‫• رئيس جملس اإلدارة •‬

‫وزير الثقافة‬

‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫• مدير عام هيئة الكتاب •‬

‫حممود عبد الواحد‬
‫• رئيس التحرير •‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫د‪ .‬خملص الريس ‪ -‬د‪ .‬هبجت حممد‬
‫د‪ .‬حامد ابراهيم ‪ -‬م‪ .‬لينا كيالني‬
‫د‪ .‬أمين امسندر ‪ -‬علي القاسم‬
‫• أمني التحرير •‬

‫رائد حامد‬
‫• مكتب تونس ‪ :‬د‪ .‬كوثر عياد‬
‫• مكتب القاهرة ‪ :‬صالح معاطي‬
‫• مكتب لندن ‪ :‬توفيق السهلي‬
‫• التدقيق اللغوي •‬

‫حممد اخلاطر‬

‫• اإلخراج الفين •‬

‫وسيم قدورة‬

‫• اإلشراف الطباعي •‬

‫أمحد العكيدي‬

‫سعر النسخة ‪ 50‬ل‪.‬س يف سورية أو مايعادهلا يف البلدان العربية‬
‫االشرتاكات عشرة آالف لرية سورية لإلدارات واملؤسسات داخل سورية‬
‫وأربعمائة دوالر أو مايعادهلا خارج سورية‬
‫توجه كافة املراسالت واملواد باسم رئيس التحرير‬

‫‪www.moc.gov.sy‬‬
‫‪E-mail: talebomran@yahoo.com‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫• هيئة التحرير •‬

‫جملة علمية ثقافية شهرية تصدر عن‬
‫وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية السورية‬

‫اهليئة اإلستشارية‬
‫أ ‪ .‬هن�������اد ش�����ري�����ف (م����ص����ر)‬
‫د ‪ .‬ح��س��ام اخلطيب ( فلسطني)‬
‫أ ‪ .‬رؤوف وص����ف����ي (م���ص���ر)‬
‫أ ‪ .‬عبد السالم البقايل (املغرب)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ع����ي����اد (ت����ون����س)‬
‫د ‪ .‬ق����اس����م ق����اس����م (ل���ب���ن���ان)‬
‫أ ‪ .‬ط��ي��ب��ة اإلب��راه��ي��م (الكويت)‬
‫د ‪ .‬حم���م���ود ك������روم (س����وري����ة)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ث����اب����ت (ت����ون����س)‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫تقديم رواية الكوكب اجلنـة (د‪ .‬اهلادي عياد)‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي والسياالت الروحية ( د‪ .‬نظمية أكرد)‬

‫‪12‬‬

‫الرحلة إىل املستقبل يف أدب اخليال العلمي (حممد الياسني)‬

‫‪24‬‬

‫فهم علمي جديد للمنظومات احلية (عزيزة السبيين)‬

‫‪40‬‬

‫حذار إنه قادم (هناد شريف)‬

‫‪44‬‬

‫العمر الوضاء يف جزيرة الفضاء (لينا كيالني)‬

‫‪50‬‬

‫سيمفونية النهاية (د‪.‬طالب عمران)‬

‫‪68‬‬

‫حدث يف مدار النسيان (صالح معاطي)‬

‫‪86‬‬

‫إهنم مصنوعون من اللحم (ترمجة توفيق السهلي)‬

‫‪94‬‬

‫ترجو جملة اخليال العلمي من كافة الكتاب واملبدعني ارسال ابداعاهتم منضدة على‬
‫احلاسوب والتأكد من تدقيقها وذلك لتسهيل عملية النشر السريع‬

‫سوق األفكار (معتز عمرين)‬

‫‪98‬‬

‫‪ Wolfram Alpha‬احلاسب الكوني (هبجت مصطفى)‬

‫‪102‬‬

‫كيف ستكون الدراسة يف املستقبل (وسيم قدورة)‬

‫‪104‬‬

‫مثلث الشيطان من كل الزوايا ( توفيق السهلي)‬

‫‪110‬‬

‫البيت األزيل عند الفينيقيني (رامز حوش)‬

‫‪120‬‬

‫حياة األعماق (ترمجة حازم فرج)‬
‫كيف تعيش احليوانات (يزن خضور)‬

‫‪124‬‬
‫‪136‬‬

‫وليام هريشل (ترمجة عاصم مظلوم)‬

‫الرحلة الروحية (عرض عناء الصاحل)‬

‫‪142‬‬

‫‪150‬‬

‫تطور اخلط «الكتابة العربية» ( د‪.‬صاحل خضور)‬
‫السندباد (طارق حريب)‬

‫‪164‬‬
‫‪170‬‬

‫‪3‬‬

‫يقول املستشرق األملاني (ادوارس��خ��او) عن البريوني‪ ،‬وقد حقق‬
‫بعض مؤلفاته‪(( :‬إنه أعظم عقلية ظهرت يف التاريخ)) ويؤكد بعض‬
‫املؤرخني أنه ولد يف قرية يف ضواحي (كات) عاصمة خوارزم عام‬
‫(‪ )362‬للهجرة‪ )973( ،‬للميالد‪ ،‬وامسه الكامل حممد بن أمحد‬
‫البريوني‪ ،‬ويكنى بأبي الرحيان‪..‬‬
‫وينسبه بعضهم إىل (بريون)‪ ،‬حيث يقول اإلمام ظهري الدين علي بن‬
‫زيد البيهقي عنه يف كتابه (تتمة صيوان احلكمة) ‪(( :‬أبو الرحيان‬
‫البريوني من أج ّل املهندسني‪ ،‬سار يف بالد اهلند أربعني سنة‪ ،‬وصنف‬
‫كتباً كثريةً‪ ،‬رأيت أكثرها خبطه‪ ..‬وبريون اليت هي منشؤه ومولده‬
‫طيبة فيها غرائب وعجائب))‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫لقد كان البريوني عاملاً موسوعيا عظيما متيز بشخصية كرمية‬
‫متحررة من أي تعصب تسعى دائ��م�اً حنو احلقيقة وتتفانى يف‬
‫طلبها‪..‬‬
‫لقد كتب البريوني القسم األك��ر من كتبه وتصانيفه بلغة عربية‬
‫رصينة‪ ،‬ومل يكن خيفي حبه هلذه اللغة وشغفه هبا‪ ،‬وكان يستشهد‬
‫بآيات من القرآن الكريم وأحياناً بالشعر واألمثال العربية‪..‬‬
‫يقول يف مقدمة كتابه ((الصيدنة يف الطب)) ‪ :‬ديننا والدولة عربيان‬
‫توأمان‪ ،‬وإىل لسان العرب نقلت العلوم من أقطار العامل‪ ،‬فإذا دانت‬
‫وحلت يف األفئدة‪ ،‬وسرت حماسن اللغة منها يف الشرايني واألوردة‪..‬‬
‫واهلجو بالعربية أحب إيلّ من املدح بالفارسية‪))..‬‬
‫ومل يكن البريوني يرضى أن ينسبه أح��د لغري ال��ع��رب‪ ..‬كتب يف‬
‫الفيزياء ويف الثقل النوعي للمعادن واألحجار‪ ،‬وتوصل ألرقام مذهلة‬
‫مبقارنتها بالنتائج احلديثة‪ ،‬كما كتب يف تأثري احلرارة على املعادن‬

‫‪4‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫وزير الثقافة‬
‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫وتوازن السوائل وسريان الضوء‪ ،‬وله كتب عديدة يف الفلك والطب‪..‬‬
‫وله كتاب عن اهلند يعرف أحياناً بتاريخ اهلند أو ‪(( :‬حتقيق ما‬
‫للهند من مقولة‪ ،‬مقبولة يف العقل أو مرذولة ))‪.‬‬
‫وبلغت جمموعة تصانيفه ومؤلفاته كما ذكر وهو يف العام اخلامس‬
‫والستني (‪ )417‬كتاباً ومؤلفاً‪ ..‬يعين أنه يف حياته املديدة اليت‬
‫قاربت الثمانني قد ألف كتباً أخرى وتصانيف أكر من هذا الرقم‪..‬‬
‫وكتب البريوني يف الصيدلة وعرض اخلواص الطبيعية لبعض املواد‪،‬‬
‫كما كتب يف توازن السوائل وظاهرة املد واجلزر‪..‬‬
‫ولعل عبقرية البريوني يف حساب الوزن النوعي للمعادن واألحجار‬
‫الكرمية جتلت يف دقة أرقامه املذهلة كما ذكرنا – بالنسبة لألرقام‬
‫احلديثة‪..‬‬
‫وأشار البريوني لظاهرة متدد املعادن باحلرارة وتقلصها بالرودة‪،‬‬
‫ويروى عنه أنه مل يكن ليرتك من يده قلم أو يرفع بصره عن كتاب‬
‫أو يسمح لفكره أن ينشغل عن حل املشكالت واملسائل إال يف يومني‬
‫فقط من العام يؤمّن هبا ضرورات معيشته‪..‬‬
‫وكان حتى قبل وفاته بلحظات يستخر عن مسائل يف اهلندسة‪..‬‬
‫ألفّ يف الرياضيات والطبيعيات والفلك والتنجيم وعلوم احلكمة‪..‬‬
‫كما أل���فّ يف اجليولوجيا وع��ل��وم احل��ي��اة وال��ص��ي��دل��ة والتاريخ‬
‫واجلغرافيا واألديان‪ ..‬وكان حبق من أعظم العلماء املوسوعيني يف‬
‫كل العصور‪..‬‬
‫تويف يف بالط الغزنويني حنو (‪ )442‬للهجرة املوافق ل� (‪)1050‬‬
‫للميالد تاركاً عدداً كبرياً من املؤلفات والرسائل والكتب‪ ..‬ما عجز‬
‫املؤرخون عن إحصائها‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪5‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تقديم رواية من الخيال العلمي‬

‫الكوكب الجنـة‬

‫تونس د‪ .‬اهلادي عياد‬
‫الرواية‪« :‬الكوكب اجلنّـة»‬
‫الكاتب‪ :‬صالح معاطي (مصر)‬

‫هذه الرواية هي آخر ما صدر للكاتب املصري (صالح معاطي)‪  ‬الذي جند‬
‫يف رصيده حوالي ‪ 16‬رواية منها ما َّ‬
‫يصنف يف (اخليال العلمي) ومنها‬
‫روايات اجتماعية‪.‬‬
‫ُت َّ‬
‫صنف الرواية موضوع حتليلنا ضمن أدب اخليال العلمي‪ .‬فهي نقد اجتماعي وسياسي‬
‫يرتكز على خلفية علمية كانت مطية اختذها الكاتب إلعطاء روايته بعداً استشرافياً‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫تدور أحداثها انطالقا من سنة ‪ 2101‬حيث‬
‫يقع االكتتاب الش�تراء مساحات سكنية فوق‬
‫كوكب املرّيخ بسعر زهيد‪ ،‬وهي فكرة ابتكرها‬
‫الدكتور (حامد رشدان) رئيس املشروع القومي‬
‫الرت��ي��اد الفضاء لتمويل مشروعه املتم ّثل يف‬
‫إرسال مركبة فضائية إىل املرّيخ لتدرس إمكانية‬
‫احلياة فوقه و إمكانية إقامة مدينة هناك‪.‬‬
‫تُباع املقاسم للمشرتين الذين استغلّوا فرصة‬
‫رخص األسعار‪ ،‬ثمّ يتح ّقق حلم الدكتور (حامد)‬
‫ويشرف على بناء سفينة عمالقة (فوبوس‪)1‬‬
‫ويتحدّد موعد انطالقها من قاعدة جنوبي‬
‫القاهرة يوم األحد األول من يناير عام ‪.2101‬‬
‫يقود املركبة الدكتور خالد البشري وهو‬
‫رائ��د فضاء م��ع��روف‪ ،‬يف رصيده العديد من‬
‫االكتشافات يف علم الفضاء توصّل إليها عرب‬
‫سفراته املتعدّدة الستطالع الكواكب والتعرّف‬
‫على م��داراهت��ا‪ .‬ويتكوّن الطاقم من‪:‬املساعد‬
‫(امل��ه��ن��دس ه���ش���ام) وم���ن ال���دك���ت���ورة (أم���ل)‬
‫االختصاصية يف الكيمياء ومن (هبات) وهي‬
‫خبرية يف األغذية‪.‬‬
‫تسري املركبة يف ظروف طبيعية وتتخلّص من‬
‫اجلاذبية وتشقّ طريقها حنو الكوكب األمحر‬
‫ولكنّها تصادف عاصفة من ذرّات الغبار الكوني‬
‫وخملّفات املذ ّنبات فتتو ّقف أجهزة اال ّتصال فيها‬
‫ّ‬
‫وتتعطل أجهزة الدفع‪  .‬فيعتقد من يف األرض‬
‫أنّ السفينة انفجرت يف الفضاء‪.‬‬
‫تبعاً هل��ذا الفشل تتغيّر احلكومة ويأتي‬
‫حاكم جديد حيكم مصر فيُلغي وزارة الفضاء‬
‫اخلارجي ويُحاكم ك ّل من انتمى إليها من علماء‬
‫وباحثني وغريهم‪.‬‬
‫يتم ّكن قائد املركبة الفضائية خالد البشري‬
‫بعد جمهودات كبرية دامت شهوراً من إصالح‬
‫املركبة الفضائية ويواصل رحلته للهبوط فوق‬
‫امل �رّي��خ‪ .‬دام��ت الرحلة سنتني ح��اول أثناءها‬
‫االتصال باألرض لكن دون جدوى إذ أُلغيت وزارة‬
‫الفضاء اخل��ارج��ي مبؤسّساهتا ومشروعاهتا‬

‫وأُلغيت ك ّل برامج البحث يف علم الفضاء ووقع‬
‫إل��ق��اء القبض على ك � ّل امل� ّ‬
‫�وظ��ف�ين يف ال���وزارة‬
‫وسجنهم بتهمة تبديد أموال الشعب يف جتارب‬
‫غري ناجحة‪ .‬ووقع رَ ْكن األجهزة يف انتظار بيعها‬
‫باملزاد العلين كخردة‪.‬‬
‫وب����ال����ص����دف����ة ح�������اول أح������د امل���وظ���ف�ي�ن‬
‫ال��ب��س��ط��اء ت��ش��غ��ي��ل ج���ه���از ال��ت��ق��اط عندما‬
‫ص�����درت م��ن��ه ز ّن������ات ف��ت��خ��اط��ب م���ع رواد‬
‫الفضاء الذين أ ّ‬
‫حل��وا عليه أن يبلّغ املسؤولني‬
‫بضرورة إرجاعهم إىل األرض نظرا لنفاد الزاد‬
‫واألكسجني‪ .‬ولكن مل يصدّقه أحد‪ ،‬ألنّ اجلميع‬
‫يعتقد أنّ رواد الفضاء قد هلكوا واُعطِي األمر‬
‫بإتالف اجلهاز فانقطع االتصال هنائياً باملركبة‬
‫الفضائية‪.‬‬
‫هكذا يئس ال���رواد وغ��ام��روا بالنزول فوق‬
‫سطح املرّيخ حيث وجدوا حياة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪7‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مشاهبة للحياة فوق األرض وكانوا قد محلوا‬
‫معهم ب��ذوراً فزرعوها وحيوانات فسرّحوها‬
‫فتأسّست حياة جديدة وتزوّج الرجالن بالبنتني‬
‫وتكوّنت مستعمرة فوق الكوكب األمحر‪.‬‬
‫هذه هي القصّة بصفة جمملة‪ .‬ولكن ما يريد‬
‫أن يقوله الكاتب من خالل القصّة أشياء أخرى‪،‬‬
‫فاخللفية العلمية ما هي إ ّال مطيّة ركبها الكاتب‬
‫للولوج إىل عامل املستقبل لينقد الراهن‪.‬‬
‫وهي تقنية معروفة يف أدب اخليال العلمي‪.‬‬
‫ذلك أنّ استشراف املستقبل ال يتمّ إال انطالقاً‬
‫من احلاضر‪.‬‬
‫يرسم الكاتب يف هذه الرواية مالمح هناية القرن‬
‫الواحد والعشرين وبداية القرن الثاني والعشرين‬
‫من خمتلف الزوايا ولكنّه ال يبدو متفائالً هبذا‬
‫املستقبل‪ .‬فما هي املواضيع اليت تناوهلا بالنقد؟‬
‫تذ ّكرنا هذه الرواية بـ (مسرح اجملتمع) لتوفيق‬
‫احلكيم‪ .‬فيها نقد سياسي‪ ،‬ونقد اجتماعي‬
‫وحت��ل��ي��ل لنفسية اإلن��س��ان وك��ش��ف عيوهبا‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫النقد السياسي‪:‬‬
‫ينقد الكاتب ال��راه��ن م��ن خ�لال تصويره‬
‫للمستقبل‪  :‬من ذل��ك ع��دم وج��ود االستقرار‬
‫ال��س��ي��اس��ي وت���واص���ل ال��ق��ي��ام باالنقالبات‬
‫السياسية‪.‬‬
‫يَقع إلقاء القبض على الدكتور حامد رشوان‬
‫مدير املخرب املركزي لبحوث الفضاء واملسؤول‬
‫األوّل عن الرحلة وهو يُديل بتصريح حول جناح‬
‫مهمّة املركبة الفضائية اليت ختلّصت وقتها من‬
‫اجلاذبية‪ .‬يقول)‪ :‬ما الذي حدث؟ جييبه أحد‬
‫الضباط‪ :‬حدث انقالب و ّ‬
‫مت القبض على احلاكم‬
‫السابق وأمسك أمور البالد حاكم جديد‪)61( ).‬‬
‫هذا احلاكم ألغي الوزارة بكامل نشاطاهتا جبرّة‬
‫قلم(؟)‬
‫يشري الكاتب بيئس شديد إىل عدم وجود‬
‫تطوّر سياسي رغم التقدّم العلمي واالجتماعي‬
‫ورغم التغنّي بالدميقراطيات‪ .‬كان يتصوّر أنّ‬
‫زمن االنقالبات قد و َّلي ولكن احلال ترجع يف‬
‫املستقبل إىل أس��وأ ما هي عليه يف احلاضر‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫فمفهوم احلكم بقي مفهوم متلّك ومل ير َق‪،‬‬
‫وحصلت انتكاسة للدميقراطية فيقول مبرارة‪):‬‬
‫على األرض ك ّل شيء كان نائماً يف مكانه)(‪)87‬‬
‫وال ينسي املؤ ّلف اإلشارة إىل الفوضى السياسية‬
‫السائدة حتّى ع��ام‪ ،2101‬وهي الفوضى اليت‬
‫تُصاحب احلكم الشمويل ع��ادة‪ ،‬بل هي أداة‬
‫من أدواته‪ .‬وال ختفي هنا‪ ،‬اإلشارة إىل سلوك‬
‫ح ّكام الزمن ال��راه��ن‪ .‬وال ي�ترك الفرصة مترّ‬
‫دون التعليق على االستعجال يف اختاذ القرارات‬
‫السياسية ع��ام‪ 2101‬متاما كما هو احلال يف‬
‫زماننا‪ .‬فهو يرى أ ّنه ال وجود لثوابت سياسية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ملخططات‪ ،‬فالسياسة هي سياسة مزاجية‬
‫وال‬
‫ختضع ملزاج احلاكم األوحد‪.‬‬
‫يقول الكاتب بلهجة ال ختلو م��ن امل���رارة‪:‬‬
‫(وكعادة اإلنسان دائماً يسعى إىل طمس آثار‬
‫من سبقوه ظناً منه أنّ أث��اره فقط هي اليت‬
‫ستخلد م��ن ب��ع��ده‪ ،‬ن��اس��ي�اً أنّ ال�لاح��ق�ين به‬
‫سينهجون هنجه ويفعلون معه مثلما فعل هو‬
‫مع غريه‪ ،‬ما إن يعتلي أحدهم العرش مبتدئاً‬
‫نظاماً جديداً حيت يبدأ يف إص��دار جمموعة‬
‫من القوانني والقرارات فتنشأ وزارات وتُلغي‬
‫وزارات وال أح��د ي��ع��رف احلكمة م��ن إنشاء‬
‫هذه أو إلغاء تلك إ ّال اهلل) (‪ .)65‬فاحلاكم هو‬
‫إ ًذا‪ ،‬صاحب السلطة الوحيد بيده ك ّل شيء‪.‬‬
‫كأ ّننا باملؤ ِّلف يتساءل‪ :‬أين الدميقراطية اليت‬
‫كان الناس حيلمون هبا يف بداية القرن الواحد‬
‫والعشرين؟ أمل ينضج الفكر السياسي يف البلد‬
‫بعد قرن كامل؟‬
‫يلحّ الكاتب على هذه الفكرة فيكرّرها أحد‬
‫ّ‬
‫املوظفني وه��و ممتعض‪( :‬ه��و قانون اإلنسان‬
‫على األرض منذ قديم األزل‪ ...‬اجلديد ك ّل‬
‫مهّه أن يهدم ما عمله الذي قبله ناسياً أنّ من‬
‫يأتي بعده سيسقيه من نفس الكأس) (‪.)68‬‬
‫‪  ‬يبدو الكاتب إذاً‪ ،‬متشائماً من املستقبل السياسي‬
‫يف بلده‪ ،‬فاحلال لن تبقى كما هي – مع ما فيها‬
‫من عيوب – بل يتنبّأ برجوع األحكام الديكتاتورية‬

‫واألحكام الشمولية حيث يكون االستبداد وقهر‬
‫اإلنسان عنواناً للسياسة يف األزمان القادمة‪.‬‬
‫النقد االجتماعي‪:‬‬
‫النقد االجتماعي واض��ح يف القصة منذ‬
‫الصفحات األوىل‪ ،‬لذا رأينا أنّ هناك شبهاً كبرياً‬
‫يف املواضيع املطروحة مع (مسرح اجملتمع)‬
‫لتوفيق احلكيم‪.‬‬
‫ً‬
‫يبدو الكاتب مهووسا بفساد جمتمعه وبفساد‬
‫الناس يف جمتمعه‪.‬‬
‫(الناس مسعورون‪ ...‬غري راضني بواقعهم‪...‬‬
‫فالسفر إىل املرّيخ والعيش على سطحه هو‬
‫احللم الذي يراود الناس منذ مئات السنني‪...‬‬
‫الك ّل يريد أن يشرتي مَقسما على املرّيخ‪...‬‬
‫سعياً وراء اجلنة املزعومة بعد أن اكتشفوا أنّ‬
‫األرض هي اجلحيم بعينه) (‪ )12‬يصوّر الكاتب‬
‫توق الناس إىل عامل جديد تتح ّقق فيه العدالة‬
‫واخلري واجلمال‪ ،‬الك ّل يريد أن ينطلق إىل املرّيخ‬
‫ويرتك هذه األرض البائسة‪.‬‬
‫مي ّثل هذا التوق مدى الشعور بالضيم الذي‬
‫يشعر به الفقراء احملرومون من املساكن ومن‬
‫أبسط مقوّمات العيش‪ .‬هذا التوق إىل عامل‬
‫أفضل هو ردّ فعل عن املعاناة اليت يعيشوهنا‬
‫وعن املآسي اليت يتخبّطون فيها‪.‬‬
‫إنّ التوق إىل احلياة فوق الكوكب اجلنة ليس‬
‫مقتصرا على الفقراء فحسب‪ .‬بل إنّ األغنياء‬
‫هم أكثر توقاً إىل ه��ذا العامل اجلديد‪ .‬يريد‬
‫األغنياء الرحيل إىل الكوكب األمح��ر ال توقاً‬
‫إىل عامل أفضل أو هروباً من الظلم وحبثاً عن‬
‫العدالة‪ ،‬وإ ّن��م��ا سعي للتملّك‪ .‬هي فرصتهم‬
‫للتملّك الش�تراء أك�بر ع��دد ممكن من املقاسم‬
‫باستعمال ك ّل احليل ثمّ يبيعوهنا عندما ترتفع‬
‫األسعار أو يقيمون عليها مشاريع يستغلّون فيها‬
‫غريهم حبيث يزداد الغينُّ غنًى وي��زداد الفقري‬
‫فقراً‪.‬‬
‫يقول (ع��ل��وي)‪ -‬وه��و أح��د األغنياء‬
‫احملتالني الذين يبحثون عن املزيد ملّا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪9‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سأله أحدهم ملاذا تريد أن تشرتي أكثر من‬
‫مقسم واحد فوق أرض املرّيخ ‪( :-‬التملّك‪...‬‬
‫شعورك وأنت متتلك ال يساويه شعور آخر‪...‬‬
‫متتلك أرضاً‪ ،‬متتلك أفراداً‪ ،‬متتلك كوكباً) (‪)40‬‬
‫ويهمس شخص آخر لزميله بعد أن مسع كالم‬
‫(علوي) فيقول‪( :‬أمل أقل لك يا كامل‪ ،‬ك ّل ما‬
‫حيلم به هو التملّك‪ ،‬نفس األسلوب الذي كان‬
‫يتّبعه على األرض‪ ،‬وال يهمّ ش��يء بعد ذلك‪،‬‬
‫ليموت أناسٌ جوعا‪ ،‬ليحيا آخرون ثراء‪ ،‬لتنهار‬
‫القيم واملبادئ وينتشر الظلم والفساد) (‪.)40‬‬
‫يبدو الكاتب مهموما‪ .‬فهو مهموم ألنّ الفقراء‬
‫مل جيدوا ّ‬
‫حظهم على األرض والظاهر أ ّنهم لن‬
‫جيدوه فوق املرّيخ ألنّ األغنياء سوف يَسلُبون‬
‫منهم مقامسهم بشتّى الطرق‪ .‬كأ ّننا به يتساءل‪:‬‬
‫هل ُكتب على الفقري أن يكون دائماً فقرياً وأن‬
‫يورِّث ساللته فقراً؟ أال ميكن أن حيلم بالتخلّص‬
‫من الفقر؟‬
‫يبدو الكاتب مهموماً ألنّ الغينّ لن يرتك جماالً‬
‫للفقري للخروج من فقره‪ ،‬فهو سيبقى جشعاً ولو‬
‫يف اجلنّة‪ .‬فهو يستعمل احليل واملكائد ليسلب‬
‫مال غريه وينمّيَ ثروته فال القيم تردعه وال‬
‫األخالق تكبت فيه غريزة حبّ التملّك‪.‬‬
‫حتليل نفسية اإلنسان‪:‬‬
‫ح��اول الكاتب يف ه��ذه ال��رواي��ة سرب أغوار‬
‫النفس البشرية وبيان مكنوناهتا واجلهر مبا ال‬
‫تستطيع البوح به‪ .‬فقد كان حيلو له أن يكرّر‬
‫طوال الرواية‪ ،‬وبك ّل أسى وحسرة‪ ،‬مجلة القت‬
‫هوى يف نفسه وعبّرت عمّا مل يستطع التعبري‬
‫عنه وكنّا نودّ لو كانت هي عنوان الرواية‪ .‬هذه‬
‫اجلملة ه��ي‪( :‬اإلن��س��ان ه��و اإلن��س��ان) نفسية‬
‫اإلنسان ال تتغيّر يف األرض أو يف اجلنّة‪.‬‬
‫تبقى نفساً أمّ��ارة بالسوء تنزع إىل األنانية‬
‫املفرطة واجلشع وحبّ االمتالك رغم ما أتت به‬
‫األديان والعلوم والثقافات من قيم‪ ،‬وبعد قرن‬
‫كامل من احلضارة‪...‬‬

‫‪10‬‬

‫يعلّق أح��د أف���راد ال��ط��اب��ور ال��ذي��ن يريدون‬
‫شراء مقسم على املريخ عندما يرى أحد أثرياء‬
‫األرض يتحايل ليشرتي أكثر من مقسم فيقول‪):‬‬
‫يا له من رجل حقري‪...‬يريد أن يستويل على ك ّل‬
‫شيء يف األرض وعلى املرّيخ‪ ،‬أفكاره التوسّعية‬
‫تالحقه تالحقنا أينما ذهبنا‪.)20( ).‬‬
‫فالغينّ ال ولن يرتك للفقري الفرصة لينعم‬
‫باحلياة أو ليتخلّص من فقره‪ ،‬فهو يزامحه على‬
‫األرض وفوق املرّيخ‪.‬‬
‫وخياطب آخر حبيبته ليثنيها عن السفر إىل‬
‫املريخ فيقول‪ ( :‬يا سَحَر‪ ،‬يا حبيبيت‪ ...‬افهميين‬
‫ما زال أمامنا على األرض الكثري قبل أن نسافر‬
‫إىل املرّيخ‪...‬إنّ أمامنا رسالة جيب أن حن ّققها‪:‬‬
‫إنقاذ البشرية من الدمار‪ ،‬تطهري اجملتمع من‬
‫التخلّف والغباء‪ .‬فوق األرض هناك زحام‪ ،‬الك ّل‬
‫حيلم أن ميتلك مكانا خاصا ب��ه‪ ،‬لذلك فإنّ‬
‫الصراع متواصل بني البشر على األرض‪ ،‬لكن‬
‫املريخ فسيح وال جمال للزحام فيه‪ ...‬جييبه‬
‫زميله‪( :‬اإلنسان هو اإلنسان على األرض وفوق‬
‫املرّيخ‪ ،‬الناس يتخيّلون أنّ املريخ هو اجلنّة وكأنّ‬
‫األرض هي اجلحيم ولكن احلقيقة أنّ الناس هم‬
‫املسؤولون عن جحيم األرض وكان أحسن هلم لو‬
‫بدؤوا من األرض‪ ،‬من أنفسهم حتّى يصنعوا من‬
‫أرضهم جنّة يعيشون فيها‪.)30( ).‬‬
‫رس���ال���ة ال��ك��ات��ب إىل جم��ت��م��ع��ه واضحة‪:‬‬
‫حتسني احلياة على األرض وحماولة تطهريها‬
‫من الشوائب أكد من إنشاء حياة فوق املرّيخ‪.‬‬
‫اخل��ط��اب م��وجّ��ه لبين جنسه طبعا‪ .‬فما دام‬
‫اإلنسان هو اإلنسان بك ّل ما فيه من سلبيات مل‬
‫حياول أن ّ‬
‫يشذهبا ملاذا يتوق إىل املرّيخ؟ سوف لن‬
‫يكون هناك أفضل‪ .‬هل يستطيع هذا اإلنسان‬
‫أن يغيّر ما بنفسه قبل أن يف ّكر يف تأسيس حياة‬
‫أخرى فوق املرّيخ سيلوّثها ال حمالة؟‬
‫اإلنسان هو اإلنسان على األرض أو على املرّيخ‪،‬‬
‫ستبقى تالزمه نفس النزعات‪ :‬األنانية وحبّ‬
‫النفس وحبّ التملّك ونفس الشعور بالعظمة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يقول (علوي (الغينّ)) ملّا سألتْه مذيعة‪»:‬ماذا‬
‫تنوي عمله يا (علوي) بك على املريخ؟ جييبها‬
‫بك ّل تلقائية‪( :‬سوف أشرتي بأموايل أراضي ك ّل‬
‫هؤالء الناس‪ ...‬وأراضي القادمني إىل املرّيخ يف‬
‫الرحالت القادمة‪...‬بل سأشرتي هؤالء أنفسهم‬
‫وأُص ِبح أنا السيّد الوحيد على الكوكب اجلنّة‪...‬‬
‫لن يأبى أحد أن يكون مع القوّة‪ ،‬سوف أدفع هلم‬
‫أضعاف ما دفعوه هم على األرض‪..‬‬
‫س��أك��ون أن��ا ص��اح��ب اجل �نّ��ة امل��وع��ودة اليت‬
‫سأمنحها ملن يدينون ب��والئ��ي‪ ...‬ليس مَ ْكراً‪،‬‬
‫لقد تعلّمتُ منذ حداثة سنّي أ ّنه لكي تُخضعي‬
‫الناس وتَح ُكميهم عليكِ أوّالً أن متنحيهم‪...‬‬
‫على النفس أن تتجاوز املمكن لكي تصل إىل‬
‫املستحيل) ( ‪.) 47‬‬
‫ال يكتفي ال��ك��ات��ب هب��ا التحليل لنفسية‬
‫اإلنسان ولنزعة حبّ االمتالك والسيطرة على‬
‫ال��غ�ير‪ ،‬وإ ّن��م��ا يتعمّق أكثر يف حتليل املوضوع‬
‫فيثري مسألة اإلج���رام واع��ت��داء اإلن��س��ان على‬
‫أخيه اإلنسان‪ ،‬وهي مسألة جبلية يف النفس‬
‫البشرية‪ .‬أمل يعتدِ هابيل على قابيل منذ طفولة‬
‫البشرية؟‪ ‬إنه يري أنّ ك ّل نزعة امتالك ال بدّ‬
‫أن تتبعها اعتداءات وحروب ألنّ (اإلنسان هو‬
‫اإلنسان) ففكرة التملّك متى وُجدت ال بدّ أن‬
‫تصحبها كوارث‪ .‬إهنا طبيعة اإلنسان وغرائزه‬
‫اليت ال تنتهي وال تشبع‪.‬‬
‫يعلّق (حسن) مساعد الدكتور حامد رشوان‬
‫مدير عام مشروع الفضاء وصاحب فكرة بيع‬
‫أراض ف��وق امل �رّي��خ ملّ��ا ش �بّ ن���زاع عنيف بني‬
‫احلضور الذين اش�تروا مقاسم ف��وق الكوكب‬
‫اجلنّة وينتظرون دوره��م للسفر وكانوا داخل‬
‫القاعة الكبرية ال�تي يتابعون منها سري رحلة‬
‫املركبة الفضائية‪( :‬لقد أخطأنا االختيار يا‬
‫دكتور‪ ...‬فالعناصر اليت اخرتناها لتشيّد حضارة‬
‫املرّيخ هي نفسها العناصر ال�تي سامهت يف‬
‫هدم حضارة األرض وجييبه الدكتور‪ :‬اإلنسان‬
‫هو اإلنسان يا حسن‪...‬عندما يفشل يف إثبات‬

‫ذاته ووجوده يبدأ يف صنع دراما التدمري بنفسه)‬
‫(‪ )57‬هذا هو اإلنسان يف نظر الكاتب‪ ،‬لن يكون‬
‫سوياً أبدا‪ .‬فغرائزه جتعله يتأرجح بني النزعة‬
‫اإلنسانية والنزعة احليوانية‪ ،‬بني اخلري والشرّ‪،‬‬
‫فهو يبين حضارته باليمني ثمّ يسعى إىل هدمها‬
‫باليسار‪.‬‬
‫أراد ال��ك��ات��ب أن ي��ط��رح م���ن خ�ل�ال هذه‬
‫ال��رواي��ة س��ؤاال حميّرا ه��و‪ :‬م��اذا خنتار؟ املهمّ‬
‫أم األه���مّ؟ امل��ه�مّ ه��و مواكبة ال��ت��ق�دّم العلمي‬
‫والتقين ومسايرة احلضارة املعاصرة والتفكري‬
‫يف امل��ش��ارك��ة يف غ���زو ال��ف��ض��اء‪ .‬واأله����مّ هو‬
‫ّ‬
‫والتضخم‬
‫حم��ارب��ة ال��ف��ق��ر واجل��ه��ل وامل����رض‬
‫السكاني والعمل على نشر العلم والثقافة‪.‬‬
‫كالمها ضروري ولكن أيّهما األجدى يف املرحلة‬
‫الراهنة؟‬
‫هذا اللغز حييِّر الكاتب ويضفي عليه اهلموم‪.‬‬
‫يبدو الكاتب مهموما وحُقَّ له ذلك‪ .‬فهو صاحب‬
‫رسالة‪ .‬هذه الرسالة تُثقل كاهله‪ ،‬ال بدّ أن يبلّغها‬
‫ليساهم يف نشر الوعي بني بين قومه‪ .‬وهو‪،‬‬
‫وإن كان ال يستطيع اإلصداح برسالته هذه يف‬
‫راهنه‪ ،‬فإ ّنه التجأ إىل االستشراف كوسيلة لنقد‬
‫جمتمعه‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪11‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيال العلمي‬
‫والسياالت الروحية‬
‫د ‪ .‬نظمية أكراد‬

‫ق��ال بوشكني‪« :‬اإلهل��ام ض��روري يف اهلندسة متاماً كما هو الزم‬
‫للشعر‪».‬‬

‫‪12‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ل��س��ت م��ن امل��خ��ت��ص�ين يف جماالت‬
‫ال��ع��ل��وم احمل��ض��ة ال�ت�ي ك��ان��ت املعرفة‬
‫التخصصية هبا وما زالت وراء اهتمام‬
‫كثريين ممن كتبوا يف اخليال العلمي‪،‬‬
‫أو قاموا ب��دراس��ات ح��ول ما ُكتب من‬
‫أدب يف جماالته‪ ،‬وحفزهتم النظريات‬
‫واملعرفة العلمية على وضع ما أمسيه‬
‫«سيناريوهات تطبيقية» هلا أو إجراء‬
‫جت��ارب ختيلية يف جم��االهت��ا‪ ،‬أو حفز‬
‫خياهلم وفكرهم ورؤاهم علماء بارعون‬
‫فحثهم ذلك على إجناز اخرتاع ومبتكرات‬
‫أغنت احلضارة البشرية‪ ،‬وسامهت يف‬
‫تقدم اإلنسانية‪ ..‬ولكنين ممن يتعلقون‬
‫بتنمية اخليال‪ ،‬ويعرتفون بقيمته ودوره‬
‫يف الرتبية واإلب����داع‪ ،‬ومم��ن حياولون‬
‫مقاربة ع��وامل��ه بالكتابة‪ ،‬ويتشوقون‬
‫ملتابعة ما يبدعه كتابُ اخليال العلمي‬
‫ب��ص��ورة خ��اص��ة يف جم����االت عديدة‬
‫جديدة‪ ..‬على الرغم من انتشار أقوال‬
‫مفادها أن الكثري مما يُكتب اليوم حتت‬
‫عنوان « أدب اخليال العلمي» ال قيمة‬
‫علمية له وال حوافز علمية فيه‪ ،‬وهو‬
‫من وجهة نظر بعض الدارسني والنقاد‪،‬‬
‫ع��بء على األدب وال��ع��ل��م‪ ،‬ألن��ه ليس‬
‫األدب الصايف ال��ذي يستثمر اخليال‬
‫ويشد القراء ويشحذ مهم العلماء‪ ،‬وال‬
‫العلم القائم على ختييل يغري األديب‬
‫والقارئ ويفسح يف اجملال أمام خميلة‬
‫العامل وتطبيقات العلم‪.‬‬
‫لقد أتيح يل أن أتفاعل‪ ،‬قراءة وحتليالً‪،‬‬
‫مع نصوص من اخليال العلمي لكتّاب‬
‫هلم جتربة يف كتابة نصوص من هذا‬
‫النوع‪ ،‬وكتبتُ بعض النصوص اليت تتكئ‬
‫على اخليال وتقدم من خالل التخييل‬
‫سرداً فنياً موجهاً لألطفال والفتيان‪،‬‬

‫منها رواي�ت�ي «زه���رة الثلج البيضاء»‪،‬‬
‫وتطلعتُ وما زلت أتطلع إىل االستفادة‬
‫من اخليال يف تنمية ملكة التخيل عند‬
‫الطفل والفتى‪ ،‬ألمهية ذلك تربوياً يف‬
‫تنمية امللكات وإنضاجها وضرورته يف‬
‫ال��وص��ول إىل أي مستوى إب��داع��ي يف‬
‫كثري من األعمال‪ .‬وال أخفي أنين أتأثر‬
‫بسحر عالَم السرد الفين الغين الذي‬
‫يغري به اخليال ويقود إليه‪ ،‬وحتلق يف‬
‫جماالته نصوصٌ وشخصياتٌ يصنعها‬
‫م��ب��دع��ون‪ ،‬أو يتطلع إل��ي��ه ك � َّت��اب لكي‬
‫يرفعهم بأجنحته إىل فضاء إبداع ممتع‬
‫ومفيد‪ ،‬حيقق هلم االنتشار والشهرة‪.‬‬
‫وأظن أنه ال يقوم خالف أو جدال حول‬
‫أمهية اخليال العلمي وضرورة‬
‫تنميته‪ ،‬وإم��ك��ان��ي��ة االستفادة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ق��راءة اخليال‬
‫ال���ع���ل���م���ي‬
‫أم�������ر الزم‬
‫للمستقبل‬
‫‪13‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫منه‪ ،‬وال سيما يف عصر التقدم العلمي‬
‫امل��ذه��ل ال��ذي نعيشه‪ ..‬وت��أك��ي��داً لذلك أعيد‬
‫التذكري مبا قاله كاتب املستقبليات األمريكي‬
‫ألفني توفلر ‪ Alvin Toffler‬يف كتابه «صدمة‬
‫املستقبل» ‪ Future Shock‬حيث نقلت صفاء‬
‫سالمة قوله‪« :‬ق��راءة اخليال العلمي أمر الزم‬
‫للمستقبل»‪ ،‬وكذلك قول كاتب اخليال العلمي‬
‫الربيطاني الشهري آرثر سي كالرك ‪Arthur‬‬
‫‪ C. Clark‬يف كتابه «لقطات من املستقبل»‬
‫‪ Future Profiles of the‬بقوله‪« :‬القراءة‬
‫النقدية ألدب اخليال العلمي هي مبثابة تدريب‬
‫أساسي ملن يتطلع إىل األم��ام أكثر من عشر‬
‫سنوات» ‪1‬‬
‫ل��ق��د ج���اء يف ال��ق��ام��وس احمل��ي��ط يف مادة‬
‫خليال لكل شيء تراه ِّ‬
‫«خيل»‪ « :‬ا َ‬
‫كالظل‪ ،‬وكذلك‬
‫خَيال اإلِنسان يف املِرآة‪ ،‬وخَياله يف املنام صورة‬

‫‪14‬‬

‫تِمْثاله‪ ،‬ورمبا مَرَّ بك الشيء شبه الظل فهو‬
‫خَيال‪ ،‬يقال‪ :‬تَ َخيَّل يل خَيالُه‪ .‬وتَ َخيَّل الشيءُ‬
‫له‪ :‬تَشَبَّه‪ .‬وتَ َخيَّل له أَنه كذا أَي تَشَبَّه وختايَل‪.‬‬
‫يقال‪ :‬تُ َخيَّلته َفت ََخيَّل يل‪ .‬وا َ‬
‫خليَال وا َ‬
‫خليَالة‪ :‬ما‬
‫تَشَبَّه لك يف اليَ َقظة وا ُ‬
‫حللُم من ص��ورة‪ ..‬كل‬
‫شيء اشتبه عليك‪ ،‬فهو مُخيل‪« ..‬ي َُخيَّل إِليه‬
‫من سحرهم أَهنا تَسْعَى»‪ .‬وهذا الذي جاء يف‬
‫مادة «خيل» من كالم العرب ال يشي بشيء من‬
‫اليقني وال يقارب احلقيقة‪.‬‬
‫وجاء يف بعض منتديات « اإلنرتنت» ذكر لـ‬
‫«علم اخليال»‪ ،‬وقد يكون من الغرابة أن يذكر‬
‫اخليال بوصفه « علماً»‪ ،‬ومما جاء يف هذا أن‬
‫«علم اخليال هو حضور صور األشياء يف الذهن‬
‫دون وجود واقعها اخلارجي كما حتضر صورة‬
‫بلدة معينة يف الذهن والبلدة بعيدة ‪..‬أما علم‬
‫املتخيلة فهو تركيب وتأليف صور األشياء يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫الذهن من دون أن يراها‪ 2».‬والتخييل ال‬
‫يفرتض يف املخيِّل أن يرى األشياء رؤية‬
‫بصر‪ ،‬ومن البديهي أن خيتلف ذلك عن‬
‫الرؤيا أي ما يراه املرء يف املنام‪.‬‬
‫وال أع��رف أي��ن ميكن أن يندرج يف‬
‫هذا اجملال قول الشاعر العربي امرؤ‬
‫القيس‪:‬‬
‫تَنَوَّرتُها مِن أَذرُعاتٍ وَأَهلُها ِبيَث ِربَ‪،‬‬
‫أَدنى دارَها نَ َظرٌ عا ِل‬
‫ولكنه أقرب إىل رؤية البصرية فيما‬
‫قد يصنف يف مجلة «أحالم اليقظة»‪،‬‬
‫فالشَّغوف املشغول بأمر يستحضر‬
‫م��ا يش َغله أو ي��ت��وه��م ح��ض��وره‪ ،‬وقد‬
‫يستحضر اإلنسان صوراً أو أجزاء من‬
‫صور وأشياء وكائنات ويعيد تركيبها‬
‫وتشكيلها موظفاً ذلك توظيفاً فنياً أو‬
‫تقنياً‪ ،‬يف عمليات ليست هي التخاطر‬
‫«‪ »telepathy‬وإن كانت قريبة منه‪.‬‬
‫ويف حم��اول��ة ملقاربة تعريف ألدب‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬وقفت عند التعاريف‬
‫اآلتية‪ ..« :‬حيمل اخليال املبدع بأوسع‬
‫معانيه فيبشر باإلجناز العلمي وميهد‬
‫السبيل ل��ه‪ .‬ويستقي م��ادت��ه م��ن حلم‬
‫اإلن��س��ان‪ ،‬وه��و حلم قديم بالسيطرة‬
‫ع��ل��ى الطبيعة‪ ،‬وي��ط��ل��ق ال��ع��ن��ان هلذا‬
‫اخليال فيتصور أشياء جُلها يقع يف‬
‫دائ���رة الطموح أو الفضول اإلنساني‬
‫ملعرفة أس���رار ال��ك��ون ومستقبل هذا‬
‫الكون‪ ،‬أو جتاوز قيود تفرضها القوانني‬
‫والنواميس‪ 3.‬وأن��ه‪ « :‬إنشاء ختييلي‬
‫بامتياز‪ ،‬ال بل إنه ختييل نوعي يتضمن‬
‫معاني التنبؤ واالستشراف‪4.‬‬
‫وكل ذلك أثار لدي حاجة لتبيّن األمر‬
‫والتي ّقن من تلك التعاريف واملفاهيم‪،‬‬
‫فصغت تساؤالت وأسئلة على طريق‬

‫ذل��ك‪ ،‬أطرحها هب��دف التحريض على‬
‫حتديد املفهوم وتعميق الفهم وتوسيع‬
‫دائ��رة االس��ت��ف��ادة‪ ..‬وأب��دأ ب��س��ؤال‪ :‬هل‬
‫أدب اخليال العلمي يقدم فعالً ختيّلياً‬
‫أم ي��ق��وم بتخييل الفعل ذي املرتسم‬
‫ال��واق��ع��ي‪ ،‬وق��د ي��رس��م «سيناريوهات‬
‫تطبيقية» لنظريات علمية ت��ؤدي إىل‬
‫ما ميكن أن يسمى (جت��ارب ختيلية)‬
‫لتلك النظريات‪ ،‬أي أن��ه يبين وقائعَ‬
‫وشخصياتٍ وح���وادثَ على معطيات‬
‫علمية أو حمكومة برؤية علمية‪ ،‬ليصل‬
‫إىل ه���دف م���ا؟ أم أن م��ا ي��ن��درج يف‬
‫إطار اخليال العلمي هو خيال متدفق‬
‫حمكوم بتصور وطموح‪ ،‬يصل صاحبُه‬
‫من خالله إىل ختطي حواجز وعوائق‬
‫واقعية قائمة يف زمن الكتابة‪ ،‬ويشكل‬
‫ختطيها م��ا ي��ب��دو م��ع��ج��زة واخرتاقاً‬
‫م��ذه�لاً وخ��ل��ق �اً ل��ع��امل أس���ط���وري أو‬
‫سحري يدخل يف دائرة العجيب واملثري‪،‬‬
‫ورمبا يف شطحات األحالم اليت تساهم‬
‫يف حتقيق ذل��ك التجاوز على أجنحة‬
‫اخليال‪ ،‬فتدفع تلك احلالة املتصوَّرَة‬
‫طموحاتٍ بشرية‪ ،‬وتُفتَح صفحاتِ عمل‬
‫علمي تطبيقي أمام علماء وخمتصني‬
‫بـ (التقانة التكنولوجيا والتطبيقات‬
‫العملية) فيندفعون وراء ف��ارس من‬
‫ف��رس��ان اخل��ي��ال‪ ،‬ليحققوا يف أرض‬
‫ال��واق��ع ما حققه بالتخييل‪ ،‬منجزين‬
‫ابتكاراً يصبح ملكاً للبشرية ودرجة‬
‫من درج��ات التقدم احل��ض��اري‪ 5..‬أي‬
‫بإجياز‪ :‬هل يعتمد أدب اخليال العلمي‬
‫على ( ختيل علمي)‪ ،‬أم أنه يقيم (علماً‬
‫خيالياً)؟‪ .‬وهناك شروط ملا هو علمي‬
‫ال ب��د م��ن ت��واف��ره��ا‪ .‬وبصورة‬
‫عامة‪ ،‬وكما ذك��ر األستاذ رائد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ه������ل أدب‬
‫اخل�������ي�������ال‬
‫العلمي يقدم‬
‫فعالً ختيّلياً أم‬
‫يقوم بتخييل‬
‫ال��ف��ع��ل ذي‬
‫امل����رت����س����م‬
‫الواقعي‬
‫‪15‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حامد‪ ..( :‬كل ما ال يتعارض مع مبدأي‬
‫التجربة والتكرار‪ ..‬علمي‪6).‬‬
‫وأقدم هنا قراءة لقصة من قصص اخليال‬
‫العلمي لكاتب مل أقف على من تناول إنتاجاً‬
‫أدبياً له مشرياً إىل صلته هبذا اجملال‪ ،‬هي قصة‬
‫(الكوكب ف��وم��ال��زاب) للدكتور سليم موسى‬
‫العشي املعروف بداهش‪7.‬‬
‫يف قصته (الكوكب فومالزاب ‪ 8‬اليت كتبها يف‬
‫نيويورك عام ‪ 1977‬يقدم الدكتور داهش قصة‬
‫خيالية مدهشة‪ ،‬يرتكز فيها على معطيات‬
‫علمية ير ِّقيها خبياله ليشكل ع��امل�اً فريداً‬
‫يشد إليه القارئ‪ .‬يقرتب كوكب (فومالزاب)‪،‬‬
‫املتقدم حضارياً‪ ،‬من األرض مرة كل مليار عام‪،‬‬
‫وميكث يف موقعه اجلديد سنة ثم يبتعد ليعود‬
‫إىل موقعه من الكون‪ .‬يأمر إمرباطور الكوكب‬
‫بتجهيز ث�لاث سفن كونية مستطيلة الشكل‬
‫كقلم ال��رص��اص ولكنها لولبية م��ن الداخل‪،‬‬
‫ويقود كل سفينة أربعة من املالحني بإمرة واحد‬
‫منهم‪ .‬ختصص سفينة حلمل مئتني من الرجال‬
‫األق��زام طول كل منهم ‪ 35‬سم ويتمتع بطاقة‬
‫عجيبة تزيد على طاقة عشرة رجال من رجال‬
‫األرض‪ ،‬لغتهم النفخ بالفم أو من خالل األنف‪،‬‬
‫وهم أعضاء البعثة الكونية‪ ،‬وبينهم امرأة واحدة‬
‫هي (سافاليا) اجلميلة امرأة رئيس البعثة اليت‬
‫يتمنى ك��ل رج��ل م��ن رج���ال السفن أن تكون‬
‫امرأته‪ .‬وهي تتمتع بكل ما يف السفينة ( ياتانيا)‬
‫من وسائل الراحة وجتلس يف حديقة تذكرها‬
‫حب��دائ��ق كوكبها‪ ،‬وت��أم��ر ف��ت��ط��اع‪ .‬وختصص‬
‫السفينة الثانية للتجهيزات واآلالت واملعدات‬
‫العلمية اخلارقة‪ ،‬وبينها أجهزة اتصال بالكوكب‬
‫األم يتحدث رجال الفريق من خالهلا مع ذويهم‬
‫واملسؤولني يف كوكبهم (فومالزاب)‪ ،‬ويرون من‬
‫يتحدث معهم ويراهم‪ ،‬وفيها آالت متكنهم من‬
‫قراءة الصحف واجملالت والكتب الصادرة يف‬
‫األرض حيث ترتجم إىل لغتهم بصورة آلية‪،‬‬

‫‪16‬‬

‫وهناك آالت أخ��رى دقيقة وصغرية عمالقة‬
‫الفعالية‪ ،‬منها آالت حفر ورافعات وغري ذلك‪،‬‬
‫أما السفينة الثالثة فهي للطبخ وجتهيز أنواع‬
‫الطعام واملاء وكل ما حيتاج إليه الفريق‪.‬‬
‫تغادر السفن الثالث كوكبها مودعة حبفاوة‪،‬‬
‫وتصل السفن بعد سريها بسرعة هائلة مدة‬
‫سنة ضوئية إىل مسافة عشرين مليون ميل‬
‫ف��وق األرض‪ ،‬فتغري م��ن سرعتها وهتبط يف‬
‫سهل فسيح‪ ..‬وهناك ينصبون آالهتم‪ ،‬ويتنقلون‬
‫يف مراكب عجيبة تسابق الريح هي قصبات‬
‫جموفة ينزلون داخلها ويتحركون‪ .‬ويستعمل‬
‫األقزام مهاراهتم بني عجب الناس األرضيني‪،‬‬
‫فيبنون هيكالً خيلد ذك���رى زي��ارهت��م (قلعة‬
‫بعلبك) يف م��دى شهر‪ ،‬مستخدمني الرمال‬
‫واحلجارة اليت حتوهلا آالهتم إىل طينة عجيبة‬
‫تقطع بأشكال وأحجام خمتلفة‪ ،‬أعمدة وتيجانا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫وسقوفاً من حجارة غاية يف الضخامة‪،‬‬
‫منها حجر احلامل العجيب‪ ،‬وكلها ترفع‬
‫إىل أماكنها وتوضع حيث ينبغي هلا أن‬
‫توضع بصورة يعجز عن استيعاهبا عقل‬
‫البشر‪ .‬ويقدم األق��زام طعاماً لسكان‬
‫القرى من أه��ل األرض يصنعونه من‬
‫أوراق األش��ج��ار‪ ،‬فيذهل الناس للذته‬
‫وطعمه‪ .‬ثم يعود األقزام إىل كوكبهم بعد‬
‫ستة أشهر قضوها على سطح األرض‪.‬‬
‫وت���زاوج كثري منهم م��ن نساء وأجنبوا‬
‫جيالً عجيباً يف أرض البشر‪.‬‬
‫يف هذه القصة تكلم الدكتور داهش‬
‫عن رحلة يف الفضاء‪ ،‬وعن تقدم علمي‬
‫مذهل يف األدوات واآلالت والتجهيزات‬
‫واملمارسات‪ ،‬كان قد بدأ عملياً يف كوكبنا‬
‫يف النصف الثاني من القرن العشرين‪،‬‬
‫بعد حتليق غ��اغ��اري��ن السوفيييت يف‬
‫الفضاء‪ ،‬ووصول أرمسرتونغ األمريكي‬
‫إىل القمر‪ .‬وق��د أعمل املؤلف خياله‬
‫وقدم أفكاراً ورؤى نرى أن العلم يتقدم‬
‫يف ط��رق حتقيقها‪ ..‬وأن ال��ت��ق��دم يف‬
‫جماالهتا مستمر‪.‬‬
‫يف مقاربة جم��االت أخ��رى يهتم هبا‬
‫اخل��ي��ال العلمي وال يتناوهلا الكتَّابُ‬
‫ب��ال��ك��ث��رة ال�ت�ي ي��ت��ن��اول��ون هب��ا جماالت‬
‫الفضاء والعلوم التقنية واملغامرات‪،‬‬
‫أتوقف عند ثالثة تعاريف أو مفاهيم‬
‫أو معطيات تتصل بالنفس واجملاالت‬
‫العضوية واحليوية واحمليط والفيزياء‬
‫أو الكهرومغناطيسية الكونية‪ ،‬وهي‬
‫تتداخل وتكاد تتكامل يف تقديم وسط‬
‫م�لائ��م أو م��ن��اخ حل�����وادث أو أفعال‬
‫غ�ير ع��ادي��ة‪ ،‬ورمب���ا تعد خ��ارق��ة‪ ،‬مما‬
‫سأعرضه من بعد بغرض تبيّن موقع‬
‫ذل��ك من اخليال العلمي وم��ن دائرتي‬

‫التوهُّم واإليهام فيه من جهة‪ ،‬أو مدى‬
‫النفاذ إليه والنفاذ من خالله من جهة‬
‫أخ��رى‪ .‬وأب��دأ بالتعريفني أو املقاربتني‬
‫أوالً‪:‬‬
‫يقول د‪ .‬فايز حداد‪ ..« :‬إن اخليال‬
‫م��ا ه��و إال امل��س��ار ال���ذي تتشكل فيه‬
‫وتتقولب التصورات للفرد نتيجة تكيفه‬
‫مع حميطه‪ .‬وعليه ف��إن الرمز يأخذ‬
‫تعبرياً جديداً حسب األنثربولوجيا فهو‬
‫نتاج املتطلبات العضوية النفسية ضمن‬
‫حميط مادي واجتماعي‪9 .‬‬
‫وي���ق���ول د‪ .‬خم��ل��ص ع��ب��د احلليم‬
‫الريس « تالقي فكرة األنفاق الكونية‬
‫نوعاً من القبول والرتحاب لدى العديد‬
‫من احلضارات الشرقية ذات الطابع‬
‫ال��روح��ي‪ .‬فهي اكتشاف علمي يدعم‬
‫ويثلج روحانية الفكر البشري وجتعله‬
‫يتقبل ويقتنع بالقدر واإلحياء والوحي‬
‫ومعجزات األنبياء وال��رس��ل وخوارق‬
‫األطهار والصاحلني والقديسني‪ ،‬ويشعر‬
‫بقبول الوجود وبرتحيبه به وبصداقة‬
‫الكون له‪ ..‬الشيء األساسي الذي متتاز‬
‫به األنفاق الكونية هو أهنا متثل البعد‬
‫اخلامس الذي يتصف خبلوه من الزمن‬
‫تقريباً‪ ،‬وبتحديد أكثر تعترب األنفاق‬
‫فارغة منه متاماً‪ ،‬حيث جتري األحداث‬
‫فيه مستقلة عن الزمن‪ ،‬وك��أن عملية‬
‫طي وحذف للبعد الزمين متت فيه‪10.‬‬
‫وي��ق��ول األس���ت���اذ راف����ع ش��اه�ين‪« :‬‬
‫إن ه��واة األم��ور الغريبة واملستطرفة‬
‫يؤمنون بوجود ظواهر خارقة كالتخاطر‬
‫واملنازل املسكونة باألرواح واألحالم اليت‬
‫تنذر مسبقاً بوقوع الشيء واإلدراك‬
‫احلسي‪11.‬‬
‫وإذا دققنا يف ما نقيمه من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫إن اخليال ما‬
‫هو إال املسار‬
‫الذي تتشكل‬
‫فيه وتتقولب‬
‫ال���ت���ص���ورات‬
‫للفرد نتيجة‬
‫ت��ك��ي��ف��ه مع‬
‫حميطه‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عالقة بني اخليال واالس��ت��ش��راف املستقبلي‬
‫وجدنا أن اخليال ال ميضي بعيداً يف القراءة‬
‫واإلضاءة املستقبليتني بصورة مدركة ألغراض‬
‫واعية لكل من املسالك واألدوات‪ ،‬إن اخليال‬
‫يهوِّم بعيداً‪ ،‬وقد يقارب حالة مستقبلية‪ ،‬ولكننا‬
‫ال نتقرَّى بواسطته معامل املستقبل‪ ،‬وه��و ال‬
‫يرسم رؤى مستقبلية ميكن ال��وص��ول إليها‬
‫باتباع طريق تشري إليها أو جتربة مضمونة‬
‫النتائج‪ .‬إنه يعطي شبه ارتباط باخليط الذي‬
‫ميتد من احلاضر إىل مدى يف التخيل حتدده‬
‫معطيات اللحظة ورمبا غنى املعرفة التارخيية‬
‫أو العلمية‪ ،‬ولكنه ال يقدم ق���راءة مستوفية‬
‫ألغراضها حمققة ألهدافها واعية ملساراهتا‪،‬‬
‫حندد يف ضوئها معامل املستقبل ولو بصورة‬
‫غائمة أو غامضة‪ ..‬وما جيود به قد يدخل يف‬
‫عوامل من « شبِّه هلم»‪.‬‬
‫إن حماولة الطريان عند عباس بن فرناس‬
‫ختتلف عن التخييل ورمبا ال جيوز إدخاهلا يف‬
‫دائرة اخليال العلمي ألهنا إرادة وطموح يقعان‬
‫يف دائرة الوعي باألهداف واألغ��راض وبعض‬
‫الوسائل لتحقيق تَط ُّلع إىل املمكن‪ ،‬ولكنها‬
‫ليست حالة ختيلية بل حالة تطبيقية لكائن حي‬
‫شاهد واقعة بالبصر فأراد أن يكررها بنفسه‪..‬‬
‫لقد رأى ابن فرناس الطري يطري وفكر يف أن‬
‫يكون مثله وسعى لذلك واستعد له بأجنحة‪،‬‬
‫ولكنه مل يوفق‪ ..‬يف حالة ابن فرناس ميتزج‬
‫إدراك الواقع بدوافع الطموح‪ ..‬وعند دخول‬
‫التجربة وصل حدود التهافت والتلف‪ ،‬مل يكن‬
‫ذلك جمرد خيال يرمَحُ يف جمرات اجلمجمة‬
‫وتتشوق له النفس‪ ،‬بل هو ن��زوع للعمل على‬
‫منوال الطري‪ ،‬مغامرة يف فضاء األمنوذج‪ ،‬إغراء‬
‫بالتحليق واستخدام أدوات بناء على صور‬
‫ومعطيات واقعية « حتليق الطيور»‪ .‬لقد ارتاد‬
‫ابن فرناس وأطلق أجنحة حلمه يف الفضاء‪،‬‬
‫وقع احلامل وبقي احللم والطموح إىل أن حتقق‬

‫‪18‬‬

‫الطريان بتطبيقات العلم‪ .‬لو كان ذلك منه جمرد‬
‫ختييل ومن َذجة على الورق لسَقطت الفكرة أو‬
‫جنحت عند االختبار ولَمَا سقط الرجل الذي‬
‫شدته الرؤية إىل التجريب ولقي حتفه‪.‬‬
‫ويف إط���ار م��ا يتصل بالنفس واجمل���االت‬
‫العضوية واحل��ي��وي��ة واحمل��ي��ط وال��ف��ي��زي��اء أو‬
‫الكهرومغناطيسية الكونية‪ ،‬اليت تتداخل كما‬
‫أسلفت‪ ،‬وتكاد تتكامل يف تقديم وسط مالئم‬
‫أو مناخ حلوادث أو أفعال غري عادية ورمبا تعد‬
‫خارقة‪ ،‬ميكن أن يندرج ك�لام وفعل الدكتور‬
‫سليم موسى العشي امل��ع��روف «داه���ش» عن‬
‫«املفهوم العلمي للسيال الروحي»‪ ،‬وهو يتكلم‬
‫عن معجزات‪ .‬ويشكل ذلك حالة خاصة‪ ،‬رمبا‬
‫تأتي فيما حتدثت عنه تصنيفات اخليال العلمي‬
‫يف موقع ويكوبيديا على الشبكة العنكبوتية‪،‬‬
‫حيث جاء حتت عنوان أو نوع اإلدراك الفائق‬
‫للحس‪« :‬القصص اليت تتناول ق��درات الناس‬
‫الفائقة وم��ا خلف اإلدراك واحل����واس عند‬
‫البشر ‪ ،‬كقارئي األفكار ‪ ،‬واحملركني عن بعد‪،‬‬
‫وال��ع��راف�ين‪ ،‬واملستبصرين‪ ..‬وغ�ير ذل��ك من‬
‫القدرات الفائقة للحس البشري‪ ،‬منها‪ :‬احلاسة‬
‫السادسة‪ ..‬وأع��رض هنا بعض مالحمها يف‬
‫وقفة أطول وحماولة لتبيّن ما خلفها من قدرات‬
‫ومعطيات يقينية وإمكانات حتقق يقول البعض‬
‫إهنا ملموسة‪..‬‬
‫يقول الدكتور داهش‪:‬‬
‫[[ السيال وح��دة نفسية ذات طاقة حيوية‬
‫انفعالية‪ ،‬وإدراك نسيب‪ ،‬وإرادة حمركة‪ ،‬ونزعة‬
‫نوعية‪ ،‬وخصائص وظيفية‪ .‬وقوام السيال جوهر‬
‫روح��ي إشعاعي خالد‪ ،‬ليس باإلمكان إدراكه‬
‫إدراك�اً حسياً التصافه بسرعة اهتزاز فائقة‪،‬‬
‫وألن اإلنسان حمدود بشبكة من احلواس‪ ،‬ذات‬
‫حدود عليا وحدود دنيا ال يسعه جتاوزها‪...‬‬
‫ول��ذا فالسياالت ال�تي هي مقومات اإلنسان‬
‫احلقيقية يستحيل التحقق م��ن وجودها‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫عادة‪ ،‬إال من نتائج نشاطها الباطين أو‬
‫تأثرياهتا يف البنية اجلسدية اليت هي‬
‫صورهتا احلسية النسبية املشكلة من‬
‫أجهزة بيولوجية فيزيولوجية عصبية‬
‫خاصة‪ ،‬تبعاً ملا توجبه نواميس احلياة‬
‫والطبيعة األرض��ي��ة‪ .‬أم��ا التحقق من‬
‫وج���ود ال��س��ي��االت ال��روح��ي��ة‪ ،‬بصورة‬
‫غ�ير ع��ادي��ة‪ ،‬فيتم يف أث��ن��اء حصول‬
‫املعجزات‪.‬‬
‫ولكل سيال نشاطه اخل��اص‪ ،‬وقد‬
‫يستقل ع��ن ن��ش��اط س��ائ��ر السياالت‬
‫يف وحدة الشخصية‪ ،‬أو ينسجم معها‬
‫انسجاماً معيناً‪ .‬وهذا الواقع يربز يف‬
‫رغبات املرء ودوافعه املتضاربة حيناً‬
‫واملتآزرة حيناً آخر‪ ،‬ويف أفكاره املتنافرة‬
‫ت��ارة واملتالطمة ط���وراً‪ ،‬حبيث ميكن‬

‫القول إن الشخصية البشرية تتكون‬
‫م��ن جم��م��وع شخصيات ج��زئ��ي��ة هي‬
‫السياالت‪.‬‬
‫والسياالت منها ما هو فطري‪ ،‬ومنها‬
‫ما يطرأ على تكوين اإلنسان اجلسدي‬
‫خ�لال من��وه‪ .‬وه��ي ختتلف يف مستوى‬
‫وعيها أو ال وعيها‪ ،‬كما يف درجاهتا‬
‫وسائر ميزاهتا يف اإلنسان الواحد‪ .‬كذلك‬
‫تتفاوت يف عددها وجممل خصائصها‬
‫بني فرد وآخ��ر‪ .‬وهذا ما يسبب تباين‬
‫القوى اجلسدية‪ ،‬صحة ومرضاً‪ ،‬وتنوع‬
‫امليزات اجلنسية والذهنية والوجدانية‪،‬‬
‫واختالف االستعدادات واملواهب وامليول‬
‫بني البشر‪ ،‬حتى يف البيئة الواحدة ذات‬
‫ال��ظ��روف امل��ادي��ة واالقتصادية‬
‫واالج��ت��م��اع��ي��ة ال����واح����دة‪ ،‬بل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ل��ك��ل سيال‬
‫ن�����ش�����اط�����ه‬
‫اخل��اص‪ ،‬وقد‬
‫يستقل عن‬
‫ن��ش��اط سائر‬
‫ال���س���ي���االت‬
‫يف وح�����دة‬
‫الشخصية‪ ،‬أو‬
‫ينسجم معها‬
‫ان���س���ج���ام���اً‬
‫معيناً‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حتى بني اإلخوة أنفسهم اخلاضعني للعوامل‬
‫اخلارجية عينها‪ .‬وإىل تشابه هذه السياالت‬
‫أو تباينها يف األش��خ��اص واجل��م��اع��ات يعود‬
‫التجاذب والتحاب أو التنافر والتباغض‪.‬‬
‫وليست الطاقة الكهربائية املغناطيسية اليت‬
‫اكتشف العلم أهنا يف أساس الوجود كله إال صفة‬
‫من صفات السياالت الروحية اليت هي نسيج‬
‫الكون وقوام كائناته‪ ،‬واجلوهر احليوي اخلالد‬
‫الذي يوحد املوجودات وإن اختلفت مظاهرها‬
‫احملسوسة‪12.‬‬
‫[[ إن كل إنسان تتكون سياالته من ثالث‬
‫فئات‪ :‬روحية وم��ادي��ة وسفلية‪ ،‬يف نزعاهتا‪،‬‬
‫واالت��زان النسيب ال يتم فيه إال عندما حيصل‬
‫بني سياالته تراتب هتيمن فيه الفئة الروحية‬
‫على الفئتني األخ��ري�ين‪ .‬والسياالت الروحية‬
‫النزعات وحدها يتاح هلا مغادرة األرض إىل‬
‫ع��وامل أمس��ى‪ ،‬يف ح�ين أن ال��س��ي��االت املادية‬
‫ال��ن��زع��ات تبقى ضمن ج��اذب��ي��ة األرض‪ .‬أما‬
‫السياالت السفلية النزعات‪ ،‬فإهنا تضع نفسها‪،‬‬
‫بشرِّها وفسادها‪ ،‬يف جاذبية العوامل السفلية‬
‫من الدركات اجلحيمية‪ ..‬وكل روح أمٌ حقيقية‬
‫جملموعة م��ن الكائنات تتصل هب��ا بواسطة‬
‫إشعاعات خفية‪ ،‬فتسمو بسموها‪ ،‬وتنحط‬
‫باحنطاطها‪13]].‬‬
‫إن ه���ذا ال����ذي ي��ط��رح��ه د‪ .‬داه����ش حول‬
‫السياالت الروحية يؤكده أتباعه ويقولون إنه‬
‫يقوم به عملياً‪ ،‬ويسجل ما مس��وه معجزات‬
‫الدكتور داه��ش‪ ،‬ومنها ما ذك��ره أحد أتباعه‪،‬‬
‫الدكتور غازي براكس األستاذ اجلامعي واألديب‬
‫العربي اللبناني‪ ،‬حيث قال‪:‬‬
‫(ل��ق��د تبني يل‪ ،‬ول��ع��ش��رات غ�يري – منهم‬
‫األطباء جورج خبصا‪ ،‬فريد أبو سليمان‪ ،‬جنيب‬
‫العشي‪ ،‬واحملامي إدوار نون_أن للدكتور داهش‬
‫ست شخصيات أخرى غري شخصه البشري‪.‬‬
‫وهذه الشخصيات كناية عن سياالت‪ ،‬أي قوى‬

‫‪20‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫روحية هي امتدادات له كائنة يف عوامل‬
‫علوية متباينة‪ .‬وب��إذن اهلل يسمح هلا‪،‬‬
‫أحياناً‪ ،‬أن تتجسد إلمتام أمور أو غايات‬
‫روحية خطرية‪ ،‬فتتخذ شكله البشري‬
‫متاماً حبيث تصبح (شبهه) وإذ ذاك‪،‬‬
‫ميكن م��ن ك��ان ح��اض��راً أن جيالسها‬
‫وحيادثها ويؤاكلها‪ .‬ولكنه قد ال يستطيع‬
‫أن مييزها عن داهش البشري‪ ،‬إال إذا‬
‫كانت ترتدي ثياباً خمتلفة‪ ،‬وكان الناظر‬
‫يعلم سابقاً ما يرتديه الدكتور داهش‪.‬‬
‫وكثرية هي املرات اليت تظهر فيها فجأة‬
‫وت��ت��وارى ف��ج��أة‪ ،‬بينما ت��ك��ون أمامنا‬
‫وحنن ننظر إليها أو نسلم عليها‪ ،‬وقد‬
‫جيتمع منها شخصيتان أو أكثر حتى‬
‫الست‪ ،‬يف مكان واح��د‪ .‬وقد تتجسد‬
‫يف اللحظة نفسها يف أماكن خمتلفة‬
‫م��ت��ب��اع��دة‪ .‬وق���د ت��أك��د يل وللكثريين‬
‫غريي ممن شاهدوها‪ ،‬أهنا ال ختضع‬
‫إطالقاً لنواميس األرض‪ ،‬فهي خترتق‬
‫احلواجز واجل��دران‪ ،‬وتنتقل ملح الربق‬
‫من مكان إىل آخر‪ ،‬وإن يكن من أقصى‬
‫املشارق إىل أقصى املغارب‪ ،‬وتسيطر‬
‫على اجلاذبية فرتتفع يف اهلواء‪ ،‬ومتشي‬
‫على املاء‪ ،‬وتثقل وزهنا أو ختففه حتى‬
‫تالشيه‪ ،‬وهي قادرة بإذن اهلل على صنع‬
‫ما تصنعه الروح من معجزات‪14.‬‬
‫إن ال��ت��وق��ف ع��ن��د ه���ذه املعطيات‬
‫ملقاربة م��ا فيها م��ن خيال حم��ض أو‬
‫ادع��اء ص��ارخ‪ ،‬أو ما قد تنطوي عليه‬
‫م��ن معطيات ذات ظ�لال واق��ع��ي��ة أو‬
‫اقناع مشهدي‪ ،‬هو ما أود أن أقاربه‬
‫ال ألق��ط��ع ف��ي��ه ب����رأي خ��ال��ص وإمنا‬
‫ألسرتعي االنتباه إىل هذا النوع الذي‬
‫قد يدخل يف خيال يستند إىل معطيات‬
‫علمية أو طموح يسرتعي انتباه العلماء‬

‫إىل موضوع قد حيققه لعلم أو يكتشف‬
‫قواعده وقوانينه‪.‬‬
‫ت��ذك��ر األس��ت��اذة ه��ن��اء ال��ص��احل يف‬
‫حب��ث ل��ه ب��ع��ن��وان (م��ن أس���رار احلياة‬
‫البشرية) أن��ه (بعد أن ينحل جسدنا‬
‫ال���ذب���ذب���ي ون���دخ���ل ع����امل اجمل����رات‪،‬‬
‫سنتحول إىل إش��ع��اع��ات ومتوجات‪،‬‬
‫ونبدأ بالطوفان بسرعة هائلة إىل أبعاد‬
‫واسعة وشاسعة‪ .‬سيكون وعينا حينها‬
‫ال يزال موجوداً كالصور واألفكار‪15).‬‬
‫و ( ه���ذا ال��ب��ع��د م��ن ال��ع��امل الروحي‬
‫يسمى تقليدياً (بعامل اهلل)‪ ،‬ففي هذا‬
‫العامل يتحول جسدنا مرة أخرى‪ ،‬من‬
‫إشعاع ومتوّجات‪ ،‬تصورات وأفكار‪ ،‬إىل‬
‫حركة الهنائية بسرعة الهنائية‪ ..‬حيث‬
‫يصبح جسدنا خطاً مستقيماً منطلقاً‬
‫بنمط مستمر م��ن السرعة لنطوف‬
‫بسرعة ال متناهية إىل أن نصل إىل‬
‫مقصدنا األخري‪ ،‬بيتنا األخري يف العامل‬
‫ال�لام��ت��ن��اه��ي‪ ...16.‬وي��ق��ول‪( ..:‬ففي‬
‫عاملنا إن نشاطنا وعملنا الفيزيائي‬
‫ه��و امل��ب��دأ ال���ذي نعرب م��ن خ�لال��ه عن‬
‫إرادت��ن��ا‪ .‬ولكن عندما ي��زول اجلسد‪،‬‬
‫ت��زول ك��ل مقوماته‪ ،‬وتصبح أفكارنا‬
‫ووعينا هو املبدأ الرئيسي إلرادتنا‪،17.‬‬
‫( إن األج��س��اد ال��روح��ي��ة ال�ت�ي تبقى‬
‫هنا يف ع��امل اهل����واء‪ ،‬ه��ي م��ا يسمى‬
‫باألشباح‪18).‬‬
‫قارن هذا مع قول الدكتور داهش‪:‬‬
‫[[‪ ..‬ويف سلم احلضارات الكونية يستوي‬
‫الكوكب األرضي بني الدركات السفلية‪،‬‬
‫ومل يصل البشر إىل مرتبتهم األرضية‬
‫الزرية نسبياً إال مليوهلم وأعماهلم يف‬
‫دوراهتم احلياتية السابقة‪.‬‬
‫أم��ا أجم���اد ال��ع��وامل العلوية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يف ع��امل��ن��ا‬
‫إن نشاطنا‬
‫وع����م����ل����ن����ا‬
‫الفيزيائي هو‬
‫امل��ب��دأ ال��ذي‬
‫ن����ع��ب�ر م��ن‬
‫خ�ل�ال���ه عن‬
‫إرادتنا‪ .‬ولكن‬
‫عندما يزول‬
‫اجلسد‪ ،‬تزول‬
‫كل مقوماته‪،‬‬
‫وت����ص����ب����ح‬
‫أفكارنا ووعينا‬
‫ه����و امل���ب���دأ‬
‫ال���رئ���ي���س���ي‬
‫إلرادتنا‬
‫‪21‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فال تنال ب��ص��اروخ‪ ،‬وال بسفينة فضائية‪،‬‬
‫ولكن بارتقاء روح��ي داخ��ل��ي يؤهل السيال‪،‬‬
‫بعد انطالقه من اإلنسان للتجسد يف العامل‬
‫العلوي الذي يستحقه‪ ..‬وإال فإن اإلنسان‪ ،‬إذا‬
‫سفل نفسه وتشبث بالدنيويات‪ ،‬يضع نفسه‬
‫يف جاذبية العوامل السفلية‪ ،‬فتتجسد سياالته‬
‫بعد انطالقها منه يف كوكب يعظم فيه اجلهل‪،‬‬
‫ويتفاقم الشر‪ ،‬ويشتد الشقاء والعذاب‪ ،‬وذلك‬
‫تبعاً لنواميس كونية إهل��ي��ة‪ ...‬وك��ث�يرون هم‬
‫العلماء الذين باتوا يؤكدون وجود كائنات عاقلة‬
‫يف الكون خارج األرض‪19]].‬‬
‫وي��ذك��رون أن (م��ات ستيفن) ي�برز أفكاراً‬
‫أخ���رى ك��ان��ت م��ن وح��ي اخل��ي��ال العلمي مثل‬

‫التيليبورتيشن (انتقال اجلسم املادي من مكان‬
‫إىل آخر كانتقال اإلشعاع)‪ .‬وطاقية اإلخفاء‪،‬‬
‫ساتر خاص حول جسم ما حبيث ال يرتد عنه‬
‫شعاع الضوء فال يظهر لعني الناظر‪ ،‬وإن كان‬
‫ذلك يطبق على أجسام صغرية حتى اآلن‪20.‬‬
‫وقد ذكر أتباع الدكتور داهش ممن كتبوا عنه‪،‬‬
‫وممن يتكلمون عن أفعاله تلك‪ ،‬أنه كان يفعل‬
‫ذلك بشهادهتم‪ ،‬ومنهم د‪ .‬ماجد مهدي الذي‬
‫حدثين مباشرة عن ذلك وعمن كتب يف هذا‬
‫اجمل��ال‪ .‬وكل ما أشرت إليه هنا أضعه أسئلة‬
‫وتساؤالت أم��ام من يهتمون أكثر مين بالعلم‬
‫واخليال العلمي لنصل إىل يقني أو ما يقربنا‬
‫من اليقني‪.‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ - 1‬صفاء سالمة من مقال بعنوان «تدريس اخليال العلمي‪ ..‬ضرورة مستقبلية وليس‬
‫ترفاً‪.‬‬
‫‪ - 2‬عن موقع منتديات « منابر ثقافية»‪.‬‬
‫‪ - 3‬رائد حامد إشكالية العالقة بني العلم األدب ودور أدب اخليال العلمي كجسر‬
‫مصاحلة بينهما جملة اخليال العلمي الصادرة عن وزارة الثقافة السورية العدد األول‬
‫آب ‪ 2008‬ص ‪63‬‬
‫‪ - 5‬رائد حامد املصدر السابق ص ‪64‬‬
‫‪« - 6‬قالت مارغريت وايتكامب‪ ،‬القيّمة على قسم تاريخ الفضاء يف املتحف القومي‬

‫‪22‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫األمريكي للطريان والفضاء‪ ،‬يف مقابلة معها نشرة واشنطن يف ‪ 9‬آب‪/‬أغسطس ‪ ،2008‬إن‪ ‬‬
‫سبب العالقة املهمة اليت تربط بني أدب اخليال العلمي والعلوم هو أن كتاب القصص اخليالية‬
‫العلمية اجليدين يتابعون األحباث العلمية احلديثة ويطرحون سؤال «ماذا لو» (حدث هذا‬
‫أو ذاك من األمور)؟ وهذه األسئلة اليت يطرحوهنا على أنفسهم وتدور أحداث مؤلفاهتم‬
‫حوهلا هي بعض األسئلة اليت يطرحها العلماء وتدور يف خلد عامة املواطنني يف الكثري‬
‫من األحيان‪ ».‬و» قد قام روبرت غودارد‪ ،‬الذي يعرف بأنه «أبو الصواريخ احلديثة» نظراً‬
‫للتجارب اليت أجراها على الصواريخ العاملة بالوقود السائل يف العشرينيات والثالثينيات‬
‫من القرن العشرين‪ ،‬بوضع إش��ارات على بعض اجلمل والفقرات يف نسخته من قصة‬
‫فرين يف حماولة منه ملعرفة ما إذا كان من املمكن حتويل اخليال العلمي إىل حقيقة‪ .‬كما‬
‫سطر مالحظاته يف حواشي الكتاب وصحح بعض املعادالت الواردة فيه‪ .».‬عن موقع وزارة‬
‫اخلارجية األمريكية على شبكة اإلنرتنت‪.‬‬
‫‪ - 7‬راف��ع شاهني عن جملة ‪THE CHRISTION SIENCE MONITOR‬‬
‫جملة اخليال العلمي العدد التاسع نيسان ‪ 2009‬ص ‪83‬‬
‫‪ « - 8‬ولد يف القدس ‪ 1‬حزيران ‪ 1909‬وعاش يف بريوت‪ .‬تعرض للسجن واإلبعاد‪ ،‬له‬
‫مؤلفات عدة‪ ،‬وك ٌل من أتباعه يطلق على نفسه «الداهشي»‪.‬‬
‫‪ - 9‬من كتابه قصص غريبة وأساطري عجيبة ج‪ 1‬ص‪ 212‬منشورات دار النسر احمللق‬
‫للطباعة والنشر بريون ‪1979‬‬
‫‪ - 10‬د ‪ .‬فايز حداد جدلية موقف األنثربولوجيا من عالقة اإلنسان مبحيطه جملة‬
‫اخليال العلمي الصادرة عن وزارة الثقافة السورية العدد التاسع نيسان ‪ 2009‬ص ‪28 27‬‬
‫‪ - 11‬د ‪ .‬خملص عبد احلليم الريس األنفاق الكونية جملة اخليال العلمي الصادرة عن‬
‫وزارة الثقافة السورية العدد الرابع ت‪ 2008 2‬ص ‪61‬‬
‫‪ - 12‬رافع شاهني عن جملة ‪THE CHRISTION SIENCE MONITOR‬‬
‫جملة اخليال العلمي العدد التاسع نيسان ‪ 2009‬ص ‪79‬‬
‫‪ - 13‬معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان منشورات الدار‬
‫الداهشية للنشر نيويورك ‪ 1997‬ط‪ 2‬ص‪95 90‬‬
‫‪ - 14‬معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان منشورات الدار‬
‫الداهشية للنشر نيويورك ‪ 1997‬ط‪ 2‬ص‪95 90‬‬
‫‪ - 15‬هناء الصاحل من أسرار احلياة البشرية جملة اخليال العلمي العدد التاسع نيسان‬
‫‪ 2009‬ص ‪90‬‬
‫‪ - 16‬هناء الصاحل املصدر السابق ص ‪91‬‬
‫‪ - 17‬هناء الصاحل املصدر السابق ص ‪93‬‬
‫‪ - 18‬هناء الصاحل املصدر السابق ص ‪96‬‬
‫‪ - 19‬معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان منشورات الدار‬
‫الداهشية للنشر نيويورك ‪ 1997‬ط‪ 2‬ص‪95 90‬‬
‫‪ - 20‬من املقابلة اليت أشري إليها سابقاً مع وايتكامب‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪23‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الرحلة إلى المستقبل‬
‫في أدب الخيال العلمي‬
‫‪2-1‬‬
‫حممد ياسني‬

‫يف رواية « ٌ‬
‫مغربي‬
‫رجل من القارة املفقودة « يتحدث الكاتب عن صيا ٍد‬
‫ٍّ‬
‫صخري‪ ،‬فيتجمّع عليه الصيادون ثم يطلبون من‬
‫صندوق‬
‫يعثر على‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫« خازن» وهو ُ‬
‫علمي مشهو ٌر أن يساعدهم يف زحزحة‬
‫خيال ّ‬
‫كاتب ٍ‬
‫الصندوق‪ ،‬بعد ذلك تقرتب منه ٌ‬
‫فتاة تبحث عن ابن أختها الضائع فيسارع إىل‬
‫مساعدتها يف العثور عليه قبل أن يذهب إىل الفندق الذي يقيم فيه‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يف اليوم التايل يفاجأ بقدوم الفتاة إليه يف‬
‫الفندق لتخربه عن الكالم الغامض الذي تفوّه‬
‫به ابن أختها الصغري « حممد» و إذا هو يرى يف‬
‫منامه رجالً‬
‫بلباس غريبٍ يقول له إنه صديقُ‬
‫ٍ‬
‫خ��از ٍن وإن��ه جيب عليه التوجه إىل الشاطئ‪،‬‬
‫ثم يرى هذا الرجل خيرتق التابوت الصخري‬
‫ليختفي بداخله‪ ،‬وعندما يلتقي الكاتب بالصيب‬
‫حممد خي�بره عن قصة «دار ٍم» ال��ذي ي��راه يف‬
‫مناماته‪.‬‬
‫يذهب الكاتب إىل الشاطئ برفقة صديقه‬
‫املغربي سعد‪ ،‬وحياوالن فتح الصندوق فيجدان‬
‫صعوب ًة كبريةً يف كسر امل��ادة املتجمدة بداخله‬
‫واليت تشبه الزجاج‪ ،‬ولكن – وبعد معاناةٍ طويلةٍ‬
‫– متكنا من حتطيم القشرة اخلارجية للجليد‬
‫لتطالعهما املفاجأة الكبرية ‪ :‬فقد رأوا جسداً‬
‫ممدداً داخل الصندوق الصخري لشاب طوي ٍل‬
‫بشع ٍر أشقرَ وشاربٍ كثّ وحليةٍ طويلةٍ‪ ،‬يرتدي‬
‫لباساً أشبه بلباس رواد الفضاء وعلى رأسه‬
‫خوذةٌ غريب ٌة‪.‬‬
‫يستخرج ال��ك��ات��ب وص��دي��ق��ه ج��ث��ة الرجل‬
‫بصعوبة ثم يلفاهنا بغطاء‪ ،‬وبالبحث واملناقشة‬
‫ي��درك��ان أنّ ال��رج��ل يعود إىل ح��ض��ارةٍ قدميةٍ‬
‫ج��داً‪ ،‬وأن الروائح اليت كانت تفوح من جسده‬
‫هي روائح ملوادَّ طبيةٍ رمبا كانت حتفظ جسده‬
‫سليماً‪ ،‬وختطر هلما فكرة أنّ الرجل رمبا كان‬
‫حيّاً فيقررأن استدعاء طبيبٍ خمتصّ لفحص‬
‫جثته‪ ،‬لكنّهما أث��ن��اء حديثهما يسمعان أنني‬
‫الرجل ال��ذي راح يتحرك ببطءٍ وهو مسلوب‬
‫ال��وع��ي إال أنّ احل��ي��اة ب���دأت ت��دب يف جسده‬
‫احملنّط من جديد‪.‬‬
‫بعد ذلك يفاجأ الرجالن ومَن حوهلما بأنّ‬
‫دارم �اً يتحدث العربية ويقول بأهنا لغة أبينا‬
‫آدم‪ ،‬ثم يفصح دارمٌ عن هويته وإذا هو طبيبٌ‬
‫من قارة « أتالنتس « اليت كانت متلك أسلح ًة‬
‫ذريّ ًة هائل ًة استخدمتها يف حربٍ أهليةٍ‪ ،‬وعندما‬

‫أدرك أنّ تلك احل��رب امل��دم��رة ستعيد القارة‬
‫إىل حياهتا البدائية بعد أن تدمّر ك ّل شيءٍ يف‬
‫ساعاتٍ قليلةٍ‪ ،‬أعلن املركز الطيبّ الذي يعمل به‬
‫عن جتميد أجساد من يرغبون من ذوي العقول‬
‫املؤثرة‪ ،‬فقد كان لديهم آالف التوابيت الصاحلة‬
‫للتجميد‪.‬‬
‫وبالفعل يتم جتميد ع��ددٍ كبريٍ من علماء‬
‫اجلزيرة مبا يف ذلك دارمٌ وزوجته» دارينا « اليت‬
‫يتفق معها على االلتقاء يف زمنٍ ما قاد ٍم‪ .‬لكن‬
‫دارم �اً الذي راح يسأل عن زوجته منذ حلظة‬
‫استيقاظه علم أنّ زوجته ال ت��زال ضائع ًة يف‬
‫عُ��رض البحر‪ .‬ويف ذات ي��و ٍم خيتفي دارمٌ يف‬
‫البحر مرتدياً لباسه الغريب بعد أن يرتك رسال ًة‬
‫شفوي ًة مع الصيب حممد خيرب فيها اجلميع أنه‬
‫سيغوص جمدداً للبحث عن دارينا‪.‬‬
‫وال�لاف��ت أنّ ه��ذه ال��رواي��ة مل ت��ر ّك��ز على‬
‫رصد املفارقات احلضارية بني حضارة القرن‬
‫العشرين – زمن طباعة الرواية – وبني حضارة‬
‫« اتالنتس» ‪ ،‬فلم يبدُ دارم مبهوراً من شيءٍ‪،‬‬
‫حتى إننا لنشكّ أحياناً بتخلفنا مقارن ًة‬
‫مبستوى التقدّم الذي توصلت إليه تلك القارة‬
‫اللغز من التقدّم التقينّ والطيبّ املدهش‪.‬‬
‫• الرحلة إىل املستقبل ‪ :‬اهتمّ أدباء‬
‫اخل��ي��ال العلمي يف ال��غ��رب وال��ش��رق بالرحلة‬
‫حنو املستقبل أكثر من اهتمامهم بالرحلة إىل‬
‫املاضي أو إيقاف الزمن‪ ،‬وك��أنّ املاضي الذي‬
‫ذه��ب مبا فيه مل يعد مهمّاً إىل الدرجة اليت‬
‫ينبغي على اإلنسان إيالئه أمهي ًة كبريةً‪ ،‬كما أنّ‬
‫إيقاف الزمن يبدو عملي ًة عقيم ًة وممل ًة ألهنا ال‬
‫ترتك أثراً إجيابياً ملموساً سوى تكرار اللحظات‬
‫والساعات واأليام مراوِح ًة يف مكاهنا بروتينيةٍ‬
‫قاتلةٍ‪ .‬أما الرحلة إىل املستقبل فتبدو على عكس‬
‫ذلك متاماً إذ إهنا حتمل األمل مبستقب ٍل‬
‫زاه ٍر للبشرية أو تنذر بصراعاتٍ دراميةٍ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪25‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هائلةٍ تدور على األرض أو حوهلا‪ ،‬كما تروي‬
‫فضول القارئ الذي يشرئبّ بعنقه لينظر ماذا‬
‫أعدّ املستقبـل للبشرية من مفاجآتٍ سـعيدةٍ أو‬
‫كارثية (‪.)1‬‬
‫أ‪ -‬يف األدب الغربي ‪ :‬رسم أدباء النوع الغربيني‬
‫– والتقليديني منهم خاصة‪ -‬مالمح مستقب ٍل‬
‫ق��اد ٍم تضع البشرية رجلها على الد ّفة األوىل‬
‫من سلّمه‪ ،‬فالثورات الصناعية (امليكانيكية )‬
‫واإللكرتونية واملعلوماتية كانت وما زالت تفجّر‬
‫سؤالني هامني ‪ « :‬ماذا بعد ؟» و «ماذا لو ؟»‪.‬‬
‫وقد تسلّم أدباء اخليال العلمي الغربي زمام‬
‫امل��ب��ادرة يف اإلج��اب��ة على ال��س��ؤال�ين‪ ،‬مطلقني‬
‫األعنة خلياالهتم لتصورعوامل ومستقبالتٍ‬
‫تقبل عليها البشرية جبمو ٍح واندفا ٍع‪ ،‬فتصوروا‬
‫ح��ي��وات ال��ن��اس املستقبلية بتفاصيلها سواء‬
‫بالرتكيز على مسرّاهتا و لذاهتا امل��ادي��ة اليت‬
‫تقدمها هلم احل��ض��ارة‪ ،‬أو على ال��ك��وارث اليت‬
‫ستحيق هبا جراء تلك احلضارة املادية نفسها‪.‬‬
‫فالروائي الفرنسي جول فرين هبط باإلنسان‬
‫إىل باطن األرض و إىل أعماق البحار‪ ،‬وصعد‬
‫به إىل سطح القمر‪ ،‬وجعله خيوض املغامرات‬
‫ال��ع��دي��دة يف األج����واء حتى إنّ بعضهم يعدّه‬
‫املصمم احلقيقي لربنامج الفضاء األمريكي‪،‬‬
‫ومع ذلك فإنّ فرين مل جيعل اإلنسان يستوطن‬
‫أيّاً من هذه األماكن اليت ذهب إليها‪.‬‬
‫أما خليفته اإلنكليزي ويلز فقد كانت رحالته‬
‫الفضائية كلها تدور ضمن إطا ٍر مستقبليّ تبلغه‬
‫البشرية يف قادمات العصور‪ ،‬واجلدير بالذكر‬
‫أنّ ويلز كان مهتمّاً بالدراسات املستقبلية اليت ال‬
‫تقوم على عناصر دراميةٍ‪ ،‬فكتب عدداً من هذه‬
‫الدراسات يف زم��نٍ كانت فيه هذه الدراسات‬
‫عزيزةً وحتتاج إىل ترسيخ أقدامها يف العامل‬
‫الغربي‪ ،‬تقول الباحثة عواطف عبد الرمحن ‪:‬‬
‫((‪ ...‬وه��ن��اك إمج����اعٌ ب�ين م��ؤرخ��ي علم‬
‫املستقبل على أنّ الكاتب الربيطاني هـ‪ .‬ج ويلز‬

‫‪26‬‬

‫( ‪ ) 1949 – 1866‬قد قدّم إضافاتٍ بارزةً يف‬
‫تأصيل االهتمام العلمي بالدراسات املستقبلية‪،‬‬
‫و ذل��ك م��ن خ�لال العديد م��ن دراس��ات��ه ذات‬
‫الطابع املستقبلي مثل ‪ « :‬التوقعات « (‪،)1901‬‬
‫و «اليوتوبيا اجل��دي��دة» ( ‪ ،) 1905‬و «شكل‬
‫األشياء املستقبلية ( ‪ )1933‬و مجيعها تدور‬
‫حول استكشاف حياة ومهوم األجيال املقبلة»‬
‫(‪ )2‬وقد برزت أمهية تلك الدراسات اليت قدمها‬
‫ويلز بعد أن حت ّقق عددٌ من تنبؤاته املنطقية‪،‬‬
‫وكادت بذلك أن تتغلب شهرة ويلز الباحث على‬
‫ويلز الروائي لدرجة أنّ بعض الباحثني صنف‬
‫بعض رواياته ضمن الدراسات املستقبلية اليت‬
‫روائي‪.‬‬
‫قصصي أو‬
‫بزي‬
‫تن ّكرت ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫ويف ال��ف�ترة ال�تي ازده���ر فيها أدب اخليال‬
‫العلمي وه��و م��ا يطلق عليه آس��ي��م��وف اسم‬
‫«ال��ع��ص��ر ال��ذه�بي» احن��س��رت أن��ظ��ار اخليال‬
‫العلمي األمريكي لتقع على األرض اليت بدت‬
‫أكثر أمهي ًة من الكائنات الفضائية‪ ،‬وإن ظ ّل‬
‫بعض كتّاب النوع يطلون بني الفينة والفينة‬
‫على عوامل الكون اآلخر‪ ،‬فاألرض أوالً و أخرياً‬
‫هي أمّنا الكربى‪ ،‬وحنن أحق بالنظر إىل أنفسنا‬
‫ومستقبلنا‪ ،‬فقصة «إحساس بالقوّة» إلسحق‬
‫آسيموف تتحدّث عن العطالة الذهنية اليت‬
‫سيصاب هب��ا اإلن��س��ان نتيجة اع��ت��م��اده على‬
‫األجهزة اإللكرتونية حبيث يسلّمها قيادة حياته‬
‫كلّها‪ ،‬األمر الذي جيعله ينسى أبسط املسائل‬
‫أو احملاكمات الذهنية اليت برمج على أساسها‬
‫تلك األجهزة منذ أزما ٍن سحيقةٍ ‪،‬وهذه القصة‬
‫حتكي عن إعادة اكتشاف الرياضيات بعد أن‬
‫تتوىل العقول واحلاسبات اإللكرتونية مهمة‬
‫استنتاج امل��ع��ادالت وإج��راء احلسابات لسننيَ‬
‫طويلةٍ‪ ،‬وعندما يعود اإلنسان للتفكري جمدداً‬
‫فإنه سيعيد اكتشاف ما كان قد نسيه دون‬
‫أن يعلم‪ ،‬فبطل القصة «مايرون أوب» حي ّقق‬
‫صيتاً علمياّ عندما يكتشف القانون الرياضي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫الذي يعطي نتيجة عمليةٍ حسابيةٍ هي ‪7 × 9‬‬
‫= ‪.63‬‬
‫ويف قصته «املتعة ال�تي ف��ازوا هب��ا» يتحدّث‬
‫آس��ي��م��وف ع��ن أط��ف��ال يتكلمون ع��ن أساليب‬
‫التعليم القدمية‪ ،‬وكيف كان التالميذ يذهبون‬
‫إىل مدارسهم وجيلسون على مقاعد خشبيةٍ‬
‫أم��ام معل ٍم‬
‫ّض لألخطاء‪ ،‬أمّ��ا هم‬
‫بشري م��ع�ر ٍ‬
‫ٍّ‬
‫فسعداء ألنّ معلمهم اآليل يتوىل تعليمهم بدقةٍ‬
‫تامةٍ ودون أن يرتكب أية أخطاء تذكر‪.‬‬
‫وميكن أن نعدّ الرابوط واهلموم املتعلّقة به‬
‫من املوضوعات اليت أرّقت كتاب اخليال العلمي‬
‫وسيطرت على إبداعهم زمناً طويالً‪ ،‬فالرابوط‬
‫إمّا أن يكون آل ًة مثالي ًة ختدم اإلنسان دون أي‬
‫شكوى أو تذمّر‪ ،‬وإمّا أن تكون الربوطات عدوانية‬
‫تثور على صانعها بعد أن مت ّل من تلبية طلباته‬
‫السخيفة‪ ،‬خاصة بعد أن تدرك ‪ -‬لسببٍ ما ‪-‬‬
‫تفوّقها على اإلنسان يف جماالتٍ كثريةٍ‪ ،‬فتشعر‬
‫أهنا قادرةٌ على انتزاع السيادة من ذلك املخلوق‬
‫الغيبّ لتصنع منه عبداً وتثأر لنفسها عن سنوات‬
‫ّ‬
‫والذل اليت أمضتها يف خدمته!‬
‫القهر‬
‫وتعدّ مسرحية «الرجل اآليل» الكارل تشابيك‬
‫وقصة « احلارس» آلرثر كالرك من أشهر األمثلة‬
‫على الرابوطات الثائرة‪ ،‬أمّا رابوطات آسيموف‬

‫فإهنا يف األغلبية الساحقة من قصصه مت ّثل‬
‫اخلدمة اآللية املطلقة‪ ،‬فإذا ما شعرتْ بنفسها‬
‫فهي مثال األخالق و الوفاء للسيد «اإلنسان»‪.‬‬
‫كما يش ّكل «ال��ط��اف��رون» ام���ت���داداً لصورة‬
‫ال��راب��وط��ات ال�تي قدّمها أدب اخل��ي��ال العلمي‬
‫الغربي بكثرة‪ ،‬سوى أنّ الطافرين تسري الروح‬
‫يف أجسادهم اليت أُنتجت ألداء‬
‫أغراض حمددةٍ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫فهم عبيد املستقبل اخلانعون رغم أهنم أيضاً‬
‫ميتلكون م��ن ال��ق��درات م��ا يتفوقون ب��ه على‬
‫اإلنسان يف بعض اجلوانب متاماً كما هو احلال‬
‫لدى الرابوطات‪.‬‬
‫وغالبا ما يكون الطافرون بشراً مهجنني مع‬
‫كائنات فضائية أو مطعّمني باآلالتٍ (السيبورج)‬
‫أو معدلني وراثياً ألداء مهماتٍ توكل إليهم خبضو ٍع‬
‫كاملٍ‪ ،‬لكن هؤالء أيضاً قد ينقلبون على السيد‬
‫الذي ال يعرتف حبقيقة بشريتهم أو يفرّون من‬
‫وجهه طالبني اخلالص بشتّى الوسائل‪.‬‬
‫وقد حرص عددٌ من كتاب النوع يف الغرب‬
‫ع��ل��ى امل���ض���يّ ق���دم���اً ب����أدب اخل���ي���ال العلمي‬
‫لتخليصه م��ن وص��م��ة التسلية ال�ت�ي حلقت‬
‫بسمعته ما يقارب من مئة ع��ام‪ ،‬ولكي يفعلوا‬
‫ذلك فقد جعلوا خياهلم العلمي يعكس‬
‫روح جمتمعاهتم القلقة وجتسّد شخصية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪27‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اإلن��س��ان الغربي ال���ذي يعاني م��ن اخلواء‬
‫الداخلي والاليقني العقلي مع اعتداده بنفسه‬
‫ك��ق��ائ �دٍ ل��ل��ح��ض��ارة اإلن��س��ان��ي��ة احل��دي��ث��ة حنو‬
‫مستقبلها ال��ق��ادم‪ ،‬ومي��ك��ن أن ت��ك��ون رواي���ة «‬
‫فهرهنايت ‪ »451‬لراي براد بوري أمنوذجاً حيّاً‬
‫لعددٍ من تلك الروايات‪ ،‬حيث تسيطر مجهورية‬
‫اإلع�لام التافه الذي يفرّغ اإلنسان من داخله‬
‫ليحوّله إىل متلقٍّ‬
‫طفيلي كسو ٍل يعاني عطال ًة‬
‫ٍّ‬
‫ذهني ًة و يتسم بالتفكري السطحي الساذج‪ ،‬ثم‬
‫يسلبه احرتامه لنفسه و إلنسانيته‪.‬‬
‫كما اختذ كتاب الغرب الشباب على عاتقهم‬
‫االستمرار يف صقل خياهلم العلمي فجددوا يف‬
‫طريقة تناول املوضوعات التقليدية فخلصوها‬
‫م���ن امل��غ��ام��رة ال��ص��ب��ي��ان��ي��ة وط��ري��ق��ة السرد‬
‫القصصي الفجّة‪ ،‬وحوّلوا تلك املوضوعات إىل‬
‫مواضيع ذات جديةٍ بالغةٍ تالمس روح اإلنسان‬
‫ومستقبله‪ ،‬فبعد أن فقد اخليال العلمي الكثري‬
‫من عوامل الدهشة بتكرار املوضوعات‪ ،‬وظهور‬
‫ف���نّ السينما ال���ذي خ��ط��ف أب��ص��ار النظارة‬
‫ودهشتهم ع��ن ط��ري��ق اخل���دع ال�تي ميارسها‬
‫الفنيون على الصورة املتحركة‪ ،‬لذلك فقد جلأ‬
‫الكتاب الشباب يف الغرب إىل االجتاه الفلسفي‬
‫الذي ينبض بالروح اإلنسانية اليت تطغى على‬
‫العمل األدبي‪.‬‬
‫لكنّ األدباء الشباب مل ينظروا إىل اإلنسان‬
‫بعنيٍ واحدةٍ أو يقيمونه تقييماً واحداً‪ ،‬فبينما‬
‫ن��راه يلتقي بالطبيعة اإلهلية يف بعض أعمال‬
‫وليم جيبسون متجسدةً يف «السيربنيطيقا» ‪-‬‬
‫أو ما يُطلق عليه اسم «إنسان ال ُفرادة» ‪ -‬جند‬
‫جيمس ثريبر يف قصة «ح��دي �ثٌ صحفيٌّ مع‬
‫الموس» يضع اإلنسان يف عالقةٍ متساويةٍ مع‬
‫حيوان ال�لام��وس‪ ،‬حتى إننا يف هناية القصة‬
‫ندرك أنّ الالموس أكثر نبالً و تفوقاً أخالقياً‬
‫ٌ‬
‫من اإلنسان‪ ،‬ففي هذه القصة يقع‬
‫جدال بني‬
‫عالِ ٍم من العلماء وبني حيوان الالموس الذي راح‬

‫‪28‬‬

‫ينتقد الصفات البشرية‪ ،‬ثم يقول للعامل إنه مل‬
‫يظلم اإلنسان هبذه االنتقادات ألنّ ما يقوله ناتجٌ‬
‫عن دراسته لإلنسان طوال حياته‪ ،‬فيقول العامل‬
‫إنه هو أيضاً درس حيوان الالموس طوال حياته‪،‬‬
‫وإنّ الشيء الوحيد الذي مل يفهمه عنه هو ملاذا‬
‫هترع اللواميس إىل البحر وتغرق أنفسها فيه‪،‬‬
‫وهنا يقول الالموس متعجباً ومنتقداً ‪ ...« :‬يا‬
‫للغرابة !! إنّ الشيء الوحيد الذي ال أفهمه أنا‬
‫اآلخ��ر هو‪ ،‬لِ�مَ ال هترعون أنتم أيتها الكائنات‬
‫البشرية إىل البحر وتغرقون فيه أنفسكم‪ ...‬؟»‬
‫(‪.)3‬‬
‫وهكذا وصل أدب اخليال العلمي احلديث يف‬
‫الغرب إىل مكانةٍ مرموقةٍ بني اآلداب األخرى‬
‫بالرغم من تعلق بعض الطفيليني أيضاً هبذا‬
‫األدب وانتشار قصص اخليايل العلمي اهلزيل‪،‬‬
‫ولكن – و كما هو احلال يف عصرنا ‪ -‬فإنّ التنوع‬
‫الشديد ألزم اجلميع بأن يقبلوا بعضهم بعضاً‪،‬‬
‫وبالتايل فإننا جند األدب الرفيع يتعايش جنباً‬
‫إىل جنبٍ مع القصص اهلزيل يف سوق الكتاب‬
‫الغربي‪ ،‬وك��أنّ اخليال العلمي هناك بعد أن‬
‫وصل إىل مرحلةٍ من النضج الفكريّ واستعادته‬
‫جلزءٍ كبريٍ من كرامته األدبية مل يعد يعبأ بتطفل‬
‫املتطفلني أو تطاول املتطاولني‪ ،‬يقول حممود‬
‫قاسم عن أدب النوع عندما ينضج فكرياً و يقدّم‬
‫رسالته اإلنسانية بأفضل طريقةٍ ‪ ...(( :‬وهذا‬
‫هو هدف اخليال العلمي يف سنوات النضج !‬
‫أن يقدم تصوراً فكرياً وتربوياً حيطم بال هوادةٍ‬
‫عاداتنا يف احلياة وأسلوبنا يف التفكري‪ ،‬فيتهيأ‬
‫اخليال العلمي ألن يصبح «أدب األدب» بعد أن‬
‫ظ ّل أدباً هامشياً وجتريديا‪ .‬أي أنه باتضاحاته‬
‫العقلية وباملهارات غري العادية ألولئك الذين‬
‫برعوا فيه قد أصبح اجمل��ال الثقايف الوحيد‬
‫القادر حبقٍّ على معاجلة املشاكل اليت يطرحها‬
‫النمو املتزايد للتقنية والعلم )) (‪.)4‬‬
‫وقد كان الفضل لعددٍ من العوامل األدبية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫واإلنسانية يف املساعدة على النهوض بأدب‬
‫اخليال العلمي الغربي‪ ،‬ومن أهم تلك العوامل‬
‫ب��روز ع��ددٍ من الكتّاب املوهوبني الذين قادوا‬
‫مسريته‬
‫بإخالص وحاولوا توسيع الرقعة اليت‬
‫ٍ‬
‫يتحرك فيها كاتب اخليال العلمي بتناول أسئلةٍ‬
‫كان كتّاب اخليال العلمي التقليدي ّيظنّون أهنم‬
‫يف غنىً عن االلتفات إليها‪ .‬فلم يعد استعمار‬
‫الكواكب و إدراك اخل��ل��ود مثالً مه��ا احلدث‬
‫الرئيس ملعظم القصص الغربي بل األسئلة اليت‬
‫أضحت تسيطر على الرواية الغربية اليوم هي‪:‬‬
‫«ملاذا نسعى الستعمار الكواكب ؟‪ ،‬وملاذا نريد‬
‫اخللود ؟‪ ،‬وملاذا نقدس أنفسنا؟ وهل حنن على‬
‫هذه األمهية فعالً ؟‪»...‬‬
‫وقد أتاحت هذه األسئلة مزيداً من احلضور‬
‫للذات البشرية للتقرّب من حم��ور العمل يف‬
‫أدب اخليال العلمي بعد أن كانت الشخصية‬
‫اإلنسانية هامشي ًة وباهت ًة لعشرات السنني‪ ،‬و‬
‫ذلك ما جيعل اخليال العلمي حيوز على مكانته‬
‫اليت يطالب هبا‪ ،‬األمر الذي لن حتوزه قصص‬
‫اخليال العلمي املفربكة اليت ال تزال تبحث عن‬
‫الدهشة بال جدوى‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يف األدب العربي ‪ :‬ميكن ال��ق��ول إنّ‬
‫أدب اخليال العلمي العربي قد اهتم بالعوامل‬
‫املستقبلية اليت ستدركها البشرية بعد أزما ٍن‬
‫خمتلفةٍ ومتباعدةٍ‪ ،‬يظهر ذلك منذ الكتابات‬
‫األوىل اليت جاءت بأقالم كتّابٍ مرموقني كتوفيق‬
‫احلكيم وعزّ الدين عيسى ويوسف السباعي‪،‬‬
‫فك ّل هؤالء رمسوا درباً – وإن مل تكن واضح ًة‬
‫– خللفائهم من كتّاب اخليال العلمي العربي‬
‫الذين هبرهتم فكرة الرحلة يف املستقبل‪ .‬فتوفيق‬
‫احلكيم تناول عامل املستقبل الذي سيصل إليه‬
‫العرب والبشرية يف ك ّل أعماله اليت تنتمي إىل‬
‫أدب اخليال العلمي تقريباً‪ ،‬وقد ر ّكز احلكيم‬
‫على مستقبلني جيب أن حيدثا ‪:‬‬
‫املستقبل األوّل حيدث يف زمنٍ قريبٍ نسبياً‬

‫يقدَّر مبئات السنني‪ ،‬وفيه ير ّكز الكاتب على‬
‫القفزة التقنية اليت سيقطعها العامل بعد تلك‬
‫السنوات وما ستسببه من طفرات يف سعادة‬
‫اإلنسان حينذاك‪ ،‬فالقهوة تُصبّ من صنابري‬
‫موجودةٍ يف ك ّل بيتٍ‪ ،‬والطعام من ك ّل األنواع يُدفع‬
‫بأنابيب إىل كل من يطلبه‪ ،‬ووسائل النقل ذات‬
‫الرفاهية العالية مع أنظمةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ‬
‫هي غاية يف الرقي والتنظيم الدقيق‪.‬‬
‫واملستقبل الثاني حيدث يف زمنٍ بعيدٍ يقدَّر‬
‫بآالف السنني يصل يف بعده حتى مليون سنة‪،‬‬
‫ويف هذه احلالة فإنّ احلكيم يسلط الضوء على‬
‫التغريات اليت تطرأ على اجلسم نتيجة الرفاهية‬
‫اليت حيققها املستقبل األول ّ‬
‫باطرادٍ مستمر‪،‬‬
‫ف��اإلن��س��ان امل��ر ّف��ه مل يعد يستخدم أطرافه‬
‫مل��ا تقدمه ل��ه التقنية احلديثة فتضمر هذه‬
‫األط���راف‪ ،‬بينما يتضخم ال��رأس ال��ذي مازال‬
‫يثابر على التفكري واإلبداع‪ ،‬وقد يتخلى اإلنسان‬
‫عن جهازه اهلضمي‪ ،‬كما أن الذكر قد يندمج يف‬
‫األنثى فتمّحي احلدود الفاصلة بينهما وتنسى‬
‫اإلنسانية موضوع الفوارق اجلنسية العتمادها‬
‫على التخصيب الصناعي‪....‬‬
‫وق��د مشى هن��اد ش��ري��ف يف ط��ري��قٍ قريبةٍ‬
‫من تلك اليت رمسها توفيق احلكيم‪ ،‬فاستلهم‬
‫املستقبل عرب إظهار التقنيات اليت سيتوصل‬
‫إليها البشر دون أن يصل إىل املليون عام بل‬
‫اكتفى باألزمان القريبة نسبياً‪ ،‬وقد ّ‬
‫وظف هذه‬
‫التقنية خلدمة اإلنسانية يف جم��االت السفر‬
‫إىل ال��ك��واك��ب أو اجمل���االت الطبية فاهتم يف‬
‫رصد اللقاءات الكونية اليت ستحدث بني أغيا ٍر‬
‫مساملني وبني البشر‪ .‬كما صوّر التقدم الطيب‬
‫الذي ستحققه التقنية العالجية املذهلة‪ ،‬ولرمبا‬
‫اندمج هذان املوضوعان يف بعض قصصه مثل‬
‫قصة « باإلمجاع « حيث جند صراع الشخصيات‬
‫اليت متثل رموزاً علمي ًة يف جماالت طبّ‬
‫التربيد يف إطار أحداثٍ تظهرها القصة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪29‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫على شكل توت ٍر أو حربٍ تنشب بني األرضيني‬
‫وسكان الكوكب أوران��س ممّا حيول دون جلب‬
‫القلب الصناعي (ف ت ‪ )144‬لعالج املالح‬
‫الكوني رامي جالل الدين‪.‬‬
‫أمّا رؤوف وصفي فقد سافر ببطله ملسافة‬
‫مخسمئة سنةٍ مقبلةٍ تقريباً يف قصة « مغامرةٌ يف‬
‫القرن السادس والعشرين» بيد أنّ هذه الرحلة‬
‫الزمانية مل تكن سعيدةً أبداً ألنّ البطل الذي‬
‫يرحل من عام ( ‪2077‬م ) إىل عام ( ‪2577‬م )‬
‫يُسجن يف ذلك القرن الذي رحل إليه ألنّ العالِم‬
‫الذي استقبله هناك مل يسمح له بالعودة ! ويف‬
‫قصة «امل��ارد املعدني» يرصد الكاتب كراهية‬
‫اإلن��س��ان املستقبلي للرابوطات املعدنية اليت‬
‫تتحرك يف ك ّل مكا ٍن حتى وإن كانت تلك اآلالت‬
‫غري ض��ارة‪ ،‬فهناك رج ٌل يهاجم امل��ارد املعدني‬
‫حس أو مباالة فريكله‬
‫الذي ميشي أمامه دون ٍّ‬
‫ويوجّه إليه الشتائم‪ ،‬لكنّ املارد املعدني املربمج‬
‫خيربه بربود اآللة أنه ما من نيّاتٍ عدوانيةٍ لدية‬
‫حنو البشر‪ ،‬وأنّ ذاكرته اإللكرتونية قد صُنعت‬
‫على هذا األساس‪ ،‬لكنّ الرجل مع استغرابه من‬
‫نفسه ألنه يتحدّث إىل كتلةٍ معدنيةٍ يتّهمه بأنه‬
‫من‬
‫جنس سيستويل على األرض عندما يدرك‬
‫ٍ‬
‫قوته اخلالية من الشعور‪.‬‬
‫ويف قصة لطالب عمران «هواجسٌ القرن‬
‫احل����ادي وال��ع��ش��ري��ن» ي��ص��ف ال��ك��ات��ب احلالة‬
‫اخلطرية اليت وصلت إليها الطبيعة عام ‪2035‬م‬
‫يف مدينةٍ عربيةٍ‪ ،‬ويوجه الكاتب إصبع االهتام‬
‫مباشرةً إىل البشر مبا فيهم من أنانيةٍ وجش ٍع‬
‫قاتلني‪ ،‬فاملصانع ال�تي تطوّق املدينة الكبرية‬
‫وتنفث مسومها ليالً وهن��اراً دون توّقف تلوث‬
‫اهلواء وترفع درجة احل��رارة إىل حدٍّ ال يطاق‪،‬‬
‫ويسوء اجلوّ فتهطل األمطار احلامضية فتسمم‬
‫مصادر املياه‪ ...‬وعندما يثور الناس على هذا‬
‫الوضع يفتح الفساد شدقيه ليستثمر هذه الثورة‬
‫مل مرعبٍ لسنا‬
‫يف صفقةٍ مرحبةٍ تكشف عن عا ٍ‬

‫‪30‬‬

‫بعيدين عنه‪ ،‬فالعمال الذين طالبوا صاحب‬
‫املصنع برتكيب مضخات تصفيةٍ مل يستجب‬
‫أحدٌ ملطالبهم بل قوبلوا باملساومات واالبتزاز‪،‬‬
‫وعندما رفضوا تلك املساومات واحتشدوا أمام‬
‫املصنع كان القناصة قد أخ��ذوا أماكنهم على‬
‫السطوح وبدؤوا باقتناص املطلوبني‪ ،‬بعد ذلك‬
‫يتمّ سحب جثث القتلى ويرفع « باسم الدّهان‬
‫« – صاحب املصنع – مساعة اهلاتف وهو يقول‬
‫‪ – (( :‬كانت ضرب ًة موفق ًة يا باشا‪.‬‬
‫ التكاليف ارتفعت‪ ،‬مسعتُ أنّ بعض الناس‬‫سقطوا قتلى‪ ،‬وأنك أمرت رجالك باقتناصهم‪.‬‬
‫ قدمتهم هدي ًة لك يا باشا‪ ،‬بنك األعضاء‬‫البشرية حتت تصرفك كما أعرف )) (‪)5‬‬
‫وبعقد م��ق��ارن�ةٍ بسيطةٍ ب�ين أدب��ي اخليال‬
‫العلمي الغربي ونظريه العربي‪ ،‬نالحظ أنّ مثة‬
‫فروقات بادية للعيان‪ ،‬كما ال خيفى أيضاً أنّ‬
‫هناك موضوعات بعينها ظهرت يف أدب اخليال‬
‫العلمي الغربي ّ‬
‫مت استنساخها أو استيحاؤها‬
‫أو التأثر هبا‪ ،‬مع لفت االنتباه إىل أنّ عمليات‬
‫االستلهام أو التأثر الثقايف مل تعد مترّ مبراحل‬
‫بطيئةٍ تستغرق سنني طويل ًة كما هو احلال يف‬
‫األزمان املاضية أو حتى احلديثة نسبياً‪ ،‬وإمنا‬
‫سامهت وسائل االتصال احلديثة يف تسريع‬
‫و تعقيد عمليات التل ّقي والتفاعل بني اآلداب‬
‫العاملية‪ ،‬السيما بعد اخ�تراق الكتاب للحدود‬
‫وهجرة الصحف خ��ارج حدودها القومية‪ ،‬ثم‬
‫تأتي الشابكة « اإلنرتنت» لتشكل مدّاً غري حمدودٍ‬
‫ملثل هذه العمليات ونبعاً ال ينضب لالطالع على‬
‫جتارب اآلخرين يف بلداهنم أو التواصل معهم‬
‫ساعة بساعة‪.....‬‬
‫وبالرغم م��ن إط�لاع أدب���اء اخل��ي��ال العلمي‬
‫العربي على التجارب الغربية احلديثة فإنّ‬
‫أعمال اخليال العلمي العربي ال ت��زال تُكتب‬
‫يف معظمها على الطريقة «الكالسيكية» ألدب‬
‫اخليال العلمي الغربي أيام جول فرين و هـ‪ .‬ج‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ويلز وإدغار رايس بوروغس باستثناء عددٍ قلي ٍل‬
‫من هذه األعمال لعددٍ أق ّل من الكتّاب‪ .‬فإذا‬
‫ما أخذنا جمال الرحلة يف الزمن مثاالً على ما‬
‫تلك األعمال وجدنا أنّ كتّاب الغرب قد ختلوا‬
‫منذ زمنٍ بعيدٍ عن آلة ويلز الزمانية اليت كانت‬
‫تنقلهم إىل أزمنةٍ خمتلفةٍ‪ ،‬إذ الحظوا بعد سنوات‬
‫من التجارب الروائية والقصصية أنه ما من‬
‫أدبي ملثل هذه اآللة اليت أصبح ذكرها يف‬
‫دا ٍع ٍّ‬
‫الروايات و القصص ال يقدّم وال يؤخر‪ ،‬لذلك‬
‫فإنّ بعض أدباء النوع يف الغرب يضعون القارئ‬
‫يف أج��واء الزمن الذي يهاجر إليه بطل العمل‬
‫األدبي من غري أن يذكروا وسيلة السفر الزمانية‬

‫اليت فقدت مع الوقت أمهيتها بوصفها مربراً‬
‫لالنتقال إىل أزما ٍن بعيدةٍ كانت أم قريبةٍ‪.‬‬
‫باملقابل فإننا جند معظم أدباء اخليال العلمي‬
‫العربي مازالوا يتشبثون مبثل هذه اآللة اليت قد‬
‫تكون قد فقدت صالحيتها مع طول االستعمال‬
‫األدب��ي‪ ،‬ومع أن بعضاً من أدب��اء النوع العرب‬
‫قد استبدلوا هذه اآللة الزمانية بوسائل أخرى‬
‫خمتلف ًة لتجول يف الزمن فإنّ تلك الوسائل هي‬
‫األخ��رى قد عفا عليها الزمن يف أدب اخليال‬
‫العلمي ال��غ��رب��ي احل��دي��ث فلم تعد ت��ذك��ر إال‬
‫ع��رض�اً ويف أع��م��ا ٍل أدب��ي�ةٍ قليلةٍ ورمبا‬
‫نادرة‪ ،‬فالتجميد والتقمّص واإلكسري هي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪31‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أدواتٌ ّ‬
‫مت التخلي عنها بعد أن أثبت الروائيون‬
‫أهنم مل يعودوا حباجةٍ إليها للسفر يف الزمن ما‬
‫دام األديب يستطيع أن يضع قارئه أو بطله يف‬
‫الزمن الذي يشاء عن طريق اإلحياء وتصوير‬
‫البيئة اليت تتحرك فيها شخصيات العمل‪.‬‬
‫كما أنّ بعض أدب��اء اخليال العلمي العربي‬
‫م��ازال��وا يتمسّكون باألسلوب التقليدي الذي‬
‫يعتمد على إث��ارة الدهشة وافتعال املفاجأة‬
‫اليت مل تعدّ جمدي ًة يف عص ٍر اختطفت اخليالة‬
‫والتلفاز أن��ظ��ار ال��ق��راء وص���ورت هل��م باخلدع‬
‫البصرية معظم املفاجآت احملتملة اليت ميكن‬
‫أن تواجه األبطال يف ك ّل زم��ا ٍن ومكانٍ‪ ،‬وهبذا‬
‫فإن من يراهن على استثمار مثل هذه األساليب‬
‫س��وف خيسر يف هناية امل��ط��اف‪ ،‬ألنّ القارئ‬
‫سيجد أنه قد رأى من قبل ك ّل ما يقرؤه اآلن‪،‬‬
‫وسيشعر بأنه ال فائدة من تكرار املشهد حباسةٍ‬
‫واحدةٍ إذا ما استطاع تل ّقيها حباستني اثنتني‪..‬‬
‫وي��ب��دو أنّ ك � ّت��اب اخل��ي��ال العلمي الغربي‬
‫عندما أدرك���وا اخلطر ال��ذي ش ّكلته اخليالة‬
‫على أدهبم من هذا اجلانب فإهنم قبلوا اللعبة‬
‫بطريقةٍ ذكيةٍ‪ ،‬إذ مل يدخلوا يف معركةٍ خاسرةٍ‬
‫م��ع األف�ل�ام السينمائية ال�تي ت��ص�وّر اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬وإمن��ا تفننوا يف االن��ق�لاب على تلك‬
‫املوضوعات اليت تطرقت إليها اخليالة فبدؤوا‬
‫بكتابة األعمال األدبية من حيث انتهى شريط‬
‫اخليالة مستفيدين من التقنيات السينمائية‬
‫يف ط��روح��ات أدب��ي��ة تنحو ب��اجت��اه الفلسفة‪،‬‬
‫ولذلك فـإننا نرى اخليال العلمي الغربي وقد‬
‫لبس لبوس احلكمة بعد أن قد نضج أو دخل‬
‫س�نّ الشباب بعد أن جت��اوز مرحلة املراهقة‬
‫واملغامرة‪ ،‬وهلذا فإنّ أدب اخليال العلمي الغربي‬
‫مل يعد ي��ذك��ر ف��ك��رة السفر يف ال��زم��ن جملرد‬
‫اقتناص دهشة من القارئ الغربي الذي مل يعد‬
‫يدهش وإمنا لتناول املربرات اليت تدعو اإلنسان‬
‫للسفر يف الزمن‪ ،‬وما هي املؤثرات اليت ترتتب‬

‫‪32‬‬

‫على السفر يف الزمن‪ ،‬وما هي األجواء والعوامل‬
‫الروحية والفلسفية اليت ستسيطر على كيانات‬
‫اإلنسان الداخلية يف حال مت ّكنه من عبور جدار‬
‫الزمن‪ ،‬ك ّل ذلك على خلفيةٍ باهتةٍ من األدب‬
‫التقليدي الذي تغدو معه القفزات التقنية أو‬
‫التغيّرات الشكليّة حتصيل حاص ٍل ال حيتاج معه‬
‫إىل تو ّقف أو تركيز‪.‬‬
‫• البحث عن اخللود‪ :‬منذ أن خلق اهلل‬
‫اإلنسان حكم عليه باملوت‪ ،‬لذا فإنّ فكرة املوت‬
‫كانت و مازالت تؤرّق هذا املخلوق الذي وقف‬
‫حائراً أمام هنايته احملتومة اليت مل جيد منها‬
‫مفرّاً‪ .‬وألن ك ّل إنسا ٍن خيرج من هذه الدنيا وهو‬
‫يف حالة شوقٍ إىل احلياة‪ ،‬ويتمنى لو أنّ القدر‬
‫ميهله حتى ينهي مشاريعه و حيقق أحالمه اليت‬
‫ال تنتهي‪ ،‬ف��إنّ اإلن��س��ان منذ القدم ح��اول أن‬
‫جيد عالجاً يقيه شهقة املوت وغصّة الفراق‪،‬‬
‫لكن براعة األطباء‪ ،‬وحكمة الفالسفة‪ ،‬وقوة‬
‫اجلبابرة‪ ،‬ومكر الدهاة‪ ،‬كلّها أعلنت استسالمها‬
‫أمام املوت الذي استهزأ بكل احللول اليت قدمها‬
‫بنو البشر بغية االنفكاك من قبضته القاسية‪.‬‬
‫أمام ذلك التحدي الذي عرف البشر يف قرارة‬
‫نفوسهم أهنم خاسرون أمامه مل يبق أمامهم‬
‫سوى األحالم واألشعار واألمنيات اليت تُرمجت‬
‫إىل أساطري و‬
‫قصص و مالحم جتسّد مناورة‬
‫ٍ‬
‫اإلن��س��ان مع امل��وت‪ ،‬فامتحل اإلن��س��ان القديم‬
‫أس��اط�ير اخل��ل��ود واألك��اس�ير ال�تي تعيد الشيخ‬
‫إىل شبابه كلما أدركه الكرب‪ ،‬ثم اخرتع أكاذيب‬
‫التقمص ووهم احللول وغريها من األساليب‬
‫اليت يقنع هبا نفسه متمنياً لو تستطيل له حياته‬
‫كلما أراد‪ .‬ففي ملحمة «كلكامش» يعثر البطل‬
‫على النبات ال��ذي يعيد له شبابه كلما أدركه‬
‫اهلرم فيقول ‪:‬‬
‫(( ‪ -‬ي��ا «أور – ش��ن��اب��ي» إنّ ه��ذا النبات‬
‫عجيبٌ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يستطيع املرء أن يطيل به حياته‬
‫آلخذه معي إىل «الوركاء» احلمى و السّور‬
‫وأشرك معي الناس ليقطعوه و يأكلوه‪.‬‬
‫وس��ي��ك��ون امس���ه «ي��ع��ود ال��ش��ي��خ إىل صباه‬
‫كالشباب»‪.‬‬
‫وأن����ا س��آك��ل��ه يف آخ���ر أي���ام���ي ح��ت��ى يعود‬
‫شبابي‪)6( ))...‬‬
‫وحيكي النويري يف «هناية األرب» قصة ذي‬
‫القرنني الذي متنى يف حديثٍ له مع امللك رفائيل‬
‫لو يطول به العمر أكثر وأكثر ليشكراهلل تعاىل‬
‫ويعبده حق عبادته ‪ ...(( :‬عند ذلك قال رفائيل‬
‫‪ :‬أوحتبّ ذلك ؟ قال ‪ :‬نعم‪ .‬قال فإنّ هلل عيناً‬
‫يف األرض تسمى «عني احلياة» فيها من اهلل‬
‫عزمي ٌة‪ ،‬إنّ من يشرب منها شرب ًة مل ميت أبداً‬
‫حتى يكون هو الذي يسأل ربه امل��وت‪)8( )) .‬‬
‫وخيرب رفائيل ذا القرنني أنّ الوصول إىل تلك‬
‫العني دونه خرق القتاد‪ ،‬ولكن النيب الذي ملك‬
‫مشرق األرض ومغرهبا جينّد جيشاً عظيماً من‬
‫أشجع فرسانه‪ ،‬ثم يقوم بتلك الرحلة الغريبة‬
‫يرافقه اخلضر عليه ال��س�لام‪ ،‬فيعرب منطقة‬
‫الظلمات‪ ،‬واألرض املفروشة بالزمرد واليواقيت‬
‫إىل أن يقابل شاباً يرتدي ثياباً بيضاء رافعاً‬
‫وجهه إىل السماء ال يريم وقد وضع يديه على‬
‫فمه‪ ،‬فيعطيه الشاب حجراً ثم يقول له ‪(( :‬خذه‬
‫يا ذا القرنني‪ ،‬فإن شبع هذا شبعتَ‪ ،‬وإن جاع‬
‫جُعت )) (‪ )8‬فيعود ذو القرنني مع جنوده ليجد‬
‫أنّ ذلك احلجر يرجح على آالف األحجار إذا ما‬
‫وُزن معها‪ ،‬لكن كفته ترتفع أمام حفنة تراب‪،‬‬
‫عند ذلك يتقدم اخلضر ليفسر له اللغز األزيل‬
‫ال��ذي يقول إنّ عني اب��ن آدم ال تشبع إال من‬
‫الرتاب‪.‬‬
‫وميكن أن جند مثل تلك احلكايات واألساطري‬
‫منثورةً يف عددٍ كبريٍ من كتب الرتاث‪ ،‬إذ تقدم هذه‬
‫احلكايات أساليب طبيةٍ ودينيةٍ وفلسفيةٍ ينال‬
‫هبا اإلنسان أمنية اخللود‪ ،‬فقد تكون الوسيلة‬

‫نباتاً سحرياً‪ ،‬أو عيناً عجيب ًة‪ ،‬أو إكسرياً‪ ،‬أو‬
‫عزمي ًة من العزائم اإلهلية‪ ،‬و لكنّ أغلب النهايات‬
‫اليت تصل إليها تلك األساطري تؤكد أنّ اإلنسان‬
‫سيناله املوت وإن طال به العمر‪ ،‬وكأنّ أولئك‬
‫الذين نسجوا تلك األساطري أرادوا من ورائها‬
‫العظة واالعتبار بالنهاية‪ ،‬وتنبيه اإلنسان إىل‬
‫أن��ه سيصل إىل حمطة النهاية مهما أبطأ به‬
‫املسري‪.‬‬
‫ويف األدب احل��دي��ث التقط أدب���اء اخليال‬
‫العلمي يف الغرب والشرق فكرة املوت ليقدّموا‬
‫قصصاً حتمل مفاجآتٍ جديدةً وحلوال خيالي ًة‬
‫مبتكرةً تصل باإلنسان إىل اخللود الدائم أو إىل‬
‫ما يشبه اخللود ليعيش ألف ع��ا ٍم أو ألفني و‬
‫لرمبا يصل إىل املليون ع��ام‪ ،‬مستخدمني من‬
‫أجل ذلك وسائل ترتاوح بني الوسيلة الكهنوتية‬
‫واألس���ط���وري���ة وب�ي�ن ال��ن��ظ��ري��ة ال��ع��ل��م��ي��ة اليت‬
‫يستمدها الكاتب من ثقافته العلمية وخياله‬
‫اخلصب‪ ،‬ليحوكها يف قصة خيا ٍل‬
‫علمي تصور‬
‫ٍّ‬
‫بشراً خالدين يف ع��وامل مستقبليةٍ غالباً ما‬
‫تكون بعيدةً جداً‪.‬‬
‫أ‪ -‬يف األدب الغربي ‪ :‬إنّ احلديث عن اخللود‬
‫يف رواي���ة األدب الغربي يعيدنا إىل كتابات‬
‫سويفت يف «رحالت جوليفر» إذ يتحدث الكاتب‬
‫بطريقةٍ س��اح��رةٍ ع��ن بش ٍر خالدين يسمّيهم‬
‫«س�ترول��دب��رج��ز»‪ ،‬وه���ؤالء يعيشون يف مملكةٍ‬
‫متخيلةٍ تدعى «مملكة جل��ن��اج» و ق��د ُقضي‬
‫عليهم بأن يعيشوا إىل األبد‪ ،‬وملا أهنكهم الكرب‬
‫وتكاثرت عليهم العلل واألمراض مبرور السنني‬
‫مل جيدوا من الناس سوى اإلعراض والسخرية‬
‫واالح��ت��ق��ار‪ .‬وك��ع��ادة الغربيني ال��ذي��ن يعرّفون‬
‫ٌ‬
‫اإلنسان بأنه‬
‫خملوق يدفع الضرائب فقد ناقش‬
‫سويفت معاملة ال�دّول��ة هل��ؤالء بطريقة اهلمز‬
‫واللمز‪ ،‬فالدولة تعدّ أول��ئ��ك املعمَّرين‬
‫أمواتاً من الناحية القانونية‪ ،‬وال توفر هلم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪33‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إال رات��ب�اً تقاعدياً ضئيالً ال يكاد يكفي‬
‫جملرد البقاء على قيد احلياة !‪.‬‬
‫أمّا كتاب اخليال العلمي األكثر حداث ًة يف‬
‫الغرب فقد نظروا إىل الزمن بوصفه احملرك‬
‫األس����اس ال���ذي إذا م��ا مت � ّك��ن اإلن��س��ان من‬
‫السيطرة عليه فإنه سيستطيع امتطاء ظهره‬
‫والبلوغ به مرحلة اخللود‪ ،‬أو على األق ّل عمراً‬
‫مديداً يقدَّر باملئات أو املاليني من السنني‪.‬‬
‫فالسعي باجتاه اخللود ميرّ من بوابة الزمن‬
‫الذي ميكن تعديله أو حتويله عن مساره أو‬

‫‪34‬‬

‫التالعب خبيوطه و اجتاهاته املاضوية أو‬
‫احلاضرة للوصول إىل بش ٍر خالدين أو شبه‬
‫خالدين‪ .‬جند ذلك يف رواية «هناية األزلية»‬
‫آلسيموف إذ يقرّر األزليون العودة إىل املاضي‬
‫لتصحيح األوض��اع غري املالئمة يف احلاضر‬
‫بطريقةٍ مدروسةٍ بدقةٍ‪.‬‬
‫ويف رواي��ة «دوريّ��ة الزمن» لبول أندرسون‬
‫يعود أب��ط��ال ال��رواي��ة إىل ن��ي��وي��ورك يف عام‬
‫‪1965‬م ليجدوا أنّ سيبيون األفريقي ‪Scipio‬‬
‫‪ )9( Africanus‬قد ُقتل يف معركة «زاما‬
‫‪ »Zama‬على يد مساف ٍر زم�نيٍّ األم��ر الذي‬
‫ي���ؤدّي إىل انتصار هانيبعل على الرومان‬
‫وبالتايل تغيري مستقبل العامل جزئياً أو جذرياً‬
‫(‪.)10‬‬
‫ك��م��ا اب��ت��دع ال��غ��رب��ي��ون ن��ظ��ري��ة «العوامل‬
‫املتوازية» وقد تكون هذه العوامل يف احلقيقة‬
‫عاملاً واحداً يش ّكل انعكاساً لعاملنا الذي ندركه‬
‫م��ن خ�لال عيشنا ف��ي��ه‪ ،‬أو ع���وامل الهنائي ًة‬
‫متوازي ًة ّ‬
‫مستمر ال يتوقف أبداً ألهنا‬
‫باطرادٍ‬
‫ٍّ‬
‫– وببساطة ‪ -‬ع��وامل الهنائي ٌة‪ ،‬أو باألصحّ‬
‫عوامل الهنائية الوجود‪ .‬يشرح فريدريك براون‬
‫نظرية «األكوان املتوازية» بقوله ‪ (( :‬يوجد عددٌ‬
‫الهنائيٌّ من النقاط يف رأس دبوس‪ ،‬إذن يوجد‬
‫من النقاط يف رأس دبوس مبقدار ما يوجد يف‬
‫الكون الالهنائي‪ ...‬إذن يوجد عددٌ الهنائيٌّ من‬
‫األكوان املتعايشة‪ ،‬ومجيعها حقيقي ٌة وصحيح ٌة‬
‫بالتساوي‪ ...‬إنّ هذا يعين وجود مجيع األكوان‬
‫اليت ميكن إدراكها)) (‪)11‬‬
‫ويبدو أنّ أدباء اخليال العلمي الغربي قد‬
‫استفادوا من النظريات العلمية اليت ظهرت‬
‫وكأهنا منتزعة من رواياهتم وقصصهم فأعادوا‬
‫استخدامها بعد أن بعثت يف أنفسهم الثقة مبا‬
‫يكتبون‪ ،‬فنظرية «معاكس املادة» مثالً جعلت‬
‫كتّاب اخليال العلمي ينطلقون باستنتاجاتٍ‬
‫منطقيةٍ ليبنوا عليها أح��داث �اً روائ��ي � ًة ذات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫مصداقيةٍ ومعقوليةٍ أكرب من تلك اليت كانت‬
‫تعتمد اخل��ي��ال وح���ده جم���رداً م��ن النظرية‬
‫العلمية‪ .‬كما تل ّقف بعض السينمائيني الفكرة‬
‫ذاهتا وبنوا عليها أحداث أفالمهم‪ ،‬ففي فيلم‬
‫«الشبيه» جل�يري وسيلفيا أن��درس��ون يعود‬
‫رواد الفضاء – ظاهرياً – من مهمةٍ فضائية‬
‫ويستمرون يف حياهتم اليومية والعائلية‪ ،‬وما‬
‫يلبث أن يتكشف يف هناية الفيلم أنّ هؤالء قد‬
‫أتوا من كوكبٍ‬
‫«معكوس» بينما ذهب أشباههم‬
‫ٍ‬
‫األرضيني إىل الكوكب الشبيه أيضاً (‪.)12‬‬
‫من هنا جند أنّ أدباء النوع يف الغرب قد‬
‫انطلقوا يف موضوع اخللود فكتبوه يف البداية‬
‫بصورةٍ فنتازيةٍ غري معللةٍ أو مدعّمةٍ باحلجج‬
‫املنطقية‪ ،‬وما لبثوا أن توسعوا فيه حماولني‬
‫التحايل على املنطق ملساعدهتم يف بناء قصة‬
‫خيالٍ‬
‫علمي أكثر معقولي ًة‪ ،‬ولكنهم فوجئوا‬
‫ٍّ‬
‫فيما بعد بأنّ ما قالوه كان صحيحاً أو قريباً‬
‫إىل الصحة علمياً فسارعوا إىل استثمار تلك‬
‫النظريات اليت تبنّت أقواهلم يف بناء أعمالٍ‬
‫أدبيةٍ أكثر رصان ًة ونضجاً‪.‬‬
‫رغم ذلك فإنّ اخللود احملض للبشرية مل‬
‫يكن ليأخذ الكمّ األك�بر من رواي��ات اخليال‬
‫العلمي يف الغرب مقارن ًة بتلك ال�تي تصور‬
‫اإلنسان يف حالةٍ أقرب إىل اخللود‪ .‬وقد بدت‬
‫صورة اإلنسان اخلالد يف الرواية الغربية تبعث‬
‫على السأم وامللل لطول احلياة اليت لن يكون‬
‫هلا جدوى إن مل تنتهِ بثمرة املوت‪ ،‬تلك الثمرة‬
‫اليت تبدو يف مثل هذه احل��االت أفضل ٍّ‬
‫حل‬
‫ميكن لإلنسانية أن تعثر عليه وكأنّ اإلنسان‬
‫ذا اخللية املربجمة على املوت يكره هو اآلخر‬
‫مسألة اخللود الذي ال هناية له وإن سعى حثيثاً‬
‫باجتاهه‪ .‬يقول غاتينيو‪ ...(( :‬أمّ��ا اخللود‬
‫الصايف احلقيقي فهو وسيل ٌة أكثر فعالي ًة‪،‬‬
‫ال جندها كثرياً يف مؤلفات اخليال العلمي‪،‬‬
‫لكن السعي حنو اخللود يش ّكل موضوعاً يرتدّد‬

‫ظهوره لدى كافة املؤلفني تقريباً)) (‪)15‬‬
‫ب ‪ -‬يف األدب ال��ع��رب��ي ‪ :‬انتقلت فكرة‬
‫اخللود إىل األدب العربي احلديث ألول مرةٍ‬
‫عرب كتابات األدي��ب ال��راح��ل توفيق احلكيم‬
‫الذي كتب قصة «يف سنة مليون» فتخيّل فيها‬
‫اإلنسان وقد أصبح خالداً بعد أمدٍ طوي ٍل من‬
‫احلضارة‪ ،‬وإذا به بعد مليون ع��ا ٍم قد نسي‬
‫أنه كان ميوت يف األزم��ان املاضية‪ .‬وعندما‬
‫يعثر أحد العلماء على مججمةٍ إلنسانٍ ميتٍ‬
‫يستنتج بالدليل القاطع أنّ اإلنسان كان ميوت‬
‫يف العهود الغابرة‪ ،‬لكنّ علماء عصره يرفضون‬
‫ه��ذا الدليل ويسفهونه‪ ،‬وم��ا تلبث أن تنزل‬
‫صاعق ٌة على أحد األشخاص عندهم فتقتله‪،‬‬
‫ومن ثم تستأنف عجلة املوت دورهتا من جديد‬
‫بعد أن توقفت آلالف السنني‪.‬‬
‫وال ميكن أن تكون قصة احلكيم مستمدةٌ‬
‫كلها م��ن قصص وح��ك��اي��ات ال�ت�راث العربي‬
‫إذ ال نلمح فيها عيناً للخلود أو إكسرياً‪ ،‬وال‬
‫عزمي ًة من العزائم السحرية أو الروحية‪ ،‬بل‬
‫إنّ اإلنسان هو الذي أجنز خلوده بنفسه عرب‬
‫مراحل زمنيةٍ زاخرةٍ بالعلم واإلجنازات التقنية‬
‫املرتاكمة‪ .‬وهذه هي الثيمة الرئيسة اليت ترتكز‬
‫عليها فكرة اخللود يف األدب الغربي‪ ،‬غري أنّ‬
‫الباعث الديينّ لدى توفيق احلكيم وفطرته‬
‫اإلنسانية أبت إال أن تظهر يف هناية القصة‬
‫لتربهن على أنّ اإلنسان فانٍ وليس خالداً وأنّ‬
‫«ك ّل من عليها فانٍ » إن عاجالً أم آجالً (‪.)14‬‬
‫ومي��زج طالب ع��م��ران ب�ين اخل��ل��ود وبني‬
‫ال��ط��اق��ة احل��ي��وي��ة ل�لإن��س��ان فيجعل أبطال‬
‫قصصه يتوصلون إىل حتقيق حلم البشرية يف‬
‫حتويل املادة إىل طاقةٍ الهنائيةِ السرعة وليس‬
‫هلا حدود‪ ،‬ثم جيمعون هذه الطاقة للعودة هبا‬
‫جمدداً إىل احلالة املادية‪ ،‬وهبذه التقنية يتحول‬
‫اإلنسان املادي إىل كائنٍ ذي طاقةٍ صرفةٍ‬
‫قادرةٍ على اجتياز كل احلواجز‪ ،‬وهذه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪35‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫السرعات قد تتجاوز سرعة الزمن نفسه‬
‫لتصل باإلنسان إىل مرتبةٍ قريبةٍ من اخللود‪،‬‬
‫أو على األق��ل تصله حب��ض��اراتٍ مت ّكنت من‬
‫إجياد حلولٍ ملشكلة املوت عن طريق التحول‬
‫إىل طاقة‪ .‬لكن وكما رأينا عند احلكيم فإنّ‬
‫الوازع الدّيين عند عمران مينعه من أن مينح‬
‫اخللود ألي أحدٍ من أبطال قصصه فيجعل‬
‫تلك الكائنات مت��وت عندما تريد هي ذلك‬
‫رغب ًة يف الراحة األبدية‪ ،‬فاملخلوقات الفضائية‬
‫متوت عندما تشعر أهنا ال تريد االستمرار‬
‫يف العطاء من أجل جمتمعاهتا‪ ،‬عندها تبدأ‬
‫أج��س��اده��ا ب��اهل��م��ود وال��ت�لاش��ي تدرجيياً‪.‬‬
‫ك��ذل��ك جن��د الكويتية طيبة إب��راه��ي��م يف‬
‫روايتها «ظالل احلقيقة» متزج بني التقمص‬
‫وحت �وّل امل��ادة إىل طاقةٍ صرفةٍ‪ ،‬األم��ر الذي‬
‫يؤدي إىل ظهور اإلنسان يف هيئاتٍ خمتلفةٍ يف‬
‫أزمانٍ و شخصياتٍ متباينةٍ‪ ،‬فالطفلة «آدي»‬
‫يف الرواية هي يف احلقيقة أمُّ أمِّها‪ ،‬كما كانت‬
‫من قبل أم�براط��وراً للنساء وق��ائ��داً فرنسياً‬
‫أعدم خليانته‪ ،‬ثم إهنا إنسان فضائي يعيش‬
‫على كوكبٍ آخر يُدعى الكوكب «سيم»‪.‬‬
‫أمّ����ا ال��ك��ات��ب حم��م��د احل����اج ص���احل فقد‬
‫اس��ت��خ��دم ف��ك��رة التقمص م��ن أج��ل اخللود‬
‫الروحي واجلسدي ألبطال قصته «الظلمة‬
‫م��رةً ثانية» فبطل القصة حيكي عن عامله‬
‫وهو حمجو ٌز يف رحم أمه املظلم‪ ،‬وهكذا وبلغةٍ‬
‫رمزيةٍ سريعةٍ يكرب اجلسد ال��ذي خ��رج إىل‬
‫احلياة ليتزوّج «ن�وّار» الفتاة اليت هربت معه‬
‫رغماً عن أهلها‪ ،‬لكن وبطريقةٍ «سوريالية»‬
‫تقبض السلطة عليهما مبساعدة أحد الوشاة‬
‫املخربين‪ ،‬فيغتصب أحد العناصر زوجته «نوّار»‬
‫أمام عينيه‪ ،‬بينما حيكم عليه القاضي باملوت‬
‫شنقاً ‪ (( :‬قال الواشي الذي وشى بي ‪:‬‬
‫ سأقتلك تسع مرّاتٍ وكلما وُلدت قتلتك‬‫من جديد‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫قلت له وأنا أمتلّى وجهه الثعبانيّ الشاحب‪:‬‬
‫ أنت قات ٌل تافهٌ‪.‬‬‫ك���ان أح���د ال��ط��ح��ال��ب ال���ذي���ن حيرسون‬
‫�دس‪ .‬ل��ك�نّ احملكمة تبدّت‬
‫م��ؤخ��راهت��م مب��س� ٍ‬
‫أكثر عدال ًة فقد قضت بشنقي مرةً واحدةً ))‬
‫(‪ )15‬لكن وما إن تن ّفذ احملكمة أمر الشنق‬
‫وينضغط احلبل على عنقه حتى يتحرر البطل‬
‫من جسده ليستقر يف جسد زوجته نوّار اليت‬
‫محلت سفاحاً من اجمل��رم ال��ذي اغتصبها‪.‬‬
‫وهكذا تدور احليوات يف هذه القصة بدون‬
‫هنايةٍ وبطريقةٍ حلزونيةٍ أشدّ تعقيداً من تلك‬
‫اليت كتبت هبا طيبة إبراهيم روايتها مع أننا‬
‫نلمح من هناية القصة والرواية معاً أث��راً أو‬
‫سبباً سيقطع تلك الطريقة املتهافتة للخلود‪،‬‬
‫واضح متاماً‬
‫وإن ظ ّل ذلك األثر باهتاً وغري‬
‫ٍ‬
‫لغموض فكرة التقمص ذاهتا وبُعدها عن العلم‬
‫واملنطق‪.‬‬
‫ويف قصة «العقل املدبِّر» للكاتب السوداني‬
‫مج��ال عبد امللك مي��وت الدكتور حسيب يف‬
‫عامه الثمانني‪ ،‬فيقرر صديقه الدكتور شريف‬
‫زجّ���ه يف زم���رة اخل��ال��دي��ن‪ ،‬وذل���ك باحلفاظ‬
‫على رأس��ه فقط مغطساً بآنية األوكسجني‬
‫والفيتامينات والغلوكوز‪ ...‬موصوالً بداراتٍ‬
‫إلكرتونيةٍ متدّه مبا حيتاج من طاقةٍ‪ .‬وكعادة‬
‫املشرفني على املبنى العلمي للخالدين يف‬
‫إط�ل�اق أمس���اء رم��زي �ةٍ على اخل��ال��دي��ن فإنّ‬
‫الدكتور شريف يسمّي صديقه باالسم «م‪ .‬ب‬
‫‪ »81‬لكنه يفاجأ أنّ الدكتور حسيب يرفض‬
‫هذه التسمية وذلك بظهور عالماتٍ حيويةٍ‬
‫على الرأس املنقوع يف اآلنية املذكورة‪ ،‬ثمّ تكون‬
‫املفاجأة الثانية عندما يبدأ الدكتور حسيب‬
‫باستعادة ذكرياته القدمية مع الفتاة «بدور»‬
‫اليت استهوت قلبه أيام الصبا فكبح عاطفته‬
‫جتاههها يف ذلك الزمن ألسبابٍ كان يراها‬
‫علمي ًة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫وبعد سنني من وجود الدكتور حسيب يف‬
‫عامل اخلالدين تدخل فتاةٌ مجيل ٌة إىل قاعة‬
‫اخلالدين فيكتشف اخلالد «م‪ .‬ب ‪ »81‬أنّ‬
‫ال��ف��ت��اة ه��ي يف احلقيقة ح��ف��ي��دة حمبوبته‬
‫القدمية «ب��دور» فيضطرب ال��رأس وميتصّ‬
‫الكثري من الطاقة‪ ،‬ثم ترتسم بقع ٌة مضيئ ٌة‬
‫على األرض باللون األمحر والربتقايل‪ .‬ويدرك‬
‫العلماء أنّ البقعة إذا ما حتوّلت يف اخلطوة‬
‫التالية إىل اللون األزرق ف��إنّ املبنى بأكمله‬
‫سوف ينفجر لذا فإهنم يقررون نزع أنابيب‬
‫التغذية وقطع احلياة عن الدكتورحسيب‪ ،‬لكنّ‬
‫الفتاة تصرخ هبم ومتنعهم من فعل ذلك‪ ،‬ثم‬
‫هترع إىل الدكتور حسيب فتحدثه بلطفٍ ومودةٍ‬
‫فتختفي الدوائر امللونة تدرجيياً لريتفع حلنٌ‬
‫ملوسيقا «كونشريتو» يعربعن السعادة واملرح‬
‫شاب‬
‫وترتسم جمسّمات «هيلوغرافية» ملشهد‬
‫ٍّ‬
‫و فتاةٍ ومها يرقصان خبفةٍ وفرح‪...‬‬
‫ويف هذه القصة أيضاً نلمح خلوداً ناقصاً‬
‫ميكن أن ينتهي بظهور دوائر ملونةٍ ترمز إىل‬
‫درجة اخلطر الذي تعرض له مبنى اخلالدين‪،‬‬
‫فإذا ما انفجر ذلك املبنى يف ظرف ما فإنّ‬
‫اخلالـديـن لـن يعـودوا كـذلـك أبـداً‪ ،‬هلـذا فإنّ‬
‫قصـة «العقل املدبّـر» تعـود هـي أيضاً إلـى‬
‫حقـل احملاولة يف الكتابة العربية للبحث عن‬
‫اخللود الصايف فتبلغ عتبته دون أن تلج فيه‪.‬‬
‫اخللود من قبل فإننا جند قلّـ ًة من الكتاب‬
‫الغربيني أيضاً قـد قرّر خلـود اإلنسان دون‬
‫منغصاتٍ أو ع��وائ��ق‪ ،‬فاخللود احمل��ض نادرٌ‬
‫يف اآلداب اإلنسانية باعتبار ما سيؤول إليه‬
‫البشر على وجه احلقيقة من حتمية املوت‪.‬‬
‫لكنّ بعض كتاب اخل��ي��ال العلمي تعدَّوا‬
‫بأبطاهلم ح��دود التجربة م��ن أج��ل اخللود‬
‫فجعلوهم ينجحون يف احمل��اول��ة لريصدوا‬
‫املفارقات اليت ستحدث لإلنسان املربمج على‬
‫الفناء إذا ما تسنّى له اخللود‪ ،‬يقول حممد‬

‫جنيب التالوي مقارناً قصة اخللود يف األدب‬
‫العربي مع قرينتها العربية ‪ (( :‬التناول خيتلف‬
‫متاماً حيث إنّ كتّابنا وقفوا عند حدود احملاولة‬
‫ومل يتعدَّوها‪ ،‬بينما جند األوروبيني بدؤوا من‬
‫حيث انتهينا‪ ،‬فتجارهبم ناجح ٌة وحتققت‪ ،‬ثم‬
‫رص��دوا ما تر ّتب على هذا النجاح بطريقةٍ‬
‫وجدانيةٍ أو بطريقةٍ ساخرةٍ‪.)16( )) .‬‬
‫لكننا جند ويف كال األدبني أنّ قصص الزمن‬
‫واخل��ل��ود مت ّثل اس��ت��م��راراً لتجلياتٍ وأحال ٍم‬
‫إنسانيةٍ قدميةٍ حتاول الصمود – ولو باخليال‬
‫ أمام الفناء واملوت‪ .‬ومع أنّ بطل القصة أو‬‫الرواية يكون فرداً واحداً فإنه يف النهاية مي ّثل‬
‫اإلنسانية مجعاء يف سياق الدّور الذي يسند‬
‫إليه أو يقوم به‪ ،‬فإذا ما ُكتب له النجاح فإنّ‬
‫القارئ لن يشعر بالسعادة لنجاح البطل فرداً‬
‫بقدر سعادته لوصول اإلنسانية مجيعاً ملا‬
‫كانت تطمح إليه عرب الزمان الطويل‪ .‬و بسببٍ‬
‫من هذه العاملية فإنّ املتلقي لن يشعر بفارقٍ‬
‫كبريٍ بني الشخصيات ال�تي تقدّمها الرواية‬
‫العربية أو الغربية هب��ذا اخلصوص ما دام‬
‫كالمها جيسد مهّاً إنسانياً مشرتكاً‪.‬‬
‫• الطوبائيات‪ :‬اُشتقـت لفظة «طوبائية»‬
‫من الكلمة الالتينية «يوتوبيا ‪ »Utopia‬وهي‬
‫تعين «املكان احلسن» أو «مستحيل الوجود»‬
‫وال خيفى أنّ الكلمة حتمل توري ًة ومشاكس ًة‬
‫يف املعنى‪ ،‬وكأنّ ذلك املكان احلسن يوجد يف‬
‫الالمكان أيّ إنه غري موجودٍ على اإلطالق‪.‬‬
‫وتنقسم الطوبائية إىل نوعني رئيسني مها‬
‫‪:‬‬
‫ً‪ -1‬الطوبائية الفلسفية‪.‬‬
‫ً‪ -2‬الطوبائية األدبية‪.‬‬
‫ً‪ -1‬الطوبائية الفلسفية ‪ :‬و يكون الغرض‬
‫منها تبيان األسس الفلسفية والسياسية‬
‫اليت تقوم على أساسها املدن الفاضلة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪37‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اليت حتقق لساكنيها أفضل ش��روط العيش‬
‫على اإلطالق‪ .‬ومعظم من كتب يف هذا النوع‬
‫م��ن الطوبائيات ه��م م��ن الفالسفة الكبار‬
‫وأشهرهم أفالطون يف كتاب (اجلمهورية)‬
‫والفارابي يف (آراء أه��ل املدينة الفاضلة)‪.‬‬
‫وتتميز ه��ذه الطوبائيات بأهنا تبنى على‬
‫أسس منطقيةٍ وفلسفيةٍ تعتمد مبدأ احملاكمة‬
‫ٍ‬
‫العقلية واستنتاج األحكام من املقدمات اليت‬
‫تبيّن السياسة املثالية اليت ينبغي اتباعها‪،‬‬
‫فجمهورية أفالطون مثالً تنطلق من مسلماتٍ‬
‫أرب � ٍع ال ميكن االستغناء عن إحداها إذ هي‬
‫الركائز ال�تي تنبين عليها الدولة الفاضلة‪،‬‬
‫يقول ‪ (( :‬الدّولة إذا حسُن تنظيمها كاملة‬
‫الصالح‪ ،‬وإذا كانت صاحل ًة فهي‪ ،‬و ال بدّ‪،‬‬
‫حكيم ٌة شجاع ٌة عفيف ٌة عادل ٌة‪ .‬فإذا حسبنا‬
‫فضيلتها ع��ب��ارة ع��ن احل��ك��م��ة والشجاعة‬
‫وال��ع��ف��اف‪ ،‬ف��إ ّن��ا إذا وج��دن��ا ث�لاث� ًة م��ن هذه‬
‫مت ّكنا‪ ،‬بواسطتها‪ ،‬من اكتشاف رابعةٍ‪ ،‬فحكمة‬
‫ال��دول��ة تستقرّ يف طبقة القضاة واحلكام‬
‫القليلة ال��ع��دد‪ ،‬وتستقرّ شجاعة ال��دول��ة يف‬
‫املساعدين واجلنود‪ .‬وهي تقوم بقدرهم قدراً‬
‫صحيحاً‪ ...‬فبعد إخ���راج ال��ث�لاث‪ .‬احلكمة‬
‫والشجاعة والعفاف بقيت الرابعة‪ ،‬وهي تؤول‬
‫إىل تأصّل الثالث املذكورة يف جسم الدولة‬
‫وصيانتها‪ .‬فهي‪ ،‬و ال بدّ‪ ،‬العدالة‪.)17( )).‬‬
‫كما عاجل الفارابي يف (آراء أهل املدينة‬
‫الفاضلة) مسألة السياسة يف الدولة ووضع‬
‫شروطاً للحكم املثايل‪ ،‬وحدد الصورة الكاملة‬
‫اليت جيب أن مت ّثل األمنوذج األمثل لشخصية‬
‫الرئيس أو احلاكم لتلك الدولة‪ ،‬كما انتقد‬
‫السياسات اخلاطئة ال�تي تنتهجها الدّولة‬
‫الفاسدة أو م��ا مسّ��اه��ا املدينة اجلاهلة أو‬
‫الفاسقة‪ .‬أمّ��ا غاية ال �دّول��ة الفاضلة عند‬
‫الفارابي فهي نيل السعادة ال�تي هي اخلري‬
‫األمسى املطلوب لذاته‪ ،‬فليس يفضلها شيءٌ‬

‫‪38‬‬

‫آخر ميكن أن يناله اإلنسان‪.‬‬
‫وال خيفى على القارئ تأثر الفارابي يف‬
‫نظريته الفلسفية تلك ب����اآلراء واألخ�ل�اق‬
‫اليت جاءت هبا الشريعة اإلسالمية‪ ،‬ومع أنّ‬
‫«اجلمهورية» و «آراء أهل املدينة الفاضلة»‬
‫يصبّان يف جم��رىً واح �دٍ ف��إنّ هناك فروقاً‬
‫ش��اس��ع � ًة ب�ي�ن امل��دي��ن��ت�ين أو اجلمهوريتني‬
‫الفاضلتني ل��دى أف�لاط��ون و ال��ف��اراب��ي‪ ،‬إذ‬
‫اعتمد أفالطون على املنطق الفلسفي البارد‬
‫فقد ب��دت مجهوريته يف كثريٍ م��ن األحيان‬
‫وحشي ًة وشديدة القسوة‪ ،‬فأفالطون ال يتورّع‬
‫عن انتهاك حرمة اإلنسانية ب��إذالل العبيد‬
‫والفالحني‪ ،‬وإباحة النساء للجنود الشجعان‪،‬‬
‫وت���رْك امل��رض��ى والضعفاء فريس ًة للموت‪،‬‬
‫وعندما طلب أدمينيس (‪ )18‬من سقراط ‪-‬‬
‫يف كتاب اجلمهورية‪ -‬أن يبني هل يُستطاع‬
‫تطبيق تلك النظم القاسية ((‪ ...‬فأجابه‬
‫س��ق��راط ب���أنّ غ��رض��ه اخل���اص تبيان نظام‬
‫الدولة الكاملة سعياً وراء الغرض املقصود‬
‫منها‪ ،‬وهو اكتشاف طبيعة العدالة‪ .‬أمّا إمكان‬
‫إنشاء دولةٍ كهذه بالفعل فهو مسأل ٌة أخرى‪)) .‬‬
‫(‪ )19‬باملقابل فإنّ مدينة الفارابي كانت أكثر‬
‫ح��رارةً وأدف��أ حضناً لقاطنيها من مجهورية‬
‫أف�لاط��ون إذ يشدّد الفارابي على أن يكون‬
‫احلاكم رحيماً بالرعية عطوفاً عليها مهتمّاً‬
‫بشؤوهنا ومصاحلها وإال فإنه يُستبعد عن‬
‫منصب احلاكم‪.‬‬
‫ومن الواضح أّن هذا النوع من الطوبائيات‬
‫ه��و ع��ب��ارة ٌع���ن حب��ث ٍيف أس��ال��ي��ب احلكم‬
‫وال��س��ي��اس��ة خ���اص��� ًة‪ ،‬ودراس����� ٌة يف العالئق‬
‫االجتماعية واالقتصادية واالخالقية بغية‬
‫ال��وص��ول إىل أف��ض��ل السبل ال�تي ميكن أن‬
‫تصل باجملتمع اإلنساني إىل السعادة الكاملة‬
‫أو ال��ع��دال��ة املطلقة‪ ،‬تلك ال��ع��دال��ة ال�تي مل‬
‫بشري حتى اليوم‪...‬‬
‫يتوصل إليها أيّ جمتم ٍع‬
‫ٍّ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ -1‬جملة « املعلم العربي « – العدد (‪ – )2 ،1‬سنة ‪2005‬م ‪.‬‬
‫‪ -2‬جملة « عامل الفكر « – العدد ‪ – 4‬عام ‪1988‬م ‪.‬‬
‫‪ -3‬قصص اخليال العلمي – ص‪.100‬‬
‫‪ -4‬اخليال العلمي أدب القرن العشرين – ص‪.79،78‬‬
‫‪ -5‬زمن القبّعات املنتفخة واأللسن ّ‬
‫الطويلة – د‪ .‬طالب عمران – دار الفكر – دمشق –‬
‫الطبعة األوىل – ‪1999‬م ‪ -‬ص‪.79‬‬
‫‪ -6‬كلكامش اإلنسان و اخللود – عبد احلكيم الذنون – املنارة – دمشق‪ ،‬بريوت – ‪1996‬م‬
‫ ص‪.128‬‬‫‪ -7‬هناية األرب – اجلزء احلادي عشر – ص‪.310‬‬
‫‪ -8‬نفسه – ص‪.312‬‬
‫‪ -9‬سيبيون األفريقي ‪ 183 – 234 ( Scipio Africanus‬ق‪.‬م ) ‪ :‬أحد أعظم القادة‬
‫الرومان‪ ،‬حصل على لقب العائلة احلاكمة يف روما بعد انتصاره على القرطاجيني يف‬
‫معركة « زاما ‪ »Zama‬اليت أهنت املرحلة الثانية من احلرب القرطاجية مع الرومان عام‬
‫‪ 202‬ق‪ .‬م ‪.‬‬
‫‪ -10‬انظر أدب اخليال العلمي – ص‪.134‬‬
‫‪ -11‬نفسه ‪ -‬ص‪.137‬‬
‫‪ -12‬انظر كتاب « هل توجد حياة يف الفضاء اخلارجي ؟ « – بيرت فرييل – تر ‪ :‬خالد‬
‫حداد – الطبعة األوىل‪1987‬م – دار الكندي – محص – سورية ‪.‬‬
‫‪ -13‬أدب اخليال العلمي – ص‪.133‬‬
‫‪ -14‬جوهرياً‪ ،‬ال تتناقض فكرة اخللود مع الوحدانية يف اإلسالم‪ ،‬بل جند أنّ البيان اإلهلي‬
‫يف القرآن الكريم واألحاديث الشريفة يؤ ّكد على خلود اإلنسان يف العامل اآلخر سواءً كان‬
‫مؤمناً أم كافراً‪ ،‬لكن شتان ما بني خلود اهلل عزّ وج ّل وبني خلود اإلنسان‪ ،‬فاهلل تعاىل خالدٌ‬
‫بنفسه أمّا اإلنسان فهو خم َّلدٌ بغريه‪ ،‬أي خالدٌ بتخليد اهلل له ‪.‬أمّا يف العامل الدنيوي فإنّ‬
‫األمر يقتصر على احلياة القصرية أو املعمَّرة اليت ال بدّ هلا أن تنتهي باملوت‪ ،‬املوت الذي‬
‫يشكل جسراً ضرورياً للعبور إىل اخللود ‪.‬‬
‫‪ -15‬احلب عام ‪ – 2060‬ص‪.71‬‬
‫‪ -16‬قصص اخليال العلمي يف األدب العربي – ص‪.77‬‬
‫‪ -17‬اجلمهورية – تر ‪ :‬حنا خباز – دار أسامة – دمشق‪ ،‬بريوت ‪ -‬ص‪.113،112‬‬
‫‪ -18‬أدمينيس ‪ :‬أخو أفالطون ‪.‬‬
‫‪ -19‬اجلمهورية – ص‪.147‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪39‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فهم علمي جديد‬
‫للمنظومات الحية‬
‫عزيزة السبيين‬

‫قدم الفيزيائي النمساوي “إرفني شرودينغر” يف كتابه (ما هي‬
‫احلياة؟) فرضيات واضحة متماسكة حول البنية اجلزيئية للمورثات‪.‬‬
‫األمر الذي شجع علماء البيولوجيا على التفكري باملورثات بطريقة‬
‫مبتكرة‪ ،‬ففتحوا ميداناً جديداً للعلم هو “البيولوجيا اجلزيئية”‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ويف كتاب (فهم علمي جديد للمنظومات‬
‫احل��ي��ة) يقدم لنا امل��ؤل��ف (فريتجوف كابرا)‬
‫النماذج اإلرشادية من النظرة اآللتية إىل العامل‬
‫حنو النظرة اإليكولوجية من خ�لال «الرؤية‬
‫املنظوماتية للحياة» معتمداً على الرتاث الفكري‬
‫للتفكري املنظوماتي ومناذج ونظريات املنظومات‬
‫احلية ال�تي تطورت خ�لال العقود األوىل من‬
‫القرن (العشرين) يف إطار مفهومي للرابطة بني‬
‫اجملتمعات اإليكولوجية واجملتمعات اإلنسانية‪.‬‬
‫فكل منهما منظومات حية تظهر مبادئ التنظيم‬
‫األساسية ذاهتا‪ .‬كما أهنا شبكات مغلقة تنظيمياً‪،‬‬
‫لكنها مفتوحة على دف��ق ال��ط��اق��ة وامل����وارد‪،‬‬
‫وبنياهتا حمددة بتوارخيها وتغرياهتا البنيوية‪،‬‬
‫وهي ذكية نظراً لألبعاد االستعرافية املتأصلة‬
‫يف س��ي�رورات احل��ي��اة‪ .‬وي��ش�ير إىل أن هناك‬
‫الكثري من الفروق بني املنظومات اإليكولوجية‬
‫واجملتمعات اإلنسانية‪ .‬فليس مثة وعي ذاتي يف‬
‫املنظومات اإليكولوجية‪ ،‬وال لغة‪ ،‬وال وعي‪ ،‬وال‬

‫ثقافة‪ ،‬ولذلك ليس مثة عدالة أو دميقراطية‪،‬‬
‫وال جشع أو خ��داع أيضاً‪ .‬فال نستطيع تعلم‬
‫أي ش��يء عن ه��ذه القيم والعيوب اإلنسانية‬
‫من املنظومات اإليكولوجية‪ .‬لكن ما نستطيع‬
‫تعلمه وجيب تعلمه منها هو كيف نعيش على‬
‫حنو مستدام‪ .‬فطوال أكثر من ثالثة مليارات‬
‫سنة من التطور نظمت املنظومات اإليكولوجية‬
‫يف الكوكب نفسها بطرق معقدة وحاذقة حبيث‬
‫تعظم استدامتها‪ .‬إن حكمة الطبيعة هذه هي‬
‫جوهر التوعية اإليكولوجية‪.‬‬
‫واعتماداً على فهم املنظومات اإليكولوجية‬
‫كشبكات صنع ذاتي وبُنى مبددة‪ ،‬ميكن صياغة‬
‫جمموعة من مبادئ التنظيم وهنتدي من خالهلا‬
‫لبناء جمتمعات إنسانية مستدامة‪ .‬أوهلا‪ :‬التواكل‬
‫وهو االعتماد املتبادل جلميع سريورات احلياة‬
‫على بعضها ‪،‬فسلوك كل عضو حي يف املنظومة‬
‫اإليكولوجية يعتمد على سلوك أعضاء‬
‫آخ��ري��ن‪ .‬ويعتمد جن��اح اجملتمع بأكمله‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪41‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫على جناح أعضائه املفردين يف الوقت نفسه‬
‫ال��ذي يعتمد فيه جن��اح كل عضو على جناح‬
‫اجملتمع ككل‪ .‬وهذا يعين أن النموذج األساسي‬
‫للحياة هو منوذج الشبكة أي أن العالقات بني‬
‫أعضاء اجملتمع اإليكولوجي هي عالقات ال‬
‫خطية تتضمن حلقات التلقيم الراجع املتعددة‬
‫املستويات‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬التدوير والطبيعة الدورية للسريورات‬
‫اإليكولوجية مبدأ هام يف اإليكولوجيا‪ .‬فحلقات‬
‫التلقيم الراجع يف املنظومات اإليكولوجية هي‬
‫املسالك اليت يتم يف سياقها تدوير متواصل‬
‫للمواد املغذية‪ .‬ولكوهنا منظومات مفتوحة‪ ،‬فإن‬
‫مجيع املتعضيات يف منظومة إيكولوجية تنتج‬
‫نفايات‪ ،‬لكن ما هو نفاية بالنسبة ألحد األنواع‬
‫احلية يعد غ��ذاء ل��دى ن��وع آخ��ر‪ ،‬حبيث تبقى‬
‫املنظومة اإليكولوجية ككل بال نفايات‪ .‬وقد‬
‫تطورت جمتمعات املتعضيات هب��ذه الطريقة‬
‫طوال مليارات السنني‪ ،‬مستمرة يف استخدام‬
‫وت��دوي��ر اجل��زي��ئ��ات امل��ع��دن��ي��ة نفسها واملياه‬
‫واهلواء‪.‬‬
‫والدرس الذي ينبغي للمجتمعات اإلنسانية‬
‫تعلمه يبدو واض��ح�اً‪ ،‬فالصدام الرئيسي بني‬
‫االقتصاد واإليكولوجيا ينجم عن حقيقة أن‬
‫الطبيعة دورية يف حني أن منظوماتنا الصناعية‬
‫خطية‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬الشراكة وهي مسة جوهرية للمجتمعات‬
‫املستدامة‪ ،‬فالتبادالت الدورية للطاقة واملوارد‬
‫يف املنظومات اإليكولوجية تكون مستدامة بفعل‬
‫التعاون الشامل‪ .‬فأوىل اخلاليا ذات النواة قبل‬
‫أكثر من ملياري سنة‪ ،‬استمرت يف احلياة على‬
‫األرض عرب املزيد من ترتيبات التعاون والتطور‬
‫املشرتك‪ .‬فالشراكة – أي امليل لالحتاد وتكوين‬
‫الروابط والعيش مع اآلخرين والتعاون – إحدى‬
‫العالمات املميزة للحياة‪.‬‬
‫أما يف اجملتمعات اإلنسانية‪ ،‬فريى املؤلف‬

‫‪42‬‬

‫أن ال��ش��راك��ة تعين الدميقراطية والتفويض‬
‫الشخصي‪ ،‬ألن كل عضو يف اجملتمع يلعب دوراً‬
‫هاماً‪ .‬وبالتأليف بني مبدأ الشراكة ودينامية‬
‫التغري والنمو‪ ،‬جيوز استخدام مصطلح «التطور‬
‫امل���ش�ت�رك»‪ .‬ويف ال��ش��راك��ة احلقيقية يتطور‬
‫الشريكان على حنو مشرتك‪ ،‬وهنا يشري املؤلف‬
‫إىل التوتر األس��اس��ي ب�ين حت��دي االستدامة‬
‫اإليكولوجية والطريقة اليت تبنى هبا جمتمعاتنا‬
‫احلالية‪ ،‬بني االقتصاد واإليكولوجيا‪ .‬إذ يشدد‬
‫االقتصاد على التنافس والتوسع والسيطرة‪،‬‬
‫بينما تشدد اإليكولوجيا على التعاون واحملافظة‬
‫والشراكة‪.‬‬
‫راب���ع���اً‪ :‬امل���رون���ة ت��ن��ج��م م���رون���ة املنظومة‬
‫اإليكولوجية عما حتتويه من حلقات تلقيم راجع‬
‫متعددة متيل إىل إع��ادة املنظومة إىل التوازن‬
‫حاملا حيدث احنراف عن املعيار الطبيعي نظراً‬
‫لشروط بيئية متغرية‪ .‬ومجيع املتغريات اليت ميكن‬
‫مالحظتها يف منظومة إيكولوجية تكون عرضة‬
‫للتقلب الدائم – ككثافة اجلماعات‪ ،‬ومتاحية‬
‫املواد املغذية‪ ،‬ومناذج الطقس‪ ،‬وإىل ما هنالك‪.‬‬
‫ومجيع التقلبات اإليكولوجية حت��دث ضمن‬
‫حدود حتمل مسموحة‪ ،‬لكن هناك على الدوام‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫خطر اهنيار املنظومة عندما تتعدى التقلبات‬
‫احلدود حبيث ال تستطيع املنظومة معادلتها‪،‬‬
‫ويصح هذا األم��ر يف اجملتمعات البشرية‪ .‬إذ‬
‫يعبّر نقص املرونة عن نفسه باإلجهاد الذي‬
‫يظهر عندما يُدفع واحد أو أكثر من متغريات‬
‫املنظومة إىل حدوده املتطرفة مما يولد صالبة‬
‫متزايدة عرب كامل املنظومة‪ .‬فاإلجهاد املؤقت‬
‫وج��ه أساسي من وج��وه احلياة لكن اإلجهاد‬
‫املمتد يكون مؤذياً ومدمراً للمنظومة‪ .‬كما يقرتح‬
‫مبدأ املرونة‪ ،‬أيضاً‪ ،‬اسرتاتيجية مماثلة لتسوية‬
‫املنازعات‪ ،‬ففي كل جمتمع‪ ،‬مثة على حنو دائم‬
‫تناقضات ونزاعات ال ميكن حلها لصاحل طرف‬
‫دون اآلخر‪ .‬وتشمل التوعية اإليكولوجية على‬
‫معرفة ب��أن كال ط��ريف ال��ن��زاع ميكن أن يكون‬
‫ذا أمه��ي��ة ويعتمد ذل��ك على ال��س��ي��اق‪ ،‬وبأن‬
‫التناقضات ضمن اجملتمع عالمات على تنوعه‬
‫وحيويته ولذلك فهي تسهم يف قابلية املنظومة‬
‫للحياة‪.‬‬
‫ً‬
‫خامسا‪ :‬التنوع‪ ،‬إن دور التنوع يف املنظومات‬
‫اإليكولوجية وث��ي��ق الصلة بالبنية الشبكية‬
‫للمنظومة‪ .‬فاملنظومة اإليكولوجية املتنوعة‬
‫تكون مرنة أيضاً‪ ،‬ألهنا حتتوي على أنواع حية‬

‫كثرية ذات وظائف إيكولوجية متداخلة ميكن‬
‫جزئياً استبدال إحداها بأخرى‪.‬‬
‫ويف املنظومات اإليكولوجية‪ ،‬يعد تعقيد‬
‫الشبكة نتيجة لتنوعها احليوي‪ ،‬ولذلك فإن‬
‫اجملتمع اإليكولوجي املتنوع هو جمتمع مرن‪،‬‬
‫ويف اجملتمعات اإلنسانية‪ ،‬ق��د يلعب التنوع‬
‫اإلثين والثقايف الدور ذاته‪ .‬يعين التنوع عالقات‬
‫خمتلفة ع��دي��دة أو م��ق��ارب��ات خمتلفة عديدة‬
‫للمشكلة نفسها‪ .‬واجملتمع املتنوع هو جمتمع‬
‫مرن وقادر على التكيف مع األوضاع املتغرية‪.‬‬
‫ولكن التنوع يعترب ميزة اسرتاتيجية فقط‪ ،‬يف‬
‫اجملتمع النابض باحلياة والذي تعززه شبكة من‬
‫العالقات‪ .‬أما إذا كان اجملتمع متشظياً إىل أفراد‬
‫وجمموعات منعزلة‪ ،‬فإن التنوع يصبح بسهولة‬
‫مصدراً للتحيز واخل�لاف‪ .‬ولكن عندما يعي‬
‫اجملتمع التواكل بني مجيع أعضائه فإن التنوع‬
‫يثري العالقات وبذلك يثري اجملتمع ككل وكل‬
‫عضو مفرد فيه‪ .‬ويف مثل هذا اجملتمع تسري‬
‫املعلومات واألف��ك��ار حبرية عرب الشبكة ككل‪،‬‬
‫وسوف يثري تنوع التأويالت وأمناط التعلم ‪-‬بل‬
‫حتى تنوع األخطاء‪ -‬اجملتمع بأكمله‪.‬‬
‫م��ن هنا‪ ،‬نستطيع ال��ق��ول إن «ك��اب��را» يرى‬
‫أن الفهم اجلديد للحياة‪ ،‬رمب��ا‪ ،‬يكون طليعة‬
‫التغري يف ال��ن��م��اذج اإلرش��ادي��ة واالن��ت��ق��ال من‬
‫النظرة اآللتية إىل العامل حنو نظرة إيكولوجية‬
‫بدأت تتخلل نسيج البحوث العلمية ومتتد إىل‬
‫األوساط العامة‪.‬‬
‫الكتاب‪ :‬شبكة احلياة‪ /‬فهم علمي‬
‫جديد للمنظومات احلية‬
‫تأليف‪ :‬فريتجوف كابرا‬
‫ترمجة‪ :‬معني رومية‬
‫الناشر‪ :‬وزارة الثقافة السورية‪/‬‬
‫دمشق ‪2009‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪43‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حذار أنه قادم ‪...‬‬

‫هناد شريف‬
‫ال أدري ما الذي أث��اره علي فجأة‬
‫حينما سألته ذلك السؤال العابر‪..‬‬
‫بل كاد يلطمين جبهاز حلام الكهرباء‬
‫يف وجهي فيحطم نصفه حتماً وهو ي��زأر من‬
‫جوفه بصوته احلاد احملتاج إىل إعادة صقله ‪.‬‬
‫ال تكرر هراءك مرة أخرى‪ ..‬التكرره‪..‬‬
‫ثم أوالني ظهره العريض املرصع مبجموعات‬

‫‪44‬‬

‫من أزرار السمع واحلساسية يف حركة ساخطة‬
‫وم��د ذراعيه الغليظتني ليعاود حل��ام نتوء يف‬
‫السيارة الصاروخية الرابضة قبالته‪.‬‬
‫لكين كررت اهلراء ‪:‬‬
‫ أمل أخلق مثل بقية املخلوقات؟‬‫بلى ‪..‬‬
‫ً‬
‫ألست كائنا يتحرك ويتزود بالطاقة ليعمل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حذار أنه قادم ‪...‬‬
‫وينتج؟‬
‫قال الصوت اخلارج من جوفه ‪ - :‬هذا هو‬
‫احلاصل بالفعل ‪..‬‬
‫وأنا مل أوجد إال منذ عام فحسب ؟‬
‫إنه لكذلك‪..‬‬
‫إذن ‪ ..‬مل��اذا مل تكن يل طفولة مثل بقية‬
‫الكائنات األرضية‪ ..‬األخرى‪ ..‬ملاذا محلت أعباء‬
‫الدنيا من أول دبيب يل على أرضها‪.‬؟‬
‫توقف أب��ي ‪ ..‬صانعي‪ ..‬عن حركته اآللية‬
‫واستدار حنوي يف غضب أهوج مريع‪ ..‬واقرتب‬
‫من وجهي وكل ثنية يف مفاصله املعدنية هتتز‬
‫وتصطك ببعضها البعض‪ ..‬وانطلق شريط‬
‫معلوماته جيمع رداً قاسياً لريميين ب��ه دون‬
‫رمحة‪..‬‬
‫ألنك لست مثلهم‪ ..‬لست على شاكلتهم‪..‬‬
‫فأنت كائن متفوق سام‪ ..‬من نسل اآلهلة أرباب‬
‫العقول االلكرتونية املفكرة‪..‬‬
‫على أن�ني أص��ررت ‪ - :‬كل ه��ذا المينع أن‬
‫تكون يل طفوليت‪ ..‬قال‪ :‬مستحيل‪ ..‬ألن تكوينك‬
‫خمتلف أيضاً والب��د أن توجد يف الدنيا دفعة‬
‫واح��دة‪ ..‬متحفزاً‪ ..‬مستعداً ألن تعمل‪ ..‬وهذه‬
‫هي ذرا النضج والكمال‪..‬‬
‫ماقيمة الكمال إذا كنت مرغماً على شحن‬
‫بطارييت الذرية مرة كل عام حتى أضمن بقائي‪..‬‬
‫ماقيمة الكمال إن أنا خالفت الطبيعة‪..‬‬
‫األقوياء يتحدون الطبيعة‪ ..‬يقهروهنا‪..‬‬
‫قلت مكابراً‪:‬‬
‫ بل أوثر االنطالق مع الطبيعة ال ضدها‪..‬‬‫أخ��رق‪ ..‬ثم أال تعرف أن وج��ودك ذات��ه فيه‬
‫تطوير للطبيعة وارتقاء هبا‪..‬‬
‫أنا ألعن يوم وجدت‪..‬‬
‫جمنون‪ ..‬أغرب عن وجهي‪ ..‬بعيداً‪ ..‬بعيداً‪..‬‬
‫واردف صيحته بركلة من قدمه اليسرى أطاحت‬
‫بي خارجاً‪ ..‬ألقت بي عرب السياج إىل اخلربة‬
‫املليئة بأكوام القمامة من بقايا علب الصفيح‬

‫وش��ق��ف ال��زن��ك وال��ن��ح��اس‪ ..‬وب����رادة احلديد‬
‫وامل��ع��ادن األخ���رى‪ ..‬ولكين حتاملت‪ ..‬فوقفت‬
‫وانطلقت من فوري إىل طرف املدينة الغربي‪..‬‬
‫حيث توجد غابة املتوحشني العفنة‪ ..‬وحيث‬
‫توجد سواها‪..‬‬
‫ب��دف��ع��ة حم��م��وم��ة س���رى ت��أج��ج��ه��ا يف أدق‬
‫توصيالت شبكيت األلكرتونية نبض ذلك الشيء‬
‫الغامض الذي ثبتوه يف مؤخرة رأسي املربع منذ‬
‫شهرين‪ ..‬وصرخ يف أعماقي ثبتوه يف مؤخرة‬
‫رأسي املربع منذ شهرين‪ ..‬وصرخ يف أعماقي‪..‬‬
‫وبال إرادة مين دفع بي حثيثاً لالنطالق يف قوة‬
‫القذيفة اجلاحمة عرب الطريق االسفليت‪..‬‬
‫والطريق االسفليت يقع على حافة املدينة‬
‫السكنية للمهندسني وال�تي تعد آخ��ر معاقل‬
‫اآلهلة غرباً‪ ..‬ويقود إىل منحدر صخري جتثم‬
‫قبالته‪ ..‬الغابة‪ ..‬كثيفة متشابكة بأشجارها‪..‬‬
‫تبدو للعيان كسد ق��امت‪ ..‬خميف‪ ..‬من الشبه‬
‫والروائح الكريهة‪..‬‬
‫والطريق عريض‪ ..‬له سياج على جانبيه حيد‬
‫هنره عما حييطه من تالل وأكوام غري ممهدة‪..‬‬
‫وملا كان إنشاؤه يرجع إىل زمن قديم الميكن‬
‫حتديده‪ ..‬هلذا فقد هجر‪ ..‬فهو اليقاس بنوعية‬
‫طرقنا احلالية املعلقة‪ ..‬واملتحركة‪ ..‬واجلوفية‬
‫يف باطن األرض أو حتت سطح املياه‪..‬‬
‫وأنا مل أتعود السري على الطرق اإلسفلتية‪..‬‬
‫فهي بدائية‪ ..‬مزعجة‪..‬‬
‫وأنا مل أعد حمموماً هكذا من قبل‪ ..‬فطائرتي‬
‫العمودية مها قدماي السريعتان‪ ..‬ولكن الشيء‬
‫املوضوع يف علبته املتأللئة واملثبت يف مؤخرة‬
‫رأسي بث نريانه الالفحة يف أحنائي يف أعمق‬
‫أع��م��اق��ي‪ ..‬فأخرجين ع��ن ط���وري‪ ..‬أفقدني‬
‫إدراك���ي‪ ..‬شتت معلوماتي املختزنة وأفقدها‬
‫قيمتها‪ ..‬شوش على شريط عقلي وخرباتي‪..‬‬
‫هذا الشيء املريع فيما ينتج عنه من‬
‫آثار على صغر حجمه‪ ..‬هذا القاسي يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪45‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حذار أنه قادم ‪...‬‬
‫حتكمه وسيطرته على كافة تصرفاتي‪ ..‬ترى‬
‫ماالغرض احلقيقي من تثبيته يف مؤخرة رأسي‪،‬‬
‫ويف خفية من القوم‪..‬‬
‫امسع‪ ..‬تعال‪ ..‬ارقد هنا‪ ..‬ال ليس هكذا‪..‬‬
‫بل على وجهك‪..‬‬
‫وتقدم اآلخ���ر‪ ..‬مرافق أب��ي‪ ..‬رف��ع مثقاب‬
‫الليزر بيده ذات االصبعني وأح���دث ب��ه تلك‬
‫الفجوة يف قفاي‪ ..‬مؤخرة رأس��ي‪ ..‬وكطبيعة‬
‫جنسي ال��س��ام��ي مل يصبين إح���داث الفجوة‬
‫بضرر‪ ..‬حتى ثبت مرافق أبي العلبة املتأللئة‬
‫وبداخلها الشيء يف الفجوة‪ ..‬وأج��رى بعض‬
‫التوصيالت بينها وب�ين شبكيت االلكرتونية‪..‬‬
‫وحينئذ‪ ..‬ماذا أقول‪ ،‬كيف أعرب‪..‬‬
‫لقد ردد شريطي املتكلم نغمة أجشة‪..‬‬
‫بشعة‪ ..‬جديدة على ذاكرتي‪..‬‬
‫آه‪ ..‬آه‪..‬‬
‫ووم��ض��ت خاليا أب��ي ومرافقه الضوئية‪..‬‬
‫واهتز بدنامها فاصطكت أجزاؤمها‪..‬‬
‫هل حتس أملاً‪ ..‬أعين‪ ..‬ماالذي حدث؟‬
‫إن��ه‪ ..‬إن الشيء ال��ذي وضعته‪ ..‬يدفع يف‬
‫أعماقي قوة شريرة‪..‬‬
‫توقف مرافق أبي عن الكالم‪ ..‬أطفأ مثقاب‬
‫الليزر ثم أوالن��ي ظهره وع��اد يتطلع خبالياه‬
‫الضوئية من خالل الفرجة يف أستار النافذة‬
‫رمبا للمرة العشرين‪ ..‬وتبعه أب��ي‪ ..‬وهتامسا‬
‫طويالً‪ ..‬وحني استدارا حنوي كانت جبهتامها‬
‫تطفان باألضواء القرمزية املتباينة الناجتة عن‬
‫تألق كامل خلاليامها العقلية‪..‬‬
‫اق�ترب م��راف��ق أب��ي م��ن م��رق��دي وأوم���أ إيل‬
‫بطريقة ذات مغزى‪:‬‬
‫دمدم أبي‪:‬‬
‫ التقاطعه‪ ..‬فقط انتبه ملا يقول‪ ..‬بينما‬‫تابع اآلخر‪:‬‬
‫‪ -‬أنت أول خملوق سام‪ ..‬من نسل اآلهلة‪..‬‬

‫‪46‬‬

‫ميتلك شيئاً جديداً مل حيصل على مثيله أحد‬
‫سواك‪ ..‬إنك أول من ميتلك اإلحساس‪..‬‬
‫اعرتضت‪ - :‬ومامعنى كلمة اإلحساس هذه؟‬
‫ال أدري ‪..‬ال أدري‪ ..‬سوف تعرفه‪ ..‬سوف‬
‫تنعم به وجتين الكثري من ورائه‪ ..‬هكذا قرأت يف‬
‫سجالت األقدمني كما قرأ عنه بعض العلماء‬
‫س����واي‪ ..‬وإن ح��رم جملسنا احل��اك��م حماولة‬
‫استخدامه ‪..‬‬
‫وملاذا حيرم استخدام‪..‬‬
‫عاد أبي إىل ضغطه علي ‪ /‬اصمت ‪ ..‬ليس‬
‫هذا من شأنك‪ ..‬غادرا احلجرة ليرتكاني وحدي‬
‫مع الشيء الغامض يف مؤخرة رأسي‪ ..‬اجتهت‬
‫أفكاري ألول مرة منذ مت تصنيعي وجميئي إىل‬
‫كوكب األرض – وجهة مغايرة ملعايري عقلي ذي‬
‫الثمانية عيارات خلية شعاعية‪ ..‬إن كلمات أبي‬
‫املتسلطة منطقية‪..‬‬
‫فالبد أن أحبث‪ ..‬واستفسر‪ ..‬وأفكر‪ ..‬ألن‬
‫األمر من صميم شؤوني وخصوصياتي‪ ..‬أجل‬
‫‪ ..‬ال مفر من ذهابي ف��وراً إىل املكتبة األهلية‬
‫ألقتحم بوسيلة ما تلك القاعة السرية ذات‬
‫املنفذ املغناطيسي املسحور واليت ال يؤمها سوى‬
‫العلماء من حاملي الشارات احلمراء املطرزة‬
‫بإطار ذهيب على شكل زهور اللوتس‪ ..‬وحتى‬
‫اطلع على حمتويات القاعة السرية من سجالت‬
‫وجملدات بالغة اخلطورة ‪ ..‬وذهبت‪ ..‬تسللت يف‬
‫محاية شارة محراء صرعت صاحبها‪..‬‬
‫حني بلغت القاعة متلكتين احلرية‪ ..‬من أين‬
‫أبدأ‪ ..‬ما العمل وسط كل هذا التيه من الصفوف‬
‫واألكوام من سجالت وأشرطة تسجيل وبطاقات‬
‫ما يكرر وأفالم تاريخ جمسمة‪ ..‬وغريها‪..‬‬
‫لكين على أي حال ب��دأت‪ ..‬غرقت إىل قمة‬
‫رأس��ي‪ ..‬غرقت وضعت‪ ..‬فقد استوعبت من‬
‫خالل قراءتي حقائق مرة شديدة القسوة‪..‬‬
‫غري أن الذي قضى على‪ ..‬حرك الشيء يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حذار أنه قادم ‪...‬‬
‫مؤخرة رأس��ي ففجره‪ ،‬طاقته القصوى تدمر‬
‫ق��درات��ي االلكرتونية ال��ذات��ي��ة‪ ..‬ك��ان خمطوطاً‬
‫قدمياً كتب بطريقة اآلل��ة الكاتبة ال�تي بطل‬
‫استعماهلا‪..‬‬
‫ص��ع��ق�ني ق����ول امل��خ��ط��وط ب����أن أج���دادن���ا‬
‫القدامى‪ ..‬أجدادنا الساميني من نسل اآلهلة‬
‫أرب��اب العقول االلكرتونية املفكرة‪ ..‬إمنا كانوا‬
‫يف امل��ب��دأ م��ن ابتكار وصنع ال��ق��ول احلثالة‪..‬‬
‫املتوحشني‪ ..‬وقرأت باملخطوط حقائق أخرى‬
‫عديدة‪ ..‬بالغة الغرابة بالغة اإلثارة‪..‬‬
‫إذن فتقويم الغناء الذري تقويم خمتلق‪ ..‬أو‬
‫هو على األقل ليس األساس يف تدوين التقاويم‬
‫واحلسابات الفلكية واألرضية املعروفة لدينا‪..‬‬
‫كنت أظن أن التوقيت بيوم الغناء الذري هو‬
‫التقويم الوحيد الذي عرفته كائنات األرض‪..‬‬
‫ول��ك�ني ق���رأت أن���ه ك��ان��ت ه��ن��اك أن����واع أخرى‬
‫سابقة من التقاويم أبرزها التقوميان امليالدي‬
‫واهلجري‪ ..‬وقرأت أيضاً أن أصل اإلنسان اآليل‬
‫فيما قبل ‪ 1800‬ع��ام مضت ك��ان مث��رة جهد‬
‫املخلوقات املتوحشة املعروفة بالبشر أبناء آدم‬
‫وحواء‪ ..‬إن الكائن املتفوق‪ ..‬اإلله‪ ..‬جدنا األول‬
‫يف سلسلة تطورنا االبتكاري‪ ..‬الصناعي كان‬
‫منشؤه أحد إجنازات البشر املدهشة‪..‬‬
‫ياألساي‪..‬‬
‫يالضعة نشأتي‪..‬‬
‫ياحلقارة منبعي على أيدي هؤالء املتوحشني‬
‫البدائيني‪..‬‬
‫أما أبي‪ ..‬صانعي املتومت‪ ..‬وليي املتحجر‬
‫ال���وج���دان ف��ق��د ع��رف��ت س��ب��ب ضغطه لتقتل‬
‫تساؤالتي وحتطيم شكي واعرتاضاتي‪..‬‬
‫ع��رف��ت أن��ه وذل���ك اآلخ���ر امل��راف��ق ل��ه إمنا‬
‫جيريان جتارهبما يف اخلفاء بغية حماكاة تكوين‬
‫املخلوقات املتوحشة يف شخصي‪ ..‬فإن أفراد‬
‫جنسنا السامي مياثلون املتوحشني وحياكوهنم‬

‫يف أغلب مواصفات تكوينهم املظهري فيما‬
‫ع��دا بضع ن��واح لعل أمهها افتقار العواطف‬
‫واألحاسيس‪ ..‬أما الروح‪ ..‬فهي كلمة غريبة‪..‬‬
‫مل ترد يف قواميس اآلهلة وليس هلا أي مدلول‬
‫ل���دي‪ ..‬ل��ذا فأنا ل��ن أت��ع��رض هل��ا ألن�ني أجهل‬
‫فكرهتا‪ ..‬وإن تطاير إىل مسعي أكثر من مرة‬
‫أن املتوحشني ينسبون هلا مغادرهتا ألجساد‬
‫موتاهم‪..‬‬
‫وع��رف��ت أن املتوحشني كانت هل��م حضارة‬
‫عظيمة راق��ي��ة‪ ..‬ب��ل العديد م��ن احلضارات‬
‫املزدهرة‪ ..‬املتوحشون هم أصل العلم وتطوراته‬
‫ومنجزاته املذهلة‪ ..‬وأصل كل ماكان يف األزمنة‬
‫الغابرة حضارة‪ ..‬ورقي ومتدين‪..‬‬
‫وكانوا يؤمنون بشيء بالغ القدسية والرفعة‬
‫لديهم‪ ..‬يسمونه الدين‪..‬‬
‫لكنهم اختلفوا‪ ..‬تنافسوا فاختلفوا فيما‬
‫بينهم‪ ..‬فتقاتلوا يف ضراوة‪ ..‬وكانت االنفجارات‬
‫النووية اليت سادت أرضهم وكان الغناء الذري‬
‫الرهيب الذي دمر حضاراهتم قتل املاليني من‬
‫أفرادهم وشرد الناجني‪ ،‬تالحقهم لعنات أشعة‬
‫جاما وألفا وبيتا ومايصاحبها من أنواع احلروق‬
‫واألمراض والعلل والتشوهات‪..‬‬
‫وبرزنا حنن‪ ..‬من العدم‪ ..‬آسف‪ ..‬من نبت‬
‫أفكارهم السابقة‪ ..‬ساد كوكب األرض جنسنا‬
‫اآليل‪ ..‬املتفوق‪ ..‬الذي يعمل وينتج وفق أرقى‬
‫وأدق وأض��ب��ط ال��ن��ظ��م وال��ق��وان�ين الكونية‪..‬‬
‫اإلنسان اآليل الذي يتزود بالطاقة مرة كل عام‬
‫يشحن بطاريته ال��ذري��ة ل��دى املفاعل النووي‬
‫مب��رك��ز ال��ط��اق��ة ال��ق��وم��ي ب��ال��س��اح��ة الشعبية‬
‫املزدانة باألعالم‪ ..‬فال وقت لديه لألكل والنوم‬
‫وإف����راز ف��ض�لات‪ ..‬ول��ك��ن��ه يفتقد العواطف‬
‫واألحاسيس‪..‬‬
‫إن بين جنسنا بدون العاطفة يتساوون‬
‫يف املرتبة مع اجلماد‪ ..‬وإن حتركوا‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪47‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حذار أنه قادم ‪...‬‬
‫وف��ك��روا‪ ..‬إننا بال حس أو شعور نسري يف‬
‫طريق الوجود بال وجود‪..‬‬
‫ووصلت يف رحليت احملمومة إىل هناية الطريق‬
‫االسفليت‪..‬‬
‫توقفت برهة أسفل املنحدر الصخري قبل ان‬
‫أجل الغابة‪ ..‬فقد ملت خبالياي الضوئية ظالل‬
‫أجسادهم النحيلة جتمد بامتداد األغصان‪..‬‬
‫وحملت عدساهتم تربق يف وجل‪ ..‬تلك اليت تكمن‬
‫متحفزة على الدوام ترقب أقل بادرة تأتي من‬
‫الشرق‪ ..‬من اجتاه مدينتنا السكنية‪..‬‬
‫ثم التقطت خالياي السمعية نسائم الغابة‬
‫املرتبة تردد مايشبه العواء‪ ..‬عواءهم‪ ..‬رفيعاً‪..‬‬
‫يسري كالكهرباء‪ ..‬وجرني مسعي إىل حملة من‬
‫التخيل دخيلة على‪ ..‬بدا أن نوعاً من اإلحساس‬
‫يعرتيين‪..‬‬
‫فقد ت��ص��ورت أن��وف��ه��م املعقوصة القانية‬
‫تسرع بتشمم عبري القادم الغريب‪ ..‬فلما تبينوا‬
‫يف صديق سوها صديقهم‪ ..‬تعالت مههمات‬
‫الرضا من أنوفهم ومل تتعال صيحات الفرار‬
‫واحلرب من أفواههم‪..‬‬
‫ح����ذار‪ ..‬خ����ذار‪ ..‬إن��ه ق����ادم‪ ..‬اف��س��ح��وا له‬
‫الطريق‪..‬‬
‫وبني صفني من الوجوه الكاحلة واألجساد‬
‫الضامرة امللساء املشوه بعضها بأنواع متوارثة‬
‫من احلروق واألكزميا هلثت قدماي تستعجالن‬
‫هدفهما إىل حفرهتا‪..‬‬
‫ومن أسفل احلفرة برزت سوها‪..‬‬
‫واسعة العينني‪ ..‬دقيقة األنف والفم‪..‬‬
‫لدنه‪ ..‬ناعمة البشرة‪ ..‬على الرغم من قذارة‬
‫قدميها احلافيتني‪..‬‬
‫ينسكب شعرها الفاحم على كتفيها العاريتني‬
‫يف حالوة األبدية‪..‬‬
‫وي��ش��رئ��ب هن���داه���ا م���ن خ�لاي��ا خصالت‬
‫شعرها‪ ..‬شهيان‪ ..‬سرحان‪ ..‬جلست الكائنة‬
‫ال��رق��ي��ق��ة ق��ب��ال�تي ع��ل��ى ج���ذع ش��ج��رة‪ ..‬مدت‬

‫‪48‬‬

‫ساقيها البضتني املليئتني وبتلك اخلاليا البالغة‬
‫ال��ط��راوة‪ ..‬ووددت لو م��ددت أصابعي اجلافة‬
‫أحتسس طراوهتا‪..‬‬
‫قلت جاداً‪ - :‬لن أعود إليهم‪..‬‬
‫كلمتين بلغة قومها اليت أفهمها أهو أبو مرة‬
‫أخرى‪..‬‬
‫لقد سئمت خ��داع��ه��م‪ ..‬سئمت وجودهم‬
‫الزائف املرسومة أبعاده بدقة تثري الغثيان لذا‬
‫فلن أعود للعيش بينهم ثانية‪..‬‬
‫إىل أين ستذهب؟‬
‫سأبقى هنا‪..‬‬
‫أين‪..‬‬
‫معك‪ ..‬جبوارك أنت‪..‬‬
‫كيف‪.‬؟‬
‫سأرتبط بك‪ ..‬سأبقى يف حفرتك‪..‬‬
‫تعين نتزوج‪..‬‬
‫هي الكلمة‪..‬‬
‫ولكن غري ممكن‪ ..‬مستحيل‪ ..‬فأنت‪..‬‬
‫انتفضت‪ ..‬أنا ماذا؟‬
‫أن��ت لست على شاكلتنا‪ ..‬تكوينك مغاير‬
‫لتكويين‪..‬‬
‫أنا ماذا؟‬
‫أنت‪ ..‬أنت إله من نسل إله اآلهلة املنسيدة‪..‬‬
‫أما حنن‪ ..‬فإننا حيوانات‪..‬‬
‫بل أنتم أحياء‪ ..‬خملوقات حية‪ ..‬أما حنن‬
‫فجماد هكذا أخربتين جملداتنا القدمية‪..‬‬
‫التبتئس‪..‬‬
‫أنا مجاد‪ ..‬أنا مجاد‪..‬‬
‫أنت إله‪ ..‬طيب‪..‬‬
‫أنا مجاد‪ ..‬أنا مجاد‪..‬‬
‫وتركتها‪ ..‬واس��ت��درت واب��ت��ع��دت وأن��ا أردد‬
‫القول يف م��رارة بأنين مج��اد‪ ..‬مهما ثبتوا يف‬
‫مؤخرة رأسي من عواطف وأحاسيس ومشاعر‬
‫دخيلة على عاملي وتكويين فإنين سأظل يف نظر‬
‫الطبيعة‪ ..‬يف مرآة النظام الكوني‪ ..‬يف حقيقة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حذار أنه قادم ‪...‬‬
‫تفكريي الفاحص املدقق‪ ..‬جمرد مجاد‪ ..‬راحت‬
‫قدماي تتعثران وأنا يف طريق أوبيت عرب دروب‬
‫الغابة الضيقة‪..‬‬
‫إني راحل‪ ..‬ولن أعود إليك أبداً يا سوها‪..‬‬
‫وت��ب��ط��أ وت��ب��اط��أت خ���ط���اي‪ ..‬ث��ق��ل بدني‬
‫فأحسست بوطأة معدنه الثقيل البارد‪..‬‬
‫انتظر‪..‬‬
‫مل أمس��ع الصيحة الرفيعة يف املبدأ حتى‬
‫كررهتا عدة أفواه من ورائي‪..‬‬
‫ انتظر‪ ..‬انتظر‪..‬‬‫محلقت مغتاظاً ‪ - :‬ما الذي تريدونه مين‪..‬‬
‫شيخنا قادم حملادثتك‪..‬‬
‫لوحت بقبضيت عالياً‪ - :‬اغربوا عن وجهي‪..‬‬
‫اتركوني وحايل‪ ..‬ماذا تريدون‪ ..‬إنين لست منكم‬
‫لست من مادتكم‪ ..‬لست ندا خللقتكم‪..‬‬
‫مسوك يف حاجة إلينا‪..‬‬
‫أطلقت قهقهة متحشرجة من فرط غيظي‪..‬‬
‫صممت‪ ..‬ومجت ياساً‪ ..‬وعدت أمحلق‪ ..‬فرأيت‬
‫الشيخ العجوز ينتصب قباليت وحليته البيضاء‬
‫تغطي صدره العاري حتى سرته‪..‬‬
‫ماذا تريد؟‬
‫ق��ال ‪ - :‬بل مس��وك ال��ذي تريد‪ ..‬ورغبتك‬
‫البقاء بيننا‪..‬‬
‫ت��س��اءل��ت يف وق��اح��ة ن����ادراً م��ا يلجأ إليها‬
‫شريطي املتكلم ‪ - :‬ما ال��ذي يف مقدورك أن‬
‫تفعله؟‬
‫لتهدأ مس��وك أوالً‪ ..‬ولنتفاهم‪ ..‬أرى أنك‬
‫ناقم على بين جنسك‪ ..‬وأنك راغب يف النأي‬
‫عنهم‪..‬‬
‫ً‬
‫متاما‪..‬‬
‫لكن أال ترى مس��وك‪ ..‬أن بقاءك معنا فيه‬
‫خطر عليك وعلينا يف نفس الوقت‪..‬‬
‫تعين احتياجاً بدنياً لتجديد شحن بطاريته‬
‫الذرية كل عام‪ ..‬لقد جددت شحنها آلخر مرة‬
‫منذ أسبوعني‪..‬‬

‫احننى الشيخ قباليت يف أدب يستغرب من أحد‬
‫املتوحشني‪ ..‬ومتتم والكآبة متأل تغضنات وجهه‬
‫البادي الذكاء لدهشيت‪ :‬إن بين جنسك لن يقبلوا‬
‫هربك إىل غابتنا‪ ..‬ثم هم لن يغفروا بالتايل‬
‫تشجيعنا وايواءنا لك‪ ..‬صدقين‪ ..‬سوف يصبون‬
‫علينا نقمتهم اليت ال تقاوم‪..‬‬
‫اضطرب شريط معلوماتي‪ ..‬اهتزت إبرة ذات‬
‫الرؤوس البللورية‪..‬‬
‫أرأيت‪ ..‬ال يوجد حل‪ ..‬إذن فدعوني وشأني‪..‬‬
‫مه��س الشيخ يف كثري م���ودة ‪ - :‬ب��ل هناك‬
‫منفذ‪ ..‬فقط‪ ..‬ال مهرب من التضحية‪..‬‬
‫وع���رف���ت ذل����ك امل���ن���ف���ذ‪ ..‬ع���رف���ت مطلبه‬
‫الرهيب‪..‬‬
‫لكن االختيار بني رفض مطلبه وتنفيذه مل‬
‫يكن صعباً علي‪ ..‬مل يكن بشعاً‪ ..‬أجدل أنه املنقذ‬
‫الوحيد حقاً على قسوته‪..‬‬
‫تطلعت إل��ي��ه��م ط���وي�ل�اً‪ ..‬ح��دق��ت خبالياي‬
‫الضوئية يف وجوههم القلقة امللتفة ح��ويل‪ ..‬مل‬
‫تكن نظرتي ج��ام��دة ه��ذه امل���رة‪ ..‬حت��رك ذلك‬
‫الشيء يف مؤخرة رأسي فربط بيين وبينهم أزال‬
‫نفوري وتقززي وزاد قربي منهم‪..‬‬
‫كم هو ممتع ذلك اإلحساس الذي يغمرني‪..‬‬
‫يدغدغ ثناياي‪ ..‬بنوره الذي ال يقاوم‪ ..‬ولوحت‬
‫هل��م بكلتا ي���دي‪ ..‬وق��د ب��دا ب�ين وجوههم وجه‬
‫«سوها» ‪..‬‬
‫ويف بطء حتركت‪ ..‬رمبا اعرتتين حلظة من‬
‫الرتدد ونظرات «سوها» تودعين‪ ..‬لكين متاسكت‪..‬‬
‫تقدمت مبتعداً عنهم تشيعين مههماهتم مبا‬
‫يسمونه‪ ..‬الدعاء‪..‬‬
‫ً‬
‫وغادرت الغابة أخريا‪ ..‬وروائح مثارها التزال‬
‫عالقة بي‪..‬‬
‫وك��ان��ت وج��ه�تي األك��ي��دة امل��ف��اع��ل ال���ذري‪..‬‬
‫الضخم‪ ..‬الذي ميد قومي بطاقة بقائهم‪ ..‬وقد‬
‫انطوت حتت إبطي بعد حني لفافة حتوي عبوة‬
‫ناسفة شديدة االنفجار‪...‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪49‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬

‫لينــا كيــالني‬
‫(الفصل األول)‬
‫«نقطــة الصفــر»‬
‫شعرت (رونا) خبطوات خفيفة اىل‬
‫جانبها‪ ،‬ومسعت موسيقا ناعمة‬
‫ت��ص��در م��ن اجل��ه��از اخل���اص هبا‪..‬‬
‫مصحوبة بعطر منعش‪ .‬فتحت عينيها فرأت‬

‫‪50‬‬

‫(رانيو) أمامها وقد بدا أنيقاً بلباسه الفضي‬
‫شبه املعدني الذي ال يرتديه الشبان من حوهلا‬
‫إال يف مناسبات نادرة‪ .‬قالت يف نفسها‪( :‬آه‪..‬‬
‫ك��دت أن��س��ى م��وع��د ال��ي��وم لكثرة م��ا انشغلت‬
‫بتلك األجهزة‪ ،‬وما بثته من أخبار قرن مضى‬
‫فيما كانوا يسمونه الزواج‪ ..‬هل أخطأت بعدم‬
‫ضبطي ملوعد النوم واليقظة؟!)‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫هنضت م��ن سريرها ال��واط��ئ شبه عارية‪،‬‬
‫وان��س��ل��ت اىل غ��رف��ة ال��ن��ظ��اف��ة‪ ،‬وأخضعت‬
‫جسدها لعمليات تدليك وتنظيف‪ ،‬ثم جلست‬
‫على كرسي معدني فقام روب��وت صغري قصري‬
‫بإطالق الضحكات وهو يصفف هلا شعرها بعد‬
‫أن غسله جيداً‪ ،‬ثم رش فوق وجهها مسحوقاً‬
‫ناعماً أصبح الوجه بعده مثل وردة نضرة‪.‬‬
‫ترددت رونا يف أن حتدث رانيو عما رأته يف‬
‫الليلة املاضية‪ ..‬لكن الوثيقة اليت أرسلتها اىل‬
‫مركز األحباث للربط بني الذكور واإلناث ال تدع‬
‫هلا فرصة للرتاجع عن أي شيء‪.‬‬
‫خرجت من غرفة النظافة وق��د ق��ررت أن‬
‫تبوح بكل شيء مهما كانت النتائج‪ .‬شعرت أهنا‬
‫مل تعد كما هي وكما عرفت نفسها‪ ..‬فتلك‬
‫املعلومات فتحت يف قلبها أكثر من عقلها حفرة‬
‫كبرية تقفز منها ألوف األسئلة‪ .‬وشجعت نفسها‬
‫كما مل تفعل من قبل‪ ،‬وقالت لرانيو‪:‬‬
‫ـ احلقيقة أن�ني مل أستطع أن أج��د سبباً‬
‫لعيشنا يف هذه الكرات الزجاجية يف الفضاء‬
‫بينما ال يزال هناك بشر على األرض يعيشون‪..‬‬
‫يزرعون األرض ويأكلون‪ ..‬وهم يف بيوت مثلنا‬
‫ولو أهنا بيوت من مواد اخرى وبأشكال اخرى‪.‬‬
‫ضحك رانيو‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ـ نعم‪ ..‬نعم‪ ..‬أنا أعرف ذلك‪ ..‬وهم يتقاتلون‬
‫ب��اس��ت��م��رار حتى على حم��ص��ول قطعة أرض‬
‫صغرية أو إنتاج شجرة‪ ..‬ثم إهنم يدفنون موتاهم‬
‫يف الرتاب فتزداد األرض تلوثاً وقذارة‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ ليس ه��ذا م��ا أعنيه ب��ل أع�ني أن��ن��ا حنن‬
‫بالذات يف ه��ذه املنطقة البحرية مل��اذا نعيش‬
‫هكذا؟ وملاذا مل يهاجر أسالفنا اىل الرب ويعيشوا‬
‫كما باقي البشر؟‬
‫ضحك راني وأجاب‪:‬‬

‫ـ ذل��ك ألن ك���وارث حصلت يف ت��ك��رار املد‬
‫البحري‪ ،‬والعواصف وال��زالزل ما هدد احلياة‬
‫يف اجلزر اليت كنا نعيش فيها‪ ،‬فأسرع العلماء‬
‫واملهندسون والبناؤون بتصميم هذه اجلزيرة‬
‫الفضائية‪ ،‬واشتغلت املعامل يف صناعة كل ما‬
‫يلزم للحياة هنا‪ ..‬وملا أعلن املرصد اجلوي عن‬
‫عاصفة رهيبة مصحوبة بزلزال فقد استطاعت‬
‫احلكومة آن��ذاك أن تنقذ من أمكن إنقاذه من‬
‫السكان‪ ..‬وهكذا عاشوا‪ ..‬وتطوروا‪ ..‬وتكاثروا‪..‬‬
‫حتى جئنا حنن اىل احلياة‪.‬‬
‫انتفضت رونا‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫ـ مل���اذا أن��ت ال ت��ع��رف احلقيقة كاملة؟‪...‬‬
‫لقد أنقذوا العلماء واملهندسني واملاهرين يف‬
‫الصناعات واخلرباء أيضاً‪ ..‬والباقون تركوهم‬
‫ملصريهم وانتقلوا اىل هنا‪.‬‬
‫قال رانيو‪:‬‬
‫ـ وماذا يهم يف ذلك؟ حوادث جرت منذ أمد‬
‫بعيد وانتهى أمرها‪ ..‬ثم إننا م��اذا نفعل اآلن‬
‫مبن ميوتون؟ أال نلقيهم يف املاء بكل بساطة؟‬
‫اإلنسان كاآللة يا رونا عندما يتعطل يصبح غري‬
‫ذي نفع‪ ..‬وجيب التخلص منه‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ اىل هنا يكفي‪ ..‬لن أحدثك عن كل ما قرأت‬
‫عنه‪ ،‬واطلعت عليه‪.‬‬
‫ثم اغتصبت ابتسامة صغرية‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫ـ ق��رأت أيضاً عن األي��ام األوىل للزواج كما‬
‫ك����ان‪ ..‬إهن���م ي��ع��ت�برون��ه ش���ه���راً‪ ..‬يسمى شهر‬
‫العسل‪.‬‬
‫ً‬
‫يضحك رانيو‪ ،‬ويصفق بيديه فرحا‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫ـ وم��ا ه��و ه��ذا العسل؟ ه��ل ه��و فاكهة أم‬
‫ماذا؟‬
‫عادت رونا لتشعر بغيظ غامض لكنها‬
‫قالت‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪51‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫ـ أم��ا حنن فأمامنا ي��وم واح��د الرتباطنا‪..‬‬
‫جنول من خالله يف أحناء جزيرتنا الفضائية‪..‬‬
‫ثم نعود للعيش هنا‪.‬‬
‫قال رانيو بلهجة جدية كما لو أنه أمام مديره‬
‫يف املخترب‪:‬‬
‫ـ نعم‪ ..‬نعم‪ ..‬ولكن ليس قبل أن تتطابق‬
‫الئحة الشروط لكل منا‪ ..‬وأن��ا أتساهل معك‬
‫إذا مل يكن التطابق كامالً بل نقص نقطة أو‬
‫نقطتني ال أكثر‪ ..‬ذلك ألنين‪...‬‬
‫وامتأل قلب رونا بغضب مل تعرفه من قبل‪،‬‬
‫وطفرت على لساهنا عبارة‪:‬‬
‫ـ ملاذا تقول أناسبك وتناسبين؟ ملاذا ال تقول‬
‫أحبك وحتبين؟ هذه العبارة أمجل وأكمل‪ ..‬وقد‬
‫خفق قليب وأن��ا أرى من أف�لام املاضي الناس‬
‫ي��رددوهن��ا يف األغ��ان��ي‪ ..‬ويف ال��ن��زه��ات‪ ..‬ويف‬
‫الطرقات‪ ..‬وحتى يف املدارس واجلامعات‪.‬‬
‫قال رانيو مبتهجاً‪:‬‬
‫ـ حسناً‪ ..‬ذلك ألنين أحبك‪ ..‬هل يرضيك‬
‫هذا؟‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ أما الالئحة فقد أرسلتها منذ أمس‪.‬‬
‫أجاب‪:‬‬
‫ـ وق���د وص��ل��ت�ني‪ ..‬وع��ل��ى ال���ف���ور أرسلت‬
‫الئحيت‪.‬‬
‫المست رونا جبهتها‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫ـ آه‪ ..‬مل أطلع على بريدي االلكرتوني‪.‬‬
‫فقال رانيو‪:‬‬
‫ـ ال يهم‪ ..‬تستطيعني أن ّ‬
‫تطلعي عليها بسرعة‬
‫بينما أقوم بتأدية بعض االتصاالت الضرورية‪،‬‬
‫وأطلب الطائرة اىل منفذ بيتنا هذا‪ .‬وحاويل أن‬
‫تطابقي بني الالئحتني‪ ..‬وإال‪...‬‬
‫قالت بعصبية‪:‬‬
‫ـ وإال ماذا؟‬

‫‪52‬‬

‫أجاب‪:‬‬
‫ـ وإال أعادونا اىل اخللية الكربى اليت عشنا‬
‫فيها حتى هذا اليوم‪ ..‬أم نسيت أهنم منحونا‬
‫هذا البيت ألننا ارتبطنا؟‬
‫قالت رونا ختتصر الكالم‪:‬‬
‫ـ سأوافق على كل نقاط الئحتك‪ ..‬ماعدا‬
‫واحدة‪ ..‬وهي طريقة إجناب األطفال‪.‬‬
‫قال بذعر‪:‬‬
‫ـ ماذا؟ األطفال؟ أنا أريد أن يكون يل طفل‬
‫بشكل عادي‪ ..‬وال أضطر اىل استنساخ نفسي‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ أنا قلت (الطريقة) ومل أقل عدم إجناب‬
‫األط��ف��ال‪ .‬امس��ع ي��ا ع��زي��زي‪ ..‬الطريقة اليت‬
‫أفضلها هي رحم امرأة طبيعية مثلي‪ ..‬وليس‬
‫اللقاح الصناعي والنمو الصناعي‪.‬‬
‫ق��ال ران��ي��و وق��د ظ��ه��رت ح��ب��ات ع��رق على‬
‫جبهته‪:‬‬
‫ـ م��اذا قلت يف أول ك�لام��ك؟‪ ..‬أع��ي��دي ما‬
‫قلت‪ ..‬من أين لك هبذه الكلمة‪ :‬عزيزي؟‬
‫ضحكت رونا‪ ،‬وأجابت‪:‬‬
‫ـ أتيت هبا من امل��اض��ي‪ ..‬هل تعرتض على‬
‫كلمات العاطفة‪ ..‬أم أننا أصبحنا آالت وانتهى‬
‫األمر؟‬
‫نظر ران��ي��و اىل ن��ق��اط ض��وء على اجلدار‬
‫احملشو باألزرار واألضواء من كل لون‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ـ تكفيين دقائق معدودة‪ ..‬وأنت يا رونا؟‬
‫قالت‪:‬‬
‫ـ وأنا كذلك‪.‬‬
‫ث��م ضغطت ع��ل��ى زر يف اجل����دار فانفتح‬
‫على منظر ألزي��اء متعددة ذات أل��وان مبهجة‪،‬‬
‫وما إن أشارت بيدها اىل أحدها حتى مسعت‬
‫صوت اهتزازات كما لو أهنا سالسل‪ ،‬ثم ظهر‬
‫الثوب أمام رونا فالتقطته‪ ،‬ثم غابت وراء مرايا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫رجراجة مثل شالل تتغري ألواهنا كل ثانية‪ .‬ارتدت‬
‫الثوب‪ ..‬وضغطت على زر فاكتسى الثوب باللون‬
‫األبيض وكأنه كان بال لون‪ ،‬ثم برزت عند ياقته‬
‫ريشة ملونة غرستها يف الرأس‪ ،‬ثم سقطت باقة‬
‫معدنية ملونة يكون للمرأة عادة اخليار يف أن‬
‫تلتقطها أم ال‪ .‬مل تعرها رون��ا انتباهاً للوهلة‬
‫األوىل فسحبت منها احللقات‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫ـ ملاذا ال تكون خوامت زواج كما كان احلال يف‬
‫املاضي؟‬
‫(الفصل الثاني)‬
‫اليــوم رقــم (‪)1‬‬
‫عندما مت استعداد رون��ا لبدء اليوم األول‬
‫من ارتباطها مبن اختارها واختارته أي (رانيو)‬
‫كانت ساعة كبرية يف اجلدار الزجاجي الضخم‬
‫تعلن هذا البدء برنني له دوي يرتدد مرة واحدة‪،‬‬
‫ثم يعيد الرنني‪ ،‬وهكذا‪ ..‬حتى خرجا من املنزل‬
‫اجلديد اىل ساحة مطار زجاجي فخم حيث‬
‫تنتظرمها طائرة مروحية صغرية‪ .‬قال رانيو‪:‬‬
‫ـ إن الربنامج املعد باللحظة والثانية ليس‬
‫اختياريا‪ ،‬واملشاركون ينتظرون‪ ..‬هكذا يفعلون‬
‫م��ع ك��ل اث��ن�ين ي��رت��ب��ط��ان‪ ..‬أم أن��ك نسيت أو‬
‫جتاهلت؟‬
‫قالت وكأهنا ختاطب نفسها‪:‬‬
‫ـ ضاعت حريتنا متاماً‪ ..‬ملاذا ال نتحول اىل‬
‫آالت أو روبوتات ونسرتيح؟‬
‫وب��دا ران��ي��و وك��أن��ه مل يسمعها ب��ل سبقها‬
‫خبطوة أو خطوتني فيما يسمونه أرض املطار‬
‫حيث اهلدوء والسكون‪ ،‬وال صوت سوى صوت‬
‫احمل���رك‪ .‬ومل��ا جلسا يف املقعدين املتجاورين‬
‫وصوت قائد الطائرة اآليل يرحب هبما ويقدم‬
‫التهنئة‪ .‬قالت رونا‪:‬‬

‫ـ لو أهنم مرة واحدة يف العمر يكون يف مقعد‬
‫القيادة إنسان حقيقي‪ ،‬وال يعتمدون هكذا على‬
‫اإللكرتون‪ ..‬أمتنى لو أن أمي كانت معنا‪ ..‬أو أي‬
‫صديق‪.‬‬
‫حاول رانيو أن يطيّب خاطرها فقال بلطف‪:‬‬
‫ـ كأنك لست من عامل هذه اجلزيرة‪ ..‬رمبا‬
‫أفسدتك تلك األخ��ب��ار احملشوة يف األقراص‬
‫واليت اطلعت عليها باألمس‪.‬‬
‫وأضاف‪:‬‬
‫ـ هيا ان��ظ��ري اىل السماء ال��زرق��اء‪ ..‬واىل‬
‫البحر األزرق‪ ..‬واىل الزجاج الذي يعطيك أي‬
‫لون تريدين‪ ..‬أما أنا فأفضل اللون الذهيب‪..‬‬
‫لون الشمس اليت تغمر عاملنا دائماً‪.‬‬
‫أجابت‪:‬‬
‫ً‬
‫ـ أريد أن أرى سحبا رمادية يف السماء‪ ..‬فكل‬
‫شيء حويل يبدو هبذا اللون‪.‬‬
‫هنض رانيو فضغط على زر صغري فأصبح‬
‫املشهد كله رمادياً‪ ..‬ما هي إال دقائق حتى هبطا‬
‫اىل البناء األول الكبري والكروي الذي خصص‬
‫ملثل هذه املناسبات فاستقبلتهما موسيقا خاصة‬
‫تسمى املوسيقا الكونية‪ ،‬وهي مزيج من أصوات‬
‫الرعد‪ ،‬واألم��واج‪ ،‬والعصافري‪ ،‬والطيور املغردة‬
‫اجملهولة واليت ال يعرفوهنا فكأن هذه املوسيقا‬
‫هتبط من السماء‪ ،‬وتنتشر يف كل اجتاه‪.‬‬
‫وفجأة حتولت كل اجلدران اىل شاشات‪ ،‬وكل‬
‫منها تربز وجه زميل أو صديق أو صديقة وهم‬
‫يقدمون التهنئة‪ ..‬ويف الوسط ظهر القائم على‬
‫احلفل‪ ،‬ورحب هبما‪ ،‬ثم قدم التهنئة بينما برزت‬
‫م��ن أرض القاعة م��ائ��دة صغرية فوقها أنواع‬
‫من احللوى كلها بيضاء لكن طعومها خمتلفة‪.‬‬
‫تقدمت رون��ا وتناولت قطعة حبجم اإلصبع‬
‫وقدمتها ل��ران��ي��و‪ ..‬بينما التقط رانيو‬
‫قطعة على شكل زهرة وقدمها لرونا‪ ،‬ثم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪53‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫انفتح باب سري ظهرت منه شجرة متحركة‬
‫يف حوض ماء وهي حتمل عدداً من الفواكه يف‬
‫كل قسم منها ن��وع‪ ..‬أخ��ذت الشجرة ت��دور ثم‬
‫توقفت بينما الغصن املاثل أمام الزوجني حيمل‬
‫التفاح فقطف كل منهما مثرة فعادت الشجرة‬
‫لتختفي من جديد‪.‬‬
‫بعد أن خرجا من قاعة االحتفال نظر رانيو‬
‫اىل جهاز صغري يف يده‪ ،‬وقال لرونا‪:‬‬
‫ـ انظري اىل عدد التهنئات اليت وردتنا‪ ..‬مل‬
‫نكن ن��دري أن لنا هذا العدد من األصدقاء‪..‬‬
‫وكلهم من الذين مل يرتبطوا بعد‪.‬‬
‫قالت رونا وكأهنا غري مهتمة‪:‬‬
‫ـ أنا مل اطلع بعد على كامل الربنامج‪ ..‬وماذا‬
‫فيه غري االطالع على مظهر اجلزيرة العائمة‬
‫يف الفضاء؟‬
‫وصوت يقول‪:‬‬
‫ـ تستطيعان إلغاء فقرة ما من الربنامج‪ ..‬أما‬
‫استبداهلا بغريها فهذا غري متاح ألنه حيتاج اىل‬
‫استعداد مسبق‪.‬‬
‫قربت رون��ا رأسها من رانيو‪ ،‬وب��دأ اجلهاز‬
‫ي��ع��رض ال��ش��ري��ط م��ن أول���ه‪ :‬ال�ب�رج‪ ،‬احلديقة‬
‫االس��ت��وائ��ي��ة‪ ،‬امل��درس��ة احل���رة ل�لأط��ف��ال‪ ،‬دار‬
‫الفنون‪ ،‬اجملمع الكبري للشباب‪ ،‬وأخرياً الفندق‬
‫البانورامي‪ ،‬ومن ثم الغرفة اليت حتمل امسيهما‬
‫وعالمتها ح��رف (ال���راء)‪ ،‬والتوقيت لإلقامة‬
‫مشار اليه يف الغرفة وه��و ست ساعات من‬
‫حلظة الوصول إذا كان الربنامج كامالً‪ ،‬أما إذا‬
‫ألغيت فقرات منه فإن مدهتا تضاف اىل اإلقامة‬
‫يف الفندق‪ ،‬والعبارة األخرية‪( :‬حظاً سعيداً)‪.‬‬
‫سأل رانيو‪:‬‬
‫ـ ما رأيك؟‬
‫أجابت‪:‬‬
‫ـ أش��ع��ر بالتعب‪ ..‬وأن���ا مل أت��ن��اول األدوي���ة‬

‫‪54‬‬

‫الالزمة ملثل هذا اليوم‪ ..‬وال حبوب الفيتامينات‬
‫واملعادن االعتيادية والطعام‪ ،‬وال أشعر مبيل اىل‬
‫احلركة‪.‬‬
‫قال رانيو‪:‬‬
‫ـ إذن خنتصر الربنامج ونربح الوقت لإلقامة‬
‫يف الفندق‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ يقولون إن زيارة احلديقة االستوائية تنعش‬
‫النفس‪ ،‬وتفتح الشهية للحياة ملا فيها من تنوع‬
‫النباتات واألزه��ار واألط��ي��ار‪ ،‬ومن احليوانات‬
‫اليت كانوا يسموهنا األليفة‪ ،‬والطيور امللونة‪.‬‬
‫قال رانيو‪:‬‬
‫ـ معك حق‪ ..‬إنه مكان مجيل‪ ..‬أما أن حيواناته‬
‫أليفة ف��ه��ذا ألن��ن��ا روض��ن��ا س��ائ��ر احليوانات‬
‫غري األليفة‪ ..‬وألننا حتكمنا يف جينات بعض‬
‫الطيور‪ ..‬ونقلنا أصوات بعضها اىل اآلخر‪.‬‬
‫قالت رونا متعجبة‪:‬‬
‫ـ أح��ق �اً؟‪ ..‬أن��ا مل أطلع بعد على النشرات‬
‫العلمية هبذا الشأن رغم أنين يف خمترب للجينات‬
‫كما تعلم‪.‬‬
‫ضحك رانيو‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ـ أنت تعملني يف خمترب للجينيوم البشري‪..‬‬
‫أما هذه‪...‬‬
‫فقاطعته رونا‪:‬‬
‫ـ ال فرق يف هذا املوضوع بني البشري وغري‬
‫البشري‪ ..‬كلها جينات‪.‬‬
‫سأل‪:‬‬
‫ـ وهل يدخل يف خمتربك مزج البشري مع‬
‫غري البشري؟‬
‫انتفضت رونا وأجابت‪:‬‬
‫ـ هذا يوم لسعادتنا‪ ..‬وال أريد الكالم عن هذا‬
‫املوضوع‪ .‬أنا أكره هذا النوع من التجارب لكنين‬
‫ال أصرح بذلك حتى ال حيولوني اىل املستشار‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫النفسي‪.‬‬
‫قال رانيو‪:‬‬
‫ـ لقد ابتعدنا ع��ن موضوعنا اخل��اص بنا‬
‫اآلن‪ ..‬قلتِ احلديقة االستوائية‪ ..‬وبعدها؟‬
‫أجابت‪:‬‬
‫ـ مركز األطفال‪ ..‬ثم مباشرة اىل الفندق‪.‬‬
‫تنهد رانيو‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ـ وه���ذا م��ن أج��ل أن تفتح شهيتك أيضاً‬
‫لألطفال‪.‬‬
‫قالت‪:‬‬
‫ـ القصة ليست شهية ب��ل إمكانية‪ ..‬وأنا‬
‫أجريت الفحوص الالزمة من أجل اإلجناب‪.‬‬
‫قال رانيو‪:‬‬
‫ـ أنا أمازحك ال أكثر ألنين قرأت يف الالئحة‬
‫اليت قدمتها ملركز االرتباط‪ ..‬وشروطك وافقت‬
‫عليها كما تعرفني‪.‬‬
‫ردت رونا وكأهنا كانت ناسية‪:‬‬
‫ـ آه‪ ..‬صحيح‪ ..‬صحيح‪ ..‬ولو أننا مل نطابق‬
‫بني الالئحتني عندما كنا يف البيت‪.‬‬
‫قال رانيو‪:‬‬
‫ـ لكنين قلت ل��ك إن�ني أت��س��اه��ل يف بعض‬
‫النقاط ‪.‬‬
‫فأجابت بارتياح‪:‬‬
‫ـ بل حتدثت يف نقطة أو اثنتني‪.‬‬
‫قال وقد التمعت عيناه بربيق فرح غامض‪:‬‬
‫ـ ما رأي��ك لو حن��ذف مركز األطفال أيضاً‬
‫ونصل فوراً اىل الفندق؟‬
‫أطرقت رون��ا برأسها موافقة‪ ،‬وخرجا إىل‬
‫حمطة ق��ط��ار يصل أج���زاء اجل��زي��رة العائمة‬
‫يف ال��ف��راغ بعضها ب��ب��ع��ض‪ ..‬واس��ت��ط��اع��ا من‬
‫مقصورهتما باألجهزة الكاشفة أن يتفرجا على‬
‫كل أجزاء اجلزيرة حتى وصال اىل الفندق‪.‬‬
‫ك��ان الفندق أيضاً على شكل ك��رة ضخمة‬

‫مثل أكثر األبنية اليت معظمها كروية‪ ،‬وبعض‬
‫منها مستطيلة أو مربعة‪ .‬لكن الفندق خمتلف‬
‫عن الشكل الكروي قليالً ألن غرفاً فيه تربز‬
‫من أطرافه على شكل دوائر فتبدو مثل نبات‬
‫شوكي‪ ،‬أما قمته فهي مدببة وفيها الرادارات‪،‬‬
‫وموانع الصواعق‪ ،‬وشبكات االتصاالت‪ ،‬وأجراس‬
‫اإلنذار للطوارئ‪ ،‬مع أعمدة طويلة مضيئة يف‬
‫رأسها كامريات صغرية تضيء بلون النار فتبدو‬
‫مثل منارات دوارة يف حبر ال يتطلع اىل الرب‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ اآلن عليك أن جتمع أحرف أمسائنا وهتتدي‬
‫اىل الغرفة‪ ..‬ثم اىل حرف (ال��راء) إذ يبدو أن‬
‫هناك غرفاً كثرية هلذا احلرف‪.‬‬
‫وضع رانيو رأسه يف جهازين صغريين‪ ،‬وأخذ‬
‫يبدل األزرار والشاشات‪ ،‬ثم قال فجأة‪:‬‬
‫ـ ها هي غرفتنا‪ ..‬ويف داخلها شاشة تظهر‬
‫فيلماً عن تنقلنا‪ ..‬انظري‪.‬‬
‫ونظرت رونا وقالت‪:‬‬
‫ـ أبدو يف هذا الثوب األبيض وهذا النحول‬
‫والرتاخي مثل شبح‪.‬‬
‫قال رانيو‪:‬‬
‫ـ وم���ن أي���ن أت��ي��ت هب���ذه ال��ك��ل��م��ة؟‪ ..‬أن���ا ال‬
‫أعرفها‪.‬‬
‫أجابت وهي تتنهد‪:‬‬
‫ـ سأحدثك عن كل شيء عندما نسرتيح‪.‬‬
‫يف الغرفة ذات النتوء على البحر بدا الزوجان‬
‫رانيو ورون��ا مثل طائرين حطا على عش يف‬
‫شجرة أسطورية عمالقة‪ .‬قالت رونا‪:‬‬
‫ـ أري��د أن أخلع ثوبي ه��ذا وأخضع جللسة‬
‫تدليك كاملة‪ ،‬والبأس من بعض الشراب املثلج‪.‬‬
‫ولك أن تفعل مثلي يف القسم الثاني من احلمام‬
‫يا عزيزي‪ ..‬أم أن لك خياراً آخر؟‬
‫قال‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪55‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫ـ يل خياري الدائم وهو أن ترددي دائماً كلمة‬
‫(عزيزي)‪ ..‬فهي ستربد اللهفة أكثر من الشراب‬
‫املثلج‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ كنت أظن أهنا ستلهبك ال أن تثلجك‪ .‬على‬
‫أي حال سأرددها دائماً‪ ..‬وأقوم بإحصاء هلا‪.‬‬
‫قال رانيو بضجر‪:‬‬
‫ـ اإلحصاء‪ ..‬اإلحصاء‪ ..‬أال ميكن أن أنسى‬
‫للحظة أنين يف مركز إحصاء‪ ..‬وأنه ال عمل يل‬
‫سوى األرقام يف الصباح واملساء؟‬
‫ردت رونا‪:‬‬
‫ـ ال عليك يا عزيزي مادامت حياتنا مرسومة‬
‫هكذا‪ ..‬حنن سكان هذه اجلزيرة العائمة يف‬
‫الفراغ‪ ..‬واليت خلقوها بعد أن اختفت جزيرتنا‬
‫األرضية‪ .‬ترى ملاذا مل خيتفوا هم أيضاً معها؟‬
‫أك���ان م��ن ال��ض��روري أن يبنوا ه��ذه اجلزيرة‬
‫الزجاجية العجائبية؟‪ ..‬أن��ا اطلعت على كل‬
‫شيء يف احلياة األرضية‪ .‬صحيح أهنا قاسية‬
‫ومليئة بالدم واإلجرام واخلوف واحلذر لكنين‬
‫أعتقد أهنا صحيحة أكثر من حياتنا هنا‪.‬‬
‫قال رانيو‪:‬‬
‫ـ هل عدنا إىل احلديث عن األرض؟ يبدو أنك‬
‫لن تتخلصي من تأثريات ما رأيت يف أرشيفات‬
‫التاريخ‪ ..‬تاريخ اإلنسان‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ ل��ن أخت��ل��ص م��ن ك��ل ذل��ك إال إذا شعرت‬
‫حبرييت املطلقة‪ ..‬وأنا هنا ال أشعر هبا‪.‬‬
‫وبعد أن انقطع احلوار دخلت رونا يف عملية‬
‫اسرتاحة يف احلمام‪ ..‬وعندما انتهت أخرجت‬
‫من اجل��دار كرسياً صغرياً تكومت فوقه‪ ،‬ثم‬
‫ان��دف��ع هب��ا اىل ط��رف ال��غ��رف��ة حيث السرير‬
‫الدائري فانقذفت به وهي تتنهد‪.‬‬
‫عندما أصبح رانيو اىل جانبها قالت‪:‬‬

‫‪56‬‬

‫ـ أرج��وك يا رانيو‪ ..‬اجعل الوقت ليالً فأنا‬
‫سئمت هذا الضياء املبهر الذي يعكسه الزجاج‬
‫دائماً‪.‬‬
‫بلمسة واح��دة‪ ..‬وحبركة واحدة أصبح لون‬
‫ال��زج��اج ق��امت �اً‪ ..‬وك��أمن��ا داه��م الليل الغرفة‬
‫دون قمر أو جنوم‪ .‬وهكذا وبالسرعة نفسها‪..‬‬
‫وببساطة انتثرت يف السقف جنوم تنبض بألوان‬
‫بنفسجية رائعة‪ .‬شهقت رونا‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫ـ ما أمجل هذا الليل‪ ..‬ليته ال ينتهي‪ ..‬فأنا‬
‫تعبت من حياتي يا رانيو‪.‬‬
‫قال مداعباً‪:‬‬
‫ـ ال جتعلي هلذا اليوم أي خيط وصل باهلموم‪..‬‬
‫انه يومنا رقم ‪ ..1‬اليوم األول واألمجل يف حياتنا‬
‫كما يقولون‪ ..‬غداً سنعود اىل أعمالنا وخمترباتنا‬
‫وسنتالقى على الشاشات أكثر األوقات‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ معك ح��ق ف��ه��ذه ليست ح��ي��اة أزواج بل‬
‫حياة إدم��اج فيما يسمونه حضارة القرن بعد‬
‫العشرين‪.‬‬
‫وضم رانيو إليه جسد رونا النحيل الراجف‪،‬‬
‫ومسح فوق وجهها ففوجئ بدموع تنحدر من‬
‫عينيها‪ .‬قال‪:‬‬
‫ـ بكاء!‪ ..‬ومل��اذا تبكني؟ حنن نعمل على أن‬
‫تلغى هذه الكلمة من قاموسنا‪ ..‬البكاء ضعف‬
‫وختاذل‪ ..‬وال جيدر باإلنسان‪.‬‬
‫قالت‪:‬‬
‫ـ بل البكاء إنسانية‪ ..‬وصفات‪ ..‬وعواطف‬
‫أصبحنا جنهلها‪.‬‬
‫تدثرت رون��ا بغطاء ص��ويف ناعم‪ ،‬وأغلقت‬
‫مكيف اهل��واء واألن��وار كلها‪ ..‬لكنها مل تستطع‬
‫أن تلغي ذلك الرسم ال��ذي ظل ينبض أمامها‬
‫من رقم (‪ )1‬كبري وضخم مرسوم على اجلدار‪..‬‬
‫ينقص نوره كلما مر وقت من دقائق أو ثوان‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫وهكذا سيكون األمر حتى يتم اإلنذار بانقضاء أمامه للخروج بعد أن وضع بطاقة االئتمان يف‬
‫الليل الذي كان النهار وما على الزوجني سوى فتحة خاصة مثناً لليوم رقم (‪ )1‬الذي سيظل‬
‫يف خميلته حيمل رقم (‪ ،)1‬ال من حيث العد‬
‫املغادرة بعد ذلك يف هذا الزمن‪.‬‬
‫وكأن كلماهتا المست وتراً يف قلبه فانتفض التصاعدي بل من حيث هذه البداية الرائعة مع‬
‫مثل عصفور مبلل‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫إنسانة رائعة هي رونا‪.‬‬
‫ـ وأنا أيضاً أشعر مبيل ألن أذرف دموعاً‪ ..‬ما‬
‫أعمق مشاعرك يا رونا‪ .‬ليتنا أنت وأنا نوقظ‬
‫(الفصل الثالث)‬
‫ّ‬
‫يف أعماقنا‪ ..‬كل تلك املشاعر العاطفية الرقيقة‬
‫الوضــاء)‬
‫(العمــر‬
‫اليت كانت ملن سبقونا‪ .‬إننا نفقد إنسانيتنا يوماً‬
‫بعد عشرين ساعة املمنوحة لرونا ورانيو‬
‫بعد ي��وم‪ ..‬نتحول اىل كائنات جامدة تتحرك‬
‫باآلالت واألرقام وضبط األوقات‪.‬‬
‫لبدء احلياة املنزلية كان على كل منهما أن يعود‬
‫توشك رونا أن تصرخ لوال أن امتدت أصابع للعمل‪ ..‬وال جمال للهموم البيتية‪ ..‬فالروبوت‬
‫رانيو وهي ترتعش لتمسح فوق وجنتيها‪ ،‬وتعبث يقوم بكل األع��م��ال املنزلية مب��ا فيها ترتيب‬
‫األسرة‪ ..‬أما الطعام فإن جممع األغذية يرسل‬
‫بشفاهها‪ ،‬ثم بعد ذلك غابا يف قبلة طويلة‪.‬‬
‫أما أن الطرفني رونا ورانيو مل ينتبها النطفاء الطعام حسب اجلدول الذي تلقاه من الروبوت‪.‬‬
‫الضوء يف الرقم الضخم املعلق على احلائط فهذا رانيو ترك هذا األمر األخري لرونا باعتبارها‬
‫أمر نادر احلدوث ألن انطفاء النور مصحوب سيدة البيت كما يقولون قدمياً‪ ..‬وفعلت ذلك‬
‫عادة مبوسيقا صاخبة جتعل أي كسول يقفز رونا وهي تشعر باضطراب وصداع وهذا نادر‬
‫من سريره‪ ..‬ومع ذلك‪ ..‬مل يالحظا الضوء يف احلدوث ألهنم خيضعون كل أسبوع لفحوص طبية‬
‫عمود حرف األلف أو الرقم (‪ ..)1‬ومل تزعجهما دقيقة‪ .‬وملا حاولت أن تربط أزرار الروبوت على‬
‫املوسيقا الصاخبة‪ ..‬بل قاما هبدوء لتصحيح مهماته املنزلية بالتسلسل يبدو أهنا أخطأت‪..‬‬
‫لكنها مل تراجع نفسها ألن الساعة على اجلدار‬
‫األوضاع‪ .‬قالت رونا‪:‬‬
‫كانت تقرتب بعنف من موعد اللحاق بعملهما‬
‫ـ سأدفع أنا غرامة التأخري‪..‬‬
‫وكأهنا تؤنبها على التأخري‪.‬‬
‫وقال رانيو‪:‬‬
‫ويف القطار السريع ال��ذي ينقلها بسرعة‬
‫ـ وس��أت��ع��رض أن���ا للمالمة ألن�ن�ي خالفت‬
‫صاروخية اىل مكان عملها أحست أن القطار‬
‫التعليمات‪.‬‬
‫قالت رون��ا وه��ي تسوي ثياهبا وق��د نسيت يسري يف اهل��واء رغ��م معرفتها أن��ه يسري بقوة‬
‫الضغط املغناطيسي‪ ..‬ف��زع��ت‪ ..‬وختيلت أن‬
‫جهاز االتصاالت وأين وضعوه‪:‬‬
‫ً‬
‫ـ البد أن نأخذ إجازة أنت وأنا لنعيش أياما القطار سيطري يف اجلو‪ ..‬أو أنه سيحطم الزجاج‬
‫كما نريد‪ ..‬ال كما يريدون منا يف هذا الزمن‪ .‬أمامه ثم يسقط يف البحر‪ ..‬حركت رأسها‪،‬‬
‫كم أحب أن أعود وحشية بدائية‪ ..‬أو أن أعيش وأغمضت جفنيها‪ ،‬ثم متتمت‪( :‬أي طريان؟ وأي‬
‫سقوط؟ أليست هذه القطارات دقيقة‬
‫حياة أرضية ال حبرية‪ ..‬وكم‪ ..‬وكم‪.‬‬
‫وع���اد ران��ي��و لتقبيل جبينها‪ ،‬ث��م يدفعها الصنع اىل آخر مدى من العلم؟ والزجاج‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪57‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫هل ميكن حتطيمه وهو أقوى من الفوالذ؟)‪.‬‬
‫عندما وصلت رونا اىل باب مكتبها أخرجت‬
‫بطاقة الكرتونية تفتح هلا طريقها‪ ..‬وكأهنا‬
‫على عجل من أمرها دون أن حتسب حساباً‬
‫لفحص العيون الدقيق السريع‪ ..‬ولنبض القلب‬
‫والضغط وحالة األع��ص��اب‪ ..‬تراجعت قليالً‬
‫لتمر على تلك األجهزة ثم دخلت اىل مكتبها‬
‫احملشو باألجهزة االلكرتونية‪ ،‬وبأضواء من كل‬
‫لون وكل منها حيمل إشارة معينة‪ .‬أفزعها اللون‬
‫األمحر ألنه كان ينبض‪ ..‬كان مستمراً ويصدر‬
‫صوت إنذار‪ ..‬فهمت رونا أن خطراً حيدق هبا‪..‬‬
‫لكنها مل تنتبه اىل أهنا هي اخلطر‪ ..‬وعليها‬
‫أن تلتحق بقسم الطب النفسي‪ ..‬وخالل ثوا ٍن‬
‫انفتح باب الغرفة تلقائياً‪ ..‬وما إن خرجت حتى‬
‫انغلق بإحكام‪ ..‬وكانت قد وضعت أوراق عملها‬
‫فوق املنضدة وما عاد باإلمكان الرجوع اليها‬
‫والسيما أن بطاقتها الشخصية وأرقامها كاملة‬
‫أيضاً من املستندات اهلامة لدخول قسم الطب‬
‫النفسي‪.‬‬
‫شعرت رون��ا أن هناك حالة امسها البكاء‬
‫تعرفت إليها‪ ..‬وعند أول شهقة بالدمع‪ ..‬برز‬
‫هلا روبوت اإلسعاف‪ ،‬ورفعها فوق طاولة‪ ،‬ورش‬
‫فوق وجهها رذاذاً خم��دراً‪ ،‬ومل جتد نفسها إال‬
‫يف عيادة الطبيب اجلسدي‪ .‬وملا وشوش اجلهاز‬
‫أمامه حبالتها الصحية اجليدة‪ ،‬وإحالتها اىل‬
‫الطب النفسي شعرت بارتياح فقد ختلصت من‬
‫مأزقها يف بطاقتها ورقمها التسلسلي ‪.‬‬
‫وكما يف نقلها اىل مركز الطب اجلسدي كان‬
‫نقلها اىل قسم الطب النفسي‪ ،‬ولكن بصورة‬
‫أس��رع‪ .‬ملا فتحت عينيها مل تر أح���داً‪ ..‬وإمنا‬
‫ظهرت على اجلدار االلكرتوني الئحة من األسئلة‬
‫عليها أن جتيب عنها بنعم أو بال‪ .‬وملا انتهت‪..‬‬
‫وت��ن��ه��دت‪ ..‬ظ��ه��رت الئ��ح��ة أخ���رى ت��س��أل عما‬

‫‪58‬‬

‫فعلته بالدقة والتفصيل يف اليومني السابقني‪.‬‬
‫ودت رونا لو أهنا خترج من هذا الضيق ولو أن‬
‫ترمي بنفسها من النافذة‪ ..‬ولكن عن أي نافذة‬
‫تتحدث؟ النوافذ مصفحة‪ ..‬وفتحها وغلقها ال‬
‫يكون إال اتوماتيكياً من حراسة املبنى‪ ..‬وحتى‬
‫لو انفتحت فإهنا تنفتح عن نافذة أخرى عبارة‬
‫عن شبكة معدنية وبعض ثقوب فيها فقط هي‬
‫اليت يدخل منها اهلواء الطبيعي ولفرتة حمدودة‬
‫ثم يتوقف‪.‬‬
‫من الشاشة طلب منها الطبيب أن تقرتب‬
‫من الطاولة أمام الشاشة‪ ،‬وتفتح تسجيالً ملا‬
‫ستقوله من إجابات ألسئلة‪ .‬سارت رونا حنو‬
‫الطاولة فتعثرت وعيناها على الشاشة‪ ..‬ظلت‬
‫صورة الطبيب بارزة لكن شخصاً يرتدي السواد‬
‫ويغطي وجهه ماعدا عينيه برز هلا فجأة فوقعت‬
‫على األرض دون وعي‪.‬‬
‫عندما أفاقت تأكدت أن الرجل هو الطبيب‬
‫نفسه وذل��ك م��ن خ�لال ص��وت��ه‪ .‬ظ��ل ثابتاً يف‬
‫مكانه بينما أسرعت فتاتان ترتديان األبيض‬
‫بإنعاشها‪ ،‬وبقياسات الكرتونية جلمجمتها‪،‬‬
‫وألع��ص��اب رجليها‪ ،‬ولعمودها ال��ف��ق��ري‪ ،‬ثم‬
‫اختفتا بسرعة‪ .‬قال الطبيب‪:‬‬
‫ـ أستطيع أن أعاجلك من وراء الشاشة‪..‬‬
‫أو هكذا كما أبدو بلباسي األسود‪ ..‬وإذا شئت‬
‫أستطيع أن انتزعه ألجلك‪ ..‬هذه خمالفة‪ ..‬وأنا‬
‫مل ارتكبها قط‪ ..‬لكن حالتك فريدة من نوعها‪.‬‬
‫هيا حدثيين بطبقة الصوت اليت تعجبك عن‬
‫كل ما حدث معك خالل األيام الثالثة املاضية‪.‬‬
‫هكذا يقول املؤشر‪ ..‬ثالثة أيام فقط‪ ..‬وإياك‬
‫أن ختطئي ألن جهازاً خاصاً سيعيدك اىل أن‬
‫ترجعي بكالمك اىل نقطة البدء وهذا متعب‬
‫لك ويل‪.‬‬
‫مل تعطه رونا أي جواب عن وضعيته أثناء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫استجواهبا‪ ،‬وإمن��ا استقامت يف جلستها فوق‬
‫الطاولة بعد أن أشار هلا أال تغادرها‪ .‬وحتولت‬
‫ال��ط��اول��ة بسرعة اىل كرسي طويل مريح له‬
‫وسادة‪ ..‬ونتوء عند القدمني للراحة‪.‬‬
‫حدثت رونا الطبيب عن كل ما عثرت عليه‬
‫يف األرشيف عن تاريخ جزيرهتم ه��ذه‪ ..‬وأهنا‬
‫تأسست يف مدة قياسية بعد أن بدأت اجلزر‬
‫بالغرق يف هذا البحر‪ ..‬وقبل أن يصل الدور‬
‫جل��زي��رهت��م‪ ..‬وذل���ك ب��امل��د ال��ب��ح��ري وال���زالزل‬
‫العنيفة‪.‬‬
‫س���ردت ك��ل ش���يء ب��دق��ة ب��ال��غ��ة وبصدق‪..‬‬
‫وأحست أن دموعها حبيسة يف عينيها‪ .‬وكأن‬
‫الطبيب أدرك ذلك فقال هلا‪:‬‬
‫ـ تستطيعني أن تبكي‪ ..‬ه��ذه امل��رة فقط‪..‬‬
‫بينما نتفاهم أنت وأنا على طريقة عالج توصلنا‬
‫اىل نتيجة‪.‬‬
‫قالت رونا بضعف وختاذل شديدين مل تشعر‬
‫هبما من قبل‪:‬‬
‫ـ احلقيقة أنين أريد أن أموت‪ ..‬وأن يعيدوني‬
‫اىل البحر حيث كانت جذوري يف اجلزيرة‪.‬‬
‫قال الطبيب ممازحاً‪:‬‬
‫ـ إهنم يتحكمون يف الصناديق اليت يضعون‬
‫فيها امل��وت��ى‪ ..‬ويف وق��ت قذفها فيه‪ ..‬وأين‪..‬‬
‫لكنهم ال يستطيعون أن يتحكموا باألمواج وإىل‬
‫أي��ن ستسوق األم���واج ه��ذا ال��ص��ن��دوق‪ .‬ميكن‬
‫أن خيطئ الصندوق مكان جزيرتك‪ ..‬أقصد‬
‫جزيرتنا‪.‬‬
‫قالت رونا بدهشة‪:‬‬
‫ـ وهل أنت من ساللة أهل اجلزيرة؟‬
‫رد‪:‬‬
‫ـ طبعاً أنا كذلك‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ لكن املعلومات يف األرشيف تقول إن أكثر‬

‫أهايل اجلزيرة مل يقبلوا الصعود اىل اجلزيرة‬
‫الفضائية‪ ..‬بل فضلوا املوت على أرضهم‪ ،‬ومل‬
‫يصعد إال العلماء واملهندسون واخلرباء‪ ،‬وبعض‬
‫املغامرين من أهل اجلزيرة‪ ..‬ورمبا بعض السياح‬
‫واألجانب‪ ..‬بل إن أكثر العاملني يف تشييد هذه‬
‫اجلزيرة الفضائية العجيبة كانوا من األغراب‪.‬‬
‫ق��ال الطبيب وابتسامة مجيلة على وجهه‬
‫وهو يقرب كرسيه من وجه رونا‪:‬‬
‫ـ ال‪ ..‬اطمئين أنا من أهل اجلزيرة ومادمتِ‬
‫يف هذه احلالة النادرة من الصدق واالندفاع‬
‫فسوف نقوم بعالج‪ ..‬أنت وأنا‪ ..‬وهو حتى اآلن‬
‫مل يستعمل لكنه ناجح متاماً‪.‬‬
‫سألت رونا باندهاش‪:‬‬
‫ـ م��ادام العالج مل يطبق أب��دا فكيف يكون‬
‫ناجحاً؟‬
‫أجاب هبدوء بعد أن أمسك بيدها‪:‬‬
‫ـ امسعي يا رقم‪ ...‬آه ما هو رقمك؟‪ ..‬بل ما‬
‫هو امسك؟‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ رقمي عندك بالتأكيد لكنك تريد امسي‪..‬‬
‫أنا رونا‪...‬‬
‫قال الطبيب هبمس‪:‬‬
‫ـ امسعي يا رونا هذا العالج طبقته أنا على‬
‫نفسي‪ ..‬وجن��ح جن��اح�اً ه��ائ�لاً‪ ..‬ول��و ذل��ك ملا‬
‫رأيتين هنا‪ ..‬ما رأيك؟‬
‫أجابت رونا‪:‬‬
‫ـ ح��س��ن�اً‪ ..‬ول��ك��ن عليك أن تشرحه يل أو‬
‫تبسطه على أقل تقدير حتى أوافق‪.‬‬
‫قال الطبيب‪:‬‬
‫ـ أستطيع أن أعاجلك بطرق عدة لكنها قاسية‬
‫عليك‪ ..‬وال أظن أهنا جمدية يف حالتك‪ .‬امسعي‬
‫ي��ا رون���ا ع��ل��وم ال��ط��ب النفسي تقدمت‬
‫كثرياً‪ ..‬باكتشاف الذاكرة اجلمعية وهي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪59‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫حقيقة‪ ..‬ه��ذا أو ًال‪ ..‬ث��م بالسيطرة على‬
‫احلقول الكهرومغناطيسية للجسم البشري‬
‫واس��ت��خ��دام اخرتاعاتنا يف التكنولوجيا على‬
‫الطرفني‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ً‬
‫ـ لعلي مل أفهم جيدا ماذا تقول فأنا أعمل‬
‫يف خمترب للجينات‪ ..‬وما أدراك مقدار الدقة‬
‫يف عملنا حتى أنين أحياناً أنسى امسي‪ ..‬أما‬
‫الوقت فهو تقريباً كل ساعات العمل من أجل‬
‫معادلة واحدة‪.‬‬
‫قال الطبيب‪:‬‬
‫ـ ستفهمني ذلك عملياً‪ ..‬املهم أن توافقي‪..‬‬
‫وه��ذا سر بيين وبينك‪ ..‬وعليك أن تعاهديين‬
‫على كتمان السر‪ ..‬فاملسؤولون هنا ال يهمهم إال‬
‫رجوعك سليمة‪ ..‬وإال‪...‬‬
‫ـ وإال ماذا؟ ردت رونا وهي تضحك‬
‫قال الطبيب‪:‬‬
‫ـ وإال رموك يف البحر‪.‬‬
‫قالت مبرارة‪:‬‬
‫ـ يرمونين حية فرمبا أسبح ألصل اىل الرب‪..‬‬
‫أو إىل جزيرة مل تغرق بعد‪.‬‬
‫تنهد الطبيب بارتياح وكأنه حصل على كل‬
‫الضمانات للسر بينه وبني رونا‪ .‬قال‪:‬‬
‫ـ لكنك مل تسأليين عن امسي‪.‬‬
‫أجابت مبرح مفاجئ ‪:‬‬
‫ـ أع���رف رق��م��ك‪ ..‬واس���م جمموعتك ليس‬
‫أكثر‪.‬‬
‫قال‪:‬‬
‫ـ امسي (سيل)‪ ..‬وال أدري كيف أطلقوا علي‬
‫هذا االسم ألنه يذكرني بالبحر رغم أنين قليالً‬
‫ما استخدمه‪ ،‬فنحن هنا كما تعلمني نستخدم‬
‫الرموز واألرقام ال األمساء‪.‬‬
‫ثم قال‪:‬‬

‫‪60‬‬

‫ـ سأخصص لك جلستني‪ ،‬وبعد ذلك ستعودين‬
‫بكامل الصحة وباجلاهزية الكاملة للعمل‪.‬‬
‫قالت رونا‪:‬‬
‫ـ وهل أنت متأكد؟‬
‫قال‪:‬‬
‫ـ احلقيقة‪ ..‬انه بالنسبة حلالتك اليت أجدها‬
‫للمرة األوىل يف اجل��زي��رة كلها فأنا واث��ق من‬
‫النجاح‪.‬‬
‫وأخفض رأسه‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ـ إضافة اىل أنين‪...‬‬
‫اقرتبت رونا منه‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫ـ إضافة اىل أنك كنت صاحب التجربة‪.‬‬
‫الم���س ال��ط��ب��ي��ب ي��ده��ا ال�ت�ي ت��رت��ع��ش ثم‬
‫قبلها‪..‬‬
‫مالت رونا برأسها فوق كتفها‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫ـ عليك أن حت��دد اجل��ل��س��ات ومواعيدها‬
‫وعددها وأنا على أكمل استعداد‪.‬‬
‫تقول رونا وهي تشعر بإحساس غامض حنو‬
‫الطبيب‪:‬‬
‫ـ امسع يا سيل‪ ..‬أنا ال أريد أن أكون مريضة‪..‬‬
‫أال تقولون إن الوقوع يف املرض هو مرض حبد‬
‫ذاته؟ وأنا لدي مشاريع كثرية يف عملي‪.‬‬
‫يقول الطبيب وقد شعر هو اآلخر بإحساس‬
‫غامض‪:‬‬
‫ـ تنادينين ب��امس��ي؟ ه��ذا ج��ي��د‪ ..‬ان��ه أول‬
‫مراحل العالج‪ ..‬البد من ارتياح املريض عموماً‬
‫ملا يقوم به الطبيب‪ .‬وما أحس به اآلن هو أكثر‬
‫من ارتياح‪ ..‬إنه عاطفة من نوع ما‪ ..‬أو لعلها‬
‫األرواح كما كانوا يقولون يف قرون مضت فيما‬
‫كانوا يسمونه وراء الطبيعة أو امليتافيزيك‪ .‬على‬
‫أي ح��ال ليست اإلرادة يف امل��رض أو عدمه‪..‬‬
‫إهنا يف الشفاء‪ ..‬ومادامت األمور بيننا هكذا‪..‬‬
‫فسأشرح لك طريقيت يف العالج‪ ..‬إهنا عبارة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫عن جلستني‪ :‬األوىل هي املسموح هبا حالياً‬
‫واملعتمدة واليت جنحت بعد التجارب‪ ..‬واألخرى‬
‫حديثة ج��داً‪ ..‬وحتتاج اىل متطوعني من نوع‬
‫خاص‪ ..‬وقد كنت أنا املتطوع األول‪.‬‬
‫تسأل رونا‪:‬‬
‫ـ وكم متطوع جاء بعدك‪.‬‬
‫جييب بصوت منخفض‪:‬‬
‫ـ رمبا أكون األخري‪ ..‬من يدري؟!‬
‫تسأله رونا من جديد‪:‬‬
‫ـ وهل هناك عالقة بني اجللستني؟‬
‫يتهلل وجه الطبيب‪ ،‬وجييب‪:‬‬
‫ـ ط��ب��ع �اً‪ ..‬األوىل ه��ي اس��ت��خ��دام الذاكرة‬
‫اجلمعية بالصوت فقط‪ ..‬وهي إجن��از عظيم‬
‫بعد التكلم أثناء التنويم‪ ،‬وعندما يفيق املريض‬
‫ال يتذكر شيئاً‪ ..‬وإمنا الطبيب هو الذي يسمع‬
‫كل شيء‪.‬‬
‫تقول رونا‪:‬‬
‫ـ هذه طريقة قدمية على ما أعتقد‪ ..‬أريد أن‬
‫أعرف طريقة عالجك اآلن بالذاكرة اجلمعية‪.‬‬
‫يقول‪:‬‬
‫ـ اع�ني أن امل��ري��ض يسمع ص��وت الشخص‬
‫ال��ذي يستدعيه من ال��ذاك��رة اجلمعية‪ ..‬وأنا‬
‫أسجل على الشريط االلكرتوني كل اإلجابات‪.‬‬
‫تقول رونا حبماسة‪:‬‬
‫ـ وماذا عليّ أن أفعل؟‬
‫يقول‪:‬‬
‫ـ بعد أن أدخلك يف األجهزة الالزمة‪ ..‬عليك‬
‫بعد أن تري املؤشر ينقلب من اللون األمحر اىل‬
‫األزرق أن تطليب من تريدين‪.‬‬
‫تقول رونا جبرأة‪:‬‬
‫ـ أريد أمي بالطبع‪.‬‬
‫جييب‪:‬‬
‫ـ هذا يتعلق بك‪ ..‬ولكن انتبهي‪ :‬أنا لن أمسع‬

‫صوت أمك بل اجلهاز هو الذي يسجله‪ ..‬ثم إنين‬
‫بالتايل لن أمسع سؤالك‪.‬‬
‫تقول‪:‬‬
‫ـ إذن‪ ..‬ما هي مهمتك؟‬
‫يضحك ويقول‪:‬‬
‫ـ ضبط األج��ه��زة ي��ا رون���ا‪ ..‬وعند االنتهاء‬
‫من اجللسة س��وف تسمعني كل اإلج��اب��ات عن‬
‫أسئلتك‪ ..‬وبصوت أمك أيضاً‪.‬‬
‫تنتفض رونا من مكاهنا‪ ،‬وتقول‪:‬‬
‫ـ وهل أستطيع أن احتفظ بالشريط؟ أريد أن‬
‫أطلع عليه شريكي‪.‬‬
‫يقول‪:‬‬
‫ـ هذا ممنوع‪ ..‬ومع ذلك سأجتاوز هذا املنع‬
‫ملدة تكفي لذلك‪.‬‬
‫تسأل‪:‬‬
‫ـ وهل أعيد لك الشريط؟‬
‫يضحك وجييب‪:‬‬
‫ـ ال فرق‪ ..‬ألنه بعد مدة معينة سيزول عنه‬
‫كل شيء وكأنه صدى أو كأنه من مادة أثريية‪.‬‬
‫تشعر رونا بلهفة شديدة للتجربة‪ ،‬وتقول‪:‬‬
‫ـ كم سيستغرق ذلك يا دكتور؟‬
‫يقول بصوت ملؤه احلنان‪:‬‬
‫ـ أنت اآلن مريضيت املدللة‪ ..‬وحنن أصدقاء‪..‬‬
‫جيب أن تناديين بامسي‪ ..‬أمل تفعلي؟‬
‫وبعد أن تأخذ رونا كل استعدادها للجلسة‬
‫األوىل تشعر أن جسدها كله ينتفض كما لو مسه‬
‫تيار‪ ..‬وأن العرق يتصبب من كل خاليا جسدها‪.‬‬
‫تغمض عينيها الراجفتني‪ ..‬وتستسلم للتجربة‪..‬‬
‫ومل تعد تدري ما الزمن؟ ما اجلسد؟ ما العمل؟‬
‫تنادي‪:‬‬
‫ـ أم���ي‪ ..‬م��ام��ا‪ ..‬س��ي��دة الضياء كما كانوا‬
‫ينادونك‪ ..‬لوميري‪ ..‬لوميري‪..‬‬
‫ً‬
‫يأتي صوت أمها هامسا كما لو انه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪61‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫من حلم‪:‬‬
‫ـ رونا‪ ..‬هل تنادينين؟‬
‫تقول‪:‬‬
‫ـ نعم يا أمي‪ ..‬أنا ناديتك‪ ..‬بأمي‪ ..‬وماما‪..‬‬
‫وباألمساء اليت كانوا ينادونك هبا‪.‬‬
‫جتيب األم‪:‬‬
‫ـ أح��ب اس��م سيدة العمر ال� ّ‬
‫�وض��اء‪ .‬أمل يكن‬
‫عمري‪ ..‬أمل يصبح عمري وضاءً بعد كل ما مر‬
‫معي؟‬
‫تسأل رونا‪:‬‬
‫ـ وما الذي مر معك‪ ..‬مل حيدثين أحد‪ ..‬وال‬
‫أع��رف شيئاً‪ ..‬كل ما أعرفه أن��ك من املاضي‬
‫احملظور الذي جيب أال نطلع عليه حنن أبناء هذا‬
‫اجليل‪.‬‬
‫تقول األم بصوت أكثر مهساً‪:‬‬
‫ـ ذلك ألننا حنن أبناء اجليل الذي صنع لكم‬
‫هذا العامل وأنتم تعيشون فيه‪ ..‬أي مدينة الزجاج‬
‫أو جزيرة الزجاج ال فرق‪ .‬عندما أنقذونا وحنن‬
‫أطفال من كارثة املد البحري الرهيبة‪ ..‬التقطونا‬
‫مثل امساك على وشك االختناق‪ ..‬ثم جاؤوا بنا‬
‫اىل هذه الكرات الزجاجية مثل أمساك يف سالل‬
‫أي��ض�اً‪ ..‬ك��ان الصغار ج��داً يبكون ويصرخون‪..‬‬
‫ومل يكن ه��ن��اك ط��ع��ام أو إرض����اع‪ ..‬أم��ا األكرب‬
‫من ه��ؤالء فكانوا خيمشون بعضهم بعضاً‪ ،‬أو‬
‫يعض أحدهم اآلخر طلباً للطعام‪ .‬ومتنى بعض‬
‫املشرفني على اجلزيرة الزجاجية لو يلقوننا يف‬
‫البحر ويسرتحيون‪ ..‬لوال أن رئيس الفريق يف‬
‫البناء استعمل أسلوب العنف مثل ربان سفينة‪..‬‬
‫وأمر اجلميع أن يطعموا األطفال من حصصهم‬
‫اليت كانت تأتي بالطائرات وهي قليلة جداً‪..‬‬
‫أم��ا الصغار الرضع فسقوهم امل��اء مع السكر‬
‫أو بعض احمللول جللب النوم وال��ذي يستخدمه‬
‫العمال املتعبون كثرياً‪ .‬بقينا على هذه احلال أياماً‬

‫‪62‬‬

‫طويلة‪ ..‬وملا كنت أنا أكرب هؤالء األطفال فقد كنت‬
‫أراهم حينما ميوتون هزاالً وجوعاً فريموهنم يف‬
‫البحر‪ ..‬وقررت أن أعيش رغم كل شيء‪ ..‬ال أقول‬
‫سرقت بعض الطعام لكين كنت أغامر باخلروج‬
‫من املكان الذي كنا فيه ويشبه حوض السمك‬
‫واململوء بالروائح الكريهة وال��ق��اذورات‪ ،‬وأتسلل‬
‫اىل مكان العمال فأغتسل وأش��رب‪ ،‬وإن وجد‬
‫بعض الطعام كنت أتناوله وأنا يف مكاني حتى‬
‫ال يالحظ أحد أن معي شيئاً لو خرجت‪ ..‬أو أن‬
‫يهجم علي أحد األطفال اجلائعني مثل القطط‬
‫الوحشية فيخطفه مين‪.‬‬
‫وتسأل رونا‪:‬‬
‫ـ وكم بقيتم هكذا؟‬
‫جتيب األم‪:‬‬
‫ـ ال أدري‪ ..‬املهم أنين وجدت نفسي بعد شهور‬
‫مع عدد من البنات يف مثل عمري نقوم ببعض‬
‫األعمال اليت يطلبها رئيس فرقة العمل‪ ..‬وكنا‬
‫خناف‪ ..‬ونبكي‪ ..‬ومتتنع واحدة أو أكثر منا عن‬
‫العمل وخاصة إذا كان فيه أسالك كهرباء أو تلك‬
‫املعدنية الرقيقة جتنباً ل�لأذى‪ ..‬وق��د أصيبت‬
‫بعض رفيقاتي‪ ..‬وحلق هبن الضرر‪ ..‬ومنهن من‬
‫انتحرن فرمني بأنفسهن اىل البحر‪ ،‬ومل يبق سوى‬
‫اثنتني أنا واح��دة منهما‪ .‬ويبدو انه كان هناك‬
‫مكان يف آخر املدينة للذكور‪ ..‬وهم مثلنا يعانون‬
‫ويتعذبون‪ ..‬ويف م��رة استطاع احدهم وامسه‬
‫(سيميو) أن يتخطى األعمدة املعدنية واألسالك‬
‫ال�تي بنوا عليها هيكل املدينة الزجاجية بكل‬
‫كراهتا‪ ..‬ووصل اىل حيث كنت أقف أمام نافذة‬
‫ممنوع عليّ ملسها فكيف أن أفتحها؟ ل��وح يل‬
‫بيده‪ ..‬ومددت يدي االثنتني وساعدته للوصول‬
‫إيل‪ ..‬وتعارفنا‪ .‬وكلما تقدم البناء كنا هنرب أحدنا‬
‫حنو اآلخر‪ ..‬ومنضي الوقت املخصص لنومنا يف‬
‫السهر‪ ..‬إنه أب��وك يا رون��ا‪ ..‬أب��وك‪ ..‬وهو الذي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫أطلق علي اسم سيدة العمر ّ‬
‫الوضاء‪.‬‬
‫خترج رونا من املركز الطيب النفسي متوجهة‬
‫اىل بيتها ومعها الشريط الذي سجل هلا كل شيء‬
‫وهي يف حوار داخلي مع ذاهت��ا‪ .‬هل تطلع عليه‬
‫رانيو أم ال؟‪ ..‬قررت أال تفعل‪ ..‬فلكل منهما حياته‬
‫اخلاصة‪ ..‬واستغربت أن تستخدم هذه الكلمة‬
‫لعلها مسعتها من أمها يف ذلك اللقاء على صعوبة‬
‫اإلملام بكل شيء قالته هلا‪ ،‬وتذكرت كلماهتا‪:‬‬
‫ـ بعد أن تعرفت اىل وال��دك طرحت مهومي‬
‫كلها جانباً‪..‬‬
‫وضحكت وأضافت‪:‬‬
‫ـ وال أق��ول يف البحر‪ ..‬ألن البحر التهم كل‬
‫شيء‪.‬‬
‫وملا كانت رغبتها قوية يف أن تسمع الشريط‬
‫يف بيتها‪ ..‬فقد شدت عليه‪ ..‬ولكن ماذا لو كان‬
‫رانيو يف البيت؟ يف مثل هذه الساعة ال يذهب‬
‫اىل عمله‪ ..‬إذن عليها أن ترمي الشريط مع‬
‫هلفتها يف البحر‪ ..‬إمنا كيف؟‪ ..‬ال يوجد نوافذ‪..‬‬
‫ماعدا تلك املثبتة يف أعلى اجلدار الكروي واليت‬
‫تنفتح اتوماتيكياً لدقائق ثم تنغلق‪ ..‬هكذا يف كل‬
‫قسم من مدينة الزجاج أو اجملمع‪ .‬ال تدري كيف‬
‫تفجرت فيها قوة غريبة فتسلقت فوق األسالك‬
‫املعدنية ال��ب��ارزة‪ ،‬وأوشكت على السقوط أكثر‬
‫من مرة‪ ،‬وملا انفتحت النافذة ألقت بالشريط‪..‬‬
‫وهبطت مثل حيوان آيل‪ ..‬ثم نظرت إىل حيث‬
‫ألقت الشريط فلمحت بعد برهة ض��وءاً أزرق‬
‫خي��رج م��ن امل��اء ث��م يتشكل على هيئة ام���رأة‪..‬‬
‫هل هي أمها اليت أوصت أال يرموها يف البحر‬
‫مباشرة بل أن حيرقوها ويذرّوا رمادها يف املاء؟‬
‫رمبا كان األمر كذلك‪ ..‬البد أن تطلب من طبيبها‬
‫تفسرياً هلذا‪.‬‬
‫ومل��ا وص��ل��ت أم���ام بيتها ك��ان��ت ت��ت��داع��ى من‬
‫التعب‪ ..‬ملست اجلدار املخصص لفتح األبواب‪..‬‬

‫وملا أرسلت صوهتا انفتح ووجدت نفسها يف بيتها‬
‫فهوت اىل األرض‪ .‬وملا فتحت عينيها كان رانيو‬
‫أمامها ببذلة زرق��اء ماسية وه��و ال��ذي ق��ال هلا‬
‫إنه ذاهب اىل املطار يف مهمة خطرية مع رفاقه‬
‫ذلك أن اجلزر البعيدة يرتصدها املد البحري‪..‬‬
‫وأهنم سيخطرون سكاهنا بذلك‪ ..‬ولو أراد بعضهم‬
‫اهلرب فسيأتون هبم اىل جزيرهتم هذه‪.‬‬
‫مل تشعر رونا بأي اهتمام مبا مسعت‪ ..‬وتركت‬
‫رانيو يذهب دون كلمة وداع‪ .‬رأسها كان ممتلئاً‬
‫بتلك الفكرة املدهشة واألخاذة اليت حدثها عنها‬
‫الطبيب‪ ..‬وهي أن تدخل اىل املشهد عرب الذاكرة‬
‫اجلمعية حلادث املد البحري اهلائل الذي أفنى‬
‫جزيرهتم األصلية‪ ..‬وجعل العلماء واملهندسني‬
‫واملخرتعني يبنون هذه املدينة العجيبة‪ ..‬مدينة‬
‫الزجاج‪ ..‬أو جزيرة الفضاء‪.‬‬
‫ضغطت على زر صغري حيمل رقم املركز الطيب‬
‫النفسي‪ ..‬وجاءها صوت الطبيب‪:‬‬
‫ـ هيه‪ ..‬هل قررت أن تدخلي التجربة؟‬
‫وملا أجابته بنعم‪ ،‬وبإصرار منحها مدة دقائق‬
‫ريثما يهيئ األجهزة الالزمة‪ ..‬لكنه أوصاها أن‬
‫تأتي اليه عرب ذلك النفق املظلم اصطناعياً‪.‬‬
‫مجعت رون��ا ك��ل ارادهت���ا وك��ل شجاعتها كما‬
‫مسعت من أمها‪ ..‬وقالت لنفسها إن أمها حتمل‬
‫اسم العمر الوضاء أما هي فما الذي ستحمله من‬
‫األمساء؟ املرأة اليت اخرتقت الزمان رغم وجودها‬
‫يف املكان؟‬
‫الطبيب يقول‪:‬‬
‫ـ حسناً‪ ..‬علينا أن هنيئك نفسياً‪ ..‬وأن نفرغ‬
‫ذاك���رت���ك م��ن ك��ل ش����يء‪ ..‬وأن ي��ك��ون جسدك‬
‫مرختياً‪ ..‬وخفيفاً كأنك ال متلكينه‪ .‬وأهم شيء هو‬
‫أن حتتملي ذلك الدوار الشديد الذي سيصيبك يف‬
‫املرحلة األوىل كما لو أنك يف عاصفة‪ .‬أما‬
‫األصوات فهي صفري قوي أوالً‪ ..‬ثم تصبح‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪63‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫طنيناً ختفت حدته تدرجيياً حتى ال تعودي على شكل حلزوني حتى يسلمها اجلهاز األخري‬
‫تشعرين به‪ .‬مدة التجربة مفتوحة مبقدار دخولك اىل شاشة مبهرة يف ضيائها وهي تدور بسرعة‬
‫وخروجك اىل ساحة الزمن الكهرومغناطيسية‪ ..‬هائلة‪ ..‬وما هي إال ثوان‪ ..‬حتى رأت كل شيء‪.‬‬
‫بل اىل احلقل ال��ذي ح��دده اجلهاز‪ .‬تعرفني أن‬
‫(الفصل الرابع)‬
‫كل شيء ال يضيع يف الطبيعة‪ ..‬وال يفنى‪ ..‬إمنا‬
‫يتبدد وميكن جتميعه مرة اخرى‪ ..‬ورمبا نستطيع‬
‫(املشــهد األخري)‬
‫يف املستقبل أن نلتقط مشاهد احلروب وصور‬
‫رون����ا‪ ..‬رون����ا‪ ..‬أخ���ذت أن���ادي ب��امس��ي فال‬
‫األبطال أو من نريد بعد حتديد احلقل الزمين‪.‬‬
‫امس��ع ص��وت��ي‪ ..‬وال ال��ص��دى‪ ..‬أط�ير يف اهلواء‬
‫تقول رونا بصوت راجف‪:‬‬
‫ـ جتربة الذاكرة اجلمعية األساسية معروفة‪ ..‬فتتقاذفين أمواج األثري‪ ..‬وكأنين يف عاصفة‪ ..‬يف‬
‫ومنذ سنني طويلة اخرتع (جون هابارد) جهازا عرض البحر كنت‪ ..‬مسعت أصواتاً مثل زجمرة‬
‫الوحوش‪ ..‬ارتفعت األم��واج بقوة عالياً‪ ..‬عالياً‬
‫لرصدها‪ ..‬واعتقد أن األمر هنا خمتلف‪.‬‬
‫جداً لكنها مل تصل إيلّ‪ ..‬سفن كبرية كانت متيل‬
‫رد بسرعة‪:‬‬
‫ـ متاماً‪ ..‬هو خمتلف من حيث التطبيق العلمي على جوانبها‪ ..‬ثم يغمرها امل��اء‪ ..‬وال تلبث أن‬
‫تنحسر عنها فال يبدو منها إال أجزاء قليلة يلتمع‬
‫ولو أن املبدأ واحد‪.‬‬
‫وتركها وه��ي ترجتف مثل سلك كهربائي‪ ..‬فيها أضواء ثم ختتفي‪ ..‬سفن صغرية ما أسرع ما‬
‫واج��ت��ازت املسافة بني بيتها واملركز من خالل كانت تغرق‪ ..‬وال تعود تظهر‪.‬‬
‫انظر اىل حيث الشواطئ فال أرى إال مياهاً‬
‫النفق يف حلظات حتى وصلت وكل شيء يف أمت‬
‫استعداد‪.‬‬
‫ج��ارف��ة مثل خيول يف معركة أس��ط��وري��ة‪ ..‬كل‬
‫أم��ا التوصية األخ�ي�رة فقد كانت أن عليها موجة تدفعها أخرى من ورائها فتكرب وتتعاظم‪..‬‬
‫أال تدخل يف املشهد ألهن��ا زائ��رة فقط‪ .‬ويقول تغمر كل ما لونه غري اللون األزرق‪ ..‬ترى أين هي‬
‫األبنية والعمارات الشاهقة‪ ..‬والفنادق؟‪ ..‬بل أين‬
‫الطبيب‪:‬‬
‫ـ إهنم أثرييون‪ ..‬أما أنت فالزلت من املادة‪ ..‬هم البشر؟‬
‫مهما كانت روحك شفافة‪ ..‬ومهما كانت األجهزة‬
‫حتملين م��وج��ة م��ن ال��ري��ح ه��ذه امل���رة‪ ..‬أرى‬
‫بارعة يف االلتقاط‪ ..‬انظري اىل كل ما تريدين‪ ..‬أشجاراً تتكسر كما لو أهنا من العيدان‪ ..‬أرى‬
‫وال تستغربي مثالً أن جدتك لن تراك أو تتعرف النخيل يتهاوى مثل أناس يسحبون من شعورهم‬
‫اليك‪ ..‬ألنه أثناء املشهد مل تكن تعرفك‪ ..‬فال أنت ليتمرغوا ال بالرتاب‪ ..‬بل باملاء‪ .‬امسع صرخات‪..‬‬
‫حفيدهتا وال هي جدتك‪ ..‬انظري حيث تريدين‪ ..‬وعويالً‪ ..‬وبكاء وحنيباً‪ ..‬وزعيق أطفال‪ ..‬وكل‬
‫وخالل الزمن الذي تريدين على أال يتجاوز عشر أنواع التعبري عن الفزع اإلنساني‪ .‬أرى أشخاصاً‬
‫ث��وان‪ ..‬وما عليك إذا أردت أن تتذكري املشهد مثل أقزام يدفع بعضهم بعضاً اىل األمام‪ ..‬ولكن‬
‫فيما بعد سوى أن تضغطي على الزر األمحر‪ .‬أي أم��ام؟!!‪ ..‬مل يعد هناك سوى املوج يبتلعهم‬
‫مثل أمساك صغرية‪ ..‬أحرك ذراعي ألهبط اىل‬
‫مفهوم؟‪ ..‬حظاً حسناً‪ ..‬واىل أن تعودي‪.‬‬
‫وتدخل رون��ا يف حلقة من األجهزة املخيفة مدينة‪ ..‬أي مدينة‪ ..‬الساحل املمتد الذي بدا يل‬

‫‪64‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫كأنه ال ينتهي‪ ..‬يبدأ ببقعة وينتهي عند نقطة‬
‫ه��ي امل���اء‪ ..‬ال أب��ذل ج��ه��داً ك��ب�يراً وإمن��ا أتلمس‬
‫شعري وكتفي فإذا أنا يف معامل مدينة‪ ..‬لكنها‬
‫غ��ارق��ة يف امل��اء وال��ن��اس يتخبطون يف حماولة‬
‫إلنقاذ أرواحهم‪.‬‬
‫أطري مثل شعاع‪ ..‬حتملين حزمة منه بعيداً‬
‫عن الشاطئ‪ ..‬ادخ��ل املدينة‪ ..‬متناقضة هذه‬
‫املدينة‪ ..‬بني أبنية عالية سامقة‪ ..‬وبيوت فقرية‪..‬‬
‫بني فنادق فخمة وأكواخ يصرخ فيها البشر‪ .‬يف‬
‫الطوابق العليا من البيوت والفنادق أن��اس يف‬
‫الشرفات وبني النوافذ يلوحون بأيديهم وينظرون‬
‫اىل البعيد حيث البحر اهلائج‪ ..‬أطفال يلتصقون‬
‫بأمهاهتم وآبائهم ورمبا مبن جيدونه أمامهم‪.‬‬
‫هواء له صفري مثل أج��راس اإلن��ذار يدوي‪..‬‬
‫ن��س��اء يلطمن ومي��زق��ن أث��واهب��ن‪ ..‬مجيعهم يف‬
‫مأزق‪ ..‬املاء يرتفع ويرتفع‪ ..‬وجيرف معه الشجر‬
‫واحل��ج��ر‪ .‬اهبط اىل األدوار السفلية‪ ..‬أثاث‬
‫البيوت يعوم ف��وق مياه داك��ن��ة‪ ..‬جثث تطفو‪..‬‬
‫وان�ين حمتضرين ومسنني وبكاء أط��ف��ال‪ ..‬هل‬
‫بيت أهلي واحد من هذه البيوت املنكوبة؟‬
‫وببطء شديد أتنقل بينها حتى حيملين باب‬
‫خملوع من جذوره إىل حبرية املاء املختلط بثياب‬
‫منفوخة عائمة‪ .‬ال أدرك أن يف هذه الثياب أناساً‬
‫أم ال‪ ..‬أجتاوز البحرية ألجد نفسي كما لو أنين‬
‫أمام حوض للجثث يف أحد املستشفيات‪.‬‬
‫أملح عموداً يكاد يتهاوى وقد تعلقت به امرأة‬
‫يف منتصف العمر تضم طفلة اىل صدرها وقد‬
‫ب��دت مستسلمة ل��ق��دره��ا‪ ..‬أدور حن��و اجلهة‬
‫االخرى‪ ..‬ترفع الطفلة عينيها وتنظر إيل‪ ..‬أشعر‬
‫بصدمة قوية‪ ..‬كم تشبهين وأنا طفلة!!‪ ..‬هل هي‬
‫أمي ورمبا هذه املرأة هي جدتي؟ رمبا كل منهما‬
‫ال تنظر إيل‪ ..‬مل ترياني بالطبع‪ ..‬أملس بيدي‬
‫قميص الطفلة امل��م��زق‪ ..‬كأنين المست تياراً‬

‫كهربائياً‪ ..‬انتفض أنا وال تتحرك هي‪ ..‬أصرخ‪:‬‬
‫أنا رون��ا‪ ..‬رون��ا‪ ..‬أيتها الطفلة اليت ستصبحني‬
‫أمي‪.‬‬
‫أم���ي امس��ه��ا رون��ي��ك��ا‪ ..‬أن�����ادي‪( :‬رونيكا)‪.‬‬
‫تضع الطفلة رأسها يف صدر أمها وتبكي بكاءً‬
‫خمنوقاً‪ .‬أصرخ من جديد‪ :‬يا ام��رأة‪ ..‬هل اسم‬
‫ابنتك رونيكا؟‪ ..‬تتلفت امل��رأة حوهلا وهي ترى‬
‫املاء يتدفق خارجاً بعيداً عنها‪ ..‬كأمنا الحت هلا‬
‫فرصة للنجاة‪ ..‬تتكئ فوق ابنتها‪ ..‬ال يلبث العمود‬
‫أن ينهار لكنها كانت قد ابتعدت عنه قليالُ‪ ..‬املاء‬
‫يتناثر فوق املرأة وهي تتشبث بطفلتها‪.‬‬
‫مل حيدثين أحد عن جدتي وال كيف ماتت‪..‬‬
‫وال حدثوني عن أمي أيضاً‪ ..‬فكل هذه احلكايات‬
‫احملزنة املفجعة غابت مع أصحاهبا‪.‬‬
‫ختوض املرأة يف املاء‪ ..‬تتعثر بأثاث كوخ منهار‪..‬‬
‫وب��أدوات مطبخ تطفو‪ ..‬تصل اىل جثة رجل يف‬
‫منتصف العمر أيضاً على ما يبدو‪ ..‬انقلب على‬
‫ظهره وقد مد يديه وانفرجت ساقاه‪ ..‬متسك‬
‫الطفلة بيد وتسحب اجلثة من قميص منتفخ‬
‫باملاء وهي تصرخ‪( :‬زوجي‪ ..‬زوجي‪ ..‬اختنق‪ ..‬مل‬
‫يبق يل أح��د)‪ ..‬وكما ضمت الطفلة يف حماولة‬
‫اخل��روج من أي فتحة جتدها متاسكت وقالت‪:‬‬
‫(رونيكا‪ ..‬حبيبيت‪ ..‬سوف ينقذنا اهلل)‪.‬‬
‫عند ذلك فهمت أهنا جدتي‪ ..‬وأن ابنتها هي‬
‫أم��ي‪ ..‬ختبطتُ يف امل��اء معها‪ ..‬وم��ع الطفلة‪..‬‬
‫وكشفت عن ساقيها حتى بدا بطنها‪ ..‬أخرجت‬
‫املاء من فمها وسحبت نفساً عميقاً حتى عثرت‬
‫على الفتحة‪ ..‬وصلت اىل زقاق خلفي تعوم فيه‬
‫األكواخ‪ ..‬جتاوزهتا هبدوء وأنا معها والطفلة كأمنا‬
‫هي غائبة عن الوعي حتى وصلت اىل زقاق أكرب‬
‫ليس فيه من املياه سوى القليل‪ ..‬انطرحنا أرضاً‪..‬‬
‫وإذا موجة هواء الذع تطردني عنها وأنا‬
‫أردد بال انقطاع‪( :‬أم��ي‪ ..‬ج��دت��ي)‪ ..‬وال‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪65‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العمـر الوضـاء‪ ..‬يف جزيرة الفضـاء‬
‫أجد نفسي إال يف أحد املستشفيات البعيدة‬
‫أج��ول بني املصابني واملرضى والذين يشهقون‬
‫بالدموع والسعال‪ ..‬مل يكن هناك أطباء‪ ..‬وال‬
‫مم��رض��ات‪ ..‬ول���وال الالئحة على ال��ب��اب شبه‬
‫املخلوع ملا عرفت أنين يف مستشفى‪.‬‬
‫جوليت يف املستشفى سريعة وغاضبة وليس‬
‫فيها أي بريق ألم��ل م��ا‪ .‬اشعر أن�ني أن��ا أيضاً‬
‫أسعل وأهل��ث‪ ..‬تنسدل أستار سوداء بيين وبني‬
‫ما حويل‪ ..‬يتالمع بريق يف دوائر مثل دوامة‪..‬‬
‫إنه اإلنذار يل أنه جيب أن أعود‪ ..‬ميتد الربيق‪..‬‬
‫يتسع حتى يصبح مرآة عمالقة‪ ..‬أمسع أصواتاً‬
‫خفيفة وبعيدة‪ .‬هل هو صوت شريكي أو الطبيب‬
‫أو صوتي أنا يصدر عين؟‪ ..‬أغمض عيين‪ ..‬أمد‬
‫ي��دي ب��ض��راع��ة ك��أن�ني أري���د ال��ع��ودة إىل عاملي‬
‫احلقيقي‪ ..‬عامل احلياة فأنا هنا أكثر غموضاً‬
‫وسرية من شبح‪ ..‬رمبا يصدر الشبح حركة أو‬
‫صوتاً‪ ..‬أما أنا فال‪ ..‬ما فائدة مغامرتي هذه يف‬
‫اخرتاق الزمن األثريي ألشهد الفاجعة البشرية‬
‫البعيدة يف الزمن حتى مل يعد هلا قيمة؟!!‪..‬‬
‫وإذا كان لنا حنن البشر أن نعيش لنموت‪ ..‬وكل‬
‫منا يف دائرته املغناطيسية‪ ..‬فهذه الدوائر مهما‬
‫فعلنا البد أن تبتعد إحداها عن االخ��رى‪ ..‬إنه‬
‫سر الكون‪ ..‬سر الكون‪.‬‬
‫وبينما أردد ه��ذه العبارات مل أج��د نفسي‬
‫إال وأنا بني األجهزة‪ ،‬وطبييب ينتظرني‪ ،‬يهتف‬
‫قائالً‪:‬‬
‫ـ هيه‪ ..‬رون��ا‪ ..‬عدت يف الثانية بل اللحظة‬
‫احمل���ددة ل���ك‪ ..‬ه��ل أن��ت متعبة؟ ت��ع��ايل سوف‬
‫ت��س�ترحي�ين‪ ..‬وحت��دث��ي�ني ع��ن ك��ل ش����يء‪ ..‬عن‬
‫كل ش��يء‪ ..‬إهن��ا التجربة الثانية كما قلت لك‬
‫بعد جتربيت أن��ا‪ ..‬وس��وف أحدثك بالتايل عن‬
‫جتربيت‪.‬‬
‫بعد وقت ال أدري مداه كنت أحتسس أعضاء‬

‫‪66‬‬

‫جسدي كلها‪ ..‬أنظر إىل الثوب الفضفاض بلون‬
‫امل��اء املتماوج ال��ذي ألبسين إي��اه الطبيب‪ .‬انزع‬
‫األسالك واألزرار اليت وضعها يل يف الثوب وذلك‬
‫اجلهاز العجيب الغريب ال��ذي ألصقه برأسي‪.‬‬
‫أفتح عيين من جديد‪ ..‬وكأنين أولد من جديد‪.‬‬
‫أقول للطبيب بعد أن انتهى كل شيء‪:‬‬
‫ـ لن أحدثك عن جتربيت أيها الصديق‪ ..‬هل‬
‫هي هامة أو ضرورية لك؟‬
‫يقول بصوت منخفض‪:‬‬
‫ـ ال‪ ..‬أب��داً‪ ..‬أمل أقل لك إهنا جت��ارب سرية‬
‫وال تتجاوز واحدة عندك وأخرى عندي‪ .‬على أي‬
‫حال هذه بداية لعلوم سوف تتطور يف املستقبل‬
‫كما قلت لك‪.‬‬
‫أضفت‪:‬‬
‫ـ واعذرني إذا قلت لك إنين ال أريد أن استمع‬
‫إىل جتربتك أنت‪ ..‬لعله حلم‪ ..‬أو كابوس كما كانوا‬
‫يقولون ألنين مل أعرف األحالم أو الكوابيس‪.‬‬
‫يقول هبدوء‪:‬‬
‫ـ هل تريدين أن تأخذي الشريط الذي سجل‬
‫صوتك أن��ت وحركتك أثناء مغامرتك األثريية‬
‫هذه؟‬
‫أقول‪:‬‬
‫ً‬
‫ـ وكل هذا ال أيضا‪ ..‬أنا متعبة حتى اهلالك‪..‬‬
‫إمنا سأسجل لك بصوتي على جهازك السري‬
‫اخلاص عبارات قصرية‪.‬‬
‫وقبل أن أغ��ادر مركز الطب النفسي‪ ،‬وأودع‬
‫صديقي الطبيب‪ ،‬أردد بصوت كأمنا هو آت من‬
‫عامل آخر‪:‬‬
‫ـ أن��ا رون���ا‪ ..‬اب��ن��ة الطبيعة ال�تي ول���دت من‬
‫الكارثة‪ ..‬ال بل أنا حفيدهتا‪ .‬رأيت جدتي عنوان‬
‫الكارثة السوداء‪ ..‬وأمي ذات العمر ّ‬
‫الوضاء‪ ..‬أما‬
‫أنا‪ ..‬فأنا ابنة مدينة الفضاء‪ ..‬أو جزيرة الزجاج‬
‫العائمة يف اهلواء‪ .‬التوقيع رونا‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حمطة‬
‫توت عنخ آمون‬
‫توت عنخ أمون كان أحد فراعنة األسرة املصرية الثامنة‬
‫عشر يف تاريخ مصر القديم ‪ ,‬و كان فرعون مصر من ‪1334‬‬
‫إىل ‪ 1325‬ق‪.‬م‪ .‬يف عصر الدولة احلديثة‪ .‬يعترب توت عنخ‬
‫أمون من أشهر الفراعنة ألسباب ال تتعلق باجنازات حققها‬
‫أو ح��روب انتصر فيها وامن��ا ألس��ب��اب أخ��رى ال تعترب‬
‫مهمة من الناحية التارخيية ومن ابرزها هو اكتشاف‬
‫مقربته وكنوزه بالكامل دون اي تلف واللغز الذي احاط‬
‫بظروف وفاته حيت اعترب الكثري وفاة فرعون يف سن‬
‫مبكرة جدًا امرا غري طبيعي وخاصة مع وجود آثار‬
‫لكسور يف عظمي الفخذ و اجلمجمة و زواج وزيره‬
‫من ارملته من بعد وفاته وتنصيب نفسه فرعو ًنا‪.‬‬
‫كل هذه األح��داث الغامضة واالستعمال الكثيف‬
‫ألسطورة لعنة الفراعنة املرتبطة مبقربة توت عنخ‬
‫أمون اليت استخدمت يف األفالم وألعاب الفيديو جعلت‬
‫من توت عنخ أمون أشهر الفراعنة ألسباب ال تتعلق على‬
‫األطالق باالمهية التارخيية أو ألجنازات حققه أثناء‬
‫سنواته القصرية كفرعون مصر وامنا أللغاز وأسئلة‬
‫ال جواب هلا اعتربها البعض من أقدم األغتياالت يف‬
‫تاريخ األنسان‪.‬‬
‫ت��وت عنخ أم��ون ك��ان عمره ‪ 9‬سنوات عندما‬
‫أصبح ف��رع��ون مصر و امس��ه باللغة املصرية‬
‫القدمية تعين “الصورة احلية لالله أمون»‪،‬‬
‫كبري اآلهلة املصرية القدمية‪ .‬عاش توت عنخ‬
‫آمون يف فرتة انتقالية يف تاريخ مصر القدمية‬
‫حيث أتى بعد أخناتون ال��ذي ح��اول توحيد‬
‫آهلة مصر القدمية يف شكل اإلله الواحد و‬
‫مت يف عهده العودة إىل عبادة آهل��ة مصر‬
‫القدمية املتعددة‪ .‬مت اكتشاف ق�بره عام‬
‫‪ 1922‬يف وادي امل��ل��وك م��ن قبل عامل‬
‫األث��ار الربيطاني ه��وارد كارتر و احدث‬
‫هذا االكتشاف ضجة اعالمية واسعة‬
‫النطاق يف العامل‪.‬‬
‫توت عنخ آمون بعد رمسه‬
‫على الربامج ثالثية األبعاد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪67‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬
‫حنن اآلن يف العام‪ /2091 /‬هناك‬
‫سفينة فضاء متطورة تتجه حنو‬
‫األرض يف رحلة العودة‪..‬‬
‫(( آه ياإهلي‪ ،‬بعد كل هذه السنوات اقرتب‬
‫من األرض‪ ،‬أح��س بقليب ي��زداد خفقاناً كأن‬
‫املاضي البعيد انفلت من الذاكرة‪))..‬‬
‫بدأنا نستقبل رسائلك ياسامر‪ ..‬هل أنت‬

‫‪68‬‬

‫خبري؟‬
‫ك��ان ص��وت�اً متهدجاً وصله فأحس بفرح‬
‫طاغ‪..‬‬
‫كل شيء على مايرام‪ ،‬تقرتب السفينة من‬
‫األرض بسرعة ‪ /20/‬ألف ميل يف الدقيقة‪..‬‬
‫سنصل إىل م���دار القمر بعد مخ��س عشرة‬
‫ساعة فقد‪...‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫(( حسناً‪ ..‬تابع ارس���ال رس��ائ��ل��ك‪ ..‬حنن‬
‫نرتقب عودتك بلهفة ياسامر‪))..‬‬
‫ط��اف��ت م��وج��ة م��ن األح��اس��ي��س املفعمة‬
‫باملشاعر قلبه‪ ،‬أميكن أن تكون لينا بانتظاري‬
‫بعد هذه السنوات؟ كان من املمكن أن ترافقين‬
‫يف هذه الرحلة الطويلة‪...‬‬
‫أتاه صوهتا من أعماقه‪ (( :‬احملبة والتضحية‬
‫يف سبيل اجمل��م��وع مه��ا األغ��ل��ى ق��ي قاموس‬
‫احلياة يف الكون‪))...‬‬
‫آه يالينا‪ ،‬كانت كلماتك تلك‪ ،‬شعاري خالل‬
‫رحليت الطويلة دون أن يغيب وجهك وصوتك‬
‫عين‪...‬‬
‫احمل��ط��ة امل��داري��ة القمرية (ال��ف��ا) ‪ ،‬حنن‬
‫نسمعك بوضوح‪...‬‬
‫نتجه إليكم بسرعة (‪ )20‬أل��ف ميل يف‬
‫الدقيقة‪ ،‬األجهزة تعمل بانتظام‪..‬‬
‫حسناً‪ ،‬كل شيء جاهز الستقبالك‪.‬‬
‫وب���دأ ال��ع��د ال��ت��ن��ازيل ل�لال��ت��ح��ام باحملطة‬
‫القمرية‪ ،‬ك��ان سامر حي��دث نفسه ويف قلبه‬
‫شوق جارف لاللتقاء بلينا‪ (( .‬أميكن أن تكون‬
‫هناك؟ خجلت أن أسأل عنها بالراديو‪..‬آه ))‬
‫كل احملازالت اليت أجراها لالتصال باحملطة‬
‫وهو يف رحلته البعيدة مل تنجح يف االستماع‬
‫لصوهتا‪ (( ..‬ياإهلي ‪ ،‬قليب ينبض من اخلوف‪،‬‬
‫أمن املمكن أن نلتقي بعد هذا الغياب الطويل؟‬
‫))‬
‫انفصل سامر عن احملطة الضخمة املغلغلة‬
‫يف اجمل��رة‪ ،‬وعاد يف طريقه ل�لأرض‪ ،‬كما هو‬
‫مرسوم‪ ..‬ترك يف احملطة رائدين للفضاء‪..‬‬
‫وك��ان��ا حزينني وه��و ي��غ��ادرمه��ا وك���ان ال���وداع‬
‫صعباً‪ ..‬زوداه بأشرطة مغناطيسية حتوي‬
‫معلومات هائلة عن الرحلة والكواكب البعيدة‪..‬‬

‫واملذنبات احمليطة باجملموعة الشمسية‪...‬‬
‫اق�ت�رب���ت حل��ظ��ة ال��ص��ف��ر وص����وت العقل‬
‫االلكرتوني يصله متقطعاً‪(( ،‬مخسة‪ ...‬أربعة‪...‬‬
‫ثالثة‪))...‬‬
‫كانت هناك مفاجأة يف انتظاره بعد أن‬
‫جلس مع الدكتور نادر مدير احملطة‪:‬‬
‫األوضاع تنذر باخلطر الشديد‪...‬‬
‫أميكن أن حيدث هذا؟‬
‫ً‬
‫آه يابين‪ ..‬قد تكون حربا مدمرة‪..‬‬
‫بعد هذا التطور الكبري يف ميدان أسلحة‬
‫الدمار‪...‬‬
‫نعم تصور‪ ..‬لذلك اختذ علماء احملطة (ألفا)‬
‫قراراً بعدم عودتك لألرض لفرتة حمدودة‪ ،‬يف‬
‫انتظار ماميكن أن حيدث‪..‬‬
‫أميكن أن أسألك سؤاالً؟‬
‫تفضل‪.‬‬
‫أين هي لينا اآلن؟‬
‫ً‬
‫آه‪ ..‬نسيت‪ ،‬كنت متأكدا أن��ك ستسألين‬
‫هذا السؤال‪ ،‬ولكن مهوم احلرب جعلتين أغفل‬
‫عن ذل��ك‪ ..‬آه‪ ..‬يابين‪ ..‬كنت مقصراً حبقها‬
‫ك��ان من ال��ض��روري أن تتخذ القرار املناسب‬
‫حلياتكما معاً‪ .‬وتؤجل رحلتك الطويلة تلك‪...‬‬
‫كنت مندفعاً للمغامرة رغم صوت احملبة اليت‬
‫الأشك أنه كان قوياً يف أعماقك‪ ..‬ويف أعماقها‬
‫أيضاً‪...‬‬
‫هل حدثتك عن ذلك؟‬
‫عرفت الكثري عن عذاباهتا‪ ،‬ورغم تلقينا كل‬
‫اتصاالتك‪ ،‬كنت آمل أن تسأل عنها وتستفسر‬
‫عن أحواهلا‪ ..‬مثلما تفعل‪ .‬مل تتأخر أسبوعاً‬
‫عن السؤال عنك‪...‬‬
‫ياإهلي أحس باخلجل‪...‬‬
‫الب��أس ي��اب�ني‪ ..‬لينا اآلن يف حمطة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪69‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫االس���ت���ق���ب���ال ال��رئ��ي��س��ي��ة يف الصحراء‬
‫العربية‪...‬‬
‫أريد أن أبثها رسالة ؟‬
‫حسناً‪ ..‬ستصلها رسالتك إن مل تكن يف‬
‫إجازة‪ ،‬كما أعلم‪ ،‬أمها مريضة جداً‪...‬‬
‫حسناً ياسيدي‪ ...‬سأجهز الرسالة اليت أريد‬
‫بثها وأعود حاالً‪..‬‬
‫أنا باالنتظار‪...‬‬
‫(( عزيزتي لينا‪ ...‬أمتنى أن يصلك صوتي‬
‫وأنا قريب من األرض‪ ..‬أمتنّى زرقتها من على‬
‫منت احملطة القمرية‪ ...‬وكلي أم��ل أن نلتقي‬
‫قريباً‪ ..‬كنت مغامراً مل مينعين وجهك الصبوح‬
‫ع��ن االجن����راف يف رح��ل�تي‪ ...‬دون أن أمسع‬
‫وجيب قليب‪ ..‬لست أدري كيف أعرب لك عن‬
‫ندمي وحزني بعدما ابتعدت عنك‪ ...‬يف كل‬
‫اتصال كنت أجربه‪ ..‬كنت آمل مساع صوتك‪..‬‬
‫وأحلم بك حتاورينين ويصلين صوتك العذب‬
‫يبعث يفّ األم��ل‪ ...‬دون نتيجة‪ ...‬اغفريل ‪...‬‬
‫سأبذل املستحيل أللقاك‪))..‬‬
‫كانت تلك آخر رسالة بثتها احملطة القمرية‬
‫فقد انفجرت احل��رب وك��ان��ت ح��رب�اً مدمّرة‬
‫بالسالح النووي‪ ..‬كان العلماء على منت احملطة‬
‫القمرية يراقبون ماجيري وقلوهبم تنفطر من‬
‫احلزن‪..‬‬
‫(( ياللهول‪ ،‬م��دن بكاملها ت��دمّ��ر‪ ،‬يتناثر‬
‫حطامها يف اجلو‪ ..‬ماليني من البشر يزالون‬
‫من الوجود بطرفة عني بعد انفجارات مرعبة‪..‬‬
‫حفر هائلة االتساع تنفتح ‪ ،‬أشجار حمرتقة‪،‬‬
‫حيوانات متفحمّة‪ ..‬كانت املناظر اليت ينقلها‬
‫التلفزيون الالزري تفوق الوصف‪)).‬‬
‫هل ال��ذي حيدث حقيقي؟ ياللهول‪ ..‬كيف‬
‫عشت إىل هذه اللحظة القاسية املرعبة اليت‬
‫أرى فيها م���احي���دث؟‪ ..‬ب���دأ اإلن��س��ان يدمر‬

‫‪70‬‬

‫تراثه‪ ...‬القيم اإلنسانية السمحة تباد اآلن‪..‬‬
‫ق��د تنمو البشرية يف جحر اخل��ل��د؟ تتشكل‬
‫مبالمح جديدة‪ .‬يالقليب التعس‪ ..‬كأنين أراك‬
‫يالينا ممدّدة تتعذبني‪ ..‬عندما كنت طفالً رأيت‬
‫سيارة تدهس بقرة‪ ،‬وكنت أحلم أحياناً أنين‬
‫وراء مقود السيارة والعجالت متر فوق البقرة‪،‬‬
‫كأنين أراك اآلن ممدّدة حتت عجالت السيارة‬
‫وأنا أقودها‪ ..‬آه ‪ ..‬مل يبق إال الذكريات املرّة‪،‬‬
‫فكيف نعيش يف أرض قاحلة؟‪..‬‬
‫شوقنا إىل املثل األعلى ويأسنا الدائم من‬
‫ذلك‪ ،‬حولنا إىل نادبني معولني عويل الكائنات‬
‫الوحيدة املفكرة يف صحراء هذا الكون البارد‪..‬‬
‫حب��ر مضطرب ال��ع��واص��ف‪ ..‬وع��ل��ى سطحه‬
‫جثث الحتصى من احليوانات املائية‪ ..‬زالزل‪..‬‬
‫إشعاعات فتاكة مدمرة خياالت مشوهة ألناس‬
‫جاحظي األعني‪ ،‬ميشون بال هدف‪...‬‬
‫ي��اإهل��ي‪ ...‬ستتفشى األوب��ئ��ة ب�ين البقية‬
‫الباقية من الناس ستظهر األمراض اجلديدة‬
‫واجل��و مغلف بسحب االن��ف��ج��ارات‪ ...‬الرمحة‬
‫يارب‪..‬‬
‫حاول الدكتور نادر أن يثنيه عن عزمه‪..‬‬
‫ملاذا أنت مصمم على اهلبوط يابين؟ ستتعرض‬
‫خلطر اإلشعاعات‪ ،‬وقد تقتلك الفجيعة وأنت‬
‫تشهد نتائج هذه احلرب املدمرة‪..‬‬
‫جيب أن أرى األرض‪ ...‬أن أحبث عن الناس‪،‬‬
‫أن امتلّى مابقي من تراث اإلنسانية البائس‪...‬‬
‫حسناً سيصطحبك اإلن��س��ان اآليل (ورد)‬
‫يف رحلتك‪ ..‬وسرتتدي أحدث األلبسة العازلة‬
‫لإلشعاعات رغم ثقلها‪ ..‬ولكنك ستعتاد عليها‬
‫بالتدريج‪ ،‬اآلن ستدخل غرفة التعقيم وسيزودك‬
‫اجلهاز الذي حتمله باألمان‪ ..‬مادام يعمل‪...‬‬
‫ألن يتأثر (ورد) بالشعة؟‬
‫الخت��ف إن��ه حمصّن أي��ض�اً‪ ..‬مطلي مبادة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫مضادة لإلشعاعات القاتلة‪ ...‬امسع يابين ‪..‬‬
‫جيب أن تعود إلينا‪ ..‬البقاء هناك مستحيل‪،‬‬
‫واحل��ي��اة غري ممكنة على األرض يف الوقت‬
‫احلاضر‪...‬‬
‫حسناً‪ ..‬سأحاول‪..‬‬
‫على بركة اهلل‪..‬‬
‫كانت احملطة الصغرية تقرتب من املنطقة‬
‫ال�ت�ي ح��دده��ا اجمل��ل��س ال��ع��ل��م��ي يف احملطة‬
‫القمرية للهبوط‪ ..‬وأعلن اإلنسان اآللة (ورد)‬
‫عن اقرتاب حلظة الصفر‪ ..‬كان سامر يفكر‬
‫‪(( :‬ك��ي��ف سيكون منظر األرض املدمرة‬
‫وأن��ا اخ�ترق سحبها الكثيفة اليت نتجت عن‬
‫االنفجارات ؟‪))..‬‬
‫اق�ترب��ت السفينة م��ن السحب الركاميّة‬
‫ال��س��وداء‪ ،‬اليت هي تكاثف شديد لتجمعات‬
‫األخبرة واحلصى والغبار واألتربة والدخان‬
‫الناتج عن االنفجارات واحلرائق‪.‬‬
‫بدأت عدسات التلفزيون ال�لازري متسح‬
‫األرض‪ ...‬انقاض مدن وقرى ممسوحة تدل‬
‫عليها األنقاض والكتل املفتتة املتناثرة‪...‬‬
‫املاء يتفجر هناك‪ ،‬يغمر بعض املناطق‪..‬‬
‫يبدو أسود كالقطران‪ ..‬ماأكثر هذه البشاعة‬
‫اليت صنعها اإلنسان لنفسه؟‪..‬‬
‫هاهي العدسة املضاعفة تقرب املشاهد‬
‫املرعبة‪ ..‬خملوقات شوهاء تتحرك حركات‬
‫غ�ير منتظمة‪ ..‬ح��ي��وان��ات مبعثرة تتحرك‬
‫بذهول‪ ..‬نساء ورج��ال يتجمعون يف مناطق‬
‫ع��دي��دة تنطق أعينهم ب��ال��ذع��ر واخل���وف‪..‬‬
‫آه‪ ..‬أطفال شعورهم بيض‪ ،‬شوّهت الكارثة‬
‫مالحمهم الربيئة‪...‬‬
‫تعب سامر‪ ..‬أح��س بالغثيان‪ ..‬ح��اول أن‬
‫يتماسك فلم يستطع‪ ...‬كانت املشاهد أكرب‬
‫من أن حيتملها عقله‪ ..‬زوّده (ورد) اإلنسان‬

‫اآليل بشحنة مقاومة جديدة‬
‫(( جيب البحث عن لينا اليت قتلتها وتركتها‬
‫وسط هذا احلطام))‬
‫انفلت صوت ورد املتقطع‪ - :‬قائد الرحلة‬
‫حيتاج النعاش‪ ...‬قائد الرحلة حيتاج لعالج‪..‬‬
‫جيب أن يوضع يف غرفة االنعاش‪ ..‬إنه يفقد‬
‫الوعي‪..‬‬
‫آه‪ .‬ماهذا الذي يراه؟ إنه جبل مرتفع يقذف‬
‫النار‪ ..‬الناس يهربون‪ ..‬إنه بركان خميف‪..‬‬
‫الصراخ يف كل مكان‪ ..‬وهدير قذف احلمم‬
‫يتعاىل‪ (( ..‬ياإهلي ‪ .‬إهنا لينا‪ ..‬مستحيل‪))..‬‬
‫صرخت لينا ‪ :‬اه��رب ياسامر‪ ،‬الربكان‬
‫ينفجر‪ ،‬سيتفتت اجلبل‪..‬‬
‫لينا‪ ..‬انتظري‪...‬‬
‫بسرعة ليس هناك وقت‪ ..‬هات يدك‪..‬‬
‫آه‪ ..‬انك تركضني‪ ..‬تطريين‪..‬‬
‫سامر‪ ..‬اجلبل ينفجر‪ ..‬يتفتت ‪ ..‬اسرع‪..‬‬
‫رجالي التقويان على محلي‪ ..‬الأستطيع‪..‬‬
‫سأمحلك على ظهري‪ ..‬سأطري بك‪ ..‬لن‬
‫أتركك متوت‪..‬‬
‫آه‪..‬‬
‫أحس بقلبه ينخلع‪ :‬لينا انتبهي‪ ..‬ستقعني‬
‫‪ ..‬لينا‪ ..‬لينا‪..‬‬
‫(( ي��اإل��ه ال��س��م��وات‪ ..‬انفتحت األرض‪،‬‬
‫انشقت حفرة واسعة طويلة‪ ..‬ليس لعمقها‬
‫قرار‪ ..‬ابتلعتها‪ ..‬ابتلعت لينا‪..‬آه‪))..‬‬
‫ك��ان ي��ص��رخ ب��ص��وت فظيع‪ ،‬ح�ين أيقظه‬
‫اإلن��س��ان اآليل‪ ..‬مل يكن يتصور مثل ذلك‬
‫الكابوس املرعب‪..‬‬
‫استعاد وعيه‪ ..‬وهو حيس بصداع شديد‪..‬‬
‫كانت السفينة الصغرية حتلق فوق األرض‪..‬‬
‫والعدسة املقربة تظهر عمق الكارثة‪..‬‬
‫الدمار‪ ..‬البشاعة‪ ..‬اجلثث املتفسخة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪71‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫األن��ق��اض امل�تراك��م��ة‪ ..‬وصله ص��وت (ورد)‬
‫‪ - :‬اآلن وق��د استعدت وعيك سيبدأ العد‬
‫التنازيل‪...‬‬
‫مهس ‪ - :‬حسناً‪..‬‬
‫وب��دأ العد ال��ت��ن��ازيل للهبوط‪ ..‬ث��م عملت‬
‫احملركات القوية إلجناح اهلبوط التدرجيي عاد‬
‫(ورد) اإلنسان اآليل يؤكد‪:‬‬
‫جي��ب التأكد م��ن فعالية اللباس الواقي‬
‫واخل��روج اآلم��ن من غرفة الفحص احملصنة‬
‫حتى اليتسرب اإلشعاع‪..‬‬
‫وقف سامر بلباسه أمام (ورد) الذي قال‬
‫‪ - :‬اخلوذة غري مثبتّة جيداً‪..‬‬
‫مد يده املعدنية يثبّت اخلوذة ويغلقها ويتأكد‬
‫من أن األجهزة تعمل جيداً‬
‫ثم مهس (ورد) بصوته املتقطع ‪:‬‬
‫سأمحل حقيبة املواد الضرورية والغذائية‬
‫أنا جاهز‪..‬‬
‫وم�����ن احمل���ط���ة ال���ق���م���ري���ة وص�����ل ص���وت‬
‫بالراديو‪..‬‬
‫حنن نتابعك ياسامر‪ ،‬صورة البث جيدة‪..‬‬
‫وهكذا فتح باب احملطة املعدني املزدوج‪،‬‬
‫وهبط سامر مع اإلنسان اآليل‪ ،‬ضغط على‬
‫أحد األزرار يتكلم مع (ورد)‪:‬‬
‫امس��ع ي����اورد‪ ..‬ق��د تؤثر املناظر املرعبة‬
‫عليّ‪ ..‬حاول مراقبيت‪ ..‬وتنبيهي‪..‬‬
‫هذه هي مهميت أيضاً‪..‬‬
‫(( ك��ان ق��درن��ا أن نصل إىل ثقة مطلقة‬
‫بالنفس‪ ،‬جتعلنا نقفز ف��وق أنفسنا‪ ،‬وم��ع أن‬
‫الكرامة كانت ت��داس دائ��م �اً‪ ،‬كنا ن��ت��ذرع هبا‬
‫ونتباهى بأفعالنا ودفاعنا عن الشرف والنبل‬
‫والقيم‪..‬‬
‫آه ياإهلي‪ ..‬كنت أحب البشرية‪ ،‬وأحبها‬
‫اليوم أكثر‪ ،‬رغم فجيعيت مبا حصل وأنا أراها‬

‫‪72‬‬

‫تزال من الوجود))‬
‫هكذا كان سامر حيدث نفسه‪ ،‬حني مهس‬
‫(ورد)‪:‬‬
‫ابتعدنا ع��ن احملطة ك��ث�يراً‪ ،‬الأث��ر ملخلوق‬
‫حيّ‪..‬‬
‫أج���اب س��ام��ر حب���زن‪ :‬وك��ي��ف سنعثر على‬
‫خملوق حي؟ وه��ذا الدمار يغطي كل شيء))‬
‫كانت أن��وار املصابيح اليت حيملها ورد تشقق‬
‫الظالم حوهلما‪.‬‬
‫صرخ (ورد) فجأة‪ - :‬هناك كائن يتأمل‪..‬‬
‫إنه يبعد عنا حنو مخسني مرتاً‪..‬‬
‫أين؟ يف اية جهة؟ الأمسع شيئاً‪..‬‬
‫ستسمع أنينه بعد قليل‪ ..‬سأجته صوبه‬
‫اآلن‪ ..‬اتبعين حبذر‪..‬‬
‫حسناً‪..‬‬
‫كان الصوت ينبعث فعالً من األرض‪ ،‬خلف‬
‫كومة حطام‪ ،‬شعر سامر باليأس‪:‬‬
‫وكيف سنزيل هذه األنقاض؟‬
‫سأعمل على إزالتها التقلق‪..‬‬
‫بدأت حمركات (ورد) القوية تعمل‪ ..‬خالل‬
‫ثوان انفتحت ثغرة كبرية يف احلطام‬
‫انظر إىل الشاشة ف��وق ص��دري‪ ..‬األشعة‬
‫اليت استقبلتها تكشف يل شكله‪.‬‬
‫صرخ سامر مفجوعاً‪ -:‬ياإهلي ماهذا الكائن‬
‫املشوه؟ إنه يتأمل لدرجة فظيعة ‪ .‬كأنه يعاني‬
‫من سكرات املوت‪..‬‬
‫قال (ورد) ‪ - :‬إنه مغطى بالرتاب‪ ،‬التقرتب‬
‫منه سأنتشله بنفسي‪ ..‬أجهزتي حمصنة ضد‬
‫اإلشعاع‪...‬‬
‫ياإهلي‪ ...‬إنه ممزق األوصال‪ ،‬جلده يتشقق‬
‫وأنت تنشله‪..‬‬
‫وصرخ اجلريح بصوت خمنوق‪ - :‬ماء‪..‬‬
‫ماء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫رشه (ورد) باملاء على وجهه ‪ - :‬من أنتم ؟‬
‫أمسع أصواتاً وال أرى أحداً‪ .‬عيناي احرتقتا من‬
‫الوهج‪ ..‬أنا بردان ‪ .‬آه‪ .‬من أنتم؟‬
‫جئنا من بعيد‪ ..‬نفتش عن األحياء‪..‬‬
‫قهقه اجلريح بصوت خشن قبل أن تنتابه‬
‫موجة سعال‪ ،‬بصق دماً يف هنايتها‪...‬‬
‫كنا حتت األرض يف ملجأ عميق‪ ،‬نفذ الغذاء‬
‫واملاء‪ .‬نتيجة الفوضى‪ ،‬قيل أن بعضهم استوىل‬
‫عليها‪ ،‬كانت ابنيت الصغرية تتأمل‪ ،‬كنت أراها‬
‫متوت وتذبل من العطش واجلوع‪ ..‬استغفلت‬
‫حراس امللجأ ونفذت من سراديب كثرية‪ ..‬ومل‬
‫يفتح يل حارس البوابة الباب إال بعد أن أعطيته‬
‫خامت زواجي‪ ،‬خرجت افتش عن الطعام واملاء‪..‬‬
‫فأصابين هذا الداء الذي شقق جلدي‪..‬‬
‫تعال سنساعدك‪..‬‬
‫آه‪ ..‬أرج����وك‪ ..‬ابنيت مت��وت إهن��ا هناك‪..‬‬
‫املدخل ليس بعيداً‪..‬‬
‫إنه يتأمل كثرياً ياورد‪..‬‬
‫أصابه اإلشعاع إصابة قاتلة ياسيدي‪..‬‬
‫هل أنتما من كوكب آخر؟‬
‫ال‪ ..‬أنا بشري مثلك‪ .‬وهذا مساعدي اآليل‪..‬‬
‫أتينا من احملطة القمرية‪..‬‬
‫أرج�����وك اب��ن�تي مت�����وت‪ ..‬اب��ن�تي مت���وت‪..‬‬
‫أنقذها‪..‬‬
‫أخذ يبكي بصوت مفجوع‪ (( :‬ماذا أفعل؟‬
‫م��اإن خرجت للعراء حتى سقطت عليّ هذه‬
‫األنقاض‪ .‬وأحسست جبلدي حيرتق وعيناي‬
‫يبهرمها ال��ض��وء امل���ؤمل‪ ،‬ورأس���ي ي���دور‪ .‬آه‪..‬‬
‫ياابنيت))‬
‫التقلق ‪ .‬لن أنساها أبداً‪..‬‬
‫أخذ اجلريح يصرخ من جديد وهو يتمزق‬
‫من األمل فكر سامر ‪ (( :‬لو م��ات املسكني‬
‫س��ي��س�تري��ح ي��ال��ق��س��وة أول��ئ��ك ال��ن��اس الذين‬

‫يستسهلون احلرب وفظاعتها ‪))..‬‬
‫رم��ق��ه س��ام��ر يف ج��ن��ون اح��ت��ض��اره‪ ،‬كانت‬
‫أعصابه قد هتيجت لدرجة مرعبة‪ .‬ثم سقط‬
‫أخرياً بال حراك‪..‬‬
‫دفنه (ورد) يف احلطام من جديد وأشار‬
‫لسامر أن يتبعه‪:‬‬
‫ليس النفق بعيداً ياسيدي‪..‬‬
‫ال��ف��وض��ى منتشرة ‪ ..‬ق��د الي��ف��ت��ح��ون لنا‬
‫الباب‪..‬‬
‫هل سنبقى هنا إذن؟‬
‫ال‪..‬ال‪ ..‬استمر يف سريك حنو النفق‪ ..‬لدينا‬
‫مواد غذائية ومياه نقية ومواد طبية جيب أن‬
‫نوصلها ملن حيتاجها‪..‬‬
‫ق��د ت��ك��ف��ي ه���ذه امل����واد ب��ض��ع��ة أشخاص‬
‫ياسيدي‪ ..‬وليست كافية ملدينة‪..‬‬
‫البأس سنتجه صوب النفق‪ ..‬سابث رسالة‬
‫للمحطة القمرية قبل الدخول‪.‬‬
‫اجته سامر واإلنسان اآليل صوب النفق‪،‬‬
‫ومل تكن هناك أنفاق كثرية جمهزة للحماية من‬
‫القنابل الذرية‪ ..‬كانت املدن الكربى حتوي مثل‬
‫هذه األنفاق‪ ،‬أما يف القرى وامل��دن الصغرية‪،‬‬
‫فكان الدمار شامالً‪..‬‬
‫وصل سامر وورد النفق‪ ..‬وبدأا يطرقان‬
‫بابه املصفح وصلهما صوت حاد عرب ميكرفون‪:‬‬
‫ابتعدوا من هنا‪..‬‬
‫أنا قادم من احملطة القمرية‪ ،‬ارتدي اللباس‬
‫الواقي من اإلشعاع أريد أن أتكلم مع املسؤول‬
‫عن هذا امللجأ‪..‬‬
‫ابتعدوا من هنا‪ ..‬لن نفتح الباب‪ ..‬لدينا‬
‫أسلحة قد نستخدمها ضدكم‪..‬‬
‫قلت لك أنا لوحدي ومعي إنسان آيل‪ ..‬جئت‬
‫من احملطة القمرية معي غ��ذاء ودواء‬
‫ومياه‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪73‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫ماذا تقول؟ حقاً؟‬
‫نعم‪..‬‬
‫حسناً انتظر قليالً‪..‬‬
‫اختفى ال��ص��وت لدقائق‪ ،‬حتى ف��رغ صرب‬
‫سامر‪ .‬صرخ‪:‬‬
‫منذ ربع ساعة ننتظر ملاذا هذا التأخري؟‬
‫مل يسمع جواباً‪ ..‬فعاد وورد لطرق الباب‪..‬‬
‫مسعا الصوت من جديد‪..‬‬
‫قلت لك انتظر‪ ..‬سيحضر من يتكلم معك‬
‫بعد قليل‪..‬‬
‫الأستطيع االنتظار أكثر من ذلك‪..‬‬
‫قلت إنك حتمل غذاء ومؤونة طبية؟‬
‫نعم‪..‬‬
‫ض��ع��ه��ا أم����ام ال���ب���اب واب��ت��ع��د م���ن هنا‪..‬‬
‫حتى نناديك من جديد هل هي مؤمنة ضد‬
‫اإلشعاع؟‬
‫بالطبع‪ ..‬مغلفة بأغلفة من الرصاص‪..‬‬
‫ولكن ملاذا أضعها أمام الباب وابتعد ثم انتظر‬
‫من جديد‪.‬؟‬
‫نفذ مانقوله لك‪..‬‬
‫لن أنفذ هذا الطلب‪ ..‬سأدخل أنا واملواد‬
‫الغذائية والطبية مباشرة‪ .‬أعلم أن الباب‬
‫مزدوج‪ .‬وبه غرفة للتعقيم من األشعة‪ ..‬ملنعها‬
‫من التسرب إىل امللجأ ولكن جيب علي أن‬
‫أدخل واإلنسان اآليل الذي يرافقين‪..‬‬
‫وص��ل��ه ال��ص��وت م��ن ج��دي��د ‪ - :‬الوسيلة‬
‫للدخول إذا مل تتقيد حرفياً مبا طلبنا منك‪.‬‬
‫حسناً سأذهب إذن‪.‬‬
‫شعر بالغضب‪ ..‬فارتقى الدرجات القليلة‬
‫اليت تفصله عن سطح األرض وخلفه (ورد)‬
‫ولكن الصوت وصله متوسالً‪:‬‬
‫أرجوك ‪..‬انتظر‪ ..‬ميكننا أن نتفاهم‪..‬‬
‫على م���اذا؟ ي��ب��دو أن التفاهم معكم غري‬

‫‪74‬‬

‫ممكن‪ .‬أنا ذاهب اآلن‪..‬‬
‫ولكن الصوت عاد يتوسل من جديد‪:‬‬
‫أرجوك انتظر‪ ..‬أنا املسؤول عن امللجأ‪ ..‬قل‬
‫يل من تكون؟‬
‫أنا مرسل من احملطة الضخمة اليت تدور‬
‫حول القمر‪ ..‬معي مواد غذائية وطبية أتيت يف‬
‫مهمة سالم ملساعدة الناس احملاصرين‪..‬‬
‫حسناً سنفتح لك الباب‪ ..‬وحذار أن حتاول‬
‫خداعنا‪ .‬حنن حباجة هلذه املواد‪..‬‬
‫وهكذا بدأ صرير الباب الضخم الذي يفتح‬
‫ببطء‪ ..‬مهس سامر لورد‪ (( :‬كن حريصاً على‬
‫املواد اليت حتملها))‬
‫أجابه ورد‪ - :‬الصندوق الذي أمحله الميكن‬
‫فتحه دون معرفة الرمز‪..‬‬
‫عظيم‪..‬‬
‫اخ��ت��ل��ط ص��ري��ر ال��ب��اب ب��ص��وت حمركات‬
‫تدور وأجهزة تصفر‪ ..‬عرف سامر أن عملية‬
‫فتح الباب‪ ..‬تتم بصورة منظمة ودقيقة لكي‬
‫اليتسرب اإلشعاع‪..‬‬
‫فتحت كوة كبرية يف الباب‪ ..‬ومسعا صوتاً‬
‫يطالبهما بدخوهلا‪ ،‬فوجلاها هب��دوء‪ ،‬لتغلق‬
‫عليهما للحظات قبل أن يفتح باب آخر‪ ..‬ثم‬
‫ب��اب ث��ال��ث‪ ..‬م��ع صرير احل��دي��د واحملركات‬
‫الدائرة‪..‬‬
‫أهالً وسهالً بك‪ ..‬أنا الدكتور (نادر) املشرف‬
‫العلمي على هذا امللجأ‪..‬‬
‫أن��ا املهندس س��ام��ر‪ ..‬م��ن (رواد) السفر‬
‫البعيد بني الكواكب‪..‬‬
‫أهالً بك‪ ..‬ميكنك أن تنزع لباسك احلامي‪..‬‬
‫التلوث إشعاعي هنا‪..‬‬
‫لست منزعجاً منه‪..‬‬
‫هناك الكثري من الناس على احملطة القمرية‬
‫اآلن؟‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫حنو ستمئة شخص‪..‬‬
‫وكيف فكروا بإرسال املواد الطبية والغذائية‬
‫لألرض؟‬
‫توقعوا أن الوضع صعب‪..‬‬
‫فعالً‪ .‬الوضع صعب يف كل املالجئ‪ ..‬كان‬
‫وضعنا يف هذا امللجأ جيداً متاماً قبل أيام‪..‬‬
‫عندنا م��واد خمزّنة تكفي لعدة شهور‪ .‬ولكن‬
‫اخنساف القشرة األرض��ي��ة يف خم��زن امللجأ‬
‫فجأة‪ ،‬حرمنا من هذه املواد متاماً‪ .‬وقد حاولنا‬
‫مبختلف األجهزة السابرة اليت حتفر األنفاق‪..‬‬
‫أن نعثر عليها‪ .‬دون نتيجة‪..‬‬
‫إذن تسيطر عليكم احل��اج��ة إىل الطعام‬
‫واألدوية فعالً؟‬
‫نعم‪ ..‬هل كنت تشك هبذا؟‬
‫قابلت رجالً حيتضر قال إنه خرج من هنا‪..‬‬
‫ورجاني أن أطعم ابنته الصغرية‪..‬‬
‫تنهد الدكتور (نادر) حبزن ‪ - :‬إنه (جليل)‬
‫املسكني‪ ..‬لقد حاولنا أن مننعه من اخلروج‬
‫مبختلف الوسائل ‪ .‬دون نتيجة‪..‬‬
‫وماقصة ابنته الصغرية؟‬
‫أصابتها إس��ه��االت ح��ادة واضطرابات يف‬
‫جهازها اهلضمي رمبا من األغذية املعلبة مل‬
‫تكن لدينا األدوية املناسبة‪ .‬حاولنا إنقاذها بكل‬
‫وسيلة دون جدوى‪ .‬ماتت املسكينة البارحة‪.‬‬
‫وكانت آخر ماتبقى له من أسرته‪..‬‬
‫هل أحضر أسرته معه إىل هنا؟‬
‫زف��ر الدكتور ( ن���ادر) زف��رة أخ���رى‪ - :‬آه‬
‫ياصديقي‪ ..‬أشياء كثرية حصلت زادت من عمق‬
‫مأساة البشر على األرض‪ .‬حني دوت صفارات‬
‫اإلن��ذار‪ .‬تدفق الناس إىل الشوارع كالسيول‬
‫اجلارفة‪ ..‬يتدافعون دون نظام‪ .‬وسقط كثريون‬
‫منهم على األرض‪ .‬وداستهم األق���دام‪ .‬ومن‬
‫وصل إىل امللجأ كان حمظوظاً‪..‬‬

‫وأين كان رجال الشرطة وحفظ األمن؟‬
‫هذا معقول يف احل��االت العادية‪ ..‬أما يف‬
‫مثل هذه احلالة االستثنائية والزمن هو اخلطر‬
‫األكرب فال نظام والمنطق على اإلطالق‪.‬‬
‫إذن مل يتمكن جليل من إنقاذ أسرته؟‬
‫حكى لنا املسكني كيف جرى كاجملنون من‬
‫مكان وظيفته إىل البيت‪ .‬مل يعثر فيه سوى‬
‫على ابنته الصغرية‪ ..‬فأحضرها وهو يأمل أن‬
‫تكون زوجته قد سبقته إىل امللجأ‪..‬‬
‫أهناك كثري من املالجئ يف املدينة؟‬
‫رمبا كان هذا امللجأ من املالجئ املمتازة‪..‬‬
‫ألنه مبين قرب اجلامعة ‪ .‬اعتنينا به كثرياً‪ .‬أما‬
‫املالجئ األخرى فهي يف حالة يرثى هلا ورمبا‬
‫قضى اإلشعاع على من فيها‪..‬‬
‫أهكذا دمّرت مدينة (الفا)؟ آه ياحسرتي‪..‬‬
‫أتعرفها؟‬
‫هي املدينة اليت تلقيت فيها دراسيت‪ ..‬ويل‬
‫فيها ذكريات كثرية‪ -‬ذهب كل ش��يء‪ ،‬مل يبق‬
‫إال الذكريات‪ ..‬آه‪ ..‬ثم أكمل وهو يهز رأسه‬
‫حزناً وأس��ف�اً‪ - :‬اهن��ار املاضي بكل صروحه‬
‫احلضارية‪ ..‬وحن��ن نعيش حاضرنا البائس‬
‫املزري‪..‬يرهبنا اخلوف من املستقبل‪ ..‬امسع‬
‫يابين‪ ..‬نسيت أن اسألك عن امسك؟ قلت يل‬
‫إنك عشت يف هذه املدينة؟‬
‫امس��ي سامر ي��اس��ي��دي‪ ..‬وكنت يف رحلة‬
‫طويلة‪ .‬بني النجوم ‪ .‬استغرقت سنوات‪ ..‬وحني‬
‫عدت كان الوضع متوتراً ثم حدثت الكارثة‪.‬‬
‫سامر ‪ .‬سامر‪ .‬رحلة بني النجوم لسنوات‪..‬‬
‫آه‪ ..‬تردد امسك كثرياً ‪ .‬تذكرت كنت وزمالؤك‬
‫يف رحلة طويلة‪ .‬وعدت لوحدك‪ .‬كان من املقرر‬
‫أن هتبط املطار الفضائي املركزي قبل‬
‫حنو الشهر‪..‬‬
‫نعم‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪75‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫كانت املهندسة (لينا) تنتظر وصولك‪..‬‬
‫لينا؟ أتعرف لينا ياسيدي؟‬
‫وكيف الأعرفها؟ إهنا أفضل مساعدة يل‪..‬‬
‫أهي هنا اآلن؟‬
‫ال‪ .‬مع األسف‪ .‬الأعرف شيئاً عنها اآلن‪..‬‬
‫اهلل يعلم إن كانت التزال حية‪ .‬مسكينة لينا‪.‬‬
‫ظلت تنتظر شيئاً‪ ،‬مل أمتكن رغ��م عالقيت‬
‫األبوية هبا أن أعرفه‪ ،‬كانت دوم� ً�ا تقول يل‪.‬‬
‫ستعرف‪ .‬كل ماجتهله عين يف املستقبل القريب‬
‫التقلق‪..‬‬
‫أحس سامر بشيء حارق يف قلبه‪ ..‬غامت‬
‫عيناه من احل��زن‪ - :‬أميكن أن تكون يف أحد‬
‫املالجئ املوجودة يف املدينة؟‬
‫رمبا ‪ .‬ولكن حظها بالنجاة يبدو ضئيالً‪..‬‬
‫ملاذا ياسيدي؟‬
‫كما قلت لك املالجئ األخ���رى‪ ..‬يف حالة‬
‫يرثى هلا‪ .‬رميا يكون اإلشعاع قد قضى على‬
‫من فيها‪.‬‬
‫هل هذا امللجأ هو امللجأ الوحيد يف املدينة‬
‫املعد جيداً للصمود يف وج��ه الدمار النووي‬
‫واإلشعاع القاتل؟‬
‫هناك ملجأ (مركز البحوث العلمية) ولكنه‬
‫بعيد‪ .‬يقع خ��ارج املدينة والأع��ت��ق��د أن لينا‬
‫متكنت من الوصول إليه؟‬
‫ملاذا؟‬
‫ألهن��ا ك��ان��ت ت��ش��رف على حم��ط��ات توليد‬
‫الطاقة يف مركز املدينة‪..‬‬
‫ياإهلي‪..‬‬
‫على كل حال‪ .‬إن كنت تنوي معرفة وضعها‪..‬‬
‫فأقصد ذلك امللجأ فقط‪ ..‬إنه ملجأ ممتاز‪..‬‬
‫من املمكن أن تكون وصلت إليه‪ ..‬وإذا مل جتدها‬
‫هناك فتمنى هلا الرمحة‪..‬‬
‫أح��س سامر باإلعياء ‪ ..‬ولكنه مل يفقد‬

‫‪76‬‬

‫األم���ل‪ ..‬قطع عليهما حديثهما ق��دوم أحد‬
‫معاوني الدكتور نادر‪ ..‬كان سعيداً ينطق وجهه‬
‫بالبشر – (( متكنا أخ�ي�راً م��ن ال��وص��ول إىل‬
‫خمزن املؤونة)) قفز الدكتور نادر غري مصدق‪:‬‬
‫ كيف؟ ماذا تقول؟‬‫اإلنسان اآليل الذي يصطحبه هذا الرجل‪..‬‬
‫ح �دّد مكانه باألشعة امل��رك��زة ث��م حفر نفقاً‬
‫طويالً إليه‪..‬‬
‫إهن��ا ب��ش��رى مم��ت��ازة ل��ل��ن��اس‪ ..‬ك��اد اليأس‬
‫يقتلهم‪..‬‬
‫أقبل (ورد) بصفريه ووقع خطواته املنتظمة‬
‫وتكلم بلغته املنتظمة‪:‬‬
‫أصبح لديكم اآلن مؤونة كافية‪ ..‬الحاجة‬
‫ألخذ املؤونة اليت حنملها‪.‬‬
‫رد الدكتور (ن��ادر) حببور‪ - :‬معك حق يا‬
‫(ورد) لقد أنقذتنا‪ ..‬احتفظ مبوادك للملجأ‬
‫اآلخر‪ ..‬قد يكون الناس هناك حباجة إليها‪..‬‬
‫هنض سامر يودع الدكتور (نادر) ‪ - :‬سأخرج‬
‫اآلن ياسيدي‪ ..‬أمتنى لكم التوفيق يف صمودكم‬
‫الطويل هنا‪..‬‬
‫ملاذا هذه السرعة ياسامر؟ ميكنك قضاء‬
‫بعض الوقت هنا‪ ..‬مل تتعرف على امللجأ بعد؟‬
‫جيب أن أذهب مللجأ مركز البحوث العلمية‬
‫ياسيدي‪..‬‬
‫للبحث ع��ن لينا؟ ب��امل��ن��اس��ب��ة‪ ..‬ه��ل هي‬
‫قريبتك؟‬
‫إهنا أكثر من قريبة‪..‬‬
‫ماذا تعين؟‬
‫هي الفتاة اليت كنت أحبها‪..‬‬
‫أنت؟‬
‫وماذا يف ذلك؟‬
‫ال ال شيء‪ ..‬تبدو صغري السن‪..‬‬
‫أنا أكرب منها بست سنوات‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫آه ياإهلي‪..‬‬
‫صمت الدكتور ن��ادر ومل ينظق‪ ..‬ك��ان يف‬
‫جعبته الكثري ليقوله‪ ..‬ولكنه فضل الصمت‪..‬‬
‫فكر ((كيف مل انتبه لذلك؟ هذا الشاب سافر‬
‫كثرياً يف الفضاء وبسرعات كبرية‪ ..‬مل يكرب‬
‫كثرياً‪ ..‬مازال يبدو صغري السن؟))‬
‫شد سامر على يديه مودعاً شاكراً‪ ..‬واجته‬
‫حنو باب النفق وخلفه سار (ورد) خبطواته‬
‫املنتظمة‪ ..‬وصال الباب‪ ،‬وأخذا ينتظران البدء‬
‫بفتحه‪ ..‬ك��ان الدكتور ن��ادر يرافقهما مهس‬
‫لسامر‪ - :‬امللجأ يف اجلهة الشرقية من املدينة‬
‫تستطيع حتديده بالبوصلة متاماً‪..‬‬
‫إهنا مهمة (ورد) سيحدد مكانه بدقة‪..‬‬
‫أنا آسف ياسامر‪ ..‬تأخر فتح الباب قليالً‪..‬‬
‫ه��ن��اك إش����ارة م��ن ال��س��ط��ح ت��وح��ي باشتداد‬
‫الريح‪..‬‬
‫وماذا يعين ذلك؟‬
‫يعين أن الغبار املشع سيكون كثيفاً يف اجلو‪..‬‬
‫هل أنت مصر على اخلروج يف هذا الوقت؟‬
‫نعم ياسيدي‪..‬‬
‫أمتأكد من أجهزتك ولباسك الواقي؟‬
‫بكل تأكيد‪..‬‬
‫حسناً سآمرهم بفتح الباب‪ ..‬أتود شيئاً قبل‬
‫خروجك؟‬
‫ش��ك��راً ل���ك‪ ..‬أود أن اس��أل��ك ع��ن جليل‪..‬‬
‫ملاذا تركتموه خيرج إىل سطح األرض‪ ..‬وكنتم‬
‫تعرفون أنه ذاهب بال رجعة؟‬
‫آه يابين‪ ..‬كانت حالته ّ‬
‫تقطع القلب‪ ..‬كان‬
‫مصراً أن ابنته الت��زال حية‪ ..‬وك��ان حيملها‬
‫وي��ه��ده��ده��ا ب�ين ي��دي��ه‪ ..‬وي���دور هب��ا يطالب‬
‫بالطعام‪ .‬ويشتم اجلميع ويتهمهم بتعذيبه‪..‬‬
‫وجتويع ابنته‪ ..‬بذلنا كل مانستطيع لنفهمه‬
‫أن الصغرية ليست حية وجيب دفنها‪ ..‬ولكنها‬

‫كانت األم��ل الوحيد املتبقي لديه يف عقله‬
‫الباطن‪..‬‬
‫وماذا حدث له بعد ذلك؟‬
‫ازدادت نفسيته سوءاً‪ .‬وأخذ يعتدي بالضرب‬
‫ع��ل��ى ح���راس األب����واب وي��ط��ال��ب��ه��م باخلروج‬
‫للتفتيش عن الطعام‪.‬‬
‫ق��ال إن��ه رش��ا أح��د احل��راس خب��امت زواجه‬
‫حتى تركه خيرج‪..‬‬
‫مسكني ‪ .‬ك��ان رج�لاً عاقالً طيباً‪ ..‬ولكن‬
‫ه��ذه احل��رب ال��ق��ذرة أصابت جبنوهنا الكثري‬
‫من العقالء‪ ..‬خلع خامت زواجه وقدمه ألحد‬
‫احلراس وهو يقول له‪ :‬خذ هذا اخلامت واجلب‬
‫يل ط��ع��ام�اً م��ن األم��ك��ن��ة ال�تي ختبئون فيها‬
‫أطعمتكم‪.‬‬
‫(( أع���اد ال��ش��اب اخل���امت إل��ي��ه ‪ .‬وق���دم له‬
‫قطعة خبز وقطعة جنب صغرية من نصيبه‬
‫الشخصي‪..‬‬
‫أعاد له اخلامت؟ هل هذا مؤكد؟ مل أره يف‬
‫اصبعه‪..‬‬
‫بالطبع يابين‪ ..‬أعاد له اخلامت‪ .‬وضع قطعة‬
‫اجلنب يف فم الصغرية امليتة فلم يتقبلها اجلسد‬
‫الصغري‪ ..‬فعاد إىل احلارس وهو يشتم‪ ،‬وشدّه‬
‫من صدره واهن��ال عليه بالضرب وهو يقول‪:‬‬
‫(( تريد أن تسممها ياوغد؟ أال ترى أهنا طفلة‬
‫بريئة؟)) أبعدناه عنه بلطف وأعطيناه حقنة‬
‫مهدئة‪ ..‬ولكنه حينما استيقظ ازداد جنوناً‬
‫وكنا يف ف�ترة نومه قد دفنّا الطفلة بعد أن‬
‫انتشرت رائحتها‪ ..‬حب��ث عنها وه��و يصرخ‬
‫ويضرب من يف طريقه‪ ..‬وتوقف أم��ام باب‬
‫اخل���روج يطالب بفتحه وع��رض اخل��امت من‬
‫جديد على أحد حراس الباب‪ ..‬ولكن الشاب‬
‫رفض فتح الباب‪ ..‬وطلب استدعائي‪..‬‬
‫حضرت حماوالً افهامه استحالة ذلك‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪77‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫ولكن‪..‬‬
‫مل يقتنع؟‬
‫بل ضربين ومخش رقبيت‪..‬‬
‫كانت آثار األظافر واضحة يف رقبة الدكتور‬
‫(نادر) الذي تابع كالمه‪..‬‬
‫مل أيأس‪ ..‬حاولت افهامه أن هناك خطراً‬
‫فوق األرض‪ ..‬اإلشعاع القاتل ينتشر واملدينة‬
‫مدمرة والحياة بشرية موجودة يف املدينة ‪..‬‬
‫ولكنه أصرّ على اخلروج‪..‬‬
‫كان خروجه انتحاراً؟‬
‫بالطبع ومل تكن لنا حيلة يف منعه‪..‬‬
‫ولكن ملاذا طلبتم مين وضع األغذية واملواد‬
‫الطبية أمام املدخل ثم االبتعاد؟‬
‫كان جيب علينا التأكد منها من نقائها وعدم‬
‫إصابتها باإلشعاع‪ ..‬جيب أن نكون حذرين‬
‫يابين لسنا يف حالة اخليار أمام ق��رارات قد‬
‫نقدم عليها‪ ..‬فيما بعد‪ ..‬هلجتك أقنعتنا ولكن‬
‫جيب علينا التأكد‪..‬‬
‫معك حق‪..‬‬
‫بدأ التحضري لفتح الباب‪ ..‬أرجو يابين أن‬
‫تعثر على لينا يف ذلك امللجأ ليكن اهلل معك‪..‬‬
‫شد سامر على يديه من جديد وقد أحس‬
‫باإلكبار حنو هذا الرجل الطيب ‪ .‬الذي يواجه‬
‫يف هذا امللجأ مسؤولية ضخمة‪ ..‬ويتحملها‬
‫بكل ثقة وأمانة‪..‬‬
‫أص��ب��ح س��ام��ر ورفيقه اآليل ف��وق األرض‬
‫من جديد‪ ..‬كان الظالم كثيفاً وقد تراكمت‬
‫السحب ال���س���وداء‪ ..‬وه��ب��ت ري���اح عاصفة‪..‬‬
‫س��اع��دت��ه األج���ه���زة امل��رك��ب��ة ع��ل��ى ب��ذل��ت��ه يف‬
‫مقاومتها‪ ..‬ش ّقت أنوار املصابيح اليت أشعلها‬
‫(ورد) العتمة الكثيفة‪ ..‬كان الركام واألنقاض‬
‫واجلثث املتفسخة يف كل مكان‪..‬‬
‫كم هي احلرارة اآلن يا(ورد)؟‬

‫‪78‬‬

‫تصل إىل (‪ )57‬درج��ة حتت الصفر‪ ..‬أال‬
‫ترى ياسيدي كل شيء مجدّه الصقيع؟‬
‫سيساهم ج��وّ ال��ب�رودة وال��ش��ت��اء القارس‬
‫املظلم يف القضاء على ما تبقى من احلياة يف‬
‫املدينة‪..‬‬
‫ك��ان��ت االن��ف��ج��ارات ال��ن��ووي��ة والعواصف‬
‫امللتهبة النامجة عنها قد دفعت بكميات هائلة‬
‫من الغبار والفتات والبقايا‪ ..‬إىل طبقات اجلو‬
‫العليا‪ ..‬مما حال دون وصول أشعة الشمس‬
‫وحجبها متاماً عن األرض‪ ..‬وهذا ماأدى إىل‬
‫برودة قاسية وظالم شديد‪..‬‬
‫س��أل سامر ورد ال��ذي حيمل يف خمزون‬
‫معلوماته الكثري عن احلرب النووية ونتائجها‪:‬‬
‫ملاذا ليس هناك مطر؟‬
‫لن يكون هناك مطر‪ ..‬ستنهمر الثلوج ألشهر‬
‫طويلة ياسيدي‪ ..‬درج��ة احل���رارة منخفضة‬
‫كثرياً‪..‬‬
‫معك حق‪ ..‬ولكن متى تنهمر هذه الثلوج؟ ‬
‫أعتقد أن الوقت ليس بعيداً‪ ..‬يبدو أن السحب‬
‫قد تراكمت كثرياً ‪ ..‬الرياح العاصفة تشتد‪..‬‬
‫رمبا سقط الثلج خالل عدة ساعات‪ ..‬هبطنا‬
‫بعد وقت قصري من انتهاء احلرب‪ ..‬والنتائج مل‬
‫يظهر منها سوى القليل‪..‬‬
‫تعين الشتاء‪ ،‬الشتاء النووي؟‬
‫ن��ع��م‪ ..‬إن��ه أخطر النتائج على احل��ي��اة يف‬
‫كوكب األرض‪..‬‬
‫أعان اهلل الناس يف املالجئ‪ .‬بعد أن تنتهي‬
‫مؤهنم وخمزوناهتم‪..‬‬
‫حتى يف اهلواء ياسيدي‪ ..‬أجهزة التكييف‬
‫جيب أن تعتمد كما هو خمطط هلا على تصنيع‬
‫األوكسجني يف املالجئ العميقة‪ ..‬وليس على‬
‫سحبه من اهلواء امللوث‪..‬‬
‫أل��ن ي��أت��ي ي��وم تضطرون فيه الستخدام‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫اهلواء؟‬
‫ال أدري ياسيدي‪ ..‬الأمحل أجوبة على هذا‬
‫السؤال‪..‬‬
‫كان يبدو أن معلوماته املخزّنة‪ ،‬مل تتطرق‬
‫ملثل هذه األسئلة‪..‬‬
‫م��را يف طريقهما على م���زارع حمرتقة‪..‬‬
‫حماصيل ممسوحة عن األرض وأن��واع كثرية‬
‫من األحياء تنتشر جثثها يف كل مكان‪ ..‬سأل‬
‫سامر (ورد)‬
‫قل يل ياورد‪ ..‬ماذا عن املناطق البعيدة عن‬
‫مكان االنفجارات؟‬
‫اإلشعاع ياسيدي يقضي على غالبية األحياء‬
‫فيها أيضاً‪..‬‬
‫ملاذا غالبية األحياء وليس كلها؟‬
‫ق��د تنجح أن���واع قليلة م��ن احل��ي��وان��ات يف‬
‫ال��ب��ق��اء‪ ..‬يف غياب أع��دائ��ه��ا م��ن احليوانات‬
‫األخرى‪ .‬وفرق املكافحة‪..‬‬
‫مثل؟‬
‫اجلرذان والصراصري‪ ..‬اجلرذان اليت تعيش‬
‫يف األقبية وم��واس�ير اجمل��اري ‪ ،‬والصراصري‬
‫اليت تتّحمل (‪ )100‬ألف وحدة رونتجن دون أن‬
‫تتأثر‪ ..‬يف حني قد يقتل اإلنسان لو تعرض‬
‫لوحدات قليلة فقط‪.‬‬
‫اجتازا على ه��دي البوصلة وس��ط املدينة‬
‫ومس��ع سامر أص��وات�اً غريبة حوهلما‪ ..‬سأل‬
‫ورد‪:‬‬
‫إهنا اجلرذان ياسيدي؟‬
‫اجل�����رذان ف���وق س��ط��ح األرض أال تتأثر‬
‫باإلشعاع؟‬
‫إهن��ا تتحمل اإلش��ع��اع ي��اس��ي��دي‪ ..‬ولكنها‬
‫ستتأثر بعد فرتة‪ ..‬فقط اجلرذان اليت تظل يف‬
‫األقبية واملواسري العميقة ميكنها احلياة لفرتة‬

‫طويلة‪.‬‬
‫ستبقى ال��ص��راص�ير س��ي��دة امل��وق��ف إذن؟‬
‫أمعقول أن ترث الصراصري كوكب األرض بعد‬
‫اإلنسان؟‬
‫انتبه ياسيدي إهنا تتجه حنوك‪ ،‬اجلرذان‬
‫تتجه حنوك‪..‬‬
‫ً‬
‫لن تستطيع أن تفعل شيئا‪ ..‬البدله عازلة‬
‫مبطنة بالرصاص‪..‬‬
‫كانت هناك آالف اجل���رذان يف الشوارع‪.‬‬
‫هبرها الضوء يف البداية ولكنها اجتهت بأعداد‬
‫كبرية صوب سامر‪ ..‬دون أن تكرتث بـ (ورد)‬
‫كأهنا أحست بغريزهتا إن��ه آل��ة‪ ..‬ك��ان سامر‬
‫هو الكائن احلي الذي أيقظ جوعها فاجتهت‬
‫حنوه من كل صوب‪ ..‬تعلقت جبسمه‪ ..‬ترتاكم‬
‫فوقه‪ ..‬أحس حبالة شديدة من القرف‪ ..‬وكاد‬
‫يسقط على األرض‪ ..‬لوال اليد املعدنية القوية‬
‫السريعة ال�تي أخ��ذت تبعد عنه اجل���رذان‪..‬‬
‫ك��ان (ورد) يعمل بسرعة غريبة وه��و يبعد‬
‫اجلرذان عن سامر‪ ..‬ثم سلط عليها سالحه‬
‫ال�لازري فأحرق العديد منها ‪ .‬ولكنها ظلت‬
‫مع ذلك حتوم حول سامر مما اضطر (ورد)‬
‫أن يستخدم مدفعه احلارق إلبعادها فهربت‬
‫التلوي على شيء‪ ..‬مهس سامر بإعياء‪..‬‬
‫كم هي قذرة؟‬
‫إهنا تتغذى على بقايا اجلثث املتفسخة‪..‬‬
‫ّ‬
‫وق��د‬
‫أمضها اجل��وع اآلن‪ ..‬فشمت رائحتك‬
‫واندفعت حنوك كصيد مثني‪..‬‬
‫تابعا سريمها ببطء صوب امللجأ قال ورد‪:‬‬
‫ هل أمحلك ياسيدي؟‬‫أجاب سامر‪ - :‬الباس استطيع السري‪.‬‬
‫تبدو تعباً‪..‬‬
‫مل ينتظر ورد‪ ..‬تلقف سامر ووضعه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪79‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫على كتفه ال��ع��ري��ض‪ ..‬وت��اب��ع س�يره بقوة‬
‫وانتظام حنو امللجأ‪ ..‬امش��أزت نفس سامر‬
‫وغلب عليه احلزن وهو يرى املناظر املؤسية‬
‫حوله‪ (( :‬اماذا ا نفكر بالدمار؟ كانت أمامنا‬
‫دروب التقدم وال��س��ع��ادة وال��ت��ع��اون‪ .‬واحلب‬
‫والرفاه‪ .‬ملاذا خنتار الفناء والعذاب؟ إن البشر‬
‫لوحدهم كان عليهم أن يقرروا إىل أي الدروب‬
‫سيكون اجتاههم؟ ولكن كيف؟ هل كان القرار‬
‫بيد هذه اآلالف املؤلفة من الضحايا اليت أراها‬
‫مزروعة يف كل مكان‪.‬؟))‬
‫أيقظه ص��وت ورد م��ن ذه��ول��ه‪ - :‬بدأنا‬
‫نقرتب من امللجأ ياسيدي‪ ..‬امتار قليلة فقط‬
‫ونصل‪..‬‬
‫فعالً بدت الدرجات املغطاة ببعض الركام‬
‫واحلجارة‪..‬‬
‫أمتأكد أنت أنه امللجأ املطلوب؟‬
‫بالطبع ياسيدي‪..‬‬
‫أحس بقواه تعود إليه‪ ،‬انزله ورد عن كتفه‪..‬‬
‫فكر‪(( ..‬ليتين أعثر عليها؟ أنا خائف؟ ياإهلي‬
‫أعنّي‪)).‬‬
‫أزاح (ورد) األنقاض من أم��ام الباب وبدأ‬
‫ي��ط��رق��ه ب��ق��وة‪ ..‬وب��ع��د دق��ائ��ق وص��ل��ه صوت‬
‫بالراديو‪ ..‬من ‪..‬؟ من هناك؟‬
‫قال سامر‪ - :‬أنا رسول من احملطة القمرية‪..‬‬
‫أمحل مواد طبية وغذائية‪..‬‬
‫أج��اب الصوت حب��دة ‪ - :‬الحنتاج هلذه‬
‫املواد‪ ..‬كل شيء متوفر عندنا‪..‬‬
‫أال ميكنين الدخول للملجأ ؟ أنا أرتدي لباس‬
‫احلماية الالزم املصنوع خصيصاً للحماية من‬
‫اإلشعاعات‪..‬‬
‫قد يتسرب اإلشعاع إىل داخل امللجأ‪..‬‬
‫أليست لديكم غرفة للتعقيم‪.‬؟‬
‫بالطبع‪ ..‬ولكن لدينا أوام��ر بعدم السماح‬

‫‪80‬‬

‫ألحد بالدخول‪..‬‬
‫أرجوك‪ ..‬أنا قادم من مكان بعيد‪ ..‬أميكن‬
‫أن أحتاور مع أحد املسؤولني عن إدارة امللجأ؟‬
‫انتظر قليالً‪..‬‬
‫ك��ان قلبه خيفق ب��ق��وة‪ ..‬وه��و يعد الثواني‬
‫ال�تي يدخل بعدها إىل امللجأ للتفتيش عن‬
‫(لينا)‪ ..‬انتابه إحساس باخلوف‪ ..‬الشديد‪..‬‬
‫((قد التكون موجودة هنا؟ أمعقول أن تكون‬
‫قتلت يف هذه احلرب اجملنونة؟ وتلك اآلمال‬
‫اليت عاشها وهو يف رحلته الطويلة‪ ،‬عن اللقاء‬
‫معها‪ ..‬وبدء احلياة من جديد‪ ..‬أكانت ومهاً؟‬
‫ياإهلي‪ .‬أعين))‬
‫مسع صوتاً بالراديو ‪ - :‬اقرتب من الباب‪..‬‬
‫أنت واإلنسان اآليل الذي يرافقك هبط سامر‬
‫و (ورد) أم��ام ال��ب��اب‪ ..‬فهم أن هناك عدسة‬
‫مقربة تستعرضه ورفيقه اآليل‪ ..‬ثم انبعث‬
‫الصوت من جديد‪..‬‬
‫سنفتح لكما الباب اآلن‪..‬‬
‫صرّ الباب املزدوج وانبعثت أصوات الكرتونية‬
‫وأصوات صفري‪ ..‬وجل سامر الباب وخلفه (ورد)‬
‫أغلق خلفهما الباب املزدوج األول ثم وجلا باباً‬
‫جديداً‪ .‬لغرفة مظلمة‪ ..‬وبعد دقائق فتح باب‬
‫جديد ليطالعا وجه رجل ضخم يبتسم هلما‪:‬‬
‫(( تفضل ياسيدي أنت ومرافقك))‬
‫قال سامر ‪ - :‬يبدو امللجأ عميقاً أكثر من‬
‫الالزم‪..‬‬
‫هكذا صمم ياسيدي‪..‬‬
‫كم عدد الناس هنا؟‬
‫تسعمئة رجل وامرأة وطفل‪..‬‬
‫آه‪ ..‬إنه ملجأ ضخم فعالً‪..‬‬
‫إنه أضخم مالجئ املدينة وأقواها‪ ..‬تفضل‬
‫ي��اس��ي��دي‪ ..‬ه���ذه ه��ي غ��رف��ة رئ��ي��س جملس‬
‫اإلدارة‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫طرق الرجل الباب فأتاه الصوت من الداخل‬
‫‪ - :‬تفضل‪..‬‬
‫هنض الدكتور (عصام) يرحب هبما ومهس‬
‫لسامر‪:‬‬
‫ميكنك أن تنزع بذلتك املكان نظيف هنا‪..‬‬
‫لست متضايقاً منها ياسيدي‪..‬‬
‫كما ت��ش��اء‪ ..‬ول��ك��ن م��اال��ذي دع��ا احملطة‬
‫القمرية إلرسالك إىل األرض‪ ،‬بوجود املوت‬
‫والدمار يف كل مكان‪.‬؟‬
‫كنت مصراً على اهلبوط إىل األرض‪ ..‬بعد‬
‫عودتي من رحليت الطويلة يف الفضاء‪..‬‬
‫من رحلتك الطويلة يف الفضاء؟‬
‫نعم ياسيدي‪ ..‬كنت بني النجوم لسنوات‬
‫وعدت قبل أسابيع إىل احملطة القمرية‪..‬‬
‫مل تقل يل امسك بعد؟‬
‫امس���ي س���ام���ر‪ ..‬وص��دي��ق��ي اآليل يسمى‬
‫(ورد)‪ ..‬إنه وحدة ذاكرة متطورة‪..‬‬
‫حنساً‪ ..‬أنت سامر إذن؟‬
‫أتعرفين؟‬
‫أمل يكن من املقرر أن هتبط يف املطار املركزي‬
‫هنا‪ ..‬قبل شهر‪..‬‬
‫نعم ياسيدي‪..‬‬
‫ستكون (لينا) مسرورة بلقائك‪..‬‬
‫لينا‪ ..‬ماذا قلت؟‬
‫نعم املهندسة (لينا) كانت تنتظر هبوطك‬
‫يف املطار املركزي‪ ..‬حني حدثت الكارثة‪..‬‬
‫أهي هنا معكم‪..‬؟‬
‫نعم‪..‬‬
‫ً‬
‫آه ياإهلي‪ ..‬كنت يائسا من لقياها‪ ..‬قال يل‬
‫الدكتور (ن��ادر) يف ملجأ اجلامعة إهنا كانت‬
‫تشرف على حمطة توليد الطاقة يف مركز‬
‫املدينة‪..‬‬
‫نعم وق��د أرسلنا يف طلبها قبل ساعات‬

‫من بدء الكارثة لإلشراف على حمطة توليد‬
‫الطاقة‪ ..‬هي خبرية ممتازة‪ ..‬كنا نشعر أ ّننا‬
‫مقبلون على الدمار الشامل‪..‬‬
‫آه ياإهلي‪ ..‬لينا هنا إذن‪.‬؟‬
‫سأرسل يف طلبها‪ ..‬البد وأن تكون سعيدة‬
‫بلقائك‪ ..‬رغم أن السفر يف الفضاء قد حافظ‬
‫على شبابك ياسامر‪..‬‬
‫مل ينتبه سامر لكلماته‪ ..‬إذ كان يتوقع أن‬
‫تبدو (لينا) أكرب منه فلم يكن يشكل ذلك شيئاً‬
‫بالنسبة له‪..‬‬
‫طرق الباب‪ ..‬ثم دخلت سيدة يف عقدها‬
‫اخل��ام��س‪ ..‬كانت مسحة م��ن اجل��م��ال تغلف‬
‫وجهها ‪ ..‬كانت متوسطة القامة حنيلة اجلسم‪..‬‬
‫يف عينيها براءة صافية‪ ..‬مهس سامر واقفاً‪:‬‬
‫ لينا حبيبيت‪..‬‬‫رمقته لينا بطرف عينها‪ ..‬إنه سامر‪..‬‬
‫حبيب عمرها الذي فضل املغامرة يف الفضاء‬
‫البعيد على اللقاء معها‪ ..‬وكان شجاعاً باسالً‬
‫كرمته القيادة بعدة أومس���ة‪ ..‬ب��دا هلا شاباً‬
‫صغري السن‪ ..‬مل يتغري‪ ..‬نفس الصورة اليت‬
‫كانت يف ذاكرهتا بعد كل تلك األع��وام‪ ..‬هذا‬
‫متوقع بالطبع‪ ..‬إنه يسافر بسرعات خيالية‬
‫يف الفضاء‪ ..‬لن يتقدم يف العمر‪ ..‬كما لو كان‬
‫يعيش ف��وق األرض دون حركة‪ ..‬لكن عينيه‬
‫الدامعتني‪ ..‬ارعشتا فؤادها‪ ..‬كان يبكي وهو‬
‫يرمقها حب��ب‪(( ..‬لينا حبيبيت)) تقدما من‬
‫بعض هب���دوء‪ ..‬تشابكت األي��دي أوالً ثم كان‬
‫عناق (أوليس وبينلوبي)‪ ..‬عناقاً اندجما فيه‬
‫بقلبيهما وذكرياهتما‪ ..‬كانت شفتاه تسرح على‬
‫وجهها‪ ..‬والدموع تنحدر من عينيه‪ ..‬أما هي‬
‫فكانت تتوزعها مشاعر بالغة الوصف وهي‬
‫تسمع صوته يهمس‪:‬‬
‫أمعقول؟ هل أنا يف حلم؟ أبعد هذه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪81‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫السنوات نلتقي ويف ظ��روف حتمل أعمق‬
‫املآسي وال��ك��وارث املرعبة؟ ي��اإهل��ي‪ ..‬ماأكثر‬
‫املفاجآت‪ ..‬كان ماشهدته بعد عودتي أكرب من‬
‫أن يتصوره عقلي‪ ..‬هل أنا يف حلم‪ ..‬أم أهنا‬
‫احلقيقة املفجعة؟‬
‫سامر ‪..‬حبييب‪ ..‬غري معقول؟‬
‫أمن املمكن أن تكوني أمامي فعالً يالينا؟‬
‫ب��ع��د ك��ل ه���ذه ال���س���ن���وات‪ ..‬ك�ب�رت عليك‬
‫ياسامر‪ ..‬أصبحت متقدمة يف السن‪..‬‬
‫م��اذا تقولني ياحبيبيت‪ ..‬حتى ول��و لقيتك‬
‫عجوزاً طاعنة يف السن ستظلني (لينا) أمجل‬
‫ذكرى يف قليب‪ ..‬حبيبيت اليت ملكت قليب طوال‬
‫ع��م��ري‪ ..‬مل أف�تر حلظة واح���دة ع��ن التفكري‬
‫بك‪ ..‬كنت يف كل نبضة من نبضات قليب يف‬
‫خيايل املتملي لطيفك دائماً‪ ..‬تعايل إيل أتنشق‬
‫عبريك‪ ..‬ألحس أنين أحيا ولست يف حلم أعانق‬
‫الفراغ‪..‬‬
‫كانا وحيدين يف مكتب الدكتور (عصام)‬
‫الذي خرج و(ورد) دون أن يشعرا خبروجهما‪..‬‬
‫مهس سامر ‪ - :‬سنبدأ حياتنا من جديد‬
‫يالينا‪..‬‬
‫أج��ه��ش��ت ب��ال��ب��ك��اء ‪ - :‬ب��ع��د ك���ل هذه‬
‫السنوات؟‬
‫التبكي ياحبيبيت‪ ..‬التعذبيين‪ ..‬ظلمتك‬
‫كثرياً‪ ..‬ومل تغب صورتك عن خيايل وأنا أراجع‬
‫تقصريي معك‪ ..‬أعلم أنين مذنب حبقك مل أكن‬
‫منصفاً أبداً‪..‬‬
‫ضمها إليه حبنو وبدأ يسرح بشفتيه فوق‬
‫وجهها ورقبتها ويديها‪ ..‬مد يده ميسح دموعها‬
‫اهلاطلة‪..‬‬
‫قال الدكتور عصام لسامر‪ - :‬أال ترغب يف‬
‫التعرف على امللجأ؟‬
‫بالطبع‪..‬‬

‫‪82‬‬

‫ستكون لينا دليلتك‪ ..‬أتعلم لقد خدمنا‬
‫إنسانك اآليل كثرياً؟‬
‫صحيح؟ كيف؟‬
‫أص��ل��ح ج��ه��از التكييف يف بعض الغرف‪،‬‬
‫كما أصلح عدة أجهزة فيديو وزود املدخرات‬
‫بشحنة كهربائية جديدة‪ ..‬إنه متطور كثرياً‪..‬‬
‫لدينا أجهزة آلية متقدمة‪ ..‬ولكنها التبدو شيئاً‬
‫أمامه‪..‬‬
‫أعتقد عليه يف كل شيء‪..‬‬
‫كانا يتجوالن يف امللجأ بغرفه الكثرية‪ ،‬حلظ‬
‫الناس‪ ..‬كانوا هادئني كأهنم قبلوا واقعهم‪..‬‬
‫مهست لينا‪:‬‬
‫وهكذا ترى ياسامر ان البشرية قد عادت‬
‫لنقطة البدء‪ ..‬كانت هناك (‪ )25‬فرضية للحياة‬
‫بعد الدمار النووي‪ ،‬ولكن كل هذه الفرضيات‬
‫كانت تؤكد أن الشرط الوحيد الستمرارية‬
‫حياة اإلنسان هو أن يتنفس اجللد وأن يكون‬
‫مكشوفاً وه��ذا ماتؤكد عليه هنا‪ ..‬أم��ا على‬
‫سطح األرض فإن اجللد يهرتئ وميوت‪.‬‬
‫يبدو أن املصيبة جتمع الناس هنا‪ ..‬الأحد‬
‫يشتكي‪ ..‬الكل يتعاون يقدم إمكانياته يف سبيل‬
‫اآلخرين‪..‬‬
‫ً‬
‫آه ياسامر تعذبنا كثريا حتى وصلنا إىل‬
‫هذه النتيجة‪ ..‬كان الناس مذهولني خائفني‪..‬‬
‫مرتددين ولكننا أزلنا هذا اإلحساس باللقاءات‬
‫املتواصلة معهم وكشف احلقائق العارية مهما‬
‫كانت مؤملة‪ ..‬وشيئاً فشيئاً ه��دأوا‪ ..‬آه كانت‬
‫أياماً مؤملة قاسية‪..‬‬
‫لينا‪ ..‬كنت عظيمة كعادتك‪ ..‬كبرية يف عقلك‬
‫ويف ممارستك‪..‬‬
‫إنه الزمن ياسامر‪ ..‬زمن العودة إىل البدائية‬
‫والبناء من جديد يف ظروف قاسية مريعة‪..‬‬
‫ن��ام سامر تلك الليلة بعمق‪ ..‬ك��ان متعباً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫جمهداً‪ ..‬ولكنه كان سعيداً بلقاء لينا أما (ورد)‬
‫فقد انشغل بشحن بطاريات من مركز الطاقة‬
‫املركزي مبساعدة لينا‪..‬‬
‫كانت لينا يف األربعني من عمرها واليبدو‬
‫على سامر أنه وصل الثالثني ‪ ..‬مع أنه كان‬
‫أكرب منها بست سنوات‪ ..‬ولكن ذلك مل يكن‬
‫يؤثر عليها وقد عاد قلبها طفالً خاصة وأن‬
‫سامراً أظهر هلا مشاعره الفياضة اليت لغت‬
‫كل حاجز بينهما‪..‬‬
‫ف��ك��رت تلك الليلة قبل أن ت��ن��ام‪(( :‬م���اذا‬
‫ستفعل؟ ماهو مستقبلها مع سامر؟ هل سيظل‬
‫يقيم معها يف امللجأ؟ أم أن مهمة يف انتظاره يف‬
‫احملطة القمرية؟ نسيت أن تسأله عن ذلك؟‬
‫ولكنها واثقة أهنما لن يفرتقا‪))..‬‬
‫أضحكها (ورد) بنكاته اليت لقنها له فريق‬
‫العمل الذي صنعه‪ ..‬ثم تركها وخرج يفتش عن‬
‫مشكلة مستعصية ليحلها‪ ..‬وقد أصبح خالل‬
‫ساعات جنم امللجأ‪ ،‬بقدرته على حل املشاكل‬
‫مهما استعصت‪ ..‬قبل منتصف الليل بقليل‪،‬‬
‫طرق باهبا‪ ،‬كان الدكتور عصام يستدعيها إىل‬
‫مكتبه ألمر هام‪..‬‬
‫ألقت عليها ث��وب العمل واجتهت يف ممر‬
‫نصف مضاء صوب مكتبه‪ ..‬كان جالساً خلف‬
‫مكتبه غارقاً بالعمل‪ ..‬استقبلها مبودة وجلس‬
‫على املقعد املقابل‪ - :‬هل أنت جاهزة يالينا؟‬
‫ملاذا ؟‬
‫مل����غ����ادرة امل���ل���ج���أ‪ ..‬س���ام���ر ي���ص���رّ على‬
‫اصطحابك‪..‬‬
‫هل قال لك ذلك؟‬
‫نعم‪..‬‬
‫مارأيك ياسيدي؟‬
‫ياابنيت‪ ..‬الرأي لك‪ ..‬الشاب حيبك وحتبينه‬
‫ورمب��ا كانت قصة حبكما مضرب املثل يف‬

‫القاعدة ‪ ..‬الأرى مانعاً م��ن متابعة احلياة‬
‫معاً‪..‬‬
‫ملاذا النتابع حياتنا هنا يف امللجأ؟‬
‫قلت ذلك لسامر‪ ..‬ولكنه وعدهم هناك أن‬
‫يعود سريعاً‪ ..‬حضر إىل هنا لسببني رمبا كنت‬
‫أمههما‪ ..‬والسبب اآلخر أخذ فكرة حقيقية‬
‫عن حجم الكارثة‪ ..‬وإمكانيات املالجئ‪ ..‬يف‬
‫الصمود ألشهر أخ��رى‪ ..‬اهنم مهتمون بنا يف‬
‫احمل��ط��ة‪ ..‬أغلبهم م��ن أصدقائنا وأبنائنا‪..‬‬
‫تعلمني ذلك؟‬
‫بالطبع ياسيدي‪ ..‬ولكن مركز الطاقة هنا‬
‫حباجة خلبري دائ���م‪ ..‬الطاقة هنا ه��ي اليت‬
‫تغذي احلياة يف امللجأ‪..‬‬
‫فكرت يف هذا األمر‪ ..‬ووجدت أنه باإلمكان‬
‫ت��دري��ب بعض مساعديك ليضطلعوا هبذه‬
‫املهمة‪..‬‬
‫هذا يستغرق وقتاً‪..‬‬
‫كم يوماً يف رأيك؟‬
‫عشرون يوماً على األقل‪..‬‬
‫ً‬
‫حسناً ميكنك البدء بذلك غ��دا‪ ..‬وأعتقد‬
‫أن مساعدة اإلنسان اآليل (ورد) قد ختتصر‬
‫املدة‪..‬‬
‫ً‬
‫آه‪ ..‬نسيته‪ ..‬معك حق‪ ..‬إنه متطور كثريا‪..‬‬
‫على بركة اهلل إذن‪..‬‬
‫غ���ادرت (ل��ي��ن��ا) غ��رف��ة ال��دك��ت��ور عصام‪،‬‬
‫وهي تشعر هبموم الرجل العجوز وخماوفه‪..‬‬
‫وتضحيته الكبرية باالستغناء عنها‪ ..‬وهي‬
‫اخل��ب�يرة امل��م��ت��ازة يف ش���ؤون الطاقة ‪ ..‬وقد‬
‫بذل جهداً كبرياً الستقدامها من (مركز طاقة‬
‫املدينة) قبل وقوع الكارثة بدقائق‪..‬‬
‫لكن طيف (س��ام��ر) ع��اوده��ا‪ ..‬فأحست‬
‫مب��ش��اع��ر احل���ب تنتاهبا وغ��ف��ت على‬
‫أحالمها الوردية‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪83‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫ك��ان على سامر أن يطمئن على سالمة‬
‫حمطته ال��ص��غ�يرة ال�تي هبطت يف منطقة‬
‫م��اخ��ارج امل��دي��ن��ة‪ ..‬لذلك خ��رج و(ورد) من‬
‫امللجأ يف رحلة صعبة إلحضارها قرب امللجأ‪،‬‬
‫لتكون يف متناول اليد عندما تنهي (لينا)‬
‫تدريبها للطاقم الذي سيخلفها يف اإلشراف‬
‫على حمطة توليد الطاقة‪ ..‬ودعته (لينا)‬
‫خب��وف‪ ..‬وطلبت منه ال��ع��ودة سريعاً وحني‬
‫فتحت األب��واب ل��ه‪ ..‬وخ��رج إىل السطح مع‬
‫(ورد) كان الثلج ينهمر بغزارة شديدة‪ ..‬ثلج‬
‫رمادي ثقيل‪ ..‬خيتلف عن ندف الثلج العادية‪.‬‬
‫بدأا مسريهتما ببطء شديد والرياح الباردة‬
‫تكاد توقعهما‪ ..‬حتى (ورد) الثقيل املهيأ‬
‫للمقاومة‪ ..‬كاد أن يسقط‪ ..‬وهذا مااستدعاه‬
‫أن يشغل توربيناته القوية ‪ ..‬لينطلق على‬
‫عجالت ركبها سريعاً يف طريقه حنو مكان‬
‫احملطة وهو حيمل سامر على كتفه‪.‬‬
‫بدأ (ورد) جيد صعوبةن يف قطع الطريق‬
‫املليء بالركام واحلطام‪ ..‬فانزل سامر عن‬
‫كتفه‪ ..‬وأعاد عجالته وبدأ بالسري العادي بعد‬
‫أن خفت حدة الرياح قليالً‪ ..‬قال سامر‪:‬‬
‫الأرى جرذاناً على السطح‪..‬‬
‫إهنا موجودة حتت األنقاض‪ ..‬الثلج منعها‬
‫من الظهور‪..‬‬
‫هل حنن بعيدان عن مكان احملطة؟‬
‫حنو مخسة كيلومرتات‪..‬‬
‫ياإهلي‪ ..‬إهنا مسافة كبرية‪..‬‬
‫ليست كبرية‪ ..‬ولكن وعورة الطريق وتكاثف‬
‫الثلوج جعلتها تبدو كذلك‪..‬‬
‫أل���ي���س م����ن س��ب��ي��ل مل��خ��اط��ب��ة احملطة‬
‫القمرية‪..‬‬
‫أتريد شيئاً من هناك؟‬
‫فقط أريد أن اطمئنهم‪..‬‬

‫‪84‬‬

‫إهنم يتابعونا جبهاز تصويرهم املضاعف‪..‬‬
‫التقلق‪ ..‬وعندما نصل احملطة سنخاطبهم‬
‫بواسطة جهاز اإلرسال‪..‬‬
‫ك��ان س��ام��ر م��رت��اح�اً ألن ال��ث��ل��وج طمرت‬
‫املناظر املؤسية واجلثث املوزعة اليت شاهد‬
‫بعضاً منها قبل أن يبدأ اهنمار الثلوج وهو يف‬
‫رحلته إىل امللجأين‪..‬‬
‫انتصب أمامهما شبح أسود‪ ..‬ارتعب سامر‬
‫ملرآه‪ ..‬ولكن (ورد) طمأنه‪:‬‬
‫إهنا شجرة ضخمة ياسيدي‪ ..‬هنا احلديقة‬
‫املركزية‪ ..‬وهذه أطول أشجارها عمراً‪..‬‬
‫آه ياإهلي‪ ..‬تذكرت إهنا شجرة (البايون)‬
‫ياللمصري احمل��زن‪ ..‬كان عمرها حنو مخسة‬
‫عشر أل��ف س��ن��ة‪ ..‬إهن��ا ت��ب��دو كجثة واقفة‬
‫متصلبة‪ ..‬مل يبق م��ن جذعها س��وى هذا‬
‫الطول‪ ..‬بالشناعة احلرب‪..‬‬
‫كان جذع الشجرة املتفسخ يبدو كشبح أسود‬
‫والكشافات تسقط فوقه‪ .‬تنري زواياه وأغصانه‬
‫املتقطعة اليت بدت كأيد مقطوعة‪..‬‬
‫مسعا أنيناً م��ت��واص�لاً‪ ..‬اق�ترب ورد من‬
‫مكان األنني‪..‬‬
‫إنه ملجأ منهار‪..‬‬
‫كيف عرفت يا (ورد)؟‬
‫بواسطة جهاز التتبع الشعاعي‪ ..‬إنه ملجأ‬
‫عادي غري حممي‪..‬‬
‫جلأ إليه الناس‪ ..‬يلتمسون احلماية من‬
‫فتك القنابل املدمرة‪ ..‬ولكنهم وقعوا صرعى‬
‫اإلشعاعات الفتّاكة املتسربة‪..‬‬
‫ه��ذا بالضبط م��احي��دث ي��اس��ي��دي‪ ..‬هل‬
‫نتابع سرينا؟‬
‫نعم (ي��اورد) ماذا نستطيع أن نفعل هلم‪..‬‬
‫سوى مراقبتهم‪ ..‬ميوتون وتنسلخ جلودهم‬
‫وتتشوه‪..‬؟‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سيمفونية النهاية‬
‫ازداد األن�ين والتأوهات‪ ..‬فأسرع سامر‬
‫خ��ل��ف (ورد) ل��ل��ه��رب م��ن أص����وات تقطع‬
‫القلب‪..‬‬
‫كانت بساعة احل��رب النووية أقسى من‬
‫أن يتصوره املرء‪ ..‬هكذا حدّث سامر نفسه‬
‫وهو يسد أذنيه عن مساع صيحات االستغاثة‬
‫واألنني رأى األبنية الضخمة املنهارة وحمطات‬
‫ال���وق���ود‪ ..‬وامل��ص��ان��ع احلقيقية والنصب‬
‫التذكارية الضخمة‪ ..‬واستمرت مشاهد‬
‫الدمار تتزايد بعد أن اقرتبا من منطقة ذابت‬
‫فيها الثلوج قال ورد موضحاً‪:‬‬
‫إهنا منطقة ينابيع فجرهتا حفر القنابل‪..‬‬
‫أذاب������ت ال��ث��ل��وج امل��ت��س��اق��ط��ة ‪ .‬وأظ���ه���رت‬
‫ماحتتها‪..‬‬
‫متالك نفسه وهو يسرع مستحثاً ورد‪- :‬‬
‫ورد أنقذني من هذه املشاهد بسرعة‪ ..‬مل‬
‫أعد أمتالك نفسي‪..‬‬
‫حسناً ياسيدي‪ ..‬كدنا نصل‪ ..‬التقلق‪..‬‬
‫ع��اد الثلج يغطي كل ش��يء من جديد‪..‬‬
‫أطلق (ورد) صيحة تنبيه‪:‬‬
‫أترى تلك التلة من الثلج؟‬
‫نعم‪.‬‬
‫إهنا حمطتنا ياسيدي‪..‬‬
‫اعمل (ورد) آالته ليزيح الثلج عن احملطة‪..‬‬
‫وفتح الباب الضخم ليدخل وسامر إىل غرفة‬
‫التعقيم‪ ..‬ثم وجلا باباً آخر ليصبحا داخل‬
‫احمل��ط��ة‪ ..‬تكلم سامر مع احملطة القمرية‬
‫خيرب من فيها عن احلالة الصعبة اليت شاهد‬
‫عليها األرض وأنه قادم ولينا بعد أيام‪..‬‬
‫وب��ع��د دق��ائ��ق مت��ك��ن (ورد) م��ن تشغيل‬
‫احملركات‪ ..‬فانطلقت احملطة حموّمة حتت‬
‫اهن��م��ار الثلج متجهة ص��وب ملجأ (مركز‬
‫البحوث العلمية)‬

‫اع��ت��ق��د أن����ه جي���ب اص��ط��ح��اب البذلة‬
‫اإلضافية للحماية من اإلشعاع‪..‬‬
‫ملاذا يا(ورد)؟‬
‫لتلبسها املهندسة لينا‪ ..‬حال خروجها من‬
‫امللجأ‪..‬‬
‫آه‪ ..‬م��ع��ك ح���ق‪ ..‬نسيت ه���ذه القضية‬
‫اهلامة‪ ..‬إنك رائع ياورد‪ ..‬اليفوتك شيء‪..‬‬
‫هبطت احملطة قرب (ملجأ مركز البحوث‬
‫العلمية) وخ��رج سامر وورد متجهني حنو‬
‫امللجأ‪ .‬مل يتبني سامر ألول وهلة باب امللجأ‬
‫لكثرة ال��ث��ل��وج‪ ..‬ولكن (ورد) جن��ح يف فتح‬
‫الطريق بسهولة‪..‬‬
‫كان الوقت مير ثقيالً بطيئاً على سامر‬
‫وه���و ينتظر أن تنتهي ل��ي��ن��ا م��ن تدريب‬
‫طاقمها‪ ..‬شغل وقته أحياناً بزيارة بعض‬
‫األسر يف امللجأ‪ ..‬عمالً بنصيحة لينا‪ ..‬وحكى‬
‫لألطفال عن مغامراته يف الفضاء‪ ..‬ولكنه مل‬
‫يكن سعيداً ‪ ..‬كأنه أحس أنه مسجون ألول‬
‫مرة يف حياته‪..‬‬
‫ولكن مساعدة (ورد) للينا أت��ت مثارها‬
‫بسرعة‪ ..‬فبعد أقل من مخسة عشر يوماً‪..‬‬
‫أصبحت لينا جاهزة للسفر ودعها اجلميع‬
‫حبرارة‪..‬‬
‫وبكت طويالً وهي تعانق الدكتور عصام‪..‬‬
‫وبكى العجوز وهو يوصيها باالنتباه يف حياهتا‬
‫اجلديدة‪..‬‬
‫مه��س س��ام��ر‪ -:‬ل��ن ن�ترك األرض لألبد‬
‫يالينا‪ ..‬سنعود إليها حني تنكشف السحب‬
‫ويقل خطر اإلش��ع��اع وت��ش��رق الشمس من‬
‫جديد‪..‬‬
‫ً‬
‫كان هذا وعدا بالعودة للمشاركة يف إعمار‬
‫ماهدمته احلرب وبدء خلق جديد فوق كوكب‬
‫دمره استهتار أبنائه‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪85‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حدث يف مدار النسيان‬

‫صالح معاطي‬
‫وك��ع��ادة اإلن��س��ان دائ��م�اً يسعى إىل‬
‫طمس آث��ار م��ن سبقوه ظ��ان�اً منه‬
‫أن آثاره فقط هي اليت ستخلد من‬
‫بعده ‪ ،‬ناسياً أن الالحقني له سينهجون هنجه‬
‫ويفعلون معه مثلما فعل هو مع غريه ‪ ،‬وما أن‬
‫يعتلي أحدهم العرش مبتدئاً نظاماً جديداً حتى‬
‫يبدأ يف إصدار جمموعة من القوانني والقرارات‬

‫‪86‬‬

‫‪ ،‬فتنشأ وزارات وتلغى وزارات وال أحد يعرف‬
‫احلكمة من إنشاء هذه أو إلغاء تلك إال اهلل ‪،‬‬
‫وإمنا تطبيق للمثل املصري الشائع منذ آالف‬
‫السنني « الغربال اجلديد له شدة « ‪..‬‬
‫ومن بني الوزارات اليت ألغيت يف أحد البلدان‬
‫اليت اعرتاها تغيري يف نظامها « وزارة الفضاء‬
‫اخلارجي « ‪ ..‬تلك الوزارة اليت كان منوطاً هبا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حدث يف مدار النسيان‬
‫سرب أغ��وار الفضاء وكشف اجملهول ‪ ..‬ولكن‬
‫هكذا أراد احلاكم اجلديد ‪ ..‬جبرة قلم ألغى‬
‫ال���وزارة فألغيت ال���وزارة هبيئاهتا ومؤسساهتا‬
‫ومشروعاهتا اليت مازالت حتت اإلنشاء واليت‬
‫رصدت هلا احلكومة السابقة أمواال طائلة من‬
‫دماء الشعب ضاعت هباء منثوراً ‪..‬‬
‫وسكر ع��م عثمان أب���واب ال���وزارة املنكوبة‬
‫«وج��اب ضرفها» ثم حدث زميله عبد التواب‬
‫بلهجته النوبية ‪:‬‬
‫أال قل يل يا عبد التواب ‪..‬‬
‫خري يا عثمان ‪..‬‬
‫_ اجلماعة الرواد اللي يف احملطة املدارية‬
‫حياة ‪ ..‬حيعملوا فيهم إيه ؟‬
‫هنره عبد التواب بلهجة الفاهم الواعي ‪:‬‬
‫عيبك يا عثمان إن��ك بتحط مناخريك يف‬
‫اللي مالكش فيه ‪ ..‬إحنا مالنا يا شيخ ‪ .‬يعين‬
‫حنعرف أكرت من احلاكم ‪ ..‬شيل ده عن ده يرتاح‬
‫ده من ده ‪..‬‬
‫بعد أسابيع أص��در احلاكم أوام��ره بتحويل‬
‫مبنى ال�����وزارة ال��ق��دمي��ة إىل م��ؤس��س��ة عامة‬
‫لألحباث العلمية ‪ ،‬مع اإلبقاء على كل أجهزة‬
‫ال��وزارة البائسة كما هي الستخدامات البحث‬
‫العلمي ‪..‬‬
‫وبينما ك��ان « سيد عبد اهل���ادي» موظف‬
‫املستخدمني يف املؤسسة جالساً م��ع زميله‬
‫«صابر عبد الدائم» يتحدثان يف هناية يوم عمل‬
‫عادي حدث شيء غري عادي‪ ..‬إذ مسع االثنان‬
‫أزيزا متقطعاً صادراً من أحد األجهزة التابعة‬
‫للوزارة السابقة ‪ ..‬فبادر سيد زميله قائال ‪:‬‬
‫صابر ‪ ..‬هل مسعت شيئاً ؟‬
‫رد صابر يف عدم اكرتاث ‪:‬‬
‫هذا الصوت أمسعه منذ بضعة أشهر وقد‬
‫حدثت األستاذ سليم املراقب العام فأخربني أنه‬

‫سريفع األمر لألستاذ خليل املدير العام ‪..‬‬
‫ولكن األزيز يزداد بشكل غريب ‪..‬‬
‫وقف صابر واجته حنو اجلهاز وهو يقول ‪:‬‬
‫معك حق ‪ ..‬يبدو أن هناك شيئاً مريباً ‪ ..‬ما‬
‫رأيك لو حاولنا معه ‪ ..‬دعنا نقطع الوقت حتى‬
‫حيني موعد االنصراف عن العمل ‪..‬‬
‫تبعه سيد وهو يسأله ‪:‬‬
‫أ تعرف كيفية تشغيله ؟‬
‫أجاب صابر ساخراً ‪:‬‬
‫هل قالوا لك عين إني مهندس ‪ ..‬إنين بالكاد‬
‫أخصائي متابعة يف إدارة ش��ؤون العاملني ‪..‬‬
‫حياتي كلها منقسمة بني دفرتي الصادر والوارد‬
‫فال أعرف غريمها ‪.‬‬
‫وق��ف االث��ن��ان حائرين أم��ام اجل��ه��از الذي‬
‫م��ازال يصدر أزي��زه بإحلاح ‪ ،‬والحظا أن زراً‬
‫يصدر ض��وءاً أمح�رَ متقطعاً ‪ ..‬فضغط سيد‬
‫عليه يف فضول ‪ ..‬لدهشتهما مسعا صفريا آتيا‬
‫من مساعة جانبية باجلهاز تبعه صوت يقول ‪:‬‬
‫ه��ل تسمعوننا ‪ ..‬ه��ل تسمعوننا ‪ ..‬إننا‬
‫نتحدث إليكم من احملطة املدارية «حياة « اليت‬
‫تدور حول املريخ …‬
‫قطب سيد حاجبيه يف دهشة ‪ ،‬وراح يسأل‬
‫من خالل ميكروفون اجلهاز وهو مازال يضغط‬
‫على الزر ‪:‬‬
‫من أنتم ؟‬
‫عاد الصوت يقول ‪:‬‬
‫حنن رواد الفضاء األربعة باحملطة املدارية‬
‫ال�ت�ي ت���دور ح���ول امل��ري��خ م��ن��ذ ع��ام�ين حناول‬
‫االتصال بكم منذ شهور دون ج��دوى ‪ ..‬نريد‬
‫العودة فوراً إىل األرض ‪..‬‬
‫أسرع صابر يقول ‪:‬‬
‫نعم نعم ‪ ..‬تذكرتكم …‬
‫هتلل صوت نسائي ‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪87‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حدث يف مدار النسيان‬
‫احلمد هلل عرفونا …‬
‫أكمل صابر ‪:‬‬
‫لقد أرس��ل��ت بنفسي خطابات إن���ذار على‬
‫منازلكم لتخلفكم عن احلضور إىل العمل منذ‬
‫عام ‪ ،‬ولتسلم عملكم اجلديد يف املؤسسة بعد‬
‫إلغاء الوزارة ‪..‬‬
‫أضاف سيد ‪:‬‬
‫وعندما مل تأتوا أصدرنا لكم قرارات فصل‬
‫واعتمدها السيد املدير العام …‬
‫ي��زداد التشويش باجلهاز ‪ ،‬وتسمع أصوات‬
‫متباينة ‪:‬‬
‫ماذا يقول ؟‬
‫ال أدري يبدو أن عطالً باجلهاز ‪..‬‬
‫حاول مرة أخرى ‪..‬‬
‫أعاد سيد مجلته مرة أخرى ببطء وهو يدوس‬
‫بلسانه على كلمة «الفصل « وعندما انتهى صاح‬
‫صوت عصيب من داخل اجلهاز ‪:‬‬
‫أنتم بالتأكيد جمانني ‪ ..‬كيف نأتي وحنن‬
‫ندور يف الفضاء منذ عامني ‪..‬‬
‫صاح سيد يف انفعال ‪:‬‬
‫الزم حدودك يا سيد ‪ ..‬إننا ننفذ القوانني‬
‫واللوائح ‪..‬‬
‫كل هذا ال يهم اآلن ‪ ..‬املهم أن جند طريقة‬
‫نعود هبا إىل األرض ‪ ..‬فالوقود ق��ارب النفاد‬
‫واألكسجني أيضاً ‪ ..‬وكذلك ‪..‬‬
‫قاطعه صابر ‪:‬‬
‫لألسف املسألة ليست سهلة كما تظنون ‪..‬‬
‫فالوزارة قد ألغيت وحتولت إىل مؤسسة عامة‪،‬‬
‫وليست هناك إدارة تتبعوهنا بعد فصلكم من‬
‫املؤسسة ‪..‬‬
‫صرخ صوت نسائي ‪:‬‬
‫وحنن ؟‬
‫أجاب سيد هبدوء ‪:‬‬

‫‪88‬‬

‫كل ما نستطيع أن نفعله هو أن نرفع األمر‬
‫إىل األستاذ سليم املراقب العام الذي سريفعه‬
‫بدوره إىل األستاذ خليل العجيل املدير العام ‪،‬‬
‫ثم إىل السيد مراد شوكت وكيل الوزارة ‪ ،‬ثم إىل‬
‫معايل الوزير ‪ ،‬ففخامة احلاكم ‪ ..‬وتتم مناقشة‬
‫األمر يف جملس الشعب يف أقرب دورة قادمة‪..‬‬
‫معنى هذا أن نبقى هنا عشرة أعوام وأكثر‬
‫حتى تصلوا إىل حل بشأننا ‪..‬‬
‫واهلل هذا هو احلل الذي يف أيدينا ‪..‬‬
‫انفجرت أصواهتم من خالل اجلهاز العنة‬
‫إيامها واملراقب واملدير والوزير واحلاكم ‪ ،‬فأغلقا‬
‫اجلهاز وأسرعا إىل اخلارج ومها يصيحان ‪:‬‬
‫رواد آخر زمن يا سيدي ‪..‬‬
‫رد سيد ‪:‬‬
‫يعيشون يف الفضاء مرفهني منعمني ‪ ،‬ال‬
‫يشعرون بالغلب الذي نراه هنا على األرض ‪..‬‬
‫صاح صابر وهو ينظر يف ساعته ‪:‬‬
‫دعك منهم يا شيخ ‪ ..‬إهنم ال يتحملون أي‬
‫مسؤولية ‪ ..‬هيا بنا فقد اقرتب موعد االنصراف‬
‫عن املصلحة …‬
‫انفجرت أمل يف بكاء هستريي وهي تبتعد‬
‫ع��ن غ��رف��ة االت��ص��ال باحملطة امل��داري��ة حياه‬
‫فضمتها هبات مهدئة إياها ‪:‬‬
‫اهدئي يا أمل حتى نستطيع أن جند حالً ‪..‬‬
‫صاحت أمل من بني دموعها ‪:‬‬
‫ إهنم ال يشعرون بنا على اإلطالق ‪ ..‬هل‬‫كتب علينا أن من��وت يف الفضاء بعيداً عن‬
‫أهلنا؟‬
‫أش����ار خ��ال��د إيل ه��ب��ات أن ت��أخ��ذه��ا إىل‬
‫غرفتها‪ ،‬بينما عاد هو إىل اجلهاز الذي أمامه‬
‫وحدث زميله الذي جيلس جبانبه دافناً وجهه‬
‫بني كفيه ‪:‬‬
‫والعمل يا هشام ؟ ! ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حدث يف مدار النسيان‬

‫رفع هشام رأسه وأجاب يائساً ‪:‬‬
‫إننا يف موقف ال حنسد عليه ‪ ..‬كل يوم مير‬
‫علينا فيه خطر على حياتنا ‪ ..‬فالوقود ‪ ،‬واملياه‪،‬‬
‫وحبوب الطعام املضغوطة ‪ ،‬وأنابيب األكسجني‬
‫كل هذا أوشك على النفاد ‪..‬‬
‫نفخ خالد يف أمل ‪:‬‬
‫ال��واض��ح أهن��م نسونا ‪ ..‬ع��ام��ان اآلن منذ‬
‫انطلقنا من األرض عرب السفينة الفضائية اليت‬
‫نقلتنا بدورها إىل هذه احملطة املدارية «حياة»‬
‫ضحك هشام متهكماً ‪:‬‬
‫ً‬
‫حياة ستحتوينا لتكون قربا مجاعياً لنا ‪..‬‬
‫نفض خالد هذه الفكرة البغيضة من عقله‬

‫وهو يصيح ‪:‬‬
‫دعك من هذه األفكار السوداء وتذكر معي‬
‫األيام األوىل لنا يف هذه احملطة ‪ .‬عندما قمنا‬
‫جبمع أكرب قدر من املعلومات عن املريخ وتصوير‬
‫سطحه ودراسة تربته ودرجة حرارته وطقسه‬
‫ورياحه ونسبة ضغطه ‪..‬‬
‫أكمل هشام دون أن تزايله النربة التهكمية ‪:‬‬
‫ونزلنا على سطح املريخ ‪ ،‬وغرسنا بذور‬
‫الفول والشعري والقمح داخل تربته وأطلقنا بعض‬
‫احليوانات والطيور اليت أتينا هبا من األرض يف‬
‫أرجائه ‪ ..‬حتى قمريه « فوبوس « و «‬
‫دميوس « أخذنا هلما العديد من الصور‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪89‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حدث يف مدار النسيان‬
‫خالل ظهورمها املتكرر يف اليوم الواحد ‪..‬‬
‫وبعد كل هذا العناء أظهرت النتائج والدراسات‬
‫استحالة احلياة على املريخ ‪ .‬فلم تساعد الرتبة‬
‫النباتات على النمو فماتت لساعتها ‪ ،‬ومل‬
‫خترج البذور على السطح منذ غرسها ‪ ،‬أما‬
‫احليوانات والطيور فقد نفقت مجيعها بعد‬
‫دقائق وشاهدنا جثثها ممدة على سطح املريخ‬
‫بشكل مأساوي وكأهنا تلعن البحث العلمي الذي‬
‫قضى عليها دون فائدة ‪ .‬وكان خرياً هلا أن تذبح‬
‫وتؤكل على األرض من أن مت��وت « فطيس «‬
‫بعيداً عن موطنها‪ ..‬وهاحنن سنلحق هبا‬
‫كان خالد يستمع إىل صاحبه وهو مستغرق‬
‫يف التفكري ثم صاح بصوت هادئ كأنه حيدث‬
‫نفسه ‪:‬‬
‫ل��ك��ن مج��ي��ع م��ق��وم��ات احل��ي��اة ع��ل��ى املريخ‬
‫متواجدة وممكنة ‪ ..‬فجو املريخ يشابه جو األرض‬
‫من حيث املكونات األساسية من أكسجني وثاني‬
‫أكسيد الكربون وخبار املاء ‪ ،‬والضغط اجلوي‬
‫للمريخ قريب من ضغط األرض ‪ ،‬واجلاذبية‬
‫متقاربة ‪ ،‬واملياه ‪ ..‬املياه يف املريخ متواجدة يا‬
‫هشام بدليل هذه القنوات الالمعة اليت أظهرهتا‬
‫آخر صور التقطناها للمريخ ‪ ..‬هذه القنوات ما‬
‫هي إال حبار ثلجية متجمدة ‪ ..‬بالتأكيد يا هشام‬
‫احلياة فوق املريخ ممكنة وليست مستحيلة ‪..‬‬
‫وبني املوت واحلياة يوجد خط رفيع علينا أن‬
‫منسك به ‪..‬‬
‫يقطع حديثهما دخول أمل جتفف دموعها‬
‫خلفها ه��ب��ات ‪ .‬ف��ب��ادره��ا خ��ال��د بابتسامة‬
‫مشجعة‪:‬‬
‫امل��وت يا أمل ليس انعدام مقومات احلياة‬
‫وإمنا فقدان الرغبة يف احلياة ‪ ..‬ومقاومة املوت‬
‫أهم بكثري من وجود مقومات احلياة ‪..‬‬
‫أومأت أمل وهي تقول ‪:‬‬

‫‪90‬‬

‫يعز علي أن أم��وت بعيداً عن األرض اليت‬
‫نشأت عليها وترعرعت يف حضنها بني أمي‬
‫وأخوتي وخطييب ‪ ..‬خطييب الذي طاملا أحل علي‬
‫أن أبقى على األرض ‪ ..‬ليتين مسعت كالمه ‪..‬‬
‫ضحك خالد وهو يعقب ‪:‬‬
‫ليت أداة ممنوع استخدامها هنا الستحالة‬
‫حتقيق ما بعدها ‪ .‬ومن منا مل يرتك خلفه أحب‬
‫الناس إليه ‪ .‬أنا مثالً ودعت على األرض زوجيت‬
‫وابنيت ‪ ،‬ولكن ما بيدي أن أفعله اآلن ؟‬
‫يسكت قليالً ليقاوم رغبة يف البكاء ‪ ،‬ثم‬
‫يردف ‪:‬‬
‫ضعي يف اع��ت��ب��ارك أن��ن��ا ل��ن من��وت اآلن ‪.‬‬
‫ف��م��ازال يف امل��خ��زن امللحق باحملطة املدارية‬
‫أنابيب أكسجني وزجاجات مياه وطعام يكفي‬
‫لسبعة أيام ‪ ..‬دعينا نعيش هذه األيام السبعة‬
‫خري من أن منوت اآلن حزناً وكمدا ‪..‬‬
‫أوم��أت أم��ل يف شبه اقتناع دون أن ت��رد ‪،‬‬
‫فأضاف خالد ‪:‬‬
‫وال تنسي يا دك��ت��ورة أم��ل أن��ك الكيميائية‬
‫الوحيدة املوجودة بيننا ‪ ،‬فعليك من اآلن وملدة‬
‫أس��ب��وع مهمة حت��ض�ير م��زي��د م��ن األكسجني‬
‫واملركبات الغذائية فقد تدفع بنا احلياة يوماً‬
‫آخ��ر ‪ ..‬أم��ا خبرية األغ��ذي��ة « هبات « فعليك‬
‫إعداد الطعام اآلن ألننا بدأنا نشعر باجلوع ‪..‬‬
‫انطلقت الفتاتان يف أرجاء احملطة املدارية ‪،‬‬
‫ومها يسبحان يف فضائها الضيق ‪ ،‬بينما جلس‬
‫هشام جبانب خالد وهو يقول ‪:‬‬
‫تطمئن غ�ي�رك وال تستطيع أن تطمئن‬
‫نفسك‪..‬‬
‫مل يرد خالد بل أضاء شاشة اجلهاز الذي‬
‫أمامه ‪ ،‬قال حمدثاً هشام ‪:‬‬
‫انظر ‪ ..‬هذه آخر صورة التقطناها للمريخ‬
‫منذ شهرين ‪ ..‬أال جتد فيها اختالفاً عن الصور‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حدث يف مدار النسيان‬
‫اليت التقطناها قبل ذلك ؟‬
‫أشاح هشام بيده يف يأس ‪:‬‬
‫أما زلت تشغل رأسك هبذه األم��ور ؟ ‪ ..‬كم‬
‫أنا نادم ألنين ضيعت سنوات عمري هدراً يف‬
‫الفضاء السحيق ‪ ،‬وهاأنا أفقد عمري كله دون‬
‫أن نلقى اهتماماً من أحد ‪..‬‬
‫سكت خالد قبل أن يقول ‪:‬‬
‫ميوت العامل وعينه على السماء لعله خيرج‬
‫بسر جديد قبل أن يلفظ آخر أنفاسه دون أن‬
‫ينتظر تصفيق اآلخرين ‪..‬‬
‫ثم عاد ينظر إىل الشاشة وأردف ‪:‬‬
‫واآلن انظر معي ‪ ..‬ه��ذه النقطة الصغرية‬
‫البيضاء ال�تي يف ه��ذا اجل��ان��ب م��ن امل��ري��خ مل‬
‫تكن موجودة يف الصور األوىل اليت أخذناها‬
‫للكوكب‪..‬‬
‫أسرع هشام يقول ‪:‬‬
‫قد يكون عيباً يف التصوير ‪ ،‬كوجود غبار‬
‫على العدسات مثالً أو لعله انعكاس ضوئي ‪..‬‬
‫أومأ خالد مؤيدا ‪:‬‬
‫معك حق‪ .‬ولكن لدي رغبة يف أن نأخذ صوراً‬
‫جديدة للمريخ خاصة يف هذا اجلانب ‪..‬‬
‫تقصد تلك املنطقة اليت قمنا فيها بتجاربنا‬
‫وأحباثنا يف بداية رحلتنا ‪..‬‬
‫بالضبط ‪ ..‬ول��ك��ن أوالً جي��ب عمل بعض‬
‫الصيانة للكامريات ومسح ما يكون قد علق هبا‬
‫من غبار ‪..‬‬
‫ب��ع��د قليل ك��ان��ت أج��ه��زة ال��ت��ص��وي��ر معدة‬
‫اللتقاط ص��ورة لكوكب املريخ ‪ ..‬ب��دا واضحا‬
‫أن نقطة بيضاء يف حجم حبة األرز ترتكز يف‬
‫اجلانب ال��ذي أش��ار إليه خالد ‪ ..‬ما سرها ؟‬
‫وملاذا ظهرت فجأة ؟ وما التغيري الذي طرأ على‬
‫سطح الكوكب ؟‬
‫األمر حيتاج إىل زيارة للمريخ ‪..‬‬

‫اعرتض هشام ‪:‬‬
‫من األفضل أن ندخر الوقود لأليام القليلة‬
‫القادمة بدالً من القيام مبغامرة نعلم نتيجتها‬
‫مسبقاً‬
‫صاح خالد يف إصرار ‪:‬‬
‫املغامرة أفضل كثرياً من انتظار املوت وحنن‬
‫سجناء ه��ذه السفينة ‪ ..‬لن خنسر أكثر مما‬
‫سنخسره ‪..‬‬
‫أخذ الكوكب األمحر يقرتب ‪ ،‬وراحت عيوهنم‬
‫ترصده حماولة كشف النقاب عن هذه النقطة‬
‫البيضاء اليت أخ��ذت تتسع شيئاً فشيئاً على‬
‫الشاشة ‪..‬‬
‫صرخ خالد فجأة ‪:‬‬
‫توجد حياة فوق سطح املريخ ‪..‬‬
‫راحت سفينتهم هتبط تدرجيياً حتى استقرت‬
‫فوق ربوة مرخيية ‪ ،‬ثم أخذوا ينزلون مندفعني‬
‫يف شغف وهم يصيحون ‪:‬‬
‫انظروا‪ .‬إهنا النباتات اليت وضعنا شتالهتا‬
‫هاهي أمثرت وأينعت ‪ ،‬وبذور القمح والشعري‬
‫والفول أصبحت غابة خضراء ‪..‬‬
‫دمعت عيوهنم م��ن ف��رط ال��ف��رح ‪ ،‬وانطلق‬
‫صوت خالد ‪:‬‬
‫ماتت بالفعل معظم النباتات اليت زرعناها‬
‫هنا ونفقت أغلب احليوانات ‪ ،‬لكن بعضا منها‬
‫قاوم العدم لكي حييا ويستمر ‪..‬‬
‫أيدته أمل ‪:‬‬
‫إهنا احلياة تود أن حتيا وتقهر املوت ‪ ..‬هاهي‬
‫باقية تتحدى الفناء ‪..‬‬
‫صاحت هبات ‪:‬‬
‫وهذه احليوانات الربية اليت جتري أمامنا‪.‬‬
‫إهنا األجيال األوىل من بعض احليوانات اليت‬
‫جلبناها معنا م��ن األرض لتكون أول‬
‫كائنات مرخيية ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪91‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حدث يف مدار النسيان‬
‫قال هشام ‪:‬‬
‫إنين ال أصدق ‪ ..‬كل التجارب اليت أجريناها‬
‫أثبتت انعدام احلياة على املريخ‬
‫ابتسم خالد وهو يعقب ‪:‬‬
‫أنسيت ياهشام التجارب اليت أجريت على‬
‫مناطق شاسعة قاحلة من كوكبنا األرض وأثبتت‬
‫انعدام احلياة فيها ‪ ..‬لو ختيلت معي كائنات‬
‫من املريخ نزلت على األرض ألول مرة يف هذه‬
‫املناطق غري املأهولة ‪ ..‬بالطبع سيقولون إن‬
‫األرض ال ميكن أن تقوم عليها حياة ‪..‬‬
‫أومأ هشام مؤمناً على كالمه ‪:‬‬
‫واآلن ستسري احلياة يف كل جزء من أجزاء‬
‫املريخ ‪..‬‬
‫انطلقوا يف رب��وع الكوكب األمح��ر وسط‬
‫احلشائش والنباتات الصغرية اليت منت حديثاً ‪،‬‬
‫يتأملون صنع اهلل القادر على بعث احلياة وسط‬
‫العدم ‪..‬‬
‫بادرت أمل خالدا ‪ً:‬‬
‫من سيسكن هذا الكوكب الشاسع ؟‬
‫صاح خالد ‪:‬‬
‫حنن طبعاً ‪..‬‬
‫كيف ؟‬
‫أجاب خالد وهو يفرك بإصبعيه بعض حبات‬
‫الفول األخضر ‪:‬‬
‫لقد وهبنا اهلل احلياة ‪ ،‬وعلينا أن نشيد هنا‬
‫أول حضارة مرخيية من صنع اإلنسان ‪.‬‬
‫وه��ل نستطيع حن��ن األرب��ع��ة أن نفعل كل‬
‫هذا؟‬
‫نظر خالد يف عينيها ‪:‬‬
‫مثلما استطاع أول إنسان أرضي وكانا اثنني‬
‫فقط ‪ ..‬آدم وحواء ‪..‬‬
‫فرت بعينيها من عينيه العميقتني وراحت‬
‫تراقب القمر « فوبوس « وهو يالحق « دميوس»‬

‫‪92‬‬

‫وقالت ‪:‬‬
‫هذان القمران كم مها مجيالن ومها يظهران‬
‫هكذا يف وضح النهار والشمس ساطعة ‪..‬‬
‫ضحك خالد وهو يقول ‪:‬‬
‫تذكريين بأيام كنا نتغزل يف قمرنا الوحيد‬
‫يف الليايل الصافية ونقول فيه الشعر ‪ ،‬أما اآلن‬
‫فلدينا قمران ومشس أرجوانية ومساء برتقالية‬
‫‪ ..‬أ رأيت مشهدا أمجل من هذا؟‬
‫فرت من عينيه مرة أخرى وهي تتساءل ‪:‬‬
‫أين هبات ؟‬
‫أجاب وهو ميسك يدها ‪:‬‬
‫جتدينها مع هشام فاحلياة تناديهما ‪..‬‬
‫امحر وجهها خجالً فبدا أرجوانياً مثل قرص‬
‫الشمس اليت تتأملهم من السماء الربتقالية ‪.‬‬
‫لقد تأخرنا عليهما ‪..‬‬
‫ضحك خالد وهو يعلق ‪:‬‬
‫هنا الزمن كله ملكك فلتفعلي ما تشائني ‪..‬‬
‫جرت جتاه السفينة فأمسك خالد يدها ‪..‬‬
‫صاحت أمل يف وجوم ‪:‬‬
‫ماذا تريد ؟‬
‫أنت تفهمني ‪..‬‬
‫أطرقت قليالً ثم رفعت عينيها يف عينيه‬
‫وصاحت ‪:‬‬
‫وخطييب الذي ينتظرني على األرض وزوجتك‬
‫وابنتك ؟‬
‫ابتسم ابتسامة واسعة أض��اءت وجهه وراح‬
‫يقول ‪:‬‬
‫مل يعد األمر باختيارنا ‪ ..‬لقد كنا منوت منذ‬
‫ساعات قالئل‪ ،‬أما اآلن فاحلياة تنادينا وتفتح‬
‫لنا ذراعيها وترجونا أن نعيش فعلينا أن نليب‬
‫نداء احلياة ‪..‬‬
‫ث��م سكت قليالً واق�ت�رب منها وه��و يقول‬
‫هامساً ‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حدث يف مدار النسيان‬
‫على األرض يوجد ماليني مل يعبؤوا باختفاء‬
‫أربعة رواد فضاء ‪ ..‬أما على املريخ فيوجد أربعة‬
‫جيب عليهم أن يصنعوا املاليني ‪..‬‬
‫مرت سنوات وبدأ الناس على األرض يتذكرون‬
‫رواد الفضاء األربعة الذين يعيشون يف احملطة‬
‫املدارية « احلياة « ‪ ..‬ووصل األمر إىل احلاكم‬
‫فهاج وماج وثار وألغى وزارة وأقام أخرى وأخرياً‬
‫أص��در أوام��ره بإعادة احملطة املدارية وعليها‬
‫الرواد األربعة إىل األرض ‪ ..‬و بدأت اإلشارات‬
‫الالسلكية تنطلق من األرض إىل سفينة الفضاء‬
‫القابعة على سطح املريخ حاملة أوامر احلاكم‬
‫اجلديد بالعودة إىل األرض ‪ ..‬بعد وقت ليس‬
‫بقصري جاءهم الرد ‪ :‬هنا سفينة الفضاء التابعة‬
‫للمحطة امل��داري��ة « احل��ي��اة « نتحدث إليكم‬
‫من املريخ لقد استطعنا أن نعيش على سطح‬
‫الكوكب األمحر وأن نوجد احلياة على ربوعه‬
‫بعد أن رفضت األرض استقبالنا منذ حنو‬
‫عشرين عاماً ‪ ..‬واآلن أصبح سكان كوكبنا «‬
‫املريخ « مثانني نسمة يعيشون يف سالم وحب‬
‫وأمان ال يعكر صفوهم شيء ‪ ..‬لذلك نرفض‬
‫العودة إىل األرض ‪..‬‬
‫ص��اح ص��وت خشن م��ن القاعدة األرضية‬
‫بلهجة روتينية مل تتغري على مر السنني ‪:‬‬
‫ول��ك��ن جي��ب أن تعيدوا احمل��ط��ة امل��داري��ة «‬
‫احلياة « وسفينة الفضاء التابعة هلا ‪ .‬إهنا عهدة‬
‫وستخصم من معاشكم ‪..‬‬
‫ضحك الصوت الصادر من مساعة اجلهاز‪،‬‬
‫ثم عقب ‪:‬‬
‫لقد أصبحت سفينة الفضاء مقراً حلاكم‬
‫املريخ « خالد البشري « ‪ ،‬أما احملطة املدارية «‬
‫احلياة « فصارت مزاراً سياحياً لسكان املريخ‬
‫اجلدد الذين أبوا أن ي��دوروا يف مدار النسيان‬
‫إىل ما الهناية ‪..‬‬

‫على األرض دخل مكتب الوزير فجأة رجل‬
‫وقد جتهم وجهه وبدا عليه االنزعاج ‪ ..‬فسأله‬
‫الوزير بقلق ‪:‬‬
‫ماذا وراءك ؟ هل تغريت الوزارة ؟‬
‫صاح الرجل بصوت مرتعش ‪:‬‬
‫كارثة يا فندم ‪ ..‬رواد الفضاء رفضوا العودة‬
‫إىل األرض ‪..‬‬
‫هز الوزير كتفيه يف ال مباالة كأن األمر ال‬
‫يعنيه وقال ‪:‬‬
‫أين الكارثة ؟ لقد أراحونا بقرارهم هذا ‪..‬‬
‫حنن لسنا يف حاجة إىل مزيد من املشاكل ‪.‬‬
‫م��ال ال��رج��ل على أذن ال��وزي��ر حم��دث�اً إياه‬
‫بصوت خفيض ‪:‬‬
‫املشكلة يا فندم يف احملطة املدارية « احلياة»‬
‫وسفينة الفضاء التابعة هلا ‪ .‬نقيدمها يف أي‬
‫بند بامليزانية ؟‬
‫سكت ال��وزي��ر قليالً يفكر ‪ ،‬ثم ص��اح كأنه‬
‫التقطها من السماء ‪:‬‬
‫خسائر سنوات سابقة ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪93‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إنهم مصنوعون من اللحم‬

‫تأليف تريي بيسون‬
‫ترمجة وتعريب توفيق السهلي‬
‫(إهنم مصنوعون من اللحم)‬
‫(اللحم)‬
‫(أجل‪ .‬إهنم مصنوعون من اللحم)‪.‬‬
‫(اللحم؟)‬
‫(ال شك يف ذلك)‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫(لقد أخذنا بضع عينات من أحناء خمتلفة‬
‫م��ن ال��ك��وك��ب‪ ،‬وجعلناهم يف داخ���ل حاويات‬
‫ال��ف��ح��ص االس��ت��ط�لاع��ي��ة وأج��ري��ن��ا عليهم‬
‫االختبارات بشكل كامل‪ .‬إهنم من اللحم بصورة‬
‫كاملة‪).‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫إنهم مصنوعون من اللحم‬
‫(ذل����ك م��س��ت��ح��ي��ل‪ .‬م����اذا ب��ش��أن ش���ارات‬
‫الراديو‪.‬؟الرسائل املرسلة إىل النجوم؟)‬
‫إهنم يستخدمون موجات الراديو للمحادثة‪،‬‬
‫لكن اإلشارات ال تصدر عنهم‪ .‬إهنا تصدر عن‬
‫اآلالت‪.‬‬
‫إذن من صنع اآلالت؟ ه��ؤالء من نريد أن‬
‫نتصل هبم‪.‬‬
‫إهنم هم مَنْ صنع اآلالتِ‪ .‬هذا ما أحاول أن‬
‫أقوله لك‪ .‬حلمٌ صنع اآلالت‪.‬‬
‫ذلك أمر سخيف ال يُعْقـَ ْل‪ .‬كيف ميكن للحم‬
‫أن يصنع آلة؟ أتطلب مين أن أصدق بلحم يتمتع‬
‫بالوعي؟‬
‫أنا ال أطلب منك تصديق ذلك‪ ،‬أنا أخربك‬
‫بذلك فحسب‪ .‬ه��ذه املخلوقات هي اجلنس‬
‫الوحيد الواعي يف ذلك القطاع املصنوعة من‬
‫اللحم‪.‬‬
‫رمبا أهنم يشبهون (األورفويل)‪ ،‬تعرف‪ ،‬ذكاء‬
‫قائم على أساس الكربون مير مبرحلة اللحم‪.‬‬
‫ك�لا‪ .‬إهن��م يولدون كلحم‪ ،‬وميوتون كلحم‪.‬‬
‫لقد درسناهم طوال عدة مراحل من حياهتم‬
‫مل تستغرق وقتاً طويالً‪ ،‬ألديك أي فكرة عن‬
‫عمر اللحم‪.‬؟‬
‫ً‬
‫وفر علي عناء اإلجابة‪ .‬حسنا‪ ،‬رمبا أهنم‬
‫مصنوعون من اللحم بصورة جزئية‪ ،‬يعين مثل‬
‫(الويديلي)‪ ،‬أي رأس من اللحم داخله مخ من‬
‫البالزما اإللكرتونية‪.‬‬
‫كال ‪ ،‬لقد فكرنا يف ذل��ك باعتبار أن هلم‬
‫رؤوس���اً من اللحم مثل ال��ـ (وي��دي��ل��ي‪ ،).‬لكين‬
‫أخربتك‪ ،‬لقد تفحصناهم بشكل كامل‪ .‬إهنم‬
‫من اللحم بشكل كلي‪.‬‬
‫يعين ال أخماخ لديهم؟‬

‫أوه بل يوجد لدى الواحد منهم مخ ‪ .‬لكن‬
‫األمر أن هذا املخ مصنوع من اللحم! هذا ما‬
‫كنت أحاول إخبارك به‪.‬‬
‫إذن‪..‬م����ا ه��و ال��ش��يء ال��ذي يقوم بوظيفة‬
‫التفكري؟‬
‫أن��ت ال تفهم‪ ،‬ص��ح؟ أن��ت ترفض تقبل ما‬
‫أخ�برك به‪ .‬املخ هو ال��ذي يقوم بالتفكري‪ .‬أي‬
‫اللحم يفكر‪.‬‬
‫حلم مفكر! تريد مين أن أصدق بوجود حلم‬
‫مفكر!‬
‫نعم‪ .‬حلم مفكر! حلم واع! حلم حيب وحيلم‪.‬‬
‫األمر كله يتعلق باللحم‪ ! .‬هل بدأت تستوعب‬
‫الصورة أم أن علي أن أبدأ من جديد؟‬
‫يا إهل��ي! أن��ت ج��اد إذن! إهن��م مكونون من‬
‫اللحم‪.‬‬
‫ً‬
‫أشكرك‪ .‬أخريا‪ ..‬فهمت ما أعين‪.‬أجل‪ .‬أهنم‬
‫بالفعل مكونون من اللحم‪ .‬وكانوا حياولون‬
‫االتصال بنا منذ حنو مائة من سِنيهم‪.‬‬
‫يا إهلي‪ .‬طيب ماذا تريد هذه اللحوم ؟‬
‫أوالً تريد أن تتحدث إلينا‪ .‬ثم أظن أهنا تريد‬
‫استكشاف الكون‪ ،‬واالتصال بكائنات واعية‬
‫أخرى‪ ،‬وتبادل األفكار واملعلومات‪ ،‬يعين األمر‬
‫الطبيعي املتوقع‪.‬‬
‫من املفرتض أن نتواصل معهم‪.‬‬
‫هذا هو بيت القصيد‪ .‬هذه هي الرسالة‬
‫اليت يرسلوهنا بالراديو‪ | .‬مرحباً‪ ،‬هل يوجد‬
‫أحد هناك‪ .‬هل هناك أحد| ‪،‬يعين شيئاً من‬
‫هذا القبيل‪.‬‬
‫يعين أهنم يتكلمون بالفعل‪ ،‬أي يستخدمون‬
‫الكلمات واألفكار واملفاهيم‪.‬؟‬
‫آه‪ ،‬أجل‪ ،‬لكن الفارق الوحيد أهنم يقومون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪95‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إنهم مصنوعون من اللحم‬
‫بذلك باستخدام اللحم‪.‬‬
‫أظنك قلت يل إهنم يستخدمون الراديو؟‬
‫أجل‪ ،‬لكن ماذا تظن على موجات الراديو؟‬
‫أصوات اللحم‪ .‬تعرف كيف يصدر صوت عندما‬
‫يضطرب اللحم صافقاً بعضه؟ إهنم يتكلمون‬
‫بصفق حلومهم ببعضها‪ ،‬حتى أهنم يستطيعون‬
‫الغناء بنفث اهلواء من خالل حلمهم‪.‬‬
‫يا إهلي‪ .‬حلم مغنّ ٍ ‪ .‬هذا األمر مبجمله يفوق‬
‫تصوري‪ .‬إذن‪ ،‬مباذا تنصح؟)‬
‫بشكل رمسي أم غري رمسي؟‬
‫كالمها‪.‬‬
‫رمسياً‪ ،‬جيب علينا أن نتصل بأي بل جبميع‬
‫األجناس الواعية أو الكائنات املتعددة يف هذا‬
‫اجل��زء م��ن ال��ك��ون‪ ،‬كما جي��ب أن نرحب هبم‬
‫ونسجل اتصاالتنا هبم‪ .‬جيب أن نفعل ذلك كله‬
‫بدون حتيز أو حتامل أو خوف أو حماباة‪ .‬أما‬
‫بصورة غري رمسية‪ ،‬فأنا أنصح مبحو السجالت‬
‫املتعلقة هبم ونسيان األمر برمته‪.‬‬
‫كنت آمل أن تقول ذلك‪.‬‬
‫يبدو ذلك قاسياً‪ .‬لكن هناك حد‪ .‬هل نرغب‬
‫حقاً يف االتصال بلحم؟‬
‫اتفق معك مئة يف املئة‪ .‬ماذا لدينا لنقوله‬
‫هلم؟ (مرحباً يا حلم‪ .‬كيف احلال؟) لكن هل‬
‫سينجح ذلك؟ كم كوكباً نتعامل معه يف هذه‬
‫احلالة؟‬
‫ك��وك��ب واح���د ف��ق��ط‪ .‬ميكنهم السفر إىل‬
‫كواكب أخرى باستخدام حاويات حلم خاصة‬
‫لكنهم ال يستطيعون االستمرار يف العيش فيها‪.‬‬
‫وملّا كانوا من اللحم فقط‪ ،‬فانتقاهلم حمصور‬
‫بالفضاء (س��ي)‪ ،‬وه��و ما حيد سرعتهم إىل‬
‫سرعة الضوء‪ ،‬مما جيعل احتمال جناحهم يف‬

‫‪96‬‬

‫االتصال بنا إن كان لذلك أن حيدث يف يوم من‬
‫األيام ضئيالً جداً‪ ،‬بل متناهي الصغر‪.‬‬
‫إذن ما علينا إال أن نتظاهر بعدم وجود أحد‬
‫يف الكون‪.‬‬
‫بالضبط‪.‬‬
‫ذلك قاس‪ .‬لكنك قلتها بنفسك‪ .‬من تراه ذا‬
‫الذي يريد أن يلتقي حلماً‪.‬؟‬
‫وم��اذا بشأن ه��ؤالء الذين وضعناهم على‬
‫منت مركباتنا‪ ،‬الذين قمنا بفحصهم؟ هل أنت‬
‫متأكد أهنم لن يتذكروا؟‬
‫لو تذكروا فسيعتربهم اآلخ��رون معتوهني‪،‬‬
‫فقد وجلنا رؤوسهم وهدّأْنا حلمهم حبيث ال‬
‫يبقى منا يف ذاكرهتم إال ما يشبه احللم‪.‬‬
‫حلم للحم! كم ذل��ك مناسب بشكل يدعو‬
‫للدهشة‪ ،‬أعين أن نكون حلماً للحم!‬
‫وقد وضعنا عالمة على القطاع بكامله من‬
‫هذا الفضاء تقول إنه غري مأهول‪.‬‬
‫جيد‪ .‬موافق‪ .‬بشكل رمسي وغري رمسي‪.‬‬
‫القضية أغلقت‪ .‬لعل هناك قضايا أخرى‪ .‬هل‬
‫هناك أحد مهتم هبذا اجلزء من اجملرة‪.‬؟‬
‫نعم‪ .‬نوع من الذكاء اخلجول الودود املبعثر‬
‫القائم على اهليدروجني يف جنم من الرتبة‬
‫تسعة يف القطاع أربعمئة ومخسة وأربعني‪ .‬كان‬
‫على اتصال قبل دورت�ين جمرّيّتيْن سابقتني‪،‬‬
‫ويريد أن يكون ودياً مرة أخرى‪.‬‬
‫إهنم دائماً ما يغريون رأيهم ‪.‬‬
‫ومل ال؟ ختيل كيف سيكون الكون بارداً‬
‫بصورة ال حتتمل وتفوق الوصف لو كان املرء‬
‫وحيداً يف هذا الكون‪.‬‬
‫النهاية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫إنهم مصنوعون من اللحم‬
‫نبذة عن املؤلف‪ :‬تريي‬
‫بيسون‪:‬‬

‫هذه القصة ظهرت أصال يف جملة «أومين»‬
‫يف نيسان‪ /‬أب��ري��ل ‪ .1991‬ورش��ح��ت جلائزة‬
‫(نيبيوال) ( للخيال العلمي) وهي مأخوذة من‬
‫جمموعة قصصية بعنوان (الدببة تستكشف‬
‫النار) يف عام‪ 2006‬حولت قصة (إهنم مصنوعون‬
‫من اللحم) إىل فيلم من إخراج (ستيفن وريغان)‬
‫وع��رض��ت يف مهرجان أف�لام اخل��ي��ال العلمي‬
‫القصرية‪ ،‬وف��ازت باجلائزة الكربى للمهرجان‬
‫وعرضت بعض رواي���ات املؤلف األخ��رى على‬
‫شكل مسرحيات يف نيويورك‪.‬‬

‫«ت�يري بيسون» مؤلف سبع روايات‬
‫منها «الرجل املتكلم» ‪« ،‬عَلـَمٌ على جبل»‬
‫(رش��ح��ت جل��ائ��زة ع��امل��ي��ة يف رواي���ات‬
‫ال��ف��ان��ت��ازي��ا ع���ام ‪( ،)1988‬رح��ل��ة إىل‬
‫الكوكب األمح���ر)‪( ،‬قراصنة الفضاء)‬
‫(أكثر رواي��ات اخليال العلمي ق��راءة يف‬
‫عام ‪( ،).1996‬األرقام ال تكذب)‪ ،‬فضال‬
‫ع��ن رواي��ت�ين قصريتني األوىل بعنوان‬
‫(عزيزتي آب��ي)‪ ،‬رشحت جلائزة رابطة‬
‫اخل��ي��ال العلمي الربيطانية ‪،BSFA‬‬
‫و(كوكب الغموض)‪.‬‬
‫قصص بيسون من اخليال العلمي‬
‫ظ��ه��رت يف جم�ل�ات م��ث��ل ب�ل�اي بوي‪،‬‬
‫عظيموف‪ ،‬أوم�ني‪ ،‬الفانتازيا واخليال‬
‫العلمي‪ ،‬واالش�تراك��ي��ة والدميوقراطية‬
‫وغريها‪.‬‬
‫ب��ي��ي��س��ون ي��ك��ت��ب يف جم���ال اخليال‬
‫العلمي وغري العلمي منذ الستينيات‪.‬‬
‫بيسون هو من أوينسبورو يف والية‬
‫كنتاكي األمريكية‪ ،‬ولد بعد حادث (بريل‬
‫هاربر) ( عندما قصفها اليابانيون) درس‬
‫يف كلية (غرينيل) وجامعة (لويسفيل)‬
‫ع���ام أرب���ع���ة وس���ت�ي�ن‪ .‬وه���و ع��ض��و يف‬
‫رابطة كتاب اخليال العلمي والفانتازيا‬
‫يف أمريكا ‪ SFWA‬يعيش ح��ايل يف‬
‫(أوكالند) يف والية (كاليفورنيا) ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪97‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سوق األفكار‬
‫معتز عمرين‬

‫هل ميكن أن تتحول البشرية‬
‫إىل جمتمع يستطيع التعامل‬
‫م��ع األف��ك��ار ال�تي يف داخل‬
‫اإلنسان‪ ،‬ويكف عن هذه البالهة املادية‬
‫اليت يتعامل معها باملادة‪ ،‬ويقتنع بوجود‬
‫أشياء معنوية أو غري مدركة يف وسائل‬
‫اإلحساس «الكالسيكية»‪.‬‬
‫ثم هل ميكن أن تتطور البشرية لتصبح‬
‫قادرة على التعامل مع هذه اإلحاسيس‬
‫امل��اورائ��ي��ة ال�تي هي احمل��رك األساسي‪،‬‬
‫حلركة البشر داخل الكرة األرضية‪ ،‬دعونا‬
‫نرى يف العجالة‪ ،‬ص��وراً من مشاهداتنا‬
‫هلذه السوق الفكرية‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سوق األفكار‪ ،‬بورصة األفكار‪ ،‬بيع األفكار‬
‫إستئجار األف��ك��ار‪ ،‬ك��ل ه��ذه امل��ف��ردات هي‬
‫ال�تي حت��دد اقتصاد اليوم يف القرن الثاني‬
‫والعشرين‪ ،‬هذه األفكار هي اليت حتل الكثري‬
‫من النزاعات البشرية‪ ،‬وه��ذه األفكار هي‬
‫ال�تي ت��ط��ور مناحي احل��ي��اة ك��اف��ة م��ن حياة‬
‫اإلنسان وحياة اآللة وحياة احليوان‪ ،‬كل هذه‬
‫األفكار ممكن وصفها وتوصيفها بأهنا الدواء‬
‫لإلنسانية مجعاء حيث إن‬
‫أي إنسان ممكن أن يقدم فكرة قد حتل‬
‫الكثري من املشاكل يف دول عديدة‪ ،‬دون النظر‬
‫(أو معرفة) من هو هذا الشخص أو من أي‬
‫دولة‪.‬‬
‫والشرط الوحيد حلل هذه املشكلة أو تلك‪،‬‬
‫املعرفة الكافية يف املشكلة والتدقيق بتفاصيلها‬
‫ومعرفة أب��ع��اده��ا‪ ،‬ه��ذه ه��ي الطريقة اليت‬
‫يتعامل هبا البشر فيها بينهم‪ ،‬فاملال والقوة‬
‫والسيطرة حتددها األفكار‪ ،‬عرب هيكلياهتا‪،‬‬
‫املصانع البورصات‪ ،‬سوق اإلستهالك سوق‬
‫اإلنتاج‪ ،‬املنتجني الكبار‪ ،‬املستهلكني الكبار‪،‬‬
‫و اإلنسان لديه‪ ،‬ضمان إجتماعي‪ ،‬رفاهية‪،‬‬
‫تعليم‪ ،‬سياحة‪ ،‬رع��اي��ة أط��ف��ال‪ ،‬حساب يف‬
‫البنوك كل هذا يأتي من األفكار‪.‬‬
‫فمن يقوم على إنتاج تنفيذ تسويق األفكار‪،‬‬
‫ك��ل ه��ذا ي��أت��ي بعد نضج اهلياكل اإلدراي���ة‬
‫البشرية يف التعامل مع الواقع اجلديد‪ ،‬ودخول‬
‫اآللة والعديد من األشياء يف حياة اإلنسان‬
‫مما حفز كل هذه األشياء على احللول حمل‬
‫العواطف «السطحية» ال�تي كانت تكتسي‬
‫طرق التعامل مع اإلنسان مع اإلنسان‪ ،‬هبذه‬
‫الطريقة ج��رى معرفة العديد من املشاكل‬
‫وتوصيفها‪ ،‬هبذه الطريقة كان لنا قدم السبق‬
‫يف إجياد أفضل الطرق وأجنع احللول لكثري‬
‫من املشاكل‪.‬‬
‫فالدول غدت جمموعات تعمل وفق‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪99‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نظم‪ ،‬من دون احلاجة لنزاعات أو ترسيم‬
‫حدود أو معرفة طرق تطبيق القانون‪ ،‬فكل‬
‫ش���يء واض����ح وص���ري���ح‪ ،‬ال ت��وج��د مشاكل‬
‫س��ي��اس��ي��ة‪ ،‬ألن م��ا ي��ري��ده اإلن��س��ان مفهوم‬
‫ومؤمن‪ ،‬وهو يف هذه احلالة ليس يف اجلنة‪،‬‬
‫فاجلنة شيء آخر عن هذا‪ ،‬فهذه هي احلياة‬
‫الطبيعة لإلنسان‪.‬‬
‫م�لاح��م احل��ي��اة أصبحت بعيدة ع��ن ما‬
‫هو موجود يف القرن املاضي‪ ،‬فالصحفيون‬
‫اختفوا حتى غدا كل إنسان «صحفي» يتحدث‬
‫دون احلاجة لوجود هذا اإلنسان الذي ينوب‬
‫عنه ويقدم له رأيه‪ ،‬يصادره أو جيمله‪.‬‬
‫اهليكليات اإلدراي��ة املوظفون اختفوا فال‬
‫ح��اج��ة للموظفني‪ ،‬ف��أي مشكلة تعرتضكم‬

‫‪100‬‬

‫ميكن حلها يف أقل‪ ،‬من أن تبدأ‪ ،‬هبذه الطريقة‬
‫ميكن حل وحللحة العديد من املشاكل دون‬
‫ال��ل��ج��وء إىل ق��وان�ين وت��ن��ف��ي��ذات‪ ،‬وسلطات‬
‫تنفيذية تشريعية قضائية سيادية أو أممية‬
‫أو دولية‪...‬‬
‫وجاء التطور الكبري بإحداث شركة متكاملة‬
‫تقوم على تسويق األفكار وإبتداعها ‪ ،‬إنتاجها‪،‬‬
‫فماذا خيتلف هذا املصنع عن املصانع األخرى‬
‫امل��وج��ودة‪ ،‬ال��ف��رق الوحيد واجل��وه��ري‪ ،‬هو‬
‫حضور اآللة بكافة مراحل اإلنتاج والتصنيع‬
‫والتسويق وتطبيق األفكار‪ ،‬حيث إن اآللة هي‬
‫اليت تبتدع الفكرة‪ ،‬وتنتجها‪ ،‬وهذا املصنع يف‬
‫التحديد‪ ،‬وطرق اإلنتاج هذه‪ ،‬كان من أقوى‬
‫الطرق وأكثرها يف اإلنتاج والتسويق من حيث‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫املشاكل وغريها ال تأخذ أي وقت من أجل‬
‫حلها‪.‬‬
‫غري أن حل املشاكل ثم حل املشاكل‪ ،‬ثم‬
‫حل املشاكل‪ ،‬أدى إىل إجياد واقع ليس فيه‬
‫مشاكل‪ ،‬ما عرض هذه الصناعة‪ ،‬إىل خطر‬
‫الزوال‪ ،‬وأصبحت هي اليت تنتج هذه املشاكل‬
‫وتقوم على حلها‪ ،‬نعم أصبحت هذه املصانع‬
‫حتدد املشاكل‪ ،‬حتل املشاكل‪ ،‬وخارجة عن‬
‫أي إط���ار ق��ان��ون��ي‪ ،‬وال ت��ع�ترف يف الوقت‪،‬‬
‫وأصبحت تسيطر على الكثري م��ن جوانب‬
‫احلياة‪ ،‬بطريقة تدعى إىل القلق‪ ،‬حتى القلق‬
‫الذي كان يكتسي النفس البشرية كانت حتله‬
‫هذه اآلالت بطريقة خاصة فيها‪ ،‬وبسرعة‬
‫قياسية‪.‬‬
‫وبقيت ال��دائ��رة مفتوحة على البشرية‪،‬‬
‫إلعالن حلظة أن على البشرية االستسالم‬
‫هل��ذا االستعباد الكبري‪ ،‬ال��ذي مارسته هذه‬
‫اآلالت‪ ،‬وأن ت��ت��ح��دد ب��ط��ري��ق��ة ح��ي��اة هذه‬
‫املصانع؛‬
‫العدد واجلودة‪ ،‬وفهمه للسوق‪ ،‬ما حيول هذا‬
‫املصنع إىل السيطرة على هذا السوق وإنتاج‬
‫الكم اهلائل يف األفكار وتطبيقاهتا‪ ،‬وتقديم‬
‫منتجات متكاملة فكرية‪ ،‬وليس تقديم األفكار‬
‫بالطريقة الكالسيكة اجملردة‪.‬‬
‫فما هو املتوقع القادم وما هو املستقبل يف‬
‫هذه احلالة‪ ،‬هذا هو الذي ال ميكن البحث‬
‫فيه‪ ،‬ألن حتى أفكار املستقبل والتوقعات‬
‫اليت كان سوف حت��دث‪ ،‬كانت هذه املصانع‬
‫الفكرية‪ ،‬هي اليت تقوم بتحديها والعمل عليها‪،‬‬
‫والسيطرة عليها‪ ،‬وأخذت هذه املصانع ترسم‬
‫مالمح املستقبل بالطريقة اليت هي تريدها‬
‫دون النظر أو دون ترقب الوقت الذي سوف‬
‫يأتي‪ ،‬فمشاكل الوقت‪ ،‬ومشاكل احلياة وهذه‬

‫م��ش��ك��ل��ة ‪ +‬م��ص��ن��ع= ح���ل‪( .‬ص��ن��اع��ة =‬
‫رفاهية)‬
‫مصنع ‪ +‬عدم وجود مشكلة= ليس حبل‪.‬‬
‫(عدم وجود صناعة = عدم وجود رفاهية)‬
‫وأصبحت الدول تقوم على هذه الصناعات‪،‬‬
‫وأصبحت رفاهية الدول تتحدد بقدرهتا على‬
‫إنتاج واستيعاب هذه األفكار وحلحلتها‪ ،‬حتى‬
‫غدت املشاكل املستوردة من مناطق نائية‪ ،‬يف‬
‫العامل‪ ،‬متثل باملواد اخلام‪ ،‬اليت هذه املصانع‬
‫يف حاجة ماسة هلا‪ ،‬ما أوجد شكالً جديداً‬
‫م��ن اش��ك��ال االس��ت��ع��ب��اد وال��ت��دخ��ل يف حياة‬
‫الدول‪ ،‬فقط للسيطرة وإجياد وحبث ونبش‬
‫املشاكل لتحريك هذه املصانع‪ ،‬ودوام استمرار‬
‫عمل هذه الصناعة‪ ،‬واستمرار رفاهية هذه‬
‫الدول‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪101‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪Wolfram Alpha‬‬
‫هل هو الحاسب الكوني الذي‬
‫سيملك إجابات لكل األسئلة ؟‬
‫هبجت املصطفى‬

‫حيفل تراث أدب اخليال العلمي العاملي بفكرة آلة حاسوب كوني ميلك القدرة‬
‫على التفكري بناء على اكتسابه يف أحد مراحل تطويره خاصية معاجلة املعرفة‪،‬‬
‫هذه الفكرة تبدو أكثر قرباً اليوم مع اطالق حمرك معرفة حوسيب جديد ‪.‬‬
‫«والفروم ألفا » مشروع طموح طويل املدى جلعل قدر كبري من املعرفة العاملية قابلة للمعاجلة‬
‫احلوسبية‪ ،‬و الوصول هلا من قبل أي شخص‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫أُطلقت يف أي��ار املاضي ( ‪ ) 2009‬بصيغة‬
‫جتريبية على شكل خدمة على شبكة الويب‬
‫تُجيب على استعالمات املستخدمني عن حقائق‬
‫حبساب اجلواب من معطيات مهيكلة مستخدمة‬
‫معادالت و ألغوريتمات حيث اجلواب يستنتج‬
‫و حيسب مع رسومه التوضيحية من قاعدة‬
‫معرفة‪ ،‬خمتلف ًة ع��ن أن���واع حم��رك��ات البحث‬
‫املعروفة فهي ال تؤرشف الويب و تطبق عليه‬
‫خوارزميات تستخرج مدى مناسبة راب��ط ما‬
‫للكلمة املبحوث عنها كما يف حم��رك البحث‬
‫غ��وغ��ل م��ث�لاً‪ ،‬و ختتلف أي��ض �اً ع��ن حمركات‬
‫حبث األسئلة و اليت تؤرشف عدداً ضخماً من‬
‫اإلجابات و من ثمّ تربط بني السؤال و واحد من‬
‫اإلجابات املعروفة مسبقاً ‪.‬‬
‫حمرك املعرفة اجلديد هذا جاء من خمرتع‬
‫الـ ‪ Mathematica‬وهو برنامج رياضي و لغة‬
‫برجمة معروفة من قبل الباحثني يف اهلندسة‬
‫و العلوم بقدراهتا يف جمال اجلرب و احلساب‬
‫العددي و التمثيل الرسومي و اإلحصائي‪ ،‬و‬
‫هو « ستيفن والفروم » عامل الفيزياء النظرية‬
‫الصاخب‪ ،‬و كان كتابه األخري « نوع جديد من‬
‫العلم » عام ‪ 2002‬قد أطلق الكثري من اجلدل و‬
‫فيه حتدث عن أن « كل عملية يف الطبيعة ميكن‬
‫النظر إليها كـ عملية حسابية ذات قاعدة بسيطة‬
‫خلفها « و هو حتدث عن حمركه اجلديد للمعرفة‬
‫كأحد تطبيقات أفكار « نوع جديد من العلم »‬
‫يف جمال املعرفة‪ ،‬كمحاولة لتمثيلها رياضياً‬
‫يف اآللة ‪ .‬ستيفن يقول إن الفكرة راودته منذ‬
‫سن ‪ 12‬و اآلن هي اللحظة التارخيية املناسبة‬
‫لتحقيقها‪ .‬و رمبا ما أثار اهتماماً واسعاً هو‬
‫فكرة أن هذه اآللة حتصل على معلومات جديدة‬
‫عن طريق حوسبة معلومات معروفة‪ ،‬فطباعة‬
‫اسم مدينتني ال على التعيني مثالً يف صندوق‬
‫البحث يؤدي إىل صفحة مليئة مبعلومات مو ّلدة‬
‫بعمليات حسابية تربط بني تلك املدينتني‪ ،‬متاماً‬
‫كما يف تداعي األفكار يف الوعي البشري‪ ،‬هذه‬

‫املعلومات حالياً تشمل جداول تُظهر ‪ :‬املسافة‬
‫بينهما بوحدات قياس متعددة ( ميل‪ ،‬كيلو مرت‪،‬‬
‫مرت‪ ،‬ميل حبري‪ ،) . . ،‬و خريطة للعامل تظهر‬
‫املدينتني‪ ،‬املدة بالساعة لرحلة طائرة عادية و‬
‫ملوجة الصوت و حلزمة الضوء يف الليف بينهما‬
‫‪ .‬و أيضاً مقارنة من حيث التعداد السكاني‪ ،‬و‬
‫االرتفاع عن سطح البحر‪ ،‬و الوقت احمللي ‪.‬‬
‫ستيفن يصف الفكرة باملكتبة الكونية‪ ،‬حبلم‬
‫نظام منطقي حلساب احلقيقة‪ ،‬يقول ‪ « :‬اهنا‬
‫ح��ول كيف ميكن أن نبين صرحاً من املعرفة‬
‫البشرية من قواعد حوسبية أولية بسيطة « ‪.‬‬
‫يف التجارب األوىل هلذا احمل��رك احلوسيب‬
‫طباعة عبارة مثل ‪days 90+ 2009/26/3 « :‬‬
‫تعطي التاريخ بعد ‪ 90‬يوماُ على التاريخ احملدد‪،‬‬
‫و س��ؤال مثل ‪ « :‬كم ك��ان سن امللكة إليزبيث‬
‫الثانية عام ‪ »1974‬حيسب لك السن يف العام‬
‫احملدد ‪ .‬و بغض النظر عن هكذا أسئلة فإن‬
‫جتربة البحث فيها عن مركبات كيميائية أو‬
‫قوانني فيزيائية أو رياضية متنح جتربة علمية‬
‫و رسومية ممتعة و قيمة ‪ .‬منتقدوها حاولوا‬
‫مقارنة نتائج البحث بينها و بني غوغل متغافلني‬
‫عن أن « والفروم ألفا » ليست حمرك حبث يف‬
‫احلقيقة و هي كما وصفها خمرتعها « حتسب‬
‫النتائج و تكتشف حقائق جديدة « و يقول ‪« :‬‬
‫تستطيع تسميتها حمرك حبث عُ��ذري‪ ،‬ين ّقب‬
‫عن احلقائق اخلالدة‪ ،‬و اليت قد مل تكتب سابقاً‬
‫«‪ ،‬املنتقدون قالوا اهنا فقط شيء مفيد لطلبة‬
‫العلوم و أهنا واجهة جديدة للوكيبيديا ‪.‬‬
‫لكن من الواضح أن حمرك املعرفة هذا‪ ،‬و‬
‫الذي وصل عدد أسطره الربجمية قبل اطالقه‬
‫بقليل إىل ‪ 5‬ماليني سطر و ال��ذي يعمل على‬
‫‪ 10‬آالف وحدة معاجلة مركزية حيمل الكثري‬
‫من اجلدّة‪ ،‬و يالمس أحالماً قدمية فاحتاً أفقاً‬
‫مالحمه غري واضحة يف اللحظة الراهنة ‪.‬‬
‫رابط احملرك املعريف‬
‫‪http://www.wolframalpha.com‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪103‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كيف ستكون الدراسة‬
‫في المستقبل؟‬
‫وسيم قدورة‬

‫بتقدم العلوم والتكنولوجيا املستمر يوماً بعد يوم‬
‫تزداد قصص العلوم واخليال واقعية يوماً بعد يوم‪،‬‬
‫ويصبح ما كان باألمس خياالً عليماً ‪ ،‬واقعاً علينا‬
‫التعايش معه والتعامل به واالستفادة منه‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫فإن قلنا أن مدرساً ما قد نشر إعالناً يف‬
‫شبكة اإلنرتنت مبيناً رغبته يف إلقاء درس عن‬
‫اجليولوجيا مثالً‪ ،‬وقام بنشر زمان لاللتقاء يف‬
‫موقع حمدد للطالب الراغبني باالنضمام هلذه‬
‫احملاضرة‪.‬‬
‫ويف الوقت احملدد فعالً يلتقي عدّة طالب‬
‫من دول خمتلفة وبينهم مسافات تقدر بآالف‬
‫الكيلومرتات ويبدأ احملاضر بشرح حماضرته‬
‫مستعرضاً بعض ال��ص��ور املتحركة كوسائل‬
‫إيضاح ملا يريد شرحه ومن ثم ينتقل مباشرة‬
‫إىل مقطع فيديو مسجل عن إحدى السالسل‬
‫اجلبلية‪ ،‬وعن طريق برامج الغرافيك اليت أصبح‬
‫استخدامها أمراً ضرورياً لشرح وإيضاح بعض‬
‫العمليات التعليمية كطريقة تشكل القارات‬
‫مثالً أو لشرح طبقات األرض بشكل مفصل‪،‬‬
‫يقوم احملاضر بشرح ما تبقى من معلوماته‬
‫األخ�يرة ليرتك اجمل��ال فيما بعد أم��ام الطالب‬
‫لطرح استفساراهتم والنقاش فيما بينهم والرد‬
‫واإلجابة عليهم‪.‬‬
‫تدوم احملاضرة قرابة الساعتني وتنتهي بأن‬
‫يطفئ كل طالب من الطالب جهاز الكمبيوتر‬
‫اخل��اص به وينصرف إىل شؤونه‪ ،‬فمنهم من‬
‫يعود إىل إعمال مكتبه ومنهم من يعود إىل أعمال‬
‫املنزل‪ ،‬وهكذا تتم احملاضرة وتتم االستفادة‬
‫عرب مسافات هائلة تفصل بني كل من الطالب‬
‫واحملاضر‪.‬‬
‫إن ما أسلفنا ذك��ره ليس باخليال العلمي‬
‫وليست قصة مستوحاة م��ن خت��ي�لات بعض‬
‫العلماء‪ ،‬بل هي حقائق مثبتة ويعمل هبا يف دول‬
‫العامل املتقدم‪.‬‬
‫بل واألكثر من ذلك أن يف بعض الدول املتقدمة‬
‫تكنولوجياً توفر لطالب املدارس التعليم على يد‬
‫أساتذة وباحثني موجودين يف دول أخرى‪.‬‬
‫على سبيل املثال قد تريد جامعة أو مدرسة‬
‫ما باالستفادة من خربات عاملية للنهوض مستوى‬
‫طالهبا التعليمي‪ ،‬وقد ال ميتلك هذا اخلبري أو‬

‫العامل الوقت للمجيء من دولته إىل اجلامعة‬
‫املستضيفة‪ ،‬فما هو احلل؟‬
‫عرضت شركة إيدكس الربيطانية املتخصصة‬
‫يف جم��ال التعليم ه��ذه التكنولوجيا احلديثة‪،‬‬
‫اليت استغرق تطويرها عشرين عاما‪ ،‬على زوار‬
‫معرض بي تي تي ‪ 2000‬للتكنولوجيا التعليمية‬
‫الذي أقيم مؤخرا يف لندن ‪.‬‬
‫وقام الكومبيوتر يف العرض التجرييب ببث‬
‫صورة معلمة الرياضيات كاثريت دارنتون رقمياً‬
‫من مدرسة جرافين يف جنوب لندن إىل مركز‬
‫املعرض يف منطقة أوليمبيا يف غرب لندن‪.‬‬
‫وبالرغم من أن املسافة اليت قطعها اإلرسال‬
‫الرقمي مل تتعد بضعة أم��ي��ال لكن ك��ان من‬
‫املمكن أن تكون املعلمة والزوار يف أي مكان آخر‬
‫يوجد فيه مدخل على اإلنرتنت‪ ،‬ولو كان على‬
‫بعد آالف األميال ‪.‬‬
‫و يرى املسئولون يف جمال التعليم يف بريطانيا‬
‫أن أهم فوائد هذه التكنولوجيا‪ ،‬ستكون يف جمال‬
‫تعليم املواد الدراسية النادرة اليت ال يوجد عليها‬
‫إقبال كبري‪ ،‬مثل اللغات الالتينية واليونانية أو‬
‫الرياضيات املتقدمة‪ ،‬اليت يصعب على بعض‬
‫املدارس تأمني تكاليف تعليمها ‪.‬‬
‫و لكن باستخدام تكنولوجيا املعلم االفرتاضي‬
‫سيكون باستطاعة معلم واح���د تعليم عدة‬
‫صفوف تتفرق يف أماكن خمتلفة ‪.‬‬
‫وي��ق��ول داف���ل واي���ت امل��ه��ن��دس ال���ذي طور‬
‫ه��ذه التكنولوجيا إن الفرق بني التكنولوجيا‬
‫املستخدمة يف إقامة امل��ؤمت��رات عرب الفيديو‬
‫واملعلم االفرتاضي ليس كبريا‪.‬‬
‫ففي األويل تلتقط الصورة بكامريا فيديو‬
‫ثم حتمل على بطاقة مشفرة وتقوم البطاقات‬
‫املشفرة بتحويل الصورة إىل أشكال رقمية‪ ،‬تبث‬
‫مبساعدة برنامج خ��اص‪ ،‬إىل كومبيوتر آخر‬
‫عرب االنرتنت‪ ،‬ويقوم الكومبيوتر الذي يستلمها‬
‫بعكس العملية وحتويل الصورة الرقمية‬
‫إىل صورة عادية ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪105‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ويف تكنولوجيا املعلم االفرتاضي يتم أيضا‬
‫نقل الصور عرب الفيديو لكن بدال من عرضها‬
‫على شاشة تعرض الصورة حبجمها الطبيعي‬
‫داخ��ل الصف وك��أهن��ا حقيقية دون أن يشعر‬
‫املشاهد بوجود شاشة أو كامريا فيديو ‪.‬‬
‫و من أهم العناصر اليت تساعد على إجناح‬
‫هذا الربنامج هو توفر خط هاتفي سريع ومتطور‬
‫قادرا على الربط السريع عرب االنرتنت ‪.‬‬
‫و يف الوقت احلايل تتوفر هذه التكنولوجيا‬
‫يف بضعة مدارس بريطانية فقط ولكن يتوقع أن‬
‫تنتشر إىل مدارس أخرى قريبا ‪.‬‬
‫مدرسة املستقبل‪:‬‬
‫سيتقدم الطالب إىل امل��درس��ة االبتدائية‬
‫اليت يرغب التسجيل هبا‪ ،‬وال حيمل أي ملف‬
‫أو إث��ب��ات��ات ب��ل س��ي��ج��ري ل��ه ف��ح��ص ط�بي يف‬
‫العيادة لقياس نسبة ذكائه‪ ،‬واختبار عن املبادئ‬
‫األساسية للكمبيوتر اليت تعلمها من والديه‪ ،‬ثم‬
‫يطلب مسجل املدرسة رقم السجل املدني‪ ،‬ويتم‬
‫تسجيل الطالب آلياً ويطلب منه احلضور يف‬

‫‪106‬‬

‫بداية العام الدراسي‪.‬‬
‫ستسلم ل��ه امل��درس��ة حقيبة هب��ا كومبيوتر‬
‫نقال‪ ،‬ويطلب منه تسليمها هناية العام الدراسي‬
‫وذل���ك الس��ت�لام اجل��ي��ل األح���دث منه تطوراً‬
‫العام التايل‪ ،‬سيستلم الطالب أيضاً املناهج‬
‫الدراسية وهي عبارة عن أق��راص مضغوطة‪،‬‬
‫وه��ي مدعومة بنظام صوتي وب��ص��ور ثالثية‬
‫األبعاد‪ ،‬وسيدخل الفصل الدراسي وجيد على‬
‫مكتبه ثالثة مفاتيح كهر بائية‪ ،‬واح��د للتيار‬
‫الكهربي للكومبيوتر‪ ،‬والثاني خط االتصال‬
‫مع كومبيوتر املعلم‪ ،‬واخل��ط الثالث لالتصال‬
‫الصوتي م��ع زم�لائ��ه‪ ،‬وسيبدأ املعلم الدرس‬
‫بالكومبيوتر امل���رك���زي يف ال��ف��ص��ل‪ ،‬وسيتم‬
‫التحاور باستخدام تقنية االتصال باأللياف‬
‫الزجاجية عند قيامه حبل الواجبات املنزلية‪،‬‬
‫وسيتصل بزميله عرب الكومبيوتر باستخدام‬
‫بطاقة (‪ )PCMCIA modem‬وسيشاهدان‬
‫بعضها على أيقونة صغرية يف اجلهاز باستخدام‬
‫أدوات نظام فيديو املؤمترات املتصل باهلاتف‬
‫اجل�����وال‪ ،‬ح��ي��ث ميكنهما ت��ب��ادل املعلومات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫واس��ت��ق��ب��اهل��ا م��ن أي م��ص��در ويف أي مكان‪.‬‬
‫سيقيّم ال��ط��ال��ب يف االخ��ت��ب��ارات املدرسية‬
‫يف م��راح��ل الحقة ع��ن طريق م��ش��روع علمي‬
‫ي��ق��وم ب���ه‪ ،‬وي��ص��ور بتكنولوجيا الكامريات‬
‫الرقمية عالية النقاء وتثبت يف الكومبيوتر‪.‬‬
‫جناحات النظام التعليمي يف اليابان‪:‬‬
‫و ش��رح معرض سولن ال���دويل ال��ذي أقيم‬
‫مؤخرا يف طوكيو كثرياً عن تطبيقات تكنولوجيا‬
‫التعليم يف املستقبل حيث ختطو اليابان يف‬
‫ذلك خطوات واسعة‪ ،‬وتدير وزارة الرتبية ذات‬
‫الصالحيات الكبرية على كل البناء التعليمي‬
‫الياباني الذي يشمل ‪ 3.1‬مليون معلم يدرسون‬
‫حنو ‪ 27‬مليون طالب يف حنو‪ 66.000‬مدرسة‪،‬‬
‫واألمية ال تتجاوز نسبة (‪ ،)%0.7‬كما حيصل‬
‫الطفل الياباني على نتائج عالية يف االختبارات‬
‫الدولية ال�تي تقيس ال��ق��درات يف الرياضيات‬
‫والعلوم أكثر من الطفل األمريكي والربيطاني‬
‫والفرنسي وغريهم من اجلنسيات األخرى‪.‬‬
‫أما طالب املرحلة الثانوية البالغ من العمر ‪14‬‬

‫عاماً فيكون قد تعرض لتعليم مل يتعرض له‬
‫طالب أمريكي إال إذا بلغ من العمر ‪ 17‬أو ‪18‬‬
‫عاماً‪ ،‬كما تتقدم اليابان على الصعيد العاملي يف‬
‫نسبة العلماء واملهندسني (‪ 60.000‬لكل مليون‬
‫نسمة)‪ ،‬وينخرط حنو (‪ )800.000‬ياباني يف‬
‫مراكز األحباث والتطوير‪ ،‬وهذا العدد جتاوز ما‬
‫لدى بريطانيا وأملانيا وفرنسا جمتمعة معاً‪.‬‬
‫وي��ع��ت�بر امل��ع��ل��م��ون يف ال��ي��اب��ان ك��ن��زاً قيماً‪،‬‬
‫فالشعور باالنتماء إليهم ق��وي‪ ،‬ويف كل عام‬
‫يتقدم املزيد من طاليب وظائف التدريس األكثر‬
‫أهلية لوظائف شاغرة‪.‬‬
‫املنهج الدراسي املتقدم‬
‫إن الرتبية هي عملية تنمية متكاملة لكل‬
‫طفل إىل أقصى حد تسمح به إمكاناته يف مجيع‬
‫جوانب النمو يف توازن كامل ويف إطار متطلبات‬
‫اجملتمع وإمكاناته‪ ،‬وذلك إلعداد النشء لتحمل‬
‫دور الكبار‪.‬‬
‫وميكن اختصار مزايا املنهج ال��دراس��ي يف‬
‫الدول املتقدمة يف النقاط التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬امل����واد ال��دراس��ي��ة ه��ي وسيلة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪107‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫لتحقيق النمو املتزن‪ ،‬وطرق التدريس متنوعة‪،‬‬
‫وحتتاج إىل وسائل تعليمية‪ ،‬وال بد للمدرس أن‬
‫ينمو وظيفيا حتى يواكب التغريات املستجدة‪.‬‬
‫‪ - 2‬ت��غ�ير دور امل����درس م��ن جم���رد الناقل‬
‫واملصدر الوحيد للمعلومات إىل وسيلة لتوضيح‬
‫املعلومات ومرب ومعلم للقيم والعادات‪ ،‬وأصبح‬
‫دوره هو اكتشاف املواهب وتنميتها وصقلها عن‬
‫طريق الفهم واالستيعاب‪.‬‬
‫‪ - 3‬الطالب ه��و حم��ور العملية الرتبوية‪،‬‬
‫وأصبح ال حيفظ دون أن يناقش‪ ،‬ألن التعلم ال‬
‫يأتي إال من الفرد نفسه‪.‬‬
‫‪ - 4‬الكتاب املدرسي أحد وسائل فهم املادة‪،‬‬
‫ويسرتشد املعلم به ليفتح للطالب فرصة املعرفة‬
‫املباشرة باستخدام منابع املعلومات الكومبيوترية‬
‫املواكبة لالنفجارات املعرفية‪ ،‬وال�تي ستضخ‬
‫البيانات عرب شبكات الكهرباء باإلضافة إىل‬
‫خطوط اهلاتف املعمول هبا حالياً‪.‬‬
‫‪ - 5‬األنشطة الالصفية هي جزء مهم من‬
‫املنهج‪ ،‬ومكمل جلهود املعلم الكتساب اخلربة‬
‫املباشرة‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫‪ - 6‬التقويم مل يعد جم��رد ق��ي��اس حفظ‬
‫امل��ع��ل��وم��ـ��ات اجل��اف��ـ��ة ب��ل أص��ب��ح يعتمد على‬
‫املالحظة واالستفتاء وتعددت أساليبه وقضت‬
‫على ظاهرة الغش‪.‬‬
‫تطلعات لدخول القرن القادم‪:‬‬
‫هذه مقرتحات وتطلعات أمتنى أن تؤخذ بعني‬
‫االعتبار من قبل املسؤولني الرتبويني أوجزها يف‬
‫النقاط التالية‪:‬‬
‫تربوي ًا‪..‬‬
‫‪ - 1‬تفعيل دور «اإلدارة العامة للمناهج‬
‫بالتطوير الرتبوي» يف وزارة املعارف‪ ،‬وأكرب حتد‬
‫هلا هو إعداد مناهج العلوم والرياضيات احلديثة‬
‫واحلاسب وتقوميها واالستفادة من التجربـة‬
‫اليابانيـة خاصة وجتارب الدول املتقدمة عامة‬
‫يف بناء املناهج وتطويرها‪ ،‬إن معلومات منهج‬
‫احل��اس��ب تتجدد ك��ل ث�لاث��ة أش��ه��ر ول��ي��س كل‬
‫عام‪ ،‬إن هـذه اإلدارة هـي قلـب الــوزارة وال بد‬
‫أن تــؤدي دورها بكل حيوية مطلقة بعيداً عن‬
‫اجلمود اإلداري‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪ - 2‬ضخ الدماء اجلديدة من جيل املعلمني‬
‫األكفاء الشباب يف عروق إدارات وزارة املعارف‬
‫من خمتلف مناطق اململكة التعليمية‪ ،‬وإتاحة‬
‫الفرصة للكفاءات الوطنية باالبتعاث الداخلي‬
‫واخل��ارج��ي‪ ،‬على أن تكون أحب��اث املاجستري‬
‫والدكتوراه لعالج مشكلة‪ ،‬أو تطوير شيء ما يف‬
‫نظامنا التعليمي‪ ،‬وتقويم هذا البحث من قبل‬
‫املختصني الرتبويني وم��ن ثم الطلب من هذا‬
‫املبتعث تطبيق أحباثه ميدانياً يف أطر صغرية‪،‬‬
‫وإن جنحت هذه الفكرة تعمم يف أحناء اإلدارات‬
‫التعليمية يف اململكة ويكون هذا املبتعث مسئوال‬
‫عنها‪.‬‬
‫‪ - 3‬ترشيح أفضل وأكفأ املعلمني لتدريس‬
‫امل��رح��ل��ة االب��ت��دائ��ي��ة‪ ،‬ووض���ع احل��واف��ز املالية‬
‫واملعنوية هلم أكثر من غريهم‪.‬‬
‫وتقني ًا‬
‫‪ - 1‬أمتتة إدارات التعليم وربطها باملدارس‬
‫عن طريق شبكة احلاسب اآليل‪ ،‬وتوزيع التعاميم‬
‫املدرسية عن طريق وسائط االت��ص��ال‪ ،‬ودعم‬
‫امل����دارس مبعامل احل��اس��ب اآليل ع��ن طريق‬
‫الغرف التجارية ورجال األعمال‪.‬‬
‫‪ - 2‬تفعيل دور «مركز تقنيات التعليم» عن‬
‫طريق وضع الكفاءات املؤهلة إلدارة أهم شريان‬
‫يغذي الطالب باملعرفة‪.‬‬
‫‪ - 3‬ضرورة دعم «التلفزيون التعليمي» عرب‬
‫وزارة اإلعالم أو عرب إحدى احملطات الفضائية‪،‬‬
‫وذل���ك لنقل التعليم املبسط ل��ط�لاب القرى‬
‫واهلجر واملدن النائية‪ ،‬والطلب من أكفأ املعلمني‬
‫إلقاء دروسهم التطبيقية والعملية معاً (هذا‬
‫النموذج من التعليم مطبق يف اهلند عرب القمر‬
‫الصناعي ‪ INDIASAT‬وحقق نتائج ملموسة‬
‫يف القضاء على األمية)‪ ،‬كما ساهم إىل حد كبري‬
‫يف حل املشاكل الرتبوية يف كوريا‪.‬‬
‫‪ - 4‬يراعى عند تصميم املدارس اجلديدة‪،‬‬
‫أن يوضع يف الفصل الدراسي جتهيزات مشرتكة‬

‫للدراسات النظرية والعملية‪ ،‬ويطلب من املقاول‬
‫جتهيز معمل احلاسب اآليل‪ ،‬ورفع كفاءة األجهزة‬
‫وتطويرها وملدة مخس سنوات كشرط من بنود‬
‫العقد‪.‬‬
‫‪ - 5‬إدخال معامل اللغة اإلجنليزية وجتهيزها‬
‫يف كل املدارس الثانوية‪ ،‬والطلب من املشرفني‬
‫الرتبويني ضرورة متابعة معلمي اللغة اإلجنليزية‬
‫ال��ق��ي��ام بتشغيلها واس��ت��خ��دام��ه��ا‪ ،‬ألن اللغة‬
‫اإلجنليزية من املطالب األساسية اليت ينادي هبا‬
‫لتسهيل نقل التقنية‪.‬‬
‫‪ - 6‬البحث ع��ن امل��دي��ري��ن ال��ق��ادري��ن على‬
‫التجديد واالبتكار ووضعهم يف مراكز قيادية يف‬
‫املدارس‪.‬‬
‫‪ - 7‬إقامة دورات مستمرة عرب املؤسسات‬
‫الوطنية املتخصصة يف ب��رام��ج الكومبيوتر‬
‫للمعلمني املميزين يف املدارس املختلفة‪.‬‬
‫أين حنن منهم؟!‬
‫إننا مقبلون على حت��د كبري يف املستقبل‪،‬‬
‫فنوعية القيادة واإلدارة هلا دور كبري يف التطوير‬
‫نتيجة لرتكيز األه���داف التعليمية على زيادة‬
‫اإلنتاجية وحتسني الكفاية ونوعية التعليم‪،‬‬
‫وتتطلب ه��ذه املرحلة املقبلة توافر اإلداريني‬
‫وال��ق��ادة التعليميني الذين يتميزون بالنشاط‬
‫واإلبداع واملرونة واملهارات االستثنائية‪.‬‬
‫لقد حت��رك��ت دول ك��ث�يرة يف ال��ع��امل تسابق‬
‫الزمن لتكون هلا حصة يف كعكة التقدم التقين‪،‬‬
‫ومنها دول النمور اآلسيوية اليت بدأت خططها‬
‫اجلذرية األوىل بتحديث مناهج التعليم لتخريج‬
‫الكوادر املؤهلة إلدارة معركة التحدي الكبري‪.‬‬
‫أمل يأن لنا أن نتحرك ونستقرء موقعنا يف‬
‫خارطة التقدم التقين يف املستقبل؟‬
‫املرجع‬
‫موقع ومنتدى تكنولوجيا التعليم‬
‫‪WWW.KHAYMA.COM‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪109‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مثلث الشيطان‬
‫من كل الزوايا‬
‫توفيق السهلي‬

‫ما إن تذكر ‪”..‬مثلث برمودا” ألي شخص‪ ،‬حتى‬
‫تدرك أن اجلميع تقريباً يعرفون عما تتحدث‪.‬‬
‫ورغم أن هناك مناطق أخرى يف العامل شهدت‬
‫حوادث اختفاء غامضة لطائرات وسفن‪ ،‬إال أن أيا من تلك‬
‫املناطق ال يتمتع بتلك السمعة السيئة اليت حيظى بها “مثلث‬
‫برمودا” ‪ ،‬أو كما يعرف أحياناً باسم ‪ ”:‬مثلث الشيطان”‪...‬‬
‫لكن ما هو مثلث برمودا؟ وملاذا هذه املنطقة أسوأ من ناحية‬
‫السمعة من “حبر الشيطان” قرب اليابان مثال؟‬

‫‪110‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ما السر وراء هذه املنطقة اليت كتبت عنها‬
‫آالف املقاالت ومئات الكتب‪ ،‬وكانت موضوع‬
‫ع��ش��رات األف��ل�ام السينمائية م��ن خيال‬
‫علمي وغريها‪ ،‬وصوالً إىل الربامج الوثائقية‬
‫التلفزيونية واحمل��اض��رات واجمل���ادالت بني‬
‫الباحثني واملختصني؟‬
‫برمودا‪ ..‬واجلغرافيا‪:‬‬
‫يقع مثلث برمودا يف منطقة قبالة ساحل‬
‫الواليات املتحدة األمريكية‪ ،‬حيث تعرضت‬
‫العديد من السفن والطائرات لتأثريات غري‬
‫عادية وغامضة‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬من تلك‬
‫الطائرات طائرة متكنت من إرسال رسالة إىل‬
‫برج املراقبة الذي كان يتابعها قبل أن ختتفي‬
‫من على شاشات الرادار‪.‬‬
‫م��ض��م��ون ال��رس��ال��ة حت���دث ع��ن مشاكل‬
‫وتشويش يف أجهزة املالحة‪ ..‬وكما يف كثري‬
‫من التقارير ال��واردة عن مثل تلك احلوادث‬
‫فإهنا تشرتك يف شيء غريب‪( :‬مساء صفراء)‬
‫يف املنطقة!‪.‬‬
‫موقع مثلث برمودا ليس منطقة جغرافية‬
‫حم���ددة‪ ،‬إ ْذ إن��ك ل��ن جت��ده على األطلس‪،‬‬
‫لكن من املقبول عموماً أنه يقع يف احمليط‬
‫األطلسي‪ ،‬قبالة والي��ات فلوريدا وجورجيا‬
‫و وك��اروالي��ن��ا األمريكية‪ ،‬وميتد حتى جزر‬
‫برمودا وبورتوريكو‪ ،‬كما ميتد مش��االً حتى‬
‫سواحل الكارييب الشمالية‪ ،‬ومن هنا جاءت‬
‫تسمية (املثلث)‪.‬‬
‫أول ذكر لتسمية (مثلث برمودا) جاء يف‬
‫تقرير للصحفي (إي يف جونز) يف خرب لوكالة‬
‫(أسوشييتد برس) لألنباء عام ‪ .1950‬فقد‬
‫أظهر جونز قلقه من حجم ووت�يرة حوادث‬
‫االخ��ت��ف��اء غ�ي�ر امل��ف��س��رة ل��ل��س��ف��ن يف‬
‫املنطقة‪ ،‬ومن هنا ولد واحد من أعظم‬
‫ألغاز العامل‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪111‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫برمودا وضحايا‪:‬‬
‫أم��ا أول ضحايا مثلث ب��رم��ودا البحريةـ‬
‫فيعتقد أهنا كانت قبل ‪ 170‬سنة من تقرير‬
‫(جونز) ‪،‬أي قبل وقت طويل من ظهور وكاالت‬
‫األنباء‪.‬‬
‫ففي عام ‪ 1780‬اختفت السفينة (جينرال‬

‫‪112‬‬

‫غيتس) يف منطقة املثلث‪ ،‬ومل يظهر هلا أي‬
‫أثر بعد ذلك‪ ،‬رغم عدم وجود أي تقرير يفيد‬
‫بأهنا كانت ضحية إح��دى السفن احلربية‬
‫الربيطانية‪ .‬ومن حينها بدأت سلسلة طويلة‬
‫من حوادث اختفاء غاضمة لسفن يف املنطقة‬
‫حريت وأذهلت الباحثني والعلماء‪.‬‬
‫أحد أبرز حوادث االختفاء تلك كان اختفاء‬
‫السفينة احل��رب��ي��ة األم��ري��ك��ي��ة (ي��و إس إس‬
‫سايكلوبس) وهي سفينة بطول يزيد عن مائة‬
‫ومخسني مرتا‪ ،‬ويصل وزهنا إىل ‪ 19600‬طن‪.‬‬
‫اختفت هذه السفينة الضخمة يف آذار‪/‬مارس‬
‫‪ 1918‬مع طاقمها املكون من ‪ 300‬حبار‪ ،‬دون‬
‫أثر‪.‬‬
‫وبعد أق��ل من عشرين عاماً‪ ،‬ارتفع عدد‬
‫السفن ال�تي أخ��ذت ختتفي يف املنطقة دون‬
‫أسباب واضحة وبصورة كبرية ومقلقة‪ ،‬وبدأ‬
‫الناس على شاكلة الصحفي (جونز) يولون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ومخسة عشر ألف طن من شحنتها‪..‬كل ذلك‬
‫اهتمامهم ملا جيري‪.‬‬
‫يف ع��ام ‪1944‬ك��ان��ت السفينة (كايكوس اختفى دومنا أثر!‪.‬‬
‫ب��ع��ده��ا ب��ث�لاث س��ن��وات ك���ان ق���ارب قطر‬
‫تريدر) تقوم بسحب السفينة (وايلد غوز)‬
‫يف املثلث‪ .‬وكان (جو تايل) على منت السفينة لصاحبه القبطان (دون هنري) يقوم برحلة‬
‫وايلد غوز) نائما عندما استيقظ فجأة ليجد من (بورتوريكو) إىل (ف��ورت لوديرابل) وهي‬
‫رحلة أفضت به إىل قلب مثلث برمودا‪.‬‬
‫نفسه حتت سطح املاء!‬
‫وفيما بدا أنه مساء هادئ‪ ،‬أصيب قبطان‬
‫وعندما أدرك أن سفينته كانت تغرق‪ ،‬متكن‬
‫(تايل) من الوصول إىل سرتة جناة والسباحة القارب بالذعر عندما بدأت بوصلته بالدوران‬
‫ثالثني م�ترا إىل األم���ان‪ .‬وك��ان��ت على طاقم بعنف‪ ،‬وحلت ظلمة غريبة باملكان‪ .‬الضباب‬
‫ال��س��ف��ي��ن��ة (ك��اي��ك��وس) أن‬
‫أصبح كثيفاً حتى أن (دون‬
‫يقطعوا حبل القطر الذي أحد أبرز حوادث االختفاء هنري) مل يعد ق��ادراً على‬
‫رؤي��ة األف��ق‪ .‬وازداد األمر‬
‫كان جير السفينة اآلخذة‬
‫اختفاء‬
‫كان‬
‫تلك‬
‫غرابة عندما بدأت أمواج‬
‫يف الغرق أمام أعينهم حتى‬
‫السفينة الحربية‬
‫ال تسحبهم وسفينَـتَـهم‬
‫البحر تلطم جوانب القارب‬
‫معها إىل أعماق احمليط‪.‬‬
‫األمريكية (يو إس إس م��ن ك��ل ص����وب‪ .‬وم���ا زاد‬
‫ال��ط�ين ب��ل��ة أن الكهرباء‬
‫مل يتم التوصل أبدا إىل‬
‫وهي‬
‫سايكلوبس)‬
‫انقطعت يف ال��ق��ارب‪ .‬لكن‬
‫سبب مقنع لتفسري غرق‬
‫(واي��ل��د غ���وز) يف غضون سفينة بطول يزيد عن حلسن حظ (دون هنري)‬
‫ومن معه أنه رغم الضباب‬
‫دقائق معدودة‪ .‬كان غرقها‬
‫مائة وخمسين مترا‬
‫ال��ك��ث��ي��ف ال������ذي اكتنف‬
‫أس��رع بكثري ج��داً مما كان‬
‫متوقعاً هلا أن تغرق‪ ،‬هذا‬
‫ال��ق��ارب‪ ،‬إال أن احملركات‬
‫إذا كان غرقها متوقعاً على اإلطالق!‬
‫كانت ال تزال تعمل‪ ،‬وبالتايل كان قادرا على‬
‫م��واص��ل��ة ال��ت��ح��رك ب��ال��ق��ارب حتى خ��رج من‬
‫برمودا ومشاهدات غريبة!‬
‫الضباب‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1954‬شهد (راي ك�لارك) حادثة‬
‫وبعد أن ابتعد قليالً‪ ،‬نظر (دون هنري)‬
‫أق��ل خطورة يف املنطقة‪ ،‬لكنها مل تكن أقل وراءه فرأى بوضوح ما كان أشبه بكتلة صلبة‬
‫غرابة وغموضاً‪ .‬فبينما كان يقف على سطح من الضباب‪ ،‬مرتكزة بكثافة غريبة يف تلك‬
‫السفينة (ك��وي��ن م����اري)‪ ،‬ش��اه��د (ك�ل�ارك) املنطقة اليت خرج منها‪ .‬ووصف (دون هنري)‬
‫عمودين من املياه طول الواحد منهما أربعة املاء يف املنطقة الضبابية بأنه كان (يغلي)‪..‬‬
‫عشر م�ت�راً خي��رج��ان م��ن امل���اء م��ن بقعة يف بينما كان املاء خارجها هادئاً‪( ..‬هنري) جنا‬
‫احمليط كانت قبل الظاهرة بدقائق هادئة من املوت‪ ،‬ومتكن من الوصول إىل وجهته‪.‬‬
‫بشكل غري معهود‪.‬‬
‫حادث آخر وقع فيه خلل غري مفسر لآلالت‬
‫يف شباط‪/‬فرباير ‪ 1963‬أغرق مثلث برمودا كان عام ‪ 1971‬عندما فقدت السفينة (يو إس‬
‫ضحية أخ��رى‪( :‬ذا مارين سلفور كوين) مع إس ريتشارد إي بريد) بصورة غامضة‬
‫طاقمها امل��ك��ون م��ن تسعة وث�لاث�ين حب���اراً اتصاالهتا مجيعها وتعطلت وسائل املالحة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪113‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كلها أثناء رحلة يف منطقة املثلث‪ .‬بقيت‬
‫لكن أول حادث مسجل لفقدان طائرة فوق‬
‫السفينة عاجزة ملدة عشرة أيام متواصلة قبل مثلث برمودا وقع بعد ذلك بأربع وعشرين‬
‫أن تبدأ أجهزة االتصاالت فيها بالعمل بصورة سنة‪ ،‬وذلك عندما فقدت الطائرة (تي بي إف‬
‫طبيعية جمدداً‪ ,‬بشكل غامض‪.‬‬
‫أفينجر) عام ‪ ،1942‬وكان ذلك بداية سلسلة‬
‫من أحدث احلوادث املسجلة لفقدان سفينة تكاد ال تصدق من احلوادث يف فرتة قصرية‬
‫يف مثلث برمودا ح��ادث وقعت عام ‪ .1992‬من الزمن‪ ،‬وبشكل يدعو إىل الذعر‪.‬‬
‫ففي الثالث والعشرين م��ن ك��ان��ون األول‪/‬‬
‫فبعدها بعامني‪ ،‬وبالتحديد يف كانون‬
‫ديسمرب اختفت سفينة مزدوجة (عبارة عن األول‪/‬ديسمرب ‪ 1944‬تعرضت سبع طائرات‬
‫سفينة مكونة من قاربني مربوطني ببعضهما) قاذفة تابعة لسالح اجلو األمريكي الضطراب‬
‫طوهلا قرابة ثالثة عشر مرتاً أثناء رحلتها من هوائي واض��ح يف املنطقة قذفها إىل الوراء‬
‫(رود آيلند) إىل جزر (املارتينيك)‪.‬‬
‫واألسفل مسافة ‪ 183‬مرتاً‪.‬‬
‫عملية البحث اليت استمرت مخسة أيام مل‬
‫مخ��س م��ن ت��ل��ك ال��ط��ائ��رات (اخ��ت��ف��ت) ‪،‬‬
‫تسفر عن العثور على أي شيء‪ ،‬وذلك رغم أن ومتكنت اثنتان من النجاة‪.....‬مل يتم العثور‬
‫الطقس كان هادئاً يف تلك الفرتة‪..‬ماذا علـّه على أي آثار حلطام الطائرات املختفية على‬
‫ح ّل بتلك السفينة؟‬
‫اإلطالق‪.‬‬
‫يف العام التايل ‪1945‬‬
‫أول حادث مسجل‬
‫ح����وادث ال��ط�يران‬
‫وق���ع أك��ث��ر ح����وادث مثلث‬
‫وبرمودا‪:‬‬
‫ب�����رم�����ودا ش����ه����رة على‬
‫لفقدان طائرة فوق‬
‫م����ع ب�����دء اس���ت���خ���دام‬
‫اإلط��ل�اق‪( :‬ال��س��رب ‪)19‬‬
‫عندما‬
‫برمودا‬
‫مثلث‬
‫امل��ك��ون م��ن س��ت طائرات‬
‫الطائرات يف السفر‪ ،‬أصبح‬
‫فقدت الطائرة (تي‬
‫ح��رب��ي��ة‪ ،‬اختفى‪...‬وكما‬
‫للناس طريق آخ��ر لعبور‬
‫احل���ال يف ح��ادث��ة ‪1944‬‬
‫منطقة مثلث برمودا‪ .‬لكن‬
‫بي إف أفينجر) عام‬
‫الغامضة‪ ،‬مل يتم العثور‬
‫ي��ب��دو أن م��ا ك���ان ينغصّ‬
‫‪ ،1942‬وكان ذلك بداية‬
‫على أي حطام‪..‬ببساطة‬
‫على السفن العابرة لتلك‬
‫امل��ن��ط��ق��ة وي���س���ب���ب تلك سلسلة تكاد ال تصدق الطائرات اختفت!‬
‫ح��ادث��ة ج��وي��ة غامضة‬
‫ال��ظ��واه��ر الغامضة‪ ،‬كان من الحوادث في فترة‬
‫أخ��رى ف��وق مثلث برمودا‬
‫يسببها أيضاً هناك‪....‬يف‬
‫قصيرة من الزمن‬
‫األعايل فوق منطقة املثلث‪،‬‬
‫تعرض هلا الكاتب (مارتن‬
‫ومبعدالت خميفة أيضاً!‬
‫ك��اي��دن) ال���ذي ك��ان حيلق‬
‫يف ع���ام ‪ 1928‬ب��ل �ـّ��غ ال��ط��ي��ار (تشارلز بطائرته من برمودا إىل قاعدة (جاكسون‬
‫ليندنبريغ) عن تعطل كليت بوصلتيه بينما فيل) التابعة لسالح اجلو اخلاص بالبحرية‬
‫كان حيلق بطائرته فوق مثلث برمودا‪ .‬كما األمريكية يف فلوريدا‪.‬‬
‫أبلغ عن مشاهدته لضباب كثيف أعاق جمال‬
‫(كايدن) أقلع يف ظروف جوية ممتازة‪ ،‬إذ‬
‫رؤيته‪ .‬وحلسن حظه فقد وصل إىل غايته كان الطقس هادئا والرؤية واضحة‪ .‬فجأة‬
‫ساملاً‪.‬‬
‫حتولت زرقة السماء إىل لون أصفر مبيّض‬

‫‪114‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حتى أن (كايدن) بات عاجزاً عن مشاهدة‬
‫اجل��زء اخل��ارج��ي م��ن ط��رف جناح طائرته‬
‫األي��س��ر‪ .‬وبعدها مل يعد ق���ادرا على رؤية‬
‫اجلناح األمين‪ ،‬وذلك رغم أن أجهزة املالحة‬
‫اليت كانت تعتمد على األقمار االصطناعية‪،‬‬
‫كانت تشري إىل أن الطقس ممتاز وال وجود‬
‫لضباب‪ .‬ومع تكاثف الضباب‪ ،‬بدأت أجهزة‬
‫املالحة يف طائرته تتصرف بشكل ال منطقي‪.‬‬
‫وحلسن حظه أنه متكن من من رؤية فتحة‬
‫يف الضباب شاهد يف آخرها زرقة السماء‪.‬‬
‫كانت الفتحة اليت تشبه النفق فوق الطائرة‬
‫مباشرة‪ ،‬وبعد أن تفحصها (ك��اي��دن) وما‬
‫ح��ول��ه‪ ،‬الح��ظ فتحة مشاهبة ثانية حتت‬
‫الطائرة‪..‬وكانت الفتحتان تواكبان الطائرة‬
‫متاماً‪ ،‬حتى أنه وصفهما بأهنما (كانتا أشبه‬
‫بأنبوب طويل ممتد من سطح احمليط إىل‬

‫أعايل السماء)‪.‬‬
‫ح��اف��ظ (ك���اي���دن) وب��ق��ي��ة ال��ط��اق��م على‬
‫هدوئهم خالل احلادثة‪ ،‬وبعد أربع ساعات‬
‫من هذه الظاهرة الغامضة‪ ،‬انتهى كل شيء‬
‫ف��ج��أة‪ ،‬حيث ع���ادت أج��ه��زة امل�لاح��ة تعمل‬
‫بصور طبيعية‪ ،‬وانقشع الضباب عن مساء‬
‫زرقاء صافية‪.‬‬
‫أحدث حادثة مسجلة لفقدان طائرة فوق‬
‫مثلث برمودا كانت عام ‪1991‬وذل��ك عندما‬
‫اختفت ط��ائ��رة نفاثة م��ن ط��راز (غرومان‬
‫غوجار)‪.‬‬
‫وكما احلال مع حوادث اختفاء السفن يف‬
‫منطقة برمودا‪ ،‬فإن حوادث اختفاء الطائرات‬
‫واحلوادث الغريبة اليت واجهها طيارون‬
‫يف أج��واء املثلث كثرية ج��دا حبيث ال‬
‫يتسع اجملال‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪115‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هنا لذكرها كلها‪..‬فما ورد يف هذا املقال‬
‫جمرد عينة من تلك احلوادث املختلفة‪ ،‬وما‬
‫يقال إنه حدث مع شهودها‪.‬‬
‫فما الذي جيري يف الفعل؟ هل هناك سبب‬
‫علمي لكل ظواهر مثلث برمودا؟ أم أن السبب‬
‫يتعدى قدرات اإلنسان وعلومه ومداركه؟‬

‫‪116‬‬

‫تفسريات ونظريات‪:‬‬
‫يف ع��ام ‪ 1975‬أص��درت شركة (لويدز)‬
‫اللندنية للتأمني بيانا قالت فيه‪( :‬أجهزتنا‬
‫االستخباراتية مل تتمكن من العثور على ما‬
‫يدعم مقولة إن ح��وادث االختفاء يف مثلث‬
‫برمودا أكثر من أي مكان آخر يف العامل‪).‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫دعونا نلقي نظرة على بعض النظريات‬
‫والتفسريات اليت وضعها الكثري من الباحثني‬
‫والعلماء واملهتمني‪:‬‬
‫• ازدحام حركة املالحة‪:‬‬
‫ه��ن��اك ح��رك��ة ك��ب�يرة للسفن والطائرات‬
‫العابرة للمنطقة ومن املسؤولني حبارة غري‬
‫أك��ف��اء أو غ�ير متمرسني ف��ض�لا ع��ن عدد‬
‫كبري من املهاجرين غري الشرعيني وهتريب‬
‫املخدرات جواً وحبراً‪ .‬لذلك فإن األمر ميكن‬
‫تفسريه اعتمادا على (قوانني املعدالت) بسبب‬
‫كم وطبيعة حركة املرور يف املنطقة‪.‬‬
‫• الطقس السيىء‪.‬‬
‫• القرصنة البحرية‪.‬‬
‫• خملفات احلروب املاضية‪:‬‬
‫ال��ق��ن��اب��ل واألل���غ���ام ال�ت�ي خلفتها احل���روب‬
‫السابقة موجودة حتت املاء وتنفجر لسبب ما‪.‬‬
‫• األمواج املدية‪:‬‬
‫األمواج املدية والشاذة عن املألوف واملخيفة‬
‫ميكن أن يصل ارتفاعها إىل حنو مخسني مرتاً‬
‫وهو ما يكفي لتغليف سفينة باملياه ورمبا‬
‫إغراقها‪.‬‬
‫• الدوامات البحرية‪:‬‬
‫ه��ذه الفرضية ت��ف�ترض وج���ود دوام���ات‬
‫أم��ا ح��رس ال��س��واح��ل األم��ري��ك��ي فقال‪ ):‬عمالقة ميكن أن تظهر فجأة وتبتلع سفينة‬
‫هناك حوادث غامضة حقيقية جيب التحقق بكاملها فال يبقى هلا أثر‪.‬‬
‫منها‪ .‬لكن رمبا أهنا حتدث يف أحناء العامل‬
‫• النيازك‪:‬‬
‫كلها أيضا‪).‬‬
‫هذه النظرية قد تبدو بغرابة الظاهرة‪،‬‬
‫إذن ما السبيل إىل حل لغز هذه احلوادث‬
‫لكنأجهزةاملسحالبحريالتابعةلنظام(سي‬
‫الغامضة احلقيقية؟‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪117‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫س������ات) ال��ت��ي ت��ع��ت��م��د ع���ل���ى األق���م���ار‬
‫االصطناعية‪ ،‬واليت بدأت عام ‪، 1978‬كشفت‬
‫عن دليل على وجود جسم بطول ينوف عن‬
‫ثالثني كليومرتاً‪ ،‬وبعمق أكثر من مخسني قدماً‬
‫حتت املاء‪ ،‬والنظرية تقول إن نيزكاً دفن هنا‬
‫يف منطقة مثلث برمودا‪ ،‬وإنه يولد شذوذاً يف‬
‫احلقل املغناطيسي حوله‪ ،‬وهو ما كانت له‬
‫تأثريات كارثية على حركة املالحة‪.‬‬
‫• انبعاثات غاز امليثان‪:‬‬
‫النظرية ت��دور ح��ول وج��ود مكامن لغاز‬
‫امليثان حتت سطح امل��اء‪ .‬الدكتور (ريتشارد‬
‫ماك لفري) يقول إنه توجد حتت سطح البحر‬
‫يف أماكن ع��دة يف أحن��اء العامل –مب��ا فيها‬
‫مثلث برمودا‪ -‬مكامن كبرية للميثان املهدرج‬
‫املتجمد واليت تنحبس فيها كميات من غاز‬
‫امليثان‪ .‬فإذا انعتقت هذه الغازات احلبيسة‬
‫من مكامنها بسبب اهنيار أو انزالق ‪ ،‬فإهنا قد‬
‫تسبب تغريات واضطرابات فوق سطح املاء‪،‬‬
‫وميكن أن تؤثر حتى على الطائرات احمللقة‬
‫فوقها مع حترك الغاز يف اجلو‪ .‬وهذا رمبا ما‬
‫يفسر كيف جيد طاقم طائرة ما نفسه وقد‬
‫أحيط بغمامة من الضباب‪ ،‬كما قد يفسر‬
‫سبب اختناق حمرك الطائرة بعد حرمانه من‬
‫األوكسجني‪ ،‬ورمبا انفجار الطائرة إذا اشتعل‬
‫الغاز بصورة ما بسبب احل��رارة أو شرارة‪،‬‬
‫وهو ما ميكن أن يفسر حسب الدكتور (ماك‬
‫لفري) احل���وادث ال�تي تقع يف ظ��روف جوية‬
‫ممتازة‪ .‬كما ميكن أن يفسر الغرق السريع‬
‫لسفينة ما‪ ،‬باعتبار أنه قد يؤثر على نظام‬
‫التوازن والطفو فيها‪ ،‬وهو ما حدث مثالً عند‬
‫غرق إحدى احلفارات البحرية اليت غرقت‬
‫يف دقائق بسبب تدفق غاز امليثان‪ ،‬حتى أن‬
‫حبارهتا الناجني أبلغوا عن استمرارهم يف‬
‫الغرق حتى رغم ارتدائهم أطواق النجاة‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫االضطرابات املائية النامجة عن تدفق‬
‫امليثان ميكن أن تسبب أي��ض�اً ظهور غيوم‬
‫ضخمة من اهلواء املتأيّن الذي ميكن أن يؤثر‬
‫على البوصالت وغريها من أجهزة املالحة‬
‫البحرية واجلوية‪.‬‬
‫هناك بالطبع تفسريات ون��ظ��ري��ات أقل‬
‫علمية إذا جاز التعبري‪ ،‬من قبيل‪:‬‬
‫• خلل فيزيائي ‪:‬‬
‫رمبا أن هناك ثقباً زمنياً يف موضع جمهول‬
‫داخ��ل مثلث ب��رم��ودا‪ ،‬وذل��ك بسبب خلل يف‬
‫النسيج الزمن‪ -‬مكان الفيزيائي يف املنطقة‪،‬‬
‫ينقل الطائرات والسفن من بعدنا الزمين‬
‫احلاضر إىل بعد آخر يف الكون‪.‬‬
‫• وجود وحوش حبرية‪:‬‬
‫والسيما يف املناطق اليت يكثر فيها غرق‬
‫السفن‪ .‬الرتاث الشعيب لكثري من الشعوب يورد‬
‫ذكراً لعدد كبري من الوحوش البحرية بأشكال‬
‫وأن��واع خمتلفة‪ ،‬كانت مبعث خوف البحارة‪.‬‬
‫رمبا إن بعضها موجود يف عصرنا هذا‪ ،‬وال‬
‫ي��زال قابعا يف قعر بعض حب��ار العامل‪ ،‬مبا‬
‫فيها منطقة مثلث برمودا‪.‬‬
‫• األطباق الطائرة جمهولة اهلوية‪:‬‬
‫هذه الفرضية تفرتض وجود كائنات فضائية‬
‫غريبة‪ ،‬ال تكتفي فقط باختطاف البحارة‬
‫وطواقم السفن والطائرات واملسافرين على‬
‫متنها‪ ،‬بل ختتطف أيضاً السفن والطائرات‬
‫نفسها‪.‬‬
‫• جتارب حكومية سرية‪:‬‬
‫بعض أصحاب نظريات املؤامرة يقولون إنه‬
‫توجه يف قعر مثلث برمودا قاعدة عسكرية‬
‫أمريكية متقدمة جداً ويف غاية السرية جترى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫فيها جتارب خمتلفة على أسلحة سرية‪ ،‬رمبا‬
‫أن ضحاياها من السفن والطائرات اليت تعرب‬
‫مثلث برمودا‪.‬‬
‫بالطبع ينبغي لكل ق��ارئ أن يستنتج ما‬
‫حيلو له وما يقتنع به مما أسلفنا من ظواهر‬

‫غريبة يف مثلث ب��رم��ودا‪ .‬لكن األك��ي��د أن‬
‫هذه احلوادث اليت بدأت مع برقية (جونز)‬
‫ستستمر يف احل��دوث‪...‬وس��ي��ب��ق��ى معها‬
‫اجلدل متواصالً بشأن حقيقة ما جيري يف‬
‫مثلث برمودا‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪119‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫البيت األزلــي عنــد‬
‫الفينيقييــن‬
‫رامز حوش‬

‫جاء يف نص أدبي تارخيي حول اعتقاد الفينيقيني يف ماوراء املوت‪ :‬بأن الروح‬
‫ال تفارق اجلسد مفارقة كلية عند املوت‪ ،‬بل تالزمه وتبقى منه يف مدفنه‪ ،‬لذلك‬
‫كانوا يعنون عناية عظيمة بدفن امليت يف مكان أمني التصل إليه أيدي اللصوص‬
‫العابثني‪ ،‬وكانت رفات امللوك واألثرياء تدفن يف نواويس «توابيت حجرية» ضخمة كاليت‬
‫استخرجت من مدافن جبيل وصيدا وصور يف لبنان الشقيق‪ ،‬أو اليت اكتشفت يف طرطوس‬
‫بالقطر العربي السوري‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫وال���ن���واوي���س يف األص����ل تقليد للمومياء‬
‫املصرية‪ .‬وكان العامل ارنست رينان قد أطلق‬
‫عليها اص��ط�لاح �اً تسمية «األن�ت�روب���ي���د» أي‬
‫إنسانية اهليئة‪ ،‬ألن غطاءها العلوي منحوت‬
‫على هيئة بشرية‪ .‬وم��ن الطريف أن نسوق‬
‫هنا ترمجة توسل ولعنة نقشت على ناووس‬
‫امللك الصيداوي امشونزر املكتشف عام ‪1855‬‬
‫يفصحان عن اهتمام ملكي هبذا اخلصوص ‪:‬‬
‫((أيا كنت حاكماً أو بشراً عادياً ))‪ ،‬عسى أن‬
‫ال تأخذ تابوتي ال��ذي أرق��د فيه وعسى أن ال‬
‫أنقل من مقري هذا إىل مقر آخر حتى لو دفعك‬
‫الناس وحرضوك ال تسمع هلم وال لكالمهم‪.‬‬
‫وعلى كل حاكم أو إنسان عادي يفتح قربي أو‬
‫يستويل على تابوتي أدعو أال يكون له مكان يف‬
‫ظل وأال يدفن يف قرب ))‪.‬‬
‫وبالرغم م��ن ع��دم رغبيت يف وض��ع تقرير‬
‫مفصل ح��ول مكتشفات ط��رط��وس الفريدة‪،‬‬
‫أو التطرق بالتفصيل إليها (أسلوب حنتها أو‬
‫مصدرها أو مدى تأثرها بالفن اإلغريقي‪...‬‬
‫اخل)‪ ،‬وبالرغم من أن مأربي هو فقط تسليط‬
‫بعض الضوء على فن بناء بيت الفينيقي األزيل‬
‫أي القرب‪ ،‬ف��إن ال��ض��رورة تستدعي العودة إىل‬
‫قصة هذا االكتشاف من البدء‪.‬‬
‫منذ عام (‪ 1991‬تقريباً) ‪ ،‬وبينما كانت إحدى‬
‫آليات القطاع العام تقوم بنقل األتربة‪ .‬إذ برأس‬
‫ضخم من املرمر يربز من بني األنقاض‪ .‬فأوقف‬
‫العمل للتو ومت استدعاء السلطات األثرية يف‬
‫ط��رط��وس على عجل‪ ،‬ال�تي قامت بتنقيبات‬
‫ف��وري��ة‪ ،‬أسفرت عن اكتشاف تابوت رخامي‬
‫من منط ((االنرتبوبيد)) السالف الذكر‪ .‬ومع‬
‫توسيع عمليات التنقيب احلثيثة‪ ،‬أمكن الكشف‬
‫عن ناووسني آخرين من ذات النوع‪ ،‬وثالث ذي‬
‫غطاء هرمي ضخم‪ .‬واجل��دي��ر ذك��ره أن مثة‬
‫ناووساً رابعاً (( انرتوبيدي)) الشكل عثر عليه‬
‫– يف فرتة سابقة ‪ -‬يف الضاحية اجلنوبية من‬
‫املدينة‪ .‬وقد نقلت النواويس مجيعها إىل متحف‬

‫طرطوس حيث ترقد مجيعها بسالم هناك‪.‬‬
‫ومت االكتشاف يف مكان يطلق عليه السكان‬
‫احملليون ((رام الذهب)) وهو على بعد ‪/5/‬‬
‫كم تقريباً من طرطوس جنوباً‪ ،‬مقابل مدخل‬
‫الشركة العامة إلنشاء املشاريع الصناعية‪.‬‬
‫وبغض الطرف عن أمهية ومدلول تسمية املوقع‬
‫حبد ذاته‪ ،‬فإن ما أسفر عنه التنقيب هنا يفوق‬
‫كثرياً املعنى احل��ريف هل��ذه التسمية‪ .‬إذ دلت‬
‫التحريات الدقيقة والتنقيبات املنهجية بأننا‬
‫وسط (جبانة) مقربة واسعة على جانب كبري من‬
‫الثراء يف طرز القبور واملدافن (توابيت عادية‬
‫منحوتة ذات شكل صندوقي‪ ،‬وقبور حمفورة‬
‫يف األرض ومبنية باحلجارة ومغطاة بألواح من‬
‫احلجارة الكبرية‪ ،‬ومدافن بنيت باحلجارة أو‬
‫قدّت يف الصخر لوضع النواويس فيها‪ ...‬اخل)‬
‫وبالعودة إىل نواويسنا املكتشفة‪ ،‬نذكر بأن‬
‫النواويس الثالثة ((االنرتوبيدية)) املكتشفة‪ ،‬قد‬
‫وضعت يف مدافن مبنية من احلجارة الرملية‬
‫بسبب هشاشة وكثرة العروق الرتابية يف املكان‪،‬‬
‫وتقع على عمق ‪ /3/‬أمتار من سوية الطريق‬
‫العام اجملاور‪.‬بينما كان الناووس هرمي الغطاء‬
‫يقبع إىل اجل��وار حتت كتلة من الصخر يفوق‬
‫ارتفاعها الستة أمتار عن سوية الطريق العام‬
‫احلايل‪ .‬وبسبب متاسك الصخر هنا وصالبته‪،‬‬
‫فقد قدّ هذا املدفن يف الصخر على شكل حدوة‬
‫احلصان وجصصت جدرانه بعناية فائقة كأي‬
‫بيت أنيق مجيل حمرتم‪.‬‬
‫وذك���ر البيت واه��ت��م��ام الفينيقيني بالدار‬
‫األخرى‪ ،‬تؤكده مالحظاتنا التالية‪:‬‬
‫من تسرب املاء‪ ،‬مع العلم أننا الحظنا أن مثة‬
‫طبقة من املالط الكلسي قد وضعت خصيصاً‬
‫يف أعلى اهل��رم ملنع أي ول��ف للماء إىل داخل‬
‫((البيت))‪.‬‬
‫تثبيت هنايات حجارة اهلرم يف افريز خاص‬
‫ميتد على طول حميط املدفن‪ .‬إضافة‬
‫إىل امل��ادة الكلسية لتأمني ع��دم انزالق‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪121‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫احلجارة من جهة وعدم تسرب املاء من جهة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫جعل أرضية املدفن ذات انسياب طفيف‬
‫يبدأ من مركز املدفن باجتاه ج��داري املدفن‬
‫ال��ط��والن��ي�ين‪ ،‬واحل��ف��اظ على ف���راغ أو نطاق‬
‫قليل العرض بني األرضية واجلدار‪ ،‬ليغور فيه‬
‫ما ميكن أن يرشح من ماء من األعلى أو من‬
‫اجلدران على حد سواء‪.‬‬
‫إن نواويس طرطوس من املكتشفات األثرية‬
‫اهلامة‪ ،‬وتكمن أمهيتها يف ندرة أماكنها يف العامل‬
‫وهي قربص وصقلية ومالطة وكورسيكا وقادس‬
‫بإسبانيا‪ ،‬حيث كانت للفينيقيني هناك حمطات‬
‫جتارية حيوية‪ ،‬وترقى نواويس طرطوس إىل‬
‫القرن الثالث – الرابع قبل امليالد‪ ،‬وقد اعتمدنا‬

‫‪122‬‬

‫يف التأريخ على ما التقطناه من كسر فخارية‬
‫وعلى املقارنة مبا استخرج من ن��واوي��س من‬
‫جبيل وصيدا وصور وغريها من األماكن‪.‬‬
‫يبقى أن نقول أخ�ي�راً‪ ،‬إن مقربة رام الذهب‬
‫تقع على مسافة ‪ /3/‬كم تقريباً من شرق موقع‬
‫عمريت‪ ،‬وه��ي مسافة تقلص كثرياً من احتمال‬
‫انتماء ه��ذه املقربة للموقع امل��ذك��ور‪ ،‬وباعتقادي‬
‫أن خربة (اللبين) الواقعة على بعد مئات األمتار‬
‫شرقاً‪ ،‬هي املستوطنة األوفر حظاً لتكون صاحبة‬
‫هذه املقربة‪ .‬على أية حال‪ ،‬فإن متابعة التنقيب يف‬
‫اجلبانة والقيام بتنقيب منهجي يف اخلربة املذكورة‬
‫(اليت تتناثر فوقها كسر الفخار واملعامل املعمارية‬
‫وبقايا األعمدة الضخمة) رمبا يعرفنا بدقة يقينية‬
‫أكرب بأجدادنا مبدعي هذه املدافن الرائعة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حمطة‬

‫أبولو ‪13‬‬
‫أبولو ‪ 13‬مركبة فضائية أمريكية‪ ،‬أرسلت‬
‫يف العام ‪1970‬م مبهمة أستطالعية وللهبوط‬
‫على سطح القمر وك��ان على متنها رواد‬
‫الفضاء جيم لوفيل (‪ )Jim Lovell‬وفريد‬
‫هايس (‪ )Fred Haise‬وج��اك سويغارت‬
‫(‪.)Jack Swigert‬‬
‫ع��ن��دم��ا ك��ان��ت م��رك��ب��ت��ه��م ت��ب��ع��د حوايل‬
‫‪ 205.000‬ميل عن األرض حصل هبا طارئ‬
‫نتيجة أنفجار يف خزان الوقود أدى إىل دمار‬
‫شبه شامل يف املركبة‪.‬‬
‫ورغم هذا متكن روادها الثالث مبجهود‬
‫جبار ومبساعد طاقم أرضي كبري مبحاولة‬
‫تشغيل وقيادة املركبة باسلوب يدوي ومباشر‬
‫شبه آيل من اع��ادة املركبة إىل األرض مبا‬
‫يشبه املعجزة دون أن يصاب أي من الرواد‬
‫بأي ضرر‪ ,‬إال خسارهتم املعنوية من تنفيذ‬
‫املهمة األصلية واهلبوط على سطح القمر‪.‬‬
‫تبني فيما بعد بأن األنفجار قد تسبب‬
‫بتلف أحد األس�لاك الكهربائية اليت تنقل‬
‫األش��ارة والسيطرة على الوقود يف اخلزان‬
‫قد أصيب بتضرر حال دون وصول األشارة‬
‫ال�لازم��ة للحاسوب املسيطر على املالحة‬
‫الفضائية‪.‬‬

‫رواد الفضاء لألبولو ‪ 13‬من اليسار إىل‬
‫اليمني جيم لوفل و جاك سوجيارت و فريد‬
‫هايس‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪123‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حياة األعماق‬
‫بـقـلــم‪ :‬دانييل غرومسان و سيث شوملان‬
‫ترمجة‪ :‬حازم حممود فرج‬
‫عن جملة ‪Earth‬‬

‫يف حرارة الهبة‪ ,‬وحتت ضغط ساحق‪ ،‬تنشط كائنات دقيقة على عمق يزيد‬
‫على امليل حتت سطح األرض‪ .‬يعتقد العلماء أن هذه املتعضيات الدقيقة‬
‫قد تنبئ بالكثري عن أصل احلياة املبكرة وتطورها‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يف فجر يوم رمادي شاحب‪ ،‬كان هناك فريق‬
‫عمل من رجال احلفر الذين لطخ الطني ثياهبم‪،‬‬
‫يعمل بسرعة لغرز أنبوبني قائمني من احلجم‬
‫الكبري معاً‪ .‬كان يعلوهم اهليكل الفوالذي ملعدات‬
‫وأجهزة احلفر القائمة على قاعدة منحدر قليل‬
‫األش��ج��ار‪ .‬وك��ان يتدىل عميقاً حتت أقدامهم‬
‫أنبوب ينتهي طرفه برؤوس فوالذية قاطعة على‬
‫عمق يقارب امليل حتت سطح األرض‪ .‬وعلى‬
‫الرغم من صعوبة احلركة بالقفازات وأحذية‬
‫العمل الثقيلة وامل�لاب��س املبطنة‪ ،‬فقد وضع‬
‫العمال مبهارة أنبوباً مغلفاً آخر ليضاف إىل‬
‫برمية احلفر املتزايدة طوالً‪.‬‬
‫لقد أدى هؤالء العمال األشداء هذه التدريبات‬
‫وامل��ن��اورات عشرات امل��رات يف السابق‪ ،‬وذلك‬
‫من أجل الوصول إىل خمزونات النفط والغاز‬
‫العميقة‪ .‬إال أن هدف العمل اآلن خمتلف متاماً‬
‫هنا يف ه��ذا املوقع البعيد املسمى باراشوت‬
‫كريك يف حوض بيسنس‪ ،‬غربي والية كولورادو‬
‫األمريكية‪ .‬ففي هذا الصباح الباكر‪ ،‬كان طاقم‬
‫احلفر هذا جزءاً من جمهود أكرب لسرب أعماق‬
‫األرض يف حم��اول��ة للبحث ع��ن أش��ك��ال غري‬
‫معروفة من احلياة‪.‬‬
‫وق��د أظهر ه��ذا امل��ش��روع‪ ،‬على م��دار عدة‬
‫سنوات سابقة‪ ،‬أن عامل ما حتت سطح األرض‬
‫يوفر ويدعم أسباب احلياة ملتعضيات حية دقيقة‬
‫ينشط بعضها على أعماق تصل إىل ميلني حتت‬
‫سطح األرض‪ .‬وتتعاظم األدلة على أن الوسط‬
‫احلياتي اخلفي ه��ذا يعج فعالً باحلياة اليت‬
‫تزدهر يف شقوق ومسامات الصخور العميقة‪.‬‬
‫ولغاية اآلن‪ ،‬فقد استطاع الباحثون استخراج‬
‫أكثر من ‪ 8000‬عينة منفصلة وخمتلفة مليكروبات‬
‫وجدت عميقاً حتت األرض‪ ،‬وهم يتوقعون أن‬
‫يكشف املستقبل عن الكثري غريها‪ .‬ويف الواقع‪،‬‬
‫فقد يشكل منط احلياة حتت األرض��ي جزءاً‬
‫هاماً من جممل أشكال احلياة على كوكبنا كما‬

‫يقول اجليولوجي ت‪ .‬أونستوت (م��ن جامعة‬
‫برنستون)‪ ،‬الذي قام باملساعدة يف اإلشراف‬
‫على عملية احلفر يف موقع باراشوت كريك‪.‬‬
‫ومهما ك��ان��ت أع���داده���ا‪ ،‬فقد ب���دأت هذه‬
‫امل��ي��ك��روب��ات حت��ت األرض��ي��ة بالكشف لتوها‬
‫عن أس��رار حياهتا للباحثني‪ .‬إن الكيفية اليت‬
‫تستطيع هبا هذه املتعضيات التالؤم مع ظروفها‬
‫وال�تي ه��ي‪ ،‬باملقارنة م��ع ال��ش��روط الطبيعية‬
‫للحياة‪ ،‬فقرية باملادة املغذية وينقصها ضوء‬
‫الشمس واألكسجني وامل��اء أيضاً (ب��دا بعضها‬
‫وكأنه يتغذى بالفعل على مواد هيدروكربونية‬
‫سامة مثل مادة التوليووين‪ 1‬والزايلني‪ 2‬وثالث‬
‫كلور اإليثيلني ‪.)trichloroethylene‬‬
‫وتستطيع هذه املتعضيات مقاومة درجة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪125‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حرارة قريبة من درجة الغليان‪ ،‬وهي حرارة‬
‫تقتل كائنات أخرى كثرية‪ ،‬كما وأهنا حتيا بني‬
‫السطوح اخلشنة للصخور الصلبة‪.‬‬
‫ً‬
‫إن من األمور احملرية بشكل مماثل أيضا هو‬
‫الكيفية ال�تي استطاعت هبا ه��ذه امليكروبات‬
‫الوصول إىل األعماق يف املقام األول‪ .‬رمبا كانت‬

‫‪126‬‬

‫هذه املتعضيات قد تطورت عن ميكروبات أخرى‬
‫سابقة بدأت حياهتا على السطح ثم دفنت يف‬
‫مكاهنا بنتيجة عمليات جيولوجية خمتلفة‪.‬‬
‫كما أن��ه م��ن احملتمل أي��ض�اً أن تكون أسالف‬
‫امليكروبات حتت األرضية احلالية قد انتقلت‬
‫لألسفل بعملية هجرة داخل قشرة األرض من‬
‫منطقة السطح قبل ماليني السنني من اآلن‪.‬‬
‫لكن االحتمال األكثر ج��رأة يتلخص يف أن‬
‫تكون ه��ذه امليكروبات ه��ي مستحاثات حية‬
‫قدمية جداً ووريثة لبعض أشكال احلياة األوىل‬
‫دون أن يبدو عليها تغري أو حتول كبري‪.‬‬
‫وقد افرتض بعض العلماء لذلك أن احلياة‬
‫نفسها كانت قد نشأت عميقاً حتت األرض‬
‫ثم هاجرت إىل األعلى عندما أصبحت بيئة‬
‫السطح أكثر مالءمة وترحيباً‪ .‬ويقول توماس‬
‫غولد (العامل اجليوكيميائي املتقاعد من جامعة‬
‫كورنيل)‪( :‬إن هذه امليكروبات اليت تكتشف اآلن‬
‫رمبا تكون يف واقع األمر وثيقة القربى ببكرتيا‬
‫بدائية سابقة‪ ،‬لكنها متكنت من البقاء حتى‬
‫اآلن)‪ .‬إن االعتقاد احلايل عند معظم العلماء‬
‫ه��و أن احل��ي��اة كانت ق��د ب��دأت على السطح‬
‫رمبا يف برك املاء الغنية باألمحاض األمينية‬
‫واملركبات األخ��رى‪ .‬وإذا ما أك��دت الدراسات‬
‫املتعلقة مبيكروبات األع��م��اق نظرية غولد‪،‬‬
‫عندها سيتوجب على العلماء إعادة كتابة أول‬
‫فصل يف سفر احلياة على األرض‪.‬‬
‫وب��ال��ع��ودة إىل ع��ق��د الستينيات‪ ،‬ن���رى أن‬
‫االكتشافات املماثلة األوىل جليولوجيي شركة‬
‫النفط واملتعلقة ب��وج��ود متعضيات دقيقة‬
‫يف بعض أح��واض النفط قد تسببت بإزعاج‬
‫وإرب��اك فرانك ووب��ر ال��ذي كان ي��رأس برنامج‬
‫علوم ما حتت سطح األرض يف إدارة الطاقة‬
‫األمريكية؛ فالعديد من العلماء رفض يف حينه‬
‫فكرة وجود حياة على عمق آالف األقدام حتت‬
‫سطح األرض‪ .‬وباستثناء عوالق البالنكتون اليت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ميكنها امتصاص ض��وء الشمس على أعماق‬
‫متوسطة يف احمليطات‪ ،‬ف��إن أح��داً مل يعتقد‬
‫سابقاً بإمكانية وجود بكترييا أو أي متعضيات‬
‫دقيقة أخ��رى ميكنها البقاء يف قيد احلياة‬
‫حتت أعماق أكثر من ال�تي تصل إليها جذور‬
‫النباتات‪ .‬ويستذكر ووبر أنه (كان لدى الكثري‬
‫من اجليولوجيني يف ذلك احلني شكوك قوية‬
‫بإمكانية وجود ميكروبات حتت سطح األرض‬
‫وعلى أعماق كبرية‪ ،‬وق��د قالوا يل إن�ني كنت‬
‫أضيع وقيت هدراً)‪.‬‬
‫ويف وق��ت أسبق‪ ،‬ك��ان فريق علمي خمتص‬
‫بعلوم البحار واحمليطات قد استخدم الغواصة‬
‫آلفني ‪ ،Alvin‬عام ‪ ،1977‬واكتشف أنواعاً من‬
‫الكائنات اليت حتيا يف ظالم دامس قرب ينابيع‬
‫مياه ح��ارة يف قاع احمليط‪ .‬وقد اعتربت هذه‬
‫الكائنات املنعزلة والبعيدة عن طاقة الشمس‬
‫جزءاً من سلسلة غذاء هرمية تقوم على بكرتيا‬
‫حتيا بدورها على استخالص طاقة كيميائية‬
‫من مركبات كربيتية تصعد من فوهات ينابيع‬

‫ح��ارة حتت امل��اء عند ق��اع احمليط‪ .‬وعلى‬
‫الرغم من هذه االكتشافات‪ ،‬فقد بقي العلماء‬
‫على شكوكهم يف أن امليكروبات ميكنها احلياة‬
‫يف صخور عميقة‪.‬‬
‫وال��ي��وم‪ ،‬ف��إن قلة ضئيلة فقط من العلماء‬
‫هي من يزعم أن ووبر قد أضاع وقته‪ .‬فربنامج‬
‫أحباث ووبر الذي بدأ منذ منتصف الثمانينيات‬
‫من القرن السابق‪ ،‬و وصلت نفقاته إىل ‪15‬‬
‫مليون دوالر يف ال��ع��ام‪ ،‬ق��د ك��دس جمموعة‬
‫رائعة ومثرية من امليكروبات حتت السطحية‬
‫من مواقع خمتلفة يف الواليات املتحدة‪ ،‬وهي‬
‫م��ا أث���ارت فضول جمموعات كثرية وخمتلفة‬
‫من العلماء‪ .‬ويقول ووبر‪( :‬مل يتسن يل مطلقاً‬
‫التكهن بسرعة ومدى تغري جمرى األحداث)‪.‬‬
‫هذا وقد بدأت مؤسسات وهيئات خمتلفة‬
‫مثل املعهد الوطين ألحباث السرطان‪ ،‬وشركات‬
‫تصنيع وتركيب األدوي��ة تلح بالطلب للكشف‬
‫على هذه املتعضيات ودراستها‪ ،‬إذ رمبا‬
‫أهنا تنتج مواد ميكن استخدامها يف صنع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪127‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أدوي��ة جديدة ب��دءاً من امل��ض��ادات احليوية‬
‫وانتهاء ب��أدوي��ة السرطان واإلي���دز‪ .‬كما تقوم‬
‫الشركات البرتوكيميائية واملؤسسات املختصة‬
‫بنظافة البيئة باختبار وفحص هذه امليكروبات‬
‫حديثة االكتشاف ملعرفة قدرهتا على حتليل‬
‫وتفكيك امللوثات السامة وبقع النفط الكبرية‬
‫املتسربة م��ن ن��اق�لات النفط‪ .‬كما أن وكالة‬
‫الفضاء األمريكية ناسا اهتمت باملوضوع؛ إذ أن‬
‫اكتشاف ميكروبات عميقاً حتت سطح األرض‬
‫ينطوي على إمكانية وج���ود أش��ك��ال حياتية‬
‫مشاهبة يف طبقات قشرة الكواكب ال�تي هلا‬
‫بيئات سطحية معادية للحياة‪.‬‬
‫وق��د أب��دى الكثري من زم�لاء ووب��ر يف بادئ‬
‫األم��ر شكوكهم باكتشافاته ألهنم اعتقدوا أن‬

‫‪128‬‬

‫هذه امليكروبات هي‪ ،‬يف واقع األمر‪ ،‬متعضيات‬
‫سطحية وصلت إىل قطع وعينات الصخور‬
‫املستخرجة ولوثتها عرضاًَ أثناء احلفر‪ .‬إال أهنم‬
‫سرعان ما تراجعوا عن ظنوهنم ليسلموا بنتائج‬
‫أحباث ووبر وفريقه‪ ،‬وذلك لصرامة إجراءات‬
‫منع التلوث اليت اختذوها‪.‬‬
‫وإلجن��از عملية استخراج ناجحة لصخرة‬
‫عميقة دون تلويثها‪ ،‬جيب على فريق البحث‬
‫اجل��م��ع ب�ين اس��ت��خ��دام بعض امل��ع��دات القوية‬
‫اخلاصة مبقالع احلجارة والصخور وإجراءات‬
‫العمل اجمل��ه��دة وال��ش��اق��ة يف غ��رف��ة التشغيل‬
‫والتحكم‪ .‬وع��ل��ى سبيل امل��ث��ال‪ ،‬فقد اضطر‬
‫الفريق للعمل بسرعة يف خمترب مؤقت أثناء‬
‫القيام بعمليات احلفر األخرية يف موقع باراشوت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫كريك وذل��ك للتمكن من ع��زل قطع الصخور‬
‫املستخرجة ومنعها من التلوث املمكن احلدوث‬
‫مبيكروبات السطح أو بأكسجني اهلواء‪ .‬ثم قام‬
‫فريدريك كولويل (عامل البيولوجيا الدقيقة من‬
‫خمترب اهلندسة الوطين بوالية إيداهو) بإدخال‬
‫جمموعة قطع ثقيلة من هذه الصخور يف ما‬
‫يشبه اخليمة البالستيكية امل��وض��وع��ة على‬
‫سطح طاولة‪ .‬كانت اخليمة مليئة بغاز األرغون‬
‫اخلامل‪ ،‬ألن األكسجني رمبا يقتل امليكروبات‬
‫حتت السطحية‪ ،‬كما يشرح كولويل‪ .‬ثم قام‬
‫ثالثة مساعدين مبد أيديهم املغطاة بأكمام‬
‫خ��اص��ة تنتهي ب��ق��ف��ازات متصلة باجلدران‬
‫الشفافة للخيمة البالستيكية‪ .‬ثم قطع العاملون‬
‫عينات الصخور إىل قطع مكتنزة تشبه شرائح‬
‫مسيكة من اخلبز املستدير بوساطة مكابس‬
‫هيدروليكية خ��اص��ة؛ وب��اس��ت��خ��دام املطارق‬
‫واألزاميل املعقمة اليت ميكن أن تكون قد تلوثت‬
‫ببكرتيا السطح يف أثناء احلفر قاموا بتشذيب‬
‫كل شرحية‪ ،‬ونزع القشرة اخلارجية لكل منها‪،‬‬
‫ثم فتتوا اجلزء الداخلي من العينة الصخرية‬
‫اليت توجد فيها امليكروبات املطلوبة‪ ،‬إىل قطع‬
‫حبجم كسرات اخلبز احملمصة‪ .‬وأخرياً قاموا‬
‫بتعبئة قطع احلجارة هذه يف أكياس بالستيكية‬
‫معقمة لشحنها بالربيد الليلي إىل باحثني آخرين‬
‫عرب البالد‪.‬‬
‫وللتأكد م��ن خلو العينات الصخرية من‬
‫امللوثات‪ ،‬ق��ام الباحثون بإضافة م��واد ملوثة‬
‫خاملة سهلة الكشف‪ ،‬مثل كربونات الفلور‬
‫وكريات ميكروسكوبية احلجم من عصارة حلاء‬
‫األشجار‪ .‬لقد صممت عناصر اإلستشفاف أو‬
‫متتبعات األثر الكيميائي هذه لتحاكي حركة‬
‫البكرتيا املوجودة يف أوحال احلفر‪.‬‬
‫وإذا مل تستطع امللوثات اليت تغمر السطوح‬
‫اخلارجية لقطع الصخور الدخول إىل باطنها‬
‫حيث حتيا البكترييا املنشودة‪ ،‬فيمكن االفرتاض‬

‫عندها‪ ،‬ولسبب معقول‪ ،‬أن البكترييا املوجودة يف‬
‫األوحال مل يتح هلا تلويث األجزاء الداخلية من‬
‫الصخور‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬إذا وجد الباحثون‬
‫بقايا أو آث���ار ملوثات م��ن امل���واد الكيميائية‬
‫املضافة (أي عناصر االستشفاف والتتبع) يف‬
‫داخ��ل صخرة استخرجت م��ن األع��م��اق‪ ،‬فلن‬
‫يستطيعوا استخدامها للدراسات البيولوجية‪.‬‬
‫وباستثناءات قليلة من بينها ع��دة حاالت‬
‫قام فيها فريق احلفر خبلط عينات الصخور‬
‫مع امللوثات االستشفافية فقط لإلبقاء على‬
‫نشاط وحيوية زمالئهم املشاركني والذين هم‬
‫على غ�ير دراي���ة ب��امل��وض��وع مل تظهر أي آثار‬
‫لعناصر االستشفاف يف أي من عينات الصخور‬
‫املستخرجة حديثاً‪ .‬لذا بدت امليكروبات‬
‫املكتشفة يف العينات وك��أهن��ا أعضاء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪129‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حقيقية وأصيلة يف الوسط الذي حتيا فيه‬
‫عميقاً حتت سطح األرض‪ .‬ويقول ديفيد بوون‬
‫(ع��امل البيولوجيا الدقيقة يف معهد خرجيي‬
‫أوريغن للعلوم والتكنولوجيا يف بورتالند)‪( :‬إن‬
‫من واجب العلماء أن يكونوا متشككني‪ .‬لكننا‬
‫حنن املشاركون يف هذا البحث صرنا واثقني‬
‫أن هذه العينات تقدم لنا متعضيات استخرجت‬
‫من دون أي تلوث)‪.‬‬
‫وح��ت��ى اآلن‪ ،‬ف��إن ال��دراس��ة الكاملة هلذه‬
‫امليكروبات احلية املستخرجة من أعماق األرض‬
‫مل جتر إال على جزء صغري من العينات‪ .‬لكن‬
‫الباحثني اكتشفوا يف وق��ت سابق ع��دة أنواع‬

‫‪130‬‬

‫جديدة متاماً بل وحتى عدة زمر من امليكروبات‪.‬‬
‫وكما يذكر جيم فريدريكسن (ع��امل األحياء‬
‫الدقيقة م��ن خمترب مش��ال غ��رب الباسيفيك‬
‫يف ريتشالند‪ ،‬واشنطن) فإنه ميكن تصنيف‬
‫امليكروبات حتت األرضية إمجاالً إىل صنفني‪:‬‬
‫ي��ع��رف األول ب��اس��م غ�يري ال��ت��غ��ذي العضوية‬
‫‪ ،heterotrophs‬والثاني باسم ذاتي التغذية‬
‫العضوية ‪ .lithotrophs‬حييا الصنف األول‬
‫بالتغذي على بقايا املواد العضوية الدفينة يف‬
‫الصخور الرسوبية‪ ،‬مثل املواد النباتية املتحللة‬
‫جزئياً‪ .‬ويبدو بعض أف��راد ه��ذا النوع وكأنه‬
‫قريب الصلة باملتعضيات الدقيقة املوجودة على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫سطح األرض‪.‬‬
‫وع��ل��ى النقيض م��ن احل��ي��اة على السطح‪،‬‬
‫ف��ال��ك��ث�ير م��ن امل��ي��ك��روب��ات حت��ت األرض���ي���ة ال‬
‫حتتاج إىل األكسجني كي حتيا‪ ،‬كما أن حركتها‬
‫حم��دودة ج��داً‪ ،‬فيما ينتقل بعضها اآلخ��ر من‬
‫مكان آلخر مع حركة املياه اجلوفية املتسربة‬
‫ع�بر م��س��ام��ات ال��ص��خ��ور ال��رس��وب��ي��ة‪ .‬وتنمو‬
‫متعضيات الصنف األول ببطء شديد‪ :‬إذ رمبا‬
‫تستغرق خالياها مئات السنني لتنقسم‪ ،‬فيما‬
‫تنقسم بعض ميكروبات السطح يف مدة بضعة‬
‫أيام أو ساعات‪ ،‬ويقول فريدريكسن أن كثافة‬
‫متعضيات هذا النوع غريي التغذية العضوية‬
‫مرتفعة بشكل مدهش إذا أخذنا بعني االعتبار‬
‫ن��درة امل��واد العضوية امل��وج��ودة يف التشققات‬
‫الصخرية على عمق أكثر من ميل حتت سطح‬
‫األرض‪.‬‬
‫وي��ق��ول فريدريكسن أن م��ا ق��د يكون أكثر‬
‫إثارة هو متعضيات الصنف الثاني ذاتي التغذية‬
‫العضوية‪ ،‬إذ ميكن أن تكون هذه امليكروبات‬
‫ه��ي أكثر املتعضيات املتكيفة ان��ت��ش��اراً حتت‬
‫سطح األرض‪ .‬ويوحي البحث أن تكون هذه‬
‫امليكروبات خمالفة‪ ،‬وبدرجة كبرية‪ ،‬ألي شكل‬
‫من أشكال احلياة على السطح‪ ،‬فهي حتيا بعيداً‬
‫عن الطاقة اجليوكيميائية وتتغذى باهليدروجني‬
‫املوجود يف التشكالت الصخرية العميقة‪ ،‬وإن‬
‫الشيء املعروف عن هذه املتعضيات قليل جداً‬
‫حتى اآلن‪ ،‬كما أن العلماء ليسوا بقادرين بعد‬
‫حتى على حتديد مصدر اهليدروجني الذي‬
‫حتلله هذه املتعضيات للحصول على حاجتها‬
‫م��ن ال��ط��اق��ة‪ .‬وي��ؤك��د بعض اجليولوجيني أن‬
‫هذا اهليدروجني يرتفع إىل األعلى من طبقة‬
‫املعطف اليت جتري فيها تفاعالت جيوكيميائية‬
‫مرتفعة احل��رارة‪ .‬فيما يعتقد آخ��رون أن هذا‬
‫اهليدروجني رمب��ا يكون نتاج تفاعل كيميائي‬
‫منخفض احل��رارة نسبياً وحيصل لدى متاس‬

‫املياه اجلوفية مع صخور شائعة مثل البازلت‪.‬‬
‫وفيما ن��رى بعض الباحثني يقوم بدراسة‬
‫الكيفية اليت تتمكن هبا هذه امليكروبات من البقاء‬
‫يف قيد احلياة‪ ،‬نرى باحثني آخرين حياولون‬
‫م��ع��رف��ة س��ب��ب وج��وده��ا عميقاً حت��ت سطح‬
‫األرض أصالً‪ :‬هل أهنا قامت بعملية هجرة من‬
‫السطح إىل األعماق؟ هل هي ورثة متعضيات‬
‫كانت قد عاشت ذات حني على السطح لكنها‬
‫دفنت يف مكاهنا ثم تكيفت واعتادت بطريقة ما‬
‫على احلياة حتت األرض؟ أم أن األعماق هي‬
‫مكان النشأة الذي بدأت حياهتا فيه؟‬
‫ل�لإج��اب��ة ع��ل��ى ه���ذه األس��ئ��ل��ة ق���ام باحثو‬
‫امل��ش��روع ب��دراس��ة عينات صخور م��ن أعماق‬
‫خمتلفة‪ .‬ويوضح أونستوت أن موقع باراشوت‬
‫كريك هو ذو تاريخ جيولوجي منوذجي لدراسة‬
‫ه��ذه املسألة‪ ،‬ويذكر أن معبَراً حبرياً هائالً‬
‫كان يوجد أثناء العصر الطباشريي الذي امتد‬
‫منذ ‪ 145‬إىل ‪ 65‬مليون سنة قبل اآلن‪ .‬وقد‬
‫امتد هذا املعرب الذي يدعى بـ حميط العصر‬
‫الطباشريي من احمليط املتجمد الشمايل إىل‬
‫خليج املكسيك‪ ،‬وك��ان موقع ب��اراش��وت كريك‬
‫يقع ذات حني قرب الساحل الغربي هلذا املعرب‬
‫حيث كان يصب أحد األهنار هناك يف منطقة‬
‫دلتا واسعة على الساحل‪ .‬لقد محلت تيارات‬
‫النهر كميات كبرية من الطمي والرمال الدقيقة‬
‫الناعمة املشبعة باملواد العضوية لتستقر عند‬
‫منطقة مصبات الدلتا اهل��ادئ��ة‪ ،‬لتنمو بذلك‬
‫سلسلة من الطبقات الرسوبية‪ .‬ومع قرب انتهاء‬
‫العصر الطباشريي‪ ،‬بدأت سالسل من اجلبال‬
‫بالنهوض واالرتفاع قرب موقع الدلتا لتفصل‬
‫بذلك املعرب البحري الضخم عما يعرف اليوم‬
‫بـ ح��وض بيسنس‪ .‬كما ب��دأت سلسلة جديدة‬
‫من الطبقات بالتكوم على قمم الطمي والرمل‪.‬‬
‫وبسبب تعرضها للضغوط العالية الناجتة‬
‫عن املواد املتساقطة عليها‪ ،‬فقد ضغطت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪131‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ترسبات الدلتا هذه وحشرت يف جتمعات‬
‫من األحجار الرملية والطفل الصفحي‪ .3‬ويدعو‬
‫اجليولوجيون اليوم هذه الصخور باسم تكوين‬
‫ميسافريد ‪ .Mesaverde Formation‬ومنذ‬
‫‪ 40‬مليون سنة تقريباً تعرضت منطقة تكوين‬
‫ميسافريد ال�تي دف��ن��ت حت��ت غ��ط��اء صخري‬
‫ثخانته ‪ 6000‬قدم (‪ 1,830‬مرت) حلرارة الهبة‬
‫بلغت ‪ 140‬درج��ة مئوية‪ .‬ويقول أونستوت إن‬
‫العلماء يعتقدون أن ه��ذه احل���رارة ق��د أفنت‬
‫أي شكل للحياة داخ��ل الصخور‪ .‬ث��م هنضت‬
‫املنطقة بكاملها‪ ،‬قبل ‪ 5‬إىل ‪ 10‬ماليني سنة‪،‬‬
‫لتشكل ما يعرف اليوم باسم هضبة كولورادو‬
‫‪ ،Colorado Plateau‬ولتبرتد بذلك منطقة‬
‫تكوين ميسافريد إىل درجة تسمح معها للحياة‬
‫بالنشوء مرة أخرى‪ .‬ويعتقد بعض اجليولوجيني‬
‫أن موقع ميسافريد بقي قحالً حتى ذلك احلني‪.‬‬
‫لذا يأمل أونستوت وزمالؤه باستخدام عينات‬
‫الصخور املستحصلة من هذا التكوين املنعزل‬
‫لقياس السرعة اليت تتحرك هبا امليكروبات يف‬
‫الصخور العميقة‪.‬‬
‫إن هذه املعلومات هامة للغاية ألهنا ستساعد‬
‫يف تعريف العلماء بسبب وجود امليكروبات يف‬
‫أعماق كهذه‪ .‬إن العينة الصخرية املستخرجة‬
‫م��ن موقع ب��اراش��وت كريك خت�ترق طبقة من‬
‫األح��ج��ار الرملية يف تكوين ميسافريد واليت‬
‫تنحشر بدورها بني طبقات الطفل الصفحي‬
‫الكثيف‪ .‬وإذا ما وجد الباحثون متعضيات حية‬
‫يف طبقة األح��ج��ار الرملية‪ ،‬فإهنم سيعلمون‬
‫حينها أن ه��ذه املتعضيات وصلت إىل هناك‬
‫منذ أن كانت الصخور عقيمة (دون أي حياة‬
‫فيها) قبل ماليني السنني‪ .‬إن هذا سيعين أن‬
‫امليكروبات رمبا هاجرت من منطقة السطح‬
‫إىل مناطق األعماق بشيء من السرعة قياساً‬
‫إىل الزمن اجليولوجي ثم دخلت عرب تشققات‬
‫الطفل الصفحي؛ كما سيوحي ذلك أيضاً أن‬

‫‪132‬‬

‫االنتقال السريع للميكروبات من السطح إىل‬
‫األعماق هو أحد التفسريات احملتملة لوجودها‬
‫عميقاً يف قشرة األرض‪.‬‬
‫وم���ن ج��ه��ة أخ�����رى‪ ،‬إذا مل جي���د العلماء‬
‫ميكروبات يف طبقة األحجار الرملية يف موقع‬
‫تكوين ميسافريد‪ ،‬فإن هذا سيعين أن امليكروبات‬
‫مل تصبح قادرة بعد على االنتقال إىل األسفل‬
‫منذ وقت بعيد هو زمن إجداب طبقة الصخور‬
‫هذه‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فإن امليكروبات ال تنتقل‬
‫بسرعة كبرية‪ ،‬وهذا ما سيدعم الفكرة القائلة‬
‫أن امليكروبات املكتشفة حديثاً هي يف الواقع‬
‫قدمية ج��داً‪ ،‬وأهن��ا ذري��ة متعضيات سطحية‬
‫دف��ن��ت م��ك��اهن��ا ب�تراك��م ال��رس��وب��ي��ات فوقها‪.‬‬
‫وبالطبع‪ ،‬ستكون هناك فسحة الحتمال أن‬
‫تكون امليكروبات قد نشأت حتت األرض‪.‬‬
‫ه��ذا ويبحث البيولوجيون أيضاً يف كيفية‬
‫وصول امليكروبات إىل األعماق‪ .‬وللحصول على‬
‫بعض األجوبة فهم يقومون باستخدام التقنيات‬
‫الوراثية لدراسة العالقات بني املتعضيات حتت‬
‫األرضية وميكروبات السطح‪ .‬لقد أخذ هذا‬
‫العمل جيرب العلماء على إعادة النظر يف أفكارهم‬
‫حول نوع العصيات الذي يعرف باسم عصيات‬
‫الباسيل ‪ .Bacillus‬لقد عرفت هذه العصيات‬
‫على الدوام بأهنا ميكروبات تشبه العصا شكالً‬
‫وتنشط يف ظروف يوجد فيها األكسجني‪ .‬لكن‬
‫بوون يذكر اآلن أنه قد اكتشف عالقة وراثية‬
‫بني عصيات الباسيل السطحية وميكروب من‬
‫األعماق أطلق عليه اس��م باسيلوس إنفرينس‬
‫‪ ،Bacillus infernus‬أوعصية جهنم‪ ،‬وقد‬
‫تسممت يف الواقع بسبب األكسجني‪.‬‬
‫ويقول بوون إن البنية الوراثية هلذا امليكروب‬
‫تشري إىل أهن��ا تنتمي إىل نفس ن��وع عصيات‬
‫السطح رغ��م كوهنا حتيا دون أكسجني وهو‬
‫العنصر الذي يعتقد أنه الزم بالضرورة جلميع‬
‫أن��واع عصيات الباسيل‪ .‬هل ميكن أن تكون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫عصية جهنم ه��ذه مستحاثة حية‪ ،‬أو نسيب‬
‫بعيد الصلة لعصيات الباسيل املستوطنة‬
‫للسطح واليت انتقلت إىل األعماق ثم تطورت‬
‫وتكيفت لتحيا دون أكسجني؟ يقول ب��وون إنه‬
‫من املبكر جداً البت يف هذا املوضوع‪ .‬بيد أن‬
‫البيولوجيني حياولون جاهدين حتديد العالقة‬
‫بني متعضيات األعماق كعصية جهنم والبكترييا‬
‫القاطنة للسطح‪.‬‬

‫وم��ن أج��ل دراس���ة شجرة عائلة البكترييا‪،‬‬
‫ق��ام��ت س���ان���درا ب����اور (م���ن م��ع��ه��د رينسلري‬
‫البولوتكنيكي يف مدينة تروي بوالية نيويورك)‬
‫مبقارنة البنية الوراثية مليكروبات قريبة الصلة‬
‫ببعضها أخذت من أعماق خمتلفة حتت سطح‬
‫األرض‪ .‬ف��إذا وج��دت أن ميكروبات املناطق‬
‫األعمق تشرتك يف معظم أوجه التشابه‬
‫يف بنيتها الوراثية‪ ،‬وأن امليكروبات القريبة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪133‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من السطح خمتلفة متاماً عن بعضها‪ ،‬عندها‬
‫رمب��ا تكون ق��ادرة على االستنتاج أن أسالف‬
‫كلتا اجملموعتني ب��دأت حياهتا حتت السطح‪،‬‬
‫وأن بعضها هاجر منتقالً إىل السطح ومنجزاً‬
‫عملية تطورية على طول الطريق‪ .‬وتقول باور‬
‫إن هذا هو ما أظهرته النتائج األولية من بعض‬
‫مواقع احلفر عرب الواليات املتحدة حتى اآلن‪.‬‬
‫غري أن هذه النتائج مل تثبت بعد أن احلياة ذاهتا‬
‫كانت قد نشأت عميقاً حتت األرض‪ .‬ويقول تود‬
‫ستيفنز (من خمترب مشال غرب الباسيفيك)‪:‬‬
‫«إن حماولة إثبات أي شيء يتعلق حبوادث جرت‬
‫منذ ‪ 4‬باليني سنة هلو أمر بالغ الصعوبة‪ ،‬وذلك‬
‫لغياب الكثري من األدلة املناسبة»‪.‬‬
‫ويذكر ستيفنز الذي كان يدرس يف خمتربه‬
‫م��ي��ك��روب��ات ال��ص��خ��ور ال�برك��ان��ي��ة العميقة يف‬
‫منطقة هن��ر كولومبيا أن سطح األرض كان‬
‫جمافياً للحياة طوال مئات ماليني السنني يف‬
‫مرحلة طفولة الكوكب‪ .‬ويعتقد اجليولوجيون أن‬
‫النيازك اليت قصفت األرض قدمياً رمبا أحدثت‬
‫حباراً من محم غطت سطح األرض‪ ،‬ورمبا أبقت‬
‫هذه االرتطامات سطح األرض عقيماً مرة بعد‬
‫أخ��رى إىل ما قبل ‪ 3.8‬باليني سنة تقريباً‪.‬‬
‫وعلى النقيض من ذلك‪ ،‬فإن بيئة األعماق رمبا‬
‫كانت حاضنة للحياة رغم حرارهتا املرتفعة‪.‬‬
‫ويقول ستيفنز أيضاً أن الوسط العميق حتت‬
‫األرض هو (مكان حمتمل جداً لنشوء احلياة)‪.‬‬
‫ومنذ سنوات قليلة تقدم توماس غولد بافرتاض‬
‫أن تكون احلياة قد بدأت حتت سطح األرض ثم‬
‫انتقلت لألعلى مع ازدياد قابلية السطح للحياة‪،‬‬
‫ويقول أيضاً أن هذه امليكروبات البدائية رمبا‬
‫استحصلت على حاجتها من الطاقة من مواد‬
‫كيميائية توجد يف باطن األرض متاماً كما يفعل‬
‫الكثري من أشكال احلياة امل��وج��ودة اآلن حتت‬
‫األرض ثم طورت الحقاً مقدرهتا على الرتكيب‬
‫الضوئي للطاقة من ضوء الشمس بعد وصوهلا‬

‫‪134‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫إىل السطح‪ .‬ويقول بعض العلماء من طاقم‬
‫برنامج احلفر التابع إلدارة الطاقة األمريكية‬
‫أن نظريات غولد ميكن اعتبارها أكثر بقليل من‬
‫جمرد تصورات‪ .‬ولدعم أفكاره‪ ،‬يشري غولد إىل‬
‫أن امليكروبات املوجودة اليوم حتت األرض تشبه‬
‫وعلى حنو صارخ جمموعة من بكترييا السطح‬
‫تعرف باسم البكترييا األول��ي��ة عدمية النواة‬
‫(اآلركيا) ‪ .Archaebacteria‬وتضم أعضاء‬
‫من هذه اجملموعة أشكال احلياة األكثر بدائية‬
‫املوجودة اليوم‪ ،‬ويعتقد عموماً أهنا قريبة النسب‬
‫ألشكال احلياة املبكرة‪ .‬وتوجد بكترييا اآلركيا‬
‫البدائية هذه يف أوس��اط غري صاحلة للحياة‬
‫كبيئة ميكروبات األعماق أماكن مثل الينابيع‬
‫احل��ارة وب��رك املياه شديدة امللوحة واألوحال‬
‫الطينية ال�ت�ي ينقصها األك��س��ج�ين‪ .‬ويقوم‬
‫الكثري منها بتحليل املواد الكيميائية للحصول‬
‫على الطاقة‪ ،‬كما أن الكثري منها أيضاً هو من‬
‫املتعضيات احملبة للحرارة ‪thermophilic‬‬
‫اليت توجد حيث توجد احلرارة‪ .‬ويف واقع األمر‪،‬‬
‫فهي حتيا‪ ،‬مثل ميكروبات األعماق‪ ،‬يف أوساط‬
‫تبلغ حرارهتا بني ‪ 80‬و ‪ 90‬درجة مئوية‪ .‬ويقول‬
‫غولد أن أوجه الشبه بني ميكروبات األعماق‬
‫والبكترييا البدائية تقدم دل��ي�لاً حم�يراً على‬

‫إمكانية كون كال الصنفني يتحدران مباشرة من‬
‫املتعضيات البدائية احملبة للحرارة اليت عاشت‬
‫حتت سطح األرض‪ .‬ت��رى‪ ،‬هل تكون بكترييا‬
‫اآلركيا هي الذرية احلية لبعض أوائل املتعضيات‬
‫اليت شقت طريقها إىل السطح من املكان الذي‬
‫ولدت فيه عميقاً حتت األرض؟ وهل ميكن أن‬
‫تكون بعض ميكروبات األعماق احلالية هي يف‬
‫واقع األمر مستحاثات حية ملتعضيات مل تغادر‬
‫موطنها األصلي ألي سبب؟ يقول غولد أن هذا‬
‫احتمال واضح جبالء‪.‬‬
‫ويف الوقت الذي يستمر فيه علماء األحياء‬
‫الدقيقة يف أحباثهم ونظرياهتم حول هذه املسائل‬
‫األساسية‪ ،‬يتواصل البحث عن احلياة عميقاً‬
‫حتت سطح األرض‪ .‬وباإلضافة إىل برنامج‬
‫إدارة الطاقة األمريكية‪ ،‬فقد أورد الباحثون يف‬
‫جامعة بريستول يف إنكلرتا اكتشاف ميكروبات‬
‫حتت ق��اع احمليط‪ .‬كما استحصل علماء من‬
‫السويد على بكترييا م��ن أع��م��اق زادت على‬
‫‪ 12000‬قدم يف صخور غرانيتية‪ .‬إن مثل هذه‬
‫اجلهود الدولية تشكل جمرد بداية لفك لغز‬
‫احلياة حتت سطح األرض‪ .‬ويقول أونستوت‪:‬‬
‫(ما زال أمامنا الكثري والكثري من األسئلة تنظر‬
‫إجابة)‪.‬‬

‫اهلوامش‬
‫التوليووين ‪ :toluene‬سائل ال لون له‪ ،‬يشبه البنزين‪ ،‬ويستخرج من قطران الفحم‬
‫وغريه‪ .‬يستخدم كمذيب ويف صنع املتفجرات واألصباغ‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫الزايلني ‪ :xylene‬واحد من ‪ 3‬مركبات هيدروكربونية متجازئة‪ ،‬تستخرج من قطران‬
‫الفحم‪ ،‬وتستخدم يف صناعة األصباغ‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫الطفل الصفحي‪ :‬صخر مكون من طني أو صلصال‪ .‬يتميز بسهولة انفالقه إىل طبقات‪.‬‬
‫(املرتجم)‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪135‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كيف تعيش الحيوانات‬
‫يزن خضور‬

‫توجد ثالث جمموعات رئيسية يف مملكة احليوانات‪:‬‬
‫احليوانات العواشب ‪ ،‬آكلة األعشاب ‪ ،‬اليت تعتمد‬
‫على النبات لغذائها ‪ ،‬واجملموعة آكلة اللحوم ‪،‬‬
‫واللواحم وهي اليت تفرتس غريها من احليوانات ‪ ،‬ثم اجملموعة‬
‫الثالثة ‪ ،‬اليت تأكل اللحوم والنباتات ‪ .‬طبعاً توجد جمموعات‬
‫أصغر ضمن هذه اجملموعات ‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫العواشب ‪:‬‬
‫ب�ين العواشب توجد أن���واع م��ن احليوانات‬
‫ترعى احلشيش واألعشاب اليت تنبت على سطح‬
‫األرض‪ .‬وبعض أنواع الالفقاريات كالرخويات‬
‫و(البزاق) فإهنا تعيش على الطحالب وغري ذلك‬
‫من امل��واد النباتية‪ .‬وأن��واع املاشية املرعوفة‪،‬‬
‫كالغنم والبقر واخليول‪ ،‬من احليوانات الراعية‪،‬‬
‫وكذلك حيوانات برية مثل الغزالن‪ ،‬واجلواميس‪،‬‬
‫ومحار الزرد الوحشي‪ .‬ومثة أنواع أخرى تقتات‬
‫بأوراق الشجر واألغصان الطرية والثمار‪ ،‬ومن‬
‫مجلتها الزرافة والفيل واملاعز ودب (الباندا)‪.‬‬
‫وختتلف أنواع األسنان لدى كل نوع‪ .‬فاألعشاب‬
‫قاسية وغالباً ما تكون مغربة أو عليها رمل‪،‬‬
‫لذلك حيتاج احليوان إىل مضغها جيداً‪ ،‬وهكذا‬
‫فإن أسنان احليوانات الراعية لألعشاب طويلة‬
‫تتحمل طول االستعمال‪ ،‬بينما آكلة أوراق الشجر‬
‫والثمال أسناهنا أقصر‪.‬‬
‫اللواحم ‪:‬‬
‫آكالت اللحوم تفرتس مجيع أنواع احليوانات‬
‫األخ��رى تقريباً‪ ،‬وتضم هذه اجملموعة أنواعاً‬
‫متعددة من احليوانات ت�تراوح بني خملوقات‬
‫ميكروسكوبية صغرية وبني خملوقات ماهرة‬
‫بالصيد مثل القرش والنسر واألسد‪.‬‬

‫لذلك أساليب خمتلفة للفوز بفريستها وهذه‬
‫األساليب تتغري بتغري طريقة الفريسة بالدفاع‬
‫عن نفسها‪ .‬وكثري من اللواحم الصيادة تعتمد‬
‫على التخمني يف حبثها عن الطعام‪ ،‬فهي تتوقع‬
‫أن جتد ما تفرتسه يف مكان ما‪ ،‬وتعتمد على‬
‫حواسها إلجياد الفريسة‪ .‬بعض الطيور املائية‬
‫تفتش يف ال��وح��ل‪ ،‬يف امل��ي��اه الضحلة‪ ،‬عليها‬
‫حتظى ببعض الديدان أو احليوانات األخرى‬
‫الصغرية‪ .‬و (الراكون) ميد يديه حتت املاء حبثاً‬
‫عن أنواع من األمس��اك‪ .‬ومثة حيوانات أخرى‬
‫تتبع آثار فريستها‪ .‬هبدوء وحذر إىل أن تصبح‬
‫على مسافة تستطيع هبا االنقضاض عليها‪.‬‬
‫فالقطط الضخمة‪ ،‬كاألسد والفهد تدب زاحفة‬
‫هبدوء وبطء‪ ،‬خافية جسمها بني األعشاب حتى‬
‫تصبح ق��رب الفريسة‪ .‬والصقر يتوقف عن‬
‫احلركة يف اجلو حتى تتحول عيون فريسته عنه‬
‫فينقض عليها‪ .‬والكمني هو األسلوب الشائع‬
‫لدى احليوانات الصيادة‪،‬‬
‫فهي ختتبئ بال حركة‬
‫حل���ي���ن اق����ت����راب‬
‫فريستها‬

‫م����ن����ه����ا‪.‬‬
‫احليوانات الصيادة ‪:‬‬
‫كثري من اللواحم تتقن فن االصطياد وتستعمل وكثري‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪137‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫م��ن احل��ي��وان��ات ال�ت�ي تتبع ه���ذا األسلوب‬
‫حتسن التمويه لكيال تظهر‪ .‬فبعض العناكب‬
‫يصبح لوهنا مثل لون األغصان اليت ختتبئ فيها‬
‫بانتظار احلشرة الغافلة‪.‬‬
‫احل��ي��وان��ات ال�تي تتغذى باللحوم‬
‫وبالنباتات ‪:‬‬
‫ه��ن��اك بعض األن����واع ت��أك��ل م��ا يتيسر هلا‬
‫من غ��ذاء‪ ،‬من اللحوم أو األعشاب أو النبات‪.‬‬
‫فالالفقاريات مثل مسك النجمة تقتات ببقايا‬
‫مواد عضوية خمتلفة الرتكيب‪.‬‬
‫التوازن يف الطبيعة ‪:‬‬
‫ه��ن��اك ع��وام��ل م��ت��ع��ددة ت��ك��ون ال��ت��وازن يف‬
‫الطبيعة‪ ،‬فكل أشكال احلياة تعتمد على املاء‬
‫واهل��واء واملعادن‪ ،‬وهي ليست م��واد حية‪ ،‬كما‬
‫تعتمد على األمور احلية األخرى املوجودة يف‬
‫البيئة‪.‬‬
‫سلسلة الغذاء ‪:‬‬
‫النباتات كاحلشيش مثالً هي غذاء العواشب‬
‫مثل محار الزرد‪ .‬الذي هو بدوره غذاء للواحم‬
‫مثل األسد وهذه الصلة بني احليوانات نسميها‬
‫(سلسلة الغذاء)‪.‬‬
‫اإلشرتاك الغذائي ‪:‬‬
‫هناك أن��واع عديدة تشرتك بسلسلة غذاء‬
‫أو أكثر‪ .‬فاحلشيش هو غذاء أنواع خمتلفة من‬
‫العواشب الراعية‪ ،‬وكل نوع من هذه العواشب‬
‫فريسة لنوع واح��د أو أكثر من اللواحم‪ ،‬هذه‬
‫الصالت املعقدة من سالسل الغذاء نسميها‬
‫اإلشرتاك الغذائي‪.‬‬
‫الطفيليات واملشاركة ‪:‬‬
‫ً‬
‫تعيش احليوانات عادة معا بشكل عائالت‬
‫منفصلة‪ ،‬أو كمجموعات‪ ،‬مثل قطعان الغزالن‬

‫‪138‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫أو أس��راب السنونو أو أف��واج السمك‪ .‬وأحياناً‬
‫ي��ك��ون ه��ن��اك ش��راك��ة ب�ين حيوانني خمتلفني‪.‬‬
‫وأسباب قيام هذه الشراكة كثرية‪ ،‬إال أهنا تكون‬
‫دوما لفائدة اإلثنني‪ .‬مثالً‪ ،‬شقار البحر يلتصق‬
‫أحيانا بالسلطعون الناسك‪ ،‬فيكون يف ذلك‬
‫محاية للسلطعون ويقتات شقار البحر بفضالت‬
‫طعام السلطعون (سرطان البحر)‪ .‬ويف املناطق‬
‫اإلستوائية جتثم أنواع عديدة من الطيور على‬
‫ظهر حيوانات ضخمة مثل اجلواميس والزرافات‬
‫والغزالن‪ .‬فتأكل الطيور وتساعد على تنظيف‬
‫احليوان‪ .‬ومثة طيور أخرى جتد طعامها داخل‬
‫فم التمساح املفتوح‪ ،‬فتدخل وتقتات ما جتد‬
‫بني األسنان من ديدان وبقايا طعام‪ .‬ولقاء ذلك‬
‫تتوىل ه��ذه الطيور إن��ذار التمساح إذا اقرتب‬
‫خطر ما‪.‬‬

‫داخل معدهتا‪ .‬ومهمة هذه احليوانات حيوية‬
‫للبقر‪ ،‬ألهنا تسبب احنالل السليلوز‪ ،‬الذي حيدث‬
‫يف النبات‪ .‬والبقرة ال تستطيع أن تفعل ذلك‬
‫بنفسها‪ ،‬بل تعتمد يف ذلك على هذه احليوانات‬
‫الصغرية لتليني األع��ش��اب يف جوفها عندما‬
‫تبتلعها‪ .‬وبعد مرور وقت تعود البقرة فتخرج‬
‫هذا الطعام وجترته‪ ،‬أي متضغه جيداً وتبتلعه‬
‫هنائياً‪ .‬هبذه الطريقة ميكن للحيوان‪ ،‬خصوصاً‬
‫اجمل�تر‪ ،‬أن حيصل على الفوائد القصوى من‬
‫الطعام‪ .‬وهناك نوع آخر من الشراكة حيصل‬
‫لدى احليوان البحري البسيط‪ ،‬اهليدرا‪ ،‬ذي‬
‫الشعاب الكثرية مثل الشعر‪ .‬فهذا احليوان يتيح‬
‫ألن��واع دقيقة من الطحالب بأن تعيش داخل‬
‫أنسجته‪ ،‬فيؤمن هلا املسكن‪ ،‬والطحالب هذه‬
‫تؤمن له األكسجني‪.‬‬

‫الشراكة الكافلية ‪:‬‬
‫يف بعض األحيان تكون الشراكة وثيقة جداً‬
‫حبيث ال ميكن ألح��د الشريكني البقاء بدون‬
‫اآلخر‪ ،‬وهذا ما ندعوه (الكافل)‪ .‬فاألشنة مكونة‬
‫من نبتتني متالمحتني‪ ،‬الطحلب والطفيلية‪.‬‬
‫فالطحلب األخضر يصنع الغذاء‪ ،‬والطفيلية‬
‫تتوالد‪ .‬لذلك كثرياً ما جند األشنة تعيش على‬
‫الصخور اجلرداء وحجارة املدافن‪ .‬واحليوانات‬
‫اجملرتة‪ ،‬مثل البقر‪ ،‬تعيش حيوانات صغرية جداً‬

‫الطفيليات ‪:‬‬
‫يف األن���واع األخ���رى م��ن ال��ش��راك��ة تنحصر‬
‫الفائدة يف واح��د من الشريكني دون اآلخر‪،‬‬
‫إذ يعيش الطفيلي على حساب شريكه اآلخر‪،‬‬
‫كثري من الديدان تعيش داخل أجسام احليوانات‬
‫وتتغذى م��ن طعامها‪ .‬وال�براغ��ي��ث تعيش من‬
‫امتصاص دم حيوانات أخ���رى‪ ،‬وبعض أنواع‬
‫ال��ض��ف��ادع وحتى نباتات أخ��رى تعيش‬
‫ع��ال��ة ع��ل��ى أن����واع م��ن ال��ش��ج��ر‪ .‬ويظل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪139‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الوضع مقبوالً طاملا أن عدد الطفيليات اليت‬
‫تعيش على جسم ما ال يزيد على معدل معني‪.‬‬
‫أما إذا زاد العدد أو دخلت هذه الطفيليات على‬
‫اجلسم الغلط فقد ينتج عن ذلك مرض اجلسم‬
‫املضيف أو حتى املوت أحياناً‪ .‬فاجلراثيم اليت‬
‫ينقلها البعوض أو اجلرذان أو الرباغيث قد تكون‬
‫مميتة‪ ،‬إال أن البعوض أو الرباغيث ال تصاب‬
‫ب��أذى‪ .‬وق��د تقضي طفيلية ما عمراً بطوله‬
‫داخل جسم مضيف‪ ،‬وهي عادة بدون قوائم‪،‬‬
‫فتتعلق بكالباهتا أو فمها وتعيش عمرها تأكل‬
‫وتبيض‪ .‬وكثري من احلشرات الطفيلية تعيش‬
‫هبذه الطريقة‪.‬‬
‫أكثر من جسم (مضيف) واحد ‪:‬‬
‫ق��د ي��ك��ون ه��ن��اك أك��ث��ر م��ن مضيف واحد‬
‫لبعض الطفيليات‪ .‬الدودة الوحيدة مثالً داخل‬
‫جسم اإلنسان قد تضع بيوضاً‪ ،‬وهذه خترج‬
‫من اجلسم‪ ،‬وقد حيدث أن ختتلط إحدى هذه‬
‫البيوض بطعام أحد اخلنازير فيبتلعها‪ ،‬وتتحول‬
‫إىل يرقانة تنمو ضمن حل��م اخلنزير‪.‬‬
‫وب��ع��د م��دة ق��د ي��ذب��ح اخل��ن��زي��ر ويصبح‬
‫طعاماً إلنسان آخر يأكله ويصبح بدوره‬
‫مضيفاً ل��دودة متأتية من اخلنزير‪.‬‬
‫وهكذا دواليك !‪.‬‬
‫أم��ا ال��ي��وم فقليلون ه��م البشر‬
‫الذين يعانون من الدودة الوحيدة‪،‬‬

‫‪140‬‬

‫والسبب يف ذلك هو وجود املراحيض الصحية‬
‫والعناية بالنظافة ال�تي متارسها السلطات‬
‫وال��ت��أك��د م��ن س�لام��ة ال��ل��ح��وم ال�ت�ي ت��ب��اع يف‬
‫األسواق‪ .‬ودود الكبد له مضيفان كذلك ‪ :‬فهو‬
‫يستدف كبد اخل���روف حيث يضع بيوضه‪.‬‬
‫فكلما خرجت بيضة من جسم اخلروف تتحول‬
‫إىل يرقانة ساحبة تدخل جسم أي‪  ‬بزاقة‪.‬‬
‫وهناك متر يف عدة أطوار من التحول قبل أن‬
‫ترتك البزاقة وتتسلق على ساق عشبة‪ ،‬وتكوّن‬
‫لنفسها غطاء مسيكاً‪ .‬وتظل إىل أن يقيض هلا‬
‫خروف آخر يأكل العشبة فتعود وتدخل كبده !‬
‫والطريقة املثالية إلبادة هذه الدودة هو بإبادة‬
‫البزاقات‪ ،‬وكذلك مبنع اخلراف من الرعي يف‬
‫املراعي املبللة‪.‬‬
‫طري الوقواق ‪:‬‬
‫بني الطيور هذا النوع يتصرف بطريقة‬
‫طفيلية‪ ،‬فأنثى الوقواق تفتش عن‬
‫ع��ش فيه ب��ي��وض ط�ير آخر‪.‬‬
‫وع��ن��د غ��ي��اب أصحابه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫حت��ط األن��ث��ى يف العش وتبيض بيضة واحدة نسميها شبكية العني‪.‬‬
‫تضعها مكان بيضة يف العش‪ .‬ومع الوقت يصبح‬
‫السمع ‪:‬‬
‫العش كله ملكاً لفرخ الوقواق‪ ،‬ألنه يكون قد توىل‬
‫حاسة السمع هلا نفس أمهية حاسة النظر‬
‫دحرجة باقي البيوض من العش‪ ،‬وحتى الصغار‬
‫إذا كانت قد فقست‪ .‬ومع أن فرخ الوقواق أكرب بالنسبة لغالبية احليوانات‪ .‬فهي تساعدها ليس‬
‫حجماً من (والديه) بالرتبية‪ ،‬إال أهنما يوظبان فقط على إدراك أن شيئاً ما يقرتب منها‪ ،‬بل‬
‫كذلك على تقدير سرعته ورمبا أيضاً حجمه‪.‬‬
‫على إطعامه كأنه خليفتهما احلقيقي‪.‬‬
‫وك��ل وال���د ل��ل��وق��واق خي��ت��ار ال��ن��وع ذات���ه من‬
‫األذنان ‪:‬‬
‫األعشاش لبيضته‪ ،‬مثالً عش ال��دوري أو (أبو‬
‫احلناء) أو (املغين) واألدهش من ذلك أن بيضة‬
‫وأداة السمع هي األذن‪ ،‬وهي عبارة عن طية‬
‫الوقواق تكون ع��ادة مشاهبة باللون والعالمات جلدية على جانب الرأس‪ ،‬غالبية احليوانات هلا‬
‫أذنان‪ ،‬واحدة على كل جهة‪ ،‬ويساعدها هذا على‬
‫للبيوض األخرى يف العش‪.‬‬
‫متييز املكان الذي يصدر عنه الصوت‪ ،‬والطيات‬
‫(األذن اخلارجية) توصل األص��وات اليت تصل‬
‫احلواس ‪:‬‬
‫تطورت حواس احليوانات حبيث تتناسب مع بشكل ذبذبات يف اهلواء واملاء حيث تصدم طبلة‬
‫طرقها املعيشية‪ .‬فأحياناً تؤثر طريقة احليوان األذن ووراء الطبلة توجد فجوة األذن الوسطى‪،‬‬
‫يف املعيشة على إح��دى احل��واس تأثرياً خاصاً حيث ت��رس��ل ال��ذب��ذب��ات بواسطة ص��ف��وف من‬
‫فتتطور ه��ذه احل��اس��ة على ح��س��اب احلواس العظام الصغرية إىل األذن الداخلية‪ .‬ومن غشاء‬
‫األذن الداخلية ترسل ال��ذب��ذب��ات إىل الفجوة‬
‫األخرى‪.‬‬
‫اللولبية إىل القسم املسمى (القوقعة) حيث تتوىل‬
‫النظر ‪:‬‬
‫خاليا األعصاب توصيل اإلشارات إىل الدماغ‪.‬‬
‫النظر هو إحدى أهم احلواس لدى احليوانات‪ .‬وغالباً ما يكون العميان أكثر إحساساً بالفرق‬
‫وه��ن��اك أن���واع ع��دي��دة م��ن ال��ع��ي��ون‪ ،‬اب��ت��داء من يف األصوات من األشخاص ذوي النظر السليم‪.‬‬
‫اخلاليا اليت تتأثر بالنور لدى بعض الالفقاريات فالعميان كثرياً ما يستعملون الصدى ملعرفة‬
‫إىل ع��ي��ون ال��ف��ق��اري��ات دق��ي��ق��ة اإلختصاص‪ .‬بعدهم عن شيء ما‪.‬‬
‫فالعيون البسيطة جعلت فقط لتمييز درجة‬
‫النور والتغريات اليت تطرأ عليها‪ ،‬بينما العيون‬
‫اللمس والتذوق والشم ‪:‬‬
‫ً‬
‫مجيع احل��ي��وان��ات تقريبا حت��س باللمس‪،‬‬
‫املتطورة تستطيع متييز األشكال ثالثية األبعاد‪،‬‬
‫وأحياناً األل��وان‪ .‬والنظر يساعد احليوان على وبعض املخلوقات البدائية‪ ،‬مثل األمبيا‪ ،‬تكتفي‬
‫بأن تبتعد‪ .‬أما احليوانات األكثرية تطوراً فإن‬
‫رؤية مصدر غذائه وكذلك جتنب أعدائه‪.‬‬
‫عني الفقاريات أداة دقيقة الرتكيب معقدة‪ ،‬ردود فعلها ختتلف باختالف فهمها هلذا اللمس‪.‬‬
‫هلا نافذة شفافة ندعوها القرنية‪ .‬ومير الضوء وحاستا ال��ذوق والشم تتقاربان متاماً‪ ،‬وجمال‬
‫عرب هذه إىل العدسة‪ ،‬حيث تضبط كمية الضوء التذوق خباليا الذوق على اللسان حمدود جداً‪،‬‬
‫املسموح له بالوصول إىل العني بواسطة القسم ولكن ما يساعده على ذل��ك هو الشم‪ .‬والشم‬
‫امللون املسمى احلدقة‪ ،‬واحلدقة تركز الضوء ميكن احل��ي��وان��ات م��ن ال��ت��ع��رف على حميطها‬
‫على اخلاليا احلساسة يف مؤخرة العني اليت وأماكنها‪ ،‬وكذلك التعرف على جمموعاهتا ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪141‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫آل هيرشل‬
‫السير وليام هيرشل‬
‫إسحاق عظيموف‬
‫ترمجة عاصم مظلوم‬

‫عامل فلك أملاني _ اجنليزي‬
‫ولد يف هانوفر _ أملانيا يوم ‪ 15‬تشرين الثاني من عام ‪1738‬‬
‫تويف يف سلو _ باكنغهامشاير إجنلرتا يوم ‪ 25‬اب من عام ‪1822‬‬

‫‪142‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يوم والدة هريشل كانت هانوفر تابعة للملك‬
‫جورج الثاني ملك إجنلرتا مع أهنا مل تكن فعلياً‬
‫جزءاً من اململكة الربيطانية‪.‬‬
‫ك���ان وال���د ه�يرش��ل م��وس��ي��ق��ي�اً يف اجليش‬
‫اهلانوفري وكان هريشل يتجه حنو امتهان نفس‬
‫املهنة‪ ،‬لكن ان��دالع حرب السنوات السبع قلل‬
‫من جاذبية حياة اجليش وقام والدا هريشل عام‬
‫‪ 1757‬بتهريبه من اخلدمة اإللزامية عن طريق‬
‫هتريبه اىل إجنلرتا‪.‬‬
‫بقي هريشل يف إجنلرتا لبقية حياته واستطاع‬
‫التأقلم جبهد وعناية يف موطنه اجلديد مغرياً‬
‫امس��ه األمل��ان��ي (فريدريتش فيلهام) إىل اسم‬
‫وليام اإلجنليزي وجلبت له مواهبه املوسيقية‬
‫النجاح هناك‪.‬‬
‫وصل إىل ليدز عام ‪ 1757‬وحبلول عام ‪1766‬‬
‫أصبح عازف أرغن مشهوراً وأستاذ موسيقا يف‬

‫منتجع ( باث) وكان يعطي دروساً خصوصية يف‬
‫املوسيقا حلوايل ‪ 35‬تلميذاً يف األسبوع‪.‬‬
‫جناحه املادي أمّن له الفرصة إلشباع هنمه‬
‫للتعلم فتعّلم اللغتني الالتينية واإليطالية‪.‬‬
‫ق���ادت���ه ن��ظ��ري��ة اجل�����دول امل��وس��ي��ق��ي إىل‬
‫ال��ري��اض��ي��ات ال�ت�ي ق��ادت��ه ب���دوره���ا إىل علم‬
‫البصريات‪.‬‬
‫قاده علم البصريات إىل مطالعة كتاب حول‬
‫أعمال (نيوتن) وفجأة انتابته رغبة جاحمة‬
‫مل��راق��ب��ة ال��ف��ض��اء ع��ن ق��رب‪.‬ومب��ا أن��ه مل يكن‬
‫يستطيع دفع مثن منظار فلكي ذي مواصفات‬
‫جيدة‪ ،‬قرّر أن يصقل العدسات بنفسه ليصنع‬
‫آالت���ه اخل��اص��ة مل��راق��ب��ة ال��ف��ض��اء وق���ام مبئيت‬
‫حماولة قبل أن يتمكن أخ�يراً من صنع منظار‬
‫فلكي مناسب له‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1772‬عاد اىل هانوفر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪143‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ل��ي��ص��ط��ح��ب ش��ق��ي��ق��ت��ه ك���ارول�ي�ن م��ع��ه إىل‬
‫إجنلرتا‪.‬‬
‫كانت تلك ضربة حظ رائعة ألنه تبيّن الحقاً‬
‫أن كارولني التقل محاساً عن أخيها يف تشكيل‬
‫العدسات ويف هواية حب علم الفلك‪ ،‬ومن غري‬
‫احملتمل أن يكون هريشل قد متكن من إجناز‬
‫كل ذلك العدد اإلجنازات من دون عون شقيقته‬
‫املثابرة اليت مت اعتبارها الحقا أول عاملة فلك‬
‫ذات شأن‪.‬‬
‫قاما سوية بتسطيح عدسات ممتازة‪ ،‬كانت‬
‫كارولني تقرأ ألخاها بصوت مرتفع وتطعمه‬
‫بنفس الوقت يف حني ك��ان يقوم هو بتشكيل‬
‫ال��ع��دس��ة ط���وال س��اع��ات ليصنعا فيما بعد‬
‫أفضل منظار فلكي وجد على اإلطالق يف ذلك‬
‫العصر‪.‬‬
‫ق��رر هريشل أن ي��راق��ب ك��ل م��ا يف الفضاء‬
‫بطريقة ممنهجة‪.‬‬
‫حبلول ع��ام ‪ 1774‬مل يصنع فقط أفضل‬
‫منظار فلكي انكساري يف العامل‪ ،‬بل ك��ان يف‬
‫ذلك العصر أيضا أكثرها فعالية على اإلطالق‪،‬‬
‫وب��ال��ت��ايل ك��ان ميلك األداة ال�لازم��ة لتحقيق‬
‫هدفه‪.‬‬
‫راح هريشل ميطر العلماء والباحثني بأوصاف‬
‫اجلبال على سطح القمر ومبالحظاته حوهلا‪،‬‬
‫ومبعلومات ع��ن جن��وم أخ���رى متنوعة‪ ،‬وعن‬
‫احتماالت تأثري تغريات البقع الشمسية على‬
‫الزراعة يف كوكب األرض وهلم جرا‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫عام ‪ 1781‬وأثناء انتقاله املمنهج من جنم‬
‫إىل آخ��ر باستخدام منظاره الفلكي املمتاز‪،‬‬
‫رصد هريشل جسماً بدا على شكل قرص أكثر‬
‫منه جم��رد بقعة ض��وء‪ ،‬اف�ترض بشكل تلقائي‬
‫أنه اكتشف مذ ّنباً جديداً وأبلغ عنه على ذلك‬
‫األساس‪.‬‬
‫لكن بعد رصد أكثر دقة تبني أن حدوده صلبة‬
‫وواضحة كالكواكب وليست غامضة ومشوشة‬
‫كاملذنبات‪ ،‬ع�لاوة على ذل��ك‪ ،‬بعد رصد كاف‬
‫للتمكن من قياس املدار‪.‬‬
‫وجد هو وآخرون ومنهم عامل الفلك الفرنسي‬
‫(الب�لاس) أن مداره كان شبه دائري كمدارات‬
‫كل الكواكب وليس متطاوالً كمدار املذ ّنبات‪،‬‬
‫أضف إىل ذلك أن مدار ذاك اجلرم بعيد جداً‬
‫عن زحل‪.‬‬
‫النتيجة ال�تي وص��ل هريشل إليها بدهشة‬
‫وسعادة بالغتني‪ ،‬هي أنه اكتشف كوكبا جديدا‬
‫وضاعف من رقعة النظام الشمسي الذي كان‬
‫معروفاً حتى ذلك احلني‪.‬‬
‫كان ذلك أول كوكب جديد يتم اكتشافه يف‬
‫التاريخ احلديث‪.‬‬
‫ويف احل��ق��ي��ق��ة‪ ،‬ب��ال��ك��اد مي��ك��ن رؤي���ة ذلك‬
‫الكوكب بالعني اجملردة ومت رصده عدة مرات‬
‫يف املاضي‪ ،‬حتى انه كان مذكورا يف خريطة‬
‫النجوم اليت وضعها (فالمستيد) قبل قرن من‬
‫الزمن‪ ،‬وأشار إليه ضمن جمموعة الثور وأعطاه‬
‫الرقم ‪.34‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ويف عام ‪ 1764‬مت رصده قرب كوكب الزهرة‬
‫واإلبالغ عنه كواحد من أقماره‪.‬‬
‫يف النهاية‪ ،‬متكن هريشل مبنظاره من رصد‬
‫ال��ق��رص وك���ان ه�يرش��ل نفسه ق��د اع��ت�بر ذلك‬
‫اجلرم كوكباً‪.‬‬
‫حاول هريشل اطالق اسم (جنمة جورج) على‬
‫الكوكب تيمناً بـ (جورج الثالث) ملك إجنلرتا‪.‬‬
‫فقام بعض علماء الفلك بناء على اقرتاح تقدم‬
‫به (الالند) بتسميته ( جنم هريشل) كتكريم له‬
‫يف النهاية‪ ،‬ت��ق��رر اط�ل�اق امس���اء م��ن علم‬
‫األساطري على الكواكب‪ ،‬اق�ترح (ب��ود) تسمية‬
‫الكوكب اجلديد باسم (اوران���وس) وه��و والد‬
‫(س���ات���ورن) إل��ه ال��زراع��ة عند ال���روم���ان‪ ،‬ويف‬
‫أواسط القرن التاسع عشر مت االعرتاف عاملياً‬
‫هبذا االسم‪.‬‬
‫أثار خرب اكتشلف اورانوس ضجة قوية‪ ،‬كان‬
‫علماء الفلك يعتقدون أن نيوتن كان قد اكتشف‬
‫كل الكواكب املوجودة‪ ،‬وفريدريك الثاني ملك‬
‫بروسيا‪ ،‬الذي مل يكن عاملاً وإمنا كان حيتضن‬
‫العلماء‪ ،‬كان مؤمناً بأن كل االكتشافات العلمية‬
‫املمكنة كان قد مت اكتشافها‪.‬‬
‫اكتشاف هريشل كان مبثابة نفحة من اهلواء‬
‫املنعش‪ ،‬اليت أكدت أن هناك املزيد من اجملهول‬
‫ال��ذي ميكن اكتشافه‪ ،‬وت��ك��ررت تلك احلادثة‬
‫أيضاً بعد قرن من الزمن على يد الفيزيائي‬
‫األمريكي (مايكلسون)‪.‬‬
‫مت انتخاب هريشل لعضوية اجلمعية امللكية‬
‫عام ‪ 1781‬وفاز جبائزة (كوبلي)‪.‬‬
‫امللك ج��ورج الثالث وال��ذي ك��ان من أصول‬
‫هانوفرية‪ ،‬سر جداً بإجنازات ابن وطنه‪ ،‬أصدر‬
‫عفوا عن هريشل لفراره من اخلدمة العسكرية‬
‫يف جيش هانوفر أيام شبابه‪ ،‬وعيّنه الراصد‬
‫الفلكي اخلاص به براتب ‪ 300‬جنيه سنوياً‪.‬‬
‫انكب هريشل جبد على رصد الفلك‪ ،‬واستمر‬
‫لفرتة قصرية‪ ،‬بتصنيع وبيع املناظري الفلكية ألن‬
‫منحة امللك كانت قليلة‪ ،‬ويف عام ‪ 1788‬تزوج‬

‫من أرملة ثرية وتفرّغ لرصد الفلك متاما‪ ،‬أما‬
‫(كارولني) فلم تتزوج أبدا‪ ،‬واستمرت بتكريس‬
‫نفسها ألخيها الذي أصبح شهريأ ولعلم الفلك‪.‬‬
‫أص��ب��ح ه�يرش��ل أه��م وأجن���ح ع��امل فلك يف‬
‫عصره‪ ،‬ومل يرتق أحد إىل منزلته أبداً‪.‬‬
‫ومثل (ب��راديل)‪ ،‬حاول هريشل رصد التغري‬
‫الظاهري يف مواقع حركة النجوم وفشل‪.‬‬
‫من ناحية أخرى‪ ،‬استخدم طريقة كان غاليلو‬
‫أول من استخدمها‪ ،‬تعتمد على الرتكيز على‬
‫ربط النجوم كأزواج من حيث التقارب يف املكان‬
‫والزمان‪ ،‬وكان أول من اكتشف وجود هكذا أزواج‬
‫هو (ريتشيويل) قبل قرن ونصف القرن‪.‬‬
‫ج��رى االع��ت��ق��اد يف تلك ال��ف�ترة أن هذين‬
‫النجمني كانا قريبني من بعضهما لتصادف‬
‫وقوعهما تقريباً على خط النظر نفسه‪ ،‬وأنه‬
‫ميكن ألحدمها أن يبتعد عن اآلخ��ر يف عدة‬
‫مناسبات‪.‬‬
‫إن ك���ان ذل���ك ص��ح��ي��ح �اً‪ ،‬جي���ب أن‬
‫ينحرف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪145‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫موقع النجم األقرب مقارنة مع النجم األبعد‪،‬‬
‫وهذا بالتأكيد سيحدث يف تلك احلالة‪ ،‬لكن يف‬
‫احلاالت العديدة اليت قام هريشل بدراستها‪ ،‬مل‬
‫يرصد أي احنراف يف مواقعهما‪ ،‬اتضح له من‬
‫طريقة حتركهما أهنما كانا متشاهبني ليس من‬
‫حيث املظهر فحسب‪ ،‬بل يف األفعال أيضاً‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫حبلول ع��ام ‪ ،1793‬أصبح هريشل مقتنعاً‬
‫أهنما يتممان بعضهما‪ ،‬وخالل حياته املهنية‪،‬‬
‫اكتشف ح���وايل ‪ 800‬جن��م م��ن ه��ذه النجوم‬
‫ومساها النجوم الثنائية‪.‬‬
‫كانت تلك أول اش��ارة على ماهية النجوم‬
‫الثنائية‪ ،‬وعالوة على ذلك‪ ،‬بعد دراستها كان‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫من املمكن اثبات ان حتركاهتا تتوافق مع قانون‬
‫اجلاذبية لنيوتن‪.‬‬
‫حتى تلك الفرتة‪ ،‬كان ميكن اختبار صحة‬
‫ق��ان��ون اجل��اذب��ي��ة فقط ضمن ح���دود النظام‬
‫الشمسي‪ ،‬واآلن بعد مضي ق��رن على وضع‬
‫قانون اجلاذبية‪ ،‬أمكن تتبع نتائجه يف حتركات‬
‫جن��وم بعيدة ج��داً‪ ،‬وألول م��رة استحقت تلك‬
‫النظرية بعد الربهان لقب الكونية‪.‬‬
‫كان هريشل ضليعاً أيضاً يف رصد النجوم‬
‫املنرية بأنواعها وكان أول راصد ألنواع خمتلفة‬
‫من النجوم بطريقة ممنهجة‪.‬‬
‫ع���ام ‪ 1801‬وخ�ل�ال ف�ت�رة ه���دوء حروب‬
‫نابليون‪ ،‬زار هريشل باريس والتقى شخصياً‬
‫بالعامل البالس ونابليون‪.‬‬
‫دراس��ات هريشل املتعددة ومعرفته الغزيرة‬
‫ب��ال��ن��ج��وم‪ ،‬منحته ن��ظ��رة شاملة على الكون‬
‫املرصع بالنجوم مل ميتلكها أي من أسالفه‪،‬‬
‫ويف احلقيقة‪ ،‬كان هريشل أول من قدم صورة‬
‫فلكية حلقيقة وواقع للنظام الشمسي معطيا‬
‫إياه وصفاً صحيحاً‪ ،‬وأنه كان يف احلقيقة جمرد‬
‫بقعة ضئيلة من كون المتناه مليء بالنجوم و‬
‫األجرام‪.‬‬
‫وعلى سبيل املثال‪ .‬عن طريق حتليل احلركة‬
‫الدقيقة جملموعة كبرية م��ن النجوم‪ ،‬اعتقد‬
‫حبلول العام ‪ 1805‬أنه يستطيع تفسريانتظام‬
‫املقاييس ال�تي الحظها ب��اف�تراض أن الشمس‬
‫ذاهت��ا كانت تتحرك ب��اجت��اه نقطة يف كوكبة‬
‫اجل��اث��ي(ه�يرك��ول��ي��س)‪ ،‬وه���ي ف��رض��ي��ة توسّع‬
‫بدراستها (أرغيالندر)‪.‬‬
‫وكما أطاح كوبرنيكوس باالعتقاد بأن األرض‬
‫مركز الكون‪ ،‬أطاح هريشل باالعتقاد القائل إن‬
‫الشمس مركز الكون‪.‬‬
‫عن طريق دراسة درب اللبانة وحساب أماكن‬
‫النجوم يف عدة اجتاهات‪ ،‬وضع هريشل صورة‬
‫للنظام النجمي ككل‪.‬‬
‫صّور الكون املنظور كمجموعة ضخمة من‬

‫النجوم املتموضعة بشكل يشبه حجر الرحى‬
‫تقريباً‪ ،‬وك��ان يعتقد أن الشمس اليت نعرفها‬
‫تتمركز بشكل تقرييب يف مكان ما قرب مركز‬
‫ذلك النظام‪ ،‬وأننا عند النظر باجتاه حماور‬
‫حجر الرحى الطويلة تلك‪ ،‬نشاهد عدداً ضخماً‬
‫من النجوم التعددية اليت تتضاءل تدرجيياً بفعل‬
‫املسافة داخل الوميض اخلافت لدرب اللبانة‪.‬‬
‫وأثبت عامل الفلك األمريكي (هارلو شابلي)‬
‫بعد قرن من الزمن أن موقع الشمس املفرتض‬
‫يف هذا النظام كان ومهاً‪.‬‬
‫قام هريشل أيضاً برصد أشكال سدميية‬
‫متنوعة وصنّف ‪ 2500‬نوع منها‪.‬‬
‫م��ن��اظ�ير ال��ف��ل��ك ال�ت�ي صنعها استخدمت‬
‫للتعرف على بعض األجسام اجملهولة‪ ،‬ومنها‬
‫ت��ل��ك ال�ت�ي رص��ده��ا ع���امل ال��ف��ل��ك الفرنسي‬
‫(ميسييه)‪ ،‬واكتشف اجملرّة العنقودية املشاهبة‬
‫لتلك املوجودة يف كوكبة اجلاثي‪.‬‬
‫ّ‬
‫بعض األجسام بقيت غامضة ومخن هريشل‬
‫أهن��ا ق��د ت��ك��ون جمموعات جنمية أو جمرات‬
‫مشاهبة جملموعتنا الشمسية‪ ،‬ورص��د أيضاً‬
‫مناطق مظلمة يف درب اللبانة‪،‬ونعرف اآلن أهنا‬
‫سحب من الغبار‪ ،‬اعتقد هريشل أهنا فجوات‬
‫فارغة وقال‪ :‬إهنا بكل تأكيد فجوة يف الفضاء‪.‬‬
‫مل يهمل هريشل اجملموعة الشمسية متاماً‬
‫بعد اكتشافه لكوكب أوران��وس‪ ،‬وعاد لدراسته‬
‫مبنظار فلكي مطوّر‪ ،‬ويف عام ‪ 1787‬اكتشف‬
‫قمرين من أقماره ومها (تيتانيا) و(أوبرون)‪،‬‬
‫وأصبح إجنليزياً أكثر من اإلجنليز أنفسهم‬
‫وخت��ل��ى ع��ن اس��ت��خ��دام األمس���اء املشتقة من‬
‫األس��اط�ير الرومانية لتسمية النجوم لصاحل‬
‫أمساء من الرتاث اإلجنليزي‪ ،‬كما أبلغ عن رصد‬
‫أربعة أقمار أخرى لكن تبني خطأ ذلك‪.‬‬
‫صمم هريشل منظاراً فلكياً جديداً بطول‬
‫‪ 13.2‬م�تراً وعدسة بقياس ‪ 48‬إنشا‪ ،‬وتربّع‬
‫امللك ج��ورج الثالث مببلغ أرب��ع��ة آالف‬
‫جنيه لبنائه‪ ،‬وك��ان يشعر ببهجة بالغة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪147‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عند عرضه على زائريه‪.‬‬
‫يف الليلة األوىل من الرصد‪ ،‬وجّ��ه هريشل‬
‫املنظار حنو ساتورن واكتشف قمرين جديدين‬
‫من أقماره‪ ،‬مسامها (انسالدوس) و(ميماس)‪،‬‬
‫وبإضافتهما إىل القمر ال��ذي اكتشفه الفلكي‬
‫اهل��ول��ن��دي (ه��اجي��ن��ز)‪ ،‬واألق��م��ار األرب��ع��ة اليت‬
‫اكتشفها (كاسيين)‪ ،‬يصبح عدد أقمار الكوكب‬
‫احملاط بعدة حلقات سبع أقمار‪.‬‬
‫قام هريشل أيضاً حبساب زمن دوران زحل‬
‫(ساتورن) حول نفسه وأثبت أن أقماره تدور‬
‫حول نفسها أيضا‪ ،‬ومل ختل أفكاره من بعض‬
‫الغرابة أحياناً‪ ،‬وأعتقد أن القمر والكواكب‬
‫مأهولة‪.‬‬
‫كما أشار إىل أن إشعاع الشمس حمصور يف‬
‫غالفها اجلوي‪ ،‬وأنه حتت ذلك احلزام الناري‬
‫يوجد كوكب صلب بارد ميكن أن يكون مأهوالً‪.‬‬
‫ّ‬
‫ومخن أن البقع الشمسية عبارة عن ثغرات‬
‫يف الغالف اجلوي وميكن من خالهلا مشاهدة‬
‫السطح البارد‪ ،‬ومل يأخذ أحد تلك الفكرة على‬
‫حممل اجلد سوى املهووسني واحلاملني الذين‬
‫أسعدهم استغالل شهرة هريشل من اجل تربير‬
‫محاقاهتم‪.‬‬
‫قام هريشل أيضاً بتوجيه األنظار حنو اجتاه‬
‫ليس له عالقة مباشرة بعلم الفلك‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1801‬استخدم ميزان حرارة الختبار‬
‫سلسلة الطيف الشمسي يف حم��اول��ة للعثور‬
‫على فروقات حرارية واضحة بني أطياف ضوء‬
‫الشمس‪ ،‬ومت ّكن من ذل��ك لكن النتائج كانت‬
‫غري متوقعة‪ ،‬ك��ان ارت��ف��اع احل���رارة يف منطقة‬
‫من الطيف ال لون هلا‪ ،‬يف املنطقة خارج احلد‬
‫األمحر للطيف‪.‬‬
‫استنتج ه�يرش��ل أن ض��وء الشمس حيوي‬
‫ض��وءاً غري مرئي بعد الضوء األمح��ر‪ ،‬وهو ما‬
‫يعرف يف يومنا هذا باألشعة حتت احلمراء‪،‬‬
‫ويف العام التايل سيقوم العامل (ريرت) بتوسيع‬
‫مدى الطيف املرئي من الطرف اآلخر‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫مت منح هريشل لقب فارس عام ‪ ،1816‬وتويف‬
‫وهو يف أوج شهرته‪ ،‬استمر بالعمل حتى مماته‬
‫وآخ��ر رصد قام به كان عام ‪ 1819‬بعمر ‪81‬‬
‫عاما‪ ،‬تويف عن عمر ‪ 84‬عاماً يف عام سكن فيه‬
‫اوران��وس برج الشمس‪ ،‬خملفاً ابناً امسه جون‬
‫هريشل‪ ،‬وأصبح كأبيه عامل فلك مشهوراً‪.‬‬
‫سري جون فريدريك وليام هريشل عامل فلك‬
‫إجنليزي‪ ،‬ولد يف سلو ‪ -‬باكنغهامشاير ‪ 7‬من‬
‫آذار ‪ 1792‬ت��ويف يف كولنغوود‪ -‬هوكهورست‬
‫كنت ‪ 11‬أي��ار ‪ 1871‬وه��و اب��ن وليام هريشل‬‫أعظم علماء الفلك يف عصره‪ ،‬نشط جون يف‬
‫حقول أخرى‪ ،‬وأثناء دراسته يف جامعة كامربدج‬
‫كان مهتماً بشكل أساسي يف علوم الرياضيات‪،‬‬
‫وك���ان األول على دفعته‪ ،‬وق���ام ه��و و(باباج)‬
‫وصديق ثالث مبحاوالت ناجحة إلضفاء أبعاد‬
‫جديدة إىل علوم الرياضيات‪.‬‬
‫لكن الرياضيات مل تكن كافية له كمهنة‪،‬‬
‫وبعد خترجه من كامربدج عام ‪ ،1813‬جرّب‬
‫الكيمياء واحلقوق ومل ينجح‪.‬‬
‫عام ‪ 1816‬وبتشجيع من (والس�تن)‪ ،‬اجته‬
‫أخرياً إىل مهنة والده وأصبح عامل فلك‪.‬‬
‫بعد وفاة وال��ده‪ ،‬كرس جون أعواماً إلكمال‬
‫أعمال والده مستخدماً منظاراً فلكياً كان قد‬
‫بناه هو ووالده‪.‬‬
‫قام بوضع فهرس للنجوم الثنائية وللغيوم‬
‫السدميية اليت كان والده قد اكتشف بعضها‪،‬‬
‫إضافة إىل اليت اكتشفها جون بنفسه‪.‬‬
‫مت منحه لقب فارس عام ‪ ،1831‬ويف عام‬
‫‪ 1833‬قرر القيام بدراسة مساء نصف الكرة‬
‫األرضية اجلنوبي كما فعل وال��ده يف النصف‬
‫الشمايل‪.‬‬
‫توجّه إىل اجلنوب عام ‪ ،1834‬وطوال أربع‬
‫س��ن��وات ك��ان��ت مستعمرة (ك��اي��ب) يف جنوب‬
‫أفريقيا مقراً لعمله‪ ،‬وأكمل هناك العمل الذي‬
‫كان (إدموند هايل) عامل الفلك الربيطاني أول‬
‫من بدأ به‪ ،‬ونشر نتائج عمله يف حبث ضخم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫عام ‪ ،1847‬وك��ان أول من قام بقياس أحجام‬
‫وسطوع النجوم بدقة‪.‬‬
‫اكتشف أن سحابيت م��اج�لان ع��ب��ارة عن‬
‫عناقيد كثيفة م��ن النجوم‪ ،‬مت��ام�اً كما أثبت‬
‫غاليلو أن درب اللبانة كذلك قبل قرنني وربع‬
‫القرن‪.‬‬
‫استلهمت جريدة (نيويورك صن) من أحباثه‬
‫يف مستعمرة كايب سلسلة من املقاالت اخليالية‬
‫املخادعة حول رصد كائنات حيّة على سطح‬
‫القمر‪.‬‬
‫ع��ن��د ع��ودت��ه إىل إجن���ل�ت�را‪ ،‬منحته امللكة‬
‫فيكتوريا‪ ،‬أثناء حفل تتوجيها‪ ،‬لقب البارونيت‪،‬‬
‫وهي رتبة شرف حتت البارون وفوق الفارس‪.‬‬
‫جون كان مولعاً جداً بتقنية التصوير الضوئي‬
‫اليت قام تالبوت بتطويرها‪ ،‬وكان من أوائل من‬
‫حاول استخدامها يف علم الفلك‪.‬‬
‫وضع أسس استخدام هيبوسلفيت الصوديوم‬
‫إلذابة نرتات الفضة‪ ،‬وكان أول من طبّق استخدام‬
‫الصورة السلبية والصورة اإلجيابية يف جمال‬
‫التصوير الضوئي‪.‬‬
‫‪.‬ع��ام ‪ 1848‬مت انتخابه رئيساً للجمعية‬
‫الفلكية امللكية‪ ،‬ويف عام ‪ ،1850‬و مثل نيوتن‬
‫من قبله‪ ،‬مت تعيينه رئيس مجعية اإلخرتاع‪.‬‬
‫مل يكن سعيدا يف عمله ذاك‪ ،‬ويف عام ‪،1854‬‬
‫أصيب باهنيار نفسي مكرراً من جديد ما حدث‬
‫لـ (نيوتن)‪.‬‬
‫أمضى شيخوخته بتأليف كتاب (ختوم الفلك)‬
‫وأبصرت الطبعة األوىل النور عام ‪ ،1849‬وبعد‬
‫وفاته بوقت قصري مت إص��دار الطبعة الثانية‬
‫عشرة منه‪ ،‬والقت جناحاً هائالً‪.‬‬
‫عمل أيضا يف جمال العلوم الثقافية‪ ،‬وترجم‬
‫جزءا من اإللياذة‪.‬‬
‫مت دف��ن��ه يف ويستمينسرت‪-‬آبي ق��رب قرب‬
‫نيوتن‪.‬‬
‫أمّ��ا ك��ارول�ين هريشل ف��ول��دت يف هانوفر‪-‬‬
‫أملانيا يوم ‪ 16‬آذار عام ‪ 1750‬توفيت فيها يف‬

‫‪ 9‬كانون الثاني عام ‪ 1848‬وانضمت إىل أخيها‬
‫وليام هريشل يف إجنلرتا عام ‪ ،1772‬كان هو‬
‫عازف أرغن وكانت هي تتدرب لتصبح مغنية‬
‫حفالت موسيقية‪.‬‬
‫كانا ناجحني وختليا عن مهنتهما يف املوسيقى‬
‫من أجل إشباع اهتمامهما بعلم الفلك‪ ،‬مل تتزوج‬
‫كارولني قط وانغمست متاماً يف مساعدة أخيها‬
‫يف مهنته‪.‬‬
‫ويف أوق���ات فراغها ال��ن��ادرة كانت ترصد‬
‫السماء مبنظار فلكي صغري صنعه هلا وليام‪.‬‬
‫جنحت يف علم الفلك وأصبحت أول عاملة‬
‫ف��ل��ك م��ش��ه��ورة‪ ،‬وك��ان��ت هت��ت��م ب��ش��ك��ل خاص‬
‫باكتشاف املذنبات واكتشفت منها مثانية‪.‬‬
‫عادت إىل هانوفر بعد موت شقيقها لتشهد‬
‫جناح ابنه (جون هريشل) يف علم الفلك‪ ،‬وتوفيت‬
‫عن عمر ناهز ‪ 98‬عاما‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪149‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كتاب الرحلة الروحية‬
‫هناء الصاحل‬

‫إن هناك إعتقاداً راسخاً من قبل الكثريين يف املؤسسات الدينية أن إيصال‬
‫احلقيقة اىل الناس أمر معقد وغاية يصعب إدراكها‪ .‬هذا االعتقاد القديم ‪-‬‬
‫اجلديد الذي مل ينتج عنه إال املزيد من اإلرباك واهلشاشة يف عقول الناس‬
‫للعامل الروحي الذي حنن لسنا إال جزءاً صغرياً ال يتجزأ منه‪ .‬فكيف لنا أن نفهم اهلل دون‬
‫أن نتفهم نظامه الكوني؟ وكيف لنا أن نفهم هذا النظام الكوني دون أن نتعرف على ذاتنا‬
‫احلقيقية ونكتشف جذورنا وأصالتنا الكونية يف هذا الكون األزلي األبدي الذي ننتمي إليه‬
‫والذي يتوازى فيه الصغري مع الكبري‪ ,‬والكبري مع الصغري بكل حكمة ووعي وكمال‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫وه��ن��اك أي��ض�اً م��درس��ة أخ��رى م��ن املعلمني‬
‫وامل��رش��دي��ن ال��روح��ي�ين ال��ذي��ن ي��ع��ت��ق��دون أن‬
‫احلقيقة واضحة كالشمس‪ ,‬لكنه سيتطلب منا‬
‫حتمل مسؤولية فردية أكرب من التفهم واإلدراك‬
‫للتعرف على هذا النظام الكوني – نظام اهلل‬
‫األساسي الذي انطوى فينا منذ األزل لكي تزول‬
‫هذه اهلشاشة وهذا اإلرباك من عقولنا وقلوبنا‪.‬‬
‫فالعامل الروحي عملي وعلمي أكثر مما نتصور‬
‫ونعتقد‪ .‬فمن الطبيعي أن يقوم كل فرد منا يف‬
‫مرحلة من حياته باكتشاف ولو القليل من هذه‬
‫املعرفة ليخترب ولو القليل من هذه اإلستنارة‬
‫الروحية للحياة األبدية‪.‬‬
‫ل��ذا يفضل يف بداية األم��ر أن يكون هناك‬
‫مرشد أو معلم روح��ي يرشدنا بصدق وأمانة‬
‫إلكتشاف كنوزنا الدفينة بأنفسنا لتحقيق هذا‬
‫السالم الداخلي والصفوة الروحية والضمريية‬
‫يف هذه احلياة واحلياة اليت ستليها‪.‬‬
‫ه��ن��اك مخ��س رك��ائ��ز أساسية جي��ب علينا‬
‫فهمها والرتكيز على أمهيتها‪:‬‬
‫‪ )1‬ال��غ��ذاء الصحي‪ ,‬إن تناولنا لألطعمة‬
‫الصحية والطبيعية خري بداية للمضي قي اإلجتاه‬
‫الصحيح‪ .‬إن احلمية اليت تعتمد على ‪ 80‬باملئة‬
‫من احلنطة الكاملة ومشتقاهتا باإلضافة اىل‬
‫حصص صغرية من البقوليات‪ ,‬و ‪ 20‬باملئة من‬
‫كافة أنواع اخلضار األرضية والبحرية هو نظام‬
‫صحي ميكن اإلعتماد عليه يف معظم مراحل‬
‫منونا وتطورنا اجلسدي والروحي‪ ,‬ألن هذا‬
‫النوع من التغذية سيزودنا بالطاقة الطبيعية‬
‫املتوازنة واخلالية من النوايا السلبية والغرائز‬
‫اليت تنتقل إلينا عادةً من جراء قتل احليوانات‬
‫وأكل حلومها‪ .‬وجيب أيضاً أن ال ننسى أن علينا‬
‫مضغ الطعام جيداً اىل أن يتحول إىل سائل يف‬
‫فمنا‪ .‬هلذا يتطلب منا الرتكيز على األطعمة‬
‫الصحية والطبيعية‪ ,‬وجتنب اللقيمات الكبرية‬

‫والكميات الوافرة أو املبالغ هبا‪.‬‬
‫‪ )2‬النشاط الفيزيائي‪ ,‬إن النشاط الفيزيائي‬
‫املنتظم ال��ذي نقوم به يومياً سيحفز الدورة‬
‫الدموية‪ ,‬حيث يقوم الدم بنقل وتغذية كل عضو‬
‫وخلية من أعضاء وخاليا أجسامنا هبذه الطاقة‬
‫الغذائية والروحية الداعمة لصحتنا العامة‬
‫ونوايانا وطريقة تفكرينا وتصرفاتنا حاضراً‬
‫ومستقبالً‪.‬‬
‫‪ )3‬ال��غ��ذاء الروحي‪ ,‬م��ع تناولنا املتوازن‬
‫واملستمر لألطعمة الطبيعية والصحية‬
‫ال��ت�ي ت��ت��ن��اس��ب م���ع ط��ب��ي��ع��ة جسدنا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وأنشطتنا‪ ,‬يصبح الغذاء الروحي أمراً طبيعياً‬
‫ومسهالً‪ ,‬إذ إن الغذاء الروحي هو هذه الطاقة‬
‫الكونية اللولبية اليت نستمدها مباشرةً وبشكل‬
‫مستمر من األرض والسماء يف آ ٍن واحد‪ .‬فكل‬
‫ما يستوجب علينا هو فقط تسهيل طوفاهنا‬
‫داخل هذه املسارات الروحية السبعة وروافدها‬
‫األربعة عشر اليت تغذي جسدنا هبا من خالل‬
‫اخت��اذ وضعية أكثر استقامة‪ .‬إذ إن اإلنسان‬
‫وسنبلة القمح يتميزان يف شكلهما العامودي‬
‫بني الكثري من النباتات واحليوانات‪ .‬هلذا فإهنما‬
‫يتلقيان الطاقة األرض��ي��ة والسماوية بشكل‬
‫عامودي ومستقيم‪ ,‬عكس الزواحف واحليوانات‬
‫وباقي الفصائل النباتية‪.‬‬

‫الروحي‪.‬‬
‫إن ال��ذب��ذب��ات والتموجات الالمرئية اليت‬
‫نتغذى هبا روحياً أكثر بكثري من تلك اليت حنصل‬
‫عليها من خالل األغذية املادية أو املرئية‪ .‬هلذا‪,‬‬
‫مسيت هذه الطاقة السماوية واألرضية منذ‬
‫القدم «بالروح‪».‬‬
‫إن الطاقة السماوية إنكماشية بطبيعتها‪,‬‬
‫أما الطاقة األرضية فهي إنفالشية‪ .‬إهنا هذه‬
‫الطاقة الكونية اليت ال بداية هلا وال هناية‪ ,‬فهي‬
‫هذه الطاقة الكونية املتجلية اليت تسري فينا‬
‫ويف كل ما هو موجود يف هذا الوجود‪ .‬هلذا‪,‬‬
‫جي��ب علينا اح�ت�رام األرض والسماء والبيئة‬
‫والتناغم معها بكل حمبة وتوحيد‪.‬‬

‫‪ )4‬التهيئة البيئية‪ ,‬إن الصمت واهل���دوء‬
‫وال��س��ك��ون ض�����رورة ل��ت��ل��ق��ي ه���ذه الذبذبات‬
‫والتموجات الروحية‪ .‬فالضجيج والذبذبات‬
‫ال�تي تطلقها اآلالت اإللكرتونية والكهربائية‬
‫وامليكانيكية تتعارض مع الذبذبات والتموجات‬
‫الروحية وتعكر صفوها‪ .‬إذ أن هذا النوع من‬
‫الضجيج الذي هو سطحي يتقاطع مع الذبذبات‬
‫الروحية اليت هي عامودية يف طبيعتها‪ .‬فإن‬
‫الصمت‪ ,‬اهلدوء‪ ,‬السكينة‪ ,‬النظافة‪ ,‬والرتتيب‬
‫صفات يتحلى هبا كل إنسان قابل للنمو والتطور‬

‫‪ )5‬التأمل‪ ,‬إن التأمل هو الطريق األوحد‬
‫الذي يصلنا ويوحد ذاتنا الكونية الصغرى مع‬
‫ذاهتا الكونية الكربى‪ .‬هناك الكثري من الطرق‬
‫للتأمل‪ ,‬لكننا سنتكلم اآلن عن وضع اجلسم‬
‫وطريقة اجللوس‪.‬‬
‫هناك طريقتان للجلوس‪ ,‬لكن أجلس بصمت‬
‫يف مكان هادئ أو يف أحضان الطبيعة‪ ,‬وليكن‬
‫صمتك أبعد من الفكر والتفكر أو ثرثرة العقل‬
‫وسيطرته‪:‬‬

‫‪152‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫أ) هناك طريقة اليوغا التقليدية املتبعة‬
‫حول العامل‪ ,‬أي اجللوس بشكل زهرة اللوتِس‬
‫النصفية‪ .‬بإمكانك أن تضع وس���ادة صغرية‬
‫حت��ت��ك واجل���ل���وس عليها مل��زي��د م��ن الراحة‬
‫واحلفاظ على ظهر مستقيم وأكتاف منفتحة‪,‬‬
‫مع اسرتخاء كامل للذراعني ووضع الكفني على‬
‫اجل��زء األعلى من األوراك يف وضعية مرحية‬
‫ال تتعدى ‪ 45‬درجة‪ ,‬ثم ضع مؤخرة كف اليد‬
‫اليسرى يف كف اليد اليمنى اىل أن يتالمس‬
‫االهبامان مع بعضهما البعض‪.‬‬
‫ب) أما الطريقة الثانية واألكثر شيوعاً يف‬
‫الشرق فهي أن تركع على ركبتيك وتضع إهبام‬
‫قدمك األيسر على إهبام قدمك األمين‪ ,‬تاركاً‬
‫مسافة ال تتعدى قبضة اليد الواحدة بني الركبة‬
‫اليمنى واليسرى‪ ,‬جالساً على املسافة اليت‬
‫متتد بني مؤخرة ساقيك وكاحليك‪ ,‬حمافظاً‬
‫على وضع مستقيم للعامود الفقري واألكتاف‪.‬‬
‫ثم ضع كفيك على اجلزء األعلى من أوراكك‬
‫يف وضعية مرحية ال تتعدى ‪ 45‬درجة‪ ,‬ثم قم‬
‫بوضع مؤخرة كف يدك اليسرى يف كف يدك‬
‫اليمنى إىل أن يتالمس اإلهبامان مع بعضهما‬
‫البعض‪.‬‬
‫من املمكن أن تواجه بعض الصعوبات يف‬
‫اجللوس يف هذه الوضعية يف بداية األمر‪ ,‬لكن‬

‫مع تناولنا لألغذية النباتية واملمارسة الفيزيائية‬
‫الدائمة واملنتظمة سيلني ويتحسن جسمنا‪ ,‬حيث‬
‫سيمكننا اجللوس يف هذه الوضعية لفرتات أطول‪.‬‬
‫ميكننا أيضاً تبديل وضعية القدمني بني احلني‬
‫واآلخر‪ .‬كما ميكننا رفع كلتا الذراعني والوجه‬
‫اىل األعلى لعدة ثوانٍ‪ ,‬ثم خفض الذراعني أوالً‬
‫ببطء إىل مكاهنما الطبيعي ثم الوجه إىل األمام‪,‬‬
‫هذا سوف يساعدنا يف احلفاظ على وضعية‬
‫مستقيمة للعامود الفقري واألكتاف‪.‬‬
‫التخلص من األوهام‪:‬‬
‫م��ع تصميمنا ال��ص��ادق واحل��م��ي��م وحسن‬
‫متابعتنا ملا ورد أعاله‪ ,‬ستتكثف بداخلنا ذبذبات‬
‫أكثر إجيابية مما سينعكس على قدراتنا الروحية‬
‫يف التخلص من الذبذبات السلبية اليت ينتجها‬
‫االستكبار واألنانية‪ ,‬اخلوف‪ ,‬اإلرهاق النفسي‪,‬‬
‫األحالم والكوابيس املزعجة أو غري املربرة‪ .‬فمن‬
‫الضروري جالء الفكر أوالً من كل هذه األوهام‬
‫ال�تي تقوم بالتشويش على صحتنا النفسية‬
‫وطاقتنا الروحية‪ .‬كما أن هناك أساليب متعددة‬
‫من التأمل والرتانيم ستساعدنا على التخلص‬
‫من كل هذه الذبذبات السلبية واألوهام‬
‫العقلية‪ ,‬منه ما قد نقوم به مع شريك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪153‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إعادة هذه التجربة عدة مرات‪ ,‬إذ إن التصفيق‬
‫مرتني قبل التأمل يبعد الذبذبات عنك ومينحك‬
‫جواً صافياً من الذبذبات اإلجيابية والطاقة‬
‫اجلديدة‪.‬‬
‫أما الرتنيم فهو طريقة قدمية جداً تتخطى‬
‫الرتانيم البودية ب��أالف السنني‪ ,‬فلكل لفظة‬
‫طاقة ومفعول‪ .‬اجلس بإحدى الطرق املذكورة‬
‫أعاله وتنفس هبدوء وردّد هذه األلفاظ خلمس‬
‫أو سبع مرات‪ ,‬مع إمكانية إبقاء اجلفون نصف‬
‫مغلقة‪:‬‬
‫هاي – فو – مي – يو – أي – مو – نا – يا‬
‫– كو – تو – مو – شي – رو‪.‬‬
‫‪Hi - Fu - Mi – Yo – I – Mu – Na‬‬
‫‪– Ya – Ko – To – Mo – Chi – Ro‬‬

‫لنا‪ ,‬ومنه ما قد نقوم به على حنو فردي‪.‬‬
‫اجلس جبانب شريكك وضع كف اليد الواحدة‬
‫على جبينه والكف اآلخر على أعلى رقبته‪ ,‬أي‬
‫أسفل مؤخرة اجلمجمة خبفة وثبات ملدة مخس‬
‫أو سبع دقائق بدون أي تالمس جسدي آخر‪.‬‬
‫أغلقا عينيكما وليكن تنفسكما منضبط على‬
‫النحو نفسه‪ .‬إن هذه الطريقة املتبعة أكثرها‬
‫«ين‪(».‬انثى)‬
‫أما الطريقة التالية واليت أكثرها «يانغ»(ذكر)‬
‫ميكننا ممارستها على حنو فردي‪ :‬اجلس بإحدى‬
‫الطرق املذكورة أعاله للتأمل وارفع ذراعيك يف‬
‫اهلواء وصفق مرتني‪ .‬ثم اغلق العينني وركز على‬
‫أن يكون التنفس مولوداً من أسفل املعدة‪ .‬ميكنك‬

‫‪154‬‬

‫ميكنك ترديد هذه الرتنيمة كل ما أحسست‬
‫بانزعاج أو قلق غري مربر لتهدئة النفس واحلفاظ‬
‫على اتزان الطاقة السماوية اليت تنحدر عليك‬
‫م��ن اجل��ه��ة ال��ي��س��رى م��ن جسدك‪ ,‬والطاقة‬
‫األرضية اليت تصعد من اجلهة اليمنى منه‪.‬‬
‫سر التكوين‬
‫إن امل��ادة شكل مكثف من الطاقة أو الروح‬
‫ والروح هي شكل خفي من املادة أو اجلسد‪.‬‬‫إن أجسادنا مؤلفة من امل��ادة ال�تي هي عبارة‬
‫عن هذا الكم اهلائل من ال��ذرات اليت تتحرك‬
‫وتتحول يسرعة فائقة‪ .‬أما هذه ال��ذرات فهي‬
‫تتألف بغالبيتها من هذا الفراغ الذي حتركه‬
‫اجلزيئيات املا قبل ذري��ة‪ .‬إن هذه اجلزيئيات‬
‫هي عبارة عن شحنات مكثفة من الطاقة ليس‬
‫هلا أي دليل مادي‪.‬‬
‫هلذا‪ ,‬يف الواقع‪ ,‬ميكننا النظر إىل اجلسد‬
‫على أنه دفق من الطاقة والتحوالت‪ .‬فهو يعيش‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يف حالة فورية ومستمرة من احلركة والتحول‬
‫الدائم‪.‬‬
‫مقاربتان للعامل الروحي‪:‬‬
‫‪ )1‬الرضى والتسليم هلذا النظام الكوني‪ ,‬أو‬
‫نظام اهلل بدون شروط أو حتفظات‪ ,‬ألن حالتنا‬
‫الالهنائية بالواقع هي يف أم��ان‪ .‬فليس هناك‬
‫حاجة إىل القلق على حاضرنا أو مستقبلنا‪ .‬إن‬
‫االستكبار واألنانية‪ ,‬الكربياء والتعجرف‪ ,‬اخلوف‬
‫والغضب مها لصغار النفوس الذين يضعون‬
‫احلواجز بينهم وبني هذا الوعي الكوني األكرب‪.‬‬
‫هلذا‪ ,‬مل ال نسلم أمرنا هلذه اإلرادة الكونية أو‬
‫اهلل؟ لنتمكن من حتقيق هذا‪ ,‬حنتاج إىل تليني‬
‫صالبة عقولنا وتطهري أجسادنا أوالً‪.‬‬
‫إن هذا املنحى من الرضى والتسليم الكامل‬
‫هلذا النظام الكوني أو نظام اهلل هو الطريق‬
‫األسهل الختبار النمو الروحي‪ ,‬ألن كل شيء‬
‫هو جت ٍل من عند اهلل أو الروح‪ .‬هلذا‪ ,‬كثرياً ما‬
‫كان القدماء يتبعون هذه الطريقة البسيطة يف‬
‫حياهتم‪.‬‬

‫أم��ا البشر الذين يعيشون يف مناطق أكثر‬
‫«ي��ان��غ» فيفضلون مقاربة االخ��ت��ب��ار الروحي‬
‫بالطريقة الثانية اليت هي األصعب‪ .‬هلذا‪ ,‬قام‬
‫املسيح وب���ودا باتباع الطريقة الثانية‪ ,‬حيث‬
‫ق��ام��ا بالصوم الصحي وال��ت��أم��ل للبحث عن‬
‫الذات الكونية للمعرفة احلقيقية‪ .‬علماً أنه كان‬
‫للمسيح ولبودا معلمون‪ ,‬كيوحنا املعمدان مثالً‪,‬‬
‫إال أن اكتشافه لألبعاد اليت وصل إليها مت باتباع‬
‫األلوهية اليت اكتشفها بذاته داخل كينونته‪.‬‬
‫من احلكمة أن نتعرف على هاتني الطريقتني‬
‫وخنتربمها‪ ,‬ألن األوىل حمفزة لعدم االستسالم‬
‫إىل االستكبار وسيطرة العقل‪ .‬أم��ا الثانية‬
‫فستساعدنا على اكتشاف ال���ذات الواحدة‬
‫امل��وح��دة‪ .‬فكالمها ط� ٌ‬
‫��رق ص��احل��ة وأساسية‬
‫للوصول إىل هذا التوازن والتناغم الروحي‪.‬‬
‫هلذا‪ ,‬نرى تقليداً منتشراً يف معظم الديانات‬
‫الروحية واحل��ض��ارات القدمية وه��و اجللوس‬
‫على األرض أو ال��رك��وع واالحن��ن��اء إىل األمام‬
‫وتقبيل األرض أو أط��راف الوالدين‪ ,‬احملبني‬
‫واملعلمني‪ .‬فاملسيح احننى وقبل أرجل تالمذته‪.‬‬
‫كما أن الشرقيني ما زال��وا يقومون باالحنناء‬
‫لبعضهم البعض إىل يومنا هذا‪ ,‬حتى قبل‬
‫وبعد التحديات واملبارزات يف الفنون القتالية‪.‬‬
‫فإن دل هذا على شيء‪ ,‬فإنه يدل على اتباع‬
‫هذه الطرق املوحدة يف نبذ وتبديد االستكبار‬
‫واألن��ان��ي��ة والتخلص م��ن ه��ذه األن��ا الصغرية‪,‬‬
‫والتشديد على ه��ذه األن��ا الكونية ال�تي هي‬
‫مصدرنا احلقيقي الواحد املتواحد‪ .‬إهنا إحدى‬
‫الطرق الفعالة اليت تعلمنا أن تقول «نعم» للحياة‬
‫بكل رضا وتسليم وتواضع‪.‬‬

‫‪ )2‬أم��ا املقاربة الثانية وال�تي ه��ي متممة‬
‫للمقاربة األوىل فتقول إن الكل يعيش يف قلب‬
‫اهلل وإن كل شيء هو جت ٍل هلذه الطاقة اإلهلية‬
‫املطلقة‪ .‬فليس هناك أنا مبعناها الصغري‪ ,‬بل‬
‫هناك جت ٍل إهلي يف كل فردٍ منا وإن اهلل هو الكل‬
‫يف الكل‪ ,‬أي األلوهية املتجلية فينا‪ .‬هلذا‪ ,‬كثرياً‬
‫ما كان القدماء يصفون هذه الطريقة بالطريقة‬
‫الصعبة‪.‬‬
‫هلذا‪ ,‬ن��رى أن البشر ال��ذي��ن يعيشون يف‬
‫مناطق أكثر «ي��ن» يفضلون مقاربة االختبار‬
‫الروحي بالطريقة األوىل‪ .‬علماً أنه مت اتباع‬
‫تأكيد وحدتنا مع الكون‪:‬‬
‫الطريقة األوىل بكثافة يف املناطق الدافئة من‬
‫إن الكون مليء هب��ذه الذبذبات اليت‬
‫هذا العامل‪ .‬هلذا‪ ,‬قام النيب حممد باتباع هذه‬
‫تنبعث من كل ذرة من مكوناته‪ ,‬إن كانت‬
‫الطريقة مع أتباعه‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪155‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫م��ادي��ة أو روح���ي���ة‪ .‬ف��ه��ي ت��ع�بر ع��ن حاهلا والعامل اخلارجي هلذا الكون ونظامه املتكامل‪.‬‬
‫بإطالقها وتكثفها هل��ذه ال��ذب��ذب��ات‪ .‬كما أننا‬
‫نعرف جيداً أنه لكل شيء متحرك صوت‪ ,‬ولكل‬
‫الرؤية الداخلية‪:‬‬
‫صوت ذبذبات‪ .‬ونعرف أن ليس هناك شيء‬
‫ميكننا حتفيز رؤيتنا الداخلية عن طريق‬
‫راكد أو غري قابل للنمو والتحول يف هذا الكون‪ .‬التأمل‪ .‬إجلس على األرض بشكل زهرة اللوتِس‬
‫فاألرض تدور حول نفسها وحول الشمس‪ .‬هلذا النصفية‪ ,‬حافظ على ظهر مستقيم وأكتاف‬
‫نقول إن للكون صوتاً وذبذبات ألنه دائم احلركة منفتحة ورقبة مرتاحة وتنفس هادئ وطبيعي‪.‬‬
‫والتحول‪ ,‬لكن ال ميكننا مساعه ألننا تعودنا ضع كفيك على اجلزء األعلى من األوراك يف‬
‫أن نسمع فقط ه��ذا الضجيج ال��ذي أنتجته وضعية منفتحة ومرحية ال تتعدى ‪ 45‬درجة‪ ,‬ثم‬
‫حضارتنا وصنعته أيدينا‪ .‬لكن عندما نتوحد قم بوضع مؤخرة كف اليد اليسرى يف كف اليد‬
‫ونتناغم مع أنفسنا ومع هذا الوجود الكوني اليمنى إىل أن يتالمس اإلهبامان مع بعضهما‬
‫والصمت األكرب‪ ,‬ستزداد حساسيتنا الروحية البعض‪.‬‬
‫اللتقاط هذه الذبذبات الكونية اليت حنن فقط‬
‫أغلق جفونك وح��اول أن ال تعطي انتباهك‬
‫أحد الساحبني يف فضائها‪ .‬كما أنه سنتمكن من ألى صوت ميكن مساعه وأنت يف هذه الوضعية‪.‬‬
‫التواصل مع هذا النظام الكوني عرب الذبذبات دع تنفسك اآلن يصبح أهدأ وأه��دأ‪ .‬ركز على‬
‫اليت تنتج عن كل نية أو صوت أو عمل نقوم توجيه العيون باالجتاه السفلي‪ ,‬بدون الرتكيز‬
‫به‪ ,‬بغض النظر عن إجيابيته أو سلبيته‪ ,‬ألنه على مشهدٍ معني‪.‬‬
‫باحلقيقة لن يكون معرباً إال عن حالتنا ومستوى‬
‫اآلن‪ ,‬كوّن صورة عن ذاتك اخلفية وهي تدخل‬
‫وعينا الفردي يف هذه املرحلة من حياتنا‪.‬‬
‫من أنفك إىل أسفل منطقة األمعاء وأعضائك‬
‫اجلنسية‪ ,‬ومنها صعوداً إىل الرئتني والقلب‪ ,‬ثم‬
‫إىل كل أحناء جسدك وأطرافك وخالياك‪ ,‬إىل‬
‫الرؤية الداخلية واخلارجية‪:‬‬
‫إن جسم اإلن��س��ان ص��ورة طبق األص��ل عن أن تصل إىل فضائك الداخلي‪ .‬كرر هذا مع كل‬
‫ه��ذا الكون‪ .‬ففي جسدنا أيضاً املاء‪ ,‬اهلواء‪ ,‬نفس تأخذه دون الرتكيز على اتباع التفاصيل‬
‫احلرارة‪ ,‬العناصر واملعادن‪ ,‬اخلاليا‪ ,‬الطاقة ذاهتا يف العودة إىل نقطة االبتداء‪.‬‬
‫اإلليكرتمغناطيسية‪ ,‬الذبذبات‪ ,‬الفضاء‪,‬‬
‫إن ه��ذا سيمكننا م��ن تكوين رؤي��ة تأملية‬
‫والباليني من الذرات اليت هي فارغة مبعظمها حلقيقة ذاتنا الكونية و بتقربٍ أكرب معها‪.‬‬
‫من الداخل‪.‬‬
‫وكل ما تأملنا بأنفسنا وجدنا فضاءً داخلياً‬
‫الرؤية اخلارجية‪:‬‬
‫يفضل بعض الناس هذه الطريقة يف التأمل‪.‬‬
‫أعمق وأعمق وأب��ع��اداً ال تنتهي‪ .‬فهذه الرؤية‬
‫الداخلية تتشابه إىل حدٍ كبري مع هذه الرؤية فمن خالل هذه الطريقة تبقى اجلفون نصف‬
‫اخلارجية اليت خنتربها خالل رحالتنا الروحية مغلقة‪ ,‬بدون الرتكيز البصري أو السمعي على أي‬
‫إىل البعد اآلخر‪ .‬فكما أن طبيعة جلدنا مكونة شيء أرضي أو بيئي حتديداً‪ ,‬إمنا فقط الرتكيز‬
‫ب��إب��داع لتتناغم م��ع أج���واء جسدنا الداخلي على هذه املقدرة يف مساع صوت الذي ال صوت‬
‫واخل��ارج��ي ب��زم��نٍ واحد‪ ,‬ف��إن أنفسنا مكونة له‪ ,‬ورؤية الشكل الذي ال شكل له‪ .‬إهنا عبارة‬
‫بشفافية فائقة لتتناغم مع العامل الداخلي عن رحلة روحية تدخل أحاسيسنا من خالهلا‬

‫‪156‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يف مسارات فضائية جمرية للشمس والكواكب‬
‫والنجوم‪ ,‬لنعود كاألطفال ال��رض��ع ال��ذي��ن مل‬
‫يتسن هلم بعد أن ينسوا عاملهم الروحي الذي‬
‫أتوا منه‪ .‬ولكن سيحتاج منا هذا إىل الكثري من‬
‫الوعي‪ ,‬والتبصر واخلروج من العامل اجلسدي‬
‫وأحاسيسه املادية‪.‬‬

‫ذبذباته يف مكاهنا لبضع دقائق قبل أن تتحرك‬
‫وتلحق به أو تتبدد‪.‬‬
‫إن هذا البعد الروحي لألشياء املادية سيفتح‬
‫لنا آف��اق�اً نتخطى هبا املفهوم امل��ادي للصحة‬
‫وامل���رض‪ .‬إمن��ا سيكون عندنا رؤي��ة متكاملة‬
‫لألمور املادية والروحية معاً مما سيجعلنا أكثر‬
‫تفهماً وأكثر وضوحاً يف التعامل الواعي معها‪.‬‬
‫وهذا ينطبق أيضاً على حاسة السمع والتذوق‪.‬‬
‫فمثالً مع عملية املضغ اليت نقوم هبا ملختلف‬
‫أنواع األطعمة‪ ,‬تذوب هذه األطعمة تاركة وراءها‬
‫ذبذباهتا يف فمنا‪ ,‬حيث سيكون هلذه الذبذبات‬
‫طعم وإح��س��اس بغض النظر عن نوعية هذا‬
‫الطعام ومكوناته الغذائية‪.‬‬

‫اإلحساس بالعامل اآلخر‪:‬‬
‫ميكننا استعمال ك� ٍل من حواسنا اخلمس‬
‫لتحفيز وع��ي��ن��ا وم��ق��درات��ن��ا ع��ل��ى اإلحساس‬
‫بالعامل اآلخ��ر‪ .‬فبالتأمل وال��رؤي��ة اخلارجية‪,‬‬
‫سيكون تركيزنا غري حمصو ٍر على الشكل املادي‬
‫للصورة‪ ,‬إمن��ا على الصورة الكاملة املتكاملة‬
‫حلقيقة األشياء‪ ,‬ألننا سنتحسسها ككتلة من‬
‫الذبذبات‪ .‬فهذه ستكون البداية بالنسبة لنا‬
‫احملبة والعدالة‪:‬‬
‫لرؤية اهلالة البشرية أو احلقل الذبذبي الذي‬
‫إن احمل��ب��ة وال���ع���دال���ة مه���ا حالتان‬
‫حييط باجلسد‪ .‬فعندما يتحرك اجلسد تبقى مكملتان لبعضهما البعض‪ .‬فاإلفراط يف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪157‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫احملبة وحدها ستفسد التوازنات العاطفية‬
‫عند البشر‪ ,‬أما العدالة بدون حمبة فستكون‬
‫ع��دال��ة ال رمح��ة فيها وال إنسانية‪ .‬م��ع هذا‬
‫ال��ت��وازن اإلجي��اب��ي للمحبة وال��ع��دال��ة سرتسخ‬
‫وتقوي الصالة احلميمة وال��رواب��ط احلقيقية‬
‫بني أبناء هذه األرض‪.‬‬
‫لذا جيب علينا التعامل مع أخوتنا البشر‬
‫بكل حمبة وعدالة‪ ,‬ألننا جزء ال يتجزأ من هذا‬
‫العامل الكوني الذي ال مييز بني إنسا ٍن وآخر‪.‬‬
‫إن اإلن��س��ان ال���ذي يبخل على أخ��وت��ه البشر‬
‫التواقني للعلم واملعرفة سيصاب حتماً بالغرور‬
‫واالستكبار‪ ,‬ما سينعكس يف مرحلة من املراحل‬
‫سلباً عليه وعلى البيئة البشرية أمجع‪ .‬فعلى‬
‫سبيل املثال‪ ,‬من الضروري أن يتعلم اجلميع‬
‫فن الطبخ الصحي واألك��ل الطبيعي‪ .‬علماً أن‬
‫هذا لن يستغرق أكثر من ستة أشهر من جممل‬
‫حياتنا األرضية‪ ,‬لكنه سيساعدنا على نشر‬
‫األلفة واحملبة والسالم والسعادة والصحة يف‬
‫عاملنا هذا‪.‬‬
‫إن «سر التكوين» هلذه احلياة هو نتيجة هذا‬
‫الدفق اهلائل من الطاقة السماوية واألرضية‬
‫معاً‪ .‬فالشمس متدنا باستمرار بدفق من هذه‬
‫الطاقة اللولبية اليت يعرفها العلماء بالرياح‬
‫الشمسية اليت تتصادم مع احلقل املغناطيسي‬
‫لكوكب األرض‪ ,‬مما ينتج عنها ه��ذه الطاقة‬
‫امل��رئ��ي��ة اهل��ائ��ل��ة أو ه��ذه اهل��ال��ة اجلميلة اليت‬
‫حتيط بكوكب األرض وتشع منه ن��وراً‪ .‬فعلماء‬
‫الفلك على علم حبقل هذه الطاقة املرئية واليت‬
‫يصفوهنا باجلو املغناطيسي لألرض‪ .‬هلذا نقول‬
‫إن الكون يف حالة تكونية أبدية مستمرة منذ‬
‫األزل‪ ,‬فهو يكون نفسه بنفسه‪ ,‬وكما أن ليس له‬
‫بداية‪ ,‬فهو بالطبع ليس له هناية‪.‬‬
‫إن الطاقة املنبعثة من الشمس تفوق الطاقة‬
‫املنبعثة من األرض بسبع مرات‪ .‬هذا ما يدفع‬
‫بالطاقة األرضية إىل التجمع والبقاء يف حميطها‬

‫‪158‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يف أسفل البطن‪ ,‬عندها سرتتفع حرارة اجلسم‬
‫نسبياً‪.‬‬
‫بينما إذا حاولنا الرتكيز على الطاقة األرضية‬
‫املوجودة يف اجلزء األعلى من جسدنا بطريقة‬
‫أكثر «ين‪ »,‬ه��ذا م��ا سيجعل احل���رارة تتبدد‪,‬‬
‫وبالتايل ستنخفض حرارة اجلسم نسبياً‪.‬‬
‫ففي جسمنا هذا‪ ,‬ه��ن��اك نقطة مركزية‬
‫للطاقة م��وج��ودة يف أع��م��اق منطقة املصران‬
‫الرفيع واليت تقع حتت موضع ال ُسٌرة مباشرةً‬
‫وتسمى بال»هارا‪ »,‬فهي ترتاسل مع النقطة‬
‫املركزية العليا للطاقة امل��وج��ودة يف املنطقة‬
‫الوسطية من الدماغ‪ ,‬أي يف اجلزء األعلى من‬
‫اجلسم‪.‬‬

‫اجل��وي ال��ذي يدعونه العلماء باحلقل اجلوي‬
‫املغناطيسي لألرض والذي يشبه رأس اإلنسان‪.‬‬
‫كما أن الطاقة املنبعثة من جمرة درب باب اللبانة‬
‫تفوق الطاقة املنبعثة من نظامنا الشمسي هذا‬
‫بسبع مرات‪ ,‬مما يشكل أيضاً حقالً هائالً من‬
‫الطاقة اإلليكرتومغناطيسية واليت إذا ما نظرنا‬
‫إليها بشكلها املتكامل سوف حنصل على جسم‬
‫كامل من الطاقة (هالة) يشبه جسم اإلنسان‬
‫بشكله‪ .‬هذا ما يفسر القول الشهري الذي ينص‬
‫على أن اهلل خلق اإلنسان‪ ‬على صورته ومثاله‪.‬‬
‫هلذا نقول إن اإلنسان جزء ال يتجزأ من هذا‬
‫النظام الكوني الذي هو نظام اهلل الكوني بكل‬
‫موضوعية وبساطة‪ ,‬حيث هناك سبعة أبعاد‬
‫هل��ذا ال��ع��امل ال��روح��ي ال��ذي ننتقل م��ن خالله‬
‫كضمري كوني يف هذا الوجود األعظم لنتجسد‬
‫لرفع حرارة اجلسم‪:‬‬
‫وننمو ونتطور إىل أن نصل ونتحد مع الالهناية‬
‫إج��ل��س على األرض بشكل زه���رة اللوتس‬
‫ونعيش هذه احلالة اليت نسميها «الالهنائية النصفية‪ ,‬حافظ على ظهر مستقيم وأكتاف‬
‫اإلهلية‪».‬‬
‫منفتحة ورقبة مرتاحة وتنفس هاديء وطبيعي‪.‬‬
‫ضع كفيك على اجلزء األعلى من األوراك يف‬
‫وضعية منفتحة ومرحية ال تتعدى ‪ 45‬درجة‪ ,‬ثم‬
‫مشاهدة املاضي و املستقبل‬
‫قم بوضع مؤخرة كف اليد اليسرى يف كف اليد‬
‫لقد تعجب الكثري من الباحثني املعاصرين اليمنى اىل أن يتالمس اإلهبامان مع بعضهما‬
‫وذهلوا مبقدرة هؤالء «اليوغيز» الذين كوٌنوا البعض‪.‬‬
‫م��ق��درة ذات��ي��ة للتحكم غ�ير الطوعي بأعمال‬
‫أغ��ل��ق جفونك وح���اول أن ال تفكر بشيء‬
‫جسدية مميزة يقومون هبا من خالل ممارسة أو تعطي انتباهك ألي ص��وت ميكن مساعه‬
‫«التأمل»‪.‬‬
‫وأنت يف هذه الوضعية‪ .‬دع تنفسك اآلن ينبع‬
‫فمن املمكن أن نكوٌن ونطور مثل هذه املقدرات هبدوء من أسفل البطن بطريقة أعمق وأطول‪,‬‬
‫إذا تعرفنا على حقيقة مفاعيل الطاقة الكونية خصوصاً يف مرحلة الزفري‪ ,‬مرمناً «ن ن ن»‬
‫«ال�ين» و»اليانغ‪ ».‬فمثالً‪ ,‬إذا أردن��ا أن نغري يف بصوت واثق وأكيد مع كل مرة تقوم هبا بالزفري‪.‬‬
‫حرارة جسدنا إىل األعلى أو األدنى‪ ,‬جيب أن كرر هذة الرتنيمة األكثر «يانغ» لعشر أو عشرين‬
‫نعرف أن للحرارة الدافئة مفاعيل أكثر «يانغ‪ »,‬مرة‪ ,‬حيث ستشعر بعدها بقليل بدفء خفيف‬
‫وللباردة أكثر «ين‪».‬‬
‫يف حسدك‪.‬‬
‫فإذا أردنا رفع حرارة جسدنا‪ ,‬جيب أن حنول‬
‫ف��م��ع مم��ارس��ت��ك امل��ت��ك��ررة هل���ذه الطريقة‬
‫جسدنا اىل حالة أكثر «يانغ» من خالل الرتكيز وإت��ق��ان��ك لطريقة التنفس ه���ذه اليت‬
‫على الطاقة السماوية املنحدرة علينا واملوجودة تعترب أكثر «يانغ‪ »,‬ستستطيع رفع حرارة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪159‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جسدك بسهولة أكرب عندما تريد ذلك‪.‬‬
‫لتخفيض حرارة اجلسم‪:‬‬
‫إج��ل��س على األرض بشكل زه���رة اللوتس‬
‫النصفية‪ ,‬حافظ على ظهر مستقيم وأكتاف‬
‫منفتحة ورقبة مرتاحة وتنفس هاديء وطبيعي‪.‬‬
‫ضع كفيك على اجلزء األعلى من األوراك يف‬
‫وضعية منفتحة ومرحية ال تتعدى ‪ 45‬درجة‪ ,‬ثم‬
‫قم بوضع مؤخرة كف اليد اليسرى يف كف اليد‬
‫اليمنى إىل أن يتالمس اإلهبامان مع بعضهما‬
‫البعض‪.‬‬
‫أغلق جفونك نصفياً وح���اول أن ال تفكر‬
‫ب��ش��يء أو تعطي انتباهك ألي ص��وت ميكن‬
‫مساعه وأن��ت يف ه��ذه الوضعية‪ .‬افتح فمك‬
‫قليالً وابقه مفتوحاً‪ ,‬ثم دع تنفسك اآلن ينبع من‬
‫اجلزء األعلى من حسمك‪ ,‬أي من الفم واألنف‬
‫معاً‪ ,‬مركزاً هذه املرة على أمهية شهيق هادىء‬
‫ومطول باالجتاه العلوي للرأس وزف�ير قصري‬
‫وع��ادي‪ .‬إن هذا يسمح بدخول كمية أكرب من‬
‫األوكسجني الذي هو أكثر «ين» إىل اجلسم‪.‬‬
‫األن‪ ,‬تصور يف خميلتك أن هذا اهلواء الذي‬
‫تستنشقه يصعد إىل املنطقة املركزية من الدماغ‬
‫ليخرج بالكامل من أعلى الرأس‪ .‬ميكنك أيضاً‬
‫نفخ الصدر ومده إىل األمام بالتزامن مع قيامك‬
‫بعملية الشهيق هذه‪ .‬إذ إن هذه املرة لن حتتاج‬
‫إىل الرتنيم‪ .‬فمع متابعتك هلذه الطريقة‪ ,‬ستشعر‬
‫ب�برودة يف أك��ف األيدي‪ ,‬حيث ستشعر الحقاً‬
‫بالربودة يف أطرافك وباقي أحناء جسمك‪.‬‬
‫ميكنك أي��ض �اً مم��ارس��ة ه��ذه الطريقة يف‬
‫ال��ت��ن��ف��س وأن����ت م��س��ت��ل��قٍ ع��ل��ى ظ��ه��رك‪ .‬فمع‬
‫ممارستك امل��ت��ك��ررة هل��ذه الطريقة وإتقانك‬
‫لطريقة التنفس ه��ذه ال�تي تعترب أكثر «ين‪»,‬‬
‫ستستطيع إبطاء نبضات قلبك‪ ,‬وبالتايل خفض‬
‫ضغط الدم وحرارة اجلسم عام ًة بسهولة أكرب‬
‫كلما شئت ذلك‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫املاضي واحلاضر‪:‬‬
‫إن التحكم حبرارة اجلسم أمر حبد ذاته قد‬
‫ال يثري اهتمامنا بدرجة كبرية‪ .‬لكنه من التمارين‬
‫الروحية التمهيدية املهمة ال�تي تساعدنا يف‬
‫الرتكيز على مشاهدات املاضي واملستقبل‪ .‬ففي‬
‫الفصل الثاني من هذا الكتاب سبق وأن شرحنا‬
‫عن هذه الطريقة الواعية «التأمل» يف إظهار‬
‫حقيقة ال��رؤي��ة الداخلية وال��رؤي��ة اخلارجية‬
‫وأحاسيسنا هب��ذا ال��ع��امل ال�لا حم���دود ببعده‬
‫الشاسع‪.‬‬
‫أما اآلن‪ ,‬سنتعلم سوياً هذه الطريقة الواعية‬
‫يف العودة والتقدم هبذا العامل الال حمدود ببعده‬
‫الزمين‪ .‬فمع العودة إىل ماضينا‪ ,‬سنتمكن من‬
‫رؤي��ة طفولتنا وحياتنا السابقة‪ .‬وم��ع ظهور‬
‫املستقبل لنا‪ ,‬سيمكننا رؤي��ة ما هو أبعد من‬
‫حياتنا احلاضرة هذه‪ .‬إذ إن هذه املمارسات‬
‫«التأملية» ستساعدنا على تطوير قدراتنا‬
‫ال��ف��ردي��ة يف ال��ك��ش��ف ع��ن ح��ي��ات��ن��ا السابقة‬
‫والالحقة‪.‬‬
‫إن الالهناية حتيط بعاملنا الفيزيائي هذا من‬
‫كل جوانبه‪ ,‬لكن اهتماماتنا اإلنسانية عموماً‬
‫حمصورة يف هذه النقطة املتناهية يف الصغر‬
‫املتعلقة بأمهية املكان والزمان‪ .‬يف الواقع‪ ,‬إن‬
‫املاضي‪ ,‬احلاضر واملستقبل موجودون يف كل‬
‫حلظة نعيشها بأكملها يف حياتنا هذه‪.‬‬
‫إن وعينا هلذه السلسلة املتواصلة من الصور‬
‫وامل��ش��اه��دات ه��و آم��ر حمدود‪ ,‬لكنه ك��ث�يراً ما‬
‫يعتمد على نوعية التبصر واإلدراك احلسي‬
‫الذي يتحلى به هذا الفرد‪.‬‬
‫فإذا كانت أحاسيسنا شفافة مبا فيه الكفاية‪,‬‬
‫سنستطيع مثالً التحسس بأشكال الطاقة‬
‫هلؤالء األشخاص الذين كانوا يف غرفة ما بعد‬
‫مغادرهتا بوقت قليل‪ .‬سيمكننا متييز عدد‬
‫األشخاص وما كانوا بصدده من أشكال الطاقة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫الفضاء أو هذا املستقبل‪ ,‬أي على مسافة آالف‬
‫األميال من هذا احلاضر‪ .‬كما أن كل ما نفكر‬
‫به أو نفعله يبقى ورائنا بشكل ذبذبات‪ ,‬بينما‬
‫نستمر حنن دائماً اىل األمام باجتاه املستقبل‪.‬‬
‫إن ال��ع��ق��ل ه���و مب��ث��اب��ة ه���وائ���ي جلهازين‬
‫طبيعيني‪.‬‬

‫اليت بقيت وراءهم يف الغرفة‪ .‬فليس هناك شيء‬
‫غامض أو مستغرب يف هذه الظاهرة‪ ,‬ألنه آمر‬
‫دنيوي وحمكوم مبفاعيل نظام هذا الكون وهذه‬
‫الطبيعية‪.‬‬
‫لقد مت تطوير آلة تصوير الستجالء نوعية‬
‫ال��ذب��ذب��ات حب��س��اس��ي��ة ف��ائ��ق��ة نستطيع من‬
‫خالهلا تصوير األشكال الذبذبية أو الطاقة‬
‫اإلليكرتومغناطيسية ل�لأف��راد ال��ذي��ن متت‬
‫‪ )1‬اجلهاز العصيب املستقل والذي هو «يانغ‪».‬‬
‫مغادرهتم الغرفة منذ وقت قصري‪ ,‬لتظهرهم (ذكر‬
‫على فيلم بشكل أشباح‪.‬‬
‫‪ )2‬جهاز األدراك أو الوعي‪ ,‬مبا فيه الطبقة‬
‫إن األرض والنظام الشمسي واجملرة بأكملها اخلارجية للعقل والذي هو «ين‪ (».‬أنثى)‬
‫يف حالة حركة دائمة‪ .‬فبعد اثنيت عشرة ساعة‬
‫مع هاتني امليزتني هلذا اجلهاز الالقط‪,‬‬
‫سيكون م��وق��ع غرفتك مب��ك��ان آخ��ر م��ن هذا نستطيع ال��ت��ق��اط امل��اض��ي واملستقبل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪161‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املوجودين على مسافة ماليني األميال من‬
‫حاضرنا‪ .‬ولكن مع تطور وعينا بشكل شفاف‬
‫ومرن‪ ,‬سنرى ص��ورة احل��ي��اة بشكلها األنقى‬
‫واألوسع‪.‬‬
‫إن العقل هو بالتأكيد أكثر شفافية من كل‬
‫حمطات اإلرسال والتلفزة‪ .‬فالذاكرة هي كناية‬
‫عن التقاط العقل لذبذبات وىل زمنها ومكاهنا‪.‬‬
‫وك��ل م��ا متتعنا بصحة سليمة وصحية كلما‬
‫وضحت الصورة لدينا جملريات املاضي وتوقعات‬
‫املستقبل‪ ,‬فتتكون الصور يف ذهننا بقوة طاردة‬
‫لولبية من املركز‪ .‬فاألحداث اآلنية ستتبدد مع‬
‫الوقت لكي تصبح يف البدء موج ًة طويلة‪ ,‬ثم‬
‫موج ًة قصرية‪ ,‬لتتسارع باستمرار وتنحل لتسري‬
‫حبركة وسرعة الهنائية لتصبح أخرياً الالهناية‬
‫نفسها‪.‬‬
‫ميكننا القول إن املستقبل يتجه حنونا أو‬
‫حن��ن م��ن يقرتب منه‪ .‬هل��ذا نتفق على أن أي‬
‫من هذين الوصفني هو صحيح‪ .‬فمع وحدة‬
‫الالهناية‪ ,‬تتكون ص��ور املستقبل من النسيج‬
‫الذي تشكله أحداث املاضي‪ ,‬علماً أن املاضي‬

‫‪162‬‬

‫واملستقبل مه��ا يف م��ك��ان وزم���ان متناقضني‬
‫ومتباعدين‪ .‬ولكن كل هذا حيدث باسم النظام‬
‫الكوني الذي ينسجم ويتناغم مع حركة «الني»‬
‫و «اليانغ» اللذين يشكالن هذه القوة الكونية‬
‫املطلقة لوحدة الالهناية‪.‬‬
‫فاملاضي موجود يف عامل الروح أو الذبذبات‬
‫بكل سلبياته وإجيابياته‪ ,‬أي أننا سنكون بعيدين‬
‫أالف األميال عن ذلك املاضي لكننا سنكون‬
‫موجودين وفاعلني بشكلنا الروحي والواعي‪.‬‬
‫ف��م��ع ك��ل خ��ط��وة خن��ط��وه��ا يف س��ي��اق الزمان‬
‫واملكان سنرتك صورتنا احلالية وراءن��ا ونسري‬
‫ق��دم�اً ب��اجت��اه املستقبل لتكتشف م��ا نسميه‬
‫ونعرفه باحلاضر اجلديد‪ .‬فاملاضي واملستقبل‬
‫مرتبطان بشكل أساسي وحيوي مع احلاضر‪.‬‬
‫هلذا نقول إن احلاضر هو أهم حلظة يف حياتنا‬
‫ألننا من خالله سنتمكن من فهم املاضي ورؤية‬
‫املستقبل الذي يتجه حنونا‪ ,‬هذا إذا كنا نتمتع‬
‫مبا فيه الكفاية من وضع صحي وسليم‪.‬‬
‫فمع وجود هذا املستقبل الدائم يف حياتنا‪,‬‬
‫ميكننا تغيريه أو حتويله بتغيري أو حتويل ما يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫أنفسنا من نوايا‪ ,‬أفكار‪ ,‬وأعمال ألهنا ستجذب‬
‫إليها حكماً ظروفاً وأنواعاً معينة من التجارب‬
‫واخل�ب�رات املستقبلية ال�تي كنا قد توخيناها‬
‫ألنفسنا يف خضم حلظات حاضرنا‪.‬‬
‫إن تصنيف املاضي هو «يانغ» كما أن تصنيف‬
‫املستقبل هو «ين‪ ».‬هلذا‪ ,‬عند الوالدة أول ما نقوم‬
‫به مجيعاً هو الزفري الذي هو أكثر «يانغ‪ ».‬أما‬
‫عند الوفاة أو االنتقال آخر ما نقوم به مجيعاً‬
‫مشاهدة املستقبل‪:‬‬
‫هو الشهيق بعمق لبضع مرات متتالية والذي‬
‫للعبور إىل املستقبل حنتاج إىل جعل أنفسنا‬
‫هو أكثر «ين» قبل أن ينفصل اجلسد الذبذبي أكثر «ي��ن‪ ».‬فعندما نفارق احلياة الفيزيائية‬
‫أو اجلسد الواعي عن ذاته الفيزيائي‪.‬‬
‫مثالً‪ ,‬خيرج جسدنا الذبذبي أو الروحي من‬
‫مؤخرة الرأس أو أعلى الرقبة حتديداً ليطوف‬
‫إىل األعلى يف هذا اجملال الذبذبي لعامل األرض‬
‫مشاهدة املاضي‪:‬‬
‫م��ب��اش��رةً بعد ال����والدة ي��ب��دأ وعينا للحياة قبل أن ينتقل ويعود إىل عامل الالهناية‪.‬‬
‫هلذا‪ ,‬أغلق جفونك واجلس يف الوضعية‬
‫السابقة بالتالشي والزوال‪ ,‬خصوصاً بعد‬
‫االلتئام الكلي للبقعة الطرية املوجودة يف أعلى التأملية االعتيادية واجعل تنفسك أكثر «ين»‬
‫مججمة ال���رأس عند ك��ل حديثي ال����والدة أو أي أك��ث��ره شهيقاً ب��االجت��اه العلوي للرأس‪.‬‬
‫األطفال‪ .‬فللعقل ذاكرة ميكن حتفيزها بتناولنا ستنخفض حرارة جسدك ويصبح بارداً بعض‬
‫السليم لألغذية الطبيعية والصحية والنشاط ال��ش��يء‪ .‬ختيل جسدك الذبذبي أو الواعي‬
‫املستديم‪ .‬أما للوعي صور ورؤية ميكن حتفيزه وهو ينفصل عن جسدك الفيزيائي‪ ,‬مسلماً‬
‫بالتأمل املعمق والتنفس السليم‪ .‬هلذا نقول إن ذاتك بالكامل ألي رؤية أو صورة قد تتطور‬
‫مقدرتكم على تصور ورؤية املاضي يعتمد بشكل من خاللك بثقة وحرية وطمأنينة‪ .‬من املمكن‬
‫كبري على وضعكم السليم والصحي‪ .‬فإذا كنتم أن ت��رى شيئاً يشبه الضباب‪ ,‬ن��ورٌ أو ألوان‬
‫مثالً من آكلي السكاكر أو اللحوم أو املشتقات ساطعة‪ .‬حافظ على تنفس عميق وهاديء‪,‬‬
‫احليوانية فسوف تشهدون وختتربون الكثري من بعد عدة دقائق من هذه الوضعية يف التأمل‬
‫األوهام واألحالم‪.‬‬
‫سرتى جسدك جامثاً حتتك‪ ,‬عد إىل احلاضر‬
‫أغلق جفونك واجلس يف الوضعية التأملية وادخل إىل جسدك هبدوء‪ ,‬ثم قم بفتح جفنيك‬
‫اإلعتيادية واطلق العنان لذاكرتك بالرجوع ثاني ًة‪.‬‬
‫ميكنكم التنفس اآلن بطريقة أكثرها زفرياً‬
‫التدرجيي اىل فرتة طفولتك‪ ,‬ثم اىل فرتة وجودك‬
‫مع ترديد الصوت «أو» لرفع ح��رارة اجلسم‬
‫يف رحم أمك‪ ,‬اىل أن تذوب هويتك احلالية‪.‬‬
‫إجعل تنفسك اآلن أكثر «يانغ» أي أكثره زفرياً جم���دداً‪ .‬أو ميكنكم التصفيق بشكل بطيء‬
‫نابعاً من مركز الشاكرا الثانية من األسفل أو ومتقطع يف ب��داي��ة اآلمر‪ ,‬ث��م ب��وت�يرة أسرع‬
‫ومتتالية إىل أن تصلوا للوضعية السابقة اليت‬
‫«اهلارا» إىل أن يصبح جسدك أكثر دفئاً‪.‬‬
‫أطلق العنان ملخيلتك اآلن لفرتة مخس دقائق كنتم عليها قبل دخولكم يف ه��ذه التجربة‬
‫بدون أي نية للتدخل أو التغيري يف أي صورة أو اخلاصة والفريدة من نوعها‪.‬‬
‫لون أو رؤية قد تنكشف لك‪ .‬ثم عد اىل رحم‬
‫أمك كبويضة ملقحة‪ ,‬جنني‪ ,‬طفل يلعب ويكرب‬
‫إىل أن تعود بالكامل إىل حاضرك هذا وباشر‬
‫يف فتح جفونك بالكامل‪ .‬فمع ممارستك الدائمة‬
‫هلذا النوع من التأمل‪ ,‬ستتطور مقدراتك بشكل‬
‫سيادي وواثق‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪163‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تطور الخطوط (الكتابة العربية) وأهــــــ‬

‫كانت بداية حتول اخلط العربي من الشكل‬
‫الكويف إىل الشكل الذي هو عليه اآلن على يد‬
‫األحول احملرر‪ ،‬الذي كان من صنائع الربامكة‪.‬‬
‫وك���ان حي��رر الكتب ال��ن��اف��ذة م��ن اخلليفة‬
‫إىل م��ل��وك األط����راف‪ ،‬ورمب���ا م��ن ك��ان الرجل‬
‫هو إبراهيم بن عبد اهلل بن الصبّاح بن بشر‬
‫السّعدي‪ .‬وك��ان إخوته وأب��ن��اؤه كما يذكر ابن‬
‫النديم وي��اق��وت احل��م��وي (( يف هن��اي��ة حسن‬
‫اخل��ط واملعرفة بالكتابة)) ثم ج��اء من بعده‬
‫الوزير أبو علي حممد بن علي احلسن بن مقلة‬
‫وزير املقتدر والقاهر‪ ،‬واملتويف سنة ‪ 328‬هـ ‪.‬‬
‫‪ 940‬م ‪ .‬الذي انتهت إليه وأخيه أبي عبد اهلل‪،‬‬
‫جودة اخلط وحتريره على رأس الثالمثئة كما‬
‫يقول القلقشندي‪ ،‬وإن بقي فيه تكويف ماحسب‬
‫الصفدي يف كتابه ((الوايف))‪.‬‬
‫وقد تزعمت بغداد عملية تطوير الكتابة‬

‫‪164‬‬

‫العربية كما ي��ذك��ر اب��ن خ��ل��دون يف مقدمته‬
‫الشهرية يقول‪ (( :‬خالفت أوضاع اخلط ببغداد‬
‫أوضاعه يف الكوفة‪ ،‬يف امليل إىل إجادة الرسوم‬
‫ومجال الرونق وحسن الرواء‪ ..‬وقد رفع رايتها‬
‫ببغداد علي بن مقلة ثم ت�لاه علي بن هالل‬
‫الكاتب الشهري بابن البواب‪ ،‬ووقف سند تعليمها‬
‫يف املئة الثالثة وما بعدها‪ ،‬وبعدت رسوم اخلط‬
‫البغدادي وأوضاعه عن الكوفة حتى انتهت إىل‬
‫املباينة))‪.‬‬
‫ويعد اب��ن مقلة أول من هندس احلروف‬
‫وق �دّر مقاييسها وأبعادها بالنقط وضبطها‬
‫ضبطاً حمكماً‪ ،‬واستخلص من األقالم املوجودة‬
‫س��ت��ة أق��ل�ام ه���ي‪ :‬ال��ث��ل��ث وال��ن��س��خ‪ ،‬التوقيع‬
‫والرحيان واحمل ّقق والر ّقاع‪ .‬وميكن اعتبار ابن‬
‫مقلة منشيء اخلط املنسوب‪ ،‬وكانت طريقته‬
‫هي إكساب كل حرف من حروف اهلجاء نسبة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ـــــــــــــــــــــم روادها (رواده) عبر الزمان‬
‫د‪ .‬صاحل خضور‬

‫حم��ددة إىل ح��رف األل��ف‪ ،‬ما أدى إىل تنظيم‬
‫قياسي دقيق للحروف اهلجائية‪.‬‬
‫ووص��ف الثعاليب يف كتابه ((مث��ار القلوب‬
‫يف املضاف وامل��ن��س��وب)) خط اب��ن مقلة بأنه‬
‫مضرب املثل يف احلسن‪ ،‬ألنه أحسن خطوط‬
‫الدنيا‪ .‬ويذكر ابن النديم أنه رأى مصحفاً خبط‬
‫بن مقلة‪ .‬ومرة أخرى كرر الثعاليب املتويف سنة‬
‫‪429‬هـ‪ .‬يف كتابه املشار إليه أعاله‪ ،‬أن ابن مقلة‬
‫((كتب كتاب هدنة بني املسلمني والروم خبطه‪،‬‬
‫وهو إىل اليوم عند الروم يف كنيسة قسطنطينية‪،‬‬
‫يربزونه يف األعياد ويعلّقونه يف أخ��ص بيوت‬
‫العبادات ويعجبون من فرط حسنه‪ ،‬وكونه غاية‬
‫يف فنه))‪.‬‬
‫ولكن لألسف الشديد مل يصل إلينا أي أثر‬
‫من آثار بن مقله اليت خطها بيده‪ .‬وجاء بعده أبو‬
‫احلسن علي بن هالل البغدادي الكاتب املعروف‬

‫بابن البواب‪ ،‬يف أوائل القرن اخلامس بإكمال‬
‫قواعد اخلط العربي وهندسته وأمتها واخرتاع‬
‫غالب األقالم اليت بدأها ابن مقله وخاصة يف‬
‫النسخ والثلث وهذهبما وصححهما‪ .‬وكان ابن‬
‫البواب يف أول أمره كما يقول ياقوت ((مزوّقاً‬
‫يصوّر الدور ثم صوّر الكتب ثم تعاطى الكتابة‪،‬‬
‫ففاق فيها املتقدمني وأعجز املتأخرين‪.‬‬
‫ويقول روبرتسون‪ ،‬أن ابن البواب الذي جاء‬
‫بعد بن مقله حبوايل قرن من الزمان هو الذي‬
‫أضفى على الكتابة العنصر الفين ال��ذي كان‬
‫يفتقر إليه اخلط املنسوب ال��ذي ابتدعه ابن‬
‫مقله‪ .‬ويقول أحد الكتّاب أن ابن البواب‪ ،‬قد فاق‬
‫جيل اخلطاطني الذين سبقوه بفضل موهبته‬
‫ومهارته يف خمتلف أنواع اخلطوط‪ ،‬وأن الذين‬
‫حاولوا تقليده بعد ذلك مل يفلحوا إال يف‬
‫نوع واحد أو نوعني من الكتابة كما يذكر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪165‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫خليل حم��م��ود عساكر يف مقالة عنواهنا‬
‫((رس��ال��ة الكتابة امل��ن��س��وب��ة)) نشرهتا جملة‬
‫املخطوطات العربية سنة ‪ .1955‬وم��ن آثار‬
‫ابن البواب‪ ،‬رسالة يف اخلط وأخرى يف أصول‬
‫الكتابة ويرى القلم‪ ،‬يوجد منها نسخة يف مكتبة‬
‫رف��اع��ة الطهطاوي بسوهاج برقم ‪ 24‬فلك‪،‬‬
‫وي��روى أن��ه نسخ املصحف أربعاً وستني مرة‪،‬‬
‫إحداها باخلط النسخ ومكتوبة على الورق‬
‫ال تزال حمفوظة يف مكتبة شسرتبيت بدبلن‬
‫حتت رقم ‪ 1431‬كتبت سنة ‪391‬هـ‪1000 – .‬م‬
‫‪ .‬وك��ان��ت وف��اة اب��ن ال��ب �وّاب سنة ‪ 413‬ه��ـ‪ .‬أو‬
‫‪423‬هـ‪.‬‬
‫وقد القت طريقة ابن البوّاب يف الكتابة كثرياً‬
‫من املقلدين ومن بينهم الكثريات من النساء‪،‬‬
‫ّ‬
‫العطار‬
‫منهن فاطمة بنت احل��س��ن ب��ن علي‬
‫املعروفة بـ بنت األق��رع املتوفاة سنة ‪ 480‬هـ‪.‬‬
‫وه��ي ال�تي كتبت اإلت��ف��اق ال��ذي عقد مبوجبه‬
‫اهلدنة بني العباسيني والبيزنطيني‪.‬‬
‫ومن املقلدين الذكور البن البواب‪ - :‬مؤرخ‬
‫حلب الشهري كمال الدين أبو القاسم عمر بن‬
‫أمح��د بن هبه بن أب��ي ج���راده‪ ،‬امل��ع��روف بابن‬

‫‪166‬‬

‫العديم املتويف سنة ‪ 660‬هـ‪1262 = .‬م‪ .‬ويرى‬
‫البعض أن كتابته فاقت كتابة ابن البواب‪ ،‬وبلغت‬
‫الغاية يف اجلودة واإلتقان‪.‬‬
‫ومم��ن اشتهر أيضاً بالكتابة على طريقة‬
‫ابن البوّاب‪ ،‬أبو طالب بن املبارك بن املبارك‬
‫الكرخي املتويف سنة ‪ 585‬هـ‪1189 = .‬م‪ .‬وقد‬
‫ذك��ر ياقوت‪(( :‬مسعت مجاعة حيكون أن��ه مل‬
‫يكتب أحد قبله وال بعده مثله يف قلم ال ّثلث‪))..‬‬
‫ومن املقلدين‪ ،‬أمني الدين ياقوت املوصلي‪،‬‬
‫امل��ت��ويف سنة ‪ 618‬ه��ـ‪ .‬أح��د م���وايل السلطان‬
‫ملكشاه السلجوقي‪ .‬وق��د ذك��ر اب��ن األث�ير يف‬
‫كتابه ((الكامل)) ‪(( .‬مل يكن يف زمانه من يؤدي‬
‫طريقة ابن البواب مثله))‪.‬‬
‫ويشري ابن خلدون يف مقدمته إىل ما طرأ‬
‫على اخلط العربي بعد ابن مقله وابن البواب‬
‫اللذين باعدا بني رسوم اخلط البغدادي وخط‬
‫الكوفة‪ ،‬قائالً‪ (( :‬ثم ازدادت املخالفة بعد تلك‬
‫العصور بتفنن اجل��ه��اي��دة يف إح��ك��ام رسومه‬
‫وأوضاعه حتى انتهت إىل املتأخرين مثل ياقوت‬
‫وعلي العجمي‪ ،‬ووقف سند تعليم اخلط عليهما‪،‬‬
‫وانتقل ذلك إىل مصر وخالفت طريقة العراق‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫بعض الشيء))‪.‬‬
‫ك��ان��ت ب��غ��داد م��رك��زاً لكل ه��ذه التطورات‬
‫على م��دى مخسة ق��رون ثم ج��اء مج��ال الدين‬
‫ياقوت بن عبد اهلل املستعصمي الرومي املتويف‬
‫سنة ‪698‬ه����ـ‪1299 =.‬م‪ .‬امل��ع��روف ب��ـ ((قبلة‬
‫اخلطاطني)) وقد لعب دوراً مهماً يف تطوير‬
‫اخل��ط العربي وجت��وي��ده مضيفاً على اخلط‬
‫كماالً وحسناً‪ ،‬جعلته رائ��داً ملن جاء بعده من‬
‫اخلطاطني‪ .‬وفاقت عظمته مكانة ابن مقلة وابن‬
‫البواب واتسم ّ‬
‫خطه بالرقة والرشاقة‪ ،‬وينسب‬
‫إليه شذب القلم بطريقة جتعل جرّاته الثخينة‬
‫منها والرفيعة‬
‫أك����ث����ر مت���ي���زاً‬
‫وروع���ة‪ .‬وكتب‬
‫ياقوت العديد‬
‫م��ن املصاحف‬
‫وال�������ك�������ت�������ب‬
‫م���ازال بعضها‬
‫حمفوظاً يف دار‬
‫الكتب املصرية‬
‫وامل������ت������ح������ف‬
‫الربيطاني ويف‬
‫مكتبة خزينة‬
‫امللحقة مبتحف‬
‫ط��وب قبو س��راي يف اسطنبول ويف جمموعة‬
‫خليلي يف لندن‪.‬‬
‫وعاصر ياقوت املستعصمي ستة من أساتذة‬
‫اخل��ط اش��ت��ه��روا ب��أهن��م تالميذ ي��اق��وت‪ ،‬وهم‬
‫الذين ا ّتبع طريقتهم اخلطاطون الالحقون يف‬
‫زمن التيموريني والصفويني والعثمانيني‪ .‬وقد‬
‫وصلت إلينا العديد من املصاحف اليت حتمل‬
‫توقيع ه��ؤالء اخلطاطني‪ .‬وأصبح فن اخلط‬
‫مباله من عالقة وطيدة بكل العلوم والفنون‬
‫ب��ع��د ي��اق��وت املستعصمي‪ ،‬س��اح��ة التنافس‬
‫البارزة يف جمال الفنون وفقدت بغداد والعراق‬
‫مكانتها كمركز ريادي يف توجيه فن اخلط بعد‬

‫سقوط اخلالفة‪ .‬ويف القرنني السابع والثامن‬
‫اهلجريني لقى اخلط تقديراً وتشجيعاً عظيمني‬
‫من السالطني والوزراء واألمراء‪ .‬وشهدت مدن‬
‫مثل مشهد وه��راه يف ف��ارس مرحلة تطورت‬
‫فيها صناعة الكتاب‪ ،‬وبلغ فيها اخلط وتذهيب‬
‫الكتاب وتزيينه وجتليده شأناً كبرياً‪.‬‬
‫أم���ا يف م��ص��ر يف ع��ه��د امل��م��ال��ي��ك‪ ،‬فتدل‬
‫الكتابات الكثرية املوجودة على العمائر اململوكية‬
‫واملصاحف الضخمة اليت وصلت إلينا على أهنا‬
‫أصبحت املركز اهلام الثاني بعد بغداد مباشرة‬
‫يف فن اخلط حتى هناية القرن التاسع اهلجري‪.‬‬
‫يقول ابن خلدون‬
‫يف م���ق���دم���ت���ه‬
‫((أن����ه مل��ا أحنل‬
‫ن���ظ���ام ال���دول���ة‬
‫اإلس��ل��ام�����ي�����ة‬
‫وت����ن����اق����ص����ت‬
‫ودرس����ت معامل‬
‫ب��غ��داد ب���دروس‬
‫اخلالفة‪ ،‬انتقل‬
‫ش�������أهن�������ا م���ن‬
‫اخل��ط والكتابة‬
‫ب���ل وال��ع��ل��م إىل‬
‫مصر والقاهرة‪،‬‬
‫فلم ت��زل أس��واق��ه هبا نافقة‪ ،‬ول��ه هبا معلمون‬
‫يرمسون للمتعلم احلروف بقوانني يف وضعها‬
‫وأشكاهلا‪))..‬‬
‫وقد انتشر يف مصر طريقة ابن البواب جنباً‬
‫إىل جنب مدرسة بغداد وم��ا ابتدعه ياقوت‬
‫املستعصمي حتى ظهور املدرسة العثمانية يف‬
‫اخل��ط‪ .‬وم��ن اشهر الذين ح��ذوا ح��ذو ياقوت‬
‫يف مصر شرف الدين أبو عبد اهلل حممد بن‬
‫شريف بن سويف ّ‬
‫الذرعي الدمشقي املعروف‬
‫بابن الوحيد‪ ،‬الكاتب املتويف سنة ‪711‬ه��ـ‪= .‬‬
‫‪1311‬م‪ ،.‬وصار شيخ التجويد يف مصر‪،‬‬
‫ويضرب جبودة خطه املثل‪ .‬وقد قال عنه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪167‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الصفدي يف كتابه ((ال��وايف بالوفيات)) أنه‬
‫صاحب اخلط الفائق والنّظم والنثر‪ ،‬كان تام‬
‫الشكل حسن لبزّه‪ ،‬موصوفاً بالشجاعة‪ ،‬متكلماً‬
‫بعدة ألسن‪ ،‬يضرب املثل حبسن كتابته‪ ))..‬ومن‬
‫مقلدي ياقوت املستعصمي ‪ ،‬زين الدين عبد‬
‫الرمحن بن يوسف الصائغ القاهري املتويف سنة‬
‫‪ 845‬ه��ـ‪1442 =.‬م‪ .‬تعلم اخل��ط املنسوب من‬
‫النور الوسيمي والزمه يف إتقان قلم النسخ حتى‬
‫تفوق عليه فيه‪ ،‬وأحب كذلك طريقة ابن العفيف‬
‫فلكها وف��اق أهل زمانه يف حسن اخل��ط‪ ،‬كما‬
‫يقول السخاوي‪ ،‬ونسخ عدة مصاحف والكثري‬
‫من الكتب والقصائد‪ .‬ووص��ل إلينا خبط ابن‬
‫الصائغ املصحف الذي كتبه للسلطان الناصر‬
‫ف��رج ب��ن ب��رق��وق سنة ‪801‬ه����ـ‪ .‬وه��و حمفوظ‬
‫بدار الكتب املصرية حتت رقم ‪ 11‬مصاحف‪.‬‬
‫ومصحف آخر نسخه سنة ‪814‬هـ‪ .‬ثم آل بعد‬
‫ذلك إىل السلطان املؤيد شيخ احملمودي وهو‬
‫حمفوظ بالدار أيضاً حتت رقم ‪ 16‬مصاحف‪.‬‬
‫كما وضع ابن الصائغ رسالة عنواهنا ((حتفة‬
‫أويل األلباب يف صناعة اخلط والكتاب)) حققها‬
‫هالل ناجي وصدرت عن دار بوسالمة بتونس‬

‫‪168‬‬

‫عام ‪ 1968‬ومن الكتبة أيضاً‪ ،‬حممد بن احلسن‬
‫بن حممد بن أمحد بن عمر ّ‬
‫الطييب الشافعي‬
‫أحد كبار اخلطاطني يف القرن العاشر اهلجري‪،‬‬
‫أخذ الكتابة عن حممد بن كزل العيساوي ومجال‬
‫الدين اهلييت‪ ،‬ووص��ل إلينا خبطه نسخة من‬
‫كتابه ((جامع حماسن كتابة الكتاب ونزهة أوىل‬
‫البصائر واأللباب)) على طريقة ابن البواب اليت‬
‫أخذها بالتسلسل من شيوخه‪ .‬وهذه النسخة‬
‫حمفوظة يف مكتبة ق��غ��وش امللحقة مبتحف‬
‫طوبقبوسراي باسطنبول برقم ‪ .882‬ومنها‬
‫نسخة م��ص��ورة مبعهد املخطوطات العربية‬
‫بالقاهرة برقم ‪ 164‬أدب‪.‬‬
‫أما أهم أنواع اخلطوط اليت كانت شائعة يف‬
‫مصر اململوكية واليت استخدمها اخلطاطون يف‬
‫كتابة املصاحف والرّبعات ووثائق ديوان اإلنشاء‬
‫وسائر املؤلفات األدبية كما ذكر القلقشندي يف‬
‫كتابه صبح األعشى فكانت‪ :‬الطومار وخمتصر‬
‫الطومار‪ ،‬الثلث وخفيف الثلث‪ ،‬التوقيع والرقاع‪،‬‬
‫احملقق والرحيان‪ ،‬الغبار واملنثور واحلواشي‪.‬‬
‫وم��ن أه��م أن���واع اخل��ط��وط املشرقية اليت‬
‫ظ��ه��رت حتى ال��ق��رن ال��ت��اس��ع اهل��ج��ري ووجد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫بعضها استحساناً عظيماً يف مرحلة الحقة‬
‫ه��ي ‪ :‬خ��ط التعليق وخ��ط (النستعليق) أي‬
‫نسخ‪ -‬تعليق‪ .‬وقد نشأ خط التعليق يف إيران‪،‬‬
‫القرن السادس اهلجري واكتسب خصائصه يف‬
‫القرن السابع اهلجري‪ .‬واستخدم هذا اخلط‬
‫ألج��ل امل��ك��ات��ب��ات ال��رمس��ي��ة ومل يستخدم يف‬
‫نسخ الكتب‪ .‬ولكنهم طورا لغرض نسخ الكتب‬
‫نوعاً آخر من اخلط عرف باسم النستعليق‪،‬‬
‫وكان أكثر مطاوعة لذلك واستخدم بكثرة يف‬
‫استنساخ الكتب األدبية وخاصة دواوين الشعر‬
‫وجماميعه‪ ،‬اعتباراً من عصر التيموريني‪ ،‬وعاش‬
‫هذا النوع عصره الذهيب يف إيران حتى القرن‬
‫احلادي عشر اهلجري‪.‬‬
‫أما عن اخلطوط يف عهد السلطنة العثمانية‪،‬‬
‫فقد ظهرت مدرسة جديدة منذ مطلع القرن‬
‫التاسع اهلجري يف فن اخلط‪ .‬تأثرت يف بادئ‬
‫األم���ر مب��درس��ة ي��اق��وت املستعصمي‪ ،‬ولكن‬
‫س��رع��ان م��ا أصبح هل��ا مساهتا اخل��اص��ة اليت‬
‫مهدت السبيل للدخول إىل العصر الذهيب لفن‬
‫اخل��ط‪ ،‬أت��ى على رأسها الشيخ محد اهلل بن‬
‫مصطفى دده‪ ،‬املعروف بالشيخ األماسي ‪-833‬‬
‫‪933‬هـ‪ . 1520 -1429 =.‬وقد أتقن الشيخ محد‬
‫اهلل القالم الستة وهي‪ :‬ال ّثلث والنّسخ واحمل ّقق‬
‫والرحيان والتوقيع والر ّقاع‪ .‬وقد أدخل الشيخ‬
‫محد اهلل على خطي النسخ والثلث إصالحات‬
‫فأضفى عليهما مجاالً باهراً‪ .‬وقد نسخ سبعة‬
‫وأربعني مصحفاً‪ ،‬حتتفظ مكتبات السليمانية‬
‫وطوبقبو سراي باسطنبول‪ ،‬واملتحف الربيطاني‪،‬‬
‫وش��ي��س�تري�تي ب��إي��رل��ن��دا وم��ك��ت��ب��ة الكونغرس‬

‫األمريكي بعدد منها‪ .‬واعتباراً من أوائل القرن‬
‫العاشر اهلجري‪ ،‬أخذ اسلوب الشيخ محد اهلل‬
‫حيتل املكانة اليت كانت لياقوت‪.‬‬
‫وشهد الربع األخري من القرن احلادي عشر‬
‫اهلجري = السابع عشر امليالدي‪ ،‬مرحلة جديدة‬
‫يف تطور اخلط العربي حيث ظهر يف اسطنبول‪،‬‬
‫أس��ت��اذ آخ��ر للخط ه��و احل��اف��ظ عثمان‪ ،‬الذي‬
‫استخرج م��ن أع��م��ال الشيخ مح��د اهلل أسلوباً‬
‫ج���دي���داً‪ .‬ف��ق��د مج��ع ب��ذوق��ه اخل���اص الروائع‬
‫املتفرقة يف كتابات الشيخ وأع��اد إبداعها يف‬
‫كتاباته من جديد‪ .‬حتى ميكن القول‪ ،‬إنه مبجيء‬
‫احلافظ عثمان انقضى عهد الشيح محد اهلل‪.‬‬
‫وهكذا استقرت يف القرن الثاني عشر اهلجري‬
‫= الثامن عشر امليالدي‪ ،‬األقالم الستة املعروفة‬
‫بالطريقة اليت طورها احلافظ عثمان مل تلبث أن‬
‫انتشرت يف أرجاء الوطن العربي عدا املغرب‪ .‬ويف‬
‫أواخر القرن شهد خط ال ّثلث اجلليّ والذي كان‬
‫مستخدماً بصورة خاصة على ج��دران العمائر‬
‫الضخمة كاملساجد والقصور تطوراً كبرياً على يد‬
‫خطاط آخر هو مصطفى راقم‪ ،‬الذي كان رساماً‬
‫فربع يف رسم بعض احلروف بنسب خمتلفة تتّفق‬
‫وحاجة املكان من حيث البعد واالرتفاع‪ .‬ويتسم‬
‫خط الثلث باالنسيابية والرشاقة‪ .‬ونظراً ألنه ال‬
‫يكتب بالسرعة اليت يكتب هبا خط النسخ‪ ،‬فقد‬
‫جرى استخدامه لغايات فنية وليس لغاية الكتابة‪،‬‬
‫كما ذك��ر أوغ���ور درم���ان يف كتابه ((ف��ن اخلط‬
‫وتارخيه ومناذج من روائعه على مر العصور))‪.‬‬
‫وهو مازال مستخدماً إىل اليوم يف كتابة عناوين‬
‫وأغلفة الكتب بطريقة مجالية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪169‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫طارق حريب‬
‫اعتدل السندباد يف جلسته‪،‬‬
‫وقد أحاط به عدد من األصحاب‬
‫واخل�لاّنْ حيثونه على احلديث‪..‬‬
‫لكنه كان ينّقل نظره من رجل إىل آخر فهتف‬
‫به أحدهم‬
‫ـــ كأنك ال تريد احلديث يا سندباد‪.‬‬
‫تأمله السندباد‪ ،‬وأجابه‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫ـــ ب��ل��ى‪ ،‬إن�ني أري���د احل��دي��ث فهو مفيد‬
‫لكم‪..‬‬
‫فأسرع رج ٌل آخر وقال‪:‬‬
‫ـــ وما تنتظر يا صاحيب؟‬
‫قال‪:‬‬
‫ـــ حتى يكتمل اجتماعكم‪ ،‬فما يزال البعض‬
‫بعيداً‪ ..‬وأظن أهنم يف الطريق إلينا‪ ،‬وحاملا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫يأتون سأبدأ احلديث‪.‬‬
‫فقال رجل ثالث‪:‬‬
‫ـــ يا سندباد‪ ..‬يا سندباد أرجوك‪ ،‬أتيناك‬
‫يف املوعد متاماً‪ ..‬وأولئك الذين تأخروا عنه‪،‬‬
‫جيب أن يعاقبوا‪ ،‬وأقسى عقوبة حتل هبم‪،‬‬
‫هي أن يُحرموا من االستماع إليك‪.‬‬
‫ّ‬
‫أ ّكدَ قول الرجل مجيع احلاضرين‪ ،‬وألحوا‬
‫على ال��س��ن��دب��اد لكي ي��ب��دأ ح��ك��اي��ت��ه‪ ..‬كما‬
‫وعدهم‪ ..‬وما أن بدأ احلديث‪ ،‬حتى تناهت‬
‫إىل أمساع احلاضرين أصوات جلبة وضجة‪..‬‬
‫ف��ت��وق��ف ال��س��ن��دب��اد مستطلعاً س��ب��ب هذه‬
‫األصوات‪ ..‬فقال رجل جيلس إىل جانبه‪:‬‬
‫ـ��ـ��ـ أظ���ن أهن���ا أص����وات أص��ح��اب��ن��ا الذين‬
‫ت��أخ��روا يف احل��ض��ور‪ ..‬وال ب��أس أن تتمهل‬
‫قليالً يا سندباد‪ ،‬ريثما يدخلون‪ ،‬ويأخذون‬
‫جمالسهم‪..‬‬
‫وم��ا إن انتهى ال��رج��ل م��ن ك�لام��ه‪ ،‬حتى‬
‫دخل املتأخرون وقد اعتذر أكربهم سِنّاً عن‬
‫التأخري الذي حدث لـــهم‪ ..‬وأبدوا أسفهم‪..‬‬
‫فدعاهم السندباد إىل اجللوس‪ ..‬فأخذوا‬
‫أماكنهم وخيّم عليهم صمت شديد‪ ،‬وبدت يف‬
‫عيوهنم لـــهفة‪ ..‬ينتظرون أن يبدأ السندباد‬
‫وقص حكاياته املشوقة‪ ،‬والغريبة‪ ،‬اليت أثارت‬
‫عواطفهم وخياالهتم‪..‬‬
‫تنحنح السندباد‪ ..‬وعدّل من جلسته أكثر‬
‫من مرة‪ ..‬كأنه يَتعمّد إثارة أشواقهم أكثر مما‬
‫هم فيه‪ ..‬ثم قال‪:‬‬
‫ـــ يا سادة يا كرام قد كان يل أب تاجر من‬
‫أكابر التجار وخلّف يل ماالً كثرياً‪ ..‬وعشت‬
‫بعده حياة مرتفة‪ ،‬أنفق املال يف الليايل املالح‪،‬‬
‫ومل يكن يل يف احلياة فالح‪ ،‬حتى ذهب املال‬
‫مجيعه‪ ،‬وعليّ أطل الفقر والح‪..‬‬
‫تنهد ال��س��ن��دب��اد ب��أس��ى‪ ..‬وأش��ف��ق عليه‬
‫اجلميع‪ ،‬ومل يقل أحدهم كلمة واحدة خشية‬
‫أن يقطعوا عليه ما هو فيه‪ ،‬أو يكونوا سبباً‬
‫يف تعكري مزاجه فيتوقف عن الكالم املباح‬

‫وغري املباح وتعلقت نظراهتم به‪ ..‬فاعتدل يف‬
‫جلسته وقال‪:‬‬
‫وأص��ب��ح��ت ف��ق�يراً ال أم��ل��ك س���وى داري‬
‫اليت أسكن هبا‪ ..‬وكانت التعاسة يف نفسي‪،‬‬
‫والتشاؤم جعلين يائساً‪..‬‬
‫وحتوّلت الدنيا يف عيين إىل بؤس أسود‪،‬‬
‫وإىل أيام فقرية معدمة‪ ..‬حتمل معها الفقر‬
‫واحلاجة‪ ..‬وصرت ال أغادر الدار خوفاً من‬
‫أن يالحقين بعض ال��ذي��ن استدنتُ منهم‪،‬‬
‫فيغلظون القول يل ألنين ال أملك ما أسد به‬
‫رمقي فكيف أدفع ما لـــهم من مال‪ ،‬وبينما‬
‫كنت على هذه احلال أعاني من البؤس والفقر‬
‫واحلزن انتبهت إىل نفسي‪ ،‬وفكرت بالطريقة‬
‫اليت أنقذ هبا نفسي‪ ،‬وتذكرت عبارة كان أبي‬
‫رمحه اهلل يردّدها كثرياً فتعالت األصوات‬
‫متسائلة‪.‬‬
‫ـــ وما هي هذه العبارة يا سندباد‪ ..‬أطال‬
‫عمرك‪.‬‬
‫أجاهبم السندباد‪:‬‬
‫حسناً‪ ..‬أطال اهلل عمركم‪ ..‬العبارة هي‬
‫بقدر الكدِّر تكتسب املعايل‪.‬‬
‫كان صدى هذه العبارة يرتدد بني ضلوعي‪،‬‬
‫فاستنهضت مهّ�تي‪ ،‬وخرجت إىل السوق‪..‬‬
‫فتحلّق ح��ويل بعض الدائنني يلحّون عليّ‬
‫كي أدفع لـــهم املبالغ اليت كنت قد استدنتها‬
‫منهم فرجوهتم أن ميهلوني قليالً‪ ،‬وعرضت‬
‫بييت للبيع‪ ..‬فاشرتاه أحد السماسرة مستغالً‬
‫حاجيت‪ ،‬وضغط الدائنني‪ ،‬وحال البؤس الذي‬
‫أنا فيه‪ ..‬ودفع يل أقل من ربع مثنه احلقيقي‪.‬‬
‫وهو دار كما تعلمون أشبه بالقصر‪ ..‬كبري‪،‬‬
‫واس��ع‪ ..‬فيه غرف كثرية‪ ،‬وجمالس واسعة‪،‬‬
‫ومح��ام��ات نظيفة‪ ،‬وم��ي��اه ج��اري��ة وأشجار‬
‫ّ‬
‫مثمرة وارفة‪.‬‬
‫سكت ال��س��ن��دب��اد ق��ل��ي�لاً‪ ،‬وزف���ر حسرة‪،‬‬
‫وقال‪:‬‬
‫ً‬
‫ـــ كان بيتا مجيالً‪ ،‬فيه ولدت‪ ،‬وفيه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪171‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نشأت‪ ،‬وكربت‪ ،‬ثم أردف‪ ..‬قائالً‪:‬‬
‫ـــ سبحان مُقسِّم األرزاق‪ ،‬ومغيّر األحوال‪..‬‬
‫املهم إنين استلمت مثن البيت‪ ،‬فوفيت ديوني‪،‬‬
‫واشرتيت بضاعة وأحبرت مع عدد من التجار‬
‫من جزيرة إىل جزيرة‪ ،‬نبيع بضاعتنا‪ ،‬ونشرتي‬
‫بضاعة من اجلزيرة اليت ننزل عليها‪ ..‬وقد‬
‫وفقين اهلل‪ ،‬ورحب��ت م��االً وف�ي�راً وعوضين‬
‫عن مايل الذي أتلفته وعن داري اليت بعتها‬
‫بأخبس مثن‪ ،‬وفكرت بأنين سأشرتي داراً‬
‫أمجل منها‪ ،‬وإن استطعت سأسرتدّها‪ ..‬وأدفع‬
‫ملالكها اجلديد أضعاف مثنها‪ ،‬لعلي أسرتد‬
‫معها ذك��ري��ات طفوليت وشبابي ومالعيب‪،‬‬
‫وبينما كنت مستغرقاً يف أحالمي وتفكريي‬
‫ص��اح م��ن��ادي امل��رك��ب ال��ذي كنا نركبه إننا‬
‫وصلنا إىل جزيرة جديدة و سننزل عليها‪..‬‬
‫نزلنا على اجلزيرة‪ ،‬وصنعنا كوانني أوقدنا‬
‫فيها النار واجتمعنا على أكل وش��رب وهلو‬
‫ولعب‪ ،‬وفجأة أتانا ص��وت صاحب املركب‬
‫يصيح م��رع��وب �اً‪ ..‬أس��رع��وا إىل السفينة‪..‬‬
‫اهربوا‪ ،‬اطلبوا النجاة‪ ...‬إن هذه اليت حنن‬
‫عليها ليست جزيرة‪ ،‬وتراكضنا هبلع وخوف‬
‫شديدين‪ ..‬ومتالكت نفسي‪ ..‬واقرتبت من‬
‫صاحب املركب وسألته‪:‬‬
‫ـــ وماذا تكون هذه اليت حنن عليها‪..‬؟‬
‫صرخ بي‪:‬‬
‫ـــ أمل حتس حبركتها‪..‬‬
‫قلت لـــه‪..‬‬
‫ـــ نعم‪ ،‬لقد شعرت حبركةٍ م��ا‪ ،‬لكن مل‬
‫أتأكد منها‪.‬‬
‫قال بفز ٍع‪:‬‬
‫ـــ هذه ليست جزيرة‪.‬‬
‫فسألته بنفاد صرب‪:‬‬
‫ـــ وما تكون إذاً‪..‬‬
‫قال‪:‬‬
‫ـــ هي مسكة كبرية رست يف وسط البحر‪،‬‬
‫فغمرها الرمل ال��ذي تقذفه أم��واج البحر‪،‬‬

‫‪172‬‬

‫ونبت عليها األشجار‪.‬‬
‫قلت بدهشة ال أكاد أُصدِّق ما أمسع منه‬
‫ـــ وماذا بعد‪..‬؟‬
‫ومل��ا نزلنا عليها‪ ،‬وأوق��دن��ا ال��ن��ار فوقها‬
‫أحسّت باحلرارة فتحركت‪ ..‬وستغوص بنا‬
‫البحر‪ ..‬إن مل نسرع إىل مركبنا وأخذ يصيح‬
‫مرة أخرى‪.‬‬
‫ـــ اهربوا‪ ..‬أسرعوا إىل السفينة‪ ،‬اطلبوا‬
‫النجاة‪ .‬وه��رب اجلميع‪ ،‬ت��رك��وا متاعهم‪..‬‬
‫وف �رّوا والرعب أفزعهم وأوق��ع االضطراب‬
‫يف قلوهبم‪ ،‬وح��رك��اهت��م‪ ،‬ومل يكن مهُّنا إال‬
‫النجاة‪ ..‬هربنا مجيعاً ومِنّا من حلق باملركب‬
‫الذي أحبر سريعاً خوفاً من أن تضربه تلك‬
‫السمكة الكبرية وحتطمه وتغرقه‪ ،‬ومنهم‬
‫من غرق وهو يصارع أمواج البحر‪ ،‬ووجدت‬
‫نفسي أصارع األمواج بعناد إىل أن بدأت قواي‬
‫ختور‪ ،‬واعرتى الضعف والوهن جسمي‪ ،‬فلم‬
‫أعد قادراً على حتريك أي عضو يف جسدي‪..‬‬
‫وأيقنت أن هناييت حمتومة‪ ،‬وسأكون طعاماً‬
‫لألمساك املفرتسة‪ ..‬وندمت على سفري‪،‬‬
‫ورحيلي من جزيرة إىل جزيرة‪ ،‬وفجأة الحت‬
‫يل قطعة خشب تطفو على سطح البحر‪،‬‬
‫فداخلين األمل بالنجاة‪ ،‬واستجمعت ما بقي‬
‫لدي من قوة وضربت األمواج بذراعيّ‪ ،‬فتلك‬
‫القطعة هي أملي الوحيد وقد َّ‬
‫سخرها اهلل‬
‫يل‪ ،‬وبذلت ما أستطيع فتعلقت هبا‪ ..‬وصارت‬
‫موجة تأخذني وأخرى تعيدني‪ ،‬إىل أن رست‬
‫على شاطئ جزيرة‪ ..‬وقد أُغمي عليَّ‪ ..‬ومل‬
‫أصحو إال بفعل ح���رارة الشمس فتذكرت‬
‫ح��ايل‪ ،‬وتلك السمكة الكبرية اليت كنا نظن‬
‫أهنا جزيرة‪.‬‬
‫فقال‪ :‬غالم كان بني احلاضرين‬
‫ـــ أيعقل يا سندباد‪ ،‬أن تبقى مسكة كبرية‬
‫على سطح البحر م��دة طويلة حتى تنبت‬
‫عليها األشجار؟!!‬
‫زجره والده قائالً‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫ـــ ال تقاطع من هو أكرب منك سناً وقدراً‪..‬‬
‫سكت الغالم على مضض‪ ،‬وتابع السندباد‬
‫حديثه بني إحلاح وتشجيع احلاضرين‪ ،‬وذكر‬
‫أنه رأى يف إحدى رحالته مسكة طوهلا مئيت‬
‫ذراع وهلا وجه مثل وجه البوم وقال بصوت‬
‫متفاخر‪:‬‬
‫ـــ رأيت من العجائب والغرائب لو حكيته‬
‫لطال شرحه وأخ��ذ ينتقل م��ن حكاية إىل‬
‫أخرى إىل أن قال‪:‬‬
‫أحبرت مع التجار مرة أخرى‪ ،‬ثم رست بنا‬
‫السفينة على جزيرة مليئة باألشجار العالية‪،‬‬
‫واألطيار اجلميلة‪ ،‬وذهبت أج��و ُل مستمتعاً‬
‫بنظري إل��ي��ه��ا‪ ،‬ومل��ا تعبت جلست يف ظل‬
‫شجرة ثم أخذتين غفوة‪ ،‬وعندما استيقظت‬
‫وجدت أن املركب قد ذهب مبن فيه‪ ،‬وبقيت‬
‫وحيداً بائساً‪ ،‬حزيناً وخائفاً‪ ،‬فأخذت أجتول‬
‫باحثاً عن وسيلة تنقذني‪ ،‬فرأيت ُقبّة بيضاء‪،‬‬
‫عظيمة اخل��ل��ق��ة‪ ،‬ك��ب�يرة‪ ،‬ش��اه��ق��ة‪ ،‬واسعة‬
‫الدائرة ففكرت أهنا رمبا تكون داراً بنيت على‬
‫هيئة قبة ومنيّت نفسي بأن أجد فيها من‬
‫يساعدني على النجاة واخلروج من اجلزيرة‬
‫فأسرعت حنوها‪ ،‬ودرت حوهلا‪ ،‬فلم أجد‬
‫لـــها باباً‪ ..‬وتلمستها فأحسست إهنا شديدة‬
‫النعومة‪ ،‬فقست دائرهتا ف��إذا هي مخسون‬
‫خطوة‪ ..‬وفجأة أظلم اجل��و‪ ،‬فرفعت رأسي‬
‫ورأيت طائراً كبري اجلثة‪ ،‬عريض األجنحة‪،‬‬
‫وهو الذي ّ‬
‫غطى عني الشمس وحجبها عن‬
‫اجلزيرة‪ ،‬وعرفت أنه طائر ال �رّ ْخ‪ ،‬وأن هذه‬
‫القبة هي بيضته‪ ..‬فنزل عليها‪ ،‬وحضنها‬
‫جبناحيه ثم استغرق يف نوم عميق‪ ،‬وكنت‬
‫أمسع لـــه غطيطاً مفزعاً‪ ..‬فتمالكت نفسي‬
‫أفكر حبيلة تنجيين‪ ..‬فولدت يف رأسي فكرة‪،‬‬
‫عند ذلك فككت عماميت وفتلتها‪ ،‬وحتزّمتُ‬
‫هبا‪ ،‬وربطتها ِبرجْ ِل هذا الطري‪ ،‬فلما طلع‬
‫الفجر قام وصاح صيحة ارتعبت منها‪ ،‬وارتفع‬
‫بي يف اجلو‪ ،‬وطار حتى َّ‬
‫حط يف جزيرة أخرى‬

‫فيها واد عميق فخلصت عماميت من رجليه‬
‫دون أن حيس حبركيت وهربت‪ ،‬وجتولت يف‬
‫الوادي فوجدت احلجر يف أرضها من املاس‪،‬‬
‫وفيها حيّات كثرية‪ ،‬وبأعجوبة ختلصت من‬
‫اجلزيرة‪ ،‬فقد كان عدد من الناس يرمون‬
‫بذبائح إىل ال��وادي فيعلق هبا امل��اس وتأتي‬
‫طيوراً ضخمة تأخذ الذبائح‪ ،‬وترميها إىل‬
‫أعلى اجلبل‪ ،‬فيجمعون املاس ويذهبون به‪،‬‬
‫فتعلقت بذبيحة وجاء طائر فحملها وحلّق‬
‫هبا إىل رأس اجلبل الشاهق‪ ،‬وخلصت نفسي‪،‬‬
‫ومحلت معي املاس النادر ورجعت إىل مدينيت‬
‫البصرة‪ ..‬لكنين ما لبث أن سافرت‪ ،‬ويف وسط‬
‫البحر رأيت قائد املركب يلطم وجهه‪ ،‬وأخربنا‬
‫أن الريح غلبتنا‪ ،‬ورم��ت املركب إىل جزيرة‬
‫القرود‪ ،‬وتعرضنا ملخلوق غريب ضخم اجلثة‬
‫يأكل البشر‪ ،‬وق��د فعل ذل��ك بعددٍ منا‪ ،‬ثم‬
‫احتلنا عليه‪ ،‬وفقأنا عينيه وهو نائم‪ ،‬وصنعنا‬
‫من أخشاب اجلزيرة مركباً وهربنا‪ ،‬وحلقنا‬
‫مع أُنثاه يضربنا بأحجار كبرية لكن عناية‬
‫اهلل أنقذتنا ورجعت إىل ب�لادي بعد أهوال‬
‫شديدة‪ ..‬وعاودتين رغبة السفر‪ ،‬فأحبرت‬
‫ورأي���ت يف إح��دى اجل��زر مسكة على هيئة‬
‫بقرة‪ ،‬وطرياً خيرج من صدف البحر‪..‬‬
‫ويف س��ف��رة أخ����رى ص��ادف��ت العجائب‬
‫وال��غ��رائ��ب‪ ،‬وزوّج��ن�ي ملك اجل��زي��رة امرأة‬
‫ظريفة مليحة صاحبة مال ومجال‪ ،‬وعشت‬
‫معها يف أحسن حال إىل أن توفت فدفنوها‬
‫يف حفرة كبرية‪ ،‬ودفنوني حياً معها على عادة‬
‫أهل اجلزيرة وأعطوني طعاماً وماءً‪ ،‬وانزلوا‬
‫معها حليّها ومصاغها‪ ،‬واحرتت بأمري‪ ،‬إال‬
‫أنين صرت أقتل كل من ينزل حياً رجالً أو‬
‫ام��رأة‪ ،‬وآخ��ذ طعامه وشرابه أقتات به من‬
‫أجل أن أعيش قال الغالم مستنكراً‪.‬‬
‫ـــ أما كان لك أن تقاسم من ينزل حياً مع‬
‫املتوفى‪ ،‬بدل أن تقتله‪ ..‬هذه جرمية‪.‬‬
‫أوم���أ وال���د ال��غ�لام ل��ول��ده ليكف عن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪173‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الكالم‪.‬‬
‫أم��ا السندباد فقد تابع حكاياته وروى‬
‫قصة جناته من القرب اجلماعي عن طريق‬
‫ن��ف��ق ي��ص��ل إىل ش��اط��ئ ال��ب��ح��ر‪ ،‬وأخ���ذ ما‬
‫استطاع محله من ذه��ب وحلي ثم حدثهم‬
‫ع��ن لقائه بشيخ البحر ال��ذي ختلص منه‬
‫بأعجوبة‪ ،‬وانتقل إىل حكاية أخ��رى قائالً‪:‬‬
‫ـــ عاودني الطمع وحب السفر‪ ،‬ورحلت‬
‫يف مركب كبري مع عدد من التجار‪ ،‬وعندما‬
‫كنا يف البحر ص��اح ريّ��س املركب مذعوراً‪:‬‬
‫قد وقعنا يف اهلالك‪ ،‬وليس لنا من جناة وال‬
‫خالص‪ ..‬فانقطع أملنا يف احلياة واجنرف‬
‫املركب باجتاه جبل ع��الٍ فانكسر وتفرقت‬
‫أل��واح��ه فصرنا مجيعاً يف البحر منا من‬
‫غرق‪ ،‬ومنا من تعلق بلوح خشب‪ ،‬وأنا منهم‪،‬‬
‫فوجدت نفسي عند سفح اجلبل‪ ،‬ورأينا كثرياً‬
‫من حطام املراكب‪ ،‬وعلى السفح أرزاق كثرية‬
‫سأل الغالم‬
‫ـــ كيف حتطم املركب وتفرقت أخشابه‪..‬؟‬
‫قال السندباد‪ :‬اهلل أعلم‪.‬‬
‫فرد الغالم‬
‫ـــ إن ق��درة اهلل جعلت يف اجلبل معدن‬
‫املغناطيس ال��ذي ج��ذب املسامري واحلديد‬
‫اليت يف املركب‪ ،‬وطارت إليه فتفككت أخشاب‬
‫املركب‪.‬‬
‫أراد السندباد أن يتجاوز مالحظة الغالم‪،‬‬
‫وي��ت��اب��ع روي ح��ك��اي��ات��ه إال أن ال��غ�لام عاد‬
‫يسأل‪:‬‬
‫ـــ هل من املعقول أن ترى كل هذه العجائب‬
‫أم أهنا من صنع خيالك‪.‬‬
‫َّ‬
‫وصفق بيديه‪ ،‬فدخلت‬
‫ضحك السندباد‬
‫شهرزاد وجلست وقالت‪:‬‬
‫ـــ أن��ا مسعت حبكايات السندباد‪ ،‬لكن‬
‫ليست كما رواها‬
‫سأل الغالم يدفعه شغف املعرفة‪.‬‬
‫ـــ وما حقيقة حكايات السندباد‪.‬؟‬

‫‪174‬‬

‫قالت ضاحكة‪:‬‬
‫ـــ السندباد رجل حيب السفر واملغامرة‪،‬‬
‫وحيب مجع امل��ال‪ ،‬فكان يسافر من جزيرة‬
‫إىل جزيرة‪ ،‬ورأى بعض العجائب‪ ،‬ووصلتين‬
‫ح��ك��اي��ات��ه‪ ،‬ومل��ا ك��ان يف زم��ان��ي ملك امسه‬
‫ش��ه��ري��ار ال���ذي ك���ان ي��ت��زوج ك��ل ليلة فتاة‬
‫عذراء فيقتلها يف اليوم الثاني‪ ،‬ألنه مل يكن‬
‫يثق بالنساء بعد ما غدرته زوجته األوىل‪..‬‬
‫إىل أن عزمت أن أخلص بنات جنسي منه‪،‬‬
‫فتزوجته راضية وصرت أحكي لـــه كل يوم‬
‫حكاية‪ ،‬ومنها حكايات السندباد‪ ،‬وكنت أوّلد‬
‫حكاية من حكاية ألطيل عمري‪ ،‬فقد شُغف‬
‫شهريار مبا أرويه لـــه‪ ،‬فكان يؤجل قتلي كل‬
‫ليلة ليسمع بقية احلكايات وكنت أضيف من‬
‫خيايل وأروي لـــه ما أختيله‪ ،‬وأورد لـــه العرب‪،‬‬
‫حتى ص��ارت عجيبة من عجائب الزمان‪..‬‬
‫وتعلق بي‪ ،‬فعفا عين‪ ،‬وأبطل عادته‪ ،‬وأنا اليوم‬
‫أعيش معه يف أطيب حياة‪ ،‬وأفضل أمان‪.‬‬
‫هز الغالم رأسه متعجباً وقال‪:‬‬
‫ـــ فعلت خرياً‪ ،‬وسأكتب هذه احلكايات ملن‬
‫يأتي بعدنا‪ ..‬فتكون لـــهم متعة وعربة‪.‬‬
‫ثم أردف‪..‬‬
‫ـــ لكن من األسطورة أنت يا شهرزاد أم أو‬
‫هو السندباد‪..‬؟‬
‫ضحكت شهرزاد بعذوبة‪ ،‬وقالت اخليال‬
‫وحده هو الذي صنع األسطورة‪.‬‬
‫تذمر السندباد قليالً وح��اول أن يضفي‬
‫على نفسه البطولة‪ ..‬وقال‪:‬‬
‫ـــ إمنا من بعض احلقائق‪ ،‬وبعض اخليال‬
‫صنعت أسطورة ستظل طويالً طويالً‪.‬‬
‫إذا تركنا شخصية ال��س��ن��دب��اد جانباً‪،‬‬
‫واعتمدنا التحليل العلمي حلكاياته اليت‬
‫رواه��ا‪ ،‬فإننا نستدل أن السندباد عاش يف‬
‫عصر كانت فيه التجارة رائجة‪ ،‬واالزدهار‬
‫يعمُّ اجملتمع آنذاك‪ ..‬كما وُصفت يف ألف ليلة‬
‫وليلة أو أهنا قريبة من ذلك الوصف‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫فالسندباد ك��ان ت��اج��راً‪ ،‬ث��م أت��ل��ف ماله‬
‫على اللهو‪ ،‬كما ق�صَّ حكاياته على لسانه‬
‫ثم استنهض مهته‪ ،‬وعمل يف التجارة اليت‬
‫تفرض على التاجر أن ينتقل من بلد إىل بلد‪،‬‬
‫يبيع بضاعته‪ ،‬ويشرتي بضاعة البلد الذي‬
‫ينزل فيها لريّوجها يف مكان آخ��ر وحيقق‬
‫الربح‪ ،‬وم��ن املرجح أن صاحبنا السندباد‬
‫قد تعرض ملغامرات‪ ،‬وأخطار‪ ،‬وشاهد يف‬
‫رحالته يف ذل��ك العصر ما يعترب "عجائب‬
‫وغرائب" تدهش العقل‪ ،‬وتبهر الفكر‪ ،‬وتؤجج‬
‫امل��ش��اع��ر‪ ،‬وجتنح ب��اخل��ي��ال‪ ،‬ألهن��ا حكايات‬
‫ال يقبلها العقل العلمي‪ ..‬لكن فن احلكاية‬
‫الشعبية جييز لواضع احلكاية أو ملؤلفها‬
‫أن يضيف عليها ما شاء من اخليال حسب‬
‫ثقافته ومفاهيمه وتأثري قيم عصره عليه‪،‬‬
‫وفن احلكاية الشعبية يعتمد على اخلرافة‬
‫واخليال وله مساته‪ ،‬وعناصره‪ ،‬والدارسون‬
‫وال��ب��اح��ث��ون ي��درس��ون مس��ات��ه األساسية‪،‬‬
‫ويستنبطون عناصره ويعمدون إىل حتليل‬
‫تركيبه ودالالت���ه التارخيية واالجتماعية‬
‫والنفسية ورمب���ا دخ��ل��ت أي��ض �اً فيه القيم‬
‫الدينية‪ ،‬وأخالق اجملتمع‪.‬‬
‫وع��ل��ى ه���ذا مي��ك��ن ال��ق��ول إن شخصية‬
‫السندباد قد وُج��دت وعاشت‪ ،‬وعملت يف‬
‫التجارة‪ ،‬وتعرضت لألخطار يف أثناء رحالهتا‬
‫وق��ام��ت مب��غ��ام��رات ورأت بعض العجائب‬
‫والغرائب بالقياس إىل ما تسمع وما ترى‪،‬‬
‫وما جيعلنا منيل إىل هذا الرأي هو أنه من‬
‫املالحظ أن مؤلف أو مؤلفي ألف ليلة وليلة‬
‫قد ذكر أو ذكروا يف سياق القص واحلكايات‬
‫شخصيات حقيقية عاشت وتركت أثراً كبرياً‬
‫يف حميطها خاصة ويف احلياة عامة ويف‬
‫احلياة السياسية واالقتصادية واالجتماعية‬
‫والثقافية يف أيامهم وإىل يومنا هذا‪ ،‬ومنها‬
‫على سبيل املثال ال احلصر هارون الرشيد‬
‫ه��ش��ام ب���ن ع��ب��د امل��ل��ك م��وس��ى ب���ن نصري‬

‫ط��ارق بن زي��اد هند بنت النعمان عدي بن‬
‫زيد خالد بن عبد اهلل القسري‪ ،‬والشاعر‬
‫مجيل بن معمر "مجيل بثينة" وغريها من‬
‫الشخصيات‪ ،‬وقد تكون املبالغة‪ ،‬وعناصر‬
‫اخل��ي��ال‪ ،‬واملفاهيم ال�تي ك��ان��ت س��ائ��دة قد‬
‫أضفت على هذه الشخصيات صفات ليست‬
‫فيها‪ ..‬بل تكون أحياناً قد جعلتها شخصيات‬
‫خارقة‪ ،‬ويف أحيان أخرى تكون قد شوهتها‪..‬‬
‫كما فعلت بشخصية ه��ارون الرشيد هذا‬
‫اخلليفة الكبري الذي استطاع أن حيقق دولة‬
‫عظيمة‪ ،‬فألصق به بعض ال��رواة‪ ،‬والسيما‬
‫الشعوبيني م��ا ليس ف��ي��ه‪ ..‬فهل يعقل أن‬
‫يكون هارون الرشيد الرجل القوي الذي هَزَّ‬
‫اإلمرباطوريات اليت كانت قائمة يف عصره‪..‬‬
‫وحقق انتصارات كبرية عليها‪ ،‬والذي التزم‬
‫بدينه وقيمه ومثله‪ ...‬هل يعقل أن يكون كما‬
‫صوّره أولئك املغرضون ال همَّ لـــه إال اللهو مع‬
‫اجلواري والغلمان؟؟‪.‬‬
‫وجدير بالذكر أن��ه ال شك ب��أن املؤلفني‬
‫وضعوا يف حكايات ألف ليلة وليله خصائص‬
‫ف��ن احلكاية الشعبية ال�تي تظهر احلكمة‬
‫وال���وع���ظ‪ ،‬واخل��ط��ي��ئ��ة وال���ص�ل�اح‪ ،‬العقاب‬
‫وال��ث��واب‪ ،‬العدل وال��ع�برة واعتمدت أسلوب‬
‫التمهيد يف القص كما أوجدت تربيراً للقص‬
‫فلم يأت عشوائياً‪ ،‬واعتمد العربة يف مصري‬
‫اإلنسان وعالقته بالقدر وتسليمه به‪ ،‬وميّز‬
‫ما أتاه بفعله وإرادته ومدى حريته يف اختيار‬
‫أسلوب حياته‪ ،‬وعالقته مبحيطه وما يرتتب‬
‫على الفعل اإلنساني من جزاء سواء كان ثواباً‬
‫أو عقاباً‪.‬‬
‫واخليال الذي طبع ألف ليلة وليلة بطابعه‬
‫إمنا كان مرتبطاً بشكل من األشكال مبادة هتم‬
‫القارئ مباشرة أو تثري اهتمام عقله الباطين‪،‬‬
‫أو تثري عقله اليقظ وهذه عناصر عملت على‬
‫االرتقاء ببعض الشخصيات من اخلرافة إىل‬
‫األسطورة يف بعض األحيان واحلاالت‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

‫‪175‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رئيس التحرير‬
‫احلياة على كوكبنا تتفرع وتتنوع يف أصناف ومراتب وشعب ال حيدّها حدّ‪ ..‬متأقلمة مع ظروف دقيقة يسرّ‬
‫هلا اخلالق عزّ وجل سبل تكاثرها وتنوعها‪..‬‬
‫واحلياة اليت شهدها ويشهدها كوكبنا حاليّاً هي اليت تعتمد العضوية يف تركيبها‪ ..‬وقد ساعد الغالف‬
‫اجلوّي حول األرض‪ ،‬والنظام احليوي البيئي يف استمرارية هذه احلياة وتفردها يف كوكبنا‪..‬‬
‫ولو استعرضنا كواكب اجملموعة الشمسيّة ملا وجدنا هذه اخلصوصية يف إمكانية احلياة فوقها‪..‬‬
‫كوكب عطارد مثالً يدور يف سنته دورة واحدة حول الشمس وخالل (‪ )88‬يوماً‪ ..‬ويتم دورته حول نفسه يف‬
‫(‪ )59‬يوماً‪ ..‬سنته الكاملة القصرية وهي مدة دورانه حول الشمس فأحد وجهيه يتعرض كثرياً للشمس ما‬
‫جيعل سطحه أتوناً الهباً متوهجاً‪ ..‬بينما يكون الوجه اآلخر يف ظالم طويل أيضاً وجليد دائم‪..‬‬
‫كوكب عطارد دون غالف جوي‪ ،‬وال ميكن أن تتوفر فيه سبل احلياة‪ ،‬للتناقض الكبري بني درجة حرارة‬
‫وجهه املظلم املنخفضة جداً ودرجة حرارة وجهه املتعرّض للشمس‪ ،‬املرتفعة جداً‪..‬‬
‫فدرجة حرارة وجهه املقابل للشمس تصل (‪ )500‬درجة مئوية بينما تصل درجة حرارة وجهه املظلم إىل‬
‫(‪ )200‬درجة حتت الصفر‪ ،‬فهو أسخن كواكب اجملموعة الشمسية كما أنه أكر من قمرنا بقليل‪ ..‬فقطره‬
‫يتجاوز (‪ )2900‬ميل بينما ال يزيد قطر القمر عن (‪ )2160‬ميالً‪..‬‬
‫وضمن هذه الظروف فاحلياة على كوكب عطارد تبدو مستحيلة وخاصة أنه ال حيوي غالفاً جوياً‬
‫أيضاً‪..‬‬
‫يتحرك عطارد يف مساره بسرعة (‪ )58‬كيلومرتاً يف الثانية أي أن سرعته تزيد مرتني عن سرعة األرض‬
‫حول الشمس وحلركته السريعة فإنه غري ثابت يف جمال الرؤية‪ ،‬فأحياناً يظهر بني ألوان الغروب ثم خيتفي‬
‫ويعود للظهور مع الغروب‪ ..‬وترى الشمس على عطارد أكر مبرتني ونصف املرة مما ترى على األرض‪..‬‬
‫أما كوكب الزهرة فهو كوكب يقارب حجمه حجم كوكب األرض قطره (‪ )7700‬ميل‪ ،‬ويبعد يف مداره عن‬
‫الشمس حنو ‪ 76‬مليون ميل‪ ..‬وهو يكاد يكون بشكل كرة مثالية تامة االستدارة والتكوير‪..‬‬
‫أضخم سلسلة جبلية على الزهرة قرب خط استوائه يصل طوهلا ‪ /150/‬كيلومرتاً‪ .‬واليتجاوز ارتفاعها‬
‫الثالثة كيلومرتات‪ ..‬ودرجة احلرارة على سطحه تصل إىل (‪ )460‬درجة مئوية‪..‬‬
‫ومتتد غيوم الزهرة على ارتفاع بني (‪ )49‬و (‪ )70‬كيلومرتاً وهي شفافة قليالً‪ ..‬وسطحه مشوّه بروزات‬
‫صخرية‪ ..‬أما األماكن املنخفضة فمغطاة برتاب ناعم‪..‬‬
‫وسطح الزهرة ّ‬
‫ّ‬
‫مغطى بغبار أسود اللون أحياناً وعندما حط مسبار احملطة األتوماتيكية (فينرا ‪ ) 12‬وقبلها‬
‫املسابر األخرى كانت ترتفع سحب الغبار‪ ..‬وكانت األجهزة تسجل الرق املستمر والرعود القاصفة‪..‬‬
‫يومض الرق حنو (‪ )100‬مرّة يف الثانية‪ ،‬ومل تفسر أسبابه حتى اآلن‪ ..‬فما الذي جيعل هذا التباين يف‬
‫الشحنات يف غيوم الزهرة؟ هل هو تسخني قطرات محض الكريت يف الغيوم العالية ثم سقوط هذه‬
‫القطرات فوق الراكني هو الذي يؤدي إىل انقسام الشحنات؟‪ .‬أم أن هناك أسباباً أخرى؟‬
‫الذي يبدو لنا بوضوح أن احلياة فوق كوكب الزهرة تبدو مستحيلة‪ ،‬ألن عناصر تشكل احلياة أو استمراريتها‬
‫ّ‬
‫املغطى بالسحب‪ ،‬والذي مازال اإلنسان جيهل الكثري من أسراره‪..‬‬
‫غري متوفرة على ذلك الكوكب‬

‫‪176‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد السابع عشر ‪/‬كانون األول ‪2009 /‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful