطعة النظري أن يتحدّث كاتب‬
‫عن مآسي اإلنسان يف منطقته عن مستقبل‬
‫اإلنسانية املرعب؟ عمّا ستالقيه شعوب الشرق‬
‫األوسط من أنواع املآسي؟‬
‫لقد وقع ما تصوّره لألسف‪ ...‬وم��ازال يقع‬
‫إىل اليوم وكلّنا يعرف ذلك‪...‬‬
‫هل معنى ذلك أ ّنه تنبّأ بوقوع هذه األحداث؟‬
‫مل يتنبّأ أل ّنه ليس منجِّماً وال قارئاً يف الفنجان‬
‫وإ ّن��م��ا درس ال��واق��ع وخت�يّ��ل م��ا سيكون عليه‬
‫املستقبل فقط‪.‬‬
‫إنّ مثل كاتب اخليال االستشراف كمثل عامل‬
‫األرص��اد اجل�وّي‪ :‬يدرس الراهن ويقيس عليه‬
‫ويعطينا تو ّقعات الغد‪.‬‬
‫لقد تنبّأ ابن خلدون منذ القدم بزوال حكم‬
‫العرب من األندلس ملّا رأى األخ يستعدي على‬
‫أخيه ويستعني عليه بالعدوّ‪ ،‬وملّا رأى اضمحالل‬
‫العصبية وض��ي��اع النخوة وامل��ي��ل الشديد إىل‬
‫الرتف فقال قولته الشهرية» إنّ أمّة هذا شأهنا‬

‫مصريها إىل ال���زوال»‪ .‬مل يتنبّأ‪ ،‬وإ ّن��م��ا درس‬
‫التاريخ ّ‬
‫واطلع على أحداث عصره فتصوّر ما‬
‫سيكون عليه املستقبل‪.‬‬
‫ل��ق��ائ��ل أن ي���ق���ول‪ :‬مل����اذا ي��س��ت��ع��م��ل كاتب‬
‫االس����ت����ش����راف‪ ،‬واالس����ت����ش����راف السياسي‬
‫باخلصوص‪ ،‬وقوع األحداث يف أزمنة الحقة من‬
‫ناحية‪ ،‬وملاذا خيتار احللم كوسيلة للقفز على‬
‫الزمن من ناحية أخرى؟‬
‫ال��س��ؤال م��ش��روع‪ .‬ألنّ احللم والقفز على‬
‫الزمن تقنيتان حديثتان يف كتابة اخليال العلمي‬
‫االستشرايف‪.‬‬
‫قلنا إنّ الكاتب جيعل أحداث روايته تقع يف‬
‫املستقبل القريب أل ّنه يف الواقع ينقد أحداث‬
‫عصره وجيب أن يكون هناك نوع من التشابه‬
‫بني اجملتمعني ليكون نقده واقعياً وأق��رب ما‬
‫يكون إىل املنطق‪ .‬وليس معنى هذا أ ّنه ال توجد‬
‫روايات استشراف تقع أحداثها يف أزمنة‬
‫بعيدة‪ ،‬ب��ل��ى‪ ،‬وه��ي خاصية تتميّز هبا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪15‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الروايات اليت تصوّر هناية العامل وفناء الكوكب‪.‬‬
‫ولنأخذ مثاالً على ذلك األقصوصة الواردة يف‬
‫اجملموعة األخ�يرة لنهاد شريف األخ�يرة واليت‬
‫صدرت ع��ام‪ 2009‬بعنوان «نداء لولو السرّي»‬
‫وال�تي ختيّل فيها املؤ ِّلف التلوّث الكبري الذي‬
‫سيعرفه الكون بعد حرب نووية مدمِّرة وختيّل‬
‫انشطار أجزاء من الكون وتشتّتها يف الفضاء‬
‫وق��دوم العصر اجلليدي بعد أن تكون السماء‬
‫قد غابت وانتشر الضباب على الكون‪ .‬يقول‬
‫الكاتب ‪« :‬ويف النهاية يَض َغط إصبع طائش‬
‫على زرّ‪ ...‬ال يهمّ من الذي بدأ القيامة‪ ،‬الغرب‬
‫أم الشرق وال كيف قويت األصابع على ضغط‬
‫األزرار وال كم من رقاع األرض أُبيد فوراً وكم‬
‫أبيد على مراحل وكم بقي يتجرّع املوت البطيء‬
‫بامتداد األع���وام العشرة ال�تي م �رّت منذ بدء‬
‫اإل ْفنــاء‪ ...‬املهمّ كيف أص �رّت البشرية على‬
‫سلوك الطريق اخلاطئ وه��ي تعرف مسبقاً‬
‫مبا متلك من علم وتكنولوجيا معامل الصورة‬
‫املشوَّهة واملُقرِفة‪»...‬‬
‫هذه القصّة هي نوع من االستبصار الكارثي‬
‫أ َ ْطـلع فيها الكاتب القرّاء على ما ينتظر البشرية‬
‫من دمار إذا ما أُسيء استخدام العلم‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫ال��زم��ن يف ه��ذه ال��ق�صّ��ة غ�ير حم���دَّد‪ ،‬فهو‬
‫مطلق‪ .‬غري أنّ الفرق يف استعمال الزمن هو‬
‫الذي حيدّد نوع االستشراف‪ .‬فإذا كان الزمن‬
‫حمدَّداً وقريباً فإنّ موضوع االستشراف يكون‬
‫غالباً نقد الراهن‪ .‬وهي تقنية تُستعمل‪ ،‬كما‬
‫أسلفنا‪ ،‬لإلفالت من الرقابة والتحرّر من نريها‬
‫ليطلق الكاتب العنان ليعبّر حبرية عن أفكاره‪.‬‬
‫أمّا إذا كان الزمن بعيداً أو مطلَقاً فإنّ الكاتب‬
‫يرمي إىل لفت النظر ملسألة من املسائل اليت‬
‫تسبّب أضراراً لإلنسانية‪ .‬هذه األضرار ممكنة‬
‫الوقوع يف زمن مطلق‪.‬‬
‫أمّ��ا التقنية الثانية ال�تي يستعملها كاتب‬
‫االستشراف فهي احللم‪ .‬و احللم الكابوسي‬
‫بالتحديد‪.‬‬
‫الكوابيس هي الوسيلة املثلى للكاتب ليربّر‬
‫أحداث روايته من ناحية‪ ،‬ولإلفالت من الرقابة‬
‫من ناحية أخرى‪ .‬فهو يتسلّح بالكوابيس كوسيلة‬
‫للتعبري حبرية عمّا يريد أن يب ِّلغه‪ ،‬فهو صاحب‬
‫رسالة‪ .‬وال بدّ أن يؤدِّيَ هذه الرسالة ولو كان‬
‫ذلك بنوع من اهلوس أو بفلتات جنونية‪.‬‬
‫يقول الكاتب الفرنسي»ج‪.‬ل‪ .‬روفان» صاحب‬
‫كتاب «قلوباليا» (‪ )2004‬يف حديث له يف جريدة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫«لو مند» الفرنسية (سبتمرب‪ )2004‬يف تصنيفه‬
‫للخيال العلمي‪ ،‬وهو موضوع سنرجع إليه يف‬
‫مقال الحق يف جملة «اخليال العلمي»‪ »:،‬اخليال‬
‫العلمي االستشرايف هو نوع من ُذها ٍن هذياني‬
‫يعمد إىل تغيري ال��واق��ع قليالً ليستنتج منه‬
‫الكاتب نتائج تكون مادّة لنقد مظاهر اجتماعية‬
‫أو سياسية‪ .‬وهي تقنية يصوّر فيها هذا الكاتب‬
‫عوامل قريبة من عالَمنا حيث تكون األحداث‬
‫اليومية ال ختتلف كثرياً عن الواقع املعاش‪ ،‬غري‬
‫أنّ هناك بعض املعامل واملظاهر ال�تي تتغيّر‬
‫وتكون نتائجها وخيمة على البشرية ولكن غري‬
‫حمسوسة يف الوقت الراهن‪».‬‬
‫احللم إ ًذا‪ ،‬أو الكابوس‪ ،‬هو نوع من ُذهان‬
‫للتحرّر من القيود وللتعبري حبرية عن األفكار‪.‬‬
‫ليس معنى هذا أنّ هذه التقنية مستعملة‬
‫عند ك ّل الكتّاب‪ ،‬بل هناك من الكتّاب من ال‬
‫يستعملها‪ ،‬ومنهم» ج‪.‬ل‪ .‬روف���ان» نفسه‪ .‬مل‬
‫يستعمل احللم كتقنية يف روايته «قلوباليا» وإ ّنما‬
‫جعل أحداثها تقع يف زمن مطلق غري حمدَّد‪،‬‬
‫ت��ص�وّر الطريقة ال�تي ستنهار هب��ا اجملتمعات‬
‫الغربية الحقاً‪ ،‬ومل حيدِّد جمتمعاً معيّناً وال بلداً‬
‫معيَّناً‪ .‬فحديثه كان مطلقاً أقرب ما يكون إىل‬
‫اهلذيان اجلنوني الواعي‪.‬‬
‫ومنهم أي��ض �اً صديقه «ب��ي��ار ب����ورداج» يف‬
‫روايتيه‪« :‬إجنيل الثعبان» (‪ )2001‬و «رئيس‬
‫م�لائ��ك��ة اجل��ح��ي��م») (‪ )2004‬مل يستعمل‬
‫الكوابيس وسيلة ل��ق��راءة املستقبل‪ ،‬بل كانت‬
‫كتابته موغلة يف اإلطالق ويف ما يشبه اهلذيان‪.‬‬
‫وكذلك فعلت «لينا الكيالني» يف قصّتها «من‬
‫أن��ا؟‪ ...‬من أك��ون؟‪ »...‬اليت صدرت عام ‪1998‬‬
‫تشري فيها الكاتبة وبطريقة خفية إىل مشكلة‬
‫يف غاية اخلطورة هي أنّ مسألة االستنساخ قد‬
‫تقود العلماء إىل التالعب اجليين‪ .‬فقد تُلغي‬
‫مسألة احلمل والوالدة ودورهتما الطبيعية ليقع‬
‫تدجني البشر مثل الطيور يف مُ َفرِّخات‪ ،‬وقد‬

‫يقع تقصري املدّة الزمنية لتكوّن اجلنني كما هو‬
‫احل��ال يف تفريخ البيض؟ وقد يقود التالعب‬
‫اجليين بعض العلماء املتهوِّرين إىل تركيبات‬
‫جينية قد تكون نتيجتها إنساناً برأس حيوان أو‬
‫حيوان برأس إنسان أو‪ ...‬أو‪»...‬‬
‫مل تستعمل «لينا» يف روايتها هذه احللم ألهنا‬
‫تعاجل مسائل مطلقة يف الزمن‪.‬‬
‫ما نستنتجه هو أنّ هاتني التقنيتني‪:‬الزمن‬
‫احمل���دَّد وال��ق��ري��ب‪ ،‬وال��ك��واب��ي��س‪ ،‬يستعملهما‬
‫الكاتب ع��ادة‪ ،‬لينقد أح��داث عصره وخاصّة‬
‫منها األح��داث السياسية ليتم ّكن من التعبري‬
‫احل �رّ‪ .‬إ ّنهما وسيلتان ل�لإب��داع واالنعتاق من‬
‫القيود تفسحان اجملال للقرحية لتتفتّق وتقول‬
‫بني السطور ما تعجز عنه الكلمات ذل��ك أنّ‬
‫رواية االستشراف تقول أكثر مما تقول‪.‬‬
‫الزمن احملدَّد والقريب‪ ،‬والكوابيس مها إذاً‪،‬‬
‫التقنيتان اللتان يتم ّكن بواسطتهما الكاتب من‬
‫القفز على الزمن والتحليق يف اآلتي من األيّام‬
‫ليكشف أسرارها ويسرب أغوارها فيفضح يف‬
‫هذيانه ما ال يستطيع أن يبوح به يف يقظته‪.‬‬
‫لذلك كان لزاماً عليه أن ال يكون شخصاً عادياً‪.‬‬
‫إ ّنه شخص متأزّم مهووس مبآسي عصره وشقيّ‬
‫أل ّنه حسّاس أكثر من غريه‪ ،‬تنطبق عليه مقولة‬
‫أبي القاسم الشابي» والشقيّ الشقيّ من كان‬
‫مثلي قي حساسييت ور ّقة نفسي»‪.‬‬
‫كاتب اخليال العلمي االستشرايف إنسان غري‬
‫ع��ادي‪ ،‬إنسان مغامر له من الشجاعة ما به‬
‫يستطيع املواجهة واإلصداح باحلقائق وكشف‬
‫عورات السياسة ونقائص اجملتمع‪.‬هو إنسان ال‬
‫يكتفي بوصف الواقع ومالمسة القشرة الناعمة‬
‫للثمرة وتتبّع تضاريس شكلها اخلارجي‪ ،‬بل إ ّنه‬
‫يتجرّأ على نزع القشرة وكسر النواة والوصول‬
‫إىل اللّبّ لينتزعه انتزاعاً ليكون البذرة اليت‬
‫يزرعها يف اخلريف لتينع يف الربيع وتُــثمر يف‬
‫الصيف‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪17‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫األبعاد النفسية ألدب‬
‫الخيال العلمي‬
‫د‪ .‬خملص الريس‬

‫كشف علم الفيزياء الكمومية الطبيعة املوجية للمادة‪ ،‬وأدخلنا‬
‫عوامل غيبية كشفت النصف اآلخر من احلقيقة‪ ،‬وقربنا من املطلق‬
‫أكثر‪ .‬ومن نتائج هذا العلم تفسري العالقة بني احلدس العلمي‬
‫ُ‬
‫درك واحلس العلمي الواعي‪ ،‬وانفتاح العقل الباطن (الال شعور) على العقل‬
‫امل ِ‬
‫الواعي (الشعور)‪ ،‬فأتى اخليال العلمي منحة إهلية يتجاوز فيه الفكر قيود‬
‫الزمان واملكان‪ ،‬والنتيجة هي إبداع خالق يصنع حضارة‪ ،‬ولوال اخليال العلمي‬
‫لبقيت الطبيعة البشرية عجماء حيوانية الوعي عدمية اإلدراك ‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫هدف اخليال العلمي ‪:‬‬
‫هو إب��داع إخ�تراع ٍعملي أو معنوي‬
‫حيقق لإلنسان ل��ذة أو متعة جسدية‬
‫أو روحية أو نفسيـة وأقصى هدف له‬
‫هو حتقيق اخللود لإلنسان وامتالك‬
‫ناصية املستقبل‪ .‬وسبب اخليال العلمي‬
‫هو حاجة أو أزمة تبحث عن حل‪.‬‬
‫وبصفيت فيزيائي‪ ،‬والفيزياء هي‬
‫علم الكون تدرس كل شيء مما هو دون‬
‫الذرة إىل ما بعد اجملرة‪ ،‬على هذا ألفت‬
‫عدداً من املؤلفات ذات الصبغة العلمية‬
‫اخليالية الفكرية أمههـا ‪:‬‬
‫طبيعة ال��روح وأسرارها‪ ،‬الطاقات‬
‫اخلفية الال إنسانية‪ ،‬الربجمة الروحية‬
‫والسعادة العظمى‪.‬‬
‫حاولت يف تلك املؤلفات وعديد من‬
‫املقاالت يف جملة اخليال العلمي تفسري‬
‫ما يشغل الفكـر البشري عما يقع خلف‬
‫املنظور وهو كثري جداً‪ .‬يف هذه الورقة‬
‫س��أح��اول اإلج��اب��ة على أسئلة تتعلق‬
‫جبوهر ومنبع اخليال العلمي‪ ،‬وأين‬
‫تقع جذوره وأصوله ؟ وما هي طبيعته‬
‫البنيوية؟‬
‫كيف ميكن إثارته ؟ ما هي ساحات‬
‫عمله ؟ ويف أي زمان يعمل ؟‬
‫لإلجابة على تلك األسئلة ‪ ...‬جيب‬
‫ال��ع��ودة إىل ال���وراء والتوغل يف القدم‬
‫للوصول أوالً لنشأة املادة‪ ،‬ومن ثم يف‬
‫نشأة اإلنسان‪.‬‬
‫خلق اهلل كل شيء من العدم ‪..‬والعدم‬
‫هو عامل متناظر شفاف الهنائي األبعاد‬
‫خ��ال ٍم��ن امل��ادة‪ ،‬طاقته هائلة خامدة‬
‫مشبعة ب��اإلحت��اد التكاملي‪ ،‬طبيعتها‬
‫م��وج��ي��ة ف��ائ��ق��ة م��ت��ف��ان��ي��ة بااللتحام‬
‫التداخلي املتعاكس‪ .‬وق��واه متالشية‬

‫بالتعادل واإللغاء‪.‬‬
‫يف البداية انبثق دفق موجي هائل‬
‫ش��ف��اف ان��ت��ش��ر يف ك���ل االجت���اه���ات‬
‫واملناحي بسرعات رمبا فاقت سرعة‬
‫الضوء مباليني امل���رات‪ ،‬فشغلت تلك‬
‫األم���واج ما كل ال��وج��ود بلمحة زمنية‬
‫واحدة مدهتا (‪ 4310‬جزء من الثانية‬
‫الواحدة ) دعى العامل اإلنكليزي ستيفن‬
‫هاوكنغ تلك اللمحة بالزمن االفرتاضي‪،‬‬
‫وخ�لال تلك اللمحة الزمنية حدثت‬
‫ختفيضات متتالية يف ع���دد أبعاد‬
‫تلك األمواج ما أدى النشطار كل منها‬
‫طولياً لنصفني‪ ،‬أعقب ذلك األمر تفتت‬
‫األم��واج النصفية املنشطرة إىل أوتار‬
‫كونية حلقيـة منفصلة عنيفة االهتزاز‬
‫والذبذبة دعاها العلماء (الربينات)‪،‬‬
‫أخذت تلك الربينـات بالتجمع واالحتاد‬
‫مشكل ًة الكواركات املادية والضد مادة‪،‬‬
‫أنتجت األوىل دقائق مادية جسيميـة مثل‬
‫اإللكرتونات والربوتونات والنرتونات‪.‬‬
‫تكتلت تلك اجلسيمات الصغرية معاً‬
‫برتتيـب خاص وشكلت سحابة عمالقة‬
‫من غ��از اهل��ي��دروج�ين‪ .‬س��اد يف بعض‬
‫أركاهنا دوام��ات إعصارية عنيفة أدى‬
‫لتجمعها واشتعال انفجارات نووية فيها‬
‫مشك َّلة جنماً ومشوساً وكواكب هلا هيئة‬
‫عوالـم متعددة متخذة شكل أوتار كونية‬
‫طوالنية تتضمن بيليارات البليارات من‬
‫اجملرات والنجـوم والكواكب املادية منها‬
‫وضد املادة ‪...‬اخل‪.‬‬
‫اكتُشِف أن لكل تكوين ظهر يف هذا‬
‫الوجود سواء كان كبرياً أو صغرياً وعيُ‬
‫خ��اص ‪ ..‬فمثالً ال��ذرة تعي موضعها‬
‫وإح��داث��ي��اهت��ا يف ه��ذا الوجود‪،‬‬
‫وتعرف مجيع قوانني الفيزياء من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫خ����ل����ق اهلل‬
‫ك�����ل ش����يء‬
‫م���ن ال��ع��دم‬
‫‪..‬والعدم هو‬
‫عامل متناظر‬
‫ش�������ف�������اف‬
‫الن����ه����ائ����ي‬
‫األب��ع��اد خال‬
‫م���ن امل����ادة‪،‬‬
‫طاقته هائلة‬
‫خ�������ام�������دة‬
‫م���ش���ب���ع���ة‬
‫ب������اإلحت������اد‬
‫التكاملي ‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كهرباء و مغناطيسية وترموديناميك وحرارة‪،‬‬
‫كما أهنا تعرف التفاعالت الكيميائية ودورها‬
‫فيه‪ ،‬وتعلم عدد ما تساهم به أو ما تأخذه أو ما‬
‫تشارك به من الكرتونات عندما تتحد بغريها‬
‫من ال��ذرات وهي تعي متاماً ما تقوم به دون‬
‫أن ت��درك احلكمة منه‪ .‬هي كينونات يغلفها‬
‫وع��ي صامت ال إدراك فيه‪ .‬منفذة برناجماً‬
‫قدرياً مرسوماً تتبع مساراته وتنزلق عليها وال‬
‫حتيد عنها إطالقاً احلقيقة أن كثرياً من األوتار‬
‫احللقية ال�لا متناهية يف الصغر مل يساهم‬
‫يف تشكيل مادة أو ضدها‪ ،‬لكنه بقي حمتفظاً‬
‫بطبيعته االهتزازية املوجية الذبذبية واألثريية‪،‬‬
‫واالختالف بينهما هو اختالف يف قيمة الرتدد‪.‬‬
‫حبيث فاقت ت��رددات األوت��ار احللقية األثريية‬
‫(‪ ) 3310‬هرتـزاً بينما للذبذبية ترددات أقل من‬
‫ذلك‪ .‬شكل هذان النوعان من األوتار الكونية‬
‫احللقية املهتزة العقل الباطن الكوني الشامل‪،‬‬
‫أكسبت األوت��ار الذبذبية منهما للمادة مسة‬
‫الوعي‪ ،‬ويف األزمنة البيولوجية اختذ الوعي‬
‫يف العضويات احلية مسة الغريزة احليوانية‬
‫احلسية )‪ ،‬أما األوتـار األثريية فكان هلا مسة‬
‫اإلدراك والعقالنية واحلدس وكانت من نصيب‬
‫اإلنسان الحقـاً‪.‬‬

‫أشكال احلياة فكان النوع والفصيلة واجلنس‬
‫من الكائنات احلية‪ ،‬وكانت أعدادها من الوفرة‬
‫حبيث غطت كل أشكال احلياة على األرض‪،‬‬
‫وكلمة ( د ن أ ) هي اختصار لصيغـة احلمض‬
‫اآلميين الريبوز منقوص األوكسجني‪ .‬مع مرور‬
‫الزمن غ��دت تلك الشرائط املولد والصانـع‬
‫األساسي للبنى احلياتية املختلفة على األرض‬
‫منذ ظهور أول خلية حية إىل اآلن‪.‬‬
‫نيوكليدات معلوماتية ‪:‬‬
‫امتلك اإلنسان األول جسداً عضوياً وعيه‬
‫حسي تسريه روح جسدية واعية كان هلا عقل‬
‫واع ٍ ( الشعور ) شغل الدماغ‪ .‬ثم كان له أيضاً‬
‫روح قدسية تعلم من خالهلا األمساء كلها ( كل‬
‫العلوم ) وانغرست يف لبه ( ذاكرته العميقة )‬
‫فكان له عقل باطن خاص يعمل يف ساحة الال‬
‫شعور لديه‪ ،‬ميدان عمله هي القشرة املخية من‬
‫الدماغ‪ ،‬وخالل مرحلة انبثاق اإلنسان وظهوره‬
‫يف األرض تناثرت علومه وتفككت وحتولت‬
‫ألحرف معلوماتية فـي عقله الباطن بطريقة‬
‫تشبه النوكليدات‪ ،‬وإلع���ادة صياغة علومها‬
‫وأخبارها جيب إِع��م��ا ِل الفكر وتركيزه على‬
‫النقطة املراد الوصول حلل هلا‪ ،‬ألن جذورها‬
‫مغروسة يف الذاكرة العميقـة والبعيدة لإلنسان‪.‬‬
‫فأتت تلك العلوم حدسية إستشرافية إدراكية‪،‬‬
‫والعقل الباطن يضم حب��وراً من تلك األحرف‬
‫النيوكليدية املعلوماتية‪ ،‬حبيث يعمل العقل‬
‫الباطن اخل��اص كأنه حاسـوب فائق خيتزن‬
‫علوم املاضي واحلاضر واملستقبل‪ .‬وما كان‬
‫وما يكون وما سيكون‪ ،‬غرسها اخلالق قدمياً‬
‫يف ذاكرة اإلنسان العميقة‪.‬‬

‫نيوكليدات حيوية ‪:‬‬
‫بعدما تكونت األرض تشكل فيها حساء من‬
‫النيوكليدات‪ ،‬اليت مل تلبث أن جتمعت مشكلة‬
‫جزيئات من مح��وض آمينية وأخ��رى آزوتية‪،‬‬
‫وتبلورت تلك احلموض يف طني األرض علـى‬
‫هيئة شرائط م��زدوج��ة حلزونية ‪ ....‬ذراهتا‬
‫َّ‬
‫منضدة بطريقة إعجازية مشفرة غاية يف الدقة‬
‫و اإلتقان يستحيل معها االقتناع والتصديق بأن‬
‫جذور اخليال العلمي ‪:‬‬
‫تشكلها كان حمض صدفة ‪ ..‬تلك هي شرائط‬
‫ألـ ( د ن أ ) الوراثية املختلفة واملتعددة األشكال‪،‬‬
‫يف البداية تناثرت األمساء ( العلوم ) وغدت‬
‫حبيث اختص كل واحد منها بنمط واحد من أحرفاً معلوماتية غارقة يف أعماق الال شعور‪،‬‬

‫‪20‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وبنفس الوقت هي آنية االستدعاء بالرتكيـز‬
‫الفكري‪ .‬هكذا غدا لب اإلنسان األول ( وأحفاده‬
‫من بعده) ميتلك كنزاً من أح��رف معلوماتية‬
‫تشمل صيغ وأسرار كل شيء يف الوجود ظهر‬
‫أو يظهر أو سيظهر‪ ،‬ينشط اخليال العلمي‬
‫ل��دى الشخص حينما يبحث عن حل ملسألة‬
‫ما أو لتلبية حاجة ما‪ ،‬يكفي عندها أن يركز‬
‫الشخص تفكيـره وحي��ل��ق ب��ع��ي��داً يف أعماق‬
‫خميلته‪ ،‬فإذا بالعقل الباطن يفتح أبوابه وينشر‬
‫كنوزه‪ ،‬فينتقي الفكر البشري وخيتار القطع‬
‫املعلوماتية النيوكليدية اليت تتوافق وتنسجم‬
‫مجلها م��ع مسرية خـط ال��ق��در امل��رس��وم ومع‬
‫ما مسح اهلل به وأُذِنَ له أن يُكشَف‪ ،‬عندها‬
‫ينسج الفكر شرائط (د ن أ ) معلوماتية مالئمة‬
‫ويؤلف منها مجالً وقصة معلوماتية‪ ،‬اخليال‬
‫العلمي يف حقيقته ما هو إال تكميم ملعلومات‬
‫سبق تسجيلها يف عامل التسجيل املطلق ( العقل‬
‫الباطن اخلاص باملرء )‪ ،‬والفكر البشري يقوم‬
‫بعملية انتقاء وتغذية راجعة يعيد من خالهلا‬
‫نسج وتعزيز قصة سبق أن زرعها اخلالق يف‬

‫العقل الباطن لإلنسان قدمياً‪ ،‬وبالتايل اخليال‬
‫يسبق العلم دوم��اً‪ ،‬ألن ص��وره تنبثق آنياً من‬
‫الال شعور لدى املرء جمسَّمة يف مساء خميلته‬
‫الواسعة الكائنة يف مناطق احلدس واإلدراك‬
‫يف املخ‪ ،‬وبالتحديد يف القشرة املخية هي صور‬
‫فراغية افرتاضية رقيقة ال كتلة هلا وال عطالة‪،‬‬
‫متضمنة رسالة استشرافية إبداعية مستقبلية‬
‫‪ ..‬رمبا تأخذ تلك الصور شكل ومضة تلمع‬
‫يف الذهن ‪ ..‬فكرة‪ ،‬تنبؤ‪ ،‬إهل��ام‪ ،‬حلم أو حالة‬
‫تقمص أو توقع حدسي ملا حدث أو حيدث أو‬
‫سيحدث الحقاً يف املستقبل القادم ‪،...‬‬
‫اخليال العلمي أهم من املعرفة‪ ،‬فيه تغذية‬
‫راجعة واستذكار واسرتجاع ملا حُمِ َل بـه العقل‬
‫الباطن البشري قدمياً من علوم أزل��ي��ة‪ .‬هو‬
‫عملية اقتحام واخرتاق الفكر للعقل الباطن كي‬
‫يعود لعلوم طال زمن اختفائها فيه‪ ،‬امتد هذا‬
‫الزمن من حلظة نشأة اإلنسان األول إلـى اآلن‪،‬‬
‫هذا العامل السحري الرائع ال يهدأ أب��داً فهو‬
‫يعمل باستمرار سواء كان املرء صاحياً‬
‫أم كان نائماً ‪ ..‬هو عامل الفكر والبصر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪21‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اإلن��س��ان هو‬
‫امل����خ����ل����وق‬
‫ال�����وح�����ي�����د‬
‫ال��ق��ادر على‬
‫دخول العامل‬
‫احل�����دس�����ي‬
‫بطريقة حث‬
‫إرادي��ة واعية‬
‫فكرية‪ ،‬وهذه‬
‫اخل�������اص�������ة‬
‫جعلته قادراً‬
‫ع��ل��ى تغيري‬
‫ق��دره اخلاص‬
‫وت����ع����دي����ل‬
‫خ����ط مسار‬
‫حياته إراديـاً‬
‫واختيارياً ‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫والبصرية واإلدراك واحلدس والذكاء‪،‬‬
‫ولوال نعمة اخليال ملا عاش إنسان قط‪،‬‬
‫وملا حقق أي تطور حضاري‪.‬‬
‫اإلنسان هو املخلوق الوحيد القادر‬
‫على دخ��ول العامل احلدسي بطريقة‬
‫ح���ث إرادي������ة واع���ي���ة ف��ك��ري��ة‪ ،‬وه���ذه‬
‫اخلاصة جعلته قادراً على تغيري قدره‬
‫اخل���اص وت��ع��دي��ل خ��ط م��س��ار حياته‬
‫إراديـاً واختيارياً‪ ،‬فأصبح ق��ادراً على‬
‫التمييز ب�ين ال��ص��ح واخل��ط��أ واخلري‬
‫والشر واختيار األفضل‪.‬‬
‫لعل الصورة اليت رمسها لنا الدكتور‬
‫عماد فوزي الشعييب من خالل مقالته‬
‫يف الندوة نبهتين لشيء كنت قد كتبته‬
‫س��اب��ق �اً‪ ،‬وه��و أن��ه يف حل��ظ��ات اللقاء‬
‫احلميم بني ذكر وأنثى حيدث انفتاح‬
‫قوي ومفاجيء للعقل الباطن اخلاص‬
‫لدى الشريكني بنفس اللحظة ليكوِّنا‬
‫عقالً باطناً واحـداً مؤدياً ذلك حلدوث‬
‫احتادات يف القطع املعلوماتية املتحررة‬
‫عنهما بطريقة ال شعورية‪ .‬ينتج عن‬
‫هذا االندماج صورٌ حدسية تبقى تلك‬
‫الصور مرسومة دوماً يف خميلة أحدمها‬
‫أو كليهما وهي على أنواع ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ورائية ( يف املاضي ) رمبا كان‬
‫مضمون تلك الصور أحداثاً وقعت أو‬
‫أفكاراً انطلقت من أذهان أناس سابقني‬
‫أو كانت حالة تقمص‪ .‬وتفسَّر احلالة‬
‫األخرية كما يلي ‪:‬‬
‫يصدف أن شخصاً رمب��ا عانى يف‬
‫حياته ظلماً أو وقعت له حادثة قتل‬
‫مثالً قبل أن يتم يكتمـل عمره‪ ،‬أي قبل‬
‫أن تسنح له الفرصة بإجناز مهماته‬
‫احلياتية‪ ،‬عندها هتيم روحه باحثة عن‬
‫جسد كائن يتكوَّن حلظتها‪ ،‬وأنسب تلك‬

‫اللحظات هي حلظة اللقاء اجلسدي‬
‫بني الزوجني فتحل يف عقلهما الباطن‬
‫ِ‬
‫الواحد املتحرر‬
‫وتوجه عملية تركيب‬
‫القطع املعلوماتية هلذا العقل الباطن‬
‫املوحد حبيث تصيغ ( د ن أ ) معلوماتية‬
‫قوية فعالة تؤثر يف ال ( د ن أ ) احليوية‬
‫الوراثية الناسجة جلسد اجلنني‪ ،‬فيولد‬
‫م��ول��ود حتمل روح��ه رس��ال��ة الشخص‬
‫امل��ق��ت��ول‪ ،‬والطفل يبلغ ه��ذه الرسالة‬
‫مل حوله بشكل طبيعي ‪،‬ف�ترت��اح روح‬
‫الشخص املتويف وتتحقق له العدالة‪.‬‬
‫‪ - 2‬أو آنية ( يف احل��اض��ر) تكون‬
‫ص��وره��ا بشكل ت��وق��ع��ات رؤي���وي���ةٍ أو‬
‫مسعيةٍ خارقة تتم عن بعد ألحداث تقع‬
‫حلظتها يف مناطق أخرى من األرض‪،‬‬
‫وه��ذا يعتمد على احلاسة السادسـة‬
‫عند اإلنسان‪ ،‬ومن صورها التخاطر‬
‫والرؤية املغناطيسية‪ ،‬والتأثري يف أفكار‬
‫اآلخرين عن بعد‪ ،‬وأحالم اليقظة‪.‬‬
‫‪ - 3‬أو أم���ام���ي���ة استشرافية‬
‫(مستقبلية)‪ ،‬مضمون صورها صيغاً‬
‫معلوماتية حدسية الحقـة كما حيدث‬
‫يف ح��االت التنبؤ واإلهل���ام‪ .‬واألحالم‬
‫ورؤية اللوح احملفوظ وكشف شيء مما‬
‫قد يقع مستقبالً‪.‬‬
‫تأثري حتدث هذه الظواهر يف حالة‬
‫اللقاآت احلميمة بسبب ما يرافقها من‬
‫ان��ط�لاق طاقة ذبذبية جسدية كبرية‬
‫وحت���رر العقل ال��ب��اط��ن اخل���اص عند‬
‫املتالقيني من براثن العقل الواعي يف‬
‫حلظة واح��دة‪ ،‬خاصة حلظة الوصول‬
‫ل���ل���ذروة م��ا ي��ف��س��ر ال��ش��ع��ور احلسي‬
‫بالسرور والنشوة وصفـاء النفس عقب‬
‫اللقاء مباشرة‪ ،‬جتعل اخليال حيمله‬
‫ص���وراً تلمع يف األذه���ان بشكل إهلام‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫حدسي لوقوع حدث ما أو بشكل إشراق‬
‫صور إبداعية الخرتاع شيء غري موجود‬
‫قبالً‪.‬‬
‫كما أن الدكتور الشعييب أش��ار يف‬
‫مقالته إىل ش��يء ه��ام وه��و أن املرأة‬
‫بشكل طبيعي متر بعد دورهتا الدموية‬
‫بفرتة ترتاوح مدهتا من يومني إىل مخسة‬
‫أيام يكون احلدس لديها قوياً جدا َ حبيث‬
‫تكشف نفسيتها عن أشياء غري متوقعة‪،‬‬
‫رمبا احتاج فكر الرجل ألكثر من سنتني‬
‫كي يصل إليها !!؟‪.‬‬
‫لكي نفهم طبيعة عمل العقل الباطن‬
‫وكيفية قيامه بنثر املعلومات املغروسة‬
‫فيه ؟ وكيف ينسج منها صوراً ويضخمها‬
‫وحيقنها يف خميلة الفكر البشري ؟‪،‬‬
‫لنذكر املثال التايل وهـو ما يعرف يف‬
‫عامل االلكرتونيات ‪ ..‬بالرتانزستور‪.‬‬
‫الرتانزيستور والعقل الباطن ‪:‬‬
‫إن املادة اليت يرتكب منها الرتانزستور‬
‫ه��و عنصر السيليسيوم امل��أخ��وذ من‬
‫الرمل (احلجر املتكلم)‪ ،‬وه��و عنصر‬
‫نصف ن��اق��ل رب��اع��ي التكافؤ‪ .‬تصبح‬
‫ناقليته جيدة بإدخال شوائب كيميائية‬
‫فيه بنسب مدروسة‪ ،‬ويتكون الرتانزستور‬
‫من ثالث مناطق مشوبة‪ ،‬وهو أساس‬
‫الـدارات اإللكرتونية‪ ،‬وعادة يشكل منه‬
‫دارت�ي�ن كهربائيتني ‪ :‬إح��دامه��ا دارة‬
‫مغلقة صغرية املقاومـة يسري فيها تيار‬
‫ضعيف الشدة والكمون واالستطاعة‬
‫(متثل هذه الدارة اجلسد البشـري ذي‬
‫األعضاء احلسية الواعية)‪ ،‬أما الدارة‬
‫الثانية فتكون مقاومتها الهنائية ( الدارة‬
‫مقطوعة) وال يسري فيها تيار (متثل‬
‫العقل الباطن اخلاص أو الال شعور أو‬

‫الالوعي عند اإلنسان)‪ ،‬والذي حيدث‬
‫أن الرتانزيستور يضخم االستطاعة‬
‫والكمون الضعيفان للتيار وملدى كبري‪،‬‬
‫مما جيرب التيار الكهربائي املار يف الدارة‬
‫األوىل (اجلسد) على اجتياز الفجوة‬
‫الفاصلة مع الدارة املفتوحة يف الطرف‬
‫الثاني (العقل الباطن)‪ ،‬أي حيدث إمرار‬
‫قسري للتيار بني الدارتيـن يرافقه قفز‬
‫اإلل��ك�ترون��ات ع�بر ال��ف��ج��وة يف االجتاه‬
‫املعاكس‪ ،‬أي انتشار القطع املعلوماتية‬
‫من العقل الباطن وجتمعها يف خملية املخ‬
‫البشري‪ .‬هي عملية تكامل بني دارتي‬
‫اجلسم وال��روح بداية هذا األمر كانت‬
‫يف تشغيل اإلنسان لفكره وتركيز تفكريه‬
‫يف أم��ر ما يبحث له عن حـل فتعمل‬
‫دارة عقله ال��واع��ي اجل��س��دي املقيدة‬
‫بأعضاء احلس‪ ،‬وتتمكن هذه الدارة من‬
‫فتح العقل الباطن واستجرار املعلومات‬
‫منه‪ ،‬حيث ختضع تلك املعلومات لعملية‬
‫تضخيم وإظهارهـا كصورة حدسية يف‬
‫خميلة الشخص ملبية ما كان يطلب‪.‬‬
‫جسيم امسه البيون ‪:‬‬
‫مثال آخ��ر على الرتابط بني العقل‬
‫الواعي والعقل الباطن هو جسيم البيون‬
‫‪ ..‬أحياناً يعاني هذا اجلسيم يف بعض‬
‫احلاالت انشطاراً كلياً إىل فوتونني‪ ،‬ال‬
‫يلبثا أن يتحركا بسرعة الضوء لكن‬
‫يف اجت��اه�ين م��ت��ع��اك��س�ين‪ ،‬م��ع دوران‬
‫كل منهما ح��ول نفسه باجتاه يعاكس‬
‫اآلخ��ر بنفس الوقت‪ .‬والشيء الغريب‬
‫أنه إذا أثرنا على أحدمها مبؤثر حقل‬
‫مغناطيسي مثالً وأدى الحنرافه‪ ،‬فإن‬
‫الفوتون اآلخ��ر ينحرف تلقائياً‬
‫بنفس اللحظة لكن جبهة مناظرة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫إن املادة اليت‬
‫ي�ترك��ب منها‬
‫ا لرت ا نز ستو ر‬
‫ه����و عنصر‬
‫السيليسيوم‬
‫امل��أخ��وذ من‬
‫الرمل (احلجر‬
‫املتكلم)‪ ،‬وهو‬
‫عنصر نصف‬
‫ن��اق��ل رباعي‬
‫ال���ت���ك���اف���ؤ‪.‬‬
‫تصبح ناقليته‬
‫جيدة بإدخال‬
‫ش������وائ������ب‬
‫كيميا ئيــــــــة‬
‫ف��ي��ه بنسب‬
‫مدروسة ‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫لألول‪ ،‬مما يدل على وجـود ترابط خفيٌّ بينهما‬
‫حتى لو كان أحدمها يف أول الكون واآلخر يف‬
‫هنايته‪ ،‬وكذلك األمر من أجل املادة وضدها ‪..‬‬
‫إذن يغمر الكون عقل كوني شامل يربط مجيع‬
‫أرجائه بصرامة ناعمة من بدايته إىل هنايته‪.‬‬
‫كذلك األمر بالنسبة للعالقة بني الوعي والال‬
‫وعي عند اإلنسان‪ ،‬فكل منهما يؤثر يف اآلخر‬
‫وع��ن بعد أل هنما يعمالن ع�بر وح���دة وجود‬
‫متكامل‪.‬‬
‫ص��ور اخل��ي��ال العلمي ه��ي ص��ور حدسية‬
‫خيالية تنبثق يف القشرة املخية ينسجها احلس‬
‫العلمي من حمتويات العقل الباطن بالفكر‪،‬‬
‫وذلك من نيوكليدات معلوماتية سبق ختزينها‬
‫يف العقل الباطن اخلاص ونتيجتها إبداعات‬
‫خالقة واخرتاعات ‪ .....‬هي صور انبثقت يف‬
‫خميلة آرمخيدس ونيوتن واينشتاين وماكسويل‬
‫وهرتـز وأدي��س��ون وماركوني وآخ���رون‪ .‬فأتى‬

‫‪24‬‬

‫معها إب��داع واخ�تراع��ات صنعت حضارة‪ ،‬وما‬
‫نراه اليوم من اخرتاعات ووسائل رفاهية ما هو‬
‫إال نتاج حدس اخليال العلمي الذي راود أحالم‬
‫هؤالء األقدمني‪ ،‬فهم قدموا للبشرية ما تسنـى‬
‫ملخيلتهم أن تبث‪ .‬وبالتايل حنن جنين فوائد ما‬
‫ارتسم يف خميالت ه��ؤالء العظماء من صور‬
‫إبداعية انبثقت من عقلهم الباطن‪.‬‬
‫اهلدف خيال علمي طوباوي ‪:‬‬
‫على كاتب اخليال العلمي املعاصر أن يوجه‬
‫اهتمامه ويكرس فكره وخميلته على استجـرار‬
‫املعلومات اليت يُنتِجَ منها خياالً إنسانياً طوباوياً‬
‫سامياً وليس خياالً كابوسياً كارثياً كما يفعل‬
‫كثري من صانعي أف�لام الرعب السينمائية‪،‬‬
‫ال��ذي��ن اب��ت��ع��دوا ك��ث�يراً ع��ن مثالية وشفافية‬
‫اخليـال العلمي الراقي‪ ،‬إذ كثرياً ما نستشف‬
‫من أعماهلم وجود أهداف غايات خفية خطرة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫تتضمـن فكراً سادياً يعمل على متزيق النفس‬
‫البشرية وتشويه العقل وزرع الرعب يف الروع‬
‫لينتهي ذلك باالحنراف والشذوذ أو اجلنون‬
‫خاصة عند األطفال‪.‬‬
‫احلاضر هو مسرح ديناميكي تفاعلي لصور‬
‫خيالية انبثقت يف أدم��غ��ة سابقينا‪ ،‬وعلماء‬
‫عصرنا يرتمجون تلك الصور بشكل نظم مادية‬
‫جمسمة ثالثية األبعاد‪ ،‬أو نظم معنوية أدبية‬
‫لغوية أو لوحات فنية ملونة‪ ،‬وحنن نتعامل مع‬
‫تلك النظم لتحقق لنا سعادة ورفـاه‪.‬‬
‫املستقبل هو أيضاً مسرح ديناميكي لصور‬
‫خيالية ترتسم حالياً يف خميلة بعض البشر‬
‫وخالل أزمنة الحقة سوف ترتجم تلك الصور‬
‫اخليالية اليت شغلت يف يوم من األي��ام حيزاً‬
‫من أذهان العظماء إىل إبداعات واخرتاعات‪،‬‬
‫املبدعون وامل��خ�ترع��ون ه��م مسافرون زادهم‬
‫اخليال والعلم والفن‪.‬‬
‫يف الثالث عشر من شهر ديسمرب عام ‪1913‬‬
‫إتُ ِهم شاب يدعى ( دي فورست ) باالحتيال‬
‫على بعض املمولني املستثمرين حني عرض‬
‫عليهم ما يشبه كرةً زجاجي ًة يتدىل من داخلها‬
‫بعض األس�لاك‪ ،‬مدعياً هلم بأن هذا اجلهاز‬
‫س��وف ينجح يف نقل ال��ص��وت ال��ب��ش��ري عرب‬
‫احمليط األطلسي‪ .‬وأث��ن��اء احملاكمة ن��ال هذا‬
‫ال��ش��اب س��ي�لاً م��ن التهم والتقريع والتوبيخ‬
‫باعتبار أن هذا اجلهاز الذي اخرتعه ليس سوى‬
‫غباءً وخبالً‪ ،‬لكن ثبت مع األيام أن تلك الكرة‬
‫الزجاجية مل تكن س��وى أنبوبة ( األودي���ون)‬
‫اليت ثبت أهنا أعظم اخرتاع يف القرن العشرين‬
‫وإحدى أعظم االبتكارات املذهلة اليت ابتدعها‬
‫العقل البشري ‪ ..‬وأن تلك األنبوبة ما هي إال‬
‫مصبـاح عالء الدين السحري يف هذا العصر‪،‬‬
‫ألنه على أساس تلك األنبوبة الزجاجة قامت‬
‫العلوم التقنيـة اإللكرتونية الحقا‪ .‬كل هذا بدأ‬
‫خياالً علمياً يف فكر دي فورست‪.‬‬

‫كان هذا املبدع كثري الشرود يسرح بفكره‬
‫بعيداً يف عوامل شفافة ‪ ..‬حيلم بوسيلة حتقق‬
‫لـه اتصاالً ال سلكياً ( بدون أسالك هاتفية ) عرب‬
‫احمليط األطلسي‪ ،‬فكان أن صمم هذه األنبوبة‬
‫ب��اس��ت��دراج ش��ع��وري وال ش��ع��وري للمعلومات‬
‫املالئمة الكامنة يف عقله الباطن واملغروسة يف‬
‫أعماق ذاكرته البعيدة منذ األزل لصورة تلك‬
‫األنبوبة‪ ،‬هي موجودة فعالً يف عقله الباطـن‬
‫وح��ان زم��ن انبثاقها الفكري وامل���ادي طبقاً‬
‫إليقاعات مسرية القدر املرسوم‪ ،‬أي أتى زمـن‬
‫اكتشافها‪ ،‬فقام تفكريه العلمي باستخالص‬
‫قطعها املعلوماتية املتناثرة يف أعماق الذاكـرة‬
‫العميقة ودجمها شعورياً وال شعورياً ناسجاً‬
‫منها صورة أنبوبة زجاجية محلت للبشرية خرياً‬
‫كثرياً‪ .‬فالرتكيز الفكري واإلحلاح النفسي عرب‬
‫البعدين الزماني واملكاني‪ ،‬جعال العقل الباطن‬
‫يدمج اخلربات العلمية واملعرفية املتواجدة يف‬
‫الذاكرة وأن ي��زاوج بينها منجزاً بذلك رمسـاً‬
‫خيالياً جلهاز مل يسبق للبشرية أن رأت��ه من‬
‫قبل‪ .‬و ّلدته أحرف معلوماتية متناثرة غارقة‬
‫يف ل��ب امل���رء وعقله‪ ،‬وأت���ت ص��ورت��ه م��ن الال‬
‫مكان وظهرت على شاشة سحرية ممتدة يف‬
‫خميلة املرء بدون حدود‪ ،‬هي ال هنائية االتساع‬
‫كالسماء وعميقة كالبحار ‪..‬‬
‫تقتحم صور اخليال العلمي أسوار العقل من‬
‫غري استئذان‪ ،‬يف رسائلها كشف وتنبؤ وإهلام‬
‫ووحي‪ ،‬وأنباء ما جرى وما جيري وما سيجري‪،‬‬
‫خيال جامح جريء جعل اإلنسان كائناً راقياً‬
‫ثالثي األبعاد يف الزمان ‪ ..‬املاضي‪ ..‬احلاضر‬
‫‪ ..‬املستقبل‪ .‬أنبتت فيه خصلة اإلبداع اخلالق‬
‫ٌ‬
‫أودعها اخلالق يف صدر إنسان‪..‬‬
‫خيال أتت‬
‫صوره من غيب سبق ظهور اإلنسان يف الكون‪.‬‬
‫يقول الدكتور فاروق الباز ‪:‬‬
‫«العلماء الناجحون هم الذين يتمتعون‬
‫خبيال خصب‪ ،‬ألن العالِم احملدود اخليال‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪25‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫س��وف يتدرب على ش��يء ال يستطيع‬
‫اخلروج منه أو تطويره أو إبداع شيء‬
‫جديـد» وحنن نضيف ونقول ‪:‬‬
‫«إن العالِم احملدود اخليال ال سعادة‬
‫ترجى منه وال حضارة «‬

‫يف اخل���ي���ال‬
‫كشف حجب‬
‫وف�����ك ُعقد‬
‫وإجياد حلول‬
‫وملعان أفكار‬
‫م����ب����دع����ة‪.‬‬
‫واإلن�����س�����ان‬
‫موجود طاملا‬
‫ان���ه يتخيل‬
‫ففي اخليال‬
‫حتقيق الذات‬
‫وانتصار على‬
‫عجز النفس‪.‬‬
‫‪26‬‬

‫املعلوماتية ويبدأ بانتقاء املناسب منها‬
‫ودجم��ه��ـ��ا وق��رهن��ا م��ع م��ا ه��و موجود‬
‫مسبقاً يف فكر املرء من علوم ومعارف‬
‫وخربات جاهزة حصـل عليها صاحبها‬
‫مسبقاً بالدراسة والبحث خالل حياته‬
‫اليومية‪ ،‬وعندما تصبح الصورة كاملـة‬
‫يبثها العقل الباطن يف خميلة املرء‪،‬‬
‫فتظهر الصورة يف شاشة الفكر كأهنا‬
‫إهلام معجز أتى من السماء‪.‬‬
‫إذن ع��ن ط��ري��ق التفكري والتخيل‬
‫وإع��م��ال الفكر ال��ب��ش��ري واستدعاء‬
‫السمات النيوكليدية العلمية املختزنة‬
‫يف لبه ‪ ..‬يستطيع اإلنسان حتريض‬
‫ال�لا شعور لديه ومحله على إطالق‬
‫مكنوناته‪ ،‬ومعاجلتها مع جممل العلوم‬
‫يف الفكر ليكون ف��ك��رة أو ص���ورة أو‬
‫خمططاً‪ ،‬وفجأة وعلى حني غرة وعلى‬
‫غري املتوقع يبث العقل الباطن ما أجنزه‬
‫من صور وأفكار وخمططات يف فضاء‬
‫خميلة امل��رء فرتتسم فيها ص��وراً أتت‬
‫من الطرف الغييب الغامض من النفس‬
‫البشرية‪ .‬حاملة معها حلوالً مل تكن‬
‫متوقعة ملسائل بدت كئيبة مستحيلة‪.‬‬
‫وهكذا تتدفق األفكار والصور غزيرة‬
‫يف خميلة املرء ‪ ..‬كل ذلك صنعه العقل‬
‫الباطن اخل��اص بطريقة االستجرار‬
‫والتحريض والدمج والتداعي الفكري‬
‫منها الشعوري ومنها الال شعوري‪.‬‬
‫ك��ل ذل��ك ب��دأ ب����اإلرادة والتصميم‬
‫والعلم املسبق ‪ ..‬فال خيال علمي بدون‬
‫أساس علمي‪.‬‬

‫آلية اخليال العلمي ومبدؤه ‪:‬‬
‫«اخليال العلمي هو تصميم فكري‬
‫ت��ص��وي��ري إرادي ال��ب��داي��ة وال إرادي‬
‫ال��ن��ه��اي��ة‪ ،‬يتجلى فـي املخيلة صورة‬
‫ومهية ملا سيصنعه اإلنسان يف غدِه‪،‬‬
‫وأحـالم األمس هي واقع الغـد» يعتمد‬
‫مبدأ اخليال العلمي على رغبة اإلنسان‬
‫يف إجناز شيء ال وجود له قبالً‪ .‬وتُحَدد‬
‫قيمته مبقدار ما حيقق لإلنسان من‬
‫سعادة ورفاه‬
‫تتخذ آليته األسلوب التايل ‪:‬‬
‫اس��ت��ذك��ار ك��ل م��ا ل���دى امل���رء من‬
‫معلومات وقوانني ومعارف ودراسات‬
‫مسبقة مت��س ه��ذا امل��وض��وع وتتعلق‬
‫ب��ه لكي ت��دع��م العقل الباطن وتثريه‬
‫يف االجت����اه ال��ص��ح��ي��ح وت��س��اع��ده يف‬
‫عملية دمج املعلومات‪ .‬وأن يبدي إرادة‬
‫وتصميم فكري موجهاً حنو هذا األمر‪،‬‬
‫أي يشغل بالـه و يركز تفكريه وخياله‬
‫دوم���اً هب��ذا األم���ر‪ ،‬كما جي��ب عله أن‬
‫ال يشغل فكره بأمور جانبية تُضيـِّع‬
‫عليه فرصة الرتكيز واستلهام العقل‬
‫الباطن‪.‬‬
‫هب��ذه اآلل��ي��ة ي��زرع امل��رء يف أعماق‬
‫نفسه (عقله الباطن = ال�لا شعور)‬
‫بطريقة اإلحياء الذاتي بذرة معلوماتية‬
‫( بداءة أو طعم ) تثري هذا العقل وحتثه‬
‫اخل���ي���ال ال��ع��ل��م��ي والشعور‬
‫على فتح خزائنه املغلقة والتعامـل مع النفسي‪:‬‬
‫ما اختزن فيه من األحرف النيوكليدية‬
‫حينما يُ��ف�تَ��ح العقل ال��ب��اط��ن بابه‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وميارس لعبته يف اخليال العلمي ينفتح‬
‫للسعد عشرات األبواب ‪ ..‬فكر راق ‪..‬‬
‫ضمري مرتاح ‪ ..‬قرحية مفتوحة ‪ ..‬قلب‬
‫سعيد ‪ ..‬إهلام شاعري ‪ ..‬إحياء ذكي‬
‫‪ ..‬عامل رضي ‪ ..‬حياة سعيدة مملوءة‬
‫بالسحر واجل��م��ال وال��س��ع��ادة‪ ،‬سعادة‬
‫اإلب��داع واالخ�ت�راع والتقدم والطموح‪،‬‬
‫كل ذلك سببه الصور والرسوم واألفكار‬
‫اليت تتجلى يف ذهن املرء عندما حيرض‬
‫عقله الباطن على العمل يف عامل آخر‬
‫جتاوز قيود الزمان واملكان ‪ ..‬ففي ذلك‬
‫العامل تتحرر نفسية اإلنسان من ضغوط‬
‫احلياة‪ ،‬فيه كل ما يريح املرء باعتباره‬
‫منجماً هاماً لألفكار تتعامل بسهولة مع‬
‫خربات ومعلومات دماغ صاحبها املتمثل‬
‫واملتفهم لقوانني الطبيعة‪.‬‬
‫قبل التاريخ‪ .‬واإلنسان حينها يسعى‬
‫لتحقيق أمانيه ورغباته بيديه العاريتني‬
‫‪ ..‬فاخليال رفيق صديق ميد يد العون‬
‫من عوامل غامض تقع يف الطرف اآلخر‬
‫من النفس البشرية يف نتائجه سعادة‬
‫ورضى وهناء‪ .‬وحتى إشباع الرغبات‬
‫احلسية وتلبية العواطف النبيلة من‬
‫حب وزواج ال تكون ناجحة إن مل يك‬
‫فيها خيال جمنح حيقق أماني سعيدة‬
‫‪ ..‬حييا فيه الزوجان أحالمـاً وردية يف‬
‫عوامل سحرية مضيئة ‪ ..‬فيها قصور‬
‫شاخمة وجياد بيضاء‪.‬‬
‫يف اخليال كشف حجب وفك عُقد‬
‫وإجي���اد حلول ومل��ع��ان أف��ك��ار مبدعة‪.‬‬
‫واإلنسان موجود طاملا انه يتخيل ففي‬
‫اخليال حتقيق ال��ذات وانتصار على‬
‫عجز النفس‪.‬‬
‫حينما ينجز العقل الباطن خياالً‬
‫علمياً ناجحاً تلمع يف الفكر ومضته‪،‬‬

‫حينها تتفجر يف النفس ينابيع السعادة‬
‫والسرور والرضى ‪ ..‬نشوة فرحتها ال‬
‫يسعها فضاء‪ ..‬هي ومضة فيها انتصار‬
‫فرحتها تثلج الصدر وتنعش النفس‪،‬‬
‫فما كان غامضاً خافياً على مداركنا‪،‬‬
‫غ��دا واض��ح�اً جلياً يف خميلتنا بشكل‬
‫صورة مضغوطة انبثقت من هناك ‪....‬‬
‫من عامل اخليال‪ .‬هو عامل ومهي صنعه‬
‫الال شعور الغين باملفردات ‪ ..‬صورته‬
‫اإلبداعية طافية يف فضاء افرتاضي‬
‫ال وج��ود ل��ه‪ .‬وعندما تصل لب امرئ‬
‫يصيح صاحبها وهو يهرول عارياً ‪..‬‬
‫وجدهتا وجدهتا وجدهتـا‬
‫النتيجة ‪:‬‬
‫اخليال العلمي هو نفاذ إىل عامل‬
‫ج��دي��د ومت��دي��د ال��واق��ع إىل ح��ي��ث ال‬
‫ح��دود ‪ ...‬هو ح��دس مسبق تراجعي‬
‫وع��ودة لعلوم زرعها اخلالق قدمياً يف‬
‫الال شعور لدينا‪ ،‬والرتكيز الفكري ما‬
‫هو إال وسيلة لتعزيز موهبة ممارسة‬
‫التخيل‪ ..‬وبالتايل اخليال العلمي ما هو‬
‫إال تغذية راجعة جي��ري فيها تنشيط‬
‫وبعث لطيف مبسط لعلوم غرسها اهلل‬
‫فينا قدمياً‪ ،‬وأنه آن األوان ألن نقـوي‬
‫و نشجع التعامل بتلك القدرات لكي‬
‫نكشف أس���راراً مستقبلية خمبأة يف‬
‫نفوسنا‪.‬‬
‫احلقيقة أهنا ظاهرة اخليال العلمي‬
‫ه��ي ظ��اه��رة م��ع��روف��ة وم��أل��وف��ة لدى‬
‫اإلنسان منذ ظهوره يف هذا الكون ‪..‬‬
‫ورغم أن صورها ومهية تنبثق يف فضاء‬
‫الدماغ‪ ،‬إال أن مجيع حلوهلا واقعية وإذا‬
‫أردن���ا أن ت��ع��رف ج���دوى وف��ائ��دة تلك‬
‫الصور جيب أن ننظر حولنا ‪..‬‬
‫فصورها تراها أعيننا اخرتاعات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫اخل�������ي�������ال‬
‫ال��ع��ل��م��ي هو‬
‫نفاذ إىل عامل‬
‫جديد ومتديد‬
‫ال���واق���ع إىل‬
‫ح������ي������ث ال‬
‫حدود‬
‫‪27‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وإبداعات وإجنازات وتكنولوجيا‪.‬‬
‫اإلنسان هو البطل املختار الوحيد من بني‬
‫كل الكائنات احلية القادر على الوصول إىل‬
‫تلك الصور بالتخيل الفكري سواء كان ذلك عن‬
‫طريق العقل الواعي ( الشعور ) أو عن طريـق‬
‫العقل الباطن الغييب ذي اإلدراك احلدسي (الال‬
‫شعور)‪ ،‬والعقل الباطن يتابع املسرية وينسج من‬
‫كل اخلربات صورة يبحث عنها املرء يف سريرته‬
‫حتقق له قفزة إىل األمام ‪ ..‬قفزة يف املستقبل‪.‬‬
‫لكن هذا ال يتحقق آلياً أو مادياً‪ ،‬بل حيتاج إىل‬
‫هتيئة ودع��م خ�برات خارجية‪ ،‬ثم تركيز فكر‬
‫غين بالعلوم واملعارف واملالحظات‪ ،‬ومع ضبط‬
‫اإلرادة النفسية يغدو للفكر خيال جمنح يسرح‬
‫ع�بر حميطات العقل الباطن فرتتسم صور‬
‫مسطحة يف ك��ون اف�تراض��ي خيالـي ال هنائي‬
‫كما يف األحالم ‪ ...‬سرعان ما يرتمجها املخ يف‬
‫عامل اليقظة عمالً إبداعياً خالقاً ‪ ...‬عندها‬
‫تنبثق يف النفس نشوة النصر بالتفوق والتمايز‬
‫وسعادة ال تنسى‪.‬‬
‫قالوا قدمياً اإلنسان بأصغريه قلبه ولسانه‬
‫‪ ..‬هو كون كامل صغري‪ ،‬قلبه مسرح وعقله واسع‬
‫كالسماء فيه اختزنت كل علوم الكون وأسراره‬
‫‪ ..‬سريورةً وصريورةً‪ ،‬واإلنسان يدرك السريورة‬
‫وحيبها ألهنا حياته‪ ،‬بينما خيشى الصريورة‬
‫لغموض أق��داره��ا‪ ،‬وعليه أن يتعامل معها ‪..‬‬
‫فيلجأ إىل الفكر واألح�لام الستلهام اخليال‬
‫ليستنبط منهما م��ا حيسن ص�ي�رورة األيام‪،‬‬
‫ليحقق لنفسه وملن حوله رفاهية وسعادة ولني‬
‫عيش وحياة أفضل‪.‬‬
‫اجلنني يعيد قصة نشوء الكون‪:‬‬
‫كتب على اجلنني البشري أن يعيد قصة‬
‫نشوء الكون من العدم خالل تسعة أشهر فـي‬
‫بطن أمه‪ .‬ينبثـق اجلنني من نقطة واح��دة يف‬
‫رح��م أم��ه‪ .‬يف تلك ال��ع��وامل الغيبية حييا لب‬

‫‪28‬‬

‫اجل��ن�ين حقائق مطلقة ويكتسب خ�ب�رات ال‬
‫تسجلها ذاكرته ألن مراكزها يف الدماغ مل تكن‬
‫قد تشكلت بعد‪.‬‬
‫بعد ال��والدة يعيش املولود ملدة ثالثة أشهر‬
‫صدمة حادثة الوالدة‪ ،‬وخالل تلك الفرتة خيمد‬
‫نشاط العقل الباطن التصويري‪ ،‬كما ترتاجع‬
‫قدراته احلدسية (اإلدراك‪ ،‬اإلهل��ام‪ ،‬التنبـؤ‪،‬‬
‫اإلحياء‪ ،‬واالتصال بالعوامل املطلقة الفوقية)‪.‬‬
‫لكن بنفس اللحظة يُفتَح ملف عقله الواعي‬
‫احل��س��ي ال��غ��رائ��زي‪ ،‬وت��ب��دأ ح��واس��ه بالتطور‬
‫والنمو وغرائزه وشهواته بالظهور‪ .‬مع انعـدام‬
‫كامل للخيال عنده‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫عندما يكرب الطفل يشعر بضعف حيلته أمام‬
‫متطلبات احلياة‪ ،‬ويشعر بعجزه يف تلبية أي من‬
‫مستلزماهتا‪ ،‬فيلجأ إىل أحالم اليقظة فيجدها‬
‫م�ل�اذاً حي��وي ك��ل املعاني ال�تي ت��ري��ح النفـس‬
‫وتطمئن القلب‪ ،‬وي��س��رح خبياله يف عواملها‬
‫الومهية فيجد فيها صوراً تليب كل احتياجاته‬
‫و أمنياته‪ ،‬وحي��اول استجرارها لعامل الواقع‬
‫عله حيقق معجزة يتفوق هبا على أقرانه حتقق‬
‫له متايزاً تطرب هلا نفسه‪ ،‬لكنه سرعان ما‬
‫ينكفئ الطفل على نفسه ويعود لعامل احلقيقة‬
‫جين من أحالم يقظته شيئاً‬
‫ِ‬
‫املؤمل ‪ ..‬فهو مل‬
‫ً‬
‫سوى األمل واحلسرة ‪ ..‬وحصاده هشيما ألنه‬

‫مل يتقـن قوانني الطبيعة الفيزيائية من حوله‬
‫بعد‪ .‬لكن عندما يغدو املرء مثقفاً يتفهم تلك‬
‫القوانني و يتمثلها وواجهته مشكلة ما فيكفيه‬
‫أن يلجأ لفكره وخياله وأن يبحث يف أعماق ذاته‬
‫عن حل أو اخرتاع يناسبها ‪ ..‬فإذا بعقله الباطن‬
‫يبعث نشطاً ويقوم بعمله ويرسم يف خميلة‬
‫صاحبـه ح�لاً شافياً ملسألته‪ ،‬لذلك ما فتئ‬
‫اإلنسان منذ أن خلقه اهلل يلجأ لفكره وخياله‬
‫ليفتح خزائن عقله الباطن وينهل منـه ما سوف‬
‫يسعده‪ .‬فالعقل الباطن ال يفتحه إال إرادة وخيال‬
‫وتصميم‪ .‬هي رواي��ة ال بد لإلنسان أن‬
‫حيياها ‪ ..‬رواي��ة مادهتا إنسان وعلمه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪29‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ن����ق����ول أن‬
‫اإلن������س������ان‬
‫رمب��ا ال يرى‬
‫ك�����ل ش����يء‬
‫بعينيه لكن‬
‫ل��دي��ه بصرية‬
‫وح������������دس‬
‫وإدراك‪ ،‬وعن‬
‫ط���ري���ق ه��ذا‬
‫القدرات ميكن‬
‫ل�لإن��س��ان أن‬
‫ي������رى تلك‬
‫ال������ع������وامل‬
‫االف�ت�راض���ي���ة‬
‫خبياله‬
‫‪30‬‬

‫وعقله وبصريته وخياله‪.‬‬
‫قالوا يف اخليال العلمي ‪:‬‬
‫ه��و م���رآة العقل وب��واب��ة اإلب���داع‬
‫العلمي‪ ،‬فما من ابتكار أو اخ�تراع إال‬
‫ك��ان نتيجة خيال علمي ناضج‪ ،‬فيه‬
‫استنهاض ملا غرسه اهلل يف ألبابنا‬
‫م��ن علوم ق��دمي �اً‪ ،‬وه��و يسبق العلم‬
‫وأهم من املعرفة وحياة البشر ما هي‬
‫إال خيال فكري‪ .‬فيه تنبؤ ألن العقل‬
‫الباطن يتبع خطوط القـدر‬
‫وام��ت��داداهت��ا ح�ين ي��ع��م��ل‪ ،‬فيأتي‬
‫بصور ما ورائية للمنجزات اليت حان‬
‫وقت ظهورها‪.‬‬
‫هذا هو الفرق بني اإلنسان واحليوان‬
‫‪ ..‬فاحليوان ال حيلم ولضعف خياله‬
‫فإنه ينسى وليده إذ غاب عن نظره‪،‬‬
‫وجيهله متاماً إذا طالت فرتة الغياب‬
‫‪ ..‬فاحليوان ال فكر له وال خيال وال‬
‫ذاكرة‬
‫أين تلك العوامل ؟‬
‫رب ق��ائ��ل ي��ق��ول ‪ :‬ل��ك��ن أي���ن تلك‬
‫العوامل ؟ عامل العقل الباطن وعامل‬
‫العقل الواعـي ؟‬
‫نقول أن اإلنسان رمبا ال يرى كل‬
‫شيء بعينيه لكن لديه بصرية وحدس‬
‫وإدراك‪ ،‬وع��ن طريق ه��ذا القدرات‬
‫ميكن لإلنسان أن ي��رى تلك العوامل‬
‫االفرتاضية خبياله‪ ،‬ومثال على ذلك‬
‫يف ع��ل��م ال��ري��اض��ي��ات ت��وج��د جذور‬
‫موجبة وأخرى سالبة لألعداد‪ ،‬اجلذر‬
‫املوجب يقع يف كوننا واجلذر السالب‬
‫يقع فيما وراء خلف امل���ادة‪ ،‬وكذلك‬
‫األمر مربع الزمن له جذران ‪ ..‬السالب‬
‫منهمـا حتماً ال يقع يف كوننا‪ ،‬وإمنا هو‬

‫قابع فيما وراء املادة‪ ،‬ومع ذلك علماء‬
‫الرياضيات قادرون على تفسريه وجلبه‬
‫ص��اغ��راً إىل كوننا باخليال العلمي‬
‫والتفكري واستغالله يف معادالهتم ‪...‬‬
‫تلك اجلذور السالبة تعمل يف الساحة‬
‫العقدية يف علم الرياضيات ‪ ....‬هي‬
‫ساحة قائمة على ع��وامل خيالية ال‬
‫ميكن لإلنسان دخوهلا أو السفر إليها‬
‫إال بالفكر واخليال‪.‬‬
‫يف اخليال نقاء ومثالية وأناقة ال‬
‫شوائب فيه وال شقاء وال إرهاق‪ ،‬فيه‬
‫جمتمع اليوتوبيـا الراقي الفنون العاملية‬
‫وقصصها وأساطريها استقت أفكارها‬
‫من املثيولوجيا واألس��اط�ير القدمية‬
‫واليت هي بدورها نتاج اخليال اخليال‬
‫العلمي احلقيقي بـدأ يف أوروبا بعدما‬
‫انتشرت املعارف العلمية بني اجلميع‬
‫وكل اخرتاع كان يفتح عامل خيال أكثر‬
‫وي��ث�ير ح��ق��ول خ��ي��ال ج��دي��دة‪ ،‬فيقفز‬
‫الفكر أكثر فوق حواجـز الزمن ملعرفة‬
‫املستقبل ورؤي���ة امل��اض��ي‪ ،‬فيه جرأة‬
‫وتقحُّمٌ على املستقبل واستشرافه أي‬
‫فيه اقرتاب من املستقبل ورمبا اخرتاقه‬
‫وجت��اوزه‪ ،‬وكل آلـة اخرتعتها البشرية‬
‫ب��دأت يف خيال شخص‪ .‬وم��ا نعيشه‬
‫حنن اليوم من سعادة وتقدم اخرتاعاته‬
‫كانت أحالماً وخياالً عند األقدمني ‪،‬‬
‫كما قالوا يف اخليال العلمي ‪:‬‬
‫ال���ذاك���رة ه��ي وع���ي يف املاضي‪،‬‬
‫واإلدراك ه���و وع���ي يف احلاضر‪،‬‬
‫بينما اخليال هو وعي يف املستقبل‪.‬‬
‫ونتساءل؟‬
‫ترى هل حلم الفراعنة باهلندسة‬
‫اجلينية عندما حنتوا متثال أبو اهلول‬
‫أو ختيلوا وج��ود كائنات جتمع بني‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫صفات البشر وأخرى صفات حيوانية‪.‬‬
‫خ��اص��ة أن ع��ل��وم ع��ص��رن��ا احلديث‬
‫توصلـت لعلوم بيولوجية خطرية تعتمد‬
‫اهلندسة الوراثية‪ .‬حيث صار باإلمكان‬
‫مثالً دمج ( د ن أ ) لذئب مع ( د ن أ )‬
‫إلنسان وحنصل على ما كان املصريون‬
‫يرمسون على جدر معابدهـم من بشر‬
‫هلم رؤوس حيوانات ‪ ..‬كرأس ذئب أو‬
‫نسر أو أفعى الكوبرا ‪ ..‬الـخ‪.‬‬
‫اخل��ي��ال العلمي ه��و االب��ن‬
‫ال��ش��رع��ي لعصر ال��ع��ل��م ال��ذي‬
‫نعيشه‪.‬‬
‫إذن ألف ليلة وليلة حقيقية ‪:‬‬
‫أل��ف ليلة وليلة مب��ا تتضمنه من‬
‫قصص خيالية مثل حكايات اجلن‬
‫والعفاريت واحلصان الطائر وبساط‬
‫ال��ري��ح وال���ك���رة ال��زج��اج��ي��ة وطاقية‬
‫اإلخفاء واملصباح السحري واجلبال‬
‫املغناطيسية‪ ،‬و كيميائيات السموم‬
‫أو يف جلب احل��ب أو الكره أو املوت‬
‫ال��ظ��اه��ري وس��ح��ر اإلن��س��ان حيـوان‬
‫أو بالعكس‪ ،‬ودخ���ول أع��م��اق البحار‬
‫والعيش فيها والتنفس داخلها‪ ،‬ما هي‬
‫إال كشوف أذن اهلل أن تُكتَشف ففتح‬
‫أعني وعقول أصحاهبا على ساحات‬
‫اخليال لعقلهم الباطن فرأت أعينهم‬
‫فيه ما نتمتع به حنن اليوم‪.‬‬
‫اخل����ي����ال ال���ع���ل���م���ي ه����و ه����روب‬
‫للمستقبل‪ ،‬وه��و ليس جم��رد ترف‬
‫أو هل��و عقلي أو س��رح��ان ف��ك��ري يف‬
‫اجملهول‪ ،‬أو جمرد شطحات فكرية أو‬
‫أحالم وردية ملستقبل مجيل ‪ ..‬إمنا هو‬
‫إحساس باحلقيقة وقدرة على الرؤية‬
‫الصحيحة للمستقبل انطالقا من فهم‬

‫عميق للقوانني الطبيعيـة‪.‬‬
‫واإلنسان هو املخلوق الوحيد الذي‬
‫لديه اخليال والقدرة على تصور ما‬
‫ال يوجد حقيقـة ألن له عقل يقهر به‬
‫الزمان واملكان‪.‬‬
‫األورب��ي��ون عامة وال���روس خاصة‬
‫بالدهم بيضاء يرتسم العقل الباطن‬
‫لدى الكثريين منهم على تلك اخللفية‬
‫البيضاء‪ ،‬لعلهم هبذا يكونوا أكثر الناس‬
‫قدرة على التخيل العلمي كذلك األمر‬
‫من أجل اإلنسان العربـي الذي عاش‬
‫يف ال��ص��ح��راء ك��ان��ت أح�لام��ه كثرية‬
‫وعقله الباطن متحـرر‪ ،‬فأتى خياله‬
‫أدب��ي فكان شاعراً بالفطرة‪ ،‬لكن ال‬
‫خيال علمي لديه ألنه يستهلك أكثر‬
‫مما يصنع أو ينتج‪ ،‬وه��و مل ميارس‬
‫الصناعة بشكلها التقين احلديث‪ .‬وك‬
‫ما حيتاجه جيده جهزاً أمامه اخليال‬
‫ال��ع��ل��م��ي جي��ر ال��ع��ل��وم إىل االخ��ت�راع‬
‫واإلبداع ‪ ..‬هو حلم حيلم به اإلنسان‬
‫للسيطرة علـى الطبيعة‪ ،‬ففيه طموح‬
‫وحتقيق للذات يف هذا الوجود‪ ،‬وتكمن‬
‫أمهيته يف إمكانية حتويل هذا اخليال‬
‫إىل حقيقة مفيدة‪.‬‬
‫قال اينشتاين ‪:‬‬
‫ياإهلي إننا حنيا يف عامل رائع من‬
‫األمواج‪ ،‬واخليال أهم من املعرفة الن‬
‫املعرفة اخلالقة هي مثرة التخيل‪.‬‬
‫اخلتام أنا أختيل أنا موجود واخليال‬
‫العلمي االجي��اب��ي هو ال��ذي ينضبط‬
‫فعال وي��ن��ض��وي حت��ت ل���واء القواعد‬
‫العلمية الصحيحة‪ ،‬ج��دي��د فالعلم‬
‫الصحيح هو الذي يثري اخليال العلمي‬
‫الصحيح والغزير ‪ ...‬وما اخرتاعاتنا‬
‫إال حماكاة خليالنا العلمي‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ت��������رى ه��ل‬
‫حلم الفراعنة‬
‫ب��اهل��ن��دس��ة‬
‫اجلينية عندما‬
‫حنتوا متثال‬
‫أب�����و اهل����ول‬
‫أو ختيلوا‬
‫وجود كائنات‬
‫جت���م���ع بني‬
‫صفات البشر‬
‫وأخرى صفات‬
‫حيوانية‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أدب الخيال العلمي‬

‫بين النقد األدبي و النقد الثقافي‬
‫د‪ .‬أمحد علي حممّد‬

‫املقتضب ً‬
‫ُ‬
‫مجلة من التحوالت الفكرية اليت غدا ُ‬
‫ُ‬
‫أدب‬
‫املبحث‬
‫يستعرض هذا‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫اخليال العلمي مبوجبها نسقا ثقافيا ‪ ،‬بعد أن واجه رفضا يف أوساط ال ّنقد‬
‫األدبي التقليدي سواء أكان ذلك يف اآلداب العاملية أم يف األدب العربي ‪ ،‬ومن‬
‫َ‬
‫تأصيل هذا الضرب‬
‫ثم ميعن ال ّنظر يف املمارسة النقدية الثقافية اجلديدة وهي حتاول‬
‫التأليفي املهم لتضعه ضمن األنساق املعرفية الضرورية لالرتقاء بثقافة اجملتمع لتغدو‬
‫متناغمة مع الكشوفات العلمية واملخرتعات التقنية ‪ ،‬معربة عن التحول احلداثي العلمي‬
‫َ‬
‫األساليب الفنية التقليدية اليت سلكتها‬
‫حد كبري‬
‫يف ثقافة اجملتمعات بصيغ تتجاوز إىل ٍّ‬
‫اآلداب مبعناها العام و َْف َق مقرتحات َّ‬
‫ُ‬
‫النقد األدبي املعروف‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪1‬ـ م ّثلت مرحل ُة نشوء أدب اخليال العلمي‬
‫فجــوةً يف النّقد األدبي‪ ،‬مل يستطع منذ البدء‬
‫استيعابَها‪ ،‬وم��ن ثم مل يَسْعَ إىل توظيفها يف‬
‫تطوير موضوعه وتنويع مادته‪ ،‬وما إنْ انتهى‬
‫القرنُ التاسع عشر الذي يعدُّه بعضُ الباحثني‬
‫ال �زّم �نَ ال��ذي متخض عنه ه��ذا ال �لّ��ونُ األدبي‬
‫املتفرد أعين أدبَ اخليال العلمي العاملي‪ ،‬حتّى‬
‫ب��رزت م��وض��وع��اتٌ جديـدة وأن��س��اق معرفية‬
‫ح��داث��ي��ـ��ة أخ����ذت ت��ق �رُّ وت�ت�رس���خُ يف الثقافة‬
‫االجتماعية اجلديدة كأدب اخليال السياسي‬
‫وأدب الظواهر اخلفية وغريمها‪ ،‬مما هيأ هلا‬
‫مساحاتٍ متزايدةً من االهتمام املعاصر‪ ،‬ووعى‬
‫النّقد يف أثنـاء القرن العشرين أنَّ احلداثة‬
‫النّقدية اليت غرست أفكارَها يف ضروب األدب‬
‫التقليدي‪ ،‬مُمَ ّثل َ ًة ب��االجت��اه البنيوي بفرعيه‬
‫الشكالني والتكويين ال��ذي مَتَحَ من النّظرية‬
‫ال ُّلغوية اليت جاء هبا السوسرييُ دوسوسري مل‬
‫تقطع كام َل م��راح� ِل احل��داث��ة ال�تي احنصرت‬
‫بصورة مركزةٍ يف جتن ِّب املعرفة الرتاثية‪ ،‬ومن ثَمَّ‬
‫تأسيس معرفةٍ عصرية متتصُّ بعضَ رحيقها‬
‫من العلم احل��دي��ث‪ ،‬ثم تبثه يف ال ُّلغة للتعبريِ‬
‫عن الفكر اجلديد والعامل اجلديد من خالل‬
‫الرتكيز على األنساق ال ُّلغوية يف اآلداب عام ًة‪،‬‬
‫وملّا انتقل النّقدُ األدبي إىل ما يسمى مبرحلة‬
‫ما بعد احلداثة أو التفكيك جاء ذلك مع ظهور‬
‫فكرة النَّحوية بطريق دريدا‪ ،‬وهي فكرة يزعم‬
‫أصحابُها أ َّنها جاءت يف مصلحة دراسةِ حداثيةِ‬
‫ال ُّلغة أيضاً‪ ،‬مستفدين من فكرة الرتاكم املعريف‬
‫ومن النتائج الباهرة اليت حصلّها العلمُ احلديث‪،‬‬
‫مبعنى آخر إنَّ احلداثة النّقدية كانت تسعى وال‬
‫تزا ُل إىل مضاهاة العلم احلديث‪ ،‬أو على األقل‬
‫ال تزال حتاول االنتماءَ إىل احلضارة العلمية‬
‫احلديثة بطريق حتديثِ وسائ ِل البحث األدبي‪.‬‬
‫بَ�يْ�دَ أنَّ سعيَ النّقد األدب���ي احلثيثَ إىل‬
‫حتديث وسائله را َغ عن بعض مقاصده احلداثية‬

‫حني أسقط من حسابه املضامنيَ احلديث َة اليت‬
‫جاء هبا أدبُ اخليال العلمي‪ ،‬إذ االنصرافُ إىل‬
‫التحديث ا ّللغوي واألسلوبي يف األدب التقليدي‬
‫مل حيققْ كام َل الغايات من احلداثة‪ ،‬ألنّ األدب‬
‫بوسائله الفنية املستحدثةِ مل يستطع مضاهاةَ‬
‫العل ِم‪ ،‬وهذا هو السببُ الكامن وراء تعثر النّقد‬
‫احلداثي يف قطعِهِ كام َل مراحلهِ التجريبيةِ إىل‬
‫اآلن‪ ،‬إ ْذ مل يطمئن إىل صيغة واضحة للحداثة‬
‫النقدية‪ ،‬لذلك ال ي��زال ال��ب��ابُ مفتوحاً على‬
‫مقرتحات جديدة كثرية‪ ،‬وعلى مناهج متنوعة‬
‫تفضي إىل الغاية احلداثية اليت يسعى إليها‬
‫النّقد األدبي‪ ،‬وصار من احملال طاملا أ ّنه يرفض‬
‫األش��ك��ال واملضامني اجل��دي��دة أن ينفتح على‬
‫حداثة العلم الذي يصـدمُ العقلي َة النّقدي َة ِّ‬
‫بكل‬
‫جديدٍ على الدوام‪ ،‬ال بل إنّ األمرَ أخطر من ذلك‬
‫ك ِّله‪ ،‬والسيما حني بدأت أصوات جديدة تدعو‬
‫يف القرن العشرين إىل جتاوز النّقد األدبي‪ ،‬ومن‬
‫ثم إعالن موته لقصوره عن استيعاب املضامني‬
‫اجلديدة لثقافة اجملتمعات املتطورة‪ ،‬وال تزال‬
‫تلكُ األص���وات فاعلهً فيما اعتقد والسيما‬
‫مطالبتها يف استبدال النّقد ال ّثقايف بالنّقد‬
‫األدبي‪.‬‬
‫‪2‬ـ ك��ان النّقدُ األدب��ي يف الغرب قد أدخل‬
‫نفسه يف سجا ٍل فكري مع األدب الوليد املسمى‬
‫ب���أدب اخل��ي��ال العلمي‪ ،‬وك���ان ذل��ك األدبُ ال‬
‫يزا ُل يف مرحلة املخاض‪ ،‬أعين ما يسمى اليوم‬
‫بكالسيكيات أدب اخليال العلمي اليت ظهرت‬
‫م��ع ك��ت��اب��ات ج��ول ف���ي���رن(‪1828‬ـ‪ 1905‬م) يف‬
‫فرنسا و هربرت جورج ولز (‪1866‬ـ‪ 1946‬م) يف‬
‫بريطانيا‪ ،‬وقد أشار روالن الكورب كما يعرض‬
‫حممود قاسم إىل أنّ أدبَ اخليا ِل العلمي ‪ »:‬كان‬
‫دائماً نوعاً ملعوناً‪َّ ،‬‬
‫ظل من ُذ نشأتهِ حمبوساً‬
‫داخ��ل جيتو من التجاهل واالحتقار مما قد‬
‫يوحي بأ ّنه أسلوبُ فك ٍر يهدفُ إىل تغيري‬
‫العادات والتقاليد بشكل راديكايل‪ ،‬وهو‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪33‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بالنسبة للجمهور جم���ردُ ن���و ٍع ت��اب��ع أو بدي ٍل‬
‫للقصة الشعبية احلديثة‪ ،‬واملخصص لبعض‬
‫املتحمسني الذين ال يفكرون كاآلخرين أل ّنهم‬
‫إما أكثر سذاج ًة أو أكثر ادع��اءً» (‪ .)1‬وواضح‬
‫ِ‬
‫أنّ الكورب يف تفسريه سببَ‬
‫إعراض النّقاد عن‬
‫هذا اللّون التأليفي واج�هَ مشكل ًة يف تصنيف‬
‫أدب اخليال العلمـي‪ ،‬مع أ ّنه أحدُ املهتمني هبذا‬
‫الفنّ‪ ،‬فلم جيدْ حميصاً من إدراجه ضمن سياق‬
‫األشكال األدبية املعروفة‪ ،‬فذكر أ ّنه كان بديالً‬
‫للقصة الشعبية‪ ،‬ثم إ ّنه بعد ذلك جعله مُختصاً‬
‫مبخاطبة بعض املتحمسني الذين ال يفكرون‪،‬‬
‫ّ‬
‫يشخصُ هبذا التعبريِ مشكل َة ِ‬
‫وصحيح أ ّنه‬
‫أدب‬
‫اخليال العلمي عند مَنْ رفضه من النُّقاد‪ ،‬إال أنّ‬
‫ذلك يشفُّ يف آخر األمر عن أنّ النّقاد الذين‬
‫أرخ���وا ه��ذا ال��ض��رب م��ن ال��ف�نّ مل يستطيعوا‬
‫ِ‬
‫تشخيصَ‬
‫األسباب املوجبة لرفضه بأسلوب ينمُّ‬
‫على إدراك الفوارق املوضوعية بني أدب اخليال‬
‫العلمي واألدب العام‪ ،‬إذ مل تتكشف تلك الفوارق‬
‫إال فيما بعد‪ ،‬أي بعد أن قطع أدبُ اخليال‬
‫العلمي مرحل ًة مهمة يف التجريب‪ ،‬فكان من‬
‫الضروري عند مَنْ اهتم هبذا الضرب التأليفي‬
‫ال��ع��ودة إىل خم��اض��ه احلقيقي ال���ذي حُصِرَ‬
‫ِ‬
‫بظهور‬
‫الكاتب الفرنسي فونتنل‪ ،‬بوصفه أو ّّل‬
‫كاتبٍ للخيال العلمي‪ ،‬وكان نشر رواية يف هذا‬
‫الباب سنة ‪1686‬م‪ ،‬مساها «لقاءات يف قمة‬
‫العامل»‪ ،‬ويف حماولة لتصنيف مرحلة البدايات‬
‫بدأت تنبثق بعضُ األحكا ِم النّقدية النامجةِ عن‬
‫ذلك التصنيف‪ ،‬باعتبار التصنيفِ أوّ َل خطوات‬
‫العلم‪ ،‬هلذا ارتبطت بداياتُ اخليال العلمي يف‬
‫نتاج فونتنل بأحكام القيمة‪ ،‬حتقيقاً ملسوغات‬
‫نقد جديد يظهر أول م��رة مع اره��اص��ات فنّ‬
‫جديٍد ك ّل اجلدة‪ ،‬فكانت أبر ُز األحكا ِم النّقدية‬
‫تلك اليت أقامها الناقد روالن الك��ورب نفسه‬
‫على رواية فونتنل‪ ،‬فبدت متصل ًة مبوضوعها‬
‫وبأفكارها فذكر صراحة أ ّنها رواي � ٌة ساذجة‬

‫‪34‬‬

‫يف موضوعها وحمدودةٌ يف أغراضها وبسيطة‬
‫يف معانيها‪ ،‬وواض��ح أنّ ه��ذه األح��ك��ام تتسق‬
‫ومرحلة البدايات يف ك ّل فنّ‪ ،‬مبعنى أ ّنه ليس‬
‫فيها خاصة واحدة تفر ُق أدبَ اخليال العلمي‬
‫وهـو يف مرحلة املخاض األوىل عن غ�يره من‬
‫ض��روب األدب‪ ،‬إنْ صح اعتبار رواي��ة فونتنل‬
‫بالفعل ب��داي� ًة حقيق ًة ألدب اخليال العلمي‪،‬‬
‫ومع ذلك ذكر الغربيون ومنهم الك��ورب نفسه‬
‫عدداً من األدباء الذين حيسن عدّهم روادَ هذا‬
‫الفنّ منهم س�يران دي برجراك ودانييل ديفو‬
‫وادجار ألن بو‪ ،‬ولكن من دون إبداء الكثري من‬
‫املالحظات األسلوبية على أعماهلم من جهة‬
‫أ ّنها تؤسس فنا أدبياً جديداً يقوم على أساليب‬
‫جديدة تفرقه بصورة واضحة عن األدب العام‪،‬‬
‫وه��ذا سببٌ آخ �رُ أسهم يف جتاهل خصائص‬
‫الفنّ الوليد يف النّقد العاملي‪ .)2( .‬وبقي أن‬
‫يعتمدَ أدبُ اخليال العلمي على نفسه وهو‬
‫يتخطى مراحلَهُ التجريبي َة ليستقل بالتعبري عن‬
‫أسلوب فارقٍ‪ ،‬وعن موضوعات جديدة‪ ،‬مميزاً‬
‫نفسه بوضوح من األدب العام‪ ،‬ليحظى يف آخر‬
‫األمر باهتمام نقدي يتفهم خاصتَهُ األسلوبي َة‬
‫وجماالتِهِ املضموني َة‪ ،‬وقد كان فيما أعتقد من‬
‫أكثر الفنون اإلنسانية إجنازاً يف هذين اجملالني‬
‫أعين األسلوبي والفكري‪ ،‬فإذا كانت مرحل ُة ما‬
‫قبل القرن العشرين جم��االً أس��س فيها أدبُ‬
‫اخليال العلمي كيانه املستقل نسبياً عن كيان‬
‫األدب عامة‪ ،‬وهي مرحل ٌة غامضة بعضَ الشيء‬
‫أل ّنها قد متتد إىل القرن الساب ِع عشر كما يرى‬
‫الكورب‪ ،‬وهي من ثَمّ مرحل ٌة طويلة أيضاً فضالً‬
‫عن كوهنا ال تش ّكل بداية حقيقية ألدب اخليال‬
‫العلمي عند مصنفي هـذا األدب‪ ،‬ورمبا هلذا‬
‫السبب آثر بعضُ املصنفني عدَّ القر ِن التاسع‬
‫عشر انطالق ًة حقيقية ألدب اخليال العلمي‪،‬‬
‫وهي املرحلة اليت أُطلق عليها اسم كالسيكيات‬
‫أدب اخليال العلمي‪ ،‬وال سيما عند فرين وولز‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ومبجيءِ ال��دوس هكسلي وج��ون كامبل بدأت‬
‫عند الباحثني املرحل ُة الثاني ُة يف اخليال العلمي‬
‫وتُختتم بظهور أع��م��ا ِل ُك ٍّ‬
‫��ل م��ن أرث��ر كالرك‬
‫وإسحاق أزميوف وهاري هاريسون ليدخ َل أدبُ‬
‫اخليال العلمي من خالهلم يف مخسينيات القرن‬
‫العشرين يف مرحلته التجريبة الثالثة (‪ ،)3‬ورمبا‬
‫كانت هنالك مرحل ٌة رابع ٌة يف القرن العشرين‬
‫أيضاً‪ ،‬ليكون هنالك مؤشرٌ متسارعٌ يَسِمُ أدبَ‬
‫اخليال العلمي بصفة التحول املستمر‪ ،‬والسيما‬
‫من حيثُ تطوير أدواته‪ ،‬وارتياده مضامني تضعه‬
‫يف موضع متقدم على الدوام‪.‬‬
‫تنبثق خاص ٌة مهم ٌة يف أدب اخليال العلمي‬
‫بدأ النقد يدرك منط َقها املتسارع‪ ،‬فحواها أنّ‬
‫النظرةَ االستباقي َة ومؤشراتِ الرؤية املستقبلية‬
‫ف��ي��ه ك��ان��ت وراء ال��ت��ط��ور ال��س��ري��ع يف رحلته‬
‫االنتقالية املذهلة اليت قطعها يف أثناء حتوله‬
‫م��ن مرحلة إىل مرحلة أخ���رى‪ ،‬ففي القرن‬
‫العشرين قطع ث�لاث م��راح��ل أو أرب���ع‪ ،‬وهذا‬
‫املسار التطوري اهلائل ليس له نظري يف العلم‬
‫نفسه‪ ،‬وقد تبعته تطوراتٌ يف جمال املوضوع‬
‫واألسلوب على حدٍّ س��واء‪ .‬ويف ضوء الولع يف‬
‫التجريب والنهم املعريف املتزايد الذي برز عند‬
‫ُكتّاب اخليال العلمي يف مراحل ظهورهم كاف ًة‬
‫مل يعد مقبوالً القول إ ّنه جمردُ أدبٍ صبياني‬
‫ساذ ٍج يستهدف اإلثارةَ فحسب‪ ،‬أو أن َّ‬
‫حظ الفنِّ‬
‫فيه ضئي ٌل‪ ،‬بسبب عدم عناية ُكتّاب أدب اخليال‬
‫العلمي بشخصيات قصصهم وجتنبهم مهارات‬
‫األدب الروائي يف تنظيم األح��داث واالفتنان‬
‫يف استعمال التقنيات الفنية يف بناء أعماهلم‪.‬‬
‫(‪.)4‬‬
‫لقد أوقع ُكتّابُ اخليال العلمي النّقدَ األدبي‬
‫َ‬
‫يف فخِّ املُتشابه‪ ،‬فحجب عنهم‬
‫إدراك الفوارقِ‬
‫املوضوعيةِ بينه وبني األدب العام‪ ،‬حني استعملوا‬
‫مسمياتٍ أدبي ًة جازت مرحل َة اخلالف النّقدي‬
‫مثل القصة والرواية والقصيدة‪ ،‬فلم يتنبه كثريٌ‬

‫من النّقاد الذين س��ارع��وا إىل رف��ض روايات‬
‫اخليال العلمي على أنّ الرواي َة العلمي َة ضربٌ‬
‫أدبي جديدٌ مع أ ّنه يستخدمُ العناصرَ الروائي َة‬
‫التقليدية نفسَها‪ ،‬ويف الوقت نفسه االنزياح هبا‬
‫كلية عن غاياهتا الروائية املعروفة‪ ،‬أي أنّ الرواية‬
‫العلمية استعارت من الرواية األدبية وشاحاً‬
‫فنياً عبّرت من خالله عن معرفة عصرية تباري‬
‫نتائج العلم احلديث‪ ،‬لتثبتَ قوةَ االستبصار‪،‬‬
‫وفاعلي َة التوق ِع من خالل اخليال العلمي الذي‬
‫يتحو ُل إىل مبادرة جديدة تضع هذا الضربَ من‬
‫الفنّ يف جمال يتخطى العلمَ احلديث ِّ‬
‫بكل ما‬
‫وصل إليه‪ ،‬لتكونَ الرواي ُة العلمية يف مصلحة‬
‫الثقافة العصرية اليت تأخذ باإلنسان املعاصر‬
‫إىل مساحة من اخليال امل��ذه��ل‪ ،‬فتمكنه من‬
‫استقبال أحدث ما يأتي به العلم احلديث بغري‬
‫إدهاش‪ ،‬ومن ثم ترفع مستوى توقعاته إزاء ما‬
‫ينجم عن إجن��ازات العلم املعاصر‪ ،‬ليبقى يف‬
‫موقع يتقدم العلم على ال���دوام‪ ،‬أي يف موقع‬
‫استباقي ترتفع فيه ثقافته عن واقعه املعاصر‬
‫مهما بدا متطوراً‪ ،‬من أجل ذلك كان ميدانُ أدب‬
‫اخليال العلمي حمصوراً بني نقطتني تشكالن‬
‫عاملاً جمهوالً للعلم ‪ :‬املاضي السابق للتاريخ‬
‫واملستقبل الالمنظور‪.‬‬
‫من هذه اجلهة تبدو لنا بعضُ مسـوغاتِ‬
‫رفض النّقد األدبي ألدب اخليال العلمي‪ ،‬من‬
‫أظهرها أنّ أدب اخليال العلمي ال يتصل بعوامل‬
‫األدب العام‪ ،‬وال يعتمد على تقنياته‪ ،‬وال يعبأ‬
‫بوسائل الفنّ يف تأديته موضوعاته‪ ،‬ال بل إ ّنه ال‬
‫حيفل باملوضوع األدبي أصالً‪ ،‬وصحيح أ ّنه مسى‬
‫نفسه أدباً‪ ،‬ثم استعار تسمياتٍ أدبي ًة كالقصة‬
‫والرواية والقصيدة‪ ،‬بيد أ ّنه مل يلتزم باإلطار‬
‫الفين هلذه األنواع‪ ،‬كما أ ّنه ش ّكل انزياحاً واسعاً‬
‫جداً يف جمال استعمال األدوات الفنية يف التعبري‬
‫عن نفسه ضمن هذه األن��واع‪ ،‬والسيما‬
‫يف موضوع القصة اليت أخرجت اخليا َل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪35‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫األدبي عن طبيعته وقدمت تعديالتٍ جديدةً َّ‬
‫كل‬
‫اجلدة على العناصر القصصية كالزمان واملكان‬
‫والشخوص‪ ،‬ومل يكن من املتاح يف ضوء هذه‬
‫التعديالت اجلوهريةِ أن تبقى أواص�رُ القربى‬
‫قائم ًة بني القصص العلمية والقصص األدبية‬
‫على النحو ال��ذي الحظه النقاد مثل أن تقفز‬
‫قصصُ اخل��ي��ال العلمي ق��ف��زاتٍ واس��ع� ًة جداً‬
‫يف اجملهول مستعمل ًة نظريات ومصطلحات‬
‫علمية‪ ،‬مستخلص ًة نتائجَ باهرة تسبق العلمَ‬
‫وتفو ُق التصورَ‪ ،‬مسجل ًة بذلك رؤاها االستباقية‬
‫املدهشة‪ ،‬معربةً عن قدرة األدب على االكتشاف‬
‫والتفسري ومباراة العلم والتفوق عليه‪ ،‬ويف جمال‬
‫األمكنة هنالك توسعٌ مذهل يف مسرح األحداث‬
‫الذي جتري فيه قصصُ اخليال العلمي لتغدو‬
‫اجملراتُ والكواكبُ والعوامل اجملهولة ميداناً له‪،‬‬
‫وكذا عنصر الزمان يف أدب اخليال العلمي خرج‬
‫عن الزمان األدبي وجتاوز الزمن الطبيعي يف آن‬
‫واحد‪ ،‬إذ ليست هنالك قص ٌة علمية جتري يف‬
‫حدود الزمن املُدركِ‪ ،‬وال يف إطار الواقع املُحسِّ‪،‬‬
‫بل توزعت تلك القصصُ بني مدارين للزمن‪:‬‬
‫ِ‬
‫املاضي‬
‫السابق للتاريخ واملستقب ِل البعيد الذي‬
‫ال ميكن أن يالمسَهُ التصورُ العقلي‪ ،‬باختصار‬
‫قد يكون املتخي ُل السردي املدهش يف قصص‬
‫اخليال العلمي وراء رفض النقدِ األدبي إدراجه‬
‫ضمن سياقاته املعرفية وحماوره املوضوعية‪.‬‬
‫‪3‬ـ هنالك مشكل ٌة يف حت��دي��د جم��ال أدب‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬ومن ثم حتديد قيمته الفنيـة‬
‫واملعرفية‪ ،‬وعلى ِّ‬
‫كل حال فإنَ هنالك آراء نادرة‬
‫عند الغربيني أنفسِهم تناولت تقويمَ أدب اخليال‬
‫العلمي من وجهة نظر النقد األدبي‪ ،‬قبال َة آراء‬
‫كثرية جديدة توخت حتديدَ ماهيتِهِ ووظيفتِهِ‬
‫ودوره يف الوعي ويف الثقافة املعاصرة‪ ،‬ميكن‬
‫تصني ُفها حتت إطار النَّقد الثقايف‪ ،‬مما يشي‬
‫بأنَّ أدبَ اخليال العلمي استحال موضوعاً من‬
‫موضوعات ذلك النّقد‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫مما ال شك فيه أنّ أدب اخليال العلمي الذي‬
‫أخذ يُحدِثُ أصداء واسعة يف الثقافة االجتماعية‬
‫والنّقدية من ُذ نشوئه قد المس ظواهرَ كثريةً قارةً‬
‫يف صميم احلياة العصرية‪ ،‬من أجل ذلك كان‬
‫لوجوده مسوغاتٌ متعددةٌ منها ما هو اجتماعي‬
‫ومنها ما هو سياسي ومنها ما هو علمي‪ ،‬وأظنُّ‬
‫أنَّ هذا الضربَ الفين اجلديدة ما هو يف هناية‬
‫األم��ر إال م��ن مستخلصات احل��ي��اة العصرية‬
‫وشك ٍل من أشكال التعبري عن ماضي اإلنسان‬
‫احلايل ومستقبله‪ ،‬وهلذا كان من املهم تلخيصُ‬
‫الفه ِم الغربي إزاء هذا اللون اجلديد‪ ،‬وبيانُ‬
‫صلتِهِ القارةِ يف األدب والثقافة معاً من خالل‬
‫مجلة من املقوالت اليت ال تعينه تعييناً نقدياً كما‬
‫يعيّن النّقد األدبي مفهوماتِهِ ومصطلحاتِهِ‪ ،‬بل‬
‫تلك املقوالت اليت ترمي إىل متييزه متييزاً عاماً‬
‫من حيثُ النوعُ والوظيف ُة والقيم ُة اليت نسوقها‬
‫من ناحية دالالهتا على ثقافة العصر احلايل‪،‬‬
‫فمن هذه اجلهة من الطبيعي أن يكون مفهومُ‬
‫أدب اخليال العلمي غريَ مستق ٍر يف الفهم‪ ،‬كما‬
‫أنَّ مكانَهُ يف الثقافة املعاصرة ليس راسخاً يف‬
‫الثبات‪ ،‬أل ّنه ال يزال يُضربُ مثالً على اجتاهات‬
‫الثقافة األدبية يف هذا العصر‪ ،‬فإىل اآلن كما‬
‫أظنّ مل تُنجز دراس ٌة تستهدف إدراجَهُ بصورة‬
‫معينة حتت باب التطبيقات النقدية الثقافية‪،‬‬
‫كما هو الشأن يف الضروب الثقافية األخرى‬
‫اليت حظيت بتطبيقات نقدية واسعة بطريق‬
‫فالدمري بروب مثالً‪ ،‬الذي وضع أساساً لدراسة‬
‫احلكاية من اجلهة األنثربولوجية‪ ،‬أو غريها من‬
‫التطبيقات النّقدية اليت تناولت األلوانَ الثقافية‬
‫األخرى لتحتل حيزاً ما يف جمال النقد الثقايف‬
‫املعاصر‪.‬‬
‫ويُعزى ٌ‬
‫قول إىل الكورب يذكر فيه أنَّ جما َل‬
‫اخليال العلمي ال يزال غامضاً‪ ،‬ألن كثرياً من‬
‫الدارسني قد أرجعه إىل االبتكارات اخلارقة‬
‫وحروب العوامل وهذا برأيه ليس خياال علمياً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫حقيقياً‪ ،‬وقد رأى أنّ اخليال العلمي يف مراحله‬
‫السابقة قدّم تنبؤاتٍ تقني ًة‪ ،‬إال أ ّنه اآلن يرتكز‬
‫حول التأمل‪ ،‬وتتحدد قيمتُه بتجربتهِ اخلاصةِ‬
‫ِ‬
‫املتصلة‬
‫مبنطق العلم واخليال‪ ،‬إ ّن��ه ينظر إىل‬
‫التاريخ وحيددُ يف الوقت نفسه شك َل املستقبل‪،‬‬
‫وليس ذلك فحسب بل إنّ املتكلمني على املستقبل‬
‫من ُكتّاب اخليال العلمي « يُظهرون ق��دراً من‬
‫هت����ي����بٍ م���ده���ش‪،‬‬
‫ب�����اإلض�����اف�����ة إىل‬
‫تشاؤم عام ومميز‬
‫لعصر األزمة الذي‬
‫حن��ي��اه‪ ،‬فلم يسبق‬
‫ألي م����ن ُك���� ّت����اب‬
‫اخليال العلمي أن‬
‫مس��ع ب��غ��زو القمر‬
‫ق��ب��ل ع���ام ‪،1970‬‬
‫وعليه مل جيرؤ أي‬
‫ك���ات���ب أن يتخيل‬
‫أنّ أوىل خطوات‬
‫اإلنسان على قمرنا‬
‫ميكن أن تُشاهدَ يف‬
‫اللحظة ذاهت���ا‪ ،‬إن‬
‫مل يكن يف اللحظة‬
‫التالية بواسطة ثلث‬
‫اإلنسانية»(‪.)5‬‬
‫وي��ش�ير الك���ورب‬
‫إىل أنّ أدبَ اخليال‬
‫ال��ع��ل��م��ي ذو طابع‬
‫تأملي‪ ،‬أو ما مساه‬
‫نورمان سبينارد بعدئذ ختيالً تأملياً يتفق يف‬
‫الطريقة ال�تي نفهم فيها عصرنا احل��ايل‪ ،‬أو‬
‫هو التغلغل يف ثقافة شعب ما يف ك ّل اجتاه ؛‬
‫ألن انعكاسها شرط للعقل احلديث‪ ،‬وهو من‬
‫ثم اخليال الوحيد لنفهم من خالله حقائق‬
‫عصرنا(‪.)6‬‬

‫من هذا اجلانب أراد الدارسون النظرَ إىل‬
‫أدب اخليال العلمي من منظار الثقافة‪ ،‬أو من‬
‫خ�لال وع��ي ال��وج��ود البشري وه��و ي��درك ما‬
‫يُعرف باآلنية اليت تدل على وجوده يف الزمان‬
‫وت�ترك أث��ره الفاعل فيه بطريق فهمه‪ ،‬وهذا‬
‫التحول مؤشر موضوعي على انتقال االهتمام‬
‫البشري من األنساق املعرفية اليت عبّرت عن‬

‫حمدوديتها بوصفها ص��ورة م��ن ص��ور ثقافة‬
‫النخبة‪ ،‬إىل أنساق اجتماعية واسعة تتصل‬
‫حبياة اإلنسان املتنوعة‪ ،‬ومن هنا وافق إيقاعُ‬
‫الثقافة إيقاعَ اخليال التأملي بوصفه ضرباً من‬
‫َ‬
‫النشاط االجتماعي الذي « يرصد‬
‫حراك‬
‫اإلنسان وفاعليته يف إبداعاته وإجنازاته‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪37‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املختلفة»(‪.)7‬‬
‫لقد أسهم أدب اخليال العلمي يف الدراسات‬
‫الثقافية كإسهام النظرية األدبية اجلديدة فيه‪،‬‬
‫وذل��ك حني شحنه مبفردات كثرية منها اللّغ ُة‬
‫العلمية وطريق ُة التأم ِل اخل��ي��ايل‪ ،‬وكثري من‬
‫األسئلة اجلادة اليت تستهدف صياغ َة الثقافة‬
‫العصرية وكيفية تقدميِها لإلنسان املعاصر من‬
‫مثل ماذا نتعلمُ وكيف نتعلم‪ ،‬وليس ذلك فحسب‬
‫بل إنّ كثرياً من الباحثني رأوا يف أدب اخليال‬
‫العلمي نسقاً ثقافياً يتضافر وظواهرَ أخرى كثرية‬
‫يف حتديد موضوع النقد الثقايف الذي حييا يف‬
‫حميط األسئلة العامة واليت ال ميكن أن تتحد‬
‫يف صيغة واحدة ليصبحَ النقدُ الثقايف مزجياً‬
‫من املفردات النامجة عن املاركسية التقليدية‬
‫والنّظريات السياسية احلالية والتحليالت‬
‫النَّفسية والنّسوية والفلسفية والسيميائية‬
‫والبيولوجية ولغة اخليال العلمي (‪.)8‬‬
‫لقد توثقت الصل ُة بني النّقد الثقايف وما‬
‫جنم عن أدب اخليال العلمي من موضوعات‬
‫كاألدبيات السياسية خاص ًة‪ ،‬لذا نرى إيستهوب‬
‫يف كتابه « األدبي يف الدراسات الثقافية» يذكر‬
‫صراح ًة أنّ األدب قد مات‪ ،‬وأن نظاماً جديداً‬
‫َّ‬
‫حل مكانه‪ ،‬ومل تَعُد الدّراسة برأيه مقصورةً‬
‫على ثقافة النخبة‪ ،‬وإمنا أُضيفت إليها ثقاف ُة‬
‫العموم‪ ،‬وص��ار من ال�لازم أن تُ��درسَ األنسا ُق‬
‫ِ‬
‫اجلانب املعريف‬
‫الثقافية الشعبية من جانبني‪:‬‬
‫ِ‬
‫املتعلق بالبالغة القدمية واللسانيات احلديثة‪،‬‬
‫ِ‬
‫واجلانب السياسي املتعلق بالدميقراطية‪ ،‬ذلك‬
‫اجلانبُ الذي دعا إليه وليامز والقائمُ على أنّ‬
‫ك � ّل خطاباتِ أف��راد اجملتمع وليس خطابات‬
‫أفراد النخبة املثقفة جيبُ أن تأخ َذ َّ‬
‫حظها من‬
‫الدّراسة واالهتمام‪ ،‬وهو األمر ذاتُهُ الذي مساه‬
‫ميشيل فوكو مبمارسات اخلطاب‪ ،‬ومؤدى ذلك‬
‫أنّ أيَّ موضو ٍع يف أيِّ دراس �ةٍ ينبغي أن يأخ َذ‬
‫منحىً من تلك املمارسات‪ ،‬بدالً من أن تقتصرَ‬

‫‪38‬‬

‫ال��دراس��اتُ على حمتوى أدب��ي‬
‫غامض ومبه ٍم‪،‬‬
‫ٍ‬
‫وقد أق��ام أيستهوب كتابَهُ على دراس��ة أجزاءِ‬
‫ِ‬
‫اخلطاب العا ِم املتعددِ‪ ،‬وليس على النظريات‬
‫األدب��ي��ة فحسب معوالً يف ه��ذه الناحية على‬
‫رأي إجيلتون الذي توقف ملياً عند العالقةِ بني‬
‫السياسة الدولية والنّظرية األدبية‪ ،‬موضحاً من‬
‫خالل ذلك أنّ النظرية األدبية مرتبط ٌة بالقناعات‬
‫السياسية والقي ِم األيدولوجية على حنو ال يقبل‬
‫االنفصال (‪ .)9‬وقد حنا يف تفصيله الكالمَ على‬
‫آفاق النّظرية األدبية اجلديدة وفق مرتكزاهتا‬
‫الثقافية العامة‪ ،‬مبيناً أنّ أيَّ نظريةٍ معني ٌة‬
‫باملعنى والقيمةِ والشُّعو ِر والتجربة اإلنسانية‪،‬‬
‫والبدَّ أن تستكشفَ طبيع َة األفراد واجملتمعاتِ‬
‫اإلنسانيةِ وإشكالياتِ السُّلطةِ وتأويالتِ‬
‫التاريخ‬
‫ِ‬
‫وحت����والتِ احل��اض � ِر وآم����ا َل املستقب ِل‪ ،‬وهذا‬
‫ِ‬
‫املنحى خمتلفٌ بالطبع عن املنحى‬
‫الضيق الذي‬
‫تنتهجُهُ النظري ُة األدبية التقليدية بوصفها على‬
‫ح�دِّ تعبريه أس��ط��ورةً أكادميي ًة (‪ ،)10‬مظهراً‬
‫قناع ًة راسخ ًة بأنّ النظري َة األدبي َة اخلالص َة قد‬
‫ساندت افرتاضاتِ السلطةِ بدالً من جماهبتِها‬
‫مستثنياً بعضَ النقادِ من بينهم ماثيو أرنولد‬
‫الذي احتجَّ يف بعض كتاباته على إنتاج األسلحة‬
‫النووية وجتارة السالح (‪.)11‬‬
‫‪4‬ـ وبغض النّظر عما أثارته تلكَ األصواتُ‬
‫الداعي ُة إىل التحو ِل من النقد األدبي إىل الثقايف‬
‫يف الغرب من خالفات واسعة‪ ،‬فإنّ احلقيقي َة‬
‫ال��ش��اخ��ص� َة يف ه��ذا اجمل���ال أنّ أدبَ اخليال‬
‫العلمي قد ربح موقعاً متقدماً يف هذا الباب‪،‬‬
‫إذ غدا اخلطابُ السياسي أو ما ميكن تسميتُه‬
‫بأدب اخليال السياسي أحدَ مرتكزاتِ النّظرية‬
‫األدبية احلديثة‪ ،‬وهو لونٌ ولد يف رحم اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬ثم وجد طريقاً الحبة لالنصهار يف‬
‫الثقافة الشعبية العامة‪ ،‬لكونه صيغ ًة مرنة‬
‫تعضدُ التوجهَ النقدي الذي استهدف وصفَ‬
‫احلا ِل التقنيةِ املعاصرة‪ ،‬فيما أحلقته بالبيئة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وب��األوض��اع االجتماعية م��ن دم��ار وختريب‪،‬‬
‫ومع تقدم وسائل االتصال اليوم بدت أدبياتُ‬
‫السياسية موضعَ اهتمام شعيب واسع‪ ،‬والسيما‬
‫تلك األفكار اليت تنتقد أوض��اعَ التطو ِر التقين‬
‫الذي من شأنه دفعُ العامل إىل هنايته‪ ،‬حتّى لكأنَّ‬
‫السياسي َة بيدها‪ ،‬وهذا أمر صحيح‪ ،‬احلكمُ على‬
‫استمرارية العامل على ما هو عليه أو تدمريه‪،‬‬
‫وهذه الفكرةُ املقلق ُة مل تكن حبال من األحوال‬
‫بعيدةً عن ذهن البشر قدمياً‪ ،‬بل كانت رهنَ‬
‫الكوارث الطبيعة‪ ،‬غري أنّ ما أحدثته البشري ُة‬
‫من ح��روب‪ ،‬والسيما احل��رب العاملية الثانية‪،‬‬
‫قد نقل فكرةَ هناية العامل من حيز الطبيعة إىل‬
‫اجملال السياسي‪ ،‬واآلي ُة الشاخصة على واقعية‬
‫هذه الفكرة ما حدث يف هريوشيما وناكازاكي‬
‫يف أثناء احلرب العاملية الثانية‪ ،‬إذ كانت ضحي َة‬
‫التكنولوجيا النووية‪ ،‬واألمر الذي يدعو إىل مزيد‬
‫من القلق أنّ السياسية الدولية ال تزال تدفع‬
‫إىل التسابق النووي وامتالك األسلحة الفتاكة‬
‫اليت ال يرى الفقراء يف العامل فيها خالصاً من‬
‫حال الفقر والبؤس‪ ،‬بل يروهنا وسيل ًة حلماية‬
‫األغنياء وزيادة ثرواهتم واحلفاظ على سلطاهتم‬
‫يف العامل (‪.)12‬‬
‫ت���دور م��وض��وع��اتُ اخل��ي��ال ال��س��ي��اس��ي يف‬
‫املستقبل م��رك��زة على التقلبات السياسية‬
‫والتحوالت االجتماعية املختلفة‪ ،‬مظهرةً توجساً‬
‫وخيف ًة مما حيمله املستقبل بني طياته حول‬
‫شكل احلياة السياسية واالجتماعية املستقبلية‬
‫مثل هيمنة بعض األفكار واملمارسات اليت ميكن‬
‫أن تُلحقَ الضررَ بكيان اجملتمعات املتحضرة‬
‫كالعنف االجتماعي والتطرف الديين واالستبداد‬
‫ال��س��ي��اس��ي‪ ،‬وت��ب��دو أوىل ت��ف��ص��ي�لاتِ اخليال‬
‫السياسي يف رواي��ة « مع بداية سنة ‪»1984‬‬
‫(‪)13‬اليت ألفها جورج أوريل سنة ‪1948‬متخيالً‬
‫فيها شك َل احلياة السياسية يف العامل يف سنة‬
‫‪ ،1984‬وقد توقع أن يهيمن على العامل يف هذا‬

‫العام النظام الشيوعي ويفرض أيدلوجية الدولة‬
‫واحلزب على حساب املشاعر اإلنسانية‪ ،‬وقد‬
‫بدا بط ُل الروايةِ ونستون مسيث منسجماً يف‬
‫وظيفته احلكوميةِ حمققاً من حيث الظاهر‬
‫ش� َ‬
‫�روط املواطنة ال�تي حتظى بتأييد احلزب‪،‬‬
‫وأبل ُغها أ ّن��ه يعيش مع زوجية من دون حب أو‬
‫تفاهم‪ ،‬مُ��ق��دم�اً بذلك األمن����وذجَ االجتماعي‬
‫املفض َل لدى النّظام السياسي الذي حياول قمعَ‬
‫أيِّ ممارسةٍ تعضدُ اإلحساسَ اإلنساني باألُلفة‬
‫واحملبة والدفء‪ ،‬ليكون اإلنسان متحرراً من ك ّل‬
‫ما يشغله عن خدمة الدولة‪ ،‬وهو إىل جانب ذلك‬
‫مقيدٌ ال ي ُ‬
‫ُرتك على حريته ولو للحظة واحدة‪،‬‬
‫إذ حتوطه الرقاب ُة وحتف به أجهزةُ التصوير‬
‫اليت حتصي عليه أنفاسه‪ ،‬والبطل يف دواخله ال‬
‫يضمر الوفاءَ الكام َل ألهداف احلزب‪ ،‬بل كان‬
‫يتوق على الدوام إىل إقامة عالقة عاطفية مع‬
‫زميلته جوليا اليت تعمل معه يف الوزارة‪ ،‬وينجح‬
‫مسيث يف استمالة قلب جوليا فيلتقيها خارجَ‬
‫أوقات العمل ويعيش معها تفصيالت قصةِ حب‬
‫مميزة‪ ،‬تتطور مع الزّمن إىل لون من املعارضة‬
‫لسياسة احل��زب‪ .‬وحني تنكشف هذه العالقة‬
‫بطريق أج��ه��زةِ التصوير اجلاسوسية يُساق‬
‫مسيث وحبيبته إىل السجن إلجراء عمليةٍ تعيد‬
‫تأهيلهما ليعودا مواطننيِ ص��احل�ينِ يؤمنان‬
‫باخليانة والظلم والكراهية والشر‪.‬‬
‫لقد م��رت أح���داثُ ع��ام ‪ 1984‬بسالم من‬
‫دون أن تتحققَ خياالتُ جورج أوريل يف روايته‪،‬‬
‫ومن دون أن تصد َق رؤيتُهُ‪ ،‬ومع ذلك مل ينظر‬
‫إليها النقادُ بوصفها عمالً ومهياً تنتفي منه‬
‫الغايات‪ ،‬وإ ّنما نظروا إليها من خالل أدبيات‬
‫السياسية‪ ،‬فتبينوا الصيغ َة التحذيرية اليت قد‬
‫ال تنجم بالضرورة عن أحداث مشاهبة ألحداث‬
‫رواي��ة أوري��ل‪ ،‬بل تنجم عن ممارسات السلطة‬
‫أيِّ سلطة حت��اول باستمرار الوصو َل‬
‫إىل أهدافٍ سياسية على حساب شقاء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪39‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اإلنسان واستغالل مشاعره‪ ،‬ومن هنا عنَّ لكثريٍ‬
‫من الدارسني النظر إىل التشاؤم ال��ذي وشّح‬
‫رواي��� َة أوري��ل بوصفه صيغ ًة حتذيري ًة تصورُ‬
‫املستقب َل قامتاً‪ ،‬ليكون هنالك سعيٌ حقيقي‬
‫لعدم االسرتسا ِل ملثل هذه الرؤية إنْ حتققت‪،‬‬
‫وعليه مل تفقد رواي ُة أوريل عند الكثريين جانبَها‬
‫املتبصر حبقيقة ما تنطوي عليه األزمنة القادمة‪،‬‬
‫ألنّ جمريات عام ‪ 1984‬مل ختتتم بانتهاء هذا‬
‫العام يف الواقع (‪ ،)14‬وق��د ال تنتهي بانتهاء‬
‫القرن العشرين‪ ،‬ألنّ استغال َل الشعور اإلنساني‬
‫خلدمة املصلحة السياسية سيبقى واقعاً فيما‬
‫تال سنة ‪ ،1984‬وم��ن هنا تغدو ه��ذه الرواي ُة‬
‫مؤشراً يدق ناقوس اخلطر املستقبلي القادم‪،‬‬
‫وهو مؤشرٌ فيه الكثري من التحذير النطوائه‬
‫على رؤية إنْ مل تتحقق يف التاريخ الذي توقعه‬
‫الكاتبُ‪ ،‬فإ ّنها رؤيا قابلة للتحقيق فيما سيأتي‬
‫من أزمنة الحقة بال شك‪.‬‬
‫ومن الطريف أنّ احلياةَ السياسي َة املتخيل َة‬
‫يف مثانينات القرن العشرين قد جذبت ُكتّاب‬
‫اخليال السياسي‪ ،‬فذكر الدارسون رواي ًة تدور‬
‫أحداثها يف عام ‪ 1984‬إليفان كرمينوف عنواهنا‬
‫« رحلة أخي إليكسي إىل بالد اليوتوبيا الريفية»‬
‫ورواي����ة ب��ع��ن��وان « ‪ »1985‬جليوجي دال���وس‪،‬‬
‫ورواية بعنوان « احلرب العاملية الثالثة» للجنرال‬
‫سريجون هاكييت‪ ،‬ورواية بعنوان «‪ 1984‬ـ‪»1985‬‬
‫ألنتوني بريجيسي‪ ،‬يضاف إىل ذلك موضوعاتٌ‬
‫كثرية اهتمَّ فيها كتابُ اخليال السياسي بأحداث‬
‫مستقبليةٍ متخيلة كسقوط بعض األنظمة‬
‫السياسية وتصوير الشخصيات السياسية‬
‫الرفيعة والصراعات السياسية وغريها(‪.)15‬‬
‫وم��ن امل��ه��م أن نشري إىل أنّ أدبَ اخليال‬
‫السياسي ام��ت��زج بالثقافة الشعبية العامة‪،‬‬
‫وص��ار موضعَ اهتمام اإلن��س��ان ال��ع��ادي‪ ،‬فمع‬
‫ت��ق��دم وس��ائ��ل االت��ص��ال يف ال��ع��امل احلديث‬
‫صار القلق مما ستفرزه األح��داث السياسية‬

‫‪40‬‬

‫املتسارعة جزءاً من اهتمام الناس يف ك ّل أصقاع‬
‫العامل‪ ،‬ومل يعد ما حيدثُ يف إقليم من أقاليم‬
‫األرض يعين ساكنيه فحسب‪ ،‬بل أصبح مهّاً‬
‫إنسانياً عاماً يسهم يف إث��ارة القلق واخلوف‪،‬‬
‫هلذا نشط خيا ُل األدب السياسي يف استثمار‬
‫القلق اإلنساني املستقبلي الذي يرمسه الساسة‬
‫لدفع العامل إىل هنايته املهلكة‪ ،‬ومل تكن املراوغ ُة‬
‫األدبية اليت حتدد تواريخَ معينة لبدء الكارثة‬
‫تصرف االهتمام عن هذا النوع األدبي اخليايل‪،‬‬
‫يف ضوء تعاظم اهليمنة األيدولوجية اليت يدفع‬
‫الفقراء واملستضعفون مثنها يف ك ّل مكان وزمان‪،‬‬
‫ويكفي املواطنُ العادي أنْ يقرأ عن حال احلياة‬
‫السياسية املستقبلية املرعبة حتى يرتك لنفسه‬
‫هو اآلخر اخليا َل إزاء مستقبل يكاد يكون أكثرَ‬
‫بؤساً وأشدَّ ضبابي ًة مما تصوره رواياتُ اخليال‬
‫السياسي‪ ،‬ولئن كانت أح��داثُ عام ‪ 1984‬كما‬
‫صورها ال ُكتّابُ مل حتدث تلك التغريات العاطفية‪،‬‬
‫إال أنّ احلروبَ والكوارث اليت حدثت يف هناية‬
‫القرن العشرين وأوائل القرن احلادي والعشرين‬
‫كافية لشحن مثل تلك الرؤى باملصداقية‪ ،‬وعليه‬
‫ال غراب َة أن تتبوأ َ أدبياتُ اخليال السياسي مكان ًة‬
‫مرموقة يف النقد الثقايف‪ ،‬ألهنا غدت وهذا واقع‬
‫حقيقي جزءاً من الثقافة اإلنسانية املعاصرة‪،‬‬
‫لذا كانت أحدَ أنساقِ هذه الثقافة‪ ،‬وصار لزاماً‬
‫على النقد الثقايف أن ميعن النظر مبيناً قيمتها‬
‫الفكرية والفنية يف آن‪.‬‬
‫‪5‬ـ يصفُ حممود قاسم يف كتابه « ِ‬
‫أدب اخليال‬
‫العلمي» مقال ًة د‪ .‬يوسف الشاروني املنشورة يف‬
‫جملة عامل الفكر بعنوان « أدب اخليال العلمي‬
‫يف األدب العربي» (‪ ،)16‬بأ ّنها أوّ ُل حبثٍ جاد‬
‫يفصل أدب اخليال العلمي عن الفنتازيا‪ ،‬إذ‬
‫الفنتازيا جمردُ خياالتٍ ساحرة ليس هلا أساس‬
‫علمي مكني‪ ،‬أما أدبُ اخليال العلمي فهو الذي‬
‫يوظف األفكار واملصطلحات العلمية الدقيقة‬
‫يف بناءٍ أدبي خيايل‪ ،‬فمن هذه اجلهة مل يستقم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫عنده من كتاب اخليال العلمي العرب وفق هذا‬
‫التحديد سوى ثالثةِ كتابٍ مصريني ‪ :‬مصطفى‬
‫حممود ورؤوف وصفي وهناد الشريف‪ ،‬ثم جاء‬
‫حممود قاسم فاصطفى من الثالثة واحداً وهو‬
‫هناد الشريف بوصفه مكثراً يف هذا الباب فقدم‬
‫دراس ًة حتليلية وافي ًة ألبرز قصصه ورواياته‪.‬‬
‫ومن فضائ ِل مقالةِ الشاروني على حنو ما‬
‫يشري قاسم حممود أ ّنه عاجل بعضَ أقاصيص‬
‫رؤوف وصفي معاجل ًة نقدي ًة فأشار إىل أ ّنه»‬
‫اه��ت�مَّ بالعناصر القصصية ِب � َق �دْ ِر اهتمامِه‬
‫مب��ادة اخليال العلمي‪ ،‬ولعله مبتابعته للتقدم‬
‫العلمي ومداومته على املمارسة الفنية أنْ ُيقدِّمَ‬
‫األج��ودَ يف هذا امليدان « (‪ .)17‬ومن الطريف‬
‫أن يكونَ هذا التحديدُ النقديُّ موضعَ جتاو ٍز‬
‫عند الشاروني نفسِهِ‪ ،‬حني خلصّ يف مقالته‬
‫مساتِ ِ‬
‫أدب اخليال العلمي يف مصر بقوله ‪»:‬‬
‫إنّ أدبَ اخليال العلمي يف األدب العربي بدا‬
‫أق��ربَ إىل الفنتازيا ثم بدا االهتمامُ باإليهام‬
‫العلمي فيما تال ذلك من أعمال‪ ،‬ومن ناحية‬
‫التكنيك ف��إنّ كتابَنا يعلمون أنّ ما ينبئون به‬
‫عن اخرتاع أو اكتشاف مل يوجد بعد‪ ،‬أي أ ّنه ال‬
‫يزا ُل مستقبالً حمتمالً‪ ،‬بينما هم يقدمونه يف‬
‫رواياهتم على أ ّنه‬
‫ماض وقع‪ ،‬وختلصاً من هذه‬
‫ٍ‬
‫املفارقة فإ ّنهم ينهون قصصَهم بكارثة لتقضي‬
‫على هذا االخرتاع أو ذلك االكتشاف فكأ ّنه مل‬
‫يكن» (‪.)18‬‬
‫ويفضي كالم الشاروني على أدب اخليال‬
‫العلمي العربي إىل مسارين اثنني ‪ :‬األول كما‬
‫شهد له حممود قاسم أ ّنه أثنى على أعمال رؤوف‬
‫وصفي بوصفها قطعت شوطاً باجتاه األدبية وهو‬
‫تعبريه الذي عرضناه سابقاً‪ ،‬وفحواه أنّ وصفي‬
‫جنح يف صهر العناصر القصصية باألفكار‬
‫العلمية‪ ،‬وهذا هو السبب يف خصوبة نسيجه‬
‫األدبي الذي استأثر باستحسانه لكونه ناقداً‬
‫أدبياً يتذوق مجاليات األسلوب قبل الفكرة اليت‬

‫تعرض يف السياق القصصي‪ ،‬ومن هذه اجلهة‬
‫يعدُّ هذا التذو ُق األدبي ألعمال وصفي أشبهَ‬
‫مبدخل أدب��ي لدراسة قصص اخليال العلمي‬
‫مبنحاها األدبي من جهة األسلوب‪ ،‬وهنا يسجل‬
‫الشاروني لنفسه احن��راف�اً واسعا عما جرت‬
‫عليه الدراسات الغربي ُة يف دراسة أدب اخليال‬
‫العلمي اليت جعلت الدراسة املضمونية مُقدم ًة‬
‫على األسلوب األدب��ي‪ ،‬من أجل ذلك أَخرجتْ‬
‫هذا الضربَ التأليفيَّ من حيز النّقد األدبي إىل‬
‫حيز النّقد الثقايف الذي يعاجل األفكارَ املؤسس َة‬
‫لثقافة العموم‪ ،‬والشاروني يريد العودة بأدب‬
‫اخليال العلمي إىل أدب النخبة أو اخلاصة‪،‬‬
‫أل ّنه يضع اشرتاطاتٍ أسلوبي ًة يربز من خالهلا‬
‫تفوق نتاج على نتاج‪ .‬والثاني أنّ الشاروني يدرجُ‬
‫أدبَ اخليال العلمي العربي حتت إطار الفنتازيا‬
‫أي جمرد رسم األخيلة األدبية بصورة تفتقر‬
‫إىل مرجعية علمية حقيقية‪ ،‬ومن ثم بدت له‬
‫األفكارُ العلمي ُة املعروض ُة يف كثري من الروايات‬
‫والقصص العربية ومهي ًة ؛ ألهن��ا تتكلم على‬
‫اخرتاعات مل توجد بعد‪ ،‬ولكنها تقدمها على‬
‫أ ّنها تاريخٌ وقع‪ ،‬ثم حتدث املفارق ُة حني تنتهي‬
‫أعمالُهم بكارثة تقضي على تلك املخرتعات‬
‫وكأهنا مل توجد‪ ،‬وهذا الفهمُ مغاير يف احلقيقة‬
‫آلف��اق االستبصار املستقبلي يف أدب اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬ومن املالحظ أنّ الشاروني حني اعتمد‬
‫يف معاجلة مضامني اخليال العلمي على ذائقته‬
‫النقدية‪ ،‬أسقط من اعتباراته أنّ التكنيك الذي‬
‫يرتبُ األحداثَ ترتيباً خطياً يف بعض الروايات‬
‫األدبية عامة والتارخيية خاصة‪ ،‬ال يستقيم يف‬
‫رواي��ات اخليال العلمي اليت ال ت��ؤرخ الظواهر‬
‫العلمية كما تؤرخ الروايات التارخيية األحداث‪،‬‬
‫وع��ل��ي��ه تكشف مم��ارس �تُ��ه ال��ن��ق��دي��ة تناقضاً‬
‫يدحض يف جوهره احليزَ ال��ذي ي��رت��اده أدب‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬ليسميه من هذه اجلهة‬
‫فنتازيا ؛ أل ّنه مل يُتِحْ للرواية العلمية أن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪41‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تتحدث عن االخرتاع بصورة استباقية فتثبته أو‬
‫تنفيه بناءً على الوقائع املعروضة ضمن جماالت‬
‫الرؤيا املتبصرة‪ ،‬سواء أكانت تلك الرؤي ُة متجه ًة‬
‫إىل الوراء أي قبل التاريخ‪ ،‬أم تلك اليت تتجه حنو‬
‫املستقبل البعيد‪ ،‬وهي يف احلالني تلقي بنفسها‬
‫يف خضم اجملهول‪ ،‬وهنا تكمن قيمتها الفنية‬
‫والعلمية‪.‬‬
‫والسبب ال��ذي دف��ع الشاورني إىل التقليل‬
‫من شأن أدب اخليال العلمي يكمن يف رصده‬
‫الفوارق األسلوبية بني أدب اخليال العلمي وبني‬
‫األدب العام‪ ،‬ومن الطبيعي أن ختذله وسائلُهُ‬
‫النّقدي ُة التقليدية يف بيان قيمةِ ه��ذا النوع‬
‫األدبي اجلديد‪ ،‬وهذه ليست احملاول َة الفريدة‬
‫يف النّقد العربي اليت جنم عنها إقصاءُ ِ‬
‫أدب‬
‫اخليال العلمي هنائياً عن دائرة النّقد‪ ،‬فهناك‬
‫مالحظ ٌة أوضح واق�تراح أكثر ج��رأةً َ‬
‫لفظ أدبَ‬
‫اخل��ي��ال العلمي خ���ارجَ دائ���رةِ احل���وار النقدي‬
‫قدمها نعيم عطية حني طالب ُكتّابَ اخليال‬
‫العلمي العرب ب��أن يعملوا على جتويد فنهم‬
‫وإتقان صنعتهم‪ ،‬إذ الحظ بوضوح أنّ كثرياً من‬
‫األعمال الروائية العلمية العربية تتسم بتقريرية‬
‫مباشرة تقرتب هبا من املقال‪ ،‬وتنحدر بعض‬
‫صفحاهتا إىل فجاجة ا ُ‬
‫خلطب وبالدة التقرير‬
‫مم��ا حي��رم ه��ذه الصفحات م��ن صفة العمل‬
‫األدب���ي‪ ،‬ويساعد يف إع��ط��اء ه��ذا اإلحساس‬
‫أحيانا كثرة املصطلحات العلمية املستخدمة‪،‬‬
‫مما يضعف من نسيج القصة ويقرتب هبا من‬
‫إطار اجلدل واملناقشة ليصبح العمل امتداداً‬
‫لفكر الكاتب نفسه‪ .)19 ( « ...‬وهي النتيجة‬
‫نفسها ال�تي انتهى إليها الشاروني يف كالمه‬
‫السابق على أدب اخليال العلمي العربي‪ ،‬مما‬
‫يدل على أنّ النقد األدب��ي مل يستطع تطويرَ‬
‫أدواتِ���ه لكشف النسق املعريف احلقيقي الذي‬
‫ميثله أدب اخليال العلمي‪ ،‬ومن جهة أخرى مل‬
‫يفتح قبال َة ذلك أيَّ جمال إلدراج هذا األدب‬

‫‪42‬‬

‫ضمن حماور جديدة ميكن أن تتفهم خواصه‬
‫احلقيقية على حنو يعرب من خالله النقد األدبي‬
‫العربي عن انفتاحه هو اآلخر على اجتاهات‬
‫النقد العاملي احلديث‪ ،‬وهو يقطع شوطاً واسعاً‬
‫يف دراسة أدب اخليال خارج أمناط الدراسات‬
‫النقدية التقليدية‪ ،‬مستشرفاً مساحاتٍ واسع ًة‬
‫يؤسس من خالهلا أف��ك��اراً ثقافية حتسن أن‬
‫تكون باباً للنقد الثقايف اجلديد الذي جيعل من‬
‫أدب اخليال العلمي نسقاً معرفياً موازيا لألدب‬
‫بصيغه التقليدية وراف���داً ج��دي��داً من روافد‬
‫النّظرية األدبية احلديثة‪.‬‬
‫ول��ع� َّ�ل تضييقَ اخل��ن��اقِ على أدب اخليال‬
‫العلمي بدا عند الشاروني وعطية وغريمها من‬
‫خالل حصر التجارب الفاعلة يف هذا الباب‬
‫بال ُكتاب املصريني‪ ،‬فلم يكرتث الشاروني يف‬
‫مقالته‪ ،‬وكذا حممود قاسم يف دراسته املوسعة‬
‫بإسهامات الكتاب العرب اآلخرين أمثال أمحد‬
‫عبد السالم البقايل من املغرب وطالب عمران‬
‫من سورية وغريمها‪ ،‬ألن مفهوم الريادة يف هذا‬
‫الباب غلب على تصنيف النوع األدبي‪.‬‬
‫‪6‬ـ مل تكن الدراس ُة اليت قدمها حممد عزام‬
‫عن أدب طالب عمران العلمي بعيدة عن املداخل‬
‫النقدية التقليدية ال�تي ب��دت واض��ح��ة عند‬
‫الشاروني وعطية اللذين قدما صورةً حتليلية‬
‫نقدية لبعض نتاجات كتاب اخليال العلمي يف‬
‫مصر‪ ،‬وخالفاً ملنهج الشاروني الذي ميز فيه‬
‫أدب اخليال العلمي من الفنتازيا‪ ،‬فإنّ حممد‬
‫ع��زام أق�رَّ صراحة بأن كتابات طالب عمران‬
‫ال�تي تنوف عن عشرين قصة ورواي��ة ختلتط‬
‫فيها الفنتازيا باخليال العلمي‪ ،‬من أجل ذلك‬
‫درس االجتاهني معاً حتت مسمى « خيال بال‬
‫حدود‪ ،‬حمدداً ريادة عمران يف سورية‪ ،‬ألنه يف‬
‫فاحتة كتابه جعل جيالً من الكتاب بدءاً بتوفيق‬
‫احلكيم وانتهاء بنهاد الشريف رواد هذا الفن‬
‫يف مصر‪ .‬ومع جتاهل عزام املنحى التجرييب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫يف أدب اخليال العلمي العربي‪ ،‬فإ ّنه غفل أيضاً‬
‫عن رصد الفوارق بني الفنتازيا وقصص اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬غ�ير أن النتيجة ال�تي أف��ض��ت إليها‬
‫دراسته مل جتز حتليل قصص اخليال العلمي‬
‫حتليالً نقدياً كالسيكياً‪ ،‬خيرج تلك القصص‬
‫عن طبيعتها العلمية والفنية يف آن واحد‪.‬‬
‫تكلم حممد ع��زام على بناء فين يف أعمال‬
‫طالب عمران الروائية والقصصية‪ ،‬فالحظ‬
‫أنه « يضع السرد القصصي يف خدمة األفكار‬
‫العلمية‪ ،‬إال أن هذا مل جيعل روايته أو قصته‬
‫تتسم باجلفاف العلمي‪ ،‬ألنه استطاع مبهارة‬
‫الفنان أن حيقق املعادلة املستحيلة ‪ :‬املضمون‬
‫العلمي يف الشكل الفين‪ ،‬وحيفظ التوازن بني‬
‫هذين االجت��اه�ين املتعارضني فيلتحمان يف‬
‫وح��دة كاملة ينصهر فيها الشكل باملضمون‬
‫« (‪ ،)20‬وه��ي املالحظة نفسها ال�تي أبداها‬
‫الشاروني على أعمال رؤوف وصفي حني محد‬
‫له استقامة أسلوبه األدبي وهو يعرب عن األفكار‬
‫العلمية‪.‬‬
‫ويف جمال املضامني يذكر ع��زام أنّ طالب‬
‫عمران وزع أعماله على حم��اور ع��دة ‪ »:‬غزو‬
‫الفضاء والبحث عن اخللود واحلاسة السادسة‬
‫والبحث عن مناطق جمهولة على سطح األرض‪،‬‬
‫ودع���ا إىل ال��س�لام ليس على مستوى العامل‬
‫األرض��ي فحسب بل على مستوى الكون كله‪،‬‬
‫ف��إذا ك��ان الكتاب الغربيون قد جعلوا البشر‬
‫يغزون الكواكب األخرى‪ ،‬أو تغزوهم كائنات تلك‬
‫الكواكب‪ ،‬فإن طالب عمران جعل هذه العالقة‬
‫بني سكان األرض وكائنات الكواكب األخرى‬
‫عالقة حمبة وس�لام وتعاون من أج��ل التغلب‬
‫على املشكالت الكونية»(‪.)21‬‬
‫وواضح أن املنحى النقدي الذي اعتمد عليه‬
‫عزام ال يبتعد عن املطلب النقدي األدبي العام‬
‫الذي يستهدف إلغاء املسافة بني أدب اخليال‬
‫العلمي واألدب العام‪ ،‬فوسائله نقدية صرفة كما‬

‫نرى‪ ،‬فقوله إن عمران حقق توازناً بني السرد‬
‫القصصي وامل��ض��م��ون العلمي مفهوم نقدي‬
‫يبحث عن مجالية األسلوب‪ ،‬ال عن مسة جديدة‬
‫متهر اللون األدب��ي احلديث‪ ،‬لتصل بينه وبني‬
‫النتاج العاملي يف هذا الباب‪ ،‬وأما املالحظات‬
‫اليت أبداها إزاء الفارق يف الفكر العلمي بني‬
‫طالب عمران و ُكتاب اخليال العلمي يف بقية‬
‫العامل‪ ،‬فليس يف مصلحة ريادته اليت تكلم عليها‬
‫يف صدر كتابه‪ ،‬أل ّنه ال معنى للكالم على الريادة‬
‫يف فن قطع على األقل أربع مراحل جتريبية يف‬
‫قرن واحد‪ ،‬وكان من املناسب الكالم على إسهام‬
‫طالب عمران على املستوى العربي‪ ،‬يف حماولة‬
‫لوضع جتربته بوصفه خمتصاً هب��ذا الضرب‬
‫التأليفي يف موضعها احلقيقي وضمن سياقها‬
‫الطبيعي‪ ،‬بغية اخلروج يف آخر األمر إىل دراسة‬
‫تصنيفية حقيقية تبني م��س��ار أدب اخليال‬
‫العلمي العربي‪ ،‬وتوضح مراحله التجريبية على‬
‫النحو ال��ذي درس��ت من خالله جت��ارب كتاب‬
‫اخليال العلمي يف اآلداب العاملية‪.‬‬
‫تظهر دراسة عزام وكأن أدب اخليال العلمي‬
‫ع��ن��د ع��م��ران ن��ش��أ يف ف����راغ‪ ،‬أم���ا العالمات‬
‫الفارقة اليت دوهنا على بعض مضامني قصصه‬
‫كمحاولته إجياد سالم متخيل بني سكان األرض‬
‫وكائنات الكواكب األخرى‪ ،‬فإنه مل يوضح ما إذا‬
‫كانت تلك الفكرة علمية أم هي جمرد فنتازيا‪،‬‬
‫وعليه إذا كانت الدراسة املختصة اليت أجنزها‬
‫حممد ع��زام يف مصلحة أدب اخليال العلمي‬
‫يف سورية ال تستهدف أكثر من اإلقرار بفكرة‬
‫الريادة يف موضوع استنزف كثرياً من طاقاته‬
‫يف التجريب‪ ،‬فإننا سننتظر كثرياً لتظهر دراسة‬
‫أخ��رى تصنف املراحل احلقيقية اليت قطعها‬
‫أدب اخليال العلمي بصورة ال تقف عند حدود‬
‫األقليم‪ ،‬ومن ثم جتيب عن تساؤالت حقيقة‬
‫توضح ما إذا كان كتاب اخليال العلمي‬
‫العرب استطاعوا التعبري بأدهبم العلمي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪43‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عن حتوالت الثقافة العربية وهي تنقل نفسها‬
‫من جمال خطابات النخبة إىل جمال خطابات‬
‫األفراد‪ ،‬أو ما يعرف بالثقافة الشعبية العامة‪.‬‬
‫إن أدب اخليال العلمي عامة يريد على حنو‬
‫مقصود شحن اإلنسان احلديث بفكرة القلق‬
‫إزاء املصري‪ ،‬وأدب اخليال السياسي خاصة‬
‫تشعب يف هذه الفكرة‪ ،‬اليت أضحت كما صورنا‬
‫آنفاً جزءاً من الثقافة الشعبية‪ ،‬وإذا كان أدب‬
‫اخليال العلمي العربي على حنو ما الحظ عزام‬
‫يركن إىل الطمأنينة ويعمد إىل نسج السالم‬
‫واحمل��ب��ة م��ع خملوقات ال حقيقة هل��ا لتجاوز‬
‫املشكالت الكونية‪ ،‬فإن أدب اخليال العلمي قد‬
‫نقل هذه املشكلة من جمال الطبيعة إىل جمال‬

‫‪44‬‬

‫السياسة‪ ،‬أعين أصبح مصري العامل املعاصر بيد‬
‫الساسة وليس بيد الطبيعة‪ ،‬وعليه تبقى فجوة‬
‫واسعة مل يستطع النقد األدبي العربي احلديث‬
‫جتاوزها ليقدم جتارب اخليال العلمي العربي‬
‫إىل ق��رائ��ه تقدمياٌ ي��ت�لاءم م��ع أف��ك��ار الثقافة‬
‫النقدية اجلديدة‪.‬‬
‫‪7‬ـ البد يف اخلتام من تعيني بعض املرتكزات‬
‫ال�تي ق��ام عليها أدب اخليال العلمي العاملي‪،‬‬
‫وبيان املكانة الالئقة اليت تبوأها بني األنساق‬
‫الثقافية النقدية املعاصر‪ ،‬يف حماولة لتوجيه‬
‫النقد العربي ليأخذ حظه من تلك اإلسهامات‬
‫النقدية اليت ميكن أن يواكب من خالهلا مسار‬
‫أدب اخليال العلمي العربي‪ ،‬الذي ينتشر ويتوسع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫من دون أدنى حماولة لتصنيفه ودراسة مساته‬
‫الفنية والفكرية اخلالقة‪ ،‬وميكن أن نوجز تلك‬
‫املالحظات على النحو اآلت��ي لتكون مبنزلة‬
‫النتيجة اليت يفضي إليها هذا املبحث‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إنّ أغلبَ النُّقاد الذين سلطوا الضوء على‬
‫أدب اخليال العلمي العربي يف مباحثهم قد‬
‫وقع يف فخ التعميم‪ ،‬إذ مل جيدْ طريق ًة واضحة‬
‫متكنه م��ن ف��ص��ل أدب اخل��ي��ال العلمي عن‬
‫الفنتازيا‪ ،‬وليس ذلك فحسب بل إنّ الكثريين‬
‫منهم قد جعل الفنتازيا اليت تفتقر يف خياالهتا‬
‫إىل مرجعية علمية صحيحة بداي ًة ألدب اخليال‬
‫العلمي العربي‪ ،‬ويبقى الشاروني متفردا يف هذا‬
‫الباب حني أقصى كتابات احلكيم الفنتازية‬
‫عن ساحة اخليال العلمي‪ ،‬وه��ذا ال��رأي يضع‬
‫حماولته يف بداية الطريق النقدي الصحيح‪،‬‬
‫لكنه لألسف ارتد على عقبيه حني أثنى على‬
‫أعمال وصفي لكوهنا متهر األساليب القصصية‬
‫على حساب املضامني العلمية‪ ،‬واألصل أن يكون‬
‫أدب اخليال العلمي ص��ورة ملضمون الثقافة‬
‫امل��ع��اص��رة‪ ،‬وم��ن هنا ك��ان جي��در ب��ه أن ينزاح‬
‫تلقائياً عن أساليب النقد التقليدي‪ ،‬ليسجل‬
‫لنفسه عالمة فارقة توافق الطبيعة اجلديدة‬
‫للمادة امل��دروس��ة‪ ،‬فليس باإلمكان أن يتقدم‬
‫أدب اخليال العلمي ضمن األشكال األسلوبية‬
‫التقليدية الرتياده عوامل جديدة‪ ،‬فهذا يستلزم‬
‫صيغاً جديدة تطول عناصر السرد من شخوص‬
‫وأحداث وأزمنة وأمكنة‪ ،‬ثم إن ترابط العناصر‬
‫يف مثل هذا احلال جمرد أمناط قابلة للتجريب‪،‬‬
‫طاملا أن أدب اخليال العلمي جترييب بامتياز‪،‬‬
‫وبقي على النقد العربي أن يتعامل معه على‬
‫أساس ثقايف يرصد أحوال املتغري الثقايف الذي‬
‫مس بنية الفكر وبنية اجملتمع العربي يف ضوء‬
‫حركة التواصل اليت آذنت هبا ثورة االتصاالت‬
‫يف العامل احلديث‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بدت معاجلات النقاد العرب مضامني‬

‫أدب اخليال العلمي بعيدة عن النازع احلداثي‪،‬‬
‫مع أن ذل��ك األم��ر مستقر يف وج��دان الثقافة‬
‫املعاصرة‪ ،‬ويبدو أن جترد كثري منهم من فكرة‬
‫التحديث يف أثناء ممارساهتم النقدية‪ ،‬محلهم‬
‫على إب���داء مجلة م��ن امل�لاح��ظ��ات اهلامشية‬
‫حول صلة أدب اخليال العلمي ب��األدب العام‪،‬‬
‫من حيث األساليب واملضامني‪ ،‬بيد أن املشكلة‬
‫اخلطرة اليت جنمت عن تلك املمارسات تتمثل‬
‫يف تصميمهم على إحلاق أدب اخليال العلمي‬
‫ب��األدب العام وإدراج��ه بصورة تعسفية ضمن‬
‫أنساق النقد األدب��ي‪ ،‬وه��ذا إمن��ا ب��دا واضحاً‬
‫من خالل تطبيقهم مقاييس النقد األدبي على‬
‫أساليب ومضامني أدب اخليال العلمي‪ ،‬يف حني‬
‫قطع النقد العاملي شوطاً واسعاً يف استثمار‬
‫معطيات أدب اخليال العلمي للنهوض بنقد‬
‫يتجاوز النقد احل��داث��ي يسمى ال��ي��وم بالنقد‬
‫الثقايف‪ .‬واأله��م من كل ذلك أن النقد العربي‬
‫إىل اآلن مل ميعن النظر يف حقيقة اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬أي النظر إليه بوصفه صيغة من صيغ‬
‫فهم احلياة اجلديدة وفهم طبيعة التحوالت‬
‫السريعة يف مسار العلم‪ ،‬مبعنى آخر مل يستقر‬
‫إىل اآلن أن أدب اخليال العلمي العربي حيسن‬
‫أن يكون وسيل ًة لفهم احلياة املعاصرة‪ ،‬وأسلوباً‬
‫جديداً للتعبري عن مشكالت العصر احلالية‬
‫واملستقبلية‪.‬‬
‫ج ‪ -‬مل يكن هنالك جهد واضح لدى النقاد‬
‫العرب يف تناوهلم أدب اخليال العلمي لبيان ماذا‬
‫كان ذلك األدب بالفعل يصور ثقافة اجملتمع‬
‫العربي‪ ،‬ويسهم يف فهم طبيعته‪ ،‬ويفضي إىل‬
‫بيان اهتماماته‪ ،‬ويؤصل بصورة معمقة مشكالته‬
‫إزاء ما يتمخض عن العلم والسياسة من كوارث‪،‬‬
‫ويصوغ من خالل فهم اخليال العلمي األسئلة‬
‫الكبار اليت تستهدف الوجود االجتماعي العربي‪،‬‬
‫ومن ثم السعي لوضعه على أعتاب ثقافة‬
‫ما بعد احلداثة يف ضوء تزايد احلاجة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪45‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إىل كشف املصري احملري إزاء مشكالت املستقبل‬
‫اليت تنجم وستنجم عن أخطار التسابق النووي‬
‫وتلوث البيئة واستنزاف املقدرات اإلنسانية يف‬
‫مصلحة األيدلوجيات السياسية املعاصرة‪.‬‬
‫د ‪ -‬ليس هنالك ب��ي��ان واض���ح يف النقد‬
‫العربي يقر بأثر أدب اخليال العلمي يف تنوع‬
‫أنساق النظرية األدبية احلديثة‪ ،‬ورف��ده تلك‬
‫النظرية مبفردات علمية ومضامني معرفية‬
‫م��ن شأهنا حت��دي�ثُ جم��االت ال���رؤى النقدية‬
‫العربية املعاصر‪ ،‬ب��ل إن مرحلة اجل���دال مل‬
‫حتسم لدى كثري من دارسي أدب اخليال العلمي‬
‫العربي إزاء جتنيسه بصورة مستقلة أو إحلاقه‬
‫بضروب األدب العام وال سيما الفنتازية‪ ،‬ثم إن‬
‫الدخول يف مراحل تصنيف ذلك األدب بقيت‬
‫خارج دائرة االهتمام النقدي هلذا مل يتحقق‬
‫لكثري من الدراسات واملقاالت املنجزة يف هذا‬
‫الباب الوقوف على مضامني جديدة توصل‬
‫إليها كتاب اخليال العلمي العربي ليعرضوا‬
‫من خالهلا املشكالت احلقيقة اليت حتول من‬
‫دون انفتاح اجملتمع العربي على ثقافة العصر‬
‫أع�ني ثقافة ما بعد احل��داث��ة‪ ،‬ك��أدب اخليال‬
‫السياسي مثالً ال��ذي قطع ش��وط�اً ك��ب�يراً يف‬
‫اآلداب العاملية‪ ،‬يف حني ظل اخليال العربي‬
‫بعيداً عن مرحلة التأمل العلمي‪ ،‬بوصفه خارج‬
‫نطاق اإلنتاج العلمي احلقيقي‪ ،‬وخارج زمن ما‬
‫بعد احلداثة‪.‬‬
‫ه��ـ ‪ -‬هنالك دراس����ات خففت على حنو‬
‫مقصود من حال التشاؤم والقلق الذي امتازت‬
‫به بعض أعمال كتاب اخليال العلمي العربي‪،‬‬
‫ويف ومهها أن تقدم خدمة جليلة لتلك األعمال‪،‬‬
‫وفاهتا أهن��ا بذلك تسلخ عنها أج� َّ�ل أهدافها‬
‫املوضوعية ؛ ذل��ك ألن أدب اخليال العلمي‬
‫عامة وأدب اخليال السياسي خاصة يشحن‬
‫الذهن بكثري من املخاوف إزاء مستقبل البشرية‬
‫املفعم بالكوارث واألزم��ات‪ ،‬وهو بذلك يرمي‬

‫‪46‬‬

‫إىل عجز األيدلوجيات السياسية املعاصرة يف‬
‫حل مشكالت املستقبل‪ ،‬ال بل إنه يوجه األنظار‬
‫بصورة فاعلة إىل إسهام تلك األيدلوجية يف‬
‫مضاعفة شقاء اإلنسان‪ ،‬ألهنا يف آخر األمر‬
‫تستغل مشاعره لتحقيق مكاسب سياسية بدأ‬
‫العامل يلمس نتائجها بصورة واقعية‪.‬‬
‫ز ‪ -‬مل يقل أح��د ممن تناول دراس��ة أدب‬
‫اخليال العلمي العربي بأن ذلك األدب جاء يف‬
‫مصلحة الثقافة الشعبية العامة‪ ،‬وما حتمله‬
‫من تصورات إزاء شكل السلطة وتأويل التاريخ‬
‫وحتوالت احلاضر وآمال املستقبل‪ ،‬وكذلك مل‬
‫ينتبه أحد إىل اآلن بأن أدب اخليال العلمي‬
‫العربي ص��ورة مناهضة لثقافة النخبة‪ ،‬وأن‬
‫اهتمام صغار السن يف اجملتمع العربي به من‬
‫خالل متابعتهم ما يعرض منه على شاشات‬
‫التلفزة ميكن أن يكون بالفعل الصيغة املستقبلية‬
‫ألدب جديد بوسعه تقديم فهم خمتلف للحياة‬
‫املعاصرة واملستقبلية‪ ،‬يف ضوء تراجع شعارات‬
‫النخبة السياسية اليت القت ميداناً واسعاً يف‬
‫األدب النخبوي التقليدي يف مراحله املختلفة‪.‬‬
‫هذه آمال ال تزال معلقة وأسئلة ال تزال تبحث‬
‫عن إجابات‪ ،‬ويف ومهي أن النقد األدبي ليس‬
‫مب��ق��دوره اإلج��اب��ة عنها يف املرحلة احلالية‪،‬‬
‫طاملا أنه يريد أن يتجاهل املنحى العصري يف‬
‫أدب اخليال العلمي‪ ،‬وال أدري إىل متى سيبقى‬
‫ذلك األدب حمموالً على أجنحة اخليال األدبي‬
‫ليبقى أم��راً ال ي��زال بعيداً عن اهتمام نقاد‬
‫األدب‪ ،‬وهم يضيعون الوقت يف جدل غري جمد‬
‫قد يتمخض من خالله ما إذا كان أدب اخليال‬
‫العلمي صورة من صور األدب أو هو صورة من‬
‫صور الثقافة‪ ،‬وحبسم هذا اجلدل ميكن للنقد‬
‫الثقايف العربي أن ينبثق متعلقاً هبذا النموذج‬
‫اجلديد فيكتسب بذلك فضيلة االنفتاح على‬
‫أنساق جديدة ميكن أن تبعث فيه حياة جديدة‬
‫ومتجددة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫احلواشي‬
‫‪1‬ـ قاسم‪ ،‬حممود (اخليال العلمي أدب القرن العشرين) ط اهليئة املصرية‬
‫العامة للكتاب ‪2006‬ص ‪.12:‬‬
‫‪2‬ـ املرجع السابق ص‪.14:‬‬
‫‪3‬ـ املرجع السابق ص‪.16:‬‬
‫‪4‬ـ املرجع السابق ص‪.18:‬‬
‫‪5‬ـ املرجع السابق ص‪.23:‬‬
‫‪6‬ـ املرجع السابق ص‪.21:‬‬
‫‪7‬ـ الرباعي‪ ،‬عبد القادر ( ثقافة النقد ونقد الثقافة ) جملة عامل الفكر‬
‫العدد‪ 3‬اجمللد ‪ 33‬مارس ‪2005‬ص‪ 208:‬ومابعدها‪.‬‬
‫‪8‬ـ املرجع السابق ص‪.212:‬‬
‫‪9‬ـ املرجع السابق ص‪.217:‬‬
‫‪10‬ـ املرجع السابق ص‪.222:‬‬
‫‪11‬ـ املرجع السابق ص‪.231:‬‬
‫‪12‬ـ قاسم‪ ،‬حممود ( أدب اخليال العلمي) ص‪.116‬‬
‫‪13‬ـ عوض‪ ،‬رمسيس ( جورج أوريل حياته وأعماله) اهليئة املصرية العامة‬
‫للكتاب ‪.1981‬‬
‫‪14‬ـ قاسم‪ ،‬حممود ( أدب اخليال العلمي) ص‪ 118 :‬ومابعدها‪.‬‬
‫‪15‬ـ املرجع السابق ص‪ 125:‬ومابعدها‪.‬‬
‫‪16‬ـ الشاروني‪ ،‬يوسف ( أدب اخليال العلمي يف األدب العربي) جملة‬
‫عامل الفكر الكويتية أكتوبر ‪1985‬م‪.‬‬
‫‪17‬ـ قاسم‪ ،‬حممود ( أدب اخليال العلمي) ص‪.204 :‬‬
‫‪18‬ـ املرجع السابق ص‪.205:‬‬
‫‪19‬ـ عطية‪ ،‬نعيم ( أدب اخليال العلمي) جملة الفيصل العدد‪41‬ص‪.57:‬‬
‫‪20‬ـ عزام‪ ،‬حممد (خيال بالحدودـ طالب عمران رائد اخليال العلمي)‬
‫دمشق دار الفكر ‪2000‬م ص‪.170:‬‬
‫‪21‬ـ املرجع السابق‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪47‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيال العلمي بين‬
‫الرومانسية واألخالق‬
‫نصر الدين البحرة‬

‫َّ‬
‫القمر‪،‬مد احملررون‬
‫عندما نزلت املركبة الفضائية األوىل على سطح‬
‫العلميون أيديهم إىل دفاترهم القدمية‪ ،‬ورجعوا إىل قصص» اخليال‬
‫العلمي» واهلبوط على القمر كما تنبّأ به وصوره الكاتب الفرنسي «‬
‫جول فرين» (‪ )1‬والكاتب اإلنكليزي « هربرت جورج ويلز» (‪ ..)2‬وأعادوا نشر‬
‫املقاطع اليت يتحدث خالهلا هذان الكاتبان عن ذلك اهلبوط الذي مل يتجاوز‬
‫حدود خياهلما يف ذلك الزمن ‪..‬‬

‫‪48‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وال ي����زال ه����واة ق��ص��ص اخل��ي��ال العلمي‬
‫يتحدثون مبزيد من الدهشة واإلكبار‪ ،‬عن قدرة‬
‫«ج��ول ف�يرن» على التنبؤ بكثري من املخرتعات‬
‫واإلجن��ازات العلمية احلديثة‪ ،‬مما سبق له أن‬
‫جرى به قلمه يف رواياته املشهورة « رحلة إىل‬
‫مركز األرض» و «‪ 20‬ألف فرسخ حتت املاء»‬
‫«حول العامل يف ‪ 80‬يوماً» «رحلة يف منطاد» «من‬
‫األرض إىل القمر» يقول ميشيل تكال‪ ،‬الكاتب‬
‫املصري يف التعقيب ال��ذي أردف به ترمجته‬
‫ّ‬
‫امللخصة لرواية فرين «من األرض إىل القمر» ‪:‬‬
‫لقد قدّر فرين سرعة الكبسولة عند إطالقها‬
‫بستة وثالثني ألف قدم يف الثانية‪ ،‬وبعد إطالق‬
‫مركبة « أبوللو» كانت سرعة حمرك املرحلة‬
‫الثالثة ‪ 35.533‬قدماً يف الثانية‪ ،‬وقدّر فرين‬
‫لكبسولته زمناً ال يزيد على ‪ 97‬ساعة و‪13‬‬
‫دقيقة و‪ 20‬ثانية لكي تصل إىل القمر‪ ،‬وكان‬
‫الوقت الذي استغرقته «أبوللو يف رحلتها ‪103‬‬
‫ساعات و‪ 30‬دقيقة ودارت كبسولة فرين عدة‬
‫م��رات ح��ول القمر‪ ،‬على نفس االرت��ف��اع الذي‬
‫وصلت إليه مركبة « أبوللو» القائدة‪.‬‬
‫ويضيف الكاتب‪ :‬ولقد عاين رجال الفضاء‬
‫الذين كانوا يف الكبسولة حالة انعدام الوزن‬
‫وصور كل من الفريقني السطح القمري‪ ،‬كما‬
‫رسم فرين منذ أكثر من مئة عام حبر اهلدوء‬
‫الذي هبط إليه كل من «نيل أرميسرتونغ» و»‬
‫روي��ن الدين» حتى أن خامتة القصة وخامتة‬
‫رحلة « أبوللو» تشاهبتا إىل درجة تدعو للغرابة‬
‫والدهشة‪ ،‬فقد هبطت كبسولة‬
‫« فرين» يف احمليط وهبطت كبسولة « أبوللو»‬
‫يف احمليط أيضاً ‪ . .‬والتقطت سفينة رجال‬
‫الفضاء بعد هبوطهم من القمر‪ ،‬إىل احمليط يف‬
‫احلالتني!‬
‫وبالطبع فإن أح��داً ال يستطيع اجلزم اآلن‬
‫إذا ك��ان ج��ول ف�ي�رن‪ ،‬ق��د كتب قصة اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬من أجل استشراف آفاق جديدة للبحث‬

‫العلمي والكشوف واالخرتاعات العلمية‪ ،‬أم من‬
‫أجل الوصول إىل نوع جديد من املتعة لقارىء‬
‫الرواية‪ ..‬أم من أجل اإلثنني معاً؟‬
‫يف مجيع األحوال‪ ،‬فإن السؤال الذي يطرح‬
‫نفسه اليوم بعد مرور أكثر من مئة سنة على‬
‫وفاة « فرين» هو التايل‪ :‬إىل أين وصل هذا النوع‬
‫األدبي‪ ،‬يف العامل؟ أما زال مهه استشراف آفاق‬
‫جديدة للبحوث والكشوف العلمية‪ ،‬أم إنه أضاف‬
‫إىل ذلك مهاً جديداً ‪ . .‬ومهمة معاصرة؟‬
‫أطرح هذا التساؤل‪ ،‬وأنا حتت تأثري الفيلم‬
‫الذي رأيته يف شريط فيديو‪ ،‬من إخراج الفنان‬
‫اإلسباني «بيدرو الزمنا» فكرة الفيلم أصالً‪ ،‬من‬
‫نفس املبادىء النظرية اليت تقوم عليها قصة‬
‫اخليال العلمي‪ :‬االعتماد على بعض الوقائع‬
‫واحل��ق��ائ��ق العلمية ال��راه��ن��ة‪ ،‬لبناء فرضية‬
‫مستقبلية ممكنة التحقيق يف مقبل األيام‪،‬‬
‫دون أن يكون يف هذه الفرضية‪ -‬الرؤيا ما ال‬
‫يقبله العقل اإلنساني‪ ،‬أو ما ميكن أن يتنافى‬
‫وامل��ع��ط��ي��ات العلمية ال��راه��ن��ة‪ ،‬مب��ا ميكن أن‬
‫تتضمنه من احتماالت‪ ،‬رمبا حتققت يف الزمن‬
‫اآلتي‪.‬‬
‫الفرضية اليت قام عليها الفيلم تنطلق من‬
‫ف��ك��رة‪ ،‬معروفة م��ت��داول��ة منذ س��ن��وات كثرية‪:‬‬
‫إم��ك��ان حفظ احل��ي��اة البشرية‪ ،‬زم��ان �اً يطول‬
‫سنوات عديدة‪ ،‬حتت تأثري «التربيد التدرجيي»‬
‫وب���ات م��ع��روف �اً أن مث��ة مجعيات ق��د أنشئت‬
‫يف أوروب��ا خاصة ‪ . .‬يف سبيل اهل��دف‪ ،‬وإمنا‬
‫يلجأ إىل االستعانة هبذا احللم اجلميل‪ ،‬أولئك‬
‫امل��ص��اب��ون ب��أم��راض مستعصية على العالج‬
‫يف الزمن املنظور‪ ،‬وه��ؤالء الذين استبد هبم‬
‫الفضول اجلميل‪ :‬أن يكونوا عائشني بعد أربعني‬
‫أو مخسني سنة مثالً ‪ . .‬لريوا إىل صورة العامل‪،‬‬
‫كيف ميكن أن تغدو يف تلك األيام ‪. .‬‬
‫لو أن فيلم «ال��ع��ودة الطويلة» توقف‬
‫ع��ن��د ه���ذه احل����دود‪ ،‬ع��ل��ى ال��رغ��م مما‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪49‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ي��ت��ض��م��ن��ه ذل���ك م���ن م��ه��ي��ج��ات حم���رض���ات «‬
‫فانتاستية للخيال»‪ ،‬وعلى الرغم مما ميكن‬
‫أن ينطوي عليه من إثارة وتشويق وإمتاع‪ ،‬لكان‬
‫باإلمكان النظر إليه‪ ،‬كما لو كان عمالً خارجاً‬
‫م��ن «معطف» ج��ول ف�يرن ‪ . .‬ذات��ه ؟ ؟ ولكن‬
‫السيناريو‪ ،‬وقد انتبه إىل هذا املطب‪ ،‬أضفى‬
‫على «العودة الطويلة «حساً» أخالقياً مجيالً‪،‬‬
‫وبعداً فلسفياً يف اآلن ذات��ه‪ ،‬رمبا اتصال على‬
‫هذا النحو أو ذاك‪ ،‬بالفراغ األخالقي الروحي‪،‬‬
‫ال��ذي يصل إىل ح��دود العدمية أحياناً ‪ . .‬يف‬

‫‪50‬‬

‫ه��ذا ال��زم��ن ال��غ��ارق يف ح��ض��ارة االستهالك‪،‬‬
‫وحيث تبدو «الذرائعية» األمريكية‪ ،‬يف أوقات‬
‫كثرية كما لو أهنا سيدة املوقف يف أوروبا وسواها‬
‫من بلدان العامل املتقدم‪.‬‬
‫زوج��ان شابان‪ ،‬تعارفا يف حفلة موسيقية‪،‬‬
‫يف أمسية مجيلة‪ :‬الزوج مهندس معمار موهوب‬
‫مشهور‪ ،‬والزوجة ابنة أسرة بالغة الثراء‪ ،‬ضمهما‬
‫املنزل وعاشا أي��ام�اً هانئة رائعة ‪ . .‬إال أهنا‬
‫كانت غاية يف قصرها‪ ،‬ذاك أن الزوجة الفاتنة‬
‫الصبية‪ ،‬تصاب ف��ج��أة‪ -‬بعد مقدمات بدت‬
‫طبيعية معقولة‪ -‬مبرض مل جيد االختصاصيون‬
‫األطباء عالجاً له ‪ :‬زيادة الدهنيات يف اخلاليا‬
‫العصبية ‪. .‬‬
‫وسقط يف يدي الزوج العاشق‪ ،‬ومل ير أمامه‬
‫سوى أن يوافق على اقرتاح الطبيب‪ :‬لقد بقيت‬
‫هلا يف احلياة أي��ام معدودة ‪ . .‬فلتستغل هذه‬
‫الفرصة‪ ،‬من أج��ل اإلب��ق��اء على حياهتا زمناً‬
‫أط��ول‪ ،‬بواسطة التربيد التدرجيي ‪ . .‬فرمبا‬
‫أمكن الوصول إىل عالج يف املستقبل‪.‬‬
‫وميضي الزوج أيامه وحيداً يف « الفيال» اليت‬
‫صممها حسب رغبة زوجته‪ ،‬قبل احل��ادث يف‬
‫انتظار حدوث املعجزة ‪. .‬‬
‫ومتر األي��ام بطيئة مرهقة‪ ،‬والرجل يشيخ‬
‫ص�براً وان��ت��ظ��اراً‪ ،‬دون أن يفقد األم��ل حلظة‬
‫واحدة يف وقوع املعجزة ‪. .‬‬
‫ويأتي طبيب شاب بعد أربعني سنة‪ ،‬ليزف‬
‫إليه البشرى‪ :‬لقد اكتشف عالجاً ملرض الزوجة‬
‫‪ . .‬وبات باإلمكان أن تعود من جديد إىل احلياة‬
‫‪ . .‬وهكذا كان ‪. .‬‬
‫وم��ث��ل��م��ا رج��ع��ت إىل احل���ي���اة‪ ،‬وبالطريقة‬
‫التدرجيية نفسها‪ ،‬كان على أطباء املشفى أن‬
‫يعيدوها إىل التالؤم مع العامل الذي تغري كثرياً‬
‫بعد أربعني سنة أمضتها بعيداً يف ذلك الكهف‬
‫التكنولوجي البارد‪.‬‬
‫مل تعرف زوجها أول وهلة‪ ،‬فابتعد هذا يداري‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫آالمه الروحية وخيبته املريرة‪.‬‬
‫ولكن هذه مل تكن هي احلقيقة األخرية‪.‬‬
‫«إيرين» الصديقة القدمية للزوجة العائدة‬
‫«أنا» تلعب الدور األول يف إرجاعها إىل العامل‬
‫الذي غابت عنه زماناً طويالً ‪ ..‬وتقودها إىل‬
‫الفيال ال�تي بناها زوجها بعد «جتمدها» ‪. .‬‬
‫ودون ت��ردد‪ ،‬وبكل صدق وحب ترجع الصبية‬
‫ابنة العشرينيات زوج��ة هل��ذا اهليكل املتهدم‬
‫ال���ذي ختطى السبعينيات ‪ . .‬وي���دور حوار‬
‫مجيل بني الطرفني‪ ،‬تؤكد خالله «أنا» قناعتها‬
‫التامة‪ ،‬بالعودة زوجة حمبة‪ ،‬مثلما كانت متاماً‬
‫قبل أربعني سنة ‪ ..‬وتأتي أفعاهلا مؤكدة هذه‬
‫القناعة‪.‬‬
‫فإذا كانت هي معرضة للموت‪ ،‬بني يوم وآخر‬
‫يف ذلك الزمن الشاحب احلزين‪ ،‬فإن زوجها‬
‫مل يكتف بالوقوف عند حدود األمل‪ ،‬بل عاش‬
‫األم��ل كله انتظاراً وص�براً وحرماناً ‪ ..‬من كل‬
‫مباهج احلياة‪ ،‬يف وقت كان يستطيع أن يعيش‬
‫فيه حياة مرضية‪ ،‬بكل مايف الكلمة من معنى‪.‬‬
‫رمبا كان يف ذلك شيء من «امليلودرامية»‪،‬‬
‫ورمبا وجد بعضهم يف ذلك فيضاً من رومانسية‬
‫مل يعد يف هذا الزمن متسع هلا‪ ...‬ولكن الفيلم‪،‬‬
‫اع��ت��م��اداً ع��ل��ى ه���ذه النقطة ب��ال��ذات يرشّح‬
‫نفسه‪،‬كي نراه‪ ،‬كما لو كان رداً «فانتاستيكياً»‬
‫أخالقياً على النزعات اجل��ائ��رة ال�تي مجدت‬
‫العالقات اإلنسانية يف نصف الكرة الغربي‪،‬‬
‫بعد أن أمعن هذا العامل يف «األمتتة» وتعقيدات‬
‫الصناعة احلديثة املتناهية ‪ . . .‬والتكنولوجيا ‪.‬‬
‫‪ . .‬واملعلوماتية ‪ . .‬إخل‬
‫ب��ل��ى ‪ . .‬ال ي���زال يف ع��واص��ف الزمهرير‬

‫املكفهر اليت تغمر هذا الكوكب ‪ . .‬مكان للدفء‬
‫اإلنساني‪ .‬ال تزال هناك كتف يستطيع اإلنسان‬
‫أن يلقي برأسه فوقها ويبكي‪.‬‬
‫ولكن مهالً ف��إن ه��ذا ليس ك��ل ش���يء‪ ..‬يف‬
‫دراما اخليال العلمي الطريفة تلك ‪. .‬‬
‫ذات ليلة يصاب الزوج العجوز بأزمة قلبية‪،‬‬
‫ويستلقي يف سريره فاقداً للحياة‪ ،‬فتبادر الزوجة‬
‫إىل غلق النوافذ واألبواب مجيعاً لتجلس أمامه‬
‫على الكرسي‪ ،‬كأهنا تريد أن تودع هي األخرى‬
‫هذا العامل‪ ،‬ولكن عندما يقرع الطبيب الباب‬
‫وقد جاء يطمئن على مريضته يتضح املوقف‬
‫متاماً ‪..‬‬
‫يسأهلا الطبيب‪ :‬ماذا ستفعلني بعد؟ قالت‬
‫بكل بساطة‪ :‬سأعيش أريد أن أعيش ‪. .‬‬
‫وه��ك��ذا‪ ،‬روي���داً روي���داً‪ ،‬تأخذ تلك السحب‬
‫«امليلودرامية» و « الرومانسية» امللونة تتبدد‬
‫وتبتعد ليحل مكاهنا إح��س��اس ح��اد بإيقاع‬
‫واقعي إنساني ال يتنافى على اإلطالق‪ ،‬والبعد‬
‫األخالقي ال��ذي ميز موقف الزوجة أنا بعيد‬
‫عودهتا إىل احلياة‪ ،‬لقد واجهت املوقف بكل‬
‫الرصانة األخالقية اليت اقتضاها‪ ،‬حني وجدت‬
‫يف انتظارها شيخاً مهدماً فانياً ‪ . .‬وبالصالبة‪،‬‬
‫ذاهت��ا ق��ررت أهنا ستعيش أو هل ميكن القول‬
‫بعد هذا كله‪ ،‬أن حياهتا اجلديدة ستكون سهلة‬
‫هينة‪ ..‬مثلما كانت قبل أربعني سنة؟‬
‫إذا كان موت الزوج يف هناية الفيلم‪ ،‬قد ساهم‬
‫يف إضفاء شيء من التماسك الفين‪ -‬الفكري‬
‫على خ��امت��ة ال��ق��ص��ة‪ ،‬ف��إن ق���رار ال��زوج��ة أن‬
‫تعيش‪ ،‬جعل القصة تستكمل أبعادها اإلنسانية‬
‫واألخالقية معاً‪.‬‬

‫هوامش‪:‬‬
‫‪ )1905 -1828( JULES VERNE -1‬من مؤسسي رواية اخليال العلمي‪.‬‬
‫‪ )1946-1866 ( HERBET GEORGE WEIS -2‬بني أبرز كتاب اخليال العلمي‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪51‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫علم المستقبلية‬
‫وأدب الخيال العلمي‬
‫رائد حامد‬

‫إن تطلع اإلنسان حنو املستقبل واهتمامه مبا سيأتي وبالقادم من األيام ومبا‬
‫حيمله الغد من جمهول هو تطلع قديم جداً وقد جتلى بأشكال وصور كثرية‬
‫مل يتوقف تدفقها عرب العصور‪.‬‬
‫ً‬
‫وهذا االهتمام القديم باملستقبل يشكل وجها من وجوه عالقة اإلنسان بالزمن‪.‬‬
‫فكل مستقبل عند حلظة تارخيية حمددة سيصبح حاضراً وكل حاضر بطبيعته سيصبح‬
‫ماضياً وهكذا‪ .‬ولكن من املستحيل على املاضي أن يكون حاضراً أو مستقبالً‪ .‬ومسرية‬
‫الزمن متصلة ال تعرف االنقطاع وميزتها األس��اس هي خاصية االندفاع الدائم حنو‬
‫املستقبل‪ ،‬والتلفت إىل املاضي والتطلع إىل املستقبل هما ظاهرتان مالزمتان لإلنسان‬
‫خالل مراحل تطوره‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫يف بعضها يغلب على األف����راد والشعوب‬
‫احلنني إىل املاضي والتغين به والعيش يف كنفه‬
‫وحت��ت وط��أة سحره فرتاهم يستسلمون إليه‬
‫وحي��اول��ون إع��ادت��ه‪،‬وت��راه (أي امل��اض��ي) يكيِّف‬
‫أحاسيسهم وأفكارهم وتصوراهتم ويشدهم إىل‬
‫نطاقه فال يكادون يتجاوزون هذا النطاق أو‬
‫يشعرون باحلاجة إىل ذلك‪.‬‬
‫وغلبة هذا التعلق باملاضي حتدث أكثر ما‬
‫حتدث يف اجملتمعات الراكدة‪.‬‬
‫بينما يف مثال آخر جتد آخرين يتشوفون‬
‫املستقبل فتمتد ال��رؤي��ة وت��ث��ور ال��رغ��ب��ة يف‬
‫استكشاف اجملهول وتنبعث لديهم روح املغامرة‬
‫واجملازفة وينطلقون إىل آفاق جديدة يف مواطن‬
‫الشعور والفكر والعمل‪...‬‬
‫األمناط التارخيية لالهتمام املستقبلي‬
‫يرجع تاريخ اهتمام اإلنسان باملستقبل إىل‬
‫البدايات األوىل للتطلع البشري إىل املعرفة‬
‫الشاملة بالكون واستكناه غوامضه وأسراره‪.‬‬
‫وي��رى املفكر قسطنطني زري��ق أن مثة أمناط‬
‫ثالثة تلخص أشكال اهتمام اإلنسان باملستقبل‬
‫عرب التاريخ‪:‬‬
‫األول بدائي‪ :‬متثله ظواهر العرافة والكهانة‬
‫والتنجيم اليت متيزت هبا احلضارات القدمية‬
‫يف مصر وبابل واليونان واهلند‪ ،‬وامللفت أنه رغم‬
‫التطور التارخيي للمجتمعات اإلنسانية ودخول‬
‫معظم مناطق العامل حالة من احلداثة والتقدم‬
‫ترتكز إىل العلم والعقالنية بقيت مثة امتدادات‬
‫وجتليات شديدة الظهور لتلك الظواهر القدمية‬
‫يف معظم اجملتمعات احلديثة ففيها ال زال مثة‬
‫ب��ص��ارون وب��راج��ون وض��ارب��ون بالرمل وقراء‬
‫الكف ومبصرو فناجني القهوة وشدة اللعب‪ ،‬وال‬
‫زال كثريون يف بلدان مثل بلداننا يستطلعون هبا‬
‫حظوظهم ويستكشفون خمبآت االقدار بشكل‬
‫ينقادون فيه للوهم وخيرجون عن أحكام العقل‬

‫ومنطق العلم‪.‬‬
‫أم���ا ال��ن��م��ط ال��ث��ان��ي ف��ه��و من��ط عقائدي‪:‬‬
‫وميثل ال�تراث الديين للبشرية وال��ذي شغلت‬
‫فيه فكرة املستقبل موقعاً مركزياً من خالل‬
‫احلضور القوي ألفكار‪ :‬ال��دار اآلخ��رة واجلنة‬
‫أو الفردوس‪ ،‬ويوم احلساب‪ ،‬وأرض امليعاد‪...‬‬
‫اخل‪ .‬ويتبني هذا التوجه املستقبلي بوضوح يف‬
‫نصوص أنبياء العهد القديم مثل ‪ :‬إرميا وإشعيا‬
‫وحزقيال‪ ،‬ويف األدب الرؤيوي املسيحي الذي‬
‫مثل أم��ل القدماء يف خ�لاص إع��ج��ازي خارق‬
‫بعد الطوفان‪ ،‬وتقارب هذا النزوع كذلك فكرة‬
‫(املهدي املنتظر) يف بعض الرتاث اإلسالمي‪.‬‬
‫والنمط الثالث من��ط ختيلي‪( :‬أسطوري‬
‫وفلسفي) مثله شعراء املالحم القدمية جلجامش‬
‫وه��وم�يروس والفالسفة مؤلفي (اليوتوبيات)‬
‫ب��دءاً من مجهورية أفالطون وص��والً إىل املدن‬
‫املثالية عند توماس مور وفرانسيس بيكون‪.‬‬
‫(راج��ع ‪ :‬زريق ص ‪ 65‬وعواطف عبد الرمحن‬
‫ص‪ )7‬ويف إطار هذا النمط يندرج أدب اخليال‬
‫العلمي خاصة يف القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫ظهور علم املستقبل‬
‫رغم وجود هذه الظواهر التارخيية اليت تدل‬
‫على تطلع دائم لدى اإلنسان حنو املستقبل‪ ،‬إال‬
‫أن املستقبل مل يكتشف عملياً على حد تعبري(‬
‫جيمس ج��ن) م��درس أدب اخليال العلمي يف‬
‫جامعة كنساس األمريكية‪ ،‬إال يف القرن التاسع‬
‫عشر حينما ك��ان��ت ط��رق احل��ي��اة ال�تي عاش‬
‫الناس هبا والتفكري الذي فكروا به آخذين يف‬
‫التغيري جذرياً وبال رجعة نتيجة العلم واالخرتاع‪.‬‬
‫(روبرت سكولز ص ‪)46‬‬
‫ومل يعترب املستقبل علماً إال يف مطلع القرن‬
‫العشرين حيث ظهر هذا املصطلح ألول مرة‬
‫يف ك��ت��اب��ات ع��امل االج��ت��م��اع األمريكي‬
‫جليفالن عام ‪ 1920‬واألمريكي من أصل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪53‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أملاني أوسيب فلخنتهايم عام ‪ *1 1935‬وحتى‬
‫احلرب العاملية الثانية كان مثة عدد من العلماء‬
‫وقلة من املثقفني وبعض اجملالت يف الواليات‬
‫املتحدة وبريطانيا يهتمون باملستقبل بشكل‬
‫علمي وك��ان مثة دع��وات أيضاً لتأسيس علم‬
‫املستقبل‪.‬‬
‫لكن البدايات الفعلية النطالقة هذا العلم يف‬
‫الغرب وقيام مؤسسات ومنظمات ترعى هذا‬
‫التوجه وهذا العلم اجلديد جاءت بعد احلرب‬
‫العاملية الثانية من مصدرين‪:‬‬
‫األول أم��ري��ك��ي على خلفية أمنية تتعلق‬
‫بقضايا الدفاع وبرعاية من مؤسسات حكومية‬
‫مثل الكونغرس ووزارة ال��دف��اع ب��دءاً من عام‬
‫‪**2.1946‬‬
‫والثاني فرنسي‪ :‬على خلفية فلسفية وكجزء‬
‫من التيارات الثقافية اليت تكونت يف فرنسا بعد‬
‫احلرب العاملية الثانية وبتأثريها بدءاً من عام‬

‫‪***3...1951‬‬
‫منذ ذل��ك التاريخ ب��ات الباحثون املهتمون‬
‫اهتماماً ج��اداً باملستقبل يصنفون بوصفهم‬
‫‪:‬مستقبليني ‪ FUTURISTS‬وب���ات هذا‬
‫االهتمام باملستقبل يشكل نسقاً معرفياً خاصاً‬
‫أو علماً يسمى ‪ :‬املستقبلية أو علم املستقبل‬
‫‪.FUTUROLOGY‬‬
‫بعد ذل��ك ظهرت يف ال��غ��رب كله واليابان‬
‫ع��ش��رات ال ب��ل م��ئ��ات ال��رواب��ط واملؤسسات‬
‫وال��ن��وادي واجمل�لات واجلمعيات املهتمة بعلم‬
‫املستقبل واملستقبليات وأخ���ذت ت��رف��د هذا‬
‫التوجه االسرتاتيجي مبئات من العلماء والباحثني‬
‫املختصني بالدراسات املستقبلية‪****4 .‬‬
‫أما عندنا يف العامل العربي مل نتعرف إىل‬
‫مثل هذه االهتمامات إال بعد عام ‪ 1974‬وال‬
‫ت���زال رواب��ط��ه��ا أو مؤسساهتا مقتصرة على‬
‫عاصمتني عربيتني أو ثالثة وتعاني من غياب‬
‫الدعم والتمويل‪.‬‬
‫واملستقبلية أو املستقبليات أو علم دراسة‬
‫املستقبل يعترب حقالً جديداً من حقول املعرفة‬
‫يتناول مستقبل اجملتمعات بوصفه معطى‬
‫جتريبياً انطالقاً من فرضيات متحققة يف‬
‫احلاضر يف حماولة للتنبؤ مبا ستكون عليه‬
‫ص���ورة ه��ذه اجملتمعات يف ال��غ��د‪ ،‬والتحذير‬

‫‪ *-1‬ي��ع��ت�بر‪ :‬س‪ ،‬جيلفيالن ‪S.COUM.‬‬
‫‪ GILFILLAN‬عامل االجتماع األمريكي أول من‬
‫أطلق تسمية (علم املستقبل) وذلك يف رسالة له لنيل‬
‫املاجستري قدمها يف جامعة كولومبيا عام ‪1920‬‬
‫حيث اق�ترح مصطلح ‪MELLONTOLOGY‬‬
‫وه����و ي��ون��ان��ي األص����ل ل�ل�إش���ارة إىل املستقبل‬
‫بوصفه ع��ل��م�اً‪ ..‬أم��ا اس��ت��خ��دام كلمة ومصطلح‪:‬‬
‫‪ FUTUROLOGY‬ألول مرة فكان يف كتابات‬
‫‪ ***-3‬قيام غاستون برجيه العامل الفرنسي‬
‫العامل األملاني املهاجر إىل الواليات املتحدة أوسيب بتأسيس‪ :‬مركز الدراسات الريادية عام ‪ ،1951‬ثم‬
‫فلنختهايم وذلك عام ‪....1935‬‬
‫املركز الدويل للمستقبل املنظور عام ‪...1957‬‬
‫‪ ****-4‬لعل أشهرها‪ :‬مؤسسة املستقبالت‬
‫‪ **-2‬مثال ذلك قيام اجلنرال هـ أرنولد القائد‬
‫العام لسالح ط�يران اجليش األمريكي بتأسيس املمكنة باريس ‪ /1960‬رابطة املستقبليات الدولية‬
‫مؤسسة ران��د كوربوريشن‪ :‬وهي مؤسسة أحباث باريس ‪ . 1961‬معهد هدسون‪ ،‬الواليات املتحدة‬
‫ودراس��ات دفاعية مستقلة عام ‪ 1946‬بتمويل من ‪ ،1961‬نادي روما ‪ ،1968‬مجعية املستقبل العاملية‬
‫شركة دوغ�ل�اس للطريان ودع��م م��ن س�لاح اجلو واشنطن ‪ ... .1966‬معهد تكنولوجيا املستقبل‪-‬‬
‫األمريكي‪ .‬ثم قيامه أيضاً بتأسيس ‪ :‬هيئة التنبؤ ط��وك��ي��و ال���ي���اب���ان‪ 1966‬ومج��ع��ي��ة ع��ل��م املستقبل‬
‫التكنولوجي بعيد امل��دى للجيش‪ ،‬التابعة لوزارة اليابانية‪ -‬طوكيو‪ -‬والرابطة الكندي لدراسات‬
‫األمور املستقبلية‪ ..,.‬اخل‪.‬‬
‫الدفاع عام ‪1947‬‬

‫‪54‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫م��ن امل��خ��اط��ر ال�تي ستواجهها ورسم‬
‫مستقبالت بديلة ميكن الوصول إليها‪.‬‬
‫ويستخدم املختصون يف دراسات‬
‫املستقبل مناهج متعددة منها‪ :‬احلدسي‬
‫واالستكشايف واالستهدايف والشمويل‬
‫وي��ل��ج��ؤون ح��س��ب ه���ذه امل��ن��اه��ج إىل‬
‫مناذج خمتلفة من التنبؤات كالتنبؤات‬
‫التفسريية وامل��ع��ي��اري��ة واالستقرارية‬
‫ومنوذج دلفي‪.‬‬
‫وه��ذه املناهج تطبق على جمموعة‬
‫ك�ب�رى م��ن ال��ق��ض��اي��ا وه���ي مج��ل��ة من‬
‫األزمات واملشكالت واألهوال احملتملة‬
‫املتوقعة وهي ذات طابع عاملي مشرتك‪،‬‬
‫تتوزع بني مسائل البيئة واملناخ والغذاء‬
‫وال���ث���روة وال��ن��م��و واحل���ض���ارة ومنها‪:‬‬
‫التغريات املناخية وتلوث البيئة وموت‬
‫احمل��ي��ط��ات وت���دم�ي�ر ط��ب��ق��ة األوزون‬
‫والتفجر السكاني وت��ن��اق��ص امل���وارد‬
‫الطبيعية واالهنيار االقتصادي والبطالة‬
‫امل��ف��رط��ة وك��ذل��ك‪ :‬اجل��رمي��ة النووية‬
‫وتفاقم ظاهرة التسلح وتزايد العنف‬
‫واجلرمية املنظمة والنزاعات الثقافية‬
‫والعنصرية واحن�لال األس��رة وتراجع‬
‫الريف وتضخم امل��دن وأزم��ة الشبيبة‬
‫وحت���والت اإلمي���ان ال��دي�ني ومستقبل‬
‫املؤسسات الدينية‪.‬‬
‫اخليال واكتشاف املستقبل‬
‫اخليال يف أحد تعريفاته هو (طريقة‬
‫ل�لاس��ت��ك��ش��اف) (راج�����ع‪ :‬ش��اك��ر عبد‬
‫احلميد‪ ،‬ص‪ )50‬واالستكشاف يكون‬
‫أكثر روعة ومعنى عندما يكون لآلتي‬
‫للصورة اليت مل تتكون بعد‪...‬‬
‫ودائ��م�اً ك��ان اخليال هو تلك القوة‬
‫املبدعة اليت تفتح الطريق أمام كشف‬

‫املستقبل‪ ،‬بينما يصبح املستقبل هو‬
‫امليدان األرحب واألغنى واألكثر تعبرياً‬
‫عن قوة التصور‪.‬‬
‫يف حماورة (بروتاجوارس) يتحدث‬
‫أف�لاط��ون يف إش��ارة هي األق��دم (عام‬
‫‪ 321‬ق‪.‬م) عن العالقة بني قوة اخليال‬
‫واملستقبل‪ ،‬عندما يتناول (أسطورة‬
‫ب���روم���ث���ي���وس) ال�����ذي مي��ن��ح (فنون‬
‫اخللق والصناعة واإلب����داع لإلنسان‬
‫وبروميثيوس ه��ذا (ال��ذي يعين امسه‬
‫باليونانية‪ :‬الرائي مستقبالً أو الذي‬
‫ي��رى املستقبل) يظهر يف املثيولوجيا‬
‫اليونانية برمزيته ال�تي ي��رب��ط فيها‬
‫ب�ين اخل��ي��ال وب�ي�ن م��ع��رف��ة املستقبل‬
‫واملخبوء وأسرار اآلهلة العليا‪ ...‬وخيال‬
‫برميثيوس (حسب تلك األسطورة) هو‬
‫خيال خالق مبدع يصل به احلد إىل‬
‫تدمري صاحبه‪( ..‬عبد احلميد ص‪)35‬‬
‫ويف مسرحية اسخيلوس ( برمثيوس‬
‫مقيداً) تظهر أيضاً نار اخليال وقوداًَ‬
‫لإلبداع والرؤيا والكشف‪..‬‬
‫وع��ن��د الفيلسوف اسبينوزا وبعد‬
‫ألفي سنة تقريباً تتجدد ص��ورة هذه‬
‫العالقة بني اخليال واملستقبل حيث‬
‫ي��ت��ح��دث ع��ن (اخل��ي��ال ال��ن��ذي��ر) عام‬
‫‪1664‬م ذلك اخليال مثلما هو مرتبط‬
‫عنده بالعقل وميثل طريقاً للحرية هو‬
‫أيضاً نذير بشرور املستقبل وبأهوال‬
‫اآلتي اليت حتجبها ستارة الزمن( عبد‬
‫احلميد ص‪ )161‬وحديثاً وبعد ظهور‬
‫املستقبليني ومجاعات املستقبل أخذوا‬
‫يواجهون املستقبل على شكلني حسب‬
‫مناهجهم‪ :‬إما مبحاولة استشرافه أو‬
‫التنبؤ ب��ه‪ ،‬أو مبحاولة تطويره‬
‫على الصورة ال�تي يرغبوهنا أو‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ي���س���ت���خ���دم‬
‫امل��خ��ت��ص��ون‬
‫يف دراس����ات‬
‫امل��س��ت��ق��ب��ل‬
‫مناهج متعددة‬
‫منها‪ :‬احلدسي‬
‫واالستكشايف‬
‫واالستهدايف‬
‫والشمولي ‪.‬‬
‫‪55‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عملية البحث‬
‫ع����ن ص����ورة‬
‫ا ملستقبــــــل‬
‫ك���ان���ت على‬
‫ال��������������دوام‬
‫م���رت���ب���ط���ة‬
‫ب���ال���ت���خ���ي���ل‬
‫اإلب�����داع�����ي‬
‫حول ما ميكن‬
‫أن حي���دث‬
‫يف ضـــــــوء‬
‫امل��ع��ط��ي��ات‬
‫الراهنة‬
‫‪56‬‬

‫يظنون أهن��م يتصورنه هب��ا‪ (.‬فرانسوا‬
‫هيتمان ص‪.)78‬‬
‫وم���ن ه��ن��ا اس��ت��خ��دم ب��ع��ض هؤالء‬
‫م��ص��ط��ل��ح��ات م��ن ق��ب��ي��ل ‪ :‬اإلمساك‬
‫باملستقبل واكتشاف املستقبل بينما‬
‫استخدم بعضهم اآلخ��ر مصطلحات‪:‬‬
‫ال��س��ي��ط��رة ع��ل��ى املستقبل وصناعة‬
‫املستقبل‪ ،‬ويف ك�لا احل��ال��ت�ين حيتاج‬
‫اكتشاف املستقبل أو حتى السيطرة‬
‫عليه إىل قوة اخليال‪ ،‬وهي (الفضيلة‬
‫العظمى) كما يقول فرانسوا هيتمان‬
‫وال��ت�ي مت��ث��ل ال��ف��ت��وة ال��دائ��م��ة للفكر‬
‫املنطلق( هيتمان ص‪.)79‬‬
‫وعملية البحث عن صورة املستقبل‬
‫كانت على ال���دوام مرتبطة بالتخيل‬

‫اإلب���داع���ي ح���ول م��ا مي��ك��ن أن حيدث‬
‫يف ض��وء املعطيات ال��راه��ن��ة‪ ،‬وبدون‬
‫ه���ذه ال���ق���درة ع��ل��ى ال��ت��خ��ي��ل ال ميكن‬
‫الوصول إىل أشكال التطورات احملتملة‬
‫للتكنولوجيا وآث��اره��ا املتوقعة على‬
‫ال��ت��ط��ور االج��ت��م��اع��ي واإلن��س��ان��ي‪ ،‬وال‬
‫ميكن رسم صورة جملتمعات الغد مبا‬
‫فيها من مشكالت حمتملة‪ ،‬وبالتايل ال‬
‫ميكن وضع سيناريوهات بديلة متثل‬
‫حلوالً مقرتحة هلذه املشكالت‪.‬‬
‫واكتشاف املستقبل كما يقول (د‪.‬‬
‫أمحد أبو زيد) يعطي للوجود اإلنساني‬
‫معنى خمتلفاً حني يشعر اإلنسان بأنه‬
‫يسهم يف صنع عامل الغد‪ ..‬وهذا حيتاج‬
‫حتى يتحقق إىل وق��ت وجهد وتفكري‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وثقافة وات��س��اع أف��ق وقبل ه��ذا وذاك حيتاج‬
‫إىل ق��درة كبرية على التخيل واإلب��داع وإدراك‬
‫املتطلبات املستقبلية (أمح��د أب��و زي��د جملة‬
‫العربي ص‪.)37‬‬
‫(بني مفهومني)‬
‫يعقد الدكتور أمح��د أب��و زي��د مقارنة بني‬
‫مفهومي املستقبلية واخليال العلمي حيدد فيها‬
‫املسافة بني هذين املفهومني وما جيمع بينهما‬
‫من نقاط التالقي والتوافق‪.‬‬
‫فعلم املستقبل يقوم على اتباع املناهج العلمية‬
‫واألساليب اإلحصائية الدقيقة بعكس اخليال‬
‫العلمي الذي هو قص روائي كيفي‪.‬‬
‫وعلم املستقبل يعتمد على املنهج العلمي‬
‫لتنظيم وترتيب املعرفة عن احلاضر واملستقبل‬

‫مما يسمح لعلماء املستقبليات بوضع نظريات‬
‫يفسرون هبا ماهو قائم بالفعل وما يتوقع حدوثه‬
‫بينما ال يعين روائ��ي اخليال العلمي بشيء أن‬
‫يكون مثة نظرية أو نظرية متماسكة يف نصه‪.‬‬
‫فاجلهد الذي يبذل يف أدب اخليال العلمي‬
‫هو جهد إبداعي ذاتي بعيد متاماً عن املوضوعية‬
‫العلمية وال خيضع للمقاييس واملعايري اإلنسانية‬
‫بعكس ما حيصل يف دراسات املستقبل‪.‬‬
‫وأعمال اخليال العلمي اإلبداعية تعتمد على‬
‫احلدس والتلقائية يف تقديم صور متخيلة عما‬
‫سيؤول إليه عامل اليوم يف املستقبل‪ ،‬وبذلك‬
‫يتخطى اخليال العلمي الواقع وقد يصل إىل‬
‫آف��اق بعيدة ال يكاد يتصورها ذه��ن اإلنسان‬
‫ال��ع��ادي وق��د تتجاوز ت��ص��ورات العلماء‬
‫األكادمييني وتوقعاهتم‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪57‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ويلتقي اخليال العلمي مع علم املستقبل‬
‫يف أن امل��ادة اخل��ام لكل منهما حول املستقبل‬
‫مستقاة من املصدر نفسه‪ ،‬ويلتقيان كذلك يف‬
‫اهلدف األخري الذي هو لكليهما هدف إنساني‬
‫متعلق بأثر التطورات يف احلياة االجتماعية‬
‫وال��ع�لاق��ات اإلنسانية وليس تقديم ن��وع من‬
‫االكتشافات اليت ميكن إجنازها أو اآلفاق اليت‬
‫ميكن ارتيادها‪..‬‬
‫لذلك وعلى الرغم من موجود االختالف‬
‫ال��واض��ح ب�ين اخل��ي��ال العلمي وعلم املستقبل‬
‫يف أسلوب املعاجلة واملنهج واألهداف املبدئية‬
‫ونتيجة لوجود مشرتكات أساسية يعتقد كثري من‬
‫العلماء واملختصني يف الدراسات املستقبلية أن‬
‫األعمال الروائية يف اخليال العلمي اليت تستند‬
‫إىل نظرة مستقبلية هي امتداد منطقي وعنصر‬
‫مساعد أساسي لعلم املستقبل‪ ،‬وبالتايل هي‬
‫نوع من الكتابة يهدف إىل استشراف املستقبل‬
‫من وجهة نظر خاصة‪ ،‬بعيداً عن تلك النظرة‬
‫القدمية‬
‫( االستعالئية) اليت كان يرى فيها املستقبليون‬
‫أن أدب اخليال العلمي هو جمرد صورة أخرى‬
‫من صور األساليب الشعبية الكثرية اليت متارسها‬
‫الشعوب والثقافات للتعرف على املستقبل‪..‬‬
‫ماذا قدم اخليال العلمي (للمستقبليات)؟‬

‫(شرف التأسيس)‬
‫يعترب الباحثون يف علم املستقبل أن جتربة‬
‫أدب اخليال العلمي خاصة يف القرن التاسع‬
‫عشر تندرج يف إطار األمناط التارخيية لالهتمام‬
‫املستقبلي‪ ،‬حيث يعترب (النمط التخيلي) الذي‬
‫يشتمل على رواي��ات وأدب اخليال العلمي يف‬
‫ذلك القرن هو أهم أشكال التفكري املستقبلي‬
‫وأكثرها قرباً لعلم املستقبل‪( .‬زريق ص‪.)76‬‬
‫وقد ازدهر أدب اخليال العلمي يف أواسط‬
‫القرن التاسع عشر مع ظهور روائيني عظام من‬

‫‪58‬‬

‫أمثال الفرنسي جول فرين واالجنليزي هـ‪ -‬ج‪-‬‬
‫ويلز‪.‬‬
‫وق��د آث���ار إن��ت��اج ف�يرن خميلة الكثريين يف‬
‫الغرب وأسهم يف تنبيه وعيهم ألمهية العلم‬
‫والتكنولوجيا‪ ،‬أم��ا ويلز ال��ذي يعترب أح��د أكرب‬
‫اآلب��اء املؤسسني ألدب اخليال العلمي فكان‬
‫أكثر اهتماماً بالتطورات املستقبلية‪ ،‬وقد عين‬
‫مبسألة الزمن عناية ك�برى بوصفها املسالة‬
‫األكثر أمهية يف إشكالية استشراف املستقبل‪.‬‬
‫( زريق ص ‪.)79‬‬
‫وهناك إمجاع بني مؤرخي علم املستقبل أن‬
‫هـ‪.‬ج‪ .‬ويلز ‪ 1946 -1866‬كاتب اخليال العلمي‬
‫األبرز قد قدم إضافات بارزة يف تأصيل االهتمام‬
‫العلمي باملستقبل‪ ،‬وذلك من خالل العديد من‬
‫الدراسات ذات الطابع املستقبلي اليت قدمها‬
‫واليت كان يلقيها يف مجعية املناظرات بالكلية‬
‫اليت كان ي��درّس فيها ومنها‪ :‬التوقعات ‪1901‬‬
‫وم��اض��ي اجلنس البشري ومستقبله ‪،1902‬‬
‫وال��ي��وت��وب��ي��ا اجل��دي��دة ‪ 1905‬وش��ك��ل األشياء‬
‫املستقبلية عام ‪ ،1933‬ومجيع هذه الدراسات‬
‫ك��ان��ت ت����دور ح���ول اس��ت��ك��ش��اف واستشراف‬
‫املستقبل والتعرف بواسطة العلم واألساليب‬
‫االستقرائية البحثية إىل حياه ومهوم األجيال‬
‫املقبلة (عواطف عبد الرمحن ص‪)11‬‬
‫واألك��ث��ر أمه��ي��ة م��ن ذل��ك أن (وي��ل��ز) يعترب‬
‫مؤسساً لعلم املستقبل بوصفه أول من دعى إىل‬
‫مثل هذا النوع من املعرفة البشرية وذلك قبل‬
‫عشرين سنة من ظهور مصطلح علم املستقبل‬
‫ألول مرة( كورنيش ‪ .)139‬يف حماضرة له يف‬
‫املعهد امللكي يف لندن يف ‪ 24‬كانون ثاني ‪1902‬‬
‫يقول ويلز‪:‬‬
‫( إن معظم الناس م��ش��دودون بإحكام إىل‬
‫املاضي ولكن املستقبل قد اكتشف وبإطراد‬
‫حي��ول الناس تفكريهم إليه‪ ،‬إننا منضي إىل‬
‫املستقبل والغد بالنسبة لنا هو الشيء احلافل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫باألحداث‪.‬‬
‫إن جهلنا باملستقبل هو الذي مينح‬
‫املاضي تفوقه وسيطرته على أفكارنا‪،‬‬
‫لكن ميكن وجود نوع أفضل من املعرفة‬
‫أكثر نفعاً وإفادة من التنبؤ الذي نراه)‪.‬‬
‫يتابع وي��ل��ز ق��ائ�لاً‪( :‬ال��ع��ل��م ساعد‬
‫اإلن��س��ان ع��ل��ى اك��ت��ش��اف امل��اض��ي من‬
‫خالل دراساته على طبقات الصخور‬
‫واملستحاثات والعلم نفسه قد يساعد‬
‫اإلنسان على اكتشاف املستقبل‪.‬‬
‫إن احتمال وجود مستقبل استقرائي‬
‫ي��ت��ن��اظ��ر م���ع امل���اض���ي االستقرائي‬
‫للجيولوجيا واآلثار هو أمر وارد)‪.‬‬
‫وي��ت��س��اءل وي��ل��ز‪ :‬م��ا ال��ذي يقف يف‬
‫طريق جتميع هذه الكتلة املتنامية من‬
‫التنبؤات يف ص��ورة مرتبة للمستقبل‬
‫تكون صحيحة كاليقني وصائبة كالعلم‬
‫الكامل ورمبا دقيقة التفاصيل؟ وخيتم‬
‫قائالً‪( :‬أعتقد جازماً متاماً أن املعرفة‬
‫االستقرائية لعدد كبري من األشياء يف‬
‫املستقبل أصبحت اح��ت��م��االً إنسانياً‬
‫كما أعتقد أن ال��زم��ن ال���ذي سيكون‬
‫فيه حمتمالً القول بكشف املستقبل‬
‫كشفاً منهجياً قد أصبح قريباً وقريباً‬
‫جداً‪( )....‬كورنيش ‪)140-139‬‬
‫وتأتي اإلضافة التأسيسية الثانية‬
‫اليت قدمها أدب اخليال العلمي لعلم‬
‫املستقبل من خالل قيام رابطة أنصار‬
‫رواية اخليال العلمي يف بريطانيا اليت‬
‫ك��ان وي��ل��ز ذات���ه على رأس��ه��ا بإصدار‬
‫أول جملة مستقبلية تصدر يف الغرب‬
‫وذلك مطلع عام ‪( 1938‬راجع كورنيش‬
‫ص‪.)468‬‬
‫حيث ص���درت حت��ت اس��م ( الغد‪،‬‬
‫جملة املستقبل)‪:‬‬

‫‪Tomorrow: The Magazine‬‬
‫‪Of The Future‬‬
‫وق�����ام أع���ض���اء ال���راب���ط���ة بدعم‬
‫واح��ت��ض��ان ه��ذه اجمل��ل��ة ون��ش��روا فيها‬
‫أحباثاً ودراسات مستقبلية وتنبؤات عن‬
‫التطورات املقبلة يف ميادين اقتصادية‬
‫واجتماعية منها النقل واملواصالت‪.‬‬
‫مل تعمر ه��ذه اجمللة طويالً بسبب‬
‫ظ��روف احل��رب العاملية الثانية لكنها‬
‫شكلت رغم عمرها القصري كما يقول‬
‫الباحث املستقبلي (إدوارد كورنيش)‬
‫حلقة وص��ل أساسية بني املطبوعات‬
‫املستقبلية وبني جمالت اخليال العلمي‬
‫اليت سبقتها‪.‬‬
‫يف عدد ربيع ‪ 1938‬من اجمللة يقرتح‬
‫األس��ت��اذ ‪ A.M.Low‬وه��و عضو يف‬
‫راب��ط��ة أن��ص��ار رواي���ة اخل��ي��ال العلمي‬
‫ال�بري��ط��ان��ي وأح���د ك��ت��اب جم��ل��ة الغد‬
‫املرموقني أن يكون يف بريطانيا وزير‬
‫للمستقبل‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫(وزارة املستقبل هذه مؤسسة ستكون‬
‫أكثر فائدة من وزارات عديدة وسيكون‬
‫من واجب الوزير فيها مجع املعطيات من‬
‫أحناء العامل كافة وتنظيمها يف جداول‬
‫وامل�لائ��م��ة بينها ومقارنتها وحساهبا‬
‫وس��ي��ك��ون مثل العنكبوت ج��ال��س�اً يف‬
‫شبكته وجيذب حنوه املعارف مجيعها‬
‫ويستخرج وفقها خطوط التأثري اليت‬
‫سترتكها التطورات واالكتشافات على‬
‫اجلنس البشري)‪( .‬كورنيش ص‪)155‬‬
‫ع��ن��دم��ا حت���دث وي��ل��ز ع��ن ض���رورة‬
‫إقامة علم املستقبل عام ‪ 1902‬وعندما‬
‫أصدر مع أنصاره جملة الغد املستقبلية‬
‫ع��ام ‪ ،1938‬ك��ان��ت الدراسات‬
‫املستقبلية واملستقبليات ال تزال‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ع�����ن�����دم�����ا‬
‫حت���دث ويلز‬
‫ع���ن ض���رورة‬
‫إق���ام���ة علم‬
‫ا ملستقبــــــل‬
‫ع��ام ‪1902‬‬
‫وعندما أصدر‬
‫م���ع أن��ص��اره‬
‫جم��ل��ة الغد‬
‫ا ملستقبليــــة‬
‫عام ‪،1938‬‬
‫ك���������ان���������ت‬
‫ال�����دراس�����ات‬
‫ا ملستقبليــــة‬
‫واملستقبليات‬
‫ال تـــــــــــــزال‬
‫يف مرحلــــــة‬
‫امل������خ������اض‬
‫والتكوين‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ك����ث��ي�راً من‬
‫كتاب اخليال‬
‫ال���ع���ل���م���ي‬
‫ال��ك��ب��ار كانوا‬
‫مي����ارس����ون‬
‫ا ال ستشكا ف‬
‫امل���ن���ه���ج���ي‬
‫للمستقبـــــل‬
‫وي���ك���ت���ب���ون‬
‫األحب������������اث‬
‫العلمية عن‬
‫ا ملستقبــــــل‬
‫وي�����ع�����دون‬
‫مستقبليني‪.‬‬
‫‪60‬‬

‫يف مرحلة املخاض والتكوين‪.‬‬
‫وه��ذه املسامهة التأسيسية ألدب‬
‫اخليال العلمي وكتّابه يف علم املستقبل‬
‫تؤكد عمق العالقة بني اخليال العلمي‬
‫أدباً وكتّاباً من جهة وبني املستقبل من‬
‫جهة ثانية حتى غدا هذا األدب حبق‬
‫أدب املستقبل‪...‬‬
‫أدب���اء اخل��ي��ال العلمي مستقبليون‬
‫يستشرفون املستقبل‬
‫مل يكن هـ‪ -‬ج ‪ -‬ويلز املستقبلي الوحيد‬
‫الذي قدمه أدب اخليال العلمي هدية‬
‫هلذا العلم الناشئ (علم املستقبليات) بل‬
‫إن كثرياً من كتاب اخليال العلمي الكبار‬
‫كانوا ميارسون االستشكاف املنهجي‬
‫للمستقبل ويكتبون األحباث العلمية عن‬
‫املستقبل ويعدون مستقبليني‪.‬‬
‫لعل أبرز هؤالء هو آرثر سي كالرك‬
‫‪ Arther. Charles. Clarke‬الذي‬
‫ول��د سنة ‪ 1917‬غ��رب انكلرتا والذي‬
‫ي��ع��رف يف بريطانيا وال��غ��رب كأشهر‬
‫الراوئيني يف ميدان اخليال العلمي‪.‬‬
‫ب���رزت ع�لائ��م ال��ن��ب��اه��ة واالهتمام‬
‫بالعلوم االبتكارية يف سنوات مبكرة من‬
‫حياة ك�لارك ففي سن الثالثة عشرة‬
‫صنع كالرك أول تيلكسوب من عدسات‬
‫قدمية وأنبوب كرتون ومل ميض وقت‬
‫طويل على ذلك حتى حاول صنع جهاز‬
‫التحوير السمعي لضوء الشمس بوسائل‬
‫ميكانيكية‪ ،‬وخ�لال وج��وده يف خدمة‬
‫سالح اجلو امللكي الربيطاني نشر كالرك‬
‫العديد من املقاالت عن االلكرتونيات‪،‬‬
‫وبعدها بقليل نشر أوىل قصصه عن‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬ومن أطرف اكتشافاته‬
‫اليت قدمها يف مقاالته العلمية آنذاك‬
‫عام (‪ )1945‬ذلك املتعلق حبل مشكلة‬

‫وصول موجات الراديو املستقيمة إىل‬
‫ال��ن��ق��اط البعيدة على سطح األرض‬
‫املنحين فقد اق�ترح وض��ع ثالثة أقمار‬
‫صناعية يف مدار على ارتفاع ‪22300‬‬
‫ميل فوق خط االستواء وبذلك ميكن‬
‫توجيه إشارات اإلذاعة منها إىل أجهزة‬
‫االس��ت��ق��ب��ال يف ك��ل م��ك��ان على سطح‬
‫االرض تقريباً‪ ،‬وبعد مضي ثالثة عقود‬
‫على م��ا كتبه ك�لارك يف جملة (عامل‬
‫الالسلكي) الربيطانية حتقق ما ختيله‬
‫بإطالق أقمار االتصاالت الكونية‪.‬‬
‫ك�ل�ارك ال���ذي ق���دم أمج���ل رواي���ات‬
‫اخليال العلمي ومنها‪ :‬مقدمة للفضاء‬
‫عام ‪ ، 1952‬وهناية طفولة عام ‪1953‬‬
‫وروايات‪ :‬املدينة والنجوم ورمال كوكب‬
‫املريخ‪ ،‬واجلانب اآلخر من السماء‪...‬‬
‫اخل‪.‬‬
‫قدم أيضاً كتباً علمية حول مالحة‬
‫الفضاء مثل‪ :‬الطريان الكوني عام ‪1950‬‬
‫واستكشاف الفضاء عام ‪ 1951‬ويف عام‬
‫‪ 1973‬قدم ك�لارك كتابه اهل��ام( صور‬
‫املستقبل‪ :‬حتقيق يف ح��دود املمكن)‬
‫ال���ذي نقله إىل م��رت��ب��ة املستقبليني‬
‫الكبار‪( ..‬راجع‪ :‬كورنيش ص‪ ،299‬عبد‬
‫احملسن صاحل ص‪.)233‬‬
‫ويف مثال آخر جيمع بني املستقبلية‬
‫واخل���ي���ال ال��ع��ل��م��ي ي�ب�رز اس���م اسحق‬
‫آزمي��وف ‪ Isaac Asimov‬املعروف‬
‫كروائي خيال علمي أمريكي (من أصل‬
‫روس��ي) وك��ان قد غ��ادر وطنه وعمره‬
‫ثالث سنوات فقط عام ‪ 1923‬لينشأ‬
‫ويتعلم يف الواليات املتحدة يف بروكلني‬
‫ثم كولومبيا وي��درس الكيمياء وحيوز‬
‫على شهادة الدكتوراه فيها ويدرّسها يف‬
‫جامعة بوسطن‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫آزميوف هذا كان يكتب قصص اخليال العلمي‬
‫منذ مرحلة املدرسة الثانوية‪ ،‬فقصته األوىل‬
‫(ملقى أمام فيستا) تعود إىل عام ‪ 1938‬وبعدها‬
‫قدم سلسلة طويلة من روايات اخليال العلمي‬
‫اهلامة منها ثالثيته( املؤسسة) وأنا إنسان آيل‪،‬‬
‫ومتمرد يف السماء والشمس العارية‪...‬اخل‪.‬‬
‫إضافة إىل ذلك كان آزمي��وف باحثاً علمياً‬
‫غزير اإلنتاج فحتى عام ‪ 1977‬بلغ عدد كتبه‬
‫‪ 184‬كتاباً‪ ،‬ومنذ عام ‪ 1974‬أخذ آزميوف ينشر‬
‫مقاالت حول املستقبل على غاية من األمهية يف‬
‫جملة (رسالة اليونسكو) حول التفجر السكاني‬
‫يف العامل وآفاقه املستقبلية وخماطره وغريها‬
‫م��ن املواضيع املستقبلية م��ا جعله يعترب من‬
‫كتاب املستقبليات املرموقني أيضاً( راجع‪ :‬عبد‬
‫احملسن صاحل ص‪ 40‬كورنيش ص‪.)326‬‬
‫ويف مثال ثالث يربز اسم أل��دوس هكسلي‬
‫‪ Aldous Huxley‬ك��ات��ب اخل��ي��ال العلمي‬
‫الربيطاني الشهري والذي عرف يف الغرب بدءاً‬
‫من ع��ام ‪ 1932‬بوصفه واح��داً من أه��م كتاب‬
‫ونقاد أدب اخليال العلمي خاصة بعد إصداره‬
‫روايته الشهرية‪ :‬عامل جديد شجاع‪.‬‬
‫أل��دوس هكسلي ه��ذا ب��دءاً من ع��ام ‪1956‬‬
‫وحتى وفاته عام ‪ 1963‬اخن��رط مع عدد من‬
‫العلماء األم��ري��ك��ي�ين منهم‪ :‬ويليس هارمان‬
‫وجون مسايثز وجريالد هريد يف إجراء دراسات‬
‫وأحب��اث علمية مستقبلية‪ ،‬وتركزت أحباثهم‬
‫حول األبعاد املستقبلية الستخدام كيماويات‬
‫التغذية االسرتجاعية احل��ي��وي��ة‪ ،‬كما شارك‬
‫ه��ؤالء يف إج��راء استكشاف منهجي للتجربة‬
‫الذاتية اإلنسانية يف شتى ح��االت الوعي‪..‬‬
‫(راج��ع كورنيش ص‪ ،310‬عبد احملسن صاحل‬
‫ص‪)84‬‬
‫ومثة أمثلة أخرى كثرية تثبت مدى االرتباط‬
‫الوثيق بني اخليال العلمي أدباً وكتاباً وبني علم‬
‫املستقبليات واالستشراف املستقبلي‪.‬‬

‫موقع أدب اخليال العلمي يف اقرتاحات ألفني‬
‫توفلر املستقبلية‪:‬‬
‫منوذج (صدمة املستقبل ‪)1970‬‬
‫قدم الباحث املستقبلي املعروف ألفن توفلر‬
‫يف كتابه صدمة املستقبل عام ‪ 1970‬صورة عن‬
‫العالقة بني اخليال العلمي واملستقبلية حني‬
‫أكد أن مستشاري أزمات الغد لن يكونوا خرباء‬
‫تقليديني يف فروع املعرفة بل سيكونوا‬
‫االستشرافيني ومن بينهم أدباء اخليال‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪61‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العلمي‪.‬‬
‫ويقرتح توفلر خلق مايسميه بؤر املستقبل‬
‫حيث يتم التدرّب يف بيئات حتاكي البيئات‬
‫املستقبلية وس��ت��ك��ون كتب وأف�ل�ام اخليال‬
‫العلمي من أهم املواد اليت ستساعد املتدربني‬
‫على رسم صورة احلياة اليت سيعيشون هبا‪.‬‬
‫كما ي��ق�ترح تشكيل جملس املستقبل يف‬
‫امل���دارس واجملتمعات احمللية حيث ستكون‬
‫مب��ث��اب��ة خ�لاي��ا تنبؤية تعمل ع��ل��ى صياغة‬
‫مستقبالت مفرتضة وسيكون لكتّاب اخليال‬
‫العلمي دور ه��ام يف ه��ذه اجملالس وستلعب‬
‫أفكارهم دوراً ه��ام�اً يف دع��م ق��وى التخيل‬
‫الالزمة خللق عادة التوقع‪.‬‬
‫التطور التكنولوجي املتسارع خلق خماوف‬
‫م��ن مسألة التكيف والح���ظ توفلر وجود‬
‫خم���اوف م��ن ف��رط التنبيه حيث ق��د يؤدي‬
‫العجز عن التكيف مع التغري إىل موقف جديد‬
‫من احلقيقة المييز بني احلقيقة والوهم ‪.. .‬‬
‫لذلك أخذ يبحث عما أمساه (املدى التكيفي)‬
‫ويقول إن أكثر األفراد قدرة على التكيف‬
‫هم أولئك الذين يستجيبون لزماهنم ويعيشونه‬
‫حقاً وحيسون تشوقاً وحنيناً حقيقياً إىل‬
‫املستقبل‪.‬‬
‫ومن مقرتحاته أيضاً يف إطار املدى التكيفي‬
‫إنشاء مراكز ختيلية مكرسة للتخيل املستعني‬
‫بالوسائل الفنية‪ ،‬وستكون أماكن يستدعى‬
‫إل��ي��ه��ا ال��ن��اس للتخيل اخل�ل�اق وجيتمعون‬
‫لدراسة األزم��ات احلاضرة وتوقع األزمات‬
‫املستقبلية واحلدس حبرية حول املستقبالت‬
‫املمكنة‪ :‬مستقبل امل��واص�لات داخ��ل املدن‪،‬‬
‫كيف ميكن ملدينة املستقبل أن تواجه حركة‬
‫الناس واألشياء عرب املكان؟ وسيجند حسب‬
‫رأي توفلر هذا املركز ألجل ذلك روائي خيال‬
‫علمي وفنانني وحناتني و راقصني و مصممي‬
‫أثاث ومالحظي مواقف سيارات «كما ميكن‬

‫‪62‬‬

‫ختيل وس��ائ��ل التحكم بالضجيج‪ -‬ووضع‬
‫تصورات لتطوير املرافق الصحية يف املدن‪-‬‬
‫وعن مشكلة الزحام‪ ،‬والصراعات العنصرية‪-‬‬
‫والعناية باملسنني وألف مشكلة أخرى»‬
‫يقول توفلر‪ :‬ق��د تكون األف��ك��ار املقدمة‬
‫غريبة ومضحكة أو مستحيلة عملياً لكن‬
‫جوهر التفكري اخلالق هو االستعداد ملداعبة‬
‫أي فكرة ومعاجلتها ويف النهاية وضع تيار‬
‫األف��ك��ار املتدفقة حمل اختبار دقيق وحكم‬
‫صارم‪.‬‬
‫وخي��ت��م ال��ف��ك��رة ب��ق��ول��ه‪ :‬إن��ن��ا حب��اج��ة إىل‬
‫مالذات أمينة للتخيل االجتماعي‪.‬‬
‫ويقول إننا حباجة أيضاً إىل أفكار ختيلية‬
‫شاملة ح��ول اجملتمع ككل على منط (عامل‬
‫جديد شجاع) و‪ 1984‬وهو يشري إىل روايات‬
‫خيال علمي هلكسلي وأورويل‪.‬‬
‫ويقول توفلر‪ :‬إن أطفالنا جيب أن يدرسوا‬
‫أعمال ك�لارك ووليام ت��ن‪ -‬روب��رت هانيلني‬
‫وراي براد بوري و روبرت شيكلي ال ألن هؤالء‬
‫يستطيعون أن حيكوا عن السفن الصاروخية‬
‫وماكينات الزمن لكن األه��م من ه��ذا ألهنم‬
‫يستطيعون أن ي��ش��دوا أذه���ان الشباب إىل‬
‫االس��ت��ك��ش��اف ال��ت��خ��ي��ل��ي ألدغ����ال القضايا‬
‫السياسية واالجتماعية والنفسية واألخالقية‬
‫اليت ستواجههم عندما يكربون‪.‬‬
‫ه��ك��ذا ي��رس��م توفلر ص���ورة ال��ع�لاق��ة بني‬
‫اخل��ي��ال العلمي وع��ل��م املستقبل وتتلخص‬
‫مالمح هذه الصورة بالنقاط اآلتية‪:‬‬
‫ألدب اخليال العلمي دور يف التكيف واملدى‬
‫التكيفي المتصاص صدمة املستقبل اليت هي‬
‫صدمة التغيري‪.‬‬
‫أدب اخليال العلمي يساعد على تعزيز‬
‫امل��ع��رف��ة باملستقبل وع��ل��ى ت��ك��وي��ن فروض‬
‫واضحة حوله ويساهم يف خلق وع��ي قوي‬
‫باملستقبل من خالل إثارة االهتمام باملضامني‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫االجتماعية والشخصية للمستقبل وليس‬
‫فقط بقسماته التكنولوجية‪.‬‬
‫أدب اخليال العلمي يدعم ق��وى التخيل‬
‫الالزمة خللق عادة التوقع‪.‬‬
‫إذاً ألدب اخليال العلمي هدف تربوي عظيم‬
‫الشأن فهو جيعلنا نشارك يف ختيل اجملهول‬
‫ويعدنا للمستقبل حيث يقول املستقبليون‪:‬‬
‫إن أي إنسان يتوقع مواجهة الصعاب املقبلة‬
‫ويريد التغلب عليها البد أن يقرأ أدب اخليال‬

‫العلمي‪ ،‬حول هذا يقول توفلر‪ :‬إن قراءة أدب‬
‫اخليال العلمي أمر الزم للمستقبل‪ ،‬ويقول‬
‫آرث��ر سي ك�لارك‪ :‬إن القراءة النقدية ألدب‬
‫اخليال العلمي هي مبثابة تدريب أساسي ملن‬
‫يتطلع إىل األمام أكثر من عشر سنوات‬
‫لذلك ميكن أن يقال أن أدب اخليال العلمي‬
‫هو أدب املستقبل أو جتربة املستقبل كما يقول‬
‫هناد شريف‪.‬‬

‫املصادر‪:‬‬
‫السيطرة على املستقبل‪ ،‬فرانسوا هيتمان‪ ،‬ترمجة كمال خوري‪ ،‬وزارة الثقافة‪ ،‬دمشق ‪.1981‬‬
‫اخليال العلمي وعلم املستقبل‪ ،‬د‪.‬أمح��د أبو زيد‪ ،‬جملة العربي الكويتية‪ ،‬العدد ‪ 535‬عام‬
‫‪.2003‬‬
‫التنبؤ العلمي ومستقبل اإلنسان‪ ،‬د‪ .‬عبد احملسن ص��احل‪ ،‬سلسلة عامل املعرفة‪ ،‬الكويت‬
‫‪.1981‬‬
‫اخليال‪ :‬من الكهف إىل الواقع االفرتاضي‪ ،‬د‪ .‬شاكر عبد احلميد‪ ،‬سلسلة عامل املعرفة ‪،‬‬
‫الكويت‪.2009،‬‬
‫حنن واملستقبل‪ ،‬د‪ .‬قسطنطني زريق‪ ،‬دار العلم للماليني‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية ‪.1980‬‬
‫آفاق أدب اخليال العلمي‪ ،‬روبرت سكولز وآخرون‪ ،‬ترمجة حسن شكري‪ ،‬اهليئة املصرية العامة‬
‫للكتاب ‪.1996،‬‬
‫الدراسات املستقبلية اإلشكاليات واآلفاق‪ ،‬د‪ .‬عواطف عبد الرمحن‪ ،‬جملة عامل الفكر‪ ،‬الكويت‬
‫العدد‪ ،4‬شهر مارس ‪.1988‬‬
‫صورة املستقبل وإرادة التغيري‪ ،‬د‪ .‬أمحد أبوزيد‪ ،‬جملة العربي الكويتية العدد‪ ،605‬إبريل‬
‫‪.2009‬‬
‫اخرتاع املستقبل‪ ،‬د‪ .‬أمحد أبو زيد‪ ،‬جملة العربي الكويتية‪ ،‬العدد ‪ ،604‬مارس ‪.2009‬‬
‫صدمة املستقبل املتغريات يف عامل الغد‪ ،‬ألفن توفلر‪ ،‬ترمجة حممدعلي ناصيف‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار‬
‫هنضة مصر‪.1974،‬‬
‫املستقبلية‪ ،‬إدوارد كورنيش‪ ،‬ترمجة حممود فالحة‪ ،‬وزارة الثقافة‪ ،‬دمشق‪.1994،‬‬
‫حنن واملستقبلية‪ ،‬رائد حامد‪ ،‬جملة الباحثون‪ ،‬دمشق العدد ‪ ،4‬تشرين األول‪.2007،‬‬
‫إشكالية العالقة بني العلم واألدب‪ ،‬رائد حامد‪ ،‬جملة اخليال العلمي‪ ،‬دمشق العدد األول‪،‬‬
‫آب‪.2008،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪63‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املدينة املفقـودة‬

‫د‪ .‬طالب عمـران‬
‫كانت الباخرة تتعرض فعالً لكارثة‪،‬‬
‫وكان ركاهبا مصابني بالرعب وقد‬
‫أيقنوا النهاية‪..‬‬
‫مل يكن يف تلك اجلزيرة سوى طائرة واحدة‪،‬‬
‫تل ّقت األم��ر باإلسراع حنو الباخرة‪ ،‬الغارقة‬
‫وك��ان سبب إسراعها يف التوجه حنو مكان‬
‫غرق الباخرة‪ ،‬كون الباخرة حتمل شحنة من‬
‫املواد الطبية من اهلند إىل الدول اإلفريقية‪..‬‬

‫‪64‬‬

‫وق��د حاولت الطائرة بعد أن ألقت الزوارق‬
‫املطاطية‪ ،‬وأنزلت بعض الغطاسني إنقاذ هذه‬
‫األدوية من التلف يف البحر‪ ،‬ومل تنجح سوى‬
‫بإنقاذ القليل منها‪ ،‬توجهت حبمولتها هذه‬
‫صوب اجلزيرة من جديد‪ ..‬ومل يفكر قائدها‬
‫– طبقاً لألوامر اليت تلقاها – أن يساهم يف‬
‫إنقاذ أي من الركاب الذين كانوا يصارعون‬
‫املوج‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫كانت مهمتها منحصرة وحمدودة‪ ..‬ومن بني‬
‫الركاب الذين كانوا يصارعون املوج صحايف‬
‫ش��اب مت� ّك��ن م��ن ال��وص��ول لعارضة خشبية‬
‫طافية ألقى جسمه فوقها وب��دأ جي��دف يف‬
‫اجتاه الغرب‪..‬‬
‫اهلل يعلم أين حنن اآلن‪ ،‬وكم نبعد عن أقرب‬
‫ش��اط��ئ‪ ..‬كانت ح��ادث��ة هائلة أت��س��اءل كيف‬
‫حصلت ملثل ه��ذه الباخرة الضخمة‪ ..‬هه‪..‬‬
‫الساعة اآلن تقارب الثامنة صباحاً‪ ..‬أمامي‬
‫وقت كبري من العمل املتواصل‪ ..‬يا إهلي أعنّي‬
‫عادت الطائرة من جديد‪ ،‬يبدو أهنم حياولون‬
‫إنقاذ شحنة األدوية دون اهتمام بالبشر‪ ..‬إهنم‬
‫يد ّلون حبالً‪ ،‬هاهم يسحبون الغواص األول‪،‬‬
‫الثاني‪ ..‬ه��ه‪ ..‬يا إهل��ي‪ ..‬أحد الركاب يتعلق‬
‫باحلبل‪ ،‬إهنم حياولون منعه‪ ..‬مازال متشبثاً‬
‫باحلبل مسكني‪ ..‬إنه يسقط‪ .‬سأتابع عملي‪،‬‬
‫ال فائدة من هؤالء الناس ‪.‬‬
‫واستمر عامر جي��دف وه��و ف��وق اخلشبة‬
‫الطافية حتى شعر بالتعب‪ ،‬وأصابه الرعب‬
‫وهو يبصر الشمس ختتفي خلف األفق ويبدأ‬
‫الظالم‪ ..‬ولكن هدوء البحر أغراه بالعوم فوق‬
‫اخلشبة الطافية‪..‬‬
‫وحني أيقظه ازدي��اد امل��وج من حوله‪ ،‬كان‬
‫الظالم شديداً خميفاً والبحر مضطرباً أخذت‬
‫أمواجه باالرتفاع‪ ..‬شعر سامر أن ال سبيل‬
‫أمامه سوى املقاومة‪ ..‬لكي ينجح يف البقاء‬
‫على قيد احلياة‪..‬‬
‫شعر ب��أن ق���وةً جت��ذب��ه حن��و جهة معينة‪،‬‬
‫وبدأت اخلشبة تدور حول نفسها وأحس كأن‬
‫هاوية تبتلعه ثم فقد الوعي‪..‬‬
‫ك��ان��ت منطقة دوام����ات حب��ري��ة‪ ..‬ولكنها‬
‫دوام��ة حبرية مصطنعة قذفته على جزيرة‬

‫جمهولة‪..‬‬
‫آه‪..‬يا إهلي‪ ..‬أين أنا؟ هل أنا حقاً أحلم أم‬
‫أنين فعالً فوق الشاطئ‪ ..‬أشعر برأسي يدور‪،‬‬
‫والتعب خيدرني‪ ،‬ولكين أشعر ب��ال�برد‪ ..‬آه‪..‬‬
‫م��اذا أرى؟ إنه رجل ملتح مسربل بالسواد‪..‬‬
‫ليس وحيداً كما يبدو‪ ..‬هناك عدة رجال‪»»..‬‬
‫ ارفعوه على الن ّقالة‪..‬‬‫ تبدو خائفاً مرتعباً‪..‬‬‫ آه‪ ..‬من هؤالء الناس‪ ،‬هل أنا أحلم؟ ال‬‫يبدو عليهم ال��ش��ر‪ ..‬إهن��م يبتسمون يل آه‪..‬‬
‫أشعر باخلدر يسيطر عليّ‪ ..‬آه‪..‬‬
‫وحني استيقظ سامر وجد نفسه يف فراش‬
‫وث�ي�ر‪ ..‬وق��رب��ه ف��ت��اة مجيلة ت��رت��دي مالبس‬
‫بيضاء‪..‬‬
‫ امس��ي لينا‪ ،‬أن��ا الطبيبة املشرفة على‬‫عالجك‪..‬‬
‫ تتكلمون العربية؟‬‫ حن��ن نتكلم ل��غ��ات ع��دي��دة م��ن بينها‬‫العربية‪..‬‬
‫ أنتم لستم عرباً إذن؟‬‫ حنن مزيج من جنسيات خمتلفة وحّدها‬‫احللم خبالص العامل من الطغيان‪ ..‬امسك‬
‫سامر‪ ،‬أنت صحايف مغامر‪..‬‬
‫ وكيف عرفت؟‬‫ أجهزتنا عرفت كل شيء عنك‪..‬‬‫ أجهزتكم؟‬‫ ستفهم كل شيء‪ ..‬لسنا أشراراً ال تقلق‪..‬‬‫حاول أن ترتاح اآلن‪..‬‬
‫ أنا جائع‪..‬‬‫ ستتناول طعامك حني تستيقظ ‪ ،‬خذ‬‫قطعة احللوى هذه‪..‬‬
‫نام سامر وهو حيلم بالوجه اجلميل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪65‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫للطبيبة‪ ..‬وح�ين استيقظ بعد وق��ت ّ‬
‫مخنه‬
‫طويالً وج��د ع��دة أشخاص يف حجرية‪ ،‬من‬
‫بينهم الشخص امللتحي ال���ذي قابله على‬
‫الشاطئ‪..‬‬
‫ لقد أصبحت حبالة طيبة اآلن‪..‬‬‫ نعلم أنك كنت يف باخرة غرقت نتيجة‬‫ختريب مقصود‪ ،‬أدى إىل تدفق املاء داخلها‪..‬‬
‫إن م��ن سبّب يف غ��رق ال��ب��اخ��رة‪ ،‬ه��و مالكها‬
‫نفسه‪ ،‬ك��ان��ت ب��اخ��رة ق��دمي��ة م��ؤمّ��ن عليها‪،‬‬
‫وسيكون املبلغ الذي يقبضه من التأمني كافياً‬
‫له للخوض يف جمال عمل آخر‪..‬‬
‫ال��ن��داءات ال�تي وجهتها الباخرة من أجل‬
‫إغاثتها جعلت إحدى عصابات التهريب الدولية‬
‫ترسل طائرة هليوكوبرت متلكها إلنقاذ كمية من‬
‫األدوية الطبيّة‪ ،‬وهي أدوية خمدّرة من الغرق‪..‬‬
‫أدوية خمدرة ستبيعها تلك العصابة يف السوق‬
‫السوداء‪..‬‬
‫ وكيف وصلتكم هذه املعلومات؟‬‫ لنا مصادرنا الدقيقة السريعة‪ ،‬لقد حققنا‬‫يف األمر فور مساعنا نداءات االستغاثة ‪..‬‬
‫ ومل����اذا مل ت��ش��ارك��وا يف عملية إنقاذ‬‫الركاب؟‬
‫ً‬
‫ حن��ن بعيدون تقريبا ع��ن م��ك��ان غرق‬‫الباخرة لقد قذفتها التيارات البحرية عدة‬
‫أم��ي��ال إىل اجل��ن��وب بعيداً ع��ن��ا‪ ..‬ث��م إننا ال‬
‫نستطيع التدخل‪ ،‬لنا ظروفنا اخلاصة ولو مل‬
‫تكن أنت يف دائرة عملنا‪ ،‬ملا متكنا من إنقاذك‪..‬‬
‫لنا ظروفنا اخلاصة فعالً يا سامر‪..‬‬
‫ ولكن من أنتم؟ ما هي هذه اجلزيرة؟ وإىل‬‫أي دولة تتبع؟‬
‫ً‬
‫ حنن ال نتبع أحدا‪ ،‬جزيرتنا مستقلة‪ ،‬ال‬‫يد غريبة فيها‪ ،‬ثم أننا منعزلون عن العامل‬

‫‪66‬‬

‫حتى اآلن‪ ،‬نراقب ونستطلع وال نتدخل لئال‬
‫يكشفنا أحد‪..‬‬
‫ كيف خت��اف��ون م��ن أن يكتشفكم أحد؟‬‫هل أنتم هاربون من العامل‪ ،‬لقيامكم بأعمال‬
‫منافية للقانون‪..‬‬
‫ ال تستعجل يا سامر‪ ،‬لسنا كما تقول‪..‬‬‫لدينا ظروفنا الدقيقة‪ ..‬سنعرفك عليها‬
‫ح�ين حي�ين األوان‪ ..‬ميكنك ت��ن��اول الطعام‬
‫واالسرتاحة إذا رغبت ستعرف كل شيء ‪ ،‬ال‬
‫تقلق‪ ..‬ولكن كما قالت لك لينا حني جييء‬
‫الوقت املناسب‪..‬‬
‫«» يا إهل��ي‪ ،‬إهنم خيرجون بانتظام‪ ..‬لينا‬
‫ابتسمت يل قبل أن تغلق الباب‪ ..‬يبدو وجهها‬
‫بريئاً عذباً‪ ..‬آه يا إهلي‪ ،‬ترى من هؤالء الناس؟‬
‫وماذا يفعلون هنا؟ وملاذا عزلوا أنفسهم عن‬
‫العامل اخل��ارج��ي؟ ه��ه‪ ..‬جيب أن أت��رك هذه‬
‫التساؤالت اآلن‪ ..‬أشعر باجلوع‪ ،‬تبدو رائحة‬
‫الطعام شهية‪ ..‬مسك مشوي‪ ،‬وبعض احملار‪..‬‬
‫آه‪»« ..‬‬
‫صحا سامر مرة أخرى فرأى نفسه وسط‬
‫سرير وث�ير يف غرفة دائ��ري��ة مت�لأ األجهزة‬
‫جدارها األسطواني‪ ..‬هنض بصعوبة وهبط‬
‫عن السرير ف��إذا بالباب ينفتح وتدخل إليه‬
‫مم��رض��ة ت��رت��دي ث��وب�اً أب��ي��ض وقبعة زهرية‬
‫اللون‪ ،‬اقرتبت منه وابتسامتها املطمئنة متأل‬
‫وجهها وغرزت حقنة يف ذراعه فأحسّ خبدر‬
‫يتمشّى يف أوصاله وغفل من جديد‪..‬‬
‫أم��ا مل دخلت إليه املمرضة‪ ،‬ومل أعطته‬
‫احلقنة املخدّرة‪ ،‬فألنه كان خيضع الختبارات‬
‫مطوّلة وسط تلك الغرفة املليئة باألجهزة‪..‬‬
‫لقد كان هناك سبب وراء هذه االختبارات‬
‫مل يتعرف عليه سريعاً‪ ..‬وعندما استيقظ من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫جديد ووجد نفسه يف غرفة نوم عادية مرحية‬
‫وقربه الطبيبة (لينا) طرح عليها مثل هذه‬
‫األسئلة‪..‬‬
‫ أخ��ض��ع��ن��اك ل��ف��ح��وص دق��ي��ق��ة مشلت‬‫مجيع أعضاء البدن هب��دف االطمئنان على‬
‫صحتك‪..‬‬
‫ االطمئنان على صحيت؟ أنا ال أشكو من‬‫شيء‪..‬‬
‫ أجهزتنا تتنبأ باألمراض اليت ميكن أن‬‫يصاب هبا اإلنسان‪ ،‬وبعد ذلك خنضعه ملراقبة‬
‫دقيقة حتى ال يسيطر عليه امل��رض فجأة ‪،‬‬
‫حن��ن حن���ارب امل���رض ال���ذي ن��ت��وق��ع قدومه‬
‫وننتصر عليه قبل أن ينهش أعضاء البدن‪..‬‬
‫ وه��ل اكتشفتم يف جسمي استعداداً‬‫لإلصابة مبرض ما؟‬
‫ نعم‪ ..‬وستخضع ملراقبة صحية دقيقة‬‫حتى ال يهامجك فجأة‪..‬‬
‫ وأي األم��راض اليت ميكن أن تصيبين‪..‬‬‫ق��د اكتشفتم إمكانية إص��اب�تي هب��ا؟ ه��ل هو‬
‫مرض عضال؟ أم‪..‬‬
‫ نعم‪ ..‬ولن أذكر لك اسم املرض اآلن‪..‬‬‫ودخل رجل متقدّم يف السنّ ‪ -:‬كيف حال‬
‫ضيفنا اآلن؟‬
‫ إنه خبري‪ ،‬ميكنه أن يتجول يف اجلزيرة‬‫حبرية اآلن‪ ..‬وضعه مطمئن‪..‬‬
‫ حسن سأرافقه يف جولته ب�ين مراكز‬‫الطاقة‪ ،‬وتصطحبينه أنت يا لينا بعد ذلك يف‬
‫جولة بني أحياء املدينة الرئيسية على أرض‬
‫اجلزيرة‪..‬‬
‫ ح��س��ن أن���ا ج��اه��زة الص��ط��ح��اب��ه غداً‬‫صباحاً‪..‬‬
‫‪ -‬ع��ظ��ي��م‪ ..‬وسأصطحبه بعد قليل يف‬

‫جولة على مراكز الطاقة‪ ..‬هل أنت مستعد‬
‫يا سامر‪..‬‬
‫ بالطبع‪ ..‬بل ومتشوّق للتعرّف على هذه‬‫اجلزيرة الغامضة‪..‬‬
‫ سنبدأ بزيارة مركز الطاقة البصرية‪ ،‬إنه‬‫أحد أهم مراكز الطاقة عندنا أال ترى احملاور‬
‫الدائرة ضمن األسطوانة املفتوحة‪ ،‬إهنا تكثف‬
‫األمواج اليت يطلقها مركز الطاقة البصرية‪،‬‬
‫حتى يسهل عليها بواسطة املناظري املقربة‬
‫اخرتاق مسافات شاسعة‪..‬‬
‫ أنستطيع إذن رؤية أي هدف بعيد بواسطة‬‫املنظار املقرّب؟‬
‫ بالطبع‪ ..‬إىل أين تريد أن نوجه املنظار‬‫املقرّب؟ على األرض أو إىل أعماق الفضاء؟‬
‫ بل على األرض؟ حنو بيتنا البعيد خلف‬‫اجلبال الغربية‪..‬‬
‫ جيب أن حتدد املكان ضمن منطقة نصف‬‫قطرها عشرة أميال‪..‬‬
‫ أميكن أن أدير املنظار إىل أي مكان على‬‫األرض؟‬
‫ بالطبع‪..‬‬‫ ولكن كي تصلكم الصورة مادام املنظار‬‫املقرّب يتوجه إىل األعلى؟‬
‫ إنه يتوجه صوب أحد أقمارنا الصناعية‪،‬‬‫ال��ذي يقوم ب��دوره بتقريب املنطقة املطلوبة‬
‫بواسطة مرآة عاكسة‪..‬‬
‫ تبدو العملية صعبة‪ ،‬ولكن ال بأس‪ ..‬أرجو‬‫أن أوجّه املنظار صوب مدينيت خلف اجلبال‬
‫الغربية‪..‬‬
‫ً‬
‫ حاول القيام بذلك معتمدا على نفسك‪..‬‬‫ حسن‪ ،‬اعطين مكانك‪ ،‬سوف أحدّق‬‫يف هذا املنظار حتى تتعب عيناي‪ ..‬أنا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪67‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫متشوق لرؤية أمي وأخوتي وأصدقائي‪..‬‬
‫ تفضل خذ مكاني ‪..‬‬‫ هه‪ ..‬سأحرك هذه اليد الصغرية‪ ..‬ما‬‫هذا كأنين أرى جانباً كبرياً من سطح األرض‬
‫حيث ختتلط املياه باليابسة‪ ..‬أرى مدينة على‬
‫شاطئ البحر ه��ه‪ ..‬سأوقف حركة املنظار‬
‫وأثبته فوق املدينة‪..‬‬
‫ ح��رك ه��ذا اللولب قليالً سيقرب لك‬‫ال��ص��ورة وميكنك توجيهها ص��وب أي هدف‬
‫ضمن دائرة قطرها ميل واحد‪..‬‬
‫ً‬
‫ هه‪ ..‬الصورة تبدو أكثر وضوحا‪ ،‬أستطيع‬‫أن أميز البيوت ‪ .‬املنظر يبدو غري مألوف يل‪،‬‬
‫هل هي مدينة أخ��رى غري مدينيت؟ ولكنها‬
‫صورة من اجلو قد تكون مدينيت‬
‫ مم��ك��ن م���ادم���ت مل ت��س��ت��ط��ع حتديد‬‫إحداثياهتا بشكل دقيق‪..‬‬
‫ً‬
‫ أرى ق���ص���راًَ ض��خ��م �ا ي��ت��ح��رك أمامه‬‫احلراس‪ ..‬آه إنه قصر حمافظ املدينة‪..‬‬
‫ كيف ع��رف��ت أن��ه ق��ص احمل��اف��ظ؟ إذن‬‫تعرف تلك املدينة‪..‬‬
‫ نعم‪ ..‬هي مدينيت‪ ..‬سأفتش عن بييت‪..‬‬‫ه��ه‪ ..‬ي��ا إهل���ي‪ ..‬العدسة السحرية تتحرك‬
‫متسح الدور واملنازل والنباتات العالية‪ ..‬آه‪..‬‬
‫ها أنذا أصل إىل بيت حتيط به حديقة‪ ..‬إنه‬
‫منزلنا‪ ..‬ال أستطيع أن أرى أحداً داخله‪..‬‬
‫ مل نتوصل بعد إىل تقنية خترتق اجلدران‬‫يا سامر‪..‬‬
‫ً‬
‫ سأنتظر عليّ أملح شخصا يدخل أو خيرج‬‫من املنزل‪ ..‬يا إهلي‪..‬‬
‫ وم��اذا ستستفيد؟ ال تستطيع حمادثة‬‫ذلك الشخص أو الوصول إليه‪ ..‬تعلم أن هذا‬
‫مستحيل‪..‬‬

‫‪68‬‬

‫ معك حق‪ ..‬هه‪ ..‬سأترك هذا املنظار‪..‬‬‫ولكن قل يل ماذا يفيدكم النظر هبذا املنظار؟‬
‫وهل القمر الصناعي الذي تستخدمونه هو‬
‫ملك لكم‪..‬‬
‫ املنظار يفيدنا يف الرصد وتتبع األحداث‬‫اليت تنبهنا إليها أجهزة الراديو ووكاالت األنباء‬
‫العاملية ومن بينها وكالة أنباء تابعة لنا‪ ..‬ثم‬
‫أن القمر الصناعي هو ملك لنا‪ ،‬حنن أطلقناه‬
‫وحول األرض هناك حنو (‪ )12‬قمراً صناعياً‪،‬‬
‫أطلقت هذه األقمار مجيعها خلدمة أغراض‬
‫معينة لعلمائنا‪..‬‬
‫ً‬
‫ يبدو األم��ر غريبا ف��ع�لاً‪ ..‬أال تتبعون‬‫حلكومة ما؟ أو لقوة كربى مثالً؟‬
‫ ال‪ ..‬حنن مستقلون عن العامل‪ ،‬وال نتبع‬‫أي حكومة صغرية أو كبرية‪ ..‬منلك تقنية كافية‬
‫لنحمي أنفسنا من الفضوليني ‪..‬‬
‫ وملاذا هذه العزلة عن العامل؟‬‫ لقد اخرتنا عزلتنا‪ ،‬حتى ال نقع فريسة‬‫لتناحر القوى واملؤثرات اليت ميكن أن تؤثر على‬
‫مشاريعنا يف محاية الكوكب‪ ،‬ومحاية اإلنسان‬
‫على الكوكب من غدر الفئات املتسلطة على‬
‫مقدراته‪..‬‬
‫ تبدو جزيرة طوباوية‪ -‬مثالية‪..‬‬‫ ب��ال��ع��ك��س‪ ..‬إهن��ا ج��زي��رة واق��ع��ي��ة تضم‬‫خالصة احلضارة اإلنسانية‪ ..‬ويعمل فيها‬
‫أفراد من البشر آمنوا واإلنسان املتفهم الواعي‬
‫لظروف تواجده يف الكون‪..‬‬
‫ هل أنا يف حلم؟ سبحان اهلل إهنم أناس‬‫مل أر مثيالً هلم‪..‬‬
‫ يوجد زورق يقرتب من اجلزيرة‪ ..‬ماذا‬‫نفعل يا سيدي؟‬
‫ً‬
‫‪ -‬ال تفعلوا شيئا اآلن‪ ،‬سنرى ما يكون من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫أمره‪..‬‬
‫ صورة الزورق ّ‬‫تتضح على الشاشة‪ ،‬يبدو‬
‫أشبه بيخت صغري‪ ..‬ما ال��ذي دفع أصحابه‬
‫للقدوم به إىل هذه اجلزيرة املنعزلة‪..‬‬
‫ عليه بعض املسلحني‪..‬‬‫ البأس‪ ..‬مل نتبني هويتهم بعد‪..‬‬‫ أحتدث مثل هذه احلوادث معكم أحيانا؟ً‬‫أقصد أيقصدكم بعض الفضوليني أو املغامرين‬
‫بعض األحيان؟‬
‫ بالطبع‪ ..‬وال نتدخل معهم إذا مل يكن‬‫األذى والضرر هو ما يفعلونه‪..‬‬
‫ مل أفهم ما تقصد يا سيدي؟‬‫ أح��ي��ان �اً ي��أت��ي امل��ه��رب��ون إلخ��ف��اء بعض‬‫بضائعهم‪ ،‬ولكننا نتعامل معهم بشكل جيعلهم‬
‫يتخلون عن فكرة استخدام اجلزيرة كملجأ‬
‫سري لنشاطاهتم‪..‬‬
‫ مل اف��ه��م م��ا تعين جبعلهم ي��ه��رب��ون أو‬‫يتخلون عن فكرة استخدام اجل��زي��رة كمقر‬
‫لنشاطاهتم‪..‬‬
‫نقوم ببعض النشاطات احلربية‪ ،‬يتوهم‬
‫املهربون أن اجلزيرة عبارة عن قاعدة عسكرية‬
‫لدولة كربى‪ ..‬فيبتعدون عنها‪..‬‬
‫ إن��ه رج��ل كهل بصحبة بعض الفتيات‪،‬‬‫ومعه حراس وأتباع‪..‬‬
‫ يبدو أنه أحد األثرياء املغامرين‪ ،‬رمبا‬‫خطرت له فكرة اللجوء هلذه اجلزيرة املعزولة‬
‫ملمارسة مغامراته النسائية يف غفلة عن‬
‫األعني‪..‬‬
‫ وجهه يظهر على الشاشة إنه رجل يف‬‫ح��وايل الستني‪ ،‬ي��ا إهل���ي‪ ..‬إن��ه حم��اط بست‬
‫فتيات مج��ي�لات ص��غ�يرات يف ال��س��ن‪ ..‬إهنم‬
‫يهبطون اجل��زي��رة‪ ..‬الرجال حيملون خياماً‬

‫وأجهزة ومعدات‪..‬‬
‫ يبدو أهنم سيستقرون هنا لعدة أيام‪..‬‬‫ماذا نفعل يا سيدي؟‬
‫ طبقوا اخلطة الثالثة‪ ..‬وهبدوء‪..‬‬‫ حاضر يا سيدي‪..‬‬‫ أحضرتك إىل هنا‪ ،‬لرتى ما نفعله يف مثل‬‫هذه احلاالت‪..‬‬
‫ كأننا يف غرفة عمليات ضخمة هبا أجهزة‬‫متطورة‪..‬‬
‫ بالطبع إهنا إحدى غرف عملياتنا على‬‫اجلزيرة‪..‬‬
‫ آه‪ ..‬السيد سامر‪ ..‬أهالً بك‪..‬‬‫ سرياقب ما نفعله بركاب اليخت الصغري‪.‬‬‫انظر ياعامر‪ ،‬الرجل الكهل صاحب اليخت‪،‬‬
‫يتمدد على الرمال ومعه الفتيات‪..‬‬
‫ إن��ه مي��ازح��ه��ن‪ ..‬اخل��دم حوله يقدمون‬‫الطعام وال��ش��راب‪ .‬آه يبدو متهتكاً لدرجة‬
‫الت��ط��اق‪ -..‬ولكن م��ا ال��ذي ح��دث؟ يبدو أن‬
‫الفتيات يقفزن خائفات‪..‬‬
‫ انظر جيداً‪ ..‬أال ترى اجلهة اليت ينظرن‬‫إليها‪..‬‬
‫ يا إهلي‪ ..‬إهنا أفعى ضخمة تقرتب منهم‪،‬‬‫أحد الرجال يسدد بندقيته إنه يصيب األفعى‬
‫ولكنها تستمر يف التقدم‪ ..‬إهنا تسبب الذعر‬
‫واخلوف‪ ..‬آه‪ ،‬هاهي أفعى ثانية وثالثة‪..‬‬
‫ يبدو أن اخلطة (‪ )3‬قد جنحت يا سيدي‪،‬‬‫إهنم جيهزون أنفسهم للرحيل‪..‬‬
‫ ه����ذا أف���ض���ل‪ ،‬ج��زي��رت��ن��ا ال تستقبل‬‫الفضوليني بارتياح‪..‬‬
‫وراف��ق أحد أعضاء اجمللس االستشاري ‪،‬‬
‫سامر إىل حمطة القدرة السمعية حيث‬
‫رأى أبواقاً وخماريط معدنية يرتدد فيها‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪69‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫الصدى‪..‬‬
‫وبدأ يتبادل احلديث مع الرجل الذي بدا‬
‫أنه على دراية بكل شيء‪..‬‬
‫ لعل أغرب الرسائل اليت تلقيناها‪ ،‬هي‬‫رسائل مصدرها الفضاء اخلارجي‪..‬‬
‫ الفضاء اخلارجي؟‬‫ نعم‪ ..‬وقد متكن مركز القدرة السمعية‬‫بأجهزته املتطورة من حتليلها‪ ،‬وتبيّن أهنا‬
‫ص��ادرة عن أح��د كواكب اجملموعة النجميّة‬
‫(سيغما) ال�تي تبعد ع��ن أرض��ن��ا (‪ )13‬سنة‬
‫ضوئية أي (‪ )130‬مليون مليون كيلو مرت‪..‬‬
‫ ماذا كانت تقول تلك الرسائل؟‬‫ رسائل سالم ودع��وة للحوار‪ ،‬تصور أن‬‫هذه الرسائل أرسلت قبل (‪ )43‬سنة أي عام‬
‫‪ ..1977‬ال يفصل بني الرسالة والرسالة سوى‬
‫شهر واحد فقط‪..‬‬
‫ هل أجبتم على هذه الرسائل؟‬‫ نعم‪ ..‬وقد أرسلنا أجوبة الرسائل بفاصل‬‫زمين أيضاً مقداره شهر‪ ،‬وآخر جواب أرسلناه‬
‫قبل يومني‪ ،‬قلنا يف أجوبتنا أننا نرحب حبوار‬
‫احلضارات وأن على األرض الكوكب األزرق‬
‫كائن امسه اإلنسان‪ ،‬ذكي قادر على العطاء‬
‫حمبّ للصداقة وتبادل الزيارات‪ ..‬وأنه صنع‬
‫مركبات فضائية انطلقت خارج كوكبه‪ ،‬وحياول‬
‫الوصول لصنع حمطات فضائية للسفر العيد‬
‫بني الكواكب‪..‬‬
‫ً‬
‫ أمر غريب حقا‪..‬‬‫ اآلن س��ن��زور مركز ال��ق��درة الذهنية‪..‬‬‫تفضل‪..‬‬
‫ انظر إىل هذا البناء املستطيل‪..‬‬‫ نعم‪..‬‬‫‪ -‬يف داخ��ل��ه جت���ري ال��ت��ج��ارب ع��ل��ى املخ‬

‫‪70‬‬

‫ال��ب��ش��ري‪ ،‬جت���ارب ت� ّ‬
‫�وض��ح ق����درات الدماغ‬
‫وإم��ك��ان��ات��ه لقد خلق اهلل سبحانه وتعاىل‬
‫اإلنسان وهو يتمتّع مبقدرة خالّقة‪ ..‬إنه ال‬
‫يستخدم من دماغه سوى القليل‪ ،‬وهذا الدماغ‬
‫حيمل إمكانات جتعل اِإلنسان خارقاً يف قواه‬
‫لو استخدم هذه اإلمكانات‪..‬‬
‫ جتارب حيّة على األدمغة البشرية؟‬‫ نعم‪ ..‬تعال معي سرتى بنفسك إمكانات‬‫اخلاليا الدماغية البشرية‪..‬‬
‫ هه‪ ..‬أنا معك ‪..‬‬‫ هذه (تاال) املهندسة املشرفة على املركز‬‫سرتافقنا وتعرّفنا على أقسام املركز وعمله‪..‬‬
‫أهالً وسهالً بك يف مركز القدرة الذهبية‪..‬‬
‫تفضال من هنا‪..‬‬
‫ انتبه جيداً‪ ،‬حتى تفهم كل شيء جيب أن‬‫تركز تفكريك فيما حولك‪..‬‬
‫ حسن‪..‬‬‫ هذه الغرفة األسطوانية املليئة باألزرار‬‫واملقابض اآللية متثل الغدة الصنوبرية حناول‬
‫من خالل جتاربنا فهم عمل هذه الغدة وتطبيق‬
‫أفعاهلا‪ ..‬وبالطبع مازال الطريق شاقاً أمامنا‪..‬‬
‫إهنا غدة غامضة مع ّقدة كما تعلم‪..‬‬
‫ وهذا املخروط الناتئ الذي يدور بسرعة‬‫كبرية؟‬
‫ إنه مركز االختبار الذهين‪ ..‬انظر حوله‬‫ماذا ترى؟‬
‫ أجهزة دقيقة وشاشات متتلئ مبنحنيات‬‫وخطوط ضوئية‪..‬‬
‫ إنه مركز دقيق حساس‪ ،‬خنترب من خالله‬‫عمل الذهن‪ ،‬وصفاءه‪..‬‬
‫ أحتب أن ختترب عمل ذهنك؟‬‫‪ -‬كيف؟‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫ اجت��اه تفكريك‪ ،‬طموحاتك‪ ،‬أحالمك‪..‬‬‫هذا اجلهاز يكشفها أمامك‪..‬‬
‫ ال‪..‬ال لست يف حالة مواتية‪ ،‬أنا متعب‬‫قليالً‪ ،‬وأحب أن أتعرّف على تطور اجلزيرة‬
‫العلمي‪ ،‬قبل أن أبدأ مرحلة االختبار‪ ..‬أتعلم؟‬
‫ش��ع��رت حب��اج��ة الخ��ت��ب��ار ق�����درات احملطة‬
‫السمعية‪ ،‬ولكين أقنعت نفسي بتأجيل ذلك‪..‬‬
‫ سندخل قسم التخاطر وقراءة األفكار‪..‬‬‫تفضل‪. .‬‬
‫ً‬
‫ أرى غرفا صغرية مفتوحة‪..‬‬‫ إهنا معزولة جيداً‪ ،‬حني تدخل إحداها‬‫لن تسمع أي ص��وت‪ ،‬ميكنك إط�لاق تفكريك‬
‫وتركيزه كما تشاء‪ ..‬هي غرف خشبية‪ ،‬خالية‬
‫م��ن امل��ع��دن تتيح مل��ن مي��ارس التخاطر نقل‬
‫أفكاره وتلقي أفكار غريه‪ ..‬اشرح له يابروفسور‬
‫عامر‪..‬‬
‫ً‬
‫ نعلم مجيعا أن تركيز ال��ذه��ن حيتاج‬‫جل��و خ��اص م��ن��اس��ب‪ ..‬ج��و ه���ادئ خ��ال من‬
‫الصخب‪..‬‬
‫ هذا هو جمسّم الدماغ اإلنسان‪ ،‬أقسامه‬‫موصولة بأشرطة كهربائية ت��درس نبضات‬
‫القشرة واخلاليا النبيلة برمتها‪ ..‬إنه جمسّم‬
‫ذو طاقة هائلة تشرتك يف عمله أجهزة كثرية‬
‫وطاقم علمي متفوق‪..‬‬
‫ يا إهلي ماذا أرى؟ إنه جمسّم متقن الصنع‪،‬‬‫يبدو معقداً لدرجة خميفة‪ ..‬يا إهلي‪..‬‬
‫ ميكنك أن تتعرف على مراكز احلسّ‪،‬‬‫والتفكري واإلب����داع‪ ،‬م��راك��ز األح�ل�ام واحملبة‬
‫والعدوان‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ يبدو جمسما دقيقا لعمل الدماغ‪..‬‬‫ ه��ل ه���ذا ال���دم���اغ اهل��ائ��ل آل���ة صنعية‬‫مفكرة؟‬

‫ حناول به تقليد عمل الدماغ البشري‪،‬‬‫نتعرف على خصائصه فقط‪..‬‬
‫ وهذه النبضات الكهربائية واإلشارات؟‬‫ ّ‬‫تدل على عمله وعمل خاليا الذاكرة فيه‪..‬‬
‫انظر هناك‪ ،‬أت��رى ذل��ك الصندوق الضخم‬
‫هناك؟ أمامه شاشات موزعة؟‬
‫ ن��ع��م‪ ..‬جيلس أمامها شبان يف مقتبل‬‫العمر‪..‬‬
‫ إهنم يربجمون العقل االلكرتوني املركزي‬‫حماولني أن يقلّدوا الدماغ البشري‪ ..‬وبالطبع‬
‫العملية مستحيلة‪ ،‬فالدماغ البشري ال ميكن‬
‫تقليده أبداً‪..‬‬
‫ إذن ملاذا يضيعون وقتهم؟‬‫ إلغناء صناعة العقول االلكرتونية‪ ..‬حنن‬‫خنوض حرباً صعبة ضد الصناعات املدمرة‪،‬‬
‫جيب أن جناهبها بإبطال عملها مهما كانت‬
‫رفيعة املستوى‪..‬‬
‫ إهنا أحد املهام امللقاة على كواهلنا يف‬‫ه��ذه اجل��زي��رة‪ ،‬إبطال الصناعات املدمرة‪..‬‬
‫ومنعها من قتل اإلنسان‪..‬‬
‫ إهنا عملية تبدو مستحيلة‪..‬‬‫ ليست مستحيلة‪ ،‬بل صعبة‪ ،‬وحنن حناول‬‫السيطرة على صعوبتها‪..‬‬
‫ كأنين يف حلم‪ ..‬فعالً‪ .‬يا إهل��ي‪ ..‬يبدو‬‫تطورهم غري معقول‪..‬‬
‫وبعد أن زار سامر مركز احملطة الذهنية‪،‬‬
‫اجته لزيارة مركز قدرة التفاعالت الذاتية‪،‬‬
‫وه��و امل��رك��ز ال���ذي ي���درس شخصية الفرد‪،‬‬
‫ويطورها‪ ،‬ويدخل عليها حتسينات‪ ،‬حتدّ من‬
‫عدواهنا واستخدام طاقاهتا ألغراض خاصة‪.‬‬
‫ت��س��اءل‪ :‬ول��ك��ن ك��ي��ف؟‪ .‬أه���ذا ممكن؟‬
‫وعرف األجوبة‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪71‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫فحني يتوجه اإلنسان إىل احملبة والتعاون‬
‫ضمن ظروف صحية‪ ،‬قد ينجح هذا التوجيه‬
‫جبعله كائناً فاعالً يف جمتمعه‪ ..‬ليس أنانياً‬
‫يبين سعادته على أنقاض سعادة اآلخرين‪..‬‬
‫كما يسود جمتمع األرض حالياً‪ ..‬كان الذي‬
‫حدث لسامر مذهالً غريباً‪..‬‬
‫أهنى زيارة ملركز قدرة التفاعالت الذاتية‬
‫وه��و متعب مت��ام �اً‪ ،‬راف��ق��ه الكهل إىل مكان‬
‫إق��ام��ت��ه‪ ..‬وودّع���ه على أم��ل أن يلتقي ب��ه يف‬
‫الغد‪ ..‬وعلى السرير الذي متدد عليه سامر‬
‫بقصد النوم‪ ..‬بدأ يستعيد ما جرى له منذ‬
‫غرق السفينة‪..‬‬
‫«» كأنين أعيش يف حلم‪ ،‬حلم أمتنى أن‬
‫ال أستيقظ منه‪ ..‬أحقاً يوجد بشر حيملون‬
‫صفات مثل ه��ؤالء الذين يعيشون على هذه‬
‫اجلزيرة؟ آه‪ ..‬سأنام اآلن‪ ..‬يا إهل��ي‪ ..‬أحسّ‬
‫بالتعب ‪»« .‬‬
‫ سامر ستحدث ح��رب طاحنة‪ ..‬انتبه‬‫لنفسك‪..‬‬
‫ حرب؟ وكيف حتدث حرب؟ أنتم تعيشون‬‫بسالم ووئام‪ ..‬ال ظلم ال أحقاد‪ ،‬نزعتكم اخليّرة‬
‫ال تعرف احلقد‪ ..‬فمن أين يأتي احلرب؟‬
‫ آه يا س��ام��ر‪ ..‬ح��رب طاحنة‪ ،‬لسنا من‬‫سيسبب ح��دوث��ه��ا‪ ،‬س��ن��ح��اول املستحيل أن‬
‫ال حت���دث‪ ،‬ولكنها ق��ادم��ة ال حم��ال��ة‪ ،‬وحنن‬
‫الضحية‪..‬‬
‫ تبدين حزينة‪ ،‬مل��اذا يا لينا؟ مل��اذا؟ أنت‬‫اليت تعيد ابتسامتك األمل باخلري ‪ ..‬حزينة ‪..‬‬
‫ومتجهمة‪ ..‬لينا‪..‬لينا‪..‬‬
‫ ماذا يا سامر؟‬‫ منذ أن استيقظت على أرض اجلزيرة‬‫وأنا أرى وجهك يف كل مكان‪ ..‬أتعلمني أشعر‬

‫‪72‬‬

‫حنوك حبب ال يوصف‪..‬‬
‫ ال تكن منجرفاً بعاطفتك هكذا؟ أنت‬‫غريب عن هذه الديار‪ ،‬كيف ستستطيع التأقلم‬
‫مع جوّ اجلزيرة؟‬
‫ تعرفت عليكم‪ ،‬دخلتم يف أعماقي نزعتكم‬‫اخلرية‪ ،‬ال أستطيع أن ابتعد عنكم بعد اآلن‪..‬‬
‫ال أستطيع‪ ..‬لينا‪..‬لينا‪..‬‬
‫ وتنسى أهلك وعشريتك؟‬‫ ستصبحون أهلي وقرابيت‪ ..‬آه يا لينا‪..‬‬‫أرجوك‪ ..‬ال تبتعدي عين‪ ،‬وال تبعديين عنك‪..‬‬
‫ آه يا سامر‪ ،‬أنا حزينة ألجلك‪ ..‬كتب علينا‬‫أن ننتهي‪ ..‬وتنتهي كل أحالمنا بكوكب مسامل‪..‬‬
‫آه‪ ..‬ماذا أقول لك‪ ،‬حنن نرى املستقبل القامت‪،‬‬
‫ونعلم أن احل��رب القادمة م��دمّ��رة‪ ..‬سنكون‬
‫حنن ضحاياها أيضاً‪..‬‬
‫ مل��اذا ال��ت��ش��اؤم؟ مل��اذا ال تتفاءل باخلري‬‫واحملبة والسالم؟ لينا‪ ..‬دعيين أعبّر لك عن‬
‫حيب وإعجابي بك‪ ..‬أنت كل شيء يف حياتي‬
‫اآلن‪ ..‬أرجوك امسعيين‪..‬‬
‫ً‬
‫ آه‪..‬آه‪ ..‬مثة شيء يشدني بعيدا آه‪ ..‬كأنه‬‫إعصار بدأ بالدوران حويل حيملين بعيداً‪..‬‬
‫آه‪..‬آه‪..‬‬
‫ لينا‪ ..‬لينا ‪..‬آه‪..‬‬‫ آه‪ ..‬يا إهلي‪ ..‬ما هذا احللم الفظيع؟ آه‪..‬‬‫اإلعصار خطف لينا مين وابعدها يا إهلي‪..‬‬
‫أي حلم هذا؟ هل أنا فعالً أحب لينا‪ ..‬أهذا‬
‫ما يعرب عنه حلمي؟ آه ‪ .‬كم الساعة اآلن‪ ،‬إهنا‬
‫السادسة والنصف صباحاً‪ ..‬سأفتح الستائر‬
‫قليالً يا إهلي يبدو منظر البحر مجيالً حول‬
‫اجلزيرة‪..‬‬
‫ آلو‪..‬نعم‪ ..‬صحوت من النوم قبل قليل‪..‬‬‫‪ -‬بعد س��اع��ة ن��ب��دأ جولتنا على مرافق‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫املدينة‪..‬‬
‫ً‬
‫ سأكون جاهزا باالنتظار‪..‬‬‫ أمامنا جولة متعبة‪ ..‬هل صحتك على‬‫ما يرام؟‬
‫ نعم‪ ..‬ال تقلقي‪..‬‬‫ إىل اللقاء إذن‪..‬‬‫ إىل اللقاء‪..‬‬‫«»ياإهلي‪ ..‬الأزال أتذكر كيفها يف احللم‪..‬‬
‫تبدو قلقة على صحيت‪ ،‬مل��اذا؟ هل رأت أنين‬
‫سأصاب فعالً مبرض عضال؟‪ .‬هكذا أخربتين‬
‫حني كنت يف املخترب الصحي؟ أوه‪ ..‬أمعقول؟‬
‫إهنا ختفي عين شيئاً سأحاول أن أعرفه حني‬
‫ألقاها؟»»‬
‫ تبدو متعباً‪ ،‬أمل تنم جيدا؟ً‬‫ حلمت حلماً فظيعاً‪ ..‬كأن احلرب ستقع‬‫وأن اجلزيرة ستنتهي‪ ،‬كنت حزيناً‪..‬‬
‫ إنه جمرد حلم‪..‬‬‫ً‬
‫ مع األسف أحالمي تتحقق أحيانا‪..‬‬‫ لديك إذن خاصة االستبصار باحللم ؟ ال‬‫عليك ال تفكر هبذا‪..‬‬
‫ حسن ومن أين سنبدأ جولتنا؟‬‫ سنزور إحدى رياض األطفال‪ ،‬ثم سنزور‬‫حديقة عامة‪ ،‬ونتناول الغذاء يف مطعم‪ ..‬ثم‬
‫نستقل حافلة صغرية ندور يف املدينة نتعرف‬
‫على معاملها‪..‬‬
‫ إنه برنامج حافل‪..‬‬‫ سنبدأ بزيارة روضة أطفال‪..‬‬‫ عدد سكان اجلزيرة ال يزيد عن ثالثة‬‫آالف نسمة‪ ،‬ولدينا ثالث روضات منوذجيات‪،‬‬
‫عدد األطفال هنا (‪ )60‬طفالً وطفلة‪..‬‬
‫ ي��ب��دون م��رت��ب�ين ن��ظ��ي��ف�ين‪ ..‬أشكاهلم‬‫متشاهبة‪ ..‬ماذا تعلموهم هنا؟‬

‫ مبادئ القراءة والكتابة وأساليب املعيشة‬‫واالع��ت��م��اد على النفس‪ ،‬ث��م ب��داي��ات برجمة‬
‫احلواسيب‪..‬‬
‫ هنا؟ كيف‪ ،‬أرى أعمارهم صغرية على‬‫احلواسيب؟‬
‫ أعمارهم بني الثالث واألربع سنوات حنن‬‫حن��اول منذ ه��ذه السن الصغرية أن نعلمهم‬
‫الربجمة‪ ..‬بالطبع تبدو لديهم هذه الربجمة‬
‫كلعبة مسلية يتقنوهنا بالتدريج‪..‬‬
‫ غريب فعالً‪ ..‬آه‪ ..‬أرى طفالً جيلس خلف‬‫كومبيوتر صغري‪ ،‬إنه يرسم على شاشته‪ ،‬يبدو‬
‫رمسه مجيالً‪..‬‬
‫ نعم‪ ..‬أتريد تبادل احلوار مع املشرفات‬‫على الروضة‪..‬‬
‫ ال بأس بذلك‪..‬‬‫وبعد أن انتهى سامر بصحبة لينا من زيارة‬
‫روض���ة األط��ف��ال اجت��ه معها ص��وب حديقة‬
‫ع��ام��ة‪ ..‬ك��ان��ت حديقة ص��غ�يرة ت��س��رح فيها‬
‫الطيور‪ ..‬وجيلس على مقاعدها بعض الشيوخ‬
‫والعجائز‪ ..‬والعشاق الصغار‪..‬‬
‫ حديقة عامة كاحلدائق يف أي مدينة؟‬‫ بالطبع‪ ..‬ولكن نظافتها وترتيبها ومجال‬‫خضرهتا وكثرة طيورها أدهشت سامر‪..‬‬
‫ مل أر يف حياتي حديقة فيها هذه األنواع‬‫من الطيور والعصافري‪..‬‬
‫ً‬
‫ جزيرتنا ال تبعد كثريا عن خط االستواء‪،‬‬‫لذلك فالطيور اليت تعيش فيها كثرية وألواهنا‬
‫عديدة‪..‬‬
‫ أرى فتى وف��ت��اة جيلسان على مقعد‬‫دائري‪ ..‬إهنما يتحادثان بصمت‪..‬‬
‫ عاشقات صغريان‪..‬‬‫ً‬
‫‪ -‬أل��ي��س ال��ع��ش��ق مم��ن��وع �ا مل��ن يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪73‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫سنهما؟‬
‫ ب��ال��ع��ك��س س��ن��ه��م��ا ه���و س���ن العشق‪..‬‬‫وبعده يبدأ امليل لالستقرار وتكوين األسر‬
‫السعيدة بعد دراسة مستفيضة لكال الراغبني‬
‫بالزواج‪..‬‬
‫ مل أسألك؟ أنت عازبة بالطبع‪.‬؟‬‫ نعم‪ ..‬وملاذا تسأل؟ كيف عرفت؟‬‫ الحاجة لذكاء كبري ملعرفة أنك وحيدة‪..‬‬‫ولكن هل ستسمحني يل أن أسألك‪ .‬أمل تعيشي‬
‫فرتة عشق مثل هذه الفتاة اجلالسة هناك؟‬
‫ مل��اذا امح��ر وج��ه��ك‪ ..‬لست أخجل من‬‫حياتي أب���داً‪ ..‬ال‪ ..‬مل أعشق يف ه��ذه السن‬
‫الصغرية‪ ،‬ولكن زميلي يف املشفى أعجب بي‬
‫وتبادلنا اإلعجاب ول��دى دراس�تي لألمراض‬
‫اليت ميكن أن تصيبه يف املستقبل‪ ،‬رأي��ت أن‬
‫لديه استعداداً لإلصابة بالسرطان‪..‬‬
‫ وماذا فعلت عندها؟‬‫ّ‬
‫ بالطبع انفصلنا عن بعض وظلت عالقة‬‫ال��ص��داق��ة مستمرة بيننا حتى ت��ويف العام‬
‫املاضي‪..‬‬
‫ يا إهلي إىل هذه الدرجة يصدق تنبؤكم‬‫العلمي‪..‬‬
‫ بالطبع‪ ..‬تنبؤاتنا مبنية على دراسات‬‫منطقية يف علم الوراثة والنسج‪ ..‬هيا نتابع‬
‫جولتنا يف احل��دي��ق��ة‪ ..‬انظر ه��ذه األشجار‬
‫عمرها حنو ثالثة آالف عام‪..‬‬
‫ تبدو خميفة اجلذع‪ ..‬أغصاهنا متفرعة‬‫متشعبة كثرياً‪..‬‬
‫ أتشعر بالتعب؟‬‫ ليس بعد‪ ..‬أريد أن أسألك أيضا؟ً‬‫ تفضل‪..‬‬‫‪ -‬أمتانعني إن قلت لك أنين معجب بك‪..‬‬

‫‪74‬‬

‫وأمتنى أن تنشأ بيننا عالقة أطمح كثرياً أن‬
‫تكون نتيجتها تشكيل أسرة سعيدة‪..‬‬
‫ ال تكن مستعجالً يا صديقي‪ ،‬مثل هذه‬‫العالقات ال تقوم هبذه السرعة‪ .‬أعتقد أنه حان‬
‫الوقت لتناول الطعام يف مطعم‪ ..‬تفضل‪..‬‬
‫ ت��ف��ض��ل‪ ..‬م��ا ال��ط��ع��ام ال���ذي ت��رغ��ب يف‬‫تناوله‪..‬‬
‫ ال بأس‪ ،‬سأقرأ أنواع الوجبات‪..‬‬‫ أهالً بك دكتورة‪ ..‬هذا هو ضيف اجلزيرة‬‫أهالً بك‪..‬‬
‫ إن��ه ال�بروف��س��ور (ك��ري��م) أح��د العاملني‬‫يف حقل التنبؤ العلمي‪ ..‬م��اذا تفعل هنا يا‬
‫بروفسور؟‬
‫ أت��ص��دق�ين؟ حملتكما ت��دخ�لان فدخلت‬‫وراءكما‪..‬‬
‫ أهالً بك‪ ،‬أعتقد أن ضيفنا يسره كثرياً‬‫أن يتعرف على أحد عمالقة التنبؤ العلمية‬
‫عندنا‪..‬‬
‫ بالطبع‪ ..‬فرصة طيبة‪..‬‬‫ً‬
‫ دكتورة لينا‪ ،‬الوقت حرج جدا‪ ..‬جيب أن‬‫تقطعي برناجمك وتعودي إىل املركز‪ ،‬هناك‬
‫أمور خميفة ستحدث‪..‬‬
‫ ماذا يا دكتور؟ هل أرسلوك إلبالغي‪..‬‬‫ نعم‪ ..‬وأيضاً أنا رغبت بذلك‪ ..‬تعلمني‬‫ماتنبّأ به املركز الصحي بشأن الضيف؟‬
‫ كما أذكر‪ ،‬أنه سيصاب مبرض عضال‪..‬‬‫ الوضع أش��د خ��ط��راً‪ ..‬معذرة يا أستاذ‬‫سامر كنت أحتادث مع الدكتورة يف موضوع‬
‫هام ال يقبل التأجيل‪..‬‬
‫ ال باس يا بروفسور‪..‬‬‫ فرصة طيبة‪ ،‬سنلتقي كما أظ��ن فيما‬‫بعد‪ ،‬أرحب بك يف مركز التنبؤ العلمي‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫املدينة املفقـودة‬
‫ شكراً لك‪ ..‬فرصة سعيدة‪..‬‬‫ آه‪ ..‬أحضر لنا مشرف املطعم بنفسه‬‫طعاماً حبرياً‪ ،‬من احملار ومسك السلمون‪..‬‬
‫ ال بأس‪ ..‬أحب الطعام البحري‪..‬‬‫ إذن لنتناول هذا الطعام البحري‪ ..‬لدينا‬‫مهمة سنقوم هبا‪..‬‬
‫كانت لينا متلهفة ملعرفة نتائج تنبؤات‬
‫امل��رك��ز ال��ط�بي‪ ،‬لذلك بعد أن أهن��ت طعامها‬
‫وسامر‪ ،‬عادت به إىل مقر إقامته وهرعت إىل‬
‫املركز الطيب تتعرّف على مرضه‪ ..‬فوجدت‬
‫أمامها إشارات واضحة أنه سيصاب بنوبات‬
‫قلبية متكررة قد متيته‪ ..‬وسبب إصابته يعود‬
‫إىل أنه ابتلع بعض املياه أثناء غرق الباخرة هبا‬
‫بعض امل��واد املخدّرة اليت غرقت يف البحر‪..‬‬
‫ك���ررت ت��س��اؤهل��ا ب��رع��ب وه���ي ت��رجت��ف هل‬
‫سيموت إذن ؟‬
‫هرعت إىل مركز إقامته‪ ،‬ومعها طاقم طيب‪،‬‬
‫وأدوات إس��ع��اف س��ري��ع‪ ،‬ومحلته إىل املركز‬
‫الصحي قسم العناية امل��ش��ددة‪ ..‬ك��ان األمر‬
‫مستغرباً أن سامر سيصاب بنوبات قلبية‬
‫وليس من أثر على وجهه أو يف حركاته‪ ..‬يبدو‬
‫جمّ النشاط‪ ..‬واألجهزة تنبئ أن قلبه يرتاجع‪..‬‬
‫فكرت كثرياً وهي ترجتف علماؤهم متطورون‬
‫قد يقومون بزراعة قلب جديد له‪ ..‬ولكن مع‬
‫األسف مل يكن القلب لوحده املصاب‪ ،‬وإمنا‬
‫الرئة والشرايني واألوردة‪..‬‬
‫ولكن كيف كان يقاوم كل هذه اإلصابات؟‬
‫كان السبب واضحاً فقد كان متعلقاً لدرجة‬
‫مذهله بـ (لينا)‪ ،‬عشقه هو الذي جعله يصمد‬
‫جتاه كل املؤثرات واإلصابات القاتلة‪ ..‬بل رأى‬
‫علماء املركز يف حالته‪ ،‬شيئاً نادراً ال يتكرّر‪..‬‬
‫شيئاً أرعبهم وأقلقهم أن يزول هذا احلب بأن‬

‫مي��وت بعد ذل��ك‪ ،‬وهكذا رأت الفتاة نفسها‬
‫مدفوعة جتاه غريزهتا ‪..‬‬
‫قبلت لينا الزواج منه‪ ،‬وعاشت معه ألشهر‪..‬‬
‫ولكن اجلزيرة أصيبت إصابات هائلة من جراء‬
‫جتارب نووية قامت هبا الدول الكربى وأصبح‬
‫جمتمعها املثايل مهدداً بالزوال‪ ،‬وعثر بعض‬
‫البحارة على يوميات سامر يف زورق طاف‪،‬‬
‫كانت يوميات شيقة حتكي قصته واجلزيرة‬
‫واجملتمع املسامل الوديع املتعاون‪ ..‬وحتكي عن‬
‫قصة حب‪ ،‬مل تكتمل‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪75‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أقنـــعة‬

‫صالح معاطي‬
‫أشرفت الساعة على الثامنة مساء‬
‫وهو مازال ينتظر دوره‪..‬‬
‫هل تستحق احلياة أن حنياها ؟ يا‬
‫هلا من مغامرة‪ .‬احلياة مغامرة‪ .‬جتربة حمتملة‬
‫الفشل والنجاح‪ .‬لقد اكتشفت بعد ربع قرن هي‬
‫سنوات عمري أنين ال أصلح لتلك احلياة‪ ،‬وعلي‬
‫أن أبدأ من جديد‪.‬‬
‫نفخ بقوة‪ ،‬ثم راح يتفرس الوجوه اليت جتلس‬

‫‪76‬‬

‫حوله يف انتظار دورها‪..‬‬
‫مزيفون‪ ،‬أفاقون‪ ،‬أشعر أني غريب بينهم‪.‬‬
‫ليتين أهرب‪ ،‬أذوب‪ ،‬أحتول إىل كائن آخر‪.‬‬
‫األستاذ أمحد عبد الفتاح‪.‬‬
‫ً‬
‫انتبه على ص��وت التومرجي مناديا‪ .‬هب‬
‫واقفاً وأسرع اخلطا يقوده التومرجي إىل حجرة‬
‫الدكتور «شوقي ناصف» خبري التجميل‪ .‬بادره‬
‫الطبيب بابتسامة ‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫أقنـــعة‬
‫مم تشتكي يا أستاذ أمحد ؟‬
‫راح يغوص داخل مقعد وثري وهو ينقل عينيه‬
‫بني األجهزة املعقدة اليت متأل الغرفة ‪:‬‬
‫إنين يف حاجة إىل جراحة عاجلة‪.‬‬
‫تساءل الطبيب يف دهشة وقد بدا على وجهه‬
‫االهتمام ‪:‬‬
‫وج��ه��ك ال حي��ت��اج إىل أي ج���راح���ة على‬
‫اإلطالق‬
‫رد أمحد جبدية ‪:‬‬
‫أريد فقط أن أغري مالحمي‪ .‬أن أحتول إىل‬
‫شكل آخر‪ .‬إنسان آخر‪.‬‬
‫اعتدل الطبيب يف جلسته وهو ينظر إليه‬
‫بارتياب ‪:‬‬
‫تتحول إىل شكل آخر‪ .‬ملاذا ؟ بالتأكيد هناك‬
‫سر تبغي االختفاء وراءه‪ ..‬قتلت قتيالً مثالً‬
‫وال��ش��رط��ة تبحث عنك‪ .‬م��ن األف��ض��ل ل��ك أن‬
‫تعرتف‪.‬‬
‫صاح أمحد بانفعال ‪:‬‬
‫ً‬
‫ال يا دك��ت��ور‪ .‬لقد ذهبت بعيدا‪ .‬كل ما يف‬
‫األمر أني ضجرت من هذا الوجه‪ .‬أكثر من ربع‬
‫قرن وأنا أمحله حتى نئت حبمله الثقيل‪.‬‬
‫أحنى الطبيب قامته إىل األمام ‪:‬‬
‫لكن هذا وجهك وليس بذلة سرتتديها‪.‬‬
‫ما بالك وهذا الوجه معي طوال هذه السنني‪،‬‬
‫وفوق ذلك فإنه يسبب يل مشاكل كثرية‪ .‬ماذا‬
‫أفعل يا دكتور ؟‬
‫أط���رق الطبيب ق��ل��ي�لاً ث��م ض��غ��ط جرساً‬
‫أمامه‪:‬‬
‫اهدأ اهدأ‪ .‬فرغلي‪ .‬أحضر واحد ليمون‪..‬‬
‫سوف أحضر لك ليموناً هتدئ به أعصابك‪.‬‬
‫انفجر أمحد يف عصبية ‪:‬‬
‫هل تظنين جمنوناً‪ .‬أنا أعصابي كاحلديد‬

‫يا دكتور‪ .‬أقول لك أريد أن أغري وجهي وليس‬
‫أعصابي‪.‬‬
‫قام الطبيب وراح يقول وهو يتجه حنوه ‪:‬‬
‫وجهك سليم مئة يف املئة‪ ،‬وأنا ال أستطيع‬
‫أن أجري لك جراحة من هذا النوع‪ ،‬وإال أكون‬
‫قد ارتكبت جرمية إحداث عاهة مستدمية‪ ،‬وأنا‬
‫طبيب مشهور ويل مسعيت‪.‬‬
‫يسكت الطبيب قليالً ثم يقول ‪:‬‬
‫انتظر‪ .‬عندي لك حل آخر‪.‬‬
‫يفتح الطبيب دوالباً صغرياً وخيرج منه شيئاً‬
‫راح يعرضه عليه ‪:‬‬
‫ما رأيك يف هذا ؟‬
‫ما هذا ؟‬
‫قناع‪ .‬كما ترى ال فرق بينه وبني بشرة الوجه‬
‫العادية‪.‬‬
‫ً‬
‫يهب واقفا وهو يصيح يف ضيق ‪:‬‬
‫يا دكتور أقول لك أريد أن أغري وجهي ال أن‬
‫أرتدي قناعاً‪.‬‬
‫إنه ليس قناعاً عادياً‪ .‬انظر له جيداً‪.‬‬
‫يهز أمحد كتفه يف ال مباالة ‪:‬‬
‫قناع كأي قناع‪.‬‬
‫ميسك الطبيب بيده وجيلسه وهو يعرض‬
‫أمامه القناع من الداخل ‪:‬‬
‫ه��ذا ال��ق��ن��اع أح���دث م��ا ت��وص��ل إل��ي��ه العلم‬
‫احلديث يف جراحات التجميل‪ .‬إنه مصنوع من‬
‫مادة مكتشفة حديثاً‪ ،‬نوع معني من اللدائن أمكن‬
‫تركيبها كيميائياً حبيث جعلها مشاهبة متاماً‬
‫للبشرة الطبيعية‪ .‬ه��ذه امل��ادة متتاز باملرونة‬
‫فتسمح خب��روج اإلف���رازات من الوجه وبتمدد‬
‫العضالت وانقباضها‪ ،‬وليس هلا أي تأثري ضار‬
‫على بشرة الوجه‪.‬‬
‫يبدو االقتناع على وجه أمحد فيمسك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪77‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أقنـــعة‬
‫القناع يتأمله ‪:‬‬
‫أإىل هذه الدرجة ؟‬
‫بالطبع‪ .‬هذه املادة اجلديدة سوف تعمل ثورة‬
‫يف علم التجميل‪ .‬حبيث ميكن االستغناء عن‬
‫العمليات املعتادة اليت تعتمد على قطع شرائح‬
‫من أماكن معينة من جسم اإلنسان واستخدامها‬
‫يف جتميل أماكن أخرى‪ ،‬وكانت أقصى عملية‬
‫ميكن إج��راؤه��ا شد الوجه أو جتميل األنف‪،‬‬
‫وأحياناً بعض هذه العمليات تفشل لعدم قبول‬
‫بعض األنسجة االندماج مع األنسجة األخرى‪.‬‬
‫أم��ا ه��ذا ال��ق��ن��اع اجل��دي��د أو ب��األح��رى املادة‬
‫السحرية اجلديدة فسوف تساعد يف كثري من‬
‫عمليات التجميل‪ .‬سيكون إلنسان الغد أكثر من‬
‫وجه يرتدي هذا اليوم ويغريه غ��داً‪ ،‬كأنه يغري‬
‫قطعة من مالبسه‪.‬‬
‫يسكت الطبيب قليالً ليبتلع ريقه ثم يستطرد‬
‫بصوت خفيض ‪:‬‬
‫بيين وبينك لقد زادت املبيعات من هذا الوجه‬
‫يف اآلون��ة األخ�يرة بدرجة كبرية‪ .‬أنا شخصياً‬
‫أعجبين أحد األقنعة وأرتديه اآلن‪.‬‬
‫غ�ير معقول‪ .‬تقصد أن ه��ذا ليس وجهك‬
‫احلقيقي ؟‬
‫راح حيملق يف وجه الطبيب بدهشة‪ ،‬بينما‬
‫أخذ الطبيب يرفع القناع من على وجهه ليظهر‬
‫ع��ن وج��ه آخ��ر خمتلف‪ ،‬ث��م أع���اده ثانية وهو‬
‫يسأل‪:‬‬
‫ما رأيك ؟‬
‫مدهش‪ .‬من فضلك يا دكتور‪ .‬أعطين هذا‬
‫القناع‪.‬‬
‫ب��دأ الطبيب يثبت القناع على وجهه وهو‬
‫حيدثه ‪:‬‬
‫أوالً ترتدي القناع على وجهك هكذا‪ ،‬ثم‬

‫‪78‬‬

‫تشده جيداً من أسفل حتى ينطبق متاماً على‬
‫وجهك‪ .‬وببعض املركبات الكيميائية يتم لصقه‬
‫على اجللد‪.‬‬
‫بعد أن انتهى الطبيب من تثبيت القناع قاده‬
‫إىل م��رآة كبرية مثبتة على جانب من احلائط‬
‫وهو يقول ‪:‬‬
‫أنظر‪ .‬تبدو اآلن كهالً يف اخلمسني‪.‬‬
‫نظر أمحد بدهشة غري مصدق ‪:‬‬
‫أهذا أنا‪.‬‬
‫ثم راح يشد حبرارة على يد الطبيب الذي‬
‫قال له قبل أن ينصرف ‪:‬‬
‫مهما ح��اول اإلنسان أن يغري وجهه ووضع‬
‫على وجهه ألف وجه‪ .‬ليس له غري وجه واحد‬
‫دائماً حين إليه‪.‬‬
‫مرت األيام متعاقبة وهو مازال خيتفي خلف‬
‫قناع شيخ ختطى اخلمسني‪ ،‬هارباً من حياة‬
‫شاب يف العشرين‪ .‬وقد اكتسب جسده احنناء‬
‫خفيفاً يتالءم مع العمر اجلديد الذي اختذه‪،‬‬
‫وأطلق على نفسه اسم « رشاد «‪ ،‬وأوجد لنفسه‬
‫عمالً بسيطاً يف أحد املتاجر كي يتحصل على‬
‫ق��وت يومه‪ ،‬وس��ارت حياته على ه��ذا الوضع‬
‫اجلديد زمناً‪ .‬منغلقاً على نفسه ال يعرف أحداً‪،‬‬
‫وال يعرف أحد عنه شيئاً غري أنه رشاد األرمل‬
‫العجوز ال��ذي يعيش وحيداً يف حجرة صغرية‬
‫ف��وق سطح إح��دى ال��ع��م��ارات القدمية‪ .‬حتى‬
‫حدث ما غري حياته‪.‬‬
‫ذات مساء بينما كان يسري يف أحد الطرقات‬
‫ش���ارداً‪ .‬مل يكن يفكر يف ش��يء حم��دد‪ ،‬فمنذ‬
‫أصبح كهالً انعدم إحساسه بالزمن‪ .‬انقطعت‬
‫صلته ب��امل��اض��ي‪ ،‬ومل يعد املستقبل يشغله‪،‬‬
‫مل يبق له سوى احلاضر ال��ذي يعيشه‪ .‬فجأة‬
‫اصطدمت به سيارة ووقع على األرض مغشياً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫أقنـــعة‬

‫عليه‪ .‬مل حيسب كم مر عليه يف إغمائه ولكن‬
‫عندما أفاق وفتح عينيه وجد وجوهاً ال يعرفها‬
‫حتملق فيه ومسع صوتاً ناعماً يقول ‪:‬‬
‫احلمد هلل إنه خبري مل يصب بسوء‪.‬‬
‫كان جيب أن تأخذي حذرك يا حنان‪ .‬حذرتك‬
‫مراراً من القيادة ليالً دون جدوى‪.‬‬
‫غصب عين يا بابا‪ .‬كان يعرب الطريق وهو‬
‫سارح فاصطدمت به‪.‬‬
‫تكلم رشاد بصوت واهن ‪:‬‬
‫حصل خري يا أستاذ‪ .‬أنا املخطئ‪ .‬كان جيب‬
‫أن أنتبه أثناء عبوري الطريق‪.‬‬
‫ألف سالمة عليك يا عمي‪.‬‬
‫قالتها حنان بصوت أوش��ك على البكاء‪.‬‬

‫وراح يتأمل الفتاة ال�تي صدمته‪ .‬بالرغم من‬
‫مالمح اخلوف والفزع البادية على وجهها من‬
‫أثر احلادث وبالرغم من اآلالم اليت يشعر هبا‬
‫يف أحناء جسده فقد الحظ مجاالً طاغياً يكلل‬
‫وجهها املستدير كالقمر يف هبائه‪ ،‬زاده حسناً‬
‫خصلة من شعرها األسود راحت تتهادى فوق‬
‫جبينها العاجي‪ ،‬ومل يستطع أن مينع نفسه‬
‫من سؤال ظل يلح عليه حتى بعد أن انصرفوا‪.‬‬
‫هل هذا اجلمال جمرد قناع خيفي وراءه وجهاً‬
‫آخر؟‬
‫ً‬
‫ظل رشاد ماكثا باملستشفى قرابة األسبوع‪،‬‬
‫الزمه خالهلا حنان وأبوها وعرف منهما‬
‫أن األب وابنته يعيشان وح��دمه��ا بعد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪79‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أقنـــعة‬
‫م��وت األم‪ .‬وس��رع��ان ما توطدت العالقة بينه‬
‫وبني الرجل وابنته اجلميلة‪ ،‬لقد شعر جتاه هذه‬
‫األسرة الصغرية حبب كبري مل يألفه من قبل‪ .‬لقد‬
‫اكتشف أهنما بال أقنعة كبقية الناس‪.‬‬
‫رويداً رويداً بدأ شعور يعرتيه حنو حنان وكان‬
‫كثرياً ما يتساءل أهو جمرد إعجاب كهل عجوز‬
‫بفتاة يعاملها كابنته‪ ،‬أم أنه حب الشباب الكامن‬
‫يف أعماقه ومل يستطع القناع الذي على وجهه‬
‫أن ميحوه ؟‪ ..‬لقد مألت الفتاة حياته‪ ،‬صارت‬
‫كل شيء بالنسبة له‪ .‬وكثرياً ما يقف أمام املرآة‬
‫يتحسس قناعه وهو يتمتم ‪:‬‬
‫لوال أنت‪.‬‬
‫هو يعلم جيداً أن أحداً لن يتقبله لو عاد إىل‬
‫صورته القدمية صورة أمحد عبد الفتاح الشاب‬
‫اهل��ارب من عمره‪ .‬سيكون يف نظرهم خمادع‬
‫ماكر‪ .‬لقد مات أمحد وجيب أن يؤمن بأنه رشاد‬
‫الكهل العجوز‪.‬‬
‫ها هي حنان تقبل عليه فاحتة ذراعيها تضمه‪.‬‬
‫تغرقه بالقبالت‪ ،‬متازحه كعادهتا ‪:‬‬
‫آه يا عم رشاد لو كنت أصغر قليالً‪ ،‬وأمجل‬
‫قليالً‪ ،‬كنت أحببتك وتزوجتك‪.‬‬
‫لو‪ ..‬يا له من حرف قميء يقف حائالً بينه‬
‫وبني اإلنسانة الوحيدة اليت أحبها طوال شطري‬
‫حياته يف الشباب ويف الكهولة‪ .‬مل يعد حيتمل‪.‬‬
‫جيب أن يعمل حلنان مفاجأة‪ .‬أجل سوف خيلع‬
‫القناع إىل األبد‪ ،‬سيمزقه‪ ،‬سيحرقه‪ ،‬وليكن ما‬
‫يكون‪ ،‬لقد ظلم نفسه كثرياً وهو يتوارى خلف‬
‫هذا الوجه القميء‪ .‬وتذكر كلمات الدكتور شوقي‬
‫ناصف خبري التجميل ‪:‬‬
‫« مهما حاول اإلنسان أن يغري وجهه ووضع‬
‫على وجهه ألف وج��ه‪ .‬ليس له غري وجه واحد‬
‫دائما حين إليه‪» .‬‬

‫‪80‬‬

‫ووقف أمام املرآة حيدث رشاد الكهل العجوز‪:‬‬
‫صديقي‪ .‬آن لنا أن نفرتق‪ .‬معذرة لقد قمت‬
‫بواجبك عند هذا احلد‪ .‬ولكن مل أعد أحتملك‬
‫أكثر من ذل��ك‪ .‬جيب أن أخ��رج من هذا السجن‬
‫الذي وضعت نفسي فيه رغماً عين‪ ،‬وأزيل بيدي‬
‫القضبان اليت عزلتين عن العامل‪ .‬وأحلق بقطار‬
‫العمر قبل أن يويل‪ .‬وأمسك خبيوط السعادة قبل‬
‫أن تنفلت‪.‬‬
‫أحس أن رشاد حيدثه من داخل املرآة ‪:‬‬
‫هل تظن أنك ستجد حقاً السعادة عندما تعود‬
‫إىل صورتك األوىل ؟‬
‫بالطبع‬
‫ال ي��ا صديقي‪ .‬أن��ت م��ا زل��ت خت��دع نفسك‬
‫وختدع الناس‪ .‬هل تعتقد أن حنان ستحبك ؟‬
‫إنين واثق من ذلك‪.‬‬
‫أنت ختدع نفسك‪ ،‬مازلت هترب من قناع إىل‬
‫قناع‬
‫(بعصبية) يبدو أنك اعتدت هذه التمثيلية‬
‫السخيفة‪ .‬لكن ال أفق‪ .‬آن لرشاد الكهل العجوز‬
‫أن خيتفي أن مي��وت ليبقى أمح��د عبد الفتاح‬
‫الشاب اليافع ابن اخلامسة والعشرين‪ .‬ليعيش‬
‫حياته من جديد‪ .‬ها أن��ا أزي��ل الوجه الكئيب‪.‬‬
‫أمزقه أقطعه أحرقه‪..‬‬
‫ض��ح��ك ض��ح��ك��ات هستريية ت���ردد صداها‬
‫يف أحن��اء الغرفة‪ ،‬بينما كانت يده ترفع القناع‬
‫بعصبية‪ .‬فجأة‪ .‬حتجرت الضحكة على وجهه‪.‬‬
‫جتمدت عضالته‪ .‬جحظت عيناه‪ .‬أصابت رعشة‬
‫جانب فمه‪ .‬حدق إىل وجهه يف امل��رآة‪ ،‬ثم نظر‬
‫إىل القناع ال��ذي بيده‪ ،‬فلم جيد اختالفاً بني‬
‫الوجهني‪ .‬تقلص وجهه شيئاً فشيئاً ثم أجهش‬
‫بالبكاء‪ .‬أطاح بالقناع الذي بيده ‪ ،‬وانطلق يبحث‬
‫عن قناع آخر‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫هل تعلم أن القمر الذي نعرفه هو الوحيد الذي‬
‫يتبع األرض‪ ،‬وهو يدور معها حول الشمس‪ ،‬وهو‬
‫ال يطلق أي ض��وء أو ح��رارة‪ ،‬بل هو يعكس ضوء‬
‫الشمس‪ .‬وهذا ما يفسر ظهوره بأشكال خمتلفة من‬
‫اهلالل إىل البدر‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪81‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فهم الزمان واملكان ‪ -‬طريق مسدود‬

‫د‪ .‬فواز نصرو سيوف‬
‫ح���اول عمر أن ت��ك��ون ل��ق��اءات��ه مع‬
‫خطيبته سلمى وأخيها بعيدة عن‬
‫أخبار الفضائيني واتصاالته معهم‪.‬‬
‫فمن جهة شعر أن جوهر التواصل يدور حول‬
‫نسبية الزمان واملكان‪ ،‬أو باألحرى وجودمها‪،‬‬
‫ومن جهة أخ��رى اتضح له منهج التواصل مع‬
‫الفضائيني وثبت عليه ‪ ..‬غري أن هذا التهرب‬
‫مل يدم طويالً‪ ،‬فقد كان الطرف اآلخر مهتماً‬

‫‪82‬‬

‫فعالً بتفاصيل التواصل مع فكر فضائي بعيد‬
‫‪ ..‬بل وك��ان حدثاً هاماً عند خطيبته ‪ ..‬اليت‬
‫اس��ت��ف��ادت م��ن تلك األخ��ب��ار لتمرر أفكارها‬
‫اخلاصة عن احلياة الزوجية‪ ،‬وختترب عمر يف‬
‫رد فعله التلقائي عن بعض األفكار واأللفاظ‪،‬‬
‫وقد استطاعت مؤخراً تنظيم نزهة مجاعية‬
‫لعائلتيهما ‪ ..‬وحددّت وقتاً خمصصاً للحديث‬
‫عن أخبار التواصل مع الفضائيني حتديداً ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫فهم الزمان واملكان ‪ -‬طريق مسدود‬
‫ويف جلسة خاصة لثالثتهما فقط ‪.‬‬
‫تطور احلديث يف هذا اللقاء وانتقل من‬
‫األسئلة واألجوبة مع الفضائيني إىل استيضاح‬
‫األفكار اخلاصة حول مسألة الزمان واملكان‬
‫‪ ..‬ودعونا ندخل معهم يف احلديث من حيث‬
‫شرعت سلمى اليت قالت ‪:‬‬
‫سلمى – حنن ال نقدر على إلغاء الزمان‬
‫وامل��ك��ان م��ن تصورنا وكالمنا وتفكرينا فهما‬
‫م���وج���ودان ع��ن��دن��ا ‪ ..‬أم���ا ه��م ف�لا يشعرون‬
‫هبما‪ ،‬فهما غري موجودين عندهم ‪ ..‬املوقفان‬
‫صحيحان‪ ،‬وإال مسح اهلل لنا بدخول عاملهم‬
‫ومسح هلم بدخول عاملنا ‪ ..‬أي أن املنع بسبب‬
‫وجود االختالف أصالً ‪.‬‬
‫أخ��و سلمى – مب��ا أن��ه لدينا ه��ام��ش من‬
‫التواصل مع اجل��ان ‪ ..‬فاجلان إذن يشعرون‬
‫بالزمان واملكان‬
‫سلمى‪ -‬رمبا‪ ..‬أقصد أن هذه النقطة جيب‬
‫أن ال تكون هامة ‪ ..‬أو أن نعتربها ج��زءاً من‬
‫كياهنم ‪.‬‬
‫عمر‪ -‬املوضوع أكرب من ذلك ‪ ..‬عند التسليم‬
‫بعدم وجود الزمان واملكان علينا أن نقبل بعدم‬
‫وجود املوت واحلياة‪ ،‬وعدم وجود أوالد هلم ‪..‬‬
‫وال عمل حمدد ‪ ..‬بل لن يكون هناك تغري يف‬
‫حاهلم ‪ ..‬وال مقاهلم ‪ ..‬لكين أحتدث معهم ‪..‬‬
‫وأنتظر وقت اتصاهلم‪ ،‬فحاهلم متغري بالنسبة‬
‫يل ‪ ..‬كيف ال يكون متغرياً لديهم ‪..‬‬
‫أخو سلمى – قوام حياهتم وجمرى حاهلم ال‬
‫يتعلق بزمان وال مكان‪ ،‬وقد يتعلق ذلك مبفاهيم‬
‫أخ���رى مل ندركها ب��ع��د‪ ،‬وإال كيف سنصفهم‬
‫باملخلوقات ‪.‬‬
‫سلمى – نعم ق��د ي��ش��ع��رون ب��أم��ور أخرى‬
‫جتعلهم يعون حياهتم و يفهموهنا كما هي ‪.‬‬

‫عمر‪ -‬حجّتهم يف أن اإلنسان وهو جنني أو‬
‫نائم ال يشعر بالزمان واملكان جتعلين على اتفاق‬
‫معهم بأن الزمان واملكان مفهومان ضروريان‬
‫ولكن ليسا أصيلني يف خلق اإلنسان وبنيته ‪..‬‬
‫أخو سلمى – أظن معهم شيء من احلق –‬
‫تذكر أهل الكهف – لقد ناموا مئات السنني‬
‫وعندما استيقظوا ظنوه يوماً أو بعض يوم ‪..‬‬
‫س��ل��م��ى – ن��ع��م مه��ا ش���ع���وران‪ ،‬ويف حالة‬
‫اليقظة أيضاً نشعر بامتدادمها وتقلصهما ‪..‬‬
‫مبا يتناسب مع السرور واحل��زن‪ ،‬الوصال أو‬
‫االنتظار ‪ ..‬ولكن هذا ال يعين أهنما أصيالن أو‬
‫طارئان ‪ ..‬حتى وإن تأكدنا من أهنما من إبداع‬
‫البشر‪ ،‬فالشك أهنما انعكاس أو ترمجة ألمر‬
‫من أصل خلقة اإلنسان ‪ ..‬فالطريان والطائرة‬
‫ترمجة لرغبة حقيقية يف سعي البشر لألفضل‬
‫وجتاوز احلدود ‪.‬‬
‫أخو سلمى – ترى يا عمر كيف تفكر سلمى‬
‫؟‪ ..‬تفاجئين بأدائها دوماً صاحبة فكرة أن ما‬
‫ميارسه اإلنسان هو انعكاس لبنية حقيقية فيه‪،‬‬
‫فجذور النشاطات البشرية على اختالفها هي‬
‫فطرة ُفطِرَ عليها ‪ ..‬ال نشكّ يف أصالتها ‪.‬‬
‫ع��م��ر‪ -‬نعم وأن���ت أي��ض �اً أف��ك��ارك رائ��ع��ة (‬
‫الحظت أنا من أفكار سلمى ) أن الزمان واملكان‬
‫كمفهومني أو شعورين خمتلفني عنهما كأداتني‬
‫‪ ..‬حنن يف العلم نكاد نقدّس الزمان واملكان‬
‫لقناعتنا التامة بشدة دقتهما يف احلياة العملية‬
‫كأداتني لقياس كل شيء ‪ ..‬وحنن نستخدمهما‬
‫يف العالقات االجتماعية واالقتصادية بصورة‬
‫خمتلفة عن استخداماتنا هلما يف العالقات‬
‫الذاتية واخلاصة‪ ،‬هنا مها شعوران وهناك مها‬
‫أداتان ‪.‬‬
‫أخ���و س��ل��م��ى – ب��ال��ض��ب��ط ‪ ..‬ومن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪83‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فهم الزمان واملكان ‪ -‬طريق مسدود‬
‫األماكن اليت يكون الزمان واملكان فيهما أداتني‬
‫‪ ..‬وضابطني لعالقتنا ولغتنا ومناذجنا الفكرية‬
‫مها مصطلحان ‪ ..‬ورمب��ا خيتص هبما البشر‬
‫‪ ..‬أم��ا يف ح��ال��ة امل��ش��اع��ر‪ ،‬فنحن أنفسنا ال‬
‫نعتربمها رئيسيني ‪ ..‬إهنما نسبيان على رأي‬
‫أهل النسبية‪.‬‬
‫عمر – على ذكر النظرية النسبية ‪ ..‬فقد‬
‫كانت عملياً أول جتربة للبشرية مع قاعدة‬
‫علمية حسابية تسخر من فكرة زمان ومكان‬
‫مطلق ‪ ..‬والفضائيون الذين اتصل معهم يقربون‬
‫إىل ذهين فكرة عدم وجود الزمان واملكان أحياناً‬
‫مستفيدين من أن الزمن يصبح الهنائي يف مجلة‬
‫متحركة بسرعة الضوء بالنسبة لراصد ثابت ‪.‬‬
‫سلمى – قلت مرّة عن هذه احلالة‪ ،‬أن زيادة‬
‫سرعة جسم له كتلة حبيث يصل لسرعة قريبة‬
‫من سرعة الضوء حيتاج إىل طاقة خيالية ‪ ..‬أو‬
‫الهنائية‪ ،‬إذن رمبا يقصد الفضائيون أن األصل‬
‫يف اخللق أنه متحرك بسرعة قريبة من سرعة‬
‫الضوء‪ ،‬فيكون الزمان واملكان هلما غري قابلني‬
‫للقياس‪.‬‬
‫عمر‪ -‬هذا الكالم نسيب ‪ ..‬أي أن املخلوقات‬
‫ال�تي تشعر بذلك جي��ب أن تتحرك بالنسبة‬
‫لبعضها ال��ب��ع��ض ب��س��رع��ة ق��ري��ب��ة وكالمك‬
‫يصبح من سرعة الضوء بالنسبة هلم ‪ ..‬أما‬
‫هم فالسرعات فيما بينها وبالنسبة لبعضها‬
‫البعض حمدودة ‪ ..‬فيجب أن يكون الزمان فيما‬
‫بينهم حمسوساً ‪ ..‬كما األمر عندنا ‪..‬‬
‫سلمى – أشعر أن هذا اخلالف ال حل له ‪..‬‬
‫كله يقوم على افرتاضات ‪ ..‬وإن دعمت بعض‬
‫التجارب قولنا أو قوهلم ‪ ..‬فسيبقى املوضوع‬
‫إشكالياً ‪ ..‬ألنه موضوع شعورهم وشعورنا‪..‬‬
‫أخو سلمى – أال تقولون يا عمر يف الفيزياء‬

‫‪84‬‬

‫أن التجربة وال��واق��ع ه��و ال��ذي يقيس صحة‬
‫النظرية‪ ،‬وليس العكس ‪ ..‬إذن حنن أمام واقع‬
‫أن الفضائيني ليس لديهم زمان وال مكان كما‬
‫نفهمها ‪ ..‬أو على األقل ال حيتاجوهنما ‪ ..‬فهما‬
‫حبكم امل��ع��دوم بالنسبة هلم ‪ ..‬هل ه��ذا قابل‬
‫للتفسري بالنسبة لنا ؟‪.‬‬
‫سلمى – الصيغة األخرى هلذا السؤال هي‪،‬‬
‫ماذا لو ألغينا مفهوم الزمان واملكان من حياتنا‬
‫حنن‪ ،‬هل التغري كبري وميكن تصوره ؟‪..‬‬
‫عمر‪ -‬حتدثنا عن ذلك قبالً ‪ ..‬معكم ومع‬
‫الفضائيني ‪ ..‬بالنسبة هل��م ع��دم وجودمها‬
‫يعين عدم وجود ما يقولونه عنهما أو افرتاض‬
‫وجودمها عندهم ليس له معنى‪ ..‬وبالنسبة‬
‫لنا عدم وجودمها غري ممكن عملياً ‪ ..‬فلغتنا‬
‫مرتبطة هبما عضوياً‪ ،‬فهما حم��ور اللغة ‪..‬‬
‫ومناذجنا اليت تؤلف ذهننا ومنطقنا ستنهار‬
‫بالكامل دون وجود الزمان واملكان ‪ ..‬فالبد أن‬
‫يكون لكل سبب مسبب‪ ،‬وأن يكون اجلسم أو‬
‫املادة ذات حيز مكاني ‪..‬‬
‫سلمى – ولذلك أميل إىل عدم جدوى البحث‬
‫عن حل ‪ ..‬فلنرتك األمر هلل ‪..‬‬
‫أخو سلمى‪ -‬هم يقبلون بنا ويتحدثون معك‬
‫مستخدمني اللغة والنماذج‪ ،‬فهم يقبلون مبنطقنا‬
‫ومتيزنا ‪ ..‬وحنن جيب أن نقبلهم على ما هم‬
‫فيه ‪ ..‬وأن الزمان واملكان لديهم معدومان‪.‬‬
‫سلمى – ميكن جتاوز املصطلحات واعتماد‬
‫فكرهتم عندما خنطط يف ذهننا لسؤاهلم‪،‬‬
‫ونر ّكز على االستفسار عن تقنياهتم‪.‬‬
‫عمر‪ -‬كي يتحدثوا معي جيتمع عدد كبري‬
‫منهم يف صوت واحد‪ .‬وهلذا فهم قادرون على‬
‫التفكري بنقاط كثرية دفعة واحدة‪ ،‬واختاذ قرار‬
‫يف الوقت املناسب‪ ..‬أم��ا أن��ا فوحيد ‪ ..‬وكي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫فهم الزمان واملكان ‪ -‬طريق مسدود‬

‫أستشريكم أو أقرأ شيئاً عليّ العودة إليكم وإىل‬
‫مكتبيت ‪ ..‬ال أدري إىل متى أحتمل ‪..‬‬
‫سلمى – لكل إنسان رسالة يف هذا الكون‬
‫‪ ..‬أشعر أن ما تقوله عن معاناتك مبالغ فيه ‪..‬‬
‫انتبهوا إىل نقطة هامة هنا ‪ ..‬إذا كان الزمان‬
‫غري موجود ‪ ..‬فكل ما تقوله ‪ ..‬وقاله الراصد‬
‫الذي سبقك ‪ ..‬وما ستقوله بعد مناقشة األمر‬
‫معنا ‪ ..‬أو بعد أن تقرأ ومتضي سنوات تدرس‬
‫وتتدرب ‪ ..‬كل ذلك سيصلهم دفعة واح��دة ‪..‬‬
‫وبلغتهم معروف وموجود معهم بكل تفاصيله‬
‫ككيان واحد ‪..‬‬
‫أخو سلمى – مع أن الفكرة اليت تقولينها‬
‫تبدو صحيحة ‪ ..‬ولكن ما فائدة كل ذلك ‪..‬وما‬
‫حنن فيه إذن ؟‪.‬‬
‫عمر‪ -‬أظن أن املوضوع ليس يف الفائدة ‪..‬‬
‫ولكن ما هم منه يعين أن تفاصيل العمليات اليت‬
‫نتساءل حنن عنها قد حدثت عندهم ‪ ..‬فالبد‬
‫لتلك التفاصيل أن حتدث معنا بأي منوذج كان‬
‫‪ ..‬وهذا بغض النظر عن حكمنا عليه ‪ ..‬رضينا‬
‫به‪ ،‬أم ال‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫سلمى‪ -‬الغرابة هنا أيضا يف أن كثريا من‬

‫تفاصيل العمليات غري مهمة للعملية ‪ ..‬تذكروا‬
‫مثال غرس البذرة ثم منو الشجرة ثم احلصول‬
‫على الثمرة ‪ ..‬هل يدرك الفضائيون الشجرة‬
‫كذات وجزء من العملية ‪ ..‬أم أن الثمرة كنتيجة‬
‫ستختصر كل تفاصيل العمليات ‪..‬‬
‫ً‬
‫عمر‪-‬هذه نقطة سألت عنها أيضا ‪ ..‬وكانت‬
‫حجيت يف صياغة السؤال ‪ ..‬أو مقدميت له ‪..‬‬
‫أن عدم إدراك احلوادث املتوسطة يصل بنا إىل‬
‫أهنم كمخلوقات جيب أن يدركوا اخلامتة فقط‬
‫‪ ..‬وأن ال يشعروا‪ ،‬بل وال حيتاجوا ملعرفة أي‬
‫شيء يف هذا العامل ‪ ..‬أي أن هذا العامل معدوم‬
‫بالنسبة هلم ‪ ..‬فكيف أدرك��وا وجود خملوقات‬
‫أخرى واتصلوا معها‪..‬‬
‫أخو سلمى – صحيح ‪ ..‬فكرة جهنمية ‪..‬‬
‫وماذا قالوا؟‪.‬‬
‫ً‬
‫عمر‪ -‬ال أدري متاما ‪ ..‬كان جوهر اجلواب‬
‫مأخوذاً من فكرة النماذج املسبقة ‪ ..‬أظن أهنم‬
‫يعون العامل بطريقة خمتلفة‪ ،‬وقد خرجوا من‬
‫املوقف احملرج هذا بإضافة انعدام مفهوم املكان‬
‫‪ ..‬فعندما يقول البشر بذرة شجرة مثر‪،‬‬
‫فإن تصورات عن أحجام وألوان وأماكن‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪85‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فهم الزمان واملكان ‪ -‬طريق مسدود‬
‫ورمبا أسعار كل منها يؤلف جزءاً من النموذج‬
‫الذي ندركه‪ ،‬فإذا مل يكن لكل لفظ صورة يف‬
‫الذهن ذات أبعاد ومقاييس‪ ،‬ال يصح فيها‬
‫منطقنا ‪ ..‬ويصبح ترتيبها ك��ث�لاث كلمات‬
‫خمتلفاً م��ا ب�ين ال��ن��اس أنفسهم‪ ،‬إذا غريت‬
‫الرتتيب ‪ ..‬وهو ترتيب مكاني يف مجلة ‪ ..‬كأن‬
‫نقول مثرة شجرة بذرة‪ ،‬فيصبح معناها مثالً‬
‫إبقاء الثمرة على الشجرة حتى جتهز البذرة‬
‫للغرس‪،‬‬
‫سلمى‪ -‬هذا احلديث أصبح مسدوداً من كل‬
‫جهة ‪ ..‬على ما أرى ‪.‬‬
‫أخو سلمى – هل نلغي العملية ؟‪..‬‬
‫سلمى‪ -‬يبدو أننا سنتابع معها إىل القدر‬
‫ال�لازم لنكون كما ُق �دّر لنا يف النتيجة اليت‬
‫يعوهنا ‪..‬‬
‫عمر‪ -‬هه‪..‬هه‪ ..‬إهنا تتكلم كما يتكلمون ‪..‬‬
‫يعين سنقوم بشيء جمربين‪ ،‬وال نعرف ملاذا‪،‬‬
‫وال كيف‪ ،‬وال‪..‬‬
‫سلمى – أن��ت قلت ه��ذا بنفسك ‪ ..‬انظر‬
‫‪ ..‬الثمرة‪ ،‬هل هي نتيجة هنائية لعملية غرس‬
‫البذرة عندنا ‪ ..‬هل تتصور مثرة دون سقاية‪،‬‬
‫أو دون حركة هواء من حوهلا ‪ ..‬وأشياء أخرى‬
‫‪ ..‬أن ت��درك وج��ود تفاصيل العملية دون أن‬
‫تعيشها أو تراها ‪ ..‬هي جزء من النتيجة‪ ،‬وأي‬
‫نقص فيها حيل بالنتيجة أو يغريها ‪..‬‬
‫أخو سلمى – حسناً ‪ ..‬ولكن ملاذا اإلجبار يف‬
‫تصرفنا إذن ؟‪..‬‬
‫سلمى‪ -‬املوضوع ليس إجباراً أو اختياراً ‪..‬‬
‫إهنا هكذا ‪ ..‬حسناً تعالوا لنقرر فرضاً أن نقطع‬
‫التواصل مع الفضائيني ‪ ..‬حنن يف هذه احلالة‬
‫أمام وضعني ‪ :‬إما أن نقطع االتصال بالفعل ‪..‬‬
‫أو يغلب علينا الفضول فنرتاجع مجيعاً أو عمر‬

‫‪86‬‬

‫فقط عن القرار ونعاود االتصال جمتمعني أو‬
‫واحد منا فقط ‪ ..‬ما سنفعله أخرياً على أرض‬
‫الواقع هو ما يناسب النتيجة النهائية كونياً ‪..‬‬
‫فنجاحنا يف القطع ملصلحة النتيجة وفشلنا يف‬
‫القطع ملصلحة النتيجة أيضاً ‪..‬‬
‫عمر‪ -‬األول نظنه اختيار ‪ ..‬والثاني نظنه‬
‫إجبار ‪..‬‬
‫أخو سلمى – لكن ما حدث هو أن النتيجة‬
‫تتطلب ذلك وجيب أن حيدث‪..‬‬
‫عمر‪ -‬يا للروعة ‪ ..‬أترى سلمى أمجل ما‬
‫يف الكون ‪..‬‬
‫قال عمر مجلته األخرية ويف نيته أن يقول‬
‫أذك��ى م��ا يف ال��ك��ون ‪ ..‬لكن مشاعره غلبته‪،‬‬
‫وخرجت صفة اجلمال اليت متنى أن خيرب هبا‬
‫العامل منذ أسابيع ‪ ..‬وارتاحت نفسه ألنه قاهلا‬
‫‪ ..‬وإن شاب ذلك شيء من ترقب رد فعل أخو‬
‫سلمى ‪ ..‬يف حني استقبلتها سلمى بابتسامة‬
‫وح��ن��ان ‪ ..‬أو رمب��ا فخر واطمئنان‪ ،‬غ�ير أن‬
‫اخلجل بلغ ذروت��ه بعد نظرة سريعة تبادلتها‬
‫م��ع عمر ث��م م��ع أخيها‪ ،‬وف��ار ال��ل��ون األمحر‬
‫من الوجنتني واجلبني والشفاه والرقبة ‪ ..‬بل‬
‫ومن أصابع اليد ‪ ..‬وقف أخوها‪ ،‬واعتذر بأنه‬
‫مضطر للذهاب إىل املطبخ فذهب وهو يؤكد‬
‫بكلمتني أنه مع إيقاف تلك النقاشات العقيمة‬
‫مع الفضائيني ‪ ..‬ومل ينظر يف وجه أحد‪.‬‬
‫نظر عمر يف وجه خطيبته عدّة مرات قبل‬
‫أن يغيب اللون األمح��ر عن بشرهتا ‪ ..‬وكلما‬
‫أش���اح ببصره ليعطيها ف��رص��ة ال��ع��ودة إىل‬
‫طبيعتها رقص اللون األمحر يف داخل عيونه‬
‫حبركات نابضة حمببة‪ ،‬وأحس ألول مرّة يف‬
‫حياته كيف يكون مجال اللون األمحر مقارنة‬
‫جبمال اللون األبيض ‪ ..‬وكيف يفوقه حيوية ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫هل تعلم أن مصادر التلوث البيئي هي ‪:‬‬
‫ استعمال املبيدات و األمسدة الكيماوية يف الزراعة‬‫ استعمال املنظفات الكيماوية‬‫ تصريف املياه العادمة إىل البحار واألهنار والسدود‬‫ التسرب النفطي‬‫ التلوث احلراري ‪ :‬ارتفاع حرارة املياه بسبب استخدامها يف تربيد حمطات إنتاج الطاقة‬‫ املخلفات الصناعية مثل االسبست واملعان الثقيلة‬‫ خملفات املفاعالت النووية وهي مواد مشعة يدوم تأثريها لفرتة طويلة جدا‬‫ الفضالت الصلبة املخلفة من وراء النشاطات البشرية‬‫ الغازات الناجتة عن النشاطات البشرية الصناعية وعن املواصالت‬‫ التجمعات البشرية وما ينتج عنها من تلوث ضوضائي وضوئي وكيميائي‬‫ احلرائق واحلروب‬‫ نقل الكائنات احلية احليوانية والنباتية من بيئاهتا األصلية إىل بيئات أخرى‬‫‪ -‬تدمري الغابات والبيئات الطبيعية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪87‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫خطاب احلب ‪ ...‬األخيــر‬

‫رؤوف وصفي‬
‫أم��س��ك��ت ب���اخل���ط���اب يف جيب‬
‫سرتتي‪ ..‬حروفه خفقات متالحقة‬
‫بني ضلوعي‪ ..‬وكلماته احتويتها‬
‫يف خاليا فكري‪ ..‬كحبات ندى تتوهج فوق‬
‫قمم زه��ور الربيع‪ ..‬يف حلظات احتضاهنا‬
‫ألول أشعة للشمس‪..‬‬
‫وصلت أخ�يراً إىل مبنى الربيد ال��ذي بدا‬
‫عتيقاً ومتهدماً‪ ..‬وكان املوظف قصري القامة‬

‫‪88‬‬

‫يف الداخل يزرع املكان – خلف طاولة كبرية‪-‬‬
‫جيئة وذهاباً‪ ..‬وكنت العميل الوحيد‪.‬‬
‫قلت ويف عيين ومضات من األمل واحلنني‪..‬‬
‫بقرب إرسال كلماتي املض ّفرة بالشوق واحلنني‬
‫إىل حبيبيت ‪« - :‬أريد طابع بريد» ‪.‬‬
‫غمغم املوظف دون أن يرفع عينيه عن‬
‫الكتاب االلكرتوني الصغري الذي حيمله بني‬
‫يديه‪ ..‬وشاشته اليت تعمل بالبلورات السائلة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫خطاب احلب ‪ ...‬األخيــر‬
‫‪ ..‬تتألق‪(( - :‬ماذا ؟ ))‬
‫ك��ررت ما قلته‪(( - :‬طابع بريد ج��وي !‬
‫عندي خطاب أريد أن أرسله إىل إحدى الدول‬
‫العربية!)) رف��ع املوظف الكتاب االلكرتوني‬
‫ال��ذي ميسك ب��ه‪ ..‬وأغلقه حب��رص‪ ..‬بلمسة‬
‫خفيفة من إصبعه‪ ..‬الشك أنه يستخدم تقنية‬
‫((بلوتوث )) اإلنرتنت الالسلكي‪ ..‬باإلضافة‬
‫إىل األق��راص الرقيقة اليت حيتوي كل منها‬
‫على عشرات الكتب اليت ميكن أن يقرأها‪..‬‬
‫بالضغط على أحد أزرار الكتاب االلكرتوني‪.‬‬
‫اتسعت عيناه من الدهشة‪ ..‬و كأنين أبلغته‬
‫أن مثة طائراً خرافياً جيثم على كتفه‪..‬‬
‫وقال ‪((- :‬خطاب!))‬
‫قلت بلطف مفتعل ‪(( 0 :‬أجل ‪..‬خطاب‪))!..‬‬
‫ورفعت اخلطاب بعصبية أم��ام عينيه لكي‬
‫يراه‪ ..‬لقد بدأ بالفعل يثري غضيب واستطردت‬
‫قائالً‪ ...(( - :‬إنكم تبيعون طوابع بريد هنا‪..‬‬
‫أليس كذلك؟ ))‬
‫رم��ق اخلطاب بنظرة خالية من التعبري‬
‫ولكنها غ�ير م��رحي��ة‪ ..‬وحت��م��ل يف طياهتا‬
‫الريبة والشك‪ ..‬جتاهل سؤايل وصاغ واحداً‬
‫من عنده‪ ..‬قال‪ (( - :‬ملاذا ال ترسله بالربيد‬
‫االلكرتوني‪ ..‬عرب اإلنرتنت؟))‬
‫وعلى الرغم من أنه أمر شخصي‪ ..‬ال يهمه‬
‫االطالع عليه‪ ..‬فقد قلت له بتؤدة‪ (( - :‬إنه‬
‫خطاب حب‪ ..‬مرسل إىل خطيبيت اليت تعمل‬
‫يف إحدى ال��دول العربية!‪ )) ..‬تريثت لربهة‬
‫وأردفت قائالً‪ ... (( - :‬كتبته خبط يدي‪...‬‬
‫على ورق فاخر معطر‪ ..‬أريد أن يصل إليها‬
‫كفراشة أجنحتها بألوان الطيف‪ ..‬فتفحته‬
‫حبرص‪ ..‬ومتسك به بيدها برقة وكأنه زهرة‬
‫(توليب) ‪ ...‬فينتشر عبق خبور كلمات احلب‬

‫يف قلبها ووج��داهن��ا‪ ..‬ثم حتتفظ باخلطاب‬
‫لتتذكرني على البعد! ))‬
‫ق��ال وه��و ي��أت��ي حب��رك��ة ت��دل على نفاد‬
‫الصرب‪ (( - :‬إذا أرسلته عن طريق اإلنرتنت‪..‬‬
‫فيمكنها أن تفتح بريدها االلكرتوني‪ ..‬وتطبع‬
‫نسخة واضحة من اخلطاب بواسطة طابعة‬
‫الكمبيوتر الليزرية‪ ..‬وحتتفظ هبا !))‬
‫دقت كلماته أعصابي وقلت ‪(( - :‬األمر‬
‫خمتلف!))‬
‫ت��أم��ل ه��ات�ين الكلمتني ل��ع��دة ث���وان ثم‬
‫اع�ترف ولكن بغري اقتناع ‪ (( - :‬حقاً ‪ ..‬إن‬
‫األمر خمتلف!)) تساءلت على الرغم من أنين‬
‫شعرت وكأنين أصبحت قطع مرآة مهشمة‪..‬‬
‫متناثرة ‪(( - :‬هل ميكنين أن أحصل على طابع‬
‫بريد جوي‪ ..‬إذا تفضلت ؟!))‬
‫ولكنه كان مصراً على رأيه ‪(( - :‬ملاذا ال‬
‫تذهب إىل مكتب الطرود االلكرتونية ؟))‬
‫تنهدت وقد بدأت شرارات محراء تومض‬
‫يف عيين وقلت ‪ (( - :‬إن أق��رب مكتب على‬
‫بعد عدة كيلومرتات‪ ..‬وأنا أقطن هنا جبانب‬
‫مبنى الربيد‪ ..‬إذن عليّ أن استخدم الطريق‬
‫اآليل لنحو نصف ساعة! كما أهنم اليقبلون‬
‫هناك إال الطرود اليت تزيد عن أربعمئة غرام!‬
‫وه���ذا اخل��ط��اب الي��زي��د وزن���ه على عشرين‬
‫غراماً‪))!..‬‬
‫صمت والقشعريرة ت��س��ري يف جسمي‬
‫ثم قلت ببطء‪ ... (( - :‬وأه��م ما يف األمر!‬
‫أن خطاب احل��ب ه��ذا حيتوي على مشاعر‬
‫تنتمي إىل زمن مضى‪ ،‬ميكنك أن تطلق عليه‬
‫(ع��ت��ي��ق�اً)! هل��ذا أود أن يصل اخل��ط��اب إىل‬
‫خطيبيت بطريقة تقليدية!))‬
‫وسببت له كلماتي ضيقاً شديداً‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪89‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫خطاب احلب ‪ ...‬األخيــر‬
‫الحظته يف زيادة جتاعيد وجهه خاصة حول‬
‫فمه الصغري وبني حاجبيه الكثيفني‪ ..‬وهي‬
‫ال شك ناجتة عن األفكار ((الغريبة)) اليت‬
‫تفوهت هب��ا‪ ..‬ووج��دت طريقها إىل خالياه‬
‫العصبية يف خمه‪ ..‬داخل مججمته‪ ..‬وأخذت‬
‫هذه اخلاليا تناقش هذا األمر العجيب فيما‬
‫بينها! ولعله نشأ ص��راع خ ّفي بني مكوّنات‬
‫اخلاليا‪ ..‬خاصة حيث ترقد امل��ادة الوراثية‬
‫(الدنا) داخل كل نواة‪ ..‬وهي اليت تتحكم يف‬
‫سلوكه وأفكاره‪ ..‬يف مثل هذه املواقف!‬
‫حتولت نشوتي إىل رماد وقلت بعصبية‪:‬‬
‫ ((ه��ل سوف تبيع يل طابع الربيد اجلوي‬‫أم ال؟)) لقد أصبح احلوار ملتهباً ومنحبساً‬
‫كاحلقد والرغبة‪!..‬‬
‫أف��اق وكأنين انتزعته من أح�لام يقظة‬
‫كان مستغرقاًَ فيها‪ ..‬قال‪ (( - :‬بالطبع ‪..‬‬
‫بالطبع! إذا أردت طابع بريد جوي‪ ..‬فيمكنك‬
‫أن حتصل عليه من هذا املكتب! ولكن بأي‬
‫قيمة؟))‬
‫انفعلت رغماً ع�ني‪ ..‬وأن��ا أصيح‪(( - :‬‬
‫ميكنك أن ت��زن اخل��ط��اب لتحدد القيمة !‬
‫أليس ه��ذا ه��و األس��ل��وب امل��ت��ب��ع؟!)) التفت‬
‫إيلّ ويف عينيه متتزج الدهشة بالذهول‪- :‬‬
‫((حقاً‪ ..‬حقاً! إن هذا يعتمد على‪ ))...‬ومل‬
‫يكمل ع��ب��ارت��ه‪ ..‬ب��ل فتح درج���اً يف الطاولة‬
‫ال�تي أم��ام��ه‪ ..‬وأخ��ذ يعبث مب��ا يف داخله‪..‬‬
‫واستطعت مشاهدة عدد كبري من األقراص‬
‫الرقيقة السائبة‪ ..‬اليت تستخدم يف الكتب‬
‫االلكرتونية‪ ..‬ولكن أثناء حبثه توقف فجأة‪..‬‬
‫وكأنه تذكر شيئاً ما‪ ..‬احننى يف اجتاهي وهو‬
‫يغلق الدرج ببطء‪ ..‬وقال بلهجة من يفضي‬
‫بسر‪(( - :‬طاملا أنك هنا‪ )) ..‬ثم أش��ار إىل‬

‫‪90‬‬

‫أح��د اجل����دران البعيدة للمكتب‪ ..‬وأردف‬
‫قائالً‪ ...(( -:‬ملاذا ال تستأجر صندوقاً للربيد‬
‫! أستطيع أن أعطيك سعراً مميزاً! الثالثة‬
‫شهور األوىل جماناً! ))‬
‫نظرت إىل صف صناديق الربيد اليت ال‬
‫لون هل��ا‪ ..‬املغربة‪ .‬املتهالكة‪ ..‬غري الصاحلة‬
‫لالستعمال‪ ..‬وبلمحة إىل أبواهبا الزجاجية‪..‬‬
‫أدركت أهنا فارغة‪ ..‬غشت الظلمة عيين وأنا‬
‫أديرمها يف كل اجتاه بالداخل ‪ ..‬وتساءلت‬
‫‪ (( - :‬وماذا أفعل بصندوق بريد؟))‬
‫قال كفيلسوف يفضي مبكنون حكمته‪:‬‬
‫ ((ميكنك أن حتفظ فيه األشياء ! ))‬‫ظننت أنه يهزل‪ ..‬ولكنه كان جاداً متاماً‬
‫وابتسامة بلهاء تنمو فوق شفتيه‪ ..‬قلت له ‪:‬‬
‫ ((الأريد! استئجار صندوق بريد! كل ما‬‫أريده هو شراء طابع بريد جوي!))‬
‫هز كتفيه بال اك�تراث قائالً ‪ (( - :‬كما‬
‫تريد ! ولكن أرجو أال تغضب! ))‬
‫أع����اد ف��ت��ح ال����درج ب��ع��ن��ف ه���ذه امل����رة‪..‬‬
‫فأحدث صريراً‪ ..‬واستمر يف القيام ببعثته‬
‫االستكشافية! وبعد عدة دقائق‪ ..‬أمسك بيده‬
‫طابع بريد جوي سائب‪ ..‬وكأنه عثر على كنز!‬
‫وقال‪(( - :‬كنت أعلم أنه هنا! ))‬
‫أش���اع ه���ذا ال��ق��ول ال��غ��ب��ط��ة يف قليب‪..‬‬
‫فخطفت م��ن ي��ده طابع ال�بري��د‪ ..‬وأعطيته‬
‫بطاقيت االئتمانية حتى خيصم منها القيمة‬
‫املطلوبة‪ ..‬كان الطابع تذكارياً مبناسبة الذكرى‬
‫اخلامسة‪ ..‬النطالق أول رائد فضاء عربي‬
‫إىل كوكب املريخ! ك��ان أح��د جوانب الطابع‬
‫منحنياً‪ ..‬فاستعدلته بيدي‪ ..‬ومل يكن ذاتي‬
‫اللصق‪ ..‬وبدا مبقعاً بالغبار‪ ..‬فبللت إصبعي‬
‫ووضعته على ظهره‪ ..‬ثم حاولت تثبيته يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫خطاب احلب ‪ ...‬األخيــر‬
‫امل��ك��ان امل��خ��ص��ص ع��ل��ى ظ���رف اخلطاب‪..‬‬
‫ولدهشيت التصق الطابع! مل أستطع أن أنظر‬
‫إىل عينيه‪ ..‬فرفعت نظراتي وجتاوزته وحدقت‬
‫بعيداً إىل ال شيء! أخرجت قلمي من جيب‬
‫سرتتي الداخلي‪ ..‬وقلت له‪(( -:‬واآلن أرجو أن‬
‫تعطيين الرمز الربيدي هلذه املنطقة!)) سألين‬
‫بدهشة بالغة‪ ..‬وكأنه رأى أمامه ديناصوراً‬
‫مفرتساً! ‪ (( - :‬الرمز الربيدي!!))‬
‫كنت أقف حمين الظهر يف وضع استسالم‬
‫وقلت ‪(( - :‬أج���ل ه��ذا ال��رق��م ال��ذي حيدد‬
‫املنطقة الربيدية للمرسل إل��ي��ه‪ ..‬ويساعد‬
‫على سرعة تسليم اخلطابات‪ ..‬عندما تريد‬
‫خطيبيت أن ترد على هذا اخلطاب))‬
‫أطلق ضحكة ال أدري كيف أصفها ‪:‬‬
‫ (( آه‪ ..‬ال��رم��ز ال�بري��دي! لقد توقفنا‬‫ع��ن استخدامه م��ن س��ن��وات ط��وي��ل��ة‪ ..‬بعد‬
‫االعتماد على الكمبيوتر واإلنرتنت‪ ..‬والربيد‬
‫االلكرتوني!)) تنهدت‪ ..‬وأعدت وضع القلم يف‬
‫جيب سرتتي‪ ..‬وأخذت أحبث عن الصناديق‬
‫اليت توضع فيها اخلطابات املرسلة‪ ..‬ولكين‬
‫مل أجد أياً منها!‬
‫التفت إىل امل��وظ��ف وك��ان وجهي يطفح‬
‫شراً وقلت ‪(( - :‬لقد أصبح اخلطاب معداً‬
‫ل�لإرس��ال!)) ناولته اخل��ط��اب‪ ..‬فأمسك به‬
‫ب��أط��راف أص��اب��ع��ه‪ ..‬وك��أن��ه يصدر إشعاعاً‬
‫نووياً‪ ..‬أو حيوي فريوساً قاتالً‪ ..‬أحد األسلحة‬
‫البيولوجية! وعندما استدرت ألغادر مبنى‬
‫الربيد‪ ..‬وجدت املوظف يصدر صوتاً يشبه‬
‫الفحيح‪..‬ما دعاني إىل العودة‪..‬‬
‫قال بصوت متحشرج وكأنه حيتضر‪- :‬‬
‫((هناك أمر أود أن أبلغك به !))‬
‫توقعت ك��ارث��ة ت��وش��ك على احل���دوث‪..‬‬

‫وركض قليب بني ضلوعي إزاء هذا االحتمال‪..‬‬
‫قلت‪(( -:‬وماهو؟!))‬
‫نظر إىل أرضية مبنى الربيد اليت ال لون‬
‫هل��ا‪ ..‬ثم إىل السقف الباهت ذي اإلضاءة‬
‫اخل���اف���ت���ة‪ ..‬وإىل ص���ف ص��ن��ادي��ق الربيد‬
‫اخل��ال��ي��ة‪ ..‬وك���ان ال ي���زال ميسك خبطابي‬
‫بأطراف أصابعه‪ ..‬وينظر إليه بإمعان وكأنه‬
‫يريد أن يتعرف على اجلسيمات دون الذرية‬
‫اليت تكون مادته‪ ..‬االلكرتونات والربوتونات‬
‫والنيوترونات‪ ..‬والكواركات!‬
‫ق��ال بلهجة قاطعة‪(( - :‬مل يعد لدينا‬
‫موظفون لنقل اخلطابات من مكاتب الربيد‬
‫إىل املطار!!)) تسمرت يف مكاني‪ ..‬وللحظات‬
‫عجزت عن الكالم‪ ..‬ولكن استطعت التفوه‬
‫بألفاظ تعرب ع��ن ال��ي��أس ال��ذي يتغلغل يف‬
‫كل كياني‪ ..‬ويعبّر عن إكليل الشوك الذي‬
‫ي��دم��ي ق��ل�بي ‪(( - :‬الب�����أس! س���وف أرسل‬
‫مضمون اخلطاب بالربيد االلكرتوني‪ ..‬عرب‬
‫اإلنرتنت!))‬
‫كنت كمن يغرق داخل ثقب أسود فضائي‪..‬‬
‫إىل مصري جمهول!‪ ..‬وذبلت زهرة (التوليب)‬
‫يف يدي‪ ..‬وأغرورقت عينا حبيبيت الزرقاوين‬
‫بالدموع‪ ..‬يف الغربة! وتوقفت األرض عن‬
‫إكمال دورهتا يف تلك اللحظات !‬
‫قال بلهفة وكأن محالً ثقيالً قد انزاح من‬
‫فوق قلبه‪(( - :‬فكرة صائبة! فكرة صائبة!))‬
‫أخ��ذت منه اخلطاب واس��ت��درت ناحية‬
‫ال��ب��اب‪ ..‬ش��اع��راً باهلزمية وامل����رارة‪ ..‬وأنين‬
‫جرحت مببضع احلزن واألمل‪ ..‬ولكن قبل أن‬
‫أغادر مبنى الربيد‪ ..‬مسعت القرقعة املميزة‪..‬‬
‫لفتح الكتاب االلكرتوني‪ ..‬ووضع قرص رقيق‬
‫فيه!‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪91‬‬

‫لينــا كيــالني‬
‫يقولون إن العام ‪ 2029‬هو العام‬
‫الذي سيشهد نتائج ثورة علمية‬
‫مذهلة تعلن ع��ن نفسها فعلياً‬
‫باندماج اآلل��ة بالبشر‪ .‬أج��ل بالبشر‪ ..‬ال‬
‫تستغربوا هذا العنوان‪ ..‬فكل شيء ممكن يف‬
‫هذا الزمان‪ .‬صحيح أن األمر مل يكن ليتعدى‬
‫احللم يف عقود مضت لكنه‪ ..‬ختطى حدوداً‬
‫اآلن يصبح معها من املمكن وليس احملال‪.‬‬
‫كل هذا وأكثر هو بفضل تطور الصناعات‬
‫االلكرتونية اليت تفوقت على نفسها مؤخراً‬
‫يف إنتاج أجيال جديدة من آالت‪ ،‬وأجهزة‬
‫غاية يف الصغر تصلح ألي غاية هي من‬
‫ابتكار اإلنسان‪ ..‬أو من صنع الشيطان‪.‬‬
‫أما كيف سيكون ذلك؟‪ ..‬فليس أكثر من‬
‫زرع كبسولة صغرية جداً يف املخ‪ .‬هذا صحيح‬

‫‪92‬‬

‫إذا كانت البشرية تتطلع اىل عصر االنتقال‬
‫بالذكاء البشري اىل عتبات أعلى مما هو‬
‫عليه بكثري‪ ..‬والعلماء يأملون وحيلمون يف أن‬
‫يزرعوا يف رؤوسنا (روبوتات) فائقة الصغر‬
‫أو بالتسمية األصح (نانوبوتات) جتعلنا أكثر‬
‫ذكاء مما حنن عليه‪ ..‬ليكون بالتايل أداؤنا‬
‫يف احلياة أف��ض��ل‪ ..‬وتفاعلنا معها أكمل‪.‬‬
‫ويأملون أيضاً يف الوصول اىل ذكاء صناعي‬
‫يوازي يف مرونته الذكاء البشري‪.‬‬
‫عجيب أمر هذا الذكاء الصناعي الذي‬
‫حيلمون بالوصول ال��ي��ه‪ ..‬وه��و يف أقصى‬
‫درج��ات��ه ينمو ليحاكي ال��ذك��اء البشري‪..‬‬
‫وأفضل توصيف لكفاءته أنه أصبح بإمكان‬
‫اآللة أن تقوم بأشياء يقوم هبا البشر ويف‬
‫مستوى ال��ذك��اء ذات��ه‪ ،‬وق��د يكون إجنازها‬

‫أفضل من اإلنسان يف كثري من األحيان‪.‬‬
‫إذن ف��إن ه��ذا امل��زج بني اإلنسان واآللة‬
‫سيقع يف مرمى النظر اىل آف��اق املستقبل‬
‫القريب وليس البعيد‪ ،‬مع تأكيد العلماء اىل‬
‫أن اآلل��ة لن حتل حب��ال من األح���وال حمل‬
‫اإلنسان‪ .‬وما األمر إال من قبيل املزاوجة‪،‬‬
‫ولن يعدو أكثر من املزج بني البشر واآلالت‬
‫الذكية هب��دف توسيع إمكانياتنا‪ ..‬ودعم‬
‫قدراتنا والعقلية منها على وجه اخلصوص‬
‫م��دع��وم��ة ب��ذك��اء ف���وق ذك��ائ��ه��ا‪ ..‬ذك���اء مت‬
‫تصنيعه ملقاومة كل أخطاء حياتنا وسد كل‬
‫ثغرات إخفاقاتنا‪ .‬فهل حنن بالفعل خنطو‬
‫حنو مستقبل حقيقي لنا وألجيالنا اليت‬
‫ستأتي من بعدنا؟‬
‫وإذا كان اخلوف البدائي الكامن يف أعماق‬
‫عقولنا البدائية ي��رص��د يف ك��ل األوق���ات‬
‫حتى أثناء النوم كل األخطار اليت ميكن أن‬
‫تفاجئنا‪ ..‬فإن خوف العقل الواعي هو الذي‬
‫حيفز باقي احلواس للتصرف بذكاء للحفاظ‬
‫على البقاء‪ ..‬فأين يقع رد فعل العقل البدائي‬
‫ومن بعده العقل الواعي إذا ما زرع جهاز‬
‫الكرتوني دقيق يف أنسجة الدماغ اىل جانب‬
‫خالياه العصبية وهو يتفاعل معها؟‬
‫لعلها أسئلة جييب عنها العلماء بكثري من‬
‫الثقة والذكاء أن كل هذا مأخوذ باحلسبان‪..‬‬
‫وأن اإلقدام على مثل هذه املغامرة قد حسم‬
‫أمره بألف حساب وحساب‪.‬‬

‫لكن بقي أن نسأل م��ا ه��ي التحديات‬
‫التكنولوجية اليت ترتصد البشرية يف القرن‬
‫احل��ايل اجلديد واآلالت الذكية تغزوه من‬
‫كل جانب؟‪ ..‬هل سيقبل اإلنسان املعاصر‬
‫التحدي ويبادر اىل زرع اآلالت اجملهرية يف‬
‫أجزاء من جسده وهو يتطلع اىل املزيد واملزيد‬
‫من التفوق واالزده��ار للجنس البشري؟ أم‬
‫أنه سيقاوم غزو هذه اآلالت الذكية حتى ال‬
‫يتحول اىل إنسان افرتاضي يتحرك بربامج‬
‫كمبيوترية‪ ..‬ويتصرف بطريقة أكثر من‬
‫عصرية‪ ..‬وهو يف هذا مزيج من خالصة‬
‫البشرية واآللة الذكية؟‬
‫أسئلة حم�ي�رة‪ ..‬واإلج��اب��ة عنها ليست‬
‫بامليسرة والسيما أن مغامرة اإلنسان مل تعد‬
‫لتقف عند العقل بل أصبحت تتخطاها اىل‬
‫األجسام ولو كان فيها األخطار اجلسام‪.‬‬
‫لسنا ض��د ال��ت��ط��ور ال��ع��ل��م��ي‪ ..‬وال ضد‬
‫تطبيقاته العملية‪ ..‬وحنن ندرك جيداً أمهية‬
‫العلم يف كل حملات حياتنا وما قدمه ويقدمه‬
‫لنا باستمرار‪ ..‬لكن تطلعاتٍ مازالت تفصلنا‬
‫عنها أجيال قد تثري اخلوف يف النفوس إن مل‬
‫يكن النفور‪ ..‬فلإلنسان قدسيته وإنسانيته‬
‫اليت يتميز هبا عن سائر املخلوقات فماذا‬
‫لو أن تلك (الروبوتات) أو (النانوبوتات) قد‬
‫أفسدت تلك الصفات‪ ..‬وغريت يف املالمح‬
‫والتصرفات‪ ..‬فما عاد اإلنسان هو اإلنسان؟‬
‫فهل ينفع حينذاك الندم على ما فات؟!‬

‫‪93‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عالم الجريمة الرقمي‬
‫«الهاكرز»‬
‫وقصة أخطر هاكرز في التاريخ‬
‫وسيم قدورة‬

‫« لكل زمان دولة ورجال»‬
‫يف زمن طغت عليه التكنولوجيا الرقمية وعصر تقنية املعلومات بات رجاالت‬
‫هذا الزمن هم العاملون على تطوير وتشغيل هذه الربجميات‪ ،‬واالنتقال بها‬
‫من مستوى آلخر‪.‬‬
‫وأصبح عامل اإلنرتنت عامل قائم مستقل حبد ذاته حيث جتد فيه املتاجر واحملالت‬
‫والبنوك واألسواق والشركات واملؤسسات وما إىل ذلك من صفحات قد تبحر فيها عند‬
‫جلوسك أمام شاشة الكمبيوتر‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وباإلضافة إىل ما قد جتده يف هذا العامل‬
‫الكبري أو املدينة الكبرية إن صح التعبري فقد‬
‫ي��واج��ه��ك ال��ل��ص��وص واملتطفلني وعصابات‬
‫اجلرمية املنظمة واملافيات اخلاصة هبا كما‬
‫هو احلال يف العامل احلقيقي‪.‬‬
‫وكان يف سابق الزمان يتوجب على هذه الفئة‬
‫من اللصوص وأفراد العصابات التمتع بالبنية‬
‫القوية واللياقة العالية والسالح املناسب إلمتام‬
‫مهامهم اإلجرامية على أكمل وجه‪.‬‬
‫أما يف يومنا هذا فأصبح من الواجب على‬
‫لصوص اإلن�ترن��ت التمتع مبعرفة كبرية من‬
‫لغات الربجمة املعقدة والذكاء الفائق وسرعة‬
‫البديهة واالطالع الواسع على آخر مستجدات‬
‫العلم يف هذا اجملال‪ ،‬وبالطبع ال ننسى سالح‬
‫اجلرمية املناسب أال وهو الكمبيوتر املوصول‬
‫باإلنرتنت‪.‬‬
‫فاختلف مفهوم اجلرمية‪ ،‬واختلف مفهوم‬
‫اللصوصية وال��ت��ط��ف��ل‪ ،‬فأصبح م��ن املمكن‬
‫سرقة شخص من دولة أخرى‪ ،‬والتطفل على‬
‫شخص يف الطرف اآلخر من الكرة األرضية‬
‫ومعرفة أس��راره ومعلوماته الشخصية وحتى‬
‫رؤيته يف منزله يف بعض األحيان‪ ،‬وأصبحت‬
‫كلمة «هاكرز» مفرد جديد يف قاموس عامل‬
‫اجل��رمي��ة‪ ،‬وب��ات��ت ختيف الكثري م��ن الناس‬
‫واألخ��ص مستخدمي الكمبيوتر‪ ،‬وأصبحوا‬
‫يريدون احلماية من هذا الكابوس املخيف‪.‬‬
‫عامل اهلاكرز عامل كبري‪ ،‬ذو تشعبات كثرية‪،‬‬
‫وب��دأ هذا العامل يف النشوء حتى قبل وجود‬
‫الكمبيوتر‪ ،‬وأصبحت عمليات اهلاكرز الكبرية‬
‫تتصدر العناوين يف الصحف واجملالت‪ ،‬حتى‬
‫أن بعض أفراد اهلاكرز أصبحوا يف نظر البعض‬
‫وخاصة من فئة الشباب واملراهقني أبطاالُ‬
‫يسار على درهبم‪.‬‬
‫ك��ي��ف ال وه����ؤالء اهل���اك���رز ي��ت��م��ت��ع��ون مبا‬
‫يتمتعون به من ذكاء خارق الخرتاق أي كمبيوتر‬

‫يف العامل‪ ،‬مهما كثرت حتصيناته‪ ،‬حتى جهاز‬
‫كمبيوتر املخابرات األمريكية «‪ »CIA‬مل يسلم‬
‫منهم بالرغم من التحصينات الشديدة اليت‬
‫يتمتع هبا‪.‬‬
‫فمن ه��م اهل��اك��رز؟ وم��ا غ��اي��اهت��م؟ وكيف‬
‫نستطيع جتنب هجماهتم؟‬
‫من هم اهلاكز؟‬
‫إن اهل��اك��رز ه��م أش��خ��اص ذوي إمكانات‬
‫فنية ومواهب فائقة يف تكنولوجيا املعلومات‬
‫تصل بالبعض إىل حد اإلب��داع‪ ،‬ويرى اهلاكرز‬
‫أنفسهم إح��دى النخب العاملية ال�تي يتشرف‬
‫املرء باالنضمام إليها‪.‬‬
‫ُ‬
‫ويعرّف اهلاكر أيضا بالشخص الذي يستمتع‬
‫باستكشاف تفاصيل الربامج ونظم التشغيل‬
‫والشبكات بعكس هؤالء الذين يتعلمون منها‬
‫بقدر حاجتهم فقط‪.‬‬
‫وجي��د اهلاكر ل��ذة يف استعراض ما‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪95‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫شركات اهلاتف احمللية من الشباب املتحمس‬
‫ملعرفة املزيد عن هذه التقنية اجلديدة واليت‬
‫حولت جمرى التاريخ يف ذلك الوقت‪.‬‬
‫فكان هؤالء الشباب يقتحمون هذه اخلطوط‬
‫ويتسمعون إىل جمريات احلديث القائم بني‬
‫املتكلمني ع�بر ه���ذه اخل��ط��وط‪ ،‬ح��ت��ى بلغت‬
‫اجل��رأة إىل التسلية عرب حتويل اخلطوط إىل‬
‫غري وجهتها‪ ،‬فكانت املكاملات اليت من املفرتض‬
‫أن تصل إىل ‪ x‬تصل إىل ‪ Y‬وهكذا‪.‬‬
‫وكانت هذه األفعال بغرض التسلية واملتعة‬
‫ليس إال‪ ،‬مما اضطر معظم شركات اهلاتف إىل‬
‫تبديل العنصر الذكوري من العاملني عندها‬
‫إىل عنصر نسائي‪.‬‬
‫ويف ال��س��ت��ي��ن��ي��ات م���ن ه���ذا ال���ق���رن ظهر‬
‫الكمبيوتر األول‪ .‬لكن هؤالء اهلاكرز كانوا ال‬
‫يستطيعون الوصول هلذه الكمبيوترات و ذلك‬
‫ألسباب منها كرب حجم هذه اآلالت يف ذلك‬
‫يتمتع به من قدرات اخرتاقية‪.‬‬
‫الوقت و وجود حراسة على هذه األجهزة نظرا‬
‫وللهاكرز مستويات عدة‪ ،‬فإنك جتدهم إما ألمهيتها ووج��وده��ا يف غ��رف ذات درجات‬
‫أناس يقومون باالخرتاق بسبب ميول إجرامية حرارة ثابتة‪.‬‬
‫أو أن��اس يعملون يف ش��رك��ات نظم احلماية‬
‫فيقومون بتطوير طرق جديدة ومبتكرة لصد‬
‫متى ظهرت تسمية هاكرز ؟‬
‫هجمات املخرتقني وبذلك يقومون بتطوير‬
‫الغريب يف األمر أن يف الستينيات كان يطلق‬
‫نظم احلماية‪ ،‬أو أناس متوسطة املستوى هم اسم اهلاكر على املربمج البطل أو العبقري‪..‬‬
‫يف الغالب ه��واة كمبيوتر أو دارس�ين ل��ه‪ ،‬وال فاهلاكر يف تلك الفرتة هو املربمج الذي يقوم‬
‫يقومون ب��االخ�تراق ألس��ب��اب إج��رام��ي��ة وإمنا بتصميم أسرع برنامج من نوعه و يعترب دينيس‬
‫جملرد التسلية وخرق احملظور‪.‬‬
‫ريتشي و ك�ين ت��وم��س��ون أش��ه��ر ه��اك��رز على‬
‫اإلطالق ألهنم صمموا برنامج اليونكس و كان‬
‫تاريخ اهلاكرز؟‬
‫يعترب األسرع وذلك يف عام ‪ 1969‬م‪.‬‬
‫وج��د اهل��اك��رز حن��و ع��ام ‪1878‬م‪ .‬يف تلك‬
‫الفرتة مل تكن الكمبيوترات قد وج��دت بعد‪،‬‬
‫العصر الذهيب للهاكرز ‪1989-1980‬‬
‫ولكن باملقابل كانت شركات اهلاتف واليت كانت‬
‫يف عام ‪ 1981‬أنتجت شركة ‪  IBM‬املشهورة‬
‫اهلدف من هجمات هؤالء اهلاكرز‪.‬‬
‫جهاز أمسته الكمبيوتر الشخصي يتميز بصغر‬
‫ففي ه��ذا ال��ع��ام‪ ،‬وبالتحديد يف الواليات حجمه و سهولة استخدامه يف أي مكان و أي‬
‫املتحدة األمريكية‪ ،‬كان أغلب العاملني يف إحدى وقت‪ . .‬و هلذا فقد بدأ اهلاكرز يف تلك الفرتة‬

‫‪96‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫بالعمل احلقيقي ملعرفة طريقة عمل هذه‬
‫األجهزة و كيفية ختريب األجهزة‪.‬‬
‫ويف ه��ذه ال��ف�ترة ظ��ه��رت جم��م��وع��ات من‬
‫اهلاكرز كانت تقوم بعمليات التخريب يف أجهزة‬
‫املؤسسات التجارية‪ ،‬ويف عام ‪ 1983‬ظهر فيلم‬
‫سينمائي امسه (حرب األلعاب) حتدث هذا‬
‫الفيلم عن عمل اهل��اك��رز و كيف أن اهلاكرز‬
‫يشكلون خطورة على الدولة و على اقتصاد‬
‫الدولة و حذر الفيلم من اهلاكرز وخطورهتم‪.‬‬
‫حرب اهلاكرز العظمى ‪1994 - 1990‬‬
‫‪ ‬يف عام‪ 1984 ‬ظهر شخص يف أمريكا امسه‬
‫(ليكس لوثر) و أنشأ جمموعة أمساها‪LOD‬‬
‫وهي عبارة عن جمموعة من اهلاكرز اهلواة و‬
‫الذين يقومون بالقرصنة على أجهزة اآلخرين‪.‬‬
‫وكانوا يعتربون من أذكى اهلاكرز يف تلك الفرتة‪.‬‬
‫إىل أن ظهرت جمموعة أخرى امسها‪ MOD‬و‬
‫كانت بقيادة شخص يدعى ( فيرب )‪ ،‬و كانت‬

‫هذه اجملموعة منافسة جملموعة ‪.LOD‬‬
‫ومع بداية العام ‪ 1990‬ب��دأت اجملموعتان‬
‫حبرب كبرية مسيت حبرب اهلاكرز العظمى‬
‫و هذه احلرب كانت عبارة عن حم��اوالت كل‬
‫طرف اخرتاق أجهزة الطرف اآلخر‪ .‬و استمرت‬
‫هذه احلرب ما يقارب األربعة أعوام و انتهت‬
‫بإلقاء القبض على (فيرب ) رئيس جمموعة‬
‫‪MOD‬‬
‫وم��ع انتهاء ه��ذه احل��رب ظهر الكثري من‬
‫جمموعات اهلاكرز الكبار ‪ -‬يف تلك األيام مت‬
‫القبض على اعظم هاكرز يف التاريخ (كيفن‬
‫ميتنيك) «سنتحدث عنة الحقاً» و قد بثت‬
‫وك����االت األن��ب��اء ال��ع��امل��ي��ة خ�بر ال��ق��ب��ض على‬
‫ميتنيك‪ .‬و شاهده ماليني الناس‪.‬‬
‫وه���ذا اخل�ب�ر البسيط غ�ير ن��ظ��رة الناس‬
‫للهاكرز‪ .‬فقد ك��ان كثري م��ن ال��ن��اس يعتربون‬
‫اهلاكرز أبطاالُ و يعتربوهنم املنقذين من‬
‫تسلط احلكومة‪ ،‬أما بعد هذا اخلرب وجد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪97‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الناس بأن اهلاكرز هم لصوص متخفني بثياب‬
‫العبقرية و الكمبيوتر و ال هم هلم سوى الشهرة‬
‫و احلصول على األموال بأسهل الطرق‪ ،‬و قد‬
‫بدأت تقوم عمليات اهلاكرز خبفية بعد هذا‬
‫التاريخ‪.‬‬
‫يف صيف ع��ام ‪ 1994‬ظهر هاكر روسي‬
‫قام باقتحام كمبيوترات السييت بنك و سرقة‬
‫ما يقارب ‪10 ‬ماليني دوالر أمريكي‪ .‬و قد مت‬
‫مالحقته عن طريق اإلنرتنت و القبض علية و‬
‫استعادة املبلغ ناقصاً‪ 400000 ‬دوالر‪.‬‬
‫قصة أشهر وأخطر هاكر يف العامل‬
‫لعل اسم كيفن ميتنيك ‪ kevin mitnick‬ال‬
‫يعرفه ال��ك��ث�يرون يف عاملنا العربي والشرق‬
‫األوس��ط‪ ،‬ولكنه يف أوروب��ا والواليات املتحدة‬
‫يعترب من أشهر األمس��اء خصوصا بالنسبة‬
‫إىل شركات االنرتنت وعامل الكمبيوترات وأمن‬
‫الشبكات‪.‬‬
‫كيفن ميتنيك هو أشهر قرصان الكرتوني‬
‫ظهر على وجه األرض وأكثر اهلاكرز خطورة‬
‫منذ ظهور احلاسبات اآلل��ي��ة إىل درج��ة أنه‬
‫أصبح أول قرصان كمبيوتر توضع صوره من‬
‫ضمن قائمة املطلوبني لدى الـ «اف بي أي»‬
‫‪ ...FPI‬فما هي قصته؟‬
‫ولد كيفن عام ‪ .1963‬أي أنه يبلغ من العمر‬
‫اآلن ‪ 46‬سنة‪ ،‬يف بداية حياته مل يكن كيفن‬
‫ميتلك القدرة املالية لشراء حاسب آيل خاص‬
‫به لذلك كان يتواجد يف معارض راديو شاك‬
‫ليستعمل احلاسبات املعروضة‪.‬‬
‫كان شابا خجوال لوالدين مطلقني وأم تعمل‬
‫نادلة يف أحد املطاعم‪ .‬لذلك كانت مهارته يف‬
‫استخدام الكمبيوتر والقرصنة تعترب وسيلة‬
‫ج��ي��دة بالنسبة إل��ي��ه الك��ت��س��اب األصدقاء‬
‫والتفاخر خصوصا يف املرحلة الثانوية حني‬
‫كان خيرتق حاسب املدرسة الرئيسي أمام باقي‬

‫‪98‬‬

‫الطالب‪.‬‬
‫وع��ل��ى ال��رغ��م م��ن أن كيفن مل ي��ك��ن من‬
‫املتفوقني دراسياً‪ ،‬إال أنه برع يف الدخول إىل‬
‫ب��داالت مؤسسة اهلاتف احمللية‪ ،‬ومتكن من‬
‫احلصول على مكاملات هاتفية جمانية‪.‬‬
‫وتطور األمر إىل متكنه من اقتحام عوامل‬
‫اآلخ��ري��ن‪ ،‬واالستماع إىل مكاملاهتم‪ ،‬وأصبح‬
‫لديه خالل فرتة وجيزة الكثري من املعلومات‬
‫واألس����رار ع��ن أش��خ��اص ك��ان خي��ت��اره��م من‬
‫األغنياء وذوي السلطة‪ ،‬مما خلق يف نفسه‬
‫الشعور بالقوة والتفوق‪.‬‬
‫وبفضل اهتماماته يف هذا اجملال تعرف إىل‬
‫جمموعة من الشباب هلم االهتمام ذاته‪ ،‬واخلربة‬
‫يف اخرتاق شبكة اهلاتف عن طريق الكمبيوتر‪،‬‬
‫وشكلوا جمموعة أصبحت اجتماعاهتا شبه‬
‫منتظمة‪ ،‬للتداول يف وسائل وط��رق جديدة‬
‫يف ه��ذا اجمل��ال‪ ،‬وحتى ذل��ك الوقت‪ ،‬ك��ان كل‬
‫ما قامت به اجملموعة ال يتعدى املزاح لشباب‬
‫راغبني يف املتعة واالبتعاد عن امللل‪ ،‬وإن كان‬
‫بإزعاج اآلخرين قليال‪ ..‬لكن اإلزعاج ما لبث أن‬
‫حتول إىل أذى‪ ،‬حيث قام أحد أفراد اجملموعة‬
‫بتدمري ملفات إح��دى شركات الكمبيوتر يف‬
‫س��ان فرانسيسكو‪ ،‬ومل تتمكن الشرطة من‬
‫معرفة الفاعل‪ ،‬ألكثر من عام‪.‬‬
‫يف أحد أيام العطل من عام ‪ 1981‬دخل كيفن‬
‫واثنان من أصدقائه خلسة‪ ،‬إىل املركز الرئيسي‬
‫لشركة اهلاتف يف مدينة لوس اجنلوس‪ ،‬ووصلوا‬
‫إىل الغرفة اليت حتتوي على الكمبيوتر الذي‬
‫يدير عمليات االتصال‪ ،‬وأخذوا كتب التشغيل‬
‫اخلاصة به‪ ،‬وقوائم وسجالت تتضمن مفاتيح‬
‫السر ألقفال األبواب‪ ،‬يف تسعة مراكز أساسية‬
‫تابعة لشركة اهل��ات��ف يف امل��دي��ن��ة‪ .‬وعندما‬
‫حققت الشرطة احمللية يف األم��ر‪ ،‬مل تتمكن‬
‫من كشف الفاعل‪ ..‬لكن‪ ،‬وبعد سنة‪ ،‬وشت‬
‫هبم فتاة من أعضاء اجملموعة للشرطة‪ ،‬الذين‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫سارعوا العتقال الشبان الثالثة‪ .‬وحكم على‬
‫كيفن بقضاء ثالثة أشهر يف سجن األحداث‬
‫بتهمة ال��س��رق��ة‪ ،‬وت��دم�ير بيانات ع�بر شبكة‬
‫الكمبيوتر‪ ،‬كما قضت احملكمة بوضعه بعد‬
‫ذلك‪ ،‬سنة حتت املراقبة يف لوس اجنلوس‪ .‬من‬
‫جهته‪ ،‬حاول مركز اخلدمة االجتماعية تقديم‬
‫العون له لتطوير خرباته يف جمال الكمبيوتر‪،‬‬
‫واالستفادة منها بشكل شرعي‪ ،‬لكن النتيجة‬
‫ج��اءت سلبية‪ ،‬إذ سعى كيفن إىل تعلم أمور‬
‫خمتصرة‪ ،‬وحيل تساعده على ممارسة هوايته‬
‫باخرتاق شبكات الكمبيوتر‪ ،‬وهذا ما قاده من‬
‫قضية إىل أخرى‪.‬‬
‫واعتقل كيفن ثانية ع��ام ‪ 1983‬م��ن قبل‬
‫شرطة جامعة مشال كاليفورنيا‪ ،‬بعد ضبطه‬
‫حي���اول اس��ت��خ��دام شبكة كمبيوتر اجلامعة‬
‫للوصول من خالهلا إىل البنتاغون‪ .‬وحكمت‬
‫احملكمة عليه بستة أشهر تدريب يف إصالحية‬
‫لألحداث‪ ،‬يف كاليفورنيا‪ .‬وبعد سنوات اعتقل‬
‫مرة أخ��رى‪ ،‬بتهمة العبث بكمبيوتر حسابات‬
‫إحدى الشركات‪ ،‬والغريب يف األمر‪ ،‬أنه بقي‬
‫رهن االعتقال ملدة سنة كاملة من دون حماكمة‪،‬‬
‫واألغرب اختفاء ملفه من مركز الشرطة‪ ،‬من‬
‫دون أي تفسري أو شرح!‬
‫ويف عام ‪ُ 1988‬قبض عليه بتهمة اخرتاق‬
‫حاسبات أح��دى ش��رك��ات الكمبيوتر الكربى‬
‫يف الواليات املتحدة مما سبب خسائر تقدر‬
‫بأربعة ماليني دوالر وس��رق��ة ب��رام��ج بقيمة‬
‫مليون دوالر‪ .‬لذلك حُكم عليه يف عام ‪1989‬‬
‫بالسجن ملدة عام وقضى كيفن املدة‪ .‬ولقد كان‬
‫جمربا على االخنراط يف مركز ملعاجلة اإلدمان‬
‫من القرصنة وذل��ك حبكم قضائي ملدة ستة‬
‫أشهر‪.‬‬
‫وبعد إط�لاق س��راح��ه يف ع��ام ‪ 1990‬كان‬
‫كيفن حياول االستقامة ولكنه كان يواجه‬
‫صعوبة يف احلصول على عمل يف عامل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪99‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫احلاسبات اآللية نتيجة ملاضيه امللوث‪ .‬حتى‬
‫وجد عمال يف إحدى الشركات املتوسطة‪ .‬ولكن‬
‫نتيجة لوفاة أخيه يف عام ‪ 1992‬من جرعة‬
‫خمدرات تعرض كيفن حلالة كآبة شديدة وعاد‬
‫هلوايته القدمية وهي اخرتاق احلاسبات اآللية‬
‫والقرصنة‪.‬‬
‫ويف هناية ذلك العام توجهت الـ «اف‪.‬بي‪.‬أي»‬
‫إىل شقة كيفن لتستجوبه حول بعض قضايا‬
‫االخرتاق لتجده قد فر واختفى‪ .‬وظلت املتابعة‬
‫مستمرة بني الـ «اف بي آي» وكيفن بني عدة‬
‫مدن كان خالهلا كيفن يواصل عمله يف اخرتاق‬
‫احلاسبات اآللية عن طريق حاسبه احملمول‬
‫واهلاتف النقال‪ .‬يف كل مرة كان كيفن يهرب‬
‫بأعجوبة من أيدي عمالء الـ «اف بي آي»‬
‫هذه املالحقة صنعت من كيفن أسطورة يف‬
‫أحناء الواليات املتحدة وأصبح مثاال حيتذى‬
‫ب��ه يف ع��امل القرصنة واهل��اك��ر لقدرته على‬
‫االختفاء والدخول إىل أكثر احلاسبات صعوبة‬
‫حتى إىل وزارة الدفاع االمريكية وأكرب الشركات‬
‫يف أمريكا‪.‬‬
‫ويف هن����اي����ة ع������ام ‪ 94‬اخ���ت���رق كيفن‬
‫احل��اس��ب ال��رئ��ي��س��ي ل��ش��رك��ة ‪Tsutomu‬‬
‫‪Shimomura‬‬
‫وه��ي شركة مشهورة متخصصة يف أمن‬
‫الشبكات‪ .‬هذا االخرتاق جعل الشركة تصمم‬
‫على متابعة كيفن ومالحقته بالتعاون مع‬
‫حمققي الـ «اف‪.‬بي‪.‬أي»‪ ،‬وبالفعل بعد شهرين‬
‫فقط و ب��ت��اري��خ ‪ 15‬ش��ب��اط م��ن ع��ام ‪1995‬‬
‫اعتُقل كيفن يف شقته‪ .‬وللضرر الذي أحلقه‬
‫كيفن بالعديد من الشركات واألفراد وملاليني‬
‫ال��دوالرات من اخلسائر ولكونه أصبح خطرا‬
‫على امن الواليات املتحدة األمريكية فقد حكم‬
‫عليه بالسجن ملدة أربع سنوات باإلضافة إىل‬
‫دفع ‪ 4000‬دوالر كتعويض‪ .‬وكذلك وافق كيفن‬
‫على ختصيص أرباحه املستقبلية من أي كتب أو‬

‫‪100‬‬

‫أفالم أو مقابالت متعلقة جبرائمه ستخصص‬
‫لضحاياه ملدة سبع سنوات‪.‬‬
‫ع��اد كيفن أوائ���ل ال��ع��ام ‪ 1992‬إىل سان‬
‫فرانسيسكو‪ ،‬بعد وفاة شقيقه‪ ،‬وعمل مع والده‬
‫لفرتة يف أعمال البناء‪ ،‬إىل أن وجد عمالً لدى‬
‫صديق لوالده‪ ،‬يف وكالة حتقيق‪ .‬مل ميض وقت‬
‫طويل‪ ،‬حتى اكتشفت عملية استخدام غري‬
‫شرعي‪ ،‬لقواعد البيانات اليت متلك الوكالة‬
‫ح��ق ال��وص��ول إليها‪ .‬ووج��د كيفن نفسه من‬
‫جديد‪ ،‬موضوعاً ملكتب التحقيقات الفيدرايل‬
‫الذي فتش مقر عمله وسكنه‪ ،‬حبثاً عن أدلة‬
‫تثبت استخدامه غري املشروع لقواعد البيانات‬
‫تلك‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫أص��در قاضي التحقيق الفيدرايل أواخر‬
‫ال��ع��ام ‪ ،1992‬م��ذك��رة اع��ت��ق��ال ض��د كيفن‪،‬‬
‫بتهمتني‪ :‬األوىل ال��دخ��ول غ�ير القانوني إىل‬
‫كمبيوتر إحدى شركات اهلاتف‪ .‬والثانية‪ ،‬عدم‬
‫التزامه بالبقاء يف املدينة‪ ،‬ومغادرته إىل الس‬
‫فيغاس قبل انتهاء األشهر الستة اليت فرضتها‬
‫عليه احملكمة كعالج نفسي‪ .‬وعندما ذهبت‬
‫الشرطة العتقاله كان كيفن اختفى‪ ،‬بدون أن‬
‫يرتك وراءه أثراً‪..‬‬
‫ويف كانون الثاني من العام ‪ ،1992‬تلقى‬
‫ق��س��م اآلل���ي���ات ب��ك��ال��ي��ف��ورن��ي��ا ات���ص���االً عرب‬
‫الكمبيوتر‪ ،‬يطلب فيه صاحبه احلصول على‬
‫نسخ من شهادات رخص السواقة للمتعاونني‬
‫مع الشرطة‪ .‬واستخدم املتصل شفرة تظهر أنه‬
‫خمول قانونياً باالطالع على تلك الوثائق‪ ،‬وطلب‬
‫إرساهلا بالفاكس إىل عنوان يف إحدى ضواحي‬
‫لوس أجنلوس‪ .‬استشعر مسؤولوا األمن ريبة‬
‫يف الطلب‪ ،‬ففحصوا الرقم املطلوب إرسال‬

‫النسخ إليه‪ ،‬فتبني أنه حمل لتقديم خدمات‬
‫التصوير والفاكس‪ .‬وق��رروا إرس��ال املطلوب‪،‬‬
‫لكنهم أرس��ل��وا قبل ذل��ك عناصر م��ن األمن‬
‫إىل احملل‪ ،‬ملعرفة الشخص الذي يطلب هذه‬
‫املعلومات‪ ،‬وهدفه من وراء ذلك‪ .‬وقفوا على‬
‫باب احملل ينتظرون اإلمساك به‪ ،‬ومل ينتبهوا‬
‫إليه إال بعد خروجه حامالً األوراق‪ ،‬وعندما‬
‫شعر هبم‪ ،‬هرب راكضاً عرب إح��دى احلدائق‬
‫القريبة‪ .‬وركضوا خلفه‪ ،‬فسقطت األوراق على‬
‫األرض‪ ،‬وتوقفوا اللتقاطها‪ ،‬فتمكن من اهلرب‪.‬‬
‫ووج��د مسؤولوا األم��ن عند فحص األوراق‬
‫الحقاً‪ ،‬أهنا حتمل بصمات كيفن‪ ،‬ليكتشفوا أنه‬
‫مازال ميارس نشاطه‪.‬‬
‫جعلت هذه احلادثة‪ ،‬وجناته من املطاردة‪،‬‬
‫وما كتبته الصحف عنه‪ ،‬من كيفن لصاً ذكياً‪،‬‬
‫وم��ث�يراً ل�لإع��ج��اب‪ ،‬ب��ل إن أح��د الصحفيني‬
‫ويدعى ماركوف‪ ،‬جعل أخبار كيفن شغله‬
‫الشاغل‪ ،‬وأخذ يتلقط كل كبرية وصغرية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪101‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عنه‪ ،‬ما دفع مكتب التحقيقات الفيدرايل‪ ،‬إىل‬
‫تعيينه مستشارها يف عمليات مطاردة كيفن‪.‬‬
‫يف عطلة عيد امل��ي�لاد ع��ام ‪ ،1994‬كان‬
‫شيمومورا متوجهاً لالستمتاع ب��إج��ازة يف‬
‫نيفادا‪ ،‬عندما تلقى اتصاالً من صديقه يف‬
‫العمل‪ ،‬خي�بره أن كمبيوتره امل��ن��زيل املتصل‬
‫بشبكة العمل الواسعة‪ ،‬تعرض لالخرتاق‪ ..‬قطع‬
‫شيمومورا إجازته على الفور‪ ،‬وعاد إىل بيته‪،‬‬
‫ليكتشف أن الفاعل متكن من سرقة مئات‬
‫امللفات والربامج من كمبيوتره‪..‬‬
‫ولكن من هو شيمومورا ؟ وما أمهية‬
‫امللفات اليت سرقت ؟‬
‫إنه واح��د من أشهر خ�براء أمن الشبكات‪،‬‬
‫والربجمة‪ ،‬ويعمل مستشاراً ملكتب التحقيقات‬
‫الفيدرايل والقوى اجلوية ووكالة األمن القومي‬
‫األمريكية وم��ط��وراً ل�برام��ج كمبيوتر خاصة‬
‫حبماية نظم شبكات الكمبيوتر من االخرتاق‪،‬‬
‫أما امللفات املسروقة‪ ،‬فهي مفيدة ج��داً لكل‬
‫من يرغب يف تعلم أساليب اخ�تراق شبكات‬
‫الكمبيوتر واهلاتف املتحرك‪.‬‬
‫من حسن حظ شيمومورا أنه كان طور وركب‬
‫نظام مراقبة‪ ،‬ينذر عند االشتباه بوقوع اخرتاق‬
‫لشبكة الكمبيوتر اليت تتصل هبا كمبيوتراته‬
‫املنزلية‪ ،‬وهذا ما مل يتنبه إليه كيفن‪ .‬وعندما‬
‫بدأ اهلجوم على كمبيوتر شيمومورا املنزيل‪،‬‬
‫أرس��ل آلياً جمموعة سجالت تتضمن ما دار‬
‫من أحداث إىل كمبيوتر آخر موجود يف مركز‬
‫الشبكة‪ ،‬وأدرك املشرفون على الشبكة وقوع‬
‫اخرتاق لكمبيوتر شيمومورا املنزيل‪ ،‬ومتكنوا‬
‫من طرد املعتدي‪ .‬ومكن ذلك شيمومورا من‬
‫دراس��ة اهلجوم‪ ،‬ليكتشف أن «ال��ـ ‪»Hacker‬‬
‫خدع كمبيوتره‪ ،‬وأظهر له أنه خمول بالدخول‬
‫إليه‪ .‬لكن تتبعه ملصدر االتصال‪ ،‬أسفر عن‬
‫نتيجة زائ��ف��ة‪ ،‬إذ ب��دا وكأنه ق��ادم من إحدى‬

‫‪102‬‬

‫جامعات شيكاغو!‬
‫هل يستسلم خبري اخرتاق الشبكات؟‬
‫أث���ارت تلك احل��ادث��ة حنقاً ق��وي�اً يف نفس‬
‫شيمومورا‪ ،‬وجعلته يوجه كل طاقته وخربته‪،‬‬
‫بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرايل‪،‬‬
‫العتقال الشخص الذي جترأ على اقتحام عقر‬
‫داره ومتكن شيمومورا مبساعدة احملققني‪،‬‬
‫وبفضل نظام املراقبة الذي دأب على حتسينه‬
‫يوماً بعد آخر‪ ،‬من تتبع أثر املعتدي وهو جيوب‬
‫فضاء اإلنرتنت‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫مكنت جهود شيمومورا احملققني من مراقبة‬
‫املعتدي وهو يتالعب ببداالت شركة اهلاتف‪،‬‬
‫ويسرق ملفات من موتوروال وأب��ل‪ ،‬وشركات‬
‫أخرى‪ ،‬وينسخ عشرين ألف رقم بطاقة ائتمان‬
‫من إحدى شبكات الكمبيوتر التجارية‪ .‬ودارت‬
‫الشبهة يف كل هذه احلاالت حول كيفن ميتنك‪،‬‬
‫املختفي عن األنظار منذ العام ‪ ،1992‬وكشفت‬
‫أنه يقوم بعملياته عرب شبكة هواتف متحركة‪،‬‬
‫من مدينه رايل مشال كاليفورنيا‪.‬‬
‫األحد ‪ 13‬شباط ‪ 1995‬طار شيمومورا إىل‬

‫مدينة رايل‪ .‬ويف اليوم التايل‪ ،‬ساعد خرباء‬
‫شركة اهلاتف احمللية‪ ،‬واحملققني الفيدراليني‬
‫على استخدام ماسحة لرتدد اهلاتف املتحرك‪،‬‬
‫كي حيدد مكان كيفن ميتنك بدقة‪.‬‬
‫ويف مساء ‪ 15‬شباط ق��رع احملققون باب‬
‫الشقة ‪ ،202‬يف إحدى ضواحي مدينة رايل‪،‬‬
‫ففتح كيفن الباب بعد م��رور مخسة دقائق‪،‬‬
‫م��دع��ي�اً أن��ه ك��ان يتحدث م��ع حم��ام��ي��ه‪ ،‬لكن‬
‫عندما تناولوا مساعة اهلاتف وج��دوا اخلط‬
‫بدون حرارة !!‬
‫اع��ت��ق��ل ك��ي��ف��ن ووض����ع يف ال��س��ج��ن بدون‬
‫حماكمة‪ ،‬إىل أن صدر عليه حكم يف عام ‪1997‬‬
‫بالسجن ملدة اثنني وعشرين شهراً‪ ،‬لكن كيفن‬
‫ك��ان حينها أم��ض��ى م��دة احل��ك��م وزاد عليها‬
‫أربعة شهور‪ ،‬ومع ذلك مل يطلق سراحه حتى‬
‫اآلن بانتظار حماكمات أخ��رى‪ .‬تتمثل حجة‬
‫احملققني يف أنه خطر ج��داً لدرجة أنه قادر‬
‫باتصال هاتفي واح��د على وض��ع البالد يف‬
‫حالة استنفار قصوى‪ ،‬استعداداً حلرب عاملية‬
‫ثالثة بفضل قدرته على اقتحام أخطر املواقع‬
‫عرب شبكات الكمبيوتر واهلاتف !‬
‫هذه املعاملة القاسية اليت يتلقاها كيفن‪،‬‬
‫إضافة إىل حرمانه من حقوق ال حيرم منها‬
‫حتى أخطر اجملرمني‪ ،‬زادت عدد املتعاطفني‬
‫معه الذين يطالبون باإلفراج عنه ف��وراً‪ ،‬كما‬
‫جعلت منه بطالً يف نظر الكثريين يف الواليات‬
‫املتحدة‪ .‬وشكل البعض مجاعات للدفاع عنه‪،‬‬
‫وقالوا أنه ليس جمرماً وأنه مل يبع املعلومات‬
‫وال�برام��ج ال�تي ك��ان يستويل عليها‪ ،‬ب��ل كان‬
‫يستخدمها لزيادة قدراته فقط‪.‬‬
‫ووج����ه ال��ك��ث�يرون ان��ت��ق��اداً ح����اداً للنظام‬
‫القضائي األمريكي‪ ،‬الذي يسمح بإهدار حرية‬
‫وحقوق مواطن أمريكي‪ ،‬بينما ال تكف أمريكا‬
‫ع��ن توجيه ان��ت��ق��ادات ح���ادة لكثري من‬
‫دول العامل وخاصة الصني‪ ،‬حبجة عدم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪103‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫احرتامها حقوق اإلنسان‪.‬‬
‫«مصائب قوم عند قوم فوائد»‬
‫يف ال��وق��ت ال���ذي يقبع كيفن ذل��ي�لاً خلف‬
‫قضبان السجن‪ ،‬يعاني الفقر واحلرمان‪ ،‬جيين‬
‫بعض الكتاب الذين تناولوا سرية حياته ماليني‬
‫ال���دوالرات‪ .‬ويعد كتاب ‪ ،Takedown‬الذي‬
‫اشرتك يف تأليفه الصحايف ماركوف واخلبري‬
‫شيمومورا‪ ،‬أشهر هذه الكتب‪ ،‬وجيري حتويله‬
‫حالياً‪ ،‬إىل فيلم أمريكي‪..‬‬
‫بعد اخلروج من السجن‬
‫لقد انتهت م��دة حبس كيفن يف يناير من‬
‫العام ‪ 2001‬ولكنه منع من استخدام االنرتنت‬

‫‪104‬‬

‫ملدة عام كامل‪ .‬ويف يناير من هذا العام احتفل‬
‫باستخدامه لالنرتنت ألول مرة منذ فرتة طويلة‪.‬‬
‫ولكيفن اآلن موقع رســــمي عـــلى االنرتنت هو‬
‫‪ http://www.kevinmitnick.com‬مل‬
‫يصممه بنفسه ولكنه أحد عشرات املواقع اليت‬
‫صممها معجبوه وحمبوه حول العامل ملا متثله‬
‫شخصيته بالنسبة إليهم من حتد وذكاء وقدرة‬
‫على عمل املستحيل خصوصا بالنسبة إىل‬
‫اهلاكرز ومشغلي الكمبيوترات‪ .‬واآلن سيجين‬
‫امل�لاي�ين نتيجة كتابة م��ذك��رات��ه ومغامراته‬
‫االلكرتونية خصوصا بعد أن وقع عقدا مباليني‬
‫ال�����دوالرات فقط لكي يكتب أش��ه��ر قصص‬
‫القرصنة االلكرتونية وعامل اهلاكرز‪.‬‬
‫الغريب يف األم��ر أن موقع شركة السيد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫كيفن قد تعرض لالخرتاق مرتني خالل الشهر‬
‫وقال متنيك‪ ،‬أشهر قراصنة العامل‪ ،‬أنه ينوي‬
‫املاضي وقام أحدهم بإضافة صفحة إىل املوقع تأسيس شركة تقدم خدمات تأمني ومحاية‬
‫يرحب فيها بالسيد كيفن لعامل احلرية واضعا ضد عمليات القرصنة‬
‫ص���ورة دب قطيب ح��ام�لا ك��أس��ا‪ ..‬واألخ���رى‬
‫لشخص وضع رسالة يطلب من كيفن أن يوظفه‬
‫أنواع اهلاكرز‪ ‬‬
‫‪Phreak ‬‬
‫يف شركته‪ .‬ويعلق السيد كيفن بأنه لن يقدم‬
‫هاكر حياول التسلل عرب الشبكات اهلاتفية‬
‫شكوى ألن��ه مل حي��دث ض��رر‪ ،‬كما أن عملية‬
‫اخرتاق مواقعه تعترب اآلن من األعمال العظيمة اعتماداً على أساليب تقنية غري قانونية أو‬
‫اليت يتفاخر هبا اهلاكرز ألنه ملك اهلاكرز كما التحكم هبذه الشبكات و يستخدم هؤالء أدوات‬
‫خاصة مثل مولدات النغمات اهلاتفية‪ .‬ومع‬
‫يدعي‪.‬‬
‫حتول شركات اهلاتف إىل استخدام املقاسم أو‬
‫البداالت الرقمية عوضا عن الكهروميكانيكية‬
‫السماح له ببعض التقنيات‬
‫متكن شخص اعتربته احلكومة الفيدرالية القدمية‪ ,‬حتول هؤالء إىل استخدام األساليب‬
‫األمريكية يوما أخطر قرصان كمبيوتر‪ ،‬من الربجمية ذاهتا اليت يستخدمها الـ‪.Crackers‬‬
‫‪ ‬‬
‫احلصول على إذن لتجديد رخصة عمل راديو‬
‫مؤلف الفريوسات‪ ‬‬
‫خاص به‪ ،‬واستخدام اإلنرتنت‪.‬‬
‫ي��ق��وم ه����ذا ال���ن���وع م���ن اهل���اك���ر بتصميم‬
‫وق��ض��ى كيفن ميتنيك مخ��س��ة أع����وام يف‬
‫ال��س��ج��ن ال��ف��ي��درايل لسرقته ب��رام��ج وتغيري الفريوسات حمبة يف التخريب و تدمري األجهزة‬
‫املعلومات يف شركة م��وت��وروال ونوكيا ونوفل و يعترب احملللون النفسيون أن من ينتمي إىل‬
‫وصن مايكروسيستم وجامعة جنوب كاروالينا‪ .‬هذا النوع من املربجمني مصاب مبرض عقلي‬
‫ووج��ه له املدعي العام هتما بالتسبب يف أو نفسي‪ ،‬يدفعه إىل هذه العمليات التخريبية‬
‫خ��س��ارة ع��ش��رات م�لاي�ين ال������دوالرات لتلك اليت ال جيين منها أي فائدة شخصية‪ ،‬ويعترب‬
‫الشركات‪ .‬وق��د استمرت مطاردة السلطات هذا النوع من أخطر األنواع‪.‬‬
‫‪ ‬‬
‫األمريكية ملتنيك ثالثة أعوام حتى مت القبض‬
‫‪Anarchists ‬‬
‫عليه يف شقة يف جنوب كاروالينا مبساعدة‬
‫خبري أم��ن‪ .‬وخ�لال امل��ط��اردة‪ ،‬استمر متنيك‬
‫حياول هذا النوع من اهلاكر احلصول على‬
‫بقرصنة أجهزة الكمبيوتر حتى أصبح امسا أدوات و خوارزميات التشفري املعقدة و القوية‬
‫بارزا يف عامل القراصنة‪ .‬وأُطلق سراح متنيك و توزيعها بصورة جمانية حيث تسمح هذه‬
‫ع���ام ‪ 2000‬ب��ش��روط منها ح��ظ��ر استخدام األدوات بإجراء عمليات تشفري ال ميكن فكها‬
‫اإلنرتنت بدون إذن حكومي‪ ،‬أو شراء أي شيء إال باستخدام أجهزه كمبيوتر متطورة‪.‬‬
‫‪ ‬‬
‫له عالقة باإلنرتنت‪ .‬كما ال يُسمح له بالسفر أو‬
‫‪Cyberpunk  ‬‬
‫العمل بدون إذن‪.‬‬
‫تطلق هذه التسمية على كل من يستخدم‬
‫وسُمح ملتنيك باستخدام هاتف خلوي‪ .‬بينما‬
‫أُعطي اإلذن فيما بعد بطبع رسائل على اهلاتف مزجيا من الطرق املسبقة للقيام بعمليات غري‬
‫قانونية‪.‬‬
‫على أن ال يكون متصال باإلنرتنت‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪105‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هل هناك طريقة صحيحة‬
‫لإلكتشاف المبكر لسرطان الثدى؟‬
‫هناء الصاحل‬

‫هناك طريقتان لفحص الثدي ‪:‬‬
‫أوالً ‪ :‬الفحص بالتصوير بأشعة املاموجرام‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الفحص اليدوى للثدي‪ ،‬وهى الطريقة الطبيعية‬
‫املُتبعة قدمياً قبل ظهور املاموجرام‪ ،‬ويتم الفحص عن طريق حتسس‬
‫الثدي ومالحظة ما إذا كان هناك أي تغريات قد طرأت عليه‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫أوالً ‪ :‬الفحص بالتصوير بأشعة املاموجرام‪.‬‬
‫لقد صرح األطباء بأن إجراء الفحص املنتظم‬
‫للثدي (وال��ذي يُنصح به دائماً) ‪ ..‬مل يُساعد‬
‫أب��داً فى خفض معدل الوفيات من سرطان‬
‫الثدي !!‬
‫بل توصلوا إىل أن��ه قد ي��ؤدي إىل عمليات‬
‫استئصال غري ضرورية ألنسجة سليمة !!!‬
‫وق���د أُج���ري���ت دراس���ت���ان مش��ل��ت��ا أك��ث��ر من‬
‫‪ 388,000‬إمرأة فى جمموعتني‪.‬‬
‫اجملموعة األوىل كانت ختضع للفحص بشكل‬
‫دائم ومنتظم‪.‬‬
‫بينما مل ختضع له اجملموعة األخرى‪.‬‬
‫وق��د أظ��ه��رت ه��ذه ال��دراس��ات ب��أن معدل‬
‫الوفيات من سرطان الثدي بني اجملموعتني كان‬
‫نفس املعدل !!!‬
‫بل إن جمموعة الفحص املنتظم تعرضت‬
‫لعمليات استئصال ضِعف اجملموعة التى مل‬
‫تقم بالفحوصات !!!‬
‫وق���د ص���رح ب��ع��ض اخل��ب�راء ب���أن الطريقة‬
‫األفضل يف التأكد من خلو الثدي من األورام‬
‫ليست باتباع الفحوصات واآلالت الكهربائية‪...‬‬
‫ب��ل بالطريقة الطبيعية (الفحص الذاتي‬
‫للثدي) وهي حتسس الثدي ومالحظة ما إذا‬
‫كان هناك أي تغريات قد طرأت عليه‪.‬‬
‫لقد ساد يف السنوات املاضية االعتقاد بأن‬
‫إج��راء الفحص حتت اآلالت واإلشعاعات هو‬
‫الطريقة األبسط لكي تالحظ النساء أي تغريات‬
‫غريبة فى الثدي‪.‬‬
‫ولكن اآلن وبعد الدراسات التى أجريت اتضح‬
‫بأن هذه الفحوصات مل تُقلل نسبة الوفيات من‬
‫سرطان الثدي ‪ ...‬بل يف احلقيقة تزيد من عدد‬
‫عمليات االستئصال غري الالزمة !!!‬

‫من معهد السرطان القومي األمريكي ومجعية‬
‫السرطان األمريكية بذلوا جهداً كبرياً طوال‬
‫العشر سنوات األخرية إلقناع النساء بضرورة‬
‫إجراء التصوير بأشعة املاموجرام حبُجة الكشف‬
‫املُبكر لسرطان الثدي خاصة بعد بلوغهم سن‬
‫األربعني‪.‬‬
‫وهنا ينصح الدكتور ويليام دوجالس النساء‬
‫ويقول ‪:‬‬
‫وحنن ننصح ونَحُث النساء على عدم إجراء‬
‫هذا الفحص يف أي عُمر كان‪.‬‬
‫حيث إن املُعاجلة املبكرة للسرطان سواء‬
‫بالعمليات أو باإلشعاع أو بالعالج الكيمائي ال‬
‫تُطيل العمر‪.‬‬
‫بل على العكس من املمكن أن تُقصره !!!!‬
‫فمخاطر التقنيات احلديثة يف التشخيص‬
‫وكذلك العمليات اجلراحية واألدوية ‪...‬‬
‫كلها تُزيد من حدوث السرطان بدالً من أن‬
‫متنعه !!!‬
‫فالعالج الطبى املُتبع لعالج سرطان الثدي‬
‫‪ ...‬ثبت فشله‬
‫ولكن ال أحد يُريد أن يعرتف بذلك !!!!‬

‫هل أشعة املاموجرام آمنة ؟!!‬
‫إن أحد األمور اليت يلجأ إليها الطب احلديث‬
‫هي التصوير بأشعة املاموجرام لرؤية أي تغريات‬
‫أو أورام يف الثدي‪.‬‬
‫وك��م��ا ذك��رن��ا ي��ت��م ن��ص��ح ال��ن��س��اء بتصوير‬
‫أش��ع��ة امل��ام��وج��رام س��ن��وي�اً بعد بلوغهن سن‬
‫األربعني!!!!!‬
‫ولكن هذا األمر فى غاية اخلطورة !‬
‫هناك الكثري من الشكوك والتحذيرات تدور‬
‫حول فوائد املاموجرام‪.‬‬
‫ولكن بالنسبة ملخاطره فهى مُثبتة ومؤكدة‬
‫الطب احلديث ‪ ...‬وسرطان الثدى‬
‫متاماً !!!‬
‫اختصاصيو األشعة األمريكيون بتشجيع‬
‫‪ -‬ف��ف��ى ع���ام ‪ 2001‬وب��ع��د أن وسع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪107‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مسؤولو الصحة يف الواليات املتحدة دائرة أعمار‬
‫النساء الالتي ينبغي أن يتعرضن للماموجرام‬
‫من ‪ 50‬إىل ‪ 40‬سنة من العمر ! ‪ ...‬أصدرت‬
‫دراسة دامناركية معلومات مفاجئة !!!‬
‫أن س�لام��ة ال��ت��ص��وي��ر ب��أش��ع��ة املاموجرام‬
‫والذي يستعمل يف أحناء عديدة من العامل غري‬
‫مثبتة!!!‬
‫وأوض��ح��ت ال��دراس��ة ك��ذل��ك ب��أن دراس���ات‬
‫املاموجرام األخرية قد متت بعشوائية‪.‬‬
‫وأن نتائج إنقاذ حاالت سرطان الثدي نتائج‬
‫غري صحيحة !!!‬
‫ من جريدة الرتيبيون الطبية فى ‪ 26‬مارس‬‫‪1992‬‬
‫منذ بضع سنوات نصح جراح بريطاني بأال‬
‫حيثوا النساء حتت سن اخلمسني على إجراء‬
‫أشعة املاموجرام‪.‬‬
‫ وهناك دراسة كندية غري منشورة ترى أن‬‫إجراء النساء الصغريات فى العُمر هلذه األشعة‬
‫يعرضهن للموت أكثر ما أن يقمن بالفحص‬
‫ال��ذات��ي والطبيعي للثدي خ��اص��ة أن نتيجة‬
‫املاموجرام ال تُثبت إثباتاً مؤكداً بوجود سرطان‬
‫حقيقى ‪.‬‬
‫ كما تقول الدكتورة‪ /‬كورنيليا بارنز أن‬‫املاموجرام ليس اخلطر فيه اإلشعاع فقط ولكن‬
‫النتائج غري احلقيقية اليت يؤدي إليها‪.‬‬
‫وال��ت��ى ب��ن��اء عليها ق��د يتم إج���راء عملية‬
‫جراحية (غري ضرورية) ألخذ عينة من الثدي‬
‫لفحصها‪.‬‬
‫ وذكرت دراسة فى جملة طبية بريطانية ‪:‬‬‫أن ‪ % 29‬زيادة يف معدل الوفيات من سرطان‬
‫الثدي لدى النساء الالتي ُقمن بإجراء املاموجرام‬
‫بشكل دوري‪.‬‬
‫ ودراسة أخرى من معهد السرطان القومي‬‫بكندا حول ظاهرة حدوث السرطان بنسبة أكرب‬
‫لدى السيدات الالتي يأخذن بنصيحة أطبائهن‬

‫‪108‬‬

‫حول ضرورة الفحص الدورى للثدي‪.‬‬
‫وجدت هذه الدراسة أن النساء ُقمن بإجراء‬
‫املاموجرام طبقاً لنصيحة األطباء !!!‬
‫ورأت الدراسة أيضاً أن النساء الالتي قمن‬
‫باملاموجرام ُكن هُن األكثر عُرضة للموت من‬
‫النساء الالتى مل ي ُقمن به‪.‬‬
‫وي��ق��ول الدكتور أنتونى ميلر بكلية الطب‬
‫جامعة تورينتو وال���ذي ك��ان ه��و م��دي��راً هلذه‬
‫الدراسة ‪:‬‬
‫((أنه من املُحتمل أن جند السرطان مُبكراً‬
‫‪ ...‬ولكن أسلوب الطب احلديث إىل األن مل‬
‫جيد حالً لعالج هذه احلاالت)) !!!‬
‫ إن هذا التصوير بأشعة املاموجرام حيمل‬‫الكثري من السلبيات ‪...‬‬
‫فمعدل األخطاء وصل إىل نسب عالية‪ ،‬وهذه‬
‫األخطاء تؤدي إىل إعادة التصوير أكثر من مرة‬
‫ما جيعل األمر مُكلفاً جداً‪.‬‬
‫باإلضافة إىل أن األمر يؤدي يف أحيان كثرية‬
‫إىل إجراء عمليات استئصال غري الزمة ألنسجة‬
‫سليمة !!!‬
‫أو استئصال للثدي ك��ام�لاً بعد االعتقاد‬
‫اخلاطىء بوجود ورم فيه‪.‬‬
‫أو العالج باإلشعاعات والعالج الكيميائى‪...‬‬
‫كل هذا قد يتعرضن له النساء بسبب خطأ‬
‫يف أشعة املاموجرام !!!‬
‫إن جمرد وجود فكرة سرطان الثدي لديك‬
‫وخوفك منها ‪...‬‬
‫كاف ألن جيلب األمراض جلسدك ‪...‬‬
‫فما ب��ال��ك بأخطاء امل��ام��وج��رام وعمليات‬
‫اإلستئصال اخلطأ التى حتدث !!!‬
‫فكل ما ستؤدي له هذه الفحوصات هو زيادة‬
‫خوفك وتركيزك على الفكرة أكثر‪.‬‬
‫وس���ت���ك���ون س��ب��ب��اً يف ج��ل��ب امل�����رض من‬
‫األساس!!!‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫أخطار املاموجرام‬
‫إن أشعة املاموجرام وحدها قد ت��ؤدي إىل‬
‫ازدياد خطر اإلصابة بسرطان الثدي ‪!!! ...‬‬
‫‪ -1‬النساء مطمئنات ألشعة املاموجرام على‬
‫أهنا آمنة ألن كمية اإلشعاع هبا قليل ؟‬
‫ولكن على العكس متاماً ‪:‬‬
‫فإجراء التصوير هبا يتم عادة بأخذ ‪ 4‬صور‬
‫لكل ثدي األمر الذي حيتاج تقريباً إىل انبعاث‬
‫‪ 1‬راد (إشعاع) وهذا أقوى بـ ‪ 1000‬مرة من أخذ‬
‫أشعة الصدر العادية !!‬
‫ً‬
‫إن الثدي حساس جدا جتاه اإلشعاعات ‪...‬‬
‫فكل زاد يزيد من احتمال اإلصابة بسرطان‬
‫الثدي أكثر ‪...‬‬
‫وت�����زداد ال��ن��س��ب��ة إىل ‪ %10‬ب��ال��ت��ع��رض هلا‬
‫سنوياً!!!‬
‫ب��اإلض��اف��ة إىل أن اخل��ط��ر أك�ب�ر للنساء‬
‫الصغريات فى السن‬

‫‪ -2‬ه��ن��اك ح���وايل ‪ %2‬م��ن ال��ن��س��اء الالتي‬
‫حيملن جينات (مت��دد األوع��ي��ة الشعرية غري‬
‫املنتظم) دون علمهم هبذا ‪.‬‬
‫وعند تعرضهن لإلشعاعات ‪ ..‬يزيد ذلك من‬
‫نسبة إصابتهن بسرطان الثدي بشكل أكرب ‪...‬‬
‫وُتق َّدر نسبة املُصابات بالسرطان من هذا‬
‫السبب بـ ‪ %20‬من حاالت سرطان الثدي اليت‬
‫يتم تشخيصها سنوياً !!‬
‫‪ -3‬إن املاموجرام يستلزم ضغط الثدي بشدة‬
‫إلجراء التصوير لكي تظهر الصورة واضحة‪.‬‬
‫وهذا الضغط غري أنه مؤمل على الثدي (فهو‬
‫يعادل وضع ‪ 50‬كيساً من السكر كل كيس يزن‬
‫‪ 1‬كيلوغرام على الثدي !!!!)‬
‫فإنه قد يؤدي يف حاالت وجود السرطان إىل‬
‫انتشار اخلاليا اخلبيثة ‪..‬‬
‫وذلك بتمزق األوعية الدموية الصغرية‬
‫داخل أو حول خاليا سرطانية صغرية مل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪109‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ولن تظهر باألشعة !!!‬
‫والدكتور دي تي كوجيلي عام ‪ 1928‬ح َّذر‬
‫من أخطار التعامل بقسوة وعنف مع سرطان‬
‫الثدي‪.‬‬
‫ماذا سيكون رد فعل هذا الطبيب األن عندما‬
‫يرى األطباء وهي تغرز احلقن يف الورم ألخذ‬
‫العينة ؟؟‬
‫‪ -4‬وخبصوص دقة األشعة يف رؤية األورام‬
‫والكتل السرطانية يف الثدي فإهنا ليست بتلك‬
‫اجلودة والدقة التى يعتقدها الناس !!!‬
‫ي��ق��ول ال��دك��ت��ور ول��ي��ام دوج�ل�اس أن إجراء‬
‫الفحص للثدي أمر عديم الفائدة ويُعطى شعور‬
‫مُزيف باألمان‪.‬‬
‫ألن الثدي عبارة عن جزء متكتل حبد ذاته‬
‫وهو عبارة عن غدة من األنسجة‪.‬‬
‫ولذا فإن احلقيقة التى ال يقوهلا أحد هي ‪:‬‬
‫إن حتى اخل�براء يف هذا اجمل��ال ال يُمكنهم‬
‫معرفة ما إذا كان الثدي حيتوي على سرطان‬
‫(يف وقت مُبكر) كما يقولون !!!‬
‫ألن (وقتاً مُبكراً) بالنسبة هلم يعين أن يكون‬
‫الورم حبجم حبة البازالء ‪...‬‬
‫ولكن هذا ليس مُبكراً !!!‬
‫ف��ورم هبذا احلجم حيتوى على ماليني من‬
‫اخلاليا السرطانية !!!‬
‫ولذا فإنه أمر مضلل أن يتم إقناع النساء بأن‬
‫الفحص الذاتي يؤدي إىل اكتشاف األورام يف‬
‫وقت مبكر ‪...‬‬
‫فمجرد ما أن يظهر الورم يف األشعة فهو ورم‬
‫كبري وميكن الشعور به!!!‬
‫ح��ت��ى ب��ع��د أن ي��ت��م اك��ت��ش��اف��ه م���ا ال���ذي‬
‫سيحدث؟؟؟‬
‫سيتم إج��راء عملية جراحية غري ضرورية‬
‫لإلبط وأستئصال للثدي !!!‬
‫نتخلص من العَرض ‪ ...‬وال نضع أيدينا على‬
‫السبب !!!‬

‫‪110‬‬

‫إن عملية إزالة الغدد اللمفاوية من اإلبط ‪...‬‬
‫تؤدي إىل انتشار السرطان أكثر ‪..‬‬
‫ه��ذا إذا ك��ان ال��س��رط��ان ق��د وص��ل للغدد‬
‫اللمفاوية بالفعل‪.‬‬
‫وإذا مل يصل ‪ ...‬فإهنا عملية ال يوجد هلا أى‬
‫سبب أو دا ٍع !!!‬
‫إن النساء يعشن اليوم حالة هستريية وخوفاً‬
‫شديداً من سرطان الثدي ‪...‬‬
‫واملؤسسات واملستشفيات تُساعد على نشر‬
‫هذه احلالة وبث الرعب والقلق بينهن‪.‬‬
‫فباإلضافة إىل خم��اط��ر امل��ام��وج��رام التى‬
‫ذكرناها وعدم مصداقيته وصحته فإن تكاليفه‬
‫الباهظة فى ازدياد ‪...‬‬
‫فتصوير املاموجرام للنساء يف السنة الواحدة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫يُكلف ‪ 2,5‬مليار ‪$‬‬
‫ ي��ق��ول طبيبان ف��ى امل��ؤس��س��ة الوطنية‬‫للسرطان فى الواليات املتحدة ‪:‬‬
‫(إن املاموجرام يزيد من احتمال اإلصابة‬
‫بسرطان الثدي ‪...‬‬
‫ويزيد كذلك من خطر انتشار أو انتقال أورام‬
‫موجودة يف الثدي إىل أماكن أخرى من اجلسم‪.‬‬
‫ ويقول د‪ .‬أيبستني ‪:‬‬‫(ل��ق��د مت اك��ت��ش��اف حساسية ال��ث��دي جتاه‬
‫اإلشعاعات فى عام ‪1970‬‬
‫ولكن مع ذلك استمرت املؤسسات الطبية‬
‫بالتصوير ل��ـ ‪ 300,000‬ام���رأة وأخ��ذ أشعات‬
‫عالية هلن ‪..‬‬
‫ما أدى إىل إزدياد حاالت سرطان الثدي إىل‬
‫‪ %20‬لدى نساء ما بني أعمار ‪ 40 – 50‬والالتى‬
‫خضعوا للماموجرام سنوياً !!!)‬
‫إن خماطر التصوير باملاموجرام تُنذر بكارثة‬
‫حقيقية ملاليني من النساء القلقني من سرطان‬
‫الثدي‪.‬‬
‫ل��ذا ينبغى علينا أن نكون أكثر وعياً جتاه‬
‫جسدنا‪ ...‬فنحن املسؤولون عنه‬
‫وهلذا فاخلرباء اليوم بدؤوا ينصحون النساء‬
‫بطريقة أكثر أماناً تُعرف بـ (الوعي أكثر جتاه‬
‫الثدي)‬
‫وهذا يعنى بأن تكون املرأة واعية ألي تغريات‬

‫بالثدي‬
‫وذلك فقط بطريقة طبيعية وليس عن طريق‬
‫ماكينات ‪...‬‬
‫أى أن تكون ح��ذرة وتالحظ أي أمر غريب‬
‫يطرأ على الثدي‪...‬‬
‫هذه بعض األمور التى ينبغي أن تنتبه هلا ‪:‬‬
‫ وجود تورم أو جزء صلب يف الثدي أو حتت‬‫اإلبط‪.‬‬
‫ وجود جتويف أو جتعد أو نتوءات شديدة‬‫يف الثدي أو احللمة‪.‬‬
‫ وجود تغريات كبرية فى حجم أو شكل أو‬‫تناسق الثديني‪.‬‬
‫ إنتفاخ الثدي بشكل ملحوظ وغري طبيعي‪.‬‬‫ إمحرار أو تشقق يف احللمة أو اجللد‪.‬‬‫ وج��ود إف���رازات غريبة من احللمة دون‬‫الضغط عليها ‪...‬‬
‫خاصة إذا كانت دماً أو إفرازات صافية أو‬
‫لزجة أو داكنة‪.‬‬
‫ وجود تغريات يف احللمة مثل‪ :‬الضعف –‬‫األمل – تقلصها ‪ -‬اجتاها للداخل أو ألي جهة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ وجود أي تغريات مريبة يف الثدي‬‫هذه األراء ألكرب أطباء الطب احلديث فى‬
‫العامل الغربى‬
‫والنسب املذكورة هي يف الواليات املتحدة‬
‫املصادر‪:‬‬

‫‪www.mercola.com‬‬
‫‪http://articles.mercola.com/sites/articles/‬‬
‫‪major-confusion-on-how-to-do-breast-/07/08/2008/archive‬‬
‫‪checks.aspx?source=nl‬‬
‫‪.Mammography Madness By William Campbell Douglass, Jr‬‬
‫‪http://www.westonaprice.org/women/mammography.html‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪111‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫آالت أتوماتيكيـة‬
‫من العصـر اإلغريقـي‬
‫رامز احلوش‬

‫يقول امل��ؤرخ الكبري المار ‪« :‬أنه بفضل فقط تس ّنى لنا االط��الع على علم‬
‫امليكانيكا عند غريون االسكندري‪ ،‬فهم مل يستوعبوا وينقلوا هذا العلم‬
‫وحسب‪ ،‬بل وبلغوا شأناً عظيماً يف مضمار امليكانيكا التطبيقية»‪ .‬ويف احلقيقة‬
‫تعد مؤلفات غريون االسكندري من أكثر مؤلفات اإلغريق يف جمال التقنية شهرة على‬
‫اإلطالق‪ ،‬ولكن ال بد من األخذ باحلسبان عند انتقاد هذه املؤلفات من أن غريون الذي‬
‫( رمبا قد عاش ما بني ‪ 250 – 150‬م ) مل يكن عاملاً باملعنى احلريف هلذه الكلمة‪.‬‬
‫وبالرغم من ادعائه العلم‪ ،‬كما يف مقدمة مؤلفه حول املضخة الضاغطة‪ ،‬فإننا نلحظ من‬
‫أن عرضه املبسط قد توخى أهدافاً عملية حمضة‪ ،‬ووصفاً لالخراعات ال غري‪ ،‬اليت كما‬
‫يقول عنها غريون‪ ،‬قد يستنبط البعض منها وسائل ضرورية للحياة‪ ،‬ويثري بعضها اآلخر‬
‫دهشتنا إىل أقصى احلدود‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ل��ق��د مت���ح���ور ه����دف غ��ي��رون ع��ل��ى وجه‬
‫اخلصوص يف إث��ارة االنفعال والتعجب‪ ،‬فهو‬
‫يعلّم مثالً كيف خترتع نسراً أتوماتيكياً يشرب‬
‫املاء‪ ،‬فيقول ‪« :‬إذا وضع يف مكان ذي ماء جار‬
‫متثال طائر من الربونز ومن معدن آخر‪ ،‬وأسند‬
‫إليه كأس من الزجاج‪ ،‬فإنه يتولد انطباع‪ ،‬مع‬
‫صوت رشف املاء‪ ،‬وكأن الطري يكاد أن يربح من‬
‫العطش ( ويقدم غريون التصميم مرسوماً )‪،‬‬
‫كما يورد بعض احليل األخرى ‪ :‬كاإلناء الذي‬
‫إذا ما توقف مؤقتاً عن سكب املاء ميتلئ مرة‬
‫أخ��رى‪ ،‬أو القدح السحري الذي ينضح باملاء‬
‫تارة‪ ،‬وباخلمرة تارة أخرى‪ ،‬وباملزيج من هذا‬
‫وذاك طوراً ثالثاً‪ ،‬أو املعبد الصغري اليت تشرع‬
‫أبوابه عند اشتعال نار القرابني فيه‪ ،‬وتغلق‬
‫عندما ختبو ن��اره‪ ،‬أو العصافري ال�تي تزقزق‬
‫أتوماتيكيا ‪ ...‬إخل‪.‬‬
‫ولكن جيب أال يقودنا هذا إىل استنتاجات‬
‫خاطئة‪ ،‬بأننا أم��ام ألعاب صبيانية أو أشياء‬
‫تافهة ال قيمة هلا‪ ،‬ألن يف هذه «االخرتاعات»‬
‫معارف حقيقية ال ميكن إغفاهلا‪ .‬ويقرتف خطأ‬
‫جسيماً من يظن بأن غ�يرون االسكندري قد‬
‫كان عاملاً ميكانيكياً نظرياً وحسب‪ ،‬واحلكم من‬
‫خالله على العلوم عامة‪ ،‬والتكنولوجيا القدمية‬
‫خباصة‪ ،‬ألن ما وصلنا منه ( بعد فرتة اجلمود‬
‫الديين يف أوروبا‪ ،‬وما أحدثته هجرات الشعوب‬
‫الكربى من نتائج سلبية على العلم ) ال يعكس إال‬
‫جماالً واحداً من اجملاالت العلمية الضخمة‪.‬‬
‫ومن املعلوم أن مجيع ماكينات غريون ذات‬
‫صلة وثيقة يف كثري م��ن النواحي مبعطيات‬
‫نظرية هامة لعامل مشهور آخر من االسكندرية‬
‫هو العامل كتاسيس‪ ،‬وأن بني أيدي علماء اآلثار‬
‫أوعية قدمية جداً تشري إىل أن إغريق القرن‬
‫السادس قبل امليالد قد كانوا على علم ودراية‬
‫بعملية ضغط اهل��واء وتسخريه يف الصناعة‪،‬‬
‫وذل��ك قبل زم��ن طويل من ت��ص��ورات العلماء‬
‫النظرية‪ ،‬وأن ع��دم تسخري التكنولوجيا يف‬
‫الصناعة آنذاك‪ ،‬مردّه رخص اليد العاملة‪ ،‬أي‬

‫العبيد‪.‬‬
‫وبالرغم من أن تصاميم أو اخرتاعات غريون‬
‫وردت يف مؤلفات شعبية‪ ،‬فليست كلها ألعاب‬
‫بسيطة‪ ،‬ف��ه��ن��اك مضخة ل�لإط��ف��اء‪ ،‬وجهاز‬
‫استخراج الصديد وكؤوس احلجام الساخنة‪،‬‬
‫ومكشاف حراري ( ثرموسكوب ) املصمم كلعبة‬
‫غريبة (يصفها غريون بالقطارة بسبب خاصية‬
‫نضوج امل��اء بتأثري أشعة الشمس) اليت تعمل‬
‫بقانون أثر تبدل احلرارة يف تبدل حجم السائل‪،‬‬
‫وهو كما نرى سلف امليزان احلراري املعاصر‪،‬‬
‫واملاكينة البخارية اليت بالرغم من عدم متاثلها‬
‫مبعاصرهتا فهي توضح كيفية حتول احلرارة‬
‫إىل حركة‪ ،‬وآل��ة احلصول على امل��اء املقدس‪،‬‬
‫وآلة عداد للمركبات مع تعرفة مرتية‪ ،‬وأخرياً‬
‫املسرح األتوماتيكي ال��ذي سنخصه بالشرح‬
‫املوسع قليالً ملا فيه من إبداع وطرافة ومتعة‪.‬‬
‫يقول غريون عن املسرح األتوماتيكي‪ ،‬بأنه‬
‫آلة أتوماتيكية تتحرك فوق مكان معني‪ ،‬حبيث‬
‫ينجم عنها ع��ن ه��ذا التحرك اشتعال النار‬
‫يف مذبح م��وض��وع أم��ام متثال ب��اخ��وس (رب‬
‫اخلمرة)‪ .‬ويتم االشتعال بواسطة ترسوس (هو‬
‫صوجلان أو رم��ح يتوج بعلبة على شكل كوز‬
‫صنوبر ويلف أحياناً بأعواد الكرمة‪ ،‬كان حيمله‬
‫باخوس وأتباعه) ال��ذي ينصب منه احلليب‬
‫واملاء أيضاً‪ ،‬وتنسكب اخلمرة من كأس حيمله‬
‫باخوس فوق فهد مستلقٍ عند أقدامه‪ ،‬وتبدأ‬
‫فتاتان باخوسيتان بالدوران حول املعبد ومها‬
‫ترقصان بالصنج وال��دف‪ ،‬ثم ختف األصوات‬
‫رويداً رويداً وخيرج متثال اإلله إىل األمام حنو‬
‫مدخل املعبد‪ ،‬ويدور بنفس االجتاه متثال آخر‬
‫لربة النصر ينهض ف��وق سقف املعبد‪ ،‬ويف‬
‫ه��ذا الوقت يشتعل املذبح م��رة أخ��رى‪ ،‬الذي‬
‫أصبح اآلن خلف باخوس (من جراء الدوران)‬
‫وينصب احلليب م��ن ال�ترس��وس م��رة أخرى‪،‬‬
‫وتعاود الراقصتان الرقص وتصدح املوسيقا‬
‫من جديد‪ ،‬ومن ثم خييّم السكون وتعود املاكنة‬
‫األتوماتيكية إىل سابق وضعها ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪113‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تأرجح بين الوعي والالوعي ‪:‬‬
‫الكوما ‪ ..‬رحلة صعبة في عالم الخيـال‬
‫د‪ .‬أمحد غنــام‬

‫يف هذه احلالة‪ ،‬األكثر غرائبية واألشد قسوة‪ ،‬اليت تتأرجح مابني‬
‫الوعي والالوعي أو احلياة واملوت‪ ..‬يعود بعض مرضى ((الكوما))‬
‫إىل احلياة مصابني بعاهات جسمية جسيمة‪ ،‬ويعود البعض اآلخر‬
‫منهم إىل احلياة ساملاً متاماً‪ ..‬وتلك احلكايات اليت يرويها هؤالء‪ ،‬اآلخرون‬
‫تتأرجح بني الصوفية وعلم اخليال‪ .‬ومثل هذه احلالة‪ ،‬غري املشخصة علمياً‪،‬‬
‫تشكل حمنة أليمة لألهل وعمالً شاقاً لألطباء‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫حكايات ووقائـع‬
‫يف إيطاليا ‪ ،‬وبالتحديد يف مشفى ((لوغو))‬
‫الريفي‪ ،‬حتقق يف بداية ربيع عام ‪ 2002‬انتصار‬
‫طيب مذهل اجتذب إليه التلفزيون اإليطايل‬
‫وال��ص��ح��ف احمللية ال�تي ت��ص��درت صفحاهتا‬
‫األوىل العناوين التالية‪:‬‬
‫األم تبكي وهي يف غيبوبة عميقة (الكوما)‬
‫لدى مساعها خفقة قلب وليدها‪ ..‬طفلة ترى‬
‫النور وهي جتذب معها أمها الغارقة يف غيبوبة‬
‫عميقة‪ ..‬إهنا ألعجوبة‪ ،‬تقول اجلدة‪ .‬يف ذلك‬
‫املشفى حدثت األعجوبة‪ ،‬إذ وصفت الشابة‬
‫((ليديا)) الغارقة يف غيبوبة عميقة إثر نزيف‬
‫دماغي ما حصل هلا منذ األسابيع األوىل محلها‬
‫طفلتها اليت تزن ‪ 1,440‬كغ دون أن تستعيد األم‬
‫وعيها‪ .‬ويقول الطبيب رئيس املشفى أن ذلك‬
‫ألعظم جناح حققه فريقنا باألمس كانت الكوما‬
‫تنبئ باملوت‪ ،‬أما اليوم فقد يبقى فيها املريض‬
‫زمناً طويالً يعيش حياة خاملة وقد خيرج منها‬
‫ساملاً معافى وذاكرته حتمل أكثر احلكايا دهشة‬
‫وغرابة عن عامل آخر قد وطأته أقدامهم أثناء‬
‫الكوما‪ ،‬وقد يستفيق منها بعض املرضى وكأهنم‬
‫خ��رج��وا م��ن حت��ت أل���واح جليدية بعد سنني‬
‫عاشوها يف الالوعي‪.‬هو ذا شاب أمريكي ‪26‬‬
‫ع��ام�اً يستفيق م��ن الكوما بعد مضي مثاني‬
‫سنوات ليعلن عن هوية الشخص الذي اعتدى‬
‫عليه بالضرب الشديد على رأسه ما أدى إىل‬
‫نزيف شديد يف دماغه‪ .‬يف الواقع تستحوذ على‬
‫مرضى الكوما أوهام وختيالت تتسم بالغرابة‬
‫على األقل‪ ،‬يرووهنا حبذافريها لدى استيقاظهم‬
‫منها ذكريات حول سطوة املوت وأخ��رى حول‬
‫إمياهنم العميق بأن أقدامهم قد وطأت العامل‬
‫اآلخ���ر‪ ،‬أم��ا أول��ئ��ك ال��ذي��ن مل حيالفهم احلظ‬
‫باليقظة فقد يستقرون فيها مبا يشبه الرقاد‬
‫الطويل وألجل غري مسمى‪ ،‬فهل هؤالء أموات أم‬

‫أحياء؟ وإىل متى جيب االنتظار والرجاء؟ ما هو‬
‫قول األطباء هبذا الشأن وما هي ردة فعل ألهل‬
‫حيال ذلك؟ صحيح أنه احتفل هبذا االنتصار‬
‫الكبري يف مشفى لوغو لكن أحداً من األطباء مل‬
‫يتساءل عن مصري املولودة اجلديدة اليت منت‬
‫لسبعة أشهر يف أحشاء أمها اخلالية من احلياة‬
‫يقول الطبيب املشرف على اإلنعاش إن أحشاء‬
‫األم ليدي كانت مبثابة حاضنة مثالية جلنينها‪.‬‬
‫فقد تأذى دماغها وحده دون سائر أعضائها‪.‬‬
‫ويف احلقيقة أن ه��ذه األم كانت تتمتع ببنية‬
‫قوية ولوال ذلك ملا استطاعت النجاة من نزيف‬
‫دماغي آخر أصاهبا يف الشهر الثالث من‬
‫محلها‪ .‬وقبل خضوعها لعملية قيصرية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪115‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أمسعتها القابلة ضربات قلب جنينها‪ ،‬وإذ ذاك‬
‫ذرف��ت‪ ،‬للتو دمعة كبرية وما ذلك‪ ،‬حسب رأي‬
‫القابلة‪ ،‬سوى دليل على وعيها‪ ،‬إذ تعلم أن ذلك‬
‫هو وليدها‪.‬‬
‫أعجوبة يف مشفى إيطاليا؟ نريد تصديق‬
‫ذلك! بعد شهر من والدهتا كانت الطفلة بصحة‬
‫جيدة واستيقظت األم من غيبوبتها ولكن ببطء‬
‫شديد‪ .‬وقد أثارت هذه األعجوبة ضجة كبرية‬
‫ومت رشقها بسهام كثرية إال أن األط��ب��اء قد‬
‫اختذوا موقف احلذر والتبصر‪ ،‬وقال أحدهم‬
‫وهو خمتص بالعالج الفيزيائي بعد إعادة تأهيل‬
‫املريض املستيقظ من الكوما كانت السيدة ليدي‬
‫تتحسن ببطء وكانت حلظات يقظتها ال تدوم‬

‫‪116‬‬

‫طويالً‪ ،‬وكانت تبدو أكثر حيوية بعدما وضعت‬
‫طفلتها فخيل إلينا أن وجود طفلتها إىل جانبها‬
‫سوف ينبهها لكن شيئاً من ذلك مل حيصل ومل‬
‫تبد أي انفعال خاص‪ ،‬تلك هي حالة من يصاب‬
‫بالكوما فالميكنه أن خيرج منها مثلما كان قبل‬
‫ذلك‪.‬‬
‫الكوما والتقدم العلمي‬
‫إن التقدم التقين يف جمال طب اإلنعاش‬
‫قد وسع حدود احلياة لضحايا الكوما لكن بأي‬
‫مثن؟ بثمن يتنوع حسب تنوع احلالة‪ .‬قد ينجو‬
‫بعض هؤالء الضحايا دون أن ختلف الكوما على‬
‫أعضائهم أثراً سيئاً كبرياً‪ ،‬وقد ينجو بعض منهم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وه��م حيملون يف أجسادهم ع��واق��ب مرضية‬
‫جسيمة‪ .‬م��ن ضمن األس��ب��اب األك��ث��ر شيوعاً‬
‫حل���دوث ال��ك��وم��ا‪ :‬ال��ن��زف ال��دم��اغ��ي‪ ،‬انقطاع‬
‫الشريان ذو اجلدار املنتفخ ‪ ،‬توقف القلب‪ ،‬رض‬
‫شديد على اجلمجمة‪ .‬ليست الكوما حالة موت‬
‫متاماً وال هي حياة خالصة‪ ،‬فما املقصود هبذه‬
‫الكلمة اليت تثري الفضول والقلق معاً؟ أهي عامل‬
‫ثالث؟ ‬
‫يروي الذين عربوا هذا النفق حني عودهتم إىل‬
‫احلياة ذكريات شتى قد نسجها عقلهم الباطين‬
‫غالباً ما كانت تصحب ذكرياهتم عدداً ال حيصى‬
‫م��ن األش��ب��اح وخ��ب�رات ك��ث�يرة حل��ظ��ة وطأهتم‬
‫عتبة املوت تلك اخلربات اليت كانت تسبح بني‬

‫الصوفية وع��امل اخليال‪ .‬من بني ه��ؤالء نذكر‬
‫فيليب البرو الذي ألف كتاباً حتت عنوان العبور‬
‫سنة ‪ ،1996‬وقد أثار ضجة كربى فيه يتكلم عن‬
‫عودته من وطن األموات الذي زاره خالل دخوله‬
‫الكوما إث��ر عملية جراحية معقدة يف رئتيه‬
‫سلبته وعيه وأدخلته يف جمال الالشعور‪ ،‬يقول‬
‫إنه شاهد موكباً من رجال سذج كثريين ذوي‬
‫وج��وه متغضنة وابتسامة مكشرة‪ ،‬وأن��ه التقى‬
‫بأصدقائه الذين ماتوا منذ زمن طويل‪ ،‬ويروي‬
‫كذلك يف كتابه أنه رأى نوراً ساطعاً كبرياً‪ ،‬نعم‬
‫تلك الكوما فيها يداعب املريض ويناغش العامل‬
‫اآلخر‪ .‬ويشري البرو قائالً‪ :‬لقد أدخلت اليوم يف‬
‫كوما اصطناعية إثر عملية جراحية معقدة يف‬
‫رئيت‪ ،‬وقد متكنت من التحكم متاماً حباليت من‬
‫الناحية الطبية‪ ،‬وألفت نفسي إذ ذاك أحبر يف‬
‫سحابة من الالوعي كنت فيها فريسة هللوسات‬
‫مشتتة‪ ،‬بيد أن خربتي ه��ذه ال حت��دث للذين‬
‫يدخلون يف كوما طبيعية تسببها احلوادث‪.‬‬
‫فالكوما اليت هي رقاد عميق تتسم بفقدان‬
‫الوعي وغياب ردات الفعل املوافقة للمؤثرات‬
‫اخلارجية‪ .‬تقول الطبيبة جنفيان بارييه رئيسة‬
‫قسم اإلن��ع��اش يف مشفى نيكيه يف باريس‪:‬‬
‫بوسعنا تشخيص الكوما وتقدير شدهتا لكن‬
‫ليس مثة دليل واضح ينبئ مبصري املريض وال‬
‫نعلم اخللية النخاعية من الداخل‪ ،‬لكن بوسعنا‬
‫ببساطة تقدير فرص النجاة وفقاً لعمر املريض‬
‫وشدة اآلفات الدماغية‪ ،‬وبذلك نواجه صعوبات‬
‫ليست على املستوى العالجي وحسب‪ ،‬بل على‬
‫املستوى األدبي‪ .‬من ذا الذي سنقوم بإنعاشه؟‬
‫وإىل متى نرجو ونأمل؟ تقول جنفياف‪ :‬يف‬
‫جمال اإلسعاف ال ميكننا اخت��اذ أي ق��رار من‬
‫ه��ذا ال��ن��وع‪ ،‬وإذ ليس بوسعنا هنا استخدام‬
‫األشعة والسكائر فنحن مرغمون أن نعمل حسب‬
‫قناعتنا الشخصية وبعد ذلك نقرر يف‬
‫املستشفى ماعلينا فعله‪ .‬ونباشر بتقدير‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪117‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املنافع واملخاطر املرتتبة عن عملنا مع األخذ‬
‫بعني االعتبار الوقوع يف أخطاء واسعة جداً يف‬
‫مثل هذه الظروف‪ .‬فمن بني الذين ارتكب خطأ‬
‫حبقهم من جانب األطباء هي الشابة فالريي ‪17‬‬
‫عاماً فقد تعرضت حلادث اصطدام مع القطار‬
‫فقدت على أثره وعيها لتدخل يف غيبوبة ثالثة‬
‫أسابيع‪ ،‬وق��د مت قطع ساقها ف��وراً يف مكان‬
‫احل��ادث من قبل فريق اإلسعاف‪ ،‬وإذ مل جيد‬
‫األطباء املشرفون عليها يف املشفى أم�لاً من‬
‫يقظتها‪ ،‬قرروا نزع أنابيب اإلنعاش عنها إال أن‬
‫أهلها قد طالبوا بإطالة املدة ثالثة أيام أخرى‪،‬‬
‫ويف هناية اليوم األخري استيقظت فالريي معافاة‬
‫سليمة‪ ،‬وبعد سنتني انتسبت إىل أعظم معهد‬
‫جتاري يف باريس‪ ،‬وتزوجت بعد أربع سنوات‬
‫من حصوهلا على شهادة املعهد ورزقت بطفلني‪،‬‬
‫كما كانت خترب الفريق الطيب الذي كان يشرف‬

‫‪118‬‬

‫عليها‪.‬‬
‫ويف ه��ذا ال��ص��دد تقول جنفياف مبتسمة‬
‫الميكننا أب���داً التنبؤ مبثل ه��ذه احل��ال��ة فقد‬
‫أخطأنا احلساب مع فالريي وملا هتفت إليها‬
‫أخربتين أهن��ا مسعت وه��ي يف غيبوبتها جزءاً‬
‫من احلديث الذي جرى بني ذويها وأصدقائها‪.‬‬
‫كانت فالريي تغوص بالريب يف أحد أوجه الكوما‬
‫قليلة العمق اليت كانت تقود هبا إىل اليقظة يف‬
‫حني أن الزوجة الشابة ليدي يف مشفى لوغو‬
‫يف إيطاليا مل يكن هل��ا النصيب عينه فقد‬
‫استيقظت‪ ،‬ولكنها أصيبت بفاجل نصفي وأما‬
‫بنيتها فكانت ضعيفة جداً‪ .‬وبعد مضي سبعة‬
‫أشهر على احلادث األساسي الذي تعرضت له‬
‫السيدة ليدي أي حادثة الضربة الدماغية اليت‬
‫أملّت هبا‪ ،‬قال األطباء فيما بينهم إن تشخيص‬
‫مدى حتسن املريض بعد دخوله الكوما ألمر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫مستحيل ت��ؤك��د طبيبة األع��ص��اب دون��ي��س يف‬
‫مشفى البيتييه يف ب��اري��س‪ ،‬وم��ع ذل��ك تبقى‬
‫هذه املسألة مهمة جداً بالنسبة لذوي املريض‪،‬‬
‫وبوسعنا القول إن ما من أحد دخل الكوما يكون‬
‫يف منأى عن خطر املوت وما تبقى ال ميكن أن‬
‫نعرب عنه سوى بفرضيات‪ .‬هل سيمشي املريض‬
‫بعد يقظته؟ هل سوف يتكلم؟ هل يستعيد جمدداً‬
‫كل قواه وقدراته العقلية؟ ال نعلم جييب األطباء‬
‫كل شيء منوط بداية بالسبب املؤدي إىل الكوما‬
‫فهل السبب نزف دماغي يضغط على الدماغ؟‬
‫هل هو توقف القلب الذي خينقه؟ وهل هو ضربة‬
‫مباشرة على اجلمجمة؟‪.‬‬
‫أسئلة تبحث عن إجابات‬
‫وي��ف��رض ال��س��ؤال نفسه أي��ض�اً ح��ول اآلفات‬
‫الدماغية عمقها ومكاهنا الذي قد يسمح بتحديد‬

‫وظائف اجلسم ال�تي س��وف يصيبها األذى مع‬
‫إمكانية أن مثل ه��ذه التوقعات ليست هنائية‪:‬‬
‫فاخلاليا العصبية متوت وال تعود تتجدد إال أن‬
‫طراوة الدماغ مبنحه إمكانية التكيف مع بعض‬
‫األض��رار احملتملة‪ ،‬وكذلك إع��ادة تنظيم نفسه‬
‫بطريقة أخ��رى‪ ،‬وتنظيم شبكات االتصال بني‬
‫اخلاليا وميكن ملنطقة ما أن تأخذ على عاتقها‬
‫وظيفة املنطقة املعطوبة كما تقول الطبيبة دونيس‪.‬‬
‫ولكن أليس يف تلك املقولة الطبية شيء جتريدي‬
‫بالنسبة لألهايل القلقني على مرضاهم؟ هم‬
‫الذين يريدون أن يشفى مريضهم متاماً! نعم إن‬
‫التكلم بالنسبة املئوية يف الشفاء أمر أليم بالنسبة‬
‫هلم‪ ،‬ولكن تلك هي املقولة الطبية‪.‬‬
‫يف غ��رف اإلن��ع��اش يرتصد األه��ل واألق���ارب‬
‫واألزواج واألص��دق��اء أول إش��ارة تنم عن يقظة‬
‫مريضهم‪ ،‬ومن خلف غابة أنابيب التهوية واملصل‬
‫وال��دم والتغذية يفتشون بقلق كبري عن دالئل‬
‫التحسن كرفة جفن وفتح عني‪ ،‬غري أن املقولة‬
‫الطبية ال تنذر سوى بشيء واحد وهو أن الكوما‬
‫ال�تي ت��ط��ول ال تبشر خب�ي�ر‪ .‬وم��ع ذل��ك يقرتح‬
‫األطباء خلق شرنقة كبرية من األهل واألقارب‬
‫واألصدقاء حول أسرة مرضاهم بغية التحدث‬
‫إليهم ومداعبتهم وجعلهم يشمون الرائحة املفضلة‬
‫عندهم‪ ،‬وأن يروهم الصور املتعلقة هبم وبأهلهم‬
‫وأصحاهبم وأن يسمعوهم موسيقاهم املفضلة‬
‫وشريط تسجيل فيه أحاديث أهلهم وأصدقائهم‬
‫وأقربائهم‪.‬‬
‫ماذا حيدث يف اجلانب اآلخر من اجلدار غري‬
‫املرئي ملريض الكوما؟ هل يالحظ االهتمام الذي‬
‫يبديه األه��ل واآلخ��رون ل��ه؟ إنه لسر‪ .‬ذلك أن‬
‫الكوما العميقة ال ختلف سوى ذكرى واحدة أال‬
‫وهي الظالم التام كما يقول األطباء ويرافقها‬
‫غالباً فقدان للذاكرة قد يطول أو يقصر‪ ،‬وإذ‬
‫ذلك فمن أين تأتي هذه احلكايات كلها‪ ،‬حكايات‬
‫العودة إىل حدود العامل الرهيب؟‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪119‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قراءة األفكار‬
‫‪Esper‬‬
‫م ‪ .‬طارق نواف حامد‬

‫قراءة األفكار هي أحد فروع باراسايكولوجي “ما يشبه علم النفس” وهو يعد‬
‫من اخليال العلمي ‪.‬‬
‫وهو مصطلح يستخدم لإلشارة إىل خمتلف أشكال اإلدراك وراء اإلحساس‬
‫وخاصة التخاطر واالستبصار‪ .‬والتخاطر هو إدراك أفكار شخص آخر ومعارفه ومشاعره‬
‫دون االستعانة حبواس السمع والبصر والشم والذوق واللمس ‪.‬‬
‫أما االستبصار فهو إدراك األحداث أو األشياء أو األشخاص دون استخدام احلواس‬
‫املعروفة‪ .‬وميكن اعتبار مصطلح قراءة األفكار مرادفاً ملصطلح التخاطر‪ ،‬ولكنه ينطوي‬
‫اآلن على قدر أكرب من االهتمام بسبب تغري اآلراء واألفكار حول مفهوم الذهن‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ففي امل��اض��ي‪ ،‬ك��ان العلماء يعتربون أن كل‬
‫شخص ل��ه ذه��ن مستقل تقريباً ع��ن جسده‬
‫وسلوكه‪ .‬وكان من املعتقد أيضاً أن باستطاعة‬
‫ذه��ن م��ا أن ي��ق��رأ ذه��ن �اً آخ��ر دون استخدام‬
‫احلواس املعروفة‪ .‬لكن العلماء ال يعتقدون اليوم‬
‫أن الذهن مستقل عن بقية اجلسد‪.‬‬
‫إال أنه هناك الكثري من الظواهر اليت تشري‬
‫إىل وجوده‪ ،‬وقراءة األفكار مثلها مثل باقي فروع‬
‫الباراسايكولوجي التخاطر ‪ .‬والتحريك العقلي‪،‬‬
‫و الرؤية عن بعد‪ ،‬واخل��روج من اجلسد مثل‬
‫‪. Astral projection‬‬
‫إن إت��ق��ان ه��ذه الصفة الغريبة ي���ؤدي إىل‬
‫القدرة على معرفة ما يدور يف عقل اإلنسان‬
‫اآلخر من أفكار‪ ،‬وأحيانا القدرة على تغيريها‪،‬‬
‫أن قراءة األفكار باتت موضوع جدل غريب‪ ،‬أما‬
‫من ناحية اإلثبات والتيقن منه فهو ما زال يف‬
‫دائرة الشك‪ ،‬أو اإلنكار‪.‬‬
‫يعد مارك سامل من أشهر قراء األفكار يف‬
‫العامل ويعيش بالواليات املتحدة ‪ ،‬وقدم العديد‬
‫من العروض املذهلة يف قراءة األفكار أبرزها‬
‫قراءته لألفكار عرب االتصاالت اهلاتفية‪.‬‬
‫ولنبدأ هبذه احلادثة ‪:‬‬
‫عام ‪1999‬اندجمت شركة نيسان اليابانية‬
‫مع رينو الفرنسية‪ .‬وخالل املفاوضات حضر‬
‫الوفد الياباني ومعه رجل عجوز ظل صامتاً‬
‫طوال الوقت‪....‬وحني انتهت املفاوضات سأل‬
‫احد الفرنسيني زميله الياباني‪ :‬من ذلك الرجل‬
‫الغريب ومل��اذا ظل صامتاً ينظر يف وجوهنا!؟‬
‫ابتسم الياباني وقال هامساً‪ :‬إهنا عادة يابانية‬
‫قدمية تتطلب حضور رجل حكيم يقرأ أفكار‬
‫املنافسني ويتفرس يف وجوههم !!‪.‬‬
‫فاليابانيون مثل كل األمم يؤمنون بالكهانة‬
‫ووج����ود أش��خ��اص يستطيعون ق����راءة أفكار‬
‫اآلخرين ‪.‬‬
‫يف حني يرى البعض أهنا (اعتقادات خرافية)‬

‫ويرى البعض اآلخر أن هلا أساساً علمياً مقبوالً؛‬
‫فكل البشر يعيشون يف حميط ‪.‬‬
‫ومج��ي��ع ال��ن��اس ‪ -‬مهما ب��ع��دت ق��اراهت��م ‪-‬‬
‫ي��ش�ترك��ون ب��غ�لاف ج���وي واح����د ص��اخ��ب من‬
‫األمواج املغناطيسية وحني تربز الفكرة يف رأس‬
‫أح��دن��ا يتولد نشاط كهرومغناطيسي ميكن‬
‫رصده وقياسه‪ ،‬وهذا يعين أن املخ يولد موجات‬
‫(السلكية) ضعيفة قد تنتقل إىل أدمغة اآلخرين‬
‫عرب األثري‪...‬‬
‫كان الطبيب الروسي ليونيد فازيليف قد‬
‫الح��ظ ع��ام ‪1962‬أن إح��دى مريضاته كانت‬
‫حت��رك أطرافها (أث��ن��اء تنوميها مغناطيسياً)‬
‫قبل أن يأمرها بذلك جبزء من الثانية‪ .‬وبعد‬
‫تكرار هذا األمر افرتض أن مريضته كانت قادرة‬
‫على (قراءة أفكاره) قبل أن يتحرك هبا‬
‫لسانه ‪،‬وقد ألف كتاباً عن هذا املوضوع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪121‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫افرتض فيه وجود اتصال كهرومغناطيسي بني‬
‫أدمغة البشر وأن قراءة األفكار أمر ممكن حتت‬
‫شروط معينة !‪.‬‬
‫وإل��ي��ك��م ه��ذه احل��ادث��ة ‪ُ :‬ذك���ر أن برناجماً‬
‫تلفزيونياً استضاف شاباً هندياً ميلك مهارة‬
‫غريبة؛ فقد كان يكرر (يف نفس الوقت واللحظة)‬
‫كالم من يقف أمامه ‪ ..‬فبدل أن يستمع حلديثه‬
‫حتى هنايته (أو ينتظر حلظة أو حلظتني) كان‬
‫جياري املتحدث ويسايره فيما يقول!!‪ .‬وحينها‬
‫ادعى انه ال يعتمد على أذنيه ملسايرة املتحدث‪،‬‬
‫ولكنه يقرأ أفكاره فينطق معه يف نفس الوقت‬
‫هناك فنان من نيويورك يدعى مارك سليم‬
‫يدّعي قدرته على ق��راءة أفكار الناس مبجرد‬
‫النظر لوجوههم ‪.‬‬
‫ه���ذا وق���د س��اع��د ال��ش��رط��ة يف ك��ث�ير من‬
‫حتقيقاهتا كما ألف كتاباً خاصاً لتطوير هذه‬
‫املوهبة‪ .‬وهو ميلك برناجماً تلفزيونياً يدعى‬
‫(‪ )Mysterious‬حيقق فيه نسبة جناح ال تقل‬
‫عن ‪.%85‬‬
‫هل علينا تصديق إمكانية قراءة األفكار ‪-‬‬
‫ولكن ‪ -‬بشرط تعديل االسم‪ .‬فهذه املوهبة ميكن‬
‫إعادة تسميتها بسهولة إىل ما يعرف بالتوسم أو‬
‫الفراسة‪ ..‬والفراسة ميكن أن تكون مكتسبة أو‬
‫فطرية يولد هبا املرء‪...‬حيث ألف عاملنا الشهري‬
‫ال����رازي ك��ت��اب�اً مج��ي�لاً ي��دع��ى (ال��ف��راس��ة عند‬
‫العرب)‪ ،‬فما يظهر لنا كقراءة أفكار قد ال يكون‬
‫أكثر من تفرس يف املالمح والتصرفات وتعابري‬
‫الوجه وزالت اللسان‪ ،‬وبالتايل استنتاج نية‬
‫الشخص املقابل (وهو ما حاول العجوز الياباني‬
‫احلكيم فعله)‪.‬‬
‫ومن ناحية دينية إسالمية حبتة فقد ُذكر‬
‫عند أمتنا سابقاً ما يلي‪:‬‬
‫إن وج��وده��ا بشكل ف��ط��ري فدليله قول‬
‫املصطفى صلى اهلل عليه وسلم‪( :‬إنه كان فيما‬
‫خال قبلكم من األمم ناس حمدثون‪ ،‬فإن يكن يف‬

‫‪122‬‬

‫أميت أحد فهو عمر بن اخلطاب) ‪ -‬واحملدث هو‬
‫امللهم يلقى الصواب يف روعه‪ ..‬وهذا احلديث‬
‫يقودنا إىل حديث آخر يقول فيه النيب صلى اهلل‬
‫عليه وسلم (إن لكل قوم فراسة وإمنا يعرفها‬
‫األشراف وميكن محلها على ظاهرها)‪.‬‬
‫وم��ن القصص ال�تي ت��روى هب��ذا اخلصوص‬
‫أن رجالً دخل على عثمان بن عفان رضي اهلل‬
‫عنه فتغري وجهه وقال (يدخل علي أأوحي بعد‬
‫رسول اهلل؟ قال عثمان‪ :‬ال ولكن فراسة صادقة‬
‫‪ ،‬أحدكم والزنا بني عينيه)فذهل الرجل وقال‬
‫أما علي بن أبي طالب فقد حتدث يوماً عن‬
‫قوم سيأتون إىل املدينة فوصف حاهلم وموعد‬
‫حضورهم فقال رجل من كليب‪( :‬لقد أعطيت يا‬
‫أمري املؤمنني علم الغيب)‪ ..‬فضحك علي وقال‪:‬‬
‫يا أخا كليب ليس علم الغيب إمنا تعلم من ذي‬
‫العلم!!‬
‫أما اإلم��ام الشافعي فقد ارحتل إىل اليمن‬
‫طالباً علم الفراسة لتعلمه وملا قفل راجعاً إىل‬
‫مصر ويف طريقة لقيه رج��ل جاحظ العينني‬
‫أزرقهما وهو وصف يعرفه أهل الفراسة من لؤم‬
‫صاحبه‪.‬‬
‫ولكن الرجل أحسن استضافته يف داره ثالثة‬
‫أيام جيلب له فيها الزاد وكل ما يلزم حتى همّ‬
‫الشافعي أن ميزّق كل ما تعلمه يف اليمن من‬
‫فراسة إذ مل تصدق مع ه��ذا الرجل ومل��ا همّ‬
‫بالرحيل أوقفه الرجل وقال ‪ :‬أين مثن ضيافيت‬
‫لك عندها فرح الشافعي للؤم الرجل وصدق‬
‫علم الفراسة‪،‬‬
‫ويف جزيرة العرب هناك من أهل البادية من‬
‫عرف هبذه الصفة جيداً وهناك ساللة عربية‬
‫عرفت بفراسة أصحاهبا وكيف أهنم يستطيعون‬
‫أن مييزوا السارق مثالً أو مييزوا نسب الرجل‬
‫من شكله فقط هاتان القصتان لو حدثتا هذه‬
‫األي��ام العتربتا (ق���راءة أف��ك��ار) يف حني أهنما‬
‫(فراسة صادقة) وهذه ال تتوفر لكل الناس‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫جيري علماء جبامعة لندن جتارب على تطوير‬
‫شكل م��ن أش��ك��ال ق���راءة األف��ك��ار مستخدمني‬
‫تقنيات الواقع االفرتاضي والرنني املغناطيسي‪،‬‬
‫وتتضمن هذه التجارب مراقبة النشاط العصيب‬
‫لتحديد ما يفكر به الفرد ‪.‬‬
‫وذكرت صحيفة فايننشال تاميز أن العلماء‬
‫طلبوا من متطوعني التنقل داخل غرفة يف لعبة‬
‫من الواقع االفرتاضي‪ ،‬واستخدموا جهاز تصوير‬
‫بالرنني املغناطيسي ملراقبة نشاط املنطقة من‬
‫املخ اليت تستخدم للمالحة ‪.‬‬
‫وقالت رئيسة املشروع إيليانور ماغواير إن ما‬
‫أثار دهشتها هو قدرة الفريق العلمي على التنبؤ‬
‫بوجهة كل من يف الغرفة مبجرد رؤية بيانات‬
‫الدماغ وتكمن أمهية التجربة يف كوهنا األوىل‬
‫اليت تظهر أن الذكريات ختزن مبناطق معينة‬
‫وأمناط حمددة يف املخ‪.‬‬

‫وأش���ار امل��دي��ر امل��س��اع��د ب��ال��دراس��ة إىل أن‬
‫استخدام هذه التقنية يف التحقيقات اجلنائية‬
‫يتطلب عشر سنوات على األقل‪.‬‬
‫العلماء األمل��ان ينجحون يف ق��راءة األفكار‬
‫خالل مراقبة نشاط املخ‪:‬‬
‫وم��ن ملف النجاح ال��ذي حققه الباحثون‬
‫األملان يف معرفة قرارات اإلنسان بشكل مسبق‬
‫من خالل مراقبة نشاط املخ‪ ،‬واكتشف العلماء‬
‫أن النموذج العصيب الذي ينبئ بتصرف حمدد‬
‫لإلنسان يظهر قبل ‪ 10‬ثوان تقريباً من صدور‬
‫هذا التصرف ‪.‬‬
‫ويف حماولة لإلجابة عن التساؤل حول ما‬
‫حيدث ملخ اإلنسان يف حالة التفكري‪ ،‬جنح العلماء‬
‫يف مراقبة نشاط امل��خ أثناء العمل من خالل‬
‫استخدام آخر التقنيات‪ ،‬واستطاعوا عرب‬
‫أحباثهم املكثفة معرفة أنشطة اخلاليا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪123‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العصبية وقراءة بعض أفكار اإلنسان‪.‬‬
‫وي��ق��ول الربوفيسور ج��ون داي�ل�ان هاينيس‬
‫من مركز (برينشتاين) ألحباث املخ واألعصاب‬
‫خالل مؤمتر عُقد هبذا اخلصوص يف شتوتغارت‬
‫جنوب أملانيا إن عثور العلماء على مناذج خاصة‬
‫النطباع األفكار يف املخ جيعلهم يعرفون ما يفكر‬
‫فيه الشخص املعين‪.‬‬
‫وطرحت نتائج البحث الكثري من األسئلة‬
‫س��واء على املستوى األخالقي أو اجلنائي أو‬
‫ال��دي�ني ‪ ،‬فقد اكتشف الربوفيسور هاينيس‬
‫خالل إحدى التجارب مركز اختاذ القرارات يف‬
‫املخ وكيفية اختاذها ‪ ،‬ويقول هاينيس إنه كان‬
‫على املتطوعني املشاركني يف التجربة أن يقرروا‬
‫ما إذا كانوا سيقومون بعملية الطرح احلسابي‬
‫أو عملية اجلمع دون إبداء ذلك للقائمني على‬
‫التجربة واستطاع العلماء استقراء قرارهم‬

‫‪124‬‬

‫بنسبة جن��اح ال تقل عن ‪ 70‬باملئة وأش��ار إىل‬
‫أن العلماء قاموا خ�لال التجربة مبد أجهزة‬
‫الكمبيوتر مبا وصفه ببصمة األفكار أي حبركة‬
‫اخلاليا العصبية وتفاعالهتا ونشاطها بشكل‬
‫عام عندما يقوم اجلسم بعملية الطرح أو بعملية‬
‫اجلمع ثم مقارنة هذه البصمة أو االنطباع أو‬
‫ال��ص��ورة بصورة مخ املتطوعني أثناء قيامهم‬
‫بإحدى هاتني العمليتني‪ ،‬كما وجد الباحثون‬
‫أن الكمبيوتر أظهر النموذج العصيب الذي ينبئ‬
‫بتصرف حمدد لإلنسان قبل ‪ 10‬ثوان تقريباً من‬
‫صدور هذا القرار ما دفع الربوفيسور هاينيس‬
‫إلعادة طرح السؤال القديم حول حرية اإلنسان‬
‫وما إذا كانت تصرفاته حمددة من خالل أنشطة‬
‫عصبية يف املخ ‪.‬‬
‫وشرح الباحث هانز ماركوفيتش خالل املؤمتر‬
‫حالة رجل كان حمباً ألسرته ووفياً هلا‪ ،‬لكنه‬
‫أصبح فجأة ذا ميول شاذة وبإجراء الفحوص‬
‫الطبية على هذا األب تبني أنه مصاب بورم‬
‫سرطاني يف امل��خ‪ .‬وبعد استئصال هذا الورم‬
‫عاد األب طبيعياً وختلص من تلك امليول ويعمل‬
‫الربوفيسور ماركوفيتش أيضاً يف إعداد التقارير‬
‫الصحية لبعض اجلهات القضائية كما أنه أثبت‬
‫ما مساه «بصمة الكذب» حيث وجد أثناء إحدى‬
‫التجارب مع الطالب أن اخلاليا العصبية تنشط‬
‫بشدة يف منطقة اجلبهة عندما يبدؤون يف قص‬
‫حكايات حقيقية بناء على طلب القائمني على‬
‫التجربة‪ ،‬ثم تنشط اخلاليا العصبية بغزارة يف‬
‫مؤخرة الرأس عندما يبدؤون يف قص حكايات‬
‫خمتلقة وبعد التطور العلمي السريع مت حديثاَ‬
‫اخرتاع أجهزة مسح تقرتب من قراءة األفكار‪:‬‬
‫اظهر باحثون ألول مرة انه قد ميكن قراءة ما‬
‫يدور يف عقل إنسان بالنظر ببساطة يف نشاط‬
‫املخ وباالستعانة مباسح ضوئي حديث لقياس‬
‫تدفق الدم‪ ،‬وقال باحثون بريطانيون إهنم متكنوا‬
‫م��ن حتديد أم��اك��ن متطوعني م��ن خ�لال بيئة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫واق��ع افرتاضي حدثها جهاز كمبيوتر‪ ،‬وقالت‬
‫إليانور ماجوير الباحثة مبركز ويلكم تراست‬
‫سنرت لتصوير األعصاب جبامعة لندن أن األمر‬
‫املدهش انه مبجرد النظر لبيانات املخ ميكننا‬
‫معرفة أين كانوا بالضبط وقد متكنا من قراءة‬
‫ذاك��راهت��م املكانية‪ ،‬ويتيح االكتشاف إمكانية‬
‫تطوير ماكينات لقراءة نطاق من الذكريات رغم‬
‫أن ماجوير قالت إن خماطر القراءة (التطفلية)‬
‫للعقل ال تزال بعيدة‪ .‬وأضافت أهنا تعتقد أن‬
‫الكشف اجلديد ال��ذي نشر بدورية بيولوجيا‬
‫اخللية سيساعد يف األحب��اث عن اختالالت‬
‫الذاكرة مثل مرض الزهامير عن طريق إلقاء‬
‫ال��ض��وء على كيفية قيام منطقة قرين أمون‬
‫يف املخ بتسجيل الذكريات واستعانت ماجوير‬
‫وزمالؤها بتكنولوجيا معروفة باسم التصوير‬
‫بالرنني املغناطيسي الوظيفي «او ‪.‬اف‪.‬ام‪.‬ار‪.‬‬
‫اي» الذي يسلط الضوء على مناطق بعينها يف‬
‫املخ عندما تكون نشطة‪ ،‬ومن خالل مسح أدمغة‬
‫أناس يلعبون لعبة واقع افرتاضي على الكمبيوتر‬
‫متكن الباحثون من قياس نشاط خاليا عصبية‬
‫معينة يف قرن أم��ون وهي منطقة ذات أمهية‬
‫حامسة للذاكرة والتنقل بني األماكن‪ ،‬وميهد‬
‫البحث الطريق لتحليل كيفية ختزين اخلاليا‬
‫العصبية ألفكار أخرى تشمل الذكريات األكرب‬
‫عن املاضي أو تكوين صورة ذهنية عن املستقبل‪،‬‬
‫وق���د ي��ع�ني ذل���ك يف هن��اي��ة األم����ر استخدام‬
‫التصوير بالرنني املغناطيسي الوظيفي للفحص‬
‫ال��ت��ش��رحي��ي جمل��م��وع��ة ك��ام��ل��ة م��ن الذكريات‬
‫واألف��ك��ار ما قد يفتح باباً ملشاكل وتعقيدات‬
‫أخالقية ال ميكن التنبؤ هبا‪ ،‬ويف الوقت احلايل‬
‫تستخدم هذه التكنولوجيا مع املتطوعني فقط‪،‬‬
‫وقال دمييس هاسابيس املشارك يف البحث أن‬
‫األمر قد يستغرق عشر سنوات على األقل قبل‬
‫توافر تطبيقات تشرحيية كيف ستصبح قراءة‬
‫أفكار الناس حقيقة‪.‬‬

‫ال��ق��درة على ق��راءة أفكار ال��ن��اس‪ ،‬أو حتّى‬
‫م��ش��اه��دة أح�لام��ه��م‪ ،‬ب��ات��ت خ��ط��وة وشيكة‪.‬‬
‫فبحسب دراسة حديثة‪ ،‬ميكن التنبّؤ بد ّقة‪ ،‬ماذا‬
‫يرى أحد األشخاص‪ ،‬وذلك عرب حتليل نشاطه‬
‫ال��دم��اغ��ي مِ���نْ ط��ري��ق ماسحة ضوئيّة طبيّة‬
‫‪. .)scanner(.‬‬
‫فقد صنع العلماء جهاز كومبيوتر (ديكودر)‬
‫يرتجم اإلشارات الصادرة عن النشاط الدماغيّ‬
‫بواسطة ماسحة ضوئيّة‪ ،‬وربطوا تلك اإلشارات‬
‫بصور فوتوغرافيّة‪ ،‬وال��ص��ور ه��ذه تُظ ِهر ما‬
‫يشاهده الشخص‪ .‬ويُعت َقد أنّ التكنولوجيا‬
‫املستقبليّة سوف تكون ق��ادرة على إع��ادة بناء‬
‫املَشاهد يف رأس اإلنسان بعد خضوعها جلهاز‬
‫امل��س��ح ال��ض��وئ��ي‪ ،‬س���واء ك��ان��ت تلك املَشاهد‬
‫حقيقيّة أو متخيّلة‪.‬‬
‫ويعتقد العلماء أ ّنه باإلمكان‪ ،‬يف املستقبل‬
‫القريب‪ ،‬تبنّي الطريقة املذكورة لصناعة آلة‬
‫يسعها ق��راءة أفكار اآلخرين؛ وهذا على رغم‬
‫معرفتهم (اآلخرين) املسبقة بذلك أو حتّى لو‬
‫كان األمر ضدّ رغبتهم‪.‬‬
‫لكن مِنَ املمكن أن يكون جلهاز قراءة األفكار‬
‫مآخذ خطرية على الصعيد األخالقيّ وانتهاك‬
‫اخلصوصيّة‪ ،‬وه��ذا األم��ر يثري القلق‪ .‬يقول‬
‫الربوفيسور جاك جالنت من جامعة بريكلي‪/‬‬
‫كاليفورنيا‪ ،‬الذي تو ّلى الدراسة إيّاها‪ ،‬ونشرها‬
‫يف جملة (نيتشر)‪:‬‬
‫يعمل ج��ه��از (ق����راءة األف��ك��ار) ع�بر حتليل‬
‫أمناط النشاط الدماغيّ‪ ،‬ضمن مركز التخيّل‬
‫يف الدماغ‪ ،‬ويلتقط تلك األمناط أو اإلشارات‬
‫بواسطة آلة تصوير تعمل بالرنني املغناطيسي‪،‬‬
‫بينما الشخص (الواقع حتت اختبار اجلهاز)‬
‫ينظر يف وقت واحد إىل جمموعة مِنَ الصور‬
‫املرتبة عشوائيّاً‪ .‬وحياول اجلهاز بعد ذلك التنبؤَ‬
‫بالصورة اليت اختارها الشخص مِنْ خالل‬
‫أمناط النشاط الدماغيّ وحدها عندما‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪125‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ينظر (الشخص نفسه) إىل جمموعة مِنَ الصور‬
‫املختلفة كليّاً عن اجملموعة األوىل‪.‬‬
‫مسألة كشف الصورة‪ ،‬شبيهة إىل حدٍّ كبري‬
‫خلدعة السحرة الكالسيكيّة يف لعبة الورق‬
‫(ال��ش�دّة) التقط ورق��ة‪ ،‬أي ورق��ة (‪ ...‬يف هذه‬
‫اخلدعة يطلب إليك الساحر أن ختتار ورقة‬
‫وتنظر إليها من ضمن جمموعة كبرية مِنَ الورق‪،‬‬
‫وبعد ذلك يضعها خلف رزمة األوراق‪ .‬وظيفة‬
‫الساحر يف هذه احلالة هي أنْ يعرف أي ورقة‬
‫اخرتت‪ ،‬حبسب الربوفيسور جالنت‪.‬‬
‫ويتابع‪ :‬تَخيّل أ ّننا بدأنا بعدد كبري مِنَ الصور‬
‫املختارة عشوائيّاً‪ ،‬وأن��ت ختتار بسريّة صورة‬
‫واحدة منها‪ ،‬وبينما أنت تنظر إليها لربهة‪ ،‬نقوم‬
‫حنن بقياس نشاطك الدماغي‪ .‬وهكذا تنظر‬
‫إىل جمموعة مِنَ الصور وحنن نقيس نشاطك‬
‫الدماغي‪ .‬يف األثناء‪ ،‬يقوم جهاز (قراءة األفكار)‬
‫مبحاولة كشف الصور اليت رأيتَها‪.‬‬
‫وك���ان األش��خ��اص ال��ذي��ن ت��ط�وّع��وا إلجراء‬
‫االختبار عليهم قد أُعطِوا (‪ )120‬صورة لينظروا‬
‫إليها‪ .‬وقد استطاع جهاز) قراءة األفكار أن يتنبأ‬
‫بتلك الصور بنسبة ‪ .%90‬وحني زِيد عدد الصور‬
‫إىل ‪ ،1000‬هبطت نسبة التنبؤ إىل ‪.%80‬‬
‫ويقدّر العلماء أنّ عدد الصور حتى لو وصل‬
‫إىل مليار (وهو تقريباً عدد الصور اليت ميكن‬
‫احلصول عليها بواسطة حمرّك البحث غوغل)‬
‫فإنّ جهاز (ق��راءة األفكار) سيكون ق��ادراً على‬
‫إجراء التنبّؤ الصحيح مبا رآه الشخص بنسبة‬
‫‪%.20‬‬
‫بكلمات أخ���رى‪ ،‬إذا م �رّ شخص م��ا حتت‬
‫جهازنا‪ ،‬وأُجرِي له مسح للدماغ‪ ،‬واختار صورة‬
‫عشوائيّة مِنَ اإلنرتنت؛ فإنّ معلوماتنا تشري إىل‬
‫أ ّننا سنكون قادرين على استخدام قياسات‬
‫نشاطه الدماغي‪ ،‬ونتم ّكن مِنْ حتديد الصورة‬
‫اليت اختارها بد ّقة‪ ،‬وذلك مرّة مِنْ بني ك ّل مخس‬
‫مرّات‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫ويؤ ّكد العلماء أنّ اجلهاز‪ ،‬يف الوقت احلاضر‪،‬‬
‫يستطيع أنْ يتنبأ فقط بالصور ال�تي يراها‬
‫اإلنسانُ رأيَ العني أكثر مِ�نَ الصور املوجودة‬
‫يف رأس��ه (أي املتخيَّلة)‪ .‬وعند ه��ذه النقطة‪،‬‬
‫يستطيعون فقط حتديد أي ص��ورة شوهدت‬
‫حني أُخِذت مِنْ جمموعة معروفة مِنَ الصور؛‬
‫أي أنّ الصور امل��وج��ودة يف ال��رأس ال ت��زال يف‬
‫الوقت احلاضر مشكلة بالنسبة للجهاز‪ ،‬على‬
‫ما حيتسب الربوفيسور جالنت‪.‬‬
‫بيد أنّ معلوماتنا تقول إ ّنه مِنَ احملتمل أنْ‬
‫يكون هناك بيانات يف إشارات النشاط الدماغيّ‬
‫ميكن قياسها بواسطة جهاز (قراءة األفكار) يف‬
‫املستقبل‪ .‬واحلقّ أنّ الكثري مِنَ البيانات متوافر‬
‫يف تلك اإلش��ارات‪ ،‬األمر الذي يعين أ ّننا‪ ،‬ذات‬
‫ي��وم‪ ،‬قد نستطيع أنْ ن��رى أح�لام أو خياالت‬
‫الناس‪.‬‬
‫قراءة األفكار والتخاطب‬
‫يعتقد علماء النفس بأن ‪ % 60‬من حاالت‬
‫التخاطب والتواصل بني الناس تتم بصورة غري‬
‫شفهية أي عن طريق اإلمي���اءات واإلحي���اءات‬
‫والرموز ‪ ،‬ال عن طريق الكالم واللسان ويقال‬
‫إن هذه الطريقة ذات تأثري قوى ‪ ،‬أقوى خبمس‬
‫مرات من ذلك التأثري الذي ترتكه الكلمات ‪،‬ومن‬
‫األخطاء اجلسيمة اليت نقع فيها مجيعاَ هي‬
‫جتاهلنا للغة اجلسد واإلمي��اءات يف حماولتنا‬
‫فهم ما يقوله لنا أحدهم أو إحداهم أو إحداهن‬
‫وقراءة أفكاره أو أفكارها بل إننا منضي ساعات‬
‫يف حتليل الكلمات اليت قيلت لنا من دون أن‬
‫ندرك مغزاها ألننا ال حنسب بالشكل الكايف‬
‫لغة اإلمياءات ‪.. .‬‬
‫فمثال إليكم بعض نتائج الدراسات يف هذا‬
‫اجملال ‪:‬‬
‫• ملس اليد للوجه أثناء احلديث أمر مرتبط‬
‫بالكذب‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫• وك��ذل��ك احل���ال ع��ن��د مل��س األن���ف أثناء‬
‫الكالم‪.‬‬
‫• وق��د يلجأ البعض إىل مل��س األذن عند‬
‫التشكيك بكالم يقال أمامهم ‪.‬‬
‫• يف حالة الغضب متيل النساء إىل التحديق‬
‫يف عيين الرجل حماولة طمأنته‪ ،‬ولكن لو فعل‬
‫ذلك رجل مع آخر‪ ،‬فلرمبا عُدّ األمر نوعاً من‬
‫التهديد ‪.‬‬
‫عندما يعقد اجتماع ما ملؤسسة أو إدارة ويلقي‬
‫املدير نكتة عرضية جند أن كالً من احلاضرين‬
‫يصطنع ابتسامة مزيفة تظهر ب��وض��وح يف‬
‫عضالت زاوييت فمه اليت تُشَدّ وتُرخى يف اجتاه‬
‫األعلى أما يف االبتسامة احلقيقية فإن عضالت‬
‫أطراف العينني تتقلّص أيضاً ‪.‬‬
‫• وإذا شبكت املرأة يديها بشكل لني فهذا‬
‫دليل انفتاحها على اجلو احمليط هبا‬

‫• عندما يهز البعض رؤوسهم يف إشارة إىل‬
‫التأييد واالهتمام جند أن الشخص املتكلم يزيد‬
‫من سرعة كالمه ‪ ،‬بينما يشري تشابك الذراعني‬
‫وتباطؤ رفرفة العينني إىل امللل أو إىل عدم‬
‫املوافقة ما حيتمل أن جيعل املتكلم يبطئ يف‬
‫كالمه‬
‫• أن يكون اإلهبامان متالصقني فهذا يعين‬
‫أن املتحدث عقالني وكريم ومثقف ويستطيع‬
‫التأقلم مع الظروف العامة‬
‫• عندما جي��ري تعريف بعض الناس إىل‬
‫بعضهم اآلخر يظهر مستوى ما من االهتمام‬
‫يُعبّر عنه بازدياد رفرفة أجفان العينني من ‪18‬‬
‫مرة إىل أكثر من ‪ 25‬مرة يف الدقيقة ‪.‬‬
‫• حن��ن ن��ش��اط��ر اآلخ��ري��ن ال��ذي��ن ن��ك��اد ال‬
‫نعرفهم السوائل الباردة ألهنا جاهزة وال‬
‫تتطلب وقتاً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪127‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫• نشاطر السوائل الساخنة ال��ن��اس ذوي‬
‫العالقة الودية األقوى بنا‪،‬ألهنا حتتاج إىل زمن‬
‫أك�بر لتحضريها فهل ه��ذا هو السبب الذي‬
‫جيعلنا نقدم ضيافة من املشروبات الساخنة‬
‫للناس الذين جتمعنا هبم األلفة واملودة‪ .‬ورمبا‬
‫هلذا السبب أيضاً يُعدّ تقديم أي مشروب آخر‬
‫غ�ير القهوة الساخنة ن��وع�اً م��ن االستخفاف‬
‫بالضيف الذي يشعر بشيء من برودة االستقبال‬
‫إذا مل تقدم له القهوة حصراً‪.‬‬
‫• وضع اليدين على الطاولة باجتاه الشخص‬
‫املتحدث ف��ه��ذه مبثابة دع���وة لتكوين عالقة‬
‫محيمة‬
‫ يفضل املرء أن يتوجه بعد دخول السوق‬‫أو احمل�لات التجارية إىل اليمني ألن��ه سوف‬
‫يستخدم يده اليمنى األقوى ويشعر باالنشراح‬
‫إذا كانت املمرات واسعة بينما يشعر بالضيق إذا‬
‫كانت هذه املمرات ضيقة‪ ،‬ولذا حياول أصحاب‬
‫املخازن تنفيذ هذه الرغبات إذ يضعون السلع‬

‫‪128‬‬

‫غالية الثمن يف اجت���اه اليمني ويف املمرات‬
‫الواسعة وجيب أيضاً أن تكون السلع يف تناول‬
‫الزبون ألنه ‪ .‬ال يشرتي عادة أي سلعة ال ميسها‬
‫بيده وقلما يشرتي أح��دن��ا سلعة كتب عليها‬
‫«ممنوع اللمس»‬
‫• عندما تكون اليد مفتوحة فهذه اإلمياءة‬
‫تقرتن بالصدق واخلضوع‬
‫• يف حال كون الذراعني متصالبتني فمعنى‬
‫ذلك أن الشخص حبالة دفاعية سلبية‬
‫• تعمد مطاعم الوجبات السريعة لإلكثار‬
‫م��ن األل�����وان ال��ف��اق��ع��ة واحل�����ادة م��ث��ل األمحر‬
‫واألصفر وذلك لكي ال يشعر الزبون بالراحة‬
‫ويطيل اجللوس يف املطعم ‪.‬‬
‫• وعندما جتلس املرأة على كرسي منحنية‬
‫لألمام قليالً واضعة يديها على ساقيها فذلك‬
‫دليل على حاجتها للرعاية وذلك إلثارة الشخص‬
‫املقابل هلا لريفع الكلفة ‪.‬‬
‫• أما الرجل الذي جيلس على كرسي واضعاً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫يده على ظهر كرسي آخر فهذا دليل انه حباجة‬
‫إىل شريكه تكون جالسة ب��ق��رب��ه‪ ..‬ليغمرها‬
‫بعطفه ‪.‬‬
‫• أما الغمزة بالعني اليمني فإهنا تعين أن‬
‫الرجل عقالني‪ ،‬ومنهجي بينما الغمزة بالعني‬
‫ال��ي��س��ار معناها أن اإلن��س��ان عاطفي ولديه‬
‫إحساس بغرائز من يقابله ‪.‬‬
‫تبني مجيع األحباث املتوفرة أن لغة اجلسد‬
‫هي اجلزء األهم من أي رسالة تنتقل إىل الشخص‬
‫اآلخر وإن ما بني (‪ )%80-50‬من املعلومات ميكن‬
‫أن تنقل هبذه الطريقة وأن الرسالة غري الشفوية‬
‫املنقولة هي غنية‪ ،‬ومعقدة يف طبيعتها‪ ،‬وحتتوي‬
‫على تعابري الوجه والقرب من الشخص املتكلم‪،‬‬
‫وحركات اليدين والقدمني‪ ،‬ومالبس الشخص‬
‫املتكلم ونظراته‪ ،‬وتوتره‪ ،‬وانفعاالته وما إىل ذلك‬
‫ويوجد هناك عامالن هامان ‪:‬‬
‫ه��ل يستطيع ج��س��دك أن ي��ق��ول م��ا تريده‬
‫منه؟‬

‫وه����ل ت��س��ت��ط��ي��ع أن ت��ف��س��ر ل��غ��ة أجساد‬
‫اآلخرين؟‬
‫إن الكثريين منا ال يعون لغات أجسامنا حيث‬
‫إن هذا ينطبق على الرجال الذين ال يالحظون‬
‫اإلش��ارات اليت تنبعث من أجسامهم وأجسام‬
‫اآلخرين ويتجاهلوهنا حول أشياء مهمة جداً‪.‬‬
‫وأنه ملن املفيد أن ينضم املرء إىل ورشة علمية‬
‫ت��دور حول كيفية حتليل واكتشاف اإلشارات‬
‫املضللة للغة اجلسد‪ ،‬وإليك بعض األشياء اليت‬
‫ميكن أن جترهبا‪:‬‬
‫ابدأ باالنتباه الواعي للغة أجسام الناس حيث‬
‫ميكن أن تشاهد التلفزيون ملدة عشر دقائق مع‬
‫إخفاء الصوت كليا ً‪.‬‬
‫دون بعض املالحظات عن لغة أجسام الناس‬
‫احملبوبني واحملرتمني واملسموعني‬
‫كيف يقفون أو جيلسون؟‬
‫ما نوع التعابري اليت ميلكون؟‬
‫ماذا تفعل أيديهم‪ ،‬وأقدامهم؟‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪129‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ما نوع النظرات اليت ميلكوهنا؟‬
‫م���ا ه���ي ال���وس���ائ���ل غ�ي�ر ال��ش��ف��وي��ة اليت‬
‫ميتلكوهنا؟‬
‫هل يتصرفون بعكس لغة أجسادهم اإلجيابية‬
‫وهل هذا يؤثر عليهم؟‬
‫ابدأ بالتصرف بلغة األجساد اإلجيابية ملن‬
‫حتب‪ ،‬وحترتم‪ ،‬وسيبدأ الناس اآلخرون بالنظر‬
‫إليك بشكل خمتلف عن السابق‬
‫وحدها العيون تتخطى كل اللغات وتغزو كل‬
‫احلصون فتلتقي يف حلظة لتحكي بلمحة ما‬
‫يعجز عنه اللسان وتتسلل إىل أعماق النفس‬
‫لتقول كلماهتا اخلاصة ج��داً والصادقة جداً‪،‬‬
‫فهي لغة ال تعرف الكذب وال الرياء…لغة ليست‬
‫بلغة لكنها م��رآه صافية تعكس مباشرة كل‬
‫املشاعر وتبوح باألسرار…‬

‫‪130‬‬

‫‪ - 1‬العني ‪:‬‬
‫ً‬
‫متنحك واح��دا من أكرب مفاتيح الشخصية‬
‫اليت تدلك بشكل حقيقي على ما يدور يف عقل‬
‫من أمامك ‪ ،‬ستعرف من خالل عينيه ما يفكر‬
‫فيه حقيقة ‪ ،‬فإذا اتسع بؤبؤ العني وبدا للعيان‬
‫ف��إن ذل��ك دليل على أن��ه مسع منك ت��واً شيئا‬
‫أسعده ‪ ،‬أما إذا ضاق بؤبؤ العني فالعكس هو‬
‫الذي حدث ‪ ،‬وإذا ضاقت عيناه رمبا يدل على‬
‫أنك حدثته بشيء ال يصدقه‪ ،‬وإذا اجتهت عينه‬
‫إىل أعلى جهة اليمني فإنه ينشىء صورة خيالية‬
‫مستقبلية‪ ،‬وإذا اجته بعينه إىل أعلى اليسار‬
‫فإنه يتذكر شيئاً من املاضي له عالقة بالواقع‬
‫الذي هو فيه‪ ،‬وإذا نظر إىل أسفل فإنه يتحدث‬
‫مع أحاسيسه وذاته حديثاً خاصاً ويشاور نفسه‬
‫يف موضوع ما ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪ - 2‬احلواجب‬
‫ورفعه إىل أعلى فإن ذلك يدل على دهشته ملا‬
‫إذا رفع امل��رء حاجباً واح��داً فإن ذلك يدل مسعه منك ‪.‬‬
‫على أنك قلت له شيئا إما أنه ال يصدقه أو يراه‬
‫مستحيالً ‪ ،‬أما رفع كال احلاجبني فإن ذلك يدل‬
‫‪ - 5‬األكتاف‬
‫على املفاجأة ‪ .‬أما إذا قطب بني حاجبيه مع‬
‫فعندما يهز الشخص كتفه فيعين انه ال يبايل‬
‫ابتسامة خفيفة فإنه يتعجب منك ولكنه ال يريد مبا تقول‪.‬‬
‫أن يكذبك‪ ،‬وإذا تكرر حتريك احلواجب فإنه‬
‫مبهور ومتعجب من الكالم وموجات كالمك‬
‫‪ - 6‬األصابع‬
‫نقر الشخص بأصابعه على ذراع املقعد أو‬
‫تدخل على دماغه بأكثر من شكل ‪.‬‬
‫على املكتب يشري إىل العصبية أو عدم الصرب‬
‫وعندما يربت الشخص بذراعيه على صدره‬
‫‪ - 3‬األنف واألذنان‬
‫فإذا حك أنفه أو مرر يديه على أذنيه ساحباً فهذا يعين أن هذا الشخص حياول عزل نفسه‬
‫إيامها بينما يقول لك إنه يفهم ما تريده‪ ،‬فهذا عن اآلخرين أو يدل على أنه خائف بالفعل منك‬
‫يعين أنه متحري خبصوص ما تقوله ومن احملتمل‬
‫هذه اإلش��ارات الست تعطيك فكرة عن لغة‬
‫انه ال يعلم مطلقاً ما تريد منه أن يفعله ‪ .‬ووضع اجلسد وكيف ميكن استخدامها يف إب��راز قوة‬
‫اليد أسفل األنف فوق الشفة العلية دليل أنه شخصيتك و التعرف على ما يفكر به اآلخرون‬
‫خيفي عنك شيئاً وخياف أن يظهر منه‬
‫بالرغم من حماوالهتم إخفاء ذلك ‪.‬‬
‫بالنهاية ال بد من اإلشارة إىل بعض الدارسني‬
‫‪ - 4‬جبني الشخص‬
‫واملهتمني يف سورية مبضمون هذه املادة ولديهم‬
‫فإذا قطب جبينه وطأطأ رأسه لألرض يف جتارب عملية مجيلة منهم على وجه اخلصوص‬
‫عبوس فإن ذلك يعين أنه متحري أو مرتبك أو أنه أستاذنا الدكتور طالب عمران نتمنى أنا نقرأ‬
‫ال حيب مساع ما قلته تواً ‪ ،‬أما إذا قطب جبينه مستقبالً شيئاً من جتاربه ‪.‬‬
‫املراجع املستخدمة‬
‫‪ -1‬دراسات للباحث الربوفيسور ماركوفيتش‪.‬‬
‫‪ -2‬حبث للربوفيسور جاك جالنت من جامعة بريكلي‪/‬كاليفورنيا‪.‬‬
‫‪ -3‬دراسات للباحثة إليانور ماجوير مبركز ويلكم تراست سنرت جبامعة لندن‪.‬‬
‫‪ -4‬املوسوعة احلرة من ويكيبيديا‪.‬‬
‫‪ -5‬كتاب الرازي (الفراسة عند العرب)‪.‬‬
‫‪ -6‬ترمجة مادة لألستاذ هشام غامن‬
‫‪ -7‬موقع على االنرتنت املصدر نويتشة فيلة‪.‬‬
‫‪ -8‬دراسات للطبيب الروسي ليونيد فازيليف عام ‪.1962‬‬
‫‪-9‬دراسات للربوفيسور جون دايالن هاينيس من مركز (برينشتاين) األملاني ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪131‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫دورات الزمن في‬
‫الحضارات القديمة‬
‫د‪ .‬جهاد ملحم‬
‫جامعة تشرين‬

‫منذ أقدم العصور‪ ،‬وعيون اإلنسان تتطلع إىل السماء‪ .‬باإلضافة‬
‫إىل الشعور بالرهبة واالفتتان‪ّ ،‬‬
‫تعلم سكان األرض طرق السماوات‬
‫بدءاً من مواقع النجوم‪ ،‬دورات القمر والشمس‪ ،‬إىل عودة األرض‬
‫املائلة‪ .‬كيف بدأ كل ذلك‪ ،‬وكيف سينتهي ـ وما الذي حيدث بني االثنني؟‬
‫السماء واألرض تلتقيان على خط األفق‪ .‬منذ آالف السنني وسكان األرض‬
‫يراقبون النجوم يف السماء تفسح طريقاً أمام أشعة الشمس إىل نقطة االلتقاء‬
‫تلك‪ ،‬واختاروا كبداية مرجعية اللحظة اليت يتساوى فيها الليل و النهار‪ ،‬يوم‬
‫االعتدال‪ .‬مسرتشداً بالتقويم‪ ،‬ال يزال اإلنسان حيسب الزمن على األرض منذ‬
‫تلك البداية‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫للتأكد من هوية السماوات املرصعة بالنجوم‪،‬‬
‫قسمت السماء إىل اثين عشر جزءاً‪ ،‬هي البيوت‬
‫األثين عشر يف دائرة الربوج‪ .‬لكن ما إن انقضت‬
‫األلفية‪ ،‬حتى بدا أن النجوم الثابتة غري ثابتة‬
‫البتة‪ ،‬وإن يوم االعتدال‪ ،‬يوم السنة اجلديدة‪،‬‬
‫ق��د أزي��ح م��ن ب��رج آلخ��ر؛ وأض��ي��ف إىل الزمن‬
‫األرض���ي زم��ن مس���اوي ب��داي��ة عصر ج��دي��د ‪،‬‬
‫«العصر اجلديد»‪.‬‬
‫مع وقوفنا على عتبة عصر جديد‪ ،‬يقع يف‬
‫دائرة برج الدلو عندما تشرق الشمس يف يوم‬
‫االعتدال الربيعي‪ ،‬كما كان هو احلال قبل ‪2000‬‬
‫عام‪ ،‬بدالً من وقوعه يف دائرة برج احلوت‪ ،‬فإن‬
‫الكثريين يتساءلون عما ميكن أن حيمله هذا‬
‫التبدّل‪ :‬اخلري أو الشر‪ ،‬بداية جديدة أو هناية أو‬
‫ليس هناك أي تغيري البتة؟‬
‫لفهم املستقبل جيب تفحص املاضي جيداً؛‬
‫ألنه منذ أن بدأ اجلنس البشري يعد الزمن على‬
‫األرض‪ ،‬اخترب سابقاً قياس الزمن السماوي‬
‫ق��دوم العصور احلديثة‪ .‬فالذي سبق و تابع‬
‫عصراً جديداً كهذا حيتفظ بدروس ضخمة عن‬
‫حالتنا احلاضرة خالل جمرى الزمن‪.‬‬
‫يقال إن القديس أوغستاين‪ ،‬األسقف يف‬
‫الكنيسة ال��روم��ان��ي��ة (‪ )430-354‬م‪ ،‬أعظم‬
‫مفكري الكنيسة املسيحية يف قروهنا األوىل‪،‬‬
‫هو الذي دمج عقيدة العهد اجلديد مع التعاليم‬
‫األفالطونية للفلسفة اإلغريقية‪ ،‬سئل ذات مرة‪،‬‬
‫ما هو الزمن؟ كان جوابه « إذا مل يسألين احد‬
‫فأنا أعلم ما هو‪ ،‬لكن إذا رغبت يف شرح ماهيته‬
‫ملن سألين‪ ،‬فأنا ال أعلم»‪.‬‬
‫الزمن جوهري لألرض وملن عليها‪ ،‬وجوهري‬
‫لكل شخص منا على انفراد؛ ألنه‪ ،‬كما تعلمنا‬
‫م��ن خرباتنا اخل��اص��ة ومالحظاتنا‪ ،‬أن الذي‬
‫يفصل بني حلظة والدت��ن��ا وب�ين اللحظة اليت‬
‫نتوقف فيها عن احلياة هو الزمن‪.‬‬
‫على الرغم من عدم معرفتنا ما هو الزمن‪،‬‬

‫فقد وجدنا طرقاً لقياسه‪ .‬حنسب أعمارنا‬
‫ب��ال��س��ن��وات‪ ،‬وال�ت�ي مي��ك��ن أن نفكر هب��ا بلغة‬
‫امل��دارات‪ ،‬حيث تساوي السنة على األرض إىل‬
‫الوقت الذي تستغرقه األرض إلكمال دورة تامة‬
‫حول الشمس‪ .‬حنن ال نعلم ما هو الزمن حقيقة‪،‬‬
‫لكن الطريقة اليت نقيسه هبا جتعلنا مندهشني‪:‬‬
‫هل سنعيش مدة أطول‪ ،‬هل ستكون دورة حياتنا‬
‫خمتلفة‪ ،‬هل علينا أن نعيش على كوكب آخر‬
‫تكون سنته أط��ول؟ هل سيكون هناك «خلود»‬
‫فيما لو كنا موجودين على كوكب عمره ماليني‬
‫السنني؟ هكذا كان فراعنة مصر يعتقدون أن‬
‫تكون األمور عليه‪ ،‬حياة أبدية بعد املمات‪ ،‬طاملا‬
‫اجتمعوا مع اآلهلة ذات مرة على ذلك الكوكب‬
‫الذي عمره ماليني السنني‪.‬‬
‫حقاً‪ ،‬هل توجد كواكب أخرى هناك‪ ،‬وهل‬
‫ميكن أن تكون احلياة قد تطورت على بعض‬
‫منها أو هل أن مجلتنا الكوكبية فريدة‪ ،‬واحلياة‬
‫على األرض فريدة‪ ،‬وحنن‪ ،‬بين اجلنس البشري‪،‬‬
‫وح��ي��دون يف ه��ذا ال��ك��ون أو ه��ل أن الفراعنة‬
‫كانوا مدركني عما يتكلمون عنه يف نصوصهم‬
‫اهلرمية؟‬
‫كل من نظر إىل السماء عالياً منذ زمن سحيق‪،‬‬
‫صار يف حالة ذهول عما إذا كان آخرون مثله‬
‫هناك‪ ،‬على كواكب أخرى‪ .‬فاملنطق‪ ،‬واالحتمال‬
‫الرياضي‪ ،‬ميليان اجلواب بنعم؛ لكن فقط يف‬
‫العام ‪ ،1991‬وألول مرة أصبح ذلك مؤكداً‪ ،‬حني‬
‫وجد الفلكيون فعالً كواكب أخرى تدور حول‬
‫جنوم أخرى يف أمكنة خمتلفة من الكون‪.‬‬
‫ب�يّ��ن االك��ت��ش��اف األول يف ع��ام ‪ ،1991‬أن‬
‫ذلك مل يكن صحيحاً باملطلق‪ .‬كان تصرحياً‬
‫من جمموعة فلكيني بريطانيني‪ ،‬استندوا إىل‬
‫مالحظات سجلت ملدة مخس سنوات متتالية‪،‬‬
‫أن جنماً ي��دور بسرعة‪ ،‬عُ��� ِرفَ بالنبّاض ‪10‬‬
‫‪ 1829‬يتبعه كوكب مرافق يعادل حجمه‬
‫عشرة أضعاف حجم األرض‪ .‬النبّاضات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪133‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كما هو مفرتض هي ألباب جن��وم ذات كثافة‬
‫عالية تقلصت لسبب أو آلخر‪ .‬وهي تدور حول‬
‫ذاهتا بسرعة جنونية‪ ،‬تصدر نبضات ذات طاقة‬
‫راديوية على شكل انفجارات دورية‪ ،‬عدة مرات‬
‫يف الثانية‪ .‬ميكن مراقبة مثل هذه النبضات‬
‫بتلسكوب رادي���وي؛ بكشف ترجحات دورية‪،‬‬
‫ّ‬
‫مخ��ن الفلكيون أن كوكباً ي��دور ح��ول النبّاض‬
‫‪10‬ـ‪ 1829‬مرة كل ستة أشهر ميكن أن يسبب‬
‫هذه الرتجح ويفسره‪.‬‬
‫ونتيجة لذلك‪ ،‬أقرَّ علماء الفلك الربيطانيون‬
‫بعد ش��ه��ور ع��دة أن نتائجهم غ�ير دق��ي��ق��ة‪ ،‬و‬
‫بالتايل‪ ،‬ال ميكنهم دعم نتيجة أن النبّاض الذي‬
‫يبعد ح��وايل ‪ 300000‬سنة ضوئية ل��ه قمر‬
‫تابع‪ .‬وعلى كل حال‪ ،‬قام بعدها فريق أمريكي‬
‫باكتشاف مشابه خيص نبّاض اق��رب بكثري‪،‬‬
‫ع��رف بالنبّاض ‪ 12+1257 PSR‬وه��و جنم‬
‫متقلص‪ ،‬يبعد ‪ 1300‬سنة ضوئية عنا‪ .‬انفجر‬

‫‪134‬‬

‫النجم‪ ،‬كما حدد الفلكيون‪ ،‬قبل حوايل مليار‬
‫سنة مضت؛ له كوكبان تابعان ورمبا ثالثة‪ .‬يدور‬
‫اثنان من هذين التابعني حول مشسيهما على‬
‫مسافة هي املسافة ذاهتا اليت تفصل عطارد‬
‫عن الشمس‪ ،‬أما الكوكب احملتمل الثالث فهو‬
‫يدور حول مشسه عند مسافة مساوية للمسافة‬
‫اليت تبعد بني األرض و الشمس‪.‬‬
‫أث��ار االكتشاف ختميناً مفاده بأن اجلمل‬
‫الكوكبية ليست عامة تقريباً فحسب‪ ،‬لكن ميكن‬
‫أن حتصل أيضاً حتت أي ظروف خمتلفة‪ ،‬كما‬
‫كتب ‪/‬جون نوبل ويلفورد‪ /‬يف جريدة نيويورك‬
‫تايم يف يناير عام ‪ :1992‬يقول العلماء إنه من‬
‫غري املرجح أن تكون النبّاضات السيارة مالئمة‬
‫للحياة؛ لكن االكتشافات شجعت الفلكيني‪ ،‬على‬
‫أن هذه اإلش��ارة ستكون بداية تقصي منهجي‬
‫للسماوات ع��ن إش���ارات على حياة ذكية يف‬
‫الفضاء الكوني اخلارجي‪ .‬بعد كل هذا‪ ،‬هل كان‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫الفراعنة على صواب؟‬
‫قبل ال��ف��راع��ن��ة ب��زم��ن ط��وي��ل والنصوص‬
‫اهلرمية‪ ،‬هناك حضارة قدمية أول معرفة عن‬
‫اإلنسان امتلكت علم فلك متطور‪ .‬قبل ستة‬
‫آالف س��ن��ة‪ ،‬يف س��وم��ر ال��ق��دمي��ة‪ ،‬تبني أنَّ ما‬
‫اكتشفه الفلكيون عام ‪ 1995‬كان معروفاً سابقاً‬
‫ه��ن��اك؛ ليس فقط طبيعة و تركيب اجلملة‬
‫الشمسية (مبا فيها أبعد الكواكب التابعة هلا)‪،‬‬
‫ولكن أيضاً فكرة وجود أنظمة مشسية أخرى‬
‫يف الكون‪ ،‬مشوسها أو جنومها ميكن أن تتقلص‬
‫أو تنفجر‪ ،‬كواكبها ميكن أن تُقذف خالل سريها‬
‫تلك احلياة‪ ،‬حقيقة‪ ،‬ميكنها بذلك أن تنتقل من‬
‫مجلة جنمية ألخرى‪ .‬إنه علم كونيات مفصّل و‬
‫مشروح ضمن اآلثار املكتوبة‪.‬‬
‫هناك نص طويل واحد‪ ،‬مكتوب على سبعة‬
‫ج����داول‪ ،‬وص��ل إلينا بشكل أويل يف طبعته‬
‫البابلية األخ�يرة‪ .‬دع��ي النص مبلحمة اخللق‬
‫وعرف بكلماته االفتتاحية ‪، Enuma elish‬‬
‫عادة ما كان يقرأ على الشعب خالل االحتفال‬
‫بالعام اجلديد ال��ذي يبدأ يف اليوم األول من‬
‫شهر نيسان‪ ،‬الذي يتزامن مع أول أيام الربيع‪.‬‬
‫برسم توضيحي للعملية ال�تي أت��ى فيها‬
‫نظامنا الشمسي إىل ال��وج��ود‪ ،‬ش��رح النص‬
‫الطويل كيف ان الشمس (‪ )Apsu‬ورسوهلا‬
‫عطارد (‪ )Mummu‬أول ما التقيا مع كوكب‬
‫قديم يدعى ‪ Tiamat‬؛ كيف أمكن لزوج من‬
‫الكواكب مه��ا امل��ري��خ وال��زه��رة (‪ lahamu‬و‬
‫‪ ) lahmu‬أن يدجما بعد ذلك بني الشمس و‬
‫التيامات‪ ،‬متبوعني بزوجني فيما وراء تيامات‬
‫مها املشرتي وزح��ل (‪ Kishar‬و‪) Anshar‬‬
‫وأورانوس و نبتون (‪ Anu‬و ‪،)Nudimmud‬‬
‫واألخ���ي��ران ك��وك��ب��ان غ�ي�ر م��ع��روف�ين لعلماء‬
‫الفلك احلديثني حتى عامي ‪ 1781‬و ‪1846‬‬
‫على ال��ت��ت��ايل م��ع أهن��م��ا ك��ان��ا معلومني‬
‫وموصوفني من قبل السومريني قبل عدة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪135‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫آالف من السنني‪ .‬نتيجة جذب ودفع هذه اآلهلة‬
‫السماوية املخلوقة حديثاً لبعضها البعض‪ ،‬و ّلد‬
‫عدد منها أقمار تابعة قمريات‪ .‬يف وسط العائلة‬
‫الكوكبية غري املستقرة‪ ،‬و َّلد تيمات أحد عشر‬
‫كوكباً؛ أحدهم‪ ،Kingu ،‬منا كثرياً يف احلجم‬
‫وب��دأ يتخذ مظاهر اإلل��ه السماوي‪ ،‬ككوكب‪،‬‬
‫يقوم بذاته‪ .‬كان علماء الفلك احلديثون جاهلني‬
‫متاماً إمكانية أن يكون هلذا الكوكب عدة أقمار‬
‫حتى اكتشف ‪/‬غليله‪ /‬األقمار األربعة األكرب‬
‫جلوبيرت يف العام ‪ ،1609‬مبساعدة التلسكوب؛‬
‫لكن السومريني كانوا مدركني للظاهرة أبكر‬
‫بآالف السنني‪.‬‬
‫داخل هذه اجلملة الشمسية غري املستقرة‪،‬‬
‫توافقاً مع ملحمة اخللق األلفية القدمية‪ ،‬ظهر‬
‫هناك جائح من الفضاء اخلارجي كوكب آخر؛‬

‫‪136‬‬

‫كوكب غري مولود يف عائلة أبسو‪ ،‬لكنه يعود‬
‫إىل عائلة جن��م آخ��ر ه��و م��ن ان��دف��ع خارجياً‬
‫بقوة متجوالً يف الفضاء‪ .‬قبل عدة ألفيات من‬
‫السنني‪ ،‬أي قبل أن حيدثنا علم الفلك احلديث‬
‫ع��ن النباضات والنجوم املتقلصة‪ ،‬ك��ان علم‬
‫الفلك السومري قد صوَّر مجالً كوكبية أخرى أو‬
‫جنوماً منفجرة أو متقلصة دفعت بقوة كواكبها‬
‫خارجياً‪.‬‬
‫مع اجتيازه الكواكب اخلارجية‪ ،‬فإنه يسبب‬
‫تغريات تفسر العديد من األلغاز اليت ال تزال‬
‫تربك علم الفلك احل��دي��ث مثل سبب وجود‬
‫غطاء أوران���وس على جانبه‪ ،‬امل��دار الرتاجعي‬
‫ألكرب أقمار نبتون‪ ،‬الرتيتون‪ ،1‬أو من دفع بلوتو‬
‫من مكانه كقمر صغري ليصبح كوكباً له مدار‬
‫قطعي زائدي‪ .‬ذلك أن الزيادة يف اندفاع اجلائح‬
‫داخ���ل م��رك��ز اجلملة الشمسية‪ ،‬تعين زيادة‬
‫قسرية يف اصطدامه مع تيمات‪ ،‬أي حصول‬
‫معركة مساوية‪ .‬يف سلسلة من االصطدامات‪،‬‬
‫م��ن بينها أق��م��ار غ��ازي��ة تتصادم م��ع تيمات‪،‬‬
‫ينقسم الكوكب القديم إىل جزأين‪ .‬يتهشم أحد‬
‫النصفني إىل قطع وأجزاء صغرية لتصبح حزاماً‬
‫جنمياً (بني مارس وجوبيرت) ومذنبات متنوعة؛‬
‫ال��ن��ص��ف اآلخ����ر‪ ،‬أص��اب��ت��ه خ���دوش ل��ك��ن بقي‬
‫سليماً‪ُ ،‬قذِفَ إىل مدار جديد ليصبح الكوكب‬
‫ال��ذي نطلق عليه األرض (‪ ki‬يف السومرية)؛‬
‫مربوط معه اك�بر أقمار تيمات‪ ،‬ليصبح قمر‬
‫األرض‪ .‬أصبح الغازي نفسه ممسوكاً يف مدار‬
‫دائ���م ح��ول ال��ش��م��س‪ ،‬ليصبح العضو الثاني‬
‫عشر يف نظامنا الشمسي (الشمس‪ ،‬القمر‪،‬‬
‫و عشر كواكب أخرى)‪ .‬أطلق السومريون عليه‬
‫لقب نيبريو ( ‪ ) Nibiru‬كوكب التقاطع‪ .‬أعاد‬
‫البابليون تسميته ماردوك (‪ ) Marduk‬على‬
‫شرف إهلهم الوطين‪ .‬كان ذلك خالل املعركة‬
‫الرتيتون هو نصف إله من أنصاف آهلة‬
‫ ‪1‬‬
‫البحر عند اإلغريق له جسم رجل وذيل مسكة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫السماوية‪ ،‬كما أكدت ذلك امللحمة القدمية‪ ،‬أن‬
‫بذور احلياة‪ ،‬اليت جلبها نيبريو من مكان ما‪ ،‬قد‬
‫استقرّت على األرض‪.‬‬
‫الفالسفة و العلماء‪ ،‬وهم يفكرون بالكون‬
‫ويعرضون علم الكونيات احلديث‪ ،‬أكملوا بشكل‬
‫ثابت حبث الزمن‪ .‬هل الزمن بعد حبد ذاته‪ ،‬أو‬
‫رمبا يكون هو البعد احلقيقي الوحيد يف الكون؟‬
‫هل يتدفق الزمان إىل األمام فقط‪ ،‬أم يتدفق‬
‫إىل ال���وراء؟ هل احلاضر ج��زء من املاضي أم‬
‫هو بداية املستقبل؟ وهل‪ ،‬ليس األقل إثارة بني‬
‫اجلميع‪ ،‬يكون للزمن بداية؟ إذا كان كذلك فهل‬
‫سيكون له هناية؟ إذا كان الكون موجوداً منذ‬
‫األبد‪ ،‬دون بداية أو هناية‪ ،‬فهل الزمن أيضاً دون‬
‫بداية أو هناية أو هل الكون حقاً له بداية‪ ،‬رمبا‬
‫بدايته مع االنفجار األعظم كما يفرتض علماء‬
‫الفيزياء الفلكية اليوم‪ ،‬يف كل األحوال بدأ الزمن‬
‫عندما بدأ الكون؟‬
‫هؤالء الذين يعتقدون بعلم الفلك السومري‬
‫الدقيق املدهش يعتقدون أيضاً يف بداية للكون‬
‫(و بالتايل‪ ،‬بنهاية مفجعة له)‪ .‬من الواضح أهنم‬
‫يقتنعون بالزمن كقياس‪ ،‬وكانطالقة‪ ،‬وكعالمة‪،‬‬
‫لبداية يف قصة مس��اوي��ة ملحمية؛ م��ن أجل‬
‫الكلمة األوىل الفعلية مللحمة اخللق القدمية اليت‬
‫تعين عندما‪« :‬عندما مل تكن السماوات العليا‬
‫قد أعطيت امساً‪ ،‬ويف األسفل‪ ،‬مل يكن األساس‬
‫الثابت (األرض) قد وضع بعد»‪.‬‬
‫حي��ت��اج ه��ذا إىل ع��ق��ول علمية ج��ب��ارة ألن‬
‫تتصور الطور البدائي عندما «وجد العدم ما‬
‫ع��دا أبسو األويل‪ ،‬وأوالده؛ مومو و تيمات»‬
‫عندما مل تكن األرض قد جاءت إىل الوجود؛‬
‫و إلدراك أنه بالنسبة ل�لارض وكل من عليها‬
‫فإن حادثة االنفجار الكبري مل تكن حصلت بعد‬
‫عندما خلق الكون أو حتى عندما خلقت اجلملة‬
‫الشمسية‪ ،‬بل احلادثة اليت حصلت هي املعركة‬
‫السماوية‪ .‬بعد ذلك كانت‪ ،‬ويف تلك اللحظة‪،‬‬

‫بداية الزمن على األرض يف تلك اللحظة أيضاً‪،‬‬
‫بعد أن انفصلت عن نصف تيمات وأصبحت‬
‫حزاماً جنمياً (السماء)‪ ،‬تعلقت األرض مبدارها‬
‫اجل��دي��د اخل���اص هب��ا و ب���دأت إم��ك��ان��ي��ة عد‬
‫السنوات‪ ،‬الشهور‪ ،‬األيام‪ ،‬والليايل أمكن قياس‬
‫الزمن‪.‬‬
‫هذا املشهد العلمي‪ ،‬املركزي بالنسبة لعلم‬
‫الكونيات القديم‪ ،‬للدين‪ ،‬وللرياضيات‪ ،‬يعرب عنه‬
‫يف العديد من النصوص السومرية جنباً إىل‬
‫جنب مع ملحمة اخللق‪ .‬فالنص الذي عاجله‬
‫الباحثون «كأسطورة» «أنكي و العامل» املنظم‪،‬‬
‫واليت هي حرفياً قصة السرية الذاتية ألنكي‪،‬‬
‫اإلله السومري للعلم‪ ،‬يصف اللحظة متى متى‬
‫بدأ الزمن يتك ألول مرة على األرض‪.‬‬
‫هناك نص آخر‪ ،‬بكلمات تعاد غالباً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪137‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫على ج��داول صلصال س��وم��ري‪ ،‬ينقل مفهوم‬
‫ال��ب��داي��ة جب��دول��ة مظاهر ع��دي��دة للتطور و‬
‫التحضر اللذين مل يكونا وج��دا إىل م��ا قبل‬
‫احلادثة احلامسة‪ .‬قبل ذلك‪ ،‬كما أكد النص‪ ،‬مل‬
‫يكن اسم اإلنسان قد خلق‪ ،‬و األشياء الضرورية‬
‫مل توجد بعد‪ .‬مجيع هذه التطورات بدأت حتدث‬
‫فقط بعد أن ابتعدت السماوات عن األرض‪ ،‬بعد‬
‫أن انفصلت األرض عن السماء‪.‬‬
‫ليس مدهشاً أن األفكار نفسها عن بداية‬
‫الزمن سادت يف معتقدات املصريني القدماء‪،‬‬
‫الذين جاءت حضارهتم بعد السومريني‪ ،‬حيث‬
‫ترتدد يف النصوص الفرعونية الوصف املشابه‬
‫لبداية األشياء‪.‬‬
‫رواي���ة السومريني للخلق ب��دأت م��ع تشكل‬
‫اجلملة الشمسية و ظهور نيبريو‪ /‬ماردوك يف‬
‫وقت مل تكن فيه املدارات الكوكبية مستقرة و‬
‫ثابتة بعد‪ .‬إليهما يعزى الشكل احلايل لنظامنا‬
‫الشمسي‪ ،‬حيث كل كوكب حتدّد مكانه‪ ،‬وحتى‬
‫حتدّدت أقماره‪ .‬فقد حذفت املعركة السماوية‬
‫تيمات كعضو من اجلملة الشمسية القدمية‪،‬‬
‫وقذفت بنصفه إىل مدار جديد ليصبح كوكب‬

‫‪138‬‬

‫األرض‪ ،‬حمافظة على القمر كمركبة حيوية‬
‫للنظام الشمسي اجل��دي��د‪ ،‬وفاصلة بلوتو يف‬
‫مدار مستقل‪ ،‬ومضيفة نيبريو كعضو ثاني عشر‬
‫يف النظام اجلديد لسماواتنا‪ .‬من اجل األرض‬
‫وسكاهنا‪ ،‬سيصبح هؤالء العناصر اليت حتدد‬
‫الزمن‪.‬‬
‫القاعدة األساسية اليت تقول بأن العدد ‪12‬‬
‫لعب دوراً يف علم السومريني وحياهتم اليومية‬
‫(على مسار ‪ 12‬عضواً يف اجلملة الشمسية)‪،‬‬
‫هي اليت رافقتنا خالل األلفيات املاضية من‬
‫السنني وحتى الوقت احلايل‪ .‬لقد قسموا اليوم‬
‫(من غ��روب الشمس إىل غ��روب آخ��ر) إىل ‪12‬‬
‫ساعة مضاعفة‪ ،‬وهذا التقسيم بقي يف األزمان‬
‫احلديثة ‪ 12‬ساعة هنارية و‪ 24‬ساعة يومية‪ .‬ال‬
‫يزال معنا ‪ 12‬شهراً يف السنة‪ ،‬كما ال يزال معنا‬
‫‪ 12‬برجاً يف دائرة الربوج‪ .‬هذا الرقم السماوي‬
‫له دالالت خمتلفة عديدة‪ ،‬كما يف الديانتني‬
‫املسيحية واليهودية وبعض الفرق اإلسالمية‪.‬‬
‫يف التقويم القمري البحت‪ ،‬كما هي عليه‬
‫احل��ال��ة يف التقويم اإلس�لام��ي‪ ،‬حت��اف��ظ أيام‬
‫املناسبات على تراجعها حوايل شهر كل ثالث‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫سنوات‪ .‬يف تقويم نيبريو‪ ،‬الذي استنبط للحفاظ‬
‫على دورة املناسبات معلقة بالفصول‪ ،‬ال ميكن‬
‫ان يسمح باستمرار تراجع كهذا‪ :‬العام اجلديد‪،‬‬
‫على سبيل املثال‪ ،‬جيب أن يبدأ يف اليوم األول‬
‫من الربيع‪ .‬هذا يقتضي‪ ،‬من البداية املبكرة‬
‫للحضارة السومرية‪ ،‬معرفة دقيقة حلركات‬
‫األرض والقمر وعالقتهما مع الشمس‪ ،‬وبالتايل‬
‫أسرار السنة الكبيسة‪ .‬ما هو مطلوب أيضاً هو‬
‫احلاجة إىل فهم كيفية تتابع الفصول‪.‬‬
‫م���ن أج���ل ش��خ��ص م���ا ي��ص��ل م���ن نيبريو‬
‫م��ع سنته امل��داري��ة الضخمة إىل كوكب يدور‬
‫بسرعة (األرض‪ ،‬الكوكب السابع كما دعاها‬
‫أنوناكي) تساوي سنته فقط ج��زءاً من ‪3600‬‬
‫من سنة نيبريو‪ ،‬جيب أن تُطرح مسألة حفظ‬
‫ال��زم��ن كمعضلة ك��ب�يرة‪ .‬واض���ح م��ن ج���داول‬
‫امللوك السومريني و نصوص أخرى تتعامل مع‬
‫مشكالت انوناكي واليت لوقت طويل بالتحديد‬
‫حتى حصول الطوفان أهنا استبقت على السار‪،‬‬
‫‪ 3600‬سنة أرضية لنيبريو‪ ،‬كواحدة مساوية‬
‫للزمن‪ .‬لكن ما الذي يستطيعون فعله بطريقة‬
‫ما خللق عالقة منطقية بدالً من ‪ ، 3600 :1‬بني‬
‫ذلك الزمن السماوي والزمن األرضي؟‬
‫ال أح��د يستطيع أن يفسر معجزة تطور‬
‫ال��ري��اض��ي��ات يف س��وم��ر قبل ‪ 3500‬سنة من‬
‫امليالد‪ ،‬كما يقول املختص يف علم األساطري‬
‫جوزيف كامبل يف كتابه أساطري الشرق‪ .‬هل‬
‫الصدفة أم احل���دس‪ ،‬ه��و م��ن الم��س الرتتيب‬
‫السماوي الذي يصل حد اإلهلام؟ املعجزة‪ ،‬كما‬
‫رأيناها من حينه‪ ،‬قدمتها معرفة األنوناكي‬
‫املتطورة‪.‬‬
‫علم الفلك احلديث‪ ،‬باإلضافة إىل العلوم‬
‫احلديثة الدقيقة‪ ،‬يدين بالكثري إىل السومريني‬
‫باملقام األول‪ .‬من بني ذلك تقسيم السماوات‬
‫حولنا و مجيع الدوائر األخرى إىل ‪ 360‬جزءاً‬
‫(درجة) يعد هو األكثر أساسية‪/ .‬هوغو وينكلر‪،/‬‬

‫مع قلة آخرين‪ ،‬مع بداية القرن املاضي‪ ،‬مجعوا‬
‫معرفتهم تاريخ اآلشوريني ولغتهم مع معرفة علم‬
‫الفلك‪ ،‬أدركوا أن الرقم ‪ 72‬كان بشكل أساسي‬
‫رابطاً بني التقويم السماوي واألسطورة‪ .‬لقد كان‬
‫ذلك من خالل اخلماسية أو األوقات اخلمسة‪،‬‬
‫كم أفاد ‪/‬هوغو‪ ،/‬يأتي الرقم األساسي ‪360‬‬
‫بضرب الرقم النجمي ‪( 72‬اإلزاحة الرتاجعية‪)1‬‬
‫بعدد أصابع اليد ‪ 5‬ألحد سكان األرض‪ .‬نفاذ‬
‫بصريته‪ ،‬وفهمه لعصره‪ ،‬مل تقوده إىل خرق‬
‫قاعدة أنونا ك��ي‪ ،‬ال�تي كانت علومه ضرورية‬
‫ملعرفة أن تراجع األرض بدأ معه‪.‬‬
‫م��ادام اجلنس البشري على األرض يتوقع‬
‫التغيري مسبقاَ‪ ،‬فإن كثريين تنتاهبم احلرية عما‬
‫سيجلبه ه��ذا التغيري معه ف��أي ش��يء سيكون‬
‫ال��ن��ذي��ر؟ النعيم أو اجلحيم‪ ،‬هن��اي��ة أم بداية‬
‫ج��دي��دة؟ ه��ل ه��و هن��اي��ة ال��ن��ظ��ام ال��ق��دي��م على‬
‫األرض‪ ،‬أم بداية نظام جديد عليها‪ ،‬رمبا نبوءة‬
‫عن عودة ململكة السماء إىل األرض؟‬
‫هل يتدفق الزمن إىل األم��ام فقط أو هل‬
‫ميكن له أن يتدفق إىل الوراء أيضاً‪ ،‬هو ما حيّر‬
‫الفالسفة يف املاضي وال يزال حيري الفالسفة‬
‫حتى ال��ي��وم‪ .‬يف احلقيقة‪ ،‬ي��ن��زاح ال��زم��ن إىل‬
‫الوراء‪ ،‬وذلك هو جوهر ظاهرة املبادرة‪ :‬التباطؤ‬
‫يف تقدم حركة مدار األرض حول الشمس‪ ،‬هو‬
‫من يسبب‪ ،‬مرة كل ‪ 2160‬سنة‪ ،‬مراقبة شروق‬
‫الشمس يف االع��ت��دال الربيعي ليس يف الربج‬
‫ال��ت��ايل م��ن دائ���رة ال�ب�روج‪ ،‬لكن يف ال�برج الذي‬
‫يسبقه ‪ ...‬الزمن السماوي‪ ،‬كما أشرنا إليه‪ ،‬ال‬
‫يتحرك باجتاه الزمن األرضي‪ ،‬أي باجتاه عكس‬
‫عقارب الساعة؛ ب��دالً من ذل��ك‪ ،‬إن��ه يتحرك‬
‫ب��االجت��اه امل��ع��اك��س‪ ،‬مالمساً االجت���اه املداري‬
‫لنيبريو (أي باجتاه عقارب الساعة)‪.‬‬
‫يتدفق الزمن السماوي إىل ال���وراء‪ ،‬بقدر‬
‫ما نكون معنيني على األرض؛ بناء عليه‪ ،‬وفق‬
‫مصطلحات الربوج‪ ،‬املاضي هو املستقبل‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪139‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تطور نظام النقل‬
‫في العالم‬
‫م‪.‬لينا قدورة‬

‫هل فكرت يوماً‪ :‬لو قام عمال النقل مبختلف أشكاله باإلضراب ما الذي سيحدث‬
‫للعامل ؟‬
‫سؤال جمرد التفكري به كارثي ألن اجلواب عليه يعين شلل احلياة بكل أشكاهلا‬
‫وجتمد الدم يف شرايني العامل وتوقف النمو واحلضارة‪ ،‬حيث يعترب النقل أحد املقاييس‬
‫اهلامة لنمو الشعوب وتقدمها من حيث تأمينه للحاجات الضرورية حلياتنا اليومية فكلما‬
‫تطورت أنظمة النقل ولبت حاجتنا وسالمتنا وراحتنا واختصرت علينا الزمن كلما كنا أكثر‬
‫منواً وحضارة‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫سنعرف نظام النقل بأنه حركة الناس و السلع‬
‫واملرافق الالزمة هلذه احلركة وهو يلعب دورا‬
‫أساسياً يف حياتنا فلواله ملا متكنا من الوصول‬
‫إىل مدارسنا و أسواقنا وأعمالنا وال متكنت‬
‫الزراعة و الصناعة والسياحة من التطور واليت‬
‫حتتاج إىل امل��واد االولية او اخلام املوجودة يف‬
‫أماكن بعيدة واليت ال قيمة هلا هناك حيث يقوم‬
‫نظام النقل بنقلها من تلك األماكن وتوصيلها‬
‫إىل أماكن التصنيع فتصبح قيمتها مضاعفة مع‬
‫مراعاة وصوهلا إىل شبكة من الصناعات واليت‬
‫قد تتعطل بسبب تأخري يف وصول السلع‪.‬‬
‫وتنبع امهية هذا النظام و الذي هو جمموعة‬
‫أجزاء وعناصر مرتابطة تستعمل لتحقيق هدف‬
‫مشرتك‬
‫من ارتباطه الوثيق ببعضه وبعدة نظم أخرى‬
‫كشبكات املياه والصرف الصحي و اإلنارة حيث‬
‫يتأثر ويؤثر هبا ونظام النقل هو نظام تقين له‬
‫عدة أشكال كالنقل الربي و البحري و اجلوي‬
‫وبشكل عام‪:‬‬
‫فهو يتألف من مخسة مكونات أساسية وهي‬
‫(املركبة والقدرة احملركة والطريق واحملطات و‬
‫نظم التحكم بالتشغيل ) وعلى هذه النظم أن‬
‫تتفاعل مع بعضها حتى حتقق املنفعة املرجوة‬
‫منها ولنأخذ مثاالً بسيطاً حيث غن سعة أي نظام‬
‫نقل جزئي تعتمد على حجم املركبة املستخدمة‬
‫و سرعتها‪ ،‬أما حجم املركبة وسرعتها فيحددان‬
‫مقدار القدرة احملركة الالزمة هلا وبالعكس‪،‬‬
‫كذلك حجم املركبة ووزهنا اإلمجايل تعتمد على‬
‫قدرة حتمل الطريق و تعتمد سعة الطريق على‬
‫نظام التحكم بالتشغيل مثل أجهزة االتصاالت‬
‫و قواعد امل��رور فإن مل توجد حمطات كافية‬
‫من حيث النوعيه و املعدات الالزمة خلدمة‬
‫ح��رك��ة امل���رور ع�بره��ا عندها ل��ن ي��ك��ون لسعة‬
‫الطريق امهية كربى‪ ،‬وكل هذا مع بعضه يتطلب‬
‫إدارة قديرة مؤهلة مع فنيني لتشغيل النظام و‬

‫صيانته‪.‬‬
‫ومن مهام هذه اإلدارة ايضاً عند التخطيط‬
‫أن تأخذ بعني االعتبار األث��ر السليب لنظام‬
‫النقل على البيئة و ما خيلفه من تلوث بصري‬
‫وهوائي و مائي وأرضي ومن ضوضاء‪ ،‬و كذلك‬
‫تأثريه على سعر األراضي اليت مير هبا سلباً أو‬
‫إجياباً‪.‬‬
‫وال ننسى ان الصعوبات تكمن يف العالقة‬
‫الديناميكية بني املركبات والطريق حيث حتدد‬
‫سرعة املركبات وسالمتها وسعتها حبسب نوع‬
‫الطريق ويصمم الطريق مبا يتناسب مع املركبات‬
‫حبيث حيقق قدرة حتميل مناسبة خلدمة مجيع‬
‫احلموالت و مراعاة تصميم أجهزة التعليق يف‬
‫املركبات و متاسك الطريق واستقراره و تطوير‬
‫احملطات وتقليل أثره على البيئة‪.‬‬
‫كل هذا على اإلدارة أن تدرسه عند ختطيط‬
‫نظام نقل ما وأن تأحذه باحلسبان باإلضافه‬
‫إىل عامل مهم جدا وهو التمويل هلذا النظام‬
‫الضخم‪ ،‬و الذي غالباً ما تقوم به احلكومة و‬
‫يعتمد على مقدار االعتمادات املالية املرصودة‬
‫لتلبية حاجات كثرية كالتعليم والصحة والدفاع‬
‫وغ�يره��م م��ا خيلق تنافساً ب�ين ه��ذه املرافق‬
‫على األولويات‪ ،‬وبالتايل قد يهضم حق النقل‬
‫بالتمويل املناسب‪.‬‬
‫وهكذا نرى متاسك هذا النظام جبزئياته‬
‫املختلفة و اليت تتفاعل مع بعضها‪ ،‬ومن هنا‬
‫تأتي صعوبة التخطيط له واحلاجة إىل فريق‬
‫متكامل يتحرى تكلفته و يتجنب مشكالته و‬
‫ي��درس ف��وائ��ده مبا يتناسب مع تطور احلياة‬
‫وتعقدها‪.‬‬
‫وقد يكون السبب الرئيسي يف تطور نظام‬
‫ال��ن��ق��ل م��ن ن��ظ��ام ت��ارخي��ي ق��ائ��م ع��ل��ى النقل‬
‫باحليوانات إىل نظام فضائي يصل إىل كواكب‬
‫وجم��رات هو العامل االقتصادي حيث‬
‫بتطور احلياة وزيادة احلاجات املعيشية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪141‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫امللحة لإلنسان أصبح االقتصاد احمللي عاجزاً‬
‫ع��ن س��د متطلباته ف�ب�رزت احل��اج��ة إىل نقل‬
‫البضائع و البشر إىل مسافات أط��ول ما رفع‬
‫كلفة السلع حيث تشكل تكاليف نقل البضائع‬
‫أكثر من ‪ %15‬من كلفة السلعة ما يرهق املواطن‬
‫العادي و يرفع سعر البضائع و اليت تتحول من‬
‫م��واد خ��ام يف اماكن وجودها أص�لا إىل مواد‬
‫مصنعة يف األم��اك��ن املنقولة إليها وال�تي لوال‬
‫نظام النفل ملا أتيحت هلا هذه الفرصة‪.‬‬
‫وهنا نالحظ تأثري تطور نظام النقل عرب‬
‫آالف السنوات على زيادة اإلنتاجية و ختفيض‬
‫الكلفة‪ ،‬وهذا التقدم هو نتيجة للتقدم التقين‬
‫و حتول اإلنسان من استخدام النار كطاقة إىل‬
‫عصر االلكرتون و غزو الفضاء‪.‬‬
‫ومل يكن العامل االقتصادي مع أمهيته البالغة‬
‫هو السبب الوحيد يف تطور نظام النقل‪ ،‬فهناك‬
‫العامل اجلغرايف والذي يرتبط بشكل وثيق مع‬
‫العامل االقتصادي‪ ،‬حيث إن املوقع اجلغرايف‬
‫ل��ل��م��وارد الطبيعية حي��دد ال��ط��رق ال�تي جيب‬
‫سلوكها للوصول إىل هذه امل��وارد و االستفادة‬
‫منها وحتقيق املنفعة الزمانية و املكانية أي نقل‬
‫املواد اخلام من أماكنها‪ ،‬واليت ال قيمة هلا هناك‬
‫إىل أماكن تصنيعها واستهالكها ما يضاعف من‬
‫قيمتها بالزمان و املكان املناسبني‪.‬‬
‫ولو أخذنا كمثال على أمهية العامل اجلغرايف‬
‫يف حتديد شكل وسائل النقل ‪:‬سنجد ان إنكلرتا‬
‫أو اليابان و بسبب أهنما جزر حماطة باملاء قد‬
‫اعتمدتا النقل البحري بالدرجة األوىل‪.‬‬
‫ومن اجلدير بالذكر ان اكتشاف أمريكا جاء‬
‫بالصدفة أثناء حماولة البحث عن طرق مائية‬

‫‪142‬‬

‫للتبادل التجاري بسبب خطورة وطول الطرق‬
‫عرب اليابسة أو حول القارة األفريقية‪.‬‬
‫وهكذا فإن الطبيعة اجلغرافية حتدد شكل‬
‫و حجم وتكلفة نظام ما وسهولته أو صعوبته‬
‫و تتحكم بالتوزع السكاني حيث ينتقي البشر‬
‫أماكن توزعهم حول الضفاف أو املمرات املائية‬
‫أو السواحل وعلى النقل أن حيقق حاجاهتم‪.‬‬
‫وكما أسلفنا عن أمهية العاملني االقتصادي‬
‫و اجل��غ��رايف يف تطور النقل ل��ن نغفل أمهية‬
‫العامل السياسي فيه أيضاً‪.‬‬
‫فقد تأثر تطور النقل بالعوامل السياسية‬
‫حيث إن العالقة القوية بني سياسات احلكومة‬
‫وتطور نظام الطرق الطويلة وبنائه و صناعة‬
‫السيارات‪ ،‬وم��ا لكل ذل��ك من عالقة بازدياد‬
‫حجم امل��دن وتوسعاهتا ه��ي واح���دة م��ن أبرز‬
‫الظواهر يف هذا القرن‪ .‬ومن األمثلة هنا ‪:‬رغبة‬
‫احلكومة االحت��ادي��ة يف ال��والي��ات املتحدة يف‬
‫ربط أجزاء البالد ببعضها و تسهيل االتصاالت‬
‫بينها جعلها تتبع سياسات معينة لتشجيع بناء‬
‫السكك احلديدية و الطرق السريعة و ذلك‬
‫بإعطاء حوافز مادية أو أراض حكومية‪.‬‬
‫ومن العوامل السياسية إىل العوامل العسكرية‬
‫و ال�تي ظهر اثرها الكبري يف احل��رب االهلية‬
‫االمريكية حيث ان هدف بناء القوة العسكرية‬
‫ألي دولة هو أساساً لدعم قراراهتا السياسية و‬
‫الدفاع عن البالد و هكذا يكون لالسرتاتيجية‬
‫العسكرية تأثري مباشر على تطور نظم النقل و‬
‫قد أظهر التاريخ أن برامج األحباث و التطوير‬
‫لوسائل النقل تتسارع يف أوقات احلروب فقد‬
‫ادت احلرب العاملية االوىل (‪)1918-1914‬إىل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وال�تي كانت سبباً يف تغيري أمن��اط احل��ي��اة و‬
‫العادات والتوزع السكاني كذلك ساهم العامل‬
‫االجتماعي يف تطور النقل حيث بتغري التوزع‬
‫السكاني وانتقال األغنياء إىل الريف جلمال‬
‫طبيعته ون��زوح أهل األري��اف للمدن حبثاً عن‬
‫عمل وج��دت احلاجة إىل وسائل نقل متنوعة‬
‫عامة و رخيصة أو خاصة ومرتفة‪ ،‬و هذا الوضع‬
‫خلق فيما بعد ارتفاعاً يف أسعار األراض��ي و‬
‫مشكالت أخرى كاالزدحام والتلوث ومشكالت‬
‫النقل اجلماعي اليت دجمت احلضارات ففقد‬
‫بذلك كل جمتمع خصوصيته‪.‬‬
‫و ال ننسى ان تطور نظام النقل و زيادة‬
‫متطلباته كان سبباً يف احلاجة إىل تطوير و‬
‫نشوء صناعات مساعدة تدعمه مثل مصانع‬
‫احل��دي��د الصلب و أنابيب ال��ف��والذ و مصانع‬
‫املطاط ومصانع النحاس و باكتشاف النفط‬
‫ووج���ود احل��اج��ة إليه ك��وق��ود ظهرت شركات‬
‫استثمار الستخراج النفط وتكريره‪.‬‬
‫وهكذا فان على العاملني و املخططني هلذا‬
‫النظام الرائع واملتكامل و املتفاعل مع كل ما‬
‫حوله أن يدركوا ان أي مدينة بدون نظام نقل‬
‫ك��اف و متكامل و اقتصادي و مريح ستكون‬
‫عرضة للتداعي و املعاناة من االختناق املروري‬
‫و هبذا يتوقف الدم يف شرايني املدينة‪.‬‬

‫تقدم كبري يف النقل ال�بري و اجل��وي و اللذين‬
‫أصبحا عنصرين اساسيني للنقل إىل ما قبل‬
‫احلرب العاملية الثانية (‪)1945-1939‬و بعدها‬
‫و نتيجة للتطور اهل��ائ��ل يف علوم الصواريخ‬
‫و الطريان النفاث و ال��رادار و االلكرتونيات و‬
‫احلواسيب تطورت املعدات احلربية ما استلزم‬
‫تطوير نظام النقل‪.‬‬
‫فمن ينكر فضل التقدم التقين على النقل و‬
‫تطوره فلوال االسطرالب ملا حتركت السفن ابعد‬
‫من الشواطئ و لوال البوصلة لتاهت السفن يف‬
‫عباب البحر و بعد هذين االخ�تراع�ين حلت‬
‫مشكلة معرفة موقع السفينة بالنسبة خلطوط‬
‫ال��ط��ول و ال��ع��رض و مت رس��م خ��رائ��ط بعدها‬
‫للبحار‪ ،‬ويف ذلك الزمن توج هذه االخرتاعات‬
‫صانع الساعات االنكليزي جون هاريسون حني‬
‫اخرتع الساعة ذات الرقاص‪.‬‬
‫و توالت بعدها االخرتاعات كاخرتاع احملرك‬
‫البخاري ثم الكهربائي ثم حمرك الوقود وتطور‬
‫االطارات اهلوائية و استخدام خرسانة و مواد‬
‫زفتية لرصف الطرق و تطور البطارية و النظام‬
‫االلكرتوني كان سبباً يف وجود نظام نقل جيد‬
‫و بتكاليف اقل‪ .‬وقد كان عامل املنافسة بني‬
‫اشكال وسائل النقل وال�تي اختلفت من مكان‬
‫آلخر التوزع السكاني بسبب النزوح إىل األماكن‬
‫احلضرية عامالً هاماً يف تطوير وسائل النقل‪.‬‬
‫وكما كانت لعوامل التقنية واالقتصادية و‬
‫التطور التارخيي للنقل‬
‫اجلغرافية و السياسية والعسكرية اثرها يف‬
‫منذ وج��د اإلن��س��ان على وج��ه األرض وهو‬
‫تطور نظام النقل فإن العوامل االجتماعية كان يعمل باستمرار إلجياد حياة أسهل و أكثر راحة‬
‫هلا أثر يف التطور فقد ساهم نظام النقل يف وأقل كلفة و أقصر زمناً‪.‬‬
‫تعريف العامل حبضاراته املختلفة على بعضه‬
‫وحيث نوهنا عن مدى ارتباط نظام‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪143‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النقل بكل جزئيات حياتنا و التأثري املتبادل‬
‫هلذا النظام على حياة اجملتمعات فقد استخدم‬
‫اإلن��س��ان أول وسيلة للنقل يف ال��ت��اري��خ وهي‬
‫احليوانات حيث كان يستخدم احلمري و اخليول‬
‫والثريان‪ ،‬ويقوم خبصي الثريان الذكور و يدرهبا‬
‫على اجلر ملدة أربع سنوات و تقوم احليوانات‬
‫حبمل البضائع أو سحبها‪ ،‬وقد تعمل الثريان‬
‫على شكل قطار جلر البضائع الثقيلة‪.‬‬
‫وإىل جانب احليوانات استفاد اإلنسان من‬
‫كل ما حوله لتلبية حاجته إىل النقل فاستعمل‬
‫الرياح والتيارات املائية و اجلاذبية و الطاقة‬
‫البشرية ث��م اخ�ترع العجلة‪ ،‬و ال أح��د يعرف‬
‫متاماً متى اخرتعت أول عجلة ويعتقد أن سكان‬
‫بابل القدماء هم أول من استخدم عربات النقل‬
‫وذلك حوايل ‪3000‬ق‪ .‬م‪.‬‬
‫العجلة ساعدت كثرياً يف ذلك الوقت جلر‬
‫البضائع وكانت فاحتة لكثري من االخرتاعات‬
‫بعدها‪ ،‬فالعجالت موجودة يف كثري ج��داً من‬
‫االخرتاعات‪ ،‬وليس وسائل النقل فقط‪ ،‬وال نعلم‬
‫حتديداً من صنع أول عجلة وقد مت العثور عرب‬
‫احلفريات األثرية على ما يعتقد أنه أقدم عجلة‬
‫يف بالد ما بني النهرين‪ ،‬و يعتقد أن عمرها أكثر‬
‫من ‪ 550‬عاماً و اليت تطورت إىل (متزجل ) حيث‬
‫توضع اجلذوع أو العصي حتت جسم و تستخدم‬
‫يف جر األجسام و يعتقد أن البشر استخدموا‬
‫جذوع األشجار و التمزجل معاً للحموالت الثقيلة‬
‫مع مرور الزمن بد أ ظهور الزالجات‪.‬‬
‫ثم بدأ تثليم املزجلة (أي حفر اخاديد عليها)‬
‫ولوحظ ان املزجلة املثلمة بشكل صفوف تعمل‬
‫بشكل افضل و حتمل العنصر ابعد و هلذا فإنه‬
‫إذا كانت األخ��ادي��د حتمل سطحاً أصغر من‬
‫السطح اخلارجي للصفوف فإن قوة جر املزجلة‬
‫ستحتاج طاقة اقل و سوف تقوم بدوران أفضل‬
‫وستقطع مسافة اطول عندما يدور اجلزء االكرب‬
‫من املثلم‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫وهكذا حتول اجلذع املدور إىل عجلة وقام‬
‫اإلنسان بفتح طريق بني اجلزئني الداخليني‬
‫للمثلمات‪ ،‬وه��ك��ذا نشأ م��ا يسمى ( احمل��ور)‬
‫اس��ت��خ��دم��ت أوت����اد خشبيه لتثبيت التمزجل‬
‫حيث عندما تتوقف العجلة على اثالم فإهنا ال‬
‫تتحرك ولكن بوجود احملورية مسحت بالتحويل‬
‫بني األوتاد واحملور ومتت هتيئه مجيع حركات‬
‫العجالت‪ ،‬وهذه هي أول العربات‪ ،‬ثم مت ادخال‬
‫حتسينات على العربة واستعيض عن االثالم‬
‫بثقوب حمفورة داخل إطار العربة و وضع احملور‬
‫م��ن خ�لال الثقب‪ ،‬وه���ذا جعل م��ن الضرورة‬
‫استخدام عجالت اك�بر حجماً وأرق حمورية‬
‫لتكون قطعه منفصلة‪ ،‬ثم مت ربط طريف احملور‪،‬‬
‫وهب��ذا نشأ ما يسمى (احملورية الثابته) وبعد‬
‫احمل��وري��ة الثابته أصبحت العجالت ال تدور‬
‫مع احمل��ور بل أصبح احمل��ور ثابتاً والعجالت‬
‫تدور لوحدها‪ ،‬وبذلك اكتمل االخرتاع‪ ،‬وهكذا‬
‫ويف ع��ام ‪ 3500‬قبل امليالد ويف ب�لاد ما بني‬
‫النهرين مت اخرتاع أول املركبات ذات العجالت‬
‫يف التاريخ‪.‬‬
‫يف ع��ام ‪ 181-234‬مت تطوير العربة اليت‬
‫جترها احليوانات وأصبحت عربة يدوية على‬
‫يد ‪chuko yang‬يف الصني ‪ 181-234‬ويعترب‬
‫خمرتع العربة اليدوية‪ ،‬وله الفضل فيها حيث‬
‫استخدمت لنقل اجلنود واملصابني ولوازمهم‬
‫ويتم دفعها باستخدام رجلني للدفع والتوجيه‬
‫استعمال العربات كان ال بد له من إنشاء طرق‬
‫تسري عليها ه��ذه العربات ان��ه ليس الطريق‬
‫السريع املعروف اآلن ولكنه كان أساسا لطرقنا‬
‫اليوم‪.‬‬
‫أنشأ ال��روم��ان يف ال��ف�تره ب�ين ع��ام ‪360‬ق‪.‬‬
‫م وبني ‪ 360‬م شبكة من الطرق تربط أجزاء‬
‫امربطوريتهم ببعضها واعتمدو يف انشائها على‬
‫تقنيه ذلك العصر‪.‬‬
‫فقد مت ف��رش مسار الطريق بطبقات من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫الصخور الثقيلة لتشكل األس���اس ث��م رصف‬
‫هذه املسارات بطبقة من األحجار املسطحة‬
‫و استعمال عجينة جريية للعمل على متاسك‬
‫احلجارة مع بعضها‪ ،‬وق��د استعملت فواصل‬
‫ح��ج��ري��ة لتحديد مم���رات امل��ش��اة ومسارات‬
‫العربات اليت جترها احليوانات كما استعملوا‬
‫القنوات لتصريف املياه و اجلسور احلجرية‬
‫القوسية الخرتاق األودية‪ ،‬وخالل الفرتة ما بني‬
‫هناية القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن‬
‫عشر قام عدد من املهندسني مثل ترساغوت‬
‫وتلفورد ومكادم بتطوير تقنية إلنشاء الطرق‪،‬‬
‫و ذلك بالرتكيز على تصريف مياه األمطار و‬
‫استعمال احلجارة املكسرة ذات احلجم املتوسط‬
‫ألساس الطريق السفلي و احلجارة املكسرة ذات‬
‫احلجم الصغري املمزوجة باملاء أو الزيت لرصف‬
‫الطبقة العليا من الطريق‪ ،‬وهذه الطريقة يف‬
‫التشييد أعطت الفكرة األساسية يف إنشاء‬
‫الطرق الزفتية اليت تستخدم اليوم‪.‬‬
‫نقل بري‬
‫تاريــــخ السـيارات‬
‫حني تقود سيارتك صباحاً إىل عملك هل‬
‫تسأل نفسك ما عمر هذا االخرتاع العظيم ؟‬
‫وه��ل حت��زن ح�ين تتعطل س��ي��ارت��ك وتبدأ‬
‫ب��اجل��ري وراء س��ي��ارات األج���رة ت��ل��وح هل��م وال‬
‫يتوقفون ؟ أقول لك الحتزن ألن هذا االخرتاع‬
‫ال��ع��ظ��ي��م وال����ذي ع��م��ل ع��ل��ى ت��ط��وي��ره مئات‬
‫األشخاص يستحق فعالً التقدير و االحرتام‪.‬‬
‫فلو عدنا إىل تاريخ السيارات سنجد أن‬
‫أول السيارات كانت تعمل بالطاقة البخارية‬
‫وت��ق��ول ال��رس��وم��ات واحل��ف��ري��ات ان��ه يف عام‬
‫‪ 1771‬قام نيكوالس جوزيف ‪ cognot‬بدراسة‬
‫صنع سيارات ذات حمرك خباري ويعود وضع‬
‫نظريات لتصميم السيارة إىل ليوناردو دافنشي‬
‫واسحاق نيوتن ويف عام ‪ 1769‬اخرتع املهندس‬

‫الفرنسي ن��ي��ك��والس ج��وزي��ف ‪ cugnot‬أول‬
‫مركبة عسكرية ذاتية الدفع ج��رارة تستخدم‬
‫حم��رك يعمل على القوة البخارية وه��ي ذات‬
‫ثالث عجالت منفصلة عن بقية أجزاء السيارة‬
‫حتمل أربعة ركاب ويف عام ‪ cugnot 1771‬قاد‬
‫واحدة من هذه املركبات على الطريق احلجرية و‬
‫عمل حادثاً بالسيارة فحزن ثم انتهت جتاربه‪.‬‬
‫كانت السيارات تعمل بطاقة احملرك البخاري‬
‫وه��ذه الطاقة تأتي عن طريق حرق الوقود و‬
‫الذي يؤدي إىل تسخني املياه يف املراجل‪ ،‬وهذا‬
‫البخار يؤدي إىل توسع و دفع املكابس و اليت‬
‫تدور احملور املرفقي و الذي يسبب بدوره دوران‬
‫العجالت وهذه اول املركبات ذاتية الدفع‪.‬‬
‫و صمم بعدها قاطرة خبارية مع اثنني‬
‫من احملركات ولكنها مل تعمل بشكل جيد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪145‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫و كان وزن هذه السيارات ذاتيه الدفع و اليت تعمل‬
‫بطاقة البخاركبرياً بالنسبة للطرق احلجرية و‬
‫كان استخدام احملرك البخاري فعال جدا يف‬
‫القاطرات و السيارات و هبذا يكون ‪cugnot‬‬
‫اول من اخرتع سيارة الدفع الذاتي‪.‬‬
‫وقد مت حتسني هذه السيارات على يد العديد‬
‫من العلماء و املخرتعني امثال ‪onesiphore‬‬
‫‪pocqueur‬الفرنسي و أوليفر ايفانز وقد نال‬
‫ب��راءة اخ�تراع امريكية لسيارة تعمل بالطاقة‬
‫البخارية‪.‬‬
‫ريتشارد ‪ Trevithick‬أسس النقل الربي‬
‫ب��واس��ط��ة ال��ب��خ��ار يف بريطانيا العظمى‪ .‬ثم‬
‫ظهرت احلناطري البخارية وم��ن املخرتعني و‬
‫املطورين لنظام النقل بالطاقة البخارية كان‬
‫‪:‬هاريسون داير – وليم جيمس ت – اميدي بويل‬
‫–وجوزيف ديكسون روف��وس بورتر و الدكتور‬
‫‪ JWCARTHART‬أنشأ شركة سيارات و‬
‫فازت بسباق ‪ 200‬ميل‪ .‬بعد اكتشاف الكهرباء‬
‫من قبل العامل إديسون وال�تي كان هلا الفضل‬
‫األكرب واألعظم يف تغيري حياتنا وتطورها‪ ،‬ومن‬
‫ضمن كل ما طورته الكهرباء كان نظام النقل‬
‫حيث مت ما بني عامي (‪) 1839-1832‬اخرتاع‬
‫أول ما يسمى بكهربائية النقل أو النقل بالكهرباء‬
‫على يد االسكوتلندي روبريت إندرسون‪ ،‬وبعد‬
‫استخدام البطاريات واليت تعتمد على استخدام‬
‫اخلاليا الكهربائية القابلة للشحن يف السيارات‬
‫واليت حاز فيها الفرنسي غاستون بالنت على‬
‫اخ�تراع افضل بطارية ختزين يف ع��ام ‪1865‬‬
‫وق��ام البلحيكي جيمس كونتنت بصنع سياره‬
‫كهربائية ذات سرعه قياسيه وه��ي ‪ 68‬ميالً‬
‫بالساعة وصممها كميل جنتازي‪.‬‬
‫ه��ذه ال��س��ي��ارات وج��د أهن��ا بطيئة ومكلفة‬
‫وحتتاج إىل وقت لتغذى بشكل متكرر بعدها مت‬
‫التحول إىل سيارات الغاز ثم سيارات البنزين‪،‬‬
‫وحتى بعد اخرتاع سيارات الغاز والبنزين بقي‬

‫‪146‬‬

‫الطلب على ال��س��ي��ارات الكهربائية خللوها‬
‫من عيوب السيارات اليت تعمل بالبنزين مثل‬
‫الرائحة واالهتزاز والضوضاء وصعوبة التعامل‬
‫مع علبة السرعة هلذه السيارات وقطع غيارها‪.‬‬
‫وهبذا بقيت السيارة الكهربائية هي أفضل خيار‬
‫للمواطن حتى عام ‪.1920‬‬
‫بعد ذل��ك ح��دث��ت ع��ده ت��ط��ورات أدت إىل‬
‫التحول إىل السيارات ذات احملرك الذي يعمل‬
‫على البنزين ومن هذه االسباب رغبة أمريكا يف‬
‫ربط املدن ببعضها واحلاجة إىل طرق طويلة‬
‫املدى كذلك اكتشاف النفط يف تكساس وتواجده‬
‫بأسعار رخيصة‪ .‬وهنا ظهر هنري فورد الذي‬
‫بدأ بإنتاج ضخم حملركات االح�تراق الداخلي‬
‫للسيارات على نطاق واس��ع وبأسعار معقولة‬
‫ففي حني كانت الدراجات الكهربائية تباع بسعر‬
‫‪ 1750‬دوالراً فإن سيارة البنزين تباع ب‪650‬‬
‫دوالراً آن��ذاك‪ .‬وال ننسى املهندس املكانيكي‬
‫كارل بنز والذي قام بتصميم حمرك االحرتاق‬
‫الداخلي للسيارات اليت تعمل على الغاز وتسري‬
‫على أربع عجالت بعد أن كانت السيارات تسري‬
‫على ثالث عجالت و أصبحت شركة بنز أكرب‬
‫شركة يف العامل لصناعة السيارات يف ‪.1900‬‬
‫وهب��ذا يكون بنز أول خم�ترع لدمج حمرك‬
‫اح�تراق داخلي مع هيكل السيارة‪ .‬وال ننسى‬
‫ف��ض��ل غوتليب دامي��ل��ر يف اخ��ت�راع النموذج‬
‫احل��دي��ث حمل��رك االح�ت�راق الداخلي بواسطة‬
‫الغاز و مع املصمم فيلهيلم مايباخ مت حتسني‬
‫السيارة فأصبحت صغرية خفيفة ال��وزن ذات‬
‫سرعة و استخدم حقن البنزين املكربن وكانت‬
‫ثورة يف عامل السيارات و يعترب داميلر خمرتع‬
‫حمرك االح�تراق الداخلي و علبة السرعة يف‬
‫السيارة‪.‬‬
‫وك��م��ا أسلفنا حت��ول بعد ذل��ك ال��ن��اس إىل‬
‫استخدام سيارات تعمل على البنزين وكان أول‬
‫مصنعي س��ي��ارات البنزين يف العامل الشركة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫و جتميع السيارات يف مصنعه وخفض تكاليف‬
‫اإلنتاج بسبب اختصاره للوقت‪.‬‬
‫وهكذا بعد أن تبلورت االخرتاعات و اكتملت‬
‫و أوجدت أول سيارة تابع بعدها التطور مساره‬
‫فأخذ مصنعو ومصممو السيارات يدخلون‬
‫عليها ت��ع��دي�لات ك��ث�يرة ك���اإلض���اءة وطريقة‬
‫الفرامل و النوافذ والوزن والسرعة واحلجم ثم‬
‫االنسيابية واجلمال الذي تتمتع به السيارات‬
‫احلديثة و املزودة بكل وسائل الراحة و الرفاهية‬
‫وأكياس اهل��واء لسالمة السائق وركابه ونظام‬
‫التحكم ع��ن بعد وك��ل اإلك��س��س��وارات ال�تي مل‬
‫يكن حيلم هب��ا ه���ؤالء امل��خ�ترع��ون‪ ،‬ث��م ظهرت‬
‫سيارات الطاقة الشمسية هانز ‪Tholstrup‬‬
‫الري بريكنز صنع أول سيارة تعمل على خاليا‬
‫ختزن خاليا الطاقة الشمسية وذهبت يف رحلة‬
‫إىل سيدني عام ‪ .1983‬و بفضل ذكاء اإلنسان‬
‫وفضوله لن يتوقف هذا التطور ورمبا سنرى‬
‫مستقبال سيارات طائرة أو سباحة نأمل ذلك‪.‬‬
‫الفرنسية (‪ ) panhard+levassor‬عام ‪1889‬‬
‫وبيجو عام ‪ 1891‬وقامو بإدخال حتسينات على‬
‫شكل السيارة و اجزائها الداخلية ومواضع هذه‬
‫األج��زاء وسرعاهتا وأصبحت هذه السيارات‬
‫تعمل بنظام ال��دف��ع اخللفي و توجيه امامي‬
‫جيد‪.‬‬
‫وق���د ف����ازت س��ي��ارة ب��ي��ج��و يف أول سباق‬
‫للسيارات يف فرنسا وكانت السيارات ختتلف‬
‫يف مناذجها‪ ،‬و ظهرت أول سيارة موحدة لشركة‬
‫بنز ‪.1894‬‬
‫وبعد ك��ل ه��ذه االخ�تراع��ات و التحول بني‬
‫الطاقة املستخدمة يف احمل��رك��ات املستعملة‬
‫ل��ل��س��ي��ارات و ب��ف��ض��ل ع���ش���رات املصممني‬
‫واخرتاعاهتم واليت استفادوا فيها من بعضهم‬
‫قام يف أمريكا هنري فورد بتحسني خط إنتاج‬

‫السكك احلديدية‬
‫أول تصميم يف أمريكا للقاطرات البخارية‬
‫ك��ان جل��ون فيتش ‪ 1794‬وبناها يف بريطانيا‬
‫ريتشارد واندرو فيفيان عام ‪ 1804‬وشغلت أول‬
‫قاطرة يف أمريكا عام ‪.1829‬‬
‫خم�ترع فقري ول��د يف انكلرتا ي��دع��ى جورج‬
‫ستيفنس و يف مدينة لتعدين الفحم كان مثابرا»‬
‫على األعمال الشاقة للحفاظ على العربات‬
‫و البقرات يف الطريق وينظف الزرائب وكان‬
‫حيضر امل��دارس الليلية حيث تعلم ال��ق��راءة و‬
‫الكتابة يف عام ‪1804‬و اشتغل عامال» يف أحد‬
‫مناجم الفحم وكانت قد ظهرت للحياة على يد‬
‫جيمس واط احملركات البخارية‪.‬‬
‫هذا العامل الفقري عمل جبد ليوفر نقوداً‬
‫ملشاريعه و اخرتاعاته‪ .‬ك��ان ستيفينس‬
‫أول من بنى سكة حديد يف العامل‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪147‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فقد عمل ج��ورج ستيفنس على بناء أول‬
‫قاطرة خبارية مت اختبارها على سكة حديد‬
‫‪ cillingwood‬يف‪ 1814/7/25‬وكان مسار‬
‫الرحلة شاقا «من ‪ 450‬قدماً تسري هذه القاطرة‬
‫حنو ‪4‬أميال ‪/‬الساعة و كانت أول قاطرة تعمل‬
‫مبحرك خباري و تابع ستفنسن ببناء ستة عشر‬
‫حمركا خمتلفا‪.‬‬
‫فتحت سكة حديد عام ‪1830‬ب�ين ليفربول‬
‫و مانشسرت وكان هو كبري املهندسني لعدد من‬
‫السكك احلديدية‪.‬‬
‫بعد اكتشاف الكهرباء مت التحول إىل القاطرة‬
‫الكهربائية و قد حلت هذه القاطرات مشكلة‬
‫احلاجة إىل التوقف بعد سري مسافات قصرية‬
‫وهي أسرع من البخارية وكفاءهتا عالية وقادرة‬
‫على محل عدد أكرب من الركاب ما ساهم يف‬
‫جن��اح عملية أط��ول األن��ف��اق وذل��ك يف القارة‬
‫األوروبية‪.‬‬
‫من أصحاب الفضل يف هذا اجملال توماس‬
‫دافنبورت وهو ح��داد يف والي��ة فريمونت وقد‬
‫شغل القاطرة مبحرك كهربائي مصغر عام‬
‫‪ 1835‬وبنيت ال��ق��اط��رة الكهربائية على يد‬
‫االسكتلندي روبرت دافيدسون وسارت بسرعة‬
‫‪ 4‬أميال \ ساعة‪.‬‬
‫وق���د م��ن��ح ب����راءة اخ��ت�راع يف ع���ام ‪1840‬‬
‫الس��ت��خ��دام قضبان التوصيل كما يف التيار‬
‫الكهربائي ويف أمريكا عام ‪ 1847‬منحت براءة‬
‫اخرتاع لليلي وكولتني لنفس القاطرة‪.‬‬
‫وقد متت جتارب على القاطرات اليت حتمل‬
‫بطاريات ختزين بني عامي ‪.1958 – 1951‬‬
‫أم��ا يف ع��ام ‪ 1858‬ب��دأ العلماء باكتشاف‬
‫املغناطيسية وبان حقال مغناطيسياً من حمرك‬
‫ك��ه��رب��ائ��ي يستطيع ت��دوي��ر احمل���رك وساهم‬
‫النقل البحري‬
‫يف تطوير ه��ذه اآللية ع��دد من العلماء منهم‬
‫تتكون الكرة األرضية من ‪ %75‬مياه وهذه‬
‫‪ Pacinotte & Ladd &varley &semens‬املياه هي سر احلياة وبوجود اإلنسان بفضوله‬
‫وقد عملوا بشكل مستقل وبعد ثالث سنوات والذي غزا الفضاء واألرض كذلك غزا األهنار‬
‫قامت العاملة الفرنسية غرام بإنتاج أول حمرك‬
‫مباشر أساسي عملي ذي وج��ود ذات��ي حلقل‬
‫مغناطيسي ووشيعة وبعدها طور مسنز القاطرة‬
‫ووضعت يف معرض برلني ع��ام ‪ 1879‬وتسري‬
‫على خط طوله ح��وايل ‪ 600‬ي��اردة ومحولتها‬
‫القصوى ‪ 30‬راكباً وتسري بسرعة ‪ 4‬أميال \‬
‫الساعة‪ ،‬و يقوم مبدأ احملرك باختصار على‬
‫أن��ه إذا مت حتريك السلك يف حقل من القوة‬
‫املغناطيسية فإنه سيولد كهرباء تتدفق بالسلك‬
‫وهو ما يعرف بالدينامو‪.‬‬
‫كل هذا أدى إىل تقدم ملحوظ يف القاطرات‬
‫الكهربائية وظ��ه��ر أول خ��ط سكة ح��دي��د يف‬
‫العامل يف مدينة لندن‪ ،‬وبدأت السكك احلديدية‬
‫تأخذ مسارات جديدة مثل مرتو لندن وسارت‬
‫القاطرات على أربع عجالت وبسرعة ‪ 12‬ميالً‬
‫\الساعة واستخدم ويستنغهاوس تقنية فرامل‬
‫اهلواء وزود القاطرة باهلواء املضغوط‪.‬‬
‫ومت بعد ذلك تطوير السكك والقاطرات ما‬
‫أدى إىل تطور كبري يف توليد وتوزيع وطريقة‬
‫إنتاج التيار الكهربائي وباتت الدول اليت حتتوي‬
‫على م��ص��ادر م��ي��اه طبيعية ك��ث�يرة هتتم هبذا‬
‫التطور (توليد الكهرباء من املاء ) كما حدث‬
‫يف سويسرا‪.‬‬
‫وأصبحت ال��ق��ط��ارات والسكك واحملطات‬
‫ذات أش��ك��ال خالبة وانسيابية عالية وأمان‬
‫وسالمة جيدة وسرعات كبرية وقادرة على محل‬
‫أعداد هائلة من الركاب بأسعار رخيصة وتعمل‬
‫على الوقود السائل و الكهرباء ووسيلة النقل‬
‫األساسية األكثر استخداماً يف كثري من بلدان‬
‫العامل‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫والبحار‪.‬‬
‫إن التاريخ القديم للبحرية يتحدث عن أول‬
‫قوارب كانت ضيقة مصنوعة من جذوع االشجار‬
‫يف العصر احلجري وتستخدم لصيد األمساك‬
‫يف املناطق الساحلية و للسفر‪.‬‬
‫والسكان األصليون من مشال غرب احمليط‬
‫اهلادئ كانوا يعرفون كيف يتعاملون مع اخلشب‬
‫و يعتقد أن ال��زوارق ظهرت منذ ‪ 45000‬سنه‬
‫وهي ما تشرح السكن يف اسرتاليا‪.‬‬
‫وم��ن أق��دم السفن يف اهلند القدمية سفن‬
‫اإلمرباطورية موريان يف القرن الرابع ق م ويعتقد‬
‫أن املالحة هناك نشأت على هنر اندوس قبل‬
‫حوايل ‪ 5000‬سنه مضت ويشهد التاريخ على‬
‫إحبار شعوب كثرية منها الفينيقييني واإلغريق‬
‫والفرس والعرب منذ زمن بعيد جداً‪.‬‬
‫ك��ان ال��ق��دم��اء يستخدمون أش��ع��ة الشمس‬

‫و النجوم ل�لاس��ت��دالل يف البحر قبل اخرتاع‬
‫البوصلة واإلس��ط��رالب وكانت املالحة صعبة‬
‫وحمددة كوهنا تستفيد من الرياح املومسية ما‬
‫جيعل الرحالت تتم باجتاه واحد لفرتة طويلة‬
‫من السنة‪ .‬ويف القرن الرابع قبل امليالد كان‬
‫اجلغرايف اليوناني ‪ pytheas‬قد قام برحلة‬
‫الستكشاف مشال غرب أوروبا حوايل ‪ 325‬ق‪.‬م‬
‫ودار حول جزء كبري من بريطانيا العظمى‪.‬‬
‫وسنعود بالتاريخ إىل الوراء وإىل العام ‪3500‬‬
‫ق‪ .‬م ويف مصر كما تشري الرسومات مت اخرتاع‬
‫الزوارق ويعتقد أنه يعود إىل ما قبل ذلك التاريخ‬
‫أي حوايل ‪ 6000‬ق م وقد كانت تستخدم لنقل‬
‫احليوانات وتصنع من اخلشب‪.‬‬
‫أم��ا يف ب�لاد ما بني النهرين وبسبب عدم‬
‫وج���ود أخ��ش��اب كافية فقد صنعت ال���زوارق‬
‫من جلود احليوانات املمطوطة واملسطحة و‬
‫من الفخار‪ ،‬وكذلك وجدت العوامات الطافية‬
‫قبل ال��ق��رن الثالث عشر‪ ،‬وق��د بقيت الناس‬
‫تستخدم الزوارق والقوارب الشراعية كوسيلة‬
‫وحيدة للنقل املائي لفرتة طويلة من الزمن تنقل‬
‫البضائع و الناس من مكان إىل آخر‪.‬‬
‫أم��ا يف العصور الوسطى فقد استخدمت‬
‫سفن عمالقة بسبب ظهور التجارة وألن السفر‬
‫ك��ان أأم��ن يف البحر منه يف ال�بر ولكن بسبب‬
‫عدم دقة اخلرائط البحرية كانت السفن تتوه‬
‫وتغرق‪.‬‬
‫وكان الناس يف العصور الوسطى يعتمدون‬
‫على جتارة الرقيق واحليوانات ما تطلب سفناً‬
‫ضخمة تستوعب محوالت كثرية‪.‬‬
‫وقد ظهرت مناذج خمتلفة للسفن يف هذه‬
‫الفرتة تعتمد ه��ذه النماذج على شكل وحجم‬
‫السفينة وطريقة بنائها وتثبيت الصواري‬
‫وعددها وشكلها‪.‬‬
‫ظهرت عدة مناذج للسفن الشراعية‬
‫مثل ما يسمى ‪ long ship‬وأشهر من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪149‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫استخدمها كان الفايكنز و ما يسمى الكلنكر‬
‫وهي طريقة لبناء هياكل القوارب تتم بتثبيت‬
‫أل��واح خشبية متداخلة على ام��ت��داد احلواف‬
‫واستخدمت يف مشال اوروبا ومنوذج آخر يدعى‬
‫‪ knar‬استخدم جتارياً لنقل أكرب وتعتمد طريقة‬
‫دفع خمتلفة من حيث ميكن للقبطان أن يتحكم‬
‫بالسفينة عن طريق الصواري عددها وطريقة‬
‫تثبيتها ومن���اذج أخ���رى ن��ذك��ر منها ‪carvel‬‬
‫‪ –carrack l‬مثل سفينة سانتا ماريا‪.‬‬
‫ويف العصور الوسطى‪ ،‬وال�تي كانت عصور‬
‫استكشاف نشطت املالحة البحرية‪ ،‬ففي اهلند‬
‫القدمية والعربية كانت امل��راك��ب تسري على‬
‫مياه البحر األمح��ر واحمليط اهلندي واخلليج‬
‫ال��ف��ارس��ي‪ ،‬وك��ذل��ك يف دول ش��رق آسيا كانت‬
‫السفن يقودها البحارة والبولينزيني‪ ،‬ويف أوروبا‬
‫الشمالية الفايكنز ويف الصني كانت السفن‬
‫الشراعية تبحر وحتمل ح��وايل ‪ 200‬شخص‪،‬‬
‫وكانوا يعتمدون على االسطرالب بشكل أساسي‬
‫باإلضافة إىل آلة خاصة صنعتها الصني تسمى‬
‫عربة اجلنوب‪ ،‬وهي واحدة من أعقد آالالت و‬
‫قد قدمها ماجون ألوروبا يف العصور الوسطى‬
‫بعدما استعملها الصينيون قبلهم بكثري واليت‬
‫تعطي مفهوم الشمال وأول من استخدم اإلبرة‬
‫املمغنطة كان الكسندرليكهام حوايل ‪ 1190‬م‬
‫سافرت السفن الشراعية يف خمتلف أحناء‬
‫العامل للبحث عن طرق جديدة للتجارة ولتغذية‬
‫ازدهار الرأمسالية يف أوروبا ولتبادل املعادن مثل‬
‫الذهب والفضة ثم باكتشاف أمريكا من قبل‬
‫كريستوفر كوملبوس بدأت الرغبة يف استكشاف‬
‫واستعمار نصف الكرة الغربي‪.‬‬
‫يعترب عصر االستكشاف هو الفرتة املمتدة‬
‫بني أوائ��ل القرن ‪ 15‬واملستمرة إىل القرن ‪18‬‬
‫وه���ي ق���رون استكشافية ف��ق��د ك��ان��ت حركة‬
‫اإلحب��ار جيدة ج��داً حبكم احل��روب والتجارة‬
‫وتطور اخلرائط البحرية وسجلت هذه الفرتة‬

‫‪150‬‬

‫هجرات كبرية للمستوطنني‪ ،‬وشهد هذا القرن‬
‫الكثري من احلروب ما أدى إىل بناء أساطيل من‬
‫السفن الشراعية وظهر مفهوم الفرقاطة‪.‬‬
‫ول��ك��ن ع��ه��د م��ش��ارك��ة ال��س��ف��ن الشراعية‬
‫باحلروب الكبرية انتهى تقريباً عام ‪ 1861‬حيث‬
‫ظهرت احملركات البخارية وال�تي طبقت على‬
‫القوارب يف عام ‪ 1770‬أول مرة مع إثبات قوة‬
‫البخار كفاءته العالية وأدت إىل زيادة السرعة و‬
‫احلجم والكفاءة‪.‬‬
‫ويف ‪ 1750‬صنع صانع الساعات االنكليزي‬
‫جون هاريسون الساعة ذات البندول (الرقاص)‬
‫واستفيد منها يف حتديد خطوط الطول‪.‬‬
‫ويف ع����ام ‪ 1769‬وح��ي�ن اخ��ت��رع العامل‬
‫االس��ك��ت��ل��ن��دي ج��ي��م��س وات ص��ي��غ��ة حمسنة‬
‫للمحركات البخارية بدأت فكرة استخدامها يف‬
‫القوارب وهكذاحتولنا إىل مفهوم الباخرة واليت‬
‫أول ما ظهرت يف أمريكا عام ‪ 1787‬عندما قدم‬
‫جون فيتش أول حماولة ناجحة حملرك خباري‬
‫‪ 45‬قدماً يف هنر ديالوير يف ‪ 1787/8/22‬ثم‬
‫بنيت السفيتة ‪ Burlington‬وال�تي حتمل‬
‫الركاب والبضائع بني فيالدلفيا ونيوجرسي‪.‬‬
‫وبعد وفاة جون فيتش ظهر روبرت فولنت‪،‬‬
‫وال��ذي عرف بابو املالحة بالبخار و قد جنح‬
‫فولتون يف بناء و تشغيل غواصة يف فرنسا عام‬
‫‪ 1801‬مع التنويه بأن اول غواصة ظهرت يف‬
‫التاريخ كانت عام ‪.1620‬‬
‫انتقل فولنت م��ن الغواصة إىل البواخر و‬
‫ك��ان��ت اوهل���ا كلري م��ون��ت وه��ي ب��اخ��رة جتارية‬
‫تسري بسرعة ‪ 5‬ميل بالساعة واخذ يعمل على‬
‫حتسينها فزادت سرعتها إىل ‪ 8‬ميل \الساعة‪.‬‬
‫ويف ع��ام ‪ 1816‬ه��ن��ري ميلر شرييف يف‬
‫واشنطن عمل على حتسني سرعة البواخر وكان‬
‫يعتمد عليها يف التجارة بعد ان كانت الزوارق‬
‫تستخدم للتجارة والنقل منذ زمن طويل فكانت‬
‫اسهاماُ رائعا يف حتسني التجارة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫حبرية وحامالت طائرات و دبابات وسفن نووية‬
‫وغواصات نووية‪.‬‬

‫وب��ق��ي��ت ال��ب��واخ��ر حت��ت��ل م��رت��ب��ة ع��ال��ي��ة يف‬
‫النقل وال��ت��ج��ارة بسبب ع��دم ظ��ه��ور السكك‬
‫احلديدية حتى ع��ام ‪ 1870‬و بظهور املخرتع‬
‫الكبري الكسندر غراهام بيل واملعروف باخرتاعه‬
‫للهاتف ‪ ,‬هاتفه اخلاص عام ‪ 1877‬ثم اخرتاعه‬
‫للفوتوفون الذي يبعث رسائل ألكثر من ‪200‬‬
‫مرت‪ ،‬ويعود إليه الفضل يف اكتشاف املبدأ الذي‬
‫يقوم عليه اليوم الليزر واأللياف البصرية اليت‬
‫أسست نظم االتصاالت والذي له فضل عظيم‬
‫يف كثري من االخرتاعات‪ ،‬ومنها القارب احمللق‬
‫جيد التصميم ع��ام ‪ 1919‬بسرعة قياسية‬
‫غري مسبوقة وحتى العام ‪ ،1963‬وهكذا ظهر‬
‫االخرتاع املسمى باخرة أو سفينة و الذي تطور‬
‫كما باقي االخرتاعات ليحقق حركة أسرع ووزناً‬
‫أخف وحمركات تعمل بالوقود و اآلن أساطيل‬

‫النقل اجلوي‬
‫منذ األزل و اإلنسان ينظر إىل الطيور ويتساءل‬
‫عن كيفية التفافها مييناً ويساراً طرياهنا و ثباهتا‬
‫دون أن تسقط وعن‪ .‬وأين تذهب يف الفضاء و‬
‫كيف تتحرك صعوداً ونزوالً‪.‬‬
‫لطاملا سحرتنا الطيور وكانت لغزاً غامضاً‬
‫للبشر‪ ،‬و الذين دفعهم فضوهلم إىل حماولة حل‬
‫هذا اللغز و جتربة اإلحساس بالتحليق والذي‬
‫هو شعور رائع بال شك‪ .‬وقد حاول الكثريون‬
‫الطريان منذ زمن بعيد وتعود هذه التجارب إىل‬
‫زمن اإلغريق‪.‬‬
‫اي��ك��اردوس ‪ :‬أول ضحية للطريان وقيل يف‬
‫حكايته أن ام�ي�راً يف إح��دى اجل��زر اليونانية‬
‫بنى قلعة عظيمة آلهلة املقدس فوق تلة عالية‬
‫حييط هبا البحر من كل اجلوانب ثم أصبحت‬
‫هذه القلعة املهجورة بعد فرتة من الزمن سجناً‬
‫للمذنبني ‪ ,‬وحدث أن سجناً فيها أحد العلماء‬
‫وطال به السجن ففكر باهلرب وصنع لنفسه‬
‫جناحني كبريين من اخلشب و القماش وصعد‬
‫فوق القلعة ورمى بنفسه يف اهلواء على أمل أن‬
‫يطري لكنه سقط يف البحر غريقاً‪.‬‬
‫أما عند العرب‪ ،‬فهناك العامل العربي املشهور‬
‫عباس بن فرناس‪ ،‬و قد صنع لنفسه جناحني‬
‫كبريين يف حماولة للطريان ورم��ى بنفسه من‬
‫مكان عال فسقط أرضا و كسرت ساقاه‪.‬‬
‫أما يف بريطانيا فكان صاحب هذه احملاولة‬
‫الراهب االنكليزي اوليفري دي مالسيوري‪ ،‬و‬
‫الذي صنع لنفسه جناحني وحاول الطريان لكنه‬
‫وقع هو اآلخر وكسر ساقه‪ .‬كثر هم من حاولوا‬
‫الطريان ومل ينجحوا مثل جيوفاني ناتستادانيت‬
‫ورمى بنفسه مع جناحيه من برج عال‬
‫فسقط‪ ،‬وأص��ي��ب إص��اب��ات بالغة و ال‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ننسى امللك االنكليزي بالدور و الذي قام بصنع‬
‫عربة طائرة كي تطري ولكنها سقطت وأردته‬
‫قتيالً و يذكر أنه يف املنطقة ذاهتا اليت سقط‬
‫فيها بنى االنكليز عاصمتهم لندن‪.‬‬
‫كل هذه بعض من حماوالت قام هبا أشخاص‬
‫وفشلوا‪ ،‬و لكن اول دراسة قدمت للطريان كانت‬
‫يف ع��ام ‪1480‬ع��ل��ى ي��د ل��ي��ون��اردو دافنشي‪ ،‬و‬
‫كانت نظرياته ورسوماته توضح أجنحه لطريان‬
‫اإلنسان وحتمل افكار واجهزة الختبار االجنحة‬
‫اسم االله ‪ , Ornithopter‬وقد صنعت لرتى‬
‫كيف يستطيع اإلنسان الطريان و تقوم املروحية‬
‫اليوم على هذا االساس فقد أعاد رواد الطريان‬
‫النظر يف تلك اآللة يف القرن التاسع عشر ومن‬
‫خالل الرسومات نرى اإلله حتمل أجنحة و ذيل‬
‫و حتولت إىل آلية الختبار األجنحة‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫و ننتقل م��ن دافنشي إىل االخ���وة جوزيف‬
‫وجاك مونتغولفري يف العام ‪ 1738‬و مها أول من‬
‫اخرتع املنطاد والذي يعمل باهلواء الساخن الذي‬
‫يوضع يف كيس أو حقيبة من احلرير موصول‬
‫بسلة وقد ارتفع نتيجة اهل��واء الساخن فكان‬
‫بالوناً اخف من اهلواء فطار‪.‬‬
‫كان أول ركاب هذا املنطاد اغنام وبطة وديك‬
‫وقد ارتفع حنو ‪ 6000‬قدم وطار ملسافة أكثر‬
‫من ميل‪ .‬ويف ‪1783/11/21‬ارس��ل الرجال يف‬
‫بالونات اهلواء الساخن ومنهم فرانسوا لوران‬
‫بعد ذلك و بني عامي ‪ 1850-1799‬ظهر ما‬
‫يسمى املنزلقون‪ ،‬وك��ان رائدهم السري جورج‬
‫كيلي‪ ،‬ويعترب وال��د الديناميكا اهلوائية و قد‬
‫جرب تصميم اجلناح و ميز بني الرفع و اجلر‬
‫ووضع مفاهيم سطح الذيل العمودي و الدفات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫التوجيهية و املصاعد والعمق ومفهوم الرباغي‬
‫ك��ل ذل��ك يف اهل���واء‪ ،‬وق��د عمل على اكتشاف‬
‫طريقة لطريان اإلنسان و صمم العديد من صيغ‬
‫خمتلفة من الطائرات الشراعية اليت كانت تنقل‬
‫جثة للسيطرة عليها‪.‬‬
‫وأول من سافر على الطائرة الشراعية هو‬
‫فتى صغري‪ ،‬و كانت أول طائرة قادرة على محل‬
‫البشر و خ�لال أكثر من مخسني عاماً ادخل‬
‫جورج كيلي حتسينات إىل الطائرة الشراعية‬
‫ف��غ�ير ش��ك��ل األج��ن��ح��ة ليصحح ت��دف��ق اهل���واء‬
‫فوقها وحسن الذيل ليحقق االستقرار واعرتف‬
‫باحلاجة إىل قوة آلية كي تطري الطائرة مسافة‬
‫وزم���ن أط���ول‪ ،‬وق��د صنع ع��ام ‪ 1804‬طائرة‬
‫منوذجية مل يزد طوهلا على مرت واحد وكان هلا‬
‫جناحان وذيل يشبه الطيور‪ ،‬وقد حاول كيلي‬
‫الطريان لكنه أخفق وقد كتب جورج كيلي كتاب‬
‫(ارييل املالحة) وفيه يبني ان الطائرات ذات‬
‫األجنحة الثابتة مع قوة آلية (نظام ايل )و نظام‬
‫دفع وذيل للمساعدة يف السيطرة على الطائرة‬
‫ستكون وسيلة الطريان البشري ‪ ,‬وكانت طائرة‬
‫جورج كيلي الشراعية تتكون من عمود طويل‬
‫عليه جناح و ذيل متحرك على شكل صليب‬
‫وطار هبا مساعده‪.‬‬
‫ويف عام ‪ 1843‬صنع وليام صموئيل هانسل‬
‫طائرته ذات اجلناح املفرد و طوله ‪ 50‬مرتاً‪،‬‬
‫وهل��ا ذي��ل يشبه املروحة وعجلة قيادة وثالث‬
‫عجالت للهبوط وحم��رك خب��اري ومروحتان‪،‬‬
‫وأطلق عليها اسم العمالق الطائر‪ ،‬ولكن هذا‬
‫العمالق الطائر ما إن يرتفع عدة أمتار حتى‬
‫يعود ليسقط ‪ ،‬وهكذا حتى سخر منه الناس‬
‫وبعد عدة حماوالت أصيب باليأس وتوقف عن‬
‫حماوالته للطريان أما يف العام ‪ 1847‬فقد قام‬
‫العامل فيليكس دي متبل ببناء الطائرة أحادية‬
‫السطح و صحح وضعية ومكان املروحة حيث‬
‫وضعها خلف الطائرة وركب مراوح يف املقدمة‬

‫وجنحت طائرته وطارت‪.‬‬
‫وبعده بعام أي يف ‪ 1848‬جنح العامل الروسي‬
‫الكسندر موزايسكي يف صنع طائرة طار هبا‬
‫من بطرسبورغ إىل موسكو وهي طائرة خبارية‬
‫مراوحها يف املقدمة وهي أثقل من اهلواء وقد‬
‫ساعدته دراسته حلركة احلشرات يف التصميم‪.‬‬
‫بعد ال��روس��ي موزايسكي يف العام ‪1891‬جاء‬
‫األمل��ان��ي اوت���و ليلينثال ب��دراس��ة الديناميكا‬
‫اهلوائية وعمل على تصميم طائرة شراعية‬
‫ق��ادرة ان تطري برجل ملسافات طويلة وكتب‬
‫كتاباً عن الديناميكا اهلوائية عام ‪ ،1889‬وقد‬
‫استخدمه األخوين رايت بوصفه أساساً إلعداد‬
‫التصاميم‪ .‬وقد قتل هذا املهندس بعد أكثر من‬
‫‪ 2500‬رحلة طريان بسقوط طائرته الشراعية‬
‫بعد أن فقد السيطرة عليها عام ‪ 1896‬وسار‬
‫على هنجه العاملان االنكليزي بيتشر واالمريكي‬
‫شافو وانتجوا ع��دداً من الطائرات الشراعية‬
‫اليت متكنت من الطريان‪.‬‬
‫ويف ال��ع��ام ‪ 1891‬أدرك ال��ع��امل األمريكي‬
‫صموئيل النغلي أن ط�ي�ران اإلن��س��ان حباجة‬
‫إىل قوة آلية حمركة تعمل على البخار ‪ ,‬فبدأ‬
‫بصنع املروحة وجعل هلا ذراع ً��ا حيركها وأخذ‬
‫حيسن يف احملرك البخاري الذي صنعه جون‬
‫سرتجنفيلد حتى استطاع أن يطري به يف طائرته‬
‫مسافة كيلومرت واحد يف دقيقة و نصف‪.‬‬
‫وهنا رأى النغلي أن ه��ذه اخل��ط��وة أساس‬
‫لتكبرياحملرك والطائرة لتتسع لعدد أكرب من‬
‫املسافرين وساعده قيام احلرب بني الواليات‬
‫املتحدة و إسبانيا عام ‪ 1898‬فقد كلف بصنع‬
‫طائرة حربية كبرية وتلقى منحة قدرها ‪$50000‬‬
‫المتام عمله‪.‬‬
‫ويف العام ‪ 1903‬صنع النغلي طائرة كبرية‬
‫ذات جناح واحد وهلا ذيل افقي وآخر رأسي‪،‬‬
‫وهل��ا حم��رك يعمل بالبنزين مركب يف‬
‫وسط الطائرة قوته ‪ 53‬حصاناً وانشأ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪153‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مطاراً عائماً على شاطئ هنر البوتوماك‪.‬و حني‬
‫آن االوان إلجراء جتربته عليها احتشد الناس‬
‫والصحافيون و املصورون ليتابعوا هذا احلدث‬
‫العظيم وبعد حلظات من إقالع الطائرة سقطت‬
‫يف املاء ونال سخرية عالية وأخفقت حماولته‬
‫وتكرر احلدث بعدها بشهر ما ادى به إىل العزلة‬
‫واحلزن واليأس‪.‬‬
‫قبل جتربة النغلي هذه ويف العام ‪ 1894‬ظهر‬
‫املهندس اوك��ت��اف ‪Chanute‬وكانت هوايته‬
‫اخ�ت�راع ال��ط��ائ��رات وق��د استلهم م��ن ليلينثال‬
‫وصمم الطائرة ذات السطحني فكان التصميم‬
‫األكثر جناحاً واألساس لألخوة رايت فيما بعد‬
‫وقد نشر (التقدم احملرز يف ماكينات الطائرة )‬
‫عام ‪ 1894‬ومجع وحلل كل اإلجنازات و املعرفة‬
‫التقنية للطريان اليت استطاع الوصول إليها و‬
‫تضمن رواد ال��ط�يران و استفاد منه األخوين‬
‫رايت‪.‬‬
‫كل هذه االخرتاعات متت قبل القرن العشرين‬
‫وسامهت يف حصولنا على الطائرات احلديثة‬
‫وال�تي يعترب األخوين راي��ت أك�بر املخرتعني هلا‬
‫ففي عام ‪ 1903‬استفاد األخ��وان (ويلرب رايت‬
‫واورفيل رايت )من جتارب من سبقهم و تعرفا‬
‫على مشاكل الطريان وتطوراته منذ ظهور أول‬
‫االخرتاعات والدراسات على يد دافنشي وعلى‬
‫كيفية تأثري الرياح على هذه السطوح‪.‬‬
‫وك��ان��ت خ��ط��وهت��م ال��ت��ال��ي��ة اخ��ت��ب��ار أشكال‬
‫الطائرات الشراعية والتحكم هبا ‪ ,‬وقد صمموا‬
‫و استخدموا ما يعرف بنفق الرياح الختبار‬
‫األجنحة والذيل وبعد أن وجدوا شكل الطائرة‬
‫ال��ش��راع��ي��ة املطلوبة ج��رب��وه��ا ف��وق كارولينا‬
‫الشمالية حيث كانت أجنحة طائرهتم متحركة‬
‫وبعد عدة إخفاقات وجت��ارب وتطوير صنعت‬
‫طائرة دون عيوب ثم حتولوا إىل نظام الدفع‬
‫وقد مت استخدام حمركات تولدما يقارب ‪12‬‬
‫حصاناً وقد ارتفعت الطائرة عن األرض إىل‬

‫‪154‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫الشمال من الشيطان األك�بر الساعة ‪10:35‬‬
‫صباحاً يف ‪1903/12/17‬‬
‫اورف��ي��ل ق��اد الطائرة ال�تي ت��زن ‪ 650‬رطالً‬
‫وهي أول رحلة يف طائرة أثقل من اهلواء تقطع‬
‫‪ 120‬قدماً يف ‪ 12‬ثانية وتناوب األخوين على‬
‫قيادهتا‪.‬‬
‫بعدهم قام الفرنسي بلري يوت و الربازيلي‬
‫سانتوس بصنع وشكلها غريب والطيار يقودها‬
‫واقفاً وليس هلا عجالت بل قضبان‪ .‬ويف ‪1908‬‬
‫طار هنري فارمان بطائرة من من��وذج جديد‬
‫فيها كرسي واحد للطيار‪.‬‬
‫وكما نعلم فان من أساسيات تطور احلياة‬
‫واستمرارها أن يسلم حامل الشعلة شعلته إىل‬
‫من يليه وكما استفاد األخوان رايت ممن سبقهم‬
‫فقد استفاد منهم من تالهم وهذا نتيجة لتطور‬
‫النقل اجلوي بسبب احلاجة امللحة واملتزايدة‬
‫لنقل البشر والبضائع وحاجات احل��روب من‬
‫دفاع وهجوم و املتزايدة باستمرار‪.‬‬
‫وال بد لنا هنا من العودة قليال إىل الوراء أي‬
‫إىل العام ‪ 1784‬وهو زمن ظهور فكرة املروحية‬
‫كما أسلفنا وقد قام الفرنسي ‪Bienvenue‬‬
‫‪ launoy‬بصنع لعبة ذات اجنحه دوارة ثبتت‬
‫مبدأ حتليق املروحيات ومساها ‪Helicopter‬‬
‫ومنها تأتي تسمية املروحية باهللكوبرت حيث‬
‫‪ Helico‬تعين دوارة ‪ Pter‬تعين االجنحة‬
‫تطورت املروحيات بعد األخوين رايت وكانت‬
‫أول جتربة للمروحيات يف القرن العشرين يف‬
‫عام ‪ 1907‬للمخرتع بول كورنو ولكن تصميمه‬
‫كان فاشالً وبعد عدة حماوالت لعدة خمرتعني‬
‫يعود ايغور سيكورسكي إىل الظهور و الذي يعترب‬
‫ابا املروحيات حيث كان أول من اخرتع مروحية‬
‫ناجحة‪.‬‬
‫و قد باشر العمل على مروحيته يف العام‬
‫‪ 1910‬وقبل العام ‪ 1940‬ك��ان قد توصل إىل‬
‫اخرتاعه‪.‬‬

‫وقد أصبحت مروحية سيغورسكي منوذجاً‬
‫جلميع املروحيات وبعدها مت تصميم وبناء‬
‫أول مروحية عسكرية واليت سلمت للكولونيل‬
‫غريغوري فرانكلني من اجليش االمريكي‪.‬‬
‫وقد كانت مروحية سيكورسكي قادرة على‬
‫السيطرة على حركتها صعوداً ونزوالً أماماً و‬
‫خلفاً وقد مت تطويرها ففي عام ‪ 1958‬أصبح‬
‫بإمكاهنا اإلقالع من األرض والطفو على وجه‬
‫املاء‪.‬‬
‫ويف هذه األثناء ويف عام ‪ 1944‬قدم املخرتع‬
‫ستانلي هيلر أول طائرة هيلكوبرت من معادن‬
‫قاسية جداً ما أعطاها سرعة أكثر مما قبلها‬
‫مسيت هيلر ‪ ،360‬واستمر العمل على تطوير‬
‫اهللكوبرت و ما االباتشي اليت نراها اليوم حتلق‬
‫يف احلروب وتقصف البشر كأهنم ذباب سوى‬
‫نتيجة هلذه اجلهود اجلبارة‪.‬‬
‫بالعودة إىل الطائرات وبعد االخوين رايت‬
‫و ال�تي كانت طائرهتم تعمل مبحرك احرتاق‬
‫داخلي يعمل بطاقة الغاز مت تطوير احملركات‬
‫فظهر احملرك النفاث وظهرت بالتايل الطائرة‬
‫النفاثة‪.‬‬
‫ك����ان ال��ف��ض��ل يف اخ��ت��راع ه����ذه الطائرة‬
‫للمخرتعني هانز فونز اوهاين و والسري فرانك‬
‫ويتل و اللذين عمال منفردين كل على حدة‬
‫يف اخرتاع احملرك النفاث فقد كان هانز فون‬
‫اوه��اي��ن مصمم اول حم��رك دف��ع ارتكاسي و‬
‫سجل فرانك ويتل براءة االخرتاع هلذا احملرك‬
‫عام ‪ 1930‬أما هانس فسجل براءة اخرتاعه عام‬
‫‪ 1936‬وكان أول من سافر عام ‪ 1939‬بالطائرة‬
‫وحلقت طائرة ويتل عام ‪.1941‬‬
‫أم��ا ه��ان��س ف��ون اوه��اي��ن فقد استمر يف‬
‫تطوير أفكاره للمحرك النفاث وقد مت اختبار‬
‫هذا احملرك عام ‪ 1937‬بنجاح ثم مت تصميم‬
‫طائرة صغرية على يد ارنست هنكل و‬
‫كانت نوعاً جديداً من نظام الدفع محلت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪155‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اسم ‪ 178 Heinkel He‬حلقت اول مرة يف‬
‫‪ ، 1939/8/27‬وكانت اول رحلة تارخيية لطائرة‬
‫تعمل بالطاقة قادها الكابنت اريك وارسيتز حيث‬
‫تعمل هذه الطائرات مبحرك متعدد الضواغط‬
‫وهل��ا غ��رف��ة اح�ت�راق وم��رح��ل��ة واح���دة وفوهة‬
‫توربينات كانت هذه الطائرة بدائية مت تطويرها‬
‫وزودت بالفرامل ومت تعديل توجيه عجلة الذيل‬
‫ولكنها خالية من النظام الكهربائي ‪ ,‬وبفضل‬
‫زيادة قوة احملرك واليت تراوحت بني ‪ 40‬حصاناً‬
‫إىل ‪ 65‬حصاناً متتعت الطائرة مبحرك موحد‬
‫ذي أربع اسطوانات يربد باهلواء وهيكل أفضل و‬
‫سرعة أكرب‪ ،‬وكانت هذه الطائرات تابعة لشركة‬
‫بايرب ومسيث من شركة بايرب نذكر ( بايرب الشبل‬
‫) واليت بعد أن تطورت تلقى الكثري من عناصر‬
‫اجليش األمريكي وال��ق��وات اجلوية والبحرية‬
‫تدريباهتم على متنها واستخدمت لالتصال و‬
‫املراقبة و ملهام عسكرية عدة‪.‬‬
‫وبعد الشبل ظهرت ط��ائ��رة السوبر شبل‬
‫(‪ ) super cup‬واستخدمت لرش احملاصيل‬
‫وحتديد موقع األمساك وكانت جيدة يف مهامها‬
‫وظهرت هلا سالالت كثرية ومحلت أناساً عدة‪.‬‬
‫ثم تطور احمل��رك فأصبح بقوة ت�تراوح بني‬
‫‪ 450-245‬حصاناً و جهزت الطائرات بتسع‬
‫اسطوانات ووزهنا ‪ 3650‬رطالً وسرعتها ‪140‬‬
‫ميالً ‪/‬الساعة هيكلها معدني بالكامل تقريباً ما‬
‫عدا أجزاء قليلة غطيت بالقماش‪ ،‬وقد عملت‬
‫ه��ذه ال��ط��ائ��رات بعد احل��رب العاملية الثانية‬
‫كطائرات مدنية‪.‬‬
‫يف هذه األثناء كان يتم تطوير طائرات صنعت‬
‫يف الثالثينيات و العشرينيات وال ت��زال قيد‬
‫االستعمال يف عام ‪ 1939‬منها طائرات من طراز‬
‫بيتشكرافت ‪ 17‬واليت ظهر منها ‪ 784‬منوذجاً‬
‫بني عامي ‪ 1948-1932‬وكان فيها عيوب يف‬
‫تناسق احلركة للجناحني ووضعيتهما‪ ،‬وهذا‬
‫أمر مهم بالنسبة الستقرار الطائرة و مركز‬

‫‪156‬‬

‫ثقلها‪ ،‬وقد ظهر منها منوذج يسمى ‪.D17S‬‬
‫عام ‪ 1939‬جمهزة مبحرك بقوة ‪ 450‬حصاناً‬
‫و جبميع أح��دث االب��ت��ك��ارات وميكن التحكم‬
‫بسرعة املروحة وجهاز تشغيل للمحرك و لوحة‬
‫واج��ه��زة قياس كاملة ومكابح وتستوعب يف‬
‫مقصورهتا ‪ 4‬ركاب وجسمها مبين من انابيب‬
‫الصلب امللحومة واالجنحة من خشب مغطى‬
‫بالقماش وسرعتها ‪ 202‬ميل ‪/‬الساعة وكانت‬
‫طائرة متطورة جداً‪.‬‬
‫وهكذا نرى ان الشكل النهائي للطائرة ذات‬
‫املروحة تبلور يف بداية احلرب العاملية الثانية‬
‫وكانت هذه الطائرات حربية عالية األداء وقد مت‬
‫السعي لطائرات حتقق ارتفاعات أعلى وسرعة‬
‫أكرب على املناورة وتقطع مسافات أطول وذات‬
‫خصائص م��ت��ط��ورة وه��ب��وط جيد ووزن أقل‬
‫وح��رك��ة جناحني أفضل وديناميكية هوائية‬
‫متطورة‪.‬‬
‫وم��ع ظ��ه��ور احل��اس��وب وت��ط��ور النظريات‬
‫الفلسفية و ال��ري��اض��ي��ة ب���دأت م��ش��اك��ل هذه‬
‫الطائرات جتد حلوالً وتتوج التطور باخرتاع‬
‫احملرك النفاث وظهور الطائرات النفاثة‪.‬‬
‫مجيع ه��ذه الطائرات ساهم يف تطويرها‬
‫ال��ع��ام��ل العسكري ب��ال��درج��ة األوىل والعامل‬
‫التكنولوجي املتطور وكما سامهت احلروب‬
‫يف تطوير هذه الطائرات سامهت أيضاً هذه‬
‫ال��ط��ائ��رات يف احل���روب حيث كانت طائرات‬
‫حربية مقاتلة حتمل ج��ن��وداً وع��ت��اداً وقنابل‬
‫وصواريخ وتقصف بلداناً آمنة ومواطنني أبرياء‬
‫وتغري صانعيها باملزيد من احلروب و الدمار‪.‬‬
‫وب��ع��د ال��ت��ط��ور ال��ت��ج��اري واخ��ت�راع احملرك‬
‫ال��ت��ورب��ي�ني ح���وايل ال��ع��ام ‪ 1950‬وحتسينات‬
‫كثريه جدا على أداء الطائرات وشكلها ووزهنا‬
‫وأجنحتها ومروحتها وإكسسواراهتا و سرعتها‬
‫ظهرت طائرات النقل التجاري واليت أصبحت‬
‫حتلق بسرعات عالية وعلى ارتفاعات شاهقة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫وتتسع لعدد كبري من الركاب أو البضائع وتتمتع‬
‫بالسالمة واالستقرار واهلبوط اجليد كانت أول‬
‫ط��ائ��رة رك���اب مدنية جم��ه��زة بأربعة حمركات‬
‫توربينية هي الفيكونت فيكرز ووزهنا ‪ 60000‬رطل‬
‫وتستوعب من ‪ 59-40‬راكباً وسرعتها ‪334‬ميالً‪/‬‬
‫ساعه قدمت أول رحلة يف يوليو ‪.1948‬‬
‫ومع التطور من أشهر الطائرات كانت البوينغ‬
‫ذات األربعه حمركات بقوه ‪ 3250‬حصاناً لكل‬
‫حمرك ووزهنا ‪ 133000‬رطل وهلا ثالث عجالت‬
‫للهبوط وهت��ب��ط بسرعة ‪100‬م�تر‪/‬س��اع��ه ذات‬
‫اجنحه قوية سرعتها القصوى ‪ 352‬ميالً ‪/‬ساعه‬
‫وفيها حوايل ‪ 160‬راكباً‪.‬‬
‫اآلن وبعد التطور التقين اهلائل ورغبة بعض‬
‫البالد بغزو بعضها اآلخر نتحدث عن طائرات‬
‫ذات طاقات هائلة جتارية ومدنية وعسكرية‬

‫مقاتلة واستطالعية وال ننسى اجلامبو اجلبارة‬
‫والكونكورد املذهلة وليس هذا فقط فقد زاد‬
‫طمع اإلنسان وطموحه وغ��روره حتى قرر غزو‬
‫الفضاء‪ ،‬وللعلم ففي عام ‪ 1926‬ظهر أول صاروخ‬
‫يعمل بدفع الوقود السائل على يد تيزولكوزكي‬
‫أثناء حتقيقه يف احباث نشرت عام ‪ 1896‬حيث‬
‫كان روبرت غودار هو صاحب الفكرة األساسي‬
‫إلط�لاق ص��واري��خ ال��وق��ود السائل و متكن هذا‬
‫الصاروخ من الوصول إىل الفضاء بعد أربعني‬
‫ع��ام �اً‪ ،‬وك��ان��ت خ��ط��وة عمالقة م��ه��دت لصعود‬
‫ارمسرتونغ إىل القمر‪ ،‬وك��ان أول بشري يصعد‬
‫للقمر يف ‪ 1969/7/21‬ب��ال��ص��اروخ ساتورن‬
‫اخلامس احلامل ملركبة الفضاء أبولو ثم قام‬
‫املكوك الفضائي برحلته األوىل يف ‪1981/4/12‬‬
‫وبدا عصر غزو الفضاء‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪157‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من أسرار المحيطات‬
‫عوالم وكائنات‬
‫قمر املناصفي‬

‫تعادل املساحة املائية بالنسبة إىل حجم الكرة األرضية ما‬
‫وتقسم إىل حميطات وحبور وخلجان إىل جانب‬
‫نسبته ‪ّ 75%‬‬
‫متثل سوى قشرة رقيقة جداً‬
‫األنهار ذات املياه العذبة‪ ،‬وال ّ‬
‫من الكرة األرضية مع ّدل عمقها ‪3800‬م‪ ،‬ووزن الغالف املائي ال ي ّ‬
‫ُشكل‬
‫سوى ‪ 1/4500‬من وزن الكرة األرضية اإلمجالي‪ ،‬لكن وجود املياه‬
‫حبالتها السائلة إحدى اخلصائص الفريدة اليت تتميز بها الكرة األرضية‬
‫عن بقية الكواكب السيّارة ضمن اجملموعة الشمسية‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫مياه البحار واحمليطات حملول عظيم من‬
‫األم�لاح وامل���واد املعدنية والعضوية ذات ألوان‬
‫خمتلفة إذا نظرنا إليها من السطح ومتغيّرة وفقاً‬
‫للمكان هي يف حركة دائمة مبا يُسمى األمواج‬
‫ملوحتها تزيد وتنقص حسب ال��زم��ان واملكان‬
‫وكذلك حرارهتا‪.‬‬
‫فاحمليطات القطبية متجمدة دوماً واحمليطات‬
‫االستوائية دافئة دوماً‪.‬‬
‫حتى اآلن ّ‬
‫مت اكتشاف ‪ 49‬عنصراً مكوّناً ملياه‬
‫البحار واحمليطات ورمبا توجد عناصر أخرى مل‬
‫يتوصل العلم إىل اكتشافها‪ ،‬وهذه العناصر توجد‬
‫بنسب متفاوتة كثافتها تصل إىل أقل من ميلغرام‬
‫واحد يف الليرت الواحد من املاء‪ ،‬واملعدالت العامة‬
‫لذلك‬
‫ك��ل��ورور ال��ص��ودي��وم ‪ 27.213‬غ يف الليرت‬
‫الواحد‬
‫كلورور املاغنزيوم‪ 3.807‬غ يف الليرت الواحد‬
‫سلفات املاغنزيوم ‪ 1.658‬غ يف الليرت الواحد‬
‫س��ل��ف��ات ال��ب��وت��اس��ي��وم ‪ 0.823‬غ يف الليرت‬
‫الواحد‬
‫ك��رب��ون��ات ال��ك��ال��س��ي��وم ‪ 0.123‬غ يف الليرت‬
‫الواحد‬
‫كما حتتوي مياه البحر باإلضافة إىل هذه‬
‫األم�لاح على مواد أخرى كالسيليسيوم والربوم‬
‫وال��ي��ود واألملنيوم واحل��دي��د والنحاس والذهب‬
‫والراديوم والفضة واألورانيوم‪ ،‬كما حتتوي على‬
‫بعض ال��غ��ازات املنحلّة كاألوكسجني واآلزوت‬
‫وثاني أكسيد الكربون‪ ،‬وبعض املركبات اآلزوتية‬
‫والفوسفاتية الضرورية لوجود ومنو النباتات‬
‫واحليوانات املائية‪ ،‬باإلضافة إىل بعض املواد‬
‫العضوية الذائبة أو العالقة يف هذه املياه‪.‬‬
‫وت��ع��ت�بر أش��ع��ة ال��ش��م��س امل��ص��در الرئيسي‬
‫حلرارة املياه وهي تفيد الكائنات النباتية فيها‬
‫ذوات اليخضور يف إنتاج السكر عن طريق البناء‬
‫الضوئي ومن أمثلة ذلك ما يعده العلماء نباتاً‬

‫وحيواناً معاً يف الوقت نفسه ألن سلوك احلركة‬
‫فيه يكون حيوانياً بينما أسلوب غذائه نباتياً‬
‫مثل الدينوفالجالت السوطيات ال��دوارة ثنائية‬
‫األس���واط فهي تتحرك ب��أس��واط‪ ،‬وه��ذه حركة‬
‫حيوانية لكنها تصنع طعامها عن طريق الرتكيب‬
‫الضوئي وهو ما تقوم به النباتات اخلضراء‪.‬‬
‫وكلما ابتعدنا عن خط االستواء باجتاه القطبني‬
‫نقصت ح��رارة املياه ف��ح��رارة املياه يف املناطق‬
‫املدارية من احمليط األطلسي ‪ 5 25‬تنخفض إىل‬
‫‪ 520‬مقابل شبه شبه اجلزيرة اإليبريية ثم إىل ‪15‬‬
‫مقابل ايرلندا و‪ 10‬درجات عند أيسلندا ومخس‬
‫درجات مئوية يف النروج‪.‬‬
‫كذلك تنقص ح��رارة املياه كلما ازداد عمق‬
‫املياه ففي عمق ‪1000‬م و‪ 1500‬م تصبح حرارة‬
‫املياه حبدود األربع درجات وتنخفض أكثر حتى‬
‫عمق ‪3000‬م حتى تستقر يف قاع احمليطات عند‬
‫الصفر وإثنني حتت الصفر‪.‬‬
‫ح��ت��ى ع��م��ق مخ��س�ين م�ت�راً تكثر احلشائش‬
‫البحرية( األشنيات والطحالب) منها السمراء‬
‫واخلضراء‪ ،‬وهناك الطحالب خضراء اللون ذات‬
‫سعفات أنبوبية رفيعة طويلة ال ج��ذور هلا وال‬
‫سوق وال أوراق منها خسُّ البحر‪.‬‬
‫وت��ص�نّ��ف حب��س��ب أل��واهن��ا ال�ت�ي تتغيّر تبعاً‬
‫المتصاص أشعة الشمس من أعظمها الزرقاء‬
‫واخلضراء والبنيّة والذهبية واحلمراء‪ ،‬وهناك‬
‫أنواع تثبت سيقاهنا يف املياه الضحلة وتستخلص‬
‫األوكسجني الناتج أثناء عملية التمثيل الضوئي‪،‬‬
‫وتقوم بتحويله إىل مجيع أجزائها‬
‫أما الطحالب الديتومية‪ :‬وهي ذات أصداف‬
‫من السلكا ويبلغ عدد أنواعها ‪ 12.000‬بعضها‬
‫قاعي وبعضها يعيش متكافالً مع غريه وتدخل‬
‫يف نطاق اهلائمات النباتية البحرية الوافرة‪،‬‬
‫وهناك نباتات حبرية تُسمى النباتات الوعائية‪،‬‬
‫ويوجد منها القليل يف البحار أشهرها‬
‫حشيشة األنقليس « ثعبان البحر» ونبات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪159‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هاموفيال‪ ،‬وعشب امل��وج ‪ Surfgrass‬وعشب‬
‫السلحفاة ‪ turtle grass‬وعشب خروف البحر‬
‫‪ Manatee grass‬وامل��اجن��روف‪ ،‬وم��ن أنواع‬
‫األحياء اليت ميكن تصنيفها بالقاعية تعيش يف‬
‫أعماق غري كبرية املرجانيات فاحلواجز املرجانية‬
‫تتكون م��ن هياكل عظمية إمسنتية متجمعة‬
‫ومرتسّبة تعيش يف املياه البحرية الدافئة بعمق‬
‫تتوفر فيه اإلن��ارة الضوئية أو هي أشكال من‬
‫الرتاكيب الفيزيوغرافية من البحار االستوائية‪.‬‬
‫ت��ت��أل��ف م��ن ه��ي��اك��ل كلسية م�ترك��ب��ة شركية‬
‫ومتشابكة تبدو على شكل حاجز نباتي توجد‬
‫فوقها الطحالب وتنتشر الرواسب املختلفة داخلها‬
‫أو فيما حوهلا والصخور املرجانية ه��ي على‬
‫نوعني األول منحنيات شبه مغلقة تشبه حدوة‬
‫احلصان يتكون فوق القمم الربكانية الغاطسة يف‬
‫احمليط والثاني سالسل مرجانية حتاذي سواحل‬
‫القارات واجل��زر ميتد إىل مسافات بعيدة مثل‬

‫‪160‬‬

‫احلاجز املرجاني االسرتايل العظيم‪ ،‬وهناك أيضاً‬
‫سالسل صغرية‪ ،‬وهناك أيضاً سالسل صغرية‬
‫منها ما يسمى بالشعاب املرجانية النارية وهي‬
‫أحياء مائية لوهنا أصفر تسكن اهلياكل املرجانية‬
‫حتتوي على خاليا السعة تسبب إصابات مثل‬
‫احل��روق وإذا ّ‬
‫مت ملسها أو االحتكاك هبا لذلك‬
‫مسيت هبذا االسم‪.‬‬
‫أشكال املرجان متنوعة فقد تكون على شكل‬
‫مروحة كما يف زهر البحر أو على شكل قرون‬
‫األيائل يقوم املرجان نفسه بصناعتها‪ ،‬وتُساهم‬
‫اهلياكل العظمية للحيوانات امليتة يف صناعتها‪،‬‬
‫ويقوم املرجان الكلسي بإفراز كربونات الكالسيوم‪،‬‬
‫وهناك أنواع تفرز مادة كلسية أو قرنية تساعده‬
‫على بناء نفسه‪.‬‬
‫ومن احليوانات البحرية اليت تعيش يف أعماق‬
‫قليلة مثل امل��رج��ان م��ا يُسمى باإلسفنجيات‬
‫ويتألف جسمه من وحدات تُسمى « الشوكيات»‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫يقوم عليها على بناء هيكل ح��ي��وان اإلسفنج‬
‫ب��إف��راز م���ادة ك��رب��ون��ات الكالسيوم ط��وهل��ا أقل‬
‫من ‪ 18‬سم أو م��ادة سيلسية (يصل طوهلا إىل‬
‫‪ 100‬سم) يضاف إليها ألياف بروتينية قاسية‬
‫ناعمة تُدعى (ألياف اسفنجني) تتوزع اخلاليا‬
‫ال�ت�ي ت��ؤل��ف جسمها ع��ل��ى طبقتني خارجية‪:‬‬
‫ّ‬
‫مسطحة وداخلية‬
‫مؤلفة م��ن خ�لاي��ا ظهارية‬
‫‪ :‬تتكون من خاليا خمصصة لكل منها وظيفة‬
‫معينة يؤديها‪ ،‬معظمها خنثوي حيمل األعضاء‬
‫الذكرية واألنثوية‪ ،‬وم��ن املمكن أن تتكاثر عن‬
‫طريق التربعم‪.‬‬
‫يتغذى اإلسفنج بالدقائق الغذائية اليت حيملها‬
‫التيار املائي املار جبسمها تقوم اخلاليا املطوقة‬
‫امل��وج��ودة فيها ببعلمتها وهضمها ونقلها إىل‬
‫اخلاليا األميبية املتوزعة يف اهلالمة املتوسطة‬
‫فتقوم هبضمها وإيصاهلا إىل اخل�لاي��ا الثابتة‬
‫البعيدة ويؤدي التيار املائي بدور تنفسي فأثناء‬

‫م��روره يأخذ اإلسفنج األوكسجني ويطرح ثاني‬
‫أوكسيد الكربون‪.‬‬
‫ً‬
‫تبدي اإلسفنجيات ن��وع�ا م��ن احلساسية‬
‫فهي تستجيب للوخز بإغالق فوهاهتا الزفريية‬
‫مثل إسفنج التيتية لكن التنبيه ال يكون إال بعد‬
‫دقائق‪.‬‬
‫وم���ع أن اإلس��ف��ن��ج��ي��ات جم���ردة م��ن اجلهاز‬
‫العصيب فإهنا متتلك سالسل من اخلاليا يتحد‬
‫بعضها ببعض مبشابك عصبية يعتقد أهنا تؤدي‬
‫وظيفة يف نقل التنبيهات‪ ،‬وتقسم اإلسفنجيات‬
‫إىل ثالثة أصناف تؤدي وظيفة يف نقل التنبيهات‪،‬‬
‫وتقسم اإلسفنجيات إىل ثالثة أصناف‪:‬‬
‫ص�����ن�����ف اإلس�����ف�����ن�����ج�����ي�����ات ال���ك���ل���س���ي���ة‬
‫(‪ )Demospongiae‬وي��ت��أل��ف هيكلها من‬
‫أش���واك سيليسية ترافقها أل��ي��اف اإلسفنجني‬
‫بعضها ذو أش��واك كبرية وبعضها صغرية‬
‫إىل ه��ذه األص��ن��اف تنتمي إسفنجيات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪161‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املاء العذب واإلسفنجيات التجارية اليت يتألف‬
‫هيكلها حصراً من ألياف اإلسفنجني‪ ،‬وأجناس‬
‫أخ��رى مثل « أوس��ك��اري�لاال ‪ »Oscarella‬و «‬
‫الفلينية ‪ « Suberites‬و « احلفارة ‪ « Cilona‬و‬
‫« التيتية « وهي تعيش يف املناطق الشاطئية‪.‬‬
‫صنف اإلسفنجيات السيليسية أو السداسية‬
‫‪ « »Hexactinellida‬ويتألف هيكلها من أشواك‬
‫سيليسية ذوات ثالثة حماور ويُذكر منها ‪ :‬سلة‬
‫فينوس واخليطية الشفافة‪ ،‬ولقد تكيفت هذه‬
‫اإلسفنجيات للحياة يف درجات حرارة منخفضة‬
‫ج��داً ففي املناطق ق��رب القطبية توجد على‬
‫عمق يرتاوح بني ‪ 20‬و‪ 30‬م‪ ،‬أما املناطق األخرى‬
‫فتعيش يف األعماق السحيقة اليت تصل إىل عمق‬
‫‪4800‬م‪.‬‬
‫ومن احليوانات غري فقارية و غري املتحركة ما‬
‫يُسمى شقائق النعمان وهو رتبة ‪Actiniaria‬‬
‫وينمو هذا احليوان بشكل عمودي هيكلي يرتاوح‬

‫‪162‬‬

‫طوله من ع��دة مليمرتات إىل مرت ونصف‪ ،‬ويف‬
‫أعلى ذلك اهليكل فم حماط حبلقات من اجملسات‬
‫يعطي عند مت��دده منظر ال��وردة‪ ،‬تكون شقائق‬
‫النعمان بألوان زرقاء أو خضراء أو صفراء وتُرى‬
‫ملتصقة بالصخور أو األعشاب أو حتى الفقاريات‬
‫األخرى‪ ،‬قطرها يرتاوح بني بضعة مليمرتات إىل‬
‫أكثر من مرت‪ ،‬قد تكون مسطحة أو حنيفة طويلة‬
‫جدار جسمها قد يكون ناعماً أو خشناً متيناً‪،‬‬
‫قدمه عضلية قادرة على االلتصاق بثبات على‬
‫الصخور‪ ،‬وقادرة على حتريك احليوان ببطء‪.‬‬
‫القرص الفموي لديها حيتوي على جمسات‬
‫إلمساك الغذاء‪ ،‬بعض األن��واع منه لديها عدد‬
‫من اجملسات املتمددة يف حني أن األنواع األخرى‬
‫لديها جمسات قصرية ‪.‬‬
‫غ��ذاء شقائق النعمان يعتمد على األمساك‬
‫وباقي احليوانات البحرية وذلك يف األنواع الكبرية‬
‫منها والصغرية تتغذى على العوالق البحرية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫تنتمي شقائق النعمان واملرجانيات إىل صنف‬
‫الالسعات وإليها تنتمي أي��ض�اً قناديل البحر‬
‫ويُعدّ من أشهر اهلالميات له جسم هالمي على‬
‫شكل مظلّة يبلغ قطرها من ‪1.5‬مرت إىل مرتين‬
‫يتحرّك بتضيّق املظلة وتوْسيعها ومتويج جسمها‬
‫ويقع الفم حتت املظلّة يقوم باصطياد فرائسه‬
‫باستخدام جمساهتا الالسعة‪ ،‬يتكون هذا الكائن‬
‫البحري من ماء بنسبة ‪ %98‬ومع ذلك يستطيع‬
‫أن يلسع‪.‬‬
‫ل��ه جسم م��رك��زي ون��ظ��ام هضمي يلسع من‬
‫خالل جمساته إذا لُمست تلك اجملسات ويتسبب‬
‫ذل��ك يف أمل ح��اد وأحياناً يكون ق��ات�لاً‪ ،‬ألواهنا‬
‫زرق��اء أو خضراء مليئة باهلواء قد يبلغ طوهلا‬
‫‪ 30‬سنتمرتاً‪ ،‬وقنديل البحر األزرق شائع يف مياه‬
‫البحر املتوسط ومنه أن��واعٌ عمالق ٌة يف البحار‬
‫الشمالية‪ ،‬ويعترب قنديل البحر االسرتايل( ويعرف‬
‫بالقنديل الصندوي) شفافاً تقريباً ويصري هذا‬
‫القنديل خطراً على وجه اخلصوص يف األيام‬
‫اهلادئة واملظلمة‪ ،‬وميكن لسم هذا الدبور البحري‬
‫أو يوقف قلب اإلنسان خالل ثالث دقائق فعندما‬
‫ميس شيء السطح اخلارجي للخلية فإن اخللية‬
‫تضربه بالسلك ال�لاس��ع وحتقنه بالسم عند‬
‫االتصال‪،‬لكن مع خطورته فإنه يشكل بالنسبة‬
‫للسالحف اجللدية الظهر وجبة شهية وتقوم‬
‫بامتصاص خالياها الالسعة‪ ،‬وم��ن اجملوفات‬
‫أشباه قنديل البحر القريبة شراعيّة الُربْتغا ِل‬
‫وهي حيوان جمموعي مزوّد بعامةٍ شراعية زرقاء‬
‫أو خضراء مليئة باهلواء قد يبلغ طوهلا الثالثني‬
‫سنتمرتاً تتدىل منها ما يُسمى رئات البحر‪ ،‬ومنها‬
‫الصغرية اليت تشبه األزرار وهي تتحرك وتتغذى‬
‫كما قناديل البحر الكبرية‪.‬‬
‫وم��ن احليوانات الالفقارية ال�تي تعيش يف‬
‫أعماق غري كبرية جنم البحر طوله من ‪30-10‬‬
‫سم وأطول جنم معروف حتى اآلن يصل قطره‬
‫إىل مرت تقريباً جسمه مغلف بدرع عظمي لني يف‬

‫منتصف أسفل جسم النجم قنوات تضم صفني‬
‫إىل أربعة من األقدام القنابية وعلى طول األذرع‬
‫إىل اخل��ارج يف حالة وج��ود فتحة للشرج فإهنا‬
‫تكون يف أعلى سطح اجلسم ويف املنتصف‪.‬‬
‫ألوان جنم البحر متفاوتة بشكل كبري جسمه‬
‫النجمي مغطى جبلد شوكي وله مخسة أذرع أو‬
‫أكثر يتحرّك ببطء وباستخدام أرجل أسطوانية‬
‫يف اجلانب السفلي من أذرعه‪.‬‬
‫يعترب جنم البحر من أخطر هذه الصدفيات‬
‫وأخطر احليوانات البحرية املفرتسة ألهنا قاتلة‬
‫مع أهنا يف الظاهر تبدو مساملة‪ ،‬له مخسة أذرع‬
‫قصرية قد تصل إىل(‪ )20‬أو أكثر تتشعب من‬
‫القرص املوجود يف وسطه‪ ،‬وميكن أن تكون إحدى‬
‫هذا األذرع أقصر من أخواهتا‪ ،‬فنجم البحر حني‬
‫يفقد ذراعاً تنمو له مع الوقت أخرى أقصر من‬
‫أخواهتا‪ ،‬فنجم البحر حني يفقد ذراعاً تنمو له‬
‫ُّ‬
‫مع الوقت أخ��رى بديلة‬
‫تظل لفرتة أقصر من‬
‫األذرع الباقية‪.‬‬
‫ت��ت��غ��ذى جن��م��ات ال��ب��ح��ر ع��ل��ى الرخويات‬
‫ّ‬
‫والقشريات وباقي الالفقاريات‬
‫ويفضل احملار‬
‫وغريه من ذوات الصدفتني ولكن كيف؟‬
‫متسكُ القوائم الصغرية اليت تُعرف بالقناب‬
‫ب��امل��ص��راع�ين وتعمل على إب��ع��اد أح��دمه��ا عن‬
‫اآلخ���ر ث��م تُ��دخ��ل معدهتا إىل داخ���ل الصدفة‬
‫وتعمل العصارات على إبعاد أحدمها عن اآلخر‬
‫ث��م تُ��دخ��ل معدهتا إىل داخ���ل الصدفة وتعمل‬
‫العصارات املعوية على حتويل حلم احليوانات إىل‬
‫سائل متتصه جنمة البحر بلذة وهدوء وتستطيع‬
‫أذرعها اخلمسة التفرّع إىل العديد من األذرع‬
‫الصغرية حيث تصنع نوعاً من الشبكة تستخدمها‬
‫يف أخذ وتناول طعامها‪.‬‬
‫هي يف ساعات النهار متيل إىل الراحة‪ ،‬أما يف‬
‫الليل فإهنا تنسج شباكها لتصطاد فريستها‪.‬‬
‫لصدفة جنم البحر املقدرة على التلّون‬
‫بألوان ق��وس ق��زح كلها وتعدّ من معظم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪163‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الالفقاريات اليت هلا ت��درّج لوني واض��ح‪ ،‬وجنم‬
‫البحر ذو البقع احل��م��راء فهو شائع يف اهلند‬
‫واحمليط اهلادي ويبلغ قطره حوايل ‪ 30‬سم‪.‬‬
‫كيف تسبح جنمة البحر‪:‬‬
‫أطلق العلماء على أطراف جنمة البحر اسم‬
‫األي���دي أو األذرع لكنها ال تتحرك بواسطتها‬
‫لكنها تستمر يف دفع جسمها عن طريق األهداف‬
‫الصغرية املوجودة حتت األذرع تعمل هذه األرجل‬
‫األنبوبية بواسطة ضغط امل��اء ال��ذي يندفع يف‬
‫قنوات صغرية منتشرة يف جسمها فتجمع هذه‬
‫املياه يف التجاويف الصغرية يف األرج��ل ميكنها‬
‫التح ّكم حبركة املاء املوجودة داخل هذه األرجل‬
‫من خالل ذلك تتحكم يف مد أرجلها وملّها وعمل‬
‫هذه األرج��ل جمتمعة يف زمن واحد تعطي قوة‬
‫كبرية لنجمة البحر‪.‬‬
‫وجنمة البحر الشمسية هلا أكثر من ‪ 20‬ذراعاً‬
‫مبطنة بعدد كبري من األرجل األنبوبية‪.‬‬
‫شكل هذه املخلوقات يبدو مرناً عند النظر‬
‫إليها لكنها يف احلقيقة هشة قابلة للكسر بسرعة‬
‫إذا هامجها حيوانٌ آخر لكن من حُسن حظها أهنا‬
‫تستطيع إعادة تكوين هذه األذرع‪.‬‬
‫وأش��ه��ره��ا م��ل��ك��ة األش�����واك ‪Crown of‬‬
‫‪ thorns‬وتعترب ملكة الشوك هذه آفة مدمرة‬
‫للمرجان وقد أض��رت كثرياً باملرجان يف شعب‬
‫احلاجز الكبري يف أسرتاليا‪ ،‬بالقرب من مدينة‬
‫تاونسفيل وتقع منطقته بني خطي طول ‪150‬‬
‫و‪ 5 160‬شرق جرينتش وخط عرض‬
‫‪15‬و‪ 5 20‬جنوباً وهناك أيضاً جنوم البحر‬
‫الثعبانية‪ :‬وتكون أذرعها إما متفرعة وإما غري‬
‫متفرعة وم��ن أن��واع الشوكيات املشاهبة زنابق‬
‫البحر وهي ذات أل��وان زاهية‪ ،‬هلا مخسة أذرع‬
‫ويتكون ك��ل ذراع م��ن ف��رع�ين وك��ل ف��رع حيمل‬
‫فروعاً ثانوية‪.‬‬
‫أما قنفذ البحر فليس له أذرع ويغطي جسمه‬
‫أش��واك ودرق��ة صلبة جتعلها تبدو مثل وسادة‬

‫‪164‬‬

‫الدبابيس أو الشيهم الصغري‪.‬‬
‫وب�ين األش���واك توجد أق���دام قنابية ناعمة‬
‫تنتهي مب��اص��ات تصلح ل�لإم��س��اك باألشياء‬
‫فتستخدمها لإلمساك بقطع األص��داف ألجل‬
‫التمويه‪ ،‬وتنمو أشواك قنفذ البحر على رأس قمة‬
‫حمارة صلبة تسمى القشرة وحتمي هذه القشرة‬
‫فم احليوان والنظام اهلضمي‪ ،‬وميشي القنفذ‬
‫عن طريق حتريك أقدامه الصغرية اليت تتمركز‬
‫أسفل جسمه‪ ،‬ولعل ذلك هو السبب وراء قيام‬
‫احليوانات املفرتسة له بقلبه عندما تريد أن تصل‬
‫إىل املنطقة الناعمة القابلة لألكل يف وسط جسم‬
‫قنفذ البحر‪ ،‬ويُعدُّ قنفذ البحر من شوكيات اجللد‬
‫الوحيدة اليت تنمو الصفائح الكلسية مباشرة‬
‫حتت بشرهتا مبا مينحها جسداً صلباً‪ ،‬يكوّن‬
‫هيكله العظمي ع��ادة غالفاً قاسياً‪ ،‬مكوّناً من‬
‫عظيمات صغرية مرتاصة بإحكام‪ ،‬جسمه الكروي‬
‫حيمل أشواكاً طويلة ومميزة قابلة للتحرّك‪ ،‬يقع‬
‫فم هذا احليوان على أحد قطيب جسمه الكروي‬
‫وفتحة الشرج على القطب اآلخ��ر‪ ،‬ال توجد له‬
‫أذرع ومجيع األعضاء الرئيسية مرتبطة بالغالف‬
‫القاسي احمليط جبسم القنفذ‪.‬‬
‫يتغذى قنفذ البحر على النباتات واحليوانات‬
‫الصغرية يف البحر وأغلبها جمهّز خبمسة أسنان‬
‫ح��ادة لقطع الطعام وميلك آلية تغذية معقدة‬
‫يستخدمها يف مضغ الطحالب وغريها من املواد‬
‫العضوية املوجودة على الصخور‪.‬‬
‫يعيش قنفذ البحر يف املياه الضحلة وعلى قاع‬
‫احمليط‪.‬‬
‫أما خيار البحر فهو أيضاً ينتمي إىل شعبة‬
‫القنفذيات وه��و حيوان الف��ق��اري يبدو للوهلة‬
‫األوىل أنه يشبه السجق‪.‬‬
‫أما عن ُقرب فهو ذو شبهٍ بنجم البحر أو قنفذ‬
‫البحر يتميز بوجود مخسة أزواج من األقدام‬
‫الصغرية على طول حافاته تسمح له باملشي وككل‬
‫القنفذيات اجللدية جند جلسمه مخسة أجزاء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫خت��رج من جتويف مركزي ال توجد له أشواك‬
‫على هيكله اخلارجي أو الداخلي‪ ،‬لكن أشواكه‬
‫توجد يف كل أحناء لبه‪ ،‬وهذا ما جيعل جسمه‬
‫الناعم أكثر صالبة‪ ،‬يرتاوح طوله بني‬
‫‪200-2‬س����م مغطى جبلد زغ�بي وصفائح‬
‫جريية يف إحدى هنايتيه يوجد فم حماط حبلقة‬
‫من اللوامس( جمسات) يرتاوح عددها بني ‪-10‬‬
‫‪ 30‬جمساً يستعملها يف تناول الغذاء ويف هنايته‬
‫األخرى توجد فتحة الشرج‪ ،‬واللون الغالب خليار‬
‫البحر هو األمس��ر الفاتح مع ظ�لال من البين‪،‬‬
‫غذاؤه املعتاد‪ :‬الفتات وعوالق البحر‪.‬‬
‫ه��ذا عن ذوات األش���واك أو الشوكيات‪ ،‬أما‬
‫عن الرخويات وتُسمى ( ال��رأس قدميات) أو‬
‫األخطبوطيات اليت تتميز باألذرع الطويلة اليت‬
‫ت��وج��د هب��ا مم��ص��ات ص��غ�يرة ي�ت�راوح ط��وهل��ا بني‬
‫‪4‬و‪ 540‬سم ويصل طول بعض أنواعه إىل تسعة‬
‫أمتار وإىل ‪15.2‬م عند احلبّار ومن املمكن أن‬
‫يزن ذلك احلبّار طنّني‪.‬‬
‫وهناك قرابة ‪ 150‬نوعاً من األخطبوطيات‬
‫تعيش يف ق��اع البحار‪ ،‬وهناك أن��واع تعيش يف‬
‫األعماق حتى ‪ 800‬مرت حتت سطح البحر‪.‬‬
‫تعترب األخطبوطيات من آكلة اللحوم املفرتسة‬
‫ميسك فرائسه بأذرعه اليت متتاز بوجود صفوف‬
‫م��ن األوع��ي��ة امل��اص��ة جتعل م��ن الصعب على‬
‫الفريسة اإلف�لات ثم يدخل م��ادة قوية التأثري‬
‫ت���ؤدي إىل شللها‪ ،‬وم��ن ث��م حيقنها م��ن خالل‬
‫اجلرح الذي حيدثه باألنزميات اهلاضمة‪ ،‬وهو‬
‫بشكل ع��ام يتغذى على السلطعونات وجراد‬
‫البحر والقشريات واحلبار يتغذى على األمساك‬
‫والرخويات‪ ،‬ومن املمكن أن ال يصدّق أنه يعترب من‬
‫أذكى احليوانات البحرية فإنه ميكنه فتح العلب‬
‫ومتييز األشكال وحتى تعلّم احليل‪ ،‬ومن املمكن أن‬
‫يأتيك لتقوم بإطعامه وقد يبتعد عنك بسرعة إذا‬
‫خاف‪ ،‬وقد يفرز مواد سائلة ملونة عند الغضب‬
‫وبالرغم من أنه أصم لكنه ميكنه متييز احلركات‬

‫اليت حوله وخمه الكبري يشبه كثرياً يف حجمه مخ‬
‫اإلنسان واألخطبوط بشكل عام خجول حيب أن‬
‫يرتاح يف مكان دافئ بني الصخور‪.‬‬
‫تضع أنثى األخطبوط قاربة ‪ 150‬ألف بيضة‪،‬‬
‫وتتوقف عن األكل حتى تفقس بعد أربعة أو ستة‬
‫أسابيع فهي تفديها حبياهتا وقد متوت األنثى‬
‫أحياناً من شدة اجلوع واحلرمان من األكل خالل‬
‫فرتة احلضانة‪.‬‬
‫ومن األنواع الالفتة للنظر القشريات وتتميز‬
‫باحتاد الرأس مع الصدر وميتاز أغلبها بوجود‬
‫أرج��ل مفصلية مثل الكركند ( ج��راد البحر)‬
‫والروبيان والسرطان‪.‬‬
‫فالروبيان يكون طوله عادة من‪ 4‬إىل ‪8‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪165‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سم جسمه شفاف وأرجله حنيلة‪ ،‬الزوج األمامي‬
‫منها يبدو وكأنه كماشات ذيله يشبه املروحة‪،‬‬
‫وقرنا استشعاره يشبهان السوط‪ ،‬وهو يعيش‬
‫غالباً يف القاع أحياناً حيفر اجلحور ليختبىء‬
‫فيها يوجد منه ‪ 17‬نوعاً ميلك وح��دات خاصة‬
‫باإلضاءة يف جسمه وهو يتغذى على احليوانات‬
‫الصغرية والنباتات‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أما السلطعون فله جسم مسطح عريض مغطى‬

‫‪166‬‬

‫بالدروع القوية بطنه حمدبة لألسفل له زوج من‬
‫ال��ك�لاب��ات الضخمة وأرب��ع��ة أزواج م��ن األرجل‬
‫يستخدمها يف السري والسباحة وله أشكال وأنواع‬
‫أشهرها الذي ميكن أكله ويعيش يف غربي البحر‬
‫املتوسط ومشال األطلسي‪ ،‬وهو سرطان كبري ذو‬
‫غالف عظمي أملس وخمالب كبرية وسيقان ذات‬
‫شعر قد يصل عرض الغالف العظمي إىل ‪20‬‬
‫سم‪ ،‬وهو يف أغلب األحيان يسكن القاع الرملي‬
‫والصخري بالقرب من سطح البحر إىل عمق‬
‫ثالثني مرتاً‪ ،‬ويتغذى على الرخويات وحيوانات‬
‫األع��م��اق‪ ،‬وه��ن��اك ن��وع م��ن السلطعون يعيش‬
‫مدفوناً يف تربة القاع‪ ،‬وهو آكل حلوم مفرتس‪،‬‬
‫ويتغذى على الرخويات‪.‬‬
‫وع��ل��ى ال��ش��اط��ىء ه��ن��اك بعض األن����واع من‬
‫السلطعونات تتغذى على جوز اهلند فهي تتسلق‬
‫أعلى األش��ج��ار وت��ق��وم بإسقاط إح��دى مثرات‬
‫اجل���وز‪ ،‬وت��ب��دأ يف أك��ل لبّها ع��ن ط��ري��ق ثقبها‬
‫مبخلبها القوي والبعض اآلخر منها يتغذى على‬
‫ورق املنغروف‪.‬‬
‫أغلب السلطعونات مغطى بقوقعة أو غطاء‬
‫صلب واق ‪،‬وهناك نوع آخر يقوم بقطع بعض‬
‫اإلسفنج ووضعه على ظهره ومن املمكن أن يقوم‬
‫سلطعون آخر بوضع البعض من شقائق النعمان‬
‫على أحد خملبيه أو كليهما كي يستعمل اللسعة‬
‫احلادة جملسات شقائق النعمان ضد أعدائه أو‬
‫ليقتل فريسته‪.‬‬
‫إذا فقد السلطعون أحد أرجله فلديه القدرة‬
‫على تكوينها ثانية‪ ،‬والنوع الذي يعيش يف اليابان‬
‫لديه مالقط قد يصل طوهلا إىل أكثر من مخسة‬
‫أمتار‪.‬‬
‫بالنتيجة فعامل احمليطات عامل سحيق ال يعلم‬
‫عنه اإلنسان الكثري‪ ،‬ففي كل يوم تكتشف كائنات‬
‫ج��دي��دة حباها اهلل ب��ق��درات وم��ي��زات جعلتها‬
‫تتأقلم مع حميطها تدافع عن نفسها لكي تعيش‬
‫وحتافظ على بقائها‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫املصادر واملراجع‪:‬‬
‫• ج��غ��راف��ي��ة األح���ي���اء‪ /‬األس��اس��ي��ات ال��ك��ام��ل��ة‪ /‬د‪ .‬حم��س��ن ع��ب��د الصاحب‬
‫املظ ّفر‪،‬عمان‪،‬دار الصفاء للنشر والتوزيع‪ ،‬الطبعة األوىل‪2004،‬م‪.‬‬
‫• موسوعة الكون والفضاء واألرض‪ ،‬إعداد ‪:‬د‪ .‬موريس أسعد شربل‪ ،‬د‪ .‬رشيد‬
‫فرحات‪ ،‬دار الفكر العربي‪ ،‬بريوت لبنان‪ ،‬الطبعة األوىل‪1999،‬م‪.‬‬
‫• موسوعة عامل البحار خملوقات قاتلة وسامة ومضيئة وثروة غذائية وصناعية‬
‫يف جولة حبرية مثرية وعجيبة‪ ،‬إعداد طارق السامرائي‪ ،‬األردن عمان‪ ،‬الطبعة‬
‫األوىل ‪2000،‬م‪.‬‬
‫• األحياء البحرية‪،‬جون ريزك جونري‪ ،‬ترمجة أ‪.‬د‪ .‬عبد الكريم حممد علي خفاجي‪،‬‬
‫مركز النشر العلمي‪،‬جامعة امللك عبد العزيز‪،‬جدة‪،‬الطبعة األوىل‪1999،‬م‪.‬‬
‫• البحر‪ ،‬تأليف ليونارد إجنيل باالشرتاك مع حمرري كتب هيئة تايم اليف‬
‫مكتبة اليف للطبيعة‪ ،‬ترمجة د‪.‬عزت خريي‪،‬دون تاريخ‪.‬‬
‫• موسوعة األمساك املصورة‪ ،‬تأليف ستانسالف فرانك ‪،‬ترمجة مسر سليم‬
‫حداد‪ ،‬املؤسسة اجلامعية للدراسات والنشر والتوزيع‪ ،‬بريوت‪ ،‬احلمراء‪ ،‬الطبعة‬
‫األوىل‪1989،‬م‪.‬‬
‫• موسوعة الطبيعة املُيسَّرة‪ ،‬النسخة العربية من موسوعة الطبيعة للناشئني‪،‬‬
‫الطبعة األوىل‪1985،‬م‪.‬‬

‫املواقع اإللكرتونية‪:‬‬
‫‪- www. Book foryou.Jeean.com‬املوقع اجلغرايف لألحياء البحرية‬‫ ‪www.life and nature.do-goo.net‬احلياة والطبيعة‬‫‪www.olom.info‬‬‫‪- www.uae.gov.ae -‬مركز اإلمارات للمعلومات البيئية والزراعية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪167‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جون ميلتون‬
‫(‪1674 – 1608‬م)‬

‫صاحب الفردوس المفقود ‪ ...‬هل كان كاتب ًا في الخيال العلمي؟‬
‫حممد عيد اخلربوطلي‬

‫الشك أن دراسة حياة شاعر وأديب بكل خلفياتها هي الضوء الكاشف لفهم‬
‫شخصيته وتقويم إنتاجه‪ ،‬خاصة إذا ما كانت حياته حافلة باألحداث املثرية مثل‬
‫حياة (جون ميلتون) شاعر الفردوس املفقود والفردوس املردود ومششون‪،‬‬
‫وصاحب أول رسالة للدفاع عن حرية الكلمة يف القرن السابع عشر‪ ،‬وأول املناصرين من‬
‫األدباء اإلنكليز للنظام اجلمهوري‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ل��ق��د ع���اش ميلتون يف ع��ص��ر أع��ظ��م ثورة‬
‫سياسية عرفتها إنكلرتا على وجه اإلطالق‪ ،‬وشن‬
‫حرباً إقليمية على امللكية كادت تودي به إىل حبل‬
‫املشنقة بعد أن كف بصره‪.‬‬
‫هذه املناصرة للثورة كانت سبباً يف إجحاف‬
‫خصومه لـه كشاعر عاملي لـه مكانته‪.‬‬
‫وميلتون م��ن أع��ظ��م ش��ع��راء ال��ع��امل ثقافة‪،‬‬
‫أج��اد ع��دة لغات مكنته من التعمق يف دراسة‬
‫الكالسيكيات بعد أن خترج من جامعة كمربدج‪،‬‬
‫فضالً عن جهده الذاتي الدؤوب يف دراسة أدب‬
‫عصر النهضة‪ ،‬كما كانت رح�لات��ه إىل خارج‬
‫إنكلرتا نبعاً آخ��ر لتوسيع دائ��رة معارفه‪ ،‬فقد‬
‫التقى وتناقش مع جروتيوس وجاليلو ومانسوا‬
‫صديق الشاعر اإلي��ط��ايل تاسوا وراع��ي��ه‪ ،‬كما‬
‫راسل كثرياً من العلماء األجانب املربزين الذين‬
‫سعوا للتعرف عليه‪.‬‬
‫لقد أمجع نقاد األدب على أن ميلتون أحد‬
‫ثالثة هم أعظم الشعراء يف األدب اإلنكليزي وهم‬
‫يقصدون معه (شكسبري وردزورث) كما فضله‬
‫بعضهم على شعراء األم��م املختلفة السابقني‬
‫والالحقني‪ ،‬يقول ديريدن‪« :‬إن هذا الرجل قد‬
‫تفوق علينا مجيعاً‪ ،‬بل على القدماء أنفسهم»‪.‬‬
‫ويرى أن ملحمة الفردوس املفقود من أعظم‬
‫القصائد وأكثرها نبالً ومس��واً‪ ،‬وأن��ه ليس مثة‬
‫عصر أو أمة قد أنتجت قصيدة مثلها‪.‬‬
‫ويقول حسني شكري‪« :‬وال يزال ميلتون حتى‬
‫عصرنا هذا يعد شخصية من أعظم الشخصيات‬
‫يف العامل‪ ،‬كان شجاع القلب‪ ،‬سامي الروح‪ ،‬بل إنه‬
‫األديب اإلنكليزي األوحد الذي كان مثاالً للرفعة‬
‫والسمو يف كل ما عرف عنه‪ ،‬فشعره سيمفونية‬
‫علوية‪ ،‬ونشره أغنية رقيقة لفن البالغة‪ ،‬عقد‬
‫ال��ع��زم منذ صباه على إجن��از أعظم األعمال‬
‫فأجنزها بشكل مؤزر يعد حتدياً لكل منافسة‬
‫ومناهضة‪ ،‬لقد كان حيرتق يف شعره ونشره بنار‬
‫الغضب للكرامة يف فخر واعتزاز‪ ،‬وبنار اإلميان‬

‫باحلرية والعدالة ألنه كان مدركاً للهزمية من‬
‫عامل استطاع أن يتحداه‪ ،‬ومل يستطع أن ينساه‬
‫فمشى م��زه��واً ف��وق ح��ط��ام آم��ال��ه الشخصية‬
‫والسياسية»‪.‬‬
‫لقد حكى ميلتون يف الفردوس املفقود مترد‬
‫الشيطان على اخلالق‪ ،‬وسقوط اإلنسان وخروج‬
‫آدم وحواء من اجلنة‪ ،‬كذلك قصة املسيح‪ ،‬وكل‬
‫أعماله جعلته مشهوراً ما جعل من كانوا يفدون‬
‫لزيارة إنكلرتا يف عصره ال يرغبون إال يف رؤية‬
‫رجلني ال ثالث هلما (أوليفركرو مويل وجون‬
‫ميلتون)‪.‬‬
‫حياة ميلتون‪:‬‬
‫تنقسم حياة ميلتون إىل فرتات ثالث‪:‬‬
‫ فرتة تعليمه اليت كتب فيها باكورة أشعاره‬‫وتبدأ مبولده عام ‪ 1608‬حتى عودته من رحلته‬
‫اليت قام هبا خارج وطنه عام ‪.1639‬‬
‫ فرتة نشاطه السياسي من عام ‪ 1639‬حتى‬‫عودة امللكية يف انكلرتا‬
‫ الفرتة ال�تي كتب فيها ال��ف��ردوس املفقود‬‫والفردوس املردود ومششون واليت انتهت بوفاته‬
‫عام ‪.1674‬‬
‫ولد جون ميلتون ‪ 1608‬يف بيت يقع يف شارع‬
‫بريد يف تشيب سيد بلندن‪ ،‬وع��اش كل حياته‬
‫تقريباً يف املدينة‪ ،‬لذلك كانت عقليته هي عقلية‬
‫مواطنيها ال تعنيه الزراعة أو اللهو يف شيء كثري‪،‬‬
‫وبقدر ما ك��ان يعشق املناظر واألص���وات اليت‬
‫يفعم هبا الريف الطليق‪ ،‬إال أنه كان يشري إليها‬
‫كاملأخوذ ويعجب هبا كالغريب‪ ،‬وقد صور حالته‬
‫هذه يف الفردوس املفقود فقال‪:‬‬
‫(كأني ذلك الرجل احلبيس مبدينة سكاهنا‬
‫كثر‪ ...‬لذا سوف أغدو صباح يوم صائف‪..‬‬
‫لكي أتنفس‬
‫ب���أرج���اء ال��ق��رى ال��ب��ه��ي��ج��ة‪ ،‬وامل����روج‬
‫القريبة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪169‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فكل شيء هناك يبعث على السرور‬
‫روائح الغالل‪ ،‬واهلشيم واألبقار‬
‫كل منظر ريفي‪ ،‬كل صوت ريفي‬
‫إن مرت به عذراء‪ ،‬ختطر كحور العني‬
‫فإن ما بداهلا من حسنه س��ارا‪ ..‬يس ِر اآلن‬
‫أكثر‬
‫ألهن��ا أعظم منه مج��االً‪ ،‬ويف نظرهتا مجيع‬
‫النعيم بأسره)‪.‬‬
‫هكذا كانت طريقة ميلتون باهلروب من إرهاق‬
‫دراس��ات��ه‪ ،‬وم��ن الصخب وال��ش��وارع احلبيسة‬
‫عندما كان صغرياً وبعدما صار رجالً إىل نزهة‬
‫بني احلقول الطليقة‪.‬‬
‫وك���ان عندما ي��ذه��ب إىل ال��ري��ف يثري عدة‬
‫تساؤالت فيقول‪:‬‬
‫(من تشب روحه لألعايل‬
‫أكثر ممن تثبت قدماه‬
‫ليقطف زهرة الربيع الشاحبة‬
‫هل يعرف املرعى الذي تنبت فيه؟)‬
‫إنه كان يرى يف األشجار واألزهار ما ال تراه‬
‫أع�ين أولئك الذين يعيشون حياهتم كلها بني‬
‫أحضاهنا‪.‬‬
‫بقي ميلتون يف لندن الستة عشر عاماً األوىل‬
‫من حياته‪ ،‬وتلقى تعليمه يف مدرسة – سانت‬
‫بول – كما تلقى دروساً خصوصية من توماس‬
‫يونج ومن وال��ده الذي يدين له ميلتون بالكثري‬
‫عدا نفسه‪ ،‬وقد تأثر بعد والده املرموق الذي بدأ‬
‫حياته باعتزال اآلراء الدينية اليت كانت تعتنقها‬
‫أسرته‪ ،‬واختذ لنفسه خطاً خاصاً‪ ،‬وهذا مسلك‬
‫ي��دل على ق��وة شخصيته‪ ،‬أم��ا ج��ده ال��ذي كان‬
‫يعيش يف ريف أكسفورد فقد كان متزمتاً لذلك‬
‫نبذ ابنه أفكاره‪.‬‬
‫نشأ ميلتون يف عصر يعترب أع��ظ��م عصر‬
‫للموسيقا يف التاريخ اإلنكليزي‪ ،‬وقد كان والده‬
‫ذا مواهب موسيقية جيدة‪ ،‬وله عدة تآليف يف‬
‫ذلك‪ ،‬فقد كان بيته عامراً باملوسيقا‪ ،‬هذا األمر‬

‫‪170‬‬

‫جعل ميلتون يعشق املوسيقا لذلك أكثر من‬
‫احلديث عنها يف شعره‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1625‬ذهب على جامعة كمربدج وأقام‬
‫فيها سبع سنوات‪ ،‬وكان شغوفاً يف طلب العلم منذ‬
‫صغره‪ ،‬وكان طوال حياته يكن يف نفسه احرتام‬
‫ال���دارس للمعرفة وللتقاليد العظيمة لألدب‪،‬‬
‫وبقدر ما كان متطرفاً يف السياسة والالهوت‬
‫مزدرياً للقانون والعرف وما اتفق عليه السلف‪،‬‬
‫كان يف فنه على النقيض من ذلك متاماً‪.‬‬
‫مل حي��اول ميلتون وهو يف اجلامعة أن يتبع‬
‫طريقة اللوح املمسوح‪ ،‬ما جعل نشراته السياسية‬
‫غري جذابة بل عميقة جداً‪ ،‬ومن أعظم الرباهني‬
‫على قوة شخصيته أن ذهنه كان يسيطر متاماً‬
‫على كنوز من املعرفة‪ ،‬وتداعي األفكار اليت يزخر‬
‫هبا شعره‪ ،‬إنه سخر العلم الذي اكتسبه خلدمة‬
‫الشعر‪ ،‬ومع ذلك فإنه مل يكن ينظر إىل كمربدج‬
‫يف آخر حياته نظرة حب أو اح�ترام‪ ،‬وألنه كان‬
‫قوي االعتماد على النفس مل يكن حمبوباً من‬
‫السلطات وكثري من رفاقه‪.‬‬
‫بدأ ميلتون بنشر كتاباته بعد خترجه بعشر‬
‫سنوات وقد قوبلت بالتقدير‪ ،‬ورغم ورود املِلح‬
‫الضاحكة يف بعض شعره إ َّال أنه كان يكره املزاح‬
‫وجمالس الضحك‪ ،‬فقد كان مثقفاً وقوراً مهتماً‬
‫بقضايا احلياة‪ ،‬متسامياً بنفسه إىل أنبل أنواع‬
‫الطموح على ال���دوام‪ ،‬وق��ال عن نفسه بعد أن‬
‫انصرف عن فن (أوفيد) وأمثاله من الشعراء‬
‫ومقت أخالقياهتم إىل األفكار السامية النقية‪:‬‬
‫(لبرتارك ودانيت وتعليالته اليت تقصي احلسد‬
‫وتستدعي الفخر وما صاحبها من مجال خاص‬
‫للطبيعة‪ ،‬ومن الزهو الصادق وتقدير الذات سواء‬
‫عما كنته‪ ،‬أو ما ينبغي أن أكونه‪ ،‬فجعلتين أمسو‬
‫بنفسي على ترديات العقل اهلابطة اليت ال بد أن‬
‫توهن العزم وتسفل بالنفس‪ ،‬وهو أمر ال يتفق إ َّال‬
‫مع الالتي يبعن اهلوى بطرق غري مشروعة)‪.‬‬
‫هكذا ك��ان ميلتون منذ بدايته ص��ارم�اً مع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫اآلخرين كما ك��ان صارماً مع نفسه‪ ،‬لقد كان صندوقني من الكتب خاصة ما يتعلق باملوسيقا‬
‫غريباً نوعاً ما بني طالب اجلامعات يف القرن وقد عرب جبال األلب فقضى أسبوعني يف جنيف‬
‫السابع عشر الذين اعتادوا ارتياد احلانات‪ ،‬ومل وفرنسا ووصل إىل موطنه يف آب ‪.1639‬‬
‫يذكر عنه أنه تناول اخلمرة إ َّال مرة واح��دة يف‬
‫كل حياته‪.‬‬
‫ميلتون والسياسة‬
‫عرف ميلتون ما بني ‪ 1645‬و ‪ 1660‬بأعماله‬
‫رحالته‬
‫ال��ن��ث��ري��ة ون��ش��رات��ه أك��ث��ر مم��ا ع���رف بأعماله‬
‫بدأ رحلته عام ‪ 1638‬حيث أمده والده باملال الشعرية‪ ،‬حيث أقحم نفسه يف عام ‪ 1640‬يف‬
‫الالزم كما عني له خادماً‪ ،‬فقضى عدة أيام يف صراع كبري‪ ،‬كان موقفه خالله هو موقف احلزبي‬
‫باريس واستقبله – جروتيوس – سفري السويد احلانق الغيور احملتقر ملنافسيه‪ ،‬بل يتسم بقصور‬
‫يف باريس‪ ،‬وسكودامور سفري إنكلرتا‪ ،‬ثم غادر الرأي وتلك نتيجة حتمية يصل إليها من يكتب‬
‫إىل إيطاليا‪ ،‬وأقام فيها حوايل الشهرين واستقبل لصاحل حزب معني‪ ،‬هذه النشرات اليت كتبها‬
‫حبماس من األكادمييات واملنتديات وأنشدهم اشتملت على معارك قلمية ذات درج��ة عالية‬
‫م��ن ش��ع��ره‪ ،‬ث��م زار – جاليلو – وك���ان وقتها من الفصاحة (اإلريوباجتكا) واليت تعرضت فيها‬
‫ع��ج��وزاً ض��ري��راً‪ ،‬وال��ذي م��ازال يعيش كسجني الروح احلزبية لنار التطهر‪ ،‬فجاءت متحررة من‬
‫صوري حملاكم التفتيش للذنب الذي اقرتفه وهو كل عناصر التحزب‪ ،‬وكانت جوهراً خالصاً‬
‫إثباته بأن األرض تدور‪ ،‬ومحل معه من إيطاليا من احلمية واإلمي��ان وال��رؤي��ة الروحية‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪171‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وكانت املرحلة األوىل من الصراع كنسية إىل‬
‫حد كبري اقتحمها ميلتون خبمس نشرات يف عام‬
‫‪ ،1642 – 1641‬طالب فيها بقسوة إلغاء حكومة‬
‫األساقفة‪.‬‬
‫وسببت له اخلطوة الثانية يف كتابته للمنشورات‬
‫صعوبات‪ ،‬خاصة مع السلطات الكنسية املسؤولة‬
‫وتطورت معه حتى أصبحت أهم وأسوأ حدث يف‬
‫حياته الشخصية‪ ،‬كذلك ما نشره من كتيبات‬
‫دافع فيها عن حق الزوج يف الطالق ودافع عن‬
‫هذه الفكرة خاصة بعد أن هجرته زوجته (ماري‬
‫باول) وهي ابنة أحد القضاة‪ ،‬لكنها عادت إليه‬
‫وأجنبت له ثالث بنات‪ ،‬وه��ذه الكتيبات مليئة‬
‫باجلدل والفلسفة‪.‬‬
‫وه��ك��ذا استمر جريئاً يف كتاباته حتى أنه‬
‫طالب حبكم اإلع���دام للملك ش��ارل األول بعد‬
‫أن ثار اجليش ضد امللك وأزاح��وه عن العرش‪،‬‬
‫ومت إع��دام امللك عام ‪ 1649‬بعد أيام قليلة من‬
‫ظهور رسالة ميلتون املسماة (حق امللوك واحلكام‬
‫القضائيني) وفيها يربر كل ما قام به اجليش‪،‬‬

‫‪172‬‬

‫وقد صور نفحات من الزهو امليلتوني‪ ،‬وباقي ما‬
‫فيها هجوم حزبي عنيف‪ ،‬وفيها جزء هو عبارة‬
‫عن توكيد شامل حلق كل الشعوب الذي ال يقبل‬
‫التنازل عنه يف اختيار وحماكمة وخلع حكامها‪.‬‬
‫وب��ع��د ذل��ك ب��س��ن��وات قليلة ض��اق��ت إنكلرتا‬
‫باجليش واملتزمتني البيورتان‪ ،‬وتبني هل��م أن‬
‫النظام الدميقراطي غري مالئم متاماً له‪ ،‬كذلك‬
‫تبني مليلتون ذلك فشبه اجليش بنظام الكنيسة‬
‫املشيخية‪.‬‬
‫وبعد إع��دام امللك عني ميلتون وزي��راً للغات‬
‫األجنبية مبجلس ال��دول��ة‪ ،‬وأث��ن��اء ه��ذه الفرتة‬
‫كتب أق��ي��م ال��رس��ائ��ل يف ت�برئ��ة احل��ك��وم��ة ولوم‬
‫معارضيها‪ ،‬وتناول فيها القضية العلمية للمذهب‬
‫الربوتستانيت واحلرية‪ ،‬حيث حلق على أجنحة‬
‫روحية تسمو كثرياً على لغة الدبلوماسية ولغة‬
‫املكاتبات الرمسية‪.‬‬
‫وبعد إعدام امللك ظهر كتاب (األيقونة امللكية)‬
‫وفيه يظهر امللك متدنياً روحانياً‪ ،‬والقى رواجاً‬
‫ساحقاً وبعد أن طبع يف عام واحد مخسني مرة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫رد عليه ميلتون بكتاب (حمطم األيقونة) وكان‬
‫فيه عنيفاً‪ ،‬وهكذا بقي طول فرتة اجلمهوريني‬
‫ي��رد ويُ���رَدُّ عليه‪ ،‬ويقول النقاد والباحثون أن‬
‫ميلتون بالطبع يشبه معظم الرجال ذوي اخليال‬
‫الرحب الذين مل تصهرهم التجربة السياسية‪،‬‬
‫فقد كانت رؤي��ت��ه يف أش��ي��اء معينة اعتقد يف‬
‫قيمتها بكل حواسه‪ ،‬فلم ير شيئاً من وجهات‬
‫النظر املعارضة هلا‪ ،‬أو الصعوبات اليت تقف يف‬
‫طريقها‪.‬‬
‫شعره‬
‫ك��ت��ب ميلتون ع���دة ق��ص��ائ��د أث��ن��اء دراسته‬
‫اجلامعية مثل (أنشودة عن موت طفل وسيم اليت‬

‫شاهبت قصائد شكسبري إىل حد كبري‪ ،‬أنشودة‬
‫عيد امل��ي�لاد‪ ،‬وأغنية لصباح مايو وال�تي حيب‬
‫اإلنسان أن حيلق معها حني تغنى يف التحية اليت‬
‫تؤديها جامعة كمربدج الستقبال مشس أول أيار‬
‫ومازالت تؤدى يف برج ماجدان بأكسفورد‪ ،‬وفيها‬
‫األبيات اليت ميدح فيها شكسبري) وقد نشرها‬
‫قبل أن تصدر يف جمموعة أشعاره عام ‪.1645‬‬
‫وم��ن امل��ع��روف عنه أن��ه مل يستخف ب��أي شيء‬
‫كتبه‪ ،‬ومل خيش أن يقول علناً يف رسالته (تربير‬
‫سيطرة الكنيسة) أنه منذ شبابه الباكر وجد‬
‫األم��ر يستوي عنده‪ ،‬س��واء خدعوه بشيء تافه‬
‫خالب أم تركوه ينصرف إىل ما اختاره‬
‫مبحض إرادته‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪173‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وب��ع��د خت��رج��ه اع��ت��زل مل���دة مث��ان��ي سنوات‬
‫يف منزل وال��ده الريفي هبورتون واعتكف على‬
‫الدراسة وعندما احتج عليه والده ورفاقه لعدم‬
‫التحاقه بالكنيسة قال‪( :‬إنه ال يقدر أن يتعهد‬
‫بأن يكون عبداً ويقسم أمياناً يعجز عن االلتزام‬
‫هبا‪ ،‬أو أن يسلم نفسه إىل متعة التأمالت اليت ال‬
‫تنتهي)‪.‬‬
‫وأكد هلم أنه يعد نفسه ألمور حتتاج منه كل‬
‫دقيقة‪ ،‬وهذه األمور هي مستقرة يف عقله‪ ،‬إنه‬
‫األدب والشعر بوجه خاص‪.‬‬
‫ومع أن الواقع يقول إن الشعر مل يكن مهنة‬
‫معرتفاً هبا يف يوم من األي��ام بل ن��ادراً ما كانت‬
‫مهنة مرحية‪ ،‬كان ميلتون استثناءً فريداً‪ ،‬فكثري‬
‫من الشعراء كان هلم آباء أثرياء كأبيه‪ ،‬لكن مل يكن‬
‫من السهل عليهم أن جيدوا أباً مثل أبيه الذي كان‬
‫يرجو أن يصري ابنه شاعراً فيسر بذلك‪.‬‬
‫وأث���ن���اء ع��زل��ت��ه ك��ت��ب ع���دة ق��ص��ائ��د أمهها‬
‫(أرك��ادي��س وكومس) وق��د كتبهما لتنشدا على‬
‫أنغام املوسيقا اليت وضعها صديقه (هنري لويز)‬
‫وهاتان القصيدتان مع قصيدته الرائعة الفياضة‬
‫بالعاطفة (على أنغام موسيقا هادئة) توضح‬
‫الصالت اليت كانت تربطه بدوائر املثقفني يف‬
‫هورتن‪ ،‬كما تعد من أعظم القصائد اليت كتبها‬
‫على اإلطالق‪.‬‬
‫قصائده اخلالدة‬
‫نشرت قصيدته الفردوس املفقود عام ‪،1666‬‬
‫وال��ف��ردوس امل��ردود ومششون عام ‪ ،1667‬كما‬
‫أعيد طبع بعض أعماله مثل تاريخ بريطانيا‬
‫وكتاباً عن الرتبية وآخر يف املنطق وقواعد اللغة‪.‬‬
‫وق��د قيل ع��ن شعره الكثري‪ ،‬كما قيل عنه‬
‫األكثر‪ ،‬فعلى سبيل املزاح قيل قوالً ال خيلو من‬
‫عمق (إن ميلتون لو كان يف جنة عدن ألكل من‬
‫الثمر احملرم ليسارع بعد ذلك إىل تأليف هجاء‬
‫يربر فيه فعلته)‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫وقصيدته (الفردوس املفقود) ما هي إ َّال حركة‬
‫دائبة ودائمة بني دينامية الشيطان البطولية‬
‫والشريرة مع ذلك‪ ،‬وبني واجب طاعة اهلل‪.‬‬
‫يف ه��ذه امللحمة يظهر امل��رأة أهن��ا أدن��ى من‬
‫الرجل بصورة طبيعية‪ ،‬ويبدأ الفردوس املفقود‬
‫مع الشيطان الذي ألقي يف اجلحيم مع مالئكته‬
‫العصاة بعد أن خاض احلرب يف الفردوس‪ ،‬ثم‬
‫عزم على االنتقام بإفساد وتضليل آدم وحواء‬
‫اللذين خُلقا منذ أمد قريب‪ ،‬لكن ذلك كله كان‬
‫مقدراً يف الفردوس‪ ،‬وأفشل املالئكة احلراس‬
‫حماولة الشيطان األوىل لكن مكائده جنحت‬
‫فيما بعد عندما عاد إىل الظهور يف جنة عدن‬
‫بشكل أفعى‪ ،‬وطرد آدم وحواء من الفردوس الذي‬
‫تركاه إىل عامل ساقط‪.‬‬
‫لقد أدخل ميلتون يف سرده الروائي حكايات‬
‫احلرب يف الفردوس وحكايات خلق العامل وهو‬
‫بذلك مينح نفسه إمكانية سرد فصول متنوعة‬
‫ق���در اإلم���ك���ان‪ ،‬وشخصية ال��ش��ي��ط��ان املعذبة‬
‫واحملمومة هي اليت تقرتب من البطل الكالسيكي‬
‫ببعدها الدرامي‪.‬‬
‫كما يروي يف هذه امللحمة معارك كربى مثل‬
‫معارك اإللياذة واإلينييد‪ ،‬لكنه خالفاً هلاتني‬
‫امللحمتني اللتني تقدمان أعماالً بشرية عظيمة‪،‬‬
‫تعرض علينا ملحمته شخصيات إهلية حصراً‬
‫تقريباً‪.‬‬
‫ومما قاله النقاد الغربيون عن هذا العمل‬
‫العظيم‪:‬‬
‫ ال��ص��ورة ال�ت�ي رمس��ه��ا ميلتون لظلمات‬‫اجلحيم املرئية‪ ،‬والبالغة املتألقة ال�تي يدلل‬
‫عليها الشيطان وه��و يسعى إىل إغ��واء حواء‪،‬‬
‫وإن كانت بالغة ملتبسة‪ ،‬ومجيع ألوان الرسام‬
‫الصارخة ملراحل خلق العامل املتتالية‪ ،‬أو التحليل‬
‫البسيكولوجي املفعم بلطف تصرف آدم وحواء‬
‫عندما فقدا ب��راءهت��م��ا‪ ،‬تلك ه��ي ج��وان��ب هذا‬
‫العمل اليت تنتزع إعجابنا‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫ مل يبلغ ال��ف��ردوس املفقود اهل��دف الذي‬‫أعلنه (تفسري اهلل للناس) وال شك أن األمر ال‬
‫ميكن أن يكون غري ذل��ك‪ ،‬لكن ه��ذا ال جيرده‬
‫يف ش��يء م��ن قوته الشعرية‪ ،‬وعندما ختلف‬
‫الفكر الديين يف إنكلرتا يف القرن الثامن عشر‬
‫عن أصولية ميلتون املتنورة مل يكف الشاعر ذو‬
‫املقاصد الطموحة عن التأثري الكبري على الكثري‬
‫من أجيال الكتاب‪.‬‬
‫ إن أعمال ميلتون اخلالدة (املالحم) تعطينا‬‫يف احلقيقة مقياس التطور الذي عرفته الثقافة‬
‫اإلنكليزية والثقافة األوروبية منذ ذلك العصر‬
‫الذهيب للجانسينية وللطهرية العصر الذي كانه‬
‫القرن السابع عشر‪.‬‬
‫وقد ترمجت الفردوس املفقود يف آخر القرن‬
‫الثامن عشر إىل عدة لغات كالفرنسية واألملانية‬
‫واهلولندية واإليطالية والدامناركية والروسية‪،‬‬
‫وكتبت إقتباسات منها كما ترجم الكثري من‬
‫أعماله الشعرية والنثرية‪.‬‬
‫وخامرت أوروبا الكاثوليكية مشاعر العداء‬
‫حيال آراء الشاعر‪ ،‬فمنعت كتاباته حول احلرية‬
‫كما منع الفردوس املفقود‪ ،‬كما باشر النقاد‬
‫األمل���ان منذ ف�ترة مبكرة النقاش ح��ول وضع‬
‫ميلتون كشاعر ملحمي‪ ،‬وح��ول جزالة البحر‬
‫ال���ذي يستخدمه يف ش��ع��ره‪ ،‬وح���ول الهوته‪،‬‬
‫واالستشهادات اجلمَّة اليت جندها لدى فولتري‬
‫وروسو وغريمها تظهر معرفة جدُّ عميقة لعمل‬
‫غدا مرجعاً‪ ،‬وبالرغم من التغريات اليت ال بد‬
‫منها فيما يتصل بالذوق‪ ،‬حافظ ميلتون منذ‬

‫ذل��ك الزمن على شهرته‪ ،‬ويف القرن الثامن‬
‫عشر اجتهد اإلنكليز يف متثل دروسه الشعرية‬
‫دون أن يطوروا أسلوبه‪ ،‬كذلك صنع الرومانيون‬
‫صنيعهم‪ ،‬وخالل القرن التاسع عشر احملافظ‬
‫ج��داً يف املسألة الدينية‪ ،‬ظل القراء يقدّرون‬
‫قوته اخلالقة‪ ،‬ومييل القارئ املتوسط يف القرن‬
‫العشرين مع أن��ه أق��ل إمياناً إىل ت��رك ميلتون‬
‫للجامعيني‪ ،‬بيد أن أعماله وال سيما الفردوس‬
‫املفقود ال تزال تثري أنواعاً جديدة من الفضول‪.‬‬
‫هناية ميلتون‬
‫يف عام ‪ 1660‬قتل صديقه كرومويل وحكم‬
‫عليه باإلعدام بعد عودة امللكية واستالم امللك‬
‫شارل الثاني‪ ،‬لكن أنقذ بقانون األمان وهو العفو‬
‫عن املرتمجني السياسيني دون استثناء‪ ،‬وذلك‬
‫بفضل بعض أصدقائه يف الربملان‪ ،‬بعد أن قبض‬
‫عليه وأُحرقت كتبه‪ ،‬لكنه يف عام ‪ 1661‬خرج من‬
‫سجن (سريجنت)‪ ،‬وعاش بعدها األربعة عشر‬
‫سنة األخرية يف عزلة وصمت وثراء شعري بعد‬
‫هزميته السياسية‪ ،‬لكن منعت كتبه وأعدم أحد‬
‫أصحاب املطابع بتهمة إعادة طبع كتابه (حق‬
‫امللوك واحلكام القضائيني) وبقي ميلتون خائفاً‬
‫خاصة بعد مصادرة بعض أمالكه وحريق بيته‬
‫يف لندن‪.‬‬
‫تويف جون ميلتون يف ‪ 8‬تشرين األول عام‬
‫‪1674‬م‪ ،‬ودفن جثمانه بعد وفاته بأربعة أيام‬
‫بكنيسة – سانت جيلز – يف كربيل جيت‪ ،‬وقد‬
‫شيعه أصدقاؤه املثقفون‪.‬‬

‫املراجع‪:‬‬
‫‪ -1‬تاريخ اآلداب األوروبية ج ‪ 2‬ص ‪ – 303 – 296‬جمموعة من املؤلفني – ترمجة صياح اجلهيم‬
‫– ط وزارة الثقافة بدمشق ‪.2002‬‬
‫‪ -2‬جون ميلتون شاعر الفردوس املفقود – حسني حسن شكري ط مصر ‪.2000‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

‫‪175‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رئيس التحرير‬

‫رمبا كانت الشجرة‪ ،‬كشجرة البلوط مثالً أشبه بعامل كبري‪ ،‬جبذعها وفروعها املمتدة طوالً وعرضاً‪..‬‬
‫إهنا شاهد على األحداث الكبرية اليت جرت إبان حياهتا‪ ،‬مثل أن جتف وهترم ومتوت‪..‬‬
‫منذ أن كانت بذرة انتشت وجتذرت وامتدت أغصاهنا‪ ،‬وكلما كانت مرتفعة وثخينة اجلذع كان‬
‫عمرها كبرياً‪ ،‬قد يصل إىل املئتني أو حتى اخلمسمئة سنة‪ ..‬أح��داث كثرية قد تكون مرت عليها‪،‬‬
‫وشهدت لقاءات وسهرات ومشاجرات وطيوراً حتط وتفرخ‪ ،‬وثعابني تسعى خلف األعشاش اليت حتوي‬
‫فراخ الطيور الصغرية‪ ..‬مطر‪ ،‬رياح‪ ،‬حرارة ‪ ،‬ورطوبة وصقيع ومثار تنضج وتسقط‪..‬‬
‫إهنا تسجل أحداثاً متنوعة وهي تتمتع خبصائص تشبه غريها من شجر البلوط‪ ،‬يف استقالليتها‬
‫الكاملة‪ ..‬وخرباهتا املوروثة عن األشجار القدمية وهي تعطي هذه اخلربات بذورها اليت تنتش من‬
‫جديد‪..‬‬
‫رمبا كان اإلنسان يشبه الشجرة يف االستقاللية وكسب اخلربات وتوريثها‪ ،‬ولكن الشجرة الثابتة يف‬
‫مكاهنا تشهد أحداثاً حول حميطها الصغرية‪ ،‬لو اعتربنا أن هلا إمكانية على تسجيل حدث حول حميطها‬
‫ميكن لكامريا سحرية أن حتتفظ به‪..‬‬
‫رغم أن اإلنسان يشعر أحياناً أنه اليتذكر بعض األجزاء من ماضيه‪ ،‬إال أنه الينسى رغم أن الذاكرة‬
‫تغلف بالضباب أحياناً‪..‬‬
‫فحني ينوم مغناطيسياً ميكن قراءة ذكرياته بدقة مدهشة‪ ،‬رغم أنه يف حالته العادية قد يقسر‬
‫ذاكرته على نبش حدث يف املاضي دون أن ينجح يف استيعاده‪ ..‬إال أنه حتت تأثري التنويم املغناطيسي‬
‫يستعيده بتفاصيلها املدهشة‪ ..‬ورمبا كان احللم منفذاً على عوامل غريبة ليست هلا عالقة بعاملنا‪،‬‬
‫ورمبا كان هو املنفذ الوحيد على تلك العوامل‪..‬‬
‫فباحللم ينتقل اإلنسان إىل املاضي أو احلاضر أو حتى املستقبل البعيد ورغم متازج احللم مع الواقع‬
‫فإن عامل احللم خيتلف عن الواقع‪ ..‬خالل أعشار الثانية قد ينتقل بك احللم لتعيش حدثاً طويالً‬
‫بتفاصيله‪ ،‬فاحللم يقفز فوق الزمن العادي بسرعة مذهلة‪..‬‬
‫واحللم قد يغين اخليال بتصورات عن عوامل مل يعرفها اإلنسان من قبل وهو قد ينقله إىل أجواء‬
‫الفضاء خمرتقاً املسافات والسدم ليحط الرحال يف كوكب مل يكتشفه اإلنسان واليعرف عنه شيئاً‬
‫واليعرف رمبا عن وجوده‪..‬‬
‫ً‬
‫وباحللم حتقق لإلنسان هذا التطور الفريد الذي يشهده حاليا ولوال احللم واخليال ماحتقق اخرتاع‬
‫أو نظرية جديدة‪..‬‬
‫فكل اخلياالت ترتبط بالنشاط الفكري الذي هو نتاج العقل البشري‪ ،‬ولوال اخليال ماجنح اإلنسان‬
‫حنو التطور والتقدم‪..‬‬
‫ورغم أن هذا العصر قفز باإلنسان إىل تكنولوجيا متطورة فاقت كثرياً كل تصورات اإلنسان القديم‬
‫فإن هذه التكنولوجيا قد أثرت عليه باحلد من خياالته وأحالمه‪ ..‬وأحياناً دفعته يف اجتاه أناني غري‬
‫محلها له‪..‬‬
‫أخالقي متناسياً األمانة اليت ّ‬

‫‪176‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس عشر ‪ /‬تشرين األول ‪2009 /‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful