‫• رئيس جملس اإلدارة •‬

‫وزير الثقافة‬

‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫• مدير عام هيئة الكتاب •‬

‫حممود عبد الواحد‬
‫• رئيس التحرير •‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫د‪ .‬خملص الريس ‪ -‬د‪ .‬هبجت حممد‬
‫د‪ .‬حامد ابراهيم ‪ -‬م‪ .‬لينا كيالني‬
‫د‪ .‬أمين امسندر ‪ -‬علي القاسم‬
‫• أمني التحرير •‬

‫رائد حسني حامد‬
‫• مكتب تونس ‪ :‬د‪ .‬كوثر عياد‬
‫• مكتب القاهرة ‪ :‬صالح معاطي‬
‫• مكتب لندن ‪ :‬توفيق السهلي‬
‫• التدقيق اللغوي •‬

‫حممد اخلاطر‬

‫• اإلخراج الفين •‬

‫وسيم قدورة‬

‫• مدير املطبعة •‬

‫أمحد العكيدي‬

‫سعر النسخة ‪ 50‬ل‪.‬س يف سورية أو مايعادهلا يف البلدان العربية‬
‫االشرتاكات عشرة آالف لرية سورية لإلدارات واملؤسسات داخل سورية‬
‫وأربعمائة دوالر أو مايعادهلا خارج سورية‬
‫توجه كافة املراسالت واملواد باسم رئيس التحرير‬

‫‪www.moc.gov.sy‬‬
‫‪E-mail: talebomran@yahoo.com‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫• هيئة التحرير •‬

‫جملة علمية ثقافية شهرية تصدر عن‬
‫وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية السورية‬

‫اهليئة اإلستشارية‬
‫أ ‪ .‬هن�������اد ش�����ري�����ف (م����ص����ر)‬
‫د ‪ .‬ح��س��ام اخلطيب ( فلسطني)‬
‫أ ‪ .‬رؤوف وص����ف����ي (م���ص���ر)‬
‫أ ‪ .‬عبد السالم البقايل (املغرب)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ع����ي����اد (ت����ون����س)‬
‫د ‪ .‬ق����اس����م ق����اس����م (ل���ب���ن���ان)‬
‫أ ‪ .‬ط��ي��ب��ة اإلب��راه��ي��م (الكويت)‬
‫د ‪ .‬حم���م���ود ك������روم (س����وري����ة)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ث����اب����ت (ت����ون����س)‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫اخليال العلمي واخليال السياسي (د‪ .‬روجيه بوزيتو)‬

‫‪6‬‬

‫أدب اخليال العلمي واستشراف املستقبل (لينا كيالني)‬

‫‪12‬‬

‫مقارنة بني روايتني من اخليال العلمي (د‪ .‬حممد اهلادي عياد)‬

‫‪20‬‬

‫تصورات هناية العامل يف سينما اخليال العلمي (د‪ .‬مسري جرب)‬

‫‪22‬‬

‫أدب اخليال العلمي وتربية الطفل (عزيزة السبيين)‬

‫‪34‬‬

‫تقرير خاص عن معرض اخليال العلمي يف لندن (توفيق السهلي)‬

‫‪38‬‬

‫رحلة من اخليال العلمي يف أعماق الكون (د‪ .‬طالب عمران)‬

‫‪80‬‬

‫زحل سيد اخلوامت (حسين عبد احلافظ)‬

‫‪90‬‬

‫ترجو جملة اخليال العلمي من كافة الكتاب واملبدعني ارسال ابداعاهتم منضدة على‬
‫احلاسوب والتأكد من تدقيقها وذلك لتسهيل عملية النشر السريع‬

‫بيوض األفاعي ( د‪ .‬طالب عمران)‬

‫‪46‬‬

‫حادث غامض (هناد شريف)‬

‫‪54‬‬

‫عصري اهلواء (اهلادي ثابت)‬

‫‪58‬‬

‫عائلة السيد رقم ‪( 1‬صالح معاطي)‬

‫‪70‬‬

‫حتطم اإلسكودر (ترمجة عمر ألتنجي)‬

‫‪77‬‬

‫زراعة األسنان ( د‪ .‬أسامة ساحلية)‬

‫‪43‬‬

‫بنية املادة احلية (د‪ .‬خملص الريس)‬

‫‪96‬‬

‫اخرتاع غري التاريخ ‪ ...‬الربيد اإللكرتوني (وسيم قدورة)‬

‫‪106‬‬

‫األلوان وعالقتها بالبشر (جوان حسني)‬

‫‪114‬‬

‫تقديم عامل الغد اليوم (ترمجة توفيق السهلي)‬

‫أسرار كتب الطني ( ترمجة أمحد حسان)‬

‫‪132‬‬

‫سر اخلزف املصري (رامز احلوش)‬

‫‪146‬‬

‫سر بناء األهرامات (م‪ .‬طارق حامد)‬

‫‪148‬‬

‫‪128‬‬

‫الرصاص ‪ ...‬حتت سطح األرض وفوقها (اسراء الزير)‬

‫‪158‬‬

‫يف البحث عن الطوفان (ترمجة حازم فرج)‬

‫‪164‬‬

‫‪3‬‬

‫يؤكد املستشرق اهلولندي (كرامز) أن املالحة العربية اإلسالمية وصلت إىل ذروهتا يف‬
‫القرن التاسع امليالدي‪..‬‬
‫ً‬
‫ووصلت سفن العرب حتى ميناء (خانفو) الصيين‪ -‬كانتون حاليا‪ -‬وعاشت يف تلك‬
‫املدينة جالية إسالمية كبرية صارت فيما بعد أساس العالقات التجارية مع الصني‪..‬‬
‫وشرع التجار واملغامرون يف التقدم مشاالً‪ ،‬حتى وصلوا كوريا وجزر اليابان‪ ،‬وكان‬
‫املالحون املسلمون الذين يقودون السفن على معرفة تامة بالبحار اليت خيوضوهنا‪.‬‬
‫وكانت السفن واملراكب كثرية اإلحبار إىل جزيرة سرنديب (سيالن) وسواحل اهلند‪ ،‬حني‬
‫عاشت هناك جمموعات كبرية من املسلمني‪..‬‬
‫ولع ّل أشهر املوانئ اإلسالمية يف اهلند اليت دانت لإلسالم هي مدينة (صيبور) اجملاورة‬
‫لبومباي‪..‬‬
‫أما يف جهة الساحل األفريقي فوصل املسلمون مع بداية القرن العاشر امليالدي‪ ،‬إىل‬
‫بلدة (سوفاال) املشهورة مبناجم الذهب والواقعة على الساحل األفريقي مقابل جزيرة‬
‫مدغشقر‪.‬‬
‫وكان العرب يسمون (مدغشقر) جبزر (الواق واق)‪ ،‬رغم أهنم أطلقوا هذا االسم أيضاً‬
‫على جزر مقابل الساحل الصيين‪ ،‬ورمبا كانوا يقصدون هبا اجلزر اليابانية‪.‬‬
‫كان اخلليج العربي نشطاً إىل أقصى حد يف املالحة البحرية‪ ..‬وعرف املستعمرون يف‬
‫السنني املتأخرة أنه مفتاح الوصول إىل الشرق‪..‬‬
‫وهكذا غامر الربتغاليون والربيطانيون واهلولنديون يف حماولة لبسط نفوذهم على آسيا‬
‫عن طريق املالحني العرب‪..‬‬
‫لع ّل أعظم علماء البحر العرب هو شهاب الدين أمحد بن ماجد الذي عاش يف القرن‬
‫اخلامس عشر امليالدي يف جلفار وهي إمارة رأس اخليمة اآلن‪..‬‬
‫ك��ان وال��ده أيضاً من البحارة الذين س��ادوا بواسع علمهم البحر حتى لقب بربان‬
‫الربين‪..‬‬
‫كان أمحد حيلم منذ طفولته بركوب البحر واإلحبار فيه‪ ،‬وهو يرى والده يغيب أحياناً‬
‫مدة طويلة يعود إليهم ويف جعبته األخبار واحلكايات عن اجلزر البعيدة وعرائس‬
‫البحر‪ ،‬وعن األنواء والعواصف والقدرة املالحية للسيطرة على املراكب احملمّلة باملؤن‬
‫والبضائع‪ ،‬وسط حبر هائج املوج‪..‬‬

‫‪4‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫وزير الثقافة‬
‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫وتعددت أسفار ابن ماجد مع والده‪ ،‬وزار سواحل القارتني أفريقيا وآسيا‪ ..‬وجزائر‬
‫البحار وسواحل سفاكة وبر الزنج واهل��رياب والصومال واجل��وزرات وفارس واملاليو‬
‫واملليبار وأندونيسيا‪..‬‬
‫كما زار جزيرة القمر (مدغشقر) وهي إحدى جزر (الواق واق) وشواطئ حبر القلزم –‬
‫البحر األمحر – وسرنديب ونيكوبار وسومطرة وسيام وجاقرة والكاديف وخوريا موريا‬
‫وكومور وهندرابي والبحرين‪..‬‬
‫ً‬
‫وجت��اوزت زي��ارات��ه (‪ ) 45‬ميناء حبريا‪ ،‬وق��د تعلم خ��الل تلك الفرتة أمس��اء النجوم‬
‫وجماميعها املالحية‪ ،‬وعرف مواقعها يف السماء سواء يف جنوب خط االستواء أو يف‬
‫مشاله‪ ..‬كما عرف مواقيت أفول النجوم وغروهبا‪ ،‬ومتى يستفيد البحّار من االندفاع‬
‫يف جمرى اإلحبار وكيف يصحح اجتاه الدفة والقلوع‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وعندما أصبح أمحد بن ماجد يف الثالثني من عمره صار ربانا ماهرا لسفينة أبيه‪،‬‬
‫وأصبحت تتبعه سفن أخرى ثقة بقيادته املاهرة وخربته يف البحار‪..‬‬
‫وجنح أمحد بن ماجد يف الوصول إىل ميناء خانفو (كانتون) وأخذ جيوب بسفينته‬
‫املوانئ األخرى على حبر الصني وحبر املهراج واجلزائر املتوزعة هناك‪..‬‬
‫ويف خانفو تعرف ابن ماجد ألول مرة على املغناطيس‪ ،‬واستفاد منه فيما بعد يف‬
‫التوجيه املالحي‪ ،‬وعده املؤرخون أول حبار يف العامل يعتمد على املغناطيس يف أعماله‬
‫املالحية‪..‬‬
‫وتعددت أسفاره‪ ..‬وأصبح أكثر البحارين خربة يف املالحة‪ ..‬وله الفضل يف إيصال‬
‫فاسكو دي غاما إىل شواطئ اهلند‪ ،‬حيث استطاع ذلك املالح الربتغايل إجباره على‬
‫الرحيل معه بعدما فشلت سفنه يف الوصول إىل اهلند نتيجة اجلهل بتلك املناطق‬
‫البحرية‪..‬‬
‫وقصته مع فاسكو دي غاما قصة طويلة يرفضها بعض املؤرخني وبعضهم يؤكدها‪..‬‬
‫وعاش أمحد بن ماجد حنو (‪ )73‬عاماً وترك الكثري من الكتب يف علم البحار الذي يعد‬
‫أحد أبرز املؤسسني له‪..‬‬
‫وقد عثر املستشرق الفرنسي (جربائيل فران) على (‪ )19‬كتاباً مالحياً البن ماجد هي‬
‫الوحيدة اليت عرفت من بني (‪ )30‬كتاباً ألفها ومل يعثر على عدد مهم منها‪ ،‬ولنا عودة‬
‫للحديث عن هذا الربان الشجاع الذي لقب بأسد البحار‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪5‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيال العلمي‬
‫والخيال السياسي‬
‫د‪ .‬روجيه بــوز ّتو ‪ /‬فرنسا‬
‫تــــرجــــمة‪ :‬د‪.‬حممد اهلادي عيّاد‬

‫أدبي صاحل جملرّد استكشاف‬
‫ليس اخليال العلمي جمرّد وسيط ّ‬
‫اخرتاعات تقنيّـة حاضرة أو مستقبلية لتغذية القصص على‬
‫مستوى خيال ترفيهي‪ .‬بل إ ّنه يساءل أيضاً األشكال السياسية‬
‫الراهنة وامتدادها املستقبلي‪ ،‬لذلك يبتكر وسائط اجتماعية جديدة‪ .‬إ ّنها‬
‫ِّ‬
‫تقد ُم جمتمعات» بديلة» فتعيد تشكيل مسات اجملتمعات الراهنة أو السابقة‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫بطريقة جديدة‪ ،‬وهكذا حُتوِّل أو تتجاو ُز بعض احلدود اليت ت َّ‬
‫قد ُم على أنها‬
‫حدو ٌد طبيعية‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫لكن قبل تصوّر جمتمعات اقرتحها‬
‫اخليال العلمي منذ القرن التاسع عشر‬
‫جند يف األدب تصوّرات لدول خيالية‬
‫بأشكال طوباوية وكوابيسية‪ .‬ذلك‬
‫أنّ البحث يف املمكن مل ينتظر عصر‬
‫ّ‬
‫التقنية والعلوم‬
‫ليغذيَ القصص‪ .‬ومع‬
‫ذل���ك‪ ،‬جي��ب ان��ت��ظ��ار ال��ق��رن التاسع‬
‫لنشهد والدة أدب اخليال العلمي يف‬
‫الغرب‪.‬‬
‫أصبحت امل��واض��ي��ع ال�تي يعاجلها‬
‫هذه األدب منذ القرن العشرين وحتّى‬
‫أيّامنا هذه مواضيع سياسية بطريقة‬
‫مواربة يف إطار إخراج مسرحيّ‪.‬‬
‫الفرضية اليت نتبناها هي أنّ إبداع‬
‫من��ط أدب���يّ أو إدخ���ال تغيريات عليه‬
‫ينتج عن أزمة تعبري يف ميدان الواقع‬
‫االجتماعي‪.‬‬
‫اإليطوبيات كمراحل‪:‬‬
‫ك��ان «أف�لاط��ون» (‪)348-/427-‬‬
‫أوّل م��ن أع��ط��ي ش��ك�لاً أدب��ي �اً آلرائه‬
‫حول «املدينة الفاضلة» و «السياسة‬
‫الفاضلة» للشعب يف «مجهوريته»‪ .‬‬
‫ه��ذا النصّ لــ «أف�لاط��ون» يسجّل‬
‫قطيعة حقيقية جملتمعه‪ ،‬أل ّنه‪ ،‬عالوة‬
‫على تصويره للواقع مبختلف وجوهه‪،‬‬
‫ي��ق�ترح وبشكل ن��ظ��ري «م��ث�لاً أعلى»‬
‫كواقع بديل‪.‬‬
‫يف ال��وق��ت ال���ذي ك���ان يكتب فيه‬
‫نصوصه ك��ان��ت «أث��ي��ن��ا» تعيش أزم ًة‬
‫يف دولتها‪ .‬وكان أفالطون يعمل على‬
‫تقديم نظريته ك��ح� ّل ب��دي��ل لألزمة‬
‫لكنّ ال��واق��ع مل يسمح بتبنّي نظرية‬
‫«اجلمهورية» فتُحَــ ّل األزمة عن طريق‬
‫«إسكندر» وهو رجل مقدوني مهجيّ‬

‫استوعبت إمرباطوريته ك ّل «الدويالت‪-‬‬
‫املدن» اإلغريقية‪.‬‬
‫مل يكن احل��� ّل م��ت� َّ‬
‫�وق��ع�اً وال قابالً‬
‫للتنظري امل��س��ب��ق‪ .‬وإ ّن���م���ا استدعت‬
‫َّ‬
‫ه��ذه األزم��ة بغري‬
‫املفكر فيه املرتبط‬
‫بانبجاس الال َ‬
‫ّمنتظر‪.‬‬
‫إش��ك��ال��ي��ة احل����دَث ه����ذه‪ ،‬جندها‬
‫مم َّثلَة يف اخل��ي��ال العلمي يف «دورة‬
‫ال��ت��أس��ي��س» إلس��ح��اق أزمي�����وف» ‪le‬‬
‫‪cycle Fondation d’Isaac‬‬
‫‪،Asimov‬حيث كان من املفرتض أن‬
‫جت��ري تقديرات احلقيقة التارخيية‬
‫ح��س��ب ن��ظ��ام م��ع �يَّ��ن‪ ،‬ت��ن��ق��ل��ب هذه‬
‫التقديرات بظهور «املتحوِّل» الـ «ميليه»‬
‫« ‪( ،» mulet‬البغل يف اللغة)‬
‫الذي حي ّل اإلشكاليات بطريقته‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫كان «أفالطون»‬
‫أ ّول م��ن‬
‫أعطي شكال‬
‫أدب��ي��ا آلرائ���ه‬
‫حول «املدينة‬
‫ال���ف���اض���ل���ة»‬
‫و « ا لسيا سة‬
‫ال���ف���اض���ل���ة»‬
‫للشعب يف‬
‫«مجهوريته»‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫متاماً مثل «أليكسندر»‬
‫يعدّ القرن السادس عشر يف الغرب عصر‬
‫االخرتاعات الكبرية وهو كذلك‪ ،‬عصر األزمة‬
‫بالنسبة لتم ّثل شكل الدول‪ .‬إ ّنه عصر مفصليّ‬
‫بني البُـنى اإلقطاعية للعصر الوسيط الالفظ‬
‫ألنفاسه وبني تأسيس دولة قومية‪.‬‬
‫يقرتح «ت��وم��اس م��ور» ‪Thomas More‬‬
‫يف «إيطوبيا» (‪ )1516‬حالًّ نظرياً واقرتاحات‬
‫جذرية ملواجهة حتديات املرحلة‪ .‬غري أنّ احل ّل‬
‫الذي قدّمه يتموضع يف منظور ساخر ( عكس‬
‫مبدأ «ماكيافل» (‪)1532‬‬
‫وما السخرية إ ّ‬
‫ال دليل على أ ّن��ه يعرف أنّ‬
‫احل ّل الذي قدّمه يقع خارج اللعبة‪ .‬لقد كان‬
‫حالًّ عقالنياً ولكن غري مالئم يف الوقت الذي‬
‫كانت فيه «إنقلرتا» تتش ّكل يف دول��ة عصرية‬
‫بواسطة حروهبا العديدة‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫كان احل� ّل ال��ذي قدّمه «توماس م��ور» غري‬
‫م�لائ��م‪ .‬مثلُه مثل «مج��ه��وري��ة أف�لاط��ون» يف‬
‫عصره‪.‬‬
‫الشأن بالنسبة إىل «أفالطون» و «توماس‬
‫مور» نفسه‪ :‬التشخيص العقالني كان حسنا‪،‬‬
‫كان عالمة عن ثورة(ثورة أدبية) على الواقع‬
‫املشرتك‪ .‬ولكن يف كال احلالتني اختذ التاريخ‬
‫ط��رق �اً أخ���رى تُنجَز فيها عقالنية خمالفة‬
‫َ‬
‫للنظرية‬
‫املتخيَّلة دون الوعي بأنّ العلم النّاشئ‬
‫ميكنه تغيري املعامل‪.‬‬
‫ميكن اعتبار قصة» أتلنديد اجلديدة « لـ‪:‬‬
‫«فرانسيس باكون» (‪ )1627‬احللقة املهمّة بني‬
‫الطوباوية واخل��ي��ال العلمي‪ .‬فهي من جهة‪،‬‬
‫تتبنّي جزيرة «بنسامل» ذات السمات الشكلية‬
‫للطوباوية‪ ،‬وتضع يف اعتبارها الطابع املتطوَّر‬
‫للعلم ولالكتشافات ال�تي ظهرت يف القرن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫السابع عشر‪ .‬إ ّنه نصّ أدبيّ ذو منظور‬
‫علميّ أكثر منه سياسي‪.‬‬
‫ل�بّ النصّ هو شكل من أكادميية‬
‫حيث يُستعمل احل��ل��م لبيان أمهية‬
‫العلوم الفيزيائية وجدواها يف احلاضر‬
‫وتطوّرها يف املستقبل‪ .‬هبذا تتميّز رواية‬
‫«أتلنديد اجل��دي��دة» عن الطوباويات‬
‫السابقة‪.‬‬
‫هذا التمفصل بني جمتمعات خمتلفة‬
‫وحضور العلم هو الذي سيحدّد أبعاد‬
‫اخليال العلمي‪.‬‬
‫سيصف «هاري هاريسون» جمتمعاً‬
‫مثل هذا يف روايته «الشمس اخلضراء»‬
‫(‪Harry Harrison Soleil )1966‬‬
‫‪vert (Make room، Make‬‬
‫‪)Room‬‬
‫وهي رواية وقع إخراجها يف السينما‬
‫(‪)1973‬‬
‫العلوم والتقنية واجملتمعات‬
‫منذ الثورة الصناعية‬
‫جند يف رواي��ات اخليال العلمي يف‬
‫القرن التاسع عشر نوعني من العالقات‬
‫نشأت بني العلوم والتقنية واجملتمعات‬
‫اليت تنتمي إليها‪.‬‬
‫ عالقات تربز أعاجيب املبتكرات‬‫التقنية والعلمية مثل ما جن��ده عند‬
‫«جول فارن» ‪Jules Verne‬‬
‫ وع�ل�اق���ات ت��س��ت��ش��رف عواقب‬‫التقدّم العلمي والتقين‪.‬‬
‫ع��رف ال��ع��الَ��م ال��غ��رب��ي بعد حرب‬
‫‪ 1918-1914‬تغيّرا يف اجملتمع‪ :‬اكتشف‬
‫بعد التصنيع لإلنتاج منوال «فورد»‬
‫الذي ابتكر التصنيع االستهالكي‪.‬‬
‫هذا التغيّر كان ناجعاً يف األزمات‬

‫مثل أزمة ‪ 1929‬يف الواليات املتحدة‬
‫األمريكية ثمّ استشري‪.‬‬
‫اع��ت�بر امل��ف � ّك��رون يف ال��غ��رب هذه‬
‫الوضعية مبثابة احنطاط للفرد‪ :‬كتبوا‬
‫ال��رواي��ة الكابوسية ل��ت��دارك اخلطر‬
‫ال���ق���ادم ف��أص��ب��ح��ت ص����ورة اجملتمع‬
‫«العصري» ملتصقة بصورة بيت النمل‬
‫حيث يصبح فيها األفراد جمرّد أرقام‬
‫مثل‪ 503-D :‬وه��و رق��م بطل «حنن‬
‫اآلخ��رون» لـِفقيين زامياتني» (‪)1920‬‬
‫‪. .de Ievguenie Zamiatine‬‬
‫وجن��د أنّ «أل��دو هيكسالي» يضع‬
‫روايته « العالَم اجلديد اجل��ريء» يف‬
‫مرتبة مستقبل غامض بعد «فورد»‪.‬‬
‫ينقسم اجملتمع عنده‪ ،‬كما هو‬
‫الشأن بالنسبة إلــى «أفالطون»‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ي��ع�� ّد القرن‬
‫ال�����س�����ادس‬
‫ع�����ش�����ر يف‬
‫الغرب عصـــر‬
‫االخ�ت�راع���ات‬
‫ال��ك��ب�يرة وهو‬
‫ك��ذل��ك عصر‬
‫األزمة بالنسبة‬
‫ّ‬
‫لتمثل شكل‬
‫ال�����دول‪ .‬إ ّن��ه‬
‫مفصلي‬
‫عصر‬
‫ّ‬
‫بني البُـنـــــية‬
‫اإلق��ط��اع��ي��ة‬
‫ل����ل����ع����ص����ر‬
‫ال����وس����ي����ط‬
‫ال���ل���اف�������ظ‬
‫ألنفاسه وبني‬
‫تأسيس دولة‬
‫قومية‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إىل طوائف‪ .‬غري أنّ هذه الطوائف متجانسة‬
‫مبا أنّ األطفال مصمَّمون آليا وبيولوجيا بنفس‬
‫الشكل وحسب نوع النشاط الذي سيو َكل إليهم‬
‫يف اجملتمع‪ .‬فهم يشعرون بالسعادة دوماً أل ّنهم‬
‫أُعِ �دّوا خصّيصاً ملا وقعت برجمتهم له‪ .‬وهم‬
‫يُعطوْن‪ ،‬إضافة إىل ذلك‪ ،‬حبّة قرص السعادة‬
‫(السوما)‪ .‬واجلنس يف هذا اجملتمع مُباح‪ .‬ك ّل‬
‫له احلقّ يف التهتّك‪ .‬العلم هنا يف خدمة الدولة‬
‫العاملية منه تستمدّ ما به تستطيع سياسة هذا‬
‫اجملتمع اآليل الرهيب‪.‬‬
‫إنّ استشراف املستقبل يف ه��ذه الرواية‬
‫استشراف ساخر‪ ،‬هو نوع من التحذير وبيان‬
‫العواقب‪.‬‬
‫رأي��ن��ا ع��ل��ى ح���دّ ه��ن��ا أنّ ه���ذه النصوص‬
‫الطوباوية للخيال العلمي وق��ع حتليلها من‬
‫منظور تأسيس الدولة دون األخذ بعني االعتبار‬
‫مشاغل املتساكنني فيها‪.‬‬
‫مل يعد الكتاّب‪ ،‬مع تواصل التطوّر‪ ،‬يكتفون‬
‫بالسخرية ملساءلة املستقبل والواقع السياسي‬
‫الشمويل للمجتمعات وباقرتاح صور لرفضه‪،‬‬
‫وإ ّنما بيّنوا أنّ الثورة ليست فكرية فحسب‪،‬‬
‫بل أصبحوا يقدِّمون أبطاالً ُّ‬
‫يغذون الثورة ضدّ‬
‫النظام السياسي كما هو الشأن بالنسبة لـ‬
‫«سوفاج» (اهلمجي) يف «العامل اجلديد اجلريء»‬
‫ال��ذي كافح باسم القيم الثقافية األوروبية‬
‫قبل أن ينتحر‪ ،‬أو «ونستون» بطل «‪ »1984‬لــ‬
‫«أورويل» الذي كان له نفس املصري‪.‬‬
‫وبالعكس من ذل��ك جند يف رواي���ة» اليوم‬
‫األنسب» لـ «ـإيرا ليفني» ‪The Perfect Day‬‬
‫(‪ Ira Levin )1970‬أنّ ثورة جمموعة صغرية‬
‫تُم ّكن من الولوج بالقوّة من عامل مغلق يُسيَّر‬
‫بربجميات آلية إىل العامل اخلارجي ‪.‬‬
‫أمّا فيما خيصّ الثورة على النّظم السياسية‬
‫الشمولية فإ ّنهم يبقون عاجزين أمامها فليس‬
‫أمامهم سوى االنتحار‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫اخل��ي��ال العلمي واألش��ك��ال‬
‫السياسية املتخيَّلة‪:‬‬
‫جماالت اخليال العلمي هي جماالت‬
‫املمكن‪ ،‬بعكس الطوباويات اليت تتبنَّي‬
‫الثورة على الواقع السياسي الراهن‪،‬‬
‫واألدب ال��ك��واب��ي��س��ي ال����ذي يفضح‬
‫التأثريات السيئة للجنّات الطوباوية‪.‬‬
‫فهو يستوعب عناصر هذين الشكلني‬
‫األدبيني استيعاباً مي ّكنه من تأسيس‬
‫ع��وامل اجتماعية يستعملها كخلفية‬
‫ملغامرات متنوّعة يف إطار رحالت عرب‬
‫الزمن‪.‬‬
‫أمّا احللم يف الرحالت إىل عوامل‬
‫املستقبل فال يعدو كونه جمرّد وسيط‬
‫ليتخيّل الكاتب أشكاال جديدة للدولة‬
‫املستقبلية وسلوكيات جديدة ملواطين‬
‫الغد‪.‬‬
‫استعمل احل��ل��م الكثري م��ن كتّاب‬
‫القرن التاسع عشر ليقرتحوا مناذج‬
‫ج���دي���دة م���ن احل���ك���م‪ .‬مي��ك��ن ذكر‬
‫«إدوارد ب�لاّم��ي» يف رواي��ت��ه «النظر‬
‫إىل الظالم» ‪Edward Bellamy‬‬
‫‪avec Looking Blackward‬‬
‫(‪ )1888‬وك��ذل��ك «وي��ل��ي��ام موريس»‬
‫يف رواي���ت���ه» أخ��ب��ار م��ن الالّمَكان»‬
‫‪William Morris « News‬‬
‫‪.)1890( from Nowhere‬‬
‫مع «بالّمي» جند أنفسنا يف جمتمع‬
‫اشرتاكي يف عام ‪ ،2000‬بينما يأخذنا‬
‫«موريس» إىل جمتمع فوضوي‪.‬‬
‫ك���ان���ت ه����ذه ال���ن���ص���وص فرصة‬
‫لألعداء السياسيني ليقرتحوا أمناطا‬
‫متناقضة م��ن احلكم مثل «فيكتور‬
‫روس��و» يف روايته ‪The Messiah‬‬

‫‪« )1917( of the Cylinder‬مسيح‬
‫االسطوانة» الذي كانت روايته هذه ردّا‬
‫على رواية « العالَم احملرّر» لـــ «ويلز»‬
‫‪)1914( à The World set Free‬‬
‫‪ de HG Wells‬ح��ي��ث يستيقظ‬
‫احلامل يف طوباوية اشرتاكية وعلمية‪.‬‬
‫أمّا اخليال العلمي املعاصر فنجده‬
‫يرسم ع��وامل مستقبلية حيث يكون‬
‫رج���ال األع��م��ال و أص��ح��اب البنوك‬
‫والصناعيون ومديرو الشركات العاملية‬
‫هم صُنّاع القرار السياسي وأصحاب‬
‫ال��ن��ف��وذ الفعلي وي��ك��ون السياسيون‬
‫جم �رّد ب��ي��ادق مثلما يتجلّي يف نصّ‬
‫«ب‪.‬ك‪.‬دي��������ك» ح��ي��ث ي��وج��د رج���ال‬
‫يف اخل��ف��اء ي��راق��ب��ون ك � ّل ش��يء حتّى‬
‫املستقبل وذل��ك مب��ص��ادرة املنتجات‬
‫العلمية‪.‬‬
‫ه��ذا موضوع حتدّثت عنه كذلك‬
‫رواية «‪)1959( Minority Report‬‬
‫«ت��ق��ري��ر األق��ل��ي��ة» إذ ي��ك��ون بإمكان‬
‫البوليس أن يستشرف اجلرائم قبل‬
‫وقوعها‪.‬‬
‫ك � ّل ه��ذه األع��م��ال األدب��ي��ة تصوّر‬
‫ع��ن ط��ري��ق احل��ل��م ص���ورة جمتمعات‬
‫مشولية‪ .‬إنّ الواقع الراهن هو دائماً‬
‫خيتلف عن احلقيقة املقدَّمة إلينا‪.‬‬
‫هذه أمثلة من اجملتمعات احلديثة‬
‫حيث تُطرح املشاكل يف إطار التفتيش‬
‫ع���ن ح��� ّل ي��ق��ع ال��ب��ح��ث ع��ن��ه بصفة‬
‫فردية‪.‬‬
‫إنّ عدم الوصول إىل حلول ممكنة‬
‫أو خيالية كبديل للنظام الرأمسايل‬
‫الغربي أرغمت اخليال العلمي على‬
‫خلق عوامل تصل فيه هذه النظم إىل‬
‫القمّة أو إىل الالمعقول‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ّإن عـــــــــدم‬
‫ال��وص��ول إىل‬
‫حلول ممكنة‬
‫أو خياليــــــــة‬
‫كبديل للنظام‬
‫ال���رأمس���ال���ي‬
‫ال�����غ�����رب�����ي‬
‫أرغمت اخليال‬
‫العلمي على‬
‫خ��ل��ق عوامل‬
‫تصل فيه هذه‬
‫ال��ن��ظ��م إىل‬
‫القمّة أو إىل‬
‫الالمعقول‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أدب الخيال العلمي واستشراف المستقبل‬
‫«أدب اخليال العلمي‪ ..‬بني املمكن واملستحيل»‬
‫لينــا كيــالني‬

‫إذا كان أدب اخليال العلمي حيمل يف ثناياه رؤية خمتلفة للعلوم‬
‫فهو ال يعدم أن يكون رؤية للمستقبل يف الوقت ذاته‪ ،‬حتى‬
‫كاد أن يصبح فرعاً من فروع علوم مستقبلية تستشرف هذا‬
‫املستقبل تأسيساً على ما هو قائم حالياً‪ ،‬وذهاباً اىل أبعد حدود يراها الكاتب‬
‫وختتلف بني مؤلف وآخر‪ ..‬وكأنها خطوات تصل القادم بالقائم من العلوم‬
‫والتطور الذي وصلت اليه احلضارة املعاصرة‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫واملثل حاضر يف الغرب بشكل واض��ح وجلي‬
‫من خالل اهتمام مؤسسات البحث العلمي مبا‬
‫يفرزه اخليال اإلبداعي يف جمال أدب اخليال‬
‫العلمي حتى كادت دول بعينها تؤسس لتطورات‬
‫علمية‪ ،‬اىل جانب اخرتاعات وابتكارات تُستلهم‬
‫مم��ا يكتبه أدب����اء اخل��ي��ال ال��ع��ل��م��ي فرتصد‬
‫امليزانيات‪ ،‬وت��ق��ام امل��ؤمت��رات العلمية وكاتب‬
‫اخليال العلمي على رأس من يدعون حلضور‬
‫مثل هذه املؤمترات واللقاءات العلمية البحتة‪.‬‬
‫صحيح أن ذلك الكاتب ال��ذي كان حاضراً‬
‫يف امل��ؤمت��ر العلمي ال ي��ع��رف اخل��ط��وات اليت‬
‫ستوصل العلماء اىل م��ا ختيله لكن الصورة‬
‫هكذا بدت له استلهاماً‪ ،‬ووحياً‪ ،‬ورمبا عبقرية‪.‬‬
‫وكم من األفكار اخليالية العلمية بدت وكأهنا يف‬
‫سذاجة األطفال وأثارت كثرياً من التعجب منها‪،‬‬
‫أو اجلدل حوهلا لكنها يف النتيجة وصلت اىل‬
‫النقطة املتخيلة‪ ..‬فهل على الذين أتوا بعد هذه‬
‫املرحلة أن يستشرفوا آفاقاً جديدة اخرى؟ هذا‬
‫هو السؤال‪ .‬وما هو هذا اجلديد يف حبر العلوم‬
‫الذي ال ينفد ماؤه‪ ،‬ويف آفاقه اليت كلما ظننا أهنا‬
‫استوفت حدودها انفتحت أمامنا آفاق اخرى‪،‬‬
‫وتفتحت لدينا املغامرة يف اكتشاف أعماق ذلك‬
‫البحر؟‪ ..‬وقد تبدو األمور أحياناً مضحكة كما‬
‫لو أن أطفاالً يطلقون خياالهتم‪ ،‬لكن النظر اىل‬
‫هذه األحالم جيب أن يأخذ حيزاً من االهتمام‬
‫فالعلماء أنفسُهم يعرتفون أهنم استوحوا منها ما‬
‫أوصلهم اىل خمرتعاهتم‪.‬‬
‫واأله��م من كل ه��ذا وذاك هو وق��وف هذا‬
‫األدب على مشكالت احلاضر هبدف الوصول‬
‫اىل حلول مستقبلية تنبثق من اخليال لتصبح‬
‫واقعاً معاشاً وأكيداً‪ ،‬واألمثلة كثرية من حياتنا‬
‫املعاصرة بعد أن توصل العلم اىل حلول كانت‬
‫مستعصية سواء يف الطب‪ ،‬أو اهلندسة‪ ،‬أو علوم‬
‫الفضاء‪ ،‬أو الفيزياء‪ ،‬أو غريها‪ ،‬ولرمبا كانت‬
‫ه��ذه احل��ل��ول مبثابة ب���راءات اخ�ت�راع جي��ب أن‬

‫تسجل بأمساء أصحاهبا‪.‬‬
‫ومن اجلدير أن نذكر أن أدب اخليال العلمي‬
‫يعترب اآلن من أهم وسائط نقل الفكر العلمي‬
‫اىل األجيال‪ ،‬وهو يف الوقت ذاته حيفزها من‬
‫خالل نقل املعلومة العلمية ليس ضمن حدودها‬
‫املمكنة وامل��ع��روف��ة فقط ب��ل وص���والً اىل ما‬
‫ميكن أن متتد اليه تلك املعلومات العلمية‪ .‬أما‬
‫النتائج االجيابية لذلك فهي تكاد تظهر جلية‬
‫يف اجملتمعات الغربية بني فئة الشباب وهم‬
‫يقبلون على خمتلف جماالت العلوم وباألخص‬
‫علوم الكمبيوتر‪ ،‬ولو كان التعبري عنها بشكل‬
‫خاطئ أحياناً وغري موجه كقراصنة الكمبيوتر‬
‫من املراهقني واليافعني‪ ،‬والذين ميكن لعقوهلم‬
‫ال��ص��غ�يرة يف ال��س��ن‪ ..‬ال��ك��ب�يرة يف االستيعاب‬
‫واجل��م��وح‪ ..‬أن تربك حكومات ودوالً تتعرض‬
‫الخرتاقاهتم املعلوماتية‪.‬‬
‫فما بالنا حنن العرب وخ��ي��االت أل��ف ليلة‬
‫وليلة تطوف بيننا وه��ي تفرد عباءهتا على‬
‫مساحة ثقافتنا‪ ..‬أليس جديراً بنا أن نلتفت‬
‫اىل اللمحات العلمية اليت وردت إلينا ومل نتنبه‬
‫اىل أمهيتها كعلم ال كمجرد خيال؟!‪ ..‬ولو عدنا‬
‫لنفصّل يف هذا اإلجتاه لقلنا إن (إفتح يا مسسم)‬
‫ما هي إال أبواب الكرتونية تفتح بإشارة من نوع‬
‫م��ا‪ ..‬فاألمر إذن مل يعد يقع ضمن التسلية‬
‫واملستحيل بل أصبح واقعاً علمياً ممكناً وليس‬
‫حماالً‪ .‬ولعل املؤمتر األول ألدب اخليال العلمي‬
‫وال��ذي اقيم يف العام ‪ 2007‬قد ألقى الضوء‬
‫الكاشف على كنوز تراثنا العربي العلمية‪ ،‬وكان‬
‫رائدها (لوقيانوس السوري) فيما تركه من آثار‪.‬‬
‫وإذا كانت تراكمات الرتاث اإلنساني يف خمتلف‬
‫العلوم هي القاعدة األساس لإلنطالق اىل آفاق‬
‫جديدة من اإلكتشافات واملخرتعات فال أقل من‬
‫اإللتفات اىل تراثنا العلمي العربي الذي أفاد‬
‫الغرب منه الكثري بل كان عنصراً هاماً‬
‫وأساسياً يف هنضته‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪13‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ولكن باملقابل أين هو البحث العلمي العربي‬
‫الذي ميكن أن يقودنا اىل مفاتيح هذه الكنوز‬
‫فنكشف ع��ن أس���راره���ا‪ ،‬ونكمل م��س�يرة تلك‬
‫العلوم املتقدمة آن��ذاك؟‪ ..‬وأين بالتايل سيقف‬
‫أدب اخليال العلمي العربي يف ح��دوده مقابل‬
‫أدب اخل��ي��ال العلمي يف ال��غ��رب وه��و يرتكز‬
‫على منجزات الغرب العلمية‪ ،‬وطموحاته حنو‬
‫حتقيق املستحيل وما هو أبعد من اخليال؟ ولعل‬
‫الفرنسي (جول فرين) قبل قرن وأكثر من اآلن‬
‫قد حسم اإلجابة بقوله‪« :‬لقد بنيت خمرتعاتي‬
‫باستمرار على أساس من احلقائق العلمية»‪.‬‬
‫إن استشراف املستقبل ال ينبثق من فراغ وإمنا‬
‫هو يأتي تأسيساً على ما هو قائم‪ ،‬فما بالنا‬
‫مبا أجنزه اإلنسان على هذه األرض عرب آالف‬
‫السنني وما أفسده بالتايل اإلنسان املعاصر يف‬
‫البيئة حتى كاد أن يفقدها كماهلا وانسجامها‬
‫وع��ي��ن��ه ال ت��ق��ف��ل ع���ن ال��ن��ظ��ر اىل املستقبل‬
‫باستمرار؟‪ ..‬ولكن كيف سيكون هذا املستقبل؟‬
‫وما هي عوامل ازدهاره ومنائه؟ وكيف سيصلح‬
‫اإلنسان ما دمره عرب قرون ودهور؟‬
‫سؤال نطرحه وحنن نبحث يف أدب اخليال‬
‫العلمي ال ك��أدب حم��ض‪ ،‬أو خيال بل كخيال‬
‫مؤسَس على العلم حتمله أجنحة األدب فإذا‬
‫هو حاضر يف ثقافات األمم والشعوب كشعلة‬
‫م��ن ن��ور جت��ذب اليها األن��ظ��ار وال��ع��ق��ول‪ ،‬أو‬
‫كجرس إن��ذار يقرع إزاء القادم من األخطار‪،‬‬
‫أما شطحات هذا اخليال العلمي فهي حلول‬
‫ملشكالت أو انفراجات ملعضالت‪.‬‬
‫ولكننا نقول يف الوقت ذاته إن من اخليال‬
‫العلمي م��ا مل يتحقق ب��ع��د‪ ..‬فهل ك��ان خياالً‬
‫مستقبلياً مل حين موعده بعد أم أن��ه حمض‬
‫خيال؟‪ ..‬ال جيوز أن نسأل مثل هذا السؤال إذا‬
‫كان هذا اخليال قد تأسس على علم أكيد له‬
‫شروطه وق��واع��ده‪ ،‬فالصعود اىل القمر الذي‬
‫جسده اخليال العلمي مل يكن حمض خيال ألنه‬

‫‪14‬‬

‫كان مبنياً على العلم‪.‬‬
‫وهذا يقودنا ب��دوره اىل لب هذا البحث يف‬
‫الفرق بني احلتمية العلمية واخليال العلمي‪.‬‬
‫فاحلتمية العلمية غ�ير قابلة للتغري‪ ،‬وهي‬
‫تستقي ثباهتا من حيث إهنا حتمية وال جمال‬
‫ألن يدخل عليها ج��دي��د‪ ..‬وق��ان��ون اجلاذبية‬
‫األرض��ي��ة هو حتمي وأك��ي��د‪ ،‬وكذلك األفالك‬
‫يف دوراهن��ا ودوراهت���ا‪ .‬لكن اخليال العلمي قد‬
‫اخ�ترق هالتها وه��و يبحث يف امكانية تناول‬
‫هذه احلقائق والقوانني الطبيعية الثابتة من‬
‫زاوية اإلفادة منها وتسخريها للوصول اىل آفاق‬
‫أبعد‪ .‬وإذا كانت احلتمية العلمية حمددة فإن‬
‫اخليال باملقابل غري حمدود‪ ،‬وهو يف شطحاته‬
‫يذهب بعيداً وبعيداً جداً أحياناً‪ ..‬لكن احلتمية‬
‫العلمية هي ال�تي تضبط ايقاعه وتدفعه يف‬
‫مساره الصحيح ليكون خياالً علمياً ال خياالً‬
‫جمرداً‪ .‬إن حبة البطاطا أو حبة الفاصولياء لو‬
‫زودت باهلرمونات ميكنها أن تصل اىل حجم‬
‫قياسي‪ ،‬وهذه حتمية علمية ال يستطيع اخليال‬
‫العلمي جتاوزها لكن اخليال اجملرد يف القصة‬
‫اليت كنا نقرؤها وحنن صغار جعلت من تلك‬
‫احلبة شجرة تصل اىل السماء‪ .‬ولو ختيلنا أن‬
‫الغازات املنبعثة من الصناعات تضاعفت اىل‬
‫حد حجبت معه أشعة الشمس عن األرض فهل‬
‫يستطيع اخليال العلمي أن جيد حلوالً ال تتجاوز‬
‫احلتمية العلمية؟ هذا وارد مادامت آفاق العلم‬
‫مفتوحة على أوسع مدى بعد أن حقق األنسان‬
‫فيها إجنازات هائلة‪.‬‬
‫وم��اذا ب��ع��د؟‪ ..‬مادمنا قد وصلنا اىل هذه‬
‫املرحلة املتقدمة ج��داً م��ن التطور يف العلم‬
‫واالك���ت���ش���اف‪ ..‬ف��ال��ط��ري��ق أص��ب��ح��ت ممهدة‪،‬‬
‫واالرتقاء هبذه األفكار أصبح وارداً بل ممكناً‬
‫بعد أن كان مستحيالً ‪ ،‬أما وأن هذا املستحيل‬
‫مير بالتطور احلتمي والتارخيي فإن اخليال‬
‫العلمي جيب أن يتجه فيما بعد هذه املراحل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ولو كانت يف الذروة‪.‬‬
‫وعلى افرتاض أن عاملنا مهدد بالزوال لسبب‬
‫أو آلخ��ر‪ ،‬وأن اإلرث احلضاري للبشرية رمبا‬
‫سيفقد على إثر هذا التهديد فهل حنن قادرون‬
‫ضمن ش��روط احلتمية العلمية على أن ننقذ‬
‫شيئاً منه وخاصة أهنم أنشؤوا بنوكاً للبذور‪،‬‬
‫ولألجنة‪ ،‬والنطف‪ ،‬وغريها؟ هذا ما ميكن أن‬
‫جييب عليه بدقة اخل��ي��ال العلمي ال��ذي يقع‬
‫ضمن تلك الشروط فننجح أو نفشل يف إنقاذ‬
‫إرث العامل‪.‬‬
‫وإذا كانت الغايات دائماً هي رفاهية االنسان‬
‫واالرتقاء به‪ ،‬وازده��ار احلياة على األرض إىل‬
‫أبعد احلدود حتى االستنفاد فكيف سيساعد‬
‫اإلنسان يف اخليال العلمي فيما لو فقد إحدى‬
‫هذه املعجزات اليت حتققت‪ ،‬أو انقلب به األمر‬
‫اىل نقاط الصفر فعاد اىل الوراء كما بدأ؟‪ ..‬إذن‬

‫فالسؤال‪ :‬ماذا يفعل؟ أو كيف يبدأ من جديد؟‬
‫أو كيف يتدارك تلك اهلوات السحيقة اليت ميكن‬
‫أن تنفتح له واليت نالحظ انبثاقاهتا الصغرية‬
‫اآلن‪ .‬فالبحار مثالً مهددة بالتلوث‪ ،‬والفضاء‬
‫يُستغل اىل حدود مل تكن متخيلة يف االتصاالت‬
‫ورمبا سُخر للحروب‪ ،‬والبيئة تتحطم من حولنا‬
‫وكأهنا متوت‪ ،‬حتى اهلواء يتغري تركيبه‪ ،‬واملاء‬
‫يفقد طعمه‪ ..‬فماذا سيفعل االن��س��ان؟ وهل‬
‫سيسعفه اخليال يف ابتكار وسائل جديدة؟‬
‫بأي شيء سنستضيء إذا انعدمت الكهرباء؟‬
‫هل نعود اىل قدح األحجار أم ننتظر املصادفات‬
‫الصطياد بؤرة اإلحرتاق من الشمس؟ إذن جيب‬
‫أن يعمل خيالنا يف تصور مثل هذه األحوال‪،‬‬
‫للعثور على البدائل‪ ،‬وال نتفاخر اآلن بأن لدينا‬
‫البنوك للبذور الزراعية‪ ،‬وتلك االخرى‬
‫للنطف احل��ي��وان��ي��ة‪ ،‬وغ�يره��ا للمبادئ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪15‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العلمية والطبية ال�تي وصلت باحلضارة اىل‬
‫م��ا ه��ي عليه ألن ه��ذه أي��ض �اً ليست مهددة‬
‫باالندثار بل بانصراف الناس عنها‪ ،‬إذ قلما‬
‫نستفيد من أسرار احلضارة الفرعونية مثالً‪،‬‬
‫أو من جتليات حضارات اخرى كالفارسية‪ ،‬أو‬
‫اهلندية‪ ،‬واآلسيوية‪ ،‬ورمبا اإلسالمية أيضاً‪ .‬أمل‬
‫تكن منجزات تلك احلضارات كلها هي عصارة‬
‫اخليال املبين على العلم آنذاك؟ صحيح أن العلم‬

‫‪16‬‬

‫اآلن هو جترييب‪ ،‬ومبين على الدالئل املادية‬
‫الصحيحة ولكن العلوم فيما مضى كانت هلا‬
‫وسائلها اليت توصل اىل اإلجن��ازات فنحسبها‬
‫اآلن إما معجزات‪ ،‬أو مبالغات‪ ،‬ورمبا صنفناها‬
‫باألساطري واخلرافات‪.‬‬
‫أال نتساءل مثالً ملاذا أتت األسطورة مبخلوق‬
‫نصفه إنسان ونصفه اآلخر ثور‪ ،‬ونصنفها يف‬
‫اخل��ي��االت واخل��راف��ات بينما ميكن أن تكون‬
‫حقيقية؟‪ ..‬وباملقابل ماذا استفاد املصرييون‬
‫من آث��ار الفراعنة لديهم؟‪ ..‬مل يستفيدوا إال‬
‫بالنذر اليسري ج��داً‪ .‬ميكننا أن نستخدم اآلن‬
‫طاقة الذرة يف جمال االتصاالت ونقفَ عاجزين‬
‫مندهشني إذا ما اكتشفنا أن اإلنسان يف املاضي‬
‫كان يستخدم طاقة التخاطر يف التواصل وحنن‬
‫النزال حنلم بالوصول اىل هذه املرحلة املتقدمة‬
‫من علوم املاورائيات‪.‬‬
‫إن خيال ما بعد املمكن والذي هو مستحيل له‬
‫أقسام وكل قسم منه ينتمي اىل أناسه وعلمائه‪،‬‬
‫لكن األدب يظل شامالً لكل هذه األقسام أو‬
‫الفروع‪.‬‬
‫وحتى ال تكون آلجيالنا صدمة املستقبل‬
‫حسب تعبري (ألفني توفلر) يف كتابه (صدمة‬
‫املستقبل) ف��إن��ه جي��ب على اخل��ي��ال العلمي‬
‫العربي أن ينهض وأن ينتعش‪ ..‬أما استشراف‬
‫املستقبل فقد أصبح ض��رورة ال ترفاً لندرك‬
‫أين ستصل بنا هذه احلضارة يف تسارعها غري‬
‫املعقول‪ .‬فكما هي ألعاب الفيديو (‪) Games‬‬
‫اليت تستلب صغارنا وهم يقبلون عليها برغبة‬
‫جارفة البد أن تصبح قصص اخليال العلمي‬
‫واقعاً مشاهباً‪ ،‬فتلك األلعاب عدا عن أهنا ألعاب‬
‫للتسلية وال��ت��دري��ب فهي أي��ض�اً تطرح أسئلة‬
‫تبحث عن حلول هلا حول حقائق علمية تتهدد‬
‫نسمة احلياة فوق هذه االرض‪ ،‬أو على األقل‬
‫هي توقعات أقرب اىل اإلثبات منها اىل النفي‪.‬‬
‫وم��ن ه��ذا املنطلق يصبح للخيال العلمي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫دوره الرائد على مستوى العامل يف الوصول اىل‬
‫حلول تنتظرها البشرية لتنقذ نفسها من هالك‬
‫رمبا يكون مدمراً‪ ..‬كانتشار األوبئة واألمراض‬
‫الفتاكة‪ ،‬أو ارتفاع درجة حرارة األرض‪ ،‬وذوبان‬
‫الثلوج القطبية‪ ،‬وارتفاع منسوب مياه البحار‪،‬‬
‫وب��ال��ت��ايل تغري م��س��ارات امل�لاح��ة ع�بر البحار‬
‫واحمليطات‪ ،‬أو التصحر واجلفاف‪ ،‬أو انقراض‬
‫بعض األجناس احليوية‪ .‬ويقول خرب من األخبار‬
‫إن العديد من علماء البيولوجيا يؤكدون أن‬
‫االحتباس احلراري‪ ،‬وتغري املناخ قد يتيح ظهور‬
‫أصناف خطرية من البكترييا املنتجة لكميات‬
‫هائلة من غازي امليتان واآلزوت اللذين يهددان‬
‫احلياة على سطح األرض عندما تذوب طبقات‬
‫اجلليد فتنتعش البكرتيا القاتلة‪ ،‬وتنتشر سـحب‬
‫ال��غ��ازات بكميات ق��د تغلف ال��ك��رة األرضية‬
‫بأكملها فينعدم األكسجني‪ ،‬وحي��دث اختناق‬
‫كامل لكل الكائنات احلية‪.‬‬
‫احلتمية العلمية ه��ي مزلق خطر لكتّاب‬
‫اخليال العلمي ما مل تكن الثقافة العلمية لديهم‬
‫ناضجة بالشكل وبالقدر املطلوب وخاصة أن‬
‫اخليال املنقذ أو ملا بعد املمكن هو الذي جيب‬
‫أن نتوجه اليه فنشحذ أخيلتنا‪ ،‬ونشهر أصابعنا‬
‫ال أقالمنا فوق الشبكة العنكبوتية لنفتح أذهان‬
‫الناس على حقائق هي غامضة لديهم اآلن بل‬
‫مستحيلة‪ ،‬ومن املفارقات أهنا تصبح ممكنة بعد‬
‫هذه االنبثاقات الصغرية اليت تدل عليها اآلن‪.‬‬
‫فمثال هم ينبؤون ببدء ذوب��ان الثلوج القطبية‬
‫ف��م��اذا يعمل خيالنا ول��و كنا ك� ّت��اب�اً ال علماء‬
‫لتحاشي املخاطر اليت تنجم عن ذل��ك؟‪ ..‬هل‬
‫نفرغ مدن السواحل مثال من سكاهنا لننقلهم‬
‫اىل ال��دواخ��ل قبل أن ترتفع مناسيب املياه؟‬
‫وهل يؤثر ذلك على أساليب البناء‪ ،‬والسكن‪،‬‬
‫واملواصالت‪ ،‬والعالقات بني البشر‪ ،‬وحتى نوع‬
‫األلبسة اليت يرتدوهنا؟ هل ميكن كما يتصور‬
‫بعض الفنانني أن تؤسس بيوتاً ال من الصخر بل‬

‫من اجلليد القاسي كالصخر لريقد فيها الناس‬
‫ضمن شروط معينة؟‬
‫يكاد يعجز اخليال يف متابعة هذه املالمح‬
‫الصغرية جداً اليت قد جتعل من عنكبوت صغري‬
‫وحشاً ساماً فيما لو استفاد من مواد عضوية‬
‫أو بكتريية منتشرة يف األرض مع االمسدة مثالً‪،‬‬
‫أو ما هو مفعول االمس��دة اذا جتاوزت‬
‫حدها يف منو النبات (كما ورد يف رواييت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪17‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بعنوان‪ :‬النبات ال��ذي أصبح قاتالً) وبسرعة‬
‫ك��ب�يرة؟ فقد حي��اص��ر ن��ب��ات م��ا على األرض‬
‫بناباتات ورمبا بأشجار ال حتتاج إال اىل وقت‬
‫قصري لنموها لتطمس ك��ل حم���اوالت الناس‬
‫املوجودين يف دائرهتا للخالص منها‪ .‬كل هذا‬
‫وغريه يأتي كما أسلفنا تأسيساً على ما هو قائم‬
‫حالياً‪ ،‬وكنتيجة ملا ميكن أن يكون بناءً على ما‬
‫بني أيدينا من معطيات علمية‪.‬‬
‫إن هذا التمازج الرائع بني العلم واخليال الذي‬
‫يأتي به أدب اخليال العلمي جيعله متفرداً بني‬
‫األجناس األدبية االخرى فهو مؤثر يف اجملتمعات‬
‫وخ��اص��ة ب�ين فئة الشباب‪ ،‬أو مم��ن يتمتعون‬
‫باالنفتاح الفكري‪ ،‬كما هو يتأثر بإفرازات العلم‬
‫إذ جيعل منها مرتكزات ومنطلقات له‪ ،‬وبالتايل‬
‫فهو يعود لتأثريه على أهل العلم فيضعون هذا‬
‫اخليال موضع النقاش والدرس‪ ،‬ورمبا اعتمدوه‬
‫كأساس ملنطلقاهتم النظرية‪ .‬ولعل أبرز ما مييز‬
‫هذا اجلنس األدبي يف تفرده هو هذا التفاعل‬
‫املتبادل بينه وبني العلم واملستمر بآن معاً‪ ،‬فكما‬
‫أن احلضارة املعاصرة وثورة التكنولوجيا تفرز‬
‫يومياً اجلديد على ساحتها فإن أدب اخليال‬
‫العلمي هو بالتايل متجدد معها أخذاً وعطاءً‪.‬‬
‫وم����ادام أدب اخل��ي��ال العلمي ي��ت��وج��ه اىل‬
‫املستقبل‪ ..‬بينما الغد جمهول بالنسبة إلينا‬
‫فكيف ميكن هل��ذا األدب أن يأتي مبا حيطم‬
‫هذا اجملهول وهو يف الوقت ذاته ال خيرج عن‬
‫دائرة أحالم البشرية املستقبلية؟ معادلة صعبة‬
‫بل هي السهل املمتنع الذي يقودنا من جديد‬
‫يف مسار احلتمية العلمية اىل جانب الرؤى‬
‫االستشرافية‪.‬‬
‫إن اخليال العلمي من حيث املبدأ ال يقبل‬
‫التباسه باخلرافة أو األسطورة ألنه أدب واقعي‬
‫بقدر ما هو خيايل‪ ،‬مبعنى أن هذا اخليال رغم‬
‫شطحاته البعيدة قابل ألن يكون واقعاً ولو بدا‬
‫للوهلة األوىل على أنه خيال جمرد‪ ،‬فالفرضية‬

‫‪18‬‬

‫العلمية هي منطلقه والواقع العلمي هو ما يفتح‬
‫له آفاقاً جديدة وه��ذا هو السلم ال��ذي صعد‬
‫به العلم على وحي واجتاهات اخليال العلمي‪.‬‬
‫والفوارق الدقيقة بني اخليال العلمي واألسطورة‬
‫تكاد تكون جلية وواضحة فعلى الرغم من أن‬
‫االسطورة محلت داخلها بذرة علمية ولو ضئيلة‬
‫فقد ظلت تصنف على أهنا أسطورة ذلك ألن‬
‫املسار ال��ذي س��ارت فيه كان خياالً صرفاً يف‬
‫ح�ين أن اخل��ي��ال العلمي ال��ذي أس��اس��ه العلم‬
‫تظل تفرعاته اخليالية قابلة علمياً للتحقيق‪.‬‬
‫وهذا يقودنا بدوره اىل تفرعات اخليال العلمي‬
‫مبوضوعاته اليت أصبحت أكثر من أن حتصى‬
‫بتفرعات ال��ع��ل��وم ودق���ة اختصاصاهتا حتى‬
‫أصبحنا يف زمن اختصاص االختصاص وهذا‬
‫ما غ��دا ب��دوره يفرض على الكاتب أال خيلط‬
‫األوراق‪ ،‬وأن يتحدد بالدقة العلمية وأن يقف على‬
‫حدود هذه العلوم فيحرتمها يف اختصاصاهتا‪.‬‬
‫ولعل السينما هي أكثر الفنون املعاصرة‬
‫استفادة من اخليال العلمي‪ ،‬والسينما اليت‬
‫جسدت اخليال العلمي قد حققت هذه املعادلة‬
‫فهي على الرغم من مغامرهتا يف خلق أجواء‬
‫خيالية وغ�ير م��أل��وف��ة إال أهن��ا مل تقفز فوق‬
‫خصوصية امل��وض��وع ب��ت��ج��اوزات‪ ،‬أو دم��ج مع‬
‫م��وض��وع��ات اخ���رى‪ ،‬أو خلط بينها فالعمل‬
‫السينمائي الذي يتحدث عن االستنساخ مثالً ال‬
‫ينحرف باملشاهد عن هذا اخلط ليجد املشاهد‬
‫نفسه يف عوامل مدن الفضاء املستقبلية وهي‬
‫تسبح يف أرج��اء الكون‪ .‬والفيلم الشهري الذي‬
‫جسد حياة الديناصورات على األرض قد اتقن‬
‫اجلو العلمي عندما خلق كامل ش��روط عيش‬
‫ه��ذه األحياء ومل يُدخل اىل العمل خملوقات‬
‫ن��زل��ت م��ن الفضاء لتجد نفسها يف موجهة‬
‫دي��ن��اص��ورات ك��ان��ت منقرضة ب��ل ظ��ل العمل‬
‫ضمن سياق معني يناقش فرضية ال تلتبس مع‬
‫فرضيات اخرى‪ .‬فالسينما يف هذه احلال قد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫تقيدت اىل حد ما مبناخ كل قصة من اخليال‬
‫العلمي ألن الشطحات والنقالت غري واردة يف‬
‫اللغة البصرية‪.‬‬
‫ً‬
‫والسينما قد بلورت أيضا هذا االجتاه بوضوح‬
‫آخذة بعني االعتبار أن اإلنسان املعاصر بعد أن‬
‫وصل اىل درجة عالية من الوعي مل يعد يقبل‬
‫هذا اخللط الساذج‪ ،‬وحتى األطفال مل يعودوا‬
‫يقبَلون الالمنطقية ضمن اخليال‪ .‬إضافة اىل‬
‫أن السينما قد احرتمت اللغة البصرية ألهنا‬
‫تقع ضمن منطقيتها فال تقوم بقفزات تربك‬
‫امل��ش��اه��د‪ ،‬أو جتعله ال جي��د التفسري هل��ا‪ ،‬أو‬
‫هي تستعصي عليه يف الفهم والتقاط حملاهتا‬
‫ومغزاها اذ ال جيوز العبث بعقالنية املشهد رغم‬
‫غرابته أو تفرده‪.‬‬
‫وكما أن للعلم فروعَه يف البيئة‪ ،‬والفضاء‪،‬‬
‫والفيزياء‪ ،‬وباقي العلوم الالمتناهية فإن للخيال‬
‫العلمي أيضاً فروعَه اليت يبحر هبا‪ .‬والكاتب‬
‫يتجه اىل علم من العلوم فتنضج ثقافته فيه‬
‫ليستطيع أن يقفز منه اىل اخليال‪ ،‬والدقة يف‬
‫اخليال العلمي لديه تكاد تقارب الدقة العلمية‬
‫ذاهتا إذ كيف ميكن أن يتطاول حلمنا يف العيش‬
‫فوق كوكب آخر بينما ننقل اليه شروط ما حنن‬
‫عليه يف كوكب األرض ال ضمن الشروط اجلديدة‬
‫اليت تتناسب مع شروط الكوكب اجلديد؟ هذا‬
‫مما يرفضه اخليال العلمي الصحيح‪.‬‬
‫أما املبالغات اليت حققتها السينما فهي ال‬

‫تعدم أمهيتها يف أن يواكبها اخليال العلمي يف‬
‫البحث عن املستحيل ال��ذي ميكن أن حنققه‬
‫وجن��ع��ل��ه مم��ك��ن�اً‪ .‬وف��ي��م��ا ل��و سلبت م��ن��ا هذه‬
‫احلضارة‪ ،‬أو انقلبت الصورة لسبب أو آلخر‬
‫وذل��ك بعد أن آمنا وسلّمنا باحلتمية وحنن‬
‫ماضون هبا بدءاً باكتشاف الـ ‪ DNA‬وصوالً‬
‫اىل اجلينوم البشري‪ ،‬وختليق األعضاء فماذا‬
‫حنن فاعلون؟‪ ..‬أليس من مهمة اخليال العلمي‬
‫اآلن البحث عن بدائل حضارية ملا يتحقق فيما‬
‫لو توقف فجأة ضمن احلتمية العلمية وهي‬
‫تتقدم يف مسارها؟‬
‫ه��ذا م��ا أج���ده م��ن وج��ه��ة ن��ظ��ري على أنه‬
‫املسار اجلديد ال��ذي على اخليال العلمي أن‬
‫يواكبه يف قفزاته حنو استشراف املستقبل‪،‬‬
‫واحتفاظه بأمهيته وألقه كبوابة سحرية اىل‬
‫عوامل تدخل يف نسيج احلياة لتخرج منها اىل‬
‫الضفة البعيدة‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ه��ذا ليس حب��ث�ا واس��ع �ا وإمن���ا ه��و مدخل‬
‫للبحث يف اخليال العلمي املرتجح بني املمكن‬
‫واملستحيل‪ ..‬بني احلتمية العلمية وبني االفاق‬
‫الالحمدودة‪ .‬ولعلي قد أثرت بعض النقاط اليت‬
‫ميكن أن توجهنا حنن كتّاب اخليال العلمي اىل‬
‫مساحات جديدة‪ ،‬وموضوعات جديدة هي على‬
‫اي حال مستقبلية كما كان ما وردنا يف القرن‬
‫املاضي وما قبله مما حتقق اآلن أو يف سبيل‬
‫حتقيقه على أقل تقدير‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪19‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مقارنة بين روايتين‬
‫من الخيال العلمي االستشرافي‬

‫تتناوالن موضوع ًا واحد ًا بطريقتني متقابلتني‬
‫د‪.‬حممد اهلادي عيّــاد ‪ /‬تونس‬

‫يبدو ّأن أدب االستشراف هو األدب األكثر انتشاراً اليوم يف‬
‫الغرب‪ .‬يسمّيه البعض أدب الكوارث أو األدب الكوابيسي أل ّنه‬
‫أدب يثر اإلشكاليات اخلطرة اليت يطرحها التطوّر العلمي‬
‫خاصة بعد مأساة “هروشيما”‪.‬‬
‫الذي حاد عن مساره يف بعض األحيان ّ‬
‫َّ‬
‫َه ُّـم ك ّتاب االستشراف ُ‬
‫لفت االنتباه إىل الكوارث القادمة املتوقع حدوثها‪.‬‬
‫هذه الكوارث متنوّعة‪ :‬بيئية‪ ،‬علمية‪ ،‬اقتصادية ‪ ،‬سياسية وغرها‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫تعكس رواي��ات االستشراف خوف اإلنسان‬
‫املتزايد من قادم األيّام‪ ،‬من اخلطر النووي‪ ،‬من‬
‫تلوّث البيئة‪ ،‬من الفريوسات املهجّنة‪ ،‬من سوء‬
‫استخدام العلم‪ ،‬من احنراف اهلندسة اجلينية‬
‫عن مسارها‪ ،‬من مصري اجلنس البشري‪...‬‬
‫ي��درس أدب االستشراف احلاضر ويتكهّن‬
‫باملستقبل‪ ،‬فهو يهدف إىل أن جيعلنا نف ّكر يف‬
‫حاضرنا ويف غدنا‪ .‬إ ّن��ه أدب ه��ادف وملتزم‪.‬‬
‫م��ل��ت��زم ب��ال��ق��ض��اي��ا ال�ت�ي ي��ث�يره��ا وه���ي ختصّ‬
‫مستقبل اإلنسان والكون‪ .‬فهو ال حيدّثنا عن‬
‫املستقبل إ ّال ليسلّط األضواء على احلاضر‪ .‬إ ّنه‬
‫يتضمّن دعوة للوعي مبآسي احلاضر وحتذيراً‬
‫ممّا قد يقع من كوارث يف املستقبل لالستعداد‬
‫ملواجهتها والعمل على عدم حدوثها‪.‬‬
‫مل يعد ال��ع��الَ��م ينعم باالطمئنان يف ظ ّل‬
‫الكوارث اليت يتسبّب فيها التقدّم العلمي‪ ،‬ويف‬
‫ظ ّل األزمات السياسية وحتلّل اجملتمعات وتغيّر‬
‫املناخ‪ .‬هذه الكوارث جعلته مييل إىل التشاؤم‪،‬‬
‫إىل اخلوف من قادم األيام‪.‬‬
‫يقول «ج‪ .‬ل‪ .‬روفان» ‪( :‬لو مند الديبلوماسي‪-‬‬
‫فرنسا – سبتمرب ‪ : )2004‬إنّ اخليال الذي يبدو‬
‫اختالقاً وهبتاناً وغري واقعيّ هو يف الواقع شكل‬
‫من أشكال احلقيقة‪ .‬ه��ذه احلقيقة ال ميكن‬
‫التعرّف عليها بشكلها ولكن بصوت تستطيع‬
‫األذن البشرية أن متيّزه‪.‬‬
‫ويقول «أليكسندر سوجلينيتسني» يف خطابه‬
‫يف «ستوكهومل» عند حديثه عن «حقوق الكاتب»‬
‫(ط‪ .‬الساي‪ ،‬باريس ‪ )1972‬إ ّنه عاش يف عالَم‬
‫حيكمه العقل والعلم حيث كانت ك ّل اخلطابات‬
‫كذبا وك��ان ال��ك��ذب آن���ذاك ه��و الشكل املعتاد‬
‫للحقيقة‪ .‬وعلى ه��ذا األس��اس بيّن الدواعي‬
‫اليت جعلته خيتار طريقة ملتزمة يف الكتابة‪.‬‬
‫فاخليال الذي يقدَّم عادة على أ ّنه كذب وهبتان‬
‫هو يف الواقع أحد أشكال احلقيقة‪.‬‬
‫ولكن هل إنّ ك ّل روايات اخليال العلمي تعمل‬

‫على استكشاف احلقيقة؟‬
‫يقول «روفان» ‪ :‬ك ّل خيال له سجلّه للحقيقة‬
‫ومفهوم خاصّ هلا‪ .‬وتبعاً لذلك يصنّف روايات‬
‫اخليال العلمي إىل ثالثة أصناف‪:‬‬
‫الغريب والعجيب‪.‬‬
‫الفانطازيا (مثل حرب النجوم)‬
‫االستشراف وهو نوع من ُّ‬
‫الذهان اهلذياني‪.‬‬
‫وهو األهمّ‪.‬‬
‫تعمد رواي��ات اخليال العلمي االستشرايف‬
‫ال���ذي ه��و ن��وع م��ن ُذه����ا ٍن ه��ذي��ان��ي إىل تغيري‬
‫الواقع قليالً ليستنتج منه الكاتب نتائج تكون‬
‫مادّة لنقد مظاهر اجتماعية أو سياسية‪ .‬وهي‬
‫تقنية يصوّر فيها هذا الكاتب عوامل قريبة من‬
‫عالَمنا حيث تكون األحداث اليومية الختتلف‬
‫كثريا عن الواقع املعاش‪ ،‬غري أنّ هناك بعض‬
‫امل��ع��امل واملظاهر ال�تي تتغيّر وت��ك��ون نتائجها‬
‫وخيمة على البشرية ولكن غري حمسوسة يف‬
‫الوقت الراهن‪.‬‬
‫هذه الفرضيات املتزحزحة عن الواقع بعض‬
‫الشيء ميكن أن تكون أحداثها حتدث يف املاضي‬
‫وتنتمي إىل «التاريخ البديل» أو األوكرونيا مثل‬
‫رواي��ة «فارهنايت ‪ »451‬لصاحبها «برادبوري»‬
‫ع������ام‪ ،1953‬رواي����ة أف��ض��ل ال���ع���وامل املمكنة‬
‫لــ»هيكسالي»‪ ،1931‬أو ‪ 1984‬لــ»أورويل» اليت‬
‫مت� ّث��ل الشكل األم��ث��ل هل��ذا ال� ّ�ذه��ان اهلذياني‬
‫السياسي‪ .‬ولع ّل أحسن من مي ّثل هذا النوع من‬
‫االستشراف السياسي على الساحة العربية‬
‫الكاتب السوري طالب عمران بروايته «األزمان‬
‫املظلمة» الصادرة عام ‪ 2004‬وهي ال تق ّل قيمة‬
‫عن هذه األعمال املتميّزة يف الغرب‪ .‬ولقد سبق‬
‫وقمنا مبقارنتها مع رواية «‪.‬ل‪ .‬روفان» «قلوباليا»‬
‫واملقال منشور يف جملّة اخليال العلمي‪.‬لقد‬
‫ص��درت��ا يف نفس السنة وتعاجلان موضوعاً‬
‫متشاهباً‪ .‬ونعتزم يف هذه البحث مقارنة رواية‬
‫«قلوباليا» ورواية «بيار بورداج»‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪21‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تصورات نهاية العالم في‬
‫سينما الخيال العلمي‬
‫د‪ .‬مسري جرب‬

‫إن نهاية العامل شكلت الركن األقوى واألكثر غموضاً يف أدب اخليال‬
‫العلمي منذ القدم وحتى يومنا هذا ‪ .‬فمن الطوفان املذكور يف‬
‫التقويم البابلي يف ملحمة غلغامش وحتى العلوم املتطورة يف‬
‫القرن احلادي والعشرين ‪ ,‬واضح بشكل جلي بأنه ليس هناك حدود على قدرة‬
‫اإلنسان على تصور لنهاية الكارثية لعاملنا‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫يقول علماء النفس املتخصصون‬
‫يف علم األحالم واخليال اإلنساني‪ ،‬إن‬
‫أفكار اآلخرة كامنة يف الوعي اإلنسان‪.‬‬
‫وإن كل ما تصوره كتاب اخليال العلمي‬
‫يف رواي��اهت��م ه��و تعبري ع��ن أحالمهم‬
‫وك��واب��ي��س��ه��م وخم��اوف��ه��م وتصوراهتم‬
‫اخليالية مل��ا ميكن أن حي��دث أو قد‬
‫حدث‪ ،‬خرياً كان أم شراً ‪.‬‬
‫أما عن التنبؤات فاإلجابات عديدة‬
‫وغريبة‪ ،‬وكلها جمرد اجتهادات مبنية‬
‫على أس��س علمية ت���ارة‪ ،‬وافرتاضات‬
‫غري واقعية ت��ارة أخ��رى‪ ،‬بل يف بعض‬
‫األحيان‪ ،‬مت حتديد موعد هناية العامل‬
‫بالساعة والدقيقة‪ ،‬فموعد ووسيلة‬
‫هناية العامل من أكثر األمور اليت حتدثت‬
‫فيها احل��ض��ارات القدمية وأصحاب‬
‫ال��ن��ب��وءات اخليالية وم��دع��و القدرات‬
‫اخل��اص��ة‪ ،‬وت��ق��ف كلمة (هرجمدون)‬
‫‪ Armageddon‬عند الثقافة الغريبة‬
‫مبعنى النهاية أو بداية النهاية كشيء‬
‫حتمي كالشمس والقمر‪ ،‬وعند حضارة‬
‫(امل��اي��ا) القدمية وال�ت�ي ازده���رت بني‬
‫ع��ام��ي ‪ 200‬و‪ 800‬م��ي�لادي��ة‪ ،‬هناك‬
‫اعتقاد بأن العامل سينتهي بقدوم عام‬
‫‪2012‬م مستخدمني يف حساباهتم‬
‫وسائل فلكية ورياضية معقدة‪ ،‬وهذا‬
‫يعين أن العامل سينتظر بطالن النبوءة‬
‫كما بطلت نبوءة (نوسرتاداموس) بنهاية‬
‫العامل عام ‪ ،1997‬أو كما انتظر البعض‬
‫أن تكون هناية العامل عام ‪ 1000‬م أو‬
‫‪2000‬م حسب ت��أوي�لات وتفسريات‬
‫خاطئة آليات جاءت يف التوراة واإلجنيل‪،‬‬
‫وآخرون ادعوا إهنا ستقع عام ‪2271‬م‪،‬‬
‫وهناك نبوءات أخرى فرعونية وبابلية‬
‫وإغريقية ورومانية وعربية‪ ،‬وعلى هذا‬

‫فإن العامل شهد العديد من النهايات‬
‫املفرتضة وسيشهد العديد منها يف‬
‫املستقبل!‪..‬‬
‫إن هناية العامل س��واء ك��ان السبب‬
‫ف��ض��ائ��ي�اً أو أرض��ي��اً بفعل اإلنسان‪،‬‬
‫شغل كتاب اخليال العلمي منذ ماري‬
‫ش��ي��ل��ي ‪ Mary Shelley‬وادغ����ار‬
‫آالن بو ‪ Edgar Alan Poe‬وجول‬
‫ف�يرن ‪ Jules Verne‬ات��ش جي ويلز‬
‫‪ H.G.Wells‬ال��ذي��ن ص���وروا هناية‬
‫العامل بأشكال خمتلفة‪ .‬ولكن املخاوف‬
‫من التطور التكنولوجي والقنابل النووية‬
‫طغت على خماوفهم‪.‬‬
‫وتعود هناية العامل أو الكوارث الكربى‬
‫لعدة أسباب نقسمها حسب اآلتي‪:‬‬
‫عوامل كونية ‪Cosmic Causes‬‬
‫ل��ق��د وض���ع ادغ����ار آالن ب��و حجر‬
‫ال���زاوي���ة يف امل���خ���اوف ال��ن��امج��ة عن‬
‫الفضاء يف روايته (حم��ادث��ات آيروس‬
‫وشارميون) ‪ 1839‬ويتحدث عن نيزك‬
‫يضرب األرض ويدمرها‪ .‬كما يتحدث‬
‫كونان دويلز يف روايته (ح��زام السم)‬
‫‪ 1913 The poison Belt‬عن تفاعل‬
‫منطقة من الفضاء مع الغالف اجلوي‬
‫ل�ل�أرض وتسميمه‪ .‬ول��ع��ل م��ن أشهر‬
‫روايات اخليال العلمي يف مخسينيات‬
‫القرن املاضي كانت‪( :‬ال��ي��وم األخري)‬
‫‪ 1953 The last day‬لريتشارد‬
‫ماثيسون حيث يتصور الناس يقضون‬
‫حلظاهتم األخرية على األرض يف إقامة‬
‫احلفالت الصاخبة وممارسة اجلنس‬
‫واملتعة بأشكاهلا املختلفة وحتطيم كل‬
‫ش��يء بشكل جنوني‪ .‬وجياريه‬
‫يف ذل����ك أل��ف��ري��د ك��وب��ي��ل��ز يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ل���ق���د وض���ع‬
‫ادغار آالن بو‬
‫حجر الزاوية‬
‫يف املخاوف‬
‫ال����ن����امج����ة‬
‫ع��ن الفضاء‬
‫يف رواي���ت���ه‬
‫(حم����ادث����ات‬
‫آي�������������روس‬
‫وشارميون)‬
‫‪1 8 3 9‬‬
‫وي����ت����ح����دث‬
‫ع����ن ن��ي��زك‬
‫يضرب األرض‬
‫ويدمرها‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫روايته (آخر أيام الصيف) ‪Last night of‬‬
‫‪ 1954 summer‬حيث يتصور كل ما تصوره‬
‫ماثيسون ويزيد عليه اجملازر الوحشية واهلروب‬
‫إىل املالجىء ‪.‬‬
‫ويتوقع اياندو بيندر ‪ Eando Binder‬يف‬
‫روايته (هناية احلياة) ‪Life Disinherited‬‬
‫‪ 1937‬احن��راف كوكب املشرتي عن مساره ما‬
‫يؤدي إىل شحنه بشحنات كهربائية هائلة يصل‬
‫مداها إىل األرض وحيرقها‪ .‬كما إن قصص‬
‫االصطدام كثرية يف أدب اخليال العلمي‪ ،‬حيث‬
‫رواية جول فرين (هيكتور سريفاداك) ‪Hector‬‬
‫‪ 1877 Servadac‬ورواية (النجم) ‪The star‬‬
‫‪ 1897‬لويلز تتحدثان ع��ن م���رور املذنبات‬
‫بالقرب من األرض واآلثار اليت ميكن أن حتدث‬

‫‪24‬‬

‫عن ذل��ك‪ .‬حيث ي��ؤدي تأثري قرب املذنب من‬
‫األرض إىل ارتفاع درجة حرارة األرض وارتفاع‬
‫مستوى مياه احمليطات وتتدخل حركة القمر‬
‫إلبعاد شبح هذا اخلطر الداهم ‪.‬‬
‫كذلك يلعب القمر دوراً هاماً يف أدب اخليال‬
‫العلمي ونقتصر ب��ال��ذك��ر على م��ال��ه عالقة‬
‫بالكوارث الطبيعية‪ .‬ولعل أمهها خروجه عن‬
‫مساره بسبب فقدانه للجاذبية واصطدامه‬
‫باألرض‪ .‬من أوائل هذه الروايات (موت القمر)‬
‫‪ The death of the Moon‬أللكساندر‬
‫فيليبس ‪1929 Alexander M. Phillips‬‬
‫وبعد عام تلتها رواية (أول وآخر رجال) ‪Last‬‬
‫‪ and first mens‬ألوالف ستابليدون ‪Olaf‬‬
‫‪ .1930 Stapledon‬وتلت ذلك رواية (عندما‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫تصطدم العوامل) ‪When Worlds‬‬
‫‪ Collide‬لفيليب واي���ل���ي وادوي����ن‬
‫باملر ‪Phillip Wylie & Edwin‬‬
‫‪1932 Balmer‬‬
‫مل تقتصر الكوارث يف أدب اخليال‬
‫ال��ع��ل��م��ي ع��ل��ى األرض واجملموعة‬
‫الشمسية ف��ق��ط‪ ،‬ب��ل مش��ل��ت الكون‬
‫بأسره‪ .‬ففي رواي��ة (م��ا بعد النهاية)‬
‫‪ Beyond Infinity‬لنات شاتشنر‬
‫‪ Nat Schachner1937‬ينفجر‬
‫الكون بأسره‪ ،‬وكذلك يف رواية (اليقظة‬
‫األخرية) ‪ Last Vigil‬ملايكل موركوك‬
‫‪1970 Michael Moorcock‬‬
‫ينفجر ال��ك��ون نتيجة ت��ع��اظ��م قوى‬
‫اجلاذبية جتاه مركز الكون مولداً كوناً‬
‫ج��دي��داً على غ��رار االنفجار العظيم‬
‫للكون‪ .‬كما صدرت يف النصف الثاني‬
‫من القرن العشرين العديد من الروايات‬
‫حول هذا املوضوع ‪.‬‬
‫عوامل أرضية طبيعية ‪Natural‬‬
‫‪Earth Causes‬‬
‫إن كل القوى اليت تنشط على األرض‬
‫بشكل خاطىء وتؤثر على األرض ميكن‬
‫أن تؤدي إىل كوارث تودي هبا ‪.‬‬
‫ففي رواي���ة م���اري شيلي (الرجل‬
‫األخ�ي�ر ) ‪1826 The last Man‬‬
‫تتصور اجتياح ال��ع��امل مب��رض خطري‬
‫يقضي على البشرية يف ع��ام ‪.2092‬‬
‫ك��م��ا أن ه��ن��اك ال��ع��دي��د م��ن األعمال‬
‫األدبية ال�تي تتوقع حت��ول الفريوسات‬
‫والتأثري اهلرموني الذي يؤدي إىل والدة‬
‫أنواع جديدة من احلشرات العمالقة أو‬
‫الفريوسات ال�تي ت��ؤدي إىل حتويل يف‬
‫اجلينات البشرية وحتوهلم إىل وحوش‬

‫أو العصية على العالج‪ .‬ولعل رواية ويلز‬
‫(أم�برط��وري��ة النمل) ‪The Empire‬‬
‫‪ 1905 of the Ants‬م��ث��ال على‬
‫ذل��ك‪ ،‬حيث هتاجم جيوش من النمل‬
‫أوروب��ا قادمة من جنوب ش��رق آسيا‪.‬‬
‫وكذلك روايته (وادي العناكب) ‪The‬‬
‫‪ .Valley of the Spiders‬وكذلك‬
‫رواية (عودة احلشود) ‪The return‬‬
‫‪ of the Swarm‬ل��ري��ت��ش��ارد توكر‬
‫‪ 1933 Richard Tooker‬حتكي‬
‫عن مهامجة مدينة شيكاغو من قبل‬
‫جيش من احلشرات العمالقة‪ .‬و هناك‬
‫العشرات من روايات اخليال العلمي اليت‬
‫تتحدث عن ذلك‪ .‬كما أن هناك العديد‬
‫من الروايات اليت تتحدث عن نباتات‬
‫عمالقة هتاجم األرض وتدمر احلضارة‬
‫كما يف رواي��ة (ح��رب النباتات) ‪The‬‬
‫‪ Ivy War‬لديفيد كيلر ‪David H.‬‬
‫‪ 1930 Keller‬حيث تقضي النباتات‬
‫على احلضارة ‪.‬‬
‫ك��م��ا أن االن��دف��اع��ات ال��غ��ازي��ة من‬
‫القطب الشمايل للكرة األرضية كانت‬
‫حم���ور رواي����ة م���اري شيلي (السحب‬
‫البنفسجية) ‪The purple clouds‬‬
‫‪ 1901‬اليت تسمم البشر على األرض‪.‬‬
‫ن��ت��ي��ج��ة غ����زو ال���غ���رب���اء ‪Alien‬‬
‫‪Causes‬‬
‫إن ق��ص��ص ال���غ���زاة م���ن الفضاء‬
‫اخل��ارج��ي متأل أدب اخليال العلمي‪،‬‬
‫وتصورهم يف أكثر األح��ي��ان كوحوش‬
‫ق���ادم�ي�ن م���ن ك���واك���ب ب��ع��ي��دة لتدمري‬
‫البشرية واالستيالء على األرض ‪.‬ففي‬
‫رواية ويلز (حرب العوامل) ‪The war‬‬
‫‪ 1897 of the World‬يغزو‬
‫امل��رخي��ي��ون األرض بأشكاهلم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫إن قصص‬
‫ال����غ����زاة من‬
‫ال�����ف�����ض�����اء‬
‫اخلارجي متأل‬
‫أدب اخليال‬
‫ال���ع���ل���م���ي‪،‬‬
‫وتصورهم يف‬
‫أكثر األحيان‬
‫ك�����وح�����وش‬
‫ق������ادم���ي��ن‬
‫م���ن كواكب‬
‫بعيدة لتدمري‬
‫ال���ب���ش���ري���ة‬
‫واالس��ت��ي�لاء‬
‫على األرض ‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ال��غ��ري��ب��ة وامل��خ��ي��ف��ة حم��م��ول�ين ع��ل��ى عربات‬
‫فضائية على شكل اسطوانات ثالثية األرجل‬
‫تطلق أشعة حرارية ينتج عنها دخان مسموم‬
‫الحتالل أرضنا والعيش عليها‪ .‬حيث إن احلياة‬
‫على املريخ أصبحت مستحيلة بسبب تلوث‬
‫اجلو وشح املياه النظيفة ‪.‬‬
‫وختتلف أشكال الغزاة والعربات واألسلحة‬
‫اليت يستخدموهنا من رواية إىل أخرى‪ ،‬واهلدف‬
‫واحد هو قتل البشر واالستيالء على األرض ‪.‬‬
‫عوامل بشريةِ ‪Human Causes‬‬
‫لقد تنبأ كتاب اخليال العلمي إىل خماطر‬
‫األسلحة النووية منذ هناية القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫يف رواي���ة (ش��رخ النهاية) ‪The Crack of‬‬
‫‪ Doom‬لروبرت كرومي ‪Robert Cromie‬‬
‫‪ 1895‬وكذلك يف رواي��ة ويلز (‪The world‬‬
‫‪ 1914 )set free‬تتحدثان عن قرب نضوب‬
‫م��وارد الطاقة األرضية مثل البرتول والفحم‬
‫واستخدام الطاقة النووية البديلة اليت تؤدي يف‬
‫النهاية إىل حرب نووية‪ .‬وكذلك يف رواية كارل‬
‫تشابيك (الضخامة املطلقة) ‪The Absolute‬‬
‫‪ 1927 at Large‬حيث يعترب املتعصبون دينيا‬
‫وجود العربات املزودة بالطاقة النووية خمالفة‬
‫لتعاليم ال��رب‪ ،‬وتنشأ احل��رب اليت تأتي على‬
‫أكثر الناس‪.‬‬
‫وق����د ت��ن��ب��أ روب������رت ه��ي��ن��ل�ين ‪Robert‬‬
‫‪ Heinlein‬عن خماطر القنبلة الذرية قبل‬
‫كارثة هريوشيما وقبل هناية احل��رب العاملية‬
‫الثانية يف روايته (حدوث االنفجار) ‪Blowups‬‬
‫‪ 1940 Happen‬ويف روايته الالحقة (حلول‬
‫غري مرضية) ‪Solution Unsatisfactory‬‬
‫حي��ذر من العواقب الوخيمة النتشار الغبار‬
‫الذري ‪.‬‬
‫وطرحت خماطر األشعة النووية واألسلحة‬
‫النووية يف العشرات من روايات اخليال العلمي‬

‫‪26‬‬

‫الحقاً وبأشكال وأساليب متعددة مثل رواية‬
‫(د‪.‬سرتينجلوف) ‪1963 Dr.Strangelove‬‬
‫جلورج رد آلريت ‪1958 George red Alert‬‬
‫اليت أخرجها للسينما الحقا ستانلي كوبريك‬
‫عام ‪. 1963‬‬
‫سنحاول يف هذا البحث املرور على تصورات‬
‫هناية العامل يف األفالم السينمائية العاملية‪ ،‬من‬
‫خالل دراسة األفالم السينمائية اليت عاجلت‬
‫هذه التصورات‪:‬‬
‫• م��ا ورد يف ال��دي��ان��ات ال��س��م��اوي��ة وغري‬
‫السماوية عن هناية العامل‬
‫• هناية العامل نتيجة العوامل الكونية (زالزل‪،‬‬
‫براكني‪ ،‬التلوث البيئي‪ ،‬طوافانات نتيجة ذوبان‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫اجلليد‪ ،‬اص��ط��دام ال��ن��ي��ازك باألرض‬
‫وغري ذلك )‬
‫• هن��اي��ة ال���ع���امل ن��ت��ي��ج��ة للتطور‬
‫ال��ت��ك��ن��ول��وج��ي (األس���ل���ح���ة النووية‪،‬‬
‫ال����روب����وت����ات امل���ت���ط���ورة‪ ،‬األسلحة‬
‫الكيميائية‪ ،‬واألس��ل��ح��ة البيولوجية‬
‫واجلرثومية وغري ذلك)‬
‫• هناية العامل نتيجة غزو فضائي‬
‫وحرب العوامل‬
‫‪ -1‬ما ورد يف الديانات السماوية‬
‫وغري السماوية‪:‬‬
‫إن ن��ب��وءة هن��اي��ة ال��ع��امل ه��ي أكثر‬
‫النبوءات املمتدة واملشرتكة يف التاريخ‬
‫اإلن��س��ان��ي‪ ،‬وال�ت�ي أع��ي��د إنتاجها مع‬
‫اخ���ت�ل�اف���ات ط��ف��ي��ف��ة يف التفاصيل‬
‫والصياغات والسياقات التارخيية‪،‬‬
‫منذ فجر التاريخ وإىل عصرنا احلايل‪،‬‬
‫حب��ي��ث مي��ك��ن ت��ص��ور من����وذج موحد‬
‫لنبوءات هناية العامل يف الرتاث الديين‬
‫ل�لإن��س��ان��ي��ة ع��ل��ى اخ��ت�لاف��ه‪( .‬حسام‬
‫متام)‬
‫ويف هذا النموذج يتجسد العامل يف‬
‫صورته اجلميلة على هيئة الفردوس‬
‫(أو اجلنة األرضية)‪ ،‬حيث احلياة كلها‬
‫خري بال شر أو خطيئة إىل أن يظهر‬
‫الشر فيحدث الصراع التقليدي بني‬
‫اخل�ير والشر وال��ذي الب��د وأن ينتهي‬
‫بنهاية الشر رغ��م علوه‪ ،‬ليبدأ عصر‬
‫جديد سعيد متأل األرض فيه عدالً‬
‫ونوراً كما ملئت من قبل ظلماً وفجوراً‪،‬‬
‫وتعود كما كانت جنة ليكون ذلك إيذاناً‬
‫بنهاية احلياة من الكون كله‪ ،‬ووقوع‬
‫القيامة الكربى‪.‬‬
‫ولعل أخطر ما يف النبوءة أهنا تقوم‬

‫على احلتمية ال�تي الب��د من حتققها‪،‬‬
‫وال ميكن فعل أي شيء إليقافها‪ .‬وان‬
‫أخطر ما يف النبوءة أهنا تسلب أصحاهبا‬
‫املؤمنني هبا أي قدرة على الفعل‪ ،‬إذ إن‬
‫كل شيء حتمي وحمدد سلفاً ‪.‬‬
‫وه����ذا م��ا ح��ص��ل م��ث�لاً م��ع شعب‬
‫(االزتيك) يف املكسيك‪ ،‬وهي حضارة‬
‫عريقة امتدت مشاالً لتشمل الواليات‬
‫اجلنوبية من ال��والي��ات املتحدة) قبل‬
‫ظهورها وجنوباً حتى أمريكا الوسطى‪،‬‬
‫فقد كانت تسيطر عليهم نبوءة حمورية‬
‫مفادها أن اآلهل��ة ط��ردت إله الشمس‬
‫(كوتز الكوتيل) من بالدهم إىل الشرق‪،‬‬
‫فأقسم عند رحيله بالعودة يوماً ما‬
‫لتدمريهم واالنتقام منهم ‪ ...‬واستمرت‬
‫هذه النبوءة تسيطر عليهم ‪.‬‬
‫وعندما غزاهم املغامر األسباني‬
‫الشهري(هرنان كوتز) يف القرن السادس‬
‫عشر مع مخسمئة من جنوده‪ ،‬اعتربه‬
‫األزت��ي��ك (ك��وت��ز الكوتيل) العائد من‬
‫أجل االنتقام‪ ،‬وال��ذي تقول األسطورة‬
‫إنه سيعود على (ط��وف) ومعه الرعد‬
‫والربق والكائنات الغريبة ‪ ...‬وأسقطوا‬
‫النبوءة بكل تفاصيلها عليه‪ :‬فالطوف‬
‫الذي بشرت به النبوءة هو السفينة اليت‬
‫حتمل كورتز وأصحابه‪ ،‬والرعد والربق‬
‫هو املدفع والبارود ال��ذي كان جديداً‬
‫عليهم‪ ،‬أم��ا الكائنات الغريبة فكانت‬
‫اخل��ي��ل ال�تي اصطحبها كورتيز معه‬
‫وكانت املرة األوىل اليت يراه فيها شعب‬
‫األزتيك‪ ..‬لذلك مل يكن غريباً أن هتزم‬
‫أمربطورية األزت��ي��ك العريقة مرتامية‬
‫األط��راف أمام جمموعة من املغامرين‬
‫ال تزيد على اخلمسمئة فرد‪،‬‬
‫ألن النبوءة سلبتهم القدرة على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫وقــــــــد تنبـــأ‬
‫روبرت هينلني‬
‫ع���ن خماطر‬
‫القنبلة الذرية‬
‫ق���ب���ل ك���ارث���ة‬
‫ه�ي�روش���ي���م���ا‬
‫وق��ب��ل نهاية‬
‫احلرب العاملية‬
‫ال���ث���ان���ي���ة يف‬
‫روايته (حدوث‬
‫االن����ف����ج����ار)‬
‫‪1940‬‬
‫‪27‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الفعل‪ ،‬فلم تعد هناك جدوى من املقاومة أو‬
‫حتى التفكري هبا ‪.‬‬
‫وه��ن��اك من��وذج آخ��ر يكشف جب�لاء أمهية‬
‫النبوءة وخطورة توظيفها سياسياً‪ ،‬وهو منوذج‬
‫امل��ب��ش��ري��ن ال��ت��ورات��ي�ين يف ال���والي���ات املتحدة‬
‫األمريكية أو ما يسمى بالصهيونية املسيحية‪،‬‬
‫واليت توظف نبوءة (اهلرجمدون) التوراتية لدعم‬
‫قيام إسرائيل كشرط أساسي لنزول املسيح‬
‫املخلص ووقوع القيامة‪ ،‬وهو ما يكفل إلسرائيل‬
‫دعماً وتأييداً مالياً وسياسياً غري حمدود أو‬
‫مشروط من قبل اليمني املسيحي األمريكي‬
‫الذي تتشكل منه النخبة احلاكمة ‪.‬‬
‫ولعل فيلم (هرجمدون) للممثل (بروس ويلز)‬
‫هو مثال على ذلك‪ ،‬وهذا السيناريو يدعي جميء‬
‫نيزك ضخم من الفضاء اخلارجي واصطدامه‬
‫باألرض حبيث يكون الدمار الشامل حدثاً ال‬
‫مفر منه‪ ،‬ويف اللحظة احلامسة يقوم املخلص‬
‫بتفجري النيزك نووياً ولعل تنبؤات قبائل املايا‬
‫اليت شغلت العامل ومازالت تشغله حتى اليوم‬
‫ال ختتلف كثرياً عن تنبؤات اهلرجمدون‪ ،‬حيث‬
‫يتوقع هناية العامل يف احل��ادي والعشرين من‬
‫كانون األول لعام ‪. 2012‬‬
‫ومت يف اآلونة األخرية نشر العديد من الكتب‬
‫اليت حتوي العام ‪ 2012‬ويأتي يف مقدمة تلك‬
‫الكتب ك��ت��اب ‪ Apocalypse2012‬والذي‬
‫ي��درج فيه امل��ؤل��ف ل��ورن��س ج��وزي��ف جمموعة‬
‫من االحتماالت اليت ميكن أن حتصل يف ذلك‬
‫اليوم‪ ،‬إال أنه ال يعتقد أن هناية العامل ستكون‬
‫يف العام ‪. 2012‬‬
‫لقد أخرج املخرج األمريكي نيك ايفرهارت‬
‫حول هذا املوضوع فيلم ‪2012 Doomsday‬‬
‫عن سيناريو لناعومي سيلفمان ‪.‬‬
‫ويتناول الفيلم موضوع هناية العامل واملأساة‬
‫اليت يتنبأ هبا االنرتنت من خالل برنامج «الويب‬
‫بوت» الذي أنشىء خصيصاً ألس��واق األسهم‬

‫‪28‬‬

‫وسط الغموض ال��ذي يكتنف هذه التوقعات‪،‬‬
‫وذلك مبساعدة تقويم قبائل املايا اليت عاشت‬
‫يف املكسيك قبيل قرون‪ ،‬واليت كانت هلا نزعات‬
‫صوفية وج���داول زمنية تشري إىل االنقالب‬
‫الشتوي يف العام ‪ 2012‬وفقدان األرض لقوهتا‬
‫املغناطيسية واليت ستجعلها تدور بشكل عكسي‬
‫حمدثة دماراً هائالً ‪.‬‬
‫ويشري املخرج يف الفيلم إىل أن «الويب بوت»‬
‫له الفضل يف التنبؤ هبذا احلدث الكارثي بعد‬
‫دخوله إىل املعلومات اجملتمعية يف البالد‪ ،‬وتنبأ‬
‫باكتشاف فريوس اجلمرة اخلبيثة يف العاصمة‬
‫األمريكية واشنطن‪ ،‬وموجات التسونامي يف‬
‫أندونيسيا العام ‪ ،2004‬وإعصار كاترينا يف‬
‫والية فلوريدا‪.‬‬
‫وترتكز حكاية الفيلم حول «الويب بوت» الذي‬
‫يقوم بالتعامل مع لغة جمهولة على االنرتنت‬
‫حيث تتوقف تنبؤاته العام ‪ 2012‬والذي يشري‬
‫إىل هناية العامل‪ ،‬كما يقوم املخرج بعملية ربط‬
‫بني «الويب بوت» والتنبؤات التارخيية والتدليل‬
‫على ذلك بالكتب الدينية السماوية والعرافات‬
‫اللواتي اشتهرن خالل االمرباطورية الرومانية‬
‫أمثال «سيبيل»‬
‫‪ -2‬هناية العامل نتيجة العوامل الطبيعية‬
‫يف الواقع احتار الشعراء والفالسفة يف هناية‬
‫العامل احملتومة‪ ،‬حتى العلماء مل يصلوا إىل‬
‫إجابة مقنعة‪ ،‬فإن ارتفاع درجة احلرارة نتيجة‬
‫االحنباس احل��راري سيؤدي إىل ذوب��ان سريع‬
‫لثلوج القطبني فضالً ع��ن مت��دد احمليطات‬
‫والبحار‪ ،‬ما يقود إىل حتول األرض إىل كرة من‬
‫املاء‪ ،‬وهذا يعين أن معظم املناطق املوجودة حتت‬
‫سطح البحر ستغرق‪ ،‬كما أن حتت القطبني‬
‫هناك مليارات األطنان من ال��غ��ازات سريعة‬
‫االشتعال‪ ،‬وأن تبخر ثلوج القطبني أو حتوهلا‬
‫إىل احلالة السائلة تعين اندفاع هذه الغازات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫لتغطي الغالف اجلوي‪ ،‬وهذا يعين أن‬
‫األرض ستتحول إىل كرة من النار‪ ..‬وال‬
‫ننسى أب��داً ظواهر التصحر واحرتاق‬
‫الغابات وال���زالزل وال�براك�ين واألشياء‬
‫األخ��رى الصغرية البديهية ج��داً‪ .‬كما‬
‫أن النيازك والعواصف الشمسية هتدد‬
‫األرض بشكل جدي ‪.‬‬
‫ولعل فيلم ‪ Knowing‬للمخرج‬
‫أل��ي��ك��س ب���روي���اس ‪،‬ال�����ذي ي��ت��ن��ب��أ من‬
‫خالل حسابات رقمية معقدة ضرب‬
‫العواصف الشمسية لألرض وإحراقها‬
‫بعد إنقاذ األخيار بعربات فضائية إىل‬
‫مكان ما يف الفضاء على اعتباره اجلنة‬

‫امل��وع��ودة‪ ،‬بينما حي�ترق كل من تبقى‬
‫على األرض ‪.‬‬
‫ت���دور أح����داث الفيلم ح���ول جون‬
‫أس��ت��اذ اجلامعة يف علم الفلك الذي‬
‫ماتت زوج��ت��ه‪ ،‬وتركت له ابناً صغرياً‬
‫يربيه وهو علماني يؤمن بأن لكل شيء‬
‫حيدث سبباً ما أو أنه حيدث تلقائياً‬
‫لسبب معني! يف أحد األيام يدعى جون‬
‫إىل حفل إخراج أنبوب زمين كتب ورسم‬
‫فيه أطفال قبل ‪ 50‬عاماً توقعاهتم عن‬
‫املستقبل‪ ،‬وفتحت هذه األنبوبة يف عام‬
‫‪ ،2009‬يتسلم كل طفل مظروفاً‬
‫وفيه كتابه أو رسم الطفل الذي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫مل ي���ص���ل‬
‫ال����ع����ل����م����اء‬
‫إىل إج���اب���ة‬
‫م��ق��ن��ع��ة عن‬
‫نهاية العامل‬
‫احمل��ت��وم��ة ‪،‬‬
‫ف���إن ارت��ف��اع‬
‫درجة احلرارة‬
‫ن����ت����ي����ج����ة‬
‫االحن����ب����اس‬
‫احل������������راري‬
‫س������ي������ؤدي‬
‫إىل ذوب����ان‬
‫سريع لثلوج‬
‫القطبني فضالً‬
‫ع�����ن مت���دد‬
‫احمل���ي���ط���ات‬
‫وال��ب��ح��ار‪ ،‬ما‬
‫ي����ق����ود إىل‬
‫حتول األرض‬
‫إىل ك��رة من‬
‫املاء‬
‫‪29‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رمسه قبل ‪ 50‬عاماً‪ ،‬ويتسلم ابن جون مظروفاً‬
‫غريباً فيه ورقة مكتوب عليها فقط أرقام‪ ،‬مل‬
‫يهتم جون هلذه الورقة‪ ،‬ولكن يف إحدى الليايل‬
‫الحظ أن هبا شيئاً غريباً‪ ،‬وبعد حبث وسهر ليال‬
‫اكتشف أن كل أرقام هذه الرسالة هي عبارة عن‬
‫تأريخ حل��وادث حدثت يف تاريخ البشر‪ .‬على‬
‫جانب آخر نلحظ أن االبن يعانى من مطاردة‬
‫كائنات غريبة تستخدم اهلمس كوسيلة اتصال‬
‫وبعد جمموعة من احلوادث يكتشف جون مبا‬
‫أن��ه ع��امل فلك أن الشمس س��وف تقرتب من‬
‫األرض كثرياً وسوف تنطلق منها أشعة تتسبب‬
‫يف قتل مجيع البشر على األرض‪.‬‬
‫وت��ب��دأ احل��ك��وم��ات يف اإلع�ل�ان ع��ن حالة‬

‫‪30‬‬

‫ط��وارئ‪ ،‬وفى الوقت نفسه يتم اختطاف ابنه‬
‫الصغري وبعد حبث يعثر عليه داخل األدغال مع‬
‫الغرباء الذين مجعوا جمموعة من الطيبني يف‬
‫سفن فضائية وهم يستعدون ألخذ ابنه وطفلة‬
‫أخرى مع هذه اجملموعة إىل ما نسميه اجلنة‬
‫إلنقاذهم‪ .‬أما من تبقى على األرض فيبقى إىل‬
‫أن يلقى حتفه نتيجة العواصف الشمسية اليت‬
‫تضرب األرض وتقتل اجلميع‪ .‬ولعل مشهد‬
‫الطفلني ومها يركضان جتاه شجرة احلياة على‬
‫األرض اجلديدة دليالً على بدء حياة جديدة‬
‫على أرض جديدة‪  .‬‬
‫‪ - 3‬هناية العامل نتيجة التطور التكنولوجي‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫يف فيلم سبيلربغ اخليايل العلمي‬
‫‪ ،War of the Worlds‬جند ترميزاً‬
‫مثرياً لالهتمام‪:‬حيث تنطلق الروبوتات‬
‫اليت هتاجم املدن األمريكية وتدمّرها‬
‫وتقضي على الكثري من أن��واع احلياة‬
‫على األرض‪ ،‬وهذا دليل على مترد اآللة‬
‫اليت صنعها اإلنسان بنفسه عليه ‪.‬‬
‫لقد أخرج األمريكي رودولف ماري‬
‫الفيلم الذي حيمل امسه مغزى كبريا «‬
‫عندما تصطدم العوامل « ‪ .1951‬و كذلك‬
‫يف عام ‪ 1953‬أخرج بايرون هاسكني «‬
‫حرب العوامل « عن قصة هلربرت ويلز‪.‬‬
‫حيث تقول الرواية ‪( :‬لقد ظهر لدى‬
‫املرخييني عربات طائرة‪ ،‬تستطيع محل‬
‫رؤوس نووية مدمرة ) لقد حاول املخرج‬
‫أن يكون أميناً للرواية‪ .‬وكما يف الرواية‪،‬‬
‫هبط املرخييون إىل األرض‪ ،‬ودمروا‬
‫امل��دن والبشر بشعاع ح��راري وعندما‬
‫اق�ت�رب ن��ص��ره��م ان��ت��ش��ر بينهم وباء‬
‫إنساني مل يبق منهم أح��داً‪ .‬مل يظهر‬
‫املخرج املرخييني‪ ،‬ولكنه عكس أفعاهلم‬
‫بواسطة اخلدع السينمائية‪ .‬لقد رأى‬
‫املشاهدون املدن تدمر‪ ،‬والناس ميوتون‬
‫دون أن يظهر مصدر دمارهم وموهتم‬
‫اجملهول‪ .‬لقد زاد ذلك من حدة التوتر‬
‫واخلوف عند الناس‪ ،‬ما قوى الصراع‬
‫الدرامي يف هذا الفيلم ‪.‬‬
‫يف العشر سنوات الالحقة توالت‬
‫أف��ل�ام م��رع��ب��ة حت���ذر م��ن املستقبل‬
‫مثل «دك��ت��ور سرتينجالف» لستانلي‬
‫ك��وب��ري��ك ‪ 1963‬و «ال��س��ق��وط احلر»‬
‫لسيدني لوميت ‪ 1964‬و «لعبة احلرب»‬
‫لإلنكليزي بيرت ووتكنز ‪ .1965‬لقد حذر‬
‫مؤلفو ه��ذه األف�ل�ام م��ن ح��رب نووية‬
‫مدمرة لإلنسان‪ .‬وتتالت على الشاشات‬

‫العاملية أفالم أخرى‪« ،‬على الشاطيء»‬
‫لألمريكي ستانلي ك��رام��ر ‪ 1959‬و‬
‫«فهرينهيت ‪ »451‬للفرنسي فرانسوا‬
‫تروفو ‪ 1966‬وغريها من األف�لام‪ .‬إن‬
‫النظرة التشاؤمية ع��ن املستقبل يف‬
‫أفالم اخليال العلمي‪ ،‬مل يهملها بعض‬
‫املخرجني يف أفالمهم الواقعية‪ .‬حيث‬
‫إن فيلم فرانسيس ك��وب��وال «القيامة‬
‫اآلن» واملبين على حقائق تارخيية من‬
‫احلرب األمريكية الفيتنامية‪ ،‬ظهرت‬
‫األسلحة املعاصرة واملتطورة وكأهنا‬
‫من ابتكار خيال املخرج‪ .‬حيث وحشية‬
‫أبطال الفيلم مل تكن أقل من وحشية‬
‫الوحوش األسطورية يف أفالم اخليال‬
‫العلمي‪ .‬حيث يسيطر الشر العاملي‬
‫على الشاشة‪ ،‬رغم أن الفيلم يتحدث‬
‫ع��ن واق��ع��ة حم��ددة يف ح��رب فيتنام‪.‬‬
‫وهكذا عادت يف أيامنا املعاصرة نبوءة‬
‫عن هناية العامل‪ ،‬حيث مصري اإلنسان‬
‫بيد اإلنسان نفسه‪ ،‬ومصري اإلنسانية‬
‫بيد اإلنسانية نفسها‪.‬‬
‫يف سابق الزمن كانت األوبئة تأتي‬
‫لتحصد بعض األرواح البائسة‪ ،‬ثم‬
‫ينحسر الوباء‪ ،‬هناك أوبئة حديثة مثل‬
‫اإليدز و اإليبوال الذي ظهر عام ‪1976‬‬
‫أو أنفلونزا الطيور وأنفلونزا اخلنازير‬
‫وتلك األم���راض الغريبة ال�تي قررت‬
‫االنتقال من احليوانات إىل اإلنسان‪،‬‬
‫وهناك أوبئة قدمية قدم التاريخ ذاته‬
‫مثل الطاعون‪ ،‬ولكنين ال أتكلم عن هذه‬
‫األمراض التقليدية‪ ،‬فاجلنون البشري‬
‫ال ح��د ل��ه‪ ،‬واألسلحة البيولوجية أو‬
‫اجلرثومية يف الوقت احلايل هي أهم‬
‫وأخ���ط���ر األس��ل��ح��ة امل���وج���ودة‪،‬‬
‫ورمبا أكثر خطورة من األسلحة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ع���������������ادت‬
‫يف أي���ام���ن���ا‬
‫امل���ع���اص���رة‬
‫ن����ب����وءة عن‬
‫نهاية العامل‪،‬‬
‫ح��ي��ث مصري‬
‫اإلن��س��ان بيد‬
‫اإلن������س������ان‬
‫ن�����ف�����س�����ه‪،‬‬
‫وم�������ص���ي���ر‬
‫اإلن���س���ان���ي���ة‬
‫بيد اإلنسانية‬
‫نفسها‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النووية‪ ،‬فيمكن لعامل عبقري جمنون أن يبتكر‬
‫فريس ما يقتل العامل كله دون لقاح أو مصل‬
‫مضاد‪ ،‬ولكن جيب أال نقلل من أسلحة الدمار‬
‫الشامل‪ ،‬فقنبلة هريوشيما ال�تي قتلت ‪140‬‬
‫ألف شخص تقريباً بسبب االنفجار أو اآلثار‬
‫املتالحقة م��ن ت��ل��وث إش��ع��اع��ي وح����راري‪ ،‬إن‬
‫هذه القنبلة تعترب جمرد لعبة أطفال بالنسبة‬
‫للقنابل احلديثة اليت تساوي ‪ 300‬ضعف قوة‬
‫تلك القنبلة‪ .‬وإذا علمنا أن املخزون من القنابل‬
‫الذرية واهليدروجينية يف العامل يقدر بعشرات‬
‫اآلالف فإن انفجار هذا املخزون نتيجة خطأ ما‬
‫أو هتور أو حرب شاملة فإن الكرة األرضية يف‬
‫أحسن األحوال ستنقسم إىل عدة أجزاء‪.‬‬
‫ول��ع��ل ف��ي��ل��م ‪ I am Legend‬للمخرج‬
‫‪ FRANCIS LAWRENCE‬مثال‬
‫واض��ح على انتشار الفريوسات اخلطرة على‬
‫البشرية‪ .‬ت��دور أح���داث ه��ذا الفلم يف العام‬
‫‪ 2009‬عندما يسيطري ف�ي�روس خطري على‬
‫ال��ع��امل‪ ،‬يسفك جبميع امل��خ��ل��وق��ات احلية‪.‬‬
‫ستتحول الواليات املتحدة كبلد شبه مهجور ‪ ،‬بلد‬
‫مدمر وخمرب وليس هذا احلال بأمريكا فقط‪ ،‬بل‬
‫بكل العامل ‪،‬حيث استطاع هذا الفريوس اخلطري‬
‫االنتقال إىل ‪ 5.4‬مليارات شخص يف العامل‪،‬‬
‫الفيلم يركز على مدينة نيويورك اليت ستكون‬
‫أشبه باخلربة املهجورة ولكن بطلنا (روبرت‬
‫نيفيل) وكلبه (سـام) ستجدمها الوحيدين يف‬
‫أحناء نيويورك يتجوالن يف الصباح فقط‪....‬‬
‫ألن يف امل��س��اء وب��ع��د ح��ل��ول ال��ظ�لام ستجد‬
‫امل���خ���ل���وق���ات امل��ت��وح��ش��ة يف ك���ل م���ك���ان‪...‬‬
‫لقد حت��ول البشر هل��ذه املخلوقات املخيفة‬
‫ب��س��ب��ب ال����ف��ي�روس ال���ل���ع�ي�ن‪ ،‬وان املصابني‬
‫هب���ذا ال��ف�يروس اليتحملون أش��ع��ة الشمس‪.‬‬
‫يتصدى الدكتور «روبرت نيفيل» إلنقاذ البشرية‬
‫م��ن ه��ذا ال��وب��اء اخل��ط�ير‪ ،‬وأن��ه ل��ن يفعل مثل‬
‫الباقني ويهرب إىل املستعمرات البشرية‪...‬ألنه‬

‫‪32‬‬

‫وببساطة يؤمن بوجود لقاح ضد الفريوس‪....‬‬
‫ولكن على ما يبدو بأن قناعته وعلى الرغم‬
‫من صحتها إال أهنا كلفته الكثري الكثري ‪....‬‬
‫ب��ع��د ع����دة حم���ن وم����آس مي���ر ف��ي��ه��ا بطلنا‬
‫وخ���ص���وص���ا ب���ع���د ف����ق����دان أع���ـ���ز صديق‬
‫ل���ه س��ي��ك��ت��ش��ف أن����ه ل��ي��س وح���ي���داً يف هذه‬
‫املدينة‪ ...‬بل إن هناك من مسع ن��داءه الذي‬
‫استمر (‪ )3‬س��ن��وات ع�بر ق��ن��وات الراديو‪...‬‬
‫ه���ذا ال��ش��خ��ص اجل���دي���د س��ي��س��اع��د بطلنا‬
‫يف حمنته‪ ،‬ول��ك��ن مل ينتهي ك��ل ش��يء بعـد‪.‬‬
‫فمازال هناك الكثري الذي ينتظر روبرت ‪...‬‬
‫ترى‪ ،‬ماذا سيحل بروبرت؟وهل سيتمكن من‬
‫إنقاذ العامل؟‬
‫كما لو أن هناية العامل‪ ،‬كما عرفناه على‬
‫األقل‪ ،‬أصبحت قريبة‪ ،‬وأن كوابيس الواقع اليت‬
‫نشاهدها ليست سوى التمهيد ملا سنشاهده‬
‫يف املستقبل بفضل تنبؤات أفالم آكلي حلوم‬
‫البشر‪:‬‬
‫يف األفالم «‪ 28‬يوماً» ثم « عد ‪ 28‬أسبوعا ً»‬
‫و «مفكرة املوتى – األحياء»‪ .‬ثالثة من أفالم‬
‫الرعب اليت تظهر الدفاع املستميت ملن تب ّقى‬
‫حيّاً وسليماً من البشر ضد الذين أصاهبم‬
‫الفريوس الذي قلبهم إىل وحوش وذلك يف ظل‬
‫رساالت موجهّة إىل خطورة احلرب اجلرثومية‪.‬‬
‫ففي حني يتناول فيلم جورج رومريو «مفكرة‬
‫امل��وت��ى‪ -‬األح��ي��اء» وه��و اخل��ام��س يف سلسلة‬
‫أفالمه عن املستقبل املفجع‪ ،‬مثل هذا االهنيار‬
‫داخ��ل أمريكا‪ ،‬يتحدّث الفيلمان اآلخ��ران عن‬
‫هناية احلياة كما نعرفها يف بريطانياً‪.‬‬
‫ت��ص��ور آخ��ر ع��ن النهاية احملتملة للعامل‬
‫للمخرج املكسيكي ألفونسو ك���وارو «أطفال‬
‫الرجال»‪ ،‬إنتاج بريطاني‪ ،‬مل يكن هذا الفيلم‬
‫مرعباً إال يف نطاق املفهوم الكابوسي الذي‬
‫يتسلل إىل املشاهد تلقائياً وب�لا ضوابط‪.‬‬
‫إن��ه فيلم عن العامل وق��د تو ّقفت نسائه عن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫اإلجن��اب‪ .‬ليس بفعل ق��رار‪ ،‬بل وضع‬
‫غ�ير م��ع��روف علمياً جعل امل���رأة غري‬
‫ق���ادرة على اإلجن���اب رامس���ة بذلك‬
‫النهاية احلتمية ل��ل��ع��امل‪ ....‬إىل أن‬
‫يكتشف املمثل الرئيس للفيلم (كاليف‬
‫أووَن) وجود امرأة واحدة على وشك‬
‫اإلجناب فيأخذ على عاتقه محايتها‪.‬‬
‫ويف فيلم ‪« Gard‬احلرس»‪ ،‬املأخوذ‬
‫عن مصدر من جم�لات وشخصيات‬
‫ال���ـ «ال��ك��وم��ي��ك��س» أن ت��دم�ير األرض‬
‫ض���روري إلن��ق��اذ أج���زاء أخ���رى منها‬
‫لكن هذا التدمري هنا يتم عسكرياً عرب‬
‫تفجري ن��ووي ضخم ألن احل��رب هي‬
‫اليت تؤدي إىل السالم‪ ،‬وهي معزوفة‬
‫ف��اش��ي��ة م��ع��روف��ة وم��ف��ه��وم حي��م��ل يف‬
‫طيّاته وضعاً إجرامياً ثابتاً‪.‬‬
‫كما أن األفالم اليت تعاجل موضوع‬
‫التالعب يف جينات اإلنسان‪ ،‬أو برجمته‬
‫الكرتونياً ليصبح إنساناً آلياً يستخدم‬

‫لتدمري كل شيء يف طريقه دون شفقة‬
‫أو رمحة ويهدد الوجود البشري بأسره‬
‫أكثر من أن تعد أو حتصى‪ .‬وأن سلسلة‬
‫أفالم ‪ terminator‬أكرب مثال على‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫كما أن املخاوف من احتمال اختفاء‬
‫األرض يف ثقب كوني أسود أو داخل‬
‫دوام���ة كونية ت���زداد يف ال��ع��دي��د من‬
‫روايات وأفالم اخليال العلمي احلديثة‪،‬‬
‫فنحن نشبه ذرة الرمل على شاطئ‬
‫واسع كبري مرتامي األطرف‪.‬‬
‫أود اإلش��ارة إىل أن هناك العديد‬
‫من رواي��ات اخليال العلمي يف األدب‬
‫العربي حول الكوارث الكونية وهناية‬
‫العامل للكاتب هناد الشريف والدكتور‬
‫طالب عمران والدكتور رؤوف وصفي‬
‫وغريهم‪ ،‬ولكن مل أجد فيلماً عربياً‬
‫واح���داً ح��ول ه��ذا امل��وض��وع ميكن أن‬
‫نتناوله يف هذا البحث ‪.‬‬

‫مراجع البحث‬
‫‪1 - The Visual Encyclopedia of Science Fiction –Edited‬‬
‫‪by Brian‬‬
‫‪Ash - Harmony Books – New York - 1977‬‬
‫‪2 - Cataclysms and Dooms – J.G.Ballard – Harmony‬‬
‫‪Books – New York – 1977‬‬
‫‪3 - Wikipedia، the free encyclopedia – Apocalyptic and‬‬
‫‪Post-Apocalyptic Fiction‬‬
‫‪4 - Apocalyptic Science Fiction – From the Internet‬‬
‫‪5 - Apocalyptic science fiction - From the Internet‬‬
‫‪6 - Cinematical Seven: Apocalyptic Science Fiction Films‬‬
‫‪– From the Internet‬‬
‫‪7 - Post-Apocalyptic Movie – From the Internet‬‬
‫‪8 - Terminator Salvation – From the Internet‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫إن املخــــاوف‬
‫م��ن احتمال‬
‫اختفاء األرض‬
‫يف ثقــــــــب‬
‫كوني أسود أو‬
‫داخ��ل دوامة‬
‫كونية تزداد‬
‫يف العديـــــد‬
‫م���ن رواي����ات‬
‫وأفالم اخليال‬
‫ال���ع���ل���م���ي‬
‫احل����دي����ث����ة‪،‬‬
‫فنحن نشبه‬
‫ذرة الرمـــــل‬
‫على شـــاطئ‬
‫واس�����ع كبري‬
‫م���ت��رام������ي‬
‫األطرف‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أدب الخيال العلمي‬
‫وتربية الطفولة‬
‫عزيزة السبيين‬

‫يعترب أدب اخليال العلمي وتأثره على بنية العقل اإلنساني‪ ،‬أحد املداخيل‬
‫املهمة واحلديثة لتنمية اإلبداع وإعداد العلماء‪ ،‬وإن أخطر الثغرات اليت تعاني‬
‫منها نظم التعليم يف عاملنا العربي تكمن يف عدم إعطاء اخليال واإلبداع حقهما‬
‫من االهتمام‪ ،‬وهلذا يعد اخليال العلمي واإلبداع‪ ،‬من جماالت البحث الضرورية لضمان تزويد‬
‫عاملنا العربي جبيل من العلماء واملبدعني يف شتى جماالت العلم واملعرفة‪ ،‬ومن هنا ال بد‬
‫من االهتمام بتنمية اخليال العلمي عند الطفل‪ ،‬ألنه يشجعه على البحث عن مزيد من‬
‫املعرفة‪ ،‬إضافة إىل حب التمعن والتساؤل‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫وحسب علماء النفس فإن مراحل الطفولة‬
‫تقسم إىل أطوار‪ ،‬خيتلفون يف تقسيم سنواهتا‪،‬‬
‫إال أن الغالبية تتفق على أن الطفل بني السنة‬
‫الثالثة والسنة اخلامسة‪ ،‬يتميز خبياله اجلامح‬
‫املقيد يف البيئة اليت حييا فيها‪ ،‬ويقلد بأفعاله‬
‫من حوله‪ ،‬ويقتبس عنهم أعماهلم وحتركاهتم‪،‬‬
‫ل��ذا يتحتم توجيه الطفل للتعلم اجل��اد املنتج‬
‫والعناية بتثقيفه العلمي‪ .‬وشحن تصوراته‬
‫وأف��ك��اره بقصص تتحدث عن إجن��ازات العلم‬
‫الباهرة‪ ،‬ومستقبله املضيء‪ ،‬فالتخيل عملية‬
‫استحضار لصور مل يسبق إدراك��ه��ا م��ن قبل‬
‫إدراك �اً حسياً كامالً‪ ،‬ونظراً لصعوبة التعامل‬
‫مع األطفال يف هذه املرحلة يف جمتمعنا‪ ،‬لعدم‬
‫إدماجهم يف العلوم‪ ،‬ك��ان عليَّ اختيار أطفال‬
‫أكرب سناً إلجراء استبيان حول مدى استيعاب‬
‫األطفال للعلوم عن طريق ال��ق��راءة‪ ،‬فرتاوحت‬
‫أعمار األطفال بني (‪ ) 6‬سنوات و( ‪ )12‬سنة‬
‫على أكثر تقدير‪.‬‬
‫االستبيان كان على مرحلتني‪:‬‬
‫االستبيان األول‪ :‬يقوم على اختيار ثالثة أنواع‬
‫من اجملالت ذات أهداف وموضوعات خمتلفة‪.‬‬
‫النوع األول‪:‬جمالت علمية‪.‬‬
‫ال���ن���وع ال��ث��ان��ي‪ :‬جم�ل�ات م��ن��وع��ة( أدبية‪،‬‬
‫اجتماعية‪ ،‬فنية)‪.‬‬
‫النوع الثالث‪ :‬جمالت ترفيهية (تسايل)‪.‬‬
‫فتبني أن ‪ %50‬من األطفال انصرفوا لقراءة‬
‫اجمل�لات العلمية‪ ،‬و‪ %30‬اجتهوا حنو اجملالت‬
‫املنوعة‪ ،‬و‪ %20‬حنو اجملالت الرتفيهية‪.‬‬
‫االستبيان الثاني‪ :‬اختيار األط��ف��ال الذين‬
‫انصرفوا لقراءة اجملالت العلمية‪ ،‬ونسبتهم يف‬
‫االستبيان األول ‪ ،%50‬فكان‪ %50‬منهم يفضلون‬
‫قراءة املقاالت واألحباث اليت تتعلق بالكواكب‪،‬‬
‫واألرض‪ ،‬والظواهر املدهشة يف الطبيعة‪ .‬و‪%35‬‬
‫منهم يفضلون قراءة آخر املكتشفات احلديثة يف‬
‫جماالت االتصال والكمبيوتر والرقميات‪ .‬و‪%15‬‬

‫يقرؤون آخر ما توصل إليه العلم يف جمال الطب‬
‫والدواء‪ ،‬وطموح هؤالء األطفال يف املستقبل هو‬
‫دراسة الطب أو الصيدلة‪ ،‬وهنا ميكننا اإلشارة‬
‫إىل أن الثقافة العلمية للطفل تساعد على‬
‫توسيع اهتماماته وخياله‪ ،‬لتزيد من قدرته على‬
‫التفكري املنطقي العلمي‪ ،‬خاصة‪ ،‬إذا علمنا أن‬
‫‪ %80‬من شخصية اإلنسان تتكون يف مرحلة‬
‫الطفولة‪ ،‬من هنا يبدو أن اخليال هو القوة‬
‫األساسية الفعّالة وراء كل إبداع واخرتاع‪ ،‬ولوال‬
‫اخليال ملا وصلت البشرية إىل ما هي عليه اآلن‪،‬‬
‫ولذلك نرى أن ال��دول املتقدمة أدرك��ت أمهية‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬وقيمته مبكراً‪ ،‬فسارعت إىل‬
‫بناء وإنشاء مراكز أحباث متخصصة باخليال‬
‫العلمي‪ ،‬كما أولت اهتماماً كبرياً بكتاب‬
‫أدب اخليال العلمي‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪35‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أما يف عاملنا العربي‪ ،‬الذي ال تزال تسيطر فتمَّ بذلك حتويل الصور يف ذاكرته إىل حقيقة‬
‫على عقول أف��راده النزعة الصوفية من جهة‪ ،‬ملموسة‪ ،‬وكذلك األم��ر يف قانوني اجلاذبية‬
‫واالزدواج��ي��ة يف فهم احلقائق من جهة ثانية‪ ،‬والنسبية‪.‬‬
‫فنراه حييل يف معظم األحيان بعض احلقائق‬
‫العلمية والطبيعية إىل اخلرافة‪ ،‬فنراه عاجزاً‬
‫إدراج أدب اخليال العلمي يف املناهج‬
‫عن التوصل إىل معرفة احلقيقة‪ ،‬فيلغي إعمال الرتبوية‪:‬‬
‫العقل ألنه يفتقر إىل اخليال ووظائفه‪ ،‬وهذا‬
‫وبالعودة إىل أمهية اخليال العلمي بالنسبة‬
‫ما يستدعي إعادة النظر بالكثري من البديهيات للرتبية نرى أن الدول املتقدمة قد أدركت قيمته‬
‫ذات الصلة ب��اإلجن��ازات العلمية ألف��راد النوع وأمهيته يف إع��داد وتنشئة العلماء واملبدعني‪،‬‬
‫اإلنساني حتى ال يعود هناك من إجناز ذي صلة ف��ق��ام��ت ب���إدراج���ه يف م��ن��اه��ج ال��ت��ع��ل��ي��م‪ ،‬كما‬
‫بعامل احلقيقة إال وهو مصنف وفقاً لعائديته سارعت إىل إنشاء أقسام دراسية باجلامعات‬
‫هذه‪.‬‬
‫يف ختصص أدب اخليال العلمي‪ .‬أما يف عاملنا‬
‫إن إعادة النظر هذه متكننا من إدراك أمهية العربي فنحن مطالبون باالهتمام مبواهب‬
‫اخليال العلمي وربطه باحلاجات اإلنسانية‪ ،‬أو الطفل الشخصية وإمكاناته مع مراعاة ميوله‬
‫ليس اكتشاف نيوتن‬
‫ل����ل����ج����اذب����ي����ة الذهنية وعمره عند اختيار الثقافة املقدمة له‪،‬‬
‫األرض��������ي��������ة‪،‬‬
‫و آ ينشتا ين كما أننا مطالبون بإنتاج أعمال تشرح النظريات‬
‫للنسبية ‪،‬‬
‫اهلندسية والعلمية بصورة‬
‫م��ب��س��ط��ة ل���ألط���ف���ال‪،‬‬
‫و عبا س‬
‫وذل����ك لالستعانة‬
‫ب��������������ن‬
‫هب��ا يف العملية‬
‫ا لتعليمية ‪،‬‬
‫ف������رن������اس‬
‫للطائرة ك��ان يف‬
‫ي��وم من األي��ام ضرباً‬
‫من اخليال‪ ،‬لكنه اليوم‪ ،‬ومنذ‬
‫سنوات خلت أصبح حقيقة‪.‬‬
‫إن العلماء واملفكرين جيعلون‬
‫م��ن اخل��ي��ال وسيلة للوصول إىل‬
‫النظريات العلمية‪ ،‬فالعامل يستخدم‬
‫قدراته العقلية والذهنية واخليالية‬
‫حتى يتمكن من وضع الفروض‪،‬‬
‫وحماولة التنبؤ بنتائجها فاحللم‬
‫بالطريان عند عباس بن فرناس‬
‫هو ما أدى إىل اخ��رتاع الطائرة‪،‬‬

‫‪36‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫حيث إن الكثري من التقنيات واألجهزة العلمية عن تنمية ق��درات التفكري العلمي االبتكاري‬
‫يف شتى ميادين احلياة واملعرفة‪ ،‬فضالً عن والتنبؤ مبا سيكون عليه املستقبل واالستعداد‬
‫التطبيقات العسكرية والرتفيهية والصناعية‪ ،‬ملواجهته‪.‬‬
‫كانت يف معظمها من وحي اخليال‪.‬‬
‫كما أن��ن��ا م��ط��ال��ب��ون‪ ،‬وبشكل كبري باحلث‬
‫دور األسرة‪:‬‬
‫على تشجيع القراءة‪ ،‬وخاصة‪ ،‬قصص اخليال‬
‫وال ميكننا أن نغفل دور األسرة يف التوجيه‬
‫العلمي ألهنا تعكس أحد االجن��ازات البشرية العلمي للطفل‪ ،‬فيجب إع��داد برامج خاصة‬
‫يف جمال العلم‪ ،‬وتزود العلم بأفكار يستسيغها لتوعية األسرة بعدم احلد من إبداع األطفال‪،‬‬
‫وحييلها البتكارات واكتشافات جديدة كذلك وذل��ك م��ن خ��الل تركهم يلعبون حبرية ومبا‬
‫حتذر البشرية بشكل أو بآخر‪ ،‬من املستقبل يريدون‪ ،‬ألن اإلب��داع يبدأ بتوظيف الشيء يف‬
‫وما حيمله يف طياته من مفاجآت يشري إليها غ��ري وظيفته وه��ذا م��ا يفعله األط��ف��ال عادة‪.‬‬
‫كتاب هذه القصص من خالل تنبؤهم ووعيهم فضالً عن تزويدهم بقصص اخليال العلمي‬
‫باملستقبل‪ ،‬ومبا أن اللغة البسيطة اليت ميتلكها اخل��اص��ة هب��م‪ ،‬وال��يت تتناسب م��ع م��ع التقدم‬
‫كاتب اخليال العلمي‪ ،‬وجيسدها يف أعماله العلمي والتكنولوجي‪ ،‬بعيداً ع��ن األساطري‬
‫على نشر وتبسيط اخلرافية‪ ،‬فضالً عن توفر األلعاب التكنولوجية‬
‫األدب���ي���ة تساعد‬
‫العلمية بأسلوب اليت تتطلب إعمال العقل يف حل رموزها‪.‬‬
‫ال�����ث�����ق�����اف�����ة‬
‫وم��ش��وق‪ ،‬األمر‬
‫م����ب����ت����ك����ر‬
‫النتيجة‪:‬‬
‫يساهم يف تنمية‬
‫ال���������ذي‬
‫إن هذه األساليب والوسائل لتنمية اخليال‬
‫أس����ل����وب التفكري‬
‫ال��ع��ل��م��ي‪ ،‬وت���زي���د من العلمي عند الطفل حباجة إىل تضافر اجلهود‪،‬‬
‫ق���درة ال��ف��رد ع��ل��ى إدراك م��ا ب��ني األس���رة وامل��درس��ة م��ن جهة ووسائل‬
‫واستيعاب املفاهيم العلمية‪ ،‬اإلع��الم من جهة أخ��رى‪ ،‬وهذا ما يدعونا إىل‬
‫وإجي��اد اجتاهات وقيم إجيابية لدى االهتمام أوالً‪ ،‬بأدب اخليال العلمي يف الثقافة‬
‫األفراد جتاه العلم والعلماء‪ ،‬ما يدفعهم لتمثل العربية بشكل عام‪ ،‬حيث ال يزال مهمشاً ونادراً‬
‫خطاهم وإتاحة الفرصة للمزيد من االكتشافات ومتواضعاً م��ن حيث اإلن��ت��اج‪ .‬فضالً ع��ن أن‬
‫واالبتكارات‪ .‬وعلى اعتبار أن الطفل تتملكه أصحاب القرار الثقايف واملسؤولني عن الثقافة‬
‫الصورة أكثر من الورقة فال بد من استخدام يف عاملنا العربي ال يعرفون قيمة وأمهية أدب‬
‫أف��الم اخليال العلمي يف تدريس موضوعات اخليال العلمي يف تطور العلم والتكنولوجيا‪.‬‬
‫العلوم‪ ،‬وهذا ضروري إلثارة الطالب‪ ،‬ودفعهم وكذلك االهتمام بتنمية التفكري العلمي عن‬
‫حنو حب العلم ودراسة العلوم‪ ،‬واستخدام مثل ط��ري��ق اس��ت��خ��دام ال��وس��ائ��ل احمل��ف��زة إلعمال‬
‫هذه التقنية أفضل من طرق التدريس التقليدية العقل‪ ،‬ورصد اإلمكانيات املادية الالزمة إلنتاج‬
‫وهذا ما أثبتته التجربة‪ .‬كما أن استخدام اخليال هذه الوسائل‪ .‬وتقديم مكافآت مادية‪ ،‬وجوائز‬
‫العلمي فكرة (م��اذا حي��دث ل��و) ه��ذا التساؤل للمبدعني واملكتشفني‪ ،‬أسوة باجلوائز األدبية‬
‫يساعد على جذب اهتمام الطالب للمقررات والفنية ال��يت تقدم يف املهرجانات املختلفة‪،‬‬
‫الدراسية العلمية فيثريها بالنقاش‪ ،‬فضالً وحتت تسميات متعددة‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪37‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تقرير خاص عن معرض‬
‫الخيال العلمي في لندن‬
‫توفيق السهلي‬

‫عشرات الروبوتات كانت تروح وجتيء‪..‬تذرع املمرات والدهاليز‬
‫وسط حشود من الناس مم الصغار والكبار‪..‬يستمعون‬
‫بإصغاء ألص��وات اآلليني املهددة وهي تقول‪ ”:‬أبيدوهم‪..‬‬
‫أبيدوهم مجيعا”‪ ..‬ليست هذه لقطات من أحد أفالم اخليال العلمي ‪ ..‬بل‬
‫أحد فعاليات معرض أقيم يف مدينة ليسرت مشالي لندن يف بريطانيا‪.‬‬
‫املعرض (الذي ينتهي يف أوائل كانون الثاني‬
‫‪ )2009‬حيمل عنوان «العلم واخليال العلمي»‬
‫ومت تنظيمه يف «مركز الفضاء الوطين يف مدينة‬
‫ليسرت»‪.‬‬
‫كيف أثر اخليال العلمي على العلوم‬
‫حمبوا اخليال العلمي ج��اؤوا إىل هنا شيباً‬
‫وشباناً ‪ ..‬فرادى ومجاعات ليطلعوا عن كثب‬
‫على بعض أيقونات أفالم اخليال العلمي اليت‬
‫ال تنسى‪.‬‬
‫أح��د ال��زائ��ري��ن وي��دع��ى «ج���ورج» يقول إنه‬
‫لطاملا أحب اخليال العلمي يف جانبيه األدبي‬
‫والسينمائي وإنه اعتاد ذلك منذ الصغر‪ ،‬وإنه‬
‫ما ج��اء إىل ه��ذا املعرض إال ليزرع يف عقلي‬
‫طفليه أمهية اخليال العلمي‪ ،‬وفائدئه يف شحذ‬
‫الفكر وتطوير ملكات اإلبداع‪ ،‬عدا عن استذكار‬
‫حلظات املتعة يف الصغر ‪.‬‬
‫«م��ال��ي��ك��ا أن���دري���س» امل��ش��رف��ة ع��ل��ى تنظيم‬

‫‪38‬‬

‫امل��ع��رض‪ ،‬ت��ق��ول إن ال��غ��اي��ة م��ن تنظيمه هي‬
‫تشجيع العامة على السعي ملعرفة املزيد عن‬
‫األفكار األصلية اليت كانت يف غالبيتها من وحي‬
‫اخليال‪ ،‬قبل أن تصبح حقيقة جسدهتا تقنيات‬
‫وأجهزة علمية يف شتى فروع احلياة واملعرفة‬
‫من الرتفيه والصناعة إىل اجمل��ال العسكري‬
‫وغزو الفضاء ‪.‬‬
‫اخليال العلمي جزء من حياتنا اليومية‬
‫يربز «مات ستيفن» مصمم املؤثرات واخلدع‬
‫اخلاصة وال��ذي ألف أيضا ما ينوف عن مائة‬
‫ك��ت��اب وم��ق��ال يف خمتلف ف���روع ال��ع��ل��وم‪ ،‬يربز‬
‫حقيقة أن اهلاتف احملمول الذي نستعمله اليوم‬
‫إمنا كان من وحي اخليال العلمي‪ ،‬وهو يشبه‬
‫جهاز االتصال الذي استخدم يف سلسلة «ستار‬
‫تريك» التلفزيونية اخليالية‪.‬‬
‫ويقول إن خمرتع اهلاتف احملمول د‪« .‬مارتن‬
‫كوبر» ال يتورع عن إرجاع اخرتاعه إىل جهاز «تي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫إس لالتصاالت» يف «ستار تريك»‪.‬‬
‫ويضيف «ستيفني» بأن أجهزة أخرى مثل‬
‫جهاز حتديد املواقع عرب األقمار االصطناعية‬
‫وحتديد احلركة عرب موجات الراديو وغريها‬
‫إمنا ظهرت بداية يف اخليال العلمي‪.‬‬
‫وي��ردف «م��ات ستيفن» بالقول إن الرتحال‬
‫عرب الفضاء‪ ،‬واألق��م��ار االصطناعية كانا من‬
‫شطحات أفكار اخليال العلمي قبل أن يصبحا‬
‫حقيقة علمية يف عصرنا‪.‬‬
‫ويقول «إن اخليال العلمي والعلم كانا يف كثري‬
‫من احلاالت يسريان جنبا إىل جنب ‪ ،‬فـ «إسحاق‬
‫عظيموف» و «آرثر سي كالرك»‪ ،‬ومها مع أبرز‬
‫كتاب اخليال العلمي يف العصر احلديث كانا‬
‫حيمالن درجة دكتوراه‪.‬‬
‫ويضيف «ستيفني» بأن استكشاف الفضاء‬
‫والكواكب حولنا كانا يف إطار اخليال العلمي‬
‫قبل يصبح واقعا يف القرن العشرين‪.‬‬

‫وحتى منظومة األقمار االصطناعية اليت‬
‫نعتمد عليها اآلن يف اتصاالتنا وب��ث قنواتنا‬
‫التلفزيونية بل والتجسس على بعضنا‪ ،‬إمنا‬
‫اقرتحها ألول مرة كاتب اخليال العلمي الربيطاني‬
‫الراحل( ‪« )2008‬آرثر سي كالرك» عام ‪1945‬‬
‫قبل إط�لاق أول قمر اصطناعي (سبوتنيك‬
‫الروسي ) عام ‪.1957‬‬
‫«مات ستيفن» يربز أفكارا أخرى كانت من‬
‫وحي اخليال العلمي مثل التيليبورتيشن (انتقال‬
‫ذرات اجلسم املادي من مكان إىل آخر كانتقال‬
‫اإلشعاع)‪ ،‬وطاقية اإلخفاء‪ ،‬وحتى آلة الزمن‪.‬‬
‫ف��ف��ك��رة ان��ت��ق��ال أو ن��ق��ل ج��س��م م��ن مكان‬
‫إىل آخ��ر كانتقال ذرات اإلش��ع��اع مب��ا يعرف‬
‫«التليبورتيشن» ظهرت يف أف�لام كثرية مثل‬
‫«الذبابة» ‪ The Fly‬و «ستار تريك» ‪Star trik‬‬
‫و «املبيد» ‪ Terminator‬وغريها وباتت‬
‫حقيقة علمية اآلن‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪39‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العلماء يؤكدون أهنم جنحوا يف ذلك لكن على‬
‫مستوى نقل ذرة من مكان إىل آخ��ر‪ ،‬ويأملون‬
‫يف زي��ادة حجم األشياء اليت ميكن نقلها هبذه‬
‫الطريقة لتصل إىل حجم أكرب يف املستقبل‪..‬‬
‫كالبشر واألسلحة!‬
‫واالخ��ت��ف��اء ب��ارت��داء رداء خ��اص ( ظهرت‬
‫الفكرة مثال يف فيلم «هاري بوتر» ‪،‬ومعروفة يف‬
‫تراثنا العربي منذ القدم)‪ -‬أيضا جنح العلم يف‬
‫حتقيقها مؤخرا جبعل ساتر خاص حول جسم‬
‫ما حبيث ال يرتد عنه شعاع الضوء فال يظهر‬
‫لعني الناظر‪ ..‬وإن كان ذلك يطبق على أجسام‬
‫صغرية حتى اآلن‪.‬‬
‫االنتقال عرب الزمن ظهر يف قصص كثرية من‬
‫اخليال العلمي وأفالمه (وكانت أشهر بداياهتا‬
‫يف رواية «آلة الزمن» لـ «ويلز») وقد تبدو الفكرة‬
‫ألي شخص عاقل اآلن جمرد خيال أو جنون‪،‬‬
‫لكن بعض العلماء يف اليابان وحتى يف الغرب‬

‫‪40‬‬

‫يقولون إنه نظريا ميكن االنتقال بالزمن ‪ ،‬وإنه‬
‫باإلمكان واقعيا بناء آلة للزمن‪ ،‬لكن املشكلة‬
‫تكمن يف الطاقة الالزمة لتشغيلها‪ ،‬حيث أنك‬
‫ستحتاج مقدارا من الطاقة تعجز عن توليده كل‬
‫حمطات توليد الطاقة يف األرض جمتمعة‪.‬‬
‫وخيتم ستيفن قائال بأن بعض أفكار اخليال‬
‫العلمي قد تصبح حقيقة يف املستقبل مثل القفز‬
‫الفضائي باملركبة الفضائية (من مكان إىل آخر‬
‫أثناء طرياهنا) بسرعة تناهز سرعة الضوء‪ ،‬كما‬
‫يف أفالم «حرب النجوم» و «ستار تريك»‪.‬‬
‫ويقول إنه يف عام ‪ 1994‬اقرتح عامل الفيزياء‬
‫«ميغيل ألكوبريا» يف جامعة «ويلز» الربيطانية‬
‫طريقة ميكن بواسطتها بناء جهاز حيقق القفز‬
‫الفضائي دون اإلخالل بقوانني النظرية النسبية‬
‫العامة ألينشتاين‪.‬‬
‫الطريقة تتمثل يف وضع كتلة ضخمة أمام‬
‫املركبة مما يدفعها إىل األمام ثم توضع «كتلة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫سالبة» ( وهي منطقة وزهنا أقل من الفضاء تركيبة تتيح السفر بالقفز الفضائي يف الوقت‬
‫الفارغ) خلف املركبة‪ ،‬وهبذا يلتف الفضاء بسبب القريب»‪.‬‬
‫اجلاذبية اهلائلة حبيث تتحرك املركبة الفضائية‬
‫بني حنايا املعرض‬
‫بشكل فوري من مكان إىل آخر‪.‬‬
‫ً‬
‫املعرض احتوى عددا ال بأس به من األلبسة‬
‫ل��ك��ن ل��س��وء احل���ظ ب��ن��اء ع��ل��ى ه���ذا وكي‬
‫يتحقق ‪ ،‬ينبغي أوال ب��ن��اء امل��رك��ب��ة‪ ،‬م��ا يعين واألردي����ة وال��ن��م��اذج ال�تي استعملت يف عدد‬
‫وج����ود ط��ري��ق ف��رع��ي أو حت�ت�ي ق��ب��ل وج���ود ع��ش��رات م��ن أف�ل�ام اخل��ي��ال العلمي الشهرية‬
‫امل��رك��ب��ة‪ ،‬لكن املركبة ال�تي تسافر إىل حيث مثل لقاءات من النوع الثالث ‪Encounters‬‬
‫مل يسافر أح��د ل��ن يكون بإإلمكان تركيبها‪ 3rd Kind of the .‬وح��رب النجوم ( ‪Star‬‬
‫ويضيف ‪« :‬ثم هناك مشكلة الكتلة السالبة اليت ‪ )Wars‬والكائنات الفضائية ‪))Aliens‬‬
‫هي مادة فارغة أخف من الفضاء الفارغ‪ .‬هذه ومسلسل ستار تريك‪ ،‬وغ��زاة املريخ ‪Mars‬‬
‫فكرة أكثر قابلية للتطبيق مما تبدو عليه من ‪ Attacks‬وآي روبوت (‪ )I, Robot‬وحتى بزة‬
‫استحالة‪ .‬فقد أوجد العلماء أجهزة جتريبية «سوبرمان» ورداء «الرجل الوطواط» وغريها‬
‫تظهر أن مثل هذه الكتلة السالبة ميكن إنتاجها الكثري‪.‬‬
‫بكميات صغرية‪ ،‬لكن كمية الطاقة الالزمة لذلك‬
‫بعض تلك املعروضات وضع خلف قضبان‬
‫قد ال تتيح حتريك املركبة الفضائية‪ .‬وحتى لو معدنية حلمايته من أيدي العابثني مثل‬
‫مت توليد ما يكفي منها فإهنا قد ال توضع ضمن البزة اليت ارتداها «أرنولد شوارزينيغري»‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪41‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يف فيلم «املبيد» والبزة الروبوت اليت بدت عليها‬
‫أثارت الطلقات املتفجرة يف اجلزء الثاني من‬
‫السلسلة من نفس الفيلم ‪،‬كما ميكن مشاهدة‬
‫أحد مناذج الروبوتات احلقيقية يف فيلم «آي‪.‬‬
‫روب��وت» وهو أحد ثالثة فقط يف العامل ويبلغ‬
‫مثنه نصف مليون جنيه إسرتليين‪.‬‬
‫وضم املعرض كذلك ورشات تظهر للزائرين‬
‫كيفية إع����داد األق��ن��ع��ة وال��ق��وال��ب اخلاصة‬
‫بشخصيات اخل��ي��ال العلمي املختلفة (مثل‬
‫الكائنات ال��ف��ض��ائ��ي��ة‪..‬اخل)‪ ،‬وك��ذل��ك طاوالت‬
‫تفاعلية حتفز الصغار والكبار على تعلم ما‬
‫ميكن رؤيته واستخدامه يف حمطة قمرية أو‬
‫مرخيية على سبيل املثال‪.‬‬
‫كما ضم املعرض أجهزة حديثة حتاكي عملية‬
‫اهلبوط على سطح القمر أو أحد الكواكب حيث‬
‫جيلس الراكب يف كرسي آيل يتحكم يف دفع‬
‫نفاثات على جوانبه باستخدام كلتا يديه متاما‬

‫‪42‬‬

‫كما يفعل رائد الفضاء‪.‬‬
‫وهناك أيضا صالة خاصة حديثة جدا تشبه‬
‫صالة السينما جيلس فيها حنو عشرين شخصا‬
‫أو أكثر قليال‪ ،‬يرتدون نظارات خاصة وينغمسون‬
‫يف رحلة فضائية يف الواقع االفرتاضي حتملهم‬
‫إىل أحد الكواكب وجتعلهم حيسون كما لو كانوا‬
‫يف الفعل يقومون هبذه الرحلة وهم ملا يزالون يف‬
‫مقاعدهم املتفاعلة مع سري الرحلة اخليالية‪.‬‬
‫وأي��ا يكن االنطباع ال��ذي حيمله رواد مثل‬
‫ه��ذه ال��رح�لات االفرتاضية أو اخل��ارج��ون من‬
‫هذا املعرض‪ ،‬فال شك أنه سيظل يف خميالهتم‬
‫وقتا طويال من الزمن‪ ،‬حيملهم على التفكري‬
‫مليا يف قدرات اإلنسان وملكاته وإجنازاته يف‬
‫املاضي واحلاضر‪ ،‬وم��دى اعتماد سيل العلم‬
‫الذي جيرفنا بال توقف حنو مستقبل مدهش‪،‬‬
‫على ينابيع ومناهل اخليال العلمي وفضاءاته‬
‫اجملنحة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫زراعة األسنان‪..‬‬

‫الحلم الذي أصبح واقع ًا‬
‫د أسامة ساحلية‬

‫خيطئ من يظن أن زراعة األسنان فكرة حديثة أو مبتكرة من علوم‬
‫طب األسنان‪ ..‬بل ال نبالغ إذا قلنا أن فكرة غرس األسنان موغلة‬
‫يف القدم ‪ ..‬منذ أكثر من أربعة آالف عام حاول املصريون القدماء‬
‫تطبيق غرس األسنان واستعملوا يف ذلك أسنان منتزعة من أفواه العبيد‬
‫وغرسوها يف أفواه القادة واألمراء مستعملني بذلك املعادن الثمينة من أجل‬
‫التثبيت ‪ ..‬كذلك كانت حماوالت عند الصينني‪ ،‬والكولومبيني ‪ ،‬وكان الفينيقيون‬
‫بارعني باستخدام شرائط الذهب يف تثبيت األسنان املخلوعة أو املغروسة‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪43‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وشعب املايا يف أمريكا اجلنوبية ‪ 600‬بعد‬
‫امليالد احملاولة األوىل يف زراعة األسنان ‪..‬قاموا‬
‫بزراعة أسنان عاج إذ اكتشف فك سفلي مزروع‬
‫فيه ثالث قواطع عاج (متحف هارفرد)‪.‬‬
‫ويف أوروبا كانت اول املكتشفات عام ‪1600‬‬
‫م��ي�لادي يف حم��اول��ة رب��ط أس��ن��ان م��ع أسنان‬
‫ثابتة‪..‬‬
‫ويف عام ‪ 1939‬صمم سرتوك زرعة من معدن‬
‫الفيتاليوم على شكل بزال ‪..‬بعد ثبات ‪ 8‬أشهر‬
‫مت مالحظة نسيج ليفي ماحول الزرع‬
‫وك�����ان داه�����ل «‪ »1943‬و «غ���ول���دي���رك\‬
‫ك�يرش��ك��وف» ‪ 1948‬أول م��ن ط��ب��ق الزرعات‬
‫ماحتت السمحاق‪..‬‬
‫وكانت تتم عملية الزرع بأشكال خمتلفة من‬
‫الدعامات باجراء شرحية جراحية كبرية يتم‬
‫بعدها أخذ طبعة ثم توضع الصفيحة املعدنية‬
‫حتت السمحاق ‪...‬‬
‫الثبات يف عملية الزرع هذه من الغزو الليفي‬
‫يف معظمه وقليله عظمي ‪..‬‬
‫و إلزال��ة الصفيحة امل��زروع��ة كانت تتطلب‬
‫عملية أقرب ما تكون للتشريح الدقيق ‪...‬‬
‫يف عام ‪ 1960‬قام سشياليوم باستخدم ثالث‬
‫مسامري ستانلس ستيل برأس واحد ولتاج واحد‬
‫أو إلج���راء جسر ب�ين أكثر م��ن زرع��ة ‪..‬كانت‬
‫املشكلة بالغزو الليفي الشديد ‪..‬‬
‫وك��ان ‪ 1968 Linkow‬أول م��ن استعمل‬
‫الشفرات احلاملة لدعامة ‪..‬ه��ذه الشفرات‬
‫تصنع بشكل تتجنب به األماكن التشرحيية مثل‬
‫اجليب الفكي والقناة العصبية وما يعيبها هو‬
‫نقص التعظم الكايف مما يسبب بالفشل بأكثر‬
‫األحيان ‪..‬‬
‫مجيع احلاالت التارخيية السابقة كانت غري‬
‫معمرة إذ ال تدوم ألكثر من عام واحد يف غالب‬
‫األمر إذ ما كان يثبت الزرعات هو غزو النسج‬
‫الليفية وتثبيتها املؤقت للزرعة ومن ثم تتعرض‬

‫‪44‬‬

‫جليوب ضمن النسيج املذكور يؤدي إىل حدوث‬
‫اإلنتانات ومنها إىل الفشل ‪...‬أو إىل لفظ الزرعة‬
‫املزروعة يف العظم لعدم تناسب وتعايش معدن‬
‫الزرعة (مل يكن معدن التيتانيوم قد استعمل يف‬
‫زراعة األسنان ) مع عظم الفك وبالتايل أيضا‬
‫يقود ذلك إىل الفشل ‪...‬‬
‫الفضل يف زراع���ة األس��ن��ان احلديثة تعود‬
‫للعامل ال��س��وي��دي ب��رمن��ارك ‪Branemark‬‬
‫‪ 1952‬الطبيب البشري املختص باجلراحة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫العظمية ‪...‬أكتشف ومن خالل الصدفة فضائل‬
‫التيتانيوم يف قبول العظم ل��ه وذل��ك عندما‬
‫الحظ أن اسطوانة من معدن التيتانيوم تركب‬
‫على جمهر خمرتقة ساق أرنب كان يبحث من‬
‫خالهلا حركة اخلاليا قد ثبتت بالساق برابط‬
‫عظمي تولد حميطاً باالسطوانة وذل��ك بعد‬
‫أن بقيت هذه االسطوانة يف ساق األرنب مدة‬
‫من الزمن ‪...‬ك��ان اكتشافه هذا بداية التفكري‬
‫ب��أن على امل��ادة امل��زروع��ة بالعظم أن تتناسب‬
‫وتقبل حيوياً وان تتصف خبصائص فيزيائية‬
‫وكيميائية معينة جتعل من بقائها ممكناً دون‬
‫لفظ باإلضافة إىل تداخل العظم معها ليزيد من‬
‫دميومة بقائها ‪...‬عرفت هذه العملية باالندماج‬
‫العظمي ‪Osseo integration‬‬
‫وميكن أن يوصف أيضاً باالندخال العظمي‬
‫الذي يعرف بقدرة النسيج العظمي على العمل‬
‫حول مزروعة ما ‪ ,‬واحتواء هذه املزروعة ضمنه‬
‫دون اللجوء إىل تلك التفاعالت اليت تؤدي إىل‬
‫لفظ املزروعة ‪...‬‬
‫ب��دأ علماء كيمياء املعادن احليوية بإجياد‬
‫خليطه أكثر تناسباً مع عظم الفك والوسط‬
‫الفموي‬
‫معتمدة على م��ع��دن التيتانيوم ‪...‬ولقد‬
‫ت��وص��ل��وا اىل خليطه ت��ك��ون نسبة التيتانيوم‬
‫‪58‬و‪ %99‬وباقي النسبة تتألف من ‪ 16‬معدن‬
‫ملواجهة بعض التأثريات الفيزيائية والكيميائية‬
‫للزرعة يف الوسط الفموي والعظم ‪..‬‬
‫أطلق على ه��ذه اخلليطة ‪ G2– 2 Ti :‬و‬
‫أصبحت معظم الشركات املنتجة للزرعات‬
‫السنية تستعمل هذه اخلليطة يف اآلونة األخرية‬
‫ب���دأت أحب���اث ب��إدخ��ال نسب أك�بر م��ن معدن‬
‫األملنيوم ملعدن الزرعة ملزيد من قبوهلا احليوي‬

‫من ثالثة أقسام ‪ :‬جزء عظمي _ جزء لثوي _‬
‫جزء فوق لثوي‬
‫اجلزء العظمي ‪: Bony Part‬وهو اجلزء‬
‫ال��ذي يدخل يف العظم ويف األشكال احلديثة‬
‫يكون إما أسطوانياً أو خمروطياً يأخذ شكل‬
‫ج��ذر السن وه��و املفضل ‪ ..‬ول��زي��ادة مساحة‬
‫سطحه وازدياد تداخل العظم فيه ‪.‬ويعاجل هذا‬
‫السطح بضربه بالرمل إلح��داث جتاويف فيه‬
‫أو قذفه مبصهور التيتانيوم إلحداث تضاريس‬
‫عليه أو بتخريشه حبمض معني أو تعريضه‬
‫لضربات من أشعة الليزر‬

‫طرق حديثة يف زراعة األسنان‬
‫ك��ان��ت ال��ط��ري��ق��ة ال��ت��ق��ل��ي��دي��ة يف زراع���ة‬
‫األس��ن��ان تتطلب جمموعة اإلج���راءات اليت‬
‫البد منها مثل استعمال موتور الزرع املثاقب‬
‫املتتالية لتأمني فراغ للزرعة مناسب ‪...‬وهذه‬
‫اإلج��راءات لتتم بنجاح ال بد من توفر خربة‬
‫متقدمة وجمموعة من األدوات املناسبة تكون‬
‫يف الغالب باهظة الثمن ‪..‬‬
‫الطريقة احلديثة واملبتكرة يف سورية‬
‫وهي ب��راءة اخ�تراع مسجلة برقم ‪ 5361‬يف‬
‫دائ��رة ال�براءات السورية باسم حممد عماد‬
‫الدروبي وتعتمد هذه الطريقة على إدخال‬
‫زرعة األسنان ضمن العظم اإلسفنجي بدون‬
‫رض العظم أو تأذيه مع احلفاظ على ثبات‬
‫ميكانيكي جيد جداً وتأمني الرتوية الدموية‬
‫الكافية للحصول على االن��دم��اج العظمي‬
‫الالحق باإلضافة إىل تأمني موقع تعويضي‬
‫مناسب ‪...‬مع احلفاظ على سالمة األماكن‬
‫التشرحيية اجمل���اورة مثل اجل��ي��وب الفكية‬
‫والقناة العصبية‪..‬كما سهلت من العملية‬
‫التطبيقية حبيث مكنت أي طبيب أسنان‬
‫زرعة األسنان ‪Dental Implant‬‬
‫ممارس من القيام بزراعة األسنان مبنتهى‬
‫أي زرعة سنية مهما كان مصدرها تتألف النجاح واألمان وبتكاليف حمدودة ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪45‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بيوض األفاعي‬

‫د‪ .‬طالب عمـران‬
‫ت���زداد مشاكل ت��ل �وّث البيئة يف‬
‫أغ��ل��ب ال��ب��ل��دان‪ ،‬ل��درج��ة أن هذه‬
‫املشاكل املتفاقمة تشكل هتديداً‬
‫خطرياً لإلنسان على هذا الكوكب ‪.‬‬
‫من تلوّث اهل��واء بالدخان والغبار والضباب‬
‫ال��دخ��ان��ي ال��ن��ات��ج ع��ن االح��ت�راق الصناعي‪،‬‬
‫ويسبب هذا التلوث أمراضاً صدرية وهضمية‪،‬‬

‫‪46‬‬

‫قد تصل أحياناً مرحلة اخلطورة املميتة‪..‬‬
‫إىل تلوّث مياه‪ ،‬من جراء السوائل الصناعية‬
‫والكيماوية ومذيبات املبيدات واملواد املكافحة‬
‫النتشار احلشرات وأمراض النباتات ‪..‬وكلها‬
‫أيضاً تسبب أم��راض�اً متنوعة تؤثر مباشرة‬
‫على اإلنسان ‪..‬‬
‫عدا عن التلوث اإلشعاعي‪ ،‬والتلوّث بالضجيج‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫بيوض األفاعي‬
‫وت��ل��وث ال�ترب��ة‪ ..‬ث��م ت��ل�وّث ال��غ��ذاء امل��ع�لّ��ب‪ ،‬و‬
‫اهلرمونات اليت تسعى لزيادة حجوم الدواجن‬
‫وحيوانات الرعي وم���زارع األب��ق��ار وألغنام‪،‬‬
‫بسرعات كبرية بإعطائها مواد هرمونية‪ ،‬قد‬
‫تسبب خلالً يف احلموض األمينيّة للذي يتناول‬
‫حلومها من البشر‪..‬‬
‫ول���و ان��ت��ش��رت امل��ب��ي��دات دون ض��اب��ط‪ ،‬ولو‬
‫حقنت الدواجن واألبقار واألغنام واحليوانات‬
‫املتحيّرة باهلرمونات دون ضابط أيضاً‪ ،‬ماذا‬
‫ستكون النتائج ؟‬
‫إهنا أسئلة مرهقة‪ ،‬تكمن أجوبتها يف الوقائع‬
‫اليت نسردها يف هذه القصة احلقيقية ؟‬
‫كان يوماً خميفاً‪ ،‬مل تصادفه البلدة خالل‬
‫تارخيها الطويل‪ ،‬يوماً غيّر حياة أفرادها فجأة‬
‫وهي بلدة صغرية تقع قرب مستودع من اآلثار‬
‫القدمية اليت يقود بعضها لأللف الثالثة قبل‬
‫امليالد‪..‬‬
‫منذ الفجر خ��رج ال��ف�لاح��ون إىل حقوهلم‬
‫للحصاد‪ ،‬ك��ان اجل �وّ ح���اراً‪ ،‬وك��ان عليهم أن‬
‫ينهوا القسم األكرب من عملهم قبل الظهر‪ ،‬ألن‬
‫ساعات الظهر الحيتمل حرّها‪ ..‬ويساعدون‬
‫بعضهم دون تردّد يف كل القضايا اهلامة‪..‬‬
‫كان عليهم البدء حبقل محدان اليوم‪ ،‬فالعمل‬
‫يف هذا اليوم خمصص حلصاد هذا احلقل‪..‬‬
‫وق��د سبقهم مح��دان ليجهز املناجل وسنّها‬
‫جيداً ويهيّئ مكاناً للمشاركني يسرتحيون فيه‬
‫خالل ساعات العمل ‪..‬‬
‫ت��واف��د احل��ص��ادون م��ع ب��زوغ الفجر‪ ،‬كانوا‬
‫يقبلون مبجموعاهتم بشكل متتابع مقرتبني‬
‫من حقل محدان الذي مل يظهر هلم رغم أن‬
‫الطريق اجلبليّة اليت يسلكوهنا كانت تطل على‬
‫حقله من بعيد‪..‬‬
‫اع��ت��ق��د بعضهم أن���ه يف م��ك��ان ق��ري��ب بني‬

‫الشجر‪ ..‬هلذا اليظهر هلم‪ ..‬ولكنّ نعمان أخا‬
‫محدان‪ ،‬كان يشعر بالقلق‪..‬‬
‫ً‬
‫ مابك يانعمان ؟ تبدو قلقا ‪..‬‬‫ اليعجبين ه��ذا الصمت ياسعد‪ ..‬والأرى‬‫محدان‪ ..‬مع أنين رأيته خيرج من البيت قبل‬
‫حنو نصف ساعة وأش��ار يل وه��و خي��رج أنه‬
‫يتجه للحقل‪..‬‬
‫ رمبا ذهب لدقائق ملكان آخر‪..‬‬‫شعر بالقلق عليه‪ ..‬فأخذ يصرخ ‪:‬‬
‫ محدان ‪..‬يامحدان‪..‬أين أنت ؟‬‫ق�لّ��ده اآلخ���رون ف��أخ��ذوا يصرخون منادين‬
‫مح��دان ‪..‬ع � ّل أصواهتم تصل إليه أينما كان‬
‫‪..‬وفجأة وصلهم صوت أنني ‪..‬اندفعوا حنو‬
‫املكان الذي ينبعث منه الصوت ‪..‬كان محدان‬
‫يتمدّد متقلّباً وهو يئنّ ‪:‬‬
‫ تلك اللعينة لدغتين انتبهوا‪ ..‬هناك الكثري‬‫من األفاعي حولنا ‪ ..‬أنا أموت‪..‬آه‪..‬‬
‫ الدم ينزف من رجلك‪..‬‬‫ شطبت بالسكني مكان اللدغة‪ ..‬بالفائدة‪..‬‬‫يبدو أنين مل أنج‪ ،‬السمّ يزحف يف بدني‪..‬‬
‫ الخت��ف ستكون خبري إن ش��اء اهلل‪ ..‬هيا‬‫ياسعد‪ ،‬سنحضر سيارة أبو فادي‪ ،‬البيك آب‬
‫لنقله إىل املدينة‪ ..‬اربط الفخذ هنا يانعمان‬
‫بسرعة قبل أن يتغلغل السم أكثر‪..‬‬
‫أثارت احلادثة ذعر الناس‪ ،‬وقد رافق نعمان‬
‫سعد مع بعض الرجال (مح��دان) إىل مشفى‬
‫املدينة القريبة‪..‬‬
‫وتابع اآلخرون خبوف حصاد سنابل القمح يف‬
‫حقل مح��دان‪ ..‬ورأوا عدّة أفاعي تتسلل بني‬
‫سنابل القمح‪ ،‬حاولوا أن اليؤذوها حتى اليتحوّل‬
‫األم��ر إىل معركة قد يكونون هم اخلاسرين‬
‫فيها‪ ..‬ويف املشفى كان األطباء حياولون‬
‫إنقاذ محدان بصعوبة‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪47‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بيوض األفاعي‬
‫ هذه املنطقة من قدمه مزرقة كلها يادكتورة‬‫وردة؟‬
‫ بسبب الشدّ الزائد ‪ ..‬على كل حال هذا‬‫الشدّ أفاد كثرياً يف منع تدهور حالته‪..‬‬
‫ بعض أهله يف اخلارج‪ ،‬هل نطمئنهم ؟‬‫ الأدري ماأقول لك يادكتور س��امل‪ ..‬جيب‬‫مراقبته ج��ي��داً‪ ..‬على ك��ل ح��ال اش���رح هلم‬
‫حالته‪ ..‬هذا أفضل‪..‬‬
‫فتح محدان عينيه وأخذ يصرخ وهو يهذي ‪:‬‬
‫ ال‪..‬ال‪ ..‬ماذا أفعل ؟ أفاع كثرية حتيط بي‬‫؟ آه‪..‬‬
‫ إنه يهذي يبدو عليه الرعب‪ ..‬أمعقول أن‬‫يكون مايهذي به ترجيعاً ملا رآه قبل أن يسقط‬
‫يف حالة من فقدان الوعي‪..‬‬
‫تابع محدان هذيانه ‪ - :‬من أين جاءت كل هذه‬
‫األفاعي ؟ آه‪ ..‬كأنه هنر من الكائنات الزاحفة‪،‬‬
‫سيلها يتجه إيلّ‪ ،‬إنه يزحف حنوي آه ه ‪..‬‬
‫ يبدو أن حالته تزداد سوءاً‪ ،‬ودرجة حرارته‬‫ترتفع بشكل كبري فجأة‪..‬جيب أن أدعو الجتماع‬
‫اللجنة الطبيّة للنظر يف حالته‪..‬‬
‫انتفض فجأة وهو يتأوّه ‪ - :‬آه‪ ..‬هنشتين تلك‬
‫اللعينة ‪..‬‬
‫ثمّ غاب عن الوعي ‪..‬‬
‫طمأهنم الدكتور سامل ‪ - :‬كما قلت لكم‪ ،‬حنن‬
‫ننتظر استقرار حالته‪ ..‬كل شيء سيتحسن‬
‫بعد ذلك‪ ..‬سيعود إىل طبيعته وينجو من تأثري‬
‫السمّ القاتل ‪..‬‬
‫ إىل متى سننتظر يادكتور سامل ؟‬‫ عدة ساعات أخرى‪ ،‬ستدعو الدكتورة وردة‬‫إىل جلنة طبيّة للنظر يف حالته وطلب املشورة‬
‫من كبار األساتذة ‪..‬‬
‫‪ -‬التقلق يانعمان‪ ،‬م��ادام قد جت��اوز مرحلة‬

‫‪48‬‬

‫وص��ول السمّ إىل العضلة القلبية‪ ،‬يعين أنه‬
‫سينجو‪ ،‬أنا متأكد من ذلك‪..‬‬
‫وأتت أمّ محدان كانت تبكي ‪:‬‬
‫ كيف حاله اآلن يانعمان ؟ آه ياويلي مل يسلم‬‫من لدغ تلك اللعينة ‪..‬‬
‫ مل���اذا جئت ي��اأم��ي‪ ..‬مح���دان سيتحسّن‪،‬‬‫وسينجو من السمّ‪ ،‬ألنه عاجل نفسه بتشطيب‬
‫مكان اللدغة‪ ،‬ودفع الدم إىل اخلارج‪ ..‬أرجوك‬
‫ع���ودي إىل ال��ب��ي��ت وال����دي م��ري��ض‪ ،‬حباجة‬
‫لرعاية‪..‬‬
‫ س��أراه واطمئن عليه ثم أع��ود ‪ ..‬أرجوك‬‫يانعمان أريد أن أراه ‪..‬‬
‫ األط��ب��اء سيجتمعون ع��ن��ده بعد دقائق‪،‬‬‫الأس��ت��ط��ي��ع ط��ل��ب ال��س��م��اح ل��ك ب��رؤي��ت��ه‪ ،‬لن‬
‫يوافقوا‪..‬‬
‫مسحت الدكتورة ( وردة) لألم برؤية محدان‬
‫الغائب ع��ن ال��وع��ي للحظات‪ ،‬قبل أن يبدأ‬
‫اجتماع اللجنة الطبيّة لدراسة حالته اليت كان‬
‫تزداد سوءاً‪..‬‬
‫ويف حقل احلصاد‪ ،‬ذعر الرجال الذين كانوا‬
‫يقومون حب��ص��اد حقل مح���دان‪ ،‬وه��م يرون‬
‫ت��واج��د األف��اع��ي بكثرة يف ك��ل م��ك��ان‪ ،‬وهذا‬
‫مادعاهم ‪ -‬لشدة خوفهم‪ -‬أن يوقفوا احلصاد‪،‬‬
‫متعلّلني بكثرة الفاعي مع ارتفاع الشمس يف‬
‫كبد السماء‪..‬‬
‫واحل��رارة تتزايد بالتدريج‪ ،‬حتى وصلت إىل‬
‫حدّ‪ ،‬زاد عن املعدّل السنوي ملثل هذه الفرتة‬
‫من العام‪ ،‬بنحو عشر درجات ‪..‬‬
‫وجلسوا مجيعاً حت��ت ش��ج��رة ( اخل���رّوب)‬
‫ال��ض��خ��م��ة‪ ،‬ال�ت�ي ك���ان ظلها يغطي مساحة‬
‫واسعة‪ ،‬انتشروا فوقها يسرتحيون‪ ،‬ويتناولون‬
‫من الطعام الذي أحضروه من بيوهتم ‪ ..‬ولكن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫بيوض األفاعي‬
‫شجرة (اخل �رّوب) نفسها مل تسلم من تسلل‬
‫األفاعي إىل جذعها وأغصاهنا املتفرعة‪..‬‬
‫ انظروا هناك ثعبان أسود يتدىل من جذع‬‫الشجرة ‪..‬‬
‫ جيب أن نقتله بسرعة‪ ،‬قبل أن يهامجنا‪..‬‬‫ لن يهامجنا‪ ،‬الثعبان السود ليس شرساً‬‫كاألمحر‪ ،‬أو املر ّقط‪..‬‬
‫ هناك ثعبان آخر هناك‪..‬‬‫ كيف عرفتما أهنا ثعابني وليست أفاعي ؟‬‫ من تدويرة الرأس‪ ،‬األفعى يتطاول رأسها‪،‬‬‫وهي متدّد جسمها‪ ..‬رمبا ألهنا اعتادت على‬
‫ذلك عند طرحها للبيض‪..‬‬
‫ م��اذا نفعل اآلن ؟ ال��زواح��ف تقرتب منّا‪..‬‬‫اليبدو عليها اخلوف‪..‬‬
‫ يبدو أننا لن نكمل عملية احلصاد اليوم ‪..‬‬‫وازدادت احلوادث‪ ،‬وكثر عدد ضحايا اأافاعي‬
‫يف ذلك اليوم لدرجة جعلت قسم اإلسعاف‬
‫يف مستشفى املدينة‪ ،‬يستنفر بكافة أفراده‬
‫الستقبال حاالت التسمم بلدغ األفاعي ‪..‬‬
‫وازداد الذعر واهللع بني الفالحني‪ ،‬وقد بدأت‬
‫األفاعي تظهر يف القرية مع ازدي��اد احلرارة‬
‫وارتفاعها عن املعدل السنوي املعهود‪ ،‬بدرجات‬
‫عالية‪..‬‬
‫وعاد محدان إىل بيته بعدما حتسنت صحته‬
‫وتغلّب على عوارض التسمم‪ ،‬وكان القلق يأكله‬
‫على موسم القمح وقد فشل رفاقه يف حصاد‬
‫السنابل لكثرة األفاعي‪.‬‬
‫شعر حبقد كبري على هذه احليات الكريهة‬
‫اليت خرجت من جحورها تثري الرعب والفزع‪،‬‬
‫وهتاجم أهايل القرية وتتكاثر بسرعة غريبة‪..‬‬
‫صمم بينه وبني نفسه أن يضع حدّاً هلا‪ ،‬عرف‬
‫أن تلك اجملاهبة قد تكلفه حياته‪ ،‬ولكنه قد‬

‫ج �رّب مسّها اخلطر‪ ،‬شعر أن املعركة معها‬
‫جيب أن تقع‪..‬‬
‫أرّقته تلك الفكرة‪ ،‬وقد حلظ نعمان‪ ،‬تقلبه‬
‫على سريره يف الليل‪ ،‬ثم هنوضه املب ّكر من‬
‫النوم‪ ،‬وخروجه إىل ساحة الدار‪..‬‬
‫ما الذي أخرج محدان مبكراً يف هذا الوقت ؟‬
‫سأرى إىل أين يتجه؟ إنه يفتح الباب اخلارجي‬
‫صرخ ‪ - :‬محدان ‪ .‬محدان إىل أين ؟‬
‫ نعمان‪ ،‬ملاذا تالحقين ؟‬‫ أنا قلق عليك ياأخي‪ ..‬أنت التعرف الراحة‪،‬‬‫مع أنك مل تربأ جيداً من سمّ األفاعي بعد‪..‬‬
‫إىل أين أنت ذاهب ؟‬
‫ انظر يانعمان‪ ،‬هناك أفعى قرب الباب‪..‬‬‫سأقتلها هه‪ ..‬لن أقف ساكتاً أمام تكاثر هذه‬
‫احليوانات الكريهة‪..‬‬
‫ أرجوك ياأخي‪ ،‬التوّرط نفسك بالصراع مع‬‫األفاعي‪ ،‬إهنا حقودة وسريعة االنتقام ‪ ..‬هكذا‬
‫حيكي لنا كبار السنّ‪..‬‬
‫ جمرّد حكايات فارغة ‪ ..‬الأؤمن هبا‪..‬‬‫ انتظر سأذهب معك‪..‬‬‫ الداعي لذلك‪ ..‬سأقوم بالعمل وحدي‪..‬‬‫كان محدان ينوي التوجه حلقله الذي مازالت‬
‫سنابله تنتظر املنجل ليحصدها‪ ،‬دون أن جيرؤ‬
‫أح��د على فعل ذل��ك بسبب التكاثر الغريب‬
‫لألفاعي بينها‪..‬‬
‫رأى أفاعي كثرية يف الطريق‪ ،‬وشعر أن خطرها‬
‫يزداد بسرعة أكرب مما كان يتوقع‪..‬‬
‫هرع نعمان عائداً إىل البيت يبحث عن سالح‬
‫يساهم يف الدفاع عن محدان ضد خطر تلك‬
‫احليوانات الزاحفة‪ ،‬وقد شعر أن محدان لن‬
‫يرتاجع عن قراره يف التصدي هلا‪..‬‬
‫رأى يف طريقه عصا طويلة‪ ،‬فأمسك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪49‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بيوض األفاعي‬
‫هب��ا وع�لّ��ق املنجل يف ح��زام��ه واجت���ه يركض‬
‫الحقاً حبمدان‪ ..‬كانت خيوط الفجر قد بدأت‬
‫ب��ال��ب��زوغ‪ ،‬ونعمان يسرع اخلطا يف الطريق‬
‫إىل احلقل حني بدأ يسمع صرخات محدان‬
‫اجملنونة‪..‬‬
‫ لست خائفاً منك أيتها احليوانات الكريهة‪..‬‬‫ه��ه‪ ..‬لن أرمح��ك‪ ..‬سأتصدى لك مهما كان‬
‫الثمن‪..‬‬
‫شعر بالرعب ‪ - :‬ياإهلي‪ ،‬إنه يسبح يف حبر‬
‫من األفاعي‪ ،‬إنه يضرهبا ذات اليمني وذات‬
‫الشمال‪ ،‬من أين أتته هذه القوة‪ ..‬ياإهلي إهنا‬
‫تلتف عليه جيب أن أساعده‪ ،‬سأشعل غصناً‬
‫جافاً‪..‬‬
‫ومت ّكن نعمان من إبعاد األفاعي بصعوبة عن‬
‫محدان‪ ،‬الذي أصيب بلدغات عديدة منها يف‬
‫كل مناطق جسمه‪ ..‬وقد أخذ يرجتف وكأنه‬
‫أصيب هبسرتيا شديدة ‪..‬‬
‫أس��ن��ده إىل كتفه وه���و ي���ذب األف��اع��ي عنه‬
‫بالغصن امللتهب‪ ،‬وقد شعر أن قوى محدان‬
‫تتضاءل‪ ..‬ورغم أنه كان وسط األفاعي فلم‬
‫يتعرض هلجومها كحمدان‪ ،‬ولكنه وصل إىل‬
‫مرحلة مل يعد ق��ادراً فيها على الثبات أمام‬
‫زحف األفاعي‪..‬‬
‫ولكنّ شيئاً خ��ارق�اً مل تصدقه عيناه‪ ،‬أخذ‬
‫ّ‬
‫حيدث أمامه‪ ،‬فقد‬
‫انقضت طيور كبرية احلجم‬
‫على سيل األفاعي‪ ،‬ترفعها مبناقريها احلادّة‬
‫وخمالبها‪..‬‬
‫ووج��د نعمان نفسه فجأة م��ع مح��دان وقد‬
‫اختفت األف��اع��ي م��ن ح��ول��ه‪ ،‬والح��ق ببصره‬
‫الطيور الكاسرة املبتعدة بغنائمها‪ ،‬ثم جلس‬
‫على األرض سانداً محدان الغائب عن الوعي‪،‬‬
‫حياول إيقاظه دون جدوى‪..‬‬
‫شعر بالرعب وق��د رأى آث��ار أنياب األفاعي‬

‫‪50‬‬

‫امل��غ��روزة يف أط��راف��ه‪ ،‬فعرف أن السمّ تغلغل‬
‫فيه‪ ،‬وأن حالة محدان سيئة‪ ،‬وأن خطر املوت‬
‫يتهدده‪..‬‬
‫أي قوّة شعر هبا حني ذلك‪ ،‬جعلته حيمل أخاه‬
‫وينطلق به صوب بيت (أبي فادي) الستخدام‬
‫س��ي��ارت��ه ل��ن��ق��ل أخ��ي��ه إىل م��ش��ف��ى املدينة‬
‫القريبة‪..‬‬
‫مل يشعر بتعبه وبثقل محدان فوق كتفه‪ ،‬كان‬
‫كل مايهمه الوصول إىل املشفى بسرعة إلنقاذ‬
‫أخيه‪ ،‬قبل فوات األوان‪..‬‬
‫ مازال يتنفس يضعف‪ ،‬إن شاء اهلل سيجرون‬‫له اإلسعافات الالزمة التقلق يانعمان ‪..‬‬
‫ ولكن لدغات األف��اع��ي يف كل مكان من‬‫رجليه ويديه ؟‬
‫ كيف ح��دث وه��امج��ت��ه ه��ذه احليوانات‬‫اخلبيثة؟‬
‫ مل يستطع النوم يف الليل‪ ،‬وقبل الفجر خرج‬‫غاضباً منفعالً وهو يشتم األفاعي ويقسم أن‬
‫معركته معها ستبدأ ولن تنتهي‪ ..‬قتل واحدة‬
‫ق��رب الباب وان��دف��ع ص��وب احلقل‪ ،‬فلحقت‬
‫به‪..‬‬
‫ مسكني‪ ،‬تضرّر كثرياً من ه��ذه الزواحف‬‫الغادرة ‪ ..‬هه بدأنا باالقرتاب من املشفى ‪..‬‬
‫وفوئت الدكتورة وردة حبمدان يأتي حمموالً‬
‫من جديد ‪:‬‬
‫ كيف ح��دث وت��ع �رّض للدغ األف��اع��ي من‬‫جديد؟‬
‫ إهنا حكاية طويلة يادكتورة وردة‪ ..‬أرجوك‬‫ابذيل جهدك معه‪..‬‬
‫ التنقلق‪ ..‬لن أقصر يف ذلك‪ ،‬إهنا مهميت‪..‬‬‫أرجوك يانعمان انتظر يف اخلارج‬
‫ حسناً سأخرج‪..‬‬‫ف ّكرت وهي تفحصه بد ّقة مازال قلبه ينبض‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫بيوض األفاعي‬
‫بضعف وجي��ب أن نستغل ه��ذه املقاومة يف‬
‫إيقاف زحف السمّ‪..‬‬
‫وحضر الدكتور سامل سريعاً ‪ ..‬شرحت له‬
‫وردة‪:‬‬
‫ تعرّض هلجوم شرس من األفاعي كما قالوا‬‫يل‪ ،‬يبدو أن قريته تعجّ هبذه الزواحف ‪..‬‬
‫إهنا تتكاثر بشكل غريب وحجومها تزداد‪..‬‬
‫أبلغنا املخرب احليوي القريب بذلك‪ ..‬ولست‬
‫أدري ماستكون النتائج‪..‬هه‪..‬هيّا أبلغي األطباء‬
‫بسرعة الوقت لدينا‪..‬‬
‫ك��أنّ الطيور أت��ت كنجدة من السماء‪..‬كانت‬
‫تنقض وتصطاد األفاعي مبهارة وذكاء‪..‬كان‬
‫أهايل القرى فرحني وهم يتابعوهنا تصطاد‬
‫األفاعي ‪:‬‬
‫ أال ترى حجومها الكبرية ؟‬‫ حتى حجوم األفاعي أيضاً‪ ،‬أكرب مما نعرفه‬‫عنها‪..‬‬
‫ مسكني مح��دان‪ ،‬رمبا ميوت بعد هجومها‬‫الغادر عليه مرّة ثانية‬
‫ ل��و مل ت��ن��ق��ذه ال��ط��ي��ور‪ ،‬مل�لأت��ه األفاعي‬‫بالسمّ‪..‬‬
‫ويف مكان آخ��ر م��ن القرية‪ ،‬كانت العجوز‬
‫(مسيحة النايف) املعروفة مبزرعة دواجنها‬
‫الكبرية‪ ،‬مسرورة بالطيور الكاسرة اليت تن ّقض‬
‫على األف��اع��ي ال�تي ب��دأت تظهر ك��ث�يراً حول‬
‫املزرعة ‪..‬‬
‫كانت العجوز تدير املزرعة بأموال أوالدها‬
‫املغرتبني‪ ،‬الذين كانوا يرسلون هلا األموال‬
‫بانتظام‪ ،‬وقد استثمرت هذه األموال يف بناء‬
‫املزرعة وتوسيعها ووض��ع كل مايلزم النتاج‬
‫البيوض والدجاج‪..‬‬
‫ أترين ياخالة؟ الطيور ت��زداد وهي تنقض‬‫على األفاعي بقوة واقتدار‪..‬‬

‫ احلمد هلل ‪ ..‬ستعود املزرعة إىل انتاجها‬‫من ج��دي��د‪ ..‬لقد خسرنا الكثري وسنعوضه‬
‫بسرعة‪..‬‬
‫مسعت طرقاً شديداً على الباب اخلارجي‬
‫وأتى أحد احلراس ‪:‬‬
‫ سيدتي لديك زوّار‪..‬‬‫ زوّار ؟ من ياسعد؟‬‫ أتوا ّ‬‫يطلعون على املزرعة‪ ،‬ويتعرفون على‬
‫نوع األعالف‪..‬‬
‫ البأس ‪..‬أهالً وسهالً ‪ ..‬ليتفضلوا ‪ ..‬مرزعيت‬‫منوذجيّة‪ ..‬وهي أضخم مزارع املنطقة‪..‬‬
‫كان املخرب احليوي القريب من املشفى بعد‬
‫دراس��ة أسباب تكاثر األفاعي‪ ،‬وجد اخلرباء‬
‫ّ‬
‫فيه‪ ،‬أن األفاعي‬
‫تتغذى على حيوانات فيها‬
‫نسبة من اهلرمونات عالية‪..‬‬
‫وح�ي�ن تتبعت اللجنة املنبثقة ع��ن املخرب‪،‬‬
‫مصادر تغذية األفاعي‪ ،‬وجدت أن جحورها‬
‫تتكاثر ق��رب مزرعة (مسيحة النايف) وأن‬
‫فراخ الدجاج كانت مصدراً هاماً من مصادر‬
‫التغذية ‪..‬‬
‫فالعجوز مسيحة كانت تستخدم اهلرمونات‬
‫بنسبة عالية يف تغذية الدجاج وحني التهمت‬
‫أفعى متسربة بعض الصيصان الصغرية‪ ،‬أثرت‬
‫فيها اهلرمونات وكانت بيوضها الكثرية حتوي‬
‫نسبة منها أيضاً‪..‬‬
‫وه��ك��ذا ان��دف��ع��ت األف��اع��ي امل��ت��ك��اث��رة صوب‬
‫املزرعة‪ ،‬وعانت مسيحة األمّرين يف حماولة‬
‫ردّها دون نتيجة‪ ..‬كان هذا الدجاج احملقون‬
‫باهلرمونات غذاء فريداً لزواحف خرجت من‬
‫عقاهلا بسبب احلرّ الشديد‪..‬‬
‫ودخ��ل الدكتور س��امل مكتب الدكتورة وردة‬
‫الهثاً‪:‬‬
‫‪ -‬خري؟ أراك حتمل أخباراً كثرية‪ ،‬ماذا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪51‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بيوض األفاعي‬
‫جرى؟ هل عرف حملّلو املخرب أسباب انتشار‬
‫األفاعي‪..‬‬
‫ّ‬
‫ نعم‪ ..‬اهلرمونات هي السبب‪ ،‬األفاعي تغذت‬‫على دج��اج حمقون ب��اهل��رم��ون��ات‪ ،‬فتكاثرت‬
‫وكربت حجومها‪ ،‬ومع ازدياد احلرارة كثر عدد‬
‫البيوض أيضاً‪..‬‬
‫ ومصدر الدجاج احملقون يادكتور سامل ؟‬‫ مزرعة قريبة من القرية‪ ..‬أعتقد أن الشرطة‬‫ستقبض على صاحبتها بعد ص��دور تقارير‬
‫اللجان‪..‬هه‪ ..‬مل تقويل يل يادكتورة وردة‪ ،‬ماذا‬
‫عن محدان ؟ أما زالت حالته تتدهور؟‬
‫ مازال غائباً عن الوعي يادكتور سامل‪..‬‬‫ أمس��ع��ت ؟ الأع��ت��ق��د أن���ه سيعيش حتى‬‫الصباح‪..‬‬
‫ مسكينة والدته‪ ،‬إهنا تنتحب مقهورة خائفة‬‫كأن ابنها قد مات‪..‬‬
‫إهنا تشعر أن ابنها لن يسلم هذه املرّة ‪..‬‬
‫مع بصيص الفجر‪ ،‬خرجت ( مسيحة) من‬
‫غرفة نومها تتفقد عمال املزرعة وهم ينظفون‬
‫غرف الدجاج ويسدّون اجلحور والثغرات يف‬
‫السور‪ ،‬وقد صمّمت أن تعوض عن خسارهتا‬
‫الكبرية م��ن ج��راء هجوم األف��اع��ي‪ ،‬بسرعة‬
‫كبرية‪..‬‬
‫تفقدت البيض حبجمه ال��ك��ب�ير‪ ،‬الب���دّ وأنه‬
‫سينتج صيصاناً ضخمة احلجم وسيصيل‬
‫وزن (الفروج) إىل ثالثة كيلو غرامات كالعادة‬
‫عندها‪ ..‬قضت وقتاً وهي تطمئن على سري‬
‫األع��م��ال‪ ،‬قبل أن تدخل ( الفيال ) لتتناول‬
‫اإلفطار‪ ..‬ولكن توقف سيارة ضخمة أمام باب‬
‫الفيال اسرتعى انتباهها‪..‬‬
‫خري؟ ما الذي حدث ؟ رمبا جلنة أخرى حتقق‬
‫تكاثر األفاعي ؟ سيكون اليوم قاسياً أيضاً‪،‬‬
‫فاحلرارة التطاق‪..‬‬

‫‪52‬‬

‫فتحت أب���واب ال��س��ي��ارة وخ���رج منها رجال‬
‫الشرطة‪:‬‬
‫ السيدة مسيحة النايف ؟‬‫ نعم‪..‬خري؟ ماذا تريدون؟‬‫أمر قاضي التحقيق ياستدعائك‪..‬‬
‫ قاضي التحقيق ؟ ملاذا ؟‬‫ سيبلغك عن السبب بنفسه‪ ،‬تفضلي ‪..‬‬‫ حسناً‪ ،‬سأتصل باحملامي وآتي إليكم‪..‬‬‫ التدعوها خترج من باب خلفي‪ ،‬أمرنا قاضي‬‫التحقيق بإحضارها خمفورة إليه‪..‬‬
‫ّ‬
‫استيقظ محدان من غيبوبته‪ ،‬وعلل األطباء‪،‬‬
‫سبب خروجه من تأثريات السمّ اجلديد‪ ،‬من‬
‫أنه حيمل مقاومة أفرزها جسمه نتيجة لدغة‬
‫األفعى له ألول مرة قبل يومني‪ ،‬وأن إغماءه‬
‫وغيبوبته يف البداية من تأثري السمّ‪..‬‬
‫فاملقاومة ال�تي حيملها يف جسمه مل تفرز‬
‫الرتياق إ ّ‬
‫ال بعد أن وصل تأثري السمّ إىل اجلملة‬
‫العصبيّة‪...‬‬
‫أمّا العجوز (مسيحة) فلقد اهتمت بأن جشعها‬
‫هو الذي سبب كل هذه املآسي‪ ،‬نتيجة تسرب‬
‫اهلرمونات احملقونة يف الدجاج إىل األفاعي‪..‬‬
‫ورغ��م كل ماصرفته من أم���وال‪ ،‬فلقد حكم‬
‫عليها بالسجن ( مخس سنوات ) وقد مات‬
‫أحد أهايل القرية متأثراً بالسمّ بعدما لدغته‬
‫أفعى ‪..‬‬
‫واستأنفت مسيحة احل��ك��م‪ ،‬وطعنت بقرار‬
‫احملكمة‪ ،‬ومازالت حماكمتها جارية حتى اآلن‪،‬‬
‫وقد تأجلت الدعوى عدة مرات ‪..‬‬
‫أمّا محدان‪ ،‬فتحوّل إىل كائن جديد اليعرف‬
‫اخلوف‪ ..‬وقد كثرت أعداد الطيور اجلارحة‪،‬‬
‫ال�تي ص��ادق��ت��ه‪ ،‬وه��و ي��ق��دم هل��ا وجباهتا من‬
‫األفاعي مالحقاً إياها يف األوك��ار واجلحور‬
‫دون خوف‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫بيوض األفاعي‬

‫ويف أحد األيام‪..‬‬
‫ ماهذا يامحدان‪ ،‬صداقتك للطيور اجلارحة‪..‬‬‫أصبحت مضرب املثل يف املنطقة‪..‬‬
‫ ألنين أطعمها غ��ذاءً طازجاً‪ ..‬إهنا تلت ّذ بأكل‬‫األفاعي كما تعرف‪.‬‬
‫ والغريب يف األمر أن األفاعي تراجعت كثرياً‬‫حتى مل تعد تظهر‪ ..‬كيف تستطيع معرفة جحر‬
‫األفعى هبذه السهولة ؟‬
‫ هل تصدق؟ أنا أشم رائحتها‪ ..‬كأهنا ختاف‬‫مين فتخرج معرضة نفسها للموت‬
‫ ه���ذه ال��ط��ي��ور نظفت األراض����ي م��ن فئران‬‫احملاصيل أيضاً‪..‬‬
‫ إهنا عدو حيوي لألفاعي والفئران‪..‬‬‫ ومل���اذا مل تتأثر باهلرمونات كما ت��أث��رت هبا‬‫األفاعي ؟‬

‫ ال أدري‪ ..‬رمبا جند اجلواب عند أعضاء اللجنة‬‫العلمية يف املخترب‪ ..‬وعند الدكتورة وردة أيضاً ‪..‬‬
‫ أتصدق؟ مل أر طبيباً مهتماً مبريض كما رأيت‬‫من اهتمام الدكتورة وردة ب��ك‪ ..‬كافحت كثرياً‬
‫لتعيدك للحياة‪..‬‬
‫ أمل تعرف يانعمان أهنا كانت صديقة طفولة‪،‬‬‫للمرحومة زوجيت ؟‬
‫ ال‪ ..‬أبداً‪ ..‬هذه أول مرة أمسع فيها مثل هذا‬‫اخلرب‬
‫حزنت كثرياً لوفاة هدى‪ ..‬وزارتنا أكثر من مرّة‬
‫يف البيت‪..‬‬
‫ سبحان اهلل‪ ..‬لو كانت ه��دى معنا‪ ،‬رمب��ا مل‬‫حيصل لك ماحصل‪..‬‬
‫ م��ن ي��ع��ل��م ؟ احل��ي��اة أح��ي��ان �اً الخت���ب���ىء إ ّال‬‫املفاجآت‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪53‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حادث غامض‬

‫هناد شريف‬
‫كانت كافة ال��دالئ��ل تشري إىل أن‬
‫هناك شيئاً غري طبيعي قد حدث‬
‫ف��ج��أة يف ت��ل��ك ال��ق��اع��دة النائية‬
‫ألرص����اد ال��ف��ض��اء ‪ ...‬ف��ق��د مس��ع��ت مههمة‬
‫انفجارين متعاقبني تتعاىل من قلب القاعدة‬
‫يف وه��دة الليل وقبل ب��زوغ الفجر بساعة ‪..‬‬
‫ثم كانت تلك الطائرة العمودية اليت سارعت‬
‫مع خيوط الضوء األوىل باهلبوط يف القاعدة‬

‫‪54‬‬

‫لتعاود التحليق على الفور يف اجتاه املستشفى‬
‫العسكري بوادي النطرون ‪ ...‬كذلك فقد متت‬
‫يف الصباح املبكر مقابلة عاجلة بني رئيس‬
‫القاعدة ووزير الطاقة النووية وأحباث الفضاء‬
‫دارت يف سريّة تامة بينهما ‪..‬‬
‫إال أن القاهرة التزمت طوال الثماني واألربعني‬
‫ساعة التالية صمتاً ثقيالً فلم تصدر من أجهزة‬
‫اإلعالم هبا بادرة تشري من بعيد أو قريب إىل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫حادث غامض‬
‫ما جرى يف القاعدة خالل ليلة حالكة الظالم‬
‫قارصة الربد ‪...‬‬
‫ومع مطلع صباح اليوم الثالث تزايدت اهلمسات‬
‫حول حدوث أعمال ختريب يف القاعدة أدت‬
‫إىل مقتل بعض العاملني فيها ‪..‬‬
‫وعلى األثر ردد املذياع يف نشرة أخبار الثانية‬
‫والنصف مساءً صدور بالغ رمسي من وزير‬
‫الطاقة النووية وأحب��اث الفضاء أعلن فيه‬
‫استحالة ح���دوث أي عمل خت��ري�بي م��ن أي‬
‫مجاعة عدوانية من األعداء ملنعة املكان املقامة‬
‫عليه القاعدة وإلحكام احلراسة عليها بصفة‬
‫مستمرة ليالً هناراً ‪...‬‬
‫وأهنى البالغ كالمه بأن األمر برمته مل يزد عن‬
‫انفجار حمتويات معمل للمكثفات املستخدمة‬
‫يف مراقبة األقمار الصناعية أثناء جتربة عملية‬
‫كانت جترى فيه ‪ ..‬وأن أحداً مل يقتل‪..‬‬
‫لكن يف املساء انتشر نبأ يفيد مقتل عامل‬
‫معروف بالذات ‪...‬‬
‫ثم استفحل النبأ بصورة أكيدة وراسخة ليحدد‬
‫أن العامل الذي لقي حتفه هو عامل االلكرتونيات‬
‫الشاب مسيح الفاضلي ‪ ...‬وتأكد النبأ قرابة‬
‫منتصف الليل بصفة شبه رمسية من أحد‬
‫أطباء املستشفى العسكري بوادي النطرون ‪..‬‬
‫على أن السلطات جتاهلت املوضوع كلية هذه‬
‫املرة ومل تعقب عليه حبرف ‪ ..‬حتى كاد األمر‬
‫مبرور الزمن وتراكم األحداث اجلارية بأحناء‬
‫العامل عليه أن يندثر ويطويه النسيان ‪..‬‬
‫وبالفعل مرّت ستة أعوام كاملة قبل أن يعثر‬
‫على يومية هامة سبق أن دوهنا أحد العلماء‬
‫كان يعمل بقاعدة أرصاد الفضاء ثم نقل إىل‬
‫املركز الكوني العصري على ظهر القمر ‪..‬‬
‫فأتيح بذلك لقلة حمدودة من الناس أن ّ‬
‫يطلعوا‬

‫يف النهاية على جلية األمر الذي أوشك الزمن‬
‫أن ميحوه من صفحاته ‪..‬‬
‫ك��ان��ت ال��ي��وم��ي��ة م��ع��ن��ون��ة ب��ت��اري��خ ‪/ 2 /17‬‬
‫‪...1999‬‬
‫وق��د ب��دأت سطورها بوصف شامل لقاعدة‬
‫أرصاد الفضاء ‪ ..‬فهي قاعدة عسكرية حتمل‬
‫الرقم ‪ 122‬وتقع على بداية طريق الصحراء‬
‫مصر ‪ /‬الفيوم‪ ،‬لدى خروجه من العاصمة‬
‫غرباً حيث تستقر مبانيها امل��زودة بنطاقني‬
‫من األس�لاك الشائكة ونقط احلراسة ذات‬
‫الكشافات أعلى رب��وة صخرية مكشوفة من‬
‫مجيع اجل��ه��ات وت��ض��م ال��ق��اع��دة جمموعتني‬
‫من املباني أوالمها تتكون من عدد من الدور‬
‫املتجاورة ذات الطابق الواحد ترسم حدوة فرس‬
‫يفتح ممر الدخول إليها جتاه الغرب ومعظمها‬
‫مبانٍ سكنية وإدارية وخمازن ‪ ..‬يف حني تتكون‬
‫اجملموعة الثانية من بناءين صغريين ملتصقني‬
‫يقعان إىل اجلنوب من حدوة الفرس ويعلوان‬
‫بارتفاع أربعة طوابق وخيتص الشمايل منهما‬
‫ب��رص��د األق��م��ار الصناعية وعمليات غزو‬
‫الفضاء ال�تي تتم بواسطة الصواريخ بعيدة‬
‫امل��دى ‪ ..‬أم��ا املبنى اجمل��اور واألكثر تتطرفاً‬
‫يف جنوبيته بالقاعدة فهو املختص لعمليات‬
‫االتصال مع الكواكب األخرى ذات احلضارة‬
‫املشاهبة ‪ ...‬عرب الفضاء الكوني واليت سبق أن‬
‫أعدت من أجلها اتفاقية دولية حترم الرتاسل‬
‫الفردي عرب الفضاء مع حضارات كوكبية من‬
‫أي نوع‪ ،‬وكانت مصر إحدى الدول اليت و ّقعت‬
‫على هذه االتفاقية مبقرّ هيئة األمم املتحدة‬
‫اجلديد يف باريس ‪ ..‬وقد حدث االنفجاران يف‬
‫املبنى اجلنوبي من البناءين امللتصقني‬
‫وليس يف املبنى الشمايل منهما كما جاء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪55‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حادث غامض‬

‫يف البالغ الرمسي ‪...‬‬
‫وقد أكد صاحب اليومية يف حرية تامة قد يزاح‬
‫النقاب عنها عالياً ذات يوم أن السبب الفعلي‬
‫لكن ما قامت به السلطات من إجراءات ملتوية‬
‫وصارمة إلخفاء احلقيقة وطمس معاملها إمنا‬
‫يرجع إىل مبلغ خطورة ما جرى يوم ذاك حيث‬
‫ميكن التصريح يف كلمتني بأن مجهوريتنا قد‬
‫خرقت برغمها االتفاقية الدولية بتحريم‬
‫الرتاسل الفردي عرب الفضاء بطريقة مزعجة‬
‫خرجت عن كل قدرة لديها ‪...‬‬
‫ـ لكن كيف مت ذلك ‪.‬؟‬
‫لقد بدأت املقدمات خالل ليلة مقمرة رطبة‬
‫من أواخر العام املنصرم‪ ،‬هي ليلة ‪12 / 25‬‬
‫‪ 1998 /‬فقرابة منتصف تلك الليلة أحس‬
‫أخصائي اإلرسال االلكرتوني زاهر زيادة وهو‬
‫رجل قصري القامة ختطى عقده الرابع بعامني‪،‬‬
‫أحس أرهاقاً ملحا يعرتيه فلم جيد مندوحة‬

‫‪56‬‬

‫من التدثر مبعطفه واللجوء إىل شرفة حجرته‬
‫باسرتاحة الباحثني بالقاعدة ليشعل لفافة‬
‫علّها جتلس النعاس إىل عينيه ‪..‬‬
‫ووسط ماليني حبات النجوم الالمعات وهي‬
‫ترصع السماء اليت أحالتها األشعة القمرية‬
‫إىل اللون االردوازي ملح أضواء النافذة القصية‬
‫بالطابق الرابع ‪..‬‬
‫ترى من الذي ظل ساهراً حتى هذا الوقت‬
‫املتأخر من الليل ‪ ..‬أم أن أحدهم قد نسي‬
‫اللمبات مضاءة ‪..‬‬
‫وعرب زاهر الفناء املليء بتبات الصخر اليت‬
‫حتتها عوامل التعرية صوب البناء اجلنوبي‬
‫‪ ..‬وارتفع به املصعد إىل الطابق الرابع ليلج‬
‫احلجرة املضاءة ‪ ..‬أجال بصره يف عجلة خالل‬
‫األجهزة الالسلكية املعقدة اليت متأل جوانبها‬
‫وخيّل إليه يف املبدأ أن احلجرة خالية على‬
‫أن مرأى القدمني البارزتني من أسفل جهاز‬
‫بث الذبذبات الالسلكية فائقة القصر والذي‬
‫يشمخ بساريته النافذة من السقف إىل اخلارج‬
‫د ّله على أن أحداً جيلس إىل لوحة تشغيلها يف‬
‫استغراق شديد‪ ،‬ورما يف سبات عميق ‪..‬‬
‫ـ مسيح ‪ ..‬انتبه يا مسيح ‪ ..‬استيقظ ‪..‬‬
‫فتح مسيح عينيه يف إعياء ‪..‬‬
‫ـ أنت ‪..‬‬
‫ـ فيم انشغالك حتى هذه الساعة املتأخرة ‪..‬‬
‫محلق مسيح يف حمدثه وهو يستعيد حواسه‬
‫بسرعة ‪..‬‬
‫ـ كنت أراقب كوكباً جديداً اكتشفته منذ أيام‬
‫وهو يعرب السماء على مبعدة منا ‪..‬‬
‫تساءل زاهر وقد مد عنقه حياول التفرس من‬
‫خالل النافذة املفتوحة على اتساعها ‪..‬‬
‫ـ كوكب جديد ‪!.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫حادث غامض‬
‫ـ كوكب دخيل على معلوماتنا الكونية ‪ ..‬وهو‬
‫مي��ر حالياً جت��اه احل��اف��ة اجلنوبية جملرتنا‬
‫املسماة بسكة التبانة أو حاوية املئة ألف مليون‬
‫جنم ‪ ..‬حيث ميكن رؤيته باملنظار بني النجمني‬
‫الالمعني قنطورس أو قنطورب ‪..‬‬
‫زاد فضول زاهر ‪.‬‬
‫ـ ترى من أين أتى ؟ وإىل أين ذهب ‪.‬؟؟‬
‫أجاب مسيح يف نغمة متفلسفة ‪:‬‬
‫ـ من الالهنائية وإليها ‪...‬‬
‫ـ ولكن ‪ ..‬أهناك حياة على سطحه ‪..‬‬
‫ـ توجد حياة ‪..‬‬
‫ـ أعلى ما درجة حضارته ‪.‬؟‬
‫مط مسيح شفتيه ليهمس يف صوت جاف‬
‫خلى من املعاني ‪:‬‬
‫ـ مل أتأكد بعد ‪ ..‬وإن كنت أظن أن الكوكب ال‬
‫يزال يرفل يف بدائية مطلقة ‪..‬‬
‫هنا أطلق زاهر آهة عميقة وقال ‪:‬‬
‫ـ يأخذ طريق عودته إىل الباب ‪ ..‬معنى ذلك‬
‫أنه كوكب متخلف يستحيل التفاهم معه ‪ ..‬إذن‬
‫فال داعي إلخبار رئاسة القاعدة ليتخذوا أي‬
‫إجراء دويل ملخاطبته ‪..‬‬
‫ـ ال ‪ ..‬بالطبع ال ‪ ..‬فإنه لن يسمح لنا بشيء‬
‫كهذا ‪..‬‬
‫ـ مت��ام �اً ف��ال��ش��روط ح��س��ب معلوماتك غري‬
‫متوافرة يف هذا الكوكب ‪..‬‬
‫اغتصب مسيح ضحكة شيع هبا زميله وردد‬
‫يف سخرية ‪:‬‬
‫ـ البند الثالث عشر من حتفظات اتفاقية األمم‬
‫املتحدة بشأن الرتاسل الكوني مع عوامل أخرى‬
‫قصية ‪ .‬جي��ب أال ت��ك��ون ال��درج��ة احلضارة‬
‫على ثرى الكوكب البعيد املوجهة إليه رسالتنا‬
‫األرضية متخلفة بأي حال من األح��وال مما‬

‫يوازي بداية القرن العشرين املاضي لدينا أو‬
‫متقدمة بدرجة ساحقة عن حضارتنا احلالية‬
‫وحتى ال حيدث ما ال حتمد عقباه من لبس‬
‫أو اهبام تكون نتيجته إلقاء نظرة غضبى علينا‬
‫ال ميكن حتديد عواقبها فما ال شك فيه أن‬
‫حتمية وجود أناس أذكياء أو خملوقات عاقلة‬
‫يف ع��امل آخ��ر ال نعرف عنه شيئاً يعد أمراً‬
‫مؤكداً على الدوام‪ ،‬وحينئذ فإن االتصال هبم‬
‫سوف يكون أعظم متعة حيسها إنسان األرض‬
‫منذ نشأته على أال يكون يف ذل��ك االتصال‬
‫طريق يؤدي هلالكه ‪...‬‬
‫هكذا استمرت مراقبة العامل الشاب مسيح‬
‫الفاضلي للكوكب الوافد من أعماق الفضاء‬
‫ت��ت��زاي��د ي��وم �اً وراء ي��وم وام��ت��د ال��ن��ق��اش مع‬
‫صاحبه دون كلل ح��ول مظاهر احلياة على‬
‫هذا الكوكب ال��ذي يشق طريقه عرب السماء‬
‫يف إصرار عجيب ومدى أوجه التشابه بينها‬
‫وبني ما طرأ من تغريات على وجه األرض منذ‬
‫أزمنة قدمية ‪...‬‬
‫حتى كان ذلك اللقاء العاصف بني االثنني يوم‬
‫الثامن من يناير ‪ ... 1999‬فقد فوجئ زاهر‬
‫بصديقه الشاب العسلي العينني يقتحم عليه‬
‫حجرته عقب تناول الغداء وخيربه يف كلمات‬
‫مقتضبة بأنه عدل عن رأيه السابق وقرر أن‬
‫جيري يف السر اتصاالً مع الكوكب الدخيل وأنه‬
‫يطلب مساعدته يف إمتام هذا االتصال ‪..‬‬
‫فتمتم زاهر ملتاعاً ‪:‬‬
‫ـ لكين لو جاريتك فإنين أك��ون مشرتكاً معك‬
‫يف تكرار املأساة اليت كادت تتسبب يف تدمري‬
‫كوكبنا وفناء احلياة من على سطحه ‪..‬‬
‫ـ تقصد توأم األزرق املتألق ‪.‬؟‬
‫ـ أعين اتصال األمريكان املتسرع به ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪57‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عصري اهلواء‬

‫اهلادي ثابت‬
‫وق����ف امل��ه��ن��دس ««خ����ري����ر»» يف‬
‫الوسط بني العمودين املعدنيني‬
‫املتشابكني املغروسني على ربوتني‬
‫متقابلتني غري بعيد من احلقل الصغري الذي‬
‫بدأ يف إحيائه منذ مدّة قصرية‪ ،‬بعد أن قضى‬
‫اجلفاف على كل خضرة يف هذه اجلبال اليت‬
‫أضحت قاحلة‪ ،‬وقد هجرها أهلها‪ ،‬وصارت‬

‫‪58‬‬

‫ال تصلح لشيء س��وى ل��زي��ارة بعض السياح‬
‫يرتعون بني روابيها الصفراء‪ .‬كان ينظر إىل‬
‫إجن���ازه بكل فخر‪ .‬فمنذ ذل��ك ال��ي��وم األغرب‬
‫الذي رأى فيه أمّه تدفن قرب هذا احلقل‪ ،‬مل‬
‫يفارق هذه اجلبال‪ .‬كان يعيد على نفسه‪« :‬لن‬
‫أستسلم ملشيئة الطبيعة‪ ،‬سأقاوم اجلفاف بكل‬
‫الوسائل املتاحة‪ ».‬وكان أمله الوحيد أن يصبح‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫هذا املكان فردوسه لو ترضى «سلسبيل» أن‬
‫تأتي إىل هنا لتقامسه طموحاته يف إحياء هذه‬
‫األرض اليت حتولت إىل صحراء‪.‬‬
‫كان ينظر إىل النواعري تدور متشابكة عندما رنّ‬
‫اهلاتف‪ ،‬ورغم الضجيج الذي حتدثه طاحونة‬
‫الرياح اليت غرسها يف هذا املكان‪ ،‬فقد ّ‬
‫تفطن‬
‫إليه‪ .‬محله إىل أذنه‪:‬‬
‫آلو‪.‬‬
‫ما هذا الضجيج؟‬
‫إهنا طاحونة الرياح اليت حدثتك عنها كثريا‪ً.‬‬
‫وهل تصدر كل هذا الضجيج؟‬
‫هذا ما ق��درت عليه يا حبيبيت‪ ،‬لكتم صوت‬
‫العنفة ال ب �دّ م��ن آل��ة خاصة مل أق��در على‬
‫شرائها‪ .‬لكن ما اجلديد عندكم يف العاصمة؟‬
‫لقد وصلتنا باألمس ري��اح الرمل الصفراء‪.‬‬
‫بعضهم يقول إنّ سنة ‪ 2055‬هذه ستكون كارثة‬
‫على املناخ‪ .‬هل عندكم رياح رملية كذلك ؟‬
‫تعرفني أنين أرغب يف الرياح فهي اليت تدير‬
‫معصرة اهلواء‪.‬‬
‫وما معصرة اهلواء هذه؟‬
‫إهنا طاحونة الرياح اليت حولتها إىل معصرة‬
‫للهواء‪.‬‬
‫قلت إنّ طاحونة ال��ري��اح ت��وف��ر ل��ك الطاقة‬
‫الكهربائية‪ ،‬أمّا أن تعصر الرياح فهذا مل أمسع‬
‫به يف حياتي‪.‬‬
‫عندما تأتني إىل هنا سأشرح لك كل ما أجنزته‬
‫منذ سنة وأنا منزو بني هذه اجلبال القاحلة‪.‬‬
‫وعدتك أني سأزور جبال مطماطة فقط‪ ،‬ال‬
‫أن أقيم هبا‪.‬‬
‫وأن��ا أكتفي بالزيارة يا حبيبيت‪ ،‬ال ميكن أن‬
‫تتصوري كم أنا مشتاق إليك‪.‬‬
‫خاطبين عندما حيدث جديد عندك‪.‬‬

‫وهل سأتوانى يا عزيزتي؟‬
‫إىل اللقاء‪.‬‬
‫ّ‬
‫قفلت ««سلسبيل»» اخل��ط‪ ،‬وظ �ل ««خرير»»‬
‫ش��ارداً يستطيب ن�برات صوهتا ال��ذي ما زال‬
‫صداه يرنّ يف أذنه‪ .‬بعد فرتة من التأمل‪ ،‬نزل‬
‫من ال��رب��وة متوجهاً إىل احل��وش ال��ذي كانت‬
‫تسكنه أمه قبل أن تفارق احلياة‪ .‬لقد حصّن‬
‫هذا احلوش من الرياح الرملية ومن احلشرات‬
‫السامة‪ ،‬وسيّجه باألسالك الشائكة خوفاً من‬
‫هجوم ذئاب الصحراء الشرسة‪ ،‬واليت استولت‬
‫على البيوت واألحواش القدمية حبثاً عن سدّ‬
‫الرمق منذ أن اجتاحت الرمال األخضر واليابس‬
‫على إثر اجلفاف القاتل الذي ح ّل هبذه اجلهة‬
‫وما زال خينق أنفاسها أكثر من مخس سنوات‬
‫متتاليات‪ .‬مل تنزل ولو قطرة مطر واحدة‪ .‬لكن‬
‫منذ قرابة الثالثة أشهر توصل ««خرير»» إىل‬
‫استخراج املاء من اهلواء مبساعدة آلة صنعها‬
‫بنفسه وقد مكنته من التقاط قطرات املاء‬
‫املتبخر داخل اجلو‪ ،‬ومجعها يف خزان لتزويد‬
‫احلوش باملاء الصاحل للشراب‪ ،‬إذ إنّ جل اآلبار‬
‫جفت‪ ،‬أمّا اليت كانت عميقة فقد كانت كمية‬
‫األمالح فيها كبرية‪ ،‬حيث إهنا مل تعد صاحلة‬
‫للشراب وال للري‪ .‬وها هو اآلن حيفر فسقية‬
‫كبرية ليمألها من املاء العذب اخلايل من كل‬
‫األمالح والذي توفره له طاحونة الرياح‪.‬‬
‫قال يف نفسه وهو يتوجه إىل احلوش‪« :‬كانت‬
‫طاحونة الرياح تطحن الدقيق‪ ،‬وها هي اآلن‬
‫تطحن اهلواء‪ ،‬أليس هذا إجناز عظيم؟» عندما‬
‫مر قرب الفسقية‪ ،‬مسع اآليل (الربوط) يتنقل‬
‫داخلها‪ ،‬يغوص يف باطن األرض‪ ،‬ال شيء ّ‬
‫يدل‬
‫على وج��وده سوى صرير قوائمه وهي‬
‫تتنقل ب�ين ج����دران الفسقية تسوي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪59‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫األرض‪ ،‬وترفع ال�تراب‪ ،‬وتكدسه حتى تتفرغ‬
‫لرفعه خارج الفسقية‪ .‬أطل على اآليل‪ ،‬وقال‬
‫له وكأنه يتحدث إىل إنسان مثله‪:‬‬
‫عمل جيد قمت به يا صديقي‪! ‬‬
‫مل يكن هذا اآليل مربجما للتخاطب مع اإلنسان‪،‬‬
‫ولذا مل يتلق «خرير» أي ردّ‪ ،‬لكنه يعرف جيداً‬
‫متى يتوقف اآليل عن احلفر‪ ،‬وكيف يعود إىل‬
‫مربضه‪ ،‬وكيف سيجد اآللة اليت ختلصه من‬
‫الرتبة العالقة به‪ .‬ولن يف ّكر «خرير» يف تغذية‬
‫اآليل أو السهر على صحته‪ ،‬فاحلاسوب وحده‬
‫يعرف كيف يتعامل معه حتى يكون ناجعاً يف‬
‫عمله‪ ،‬منجزاً للربجمة اليت وضعها له‪ .‬ومع‬
‫ذلك فعندما غادر الفسقية حيا اآليل قائالً‪:‬‬
‫نلتقي غدا يا «ماهر احلفار»‪.‬‬
‫كان ذلك هو االسم الذي وضعه يف احلاسوب‬
‫للتعرّف على ه��ذا اآليل ال��ذي يساعده مع‬
‫آيل آخ��ر على العيش يف ه��ذه اجل��ب��ال‪ .‬ظ ّل‬
‫يسري خبطا هادئة وفكره ما زال مع الصوت‬
‫ال��ع��ذب ال��ذي أنعشه منذ قليل‪ .‬ك��ان املشي‬
‫على الطريق املعبدة متعة‪ ،‬إذ إنّ كل شيء هنا‬
‫غطته الرمال‪ .‬وكم عمل «ماهر احلفار» ليصل‬
‫إىل تعرية هذه الطريق اليت كان يسلكها يف‬
‫املاضي الفالحون‪ ،‬سكان هذه املناطق‪ ،‬قبل‬
‫أن يرتكوها للرمال تردمها‪ ،‬ليلتجئوا إىل املدن‪.‬‬
‫عندما وصل احلوش كانت الشمس تنحدر إىل‬
‫املغيب‪ ،‬وكان قرصها ينشر أشعة بيضاء حادة‪.‬‬
‫نزل ال��درج املفروشة جبريد النخيل‪ ،‬وما إن‬
‫دخل هبو احلوش حتى صاح‪:‬‬
‫لقد وصلت يا «نديم»‪.‬‬
‫مل متض بعض ثوان حتى خرج من أحد الغرف‬
‫آيل آخر له شكل إنساني عكس شكل اآليل‬
‫«ماهر احلفار» الذي كان عبارة عن جمموعة‬
‫م��ن ال��ق��ط��ع امل��ع��دن��ي��ة متشابكة ينسق بني‬

‫‪60‬‬

‫حركاهتا حاسوب داخلي مرتبط باحلاسوب‬
‫امل��رك��زي امل��وج��ود داخ��ل احل��وش‪ ،‬وه��و الذي‬
‫يسهر على برجمة كل اآلالت املتحركة اليت‬
‫بدوهنا ال ميكن ل»خرير» أن يقيم مبفرده يف‬
‫هذه اجلبال اجلرداء‪ ،‬بعيداً عن حياة البشر‪.‬‬
‫فقد أح��اط نفسه ب��آالت كثرية سهلت عليه‬
‫العيش وم ّكنته من التفرغ إىل إجناز ما فشلت‬
‫يف إجنازه دواليب الدولة عندما حلت كارثة‬
‫اجلفاف باملنطقة‪ .‬حاملا وق��ف أمامه اآليل‬
‫«نديم» قال له‪:‬‬
‫واحد‪ :‬احلمام‪ .‬اثنان‪ :‬العشاء‪ .‬ثالثة‪ :‬السهرة‪.‬‬
‫أجابه «نديم» بصوته املعدني‪:‬‬
‫سجلت ذلك وها أنذا أنفذ‪.‬‬
‫أُغلق باب احلوش تلقائياً حاملا دخل «خرير»‬
‫احلمام‪ .‬وعندما خرج إىل البهو وهو يرتدي‬
‫لباس النوم‪ ،‬بدأ الظالم يزحف على اجلبال‬
‫اجل���رداء‪ ،‬لكن سرعان ما اشتعلت األضواء‬
‫يف غرف احلوش‪ ،‬وأسدل ستار شفاف على‬
‫سطحه‪ .‬قال «خرير» يف نفسه‪« :‬ستهجم قريباً‬
‫جل احليوانات السائبة‪ ،‬الذئاب والكالب وحتى‬
‫احلمري املتوحشة اليت ختلى عنها أصحاهبا‪،‬‬
‫لكنها ستجد أمامها سداً منيعاً لن تتمكن من‬
‫ختطيه‪ .‬أما من حتدثه نفسه بوضع قدميه‬
‫على الستار الشفاف فلن يعيد الكرة‪ ،‬فسوف‬
‫تصعقه شحنات الكهرباء‪».‬‬
‫ت��وج��ه إىل مكتبه‪ ،‬ج��ل��س ق��ب��ال��ة احلاسوب‬
‫امل���رك���زي‪ ،‬وط��ل��ب ب���ري���ده‪ .‬وج���د ق��ائ��م��ة من‬
‫الرسائل‪ ،‬جلّها من مراكز أحباث حول تردي‬
‫بيئة األرض‪ .‬كانت عالقته هبا وطيدة‪ ،‬وهي‬
‫اليت تبادل معها كل البيانات والتصميمات‬
‫لبناء طاحونة الرياح ومعصار اهل��واء‪ .‬فهذا‬
‫معهد مرسيليا للبحر املتوسط يطلب ملفاً‬
‫كامالً حول جتربته‪ ،‬وهذا معهد بكاليفورنيا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫يستوضح بعض املعلومات ح��ول استعمال‬
‫قنوات الري القدمية يف جلب املاء من الناعورة‬
‫إىل الفسقية‪ ،‬وه��ذا معهد مقاومة التصحر‬
‫بالصني يستشريه حول كلفة مشروعه‪ .‬لقد‬
‫ّ‬
‫أصبح «خرير»‬
‫حمط أنظار العامل الذي هبت‬
‫جل هيئاته ملعاجلة املشاكل البيئية اآلخذة يف‬
‫التفاقم مع هذا االحتباس احلراري اخلانق‪.‬‬
‫كان «خرير» متفائالً حول املستقبل‪ ،‬لقد بدأت‬
‫طاحونة الرياح تنتج امل��اء منذ م�دّة قصرية‪،‬‬
‫بعد أن مكنته من الكهرباء الذي خزنه داخل‬
‫بطاريات كبرية تكفيه مؤونة سنة كاملة‪ .‬اآلن‬
‫أصبح لديه كمية من امل��اء النقي وضعه يف‬
‫خ��زان��ات قدمية مرتوكة حتى ينتهي «ماهر‬
‫احلفار» من هتيئة الفسقية‪ ،‬وقد قدّر سعتها‬
‫مبئة أل��ف ل�تر‪ .‬أي م��ا ي��ق��ارب مئيت ي��وم من‬
‫عصري اهلواء الذي تدره عليه طاحونة الرياح‪.‬‬
‫إذن مع حلول العام القادم يكون لديه من املاء‬
‫ومن الكهرباء ما يكفي النطالق مشروعه‪ .‬كان‬
‫راضياً عن نفسه كل الرضاء وهو يتوجه إىل‬
‫غرفة النوم وقد تقدم من الليل شطره‪.‬‬
‫ً‬
‫فجأة مسع طرقاً على الباب‪ .‬عاد مسرعا إىل‬
‫املكتب‪ ،‬وش ّغل كامريات املراقبة‪ ،‬فظهرت على‬
‫الشاشة صور لكل أطراف احلوش‪ .‬ورأى أربعة‬
‫رج��ال ملثمني حيملون أسلحة نارية يقفون‬
‫أمام الباب‪ .‬كبّر الصورة وش ّغل القط الصوت‬
‫املركز بالكامريا‪ ،‬فسمعهم يتبادلون بأصوات‬
‫منخفضة كالماً مل يفهم كنهه‪.‬‬
‫ع��اد الطرق بقوة‪ .‬أشعل «خرير» الفوانيس‬
‫الكبرية األرب��ع��ة املنصوبة ح��ول احل��وش‪ ،‬ثم‬
‫خاطب اجملموعة‪:‬‬
‫عليكم ب��ال��ع��ودة م��ن حيث أتيتم وإال طلبت‬
‫األمن‪.‬‬
‫بعد حلظة من االرتباك‪ ،‬أجابه أحدهم‪:‬‬

‫ال داعي يا سي «خرير»‪ ،‬حنن جئنا نستنجد‬
‫ب��ك‪ .‬إننا ضللنا الطريق يف ه��ذه الصحراء‪،‬‬
‫نريد منك بعض املساعدة لنتمكن من اخلروج‬
‫من هذه الرمال‪.‬‬
‫أجاهبم عرب البوق املنصوب على الباب‪:‬‬
‫آسف‪ ،‬لن أفتح الباب لغرباء‪ .‬هذه تعليمات‬
‫األمن‪.‬‬
‫أين الشهامة العربية يا سي «خرير»‪ ،‬تعرف‬
‫جيداً أننا يف خطر‪ ،‬رمبا هتامجنا الذئاب‪.‬‬
‫املدينة غري بعيدة‪ ،‬سبعة كيلومرتات فقط‪،‬‬
‫توجهوا إىل الشمال فسوف تظهر لكم أضواء‬
‫املدينة‪.‬‬
‫ً‬
‫تعرف جيدا يا سي «خرير» أن أضواء املدينة‬
‫تطفأ بعد العاشرة ليالً‪ .‬بربّك كن رحيماً‪ ،‬ال‬
‫نطلب منك سوى إرشادنا إىل الطريق‪.‬‬
‫آسف‪.‬‬
‫رمبا نضطر خللع باب احل��وش لو هامجتنا‬
‫الذئاب‪.‬‬
‫أحذركم إن اقرتبتم من احلوش سوف أستعمل‬
‫السالح‪.‬‬
‫ابتعدوا عن الباب قليالً‪ ،‬وأخذوا يتجولون حول‬
‫احل��وش‪ ،‬كانت التحصينات كافية إلقناعهم‬
‫بعدم ختطي احلواجز املوضوعة على أطراف‬
‫احلوش‪ .‬عادوا إىل الباب‪ ،‬اقرتب أحدهم منه‬
‫ووض��ع ي��ده عليه‪ ،‬لكن ص��وت «خرير» جاءه‬
‫منذراً‪:‬‬
‫إذا ما ع��اودت ملس الباب فسوف تصعقك‬
‫شحنة كهربائية تفقدك توازنك‪ ،‬ولذا أنصحك‬
‫بعدم اجملازفة‪.‬‬
‫أسرع آخر ودفع الباب بأحد قدميه‪ ،‬وسرعان‬
‫ما توجهت إليه ومضات كهربائية أسقطته‬
‫على األرض وهو يتلوى‪ .‬ثم عاد صوت‬
‫«خرير» حيذر‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪61‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫مل تكن جرعة الكهرباء قوية‪ ،‬لكن إذا مل تغادروا‬
‫املكان فلن تنجوا من الصعقات الكهربائية‬
‫القوية‪ .‬ثم إني خاطبت األم��ن‪ ،‬سوف يأتون‬
‫على منت طائرة عمودية‪ ،‬ترقبوا إن كنتم حقاً‬
‫أضعتم طريقكم‪.‬‬
‫ظلوا وامجني حلظة‪ ،‬ثم التفوا حول صديقهم‬
‫طريح األرض يسألونه إن ك��ان يف مقدوره‬
‫التنقل‪ .‬مل يكن يف حال تسمح له باحلركة‪.‬‬
‫جلسوا جبانبه على األرض وترقبوا‪ .‬وملّا دوى‬
‫يف األف��ق صوت مروحية الطائرة العمودية‪،‬‬
‫محلوا صديقهم معهم وانطلقوا بعيداً عن‬
‫األض��واء‪ .‬لكن «خرير» ظ ّل يراقب حتركاهتم‬
‫على الشاشة حتى اختفوا من دائرة الضوء‪.‬‬
‫قال يف نفسه بعد أن هدأ قليالً من التشنج‬
‫الذي أصابه طيلة حمادثته مع هذه اجملموعة‬
‫من قطاع الطرق اجل��دد‪« .‬ه��ذه العصابات‬
‫من لصوص البطاريات الكهربائية ال تظهر‬
‫سوى يف األماكن النائية‪ .‬إهنم قطاع طرق هذا‬
‫العصر‪ ».‬ومل متض ف�ترة قصرية من الزمن‬
‫حتى ع �مّ امل��ك��ان ضجيج حم��رك��ات الطائرة‬
‫العمودية‪ .‬ترقب حتى اقرتب عونان من رجال‬
‫الشرطة بسالحهم من باب احلوش‪ ،‬وملّا تأكد‬
‫من هيئتهما‪ ،‬أمر احلاسوب بأن يفتح الباب‪،‬‬
‫ثمّ تقدم إليهما وصافحهما قائالً‪:‬‬
‫املعذرة عن اإلزعاج‪ ،‬فقد فرّ اللصوص حاملا‬
‫وصلهم صوت مروحية الطائرة‪.‬‬
‫سأله أحدمها‪:‬‬
‫ماذا كانوا يريدون؟‬
‫مل يفصحوا عن نواياهم‪ ،‬لكنين متأكد أهنم‬
‫يبحثون عن البطاريات‪.‬‬
‫جل الناس أصبحوا خيافون سرقة بطارياهتم‪،‬‬
‫لست أدري متى تنتهي أزمة البطاريات بالبالد‪.‬‬
‫لكن هل تعرف يف أي اجتاه فروا؟‬

‫‪62‬‬

‫أعتقد أهنم غري بعيدين‪ ،‬رمبا خيتفون يف أحد‬
‫الكهوف‪.‬‬
‫وهل لديك سالح؟‬
‫احل��وش حمصن بالكهرباء‪ ،‬وعندي رشاش‬
‫الليزر‪.‬‬
‫إذن ال خ���وف ع��ل��ي��ك‪ .‬ن��وم��ا هنيئاً ي��ا سي‬
‫«خرير»‪.‬‬
‫أال تدخلون قليالً أسقيكم شايا؟‬
‫ال داعي‪ ،‬مرة أخرى عندما يبدأ حقلك يعطي‬
‫مثاره‪.‬‬
‫املعذرة ثانية‪.‬‬
‫تصبح على خري‪.‬‬
‫توجهوا إىل الطائرة العمودية يف حني دخل‬
‫«خرير» احلوش الذي أغلق تلقائيا مبجرد أن‬
‫ختطى الباب‪ .‬عاد إىل مكتبه‪ ،‬وكتب رسالة‬
‫إىل أمن مطماطة اجلديدة يشكره على ما قام‬
‫به حنوه‪ ،‬ثم بعث هبا عن طريق الشابكة‪ .‬ومل‬
‫متض بعض الدقائق حتى جاءه الرد يؤكد له‬
‫أن ال شكر على واج��ب‪ .‬ق��ال يف نفسه وهو‬
‫يغلق صندوق بريده‪« :‬يف بعض بلدان إفريقيا‪،‬‬
‫خي��اف امل��واط��ن م��ن ظلم السلطة ومعاملة‬
‫رج��ال األم��ن غ�ير اإلنسانية‪ ،‬أمّ��ا حن��ن فقد‬
‫خرجنا من تلك العهود املظلمة اليت كان فيها‬
‫رج��ال األم��ن يعذبون امل��واط��ن دون عقاب‪».‬‬
‫أط��ف��أت ك��ل األض���واء‪ ،‬لكن ال��ك��ام�يرات ظلت‬
‫تشتغل‪ ،‬تسجل كل حركة تقع حول احلوش‪،‬‬
‫إهنا كامريات تعمل باألشعة فوق احلمراء‪ ،‬ال‬
‫تعيقها العتمة‪ .‬استلقى على س��ري��ره‪ ،‬وظ ّل‬
‫يف ّكر يف «سلسبيل»‪ ،‬وجاءته من قاع الذاكرة‬
‫نربات صوهتا اليت آنسته منذ بعض ساعات‪.‬‬
‫وتعاقبت على ذاكرته كل أحداث هذا اليوم‪،‬‬
‫ورغم ما خلفه لديه هجوم قطاع الطرق من‬
‫انزعاج ‪ ،‬فقد كان مرتاحاً ملرور هذا اليوم وقد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫أجنز فيه جزءاً من مشروعه‪.‬‬
‫تعاقبت األيام على «خرير» دون أن يع ّكر صفو‬
‫عكوفه أي حدث‪ .‬كل اآلالت تشتغل بانتظام‪،‬‬
‫و»ماهر احلفار» أ ّ‬
‫مت حفر الفسقية ومل يبق‬
‫سوى صقل جدراهنا وطليها مبادة كتيمة‪ ،‬ثم‬
‫مدّها بقناة متصلة بطاحونة الرياح توصل هلا‬
‫كمية من املاء املعصور من اهلواء‪ .‬كان «خرير»‬
‫يرتقب عطلة رأس السنة بفارغ ص�بر‪ ،‬فقد‬
‫وعدته «سلسبيل» باإلقامة معه أسبوعا تلك‬
‫عطلة رأس السنة‪ .‬كان يراقب كل اجلزئيات‬
‫حتى يكون املكان الئقاً حببيبته‪ ،‬رمبا يروق‬
‫هلا فتقبل باإلقامة معه يف هذه الربوع اليت‬
‫بدأت بعض اخلضر تنبت فيها هنا وهناك‪.‬‬
‫إهن��ا بقول زرعها الستهالكه الشخصي‪ ،‬ما‬
‫أراحه من عناء التنقل على دراجته الكهربائية‬
‫اليت تسري يف اجلو على ارتفاع مرت واحد من‬
‫األرض‪ .‬تسبح يف الغبار وكأهنا الغيمة‪ .‬كان‬
‫اجلو هادئاً هذه األي��ام‪ ،‬لكن درج��ة احلرارة‬
‫ك��ان��ت منخفضة خ��اص��ة يف الليل‪ ،‬رغ��م أنّ‬
‫«خرير» ال يغادر احلوش بعد غروب الشمس‪،‬‬
‫فقد الح��ظ ذل��ك االخن��ف��اض عند الصباح‬
‫وهو يتوجه إىل طاحونة الرياح لرياقب سري‬
‫دواليبها‪ .‬ضغط على اآلم��ر فنزل له السلم‬
‫احلديدي‪ ،‬صعد حتى قمة الطاحونة حيث‬
‫تلتقي املروحتان املتقابلتان‪ ،‬ثم فتح الباب‬
‫الصغري آللة الضغط اليت يتسرب إليها اهلواء‬
‫من شباك به مصاصة تشفط اهلواء وتدفعه‬
‫إىل مضغط امل�برد‪ ،‬فيتحول إىل قطرات ماء‬
‫تندفع إىل أسفل الطاحونة حيث يوجد خزان‬
‫صغري خت��رج منه ق��ن��اة يندفع داخلها املاء‬
‫الثمني إىل خزان آخر كبري‪ .‬كان يريد أن يتأكد‬
‫من أنّ غبار العاصفة األخرية مل يتسرب إىل‬
‫املصاصة‪ .‬أوقف احملرك الكهربائي الصغري‬

‫ال��ذي يدير دواليب املصاصة‪ ،‬ثم أدخ��ل يده‬
‫ب�ين أل���واح امل��روح��ة فوجد عليها طبقة من‬
‫الغبار األمحر‪ .‬أخذ مفتاح حمزقة‪ ،‬وأداره عدة‬
‫مرات حتى انفتح الدوار‪ .‬ف ّكه من احملور‪ ،‬وظل‬
‫يتفحصه‪ ،‬ثم أزاح عنه الغبار‪ ،‬ومسح األلواح‬
‫بالزيت‪ ،‬وأع��اد ال���دوار إىل مكانه‪ ،‬وبعد أن‬
‫كبسه‪ ،‬ونظف جوانب املروحة وكل مكونات‬
‫جهاز االمتصاص‪ ،‬أغلق باب الشباك وش ّغل‬
‫من جديد احملرك الكهربائي الصغري‪.‬‬
‫وقف بكل قامته‪ ،‬رغم هبوب بعض النسيم‬
‫البارد‪ ،‬يف أعايل الطاحونة يطل على الرباري‬
‫ال�تي استسلمت لزحف ال��ص��ح��راء‪ .‬ال حياة‬
‫تدب يف هذه الربوع إال بعض الغربان تفتح‬
‫أجنحتها يداعبها نسيم الصباح البارد‪ .‬أصبح‬
‫األفق صارت أصفر اللون مغرباً بكثبان الرمل‪.‬‬
‫ماتت أشجار الزيتون اليت كانت تعمّر هذه‬
‫األرض منذ آالف السنني‪ .‬يبست النباتات‬
‫املنتشرة على الروابي ويف احلقول‪ ،‬هاجرت‬
‫العصافري اليت كانت تزقزق هنا وهناك تغين‬
‫للحياة‪ .‬اختفى اإلنسان املهيمن ومعه حيواناته‬
‫األليفة‪ ،‬وآالت��ه امللوثة‪ ،‬ومل يعد يسمع حتى‬
‫هنيق احلمري من بعيد‪ .‬صمت الصحراء انتقل‬
‫إىل هذه الربوع‪ .‬ولوال عناد البشر على البقاء‬
‫حم��اص��راً يف ال��ق��رى وامل���دن‪ ،‬لعم االصفرار‬
‫كل األرج���اء‪ .‬لكن «خ��ري��ر» مل يقدر أن يرى‬
‫ب��وادر املدينة من علوه ذل��ك‪ .‬كان يتطلع إىل‬
‫رؤية مطار مطماطة الذي سيسافر إليه يوم‬
‫الغد يف الصباح الباكر‪ ،‬وكان يتشوق إىل لقاء‬
‫«سلسبيل» لريتوي من وجودها‪ ،‬ويطفئ عطش‬
‫ع��ام كامل من احل��رم��ان‪ .‬عندما ن��زل عمود‬
‫الطاحونة‪ ،‬ضغط على اآلمر فصعد السلم إىل‬
‫أعلى السارية‪.‬‬
‫ت��ف� ّق��د ب���اب ال��ده��ل��ي��ز ال���ذي تصطف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪63‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫داخله بطاريات الكهرباء‪ .‬وقفل راجعاً إىل‬
‫احل��وش‪ ،‬لكنه التفت من جديد ليتأكد من‬
‫أنّ باب دهليز البطاريات كان حمكم الغلق‪.‬‬
‫فهذه عصابات لصوص البطاريات مل تزل‬
‫جتتاح األماكن النائية حبثاً عن البطاريات‬
‫القدمية لالقطات الشمس اليت ختلى عنها‬
‫أصحاهبا عندما غ��ادروا حقوهلم‪ .‬لقد أثرت‬
‫أزم��ة البطاريات يف اقتصاد البالد منذ أن‬
‫ختلت الدولة عن استعمال الطاقة األحفورية‪،‬‬
‫وعوضتها مبختلف أنواع الطاقة املتجددة‪ .‬لكن‬
‫مل حيصل أن هامجت هذه العصابات حقله يف‬
‫النهار‪ ،‬فجل أفرادها هم من سكان مطماطة‪،‬‬
‫وليس من الصعب التعرف عليهم يف النهار‪،‬‬
‫ثمّ إنه محل هذا اليوم على غري عادته رشاش‬
‫الليزر الذي يصطاد به بعض احليوانات الربية‪،‬‬
‫مثل الغزالن واألرانب‪.‬‬
‫ّ‬
‫عندما وصل إىل الفسقية‪ ،‬وأطل على «ماهر‬
‫احلفار» ووجده يطلي اجلدران باملادة الكتيمة‪،‬‬
‫حياه على عادته‪ ،‬ومل يرتقب منه الرد‪ ،‬واصل‬
‫طريقه وفكره يتنقل بسرعة النور إىل تونس‬
‫حيث تصوّر حبيبته تتهيأ للسفر إليه‪.‬‬
‫ف��ج��أة الح��ت غمامة م��ن الغبار ق��ادم��ة من‬
‫الشمال‪ ،‬توقف عن السري‪ ،‬ووض��ع يده أمام‬
‫عينيه يعاين مصدر الغمامة‪ ،‬إنه تنقل دواب‪،‬‬
‫فالعربات ال تثري مثل هذا الشكل من الغبار‪،‬‬
‫إذن فال بدّ أنّ بعض الرجال قادمون حنوه‪.‬‬
‫أول ما تبادر إىل ذهنه هي عصابة اللصوص‪،‬‬
‫ألهن��م الوحيدون الذين ما زال��وا يستعملون‬
‫الدواب يف تنقالهتم‪ .‬عاد مسرعا إىل الفسقية‪،‬‬
‫واحن��در إليها حب��ذر‪ .‬وملّ��ا وضع قدميه على‬
‫قاعها‪ ،‬خاطب احلاسوب باهلاتف الداخلي‬
‫حتى يوقف «ماهر احلفار» عن احلركة‪ ،‬كما‬
‫أمره بغلق باب احلوش وتشغيل نظام املناعة‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫كان عمق الفسقية مخسة أمتار‪ ،‬لن يستطيع‬
‫الرؤية خارج الفسقية من هذا العمق‪ ،‬خاصة‬
‫أنّ «ماهر احلفار» مل يكن حباجة إىل سلم‬
‫ليطأ أرض الفسقية‪ ،‬فهو يتنقل طائراً ولو‬
‫على ارتفاع قليل‪ .‬ف ّكر حلظة‪ ،‬ثم عاد خياطب‬
‫احلاسوب ليشرح له كيف يأمر «ماهر احلفار»‬
‫ليطري بسرعة إىل احلوش حتى يأتي له باآللة‬
‫رقم ‪ 005‬وهي سلم مطوي يقع فتحه آلياً‪ .‬ويف‬
‫حلظة حتوّل ماهر العطار إىل آلة تطري‪ .‬ومل‬
‫متض بعض الدقائق حتى عاد «ماهر احلفار»‬
‫حيمل يف قبضته احلديدية صندوقاً معدنياً‬
‫صغرياً وما إن وضعه أمام «خرير» حتى انفتح‬
‫وأصبح سلّماً يفوق طوله مخسة أمتار‪ .‬أسند‬
‫«خرير» السلم إىل جدار الفسقية وصعد بعض‬
‫الدرج حتى ظهرت له األرض الصهباء‪ .‬رأى‬
‫الغمامة تقرتب من احلقل‪ ،‬وتأكد أهنا تتجه‬
‫إليه‪ .‬كان رشاش الليزر على كتفه‪ ،‬مسكه بني‬
‫يديه وظ ّل يراقب املكان‪ .‬ومل يدم انتظاره‪ ،‬فقد‬
‫بدأت بوادر اجملموعة بينة‪ ،‬أربعة رجال على‬
‫أحصنتهم‪« .‬ال بدّ أن تكون نفس جمموعة املرة‬
‫املاضية عادت لتنتقم» قال يف نفسه‪ .‬فارت‬
‫دماؤه وأعلن بصوت مرتفع‪« :‬إذا ما أرادوها‬
‫حربا فستكون كارثة عليهم‪ ! ‬لن أمسح ألحد‬
‫بأن يعكر صفو حياتي أو أن يقف أمام تنفيذ‬
‫مشروعي‪ ».‬ثم طلب األمن وأعلمه بالوضع‪،‬‬
‫وشرح له أنه سيدافع عن نفسه إذا ما هامجوه‪.‬‬
‫طمأنه رئيس الدائرة أنه سريسل يف العاجل‬
‫طائرة عمودية لتجلي الوضع‪.‬‬
‫دارت اجملموعة حنو احلوش‪ ،‬وبعد أن طافت‬
‫ب��ه م��ن ك��ل اجل��ه��ات‪ ،‬توجهت حن��و طاحونة‬
‫ال��ري��اح‪ .‬ك��ان «خ��ري��ر» ي��راق��ب حتركاهتم يف‬
‫صمت‪ ،‬وقلبه خيفق بشدّة‪ .‬رآه��م من بعيد‬
‫حي��اول��ون ال��ص��ع��ود إىل أع���ايل أح���د أعمدة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫املروحيات لكنهم أخفقوا‪ .‬كان متأكدا من ذلك‬
‫اإلخ��ف��اق‪ ،‬فالعمود اسطواني الشكل ويفوق‬
‫قطره املرت‪ ،‬وهو مطلي مبادة ناعمة ال ميكن‬
‫التمسك هبا‪ .‬رآهم من بعيد حياولون فتح باب‬
‫دهليز البطاريات‪ ،‬لكنهم أخفقوا كذلك‪ .‬إنه‬
‫مغلق إلكرتونياً وال يفتح إال حباكوم‪ .‬ظهروا‬
‫اآلن فرداً فرداً‪ ،‬وهم يتنقلون حنو الفسقية‪.‬‬
‫تركهم يقرتبون حتى وصلوا إىل مسافة ميكنهم‬
‫مساعه‪ ،‬ثم أعلن بصوت مرتفع‪:‬‬
‫إذا جئتم من أجل السرقة فلن حتصلوا على‬
‫ش��يء‪ .‬وأعلمكم أني سأطلق الليزر على كل‬
‫واحد يقرتب من الفسقية‪.‬‬
‫توقفوا حلظة‪ ،‬ثم أعلن أحدهم‪:‬‬
‫ً‬
‫اخرج لنا إن كنت حقاً رجالً شجاعا‪! ‬‬
‫ص��وب حنو الرجل ال��ذي خاطبه وه��و يرفع‬
‫سالحه‪ ،‬جرعة من أشعة الليزر أصابت يده‬
‫اليت حتمل السالح‪ ،‬فسقط سالحه‪ ،‬وتاله هو‪،‬‬
‫وأخذ يتمرغ على الرتاب يتلوى من األوجاع اليت‬
‫أصابت يده‪ .‬لكن أصحابه الثالثة صوبوا حنو‬
‫الفسقية وابالً من الرصاص خرق أزيزه اآلفاق‬
‫املستسلمة للصمت الصحراوي‪ .‬عاد «خرير»‬
‫حيذر‪:‬‬
‫لو اقرتبتم أكثر فإني سأقضي عليكم مجيعا‪ً،‬‬
‫أشعة الليزر ال ميكنكم مقاومتها بالرصاص‪.‬‬
‫أحذركم جبدية إنكم تعرضون أنفسكم إىل‬
‫التهلكة‪.‬‬
‫ظل ثالثتهم يف ارتباك حتى مأل األفق ضجيج‬
‫مروحيات الطائرة العمودية‪ .‬نزل اثنان من‬
‫اللصوص حلمل رفيقهم املشلولة يده‪ ،‬وضعوه‬
‫على حصانه‪ ،‬ثم انطلقوا بسرعة حنو الشمال‪.‬‬
‫عندما ابتعدوا عن الفسقية أط ّل «خرير»‪ ،‬وظ ّل‬
‫ينظر يف كل االجتاهات‪ .‬ومل خيرج من الفسقية‬
‫إال عندما رأى الطائرة العمودية حتوم حول‬

‫احل��وش‪ .‬ختطى آخر درج يف الفسقية ولوح‬
‫هلم بيده‪ ،‬ثم توجه إليهم‪ .‬إهنما العونان اللذان‬
‫جاءا لنجدته الليلة املاضية‪ .‬بعد أن صافحهما‬
‫أدخلهما احلوش وأجلسهما يف السقيفة اليت‬
‫حوّهلا إىل صالون يستقبل فيه زواره األجانب‪.‬‬
‫قال له أحد العونني‪:‬‬
‫س��وف نعثر عليهم يف أق���رب األوق����ات ألن‬
‫تشكي املواطنني من املدامهات الليلية ازداد‬
‫هذه األيام‪.‬‬
‫قال هلما‪:‬‬
‫إذا ما قبضت عليهم أعلموني‪ ،‬فقد رأيتهم غري‬
‫ملثمني هذه املرة‪.‬‬
‫ً‬
‫جيد هذا يساعدنا على تقدميهم سريعا إىل‬
‫العدالة‪.‬‬
‫لقد أطلقت جرعة من الليزر على أحدهم‪،‬‬
‫وقد تساعدكم املستشفيات أن أخربمتوها عن‬
‫إصابة أحدهم بالليزر‪.‬‬
‫يصعب القيام هب��ذا العمل ما دمنا ال منلك‬
‫متهماً‪ ،‬حرية الفرد أصبحت فوق كل اعتبار‬
‫اآلن يا سي «خرير»‪.‬‬
‫لست ضد احلرية‪ ،‬لكنين ال أقبل باالعتداء‬
‫على حرميت‪.‬‬
‫نتمنى أن تبقى األمور يف هذه احلدود‪.‬‬
‫على كل فإن قبضتم عليهم‪ ،‬وكنتم حتتاجون‬
‫إىل دليل‪ ،‬فعندي تسجيل لنربات صوت أحدهم‬
‫ميكنكم استعماهلا أمام العدالة‪.‬‬
‫بعد م��غ��ادرة ال��ع��ون�ين‪ ،‬مل يعد «خ��ري��ر» إىل‬
‫احلقل‪ .‬انصرف إىل عمل هام بدأه منذ أيام‬
‫وه��و إع��داد أدوات آلية تتوىل غ��رس مشاتل‬
‫النباتات اليت كان ينوي استثمارها يف احلقل‬
‫كتجربة إلنتاج اخلضر بكمية ميكنه املتاجرة‬
‫هبا‪ .‬فصناعة هذه األدوات اآللية تتطلب‬
‫ح��س��اب��ات دق��ي��ق��ة‪ ،‬وأج��ه��زة إلكرتونية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪65‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫معقدة‪ ،‬وشبكة داخلية تسمح بتسيريها عن‬
‫بعد مرتبطة باحلاسوب املركزي‪ .‬كما يسعى‬
‫لتزويدها بكامريات صغرية يتمكن من خالهلا‬
‫مراقبة عملها‪ ،‬والتفطن إىل العوائق اليت ميكن‬
‫أن تقف أمامها‪ .‬مل يعد ممكناً استعمال العمال‪،‬‬
‫فال أحد يقبل أن يعيش يف الريف بعيداً عن‬
‫رف��اه املدينة وحتصيناهتا‪ .‬إال هو فقد عزم‬
‫على جعل هذه األرض مصدراً للحياة واالبتكار‬
‫والنبوغ‪ .‬هذا ما كان حيضره كخطاب يقنع به‬
‫«سلسبيل» حتى تشاطره محاسه ورغبته‪ .‬كان‬
‫اآليل ال��ذي سهر على تركيبه منذ عدة أيام‬
‫يشبه النحلة‪ ،‬له جناحان صغريان يساعدانه‬
‫على الطريان ولو بسرعة بطيئة‪ ،‬وله ما يشبه‬
‫املخالب ينبش هبا األرض‪ ،‬وله نوع من املطرقة‬
‫اهلوائية مشدودة إىل نابض يعلوها ضاغط‬
‫يسمح هلا باحلفر داخل األرض‪ .‬كما أنه حيمل‬
‫جيوباً يضع فيها النبات لغرسها‪ ،‬ومقابض‬
‫متكنه من اإلمساك هبا ووضعها أو محلها‪ .‬كل‬
‫هذه احلركات كان «خرير» يدرسها بد ّقة كبرية‬
‫حتى يتوصل إىل صنع هذا اآليل الذي سيقوم‬
‫بأعمال زراع��ي��ة كثرية حسب ال�برجم��ة اليت‬
‫سوف توضع له‪ .‬اهنمك يف العمل ونسي كل‬
‫شيء‪ ،‬حتى حبيبته مل يعد يف ّكر فيها‪ .‬وهذه‬
‫األوقات اليت يقضيها غائباً عن الدنيا‪ ،‬جمنداً‬
‫كل طاقاته الفكرية لالستنباط واخللق‪ ،‬جتعله‬
‫يشعر بأنه ارتقى إىل مرتبة أعلى من سائر‬
‫الناس‪ .‬إنه يبين املستقبل‪ .‬يضع أسس حياة‬
‫جديدة ولو كانت آلية‪ ،‬فهي تتحرك‪ ،‬وتنتج‪،‬‬
‫وتستجيب إىل دواف��ع وإن كانت إلكرتونية‪.‬‬
‫عندما يسرتيح من حني آلخر ويأمر «نديم»‬
‫مبناولته قهوة أو كأس ش��اي‪ ،‬يظل يف ّكر يف‬
‫هذا اآليل ال��ذي خيتلف شكله حسب املهمة‬
‫اليت يقوم هبا‪ ،‬وما إن يفرغ من إعداده وهتيئته‬

‫‪66‬‬

‫للعمل حتى يسند له امس��ا ميكنه من أخذ‬
‫مكان بني بقية اآلالت املتحركة اليت يتحكم يف‬
‫مصريها احلاسوب املركزي‪ .‬ال ميكن تشغيل‬
‫اآليل دون أن يكون له اسم‪.‬‬
‫كان يقول يف نفسه وهو يستعرض أمساء بعض‬
‫هذه اآلليات‪« :‬هذا «نديم» اشرتيته جاهزا من‬
‫الشابكة‪ ،‬وهو لطيف‪ ،‬مطيع‪ ،‬دقيق احلركة‪،‬‬
‫ومصنوع بالصني‪ .‬هذا «ماهر احلفار» شكله‬
‫غريب حيتوي على عدة آالت جيمعها يف جسم‬
‫غ��ري��ب ال ه��و اس��ط��وان��ي وال ه��و مستطيل‪.‬‬
‫تندفع من داخله اآللة اليت تقوم بالعمل عند‬
‫حلول دوره���ا‪ ،‬ف��إن ك��ان حيفر يندفع جهاز‬
‫كالفأس ينزل إىل مستوى يسمح له باحلفر‪،‬‬
‫وهو مزود بكامريا صغرية تتبع حركاته ليعدّهلا‬
‫احلاسوب املوجود داخله وهو مربمج لضبط‬
‫احلركات وتتاليها‪ ،‬وتعديلها حسب األوضاع‪.‬‬
‫لقد صنعته هنا بعد أن أمتمت تركيب طاحونة‬
‫ال��ري��اح وكنت مضطراً للجوء إىل مساعدة‬
‫شركة م��ق��اوالت متلك آالت عمالقة لوضع‬
‫األعمدة وربطها إىل بعضها البعض‪ .‬إنّ «ماهر‬
‫احلفار» إجنازي األول‪ ،‬وقد شعرت بالسعادة‬
‫عندما بدأ يف احلفر بعد أن رمست له حدود‬
‫الفسقية وأبعادها‪ .‬هذا اآليل اجلديد ما زلت‬
‫أف ّكر يف االسم الذي سأناديه به‪ ،‬رمبا يكون‬
‫«حنل الصحراء» ألنه سيكون ضمن مجاعة‬
‫من احلشرات مثله‪».‬‬
‫لكن ما مل يقله لنفسه هو ذلك الشعور الغريب‬
‫الذي كان يستويل عليه‪ ،‬فهو من حني آلخر‬
‫ي��رى نفسه مثل اآلهل���ة يتحكم يف مصائر‬
‫خملوقاته‪ .‬غري أنه سريعا ما يتخلى عن هذا‬
‫التفكري الساذج‪ ،‬ويعود يسعى إىل حل املشاكل‬
‫الكثرية اليت يطرحها «حنل الصحراء» وهو مل‬
‫يكتمل من صنعه بعد‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫عند الصباح الباكر‪ ،‬ج��اءه «ن��دي��م» ليوقظه‬
‫ويعلن بصوته املعدني‪:‬‬
‫احلمام جاهز‪ ..‬الفطور جاهز‪ ..‬لباس السفر‬
‫جاهز‪« ..‬انسياب» جاهز‪.‬‬
‫ضحك «نديم» وقال له مداعباً‪:‬‬
‫«انسياب» مؤنث يا «نديم» فهي جاهزة‪.‬‬
‫مل يستوعب «ن��دي��م» حديث سيده فظل يف‬
‫مكانه يرتقب أمراً‪ .‬قال له «خرير»‪:‬‬
‫شكراً‪.‬‬
‫انصرف اآليل «نديم»‪ ،‬وتكاسل «خرير» قليال‬
‫يف ف��راش��ه‪ ،‬ثم أس��رع إىل احل��م��ام‪ .‬وبعد أن‬
‫تناول فطور الصباح وهو حيمل كسوة أنيقة‬
‫تليق باستقبال حبيبته‪ ،‬خ��رج مسرعاً إىل‬
‫مربض العربة‪ ،‬وجد دراجته الكهربائية اليت‬
‫مساها «انسياب» يف انتظاره‪ .‬كانت العربة‬
‫من تصميمه‪ ،‬هلا شكل مثلث من األمام ينتهي‬
‫بنصف دائ��رة من اخللف‪ ،‬وال ميكنها محل‬
‫أكثر م��ن راك��ب�ين م��ع أمتعتهما‪ .‬ضغط على‬
‫اآلمر فانفتح املربض‪ .‬ركب العربة فارتفعت‬
‫قليالً عن األرض‪ ،‬ثم اندفعت دون أن يصدر‬
‫حمركها أي ضجيج‪ .‬وانطلقت حتلق غري‬
‫بعيد عن األرض الرملية حمدثة غمامة تلتف‬
‫حوهلا‪ .‬ومل متض بعض الدقائق حتى الحت‬
‫من بعيد مدينة مطماطة اجلديدة حتاصرها‬
‫أس����وار م��ن ج��ري��د النخيل حت��ب��س الرمال‬
‫القادمة من الصحراء‪ .‬وما إن ختطت العربة‬
‫أس��وار املدينة حتى خرجت من حتتها ثالث‬
‫عجالت مكنتها من مالمسة اإلسفلت والسري‬
‫فوقه‪ .‬عند مفرتق الطرق حياه رجل األمن‪،‬‬
‫واندفعت «انسياب» يف اجتاه احلامة‪ .‬عندما‬
‫الح له املطار خفق قلبه‪ .‬نظر يف ساعة لوحة‬
‫القيادة‪ ،‬وق��ال يف نفسه‪« :‬رب��ع ساعة وتكون‬
‫«سلسبيل» يف أحضاني‪»! ‬‬

‫كانت «سلسبيل» تلتف يف معطف صويف أمحر‪،‬‬
‫وعلى رأسها قبعة محراء‪ ،‬تنظر إىل «خرير»‬
‫تشع من عينيها السعادة‪ .‬عندما أصبحت‬
‫قريباً منه التفّ حوهلا وضمها إليه طويال‬
‫معانقا‪ .‬ثم مهس هل��ا‪« :‬ك��م اشتقت إليك‪»! ‬‬
‫ثم مسك بيدها وتوجها إىل العربة وهو جير‬
‫حقيبتها‪ .‬قبل أن تصعد إىل الدراجة وقفت‬
‫تتفحصها مستغربة شكلها‪ ،‬قال هلا مقدماً‪:‬‬
‫هذه «انسياب»‪ ،‬صنعتها خصيصاً للصحراء‪.‬‬
‫ليست سريعة‪ ،‬فهي ال تسري أكثر من ستني‬
‫كيلومرتاً يف الساعة‪ ،‬لكنها مرحية وغري ملوثة‬
‫للطبيعة‪ ،‬ووق���وده���ا جم��ان��ي مستخرج من‬
‫طاحونة الرياح‪.‬‬
‫ضحكت وقالت مداعبة‪:‬‬
‫طاحونة الرياح هذه أمك احلنون فهي كلها‬
‫نعم‪.‬‬
‫ترقيب حتى تطلعي على كل ما تقدمه إيل‪.‬‬
‫وانطلقت هبما «انسياب» متصدرة الطريق‬
‫بشكلها املثلث وكأهنا القارب يشق اليم حتى‬
‫وص��ل��ت مربضها داخ���ل احل���وش‪ .‬ملّ��ا نزلت‬
‫«سلسبيل» من السيارة كانت كل أنوار احلوش‬
‫مشتعلة‪ .‬خرجت إىل البهو‪ ،‬ورفعت رأسها تنظر‬
‫إىل بقعة السماء املدورة‪ ،‬كانت الشمس تشع‪،‬‬
‫لكن اجلو ما زال ب��ارداً‪ .‬ومل تكن «سلسبيل»‬
‫تعرف من قبل أحياش مطماطة وال هندستها‬
‫البدائية‪ ،‬فقالت ل»خرير» وهي متسك بيده‪:‬‬
‫هذا البيت مغارة بدائية‪ ،‬أتريدني أن أعود إىل‬
‫أهل الكهوف؟‬
‫لقد ورثت هذا البيت من أمي‪ .‬مل ترغب يف‬
‫مغادرته رغم إحلاحنا‪ ،‬فاضطررت أن أقوم‬
‫بكل أع��م��ال الصيانة حتى ال ت��ردم��ه رياح‬
‫الصحراء اليت دامهت السكان وأجلتهم‬
‫عن بيوهتم‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪67‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫لكن هل ميكن العيش داخل هذه املغارة؟‬
‫ال ميكنك أن تتصوري كم هو مريح النوم يف‬
‫رحم األرض‪.‬‬
‫ضحكت بصوت مرتفع‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫وهل لألرض أرحام؟‬
‫أشار إىل الغرف الدائرة حول البهو وقال‪:‬‬
‫عندما تدخلني أي غرفة‪ ،‬وتغلقني وراءك‬
‫الباب‪ ،‬فإنك تشعرين بعزلة تامة عن العامل‪،‬‬
‫تشعرين أنك عدت إىل أرحام أمك‪ ،‬فينجلي‬
‫ع��ن��ك ك��ل ال��ض��غ��ط ال����ذي مت��ارس��ه عليك‬
‫احلضارة‪.‬‬
‫وهلذا السبب أنت عاكف هنا؟‬
‫هلذا ولغريه‪.‬‬
‫إن���ه اجل��ن��ون ي��ا «خ���ري���ر»‪ .‬ف��اإلن��س��ان خلق‬
‫للحضارة وملعاشرة البشر‪.‬‬
‫وعندما تكون احلضارة تعمل ضد إنسانية‬
‫اإلنسان‪ ،‬أليس من األفضل االبتعاد عنها ولو‬
‫لزمن للتفكري العملي يف مقاومة جنون حضارة‬
‫اإلنسان‪ .‬سوف نقوم جبولة يف املكان‪ ،‬وسوف‬
‫ترين ما قمت به من التفكري العملي إلصالح‬
‫ما هدمته حضارة اإلنسان‪.‬‬
‫نظرت إليه مليا‪ ،‬فرأت ما للمعان عينيه من‬
‫سحر‪ ،‬قالت له بصوت مرجتف‪:‬‬
‫قدني إىل رحم األرض‪! ‬‬
‫مسك بيدها وتقدما إىل غرفة النوم‪ ،‬ففتح‬
‫هلما الباب تلقائياً‪ ،‬ثم انغلق ملّا صارا داخل‬
‫الغرفة‪ ،‬واشتعل نور وردي داخل اجلدران‪.‬‬
‫ظلت «سلسبيل» جت��ول ببصرها يف أرجاء‬
‫الغرفة‪ :‬السقف قبو تسبح فيه أنوار وردية‪،‬‬
‫واجل����دران ملساء مغلف نصفها السفلي‬
‫بقماش حريري مزدان بألوان زاهية ذهبية‬
‫فضية ع��ن�بري��ة‪ ،‬واألرض م��ف��روش��ة بزربية‬
‫صوفية ناصعة البياض تنتشر عليها خطوط‬

‫‪68‬‬

‫هندسية متشابكة‪ .‬وال شيء آخر‪ :‬ال سرير‪،‬‬
‫وال م��ائ��دة‪ ،‬وال ك��رس��ي‪ .‬بعض الوسائد يف‬
‫أرك��ان الغرفة مغلفة بنفس القماش الذي‬
‫حيزم اجلدران‪ .‬أخرجها «خرير» من شرودها‬
‫سائال‪:‬‬
‫أمل تشعري بالفراغ؟‬
‫عانقته ومهست له بصوت متقطع‪:‬‬
‫بل أشعر بلهيب الشهوة جيتاحين‪.‬‬
‫وانغمسا يف تبادل للقبل غابت خالله حقيقة‬
‫الدنيا‪ .‬وملا أفاقا‪ ،‬ختلصا من اللباس ومتددا‬
‫على الزربية الناعمة واستسلما إىل أمتع ّ‬
‫لذة‬
‫يرتوي منها اإلن��س��ان‪ ،‬تبعها ن��وم عميق مل‬
‫ينهضا منه إال عند منتصف النهار‪ .‬فتحت‬
‫«سلسبيل» عينيها على هذا اجلو الغريب من‬
‫النعومة‪ ،‬وذاكرهتا ما زالت حتتفظ باأللوان‬
‫الوردية‪ ،‬وذهنها يعيش هذا الصمت التام‪.‬‬
‫قالت يف نفسها‪« :‬إنّ هذه الغرفة تشبه حقاً‬
‫األرح��ام يف شكلها ويف نعومتها ويف ألواهنا‪،‬‬
‫وهذا الصمت‪ ،‬وكـأنّ الدنيا انقرضت‪ ،‬وهذا‬
‫الدفء الطبيعي دون حاجة إىل الغطاء‪ ،‬وال‬
‫حتى إىل اللباس‪ ».‬كان الظالم دامساً‪ ،‬فباءت‬
‫كل حم��اوالهت��ا لتحسس املكان بالفشل‪ .‬مل‬
‫حت��س بكثافة ه��ذا ال��ظ�لام م��ن قبل‪ ،‬مدت‬
‫ي��ده��ا تبحث ع��ن إم��ك��ان��ي��ة إش��ع��ال النور‪،‬‬
‫فارتطمت ب»خرير»‪ .‬ضمها إليه ومهس‪« :‬ال‬
‫تشغلي بالك بشيء‪ ،‬استسلمي للعدم‪ ،‬هكذا‬
‫تتوصلني إىل التخلص من ضغط احلضارة‪:‬‬
‫ال أبعاد‪ ،‬وال معايري‪ ،‬وال عالمات‪ .‬بل العالمة‬
‫الوحيدة هي اجلسد منه ننطلق وإليه نعود‪».‬‬
‫وعادا إىل اللذة من جديد‪.‬‬
‫بعد أن أهنكهما اجل��ري وراء ال��ل��ذة‪ ،‬طلبت‬
‫«سلسبيل» من «خرير» أن يشعل النور‪ ،‬فعمت‬
‫أرجاء الغرفة األنوار الوردية‪ .‬سأهلا‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عصري اهلواء‬
‫ماذا تريدين أن نتغدى؟‬
‫ومن سيطهي الطعام؟‬
‫«نديم»‪.‬‬
‫هل عندك خادم؟‬
‫إنه خادم آيل‪ .‬سوف أناديه‪.‬‬
‫أخرج حاسوباً صغرياً من أحد جيوبه‪ ،‬وطلب‬
‫«ن��دي��م»‪ .‬ج��اء الرجل اآليل يتعثر يف خطاه‬
‫االصطناعية‪ .‬قال له «خرير»‪:‬‬
‫نريد قائمة الطعام رقم واحد‪.‬‬
‫أجاب بصوته املعدني‪:‬‬
‫سجلت وسوف أنفذ‪.‬‬
‫انصرف‪! ‬‬
‫ّ‬
‫خ��رج اآليل وظ�ل��ت «سلسبيل» تتبع خطاه‬
‫مشمئزة‪ .‬قالت ل»خرير» عندما توارى اآليل‬
‫خارج الغرفة‪:‬‬
‫ملاذا اخرتته هبذا الشكل املعدني الفاضح؟‬
‫هذا أرخص ما وجدت يف السوق‪ ،‬إنه صنع‬
‫صيين ال يتعدى سعره لعبة أطفال راقية‪،‬‬
‫لكنه منضبط يف عمله‪ ،‬دقيق يف حركاته‪.‬‬
‫وهل تعول عليه يف طهي الطعام؟‬
‫بالطبع‪ ،‬إنه أمهر الطباخني‪ ،‬لكنه ال حييد‬
‫عما وضعته ل��ه يف ب��رجم��ت��ه‪ ،‬س��وف نأكل‬
‫سالطة مشوية من إنتاج احلقل‪...‬‬
‫وهل تنتج الصحراء الطماطم والفلفل؟‬
‫عندما يرغب اإلنسان فكل شيء ممكن‪.‬‬
‫وبعد؟‬
‫حساء العدس وشرائح من حلم النعام‪.‬‬
‫ومن أين أتيت بالنعام؟‬
‫ربيتها‪ .‬وسوف تتذوقني الفراولة من إنتاج‬
‫احلقل‪.‬‬
‫لقد أثرت شهييت‪ ،‬متى يكون الفطور جاهزا؟‬
‫بعد احلمام منر إىل املطبخ وسوف ترين كيف‬
‫يتصرف «نديم»‪.‬‬

‫على ما يبدو فإنك تكتفي بذاته يف كل ما‬
‫حتتاجه للعيش هنا‪.‬‬
‫إال بعض امل��واد اليت مل ينتجها احلقل بعد‪،‬‬
‫مثل الزيت‪ ،‬وامللح‪ ،‬والتوابل‪.‬‬
‫بعد احلمام والفطور‪ ،‬خرجا يتجوالن يف أرجاء‬
‫احلقل‪ .‬وأمعن «خرير» يف شرح كل اإلجنازات‬
‫اليت قام هبا‪ ،‬واصفاً عمل اآلالت اليت صنعها‪،‬‬
‫واملشاريع اليت ينوي إجنازها يف العاجل ويف‬
‫اآلجل‪ .‬كان يتحدث إليها حبماسة الشباب‪،‬‬
‫وميعن يف الشرح والتدقيق حتى أصبحت‬
‫هلا فكرة واضحة عما خيتلج يف عقله‪ .‬ومها‬
‫عائدان إىل احلوش سألته‪:‬‬
‫وم����ا ه���و ال������دور ال�����ذي أس���ن���دت���ه يل يف‬
‫مشروعك؟‬
‫وق��ف أمامها ينظر يف عينيها م��زه��وا‪ ،‬ثم‬
‫قال‪:‬‬
‫هل رأيت «نديم»؟ هل رأيت «ماهر احلفار»؟‬
‫سوف أريك «حنل الصحراء» من نفس فصيلة‬
‫«ن��دي��م»‪ .‬ب��دون��ك س��أحت��ول إىل آيل مثلهم‪،‬‬
‫وسأفقد إنسانييت‪ ،‬ولن حتلو يل احلياة رغم‬
‫أني لن أختلى عن مشروعي بأي صفة من‬
‫الصفات‪.‬‬
‫أحنت رأسها‪ ،‬وبعد حلظة من الرتدد عادت‬
‫تسأل‪:‬‬
‫رمبا مل تفهم س��ؤايل‪ ،‬أردت أن أقول ما هو‬
‫الدور الذي سأقوم به لكي ال أحتول أنا كذلك‬
‫إىل آيل للمتعة؟‬
‫كما شرحت لك من البداية‪ ،‬فهذا املشروع‬
‫هو حتدّ للوضع اجلديد الذي فرضته علينا‬
‫الطبيعة‪ .‬ثم إني أرى أنّ التحدي بدأ يتخطى‬
‫مرحلة التجربة‪ ،‬وسوف يبدأ يف اإلنتاج عن‬
‫قريب‪ .‬ومبا أنك خمتصة يف التسويق‪ ،‬فسوف‬
‫تكونني بوابة املشروع على السوق‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪69‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عائلة السيد رقم ‪1‬‬

‫صالح معاطي‬
‫دقت الساعة املعلقة على احلائط‬
‫دقتني أعقبهما صوت من داخلها‬
‫يشري إىل متام الثانية من بعد ظهر‬
‫يوم احلادي والثالثني من ديسمرب عام ‪.2999‬‬
‫التفت الزوج رقم ‪ 1‬إىل زوجته رقم ‪ 3‬قائالً ‪:‬‬
‫لقد تأخر األوالد عن عادهتم يا رقم ‪3‬‬
‫ال تقلق يا عزيزي‪ ،‬فقد ذهب ابننا األكرب ‪59‬‬
‫إىل اإلدارة املركزية إلحضار برنامج الشهر‬

‫‪70‬‬

‫القادم وأخذ أخويه معه ‪.‬‬
‫تنهد األب وهو يعقب بأسى ‪:‬‬
‫‪ .. 59‬هييه‪ ،‬ال أع���رف مل���اذا نشأ ‪ 59‬هبذا‬
‫الشكل‪ ،‬فأنا مل أقصر معه أبداً‪ .‬أعطيته كل‬
‫ما يريد‪ .‬أدخلته هيئة الدراسات اهلندسية‬
‫حسب رغبته‪ ،‬حتى إن�ني دون���اً ع��ن زمالئه‬
‫رفعت قدرته التخزينية إىل مئة ألف‪ .‬أخشى‬
‫أن أكون قد دللته أكثر من الالزم ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عائلة السيد رقم ‪1‬‬
‫ربتت رقم ‪ 3‬على صدر زوجها وهي تقول ‪:‬‬
‫ال تنس يا عزيزي أن ابننا مازال صغرياً فهو مل‬
‫يبلغ قرنه الثالث بعد وأنت تعلم أن هذه السن‬
‫حرجة وطائشة والشباب يف هذه السن خييل‬
‫إليهم أهنم يستطيعون عمل أي شيء‪ .‬ثم‪ .‬ثم‬
‫إنك أخطأت ‪.‬‬
‫قاطعها رقم ‪ 1‬بانزعاج بينما راح��ت ملبات‬
‫كثرية تضيء وتطفئ عدة مرات ‪:‬‬
‫ماذا قلت يا رقم ‪ 3‬؟‪ .‬أخطأت‪ .‬رقم ‪ 1‬خيطئ‬
‫كيف‪.‬‬
‫أبدت رقم ‪ 3‬أسفها وقالت ‪:‬‬
‫أق��ص��د أن��ك تسرعت عندما رف��ع��ت قدرته‬
‫التخزينية إىل ه��ذا احل��د‪ ،‬فقد الحظت أن‬
‫ملباته تسخن بسرعة وأخشى ‪.‬‬
‫قاطعها مرة أخرى ‪:‬‬
‫كل هذه أسباب واهية فأنا لست أقل من جارنا‬
‫السيد رقم ‪ 13‬الذي رفع القدرة التخزينية‬
‫البنه إىل سبعني ألفا واب��ن��ه مطيع وهادئ‬
‫الطباع باإلضافة إىل ذكائه احلاد وليس كابننا‬
‫‪.59‬‬
‫عندئذ أضيئت اللمبة احلمراء اليت يف رأس‬
‫الزوجة ففهم ال��زوج على الفور أهنا تشري له‬
‫بالصمت‪ ،‬فقد حملت ابنها ‪ ،59‬وولديها ‪65‬‬
‫و‪ 66‬يدلفون من الباب اخلارجي فبادر األب‬
‫ابنه ‪ 59‬قائالً ‪:‬‬
‫ه��ا ي��ا ‪ .59‬ه��ل أح��ض��رت ب��رن��ام��ج الشهر‬
‫القادم؟‬
‫نعم يا سيد رقم ‪ .1‬ها هي األشرطة ‪.‬‬
‫عظيم‬
‫راح السيد رقم ‪ 1‬يثبت داخله أسطوانة صغرية‪،‬‬
‫بينما بادر ‪ 59‬أباه قائال ‪:‬‬
‫ماذا قلت يا سيد رقم ‪ 1‬يف األمر الذي حدثتك‬
‫فيه باألمس ؟‬

‫صاح األب حبدة ‪:‬‬
‫أمل حنسم هذا األمر باألمس ؟‬
‫ال يا رقم ‪ .1‬إننا مل حنسم األم��ر بعد‪ .‬لقد‬
‫طلبت م�ني إهن��اء احل��دي��ث يف ه��ذا املوضوع‬
‫حبجة أنك مشغول اآلن ‪.‬‬
‫صاح األب بعصبية ‪:‬‬
‫هل تشكك يف ذاكرتي يا ولد ؟‬
‫معذرة يا رق��م ‪ ،1‬لكنين ال أج��د م�برراً لعدم‬
‫موافقتك على سفري إىل جمرة املرأة املسلسلة‪.‬‬
‫إنين أريد أن أبين مستقبلي هناك ‪.‬‬
‫رد األب مستنكراً ‪:‬‬
‫وملاذا ال تبين مستقبلك هنا يف سكة التبانة ؟‬
‫لقد حصلت على أعلى شهادة حيصل عليها‬
‫إنسان آيل يف مثل سنك ‪.‬‬
‫ضحك ‪ 59‬يف هتكم ‪:‬‬
‫تقصد هيئة الدراسات اهلندسية‪ .‬هناك أكثر‬
‫من ألفني ممن خترجوا يف تلك اهليئة تراهم‬
‫اآلن يتسكعون يف ال��ط��رق��ات وه��م يطلقون‬
‫أزيزهم السخيف ال جيدون عمالً‪ ،‬حتى خيل‬
‫يل أن الصدأ أصاب بعضهم‪ .‬أما البعض اآلخر‬
‫فال جيدون تسلية أفضل من مطاردة اإلنسان‬
‫البشري يف أي مكان وتعذيبه ‪.‬‬
‫بالطبع لن تكون أنت مثلهم‪ .‬فأنت ابن السيد‬
‫رقم ‪ 1‬صاحب الكلمة املسموعة يف الربملان‬
‫اآليل‪ .‬غداً سأعطيك ‪/‬كارت‪ /‬للسيد رقم ‪..‬‬
‫قاطعه ‪: 59‬‬
‫حتى لو وج��دت العمل م��اذا سيكون األجر‪.‬‬
‫كما ترى أصبحت الظروف على جمرتنا هذه‬
‫غاية يف الصعوبة‪ .‬راح كل منا ينتج العديد‬
‫م��ن اآلل��ي��ات ظ��ان�اً بذلك أن��ه انتصر هنائياً‬
‫على اإلنسان البشري‪ .‬ماذا كانت النتيجة ؟‬
‫أصبحنا مثل البشري متاماً ‪ ..‬ضاقت‬
‫علينا اجملرة وازدمحت‪ ،‬تناقص اإلنتاج‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪71‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عائلة السيد رقم ‪1‬‬
‫تضاعف األن��ف��اق‪ ،‬ارتفعت األس��ع��ار‪ ،‬فقلت‬
‫املوارد‪ .‬وأمسينا مقبلني على هوة سحيقة ‪.‬‬
‫تكلم ‪ 66‬ال��ذي كان يقف بعيداً مؤيداً كالم‬
‫‪:59‬‬
‫وفوق ذلك مازلنا نطارد اإلنسان البشري يف‬
‫الطرقات‪ ،‬وكل يوم نقرأ ونسمع عن حوادث‬
‫ارتكبها البشريون للدفاع عن أنفسهم من‬
‫غرور اآليل وبطشه ‪.‬‬
‫نظر األب بدهشة إىل ‪ 66‬ثم صرخ يف وجهه‬
‫‪:‬‬
‫‪ .66‬ولدي‪ .‬ماذا دهاك ؟ لو مل تكن أنت ابن‬
‫السيد رقم ‪ 1‬لقلت إنك جننت‪ .‬هل أصبحت‬
‫تناصر هذا البشري احلقري‪ .‬أخشى أن تكون‬
‫مشرتكاً يف إحدى مجاعاته اهلوجاء املنتشرة‬
‫يف أرج���اء اجمل���رة‪ .‬ع��د إىل رش���دك ي��ا بين‪.‬‬
‫فاآليل لن يرمحك حتى أنا أبوك لن أرمحك‪.‬‬
‫فأنت ال تعرف كثرياً عن قانون اآليل على هذه‬
‫اجملرة ‪.‬‬
‫قال ‪ 59‬هبدوء ‪:‬‬
‫من أجل ذلك عزمت على السفر إىل جمرة‬
‫امل���رأة املسلسلة‪ ،‬فقد فتحت سفارهتا باب‬
‫اهلجرة إليها‪ .‬سوف أكمل دراساتي اهلندسية‬
‫هناك‪ .‬فهناك يف املرأة املسلسلة التكنولوجيا‬
‫واحلضارة والتقدم‪ ،‬واألهم من ذلك األمان‪.‬‬
‫فمجرتنا هذه جمرة متخلفة قلقة بكل ما فيها‬
‫من اضطرابات وحروب وكوارث ‪.‬‬
‫صاح األب بغضب وقد ثارت ثائرته ‪:‬‬
‫إن�ن�ي ال أص����دق حل��ظ��ة أن���ك ذاه����ب لتكمل‬
‫دراس��ات��ك ه��ن��اك وإمن���ا ستذهب لتلهو مع‬
‫فاتنات املرأة املسلسلة ‪.‬‬
‫عندئذ تدخل الزوجة رقم ‪ 3‬وهي تربت على‬
‫زوجها ‪:‬‬
‫اهدأ قليالً يا رقم ‪ .1‬أسالكك ال حتتمل هذه‬

‫‪72‬‬

‫العصبية ‪.‬‬
‫ثم أبعدت ابنها ‪ 59‬من أمامه وهي تقول ‪:‬‬
‫‪ .59‬هل جننت يا ولد‪ .‬أتكلم أباك هبذه اللهجة‪.‬‬
‫أنسيت يف العام املاضي عندما احرتقت إحدى‬
‫ملباته بسببك أيضاً‪.‬‬
‫ث��م التفت األب إىل ابنه األص��غ��ر ‪ 65‬وهو‬
‫يقول‪:‬‬
‫وأنت أيها الشقي لقد شكا منك جارنا السيد‬
‫رقم ‪ .13‬إياك أن تشاكس ابنته مرة أخرى‪.‬‬
‫فاهم يا ولد ‪.‬‬
‫تضيء اللمبات ال�تي يف وج��ه ابنه األصغر‬
‫ع�لام��ة اخل��ج��ل وي��ط��رق إىل األرض‪ ،‬بينما‬
‫يدخل األب غرفته اجملاورة وهو يرغي ويزبد‬
‫ناقماً على تصرفات أبنائه‪ .‬فيقرتب ‪ 59‬من‬
‫أمه وحيدثها بصوت خفيض مراعياً أال يسمع‬
‫أبوه ‪:‬‬
‫رقم ‪ 1‬ال يفهمنا يا رقم ‪ .3‬جيله خمتلف متاما‬
‫عن جيلنا‪ .‬إنه حباجة إىل تعديل وحتديث‪ ،‬أال‬
‫ترين كيف يعامل أخيت ‪ 67‬وخطيبها ‪ 101‬؟‬
‫صاحت األم يف عصبية ‪:‬‬
‫تأدب يا ‪ .59‬ال تتكلم عن رقم ‪ 1‬هبذه اللهجة‪.‬‬
‫أنسيت فضله عليك‪ .‬لواله ما جئت أنت إىل‬
‫الوجود‪ .‬أتعجبك تصرفات ‪ 67‬إىل هذا احلد‪.‬‬
‫هل تستطيع أن تقول يل أي��ن هي اآلن وقد‬
‫أوشك موعد الغداء أن حيني ؟‬
‫رد ‪ 59‬ببساطة ‪:‬‬
‫أكيد مع ‪ .101‬جيب أن ندعهما معاً أطول فرتة‬
‫ممكنة حتى يفهما بعض أكثر ‪.‬‬
‫صاحت األم بضيق ‪:‬‬
‫إن�ني أتعجب ل��ك‪ .‬أليس بداخلك قليل من‬
‫التيار؟ هل أفرغت البطارية اليت وضعناها‬
‫لك فلم تعد تشعر بأي حرارة على أختك‪ .‬يا‬
‫أسفي عليك ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عائلة السيد رقم ‪1‬‬
‫عندئذ تدخل ‪ 67‬متأبطة ذراع ‪: 101‬‬
‫هالو مامي‪ .‬هالو ‪ .59‬أرأيتما هدية ‪ 101‬يل‬
‫يف عيد ميالدي ؟‬
‫تنتبه األم على ص��وت ابنتها وراح��ت تنظر‬
‫إىل اللفافة اليت يف يد ‪ ،101‬بينما انشغل هو‬
‫بفض اللفافة‪ .‬ختتطف ‪ 67‬ما بداخل اللفافة‬
‫وتصيح بطريقة استعراضية ‪:‬‬
‫جهاز شحن بطارييت اخلاصة‪ .‬لن أحتاج بعد‬
‫اليوم الذهاب إىل ورشة الشحن‪ .‬أشكرك يا‬
‫حبييب ‪.‬‬
‫أسرعت رقم ‪ 3‬هتمس يف أذن ابنتها ‪:‬‬
‫اهدئي يا ‪ .67‬ال تنبهري هبداياه التافهة يا‬
‫عبيطة حتى ال يغرت ‪.‬‬
‫ثم ضحكت ضحكة باهتة وهي حتدث ‪: 101‬‬
‫ومل ه��ذه التكاليف يا ‪ 101‬يا ب�ني‪ .‬من أين‬
‫أحضرت هذا اجلهاز ؟‬
‫أجاب ‪ 101‬وهو ميد يده إليها باجلهاز ‪:‬‬
‫أحضرته يف األسبوع املاضي من كوكب الزهرة‬
‫عندما كنت مدعواً حلضور مؤمتر هناك‬
‫قاطعته األم بأسى ‪:‬‬
‫هييه‪ .‬كل أجهزة الزهرة تتلف بسرعة ‪.‬‬
‫مل يعبأ ‪ 101‬بكالم احلماة‪ ،‬وراح يضع يده‬
‫على كتف ‪ 59‬الذي بدا عابس الوجه ومضيا‬
‫يف حديث جانيب ‪:‬‬
‫ملاذا مل يوافق السيد رقم ‪ 1‬على سفرك إىل‬
‫املرأة املسلسلة ؟‬
‫أطرق ‪ 59‬قبل أن يقول ‪:‬‬
‫يريدني أكون مثله نائباً يف الربملان اآليل‪.‬‬
‫دع���ك م��ن حت��ك��م��ات رق���م ‪ 1‬ف��أن��ت مل تعد‬
‫صغرياً‪.‬‬
‫أنسيت يا ‪ 101‬أن القانون اآليل ال يعطينا‬
‫احلق يف اختاذ أي قرار من قرارات حياتنا إال‬
‫بعد موافقة السيد رقم ‪. 1‬‬

‫يف تلك األثناء كانت األم مازالت هتمس يف‬
‫أذن ابنتها ‪:‬‬
‫أتسمعني يا ‪ 67‬ال جتعليه يتحكم فيك ‪.‬‬
‫ردت ‪ 67‬بضيق ‪:‬‬
‫‪ 101‬طيب وهادئ الطباع يا مامي‪ .‬إنه حيبك‬
‫صدقيين ‪.‬‬
‫صاحت األم حبدة ‪:‬‬
‫ستظلني طول عمرك غبية‪ .‬كوني مثل أمك‪،‬‬
‫عندما تقدم أبوك خلطبيت مل أعره اهتماما‬
‫تركته أكثر من نصف قرن ي�تردد على بيتنا‬
‫حتى وافقت ‪.‬‬
‫جيلنا خمتلف عن جيلكم يا أم��اه‪ .‬وظروف‬
‫احلياة أصبحت صعبة ‪.‬‬
‫أنت حرة ‪.‬‬
‫عندئذ خيرج السيد رقم ‪ 1‬من غرفته‪ ،‬فيقف‬
‫اجلميع احرتاما ويسرع إليه ‪ 101‬حمييا إياه‪.‬‬
‫ي��دق ج��رس متقطع إي��ذان��ا مب��وع��د الغداء‪.‬‬
‫ي��ذه��ب اجلميع إىل غ��رف��ة ال��ط��ع��ام ليجدوا‬
‫اخلادم البشري مازال يعد املائدة فيتجه حنوه‬
‫رقم ‪ 1‬وهو يصيح يف عنف ‪:‬‬
‫أمازلت تتأخر عن موعدك أيها األبله‪ ،‬أمل‬
‫أنبهك إىل ذلك أكثر من مرة‪ .‬يالك من بشري‬
‫غيب وكسول ‪.‬‬
‫ثم هوى على وجهه بيده احلديدية وصاح يف‬
‫وجهه ‪:‬‬
‫سوف أنزل بك عقابي بعد الغداء‪ .‬وأنت تعرف‬
‫جيداً كيف يكون عقاب السيد رقم ‪. 1‬‬
‫ثم نظر السيد رقم ‪ 1‬بطرف عينيه إىل ‪.59‬‬
‫راح ‪ 59‬يهرب من نظراته بالنظر إىل بعض‬
‫الشحومات أمامه دون أن ينطق بكلمة ‪.‬‬
‫بدأ األب يف تناول الغداء وهو يتجرع كأسا‬
‫م��ن اإلك��س�ير وه��و ع��ب��ارة ع��ن خملوط‬
‫من جمموعة من الزيوت اهليدروليكية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪73‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عائلة السيد رقم ‪1‬‬
‫لتليني ال�تروس والصواميل الداخلية تناوله‬
‫دفعة واحدة‪ ،‬تلفت مينة ويسرة مستفسراً ‪:‬‬
‫أين ‪ 66‬؟ هذا الولد دائماً يتخلف عن طعام‬
‫الغداء ‪.‬‬
‫ثم يوجه حديثه إىل ‪: 59‬‬
‫وأنت‪ .‬أمازلت مصراً على الرحيل ؟‬
‫نعم ي��ا أب��ي وت��أك��د أن�ني ل��ن أن��س��ى ل��ك هذا‬
‫الصنيع‪.‬‬
‫أت��ظ��ن ي��ا ب�ني أن���ك ستجد ع��م�لاً يف امل���رأة‬
‫املسلسلة ؟ ال حتلم كثرياً يا بين مثلما حيلم‬
‫البشر إن أحالمهم هي اليت جعلتهم يتخبطون‬
‫يف اهلاوية وقضت على إمرباطوريتهم منذ ألف‬
‫عام ‪.‬‬
‫رم��ق��ه اإلن��س��ان البشري ب��ط��رف عينيه‪ ،‬ثم‬
‫تظاهر ب��إع��داد بعض ك��ؤوس اإلك��س�ير‪ .‬لكن‬
‫يبدو أن السيد رقم ‪ 1‬أحس بذلك فصرخ يف‬
‫وجهه‪:‬‬
‫أخرج من هنا أيها األبله وإال قضيت عليك‪.‬‬
‫دائماً تتصنت‪ .‬ألن تكف عن ع��ادة أجدادك‬
‫السخيفة هذه ؟‬
‫خيرج اإلنسان البشري‪ ،‬ينزوي يف كوخه الذي‬
‫صنعه بنفسه يف احلديقة‪ ،‬مل يستطع أن مينع‬
‫دمعتني سقطتا من عينيه رغماً عنه ‪ ..‬تذكر‬
‫كلمات كانت جدته ألقتها يف أذنيه يوماً قبل‬
‫أن متوت‪.‬‬
‫يا بين ‪ ..‬حنن الذين صنعنا هذا اآليل امللعون‪.‬‬
‫نعم صنعناه بأيدينا ورحنا نطوره على مر‬
‫العصور وكل يوم نضع فيه شيئاً جديداً حتى‬
‫صار يتحكم يف كل أمور احلياة على األرض‬
‫يصدر القوانني ويصدق على األحكام ويقوم‬
‫هو أيضاً بتنفيذها‪ ،‬واسرتاح اإلنسان البشري‬
‫من عناء التفكري يف أمور حياته‪ .‬وملاذا يفكر‬
‫وهناك آليات تعمل له وتفكر بدال منه‪ ،‬بل‬

‫‪74‬‬

‫وحت��دد مصريه ومستقبله‪ .‬وب��دأ اآليل يفكر‬
‫لنفسه ألول مرة ‪.‬‬
‫ه��ل كانت جدته هت��ذي‪ .‬نعم‪ ،‬ففي أيامها‬
‫األخرية بدأت خترف وأصيبت بفقدان ذاكرة‬
‫وتصلب شرايني ‪.‬‬
‫ينتبه اخلادم البشري إذ إنه شعر بأقدام بشرية‬
‫تقرتب‪ .‬أطل من كوخه حبذر‪ .‬إنه زميله اخلادم‬
‫البشري لدى السيد رقم ‪ .13‬راحا يتبادالن‬
‫النظرات دون أن ينطقا حبرف واحد‪ ،‬فالكالم‬
‫غري مسموح به بني البشريني‪ ،‬وفهم على الفور‬
‫ما يرمي إليه زميله‪ .‬فمد إليه يده وجذبه من‬
‫داخل الكوخ وانطلقا معاً ‪.‬‬
‫داخ��ل املنزل ك��ان السيد رق��م ‪ 1‬يتحدث مع‬
‫زوجته رقم ‪: 3‬‬
‫ما الذي حدث لألوالد يا رقم ‪ .3‬أمل حنسن‬
‫تربيتهم‪ .‬أمل نعطهم االهتمام الكايف ؟ ‪ 59‬خرج‬
‫ابناً فاسداً يريد أن يرتك جمرته اليت تربى‬
‫فيها وتنزه بني كواكبها وجنومها عدة مرات‪.‬‬
‫مل أحرمه من شيء‪ .‬وهاهي ‪ 67‬مل أقف يف‬
‫طريق سعادهتا مع ‪ 101‬بالرغم من الفارق‬
‫الكبري بني عقلها وعقله‪ ،‬وكما تعلمني عائلته‬
‫متوسطة احل��ال‪ ،‬وال��ده مل يستطع أن يرفع‬
‫القدرة التخزينية البنه أكثر من ‪ 30‬ألفاً‪ .‬لكنين‬
‫قبلت من أجل سعادة البنت‪ .‬وابننا ‪ 66‬مل يعبأ‬
‫مبنصيب املهم يف الربملان اآليل وراح يشرتك‬
‫يف «مجعية الرفق باإلنسان البشري»‪ .‬ورمبا‬
‫يقع يوماً يف أيدي الشرطة اآللية ويقيلونين‬
‫عن منصيب يف الربملان‪ .‬حتى ‪ 65‬االبن األصغر‬
‫بدالً من أن يلتفت إىل دروسه راح يشاكس ابنة‬
‫جارنا السيد رقم ‪ 13‬أشاهدت جنوناً مثل هذا‬
‫؟‬
‫ربتت الزوجة على صدر زوجها وقالت ‪:‬‬
‫اه��دأ يا رقم ‪ .1‬تأكد أن األم��ر لن يعدو عن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عائلة السيد رقم ‪1‬‬
‫زوب��ع��ة وستمر ب��س�لام‪ ،‬فأبناءك ه��م أفضل‬
‫أبناء داخل جمرة سكة التبانة‪ .‬لكن الظروف‬
‫األخرية اليت منر هبا هذه األيام هي اليت غريت‬
‫من مفاهيم األوالد ‪.‬‬
‫سأل باهتمام ‪:‬‬
‫ماذا تريدين أن تقويل يا رقم ‪ 3‬؟‬
‫أطرقت قليالً ثم قالت ‪:‬‬
‫لقد وقعنا يف نفس األخطاء اليت وقع فيها‬
‫البشري منذ مئات السنني‪ ،‬فرحنا ننتج أبناءنا‬
‫من اآلليني بدون تفكري‪ .‬هكذا فعل كل آيل على‬
‫اجملرة حتى ضجت بنا احلياة وبدأنا نتصارع‬
‫من أجل العيش ‪.‬‬
‫ً‬
‫لكننا حنن اآلليني أقوى عقالً وأكثر رقيا من‬
‫هذه الكائنات احلقرية ‪.‬‬
‫ظ���روف احل��ي��اة ال ت��ف��رق ب�ين آيل وبشري‪،‬‬
‫فاملشكالت واح���دة وال��ت��اري��خ يعيد نفسه‪،‬‬
‫وأخشى يأتي يوم يستطيع فيه هؤالء البشر‬
‫اسرتداد ما فقدوه ‪.‬‬
‫رد رقم ‪ 1‬مسرعا ‪:‬‬
‫ً‬
‫هذا لن يكون‪ .‬فال تلق باال لتلك الصيحات اليت‬
‫يرددوهنا كل يوم يف غوغائية مطالبني باحلقوق‬
‫واالستقالل‪ ،‬وال تعبئي بقطع احلجارة اليت‬
‫يلقوهنا علينا يف الطرقات‪ ،‬فالسلطات اآللية‬
‫تستطيع إسكات هذه األصوات بسهولة ‪.‬‬
‫قالت الزوجة ‪:‬‬
‫ً‬
‫م��ا خييفين حقا ه��و اآليل نفسه‪ ،‬فها حنن‬
‫نسمع كل يوم عن احلروب واملصادمات اليت‬
‫تقع بني الكواكب وبعضها‪ ،‬حتى هذا الكوكب‬
‫الصغري‪ .‬األرض‪ .‬ال��ذي نعيش فوقه‪ ،‬مازال‬
‫يعج ب��االض��ط��راب��ات واملشاحنات واحلروب‬
‫منذ سقوط إمرباطورية اإلنسان البشري‪ .‬لقد‬
‫نسينا شيئاً مهماً يا رقم ‪ .1‬شيئاً مل جنده‬
‫حتى بني البشر عندما انتزعنا إمرباطوريتهم‪،‬‬

‫فلم نستطع صنعه أو برجمته داخلنا ‪.‬‬
‫ما ذلك الشيء يا رقم ‪ 3‬؟‬
‫صمتت رقم ‪ 3‬قليالً قبل أن جتيب ‪:‬‬
‫احل��ب‪ .‬احل��ب يا زوج��ي العزيز‪ .‬راح كل منا‬
‫يسعى لتحقيق أحالمه ومصاحله الشخصية‬
‫دون مصاحل اجلميع‪ .‬أصبحنا كجزر منعزلة‬
‫أو كواكب نائية‪ .‬ليس هناك ما يربطنا أو‬
‫جيعلنا نعيش من أجله‪ .‬لقد وصلنا إىل أعماق‬
‫الفضاء ومل نصل إىل أعماق النفس البشرية‬
‫اليت قضينا عليها ‪.‬‬
‫قاطعها السيد رقم ‪ 1‬بانزعاج ‪:‬‬
‫رقم ‪ .3‬أخشى أن تكوني قد اشرتكت أنت أيضاً‬
‫يف تلك اجلمعية اليت تنادي حبقوق اإلنسان‬
‫البشري‪ .‬أنت تتكلمني مثلهم متاماً ‪.‬‬
‫ضحكت رقم ‪ 3‬بتهكم ‪:‬‬
‫ال خت��ف ي��ا ع��زي��زي‪ .‬إمن��ا ليحزنين أن أرى‬
‫إمرباطورية اإلنسان اآليل وهي تبدأ باالهنيار‪.‬‬
‫حتى اآلل��ي�ين أنفسهم ب���دؤوا حي��ي��دون عن‬
‫ال�برن��ام��ج املخطط هل��م‪ .‬ف��راح��وا يتخبطون‬
‫ويسريون على غري هدى ‪.‬‬
‫يقطع حديثهما دخول ‪ 59‬حيمل يف يده عدة‬
‫أشرطة ممغنطة واسطوانات مدجمة هي كل‬
‫أمتعته يف السفر إىل املرأة املسلسلة‪ .‬يصيح‬
‫األب بصوت يائس ‪:‬‬
‫هل فكرت جيداً يا ‪ 59‬؟‬
‫نعم ي��ا رق��م ‪ 1‬وآت���ي آلخ��ذ منك التصريح‬
‫بالسفر‪.‬‬
‫يعيد عليه السيد رقم ‪ 1‬نصائحه ‪:‬‬
‫مازلت أكرر يا ‪ .59‬الرحلة ليست سهلة وغري‬
‫مضمونة ورمبا يكون العقد مزوراً ‪.‬‬
‫يقاطعه ‪ 59‬بنفاد صرب ‪:‬‬
‫اطمئن ي��ا سيد رق��م ‪ .1‬لقد عملت‬
‫حساب كل شيء‪ .‬وداعاً رقم ‪ .1‬وداعاً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪75‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عائلة السيد رقم ‪1‬‬

‫رقم ‪. 3‬‬
‫فجأة يدخل االب��ن األوس���ط ‪ 66‬م��ن الباب‬
‫منزعجا وهو يصيح ‪:‬‬
‫مصيبة‪ .‬كارثة‪.‬‬
‫ينتبهون مجيعا إليه ‪:‬‬
‫ماذا حدث يا ‪ 66‬؟‬
‫اإلنسان البشري يسيطر على مبنى الرئاسة‬
‫اآللية وعلى الربملان اآليل‪ .‬أكثر من مئة قاعدة‬
‫آلية سقطت يف أيدي البشريني‪ .‬غرفة التحكم‬
‫اآللية تعج باآلالف‪ .‬رقم ‪ .1‬إهنم قادمون‪ .‬رقم‬
‫‪ .1‬ملاذا ال ترد ؟‪ .‬رقم ‪ .1‬رقم ‪.. 1‬‬
‫ي��ن��دف��ع حن����وه‪ ،‬ي��ه��زه‪ ،‬جي���ده ق��د حت���ول إىل‬

‫‪76‬‬

‫قطعة م��ن احل��دي��د ال��ص��دئ‪ .‬اح�ترق��ت كل‬
‫ملباته وتفحمت متاماً‪ .‬تقطعت مجيع أسالكه‬
‫وموصالته الداخلية‪ .‬أما األم وأبناؤها فراحوا‬
‫يتجهون حبركات آلية حنو الباب‪ ،‬ثم خرجوا‬
‫إىل الشارع لينضموا إىل املئات من اآلليني‬
‫حنو مبنى إدارة التحكم املركزية‪ .‬فقد صدرت‬
‫إليهم أوامر بشرية بتسليم أنفسهم إىل اإلنسان‬
‫البشري ‪.‬‬
‫ودقت الساعة املعلقة على احلائط دقة واحدة‬
‫معلنة متام الواحدة من صباح اليوم األول من‬
‫يناير عام ‪ .3000‬ليبدأ عهد جديد مع اإلنسان‬
‫البشري صانع املعجزات ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫حتطم اإلسكودر‬

‫تأليف‪ :‬د‪ .‬بيلينكني‬
‫ترمجة‪ :‬د‪ .‬عمر أل ُتنجي‬
‫انعطف طريق الغابة حنو اليمني‪.‬‬
‫ك���ان ه��ن��اك م���رج م��ل��يء بزهور‬
‫احلب الصفراء‪ ،‬وفوق املرج توقف‬
‫يف اجلو صحن طائر عادي‪.‬‬
‫يف هذه اللحظة بالذات انفتحت كوة املركبة‪،‬‬
‫وانساب منها عرب اهل��واء إىل األرض ساكن‬
‫فضاء وكأنه ينزل السلّم‪ .‬كان صغري احلجم‪،‬‬

‫كروي الشكل‪ ،‬وردي اللون‪ ،‬عارياً تقريباً‪ ،‬وكان‬
‫يلمع‪ ،‬وكأنه كان مطلياً بكريم دهين‪.‬‬
‫أنا مل أفزع‪ ،‬وحتى أنين مل أندهش‪ ،‬ألن كثرياً‬
‫من القصص واملقاالت عن االتصال القريب‬
‫ّ‬
‫حضرتين نفسانياً ملثل هذا اللقاء‪ .‬أنا فقط‬
‫ً‬
‫ً‬
‫حتسّرت ألنين ال أرتدي طقما رمسيا أسود‪،‬‬
‫وقميصاً أب��ي��ض ورب��ط��ة ع��ن��ق‪ .‬زررت قبة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪77‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حتطم اإلسكودر‬
‫اجلينز‪ ،‬مسحت من مرفقي نسيج العنكبوت‬
‫العالق من احل��رش‪ ،‬وتقدمت ملالقاة ساكن‬
‫الفضاء‪ .‬قلت‪:‬‬
‫ـ مرحباً!‬
‫ـ مرحباً! أجابين دون أن يفتح فمه‪ ،‬وباللغة‬
‫الفصيحة‪ .‬أنا مل أندهش هلذا أيضاً‪ ،‬ألنين‬
‫كنت أعلم من كتب األدب أن تبادل األفكار‬
‫بالتخاطر متطور للغاية ب�ين احلضارات‬
‫األخرى‪.‬‬
‫ً‬
‫ثم كرر‪ :‬مرحبا‪ .‬حتطم عندي اإلسكودر‪ .‬أين‬
‫يوجد هنا سوتار قريب؟‬
‫سألت مستغرباً‪ :‬ماذا؟ سوتار؟ ما هو هذا؟‬
‫اآلن هو ال��ذي استغرب‪ :‬كيف ما هو هذا؟‬
‫إنه‪ ...‬إنه‪ ...‬ذلك املكان حيث يصلحون‪...‬‬
‫حتزّرت أنا‪ :‬ورشة تصليح؟‬
‫سُ�����رَّ ه����و‪ :‬إهن����ا ه����ي‪ .‬ف��ه��م��ان ع���ل���ي‪ ،‬إن‬
‫إسكودري‪...‬‬
‫فكرت بشكل مفجوع‪« :‬إسكودر‪ ...‬سوتار‪...‬‬
‫ورش���ة تصليح‪ ...‬مل أت��ص��ور أن اللقاء مع‬
‫ساكن الفضاء سيكون ه��ك��ذا‪ .‬آه نعم! إنه‬
‫تعرّض حلادث! إذاً كل شيء واضح‪ .‬إنه يطلب‬
‫املساعدة من سكان األرض»‪.‬‬
‫سألته وأنا أنظر من حتت الصحن الطائر‪:‬‬
‫ماذا حدث للمحرك عندك؟‬
‫ً‬
‫استغرب هو‪ :‬هل أنت طيّاف ؟ إذا ميكنك أن‬
‫تشرح يل السبب‪ ،‬ملاذا أثناء الفيكاريزاتسيا‬
‫سوبتيت جيلتوكس؟‬
‫مل أك��ن أرغ��ب أن أب��دو أم��ام��ه غبياً متاما‪ً،‬‬
‫فتمتمت قليالً‪ .‬وهو ينظر إيل مستفهماً‪.‬‬
‫قلت بشكل آيل‪ :‬أنت تعرضت حلادث‪.‬‬
‫ـ أي ح��ادث؟‪ .‬حتى إنه ّ‬
‫نط‪ .‬عندي سوبتيت‬
‫جيلتوكس!‬

‫‪78‬‬

‫ـ آه ه�����ذا‪ ...‬ك��ي��ف ه����و‪ ...‬إس���ك���ودر ليس‬
‫سوبتيت؟‬
‫ـ أن���ت ج��ن��ن��ت! ك��ي��ف مي��ك��ن ل�لإس��ك��ودر أن‬
‫سوبتيت؟ امس��ح يل‪ ،‬ه��ذا يعين أن��ك لست‬
‫طيافاً؟‬
‫ـ كال‪ .‬أجبته وأنا مستعد ألن تبتلعين األرض‬
‫من العار‪.‬‬
‫ـ فلماذا أنت تشوّشين؟ قل يل بصراحة‪ :‬هل‬
‫أستطيع إصالح اإلسكودر هنا أم ال؟‬
‫ـ ح��س��ن�اً‪ ،‬ب���دأتُ ال��ك�لام ب��ت��خ �وّف‪ ،‬تقنيتنا‬
‫األرضية ال‪...‬‬
‫ُ‬
‫قاطعين بتسرع‪ :‬إن مل تكن تقنيتكم‪َ ،‬فلتَكنْ‬
‫تقنية الكوكب اجملاور‪ .‬ال َفرق!‬
‫قلت‪ :‬الفرق كبري‪.‬‬
‫ـ إن كنت تفهمين‪ ،‬ليس عندي وقت للمزاح‪.‬‬
‫جيب أن أصلح اإلسكودر‪ .‬ال أستطيع بدون‬
‫اإلس��ك��ودر‪ .‬وإذا مل يكن عندكم هنا سوتار‬
‫ق��ري��ب‪ ،‬ف��رمب��ا ميكن أن ي��وج��د على األقل‬
‫سبوتش بسيط؟‬
‫قلت‪ :‬انظر‪ .‬أنا ال أعرف ما هو «السبوتش»‪،‬‬
‫وال م��ا ه��و «اجليلتوكس»‪ .‬لكن يسرني أن‬
‫أرحب بكم على األرض‪ .‬حنن سعداء إلقامة‬
‫االتصال أخرياً‪ .‬ويف هذه اللحظة اجمليدة‪...‬‬
‫بدأ ساكن الفضاء يقلق‪ :‬كيف؟ يظهر أنين مل‬
‫أصل إىل املكان املطلوب؟‬
‫ـ هل يعين هذا أنك مل تَطِر إىل األرض؟‬
‫ـ إىل أية أرض؟ ألول مرة أمسع عن مثل هذه‬
‫املنظومة النجمية‪.‬‬
‫ـ هذا اسم كوكبنا‪.‬‬
‫ـ اسم عجيب! وعندكم هنا لطف كبري‪ .‬ورسم‬
‫يف اهلواء نصف دائرة بإصبعه الوردية اللون‪.‬‬
‫ومع هذا فمن املؤسف جداً عدم وجود سوتار‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫حتطم اإلسكودر‬
‫عندكم!‬
‫ـ لكن باملقابل يوجد عندنا‪...‬‬
‫ـ أعرف‪ ،‬أعرف! خمتلف النصب التذكارية‪،‬‬
‫والصاالت الفنية‪ ...‬لكن عطليت شارفت على‬
‫االنتهاء‪.‬‬
‫ـ إذاً أنت لست باحثاً‪ ،‬ولست عاملاً؟!‬
‫ـ إطالقاً‪ .‬أنا‪...‬‬
‫ٌ‬
‫ذهول‪،‬‬
‫مل يكمل كالمه‪ .‬ظهر أوالً على وجهه‬
‫تَبَد َل إىل تعبري عن الذعر‪.‬‬
‫ـ ما ه��ذا؟! ص��رخ وه��و يشري إىل بعوضتني‬
‫حطتا على فخذيه العاريتني ومه��ا تنويان‬
‫بوضوح أن جتربا طعم الدم غري األرضي‪.‬‬
‫ـ هاتان بعوضتان‪ .‬كشّهما‪.‬‬
‫ـ إهنما تلسعانين؟!‬
‫ـ أمور تافهة‪ ،‬ال تعرْها انتباهاً‪.‬‬
‫نط ساكن الفضاء وكأنه داس بكعبه العاري‬
‫على ثعبان بأقل تقدير‪ ،‬وط��ار بسرعة إىل‬
‫صحنه‪.‬‬
‫صحت له‪ :‬إىل أين أنت ذاهب! أنت أول ممثل‬
‫حلضارة غري أرضية‪...‬‬
‫ترامى صوته من الكوة‪ :‬إذا كان يعجبكم أن‬
‫تُلسعوا فهذا شأنكم‪ .‬وداعاً‪ ،‬وداعاً!‬
‫وأطل من الكوة ليلوح يل بيده‪.‬‬
‫ص��ح��ت‪ :‬ه��ي��ه! ق��ل يل‪ ،‬م��ا ه���ذا ال��ش��يء –‬
‫اإلسكودر؟‬
‫ـ ماذا؟ أنت حتى هذا ال تعرفه؟ هذا يعين أنك‬
‫ال تنظف أسنانك؟!‬
‫وأغلق الكوة بقوة‪.‬‬
‫بعد ثانية رأي��ت السماء ال��زرق��اء الصافية‬
‫وحاولت إقناع نفسي أنين نائم‪ .‬لكن يف هذه‬
‫اللحظة شعرت بلسعة قوية من بعوضة قرب‬
‫مرفقي ففهمت أن هذا ليس حلماً‪...‬‬

‫ولد دميرتي ألكساندروفيتش‬
‫ب��ي��ل��ي��ن��ك�ين س���ن���ة ‪،1933‬‬
‫وه��و أدي���ب روس���ي‪ ،‬اشتهر‬
‫بكتابة أدب اخليال العلمي‪.‬‬
‫م���ن م��ؤل��ف��ات��ه‪ :‬اجملموعة‬
‫القصصية «ليلة التهريب»‬
‫(‪« ،)1971‬اخ���ت���ب���ار على‬
‫املعقولية» (‪« ،)1974‬ثلوج‬
‫األوليمب» (‪« ،)1980‬هناية‬
‫القانون» (‪ ،)1980‬وكثري من‬
‫الكتب العلمية املبسطة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪79‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رحلة من الخيال العلمي‬
‫في أعماق الكون ‪:‬‬
‫بيئات معادية للحياة خارج كوكب األرض‬
‫د ‪ .‬طالب عمران‬

‫لو تأملنا صفحة السماء يف ليلة صافية‬
‫من الغيوم‪ ،‬غري مقمرة‪ ،‬لطالعتنا أعداد‬
‫هائلة م��ن النجوم املتأللئة املتباينة‬
‫اللمعان‪ ،‬تزين صفحتها‪ ،‬موزعة بتجمعات خمتلفة‬
‫يف القبة السماوية‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ويبدو درب التبانة كخط متكاثف من النجوم‬
‫والسحاب الكوني‪ ،‬يقطع السماء من أقصاها إىل‬
‫أقصاها‪ ،‬فما هو العدد الذي ميكن أن تصل إليه‬
‫بشكل تقرييب ؟ لنفرض أننا يف منطقة سهلية‬
‫صحراء مثالً ليس فيها أشجار متسامقة‪ ،‬أو‬
‫تالل ضخمة فإن بإمكاننا عندها أن نعد حنو‬
‫( ‪ ) 2500‬جنمة ( * )‪ ،‬ترى بالعني اجملردة‪،‬‬
‫ومعلوم أن جو األرض مهما كان نقياً صافياً‪.‬‬
‫حيجب ‪ ./.30‬م��ن ضياء ال��ن��ج��وم‪ ،‬ال�تي متر‬
‫خالله نظرياً‪ ،‬ال يزيد عدد النجوم اليت ميكن‬
‫أن ترى بالعني اجملردة‪ ،‬عن ( ‪ ) 3000‬جنم‪ ،‬وملا‬
‫كنا نعد النجوم يف نصف القبة السماوية‪ ،‬فإن‬
‫النجوم اليت ميكن أن ترى بالعني اجمل��ردة يف‬
‫السماء كلها من األرض ال يزيد عن ( ‪) 6000‬‬
‫جنم‪ ،‬وملا كانت دائرة السماء كلها هي ( ‪) 360‬‬
‫درجة فيمكن حساب مساحة السماء الكلية اليت‬
‫تبدو من على األرض ككرة حتيط هبا‪ ،‬فنرى أهنا‬
‫( ‪ ) 41200‬درجة مربعة تقريباً‪.‬‬
‫وبذلك نستطيع أن نقول‪ ،‬بأن هناك جنماً‬
‫واح��داً لكل ( ‪ ) 6,9‬درجة مربعة من السماء‪،‬‬
‫كما ترى بالعني اجملردة من األرض ‪.‬‬
‫وماذا لو تأملنا السماء بالعني اجملردة‪ ،‬من‬
‫على القمر‪ ،‬جارنا القريب ال��ذي ال يبعد عن‬
‫األرض أكثر من ( ‪ ) 400‬ألف كيلو مرت ( أي‬
‫حنو عشرة أضعاف حميط األرض يف منطقة‬
‫االستواء ) ماهو العدد الذي ميكن أن نراه من‬
‫النجوم وحنن فوق القمر ؟ مامن شك أن عدد‬
‫النجوم سيزداد كثرياً ألن القمر ليس له غالف‬
‫جوي‪ ،‬وستبدو مساؤه مليئة بالنجوم الالمعة‬
‫يف مساء داكنة ولن نرى تأللؤاً يف النجوم ألن‬
‫ظاهرة التأللؤ تظهر لنا على األرض بسبب‬
‫اختالف الكثافة يف جو األرض ‪.‬‬
‫وتصبح النجوم اليت ال ترى من األرض لقلة‬
‫ملعاهنا‪ ،‬وهي من الدرجة (‪ )6,9‬مثالً وحتتاج‬
‫رؤيتها ع��ن األرض لنظارة ق��وي��ة‪ ،‬ظ��اه��رة يف‬

‫مساء القمر‪ ،‬وحتى الدرجة ( ‪ ) 6,5‬فإن بإمكاننا‬
‫متييز النجوم من على القمر‪ ،‬بني (‪ )6,5‬و (‪)6,9‬‬
‫هناك حنو ( ‪ ) 6000‬جنم يظهر يف قبة السماء‬
‫من على القمر وهو العدد الذي يزيد عما يرى‬
‫من جنوم على األرض‪ ،‬أي أنه على القمر ميكن‬
‫أن نعد يف السماء (‪ )12000‬جنم أي جنم واحد‬
‫يف كل مساحة من السماء ال تتجاوز ( ‪) 3,45‬‬
‫درجة مربعة ‪.‬‬
‫وقد تبدو هذه احلسابات صعبة لدى القارئ‬
‫العادي ولكنها حسابات ميكن الوصول إليها‬
‫وبقليل من املعرفة بعلم احلساب ‪ ..‬وتأمل الكون‬
‫والرغبة يف املعرفة‪ ،‬ال متنع القارئ من‬
‫حماولة التعلم واكتساب املزيد من اخلربة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪81‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يف االطالع على علم الفلك ‪.‬‬
‫لو ختيلنا أننا بواسطة ما‪ ،‬انتقلنا للحياة على‬
‫كوكب يدور حول جنم يقع يف مركز جمرتنا اليت‬
‫شبهناها من قبل بالعدسة « يف املركز تكون‬
‫النجوم متكاثفة « فلو حدقنا يف مساء الكوكب‬
‫الذي نفرتض أننا وصلناه واعتربنا أن له غالفاً‬
‫جوياً كما األرض‪ ،‬فسيحصل عدد النجوم اليت‬
‫ن��راه��ا يف القبة السماوية احمليطة بنا حنو‬
‫(‪ )780‬ضعف ما نشاهده هنا من على األرض‪،‬‬
‫أي حنو ( ‪ ) 4,68‬مليون جنم كأقصى حد‪ ،‬ولو‬
‫اعتربنا نفس الظروف اليت ميكن أن تعيقنا يف‬
‫ع��د النجوم على األرض‪ ،‬م��وج��ودة هناك يف‬
‫الكوكب املفرتض لوصل عدد النجوم اليت ميكن‬
‫عدها فوق األف��ق أي بنصف القبة السماوية‬
‫حنو مليوني جنم‪ ،‬ستكون السماء هبيجة منرية‬
‫وستزداد كشوفات فلكيينا أضعافاً مضاعفة‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫ورمب��ا س��ت��زداد أي��ض�اً األج��س��ام الغريبة اليت‬
‫ميكن أن هتبط فوق كوكبنا‪ ،‬ألن اجلو مزدحم‬
‫بالنجوم‪ ،‬وت��زداد االحتماالت بوجود كائنات‬
‫عاقلة يف منطقة تتوفر فيها الظروف لوجود‬
‫كواكب مهيأة الستقبال ب��ذرة احلياة … ورمبا‬
‫لو ك��ان كوكبنا يف مركز اجمل��رة كما افرتضنا‬
‫الختلفت احلياة عما هي عليه اآلن وألصبح‬
‫التطور العلمي مهيئاً للكشف عن عوامل قريبة‬
‫منا‪ ،‬ميكن رصدها دون صعوبة ‪.‬‬
‫ولو كان لكوكبنا املفرتض قمر يتبعه يف حجم‬
‫قمرنا لتمكنا من عد أربعة ماليني جنم يف‬
‫السماء على سطحه‪ ،‬وسيكون املنظر عندها‬
‫فرياداً أخاذاً ‪..‬‬
‫أقرب جنم إلينا …‬
‫ولكننا نعيش على األرض الكوكب الثالث‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫يف ترتيب البعد عن الشمس‪ ،‬وتقع اجملموعة‬
‫الشمسية يف منطقة من اجمل��رة غري مزدمحة‬
‫بالنجوم‪ ،‬وأق��رب جنم إلينا يقع يف جمموعة‬
‫(الفاقنطورس) يبعد عنا ( ‪ ) 4,25‬سنة ضوئية‬
‫أي ( ‪ 25‬مليون ميل )‪ ،‬يف حني يبعد كوكب بلوتو‬
‫أبعد الكواكب عن الشمس عن األرض ذاهتا حنو‬
‫(‪ )4650‬مليون ميل‪ ،‬أي أقل من بعد أقرب جنم‬
‫إلينا خبمسة آالف م��رة‪ ،‬وهي مسافات تبدو‬
‫إلينا صغرية يف علم الفلك‪ ،‬أمام عظمة واتساع‬
‫اجمل���رة‪ ،‬وأم���ام عظمة وات��س��اع ال��ك��ون اهلائل‬
‫نفسه‪.‬‬
‫لن نستطيع أن حنلم أن يصل روادنا األوائل‬
‫إىل املريخ قبل هناية هذا القرن‪ ،‬فكيف بالوصول‬
‫إىل بلوتو الكوكب ال��ب��ارد املظلم ال��ذي يشكل‬
‫حدود اجملموعة الشمسية إذا مل يكتشف أي‬
‫كوكب آخر أبعد منه يدور حول الشمس‪.‬‬

‫ولو افرتضنا أن السالم سيظل يعم األرض‬
‫وتتطور احلضارة البشرية وت��زداد مكتسباهتا‬
‫العلمية يوماً بعد يوم‪ ،‬عندها لن يكون ذلك اليوم‬
‫بعيداً ال��ذي سيتمكن به اإلنسان من اهلبوط‬
‫على الكواكب اجملاورة يف جمموعتنا الشمسية‪،‬‬
‫وحتى النجاح يف الوصول إىل أقرب جنم إلينا‬
‫ولو استغرق الوصول إليه سنوات طويلة‪ ،‬آخذين‬
‫بعني االعتبار أن املسافة بيننا وبني أي جنم من‬
‫جمموعة (الفاقنطورس) كما ذكرنا (‪ )25‬مليون‬
‫مليون ميل‪ ،‬يستغرق الضوء ليقطع هذه املسافة‬
‫(‪ )4‬س��ن��وات ورب���ع السنة وال ميكن منطقياً‬
‫ال��وص��ول إىل مثل س��رع��ة ال��ض��وء ألي جسم‬
‫مادي‪ ،‬ولو فرضنا أننا أطلقنا مركبة فضاء يف‬
‫العام (‪ )2090‬ميالدية أي بعد مائة عام بسرعة‬
‫وصلت إىل (‪ )60‬أل��ف ميل يف الثانية وهي‬
‫سرعة هائلة فإن هذه املركبة املأهولة ستصل‬
‫أقرب جنم يف حنو (‪ )14‬سنة إذا انطلقت يف‬
‫خط متواصل حنو ( الفاقنطورس ) ويستغرق‬
‫زمن عودهتا مثل هذا الرقم‪ .‬أي أن احلد األدنى‬
‫لرحلة من هذا النوع إىل أقرب جنم إلينا مع‬
‫اف�ت�راض أن ك��ل ش��يء س��ار على م��ا ي��رام وأن‬
‫كوكبنا يعمه الرخاء والسالم والتعاون ويتطور‬
‫تقنياً باطراد حتى يصبح السفر يف الفضاء‬
‫رغم كل صعوباته اهلائلة أمراً ممكناً ‪..‬‬
‫احل���د األدن����ى إذن ل��رح��ل��ة م��ن ه���ذا النوع‬
‫سيكون (‪ )30‬سنة ستحدث بال شك عندها‬
‫تغريات كثرية على سطح األرض وستظل أجهزة‬
‫البث واالستقبال يف استنفار كامل لتتبع رحلة‬
‫من ه��ذا النوع على م��دار (‪ )30‬عاماً ‪ ..‬ولن‬
‫يكون الزمن الذي سيمر على رواد املركبة كبرياً‬
‫بالقياس بالزمن ال��ذي م��ر على األرض ألن‬
‫سرعة املركبة تقارب ( ثلث ) سرعة الضوء ‪.‬‬
‫ولنحلق يف خيالنا مع تلك الرحلة ولنفرتض‬
‫أن املركبة متكنت من االقرتاب من جنم‬
‫يدور حوله كواكب ستبدأ بدراسة أحد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪83‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ه��ذه الكواكب وإمكانية االق�ت�راب منه‪ ،‬وهذا‬
‫سيستغرق زمناً ولنفرتض أن العقول االلكرتونية‬
‫املتطورة تساعد الرواد مساعدة فعالة يف عملهم‬
‫وليكن عددهم مثالً ستة رواد يتوزعون بالتناوب‬
‫على ورديتني‪ ،‬حيث ينام إثنان منهما باستمرار‬
‫لفرتة شهر يف مرحلة السبات للتخفيف من‬
‫استهالك الطاقة‪..‬‬
‫تتفحص أجهزة الرصد الكوكب واالحتماالت‬
‫اجملهولة على سطحه ‪ ..‬ثم هتبط مركبة صغرية‬
‫على متنها (رائ���دان) من ال���رواد لتحط على‬
‫سطحه وسط إشراف تام من املركبة األم ‪ ..‬وال‬
‫تتدخل احملطة األرضية من هذا البعد بالعملية‬
‫للفاصل الزمين الكبري بينهما وب�ين السفينة‬
‫فحتى يصل للمحطة األرضية بث من املركبة‬
‫يلزم أن يستغرق ذلك زمناً قدره ( ‪ ) 4.25‬سنة‬
‫أي أن ما يصلها يف حلظة ما يكون قد مضى‬
‫على بثه ( ‪ ) 25’4‬سنة لذلك فاالتصاالت بينها‬
‫وبني املركبة غري جمدية عملياً ‪..‬‬
‫لنفرتض أن املركبة الصغرية استقرت فوق‬
‫قشرة الكوكب الصلبة‪ .‬تبدأ األجهزة والعقول‬
‫االلكرتونية املتفوقة بدراسة اجلو عن كثب ‪..‬‬
‫قد يكون جو الكوكب غريباً عدوانياً برباكينه‬
‫وزالزله أو حتى بغالفه إذا كان له غالف جوي‪،‬‬
‫ولنفرتض أنه من الكواكب الشبيهة باألرض اليت‬
‫يزيد عددها عن مليون كوكب يف جمرتنا ‪ ..‬ماذا‬
‫ميكن أن يرى الرواد‪.‬؟‪..‬‬
‫لنتخيل أن أحد الرائدين هبط من املركبة‪،‬‬
‫وحتسست قدمه أرض الصلبة مشى هبدوء‬
‫يتفحص ما حوله كما لو ميشي على كوكب‬
‫األرض نفسه ‪ ..‬قد يرى جباالً ومخائالً وأهناراً‬
‫وسحباً بيضاء أو ركامية‪ ،‬قد ينفلت فوقه طري‬
‫يزقزق أو خيطو أمامه ‪ ..‬حيوان لبوني ‪ ..‬وقد‬
‫‪ ..‬وقد ‪..‬‬
‫إذا كان الكوكب قد مرّ بنفس املرحلة اليت مر‬
‫هبا كوكبنا ووصل إىل نفس زمننا سنجد أحياء‬

‫‪84‬‬

‫انقرضت من األرض كاملاموث والديناصور‪،‬‬
‫والثدييات الطائرة … واألشجار متطاولة األوراق‬
‫والنباتات البدائية ‪..‬‬
‫ورمب��ا سيجد ال���رواد عندها تفسرياً لكل‬
‫تاريخ األرض اجليولوجي والبيولوجي‪ .‬ولو‬
‫كان الكوكب متقدماً بزمنه عنا قد جيد الرواد‬
‫ح��ض��ارة م��ت��ط��ورة ع��ن ح��ض��ارت��ن��ا وحمطات‬
‫فضائية وعقوالً الكرتونية كأهنم يرون أرضنا‬
‫بعد آالف السنني إذا سارت عرب طريق احملبة‬
‫والسالم ‪ ..‬ولكن قد نسأل هنا ما دامت هناك‬
‫حضارة متطورة عن حضارتنا لِ�مَ مل يبادروا‬
‫لزيارتنا وال��ت��ع�رّف علينا م��ا دام��ت تقنيتهم‬
‫متفوقة مثل هذا التفوق‪.‬؟ نقول وحنن جنيب‬
‫عن هذا السؤال ‪:‬‬
‫وم��اذا عن األط��ب��اق الطائرة ‪.‬؟ واملركبات‬
‫ال��غ��ري��ب��ة امل��ت��ط��ورة ال�ت�ي ت��ش��اه��د م��ن األرض‬
‫واح���ت���ارت ال��ع��ق��ول يف م��ص��دره��ا وصيغت‬
‫القصص واحلكايات عنها‪.‬؟ أليس من املمكن‬
‫أن تكون إحدى املركبات الغريبة قادمة من ذلك‬
‫الكوكب‪.‬؟ ما املانع يف ذلك ؟‪.‬‬
‫شطح بنا اخليال إىل حد أننا ختيلنا أن رواداً‬
‫من كوكبنا هبطوا على كوكب شبيه باألرض‬
‫وتأملوا عن كثب تطوره عرب التاريخ‪ ،‬ولكن قد‬
‫يكون الكوكب ميتاً ال حياة فيه‪ ،‬عندها ستكون‬
‫رحلة فضائية من األرض إليه غري جمدية بل‬
‫وخطرة ‪ ..‬لذلك قد خيتار الرواد كوكباً ميكن‬
‫أن يكون له غالف جوي وقد يكون هذا الغالف‬
‫غ�ير مشابه لغالفنا اجل���وي فسيظل ال���رواد‬
‫عندها يف بذالهتم الفضائية احملصنة يتجولون‬
‫على الكوكب ببطء إذا كان الكوكب ضخماً أو‬
‫بقفزات سريعة إذا كان الكوكب صغرياً حسب‬
‫اجلاذبية اليت ترتبط حبجم الكوكب من حيث‬
‫الضخامة أو الضآلة ‪.‬‬
‫من ذلك البعد ( ‪ ) 4,25‬سنة ضوئية تبدو‬
‫مشسنا خابية الضوء‪ ،‬ال تظهر بلمعاهنا مثل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫غريها من النجوم الضخمة‪ ،‬وستكون رحلة‬
‫الذهاب ورحلة العودة حافلتني باملخاطر ‪..‬‬
‫قد يصادف الرواد حمطات جمهولة لكائنات‬
‫عاقلة يف الفضاء السحيق تقابلهم وحتاول‬
‫السيطرة على سفينتهم والتعرف عليهم‪ ،‬أو‬
‫تقنع مبراقبتهم عن كثب ‪ ..‬أو قد يصادف‬
‫ال����رواد أج��س��ام�اً فضائية هت��دد باالصطدام‬
‫مبحطتهم الضخمة أو يتوهون يف الفضاء‬
‫نتيجة خطأ أحد العقول االلكرتونية أو حتى‬
‫تصيبهم أزمات نفسية خانقة ألسباب جمهولة‬
‫قد يكون من الصعب السيطرة عليها ‪ ..‬أو ميكن‬
‫أيضاً أن يصابوا بأمراض جمهولة قد تقضي‬
‫عليهم ‪ ..‬ولكن العقل البشري املتطور الواعي‬
‫لظروف تواجده يف الكون‪ ،‬قد ينجح يف التغلب‬
‫على العديد من املشاكل اليت ميكن أن يصادفها‬
‫الرواد يف الفضاء‪ ،‬فحتى لو حدثت تلك الرحلة‬
‫إىل أق��رب جنم إلينا يف املستقبل القادم بعد‬
‫ق��رن‪ ،‬كما ختيلنا‪ ،‬ف��إن رح�لات استكشافية‬
‫كثرية ستسبقها للتعرف على الكواكب احمليطة‬
‫بالنجم ودراستها والدوران حوهلا‪ ،‬قبل أن تقلع‬
‫سفينة حمملة بالبشر ومزودة بدراسات معدة‬
‫سلف عن الطريق ختتصر هلا الكثري من املتاعب‬
‫واملصاعب ‪.‬‬
‫لو استمر اإلنسان يف إغناء مسرية حضارته‬
‫بعيداً ع��ن احل���روب واألح��ق��اد‪ ،‬ف��إن رحالت‬
‫استكشافية إىل العوامل اجملهولة يف الفضاء‪،‬‬
‫ستظل تشحن ذاك��رت��ه ب��األح�لام واخلياالت‬
‫للتعرف على ال��ك��ون وكشف أس���راره وإقامة‬
‫عالقة صداقة مع كائناته العاقلة ‪.‬‬
‫(جيمس أيروين) هو أحد رواد أبولو ‪،15‬‬
‫السفينة الفضائية األمريكية اليت محلت رواداً‬
‫هبطوا على القمر عام ‪ ،1971‬وكان ( ايروين)‬
‫من مجلة الرواد الذين ساروا على القمر وقد‬
‫اه��ت��م ب��ع��د ع��ودت��ه ل�ل�أرض بالرتحال‪،‬‬
‫وسيطرت عليه ح��االت اكتئاب وخوف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪85‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من قوى جمهولة تطارده ‪ ..‬يف سنة ‪ 1985‬توقف‬
‫(ايروين) يف تركيا يف رحالت استكشافية ألكثر‬
‫من مرة جلبل آرات‪ ،‬يف حماولة للبحث عن آثار‬
‫سفينة نوح اليت قيل أهنا استقرت على األرض‬
‫بعد الطوفان يف تلك املنطقة اجلبلية ‪ ..‬وأبلغ‬
‫(جيمس اي��روي��ن) رئيس بعثته االستكشافية‬
‫(ماروين ستيفنز)‪ ،‬أنه عثر على بقايا سفينة‬
‫ن���وح وط��ل��ب ستيفنز م��ن امل��رك��ز األمريكي‬
‫للمعلومات يف أنقرة‪ ،‬عقد مؤمتر صحفي لشرح‬
‫ما توصلت إليه بعثته من اكتشافات فوق ذلك‬
‫اجلبل الربكاني القديم‪ ،‬ال��ذي يقع يف أقصى‬
‫الطرف الشرقي من تركيا‪ ،‬ويرتفع حنو ‪5165‬‬
‫مرتاً فوق سطح البحر‪.‬‬
‫وأكد (ايروين) يف املؤمتر الصحفي أن البقايا‬
‫اليت عثرت عليها البعثة هي بقايا سفينة نوح ‪..‬‬
‫عوارض خشبية ضخمة متصلبة‪ ،‬وبقايا أطعمة‬
‫حفظت حت��ت األرض وتصلبت‪ ،‬وخ����رداوات‬
‫وقضبان حديدية ‪..‬‬
‫وظ��ل (اي���روي���ن) وبعثته ألش��ه��ر طويلة يف‬

‫‪86‬‬

‫املنطقة‪ ،‬يبحث عن املزيد من اآلث��ار يف تلك‬
‫املنطقة‪ ،‬حيث خي��رج لساعات ينقب لوحده‬
‫شارداً مكتئباً ‪ ..‬وقد كان ضحوكاً باسم الوجه‬
‫عرف بالنكتة وخفة الدم‪ ،‬فما الذي حوّله يف‬
‫السنوات اليت تلت هبوطه على القمر‪ ،‬إىل رجل‬
‫مكتئب شارد الذهن ‪.‬؟ هل هو الذهول الذي‬
‫أثر عليه وقد رأى الفضاء من حوله على القمر‬
‫أو خالل رحالته خارج األرض مرعباً مدهشاً‬
‫بلمعان جنومه وبريقها اخلافت أم أن شيئاً آخر‬
‫حدث له ‪.‬؟‬
‫وق��د ح��دث لبعض رواد ال��ف��ض��اء‪ ،‬والذين‬
‫هبطوا على القمر‪ ،‬بالتحديد أن أصيبوا بكآبة‬
‫نفسية رافقتهم طويالً قبل أن ينجح الطب‬
‫النفسي يف عالجهم ‪ ..‬ومنهم من أق��دم على‬
‫االنتحار يف عدة حماوالت مل تنجح ‪.‬‬
‫كل ذلك دعا العلماء إىل وضع دراسات جادة‬
‫حول األثر النفسي على رواد الفضاء‪ ،‬يف حماولة‬
‫إلجياد عالج لظواهر حتدث هلم‪ ،‬أو قد حتدث‬
‫لرواد الفضاء عموماً يف املستقبل إبان سفرهم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫البعيد بني الكواكب‪ ،‬والنجوم‪.‬‬
‫يف فيلم (سوالريس ) العلمي اخليايل للمخرج‬
‫الكبري (تاركوفسكي) تدور حمطة فضاء حول‬
‫كوكب سوالريس الغامض‪ ،‬الذي يشبه بتكوينه‬
‫كوكب امل��ش�تري‪ ،‬على احملطة حت��دث حوادث‬
‫غريبة غامضة‪ ،‬تؤدي إىل انتحار أحد العلماء‬
‫ووق��وع اآلخرين حتت وطأة كابوس مرعب ‪..‬‬
‫فتكلف احملطة األرضية العامل النفساني (كريس‬
‫كلفني) لدراسة هذه الظواهر اليت حتدث حول‬
‫(سوالريس)‪ .‬وما أن يصعد احملطة‪ ،‬حتى يقع‬
‫أيضاً حتت تأثري هذه الظواهر الغامضة دون‬
‫أن يفلح يف مقاومتها‪ ،‬زوجته املتوفاة‪ ،‬تظهر‬
‫له من جديد‪ ،‬حبناهنا وحبّها‪ ،‬يطارده طيفها‬
‫اجملسّم‪ ،‬ال��ذي ال ينجح يف اهل��روب منه‪ ،‬هذا‬
‫الطيف اجملسّم له ق��درة على اخ�تراق الفوالذ‬
‫وشق الصفائح احلديدية يصبح طيفها كابوساً‬
‫موجعاً يعذبه ‪ ..‬حياول اخلالص منه يرسلها يف‬
‫صاروخ خارج احملطة فتعود إليه من جديد تعلم‬
‫أهنا تشكل بوجودها القسري عبئاً على ذاكرته‬

‫فتعطيه احلل ‪ :‬أن يعرضها للوميض الضوئي‬
‫مع الريح ولكنه يرتدد وقد خاف فقداهنا إىل‬
‫األبد ‪ ..‬ويف غفلة عنه تعرض نفسها وهي عاملة‬
‫فيزياء للوميض بعد أن ترتك رسالة وداع ‪.‬‬
‫(سوالريس) حماولة لوضع تصور ملا ميكن‬
‫أن يعانيه رواد الفضاء يف املستقبل وهم يشقون‬
‫عباب الفضاء بسفنهم السريعة خارج عاملهم‬
‫األرضي ‪..‬‬
‫يف فيلم (الثقب األسود) يصل رواد سفينة‬
‫إىل حمطة هائلة قريبة من ثقب أسود‪ ،‬يديرها‬
‫ع��امل كبري‪ ،‬ك��ان ق��د اختفى م��ن إح��دى سفن‬
‫الفضاء املنطلقة من األرض وسجل يف عداد‬
‫املفقودين‪ ،‬يستعد ه��ذا العامل بطاقمه اآليل‬
‫للنفوذ إىل الثقب األسود القريب‪ ،‬وهو يعلم أن‬
‫تلك العملية مستحيلة ‪..‬‬
‫وحتدث مجلة حوادث تؤدي ملوته مع عدد من‬
‫رواد السفينة ‪ ..‬ويطبق من بقي منهم الطريقة‬
‫ال�تي شرحها ال��ع��امل للنفوذ إىل الثقب‬
‫األسود‪ ،‬حيث تتداعى الصور والكوابيس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪87‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫خالل نفوذ السفينة من داخل الثقب‪ ،‬كأنه جهنم‬
‫‪ ..‬وتنجح السفينة يف املرور بسالم ‪ ..‬بعد أن‬
‫أن جتتاز مجيع املطبات املرعبة داخل الثقب‬
‫اللوليب الناري اهلادر باجلسيمات الكثيفة اليت‬
‫تكتص املادة من كل االجتاهات كالبالوعة‪.‬‬
‫ويف الفيلم أيضاً تفصيالت هامة من املشاكل‬
‫اليت قد يتعرض هلا الرواد يف سفرهم البعيد يف‬
‫املستقبل داخل اجملرة واجملموعات النجمية‪..‬‬
‫أم��ا فيلم (ال��غ��ري��ب) فيصادف ال���رواد قوقعة‬
‫ضخمة هبا هالم حي فوق أحد الكواكب اليت‬
‫هبطوا فوقها وال�تي تظهر عليه آث��ار حضارة‬
‫منقرضة ‪..‬‬
‫وح�ين يعبث أح��د ال��رواد باجلسم اهلالمي‬
‫احلي املتحرك يندفع حنوه ويسد فمه وينشر‬
‫أط��راف��ه األخطبوطية متشبثاً بوجهه‪ ،‬يغمى‬
‫عليه وينقلونه إىل السفينة حماولني بالعالج‬
‫الطيب فصل اجلسم الغريب ويتحرك خارجاً‬
‫من القسم الطيب ومتغلغالً يف السفينة وسط‬
‫دهشة ال��رواد‪ ..‬ويصحو املصاب‪ ،‬وجيلس مع‬
‫رفاقه يتناولون الطعام ولكنه حيس مبغص‬
‫وإع��ي��اء وينهض ع��ن منضدة ال��ط��ع��ام متأملاً‬
‫ميدده الطبيب ويفحصه ولكنه وسط ذهول من‬
‫حوله ميسك بطنه ليخرج من أحشائه حيوان‬
‫صغري يشبه الكائن اهلالمي الذي علق به من‬
‫الكوكب‪ ..‬ثم ميوت سريعاً حيث جيهزه رفاقه‬
‫ليلقوا جثمانه خارج السفينة ‪.‬‬
‫وتبدأ مجلة احل��وادث تتتابع حيث يتحول‬
‫الكائن الصغري إىل عمالق ينمو بسرعة هائلة‪،‬‬
‫ويبدو بشكله العمالق البشع وهو يهاجم الرواد‬
‫واح���داً بعد اآلخ��ر دون أن تنفع معه صنوف‬
‫األسلحة وال يتبقى سوى قائدة السفينة اليت‬
‫تنجح يف إلقائه خارج السفينة أخرياً ‪ ..‬وتتمدد‬
‫يف كابينة (ال��س��ب��ات) الطويل بعد أن تربمج‬
‫العقول االلكرتونية لتقاد السفينة أوتوماتيكياً‬
‫يف رحلة العودة ‪..‬‬

‫‪88‬‬

‫الدفـن يف الفضـاء ‪..‬‬
‫ب���دأت بعض ال��ش��رك��ات األمريكية تسجل‬
‫أمساء من يرغب يف دفنه يف الفضاء‪ ،‬مقابل‬
‫أج���ور ب��اه��ظ��ة‪ ،‬ب��ع��ض ه���ذه ال��ش��رك��ات حترق‬
‫جثمان امليت وتضغطه يف كبسولة صغرية‪.‬‬
‫وهناك شركات حياول خرباؤها دراسة إمكان‬
‫إرسال جثمان امليت بكامله ضمن تابوت خاص‬
‫حيث حتمل هذه التوابيت إىل الفضاء اخلارجي‬
‫لتلقى من سفينة فضاء خاصة إىل اخلارج حيث‬
‫ستدور هذه التوابيت حول األرض أو تنفلت يف‬
‫الفضاء البعيد عن األرض‪ ،‬ويعتقد هؤالء أن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫جثة اإلنسان ما دامت بعيدة عن األرض فإهنا‬
‫ستحافظ على شكلها ول��ن تتفسخ وتأكلها‬
‫الديدان ‪ ..‬حتى ختضع جلاذبية كوكب أو جنم‬
‫تدور يف فلكه أو تندفع إليه مصطدمة بسطحه‬
‫بعد آالف السنني ‪.‬‬
‫وأول كائن حي دفن هبذه الطريقة هو الكلبة‬
‫(اليكا) اليت تعطل هبا القمر الصناعي الذي‬
‫حيملها ومل يتمكن العلماء من إعادهتا لألرض‪،‬‬
‫فظلت تدور يف مدارها األبدي حول األرض منذ‬
‫ذلك احلني‪.‬‬
‫أعطت احلكومة األمريكية مؤخراً موافقتها‬
‫على دفن املوتى يف مدارات األرض اخلارجية‬

‫إضافة إلجراء املراسم يف الفضاء أيضاً ‪.‬‬
‫وستطلق أول عربة فضائية حتمل املوتى‬
‫وسيحملها ص��اروخ إىل علو (‪ )3000‬كيلو مرت‬
‫لكي تسبح باجتاه املقربة الفضائية اليت سوف‬
‫تستحدث أيضاً يف نفس اإلطار ‪..‬‬
‫وعربة املوتى الفضائية هي حصيلة جهود‬
‫شركتني جتاريتني مها شركة خدمة الفضاء‬
‫وشركة (سيلستس) لدفن املوتى وستتقاضى‬
‫شركة خدمة الفضاء من شركة سيلستس (‪)14‬‬
‫مليون دوالر لكي تنفذ الرحلة‪ ،‬حيث يبلغ وزن‬
‫العربة (‪ )150‬كيلو غراماً ‪..‬‬
‫وتبلغ تكاليف ال��دف��ن الفضائية (‪)3900‬‬
‫دوالر للشخص ال��واح��د وس��وف يكون بوسع‬
‫عربة امل��وت��ى الفضائية نقل (رم���اد ‪)10330‬‬
‫شخصاً والرماد لن يكون حبجمه احلقيقي بل‬
‫سيكون مضغوطاً داخل كبسولة‪ ،‬وكل كبسولة‬
‫حتمل اسم امليت إضافة لرمز ديين يعرب عن‬
‫ديانته‪ .‬ويصنع الصندوق الذي يضم الكبسوالت‬
‫من مادة شفافة تعكس النور جيداً‪ ،‬األمر الذي‬
‫يتيح للعائالت‪ ،‬من على األرض‪ ،‬مراقبة مرور‬
‫جثمان امليت الذي ينتمي إىل كل منها‪ ،‬بواسطة‬
‫منظار مقرّب أو تلسكوب ضخم ‪.‬‬
‫إن شعبة النقل اخلارجي يف وزارة األشغال‬
‫األمريكية أكدت أن شركة خدمة الفضاء تستويف‬
‫كل الشروط وهي مهيأة لإلطالق متاماً‪ ،‬ويقول‬
‫كول نائب رئيس ( سيلستس ) أن الطلبات تنهال‬
‫عليه من كل حدب وصوب ‪.‬‬
‫ه��ذه العملية ال�تي تبدو مضحكة إىل حد‬
‫التخمة يعتربها األمريكيون خاصة األثرياء منهم‬
‫أسلوباً حضارياً يف الدفن أما مدى غرابتها فال‬
‫يهم‪.‬؟ م��ادام��ت الصرعات األمريكية تتفاقم‬
‫إىل درجة أننا قد نسمع يوماً عن شركة لبيع‬
‫األراض��ي على املريخ‪ ،‬أو تقسيم أرض القمر‬
‫وبيعها‪ ،‬رغ��م أن املريخ والقمر نفسه ما زاال‬
‫بعيدين عن السيطرة احلقيقية لإلنسان‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪89‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫زحل سيد الخواتم‪..‬يبوح‬
‫بغيض من فيض أسراره‬
‫حـسـين عـبـد الـحافظ‬

‫وسادسا‬
‫هو األمجل بني أقرانه‪ ،‬ويصنف ثانيًا من حيث احلجم‪،‬‬
‫ً‬
‫من حيث الرتتيب‪..‬كان اإليطالي غاليليو غاليلي أول من رآه‬
‫من البشر‪ ،‬عندما ّ‬
‫ركز عليه تلسكوبه اخلاص عام ‪1610‬م‪،‬‬
‫وبرغم ما أفصح به من أس��رار‪ ،‬إال أن ُجعبته مازال فيها املزيد‪..‬إنه‬
‫كوكب زحل ‪ ،Saturn‬املُلقب بني كواكب اجملموعة الشمسية بـ “سيد‬
‫اخلوامت”‪ ،‬لتفرّده باحللقات اليت تسبح حوله‪ ،‬وختضع جلاذبيته ‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫جتدر اإلش��ارة‪ ،‬بادي ذي بدء‪ ،‬إيل أن زحل‬
‫ينتمي إيل جمموعة الكواكب العمالقــة‪ ،‬ويتّسم‬
‫فيزيائيًا بأنه األق��ل كثافة‪ ،‬كونه يتكوّن يف‬
‫مُعظمه من عنصر اهليدروجني‪ ،‬الذي يتك ّثف‬
‫بشكل مُستمر‪،‬مُتحوّالً من صورته الغازيــة‪،‬‬
‫يف الطبقات اخل��ارج��ي��ة لغالفه اجل���وي‪،‬إيل‬
‫اهليدروجني السائل يف أعماق الكوكب‪،‬وإيل‬
‫جانب اهل��دروج�ين‪،‬ف��إن ُغالفه اجل��وي حيتوي‬
‫علي مُركبات وعناصر عديدة أخري‪،‬مُعظمها‬
‫شائع وقليلها ن��ادر‪ ،‬منها اهلليوم واألمونيوم‬
‫وامليثان و اإليثان‪ ،‬وهلذا فإن زحل يبدو للعلماء‬
‫كرة غازية‪ ،‬ال سطح صلب هلا‪ ،‬وإن كان بعضهم‬
‫يدحض هذه النظرية‪،‬مؤكدًا علي وجود قلب‬
‫صلب هلذا الكوكب ‪.‬‬
‫وهو يُتمم دورته حول الشمس يف‪10،759‬يومًا‬
‫أرضيًا‪ ،‬وهذا يعين أن سنته تعادل ‪ 29،5‬سنة‬
‫أرضية‪ ،‬أما دورته حول حموره‪ ،‬فإنه يُكملها كل‬
‫عشر ساعات وتسع وثالثني دقيقة‪ ،‬مقابل ‪24‬‬
‫ساعة هي زمن دوران األرض حول حمورها‪،‬‬
‫ولعل سرعة ال��دوران هذه‪ ،‬هي أحد األسباب‬
‫ال�ت�ي أدت إيل ظ��ه��وره مُنبعجـًـا ع��ن��د خط‬
‫االستواء‪ ،‬ومُفلطحًا عند قطبيه‪..‬والفصول علي‬
‫سطح زحل‪ ،‬أطول بكثري من مثيالهتا علي سطح‬

‫األرض‪ ،‬حيث يصل الفصل الواحد إيل ‪ 7،5‬سنة‬
‫أرضية تقريبًا‪ ،‬ومتوسط درجة احل��رارة علي‬
‫قمم السُحب اليت تغطيه حنو ‪178‬درجة حتت‬
‫الصفر‪ ،‬مبقاييسنا األرضية ‪.‬‬
‫وباألرقام‪ ،‬فإن ُقطر زحل عند خط استوائه‪،‬‬
‫يصل إىل‪120،540‬ك�����م‪ ،‬أي م��ا يُ��ع��ادل تقريبا‬
‫عشرة أمثال كرتنا األرض��ي��ة‪ ،‬وعندما يكون‬
‫يف أق��رب موضع له من األرض‪ ،‬يُصبح على‬
‫بُعد ‪1،277،400،000‬ك���م منها‪..‬ودورانه حول‬
‫الشمس يأخذ شكالً بيضاويًا‪،‬وعند أقرب‬
‫نُقطه منها يكون بُعده‪1،429،400،000‬كم‪،‬بينما‬
‫يكون على مسافة ‪ 1،508،900،000‬كم عند‬
‫أبعد نُقطة منها ‪.‬‬
‫و ُكتلة زحل تُعادل ‪95‬مرة قدر ُكتلة األرض‪،‬ومع‬
‫ذلك فإن جاذبيته أكرب قليالً من جاذبية األرض‪،‬‬
‫فاجلسم الذي يزن على األرض ‪45‬كجم‪ ،‬يزيد‬
‫عن ذلك بثالثة كيلوجرامـات فقط‪ ،‬على سطح‬
‫زحل‪..‬وحبسب كيفن بينس‪،‬من مُخترب الدفع‬
‫الن ّفاث‪،‬التابع لوكالة الفضاء األمريكية (ناسا )‪،‬‬
‫فإن من املظاهر الغريبة اليت يتسم هبا الغالف‬
‫اجل��وي لزحل «كثرة التموّجات املُتضادة من‬
‫أســفل‪ ،‬واليت تُـتيح لـنـا رؤيــة الطقس‬
‫علي زحــل ليالً وهنارًا»‪..‬وقد استهدفت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪91‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أل����ن) اإلش��ع��اع��ي��ة‪،‬ال�تي حت��ي��ط ب�����األرض»‪..‬‬
‫ويف ال��ع��ام ‪1977‬م أطلقت ال��والي��ات املتحدة‬
‫مركبتني (ف��وجي��ر ‪ ،1‬وف��وجي��ر ‪ ،)2‬مت ّكنت‬
‫األويل من التحليق علي ارتفاع ‪126،000‬ك���م‬
‫ف��وق زحل‪،‬بينما حلّقت الثانية يف أغسطس‬
‫‪1981‬م‪،‬علي ارتفاع ‪101،000‬كم‪ ،‬ومن مُعطيات‬
‫هاتني املركبتني‪،‬أمكن اكتشاف احللقة السابعة‬
‫حول زحل‪ ،‬وتسعة من توابعه‪ ..‬ويف العام ‪1997‬م‬
‫أطلقت الواليات املتحدة‪،‬اجملس كاسيين الذي‬
‫استهدف دراسة حلقات زحل وتوابعه‪ ،‬وأرسل‬
‫أويل الصور يف ‪ 27‬مارس ‪2004‬م‪،‬وكان برفقته‬
‫ً‬
‫أيضا اجملس األوروب��ي هيجنز‪ ،‬ال��ذي انفصل‬
‫عنه‪ ،‬وهبط علي القمر تيتان ‪.‬‬

‫زحــل العديد من‬
‫املركبات الفضائية‪ ،‬ال�تي ك��ان هلا الفضل‬
‫يف كشف غيض من فيض أس��راره‪ ،‬ففي العام‬
‫‪ 1973‬م أطلقت الواليات املتحدة األمريكية‪،‬أول‬
‫مركبة غري مأهولة‪ ،‬عُرفت باسم «رائد زحل»‪،‬‬
‫ال�ت�ي ح �لّ��ق��ت يف أول سبتمرب ‪1979‬م‪،‬ع���ل���ي‬
‫ب��ع��د ‪20،900‬ك������م م��ن زح���ل‪،‬وأرس���ل���ت ص���ورًا‬
‫فوتوغرافية وبيانات علمية‪ ،‬أمكن من خالهلا‬
‫اكتشاف احللقتني اخلارجيتني للكوكب‪ ،‬وكذلك‬
‫الكشف عن حقيقة‪،‬مفادها ‪« :‬أن زحل ميتلك‬
‫جم��االً مغناطيسيًا أق��وي ألف مرة من اجملال‬
‫املغناطيسي ل�لأرض‪ ،‬وأن منشأ ه��ذا اجملال‬
‫إمنا يعود إيل قوي مغناطيسية شديدة‪،‬تنتشر‬
‫يف منطقة ك��ب�يرة ح���ول زح��ل‪،‬تُ��ع��رف بطبقة‬
‫الغالف املغناطيسي‪ ،‬اليت تتواجد فيها أحزمة‬
‫حلقات زحل الفريدة‬
‫إشعاعية‪،‬تتكوّن م��ن ال��ك�ترون��ات وبروتونات‬
‫وتفرُّد زحل باجلمال الذي يبدو للناظرين‪،‬‬
‫ذات طاقة عالية جدًا‪،‬حمبوسة داخل الغالف يكمن يف احللقات‪ ،‬أو باألحرى اخل��وامت‪ ،‬اليت‬
‫املغناطيسي لزحل‪ ،‬علي غ��رار أحزمة (فان حتيط ب��ه‪ ،‬وال�تي تتكشّف أس��راره��ا املُدهشة‬

‫‪92‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫عامًا تلو آخر‪،‬بفضل تقنيات الرصد‪،‬وما يبث‪،‬‬
‫من صور ومعلومات عن طريق كاسيين‪..‬لقد‬
‫تبيّن أن ه��ذه احللقات يزيد قطرها عن الـــ‬
‫‪ 270،000‬كلم‪ ،‬وأهنا من الكثرة حيث يصعب‬
‫حصر أعدادها‪ ،‬وترتاوح مساكة الواحدة منها‬
‫بني بضعة ملليمرتات ومئات األمتار‪ ،‬وأن أكثر‬
‫احللقات وضوحاً هي احللقة (‪ )A‬واحللقة (‪،)B‬‬
‫اليت يُمكن مُشاهدهتما بواسطة التلسكوبات‬
‫األرضية‪،‬وما بني احللقتان مثة فراغ يُعرف بإسم‬
‫‪.. Cassini division‬وق��د تبيّن أن حلقات‬
‫زُح��ل تتألف من ع��دد ال يُحصي من الذرّات‬
‫الدقيقة‪ ،‬ال�تي يغلب عليها جُزيئات صخرية‬
‫مُغلّفة باجلليد‪ ،‬وقد ُكشف النقاب عن سلسلة‬
‫مُع ّقدة من احللقات الداخلية‪ ،‬اليت تأخذ شكل‬
‫الضفرية‪،‬تُعرف باسم «اجلدائل»‪،‬بعضها ميتد‬
‫من قمة السحب‪ ،‬يف الغالف الغازي للكوكب‪،‬‬
‫وحتى آالف الكيلومرتات خارج الكوكب‪ ،‬وكانت‬
‫الصور اليت ب ّثها اجملس كاسيين يُنسب إمسه إىل‬
‫الفلكي اإليطايل جان دومينيك كاسيين‪،‬املُلقب‬
‫بـــ «مُكتشف اخلوامت» والذي جنحت مُناوراته يف‬
‫حتقيق مرور آمن عرب حلقات زُحل‪ ،‬أكثر الصور‬
‫وضوحـًـا للحلقات‪ ،‬اليت بدت دقيقة ومصقولة‪،‬‬
‫وقد شبّهها أحد خرباء (ناسـا) بأهنا مثل «رقاقة‬
‫من الورق متتد فوق مساحة هائلة من اهلواء»‪،‬‬
‫وحبسب فرضيّة عامل الفلك س ‪.‬ك��وزي‪ ،‬فإن‬
‫هذه احللقات حديثة العهد نسبيًا‪« ،‬ولو كانت‬
‫موجودة مُنذ نشأة النظام الشمسي‪ ،‬لكانت‬
‫ألواهنا الوردية والصفراء والربونزية اخلافتة‪،‬‬
‫قد أصبحت قائمة‪ ،‬نتيجة تراكم املزيد من‬
‫الغبار عليها‪ ..‬ولكن هذه احللقات ال تزال تُقدّم‬
‫منوذجًا لشيء قديم‪ ،‬إنه ُقرص ا ُ‬
‫جلسيمات اليت‬
‫تدور حول الشمس الشابة‪،‬وعالقتها املُتبادلة‬
‫مع الكواكب حديثة التشكل»‪ ..‬ومثة تأثري قوي‬
‫لتوابع زُح��ل‪ ،‬ال�تي سنتحدث عنها بعد قليل‪،‬‬
‫وخباصة الصغرية منها‪ ،‬حيث أن قوة جاذبيتها‬

‫«تساعد يف املُحافظة على استمرار احللقات‪،‬‬
‫من خالل منع ا ُ‬
‫جلسيمات الصغرية من الشرود‬
‫خ��ارج م��داراهت��ا‪ ،‬كما أهن��ا تُعد املسؤول األول‬
‫عن حفر الفجوات بني كل حلقتني‪ ،‬وكذا فإن‬
‫ق �وّة جاذبيتها تُرسل أمواجًا‪،‬تُزيد أو تُنقص‬
‫الكثافة يف ما بني احللقات املُتجاورة‪ ،‬متاماً كما‬
‫تتسارع أو تتباطأ حركة السري يف شارع مُكتظ‬
‫بالسيارات»‪ ،‬ومن املشاهد العجيبة اليت كشف‬
‫عنها كاسيين‪ ،‬أث��ن��اء ع��ب��وره م��ن خالل‬
‫احللقات يف يونيو ‪ 2004‬م‪ ،‬أن احللقة(‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪93‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪،)f‬اليت تُرى بالكاد من خالل فراغات احللقة‬
‫(‪ ،)A‬وتقع خ��ارج نظام احللقات الرئيسي‪،‬‬
‫تقوم بأداء رقصة باليه على أوركسرتا التوابع‬
‫الصغرية اليت تُرافقها‪،‬فقد شوهدت هذه احللقة‬
‫وهي تتجمّع‪ ،‬لتصبح كحد السيف‪ ،‬ثم تتفرّق‪،‬أو‬
‫باألحرى تتفلطح‪،‬على هيئة أم��واج‪،‬وق��د فسّر‬
‫كوزي ذلك‪،‬بقوله ‪ :‬إن القمرين املُتجاورين‪،‬بان‬
‫و بروميتيوس‪ ،‬يتبادالن مدارمها ُكل فرتة‪ ،‬ويف‬
‫أثناء ذلك فإن قوى تثاقلية مُتفاوتة‪،‬تعمل على‬
‫إعادة تشكيل احللقة( ‪.)f‬‬
‫أقمار زحل‬
‫وحتى اآلن‪،‬اكتُشف ‪ 63‬قمرًا ( تابعـًـا)‪ ،‬تدور‬
‫يف فلك زُحل‪ ،‬جلها صغري‪ ،‬وقليلها يتجاوز حجم‬
‫كوكب عُطارد‪..‬وحبسب تاريخ اكتشافها‪ ،‬فإن‬
‫أشهر هذه األقمار‪ ،‬هي ‪:‬‬
‫تيتان ‪ ،Titan‬الذي اكتشف عام ‪ 1655‬م‪،‬‬
‫ويبلغ قطره ‪ 5،150‬كم‪ ،‬أما مُتوسط بُعده عن‬
‫زُحل ‪ 1،221،830‬كم ‪.‬‬
‫يابيتوس ‪ ،Iapetus‬ال���ذي اك�تُ��ش��ف عام‬
‫‪1671‬م‪،‬و ُق��ط��ره ‪1،460‬كم‪،‬ومُتوسّط بُعده عن‬
‫زحل ‪ 3،561،300‬كم ‪.‬‬
‫الرية ‪ ،Rhea‬اكتُشف عام ‪1672‬م‪،‬و ُقطره‬
‫‪1،530‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن زحل ‪527،040‬‬
‫كم ‪.‬‬
‫إنسيالدوس ‪ ،Enceladus‬اكتُشف عام‬
‫‪1788‬م‪،‬وقطره حنو ‪500‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن‬
‫زحل ‪ 238،020‬كم ‪.‬‬
‫ميماس‪ ،Mimas‬اكتُشف عام ‪1789‬م‪،‬وقطره‬
‫‪392‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن زحل ‪185،520‬كم ‪.‬‬
‫ه��اي�بري��ون ‪ ،Hyperion‬اك �تُ��ش��ف عام‬
‫‪1848‬م‪،‬وقطره ‪290‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن زحل‬
‫‪1،481،100‬كم ‪.‬‬
‫فوب ‪ ،Phoebe‬اكتُشف عام ‪1898‬م‪،‬وقطره‬
‫‪220‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن زحل ‪1،295،200‬‬

‫‪94‬‬

‫كم‪.‬‬
‫جانوس‪ ،Janus‬اكتُشــف عــام ‪1980‬م‪،‬‬
‫وقطره ‪190‬ك���م‪ ،‬ومتوســط بُعده عـن زحـــل‬
‫‪151،470‬كم ‪.‬‬
‫أبيمثيوس‪ ،Epimetheus‬اكتُشف عام‬
‫‪1980‬م‪،‬وقطره ‪120‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن زحل‬
‫‪141،420‬كم‪.‬‬
‫بروميثوس ‪ ،Prometheus‬اكتُشف عام‬
‫‪1980‬م‪،‬وقطره حنو‪100‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن‬
‫زحل‪139،350‬كم ‪.‬‬
‫هيلني ‪ ،Helene‬اكتُشف عام ‪1980‬م‪،‬وقطره‬
‫حنو ‪290‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن زحل ‪377،400‬‬
‫كم ‪.‬‬
‫تلستو‪ ،Telesto‬اك�تُ��ش��ف ع��ام ‪1980‬م‪،‬‬
‫وق��ط��ره حن��و ‪30‬ك��م‪،‬وم��ت��وس��ط بُ��ع��ده ع��ن زحل‬
‫‪294،660‬كم ‪.‬‬
‫أطلس‪ ،Atlas‬اكتُشف عام ‪1980‬م‪،‬وقطره‬
‫حنو‪35‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن زحل ‪137،670‬‬
‫كم ‪.‬‬
‫بان‪ ،Pan‬اكتُشف عام ‪1990‬م‪،‬وقطره حنو‬
‫‪20‬كم‪،‬ومتوسط بُعده عن زحل ‪ 133،580‬كم ‪.‬‬
‫وحبسب املُعطيات‪،‬اليت أفضت هبا املركبات‬
‫واجمل���سّ���ات ال��ف��ض��ائ��ي��ة االس��ت��ك��ش��اف��ي��ة‪ ،‬اليت‬
‫اقرتبت من زحل وأقماره‪،‬فقد توصّل العُلماء‬
‫إىل غيض من فيض أس��رار هذه األقمار‪،‬اليت‬
‫من أمهها‪ ،‬أن القمر تيتان‪ ،‬ثاني أك�بر أقمار‬
‫اجملموعة الشمسية‪،‬من التوابع القليلة اليت‬
‫يُحيط هب��ا غ�لاف ج �وّي‪،‬يُ��ش � ّك��ل النيرتوجني‬
‫النسبة األك�بر من مُكوّناته‪،‬وأن سر اخلطوط‬
‫الداكنة اللون‪،‬اليت تنتشر على أجزاء كبرية من‬
‫سطحه‪،‬إ ّنما تش ّكلت بفعل الرياح‪،‬اليت نقلت‬
‫بعض مُكوّنات سطح القمر‪ ،‬ثم ترسّبت على‬
‫هيئة خطوط طولية‪،‬وأن مثة حب�يرات كبرية‪،‬‬
‫تتالطم أمواجها بسائل امليثان‪ ،‬ال��ذي يوجد‬
‫على األرض فقط يف صورة غاز‪،‬وبالقرب من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫حواف هذه البحريات‪ ،‬تنتشر سالسل جبلية‬
‫ه��ائ��ل��ة‪،‬مت��ت��د مل��س��اف��ة ‪150‬ك�����م‪ ،‬بينما يصل‬
‫ارتفاعها إىل أكثر من ‪1،5‬كم‪ ،‬ويُشري د‪.‬نوبيان‬
‫أوين‪ ،‬من معهد جامعة هاواي لعلم الفلك‪،‬إىل أن‬
‫«تيتان ميتلك مجيع املواد والعناصر الضرورية‬
‫للتطوّر إىل كوكب مشابه ل�لأرض‪ ،‬ولكنه مل‬
‫ميتلك أبدًا هذه الفرصة للتطوّر‪،‬حيث أن لديه‬
‫فعالية جيولوجية وبركانية‪،‬ولكن بشكل بطئ‬
‫ومُفزع‪،‬حبيث تقذف الرباكني مزجيـًـا مُشاهبـًـا‬
‫للحمم الربكانية األرضية‪،‬مؤ ّلفـًـا م��ن املاء‬
‫واألمونيا املنصهرة جزئيًا‪ ،‬ولعل األكثر عجبًا‬
‫من كل ذلك هو الرياح اللطيفة علي تيتان‪،‬اليت‬
‫حتمل معها جزيئات عضوية‪،‬تُذ ّكرنا باملُر ّكبات‬
‫اليت ش ّكلت املادة اخلام للحياة علي األرض»‪..‬‬
‫أما القمر فوب‪،‬فهو يدور بعكس معظم دوران‬
‫التوابع األخرى يف اجملموعة الشمسية‪ ،‬وهذا‬
‫ي��ؤك��د أن���ه ميتلك ت��ار ً‬
‫خي��ا غ�ير م��أل��وف‪ ،‬من‬
‫حيث تكوينه فهو مزيج من الصخور واجلليد‬
‫وم��رك��ب��ات ال��ك��رب��ون‪،‬وي��ش��ب��ه ك��ث�يرًا األج���رام‬
‫اجلليدية الصغرية‪،‬اليت ت��دور يف ح��زام كوبر‬
‫علي ختوم اجملموعة الشمسية‪ ،‬ومثة فرضية‬
‫مفادها ‪ :‬أن فوب رمبا يكون باألساس أحد‬
‫أج��رام حزام كوبر‪،‬اليت تُركت يف الداخل‪،‬وأن‬
‫كوكب زحل الشاب جنح بقوّة جاذبيته‬
‫يف أسرها‪ ..‬ويُعد القمر هايربيون‪ ،‬الذي‬
‫هو عبارة عن ُكتلة صخرية‪،‬تُشبه كثريًا حبّة‬
‫البطاطا‪،‬من التوابع األقل كثافة‪،‬واليت يتعرّض‬
‫سطحها إىل النحت ال��دائ��م بفعل العوامل‬
‫اخلارجية‪..‬بينما القمر يابيتوس‪،‬تُظ ِهره الصور‬
‫مُنقسمًـا إىل ُكرتني‪،‬أحدمها سوداء واألُخرى‬
‫بيضاء‪،‬وقد فسّر البعض ذلك بأن سطح هذا‬
‫القمر‪،‬عبارة عن جليد صاف فقط‪،‬مكشوف‬
‫يف نصف ال ُكرة الساطع‪،‬وخملوط بالصخور يف‬
‫النصف القامت‪،‬ويرى د‪.‬بيرت توماس‪،‬من جامعة‬
‫كورنل‪،‬بأن «املنطقتني الساطعة والقامتة‪،‬من‬

‫يابيتوس‪،‬لُغزًا من األلغاز‪،‬مل يُفسّر بعد بشكل‬
‫قاطع»‪..‬أمّـا القمر إنسيالدوس‪،‬والذي ي ّ‬
‫ُغطي‬
‫سطحه طبقة كثيفة م��ن اجل��ل��ي��د الناصع‬
‫البياض‪،‬فهو ساطع كاملنارة‪ ،‬ويعكس الضوء أكثر‬
‫من أي جُرم آخر يف اجملموعة الشمسية‪،‬وقد‬
‫ُكشـِف النقاب مؤخّرًا بأن هذا القمر هو الذي‬
‫يُزّود احللقة( (‪،E‬من حلقات زحل‪،‬باملادة‪..‬كما‬
‫ُكشِف أيضـًـا عن نفاثات جوفيـّـة‪ ،‬تدفع الدقائق‬
‫اجلليدية وبُخار املاء‪،‬ملئات الكيلومرتات‪،‬وهى‬
‫خترج من شقوق‪،‬تُ ّ‬
‫غذيها خمازن حتت القشرة‬
‫السطحية للقمر‪،‬وأن هذا السلوك‪،‬يُم ّثل بيئة‬
‫مُناسبة لتواجد بعض الكائنات احليّـة‪!!..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪95‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بنيـة المـادة الحيـة‬
‫د ‪ .‬خملص عبد احلليم الريس‬
‫جامعة دمشق‬

‫ما هي املادة احلية ؟‬
‫امل��ادة احلية هي مجلة معقدة الرتكيب من جزيئات عضوية‬
‫أساسية هي احلموض اآلمينية وم��واد ال عضوية هي أمالح‬
‫معدنية ‪ .‬وتلك اجلزيئات مرتبة ومنسقة بطرائق تتبع قوانيـن التباديل‬
‫والتوافيق املعروفة يف علم الرياضيات ‪ .‬ومن أهم مظاهر احلياة أنها خالقـة‬
‫تعتمد على مقومة أساسية وهي األيض أو االستقالب (‪metabolism‬‬
‫)‪ ,‬إذ يستطيع الكائن احلي أن حيول جزءاً من الغذاء الذي يتناوله ( وهو‬
‫مجاد ميت ) إىل مادة يدخلها يف بناء جسـده واجلزء اآلخر إىل طاقة‬
‫يستفيد منها يف احلركة والنشاط ‪ .‬أم املقومة األخرى األهم فهـي ظاهرة‬
‫االنفصال والنسخ وتكرار الذات ‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫مبدأ االنفصال ‪:‬‬
‫ي��ق��ول ال���ع���امل «ه���رب���رت س��ب��ن��س��ر» ( ‪H.‬‬
‫‪ :) Spencer‬إن التطور هو حت��ول من حالة‬
‫التجانس إىل حالة التنافر أي التطور هو عملية‬
‫انفصال‪ . .‬فاملادة كانت سدمياً متجانساً وحدث‬
‫تنافر بني أجزائه وانفصلت عن بعضها بشكل‬
‫ُكمات متقطعة وهي ذرات واجلواهر املفردة‪. .‬‬
‫ومن هذه الذرات تكممت مرة أخرى وانفصلت‬
‫بشكل أجرام وغبار كوني (سدم) وجنوم ومشوس‬
‫وكواكب ومادة وضد املادة‪ ،‬أخرياً ظهرت احلياة‬
‫من اجلماد نتيجة لظاهرة االنفصال الطبيعية‬
‫فأتت املادة احلية خالصة الكون وحمصلة تراكم‬
‫أسرار الكون بكامله‪ ،‬من هنا نستطيع القول أن‬
‫اخللية احلية األوىل انفصلت من اجلماد ومن‬
‫ثم تطورت وانفصلت خلليتني إحدامها نباتية‬
‫واألخرى حيوانية‪ .‬جتمعت خاليا كل نوع معاً‬
‫(ك��ل على ح��دة) فظهرت مملكتان‪ ،‬إحدامها‬
‫اململكة النباتية واألخ���رى اململكة احليوانية‪،‬‬
‫وهاتان صورتان انفصاليتان أيضاً‪ ،‬استمـرت‬
‫ظاهرة االنفصال (التفرع والتمايز والتخصص)‬
‫يف ك��ل م��ن ه��ات�ين اململكتني‪ . .‬فظهرت كل‬
‫األشكال واألنواع النباتية‪ ،‬وأيضاً كل األشكال‬
‫واألن��واع احليوانية‪ .‬ومبرور بضعة بالييـن من‬
‫السنوات ومع استمرار ظاهرة االنفصال نشأت‬
‫حيوانات مائية ثم برمائية ثم الرخويـات الال‬
‫فقارية‪ ،‬تالها الفقاريات ثم الثدييات ثم ظهر‬
‫اإلنسان‪ .‬كلها عمليات انفصال كربى فـي تاريخ‬
‫ال��ك��ون‪ ،‬هلا شكل انفصال مت��ددي توسعي‪. .‬‬
‫فاإلنسان يتكاثر باحتاد جرثومة منفصلـة من‬
‫الذكر وهي احليوان املنوي مع جرثومة تنفصل‬
‫عن األنثى وهي البويضة‪ ،‬واحتاد هاتني‬
‫اجلرثومتني االندماجي يشكل جنيناً ينفصل‬
‫عن أمه بالوالدة‪ . .‬وحتى املوت حبد ذاته ما هو‬
‫إال عملية انفصال أيضاً‪ .‬فهو انفصال شيء ما‬
‫بداخله عن مادة جسده‪ ،‬يتحول بعدها الكائن‬

‫إىل مادة متحللة ال إدراك فيها‪ .. .‬لعل ظاهرة‬
‫االنفصال تعتمد يف حقيقتها أوالً وأخرياً علـى‬
‫ما يسمى وعي املادة‪ .‬وبالتايل املوت هو انفصال‬
‫شيء ما يف الكائن احلي عن مادة الكون الواعية‪،‬‬
‫هذا الكون املتكامل املعتمد أص�لاً على مبدأ‬
‫االنفصال‪.‬‬
‫لكي ي��ت��اح للمادة احل��ي��ة اس��ت��م��رار احلياة‬
‫جيب أن تكون مفتوحة على الوسط اخلارجي‬
‫ليحدث بينهما تبادالت للمادة اجلماد‪ ،‬وهذا‬
‫األم��ر ض��روري كي تتغذى امل��ادة احلية لتبين‬
‫جسدها من ناحية‪ ،‬وتتحرك من ناحية أخرى‪،‬‬
‫تلك املادة (اجلماد) هي املاء واألمالح املعدنية‬
‫والدسم والسكريات والربوتينات والفيتامينات‬
‫واحلموض النووية‪.‬‬
‫ظهرت احلياة يف بنى مادية عضوية (جسم‬
‫اخللية احلية) نسيجها جزيئات عمالقة مـن‬
‫أمح��اض ن��ووي��ة وبروتينات‪ ،‬وتلك اجلزيئات‬
‫العمالقة مكونة ب��دوره��ا م��ن قطع أساسية‬
‫بنـاءة هي احلموض اآلمينية ومن جتمعات تلك‬
‫القطع البناءة وهي النيوكليدات‪ .‬وسنشرح بنيـة‬
‫وخصائص هذه املواد‪.‬‬
‫احلموض اآلمينية ‪:‬‬
‫نشأت تلك احلموض يف الفرتة ال�تي كان‬
‫فيها جو األرض ساخناً وغنياً بغاز اهليدروجني‬
‫وكانت األشعة ف��وق البنفسجية ال�تي حتملها‬
‫الرياح الشمسية تصل إىل أعماق اجلو‪ ،‬إذ لـم‬
‫تكن طبقة األوزون قد تشكلت بعد (ألنه مينع‬
‫مرور األشعة الفوق بنفسجية‪ ،‬مما جعله درعاً‬
‫واق��ي�اً حامياً للمخلوقات احلية فيما بعد)‪،‬‬
‫أخذت تلك األشعة ذات املوجة القصرية والطاقـة‬
‫العالية تفكك جزيئات خبار املاء لغازين مها‬
‫اهليدروجني واألوكسجني‪.‬‬
‫يف فرتة تالية بدأت النباتات اخلضراء‬
‫بتوليد غاز األوكسجني وإطالقه يف اجلو‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪97‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بآلية التمثيل الضوئي يف امل��ادة الكلوروفيلية‬
‫(اليخضور) فيها‪ ،‬يف تلك األثناء كانت جزيئات‬
‫اهليدروجني تفر وتنجو من جاذبية األرض إىل‬
‫الفضاء اخلارجي بغزارة ودون رجعة بسبب‬
‫درجة حرارة األرض املرتفعة وصغر حجم تلك‬
‫الذرات‪ .‬ما جعل جو األرض يتحول تدرجيياً إىل‬
‫جو غين بغاز األوكسجني املساعد للحياة‪.‬‬
‫لكن األم��ر كان خمتلفاً بالنسبة جلزيئات‬
‫خب��ار امل��اء إذ مل تتمكن اهل��رب واإلن��ف�لات من‬
‫جو األرض رغم ارتفاع درجة حرارة جوها‪ ،‬ألن‬
‫سرعة النجاة من جو األرض هي سبعة أميال يف‬
‫الثانية الواحدة‪ .‬بينما متوسط سرعة انطالق‬
‫جزيء املاء عند نفس درجة احلرارة هي‬
‫من رتبة سرعة الصوت يف اهلواء (يف درجة‬
‫حرارة الغرفة) أي ما يقارب مخسة أميـال يف‬
‫الثانية عند درج��ات احل��رارة املرتفعة آنذاك‪.‬‬
‫هل��ذا احتفظ الغالف اجل��وي األرض��ي ببخـار‬
‫املاء ومل يتمكن من النجاة من جاذبية األرض‬
‫حينها‪.‬‬
‫يف تلك اآلون���ة ك��ان حي��دث يف ج��و األرض‬
‫عواصف رعدية كهربائية شديدة ال هتدأ ينبثق‬
‫من خالهلا ش��رارات ب��رق عنيفة‪ ،‬سببت تلك‬
‫الشرارات ووميضها تفاعالت جزيئية أيونية‬
‫اندمج فيها ذرات عدة عناصر هي ‪:‬‬
‫اهل��ي��دروج�ين املتبقي األوك��س��ج�ين حديث‬
‫الوالدة الكربون النرتوجني الفوسفور فيما بعد‪.‬‬
‫وظهرت يف الوجود ألول مرة جزيئات محوض‬
‫آمينية‪ .‬كونت فيما بعد أعظـم مملكة حياتية‬
‫سادت يف هذا الكون بأمر اهلل‪ .‬حيث ترتابط‬
‫هذه الذرات معاً بقوى جاذبة كهربائية بأعداد‬
‫وصلت لثالثني ذرة يف اجلزيء الواحد‪.‬‬
‫عُ ِرفَ من تلك احلموض اآلمينية ما يقرب‬
‫م��ن ‪ 170‬مح��ض�اً آمينياً خمتلفة الرتكيـب و‬
‫الرتتيب يف ال��ذرات‪ ،‬لكن الذي يدخل منها يف‬
‫تركيب املادة احلية هو عشرون فقـط‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫كانت تلك احلموض اآلمينية تفضل البقاء‬
‫يف املاء ذي الطبيعة القطبية الكهربائية بدالً‬
‫من أن تفر إىل اهلواء‪ ،‬ما جعلها تقوم باحتادات‬
‫فيما بينها مع حذف جزيئات املاء وشكلت ما‬
‫يسمى سالسل ببتيدية‪ .‬وهذا أعطى إمكانية‬
‫تشكيل أعداد ال هنائية العدد من تلك السالسل‬
‫املختلفة ال��ط��ول واألع����داد وت��رات��ي��ب مواضع‬
‫جزيئات احلموض اآلمينية فيها‪.‬‬
‫أما كيف يتم انتقاء محض دون آخر ليأخذ‬
‫مكانه يف السلسلة الببتيدية فهذا ما يشرف‬
‫عليه احلموض النووية‪.‬‬
‫رغم العدد احمل��دود للذرات وهو (‪ 30‬ذرة‬
‫خمتلفة) وال��ع��دد احمل��دود للحموض اآلمينية‬
‫وهو (‪ 20‬محضاً خمتلفاً)‪ ،‬إال أهنا تشبه األحرف‬
‫األجبدية يف اللغة‪ ،‬حبيث تسمح تلك احلروف‬
‫برتكيب وتشكيل أعداد ال متناهية من اجلمل‬
‫عن طريق تغيري مواضع تلك احلـروف وتغيري‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫مواضع الكلمـات يف اجلملة‪ ،‬وتغيري مواضع هذه الصدفة و ندرة حدوث تلك الصدفة اليت‬
‫اجلمـل يف الفقرات‪ ،‬وتغيري الفقرات فـي صفحة ركبت تلك السلسلة الببتيدية‪ .‬فماذا نقول عن‬
‫الكتاب ‪،‬ثم بتغيري الكتاب يف املوسوعـة‪ .!! .. .‬السالسل األط��ول واألك��ث��ر ع��دداً من الذرات‬
‫االحتمال والصدفة ‪:‬‬
‫واالحتماالت‪ .‬إذن لكان عدد االحتماالت يفوق‬
‫ً‬
‫السؤال اآلن ما هو عدد السالسل الببتيدية ( ‪ 26010‬احتماال )‬
‫احملتمل وجودها ؟‬
‫فسبحان اخلالق العظيم‪.‬‬
‫للجواب على هذا السؤال نقول ‪:‬‬
‫لنفرض أن جزيء بروتني مكون من سلسلة‬
‫هل الصدفة موجودة يف قصة‬
‫ببتيدية حت��ت��وي على (‪ 200‬مح��ض آم��ي�ني )‬
‫اخللق؟‬
‫لكي ندرك اإلعجاز واستحالة حدوث صدفـة‬
‫خمتلفة األن��واع‪ ،‬ولدينا ( ‪ ) 20‬احتماالً فقط‬
‫لتوزعها على أماكنها يف السلسلة فيكون عـدد اخللـق‪ .. .‬أو اخللق بالصدفـة !!‪.‬‬
‫نقول ‪ :‬لو أن أشكال تلك السالسل متغرية‬
‫االحتماالت املمكنة هـو ‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ 26010 = 20020‬احتماال‪،‬‬
‫ومتبدلة يف النوع الواحد من املخلوقات لكان‬
‫ه��ذا ال��رق��م ي��ف��وق ع��دد ذرات ال��ك��ون كله ن��ش��وؤه��ا جم��رد ص��دف��ة وأن ال��ف��وض��وي��ة هي‬
‫البالغة (‪ 8010‬ذرة ) مبا فيها ذرات اجملرات املسيطرة على تكوينها‪ ..‬لكن احلقيقة أن‬
‫ك��ل��ه��ا‪ !!..‬ه��ذا ل�بروت�ين واح��د متواضع العدد أش��ك��ال تلك السالسل ثابتة يف النوع‬
‫والطول واالحتمال‪ . .‬هنا ن��درك ه��ول وقوع احل��ي ال��واح��د‪ ،‬أي ه��ي ذاهت��ا يف النوع‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪99‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الواحد (نسـخ متكررة ال متبدلة) وختتلف عن‬
‫سالسل األنواع احلية األخرى‪ .‬بل ختضع هذه‬
‫اآللية لقانون صارم‬
‫ال متبدل ال ميكن خمالفته ال زمانياً وال‬
‫مكانياً وال بيئياً‪ ..‬وما حيدث فيه من تطورات‬
‫ال متس فيه جوهر السالسل‪ ،‬وإمنا هي تغريات‬
‫طفيفة ال جوهرية‪ .‬لكي ن��درك هذا اإلعجاز‬
‫واستحالة حدوث خلق بالصدفة ولنأخذ املثال‬
‫التايل ‪:‬‬
‫نفرض أن فقرة مكتوبة من ( ‪ 32‬حرفاً مبا‬
‫فيها النقط وال��ف��واص��ل ) وه��ي متاثل م��ا يف‬
‫الربوتني من أمحاض آمينية خمتلفة األشكال‪.‬‬
‫تبني احلسابات ألن عدد تتابعات التباديل يف‬
‫األحرف هائل جداً‪ .‬ومثال آخر لو جعلنا بيليون‬
‫قرد يدقون على بيليون آلة كاتبة طيلة عمر‬
‫الكون لعجزوا أن يكتبوا قصيدة قصرية من‬
‫قصائد شيكسبري‪ ،‬وما حنصل عليه منهم ليـس‬
‫سوى فقرات ال معنى هلا‪.‬‬
‫لذلك كانت احلياة والروح فوق مستوى إدراكنا‬
‫وفهمنا مهما حاولنا‪ .‬واحلياة هي حادثة‬
‫نادرة احلدوث إن مل نقل أهنا طارئة على هذا‬
‫الكون‪ .‬فهي فوق مستوى التخيل واالفرتاض‬
‫والصدف‪ .‬واألغرب من ذلك أننا نراها تتزاحم‬
‫من حولنا !!‪ .‬فكيف أمكن لتلك األشياء نادرة‬
‫احلدوث أن تكون شائعة بتلك الوفرة يف كوكبنا‬
‫إىل هذا احلد الذي نشاهده ؟؟‪.‬‬
‫النوكليدات والنيوكليوزيدات ‪:‬‬
‫م��ع م���رور ال��زم��ن تشكل ع��دي��د م��ن أنواع‬
‫احلموض اآلمينية‪ ،‬اشرتك منها يف تركيب البنية‬
‫احلية نوعان من جزيئات السكر اخلماسي‬
‫الكربون مها الريبوز وصيغته هي(‪)C5H10O5‬‬
‫والريبوز املنقوص األوكسجني وصيغته هي‬
‫‪.C5H10O4‬‬
‫تشكلت مركبات أخ��رى دخ��ل يف تركيبها‬

‫‪100‬‬

‫عنصر اآلزوت دعيت باألسس اآلزوتية وعددها‬
‫مخسة‪ ،‬هي السيتوزين ‪ C‬التاميني ‪ T‬اليوراسيل‬
‫‪ U‬الغوانني ‪ G‬اآلدنني ‪.A‬‬
‫ارتبط سكر الريبوز مع أساس آزوتي و جذر‬
‫فوسفات فشكل النيوكليوتيد‪ .‬إذن ‪:‬‬
‫النيوكليوتيد = (محوض آمينية = سكر ريبوز)‬
‫‪ +‬جزيء أساس ‪ +‬جزيء محض فوسفور‬
‫ال��ن��ي��وك��ل��ي��وت��ي��دات ه��ي ال���وح���دات البناءة‬
‫األساسية للحموض النووية وع��دده��ا مخس‬
‫فقط‪.‬‬
‫احلموض النووية ‪:‬‬
‫إذا ختيلنـا أن��ن��ا دخ��ل��ن��ا ن���واة خلية حية‬
‫فسوف نشاهد ح��ش��وداً هائلة متشابكة من‬
‫جزيئـات خيطية عمالقة طويلة مكونة من‬
‫ترابط محوض آمينية ونيوكليوتيدات عددها‬
‫عشرات اآلالف وكأننا داخل معمل معكرونـة‬
‫حدث بداخله انفجار‪ ،‬تتكرر الذرات يف اخليط‬
‫الواحد بالتبـادل املتكرر ماليني امل��رات ووفق‬
‫قوانني الرياضيات يف التباديل والتوافيق مشكلة‬
‫حلزونـات و وشائـع‪ ،‬تتكون من عائلتني مها أل‬
‫( ‪ ) D N A‬وال (‪ ) R N A‬أل��دن��ا و الرنا‬
‫ومهـا احلمضان الوحيدان املوجودان يف عامل‬
‫األحياء‪ .‬ومسيت نووية ألهنا موجودة يف نـواة‬
‫اخللية‪ ،‬ثم اكتشف وجودها يف اهليوىل‪.‬‬
‫اكتشف العاملان كريك واطسون اإلنكليزيان‬
‫يف ع��ام ( ‪ ) 1953‬أن ه��ذه احلموض النووية‬
‫هي املسؤولة عن انتقال الصفات الوراثية من‬
‫اآلباء إىل األبناء والتحكم الوراثي يف وظائف ال‬
‫( د ن أ )‪ ،‬واكتشفـا أن تلك اخليوط احللزونية‬
‫ليست شريطاً واحداً‪ ،‬بل هو مكون من سلسلتني‬
‫متقابلتني من النيكليوتيدات املتشاهبة واملرتبطة‬
‫بعضها ببعض عن طريق جسور‬
‫من األس��س اآلزوت��ي��ة والربطة بينهما هي‬
‫ذرات اهل��ي��دروج�ين‪ .‬وملتفني حلزونياً حول‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫بعضهما بشكل فراغي‪ ،‬وكأن الشريط عبارة‬
‫عن سلم مراقيه ( دواساته) تربط بني طرفيه‪.‬‬
‫واكتشفا أن أعداد تلك األسس اآلزوتية متساوية‬
‫يف الطرفني وع���دد نيوكليوتيدات( ‪)A، T‬‬
‫متساويان وكذلك أعداد ( ‪.) C، G‬‬
‫التقابالت هي ‪A …. T T. ... A C. ... :‬‬
‫‪G G. ... C‬‬
‫نالحظ من التقابل وكأن هذه املراقي حتمل‬
‫رسالة وراثية بشكل رموز أربعة هي ‪:‬‬
‫( ‪) T، C، G، A‬‬
‫إذن ه��ذه احل���روف ه��ي اللغة ال��وراث��ي��ة يف‬
‫شريط الدنا‪ ،‬واليت تستخدمها الكائنات احلية‬
‫لنقل البيانات الوراثية‪ ،‬كما أهنا تستخدم لغة‬
‫ذات عشرين حرفاً لتكوين الربوتينات‪.‬‬
‫يبلغ طول شريط الدنا يف فريوس منوذجي‬
‫صغري كفريوس شلل األطفال مخسة آالف حرف‪.‬‬
‫أما الرسالة الوراثية يف شريط الدنا لبكترييا‬
‫هي بضعة ماليني من احلروف‪ ،‬أما طوله عند‬
‫اإلنسان فهو بضعة باليني من احلروف األربعة‬
‫املكونة للتعليمات الوراثيـة‪.‬‬
‫ليست مجيع امل��راق��ي متماثلة يف أشكاهلا‬
‫وتركيبها وهي متناوبة التوزع بالتتابع على طريف‬
‫شريط الدنا ومن الداخل‪ .‬فإذا عُرِف تتابعها‬
‫على إحدى السلسلتني أمكن معرفة التتابع على‬
‫السلسلة القرينة هلا‪ ،‬أي أن البيانات الوراثية‬
‫مسجلة مرتني مرة على كل سلسلة‪.‬‬
‫طريقة ترتيب وتباديل جزيئات املراقي هي‬
‫ال�تي تقرر ن��وع الكائن احل��ي‪ .. .‬هل سيكون‬
‫إنساناً أم فأراً ؟ وهل شعر الشخص أسود أو‬
‫أشقر‪.‬‬
‫لكل فرد حي محض دنا خاص به وخيتلف‬
‫عن غريه من أفراد نوعه وجنسه‪ ،‬كما ختتلف‬
‫الدنا من نوع حي لنوع حي آخر‪،‬‬
‫األعداد اهلائلة لسالسل الدنا عند اإلنسان‬
‫تفرتض وتوحي أن عدد الكائنات البشرية الذي‬

‫باإلمكان أن خيلقوا هو أكرب مبرات كثرية جداً‬
‫من عدد الذين خلقوا فعالً‪.‬‬
‫أمكن االستفادة من خاصة اختالف الدنا‬
‫بني الكائنات وحتى يف النوع الواحد يف التحاليل‬
‫اجلنائية ويف أمور البنوة واالغتصاب‪ .‬إذ يكفي‬
‫أن يرتك اجملرم خلفه خاليا دم أو قطعـة صغرية‬
‫من اجللد أو بعضاً من سائله املنوي‪ ،‬فعن طريق‬
‫حتليل تلك القرائن ميكن التعرف على هوية‬
‫اجملرم وحتديد شخصيته‪.‬‬
‫وظائف الدنا ‪:‬‬
‫لكل دن��ا وظ��ائ��ف ينفرد هب��ا ع��ن غ�يره من‬
‫مكونات اخللية احلية‪ .. .‬فهو املشرف العـام‬
‫والقائد واملوجه جلميع نشاطات اخللية‪ ،‬هو‬
‫اآلم��ر الناهي وامل��وج��ه جلميع أعمال اخلليـة‬
‫اجلليلة‪ ،‬كما أن��ه يشرف على عملية التوالد‬
‫الذاتي يف اخللية وانقسامها‪ ،‬فيقوم بصنع نسخ‬
‫مماثلة لذاته متاماً قبل ح��دوث االنقسام يف‬
‫اخللية كي حيملها برسائل مشفرة للمعلومات‬
‫والتعليمات ال��واج��ب على اخل�لاي��ا اجلديدة‬
‫إتباعها واحملافظة على نوعها ونوع الكائن الذي‬
‫تنتمي هي له‪.‬‬
‫هذه العملية هي جوهر الوراثة والتكاثر بغية‬
‫احملافظة على بقاء األجيال القادمة يف نسله‬
‫فرداً ونوعاً وجنساً‪.‬‬
‫التضاعف الذاتي ( النسخ ) ‪:‬‬
‫ح��دث أم��ر ظ��ه��ور احل��ي��اة يف ال��ك��ون‪ ،‬تلك‬
‫ال��ظ��اه��رة ال��ن��ادرة‪ . .‬وتكونت اخل�لاي��ا احلية‬
‫الوحيدة البدائية ( كائنات وحيدة اخللية )‪،‬‬
‫وكانت أغ��راض تلك اخلاليا الوحيدة بسيطة‬
‫اق��ت��ص��رت على قيامها بوظائفها احلياتية‬
‫بسهولة وي��س��ر‪ .. .‬م��ث��ل ال��ت��غ��ذي��ة والتنفس‬
‫واإلط�����راح وال��ت��ك��اث��ر‪ . .‬اخل‪ .‬واخللية‬
‫عندما يتقدم هبا العمر وهت��رم تُسارع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪101‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ملا ينقذ حياهتا وهو االنقسام‪ ،‬وبنفس الوقت‬
‫هي طريقتها للتكاثر وحفظ النوع‪ .‬حيث تلجأ‬
‫تلك اخللية إىل االنقسام خلليتني توأمني حني‬
‫يبلغ منوها مداه‪ ،‬فكان هذا االنقسام يعيد هلا‬
‫شباهبا ويدفع عنها امل��وت‪ ،‬إال إذا وقع حادث‬
‫كارثي مثل جفاف املستنقع الذي تعيش فيه‪ ،‬أو‬
‫سقوط صاعقة‪ .. .‬اخل‪.‬‬
‫يف تلك احلالة مل يكن هناك فصل يف اجلنس‪،‬‬
‫أي مل يكن هناك متييز بني خاليا ذكرية وأخرى‬
‫أنثوية‪ ،‬ومل تعرف اجلنس كوسيلة للتكاثر‪ ،‬أي‬
‫مل تكن تعرف طريقة التكاثر اجلنسي بعد‪ ،‬ومل‬
‫يكن هناك حاالت موت لديها ألهنا دوم ً��ا هي‬
‫يف حالة شباب دائم‪ .‬وإذا ما تعرضت لظروف‬
‫سيئة غري مالئمة هلا كانت حتيط نفسها بغالف‬
‫(كيس) وتنام فيه ده��وراً حتى تعود الظروف‬
‫مواتية ومناسبة لتنتعش‪ .‬عندها تعود اخللية‬
‫للحياة ثانية وتعود نشاطها وتكاثرها باالنقسام‬
‫وهكذا‪.‬‬
‫و ُِجدَ فعالً يف تراب أحد املناجم جراثيم يف‬
‫حالة سبات يعود تارخيها إىل أكثر من مليون‬
‫سنة‪ ،‬وعندما زرعت يف بيئة مناسبة انتعشت‬
‫وعادت للحياة‪.‬‬
‫عانت تلك اخلاليا تغريات بيئية باستمرار‬
‫فكان عيها أن تتالءم وأن تتكيف معها‪ ،‬ما أدى‬
‫لتعديالت بنيوية يف جسمها‪ ،‬وأكثر ما أثر فيها‬
‫ه��و التنافس م��ع غريها على ال��غ��ذاء وإجيـاد‬
‫املكان املناسب إلقامتها واالحتماء به من خطر‬
‫الكائنات األخ��رى املفرتسة‪ .‬فكانت تبتعد عن‬
‫مكامن اخلطر بشكل عفوي دون االعتماد على‬
‫جهاز تنبيه عصيب‪ ،‬لعدم حاجتها ملثل هـذا‬
‫اجلهاز عصيب آن��ذاك‪ ،‬ومل يكن هلا مخ أيضاً‪،‬‬
‫وكانت تنقل هذه التعديالت والصفات التـي‬
‫انغرست يف بنيتها إىل توائمها باالنقسام ‪،‬حبيث‬
‫تنسخ كل ما بداخلها لقسمني متناظرين‪ ،‬حبيث‬
‫تكون كل خلية جديدة مماثلة متاماً للخلية األم‪،‬‬

‫‪102‬‬

‫وتتابع نفس مهمة اخللية األم‪.‬‬
‫ظلت هذه التحوالت ترتقي شكالً وقدرة مع‬
‫احتفاظ اخللية بوحدانيتها وعزلتها‪ ،‬فكانت‬
‫أجياهلا ضعيفة مت��وت كلها جبائحة واحدة‪،‬‬
‫فهي ال متلك شيئاً ما بداخلها حيمي حياهتـا‬
‫و وجودها‪.‬‬
‫تالقت تلك اخلاليا مع بعضها واستطاعت‬
‫ال��ت��آل��ف م��ع�اً وال��ت��ع��اون يف أم��وره��ا احلياتية‬
‫خمتصرة على نفسها العديد من املشاق‪ ،‬فأخذت‬
‫بالتالصق والتالحم والتالصق وشكلت مجاعات‬
‫وفرق وصارت متعددة اخلاليا ودبت يف اخلاليا‬
‫اجلديدة ظاهرة جديدة هي ظاهرة التخصص‬
‫حبيث تعطي ك��ل خلية ختصصاً بناحية ما‬
‫وال تعطي مجيع التخصصات‪ . .‬فهذه خلية‬
‫متخصصـة بالعظم وه��ذه بالعضالت وأخرى‬
‫بالسمع ‪،‬غريها بالرؤية‪ .. .‬اخل‪ .‬وظهر ختصص‬
‫جديد وهو التكاثر والتناسل تشارك فيه كل‬
‫اخلاليا ومب��ا تساهم به كل منها مبا لديها‪.‬‬
‫وظ��ه��رت أع��ض��اء جنسية متخصصة ذكورية‬
‫ولبعضها اآلخر أنثوية‪ .. .‬وصار على األعضاء‬
‫التناسلية مهمـة تلقيح ودمج صفات كل أب يف‬
‫بيضة واحدة‪ ،‬ويصحب عملية اللقاء بني الذكر‬
‫واألنثى لذة ومتعة‪ ،‬وعند متام اندماج حمتويات‬
‫هاتني البيضتني معاً تتولد خلية جديد تأخذ‬
‫باالنقسام كما يف حالة انقسام اخللية الوحيدة‬
‫قدمياً‪ .‬وهكذا صارت احلياة تنتقل من جيل‬
‫آلخر عن طريق عملية التلقيح اجلنسية بني‬
‫ذكر وأنثى يف النوع الواحد‪.‬‬
‫هنا وقعت اخللية احلية يف خطيئة كربى‪..‬‬
‫صحيح أن الطريقة اجلنسية سهلة وممتعة لكن‬
‫مثنها كان باهظاً جداً‪ ،‬إذ كان الثمن هو موت‬
‫العضوية متاماً بعد حني من الزمن ‪ ،،‬أي جعلت‬
‫املوت هناية حتمية لتلك اخلاليا‪ .‬أي صار املوت‬
‫هو ضريبة اجلنس املتوج باملتعة احلسية‪ .‬ألنه‬
‫ص��ار على العضوية احل��ي��ة أن مت��ر مبراحل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫متتالية‪ ..‬ه��ي اجل��ن�ين‪ ،‬ال��ط��ف��ول��ة‪ ،‬الشباب‪،‬‬
‫الكهولة‪ ،‬اهلرم والشيخوخة‪ ،‬وأخرياً املوت‪.‬‬
‫صحيح أن للجنس ضريبة باهظة الثمن‪ ،‬إال‬
‫أنه يعطي أجياالً قوية خاضعة لقانون االصطفاء‬
‫الطبيعي واختيار النوع األنسب يف كل األنواع‪.‬‬
‫وما نراه اليوم من سالالت حية قوية هي يف‬
‫احلقيقة السالالت اليت انتصرت يف صراعها‬
‫مع الطبيعة من أجل البقاء خبضوعها للتطور‬
‫فكان لنسلها االستمرار‪.‬‬
‫آلية النسخ ‪:‬‬
‫هنا خيطر على البال السؤال التايل ؟ ما‬
‫هي اخلطة اليت تتبعها اخلاليا احلية كي يكون‬
‫نتاجها نوعاً حمدداً‪ ،‬وليس نوعاً آخر ؟ وما هي‬
‫اآللية اليت تنسخ هبا اخللية احلية نفسها ؟‬
‫جرت جتارب كثرية لدراسة اخللية احلية‪،‬‬
‫وك���ان األم���ر ي���زداد تعقيداً م��ع ك��ل اكتشاف‪،‬‬
‫وك��ان أب��رز تلك االكتشافات وال�تي استطاعت‬
‫تفسري النسخ احليوي هم اكتشاف العامليـن‬
‫(كريك واطسون ) يف عام ‪ .1953‬وهو اكتشاف‬
‫الشرائط الوراثية اليت عرفت بشرائط ال ( د‬
‫ن أ ) الوراثية‪ ،‬والتوصل إىل ما يعرف اليوم‬

‫بالشيفرة اجلينية‪ ،. .‬واألغ��رب من ذل��ك هو‬
‫جناحهم يف توليد خاليا ابتدائية وتضاعفها‬
‫خمربياً‪ .‬ما أثبت أن م��ادة احلياة رُكِ�بَ��ت على‬
‫األرض بعمليات فيزيائية طبيعية وعن طريق‬
‫إحياء مل��واد ميتة أرضية وعلى قدرهتا علـى‬
‫تكرار ذاهتا باالنقسام بأمر اهلل‪ ،‬حبيث تصبح‬
‫اخللية احلية ال��واح��دة ح��وايل تريليونني مـن‬
‫اخلاليا احلية يف حالة اإلنسان‪ .‬وذلك خالل‬
‫تسعة أشهر فقط يف رحم أمه‪ .‬وما هو السـر‬
‫يف أن اخللية امللقحة حتولت إىل إنسان وليس‬
‫إىل فأرة ؟‬
‫اجلواب هو أن ‪:‬‬
‫تضم النواة بداخلها عشرة ماليني جزيئة‬
‫(د ن أ) بشكل سالسل حاملة للجينات الوراثية‬
‫وك��ل التعليمات امل��وج��ودة يف جسم اإلنسان‪،‬‬
‫والنواة هي مخ اخللية احلية وحمل التصميم‪،‬‬
‫فيها كل اجلينات والتعليمات‪.‬‬
‫حني احلمل تصدر جزيئات أل ( د ن أ )‬
‫حوايل مليون أمر للخاليا احلية لتقوم بعملية‬
‫النسخ الذي جتري أحداثه يف اهليوىل‪ ،‬إذ تعترب‬
‫اهليوىل ورش تصنيع جزيئات أل ( د ن أ‬
‫) اجلديدة والربوتينات اليت تبين اخلاليا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪103‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اجلسدية ال��يت تأمر النواة بتصنيعها‪ ،‬وذلك‬
‫عن طريق النسخ وتكرار الذات مع أألخذ بعني‬
‫االعتبار ظاهرة التخصص والتمايز بني اخلاليا‪.‬‬
‫حي�ث تعترب النيوكليوتيدات األساسية واألمحاض‬
‫اآلمينية يف اهليوىل هي املكونات األساسية ف�ي‬
‫عملية نسج جسم الكائن احلي‪ ،‬وتلك املكونات‬
‫ذاهت��ا يف ك��ل كائن ح��ي ظهر أو سيظهر على‬
‫األرض‪ .‬وسبب اختالف أنواع تلك الكائنات هو‬
‫اختالف طريقة التجمع والرتتيب التبادل�ي و‬
‫التوافقي الرياضي لتلك املكونات‪.‬‬

‫األح��ي��اء وك��ث��رية ه��ي األس��ب��اب امل��ؤدي��ة حلدوث‬
‫التطور بالطفرة‪ ،‬مثل احلرارة العالية واألشعة‬
‫ال��ك��ون��ي��ة واألش��ع��ة ف���وق البنفسجية وأشع�ة‬
‫مصابيح النيون وشاشات التلفزيون وتأثري املواد‬
‫الكيميائية والبالستيك والنايلون‪.‬‬
‫إذا ح��ل نيوكليوتيد حم��ل مح��ض آميين يف‬
‫سلسلة بروتني حيوي عشرة ماليني نيوكليوتيد‬
‫يف شريط دنا‪ ،‬فيكون للربوتني اجلديد الناتج‬
‫صفات وراثية جديدة‪ .. .‬رمبا يضيف حسن�ة‬
‫وراثية أو سيئة‪ . .‬أو حتسن صفة على حساب‬
‫أخرى‪ .‬تؤثر مثالً على كريات الدم احلمراء يف دم‬
‫اإلنسان فتجعلها منجلية الشكل عند املنحدرين‬
‫من أصل إفريقي‪ ،‬وهذا جيعلهم عرضة لإلصابة‬
‫بفقر‪ ،‬لكن يكسبهم مناعة ضد مرض املالريا‬
‫القاتل‪.‬‬

‫التطور والطفرة ‪:‬‬
‫رغم الدقة العالية لعملية النسخ يف شريط‬
‫الدنا فقد يقع خطأ‪ ،‬لكن احتمال وق�وع مثل ذلك‬
‫اخلطأ هو واحد من مئة مليون احتمال‪ .‬إال أنه‬
‫قد حيدث‪ .‬وهذا كفيل بإح�داث حتوالت طارئة‬
‫تغري من الصفة الوراثية للشريط اجلديد وظهور‬
‫محل ونقل التعليمات الوراثية ‪:‬‬
‫صفة جيدة أو ض��ارة فيه‪ .. .‬وهكذا ينتج دنا‬
‫مل���اذا خنتلف حن��ن ع��ن األش���ج���ار م��ع أننا‬
‫طافرة‪.‬‬
‫نستخدم نفس احلموض النووية يف الوراثة‪ ،‬أي‬
‫الطفرة هي شكل من أشكال التطور عند لنا معها أصل حياتي مشرتك واحد؟ كما نستخدم‬

‫‪104‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫الربوتينات بوصفها أنزميات تسيطر علـى كيمياء‬
‫خاليانا مثلهم متاماً ؟ بكلمة أخرى حنن ومجيع‬
‫الكائنات احلية نستخدم قاموس شيفرة ذاته مع‬
‫األشجار لرتمجة معلومات احلمض النووي إىل‬
‫معلومات بروتني‪ .‬يكمن اجلواب يف‬
‫ه��ذا االخ��ت�لاف ه��و يف امل��ورث��ات ويف طرق‬
‫ترتيبها‪.‬‬
‫امل��ورث��ات هي قطع مكونة من ع��دد حمدود‬
‫من جزيئات النوكليوتيدات يف الدنا موزعة على‬
‫ط��رف واح��د لشريط ال��دن��ا‪ ،‬وه��ي ختتلف عن‬
‫بعضها البعض يف الكائن نفسه‪ ،‬وحتى يف النوع‬
‫الواحد من الكائنات بالطول واختالف تراتيب‬
‫مواقع وأن��واع نيوكليوتيداهتا‪ ،‬يف تلك املورثات‬
‫منظومات على شكل ثالثيات من أسس آزوتية‬
‫وبأعداد كبرية تشكل تعليمات وراثية مشفـرة‬
‫متخذة شكل رسائل قابلة للنقل‪ ،‬وتلك املورثات‬
‫ه��ي ال�تي حت��دد صفات الكائن احل��ي ومتيـزه‬
‫عن غ�يره من الكائنات‪ .‬تنتقل من جيل آلخر‬
‫باالنقسام اخلليوي بعد عملية النسخ‪ .‬حيث‬
‫الربوتني ‪:‬‬
‫ترتجم تلك املورثات معلوماهتا إىل واقع بروتيين‬
‫ه��ي املركبات املكونة للمادة احلية وتكون‬
‫يبين جسم الكائن احل��ي مبساعدة ما يدعى بشكل جزيئات عمالقة مكونة م��ن عشرات‬
‫بالرنا الرسول‪.‬‬
‫األل��وف من جزيئات احلموض اآلمينية‪ ،‬وهي‬
‫ختتلف عن بعضها بعدد وطريقة ترتيب تلك‬
‫الرنا ( ‪: ) R N A‬‬
‫احلموض حبيث يكون لكل كائن حي بروتيناته‬
‫يتناول اإلنسان غذاءه فيقوم جهازه اهلضمي اخلاصة املميزة له حتى أهنا ختتلف يف الفرد‬
‫بتفكيك امل��واد الربوتينية إىل محـوض آمينية الواحـدفالربوتينات اليت تولد جلد إنسان ختتلف‬
‫ح��ي��ث مت��ر إىل ال���دم وع���ن ط��ري��ق��ه ت��ص��ل إىل عن مثيلتها عند إنسان آخر‪ . .‬وهكذا‪ .‬وبروتينات‬
‫اخلاليا احلية حيث تستقر يف اهليوىل‪ ،‬هناك الدم عند اإلنسان ختتلف عن بروتينات اليت تبين‬
‫ي��ع��اد تركيبها م��ن ج��دي��د بطريقة األي���ض أو العضالت‪ .. .‬وهكـذا‪.‬‬
‫إن عمل الربوتني هو أحد نوعني ‪:‬‬
‫باالستقالب (‪ )metabolism‬فتتكون جزيئات‬
‫(‪ )1‬إما هو بشكل إنزيم وعمله احلفز واحلث‬
‫م��ن النيوكليوتيدات والربوتينات واألنزميات‬
‫املتنوعة نتيجة ح��دوث ه��دم وبناء‪ .‬بطل هذه على التفاعالت الكيمائية وتنشيطها ‪ ،‬أي‬
‫عمله هو ماكينة حتريك وتشغيل عناصر‬
‫الرواية هو محض الرنا‪ .‬الذي هو محض نووي‬
‫رييب (جزيئات سكر مخاسي الكربون مع جـذور اخللية احلية‪.‬‬
‫حلمض الفوسفور وأخرى أسس آزوتية)‪ ،‬وهذا‬
‫(‪ )2‬يدخل يف تركيب بنية اخللية احلية‪.‬‬
‫اجلزيء يتكون بالطريقة التالية ‪:‬‬
‫ينشطر شريط الدنا إىل سلسلتني يف جزء‬
‫منه عند مورثة الربوتني املراد تصنيعه‪ ،‬تنجذب‬
‫جزيئات نيوكليوتيدية حرة عائمة يف هيوىل داخل‬
‫النواة إىل هذا اجلزء املشطور من شريط الدنا‬
‫وترتتب عليه مشكلة نسخة طبق األصل للدنا‪.‬‬
‫تنفصل تلك القطعة من الدنا عن الدنا األم‬
‫ثم تتسلل عرب مسام الغشاء النووي إىل مناطق‬
‫حمددة يف اخللية حيث يصنع هناك الربوتني أو‬
‫األنزيم املطلوب‪ .‬بعدها تنطبق سلسلتا الدنا‬
‫ويعود الشريط ملا كان عليه قبالً بأن ترتابطا‬
‫من جديد بالروابط اهليدروجينية‪ .‬إذن جزيء‬
‫الرنا مثل العربة حيمل محوضاً آمينية مرتبـة‬
‫وفق تعليمات الدنا إىل مواقع بناء الربوتينات‬
‫حيث تصنع هناك‪ .‬وكأن الدنا هو سجل قيـد‬
‫مدني أخذ منه ص��ورة قيد ( إخ��راج قيد ) ثم‬
‫طوي وأغلق‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪105‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اختراع ّ‬
‫غير التاريخ‬
‫قصة البريد االلكتروني‬
‫وسيم قدورة‬

‫إن من طبيعة اإلنسان منذ أن‬
‫وجــدت البشرية أن يفصح عن‬
‫مكنونات ما جيــول يف خلده‪،‬‬
‫فنالحظ أن اإلنسان منذ قديم األزل انشغل‬
‫بتطوير لغة التخاطب بينه وبني أبناء جنسه‪،‬‬
‫ومن ثم أخذ يطور لغة كتابة هذا اخلطاب‬
‫ليحتفظ بتارخيه ومعلوماته ويسجل إجنازاته‬
‫ويتناقلها من جيل إىل جيل آخر‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫وب��ت��ط��ور احل��ي��اة االجتماعية أخ��د البشر‬
‫يعيشون يف مج��اع��ات منفصلة بعضها عن‬
‫بعض وأصبح من الضروري التواصل فيما بني‬
‫هذه اجلماعات لتجنب خماطر معينة أو نشر‬
‫معلومة ما‪.‬‬
‫فاختذ بعض هذه اجلماعات القدمية النار‬
‫والدخان وسيلة لنقل هذه الرسائل فيما بينهم‬
‫واخت���ذ ال��ع��ض اآلخ���ر ال��ب��وق إلرس���ال رسائل‬
‫صوتية لتنبيه مجاعات أخرى من خطر قادم‬
‫على سبيل املثال‪.‬‬
‫وأخذت هذه الوسائل بالتطور واختاذ أشكال‬
‫متطورة بعض الشيء كاحلمام الزاجل الذي كان‬
‫ينقل الرسائل عن طريق ربطها بإحدى قدميه‬
‫ويقوم بالطريان من بلد إىل بلد إليصاهلا‪.‬‬
‫وتطورت مهنة ساعي الربيد عرب التاريخ‬
‫وال��يت كانت مسئولة عن إرس��ال الرسائل عرب‬
‫البالد وأخ��ذت تصبح أس��رع وأس��رع وخاصة‬
‫بعد تطور وسائل النقل من سيارات وطائرات‬
‫وق���ط���ارات وأص��ب��ح��ت ه���ذه امل��ه��ن��ة م��ن املهن‬
‫الضرورية لتناقل األخبار واملسامهة يف البحث‬
‫العلمي‪ ،‬وخاصة بعد اتساع حجم الدول واتساع‬
‫املسافات الشاسعة الفاصلة فيما بينها‪.‬‬
‫وك��ان اخ��رتاع م��ورس لطريقته ال��يت مسيت‬
‫ب��امس��ه النقلة النوعية يف إرس���ال الرسائل‬
‫بسرعة عرب القارات واحمليطات وبدأت عجلة‬
‫االخرتاعات تتواىل وتتسارع يف سباق حمموم‬
‫إلجياد طرق اتصال أكثر سرعة وأماناً‪ ،‬فاخرتع‬
‫اهلاتف ‪ ...‬واملذياع ‪ ...‬والتلفاز ‪...‬‬
‫ويف غمرة هذا التطور السريع ظهر الكمبيوتر‬
‫وتربع على عرس االخرتاعات السابقة وبدأت‬
‫عقول املبتكرين واملخرتعني تعمل بشكل أسرع‬
‫الستغالل هذا االخرتاع بالوجه األكمل خلدمة‬
‫البشرية‪ ،‬وكان من هؤالء املخرتعني من جعل‬
‫شغله الشاغل استغالل الكمبيوتر إلجياد طريقة‬
‫لالتصال السريع من خالله بني األماكن البعيدة‬

‫عن طريق شبكة من الكمبيوترات املتصلة بعضها‬
‫ببعض يف البد الواحد أو حتى عدة بلدان وذلك‬
‫ملشاركة نتاج حبوثهم العلمية فيما بينهم وبني‬
‫زمالئهم من العلماء اآلخرين للتوصل إىل نتائج‬
‫مبهرة غريت يف معظم األحيان وجه العامل‪.‬‬
‫وه��ك��ذا وج��د اإلن��رتن��ت كما سبق وتكلمنا‬
‫يف عدد سابق عن كيفية ابتكار هذا االخرتاع‬
‫العظيم ومن ثم مت إجياد وسيلة االتصال املثلى‬
‫عرب هذه الشبكة آال وهي الربيد اإللكرتوني‪.‬‬
‫ول��ع��ل ال��ربي��د االل��ك��رتون��ي ه��و أك��ث��ر وسائل‬
‫االتصال احلديثة انتشاراً وفاعلية يف عاملنا‬
‫احلايل‪ ،‬ومع ذلك ال نكاد نعلم شيئاً عن مولده‬
‫وتطوره‪ ،‬وعن املبتكر الفذ الذي قدم للبشرية‬
‫هذه الوسيلة الرائعة‪.‬‬
‫تاريخ االتصاالت‬
‫ث��الث من وسائل االت��ص��ال غ��ريت أساليب‬
‫التخاطب واالتصال بني بين البشر يف أرجاء‬
‫املعمورة كافة‪ ،‬وصارت تواريخ ابتكارها‬
‫نقاطاً مضيئة يف تاريخ البشرية احلديث‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪107‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وبات خمرتعوها من املشاهري الذين لوالهم‪ ،‬ملا‬
‫بدت الدنيا كما هي اليوم‪.‬‬
‫يف الرابع والعشرين من مايو ‪ 1844‬أرسل‬
‫صامويل ب‪ .‬م��ورس‪ ،‬خمرتع التلغراف‪ ،‬برقية‬
‫كتب فيها‪« :‬م��اذا خلق اهلل!»‪ .‬مل يكن مورس‬
‫يعلم أنه بإرساله تلك الربقية إمنا كان يصنع‬
‫التاريخ‪ ،‬ولكنه كان كذلك يف واقع األمر‪ ،‬فقد‬
‫كانت تلك أول برقية ترسل يف التاريخ‪ ،‬ومنذ‬
‫ذلك اليوم ومورس واحد من عظماء العامل يف‬
‫جمال االخرتاعات العلمية‪.‬‬
‫ويف العاشر من مارس ‪ ،1876‬اتصل الكسندر‬
‫جراهام ب��ل‪ ،‬خم�ترع اهلاتف‪ ،‬بأحد مساعديه‬
‫قائالً‪« :‬سيد واتسون ‪ . .‬تعال‪ ،‬أري��دك هنا»‪.‬‬
‫وذع��ر وات��س��ون ال��ذي ك��ان يستمع إىل صوت‬
‫يفرتض يف حسابات املنطق واملعروف آنذاك أنه‬
‫آت من مكان بعيد ال ميكن للصوت أن يصل‬
‫خالله إال مبعجزة وكانت تلك معجزة حقاً‪ .‬فقد‬
‫كان واتسون يستمع إىل أول مكاملة هاتفية يف‬
‫التاريخ‪.‬‬
‫واليوم‪ ،‬ال يكاد يوجد من ال يعرف من هو‬
‫الكسندر جراهام بل؟ فحتى تالميذ املدارس‬

‫‪108‬‬

‫الصغار يعرفون أنه خمرتع اهلاتف‪.‬‬
‫ويف العام ‪ 1895‬أرسل االيطايل جولييلمو‬
‫ماركوني‪ ،‬صوته عرب اهلواء مدشناً أحد أعظم‬
‫خمرتعات عصرنا‪ ،‬وأعين به االتصال الالسلكي‪،‬‬
‫وعلى الرغم من أنه حرم من تسجيل كلماته‬
‫األوىل عرب اخرتاعه‪ ،‬فإن ماركوني نال ما مل ينله‬
‫سابقاه‪ ،‬جراهام بل ومورس من شهرة وتقدير‪،‬‬
‫فقد كرم ماركوني حبصوله على جائزة نوبل‬
‫للفيزياء عام ‪.1909‬‬
‫لقد غريت وسائل االتصال هذه وجه العامل‬
‫وح��ف��رت أمس���اء خمرتعيها عميقاً يف سجل‬
‫التاريخ‪ ،‬فمن ميكنه تصور احلياة احلديثة من‬
‫دون وسائل االتصال اليت قدمها هؤالء الثالثة‬
‫للبشرية؟‬
‫لكن االخ�تراع��ات يف جم��ال االت��ص��االت مل‬
‫تتوقف عند هؤالء املخرتعني الثالثة‪ ،‬فقد جاء‬
‫اخرتاع رابع ليمثل ذروة االتصاالت بني بين البشر‬
‫يف عامل اليوم‪ ،‬وأعين بذلك الربيد االلكرتوني‬
‫ال��ذي دخل حيز الوجود يف سبعينيات القرن‬
‫امل��اض��ي‪ ،‬وال��ذي أصبح االت��ص��ال ع�بره عنوان‬
‫احلداثة يف عاملنا املعاصر‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫لقد كان كل من هذه االخرتاعات ثورة يف عامل‬
‫االتصال‪ ،‬وصنع كل منها ملخرتعه جمداً يستحقه‬
‫وخلده يف كتب التاريخ‪ ،‬إال رابع هؤالء املخرتعني‬
‫الذي جحده اخرتاعه وتفوق عليه شهرة‪ ،‬واضعاً‬
‫إياه يف الظل‪ ،‬ففي حني حاز املخرتعون الثالثة‬
‫األوائل شهرة مدوية وكتبت أمساؤهم يف سجل‬
‫اخللود‪ ،‬ما زال خمرتع الربيد االلكرتوني وواضع‬
‫أسسه جمهوالً يقبع يف الظل‪ .‬كما بقيت جمهولة‬
‫لألكثرية من مستخدمي االنرتنت‪ ،‬الطريقة اليت‬
‫اخ�ترع هبا وسيلته االتصالية احلديثة‪ .‬فمن‬
‫مسع عن براي توملينسون؟ إنه خمرتع الربيد‬
‫االلكرتوني الذي يعيش حياة عادية موظفاً يف‬
‫شركة أمريكية منذ أكثر من مخسة وثالثني‬
‫عاماً‪ .‬دون أدن��ى حماولة لتعريف العامل بأنه‬
‫أح��د رج��ال التاريخ‪ ،‬فتوملينسون فخور مبا‬
‫اخرتعه‪ ،‬وهذا يكفيه‪.‬‬
‫من توملينسون وإليه‬
‫يف شهر يوليو من العام ‪ 1982‬أرس��ل راي‬
‫توملينسون أول رسالة الكرتونية يف التاريخ‪.‬‬
‫وقد وصلت الرسالة إىل العنوان الذي أُرسلت‬

‫إليه على الفور‪ ،‬فقد أرسلها راي لنفسه‪ .‬وال‬
‫يذكر توملينسون م��ا كانت حتتويه الرسالة‬
‫بالضبط‪ ،‬كل ما يذكره أهنا كانت جتميعاً لعدد‬
‫م��ن األح���رف ال�تي كتبت يف ص��ورة عشوائية‬
‫مكونة كلمة «‪ ، »QWERTYIOP‬أو شيء‬
‫من هذا القبيل‪.‬‬
‫خت��رج راي توملينسون يف العام ‪ 1965‬يف‬
‫معهد ماساشوستس للتكنولوجيا‪ ،‬وهو واحد‬
‫م��ن أشهر امل��راك��ز العلمية يف ال��ع��امل‪ ،‬وعمل‬
‫بعد ذل��ك ضمن فريق شركة «ب��ي بي أن» يف‬
‫والي��ة ماساشوستس األمريكية‪ .‬ومنذ ذلك‬
‫التاريخ واألح���داث تبدو وكأنه ارتبت نفسها‬
‫حبيث تقوده إىل إحدى املصادفات التارخيية‬
‫االستثنائية‪ .‬وهذا ما حدث حقاً‪ ،‬إذ قادت هذه‬
‫املصادفات توملينسون حنو اخرتاعه الذي مل‬
‫يكن مطلقاً ضمن جدول أعماله‪ ،‬وذلك بعكس‬
‫بقية اخرتاعاته‪ ،‬اليت كانت ختضع للدراسات‬
‫املسبقة‪ ،‬وكان يقوم هبا إما عن سابق إصرار‪ ،‬أو‬
‫بطلب من الشركة اليت يعمل لديها‪.‬‬
‫اختارت وزارة الدفاع األمريكية شركة‬
‫«بي بي أن» اليت يعمل فيها توملينسون‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪109‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫لتقوم ببناء «أربانت» – ‪ – ARPANET‬وهي‬
‫األح���رف ال�تي ت��رم��ز إىل الشبكة ال�تي تربط‬
‫املعاهد العلمية واجلامعات يف الواليات املتحدة‬
‫األمريكية بعضها بعضاً‪ ،‬وجتعلها على اتصال‬
‫فيما بينها فقط‪ .‬وذل��ك على غ��رار الشبكات‬
‫احمللية ال�تي تربط بني أجهزة الكمبيوتر يف‬
‫مؤسسة واحدة حالياً‪ .‬واليوم يطلق على تلك‬
‫الشبكات احمللية األوىل اسم «جدة االنرتنت»‪.‬‬
‫فقد كانت تلك هي الشكل األول أو التجربة‬
‫األوىل على م��ا أص��ب��ح ي��ع��رف ال��ي��وم بشبكة‬
‫اإلنرتنت‪ ،‬فشبكة اليوم هي ابنة «جدة االنرتنت»‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫شارك توملينسون يف تصميم تلك الشبكة‬
‫ب�برن��ام��ج ب��س��ي��ط ل��ك��ت��اب��ة ال���رس���ائ���ل يدعى‬
‫‪ SNDMSG‬وذلك لكي يتمكن العاملون عرب‬
‫شبكة «أربانت» من أن يرتكوا من خالله رسائل‬
‫لبعضهم البعض اآلخر‪ .‬وهذا الربنامج ال يرقى‬
‫إىل مستوى الربيد االلكرتوني احلايل بطبيعة‬
‫احل��ال‪ ،‬ولكنه كان خطوة مهمة على الطريق‬
‫إليه‪ .‬وأمهية هذا الربنامج أنه يصنع ملفاً توضع‬
‫فيه الرسالة‪ ،‬وهو ما يعين أنه ال يستعمل إال‬
‫بني شخصني أو أكثر يشرتكون يف جهاز كمبيوتر‬
‫واحد‪ .‬من تلك األجهزة اليت كانت متوافرة يف‬
‫املعاهد واجلامعات املشرتكة بشبكة آربانت‪،‬‬
‫فالكمبيوترات الشخصية مل تكن قد ظهرت‬
‫بعد‪ .‬حيث كان عليه أن ينتظر حتى عام ‪1981‬‬
‫لتظهر حمدثة التحول األكرب يف عامل التكنولوجيا‬
‫احلديثة اليت تسيطر على عاملنا اليوم‪.‬‬
‫يقول توملينسون «مل يكن صندوق الربيد إال‬
‫ملفاً يكتب فيه املستخدم رسالته‪ ،‬وال ميكن‬
‫للقارئ إع��ادة الكتابة عليه أو حتريره‪ ،‬ميكنه‬
‫قراءته فقط»‪ .‬وكما ذكرنا‪ ،‬فقد كان اهلدف‬
‫ترك الرسائل من الشخص الذي انتهى عمله‬
‫على اجلهاز للشخص الذي سيتوىل أمره من‬
‫بعده‪ ،‬من دون احلاجة للقاء‪ .‬يف هذه األثناء‬

‫‪110‬‬

‫كان توملينسون قد صمم برناجماً آخر يدعى‬
‫«سيبنت» – يسمح بنقل امللفات م��ن جهاز‬
‫كمبيوتر إىل أخ���ر ع��ل��ى أن ي��ك��ون اجلهازان‬
‫مرتبطني بشبكة أربانت‪.‬‬
‫«إن مل جتد رابطاً ما بني هذين الربناجمني‬
‫فأنت لست خمرتعاً»‪ .‬مثل هذه العقلية الفذة‬
‫اليت تربط بني املخرتعات املختلفة كانت متوافرة‬
‫عند توملينسون‪ ،‬وهي اليت جعلته يفكر بالربيد‬
‫اإللكرتوني‪« .‬األمر واضح‪ :‬إهنا مسألة تقارب‬
‫فكرتني معاً»‪ .‬فهناك برنامج ‪S NDMSG‬‬
‫وهو برنامج لكتابة الرسائل على الكمبيوتر‬
‫نفسه‪ ،‬وبرنامج ‪ CYPNET‬وهو برنامج ينقل‬
‫امللفات من كمبيوتر إىل آخر‪ .‬إذن ملاذا ال يصبح‬
‫كال الربناجمني برناجماً واح��داً‪ ،‬برناجماً ينقل‬
‫الرسائل إلكرتونياً من جهاز كمبيوتر إىل آخر؟‬
‫يف هذه اللحظة ولد الربيد االلكرتوني‪ ،‬يف ذهن‬
‫توملينسون أوالً‪ .‬ومل حيتج األمر إال إىل «إضافة‬
‫احللقة الناقصة» كما يقول توملينسون‪.‬‬
‫واحل��ل��ق��ة ال��ن��اق��ص��ة ك��ان��ت دم���ج برنامج‬
‫‪ CYPNET‬ال���ذي ينقل امل��ل��ف��ات‪ ،‬بربنامج‬
‫‪ SNDMSG‬الذي يكتب الرسالة‪ ،‬وكان نتاج‬
‫هذا االندماج الربيد االلكرتوني‪.‬‬
‫اشارة @‬
‫أتاح هذا االبتكار الفرصة للجميع الستخدام‬
‫الربيد اإللكرتوني‪ ،‬ولكن املشكلة أن الرسالة كانت‬
‫حتى ذلك الوقت ال حتمل أي دليل على مكان‬
‫مرسلها‪ .‬وكانت هذه املشكلة هي اليت أرقت‬
‫توملينسون‪ ،‬فشبكة «أربانت» موزعة على ‪15‬‬
‫جهازاً يف أماكن متفرقة من الواليات املتحدة‪،‬‬
‫منها ماهو موجود يف ماساشوستس‪ ،‬حيث مقر‬
‫شركة «بي بي إن» اليت يعمل فيها توملينسون‪،‬‬
‫هذا التشتت هو الذي جعل توملينسون يفكر يف‬
‫ابتكار رمز يوضع بني اسم املرسل واملوقع الذي‬
‫يفرتض أن ترسل منه الرسالة‪« .‬تأملت لوحة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫املفاتيح‪ .‬حاولت العثور على رمز ال يستعمله‬
‫األش��خ��اص ع��ادة ضمن أمسائهم‪ ،‬مل أرد أن‬
‫يكون هذا الرمز رقماً‪ .‬فكان الرمز @ هو ما‬
‫اخرتته من الرموز املوجودة على لوحة املفاتيح‪.‬‬
‫إنه حرف اجلر الوحيد املوجود على اللوحة»‪.‬‬
‫وبالطبع ف��إن ه��ذا ال��رم��ز ال��ذي وق��ع اختيار‬
‫توملينسون عليه يقرأ على أنه حرف اجلر «‪»at‬‬
‫باللغة االجنليزية والذي يشري إىل املكان الذي‬
‫تنطلق منه الرسالة‪.‬‬
‫مل يتوقع توملينسون أب���داً أن يكون هلذا‬
‫الرمز الذي اختاره األثر الذي يبدو عليه اآلن‪،‬‬
‫حيث بات حرفاً قائماً بذاته‪ ،‬يستخدم ضمن‬
‫أمساء الشركات وعلى اللوحات اإلعالنية‪ ،‬مثل‬
‫أي حرف آخر‪« .‬لقد استغرق األمر ما بني ‪20‬‬
‫و‪ 40‬ثانية للتفكري»‪ .‬ما كان يقصده توملينسون‬
‫هو أن يوضح املرسل مكان وجوده عند إرسال‬
‫الرسالة‪ ،‬وليس أكثر‪ .‬أي أنه يضع الرمز بني‬
‫امس��ه ومكان وج���وده‪ ،‬فيتضمن العنوان اسم‬
‫املرسل ومكان وجوده‪.‬‬
‫بعد ه��ذا االختيار ارس��ل توملينسون أول‬
‫رسالة الكرتونية لنفسه‪ ،‬من جهاز كمبيوتر‬
‫إىل جهاز آخر‪ ،‬وكان اجلهازان بطبيعة احلال‬
‫مرتبطني بشبكة «أرب��ان��ت» وك��ان��ا موجودين‬
‫يف مقر شركة «ب��ي ب��ي إن» ال�تي يعمل فيها‬
‫توملينسون يف ماساشوستس‪ .‬كانت الرسالة‬
‫كما ذكرنا جتميعاً ألح��رف تشكل معاً كلمة‬
‫‪ QWERTYIOP‬أو شيء من هذا القبيل‪،‬‬
‫وهي كلمة ال تعين شيئاً‪.‬‬
‫مل ينشر توملينسون اخرتاعه على املأل فوراً‪،‬‬
‫وطلب من مساعده بريتشفيل أال خيرب أحداً‬
‫عن امل��وض��وع‪ ،‬فلم يطلب منه أح��د مثالً هذا‬
‫االخرتاع‪ .‬لكن قلق توملينسون سرعان ما زال‬
‫عندما أخربه زميل ثالث يدعى الري روبرتس أنه‬
‫سيستخدم اخرتاعه‪ .‬وخالل فرتة وجيزة‬
‫ب��ات اخ�تراع توملينسون وسيلة اتصاله‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪111‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املثلى بالزمالء اآلخ��ري��ن واتصاهلم ببعضهم‬
‫البعض اآلخر‪ ،‬ومل ميض الكثري من الوقت حتى‬
‫اكتسح اخرتاع توملينسون اجلديد مستخدمي‬
‫«أربانت»‪ ،‬وجلهم من احملاضرين يف اجلامعات‬
‫األمريكية‪ ،‬وأظ��ه��رت ال��دراس��ات ال�تي أجريت‬
‫يف تلك الفرتة أن ‪ 75‬يف املائة من االتصاالت‬
‫يف شركة «أربانت» كانت تتم باستخدام الربيد‬
‫االلكرتوني اجلديد‪ .‬الذي يرى توملينسون أن‬
‫أهم ما فيه هو أن استخدامه ال يشرتط وجود‬
‫أي من مرسل الرسالة أو مستقبلها‪ ،‬كما هو‬
‫احلال يف اخرتاع اهلاتف مثالً‪.‬‬
‫ال ي��زال راي توملينسون يعمل يف الشركة‬
‫ذاهت���ا‪« ،‬ب��ي ب��ي إن»‪ ،‬ال�تي ابتاعتها يف العام‬
‫امل��اض��ي ش��رك��ة «ج���ي ت��ي إي» وضمتها اىل‬
‫جمموعتها‪ .‬وينصب عمل توملينسون اآلن على‬

‫‪112‬‬

‫تطوير برجميات التجارة اإللكرتونية‪ ،‬جلعلها‬
‫أكثر أمناً‪ ،‬وعلى رغم أنه غيّر باخرتاعه العامل‪،‬‬
‫فإنه مل يتغري‪ ،‬بل إن ذلك مل يزده إال تواضعاً‪،‬‬
‫فمكتبه يف كيمربدج يف والية ماساشوستس‪ ،‬ال‬
‫يثري االهتمام أبداً‪ .‬ومل جتعله فكرة ثراء بعضهم‬
‫باالعتماد على اخرتاعه هو نادماً على شيء‪.‬‬
‫يقول وه��و يضحك «ع��ادة ما ينتهي االبتكار‬
‫مبكافأة‪ .‬لكن هذا االبتكار كان استثناء!»‪.‬‬
‫واختفت «أرب��ان��ت» وظهرت شبكة جديدة‬
‫اىل حيز الوجود‪ ،‬هي شبكة اإلنرتنت‪ ،‬وأصبح‬
‫مئات املاليني حول العامل يستخدمون الربيد‬
‫االلكرتوني ويعرفون الرمز @ حق املعرفة‪.‬‬
‫ومل يبق من أص��ل الربيد االلكرتوني الذي‬
‫اب��ت��ك��ره توملينسون إال امل��ب��ادئ األساسية‪.‬‬
‫ف��اس��ت��خ��دام ال�بري��د االل��ك�ترون��ي ضمن شبكة‬
‫يشغلها اآلالف ال يقارن أبداً بالربيد االلكرتوني‬
‫الذي ينتقل ضمن شبكة تضم مئات املاليني من‬
‫املستخدمني‪.‬‬
‫الفرق بني اإلنرتنت وأربانت‪ ،‬رمبا كان السبب‬
‫يف ضياع حق راي توملينسون‪ ،‬بالشهرة على‬
‫األقل‪ .‬فـ «جدة االنرتنت» «أربانت»‪ ،‬شبكة حملية‪،‬‬
‫وبذلك فهي ليست جماالً رحباً ميكن للجميع‬
‫االسفادة منه كما هو احلال بالنسبة لإلنرتنت‬
‫لذلك مل ينتشر ابتكار توملينسون إال بني فئة‬
‫ضيقة من مستخدمو شبكة أربانت الذين ال‬
‫يقارنون أبداً بأعداد مستخدمي شبكة االنرتنت‬
‫الذين وصل عددهم اىل املليار مستخدم ولعل‬
‫هذا هو ما جعل توملينسون ال يقدر مدى أمهية‬
‫اخرتاع‪ ،‬يستخدمه عدد حمدود من األشخاص‪.‬‬
‫انتهت تلك املرحلة‪ ،‬وبدأت مرحلة جديدة‪،‬‬
‫ه��ي مرحلة اإلن�ترن��ت‪ ،‬ال�تي تعين باإلنكليزية‬
‫الشبكة العاملية‪ ،‬حيث ال جم��ال لفئة ضيقة‬
‫احتكار استخدامها‪ ،‬وألن توملينسون مل يسجل‬
‫ال�بري��د اإلل��ك�ترون��ي ك��اخ�تراع ب��امس��ه‪ ،‬وحيصل‬
‫بالتايل على ب���راءة اخ�ت�راع‪ ،‬كما فعل ويفعل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫الكثريون‪ ،‬ب��ات الربيد اإللكرتوني دون مالك‪،‬‬
‫وانتشر ب�ين ك��ل مستخدمي اإلن�ترن��ت‪ ،‬وذلك‬
‫بعكس ال��ع��دد احمل����دود ال���ذي ك���ان يستخدم‬
‫«آربانت» وبقي الربيد اإللكرتوني اخرتاعاً من‬
‫دون خمرتع‪ ،‬يستخدمه املاليني حول العامل من‬
‫خالل استخدامهم لشبكة اإلنرتنت‪.‬‬
‫وكما ساعدت االنرتنت على انتشار الربيد‬
‫االلكرتوني‪ ،‬فإهنا ساعدت يف املقابل على ضياع‬
‫اسم راي توملينسون‪ .‬والسرعة الرهيبة اليت‬
‫انتشرت من خالهلا كوسيلة اتصال معلوماتية‬
‫حديثة‪ ،‬مل تدع جماالً أمام توملينسون للتفكري‬
‫يف مدى أمهية اخرتاعه‪ ،‬الذي فكر فيه وأحسن‬
‫اس��ت��غ�لال��ه ال��ق��ائ��م��ون ع��ل��ى م��وق��ع ه���وت ميل‬
‫‪ ، Hotmail‬التابع لشركة مايكروسوفت‪،‬‬
‫والذين قدموا الربيد االلكرتوني خدمة جمانية‬
‫للمشرتكني يف الشبكة‪ ،‬مراهنني على أن هذا‬
‫االخرتاع هو اخرتاع املستقبل‪ ،‬ولقد جنحوا يف‬
‫كسب الرهان‪.‬‬
‫الربيد االلكرتوني اآلن‬
‫إن الطريقة اليت يعمل هبا الربيد االلكرتوني‬
‫بسيطة ج��داً‪ ،‬فما عليك إال أن تقوم بكتابة‬
‫الرسالة‪ ،‬ثم عنوان املرسل اليه‪ ،‬متضمناً الرمز‬
‫@‪ ،‬ثم تضغط على زر اإلرسال‪ ،‬بعد ذلك تذهب‬
‫رسالتك إىل خ��ادم (س�يرف��ر) شركتك املزودة‬
‫ل�لإن�ترن��ت‪ ،‬ال��ذي يتحقق م��ن صحة العنوان‪،‬‬
‫وي��ق��رر امل��س��ار ال��ذي ستسري ب��ه رسالتك عرب‬
‫الشبكة العاملية‪ ،‬حنو خادم شركة املرسل إليه‬
‫املزودة لإلنرتنت‪ ،‬حيث تصله يف صندوق الربيد‬
‫املخصص للمستخدمني‪ ،‬ولقراءة الرسالة‪ ،‬يقوم‬
‫املرسل إليه‪ ،‬مستقبل الرسالة‪ ،‬بفتح صندوق‬
‫بريده االلكرتوني ليقرأ الرسالة من كمبيوتره‬
‫اخل��اص أو من أي جهاز آخ��ر متصل بشبكة‬
‫اإلنرتنت حول العامل‪ .‬األمر برمته ال يستغرق‬
‫أكثر من ‪ 20‬ثانية لوصول الرسالة ملتسلمها‪ ،‬ويف‬

‫هذا توفري كبري للوقت واملال‪ ،‬ولذا‪ ،‬فإن الربيد‬
‫االلكرتوني يضع الربيد العادي يف مهب الريح‪،‬‬
‫حيث تتفوق إمكانات الربيد االلكرتوني عليه‬
‫بدرجات كبرية‪ ،‬وباإلضافة إىل إرسال الرسائل‬
‫الكتابية‪ ،‬ميكنك عرب الربيد االلكرتوني إرسال‬
‫ملفات موسيقية أو برامج أو صور أو غري ذلك‬
‫من امللفات اليت ترسل مع الرسالة االلكرتونية‬
‫يف صورة ملحقات ‪. ATTACHMENTS‬‬
‫والرسالة االلكرتونية كبرية الشبه بالرسالة‬
‫الورقية التقليدية‪ ،‬فهي تتكون من مقدمة‪،‬‬
‫حتتوي على عناوين املرسل واملستقبل وعنوان‬
‫الرسالة ووق��ت إرس��اهل��ا‪ ،‬وجسم حيتوي على‬
‫النص امل��ك��ت��وب‪ .‬ومت��ام �اً كما يفعل الشخص‬
‫بالرسالة التقليدية‪ ،‬فإن عليه التأكد من صحة‬
‫العنوان ‪ ،‬ألنه سيضيع يف حالة كتابته بطريقة‬
‫خاطئة‪ ،‬فإن كان العنوان اخلاطئ ملكاً لشخص‬
‫آخر‪ ،‬فإنه يصل إىل هذا الشخص‪ ،‬وإن مل يكن‬
‫العنوان املكتوب بالطريقة اخلطأ خيص أحداً‬
‫ف��إن الرسالة تعود إىل العنوان ال��ذي أُرسلت‬
‫منه‪.‬‬
‫وال��ي��وم‪ ،‬يستخدم ماليني األشخاص حول‬
‫العامل الربيد االلكرتوني‪ ،‬وقلة منهم فقط تذكر‬
‫صانعه راي توملينسون الذي توصل إىل اخرتاعه‬
‫مصادفة‪ ،‬متاماً مثل عشرات االخرتاعات اليت‬
‫غريت وجه التاريخ‪ ،‬وهو ما يتضح من خالل‬
‫هذا االستخدام الواسع له‪ .‬وال شك يف أن ذلك‬
‫يؤكد أن هذا االبتكار كان حتمياً‪ ،‬وأن��ه لو مل‬
‫يوجد‪ ،‬لكان من ال��ض��روري إجي���اده‪ .‬وأن كان‬
‫كل اخرتاع على هذه الدرجة من األمهية يذكر‬
‫ويذكر معه صاحبه فإن الربيد االلكرتوني يذكر‬
‫وكأن وجوده من طبيعة األمور‪ ،‬أما صاحبه فال‬
‫أحد يكرتث له أو به حتى لو كان على درجة من‬
‫العبقرية مثل راي توملينسون الذي مل يستغرق‬
‫منه ابتكار وسيلة االتصال هذه اليت غريت وجه‬
‫التاريخ سوى ‪ 30‬ثانية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪113‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫األلوان وعالقتها بالبشر‬
‫جوان أمحد حسني‬

‫« كل شيء يف هذا العامل له معان خفية «‬
‫( زوربا – نيكوس كازنتزاكسي )‬

‫‪114‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫لعل الوردة من أكثر األشياء اليت تؤثر فينا‬
‫حنن البشر بلطافة اصطفاف وريقاهتا وشذى‬
‫عبريها وهيجان اللون املمتد فيها‪ .‬لذلك ال‬
‫غرابة يف أن تكون الوردة شهادة اعرتاف العاشق‬
‫حببه ‪ -‬مع التنويه أنه اليقال عن الورد ورداً إال‬
‫إذا كان أمحر اللون ‪ -‬فتلك املشاعر اليت تأخذ‬
‫خصوصية يف الشخص بصورة سرية يعرب عنها‬
‫بالوردة وقد عُ��رف عن الرومان استخدامهم‬
‫للوردة للتعبري عن السرية‪ ،‬فقد اعتاد هؤالء‬
‫الرومان على وضع وردة على الباب للداللة أن‬
‫هناك اجتماعاً خاصاً‪ .‬وكثرياً ما نقرأ يف طيات‬
‫أوراق األدب العربي قدميه وحديثه عن استعانة‬
‫األديب ببعض من خصال الوردة ليكسبها وصفاً‬
‫لصورة أنثوية يف أدبه‪ ،‬فنراه يسرق من «اجلوري»‬
‫اللون األمحر ليعرب عن شفيت أو وجنيت احملبوبة‬
‫‪.‬‬
‫مع التطور البشري أصبح تبادل باقات الورد‬
‫نوع من اللباقة أو « اإلتكيت « ومنط من طرح‬
‫املشاعر بعيداً عن رتابة الكلمات اليت قد ختذل‬
‫صاحبها وقتها‪ .‬ولكل مناسبة أو إحساس لون‬
‫خاص بالورد ‪.‬‬
‫عالقة اإلنسان باللون قدمية قدم التاريخ‬
‫وفطرته‪ ،‬فقد عرف إنسان عصور ما قبل التاريخ‬
‫أمهية اللون – كما نعرفه حنن اليوم – لذلك‬
‫سعى للحصول عليها من الطبيعة وقد ظهرت‬
‫معرفة اإلنسان باللون مما قد خلفه املصريون‬
‫القدماء من نقوش ملونة تعود إىل ما يزيد على‬
‫‪ 20‬أل��ف سنة مضت‪ .‬لقد استخدم اإلنسان‬
‫القديم الفحم وقطع مدببة من الصلصال امللون‬
‫للرسم يف الكهوف‪ ،‬حيث يكتسب الصلصال‬
‫اللون األمحر من كربيتيد الزئبق و اللون األمحر‬
‫واألصفر من أكاسيد خمتلفة للحديد أما اللون‬
‫البين من اوكسيد املنغنيز‪ .‬كما عُرف عن تلك‬
‫الشعوب أهن��ا كانت تلقي بقطع من احلجارة‬
‫الصغرية يف النار وتتأمل تغريات اللون الناجتة‬

‫عن ذلك‪ ،‬وعندما عرفت تلك الشعوب املالبس‬
‫أكسبت مالبسهم ال�تي كانت ع��ادة تصنع من‬
‫ال��ص��وف و القطن والكتان وخ��اص��ة الصوف‬
‫ألواناً استخدموا هلذا الغرض أصبغة عضوية‬
‫استخرجوها من احليوان والنبات أو أصبغة غري‬
‫عضوية استخرجت من املعادن ‪.‬‬
‫فقد كانت ( النيلة ) تستخرج م��ن نبات‬
‫النيلة وهي صبغة زرقاء بعد أن توضع يف وعاء‬
‫ضخم تبقى فيه لتختمر وتصبح عدمية اللون‬
‫تغمس فيها بعد ذلك املالبس ثم تعرض للهواء‬
‫فتكسب تلك املنسوجات اللون األزرق الداكن‪.‬‬
‫أم��ا الصبغة ال��ص��ف��راء فقد مت استخراجها‬
‫من الزعفران‪ .‬وقد حصل سكان بالد مابني‬
‫النهرين على اللون األمحر من مسحوق حشرة‬
‫قشرية تسمى القرمزية ( قملة النبات ) تعيش‬
‫يف أشجار البلوط يف منطقة البحر املتوسط‪.‬‬
‫كما مت استخراج اللون األرجواني من غدة يف‬
‫بلح البحر ( أحد الرخويات املوجودة يف مواقع‬
‫خاصة فقط على ساحل حبر املتوسط ) ‪ ) 1( ‬‬
‫مبقدور أعيننا حنن البشر أن متيز ما يقارب‬
‫‪ 250‬درجة من األلوان املختلفة فالشبكية هي‬
‫القسم امل��س��ؤول ع��ن استقبال ال��ض��وء‪ ،‬فيها‬
‫نوعان من اخلاليا احلساسة بالضوء « العصي‬
‫و املخارط «‪ .‬عمل املخاريط هو إدراك البيئة‬
‫احمل��ي��ط��ة ب��ظ��روف اإلض����اءة اجل��ي��دة وتتمتع‬
‫حبساسيتها للضوء‪ ،‬تواجدها كثيف يف « اللطخة‬
‫الصفراء» اجلزء الرئيس للرؤية‪ .‬أما العصي‬
‫فعملها إدراك البيئة احمليطة بظروف اإلضاءة‬
‫الضعيفة ( الرؤية الليلية ) وهي غري حساسة‬
‫لونياً‪ .‬و لكل لون طول موجة خاص تستقبلها‬
‫عصبونات العني لتنقلها ع�بر رس��ال��ة بشكل‬
‫سيالة عصبية ملركز الرؤية املختص يف املخ‪.‬‬
‫أما نشوء اللون فعائد إىل التفاعل الكيميائي يف‬
‫املادة وهذا اللون حيمل طاقة حتسب من‬
‫العالقة ‪  E = f h‬حيث ‪ /f/‬توتر اللون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪115‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪ Frequency‬و ‪ / /h‬هو مقدار ثابت يدعى‬
‫ثابت بالنك نسبة للعامل بالنك صاحب هذه‬
‫العالقة وهي تساوي ‪j.sec 34-10×6,626( ‬‬
‫) وقد أكد العامل أبن اهليثم أن لكل جسم طاقة‬
‫يرسلها للعني فتحللها وهذا ما نسميه الرؤية‬
‫البصرية‪.‬‬
‫وقد ورد يف أحباث أينشتاين « أن كل أشكال‬
‫امل���ادة ه��ي م��وج��ات ضوئية متحركة ومجيع‬
‫األل��وان تظهر طاقة موجات ضوئية بدرجات‬
‫معينة ميكن قياسها « فالضوء عبارة عن موجة‬
‫والرتكيب املوجي هو سر كل وجود مادي وغري‬
‫مادي ‪.‬إذ إن املوجة حسب تصنيف علم الفيزياء‬
‫احلديث هو الطور اخلامس للمادة « صلب –‬
‫سائل – غاز – بالزما – موجة « وهذا ما أثبته‬
‫العامل إفرن شرودنغر صاحب العالقة املوجية‬
‫الشهرية اليت وصفها بالنص عام ‪ « 1925‬كل‬
‫جسيم يف هذا الكون هو حالة موجية أو تركيب‬
‫لرزمة من األم��واج « ‪.‬أما العامل لويس دوبري‬
‫فقد قال « إن قلب أي جسيم دقيق ما هو إال‬
‫موجة حبيث اليستطيع أحد أن مييز اجلسيم‬
‫عن موجته املادية املواكبة له «‪ .‬ودراسات العامل‬
‫ماكسويل أثبتت أن األمواج الضوئية عبارة عن‬
‫اهتزازات كهراطيسية‪ .‬لكن فكرة األمواج كانت‬
‫بدايتا اقرتاح العامل كريستيان هيغنز عام ‪1680‬‬
‫الذي افرتض الطبيعة املوجية لألشعة الضوئية‪،‬‬
‫وقد قام العاملان فرينل ( ‪ )1788-1827‬من‬
‫ف��رن��س��ا و ت��وم��اس ي��ن��ج (‪ )1773-1829‬من‬
‫بريطانية ب��دراس��ة النظرية املوجية إىل أن‬
‫استطاع ينج على برهنة النظرية عام ‪  .1801‬‬
‫وق��د وج��دت تلك األم��واج الكهرطيسية يف‬
‫اللحظات األوىل م��ن نشوء ال��ك��ون فنشوؤها‬
‫ناتج عن وجود شحنة كهربائية ‪ ‬تتحرك حبركة‬
‫سريعة جداً تتغري سرعتها بشدة ما يؤدي عن‬
‫ه��ذه احل��رك��ة ال�ترددي��ة أن تولد تلك الشحنة‬
‫حقلني األول كهربائي و الثاني مغناطيسي‪ .‬وهبذا‬

‫‪116‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫التعليل أمكن للكواركات املالكة لقدرة كهربائية‬
‫أن تولد أمواج كهراطيسية فظهرت الفوتونات‬
‫الالمرئية و الفوتونات الضوئية املرئية بألواهنا‬
‫املتعددة لكنها يف هذه احلالة أخذت تنتج من‬
‫قفز اإللكرتون بني مدارات الذرة‪ .‬ووفق الطبيعة‬
‫الثنوية (املزدوجة) لألشياء فالضوء عبارة عن‬
‫طبيعتني موجية (كهراطيسية ) وجسيمية (‬
‫الفوتون )‪.‬‬
‫كما أن التجارب بينت أن كل جسيم يصدر‬
‫ض��وءاً عندما يسخن مهما كانت طبيعته أو‬
‫تركيبته الكيميائية ومع تغيري شدة درجة حرارة‬
‫التسخني يتغري ل��ون الضوء الصادر وه��ذا ما‬
‫يفسر تغري لون الضوء الصادر عن سلك املصباح‬
‫بالتسخني املتزايد ‪.‬كما بينت التجارب أن لكل‬
‫عنصر كيميائي لوناً خاصاً عند تسخينه يف‬
‫درجة حرارة معينة وقد مت االستفادة من هذه‬
‫امليزة للعناصر يف كثري من التطبيقات العلمية‬
‫والصناعية والطبية ‪.‬‬
‫ومن القواعد األساسية يف فيزياء الضوء أنه‬
‫إذا ما نظرت إىل وردة محراء عرب زجاج أخضر‬
‫فإنك سرتاها سوداء اللون‪ ،‬السبب عائد إىل أن‬
‫تلك الزهرة ترسل أمواجاً محراء يتلقاها الزجاج‬
‫األخضر وال يرسلها للعني‪  ‬بل ميتصها‪.‬‬
‫وقد عمد املختصون على اختالف جماالهتم‬
‫إىل تقسيم اللون لفئتني‪.‬الفئة األوىل تنقسم‬
‫إىل ألوان موجبة (‪ )+‬متتاز بتفاعلها احلمضي‬
‫وإشعاعاهتا منشطة كاللون األمحر و الربتقايل‬
‫واألص��ف��ر واألس���ود‪ .‬وأل���وان س��ال��ب��ة(‪ )-‬متتاز‬
‫بتفاعلها القلوي وإشعاعاهتا باردة ومهدئة كاللون‬
‫األزرق والنيلي والوردي والبين والبنفسجي ‪.‬أما‬
‫الفئة الثانية فتحتوي على ألوان دافئة أو حارة‬
‫حمصورة بني األمحر األشد دفئاً وبني األصفر‬
‫املخضر أم��ا ال��ب��اردة حم��ص��ورة ب�ين األصفر‬
‫املخضر و البنفسجي لذلك يعد األصفر املخضر‬
‫هو احلد الفاصل ( اللون املعتدل ) فزيادة اللون‬

‫األصفر حيوله إىل لون دافئ أما زيادة األخضر‬
‫فيه حيوله على لون بارد (‪. )2‬‬
‫ويذهب الباحث الدكتور سيار اجلميل يف‬
‫كتابه (فلسفة معاني األشياء) يف باب فلسفة‬
‫ال��ل��ون ب��ال��ق��ول « ي��دخ��ل ال��ل��ون يف ال��دي��ك��ور و‬
‫التصميم و الفنون التشكيلية قاطبة و التوصيف‬
‫الروائي ويف الفلسفة و املنطق وعلم النفس وعلم‬
‫اجلمال‪ .‬إن فلسفة األل��وان علم واسع األبعاد‬
‫يتصل باألمزجة وعلم النفس اجلمعي و الثقافة‬
‫احلية و ال��ذوق اإلنساني فهو ال يقتصر على‬
‫املقتنيات بل ميتد إىل املعاني وأس��س التذوق‬
‫وخصب التفكري واملشاعر(‪. )3‬‬
‫أما تفضيلنا للون عن آخر وحسب ما جاءت‬
‫به األحب��اث عائد آللية تأثريه على املشاعر‬
‫اإلنسان وأحاسيسه فما نرتديه من ألوان تعكس‬
‫نفسيتنا الداخلية – إذا كنا أحراراً يف االنتقاء‬
‫– فهو يعرب عن طريقة تفكرينا كما أن البيئة‬
‫بألواهنا هي األخرى تؤثر فينا‪ ،‬فكل الدراسات‬
‫قدمياً وحديثاً توصلت إىل أن حب اإلنسان للون‬
‫ورفضه لآلخر يتغري حسب سنه ومراحل عمره‬
‫وحتصيله العلمي و املناخ املتواجد فيه و املكانة‬
‫اليت يتبوؤها ونوع اجلنس ذكراً أو أنثى فهناك‬
‫ألوان ذكورية و أخرى أنثوية‪ .‬ونظراً المتالك‬
‫األلوان طاقة فهي تؤثر على الغدتني النخامية‬
‫و الصنوبرية اللتني تنظمان إفراز اهلرمونات و‬
‫تؤثر على األجهزة الفزيولوجية نتيجة لرتددات‬
‫الطاقة اليت تتولد داخل أجسامنا واللون عموماً‬
‫يؤثر حتى باملكفوفني لذلك السبب‪ ،‬وهناك‬
‫دراس��ات نفسية متفرقة املنشأ تقول إن لكل‬
‫شخص ألواناً معينة تثري لديه التحفز و احلركة‬
‫وألوان أخرى مهدئة‪  .‬‬
‫‪ ‬‬
‫اللون األسود‬
‫يُعترب م��ن األل���وان املتعادلة إضافة‬
‫ل�لأل��وان األب��ي��ض وال��ب�ني و ال��رم��ادي و‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪117‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫البيج وتلك األلوان تساعد على عمل اخللفيات و األلفة‪.‬يعتمد الكثري من الفنانني التشكيليني‬
‫و املالءمة بني األل��وان‪ .‬وهو مرتبط بالقوة و عليه وعلى تدرجياته كلون أساس يف تأسيس‬
‫األناقة و الرمسيات و الشعور بالعمق‪ ،‬ويساعد اللوحة‪  .‬‬
‫األل���وان األخ���رى للوصول إىل منزلة السمو‬
‫لون البيج‬
‫والسكون كما يشارك األلوان الدافئة مع األمحر‬
‫ل��ون متقلب‪ ،‬يستخدم يف ال��ف��راغ ليعطي‬
‫يعطيان ل��ون�اً م��غ��ام��راً‪ .‬لذلك حيمل صاحب‬
‫هذا اللون حب السيطرة و التفرد والقوة وله نوعاً من االسرتخاء والسكون‪ ،‬كما يستخدم مع‬
‫قدرة يف التأثري على اآلخرين‪ .‬ونظرا خلاصته األلوان األخرى وخاصة القامتة ليساعدها على‬
‫الفيزيائية يف امتصاص املوجات لذلك ارتداء الظهور بصورة جيدة كما أنه يتوافق مع األلوان‬
‫البدينني املالبس ذات اللون األس��ود جيعلهم الباردة‪.‬‬
‫احنف مما هم عليه يف الواقع‪.‬‬
‫اللون األمحر‬
‫اللون الرمادي‬
‫لون أساسي‪ ،‬رمز للمقدرة الذاتية و السيطرة‬
‫لون متزن‪ ،‬حمايد‪ ،‬وهو لون خال من التعبري‪ ،‬والتفوق‪ ،‬يولد احل��رارة والنشاط‪ ،‬كما يرمز‬
‫مييل إىل السخونة عند مزجه باأللوان الساخنة للعنفوان واجلربوت ‪.‬صاحبه يتأقلم مع احمليط‬
‫وإىل الربودة عند مزجه باأللوان الباردة‪ ،‬كما أن بسرعة وحيمل صفات الكرم واحل��ب الدافئ‬
‫وصفه جلانب أي لون يزيد من شدة ذلك اللون‪ .‬احل��ن��ون كما أن��ه حيمل ثقافة مم��ي��زة وحيب‬
‫وقد عُرف عن العامل اينشتاين حبه هلذا اللون البحث والقيادة‪.‬‬
‫فقد كانت أغلب أل��وان البدالت اليت يرتديها‬
‫رمادية اللون ‪.‬‬
‫اللون األصفر‬
‫يوحي بالضوء أكثر من غريه‪ ،‬وهو رمز للفكر‬
‫اللون األبيض‬
‫واحلكمة و اإلبداع‪ ،‬يساعد على الرتكيز الذهين‬
‫أك��ث��ر س��ط��وع��ا‪ ،‬وه��و نقي وجي��ل��ب الراحة والفهم والتألق إال أن املبالغة يف استخدامه‬
‫والسالم‪ ،‬من خصائص هذا اللون قدرته على داللة على التطرف العقلي‪ ،‬كما ينشط الذاكرة‪.‬‬
‫خفض قوة تأثري أي لون إىل جانبه‪ ،‬لذالك حني صاحبه اليكون صاحب قرار بل منفذ ‪.‬‬
‫خلطه جبانب ألوان متألقة فهو مييل إىل سلب‬
‫تألقها وحيوهلا أللوان ضبابية معتمة‪ .‬صاحبه‬
‫اللون الربتقايل‬
‫ال يتأثر باآلخرين‪ ،‬وهو حمط إعجاب كل من‬
‫لون مينح اإلنسان احليوية و االنطالق‪ ،‬ويعرب‬
‫يلتقي ب��ه‪ ،‬كما أن��ه اليستطيع اإلف��ص��اح عن عن الطاقة االنفعالية ‪.‬‬
‫عامله‪.‬‬
‫اللون األخضر‬
‫اللون البين‬
‫يرمز للحياة النابضة واهل��دوء و السكينة‪،‬‬
‫لون معتدل‪،‬دافئ‪ ،‬غري ثابت وبسيط‪ .‬يستخدم وه��و دل��ي��ل على ره��اف��ة احل��س والتكيف يف‬
‫بكثرة يف األساس اخلشيب الطبيعي ألنه يعطي اجملتمع‪ ،‬يدل على الربيع والبدايات اجلديدة‪،‬‬
‫إحساسا هبدوء األعصاب ومينح صفة التواضع كما أنه يعطي شعوراً بالراحة واألمل لذلك له‬

‫‪118‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫دور مسكن ومرخ وخمفض للتوتر‪ ،‬لكن الداكن األعلى‪ ،‬لذلك هو رمز السمو و الرفعة والنقاء‬
‫منه دليل الغرية والكراهية ‪.‬وه��و من األلوان والتألق والوعي‪ ،‬له تأثري مشابه لألزرق‪.‬‬
‫املرحية للنظر واألعصاب ‪.‬‬
‫اللون البنفسجي ‪ ‬‬
‫مزواج بني طاقة األزرق االسرتخائية وطاقة‬
‫اللون األزرق‬
‫اعتربه الرومان لون الربابرة رغم أن أكثر من األمحر التحفيزية‪ ،‬يرمز إىل التكامل والرقي‬
‫نصف سكان العامل يف الوقت احلايل يفضلونه‪ .‬الروحي يساعد على هتدئة األعصاب ويرتقي‬
‫يدل على السمو الروحي وصاحبه حيمل صفات باإلنسان ملرتبة الزهد‪ ،‬وهو لون خمادع يوحي‬
‫بالفرح واحلساسية‪ ،‬يعجب به الصغار لكنه‬
‫حاملة‪.‬‬
‫مصدر كآبة للمسنني‪  .‬‬
‫مع العودة للتأكيد أن ما سبق ذكره‬
‫اللون النيلي‬
‫مزيج اللونني األمح��ر واألزرق ذو النسبة غري خاضع للتعميم على كل الناس فقد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪119‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ على سبيل املثال ‪ -‬عرف عن الفنان الراحل‬‫فاتح املدرس كرهه للون األخضر لذلك هو لون‬
‫مستبعد من لوحاته و السبب حمفور يف ال وعي‬
‫الراحل ‪.‬‬
‫يؤثر احلقل املغناطيسي اخلاص باللون يف‬
‫حقلنا املغناطيسي اخل��اص و ال��ذي يسمى «‬
‫اهلالة «‪ .‬يف اجلسم السليم تشع « اهلالة « باجتاه‬
‫اخلارج على شكل خطوط مستقيمة منتظمة‪.‬‬
‫أما يف حالة اجلسم املريض تبدو تلك اخلطوط‬
‫متدلية‪ ،‬وقد جاء يف كتاب م��اري أندرسون (‬
‫الصحة والتداوي باللون ) بأن» اهلالة « تعرب عن‬
‫البنية الفكرية لإلنسان وهي تتطور مع تطور‬
‫قدراته الثقافية و الروحانية حيث هلا شكل‬
‫إهليلجي أصفر أم��ا إذا ك��ان الشخص ميتلك‬
‫ملكة الفن فهالته ذات ل��ون أخضر وه��ذا ما‬
‫يفسر اعتماد رسامي عصر النهضة على رسم‬
‫حلقة أعلى رؤوس املالئكة والقديسني وباللون‬
‫الذهيب كداللة على البعد الروحاني لديهم‪)4(.‬‬
‫من الطرق اليت برهن فيها الباحثون على‬
‫وجود تلك اهلالة التجربة البسيطة التالية‪ ،‬حيث‬
‫بوسع أي منا القيام هبا فقط اطلب من صديق‬
‫أن يقف إزاء حائط فاتح اللون وضع خلفه ضوءاً‬
‫عندها بسهولة سرتى تلك اهلالة لكن شريطة أن‬
‫النتظر إليها مباشرة لكن بالنظر على نقطة ما‬
‫من جسم الشخص واليت ستبدو للوهلة األوىل‬
‫بيضاء اللون لكن مع املمارسة ستظهر األلوان‪،‬‬
‫وهي من الطرق اليت يعتمدها املعاجلون باللون‬
‫يف التشخيص إذ يبدو العضو املصاب قامت‬
‫اللون‪ ،‬وق��د ابتكر العامل ( و‪ .‬ج‪ .‬كلينر ) من‬
‫جامعة سانت توماس يف لندن شاشة تعمل‬
‫ضمن اجملال فوق البنفسجي ( ‪ ) 5‬للكشف عن‬
‫تلك اهلالة ‪.‬‬
‫تارخييا يعود هذا النوع من العالج للعصور‬
‫املبكرة يف اهلند والصني ومصر اعتماداً على‬
‫طبيعة اإلنسان السباعية و التقسيم السباعي‬

‫‪120‬‬

‫أللوان الطيف الشمسي كما جاء يف تعاليم تلك‬
‫الشعوب ال�تي عرفت خطوط الطيف لضوء‬
‫الشمس قبل أن يتوصل إليها العامل نيوتن‪،‬‬
‫فالفيزياء وعلوم ما وراء الطبيعة كشفت اللثام‬
‫عن الكثري من تلك التعاليم مما كان حكراً يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫احلضارات القدمية على خنبة معينة املمثلة‬
‫بالكهنة وقام بإحيائها ‪.‬‬
‫البداية وكما ورد يف العديد من املصادر كان‬
‫مع ( روب��رت هنت ) ال��ذي ق��ام بتجاربه على‬
‫النبات ووصف تلك التجارب يف كتابه ( أحباث‬

‫على الضوء يف عالقته الكيميائية ) ثم جاء كتاب‬
‫( الضوء واألشعة كدواء ) الذي أعترب الكتاب‬
‫األول الذي تطرق لعلوم العالج باللون الذي كتبه‬
‫الدكتور بانكوست ‪Dr. S.P.PANGOAST‬‬
‫الذي نشر عام ‪ .  1887‬ويف العام الذي تاله‬
‫نشر الدكتور بابيت ‪Dr.E.D.BABBITT‬‬
‫دراسة وصف فيها تأثري ألوان الطيف املختلفة‬
‫واستخدامها كوسائط عالجية‪ .‬عام ‪ 1933‬عامل‬
‫هندوسي يدعى غاديايل ‪D.P.GHADILAI‬‬
‫نشر بعد سنوات أمضاها يف البحث ( موسوعة‬
‫فن قياس األلوان الطيفية ) وقد قام بعدها يف‬
‫التدريس يف العديد من اجلامعات األمريكية و‬
‫طور كثري من مناذج املصباح الكهربائي ‪.‬‬
‫هلذا العامل (غاديايل ) نظرية محلت النص‬
‫التايل «األلوان متثل التفاعالت الكيميائية يف‬
‫جمموعات مثانية الرتدد ولكل نظام من أنظمة‬
‫اجلسم ل��ون خ��اص يثريه وأخ��ر يكبح مجاحه‬
‫«‪ .‬وق��د وج��د غاديايل أن هالة اإلنسان تقوم‬
‫بامتصاص الضوء ذي اللون األبيض من اجلو‬
‫وتقسمه لطاقات كونية أساسية تتدفق بعدها‬
‫إىل أقسام اجلسم لتبث فيها النشاط واحليوية‪.‬‬
‫كما أنه وجد أن الشعاع اللون األمحر هو الذي‬
‫يساعد على استمرار خاليا الدم احلمراء وينبه‬
‫الكبد أما البنفسجي فينشط الطحال واألخضر‬
‫ينشط الغدة النخامية اليت من وظيفتها التأثري‬
‫يف عمل الغدد األخرى ‪.‬‬
‫األش��ع��ة الرئيسية ال�ت�ي ت��ق��وم ( اهل��ال��ة )‬
‫بإجيادها من حتليل الضوء األبيض هي‪:‬‬
‫الشعاع األمح��ر الكوني ‪ :‬يتم استقباله يف‬
‫اجل��س��م يف منطقة أخ��ف��ض م��رك��ز يف قاعدة‬
‫العمود الفقري‪ ،‬يزود جسمنا باحليوية والطاقة‬
‫وي��ت��م سحبه ع�بر س��اح��ب��ات يف ج��زر العمود‬
‫الفقري أو الغدة التناسلية‪ ،‬حيث املعاجلة هبذا‬
‫اللون تنبه املراكز وتعزز احلرارة وتبدد‬
‫مشاعر التعب و الكسل‪ ،‬كما عمل على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪121‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫زيادة معدل ضربات القلب و التنفس و النشاط‬
‫املوجي يف ال��دم��اغ‪ .‬يستخدم األمح��ر ملعاجلة‬
‫فقر الدم‪ ،‬فتور اهلمة‪ ،‬والعجز اجلنسي‪ ،‬ونقص‬
‫الرتوية الدموية‪ .‬ويضيف د‪ .‬مسري اجلمل يف‬
‫كتابه (الطب الشعيب‪ -‬حقائق وغ��رائ��ب)(‪) 6‬‬
‫أن األمحر مفيد لعالج الكساح والتئام اجلروح‬
‫وشفاء األكزميا واحل��روق وااللتهابات وعالج‬
‫احلمى القرمزية واحلصبة‪ .‬وقد ذكر العامل‬
‫العربي ( اب��ن سينا) أن اللون األمح��ر ينشط‬
‫الدورة الدموية وهلذا جيب أن ال ينظر الشخص‬
‫املصاب بنزف دموي إىل أي غرض لونه أمحر‬
‫و األفضل أن ينظر لألزرق ذي التأثري املسكن‬
‫ال��ذي خيفف تدفق ال��دم ‪.‬و جي��ب أن يشمل‬
‫الغذاء املساعد له على الفول و الشمندر و الكرز‬
‫األس��ود و اخل��وخ و السبانخ والعنب والفواكه‬

‫‪122‬‬

‫واخلضراوات احلاوية على احلديد ‪.‬‬
‫الشعاع الربتقايل الكوني ‪ :‬يتم استقباله يف‬
‫اجلسم يف اجلزء األرفع من الظهر إىل اجلانب‬
‫األيسر من العمود الفقري ‪.‬يسبب التحريض‬
‫العقلي وكان يسمى شعاع احلكمة لوقوعه بني‬
‫األمحر املادي واألصفر العقلي ولذلك له تأثري‬
‫على احليوية و الفكر معاً‪ ،‬وه��و مناسب ملن‬
‫يعانون النحافة املرضية كونه يثري الشهية ويقلل‬
‫الشعور بالتعب واإلرهاق‪ ،‬كما أنه ينشط اجلهاز‬
‫اهلضمي ومضاد لالكتئاب‪ .‬ومشاكل الكلية‬
‫والرئة‪ ،‬مثل الربو والتهاب القصبات الرئوية‪،‬‬
‫كما أنه منشط عام ومقو للقلب‪،‬وحسب كتاب )‬
‫الطب الشعيب حقائق وغرائب ( يعاجل هذا اللون‬
‫أمراض القلب واالضطرابات العصبية وأمراض‬
‫والتهابات العينني مثل التهابات القرنية‪.‬و‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫الغذاء املتبع مع املعاجلة هو الربتقال واليوسفي‬
‫و املشمش و املاجنو والدراق واجلزر‪.‬‬
‫‪ ‬الشعاع األص��ف��ر الكوني ‪ :‬يتم استقباله‬
‫يف اجلسم يف منتصف الظهر فوق الكليتني‪.‬‬
‫يعمل كمطهر للجهاز العصيب كله وهو شعاع‬
‫فكري ينبه القدرات الفكرية والرتكيز والشعور‬
‫باالنفصال‪ .‬ميكن استخدامه لعالج الروماتيزم‬
‫والتهاب املفاصل‪ ،‬واألمراض املتعلقة بالتوتر‪.‬‬
‫ويضاف إىل ذلك أن األصفر منشط عام يف‬
‫حالة اإلص��اب��ة بفقر ال���دم‪ ،‬ويشفي إصابات‬
‫اجلهاز التنفسي مثل ال�برد واحللق والسعال‪.‬‬
‫ويتألف الغذاء الواجب إتباعه ملساعدة تأثري‬
‫الشعاع من الليمون واملوز واألناناس و الذرة ‪.‬‬
‫الشعاع األخضر الكوني ‪ :‬يتم استقباله يف‬
‫اجلسم بني عظميت الكتفني‪ .‬يؤثر على قوة‬
‫القلب وض��غ��ط ال���دم وه��و م��ه��دئ لألعصاب‬
‫وجي��دد نفسياً احلياة ويستخدم لتسكني آالم‬
‫الرأس واألنفلونزا‪،‬كما يستخدم إلحداث التوازن‬
‫يف اجلسم ‪.‬‬
‫الشعاع األزرق الكوني ‪ :‬يتم استقباله يف‬
‫اجلسم يف مركز احلنجرة اليت هلا عالقة بقوة‬
‫اإلرادة والتواصل‪ ،‬وهو شعاع مهدئ لألشياء‬
‫ويريح البال وباعث على االسرتخاء‪ ،‬يستخدم‬
‫آلالم احلنجرة واحلصبة وأب���و كعب واألرق‬
‫والصداع‪  ‬ومفيد يف تقوية امل��ه��ارات اللغوية‬
‫ويعترب األزرق أيضاً منشطاً للجهاز العصيب‬
‫وهو مهدئ لألشخاص مفرطي العصبية وذوي‬
‫ضغط الدم املرتفع‪ ،‬كما يفيد يف عالج أمراض‬
‫الروماتيزم وتصلب الشرايني ويهدئ اهلياج‬
‫اجلنسي‪ ،‬ويشفي أم���راض اجل��ه��از اللمفاوي‬
‫واألنسجة القرنية وأم���راض العيون‪ ،‬ويزيل‬
‫احلصوات الصغرية يف املثانة‪.‬‬
‫الشعاع البنفسجي الكوني ‪ :‬مرتبط بالغدة‬
‫النخامية وهي مركز الفهم احلدسي والروحي‬
‫لذلك ينصح بوضع قطعة حتمل ه��ذا اللون‬

‫على منصة أم���ام الشخص كعامل مساعد‬
‫لتنبيه ال��ق��درات الروحية والنفسية‪ .‬يرتبط‬
‫ب��ط��اق��ة ال��ع��ق��ل األع��ل��ى‪ ،‬وه���ذا ل���ون الكرامة‬
‫والشرف واحرتام الذات واألمل‪ .‬يستخدم لرفع‬
‫تقدير اإلن��س��ان لذاته ويف احل��د من مشاعر‬
‫اليأس فضالً عن عالج االضطرابات العقلية‬
‫والعصبية‪ .‬وهو أيضاً منشط للذاكرة والتفكري‬
‫ويشفي االضطرابات املعوية ويشفي اضطرابات‬
‫التنفس‪.‬‬
‫ال يستخدم األسود يف العالج اللوني وتؤدي‬
‫كثرته إىل امل���وت‪ ،‬بينما ن���ادرا م��ا يستخدم‬
‫الرمادي(فقط لتقليل الشعور املفرط بالتكرب‬
‫والعنجهية) وذبذبات هذا اللون قاتلة للجراثيم‪،‬‬
‫ومفيدة اللتحام األنسجة احلية واجل���روح‪.‬‬
‫وأح��ي��ان�اً يستخدم البين (على شكل ألبسة)‬
‫كعالج شاف لألنانية‪ .‬بينما يستخدم األبيض‬
‫أساساً للعالج اللوني‪ ،‬وميكن استخدامه لعالج‬
‫مرض الصفراء والسيما عند األطفال وحديثي‬
‫الوالدة حيث يسلط الضوء األبيض الشديد فوق‬
‫منطقة الكبد فيساهم ذلك يف الشفاء‪ ،‬كذلك‬
‫ينصح مرضى السل باملشي يف ضوء الشمس‬
‫وارتداء مالبس بيضاء‪) 7(.‬‬
‫و اجل��دي��ر بالذكر أن األش��ع��ة الكونية مت‬
‫اكتشافها ‪ 1912‬حيث حي��وي الوسط الكائن‬
‫بني النجوم نوى ذرية جلميع عناصر اجلدول‬
‫الدوري وهي تتحرك بتأثري احلقل الكهربائي‬
‫و املغناطيسي ولوال أثر احلجب الذي يقوم به‬
‫الغالف اجل��وي ل�لأرض لشكلت تلك األشعة‬
‫الكونية خطراً على اإلن��س��ان الحتوائها على‬
‫طاقة عالية‪.‬‬
‫العالج باللون يستمر من ( ‪ ) 30 – 25‬دقيقة‬
‫وذلك برتكيز الضوء إىل ما فوق اجلسد كله أو‬
‫فوق الظهر‪ .‬وذكرت بعض املصادر التارخيية‬
‫أن الدكتور (أ‪ .‬هباشاريا ) يف اهلند قام‬
‫مب��ع��اجل��ة م��رض��اه ب��احل��ج��ارة الكرمية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪123‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫معتمدا على فكرة اللون اخلاص هلا بالعالج ‪(.‬‬
‫‪ ) 8‬فقد استخدم الياقوت كحجر مواز لألمحر‬
‫الكوني و اللؤلؤ كحجر مواز للربتقايل واملرجان‬
‫كحجر موازي لألصفر و الزمرد كحجر موازي‬
‫لألخضر و التوباز كحجر مواز لألزرق و املاس‬
‫كحجر مواز للنيلي‪.‬‬
‫تلك األشعة الكونية متثل كل واح��دة منها‬
‫م��رح��ل��ة م��ن ت��ط��ور اإلن��س��ان��ي��ة ف��ق��د أنقضت‬
‫مرحلة األشعة احلمراء و الصفراء و الربتقالية‬
‫واخلضراء ‪.‬و البشرية اآلن وفق ما جاء يف كتاب‬
‫د‪ .‬سيار اجلميل ( ‪ ) 9‬تعيش فرتة اللون األزرق‪.‬‬
‫هذا اللون قفز من لون الربابرة إىل اللون األول‬
‫فقد كان اجلرمانيون يصبغون أجسامهم به قبل‬
‫خوض املعارك وعرب عنه « قيصر « أنه جيعل‬
‫جنود الربابرة كاألشباح عندما يتلونون به‪ .‬هذه‬
‫القفزة – واحلديث هنا لـ ميشيل باستور يف‬
‫كتابه « قاموس األلوان يف زماننا « – من لون‬
‫الربابرة إىل اللون األول عائد إىل التطور التقين‬
‫يف اآللة ويف التفكري وما تبعه من مشاعر بني‬
‫األرض و السماء اعتبارا من القرن ‪ 12‬ميالدي‪،‬‬
‫وإذا ك��ان شائعاً التعبري ع��ن بعض الدالالت‬
‫األلوان حيث يشري األبيض إىل السالم و األسود‬
‫للحداد و األمحر للعنف فإن األزرق يدل منذ‬
‫هناية العصور الوسطى على الفرح و احلب و‬
‫االستقامة و اهلدوء‪ ،‬وقد استطاع هذا اللون أن‬
‫حيتفظ بداللته عرب مجيع التبدالت السياسية‬
‫اليت مرت هبا القارة األوروبية و خصوصاً يف‬
‫فرنسا اليت شهدت عام ‪ 1789‬ثورهتا الكربى‬
‫وبقي األزرق لوناً يف العلم الفرنسي باإلضافة‬
‫لألبيض ال��ذي يشري للنظام امللكي يف تاريخ‬
‫فرنسا و األمح��ر للثورة أم��ا األزرق يعرب عن‬
‫الوسط اليوم يف فرنسا‪) 10 (.  ‬‬
‫ولكل شعب اليوم اعتزاز معني بلون خاص‬
‫ب��ه ل��ل��دالل��ة ع��ل��ى ت��ارخي��ه أو ح��اض��ره‪ .‬ففي‬
‫التاريخ اإلسالمي كان األبيض رمز األمويني و‬

‫‪124‬‬

‫األسود رمز العباسيني و األخضر رمز العلويني‬
‫والفاطميني أما األمحر فقد أختاره أشراف مكة‬
‫و العثمانيون‪ .‬وقد استخدم البيزنطيون اللون‬
‫البنفسجي داللة على إمرباطوريتهم وقد دلت‬
‫الكشوفات األثرية يف تيومولوس مبدينة تكريداغ‬
‫الرتكية أن األسكندر املقدوني كان يرتدي اللون‬
‫ال��ق��رم��زي‪ .‬كما أن س��ك��ان القطب الشمايل‬
‫املعروفني باألسكمو فهم يستخدمون ‪ 17‬كلمة‬
‫ل��وص��ف ال��ل��ون األب��ي��ض ي��ص��ف��ون م��ن خالهلا‬
‫درجات الثلج‪ .‬ويف جزر ( باجني ) األندنوسية‬
‫يعتقد املواطنون أن أسالفهم وصلوا إىل هذا‬
‫املكان يف زوارق بنية اللون لذلك فهم يبنون‬
‫بيوهتم على هيئة زوارق مطلية بالبين ويرتدون‬
‫اللون األمح��ر يف اجلنائز وق��د ك��ان دارج��ا يف‬
‫الصني ارتداء العروس فستاناً من اللون األمحر‬
‫ليلة زفافها‪ .‬وتقول نوال سوبندي اليت عاشت‬
‫يف إيران فرتة من الزمن « إن اإليرانيني يرون يف‬
‫األسود لون الشرف‪ ،‬أما األمحر فيحمل العار‪.‬‬
‫« أما األفارقة وطبعا ملناخهم احلار و القاسي‬
‫فهم يرتدون ألوانا متعددة‪ .‬كما يفضل املسلمون‬
‫اليوم اللون األخضر فهو شائع يف مساجدهم‬
‫وأضرحتهم أما القساوسة األرثوذكس الشرقيون‬
‫فيتشحون بالسواد ويضعون غطاء على الرأس‬
‫وليس يف األم��ر أي دالل��ة دينية وتفضيل هذا‬
‫اللون لديهم لعله عائد ملا يف اللون من بساطة‬
‫ووقار‪،‬يف حني أن الرهبان الربوتستانت يرتدون‬
‫األبيض أو الرمادي لعله رد فعل ضد الكنيسة‬
‫الكاثوليكية ليس إال‪.‬‬
‫ويف دراس��ة لعامل االجتماع (اورخ���ان كول‬
‫اوغلو ) يقول فيها « إن أتباع املذاهب السياسية‬
‫املختلفة خيتارون ألوانا خمتلفة ففي البلقان‬
‫مثال يعترب اللون األبيض و األزرق ألوانا يونانية‬
‫حيث حيتوي العلم اليوناني على كال اللونني‪،‬‬
‫أما األمحر و األسود غالبا ما يرتبطان بالصراع‬
‫السياسي و االجتماعي وظل األمحر لسنوات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫رمز العنف و القتل و اإلرهاب ومعاداة النظام‪،‬‬
‫أما سياسيا هذا اللون يشري إىل اإلثارة أو الدفع‬
‫حنو التغيري االجتماعي أو السياسي ويعرف‬
‫التاريخ نوعان من اجليش األمحر األول اجليش‬
‫السوفيييت الذي تأسس بعد ثورة ‪ 1917‬و الثاني‬
‫جيش احلمر الياباني وهو عبارة عن منظمة‬
‫تأسست ‪ 1960‬وبقيت ناشطة ل��ع��ام ‪1990‬‬
‫هدفت كشقيقتها األلوية احلمراء اإليطالية‬
‫اليت نشأت يف سبعينيات القرن املاضي لثورة‬
‫ماركسية ‪.‬‬
‫يؤكد العديد من األطباء النفسيني أن حتليل‬
‫استخدام امل��رء لأللوان وجتاوبه معها يكشف‬
‫عن معلومات وثيقة الصلة بنفسيتهم فاملصابون‬
‫بـ الشيزوفرينيا ( فصام الشخصية ) لديهم‬

‫إدراك غري طبيعي لأللوان‪.‬‬
‫وينصح األطباء (حواء) بتخصيص ركن هادئ‬
‫يف املنزل يكون فيه اللون األبيض هو الطاغي‬
‫ويستحب اإلض��اءة الطبيعية مع إضافة القيل‬
‫من األخضر الذي يهدأ النفس إما من خالل‬
‫لوحات فنية أو نباتات‪ .‬وهم ينصحون اللواتي‬
‫يعانني من االكتئاب ارت��داء مالبس ذات ألوان‬
‫مبهجة كنوع من العالج النفسي‪ .‬كما يعتمد‬
‫الكثريون منهم يف عياداهتم النفسية استخدام‬
‫اللون البنفسجي الفاتح ليعيش املريض يف حالة‬
‫انفصال عن الواقع وه��ذا اللون يساعد على‬
‫مقاومة االنفعاالت العصبية الشديدة‪ .‬وقد بينت‬
‫الدراسات أن األشخاص الذين مييلون‬
‫للعنف إذا وضعوا يف غرف مطلية باللون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪125‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الوردي الفاتح لفرتة قصرية جيعلهم أكثر هدوءا‬
‫و اسرتخاء و السبب يعود للتأثري الفيزيولوجي‬
‫ال��ذي حتدثه الطاقة الكهرومغناطيسية هلذا‬
‫اللون على إفرازات الغدد املؤثرة على االنفعاالت‬
‫العاطفية املختلفة‪ .‬وعند طالء اجلدران باأللوان‬
‫جيب مراعاة آلية توزيع الضوء ليكون هناك‬
‫انسجام بينها وبني أل��وان الدهان فاملصابيح‬

‫‪126‬‬

‫الوهاجة تتناسب مع اللون األمحر و األصفر‬
‫أما املصابيح ‪ /‬الفلور يسنت ‪ /‬فتعكس اللونني‬
‫األزرق و األخضر ‪.‬وللفراغ دور يف انتقائنا‬
‫لأللوان فاألماكن املعتمة اليت ال يصلها الضوء‬
‫يفضل أن يكون لون الدهان فاحتاً خفيفاً كما‬
‫يفضل استخدام األلوان الباردة على اجلدران‬
‫ال�ت�ي ت��ت��ع��رض ألش��ع��ة ال��ش��م��س ع�بر فتحات‬
‫الشبابيك أما تلك اليت ال تصلها الشمس يفضل‬
‫طالؤها باأللوان الدافئة‪.‬‬
‫واجلدير ذكره أن األلوان القامتة كاألمحر و‬
‫الربتقايل تعطي إحياءً بضيق املكان أما الفاحتة‬
‫منها كاألبيض و األزرق و النيلي فتعطي أحساساً‬
‫برحابة املكان يف حني أن اللون األخضر يبقيها‬
‫على حاهلا ‪.‬وينصح الدارسون بطالء حجرات‬
‫الدراسة باللون األزرق الفاتح مع إضاءة عادية‪،‬‬
‫الشيء الذي جيعل الطالب أكثر انتباهاً‪ ،‬على‬
‫خالف الربتقايل غري املناسب لسلوك التحصيل‬
‫العلمي للتالميذ وقليل من اللون األصفر يف‬
‫ديكور غرف التالميذ و األطفال ينشط الذاكرة‪،‬‬
‫كما ميكن استخدام اللون األصفر يف طالء‬
‫غرف كبار السن كونه مينحهم شعوراً بالسعادة‪،‬‬
‫أما الناصع منه فيعمل على هتييج املشاعر ما‬
‫يقلق الشاب و القاصر و املسن ‪.‬‬
‫ميكن توظيف اللون يف عملية التعليم وميكن‬
‫استخدام اللون األصفر كونه أشد األلوان وقعاً‬
‫يف الذاكرة‪ ،‬فكلما أردت أن تتذكر شيئاً اكتبه‬
‫على ورق���ة ص��ف��راء‪ ،‬كما ميكن أن تكتب به‬
‫قوانني الرياضيات و املعادالت الكيميائية أما‬
‫اللون الربتقايل فيصلح لكتابة عبارات حتمل‬
‫التفاؤل كنوع من التأكيد على معنى العبارة‪ ،‬أما‬
‫األمح��ر فيمكن استخدامه لكتابة املالحظات‬
‫املهمة‪ ،‬وال��ل��ون األخضر ميكن استخدامه يف‬
‫مادة اجلغرافية للتعبري عن الطبيعة و األراضي‬
‫اخلصبة‪ ،‬كذلك يف الشعر و األدب للتعبري عن‬
‫اهل��دوء و السكون أو يف الرتبية الفنية كرمز‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ألشخاص يتسمون باحلظ احلسن و اليقظة‬
‫و قلة اخلربة ‪.‬كذلك ميكن استخدامه لتحسني‬
‫ال��ق��درة على ال��ق��راءة و الفهم ل��دى التالميذ‬
‫الذين يعانون صعوبة أو تعثراً يف تعلم القراءة‬
‫‪.‬ويستخدم النيلي مع األصفر للمواد التعليمية‬
‫اليت حتتاج إىل حفظ و الذاكرة النشطة مثل‬
‫األرقام و الرياضيات و معاني املفردات و اللغات‬
‫واملعادالت الكيميائية (‪.) 11‬‬
‫أما الزهور فللحديث عن األلوان فيها شجنٌ‬

‫آخر‪ .‬فزهرة النرجس ( النرسيس ) البيضاء‬
‫اللون ال�تي تعين وف��ق معاني ال��زه��ور األنانية‬
‫وال��غ��رور وزه���رة النسرين (روز ك��اردي��ن��ي��ا )‬
‫البيضاء اللون أيضاً واليت تعين سعادة عابرة‬
‫فلون األبيض فيهما يوحي بالنقاء و الطهر‪،‬‬
‫أما األمحر يف الورود فيعين العاطفة اجلياشة‬
‫و الربتقايل يعين رق��ة املشاعر و األحاسيس‬
‫أما البنفسجي فهو يدل على احلزن واألمل‪ ،‬و‬
‫األزرق داللة على االنطواء‪.‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ - 1‬ابداعات النار‪ .‬تأليف كاتي كوب و هارولد جولد وايت‪ .‬ترمجة د‪ .‬فتح اهلل الشيخ‪ .‬من‬
‫منشورات سلسلة عامل املعرفة الكويتية ‪.‬‬
‫‪ - 2‬مبادئ الضوء و اللون ‪ :‬تأليف ادوين بابيت ‪.‬‬
‫‪  - 3‬فلسفة معاني األشياء ‪ :‬تأليف ‪ ‬الدكتورسيار اجلميل‬
‫‪ - 4‬الصحة والتداوي باللون ‪ :‬تأليف ماري أندرسون‪ .‬ترمجة فؤاد األسطة‬
‫‪ – 5‬تقسم األشعة لثمان مناطق وفقا لطول املوجة وهي على الرتتيب التايل من األقصر‬
‫طوال لألعلى‬
‫‪ -1‬منطقة األشعة الراديوية‬
‫‪ -2‬منطقة األشعة امليكروية‬
‫‪ -3‬منطقة األشعة حتت احلمراء‬
‫‪ -4‬منطقة األشعة حتت احلمراء القريبة « لقرهبا من الضوء املرئي» ‪ ‬‬
‫‪  -5‬منطقة الضوء املرئي‬
‫‪ -6‬منطقة األشعة فوق البنفسجية القريبة‬
‫‪ -7‬منطقة األشعة فوق البنفسجية الفراغية « ألن ‪ H2‬اهلواء ميتص بنية هذه األشعة «‬
‫‪ -8‬منطقة األشعة × « اليت أوجدها العامل روتنجن « ‪ ‬‬
‫‪ – 6‬الطب الشعيب ‪ -‬حقائق وغرائب ‪ :‬تأليف د‪ .‬مسري اجلمل‬
‫‪ – 7‬املصدر السابق‬
‫‪  - 8‬الصحة والتداوي باللون‬
‫‪  - 9‬فلسفة معاني األشياء ‪ :‬تأليف‪  ‬الدكتورسيار اجلميل‬
‫‪  - 10‬قاموس األلوان يف زماننا ‪ :‬تأليف ميشيل باستور‬
‫‪ – 11‬من مقالة لـ د‪ .‬سلمى الصعيدي وهي خبرية مبركز تطوير املناهج يف مصر نشرت‬
‫على صفحات جملة العربي العدد‪602‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪127‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تقديم عالم الغد اليوم‬
‫تأليف‪ :‬روبرت فريدمان *‬
‫ترمجة وتعريب‪ :‬توفيق حممد السهلي*‬

‫يف شركة والدو وماجيك لدينا ماض عريق يف‬
‫التفكري اإلبداعي‪ .‬يف الواقع‪ ،‬االبتكار هو مفتاح‬
‫جناحنا املدوي‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫أخصائيونا الكثر من مهندسني وخيميائيني‪،‬‬
‫وم��ط��وري ب��رام��ج كمبيوتر‪ ،‬وعلماء فيزياء‪،‬‬
‫وعلماء فلك‪ ،‬ومعاجلون بالريكي (‪ )1‬والوسطاء‬
‫الروحيون‪ ،‬وخرباء علم األرقام‪ ،‬وتقنيو الضمان‬
‫املتميز (‪ )2‬واالس��ت��ش��اري��ون م��ن غ�ير البشر‪،‬‬
‫وعلماء استنباط منط الشخصية بناء على‬
‫شكل اجلمجمة (‪ )3‬وخرباء العالج باملساج‪ ،‬كل‬
‫هؤالء كرسوا أنفسهم ليقدموا لكم األفضل يف‬
‫أكثر احللول تقدماً‪.‬‬
‫باختصار‪ ،‬حنن نقدم عامل الغد اليوم‪ .‬أما‬
‫كيف نفعل ذل��ك؟ احلقيقة أن��ه ال أح��د يعمل‬
‫منعزالً عن اآلخرين‪ .‬يتطلب األمر قرية أو على‬
‫األقل حافلة مزدمحة تسري يف املدينة ما عاد‬
‫أي منا يركبها بسبب رأمسالنا الوافر وخطة‬
‫توفرينا‪ .‬فنحن أغنياء‪ ،‬ونستطيع دف��ع أجرة‬
‫سيارة أجرة!‪.‬‬
‫على أي حال‪ ،‬دون سرقة الكثري من األفكار‬
‫اليت قدمها كتاب اخليال العلمي املُعدَمون على‬
‫مدار السنني املاضية‪ ،‬ما كان لنا أن نصل إىل‬
‫تلك املرتبة‪ ،‬وحنقق ذلك النجاح الكاسح على‬
‫مستوى اجمل��رات و ال��ذي يدفع منافسينا إىل‬
‫يأس مميت‪ .‬حتى أننا استعرنا اسم شركتنا من‬
‫عنوان كتاب لـ «روب��رت إي هينلني»‪ .‬وكما هو‬
‫واضح ال نشعر بأي خجل من ذلك‪.‬‬
‫إن منو امرباطورية «والدو و ماجيك» املالية‬
‫قائم على فكرة بسيطة مفادها أن نأخذ كلمة‬
‫جمازية من وحي اخليال العلمي ثم نعكف على‬
‫االستنباط بكل محاس ودون توقف أو كلل أو‬
‫ملل‪ ،‬وهذا أمر جائز جداً على اعتبار أننا ال‬
‫نعلم متاماً مدى الضرر الذي ميكن أن تسببه‬
‫بعض منتجاتنا‪.‬‬
‫فعلى سبيل املثال‪ ،‬منتجنا األخري وهو جهاز‬
‫للنقل على غ��رار ذاك املستخدم يف مسلسل‬
‫وأفالم ستار تريك‪ ،‬يبدو أنه ميزج بني املادة و‬
‫الطاقة بدرجة مثرية للقلق‪ .‬فالنموذج األخري من‬

‫اجلهاز‪ ،‬ورغم أنه كان ذا تصميم صقيل أملس‬
‫جداً ووفق املوضة‪ ،‬إال أنه حما معظم نيوزيلندة‪.‬‬
‫هذه األمور حتصل‪.‬‬
‫ومع هذا ال يكتمل النقاش بشِأن شركتنا‬
‫بدون وصف موجز ألكثر إجنازاتنا جناحاً‪:‬‬
‫السفر بسرعة تفوق سرعة الضوء‪:‬‬
‫لطاملا اعترب علماء الفيزياء احملرتمون ذلك‬
‫هدفاً مستحيالً‪ ،‬لكن تبني أن السفر بسرعة‬
‫تفوق سرعة الضوء ليس بذلك األمر الصعب‬
‫عندما طلبنا تصميم جهاز من جمموعة من‬
‫علماء الفيزياء غري احملرتمني ‪ .‬فهؤالء السكارى‬
‫احملبني للمتعة ال يؤمنون بالعمل أو االلتزام‬
‫بقوانني احلركة والنسبية اململة‪ ،‬أو أي قوانني‬
‫عموماً‪ ،‬وهل��ذا تقدمت الكثري من النسوة يف‬
‫احلي الذي يسكنونه باهتامات ضدهم‪ .‬على أي‬
‫حال الكلمة املهمة هنا هي العمل وفق منهج غري‬
‫اعتيادي‪ .‬إذا مل تستطع السفر أسرع من الضوء‪،‬‬
‫فما عليك إال أن تتالعب بالنظام وتبطئ حركة‬
‫الضوء‪ .‬فأي فرق يف ذلك كله؟ ففين التوصيالت‬
‫الكهربائية الذي تطلب حضوره لتفقد أعطال‬
‫منزلك سيأتي متأخراً مع ذلك‪ ،‬هذا إذا حضر‬
‫من األصل‪.‬‬
‫فندق نوم وفطور للروبوتات فائقة‬
‫التصغري‪:‬‬
‫الروبوتات الفائقة التصغري (‪)Nanobots‬‬
‫تعمل هبمة ونشاط‪ .‬وتعتقد أنه جيب أن تلهو‬
‫بنفس املنوال‪ .‬وهل��ذا افتتحنا سلسلة فنادقنا‬
‫الناجحة ال�تي ت��ؤم��ن املسكن وال��ف��ط��ور هلذه‬
‫الروبوتات اجلميلة امليكانيكية الصغرية‪ ،‬واليت‬
‫حتتاج إىل ال��راح��ة بعد قضائها على خاليا‬
‫السرطان املميتة الصغرية أو بعد معاجلتها‬
‫توتراً سطحياً مسبباً للمشاكل أثناء إصالح‬
‫بالوعة مسدودة يف منزلك‪ .‬وغين عن القول‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪129‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إن ال��ن��ش��اط��ات اجل��م��اع��ي��ة حم��ب��وب��ة م��ن قبل‬
‫ال��روب��وت��ات‪ ،‬ال�تي ال أفضل عندها من ركوب‬
‫احلافالت يف جوالت سياحية طويلة إىل أقرب‬
‫دُرج ألنية املائدة الفضية‪ .‬استثمارنا يف البداية‬
‫كان صغرياً ألننا كنا حباجة إىل سرير واحد‬
‫ف��ق��ط‪ ،‬وال��روب��وت��ات املصغرة ج���داً ال تتناول‬
‫الفطور‪ ،‬أما اآلن فنحقق أرباحاً كبرية جداً‪.‬‬
‫تغيري املعامل اجلغرافية مقابل قليل‬
‫من املال‪:‬‬
‫اجلميع يعرفون أن تغري املعامل اجلغرافية‬
‫ميكن أن يكون باهظ التكلفة‪ .‬تغيري معامل كوكب‬
‫متوسط احلجم بالتأكيد ليس باألمر اهلني‪،‬‬
‫وميكن لسكان الكوكب أن يشعروا بالغضب‬
‫بصورة غري معقولة عندما تقوم بتحريك حدود‬
‫جباهلم الصغرية الوادعة وتغيري حدود حميطاهتم‬
‫لكي تبين كازينو عظيم احلجم‪ .‬لكن أدواتنا‬
‫النووية اخلاصة بتغيري املعامل اجلغرافية توفر‬
‫حالً رخيص التكلفة بأدنى نسبة من األضرار‪.‬‬
‫حسناً‪ ،‬أحياناً يكون من الصعب التحكم بالضرر‬
‫ال��ن��ات��ج‪ ،‬لكن ال ميكنك أن جت��ادل يف سرعة‬
‫نتائجنا‪ .‬فنحن نتمسك مبنتجاتنا حتى لو مل‬
‫يبق هناك أحد يقف يف اجلوار! وزد على ذلك‪،‬‬
‫إذا كنت تريد تغيري املعامل اجلغرافية بتأثري‬
‫صغريـ فعليك باستعمال جمرفة!‪.‬‬
‫إحساس الفردية‪:‬‬
‫يف شركتنا جنحنا يف تطوير ذكاء اصطناعي‬
‫متفوق على ذكاء البشر‪ .‬من ناحية ثانية‪ ،‬هل‬
‫يعين ذلك كل هذه األمهية؟ كم هو مقدار ذكاء‬
‫اإلنسان املتوسط؟ هل ق��رأت مدونة أحدهم‬
‫مؤخراً؟ معظم األجناس األخرى( غي البشر)‬
‫جتنح ألن تكون يف غاية األدب إىل حد إحجامها‬
‫عن إبراز ذلك‪ ،‬لكن البشر معروفون بتعرضهم‬
‫للتحدي ‪ .‬لكن برناجمنا للذكاء االصطناعي‬

‫‪130‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫يعجز أي برنامج آخر على منافسته‪ .‬إذ ميكنه‬
‫حل قضايا فلسفية عويصة على الفهم ‪ ،‬وحل‬
‫مسائل حسابية مستعصية‪ ،‬بل وحتى معرفة‬
‫كيفية استخدام جهاز التحكم عن بعد اخلاص‬
‫مبعظم أجهزة الـ «دي يف دي» !‪.‬‬
‫حنن يف شركة «وال��دو و ماجيك» فخورون‬
‫مباضينا و توّاقون ملالقاة حتديات املستقبل‪ .‬حتقق لنا املزيد من الربح‪ .‬وذلك ألننا يف شركة‬
‫نتطلع قدماً خلدمتكم بأي طريقة من شأهنا أن «والدو و ماجيك» نقدم عامل الغد‪ -‬اليوم‪!.‬‬
‫نبذة عن املؤلف‪:‬‬
‫• روبرت فريدمان‪:‬‬
‫كاتب مقيم يف والية نيوجريسي يف الواليات املتحدة األمريكية‪ ،‬رئيس شركة هابتون للنشر‪.‬‬
‫درس اللغة اإلنكليزية يف اجلامعة‪ .‬عمل مصوراً مستقالً‪ .‬كان حمرراً إلحدى اجملالت‪ .‬يكتب منذ‬
‫عام ‪ ،1974‬له أكثر من ‪ 1000‬مؤلف‪ ،‬عشرات من كتبه ترمجت إىل أكثر من ثالثني لغة يف أحناء‬
‫العامل‪.‬‬
‫نبذة عن املرتجم‪:‬‬
‫• توفيق حممد السهلي‪:‬‬
‫مراسل جملة اخليال العلمي يف لندن‪ .‬صحفي يهتم بعلم الباراسيكولوجي‪ ،‬الظواهر غري املألوفة‬
‫والغريبة‪ ،‬الفضاء‪ ،‬السحر‪ ،‬الطب البديل‪ ،‬احلضارات املفقودة‪ ،‬اجلمعيات السرية‪ ،‬نظريات املؤامرة‪،‬‬
‫أفالم اخليال العلمي وأدبه وفنونه املصورة‪ ،‬وكذلك علم النفس وبقية العلوم عموماً‪ .‬عضو «مجعية‬
‫الدراسة العلمية للظواهر الغريبة» الربيطانية‪ .‬عضو احتاد الصحفيني الفلسطيين‪ .‬عضو احتاد‬
‫الصحفيني السوري‪ .‬عضو احتاد الصحفيني الربيطاني‪.‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ - 1‬الريكي أسلوب يف العالج البديل يهدف إىل تقليل الضغط والتوتر العصيب‬
‫والنفسي عند اإلنسان طوره الياباني مايكو يوسي عام (‪،1924‬‬
‫‪( - 2‬الضمان املتميز يشري إىل عمليات اإلنتاج املخططة واملنهجية اليت تور الثقة يف‬
‫مواءمة منتج ما للغرض املنتج من أجله‪).‬‬
‫‪ )phrenology *( - 3‬نظرية تقوم على أن شكل اجلمجمة حيدد أمناط شخصية‬
‫اإلنسان‪ ،‬طورها الطبيب األملاني فرانز جوزيف غال عام ‪1796‬وكانت شائعة بشكل‬
‫خاص يف القرن التاسع عشر)‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪131‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أسرار كتـب الطيـن‬
‫‪2-1‬‬
‫قويتك زاماروفسكي‬
‫ترمجة‪ :‬أمحد حسان‬

‫كانت التماثيل والنقوش النافرة اليت أحضرها بوتا إىل باريس‬
‫واليارد إىل لندن عبارة عن رسوم توضيحية زينت كتاب تاريخ بالد‬
‫النهرين الكبر‪ .‬لقد عرضت وجوه السكان ومالبسهم واألسلحة‬
‫اليت كانوا يقاتلون بها‪ .‬وعكست صور املخلوقات الغريبة عاملهم اخليالي‪.‬‬
‫وكان هلا مجيعاً قيمة كبرة من الناحيتني الوثائقية والفنية على السواء‪ .‬لكن‬
‫أين كانت نصوص هذه الرسوم التوضيحية؟‬

‫‪132‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫كانت النصوص موجودة على األلواح الطينية‬
‫(‪ ،)1‬املخزنة يف حجرات مستودعات متحف‬
‫اللوفر واملتحف الربيطاني‪ .‬لكن كان ينبغي إعادة‬
‫تشكيل هذه النصوص من معلومات املؤرخني‬
‫اآلش��وري�ين والبابليني وكذلك من املعاهدات‬
‫امللكية والقوانني والوثائق األدبية املختلفة‪ .‬إال‬
‫أن هذا األمر مل يكن ممكناً ألن أحداً مل يكن‬
‫يعرف قراءة الكتابة املسمارية (‪.)2‬‬
‫ك���ان زوار م��ع��رض��ي ب��وت��ا والي����ارد يهزون‬
‫برؤوسهم مندهشني أمام عينات تلك الكتابة‪.‬‬
‫هل هي كتابة حقاً؟ ترى هل متثل أكثر من بضعة‬
‫زخارف‪.‬؟ لقد بدت أشبه باآلثار اليت حتفرها‬
‫العصافري يف الرمل الرطب‪ .‬وكانت عصية على‬
‫القراءة أكثر من احلروف اهلريوغليفية املصرية‪،‬‬
‫فالعالمات اهلريوغليفية (‪ ،) 3‬متثل صوراً بينما‬
‫تبدو العالمات املسمارية عبارة عن جتريد‪.‬‬
‫لعل أكثر مايثري الفضول بشأن هذه الكتابة‬
‫الغريبة اليت كان يتجادل حوهلا زوار معرضي‬
‫اللوفر واملتحف الربيطاني هو أن الدارسني كانوا‬
‫قد توصلوا إىل اكتشاف املفتاح لفك رموزها‬
‫قبل حوايل نصف قرن من الزمن‪ ،‬أي قبل أن‬
‫يكتشف بوتا والي��ارد أول لوحني مسمارين يف‬
‫تل قويوجنيق‪ ،‬وتل النمرود‪ ،‬بل وحتى وقبل أن‬
‫يدخل ريك إىل وسط خرائب بابل!‬
‫لكن مل���اذا احتفظت النصوص املسمارية‬
‫بصمتها رغم هذه احلقيقة؟‬
‫تشكل الطريقة اليت مت فيها اكتشاف املفتاح‬
‫حلل رموز الكتابة املسمارية ج��زءاً من حكاية‬
‫خييل للمرء أهنا كتبت لتطبع باأللوان تاريخ‬
‫علم رصني جداً كعلم اآلشوريات‪ .‬بطل احلكاية‬
‫هنا شاب يف الثامنة والعشرين من عمره كان‬
‫يعمل أستاذاً وكيالً يف مدرسة ثانوية مبدينة‬
‫غوتنجن ‪ .4‬األملانية ومحل اسم جورج فريدريك‬
‫غروتفيند ( ‪ 1853 – 1775‬م ) ‪.‬‬
‫كان غروتفيند من ذلك النوع من الرجال‬

‫الذين مل نلتق هبم حتى اآلن‪ .‬لقد عاش أبسط‬
‫حياة ميكن أن يعيشها موظف حكومي‪ ،‬وكانت‬
‫تسليته الوحيدة تنحصر يف حل ألغاز الصور‪،5‬‬
‫وك��ان لديه طموح فريد وه��و أن خي�ترع كتابة‬
‫عاملية حتل حمل مجيع األجب��دي��ات‪ ،‬وقد توج‬
‫عمله املهين باحتالل منصب مدير مدرسة‬
‫ثانوية يف هانوفر (‪ .)6‬مل ي��زر ب�لاد النهرين‬
‫أبداً‪ ،‬ومل ير يف حياته أي نقش مسماري أصيل‪،‬‬
‫ومل يعرف عن الكتابة املسمارية سوى أهنا كانت‬
‫موجودة يف وقت من األوقات‪ .‬وذات يوم أعلن‬
‫أمامه صديقه فيوريلو‪ ،‬أمني مكتبه اجلامعة‬
‫يف املدينة بأنه الميكن حل رموز هذه الكتابة‪،‬‬
‫فما كان منه (وهو يف حالة سكر‪ ،‬كما يقال)‬
‫إىل أن راهن أمني املكتبة بأنه سينجح يف فك‬
‫رموز تلك الكتابة‪ .‬ويف خريف العام ذاته ومع‬
‫بدء أوراق األغصان باالصفرار‪ ،‬ربح غروتفيند‬
‫الرهان!‬
‫ميكن التأكيد باملقابل أن غروتفيند كان‬
‫يهوي دراس��ة اللغات الشرقية وآداهب���ا‪ ،‬وكان‬
‫ميتلك ثقافة جامعية متينة‪ ،‬حيث درس فقه‬
‫اللغات الكالسيكية وفقه اللغة األملانية‪ .‬ولذلك‬
‫مل تكن طريقة عمله طريقة ه��او أب���داً‪ ،‬فقد‬
‫توفرت لديه بشكل خاص نسخ عن النصوص‬
‫املسمارية املعروفة آنئذ وال سيما نسخ نقوش‬
‫برسيبوليس (‪ .)7‬املأخوذة من كتب ديال فايل‬
‫وكارسنت نيبور‪ .‬وعبثاً أجهد الرجل عقله‪ ،‬إذ مل‬
‫لديه أدنى فكرة عن اللغة اليت كتبت هبا‪ ،‬كما مل‬
‫يعرف إن كانت تقرأ من اليمني إىل اليسار أم‬
‫من اليسار إىل اليمني‪ ،‬والما إذا كانت مدونة يف‬
‫السطر الواحد ثالث كلمات أم عشر‪ .‬بعد ذلك‬
‫درس غروتفيند بتمعن مجيع الكتب املتوفرة عن‬
‫الكتابة املسمارية (وقد أحضرها له فيوريلو)‪ .‬مل‬
‫تكن كتباً كثرية وكان معظمها يفتقد إىل اجلدية‬
‫باستثناء كتب املستشرق الفرنسي إيساك‬
‫دي ساكي (‪ .)8‬واألستاذ أوالف تيكس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪133‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫(‪ .)9‬م��ن غوتنجن‪ ،‬واألك��ادمي��ي الدامناركي‬
‫فريدريك مونتز (‪ .)10‬اختار غروتفيند من‬
‫شبكة األخطاء واالحتماالت عدة فرضيات‪.‬‬
‫افرتض أوالً أن نقوش برسيبوليس تضم ثالثة‬
‫مناذج كتابية وأهنا حتتوي بالتايل على نصوص‬
‫بثالث لغات‪ .‬وافرتض ثانياً أن هذه النقوش تعود‬
‫تقريباً إىل عصر الساللة الفارسية القدمية أي‬
‫الساللة اإلمخينية اليت حكمت منذ الربع األول‬
‫من القرن السادس إىل هناية الثلث الثاني من‬
‫القرن اخلامس قبل امليالد‪ .‬وافرتض من جهة‬
‫ثالثة أن واحداً من هذه النقوش ميكن أن يكون‬
‫مكتوباً بالفارسية القدمية‪.‬وافرتض أخ�يراً أن‬
‫كتابة هذا النقش بالفارسية القدمية هي كتابة‬
‫أجبدية (متثل فيها العالمة حرفاً) وأن العالمة‬
‫املسمارية املائلة اليت تتكرر كثرياً رمبا تكون‬
‫عالمة تنقيط بني الكلمات‪ .‬واضاف إىل هذه‬
‫الفرضيات فرضية تقول إن مدوني هذا النقش‬
‫هم امللوك الذين كانت برسيبوليس مقراً هلم‪.‬‬
‫فمن غري ملك ميكن أن يأمر حبفر نقش على‬
‫جدران قصر ملكي؟‬
‫انطالقاً من فرضيات العمل ه��ذه‪ ،‬باشر‬
‫غروتنفيند دراسة النصوص املذكورة‪ .‬لقد وجد‬
‫أن النقوش مكتوبة‪ ،‬على األغلب‪ ،‬من اليسار إىل‬
‫اليمني‪ ،‬ألنه من املمكن يف حال العكس أن يلوث‬
‫الكاتب على سبيل املثال‪ ،‬األسطر اليت كتبها‬
‫من قبل (على لوح الطني)‪ .‬واستنتج بالتايل أن‬
‫العالمات تقرأ من اليسار إىل اليمني‪ .‬والحظ‬
‫أن بعض العالمات (هي سبع من حيث العدد)‬
‫يتكرر كثرياً من دون أي تغيري يف أشكاهلا فخمن‬
‫بأهنا رمبا تكون لقباً ملكياً ( ألي كلمة تعين ملكاً‬
‫أو عاهالً)‪ .‬وإذا كان ذلك االفرتاض صحيحاً‪،‬‬
‫فهذا يعين أنه جيب أن يظهر اسم ملك ماقبل‬
‫اللقب أو ب��ع��ده‪ .‬لكت أمس���اء امل��ل��وك الفرس‬
‫القدماء معروفة بالصيغة اليونانية فقط‪.‬‬
‫بيد أن هذه مل تكن مشكلة كبرية ألن األمساء‬

‫‪134‬‬

‫بالصيغة اليونانية الميكن أن ختتلف كثرياً عنها‬
‫يف صيغتها األصلية‪ .‬وهكذا أحضر غروتفيند‬
‫ك��ت��اب ه�يرودوت��س ((ال��ت��اري��خ)) وق���رأ اجلزء‬
‫السابع منه حيث جيري فيه وصف احلروب‬
‫اإلغريقية‪ .‬الفارسية (‪ ،)11‬ووجد هناك أمساء‬
‫تسعة م��ل��وك‪ .‬ب��دأ يستبدل امس��اً بآخر كما‬
‫يف لعبة حتزير الكلمات (‪(( .)12‬الميكن أن‬
‫يكون امسا سريوس (‪ ،)13‬وكامبيسيس (‪.)14‬‬
‫مها املذكورين ألن األمس��اء ال��واردة يف النقش‬
‫التتطابق معهما باحلرف األول يف البداية‪.‬‬
‫كما المي��ك��ن أن ي��ك��ون اس��م س�ي�روس أو اسم‬
‫آرتاكسريكس (‪ .)15‬مها املقصودين ألن االسم‬
‫األول قصري جداً واالسم الثاني طويل جداً من‬
‫حيث عدد احلروف‪ .‬بقي أمامي امسا داريوس‬
‫(‪ ،)16‬وكسريكس (‪ )17‬فقط‪ ،‬وقد انطبقا على‬
‫العالمات ال��واردة يف اللوح حبيث مل يعد لدي‬
‫شك بأنين حزرت بشكل صحيح))‪.‬‬
‫هل حزر بشكل صحيح فعالً؟ لقد تبني أن‬
‫اس��م داري���وس ك��ان يكتب بالفارسية القدمية‬
‫‪ .DARAYAWAUS‬واس����م كسريكس‬
‫‪ ،HSAYARASA‬وكانت كلمة ملك تكتب‬
‫‪ ،)18( HSAYATHIYA‬كان هناك حرف‬
‫واح��د زائ��د‪ ،‬األم��ر ال��ذي مل يفاجئ غروتفيند‬
‫ال��ذي ك��ان يعرف مثل ه��ذه األح���وال يف لغته‬
‫األم (فاحلرف ‪ ،H‬على سبيل املثال‪ ،‬اليلفظ‬
‫كثرياً يف األملانية‪ ،‬كما أن الصوت الطويل ‪I‬‬
‫يكتب حبرفني ‪ ...‬اخل ) أخرياً ساعده املؤرخون‬
‫اإلغ��ري��ق يف إزال���ة شكوكه‪ ،‬فقد أورد هؤالء‬
‫معلومات دقيقة تقول إن داريوس األول ( ‪-485‬‬
‫‪ 521‬ق‪ .‬م ) مل يكن اب��ن ملك وإمن��ا اغتصب‬
‫العرش يف غضون الفوضى ال�تي نشبت بعد‬
‫موت كامبيسيس‪ .‬وأصبح بإمكان غروتفيند‬
‫أن يكتب ‪(( :‬أكدت صحة استنتاجي حقيقة أن‬
‫نقش االبن (كسريكس) يذكر كلمة "ملك" جبانب‬
‫اسم األب وأن نقش األب (داري���وس) ال يذكر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫كلمة "ملك" إىل جانب اسم أبيه (أبي داريوس)‪.‬‬
‫لقد ربح غروتفيند الرهان يف النهاية‪ ،‬وعلم‬
‫فيوريلو أنه حل رموز الكتابة املسمارية‪ .‬لكننا‬
‫نعلم اليوم أنه مل حيل بشكل صحيح إال عشرة‬
‫حروف فقط‪ ،‬وأما حله للحروف األخرى فلم‬
‫يصمد أمام امتحان الزمن‪ .‬ولكن عشرة حروف‬
‫كانت كافية ألن تفهم انطالقاً منها معاني‬
‫احل��روف األخ��رى والسيما يف أمس��اء األعالم‬
‫واألمس��اء اجلغرافية‪ .‬لقد كان من املمكن أن‬
‫تنفتح مبفتاح غروتفيند البوابة ال�تي كانت‬
‫ختتبئ خلفها أسرار بالد النهرين داخل آالف‬
‫النصوص املسمارية‪.‬‬
‫لكن ملاذا مل حيدث هذا؟ لقد تعرض اكتشاف‬
‫غروتفيند الذي ميكن اعتباره عبقرياً من دون‬

‫شك إىل الضياع واإلمه���ال‪ .‬مل تكن اجلمعية‬
‫العلمية يف غوتنجن مستعدة لالعرتاف بعمله‪،‬‬
‫بل إهنا مل تسمح له حتى بتقديم ورق��ة عمل‬
‫أو حم��اض��رة ب��ش��أن��ه (وه���و مل حي��ظ بشرف‬
‫االنتساب إىل اجلمعية بسبب وجود عيب لديه‬
‫هو أنه كان ابن اسكايف)‪ .‬فيما بعد قدم األستاذ‬
‫أوالف ت��ي��ك��س‪ .‬دراس����ة غ��روت��ف��ي��ن��د وطبعها‬
‫يف نسخة خمتصرة وذل���ك يف تشرين األول‬
‫(أكتوبر) من عام ‪1802‬م‪ .‬ومع ذلك مل يهتم هبا‬
‫أي من الباحثني يف الكتابة املسمارية آنذاك‪،‬‬
‫" فاملختصون " الي��ق��رؤون يف ال��واق��ع " كتب‬
‫اهلواة"‪ .‬بعد ثالثة أعوام متت طباعة جزء من‬
‫هذه الدراسة كملحق لكتاب املؤرخ هريين‬
‫(‪ .)19‬عن السياسة والنقل والتجارة لدى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪135‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بعض الشعوب القدمية‪ ،‬ومرة أخرى مل تلفت‬
‫انتباه أي من علماء اآلشوريات‪ .‬أخرياً ظهرت‬
‫الطبعة الكاملة لدراسة غروتفيند حتت عنوان"‬
‫مسامهة يف حل الكتابة املسمارية على نقوش‬
‫برسيبوليس " يف عام ‪1893‬م‪ ،‬عندما اكتشفها‬
‫األس��ت��اذ فلهلم ماير (‪ .)20‬بني املخطوطات‬
‫املنسية يف مطبعة جامعة غوتنجن! يف ذلك‬
‫الوقت كان غروتفيند قد مات منذ أربعني سنة‪،‬‬
‫وكانت الكتابة املسمارية قد حلت منذ وقت‬
‫بعيد‪.‬‬
‫مل يكن حل رموز الكتابة املسمارية سهالً‪،‬‬
‫كما قد توحي بذلك ق��راءة قصة غروتفيند‪.‬‬
‫لقد كان حلها مسألة إهلام ومسألة عمل‪ ،‬وليس‬
‫عمل شخص واحد بالطبع‪ .‬وإذا كان غروتفيند‬

‫‪136‬‬

‫قد عمل مثل حمقق سري‪ ،‬فإن ماميكن تسميته‬
‫بدائرة اسكوتالنديارد كاملة (‪ .)21‬قد انطلقت‬
‫إىل ال��ع��م��ل‪ .‬حيث م��زج ع��ش��رات األشخاص‬
‫العباقرة ذكاءهم بعناد المثيل له‪.‬‬
‫ارتبط األم��ر بأعقد مشكلة واجهها العلم‬
‫فيما يتعلق بالعصور القدمية‪ .‬وطبعاً مل تكن‬
‫املسألة سهلة حتى يف حال الكتابة اهلريوغليفية‬
‫املصرية القدمية‪ ،‬لكن ك��ان ل��دى شامبليون‬
‫"حجر الرشيد " (‪ .)22‬الذي محل إىل جانب‬
‫النص اهلريوغليفي املصري ترمجة عنه إىل‬
‫اللغة اإلغريقية‪ .‬وح�ين ق��ام ه��روزن��ي (‪.)23‬‬
‫بكشف لغة احلثيني امليتة‪ ،‬كان يعرف كتابتهم‪.‬‬
‫وعندما حل كنوروزوف (‪ .)24‬هريوغليفية املايا‬
‫قام بدراسة لغة املايا (ال�تي مل تنقرض حتى‬
‫أيامنا هذه) وذلك مبساعدة أحدث احلواسيب‬
‫يف أكادميية العلوم السوفييتية‪ .‬وعندما نذكر‬
‫ه��ذه األش��ي��اء فنحن النقلل أب��داً من أهليات‬
‫ه��ؤالء العلماء‪ .‬لكن موقف الذين حلوا رموز‬
‫الكتابة املسمارية كان أصعب بكثري‪.‬‬
‫ك���ان جي��ب ق����راءة ك��ت��اب��ة جم��ه��ول��ة مكتوبة‬
‫بلغة جمهولة أي��ض �اً‪ .‬ه��ذه املسألة تدعى يف‬
‫الرياضيات " حبل معادلة جمهولة الطرفني "‪.‬‬
‫وحسب علمنا الميكن حل مثل هذه املعادلة‪.‬‬
‫وحتى نكون أكثر دق��ة‪ ،‬باعتبارنا نتحدث عن‬
‫الرياضيات‪ ،‬نقول‪ :‬مل تكن العالمة أو احلرف‬
‫الواحد حيمل القيمة الصوتية ذاهتا دائماً ! لقد‬
‫كان األمر عبثياً بالفعل !‬
‫حقق رج��ال العلم أول انتصار هلم عندما‬
‫قرروا أن يشرحوا املسألة‪ .‬وأدرك��وا يف الوقت‬
‫نفسه أن فهم ال��وث��ائ��ق ال��راف��دي��ة ال�تي حتمل‬
‫كتابة مسمارية‪ ،‬إمنا يستدعي شيئاً أكرب بكثري‬
‫من جمرد حل رموز ونقوش برسيبوليس‪ ،‬فقد‬
‫كانت برسيبوليس بعيدة إىل الشرق من بالد‬
‫النهرين باإلضافة إىل ذلك بيّنت األمساء اليت‬
‫فكها غروتفيند أن النقوش تعود إىل أزمنة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫نعرفها (من املؤرخني اإلغريق)‪ .‬فيما كان تاريخ‬
‫اململكة البابلية‪ .‬اآلشورية (‪ 259‬قد افل منذ‬
‫ف�ترة بعيدة‪ .‬ف��إذا ما جنح أح��د ما بالتايل يف‬
‫حل رموز النقش الفارسي القديم العائد إىل‬
‫برسيبوليس حالً صحيحاً كامالً‪ ،‬فقد يساعد‬
‫ذلك على فهم الوثائق الرافدية املكتوبة مثلما‬
‫ميكن أن تساعد معرفة اللغة األلبانية املعاصرة‬
‫يف ت��رمج��ة القصائد الفرنسية ال��ق��دمي��ة أو‬
‫القوانني الرومانية ! (‪)26‬‬
‫مل يكن باإلمكان فعل ش��يء س��وى جتاهل‬
‫املصاعب واالنطالق إىل العمل‪ .‬بعد غروتفيند‬
‫( وخليفتيه تيكسن ومونرت ) قام الدامناركي‬
‫رامس��وس كريستيان راس��ك (‪– 1787 ( )27‬‬
‫‪1832‬م ) باخلطوات األوىل‪ .‬لقد ك��رس هذا‬
‫الفقيه اللغوي املتميّز وأح���د مؤسسي علم‬
‫اللسانيات امل��ق��ارن (‪ )28‬مخسة عشر عاماً‬
‫من حياته لدراسة الكتابة املسمارية‪ ،‬وتوصل‬
‫إىل استنتاج أن صيغة مجع املضاف إليه للقب‬
‫الفارسي القديم ط ماك امللوك " تنتهي بالزائدة‬
‫(‪ )29‬أنام ( ‪. ) Anam‬‬
‫بعده ق��ام الفرنسي يوجني ب��ورن��وف (‪)30‬‬
‫(‪1852 – 1801‬م ) خبطوة أخرى‪ ،‬عندما أعلن‬
‫يف عام ‪1836‬م بأنه متكن من إع��ادة صياغة‬
‫األجبدية الفارسية القدمية من ثالثة وثالثني‬
‫حرفاً (‪ )31‬وتبني فيما بعد بأن حله كان خاطئاً‬
‫كله تقريباً‪ .‬إذ مل حيدد بشكل صحيح إال ثالثة‬
‫حروف هي الباء والزاي والكاف‪ ،‬كما أنه ترجم‬
‫الكلمة الفارسية القدمية " آدم " بـ " أنا أكون "‬
‫(وكان غروتفيند اعتربها لقباً)‪ .‬ويف العام ذاته‬
‫فام النروجيي كريستيان السن (‪– 1800 ( )32‬‬
‫‪1876‬م) بطباعة كتاب عن نقوش برسيبوليس‪.‬‬
‫وك��ان املكسب الوحيد ال��ذي حصده العلم من‬
‫عمل حياته هذا هو حل سبعة حروف واكتشاف‬
‫أن احلرف القصري ( ‪ ) a‬يلفظ ولكنه ال يكتب‬
‫(‪ )33‬يف الفارسية القدمية‪ ،‬وإمنا يكتب فقط‬

‫احلرف الطويل ( ۤ‪. ) a‬‬
‫لقد ك��رّس علماء ع��دي��دون حياهتم كلها‬
‫الكتشافات مشاهبة‪ .‬وقد أعطوا االنطباع من‬
‫خ�لال ج��ه��وده��م املتواصلة ب��أهن��م أش��ب��ه مبن‬
‫حي��اول أن ميأل بالقطارة " حب�يرة م��اء " لكن‬
‫القطرات املتجمعة واح��دة فوق أخ��رى وحياة‬
‫جبانب أخرى أدت خالل بضعة أعوام إىل اكتمال‬
‫حل األجبدية الفارسية القدمية‪ .‬لقد تألفت من‬
‫ستة وثالثني حرفاً‪ ،‬وجرى اكتشاف احلروف‬
‫األخرية عن طريق علم الكتابة بالشيفرة (‪)34‬‬
‫على أي��دي األملاني ي‪ .‬ف‪ .‬بيري (‪ )35‬يف عام‬
‫‪1838‬م والفرنسي ي‪ .‬ف‪ .‬جاكيه (‪ )36‬يف العام‬
‫ذاته واالنكليزي هـ‪ .‬ك‪ .‬أولنسون (‪ )37‬يف عام‬
‫‪ 1846‬م‪.‬‬
‫لكن م��اذا حدث بشأن نقوش برسيبوليس‬
‫ونصوصها املسمارية ؟‪.‬‬
‫لقد وج��دت هي األخ��رى من حيلها أيضاً‪.‬‬
‫وب��دت اجملموعة الثانية من العالمات أسهل‬
‫من اجملموعة الثالثة‪ .‬ولكن كانت هناك صعوبة‬
‫متثلت يف أنه مل ميكن حتديد اللغة اليت كتبت‬
‫هبا ه��ذه اجملموعة الثانية‪ ،‬وق��د عدّها بعض‬
‫الباحثني لغة ميدية (‪ )38‬أو سكينية (‪ )39‬أو‬
‫عيالمية (‪ )40‬أو سوزية (‪ .. )41‬اخل‪ .‬فيما‬
‫شكك باحثون آخرون هبذه اآلراء‪ .‬لكن اإلقرار‬
‫بأن حمتوى هذه اجملموعة الثانية من العالمات‬
‫هو نفسه حمتوى اجملموعة األوىل اليت جرى‬
‫حلّها سرّع نسبياً يف حل املسألة‪.‬‬
‫ففي ع��ام ‪1884‬م حل الدامناركي نيلزل‪.‬‬
‫ويسرتغارد (‪ 18 )42‬عالمة منها (وكان اعتقد‬
‫أن��ه ح��ل ‪ 82‬عالمة ) وبعد ثالثة أع���وام حل‬
‫اإليرلندي ادوارد هنكس (‪ 9 )43‬عالمات‪ .‬بينما‬
‫حل هيك راولنسون حوايل ‪ 50‬عالمة‪ .‬واتضح‬
‫أخرياً أن هذه الكتابة حتتوي على ما جمموعه‬
‫‪ 111‬عالمة وأن اللغة اليت كتبت هبا هي‬
‫العيالمية‪ ،‬وه��ي لغة مل ت��درّس تقريباً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪137‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫على اإلطالق يف تلك الفرتة‪ ،‬وكانت شائعة يف‬
‫سوسة يف جنوب شرقي إيران‪.‬‬
‫أثارت اجملموعة الثالثة من نقوش برسيبوليس‬
‫مفاجآت عدة‪ ،‬وكانت إحداها مفاجأة سعيدة‬
‫ألن الكتابة كانت تتطابق مع الكتابة املوجودة‬
‫على األلواح اليت اكتشفها بوتا واليارد يف بالد‬
‫النهرين‪ ،‬فكانت بالتايل كتابة آشورية بابلية‪.‬‬
‫وك��ان بوسع الباحثني أن يغضوا الطرف عن‬
‫اجملموعة الثانية بعدما تبيّنوا أن عالمات هذه‬
‫اجملموعة الثالثة من الكتابة تبلغ ‪ 642‬عالمة !‬
‫عادة تكون الكتابة اليت يرتاوح عدد حروفها‬
‫بني ثالثني حرفاً وأربعني كتابة أجبدية (‪.)44‬‬
‫أما الكتابة اليت تضم أكثر من مئة عالمة فهي‬
‫كتابة مقطعية (‪ )45‬بال ش��ك‪ .‬ولكن ما نوع‬
‫الكتابة اليت تتألف من أكثر من ستمئة عالمة ؟‬
‫هل هي كتابة لفظية (‪ )46‬تدون فيها كل كلمة‬
‫بعالمة خاصة ؟ كل شيء ممكن‪ ،‬لكن إذا مل يكن‬
‫يف مثل هذه اللغة إال ‪ 642‬كلمة‪ ،‬فهي لغة فقرية‬
‫جداً ! فعلماء اللسانيات يرون أن الفالح الذي‬
‫يعيش يف مناطق قصية يستعمل أكثر من ألف‬
‫كلمة‪ ،‬وأن العامل يف املدينة حيتاج إىل ضعف‬
‫هذا العدد‪ .‬وأن املثقف يستخدم أكثر من عشرة‬
‫آالف كلمة‪ .‬فيما يستخدم الشعراء من أمثال‬
‫غوتيه وشكسبري (‪ )47‬أكثر من مخسة وعشرين‬
‫ألف كلمة ‪.‬‬
‫إذن هل ميكن أن تكون تلك الكتابة مزجياً‬
‫من الكتابة املقطعية والكتابة اللفظية ؟‪.‬‬
‫انكب الدارسون عليها واضعني على احملك‬
‫أفضل ما لديهم! اخليال واحل��دس واملعرفة‬
‫الدقيقة ال�تي حصلوا عليها م��ن الدراسات‬
‫امل��ق��ارن��ة‪ ،‬لكن بعضهم خ��دع كما حصل مع‬
‫املستشرق السويدي لونشتريين (‪ )48‬الذي‬
‫حاول أن حيل هذه الكتابة على أساس األجبدية‬
‫العربية انطالقاً من فرضية ( صحيحة ) هي أن‬
‫اآلشورية والبابلية مها جزء من جمموعة اللغات‬

‫‪138‬‬

‫السامية (‪ )49‬وسار آخرون إىل أبعد مما أمكن‬
‫االعتقاد به يف البداية‪ .‬ففي عام ‪1847‬م حل‬
‫اإليرلندي هنكس ‪ 66‬عالمة صحيحة مبعظمها‬
‫مكتشفاً أهنا عالمات مقطعية‪ .‬وأكد الفرنسي‬
‫دي سولكي اكتشاف هنكس ولونشريين من أن‬
‫بعض عالمات هذه الكتابة تغري قيمتها الصوتية‬
‫حبسب املوقع الذي حتتله يف الكلمة‪ ،‬أي أهنا‬
‫كتابة ( بوليفونية ) أي متعددة األصوات (‪.)50‬‬
‫لكن حتى بعد حتقيق ه��ذه النجاحات بقي‬
‫تسعون باملئة من العالمات اآلشورية‪ .‬البابلية‬
‫حب��اج��ة إىل ح��ل‪ .‬وم��ن ج��دي��د وق��ع الوصول‬
‫هب��ذه املهمة إىل هناية طيبة على عاتق هيك‬
‫راولنسون‪.‬‬
‫من هو هنري كريسويك راولنسون الذي ورد‬
‫ذك��ر امس��ه ث�لاث م��رات يف الفقرات األخرية؟‬
‫ميكن ال��ق��ول باختصار إن��ه واح���د م��ن أشهر‬
‫الشخصيات اليت عملت يف علم اآلشوريات‪.‬‬
‫ولد يف أكسفورد (‪ )51‬يف عام ‪1810‬م ومات‬
‫يف لندن يف عام ‪1895‬م وما حدث بني هذين‬
‫ال��ت��ارخي�ين يبدو أشبه بسيناريو أح��د أفالم‬
‫املغامرات‪.‬‬
‫شب راولنسون يف إيلينغ وبريستول (‪،)52‬‬
‫وتعلم يف املدرسة اللغتني اإلغريقية والالتينية‪،‬‬
‫وعلمه أص��دق��اؤه امل�لاك��م��ة‪ ،‬فيما علمه أحد‬
‫أعمامه رك��وب اخليل‪ ،‬وتعلم اللغتني العربية‬
‫والفارسية مببادرة شخصية‪ .‬لقد أهلته مجيع‬
‫هذه املعارف اليت تسلّح هبا ألن ينضم يف عام‬
‫‪1826‬م إىل شركة اهلند الشرقية‪ ،‬وهكذا انطلق‬
‫وهو شاب مبتدئ يف السابعة عشرة من عمره‬
‫على منت ق��ارب شراعي باجتاه اهلند‪ ،‬وحني‬
‫أصبح يف التاسعة عشرة من العمر ترفع إىل‬
‫رتبة مالزم أول يف فوج الرماة يف بومباي‪ ،‬وحني‬
‫بلغ الثالثة والعشرين من عمره ذهب إىل فارس‬
‫يف مهمة لصاحل جهاز االستخبارات االنكليزي‪،‬‬
‫ويف اخلامسة والعشرين من عمره أصبح رائداً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫يف اجليش الفارسي (ليعمل فيما بعد مستشاراً‬
‫عسكرياً لشقيق الشاه) ويف التاسعة والعشرين‬
‫من عمره انتقل إىل العمل يف السلك الدبلوماسي‬
‫االنكليزي (ليقوم مبهمة قمع انتفاضة معادية‬
‫لإلنكليز يف أفغانستان)‪ .‬ويف الثالثني من‬
‫عمره أصبح آمر لواء اخليالة الذي احتل مدينة‬
‫قندهار (‪ .)53‬ويف الثالثة والثالثني من عمره‬
‫مسي قنصالً عاماً لربيطانيا العظمى يف بغداد‪.‬‬
‫ثم رقي إىل منصب القنصل العام يف بومباي‪.‬‬
‫ومن هنا وصاعداً سارت حياته املهنية هبدوء‬
‫أقل ولكن بفائدة أكرب‪ .‬ويف عام ‪1856‬م عاد إىل‬
‫لندن حيث مت انتخابه عضواً يف الربملان‪ ،‬كما‬
‫منح لقب نبيل‪ .‬لكنه يف النهاية ذهب من جديد‬
‫إىل الشرق ليعمل سفرياً لربيطانيا العظمى‬
‫يف طهران‪ .‬لقد خدم راولنسون شركة اهلند‬
‫الشرقية حوايل سبعني سنة‪ ،‬بغض النظر عن‬
‫موقعه الرمسي‪.‬‬
‫رغم هذه النشاطات متعدة اجلوانب‪ ،‬بقي‬
‫أمام راولنسون وقت كاف ألن يقود " حياة أخرى"‬
‫ومن املدهش فعالً أن يقوم رجل من هذا النوع‬
‫بتكريس بقية وقته لعمل غري عملي أبداً ونعين‬
‫به دراسة بالد النهرين‪ ،‬ومن املدهش أكثر أنه‬
‫أصبح من أهم العلماء املعروفني يف هذا امليدان‪،‬‬
‫حيث حقق أكثر مما حققه سابقوه مجيعاً‪،‬‬
‫ول��واله لكان تاريخ بالد النهرين سيبدو أشبه‬
‫بتاريخ انكلرتا من دون ويليام الفاتح (‪.)54‬‬
‫شاهد راولنسون أول مرة نصاً مسمارياً يف‬
‫عام ‪1835‬م يف إحدى "رحالته الدبلوماسية"‬
‫إىل ف��ارس يف منطقة غري بعيدة عن مهذان‬
‫(‪ .)55‬كان النص منقوشاً على صخرة‪ .‬وعلم‬
‫راولنسون من الدليل املرافق له بأن هذا النص‬
‫ميثل " كتاب كنوز " فمن يستطيع قراءته سوف‬
‫جيد كنزاً أكرب بألف مرة من الكنز الذي عثر‬
‫عليه علي بابا يف كهف األربعني حرامي‪ .‬قفز‬
‫راولنسون إىل أعلى شجرة حتى يتمكن من‬

‫رؤي��ة النص املنقوش بشكل أفضل‪ ،‬ومن باب‬
‫االحتياط قام بنسخه‪.‬‬
‫مل يكن يؤمن بوصفات " كتاب الكنوز " فقد‬
‫شق طريقه حنو الثروة بأسلوب خمتلف‪ .‬لكنه‬
‫كان يعلم أن السريجون مالكومل (‪ ،)56‬حاكم‬
‫مدينة بومباي " يهتم مبثل هذه األشياء "‪ .‬وملا‬
‫كان مرؤوساً مستقيماً‪ ،‬فقد رأى من الالئق‬
‫أن يهتم هبوايات رؤسائه‪ ،‬لكن النقش جذبه "‬
‫بقوة سحرية " كما عرب عن ذلك فيما بعد‪ .‬لقد‬
‫سحرته الكتابة ونوى بأن يفك رموزها عندما‬
‫يتوفر لديه الوقت املناسب‪.‬‬
‫يف تلك الفرتة‪ .‬مل يكن لدى راولنسون وقت‪،‬‬
‫إذ ك��ان��ت ل��دي��ه ال��ت��زام��ات ك��ث�يرة‪ .‬وقد‬
‫ق��اده أح��د ه��ذه االل��ت��زام��ات إىل مدينة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪139‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كرمنشاه (‪( )57‬اليت تقع بالقرب منها صخرة‬
‫كبرية شاهقة يسميها السكان احملليون صخرة‬
‫بيهستون أو بيسيستون)‪ .‬نظر عرب املنظار فرأى‬
‫نقشاً غريباً على قمة هذه الصخرة اليت ترتفع‬
‫مئة مرت تقريباً‪ ،‬وح�ين اق�ترب أكثر الح��ظ أن‬
‫النقش يضم رسوم أشخاص أيضاً‪ .‬مل يعلم من‬
‫الدليل الذي يرافقه شيئاً سوى أن هذا النقش‬
‫موجود هنا منذ األب��د‪ .‬عندما عاد إىل البيت‬
‫بدأ يتصفح كتب الرحالة‪ .‬أكد كري بورتر ( ‪)58‬‬
‫(يف كتابه) أن الرسم املنقوش ميثل " األسباط‬
‫اإلسرائيلية العشرة (‪ " )59‬ورأى لويس غاردان‬
‫(‪( )60‬سكرتري السفارة الفرنسية يف طهران)‬
‫بأنه ميثل " صليباً يقف حتته احلواريون اإلثنا‬
‫عشر (‪ " )61‬أما العجوز ديودوروس فرأى فيه‬
‫" امللكة مسرياميس (‪ )62‬وحرسها الشخصي‬
‫املؤلف من مئة حارس " قرر راولنسون أن يعد‬
‫الشخصيات املرسومة حاملا تسنح له الفرصة‪،‬‬
‫ولكنه وجد حتت الرسوم وحوهلا نقشاً مسمارياً‬

‫‪140‬‬

‫عمالقاً طوله ع��ش��رون م�تراً وع��رض��ه سبعة‬
‫أمتار‪.‬‬
‫إذا كان نقش " كتاب الكنوز " قد أثار اهتمام‬
‫راولنسون‪ ،‬فال شك بأن نقش بيهيستون (‪)63‬‬
‫قد سحره‪ .‬ما األمور اليت يعتربها هؤالء الناس‬
‫املختفون منذ وق��ت بعيد هامة ج��داً حبيث‬
‫تستحق أن تنتقل إىل األحفاد ؟ كم ميكن أن‬
‫نعرف عن هذه األرض إذا عرفنا أن نقرأ هذا‬
‫النقش ؟ أليس يف أوروب���ا علماء يستطيعون‬
‫قراءة النقوش املدونة مبثل هذه الكتابة ؟ اختذ‬
‫راولنسون ق��راراً باحلصول على مجيع الكتب‬
‫املتعلقة بالكتابة املسمارية‪.‬‬
‫كان املسافر حيتاج إىل ثالثة أسابيع حتى‬
‫يقطع املسافة بني كرمنشاه والبصرة‪ .‬وكانت‬
‫الرحلة البحرية من البصرة إىل لندن تستغرق‬
‫ثالثة شهور تقريباً‪ .‬وبالنتيجة كان من املتوقع‬
‫أن تصله الكتب اليت طلبها بعد مثانية أشهر‬
‫على أبعد تقدير‪ .‬لذا كان جيب استغالل هذا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫الوقت وهكذا قام بنسخ نقش بيهيستون ‪.‬‬
‫لنقرأ ما كتبه راولنسون حول هذا النشاط‬
‫(بعد عدة أعوام‪ .‬وبعدما علم أن النقش مدون‬
‫بثالثة أنواع من الكتابة ‪ :‬بالفارسية القدمية‪،‬‬
‫وبالعيالنية وبالبابلية) حني وصلنا إىل احلافة‬
‫الناتئة للصخرة اليت حفر عليها النقش الفارسي‬
‫مل نستطع أن نتدبر األمر من دون سلم‪ ،‬لكن‬
‫استخدام السلم كان خطراً نوعاً ما‪ ،‬فاملنحدر‬
‫الصخري ضيّق‪ .‬واستعمال سلم طويل كان يعين‬
‫أن نضعه بشكل مائل جداً حبيث ال يستطيع‬
‫أحد أن يتسلقه‪ .‬أما على السلم القصري فال‬
‫يستطيع امل��رء أن يصل إىل النقش مامل يقف‬
‫على أعلى درج��ة ويستند جبسمه على لوح‬
‫خشيب حتى ال يفقد توازنه‪ .‬واقفاً هبذه الوضعية‬
‫ودفرت املالحظات بيدي اليسرى والقلم بيدي‬
‫اليمنى‪ ،‬قمت بنسخ النقش احملفور يف األسفل‪.‬‬
‫وقد استغرقين هذا العمل حتى نسيت املخاطر‬
‫متاماً ‪ ..‬أما الوصول إىل النقش العيالمي فكان‬
‫أصعب بكثري ألنه حمفور على ارتفاع أعلى‪ .‬كانت‬
‫الصخرة عرضة للتفتت يف بعض جوانبها حيث‬
‫برزت صدوع ال ميكن اجتيازها إال عن طريق‬
‫سلّم يوضع بشكل أفقي‪ .‬فيما تظهر حتته هوّه‬
‫عميقة يف األسفل‪ .‬ولو كان الفرس يصنعون‬
‫سالمل قوية لسار األمر بشكل أفضل‪ .‬لكنهم‬
‫لسوء احلظ يصنعون سالمل تسقط درجاهتا‬
‫‪ ..‬كانت النسخة البابلية للنقش هي األصعب‬
‫مناالً‪ .‬وكنت مضطراً لالعرتاف بأن الوصول‬
‫إليها هو فوق طاقيت‪ .‬حتى السكان احملليون‬
‫ال��ذي��ن يعرفون كيف يتسلقون الصخور هنا‬
‫أعلنوا أنه من املستبعد أن يصل أحد إىل هناك‪.‬‬
‫ومل يكد ميضي وقت حتى برز صيب كردي تطوع‬
‫بأن يصل إىل هناك‪ .‬فوعدته مبكافأة جمزية ‪..‬‬
‫وجنح ‪ ..‬لقد نسخ النقش املكتوب باللغة البابلية‬
‫كله بطبعه على ورق كرتون مبلل "‪.‬‬
‫أمضى راولنسون شهوراً كاملة يف نسخ نقش‬

‫بيهيستون (مبعاونة الصيب ال��ك��ردي جمهول‬
‫االس��م) لقد استغرق هذا العمل تسعة أعوام‬
‫تقريباً مع انقطاعات كبرية‪ .‬بدءاً من خريف عام‬
‫‪1835‬م إىل صيف عام ‪1848‬م‪ ،‬ثم قام بعملية‬
‫متحيص أخ�يرة للتأكد من دق��ة نسخ النقش‪،‬‬
‫وذلك من خالل تعلّقه حببل هبط به من قمة‬
‫الصخرة‪ ،‬لكنه يف ذلك لوقت كان قد حل رموز‬
‫اجلزء األكرب من النقش وترمجها‪.‬‬
‫مل يكن العمل على علو مئة مرت بني السماء‬
‫واألرض إال " البداية اآلركيولوجية " يف سرية‬
‫راولنسون يف ميدان علم اآلشوريات‪ .‬فالفضول‬
‫الذي أثاره فيه حمتوى نقش بيهيستون مل يكن‬
‫ليدعه ينام‪ ،‬لذلك باشر بالعمل على حل الرموز‬
‫حتى قبل أن تصله الكتب من أوروبا‪ ،‬لقد عمل‬
‫بطريقة مشاهبة لطريقة غروتفيند‪ ،‬اختار نقطة‬
‫انطالق النص املكتوب بأبسط منط كتابة‪ .‬وتبني‬
‫فيما بعد بأهنا " النسخة الفارسية القدمية‬
‫للكتابة املسمارية الرافدية" وق��د اكتشف يف‬
‫هذه الكتابة جمموعة من العالمات تتكرر كثرياً‪،‬‬
‫فقدر بأهنا متثل كلمة "ملك "‪ ،‬ثم عدد العالمات‬
‫اليت تليها وبدأ يبادل بينها وبني أمساء امللوك‬
‫الفرس مستعيناً باملؤرخني اإلغ��ري��ق‪ ،‬ووجد‬
‫داخ��ل شبكة احل��روف املسمارية أمس��اء دارا‬
‫يافوس (‪ )64‬وفيستوسبا ( ‪ )65‬وأرشاما (‪)66‬‬
‫وآرجاوم (‪ )67‬وغريها‪ ،‬وكذلك االسم الفارسي‬
‫القديم ملدينة برسيبوليس‪ ،‬بارسا‪ ،‬وعندما عاد‬
‫يف شهر كانون األول ( ديسمرب) من عام ‪1836‬م‬
‫إىل بغداد واستلم من القنصل تايلور الكتب‬
‫األوىل حول الكتابة املسمارية‪ ،‬كان قد فك من‬
‫الرموز ضعفي ما فكه غروتفيند‪.‬‬
‫أث���ار ب��ع��ض ال��ب��اح��ث�ين ح���ول ه���ذه املسألة‬
‫إشاعة (ليس على الفور ولكن بعد مئة سنة)‬
‫تقول إن راولنسون " نسب إىل نفسه بشكل‬
‫غري شرعي" اكتشاف غروتفيند‪ ،‬ويف‬
‫الواقع أن مثل هذه االختالفات حول "‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪141‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من اكتشف أو ًال " ليست نادرة‪ ،‬وغالباً ما كان‬
‫يثريها صحفيو البلدان اليت ختلفت قليالً يف‬
‫امل��اض��ي يف م��ي��دان االك��ت��ش��اف��ات‪ ،‬ول��ك��ن هذه‬
‫االشاعات ليست بذات شأن فيما يتعلق بتطور‬
‫العلوم‪ ،‬وق��د أظهر راولنسون من جهته بأنه‬
‫أكرب من تلك اخلالفات‪ ،‬فهو مل يشكك جبدارة‬
‫غروتفيند‪ ،‬لقد درس حله للرموز واعرتف بأنه‬
‫صحيح يف أكثر من نصف األحوال‪ .‬واعترب يف‬
‫األحوال األخرى أن حلول غروتفيند للرموز هي‬
‫إما حمتملة الصحة أو خاطئة‪ ،‬وتعامل بطريقة‬
‫مشاهبة مع ما قام به بورنوف والسن (ومع ما‬
‫قام به باحثون آخرون مثل نوريس)‪ .‬وأهم ما يف‬
‫األمر هو أنه مل يوقف نشاطه‪ ،‬بل تقدم يف عمله‬
‫كثرياً حتى إنه متكن يف عام ‪1838‬م من إرسال‬
‫نسخة عن أول جمموعتني من نقوش بيهيستون‬
‫مع تدوينها بالالتينية (‪ )68‬ومع ترمجتها إىل‬
‫اجلمعية امللكية للدراسات اآلسيوية يف لندن‪.‬‬
‫بعدما أهنى التحضري لطباعة ترمجة النسخة‬
‫الفارسية القدمية (اليت ظهرت كاملة يف عام‬
‫‪1846‬م بعنوان نقوش بيهيستون املسمارية‬
‫الفارسية) بدأ بالعمل على النسختني األخريني‬
‫آمالً بأنه سيتمكن من ترمجتهما بسهولة‪ ،‬ولكنه‬
‫علم من النص الفارسي القديم ليس فقط أن‬
‫امللك داريوس األول هو الذي أمر حبفر النقش‬
‫متجيداً النتصاره على امللك غري الشرعي (‪،)69‬‬
‫بل وعلم أيضاً أن النسختني العيالمية والبابلية‬
‫تتطابقان مع النسخة الفارسية القدمية‪ ،‬وهكذا‬
‫وصل إىل املوقف الواعد الذي وجد شامبليون‬
‫نفسه فيه أمام حجر الرشيد‪.‬‬
‫مع ذلك كله كان يعمل بصعوبة كبرية‪ ،‬لقد‬
‫عمل بعناد منلة على م��دى أكثر من صيف‪،‬‬
‫يف مقر الشاه يف االسرتاحات ما بني متارين‬
‫الفروسية‪ ،‬يف أسابيع إحباره الطويلة من اهلند‬
‫إىل انكلرتا‪ .‬ويف فرتات الراحة بني اجتماعات‬
‫ال�برمل��ان االنكليزي‪ ،‬إال أن الكتابة اآلشورية‪،‬‬

‫‪142‬‬

‫البابلية عاندت ذكاءه ومجيع جهوده تقريباً‪.‬‬
‫هذا الرجل الذي سيطر على أعصابه وهو‬
‫ينسخ النقوش من على ارتفاع مئة مرت فوق هوّة‬
‫عميقة‪ .‬والذي وقف يدخن هبدوء أمام انصباب‬
‫النار من مدفعية العدو‪ .‬والذي مل يعكر صفو‬
‫نومه قصف ال��رع��ود خ�لال عاصفة ك�برى يف‬
‫البحر امل����داري‪ .‬ك��اد يصل إىل حافة اليأس‬
‫بسبب عدم جناحه يف حل رموز هذه الكتابة‬
‫ذات الفائدة الكربى للعلم‪ .‬لقد كتب يف عام‬
‫‪1850‬م " أعرتف بصراحة بأنين وجدت نفسي‬
‫أكثر من مرة على عتبة اختاذ القرار هبجر هذه‬
‫الدراسة هنائياً‪ ،‬ذلك أن اليأس كان جيتاحين‬
‫كلما كنت أعجز عن الوصول إىل نتيجة واضحة‬
‫ترضيين"‬
‫م��ع ذل��ك جن��ح يف ال��وص��ول إىل هدفه مئة‬
‫باملئة‪ ،‬وفيما بعد شرح أسباب يأسه بالقول ‪" :‬‬
‫شيء فظيع لقد كان جزء كبري من عالمات هذه‬
‫الكتابة عالمات متعددة األصوات باحلقيقة ‪".‬‬
‫اهلوامش‬
‫‪ -1‬ل���وح ال��ط�ين ‪ :‬صفيحة ص��غ�يرة من‬
‫الطني املعجون تدون عليها العالمات أو الصور‬
‫باستخدام قصبة مدببة الرأس قبل أن جتف ‪.‬‬
‫‪ -2‬الكتابة املسمارية ‪ :‬هي كتابة على‬
‫ألواح الطني برموز وعالمات تدعى العالمات‬
‫املسمارية ألهنا ترتك على اللوح أثراً يشبه شكل‬
‫املسمار‪.‬‬
‫‪ -3‬اهلريوغليفية ‪ :‬مصطلح مركب من‬
‫كلمة ‪ Hiero‬اليونانية وتعين " ديين أو مقدس "‬
‫وكلمة ‪( glyph‬صورة أو نقش) وهي الكتابة اليت‬
‫كان يستخدمها كهنة مصر القدماء وهي كتابة‬
‫تصويرية حتتل فيها الصور مكان الكلمات‪.‬‬
‫‪ : Gottingen -4‬مدينة أملانية مبقاطعة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ساكس السفلى‪.‬‬
‫‪ : Rebus -5‬أل��غ��از ال��ص��ور ع��ب��ارة عن‬
‫رس��وم ترمز إىل كلمات ومجل لغوية حيزرها‬
‫املرء بالنظر إىل الرسم أو الرمز‪.‬‬
‫‪ : Hannover -6‬مدينة أملانية‪ ،‬عاصمة‬
‫مقاطعة ساكس السفلى‪ ،‬تشتهر جبامعتها‬
‫ومتاحفها الفنية‪.‬‬
‫‪ -7‬ن��ق��وش برسيبوليس ‪ :‬ه��ي نقوش‬
‫كتابية على ج��دران قصر داري��وس األول‪ ،‬كان‬
‫يأمر بنقشها بثالث لغات على ال��ت��وازي هي‬
‫األكادية والعيالمية والفارسية القدمية‪.‬‬
‫‪ : Isaaq de Sacy -8‬مستشرق فرنسي‬
‫اهتم بدراسة اللغات الشرقية القدمية‪.‬‬
‫‪ : Oluf Tychcen -9‬عامل لغات أملاني‬
‫حل بعض رموز الكتابة املسمارية‪.‬‬
‫‪ : FriedriEk Munter -10‬عامل لغات‬
‫دامناركي درس الكتابة املسمارية‪.‬‬
‫‪ -11‬احلروب اإلغريقية الفارسية ‪ :‬وتدعى‬
‫أي��ض �اً احل���روب امل��ي��دي��ة وه��ي ح���روب طويلة‬
‫امتدت بني ‪ 492‬و ‪ 449‬ق‪.‬م وانتهت بعقد صلح‬
‫فيمون بعد كالباس اليوناني وارحتششتا األول‬
‫الفارسي‪ ( .‬املؤلف )‬
‫‪ : Charaele -12‬لعبة تفرتض أن حيزر‬
‫املرء كلمة ما من خالل أجزاء أو مقاطع منها‪.‬‬
‫‪ : Cyrus -13‬قورش ‪ :‬محل هذا االسم‬
‫ملكان امخينيان مها قورش األول ( ‪600-640‬‬
‫ق‪.‬م) مؤسس الساللة وواض���ع حجر أساس‬
‫االمرباطورية‪ .‬وقورش الثاني ( ‪ 528-557‬ق‪.‬م)‬
‫الذي قضى على اململكة امليدية‪ ،‬وعلى بابل‪.‬‬
‫‪ : Cambycec -14‬قمبيز مح��ل هذا‬
‫االسم ملكان مها قمبيز األول (‪ 557-600‬ق‪.‬م)‬
‫وقمبيز الثاني ( ‪ 522-528‬ق ‪.‬م ) الذي فتح‬
‫مصر عام ‪ 525‬ق‪.‬م‪.‬‬
‫‪ : Artaxerxes -15‬ارحتششتا ‪ :‬اسم‬
‫محلة ثالثة ملوك هم ارحتششتا األول الذي‬

‫وق��ع م��ع ال��ي��ون��ان صلح فيمون‪ ،‬وارحتششتا‬
‫الثاني ( ‪338-404‬ق‪.‬م ) الذي حاول أحد إخوته‬
‫خلعه مبساعدة مرتزقة ي��ون��ان‪ ،‬وارحتششتا‬
‫الثالث (‪ 338-358‬ق‪.‬م ) الذي غزا مصر ومات‬
‫مسموماً‪.‬‬
‫‪ : Darius -16‬داريوس ‪ :‬محل هذا االسم‬
‫ثالثة ملوك هم داريوس األول (‪ 486-522‬ق‪.‬م)‬
‫الذي استوىل على العرش بعد مقتل قمبيز الثاني‬
‫وهو باني العاصمة بارسا ( برسيبوليس) هزمه‬
‫اإلغريق يف ماراتون عام ‪ 490‬ق‪.‬م‪ ،‬وداريوس‬
‫الثاني ( ‪ 404 – 424‬ق‪.‬م ) الذي اغتيل يف بابل‬
‫وداريوس الثالث ( ‪ 330 – 335‬ق‪.‬م ) آخر ملوك‬
‫الساللة اإلمخينية‪.‬‬
‫‪ : Xerxes -17‬اح��ش��وي��رش اس��م محله‬
‫ملكان مها احشويرش األول (‪ 465-486‬ق‪.‬م)‬
‫ال��ذي اجتاح اليونان وهُ��زم أمامهم يف معركة‬
‫سالمينا البحرية‪ ،‬واحشويرش الثاني ( ‪-338‬‬
‫‪ 335‬ق‪.‬م )‪.‬‬
‫‪ -18‬آثرنا ترك الكلمات الثالث كما وردت‬
‫يف النص األصلي‪ .‬أما العالمة ( ِ ) حتت احلرف‬
‫( ‪ ) S‬فتحول لفظه إىل شني (ِ‪ ) S‬وأما القاطعة‬
‫الصغرية ( _ ) فوق حرف صوتي فتعين املد‪.‬‬
‫‪ : Hereen -19‬مؤرخ أملاني‪.‬‬
‫‪– 1861 ( : Wilhelm Meyer -20‬‬
‫‪ ) 1936‬عامل لغات أملاني‪.‬‬
‫‪ : Scotland Gard -21‬دائرة التحريات‬
‫يف شرطة لندن‪.‬‬
‫‪1790 ( : Ean F. champallion -22‬‬
‫– ‪ ) 1832‬مستشرق فرنسي حل رموز الكتابة‬
‫املصرية القدمية ( اهلريوغليفية ) باالستناد إىل‬
‫النقوش اليت محلها حجر مت العثور عليه يف‬
‫بلدة الرشيد املصرية يف عام ‪ 1799‬خالل محلة‬
‫نابليون على مصر‪ ،‬والنقوش مكتوبة بثالثة‬
‫أن��واع من الكتابة ‪ :‬اهلريوغليفية‪ ،‬والدميوطية‬
‫واالغ��ري��ق��ي��ة األجب��دي��ة‪ ،‬وت��ت��ح��دث ع��ن ذكرى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪143‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اعتالء بطليموس اخلامس العرش يف عام ‪196‬‬
‫ق‪.‬م (املؤلف)‪.‬‬
‫‪1879 ( : Bedrieh Hrosney -23‬‬
‫– ‪ ) 1952‬مستشرق تشيكي حل لغة الكتابة‬
‫املسمارية احلثية باالعتماد على مبادئ النحو‬
‫املقارن وبيّن أهنا ذات أص��ول هندو أوروبية‪.‬‬
‫(املؤلف)‬
‫‪ : Iuri Knorocov -24‬عامل سوفيييت‬
‫حل يف عام ‪ 1952‬نصف عالمات كتابة املايا‬
‫وبيّن أهنا كتابة تصويرية متثل فيها الصور إما‬
‫أصواتاً أو مقاطع أو كلمات‪ ،‬واملايا من شعوب‬
‫أمريكا الوسطى القدمية‪ ،‬كانت هلم حضارة‬
‫ازدهرت بني عامي ‪ 600‬و‪ 900‬م ( املؤلف)‪.‬‬
‫‪ -25‬تسمية " اململكة اآلشورية البابلية "‬
‫تسمية قدمية مل يعد يستعملها املؤرخون‪.‬‬
‫‪ -26‬تنتمي اللغة األلبانية إىل اجملموعة‬
‫الشرقية من اللغات اهلندو أوروبية‪ ،‬بينما تنتمي‬
‫اللغة الفرنسية إىل اجملموعة الغربية من اللغات‬
‫اهلندو أوروبية أيضاً‪.‬‬
‫‪ : Rasm lis Rask -27‬عامل لسانيات‬
‫دامناركي له مؤلفات عديدة هامة‪.‬‬
‫‪ -28‬ظهر علم اللسانيات املقارن يف القرن‬
‫التاسع عشر ويعتمد على املقارنة بني اللغات‬
‫املتقاربة فيما بينها‪.‬‬
‫‪ -29‬ال��زوائ��د مقاطع تضاف إىل الكلمة‬
‫لتشكيل لفظة ج��دي��دة أو معنى جديد وهي‬
‫ثالثة أن��واع ‪ :‬البادئة وتضاف إىل أول الكلمة‬
‫والواسطة وتقحم يف وسط الكلمة والالحقة‬
‫وتضاف إىل آخر الكلمة‪.‬‬
‫‪1801( : Eugene Burnouf -30‬‬
‫– ‪ ) 1852‬مستشرق فرنسي ت��رج��م كتاب‬
‫الزردشتية " األفيستا "‪.‬‬
‫‪ -31‬الفارسية القدمية أو اإلمخينية ‪ :‬لغة‬
‫هندو أوروبية من الفرع اهلندو ايراني ظهرت يف‬
‫نقوش امللوك االمخينيني‪ ،‬وقد دونت بالكتابة‬

‫‪144‬‬

‫املسمارية األجبدية بتأثري آرامي‪.‬‬
‫‪– 1800 ( : Chrictian Lassen -32‬‬
‫‪ ) 1876‬مستشرق نروجيي وباحث يف العلوم‬
‫املسمارية‪.‬‬
‫‪ -33‬هذا شبيه باحلروف الصوتية القصرية‬
‫يف اللغة العربية أي احلركات اليت تلفظ وال‬
‫تكتب‪.‬‬
‫‪ :Eriptogsaphy -34‬الكتابة بالشيفرة‪.‬‬
‫‪ : E. F. Beer -35‬أملاني خمتص بالكتابة‬
‫املسمارية‪.‬‬
‫‪ : E. V. Jacquet -36‬فرنسي خمتص‬
‫بالكتابة املسمارية‪.‬‬
‫‪ : H. K. Rawlincon -37‬سياسي‬
‫انكليزي وعامل آثار ومستشرق ساهم يف حل‬
‫رموز الكتابة املسمارية‪.‬‬
‫‪ -38‬اللغة امليدية كانت لغة امليديني سكان‬
‫ميديا يف مشال غربي ايران‪.‬‬
‫‪ -39‬ال��ل��غ��ة السكيتية ل��غ��ة ك���ان يتكلمها‬
‫الفرثيون يف خراسان‪ ،‬ويعودون بأصوهلم إىل‬
‫منطقة سكيتيا يف جنوبي روسيا‪.‬‬
‫‪ -40‬العيالمية لغة سكان عيالم اليت هي‬
‫خوزستان اليوم‪.‬‬
‫‪ -41‬السوزية ‪ :‬نسبة إىل سوزا أو السوس‬
‫عاصمة إقليم عيالم‪.‬‬
‫‪ : Niels Wectergaard -42‬مستشرق‬
‫دامناركي‪.‬‬
‫‪ : Edward Hincks -43‬إيرلندي‬
‫ساهم يف حل رموز الكتابة املسمارية ‪.‬‬
‫‪ -44‬الكتابة األجب��دي��ة‪ :‬كتابة يعرب فيها‬
‫احل���رف ال��واح��د م��ن حيث امل��ب��دأ ع��ن صوت‬
‫واحد‬
‫‪ -45‬الكتابة املقطعية ‪ :‬كتابة تعرب فيها‬
‫ال��ع�لام��ة ال��واح��دة م��ن حيث امل��ب��دأ ع��ن جزء‬
‫أو مقطع م��ن الكلمة ( أو ع��ن كلمة وحيدة‬
‫املقطع)‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪ -46‬الكتابة اللفظية ‪ :‬كتابة تعرب فيها‬
‫العالمة الواحدة عن كلمة كاملة‪.‬‬
‫‪: W illiam Shahe cpeare -47‬‬
‫(‪ )1616 – 1564‬من أعظم الشعراء االنكليز‬
‫مؤلف العديد من املسرحيات الشعرية‪.‬‬
‫‪ : I. Lowenctern -48‬مستشرق‬
‫سويدي خمتص باللغات السامية‪.‬‬
‫‪ -49‬اللغات السامية مصطلح قديم قصد‬
‫به لغات الشعوب واجلماعات اليت تنسبها التوراة‬
‫إىل سام بن نوح‪ ،‬وقد قسمها املستشرقون إىل‬
‫أربعة ف��روع ‪ :‬السامية الشرقية أو األكادية‬
‫بلهجتيها اآلش���وري���ة وال��ب��اب��ل��ي��ة‪ ،‬والسامية‬
‫الشمالية أو اآلرام��ي��ة والسامية الغربية أو‬
‫الكنعانية وهلجاهتا‪ ،‬والسامية اجلنوبية وتضم‬
‫العربية واللغات املنقرضة اليت سادت يف اليمن‬
‫باإلضافة إىل لغات أخرى منتشرة يف احلبشة‪.‬‬
‫‪ Polyfonic -50‬أي عالمة حتتمل عدة‬
‫قراءات‪ ،‬وأقرب مثال على ذلك يف اللغة العربية‬
‫احلرف ( و) الذي نلفظه يف كلمة " سوق " على‬
‫غري ما نلفظه يف كلمة " وَجد"‬
‫‪ : Oxford -51‬مركز مقاطعة أوكسفورد‬
‫شاير باجنلرتا‪ ،‬تشتهر جبامعتها املعروفة‬
‫‪ : Ealing -52‬ض��اح��ي��ة غ��رب��ي لندن‬
‫و ‪ Bristol‬ميناء جت���اري يف ج��ن��وب غربي‬
‫اجنلرتا‪.‬‬
‫‪ -53‬قندهار ‪ :‬م�����دي�����ن�����ة يف ج����ن����وب����ي‬
‫أفغانستان‪.‬‬
‫‪ -54‬وليام الفاتح ‪ ) 1087 – 1028 ( :‬دوق‬
‫نورماندي يف فرنسا‪ ،‬قاد احلملة النورماندية‬
‫على اجنلرتا يف عام ‪ 1066‬وأعلن نفسه ملكاً‬
‫عليها‪ ( .‬املؤلف )‪.‬‬
‫‪ -55‬مهذان ‪ :‬هي اكتيانا يف العهد امليدي‬
‫وتقع يف جنوب غربي إيران‪.‬‬
‫‪ :John Malcolm -56‬احلاكم االنكليزي‬
‫يف اهلند‪.‬‬

‫‪ -57‬كرمنشان ‪ :‬ه��ي خب��ت��اران ال��ي��وم يف‬
‫مشال غربي إيران‪.‬‬
‫‪ : Kerr Porter -58‬رس����ام لوحات‬
‫بانورامية شهري‪.‬‬
‫‪ -59‬هم أبناء عشر قبائل ( من أصل ‪12‬‬
‫سبطاً ) قادهم اآلشوريون إىل السيب‪.‬‬
‫‪ : Louis Gordane -60‬دبلوماسي‬
‫فرنسي عمل يف الشرق‪.‬‬
‫‪ -61‬احلواري ‪ :‬القصّار أو املبيّض ومسي‬
‫احلواريون هبذا االس��م بسبب إخالصهم وهم‬
‫تالميذ السيد املسيح االثنا عشر‪.‬‬
‫‪ -62‬مسرياميس ‪ :‬هي شامورامات زوجة‬
‫امللك اآلش��وري مششي رود اخلامس وأم أود‬
‫نرياري الثالث أدارت دفة احلكم بنفسها حني‬
‫كان ابنها صغري السن‪.‬‬
‫‪ -63‬بيهيستون ‪ :‬صخرة عالية بالقرب من‬
‫مدينة خبتاران‪ ،‬أمر امللك الفارسي داريوس‬
‫األول بأن تنقش عليها مآثره بثالث لغات هي‬
‫الفارسية القدمية والعيالمية واألكادية‪.‬‬
‫‪ -64‬داريافوس ‪ :‬هو داريوس‪.‬‬
‫‪ : Vistuspa -65‬وال��د داري���وس األول‪،‬‬
‫كان أمرياً على يارثيا ‪.‬‬
‫‪ Arcames -66‬أو ‪ : Archama‬جد‬
‫داريوس األول‪ ،‬كان هو اآلخر أمرياً على بارثيا‪.‬‬
‫‪ Ariaramens -67‬أو ‪ : Arjaum‬والد‬
‫أرساما‪ ،‬تقاسم هو وأخ��وه ق��ورش األول حكم‬
‫فارس‪.‬‬
‫‪ -68‬تدوين نص شرقي باللغة الالتينية هو‬
‫كتابته اللفظية حبروف التينية وليس ترمجة‬
‫هلا‪ ،‬والكلمة هي ‪.Tranliteration‬‬
‫‪ -69‬يزعم داريوس يف روايته على النقش‬
‫ب��أن قمبيز الثاني قتل أخ��اه بارديا س��راً وأن‬
‫ساحراً يدعى مثاوماتا اغتصب العرش باسم‬
‫القتيل‪ ،‬فما كان من داريوس إال أن أعاد األمور‬
‫إىل نصاهبا بوضع يده على العرش‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪145‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سر الخزف المصـري القديـم‬
‫رامز احلوش‬

‫كثرية هي األحاجي اليت خلفها املصريون القدماء‪،‬‬
‫وأكثر منها تلك اجلهود اليت بذلت وتبذل من أجل‬
‫فك طالمسها‪ .‬وال يكاد البحث خيبو من إحداها‪،‬‬
‫حتى يستمر من جديد يف واحدة أخرى‪ .‬ويعترب اخلزف املصري‬
‫أو باألحرى تركيب هذا اخلزف واحداً من أهم األسرار اليت ظلت‬
‫لردح مديد من الزمن تثري فضول العلماء والباحثني‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫وم��ن املعلوم أن القسم األعظم من اآلنية‬
‫الفخارية املصرية القدمية‪ ،‬وكذلك التماثيل‬
‫الصغرية‪ ،‬والزخارف القدمية كانت تصنع من‬
‫فخار شبيه بالزجاج أو مايعرف بالفخار املزجج‬
‫الذي كان يف كثري من األحيان ذا ألوان زاهية‬
‫غاية يف اجلمال‪ .‬ولكن الذي يثري الدهشة هنا‬
‫أن ماميتاز به هذا اخلزف من صفات كالنعومة‬
‫واللمعان‪ ،‬إمنا كان يتم اكتسابه بشكل تلقائي‬
‫من خالل مراحل التصنيع‪ ،‬علماً أن مثل هذه‬
‫الصفات الميكن أن تظهر يف أي نوع من اخلزف‬
‫إال بعد إضافة أكسيد القصدير‪ ،‬والسيما يف‬
‫املرحلة النهائية من عملية التصنيع‪.‬‬
‫ومافتئ األم��ر هكذا مبهماً‪ ،‬حتى قيض‬
‫للعامل األمريكي الربوفسور (نوبل) اكتشاف‬
‫م��اك��ان جم��ه��والً‪ .‬فقد متكن ه��ذا ال��ع��امل‪ ،‬بعد‬
‫سلسلة م��ن األحب����اث ال��ط��وي��ل��ة م��ن معرفة‬
‫العنصر األساسي الذي كان يتكون منه اخلزف‬
‫الفرعوني‪ ،‬وهو ملح الصودا الكاوي‪ .‬زد على‬
‫ذل��ك‪ -‬وهو األه��م‪ -‬أن (نوبل) استطاع إعادة‬
‫تصنيع اخلزف املصري كما كان معروفاً متاماً‬
‫يف شكله وجوهره القدميني‪.‬‬
‫وقد أوض��ح نوبل أن اخل��زف املصري مل‬
‫يدخل يف تركيبه الغضاء مطلقاً‪ ،‬وأن مايكتسبه‬
‫مصقول ن��اع��م ب���راق‪ ،‬إمن��ا يتم م��ن التفاعل‬
‫املتبادل بني مسحوق الكوارتز من جهة وملح‬
‫الصودا الكاوي من جهة أخرى‪ ،‬وذلك وفق املبدأ‬
‫ال��ت��ايل‪ :‬فعند جتفيف املصنوعات اخلزفية‬
‫حت��ت أش��ع��ة ال��ش��م��س‪ -‬كمرحلة م��ن مراحل‬
‫صناعة اخلزف عامة‪ -‬فإن الكربونات املنحلة‬
‫يف عجينة اخل��زف‪ ،‬ترتفع متسربة إىل سطح‬
‫ه��ذه املصنوعات‪ ،‬مشكلة طبقة من مسحوق‬
‫الكربونات‪ ،‬وعند القيام بعملية الشي اليت‬
‫تتم يف درجة مئوية مقدارها ‪ / 1000/‬درجة‬
‫تقريباً‪ ،‬فإن هذه الطبقة املرتسبة تصبح مادة‬
‫مساعدة على صهر أكاسيد املعادن‪ ،‬وهي اليت‬

‫تؤمن تصلب مسحوق الكوارتز‪ .‬وهبذا الشكل‬
‫يتكون على سطح اخلزف سطح مزجج مصقول‬
‫ذو ألوان زاهية‪.‬‬
‫وبغية احلصول على ألوان خمتلفة‪ ،‬تضاف‬
‫أكاسيد معدنية متنوعة؟‪ .‬فأوكسيد النحاس‬
‫يعطي اللون األزرق‪ ،‬وأوكسيد املنغنيز اللون‬
‫األمح��ر‪ ،‬وأوكسيد احلديد اللون األصفر‪ ،‬أما‬
‫خليط أوكسيد احلديد والنحاس فكانا يعطيان‬
‫اللون األخضر‪ ...،‬وهكذا دواليك‪..‬‬
‫وهكذا يكون املصريون القدماء قد أضافوا‬
‫صفحة مشرقة يف تاريخ اإلنسانية يف ميدان‬
‫صناعة اخلزف اليدوية البارعة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪147‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سر بناء األهرامات‬

‫كشف علمي مثير وبحث علمي خاص عن‬
‫السر العظيم لطريقة بناء الهرم األكبر‬
‫م‪ .‬طارق نواف حامد‬

‫يدعي كثري من علماء املصريات األجانب وغريهم أن هرم‬
‫امللك خوفو على وجه اخلصوص مل يكن من املمكن أن يقوم‬
‫ببنائه املصريون القدماء بسبب وجود طرق ووسائل وعناصر‬
‫معمارية وفنية فيها إعجاز هندسي مل تـتـوافـر يف املعابد واملقابر‬
‫املصرية القدمية األخرى على تنوع أشكاهلا ‪ .‬لذلك فهم ادعوا بأن سكان‬
‫قارة أطلنتس اخليالية املفقودة أو سكان املريخ الذين مل يرهم الناس هم‬
‫الذين بنوا هذه األهرامات‪ ..‬وكل اخلرباء يعلمون بأنهم ادعوا ذلك ألن كل‬
‫األحباث العلمية مل تهتد حتى اآلن إىل الطريقة والكيفية احلقيقية اليت‬
‫بنيت بها األهرامات بهذه الصورة املعجزة ‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫فنظرية الطرق الصاعدة ونظرية التدحرج‬
‫داخل العجالت اخلشبية ونظرية الرفع باحلبال‬
‫ونظرية االن��زالق على ع��روق دائرية ونظرية‬
‫ال��رواف��ع واآلالت اخلشبية ون��ظ��ري��ة انعدام‬
‫اجلاذبية ونظرية القوى الكونية اخلارقة ونظرية‬
‫التعاويذ السحرية ونظرية الذبذبات الصوتية‬
‫والشحنات الكهربية وغ�يره��ا م��ن النظريات‬
‫املختلفة ‪ ..‬كلها نظريات هتاوت وسقطت أمام‬
‫احلقائق واألرقام اهلندسية املتعاظمة واملخيفة‬
‫عن حجم هذا العمل اهلندسي املعجز ‪.‬‬
‫لكن كيف ميكن رف��ع كتلة حجرية وزهنا‬
‫مخسة أطنان إىل ارت��ف��اع عشرين م�ترا بدون‬
‫استخدام عمالة بشرية أو أجهزة حديثة مثل‬
‫األوناش أو الطائـرات ‪.‬‬
‫امللك خوفو يستخدم اآلبار الصاعدة‬
‫والروافع‬
‫لقد كانت ق��وة امل��ـ��اء ه��ي القـوة الوحيـدة‬
‫املتعاظمة ال�تي وفرتـها الطبيعة للمصريني‬
‫القدماء ‪ ..‬وب��ق��وة امل��اء فقط بنى‪ ‬املصريون‬
‫القدمـاء حضـارهتم اخلالدة ‪ ..‬متاماً مثلما‬
‫أن البرتول هو قوة احلضارة احلالية ‪ ..‬وبدون‬
‫البرتول تتوقف معظم القوى احملركة يف العالـم‬
‫‪ ..‬وبدون املـاء تتوقـف احليـاة ‪.‬‬
‫وق��ب��ل أن ن��ب��دأ يف ش��رح س��ر أس��ل��وب بناء‬
‫األه���رام���ات جي��ب أن ن��س��أل أنفسنا السؤال‬
‫التايل ‪ :‬كيف ميكن رفع املياه إىل خزان ضخم‬
‫مقام على سطح عمارة ارتفاعها مئة مرت بدون‬
‫استخدام أي حمركات ‪.‬‬
‫واإلج��اب��ة على ه��ذا ال��س��ؤال واض��ح��ة وهو‬
‫ب��اس��ت��خ��دام امل��واس�ير (أو اآلب����ار الصاعدة)‬
‫باستغالل ق��وة ان��دف��اع امل��ي��اه اآلت��ي��ة بقوة من‬
‫مصدر أكثر ارتفاعا ‪ ..‬أو أعلى ضغطاً ‪ .. ‬مثل‬
‫اندفاع مياه فيضان النيل ‪.‬‬
‫وقبل أن نشرح السر احلقيقي لطريقة بناء‬

‫األهرامات ‪ ..‬هيا بنا نقرأ العبارات التالية من‬
‫بعض مراجع علم املصريات ‪:‬‬
‫‪ ‬من كتاب ( األهرامات الكاملة ‪ ..‬مارك لينر‬
‫‪)THE COMPLETE PYRAMIDS‬‬
‫نقرأ ‪( :‬كما أن أحدث األحباث أثبتت أن امللك‬
‫خوفو أنشأ ميناء ضخماً بالقرب من قاعدة‬
‫اهل���رم وأن السفن احل��ام��ل��ة ل�لأح��ج��ار كانت‬
‫ترسو فيها ‪ ..‬باإلضافة إىل شبكة من القنوات‬
‫املالحية لتسهيل دخول وخروج السفن) ‪ .‬وقد‬
‫أورد امل��ؤل��ف رمس��اً ك��ام�لاً ب��األل��وان ع��ن هذا‬
‫التصور‪.‬‬
‫ومن كتاب ( األهرامات املصرية ‪ ..‬د ‪ /‬أمحد‬
‫فخري ) نقرأ ما يلي ‪( :‬ويف نقطة تقاطع‬
‫املمر الصاعد باملمر األفقي توجد فوهة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪149‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بئر تنزل عمودية يف بعض األحيان إىل عمق‬
‫م��ق��داره ستون م�تراً إىل أن يصل إىل القسم‬
‫األسفل من املمر اهلابط) ‪.‬‬
‫(وهناك رأي بأنه من امليسور عمل ذلك إذا‬
‫ما أقاموا جسوراً حول املوقع احمل��دد وملؤوا‬
‫داخله باملاء) ‪.‬‬
‫(وثانيهما أن اهلضبة الغربية كانت قريبة من‬
‫األراضي املزروعة وترتفع فجأة إىل ارتفاع قدره‬
‫حوايل ‪ 65‬مرتاً وسطحها يكاد يكون مسطحاً)‪.‬‬
‫(أما األحجار اليت كان يتحتم عليهم قطعها‬
‫من احملاجر يف الناحية األخ��رى من النيل أو‬
‫من مناطق نائية فإهنم كانوا جيلبوهنا حمملة‬
‫فوق سفن كبرية مسطحة القاع و خيزنوهنا على‬
‫الشاطئ يف أقرب مكان من موقع اهلرم )‪.‬‬
‫(وإذا فحصنا بعض املباني األثرية اليت مل‬
‫ينتهوا من إمتامها فإننا نستطيع التأكد من‬

‫‪150‬‬

‫أهنم جلؤوا إىل عمل جسور وطرق صاعدة من‬
‫ال�تراب واحلصى ‪ ..‬وأهنم كانوا يبنون جدرانا‬
‫من الطوب لتثبيتها ثم يزيلون ذلك كله عندما‬
‫يتم البناء) ‪.‬‬
‫ً‬
‫(ولن يكون مستغربا إذا عثر يف يوم من األيام‬
‫على سفن أخرى إىل جانب الطريق الصاعد) ‪.‬‬
‫(ومن أقوال هريودوت ‪ ..‬وكانت هذه احلجرات‬
‫مشيدة فوق ما يشبه اجلزيرة وحييط هبا املاء‬
‫الذي أتوا به من النيل بواسطة قناة) ‪.‬‬
‫(وال يستطيع أي أثري أن ينكر أننا مل نستطع‬
‫حتى اآلن حل مجيع املشاكل املتعلقة هبذا اهلرم‬
‫أو بطريقة بنائه) ‪.‬‬
‫‪ ‬ومن موسوعة (مصر القدمية ‪ ..‬اجلزء‬
‫الثاني ‪ ..‬سليم حسن ) نقرأ ما يلي ‪( :‬ومن‬
‫امل��ده��ش أن احلفائر ال�تي عملت يف منطقة‬
‫األهرام حديثاً كشفت لنا عن ظاهرة جديدة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫فقد وج��د جب��وار البئر ال�تي ت��ؤدي إىل حجرة‬
‫الدفن بئر أخرى ال تؤدي إىل حجرة دفن ‪ ..‬وال‬
‫يعرف السبب الذي من أجله حفرت ‪ ..‬وتكررت‬
‫هذه الظاهرة أكثر من مئة ومخسني مرة) ‪.‬‬
‫(وعندما ك��ان يفيض النيل على البالد ال‬
‫تظهر إال املدن فقط من وسط املاء ويكون مثلها‬
‫كمثل اجلزر الصغرية يف حبر إجية ويصري باقي‬
‫مصر حبراً ‪ .‬وعندما حيدث ذلك فإن القوارب‬
‫ال تسري يف جمرى النهر فقط بل تسري يف طول‬
‫السهل وعرضه واملسافر من نقراش متجهاً حنو‬
‫منف مير بالضبط بالقرب من األهرام) ‪.‬‬
‫(وخلف هذا الباب الومهي كان يوجد البئر ‪..‬‬
‫وكان يصل عمقه أحياناً إىل ‪ 40‬مرتاً ! ‪ ..‬وهذه‬
‫اآلبار كان اجلزء العلوي منها مبنياً باألحجار‬
‫إىل أن يصل إىل الصخر فينحت فيه إىل العمق‬
‫املطلوب !!) ‪.‬‬

‫«غري أننا مل نعثر على ألقاب تدل على وجود‬
‫هذه املصلحة‪ ،‬اللهم إال لقب (رئيس بيت املاء )‬
‫الذي كان حيمله (رع ور)»‪.‬‬
‫(وال أدل على ذل��ك من السفن ال�تي كانت‬
‫تشق عباب النيل حمملة من أسوان باألعمدة‬
‫والشرفات واألفاريز اجملهزة لتقام يف األماكن‬
‫اليت أعدت هلا) ‪.‬‬
‫(وع��ل��ى أي ح���ال ف��ه��ن��اك حقيقة ال مراء‬
‫فيها وهي أن املصريني منذ فجر تارخيهم بل‬
‫منذ عصر ما قبل التاريخ كانوا يسبحون يف‬
‫البحر)‪.‬‬
‫وال يفوتنا أن نذكر هنا أن املصري يف ذلك‬
‫الوقت قد توصل إىل اخرتاع البكرات اليت تستعمل‬
‫لرفع األحجار الضخمة ‪ ..‬وقد عثر حديثا يف‬
‫منطقة األهرام على بكرة كاملة مصنوعة من‬
‫اجلرانيت تدار بواسطة ثالثة حبال وجدت يف‬
‫إحدى منازل مدينة اهلرم الرابع ‪ ..‬وكذلك عثر‬
‫على جزء كبري من بكرة أخرى يف معبد اهلرم‬
‫الثاني) ومن كتاب ( تاريخ مصر القدمية ‪..‬‬
‫نيقوال جرميال ) نقرأ ما يلي ‪:‬‬
‫(قد أصبح يف إمكاننا بفضل أحباث (جان‬
‫فيليب لوير) أن نتخيل املراحل املتعاقبة اليت مر‬
‫هبا االنتقال إىل الشكل اهلرمي ‪ ..‬إذ حفر بئرا‬
‫كبرية وصل عمقها إىل‪  28  ‬مرتاً‪ ،‬كما شيدت‬
‫ف��وق البئر وملحقاهتا كتلة معمارية ضخمة‬
‫مربعة األبعاد‪ ،‬كما حفر على امتداد الواجهة‬
‫الشرقية عدد من اآلبار اإلضافية تفضي إىل‬
‫حجرات وإلخفاء هذه اآلبار مت إدخال إضافات‬
‫إىل املصطبة األصلية وتوصد فتحة البئر بعد‬
‫االنتهاء من املراسم اجلنائزية ‪،‬ويقع مدخل‬
‫اهل��رم جهة اجلنوب من خالل بئر تفضي إىل‬
‫جمموعة ممرات معقدة ‪ ..‬وهي تشبه األمواج‬
‫ح���ول اجل���زي���رة وك���ان ختطيط ب��ن��ي��ان اهلرم‬
‫السفلي غاية يف التعقيد وتقع حجرة‬
‫الدفن حتت مستوى املياه اجلوفية أسفل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫صخر جرف اجلبل وينفتح الباب على ممر يبلغ‬
‫‪ 15‬م�تراً ط��والً منقور يف الصخر ويتجه جهة‬
‫الغرب ليفضي إىل حجرة تقع أسفل اهلرم ‪..‬‬
‫وباحلجرة فوهة بئر عمودية تفضي إىل حجرة‬
‫ثانية تقع على عمق ثالثني مرتاً) ‪.‬‬
‫يف املرحلة األوىل أع��دت ساحة حييط هبا‬
‫سور من احلجر املنحوت ويصعب علينا إبداء‬
‫رأي قاطع حول الغرض منه ‪.‬‬
‫وي��ت��م اق���ت�ل�اع ك��ت��ل احل��ج��ر وص��ق��ل��ه��ا يف‬
‫احملاجر متهيداً لنقلها على منت صنادل تبحر‬
‫هبا يف موسم الفيضان عندما يرتفع مستوى‬
‫املياه فيمكن االق�تراب إىل مواقع العمل بقدر‬
‫املستطاع‪ ..‬هذا ما يرويه علينا «أوني» عندما‬
‫يتطرق باحلديث عن آخر محلة نظمها بصفته‬
‫حاكم ال��وج��ه القبلي حلساب ( م��رن رع ) ‪.‬‬
‫لقد وقع على عاتقه تشييد هرم سيده حاكم‬
‫البالد ‪ ..‬فسافر إىل النوبة الستخراج تابوت‬
‫من البازلت إىل جانب عناصر من اجلرانيت‬
‫واأللبسرت ثم استخراجها من أسوان وحتنوب ‪.‬‬
‫يقول أوني ‪:‬‬
‫أرسلين صاحب اجلاللة إىل إهبيت إلحضار‬
‫تابوت األحياء الذي هو رب احلياة بغطائه ‪..‬‬
‫واهلريم النفيس اجلليل املخصص للهرم املسمى‬
‫(م��رن رع) ‪ .‬كما أرسلين صاحب اجلاللة إىل‬
‫إلفنتني إلحضار الباب الومهي وعتبة الباب‬
‫وال��ب��اب العلوي وامل��ت��اري��س وكلها م��ن احلجر‬
‫الوردي إىل جانب األبواب والبالط وهي أيضا‬
‫من اجلرانيت الوردي الالزمة للحجرة العلوية‬
‫هلرم (مرن رع) ‪.‬‬
‫وأحبرت على رأس محلة واحدة من السفن‬
‫تضم سفناً عريضة وثالثة صنادل وثالثة مراكب‬
‫طوهلا ‪ 80‬ذراعاً ‪ .‬كما أرسلين صاحب اجلاللة‬
‫إىل حتنوب إلحضار مائدة قرابني ضخمة من‬
‫االلبسرت الذي تشتهر به هذه املنطقة ‪ .‬وأحبرت‬
‫مشاالً هبذه املائدة املستخرجة من حتنوب يف‬

‫‪152‬‬

‫مدة سبعة عشر يوماً على نفس الرمث ‪ .‬وقد‬
‫أعددت له رمثا (قارباً مسطحاً) مصنوعاً من‬
‫خشب السنط طوله ‪ 60‬ذراع���اً وعرضه ‪30‬‬
‫ذراع�اً انتهيت منه يف ظرف سبعة عشر يوماً‬
‫يف الشهر الثالث م��ن الصيف ‪ .‬ورس���وت يف‬
‫سالم يف مواجهة هرم ( مرن رع ) رغم احنسار‬
‫املياه وضحالتها‪ .‬كما أرسلين صاحب اجلاللة‬
‫لشق مخس قنوات يف صعيد مصر ولصناعة‬
‫ثالثة أرماث وأربعة صنادل من خشب السنط‬
‫الذي اشتهرت به (واوات) وأجنزت تلك املهمة‬
‫يف سنة واح��دة ‪ .‬فتم تعويم السفن وحتميلها‬
‫حبجر اجلرانيت الوردي بكمية كبرية من أجل‬
‫هرم ( مرن رع ) ‪...‬‬
‫‪ ‬وعن وصف اهلرم األكرب من الداخل نقرأ ‪:‬‬
‫(وأثناء زحفهما داخل اهلرم ‪ ..‬وجدا بئراً ثم‬
‫أفضى هبما البئر إىل بئر آخر حتى عربا ست‬
‫عشرة بئراً وستة عشر ممرا حتى انتهيا إىل‬
‫بيت مربع فيه حوض) ‪.‬‬
‫‪ ‬وم���ن ك��ت��اب (م��ص��ر ال��ف��رع��ون��ي��ة ‪ ..‬أمحد‬
‫فخري) نقرأ ما يلي ‪:‬‬
‫(ويف الناحية الشرقية من املعبد بنوا جسراً‬
‫ضخماً نزل من حافة اهلضبة إىل الوادي) ‪.‬‬
‫(وأراد البعض اآلخ��ر أن يدافع عن قدماء‬
‫املصريني فقال ب��أن خوفو وغ�يره م��ن امللوك‬
‫كانوا يشيدون األهرام ليساعدوا املتعطلني عن‬
‫العمل يف شهور الفيضان عندما تصبح احلقول‬
‫مغطاة باملياه) ‪.‬‬
‫‪ ‬ومن كتاب ( تاريخ مصر ‪ ..‬برستيد ) نقرأ‪:‬‬
‫(ومن املعروف أن البالد بلغت يف أواخر حكم‬
‫األس��رة الثالثة درج��ة رفيعة من الرقي والعز‬
‫وعلى األخص يف عهد امللك سنفرو الذي بنى‬
‫سفناً كثرية طول الواحدة منها ما يزيد عن مئة‬
‫وسبعني قدماً ‪ ..‬أي حوايل ‪ 53‬مرتاً ‪ ..‬استعملت‬
‫مباء النيل) ‪.‬‬
‫(أم���ا ال��ص��خ��ور فكانت تقطع م��ن حماجر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫املقطم جنوبي القاهرة وحتفظ هناك حتى زمن‬
‫الفيضان فتنقل حبراً إىل سفح هضبة اهلرم) ‪.‬‬
‫(ويوجد جنوبي ذلك املكان جزء من جدار‬
‫قديم يظن أن��ه بقية السور ال��ذي ك��ان يطوق‬
‫الوادي) ‪.‬‬
‫(واستنتج من النقوش اليت على أحجار ذلك‬
‫املقياس أن ارتفاعات مياه النيل كانت أعلى مما‬
‫هي اآلن مبا يزيد على ثالثني قدماً) ‪.‬‬
‫‪ ‬ومن كتاب ( احلضارة املصرية ‪ ..‬سرييل‬
‫ألدريد ) نقرأ ‪:‬‬
‫(دلت الشواهد األثرية على أن هرم خوفو‬
‫كان حماطاً بسور ما زالت آثاره باقية حتى اآلن‪.‬‬
‫وكان هذا السور يتوازى مع أضالع اهلرم) ‪.‬‬
‫(ويف سنة‪ 1954  ‬م أث��ن��اء إزال���ة رك��ام من‬
‫األن��ق��اض ال�تي ك��ان��ت م��وج��ودة عند اجلانب‬
‫اجل��ن��وب��ي للهرم األك�ب�ر ب��غ��رض تعبيد طريق‬
‫يف تلك املنطقة‪ ،‬مت العثور على حفرة مغلقة‬
‫ومغطاة بكتل من احلجر اجلريي تعلوها طبقة‬
‫مسيكة من املونة ‪ ..‬وعندما فتحت تلك احلفرة‬
‫عثر بداخلها على مركب كبري مفكك إىل أجزاء‬
‫ومصنوع من خشب األرز ‪ .‬وكان املركب يف حالة‬
‫سليمة ألن احلفرة اليت دفن فيها كانت حمكمة‬
‫ضد تسرب اهلواء ويعترب هذا املركب أكرب وأقدم‬
‫مركب عثر عليه حتى اآلن ‪ ..‬ويسمى مركب‬
‫خوفو) ‪.‬‬
‫ثم نستكمل معاً قراءة العبارات التالية من‬
‫كتاب ( مراكب خوفو ‪ ..‬خمتار السويفي ) ‪:‬‬
‫ويف ذل��ك العصر القديم متكن املصريون‬
‫األوائ���ل م��ن بناء ال��ق��وارب وامل��راك��ب والسفن‬
‫جبميع أنواعها‪ ،‬النهرية منها والبحرية وبكثري‬
‫من تواضع العلماء يقر األستاذ الدكتور عبد‬
‫املنعم أبو بكر يف ختام أحباثه بأن هذه املراكب‬
‫املدفونة حول اهل��رم مازالت حتيط هبا الكثري‬
‫من األسرار اليت تتطلب إجراء املزيد من‬
‫البحوث والدراسات املتأنية‪ ،‬خصوصا‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪153‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بالنسبة للمركب الثاني ال��ذي م���ازال دفينا‬
‫باحلفرة الثانية جبنوب اهلرم األكرب‪ ،‬أو بالنسبة‬
‫للكشف مستقبالً عن املراكب املدفونة حول‬
‫اهلرم الثالث ‪ ..‬هرم (منكاورع) ‪.‬‬
‫واحلقيقة أننا حتى اآلن مل نعرف على سبيل‬
‫اليقني وبنحو قاطع األغ��راض احلقيقية اليت‬
‫استخدمت فيها تلك املراكب العجيبة‪ ،‬ونزداد‬
‫حرية إذا تساءلنا عن األسباب اليت دعت إىل‬
‫دفنها يف األماكن وبالكيفية اليت دفنت فيها‬
‫وي��ب��دو أن ق��دم��اء امل��ص��ري�ين ك��ان��وا حريصني‬
‫على وقاية احلفر ضد تسرب املياه لذلك فقد‬
‫استخدموا مالطاً ناعماً شديد السيولة لدرجة‬
‫متكنه من التخلل بني الكتل احلجرية لسد أي‬
‫فجوات تركتها األزاميل حني قيامهم بتسوية‬
‫الكتل احلجرية‪ ،‬باإلضافة إىل أن هذا املالط‬
‫ساعد يف إحكام لصق الكتل احلجرية بعضها‬
‫ببعض) ‪.‬‬
‫السر احلقيقي ألسلوب بناء اهلرم‬
‫ومن التحليل اهلندسي لكل املعلومات الفنية‬
‫املسجلة عن اهلرم األكرب قام الباحث د‪ .‬أسامة‬
‫السعداوي ‪  ‬بكشف سر خطري يذاع ألول مرة‬
‫ويتعلق بكيفية بناء اهل��رم األك�بر ‪ .‬وذل��ك بعد‬
‫حب��وث طويلة هو أن (امللك خوفو) استخدم‬

‫‪154‬‬

‫قوة مياه الفيضان املندفعة من بئر صاعد إىل‬
‫حوض وخزان مائي ضخم حمفور يف القاعدة‬
‫الصخرية للهرم‪  ‬لرفع األحجار العمالقة اليت‬
‫يزيد وزهنا يف بعض األحيان عن‪ 55  ‬طناً (كاليت‬
‫استخدمت يف بناء غرفة الدفن امللكية) إىل‬
‫ارتفاعات شاهقة تقرب من ‪ 100‬مرت من سطح‬
‫األرض‪ .‬أي أنه استخدم الروافع اهليدروليكية‬
‫ونظريات الطفو ونظم األهوسة (حجز املاء‬
‫يف أماكن ضيقة)‪  ‬وقوة اندفاع املاء يف اآلبار‬
‫الصاعدة يف بناء اهل��رم األك�بر ورف��ع أحجاره‬
‫البالغة الثقل‪ .‬متاماً مثلما نقوم اآلن برفع املياه‬
‫إىل اخلزانات يف العمارات الشاهقة باستخدام‬
‫اندفاع املاء بدون أي حمركات ‪ ..‬مستخدمني‬
‫القانون اهليدروليكي املعروف ‪:‬‬
‫‪( ‬قوة دفع املاء‪  =  ‬وزن املاء ‪ /‬مساحة مقطع‬
‫البئر الصاعد )‬
‫وه���و ق��د اس��ت��خ��دم امل���راك���ب والطوافات‬
‫وال��ع��ائ��م��ات اخل��ش��ب��ي��ة وال��ق��ن��وات واملواسري‬
‫احلجرية خصيصا لذلك مستغالً الطبيعة‬
‫اجلغرافية هلضبة األهرام ‪.‬‬
‫باستخدام القانون املعروف [ الشغل املبذول‬
‫= الكتلة ‪ x‬االرتفاع ‪ x‬اجلاذبية ] جند أن القدرة‬
‫الالزمة لرفع كتلة حجرية واحدة وزهنا ‪ 55‬طنا‬
‫إىل ارتفاع ‪ 100‬مرت هي ‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪  = 75 / 100 * 10 * 55000‬أي ما قيمته‬
‫( ‪ 733‬ألف حصان ) ‪..‬‬
‫أي أننا حنتاج إىل ما يزيد كـثـيـراً عن مليون‬
‫رجل لرفع كتلة حجرة واحدة إىل غرفة امللك !‬
‫لذلك حتى لو استخدمنا مئة ألف عامل فإننا‬
‫ال نستطيع رفع هذه الكتلة إىل غرفة امللك ‪.‬‬
‫وقد قال أحد العلماء البارزين بسخرية شديدة‬
‫تعليقاً على ذل��ك ‪ ..‬كيف استطاع املصريون‬
‫مجع مئة ألف عامل ‪ ..‬أو حتى ألف عامل على‬
‫كتلة حجرية واحدة ؟!!‬
‫وه��ن��ا جي��ب أن ن��س��أل أنفسنا ‪ ..‬ه��ل كان‬
‫قدماء املصريني ميلكون أوناشا قدرهتا ‪700‬‬
‫ألف حصان وطول ذراعها أكرب من مئة مرت ؟‪ ‬‬
‫وبالطبع فإن اإلجابة هي ال ‪.‬‬
‫وهكذا تسقط كل النظريات اليت تصورها‬
‫علماء املصريات عن أسلوب بناء اهلرم ‪.‬‬
‫وال يتبقى أمامنـا إال نظرية استخدام الروافع‬
‫اهليدروليكية ‪.‬‬
‫ون�لاح��ظ أن���ه ي��وج��د أس��ف��ل اهل���رم امل���درج‬
‫واحلوض املائي املتصل به شبكة هيدروليكية‬
‫كاملة من املواسري واآلبار احلجرية متصلة يف‬
‫النهاية بالبئر الصاعد الرئيسي ‪ ..‬وهو األمر‬
‫ال���ذي ن���راه يتكرر يف ك��ل أه��رام��ات مصر ‪..‬‬
‫والصور التالية توضح ذلك جبالء تام‪ :‬‬

‫‪ ‬قال بعض علماء املصريات أن امللك زوسر‬
‫بنى هذه الشبكة من اآلب��ار واملواسري ليسكن‬
‫فيها ه��و وأس��رت��ه امللكية العريقة على عمق‬
‫عشرات األمتار حتت سطح األرض ‪ ..‬إنه وال‬
‫شك تفسري معقول للغاية ‪ ..‬ومن احملتمل أن‬
‫ملوك أعرق حضارة بشرية عرفها التاريخ كانوا‬
‫حيبون السكن يف شبكات اجمل��اري احلجرية‬
‫املعقدة واملتشعبة أسفل األرض!!‬
‫رفع الكتل احلجرية بالضغط‬
‫اهليدروليكي‬
‫وهكذا نرى أنه من وج��ود اآلب��ار الصاعدة‬
‫واألح�������واض احمل���ف���ورة يف ق���واع���د األه����رام‬
‫الصخرية وآبار ختزين املياه وتصريفها وهذه‬
‫السفن الكثرية جبوار األهرامات وجبوار الطرق‬
‫الصاعدة اليت كانت تستخدم كسدود حلجز‬
‫وختزين مياه الفيضان ووجود بقايا األسوار اليت‬
‫كانت حتيـط بكل هرم وباهلضبة نفسها وأن بناء‬
‫اهلرم مل يكن يستكمل إال يف زمن الفيضان فإننا‬
‫نستنج من كـل ذلك أن رفع احلجارة العمالقة‬
‫كان يتم بنظرية الطفو والنظريات اهليدروليكية‬
‫وقوة اندفاع املاء ‪.‬‬
‫فلو ك��ان األم��ر جم��رد ط��رق صاعدة‬
‫ترابية أو رملية فلماذا مل ينب املصريون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪155‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫القدماء بعضا من هذه األهرامات يف صحراء‬
‫سيناء أو ال��ص��ح��راء الغربية أو الشرقية أو‬
‫السلوم مثال ‪ ..‬رغم توافر املساحات الشاسعة‬
‫ال�تي تسمح هل��م ببناء ط��رق ص��اع��دة ممتدة‬
‫ملسافات طويلة ‪ ..‬ومل��اذا بنوا تلك األهرامات‬
‫على امتداد طريق م��واز قريب لنهر النيل يف‬
‫مصر الوسطى؟!! إن السبب واض��ح ومفهوم‬
‫وهو احتياجهم لكميات هائلة من مياه النهر‬
‫إلمت��ام عملية البناء ولتسهيل النقل بالسفن‬
‫لتلك الكميات املهولة من مواد البناء واألحجار‬
‫والستخدامها يف عمليات الرفع اهليدروليكي‪. ‬‬
‫ف��ك��ان األم���ر حي��ت��اج إىل إث��ب��ات أن هناك‬
‫مصارف مائية كانت تصل ما بني أهرامات‬
‫اجليزة الثالث وم��ا بني أسفل ال��وادي أو هنر‬
‫النيل وإليكم رسم هندسي كبري يوضح جبالء‬
‫صورا لثالثة مصارف ضخمة متتد من أعلى‬
‫هضبة اجليزي بدءاً من قاعدة كل هرم حتديداً‬
‫ثم تنحدر حتى هناية أسفل الوادي ‪.‬‬
‫إليكم هذا املثال البسيط للباحث الدكتور‬
‫أسامة السعداوي مع صديقه املهندس املعماري‬
‫والذي له نشاطات هندسية معروفة ‪ ..‬عندما‬

‫‪156‬‬

‫سأله عن نظريته (رفع الكتل اجلرانيتية بالقوة‬
‫اهليدروليكية) ‪ ..‬فقال له إنه تفسري منطقي‬
‫وهي الوسيلة العلمية والعملية الوحيدة لتنفيذ‬
‫عملية ال��رف��ع ‪ ..‬ولكنك لألسف الشديد ال‬
‫تستطيع أن تثبتها عملياً ‪ ..‬فقال له امسح يل‬
‫أن أجري جتربة بسيطة جداً أمامك‪:‬‬
‫أحضر كوبا صغرياً ج��داً ووض��ع فيه بضع‬
‫قطرات من املاء ووضعه على أرضية الغرفة ‪..‬‬
‫ثم أحضر قطعة أسفنجية صغرية ولصقها يف‬
‫سقف احلجرة فوق كوب املاء مباشرة ‪ ..‬وقال‬
‫له أري��د منك أن ترفع قطرات امل��اء وتوصلها‬
‫لقطعة اإلسفنج يف مكاهنا املرتفع دون أن تفقد‬
‫شيئاً من املاء ‪ ..‬فكر طويالً وقال ‪ ..‬إن ذلك‬
‫مستحيل ‪ ..‬ال ميكن فعل ذلك ‪ ..‬فقال له وإن‬
‫فعلت ذلك أمامك وببساطة شديدة جدا ‪ ..‬قال‬
‫ال ‪ ..‬ال ميكنك فعل ذلك!!‬
‫وما هي إال ثوان قليلة حتى رفع له املاء من‬
‫داخل الكوب إىل منتصف قطعة اإلسفنج دون‬
‫أن تفقد أي قطرة من املاء ‪ ..‬وقال ‪ ..‬كيف مل‬
‫خيطر على بايل أو بال أحد من العلماء هذا‬
‫األمر من قبل؟! ‪ ..‬فقال له هذا ما فعله امللك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫خوفو بالضبط مع فارق األوزان واألحجام‬
‫‪ ..‬ولكن هناك الكثري من الناس الذين ال‬
‫يريدون أن يفكروا جبدية وبأساليب عملية‬
‫ملموسة‪..‬‬
‫ثم أخذه إىل غرفة احلمام ومأل احلوض‬
‫(البانيو) باملاء وأحضر فيالً صغرياً من الربونز‬
‫وزن��ه ح��وايل أربعة كيلوغرامات وق��ال له ‪..‬‬
‫ماذا حيدث لو وضعنا هذا الفيل املعدني فوق‬
‫املاء ‪ ..‬أجاب على الفور ‪ ..‬سيغرق طبعاً! ‪..‬‬
‫ق��ال له وكيف ميكننا أن جنعله ال يغرق ‪..‬‬
‫فقال ‪ ..‬دعين أفكر ألني أعلم ما تفكر أنت‬
‫فيه ‪ ..‬فأحضر له صينية واسعة من األملنيوم‬
‫ووضعها فوق املاء فطافت ‪ ..‬ثم وضع فوقها‬
‫الفيل املعدني فطاف االثنان معا دون أن يغرق‬
‫الفيل ‪ ..‬ثم قال له هذا ما فعله امللك خوفو‬
‫بالضبط للتغلب على مسألة األوزان الثقيلة‬
‫حني رفعها يف اجتاه مضاد جلاذبية األرض‪.‬‬
‫فقال له صديقه ‪ ..‬ولكن املقاطع اهلندسية‬
‫داخل اهلرم األكرب وغريها من بعض األهرامات‬
‫الشهرية تثري احلرية بشكل كبري ‪ ..‬قال له ‪..‬‬
‫ولكنك يا صديقي تعلم أنه بعد انتهاء عملية‬

‫البناء قام املهندسون املصريون بتعديل كافة‬
‫املكونات اهلندسية والبنائية داخل اهلرم حتى‬
‫ال يعلم أحد بعد ذلك أساليبهم احلقيقية يف‬
‫عملية البناء ‪ ..‬قال هذا صحيح‪.‬‬
‫فقال له ختيل أنك بنيت اآلن عمارة ضخمة‬
‫ارتفاعها حوايل ‪ 40‬طابقاً ‪ ..‬كيف تقوم برفع‬
‫بعض األوزان الثقيلة إىل تلك االرتفاعات‬
‫الشاهقة ‪ ..‬ق��ال إننا نستخدم يف كثري من‬
‫األحيان املصاعد اهليدروليكية ألهنا أنسب‬
‫وأرخ���ص وسيلة لذلك ‪ ..‬فقال ل��ه ولكنك‬
‫البد أن تبين أوال بئراً صاعداً يتحرك داخله‬
‫املصعد حبرية تامة ولكن بإحكام شديد ‪..‬‬
‫قال هذا صحيح ‪ ..‬قال له إذا أردت أن يكون‬
‫هذا البناء رمزاً وطنياً دون أن يسكن فيه أحد‬
‫من البشر أليس من السهل إزالة هذا البئر‬
‫الصاعد وسده باألحجار حتى ال يعيد أحد‬
‫استخدامه؟ ‪ ..‬قال هذا وارد جداً ‪ ..‬فقال له‬
‫هذا ما فعله مهندسو امللك خوفو بالضبط ‪.‬‬
‫أص��ب��ح اآلن أم��ام��ك��م ك��ل ت��ل��ك احلقائق‬
‫والرباهني العلمية والرياضية واهلندسية اهلائلة‬
‫الواضحة والقاطعة حول بناء األهرامات ‪.‬‬

‫املراجع‬
‫‪ -1‬مرجع رئيسي حبث الدكتور املصري الباحث أسامة السعداوي (مكتشف السر احلقيقي‬
‫لبناء األهرامات) ‪.‬‬
‫‪ -2‬كتاب ( األهرامات الكاملة ‪ ..‬مارك لينر ‪.)THE COMPLETE PYRAMIDS‬‬
‫‪ -3‬كتاب ( األهرامات املصرية ‪ ..‬د ‪ /‬أمحد فخري ) ‪.‬‬
‫‪ -4‬موسوعة ( مصر القدمية ‪ ..‬اجلزء الثاني ‪ ..‬سليم حسن ) ‪.‬‬
‫‪ -5‬وصف اهلرم األكرب من الداخل‪.‬‬
‫‪ -6‬كتاب (مصر الفرعونية ‪ ..‬أمحد فخري)‪.‬‬
‫‪ -7‬كتاب (تاريخ مصر ‪ ..‬برستيد)‪.‬‬
‫‪ -8‬كتاب (احلضارة املصرية ‪ ..‬سرييل ألدريد) ‪.‬‬
‫‪ -9‬كتاب (مراكب خوفو ‪ ..‬خمتار السويفي)‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪157‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الرصاص ‪...‬‬
‫تحت سطح األرض و فوقها ‪..‬‬
‫إسراء الزير‬

‫يعترب معدن الرصاص الدعامة األساسية ملختلف أن��واع الصناعات و‬
‫االستعماالت البشرية ‪,‬وتعتمد عليها رفاهية اإلنسان وحضارته يف شتى‬
‫جماالت حياته ‪ ,‬ولقد حظيت باهتمامه منذ زمن بعيد أي قبل ظهور‬
‫احلضارات الكربى يف وادي النيل و الرافدين وساحل شرق املتوسط ويف أثينا وروما‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫لقد ك��ان «أب��وق��راط» أول من من انتبه إىل‬
‫أضرار الرصاص منذ قرابة ألفي عام ‪ .‬أما «ابن‬
‫سينا» فكان أول من اهتم بدراسة تلوث املاء‬
‫بالرصاص و تأثري ذلك على الصحة العامة‪،‬‬
‫ولقد استخدم األط��ب��اء العرب و األوروبيون‬
‫القدامى بعض مركبات الرصاص كدواء‪ ،‬و مع‬
‫تطور صناعة األسلحة النارية‪ ،‬دخل الرصاص‬
‫يف صناعة الذخرية و الطلقات النارية‪ ،‬ورمبا‬
‫من هنا جاء استعمال كلمة «رصاصة» ‪.‬‬
‫يدخل الرصاص يف العديد من العمليات‬
‫الصناعية‪ ،‬كما أن��ه يدخل يف (‪ )120‬حرفة‬
‫مهنية م��ع��روف��ة‪ ،‬ف��ه��و ش��ائ��ع االس��ت��ع��م��ال يف‬
‫صناعة أحبار الطباعة و مواد الطالء و البويات‬
‫و األصباغ اليت تستعمل يف تلوين لعب األطفال‪،‬‬
‫و حظر استخدام هذه األلعاب أخرياً يف العديد‬
‫من البلدان و ذلك على خلفية احتوائها على‬
‫الرصاص‪.‬‬
‫و ي��دخ��ل يف ص��ن��اع��ة األدوات الصحية‪،‬‬
‫ومواد البناء‪ ،‬و السبائك‪ ،‬وبعض أنواع العطور‪،‬‬
‫ومساحيق التجميل‪ ،‬مبا يف ذل��ك (الكحل) و‬
‫يستخدم يف إنتاج كثري من األجهزة املنزلية‪،‬‬
‫حيث يدخل يف تركيب األج��ه��زة االلكرتونية‬
‫م��ن تلفزيونات و رادي���وه���ات و مسجالت و‬
‫أجهزة فيديو‪ ،‬وهو يستعمل يف لوحات الدوائر‬
‫الكهربائية هلذه األجهزة و يف تغليف الكابالت‬
‫كما يستخدم يف صناعة الزجاج الرصاصي‬
‫لشاشات أجهزة التلفزيون و احلواسيب اآللية‬
‫حيث ميكن أن حتتوي الشاشة الواحدة على‬
‫كمية من الرصاص ترتاوح من ‪ 1،8‬إىل ‪ 3،6‬كيلو‬
‫غرامات ومجيع هذه األجهزة عندما تستهلك‬
‫فإهنا تلقى يف مقالب القمامة و تكون أحد‬
‫مصادر التلوث بالرصاص ويف العقود األخرية‬
‫ازدادت حاالت التسمم بالرصاص‪ ،‬هذا املعدن‬
‫أي الرصاص يعترب من املعادن اخلطرة على‬
‫البيئة بوجه عام واإلنسان بوجه خاص‪ ،‬لذلك‬

‫هناك عدة إج��راءات اختذت للحد من التلوث‬
‫بالرصاص منها مثالً نشر ال��وع��ي البيئي و‬
‫التعريف باملواد اليت يدخل يف تركيبها الرصاص‬
‫و اليت كثريا ما نستخدمها يف حياتنا اليومية‪ ،‬و‬
‫سأورد يف ما يلي بعض هذه املواد‬
‫منذ ع��ام ‪ 1960‬ك��ان��ت معظم الدهانات‬
‫املستخدمة يف طالء املنازل حتتوي على عنصر‬
‫الرصاص ‪،‬لكن بعد أن مت التعرف على آثاره‬
‫الشديدة السلبية على صحة اإلن��س��ان فقد‬
‫جرت احملاوالت الستبدال هذه الدهانات مبواد‬
‫أكثر أماناً ‪.‬‬
‫من ناحية أخرى تعترب مياه الشرب من السوائل‬
‫اليت يتواجد فيها الرصاص بشكل واضح‬
‫لكن بكميات قليلة نسبياً تقل عن عشرة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪159‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ميكروغرامات يف اللرت من املاء ‪ .‬املصدر األول‬
‫لتلوث مياه الشرب بالرصاص يرجع إىل تأكل‬
‫ال��وص�لات الرصاصية بشبكات امل��ي��اه‪ ،‬إذ إن‬
‫استعمال مواسري املصنوعة من الرصاص (واليت‬
‫استعمل الرصاص يف حلامها) يف توصيل املياه‬
‫للمنازل‪ ،‬يؤدي إىل ازدياد تركيز هذا الفلز يف‬
‫املياه‪ ،‬حيث تتسرب أمالح الرصاص إليها من‬
‫هذه املواسري وقد تبني أن الرصاص يتفاعل‬
‫مع املاء يف وجود مواد فعالة مثل األوكسجني‬
‫و ثاني اوكسيد الكربون فتتكون م��واد سامة‬
‫مثل مركب كربونات الرصاص اهليدروجينية‬
‫السامة القابلة للذوبان يف املاء وتساعد درجة‬
‫احلموضة املنخفضة ‪Hydrogen number‬‬

‫‪160‬‬

‫ووجود أية مركبات عضوية ذائبة يف املياه على‬
‫شكل نرتات وبيكربونات على حدوث ذلك ‪.‬‬
‫كما ميكن أن تتلوث املياه نتيجة لتأكسد‬
‫الرصاص يف اجلو وحتوله كربيتات الرصاص‬
‫اليت ميكن أن تذوب يف املاء ومثة مصدر آخر‬
‫لتلوث مياه الشرب بالرصاص هو إلقاء خملفات‬
‫املصانع اليت حتتوي على الرصاص يف األهنار‬
‫أو يف البحار اليت تستخدم مياها يف حمطات‬
‫النحلية‪ .‬و اجلدير بالذكر أن منظمة الصحة‬
‫العاملية قد ح��ددت أعلى ق��در من الرصاص‬
‫املسموح به يف مياه الشرب بـ ‪ 50‬ميكروغراماً‬
‫يف اللرت ال��واح��د أي م��ا ي��ع��ادل ‪ 50‬ج���زءاً من‬
‫املليون‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫تعد برادات املياه الكهربائية مصدرا لتلوث‬
‫م��ي��اه ال��ش��رب ب��ال��رص��اص‪ ،‬ب��ع��د اج����راء عدة‬
‫دراس����ات ح��وهل��ا و تبني أن أح��د األن����واع من‬
‫ال��ب�رادات (احل��س��اوي) ل��ه أث��ر واض���ح مقارنة‬
‫باألنواع األخرى‪ ،‬وقد أوضحت األحباث العلمية‬
‫أن ت��رك��ي��ز ال��رص��اص ي����زداد بشكل ملحوظ‬
‫يف دم��اء ال��ذي��ن يشربون امل��ي��اه م��ن الشبكات‬
‫املصنوعة م��ن ال��رص��اص بينما يقل تركيز‬
‫الرصاص يف دماء الذين يشربون املياه املعدنية‪،‬‬
‫لذلك ينصح أخصائيو الصحة العامة ربات‬
‫البيوت اللواتي يستعملن مياه الشرب اليت تضخ‬
‫يف مواسري الرصاص‪ ،‬بضرورة أن يرتكن صنابري‬
‫املياه مفتوحة فرتة من الزمن عند استخدامها‬
‫يف الصباح أو بعد مرور فرتة على إغالقها‪ ،‬و‬
‫عدم استخدام املتدفق أوال للشرب أو لتحضري‬
‫الطعام ‪.‬‬

‫مث��ة م���ص���دران إض��اف��ي��ان ل��ت��ل��وث الغذاء‬
‫بالرصاص ‪.‬‬
‫األول ‪ :‬استعمال أوان منزلية ي��دخ��ل يف‬
‫صناعتها الرصاص‪ ،‬و املعروف أن بعض األواني‬
‫املنزلية حتتوي على نسب من الرصاص‪ ،‬و قد‬
‫يستعمل الرصاص يف حلام األواني أو يف سد‬
‫ما هبا من ثقوب‪ ،‬و حتتوي األدوات املصنوعة‬
‫من اخل��زف بشكل خاص على بعض مركبات‬
‫الرصاص السامة ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬وجود الرصاص يف املواد الغذائية‬
‫ذاهت��ا‪ ،‬حيث الرصاص إىل امل��واد الغذائية من‬
‫خالل امتصاص النباتات للرصاص و مركباته‬
‫الكيميائية من الرتبة الزراعية أو من خالل‬
‫تراكم الرصاص يف أنسجة األمساك البحرية‬
‫أو من خالل املواد اليت يضيفها اإلنسان للمواد‬
‫الغذائية إلعطائها بعض النكهات املميزة أو‬
‫اليت توضع مع الطعام لتحسني امل��ذاق أو من‬
‫الرصاص الذي يستعمل يف حلام العبوات اليت‬
‫تستخدم يف حفظ األطعمة‪ ،‬واألمس��اك‪ ،‬و قد‬
‫لوحظ أن كمية الرصاص يف األغذية املعلبة‬
‫تكون عالية عن األغذية الطازجة ويرجع ذلك‬
‫إىل استخدام ال��رص��اص يف إحكام غلق هذه‬
‫العبوات ‪.‬‬
‫حني تتغذى احليوانات و الطيور الداجنة‬
‫على النباتات امللوثة ب��ال��رص��اص ينتقل إىل‬
‫أجسامها‪ ،‬ثم يبدأ يف الرتاكم يف أنسجتها‪ ،‬و مع‬
‫االستمرارية يف تناول هذه النباتات تزداد نسبة‬
‫الرصاص ثم ينتقل إىل أجسامنا عندما نتغذى‬
‫على حلوم هذه احليوانات امللوثة ‪.‬‬

‫تلوث املواد الغذائية ‪:‬‬
‫تعد املواد الغذائية أحد معابر الرصاص إىل‬
‫جسم اإلنسان وتسهم األغذية الصلبة و السائلة‬
‫واحلليب واملشروبات الغذائية والكحولية بقدر‬
‫كبري يف ح���دوث ح���االت التسمم بالرصاص‬
‫خصوصا إذا كانت حتوي على تراكيز عالية‬
‫منه‪.‬‬
‫لقد وجد الرصاص يف األغذية النباتية بنسبة‬
‫ترتاوح من ‪ 300‬اىل ‪ 400‬جزء من البليون‪.‬‬
‫حتوي أمساك األهنار غري امللوثة على نسبة‬
‫منخفضة من الرصاص (أقل من ‪ 80‬جزءاً يف‬
‫املليون) و يف األمس��اك املعلبة ‪1000‬ج���زء يف‬
‫البليون‪ .‬أما املعدل املسموح به أسبوعياً هو‬
‫‪ 500‬جزء يف البليون من خالل تناول األمساك‬
‫الكحل و التسمم بالرصاص‬
‫فيقدر ب ‪ 0،7‬ميكرو غ��رام لكل كيلو غرام‬
‫يستخدم الكحل على نطاق واسع يف عاملنا‬
‫من وزن اجلسم‪ .‬عندما نقوم بطبخ األغذية العربي وبعض البلدان اآلسيوية‪ ،‬فمن العادات‬
‫باستخدام املاء امللوث بالرصاص فإننا نزيد من السيئة الشائعة يف هذه البلدان تكحيل‬
‫تراكم الفلز يف اجلسم ‪.‬‬
‫عيون األطفال حديثي الوالدة و الرضع‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪161‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫استناداً إىل املعتقدات القدمية اليت تزعم أنه‬
‫يؤدي إىل توسيع حدقات العيون و زي��ادة قوة‬
‫اإلب��ص��ار فضالً ع��ن دوره يف التجميل‪ ،‬رمبا‬
‫كان السبب يف هذه املعتقدات هو األثر الطيب‬
‫املعروف للكحل يف احلد من التهابات العيون‪،‬‬
‫وكان الكحل يصنع قدمياً من (االنتيمون) ويف‬
‫السنوات األخ�يرة انتشر الكحل احملضر من‬
‫الرصاص لرخص مثنه و نقص املوارد الطبيعية‬
‫من (االنتيمون) ولقد أثبتت الدراسات وجود‬
‫تراكيز عالية م��ن عنصر ال��رص��اص و بعض‬
‫امل��ع��ادن الثقيلة األخ���رى ال��س��ام��ة‪ ،‬م��ا يشكل‬
‫خطورة على صحة اإلنسان‪ ،‬وقد خلصت بعض‬
‫الدراسات إىل وجود تراكيز عالية من عنصر‬
‫ال��رص��اص يف األن����واع امل��س��ت��وردة م��ن الدول‬
‫اآلسيوية وبشكل خاص اهلند وباكستان وقد‬
‫أثبتت الدراسات وإحصائيات وزارة الصحة يف‬
‫إحدى دول اخلليج العربي حدوث حاالت تسمم‬
‫بالرصاص ألطفال رضع ‪.‬‬
‫التبغ و التسمم بالرصاص‪:‬‬
‫يتلوث التبغ املستخدم يف صناعة السجائر‬
‫ب��ال��رص��اص م��ن ال�ترب��ة ال��زراع��ي��ة و م��ن مادة‬
‫زرن��ي��خ��ات ال��رص��اص ال�ت�ي تستخدم كمبيد‬
‫للحشرات‪ ،‬وينتقل من التبغ إىل رئات املدخنني‬
‫من ثم إىل دمائهم عند تدخني السجائر و ترتاوح‬
‫كميات الرصاص يف تبغ السجائر بني ‪ 2،5‬و ‪39‬‬
‫جزءاً يف املليون ويظهر حوايل ‪ 5‬إىل ‪ 10‬يف املئة‬
‫من الرصاص يف دخان السيجارة بسبب تطايره‬
‫أثناء التدخني ‪.‬‬
‫يوجد يف التبغ نظري الرصاص ( ‪) pb210‬‬
‫وهو احد املواد اليت يعزى إليها إحداث سرطان‬
‫الرئة و قد وجد أن أجسام مدخين السجائر‬
‫تستخلص الرصاص مبعدالت أعلى من أجسام‬
‫غري املدخنني ويرجع ذلك إىل أن النيكوتني يزيد‬
‫من امتصاص الرصاص يف الرئتني ‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫واجلدير بالذكر أن هناك أيضاً بعض أنواع‬
‫البخور اليت تستخدم يف البلدان العربية و اهلند‬
‫هي مصدر هلا ‪ .‬احرتاقها يؤدي إىل تلوث اهلواء‬
‫بالرصاص داخ��ل املنازل‪ ،‬حيث حتتوي بعض‬
‫أن��واع��ه على مركبات ال��رص��اص السامة اليت‬
‫تنطلق يف اهلواء ‪.‬كما أن الشموع اليت تستخدم‬
‫يف اإلضاءة داخل املطاعم و الفنادق ويف حاالت‬
‫انقطاع التيار الكهربائي يف املنازل تتسبب يف‬
‫تلوث اهل��واء داخ��ل ه��ذه األم��اك��ن بالرصاص‪،‬‬
‫وتشري إحدى الدراسات العلمية إىل أن األشخاص‬
‫الذين يوجدون داخل غرفة مغلقة تشتعل فيها‬
‫الشموع ذات الرائحة معرضني خلطر صحي‬
‫من جراء انبعاث الرصاص وانتشاره من احرتاق‬
‫هذه الشموع ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫إن الرصاص ال يعترب من العناصر اليت تدخل‬
‫يف تركيب جسم اإلنسان كما دلت األحباث على أنه‬
‫ليس من العناصر اليت حيتاج إليها‪ ،‬حيث ال تبدو‬
‫له أية فوائد يف اجلسم‪ ،‬وليست له أية وظائف‬
‫أو عمليات فيزيولوجية أو كيميائية داخله‪ ،‬وعلى‬
‫الرغم من ذلك تشتمل أنسجة اجلسم وسوائله‬
‫وإفرازاته على آثار منه بسبب التلوث البيئي به‬
‫و مبركباته اليت ال تضمحل يف أنسجة اجلسم‪،‬‬
‫وهل��ذا تكون الفرصة متاحة لزيادة تركيزه مع‬
‫زيادة التعرض له ‪.‬‬
‫لقد تبني أن هذا الفلز يدخل إىل جسم اإلنسان‬
‫إما عن طريق اجلهاز التنفسي مع هواء الشهيق‬
‫وام��ا م��ن خ�لال اجل��ه��از اهلضمي م��ع الطعام و‬
‫ال��ش��راب‪ ،‬وم��ن خ�لال هذين املسلكني يصل اىل‬

‫الدم‪ ،‬وعادة ما يذهب بعد ذلك إىل املخ والعظام‬
‫و ميتص اجلسم يومياً من الرصاص ما يرتاوح‬
‫بني ‪ 0،25‬إىل ‪ 0،5‬ميليغرام ‪.‬‬
‫ويطرد اجلسم البشري ما معدله ‪ 0،3‬مليغرام‬
‫عن طريق البول و العرق و الشعر ‪،‬ولكن اذا ازداد‬
‫تركيز الرصاص على هذا املعدل فإن ذلك يؤدي‬
‫إىل التسمم ‪.‬‬
‫ه��ذا و يتوقف م��دى تأثر اإلن��س��ان بالتلوث‬
‫بالرصاص على عدة عوامل ‪.‬‬
‫مدة التعرض للرصاص و مركباته الكيميائية‪.‬‬
‫طريقة التعرض للرصاص ( استنشاق – هضم‬
‫– مالمسة ) ‪.‬‬
‫الكمية اليت تدخل اجلسم بصورة مباشرة أو‬
‫عرضية ‪.‬‬
‫خصائص الشخص املعر ض ل����ل����رص����اص‬
‫(العوامل الوراثية –السن –اجلنس – احلالة‬
‫الفيزيولوجية ) ‪.‬‬
‫الصورة الفيزيائية أو الكيميائية اليت يوجد‬
‫عليها املعدن ( أتربة – دخان – أيونات ) ‪.‬‬
‫والصورة العضوية للرصاص أكثر مسية من‬
‫ال��ص��ورة غ�ير العضوية‪ ،‬ل��ق��درهت��ا على اخرتاق‬
‫اخلاليا و التجمع فيها ‪ .‬ولقد وجد أن الرجال‬
‫أكثر قابلية من النساء ‪ :‬ألن كتلة العظام عند‬
‫الرجال أكرب و أثقل‪ ،‬و تستوعب كمية أكرب من‬
‫ال��رص��اص ‪ .‬كما تبني أن كمية ال��رص��اص اليت‬
‫تسبب تشوهات خطرية يف جسم اإلنسان بني‬
‫‪ 700-300‬مليغرام ‪ .‬و من أجل وقاية األفراد من‬
‫اآلث��ار السامة للرصاص‪ ،‬تسعى دول العامل إىل‬
‫سن التشريعات اليت حتدد أقل قدر ميكن السماح‬
‫به من الرصاص يف األغذية ‪.‬‬
‫أخ�ي�راً ن��رى ال��رص��اص يلوث بيئتنا و يدخل‬
‫أجسامنا عن طريق الغذاء و اهلواء واملاء وجيب‬
‫احل��د من ه��ذا التلوث و االنتباه إىل تبدالته و‬
‫حتوالته يف البيئة احمليطة بنا والتقليل من الطرق‬
‫اليت تؤدي به إىل أجسامنا ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪163‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫في البحث عن الطوفان‬

‫قصة عالمين جيولوجيين يتقصيان حادثة طوفان نوح‬
‫إلى زمن الوالدة العنيفة للبحر األسود‬
‫بقلـم ‪ :‬دووغ ماك كينيس‬
‫ترمجة ‪ :‬حازم حممود فرج‬
‫عن جملة ‪Earth‬‬

‫يف صيف العام ‪ ،1993‬وقد أصبحت احلرب الباردة جمرد ذكرى‪ ،‬صعد علماء‬
‫روس وأمريكيون بأجهزتهم ومعداتهم العلمية على منت سفينة صيد مسك‬
‫روسية معدلة‪ ،‬وانطلقوا يف البحر األسود إلماطة اللثام عن سواده‪ .‬وعلى مدى‬
‫أسبوعني عملوا على مدار الساعة‪ .‬ففي الليل‪ ،‬كانوا جيرون مسحاً بالصدى لقاع البحر‪ .‬ويف‬
‫النهار‪ ،‬جيرون االختبارات والتجارب على عينات أخذت من الطبقات الرسوبية للقاع املوحل‪.‬‬
‫وقلما مسح هلم ضيق الوقت بالنوم أكثر من أربع ساعات متواصلة‪ .‬أما التواصل اللغوي‬
‫فيما بينهم فكان بدائياً‪ :‬إذ مل تتعد معرفة العلماء الروس القليل من اإلنكليزية‪ ،‬فيما جهل‬
‫األمريكيون اللغة الروسية متاماً‪ .‬وعند إخفاق التفاهم اللغوي بينهم ــ تصبح لغة اإلشارة‬
‫سيدة املوقف‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫كانت اجلائزة العلمية يف طني ق��اع البحر‬
‫الذي ميكن أن يقرأ ككتاب تاريخ بالنسبة ألولئك‬
‫الذين يستطيعون فك رموز الطبقات الرسوبية‬
‫اليت تعود زمناً إىل آالف أو حتى ماليني السنني‬
‫السابقة‪ .‬وللحصول على عينات الطني‪ ،‬قام‬
‫الفريق بثقب ق��اع البحر بأنبوب من الفوالذ‬
‫الصلب تدفعه أسفالً كتلة يبلغ وزهنا طن واحد‪.‬‬
‫وعندما غرز األنبوب يف قاع احمليط امتأل قلبه‬
‫اجملوف باملادة الرسوبية بارتفاع ستة إىل تسعة‬
‫أقدام‪ .‬وقد حصر العلماء الروس اهتمامهم يف‬
‫أعلى العينة‪ ،‬حيث توجد الطبقة اليت احتوت‬
‫على آثار السقط الذري املشع الذي خلفته كارثة‬
‫معاصرة‪ ،‬هي حادثة مفاعل تشرينوبل النووي‪.‬‬
‫أما العاملان األمريكيان‪ ،‬ومها اجليولوجيان بيل‬
‫ريان و وولرت بيتمان من جامعة كولومبيا‪ ،‬فقد‬
‫نظرا إىل أعمق من ذلك بنحو ثالثة أقدام ــ وإىل‬
‫آالف السنني املاضية من التاريخ اجليولوجي‬
‫ل�لأرض‪ :‬لقد كانوا يبحثون عن دالئ��ل كارثة‬
‫قدمية اعتقدوا أهن��ا رمب��ا كانت مصدر إهلام‬
‫للقصص القدمية ‪ ...‬مثل قصة طوفان نوح‪.‬‬
‫وقد وجدوا ضالتهم‪ :‬دليالً يوحي أن منطقة‬
‫البحر األس��ود كانت قد ُغ �مِ �رَت فجأة مبياه‬
‫ماحلة قادمة من البحر األبيض املتوسط‪ .‬أما‬
‫التاريخ املقدر هلذه احلادثة فهو حوايل ‪5600‬‬
‫سنة قبل امليالد‪ .‬ويعتقد بيتمان وريان أن أثر‬
‫الفيضان الناتج مل يقتصر على تضخيم حجم‬
‫البحر األسود‪ ،‬بل رمبا غري أيضاً جمرى التاريخ‬
‫اإلنساني يف منحنيني رئيسني‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬ع�جّ��ل امل��زارع��ون اهل��ارب��ون م��ن وجه‬
‫الكارثة يف وص��ول ال��زراع��ة إىل ش��رق ومشال‬
‫أوربا وانتشارها هناك‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬رمب��ا أمكن هل��ذا الفيضان أن يبعث‬
‫أساطري شرق املتوسط القدمية‪ ،‬ومن ذلك قصة‬
‫طوفان نوح الواردة يف سفر التكوين يف الكتاب‬
‫املقدس‪ ،‬بل وحتى قصة أكثر قدماً‪ ،‬هي ملحمة‬

‫جلجامش البابلية القدمية‪.‬‬
‫بإعالن اكتشافاهتم ه��ذه يف العام ‪،1997‬‬
‫أشعل بيتمان وري���ان ب�ين علماء اجليولوجيا‬
‫وعلماء اآلثار خالفاً ال يبدو حمتمالً أن يهدأ يف‬
‫السنني القادمة ــ إن كان له أن يهدأ‪.‬‬
‫لقد أتت نتائج األحباث اجليولوجية مفاجئة‬
‫حبد ذاهتا‪ .‬فلقد دأب أكثر العلماء على االعتقاد‬
‫أن البحر األسود كان قد منا وتوسع تدرجيياً‬
‫يف هناية العصر اجلليدي األخ�ير قبل حوايل‬
‫‪ 15‬أل��ف سنة‪ .‬وفقاً للنظرية القياسية‪ ،‬أدى‬
‫ذوب���ان اجلليديات إىل ارت��ف��اع مستوى مياه‬
‫احمليط األطلسي لتندفع حنو البحر املتوسط‬
‫ومن ثم عرب البوسفور‪ ،‬وهو املضيق الذي ميتد‬
‫بطول تسعة عشر ميالً‪ ،‬عابراً مدينة اسطنبول‬
‫وفاصالً بني تركية األوربية وآسيا الصغرى‪.‬‬
‫وتدفقت مياه البحر األبيض املتوسط يف ما‬
‫كان ذات مرة حبرية ماء عذب أكرب من مجيع‬
‫البحريات الكربى املعاصرة جمتمعة‪ .‬وبشكل‬
‫ت��درجي��ي‪ ،‬زاد البحر املتوسط يف حجم ذلك‬
‫اجلسم املائي أثناء اخلمسة عشر قرناً التالية‪،‬‬
‫بنسبة مخسني باملائة تقريباً‪ ،‬ليصبح جممع‬
‫املياه املاحلة الذي ندعوه اليوم بالبحر األسود‪.‬‬
‫على النقيض من هذه النظرية القياسية‪,‬‬
‫وجد ريان وبيتمان دليالً جيولوجياً على طوفان‬
‫كانت ستُحفر رؤي��اهُ يف ذاكرة من شهده‪ .‬فمع‬
‫ارت��ف��اع مستويات امل���اء‪ ،‬أخ���ذت م��ي��اه البحر‬
‫املتوسط بالتسرب تدرجيياً يف بداية األمر إىل‬
‫البوسفور‪ ،‬ثم غمرت املضيق املسدود يف آخر‬
‫األمر‪ .‬وفجأة اهنار احلاجز ليفسح اجملال أمام‬
‫اندفاع مياه البحر اهلائجة إىل منطقة البحر‬
‫األس���ود ب��ق��وة ت��ع��ادل ‪ 200‬م��رة ق��وة شالالت‬
‫نياغارا مطلق ًة هديراً كان ممكناً مساعه من‬
‫مسافة ‪ 100‬ميل‪ ،‬ولتزيح الساحل إىل الوراء‬
‫بقدر ميل يف اليوم الواحد‪ .‬ومل تنحسر مياه‬
‫الفيضان بعد ذلك أبداً‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪165‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يقول ريان‪" :‬األمر أشبه بتصدع سد أرضي‬
‫عندما يهن ث��م ينهار أخ�ي�راً‪ .‬وعندما تنهار‬
‫السدود يصبح األمر كاجلحيم‪ :‬فهي قد تبدأ‬
‫بتسريب املياه على فرتة أيام أو شهور‪ ،‬لكنها‬
‫عندما تتهاوى أخ�ي�راً‪ ،‬فإهنا تسقط يف فرتة‬
‫بضعة ساعات"‪.‬‬
‫ث��م ي��أت��ي القسم التخمينيي م��ن القصة‪:‬‬
‫الجئون فزعون شتتهم الرياح‪ .‬بعضهم هرب‬
‫غرباً إىل أوربا‪ ،‬وآخرون اجتهوا جنوباً إىل بالد‬
‫مابني النهرين ال�تي أصبحت الحقاً بابل‪ ،‬ثم‬
‫العراق يف يومنا احلايل‪ ،‬حيث حتولت يف النهاية‬
‫حكاياهتم عن كارثة مائية إىل أسطورة‪.‬‬
‫هل ميكن أن يكون األم��ر قد ح��دث هكذا‬
‫حقاً؟‬
‫ت��ق��ول م���وري���ن رامي����و <وه����ي أخصائية‬
‫جيولوجيا حبرية يف معهد ماساتشوستس‬
‫للتقانة>‪" :‬هناك حاالت قليلة جداً حصل فيها‬
‫بعض الكوارث اجليولوجية يف تاريخ احلضارة‬
‫اإلنسانية‪ ،‬وإني أرى أن تصديق فكرة كون هذا‬

‫‪166‬‬

‫الفيضان هو أصل هذه األساطري أم��راً سهالً‬
‫ج���داً‪ .‬ختيل وق���وع ارت��ط��ام نيزكي يف الزمن‬
‫القديم‪ .‬كيف كنت ستفسره؟ ستتضرع إىل إهلك‬
‫الغاضب كي يبعد عنك األذى إذا مل يكن لديك‬
‫اخللفية العلمية لفهم ما حصل"‪.‬‬
‫لقد بدأ البحث عن الطوفان التوراتي مع‬
‫اكتشاف فيضان آخر أكرب وأق��دم زمناً‪ .‬ففي‬
‫الستينيات اكتشف ريان وعاملان آخران ترسبات‬
‫ملحية بسماكة مئات األقدام حتت القاع املوحل‬
‫للبحر امل��ت��وس��ط‪ ،‬وم��ن��ه استنتجوا أن البحر‬
‫املتوسط كان قد جف قبل حوايل ستة ماليني‬
‫سنة بعد أن أغلق انزياح القارات مؤقتاً مضيق‬
‫جبل طارق ــ صلة الوصل الوحيدة بني البحر‬
‫املتوسط واحمليط األطلسي‪ .‬وبعد ذلك حبوايل‬
‫‪ 600‬ألف سنة اهنار ذلك السد الطبيعي وفتح‬
‫اجملال ملياه احمليط األطلسي لتندفع وتصب يف‬
‫حوض املتوسط بشكل طوفان هائل أعاد ملئ‬
‫احلوض يف أقل من قرن‪ .‬كان الدليل اجليولوجي‬
‫مغرياً جداً‪ ،‬ودخلت فكرة فيضان البحر األبيض‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫املتوسط الكتب املدرسية بسرعة‪.‬‬
‫بعد االكتشاف بسنوات‪ ،‬أملح أحد زمالء ريان‬
‫وبيتمان يف جامعة كولومبيا إىل أن هذا الفيضان‬
‫رمب��ا تسبب بظهور قصص الطوفان الواردة‬
‫يف سفر التكوين وملحمة جلجامش‪ .‬وبالطبع‬
‫كان ميزح بكلمته هذه ــ إذ أن ذلك الطوفان‬
‫ح��دث قبل ظهور اإلن��س��ان مباليني السنني ــ‬
‫لكن تندره هذا جعل ريان وبيتمان يتساءالن‪:‬‬
‫إذا أمكن لفيضان عظيم كهذا أن حيدث عند‬
‫مضيق طبيعي معني‪ ،‬فرمبا أمكن لشيء مشابه‬
‫أن حيدث يف مكان آخر وبزمن حديث مبا فيه‬
‫الكفاية كي يرتك أثراً يف ذاكرة البشرية‪.‬‬

‫وال��س��ؤال ال��ذي يطرح نفسه ه��و‪ :‬بافرتاض‬
‫حصول مثل هذا الفيضان‪ ،‬أين كان ميكن أن‬
‫حيدث؟ يف البحر األمحر؟ يف اخلليج العربي؟‬
‫كالمها يقع قرب مضيق طبيعي‪ ،‬وكالمها يقع‬
‫يف ذلك اجلزء من العامل حيث شاعت قصص‬
‫الطوفان‪ .‬لكن كال املكانني مل يف بالشروط‬
‫املطلوبة‪ :‬فالقنوات واملضائق اليت تقود إليهما‬
‫كانت عميقة جداً أكثر مما يسمح بانسدادها‬
‫طبيعياً‪ .‬أما البوسفور فكان قصة أخرى‪ .‬فهذا‬
‫املضيق الضحل ميكن وبسهولة أن يعمل كصمام‬
‫ماء يفتح ويغلق طبيعياً أمام املياه املتدفقة من‬
‫البحر املتوسط إىل البحر األسود مشاالً‪ .‬وعرب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪167‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ماليني السنني‪ ،‬انقلب البحر األس��ود‪ ،‬مرات‬
‫عديدة‪ ،‬من حبرية ماء عذب منعزلة إىل حبر‬
‫ماحل املياه‪ ،‬وبالعكس ثانية‪ .‬أما اآللية الكامنة‬
‫وراء هذه التغريات‪ ،‬فقد كانت تعاقب العصور‬
‫اجلليدية‪ .‬أثناء هذه العصور ال��ب��اردة‪ ،‬تصبح‬
‫ه��ذه امل��ي��اه‪ ،‬ال�تي كانت ستتخم احمليطات يف‬
‫ظل أح��وال أخ��رى‪ ،‬مقيدة ومعزولة على شكل‬
‫صفائح جليدية‪ .‬ث��م تنحسر احمليطات عن‬
‫اليابسة‪ ،‬خملف ًة وراءه��ا حباراً داخلية معزولة‬
‫ستحوهلا األهنار املتدفقة إىل حبريات من املاء‬
‫العذب‪ .‬ولكن عندما يتعرض الكوكب للدفء‬
‫ثانية‪ ،‬يرفع ذوبان اجلليد سويات مياه البحار‬
‫واحمليطات مبا يكفي لتعيد ملئ حوض البحر‬
‫األس��ود باملياه املاحلة‪ .‬ويقول ري��ان‪" :‬لقد كان‬
‫هناك عددٌ من االجتياحات البحرية اليت حولت‬
‫البحرية إىل حبر"‪.‬‬
‫وقد بدا أحدث تلك االجتياحات أشبه حبالة‬
‫خاصة‪ .‬ففي أوراق حبوث قدمها علماء روس‬
‫وبلغار وأت��راك كانوا قد درس��وا عينات طينية‬
‫استخرجت من قاع البحر األس��ود‪ ،‬وجد ريان‬
‫وبيتمان وصفاً للرمل والغرين اللذين رمبا تكونا‬
‫بفعل حتول سريع من أرض جافة إىل ماء عميق‪.‬‬
‫وبناء على تلك البحوث األجنبية‪ ،‬ق��ام ريان‬
‫وبيتمان يف العام ‪ 1993‬بإقناع وحث دار النشر‬
‫الشهرية ساميون آند شوسرت لتمنحهم عقداً‬
‫لكتاب يربط نظريتهما عن الفيضان بالكارثة‬
‫العاملية املوصوفة يف سفر التكوين وملحمة‬
‫جلجامش‪ .‬لكن كانت هناك عقدة واحدة فقط‪:‬‬
‫إذ مل يأت أي من مؤلفي تلك البحوث على ذكر‬
‫ولو كلمة واحدة عن الفيضان‪ .‬ويقول بيتمان‪:‬‬
‫"من املريب أن أياً من هؤالء الباحثني الذين رأوا‬
‫هذه املعطيات البد أن يقولوا حبصول فيضان‬
‫إال إذا كانوا على علم مسبق بتلك الفرضية"‪.‬‬
‫لكن افرتاض وقوع فيضان ما هو أمر‪ ،‬أما‬
‫إثباته فهو أمر آخر‪ .‬وألجل ذلك‪ ،‬احتاج ريان‬

‫‪168‬‬

‫وبيتمان دليالً ميكنهم احلصول عليه فقط‬
‫من القاع املوحل للبحر األس��ود‪ .‬وسيضطران‬
‫ألج��ل ذل��ك أن حي��ف��را للحصول على بعض‬
‫العينات اخلاصة هب��م‪ ،‬واكتشاف ذل��ك اجلزء‬
‫من الطني األح��دث عمراً ال��ذي حتولت عنده‬
‫رس��وب��ي��ات قعر البحرية أو األراض���ي اجلافة‬
‫إىل ق��اع حب��ر‪ ،‬وباستخدام التأريخ بالكربون‬
‫سيتمكنان من حتديد كم من الوقت احتاجه‬
‫التحول‪ .‬وبإمعاهنما النظر يف عينات الطني‪،‬‬
‫سيستطيعان الرؤية بوضوح يف املاضي‪.‬‬
‫عندما متثلت فكرة مشروع البحث يف بادئ‬
‫األمر لـ ريان وبيتمان‪ ،‬أدركا أنه كان مبقدورمها‬
‫أن حيلماً أيضاً برحلة إىل القمر‪ .‬ففي زمن‬
‫احلرب الباردة مل يكن متاحاً هلما احلصول على‬
‫موطئ قدم يف الطرف السوفيييت من البحر‬
‫األس��ود‪ .‬فهذا البحر منح االحت��اد السوفيييت‬
‫السابق موانئ دافئة املياه وحيوية بالنسبة إىل‬
‫أسطوله وجت��ارت��ه البحرية‪ ،‬ويف ذل��ك الوقت‬
‫مل يكن مرغوباً باألمريكيني هناك‪ .‬غري أن‬
‫التوقعات واآلم���ال أخ��ذت تشرق مع احنسار‬
‫القوة السوفيتية يف هناية عقد الثمانينيات‪ .‬لكن‬
‫العاملني األمريكيني كانا بعد حباجة إىل دعوة‬
‫كي يتمكنا من إجراء دراستهما‪ ،‬ومل يعرفا كيف‬
‫حيصالن عليها‪ .‬ويقول ريان‪" :‬لشد ما رغبنا‪،‬‬
‫دومنا أمل‪ ،‬أن نصل إىل البحر األسود‪ ،‬لكن مل‬
‫يكن لدينا فكرة كيف نفعل ذلك"‪.‬‬
‫هكذا كان ميكن أن تبقى األمور لوال حادثة‬
‫م��ف��اع��ل ت��ش�يرن��وب��ل ع���ام ‪ .1987‬ويف أوائ���ل‬
‫التسعينيات كان العلماء الروس متشوقني ملعرفة‬
‫حجم التلوث الذي سببه السقط الذري املشع‬
‫من املفاعل األوكراني يف البحر األس��ود‪ ،‬على‬
‫مسافة ‪ 350‬ميالً إىل اجلنوب‪ .‬ولسوء احلظ‪،‬‬
‫مل يتمكن العلماء الروس من الوصول إىل هناك‬
‫أيضاً‪ :‬فآخرة احلرب الباردة قد خلفت آلتهم‬
‫العلمية اجلبارة سابقاً مقيدة بانتظار التمويل‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ويقول بيتمان‪" :‬األمر ببساطة كان أن الروس‬
‫ليس لديهم مال‪ .‬لقد أفلسوا"‪.‬‬
‫لكن األم��ل راود الباحثني ال���روس عندما‬
‫مسعوا م��ن م��ص��ادر علمية أن ري��ان وبيتمان‬
‫يتلهفان لزيارة البحر األسود‪ .‬فخابروا أستاذي‬
‫جامعة كولومبيا وع��رض��وا عليهما اتفاقاً‪:‬‬
‫"س��اع��دون��ا يف متويل بعثتنا‪ ،‬وحن��ن نأخذكم‬
‫معنا‪ .‬أنتم تبحثون عن طوفانكم‪ ،‬وحنن ندرس‬
‫نشاطنا اإلشعاعي‪ ."..‬ويذكر ريان‪" :‬أخذ األمر‬
‫حنو ثالثني ثانية لنجيب‪" :‬نعم"‪.‬‬
‫مل يكن هناك وقت لدى العاملني األمريكيني‬
‫كي يطلبا منحة األحباث لتغطية حصتهما من‬
‫البعثة‪ .‬بدالً من ذلك أخذا ينفقان من األجرة‬
‫اليت دفعتها هلما مقدماً دار ساميون آند شوسرت‬
‫من أجل الكتاب ــ مصدر متويل علمي جاهز‬
‫ول��و أن��ه غري مألوف‪ .‬ثم ب��دأا بإعداد برنامج‬
‫للبحث‪ ،‬فاستشارا بعضاً م��ن أف��ض��ل خرباء‬
‫ال��ع��امل يف بيئة منطقة البحر األس���ود‪ ،‬منهم‬
‫اثنان روس وثالثة أت��راك وبلغاري‪ .‬وقد وافق‬
‫غلني جونز‪ ،‬وهو باحث خمتص يف بيئة البحر‬
‫األسود ويعمل يف جامعة تكساس‪ ،‬على القيام‬
‫بقياس عمر العينات الطينية املستحصلة يف‬
‫البعثة بوساطة الكربون – ‪ .)14-C( 14‬كما‬
‫وافق اجلميع على أن موضوع الدراسة الرئيس‬
‫سيكون بقايا رخ��وي��ات امل���اء امل���احل القدمية‬
‫املدفونة يف ق��اع البحر‪ :‬ف��إذا ك��ان البحر قد‬
‫توسع ببطء على مدى أكثر من ألف عام‪ ،‬فكذا‬
‫سيكون توسع وانتشار مجوع الرخويات‪ .‬أما إذا‬
‫كان البحر األسود قد توسع من فيضان كارثي‬
‫سريع فالبد أن تكون رخويات املياه املاحلة قد‬
‫وصلت من البحر املتوسط باجلملة‪ .‬ويف هذه‬
‫احلال‪ ،‬جيب أن تكون مستحاثاهتا األقدم زمناً‬
‫بذات العمر يف كامل منطقة البحر األسود‪ .‬لقد‬
‫كان اختبار جناح أو فشل‪" .‬فإذا كان البحر قد‬
‫امتأل تدرجيياً‪ ،‬فلن يكون هناك طوفان كارثي‪"،‬‬

‫كما يقول ريان‪.‬‬
‫ط��ار ري���ان وبيتمان إىل موسكو يف شهر‬
‫حزيران‪/‬يونيو ‪ .1993‬ويف اليوم التايل تابعا‬
‫طريقهما ب��ال��ط��ائ��رة وال��ش��اح��ن��ة إىل ميناء‬
‫غليندزيك على البحر األسود‪ ،‬حيث صعدا إىل‬
‫سفينة األحباث ذات املائة قدم طوالً واليت كانت‬
‫سابقاً سفينة لصيد السمك امسها آكوانوت‪،‬‬
‫وانطلقا للعمل‪ .‬كانت منطقة اهل��دف النتقاء‬
‫العينات ه��ي اإلف��ري��ز ال��ق��اري الضحل على‬
‫طول السواحل الروسية واألوكرانية‪ ،‬متاماً يف‬
‫شرق وغرب شبه جزيرة القرم‪ .‬وقبل املباشرة‬
‫باحلفر‪ ،‬قام أفراد البعثة مبسح منطقة اإلفريز‬
‫القاري بأجهزة السونار (الصدى) اليت تستطيع‬
‫موجاهتا الصوتية اخرتاق القعر الناعم للبحر‪،‬‬
‫وكذلك تصوير مقاطع عرضية للرسوبيات‬
‫هناك‪ .‬وقد أظهرت هلما صور املقاطع العرضية‬
‫املواقع اليت جيب أن يأخذا منها عينات الطني‪:‬‬
‫وكمثال‪ ،‬األماكن اليت بدا فيها ما يشبه طبقات‬
‫رملية م��ن دلتا أهن��ار قدمية غطتها طبقات‬
‫الغرين الناجتة ع��ن توسع حب��ري‪ .‬ث��م حتول‬
‫الباحثون إىل العمل احلاسم الستخراج أكثر من‬
‫جمموعتني من العينات من القاع‪.‬‬
‫وب��ع��د سحب العينات إىل سطح املركب‪،‬‬
‫اس��ت��خ��رج��ه��ا أع���ض���اء ال��ط��اق��م م���ن األنبوب‬
‫باستخدام مكبس فوالذي خاص‪ ،‬وتسربت إىل‬
‫اخل��ارج مثل معجون األسنان‪ .‬وف��ور حتليلها‪،‬‬
‫كشفت هذه العينات عن دليل مثري يظهر أن‬
‫العاملني األمريكيني كانا ي��س�يران يف اإلجتاه‬
‫الصحيح‪ .‬ففي بعض العينات‪ ،‬وج��د العلماء‬
‫رسوبيات جافة ومتشققة‪ ،‬وأح��ي��ان�اً احتوت‬
‫ج��ذوراً نباتية‪ ،‬وهذا دليل على أن قاع البحر‬
‫كان ذات حني أرضاً جافة‪ .‬وفوق تلك الطبقات‪،‬‬
‫يف رسوبيات أخرى توضعت هناك الحقاً‪ ،‬وجدا‬
‫الرخويات اليت مثلت الدليل على اإلنقالب إىل‬
‫بيئة املياه املاحلة اليت توقعاها سابقاً‪ ،‬وهي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪169‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫دليل على أن تلك األرض كانت قد أغرقت مبياه‬
‫البحر‪ .‬وإلظهار أن منطقة البحر األس��ود قد‬
‫غمرت بفيضان مفاجئ‪ ،‬احتاج ريان وبيتمان‬
‫إىل معرفة ما إذا كانت الرخويات املكتشفة يف‬
‫جمموعة العينات هي ذات عمر واحد‪ .‬ومن أجل‬
‫ذلك كان عليهما انتظار جونز ليجري اختبارات‬
‫تقدير العمر باستخدام الكربون ‪)14-C( 14 -‬‬
‫يف مؤسسة وودز هول لعلوم احمليطات‪ ،‬حيث‬
‫كان يعمل يف ذلك الوقت‪.‬‬
‫وقد أرسلت عينات الرخويات لالختبار يف‬
‫خريف العام ‪ ،1993‬لتأخذ دوره��ا يف سلسلة‬
‫اإلختبارات اليت تنتظر اإلجناز يف وودز هول‪.‬‬
‫وتطلب األمر أربعة أشهر من االختبارات لتبيان‬
‫النتائج‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫وبينما كان ريان وبيتمان يف اإلنتظار‪ ،‬زاد‬
‫جونز‪ ،‬الذي كان يدرس البحر األسود مبفرده‪،‬‬
‫يف قيمة االختبارات بكشف مذهل‪ .‬لقد كان‬
‫يبحث يف أط��وار شخصية البحر اإلنفصامية‬
‫الغامضة‪ :‬فالطبقة العليا من مياه البحر األسود‪،‬‬
‫وهي بسماكة ‪ 500‬قدم‪ ،‬تتألف من مزيج من‬
‫ماء البحر األبيض املتوسط املاحل ومياه األهنار‬
‫العذبة ال�تي تصب يف البحر‪ .‬وه��ذا املستوى‬
‫يوفر الظروف املعينة للحياة‪ .‬أما مياه الطبقة‬
‫األدن��ى فهي شديدة امللوحة‪ .‬وبسبب تباينات‬
‫الكثافة هذه‪ ،‬ال ختتلط الطبقتان‪ ،‬ولذلك فإن‬
‫األكسجني املنحل يف اجل��زء األع��ل��ى ال يشق‬
‫طريقه أب��داً ًإىل األعماق‪ .‬ونتيجة لذلك‪ ،‬فإن‬
‫مناطق األعماق يف البحر األسود هي منطقة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫ميتة ـــ بيئة مشبعة بكربيتيد اهليدرجني وخالية‬
‫من األكسجني‪ ،‬وهو ظرف يعرف باسم نقص‬
‫األكسجني‪ .‬ويف مثل هذه البيئة وهذا العمق‪،‬‬
‫ميكن فقط للبكرتيا الالهوائية أن حتيا‪.‬‬
‫وقد اعتقد بعض العلماء سابقاً أن الطبقات‬
‫األدنى من مياه البحر كانت قد حتولت تدرجيياً‬
‫إىل بيئة ناقصة األكسجني عرب آالف السنني‪،‬‬
‫وذلك عندما زادت مياه البحر األبيض املتوسط‬
‫املاحلة من حجم ما كان ذات مرة حبرية ماء‬
‫عذب وحولت األعماق الدنيا إىل بيئة متزايدة‬
‫امللوحة‪ .‬والختبار هذه الفكرة‪ ،‬جلأ جونز إىل‬
‫الطريقة املطورة‪ ،‬وهي تقدير العمر باستخدام‬
‫الكربون ‪ )14-C( 14 -‬لتحديد أعمار بقايا‬
‫األصداف املكتشفة يف العينات املستخرجة من‬
‫القيعان العميقة للبحر األسود‪ .‬وقد استنتج أنه‬
‫إذا كانت املياه العميقة قد فقدت أكسجينها‬
‫ت��درجي��ي�اً‪ ،‬فالبد أن احل��ي��وان��ات املعتمدة يف‬
‫تنفسها ع��ل��ى األك��س��ج�ين وامل���وج���ودة داخل‬
‫األصداف قد انقرضت عرب سنني عديدة‪ .‬لكن‬
‫إذا كان املاء قد‬
‫انقلب فجأة إىل وسط ناقص األكسجني‪ ،‬فإن‬
‫خملوقاته كانت ستلقى هناية مفاجئة وسريعة‪.‬‬
‫ولدهشته‪ ،‬فقد أظهرت االخ��ت��ب��ارات أن تلك‬
‫احملاريات والرخويات األخرى قد ماتت مجيعها‬
‫دفعة واحدة‪ ،‬حوايل ‪ 5600‬قبل امليالد‪.‬‬
‫وعندما ذكر جونز نتائجه أمام ريان وبيتمان‪،‬‬
‫ابتهجا هبا‪ .‬فمثل هذا التغري املفاجئ من بيئة‬
‫غنية باألكسجني إىل أخرى فقرية به هو ما كانا‬
‫يتوقعانه بالضبط يف حال حدوث طوفان عظيم‬
‫آت من البحر املتوسط ماحل املياه‪ .‬لكنهما أدركا‬
‫أيضاً أنه بوضع تاريخ معني للتحول‪ ،‬فقد جعل‬
‫جونز جناح اختبارمها اخلاص أكثر صعوبة‪.‬‬
‫فهل ستطابق التواريخ اليت حددهتا اختبارات‬
‫الكربون ــ ‪ 14‬لرخويات مياه البحر تواريخ بقايا‬
‫األصداف اليت توصل إليها جونز؟‬

‫وأخرياً يف شهر شباط‪/‬فرباير ‪ ،1994‬وصلت‬
‫النتائج‪ .‬وكما كان متوقعاً‪ ،‬فقد ظهر أن مجيع‬
‫الرخويات كانت تقريباً من ذات العمر‪ .‬وكان‬
‫التاريخ املقدر لوصوهلا إىل املنطقة هو ‪5600‬‬
‫قبل امليالد ــ أي متاماً يف التاريخ الذي حددته‬
‫دراسة جونز كزمن لتحول منطقة أعماق البحر‬
‫إىل منطقة ميتة‪ .‬واآلن‪ ،‬بفضل أحباث جونز‪،‬‬
‫فقد أصبح لدى عاملي جامعة كولومبيا إثباتان‬
‫اثنان ب��دالً من واح��د على ح��دوث الفيضان‪.‬‬
‫يقول بيتمان‪" :‬لقد ك��ان عمله برهاناً مهماً‬
‫جداً على فرضيتنا‪ ."،‬ونشر العاملان اكتشافهما‬
‫وتصورمها يف عدد نيسان‪/‬إبريل ‪ ،1997‬من‬
‫جملة اجليولوجيا البحرية‪.‬‬
‫هكذا حصل ريان وبيتمان على طوفاهنما‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬ترى‪ ،‬هل كان هو طوفان ملحمة جلجامش‬
‫وسفر التكوين؟‬
‫يبدي العديد من اخلرباء شكوكهم‪ ،‬ويشريون‬
‫إىل أن أقدم كتابة معروفة كانت قد ظهرت عند‬
‫السومريني حوايل ‪ 3000‬قبل امليالد‪ .‬ولذلك‬
‫فهم يرون أن املعرفة هبذا الطوفان كان جيب‬
‫أن تعمر وتنتقل مشافهة م��ن جيل إىل آخر‬
‫ملدة تزيد عن ‪ 2500‬سنة قبل أن يتمكن أحد‬
‫من تسجيلها‪ ،‬وهو أمر ضعيف اإلحتمال كما‬
‫يعتقدون‪.‬‬
‫يقول آموس نور‪ ،‬الباحث اجليوفيزيائي يف‬
‫جامعة ستانفورد الذي يدرس آثار الزالزل يف‬
‫التاريخ وعلم اآلث��ار واألح���داث املوصوفة يف‬
‫الكتاب املقدس‪" :‬من الصعب ختيل وتصديق‬
‫النقل الشفهي للرواية م��دة آالف السنني‪."،‬‬
‫ويعتقد نور بأن العديد من قصص التوراة رمبا‬
‫تنبع من ذكريات الكوارث الطبيعية‪ .‬لكنه يقول‬
‫أن إحدى مشكالت األساطري هي يف أن ذكريات‬
‫األح���داث األخ�يرة متيل ألن متسح الذكريات‬
‫القدمية وحتل حملها‪" :‬فإذا انتظرنا حنواً من‬
‫ألفي سنة‪ ،‬فسيكون هناك الكثري من الكوارث‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪171‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وسيفقد قدميها فرادته إذا أدركنا أننا قد اعتدنا‬
‫على اعتبار احلديثة العهد أشد فظاعة وهوالً‬
‫مما سبقها ومما سيليها"‪ .‬ويقول املنتقدون أنه‬
‫حتى لو كان سفر التكوين قائماً على طوفان‬
‫حقيقي‪ ،‬فمن املرجح أنه سيكون أحدث عمراً‬
‫من الفيضان الذي توصل إليه ريان وبيتمان‪.‬‬
‫ومن ناحية أخرى‪ ،‬يفرتض بيتمان أن املوروث‬
‫الشفهي للقصص املنقولة من جيل آلخر كان ال‬
‫بد أن يكون أبلغ أثراً بكثري قبل اخرتاع الكتابة‪،‬‬
‫ويقول‪" :‬البد أن الثقافات اليت مل تكن تعرف‬
‫الكتابة قد اعتمدت كلي ًة على املوروث الشفهي‪،‬‬
‫والبد أن كل مظهر أو أثر على بقائها كان قد‬
‫انتقل مشافهة‪ .‬وإذا ما كان لديك موروث شعري‬
‫ما فإن تذكره سيكون أسهل بكثري"‪.‬‬
‫لقد أث��ار فريق جامعة كولومبيا خالفاً‬
‫آخر أيضاً باقرتاح أن فيضان البحر األسود قد‬
‫عجل من وص��ول ال��زراع��ة إىل أورب��ا الوسطى‬
‫وال��ش��م��ال��ي��ة وان��ت��ش��اره��ا ه��ن��اك‪ .‬وي��ق��ول بيرت‬
‫بوجوكي‪ ،‬وهو باحث جامعة برنستون املختص‬
‫يف احلضارات الزراعية األوربية األوىل‪" :‬هناك‬
‫الكثري من العوامل املختلفة ال�تي سامهت يف‬
‫انتشار الزراعة يف أورب��ا‪ .‬ومييل علماء اآلثار‬
‫لالرتياب يف التفسريات القائمة على عامل‬
‫مفرد خلف مثل هذه األحداث"‪ .‬ويضيف قائالً‬
‫أنه على الرغم من ه��ذا‪ ،‬فإن علماء اآلث��ار ال‬
‫ميكنهم أن يصرفوا النظر عن رأي ريان وبيتمان‬
‫دون اعتبار وتأمل‪ .‬وتظهر حبوث املستوطنات‬
‫الزراعية األوىل يف أوربا الوسطى أن الزراعة‬
‫كانت قد وصلت إىل املنطقة يف وقت يقارب‬
‫زمن فيضان البحر األس��ود ال��ذي ح��دده ريان‬
‫وبيتمان‪ .‬ويقول بوجوكي‪" :‬إن ه��ذا ما جيعل‬
‫املوضوع أم��راً مثرياً حقاً‪ ،‬فلو ك��ان تقديرهم‬
‫بعيداً بقدر كبري من الزمن فلن نكون على هذا‬
‫القدر من اإلهتمام باملوضوع"‪.‬‬
‫من احملتمل أن يشتد النقاش حول اكتشافات‬

‫‪172‬‬

‫ريان وبيتمان عندما ينشران كتاهبما طوفان نوح‬
‫ويقدمان نظريتهما إىل مجهور أوس��ع‪ .‬ويقول‬
‫ريان أنه عندما يتعلق األمر بعلوم اجليولوجيا‪،‬‬
‫فإن أفكارمها تستند إىل أرضية صلبة جداً‪:‬‬
‫"إنين على قناعة بأن املعطيات اليت لدينا ميكن‬
‫تفسريها مجلة واحدة فقط بفيضان كارثي"‪.‬‬
‫ولكن عندما يطرح ال��س��ؤال املثري حقاً ــ هل‬
‫تسبب ذلك الفيضان يف ظهور قصص الطوفان‬
‫املعروفة يف سفر التكوين وملحمة جلجامش؟‬
‫يتهرب هنا ري���ان م��ن إع��ط��اء ج���واب قاطع‪،‬‬
‫ويعرتف أن هذا أمر رمبا لن يكون أبداً مبقدور‬
‫أحد إثباته‪" :‬أعتقد أن السؤال األكثر معقولية‬
‫يف طرحه هو ما إذا كان العلماء سيتجهون إىل‬
‫اعتماد هذا الفيضان كتفسري معقول ألساطري‬
‫ال��ط��وف��ان"‪ ،‬وه��و م��ا ميكن أن ي��ك��ون‪ ،‬رغ��م كل‬
‫شيء‪ ،‬أفضل ما يستطيع العلم توقعه عندما‬
‫يقف وجهاً لوجه أمام األساطري‪.‬‬
‫علماء الزالزل السوفييت شقوا طريقهم يف‬
‫أعماق األرض بقنابل اهليدروجني‬
‫مل يكن وول�تر بيتمان وبيل ري��ان الوحيدين‬
‫من بني العلماء اجليولوجيني الغربيني الذين‬
‫اس��ت��ف��ادوا م��ن هن��اي��ة احل���رب ال���ب���اردة‪ .‬فعرب‬
‫أحن���اء االحت����اد السوفيييت ال��س��اب��ق‪ ،‬أصبح‬
‫متاحاً للجميع الوصول إىل ما كان ذات مرة‬
‫أماكن ومعلومات سرية ــ مقابل مثنه‪ .‬وبفضل‬
‫اتفاقية ب�ين ال��ط��رف�ين‪ ،‬ق��دم العلماء الروس‬
‫نتائج مشاركة غري عادية بني علماء الزالزل‬
‫السوفييت وأخصائيني عسكريني يف اختبارات‬
‫األسلحة النووية‪ .‬لقد مكن هذا الربنامج العلماء‬
‫الروس أن يسربوا طبقات الكوكب بطرائق ميكن‬
‫لنظرائهم الغربيني أن حيلموا هبا فقط‪ .‬وأتاحت‬
‫املعلومات اليت توفرت حديثاً لعلماء اجليولوجيا‬
‫إع����ادة التفكري يف ال��ق��وى ال�ت�ي ت��ق��ود حركة‬
‫الطبقات التكتونية وتسبب ال��زالزل العميقة‬
‫وهنوض اجلبال‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫يقول وول�تر م��وون��ي‪ ،‬وه��و خبري يف أحباث‬
‫الزالزل من هيئة املسح اجليولوجي األمريكية‬
‫‪ USGS‬الذي توسط لعقد االتفاق‪" :‬كان األمر‬
‫أشبه برؤية اجمل��رات من خالل منظار أرضي‬
‫صغري ورؤيتها من خالل منظار هابل الفضائي‪.‬‬
‫لقد قدمت معطيات العلماء الروس حتليالً مل‬
‫يسبق له مثيل لقشرة األرض وطبقة املعطف"‪.‬‬
‫راك��م العلماء ال���روس معلوماهتم ب���دءاً من‬
‫عام ‪ 1969‬وحتى منتصف الثمانينيات‪ ،‬عندما‬
‫ب����دؤوا‪ ،‬س���راً‪ ،‬ب��إج��راء ت��ف��ج�يرات ن��ووي��ة حتت‬
‫السطح لتساعدهم يف مسح وختطيط باطن‬
‫األرض‪ .‬وبقياس انعكاسات املوجات الزلزالية‬
‫الناجتة عن التفجريات‪ ،‬استطاع علماء الزالزل‬
‫السوفييت تتبع الفروقات بني أنواع من الصخور‬
‫وعرب مادة طبقة املعطف اليت عربهتا موجات‬
‫صدم التفجريات‪ .‬كانت هذه الطريقة‪ ،‬املعروفة‬
‫باسم القصف الزلزايل ‪seismic shooting‬‬
‫تستخدم منذ وقت طويل يف الغرب أيضاً‪ ،‬لكن‬

‫العلماء الغربيني كانوا مقيدين بتفجريات ضعيفة‬
‫الشحنة نسبياً‪ ،‬مبا ال يزيد عن عشرة أطنان‬
‫من متفجرات نرتات األمونيوم‪ .‬أما التفجريات‬
‫النووية الروسية فقدرت بـ ‪ 10‬كيلو طن ـــ أي‬
‫أقوى بقدر ألف مرة من مثيالهتا الغربية‪ .‬وكانت‬
‫النتيجة أشبه باستخدام األض���واء الكاشفة‬
‫القوية بدالً من مصابيح اجليب الصغرية‪ .‬هكذا‬
‫استطاع العلماء ال��روس‪ ،‬بإشاراهتم الزلزالية‬
‫األق��وى‪ ،‬أن يلتقطوا تفاصيالً افتقدها علماء‬
‫الغرب‪.‬‬
‫يقول سريغي كوستيوتشينكو‪ ،‬وه��و نائب‬
‫مدير معهد األحب���اث اجليولوجية الروسية‬
‫‪" :GEON‬لقد وضعنا حنو ‪ 800‬ألف بروفايل‬
‫للقشرة واملعطف‪ ،‬وقد حصلنا على مادة جديدة‬
‫مل يكن ممكناً احلصول عليها سابقاً باستخدام‬
‫املتفجرات الكيميائية العادية"‪.‬‬
‫أح��د االكتشافات ال�تي أف��رج عنها العلماء‬
‫ال��روس هو اكتشاف حد زل��زايل جديد‪ :‬فعلى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪173‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عمق معني يف اجلزء األعلى من طبقة املعطف‬
‫جي�بر ال��ض��غ��ط حت��ت األرض����ي ال�����ذرات على‬
‫اإلرتصاص فجأة ضمن حيز أصغر‪ .‬وقد عرف‬
‫علماء الغرب منذ مدة طويلة باحلدين الزلزاليني‬
‫اللذين يقعان على عمق ‪ 260‬و ‪ 410‬أميال حتت‬
‫السطح‪ .‬أما احلد اجلديد فيقع بني احلدين‬

‫‪174‬‬

‫السابقني‪ ،‬على عمق ‪ 315‬ميل تقريباً حتت‬
‫السطح‪ .‬إنه اكتشاف مهم‪ ،‬كما يوضح مووني‪،‬‬
‫وذلك ألن احلدود الزلزالية متثل األماكن اليت‬
‫تزداد فيها كثافة طبقة املعطف‪ .‬فنرى أن املواد‬
‫الكثيفة تتجه للغوص حنو مركز األرض‪ ،‬بينما‬
‫تصعد املواد األقل كثافة‪ .‬إن حركة التبادالت‬
‫هذه تعطي الكثري من املظاهر والعمليات اليت‬
‫يرصدها اجليولوجيون على السطح ــ كاجلبال‪،‬‬
‫على سبيل املثال‪.‬‬
‫يقول م��وون��ي‪" :‬إن��ن��ا نبحث باستمرار عن‬
‫تباينات الكثافة وذلك كي نفسر سبب وجود‬
‫اهلضاب واجل��ب��ال املرتفعة واملناطق األخرى‬
‫املنخفضة‪ .‬إننا عندما حن��اول معرفة سرعة‬
‫هنوض اجلبال وسرعة حركة الطبقات التكتونية‪،‬‬
‫نرى أن كل شيء يقوم على توازن املواد األعلى‬
‫واألقل كثافة‪ .‬وإن تغيري هذا التوازن ميكن أن‬
‫ي��ؤدي إىل تغيري الطريقة ال�تي جييب وفقها‬
‫العلماء عن تلك األسئلة ـــ وذلك بافرتاض أن‬
‫احلد الزلزايل اجلديد سيظهر يف أماكن أخرى‬
‫سوى روسيا‪ ،‬كما يتوقع اجليولوجيون‪.‬‬
‫ل��ق��د ج���اء ال��ت��ع��اون ب�ين ال��ع��ل��م��اء ال���روس‬
‫واألم��ري��ك��ي�ين ب��ط��ي��ئ�اً‪ .‬وع��ن��دم��ا زار العلماء‬
‫ال��روس الواليات املتحدة أول مرة مد مووني‬
‫هلم السجادة احلمراء‪ ،‬واستضافهم إىل حفل‬
‫خاص ملوسيقى راتشمانينوف وتشايكوفسكي‬
‫أحيته زوجته عازفة البيانو جوزفني غاندولفي‪،‬‬
‫وأخ���ذه���م يف س��ي��ارت��ه اجل����اك����وار الفاخرة‬
‫ملشاهدة غروب الشمس عرب جسر بوابة سان‬
‫فرانسيسكو الذهبية‪ .‬ويف الوقت الذي وصلت‬
‫فيه السيارة إىل الطرف اآلخر من اجلسر‪ ،‬مت‬
‫اإلتفاق وأبرم العقد‪ .‬ويقول مووني‪" :‬لقد وافقوا‬
‫على أس��اس التعاون امل��ش�ترك‪ :‬حنن نعطيهم‬
‫بعضاً من معلوماتنا‪ ،‬وهم سيشركوننا يف بعض‬
‫معلوماهتم‪ .‬ثم نتعاون سوية من أج��ل تفسري‬
‫أحباثنا"‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫أمساء البالد واملناطق والرموز على اخلارطة‪:‬‬
‫البحر األسود ‪Black Sea‬‬
‫روسيا ‪ Russia‬‬
‫حبر قزوين ‪Caspian Sea‬‬
‫أوكرانيا ‪Ukraine‬‬
‫‪Danube‬‬
‫هنر الدانوب‬
‫‪Iraq‬‬
‫العراق‬
‫‪Tigris‬‬
‫هنر دجلة‬
‫مضيق البوسفور ‪Bosporus‬‬
‫‪Euphrates‬‬
‫هنر الفرات‬
‫‪ :‬املواقع الزراعية قبل ‪ 5600‬قبل امليالد‪.‬‬
‫‪ :‬املواقع الزراعية بعد ‪ 5600‬قبل امليالد‪.‬‬
‫‪ :‬مواقع عمل البعثة العلمية عام ‪.1993‬‬
‫اخلارطة الداخلية‪ :‬انتشار الزراعة إىل أوربا‪.‬‬
‫بعد الطوفان‪ :‬رمبا أدى اكتساح املياه املندفعة من البحر األبيض املتوسط إىل تضخم حبرية‬
‫شاسعة (اخلط األبيض يف اخلارطة) لتصبح البحر األسود الذي نعرفه اليوم‪ .‬ويعتقد بيل ريان و‬
‫وولرت بيتمان أن الالجئني اهلاربني من وجه الفيضان رمبا محلوا معهم أساطري الطوفان إىل بالد‬
‫ما بني النهرين وأساليب الزراعة إىل أوربا (كما يشري السهمان)‪ .‬لكن معظم علماء اآلثار يعتقد‬
‫أن الزراعة كانت قد سلكت طريقاً أخرى على طول وادي هنر الدانوب باجتاه الغرب (الصورة‬
‫الداخلية)‪ .‬وتشري العالمات إىل مواقع بعض األماكن اليت اكتشف فيها علماء اآلثار دالئل تشري إىل‬
‫بدايات الزراعة يف أوربا‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

‫‪175‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رئيس التحرير‬

‫مع التطور ومنو احلضارات املتعاقبة فسر اإلنسان ظواهر كثرية هلا عالقة بعامله اخلارجي‬
‫كاملطر والربق والرعد‪..‬‬
‫ثم كروية األرض ودوراهنا حول نفسها وتعاقب الليل والنهار ودوران األرض حول الشمس‬
‫بعد أن كانت مسطحة حممولة على قرني ثور هائل والكواكب والنجوم معلقة يف مسائها‪..‬‬
‫ومع احلضارة احلديثة انكشفت أمام اإلنسان ألغاز كثرية‪ ،‬كانت جمهولة لديه‪ ..‬هلا عالقة‬
‫بعامله اخلارجي ‪..‬‬
‫وكانت القلة القليلة من العلماء يهتمون بعامل اإلنسان الداخلي‪ ،‬باملرض واملشاكل النفسية‬
‫واألحالم واخلياالت اجملنحة‪..‬‬
‫تقدم علم الفلك وقوانني الفيزياء والرياضيات والعلوم التطبيقية األخرى اليت هلا عالقة‬
‫بعامل اإلنسان اخلارجي كثرياً‪ ..‬قبل أن يبدأ اإلنسان بالغوص يف عامله الداخلي‪ ،‬ويتعرف‬
‫على مسببات املرض ومكونات اخللية احلية وتركيباهتا املعقدة‪ ،‬بعد أن تأخر كثرياً يف الولوج‬
‫إىل هذا العامل‪..‬‬
‫من تطور طريقة تفكري اإلنسان‪ ،‬نشأت علوم كيمياء اجلسم والتشريح وعلم وظائف‬
‫األعضاء وعلم األم��راض‪ ،‬وعلم النفس الذي تشعب يف اجتاهات عديدة اختص بعضها‬
‫بدراسة النفس البشرية ومشاكلها وأزماهنا يف عامل كبري متغري‪..‬‬
‫إن املستقبل يعين الكثري بالنسبة لإلنسان فهو غامض جمهول ال يعرف عنه شيئاً‪ ،‬وإمنا‬
‫يضع التوقعات واالحتماالت عن مسرية حياته يف هذا الزمن القادم‪..‬‬
‫واإلنسان حمدود العمر‪ ،‬متوسط عمره حنو السبعني عاماً‪ ،‬وهذا املتوسط خيتلف من‬
‫مكان آلخر‪..‬‬
‫ففي املدن الصاخبة امللوثة يقل هذا املتوسط نتيجة ازدياد االحتشاءات القلبية وأمراض‬
‫ضغط الدم والسرطانات املختلفة القاتلة أحياناً‪..‬‬
‫ويف املناطق البعيدة عن الصخب والتلوث حيث اهلواء النقي والطبيعة اجلميلة‪ ،‬واهلدوء‪،‬‬
‫قد يرتفع معدل متوسط عمر اإلنسان عن السبعني عاماً ورمبا يصل إىل التسعني عاماً‪..‬‬
‫إن العقل هو مفتاح التطور والوعي والقوة اخلفية املكبوتة‪ ،‬وبه صاغ اإلنسان حضاراته‬
‫ومفاهيمه املتطورة‪ ،‬ومن خالله حلل الظواهر الطبيعية وفسرها‪..‬‬
‫ومن قواه اخلفية‪ ،‬صاغ أحالمه وخياالته مالحم و أساطري أغنت تراثه اإلنساني‪.‬‬
‫وأعطى العقل كماً كبرياً من اإلجنازات عرب مسرية التاريخ البشري‪ ..‬ورغم أن حضاراته‬
‫املتعاقبة كانت تندثر وتدمر نتيجة أخطائه وأنانيته‪..‬‬
‫فقد كان العقل اخلري يعيد ترميمها من جديد للمحافظة على اهليكل اخلري يف الرتاث‬
‫اإلنساني‪..‬‬

‫‪176‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السادس عشر ‪ /‬تشرين الثاني ‪2009 /‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful