‫• رئيس جملس اإلدارة •‬

‫وزير الثقافة‬

‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫• مدير عام هيئة الكتاب •‬

‫حممود عبد الواحد‬
‫• رئيس التحرير •‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫د‪ .‬خملص الريس ‪ -‬د‪ .‬هبجت حممد‬
‫د‪ .‬حامد ابراهيم ‪ -‬م‪ .‬لينا كيالني‬
‫د‪ .‬أمين امسندر ‪ -‬علي القاسم‬
‫• أمني التحرير •‬

‫رائد حسني حامد‬
‫• مكتب تونس ‪ :‬د‪ .‬كوثر عياد‬
‫• مكتب القاهرة ‪ :‬صالح معاطي‬
‫• مكتب لندن ‪ :‬توفيق السهلي‬
‫• التدقيق اللغوي •‬

‫حممد اخلاطر‬

‫• اإلخراج الفين •‬

‫وسيم قدورة‬
‫راميا اليونس‬
‫• اإلشراف الطباعي ‪ :‬ماجد الزهر •‬
‫سعر النسخة ‪ 50‬ل‪.‬س يف سورية أو مايعادهلا يف البلدان العربية‬
‫االشرتاكات عشرة آالف لرية سورية لإلدارات واملؤسسات داخل سورية‬
‫وأربعمائة دوالر أو مايعادهلا خارج سورية‬
‫توجه كافة املراسالت واملواد باسم رئيس التحرير‬

‫‪www.moc.gov.sy‬‬
‫‪E-mail: talebomran@yahoo.com‬‬

‫جملة علمية ثقافية شهرية تصدر عن‬
‫وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية السورية‬

‫• هيئة التحرير •‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اهليئة اإلستشارية‬
‫أ ‪ .‬هن�������اد ش�����ري�����ف (م����ص����ر)‬
‫د ‪ .‬ح��س��ام اخلطيب ( فلسطني)‬
‫أ ‪ .‬رؤوف وص����ف����ي (م���ص���ر)‬
‫أ ‪ .‬عبد السالم البقايل (املغرب)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ع����ي����اد (ت����ون����س)‬
‫د ‪ .‬ق����اس����م ق����اس����م (ل���ب���ن���ان)‬
‫أ ‪ .‬ط��ي��ب��ة اإلب��راه��ي��م (الكويت)‬
‫د ‪ .‬حم���م���ود ك������روم (س����وري����ة)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ث����اب����ت (ت����ون����س)‬

‫‪1‬‬

‫اخليالة يف أدب اخليال العلمي (حممد الياسني)‬

‫‪6‬‬

‫داللة املكان الفضائي يف رواية اخليال العلمي (نوارة عقيلة)‬

‫‪12‬‬

‫متخيل املكان يف روايات اخليال العلمي (شعيب حليفي)‬

‫‪24‬‬

‫اخليال العلمي يف سورية (د‪ .‬طالب عمران)‬

‫‪36‬‬

‫هل ميكن حقيقة التفكري يف الكون (اهلادي ثابت)‬

‫‪2‬‬

‫‪86‬‬

‫ترجو جملة اخليال العلمي من كافة الكتاب واملبدعني ارسال ابداعاهتم منضدة على‬
‫احلاسوب والتأكد من تدقيقها وذلك لتسهيل عملية النشر السريع‬

‫الناقوس الصدئ (هناد شريف)‬

‫‪40‬‬

‫قيثارات املوت (رؤوف وصفي)‬

‫‪47‬‬

‫داخل النهر العظيم (د‪ .‬طالب عمران)‬

‫‪70‬‬

‫ملاذا جاؤوا من الفضاء (صالح معاطي)‬

‫‪82‬‬

‫أعلى برج يف العامل عام ‪( 2100‬معتز عمرين)‬

‫‪92‬‬

‫احلس العلمي عند اإلنسان (د‪ .‬خملص الريس)‬

‫‪96‬‬

‫املنطق الرياضي يف حياتنا اليومية ( م‪ .‬حممد الدنان)‬

‫‪106‬‬

‫أسرار عامل النمل ( م‪.‬طارق حامد)‬

‫‪116‬‬

‫لغز الدوائر احلجرية (رامز احلوش)‬

‫‪136‬‬

‫ابن شهيد األندلسي (حممد اخلربوطللي)‬
‫‪140‬‬

‫ديناميكية التقارب بني األدب والطب (حسن الناصر)‬

‫‪152‬‬

‫تلوث املياه (د‪ .‬عبد للطيف ياسني)‬

‫‪160‬‬

‫ظاهرة الربق (هناء الصاحل)‬

‫‪168‬‬

‫‪3‬‬

‫عرف علم الصيدلة عند العلماء العرب باسم علم األدوية أو علم العقاقري ‪،‬‬
‫ودعي باألقرباذين وهي كلمة يونانية تعطي معنى األدوي��ة املر ّكبة أو تركيب‬
‫األدوية ‪..‬‬
‫ويقال إن علم الصيدلة نسبة إىل الصندل وهو حمرّف عن ذلك ‪ ،‬وكان العرب‬
‫كثريي العناية بالصيدليات وال سيما األندلسيون ‪ ،‬فإهنم كانوا يتفحصون‬
‫أدويتها تفادياً لوقوع الغش وحدوث الضرر ملن يتناولوهنا ‪..‬‬
‫من الصعب جداً فصل علم الصيدلة عن الطب ‪ ،‬ألن الطبيب كان يف املاضي‬
‫ميارس عالج املرضى ويركب الدواء أيضاً ‪..‬‬
‫ولكن األطباء العرب املسلمني قرروا فصل الطب عن الصيدلة ‪ ،‬ألن استخدامات‬
‫األدوية وتركيبها صار أكثر تعقيداً ‪ ،‬ووجب أن يتفرّغ من يعمل يف حقل الصيدلة‬
‫ويرتك عالج املرضى لألطباء ‪.‬‬
‫وكان مثة جتار يتعاطون جتارة العقاقري واملواد الطبيعية ‪ ،‬كما كانوا يتعاطون‬
‫جتارة البخور والتوابل ‪ ..‬وكانت الصيدلة من أربح أنواع التجارة ‪ ،‬لذلك استغلّها‬
‫التجار ‪ .‬فصاروا يغشّون يف األدوية ‪..‬‬
‫ومل يكتفِ بعض العطارين بالتدليس والغش ‪ ،‬بل كانت تذهب هبم اجلرأة‬
‫واالستهتار إىل أبعد من ذل��ك فيدّعون أن لديهم مجيع أصناف األدوي��ة ‪،‬‬
‫ويدفعون ملن طلب منهم دواء أي دواء آخر‪ ،‬معتمدين على أن الطالب عادة غري‬
‫ملّم مبعرفة األدوية ‪..‬‬
‫وهكذا أمر اخلليفة املأمون بامتحان أمانة الصيادلة ‪..‬‬
‫واهتم الوالة بعد ذلك اهتماماً بالغاً باحلفاظ على مسعة الصيدلة ‪ ،‬وعدم‬
‫السماح ألي شخص مب��زاول��ة املهنة إال بعد أن ينجح يف االمتحان وتثبت‬
‫كفاءته‪..‬‬
‫وهكذا احنصر املمارسون للصيدلة باالمتحان الذي يضمّ أكفأ األطباء ‪..‬‬
‫ّ‬
‫وحضروا املعاجني‬
‫لقد برع احلكماء يف استخالص األدوية من النباتات الطبيّة ‪،‬‬
‫واملساحيق واألق��راص ‪ ..‬ووصلوا بتنقيتها إىل درجة من النقاوه تضاهي يف‬

‫‪4‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وزير الثقافة‬
‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫بعضها تلك اليت يتم حتضريها يف املختربات الكيماوية احلديثة ‪..‬‬
‫وأعطى تفوق علماء العرب واملسلمني يف علم الكيمياء فرصة متيّزهم يف علم‬
‫الصيدلة‪ ،‬فهم أول من بدأ برتكيبات األدوية بصورة فعّالة دقيقة ‪..‬‬
‫وأنشأ العرب أول صيدلية يف التاريخ ‪ ،‬حتى ميكن القول إن علم الصيدلة هو‬
‫علم عربي إسالمي حبت ‪ ..‬وقد أدت مهارهتم يف صنع العقاقري إىل إجياد‬
‫طريق جتاري نفذوا فيه إىل بقية أحناء العامل ‪..‬‬
‫ويقال إن ازدهار بعض املدن األوروبية كالبندقية يف القرون الوسطى يعود‬
‫إىل التجارة بالعقاقري اليت صنعها العرب ‪..‬‬
‫وكان للصيادلة العرب قصب السبق يف جتريب األدوية على احليوانات قبل‬
‫أن توصف للمرضى ‪ ..‬وهذه التجارب اليت أجروها على احليوانات ‪ ،‬دونوها‬
‫يف كتبهم وخمطوطاهتم حبيث أصبحت مرجعاً ألوروبا يف هنضتها احلديثة‬
‫‪..‬‬
‫لقد أكد الصيادلة العرب على التجريب ‪ ..‬ويفحص الدواء بطريقة التجربة‬
‫‪ ،‬يشرتط أن تتحقق سبعة شروط منها أن يكون اجملرّب عليه علّة مفردة ال‬
‫مركبة ‪ ،‬وأن تكون قوة الدواء معادلة لقوة العلّة وأن يكون جمرباً حتى على‬
‫الذين ال تقبل أجسامهم الدواء ‪ ،‬وجيب مراعاة املدّة ‪ ،‬والرائحة والطعم ‪..‬‬
‫كان على الصيديل أن يهتم بتحضري األدوية وأن جيعلها مستساغة وصاحلة‬
‫ّ‬
‫والفضة ‪،‬‬
‫لعالج املريض‪ ،‬وقد نصح ابن سينا بتغليف احلبوب بالذهب‬
‫ّ‬
‫وحضر الزهراوي الدواء ‪ ،‬على شكل أقراص ‪..‬‬
‫لقد ابتدع العرب طرقاً كثرية يف حتضري وتنقية الدواء منها التقطري والرتشيح‬
‫والتكليس والتحويل والتبخري والتذويب والتبلور والتصويل ‪..‬‬
‫ويف عصر املعتصم ‪ ،‬أصدر قراراً مبنع ممارسة الصيدلة إال من قبل من‬
‫حيمل شهادة تثبت كفاءته ‪ ..‬كما أكد الصيادلة على خصوصية مهنتهم‬
‫وأمهيتها ‪ ..‬وافتتحت الصيدليات املستقلّة عن حمالّت العطارة ‪ ..‬وأصبح‬
‫علم الصيدلة علماً قائماً بذاته ‪ ،‬مبنيّاً على التجريب واملعاينة ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪5‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيالة في أدب الخيال العلمي‬
‫حممد الياسني‬

‫إذا أمكننا خّاتاذ رواية « الوالية ‪ 51‬ترحب بكم أمنوذجاً للرواية‬
‫لألمريكي كارل هيربمان اليت وقعت حتت سحر السينما فيمكننا‬
‫فن اخليالة‪ ،‬هذا إذا أحس ّنا‬
‫التقاط النقاط اليت استعارتها الرواية من ّ‬
‫الظن ومل نقل ّإن الروائي كان يكتب وعينه على الشاشة الكبرية‪.‬‬
‫ّ‬
‫ورواية هيربمان من الروايات احلديثة اليت تتح ّدث عن عد ٍد من القضايا اليت‬
‫ُتصنف يف زمرة اخليال العلمي ّ‬
‫كالشابكة (اإلنرتنت) بوصفها مصدراً للرّعب‪،‬‬
‫واالستنساخ بغية العسكرة واحلرب من خالل منظوم ٍة طوبائي ٍة عسكري ٍة مقرّها‬
‫حتت األرض‪ ،‬كما استخدم الكاتب الطبق الطائر كوسيل ٍة من وسائل اإلثارة و‬
‫ش ّد االنتباه‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ومن القضايا األخرى اليت يظهر فيها تأثري‬
‫السينما على ه��ذه ال��رواي��ة انتقاد احلكومات‬
‫واستخدام رئيس الواليات املتحدة األمريكية‬
‫رمزاً هلا‪ ،‬واهلجوم عليه بوصفه زعيماً إمربيالياً‬
‫ال يهمّه سوى املال و حشد السّالح لالعتداء على‬
‫أيّ أحدٍ حتى وإن كان من املواطنني األمريكيني‬
‫أنفسهم إذا اقتضى األمر ذلك‪.‬‬
‫ّ‬
‫وجتري أحداث الرواية يف خطني مستقلني‬
‫فبطل الرواية فريكوس كنرتي العامل البسيط‬
‫يف إحدى املكتبات يعود إىل منزله مساءً ليتل ّقى‬
‫رسال ًة على بريده اإللكرتوني‪ ،‬وبعد أن يفتحها‬
‫بثوا ٍن قليلةٍ وينظر فيها ختتفي الرسالة اليت‬
‫بدا أهنا تضمّ قوائمَ بأمساء حم �دّدةٍ من على‬
‫شاشة احل��اس��وب‪ ،‬ثم ي��زوره بعد ذل��ك بوقتٍ‬
‫قصريٍ جداً شخصٌ غامضٌ يدّعي أنه حمققٌ من‬
‫الشّرطة الفيدرالية يصوّب إىل رأسه مسدساً‬
‫حربياً‪ ،‬فيتعاركان على املسدس فتُقتل صديقته‬
‫كاثي فريللي ‪ ،‬ولكنّ كنرتي يتم ّكن يف النهاية‬
‫من قتل هذا الغريب القويّ بأعجوبةٍ‪ ،‬ثم يسرع‬
‫إىل مأمور املدينة ليخربه باحلادثة‪ ،‬ويف اللحظة‬
‫ال�تي يكون فيها فريكوس مرتبكاً وه��و يسرد‬
‫حكايته املدهشة يدخل شخصان ب ِزيّ الشرطة‬
‫فيتعمدان إهانة املأمور ويبصقان يف وجهه‪،‬‬
‫وعندما حي��اول حتدّيهما يطلقان الرّصاص‬
‫عليه ويعتقالن فريكوس‪ ،‬وجيربانه على االعرتاف‬
‫أمام احلشد الذي حتلّق أمام املبنى بأنه هو من‬
‫قتل املأمور‪ ،‬ولكنّ كنرتي ينجح يف اإلفالت مرةً‬
‫أخ��رى فيطاردانه يف ك� ّل مكا ٍن فيقتل واحداً‬
‫منهما‪ .‬وتنتشر أخبار كنرتي يف ك ّل الواليات‬
‫على أنه قات ٌل جمنونٌ‪ ،‬يف حني أنه ال يفهم حتى‬
‫هذه اللحظة ملاذا يالحقه هؤالء الناس‪ ،‬وكيف‬
‫استطاع قتلهم واإلف�لات منهم‪ .‬بينما هو يفرّ‬
‫من الشرطة اليت راح��ت تطارده من مقاطعةٍ‬
‫ألخرى وتنشر صوره يف ك ّل مكا ٍن يف حماولةٍ‬
‫للقبض عليه وتسليمه للعدالة‪.‬‬
‫وملّا كان كنرتي يتمتّع بذاكرةٍ فوتوغرافيةٍ فقد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫استطاع تذ ّكر عددٍ من األمساء اليت كانت على‬
‫قائمة الربيد اإللكرتوني‪ ،‬ويتّصل بإحدى هذه‬
‫الشخصيات وه��ي الفتاة اجلميلة إي��زي اليت‬
‫ذهبت إىل مكا ٍن ما حتت األرض مل تعد تذكره‪،‬‬
‫استطاع فيه العلماء هناك أن ينتزعوا منها‬
‫املنطقة املسؤولة عن الشعور باخلطر‪ ،‬لذا فهي‬
‫ال ختاف كنرتي عندما يقتحم البيت‪ ،‬وال ترتعد‬
‫عندما خيربها مَن هو‪ ،‬على عكس مجيع الناس‬
‫الذين يصيبهم اهللع جملرّد ذكر امسه‪ ،‬وكذلك‬
‫فهي مل تشعر باألمل عندما حدثت كنرتي عن‬
‫وحشيّة العلماء الذين ألقوا هبا إىل األفاعي‬
‫وض��رب��وه��ا ث��م اغ��ت��ص��ب��وه��ا‪ .. .‬وه��ن��ا يدرك‬
‫فريكوس أنّ جحيماً ما حتت األرض هو‬
‫املسؤول عمّا حيدث له‪ ،‬ويقرّر اجملازفة‬

‫‪7‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يف الوصول إىل هناك بأي طريقةٍ ومهما كان‬
‫الثمن‪.‬‬
‫َ‬
‫أمّا ذلك العالم حتت األرض فكان قاعدة‬
‫هبكاپ العسكرية األمريكية اليت يديرها علماءُ‬
‫عسكريون ال يعرفون الشّفقة أو الرّمحة أبداً‪،‬‬
‫َ‬
‫مستنسخني (توائم)‬
‫وقد مت ّكن هؤالء من إنتاج‬
‫مب��واص��ف��اتٍ عاليةٍ م��ن ال� ّ�ذك��اء وال��ق��درة على‬
‫القيام جبميع األعمال العسكرية عند ّ‬
‫الضرورة‪،‬‬
‫وأدخلوا يف روعهم ذكرياتٍ و أحداثاً ومهيّ ًة عن‬
‫طفولتهم وأسرهم وأوطاهنم اليت يُفرتض أهنم‬
‫كانوا يعيشون فيها‪.‬‬
‫ه��اري سكسميث أح��د املستنسخني يبدأ‬
‫بالتساؤل عن وج��وده و أهله و عامله‪ ،‬و لكنّ‬
‫بشري خارج‬
‫مل‬
‫ٍّ‬
‫رؤس��اءه أفهموه أنه ما من ع��ا ٍ‬
‫ه��ذه القاعدة املدفونة وس��ط الصحراء ألنّ‬
‫احل��ض��ارة اإلنسانية انتهت إثْ��ر ح��ربٍ ذريّةٍ‬

‫‪8‬‬

‫طاحنةٍ‪ ،‬وال ميكن العيش على سطح األرض‪.‬‬
‫غري أنّ احلدث األهم يف هذه القاعدة هو الطبق‬
‫الطائر الذي عثرت عليه القاعدة بعد هبوطه‬
‫سليماً ومقتل طاقمه من الفضائيني‪ ،‬ومازال‬
‫علماؤها حياولون‪ ،‬مبساعدة التوائم‪ ،‬اكتشاف‬
‫آليات الطبق وطريقة تشغيله و الطريان به‪.‬‬
‫ينجح الطيار احلاذق هاري يف تشغيل الطبق‬
‫الطائر ويؤ ّكد للقياديـّة يف القاعدة الدكتورة‬
‫رالستون أن��ه ق��ادرٌ على ال��ط�يران ب��ه‪ ،‬فيحدّد‬
‫ّ‬
‫القطاع الذي ينبغي له التّحليق فيه‬
‫له قادته‬
‫حبيث يبتعد عن املناطق املأهولة فال يكتشف‬
‫أكاذيب ضباط هبكاپ‪ ،‬لكنّ حيدث ما ليس يف‬
‫احلسبان إذ يفقد هاري سيطرته على الصّحن‬
‫الطائر وحيلّق فوق الطريق السريع‪ ،‬ويا للدهشة‬
‫عندما يرى بشراً هناك على السطح يركبون‬
‫السيارات ويرتدون اجلينز‪ ،‬كما يرى النساء‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫واألط��ف��ال‪ ،‬وعندما يكتشف ق��ادة القاعدة ما‬
‫حدث يرسلون طائراهتم املقاتلة للقضاء على‬
‫هاري والناس الذين حتته بغية احلفاظ على‬
‫سرّ القاعدة‪.‬‬
‫ويصف الكاتب مشهد حتليق الطبق الطائر‬
‫ف��وق الناس أثناء عِلم القيادة بذلك وإرسال‬
‫املقاتالت فيقول ‪ ....(( :‬نظرت ك ّل الوجوه إىل‬
‫أعلى و صُوّبت املصوِّرات با ّتجاه هاري بينما‬
‫كانت الطائرات املقاتلة تقرتب‪ ،‬بعض الناس‬
‫ارتدّوا مذعورين‪ ،‬و بعضهم أدار مصوّراته باجتاه‬
‫الطائرات‪ .‬ق�دّر ه��اري زمن حتليق الطائرات‬
‫املقاتلة من قاعدة هاريرز بثوا ٍن معدودةٍ‪ ،‬ولكن‬
‫حاملا حت��رّك ال��ن��اس انفجر الطريق السريع‬
‫بالقذائف و الشّظايا‪ ،‬نظر ه��اري إىل الناس‬
‫الذين كانوا يتفرجون عليه من حتته و قد راحوا‬
‫يتطايرون يف اجلوّ بينما مزقت نريان املدفع ‪30‬‬
‫مم سياراهتم))‪.‬‬
‫عندها يكتشف ه���اري وح��ش�يّ��ة الربنامج‬
‫العسكري ال��ذي تقيمه احلكومة األمريكية‬
‫فيتمرّد ويقرّر أال يعود إىل القاعدة‪ ،‬ويفلت من‬
‫ّ‬
‫أرض قريبةٍ‬
‫نريان املقاتالت‪،‬‬
‫وحيط بالطبق يف ٍ‬
‫منها دون أن تكتشفه القاعدة‪ .‬يف هذه األثناء‬
‫يصل فريكوس و صديقته إيزي إىل القاعدة و‬
‫يتم ّكنون من اخرتاقها باملكر واخلديعة‪ ،‬ولكنّ‬
‫ليس ملدّةٍ طويلةٍ إذ يتمّ التح ُّقق من هويتهما و‬
‫يطاردان يف ك ّل مكان‪ ،‬و أثناء املطاردة يصادفان‬
‫ه���اري ق��رب الطبق الطائر بشكله البشريّ‬
‫الغريب‪ ،‬ف��رأس ه��اري أصلع متاماً وليس له‬
‫حاجبان أو أيّ شعر يف وجهه‪ ،‬كما أنّ مالحمه‬
‫طفولي ٌة جداً‪ ،‬وعيناه سوداوان واسعتان‪ .‬وبعد‬
‫أن يرتاب فريكوس وصديقته هباري يتمّ التّعارف‬
‫ّ‬
‫وتتضح النقاط الغامضة‪ ،‬إذ يشرح هلما‬
‫بينهم‬
‫هاري طبيعة القائمة اليت ظهرت خط ًأ يف الربيد‬
‫اإللكرتوني على حاسوب فريكوس‪ ،‬وهي قائم ٌة‬
‫بأمساء تُعِدّ القاعدة برناجماً لقتلهم بالتسلسل‬
‫بعد أن انتهت جتارب العلماء فيها على هؤالء‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ومل تعد هلم أيّ فائدة‪ ،‬فيقرر الثالثة مقابلة‬
‫الرئيس‪ ،‬وحيلّق هاري ورفيقاه يف الطبق للمرة‬
‫الثانية فوق مدينة نيويورك وضاحية ماهناتن‪،‬‬
‫وراح���وا حي �وّم��ون ف��وق ب��رج ال��ت��ج��ارة العاملي‪،‬‬
‫فانتشر خرب الطبق الطائر ‪ ...( :‬واستُدعي‬
‫الصحفيون إىل قمّة برج التجارة العاملي لرياقبوا‬
‫احلدث وهو بالضبط ما شاهدوه من قبل‪ .‬أمّا‬
‫الطبق الذي دار حول كتفي متثال احلرية ببطء‬
‫فكان طبقاً أسودَ ضخماً و كان شكله ظاهراً‬
‫بوضوح على صفحة املياه الرماديّة املتماوجة‬
‫للخليج األعلى وكذلك على صفحة السماء‬
‫الزّرقاء الصافية‪.)...‬‬
‫وميكنك ختيّل هذا املشهد الغريب ‪ :‬طبق‬
‫ّ‬
‫ليحط على‬
‫طائر حيلّق فوق مدينة نيويورك‬
‫سطح برج التجارة العاملي وسط دهشة الناس‬
‫و الصحفيني الذين تراكضوا من ك ّل صوبٍ و‬
‫من مجيع أنواع الصحف لتغطية احلدث‪ .‬بعد‬
‫ذلك مباشرةً تظهر اللقطة السينمائية التالية‬
‫إذ خترج إي��زي من درف �ةٍ يف أعلى الطبق ‪.. :‬‬
‫ثم أط ّل رأسٌ لفتاة‪ ،‬كانت فاحتة البشرة‪ ،‬ذات‬
‫شعر فاحم‪ ،‬وكانت ج ّذابة‪ .‬صحفيو اجملالت‬
‫اخلالعية الذين كانوا على سطح الربج سافروا‬
‫بعيداً خبياهلم املثري ‪ « :‬األط��ب��اق الطائرة و‬
‫اجلنس « لن يكون هناك أفضل من هذا العنوان‬
‫أبداً‪ .. .‬رمبا كان الذين يالحقون الطبق الطائر‬
‫على حقّ‪ .‬بعد ذلك نطقت الفتاة بصوتٍ صافٍ‬
‫كأنه الكريستال ب �دّد الصمت املريب ‪ :‬نريد‬
‫مقابلة الرئيس ! )) وهنا يظهر اهتمام الكاتب‬
‫ال��روائ��ي بالشخصية السينمائية‪ ،‬شخصية‬
‫األنثى حتديداً بوصفها عنصراً فنياً ج ّذاباً‪ ،‬وال‬
‫يهمل خمرجو السينما و ال منتجوها ذلك أبداً‪،‬‬
‫ألنه يشكل ضمان ًة حقيقي ًة جلذب أكرب عددٍ من‬
‫النظارة الذين يتحتم عليهم دفع مثن الفرجة‪.‬‬
‫ومن األشياء اليت جتعل هذه الرواية و كأهنا‬
‫سينمائي من طراز اخليال‬
‫نسخ ٌة من فيل ٍم‬
‫ٍّ‬
‫العلمي الشائع الذي يهدف إىل الرّبح أوالً‬

‫‪9‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هو احتواؤه على ثالثة مشاهد جنسيةٍ ملتهبةٍ ال‬
‫يؤ ّثر حذفها على سريورة األحداث يف الرّواية‪.‬‬
‫ولكن بعد إحلاح فريكوس و هاري هل سيأتي‬
‫رئيس الواليات املتحدة ؟ نعم‪ ،‬ويف هذا املشهد‬
‫تظهر إحدى خصائص الرواية السينمائية ‪ -‬إن‬
‫صحّ التعبري – و هو إمحاض اللغة وخاصة يف‬
‫احل��وار‪ ،‬وه��ذه خصّيصة يف السينما إذ تقرع‬
‫مسعَك الشتائم و األلفاظ البذيئة‪ ،‬أو إهانة‬
‫الرئيس باأللفاظ السوقيّة الشائعة‪ .‬و لكن‬
‫تظهر من ه��ذا األخ�ير ب��وادر الغدر و اخليانة‬
‫عندما حي��اول اإليقاع بفريكوس‪ ،‬و يتمّ إبعاد‬
‫هاري‪ ،‬بينما يتجادل فريكوس و الرئيس على‬
‫سطح البناء‪ ،‬ح �دّق الرئيس بفريكوس الذي‬
‫مازال مشوَّشاً‪ ،‬بعد ذلك ربّت على كتفه وانفجر‬
‫ّ‬
‫حمط‬
‫ضاحكاً ‪ ...:‬اللعنة‪ .‬بينّ ! جيب أن تكون‬
‫اهتمامي»‪ .‬فجأةً وضع بيوردج يده على كتف‬
‫فريكوس‪ »:‬دعنا نتو ّقف عن هذا الكالم الفارغ‬
‫فلدينا صفقة‬
‫ و م����اذا ل���و ك���ان ه����اري الي�����زال داخ���ل‬‫املركبة؟«‬
‫ عليك أال تف ّكر ب��ذل��ك ي��ا ب�نيّ ! ليست‬‫القضية هي كم تشعر أنك على حق‪ .. .‬أنت ال‬
‫تريد أن متارس العهر مع الرئيس !‬
‫ ليست املسألة فقط الرئيس الذي أفسق‬‫به‪ .‬و مع ذلك‪ ،‬ما الذي يضمن يل أنك ستفي‬
‫بوعدك !‬
‫مدّ الرجل يده لفريكوس و هو يقول ‪ :‬الصفقة‬
‫هي الصفقة‪.‬‬
‫ لقد عقدنا صفقة من قبل‪.‬‬‫ و لكننا مل نتصافح ! )‬‫وتنتهي ال��رواي��ة هن��اي� ًة سعيدةً إذ يتزوّج‬
‫فريكوس من إيزي بينما يقرّر هاري أن يتجوّل‬
‫بني املقاطعات األمريكية بسيارته احلديثة‪.‬‬
‫ولع ّل ه��ذه ال��رواي��ة تُ�عَ�دّ مثاالً حيّاً لتأ ّثر‬
‫ال��ك��ات��ب ال���روائ���ي ب��ال��ف �نّ ال��س��اب��ع و افتتانه‬
‫باألسلوب السينمائيّ‪ ،‬فأثناء تن ّقلك بني سطور‬

‫‪10‬‬

‫ال�رّواي��ة تشعر و كأنك تتابع فيلماً سينمائياً‬
‫بكل ما حيتويه هذا الفنّ من خصائص‪ ،‬حتى‬
‫إنّ الكاتب قد بلغ به التقليد أن ك �رّر أخطاء‬
‫السينما ذاهتا‪ ،‬فمشهد اإلنسان املطعون الذي‬
‫خيرج الدّم من طرف فمه هو مشهدٌ شائعٌ يف‬
‫األفالم السينمائية بكثرة‪ ،‬و لكن من الناحية‬
‫العلمية و الطبية فإنّ هذا املشهد يُعدّ غلطاً‬
‫فاضحاً ألنّ الذي يُطعن مبُدية ال ينزِف إال من‬
‫مكان ا ُ‬
‫جلرح الذي سببته تلك املدية‪ ،‬على أنّ‬
‫ذلك مل مينع هيربمان من إي��راد هذه اللقطة‬
‫ضمن مشهدٍ من املطاردات املثرية‪ ،‬ففي أحد‬
‫املهرجانات يُطارد فريكوس كنرتي «ال��ذي كان‬
‫يل ّقب ب�ين ال��ن��اس بالكلب اجمل��ن��ون» م��ن قِبَل‬
‫عصابةِ القاعدة اجلويّة هبكاپ‪ ،‬و عندما يدرك‬
‫أنه ال حمالة مقتول يقرّر ا ّتباع أهون الشرّين‬
‫لشرطي كان ي��ؤدّي مهمته‬
‫أي أن يسلّم نفسه‬
‫ٍّ‬
‫يف املهرجان ليقوم باعتقاله و بالتايل حيميه‬
‫من العصابة‪ ،‬و إليك املشهد الذي حنن بصدد‬
‫احلديث عنه ‪ .. .( :‬نظر من شقٍّ يف اخليمة و‬
‫أعلن للشرطيّ فجأةً ‪« :‬أنا أستسلم !»‪.‬‬
‫ «ماذا؟»‪.‬‬‫ «أنا الكلب اجملنون كنرتي»‪.‬‬‫ «اللعنة‪ ،‬تو ّقف عن الثرثرة‪.»... .‬‬‫ «لقد قتلتُ مأمور املدينة ويزيل يف لويزفل‪،‬‬‫و عمي َل الشرطة الفيدرالية أيضاً‪ ،‬إني أسلّمك‬
‫نفسي‪ ،‬اعتقلين»‪.‬‬
‫تفرّس فيه رجل الشرطة فاتسعت عيناه و‬
‫مدّ يده إىل مسدّسه‪ ،‬و لكن فجأةً تغيّرت مالمح‬
‫وجهه ومهدت حركة يده‪ ،‬و للحظة نظر إليه‬
‫و كأنه نسي موضع مسدّسه‪ ،‬و لكن عندما‬
‫جرى الدّم من طرف فمه أدرك فريكوس هلعاً‬
‫أنّ الشرطيّ‪ ،‬يف احلقيقة‪ ،‬قد نسي حياته ;‬
‫لقد قذفت كيلي خاصرة الرّجل مبُديةٍ حادّةٍ‬
‫طويلةٍ)‪.‬‬
‫ً‬
‫إذاً فالعناق ال ي���زال م��س��ت�مّ��را ب�ين رواية‬
‫اخل��ي��ال العلمي و السّينما حتى بعد مرور‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫عشرات السّنني على اخرتاع تلك اآللة املدهشة‬
‫(اخليالة) اليت حرّكت الصورة (الفوتوغرافية)‬
‫و انتزعت شخوص ال��رواي��ات لتظهرها على‬
‫الشاشة‪ .‬فب ّثت السّحر يف الشّكل األدبي الذي‬
‫طوّر تقنياته معتمداً على السّينما و أصبحنا‬
‫نسمع مصطلحاتٍ أدبي ًة هي نفسها املصطلحات‬
‫السينمائية كالتّقطيع (املونتاج ) و اخلطف خلفاً‬
‫(الفالش ب��اك) و الكتابة بالصورة – األدبية‬
‫طبعاً – و غريها من املصطلحات احلديثة‪... .‬‬
‫ومع أنّ يد األدب على السينما كانت هي‬
‫السبّاقة ‪ -‬إذ استطاعت ال��رواي��ة أن تساعد‬
‫على النهوض بالفيلم الروائي ‪ -‬فإنّ السينما‬
‫مل تنس فضل األدب عليها مطلقاً‪ ،‬فاألدباء –‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫و منهم أولئك ٍالذين ال عالقة هلم بالسينما‬
‫– أصبحوا يكتبون الرّواية بشكلها السينمائي‬
‫حتى من دون أن يشعروا بذلك‪ ،‬فنحن نرى‬
‫ال��رواي��ات ال�تي تعتمد املشاهد املنفصلة‪ ،‬أو‬
‫املكتوبة بطريقة السيناريو أو التداخل الزّمين‪،‬‬
‫أو تلك اليت يكون فيها املكان هو بطل الرّواية‪.‬‬
‫‪...‬وال شكَّ أنّ األديب يعتمد يف ك ّل ذلك على‬
‫ّ‬
‫الذاكرة السينمائية للقارئ الذي يتل ّقى العمل‬
‫األدبي بفه ٍم أكرب و طريقةٍ أفضل‪ ،‬حتى إنّ بات‬
‫من العسري فهم بعض القصص والروايات إال‬
‫إذا قرأتَها و أنت تتخيّل نفسك جتلس يف صالةٍ‬
‫مظلمةٍ و تنظر باجتاه شاشةٍ عريضةٍ تسمّى‬
‫اخليالة‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫داللة المكان الفضائي في‬
‫رواية الخيال العلمي العربي‬
‫أ‪ .‬نوارة حممد عقيلة‬
‫جامعة سبها ‪ /‬ليبيا‬

‫منذ خلق اهلل اإلنسان وهو بني حل وترحال‪ ،‬يطأ أرضاً ويرتك‬
‫أخرى‪ ،‬تدفعه احلياة واملقادير إىل أن يستوطن مكاناً جديداً تاركاً‬
‫ما ألفته نفسه وعهدته وشاعراً باالنتماء واأللفة إىل مكانه اجلديد‪،‬‬
‫فاإلنسان دائماً تربطه عالقة مع املكان‪ ،‬وختتلف هذه العالقة من إنسان‬
‫إىل آخر ومن مكان إىل آخر‪ ،‬ويف هذه اآلونة بدأت تشغل بال املفكرين‬
‫وتعلل نبيلة إبراهيم هذا االنشغال بقوهلا‪ (( :‬السبب يف هذا إىل ختلخل‬
‫عالقة اإلنسان بأقدم مكان وأرسخه وهو األرض نتيجة أحباث الفضاء اليت‬
‫تلح على اكتشاف عوامل مكانية أخرى تنافس األرض يف عالقة اإلنسان بها‪،‬‬
‫ورمبا يرجح السبب يف ذلك إىل اإلفراط يف زج اإلنسان املعاصر يف عوامل‬
‫مصنوعة)) (‪.)1‬‬

‫‪12‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫نعم هذا ما حدث بالفعل ففي كتابات اخليال‬
‫العلمي ضعفت ال��راب��ط��ة ب�ين اإلن��س��ان وبني‬
‫األرض كمكان أو عامل مكاني يتحرك فيه‪ ،‬فقد‬
‫فرّ الكتاب بشخصياهتم األدبية إىل أماكن بعيدة‬
‫يف الفضاء‪ ،‬وانقطعت األواصر يف بعضها بني‬
‫الشخصية ومكاهنا األرضي وانطلقت تبحث هلا‬
‫عن مكان جديد حتط فيه الرحال ويتم البدء‬
‫يف رسم حياة أمجل وأفضل‪.‬‬
‫إن امل��ك��ان يف األدب ال���روائ���ي يف اخليال‬
‫العلمي مل يعد منصباً على املكان ذي املرجعية‬
‫الواقعية‪ ،‬وإمن��ا أصبح الفضاء أفضل مكان‬
‫لصوغ العامل الروائي املتخيل ‪ ،‬وسنستعرض‬
‫يف هذه املقالة األمكنة الفضائية اليت كانت من‬
‫مكونات املتخيل الروائي يف رواي��ة رجل حتت‬
‫الصفر ملصطفى حممود ‪ ،‬ورواي��ة ابن النجوم‬
‫لنهاد شريف‪ ،‬ورواية جبل عليني للهادي ثابت‬
‫ومن هذه األمكنة الفضائية‪:‬‬
‫‪ -1‬الشمس‪:‬‬
‫ال تكاد ختلو الرواية عامة والعربية خاصة من‬
‫الشمس كجزء من أحد مكونات البنية الروائية‪،‬‬
‫حيث تسهم كفعل أو كداللة زمنية أو مكانية‪،‬‬
‫وتأثريها كفعل هو ما تسببه من حرارة أو توهج‬
‫فتكون يف بعض األحيان سبباً يف النهاية واملوت‬
‫كما أهنا ختلق الوهم واخليال القاتل املتمثل يف‬
‫السراب الذي يشكل جزءاً من البعد الفيزيائي‬
‫للمكان (‪.)2‬‬
‫والشمس يف رواي��ات اخليال العلمي تنحى‬
‫منحنى آخ��راً‪ ،‬فال يعد ألثرها احل��راري دور‪،‬‬
‫وال لتأثريها الفيزيائي مكان من حيث حدوث‬
‫السراب وما له من داللة عميقة‪ ،‬فاألمر عكس‬
‫ذل��ك‪ ،‬فلم يعد الفرار منها وإمن��ا إليها‪ ،‬حيث‬
‫تصبح مكاناً تلتجئ إليه الشخصية وترى فيه‬
‫امللجأ واخل�لاص‪ ،‬ويتضح هذا يف رواي��ة رجل‬
‫حتت الصفر فبعد أن حتولت شخصية‬
‫(د‪ .‬شاهني) إىل طورها الثاني (املوجات)‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪13‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بسبب االكتشاف العلمي‪ ،‬بدأت يف رحلتها إىل‬
‫الفضاء‪ ،‬وانتقلت إىل مكاهنا اجلديد خمرتقة كل‬
‫احلواجز‪ ،‬وتصبح كل األمكنة الفضائية ملكها‪،‬‬
‫ولكنها ختتار الشمس موطناً وملجأ هلا بعد أن‬
‫زارت أغلب الكواكب ‪ -‬ملاذا ختتار شخصية (د‪.‬‬
‫شاهني) الشمس مستقراً ومالذاً هلا؟‬
‫تتعدد ال��دالالت اليت حتملها الشمس فهي‬
‫تعد آهلة يف احلضارات السابقة‪ ،‬وتعبرياً عن‬
‫الطاقة والقوة واحلرية واحلياة‪ ،‬وهي عنوان‬
‫الشرق وداللته الذي ينتمي إليه (د‪ .‬شاهني)‪،‬‬

‫‪14‬‬

‫ومن حيث كوهنا داللة على الزمن فالشمس تعين‬
‫الظهور واإلش��راق وبداية زمن تارخيي جديد‬
‫بدأ بعد أن سكن (د‪ .‬شاهني) فيها‪ ،‬ففي ذلك‬
‫الزمن (( تألفت مجعية دينية باسم ( أخناتون)‬
‫لعبادة ما مسوه‪ ..‬الينبوع اإلهلي واملصدر األول‬
‫للطاقة‪ ..‬وكانت هذه اجلمعيات جتعل ملعابدها‬
‫طاقات تطل على مشرق الشمس حيث جيتمع‬
‫املصلون يف فجر كل يوم ويتوجهون يف صمت إىل‬
‫مطلع الشمس‪ )3( ))..‬وعندما ينظر الناس إىل‬
‫نور الشمس تظهر موجات (د‪ .‬شاهني) جزءاً‬
‫من هذا النور الذي يتجه إليه الناس ويدعون‪،‬‬
‫وه��ذا يشعرنا أن الشخصية العربية تصبح‬
‫رمزاً لرسل حضارة جديدة‪ ،‬وهي حضارة العلم‬
‫والنور واحلرية‪.‬‬
‫إن اإلشراقة والنور واحلق معان ذات داللة‬
‫صوفية والشمس حتمل هذه املعاني وال يراها‬
‫(د‪ .‬شاهني) إال هكذا‪ ،‬ومل ينظر هلا من منظور‬
‫علمي‪ ،‬إهن��ا تتحول حسب أفقه الفكري إىل‬
‫ع��امل يضج ب��احل��ي��اة‪ ،‬فوصفه للشمس كان‬
‫على غري ما وصف به بقية األمكنة الفضائية‬
‫األخرى(املشرتي‪ ،‬املريخ‪ ،‬زحل‪ )...،‬فهذه الكواكب‬
‫رمبا مل تعن له شيئاً حيث وصف سطحها وهو‬
‫حملق عليها من خالل املخزون الفكري العلمي‬
‫على اعتبار أنه شخصية علمية‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أم��ا الشمس فاختلف الوصف هلا وحتول‬
‫احل��دي��ث عنها م��ن حديث علمي إىل حديث‬
‫مشبع بالعلمية والروحانية وانتقل من حديث‬
‫ناتج عن العقل والفكر إىل حديث تبثه الروح‬
‫الساحبة يف ملكوت اهلل‪ ،‬حيث يقول وهو متجه‬
‫حنوها ‪ (( :‬إن قوى اجلذب اهلائلة للشمس هي‬
‫اليت تشدني هذه املرة مؤدية إىل هذا التسارع‬
‫اهل��ائ��ل‪ ..‬إهن��ا أشبه بيد الصياد القوية متتد‬
‫لتلقف السهم ال��ذي أفلت منها‪ ..‬وأن��ا أشعر‬
‫شعور العائد إىل املنبع‪ ..‬ومعي معاشر من آالف‬
‫مؤلفة وماليني ال تعد من األم��واج عائدة يف‬
‫حنني إىل النور األب‪ ..‬إن كل ما تعلمناه عن‬
‫النار وعن العشرين مليون درجة حرارة يف باطن‬
‫الشمس‪ ...‬تلك الدرجات اليت كنا نرجف وحنن‬
‫نسمعها‪ ..‬كانت خياالً قاصراً‪ )4( ))...‬ويزداد‬
‫يف وصفها قائالً‪ (( :‬يف باطن الشمس ال شيء‬
‫حي�ترق‪ ،..‬وإمنا هناك دورة الفعل واالنفعال‪..‬‬
‫واحلرية املطلقة‪ ،..‬هنالك النور األب‪.)5( ))..‬‬
‫هبذا الوصف يكتسب املكان قدسية عالية‬
‫كما اكتسبها عند التحام موجات الشخصية‬
‫به‪.‬‬
‫‪ -2‬كوكب أميتون‪:‬‬
‫إن املكان الذي اختاره الكاتب هناد شريف‬
‫يف رواية ابن النجوم ليكون موطناً البن النجوم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وقومه هو مكان خارج اجملموعة الشمسية‪ ،‬فهو‬
‫مل خيرت مكاناً يكون قد وصلت إليه قدم بشر‬
‫أو خيال كاتب‪ ،‬وعندما يفر خبياله إىل خارج‬
‫اجملموعة الشمسية يعين انه مل يفر من األرض‬
‫فحسب‪ ،‬بل حتى من أخواهتا الكواكب األخرى‪.‬‬
‫ويبدو أن الشخصية يف هذا العامل املتخيل‬
‫كانت تبحث عن مكان أكثر نقاء وصفاء وإن كان‬
‫هذا املكان ال خيتلف من حيث البناء عن املكان‬
‫األم (األرض)‪ ،‬فيظهر كوكب األميتون صورة‬
‫لكوكب األرض وكأنه األرض (ب) إذا ارتضينا‬
‫أن نسمي كوكبنا األرض (أ) على غرار بعض‬
‫الروايات املرتمجة (‪.)6‬‬
‫فالبعد اجل��غ��رايف لكوكب األميتون يتضح‬
‫على لسان الشخصية الفضائية اب��ن النجوم‬
‫وهي تعرّف به إىل الشخصية األرضية حيث‬
‫تقول‪ ...(( :‬إن العام لدينا يقل زمناً عن عامكم‬
‫خبمسة عشر يوماً‪ ...‬أيضاً هناك اختالفات‪..‬‬
‫بني كوكبينا يف نسبة املاء إىل اليابسة وتركيب‬
‫املاء ومكونات اهلواء‪ ..‬ويف درجات احلرارة ونواة‬
‫العواصف واألعاصري‪ ..‬وكذا يف أنواع احليوان‬
‫والنبات وتركيب املعادن‪ ..‬إىل آخر ما قد يوجد‬
‫من اختالف بني جرم مساوي وآخر‪ ..‬دون أن‬
‫يشكل هذا فروقاً جوهرية‪.)7( ))...‬‬
‫إذاً‪ ،‬االخ��ت�لاف مل يكن إال يف اسم‬

‫‪15‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املكان وموقعه اجلغرايف يف العامل املتخيل الذي‬
‫يطابق االسم يف عامل الواقع وحيتمل هنا أن‬
‫سبب هذه املساواة هلذين املكانني أن الكاتب‬
‫ال ميكن أن يتخيل كوكباً يقطنه البشر على‬
‫غري هذه الصورة ورمبا يكون هذا التقريب يف‬
‫رسم مالمح املكان هو حتفيز شخصيات كوكب‬
‫األرض‪ ،‬بأن تصبح األرض على نفس الدرجة من‬
‫التقدم والرقي اليت عليها كوكب أميتون ويظهر‬
‫هذا التقدم والرقي من خالل صورة معاكسة‬
‫تقدمها الشخصية الفضائية إىل الشخصية‬
‫األرض��ي��ة حيث ت��ق��ول واص��ف��ة ح��ال األرض‪:‬‬
‫((أعرفتم ما هو الفارق؟ إنه احلروب‪ ..‬نعم‪..‬‬
‫األت��ون‪ ..‬الذي يستغرقكم ويستنزف مواردكم‬
‫وجيمد مسريتكم فالذي تشيدونه يف أعوام‬
‫تدمرونه يف ساعات‪ ...‬إنه ذكاؤكم امللوث‪...‬‬
‫معذرة فليس ما حتويه عقولكم من ذكاء ملاح‬
‫بالصحو املصفى ‪ ..‬حقيقي‪ ..‬حتى إ ّنا نسمي‬
‫كوكبكم من قديم بكوكب التقاتل‪ ...‬أال يعطي‬
‫ال��ذك��اء الطاقة ل�لإب��داع واخل��ل��ق؟‪ ..‬أال مييز‬
‫كائنات عن غريها؟‪ ..‬فبماذا تصف ذكاء يصنع‬
‫أدوات التدمري واإلفناء واإلبادة الشاملة؟‪ ..‬ثم‬
‫يستمر استخدامه هلذه األدوات‪ ..‬بل ويتفنن‬
‫يف تطويرها‪ ..‬ومضاعفة قواها التدمريية دون‬
‫أدنى مسؤولية‪.)8( ))..‬‬
‫م��ن السياق النصي السابق يتضح مدى‬
‫اجلمالية املعنوية اليت يكتسبها كوكب األميتون‪،‬‬
‫فإنه مكان يعم فيه السالم وي��ق��وده التقدم‪،‬‬
‫وترتفع شخصياته عن أن تلوث عقلها وذكاءها‬
‫ب��أم��راض التملك ومح��ق التفكري‪ ،‬وال تفكر‬
‫يف أخذ ما ال خيصها‪..‬فلم تعرف التنازع وال‬
‫التعدي والتقاتل (‪.)9‬‬
‫إذاً‪ ،‬هذا هو كوكب أميتون كمكان مل يظهر‬
‫ظهوراً فعلياً على املساحة النصية‪ ،‬وإمنا قدّم‬
‫من خ�لال الشخصية ال�تي تنتمي إليه‪ ،‬ولكن‬
‫هذا املكان مل يغب عن ذهن املتلقي وإمنا هو‬
‫حاضرٌ حضوراً ذهنياً يتلمسه من وراء حتركات‬

‫‪16‬‬

‫شخصية ابن النجوم‪.‬‬
‫‪ -3‬الفضاء‪:‬‬
‫يظهر ه��ذا املكان ال��روائ��ي يف رواي��ة «جبل‬
‫عليني» وهو املساحة الفضائية اليت قطعتها‬
‫املركبة الفضائية احلاملة «إبراهيم وقرينا» إىل‬
‫قامناد موطنهما اجلديد يف الفضاء‪.‬‬
‫يتم اخ�تراق ه��ذا املكان وظ��ه��وره يف النص‬
‫الروائي من خالل شخصية «إبراهيم وقرينا»‬
‫حيث تقوم قرينا بعملية السرد فهي الشخصية‬
‫الساردة يف الرواية‪ ،‬ألهنا كانت تسجل مذكراهتا‬
‫ال�تي عهدت على نفسها أن تقوم هبا منذ أن‬
‫قررت الرحيل من على سطح األرض (( سأكتب‬
‫ذكرياتي عن الرحلة اليت سأقوم هباوعن التجربة‬
‫اليت ترتقبين يف قامناد)) (‪.)10‬‬
‫خترتق الشخصيتان املكان بوسيلة نقل ذات‬
‫مبنى غرائيب وإن كانت مكوناهتا ذات مرجعية‬
‫واقعية فعندما استعدا للقيام جبولة استطالعية‬
‫يف الفضاء وجدا أمامهما ((جوادين من املعدن‬
‫خي��رج من جنيب كل منهما جناحان مجيالن‬
‫ملونان بألوان قوس قزح‪ .‬كان لون احلصانني‬
‫أبيض ناصعاً ومعدهنما من النيكل)) (‪.)11‬‬
‫مينح إبراهيم اسم الرباق للحصان املعدني‬
‫وهو اسم ذو داللة دينية فالرباق هو ما حلق به‬
‫الرسول صلى اهلل عليه وسلم يف ليلة اإلسراء‬
‫واملعراج‪ .‬تستحضر الشخصية الروائية إبراهيم‬
‫هذا االسم من خمزوهنا الفكري الديين‪ ،‬وهذا‬
‫يستشعر تقارب ص��ورة الرحلة الفضائية مع‬
‫رحلة اإلسراء واملعراج يف ذهن إبراهيم‪.‬‬
‫ولكنهما مل يبتعدا عن األرض كثرياً ومل جيوال‬
‫يف مس��وات سبع‪ ،‬وإمن��ا رحلتهما يف الفضاء‬
‫كانت عودة لألرض والشوق إليها‪ ،‬فقد طلبت‬
‫قرينا من احلاسوب أن يتوقف اجلوادان لتتسنى‬
‫هلما رؤية األرض ونفذ هلما ذاك فكان ((الشطر‬
‫املتاح رؤيته قارتي أفريقيا وأوروب���ا والشرق‬
‫األوسط وحتى جزءاً من اهلند والصني‪ ،‬العامل‬
‫القديم برمته‪ ،‬وظهر البحر املتوسط [ هلما]‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫كاملسبح وصحراء أفريقيا كالكعكة)) (‪.)12‬‬
‫تعود قرينا لتتصل مباشرة بالفضاء وتطلب‬
‫من قادة السفينة أن يوفروا هلا ذلك استجاب‬
‫لطلبها والتحمت بالفضاء وع�برت ع��ن هذا‬
‫االلتحام قائلة ((ك��ن��ت اتصلت بالفضاء من‬
‫قبل ولكن على ظهر اجل��واد املعدني‪.‬أما أن‬
‫أك��ون داخله ال يفصلين عنه س��وى ذل��ك الزي‬
‫املتني فشيء آخر ‪ ،‬إحساس يصعب وصفة ‪.‬‬
‫كنت كالريش على سطح املاء ‪ ،‬أسبح يف الفراغ‬
‫املظلم ‪ ،‬ومل أحسن مبادية الوعاء الذي انتقل‬
‫فيه على بطين فاحتة يدي ورجلي ‪ ...‬وتشعر‬
‫بفقدان الوزن وبالتايل بالتحرر من قيود كنت‬
‫حتملها مدى احلياة ‪ .‬شعور منهم باالنشراح‬
‫والقلق يف آن واحد))‪)13( .‬‬
‫إن اإلنسان عندما يفارق مكاناً ما فإنه يرتك‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫فيه بعض آالمه وآهاته ويتخلص من تراكمات‬
‫تزيد من عبء أحزانه‪ ،‬والشخصية األرضية‬
‫وهي تفارق كوكب األرض حدت هلا مثل ذلك‪،‬‬
‫ووجدت الوسيلة املعينة‪ ،‬فلم يكفها الفرار من‬
‫امل��ك��ان األول ك��وك��ب األرض إىل ك��وك��ب آخر‪،‬‬
‫وإمنا ختلصت بعض الوقت من كل ما حييط‬
‫هبا فدخلت الفراغ الذي تنعدم معه اجلاذبية‬
‫واالتصال ومع انعدام اجلاذبية خيتفي الشعور‬
‫باجلسم ويتخلص من ثقله وتظل الشخصية‬
‫كأهنا روح ساحبة متخلصة من كل شوائبها‬
‫وآثامها‪.‬‬
‫ميتلك ال��ف��ض��اء ب��اع��ت��ب��اره م��ك��ان �اً روائياً‬
‫خصوصية االنتماء إىل أدب اخليال العلمي ففي‬
‫الرواية عامة تنعدم هذه العالقة الناشئة‬
‫بني الشخصية والفراغ وذلك ألن الفراغ‬

‫‪17‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يعين النهاية واملوت‪.‬‬
‫‪ -4‬املريخ‪:‬‬
‫يعد املريخ من أهم األمكنة الفضائية اليت‬
‫حظيت باهتمام من قبل كتاب اخليال العلمي‬
‫فكان يف أغلب الكتابات هو املكان النائي الذي‬
‫ختتاره الشخصيات الروائية موطناً هلا‪ ،‬أو أنه‬
‫يكون خاصاً لشخصيات خلقت على الكوكب‪.‬‬
‫ورمب���ا ال���ذي س��اع��د ع��ل��ى ذل���ك ه��ي تلك‬
‫الرحالت واملالحات الفضائية اليت يقوم هبا‬
‫إنسان األرض مسافراً إىل الفضاء باحثاً عن‬
‫مكان جديد ميد فيه طموحة ويهيئ الكواكب‬
‫للحياة فيها ‪.‬‬
‫إن البناء املكاني لألمكنة الفضائية احملدودة‬
‫تظهر عادة بالصورة الطبيعة نفسها وذلك رمبا‬
‫لوضع املتلقي على مسافة قريبة من املكان‪،‬‬
‫واملريخ يف رواية جبل عليني له (( طقس املريخ‬
‫معتدل ‪ ،‬ولكن جوه خانق ألن أكثر من تسعني‬
‫باملائة من مكوناته غاز الكربون السام )) (‪)14‬‬
‫ولتقرب املسافة أكثر ووضع املتلقي يف صورة‬
‫أوضح يقرب بناء املريخ من خالل بناء األرض‬

‫‪18‬‬

‫(( رمبا تكون املسافة هي نفسها ‪ ...‬ماذا تغري؟‬
‫هذه صحراء وتلك صحراء ‪ ،‬رمال منتشرة ال‬
‫حتدها من اجلنوب سوى سلسلة من اجلبال‬
‫الصخرية‪ ،‬تتخللها ف��وه��ات ال�براك�ين كبحار‬
‫القمر ولو تعرّت األرض من خضرها ‪ ،‬ونزح ماء‬
‫حبارها ألصبحت مرخياً أشهب)) (‪.)15‬‬
‫يلتقي على املريخ كل من الشخصية األرضية‬
‫والفضائية فتختلف عالقة كل منها‪ .‬فالشخصية‬
‫األرضية يصبح عندها املريخ ذا فيمة اقتصادية‬
‫عالية مبجرد أن تكتشف الذهب على سطحه‪.‬‬
‫إن رحيل (قرينا) من على األرض إىل الفضاء‬
‫مل جيعلها تتخلص م��ن ك��ل م��وروث��ه��ا‪ ،‬فحب‬
‫املادة‪ ،‬وحب التملك يسيطران عليها ما جيعلها‬
‫تسعى إىل البحث عن الذهب وامتالكه وهي‬
‫تعي متاماً أنه يفقد قيمته اليت كانت له على‬
‫األرض ويتساوى مع بقية املعادن ((كان بريق‬
‫الذهب يسيطر على عقلي‪ ،‬ومل خيطر ببايل‬
‫أن أسأل نفسي عمّا ميكن أن أصنع بالذهب‬
‫يف مكان ال قيمة فيه للذهب‪ .‬كان مهي الوحيد‬
‫أن أرى الذهب يربق وأن أملسه بيدي‪ ،‬وأنعم به‬
‫ول��و لفرتة قصرية)) (‪ )16‬مل يكن ذل��ك شعور‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قرينا فقط‪ ،‬وإمنا هو شعور أهل األرض مجيعاً‬
‫(( لو علم سكان األرض أن الذهب منتشر يف‬
‫قيعان األودية على سطح املريخ لتسلقوا السماء‬
‫ورحلوا أفواجاً جلمعه)) (‪.)17‬‬
‫أما الشخصية الفضائية فهي ال تعري اهتماماً‬
‫للذهب وال ألي شيء حيمل قيمة نقدية‪ ،‬إهنم‬
‫(( يستغلونه يف أشغاهلم املختلفة‪ ،‬فأنا مل أر‬
‫فيهم حتى اآلن من يتحلى بالذهب أو الفضة أو‬
‫األحجار الكرمية‪ .‬هم ال يلبسون وال يتجملون‬
‫وال يضعون احللي والعطور‪.)18( ))...‬‬
‫هلذا فإن العالقة بني الشخصية الفضائية‬
‫واملريخ تتجاوز حد االمتالك وإىل عالقة أقوى‬
‫وأمس��ى وه��ي إع��ادة احلياة إىل سطح املريخ‬
‫جبهود علمية وعقلية مكثفة خيضع أحد أجزاء‬
‫املريخ هلذه التجربة وهو «جبل عليني» أعلى‬
‫قمة يف املريخ وتفوق قمة جبال اهلماليا يف‬
‫االرتفاع‪.‬‬
‫خيتار الكاتب ه��ذا امل��ك��ان اجل��زئ��ي ليكون‬
‫عنواناً للرواية مثلما اختار جبل غار اجلن‪.‬‬
‫على الرغم من صغر احليز املكاني النصي‬
‫الذي يأخذه جبل عليني فإن الدور الذي يقدمه‬
‫يف حتقيق داللة بنية النص الكربى كبري‪ ،‬فأغلب‬
‫األماكن التى ظهرت كلها أمكنة جاهزة مسبقاً‪،‬‬
‫أما جبل عليني فهو مكان يعد مستقبالً من أجل‬
‫رس��م حياة جديدة‪ ،‬فعلى قمة اجلبل ترتصد‬
‫جمموعة الفتيات العاملات الصطياد مذنب يف‬
‫فوهة اجلبل ومنه يتم احلصول على املاء سر‬
‫احلياة‪.‬‬
‫ال يطأ اإلنسان مكاناً ميتاً إال ويسعى جاهداً‬
‫أن خيلق مقومات احلياة فيه وه��ذا ما فعله‬
‫القامناديون‪ ،‬فمثلما بنوا احلياة على قامناد‬
‫حياولون بناءها على املريخ و حياولون احلفاظ‬
‫عليها على األرض ببناء حمطة فضائية خاصة‬
‫بدراسة األرض‪.‬‬
‫ً‬
‫ميكن أن نصف أخريا أن عالقة الشخصية‬
‫األرضية باملكان الفضائي هي عالقة تعرف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫واك��ت��ش��اف ف��ه��ي ال ت��س��ه��م ك��ث�يراً يف إيضاح‬
‫الشخصية ومدى تطورها بالقدر الذي يقدمه‬
‫االب��ت��ع��اد ع��ن األرض وال��ت��خ��ل��ص م��ن بعض‬
‫القيود‪.‬‬
‫‪ - 5‬قامناد‪:‬‬
‫هذا هو املستقر األخري الذي استقرت فيه‬
‫الشخصيتان األرضيتان يف رواييت اهلادي ثابت‬
‫(إب��راه��ي��م ‪ ،‬وقرينا) وق��امن��اد ه��و أح��د أقمار‬
‫كوكب املشرتي وأك�برمه��ا‪ ،‬اخت��ذه القامناديون‬
‫موطناً هلم‪.‬‬
‫اختلف ه��ذا امل��ك��ان ع��ن األمكنة السابقة‬
‫(امل��ري��خ‪ ،‬امل��ش�تري‪ ،‬ال��ف��ض��اء‪ )...،‬يف الصورة‬
‫اليت (أنبنى هبا املكان‪ ،‬فاألماكن السابقة كانت‬
‫على طبيعتها‪ ،‬وحياهتا األوىل ال�تي رمستها‬
‫هلا الطبيعة من صخور وجبال عاتية وأخبرة‬
‫وغ���ازات ت��ص��وغ ج��و تلك األم��اك��ن وتستحيل‬
‫احلياة فيها‪ ،‬أم��ا يف قامناد فاألمر غري ذلك‬
‫مت��ام �اً‪ ،‬فعلى ه��ذا امل��ك��ان وطئت ق��دم البشر‬
‫القدامى الذين ف��روا من كوكبهم األول‬
‫بعد أن ح � ّل ب��ه ال��دم��ار بفعل الطبيعة‬

‫‪19‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فهم (( يف األص���ل ق��د ج��اؤوه��ا(ق��امن��اد من‬
‫األرض منذ غياهب العصور‪ ،‬واستقروا هناك‪،‬‬
‫وط��وروا احلياة على قامناد‪ ،‬وطوعوا الطبيعة‬
‫اليت ال تصلح لعيش اإلنسان)) (‪ ،)19‬فكانت‬
‫حياة جديدة تبدأ على مكان جديد يبنى بصورة‬
‫جديدة مل تعهدها الشخصية األرضية من قبل‬
‫ويتضح البناء يف هذا السياق (( يف هذا اليوم‬
‫خرجت إىل الشارع‪ ،‬وكلمة شارع ال تدل على ما‬
‫هو متعارف عليه عند أهل األرض‪.‬‬
‫فال وجود هنا لشوارع وال ألهنج وال ألزقة‬
‫ألن��ه بكل بساطة ال ت��وج��د ط��رق��ات‪ ،‬الناس‬
‫ينتقلون على منت وسائل نقل طائرة‪ ،‬وأرض‬
‫الكوكب لزجة تكسو ج���زءاً ك��ب�يراً منها املياه‬

‫‪20‬‬

‫والثلوج فال تصلح للتنقل فوقها ال باألقدام‬
‫وال بالعجالت‪ .‬وحتى املساكن فهي معلقة يف‬
‫الفضاء ترتفع قليالً عن اليابسة‪ ،‬كانت أرض‬
‫قامناد لزجة‪ ،‬كلها أوحال‪ ،‬ال تصلح للبناء فلم‬
‫يبنوا فوقها الدور ومل خيططوا عليها الطرقات‪،‬‬
‫بل أرسوا املدينة بأكملها حتى احلدائق معلقة‬
‫يف الفضاء‪ ،‬ال يفصلها عن اليابسة سوى بعض‬
‫األمتار وكأهنا السفن راسية يف امليناء )) (‪)20‬‬
‫على ال��رغ��م م��ن غرائبية بناء امل��ك��ان فإنه ال‬
‫يبتعد كثرياً عن واقع الشخصية األرضية‪ ،‬كما‬
‫أن املكان يستحضر يف ذهن املتلقي حضارات‬
‫قدمية يف الشرق األوس��ط‪ ،‬فاحلدائق املعلقة‬
‫يف الفضاء يوحى حبدائق بابل املعلقة‪ ،‬كما أن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫املدينة اليت تعد عاصمة وطن القامنادين يتم‬
‫التفنن يف بنائها ليربز مدى احلضارة العلمية‬
‫ال�تي وص��ل��وا إليها فهي تدعى مدينة النهار‬
‫((ألهنا ال تعرف الليل أب��داً‪ ،‬فهي مضاءة ليالً‬
‫هناراً بنور الشمس‪ ..‬هذا ال يعين أن كل الكوكب‬
‫ال حتتجب عنه الشمس أو املشرتى الذي ينري‬
‫الكوكب مثل الشمس ولكن العلماء توصلوا إىل‬
‫طريقة جتعل نور الشمس ينعكس على املدينة‬
‫كامل اليوم ودون انقطاع إىل األبد)) (‪ )21‬يظهر‬
‫يف هذا البناء مدى حتدي الشخصية الفضائية‬
‫للطبيعة وم��دى السعي إىل ام��ت�لاك الفضاء‬
‫وتسخريه ملتطلبات حياهتا بل وأكثر من ذلك‬
‫حيث توفر سبل راحتها ومتعتها يف احلديقة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫اليت تتوسط املدينة‪ ،‬تصفها الشخصية األرضية‬
‫قرينا قائلة‪(( :‬حط الطبق على مطار احلديقة‬
‫املعلقة الذي يوجد يف طابقها العلوي ولبسنا‬
‫املزالق ألن التنقل على اليابسة حيث اجلاذبية‬
‫ضعيفة يكون هيناً باملزالق‪ ... ،‬كلمة حديقة‬
‫رمب��ا ال تتماشى م��ع م��ا رأي���ت‪ ،‬إهن��ا باألحرى‬
‫مدينة معلقة يف الفضاء‪ ،‬مدينة تشبه مدن‬
‫«والتدزناي» األمريكية ولكنها ختتلف عنها يف‬
‫تنوع أنشطتها‪ ،‬ويف توفر املرافق الثقافية فيها‪،‬‬
‫من مكتبات وم��راص��د فلكية‪ ،‬ودور للسينما‬
‫وللمسرح ومتاحف للفنون املختلفة‪)22( ))...‬‬
‫فالبناء املكاني للحديقة يتحول من بناء أرضي‬
‫إىل بناء خصوصي خيتص به كوكب قامناد‪،‬‬
‫فبما أن املتعة العقلية هي اهلدف املنشود عند‬
‫الشخصية الفضائية لذا فإن املرافق الثقافية‬
‫واملكتبات والسينما ومتاحف الفنون كلها أجزاء‬
‫مناسبة حيويها املكان العام الذي يعكس مدى‬
‫ذاك السعي وراء املتعة الفعلية ‪.‬‬
‫تتعدد األمكنة الفرعية ال�تي متثل كوكب‬
‫قامناد ويف كل مكان من ه��ذه األمكنة كانت‬
‫تظهر أسباب املتعة املتعددة فمن هذه األمكنة‬
‫مثالً ((املطعم الذي كان على شكل كرة بلورية‬
‫زرق��اء تتألأل داخلها ق��ارات األرض ذات اللون‬
‫البين‪ ،‬وما أن ختطينا «إبراهيم ‪ ،‬قريتا» العتبة‬
‫حتى غمرتنا املياه من كل جهة‪.‬‬
‫مل تكن يف احلقيقة مياهاً وال حنن شعرنا‬
‫باالبتالل‪ ،‬ولكنها كانت اخلدعة االفرتاضية ))‬
‫(‪ )23‬هذه هي طبيعة البناء يف أغلب األمكنة‬
‫الفضائية فمن حيث شكلها اهلندسي تبتعد‬
‫كثرياً عن الشكل املعتاد وهو املستطيل واملربع‬
‫ويكون شكلها إما دائرياً وإما كروياً وإما أشكاالً‬
‫سداسية أو سباعية األضالع باإلضافة إىل إهنا‬
‫شفافة يف بعضها مثل املطعم ‪.‬‬
‫أما مكونات املطعم فلم يتضح منها سوى‬
‫ن��وع األط��ع��م��ة ال�تي أع���دت للشخصية‬
‫األرضية من قبل الشخصية الفضائية‬

‫‪21‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اختارت الشخصية الفضائية أن يكون الطعام‬
‫املختار طعاماً شرقياً ويهيئ له ج��واً شرقياً‬
‫خاصاً وكأنه يتم االحتفاء بإبراهيم احتفاءً‬
‫خاصاً ((‪...‬حضر الطعام بأنواعه يف أطباق من‬
‫الفخار اجلميلة‪ ،‬وزعت على املائدة املنخفضة‬
‫اليت كنا جنلس إليها على أرائك وترية‪ .‬نظرت‬
‫إىل األطباق املختلفة‪ .‬هذا تكوّمت عليه حبات‬
‫الكسكي بيضاء مازال يفور منها البخار‪،‬وذاك‬
‫انتشر داخ��ل أن��واع من اخلضر املطهوة‪)) ...‬‬
‫(‪ )24‬مل خيتص نوع الطعام فقط بإبراهيم وإمنا‬
‫نوع الشراب كذلك ((حضر الربو الطائر ووضع‬
‫على املائدة مشروباً مل أذق طعمه من قبل ‪،‬ولكن‬
‫إبراهيم أعلن بعد اجلرعة األوىل ب��أن طعمه‬
‫ليشبه كثرياً طعم ((الالقمي ‪،‬وهو مشروب حلو‬
‫املذاق قال إنه يتأتى من النخيل)) (‪.)25‬‬
‫يستدعي هذا املكان مكاناً تراثياً من خميلة‬
‫إبراهيم يعني الشخصية الساردة على تقديم‬
‫صورة املطعم للمتلقي وهو مكان مرتبط بزمن‬
‫يصل فيه الرخاء والرتف قمته ((وليمة من والئم‬
‫هارون الرشيد)) (‪.)26‬‬
‫((هذا املكان يشبه قصر شهريار‪.‬ال ينقصنا‬
‫سوى شهر زاد لتكتمل سعادتنا)) (‪.)27‬‬
‫ي�ترك بناء امل��ك��ان لفاعلية املتلقي‪ ،‬فقصر‬
‫شهريار يشحذ ذه��ن املتلقي ب��أن يستحضر‬
‫ص��ورة القصر أوالً وم��ن ثم خصوصية قصر‬
‫شهريار واستحضار زمنه‪.‬‬
‫يزداد ارتباط إبراهيم هبذا املكان مع املوسيقا‬
‫اليت عمت املطعم ((وقطعت عليه موسيقا شرقية‬
‫رقيقة تأمالته فصمت يصغي إليها يف خشوع‪.‬‬
‫كانت ترنيمات العود والقانون‪،‬وشقشقات الطائر‬
‫اخلفيفة م��ن ورائ��ه��ا تصحبها دق��ات الطبل‪،‬‬
‫تسكب يف أذني إبراهيم متعة هتلل وجهة كان كل‬
‫شيء من حولنا يوحى بالشرق العتيق وكأننا يف‬
‫أحد قصور بغداد هارون الرشيد)) (‪.)28‬‬
‫إن بنية املكان يف قامناد ليست ثابتة ‪،‬وتنعدم‬
‫الثبوتية فيها كانعدام اجلاذبية اليت يفقدها‬

‫‪22‬‬

‫املكان‪ ،‬فصورة املطعم وضعت على هذا الشكل‬
‫بناءً على طلب من عامل النفس (سان)القادم‬
‫من احملطة الفضائية على األرض مع إبراهيم‬
‫وقرينا وعلى م��ا يبدو أن ال��ع��امل النفساني‬
‫(سان) كان يريد حماورة حضارتني إحدامها‬
‫ض��ارب��ة يف ال��زم��ن امل��اض��ي وأخ���رى سابقة‪،‬‬
‫فالشخصية ال��س��اردة تتساءل ((مل���اذا أختار‬
‫سان هذا اجلو الشرقي العتيق الذي مل يعد‬
‫موجوداً يف أي موطن من مواطن تلك احلضارة‬
‫اليت هيمنت على الدنيا قرونا مت تقهقرت‪...‬‬
‫أم هو يريد فقط أن يعرض للقامناديني منطاً‬
‫من احلضارات األرضية املتنوعة؟)) (‪.)29‬‬
‫ميكن أن نستخلص بنية املكان يف قامناد إنه‬
‫مكان معد ملتعة وراحة الشخصية فهو مكان‬
‫أق��رب يف وصفه إىل اجلنة امل��وع��ودة جعلت‬
‫الشخصية تعيش يف وئام وسالم دائمني‪.‬‬
‫ه���ذه ب��ع��ض األم��ك��ن��ة ال�ت�ي ص��اغ��ه��ا كتاب‬
‫اخليال العلمي يف األدب العربي ‪ ،‬فهي مع‬
‫أهن��ا عنصر أس��اس��ي م��ن عناصر القص إال‬
‫أهن��ا محلت دالالت عميقة‪ ،‬ومتعددة تتجلى‬
‫مع تعدد القراءة للنصوص فاملكان مل يتخذ‬
‫يف رواي��ات اخليال العلمي يف األدب العربي‬
‫ً‬
‫منطا معينًا بل تعددت أشكاله وتنوعت‪ ،‬فمن‬
‫الشارع واملدينة إىل الفضاء والكون بأسره‪ ،‬ومل‬
‫تكن هذه األمكنة دائماً من األماكن اليت َ‬
‫حطت‬
‫عليها رحال العلماء يف الواقع‪ ،‬وإمنا ابتعدت‬
‫قدر ما ميكن ليكون املكان بكراً طاهراً مثلما‬
‫اختار ابن طفيل مكان حي بن يقظان كما أن‬
‫مفارقة الشخصية ملكاهنا مل يكن بدافع حب‬
‫التوسع والتملك بقدر ما هو حماولة لرسم‬
‫حياة أفضل وأسعد‪ ،‬فعامل مصطفى حممود‬
‫األرض���ي‪ ،‬وجمتمع كوكب أميتون عند هناد‬
‫شريف وسكان قامناد يف رواييت اهلادي ثابت‬
‫على درجة عالية من الرقي واحلياة السعيدة‬
‫اليت نظمتها القيم اإلنسانية بدافع اخلوف‬
‫على البشرية‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ -1‬نبيلة إبراهيم‪ :‬فن القص‪ ،‬ص‪.139‬‬
‫‪ -2‬صالح صاحل‪ :‬قضايا املكان الروائي يف األدب املعاصر‪ ،‬ص‪.46‬‬
‫‪ -3‬مصطفى حممود‪ :‬رجل حتت الصفر‪ ،‬رجل حتت الصفر ‪ ،‬بريوت ‪ ،‬دار العودة ‪(،‬د‪.‬ط)‬
‫‪.1972،‬ص‪97‬‬
‫‪ -4‬نفسه‪ :‬ص‪98‬‬
‫‪ -5‬نفسه‪ :‬ص‪99‬‬
‫‪ -6‬يوليا إفانوفا ‪ :‬التجربة األخرية‪ ،‬تر‪:‬حممد بدر خان‪،‬دمشق‪،‬دار عالء الدين‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪ ،2000‬ص‪.7‬‬
‫‪ -7‬هناد شريف ‪ :‬ابن النجوم ‪ ،‬مصر ‪ ،‬القاهرة ‪ ،‬دار النهضة ‪( ،‬د‪.‬ط) ‪ ،1997،‬ص‪.60‬‬
‫‪ -8‬نفسه‪ ،‬ص‪.61‬‬
‫‪ -9‬هناد شريف‪ :‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.62‬‬
‫‪ -10‬اهلادي ثابت ‪ :‬غار اجلن ‪،‬تونس ‪،‬دار سرا س‪( ،‬د‪.‬ط) ‪ ،2001 ،‬ص‪ (.183‬اجلزء األول‬
‫من رواية جبل عليني)‪.‬‬
‫‪ -11‬اهل��ادي ثابت ‪ :‬جبل عليني‪ ،‬جبل عليني ‪ ،‬تونس ‪،‬دار سرا س ‪( ،‬د‪.‬ط) ‪،2001،‬‬
‫ص‪.17‬‬
‫‪ - 12‬اهلادي ثابت‪ :‬جبل عليني‪ ،‬ص‪.19‬‬
‫‪ -13‬نفسه‪ :‬ص‪.37‬‬
‫‪ -14‬اهلادب ثابت‪ :‬جبل عليني‪ ،‬ص‪.49‬‬
‫‪ - 15‬نفسه ‪ ،‬ص‪.50‬‬
‫‪ -16‬اهلادي ثابت‪:‬جبل عليني ‪ ،‬ص‪.74‬‬
‫‪ -17‬نفسه ‪ ،‬ص‪.72‬‬
‫‪ -18‬نفسه‪ ،‬ص‪.73‬‬
‫‪ -19‬اهلادي ثابت‪ ،‬غار اجلن‪ ،‬ص‪.94‬‬
‫‪ -20‬اهلادي ثابت‪ :‬جبل عليني‪ ،‬ص‪.108-107‬‬
‫‪ -21‬اهلادي ثابت‪ :‬جبل عليني‪ ،‬ص‪.108‬‬
‫‪ -22‬نفسه‪ ،‬ص‪.108‬‬
‫‪ -23‬نفسه‪ ،‬ص‪.116‬‬
‫‪ -24‬اهلادي ثابت‪ :‬جبل عليني‪ ،‬ص‪.118‬‬
‫‪ -25‬نفسه ‪ ،‬ص‪.117‬‬
‫‪ -26‬نفسه ‪ ،‬ص‪.118‬‬
‫‪ -27‬نفسه ‪ ،‬ص‪.120‬‬
‫‪ -28‬اهلادي ثابت‪ :‬جبل عليني ‪ ،‬ص‪.120‬‬
‫‪ -29‬نفسه ‪ ،‬ص‪.120‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪23‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫متخيل المكان في روايات‬
‫الخيال العلمي‬
‫شعيب حليفي‬

‫تؤكد الرواية يف مسريتها املطبوعة باملغامرات‪ ،‬إنها جنس‬
‫أدبي قادر على فتح منافذ وحمطات جديدة ‪ ،‬باستمرار‪ ،‬للتعبري‬
‫عن الذات واجملتمع والتاريخ ‪..‬وعرب األزمنة الثالثة‪،‬ومن خالل‬
‫االقرتاب من أشكال وحقول تعبريية وجماالت معرفية‪.‬إنها اجلنس الذي‬
‫ينهل ويستثمر تطور احلياة وتعقدها وتناقضاتها‪ ،‬كما يستفيد من تقدم‬
‫العلوم والثقافات دون حرص منه الوفاء باحلقائق كاملة ومتطابقة‪...‬فما هو‬
‫روائي‪،‬يشكل فسحة للتخيل والتعبري الرمزي احلامل لالحتماالت واملنفتح‬
‫على تأويالت ورؤى‪ ،‬من ثم فإن حدود املتخيل ‪،‬متغرية ومفتوحة على‬
‫التجديد يف القول ويف بناء صور قادرة على تفعيل التأويل‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وقد تفرعت األشكال الروائية‪ ،‬حبكم طبيعته‬
‫النثرية املنفتحة‪ ،‬إىل أنواع تبحث يف منحنيات‬
‫وتفاصيل ال��ذات��ي واالجتماعي والتارخيي‪،‬‬
‫وضمنها رواي��ات اخليال العلمي‪ ،‬وال�تي شكل‬
‫العلم أحد مكوناهتا اجلوهرية (‪ )1‬لتصبح نصاً‬
‫ثقافياً ميتح من العلوم والتكنولوجيا إلنتاج‬
‫املعرفة‪ ،‬وتبيان حدود إجيابياهتا وخماطرها(‪)2‬‬
‫‪ ،‬باعتباره يتعامل مع تأثري التغيري على الناس يف‬
‫عامل الواقع ويستطيع أن يقدم رؤية صحيحة‬
‫عن املاضي واملستقبل وعن األماكن القاصية‬
‫وغ��ال��ب�اً م��ا يشغل نفسه بالتغريات العلمية‬
‫والتكنولوجية (‪.)3‬‬
‫وإذا كانت رواي���ات اخليال العلمي تعرف‬
‫ان��ت��ع��اش�اً وح��ض��وراً الف��ت�ين منذ عشرينيات‬
‫القرن املاضي يف أوروبا وأمريكا‪ ،‬حبكم التقدم‬
‫الصناعي والتقين‪ ،‬وحبكم منط العيش وأشكال‬
‫التعبري املختلفة‪ ،‬ف��إن األم��ر بالنسبة لألدب‬
‫العربي يبقى مرتبطا بعدة م��آزق حيث تبدو‬
‫احلاجة إىل هذا الشكل التعبريي غري ناضجة‬
‫حبكم عنف الواقع التارخيي والسياسي والثقايف‬
‫يف العامل العربي‪.‬‬
‫ويف ظ��ل ه��ذه اإلك��راه��ات تنكتب نصوص‬
‫يف هذا االجتاه تسعى إىل ترسيخ هذا الشكل‬
‫مبؤلفيه ونقاده وقرائه‪ ،‬كما تسعى إىل مقاربة‬
‫قضايا فكرية واجتماعية من منظور جيعل‬
‫العلم والتخيل املستقبلي هو األساس‪.‬‬
‫ويشكل متخيل املكان يف رواي���ات اخليال‬
‫العلمي قطباً مولداً للرؤى ويتيح للسارد‪ ،‬يف‬
‫هذا النوع‪ ،‬التعبري عن أحالم وختوفات مجعية‪،‬‬
‫يسعى إىل تأكيدها على خلفية علمية‪.‬‬
‫وق���د ش��غ��ل متخيل امل��ك��ان ج��ل املبدعني‬
‫واملفكرين‪ ،‬عموماً‪ ،‬من زواي��ا نظر خمتلفة‪،‬‬
‫وب��ارت��ب��اط��ات ذات��ي��ة ووج��دان��ي��ة‪ ،‬أو سياسية‬
‫واجتماعية وفنية‪ ،‬أثرت النقاش الذي امتد إىل‬
‫البحث يف أسئلة ذات قاعدة مشرتكة هتم الفكر‬
‫و اإلبداع ‪ ،‬وضمنه السرد بالتحديد‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وم���ن غ�ي�ر ش���ك‪ ،‬ف���إن ح��ض��ور «املدينة»‬
‫ب��اع��ت��ب��اره��ا م��ك��ون �اً اس�ترات��ي��ج��ي �اً إىل جانب‬
‫الرؤية واللغة يف الرواية‪ ،‬هي احلقل الرمزي‬
‫ال��ذي تتخصب بداخله ال��دالالت والتفاصيل‬
‫واحل��رك��ات‪ ،‬وكافة األدوات مبستويات شتى‬
‫تعطي للمتخيل الروائي بصمته املميزة‪ ،‬مثلما‬
‫كان حضور املدينة يف السرد العربي القديم‬
‫مرتبطاً بلحظة حضارية وعمرانية مشدودة‬
‫إىل البعد الغييب‪ ،‬مع املؤرخني واجلغرافيني‬
‫وال��رح��ال��ة واإلخ��ب��اري�ين واحل��ك��ائ�ين‪ ،‬باعتبار‬
‫تصوير املدينة هو وعاء جملموعة من األحداث‬
‫املوصولة بالتشويق والتعجيب والرؤى‪.‬‬
‫ويالحظ املتفحص لصورة املدينة‪ ،‬وكيفيات‬
‫متثلها يف السرد العربي قدمياً وحديثاً‪ ،‬هذا‬
‫التفاعل الكبري يف االشتغال عليها‪ ،‬لكن أهم‬
‫مالحظة هي ارتباط الكتابة عنها بتطور يف‬
‫الوعي املديين وتطور يف العمران‪ ،‬وهي النقطة‬
‫اليت عاجلها‪ ،‬بشكل عام‪ ،‬هيجل‪ ،‬يف اعتباره‬
‫الرواية ملحمة البورجوازية‪ ،‬والشكل التعبريي‬
‫املالئم لعصرنا‪ ،‬الفكرة اليت سيؤكد عليها عبد‬
‫اهلل ال��ع��روي كثرياً حينما سيعترب أن الرواية‬
‫هي شكل س��ردي جاء أص�لاً لوصف املركز‪/‬‬
‫املدينة(‪.)4‬‬
‫كما اعترب‪ -‬يف سياق آخر‪ -‬أن املدينة هي‬
‫فضاء حيوي و منتج مجاعي للتعددية وانتشار‬
‫الذهنية العلمية والسلطة الثقافية (‪ ،)5‬ويفصل‬
‫هذا احلديث يف تناوله للمدينة باعتبارها أفقا‬
‫للثقافة املدنية والنخب اخلاصة ال�تي تبلور‬
‫وعيا مدنيا(‪.)6‬‬
‫كما يشتغل باحثون من الربازيل على هذه‬
‫املسألة املؤكدة لعالقة املدينة بالفن واألدب‪،‬‬
‫وعلى رأسهم (ريناتو كورديريو كوميز) (‪ )7‬الذي‬
‫يعترب أن املدينة متثل دوراً أساسياً يف العديد‬
‫من احلركات الفنية واألدبية حيث جتمع بني‬
‫العنصر االجتماعي واالستتيقي يف إطار‬
‫املتخيل احلضري‪/‬املديين‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ويف رصده للبيبلوغرافيا الواسعة‪ ،‬يف هذا‬
‫اجمل��ال‪ ،‬خالل العقدين األخريين‪ ،‬على سبيل‬
‫امل��ث��ال‪ ،‬يكشف أن املدينة ك��ان منظوراً إليها‬
‫باعتبارها ظاهرة للتعدد الثقايف‪ ،‬واليت تفرض‬
‫نظرة متنوعة ومنفتحة إلجياد حلول مرتبطة‬
‫مبفارقات العوملة‪.‬‬
‫لكن أه��م أسئلة (ريناتو كوميز) تصب يف‬
‫ما هي األجوبة اليت تقدمها اآلداب والثقافات‬
‫إلشكالية املدينة احلديثة ؟ ومن جهة أخرى‬
‫كيف مت تشخيص املدينة يف األدب‪ ،‬وهل بالفعل‬
‫هي – يف هذا التشخيص‪ -‬ما زالت قادرة على‬
‫التعبري عن هوية وطنية ثقافية؟‬
‫وخالصة هل��ذه األف��ك��ار وغ�يره��ا‪ ،‬مما جاء‬
‫يف إش��ارات فلسفية هنا وهناك حول املدينة‬
‫واألدب نتساءل ‪ :‬هل استطاعت الرواية العربية‬
‫القبض على متخيل املدينة العربية وهو النسيج‬
‫الفادح عمودياً وأفقياً ؟ وهل استطاعت أيضاً‬
‫عكس وعي املدينة العربية كما هو يف تشكالته‬
‫املتناقضة واملتعددة ؟‬
‫هل ميكن‪ ،‬إذن‪ ،‬احلديث عن متخيل املدينة‬
‫يف الرواية العربية بالشكل الذي يعكس نسائجها‬

‫‪26‬‬

‫وأوعاءها والطبقات املتنوعة والشفافة الزئبقية‬
‫املتحولة أو الراسية املختمرة؟‬
‫س���ؤال ي��ق��ود إىل أن ال��رواي��ة العربية مثل‬
‫نظريهتا العاملية تستحضر املدينة إما عنصراً‬
‫وخلفية ومساحة رمزية تتحرك على قاعدهتا‬
‫الشخصيات واألح��داث‪ ،‬إلنتاج رؤي��ة معرفية‬
‫ما‪ ،‬أو تأتي تيمة حمورية تتفجر منها الدالالت‬
‫املتصلة ب��ال��ذات والسياسة وامل��ع��رف��ة‪ ،‬وهي‬
‫األقطاب األساسية ملرآة املدينة ووعيها‪ ،‬أو قد‬
‫تأتي حاضرة بقوة يف نصوص الكاتب الواحد‪.‬‬
‫ويف كل األحوال‪ ،‬كان حضور املدينة يف النص‬
‫الروائي العربي مشدوداً إىل حضور املتغريات‬
‫االجتماعية والسياسية والثقافية ووسط ما هو‬
‫معريف وسياسي‪ ،‬ما جعل رسم صورة املدينة‬
‫– بدوره ‪ -‬تطوراً موازياً‪ ،‬ويبلور وعياً بالزمن‬
‫وبالذات‪ ،‬فالرواية العربية تستحضر املدينة‬
‫يف قوهتا وضعفها‪ ،‬مدينة الغرب كما وصفها‬
‫الروائيون األوائ���ل‪ ،‬أو امل��دن احمللية بأثقاهلا‬
‫يف صورهتا الواقعية‪ ،‬فتم باالسم أو بعدد من‬
‫املؤشرات الوصفية الدالة على أمكنة بعينها‪،‬‬
‫كما ت��رد أيضاً يف نصوص أخ��رى باعتبارها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫فضاء احتمالياً يتشكل باللعب والفانتاستيك‪،‬‬
‫وهو ما ميكن تلخيصه‪ ،‬عموماً‪ ،‬يف أربعة أشكال‬
‫كربى لورودها ‪:‬‬
‫• شكل بؤري يف تيمة رئيسية‪.‬‬
‫• فضاء مهاجر إليه ‪ /‬منفى‪.‬‬
‫• مكون من بني املكونات األخرى عرب التقاط‬
‫أجزاء منها‪.‬‬
‫• بناء متخيل ب��دون اس��م‪ ،‬أو باسم آخر‬
‫رمزي لضرورات فنية أو أمنية‪.‬‬
‫مدينة املستقبل العربي‬
‫من بني األشكال الروائية العربية اليت جعلت‬
‫من املدينة بناء حمركاً‪ ،‬نصوص اخليال العلمي‬
‫وأيضا الرواية البوليسية‪ ،‬ومها شكالن وجدا‬
‫وتطورا يف املدينة نظراً لكون الروائية البوليسية‬
‫تعتمد عنصر اجلرمية يف اجملتمع املديين‪ ،‬أما‬
‫رواي��ات اخليال العلمي فهي مرتبطة بالتقدم‬
‫العلمي والتكنولوجي واخليال أيضاً‪ ،‬وبالتايل‬
‫بوعي املدينة املشرئب‪ ،‬دوم ً��ا‪ ،‬إىل البحث عن‬
‫آفاق جديدة للعيش‪/‬احلياة‪.‬‬
‫إن رواي���ات اخل��ي��ال العلمي العربية‪ ،‬رغم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫حم���دودي���ة ن��ص��وص��ه��ا‪ ،‬ف���إن ع����دداً حمسوباً‬
‫من الروائيني كتبوا يف هذا اجلنس التعبريي‬
‫ونذكر منهم ‪ :‬يوسف عز الدين عيسى‪ ،‬توفيق‬
‫احلكيم‪ ،‬يوسف السباعي‪ ،‬فتحي غامن‪ ،‬سعد‬
‫مكاوي‪ ،‬حممد احلديدي‪ ،‬مصطفى حممود‪،‬‬
‫هن��اد ش��ري��ف‪ ،‬رؤوف وص��ف��ي‪ ،‬حسني قدري‪،‬‬
‫ص�بري م��وس��ى‪ ،‬أمح��د ع�بن ال��س�لام البقايل‪،‬‬
‫أمح��د إف���زارن‪ ،‬طيبة أمح��د االبراهيم‪ ،‬أنيس‬
‫منصور‪ ،‬إيهاب األزه���ري‪ ،‬دي��اب عيد‪ ،‬موفق‬
‫حممد‪ ،‬علي كريم كاظم‪ ،‬عنايات راجي‪ ،‬اهلادي‬
‫ثابت‪ ،‬مصطفى الكيالني‪ ،‬موسى ولد ابنو‪...‬‬
‫كما أن عدداً من الدارسني والنقاد اهتموا‬
‫هبذا النوع بعد رجوعهم إىل النصوص األوروبية‬
‫التأسيسية والدراسات األكادميية األجنبية ثم‬
‫ع��ادوا للتنقيب يف النصوص العربية‪ ،‬مثلما‬
‫فعل ي��وس��ف ال��ش��ارون��ي يف مؤلفه‪( :‬اخليال‬
‫العلمي يف األدب العربي املعاصر) (‪ .)8‬وقد‬
‫ق��دم دراس��ات حتليلية وتعليقات هامة لعدد‬
‫من النصوص العربية‪ ،‬وكما فعل أيضاً طالب‬
‫عمران باحثاً وروائياً‪ ،‬أو حممود قاسم‬
‫يف كتابه (اخليال العلمي وأدب القرن‬

‫‪27‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العشرين) (‪ ،)9‬أو دراسات متفرقة ذات قيمة‬
‫علمية تعرف ه��ذا اجلنس بأنه «ف��ن روائي‬
‫مستحدث يف القرن العشرين‪ ،‬وليد الوعد‬
‫الذي بشرت به الطفرة اهلائلة يف جمال تقدم‬
‫العلوم والثقافة يف عصر الصناعة وآثار تلك‬
‫االبتكارات القائمة واحملتملة سلباً وإجياباً على‬
‫حياة اجملتمعات واألفراد والبيئة‪.‬‬
‫’’ومت��ث��ل االكتشافات وال��ت��ط��ورات العلمية‬
‫الفعلية واملتخيلة‪ ،‬خلفية ال��روائ��ي للتكهن‬
‫باإلمكانات العلمية مستقبالً وب��واق��ع حال‬
‫اجملتمعات واألفراد والطبيعة‪.‬‬
‫«وأدب اخليال العلمي هو خيال لروائي مثقف‬
‫علمياً‪ ،‬متابع إلجنازات العلوم‪ ،‬جمذوب مبهور‬
‫باحتماالهتا‪ ،‬وتغدو كتاباته مسرحاً تنطلق عربه‬
‫خياالت طليقة العنان بني الكواكب ويف األعماق‬
‫ومع الكائنات‪ ،‬وإن اختذ من إجن��ازات العلوم‬
‫منطلقا له مبشرا بوعد العلم أو منذراً بوعيده‪،‬‬
‫ويفتح بكتاباته آف��اق ال��ك��ون ميسورة خليال‬
‫ومدارك العامة‪...‬‬
‫«‪ ...‬إنه وليد واق��ع اجتماعي منتج للعلم‪،‬‬
‫سباق يف مضمار املنافسة بني أحالم العلماء‬
‫ومشكالت واقع حياة اجملتمعات» (‪.)10‬‬
‫ك��م��ا حي����دد حم��م��د ع�����زام ن���ش���وء (أدب‬
‫اخليال العلمي) يف األدب العربي يف منتصف‬
‫اخلمسينيات م��ن ال��ق��رن امل��اض��ي (‪ ،)11‬أما‬
‫يوسف الشاروني فينظر إليه باعتباره نوعا من‬
‫«املصاحلة بني األدب والعلم» (‪ ،)12‬وألن األدب‬
‫كان دائما إح��دى الوسائل للتعبري عن أحالم‬
‫البشرية (‪ ،)13‬ف��إن رواي���ات اخليال العلمي‬
‫هتدف إىل حتقيق هذا اهلدف باعتباره –كما‬
‫يقول حممود قاسم‪ -‬أدب عصرنا التجرييب‬
‫ال��ذي ف��رض نفسه يف القرن العشرين وبدأ‬
‫يبحث لنفسه عن هوية حم��دودة وعن طريق‬
‫واضح املالمح (‪ .)14‬ويف مجيع هذه الكتابات‬
‫النقدية والتحليلية كان الرتكيز على التحوالت‬
‫وعلى مكوني الزمان واملدينة املرتبطة باليوتوبيا‬

‫‪28‬‬

‫أو بالفضاء اجملهول واملفقود‪ ،‬وهو نفس املسار‬
‫ال��ذي جينح إليه ال��روائ��ي حينما جيتهد يف‬
‫التخيل لرسم مدن املستقبل سواء فوق كوكب‬
‫األرض أو خ��ارج��ه‪ ،‬مثلما سعى احلكاؤون‬
‫واملؤرخون العرب القدامى يف ختيل‬
‫املدن مت ربطها بالعجائيب والسحري‪ ،‬وكأهنم‬
‫كانوا يرمسون املدينة الفاضلة كما سادت يف‬
‫التاريخ اإلنساني يف وعي الفالسفة والفقهاء‬
‫واملتصوفة والشعراء عرب كل العصور‪.‬‬
‫وقد كان وصف مدينة النحاس –كنموذج‬
‫فقط نتج عن تفاعالت الفتح اإلسالمي‪ -‬يف‬
‫ألف ليلة وليلة ويف مؤلفات التاريخ عند أكثر‬
‫من مؤرخ وبصياغات خمتلفة‪ ،‬وصفا مرتبطاً‬
‫ب��ال��دي�ني وامل���ع���ريف وال��س��ي��اس��ي‪ ،‬ك��م��ا كانت‬
‫املدينة الفاضلة أو اليوتوبيا حمكومة باملعرفة‬
‫والسياسة والفلسفة أيضاً يف كتابات الفالسفة‬
‫واألدباء‪ ،‬نفس األمر جنده يف وصف جنة عدن‬
‫أو إرم ذات العماد كما وصفها وهب بن منبه‬
‫وعبيد بن شرية (‪ .)15‬وهكذا جتيء النصوص‬
‫ال��روائ��ي��ة ال��راه��ن��ة متطلعة إىل احل��ل��م كما‬
‫روايات اخليال العلمي الواصفة ملدن املستقبل‬
‫والتحوالت التكنولوجية‪ ،‬فكل تغيري قادم حتمله‬
‫املدينة هبندستها وبشخوصها‪.‬‬
‫وإذا كانت روايات اخليال العلمي هي الشكل‬
‫التعبريي ال��س��ردي ال��ذي مكن م��ن استخدام‬
‫ال��زم��ن املستقبلي م��ع اللعب بأزمنة املاضي‬
‫واحلاضر واستثمار املعطيات العلمية املتعلقة‬
‫باإلنسان واملكان والفضاء‪ ،‬فإن هذا الشكل‪،‬‬
‫أيضا‪ ،‬جلأ إىل معطيات أخرى سياسية وفكرية‬
‫فلسفية من أجل بناء رؤية واضحة يلفها اخلارق‬
‫والعجيب والتقدم العلمي والتكنولوجي يف إطار‬
‫صراع اخلري والشر يف هذه التقنية احلديثة‪.‬‬
‫ورغم قلة النصوص الروائية ‪ ،‬وعدم حتقيقها‬
‫لرتاكم يفرز رؤى واضحة فإن روايات اخليال‬
‫العلمي مع ع��دد من الروائيني العرب‪ ،‬سواء‬
‫ممن أبدعوا نصاً واحداً أو ممن ختصصوا يف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫هذا اجلنس‪ ،‬كان حبثهم الدؤوب هو عن املدينة‬
‫الفاضلة اليت تأوي اإلنسان عموماً بعيداً عن‬
‫احلروب واخلوف وعن اجملاعات واألمراض‪.‬‬
‫إن شخصية (فارا) البطل املقدس يف رواية‬
‫(مدينة الرياح) (‪ )16‬لألديب املوريتاني موسى‬
‫ول��د إب��ن��و‪ ،‬ي��رس��م لنفسه‪ ،‬بدفعة غيبية من‬
‫سيدنا اخلضر صاحب سيدنا موسى يف رحلة‬
‫حبثه الروحانية‪ ،‬ثالث حمطات زمنية يف القرن‬
‫احل��ادي عشر وبداية القرن العشرين ثم يف‬
‫النصف األول من القرن الواحد والعشرين‪...‬‬
‫يتحرك خالهلا مبحرك واح��د هو الفرار من‬
‫الظلم واالنزواء يف خلوة مع النفس داخل مدينة‬
‫مفتوحة على كافة الرياح‪ ،‬واسعة األطراف يف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫موريطانيا القدمية واحلديثة‪ ،‬فهو يوجد عبدا‬
‫مبدينة أوداغست يف احلقبة األوىل (ق‪ ،)11‬يفر‬
‫منها بعد إجهاض الثورة ضد األسياد‪ ،‬إىل جبل‬
‫الغالوية متصوفا‪ ،‬ويف املرحلة الثانية (احلقبة‬
‫الثانية‪:‬ق‪ )20‬بعثة استطالعية فرنسية تأخذه‬
‫حبثا ع��ن آث��ار مدينة أوداغ��س��ت‪ ،‬فيمر عرب‬
‫فضاءات تابعة هلا (جتكجه‪-‬تيشيت) قبل أن‬
‫يعاود الفرار من املعركة إىل خلوته الثانية بقمة‬
‫جبل أظهر‪ .‬أم��ا احلقبة الثالثة (يف النصف‬
‫األول من ق‪ )21‬فإنه لن يصل إىل مدينة الرياح‬
‫عاصمة مجهورية املنكب الربزخي‪ ،‬غرب البالد‪،‬‬
‫وينتهي به املطاف منفيا ليموت عطشاً‬
‫بكدية الغالوية‪ ،‬وهو موت رمزي لبحث‬

‫‪29‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اإلنسان طيلة هذه القرون ماضياً وحاضراً‬
‫ومستقبالً‪ -‬ومهما عاش‪ -‬عن مدينة ال ظلم‬
‫وال استعمار أو عبودية فيها‪.‬‬
‫إن املدينة عند موسى ولد ابنو هي احللم‬
‫ال��س��راب��ي البعيد املتمنع نتيجة ظ���روف كل‬
‫رحلة‪ ،‬لذلك كان يف كل حني يفر لفضاء عال‬
‫أقرب إىل اهلل منه إىل مدينة الرياح خبطاياها‬

‫‪30‬‬

‫وفسادها املستشري‪ ،‬إنه حبث‪ ،‬على طريقة‬
‫الفالسفة واملتصوفة يف حلمهم الطوباوي‪ ،‬عن‬
‫العدالة والفضيلة داخل الذهن وال��روح أو يف‬
‫مدينة متخيلة يف العامل األرض��ي أو خارجه‪،‬‬
‫ولكن بطريقة روائية تؤطر متخيل املدينة يف‬
‫فضاء ب��دوي قديم مبؤشرات واقعية وضمن‬
‫دالالت خيالية علمية‪.‬‬
‫ومن زاوية أخرى‪ ،‬وباعتماد املساحة الزمنية‬
‫الثالثية‪ ،‬جلأت الروائية الكويتية طيبة أمحد‬
‫االب��راه��ي��م (‪ )17‬يف ث�لاث��ة ن��ص��وص هل��ا إىل‬
‫اختالق مدينة س�يرال الرمزية لتكون فضاء‬
‫حيتمل كل التجارب العلمية املمكنة واملستحيلة‬
‫ال��دائ��رة ح��ول اإلنسان يف (اإلن��س��ان الباهت)‬
‫وقضية تربيد األجسام لفرتة زمنية طويلة جدا‪،‬‬
‫مما يطرح مسألة العلم والتغريات الفيزيائية‬
‫(شخصية السيد م���وا)‪ .‬ويف اجل���زء الثاني‬
‫(اإلنسان املتعدد) صراع الفصائل اإلنسانية‬
‫يف مدينة س�يرال‪ ،‬أم��ا اجل��زء الثالث واألخري‬
‫(انقراض الرجل) فتطرح فيه الكاتبة هالك‬
‫املدينة البشرية ال��وح��ي��دة‪ ،‬وخلو ال��ع��امل من‬
‫الرجال‪.‬‬
‫إن تيمة املدينة عند موسى ولد ابنو وطيبة‬
‫أمح��د االب��راه��ي��م مل تشكل ال��ن��ول األساسي‬
‫ال��ذي تتمحور حوله األح��داث الروائية لكون‬
‫البعد اخليايل العلمي املعاجل جاء عند الكاتب‬
‫املوريتاني يف ق��راءة ما اختزنته ذاك��رة هيكل‬
‫عظمي مكتشف داخل أمكنة هي جمرد أطراف‬
‫ب��وادي وف��ض��اءات مفتوحة‪ ،‬أم��ا عند األديبة‬
‫الكويتية ف��إن قضايا علمية حم���ددة ختص‬
‫مصري اجل��ن��س ال��ب��ش��ري ك��ان ه��و م���دار بناء‬
‫الرواية ‪ :‬اإلنسان اجملمد‪ ،‬اإلنسان املستنسخ‬
‫وإن��س��ان األن��اب��ي��ب ث��م ال��ص��راع امل��ف��ض��ي إىل‬
‫االنقراض‪ .‬أما املدينة فإهنا اإلطار املفروض‬
‫وج��وده لألحداث العلمية وهنايتها على غرار‬
‫هنايات املدن العلمية اليت هتلك بسبب التطور‬
‫اخل��ارق للعلوم والتكنولوجيا‪ .‬إهنما‪ ،‬مدينة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الرياح ومدينة سريال‪ ،‬مدينتان بدون مالمح أو‬
‫قدرة على رسم مالمح اليوتوبيا املنتظرة‪.‬‬
‫يف رواي���ة (ال��ط��وف��ان األزرق) (‪ )18‬يقدم‬
‫الكاتب املغربي أمح��د عبد ال��س�لام البقايل‬
‫نصاً يسري على سكيت اخليال العلمي واحلكي‬
‫البوليسي‪ ،‬وقد جاءت صورة املدينة مركزية‬
‫منذ البداية ممهداً هلا باالختفاء والتخفي ‪:‬‬
‫اختفاء جمموعة من العلماء واختطاف آخرين‬
‫إىل منطقة معزولة يف الصحراء جنوب املغرب‬
‫وتأسيس مدينة علمية ج��د متطورة مبكان‬
‫امسه (جبل اجلودي)‪.‬‬
‫وق��د ج��اء تصوير امل��دي��ن��ة العلمية (جبل‬
‫اجل�����ودي) دق��ي��ق �اً وت��ف��ص��ي��ل��ي�اً ي�ب�رز تقدمها‬
‫التكنولوجي امل��ت��ط��ور‪ ،‬وإخ��ف��اءه��ا بأساليب‬
‫جديدة عن كل األنظار‪ ،‬وهي مدينة معارضة‬
‫للمدينة (الواقعية) غري العلمية اليت فروا منها‬
‫ومن طوفاهنا النووي القادم‪.‬‬
‫يصور أمحد عبد السالم البقايل اليوتوبيا‬
‫املثالية اجلامعة لكل خربات العلم‪ ،‬والسفينة‬
‫املنقذة للعامل اآلي��ل لالندثار‪ ،‬مدينة املعرفة‬
‫العاكسة ألحالم املواطنني واملفكرين والفالسفة‬
‫واالقتصاديني‪.‬‬
‫أم��ا هن��اد شريف يف رواي��ت��ه (سكان العامل‬
‫الثاني) (‪ )19‬فيعرب – بدوره ‪ -‬عن ختوفاته من‬
‫أزمة السكن والغذاء والشراب‪ ،‬فيبدع مدينة‬
‫يف أعماق احمليطات مسّاها (مدينة القاع)‬
‫جتمع ع��ددا من العلماء الشباب من خمتلف‬
‫التخصصات واجلنسيات‪ ،‬هاجسهم منع وقوع‬
‫كارثة نووية فوق األرض‪.‬‬
‫وقد أبدع املؤلف يف إمداد القارئ بأوصاف‬
‫خمتلفة ملدينة القاع باعتبارها مدينة العلم‬
‫والنجاة‪ ،‬وأيضا املدينة الفاضلة اليت حتددت‬
‫آفاقها القريبة والبعيدة‪ ،‬اجتماعياً واقتصاديا‬
‫وسياسياً وعلمياً‪.‬‬
‫إن نفس االجت���اه ال���ذي تعمل يف سياقه‬
‫وأفقه الروايات العربية هو البحث عن موقع‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قدم لألحالم مهما كانت جمنحة يف اخليال‪،‬‬
‫يف رد إبداعي على التأخر والنكسات واألمية‬
‫والفقر واإلحباط‪ ...‬وهو ما أكدت عليه روايات‬
‫اخليال العلمي العربية يف اهتمامها باجلانب‬
‫التقين والتطور العلمي‪ ،‬أي احللم باملدينة‬
‫الفاضلة اليت يسوسها العلماء على غرار أحالم‬
‫أفالطون يف القرن اخلامس قبل امليالد وهو‬
‫حيلم مبدينة الفالسفة واحلكمة‪.‬‬
‫والشك أن اهلاجس الذي حيكم عبد السالم‬
‫البقايل وهناد شريف هو هذه املعرفة املتقدمة‬
‫اليت متيز املدينة واليت ستكون سبباً يف نسفها‬
‫واندراسها‪ ،‬كما صورها أيضا هناد شريف يف‬
‫روايته األوىل (قاهر الزمن)‪.‬‬
‫إن مدينة اخليال العلمي هي مدينة املعرفة‬
‫الساحبة يف األزمنة‪ ،‬واملبدعة يف التقدم العلمي‬
‫اجلماعي والتخفي يف مواجهة املدينة الواقعية‬
‫حيث السلطة السياسية واإليديولوجية املتحكمة‬
‫يف العلم من أجل دمار األرض والبشرية‪.‬‬
‫يف رواية (مدينة خارج الزمن) (‪ )20‬للروائي‬
‫ال��س��وري طالب عمران يفتتح احلكي برحلة‬
‫البطل عامر م��ن مقر عمله ب��دول��ة خليجية‬
‫بسيارته إىل مدينته بدولة جم��اورة يف زيارة‬
‫ع��ائ��ل��ي��ة‪ ،‬م��ا اض��ط��ره إىل امل����رور م��ن طريق‬
‫صحراوي مليء بالزوابع الرملية العنيفة‪ ،‬هذه‬
‫األخ�يرة كانت سبباً يف ابتالع سيارته فغاب‬
‫عن الوعي ليجد نفسه يف مدينة خارج الزمن‬
‫امسها (مودس) ال تزال تعيش يف عامل قديم‪،‬‬
‫ومل خيرج منها إال بعدما يعرف حقيقتها وحييا‬
‫عدة مواقف عجيبة ويتزوج من ابنه قائدها ثم‬
‫خيرجا معاً إىل العامل الواقعي‪.‬‬
‫ركز طالب عمران على املدينة كمحور يف‬
‫الرواية باعتبارها مدينة مفقودة خارج الزمن‬
‫العادي الواقعي‪ ،‬هلا حياهتا القدمية واحلديثة‪،‬‬
‫وقد جاء احلكي عن مدينة (مودس) بطريقة‬
‫م��زدوج��ة يطغى عليها احل���وار بضمري‬
‫الغائب‪ ،‬وهو الغالب يف جمموع الرواية‪،‬‬

‫‪31‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يتخلله حكي آخر عن املدينة يف زمنها القديم‬
‫يرويه جد الشيخ محدان حاكم املدينة عندما‬
‫كانت املدينة حيكمها حاكم طاغية قادها إىل‬
‫اخل��راب ومل تنج منها إال قلة قليلة ستعيد‬
‫إعمارها وكتابة تارخيها‪.‬‬
‫جاء تصوير (مدينة مودس) بني زمنني خارج‬
‫الزمن العادي الذي نعيشه‪ ،‬لتبيان االنتقال يف‬
‫حياهتا – ول��و بطرق عجائبية‪ -‬م��ن مرحلة‬
‫الفساد إىل مرحلة الصالح‪ ،‬لتبقى يف النهاية‬
‫مدينة م��ف��ق��ودة‪ ،‬ال��دخ��ول إليها ي��أت��ي وسط‬
‫لفات الزوابع الرملية ويف حاالت الالوعي‪ ،‬أما‬
‫اخلروج منها فهو توقيع على الالعودة إليها‪.‬‬
‫وختتلف صورة املدينة اخليالية عند طالب‬
‫عمران يف نصوص أخرى مثل روايته (فضاء‬
‫واسع كاحللم) ‪ ،1997‬حيث جعل علماء (مدينة‬
‫العلوم العربية) يقررون اكتشاف كوكب املريخ‪.‬‬
‫ومدينتهم تلك مشيدة من طرف علماء عرب‪،‬‬
‫ممن كانوا يعملون ببالد الغرب‪ ،‬حتت أرض‬
‫قاحلة يف احمليط اهلندي على عمق عشرات‬
‫األمتار أسفل أرض صخرية سقفها جدارات‬
‫م��ع��دن��ي��ة‪ ،‬حممية م��ن ك��ل أج��ه��زة التجسس‬
‫واالخرتاق‪.‬‬
‫أما روايته (العابرون خلف الشمس) ‪،1979‬‬
‫فهي بدورها مدينة علمية مبنية حتت رمال‬
‫الصحراء العربية‪.‬‬
‫مدينتان علميتان شيدتا يف سرية كاملة‬
‫لإلسهام يف صنع حضارة حديثة متطورة تعيد‬
‫لألمة العربية جمدها عرب البحث والوصول إىل‬
‫كوكب املريخ‪.‬‬
‫ويف روايته (رجل من القارة املفقودة) ‪،1997‬‬
‫يستعيد قصة القارة املفقودة أطالنطيس قبل‬
‫‪ 12‬ألف سنة حيث سيعثر كاتب سوري رفقة‬
‫دالل وحممد ومها من املغرب‪ ،‬مبدينة الرباط‪،‬‬
‫على صخرة‪ ،‬بداخلها يكتشفون شخصا عاش‬
‫يف سبات جليدي بلباس معدني تكلم معهم وقال‬
‫إنه كان طبيبا بقارة أطالنطيس املفقودة‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫إن اخل��ي��ط ال���راب���ط يف ن��ص��وص (طالب‬
‫عمران) هو البحث عن املدينة املفقودة سواء‬
‫يف باطن احمليطات أو يف الصحراء أو يف كوكب‬
‫آخر‪.‬‬
‫ويتحقق تكامل الوعي النقدي بالوعي الفين‬
‫عند اهلادي ثابت (تونس) يف روايتيه(‪)21‬حيث‬
‫متخيل املكان يف (غار اجلن) يسافر يف رحلة‬
‫خيالية تصف أحوال جبال مطماطة وسكاهنا‬
‫الذين يفوقون البشر العاديني علما وجتربة‬
‫ورقيا‪ .‬أما روايته الثانية (لو عاد حنبعل) فإهنا‬
‫مت��زج بني التاريخ والسرد ال��درام��ي واخليال‬
‫العلمي‪ ،‬حبثا ‪ ،‬من املؤلف‪ ،‬عن شق طريق بدأها‬
‫يف (غار اجلن) باعتماده‪-‬كما يؤكد ذلك‪ -‬تعرية‬
‫الواقع بكافة تناقضاته‪ ،‬واستشراف املستقبل‬
‫مما يتوفر يف الواقع من اجنازات ومكتسبات‬
‫(‪.)22‬‬
‫ويف س��ي��اق آخ��ر ق��ري��ب م��ن ه��ذه العوامل‪،‬‬
‫وبرؤية وخلفية أخرى‪ ،‬كتب مصطفى الكيالني‬
‫(تونس) رواية (‪ )23‬تستشرف املستقبل بصيغة‬
‫أن أحداثها تتحقق سنة‪ 2825‬ميالدية‪ ،‬ليقدم‬
‫ص��ورة فاجعة للمدينة امللوثة واملخربة واليت‬
‫تعيش حتث ضغط الديكتاتورية ورمحة أنابيب‬
‫األوكسجني‪.‬‬
‫املدينة يف مساحات الكتابة‬
‫إن روايات اخليال العلمي يف األدب العربي‬
‫احلديث‪ ،‬وال�تي هي نصوص تنتمي للمدونة‬
‫الروائية العربية‪ ،‬استطاعت بشكل من األشكال‬
‫أن ترسم صورة للمدينة –احللم‪ ،‬كما رمسها‬
‫السرد العربي العجائيب القديم‪ -‬يف مدائن‬
‫حتت البحر على لسان عبد اهلل البحري يف‬
‫أل��ف ليلة وليلة أو يف مدينة النحاس أو إرم‬
‫ذات العماد‪ ....‬لكن املدينة يف نصوص اخليال‬
‫العلمي العربية جاءت حتكمها بعض احملددات‬
‫و الضوابط الفنية ‪ ،‬فالوصول إىل املدينة جييء‬
‫عرب الفكر أو الوعي‪ ،‬بعد سفر إثر قرار مجاعي‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أو من خالل حادث اختطاف‪.‬‬
‫ويكون تأسيسها يف أفق أن تصبح مدينة‬
‫ذات سلطة علمية وتقنية يف كل اجملاالت‪ ،‬وهذا‬
‫ما شكل جوهر حبث شخصيات الرواية عن‬
‫مدينة املعرفة اليوتوبيا‪ ...‬إجيادها أو تأسيسها‬
‫يؤشر النطالق الصراع مع املدن اليت حتيا فيها‬
‫بشكل طبيعي أو الصراع مع تطور العلم الذي‬
‫ينقلب عليها‪.‬‬
‫أبطال هذه املدينة هم علماء من خمتلف‬
‫اجلنسيات حيملون علوم التكنولوجيا واإلنسان‬
‫ك��م��ا حي��م��ل��ون احل��ل��م واالن���ق�ل�اب‪ ،‬م��ا جيعل‬
‫يف غالب األح��ي��ان‪ ،‬هناية املدينة هو النسف‬
‫والضياع واالختفاء والفقد‪.‬‬
‫كما أن تعدد أزمنة مدينة اخليال العلمي‬
‫ينحصر‪ ،‬دائما‪ ،‬يف اخلوف من اآلتي ومن العلم‬
‫التدمريي‪.‬‬
‫أما السرد الروائي يف هذه النصوص‪ ،‬فإنه‬
‫باعتماده على تيمة من اخليال العلمي اليت‬
‫هتم قضية من القضايا الشاغلة لبال اإلنسان‬
‫ومستقبله‪ ،‬خيتلف بناء املتخيل من كاتب آلخر‬
‫لغة وأسلوباً ورؤية‪ ،‬وتتعدد طرق احلكي فتأتي‬
‫بضمري املتكلم على لسان راو أو شخصية أو‬
‫عرب مذكرات ورسائل أو وثائق وخمطوطات‪...‬‬
‫ويف كل احلاالت يلجأ الراوي إىل التغميض‬
‫وتلغيز بعض املواقف واألحداث‪ ،‬كما يلجأ‪ ،‬يف‬
‫أحيان أخرى‪ ،‬إىل تقديم تفسريات علمية إلقناع‬
‫متلقيه مبا سيأتي‪.‬‬
‫إن احللم يف مدينة اخليال العلمي مثل الوهم‬
‫ومثل نوبات استيهام عجيبة ترجعنا إىل قراءة‬
‫مرجعيات الروائي اليت ميكن حصرها‪ ،‬نسبيا‪،‬‬
‫يف ثالث مرجعيات ‪:‬‬
‫أوال ‪ :‬العلم احلديث والتكنولوجيا وغزو‬
‫الفضاء والتقدم الطيب واملخاوف اليت تساور‬
‫العلماء واالق��ت��ص��ادي�ين م��ن مستقبل األرض‬
‫واإلنسان‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬اإلرث احل��ك��ائ��ي الشعيب واملتون‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الروائية‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬معطيات الواقع العربي بشكل عام‬
‫واحلياة املدينية بشكل خاص‪.‬‬
‫إن امل��دي��ن��ة يف ال��وع��ي اإلب���داع���ي عموما‬
‫حمكومة باليوتوبيا واملستقبل وجتسيد للحلم‬
‫املشرتك العتبار «أن مدينة احللم هي إحدى‬
‫البدائل ال�تي ك��ان (امل��ب��دع��ون)‪ ،‬يلجأون إليها‬
‫فزعا من واقع املدينة االجتماعي والسياسي»‬
‫(‪ )24‬وذل��ك بالتأسيس ملدينة أخ��رى مؤثثة‬
‫ب��أح��داث خيالية أو واقعية أو مركبة تفقد‬
‫كينونتها العمرانية وتتشكل داخ���ل متخيل‬
‫املرحلة واملبدع‪ ،‬هذا األخ�ير ينطلق من رؤية‬
‫فنية وفلسفية وترسبات نفسية فيعمل على‬
‫الصهر الدائم للذات بالتاريخ‪ ،‬والعلم بالغيب‪،‬‬
‫واحللم بالواقع‪.‬‬
‫ال��روائ��ي العربي وه��و يرسم مدينة احللم‬
‫يصنع هلا عقالً علمياً وتقنياً‪ ،‬أو أي عقل يف‬
‫مواجهة مدينة ب�لا عقل (أو ب�لا ق��ل��ب)‪ ،‬من‬
‫مثة فإن ارتباط الرواية باملدينة مثل ارتباطها‬
‫بالرؤى واألحالم‪ ،‬وهو عنصر جوهري ومساحة‬
‫رمزية خصبة وقناة ترفد من الواقع والتصورات‬
‫النظرية لبناء أفكار أو التخطيط هلا‪.‬‬
‫ومن ضمن ما خنلص إليه أيضاً أنه ليست‬
‫هناك فروقات واختالفات جوهرية يف صورة‬
‫املدينة بني كافة األشكال الروائية‪ ،‬ألن الرواية‬
‫العربية استطاعت عرب تطورها وتواصلها مع‬
‫كافة األشكال القولية والتواصلية أن تؤسس‬
‫ملتخيل املدينة ضمن مساحة الكتابة والتعبري‪.‬‬
‫وقد جاءت املدينة ضمن هذا املتخيل بأبعاد‬
‫اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو علمية‪،‬‬
‫ج��اءت عنصراً مكوناً ضمن عناصر أخرى‪،‬‬
‫بينما نصوص قليلة جعلت من املدينة مكوناً‬
‫حم��وري �اً وم��وض��وع��ة رئيسية ووع���اء للرؤى‬
‫وفضاء للصراع أو أرضاً متحركة للشخصيات‬
‫وأصواهتا‪.‬‬
‫ويف كل احل��االت‪ ،‬تصبح املدينة‪ ،‬يف‬

‫‪33‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النصوص الرفيعة املستوى‪ ،‬فضاء مفتوحاً‬
‫على احلداثة والتحديث أو صورة للرتاجعات‬
‫والدمار‪.‬‬
‫إن تصوير املدينة يف النص الروائي العربي‬
‫جاء إما احتفاء وإما رثاء هلا‪ .‬لكن بالعودة إىل‬
‫األسئلة األوىل‪ ،‬هل استطاع الروائي العربي‪،‬‬

‫عموما‪ ،‬يف الرواية العربية أن يعرب عن وعي‬
‫املدينة العربية كما نعيشها ومه��ا وتناقضاً‬
‫وسلطاً منفلتة ومقربة لكل األحالم واالحتماالت‪،‬‬
‫وعقال بال عقل ومساحة بال روح‪....‬‬
‫هل عكست وعي املدينة ووعي شخصياهتا‬
‫أم وعي املؤلف والقراء ؟‬

‫اهلوامش‬
‫‪-1‬ج��ورج ترينر‪ :‬اخليال العلمي باعتباره أدب��ا‪ .‬ترمجة كوثر اجلزائري (مقالة ضمن كتاب‬
‫مجاعي)‪ :‬أدب اخليال العلمي‪.‬كتاب الثقافةاألجنبية‪ .‬بغداد‪ .‬دار الشؤون الثقافيةالعامة‪.‬‬
‫‪.1986‬ص‪.14:‬‬
‫‪-2‬د‪.‬اغرانني‪ :‬الثورة العلمية واألدب‪ .‬ترمجة ضياء نافع (ن‪.‬م‪.‬س‪ ).‬ص‪.65:‬ونفس الفكرة‬
‫توجد ضمن مقالة‪:‬هريب ليمان‪ :‬الرواية العلمية واملشاكل االجتماعية‪ .‬ترمجة يوسف عزيز‪.‬‬
‫(ن‪.‬م‪.‬س) ص‪.86:‬‬
‫‪-3‬جيمس ج��ون‪ :‬مسرية أدب اخل��ي��ال العلمي م��ن ويلز إىل هينلني‪( .‬مقالة ضمن كتاب‬
‫مجاعي)‪:‬آفاق أدب اخليال العلمي‪.‬ترمجة حسن حسني شكري‪.‬سلسلة األلف كتاب الثاني‪.‬‬
‫القاهرة ‪.‬اهليئة املصرية العامة للكتاب‪ .‬مصر‪.1996 .‬ص‪.46:‬‬
‫‪-4‬عبد اهلل العروي ‪ :‬اإليدولوجية العربية املعاصرة‪ ،‬الدار البيضاء‪ ،‬املركز الثقايف العربي‪ ،‬ط‪.‬‬
‫‪ .1995-1‬ص ‪.242‬‬
‫‪ -5‬عبد اهلل العروي ‪ :‬ثقافتنا يف ضوء التاريخ‪ .‬دار التنوير‪ -‬املركز الثقايف العربي‪ .1983 .‬ص‬
‫‪.146-145‬‬
‫‪Abdellah Laroui : les origines sociales et culturelles du nationalisme -6‬‬
‫‪.111-p109 .1980 .France. Maspéro .)1912-1830( marocain‬‬
‫‪ -7‬مداخلة ساهم هبا الباحث (ريناتو كورديرو كوميز) يف املؤمتر السادس عشر للجمعية‬
‫الدولية لألدب املقارن واليت انعقدت بتاريخ ‪ 19-13‬غشت ‪2000‬بربيطوريا – جنوب افريقيا‪:‬‬
‫‪Renato Gordeiro Gomes : Etudes littératures et études urbaines : la‬‬
‫‪ville et la nation dans la littérature à l’âge du multiculturalisme. in :‬‬
‫‪XVI th congress of the international comparative literature association‬‬
‫‪Unisa- Pretoria : Transitions et transgressions à 2000 August 17-13‬‬‫‪.l’âge du multiculturalisme‬‬
‫‪ -8‬يوسف الشاروني ‪ :‬اخليال العلمي يف األدب العربي املعاصر (حتى هناية القرن العشرين)‪،‬‬
‫ضمن األعمال الكاملة رقم ‪ .7‬القاهرة‪ ،‬اهليئة املصرية العامة للكتاب‪ ،‬مصر ‪.2000‬‬
‫‪ -9‬حممود قاسم ‪ :‬اخليال العلمي أدب القرن العشرين‪ .‬الدار العربية للكتاب‪.1993 .‬‬
‫‪ -10‬شوقي جالل ‪ :‬اخليال العلمي ومستقبل الوعي اإلنساني (مقال ضمن جملة) العربي‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الكويت‪ .‬عدد ‪ .539‬اكتوبر ‪ .2003‬ص‪.‬ص ‪.31-30‬‬
‫‪ -11‬حممد عزام ‪ :‬خيال بال حدود‪ .‬طالب عمران رائد أدب اخليال العلمي‪ .‬دمشق‪ .‬دار الفكر‪.‬‬
‫سوريا ‪ .2000‬ص ‪.20‬‬
‫‪ -12‬يوسف الشاروني ‪ :‬م‪.‬س‪ .‬ص ‪. 87‬‬
‫‪ -13‬ن‪..‬س‪ .‬ص ‪.17‬‬
‫‪ -14‬حممود قاسم ‪ :‬م‪.‬س‪ .‬ص ‪.13‬‬
‫‪ -15‬انظر ‪ :‬كتاب التيجان يف ملوك محري‪ .‬سلسلة الذخائر‪ 10 .‬أكتوبر ‪ .1996‬اهليئة العامة لقصور‬
‫الثقافة‪ ،‬القاهرة‪ .‬مصر‪.‬‬
‫‪ -16‬موسى ولد إبنو ‪ :‬مدينة الرياح‪ .‬بريوت‪ .‬دار االداب‪..‬ط‪1996 1‬‬
‫‪ -17‬طيبة أمحد اإلبراهيم ‪- :‬اإلنسان الباهت ‪ :‬القاهرة‪ .‬املؤسسة العربية احلديثة (د‪.‬ت)‪.‬‬
‫اإلنسان املتعدد‪ :‬القاهرة‪ .‬املؤسسة العربية احلديثة (د‪.‬ت‪).‬‬‫انقراض الرجل ‪ :‬القاهرة‪ .‬املؤسسة العربية احلديثة (د‪.‬ت)‪.‬‬‫وميكن الرجوع استئناسا إىل جتربة طيبة االبراهيم (الكويت) يف نصوصها الروائية اخليال العلمية‬
‫والصادرة عن املؤسسة العربية احلديثة – مصر‪:‬‬
‫مذكرات خادم(‪.)1995‬القرية السرية (‪ .)1998‬لعنة املال (د‪.‬ت)‪.‬ظالل احلقيقة (‪.)1995‬الكوكب‬
‫ساسون‪ ،‬عامل جمنون (‪2003‬والصادرة عن مؤسسة دار التعاون)‪.‬‬
‫‪ -18‬أمحد عبد السالم البقايل ‪ :‬الطوفان األزرق‪ .‬تونس‪ .‬الدار التونسية للنشر‪.1976 .‬‬
‫‪ -19‬هناد شريف ‪ :‬سكان العامل الثاني‪ .‬القاهرة‪ .‬مطبعة األمانة ‪.1997‬‬
‫‪ -20‬طالب عمران ‪ :‬مدينة خارج الزمن‪ .‬سوريا‪ .‬منشورات احتاد الكتاب العرب‪.1999 .‬‬
‫‪-21‬اهلادي ثابت‪:‬غار اجلن‪ .‬تونس‪ .‬دار سراس للنشر‪.1999.‬‬
‫ لو عاد حنبعل ‪.‬تونس‪ .‬مطبعة التسفري الفين‪ .‬ط‪.2004. 1‬‬‫وللكاتب ايضا رواية ثالثة يف اخليال العلمي بعنوان‪:‬جبل عليني‪ .‬تونس‪ .‬دار سراس‪.2001.‬‬
‫‪-22‬اهلادي ثابت‪ :‬لو عاد حنبعل‪ .‬مس‪.‬ص‪3:‬‬
‫‪-23‬مصطفى الكيالني‪ :‬مرايا الساعات امليتة‪.‬تونس ‪ .‬دار امليزان للنشر‪.‬ط‪.2004. 1‬‬
‫‪-24‬خمتار أبو غايل ‪ :‬املدينة يف الشعر العربي املعاصر‪ .‬سلسلة عامل املعرفة‪ .‬عدد ‪.1995 .196‬‬
‫الكويت‪ .‬ص ‪.327:‬‬
‫مراجع أخرى متت اإلفادة منها‬
‫عزيز لزرق ‪ :‬العوملة ونفي املدينة‪ .‬املغرب‪ .‬دار توبقال للنشر‪ .‬ط ‪.2002 .1‬‬‫حسني محودة ‪ :‬الرواية واملدينة‪ .‬القاهرة‪ .‬سلسلة كتابات نقدية‪ .‬عدد ‪ .109‬اهليئة املصرية العامة‬‫لقصور الثقافة‪ .‬مصر‪.‬‬
‫‪Hal.Hellman : La ville et l’homme de demain. Paris. Nouveaux horizons.‬‬
‫‪.194.1973 .E‬‬
‫مصطفى الضبع ‪ :‬اسرتاتيجية املكان‪ .‬القاهرة‪ .‬سلسلة كتابات نقدية‪ .‬عدد ‪ .79‬اهليئة العامة‬
‫لقصور الثقافة‪ .‬مصر‪ .‬مت‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪35‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيال العلمي في سورية‬
‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫رمبا كانت مصر هي األوىل يف العامل العربي‪ ،‬اليت جرّب ك ّتابها‬
‫كتابة اخليال العلمي‪ ،‬وكان توفيق احلكيم يقدم مسرحياته وبعضها‬
‫ذهين‪ ،‬مواكباً التطور العلمي والتقين يف العامل‪ ،‬فكتب رحلة إىل‬
‫الغد‪ ،‬عن مسجونني حمكومني باإلعدام‪ ،‬يرسالن إىل القمر‪ ،‬وحني يعودان‬
‫يكتشفان أن األرض مر عليها (‪ )300‬سنة‪ ..‬كأن الكاتب املسرحي الكبري قد‬
‫أشار إىل أن السفر يف الفضاء قد جيعل الزمن ّ‬
‫يتقلص بالنسبة لرائد الفضاء‪..‬‬
‫ولكن احلدوتة اليت رمسها مل تكن دقيقة أو علمية‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وكتب مصطفى حممود رواي��ات��ه املتتابعة‬
‫ومن بينها (اخلروج من التابوت) وهي ليست‬
‫خياالً علمياً‪ ،‬فهي تتحدث عن تقمّص األرواح‬
‫يف أجساد خمتلفة وأزم��ن��ة خمتلفة‪ ..‬بينما‬
‫رواي��ة (رحلة حتت الصفر) قاربت الكثري من‬
‫اخليال العلمي املنطقي‪ ،‬حيث حتدث فيها عن‬
‫قدرة أحد العلماء على حتويل املادة إىل طاقة‬
‫موجية‪ ،‬فقد جنح يف حتويل الفأر‪ ،‬ثم جرّب‬
‫اخرتاعه على نفسه ليغوص يف املوجة الفأرية‬
‫كما مساها يف الكون متحوالً إىل طاقة موجية‬
‫تستطيع التنقل بني األمكنة واألزمنة‪.‬‬
‫ثم أتى هناد شريف يف رواياته وكتبه املتعددة‬
‫(قاهر الزمن‪ -‬رقم ‪ 4‬يأمركم – أنا وكائنات‬
‫الفضاء‪ -‬الطبق الطائر‪ -‬باإلمجاع‪ -‬املاسات‬
‫الزيتونية‪ -‬سكان العامل الثاني‪ -‬ابن النجوم‪...‬‬
‫اخل) وهي روايات وقصص من اخليال العلمي‬
‫تتمتع ب��أدب رفيع خطه هناد شريف ليصبح‬
‫رائد اخليال العلمي العربي الذي أخلص هلذا‬
‫النوع من األدب ومازال خملصاً له‪..‬‬
‫وكتب ص�بري موسى رواي��ت��ه (رج��ل من‬
‫حقل السبانخ) اليت تتحدث عن نظام دقيق‬
‫خيضع له اإلنسان‪ ،‬وحني يتمرد يعاقب عقاباً‬
‫شديداً‪ ،‬وهي امنوذج لرواية سياسية مدروسة‬
‫عن طغيان اآللة يف املستقبل على اإلنسان‪..‬‬
‫وق���دم ص�لاح معاطي ال��ع��دي��د م��ن القصص‬
‫وال���رواي���ات م��ن اخل��ي��ال العلمي م��ت��خ��ذاً من‬
‫هناد شريف منوذجاً له‪ ،‬وقد جنح يف تكوين‬
‫شخصيته الروائية املتميزة أيضاً يف أعماله‬
‫(حمجوب باملقلوب‪ -‬رجل زاده اخليال‪ -‬انقذوا‬
‫هذا الكوكب‪ -‬وغريها‪)..‬‬
‫وصالح من أسرة ضمت (السيناريست البارع‬
‫يوسف) وعادل (الشاعر) وحممد (القصاص )‬
‫ورمبا هناك آخرون أبدعوا من هذه األسرة ‪.‬‬
‫ويف العراق تعرفت على مناذج قليلة جربت‬
‫اخليال العلمي ومل تتابع فيه‪ ..‬وأنا أعرف أننا‬
‫مقصرون يف متابعة األدب العراقي وخاصة يف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫جمال اخليال العلمي‪ ..‬رمبا لظروف العراق‬
‫الصعبة يف العقود الثالثة األخرية‪..‬‬
‫ويف األردن كتب عيسى اجل��راج��رة بعض‬
‫األعمال اليت مساها خياالً علمياً ورمبا ستتطور‬
‫يف املستقبل‪ ،‬يف أعمال أخرى قادمة‪..‬‬
‫ويف ال��ك��وي��ت ق���دّم���ت ط��ي��ب��ة االبراهيم‬
‫ع��دداً من ال��رواي��ات اهلامة ح��ول االستنساخ‬
‫واهلندسة الوراثية‪ ،‬أتت طبعاهتا املتتالية يف‬
‫سلسلة الطبعات الشعبية الواسعة االنتشار يف‬
‫القاهرة‪ ،‬وهذه الروايات يربط بينها موضوع‬
‫واحد هو استنساخ البشر دون اتصال جنسي‪،‬‬
‫بل ووصلت يف كتابتها إىل حدّ أهنا ألغت وجود‬
‫الرجل يف رواية هلا باسم (انقراض الرجل) ألن‬
‫امل��رأة تستطيع أن تلقح بويضتها دون حاجة‬
‫للرجل‪..‬‬
‫ويف لبنان قدّم قاسم قاسم وهو دكتور يف‬
‫النقد يف اجلامعة اليسوعية‪ ،‬عدداً من األعمال‬
‫يف اخليال العلمي‪ ،‬وكانت أوىل رواياته (لعنة‬
‫الغيوم) ال�تي تتحدث ع��ن ازدي���اد التلوث يف‬
‫الغالف اجلوي لدرجة شكلت خطراً كبرياً على‬
‫احلياة يف األرض وانطلق العلماء يف حماوالت‬
‫للحد من لغته التلوث هذه كما كتب عدداً آخر‬
‫م��ن ال��رواي��ات بعضها شكل تتمات لبعضها‬
‫اآلخ���ر‪ ،‬وه��ي تتحدث ع��ن ت�لاق��ح الكائنات‬
‫العاقلة من الفضاء اخلارجي مع البشر‪ ..‬يف‬
‫توليفة يربع فيها يف إخراج األحاسيس الداخلية‬
‫يف وصف سردي شيق‪..‬‬
‫أم���ا يف س���وري���ة‪ ،‬ف��ال��ت��ج��رب��ة حم���دودة‪،‬‬
‫وبعضها مل تكمل ل��دى بعض الكتاب فدياب‬
‫عيد كتب جمموعة من رواي��ات الفتيان بدأها‬
‫برواية (أسطورة راكيب اخليل) و ( قبائل الرق‬
‫والرعد)‪ ..‬وتتحدث عن بدايات اإلنسان على‬
‫األرض وعذاباته وصراعاته بشكل شيق مدهش‪،‬‬
‫استحق عليها جوائز وخاصة (أسطورة راكيب‬
‫اخليل)‪ ..‬وال أدري ملاذا مل يتابع يف هذا‬
‫االجتاه‪ ،‬ورمبا انشغل بكتابة املسلسالت‬

‫‪37‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫التلفزيونية اليت جعلته يكتسب شهرة يف العامل‬
‫العربي‪..‬‬
‫ول��دي��اب عيد رواي���ة خ��ي��ال علمي بعنوان‬
‫(نداء الكوكب األخضر) تتحدث عن كوكب فيه‬
‫قارات أربع لكل قارة فصلها‪ ،‬حيث إن الكوكب‬
‫به فصول أربعة يف هذه القارات‪ ،‬لكل فصل‬
‫أناسه وقبائله‪ ،‬وبعضهم يتصارع مع اآلخر‪..‬‬
‫واخل�لاف��ات تستشري يف ص��ورة شبيهة مبا‬
‫حي��دث على األرض‪ ..‬ومل يتابع دي��اب عيد‬
‫كتاباته يف اخليال العلمي‪..‬‬
‫وقد جرب (عوض سعود عوض) وهو كاتب‬
‫فلسطيين الكتابة يف ه��ذا ال��ن��وع م��ن األدب‬
‫فكتب يف الثمانينيات جمموعة قصص مساها‬
‫(رحلة إىل جمرة االندروميدا) وفيها الكثري من‬
‫املغالطات العلمية‪ ،‬فلقد هبطت سفينته على‬
‫حلقات كوكب زحل (وهي حلقات شفافة من‬
‫ب��ل��ورات ثلج وغبار ودق��ائ��ق كونية متباعدة)‬
‫كما هبطت السفينة ف��وق كوكب امل��ش�تري (‬
‫وهو كوكب سائل غازي) بل وزاد على ذلك أن‬
‫حطت السفينة فوق جمرة االندروميدا ( كأهنا‬
‫كوكب وهي جمرة شبيهة مبجرتنا فيها أكثر من‬

‫‪38‬‬

‫(‪ )200‬مليار جنم‪ ،‬تدور حوهلا أضعاف هذا‬
‫العدد من الكواكب)‪..‬‬
‫كأمنا استسهل البعض كتابة اخليال العلمي‬
‫دون أرضية علمية‪ ،‬فتخبط يف أخطاء علمية‬
‫التغتفر‪ ..‬على كل حال مل يتابع (عوض سعود‬
‫ع��وض) هذا النوع من الكتابة‪ ..‬وقد رأى أن‬
‫بعض النقاد مل يقبلوا منه هذه األخطاء العلمية‬
‫وخاصة أن كتابه كان موجهاً لألطفال‪..‬‬
‫أما الكاتبة الراحلة (دالل ح��امت) فقدمت‬
‫مامسته مسلسالت م��ن اخل��ي��ال العلمي يف‬
‫اإلذاعة‪ ..‬من بينها مسلسل (رحلة يف فقاعة‬
‫صابون) وتدور حول فتاة تضع نفسها يف فقاعة‬
‫ص��اب��ون ك��ب�يرة وت��ط�ير ح��ول األرض تكتشف‬
‫قاراهتا وحميطاهتا‪ ..‬وهي ليست خياالً علمياً‬
‫على اإلطالق‪..‬‬
‫أما املسلسل اآلخر فهو (مغامرة يف مصعد)‬
‫وحت��دث��ت فيه ع��ن أط��ف��ال يف مصعد اخرتق‬
‫الطابق العاشر وط��ار يف الفضاء وح� ّ‬
‫�ط على‬
‫القمر حيث فتح الباب وخرج األطفال ليقابلوا‬
‫أطفال القمر الذين رحبوا هبم وق��ادوه��م يف‬
‫رحلة للتعرف على مساكنهم على القمر‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫مبدأ الرحلة ليس علمياً‪ ،‬ثم أنه الحياة على‬
‫القمر‪ ،‬فهو جرم ميت خال من الغالف اهلوائي‬
‫(أو املائي) الضروري للحياة‪..‬‬
‫بالطبع كتب آخرون يف اخليال العلمي‪ ،‬وقد‬
‫هتربوا من وصف الواقع العلمي فمسرح (خري‬
‫الدين عبيد) مامساه خياالً علمياً‪ ،‬بأن سكان‬
‫الكواكب أرسلوا ممثلني هلم ليجتمعوا ويقدموا‬
‫تقريراً عن حالة الكائن العاقل الذي يعاني من‬
‫التلوث والفساد األخالقي‪ ..‬بلغة‪ ،‬مسرحية‪،‬‬
‫التستند على ميادين اخليال العلمي‪..‬‬
‫أما لينا كيالني وهي مهندسة زراعية حتمل‬
‫شهادة املاجستري من اجلامعة األمريكية‪ ،‬فكتبت‬
‫الكثري من القصص والروايات املوجهة لألطفال‬
‫وبعضها يف اخليال العلمي‪ ،‬ولكن أبدع رواياهتا‬
‫مامستها (رواي��ة املستقبل) بأجزائها الثالثة‪،‬‬
‫اليت تتحدث عن مشاكل األرض املستقبلية‪،‬‬
‫وعن االستنساخ واهلندسة الوراثية‪ ،‬ومشكالت‬
‫العلم املستقبلية‪..‬‬
‫وصدر هلا يف عام (‪ )2007‬رواية من سلسلة‬
‫رواي��ات اهلالل هي (ب��ذور الشيطان) تتحدث‬
‫عن استخدام ب��ذور معينة مهجنة وراث��ي�اً يف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أفغانستان من قبل األمريكان‪ ،‬حيث نكتشف‬
‫فظاعة ال��ت��ج��ارب ال�تي جت��رى على الشعب‬
‫البسيط ه��ن��اك‪ ،‬باستغالل وض��ي��ع لألرض‬
‫واإلنسان هناك‪.‬‬
‫وقد برعت لينا يف وصف تلك العوامل بدقة‬
‫علمية مدهشة‪ ،‬ورمبا أفادهتا ثقافتها الزراعية‬
‫يف تقديم عمل ملحمي مأساوي عن استغالل‬
‫اإلنسان للعلم‪ ،‬واختبار مواد جديدة يف مناطق‬
‫بكر مل يصل إليها الفساد بعد‪ ،‬وس��ط بيئة‬
‫بشرية بسيطة وساذجة‪..‬‬
‫ورمبا كانت لينا من أغزر الكاتبات العربيات‬
‫نتاجاً يف توجهها العلمي‪ ..‬وهلا حضور كبري‬
‫يف مصر مبنشوراهتا اليت حصل بعضها على‬
‫جوائز بزّت هبا أبناء مصر الشقيقة يف جمال‬
‫أدب األطفال‪..‬‬
‫مل أتعرف‪ ،‬رغم حبثي الدؤوب على كتاب من‬
‫اخلليج العربي‪ ،‬ورمبا وصلتين أكثر من معلومة‬
‫عن كاتب سعودي‪ ،‬أو كاتب إماراتي أو ميين‪..‬‬
‫ولكن املهم‪ ،‬أن النتاجات املنشورة هناك‪ ،‬هي‬
‫نتاجات خجولة‪ ،‬مل تصل بعد إىل حد االنتشار‬
‫العربي‪...‬‬

‫‪39‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هناد شريف‬
‫راحت األضواء السحرية‪ ،‬املتوارية‬
‫ب��داخ��ل اجل����دران‪ ،‬ختفت شي ًئا‬
‫فشي ًئا‪ ،‬لتتحول ألواهنا إىل األزرق‬
‫الباهت‪ ،‬بطول القاعة املتسعة و الوطيئة‬
‫السقف‪ ..‬وقد ران صمت مثري‪ ،‬ملؤه الرتقب‬
‫املشوب بالسكينة والرضاء‪..‬‬
‫«مرحبًا بكم يف أول لقاءاتكم معنا»‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫وزاد تسلل الكلمات احلانية عرب عشرات‬
‫امل��ي��ك��روف��ون��ات يف حجم ح��ب��ات األرز‪ ،‬إىل‬
‫عشرات العقول املتحفزة يف كامل وعيها‪..‬‬
‫«إهنا جولتكم املبدئية أيها السادة‪ ،‬لنشاهد‬
‫معًا آخر إجنازات العلم يف رحاب الفضاء»‪.‬‬
‫وتباطأت الكلمات قليلاً لتشحن بالثقة‪..‬‬
‫«ولنأخذ أهبتنا بال أدنى انزعاج‪ ..‬لنبدأ‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الناقوس الصدئ‪...‬‬
‫االن��ط�لاق إىل واح���د م��ن أق���رب جرياننا يف‬
‫اجملموعة الشمسية»‪..‬‬
‫بدون صوت‪ ،‬وال حركة ظاهرة‪ ،‬راح السقف‬
‫ال��وط��يء ي��ذوب خمتفيًا لتربز ب �دلاً منه قبة‬
‫السماء وقد بدت حالكة الظالم‪ ،‬بالرغم من‬
‫ملعان مصابيحها املتناثرة الهنائيًّا‪ ..‬على أن‬
‫القاعة سرعان ما حتولت باألجساد املائتني‬
‫اليت تضمهم‪ ،‬مستلقني يف شبه إغفاءة إىل‬
‫قذيفة ضخمة‪ ،‬اندفعت خترتق أستار الفضاء‪،‬‬
‫يف إصرار غريب‪ ..‬صوب جرم غامض ملبد‬
‫بالغيوم السوداء‪..‬‬
‫«أيها السادة‪ ..‬وملا كنا نتحرك عرب الفضاء‬
‫بسرعة تبلغ مثانية ماليني ميل يف الدقيقة‪،‬‬
‫وتقارب سرعة الضوء البالغة أحد عشر مليو ًنا‬
‫من األميال يف الدقيقة‪ ..‬فإننا قد قطعنا توًّا‬
‫املسافة بني كوكب األرض وكوكب الزهرة‪،‬‬
‫وقدرها ‪ 26‬مليون ميل‪ ،‬خالل الدقائق األربع‬
‫والنصف السالف مرورها»‪.‬‬
‫من خالل طيات الغيوم الكثيفة والثقيلة‬
‫القوام‪ ،‬أخذ املنظر يتداعى‪ ،‬وجرم الكوكب‬
‫ينمو قربًا وبروزًا‪ ،‬حتى أوشكت معامل سطحه‬
‫الشديد الوعورة‪ ،‬على االتضاح‪ ..‬وبغتة تكشفت‬
‫الغيوم عن بساط قامت االخضرار‪ ،‬ميتد بعمق‬
‫األف��ق كثي ًفا موحشًا‪ ..‬ومع ازدي��اد االقرتاب‬
‫من السطح القاسي املتشابك األشجار ‪ -‬وقد‬
‫قلت حدة االندفاع الساحق‪ ،‬فقاربت اهلبوط‬
‫الوئيد ‪ -‬بدأ يتضح ما يشبه واديًا قليل الغور‪..‬‬
‫جيثم على أحد جانبيه جسم المع يكون بعض‬
‫املالمح اهلندسية‪..‬‬
‫«إننا هنبط اآلن‪ ،‬أيها ال��س��ادة‪ ،‬على ثرى‬
‫ال��زه��رة‪ ..‬إننا نتوجه رأسً��ا إىل احملطة رقم‬
‫‪ ،13‬ال�تي ق��ام بتشييدها على ضفة وادي‬
‫الرخام‪ ،‬رواد من بلدان خمتلفة‪ ،‬حتت علم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫األمم املتحدة»‪..‬‬
‫ظ��ه��ر ال�����وادي م��س��ت��ط��ي�ًل�اً ي��ش��ق األرض‬
‫الصخرية امل��ك��س�وَّة ب��ن��و ٍع غ�ير م��ع��روف من‬
‫األشجار العمالقة‪ ..‬وزاد وضوح أبنية احملطة‪،‬‬
‫فإذا هي ذات قباب مستديرة‪ ،‬تشغل رقعة ال‬
‫تقل مساحتها عن ميلني مربعني‪ ..‬يف حني‬
‫غلفت اجلو ‪ -‬فوق األشجار والوادي واحملطة‬
‫رق��م ‪ - 13‬غاللة رقيقة تتباين ألواهنا بني‬
‫الرمادي والبنفسجي ثم القرمزي‪ ،‬كاشفة عن‬
‫مكوناهتا من غاز ثاني أكسيد الكربون‪..‬‬
‫«إن احملطة الفضائية ال�تي نوشك على‬
‫بلوغها‪ ،‬مقامة يف هذه البقعة القصية من‬
‫قطب كوكب ال��زه��رة اجل��ن��وب��ي‪ ..‬فاحلرارة‬
‫هنا ت�تراوح بني ‪ 25‬و‪ 45‬درج��ة مئوية‪ ..‬وإن‬
‫قطيب الزهرة أكثر مالئمة لإلنسان الوافد ‪-‬‬
‫بدرجات حرارهتا ‪ -‬عن غريمها من املناطق‬
‫األخ��رى بأحناء الكوكب‪ ،‬وخاصة لدى خط‬
‫استوائه‪ ،‬حيث تصل احلرارة إىل ‪ 350‬درجة‬
‫مئوية أو يزيد»‪..‬‬
‫استمرت الكلمات ترتى ‪ -‬عرب حبات األرز‬
‫إىل اآلذان ‪ -‬تصف ك��ل كبرية وص��غ�يرة من‬
‫أسرار الكوكب‪ ،‬الذي مل يكن يُعرف عنه حتى‬
‫بداية القرن العشرين‪ ،‬إال وصف مرآه الالمع‬
‫لدى أول ظهوره يف حافة السماء غربًا‪ ،‬كلما‬
‫حل الليل األرضي‪...‬‬
‫ومرت ساعة زمنية حافلة‪..‬‬
‫وأضيئت األنوار‪ ..‬فإذا كل رحلتنا السابقة‬
‫جمرد عرض سينمائي جمسد آلخر انطالقات‬
‫البشر إىل ج��ار األرض األس��ط��وري‪ ..‬كوكب‬
‫ال��زه��رة‪ ..‬وم��ع سطوع الضوء املتسرب من‬
‫خالل اجلدران ‪ -‬قويًّا هذه املرة ‪ -‬اتضحت‬
‫معامل القاعة عن ذي قبل‪ ،‬فإذا هي أكثر‬
‫ضخامة واتساعًا مما يظن‪ ..‬متتد يف‬

‫‪41‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الناقوس الصدئ‪...‬‬
‫االستطالة حنو مخسة عشر مرتًا‪ ،‬ويف العرض‬
‫عشرة أمتار‪ ..‬بينما حوت مائيت مقعد‪ ،‬صنعت‬
‫من لدين بالغ النعومة‪ ،‬متاثل املقاعد الوثرية‬
‫بالطائرات النفاثة‪ ،‬تراصَّت متجاورة يف نظام‬
‫بديع وأناقة كاملة‪ ..‬وقد شُغلت كلها بصِبية‬
‫من اجلنسني‪ ،‬دون العاشرة من أعمارهم‪،‬‬
‫استلقوا عليها فيما يقارب النعاس الظاهري‪،‬‬
‫وإن نبضت اخلاليا العقلية يف رأس ٍّ‬
‫كل منهم‬
‫بالطاقة القصوى من الرتكيز واالنتباه‪..‬‬
‫ويف مواجهة املقاعد‪ ،‬كانت هناك بأقصى‬
‫اليسار منضدة انسيابية من «الفورمايكا»‪..‬‬
‫ذات س��اق واح���دة مثمنة‪ ،‬تكتظ بعشرات‬
‫«اللمبات» وامل��ؤش��رات واملفاتيح واحملوالت‬
‫املتباينة األحجام‪ ..‬وقبالة املنضدة جلس رجل‬
‫عادي املالمح‪ ..‬تستغرقه الشبكة اإللكرتونية‬
‫املعقدة‪ ،‬واليت عن طريقها يباشر التحكم يف‬
‫كافة ما يدور بالقاعة‪..‬‬
‫كذلك بدت بقعة وطيئة يف أرضية القاعة‪،‬‬
‫ع��ل��ى مي�ين اجل��ال��س إىل امل��ن��ض��دة‪ ،‬امتدت‬
‫بطول ستة أمتار وع��رض مرت‪ ،‬حتى قاربت‬
‫أقصى اليمني‪ ..‬هذه البقعة الوطيئة كانت‬
‫تسفر‪ ،‬بني احلني واحلني‪ ..‬عن فجوة تصعد‬
‫من أعماقها مناذج الدرس وأدوات التجارب‬
‫املختلفة واخلرائط املضيئة والعدد املتطورة‪،‬‬
‫اليت تتفق مع ما يتسلل من كلمات إىل آذان‬
‫الصبية املستلقني يف متام يقظتهم الذهنية‪..‬‬
‫وأما جدار القاعة املمتد أمام وجوه شاغليها‪،‬‬
‫فقد بدا بلوريًّا حمدبًا‪ ،‬وكأنه عدسة «فنار»‬
‫توقفت ع��ن ال���دوران ح��ول حم��وره��ا‪ ،‬وميثل‬
‫أحدث تطور يف «شاشات» العرض السينمائي‬
‫اجملسم‪..‬‬
‫وكان لون جدار القاعة وسقفها ولون املقاعد‬
‫واملنضدة‪ ..‬وحتى األرضية وما يكسوها من‬

‫‪42‬‬

‫أبسطة طولية صنعت من الفلني الصناعي‬
‫املاص للصوت‪ ..‬كانت مجيعها بيضاء‪ ،‬يشوب‬
‫بياضها زرقة خفيفة هادئة‪..‬‬
‫شيء واحد بسيط‪ ،‬مل تكن تلحظه العني‬
‫غالبًا‪ ..‬ذلك الناقوس الصغري‪ ،‬امل�تروك عن‬
‫عمد ف��وق واح���د م��ن أرف���ف ث�لاث��ة‪ ،‬شُغلت‬
‫مجيعها بأصص زجاجية هبا نباتات مهجنة‬
‫س��ب��ق زراع��ت��ه��ا يف ت��رب��ة ال��ق��م��ر‪ ..‬وكبقية‬
‫النواقيس امل��ع��روف��ة كانت م��ادت��ه النحاس‪،‬‬
‫وإن غلب على لونه املصفر اخضرار الصدأ‬
‫وقتامته‪ ..‬كذلك ظهرت على اجلانب األيسر‬
‫فيما يقابل الرف وعليه الناقوس‪ ،‬جمموعة‬
‫من «اللمبات» الكمثرية املتماثلة‪ ،‬بلغ عددها‬
‫ثالثني «ملبة» خمتلفة األلوان‪..‬‬
‫وراحت ملبة بنفسجية تضيء وتنطفئ‪ ،‬يف‬
‫حركة متتابعة موقوتة‪ ..‬وعلى قمتها اتضح‬
‫الرقم ‪..18‬‬
‫ويف س��ك��ون ان��ف��رج��ت البقعة الوطيئة‪،‬‬
‫بأرضية القاعة‪ ،‬عن رجل أخذ جسده يصعد‬
‫حثي ًثا‪ ..‬حتى استقرت قدماه يف النهاية إىل‬
‫جوار اآلخر اجلالس إىل املنضدة‪..‬‬
‫بدا الرجل متوسط القامة‪ ،‬حني ًفا‪ ،‬أمسر‬
‫البشرة‪ ،‬ويزين الشعر األشيب معظم رأسه‬
‫وس��وال��ف��ه‪ ..‬ويف أغ���وار عينيه ك��ان��ت تلمع‬
‫ومضات ذكاء وجرأة نفاذة وتسلط‪ ..‬وكانت‬
‫مالبسه غاية يف البساطة واألن��اق��ة معًا‪..‬‬
‫وبنظرة سريعة خبرية تفحص الرجل شاغلي‬
‫القاعة‪ ،‬ثم مد يده والتقط ميكروفو ًنا يف حجم‬
‫نصف القلم الرصاص‪ ،‬وسار وهو ممسك به‬
‫بضع خطوات مبتعدًا عن املنضدة‪ ..‬وحني‬
‫توقف وواجه الصبية كان قد رسم على شفتيه‬
‫ابتسامة ودودة‪ ..‬وقال‪:‬‬
‫أهلاً بكم‪ ..‬أهلاً بقدومكم إىل «نادي املفكر‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الناقوس الصدئ‪...‬‬
‫الصغري ‪ ..‬إنين «صربي عبد الرحيم» أحتدث‬
‫إليكم بوصفي املشرف الفين على النادي‪..‬‬
‫وهذه باكورة حماضراتي إليكم‪ ،‬أفتتحها بكلمة‬
‫م��وج��زة ع��ن أه��م إجن���ازات العلم يف اجملال‬
‫السلمي‪ ،‬خالل السنوات العشرين املاضية‪..‬‬
‫تلك اليت انقضت منذ مولد أول ن��ادٍ للعلوم‬
‫بعاصمتنا‪ ..‬ولعلكم ت��ذك��رون قصة األندية‬
‫العلمية مبصر‪ ،‬ومراحل تطورها وانتشارها‬
‫حتى وصل عددها يف عامنا احل��ايل ‪1990‬‬
‫إىل قرابة األلف نادٍ‪ ،‬يعترب نادينا من أكربها‬
‫وأكثرها تفو ًقا يف حداثة معداته‪..‬‬
‫زم ال��رج��ل شفتيه‪ ،‬ورف���ع رأس���ه املكلل‬
‫بالبياض‪ ،‬يف حركة متكربة متحدية ميلؤها‬
‫االعتداد بالنفس‪..‬‬
‫ أيها الزمالء الصغار‪ ..‬إن ب��روز فكرة‬‫النوادي العلمية‪ ،‬وانتشارها يف أرجاء العامل‪،‬‬
‫كان يف حد ذاته من أبرز مسات السبعينيات‪،‬‬
‫ثم الثمانينيات املاضية فالنوادي هبذه الصورة‪،‬‬
‫هي بال ريب امللجأ األم�ين حلماس الصغار‬
‫واهتماماهتم املتزايدة بالعلم وتطبيقاته‪ ..‬على‬
‫أهنا بالطبع مل تكن امليزة الوحيدة لطابع تلك‬
‫السنوات املشحونة املثرية‪ ،‬اليت نتحدث عنها‪،‬‬
‫وإمن��ا كانت هناك إجن��ازات علمية متعددة‪،‬‬
‫حتققت يف جم��االت شتى‪ ..‬إجن���ازات بالغة‬
‫العظم والسمو‪ ،‬دفعت بالبشرية دفعات مهولة‬
‫حنو التفوق التكنولوجي‪ ،‬اجملهولة حدوده‪..‬‬
‫واجملهولة آثاره وأبعاده‪..‬‬
‫ان��س��اب ص���وت ال��رج��ل ج��ه��وريًّ��ا‪ ،‬برغم‬
‫خفوته‪ ،‬إىل آذان الصبية‪ ..‬يوجز هلم ما حتقق‬
‫على أيدي العلماء فوق ظهر كوكب األرض‪،‬‬
‫إبَّان األعوام من ‪ 1970‬إىل ‪ ..1990‬فكلمهم‬
‫عن بدء السيطرة على مشكلة النمو السكاني‬
‫الرهيب‪ ،‬على الرغم من بلوغ تعداد البشر‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪ 6‬مليارات نسمة وذلك عن طريق ما توصل‬
‫إليه العلم م��ن م��ص��ادر ال��غ��ذاء املستحدثة‪،‬‬
‫ب��اس��ت��خ��دام ال�بروت��ي��ن��ات الصناعية ودقيق‬
‫الفطر والبكترييا‪ ،‬والزراعات البحرية وأمهها‬
‫الطحالب‪ ،‬كطعام‪ ..‬فضلاً عن تطبيق قانون‬
‫حتديد النسل اإلجباري عامليًّا‪..‬‬
‫ثم أفاض يف حديثه طويلاً عن الطاقات‬
‫اجملربة مؤخرًا‪ ،‬إىل جانب الطاقة الذرية‪..‬‬
‫ومنها طاقة الشمس ‪ -‬بتغطية سطح القمر‬
‫باخلاليا الضوئية م��ن أش��ب��اه امل��وص�لات ‪-‬‬
‫وطاقة «الليزر» وطاقة الذبذبات الصوتية‬
‫ع��ال��ي��ة ال��ت��ردد‪ ..‬وك��ي��ف أم��دت��ن��ا الطاقات‬
‫اجل��دي��دة ب��ق��وى ديناميكية ج��ب��ارة‪ ،‬أمكن‬
‫بواسطتها التوغل بعيدًا يف رحاب الفضاء‪،‬‬
‫وبذلك مت ارتياد الكواكب‪ :‬عطارد‪ ،‬والزهرة‪،‬‬
‫واملريخ‪ ،‬واملشرتي‪ ،‬وما يدور حوهلا من أقمار‪..‬‬
‫واستخدام ما هبا من طاقات‪ ..‬وأمكن التنبؤ‬
‫بصحة الطقس تفصيليًّا بنسبة ‪ ،%99‬كما‬
‫تيسرت زراعة الصحاري القاحلة‪ ،‬واملناطق‬
‫القطبية القصية‪ ،‬وزراعة قاع البحر وسفوح‬
‫اجلبال الربكانية‪ ..‬ومتت إدارة اآلالت املتطورة‬
‫املعقدة‪..‬‬
‫ويف جمال اإللكرتونات‪ ،‬حدثهم الرجل عن‬
‫العقول اإللكرتونية املفكرة‪ ،‬ونظام التصور‬
‫الذهين فيزيقيًّا‪ ..‬وعن تطبيق األوتوماتيكية‬
‫يف الصناعة والزراعة ونظم االتصاالت‪ ،‬وعن‬
‫انتشار اإلنسان اآليل‪ ..‬كذلك شرح هلم طريقة‬
‫سري القطارات السريعة عرب األنابيب املمتدة‬
‫بباطن األرض بني ال��ق��ارات‪ ،‬وحت��ت األهنار‬
‫واملمرات املائية‪ ،‬بواسطة اندفاعها بضغط‬
‫اهلواء اجلوي‪..‬‬
‫على أن اهتمام الرجل بدا واضحًا‪،‬‬
‫حينما تناول إجنازات الطب احلديث‪،‬‬

‫‪43‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الناقوس الصدئ‪...‬‬

‫وأوهل��ا إمكانية زراع��ة كافة أعضاء اجلسد‬
‫اإلن��س��ان��ي بعد التغلب هنائيًّا على مشكلة‬
‫طردها‪ ..‬وما أعقب ذلك من انتشار بنوك‬
‫قطع الغيار البشرية‪ ،‬واالكتفاء بدفن املوتى‬
‫املشوهة جثثهم فحسب‪ ..‬ثم ما مت التوصل‬
‫إليه م��ن عقاقري تغيِّر الشخصية‪ ،‬وأخرى‬
‫تصحح األخطاء الوراثية‪ ،‬وثالثة تتحكم يف‬
‫الذكاء اإلنساني‪ ..‬ثم ً‬
‫أيضا النجاح الكبري يف‬
‫القضاء على غالبية األم��راض املستعصية‪،‬‬
‫كالسرطان واإلنفلونزا‪ ،‬بعد عزل الفريوسات‬
‫املسببة هل��ا‪ ،‬وأم���راض ال���دورة الدموية بعد‬
‫كشف أدق خباياها‪ ..‬وإن عجز الطب لآلن‬
‫إزاء مرض العصر ‪ -‬التوتر والقلق ‪ -‬وعدد من‬
‫األمراض الشاذة اليت سببتها ميكروبات وافدة‬
‫من الكواكب اجملاورة‪ ..‬وكانت هناية احلديث‬
‫مهسات الرجل املليئة بالفخر عن التعليم‪..‬‬
‫أوضح اجملاالت اليت حقق العلم خالهلا أقوى‬
‫انتصاراته‪ ،‬فقد مت اختصار مراحل الدراسة‬
‫إىل مثاني سنوات فحسب‪ ،‬متتد من السادسة‬
‫إىل الرابعة عشرة م��ن عمر ال���دارس‪ ،‬بعد‬

‫‪44‬‬

‫إمكانية بث املعلومات املركزة خالل النوم‪..‬‬
‫وب��ذا تضاءلت األم��ي��ة إىل ‪ %0.5‬يف العامل‬
‫كله‪ ..‬ويف نفس ال��وق��ت‪ ،‬اخت��ذت اخلطوات‬
‫الفعلية واحلامسة‪ ،‬يف سبيل نشر لغة عاملية‬
‫تتكلمها شعوب الدنيا قاطبة‪..‬‬
‫على أن اخلتام الكالسيكي للمحاضرة‪،‬‬
‫كان ما ذكره الرجل عن مناداة بعض العلماء‬
‫مؤخرًا بتحقق االتصال مع أرواح املوتى‪ ،‬األمر‬
‫الذي أوجد نوعًا من الراحة الذهنية حيال‬
‫فكرة املوت‪ ،‬فلم يعد املوت لدى غالبية الناس‬
‫ذلك الكابوس الذي يتوقعه الكل هناية حمتومة‬
‫للوجود‪ ..‬وإمن��ا هو جمرد انتقالة من حياة‬
‫جسدية ملموسة‪ ،‬إىل أخرى أثريية قد تتميز‬
‫بتحررها من قيود اجلسد وأعباء املعيشة‬
‫الدنيوية املضنية‪.‬‬
‫أي منكم سؤال يسأله؟‬
‫ واآلن‪ ..‬هل لدى ٍّ‬‫تسابقت من حوله االستفسارات‪ ،‬تأتي‬
‫متكاسلة من أفواه الصبية حتملها األسالك‬
‫إىل عقله‪ ،‬فيجيب عنها إجابات حامسة‪..‬‬
‫وسألته بغتة صبية متوردة البشرة‪ ،‬يف لون‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الناقوس الصدئ‪...‬‬
‫التفاح الناضج‪:‬‬
‫ الناقوس‪ ..‬فيم استخدامه؟‬‫ده��ش ال��رج��ل م��ن س��ؤاهل��ا فرفع حاجبه‬
‫متحريًا‪:‬‬
‫ أي ناقوس؟!‬‫ هذا الصدئ‪ ..‬املوضوع على الرف‪..‬‬‫ابتسم الرجل‪:‬‬
‫ آه‪ ..‬ناقوس فتحي‪ ..‬إن له قصة‪..‬‬‫تسابقت الزفرات‪:‬‬
‫ نريد أن نعرفها‪...‬‬‫حركت الذكرى أشجانه فأطلق آهة عميقة‬
‫انتزعها من أعماق صدره‪ ،‬وعقد ذراعيه خلف‬
‫ظهره‪ ،‬تطويه عاطفة مشبوبة‪..‬‬
‫ إن��ه مُ��ه��دى م��ن ص��دي��ق‪ ،‬كانت تربطين‬‫به صالت ود وتفاهم‪ ..‬ق َّلما كنت أراه لكثرة‬
‫مشاغلي‪ ،‬ولكن على قصر اللقاء ونأيه‪ ،‬كنت‬
‫أشجع فيه إميانه الراسخ مبا للعلم والدراسات‬
‫العلمية من آثار جذرية على حياتنا‪..‬‬
‫وصمت الرجل قليلاً‪ ..‬وأغلق عينيه متامًا‬
‫يستجمع أيامًا عزيزة عليه‪..‬‬
‫ ث���م‪ ..‬لقد ك��ان أدي �بً��ا ك��ذل��ك‪ ..‬فكتب‬‫القصة العلمية القصرية‪ ،‬وال��رواي��ة العلمية‬
‫الطويلة‪ ،‬وكان يبحث عن املعلومات ويلهث يف‬
‫حبثه عنها‪ ..‬ويفتش عن األحداث ليغرق يف‬
‫دوامتها‪..‬‬
‫وبدا على وجه الرجل ضيق مباغت يعذبه‪..‬‬
‫ثم انفرجت شفتاه عن كلمات مُرَّة‪:‬‬
‫ لكن صحته مل تكن تساعده‪ ..‬كان يعاني‬‫من مرض مزمن بكليتيه‪ ..‬وهكذا رأيته يهل‬
‫علي كعادته دون انتظار‪ ،‬يف أمسية يوم من‬
‫أواخر عام ‪ ،1975‬وقد احتضن صندو ًقا ورقيًّا‬
‫وكراسة للمحاضرات‪ ..‬وبرغم الضحكات اليت‬
‫مأل هبا وجهه احملمر العريض‪ ،‬وبرغم صوته‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫العايل املرح‪ ،‬وحركات بدنه وذراعيه املتالحقة‬
‫اليت ال تكل‪ ،‬فقد أحسست بذعر خينقه‪...‬‬
‫حت��ش��رج ص���وت���ه‪ ،‬وزادت ق��ب��ض��ت��ه على‬
‫امليكروفون ال��دق��ي��ق‪ ،‬تكاد أصابعه تسحق‬
‫معدنه الالمع‪ ..‬لكنه تابع حديثه‪:‬‬
‫ ويف كلمات مقتضبة‪ ،‬علمت أن األطباء‬‫أخ��ب�روه ب���أن أي��ام��ه م���ع���دودات‪ ..‬ل���ذا فقد‬
‫قصدني يف زي��ارة قد تكون أخ�يرة‪ ..‬وهو مل‬
‫يأتِ لوداعي‪ ،‬وإمنا ‪ -‬حسب قوله ‪ -‬جاء يعدُّ‬
‫للقاء بيننا من نوع مغاير مبتكر‪ ..‬لقائي مع‬
‫روح��ه‪ ..‬ويف بساطة شديدة واقتناع ال يقبل‬
‫اجل��دل‪ ،‬وض��ع الصندوق ال��ورق��ي بني يدي‪،‬‬
‫وهو يؤكد أن ما بداخله سوف يكون وسيلة‬
‫اللقاء املرتقب بينه وبيين‪ ..‬وما زلت حتى هذه‬
‫اللحظة أملح نظرات فتحي اهلادئة الواثقة‪،‬‬
‫وهو خيرج الناقوس من صندوقه‪ ،‬ليقدمه‬
‫إيل‪ ،‬وكلماته البطيئة ترن يف أذني‪« ...‬سوف‬
‫ألقاك‪ ،‬فال بد من اتصال يتم بيننا بطريقة‬
‫ما‪ ،‬فقد تعودت عليك‪ ..‬فقط انتظر جميئي‬
‫جبوار الناقوس أينما وضعته‪ ،‬يف ساعة ختلو‬
‫فيها إل��ي��ه‪ ..‬وأم��ا الشفرة اخلاصة بنقرات‬
‫الناقوس‪ ..‬نقراتي‪ ،‬ووسيلة التخاطب بيننا‬
‫فسوف جتد حل رموزها بني دفيت الكراسة‪..‬‬
‫وإني أرى يف اتفاقنا أمرًا مبتكرًا وجديدًا كل‬
‫اجلدة‪ ..‬فكافة اللقاءات املعروفة بني األحياء‬
‫واألموات‪ ،‬إمنا تتم باستدعاء الروح عن طريق‬
‫الوسيط‪ ،‬ومل نسمع أبدًا أن روحًا معينة قد‬
‫أتت طواعية حسب موعد حمدد‪ ،‬كما سأفعل‬
‫أنا»‪..‬‬
‫وحني أهنى كالمه ألقى بالكراسة إىل جوار‬
‫الناقوس‪ ،‬ثم شد على ي��دي طويلاً وتركين‬
‫وانصرف‪...‬‬
‫بلع ال��رج��ل ري��ق��ه‪ ،‬وه��و يضيف يف‬

‫‪45‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الناقوس الصدئ‪...‬‬
‫حرارة‪:‬‬
‫ وكدت يومها أسخر من سلوكه الغريب‪..‬‬‫فأولاً ‪ ،‬كان عهدي به دوامًا اجلدية يف التفكري‬
‫والرصانة يف التصرفات‪ ..‬وثانيًا‪ ،‬فإني أعترب‬
‫نفسي م��ن املتشككني البعيدين ع��ن تفهم‬
‫النظريات ال��روح��ان��ي��ة‪ ،‬فأنا رج��ل علم وال‬
‫وقت لدي لغريه‪ ..‬ثم ً‬
‫أيضا‪ ،‬كان حمياه يوم‬
‫ذاك نضرًا يفيض صحة وحيوية‪ ..‬على أنين‬
‫أصبت بالوجوم واحلرية‪ ،‬حني مسعت بوفاته‬
‫عقب ذلك بأربعة أيام‪...‬‬
‫تساءل أحد الصبية يف هلفة‪:‬‬
‫ وهل مت‪ ..‬لقاؤك مع روحه فيما بعد؟‬‫ مل حيدث‪..‬‬‫متتم أكثر من صيب وصبية‪:‬‬
‫ أمل يدق الناقوس أبدًا؟‬‫قال الرجل‪:‬‬
‫ لقد وضعت الناقوس يف البداية على‬‫حافة مكتيب قرابة الشهرين‪ ،‬ثم ‪ -‬وال أدري‬
‫املناسبة ‪ -‬وجدتين أنقله إىل مكانه احلايل على‬
‫هذا الرف‪ ..‬وطبعًا مل أمسع رنني الناقوس‪..‬‬
‫بل ما كنت أتوقع مساعه قط‪..‬‬
‫ عالم احتفاظك به إذن؟‬‫ لعلها الذكرى‪..‬‬‫أعقب ق��ول الرجل مناقشة قصرية حول‬
‫الناقوس وصاحبه‪ ،‬سرعان ما توقفت بانتهاء‬
‫الوقت احملدد للمحاضرة نفسها‪ ..‬وملا كانت‬
‫حماضرة املشرف الفين على ن��ادي «املفكر‬
‫الصغري» ه��ي ختام ف��ق��رات الربنامج لذلك‬
‫اليوم‪ ،‬فقد متلمل احلضور من الصبية من‬
‫اجلنسني‪ ،‬وتثاءب كل منهم بضع مرات قبل أن‬
‫يبادروا بالوقوف ونزع حبات األرز عن آذاهنم‪..‬‬
‫ويف النهاية‪ ،‬استدار الواحد منهم وراء اآلخر‪،‬‬
‫يأخذ طريق االنصراف يف تتابع ورتابة‪ ،‬وقد‬

‫‪46‬‬

‫انضم يف أعقاهبم رجل املنضدة‪ ..‬ومن خالل‬
‫الباب العريض الذي انفرج عنه اجلدار األيسر‬
‫لدى منتصفه‪ ،‬راح اجلميع يتوارون‪..‬‬
‫إال أن صبية ش��ق��راء‪ ،‬ناهدة ال��ص��در‪ ،‬يف‬
‫تكوين رياضي يتناسق مع خطوط جسدها‬
‫االنسيابية الناعمة‪ ،‬ت��ل� َّ�ك��أت‪ ..‬اق�ترب��ت من‬
‫الرجل‪ ،‬وحدقت يف وجهه بعينني تسودمها‬
‫زرقة البحر‪ ،‬ومهست‪:‬‬
‫ أرى يا أستاذ أن تعلق الناقوس من أعاله‪،‬‬‫حبيث يصبح مطلق السراح‪..‬‬
‫وح�ين خلت القاعة م��ن اجلميع‪ ،‬وخيم‬
‫الصمت املطبق على أرجائها اخلاوية ظلت‬
‫كلمات الصبية الشقراء متأل مسعه يف إحلاح‬
‫عجيب‪ ..‬أج��ل‪ ،‬قد تكون فكرهتا صائبة‪..‬‬
‫قد تكون نوعًا من اإلهل��ام غ��اب عنه قبلاً‪،‬‬
‫وإن تصوره ‪-‬على األرجح ‪ -‬هراء‪ ..‬وحسمًا‬
‫لألمر‪ ،‬فليجرب‪..‬‬
‫توجه ال��رج��ل إىل حيث ك��ان الناقوس‪..‬‬
‫تناوله من مكانه ف��وق ال��رف‪ ،‬ورب��ط أعاله‬
‫بطرف منديله‪ ،‬وربط الطرف املقابل للمنديل‬
‫حبافة ال���رف‪ ..‬وأصبح الناقوس معل ًقا يف‬
‫اهلواء‪ ..‬حرًّا طلي ًقا‪ ..‬سهل احلركة‪..‬‬
‫ببطء ‪ -‬يف املبدأ ‪ -‬تأرجح الناقوس اهلوينى‪،‬‬
‫مينة ويسارًا‪ ،‬يف شيء من الثقل والرتدد‪ ..‬على‬
‫أن حركته تزايدت‪ ..‬اكتسبت قوة أكثر‪ ،‬وعجلة‪،‬‬
‫وإصرارًا على التمايل بعنف‪ ..‬وبغتة‪ ،‬انطلقت‬
‫دقات الناقوس تتسابق جملجلة‪ ،‬مدوية بني‬
‫جنبات القاعة‪..‬‬
‫وخيل إليه أهنا نغمات مألوفة‪ ..‬فارجتف‬
‫قلبه‪ ..‬اعتصره احلنني والشوق!‬
‫وبذل الرجل جهدًا مضنيًا لينتشل نفسه من‬
‫وهدة الذهول الذي حط عليه‪ ..‬ويسارع بإحضار‬
‫ك��راس��ة احمل��اض��رات‪ ،‬وق��ل��م‪ ،‬وورق���ة بيضاء‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫رؤوف وصفى‬
‫ك����ان امس����ه (ن��ب��ي��ل ص��ب��ري)‪..‬‬
‫وق���د ع���اش م��ن ق��ب��ل‪ ..‬كإنسان‬
‫مثل ال��رج��ال اآلخ���ري���ن‪ ..‬ولكنه‬
‫أصبح اآلن جمرد عقل حر نابض‪ ..‬يسكن‬
‫داخ��ل هيكل صغري معدني‪ ..‬من األعضاء‬
‫الصناعية‪ ..‬ومزود بأجهزة استشعار من بعد‪،‬‬
‫ووسائل للطريان‪ ،‬ورقاقات بيولوجية‪ ،‬ودوائر‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫إليكرتونية‪ ..‬وابتكارات التكنولوجيا النانوية‪..‬‬
‫كمبيوتر حي‪ ..‬أما اجلسد الذي عرف فيما‬
‫مضى‪ ..‬مسرات وآالم الوجود امل��ادي‪ ..‬فقد‬
‫اختلط بالرتاب منذ فرتة طويلة‪..‬‬
‫ً‬
‫ل��ك��ن ع��ق��ل (ن��ب��ي��ل) م����ازال م��س��ت��م��را يف‬
‫احلياة‪ ..‬متألقاً‪ ..‬وقوياً‪ ..‬وميكنه أن‬
‫حي��ارب الشر يف كل مكان بالكون‪..‬‬

‫‪47‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫مع زمالئه من دورية الفضاء‪ ..‬وهذه املرة‪..‬‬
‫يناضلون أمام خطر داهم مل يروا مثله من‬
‫قبل‪ ..‬برغم مغامراهتم املثرية‪..‬‬
‫خطر يدفع كوكباً‪ ..‬إىل اجلنون!‬
‫ارتفعت سلسلة اجلبال الكئيبة الوعرة‪..‬‬
‫على طول حافة غابة األشجار الطحلبية‪..‬‬
‫اليت ترتفع إىل أعلى كاملردة‪ ..‬وتتكاثف‪ ..‬ثم‬
‫تأخذ طريقها املنحدر الطويل‪ ..‬إىل قلب‬
‫الوادي‪..‬‬
‫وه��ن��ا وه��ن��اك‪ ..‬ت��ب��دو مناطق مقطوعة‬
‫األشجار‪..‬‬
‫األرج��ح أنه بنى حوهلا معبد‪ ..‬منذ زمن‬
‫طويل‪ ..‬ثم هتدم ومل يبق منها غري أنقاض‪..‬‬
‫وي��ل��وح م��ن ال��ب��ع��د‪ ..‬أش��ك��ال متناثرة من‬
‫الصخور املتغضنة‪ ..‬احلزينة‪ ..‬اليت تآكلت‬
‫بفعل الرياح‪ ..‬ومن وقت آلخر‪ ..‬كانت هتب‬
‫نسمة هواء خفيفة‪ ..‬جتعل أوراق األشجار‬
‫تصدر حفيفاً يشبه العويل املكتوم‪ ..‬وتسقط‬
‫إىل أسفل تراباً مسحوقاً‪ ..‬كريه الرائحة‪..‬‬
‫كان (نبيل صربي) مضجراً من السلسلة‬
‫اجلبلية‪ ..‬والغابة املوحشة القامتة‪ ..‬كما‬
‫أصابه امللل من االنتظار‪..‬‬
‫فقد مرت ثالث ليال فوق (تيتان)‪ ..‬أحد‬
‫أق��م��ار كوكب (زح���ل)‪ ..‬قضاها م��ع زميليه‬
‫(ع��ادل أش��رف) وال��روب��وت (فهد)‪ ..‬منذ أن‬
‫أخفوا سفينتهم الفضائية (الشهاب) يف غابة‬
‫الطحالب‪ ..‬وانتظروا هنا رجالً‪ ..‬مل حيضر‬
‫حتى اآلن‪..‬‬
‫كانت تلك هي الليلة الرابعة من االنتظار‪..‬‬
‫حتت الروعة اهلائلة لسماء (تيتان)‪..‬‬
‫لكن حتى يف وجود (زحل)‪ ..‬أمجل كواكب‬
‫املنظومة الشمسية‪ ..‬الذي تطوقه احللقات‬
‫النارية‪ ..‬وتدور حوله جمموعات متألقة من‬

‫‪48‬‬

‫األقمار خمتلفة األشكال واألحجام‪ ..‬فشلت‬
‫كلها يف رفع الروح املعنوية لــ (نبيل)‪..‬‬
‫وحلد مّا‪ ..‬فإن الروعة اليت حتيط به من‬
‫أعلى‪ ..‬قد زادت من كآبة ما يف أسفل‪..‬‬
‫قال (عادل) حبدّة ونفاد صرب‪:‬‬
‫ ما مل يأت (أجمد) الليلة‪ ..‬فإنين سوف‬‫أذهب إىل هناك‪ ..‬وأحبث عنه!‬
‫ثم نظر بعيداً من خالل شق يف أشجار‬
‫الطحالب‪ ..‬إىل ال��وادي‪ ..‬حيث متتد مدينة‬
‫(قمر زح��ل)‪ ..‬هي مدينة تبدو غامضة يف‬
‫الليل‪ ..‬على البعد‪..‬‬
‫حت���دث (ن��ب��ي��ل) ب��ص��وت رن���ـّ���ان‪ ..‬واضح‬
‫ال���ن�ب�رات‪ ..‬أج����ش‪ ..‬م��ن خ�ل�ال ج��ه��از ليزر‬
‫لتضخيم الصوت‪:‬‬
‫ إن رسالة (أجمد) حذرتنا‪ ..‬من الذهاب‬‫إىل املدينة ألي سبب كان‪ ..‬وعليك بالصرب يا‬
‫(عادل)‪ ..‬فإن سوف حيضر!‬
‫أومأ (فهد) برأسه املعدني‪ ..‬فتألقت عيناه‬
‫الفريوزيتان‪ ..‬وقال بصوت آيل‪ ..‬رتيب‪:‬‬
‫ من الواضح أن أحداثاً خطرية طارئة‪..‬‬‫جترى يف مدينة (قمر زح��ل)‪ ..‬ورمب��ا نزيد‬
‫األمر سوءاً‪ ..‬لو أخذنا نتسكع هنا وهناك‪..‬‬
‫قبل أن نعرف حقيقة األمر‪.‬‬
‫وحترك بنفاد صرب يف الظالل‪ ..‬فأحدث‬
‫صوتاً معدنياً‪ ..‬كئيباً‪ ..‬ثم قطع صوته املدوي‪..‬‬
‫ذلك السكون الذي ران عليهم قائالً‪:‬‬
‫ ‪ ..‬إنين أوافق (ع��ادل)‪ ..‬فقد مللت من‬‫االنتظار أنا أيضاً!‬
‫قال (نبيل) وهو يتنهد‪:‬‬
‫إن��ن��ا مج��ي��ع�اً م��ت��ع��ب��ون‪ ..‬ول��ك��ن الب���د من‬
‫االنتظار‪ ..‬فمن رسالة (أجمد) أيقنت أنه ليس‬
‫جباناً‪ ..‬وال أمحق‪ ..‬إنه يدرك املوقف متاماً‪..‬‬
‫أما حنن فال نعلم شيئاً بعد‪ ..‬هلذا جيب أال‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫نعرضه للخطر‪ ..‬باجلزع ونفاد الصرب‪..‬‬
‫مهس (عادل)‪:‬‬
‫ أعرف ذلك‪..‬‬‫ثم اعتدل يف جلسته على قطعة من الصخر‬
‫كان جالساً عليها‪ ..‬واستطرد قائالً‪:‬‬
‫‪ ..‬كل ما أمتناه أن ينجح يف تدبري أمره‪..‬‬
‫فهذه األشجار اللعينة‪ ..‬حتطم أعصابي‪..‬‬
‫راقب (نبيل) ما جيرى بإمعان‪ ..‬وهو جاثم‬
‫بدون جهد فوق األشعة الكهرومغناطيسية‬
‫اخلفية‪ ..‬اليت متد أعضاءه بالطاقة‪ ..‬كان‬
‫يدرك الصورة اليت عرضها على اآلخرين‪..‬‬
‫بشكل خمتلف عنهما‪ ..‬إذ إن��ه ع��ب��ارة عن‬
‫ص��ن��دوق معدني ص��غ�ير‪ ..‬م��رب��ع الشكل‪..‬‬
‫له وج��ه غ��ري��ب‪ ..‬ذو عينني صناعيتني من‬
‫العدسات البيضاء‪ ..‬وفم رنان‪ ..‬وحيوم طائراً‬
‫يف اهلواء‪..‬‬
‫كان (نبيل) يعترب نفسه كياناً‪ ..‬بال بدن‪..‬‬
‫مل يكن يستطيع رؤية جسده الغريب‪ ..‬بل كان‬
‫يشعر بالنبض اإليقاعي الثابت‪ ..‬ملضخة الدم‬
‫الصناعي‪ ..‬اليت كانت تؤدى وظيفة قلبه‪..‬‬
‫وباإلحساسني‪ ..‬البصرى والسمعى‪ ..‬اللذين‬
‫حتققه له‪ ..‬األعضاء الصناعية‪..‬‬
‫كانت عيناه‪ ..‬قادرتني حتت كل الظروف‪..‬‬
‫أن ت��ري��ا أف��ض��ل م��ن العينني البشريتني‪..‬‬
‫ولكنه حتى مع توفر هذه القدرة له‪ ..‬مل يكن‬
‫يستطيع اخرتاق الظالل املتالطمة املتحركة‪..‬‬
‫هلذا الوادي الغامض‪ ..‬املمتد أمامه‪ ..‬والذي‬
‫ظل لغزاً‪ ..‬فى ضوء أقمار (زحل) املرتعشة‪..‬‬
‫والضباب‪ ..‬والظالم‪..‬‬
‫ك��ان��ت رس��ال��ة (أجم����د)‪ ..‬تستنجد طلباً‬
‫للمساعدة‪ ..‬ضد شر‪ ..‬ال يستطيع أن يواجهه‬
‫مبفرده‪..‬‬
‫كان (نبيل) حيس بشكل مرهف‪ ..‬باحلفيف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫امل��وح��ش‪ ..‬لألشجار الطحلبية‪ ..‬إذ ميكن‬
‫جلهازه السمعي الفائق‪ ..‬أن يلتقط‪ ..‬أي صوت‬
‫خافت‪ ..‬ال تستطيع األذن البشرية أن متيزه‪..‬‬
‫حبيث أصبح احلفيف‪ ..‬واخلشخشة‪ ..‬عبارة‬
‫عن منط متغري‪ ..‬متذبذب‪ ..‬من األصوات‪..‬‬
‫كما لو كانت سيمفونية‪ ..‬تعزفها أصابع‬
‫اليأس والال أمل‪..‬‬
‫ومل يكن (نبيل) يعرف األوهام‪ ..‬ومع ذلك‬
‫ففى هذه اللياىل من االنتظار الطويل‪ ..‬تكونت‬
‫لديه حاسة معينة من توقع الشر‪!..‬‬
‫ولعل ذل��ك يرجع هل��ذا اهلمس احلزين‪..‬‬
‫الصادر من غابة أشجار الطحالب‪..‬‬
‫تفاعل خمه النابض‪ ..‬مع التأثري املتكرر‬
‫للنمط ال��ص��وت��ى‪ ..‬وأص��ب��ح ي��أم��ل – متاماً‬
‫مثل (ع��ادل) و (فهد) – أن حيضر (أجمد)‬
‫قريباً‪..‬‬
‫مر الوقت‪ ..‬ومألت حلقات كوكب (زحل)‬
‫الفضاء‪ ..‬بلهب مساوى أخاذ‪..‬‬
‫واستمرت األقمار العديدة فى دوراهنا‪..‬‬
‫املهيب‪ ..‬األب���دى‪ ..‬وه��ى تستحم فى أشعة‬
‫(زحل) الوديعة‪..‬‬
‫ومل تكن األشجار الطحلبية‪ ..‬لتكف عن‬
‫عويلها املثري لألعصاب‪..‬‬
‫وب�ين ك��ل حلظة وأخ����رى‪ ..‬ك��ان (ع���ادل)‬
‫ينهض ليتحرك جيئة وذهاباً‪ ..‬عرب املنطقة‬
‫اخلالء‪..‬‬
‫راق��ب��ه (ف���ه���د)‪ ..‬وه���و ج��ال��س ال حيرك‬
‫ساكناً‪ ..‬وجسده املعدنى النحيل‪ ..‬منحن مثل‬
‫قوس من الصلب‪ ..‬عمالقاً ساكناً أسود‪..‬‬
‫جامثاً فى الظالم‪..‬‬
‫وفجأة‪ ..‬صدر صوت خيتلف عن مجيع‬
‫األصوات األخرى‪..‬‬
‫ً‬
‫مسع (نبيل) الصوت أوال‪ ..‬وأنصت‬

‫‪49‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫إليه جيداً‪ ..‬وبعد حلظات قال‪:‬‬
‫ ه��ن��اك رج�ل�ان ي��ص��ع��دان امل��ن��ح��در من‬‫الوادى قادمان جتاهنا!‬
‫قفز (فهد) من مكانه واقفاً‪..‬‬
‫وق���ال (ع���ادل) ب��س��رع��ة‪ ..‬وب��ن�برة سريعة‬
‫حادة‪:‬‬
‫األفضل أن حنتمى جيداً‪ ..‬حتى نطمئن‬
‫متاماً‪..‬‬
‫وسرعان ما اختفى الثالثة‪ ..‬فى جوف‬
‫الظالم‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أخذ (نبيل) يطري قريبا جدا من الشخصني‬
‫الغريبني‪ ..‬دون يشاهداه لدرجة أنه كان ميكنه‬
‫أن يطلق أحد أشعة قوته‪ ..‬حبيث تلمسهما‪..‬‬
‫دخال فى املنطقة اخلالء‪ ..‬ومها يلتقطان‬
‫أنفاساً عميقة‪ ..‬من جرّاء صعودمها الطويل‪..‬‬
‫وأخذا ينظران حوهلما باهتمام‪..‬‬
‫كان أحدمها رجالً طويل القامة‪ ..‬حنيالً‪..‬‬
‫أما الثانى فكان أقصر وأعرض منه‪ ..‬ويتحرك‬
‫مبرح وسرور‪..‬‬
‫بدا أهنما رجالن من كوكب األرض‪ ..‬وبصمة‬
‫احل���دود ال ختطيها العني عليهما‪ ..‬وكذا‬
‫صالبة وقوة جسديهما‪ ..‬وكانا مسلحني!‬
‫قال الرجل الطويل فى يأس‪:‬‬
‫ يبدو أهن��م خذلونا‪ !..‬فلم حيضروا يا‬‫(تامر)!‬
‫رد الرجل القصري بصوت مفعم بالقلق‪:‬‬
‫أعتقد أن رسالتك مل تصل إليهم‪ ..‬وال‬
‫أدرى يا (أجمد) ما الذى سوف نفعله اآلن!‬
‫هل جيب علينا العودة من حيث أتينا؟‬
‫تكلم (عادل) من جوف الظالم‪:‬‬
‫ً‬
‫توقفا حلظة! إن األم��ر ليس سيئا كما‬
‫تعتقدان!‬
‫خ���رج (ع����ادل) م��ن خمبئه إىل الفضاء‬

‫‪50‬‬

‫الواسع‪ ..‬وبدا وجهه الوسيم‪ ..‬وشعره األسود‬
‫القصري‪ ..‬فى ضوء أقمار (زحل)‪.‬‬
‫قال (تامر)‪:‬‬
‫إنه (عادل أشرف) كابنت الفضاء‪.‬‬
‫وكان صوته خيتلج معرباً عن االرتياح‪..‬‬
‫ابتسم (أجمد) وهو يقول‪:‬‬
‫ ال ري��ب أن��ك اعتقدت أننى ق��د لقيت‬‫حتفى وأن شخصاً م��ا س��وف حيضر فى‬
‫املوعد‪ ..‬ظنك هذا ليس مبالغاً فيه‪ ..‬لقد‬
‫كنت مراقباً عن كثب‪ ..‬لدرجة أننى مل أجرؤ‬
‫على اجمل��ئ‪ ..‬حتى متكنت من تدبري أمرى‬
‫بصعوبة هذه الليلة‪.‬‬
‫توقف عن حديثه‪ ..‬وهو حيملق‪ ..‬بينما‬
‫كان (فهد) يقبل خبطى واسعة‪ .‬ويهز األرض‬
‫هزاً‪ ..‬حتت قدميه املعدنيتني‪..‬‬
‫ثم حلق به (نبيل)‪ ..‬وهو ميرق فى صمت‪..‬‬
‫على ارتفاع قليل‪ ..‬من بني الظالل‪..‬‬
‫ض��ح��ك (أجم����د) وه���و م��ض��ط��رب قليالً‬
‫وقال‪:‬‬
‫ ليتكم تعرفون كم أن��ا سعيد برؤيتكم‬‫مجيعاً‪..‬‬
‫وقال الرجل القصري الضخم‪:‬‬
‫ وأنا أيضاً! إن امسى (تامر)‪..‬‬‫نظر (أجمد) إىل (عادل) قائالً‪:‬‬
‫ لسنوات طويلة يا أصدقائى‪ ..‬مكثت‬‫فى مدينة (قمر زحل)‪ ..‬وتركت الناس آمنني‬
‫هناك‪ ..‬لقد حاولت أن أعطيهم الشجاعة‬
‫التى يريدوهنا‪ ..‬لكننى لست إال رجل واحد‪..‬‬
‫وهذا أساس ضعيف‪ ..‬ال ميكن أن يُعلـّق عليه‬
‫مصري مدينة بأسرها‪..‬‬
‫حنى (ع���ادل) رأس��ه فى ب��طء‪ ..‬ووقار‪..‬‬
‫وملعت عيناه الذكيتان‪ ..‬وقال مؤكداً‪:‬‬
‫ سوف نفعل كل ما نستطيعه‪.‬‬‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫ثم استدار إىل زميليه وقال‪:‬‬
‫ (نبيل)‪( ..‬فهد) استمرا فى املراقبة‪..‬‬‫لعل شيئاً ما حيدث!‬
‫كانت نسمة اهلواء قد اشتدت وقتئذ إىل‬
‫ريح‪ ..‬أحضرت معها العويل العميق لألشجار‬
‫الطحلبية‪..‬‬
‫ج��ل��س (أجم����د) ع��ل��ى قطعة م��ل��س��اء من‬
‫الصخر‪ ..‬وبدأ يتحدث‪ ..‬بينما كان (نبيل)‬
‫حيوم حوله مستمعاً‪ ..‬ومالحظاً لالنفعاالت‬
‫فوق وجهه‪ ..‬وبدت مالحمه مرحية‪ ..‬وكالمه‬
‫صادقاً‪..‬‬
‫وأعتقد (نبيل) أنه رجل عصيف وقوى‪..‬‬
‫ولكنه اآلن منهك‪ ..‬نتيجة اجملهود‪ ..‬واخلوف‬
‫طويل األمد‪..‬‬
‫قال (أجمد) بتؤدة‪:‬‬
‫ كنت أول رجل من كوكب األرض‪ ..‬يصل‬‫إىل ه��ذا ال���وادى منذ س��ن��وات‪ ..‬وبعد ذلك‬
‫أحببت أهل مدينة (قمر زح��ل) وأحبونى‪..‬‬
‫وعندما ب��دأ العاملون ف��ى املناجم يصلون‬
‫إىل (تيتان)‪ ..‬عملت على ع��دم ح��دوث أى‬
‫متاعب بينهم وبني الوطنيني‪ ..‬ثم تزوجت‬
‫فتاة من املدينة‪ ..‬ابنة أحد زعمائهم‪ ..‬ولكنها‬
‫ماتت منذ فرتة‪ ..‬ولدىّ ابن منها‪ ..‬وأنا أحد‬
‫مستشارى الوطنيني‪ ..‬الشخص الوحيد ذو‬
‫الدم األجنبى الذى مسح له‪ ..‬باإلقامة فى‬
‫املدينة الداخلية‪..‬‬
‫تريث لربهة ليمسح بعض قطرات العرق‬
‫التى تكاثرت على جبهته ثم استطرد قائالً‪:‬‬
‫ ‪ ...‬وكما ترون فقد أصبح ىل وزن كبري‬‫نسبياً‪ ..‬وق��د استخدمت ذل��ك ف��ى حفظ‬
‫السالم هنا بني الوطنيني‪ ..‬وأهل األرض‪.‬‬
‫هز رأسه ثم واصل حديثه‪:‬‬
‫ دائ��م �اً ك��ان ف��ى مدينة (قمر زحل)‪..‬‬‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أشخاص يكرهون رؤية أهل كوكب األرض‪..‬‬
‫وحضارهتم‪ ..‬التى تأتى وتقلص من نفوذهم‪..‬‬
‫وق��د حاولوا منذ وق��ت طويل أن يطردوهم‬
‫بالقوة!‪ .‬وك��ان من املمكن أن يشعلوا فتيل‬
‫الصراع الدامى فى املدينة‪ ..‬لو جترءوا على‬
‫حتدى التقاليد واستخدموا السالح الوحيد‬
‫املتاح هلم‪ .‬واآلن هم أكثر ق��وة‪ ..‬وخيططون‬
‫الستخدام هذا السالح الرهيب بالفعل‪.‬‬
‫نظر إليه (عادل) باهتمام واضح‪ ..‬وتساءل‬
‫قائالً‪:‬‬
‫ ما هو هذا السالح؟‬‫رد عليه (أجمد) فى مهس‪:‬‬
‫القيثارات!!‬
‫صدمت املفاجأة (نبيل) وشاهد دهشة‬
‫خرافية على وجه (عادل)‪:‬‬
‫إنك ال تعنى بالطبع‪ ..‬أن الذين يكرهون‬
‫أه��ل كوكب األرض‪ ..‬خيططون الستخدام‬
‫قيثارات املوت‪ ..‬كسالح؟!‬
‫أومأ (أجمد) برأسه فى حزن وقال‪:‬‬
‫ هذا هو ما يسعون إليه بالضبط!‬‫ب��رق��ت ف��ى ذه��ن (نبيل) ذك��ري��ات األيام‬
‫اخلواىل‪ ..‬على القمر (تيتان)‪..‬‬
‫األشكال الغريبة للحياة‪ ..‬التى كانت سائدة‬
‫ف��ى ال��غ��اب��ات ال��ش��اس��ع��ة‪ ..‬واجل��م��ال األخاذ‬
‫الذى ال ينسى‪ ..‬والذى كان مقرتناً باخلطر‬
‫املميت!‬
‫قال (نبيل) بعد حلظات‪:‬‬
‫ لكن ه��ذا السالح س��وف يدمر أولئك‬‫الذين يستخدمونه‪ ..‬ما مل حيموا أنفسهم‬
‫منه‪.‬‬
‫أجابه (تامر)‪:‬‬
‫ منذ زم��ن م��ض��ى‪ ..‬ك��ان لرجال‬‫مدينة (قمر زحل)‪ ..‬مثل هذه احلماية‪..‬‬

‫‪51‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫ومن ثم استخدموا قيثارات املوت‪ ..‬لكن هذا‬
‫االستخدام كان مشئوماً وسبب الكوارث‪..‬‬
‫لدرجة أنه حرّم استخدامها متاماً‪.‬‬
‫تريث قليالً ثم أضاف‪:‬‬
‫ ‪ ..‬واآلن هؤالء األشخاص يريدون طرد‬‫أهل كوكب األرض بالقوة‪ ..‬ولذلك خيططون‬
‫إللغاء ه��ذا احل��ظ��ر‪ ..‬إهن��م ي��ري��دون إحضار‬
‫قيثارات املوت‪ ..‬واستخدامها!‬
‫أومأ (تامر) برأسه مؤمناً وقال‪:‬‬
‫ كانت األمور تسري على ما يرام‪ ..‬حتى‬‫مات امللك السابق‪ ..‬لقد كان عظيماً حبق‪..‬‬
‫أما ابنه امللك احلاىل‪ ..‬فضعيف الشخصية‪..‬‬
‫ف��أث �ـّ��ر ع��ل��ي��ه امل��ت��ع��ص��ب��ون ض���د احلضارة‬
‫األرضية‪.‬‬
‫رأى (عادل) الثقة الفائقة فى عينى (تامر)‬
‫وهو ينظر إىل صديقه‪ ..‬ثم قال‪:‬‬
‫ ‪ ..‬وبالطبع فقد حاولوا قتل (أجمد)‪..‬‬‫وإذا خت��ل��ص��وا م��ن��ه‪ ..‬ل��ن ي��ق��ف أى زعيم‬
‫أمامهم‪..‬‬
‫ارت��ف��ع ص��وت (أجم���د) حبيث غطى على‬
‫هدير ونغمات األش��ج��ار الطحلبية‪ ..‬وهو‬
‫يقول‪:‬‬
‫ لقد وجهت الدعوة إىل اجتماع عام بعد‬‫يومني‪ ..‬وذلك هو وقت اختاذ القرار‪ ..‬من‬
‫الذى سوف حيكم مدينة (قمر زحل)؟‪ ..‬وأنا‬
‫أعرف جيداً أن هناك فخاً منصوباً ىل‪ ..‬وهنا‬
‫موطن احتياجى الشديد إىل مساعدتكم‪..‬‬
‫لكن جيب أال يراكم أح��د فى املدينة‪ .‬فأى‬
‫غرباء اآلن يثريون الشك‪ ..‬وأنتم معروفون‬
‫جيداً‪ ،‬و‪...‬‬
‫ورمق (نبيل)‪ ..‬الصندوق املعدنى املربع‪..‬‬
‫الطائر‪ ..‬ثم أضاف معتذراً‪:‬‬
‫‪ .. -‬ومميزون متاماً!‬

‫‪52‬‬

‫تريث ل��ف�ترة‪ ..‬خالهلا ك��ان ص��وت هدير‬
‫وقرقعة األشجار الطحلبية‪ ..‬يشبه الرفرفة‬
‫ال��ع��ن��ي��ف��ة‪ ..‬ل�لأش��رع��ة الضخمة ف��ى مهب‬
‫ال��ري��اح‪ ..‬ومل يسمع (نبيل) برغم حاسته‬
‫السمعية املرهفة‪ ..‬ذلك الصوت اخلافت‪..‬‬
‫حتى أصبح الوقت متأخراً‪ ..‬ثم متأخراً جداً‬
‫بثانية واحدة!‬
‫وثب رجل فى املنطقة اخلالية‪..‬‬
‫وك��ان لــ (نبيل) حملة سريعة من أطرافه‬
‫املعدنية‪ ..‬لوجه السفاح‪..‬‬
‫وارت��ف��ع س�ل�اح غ��ري��ب‪ ..‬يشبه اخلنجر‬
‫الصغري الالمع‪ ..‬انطلق كالسهم!‬
‫وفى نفس اللحظة استدار (عادل) وسحب‬
‫سالحه الليزرى‪ ..‬وأطلق دفقات سريعة من‬
‫األشعة املدمرة‪..‬‬
‫ً‬
‫سقط السفاح مضرجا بدمائه‪..‬‬
‫ومسعوا صيحة (فهد) الرهيبة‪..‬‬
‫م��رت حل��ظ��ات غ�ير م��ع��روف زم��ن��ه��ا‪ ..‬مل‬
‫يتحرك خالهلا أحد‪..‬‬
‫ثم رجع (فهد) إىل املنطقة اخلالء وقال‪:‬‬
‫ أعتقد أنه كان هناك اثنان منهم فقط‪..‬‬‫لقد قضيت على الثانى!‬
‫وضح (تامر) ما حدث قائالً‪:‬‬
‫ لقد تبعانا!‪ ..‬حتى هنا‪ ..‬إىل‪..‬‬‫كان يستدير وهو يتكلم‪..‬‬
‫وفجأة توقف عن احلديث‪ ..‬ثم صرخ باسم‬
‫(أجمد)‪..‬‬
‫رقد (أجمد) ووجهه إىل أسفل‪ ..‬فى الرتاب‬
‫الناعم‪ ..‬وبرز من صدغه‪ ..‬نصل صغري أكرب‬
‫قليالً من اإلبرة‪ ..‬وخرجت نقطة دم سوداء‪..‬‬
‫عند النقطة التى اخرتق اللحم عندها‪..‬‬
‫حام (نبيل) منخفضاً‪ ..‬فوق الرجل املصاب‬
‫وملست أشعته احلساسة حلقه وص���دره‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫ورفعت اجلفنني الرخويني‪ ..‬ثم أعلن بدون‬
‫أمل‪:‬‬
‫ إن��ه م���ازال يعيش! ولكن ال أدرى إىل‬‫متى؟!‬
‫مح��ل (ف��ه��د) جسد (أجم���د) واخ�ت�رق به‬
‫الغابة‪..‬‬
‫وبرغم ط��ول قامة امل��ص��اب‪ ..‬إال أن��ه بدا‬
‫كطفل بني يدى الروبوت العمالق‪..‬‬
‫زجم����رت ال����ري����اح‪ ..‬واه���ت���زت األشجار‬
‫الطحلبية‪ ..‬وقرقعت‪ ..‬وبدأ الظالم يسدل‬
‫ستائره‪..‬‬
‫قال (تامر) بلهفة‪:‬‬
‫ أرجو أن تسرع‪ ..‬فرمبا مازالت هناك‬‫فرصة!‬
‫وبدا وجهه شاحباً‪ ..‬وحمدقاً فى ال شئ‬
‫من أثر الصدمة‪..‬‬
‫وأخذ (نبيل) حيس بالعواطف‪..‬‬
‫ولكن أقوى وأوض��ح من ذى قبل‪ ..‬خالية‬
‫مت��ام �اً م��ن ال��ت��ش��وي��ش الكيميائى خلاليا‬
‫اجلسم‪!..‬‬
‫واآلن‪ ..‬شعر بالرثاء على (تامر)‪..‬‬
‫قال (عادل) له‪:‬‬
‫ إن سفينتنا الفضائية (الشهاب)‪..‬‬‫مازالت أمامنا‪..‬‬
‫اقرتبوا من السفينة‪ ..‬كانت عبارة عن كومة‬
‫من املعدن‪ ..‬بني أشجار عمالقة‪..‬‬
‫وبسرعة أدخ��ل��وا (أجم���د) فيها‪ ..‬مدّده‬
‫(فهد) بعناية فوق منضدة باملخترب الصغري‪..‬‬
‫كان ما يزال يتنفس‪..‬‬
‫ولكن (ع���ادل) ك��ان ي��ع��رف‪ ..‬أن ذل��ك لن‬
‫يستمر طويالً!‬
‫ب���دا خم��ت�بر سفينة ال��ف��ض��اء (الشهاب)‬
‫مزدمحاً‪ ..‬بأجهزة الليزر الطبية املماثلة لتلك‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫املوجودة مبعظم املستشفيات احلديثة فوق‬
‫كوكب األرض‪ ..‬ومعظمها صمم ألغراض‬
‫طبية خاصة‪ ..‬وقد استعملت مرات عديدة‬
‫من قبل إلنقاذ حياة بعض األشخاص‪.‬‬
‫واآلن‪ ..‬انشغل (ع����ادل) و(ف���ه���د)‪ ..‬فى‬
‫حماولة إنقاذ حياة (أجمد)‪ ..‬بكل ما ميكنهما‬
‫من قدرة‪..‬‬
‫ضغط (عادل) على بعض األزرار‪ ..‬لوحة‬
‫مفاتيح الكمبيوتر ال��ط��ب��ى‪ ..‬وف��ى غضون‬
‫بضعة ثوان‪ ..‬كانت األنابيب الدقيقة‪ ..‬مثبتة‬
‫داخ��ل شرايني املصاب‪ ..‬وأخ��ذت املضخات‬
‫اإللكرتونية تعمل‪ ..‬حبيث حتافظ على معدل‬
‫السريان الطبيعى للدم‪ ..‬كما تغذى القلب‬
‫مباشرة‪ ..‬مبحلول منبه ومنشط‪ ..‬وكانت‬
‫وحدة األكسوجني تعمل بكفاءة عالية‪..‬‬
‫أومأ (عادل) برأسه وقال‪:‬‬
‫ النبض والتنفس ضعيفان‪ ..‬دعنا ننظر‬‫إىل داخل املخ‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ثم لف منظارا دقيقا للفحص الطبى داخل‬
‫اجلسم‪ ..‬إىل وضع معني‪ ..‬وشغـّله‪..‬‬
‫نظر (نبيل) إىل شاشة الكمبيوتر الطبى‪..‬‬
‫وهو حيلق جبوار كتف (عادل) وقال‪:‬‬
‫ الفص اجلبهى مم��زق وتالف متاماً‪..‬‬‫انظر إىل ه��ذه ال��زوائ��د الدقيقة على هذا‬
‫اخلنجر‪ ..‬لقد أدت بالفعل إىل تدهور حالة‬
‫خاليا املخ!‬
‫حتدث (تامر) من مدخل املخترب قائالً‪:‬‬
‫ أال تستطيعان عمل شئ ما؟ أال ميكنكما‬‫إنقاذه؟‬
‫ث��م ح��دق ف��ى وج��ه (ع����ادل) للحظات‪..‬‬
‫وسقطت رأس��ه إىل األم���ام‪ ..‬وق��ال بصوت‬
‫مفعم باألسى‪:‬‬
‫‪ -‬بالطبع ال! لقد عرفت ذلك مبجرد‬

‫‪53‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫أن أصيب!‬
‫فجأة فارقته قوته‪ ،‬وارتكز على الباب‪..‬‬
‫كان جمهداً‪ ..‬ومرهقاً‪ ..‬وحزيناً مبا يفوق‬
‫التصّور‪..‬‬
‫قال بصوت حزين‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ من املؤسف متاما أن تفقد صديقا!‪..‬‬‫اآلن ض��اع أي��ض�اً ك��ل ش��ئ ح���ارب م��ن أجله‬
‫(أجم����د)‪ ..‬وس���وف يطلق أع��داؤن��ا سالحاً‬
‫رهيباً من عقاله‪ ..‬لن يدمر فقط أهل كوكب‬
‫األرض‪ ..‬ولكن كل من فوق القمر (تيتان)!‬
‫نظر (ع��ادل) إىل (تامر) ملدة طويلة‪ ..‬ثم‬
‫اجته إىل شاشة الكمبيوتر الطبى‪ ..‬ثم نظر‬
‫جانبياً إىل (نبيل) و(فهد)‪ ..‬وأومأ برأسه‪..‬‬
‫وأغلق اجلهاز‪ ..‬وبدأ خيرج األنابيب الدقيقة‪..‬‬
‫من جسد (أجمد)‪..‬‬
‫قال (نبيل) بسرعة‪:‬‬
‫ انتظر ي��ا (ع����ادل)‪ ..‬اتركها كما هى‬‫عليه!‬
‫استقام جسم (ع��ادل) وفى عينيه نظرة‬
‫حائرة‪..‬‬
‫وان��س��ل (ن��ب��ي��ل) إىل حيث يقف (تامر)‬
‫الشاحب ال��وج��ه‪ ..‬أكثر من الرجل امليت‪..‬‬
‫الذى يرقد على منضدة املخترب‪!..‬‬
‫نادى (نبيل) امسه ثالث م��رات‪ ..‬قبل أن‬
‫ينتبه وجييبه فى مهس‪:‬‬
‫ ماذا تريد؟‬‫ ما هو مقدار شجاعتك يا (تامر)؟‬‫تنهد (تامر) وقال‪:‬‬
‫ توجد أوق��ات ال جتدى الشجاعة فيها‬‫شيئاً!‬
‫رد (نبيل) متهيباً‪:‬‬
‫أصغ إىلّ! هل لديك الشجاعة لتسري جبوار‬
‫(أجم��د) إىل داخل مدينة (قمر زحل) وأنت‬

‫‪54‬‬

‫تعلم أنه ميت؟!‬
‫اتسعت عينا الرجل القصري البدين‪ ..‬فى‬
‫ذهول‪..‬‬
‫واقرتب (عادل) من (نبيل) وقال له حبدة‪:‬‬
‫ ما الذى تفكر فيه بالضبط؟‬‫تريث (نبيل) قليالً ثم قال‪:‬‬
‫ إننى أفكر فى رجل شجاع مات فى أثناء‬‫سعيه لطلب مساعدتنا‪ ..‬وأفكر فى كثري من‬
‫الرجال والنساء األبرياء الذين سيموتون دون‬
‫ذنب‪..‬‬
‫ح��دق (ت��ام��ر) ط��وي�لاً ف��ى اجلثة املمددة‬
‫على املنضدة‪ ..‬اجلسد الذى يتنفس وينبض‬
‫مب��ا يشبه احل��ي��اة املستعارة‪ ..‬اآلل��ي��ة‪ ..‬من‬
‫مضخات‪ ..‬ومعدات طبية‪..‬‬
‫ً‬
‫ثم حتركت يداه العريضتان‪ ..‬تعبريا عن‬
‫اليأس املطلق‪..‬‬
‫استطرد (نبيل) قائالً‪:‬‬
‫ جي��ب أال ي��ع��رف أح��د أن (أجم���د) قد‬‫مات!‬
‫اندفع (عادل) صائحاً‪:‬‬
‫ ال يا (نبيل)‪ ..‬ال ميكن أن تفعل ذلك!‬‫قال (نبيل) بثقة‪:‬‬
‫ ومل ال يا (عادل)؟ إنك قادر متاماً على‬‫إجراء العملية اجلراحية‪..‬‬
‫رد (عادل) مؤكداً‪:‬‬
‫ لقد قتلوا (أجمد) مرة‪ ..‬وهم مستعدون‬‫لفعل ذلك مرة أخرى‪( ..‬نبيل) ال ميكنك أن‬
‫تعرض نفسك للخطر! وحتى لو أمكننى أن‬
‫أجرى العملية اجلراحية‪ ..‬فإننى أرفض!‬
‫ثم ظهر توسل غريب فى نظرات (عادل)‬
‫وهو يستطرد‪:‬‬
‫ إن هذا عملى يا (نبيل) وواجبى‪ ..‬أرجوك‬‫دعنى أقم به‪ ..‬تساءل (نبيل) فى قلق‪:‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫ وكيف سوف تقوم به؟ بالقوة؟ إنك لست‬‫قادراً على كل شئ‪ ..‬ستذهب إىل املوت املؤكد‬
‫بقدميك‪..‬‬
‫توقف (نبيل)‪ ..‬وبدا له فجأة أنه قد أصيب‬
‫باجلنون! أج��ل‪ ..‬البد أنه جن‪ ..‬لكى خيطر‬
‫على باله هذا الذى يوشك على فعله‪..‬‬
‫ومع ذلك‪ ..‬فهذه هى الطريقة الوحيدة‪..‬‬
‫الفرصة املمكنة الفريدة للحيلولة دون وقوع‬
‫كارثة‪ ..‬يستحيل عالجها!‬
‫كان (نبيل) يعرف ما ميكن لقيثارات املوت‬
‫أن تفعله‪ ..‬لو وضعت فى أي��د غري أمينة‪..‬‬
‫وما الذى سوف حيدث ألهل كوكب األرض‬
‫فى مدينة (قمر زحل)‪ ..‬ويدرك أيضاً مدى‬
‫األض���رار ال��ت��ى س��وف تلحق بالكثريين من‬
‫البشر األبرياء‪..‬‬
‫قال (تامر) ببطء شديد‪:‬‬
‫ إننى ال أفهم شيئاً!‬‫شرح (نبيل) األمر‪ ..‬قائالً‪:‬‬
‫ إن جسد (أجمد) كامل‪ ..‬والذى تلف فيه‬‫فقط عقله‪ ..‬ف��إذا زودن��ا هذا اجلسد بعقل‬
‫آخر‪ ..‬مثل عقلى أنا‪ ..‬فإن األمر سيبدو كما‬
‫لو أن (أجمد) ما يزال حياً‪ ..‬لكى ينهى مهمته‬
‫فى مدينة (قمر زحل)!‬
‫ً‬
‫وق��ف (ت��ام��ر) ل��ف�ترة طويلة ع��اج��زا عن‬
‫النطق‪ ..‬ومهس أخرياً‪:‬‬
‫ هل هذا ممكن؟!‬‫تريث (عادل) قليالً ثم قال بتؤدة‪:‬‬
‫ لقد جنحت مؤخراً عمليات زراعة املخ‪..‬‬‫مثل أى عضو آخ��ر ف��ى اجل��س��م‪ !..‬إن هذا‬
‫ممكن بالطبع‪ ..‬ولكنه غري مأمون!‬
‫زمّ (تامر) قبضتى يديه‪ ..‬وملع ضوء ما –‬
‫لعله األمل – فى عينيه‪..‬‬
‫قال (نبيل) وهو يطري قريباً من (تامر)‪:‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ حنن األرب��ع��ة فقط نعرف أن (أجمد)‬‫قد مات‪ ..‬ولن تكون هناك أى مشكلة‪ ..‬وأنا‬
‫أعرف لغة أهل (تيتان)‪ ..‬وكذلك معظم لغات‬
‫كواكب املنظومة الشمسية‪ ..‬لكننى سوف‬
‫أحتاج ملساعدة دليل‪ ..‬يعرف كل شئ عن‬
‫حياة (أجم���د)‪ ..‬حبيث ميكننى أن أعيشها‬
‫ل��ف�ترة زم��ن��ي��ة ق��ص�يرة‪ ..‬حسبما تستدعى‬
‫الظروف‪ ..‬وهذا هو دورك يا (تامر)‪ ..‬وأنا‬
‫أنبهك أن ذلك لن يكون سهالً!‬
‫تكلم (ت��ام��ر) بصوت منخفض‪ ..‬ولكنه‬
‫متماسك‪:‬‬
‫ إذا كنت تستطيع أن تقوم بدورك هذا‪..‬‬‫فبوسعى أن أقوم بدورى‪.‬‬
‫قال (عادل) غاضباً‪:‬‬
‫ إننى لن أشرتك قط فيما تفكران فيه‪.‬‬‫رد (نبيل) مهدئاً املوقف‪:‬‬
‫ صدقنى ي��ا (ع����ادل)‪ ..‬ه��ذا ه��و احلل‬‫الوحيد!‬
‫ثم حام بالقرب من الروبوت (فهد) وقال‬
‫له‪:‬‬
‫ خذ (تامر) إىل املقصورة الرئيسية‪..‬‬‫وتأكد من أنه سوف ينام‪ ..‬ألنه سيحتاج لكل‬
‫قوته ونشاطه‪..‬‬
‫ع��اد (فهد) بعد ف�ترة‪ ..‬دخ��ل وأغلق باب‬
‫املخترب‪ ..‬وعيناه تتألقان بنوع غريب من‬
‫املتعة‪..‬‬
‫ووقف (عادل) حيثما كان‪ ..‬وجسمه جامد‬
‫ال يتحرك!‬
‫ان��س��اب (نبيل) إىل اخل��زان��ات البيضاء‬
‫امل�لاص��ق��ة ل��ل��ج��دار األمي����ن ف���ى املخترب‪..‬‬
‫وباستخدام األشعة الكهرومغناطيسية‪ ..‬ذات‬
‫التطويع ال��رائ��ع‪ ..‬ومبهارة أكثر منها‬
‫لإلنسان‪ ..‬الذى يستخدم يديه‪ ..‬أخذ‬

‫‪55‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫منها املبضع الليزرى‪ ..‬ال��ذى س��وف جيرى‬
‫العملية اجلراحية‪..‬‬
‫كان املصباح العلوى ال��ذى يرسل األشعة‬
‫فوق البنفجسية‪ ..‬ينبض‪ ..‬ويعقم كل ما فى‬
‫املخترب‪..‬‬
‫وق��ام (نبيل)‪ ..‬ال��ذى كانت رؤيته أقوى‪..‬‬
‫وملسته أوق��ع م��ن أمهر ج���راح‪ ..‬باستخدام‬
‫املبضع الليزرى‪ ..‬إلح��داث قطع مبدئى فى‬
‫مججمة (أجمد)‪..‬‬
‫مل يتحرك (ع����ادل) ب��ع��د‪ ..‬وظ��ل وجهه‬
‫جامداً‪ ..‬وعنيداً كما كان‪ ..‬ولكن بدا الشحوب‬
‫فى وجهه‪ ..‬وشئ من سيماء اليأس‪..‬‬
‫قال (نبيل) فى رجاء‪:‬‬
‫ (عادل)!‬‫وع��ن��دئ��ذ حت��رك (ع�����ادل)‪ ..‬واق�ت�رب من‬
‫امل��ن��ض��دة امل��ع��دن��ي��ة‪ ..‬ووض���ع ي��دي��ه عليها‪..‬‬
‫جب��وار رأس الرجل امليت‪ ..‬والح��ظ (نبيل)‬
‫ارتعادمها‪..‬‬
‫قال (عادل) فجأة‪:‬‬
‫ ال أستطيع يا (نبيل)! فألول مرة أشعر‬‫باخلوف!‬
‫اقرتب منه (نبيل) وقال‪:‬‬
‫ كابنت الفضاء خائف!! إننى ال أصدق‪..‬‬‫وعموماً فأنا أعلم أنك لن ترتكنى أموت!‬
‫أمسك (ع��ادل) مببضع الليزر‪ ..‬ببطء‪..‬‬
‫وكأنه رجل حيلم‪..‬‬
‫خفـّت نظرة (فهد) احملدقة‪ ..‬وأوم��أ إىل‬
‫(نبيل) من وراء ظهر (عادل)‪ ..‬وابتسم وجهه‬
‫املعدنى‪..‬‬
‫ك���ان���ت اب��ت��س��ام��ة م��ل��ي��ئ��ة ب���اإلع���ج���اب‪..‬‬
‫بكليهما‪..‬‬
‫وانشغل (نبيل) بعدة أشياء أخ��رى‪ ..‬ثم‬
‫قال‪:‬‬

‫‪56‬‬

‫ (عادل)! عليك باالهتمام بشكل خاص‪..‬‬‫باحلبل الشوكى‪ ..‬والضفائر العصبية‪..‬‬
‫قاطعه (عادل) وهو ما يزال غاضباً‪:‬‬
‫ إننى أعرف كل هذا جيداً‪..‬‬‫استمر (نبيل) فى حديثه‪:‬‬
‫الضفرية العنقية‪ ..‬والعضدية‪ ..‬والقطنية‪..‬‬
‫والعجزية‪..‬‬
‫كانت األم��ب��والت واحل��ق��ن موضوعة فى‬
‫صف دقيق‪..‬‬
‫وأردف (نبيل) بتؤدة‪:‬‬
‫ هاهو امل��خ��در ال��ذى س��وف يدخل فى‬‫غشاءى األم اجلافية واألم احلنون‪.‬‬
‫أوم��أ (ع��ادل) برأسه موافقاً وكانت يداه‬
‫قد كفتا عن االرت��ع��اد‪ ..‬وأصبح اآلن يعمل‬
‫مبهارة‪ ..‬وثقة‪ ..‬وسرعة‪ ..‬وحت��ول فمه إىل‬
‫خط رفيع‪ ..‬متجهم‪..‬‬
‫حدّث (نبيل) نفسه‪:‬‬
‫ س���وف ي��ن��ج��ح‪ ..‬إن���ه دائ��م �اً ينجح فى‬‫عمله‪..‬‬
‫ثم جاءت حلظة انتظار‪ ..‬وترقب‪..‬‬
‫وس��ق��ط��ت ن��ظ��رات (ن��ب��ي��ل) ع��ل��ى جسد‬
‫(أجمد)‪..‬‬
‫وفجأة متلكه اخلوف والرعب‪ ..‬مما كان‬
‫مقدماً عليه‪..‬‬
‫كان راضياً عن نفسه كما هى‪..‬‬
‫ومنذ سنوات مضت‪ ..‬كان عليه أن خيتار‬
‫بني اهل�لاك‪ ..‬أو الوجود بالشكل احلاىل‪..‬‬
‫ومل ينقذه فى ذلك الوقت‪ ..‬سوى عبقرية‬
‫وال��د (ع���ادل) ال��ذى أع��ط��اه حياة جديدة‪..‬‬
‫وقد تأقلم (نبيل) وتعايش مع هذه احلياة‪..‬‬
‫برغم غرابتها‪ ..‬بل واستخدمها‪ ..‬وانتفع هبا‪..‬‬
‫فلقد اكتشف مزايا شكله اجلديد‪ ..‬املهارات‬
‫الفائقة‪ ..‬والقدرة على التفكري الصافى بذهن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫ال يتأثر بنبضات اجلسد غري املفيدة‪ ..‬والتى‬
‫ال ميكن السيطرة عليها‪ ..‬وتعلم كيف يكون‬
‫ممتناً وشاكراً هلا‪..‬‬
‫واآلن‪ ..‬وب��ع��د ك��ل ه��ذه ال��س��ن��وات حدّث‬
‫نفسه‪:‬‬
‫إننى أيضاً خائف‪ ..‬ليس من املوت‪ ..‬وإمنا‬
‫من احلياة!‪..‬‬
‫لكن كان حتت هذا اخلوف‪ ..‬رغبة شديدة‬
‫ال تقاوم‪ ..‬فى أن يكون إنساناً مرة أخرى‪..‬‬
‫كائناً من حلم ودم!‬
‫اض��ط��رب ال��ع��ق��ل ال��ص��اف��ى‪ ..‬الدقيق‪..‬‬
‫املنطقى‪ ..‬الذى ال خيفق حتت وقع كل هذه‬
‫امل��خ��اوف‪ ..‬الدفينة املختلطة ببعضها‪ ..‬إذ‬
‫قفزت مجيعها من قبورها فى عقله الباطن‪..‬‬
‫لقد ف��وج��ئ ب��أن��ه ميكنه أن يصبح ضحية‬
‫للعاطفة‪..‬‬
‫وصاح صوت عقله‪:‬‬
‫ ال أس��ت��ط��ي��ع أن أف��ع��ل ه����ذا‪ ..‬ال‪ ..‬ال‬‫أستطيع‪..‬‬
‫قال (عادل) هبدوء‪:‬‬
‫ (نبيل)‪ ..‬استعد!‬‫وببطء شديد‪ ..‬حترك (نبيل)‪ ..‬وهبط‪..‬‬
‫ليتمدد جبوار جسد (أجم��د)‪ ..‬ورأى (فهد)‬
‫يراقبه بنظرات تعرب عن األمل‪ ..‬والفهم‪..‬‬
‫وأيضاً احلسد‪ ..‬إذ كون (فهد) روبوتاً‪ ..‬جعله‬
‫يتمنى احلياة فى شكل بشرى!‬
‫ك���ان وج���ه (ع������ادل)‪ ..‬ك��م��ا ل��و ق��ـُ��دّ من‬
‫الصخر‪..‬‬
‫ت��وق��ف��ت م��ض��خ��ة امل���ص���ل ع���ن حركتها‬
‫الدائبة‪ ..‬ثم دخل (نبيل) هبدوء‪ ..‬فى غياهب‬
‫الظلمات‪ ..‬وأصبح حتت يد القدر‪..‬‬
‫‪-4‬‬‫أول م��ا شعر ب��ه‪ ..‬اإلح��س��اس بالسمع‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫جمموعة متداخلة من األصوات القادمة من‬
‫بعيد‪ ..‬شبه املطموسة والكئيبة‪ ..‬فكر (نبيل)‬
‫فى أن خلالً قد حاق جبهازه السمعى‪ ..‬ثم‬
‫اجتاحه تيار من الذكريات املثبطة‪ ..‬وصاحب‬
‫ذلك قشعريرة وغصة من اخلوف‪ ..‬وإحساس‬
‫باخلطأ‪..‬‬
‫خيم الظالم على املكان‪..‬‬
‫ت��رى مل���اذا جي��ب أن ي��ك��ون اجل��و مظلماً‬
‫هكذا‪ ..‬فى سفينة الفضاء (الشهاب)؟‬
‫ناداه شخص ما‪:‬‬
‫ (نبيل)‪( ..‬نبيل)! افتح عينيك!‬‫عينىّ!!‪ ..‬ومرة أخرى شعر بالرعب الدفني‬
‫يسرى فى كيانه‪ ..‬كان ذهنه ثقيالً‪ ..‬ورفض‬
‫أن يعمل بسرعة كما توقف خفقان مضخة‬
‫املصل!‬
‫حدّث (نبيل) نفسه‪:‬‬
‫ توقفت مضخة امل��ص��ل‪ ..‬إذن سوف‬‫أموت! عليه أن يصيح طلباً للمساعدة‪..‬‬
‫وق���د ح���دث ه���ذا م��ن ق��ب��ل‪ ..‬ف��ى إحدى‬
‫املغامرات‪ ..‬ومتكن (عادل) من إنقاذه‪..‬‬
‫صاح قائالً‪:‬‬
‫ (عادل)‪ ..‬لقد توقفت مضخة املصل!‬‫مل يكن الصوت ال��ذى صدر هو صوته‪..‬‬
‫كما كانت نرباته غريبة‪..‬‬
‫ إننى جبوارك يا (نبيل)‪ ..‬افتح عينيك!‬‫نبضت سلسلة طويلة من اخلاليا احلركية‬
‫غري املستخدمة‪ ..‬عندما تكرر هذا األمر‪..‬‬
‫الصادر إليها‪..‬‬
‫وب��دون أى تدخل ل�لإرادة‪ ..‬فتح جفنيه‪..‬‬
‫جفنى شخص م��ا‪ ..‬لكنهما بالتأكيد ليسا‬
‫جفنيه! إذ مل يكن ل��ه أى ج��ف��ون لسنوات‬
‫طويلة‪..‬‬
‫ورأى‪ ..‬رؤية مماثلة للسمع‪ ..‬خافتة‬

‫‪57‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫غامضة‪ ..‬غري واضحة‪..‬‬
‫بدا له أن املخترب الذى يعرفه متاماً يسبح‬
‫فى جو من الضباب األبيض‪ ..‬املتذبذب‪..‬‬
‫رأى وج���ه (ع�����ادل) و(ف����ه����د)‪ ..‬ورج�ل�اً‬
‫غريباً‪..‬‬
‫ً‬
‫ال‪ ..‬ليس غريبا‪ ..‬لقد كان له اسم‪ ..‬إنه‬
‫(أجمد)‪..‬‬
‫وبدأت سلسلة الذكريات تتداعى‪ ..‬وعادت‬
‫إليه الذاكرة كاملة‪ ..‬أقلقته‪ ..‬ومزقته‪..‬‬
‫اآلن‪ ..‬ميكنه أن يشعر باخلوف‪ ..‬واألمل‬
‫النفسى واجلسدى املصاحب له‪ ..‬والعرق‪..‬‬
‫ودقات القلب‪ ..‬والتقلص املؤمل للعضالت فى‬
‫اجلسم‪..‬‬
‫مسع صوت (عادل) منخفضاً‪ ..‬ومتوتراً‪:‬‬
‫ ارفع يدك يا (نبيل)‪ ..‬يدك اليمنى‪.‬‬‫رف��ع (نبيل) ي��ده اليمنى‪ ..‬وه��و فى شك‬
‫من أمره‪ ..‬مثل أى طفل مل يتعلم بعد تناسق‬
‫احلركة‪ ..‬ثم رفع يده اليسرى‪ ..‬ونظر إليهما‬
‫مدة قصرية وتركهما يسقطان‪ ..‬وامتألت عيناه‬
‫بقطرات من الدموع املاحلة‪ ..‬وتذكرها‪..‬‬
‫قال (عادل) باضطراب‪:‬‬
‫ إنك خبري وعلى ما يرام‪..‬‬‫وس��اع��د (ن��ب��ي��ل) على أن ي��رف��ع رأس���ه‪..‬‬
‫وأمسك بكوب شراب على شفتيه‪ ..‬وسأله‪:‬‬
‫ هل تستطيع أن تشرب هذا؟ إنه سوف‬‫يزيل الضباب من أمام عينيك‪ ..‬ويعطيك ما‬
‫تريد من القوة‪..‬‬
‫ك��ان��ت عملية ش���رب ال��س��ائ��ل‪ ..‬مثرية‪..‬‬
‫وغ��ري��ب��ة‪ ..‬وأزال���ت اجل��رع��ة التأثري الباقى‬
‫ل��ل��م��خ��در‪ ..‬وأص��ب��ح��ت ال���رؤي���ة والسمع‬
‫واضحني‪ ..‬وأحكم سيطرته على ذهنه‪..‬‬
‫ظل (نبيل) ممدداً فى سكون لعدة دقائق‪..‬‬
‫حماوالً أن يكيف نفسه‪ ..‬مع كل األحاسيس‬

‫‪58‬‬

‫التى كاد أن ينساها عن اجلسم البشرى!‬
‫األح��اس��ي��س ال��ص��غ�يرة ال��ت��ى تنبض فى‬
‫داخله‪ ..‬الشعور برقة النسيم عندما ميس‬
‫الوجه فى الربيع‪ ..‬ال��دفء والسعادة عند‬
‫حتريك الشفتني‪ ..‬ذاكرة النوم‪..‬‬
‫أحس (نبيل) بالغربة والدهشة‪..‬‬
‫قال هامساً‪:‬‬
‫ أع��ط��ن��ى ي���دك ي��ا (ع�����ادل)‪ ..‬أري���د أن‬‫أهنض‪..‬‬
‫ً‬
‫ك��ان (ع���ادل) واق��ف�ا عند أح��د جانبيه‪..‬‬
‫و(ف��ه��د) ف��ى اجل��ان��ب اآلخ����ر‪ ..‬ممسكاً به‬
‫ج��ي��داً‪ ..‬وهن��ض (نبيل) ف��ى جسد (أجمد)‬
‫من فوق املنضدة املعدنية‪ ..‬التى كان راقداً‬
‫فوقها‪ ..‬وانتصب فى وقفته‪ ..‬رجالً كامالً!‬
‫وجب���وار م��دخ��ل امل��خ��ت�بر‪ ..‬سقط (تامر)‬
‫مغشياً عليه!‬
‫نظر (نبيل) إىل الرجل القصري املمتلئ‬
‫املكوم أمامه على األرضية‪ ..‬ووجهه ممتقع‬
‫وش��اح��ب‪ ..‬وق��ال بصوت فيه رن�ـَّ��ة الرمحة‬
‫والعطف‪:‬‬
‫ لقد قلت لك‪ ..‬إن ذلك لن يكون سهالً!‬‫كان أمام (عادل) الكثري من األمور التى يلزم‬
‫تعلمها جيداً‪ ..‬وقد بدا هذا اجلسد الطويل‬
‫املمشوق ال���ذى يسكنه ث��ق��ي�لاً‪ ..‬ومربكاً‪..‬‬
‫وبطيئاً ل��ل��غ��اي��ة‪ ..‬وم��ن الصعب السيطرة‬
‫عليه‪ ..‬وفى البداية كانت حماوالته للسري‪..‬‬
‫سلسلة من الرتحنات والتخبطات اخلرقاء‪..‬‬
‫حبيث اضطر للتشبث بأى شئ فى طريقه‪..‬‬
‫للحيلولة دون س��ق��وط��ه ع��ل��ى األرضية‪..‬‬
‫ولكن عندما ب��دأ يسيطر على الكم املعقد‬
‫من عظامه‪ ..‬وعضالته‪ ..‬وأعصابه‪ ..‬وجد‬
‫(نبيل) نفسه‪ ..‬يشعر بالسعادة لذلك‪..‬‬
‫ك��ان��ت األن����واع ال��ت��ى ال ح��ص��ر هل���ا‪ ..‬من‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫االنطباعات احلسية واللمسية‪ ..‬والشعور‬
‫باحلياة‪ ..‬وبالدماء الدافئة التى تسرى فى‬
‫ع��روق��ه‪ ..‬واإلح��س��اس ب��احل��رارة وال�ب�رودة‪..‬‬
‫واجل�����وع‪ ..‬وال��ع��ط��ش‪ ..‬مم��ت��ع��ة‪ ..‬ورائعة‪..‬‬
‫بالنسبة ل��ه‪ ..‬روع��ة احل��ي��اة! وبعد أن شعر‬
‫بأنه من حلم ودم‪ ..‬ضم قبضتيه‪ ..‬وحدّث‬
‫نفسه‪..‬‬
‫ ترى ماذا فعلت؟ وما هو اجلنون الذى‬‫قمت به؟‬
‫ثم أدرك أنه جيب عليه أال يفكر فى ذلك‪..‬‬
‫وال فى نفسه‪ ..‬فقط عليه أن يفكر فى املهمة‬
‫الصعبة التى أمامه‪ ..‬والتى سيؤديها نيابة‬
‫عن (أجمد)‪ ..‬الذى مات!‬
‫‪-5‬‬‫أفاق (تامر) من إغمائه وغمغم قائالً‪:‬‬
‫ إننى آس��ف‪ ..‬ال��ذى حدث أننى رأيته‪..‬‬‫أقصد رأيتك وهذا‪..‬‬
‫لكنه مل يكمل‪ ..‬وأردف‪:‬‬
‫ إننى خبري اآلن‪ ..‬وال يوجد أى مربر للقلق‬‫علىّ‪.‬‬
‫والح���ظ (نبيل) أن��ه يتعمد ع��دم النظر‬
‫إليه‪ ..‬ولكن منظره العنيد‪ ..‬كان يؤكد صدق‬
‫ما قاله‪.‬‬
‫قال (تامر)‪:‬‬
‫ جيب علينا العودة فى أسرع وقت‪ ..‬فقد‬‫مضى زمن طويل منذ رحيلنا‪..‬‬
‫وأضاف‪:‬‬
‫ ل��ك��ن يبقى أم���ر م���ا! ه��ل س���وف خنرب‬‫(فادى)؟‬
‫تساءل (عادل)‪:‬‬
‫ (فادى)!‬‫ اب��ن (أجم��د) الوحيد‪ ..‬إن��ه فى الثالثة‬‫عشرة من عمره‪ ..‬قال (نبيل) ببطء‪:‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ ال يوجد أى داع إلب�لاغ الصبى‪ ..‬رمبا‬‫ل��ن يفهم األم�����ر‪ ..‬وس���وف ي��ت��ع��رض لألمل‬
‫والعذاب‪..‬‬
‫وف��ى ق���رارة نفسه‪ ..‬متنى ل��و مل يكن لــ‬
‫(أجمد) أى أبناء‪..‬‬
‫تدخل (عادل) فى احلديث قائالً‪:‬‬
‫ (نبيل)‪ ..‬لقد كنت أحتدث مع (تامر)‪ ..‬إن‬‫اجمللس األعلى سوف ينعقد هذه الليلة‪ ..‬بعد‬
‫عدة ساعات‪ ..‬وستضطر للذهاب مبفردك‬
‫إىل املدينة الداخلية‪ ..‬ألن (تامر) لن يسمح‬
‫له بدخوهلا‪ ..‬لكننى أن��ا و(ف��ه��د) سنحاول‬
‫الوصول إىل مدينة (قمر زح��ل)‪ ..‬والدخول‬
‫سراً إىل قاعة اجمللس األعلى‪..‬‬
‫ون��اول (نبيل) شيئني‪ ..‬أسطوانة مسعية‬
‫صغرية أحادية امل��وج��ة‪ ..‬وصندوقاً معدنياً‬
‫ف��ض��ي��اً‪ ..‬ال ت��زي��د م��س��اح��ت��ه ع��ل��ى عشرة‬
‫سنتيمرتات مربعة‪ ..‬وقال له‪:‬‬
‫ سوف نظل على اتصال السلكى هبذه‬‫األسطوانة‪ ..‬أما الصندوق فيمكنه أن يصدر‬
‫ذبذبات صوتية غاية فى القوة‪..‬‬
‫ف��ح��ص (ن��ب��ي��ل) ال���ص���ن���دوق الصغري‪..‬‬
‫واجملموعة الداخلية ال��ب��ارع��ة‪ ..‬املصفوفة‬
‫من الرقاقات اإلليكرتونية‪ ..‬ووحدات تشغيل‬
‫الطاقة‪ ..‬والشبكات املعقدة‪ ..‬وقال مداعباً‪:‬‬
‫ كان من املمكن تبسيط هذا التصميم‬‫يا (عادل)!! لكن فى الظروف الراهنة فهو‪..‬‬
‫جم��ه��ود يستحق اإلش�����ادة‪ ..‬وس���وف حيقق‬
‫الغرض منه متاماً‪ ..‬إذا استدعت الظروف!‬
‫ردّ (عادل) وهو يبتسم‪:‬‬
‫ دع��ن��ا ن��أم��ل ف��ى أال ن��ق��اب��ل م��ث��ل هذه‬‫الظروف‪..‬‬
‫ثم نظر إىل (نبيل)‪ ..‬ومحلت عيناه‬
‫فخراً عميقاً‪ ..‬وإعجاباً شديداً‪ ..‬وهو‬

‫‪59‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫يستطرد‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ أمتنى لك حظا سعيدا‪..‬‬‫ً‬
‫مّد (نبيل) يده‪ ..‬لقد مر وقت طويل جدا‪..‬‬
‫منذ أن فعل ذل��ك م��ن ق��ب��ل‪ ..‬وأده��ش��ه أن‬
‫يالحظ اختالج صوته وهو يقول‪:‬‬
‫ (عادل) انتبه لنفسك جيداً‪..‬‬‫استدار وخرج من املخترب وهو غري متوازن‬
‫متاماً‪ ..‬ومسع خلفه (عادل) يتحدث بصوت‬
‫منخفض وقاس إىل (تامر)‪:‬‬
‫ إذا وق��ع له أى ح���ادث‪ ..‬ومل تتدخل‪..‬‬‫فسوف أقتلك بيدى هاتني!‬
‫ابتسم (نبيل)‪ ..‬ثم مل يلبث (تامر) أن حلق‬
‫ب��ه‪ ..‬ومضيا معاً عرب األشجار الطحلبية‪..‬‬
‫التى ترتاقص أشباحها حتت ضوء الشمس‬
‫اخلافتة البعيدة‪..‬‬
‫وبينما مها س��ائ��ران حت �دّث (ت��ام��ر) عن‬
‫مدينة (قمر زحل)‪ ..‬والرجال والنساء الذين‬
‫يقيمون هبا‪..‬‬
‫أنصت (نبيل) إليه‪ ..‬وهو يعلم أن حياته‪..‬‬
‫تتوقف على تذكر كل كلمة‪ ..‬يسمعها منه‪..‬‬
‫لكن حتى هذه الضرورة‪ ..‬مل تكن لتحتل أكثر‬
‫من جزء بسيط من ذهنه‪ ..‬فقد كان بقيته‬
‫مشغوالً بأمور أخرى‪..‬‬
‫الرائحة النفاذة للرتاب‪ ..‬اللذعة الباردة‬
‫للهواء فى األماكن الظليلة‪ ..‬دفء الشمس فى‬
‫املناطق اخلالية من األشجار‪ ..‬احلركة املعقدة‬
‫للعضالت الالزمة ألخذ خطوة وراء أخرى‪..‬‬
‫معجزة التنفس‪ ..‬والعرق‪ ..‬وإمساك أى شئ‬
‫خبمسة أص��اب��ع ذات أن��ام��ل‪ ..‬ك��ل األشياء‬
‫الصغرية التى يأخذها اإلنسان‪ ..‬أمر مسلم‬
‫ب��ه‪ ..‬األم��ور البسيطة املعجزة‪ ..‬اخلارقة‪..‬‬
‫التى أنعم هب��ا اهلل ج��ل جالله علينا‪ ..‬وال‬
‫نالحظها‪ ..‬إال بعد زواهلا!‬

‫‪60‬‬

‫ك��ان (نبيل) مبهوراً‪ ..‬وم��أخ��وذاً متاماً‪..‬‬
‫بتدفق العواطف‪ ..‬واالنطباعات املؤثرة‪ ..‬التى‬
‫من الصعب مقاومتها‪ ..‬أو اهلروب منها‪..‬‬
‫ث��م مل يلبث أن مج��ع شتات شجاعته‪..‬‬
‫وعزميته‪..‬‬
‫ومب������رور ال���وق���ت اع���ت���اد ع��ل��ى احن����دار‬
‫السلسلة الصخرية‪ ..‬ووجد متعة فى صعوبة‬
‫تسلقها‪..‬‬
‫توقفا اللتقاط أنفاسهما‪..‬‬
‫نظر (تامر) باحنراف إىل (نبيل) وعيناه‬
‫متتلئان فضوالً‪ ..‬وسأله‪:‬‬
‫ كيف تشعر اآلن‪ ..‬وقد أصبحت رجالً‬‫مرة أخرى؟‬
‫مل جيبه (نبيل)‪ ..‬مل يقدر على اإلجابة‪..‬‬
‫ومل جيد الكلمات‪..‬‬
‫استدار (تامر) فجأة‪ ..‬كما لو كان خائفاً‬
‫مما قاله‪ ..‬ومن كل األشياء التى ينطوى عليها‬
‫هذا السؤال‪ ..‬ثم اندفع هابطاً على املنحدر‪..‬‬
‫جتنباً للمرور جبانب مدينة (قمر زحل)‪..‬‬
‫وقال (تامر)‪:..‬‬
‫ ال جدوى من البحث عن املتاعب!‬‫وسلكا الطريق الوعر بعيداً عن املدينة‪..‬‬
‫ع�بر إح���دى ال���وه���اد‪ ..‬ش��اه��دا ع��ل��ى البعد‬
‫مستوطنة‪ ..‬من املنازل املعدنية الرمادية‪..‬‬
‫فوق جزء مسطح من السلسلة الصخرية‪..‬‬
‫أس��ف��ل ال��ف��وه��ة ال���س���وداء مل��ن��اج��م الذهب‬
‫واليورانيوم‪..‬‬
‫وظن (نبيل) أن املدينة كانت هادئة بشكل‬
‫غري عادى‪..‬‬
‫قال (تامر)‪:‬‬
‫ انظر إىل املتاريس التى فى الطرقات!‬‫إهن��م ينتظرون ه��ب��وط ال��ل��ي��ل‪ ..‬عند سفح‬
‫سلسلة الصخور‪ ..‬وص�لا إىل سهل مفتوح‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫تتناثر فيه جتمعات من الشجريات الرمادية‬
‫املنخفضة‪ ..‬ثم بدأ الرجالن فى عبور السهل‬
‫متجهني إىل ضواحى مدينة (قمر زحل)‪..‬‬
‫وجبرد أن اقرتبا من منطقة معينة‪ ..‬حتركت‬
‫جمموعة من الرجال املهرولني‪ ..‬ملالقاهتما‪..‬‬
‫ورأى (نبيل) أن الذى يتقدمهم‪ ..‬صبى طويل‬
‫أسود الشعر‪..‬‬
‫مهس (تامر)‪:‬‬
‫ هذا (فادى) ابنك‪..‬‬‫ك���ان (ف����ادى) جب��ل��ده ال��ذه��ب��ى الفاتح‪..‬‬
‫ووج��ه��ه ال��ذى جيمع ب�ين وس��ام��ة (أجم���د)‪..‬‬
‫وشئ من اجلمال الرقيق‪ ..‬وعينيه املباشرتني‬
‫اآلنفتني‪ ..‬على نفس الصورة التى توقعها له‬
‫(نبيل)‪..‬‬
‫شعر بالذنب حلد ما‪ ..‬وهو حييى الصبى‬
‫بامسه ولكن اختلط هبذا الشعور‪ ..‬إحساس‬
‫غريب بالكربياء‪ ..‬وحدث نفسه قائالً‪:‬‬
‫ ياليت ك��ان ىل اب��ن مثل (ف���ادى)‪ ..‬فى‬‫األيام املاضية قبل أن حيدث ىل هذا التغيري!‬
‫ثم أردف يائساً‪:‬‬
‫ جي��ب أال أف��ك��ر ف��ى ه��ذه األش��ي��اء! إن‬‫جسمى البشرى يأخذنى إىل املاضى؟‬
‫كان (فادى) ال يكاد يلتقط أنفاسه‪ ..‬وبدت‬
‫على وجهه عالمات األرق‪ ..‬والقلق‪ ..‬وهو‬
‫يقول‪:‬‬
‫ أبى‪ ..‬لقد قلبنا الوادى حبثاً عنك! أين‬‫كنت؟‬
‫بدأ (نبيل) يوضح له أنه كان مع (تامر)‪..‬‬
‫ل��ك��ن ال��ص��ب��ى ق��اط��ع��ه‪ ..‬وه���و ينتقل من‬
‫موضوع آلخ��ر‪ ..‬وس��ط سيل ال ينقطع من‬
‫الكلمات‪:‬‬
‫ لقد خشينا أن ي��ك��ون ق��د ح��دث لك‬‫مكروه‪ ..‬وبينما كنت خمتفياً قدموا موعد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫انعقاد اجمللس! ومتنوا أال تعود قط‪ ..‬أو تكون‬
‫عودتك متأخرة جداً‪.‬‬
‫ثم تشبثت يد (فادى) الغضة القوية بذراع‬
‫(نبيل) وقال له‪:‬‬
‫ إهنم جمتمعون اآلن فى قاعة اجمللس!‬‫ولعل مازال أمامنا فسحة من الوقت‪ ..‬لكن‬
‫علينا أن نسرع!‬
‫نظر (تامر) بتجهم فوق رأس الصبى إىل‬
‫(نبيل) وقال‪:‬‬
‫ لقد حان وقت العمل!‬‫ثم أسرعوا مجيعاً إىل داخل املدينة‪..‬‬
‫كانت املنازل بيضاوية‪ ..‬مبنية من الطوب‬
‫الرمادى‪ ..‬ويرتفع عالياً فوقها سور املدينة‬
‫ال��داخ��ل��ي��ة‪ ..‬وت��ع��ل��وه‪ ..‬ال��س��ق��وف واألب����راج‬
‫الضخمة ال��راب��ض��ة‪ ..‬للقصور واملعابد‪..‬‬
‫املدهونة باللونني األصفر والقرمزى‪..‬‬
‫مأل (نبيل) رئتيه بروائح الطعام والدخان‬
‫امل��ت��ص��اع��د م��ن ن�ي�ران ال��ط��ه��ى‪ ،‬واألجسام‬
‫املدهونة بالعطر واملسك‪ ..‬والطوب القديم‬
‫املتفتت بتأثري الشمس النائية‪ ..‬واحليوانات‬
‫ذات ال���س�ل�االت غ�ير امل��ع��روف��ة ال��ت��ى متأل‬
‫احلظائر‪..‬‬
‫ثم أنصت إىل وقع أقدامه‪ ..‬وهى ترن فوق‬
‫األرضية الصخرية‪..‬‬
‫وأح��س بالنسمة ال��ب��اردة وه��ى هتب على‬
‫وجهه املبلل بالعرق‪ ..‬وأخ��ذت��ه اإلث���ارة مرة‬
‫أخ���رى‪ ..‬واق�ترن هبا ن��وع من الرهبة‪ ..‬إزاء‬
‫روعة احلواس البشرية‪..‬‬
‫خطر لــ (نبيل) أن شيئاً آخر‪ ..‬كان موجوداً‬
‫ف��ى ه��واء مدينة (قمر زح���ل)‪ ..‬ش��ئ امسه‬
‫اخلوف!!‬
‫ً‬
‫وص��ل��وا أخ��ي�را إىل أب����واب السور‬
‫الداخلى‪..‬‬

‫‪61‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫وهنا تقهقر (تامر) والرجال اآلخرون‪..‬‬
‫ام��ت��ث��االً لتعليمات احل����راس‪ ..‬بينما تقدم‬
‫(نبيل) و(فادى)‪ ..‬مبفردمها‪..‬‬
‫كان املعبد والقصر يرتفعان شاخمني فوق‬
‫السور‪ ..‬فى مهابة وق��وة‪ ..‬وحيمالن رسوماً‬
‫ت��ارخي��ي��ة‪ ..‬ل��ب��ط��والت م��ل��وك م��دي��ن��ة (قمر‬
‫زحل)‪ ..‬ومل يكن (نبيل) ينتبه هلا‪ ..‬إذ أخذت‬
‫اآلن أعصابه تتوتر‪ ..‬فقد ب��دأ االختبار‪..‬‬
‫قبل أن يكون مستعداً متاماً له! كان هذا هو‬
‫الوقت الذى جيب أال يرتدد‪ ..‬أو يتلعثم فيه‪..‬‬
‫وإال دخلت قيثارات املوت‪ ..‬إىل مدينة (قمر‬
‫زحل)! وحدثت الكارثة احملققة!‬
‫ظهر برجان مستديران من الطوب ومدخل‬
‫ضخم منخفض‪ ..‬وأضيئت القاعة الداخلية‬
‫باملصابيح‪ ..‬ووهج الضوء األمحر‪ ..‬يلمع على‬
‫األجسام النحاسية‪ ..‬وعلى األث��واب املوشاة‬
‫الطقوسية ال��ت��ى ي��رت��دي��ه��ا املستشارون‪..‬‬
‫واخل��وذات الفضيات ذات الشكل البدائى‪..‬‬
‫تتألق هنا وهناك‪..‬‬
‫أخذت األص��وات تعلو‪ ..‬وتتداخل‪ ..‬وكان‬
‫إحساس (نبيل) بالتوتر كبرياً‪ ..‬لدرجة أنه كاد‬
‫أن يصرخ!‬
‫ً‬
‫ضغط (فادى) على ذراعه‪ ..‬وقال شيئا مل‬
‫يعه (نبيل)‪ ..‬لكن االبتسامة‪ ..‬ونظرات احلب‬
‫والفخر‪ ..‬ال ميكن أن ختطئهما العني‪ ..‬ثم‬
‫ذه��ب الصبى إىل املقاعد العالية التى فى‬
‫الركن األمين للقاعة‪..‬‬
‫ووقف (نبيل) مبفرده!‬
‫وف��ى أح��د جانبى ال��ق��اع��ة املستطيلة‪..‬‬
‫وجب����وار ال��ع��رش ال��ع��اىل امل��ط��ل��ى بالذهب‬
‫واخلاص بامللك‪ ..‬رأى جمموعة من الرجال‬
‫ممن يرتدون اخلوذات الفضية‪ ..‬وهم ينظرون‬
‫إليه بكراهية‪ ..‬مل يستطيعوا إخفاءها‪ ،‬ومعها‬

‫‪62‬‬

‫إزدراء ال ينشأ عادة إال بعد االنتصار!‬
‫وفجأة‪ ..‬ومن بني احلشود الكثيفة التى‬
‫أمامه‪ ..‬خطا رجل عجوز إىل ناحية (نبيل)‪..‬‬
‫له حلية بيضاء صغرية‪ ..‬ووض��ع يديه على‬
‫كتفيه‪ ..‬وحدق فيه بعينني مكروبتني‪ ..‬وقال‬
‫له بصوت أجش‪ ..‬هامس‪:‬‬
‫لقد تأخرت جداً يا (أجم��د)‪ ..‬وضاع كل‬
‫شئ عبثاً‪ ..‬إهنم أحضروا قيثارات املوت هنا‬
‫فى مدينة (قمر زحل)!‬
‫شعر (نبيل) برغبة شديدة فى الرتاجع‪..‬‬
‫فلم يكن يريد أن حي��دث ه���ذا‪ ..‬مل يتوقع‬
‫ذلك اآلن‪ ..‬إذ سوف يطلب منه فى احلال‪..‬‬
‫مواجهة قيثارات املوت! لقد قابلهم مرة قبل‬
‫ذلك‪ ..‬منذ سنوات‪ ..‬وكانت جتربة رهيبة‪ ..‬إذ‬
‫إنه يعرف مدى خطورهتا‪ ..‬ومكرها‪ ..‬وتذكر‬
‫أنه صدم وقتئذ‪ ..‬ألنه كان جمرد عقل حرّ‪..‬‬
‫أما اآلن‪ ..‬فال يدرى ما الذى سوف يقدر‬
‫له‪ ..‬وقد عاد مرة أخرى إىل اجلسد البشرى‪..‬‬
‫احلساس‪ ..‬الغامض‪..‬‬
‫قبضت يد (نبيل) بقوة على الصندوق‬
‫املعدنى الصغري فى جيبه‪ ..‬جيب أن جيازف‬
‫باالعتقاد‪ ..‬بأنه سوف حيميه من قيثارات‬
‫امل���وت‪ ..‬ولكن بعد أن تذكر م��ا ح��دث منذ‬
‫سنوات‪ ..‬خشى من التعرض لالختبار‪!..‬‬
‫سأل املستشار العجوز‪:‬‬
‫ كيف علمت بأمر قيثارات املوت؟‬‫رد عليه بسرعة‪:‬‬
‫ (تيمور) واثنان آخران‪ ..‬شوهدوا وقت‬‫الفجر‪ ..‬عائدين من الغابة‪ ..‬وكل منهم حيمل‬
‫شيئاً خيفيه‪ ..‬وكانوا مجيعاً يرتدون خوذات‬
‫الصمت‪..‬‬
‫وأشار املستشار العجوز‪ ..‬إىل مجاعة من‬
‫الرجال يقفون جبوار عرش امللك‪ ..‬وينظرون‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫حبقد املنتصرين‪ ..‬إىل م��ن يعتقدون أنه‬
‫(أجمد)‪.‬‬
‫ثم أردف قائالً‪:‬‬
‫ انظر‪ ..‬إهنم ما يزالون يرتدوهنا‪.‬‬‫وبسرعة درس (نبيل) خوذات الصمت‪..‬‬
‫من النظرة األوىل ب��دا أهن��ا ال تزيد على‬
‫كوهنا‪ ..‬خ��وذات قتال برونزية عادية ملقاتل‬
‫بربرىّ‪ ..‬لكنها ذات تصميم غريب‪ ..‬يغطى‬
‫األذن�ين ومنطقة اجلمجمة كلها‪ ..‬وحجمها‬
‫كبري جداً‪ ..‬كما لو كانت مبطنة بعدة طبقات‬
‫من مواد عازلة للصوت‪ ..‬خوذات الصمت!‬
‫عرف (نبيل) اآلن‪ ..‬أن (أجمد) كان على‬
‫حق‪ ..‬عندما حتدث عن وجود وسيلة قدمية‬
‫للحماية‪ ..‬استخدمت منذ زمن طويل مبعرفة‬
‫رج��ال مدينة (قمر زح���ل)‪ ..‬ض��د قيثارات‬
‫املوت!‬
‫وقف امللك على عرشه‪..‬‬
‫وسرعان ما تالشى اللغط العصبى‪ ..‬إىل‬
‫جمرد توتر مكبوت‪..‬‬
‫ك��ان ش��اب�اً ي��اف��ع�اً‪ ..‬ص��غ�يراً‪ ..‬ومرتعداً‪..‬‬
‫وتبدو على وجهه عالمات الضعف والعناد‪..‬‬
‫خمتلطة ببعضها‪ ..‬أما رأسه فكان عارياً‪..‬‬
‫حتدث قائالً‪:‬‬
‫ لقد تساهلنا حنن أهل (قمر زحل) كثرياً‬‫مع الغرباء فى وادينا‪ ..‬بل إننا قاسينا من‬
‫جلوس أحدهم فى هذا اجمللس‪ ..‬والتأثري فى‬
‫قراراتنا‪.‬‬
‫وهنا التفتت مجيع الرءوس فى قلق جتاه‬
‫(نبيل)‪ ..‬واستطرد امللك‪:‬‬
‫ إن أساليب الغرباء تؤثر بشكل متزايد‬‫على أرواح شعبنا‪ .‬هل��ذا جي��ب أن يذهبوا‬
‫مجيعاً‪ ..‬ونظراً ألهن��م رف��ض��وا‪ ..‬فالبد من‬
‫طردهم بالقوة!‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وبدا أنه قد حفظ هذه الكلمات عن ظهر‬
‫قلب‪ ..‬دون أن يفهمها!‬
‫ع��رف (نبيل) ذل���ك‪ ..‬م��ن الطريقة التى‬
‫تلعثم هب���ا‪ ..‬وب��ال��ن��ظ��رات ال��ت��ى تطلعت هبا‬
‫عيناه إىل أط��ول الرجال املرتدين العباءات‬
‫ال���س���وداء‪ ..‬وخ����وذات ال��ص��م��ت‪ ..‬م��ن أجل‬
‫احلث‪ ..‬والتشجيع‪..‬‬
‫الرجل املتجهم الطويل القامة‪ ..‬الذى أيقن‬
‫(نبيل) من وصف (تامر) أنه (تيمور) أعدى‬
‫أعداء (أجمد)‪:‬‬
‫ إن��ن��ا ال نستطيع ط��رد أه��ل األرض‪..‬‬‫بأسهمنا وحرابنا‪ ..‬فأسلحتهم هى األخرى‬
‫قوية‪ ..‬وحنن أيضاً لدينا سالح ال يستطيعون‬
‫حياله شيئاً! وكان هذا السالح حمرماً علينا‬
‫من امللوك الضعفاء السابقني‪ ..‬الذين كانوا‬
‫خيشون من استخدامه ض��ده��م‪ ..‬أم��ا اآلن‬
‫فالبد من استخدامه‪ ..‬ولذلك فإننى أطلب‬
‫رفع التحريم القديم! وأطلب االستعانة بقوة‬
‫قيثارات املوت‪ ..‬لطرد أهل األرض هنائياً!‬
‫ساد القاعة صمت كئيب متوتر‪ ..‬وشاهد‬
‫(نبيل) رجاالً ينظرون إليه‪ ..‬والثقة املتحمسة‬
‫ف��ى عينى (ف����ادى) ال��ص��غ�ير‪ ..‬وع���رف أهنم‬
‫وض��ع��وا داخ��ل��ه آخ���ر أم���ل ي��ائ��س هل��م مبنع‬
‫استخدام سالح قيثارات املوت‪..‬‬
‫وأدرك (نبيل) أن عليه القيام باملهمة‬
‫مبفرده‪ ..‬إذ رمبا ال يتمكن (ع��ادل) و(فهد)‬
‫من الوصول سراً‪ ..‬إىل قاعة اجمللس!‬
‫حترك (نبيل) خبطوات واسعة إىل األمام‪..‬‬
‫ونظر حوله‪ ..‬ثم أحس بنوع ما من الفخر‬
‫والكربياء الشديدين‪ ..‬وانعكس ذلك فى قوة‪..‬‬
‫وجهارة صوته‪ ..‬وهو يقول‪:‬‬
‫ ليس صحيحاً أن امللك خياف‪..‬‬‫وال أهل كوكب األرض! وإمنا (تيمور)‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫إذ إنه ليس مهتماً بتحرير مدينة (قمر زحل)‬
‫م��ن عبوديتها األس��ط��وري��ة‪ ..‬وإمن���ا بغرض‬
‫سيطرته هو على رقابنا مجيعاً‪..‬‬
‫س��ادت حلظات من الصمت التام‪ ،‬حدّق‬
‫خالهلا اجلميع فيه مشدوهني‪ ..‬خاصة امللك‬
‫واملستشارين‪.‬‬
‫ووس��ط ه��ذا السكون املطبق‪ ..‬استطرد‬
‫(نبيل) مؤكداً‪:‬‬
‫إننى أحت��دث لصاحل اجمل��ل��س‪ ..‬جيب أال‬
‫حيدث أى رفع للتحريم‪ ..‬ومن يُدخل القيثارات‬
‫إىل مدينتنا‪ ..‬سوف يتعرض لعقوبة املوت!‬
‫للحظات ق��ص�يرة‪ ..‬استعاد املستشارون‬
‫شجاعتهم‪ ..‬وع�بّ��روا عن ذل��ك‪ ..‬إذ ضجت‬
‫القاعة باهلتاف‪..‬‬
‫وفى ظل هذا الضجيج‪ ..‬احننى (تيمور)‬
‫وحتدث فى أذن امللك‪..‬‬
‫ورأى (ن��ب��ي��ل) أن وج���ه امل���ل���ك‪ ..‬ازداد‬
‫شحوباً‪!..‬‬
‫وم��ن وراء العرش ال��ع��اىل‪ ..‬رف��ع (تيمور)‬
‫خوذة مرصعة بالذهب واجلواهر الثمينة‪..‬‬
‫ووضعها على رأس امللك‪..‬‬
‫خوذة الصمت!‬
‫حتدث امللك بصوت أجش‪ ..‬مرتعد‪:‬‬
‫ لصاحل مدينة (قمر زح��ل)‪ ..‬أعلن ح ّل‬‫جملس املستشارين!‬
‫خطا (تيمور) إىل األمام‪ ..‬ونظر مباشرة‬
‫إىل (نبيل)‪ ..‬وابتسمت عيناه وهو يقول‪:‬‬
‫ لقد توقعنا خططك الغادرة يا (أجمد)‪..‬‬‫ولذلك حضرنا إىل هنا‪ ..‬مستعدين هلا!‬
‫وأزاح ع��ب��اءت��ه ال���س���وداء‪ ..‬إىل اخللف‪..‬‬
‫وحتتها فى منحنى ذراعه األيسر‪ ..‬كان شئ‬
‫ما ملفوف فى احلرير األمحر‪..‬‬
‫تقهقر (نبيل) بغريزته إىل الوراء‪ ..‬وفض‬

‫‪64‬‬

‫(تيمور) اللفافة احلريرية‪ ..‬وظهر فى يده طائر‬
‫حىّ‪ ..‬يشبه احلمامة‪ ..‬ريشه فضى متألق‪..‬‬
‫وماسى وردى‪ ..‬وعيناه رقيقتان واسعتان‪ ..‬إنه‬
‫يعيش فى مناطق معينة بالغابات الشاسعة‪..‬‬
‫فوق القمر (تيتان)‪ ..‬كائن رقيق‪ ..‬حيمل فى‬
‫باطنه الدمار‪ ..‬شيطان الغضب‪ ..‬واهلالك‪..‬‬
‫إنه قيثارة املوت!‬
‫ارت����ف����ع ص������وت أن���ي��ن م��ن��خ��ف��ض بني‬
‫املستشارين‪ ..‬وبدأت أجسامهم تغري اجتاهها‬
‫وتتمايل وتأخذ وضع الفرار‪..‬‬
‫لكن احل��راس منعوهم من اخل��روج‪ ..‬من‬
‫القاعة‪..‬‬
‫ثم قال (تيمور) حبدة‪:‬‬
‫ إه����دءوا‪ ..‬م��ا ي���زال ه��ن��اك وق��ت كاف‬‫للفرار‪ ..‬عندما أصدر أوامرى لكم باخلروج‬
‫من القاعة!‬
‫جلس املستشارون ساكنني وكذلك قبع‬
‫امللك صامتاً‪ ..‬شاحب‪ ..‬الوجه فوق عرشه‬
‫الذهبى‪.‬‬
‫وش��اه��د (ن��ب��ي��ل) ف��ى امل��ق��اع��د العالية‪..‬‬
‫(فادى) ينحنى إىل األمام‪ ..‬مشتاقاً إىل معرفة‬
‫ما سوف يفعله الرجل الذى يظن أنه والده‪..‬‬
‫ووجهه مضئ بإميان‪ ..‬وبراءة األطفال‪..‬‬
‫حرّك (تيمور) يده حركة منتظمة متكررة‪..‬‬
‫على جسم املخلوق الطائر ال��ذى فى يده‪..‬‬
‫ورأسه منحن قريباً منه‪ ..‬وبدا الريش حول‬
‫رقبة الطائر‪ ..‬ينتصب ويتحرك ببطء‪ ..‬ثم‬
‫نبض اجلسم الفضى‪ ..‬املاسى‪ ..‬الوردى‪..‬‬
‫وانطلقت منه نغمات موسيقية‪ ..‬تشبه صوت‬
‫القيثارة اخلافت‪ ..‬نغمات فائقة العذوبة‪..‬‬
‫تأتى من بعيد‪..‬‬
‫ملعت عينا القيثارة‪ ..‬كانت تبدو سعيدة‪..‬‬
‫وممتنـّة لتحريرها من اللفافة احلريرية‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫التى شلت فاعلية أغشيتها‪ ..‬ومنعتها من‬
‫إصدار النغمات املوسيقية‪..‬‬
‫واس��ت��م��ر (ت��ي��م��ور) ميسح على جسمها‬
‫ب��رق��ة‪ ..‬واستجابت ل��ه‪ ..‬ب��إط�لاق سيل من‬
‫ال��ن��غ��م��ات امل��ت��غ�يرة ن��غ��م��ات س��ائ��ل��ة‪ ..‬جترى‬
‫وتتماوج‪ ..‬وتتقطر على اهلواء الساكن‪..‬‬
‫أخ��رج رج�لان آخ��ران من الذين يرتدون‬
‫خ���وذات ال��ص��م��ت‪ ..‬طائرين فضيني‪ ..‬من‬
‫حتت عباءتيهما‪ ..‬وبدءا إصدار نغماهتما‪..‬‬
‫فى البداية برقة‪ ..‬ثم بشدة أك�بر‪ ..‬وأكرب‪..‬‬
‫حتى امتألت جنبات قاعة اجمللس بنغمات‬
‫القيثارات الثالث‪ ..‬الغريبة‪ ..‬العاصفة‪..‬‬
‫ووقف احلاضرون ساكنني‪ ..‬بعد أن سُلبت‬
‫عقوهلم‪ ..‬ومل يعد فى وسعهم احلركة‪..‬‬
‫ح��ت��ى (ن��ب��ي��ل) مل ي��س��ل��م م���ن اخلضوع‬
‫لتأثري هذا املدّ القوى من األص��وات‪ ..‬املثرية‬
‫للمشاعر‪ ..‬وشعر جبسده يستجيب هلا‪ ..‬وكل‬
‫خلية عصبية فى داخله‪ ..‬ترتعش بلذة تقرب‬
‫من األمل‪..‬‬
‫ك����ان ق���د ن��س��ى ت���أث�ي�ر امل��وس��ي��ق��ى على‬
‫اإلحساس البشرى‪ ،‬أم��ا اآلن فقد انفتحت‬
‫فجأة مجيع البوابات الوجدانية‪ ..‬ما بني‬
‫العقل‪ ..‬واجل��س��م‪ ..‬وال��ت��ى ط��ال إغالقها‪..‬‬
‫حتت تأثري تلك األحلان الرائعة‪ ..‬التى تعزفها‬
‫القيثارات‪ ..‬وانطلق صوت احلياة‪ ..‬اجلميل‪..‬‬
‫العفوى من عقاله‪ ..‬ومألت املوسيقى عقل‬
‫(نبيل) بنهم حاد‪ ..‬لشئ مل يعرفه من قبل‪..‬‬
‫وط��اف ذهنه فى مم��رات غامضة‪ ..‬مكتظة‬
‫باألشباح‪ ..‬وخفق قلبه بفرحة وقور‪ ..‬تقرب‬
‫من البكاء‪ ..‬وكأنه فى حالة حب!‬
‫وق��ف (نبيل) مشدوهاً باألنغام العذبة‬
‫للقيثارات‪ ..‬ساكناً‪ ..‬حاملاً‪ ..‬ناسياً كل خوف‬
‫وخ��ط��ر‪ ..‬تذكر فقط أن ه��ذه املوسيقى‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫تنطوى على شئ م��ا‪ ..‬هو سر الوجود كله!‬
‫وأن���ه ع��ل��ى وش���ك إدراك س��ر ه���ذا اللحن‬
‫العجيب! حلن لكوْن خُلق حديثاً‪ ..‬يصيح فى‬
‫فرح‪ ..‬أول صيحة له‪ ..‬بعد والدته‪ ..‬باالنفجار‬
‫األعظم‪ ..‬حلن لشموس شابة تدعو إليه فى‬
‫قوة‪ ..‬ومهابة‪ ..‬جمموعة هادرة من أصوات‬
‫النجوم‪ ..‬ومهسات الكواكب الدوّارة‪.‬‬
‫حلن احلياة‪ ..‬والنمو‪ ..‬واالزده���ار‪ ..‬لكل‬
‫جمرّة فى الكون‪!..‬‬
‫ش���ئ م���ا ف���ى ع��ق��ل (ن��ب��ي��ل) املنتشى‪..‬‬
‫حذره من الوقوع فى شرك مصيدة التنويم‬
‫املغناطيسى‪ ..‬ل��ل��ص��وت‪ ..‬وم��ن أن��ه يسقط‬
‫أكثر فأكثر‪ ..‬فى قبضة القيثارات‪ ..‬لكنه مل‬
‫يستطع كسر سحر هذا اللحن األسطورى‪..‬‬
‫الكونى‪..‬‬
‫أغنية سامية‪ ..‬تشدو هبا ورق��ة الشجرة‬
‫وهى ترتوى من أشعة الشمس‪..‬‬
‫الطائر وه��و يثب ف��وق األغ��ص��ان‪ ..‬عند‬
‫الفجر‪..‬‬
‫واحليوان الذى حيتضن صغاره‪ ..‬فى دفء‬
‫جحره‪..‬‬
‫وامل��ع��ج��زة ال��ش��اب��ة‪ ..‬امل��ش��رق��ة للحب‪..‬‬
‫والسعادة‪ ..‬والوالدة‪ ..‬واحلياة!‬
‫ثم فجأة تغريت النغمات‪ ..‬وغ��اب عنها‬
‫اجلمال والفرحة‪ ..‬وب��دأت تعرب عن الرعب‬
‫املتزايد‪ ..‬املتزايد‪..‬‬
‫بدا لــ (نبيل) أن (تيمور)‪ ..‬كان يتحدث‬
‫للطائر الفضى الذى ميسكه فى ي��ده‪ ..‬وأن‬
‫العينني الرقيقتني للقيثارة‪ ..‬كانتا خائفتني‪..‬‬
‫وظهر أن العقل البسيط للمخلوق الرقيق‪..‬‬
‫حساس للومضات التخاطرية عن بعد‪..‬‬
‫وكان (تيمور) ميأل خواءها بأفكار‬
‫ع��ن اخل���ط���ر‪ ..‬وال���رع���ب‪ ..‬واألمل‪..‬‬

‫‪65‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫والعذاب‪ ..‬حبيث أن أغشيتها أصدرت نغمات‬
‫قوية خمتلفة‪.‬‬
‫ال��ت��ق��ط��ت ال��ق��ي��ث��ارت��ان األخ���ري���ان هذه‬
‫النغمات‪ ..‬ث��م متايلت واه��ت��زت القيثارات‬
‫الثالث‪ ..‬وتداخلت إيقاعاهتا‪ ..‬حتى أصبحت‬
‫نغمات راعدة‪ ..‬تثري كل أنواع املخاوف‪..‬‬
‫اخل��وف من االح��ت��ض��ار‪ ..‬وامل���وت‪ ..‬الذى‬
‫يشكل دائماً اخللفية الربّاقة للحياة!‬
‫ال��رع��ب م��ن األع��م��اق الكئيبة للظالم‪..‬‬
‫واألمل‪ ..‬والتى متتلئ باألشباح املتماوجة‪..‬‬
‫هذه النغمات املوسيقية املخيفة‪ ..‬اململوءة‬
‫مبشاعر ال��رع��ب ض��رب��ت ب��أص��اب��ع اخلوف‬
‫البارد‪ ..‬على أوتار القلوب!‬
‫وه����رب (ن��ب��ي��ل) م��ن��ه��ا‪ ..‬مل يستطع أن‬
‫يتحملها‪ ..‬ك��ان ي��درك أن��ه لو مسعها‪ ..‬فال‬
‫ريب أنه سوف جين!‬
‫عرف بشكل مبهم‪ ..‬الرعب الذى ساد بني‬
‫املستشارين اآلخرين من تقلصات وجوههم‪..‬‬
‫واحلركات العصبية أليديهم‪..‬‬
‫ح���اول أن ي��ص��رخ‪ ..‬لكن ص��وت��ه ت��اه بني‬
‫الصراخ العاىل للقيثارات‪ ..‬الذى أصبح عذاباً‬
‫حقيقياً للجسد!‬
‫كان (تيمور) ما يزال منحنياً على القيثارة‬
‫احل �يّ��ة‪ ..‬ال��ت��ى أصبحت قاسية العينني‪..‬‬
‫يدفعها إىل اجلنون‪ ..‬حتت تأثري وقوة إحياء‬
‫عقله‪..‬‬
‫واستمرت القيثارات فى الصراخ‪..‬‬
‫وزادت ش��دة األص����وات‪ ..‬حتى جتاوزت‬
‫أقصى ق��درة للسمع‪ ..‬وأصبحت النغمات‬
‫فوق الصوتية‪ ..‬تطعن الذهن‪ ..‬كما لو كانت‬
‫سكاكني حادة!‬
‫ان��دف��ع رج��ل م��ن ج���وار (ن��ب��ي��ل)‪ ..‬وتبعه‬
‫ث��ان وث��ال��ث ث��م آخ����رون‪ ..‬وه��م يتخبطون‪..‬‬

‫‪66‬‬

‫وي��س��ق��ط��ون‪ ..‬وي��ص��رخ��ون‪ ..‬وس���ط سُعار‬
‫اخلوف‪ ..‬والرعب‪ ..‬وكان عليه أيضاً أن يهرب‬
‫من هذا اجلنون‪..‬‬
‫ال‪ ..‬إنه لن يفرّ!‬
‫شئ ما‪ ..‬منعه من اهلروب‪..‬‬
‫تصلبت أفكاره الباطنية‪ ..‬وجتمدت‪ ..‬إثر‬
‫فراقه الطويل‪ ..‬للجسم البشرى‪..‬‬
‫واف��اده ه��ذا ب��أن ساعده على املقاومة‪..‬‬
‫بكل إرادت����ه‪ ..‬للرجوع إىل حالة التوازن‪..‬‬
‫وأدى ارتعاد يده إىل حترير قبضتها‪ ..‬على‬
‫الصندوق املعدنى الصغري‪ ..‬واهتز قفله‪..‬‬
‫وببطء أص��در الصندوق‪ ..‬صوتاً شديداً‬
‫حاداً‪ ..‬أخذ فى االزدياد بسرعة‪..‬‬
‫كان (عادل) قد قال له‪:‬‬
‫إنه السالح الوحيد ضد قيثارات املوت!‬
‫فالشئ الوحيد ال��ذى حيطم ال��ص��وت‪ ..‬هو‬
‫الصوت!‬
‫وصل الصوت الطارد للصندوق املعدنى‪..‬‬
‫إىل أعلى ذبذباته احلادة‪ ..‬وأنشب خمالبه فى‬
‫حلن القيثارات املرعب‪ ..‬وأمسك بتالبيبه‪..‬‬
‫وأخذ حيطمه بقسوة‪ ..‬وفعالً جنح أخرياً فى‬
‫كسر حدته‪ ..‬عن طريق التداخل الصوتى‪..‬‬
‫وحوّله إىل جمرد أصوات صراخ متنافرة!‬
‫حترك (نبيل) خبطوات واسعة إىل األمام‪..‬‬
‫جتاه العرش وامللك‪ ..‬و(تيمور)‪..‬‬
‫واآلن‪ ..‬ج���اء م��ن عينى (ت��ي��م��ور) شك‬
‫مميت‪ ..‬وحقد بالغ!‬
‫وب��ع��د أن أصبحت ال��ق��ي��ث��ارات شرسة‪..‬‬
‫وخائفة‪ ..‬كافحت ضد الصوت الشديد‪..‬‬
‫القوى‪ ..‬الذى أفسد حلنها‪ ..‬وحوله إىل نشاز‬
‫ال يطاق‪..‬‬
‫وازدادت حدة الصراع الصوتى اهلادر‪..‬‬
‫الذى جتاوز مستوى السمع!‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬

‫وشعر (نبيل) جبسده يتمزق‪ ..‬ويرتعد‬
‫بل إن امللك فقد الوعى‪ ..‬فوق عرشه‪..‬‬
‫صرخت عاصفة من اإليقاعات احملطمة‪..‬‬
‫هب��زات عنيفة‪ ..‬أخ��ذ يرتنح‪ ..‬ولكنه استمر‬
‫املبعثرة‪ ..‬املتناثرة‪ ..‬ألصوات ممزقة‪..‬‬
‫يتقدم إىل األمام‪..‬‬
‫وبدأ ذهن (نبيل) فى الشرود‪ ..‬وهو‬
‫كانت وجوه (تيمور) واآلخرين‪ ..‬تعرب عن‬
‫يعلم أنه لن يتمكن من حتمل املزيد‪..‬‬
‫قمة العذاب‪ ..‬واألمل‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪67‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫من هذا‪..‬‬
‫وفجأة‪ ..‬انتهى كل شئ‪..‬‬
‫ف��ب��ع��د أن هُ���زم���ت ق���ي���ث���ارات امل�����وت‪..‬‬
‫واستنفدت كل جهدها‪ ..‬أوقفت كل النغمات‬
‫ال��ش��ري��رة ألغشيتها‪ ..‬وقبعت ف��ى صمت‬
‫تام‪ ..‬وسكون مطبق‪ ..‬بني أيدى حراسها‪..‬‬
‫وعيوهنا الوديعة‪ ..‬حتدق فى رعب‪ ..‬ال حيلة‬
‫هلا فيه‪..‬‬
‫ضحك (نبيل) بعصبية‪ ..‬ومتايل قليالً‬
‫على قدميه‪ ..‬بعد أن عاد إليه توازنه‪..‬‬
‫وقال لــ (تيمور)‪:‬‬
‫ إن سالحى أقوى من سالحكم!‬‫أسقط (تيمور) القيثارة‪ ..‬التى زحفت‬
‫بعيداً‪ ..‬حتى اختبأت حتت العرش‪..‬‬
‫ومهس حبقد‪:‬‬
‫إذن جي��ب أن ن��أخ��ذه م��ن��ك��م‪ ..‬ي��ا أهل‬
‫األرض!‬
‫ووثب بسرعة جتاه (نبيل)‪ ..‬وجاء على إثره‬
‫اآلخرون‪ ..‬وقد أعماهم غضب اهلزمية‪ ..‬فى‬
‫الوقت الذى كانوا واثقني فيه من النصر‪..‬‬
‫على أهل كوكب األرض‪..‬‬
‫خطف (ن��ب��ي��ل) األس��ط��وان��ة السمعية‪..‬‬
‫ورفعها إىل شفتيه‪ ..‬وضغط على زرها‪..‬‬
‫وصرخ بكلمة واحدة‪:‬‬
‫ أسرع!‬‫ً‬
‫شعر بأن الوقت قد تأخر كثريا‪ ..‬ولكن‬
‫ليس حتى هذه اللحظة‪ ..‬حيث هزم اخلوف‪..‬‬
‫والرعب‪..‬‬
‫وتساءل (نبيل) فى حرية‪:‬‬
‫ ت��رى هل يتمكن (ع���ادل) و(ف��ه��د) من‬‫دخ���ول ه��ذا امل��ك��ان امل��م��ن��وع‪ ..‬ويتمكنا من‬
‫إنقاذنا؟!‬
‫‪-7-‬‬

‫‪68‬‬

‫احننى (نبيل) ألسفل‪ ..‬ليتفادى املهاجم‬
‫الذى وثب عليه‪..‬‬
‫وبينما هو يهبط‪ ..‬رأى املستشارين الذين‬
‫فروا‪ ..‬يعودون مسرعني لنجدته‪..‬‬
‫مسع أصوات صياحهم‪ ..‬وشاهد الصبى‬
‫(فادى) بينهم‪.‬‬
‫وفجأة‪ ..‬اصطدم شئ ما بعنف برأسه‪..‬‬
‫ثم جثم عليه وزن هائل‪..‬‬
‫صرخ شخص م��ا‪ ..‬ورأى ملعان اخلناجر‬
‫احلادة على ضوء املصابيح اخلافتة‪..‬‬
‫حاول أن ينهض‪ ..‬ولكنه مل يستطع‪ ..‬كاد‬
‫أن يفقد وعيه‪ ..‬ومل يدر إال بوجود فوضى‬
‫من احلركات‪ ..‬وملعان اخلناجر‪ ..‬واألصوات‬
‫احلادة‪..‬‬
‫شم رائحة الدم‪ ..‬وأحس باألمل‪..‬‬
‫البد أن حترك‪ ..‬ألنه وجد نفسه مرتكزاً‬
‫على يديه‪ ..‬وقدميه‪ ..‬ينظر إىل وجه (فادى)‬
‫الراقد أمامه‪ ..‬كان نصل خنجر حناسى‪..‬‬
‫منتصباً خارجاً من صدر الصبى‪ ..‬وخيط‬
‫من الدم األمحر القانى‪ ..‬عرب جلده الذهبى‪..‬‬
‫قابلت عيناه شبه املغمضتني‪ ..‬عينى (نبيل)‬
‫فى نظرة تائهة‪ ..‬تعرب عن األمل‪ ..‬مهس فى‬
‫وهن‪:‬‬
‫ أبى!‬‫احتضنه (نبيل) بقوة‪..‬‬
‫غمغم (فادى) مرة أخرى‪ ..‬ثم تأوه‪..‬‬
‫واستمر (نبيل) حيتضنه‪ ..‬برغم أن الصبى‬
‫أصبح ثقيالً جداً‪ ..‬على ذراعيه املصابتني‪..‬‬
‫وبدت عيناه فارغتني‪ ..‬حتدقان فى ال شئ!‬
‫اعتقد (نبيل) أن القاعة ق��د أصبحت‬
‫هادئة‪..‬‬
‫ثم حتدث صوت إليه‪..‬‬
‫فرفع رأسه‪ ..‬ورأى (عادل) واقفاً جبواره‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قيثارات‪ ..‬املوت‬
‫ومعه (فهد)‪ ..‬كانا حيدقان فى وجهه‪ ..‬مل‬
‫يستطع أن يشاهدمها ب��وض��وح‪ ..‬إذ كانت‬
‫الدموع فى عينيه!‬
‫قال بصوت مفعم باألسى‪:‬‬
‫ لقد ظن الصبى أننى أب���وه‪ ..‬فتشبث‬‫حبضنى‪ ..‬ونادانى بكلمة (أبى)‪ ..‬وهو يلفظ‬
‫أنفاسه األخرية!‬
‫محل (فهد) جسد (فادى)‪ ..‬ووضعه برفق‬
‫فوق األرضية امللساء‪..‬‬
‫هن��ض (ن��ب��ي��ل) ب��ب��طء وش��اه��د (تيمور)‬
‫ورج��ال��ه‪ ..‬كلهم موتى‪ ..‬وع��رف أن (عادل)‬
‫و(فهد) انتقما منهم‪ ..‬أولئك الذين حاولوا‬
‫زيادة الكراهية‪ ..‬هلكوا‪..‬‬
‫ومل ميكن لقيثارات املوت‪ ..‬أن تظهر بعد‬
‫ذلك فى مدينة (قمر زحل) أبداً‪..‬‬
‫ه���ذا ه���و م���ا ك���ان ي��ق��ول��ه املستشارون‬
‫ال��ش��اح��ب��ون‪ ..‬امل��رت��ع��دون‪ ..‬م��ن ح��ول��ه‪ ..‬مل‬
‫يستطع مساعهم جيداً‪..‬‬
‫فمازالت فى أذنيه اهلمسات اخلافتة‪..‬‬
‫لصبى حيتضر!‬
‫اس��ت��دار (نبيل) وس��ار خ��ارج�اً من قاعة‬
‫اجمللس‪ ..‬ووصل إىل الدرج املرمرى‪..‬‬
‫كان الظالم قد أسدل أستاره‪ ..‬وأضيئت‬
‫املصابيح‪ ..‬وب���دأت ال��ري��اح ال��ب��اردة هتب‪..‬‬
‫وشعر بالتعب واإلجهاد الشديدين‪..‬‬
‫نظر (نبيل) إىل (عادل) وقال بضعف‪:‬‬
‫ سوف أذهب إىل سفينة الفضاء!‬‫شاهد فى عينى (عادل) السؤال الذى مل‬
‫جيرؤ قط على اإلفصاح عنه‪..‬‬
‫هز رأسه واستطرد قائالً‪:‬‬
‫ سأعود إىل ما كنت عليه‪ ..‬فال أستطيع‬‫أن أحتمل عذاب‪ ..‬وأمل حياة بشرية ثانية‪..‬‬
‫ال لن حيدث هذا!‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫مل جيبه (عادل)‪ ..‬وإمنا أمسك بذراعه‪..‬‬
‫وسارا معاً عرب الفناء‪ ..‬وجاء وراءمها (فهد)‬
‫وهو حيمل فى يديه برقة‪ ..‬ثالثة كائنات ذات‬
‫لون فضى وماسى وردى‪ ..‬بدأت تطلق سلسلة‬
‫من النغمات املوسيقية اخلافتة والعذبة‪ ..‬ثم‬
‫أخذت ترتفع‪ ..‬لتعرب عن سعادة املسجونني‬
‫الذين نالوا حريتهم أخرياً‪..‬‬
‫دفنوا جثة (أجمد) فى املنطقة اخلالية من‬
‫األشجار الطحلبية‪ ..‬فى نفس املكان الذى‬
‫مات فيه‪ ..‬ورقد جبوار ابنه (فادى)‪..‬‬
‫وبنى (ع���ادل) و(ف��ه��د) فوقهما شاهداً‬
‫حجرياً مبساعدة (تامر)‪.‬‬
‫ومن بني الظالل ملح (ع��ادل)‪ ..‬صندوقاً‬
‫معدنياً ص��غ�يراً‪ ..‬حيلق فى الفضاء‪ ..‬فوق‬
‫أشعة كهرومغناطيسية خافتة‪ ..‬صامتة‪..‬‬
‫عبارة عن عقل حرّ‪ ..‬جم�رَّد‪ ..‬مرة أخرى‪..‬‬
‫قطع إىل األب���د‪ ..‬ك��ل عالقة ل��ه بالبشر‪..‬‬
‫وآالمهم وأحزاهنم‪..‬‬
‫لقد جنحوا فى مهمتهم‪..‬‬
‫وافرتقوا عن (تامر)‪..‬‬
‫وس������اروا خ��ل�ال األش���ج���ار الطحلبية‬
‫العمالقة‪ ..‬اهلامسة‪ ..‬فى طريقهم إىل سفينة‬
‫الفضاء (الشهاب)‪..‬‬
‫متهل (عادل) و(فهد) ونظرا وراءمها إىل‬
‫ال�برج احل��ج��رى ال��ع��اىل‪ ..‬ال��ذى يضم قاعة‬
‫اجمل��ل��س‪ ..‬املبنى الوحيد ال��ذى يطل عليه‬
‫كوكب (زحل)‪ ..‬وحلقاته النارية‪..‬‬
‫لكن (نبيل) مل ينظر وراءه‪..‬‬
‫فقد كان فى العقل احلرّ‪ ..‬اجملرَّد‪ ..‬خيوط‬
‫أمل‪..‬‬
‫وصورة صبى‪ ..‬حيتضر‪ ..‬ويهمس‪:‬‬
‫‪ -‬أبى!‬

‫‪69‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬
‫أتعرفون هنر الفرات العظيم‪ ،‬الذي‬
‫شهدت ضفافه أوىل احلضارات‬
‫البشرية؟ إن��ه ميتد طويالً بطول‬
‫يصل إىل ‪ 2800‬كيلو مرت‪..‬‬
‫طوفاناته املتعاقبة واحنسارها شكلت جزراً‬
‫داخله يف مناطق عرض قد تصل إىل ‪/2000/‬‬
‫ألفي م�تر‪ ..‬ه��ذه اجل��زر يسموهنا (باحلوايج‬

‫‪70‬‬

‫ومفردها حوجية) يف إحدى احلوايج جرت هذه‬
‫املغامرة‪..‬‬
‫ك��ان وليد يعمل يف صيد السمك‪ ،‬يلتقط‬
‫رزقه من النهر ويبيعه‪ ..‬وكان لديه زورق ينقل‬
‫به سكان املنطقة من ضفة إىل ضفة‪ ،‬وأحياناً‬
‫من قرية إىل قرية‪ ..‬إذا كانت القريتان قريبتني‬
‫من النهر‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫ تأخرت يف العودة يابين‪..‬‬‫ ما تزالني ساهرة؟ كنت يف رحلة يف النهر‬‫وق��د تأخرت قليالً يف ال��ع��ودة‪ ..‬أحضرت لك‬
‫هذه السمكات ياأمي‪..‬‬
‫ سلمت ي����داك‪ ..‬أن��ت ج��ائ��ع‪ ..‬سأنظف‬‫السمكات وأقليها‪..‬‬
‫ ال داعي يا أماه‪ ،‬أنا متعب قليالً‪ ..‬كما أن‬‫الوقت متأخر‪ ،‬سأستيقظ مبكراً‪ ..‬اتفقت مع‬
‫بعض خرباء البيئة على جولة يف النهر‪..‬‬
‫ ال ب��أس‪ .‬رح��م اهلل وال���دك‪ ،‬رح��ل وأنتم‬‫صغار‪ ..‬وأنت آخر العنقود‪ ،‬أريد أن أفرح بك‪..‬‬
‫مازال الوقت مبكراً يا أماه‪ ،‬جيب أن أمجع‬
‫مبلغاً كافياً‪ ،‬املهور هذه األيام مرتفعة‪ ..‬وقد بدأ‬
‫عملي يتحسن يف األشهر األخرية نتيجة االهتمام‬
‫احلايل باملنطقة هناك سياح أجانب‪ ،‬وخرباء يف‬
‫البيئة ووفود علمية خمتلفة تؤم املنطقة‪ .‬أصبح‬
‫العمل خمتلفاً‪ ،‬لدينا دخل جيد‪..‬‬
‫ احلمد هلل‪ ..‬لو مسعت مين لراسلت أزواج‬‫أخواتك املنتشرين يف اخلليج‪ ،‬لريسلوا بعض‬
‫املال ليساعدك يف الزواج‪..‬‬
‫ ال يا أماه‪ ..‬إهنم مغرتبون حياولون حتسني‬‫ظروفهم املعيشية‪ ،‬هل أصبح عبئاً على أخواتي‪،‬‬
‫ال‪ ..‬هذا لن يكون وضعاً صحيحاً‪..‬‬
‫ كما تشاء يا بين‪ ..‬إن شاء اهلل سنوفق يف‬‫مجع املهر املالئم لعروسك املقبلة‪.‬‬
‫ ال بأس يا أماه‪ .‬سأغتسل وأنام‪..‬‬‫رجعت األم ذك��ري��اهت��ا إىل س��ن��وات خلت‪..‬‬
‫تويف زوجها وترك ثالث بنات وصيب كان هو‬
‫األصغر‪ ،‬وقد تعلّق به يف أيامه األخرية وأوصاه‬
‫بأمه كثرياً‪..‬‬
‫ل��ق��د زوج���ت ال��ب��ن��ات ع��ن��دم��ا وص��ل��ن لسن‬
‫ال��زواج من أبناء أعمامهن بالتتايل كان القدر‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫قد كتب هلا أن ترتاح من مشكلة املهور‪ ..‬وبعث‬
‫هلا أصهاراً عاملتهم كأبنائها‪ ..‬ومل يبق سوى‬
‫وليد رحيانة البيت الذي كان يعاملها معاملة‬
‫شديدة احلساسية‪ ،‬خبوفه عليها وعمله على‬
‫إسعادها‪..‬‬
‫وليد اآلن يف الرابعة والعشرين من عمره‪..‬‬
‫وتعترب أن هذا العمر متأخراً للزواج‪ ..‬فهي من‬
‫قرية يتزوج فيها الشبان يف سن قد التصل إىل‬
‫العشرين‪ .‬درس وليد يف املدرسة‪ ،‬حتى حصل‬
‫على الثانوية العامة‪ ..‬وخافت أن ترسله للدراسة‬
‫يف اجلامعة وختسر وجوده إىل جانبها‪..‬‬
‫وكأمنا فهم يف سره‪ ،‬فرفض إكمال تعليمه‬
‫وأكمل رحلة والده يف الصيد ونقل الناس من‬
‫ضفة إىل ضفة‪ ..‬غفت متأخرة وهي تشعر بقلق‬
‫خفي‪..‬‬
‫استيقظت مع خيوط الفجر األوىل وأيقظت‬
‫وليداً كما أوصاها‪ ..‬مل يكن مرتاحاً‪..‬‬
‫ تبدو قلقاً يا وليد‪..‬‬‫ ال‪ ..‬أنا خبري يا أماه‪ ..‬رمبا مازلت حباجة‬‫لنوم‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ هل رأيت حلما مزعجا؟ أصدقين؟‬‫ ملاذا تسألني مثل هذا السؤال؟ قلت لك يا‬‫أماه أنا خبري‪..‬‬
‫ حسناً يا بين‪ ،‬انتبه لنفسك‪..‬‬‫كان وليد قد رأى حلماً مزعجاً فعالً‪ ،‬أفعى‬
‫من نوع (أناكوندا) عمالقة جتتاز النهر وتقلب‬
‫زورقه بركابه‪..‬‬
‫قرأ بعض السور يف قلبه‪ ،‬وجهّز الزورق‪ ،‬ثم‬
‫دفعه يف النهر وأدار حمركه وقد وجهه صوب‬
‫الضفة األخرى وهو يرجو أن يكون من وعدهم‬
‫قد حضروا‪..‬‬
‫وفعالً وجدهم يقفون عن بعد كانوا‬

‫‪71‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫ثالثة رج��ال وام��رأت�ين‪ ،‬حيملون حقائب على‬
‫ظهورهم‪..‬‬
‫ً‬
‫ أرجو أن ال أكون تأخرت كثريا‪..‬‬‫ بضع دقائق اليهم‪ ..‬هه جهّز نفسك يا‬‫سامر‪..‬‬
‫ أنا جاهز يا دكتور‪..‬‬‫ سأساعدك يا أستاذ سامر‪ ،‬هل هذه هي‬‫األجهزة اليت ستستخدموهنا؟‬
‫ نعم‪ ،‬وهذه بعض احلقائب اليت حتوي علب‬‫الطعام‪ ..‬وعلب عينات مجعناها من هنا‪..‬‬
‫ أترين يا دكتورة سامية؟ الكائنات يف هذه‬‫العلبة الشفافة تبدو غريبة‪..‬‬
‫ نعم‪..‬نعم‪ ..‬قد تنشط هذه الكائنات كثرياً‬‫مع شروق الشمس‪..‬‬
‫ رمبا كانت ترتبط بضوء الشمس مباشرة‪،‬‬‫فعندما تغلغل الضوء إليها‪ ،‬بدأت تتحرك‪ ..‬ثم‬
‫تغيّرت بعض ألواهنا‪..‬‬
‫ ه��ه‪ ..‬نقلنا كل ش��يء‪ ..‬حتى األقفاص‬‫الصغرية‪..‬‬
‫ جاهزون‪ ..‬سأبدأ بإدارة احملرّك‪..‬‬‫ان��دف��ع ال���زورق حن��و اجل��ن��وب‪ ،‬ك��ان اخلرباء‬
‫يريدون كما فهم وليد أن يدرسوا البيئات يف‬
‫النهر‪ ،‬مبختلف أشكاهلا‪..‬‬
‫وكانت الدكتورة سامية خبرية يف علم النبات‪..‬‬
‫كما كان الدكتور هشام خبرياً يف احلياة الربية‪..‬‬
‫أما الدكتورة سهى فكانت خبرية يف املكوّنات‬
‫العضوية احلية‪ ..‬وسامر كان طالب دكتوراه‬
‫يدرس يف علم احليوان – املفرتسات الالمحة‬
‫واملفرتسات العضوية‪..‬‬
‫وكان يرافقهم عامل انرتبولوجيا من جامعة‬
‫جورج تاون‪ ،‬كان يتقن العربية وكانوا يدعونه‬
‫باملفتاح‪ ،‬لكثرة فضوله‪ ،‬وقد أتى بتوصية خاصة‬

‫‪72‬‬

‫من السلطات العليا‪..‬‬
‫ ال تتعجل يا وليد‪ ..‬نريد أن نستكشف‬‫النهر جيداً‪..‬‬
‫ سرعة ال��زورق ضئيلة‪ ،‬ولكننا نسبح مع‬‫التيار‪ ،‬التيار يدفعنا يا دكتورة سهى‪..‬‬
‫ بدأنا نقرتب من حوجية صغرية يف الوسط‪..‬‬‫هل تتوقعون أن نعثر فيها على شيء جديد؟ ما‬
‫رأيك يا دكتور هشام؟‬
‫ً‬
‫ هناك حوايج أخرى أكثر اتساعا وغنىً‪..‬‬‫ سنرى ذلك‪ ،‬جئنا لالستكشاف‪ ،‬لن هنمل‬‫شيئاً‪..‬‬
‫ س��أرب��ط احل��ب��ل هب���ذا ال��ف��رع الصغري‪..‬‬‫ميكنكم القفز اآلن‪..‬‬
‫ كأنه عش بني الدغل هنا‪ ..‬انظر يا دكتور‬‫هشام‪..‬‬
‫ فعالً هو عش لطري من نوع غريب‪..‬‬‫ صغري الرأس كبري املنقار‪ ..‬حجمه يف حجم‬‫محامة‪ ..‬أعتقد أنه ينتمي لنوع نادر‪..‬‬
‫ الطيور النادرة يف سورية كانت تعد باملئات‬‫من قبل‪..‬‬
‫ً‬
‫ لع ّل هذه احلوايج ‪ ،‬ما تزال موطنا لعدد‬‫منها‪..‬‬
‫ انظري يا دكتورة سهى داخل العش هنا‪،‬‬‫يبدو البيض ملوّناً أيضاً‪.‬‬
‫ سألتقط العديد من الصور هلا‪..‬‬‫ وأن���ا س��أص��وره��ا – فيديو – بكامريتي‬‫الصغرية‪..‬‬
‫ع��ث��روا على زواح���ف كثرية األرج���ل‪ ،‬وعلى‬
‫ديدان خمططة‪ ،‬ثم على يربوع ضخم سرعان‬
‫ما اختفى يف إحدى احلفر‪..‬‬
‫مل تكن احلوجية مبساحة كافية ليقضوا‬
‫وقتاً يف دراس��ة النباتات واحل��ي��وان��ات فوقها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫لذلك حترك هبم الزورق حنو حوجية جديدة‪..‬‬
‫مسعوا أص��وات �اً فوقهم طغت على صوت‬
‫الزورق‪ ،‬كانت أسراب من الطيور املهاجرة متر‬
‫فوقهم متجهة حنو الشمال‪ ..‬وم��ازال بعضها‬
‫يرتفع م��ن م��ك��ان م��ا‪ ،‬أم��ام��ه��م يف النهر حنو‬
‫اجلو‪..‬‬
‫ أتعتقد يا دكتور هشام أهنا كانت لبعض‬‫الوقت يف إحدى حوايج النهر الكبرية؟‬
‫ ميكن يا سامر‪ ..‬على األقل بعضها كان‬‫يندفع حنو اجلو من داخل النهر‪..‬‬
‫ النهر سيضيق قليالً مع اقرتابنا من حوجية‬‫(املرداد)‪..‬‬
‫ حوجية (املرداد)؟‬‫ ن��ع��م‪ ،‬ه���ي ح��وجي��ة ن��ط��ل��ق ع��ل��ي��ه��ا حنن‬‫الصيادين اس��م امل��رداد ألن أح��د رفاقنا مات‬
‫فيها‪..‬‬
‫ أذكر أهنا كانت قصة مؤثرة‪..‬‬‫ نعم‪ ..‬كانت مأساة‪..‬‬‫ أميكن أن حتكيها لنا؟‬‫ ال ب��أس رمب��ا كانت مفيدة لكم‪ ،‬حتى ال‬‫تفكروا بالتوقف عندها‪ ،‬وحماولة دراستها‪..‬‬
‫ إىل هذه الدرجة؟‬‫ تبدو حكاية غريبة يا سهى ‪..‬‬‫ نعم يا سامية‪ ..‬هه‪ ..‬تفضل يا وليد‪..‬‬‫كان جاسم املرداد صياداً شجاعاً‪ ،‬صبورا‪ً،‬‬
‫يصيد أحياناً من أمس��اك النهر وأحياناً من‬
‫طيور اجل �وّ املقيمة هنا‪ ،‬أو املهاجرة‪ ..‬وكان‬
‫كرمياً‪ ،‬معطاءً كل من يعرفه حيبّه‪ ..‬كان حيل‬
‫مشاكل الصيادين ويساعدهم وكانت صالته‬
‫جيدة بأصحاب السلطة يف احملافظة‪ ،‬وكانوا‬
‫اليردون له طلباً‪ ..‬كانت احلوجية مصدر قلق‬
‫للسلطات‪ ،‬فقد انتشرت إشاعات عنها‪ ،‬تؤكد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أهنا مسكونة باجلن‪ ،‬وأن من يقرتب منها قد‬
‫يعاني كثرياً منهم‪..‬‬
‫ تبدو قصة غ�ير مقنعة ي��ا ول��ي��د‪ ..‬جنّ‪،‬‬‫وعفاريت؟‬
‫ أرج����وك ي��ا س��ه��ى‪ ،‬دع��ي��ه‪ ..‬يتكلم بكل‬‫حريته‪..‬‬
‫ أنا قلت إن اإلشاعات اليت انتشرت تقول‬‫إهن��ا مسكونة‪ ،‬املهم أن أمح��د امل���رداد تعرّض‬
‫ملوقف دفعه ليقوم خبطوة‪ ،‬اليقوم هبا يف احلالة‬
‫العادية‪..‬‬
‫وبدأ حيكي القصّة ‪:‬‬
‫كان الصيادون يف قوارهبم جيولون يف النهر‪:‬‬
‫ يا ريّس أمحد أهل االسيوطي قلقون عليه‪،‬‬‫مل يعد حتى اآلن‪..‬‬
‫ األسيوطي؟ رأيته البارحة‪ ،‬ك��ان زورقه‬‫حممالً باألمساك‪..‬‬
‫ ذهب مبكرّاً اليوم ووعد زوجته أن يعود‬‫عند الظهر وحنن اآلن على وشك الدخول يف‬
‫الظالم‪..‬‬
‫ غريب‪ ،‬ال��ذي أعرفه عنه أن��ه ال يتأخر‬‫يف مواعيده‪ ..‬حني يذهب للصيد ال يستطيع‬
‫البقاء أكثر من ساعتني أو ثالث ساعات‪ ..‬وهذه‬
‫إحدى النقاط اليت نلومه عليها حنن الصيادين‪..‬‬
‫فالصياد جيب أن يكون صبوراً جلوداً‪ ،‬ال يشعر‬
‫بالكلل أو امللل‪..‬‬
‫ املهم أنه مل يعد يا ريّس أمحد‪ ..‬زوجته تكاد‬‫تقتل نفسها من القلق‪ ..‬هي خائفة أن يكون قد‬
‫غامر بدخول اجلزيرة املسكونة وحاصره اجلان‬
‫ومل يعد‪..‬‬
‫ أمر غريب‪ ،‬وملاذا يدخل اجلزيرة املسكونة؟‬‫اجلميع يتحاشى االق�تراب منها فكيف‬
‫بالدخول إليها‪..‬‬

‫‪73‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫هكذا كانت تردد باكية‪ -« :‬أرجوكم أنقذوا‬
‫زوجي من املوت على يد اجلان‪»..‬‬
‫وكنا هندئها حماولني التأكيد أن زوجها سيعود‬
‫سريعاً‪ ..‬وكانت تقول ‪ »:‬قولوا للريّس أمحد أن‬
‫زوجة األسيوطي‪ ،‬ترجوك أن ختلّصه من املوت‬
‫على يد اجلان‪ ،‬الكل حيكي عن شهامتك ونبلك‬
‫يف مساعدة الناس‪..‬ساعدها حبقّ اهلل»‬
‫ وكيف اختفى زوجها؟‬‫ ألول م��رة يف حياهتا معه –كما قالت‪-‬‬‫خيتفي ه��ك��ذا‪ ..‬فليس م��ن ع��ادت��ه أن يتأخر‬
‫أب��داً‪ ..‬زوجها رجل نظامي‪ ،‬رغم فوضى عمل‬
‫الصيادين‪ ..‬مسعت أنه خرج يصطاد الطيور يف‬
‫اجلزيرة املسكونة‪ ..‬وهذا ما أقلقها‪..‬‬
‫ح����اول ال���ريّ���س أمح����د أن ي��س��ت��ف��س��ر من‬
‫الصيادين اآلخرين إن كانوا مسعوا مبا جرى‬
‫لألسيوطي‪ ..‬وه��ل غامر فعالً بالدخول إىل‬
‫اجلزيرة املسكونة‪..‬‬
‫أقسم مجيع من رآهم‪ ،‬من الصيادين أهنم مل‬
‫يروا األسيوطي‪ ،‬ال أمام احلوجية املسكونة‪ ،‬وال‬
‫يف أي مكان آخر‪..‬‬
‫ولكن إصرار زوجة األسيوطي على أنه غامر‬
‫بالنزول إىل احلوجية املسكونة‪ ،‬ليصطاد فيها‬
‫كما أشاع بعض من مل يرهم املرداد فعالً‪ ،‬جعله‬
‫يفكر بأن يرسو بزورقه مع اثنني من معاونيه‬
‫على ضفة احلوجية‪ ..‬بعد أن دار حوهلا أكثر‬
‫من مرة بالزورق‪..‬‬
‫أص���رّ امل��ع��اون��ان أن ي��ظ�لاً يف ال���زورق على‬
‫الضفة ودخ��ل أمح��د امل��رداد مسلحاً ببندقية‬
‫ق��دمي��ة وخنجر م��ره��ف ال��ن��ص��ل‪ ..‬وب��ع��د حنو‬
‫نصف ساعة من اختفائه بني أدغال احلوجية‪،‬‬
‫مسع الرجالن طلقات نارية‪ ..‬وصراخاً‪..‬‬
‫ال‪..‬ال‪ ..‬لن استسلم لكم أيها األن��ذال‪ ..‬آه‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫أنذال‪..‬‬
‫وأك��م��ل ول��ي��د حكايته وه��م ينصتون إليه‬
‫باهتمام ‪:‬‬
‫وه��ك��ذا ع��اد ال��رج�لان‪ ،‬وأومه���ا ال��ن��اس أن‬
‫املرداد هو من أمرمها بالرحيل‪ ،‬وصوّراه كبطل‬
‫أسطوري يضرب اجلان عن اليمني والشمال‪،‬‬
‫ولكن الكثرة غلبت الشجاعة‪..‬‬
‫ ومل يعد املرداد أبداً؟‬‫ نعم‪ ..‬وظل لغز اختفائه سراً مل يكتشفه‬‫أحد‪..‬‬
‫ وماذا جرى لألسيوطي؟‬‫ الطريف أن األسيوطي عاد يف صباح اليوم‬‫التايل‪ ،‬وهو يعتذر لزوجته عن تأخريه يف العودة‪،‬‬
‫ألن واحداً ممن نقلهم من ضفة إىل ضفة أخرى‬
‫قد مات باجللطة يف زورقه‪ ،‬فاضطر أن يبقى‬
‫مع أهله حتى وقت متأخر‪ .‬وكانت قريتهم يف‬
‫اجلانب اآلخر من النهر‪..‬‬
‫ وملاذا مل يتصل؟ مل تكن االتصاالت متوفرة‬‫يف ذلك احلني؟‬
‫ نعم يا دكتور هشام‪ ..‬مل تكن االتصاالت‬‫متوفرة‪..‬‬
‫ وأين هذه احلوجية املسكونة يا وليد؟‬‫ إهنا على بعد حنو (‪ )500‬مرت أمامنا‪..‬‬‫قالت سامية ‪ - :‬ما رأيكم أن نذهب إليها؟‬
‫ م���اذا ي��ا دك��ت��ورة ؟ إهن��ا مسكونة‪ ،‬هكذا‬‫يقوم أهل املنطقة‪ ..‬ال أحد جيرؤ على الدخول‬
‫فيها‪..‬‬
‫ ال تقلق يا وليد‪ ،‬حنن نعمل بالعلم‪ ،‬وال‬‫خناف‪ ..‬لكل قضية شائكة تفسريها العلمي‪..‬‬
‫وأكمل سامر ‪ - :‬ولدينا األسلحة املناسبة‪،‬‬
‫من مواد طيارة خمدّرة‪ ..‬وحقن منوّمة‪ ،‬وأذهان‬
‫تعرف كيف تستكشف‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫ أحسنت يا سامر‪ ..‬حنن يف القرن احلادي‬‫والعشرين يا وليد‪ ..‬أثرت فضولنا بقصتك‪..‬‬
‫وس��ت��ك��ون احل��وجي��ة ال�ت�ي تسموهنا مسكونة‬
‫حمطتنا القادمة؟‬
‫وهكذا اجته وليد بزورقه وقلبه ينبض بعنف‬
‫حنو احلوجية اليت بدت عن بعد والزورق يقرتب‬
‫منها أشبه بدغل وس��ط امل��ي��اه‪ ..‬ح��اول سامر‬
‫طالب الدكتوراه‪ ،‬أن يشجع وليد وقد رآه خائفاً‬
‫مرتدداً‪..‬‬
‫وظ� ّل وجه وليد ينطق خبوفه رغم طمأنة‬
‫سامر له ‪ ..‬وهكذا اق�ترب ال���زورق من ضفة‬
‫احلوجية‪ ،‬ودخل وليد بزورقه يف فتحة أشبه‬
‫مبرفأ صغري‪..‬‬
‫ هيا يا مجاعة‪ ،‬لنصطحب الضروري من‬‫متاعنا‪ .‬سنحتفظ بالقليل من املتاع هنا‪ ،‬ويذهب‬
‫وليد معنا بعد أن يثبت زورقه جيداً وسط هذه‬
‫الفرجة الصغرية الشبيهة باملرفأ الصغري‪...‬‬
‫املنطقة أمينة هنا‪ ..‬ال ختف يا رجل ليس‬
‫هناك هذا الرعب ال��ذي تتخيلونه‪ ..‬هيا بنا‪،‬‬
‫ستكتشف أن العملية كلها كذبة كبرية‪..‬‬
‫بعد أن اطمأن وليد على ثبات الزورق‪ ،‬محل‬
‫بعض األمتعة واجته مع اجملموعة داخل الدغل‬
‫املتكاتف‪..‬‬
‫كانت الطيور ت��زق��زق‪ ..‬وتنفلت طائرة من‬
‫أعشاشها أحياناً‪ ..‬وك��ان املشهد بديعاً‪ ،‬وقد‬
‫شعرت اجملموعة بأهنا تدخل يف أرض شبه بكر‬
‫مل تعبث هبا أيادي البشر‪..‬‬
‫ هذا مكان نادر‪ ..‬مل متسّه تدخالت البشر‬‫منذ زمن بعيد‪..‬‬
‫سألت سامية ‪ - :‬منذ متى اختفى املرداد‬
‫هذا يا وليد؟‬
‫ً‬
‫ آه‪ ..‬منذ أكثر من مخسني عاما كما يذكر‬‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الناس هنا‪..‬‬
‫ غريب‪ ..‬ومل يفكر أحد بالولوج إليها كل‬‫هذا الوقت؟‬
‫ هناك الكثري من األماكن مازالت جمهولة‬‫يف هذه املناطق‪ ..‬طبيعة الناس هنا يا دكتورة‬
‫سامية‪ ،‬طبيعة هادئة‪ ،‬غري مغامرة‪..‬‬
‫ هادئة أكثر من ال�لازم‪ ..‬حتى املنظمات‬‫البيئية مل حترتق مثل هذه املناطق ‪ .‬هذا غريب‬
‫فعالً‪..‬‬
‫ يعقدون امل��ؤمت��رات وال��ن��دوات وورشات‬‫العمل يف امل��دن الرئيسية هنا‪ ،‬ولكن دون أن‬
‫يزوروا ويستكشفوا املناطق احمليطة باملدن‪..‬‬
‫وفجأة صرخ (املفتاح) بلغته الركيكة ‪ - :‬هذا‬
‫عجيب ‪..‬‬
‫ ماذا هناك يا دكتور؟‬‫ حيوان زاحف من نوع مل أره من كبل ‪..‬‬‫ مل تر مثل هذا النوع من قبل؟ ما رأيك يا‬‫دكتورة سهى؟‬
‫أعتقد أنه من نوع العظاءة العادية‪ ،‬ولكن‬
‫جسمه متطاول ب��رأس صغري وأل���وان شبيهة‬
‫بالرتبة والنبات األخضر‪..‬‬
‫وصلتهم أص��وات صرخات ‪ ..‬كأن أحدهم‬
‫يصرخ‪ ..‬وكان الصوت يأتي من داخل الدغل‪..‬‬
‫مل يكن يبدو صراخاً بشرياً‪..‬‬
‫ردّد وليد خبوف ‪ - :‬إهنم اجلان‪ ..‬انزعجوا‬
‫من جميئنا‪..‬‬
‫ً‬
‫مهس هشام مهدّئا ‪ - :‬ال ختف يا بين‪،‬‬
‫سنرى من الذي يصرخ‪.‬‬
‫كان شيخاً متقدماً يف السن ‪ ،‬حوله الكثري‬
‫من النفايات‪ ،‬كأنه مقعد‪..‬‬
‫ظهر الشيخ بلحيته وشعره الطويلني‬
‫ولباسه امل��م��زق‪ ،‬يف مكان ب�ين نباتات‬

‫‪75‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫الدغل‪ ،‬كان املكان يشبه كهفاً صغرياً واطئاً‪..‬‬
‫كان اكتشافه أوىل اكتشافات احلوجية البكر‪،‬‬
‫اليت عدّهتا اجلماعة إضافة هامة للبيئة احليّة‬
‫داخل هنر الفرات‪..‬‬
‫كانت حلية الشيخ البيضاء وشعره الطويل‪،‬‬
‫ولباسه املمزق بني نباتات الدغل أشبه بكائن‬
‫أسطوري أشبه بشجرة حيّة ‪ ..‬كان ينظر إليهم‬
‫ببالهة وخوف‪ ،‬وهم حيادثونه‪..‬‬
‫ انظروا إليه كأنه فوجئ بنا‪..‬‬‫ يا إهلي‪ ..‬إنه يعيش وسط جو قذر‪ ،‬ال أرى‬‫سوى الفضالت‪..‬‬
‫ ح��اول أن تسحبه ي��ا ول��ي��د‪ ..‬س��اع��ده يا‬‫سامر‪..‬‬
‫كان يشعر بالغثيان وهو يسحبه مع سامر‪..‬‬
‫ إنه خائف منا‪ ..‬ماذا سنفعل؟‬‫ ال يهم‪ ،‬جيب أن نسحبه‪ ،‬من كهفه الواطئ‪،‬‬‫أو حفرته‪..‬‬
‫ ليست حفرة‪ ،‬إنه كهف عميق فعالً‪..‬‬‫ انظري يا سهى‪ ،‬إن��ه مصاب‪ ،‬ك��أن الدم‬‫يسيل من فخذه‪..‬‬
‫ لذلك يبدو عاجزاً عن احلركة‪..‬‬‫جن��ح��وا يف سحبه‪ ،‬وت��ط �وّع س��ام��ر ووليد‬
‫لغسله باملاء‪ ،‬وهو ساكن صامت‪ ،‬مرعوب‪ ،‬ينظر‬
‫ببالهة‪ ،‬كأن ما يفعلونه به ال يعنيه‪..‬‬
‫ألبسه الدكتور هشام ثياباً من حقيبته‪..‬‬
‫بعدما ضمّدوا له اجلرح‪ ،‬الذي بدا كأنه أصيب‬
‫به نتيجة وقوعه على نبات حادّ‪..‬‬
‫ انظر يا دكتور هشام‪ ،‬كأنه ال يستطيع‬‫املشي‪..‬‬
‫ فعالً‪ ،‬رجاله شديدتا الرخاوة‪ ..‬حنيفتان‬‫أكثر من الالزم‪ ..‬أعتقد أنه يزحف يف تنقالته‪..‬‬
‫ه��ه سنسأل صديقنا امل��ف��ت��اح‪ ..‬م��ا رأي���ك يا‬
‫دكتور؟‬

‫‪76‬‬

‫ إنه منعزل‪ ،‬يعيش بعيداً عن احلضارة‪ ..‬مل‬‫أر مثل هذه اهلالة من كبل‪..‬‬
‫ لنطعمه بعض طعامنا‪..‬‬‫ معك حق يا سامية‪ ،‬يبدو جائعاً‪..‬‬‫أك��ل الشيخ بعض ال��ط��ع��ام‪ ،‬وه��و يرمقهم‬
‫ببالهة‪ ،‬وفجأة بدأ يبكي‪..‬‬
‫ آه‪ ..‬ليتين ال أحلم‪ ..‬ليتكم حقيقيون‪.‬‬‫ حنن حقيقيون‪ ..‬أنت ال حتلم‪..‬‬‫ م��ن��ذ أرب��ع�ين س��ن��ة‪ ،‬وأن���ا ال أح��ل��م سوى‬‫بالبشر‪ ..‬ولكين أصحو على األوهام‪..‬‬
‫قال وليد خبوف ‪ - :‬رمبا كان جنياً يتقمّص‬
‫شخصية بشرية ‪..‬‬
‫ربتت سهى على كتفه ‪ -:‬معقول يا وليد؟ أال‬
‫أحد يقرتب من هذه احلوجية؟‬
‫ ال يا دكتورة‪ ..‬الناس خيافوهنا‪..‬‬‫ ولكننا مل نر أح��داً س��وى ه��ذا البائس‪..‬‬‫وبالتأكيد له قصة طويلة‪..‬‬
‫غمغم هشام ‪ - :‬نعم يا سهى بالتأكيد قصته‬
‫مؤثرة‪ ..‬ال ندري كم من الزمن مرّ عليه هنا‪..‬‬
‫هل هو هارب؟ أم هو مصاب أرغمته الظروف‬
‫على اجمل���يء ه��ن��ا‪ ..‬ث��م مل يستطع أن يغادر‬
‫احلوجية بعد ذلك‪..‬‬
‫ آه‪ ..‬ال أصدق أنكم هنا‪ ..‬جاء من ينقذني‬‫من كوابيسي‪..‬‬
‫ أرأيت يا وليد ؟ ال يبدو جنياً؟‬‫ إنه رجل بائس فعالً‪ ..‬أمعقول أن تعتقد‬‫بوجود اجلن هنا يا وليد ؟‬
‫ آس����ف‪ ..‬ه��ك��ذا ي��ق��ول ال��ن��اس ع��ن هذه‬‫احلوجية‪..‬‬
‫ ويبدو أن هذه اإلشاعات هي من طردت‬‫هذا الرجل من دائرة حياته‪ ..‬ال بد وأن له قصة‬
‫مؤثرة بائسة‪..‬‬
‫وبعد حنو الساعة واجلميع يلت ّفون حوله بدا‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫وكأنه يستعيد وعيه الكامل‪..‬ثمّ أخذ بالكالم ‪:‬‬
‫ مرّنت نفسي كثرياً حتى أعتاد على هذه‬‫احلياة البائسة‪ ..‬م��ع��زوالً عن العامل وحويل‬
‫احل��رك��ة واحل��ي��اة‪ ..‬أصبحت صديقاً للطيور‬
‫والزواحف‪ ،‬وبعض احليوانات املفرتسة‪ ..‬أصبح‬
‫ذلك عاملي‪ ..‬عاملي ال��ذي أج�برت على احلياة‬
‫فيه‪..‬‬
‫ اسأليه ثانية يا سامية‪ ،‬يكاد قليب ينفطر‬‫عليه‪ ..‬ال أستطيع إجراء حوار معه‪..‬‬
‫ سأفعل يا سهى‪ ..‬هه‪ ..‬قل يل يا عم‪ ،‬من‬‫أن��ت؟ ومل��اذا أن��ت هنا؟ إن كنت ما ت��زال تذكر‬
‫امسك وحياتك‪ ،‬وكف صرت إىل هذا الوضع؟‬
‫ ال أكاد أصدق أنكم هنا‪ ،‬قرصت جسمي‬‫كثرياً‪ ،‬وخزت يدي بالشوك حتى أشعر نفسي‬
‫أنين خارج إطار احللم‪ ..‬آه‪ ..‬يا هلذه السنوات‬
‫الطويلة اليت مرت علي‪ ،‬واليت أعتقد أهنا تزيد‬
‫عن األربعني عاماً‪..‬‬
‫ م��ن��ذ أرب��ع�ين ع��ام �اً وأن���ت ه��ن��ا‪ ،‬تعيش‬‫منعزالً؟‬
‫ نعم‪ ..‬كنت أعدّ فصول الربد واحلر وأعرف‬‫أنه مر عام بعد كل فصل حار وآخر بارد‪ ..‬كانت‬
‫الطيور املهاجرة هي اليت تعرفين على مرور عام‬
‫أيضاً‪ ..‬آه يا إهلي‪ ..‬ماذا أفعل اآلن؟ كيف سأجد‬
‫أهلي وأوالدي؟ كيف سأعيش من جديد؟‬
‫ يا عم‪ ،‬احك لنا القصة‪ ..‬تبدو كأنك خارج‬‫إطار احلياة‪..‬‬
‫كانت حالته تقطع القلب‪ ،‬شديد الضعف‪،‬‬
‫وجهه متعب‪ ،‬مسمّر من شدة حرارة الشمس‪،‬‬
‫أسنانه شبه س��وداء مصفرة‪ ،‬ح��ايف القدمني‬
‫النحيلتني الضعيفتني‪ ..‬شجّعه الدكتور هشام‬
‫على الكالم‪ ،‬وهو ينظر إليه بإشفاق‪..‬‬
‫ هيا يا عم‪ ،‬عرفنا على حكايتك‪ ،‬قد نستطيع‬‫مساعدتك‪ ،‬حنن جمموعة من الباحثني ندرس‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫النبات واحليوان يف احلوايج‪ ،‬ندرس تأثرياهتا‬
‫البيئية‪ ..‬نطل على عاملها الصغري‪..‬‬
‫ لقد كنت يف وضع غري طبيعي‪ ،‬ال أستطيع‬‫أن أمجّ��ع أفكاري جيداً ولكن ال ب��أس‪ ..‬كانوا‬
‫يقولون عن هذا املكان إنه مسكون باجلن وحني‬
‫ّ‬
‫حطت رجلي على ضفته‪ ،‬ألول مرة وكنت أحبث‬
‫عن شخص مفقود قيل إنه جلأ إىل هنا للصيد‪،‬‬
‫ورغم كل من رأيته يف طريقي إىل هنا‪ ،‬قد أكد‬
‫أن��ه مستحيل أن جي��رؤ أح��د على اجمل��يء إىل‬
‫هنا‪ ..‬ولكين لوعد قطعته لزوجة ذلك الشخص‬
‫إن�ني سأحبث عنه هنا‪ ،‬قدمت مع رجلني يف‬
‫زورق صيدنا إىل هنا‪..‬‬
‫ ه��ه ي��ا م��ع��ل��م‪ ،‬ب��دأن��ا ن��ق�ترب م��ن ضفة‬‫احلوجية‪..‬‬
‫كانا خائفني يردّدان خبوف ‪ - :‬يا معلمي قد‬
‫يهامجنا جين شرير‪..‬‬
‫ اهلل معنا‪ ،‬ملاذا أنتما قلقان؟‬‫ ال أحد جيرؤ من الصيادين على اجمليء‬‫إىل ه��ذه احلوجية املسكونة‪ ..‬سألنا كل من‬
‫صادفناه يا معلمي عنه‪ ،‬مل يقل أحد إنه اجته‬
‫إىل هذا املكان‪..‬‬
‫ ال بأس‪ ،‬اقرتبا بالزورق‪ ،‬وانتظراني هنا‪..‬‬‫ه���ه‪ .‬وص��ل��ن��ا‪ ..‬ال تنسى أن تصطحب يا‬
‫معلمي‪..‬‬
‫اصطحبت بندقييت ومدييت الطويلة‪ ،‬اليت ال‬
‫تفارقين ‪ ..‬وقد رأيت مدى خوفهما ‪..‬‬
‫دخلت املنطقة‪ ،‬كانت كثيفة الشجر والنبات‪،‬‬
‫ثم أصبحت فجأة يف فسحة‪ ،‬رأيت فيه غزالن‬
‫ترعى مسلّحة بقروهنا املشحوذة‪ ،‬بدأت أصرخ‬
‫‪ - :‬ياسيوطي‪ ،‬ياسيوطي‪ ..‬أين أنت؟‬
‫ردّد وليد وهو يرجتف‪« :‬يا إهلي إنه‬
‫أمحد املرداد‪»..‬‬
‫‪ -‬مل جيبين أحد‪ ،‬ولكن فجأة خرج يل‬

‫‪77‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬

‫من الدغل حيوان بشكل مرعب‪ ،‬واجته حنوي أرجتف من الرعب ‪..‬‬
‫ سندفنها هنا كالعادة‪ ..‬هيا حنفر قرب‬‫مهامجاً‪ ،‬فأطلقت النار عليه‪ ،‬فأرديته قتيالً‪..‬‬
‫هذه الشجرة‪..‬‬
‫ شكله كان مرعباً‪ ،‬كيف ؟‬‫ لست مطمئناً إىل ه��ذا الدفن هنا‪ ،‬قد‬‫ أشبه خبنزير بري ولكن بذيل طويل أشبه‬‫ينبشها أحد‪..‬‬
‫بذيل الزواحف‪..‬‬
‫ ومن ميكنه أن يأتي؟ اجلميع يعتقد أهنا‬‫ إنه نوع من اخلنازير اليت تعيش قرب املياه‪،‬‬‫حوجية مسكونة باجلن والعفاريت‪..‬‬
‫وماذا حدث لك بعد ذلك؟‬
‫ عدت أصرخ منادياً السيوطي‪ ،‬ثم سرت‬‫ أين شهناز ؟ ملاذا تأخرت ؟‬‫من جديد أقطع بعض النباتات املتكاثفة‪ ،‬كانت‬
‫ تطمئن على إخ��ف��اء ال���زورق يف املنطقة‬‫احلوجية كبرية بشكل مل أتوقعها‪ ..‬وك��ان من‬
‫الواجب أن أحبث فيها عن الرجل املفقود يف كل الكثيفة بالشجر‪ ..‬وجاءت املرأة كانت يف حنو‬
‫بقعة منها‪ ..‬تعبت من السري يف منطقة وعرة‪ ،‬الثالثني من عمرها تبدو ذات حظوة بينهم ‪..‬‬
‫ كل شيء على مايرام ؟ أمل تنتهيا من احلفر‬‫فجلست أسرتيح حماذراً أن أتعرّض هلجوم من‬
‫بعد؟ الرتبة هشة‪..‬‬
‫حيوان جديد‪..‬‬
‫ ساعدينا ياشهناز‪..‬‬‫وب��دأت امس��ع أص��وات �اً‪ ..‬أمعقول أن تكون‬
‫ سأساعدكما يف طمر الكيس‪ ،‬هل أحطتماه‬‫من اجل��ن؟ حنن يف منتصف النهار‪ ،‬أمعقول‬
‫أن تظهر ه��ذه املخلوقات املرعبة يف النهار؟ جيداً بالنايلون ؟‬
‫ نعم‪ ..‬الميكن أن تنفذ إليه امل��ي��اه‪ ..‬إهنا‬‫ث �مّ مسعت ح���وارات ب�ين جمموعة م��ن الناس‬
‫تقرتب من مكان وجودي ولكن من جهة أخرى غنيمة كبرية سندفنها لعدة أشهر حتى تنساها‬
‫من احلوجية ‪..‬فاختبأت داخل أمجة كثيفة وأنا السلطات‪..‬‬

‫‪78‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬

‫ مل أتوقع أن يكون احملاسب هبذه الصفات‪،‬‬‫إن��ه ش��دي��د اخل���وف‪ ،‬حي���اول أن ي��ب��دو شديد‬
‫احلرص‪ ،‬وال يستطيع لضعف قوته‪..‬‬
‫ هه‪ ..‬اآلن حنن جاهزان‪..‬‬‫ وأنا سأطمره بالرتاب‪ ..‬هه ماهذا؟ كأنه‬‫صوت حيوان‪..‬‬
‫كانت جمموعة من اخلنازير الربيّة تتحرّك‬
‫غري بعيدة عنهم ‪..‬‬
‫ خنازير ؟ إ ّنها شديدة اخلطر‪..‬‬‫ الختافوا ‪ ..‬لدينا بنادق‪..‬‬‫ ق��د تنبّه ال��ن��اس أص���وات ه��ذه البنادق‬‫وعياراهتا النارية‪..‬‬
‫ الي���ه���مّ اجل��م��ي��ع م��ق��ت��ن��ع أن احلوجية‬‫مسكونة‪..‬‬
‫ قد تأتي الشرطة ؟‬‫ التقلقوا‪ ،‬الوجود للشرطة داخل النهر‪..‬‬‫ولكنّ اخلنازير الربية ‪،‬اجتهت حنوهم فبدأوا‬
‫يطلقون النار عليها ‪..‬‬
‫ كأن الرصاص اليؤثر فيهما‪ ..‬الريب وأهنا‬‫من اجلان‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وبدأت أمسع الصرخات ‪ - :‬هيا هنرب من‬
‫هنا‪ ،‬إهنا هتامجين آه‪ ..‬لقد عضتين‪..‬‬
‫و حكى الشيخ عن رعبه الشديد وهو يرى‬
‫اخلنازير ال�بري��ة طويلة ال��ذي��ول هتاجم املرأة‬
‫والرجلني‪ ،‬بعنف‪ ،‬ووحشية‪..‬‬
‫ كانت أنياهبا الظاهرة جاهزة لتمزيق‬‫أج��س��اده��م ‪ ..‬رغ��م حماولتهم ال��ف��رار‪ ،‬ظلّت‬
‫اجل��ن��ازي��ر خلفهم‪ ،‬وخ��ف��ت أن أظ��ه��ر نفسي‬
‫فتهامجين اخلنازير‪ ،‬وبعد أن اختفى الرجالن‬
‫واملرأة مسعت صراخاً وأنيناً ثم مهد كل شيء‪..‬‬
‫بالطبع هنضت من مكمين أحبث عن آثارهم‪،‬‬
‫ورأي��ت مشهداً مل أنسه يف حياتي‪ ،‬األجساد‬
‫الثالثة ممزقة واخلنازير الربية ت��دور حوهلا‬
‫وتنهشها‪..‬‬
‫ غريب‪ ،‬أمعقول أن توجد خنازير برية‬‫فوق سطح بعض هذه احلوايج يبدو األمر غري‬
‫منطقي؟‬
‫ م��ازال��ت بعض مجاعاهتا هنا‪ ،‬ميكنكم‬‫رؤيتها وفحصها‪ ..‬ودراستها‪..‬‬
‫‪ -‬وكيف مل هتامجك تلك اخلنازير؟‬

‫‪79‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫ أم��ر غريب فغالً‪ ،‬اكتشفته بعد وقت‬‫قصري من قدومي إىل هنا‪ ،‬كنت أختبئ داخل‬
‫أغصان إحدى األشجار‪ ،‬ثم أدور بني الوحوش‬
‫فال يهامجين أي منها‪ ..‬واكتشفت أن السر يعود‬
‫إىل رائحة الشجرة‪ ،‬اليت تطرد عن الضحايا‬
‫واملصابني كل أنواع الوحوش والزواحف‪..‬‬
‫ق��ال��ت سهى حب��م��اس ‪ - :‬س��ن��درس هذه‬
‫ال��ش��ج��رة‪ ،‬دل�ني عليها‪ ..‬ق��د تكون اكتشافاً‬
‫مذهالً‪..‬‬
‫اعرتض هشام ‪ - :‬هذا ليس وقته‪ ،‬اتركينا‬
‫نسمع قصته اآلن يا دكتورة سهى‪ ..‬أرجوك‪..‬‬
‫ آسفة‪ ..‬معك حق‪..‬‬‫ أخ��ذت أراج��ع ماجرى يل وقد فوجئت‬‫مبا جرى ألولئك الناس أيضاً‪ ..‬كان منظرهم‬
‫الفظيع ي�تردد يف خميليت فانطوي مرعوباً‬
‫يائساً‪ ..‬ثم هنضت حم��اوالً العودة إىل مكان‬
‫انتظار معاوني‪ ،‬فلم أر أح��داً‪ ..‬اعتقدت أنين‬
‫أخطأت املكان فسرت على ضفة احلوجية وأنا‬
‫أصرخ‪..‬‬
‫تدخّل وليد وكان ينصت باهتمام بالغ‪- :‬‬
‫ومل تر أحداً‪ ،‬قال تابعاك عنك إنك قتلت من‬
‫قبل اجلان‪ ،‬بعدما أطلقت النار عليهم‪ ،‬وهربا‬
‫بعيداً‪ ..‬وقد روّجا للناس أنك متّ بني أدغال‬
‫احلوجية‪..‬‬
‫ عين أنا؟ أتعرف من أنا يا بين‪..‬‬‫ أل��س��ت أمح��د امل����رداد؟ ه��ذه احلوجية‬‫تسمى ب��امس��ك‪ ،‬إض��اف��ة لتسميتها حبوجية‬
‫اجلان أو احلوجية املسكونة‪..‬‬
‫ آه‪ ..‬يا إهلي الناس يعتقدون أنين مت‬‫‪ ..‬معهم حق أن��ا شبه ميت‪ ..‬حاولت كثرياً‬
‫وأنا أدور على الضفة أصرخ وأنادي ع ّل أحد‬
‫يراني فيتلقفين‪ ..‬وخيلّصين مما أنا فيه‪ ..‬ومل‬
‫تنجح حماوالتي فعدت أجرت تعاسيت إىل أمجة‬

‫‪80‬‬

‫صغرية فيها شجر قليل الكثافة‪ ..‬ومل أعرف‬
‫كيف غفوت‪..‬‬
‫يا إهلي كأن شيئاً يضغط على صدري‪،‬‬
‫أن��ا أم���وت‪ ،‬ال أرى س��وى األش��ب��اح واألشكال‬
‫املشوهة‪ ،‬آه‪ ..‬إهنم يضغطون على صدري أنا‬
‫أختنق‪ ..‬ها‪ ..‬ها ‪..‬‬
‫استيقظت ألرى أفعى ضخمة تقفز من‬
‫على صدري هاربة‪ ،‬أخذت أبكي حظي‪ ،‬وأنا‬
‫آمل أن التطول فرتة إقاميت هنا‪ ..‬هنضت أحبث‬
‫عن شيء أسكت به جوعي‪ ..‬فوجدت بعض‬
‫مثار (حب اآلس) فتناولت منها ما أشعرني‬
‫ب��ال��ش��ب��ع‪ ..‬وخ��ي��م ال��ل��ي��ل‪ ،‬ووص��ل��ت�ني أصوات‬
‫الوحوش وأص��وات غريب مرعبة وسط ليل‬
‫معتم‪ ..‬خفت أن أفاجأ حبيوان ينقض علي‪،‬‬
‫فأحكمت استنادي إىل جذع الشجرة وقضيت‬
‫ليلة ليالء مل أر مثلها يف حياتي‪ ..‬غفوت‬
‫متأخراً للحظات‪ ،‬وهنضت مع خيوط الفجر‬
‫األوىل‪..‬‬
‫ وكيف وصلت إىل هذا الكهف؟‬‫ رأيت هذه اهلضبة وهي أعلى مكان هنا‪،‬‬‫كان هناك وكر حليوان يشبه اجلرذ‪ ،‬طردته‪،‬‬
‫وأخ��ذت أحفر فيه حتى وسعته وجلأت إليه‬
‫أتقي فيه ض��وء الشمس وال�ب�رد ال��ذي أخذ‬
‫يتسلل يف الليل إىل احلوجية‪..‬‬
‫ وكيف أصبت وأصبحت شبه مقعد‪..‬‬‫ بعد فصل الربد أتى فصل احلر ثم فصل‬‫ال�ب�رد‪ ..‬ويبدو أن�ني أصبت مب��رض أث��ر على‬
‫مفاصلي‪ ..‬وازداد حتى مل استطع املشي جيداً‪،‬‬
‫فتعودت على الزحف‪ ،‬ومحتين روائح الشجرة‬
‫من احليوانات املفرتسة‪ ..‬حتى أصبحت جزءاً‬
‫من حياتي‪..‬‬
‫ وح�ي�ن ك��ن��ت جت���وع‪ ،‬أمل ت��ت��ع��رف على‬‫النار؟‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫( داخل النهر العظيم )‬
‫ كانت لدي علبة كربيت‪ ،‬استفدت منها‬‫كثرياً‪ ،‬حماوالً أن تظل النار مشتعلة‪ ،‬ولكن مع‬
‫األسف‪ ،‬مل استطع أن أحافظ عليها‪ ،‬تعودت‬
‫على أكل النبات والثمار‪ ..‬ومل أستطع تقبل‬
‫قتل غزال أو حيوان قابل لألكل‪ ..‬آه‪ ..‬سنوات‬
‫وسنوات‪ ،‬والقهر أدماني والياس ّ‬
‫حط عليّ‪..‬‬
‫كم رغبت باملوت‪ ،‬ولكن األمل كان ينبت من‬
‫بني ظلمة اليأس‪..‬‬
‫ املهم أنك مازلت حمافظاً على عقلك‪..‬‬‫غ��ري��ب أن��ك مل جت��ن أو مل تصب بلوثة يف‬
‫عقلك‪ ..‬ولكن م��اذا كنت تفعل يا عم حتى‬
‫حافظت على عقلك؟ ورباطة جأشك وحولك‬
‫املوت والظلمة واخلوف؟‬
‫ ال أدري‪ ..‬لو كان لدي ورق وقلم لكتبت‬‫الكثري ‪ ..‬الكثري‬
‫ع��اي��ش��ت ك��ل أن����واع ال���زواح���ف والطيور‬
‫واحليوانات اجملرتة الربية واملفرتسات ورأيت‬
‫شجارها‪ ،‬عراكها من أحل احلياة‪ ،‬وكان بعضها‬
‫ينتبه يل ثم يتجنبين‪..‬‬
‫ بسبب روائح تلك الشجرة؟‬‫نعم‪ ..‬سأدلك عليها أنت وهؤالء الناس‪..‬‬
‫تركهم وليد يف احلوجية‪ ،‬وعاد باملرداد وقد‬
‫ساعده يف الوصول إىل ال��زورق‪ ،‬واجت��ه حنو‬
‫قريته وهو يشعر أنه ينقل كنزاًَ مثيناً إليهم‪..‬‬
‫وجهه املرداد‪ ،‬حتى وصال إىل ضفة جنوبية‬
‫بعيدة عن احلوجية املسكونة‪ ..‬وطلب من وليد‬
‫مرافقته‪..‬‬
‫أنا ال أستطيع السري إال باملساعدة‪ ،‬بيتنا‬
‫كان قريباً من الضفة‪ ..‬ولكن كل شيء تغري‬
‫تقريباً‪..‬‬
‫رأيا صبيّاً صغرياً يف الدرب الضيّق داخل‬
‫ال��ق��ري��ة س��أل��ه ول��ي��د ‪ - :‬ه��ل ت��ع��رف بيت‬
‫املرداد؟‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ بيت مصطفى املرداد هناك ياعم‪..‬‬‫ مصطفى املرداد؟‬‫ وهناك بيت شاهني املرداد إنه قريب من‬‫هنا على بعد أمتار أمامك‪..‬‬
‫مهس له ‪ - :‬اتعرف مصطفى أو شاهني؟‬
‫م��ص��ط��ف��ى ه���و اب�ن�ي األص���غ���ر‪ ..‬ي���ا إهلي‬
‫ساعدني‪..‬‬
‫بدا متو ّتراً قلقاً‪:‬‬
‫ متاسك ج��ي��داً ي��اع��م‪ ..‬سأرافقك إىل‬‫هناك‪..‬‬
‫طرق وليد الباب ففتحت له صبية يف عمر‬
‫الورد‪..‬‬
‫ نعم‪ ..‬ماذا تريد؟‬‫ هل أنت ابنة مصطفى املرداد؟‬‫نعم أنا ابنته‪ ..‬من أنتما؟‬
‫بدأ الشيخ يبكي وهو ينظر للصبيّة حببّ‪..‬‬
‫سألت وليداً‪:‬‬
‫ وملاذا يبكي هذا الشيخ؟‬‫قال الشيخ وهو جيهش ‪ - :‬أنا جدك يا‬
‫ابنيت‪ ،‬أنا أمحد املرداد؟‬
‫جدي؟ ماذا تقول؟‬
‫وخ����رج ك��ه��ل م���ن داخ����ل ال��ب��ي��ت يهرول‬
‫مستطلعاً‪:‬‬
‫ خري يا ابنيت‪..‬من هؤالء‪.‬؟‬‫ يقول إنه جدي أمحد املرداد‪..‬‬‫ أمح����د امل�������رداد؟ ي���ا إهل����ي معقول؟‬‫مستحيل‪..‬‬
‫قال وليد هبدوء ‪ - :‬سأحكي لك يا سيد‬
‫مصطفى‪..‬‬
‫بالطبع كانت قصة شغلت املنطقة لفرتة‬
‫ط��وي��ل��ة‪ ،‬أم���ا البعثة العلمية ف��درس��ت تلك‬
‫احل��وجي��ة شبه البكر‪ ،‬واكتشفت الكثري من‬
‫البيئات الفراتية اجلديدة‪..‬‬

‫‪81‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫صالح معاطي‬
‫مل ينم منذ يومني ‪ ،‬ما كاد يدلف‬
‫من ب��اب شقته بالطابق األول حتى‬
‫أسرع إىل حجرة نومه فخلع حلته ‪.‬‬
‫ألقاها بغري اهتمام على املقعد يف منتصف احلجرة‬
‫‪ ،‬ألقى جبسده املنهك فوق الفراش ‪ ،‬ثبت عينيه على‬
‫السقف ‪ ..‬كان يشعر بالتعب يدب يف كل جسده ‪،‬‬
‫ومع ذلك مل ينم ‪ ..‬القلق والتوتر يسيطران عليه ‪..‬‬
‫أغلق عينيه ‪ ،‬ثم راح يشغل رأسه بأمور كثرية حتى‬

‫‪82‬‬

‫يغلبه النعاس ‪..‬‬
‫إىل متى سيظل حقه مهضوماً يف اجلريدة‬
‫اليت يعمل هبا ‪ ،‬كل أعماله رفضت حبجة أنه يقول‬
‫خرافات ‪..‬هتكم عليه رئيس التحرير اليوم عندما‬
‫اقرتح عمل باب ثابت للخوارق والتنبؤات العلمية‪..‬‬
‫أعدت ثانية إىل خرافاتك هذه يا سي رؤوف؟‬
‫م��ن األف��ض��ل ل��ك أن تعرض نفسك على طبيب‬
‫نفسي ‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ملاذا جاءوا من الفضاء ؟‬
‫يا فندم اخلرافة جزء من الواقع ‪ ..‬كل األحداث‬
‫العظيمة ال�تي يف ت��اري��خ البشرية وراءه���ا فكرة‬
‫خرافية ‪ ..‬لقد قرأت يف جملة فرنسية عن طبق‬
‫طائر اخ�ترق اجمل��ال اجل��وي ل�لأرض يف صحراء‬
‫سيبرييا العام املاضي ‪..‬‬
‫هراء ‪ ..‬خرافة ال ميكن تصديقها ‪ ..‬رمبا تكون‬
‫بدعة من بدع الصحافة ابتدعها أصحاب اجلريدة‬
‫من قبيل الرتويج عنها ‪..‬‬
‫ال فائدة ‪ ..‬األرق اللعني يأبى أن يدعه ينعم‬
‫بالنوم ‪ ..‬راح يشعل سيجارة ‪ ..‬أطلق زفرة قوية‬
‫فاندفعت من فمه سحابة من الدخان انتشرت يف‬
‫أرجاء الغرفة ‪ ،‬وراحت تسبح يف الفراغ ‪ ..‬أسند‬
‫رأس��ه فوق الوسادة ثم أغمض عينيه ‪ ..‬انتفض‬
‫فجأة حينما خيل له أن خياال يتحرك يف الصالة‬
‫‪ ..‬انكمش داخل الفراش وتشبث به ‪ .‬تركزت عيناه‬
‫على اخلارج بضع دقائق ‪ ..‬مل يظهر شيء ‪ ..‬أيقن‬
‫على الفور أنه كان حيلم ‪ ..‬أغمض عينيه ثانية‬
‫وأزاح الغطاء على وجهه ‪ ..‬ما كاد يرخي جفنيه‬
‫حتى دنا إىل مسامعه وقع أقدام ‪ ..‬انتفض مسرعا‬
‫وهو جيلس على الفراش ‪ ،‬وصاح بصوت متوتر ‪:‬‬
‫م ‪ .‬من ‪ ..‬من باخلارج ؟‬
‫ازداد وق��ع األق���دام ك��أن شخصاً يقرتب من‬
‫حجرته ‪ ..‬تعلقت عيناه بالباب ‪ ..‬ازدادت ضربات‬
‫قلبه ‪ ..‬اخلوف يتسلل إليه ‪ ..‬شيء ساخن يصعد‬
‫إىل رأس��ه ‪ ..‬ح��اول احلركة فلم يستطع ‪ ..‬كأن‬
‫جسده حتول إىل متثال منحوت يف الفراش ‪ ..‬ظل‬
‫يصيح تلقائياً ‪..‬‬
‫من ؟ ‪ .‬من القادم ‪..‬‬
‫كاد قلبه يتوقف عندما ظهر شخص عند الباب‬
‫‪ ..‬مل يقو على الصراخ ‪ ..‬أحس أنه سيغمى عليه‬
‫‪ ..‬متالك وراح يتأمل ذلك اجملهول املتجه حنوه‬
‫خبطوات آلية ‪ ،‬ثم تعداه دون أن يعريه اهتماماً ‪ ،‬أما‬
‫هو فقد أخذ يتبعه بعينيه دون أن يفهم شيئاً ‪..‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫شخص غريب للغاية ‪ ..‬قصري بدرجة ملحوظة‬
‫‪ ..‬ال يتعدى املرت طوالً ‪ ..‬يرتدي قناعاً مسيكاً فوق‬
‫وجهه ‪ ..‬مالبسه تشبه مالبس الغوص إىل حد‬
‫كبري ‪..‬‬
‫تشجع رؤوف قليالً واجت��ه حنو الرجل قائالً‬
‫بصوت مهزوز ‪:‬‬
‫من أنت ؟ ماذا تريد ؟‬
‫مل يلتفت الرجل إليه بل ظل ينظر مييناً ويساراً‬
‫كأنه يبحث عن شيء حمدد ‪ ..‬فوجئ رؤوف برجل‬
‫ثان يشبه األول متاماً يدخل من الباب ‪ ..‬يسري‬
‫بنفس الطريقة اآللية ‪ ..‬حتى وصل إىل زميله ‪،‬‬
‫وأخذ يعاونه فيما يبحث ‪ ..‬بعد قليل ظهر رجل‬
‫ثالث ‪ ..‬صاح رؤوف بانفعال ‪:‬‬
‫عن ماذا تفعلون ؟ ‪ ..‬أخربوني من تكونون ؟‬
‫مضى الثالثة يبحثون وينقبون ‪ ..‬يفتحون‬
‫أدراج املكتب وخي��رج��ون األوراق‪ ..‬ث��م الدوالب‬
‫خيلعون ضلفتيه ‪ ..‬خيرجون املالبس ‪ ،‬يبعثروهنا‬
‫هنا وهناك ‪ ..‬جن جنونه ‪ ..‬اقرتب من أحدهم ‪..‬‬
‫أمسك ذراعه وهو يصيح ‪:‬‬
‫إذا كنتم تبحثون عن شيء حمدد أخربوني به‬
‫وأنا أدلكم عليه ‪..‬‬
‫يصدر من داخل الرجل صوت يشبه املوجات‬
‫الالسلكية ‪ ..‬يشعر رؤوف بشيء يسقط فوق رأسه‬
‫‪ ..‬تتداعى أمام عينيه األشياء ‪ ..‬رأسه يدور ‪..‬‬
‫يذهب بعيداً بعيداً ‪ ..‬ثم يقع على األرض مغشياً‬
‫عليه ‪..‬‬
‫مل حيسب رؤوف كم مر عليه من وقت وهو يف‬
‫إغمائه ‪ ..‬لكن عندما أفيق وجد نفسه يف حجرة‬
‫ضيقة حماطاً بالعديد من األجهزة الغريبة ‪ ،‬وشعر‬
‫ب��ص��داع فظيع ‪ ..‬عندما حتسس رأس���ه الحظ‬
‫وجود غطاء مطاطي مسيك يشبه اخلوذة متصل‬
‫بعشرات األسالك الدقيقة ‪ .‬حاول الوقوف‬
‫فلم يستطع ‪ ،‬كأنه قيد حببال قوية على‬

‫‪83‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ملاذا جاءوا من الفضاء ؟‬
‫الفراش النائم عليه ‪ ..‬صاح يف هياج‬
‫أخرجوني من هنا ‪ ..‬سوف تتحملون تبعة ما‬
‫تفعلونه معي ‪..‬‬
‫يفتح ب��اب جانيب ك��ان خمتفياً يف احل��ائ��ط ‪..‬‬
‫يدخل منه الثالثة الذين قاموا باختطافه ‪ ..‬يغلق‬
‫الباب تلقائياً ‪ ،‬فلم يعد له أثر ‪ ..‬ال ي��زال رؤوف‬
‫يصيح ‪:‬‬
‫م��ا معنى ه��ذا ؟ ه��ل أن��ا خمتطف ؟ وم��ا هذه‬
‫األسالك املتصلة بي ‪ ..‬وأين حنن اآلن ‪ ..‬حدثوني‬
‫‪ ..‬ال تنظروا يل هكذا كالبلهاء ‪..‬‬
‫يفتح باب آخر يف هناية الغرفة ويدخل شخص‬
‫راب��ع ينضم إىل زمالئه الذين يفسحون له مكانا‬
‫بسرعة ‪ ..‬يقرتب الرجل من رؤوف ال��ذي مازال‬
‫يصيح يف انفعال ‪ ..‬يبدأ الرجل يف إصدار الصوت‬
‫الذي يشبه موجات الالسلكي ‪ ..‬ويالحظ رؤوف‬
‫أن أذنيه تلتقطان كلمات بالعربية تأتي من اخلوذة‬
‫اليت فوق رأسه ‪ ،‬ففهم أهنا ترمجة فورية للموجات‬
‫الالسلكية اليت يصدرها الرجل ‪:‬‬
‫نأسف للطريقة اليت أحضرناك هبا إىل هنا ‪..‬‬
‫أنت اآلن فوق كوكب يسمى «سهى « ‪ ،‬هو واحد من‬
‫آالف الكواكب اليت تدور داخل جمرة سكة التبانة ‪..‬‬
‫هدفنا حتقيق السالم الكوني عن طريق غرز احلب‬
‫بني سكان الكواكب مجيعاً‪ .‬وحنن يف سبيلنا إىل‬
‫حتقيق ذلك نقوم باالحتفاظ مبخزون بشري لدينا‬
‫بواسطة أجهزتنا اخلاصة ‪ ..‬لقد اكتشفنا أن كوكب‬
‫األرض مقبل على كارثة نووية خطرية سوف تقضي‬
‫على العنصر البشري هنائيا ‪ ..‬هلذا فكرنا يف طريقة‬
‫متكننا من احلفاظ على جنسكم من الفناء ‪..‬‬
‫يسكت ال��ص��وت ‪ ..‬ك��ان رؤوف يف ذه��ول مما‬
‫جيري حوله ‪ ..‬أما الرجال األربعة فقد انصرفوا‬
‫مجيعاً بعد أن حلوا قيوده ‪ ..‬وأحس أنه مل يتحرك‬
‫منذ فرتة طويلة ‪ ،‬فأخذ ي��روح وجي��يء يف الغرفة‬
‫وهو يفكر ‪..‬‬

‫‪84‬‬

‫شيء ال يصدقه عقل بشر ‪ ..‬هل أنا يف حلم؟‬
‫‪ ..‬ما هو الكوكب سهى هذا ‪ ..‬إنين مل أمسع عن‬
‫كوكب هبذا االسم ‪ ..‬ماذا يقصدون مبخزون بشري‬
‫‪ ..‬فجأة يفتح الباب ‪ ،‬يدخل الرجل الرابع ‪ ..‬يقرتب‬
‫من رؤوف وهو يصدر تلك املوجات اليت ترتجم فورياً‬
‫عن طريق اخلوذة ‪:‬‬
‫ً‬
‫سوف تتم اآلن عملية ختزينك ‪ ،‬ولكن أوال تأمل‬
‫هذه الصورة الفوتوغرافية ‪..‬‬
‫أخ��رج الرجل من جيب خفي يف سرتته صورة‬
‫فوتوغرافية دفعها إىل رؤوف وهو يسأله‬
‫ما رأيك ؟‬
‫مجيلة للغاية ‪ ..‬مل أر يف حياتي مجاالً كهذا ال‬
‫على األرض وال يف مكان آخر ‪ ..‬يبدو من هيئتها‬
‫أهنا ليست من سكان كوكبكم ‪ ..‬هل تعيش معكم‬
‫هنا؟‬
‫ستعرف كل شيء بعد قليل ‪ ..‬هيا بنا ‪.‬‬
‫خرجا من الباب املخفي يف احلائط ‪ ..‬أغلق‬
‫الباب تلقائيا مبجرد خروجهما ‪ ..‬س��ارا يف ممر‬
‫طويل ينتهي عند حائط أملس ‪ ..‬صاح الرجل وهو‬
‫يدعوه للتقدم ‪:‬‬
‫هنا وحدة التخزين املركزية ‪ ..‬تفضل ‪..‬‬
‫إىل أين ‪ ..‬لقد وصلنا إىل هناية املمر ‪..‬‬
‫تقدم وال ختف ‪..‬‬
‫ما أن نقل رؤوف قدمه خطوة إىل األمام حتى‬
‫انشق احلائط ‪ ،‬ووجد نفسه يف حجرة واسعة يشغل‬
‫نصفها جهاز ضخم أمامه وقف عدد من األشخاص‬
‫من سكان الكوكب سهى ‪ ..‬مجيعهم متشاهبون ‪..‬‬
‫أمره أحدهم باجللوس أمام اجلهاز ‪ ،‬فامتثل لألمر‬
‫ليغوص جسده داخل اجلهاز الذي ابتلعه ‪ ..‬ثم يدفع‬
‫داخل حجرة مستديرة فيجد أمامه الفتاة صاحبة‬
‫الصورة ‪ ..‬صاح مبتهجاً ‪:‬‬
‫أنت ؟‬
‫ردت الفتاة ب��ص��وت ن��اع��م رق��ي��ق تشوبه رنة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ملاذا جاءوا من الفضاء ؟‬
‫حزن‪:‬‬
‫نعم أنا ‪ ..‬ملاذا تأخرت ‪ ..‬لقد انتظرتك طويالً‪..‬‬
‫هتلل وجهه ‪ ،‬وراح يتحدث يف سعادة ‪:‬‬
‫أن���ت تتحدثني مثلي ‪ ..‬أن���ت إذن م��ن سكان‬
‫األرض؟‬
‫ً‬
‫كنت قدميا من أهل األرض ‪ .‬أما اآلن فأصبحت‬
‫من سكان الكوكب « سهى « ‪.‬‬
‫وكيف أتيت إىل هنا ؟‬
‫بنفس الطريقة اليت أتيت هبا أنت ‪.‬‬
‫ما امسك يا أمريتي اجلميلة ؟‬
‫امس��ي ‪ ( ..‬ز _ ‪ .. ) 35‬هكذا أطلقوا علي‬
‫هنا‪..‬‬
‫ال ‪ ..‬أق��ص��د امس���ك وم��وط��ن��ك ب�ي�ن سكان‬
‫األرض‪..‬‬
‫ً‬
‫لقد نسيت امسي ‪ ،‬ونسيت موطين أيضا‪..‬‬
‫يا هلم من جمرمني ‪ ..‬ماذا فعلوا بك ؟‬
‫مثلما سيفعلون بك ‪ ..‬سيحتفظون مبخزونك‬
‫البشري ‪.‬‬
‫ماذا يعنون مبخزون بشري ؟‬
‫السر يكمن يف هذا اجلهاز الذي حنن بداخله‬
‫اآلن ‪ ..‬حيتفظون مبعلومات عن كل شخص يقومون‬
‫باختطافه ‪ ..‬خريطته الوراثية ‪ ..‬فصيلة دمه ‪..‬‬
‫الرتكيب اجليين للخاليا ‪ ..‬حتى العواطف واملشاعر‬
‫يقومون بأسرها داخل وحدة التخزين هذه ‪ ..‬ثم‬
‫بعد ذلك يقومون بالسيطرة التامة عليك لتصبح بال‬
‫إرادة ‪ ..‬إهنم ال يبتغون السالم الكوني كما يدعون ‪..‬‬
‫كل هدفهم السيطرة على الكون بأسره ‪..‬‬
‫ال ‪ ..‬لن ندعهم يسلبون إرادتنا ‪ ..‬مستحيل ‪..‬‬
‫سنقف يف وجوههم ومننعهم‪.‬‬
‫ماذا بأيدينا أن نفعل ؟‬
‫ال أدري ‪ ..‬ولكنين ال أستطيع أن أقف مكتوف‬
‫األيدي يفعلون بإرادتي ما يبتغون ‪.‬‬
‫ل��ن نستطيع عمل أي ش��يء ‪ ..‬لقد أصبحنا‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫مسلوبي اإلرادة ‪..‬‬
‫ولكنين أشعر بشيء ما ناحيتك ‪ ..‬شعور خفي‬
‫يسيطر على قليب وعقلي اآلن جيعلين أحبك ‪ ..‬نعم‬
‫أحبك ‪..‬‬
‫وأنا أيضا أشعر أني أحبك ‪..‬‬
‫وهل سنرتكهم يفعلون معنا ما يشاؤون ‪..‬؟‬
‫لقد فعلوا وانتهى األمر ‪..‬‬
‫فجأة تظلم احلجرة املستديرة ‪ ..‬يشعر أنه أصبح‬
‫وحيداً ‪ ..‬ينادي بانفعال ‪:‬‬
‫( ز _ ‪ .. ) 35‬أين أنت ؟ ‪ ..‬ماذا فعلوا بك هؤالء‬
‫األوغاد ؟‬
‫ينتبه على ص��وت يأتيه من اخل��وذة ال�تي فوق‬
‫رأسه ‪:‬‬
‫متت عملية ختزينك بنجاح ‪ ..‬أنت اآلن (م_ ‪)55‬‬
‫من سكان الكوكب «سهى» أصبحت مسلوب اإلرادة‬
‫‪ ..‬واآلن ‪ ..‬من أنت ؟‬
‫شعر باخلدر يصعد إىل رأسه ‪ ..‬بدأ يتحدث يف‬
‫شبه غيبوبة ‪:‬‬
‫أنا ‪ ( ..‬م _ ‪ ) 55‬من سكان الكوكب « سهى»‪..‬‬
‫ثم غاب عن وعيه متاماً ‪..‬‬
‫استيقظ رؤوف ليجد نفسه ملقياً على فراشه‬
‫يف بيته بالطابق األول ‪ ..‬أمامه كانت حلته القدمية‬
‫ملقاة بغري اهتمام على املقعد يف منتصف احلجرة‬
‫‪ ..‬مل يصدق نفسه عندما أدرك أن كل ما جرى له‬
‫كان حلماً ‪ ..‬وتنفس الصعداء ‪ ..‬جلس على حافة‬
‫الفراش يؤرجح قدميه يف سعادة ‪ ..‬ملح شيئاً يلمع‬
‫على األرض مد يده ‪ ..‬التقط ذلك الشيء ‪ ..‬أمعن‬
‫فيه النظر ‪ ..‬جحظت عيناه ‪ ..‬جف حلقه من هول‬
‫املفاجأة ‪..‬‬
‫مل يكن ه��ذا الشيء س��وى ص��ورة فوتوغرافية‬
‫لفتاة حسناء كتب أسفلها ‪..‬‬
‫« مع حتياتي ‪ ( /‬ز _ ‪) 35‬‬

‫‪85‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هل يمكن حقيقة التفكير‬
‫في الكون؟‬
‫جملة علم وحياة الفرنسية عدد ممتاز شهر مارس ‪2008‬‬
‫جون فرنسوا روبريدو‬
‫ترمجة اهلادي ثابت‬

‫يف ‪ 4‬فيفري ‪ ،1917‬وبعد عمل جهيد ويف عزلة تامة‪ ،‬كتب ألبار أينشتاين‬
‫خيص‬
‫إىل صديقه بول إيرنفاست رسالة غريبة وعجيبة‪ « :‬لقد قمت يف ما ّ‬
‫النسبية بشيء يعرضين إىل خطر اإلبعاد إىل مستشفى اجملانني»‪ .1‬جيب أن‬
‫نقول ّإن هذا الذي يعترب يف ذلك الوقت أكرب علماء عصره قد قام مبا ال ميكن‬
‫التفكري فيه‪ ،‬املستحيل واملمنوع‪ :‬وضع الكون داخل زجاجة أو‪ ،‬لنكون أكثر دقة‪،‬‬
‫داخل معادلة‪ .‬عمل غري معقول يُظهر عبقرية الرجل‪ ،‬وشجاعته‪ ،‬وبالنسبة‬
‫لبعضهم عدم وعيه‪ ،‬أو جنون عظمته‪ ! ‬ألنه ما من أحد يستطيع أن يعتقد‬
‫قي ذلك العصر –وحتى اليوم‪ّ -! ‬إن الكون يف مجلته ميكن أن يوصف كأي‬
‫شيء يدرسه الفيزيائي‪ ،‬وذلك من خالل معادلة رياضية؟ ولكن‪...‬‬
‫‪ 1‬ألبار أينشتاين‪ ،‬مؤلفات خمتارة‪ ،‬اجمللد ‪ 3‬نسبية ‪ 2‬نشر السوي جمموعة‬
‫منابع املعرفة (‪)1993‬‬

‫‪86‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ول��ك��ن‪ ،‬فعلها أي��ن��ش��ت��اي��ن‪ ،‬وق���د م � ّك��ن من‬
‫والدة‪ ،‬يف تلك السنة‪ ،‬م��ادة علمية جديدة‪:‬‬
‫الكسمولوجيا‪ .‬مل يعد الكون هو نفسه فقد‬
‫أصبح ممكناً تدرجيياً إدخاله يف بوتقة النظرية‬
‫الرائجة لالنفجار العظيم (بج بنج‪ ).‬رداء القس‬
‫ال جيعل من حامله قساً حقيقياً يقول املثل‪،‬‬
‫لكن من منا ميكنه دحض مثل هذا السيناريو‬
‫وإمكانية ه��ذا العلم‪ .‬بينما كيف ميكننا إىل‬
‫اليوم‪ ،‬وبعد قرن من البحث العلمي الناجح يف‬
‫ميدان الكسمولوجيا‪ ،‬وعدد من جوائز نوبل يف‬
‫هذا امليدان‪ ،‬وعدد ال بأس به من االكتشافات‪،‬‬
‫وآالف الباحثني املنكبني على ه��ذا العلم‪ ،‬أن‬
‫نشك يف شرعية هذه املادة العلمية؟‬
‫خطاب عقلي حول الطبيعة‬
‫ال بد أن نشري أن��ه يوجد مشكلة أساسية‪،‬‬
‫حم �رّم أصلي مينع احلديث عن الكون كأداة‬
‫علمية‪ ،‬يف بداية القرن العشرين كما هو الشأن‬
‫حتى ال��ي��وم‪ .‬وال��ف��خ جن��ده يف الكلمة نفسها‬
‫الكسمولوجيا‪ ،‬وبأكثر دقة يف كلمة «كسموس»‬
‫واليت تعين يف اآلن نفسه العامل ونظام العامل‪:‬‬
‫فالعلماء عندما يدرسون الكون يعتربونه منظماً‪.‬‬
‫هذه اهلفوة الداللية كانت وراء جر أينشتاين‪،‬‬
‫وج��ل علماء الكونيات منذ ق��رن‪ ،‬إىل اخللط‬
‫بني الفلسفة والعلم يف متش يعود إىل بدايات‬
‫التفكري العقالني حول العامل الذي حييط بنا‪.‬‬
‫وبالفعل‪ ،‬كان املفكرون األوائل الذين استعملوا‬
‫خطاباً عقالنياً حول الطبيعة هم الفالسفة‬
‫الذين ظهروا يف القرن السادس قبل امليالد‪.‬‬
‫وك��ان��ت النية تتجه حن��و وص��ف ال��ع��امل دون‬
‫استعمال مفردات امليتولوجيا‪ .‬ولذلك‪ ،‬كان أول‬
‫املفكرين مثل تاالس (‪ )610-646‬وهريقليدس‬
‫(‪ )501-541‬وفيتاجور (‪ )580-490‬يُدعون‬
‫فيزيائيني‪ .‬ه��ذا التساؤل ح��ول الطبيعة كان‬
‫موجهاً باخلصوص إىل الكون كما يشهد على‬
‫ذلك الفيلسوف اليوناني افالطون (‪)347-427‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الذي يف حواره «‪ « le timée‬يؤكد على «أننا‬
‫نبتة من السماء وال من األرض‪».‬‬
‫ما هي هذه الطريقة اجلديدة لرؤية الكون؟‬
‫ميكننا أن نلخصها يف استعمال مبدأ واحد‬
‫ّ‬
‫ينظم الكل ويسمح بفهم الطبيعة كاملة (املاء‬
‫والنار واألرقام) هذه العقالنية اخلارقة للفكر‬
‫وللمعرفة مل تكن بعيدة عن امليتافيزيقا‪ .‬وفعالً‬
‫فالفالسفة تفلسفوا ح��ول ال��ك��ون‪ ،‬يعين أهنم‬
‫قدّموا استنتاجات ممكنة وخمتلفة‪ ،‬لكنهم مل‬
‫يأتوا باألدلة القاطعة على استنتاجاهتم‪ .‬إذن‬
‫فعندما تكون لدينا األدل��ة القاطعة على ما‬

‫‪87‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ن��ق��ول‪ ،‬نصل إىل التقريب ب�ين االستنتاجات‬
‫املختلفة من أجل وحدة احلقيقة‪ ،‬وبالتايل نكون‬
‫داخل العلم‪.‬‬
‫ً‬
‫بقي أن نعرف إذا م��ا ك��ان ممكننا للعلم‪،‬‬
‫رغم هذه املوضوعية اجلماعية‪ ،‬أن حيل حمل‬
‫امليتافيزيقا ويعوّض االستنتاجات غري العقالنية‬
‫املتعددة مبعارف تفرض نفسها على اجلميع‪.‬‬
‫لقد أجاب التاريخ إجيابياً عن طريق الفيزيائيني‬
‫اجلدد‪ ،‬أولئك الذين‪ ،‬ومنذ القرن السادس عشر‬
‫أسسوا العلم احلديث‪ .‬وكان املسؤوالن األساسيان‬
‫على هذه الثورة مها كوبرنيك وجاليلي‪ .‬األول‬

‫‪88‬‬

‫أ ّكد أنّ كل االحتماالت الشارحة لنظام الكواكب‬
‫ليست بنفس القيمة‪ ،‬ولكن االحتمال األسهل‬
‫لالستعمال هو أن الشمس توجد يف املركز أي‬
‫نظرية مركزية الشمس للعامل‪ .‬والثاني‪ ،‬أخذ‬
‫املشعل نصف قرن بعده‪ ،‬وأ ّك��د أنّ األرض يف‬
‫وضعها يف السماء ما هي إ ّال جنم ككل النجوم‬
‫األخرى‪ ،‬ولسنا يف حاجة لفهمها إ ّال من خالل‬
‫وجودها ككل الظواهر الطبيعية‪.‬‬
‫وكان التغيري العجيب‪ ! ‬ألنه من خالل ذلك‬
‫التأكيد انبثقت مفاهيم مركزية للعلم املعاصر‪.‬‬
‫مفهوم «قوانني الطبيعة»‪ .‬وبوضوح أكثر‪ :‬لقد‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫تزعزع التساؤل البشري بالكامل ألنه مل يعد يهم‬
‫ملاذا األشياء هي كما هي (السؤال امليتافيزيقي)‬
‫بل كيف ميكن فهمها (السؤال العلمي)‪ .‬وكان‬
‫احلل؟ فاالكتشاف الذي أدى إىل فهم أن دوران‬
‫ال��ك��واك��ب ح��ول الشمس حتكمه ق��وان�ين آلية‬
‫النظام السماوي‪ ،‬وأن بقاء الكواكب معلقة يف‬
‫الفضاء يستجيب إىل قوانني اجلاذبية‪ ،‬وإنّ‬
‫ع��دم اإلح��س��اس حبركة األرض جي��د تفسريه‬
‫يف قوانني احلركات النسبية‪ .‬وال جمال للشك‪،‬‬
‫ف��إن م��ا غنمته املعرفة ك��ان ه��ام �اً‪ :‬الظواهر‬
‫الفيزيائية جتد تفسريها من داخلها‪ ،‬من خالل‬
‫القوانني اليت تستجيب هلا‪ ،‬وال من خالل املبادئ‬
‫امليتافيزيقية خارجها وال�تي ختضع هلا‪ .‬وقد‬
‫وصلنا هنا إىل ما يسمى «استقاللية العلم»‪.‬‬
‫وهو إذن ما جعل الكسمولوجيا خترج عن‬
‫امليتافيزيقا؟ ال أب���داً‪ .‬لفهم ذل��ك‪ ،‬ال ب �دّ أن‬
‫نعرف أنّ هذه احلركة اهلائلة لتعويض املبادئ‬
‫بالقوانني ال تستثين املفاهيم اليت تؤسس للعلم‪.‬‬
‫هكذا‪ ،‬وإذا ما اقتصرنا على القوانني‪ ،‬فما هو‬
‫عام يصبح ما هو مقبول بنفس الطريقة يف‬
‫أي مكان من الكون‪ .‬من ناحية أخرى‪ ،‬مفهوم‬
‫احلقيقة تقمّص حمتوى جديداً‪ ،‬من خالل انبثاق‬
‫مفهوم العقالنية‪ ،‬الذي يُعترب مفروضاً على كل‬
‫عقل‪ .‬والنتيجة‪« :‬املضاربات غري العقالنية»‬
‫تركت املكان إىل احلجج العقالنية‪ .‬فالنظريات‬
‫العلمية خالفاً للرتكيبات امليتافيزيقية‪ ،‬ترضخ‬
‫الم��ت��ح��ان األف��ع��ال ال�تي ت��ؤك��ده��ا أو تفندها‪.‬‬
‫واملفارقة أن ه��ذا التغيري يف األف��ق ي��ؤدي إىل‬
‫إزاحة الكسمولوجيا من امليدان العلمي وإرساهلا‬
‫يف املنفى على عتبة ميدان امليتافيزيقا‪ ! ‬فعالً‪،‬‬
‫فالعلم اليوم يهتم بالقريب‪ ،‬مبا ميكنه رؤيته‪،‬‬
‫وملسه‪ ،‬وجتربته‪ ،‬وعقلنته‪ .‬واحلالة هذه‪ ،‬هل‬
‫يوجد ش��يء أكثر ب��ع��داً‪ ،‬ومستحيل معاجلته‬
‫ونسخه أو حتى إخراجه أمامنا لفحصه بصفة‬
‫عقالنية مثل الكون؟‬
‫وهكذا ومنذ جاليلي وقبل «جنون» أينشتاين‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أط��ردت الكسمولوجيا من العلم‪ .‬يف منتصف‬
‫ال��ق��رن ال��ت��اس��ع ع��ش��ر‪ ،‬اع��ت�بره��ا الفيلسوف‬
‫الفرنسي أوجست كونت عمل علمي حمرم‪ ،‬وهو‬
‫ما عرب عنه يف تعاليمه سنة ‪ 1852‬يف كتابه‪:‬‬
‫«ال تتحدث يف كل شيء»‪ ! ‬مبعنى آخ��ر‪ ،‬تعود‬
‫الكسمولوجيا إىل اهتمامات ميتافيزيقية‪ ،‬بل‬
‫دينية‪ ،‬يقيّمها من أراد‪.‬‬
‫هل ميكن حقيقة معرفة الكون؟‬
‫كان هذا قبل أن يتحرر أينشتاين من احملرم‬
‫ويُدخل اعتبارات علمية يف امليدان املخصص‬
‫للميتافيزيقا‪ ،‬وذل��ك يف مقاله لسنة ‪1917‬‬
‫بعنوان «تأمالت كسمولوجية يف نظرية النسبية‬
‫العامة»‪ .‬هل كان عمالً جنونياً أم حتررياً؟ أو‪،‬‬
‫وهو نفس الشيء‪ ،‬هل أنّ الكون معرّف؟ أكرب‬
‫صعوبة تتمثل يف املكان الذي يتواجد فيه العالِم‬
‫ال��ذي ي��درس ال��ك��ون‪ .‬إننا داخ��ل ال��ك��ون‪ ،‬كيف‬
‫ميكننا أن خنرج منه (حتى من خالل الفكر)‬
‫لنقول عنه شيئاً عقالنياً‪ ،‬وبالتايل علمياً؟ إذا‬
‫ك��ان الكون ال يقبل أن يكون أداة للعلم‪ ،‬فقد‬
‫أصبح أداة على طريقته‪ ،‬م��ن خ�لال أحداث‬
‫ك��ث�يرة وق��ع مالحظتها‪ .‬وك���ان احل���دث األول‬
‫مالحظة اهل��روب املطلق للمجرات‪ ،‬اكتشاف‬
‫وقع يف سنة ‪ .1920‬ألنه‪ ،‬لفهم هذه الظاهرة‬
‫احمللية واملؤكدة‪ ،‬كان البد من االستنجاد بفهم‬
‫كلي‪ ،‬وع��ام‪ ،‬وشامل‪ :‬توسع الفضاء‪ .‬وهكذا‪،‬‬
‫فإنّ ضرورة التفسري الكسمولوجي (الذي هو‬
‫مشروع يف كامل أحن��اء الكون حتى وإن تعذر‬
‫مراقبته يف كل مكان) متأت من األفعال العلمية‬
‫احمللية نفسها‪ .‬ومبعنى آخر‪ ،‬فتوسع الفضاء‬
‫هو فعل علمي كسمولوجي ضروري لشرح فعل‬
‫علمي غري كسمولوجي‪ ،‬توسع الفضاء‪ ! ‬وهذا‬
‫ما أدركه جيداً الفلكي األمريكي مكتشف هروب‬
‫اجملرات‪ ،‬ايدوين هابل‪ ،‬عندما أعلن‪« :‬املالحظة‬
‫تؤدي دائماً إىل النظرية»‪.‬‬
‫وب��ن��ف��س ال��ط��ري��ق��ة ك����ان يف سنة‬

‫‪89‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪1965‬اكتشاف اإلشعاع األحفوري الذي ال ميكن‬
‫تفسريه إال بعبارات كسمولوجية‪ ،‬وكبقية‪ ،‬متوقعة‬
‫من قبل النظرية‪ ،‬حلالة قدمية جدّ حارة‪ ،‬وجدّ‬
‫ثقيلة وخاصة شاملة للكون (ظ��اه��رة تدعى‬
‫«جسم أس��ود»)‪ .‬إضافة إىل ذل��ك‪ ،‬املالحظات‬
‫(الواقعية‪ ،‬واملتكررة‪ ،‬واملدققة‪ )...‬النتشار املادة‬
‫يف الكون كيفما كانت االجت��اه��ات الفضائية‬
‫أو الشرحية الزمنية املعتربة (ألن��ه كلما رأينا‬
‫بعيداً‪ ،‬صعدنا يف الزمن نظراً للسرعة النهائية‬
‫للضوء) هي مالحظات متناسقة إىل حد كبري‪.‬‬
‫وهذا التناسق هو بالضرورة كسمولوجي ألنه ال‬
‫ميكن فهمه إ ّال إذا كان سببه إشراك الكون يف‬
‫مجلته‪ .‬هنا‪ ،‬جند الفكرة الالمعة لنظرية البج‬
‫بنج (االنفجار العظيم) للمصدر الواحد للكل‪...‬‬
‫وميكننا تعداد أح��داث أخ��رى وال�تي ال ميكن‬
‫فهمها إ ّال يف إط��ار كسمولوجي‪ :‬مثل النويّة‬
‫التخليقية للعناصر (‪nucléosynthèse des‬‬
‫‪ ،)éléments‬وعمر اجمل��رات‪ ،‬وظلمة الليل‪،‬‬
‫وغريها‪.‬‬
‫ه���ل أن امل��س��أل��ة ح��س��م��ت إذن؟ ه���ل أنّ‬
‫الكسمولوجيا قد أصبحت يف النهاية علماً؟‬
‫حتى يف ه��ذه احلالة ال ميكن التأكيد‪ ،‬ليس‬
‫بعد‪ .‬ألنّ الكسمولوجيا املعاصرة ال تكون علمية‬
‫إال يف حدود‪ .‬وبطريقة أخرى‪ ،‬فإنّ االهتمامات‬
‫الكسمولوجية ال تكون معممة إال بالنسبة ملا هو‬
‫أو سيكون مالحظاً‪ .‬وهو ما يسطر بفعل الواقع‬
‫ح��داً‪ :‬م��اذا نعمل مع كل ما‪ ،‬وبصفة مبدئية‪،‬‬
‫يتجاوز املالحظة‪ ،‬وبداية بالبج بنج؟ ميكننا‬
‫كذلك طرق موضوع الكونيات املتوازية لكوننا‪،‬‬
‫والكونيات املدجمة غري املتصلة‪ ،‬وغريها‪ .‬إذن‪،‬‬
‫يستحيل إسقاط ما ال ميكننا مالحظته من‬
‫التفكري‪ ،‬وال حتى من املعارف املستقبلية‪ .‬من‬
‫ناحية أخ��رى‪ ،‬إذا كانت مثل هذه الظواهر –‬
‫مثال ما قبل البج بنج – قد أدخلت يف نطاق‬
‫العلم‪ ،‬فذلك يعين ضرورة أهنا دخلت يف حقل‬
‫ما هو مالحظ‪ ،‬وهو ما يفرض عدم التخلي عن‬

‫‪90‬‬

‫عدد كبري من الظواهر غري املالحظة أو اليت ال‬
‫ميكن مالحظتها اآلن‪ .‬وخالصة القول‪ ،‬سيكون‬
‫الكون دائماً أكرب مما ميكن مالحظته كيفما‬
‫كان تقدم العلم‪ ! ‬ومبعنى آخر‪ ،‬ميكن أن حتدث‬
‫حت��والت منتظرة‪ ،‬وتصحيحات‪ ،‬ومفاجآت و‬
‫ثورات علمية أخرى‪ ،‬لكن إطار الفهم العقالني‬
‫والعلمي لن يكون الغياً‪ .‬وهنا تكمن العلة‪ ...‬يف‬
‫الواقع‪ ،‬هل ذلك يعين أن ال شيء ميكنه تفنيد‬
‫نظرية البج بنج؟ ولكن هل علينا وض��ع هذه‬
‫النظرية يف صنف النظريات غري العلمية ألهنا‬
‫ال تتحمل التزوير‪ ،‬يعين «ليست باطلة»‪ ،‬حسب‬
‫عبارة الفيزيائي األمريكي بيرت وات‪ 1‬؟‬
‫انشطار الكسمولوجيا‬
‫يف احلقيقة‪ ،‬ه��ذا االحتجاج على النماذج‬
‫العلمية الطموحة وبالنسبة لبعضهم الغري‬
‫مراقبة ال ميكن تطبيقه على الكسمولوجيا‬
‫النسبوية من نوع البج بنج‪ .‬لسبب بسيط‪ :‬فهذه‬
‫ج�دّ حساسة ب��األح��داث‪ ،‬واالكتشافات‪ ،‬حتى‬
‫الضئيلة منها‪ .‬مثال‪ ،‬لو جند ذرة واحدة يتعدى‬
‫عمرها عمر الكون فإن النظرية برمتها جيب‬
‫أن نرمي هبا دون تردد‪ .‬وكذلك لو أننا الحظنا‬
‫جمرة واح��دة تسري يف االجت��اه املعاكس لتوسع‬
‫الفضاء أو أننا تأكدنا أن شيئاً واحداً قد جتاوز‬
‫سرعة الضوء‪ ...‬فاملناسبات اليت تتيح تزوير‬
‫نظرية البج بنج غري حمدودة وقوة هذه النظرية‬
‫تكمن يف أن كل اجملهودات اليت بذلت لبطالهنا‬
‫علمياً إىل حدّ اليوم مل تصل إىل نتيجة‪ ! ‬ظ ّل‬
‫سؤال مطروح‪ :‬ماذا نصنع مبا مل نالحظه بعد؟‬
‫هنا تسرتجع امليتافيزيقا حقوقها‪ ،‬ألننا سنف ّكر‬
‫يف ما هو غري مالحظ‪ .‬وبأكثر معقولية علينا‬
‫أن نفكر يف تشطري الكسمولوجيا فهي يف اآلن‬
‫نفسه علم وميتافيزيقا‪ .‬واملهم أن ال نغفل عن‬
‫هذا اجلانب أو ذاك‪ ...‬وال عن تواجد االثنني‬
‫‪1‬ليست باطلة‪ ! ‬ال��ف��ي��زي��اء‪ ...‬أع��ي��دت إىل‬
‫خيوطها‪ ،‬نشر دونوي‪2007 ،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫معاً‪ .‬مع العلم أن الطبيعة العلمانية للعملني تقرّ‬
‫أن قناعات إحدامها التتعارض بصفة واضحة‬
‫مع قناعات األخرى‪ .‬اتفاق يؤدي إىل ثراء متبادل‬
‫عوض تفوق أحدامها على األخ��رى‪ .‬فاحلوار‬
‫بني العلم والفلسفة يصري جوهريا وهو الوحيد‬
‫الذي مي ّكن من النظر إىل السماء ورؤيتها بكل‬
‫أبعادها احلالية‪ .‬حوار ال ميكن االستغناء عنه‬
‫كما كان يقول امل��ؤرخ الكبري للكسمولوجيا يف‬
‫القرن العشرين‪ ،‬جاك مرلو بانيت‪« ،‬كل خطاب‬
‫عن الكون هو فلسفي يف بعض النوحي»‪.2‬‬

‫يف النهاية‪ ،‬إنه وضع خاص حتصلت عليه‬
‫الكسمولوجيا‪ .‬م��ن ن��اح��ي��ة‪ ،‬ك��ل ش��يء ميكن‬
‫أن يتغيّر يف قصة الكون؛ ومن ناحية أخرى‪،‬‬
‫هناك أشياء ال ميكن معرفتها أب��داً‪ .‬لكن يف‬
‫كل احلاالت‪ ،‬مل نسلم أنفسنا إىل االعتباطية‪! ‬‬
‫إنّ الطريق اجلديد الذي افتتحه أينشتاين هو‬
‫جتربة للحرية ميكن لكل إنسان اتباعه دون‬
‫خطر الوقوع يف «اجلنون»‪ ،‬أو بعبارة باسكال‪،‬‬
‫إلرعاب فضاءات ال هنائية‪.‬‬

‫‪ 2‬كسمولوجيا القرن العشرين‪ ،‬نشر جاليمار باريس ‪1965‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪91‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أعلى برج في العالم‬
‫عام ‪2100‬‬
‫معتز عمرين‬

‫كيف ميكن أن نبين برجاً يف ارتفاع ‪ 100‬كم‪ ،‬كيف ميكن‬
‫أن يتحمل كل هذا الوزن اهلائل من دون أن تكون له‬
‫قاعدة يستند إليها هذا البناء‪ ،‬هل سوف تتغري مالمح‬
‫األرض عند بناء مثل هذه النوعية من األبراج‪ ،‬كيف ميكن أن تظهر‬
‫من الفضاء األرض‪ ،‬وقد انتصب على سطحها هذه البنايات الربجية‪،‬‬
‫متحدياً قوانني اجلاذبية الكالسيكية‪ ،‬وبانية لنفسها قوانينها اخلاصة‪،‬‬
‫ومطلقاً العنان لألرض كي تأخذ شكلها يف القرن الثاني والعشرين‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وقف اإلنسان عند نقاط حم��ددة يف طول‬
‫املباني اليت قام بتشييدها‪ ،‬وهذا سببه تتبعه‬
‫للطريقة الكالسيكية يف البناء‪ ،‬فقد وقف عند‬
‫‪ 1‬كم ال أكثر‪ ،‬ومل يستطع اإلنسان أن يقفز أي‬
‫قفزات‪ ،‬وبدت فكرة إنشاء مبنى على ارتفاع‬
‫‪ 100‬كم‪ ،‬ضرباً من اجلنون واهللوسات املعمارية‬
‫اجملنونة وال�تي ترفضها ك��ل م��ب��ادئ العمارة‬
‫مبختلف مدارسها احلداثية وما بعد احلداثة‪،‬‬
‫الذي من املستحيل حتقيقه من الناحية املعمارية‬
‫على األق��ل وم��ن ناحية احلسابات اهلندسية‬
‫املعقدة املدنية واليت تعتمد على مبادئ الضغط‬
‫وامل��ق��اوم��ة وامل���واد وت��أث�ير اجلاذبية والعوامل‬
‫الطبيعية‪ ،‬لكن دعونا ال نفكر بكلمة املستحيل‪،‬‬
‫ودعونا نفكر بطريقة غري اعتيادية لنصل إىل‬
‫نتيجة غري اعتيادية معمارياً على األقل‪.‬‬
‫حنن النصل إىل إرتفاع أكثر من ‪ 1‬كم‪ ،‬ألننا‬
‫نبين من حتت إىل فوق‪ ،‬نعم‪ ...‬ال تستغربوا من‬
‫هذا التسائل ألن األسئلة الطفولية‪ ،‬هي غالباً‬
‫ما تكون فتوحاً معرفية وعلمية واكتشافية يف‬
‫مجيع األحوال ولو أهنا كانت سابقة لعصرها‪.‬‬
‫جيب أن نبين من حتت لفوق هبذه الطريقة‬
‫من املمكن أن نصل إىل أي إرتفاع نريده‪ ،‬وهذه‬
‫الطريقة ليست البشرية هي ال�تي اخرتعتها‬
‫أو اكتشفتها‪ ،‬ف��ه��ذه الطريقة ه��ي باألصل‬
‫للحشرات وحتديداً النحل فمنذ اآلف السنني‪،‬‬
‫والنحل يبين من فوق لتحت‪ ،‬مطلقاً العنان ألي‬
‫تشكيل معمارياً يريده‪ ،‬ومستغالً كل املساحات‬
‫امل��ت��واف��رة وم��س��ت��غ�لاً م���لء مج��ي��ع الفراغات‬
‫املعمارية الداخلية‪ ،‬وعلى هذه الطريقة ممكن‬
‫أن حنقق العديد من اإلجنازات‪...‬‬
‫دعونا نكمل يف فكرة البناء من فوق إىل حتت‪،‬‬
‫يف هذا الربج الذي دشن يف هذا العام ‪،2100‬‬
‫كان أهم ما مييز هندسته أنه غري معتمد على‬
‫القضبان اليت حتمل اهليكل للربج‪ ،‬ألنه بشكل‬
‫اع��ت��ي��ادي أن القضبان تستند إىل قضبان‪،‬‬
‫والقضبان تستند إىل أرض صلبة للبناء عليها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫والتشييد فوقها‪ ،‬لكن عندما نتحدث عن هذا‬
‫االرتفاع علينا البحث على ما يسمى باأللياف‬
‫الكربونية‪ ،‬لعلها تكون ضالتنا يف هذا التشكيل‬
‫املعماري املراد بناؤه‪ ،‬هذه األلياف الكربونية‬
‫هي تشبه إىل درجة كبرية األلياف العضلية يف‬
‫جسم اإلنسان‪ ،‬وهي اليت تعطي شكل املبنى‬
‫وتفسح فضاء يف داخله‪ ،‬وتعطي تكويناً داخلياً‬
‫أكثر تعقيداً وأكثر تنوعاً وأكثر استغالالً للكثري‬
‫من املساحات املعمارية‪ ،‬حبيث يوجد داخل هذا‬
‫املبنى‪ ،‬السكن واألس��واق واأللعاب الرياضية‬
‫واجلامعات‪ ،‬كل هذه الفراغات املعمارية حمققة‬
‫يف األلياف الكربونية‪ ،‬وعلى هذا األساس مل‬
‫يكن هناك أي وزن هلذا اجلسم املعماري اهلائل‬
‫ال��ذي ميتد م��ن األرض إىل السماء م��ن دون‬
‫أن يقف يف وجه اجلاذبية األرضية‪ ،‬طبعاً يف‬
‫حساب وزن هذه األلياف وقدرهتا على التحمل‬
‫جند أن هذه الكتلة املعمارية حتمل آالف األوزان‬
‫زيادة على وزهنا وقدرهتا على شد وبناء أجزاء‬
‫وأطراف البناء وترابطه بطريقة مذهلة لدرجة‬
‫كبرية‪.‬‬
‫ووج��د م��ا يسمى ب��اجمل��ال امل��ع��م��اري‪ ،‬وهو‬
‫اجملال الذي حيدد يف هذا الزمان مثل مفهوم‬
‫حدود الدول‪ ،‬فحدود الدول يف القرن العشرين‪،‬‬
‫كانت حدوداً أفقية أما حدود الدول يف القرن‬
‫الثاني والعشرين‪ ،‬هي حدود عامودي ًة‪ ،‬ما يظهر‬
‫مدى قوة الشعوب ومتكنها يف عملها‪.‬‬
‫وما مييز أيضاً هذه األلياف هي قدرهتا على‬
‫املقاومة الشديدة ألي تأثريات خارجية وعوامل‬
‫خارجية من الربودة واحلرارة والرطوبة‪ ،‬وحتى‬
‫الغازات اليت تعلق يف الكتل املعمارية‪ ،‬ألن الكتلة‬
‫املعمارية تقوم مثل كل األشياء واحليوانات يف‬
‫األرض فهي تطرح بعض ال��غ��ازات والعوادم‪،‬‬
‫وتقوم يف نفس الوقت على تنفس العديد من‬
‫ال��غ��ازات‪ ،‬وه��ذه ال��غ��ازات أو ال��ع��وادم جيب أن‬
‫خترج بطريقة منظمة وبدرجات حمددة‬
‫وإال أدى ذلك إىل تلوث احمليط واختالل‬

‫‪93‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الضغط ما بني داخل البناء وخارجة‪.‬‬
‫غ�ير أن كيف ميكن هل��ذه الكتلة املعمارية‬
‫يف اهلواء أن تتنفس نعم‪ ،‬يف كل بناء معماري‪،‬‬
‫كان هناك ما يسمى خبياشيم التنفس هذه‬
‫اخلياشيم‪ ،‬هي عبارة عن تبادل األوكسجني‬
‫م��ع ال��داخ��ل‪ ،‬كما أهن��ا ت��ق��وم يف استخالص‬
‫األوكسجني اآلزوت وغاز ثاني أوكسيد الكربون‬
‫مع احمليط وتتبادله‪ ،‬كل هذه األمور جتري عن‬
‫طريق وحدات خاصة من التبادل من دون املرور‬
‫مبا يسمى باحلاسب اآليل‪ ،‬حبيث إن كل جزء‬
‫معدني من هذه الكتلة املعمارية‪ ،‬جمهز بذكاء‬
‫معماري‪ ،‬قادر على العبور (الفوائد)‪ ،‬وقادر يف‬
‫نفس الوقت‪ ،‬على طرح أي أشياء غري مفيدة‪،‬‬
‫وقادر على عملية اإلندماج النووي يف الوقت‬
‫املناسب إلح��داث النظائر املطلوبة إلحداث‬
‫التوازن املفيد‪ ،‬يف هذه الكتلة املعمارية‪ ،‬وهذا‬
‫ما يطلق عليه التنفس املعماري الطبيعي‪.‬‬
‫وه��ذه األب��راج هلا مصادر التمويل اخلاص‬
‫هبا‪ ،‬من ماء وغذاء ودواء‪ ،‬تتلقى بعضه وتصدر‬
‫ب��ع��ض��ه‪ ،‬ل��ك��ن م��ا ك���ان يعطي امل��ص��در القوة‬
‫اإلقتصادية هل��ذه األب��راج هي يف حتوهلا إىل‬
‫موانئ فضائية تستقبل عرب سفن فضائية‪،‬‬
‫املعادن الثمينة واألمل��اس والذهب وامل��اء‪ ،‬وكل‬
‫ش��يء ممكن ل�لأرض أن حتتاجه‪ ،‬كانت هذه‬
‫األبراج البوابة الرئيسية له‪ ،‬نظراً لسهولة تلقي‬
‫هذه املواد عرب موصالهتا اخلارجية الفضائية‪،‬‬
‫وأي شيء ترغب هذه ال��دول يف استقباله أو‬
‫إرساله كانت األبراج تقوم يف املهمة على حنو‬
‫مذهل من الدقة والسرعة والتوصيل إىل أي‬
‫نقطة تريدها على سطح األرض‪ ،‬وغدت هذه‬
‫األبراج شريان احلياة الذي يعيش اإلنسان من‬
‫خالله على سطح الكرة األرض��ي��ة‪ ،‬ويواصل‬
‫مستعمراته الفضائية‪.‬‬
‫ويف العودة إىل شكل هذه األبراج‪ ،‬فالشيء‬
‫املميز يف بناء هذه األبراج أنه ال ميكن بناء مبنى‬
‫واحد إمنا على البناؤون‪ ،‬والذين هم روبوتات‬

‫‪94‬‬

‫فضائية «ختتلف عن الروبوتات األرضية»‪ ،‬جيب‬
‫أن يبنوا أبنية كثرية ومنتظمة يف أماكن حمددة‬
‫من حيث التجاور والعدد واالرتفاع احملدد يف‬
‫الفضاء‪ ،‬ويف صلتها يف أكثر من منطقة كي‬
‫حيققوا الشرط اإلجباري يف التوازن العامودي‬
‫األفقي‪ ،‬وهذا مبدأ التوازن‪ ،‬قائم بسبب الطول‬
‫الكبري واهل��ائ��ل لكل ب��رج م��ن األب���راج‪ ،‬وقائم‬
‫بشكل قوي بسبب اجلذب املعاكس حبيث إن‬
‫كل الكتلة املعمارية للربج هي بالفعل معلقة‪،‬‬
‫وإن كانت معلقة فإن علينا حتقيق ما يسمى‬
‫بالتوازن‪ ،‬مثل أن نوقف بيضة على رأسها‪،‬‬
‫فنحن حباجة إىل الكثري من التوازن الداخلي‬
‫والتوازن احمليطي والتوازن اجلاذبي كي تقف‬
‫البيضة حمققة حمصلة يف كل القوى صفر‪،‬‬
‫وهذا الصفر ال يتحقق إال يف الرتابط الداخلي‬
‫القوي وهذا الشرط حمقق‪ ،‬والتوازن اخلارجي‬
‫وال��ذي جيب أن يتحقق يف ترابط األب��راج مع‬
‫بعضها البعض‪ ،‬يف ه��ذا األسلوب ك��ان لزاماً‬
‫على البشرية أن تعتمد ال��ب��ن��اء املكثف من‬
‫الناحية التكوينية الداخلية والتكوين اخلارجي‬
‫املتماسك‪.‬‬
‫الشيء املميز اآلخ��ر هو أن ه��ذه األبنية‪،‬‬
‫غريت النمط الدميغرايف للسكان‪ ،‬حبيث إن‬
‫السكان أصبحوا ينتمون إىل هذه اجملتمعات‬
‫ال�برج��ي��ة‪ ،‬ومل ي��ع��ودوا ينتمون إىل دوهل���م أو‬
‫قومياهتم‪ ،‬وغ�يرت بذلك العديد والعديد من‬
‫املفاهيم اليت كانت مرتبطة يف مبدأ املواطنة‬
‫وال��والء الوطين‪ ،‬وغريت يف ذلك حدود الدول‬
‫وحدود القوى على األرض مطلقة العنان لنوع‬
‫جديد من اخلرائط غري املعتمدة على التصنيف‬
‫األفقي أو التصنيف احلدودي لتوزع األرض يف‬
‫يد الشعوب أو الدول‪ ،‬إمنا على التوزن األفقي‬
‫وارتفاع هذه األبراج‪.‬‬
‫وم��ع تغري مبادئ املواطنة وه��ذه التغريات‬
‫الدميغرافية‪ ،‬انتقلت البشرية لنقطة هي أن‬
‫اجملتمعات الربجية جمتمعات قائمة يف ذاهتا‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وأصبح العيش على سطح األرض مثل العيش‬
‫يف الصحراء القاحلة حيث ال وجود ألي إنسان‬
‫على هذه املساحة من األرض‪.‬‬
‫رافق هذه التغريات تغريات كثرية يف حركة‬
‫امل���واص�ل�ات ع��ل��ى األرض‪ ،‬ف��م��ات��ت الطريق‬
‫السريعة السيارات‪ ،‬وماتت القطارات‪ ،‬وماتت‬
‫كل ما يدعى بالسفن‪ ،‬أو حركة النقل أو الشحن‪،‬‬
‫وال�تي تعتمد على حركة األشياء على سطح‬
‫األرض‪ ،‬ألن ذلك أصبح عبارة عن استهالك‬
‫للوقت وض��ي��اع للوقت وأه���م ش��يء ختريب‬
‫لسطح الكرة األرضية يف شق هذه الطرقات‪،‬‬
‫واستنفاد مواردها وطاقتها يف رصف الطرق‬
‫واألخذ من الغابات‪ ،‬كل هذه أدركت البشرية‬
‫مدى فداحة خطئها والذي جر عليها العديد‬
‫من املشاكل‪ ،‬حل مجيعها بانتقال البضائع عن‬
‫طريق اإلرس��ال الفضائي‪ ،‬بطريقة احملوالت‬
‫السريعة‪ ،‬وهي شبيهة بإرسال رسالة نصية‬
‫من جهاز تلفوني إىل جهاز آخر‪ ،‬بتقنية تدعى‬
‫اإلرس��ال الكمي الفضائي عرب نقاط موصلة‬
‫أرضية فضائية‪.‬‬
‫ول���دت ه��ذه األش��ي��اء الطبيعية الربجية‪،‬‬
‫منطاً آخر من عملية احلفاظ على الطبيعة‬
‫يف املفهوم احلايل‪ ،‬حبيث إن البشرية مل تعد‬
‫تستهلك م��وارده��ا وغ��دت ه��ذه امل���وارد مهمة‬
‫وم��رق��م��ة وم��ع��رف م��ن ه��ي اجمل��ت��م��ع��ات اليت‬
‫تصرف وتستهلك أكثر فيفرض عليه الضرائب‬
‫اإلضافية‪ ،‬ما شكل حالة احتاد بشري واحد‬
‫بعيد عن أي خالف أو تفاهات سياسية‪ ،‬املهم‬
‫هو مصلحة هذا الكائن البشري‪.‬‬
‫وننقل لكم كلمة من كلمات اإلفتتاح اليت‬
‫ألقيت مبناسبة افتتاح أطول برج يف العامل عام‬
‫‪ ،2100‬حيث جاء فيها‪ :‬كل ما نتمناه وحنن يف‬
‫عام ‪ ،2100‬كمجتمعات برجية‪ ،‬هي أن تتمكن‬
‫البشرية م��ن بناء ك��واك��ب خاصة هب��ا‪ ،‬ضمن‬
‫منظومات حم��ددة من جمموعات مشسية او‬
‫جمرات كونية بعيدة‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪95‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الحس العلمي عند اإلنسان واكتشاف فيزياء‬
‫الكم كشفا الطبيعة الغيبية للمادة‬
‫د‪ .‬خملص عبد احلليم الريس‬
‫أستاذ فيزياء ـ جامعة دمشق‬

‫شابة لطيفة رقيقة مجيلة حاملة على قدر ال بأس به من الثقافة ‪ .‬كان من‬
‫بني ما قرَأته تلك الفتاة كتاب «طبيعـة الروح وأسرارها» وكتاب «الطاقات‬
‫اخلفيـة الال إنسانية أو عامل اجلن» حيث يبحث هذا األخري يف حقيقة‬
‫وجود اجلن وطبيعتهم ‪ ..‬وشاءت صدف القدر أن ألتلقيها يف جلسة طويلة‪ ،‬كانت‬
‫تريد من خالل حديثها معي معرفة كل شيء عن الروح وعن طبيعة اجلان‪ ،‬وكان‬
‫ُج َل استفساراتها الشغوفة املستط ِلعة ترتكز حول فكرة ‪ ..‬هل يوجد جان؟ هل‬
‫يستطيع اجلان أن يستحوذ على اإلنسان ويتملكه ؟ وإن كان ذلك فإىل مدى ؟ ما‬
‫هو أثرهم وتأثريهم علينا ؟ ‪ ....‬وكنت أحاول اإلجابة على أسئلتها بطريقة علمية‬
‫جادة يبدو أنها مل تشبع نهمها للمعرفة‪ ،‬أو بكلمة أخرى مل جتب على أسئلة ما‬
‫زالت تدور يف رأسها فإذا بها تفاجئين بقوهلا ‪ :‬سأروي لك يف جلسة قادمة قصة‬
‫لن تنساها على اإلطالق !؟ ‪ .‬فاستغربت قوهلا!!‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫جلست الفتاة الواثقة بنفسها هبدوء وهي يف‬
‫كامل أناقتها كأهنا سيدة جمتمع راقٍ‪ ،‬وأخذت‬
‫ترشف فنجان القهوة بنهم وتدخن السجائر‬
‫بشراهة لفافة تلو أخرى هبدوء غري معهود عند‬
‫الفتيات يف مثل سنها‪ ،‬فقد كانت تتلذذ بسُحُب‬
‫الدخان الداخل إىل صدرهـا واملنطلق منه‪ ،‬كأهنا‬
‫متارس رياضة تنفس عميقة من شهيق وزفري‪.‬‬
‫وأخ��ذت ت��روي القصة التالية ال�تي ظننتها يف‬
‫بداية األم��ر أهنا من نسج خيال فك ٍر عاق ٍل أو‬
‫من تأليف كاتب من كتاب اخليال العلمي‪ ،‬أو من‬
‫اخرتاع فتاة تعاني حالة نفسية أو صرع ‪ ...‬وهذا‬
‫ما ذكرني بفيلـم «نفوس معقدة»‪ .‬قالت هبدوء‪:‬‬
‫عندما كنت يف التاسعة من عمري اعتدت اللعب‬
‫مع أقراني أوالد احلي يف احلقول القريبة من‬
‫بيوتنا الريفية املتواضعة يف القرية ‪ ..‬وأكثر ما‬
‫كنا حنبه هو اللعب يف األماكن اخلربـة اليت ختلى‬
‫عنها أصحاهبا وسكاهنا وهجرها كهنتها لسبب‬
‫ما غري معروف ‪ ..‬وكان يف تلـك األماكن بقايا‬
‫آثار معابد وأبنية قدمية مهدمة وقصور مهجورة‬
‫حتوي الكثري من الصـاالت و الغرف واملمرات‪،..‬‬
‫يعود زمن إنشاء تلك األواب��د لبضع مئات من‬
‫السنني‪ ،‬وحينما كنت أدخل إىل تلك األماكن أو‬
‫أجلس فيها أو ألعب فيها مع أصدقائي لعبة‬
‫االختباء والتخفي مثالً‪ ..‬كنت أشعر يف كل مرة‬
‫ك��أن أح��داً ما يتعقبين ويتابع حركاتي فيدب‬
‫اخل��وف واجل��زع يف قليب وأه��رع عائدة للبيت‪،‬‬
‫وأعاهد نفسي على أال أعود ثانية هلذه األماكن‬
‫املخيفة أبدا ‪ ..‬لكن بعد فرتة وجيزة أبدأ بسماع‬
‫ص��وت رقيق يهتف يف ص��دري ‪ ..‬ع��ودي إيلَّ‬
‫فأنيت أمريتي البهيـة ‪ ...‬فيأخذ قليب برتديد هذا‬
‫الكالم واالفتتان به‪ ،‬ومع إحلاح أصدقائي كنت‬
‫أعود إىل اللعب معهم يف تلك األماكن‪ ،‬إذ كان‬
‫اللعب معهم مينحين نوعاً من األمان واالطمئنان‬
‫رغم شعوري بأن أحد ما ما زال يتابعين ويهمس‬
‫يف روعي ‪ ..‬مع مرور الوقت وكثرة مرات اللعب‬
‫ألفـت هذا األمر ومل أعد أشعر بأي خوف ‪ ..‬بل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫على العكس أحسست بسعادة ألن هناك شيء‬
‫يُمَ ِيزُنـي على أصدقائي ‪ .‬لكن يف إحدى املرات‬
‫شعرت بالنعاس يدامهين وجاهدت نفسي على‬
‫مغالبته دون جدوى‪ ،‬ومع بداية إغفائي أحسست‬
‫بشيء ما يعبث جبسدي ويف كل جزء منه حتى‬
‫يف مناطق العفة لدي ‪ ..‬فتنبهت لألمر وجتمدت‬
‫أوصايل ‪ ..‬لينتهي بي األمر أخرياً إىل الشعـور‬
‫بلذة ومتعة عارمة مل أعهدمها من قبل‪ ،‬ضاع‬
‫معه إحساسي بالزمان وامل��ك��ان ‪ ..‬ومل يطـل‬
‫زمن تلك النشوة حتى شعرت بربودة يف موضع‬
‫حساس من جسدي مل أفهم معناها يف تلـك‬
‫السن املبكرة ‪ ..‬منذئذٍ صرت أتردد على املعبد‬
‫القديم برغبيت وإرادت��ي بشكل منتظم كل يوم‬
‫يف أوقات حمددة متمنية حدوث ما حدث أول‬
‫مرة‪ ..‬وقالت ‪:‬‬
‫ً‬
‫احلقيقة ك��ن��ت س��ع��ي��دة ج���دا هب���ذا األم���ر‪،‬‬
‫لشعوري بالتمايز والتفوق على أقراني بفوزي‬
‫بشـيء ممتع غريب مل يصل لغريي وال أريد‬
‫خسارته‪ ،‬وجيب علي أن أكتم األمر وال أخرب به‬
‫أحـداً كي ال ينقطع عين‪ ،‬وكذلك اخلشية من‬
‫الفضيحة خاصة أن األمر يتعلق بالعبث مبواطن‬
‫العفة والشرف ‪.‬‬
‫تلك اخلربة وبطريقة ال شعورية جعلتين أدرك‬
‫الكثري مما ي��دور يف أفكار الرجال والنساء‪..‬‬
‫واكتشفت الكثري عما تقوله العيون واخلواطر‬
‫واأللباب ‪ ..‬فاجلميع يشتهي دومنا استثناء‪..‬‬
‫ولالشتهاء عندهم ص��ور وأش��ك��ال‪ ..‬طريقة‬
‫احل��دي��ث‪ ،‬األن��اق��ة‪ ،‬الزينة‪ ،‬العطور‪ ،‬اإلغ���واء‪،‬‬
‫اإلغراء‪ ،‬املواعدة‪ ،‬اجتماع الرجل باملرأة ‪ ...‬تلك‬
‫هي خربة اكتسبتها دون أن خيربني هبا أحد‪..‬‬
‫لرمبا الكل خيجل أو يتظاهر‪ ،‬أو الكل يعلم‬
‫ويتجاهل ‪ ..‬وأنا أُخِذتُ هبـذا ‪.‬‬
‫مع م��رور األي��ام ص��ار املشهد يتكرر يومياً‬
‫تقريباً‪ ،‬وغالباً ما يتكرر عدة م��رات يف اليوم‬
‫ال��واح��د‪ .‬واع��ت��دت على ذل��ك حتى غدا‬
‫ج���زءاً م��ن حياتي اليومية‪ ،‬وص��رت أنا‬

‫‪97‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫طالبته والباحثة عنه ‪ .‬وأل��ف��ت دخ��ول املعبد‬
‫املهجور وحدي كأنه بييت ‪ ..‬أو قصري ‪ ..‬لكن‬
‫ح��دث تطور خطري ‪ ..‬إذ ص��ار املشهد حيدث‬
‫يف بييت وليس يف املعبد وتعدى األم��ر إىل أن‬
‫حيدث املشهد أمام أهلي وإخوتي وأخواتي ‪..‬‬
‫يف بداية األمر كنت أحس بإثارة جنسية مفاجئة‬
‫عند اقرتاب حلظة اللقاء اجلسدي مع (‪).....‬‬
‫ذلك الشيء اخلفي الال مرئي‪ ،‬وكنت أجنح يف‬
‫اهلرب من أهلـي والوصول لغرفيت قبل املعاشرة‬
‫مباشرة‪ ،‬وأحياناً كان يأخذني من يدي ويقودني‬
‫إىل الغرفة وكنت أطاوعه وال أبدي أي امتعاض‬
‫أو ممانعة كي ال أثري انتباه أهلي أو حفيظتهم‬
‫لشيء ال يقبلون به البنتهم ‪ .‬لكن غدا األمر أكثر‬
‫حرجاً وإحراجاً عما كان عن ذي قبل‪ ،‬إذ صار‬
‫اللقاء اجلسدي يتم أمام أنظارهم يف أي وقت أو‬
‫مكان شاءه ذلك الشيء اخلفي الال مرئي‪ ،‬ورغم‬
‫حماوالتي اليائسة إلخفاء مظاهر اللقاء والتسرت‬
‫خ��ج�لاً م��ن أه��ل��ي‪ ،‬إال أن�ني مل أف��ل��ح م��رة فـي‬
‫النجاة منه‪ ،‬ويف حم��اوالت جادة مين للتخلص‬
‫م��ن ه��ذه ال��ورط��ة وص��د ذل��ك املعتدي الشبـق‬
‫صرت أقاوم وأمانع بشدة ما كان حيدث فكان‬
‫الرد معاملة قاسية وعنف شديد‪ ،‬وال أقصـد‬
‫باملعاملة القاسية الضرب أو حنوه‪ ،‬بل أقصد‬
‫ما كنت أعانيه من رع��ب وخ��وف من افتضاح‬
‫األمر‪ ،‬فالتعذيب كان نفسياً أخالقياً لشعوري‬
‫بالتساهل واق�تراف عمل موبقٍ ي��ودي للتهلكـة‬
‫مرتبط بالعفة والشرف ‪.‬‬
‫لكن الذي حدث عكس ذلك‪ ،‬فأهلي يف بداية‬
‫األمر شعروا باخلوف والفزع والرهبة ظناً منهم‬
‫أن�ني مصابة مب��رض تشنج عضلي أو انفعال‬
‫جسدي‪ ،‬أو نوبات صرع تعاودني‪ ،‬كنـت خالل‬
‫تلك احلالة أحلظ ما كان يعرتيهم من ارتباك‬
‫وحرية وقلة حيلة وعجز عن القيام بـأي تصرف‬
‫يتالءم مع هذه احلالة الشاذة الغريبة ويوقفها‪،‬‬
‫لكنهم أخرياً أدركوا احلقيقة وعرفوا أن ما جيري‬
‫ما هو إال معاشرة بني ذكر وأنثى‪ ،‬فهم أدركوا‬

‫‪98‬‬

‫بالصوت والصورة حقيقة مـا جيري‪ ،‬وأعتقد‬
‫أهن��م تفهموا حاليت وأش��ف��ق��وا علي مم��ا كنت‬
‫أعانيه‪ ،‬ألهنم مل حيرجوني يف يوم من األيام مبا‬
‫حدث رغم أنين كنت يف هناية األم��ر استجيب‬
‫ل��رغ��ب��ات الشبح وان��س��ج��م معه مت��ام �اً وأصل‬
‫للذروة‪ ،‬يف أغلب األحيان كنت أغيب عن الوعي‬
‫لفرتة من الزمن أفقد خالهلا السيطرة على‬
‫نفسي وعلى عواطفي وعلى جمريات األمور‪ ،‬وال‬
‫أعد أشعر مبا كان جيـري حويل ‪ ..‬وال أخفيك‬
‫سراً كم كنت أشعر بعدها بنشوة جسدية فائقة‬
‫ال متاثلها نشوة أو لـذة أخرى يف الدنيا ‪ .‬وعندما‬
‫كان ينتهي كل شيء أعود إىل رشدي ‪ ..‬فتدور‬
‫بي الدنيا ويلـف رأسي خجالً ‪ ..‬فتلك األمور‬
‫ليست مألوفة يف بيتنا ‪.‬‬
‫األكثر غرابة يف املوضوع أن إخوتي الصغار‬
‫ممن كانت أعمارهم يف سن اخلامسة والسادسة‬
‫رغ��م خوفهم الشديد كانوا يلمَحون ظل هذا‬
‫الشيء الشبح‪ ،‬يف حني أن كبار السن مل يلمحوا‬
‫هذا الظل ‪ .‬ومع ذلك مل حيرجين أحد منهم بأي‬
‫شيء‪ ،‬لكن الصغار هم من كان يلمح يل مبا كان‬
‫جيري وما كنت أنا أقوم به من أعمال وإصدار‬
‫أص���وات خافتة ( تنهـدات ناعمة وضحكات‬
‫خافته ) أخجل من ذكرها وأنا صاحية أو حتى‬
‫مساعها من اآلخريـن ‪.‬‬
‫أما وال��ديَّ فقد أدرك��وا ما كنت أعانيه وما‬
‫أعاني منه وح��اول��وا جاهدين م���راراً وتكراراً‬
‫عديـدة معاجليت بطرق شتى ‪ ...‬دينية وغري‬
‫دينية‪ ،‬نفسية وغري نفسية‪ ،‬طبية وعند العرافيـن‬
‫و املنجمني‪ ،‬باألدوية وباألعشاب‪ ،‬لكن أيٌّ من‬
‫هذه املعاجلات مل تأت بنتيجة ‪ ..‬فاألثر عميق‪،‬‬
‫األغ��رب من ذلك أنين خالل مدة مقدارها‬
‫مخس سنوات شعرت وأحسست مرتني حبدوث‬
‫ما يسميه الناس احلمل والوالدة‪ ،‬وعانيت فعالً‬
‫مرتني من ه��ذه املظاهر‪ ،‬إذ كانت تبدو علـي‬
‫إمارات احلمل وال��والدة متاماً مثلما تبدو على‬
‫املرأة الطبيعية احلامل‪ ،‬وكنت أعاني أحاسيس‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫احل��م��ل بطريقة مماثلة مثل (ت��وق��ف ال���دورة‬
‫وِحام انتفاخ البطن الوالدة آالم الوالدة آالم ما‬
‫بعد ال��والدة الرضاع )‪ ،‬لكن يف حاليت هذه مل‬
‫تكن م��دة احلمل عندي كما هي عند النساء‬
‫الطبيعيات‪ ،‬إذ مل تتعدَ فرتة احلمل عندي الشهر‬
‫والنصف الشهر فقط بدل تسعة أشهـر‪ ،‬ولدت‬
‫خالل تلك الفرتة طفلني مل أرمها يف حينها رغم‬
‫أني كنت أرضعهما كما ترضـع األم الطبيعية‬
‫أطفاهلا متاماً‪ ،‬وكان زمن الرضعة الواحدة بضع‬
‫ثوا ٍن فقط ‪ .‬ودامت فرتة الرضاع حوايل أسبوع‬
‫واحد فقط لكل منهما ‪.‬‬
‫خ�لال تلك ال��ف�ترة تقدم خلطبيت ع��دد من‬
‫ال��ش��ب��اب‪ ،‬وك��ن��ت أع��ج��ب هب��م وأمت��ن��ى االق�ت�ران‬
‫بأحدهم‪ ،‬حتى أنين أحببت أحدهم ‪ ..‬ووافقت‬
‫على االقرتان به ‪ ..‬فكان كلما حضر هذا الشاب‬
‫إىل بيتنا يفتح اجلحيم ف��اه ‪ ..‬إذ كانت تقع‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ك��وارث وأم��ور خطرة غري آمنة ‪ ..‬ك��أن تسقط‬
‫الثريا املعلقة بسقف الغرفة اليت يتواجد فيها‬
‫الشاب‪ ،‬أو تتحطم األواني يف املطبخ أو يتحطم‬
‫زج���اج ن��اف��ذة مب��ا يشبه االن��ف��ج��ار دون سبب‬
‫واض��ح‪ ،‬أو أن يتشاجر أخي أو وال��دي مع أحد‬
‫اجلريان‪ ،‬أو أن تقع حادثة سري أمام منزلنا‪ ،‬طبعاً‬
‫مثل هذه احلوادث يعتربها كثري من الناس يف كل‬
‫األحوال نذير شؤم ‪ ....‬فيتخلى عين اخلطيب‬
‫غري آسف‪.‬‬
‫كانت تلك احلوادث تتكرر حرفياً يف كل مرة‬
‫يتقدم فيها شاب لطلب يدي‪ ،‬ومع انتشار اخلرب‬
‫مل يعد أحد من الشباب جيرؤ على التقدم يل‪.‬‬
‫يف أح��د األي���ام بينما كنت يف غرفيت ويف‬
‫حالة اإلث��ارة املعهودة وال��وص��ول للذروة رأيته‬
‫رؤى العني‪ ...‬رأيت من كان يعبث بي ‪...‬‬
‫إذ ب��دى يل كأنه ص��ورة ملونة على لوح‬

‫‪99‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫زجاجي شفاف أو كصورة على سطح املاء يف‬
‫حبرة ‪ ..‬فإذا هو كائن رقيق شبه شفاف ملوَّن‬
‫مجيل الطلعة وعلى رأسه تاج وحول عنقه أفعى‬
‫وجسده عا ٍر متاماً ال يرتدي أي مالبس ‪ ..‬شكل‬
‫جسـده مستطيل تقريباً‪ ،‬حماجر عينيه جموفة‬
‫فارغة ليس هلا مقلة‪ ،‬أنفه عبارة عن ثقبني يف‬
‫وجهه وله يف فمه ال��ذي بدى كأنه شق صغري‬
‫جداً سنان بارزان فقط أحدمها طويل واآلخر‬
‫قصيـر خصيتاه طويلتان ق��در ساقيه و َذ َك���رَهُ‬
‫صغري جداً وضعيف‪ ...‬أما الشيء البارد جداً‬
‫الذي كنت أحس به فهو ماء التكاثر عنده‪ ،‬يف‬
‫تلك املرة أخربني أنه سرييين ولديَّ الحقاً بشرط‬
‫أن ال أفكر بالزواج من أنسي‪ ،‬وسبب إصراره‬
‫على منعي من الزواج من أنسي هو أنين زوجته‬
‫هو‪ ،‬وأخربني أنه أمري جين وأحبين وهام يف حيب‬
‫عندما كنت طفلة ألعب مع أقرانـي يف ذلك املعبد‬

‫‪100‬‬

‫القديم الذي كان يتخذه قصراً له ويقيم فيه مع‬
‫بقية زوجاته من قومه و أنين هبذا الزواج صرت‬
‫أم�يرة على قومه الذين شهدوا ال��زواج‪ ،‬وصار‬
‫حبكم ه��ذا ال��ـ��زواج ال حيق يل ال���زواج بإنسي‬
‫إطالقاً ‪....‬‬
‫اقتنعت تلك الفتاة هبذا احلب والزواج ورضيت‬
‫مبا نزل هبا من قـدَرٍ‪ ،‬وص��ارت تعامله معاملة‬
‫الزوجة املخلصة لزوجها‪ ،‬تعطف عليه‪ ،‬وتَحِنُ‬
‫إليه‪ ،‬وتشتاق له عندما يهجرهـا‪ ،‬وتتلهف للقائه‬
‫وتُسَرُ الهتمامه هبا وغريته عليها‪ ،‬إال أنه فيما‬
‫بعد صار يغيب عنها ويهملها فهددته خبيانته‬
‫مع أنسي إذا مل يعد إليها ويريها ولديها ‪ ..‬وفعالً‬
‫حدثت اخليانة مع شـاب أنسي‪ ..‬فاضطر زوجها‬
‫اجلين آخر األمر أن يريها ولديها ‪...‬‬
‫كانا كأطفال األنس متاماً‪ ،‬مها ذكران كامال‬
‫البنية اجلسدية وأمريان مجيالن جداً هلما طلعة‬
‫أخاذة‪ ،‬لوهنما حناسي وعليهما مالبس محراء‬
‫قانية ‪ .‬هلما من العمر ما يقارب األربـع و الست‬
‫سنوات‪ ،‬ومها غري مرئيني ألي إنسي إال هلا ‪..‬‬
‫عندما روت يل تلك الفتاة هذه القصة كان‬
‫هل��ا م��ن العمر تسعة عشر ع��ام �اً‪ .‬والشيئان‬
‫اللذان كانا يشغالن فكري دوماً مها شراهتها‬
‫يف التدخني وغ��زارت��ه‪ ،‬وإدم��اهن��ا ش��رب القهوة‬
‫كل يوم عدة مرات وبكميات ال بأس هبا‪ ،‬فقد‬
‫كانت تعشق التدخني وشرب القهوة‪ ،‬فهي بدأت‬
‫التدخني يف سن مبكرة جداً وكان هلا من العمر‬
‫مثاني سنوات وبتشجيع من أصدقائها األطفال‬
‫ال��ذك��ور ال��ذي��ن ك��ان��وا ي��س��رق��ون السجائر من‬
‫ذويهم وأقارهبم ويأتون هبا إىل املعبد املهجور‬
‫ليدخنوها معاً‪ .‬وأغلب الظن أن إدماهنا شرب‬
‫القهوة يف بداية األمر كان له سبب آخر رمبا كان‬
‫أكثـر إقناعاً من التدخني ‪..‬السبب هو خوفها‬
‫الشديد من النوم وحضور ذلك الشبح الشبق‬
‫املعتدي على عفتها‪ ،‬فكانت هت��رب من النوم‬
‫بشرب القهوة لتبقى صاحية‪ ،‬وهو أمر اكتشفته‬
‫بالصدفة طبعاً العكس هو الذي حدث‪ ،‬إذ إن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫هلذين العاملني عالقة وثيقة باجلن ‪ ..‬فهما‬
‫يفتحان آفاقاً غريبة ال يعرفها الكثريون ‪ ...‬هذا‬
‫ما سوف نشاهده الحقاً ‪.‬‬
‫انقطعت الفتاة ع��ن مقابليت وع��ن متابعة‬
‫روايتها للقصة ومل أدر ما السبب ‪ ..‬وبعد فرتة‬
‫ليست بالطويلة اتصلت بي الفتاة واعتذرت عن‬
‫متابعة القصة هنائياً ألن زوجها اجلين منعها من‬
‫التحدث إيل خشية نشر هذا املوضوع وشيوعه‬
‫بني الناس ‪ ..‬وأن عليه أن يُبقي أعماله سرية‬
‫كما هي العادة عندهم ‪.‬‬
‫بعد مرور ما يقارب الثالث سنوات فإذا هبا‬
‫تتصل بي من جديد وختربني بنهاية القصة‪..‬‬
‫لقد ختلى عنها زوجها اجلين وحررها من زواجه‬
‫هلا‪ ،‬ألنه غدا مغرمٌاً حبب طفلة أخرى أكثـر منها‬
‫مجاالً وأصغر سناً‪ ،‬وعمرها ال يتجاوز السبع‬
‫سنوات‪ ،‬وأخربتين أهنا قد تعافت متاماً مما كان‬
‫يعرتيها وشفيت من تلك احلالة الشاذة الغريبة‪،‬‬
‫وعادت لعواطفها اإلنسية وتزوجت اإلنسي الذي‬
‫أحبت ‪ .‬لكنها بني الفينة واألخرى تعود للحديث‬
‫معي لتضيف معلومات جديدة تتذكرها الحقاً‬
‫هنا تأتي األسئلة التالية ؟‬
‫ه��ل اجل��ن خملوقات م��وج��ودة ف��ع�لاً ؟ وإن‬
‫كانت موجودة !! فأين عاملها ؟ وما هو دورها‬
‫يف حياتنا ؟ تُرى هل قصص ألف ليلة وليلة مبا‬
‫حتويه من سحر وسحرة وجن وعفاريت هـي‬
‫قصص صحيحة ؟ أم تُ��رى هي جم��رد أوهام‬
‫نسجها خيال فكرٌ بشريٌ بارعٌ هدفه التسليـة‬
‫و إضاعة الوقت والسيطرة على العقول؟ رمبا‬
‫التكهن بوجود تلك الكائنات ليس أكثر من هوس‬
‫نفسي أو عقلي أو اجتماعي تط ّفل على تلك‬
‫احلضارات ولوثها بلوثة ختلف !‪ .‬لعل اإلنسـان‬
‫القديم اخرتع وجود مثل تلك الكينونات (اجلن‬
‫وخالفه) ليربّر عجزه عن تفسري أسرار الكون‬
‫احمليط به‪ ،‬أو ليفسّرها حسب ه��واه وثقافته‬
‫العلمية احمل��دودة ؟ أو لكي ينسج حول نفسـه‬
‫هالة من املعرفة الغيبية ومعرفة أسرار كائنات‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ال مرئية ميتلك ناصيتها ويتحكم هبا يسخرها‬
‫(كذباً) ملساعدة الناس ‪ ..‬ونسأل أنفسنا من‬
‫زاوية أخرى األسئلة التاليـة ‪:‬‬
‫ملاذا ال يتسلط اجلن إال على أصحاب العقول‬
‫الضعيفة والنفوس املريضة املعقدة واحمليطة؟‬
‫وأيضاً على احلاملني واملتواكلني والكساىل ‪..‬‬
‫لعلهم من خالل تلك احلالة النفسية يتخيلـون‬
‫أو يأملون بتحقيق اتصـال مع كائنات يظنون أهنا‬
‫قادرة على حتقيق ربح عظيم بأقل جهـد ممكن‪.‬‬
‫ومن ثم استغالل تلك الطرق يف السيطرة على‬
‫عقول الناس ‪ .‬ولكي نصل إىل جواب كان البد‬
‫من إجراء الدراسة العلمية التالية ‪:‬‬
‫احلقيقة أن مجيع احل��ض��ارات اإلنسانية‬
‫القدمية واحلديثة حتدثت عن شيء امسه اجلن‬
‫أواجلان والشياطني واملردة والعفاريت‪ ،‬وذكرت‬
‫تلك احل��ض��ارات أن لتلك الكينونات صفات‬
‫وخصائص وقدرات فريدة ومميّزة ليست لغريها‬
‫من الكائنات ‪...‬وخاصة البشر !! ‪.‬‬
‫صحيح أن موضوع القوى اخلفية وعامل اجلن‬
‫هو جمال خصبٌ غينٌ بالفكر واخليال ويشغل‬
‫حيزاً واسعاً من عقول الناس من أفقرهم إىل‬
‫أغناهم متعلمني وجهلة‪ ،‬فهذا املوضوع يالقي‬
‫ه��وىً يف نفوس البشر مهما كانت مستوياهتم‬
‫الفكرية أوالعلمية أواالجتماعية أوالثقافية‪ ،‬و‬
‫املستغرب أن كثرياً من أصحاب املستويات العلمية‬
‫الرفيعة (أط��ب��اء‪ ،‬مهندسني‪ ،‬علماء‪ ،‬أساتذة‬
‫جامعات‪ ،‬رجال أعمال أثرياء ‪ ...‬اخل) يؤمنون‬
‫بوجود مثل تلك الكينونات‪ ،‬حتى أن بعضهم ال‬
‫ميارس عمالً ما مل يستشرهم (كما يعتقد أو‬
‫يتخيل هو)‪ ،‬ومشل ذلك اهلـوس طيفاً واسعاً من‬
‫الناس‪ ،‬ويالحظ أن للمرأة النصيب األوفر من‬
‫االهتمام مبثل هذه املواضيع‪ ،‬لرمبا كان مرد‬
‫تلك الظاهرة إىل العداء األزيل القديم بني املـرأة‬
‫واجلـن‪ ،‬فقد كان اجلميع يعيشون معاً ويرى كل‬
‫واح��د منهم اآلخ��ر ‪ .‬وب��دأت إرهاصات‬
‫العداء األوىل عندما غدر إبليس حبواء‬

‫‪101‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وآدم يف اجلنة والذي أدى لشقائهما ونسلهما كل‬
‫الدهور ‪ ...‬ومازالت آثار ذلك الغدر قائمة إىل‬
‫اليوم ومغروس ًة يف أعماق حواء على طول املدى‪،‬‬
‫فهي تشعر بقرارة نفسها أن اجلـن لعب دوراً‬
‫سلبياً يف حياهتا األوىل أدى لتحمّيلها خطيئ ًة‬
‫أخرجتها وزوجها من اجلنة وجعلتها حتيض كل‬
‫شهر إن مل حتمل‪ ،‬وإذا محلت فعليها أن تلد‬
‫أبناءها باألمل‪ ،‬وأن تعيش كل حياهتا الدنيوية يف‬
‫قلق وخوف على نسلها من عبث اجلن وأذاهم‪،‬‬
‫واحلقيقة أهنا حمق ٌة يف ذلك الشعور‪ ،‬ألن ما‬
‫نشاهده اليوم من شر وإج��رام وعنف وحروب‬
‫وظلم ‪ ..‬ما هـي إال أعمال شيطان‪ ،‬مما يؤكد‬
‫هواجسها وخماوفها ‪ ..‬فهي اليت تدفع الثمن كل‬
‫يوم من دم أبنائها مع كل حرب تقع و ومع كل يف‬
‫كل ظلم حييف ‪.‬‬
‫الغريب أن موضوع هذه الكينونات الطاقية‬
‫نشط كثرياً‬
‫َ‬
‫اخلفية الال إنسانية ( عامل اجلن )‬
‫يف اآلون��ة األخ�يرة بدل أن يتضاءل مع التقدم‬
‫ال��ع��ل��م��ي اهل��ائ��ل ال���ذي ح���دث خ�ل�ال القرنني‬
‫املاضيني ‪ .‬ف��ازداد انتشار القصص اخلرافية‬
‫واألس��اط�ير وأف�لام الرعب ومصاصي الدماء‬
‫وقراءة األبراج وقراءة أوراق التاروت حتى على‬
‫شاشات التلفزيون ومباشرة‪ ،‬ويالحظ أن سرعة‬
‫انتشـار تلك القصص غ��دا بني الناس أسرع‬
‫من انتشار النار يف اهلشيم‪ ،‬وأخبارها تغزو‬
‫كل جمتمع ومنتدى ومل��دى أبعد مما كان عليه‬
‫احل��ال يف عصور اجلهل القدمية‪ ،‬رمبا يعزى‬
‫ذلك للوقع اخليايل الساحر اجلذاب ملثل تلك‬
‫املواضيع يف النفوس‪ ،‬أو رمبا لإلثارة النفسية أو‬
‫الفكرية أو اجلسدية (إثارة جنسية لدى البعض)‬
‫اليت حيدثها مساع مثل تلك األوهام‪ ،‬الغريـب أن‬
‫النساء هم األشد خوفاً من مثل هذه الكينونات‪،‬‬
‫إال أهنم بنفس الوقت هن األشد استمتاعـاً وولعاً‬
‫مبثل تلك القصص (أف�ل�ام ال��رع��ب) ‪ ..‬رمبا‬
‫اإلثارة والتشويق اللتان تولدها مثل تلـك األوهام‬
‫تعجز عن حتقيقها احلقائق العلمية اجلافة‬

‫‪102‬‬

‫وال��ص��ارم��ة‪ ،‬واخل��ي��ال ه��و حلم م��ل �وَّن يصنعه‬
‫الدماغ بلمحة ودون عناء‪ ،‬يف حني أن العلم فج‬
‫كئيب حيتاج صرباً ودأباً وجتريباً وخمبـراً لذلك‬
‫اخليال يسبق العلم ‪.‬‬
‫لن ننفي وج��ود تلك الكائنات وهم اجلان‪،‬‬
‫خاصة أن الديانات السماوية مجيعها بـال استثناء‬
‫ال تنفي وجودهم‪ ،‬بل على العكس نتصدى هلذا‬
‫املوضوع بقوة ونثبّت ما يتوافق مع العلـم‪ ،‬وجنمّد‬
‫ما يتنافى معه إىل أن يُكتَشف املزيد فيصبح‬
‫األمر حينها قابالً للتعليل ‪ .‬فلكل زمـان علومه‬
‫واكتشافاته ‪ .‬وجماالت العلم احلايل رحب ٌة واسع ٌة‬
‫تستوعب مثل تلك املوضوعات و أكثر‪ ،‬وقادرة‬
‫على التعامل معها بيسر وتفسريها بسهولة تامةٍ‬
‫‪ ..‬لعل وعسى يف املستقبل ومع تقدم العلم أكثر‬
‫يصبح باالمكان االقرتاب أكثر من تلك العوامل‬
‫والدخول فيها‪ ،‬ورمبـا أمكن حتى التعامل معهم‬
‫مباشرة !! لكن إىل أي مدى سوف يساهم العلم‬
‫احلديث يف دعـم هذه الطروحات الال ملموسة‬
‫؟ طبعاً هذا األمر مرتوك لأليام القادمة وللتقدم‬
‫العلمي حينهـا ‪.‬‬
‫م��ن خ�لال علوم عصرنا احل��ايل سأحاول‬
‫أن أضع األمور يف نصاهبا الصحيح وسأحاول‬
‫إزالة كثريٍ من األوه��ام واملخاوف املتعلقة مبثل‬
‫هذه الكينونات‪ ،‬وأبيّن أوالً وأخرياً ضآلة تأثريهم‬
‫يف حياتنا واستحالة دخولنا عاملهم‪ ،‬وبالتايل‬
‫يستحيل على الناس التعامل معهم أو تسخريهم‬
‫ملآرب خاصة أو بالعكس ‪..‬‬
‫هدفنا التوعية وكشف كذب ادع��اء البعض‬
‫ممن يدعي رؤيتهم أو التعامل معهم‪ ،‬ومع اعتقادنا‬
‫وحسن ظننا بأن البشر يف هذا العصر وصلوا‬
‫لدرجة من العلم وال��وع��ي واإلدراك و احلس‬
‫العلمي والثقايف ما ميكنهم من استقبال وفهم‬
‫املعلومات التالية‪ ،‬وأغلب الظن أهنـم سريحبون‬
‫هبا وسيشعرون مبتعتها رغم شغفهم وانشغاهلم‬
‫بأفالم الرعب ومصاصي الدماء أكثر‪ ،‬ففي هذا‬
‫الطرح تثقيفٌ وتوعي ٌة هل��م‪ ،‬ومحاي ٌة حلياهتم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫من عبث العابثني من شياطني اإلنس أوالً ومن‬
‫شياطن اجلن ثانياً‪ ،‬وصرفٌ لألذى عنهم‪ ،‬ولكي‬
‫يتحقق ه��ذا اهل��دف جي��ب ال��ت��ع�رّف أوالً على‬
‫طبيعة اجلن وعاملهم !!‪.‬‬
‫فيـزيائيـاً ‪:‬‬
‫اك��ت��ش��ف ال��ع��ل��م��اء ( اي��ن��ش��ت��اي��ن‪ ،‬بالنك‪،‬‬
‫شرودنغر‪ ،‬دوبروي ‪ ..‬وغريهم ) يف هذا العصـر‬
‫أن املادة الكونية مبا فيها مادة أجسامنا ليست‬
‫سوى سراب موجي يشغل حيزاً مكانياً له ثالثـة‬
‫أبعاد هي الطول والعرض واالرتفاع‪ ،‬وبعد رابع‬
‫هو البعد الزمين !! فاملادة هي تراكـب و احتاد‬
‫والتحام أمواج مادية فائقة الرتددات ‪ ..‬ونقاط‬
‫تقاطعها شكلت مراكز مادية (لب املادة) يلتحم‬
‫هبا البعد الزمين ‪ .‬تطورت تلك املراكز لتكون‬
‫‪ :‬إلكرتون‪ ،‬بروتون‪ ،‬ن�ترون‪ ،‬ذرة‪ ،‬ج��زيء‪ ،‬كون‪،‬‬
‫إنسان ‪ ،..‬كما اكتشف أن لتلك األمواج امتدادات‬
‫غري منظورة تربط املادة بعوامل غري منظورة ‪..‬‬
‫هي عوامل ما وراء الطبيعة ‪.‬‬
‫لكن ماذا عن عامل اجلان ‪ ..‬وما هي طبيعتهم‬
‫وقدراهتم ؟‬
‫نقول ‪ :‬إنه لإلجابة على مثل تلك األسئلة‪،‬‬
‫يقتضي منا األم��ر معرفة واستقراء األحداث‬
‫اليت ختيل العلماء وقوعها حلظة نشوء الكون‬
‫من العدم بأمر اهلل ‪..‬‬
‫يف حلظة وقوع االنفجار األعظم ترافق انبثاق‬
‫األم��واج املادية وامتداداهتا انبثاق نوع آخر من‬
‫األمواج ‪ ..‬هي أمواج سوداء مستمرة شفافة ال‬
‫حرارة فيها ألن احلرارة ال تصـدر إال من الذرات‬
‫املادية‪ ،‬والذرات مل تكن آنذاك قد ختلقت بعـد‬
‫‪ ..‬تلك هي ( مارج النار) (‪)1‬‬
‫اليت خلق اهلل منها كينونات هلا بعدان ونصف‬
‫هم اجلان‪ ،‬تلك األبعاد هي ‪ :‬نصف بعد زمين‬
‫يتضمن أع��م��ار اجل���ن‪ ،‬وع��ل��ى م��ا ي��ب��دو اجلن‬
‫ال يتأثرون بالزمن كثرياً مثل اإلنسان‪ ،‬فعمـره‬
‫قصري ج��داً إذا ما ق��ورن بعمر اجل��ن‪ ،‬ولرمبا‬
‫عاش اجلين أكثر من ألف عام‪ ،‬حتى أن منهم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫مُنظرون ال ميوتون ( الشياطني )‪ ،‬وبعد خامس‬
‫هو بعد نفقي ال زمن فيه‪ ،‬وبالتايل ميكن أن‬
‫يتواجد اجلين يف كل مكان ويف كل حلظة‪ ،‬ألنه‬
‫ال خيضع حرفياً لقوانني املادة الزمانية املكانية‬
‫الصارمة ‪ .‬وهذا يفسر كيف عرض جين نقل‬
‫عرش بلقيس من سبأ يف اليمن إلـى القدس‬
‫قبل أن يقوم النيب سليمان من مقامه‪ ،‬ذلك أنه ال‬
‫بعد مكانياً أو زمانياً يقيدهم‪ ،‬أما البعد األخري‬
‫وهو البعد السادس‪ ،‬فهو بعد موجـي ذبذبـي‬
‫فائق الرتدد يكسب جسد اجلين نسيجاً شبكياً‬
‫شفافاً مروناً رقيقاً جتعله قادراً على التشكل‬
‫بأي شكل يريده‪ ،‬وغالباً ما يتشكل بنفس صورة‬
‫املكان الذي هو فيه فال يُرى مثل بعض السحايل‬
‫أو الضفادع حيث تغري لوهنا حسب لون البيئة‬
‫املوجودة فيها ‪ .‬هذه األبعاد جمتمعة تلتقي مع‬
‫أبعاد روح اإلنسان اجلسدية اليت عددها‬
‫ستة فقط‪ ،‬لكنها ال تلتقي مع أبعاد روحه‬

‫‪103‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫القدسية اليت هلا أربعة أبعاد خمتلفـة أخرى ‪.‬‬
‫يالحظ أن لكل كائن أبعاداً يتكون منها جسده‬
‫‪ ..‬بعضها مادي وبعضها زمين وبعضها موجي‬
‫ذبذبي وبعضها موجي أث�يري‪ ،‬حبيث يتشكل‬
‫لكل نوع من هذه األمواج هالة موجية ال مرئية‬
‫تدعى بالعقل الباطن تغلف جسد الكائن‪ ،‬يعترب‬
‫العقل الباطن النافذة اليت يلتقي هبا لب الكائن‬
‫(اإلن��س��ان) بالعقل الكوني الشامل ال��ذي هو‬
‫ميدان عمل اجلن ومرتعه ‪ .‬وعن طريق هالـة‬
‫العقل الباطن يتمكن اجلن من الدخول بسهولة‬
‫جلوف اإلنسان وقلبه ودماغه وف��ؤاده ويقلبـه‬
‫كيف يشاء باألزيز واالستفزاز والبث‪ ،‬فهو يرانا‬
‫وحنن ال نراه ألن له صفة البعد اخلامـس الال‬
‫زمين ‪ .‬فهو يدخل عاملنا و ذاتنا وميارس فينا‬
‫ألعابه ويقلبنا كيف يشاء دون أن نشعر حنن‬
‫بذلك‪ ،‬كأننا بالنسبة له ص��ورٌ باهت ٌة قدمية‬
‫تافهة مسطحة صورت يف زمن قديم‪ ،‬لكننا حنن‬
‫ال نستطيع رؤيته أو الدخول يف عامله إطالقاً‪.‬‬
‫أي توجد استحالة كاملة لدخولنا عاملهم أو‬
‫االتصال هبم أو حتى رؤيتهم‪ ،‬لرمبا أمكن ذلك‬
‫مستقبالً إذا تطورت علوم الباراسايكولوجي‬
‫التجريبية (علم ما فوق النفس) ‪ .‬رمبا أمكن‬
‫لك يف عصر احلركة بسرعات ضوئية ‪ .‬عندها‬
‫رمب��ا ن��راه��م‪ ..‬لكننا سنتفاجأ كثرياً‪ ،‬وندهش‬
‫عندما نـرى اجلن على حقيقتهم ‪ ..‬فهم ليسوا‬
‫سوى كائنات ناقصة تافهة ورقية التكوين شبه‬
‫شفافة ذبذبية القوام حجم كل منها ال يتعـدى‬
‫حجم القطة‪ ،‬رمبا كانوا مجيلني جداً ورمبا كانوا‬
‫يف منتهى القبح ‪ ..‬اهلل أعلــم ‪.‬‬
‫على ضوء ما ورد سابقاً ‪ .‬يالحظ أن الفتاة‬
‫كانت مدمنة التدخني وشرب القهوة‪ ،‬وطبعاً لكل‬
‫من هاتني املادتني دور وعالقـة بالعقل الباطن‬
‫اخلاص للشخص‪ ،‬فالعقل الباطن اخلاص هو‬
‫بوابة مفتوحة على العقل الباطن الشامل (الذي‬
‫هو مرتع اجلن والشياطني) ‪ .‬ويكون الضرر أكثر‬
‫إذا اجتمعتا معاً بنفس الوقت‪ ،‬فالتدخني خيدِّر‬

‫‪104‬‬

‫احلواس جزئياً كما يتخدر البلعوم أثنـاء عملية‬
‫بلع ال��دخ��ان وإدخ��ال��ه إىل ال��رأت�ين‪ ..‬إذ يشعر‬
‫امل��رء ك��أن حنجرته قد تبلطت ه��ذا ي��دل على‬
‫حدوث ختدير جزئي هلا‪ ،‬بكلمة أخرى يسبب‬
‫التدخني ختامد الوعي احلسي وإلغـاء اإلدراك‬
‫احلدسي عند اإلنسان‪ ،‬ما جيعل دماغه يولد‬
‫فضاءات وعوامل خيالية خالية من كل شيء ‪..‬‬
‫من املعلومات ومن املراقبة الداخلية‪ ،‬فيشعر‬
‫اإلنسان بالسعادة والفرح لفرتة ‪ ..‬قد يتحـرر‬
‫العقل الباطن يف حالة النشوة تلك ويندمج‬
‫بالعقل الشامل فيتسلل جين أو شيطان إىل‬
‫الدماغ إذن ظاهر التدخني هتدئة النفس‪ ،‬لكنه‬
‫يف حقيقة األمر عمله جلب وجذب الشياطني‬
‫للنفس‪.‬‬
‫وكذلك القهوة ‪ ..‬فهي إذا ما شربت بكميات‬
‫كبرية وعلى دفعات متتالية‪ ،‬فهذا األمر ينشِّـط‬
‫العقل الباطن اخلاص بشدة فيسيطر على كامل‬
‫اجلسم ويضخم قدراته فيصبح السمع حلد‬
‫مـا فائقاً‪ ،‬وكذلك الرؤية تصبح واضحة جلية‪،‬‬
‫عندها ميكن للمرء أن يدرك كل ما جيري حوله‬
‫سواء فتح عينيه أو أغلقهما‪ ،‬فالعقل الباطن ال‬
‫ينام ولو نام الدماغ‪ ،‬أي مير املرء حبالـة إغفاءة‬
‫صاحية وكأنه يرى فيلماً تلفزيونياً وهو يغالب‬
‫النعاس‪ ،‬ألن كل ما جيري حوله يدخل ألعماقه‬
‫دون أن تشعر أجهزة احل��س بذلك‪ ،‬مثل هذا‬
‫األمر حيدث للطالب أثناء فرتة االمتحان بسبب‬
‫السهر الشديد فيقعون يف حالة مماثلة ‪ ..‬وهذا‬
‫أمر خطري ألنه يؤدي ملسح املعلومات من أذهاهنم‬
‫يف امتحان اليوم التايل ‪...‬‬
‫إذن ت��ن��اول الشخص للمواد املنبهة بكثرة‬
‫يسبب اهنياراً قسرياً للعقلني الواعي والعقل‬
‫الذاتي (عقل يتعلق باألحالم )‪ ،‬يتلو هذا االهنيار‬
‫حت��رر مفاجيء للعقل الباطن اخل��اص‪ ،‬الذي‬
‫يبسط سيطرته فجأة على كامل الدماغ وخيرج‬
‫أعضاء احلس من ساحة اإلدراك‪ ،‬ويدخل املرء‬
‫يف حالة فوق نفسية خيتلط هبا العقل الباطن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫اخلاص بالعقل الباطن الشامل الذي هو ميدان‬
‫عمل اجل��ان والشياطني‪ ،‬فيتسللون إىل دماغ‬
‫اإلنسان وفؤاده ويرتعون فيهما ‪.‬‬
‫وح��رص �اً منا على وق��ت ال��ن��اس وعقوهلم‬
‫وأم��واهل��م م��ن ال��ض��ي��اع واستغالهلم م��ن قِبَ ِل‬
‫مشعوذين جهلة خطرين ‪ ..‬امتهنوا سراباً‬
‫(ادعوا كذباً التعامل مع اجلن) ليجنوا أرباحاً‪..‬‬
‫أقول ما يلي‪:‬‬
‫حنن لو نظرنا من حولنا باحثني عما فعل‬
‫اجلن يف الكون ؟ وماذا أنتجوا فيه ؟ اجلـواب‬
‫‪ ...‬ال شيء البتة ‪ ..‬سوى أوهام وأمراض نفسية‬
‫ومشاكل اجتماعية جلبها اإلنسان لنفسه ‪....‬‬
‫ول���وال امل��وض��وع اإلمي��ان��ي وذك��ره��م يف الكتب‬
‫املقدسة ملا اهتم هبم أي عامل من علماء الكون‬
‫والطبيعة ‪ .‬ألنه ببساطة ال ميكن رؤيتهم إطالقاً‬
‫ألن أبعادهم غري أبعادنا متاماً ‪.‬‬
‫قد يتخيل بعض الناس رؤيتهم إذا كان قد‬
‫أصيب بضربة على رأسه يف يوم من األيـام ‪.‬‬

‫وسببت الصدمة له ن��وع من اخللل يف بعض‬
‫املراكز يف الدماغ‪ ،‬فريى الدماغ ما مل يك يُرى‬
‫أو يسمع ما مل يك يُسمع ‪.‬‬
‫فقر ال��دم الشديد جيعل الشخص عرضة‬
‫لرؤيتهم ‪.‬‬
‫إدمان التدخني هو دعوة للجن والشياطني‬
‫لدخول الدماغ عرب بوابة العقل الباطن اخلاص‪،‬‬
‫يلغي خالهلا دور اإلدراك عند اإلنسان ‪.‬‬
‫شرب القهوة بكثرة وبكميات كبرية تسبب‬
‫اهنياراً عنيفاً للعقلني الواعي والذاتي وفتح بوابة‬
‫العقب الباطن ( الفؤاد ) للجن والشياطني ‪.‬‬
‫ويبقى السؤال قائماً ؟؟ هل القصة اليت روهتا‬
‫الفتاة كانت صحيح ًة أم كانت جمرد خيال ؟‬
‫فالقصة حمبوكة إنسانياً وعاطفياً بشكل‬
‫جيد ‪ ..‬لكن من الناحية العلمية املادية البحتة‬
‫ف��األم��ر مشكوك فيه ‪ ...‬لكن م��ن الناحية‬
‫الفيزيائية الكوانتية ‪ ..‬فالكون هكذا ‪ ..‬واألمر‬
‫حمتمل ‪.‬‬

‫(‪ )1‬مـارج النـار‬
‫هو أمواج طاقة عدمية فائقة سائلة سوداء انبثقت مع األمواج املادية من العدم حلظة حدوث‬
‫االنفجار األعظم‪ ،‬الذي فاقت درجة حرارته باليني الدرجات املئوية ( أكثر من ثالثني مليون‬
‫مرة من درجة حرارة أعماق مشسنا والبالغة أكثر من عشرين مليون درجة)‪ .‬كل ذلك حدث دون‬
‫نار !!‪ ،‬ألن املادة وقود النار مل تك قد خُلقت بعد ‪ .‬والنار اليت نعرفها يف عاملنا تدعى بالزما‪،‬‬
‫ومتثل احلالة الرابعة للمادة املكوّنة من غمامة من أيونات موجبة (بروتونات) وأخرى سالبة‬
‫(إلكرتونات)‪ ،‬وتلك اجلسيمات أيضاً مل تك قد خُلقت بعد كما ذكرنـا ‪.‬‬
‫سبب االنفجار األعظم اخنفاضاً يف عدد أبعاد األمواج املنبثقة من العدم بعد أن كان ال هنائياً‬
‫وكان منها مارج النار ‪.‬‬
‫ً‬
‫يعتقد العلماء املعاصرون أن الكون كله خلق من طاقة سوداء ال مرئية متاما‪ ،‬حتول جـزءٌ‬
‫كبريٌ منها ملادة سوداء‪ ،‬وحتول جزء صغريٌ جداً منها إىل مادة مرئية ‪ .‬ومازال معظم مادة كوننا‬
‫احلايل عامت ًة ال مرئي ًة‪ ،‬إذ ال يشكل اجلزء املرئي منه سوى (‪ ) %4‬فقط مما حيتويه الكون من‬
‫موجودات ‪ .‬وسبب هذا االعتقاد هو اكتشاف كميات هائلة من الطاقات السوداء ال مرئية متأل‬
‫الكون مازالت على حاهلا كما كانت عليه منذ حلظة تشكلها األول ‪. !! ...‬‬
‫رمبا كانت هذه الطاقة السوداء هي بقايا مارج النار القديم الذي انبثق من العدم بغزارة ورب‬
‫العاملني خلق اجلن منها ببعدين ونصف البعد ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪105‬‬

Science Fiction

‫الرياضي في حياتنا‬
‫المنطق‬
¬ČûĆČ÷¥ ¦Ā¯¦Č» U ĊצċÆ÷¥ îÜĀ}¥
ý¦ÿÁ Âü€.ù
‫اليومية‬
‫ حممد دنان‬.‫م‬
ÄįĀûą į ®¼ªįӛ (¬üÌįð÷¥ą §ÆØį÷¥ą ¹ÆįÜ÷¥ą âįüz¥) ¬įä©Åď¥ ¬Č©¦Ìį{¥ ­¦įČøüä÷¥ ýŸ
iČÌį°÷ ¦įo ù¦į}đ¥ þį㠘¦Āè°įËē¥ ¦Āû ĉď þô‹ ē g÷¥ ¬ċÅąÆØ÷¥ ­¥ąÁď¥ į ÂČä© þûÇ
¬įÏÅĆ÷¥ U UÆį{¥ą âĀÔį}¥ U öįû¦ä÷¥ą íĆÌį÷¥ U Æ·¦į°÷¥ ¬ċÁ¦ä÷¥ ¬ČûĆČ÷¥ Ă¯¦Č» ÅĆû›
¦įįĄäû öįįû¦ä°ċ ¬Ìįįû¦¿ ¬įįČøüã ñ¦įįĀăą  ýĆįįČûď¥ą ýĆįį÷Ƹ°}¥ ¬įį㦪÷¥ Ĉįį°»ą ¬įįËÅÂ}¥ą
¬įįü󦏥 Ċįįăą ¬įįȋÁ¦óď¥ą ¬įįČë¦ð´÷¥ út¦ċĆ°Ìįįû éĔ°įį¿¥ Ĉįįøã ÅĆäįįÏĔ÷¦© ýąi´įįô÷¥
ĂøČÔįq ÅÂįï Ĉįøã ą› «¦įČ{¥ U Ăį©Å¦p ÅÂįï Ĉįøã ¡Æįû¥ öįó ¦įo Ĉø¼°ċ g÷¥ ¬ČðÜĀ}¥
.ĊãĆĀ÷¥ą Ċüøä÷¥
£¦Ìį÷¥ Á¦įð°ãē¥ i³œį¯ ®įq òį÷Ãą ĊצċÆ÷¥ îÜĀ}¥ úøä¯ þû §ąÆ~¥ ýąi´ô÷¥ õą¦‰
ĂČØ°ðċ ¦n ­¦ČצċÆ÷¥ ¨øÓ ZŸ õĆ¿Â÷¥ häċ ¬ä©Åď¥ ¬ČצċÆ÷¥ ­¦Čøüä÷¥ Çą¦p ýœ©
âįìÿ ĉà iįç ýĆôČįË âįËĆ°÷¥ ¥Äįă öį´û ý› ZŸ ¬ë¦×𦩠¥Äă  ¬v ­¦©ĆäÓ þû ò÷à 
§¥ĆÔį÷¥ þįã «ÆįàĀ÷¥ āÄįă Âįä© þįû îįð¼°÷¥ ¦įĀĀô‹ Ăįÿ› į Þį{¥ þÌ{ą į þô÷ ĺ¦Čøüã
«Âį£¦ë ­¥Ãą ¬į䰂ą ¬øĄË ¬ČצċÅ ­¦ûĆøän ¬û¦ä÷¥ Ă°ë¦ð³ hèċ ý› ¦Āû öó âËĆ© Ăÿ›ą
į õ¦įð}¥ ¥Äįă «˜¥Æįï þįû åÆįìċ ¦į}¦» į úċÆįô÷¥ ¡Å¦įð÷¥ òø°üČįËą ..! Âį»¥ą ý™ U «iªįó
²įįČ») êċŦÔįį}¥ ÆċÂįįð¯ą  ­¦ċeÐįį}¥ þįįu §¦Ìįį» U ē ĺ¥iªįįó ĺ¦į ÿĆã Ăįį÷ ùÂįį卑¥ąÁ›
ºČ¼Ôį÷¥ ĊįðÜĀ}¥ µ¦°Ā°įËē¥ U þįô÷ą ( ÅĆûď¥ āÄă ö´û Ǧƒđ ¬ä©Åď¥ ­¦Čøüä÷¥ Ċìô¯
.iôì°÷¥ U āÂã¦Ì¯ ćÆ¿› «Å¦ªä©ą âċÆÌ÷¥ą îČïÂ÷¥ą
­Æįìß ¦į‡› ¦ăÆįË Âįïą  õÈĀ}¥ ZŸ ù¥Ć㛠¬äÌ°÷¥ ­¥Ã ¦Ą°Ā©¥ ¬ª¼Ô© ý «ÂČÌ÷¥ ­Á¦ã
¦įüó ÁĆįËď¥ ˜¥Æįì÷¥ þįû áĆĀÔįû ĆįĄë ­¦ìÓ¥Ćû þû ¦~ íąÆċ ¦û âüˆ êÜän ĺ¥i¿›
ý› ¦įû ĊįĄë ¦įăi‰ ý¦įó ˜ĊįÏ ¬įu þįô÷ą .ĺ¦äì¯Æû þôċ Y ĂĀuą úČüÔ°÷¥ ²ċ» Ăÿ›
ý› öįįü°‰ ē› :Ċįį¯č¥ õ¥žÌįį÷¥ ¦įįĄČ÷Ÿ ¦tièįįÓ ®įįĄD·ą Ĉįį°» ¬Ìįįª÷ď¥ ýÈįį þįįû ®įį·Æ¿
˜ĊÐį© ý «ÂČÌį÷¥ ®į©¦·› ÖìÀĀį}¥ ÆäÌį÷¥ ¥Äįo êÜä}¥ ĂäČª© œÜ¿› Âï ⣦ª÷¥ ýĆôċ
¬ãĆĀÔį}¥ êÛ¦įä}¥ âįČv ý› ¦ÿ·ą Âð÷ «ièÔ÷¥ ®÷¦ðë  gČĀ© ¦ċ ¥Ã¦} : ¬ÐăÂ÷¥ þû
êÛ¦įįä}¥ âįįČv ý› ¦įįüó úČüÔįį°÷¥ ¬įį´ċ» Ċįįă âįįì¯Æ}¥ þü´įį÷¥ ­¥Ãą ÁĆįįËď¥ ˜¥Æįįì÷¥ þįįû
Ĉįø㠘¦įĀ© į âČÜ°Ìįÿ ē› .ÁĆËď¥ ˜¥Æì÷¥ þû ¬ãĆĀÔû þü´÷¥ ¬äì¯Æ}¥ą úČüÔ°÷¥ ¬´ċÂ{¥
2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

-1-

106

úČüÔį°÷¥ ¬į´ċ»ą ÁĆįËď¥ ˜¥Æįì÷¥ þįû ¬ãĆĀÔį}¥ êÛ¦įä}¥ âįČv ý› ¶°Ā°Ìįÿ ý› į òį÷Ã
. þü´÷¥ ¬äì¯Æû ýĆô¯ ý› ¨ˆ
Âįð÷ą «ÂįČz¥ ¬įë¦ð´÷¥ ĉąÃ ѦÀÏď¥ þû ¬ãĆü Ĉøã õ¥žÌ÷¥ ¥Äă ö´û ¹ÆÛ T Âð÷
þô÷ą ĺ¦äċÆË Æ¿č¥ Öäª÷¥ §¦·› ¦üĀČ© ¬¼Č¼Ô÷¥ ¬©¦·đ¥ Ĉøã õ¦{¥ U úĄØä© Æ´ã
¹ÆÐįċ ý› âįČüz¥ þįû Âį»› âÜ°Ìįċ Y (ÂČÔįð÷¥ ®įČ© ¦įĀăą) ¦į†Ÿą .¬¤Û¦|¥ ¬©¦·đ¦©
.¦ĄČ÷Ÿ öÓĆ¯ g÷¥ ¬¸Č°Ā÷¥ ĈĀ© ɦ˛ ĉ› Ĉøãą āÆàÿ ¬Ą·ą ¹Ć×Ć©
þįû ÚüĀį÷¥ ¥Äįă ý› U òÐįÿ ý› ¦Ā÷ þô‹ą ¦üó «iÜ¿ ý «ÂČÌ÷¥ ¬øôÐû ýĆô¯ ē ¦nÅ
¹Ćį×Ć© õÂį¯ ¬øôÐį}¥ āÄįă ý› į úĄ}¥ Æûď¥ Ćă ¥Äăą į þô÷ą ĺ¦Čøüã ¦ĀëÁ¦Ôċ Âï ö£¦Ì}¥
U Á¥Æįċą ¬įø¿¥Â°ûą «ÁÂįä°û ­¦įČÜä}¥ ýĆįô¯ ¦ûÂįĀã ĺ¦įÿ¦Č»› òįª¯Æċ Âįï iôì°÷¥ ý› Ĉøã
.¦ĄĀû ¬ČðÜĀû ¬¸Č°ÿ ÑĔÀ°Ë¥ ®ïĆ÷¥ Êìÿ
¬įČøüä÷¥ «¦įČ{¥ þįû ÃĆ¿œįû ö£¦Ìį}¥ þįû Æį¿™ µÃƆ úċÂ卉ċ¦èø÷ ÂČì}¥ þû ýĆôċ ¦Āăą
.¬©ĆäÓ Æ´ó› ýĆôċ ¦nÅ ò÷à þû úçÆ÷¥ Ĉøã Ćăą «ÆϦªû
Ŧª°¿¥ ú°ċ ²Čl ¬ċĆÿ¦³ ¬ËÅÂû éĆìÓ Â»› U ý¦¼°ûĔ÷ (õąÂ·) ¶û¦ÿÆ© â׹ Á¥Æċ
Á¥Æċą . ¬ČªĀ·ď¥ ¬èø÷¥ į ùĆøä÷¥ į ­¦ČצċÆ÷¥ į ˜¦ċÈČì÷¥ į ˜¦ČüČô÷¥ :¬Č¯č¥ Á¥Ć}¥ U ¬ªøÜ÷¥
ýĆįôċ ²įČl ÊČįü|¥ ùĆįċ ¬įċ¦è÷ą ®ªÌį÷¥ ùĆįċ þįû ˜¥Âį°©¥ ù¦įċď¥ Ĉįøã Á¥Ć}¥ āÄă âċÇĆ¯
: ¬Č¯č¥ ÙąÆÐø÷ ĺ¦ðð€ (âċÇĆ°÷¥) ¶û¦ÿb÷¥ ¥Äă

ú°įċ ē ý›ą ˜¦ä©Åď¥ ą› jĀ³ē¥ ùĆċ ¦ûŸ Ă¯Á¦n ý¦¼°ûē¥ ú°ċ ý› ˜¦ċÈČì÷¥ ÉÅÂû ÂċÆċ .1
.Ă¯Á¦û U ý¦¼°ûē¥ ùĆČ÷ Ì÷¥ ùĆČ÷¥ U ­¦ČצċÆ÷¥ ý¦¼°û¥

ùĆįįċ U ēą ÊČįįü|¥ ùĆįįċ U ˜¦įįČüČô÷¥ ý¦įį¼°û¥ ýĆįįôċ ē› ˜¦įįČüČô÷¥ ÉÅÂįįû ÂįįċÆċ .2
.jĀ³ē¥

U ý¦į¼°ûē¥ ùĆįČ÷ [¦į°÷¥ ùĆįČ÷¥ U Ăį¯Á¦û U ý¦į¼°ûē¥ ú°įċ ý› ùĆįøä÷¥ ÉÅÂįû ÂċÆċ .3
.ÊČü|¥ ùĆċ Ă¯Á¦û ý¦¼°û¥ ú°ċ ē› ą ˜¦ČüČô÷¥ «Á¦û

.¬»¥Å ùĆċ ­¦ČצċÆ÷¥ U ý¦¼°ûē¥ ùĆČ÷ Ì÷¥ ùĆČ÷¥ ýĆôċ ý› ¬ªøÜ÷¥ ÂċÆċ .4

.˜¦ä©Åď¥ ą› Â»ď¥ ùĆċ ¦ûŸ Ă¯Á¦û U ý¦¼°ûē¥ ú°ċ ý› ­¦ČצċÆ÷¥ ÉÅÂû ÂċÆċ .5

ùĆįįċ U ēą ®ªÌįį÷¥ ùĆįįċ Ăįį¯Á¦û U ý¦įį¼°ûē¥ ú°įįċ ē› ÂįįċÆċ ¬įįČªĀ·ď¥ ¬įįèø÷¥ ÉÅÂįįû .6
.˜¦ä©Åď¥

107

- 2 -2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

Science Fiction

.»¥ą ùĆċ U ý¦¼°û¥ þû Æ´ó› ú°ċ ē› ĊäČªÜ÷¥ þûą .7 
ö{¥ þ㠥æüë . ¬ëÁ¦Ô}¥ i´ó Ċøüã â©¦Û ­¥Ã ¬÷œÌ}¥ āÄă ý› º×¥Ć÷¥ þû ýč¥ą
öį{¥ ZŸ ýąÂĄ°Ìįċ ö£¦Ìį}¥ þû áĆĀ÷¥ ¥Äă ¬Ą·¥Ćû Ĉøã ¥ąÁ¦°ã¥ þċÄ÷¥ ò¤÷ą› úàäû ýŸ
āÂį»ą ˜Ćį¸ø÷¥ öįä÷ą ¨įċƸ°÷¥ą jüÀ°÷¥ þû ˜ĊЩą į iªä°÷¥ Ǧ· ýŸ į ĉÈċÆè÷¥ iôì°÷¦©
¬įĀôü}¥ ­ē¦įü°»ē¥ ¬įë¦ó ¨įċÆp ¦įÿÁś Ć÷ ¥Äă ¦Ā÷¦´û Ċìë ö£¦ËĆ÷¥ āÄă Á¦ð°ÿē é¦ó
āÄįįă Òįį¼ì¯ úįį³ þįįûą áĆªįįËď¥ ù¦įįċ› Ĉįįøã ý¦įį¼°ûē¥ Á¥Ćįį} Ċ£¥ĆÐįįä÷¥ âċÇĆ°÷¦įį© òįį÷Ãą
ZŸ µ¦į°„ ¦Āÿ› ÕÆì©ą ē ù› ¬©ĆøÜ}¥ ÙąÆÐ÷¥ îðq ®ÿ¦ó ¥ÃŸ ¦üČë îð¼°ø÷ ­¦ÿ¦ôûđ¥
öįÓ¥Ć°}¥ öįüä÷¥ þįû ¬ã¦įË ÆÐįã gĀį³¥ ZŸ ¦Ā¸°»ē ¬Čÿ¦ôûŸ öó Ŧª°¿ē «Â»¥ą ¬ðČïÁ
¬įįðċÆÛ ĉ›) ¬ČįįצċÅ ¬įįðċÆÛ ñ¦įįĀă öįįăą . öċÂįįª÷¥ Ćįįă ¦įįüë ýß .öįį{¥ ZŸ õĆįįÓĆø÷
. âČüz¥ õą¦Ā°û U ýĆô¯ ö¼ø÷ (¬Č¸ĄĀû
õ¥žÌį÷¥ ¥Äă þ㠬䣥Š¬©¦·Ÿ (1864-1815) õĆ© µÅĆ· ĉÈČøôÿē¥ ĉÆðªä÷¥ ùÂï Âð÷

. (Propositional Algebra) "­¦Čį×Æì÷¥ bį·" ą› ¦ċ¦Øįð÷¥ bį· «Æôì÷ Ăã¥e¿¦©

. (Poolean Algebra) [Ćª÷¥ bz¦© ùĆČ÷¥ éÆäċ ¦û ą›
²įČl ĺ¦äċÆįËą ĺ¦įðČïÁ >Ĕį» ¬ð©¦Ìį÷¥ ¬÷œÌį}¥ öį» ¦įĀĀô‹ [Ćįª÷¥ bįz¥ íÆįÛ Á¦ü°ã¦©ą
¦įüČëą . ē ù› ¬į©ĆøÜ}¥ ÙąÆÐ÷¥ âČv îð‰ ö» ñ¦Āă ý¦ó ¥ÃŸ ¦üČë Âóœ°ÿ ý› âČÜ°Ìÿ
Êįx Ĉįøã Âįċȯ ē Âįï «Âįû U ò÷Ãą ÙąÆÐ÷¥ òø¯ îð‰ ö» þû Æ´ó› ñ¦Āă ý¦ó ¥ÃŸ
.ïÁ
( ­¦Č×Æì÷¥ b· ą› ) [Ćª÷¥ bz¥
: j°Č¯č¥ j¯Å¦ªä÷¥ U ¦Āøûœ¯ Ć÷

. ­¦ČצċÆ÷¥ ˜¦üøã úà㛠þû Éą¦ç Y¦ä÷¥ - 1 -

. Ċÿ¦}› Y¦ã Ćă Éą¦ç Y¦ä÷¥ - 2 ýĆįôċ ý› öįü°‰ ÕÆįë ĉ›  ¬įċb¿ ¬įøv þ㠫Ŧªã Ćă ¦üĄĀû >Ĕó ý› ¦ÿ·Ć÷
¬įªóÆû ćÆį¿› ÕąÆįë þċĆįô¯ jį×Æì÷¥ þċÄįă þû þô‹ą . ĺ¦¤Û¦¿ ą› ĺ¦¼Č¼Ó
: ¬Č¯č¥ ÕąÆì÷¦ó

. ­¦ČצċÆ÷¥ ˜¦üøã úà㛠þû Ćă ( ą ) Ċÿ¦}› Y¦ã Ćă Éą¦ç Y¦ä÷¥ - 3 . ­¦ČצċÆ÷¥ ˜¦üøã úà㛠þû Ćă ( ą› ) Ċÿ¦}› Y¦ã Ćă Éą¦ç Y¦ä÷¥ - 4 -

2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

-3-

108

. ­¦ČצċÆ÷¥ ˜¦üøã úà㛠þû Ćă ( ÊČ÷ ) Ćă Éą¦ç Y¦ä÷¥ - 5 -

. ĺ¦Čÿ¦}› ĺ¦}¦ã ( ÊČ÷ )Ćă Éą¦ç Y¦ä÷¥ - 6 -

U ( ą ) éÆį{¥ Ċįă ( 6 ZŸ 3 þįû ) ¬įªóÆ}¥ ÕąÆįì÷¥ j© Ú©Æ÷¥ ­¥ąÁ› ý› Þ»Ĕÿ
¦įû›  âį©¥Æ÷¥ ÕÆįì÷¥ U òį÷Ãą į ÆÔį{¥ ē iČįÀ°ø÷ įį ( ą› ) éÆ{¥ą ²÷¦´÷¥ ÕÆì÷¥
įį ( ÊČįį÷ ) Òï¦įįĀ÷¥ öįįäì÷¥ õ¦įį¿Á © «Âįįċ· ÕąÆįįë Á¦įįˆŸ ú°įįë þįįċi¿ď¥ jįį×Æì÷¥ U
Á¦įˆŸ U ¬įÓ¦¿ ¬įČũ› ­¥Ã ( ÊČį÷  ą›  ą ) öį´û ĺ¦įߦì÷› ý› ºį×¥Ć÷¥ þįûą  į ĊįìĀø÷
Logical ) ¬įįČðÜĀ}¥ Ú©¥ąÆį÷¥ úįįË¥ ¦įįĄČøã îįøÜċą ¬ð©¦įįË ćÆįį¿› þįû «Âįįċ· ÕąÆįë

. (Connectives
þįû ĺēÂį© ÇĆįûÆ÷¥ õ¦üä°įË¥ Ċįăą  ĺ¦įäû ý™ U ¬ÜČÌį©ą ĺ¥Â· ¬û¦ă «ĆÜm ùĆðĀË ýč¥ą
p1 ÈûÆ÷¦įį© ¬ð©¦Ìįį÷¥ ÕąÆįįì÷¥ þįįû õąď¥ ÕÆįįìø÷ ¦įįÿÈûÅ Ćįįøë . ¬ČøČÔįįì°÷¥ ­¥Å¦įįªä÷¥
ý› õĆįįð÷¥ ¦ĀäÜ°įįËē ¥Äįįôăą ... p3 įįį© ²įį÷¦´÷¥ ÕÆįįìø÷ą p 2 ÈûÆ÷¦įį© Ċÿ¦į ´÷¥ ÕÆįįìø÷ą
ò÷Äįóą p3 p1 and p 2 : įį© ĺ¥Å¦Ô°¿¥ ò÷à þã bäÿą [ p 2 ą p1 ] Ćă p3 ÕÆì÷¥
ÖČįðÿ ĆįĄë Êû¦į|¥ ÕÆįì÷¥ ¦įû› p 4 p1 or p 2 : įį© âį©¥Æ÷¥ ÕÆì÷¥ þã bäÿ ¦Āÿ ë
ÕÆįįįįįįįįįįì÷¥ą p5

not p1

p1 : ĺ¥Å¦Ôįįįįįįįįįį°¿¥ òįįįįįįįįįį÷à ¨įįįįįįįįįį°ôÿą õąď¥ ÕÆįįįįįįįįįįì÷¥

ą› ĺ¦¼Č¼įįįÓ ýĆįįįôċ ý› ¦įįįûŸ ( p ) ÕÆįįįë ĉ› ý› ºįįį×¥Ć÷¥ þįįįûą . p 6

not p 2

p2

¨į°ôÿą ĺ¦Øįċ› ÇĆûÆ÷¥ öüä°Ìÿ éĆË ºČ¼Ó ( p ) ÕÆì÷¥ ý› õĆð÷¥ þû ĺē©ą  ĺ¦¤Û¦¿

ÕÆįįì÷¥ ý› ¢ë¦įįô¯ą ĊįįðÜĀ}¥ Âįį»¥Ć÷¥ ĉą¦Ìįįċ p ÕÆįįì÷¥ ›Æįįð¯ą) p 1 : ĺ¥Å¦Ôįį°¿¥

þįû ĺēÂį© òį÷Ãą p 0 : ŦÔį°¿¦© ¨į°ôĀë ĺ¦į¤Û¦¿ ĺ¦×Æë ( p ) ý¦ó ¥ÃŸ ¦û›  (ºČ¼Ó

1 ) į÷¥ą ( 0 ) į÷¥ þċÂċÂz¥ þċÈûÆ÷¥ ¦Āă ¦Āø¿Á› ¦Āÿ› º×¥ąą . ¢Û¦¿ ÕÆì÷¥ ýŸ õĆð÷¥
ÕÆįë œįÜ¿ ą› ¬¼įÓ Ĉįøã ýēÂįċ ý¥ÈûÅ ¦ü‡› ZŸ «Å¦Ïđ¥ ĉÅąÆØ÷¥ þûą ý¦ČðÜĀ}¥ (
. jëĆ÷œ}¥ »¥Ć÷¥ą ÆìÔ÷¦© ¬°ª÷¥ ¦ü~ ¬ïĔã ēą ¦û
õąď¥ jįį×Æì÷¥ ý› ĺ¦įČŠÅ¦¯ ùĆįįøä}¥ þįįû Ăįįÿ› ¦įįną ¬ð©¦Ìįį÷¥ ÕąÆįįì÷¥ ZŸ «ÁĆä÷¦įį©ą ýč¥ą
ý› ¥Äįįįįă þįįįįã ¶°įįįįĀċą p 2 1 ą p1 1 : ¨įįįį°ôÿ ý› ¦įįįįĀĀôüČë ý¦¼Č¼įįįįÓ Ċÿ¦įįįį´÷¥ą
: ¨°ôÿ ý› ¦ĀĀô‹ ¥Ä÷  ý¦¤Û¦¿ Ċÿ¦´÷¥ą õąĐ÷ jØï¦Ā}¥ ÉÁ¦Ì÷¥ą Êû¦|¥ j×Æì÷¥
. p6 0 ò÷Äóą p5 0
éĆįË ( ą ) êįÜä÷¥ éÆį» õ¦üä°įË¥ þįû ĺēÂį©ą «ÆÔį°À}¥ ÇĆįûÆ÷¥ ù¥ÂÀ°į˦© Æü°Ìÿą

109

-4-

2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

Science Fiction

( ą› ) êįÜä÷¥ éÆį» õ¦üä°įË¥ þįû ĺēÂį© ò÷Äįóą ( × ) ĊįðÜĀ}¥ §ÆØį÷¥ ÈįûÅ öüä°Ìÿ
¦įû ÕÆįë ą› ¬ČØįï ÖČįðĀ÷ ÈįûÆÿ éĆįË ò÷Äóą ( + ) ĊðÜĀ}¥ âüz¥ ÈûÅ öüä°ÌĀË
) ýŸ : õĆįįð÷¥ ÂįįČäÿą ¬ð©¦Ìįį÷¥ ÕąÆįįì÷¥ ZŸ ÁĆįįäÿ òįį÷à ºČįį×Ć°÷ą p ÈûÆ÷¦įį© p öįį´û
˜¦įįüøã úįįà㛠þįįû Ćįįă ( ą ) Ċÿ¦įį}› Y¦įįã Ćįįă Éą¦įįç Y¦įįä÷¥ : Ćįįă ²įį÷¦´÷¥ ÕÆįįì÷¥
¨įį°ôÿ ĺ¦Øįįċ› §ĆøįįËď¥ ÊìĀįį©ą . p3 p1 u p 2 : ¨įį°ôÿ ÇĆįįûÆ÷¥ ¬įįèø©ą . ( ­¦ČįįצċÆ÷¥
. p 6 p 2 ĺ¥i¿›ą p5 p1 ò÷Äóą . p 4 p1  p 2
ĺ¦į¤Û¦¿ ą› (ĊðÜĀ}¥ »¥Ćø÷ ĺ¦ċą¦Ìû) ĺ¦¼Č¼Ó ýĆôċ ý› ¦ûŸ ÕÆë ĉ› ý› ĺ¦ČĄċ© ý¦ó ¦}ą

(0) ą (1) ćĆË Â·Ćċ ē [Ćª÷¥ bz¥ U Ăÿœ© õĆð÷¥ þôüČë (ĊðÜĀ}¥ ÆìÔø÷ ĺ¦ċą¦Ìû)
: jČ¯č¥ j÷ąÂz¥ ¨Ì» ý¦°ČðÜĀ}¥ §ÆØ÷¥ą âüz¥ ¦°Čøüã ¦üĄČøã éDÆä¯ą
(ą›) éƼø÷ öċ© Ċăą ĊðÜĀ}¥ âüz¥ ¬Čøüã õąÂ· - ĺēą› ( ºČ¼Ó = ºČ¼Ó ą› ºČ¼Ó : õĆð÷¥ ¢ë¦ôċ ¥Äăą)
11 1
ºČ¼Ó õĆï Ćă . "ý¦ë Ù¥ÆðË ą› ý¦ÌÿŸ Ù¥ÆðË " : >Ĕ´û ò÷Ćðó
( ºČ¼Ó = ¢Û¦¿ ą› ºČ¼Ó : õĆð÷¥ ¢ë¦ôċ ¥Äăą)
1 0 1
Ćįįă . iªįįó Y¦įįä© ÊČįį÷ Éą¦įįç ą› iªįįó Y¦įįã Éą¦įįç : >Ĕ´įįû òįį÷Ćðó
ºČ¼Ó õĆï
0 1 1
.Ìø÷ öČ´û Ćăą
00 0
(¢Û¦¿ = ¢Û¦¿ ą› ¢Û¦¿ : õĆð÷¥ ¢ë¦ôċ ¥Äăą)
õĆįįï Ćįįăą ( ¬įįè÷ Y¦įįã Éą¦įįç ą› ą› ¾ċŦįį¯ Y¦įįã Éą¦įįç) : õĆð÷¦įįó
¢Û¦¿
: ( ą ) éÆ{¥ öċ© Ċăą ÕąÆìø÷ ĊðÜĀ}¥ §ÆØ÷¥ ¬Čøüã õąÂ· - ĺ¦Čÿ¦³ (ºČ¼Ó = ºČ¼Óą ºČ¼Ó : ¬ø£¦ð÷¥ ¬ČĄċª÷¥ ¢ë¦ô¯ą)
1u1 1
. ºČ¼Ó õĆï Ćă . ý¦ë Ù¥ÆðË ą ý¦ÌÿŸ Ù¥ÆðË) õ¦´û
(¢Û¦¿ = ¢Û¦¿ą ºČ¼Ó : ¬ø£¦ð÷¥ ¬ČĄċª÷¥ ¢ë¦ô¯ą)
1u 0 0
¢Û¦¿ õĆï Ćăą ( ĺ¦Čÿ¦}› ÊČ÷ Éą¦çą ą iªó Y¦ã Éą¦ç) : õ¦´û
.Ìø÷ Ă©¦Ðû ¥Äăą
0 u1 0
(¢Û¦¿ = ¢Û¦¿ ą ¢Û¦¿ : õĆð÷¥ ¢ë¦ôċ ¥Äăą)
0u0 0
¢Û¦¿ õĆï Ćăą ( ¬è÷ Y¦ã Éą¦çą ¾ċŦ¯ Y¦ã Éą¦ç) : õĆð÷¦ó
-5-

2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

110

: ( ÊČ÷ ) éÆ{¥ öċ© Ċăą ĊðÜĀ}¥ ĊìĀ÷¥ ¬Čøüã õąÂ· - 妴÷¦³ ¢Û¦|¥ ÕÆì÷¥ Ćă ºČ¼Ô÷¥ ÕÆì÷¥ ÖČðÿ ý› þã iªä¯ Ćăą

1

0

ºČ¼Ô÷¥ ÕÆì÷¥ Ćă ¢Û¦|¥ ÕÆì÷¥ ÖČðÿ ý› þã iªä¯ Ćăą

0

1

: >Ĕ´û ò÷Ćðó ­¦ª³Ÿ ĊìĀ÷¥ Ċìÿ ýœ© îÜĀ}¥ U õ¦ðċ ¦û ¢ë¦ôċ
. ºČ¼Ó õĆï Ćă ( ĺ¦}¦ã ÊČ÷ ) ÊČ÷ Éą¦ç

1

1

. Ì÷¦© ĂČªÏ Ćăą
0 0
òį÷Ãą ¬įČ÷¦°÷¥ ­¥Å¦įªä÷¥ ¬¼įÓ ¬÷ĆĄÌį© jªį°ÿ ý› âČÜ°Ìįÿ îªįË ¦û Ĉøã ĺ¥Á¦ü°ã¥ ýč¥ą
. ÕÆë ĉ› ö·› þû
p u1

p

,

p 1 1

pu0

0

,

p0

p

pu p

p

,

p p

p

pu p

0

,

p p

0

éĆįįËą ÚČÌįįª°÷¥ ¬įįČè© òįį÷Ãą ( × ) §ÆØįį÷¥ «Å¦įįϟ Ċįįøċ ¦įįüČë Âįįü°äÿ þįį÷ : ¬įįà»Ĕû
¨į°ôÿ ý› þįû ĺēÂį© ĉ› ĊįðÜĀ}¥ ¦üĄ£¥Âį· Ĉįøã ¬į÷ēÂø÷ jČ÷¦į°°û jį×Æì÷¥ ÆóÄ© Ċì°ôÿ
ēŸ ( × ) ĊįðÜĀ}¥ §ÆØį÷¥ «Å¦įϟ ÆóÄį¯ þį÷ą p1 p 2 ĺ¥Å¦Ôį°¿¥ ¨į°ôÿ éĆË p1 u p 2
. ɦª°÷ē¥ öü°‰ ¦ûÂĀã
õ¦į{¥ Ćįă ¦įüó ĺ¦û¦s É¥Ćïď¥ òë ú°ċ [Ćª÷¥ bz¥ U Ăÿ› ZŸ iÐÿ úøäÿ ý› ĺ¥i¿› Ċð©
¥ÃŸ [Ćª÷¥ bz¥ Uą 4 u (2  3) 4 u 2  4 u 3 : >Ĕ´û Á¦°ä}¥ bz¥ą §¦Ì{¥ U

¬¼Č¼įÓ A( B  C ) AB  AC : «Å¦įªä÷¦ë C ą B ą A ÕąÆįë ¬³Ĕ³ ¦ĀċÂ÷ ý¦ó
.
: ¬»ąÆÜ}¥ ¬÷œÌ}¥ ö»
¶û¦įÿÆ©" ¬÷œÌįû öį» þįû ¦įĀĀô‹ ¦įû ­¦įûĆøä}¥ þįû ¦ĀċÂį÷ ºªįӛ Ăÿ› õĆð÷¥ ýč¥ ¦ĀĀô‹
: ¬Č¯č¥ ­¥ĆÜ|¥ ᦪ¯ © ĺ¦ðČïÁ >Ĕ» ÆóÄ÷¥ ¬ìÿ™ "ý¦¼°ûē¥
: ®ªÌ÷¥ þû >˜¥Â°©¥ ĺ¦üïÅ áĆªËď¥ ù¦ċ› þû ùĆċ öô÷ ĊÜäÿ
- (4) ˜¦įįįįä©Åď¥ - (3) ˜¦įįįį³Ĕ´÷¥ - (2) jĀįįįį³ē¥ - (1) Âįįįį»ď¥ - (0) ®ªÌįįįį÷¥

. (5) ÊČü|¥

111

-6-

2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

Science Fiction

: Ċ¯č¦ó éÆl ý¦¼°ûē¥ Á¥Ćû þû «Á¦û öô÷ ÈûÆÿą

¬įįèø÷¥ - ( M ) ­¦ČįįצċÆ÷¥ - ( S ) ùĆįįøä÷¥ - ( C ) ˜¦įįČüČô÷¥ - ( P ) ˜¦įįċÈČì÷¥

. ( B ) ¬»¥Æ÷¥ ùĆċ - ( E ) ¬ČªĀ·ď¥
ĺ¥Å¦Ôį°¿¥ ¨į°ôÿ į >Ĕ´įû įį " jĀį³ē¥ ùĆįċ ú°įċ ˜¦įČüČô÷¥ ý¦į¼°û¥ " ý› ÕÆįì÷¥ ÈDûÆÿ ¦üó
ÈįûÆ÷¥ą " Â»ď¥ ùĆċ ú°ċ ­¦ČצċÆ÷¥ ý¦¼°û¥ " į÷ ÈûÆċ M 1 ý› ĺ¥ÃŸ º×¥Ć÷¥ þûą C 2

¬į÷ēÂøøë M 1 ÈįûÆ÷¥ ¦įû› . ˜¦į³Ĕ´÷¥ ùĆįċ ú°įċ ¬įČªĀ·ď¥ ¬įèø÷¥ ý¦į¼°û¥ ýœ© ÕÆìø÷ E3
Ĉįįøã õÂįįċ B0 ÈįįûÆ÷¥ ò÷Äįįóą Âįį»ď¥ ùĆįįċ U ÊČįį÷ ­¦ČįįצċÆ÷¥ ý¦įį¼°û¥ ý› Ĉįįøã
C 3 M 4 ¨įČóe÷¦ë ò÷Äįóą (ĊįìĀ÷¥ ¬įČøüã) ®ªÌį÷¥ ùĆįċ ÊČ÷ ¬»¥Æ÷¥ ùĆċ ýœ© ÕÆì÷¥
ùĆįċ ú°įċ ­¦ČצċÆ÷¥ ý¦¼°û¥ ą ˜¦³Ĕ´÷¥ ùĆċ ú°ċ ˜¦ČüČô÷¥ ý¦¼°û¥ ýœ© ö£¦ð÷¥ ÕÆìø÷ Ćă
. ¥Äôăą ... ˜¦ä©Åď¥
ÕąÆįì÷¥ ĉ›) ÙąÆÐį÷¥ âįČv îįð¼°¯ ý› ¨įˆ Ăįÿ› Þį»Ĕÿ ¬÷œÌį}¥ ö» ú°ċ Ċô÷ ýč¥ą
Âį»¥Ćø÷ ĺ¦ċą¦Ìįû ÕąÆįì÷¥ āÄį~ ĊįðÜĀ}¥ ˜¥Âįz¥ ýĆįôċ ý› ¨ˆ ĉ› »¥ą ý™ U (¬°Ì÷¥
. ĊðÜĀ}¥
Ăįøä·ą ĊįðÜĀ}¥ ¦Ą£¥Âį· §¦Ìįl ùĆįðÿ úį³ ĉÈįûÆ÷¥ öôÐį÷¦© ÙąÆÐ÷¥ āÄă ¨°ôÿ ò÷Ä÷
: Ċ¯œċ ¦üó ĊðÜĀ}¥ »¥Ćø÷ ĺ¦ċą¦Ìû
: ˜¦ċÈČì÷¥ ÉÅÂû ÙÆÏ ý¦į¼°û¥) ą› (Âį»ď¥ ùĆįċ ­¦ČįצċÆ÷¥ ý¦į¼°û¥ ÊČį÷ ą jĀ³ē¥ ùĆċ ˜¦ċÈČì÷¥ ý¦¼°û¥) ĉ›
.(˜¦³Ĕ´÷¥ ùĆċ ­¦ČצċÆ÷¥ ý¦¼°û¥ ÊČ÷ ą ˜¦ä©Åď¥ ùĆċ ˜¦ċÈČì÷¥
M1  M 4 1
: ­¦ČצċÆ÷¥ ÉÅÂû ÙÆÏ B0 M 1  B3 M 4 1
: öôÐ÷¦© ĂČ÷Ÿ ¬ČøÜ÷¥ ÙÆÏ ¬ë¦× © ºªÔċą
: ùĆøä÷¥ą ˜¦ČüČô÷¥ ĊËÅÂû ÙąÆÏ C 0 S1  C1 S 2  C 3 S 4 1
P2 M 1  P4 M 3

E1  E 

E

1

1

: ¬èø÷¥ ÉÅÂû ÙąÆÏ ĺ¦ċą¦Ìįû) ĺ¦¼Č¼įÓ ¦ĄįĀû öįó ýĆįôċ ý› ¨įˆ ¬ð©¦Ìį÷¥ (ÙąÆÐį÷¥) ÕąÆì÷¥ ý› ¦n ýč¥ą
ĺ¦Øįċ› ĊįðÜĀ}¥ Âį»¥Ćø÷ ĺ¦ċą¦Ìįû ĊįðÜĀ}¥ ¦ă¥Â· ýĆôċ ý› ¨·Ć°ċ ¥Ä÷ (ĊðÜĀ}¥ »¥Ćø÷
: ¨°ôÿ ý› þô‹ą
3

5

( P2 M1  P4 M 3 )( B 0 M 1  B 3 M 4 )(C 0 S1  C1 S 2  C 3 S 4 )( E1  E 3  E 5 )

-7-

2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

1

112

( )

: ¸Āë Ċÿ¦´÷¥ą õąď¥ jËĆð÷¥ ĺēą› ùĆðĀË

( P2 M

1 

P4 M 3 )( B 0 M

1 

B3 M 4 )

P2 M 1 B0 M 1  P2 M 1 B3 M 4  P4 M 3 B0 M 1  P4 M 3 B3 M 4

ýď òįįį÷Ãą (ý¦ûąÂįįįäû) ýĔČ¼°Ìįįįû âįįį©¥Æ÷¥ą õąď¥ (þċÂįįį{¥) jįįį×Æì÷¥ ý› Þįįį»Ĕÿą
õĆÔį» ùÂįãą ( M 1 ) Âį»ď¥ ùĆįċ U ­¦ČįצċÆ÷¥ ý¦¼°û¥ õĆÔ» häċ P2 M 1 B0 M 1
P4 M 3 B3 M 4 ÕÆįì÷¥ ¦įû› .õ¦į€ ¥Äăą ( M 1 ) Â»ď¥ ùĆċ U ­¦ČצċÆ÷¥ ý¦¼°û¥

ò÷Äįįįóą ( M 4 ) ˜¦įįįä©Åď¥ ùĆįįįċ ­¦ČįįįצċÆ÷¥ ý¦įįį¼°û¥ õĆÔįįį» hįįįäċ Ăįįįÿď öČ¼°Ìįįįüë
ýß . iį¿ď¥ ÕÆįì÷¥ Öï¦įĀċ ¥Äįăą ĺ¦Øįċ› ( P4 ) ˜¦įä©Åď¥ ùĆįċ ˜¦ċÈČì÷¥ ý¦¼°û¥ õĆÔ»
: ¨°ôÿ ¬¤Û¦|¥ ÕąÆì÷¥ éÄl
( P2 M 1  P4 M 3 )( B0 M 1  B3 M 4 )

P2 M 1 B3 M 4  P4 M 3 B0 M 1

1

: ¸Āë ²÷¦´÷¥ ÉĆð÷¦© ¬¸Č°Ā÷¥ §ÆØÿ

( P2 M 1 B3 M 4  P4 M 3 B0 M 1 )(C 0 S1  C1 S 2  C 3 S 4 )

P2 M 1 B3 M 4 C 0 S1  P2 M 1 B3 M 4 C1 S 2  P2 M 1 B3 M 4 C 3 S 4  
P4 M 3 B0 M 1C 0 S1  P4 M 3 B0 M 1C1 S 2  P4 M 3 B0 M 1C 3 S 4

1

¦ĄįĀû >Ĕįó ýď ÉÁ¦Ìį÷¥ą Êû¦į|¥ą âį©¥Æ÷¥ą ²÷¦´÷¥ą Ċÿ¦´÷¥ (ÁąÂ{¥) ÕąÆì÷¥ éÄlą
: ƒ ùĆČ÷¥ Êìÿ U j¯Á¦û Ċÿ¦¼°û¥ õĆÔ» häċ
P2 M 1 B3 M 4 C 0 S1

1

¬į¸Č°Ā÷¥ āÄįă §ÆØį© ýč¥ ùĆįðÿ ( ) þįû Ząď¥ ¬į³Ĕ´÷¥ É¥Ćįïď¥ §Æį× ¬į¸Č°ÿ Ċăą

: ¸Āë ( ) þû i¿ď¥ ÉĆð÷¦©

( P2 M 1 B3 M 4 C 0 S1 )( E1  E3  E5 ) 1

: ĊÜä¯ g÷¥ą

P2 M 1 B3 M 4 C 0 S1 E1  P2 M 1 B3 M 4 C 0 S1 E3  P2 M 1 B3 M 4 C 0 S1 E5

1

Ĉøã öԄ ¦ĄÌìÿ ÆóÄ÷¥ ¬ìÿč¥ §¦ªËĐ÷ ¦üĄ°÷¦¼°Ëē Ċÿ¦´÷¥ą õąď¥ þċÂ{¥ éÄlą
: ¬Č¯č¥ ¬û¦~¥ ¬¸Č°Ā÷¥
P2 M 1 B3 M 4C0 S1 E5 1

113

-8-

2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

Science Fiction

: į© āÆÌìÿą ¬©ĆøÜ}¥ ÙąÆÐ÷¥ âČv îð‰ ĉÄ÷¥ ¬»ąÆÜ}¥ ¬÷œÌüø÷ ÂČ»Ć÷¥ ö{¥ Ćăą
. jĀ³ē¥ ùĆċ ˜¦ċÈČì÷¥ ý¦¼°û¥ ú°ċ :
P2
. ˜¦³Ĕ´÷¥ ùĆċ ¬ªøÜø÷ ¬»¥Æ÷¥ ùĆċ ýĆôċ :
B3
. ˜¦ä©Åď¥ ùĆċ ­¦ČצċÆ÷¥ ý¦¼°û¥ ú°ċ :
M4
. ®ªÌ÷¥ ùĆċ ˜¦ČüČô÷¥ ý¦¼°û¥ ú°ċ :
C0
. Â»ď¥ ùĆċ ùĆøä÷¥ ý¦¼°û¥ ú°ċ :
S1
. ÊČü|¥ ùĆċ ¬èø÷¥ ý¦¼°û¥ ú°ċ :
E5
. ¬©ĆøÜ}¥ ÙąÆÐ÷¥ âČv îð‰ ¶û¦ÿb÷¥ ¥Äă ý› þû Âóœ°÷¥ öĄÌ÷¥ þûą
ý¦ÿÁ āªã Âü€ .ù
Mhd49@aloola.sy
12-

3-

: ¬ČªĀ·ď¥ â·¥Æ}¥

John , E, E, Applied Poolean Algebra
McMillan , New York 1960
Berkeley , E. C. Symbolic Logic And Intelligent
Machines
Rein Hold , New York 1957
: ¬Č©Æä÷¥ â·¥Æ}¥
Ĉ°û úċÆó ÅĆ°óÂø÷

ĊצċÆ÷¥ îÜĀ}¥

‫املراجع‬
1- John , E, E, Applied Poolean Algebra
McMillan , New York 1960
2- Berkeley , E. C. Symbolic Logic And Intelligent Machines
Rein Hold , New York 1957
‫ املنطق الرياضي للدكتور كريم متى‬- 3
2010 / ‫ آذار‬/ ‫ العدد العشرون‬/ ‫اخليال العلمي‬

-9-

114

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪115‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أسرار عالم النمل‬
‫م‪ .‬طارق نواف حامد‬

‫ما أمجل أن ّ‬
‫نطلع على عامل النمل العجيب‪ ،‬هذا اجملتمع الذي حيوي‬
‫العديد من الغموض‪ ،‬ولطاملا كنت سعيداً وأنا صغري ألعب يف قرييت‬
‫أراقب هذه احلشرات الصغرية كيف تعمل بكد وبإتقان مذهل لعملها‬
‫وكأنها آالت صغرية تتحرك‪ ،‬وكنت أضع يف طريقها قطعاً من اخلبز‪ ،‬فكانوا بعد‬
‫دقائق قليلة يتجمعون حوهلا وفوقها ويشدونها باجتاهات خمتلفة لكن حمصلة‬
‫قوة اجلر تكون دائماً باجتاه باب خليتهم ولطاملا أذهلين ركوب بعضهم فوق قطعة‬
‫اخلبز وهم جيرونها‪ ،‬لكن ذهولي ازداد عندما قرأت حبثاً مطوالً أن هذه النمالت‬
‫اليت جتلس فوق قطعة الغذاء وآخرون جيرونها كانوا جيلسون بأماكن حمددة وذلك‬
‫أرض غري مستوية ‪.‬‬
‫ليغريوا مركز ثقل اجلسم ليسهل عملية جرها يف ٍ‬
‫ً‬
‫واآلن تعالوا معي لنتعرف أكثر على هذا اجملتمع املنظم والذكي جدا ‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أنواع النمل وبنيتها‬
‫علينا أن نعلم ان��ه مت القيام بـ (‪ )30‬ألف‬
‫دراسة ماجستري ودكتوراه يف العامل مت إجراؤها‬
‫عن النمل بينت أن هناك ‪ 18‬ألف قبيلة للنمل‬
‫املعلوم منها (‪ )11‬ألفاً فقط والباقي غري معلوم‪،‬‬
‫فكل املعلومات املتوافرة عن النمل حتى اآلن‬
‫حوايل ‪ %10‬فقط ويوجد اليوم أكثر من عشرة‬
‫آالف نوع من النمل يف العامل‪ .‬ومجيع هذه األنواع‬
‫تعيش يف جمتمعات منظمة تتعاون وتبين وتدافع‬
‫وتتكلم وحت���س‪ ...‬وهل��ا دم��اغ وأع��ص��اب ‪!...‬‬
‫فقد عكف علماء احل��ش��رات م��دة من الزمن‬
‫جي��رون حبوثاً و دراس��ات حول النملة‪ ،‬حيث‬
‫وضعوها يف خمتربات خاصة مع أجهزةٍ للمراقبة‬
‫و ال��ت��ص��وي��ر‪ ،‬و أج��ه��زة أخ���رى ف��وق مسعية)‬
‫للتسجيل) لعل النمل يصدر أصواتاً فتسجل‪،‬‬
‫أو حركات فرتصد‪ ،‬و يف النهاية خرجوا بنتائج‬
‫بفضل أجهزة التسجيل ف��وق السمعية(اليت‬
‫تسجل األصوات اليت ال تسمعها األذن) تبني لنا‬
‫أن النمل ينطق و يتكلم‪ ،‬و يناقش وجيادل بل و‬
‫يعقد االجتماعات لدراسة مشاكله اخلاصة ‪.‬‬
‫فقد ورد يف ال��ق��رآن الكريم س��ورة تسمى‬
‫س���ورة ال��ن��م��ل‪ ،‬و ن��ق��رأ يف اآلي��ت�ين (‪)17،18‬‬
‫(وَحُ�شِ�رَ لِسُلَيْمَانَ جُ�نُ��ودُهُ مِ�نَ الْ ِجنِّ وَالإْ ِ‬
‫ِنس‬
‫و َّ‬
‫َالطيْ ِر َفهُمْ يُو َزعُونَ‪ ،‬حَتَّى إِ َذا أَتَوْا عَلَى وَادِي‬
‫النَّمْ ِل َقالَتْ نَمْل َ ٌة يَا أَيُّهَا النَّمْ ُل ادْخُلُوا مَسَاكِنَ ُكمْ لاَ‬
‫يَحْطِمَنَّ ُكمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)‪.‬‬
‫فقد سجلت أص��وات��ه األج��ه��زة السمعية‪،‬‬
‫وصورته أجهزة الكمبيوتر (شفرات واضحة) ‪.‬‬
‫ما زالت هذه الشفرات غامضة حتى اآلن‬
‫مل يستطع العلم احلديث أن يفك رموزها أو‬
‫يكشف عن معانيها‪.‬‬
‫وورد أي���ض���اً ورد يف ال���ق���رآن ال��ك��ري��م ‪:‬‬
‫( َقالَتْ نَمْل َ ٌة يَا أَيُّهَا النَّمْ ُل ادْخُلُوا مَسَاكِنَ ُكمْ لاَ‬
‫يَحْطِمَنَّ ُكمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)‪.‬‬
‫ولقد تبني أيضاً من املالحظة التامة أن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫النمل أمة كأمة البشر هلا قانوهنا االقتصادي‪،‬‬
‫و السياسي‪ ،‬واالجتماعي بل و العسكري أيضاً‪.‬‬
‫فالنمل له نظام اقتصادي خاص يف التوفري‪،‬‬
‫و رص��د االحتياطي لوقت احل��اج��ة و حفظ‬
‫املخزون بطريقة معينة حتى ال يفسد‪.‬‬
‫ول��دي��ه نظام يشبه النظام السياسي من‬
‫ملوك و رؤساء و قادة لدى البشر‪ ،‬و يف النظام‬
‫االج��ت��م��اع��ي أُس��� ٍر و مج��اع��ات‪ .‬ويف النظام‬
‫العسكري من جيوش و محايات‪ .‬بل ثبت أن‬
‫النمل ي��ق��وم حب��م�لات عسكرية على القرى‬
‫اجمل���اورة من النمل و يأسر منهم األس��رى و‬
‫يضعهم يف السجون!!‪.‬‬
‫و من هنا يتبني لنا أن النمل أمة كأمة البشر‬
‫يف الدقة و النظام‪ .‬فقد كانت البشرية مجيعاً‬
‫حتى القرن (التاسع عشر) امليالدي يظنون أن‬
‫النمل حشرة ال تنطق‪ ،‬و أهنا تتعامل مع أخواهتا‬
‫من النمل باإلشارة أو اإلحياء أو غري ذلك‪.‬‬
‫حجم النملة وقدمها‬
‫أق��دم منلة على وج��ه األرض مت اكتشافها‬
‫يف حجر بأمريكا عمر هذه املستحاثة (‪)92‬‬
‫مليون سنة‪ ،‬واكتشفت ع��ام ( ‪ ) 1998‬لكن‬
‫العلماء اكتشفوا فيما بعد عرب بعض احلفريات‬
‫واملستحثات أن النملة تسبق اإلنسان يف وجودها‬
‫على سطح هذا الكوكب حيث إن عمرها ‪150‬‬
‫مليون سنة‪.‬‬
‫يبلغ طول النملة من (‪ )2‬ميليمرت وحتى (‪)25‬‬
‫ميليمرتاً‪ ،‬وللنملة رأس كبري قياساً مع حجم‬
‫جسمها‪ ،‬وهل��ا بطن بيضاوية وخصر صغري‪،‬‬
‫وهلا فكان تستطيع هبما محل أشياء ثقيلة جداً‬
‫بالنسبة هلا‪ ،‬وتستخدمها أيضاً للحفر‪ .‬وهلا‬
‫فكان داخليان ملضغ الطعام‪ .‬كما هلا هوائيان‬
‫تستخدمهما لتحسس األشياء وللتذوق والشم ‪.‬‬
‫ذكاء النمل‬

‫‪117‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يعترب السلوك االجتماعي للنمل هو األعقد‬
‫بني عامل احلشرات‪ ،‬ولذلك جاء القرآن بسورة‬
‫كاملة امسها سورة (النمل)‪ ،‬وذكر فيها املوىل‬
‫تبارك وتعاىل ق��درة النمل على التكلم‪ ،‬وقد‬
‫أثبت العلم وجود لغة خاصة تتفاهم من خالهلا‬
‫النمل وتتواصل حتى عن بعد ‪.‬‬
‫وق��د ق��ام العامل النمساوي ل��وران��س الذي‬
‫ظل يتابع النمل ‪ 40‬سنة بتجربة هامة حيث‬
‫وضع قطعتني معدنيتني الثانية ثالثة أضعاف‬
‫األوىل يف الوزن وقام بتغليفهما‪ ،‬وإذا بالنملة‬
‫االستكشافية حت���اول مح��ل القطعتني‪ ،‬ومل‬
‫تستطع ذلك فدخلت اجلحر وخرجت بثماني‬
‫منالت‪ ،‬وهي التاسعة ومحلوا األوىل ثم دخلت‬
‫ث��ان��ي��ة وخ��رج��ت ب‪ 26‬من��ل��ة وه���ي السابعة‬
‫والعشرين ومحلت الثانية فمن أي��ن هلا هذا‬
‫العلم وكيف عرفت أن الثانية ثالثة أضعاف‬
‫األوىل؟ ‪.‬‬
‫قوة النملة وإمكانياهتا‬
‫تستطيع النملة محل أشياء ت��زن عشرين‬
‫ضعفاً من وزن جسمها‪ ،‬وإذا قسنا ذلك على‬
‫ب�ني البشر ف��ه��ذا يعين أن رج�ل�اً هب��ذه القوة‬
‫سيحمل سيارة وزهنا ألف كيلوغرام بسهولة‪.‬‬
‫وإذا أمعنا النظر يف صورة لفك منلة جند أهنا‬
‫تستطيع ب��ه حفر األرض‪ ،‬وتستطيع القتال‬
‫وال��دف��اع ع��ن نفسها‪ ،‬كما تستطيع أن تأكل‬
‫ومتضغ الطعام! وتأمل معي ه��ذا التصميم‬
‫املعجز لفكي النملة‪ ،‬وإذا ما قارنا حجم فكي‬
‫النملة حبجم فكي متساح مثالً جند أن فك‬
‫التمساح أكرب بآالف املرات من فك النملة‪ ،‬ولكن‬
‫فك النملة أقوى بكثري من فك التمساح قياساً‬
‫إىل حجمها وحني تطبق فكيها على فريستها‬
‫يُسمع له صوت نقرة تسجله األجهزة احلساسة ‪.‬‬
‫وي���ق���ول ال��ع��ل��م��اء ‪ :‬إن س��رع��ة ان��ط��ب��اق فك‬
‫النملة أس��رع من أي حيوان من احليوانات‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫وإذا أمعنا النظر يف صورة لرأس النملة جند‬
‫ه��ذا ال���رأس حي��وي دم��اغ �اً م��ع��ق��داً تستطيع‬
‫النملة به التفكري وإج��راء احلسابات الالزمة‪،‬‬
‫وإطالق اإلنذار لدى التعرض للهجوم! ونالحظ‬
‫وجود ستة أرجل وقرني استشعار أو هوائيني‪.‬‬
‫ولديها القدرة على إفراز مواد كيميائية مطهرة‪،‬‬
‫تستطيع هب��ا تعقيم ال��ع��ش وتطهري الريقات‬
‫والبيوض لئال هتلكها البكرتيا والفطور‪ ،‬فهي‬
‫تقوم بتغليف الشرانق بغالف من هذه املادة‬
‫حيميها من شر البكرتيا‪ ،‬وتستخدمها أيضاً‬
‫لتطهري غذائها املختزن لفرتات طويلة‪ ،‬ولوال‬
‫هذه املادة هللك النمل على األرض‪ ،‬وتستطيع‬
‫النملة أن تفرز محض النمليك الذي يعترب مادة‬
‫خمدرة للخصم‪ ،‬تستخدمه للدفاع عن نفسها‪.‬‬
‫وللنملة عيون مركبة تستطيع بواسطتها‬
‫أن ترى األشياء ولكن رؤية ضعيفة بسبب أهنا‬
‫متضي معظم وقتها يف الظالم حتت الرتاب‪.‬‬
‫وال��ع�ين حم��اط��ة ببعض ال��ش��ع�يرات الدقيقة‬
‫حلمايتها‪.‬‬
‫ميكن أن تشكل عدة منالت فقط مستعمرة‪،‬‬
‫وميكن أن تكون املستعمرة مؤلفة من ماليني‬
‫النمالت! ولكن معظم املستعمرة تتألف من‬
‫النمالت العامالت وه��ذه ال ميكنها التزاوج‪،‬‬
‫إمنا تقوم مبعظم العمل مثل مجع الغذاء ورعاية‬
‫الصغار والدفاع عن املستعمرة‪.‬‬
‫وهنالك صورة لقرني االستشعار لدى النملة‬
‫(اهلوائي)‪ ،‬تظهر التعقيد والدقة يف التصميم‬
‫والصنع‪ ،‬مع العلم أن مساكة هذا اهلوائي ال‬
‫ت��ت��ج��اوز أج���زاء قليلة م��ن امل��ئ��ة م��ن امليليمرت‬
‫تستشعر هبما وتتحسس وتتذوق الغذاء‪ ،‬وهذان‬
‫القرنان مها مصدر املعلومات بالنسبة للنملة‬
‫ويكونا يف حالة حركة عندما تكون النملة‬
‫نشيطة‪.‬‬
‫وللنملة قلب على شكل أنبوب يدفع العضالت‬
‫وبالتايل يندفع الدم عديم اللون يف جسمها‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ولديها جهاز للهضم وجهاز للتناسل‪ ،‬وللنملة‬
‫جمموعة أنابيب تدفع اهل��واء خ�لال جسدها‬
‫وهي مبثابة الرئتني للتنفس‪.‬‬
‫التزاوج عند النمل‬
‫إن امللكة هي الوحيدة القادرة على التزاوج‬
‫وهلا أجنحة وهي أكرب من بقية النمالت‪ ،‬وهذه‬
‫امللكة ت��ت��زاوج مع النمل املذكر ذي األجنحة‬
‫أيضاً‪ ،‬حيث تنتج امللكة البيض ومن ثم سيفقس‬
‫ه��ذا البيض لتكون النمل العامل وامللكات‬
‫اجلدد‪ .‬أما الذكور فال يقومون بأي دور سوى‬
‫التزاوج حيث ميوتون مباشرة بعد تلقيح امللكة‪.‬‬
‫تنتج ملكة النمل ع��دداً ضخماً من البيوض‬
‫يقدر باملاليني‪.‬‬
‫وت��رى الباحثة االملانية (كرمير) أن ظهور‬
‫منل (السيوس نيجليكتوس ) يف وسط أوروبا‬
‫وجنوهبا غري طبيعي‪ ،‬معربة عن اعتقادها أن‬
‫جناح هذا النمل يف االنتشار يف أوروبا يعتمد‬
‫بشكل أس��اس��ي على تركيبتها االجتماعية‪،‬‬
‫مضيفة‪  ‬يف هذا السياق قائلة إن‪ ‬هذا النمل ال‬
‫يضطر للخروج إىل منطقة غري منطقته للتزاوج‬
‫بل يقوم هبذه العملية يف أعشاشه يف حني أن‬
‫النمل املستوطن يتزاوج مع منل قرى أخرى‪،‬‬
‫وهذا النمل اجلرار يقوم مبا ميكن أن نسميه‬
‫(زواج احملارم) ما ميكنها من إنتاج الكثري من‬
‫امللكات اجلديدة دون االعتماد على اآلخرين‪،‬‬
‫حسب تعبري الباحثة األملانية‪.‬‬
‫وقال باحثون إن نوعاً من منل األمازون قد‬
‫تطور بشكل ختلى معه عن اجلنس وحتول كله‬
‫إىل جمتمع من اإلناث‪.‬‬
‫ويتكاثر هذا النوع من النمل‪ ،‬املعروف باسم‬
‫(ميكوسيبوروس مسيثي )‪ ،‬من خالل استنساخ‬
‫امللكات إلنتاج إناث متطابقات جينيا‪.‬‬
‫وق���د مت ن��ش��ر نتيجة ه���ذا ال��ب��ح��ث الذي‬
‫أطلق عليه (ع��امل ب��دون جنس) يف صحيفة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫(بروسيدجنس أوف ذي رويال سوساييت بي)‪.‬‬
‫وق��ال��ت آن��ا هيملر الربوفيسور يف جامعة‬
‫أريزونا‪ ،‬واليت قادت فريق البحث‪ ،‬لـ ( بي بي‬
‫سي ) إنه وُجد إن البصمة الوراثية لكل النمل‬
‫متطابقة ومستنسخة من امللكة‪.‬‬
‫تطور نوعي‬
‫وأض��اف��ت ال�بروف��ي��س��ور هيملر ق��ائ��ل��ة إنه‬
‫بدراسة هذه احلشرات وجد أهنا غري قادرة‬
‫على التالقي اجلنسي‪.‬‬
‫وت��اب��ع��ت ت��ق��ول ‪ :‬إن��ه ي��وج��د يف جمتمعات‬
‫احلشرات عدة أن��واع من التكاثر‪ ،‬ولكن هذا‬
‫النوع من النمل تطور بشكل ثوري غري معتاد‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اإلن��اث املنتجات وبالتايل مضاعفة كل جيل‬
‫بنسبة مئة باملئة‪.‬‬
‫غري أن لوران كيلر اخلبري يف احلشرات يقول‬
‫إن التنوع يف عامل احلشرات ينتج أجياالً أقدر‬
‫على مقاومة األمراض‪ ،‬وهو أمر ال حيدث يف‬
‫جتمعات احلشرات املستنسخة فلو كان هناك‬
‫مشكلة يف إحداها فإهنا ستنتقل إىل األخريات‬
‫تلقائيا‪.‬‬

‫وأوض��ح��ت أهن��ا وزم�لاءه��ا ال يعرفون ملاذا‬
‫أصبح هذا النوع أحادي اجلنس مئة يف املئة‪،‬‬
‫وك���م م��ن ال��زم��ن تطلب األم���ر لتحقيق هذا‬
‫التطور‪.‬‬
‫وأش���ارت إىل ان��ه سيتم إج���راء امل��زي��د من‬
‫التجارب اجلينية لتحديد كم تطلب األمر من‬
‫الوقت حلدوث هذا التطور الثوري غري املعتاد‪.‬‬
‫وذكرت أن فريق الباحثني مهتم جداً مبعرفة‬
‫االجتاه الذي يسري فيه البحث‪ ،‬وما ميكن أن‬
‫يسفر عنه‪.‬‬
‫وقالت الربوفيسور هيملر إن هناك ميزة‬
‫للحياة بدون جنس‪ ،‬موضحة أن ذلك يؤدي إىل‬
‫جتنب الكلفة اجلينية إلنتاج الذكور‪ ،‬ومضاعفة‬

‫‪120‬‬

‫تنظيم النمل وتوزيع العمل‬
‫وي��ؤك��د ال��ب��اح��ث��ون األوروب���ي���ون أن النمل‬
‫ي��وزع األعمال‪ ،‬فهناك منالت مهمتها إعطاء‬
‫التعليمات وخماطبة جمتمع النمل وحتذيره‬
‫وإرشاده ماذا يعمل يف احلاالت الطارئة (أشبه‬
‫بعمال الطوارئ)! وهناك لغة واضحة يتخاطب‬
‫بواسطتها جمتمع النمل‪.‬‬
‫يعترب دم���اغ النملة األك�ب�ر ب�ين احلشرات‬
‫قياساً حلجمها‪ ،‬وهو حيوي أكثر من (‪)2500‬‬
‫خلية عصبية يف دماغ النملة ما زالت جمهولة‬
‫م��ن قبل العلماء‪ ،‬وبعض الباحثني يؤكدون‬
‫أن دم��اغ النملة يعمل أفضل من أي كمبيوتر‬
‫يف ال��ع��امل! ه��ذه اخل�لاي��ا العصبية هل��ا مهمة‬
‫إرس�����ال ال��رس��ائ��ل وال���ت���واص���ل والتخاطب‪.‬‬
‫تبني الدراسات أيضاً أن املهمة الوحيدة لذكور‬
‫النمل هي التزاوج مع امللكة‪ ،‬أما مهام الدفاع‬
‫والتحذير وتنظيم املرور وغري ذلك فهي مهمة‬
‫النملة األنثى‪.‬‬
‫تعمل النملة على تنظيف البيئة‪ ،‬وعلى تربية‬
‫صغارها واالعتناء هبم بشكل مذهل‪ ،‬وتعمل‬
‫على ال��دف��اع ع��ن نفسها وع��ن مستعمراهتا‪،‬‬
‫وتقوم بانتقاء األنواع املفيدة من الطعام‪ ،‬ويف‬
‫دراسة جديدة تبني أن النمل ال يأخذ أي طعام‬
‫يصادفه‪ ،‬بل يقوم بتخزين األغذية ويركز على‬
‫األن��واع الدمسة من الطعام ليستفيد منها يف‬
‫الشتاء!‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫كما تبني الدراسات اجلديدة يف علم تشريح‬
‫احلشرات أن النملة تتمتع بغالف صلب وقوي‬
‫حيمي جسدها من األخطار‪ ،‬ولذلك فإن النملة‬
‫عندما تواجه عدواً وهي على شجرة مثالً ترمي‬
‫بنفسها وتطري طرياناً موجهاً وتنزلق انزالقاً على‬
‫النباتات جتنباً لتحطم هذا الغالف الصلب‪،‬‬
‫ألنك عندما تدوس على منلة مثالً فإن غالفها‬
‫اخلارجي يتحطم كما يتحطم الزجاج‪.‬‬
‫ووج��د العلماء أن جمتمع النمل يستجيب‬
‫ألي نداء يوجه إليه من النملة اليت حتذر من‬
‫األخ��ط��ار‪ ،‬لدرجة أن النمل يليب ال��ن��داء على‬
‫الفور‪.‬‬
‫ولدى النمل وسائل وخطط عسكرية للدفاع‬
‫عن نفسها‪ ،‬فلديها درجة من األمن حيث تطلق‬
‫اإلنذارات لدى اإلحساس بأدنى خطر‪.‬‬
‫قام العلماء مبراقبة النمالت وهي تعمل‪،‬‬
‫وذلك بعد أن قاموا بوضع عالمة مميزة لكل‬
‫منلة‪ ،‬فوجدوا أن النمل يقسم نفسه إىل فرق‪،‬‬
‫كل طائفة تقوم بعمل حمدد لعدة أسابيع‪ ،‬أي‬
‫أن النملة اليت تقوم بإنذار النمالت لدى وجود‬
‫خطر هي ذاهتا‪ ،‬والنمالت اليت تعتين باألطفال‬
‫الصغار هي ذاهتا‪ ،‬والنمالت اليت تتوىل مهمة‬
‫ال��دف��اع عن املستعمرة هي ذاهت��ا‪ ،‬ولكن بعد‬
‫عدة أسابيع تتبادل املهمات لتكتسب كل منها‬
‫مهارات جديدة‪.‬‬
‫واآلن هذا ما يقوله العلم عن النمل‪ ،‬إنه أكثر‬
‫من جمرد أن منلة تتكلم‪ ،‬فالنمل يقوم بالزرع‬
‫وحراثة األرض‪ ،‬ويقوم برتبية ورعاية األطفال‪،‬‬
‫ك��ذل��ك التعليم حيث ت��ق��وم ال��ن��م�لات بتعليم‬
‫صغارها كل شيء تقريباً‪ ،‬لدى النمل وسائل‬
‫للتحكم بدرجة حرارة املسكن‪ ،‬وبالتايل حتافظ‬
‫على درجة حرارة مناسبة هلا ولصغارها‪.‬‬
‫كذلك لدى جمتمع النمل ختصصات للعمل‪،‬‬
‫فكل جمموعة تقوم بعمل حمدد‪ ،‬تقوم بأعمال‬
‫بناء كالبشر‪ ،‬كذلك يعترب النمل مهندساً بارعاً‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫يف البناء‪ .‬وكذلك لديها تقنيات للحفاظ على‬
‫الطعام وختزينه وفق أفضل الشروط والشيء‬
‫امل��ه��م أن النمل ي��ق��وم بعمله طواعية وليس‬
‫مكرهاً‪.‬‬
‫ولذلك فإن القرآن عندما حتدث عن لغة‬
‫للنمل تتخاطب هب��ا‪ ،‬ف��ه��ذا متفق م��ع العلم‬
‫احلديث‪ ،‬وعندما حتدث عن معجزة لنيب كريم‬
‫هو سيدنا سليمان الذي كان يفهم لغة النمل‪،‬‬
‫فهذا ممكن علمياً‪ ،‬ألن العلماء أثبتوا أن النمل‬
‫يصدر م��واد كيميائية يتخاطب هب��ا‪ ،‬ويصدر‬
‫ترددات كهرطيسية يتواصل مع بقية النمل ‪.‬‬
‫ختطيط طرق مملكة النمل‬
‫قام العلماء هبذه التجربة الفريدة ملشاهدة‬
‫شكل مملكة النمل فتم صب كمية هائلة من‬
‫اإلمسنت يف جحر النمل استغرقت العملية‬
‫ثالثة أيام متواصلة وكمية اإلمسنت املسكوب‬
‫وصلت إىل عشرة أطنان ثم استغرقت عملية‬
‫احلفر أسابيع للكشف عن شكل هذه اململكة‬
‫ومب��س��اع��دة اآلالت مت اس��ت��خ��راج أط��ن��ان من‬
‫الرمل‪ ،‬وأخرياً وصلوا إىل هيكل اململكة فوجدوا‬
‫طرقاً رئيسية وأخرى فرعية تربط بني مزارع‬
‫النمل من الفطر وحيواناهتم األليفة‪ ،‬وهناك‬
‫أنفاق للتهوية وطرق قصرية للنقل وكأهنا من‬
‫تصميم مهندس معماري وتعرب مملكة النمل‬
‫منظمة خارقة وهذا البناء يغطي ‪ 50‬كم بعمق‬
‫‪ 8‬أمتار لبناء هذه اململكة مت نقل ‪ 40‬طناً من‬
‫ال�تراب واجلهد امل��ب��ذول لذلك ي��وازي اجلهد‬
‫املبذول لبناء سور الصني ‪.‬‬
‫النملة تشم بأرجلها‬
‫نعم ‪ ..‬يؤكد بعض علماء احلشرات أن النملة‬
‫تستطيع أن هتتدي بأرجلها إىل رائحة املكان‬
‫الذي سبق أن قصدته وتستطيع أيضاً أن تتبني‬
‫الروائح مبفاصل قروهنا‪ ،‬ولكن إقامة الدليل‬

‫‪121‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫على هذه املسألة حيتاج مشاهدة دقيقة ‪.‬‬
‫النمل والبيئة‬
‫إن ال��ن��م��ل ض����روري ج����داً ل��ل��ح��ف��اظ على‬
‫البيئة‪ ،‬فهي ت��أك��ل احل��ش��رات وتقلّب الرتبة‬
‫فيدخل اهل��واء إليها‪ ،‬وهي غ��ذاء مهم للعديد‬
‫من احلشرات‪ ،‬وتلقح الزهور أحياناً‪ ،‬وحترك‬
‫امل��ادة العضوية يف ال�ترب��ة‪ ،‬وتعترب النملة من‬
‫أه��م احل��ش��رات املفرتسة للحشرات األخرى‬
‫وبالتايل حت��دث ت��وازن �اً يف ع��امل احلشرات‪.‬‬
‫صورة لرجل منلة تُظهر هذه األرجل بأشعار‬
‫صغرية لدفع الضرر عن النملة‪ ،‬ومساعدهتا‬
‫على املشي بكافة االجت��اه��ات والتسلق وغري‬
‫ذل���ك‪ .‬وللنملة ستة أرج���ل تنتهي مبخالب‪،‬‬
‫وتستعمل للمشي ولتنظيف اجلسم واهلوائيات‬
‫ومعاجلة الغذاء ‪.‬‬
‫فقد وجد العلماء نوعاً من أنواع النمل يعيش‬
‫دائماً يف شجرة حمددة هي شجرة اخلرنوب‪،‬‬
‫والعجيب أن الغذاء الذي حيبه هذا النوع من‬
‫النمل تفرزه الشجرة من خالل فتحات خاصة‬
‫على شكل حملول سكري‪ ،‬يتغذى عليه النمل‪،‬‬
‫بل إن النمل يتغذى على أوراق هذه الشجرة ألنه‬
‫صغري ومناسب لصغارها‪ ،‬ولكن ماذا تستفيد‬
‫الشجرة من ذل��ك‪ ،‬وج��د العلماء بعد مراقبة‬
‫طويلة أن الذي يهلك هذه الشجرة هو بعض أنواع‬
‫احلشرات الضارة‪ ،‬ولكن النمل قد زُود جبهاز‬
‫معقد يقوم بلسع احلشرات اآلتية إىل الشجرة‬
‫وحيميها من التآكل بفعل هذه احلشرات الضارة‪.‬‬
‫عمر النمل وأعداده‬
‫إن النمل ه��و احل��ش��رة األك��ث��ر ع���دداً بني‬
‫احل��ش��رات االجتماعية‪ ،‬ففي أي حلظة من‬
‫اللحظات ي��وج��د م��ا ال يقل ع��ن واح���د وإىل‬
‫ميينه ‪ 15‬صفراً من النمل احلي على األرض ‪.‬‬
‫على مدى عشر سنني‪ ،‬انكبّ (لوران كيلّـري )‪،‬‬

‫‪122‬‬

‫املتخصص يف عِـلم البيولوجيا‪ ،‬على إجراء‬
‫أحب���اث ح��ول ت��ص�رّف��ات النّـمل‪ .‬وم��ن خالل‬
‫التعمّـق يف دراسة ملكة النّـمل‪ ،‬اليت يُـمكن أن‬
‫تظل على قيد احلياة على مدى ‪ 30‬عاماً‪.‬‬
‫وإن عدد النمل يفوق اإلنسان بنسبة كبرية‬
‫كما أنه أكرب املخلوقات عدداً على وجه األرض‬
‫وميثل ‪ % 20‬من الكائنات احلية من حيث العدد‬
‫وإن حاسة الشم لديها تفوق حاسة الشم لدى‬
‫اإلنسان ‪ 60‬مرة‪ ،‬كما أن النمل احلاصد حيمل‬
‫‪ 52‬ضعف وزنة وهو ماال يطيقه اإلنسان ‪.‬‬
‫مت ّكـن فريق العلماء بقيادة ( كيلّـري) يف‬
‫(جامعة ل��وزان ) من تعلّـم دروس قيِّـمة تُـتيح‬
‫للبشر أيضاً إمكانية البقاء طويالً على قيد‬
‫احلياة ويف صحّـة جيِّـدة (‪.)3‬‬
‫ويوجد منلة كبرية تسمى ملكة النار‪ ،‬وتعيش‬
‫ملكة منلة ال��ن��ار سبع س��ن��وات بينما تعيش‬
‫النمالت العامالت حبدود من (‪ )50‬إىل ( ‪)150‬‬
‫يوماً فقط‪ .‬هنالك مستعمرات تبلغ مساحتها‬
‫أكثر من ( ‪ ) 2.7‬كيلو مرت مربع‪ ،‬وحتتوي على‬
‫أكثر من مليون ملكة‪ ،‬وأكثر م��ن(‪ )300‬مليون‬
‫عاملة‪ ،‬تعيش يف أكثر من (‪ ) 45‬أل��ف عش‪،‬‬
‫وقد اكتُشفت هذه املستعمرة يف اليابان عام‬
‫(‪ .)2002‬وتقوم ملكة منلة النار بإنتاج البيوض‪،‬‬
‫وتضع ه��ذه امللكة ( ‪ )100‬بيضة يف الساعة‬
‫الواحدة باستمرار‪ ،‬وتنتج ماليني البيوض‪.‬‬
‫أعشاش النمل‬
‫يبين النمل أعشاشه عادة حتت الرتاب على‬
‫عمق ‪ 10‬أم��ت��ار‪ ،‬حيث تكون درج��ة احلرارة‬
‫مناسبة له طيلة أيام السنة‪ ،‬ولدى النمل ذكاء‬
‫ك��اف لصيانة منزله م��ن األع��ش��اب الضارة‬
‫وبقايا الطعام‪ ،‬وترتيب املنزل بشكل جيد‪.‬‬
‫إن النمل بنّاء ماهر وذك��ي ج��داً‪ ،‬رف��ع مدخل‬
‫العش ف��وق مستوى سطح األرض خوفاً من‬
‫األمطار واملياه‪ ،‬مع العلم أن العش حتت سطح‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الرتاب ولكن الذي يظهر يف الصورة هو مدخل‬
‫العش فقط!‬
‫النملة تتعلم الزراعة‬
‫يقول العلماء حسب آخر األحباث إن النملة‬
‫تنشأ ال تعلم شيئاً ثم تتعلم مجيع املهام الواجب‬
‫القيام هبا وفق برنامج شديد التعقيد يهديها‬
‫إىل الطريق الصحيح‪.‬‬
‫وقال أحد الباحثني يف عامل النمل يف إحدى‬
‫املرات رأيت يف أرض غري مزروعة مرتاً مربعاً‬
‫مزروعاً بالقمح فاستغربت وصار يراقب املرت‬
‫املربع من القمح ألشهر طويلة فرأى أن النمل‬
‫هو من زرع هذا املرت كي يكون هلم خمزون من‬
‫الطعام‪ ،‬معنى الكالم أن النمل يزرع‪ ،‬وتبني أن‬
‫النمل يشرب املاء أيضاً ‪.‬‬
‫عجائب النمل‬
‫ومن عجائب ما رآه العلماء أن بعض أنواع‬
‫النمل تعيش مع عبيد هلا‪ ،‬جتربهم على مجع‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫العلف ال�لازم للغذاء‪ ،‬وتأكل معاً‪ ،‬ولكن هذه‬
‫النمالت حريصة على إطعام (العبيد) ولكن‬
‫إذا غابت هذه العبيد أو أصاهبا مكروه متتنع‬
‫النمالت عن األكل حتى ولو كان الغذاء موجوداً‬
‫وتستمر كذلك حتى يعود العبيد أو أهنا متوت‬
‫جوعاً ‪.‬‬
‫ت��ق��وم النملة هبضم ال��ط��ع��ام بعد حتويله‬
‫للحالة السائلة‪ ،‬حيث ختلطه بعصائر هاضمة‬
‫باستخدام لساهنا‪ ،‬وهنالك آلية متنع دخول‬
‫اجل��زي��ئ��ات الصلبة م��ن ال��غ��ذاء إىل املنطقة‬
‫اهلضمية‪.‬‬
‫ولكن االكتشاف اجلديد الذي قدمه الدكتور‬
‫‪ Bill Hughes‬لألكادميية الوطنية للعلوم يؤكد‬
‫أن جمتمع النمل وعلى الرغم من النظام الفائق‬
‫‪ ..‬إال أنه يتمتع باخلداع والفساد واالحتيال‬
‫واحلسد‪ ،‬وقد وجد بعد دراس��ة مطولة لعدة‬
‫مستعمرات للنمل أن جمتمعه يشبه إىل حد‬
‫كبري جمتمع البشر يف كل ش��يء تقريباً‪!! ..‬‬
‫ففي جمتمع النمل هناك أنظمة للبناء والرعاية‬

‫‪123‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وتربية صغار النمل ونظام للمرور ونظام للدفاع‬
‫عن املستعمرة‪ ،‬ونظام للتخاطب وغري ذلك‪.‬‬
‫وبنفس الوقت هناك نوع من الغش واخلداع‬
‫متارسه بعض النمالت لكسب الرزق واحلصول‬
‫على املزيد من الطعام ‪.‬‬
‫وهناك مشاكل وقتال بني النمل يف سبيل‬
‫احل��ص��ول على غ���ذاء م��ا ‪..‬إن ه��ذه امليزات‬
‫موجودة يف اجملتمع البشري‪ ،‬حيث نرى أنظمة‬
‫للبناء والتعاون‪ ،‬وبنفس الوقت الغش واخلداع‬
‫واحلسد والقتل منتشر ومتفش لدى جمتمعه ‪.‬‬
‫فعلماء الغرب‪ ،‬وبعد آالف التجارب وأكثر من‬
‫مئة سنة من الدراسات واألحباث يف عامل النمل‪،‬‬
‫يقولون باحلرف الواحد‪ :‬إن جمتمع النمل هو‬
‫نسخة طبق األص��ل عن اجملتمع اإلنساني ‪.‬‬
‫النمل والكيمياء‬
‫النملة الصغرية السوداء تفرز مادة كيميائية‬
‫ع��ل��ى ش��ك��ل رغ���وة تظهر يف ال���ص���ورة‪ ،‬تضع‬
‫ه��ذه امل��ادة السامة على رأس النملة الكبرية‬
‫احلمراء‪،‬وتقضي عليها هب��ذه الطريقة ‪..‬إن‬
‫النمل يستخدم هذه التقنية منذ مئات املاليني‬
‫من السنني‪ ،‬ولكن البشر مل يستخدموها يف‬

‫‪124‬‬

‫احلروب إال منذ مئة سنة‪.‬‬
‫وتتكون قرية النمل من امللكة ووظيفتها إنتاج‬
‫البيض واإلن��اث العقيمات ووظائفها إحضار‬
‫الطعام وتنظيف مساكن النمل ومحايتها من‬
‫املخاطر‪ ،‬أما الذكور ما إن تتم عملية التلقيح‬
‫يتم التخلص منها بقتلها ألن��ه ال مكان لغري‬
‫املنتج فلو بقيت ستكون عبئا ثقيال على جمتمع‬
‫النمل ألهنا مستهلكة وغري منتجة ‪.‬‬
‫ومن طرائف النمل أنه يرسل إشارات جبمع‬
‫بيوض حشرة ما يسمى ببق النبات ويدخلها‬
‫مسكناً خاصاً ويتم العناية هبا لتفقس‪ ،‬وتصبح‬
‫فيما بعد حتت مسمى بقر النمل إذ يستخرج‬
‫منها م��ادة حلوة (حيلبها) يطلق عليها عسل‬
‫النمل وهذه اخلنافس الصغرية بق النبات تفقد‬
‫بصرها نظراً لوجودها فرتات طويلة يف مكان‬
‫مظلم ومن هنا تتم العناية هبا من قبل النمل ‪.‬‬
‫ولدى النمل أيضاً القدرة للتخلص من أفراده‬
‫امليتة بإخراجها خارج املساكن أما يف الشتاء‬
‫حيث ال خروج للنمل فان له مكان خمصص يف‬
‫مساكنه يقوم بدفن امليت من أفراده مبا يشبه‬
‫اجلبانة لدى البشر ‪.‬‬
‫أن هناك نوع من النمل كيميائي متخصص‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ميضغ اخلشب وي��ق��وم بتحويله إىل ن��وع من‬
‫الكرتون ثم يبين من هذا الكرتون طراز هندسي‬
‫عجيب‪.‬‬
‫اجتهاد النمل وتفانيه بالعمل‬
‫إن التفاني والتضحية من أجل اآلخرين من‬
‫صفات النمل حيث إن الذكر ال��ذي خيصب‬
‫امللكة مي��وت بعد عملية التخصيب مباشرة‬
‫وهي العملية اليت البد أن تتم يف وقت الضحى‬
‫حيث يكون اجلو صافياً ومعتدالً جداً‪ ،‬وعلى‬
‫اجلانب اآلخر فإن امللكة بعد عملية اإلخصاب‬
‫تظل حمبوسة يف مكان خاص هبا ملدة شهرين‪،‬‬
‫وإن النملة هي أفضل من ميارس إنكار الذات‬
‫ففي حالة تعرض النمل هلجوم من اخلارج‬
‫يتصدى له العساكر والشغاالت وال يفكرون يف‬
‫أنفسهم متاماً حتى لو ماتوا‪ ،‬املهم لديهم أن‬
‫حيموا من خلفهم ‪.‬‬
‫وإن النمل يقضي معظم حياته يف العمل‬
‫واجلد واالجتهاد حيث إن النملة تنام ‪ 9‬دقائق‬
‫فقط ‪.‬‬
‫وإن النملة ال تيأس على اإلط�لاق وال متل‬
‫وال تكتئب‪ ،‬كما أن هلا قدرة كبرية على تسخري‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ال��ع��دي��د م��ن املخلوقات لصاحلها تصل إىل‬
‫‪ 2000‬خملوق‪ .‬هل تعلم أن هناك نوعاً من‬
‫النمل ميارس الزراعة فيزرع نبات عش الغراب‬
‫وجي��ل��ب ل��ه ال��س��م��اد م��ن األوراق املتعفنة ثم‬
‫حيصده عند نضجه وخيزنه يف خمازنه‪.‬‬
‫كما يوجد هناك نوع آخر من النمل احملارب‬
‫املقاتل الذي يهجم فبجيوشه مثل التتار على‬
‫هذه القصور فيقتل من يغزوه بعد قتله احلراس‬
‫ويستويل على خمازن الطعام والتموين وينقل‬
‫البيض ويتعهده يف بيته حتى يفقس وخيرج‬
‫النمل الصغري فيجعل منه خدماً وعبيداً يف‬
‫مملكته‪.‬‬
‫النمل يكره الكذب‬
‫إن العامل النمساوي (ل��وران��س) ظل يتابع‬
‫النمل (‪ )40‬سنة‪ ،‬ويف إحدى املرات قام بوضع‬
‫قطعة من السكر فأتت منلة و قامت بالدوران‬
‫حوهلا ثم ذهبت لتأتي مبجموعة من النمل‪،‬‬
‫فقام العامل برفع قطعة السكر وعند وصوهلا‬
‫معهم مل جي��دوا شيئاً فرجعت اجملموعة ثم‬
‫وضع العامل قطعة السكر من جديد أتت النملة‬
‫نفسها وذهبت لتأتي باجملموعة‪ ،‬فقام العامل‬

‫‪125‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫برفع قطعة السكر كرر هذه العملية ‪ 3‬مرات‪،‬‬
‫يف املرة األخرية قامت جمموعة النمل بااللتفاف‬
‫حول هذه النملة وتقطيعها جزاءً على كذهبا‪.‬‬
‫اهلندسة واحلساب لدى النمل‬
‫لنأتي إىل وادي النمل ذاك النفق الذي‬
‫يصنعه النمل حيوي مساكن النمل وميكن أن‬
‫يتكون من عشرين طابقا حتت األرض قال أحد‬
‫العلماء إن هناك منالً ينقل ما يعادل أربعني‬
‫طناً من األتربة لبناء واديه مبخطط تنظيمي‬
‫رائع ‪.‬‬
‫جسر حي من النمل‪ ،‬حيث تقوم النمالت‬
‫بطريقة هندسية تشبه تلك الطريقة اليت‬
‫نصمم هبا اجلسور‪ ،‬يقومون جبميع احلسابات‬
‫الضرورية ويقيمون جسراً تعرب عليه النمالت‬
‫األخريات‪ ،‬وهذه التقنية معقدة جداً‪.‬‬
‫و يقوم النمل خالل فرتات دفء اجلو جبمع‬
‫الطعام بدون كلل أو ملل وكذلك جيمع أوراق‬
‫النبات ومن ثم يقوم بتقسيم البذور إىل قسمني‬
‫حتى ال تنبت‪ ،‬وللعلم إن ب��ذرة الكزبرا لو مت‬
‫قسمها قسمني فإهنا تنبت‪ ،‬وم��ن هنا يقوم‬
‫النمل بقسمها إىل أربعة أقسام وهذا ما أذهل‬
‫العلماء‪.‬‬
‫أما أوراق النبات يف فصل الشتاء فيستفيدون‬
‫منها عندما تتحلل فينتج عن ذلك حرارة من‬
‫حتللها فرتتفع درجة حرارة مساكنه ‪.‬‬
‫وإىل ه��ذه الصور من حياة النمل ال�تي ال‬
‫تقل أمهية عن حياة البشر‪ ،‬لننظر ونتأمل‬
‫ونقرأ عن معركة حامية الوطيس بني منلتني‬
‫تُستخدم فيها أدوات ح��ادة ج��داً هي الفك‪،‬‬
‫وي���ق���ول اخل��ب��راء يف ع���امل ال��ن��م��ل إن لديها‬
‫اسرتاتيجيات يف القتال رمبا يتفوق هبا على‬
‫عامل البشر‪ ،‬أو على األقل يشبه عامل البشر‬
‫كما تبني للعلماء أن لديهم حرباً كيميائية كالبشر‬
‫فالنملة الصغرية السوداء تفرز مادة كيميائية‬

‫‪126‬‬

‫على شكل رغوة تظهر يف الصورة‪ ،‬تضع هذه‬
‫املادة السامة على رأس النملة الكبرية احلمراء‪،‬‬
‫وتقضي عليها هبذه الطريقة‪ .‬إن النمل يستخدم‬
‫هذه التقنية منذ ماليني السنني‪ ،‬ولكن البشر‬
‫مل يستخدموها يف احلروب إال منذ مئة سنة ‪.‬‬
‫معركة بني منلتني‪ ،‬تستخدم فيها كل منلة‬
‫فكيها بطريقة فنية‪ ،‬وأثناء هذه املعركة متكنت‬
‫أجهزة تسجيل العلماء رصد أص��وات عنيفة‬
‫تشبه أصوات التحطم اليت نسمعها يف املعارك‬
‫بني البشر ‪.‬‬
‫وأن هناك نوعاً من النمل اإلفريقي يبين‬
‫بيوتاً تشبه املسالت ثم حيقق هلا نوعاً من‬
‫التكييف فيفتح نوافذ سفلية إلدخ��ال اهلواء‬
‫البارد ونوافذ علوية إلخ��راج اهل��واء الساخن‪،‬‬
‫ويعيش ه��ذا ال��ن��وع م��ن النمل ح��ي��اة طبقية‬
‫عجيبة فنجد فيه امللكة واألم�يرات والضباط‬
‫ولكل منها مساكنه اخلاصة وباقي اخللية من‬
‫العمال تشتغل بلقمتها‪.‬‬
‫احملسوبية عند النمل‬
‫دراسة حديثة تكشف عن وجود احملسوبية‬
‫االج��ت��م��اع��ي��ة ح��ت��ى يف مستعمرات‪  ‬النمل‬
‫أجراها علماء فنلنديون يف (جامعة هلسنكي)‬
‫بعد دراسة ملستعمرات النمل من نوع (فسكا‬
‫ألفورميكا‪ )  Formica fusca   ‬أنه ليس‬
‫ك ّل أنواع النّمل حيافظ على صورة ‪ ‬العامالت‬
‫اجملتهدات ‪ ‬املؤمنات ‪ ‬باملساواة و املصلحة‬
‫العامة ‪ -‬فإن البعض منها عُرف باحملسوبيّة و‬
‫احملاباة‪  .‬فبدالً من ممارسة أفضل االهتمامات‬
‫ألج��ل مصاحل مستعمرهتا ف��إن العامالت يف‬
‫بعض أن���واع‪  ‬النمل ‪ ‬تتحرك وف��ق مصاحلها‬
‫اخلاصة‪.‬‬
‫و ه��ي ق���ادرة‪  ‬أي��ض�اً على اكتشاف نوعية‬
‫العالقات بني أف��راد املستعمرة و استغالهلا‪ ‬‬
‫ألغراضها األنانية البحت ًة‪ ،‬أكد ذلك ( ليسيلوت‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫سندسرتوم‪) Liselotte Sundstrom  ‬‬
‫الباحث يف اجلامعة املذكورة ‪.‬‬
‫حتى قبيل هذا البحث كان العلماء يظنون‬
‫أن تعاون اجملتمعات احلشرية مثالياً و أن عمال‬
‫مستعمرات النمل‪ ‬معروفة‪ ‬بتعاوهنا معاً من أجل‬
‫مصلحة جمتمعاهتا العليا ‪ . ‬إىل أن هذا الكشف‬
‫أكد أن لكل قاعدة شذوذها‪.‬‬
‫خالصة الكشف أن‪  ‬ع��ام�لات ه��ذا النوع‬
‫من النمل تراعي أقارهبا يف رعاية‪  ‬بيوضها‬
‫ويرقاهتا‪ ‬على حساب بيوض و يرقات اآلخرين‬
‫مستغالت قدرهتن على التمييز بينهما‪.‬‬
‫احلسد عن النمل‬
‫طاملا نظرنا إىل عامل النمل على أنه عامل‬
‫ميثل النظام وال��ت��ع��اون وال��ب��ن��اء‪ ،‬وأن جمتمع‬
‫النمل هو جمتمع مثايل وه��ذا ما مييزه عن‬
‫جمتمع البشر املليء باحلقد والفساد واملشاكل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫والفوضى ‪.‬‬
‫ولكن االكتشاف اجلديد الذي قدمه الدكتور‬
‫(‪ )Bill Hughes‬لألكادميية الوطنية للعلوم‪،‬‬
‫يؤكد أن جمتمع النمل وعلى الرغم من النظام‬
‫الفائق إال أنه يتمتع باخلداع والفساد واالحتيال‬
‫واحلسد!! وقد وجد بعد دراسة مطولة لعدة‬
‫مستعمرات للنمل أن جمتمع النمل يشبه إىل‬
‫حد كبري جمتمع البشر يف كل ش��يء تقريباً!‬
‫دراس������������ة ع���ل���م���ي���ة ت�����ؤك�����د أن ال���ن���م���ل‬
‫ي��س��ت��ن��س��خ ن��ف��س��ه ب�����دون احل���اج���ة للجنس‬
‫ففي حوض األمازون وُجد أن النمل قد استغنى‬
‫عن اجلنس وتطور إىل نوع واح��د من اإلناث‬
‫ه��ذا م��ا وج��ده الباحثون‪ ،‬ف��إن النمل يتكاثر‬
‫عن طريق االستنساخ‪ ،‬فنسخة امللكة وراثياً‬
‫مطابقة يف محضها النووي مع بناهتا‪ ،‬وهذا‬
‫النوع ألول م��رة يعرض لنا طريقة استنساخ‬
‫متاماً دون ممارسة اجلنس كما ورد يف جملة‬

‫‪127‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اجلمعية امللكية‪ ،‬والعاملة ‪Anna Himler‬‬
‫جبامعة أريزونا واليت قادت فريق البحث قالت‬
‫بأن الفريق يستخدم جمموعة من االختبارات‬
‫للتحقق من النتائج اليت توصلوا إليها‪ ،‬فقد مت‬
‫أخذ بصمات للحمض النووي من أنواع النمل‬
‫ووج��دوا هلم مجيعاً صفات مستنسخة متاماً‬
‫من امللكة يف املستعمرة‪.‬‬
‫وعند تشريح اإلناث وجدوا أهنن غري قادرات‬
‫على التزاوج‪ ،‬وتطور النمل بطريقة غري عادية‬
‫لالستنساخ‪ ،‬ويقول العامل ال نعرف بالضبط‬
‫مل���اذا أصبحت ه��ذه األن����واع ع��دمي��ة اجلنس‬
‫بشكل كامل ومنذ زمن بعيد وكيف تطورت هذه‬
‫الظاهرة‪.‬‬
‫ويشري كذلك إىل أن احلشرات االجتماعية‬

‫‪128‬‬

‫مثل النمل‪ ،‬قد تكون هذه الظاهرة مناسبة ألنه‬
‫يتيح للمملكة السيطرة على الطائفة واجلنس‬
‫من كل ذرية يف املستعمرة‪ ،‬وقال املزيد من العمل‬
‫الذي يتعني علينا القيام به يف هذا النظام وإننا‬
‫متحمسون لدراسة هذه الظاهرة الغريبة أكثر‪.‬‬
‫باحثون ينجزون أول قاعدة بيانات‬
‫شاملة عن النمل‬
‫أهنى فريق من خرباء تكنولوجيا املعلومات‬
‫وعلوم احلياة وضع أول قاعدة بيانات متكاملة‬
‫عن مجيع أنواع النمل يف ما يعد أوسع وأمشل‬
‫سجل مركزي علمي مدعم بالصور واملقاالت‬
‫ودراس������ة ه����ذه احل���ش���رات ال��ت�ي ت��ع��ي��ش يف‬
‫مستعمرات منظمة‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫فمن اآلن وص��اع��داً يستطيع الباحث أو‬
‫املستخدم العادي لإلنرتنت أن يذهب إىل املوقع‬
‫( انتباس اورج ) ليدرس مجيع أنواع النمل مبا‬
‫فيها منل السجاد والنمل األبيض أو أي نوع‬
‫آخر من أنواع النمل الـ (‪ )11‬ألفا‪ .‬وأشار علماء‬
‫إىل أن قاعدة البيانات هذه تعد املصدر الوحيد‬
‫للعلماء واخلرباء والباحثني يف علم النمل‪.‬‬
‫وقال ( دون��ات أغوسيت ) الباحث مبتحف‬
‫التاريخ الطبيعي يف نيويورك إن هذه القاعدة‬
‫جيري حتديثها أوال بأول‪ ،‬موضحاً أن معدي‬
‫ه��ذه ال��ق��اع��دة أص���روا على العمل باملشروع‬
‫ألهن���م الح���ظ���وا أن االك��ت��ش��اف��ات اجلديدة‬
‫اخل��اص��ة بعامل النمل مبعثرة يف مطبوعات‬
‫علمية دون أن يكون هلا سجل مركزي موحد‪.‬‬
‫وأضاف أن قاعدة البيانات اليت أعدها املتحف‬
‫بالتعاون مع جامعة والي��ة أوه��اي��و األمريكية‬
‫ومعهد ( انت اميجى داتاباس ) باليابان تشمل‬
‫قائمة كاملة جبميع أن��واع النمل املعروف يف‬
‫ال��ع��امل فضالً ع��ن رواب���ط مل��ق��االت ودراس���ات‬
‫وصور‪.‬‬
‫وقد حظي املشروع بإشادة العلماء الذين‬
‫قالوا إنه سيساعد الدراسات العلمية والبيئية‪.‬‬
‫وق����ال ال��ب��اح��ث مب��ع��ه��د (مس��ي��ث��س��ون��ي��ان) يف‬
‫واشنطن (تيد شولتز) إن العلماء رك��زوا على‬
‫وض��ع ق��اع��دة بيانات للنمل ألن النمل ميثل‬
‫مؤشراً جيداً للكائنات احلية‪ ،‬فيمكن خلرباء‬
‫البيئة املقارنة بني أع��داد وأن���واع النمل اليت‬
‫يعثرون عليها يف منطقة البحث والقائمة‬
‫املنشورة يف قاعدة البيانات عن أعداد النمل يف‬
‫تلك املنطقة لتحديد ما إذا كانت البيئة احليوية‬
‫متوازنة بشكل عام وأنه يوجد فيها خلل ما‪.‬‬
‫سلبيات النمل وأضرار اقتصادية‬
‫باملاليني‬
‫كشفت دراسة جديدة عن انتشار نوع جديد‬
‫م��ن النمل يف أورب���ا يهدد ليس فقط النمل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫املستوطن بل أيضاً خبسائر اقتصادية كبرية‪،‬‬
‫مشرية إىل وج��ود نوع من النظام االجتماعي‬
‫ال��ذي ميكن هذا النوع من النمل من التكاثر‬
‫بسرعة مثل الزواج من األقارب‪.‬‬
‫أش���ار علماء أمل���ان يف دراس���ة ج��دي��دة إىل‬
‫انتشار فصيلة جديدة من النمل بشكل واسع‬
‫وسريع يف أوروبا‪ .‬وأكدت الربوفيسور ( سيلفيا‬
‫كرمير)‪ ،‬من جامعة (رجينسبورج ) األملانية‬
‫يف حبث تنشره جملة (بلوس ون) األمريكية‬
‫خماوف الباحثني من أن يهاجم هذا النوع من‬
‫النمل الكثري من احلدائق واملنتزهات يف أملانيا‬
‫وبريطانيا وال���دول االسكندينافية ويتسبب‬
‫بأضرار مادية وبيئية واسعة هناك‪.‬‬
‫وقامت الباحثة (كرمير) بالتعاون مع زمالئها‬
‫يف كشف أسباب جناح هذا النمل يف التكيف‬
‫مع بيئات جديدة ما ساعدها على االنتشار يف‬
‫مناطق جديدة‪ .‬وكان أول اكتشاف هلذا النوع‬
‫من النمل الذي يطلق عليه املتخصصون اسم‬
‫(السيوس نيجليكتوس ) يف اجملر عام ‪،1990‬‬
‫وال��ذي زحف إىل العديد من البلدان األخرى‬
‫ووصل على سبيل املثال إىل باريس و وارسو‬
‫وأكثر من مئة مكان يف بالد أوروبية أخرى‪.‬‬
‫وعثر على هذا النمل ألول مرة يف أملانيا‬
‫قبل سبع سنوات وكان ذلك شرق أملانيا‪ .‬وأشار‬
‫الباحثون إىل أن انتشار هذا النوع من النمل‬
‫العمالق مت على سبيل املثال عن طريق تبادل‬
‫األشجار يف املعارض اخلاصة باحلدائق‪.‬‬
‫وأشارت ( كرمير ) إىل أن هذا النمل يفضل‬
‫العيش يف احلدائق وأنه سرعان ما يطرد أنواع‬
‫النمل األخرى منها‪ ،‬كما ذكرت أنه يزيح أيضاً‬
‫احلشرات األخرى األصغر‪ ،‬مثل العناكب‪ ،‬من‬
‫املناطق اليت يزحف إليها‪ .‬وقالت إن فصيلة‬
‫من��ل (الس��ي��وس نيجليكتوس ) تشبه النمل‬
‫األسود ولكن حجم النمل العامل أكرب عشرة إىل‬
‫مئة مرة من هذا النمل األسود‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وتشري بعض التقديرات إىل أن اخلسائر اليت‬
‫تسبب فيها النمل األمحر يف الواليات املتحدة‬
‫على سبيل املثال تقدر سنوياً بنحو ‪ 600‬مليون‬
‫ي��ورو بعد أن ك��ان ه��ذا النمل ال يعرف إال يف‬
‫املناطق احلارة فقط‪.‬‬
‫كما أش��ارت الباحثة األملانية إىل أن هناك‬
‫سبباً آخ��ر وراء انتشار ه��ذا النمل‪ ،‬وه��ي أن‬
‫قوافله ال تشتبك مع قرى النمل اجمل��اورة يف‬
‫صراع حول الغذاء بل رمبا تعاونت مع بعضها‬
‫يف جلب ال��غ��ذاء‪ ،‬ف��إذا عثرت منلة من النمل‬
‫املستوطن على غذاء فإهنا تستدعي املساعدة‬
‫من عشها ورمبا مت ذلك عرب طرق طويلة جداً‬
‫أما هذا النمل اجلرار فيستطيع االستعانة بنمل‬
‫أقرب عش (لذا فهي ناجحة للغاية)‪.‬‬
‫كما اكتشف الباحثون أن هذا النمل اجلديد‬
‫يعيش بكثافة أكرب بكثري من النمل العادي يف‬
‫حيز ضيق‪ .‬وقالت (كرمير ) رمبا رأينا ثالث أو‬
‫أربع أو مخس منالت يهرعن جيئة وذهاباً على‬
‫جذع إحدى األشجار‪ ،‬ولكن هذا النمل اجلرار‬
‫حيتشد يف مم��رات واس��ع��ة للنمل ويستطيع‬
‫الشخص العادي متييز هذا النوع اجلديد عن‬
‫طريق هذه املمرات اليت قد يصل عرض الواحد‬
‫منها إىل عشرة أو عشرين سنتيمرتاً ‪.‬‬
‫تقنيات استلهمها اإلنسان واستفاد منها‬
‫واقتبسها من جمتمع النمل‬
‫• نظام املرور عن النمل‪.‬‬
‫درس العلماء ه��ذا اجملتمع احمل�ير لقرون‬
‫واس��ت��ع��ان ب��اجمل��اه��ر وال��وس��ائ��ل واملختربات‬
‫إلج����راء ال��ت��ج��ارب ع��ل��ى ال��ن��م��ل وخ���رج بنتاج‬
‫مذهلة تبني أن النمل جمتمع كامل بكل معنى‬
‫الكلمة‪ ،‬وه��و يتخاطب وي��ق��وم بكل األعمال‬
‫واملهارات وهو يتعلم تقنيات جديدة وغري ذلك‪.‬‬
‫لقد أم��ض��ى ال��ب��اح��ث ‪Graham Currie‬‬
‫سنتني يف دراس��ة ظاهرة تنظيم امل��رور عند‬

‫‪130‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫النمل‪ ،‬وكيف يستطيع جمتمع النمل تنظيم‬
‫حركته لتجنب الفوضى أو اهلالك‪ .‬وقال بعد‬
‫هذه األحباث‪ :‬إن النمل يتفوق على البشر يف‬
‫تنظيم حركة امل��رور لديه‪ ،‬وهو يعمل بكفاءة‬
‫عالية حتى أثناء الزحام‪ .‬بل إن النمل يستطيع‬
‫ال��ت��ح��رك يف جم��م��وع��ات ك��ب�يرة وال��ت��وج��ه إىل‬
‫مساكنه خالل حلظات دون حدوث أي حادث‬
‫أو اصطدام أو خلل‪.‬‬
‫النملة ال�تي تنظم امل��رور هلا طريق خاص‬
‫فيها ط���رق س��ري��ع��ة ‪ freeways‬ال تسلكه‬
‫بقية النمالت وهذا الطريق تستخدمه النملة‬
‫لتوجيه بقية النمالت‪ ،‬وهناك طريق يف الوسط‬
‫تسلكه النمالت احململة ب��ال��غ��ذاء واحلبوب‬
‫واملواد القابلة للتخزين‪ ،‬أما النمالت (الفارغة)‬
‫فلها طريق على اجلوانب (طريق سريعة) ألن‬
‫حركتها تكون أسرع من النمالت احملمَّلة‪ ،‬كل‬
‫هذا حيدث بنظام فائق الدقة بدون أي خلل‬
‫أو خطأ ‪.‬‬
‫اإلنسان يسعى إىل االقتداء بالنمل يف‬
‫طريقته لتنظيم حركة املرور‬
‫أظ��ه��رت دراس����ة علمية أج���راه���ا (معهد‬
‫دريسدن ) للدراسات التكنولوجية قدرة فائقة‬
‫يتميز هبا النمل يف تنظيم حركة املرور‪ ،‬ويبقى‬
‫على العلماء معرفة اللغز الذي يكمن وراء جناح‬
‫النمل يف جتنب االصطدام لتطبيقها على حركة‬
‫مرور السيارات‪.‬‬
‫وأبرزت التجارب العديدة اليت أجريت على‬
‫ه��ذه احلشرات الصغرية‪ ،‬قدرهتا على تسلق‬
‫غصن رفيع صعوداً وهبوطاً يف جمموعة مكونة‬
‫من أكثر من مئة منلة دون أن تصطدم إحداها‬
‫ب��األخ��رى‪ .‬ويسعى الفريق العلمي من خالل‬
‫دراسته حلركة النمل إىل معرفة الطريقة اليت‬
‫يتجنب هبا النمل التصادم‪ ،‬وذل��ك لتطبيقها‬
‫على حركة املرور‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ويف ه��ذا اإلط���ار‪ ،‬أن��ش��أ العلماء (مزرعة‬
‫خاصة للنمل) ‪ ‬فائقة الدقة بكل ما فيها من‬
‫طرق ومعابر‪ ،‬ثم راقبوا األمناط املرورية للنمل‬
‫وأدخلوا املعلومات اليت توصلوا إليها يف برنامج‬
‫على احلاسب اآليل‪ .‬وج��اء يف الدراسة‪ ،‬اليت‬
‫نُشرت يف (جملة نيو ساينتست )‪ ،‬أن (ديرك‬
‫هيلبينغ )‪ ،‬اخلبري يف جم��ال ال��ذك��اء اجلمعي‬
‫مبعهد دريسدن للتكنولوجيا وفريقه‪،‬توصلوا أن‬
‫النمل قام مبد طرق سريعة مبسارين خمتلفي‬
‫احلجم ميتدان بني عش النمل ومادة سكرية‪.‬‬
‫ومل تكن مفاجأة أن املسار األضيق سرعان ما‬
‫أصبح مزدمحاً بالنمل‪ ،‬لكن ما أدهش العلماء‬
‫ه��و أن مج��وع النمل ال��ذاه��ب ح��رص��ت على‬
‫حتويل وجهة النمل اآلتي من االجتاه املعاكس‬
‫إىل مسار آخر‪ ،‬ما أدى جتنب حدوث اختناقات‬
‫مرورية‪.‬‬
‫لغز التقارير املرورية لدى النمل‬
‫ثم طبق الباحثون األملان ما تعلموه من خالل‬
‫دراسة احلشرات‪ ،‬وابتكروا ‪ ‬منوذجاً حاسوبياً‬
‫لشبكات أكثر تعقيدا ملسارات متباينة العرض‬
‫والطول‪ .‬واكتشفوا أن النمل اتبع نفس الطريقة‬
‫يف تنظيم حركة امل���رور‪ ،‬حيث أع��ادت مجوع‬
‫النمل الذاهب توجيه مجوع النمل القادم من‬
‫االجت���اه املعاكس إىل مم��رات أق��ل ازدحاماً‪.‬‬
‫وأحيانا أجرب النمل القادم على اخت��اذ مسار‬
‫أط��ول‪ ،‬بيد أن��ه استطاع ال��وص��ول إىل الغذاء‬
‫بسرعة وفعالية أكرب‪.‬‬
‫‪ ‬ويبقى على العلماء معرفة كيفية تداول‬
‫النمل هل��ذه (التقارير امل��روري��ة) وجن��اح��ه يف‬
‫جتنب أي اصطدام أو خلل‪ .‬ويعرب العلماء‬
‫عن أملهم يف االقتداء بالنمل حينما يتمكنون‬
‫من حل هذا اللغز‪ .‬ورمبا ميكنهم عندئذ من‬
‫تطبيق هذه الوسيلة الفعالة يف تنظيم املرور‬
‫على البشر‪ ،‬فقد يستفيد عندها السائقون من‬

‫‪131‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫البشر الذين يسريون يف اجتاهات متعاكسة‬
‫من تداول املعلومات اخلاصة حبالة الطرق من‬
‫حيث االزدحام من عدمه فيما بينهم‪.‬‬
‫• الطب عند النمل‬
‫ويف م��دي��ن��ة (ف��ي��ي��ن��ا) اك��ت��ش��ف الباحثون‬
‫السويسريون أن منل اخلشب األوروب��ي جيمع‬
‫صمغ األشجار الصنوبرية لتعقيم أعشاشه‬
‫وال���وق���اي���ة م���ن األم������راض‪ ،‬وه���ي أول أن���واع‬
‫احل��ش��رات ال�تي بينت ال��دراس��ات أهن��ا جتمع‬
‫النباتات ألغراض طبية‪.‬‬
‫وأوض����ح ال��ب��اح��ث��ون يف ( ج��ام��ع��ة ل���وزان)‬
‫ب��س��وي��س��را‪ ،‬أن ال��ن��م��ل م���ن ن���وع (فورميكا‬
‫بارالوجوبريس) جيمع حبوب النسغ الصلب‪،‬‬
‫وه��و السائل ال��ذي جي��ري يف أوع��ي��ة النبات‬
‫حامالً املاء والغذاء‪ ،‬من األشجار الصنوبرية‬
‫ال�تي حتيط بأعشاشه‪ ،‬حيث حيتوى العش‬
‫الكبري على ح���وايل ‪ 20‬كيلوغراماً م��ن هذا‬
‫الصمغ‪.‬‬
‫وفسّر هؤالء يف جملة الطبيعة‪ ،‬أن الصمغ‬
‫الصنوبري حيتوى على مواد كيميائية مضادة‬
‫للميكروبات‪ ،‬وحيمى األشجار من اإلصابات‬
‫واإلنتانات اجلرثومية‪.‬‬
‫ووج���د ال��ب��اح��ث��ون ب��ع��د أن ق��ام��وا بإعداد‬
‫أع��ش��اش حت��ت��وي على الصمغ امل��ذك��ور أو ال‬
‫حتتوي عليه‪ ،‬أن األعشاش اخلالية من الصمغ‬
‫تعرضت لنمو الفطريات بنسبة أك�بر بثالث‬
‫م��رات‪ ،‬واحتوت على عدد أعلى من البكترييا‬
‫املسببة لألمراض‪.‬‬
‫وقال اخلرباء إن هذا النمل الذي يستخدم‬
‫النباتات حلماية جمتمعه وأف��راده‪ ،‬يتشابه مع‬
‫النحل الذي جيمع الصمغ أيضاً‪ ،‬ليس إلصالح‬
‫خالياه فقط‪ ،‬بل ألهداف طبية أيضاً‪ ،‬مشريين‬
‫إىل أن الكثري من احليوانات تقبل على ابتالع‬
‫نباتات عالجية‪ ،‬فقرود الشمبانزي مثال تأكل‬
‫نباتات طبية‪ ،‬وتضع بعض الطيور أعشاباً‬

‫‪132‬‬

‫معينة يف أعشاشها‪ ،‬وهكذا فإن تتبع السلوك‬
‫احل��ي��وان��ي ق��د يساعد يف التوصل إىل مواد‬
‫طبيعية طبية ميكن لإلنسان استخدامها‪.‬‬
‫وخيطط فريق لوزان إلجراء عدد من األحباث‬
‫حول آثار الصمغ على حياة النمل‪ ،‬وإذا ما كانت‬
‫احلشرات املوجودة يف أعشاش مصابة جتمع‬
‫كميات أكرب من الصمغ املعقم‪ ،‬والكشف عما‬
‫إذا كان هذا السلوك وقائياً أو عالجياً‪ ،‬الفتني‬
‫إىل أن أعشاش النمل الدافئة واملزدمحة تعترب‬
‫وسطاً مالئماً لظهور األمراض‪ ،‬لذلك طورت‬
‫هذه احلشرات أنظمة صحية عامة ووسائل‬
‫خاصة للوقاية والقضاء على اجلراثيم املؤذية‪.‬‬
‫وعلى الصعيد ذاته‪ ،‬فقد تبني للباحثني أن‬
‫نوعاً من منل املزارع حيمل يف جسمه بكترييا‬
‫تعمل كمضاد حيوي‪ ،‬لقتل الفطريات املؤذية‬
‫والقضاء على العفون الضارة‪.‬‬
‫• نظم مستعمرة النمل وفوائدها على شبكة‬
‫اإلنرتنت‬
‫إذا قمنا مبعاينة مسار النمل ب�ين مركز‬
‫مستعمرته وم��وق��ع امل���ورد ال��غ��ذائ��ي نالحظ‬
‫أن ص��ف احل��ش��رات امل�ت�راص يسلك الطريق‬
‫األق��ص��ر واألس��ه��ل وال حييد قيد أمن��ل��ة عن‬
‫م��س��ار ي��ب��دو حم���دداً وم��ع��روف�اً م��ن ك��ل أفراد‬
‫اجملموعة الساعية إىل مصدر الغذاء ومنه إىل‬
‫اخللية‪ .‬ومن املؤكد أن هذه املعرفة هي غريزية‬
‫حسية وترتبط هب��رم��ون خ��اص ي��ف��رزه النمل‬
‫الكشاف بعد جوالت االستكشاف يف مسارات‬
‫عدة خيتار أسهلها وأقصرها فينشر هرمون‬
‫يدعى (الفريمون) ليشكل الدليل وليوجه بقية‬
‫املستعمرة من خالله مباشرة إىل اهل��دف يف‬
‫نسق ثابت وجبهد أقل ‪.‬‬
‫هذه املستعمرة وهذا املسار احملدد األقصر‬
‫واألس��ه��ل أوح���ت خل�ب�راء احل��اس��وب ومراكز‬
‫األحباث املتخصصة حلل معضلة اختيار املسار‬
‫املالئم واألقصر واألسرع لشبكة االنرتنت وذلك‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫لنقل املعلومات والبيانات من موقع إىل آخر‬
‫واليت تعد هذه املواقع اآلن باملاليني والشبكة‬
‫جداً معقدة وال بد من حمطات ودليل موجه‬
‫إىل اهل��دف وه��ذا ما توصل إليه اخل�براء من‬
‫خالل برنامج (نظام مستعمرة النمل) (‪Ant‬‬
‫‪ )Colony Optimization‬فما هو الربنامج‬
‫وكيف مت الوصول إليه وما هي تطبيقاته ‪.‬‬
‫نعم لقد س��اه��م النمل وق���دم ه��دي��ة لنا‬
‫من أج��ل تطوير شبكة االن�ترن��ت حيث بدأت‬
‫القصة يف بلجيكا حصراً وحتديداً يف جامعة‬
‫(بروكسل احل��رة) مع أحب��اث الدكتور (ماركو‬
‫دوري��غ��و) املتخصص يف دراس��ة سلوك النمل‬
‫ال��ذي أج��رى العديد من الدراسات واألحباث‬
‫على من��ل األرج��ن��ت�ين امل��ع��روف علمياً باسم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫(لينا بثاما هوميلي)‪ .‬ومشلت جتارب الدكتور‬
‫دوري��غ��و وض��ع قطع حتتوي على غ��ذاء موزع‬
‫على مسافات معينة من خلية النمل ملراقبة‬
‫س��ل��وك احل��ش��رات يف اب��ت��ك��ار أف��ض��ل الطرق‬
‫للوصول إليها‪ .‬وقد الحظ دوريغو أن املستعمرة‬
‫ترسل أوالً منالً كشافاً يقوم مبسح عشوائي‬
‫للمنطقة حبثاً عن ال��غ��ذاء ويف رحلة العودة‬
‫بعد أن جت��د ال��غ��ذاء ت��ق��وم ب��إط�لاق هرمون‬
‫الفريمون عرب غدد خاصة موجودة يف بطنها‬
‫بعد أن حتسب بدقة عالية وبطريقة رياضية‬
‫مثرية أقصر الطرق وأأمنها بني موقع الغذاء‬
‫وموقع اخللية‪ ،‬فتنطلق رائحة الفريمون املتميزة‬
‫على طول املسار اجلديد املختصر‪ .‬وتساعد‬
‫هذه العملية اليت ينتج عنها ما يسمى مبسار‬

‫‪133‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫(‪( )Pheromon Tral‬أثر الفريمون) باقي‬
‫أعضاء املستعمرة من عمال وجنود على هنج‬
‫الطريق األسرع واملختصر واألسهل للوصول إىل‬
‫الغذاء معتمدةً على استشعارها مادة الفريمون‬
‫عرب شعريات شم حساسة للروائح يتم نقلها إىل‬
‫الدماغ للتحليل ‪.‬‬
‫هذه التجارب لفتت مراكز حبث متخصصة‬
‫بتطوير شبكة االنرتنت مبا يضمن تسريع تبادل‬
‫املعلومات ع�بر شبكاهتا املعقدة واملتشابكة‬
‫والحظت مؤسسات مثل (بيد غروب الربيطانية)‬
‫ومعهد تطوير ال��ذك��اء الصناعي (‪)Sdsial‬‬
‫اإليطايل وكذلك جامعات (ميتشيغان وسانتايف)‬
‫األمريكية و (لوزان) السويسرية تشابه عمليات‬
‫ت��ع��ي�ين ال��س��ب��ي��ل (‪ )Routing‬وتصحيحه‬
‫(‪ )Rerouting‬لدى النمل الكشاف ومسائل‬
‫توجيه احلزم البيانية عرب الشبكة واليت تواجه‬
‫أحياناً مشكالت واختناقات إىل بطء عمليات‬
‫التجارب عربها ‪.‬‬
‫مشكالت املسار والتوجيه عرب اإلنرتنت ‪:‬‬
‫من املعروف أن شبكة اإلنرتنت تتألف من‬
‫ع��دد كبري من احلواسيب ومراكز وبرجميات‬
‫ت��ت��ب��ادل املعطيات وال��ب��ي��ان��ات الرقمية وفقاً‬
‫لتوجيهات برجميات حاسوبية تسمى املوجهات‬
‫(‪ )Routers‬وه��ي عبارة عن برامج ميكنها‬
‫استقبال حزم البيانات من شبكة أو حاسوب‬
‫ليقوم بتمريرها عرب ‪ ))Nodes‬أي عقد معينة‬
‫يف الشبكة باجتاه هدفها‪ ،‬اختصاراً للوقت‬
‫والكلفة و ّ‬
‫خت��دم ه��ذه الغاية حواسيب خاصة‬
‫تشبه يف أدائها لواجبها دور (النمل الكشاف) يف‬
‫رحلة الذهاب والعودة مستخدماً الطرق األكثر‬
‫اختصاراً وأمناً تقوم هذه املوجهات بفحص جهة‬
‫البيانات اليت تتلقاها وحساب وتعيني املسار‬
‫األقصر‪ ،‬وتقاس سرعة حركة املعلومات بالقدرة‬
‫على مترير ع��دد م��ن البتات (وه��ي األجزاء‬
‫الرقمية للمعطيات مقسومة على واحدة الزمن‬

‫‪134‬‬

‫) وتتسبب كثرة العقد بتعطيل أو بطء إيصال‬
‫البيانات بني بروتوكوالت اإلنرتنت ( هي اللغة‬
‫اليت تتخاطب هبا أجهزة احلاسب املتصلة عرب‬
‫شبكة اإلنرتنت هبدف تبادل البيانات) ويستطيع‬
‫الربوتوكول وصف تفاصيل البنية التحتية بني‬
‫حاسوبني مثل ترتيب البيتات والبيتات املرسلة‬
‫عرب األس�لاك وتستطيع ال�بروت��وك��والت كذلك‬
‫وصف عمليات التبادل اليت جتري بني الربامج‬
‫على مستوى البنية الفوقية‪.‬‬
‫وحل��ل أزم��ة االختناقات النامجة عن تعثر‬
‫عمل املوجهات التقليدية‪ ،‬وضعت مراكز حبثية‬
‫متعددة من��اذج رياضية حلل املعضلة وتزويد‬
‫املوجهات بالقدرة على اختاذ القرار األنسب يف‬
‫اعتماد الطريق األقرب (املختصر) ‪.‬‬
‫وضعت هذه النماذج يف البداية على أساس‬
‫رياضي حمض باعتماد مبدأ (التوبولوجي)‬
‫ولكن مالحظة سلوك النمل يف حبثه السريع‬
‫عن غذائه والعودة بأسهل وأقصر الطرق أثار‬
‫فضول هذه املراكز وزودها ببديل عملي لكيفية‬
‫حل مشكالت التوجيه واختاذ القرار املناسب ‪.‬‬
‫الربجميات وطرائق العمل ‪:‬‬
‫تتكون برجميات التوجيه اجلديدة واملؤلفة‬
‫من خ��وارزم��ي��ات وم��ع��ادالت رياضية تكاملية‬
‫تساعد يف إع��ادة تصحيح وتوجيه املعطيات‬
‫وامل��ع��ل��وم��ات ع�بر الشبكة ‪،) )Rerouting‬‬
‫وصوالً إىل اهلدف عرب انتهاج السبيل األقصر‬
‫واألس��رع‪ ،‬وال سيما يف حاالت تعطل عدد من‬
‫العقد أو احملطات ‪.‬‬
‫خمتصراً ملا سبق أق��ول تبدأ طريقة إنتاج‬
‫ب��رجم��ي��ات التوجيه اجل��دي��دة بالتعرف على‬
‫طبيعة خمطط احل��رك��ة ال��ذي يرمسه النمل‬
‫الكشاف م��ن خ�لال سعيه للغذاء وحتسسه‬
‫هلرمون (الفريمون) يف طريق العودة‪ .‬ويتضمن‬
‫املخطط عدة حمطات أو عقد (‪ )Nodes‬يلتقي‬
‫هبا النمل ثم يتحرك باجتاه جديد حنو الغذاء‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وبعد وضع النموذج الرياضي التطبيقي جيري‬
‫اختياره عن طريق استبدال احلشرات بروبوتات‬
‫إلكرتونية صغرية تسلك سلوك النمل يف رسم‬
‫املخطط االفرتاضي ومن ثم يتم نقل املخطط‬
‫الذي رمسه النمل ليصبح جزءاً من برجميات‬
‫املوجه الختصار املسافات وتسريع عمليات نقل‬
‫املعلومات عرب شبكة اإلنرتنت ‪.‬‬
‫وه��ك��ذا تبقى الطبيعة وكائناهتا العديدة‬
‫املتنوعة جمال إبداع وإهلام لإلنسان ليستوحي‬
‫منها الكثري أو ليقلدها ليصنع طائرة كالكونكورد‬
‫تشبه شكل طري بانسيابية جسده ومجاله أو‬

‫ليقلد القندس يف بناء جسور فوق املاء اجلاري‬
‫ليصطاد مسكاً ليتغذى‪ .‬أو يستفيد من جتارب‬
‫النمل يف شبكة اإلنرتنت‪ .‬فال جمال هنا لنعدد‬
‫العشرات من األفكار اليت استفاد منها اإلنسان‬
‫من جت��ارب العديد من الكائنات احلية اليت‬
‫تعيش على هذا الكوكب ‪.‬‬
‫حيث يبقى اجملال مفتوحاً باملستقبل للكثري‬
‫من اإلب��داع��ات من أج��ل خري وفائدة اإلنسان‬
‫فالطبيعة سخية وم��ع��ط��اءة وال تستحق منا‬
‫تدمريها كل يوم بشتى الطرق والوسائل حبجة‬
‫التطور والتكنولوجيا ‪.‬‬

‫املراجع‬
‫‪ -1‬كتاب ( انظر حولك ) لوحيد عبد السالم ‪.‬‬
‫‪ -2‬حماضره لألستاذ الدكتور صربي الدمرداش أستاذ العلوم بكلية الرتبية جامعة الكويت ‪.‬‬
‫‪-3‬املصدر‪ ( :‬العلم يف سويسرا )‪ ،‬وهي سلسلة تلفزيونية تُـرمجت موادها من طرف ( سويس‬
‫انفو) إىل اإلجنليزية وأعِـدّت من طرف خمرجني سويسريني بارزين وتشتمل على ‪ 25‬حلقة‪،‬‬
‫تُـعرِّف كل واحدة منها بأحد أبرز الباحثني والعلماء السويسريني يف شتى مناحي املعرفة‬
‫والتخصصات‪ ،‬من إنتاج هيئة اإلذاعة والتلفزيون السويسرية بالتعاون مع املؤسسة الوطنية‬
‫للعلوم يف سويسرا‪.‬‬
‫‪ -4‬دراسات وأحباث للعامل (لوران كيلّـري ) املتخصص يف عِـلم البيولوجيا جبامعة لوزان‪.‬‬
‫‪ -5‬أحباث ومنشورات للدكتور( ‪ )Bill Hughes‬لألكادميية الوطنية للعلوم ‪.‬‬
‫‪ -6‬أحباث للعامل النمساوي ( لورانس ) ‪.‬‬
‫‪ -7‬أحباث وجتارب ودراسات للعاملة ‪ ) ) Anna Himler‬جبامعة أريزونا ‪.‬‬
‫‪ - -8‬دراسات وأحباث الباحث والعامل ‪ Liselotte Sundstrom‬الفنلندي يف (جامعة‬
‫هلسنكي)‪.‬‬
‫‪ -9‬اخلبري (ديرك هيلبينغ )‪ ،‬يف جمال الذكاء اجلمعي مبعهد دريسدن للتكنولوجيا عن(جملة‬
‫نيو ساينتست ) ‪.‬‬
‫‪ -10‬منشورات الربوفيسور ( سيلفيا كرمير ) من جامعة ( رجينسبورج ) األملانية يف حبث‬
‫نشره مبجلة (بلوس ون) األمريكية ‪.‬‬
‫‪ -11‬دراسات وأحباث للباحث( تيد شولتز ) مبعهد ( مسيثسونيان ) يف واشنطن‪.‬‬
‫‪ -12‬دراسات وأحباث ( دونات أغوسيت ) الباحث مبتحف التاريخ الطبيعي يف نيويورك ‪.‬‬
‫‪ -13‬دراسات الباحث ‪ Graham Currie‬يف ظاهرة تنظيم املرور عند النمل‪.‬‬
‫‪ -14‬مشاركة وحبث للكاتبة روال مكحل ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪135‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫لغز الدوائـر الحجريــة‬
‫رامز احلوش‬

‫ينتشر يف األراضي الربيطانية ما ينوف عن ‪ /150/‬كرومليتشاً‪ ،‬وهي‬
‫منشأة ميغاليتية تتكون يف أساسها من دائرة من احلجارة املنتصبة‬
‫الضخمة‪ ،‬كان إنسان العصر الربونزي قد خلفها منذ حنو ‪ 6 – 4‬آالف‬
‫عام تقريباً ومن أكثر هذه املنشآت صيتاً دائرة (ستون هيندج) الواقعة بالقرب‬
‫من مدينة سالزبوري‪ .‬وكان علماء اآلثار يرون يف هذه املعامل األثرية أماكن إلجراء‬
‫الطقوس الدينية والرصد الفلكي‪ .‬وقد عثر جبوار بعض الكرومليتش على مدافن‬
‫ترقى بزمنها إىل عهود قدمية‪ .‬وقد افرتض أن أحجار الكرومليتش منتصبة الشكل‬
‫حتدد يف األفق نقاطاً فلكية هامة‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وباعتقاد عدد من الفلكيني أن دائرة (ستون‬
‫ه��ي��ن��دج) تسمح بالتنبؤ حب���االت الكسوف‬
‫واخلسوف‪ .‬على أي حال فقد أمكن بواسطة‬
‫جهاز الرصد ( ‪ ) E.V.M‬من إجياد عالقة‬
‫بني وضع األحجار يف العديد من الدوائر وعدد‬
‫من النقاط اهلامة يف األفق حيث تشرق منها‬
‫وت��غ��رب فيها الشمس والقمر وغ�يرمه��ا من‬
‫النجوم املختلفة‪.‬‬
‫ويرتبط بالكرومليتش الكثري من االعتقادات‬
‫واألساطري اخلرافية‪ ،‬البعض منها يرقى إىل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫زم��ن تشييد ه��ذه املنشآت تقريباً‪ ،‬يف حني‬
‫برز بعضها اآلخ��ر منذ زمن غري ق��اص‪ .‬ومن‬
‫الفرضيات احلديثة ما يفيد بأن طاقة أرضية‬
‫غ��زي��رة غ�ير م��درك��ة تنبثق إىل سطح األرض‬
‫يف مواضع الكرومليتش‪ ،‬وبأن إنسان العصر‬
‫احلجري قد استطاع‪ -‬بوسيلة ما‪ -‬من تكثيف‬
‫هذه الطاقة غري العادية واستخدامها يف مآرب‬
‫ما ال ندرك مغزاها يف وقتنا احلاضر‪.‬‬
‫ويف املؤمتر الذي انعقد بلندن يف عام‬
‫‪ 1977‬حول املنشآت امليغاليتية‪ ،‬تناول‬

‫‪137‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫احلديث أكثر من مرة تلك الفرضية «العلمية‬
‫الفريدة»‪ ،‬وكانت مثبطاً مبجموعة متحمسة‬
‫من املؤمترين للبحث ليس عن طاقة أرضية‬
‫غري مدركة‪ ،‬بل عن أضياء طبيعية حقيقية‬
‫خارجة عن القياس‪ .‬وقد روى أحد املؤمترين‬
‫عن بيولوجي (اختصاصي يف علم األحياء) كان‬
‫يدرس سلوك اخلفافيش ليالً بالقرب من أحد‬

‫‪138‬‬

‫املنشآت الكرومليتشية‪ ،‬بواسطة كاشف فوق‬
‫السمع‪ ،‬كيف اكتشف باندهاش‪ -‬قبل بزوغ‬
‫الشمس‪ -‬أن الكاشف ينبعث ليس من حركة‬
‫اخلفافيش ‪،‬وإمن���ا م��ن ح��ج��ارة الكرومليتش‬
‫بالذات‪.‬‬
‫وانضم إىل هذه اجملموعة املتحمسة عدد‬
‫م��ن الباحثني يف الفيزياء وهندسة الراديو‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وال��ك��ي��م��ي��اء واجل��ي��ول��وج��ي��ا وجت��ه��ز اجلميع‬
‫مبعدات تتالءم واملهام املنوطة هبم‪ .‬وكانت دارة‬
‫(رولرايت) الواقعة غري بعيد عن اكسفورد «‬
‫خم�براً « إلج��راء جتارهبم وأحباثهم‪ .‬وجبوار‬
‫حجرة من تلك املنشأة‪ ،‬وقبيل بزوغ الشمس‪-‬‬
‫سجلت بدقة نبضات الكاشف فوق السمع‪ ،‬اليت‬
‫مافتئت أن خبت أثر شروق الشمس مباشرة‪.‬‬
‫كذلك لوحظ أن اإلشعاعات أو الومضات فوق‬
‫السمعية‪ ،‬كانت أكثر نشاطاً واستمرارية يف‬
‫أوق��ات االع��ت��دال منها يف أوق��ات االنقالبات‬
‫الشمسية حيث تنخفض إىل حدها األدنى‪ .‬كان‬
‫االف�تراض‪ :‬أن احلجارة تطلق موجات صوتية‬
‫بتأثري دفء أشعة الشمس األوىل‪ .‬هبذا الصدد‬
‫يذكر أنه يف بداية القرن احلايل اشتهر جبوار‬
‫طيبة متثال من الغرانيت عرف بـ « متثال ممنون‬
‫املغين « ‪ ،‬أقامه‪ 9‬قدماء املصريني‪ ،‬وشوه أثر‬
‫زلزال عنيف‪ ،‬وكان اهلواء املسخن يف كل صباح‬
‫خيرج من شق يف التمثال حمدثاً صوتاً ذا إيقاع‬
‫رخيم بديع‪ ،‬وقد زعم بأن التمثال يؤدي أغاني‬
‫الفجر‪ .‬ولكن بعد ترميم شقوق التمثال‪ -‬بأمر‬
‫من االمرباطور الروماني‪ -‬انقطع التمثال عن‬
‫الغناء‪ .‬إن من املمكن أن شقوقاً دقيقة يف سطح‬
‫(رول��راي��ت) تطلق أص��وات �اً ج��راء التفاوت يف‬
‫تسخن البلورات الصخرية‪ .‬وللتأكيد على فكرة‬
‫فعالية التفاوت احلراري بني الليل والنهار‪ ،‬يدل‬
‫بأن قوة واستمرارية الومضات فوق السمعية‬
‫قد تبدلت على مدى العام بتبدل العالقة بني‬
‫الليل والنهار بصورة متوازية‪.‬‬
‫األولية – إن الدائرة حتجب حتتها جماالً‬
‫مغناطيسياً أرض��ي��اً‪ ،‬وه��و أق��ل ش��دة ضمن‬
‫الدائرة‪ .‬ولكن من أكثر ما اكتشف غرابة هو‬
‫وجود منطقة أو حزام لوليب الشكل ذي جمال‬
‫مغناطيسي قوي‪ ،‬ويتكون هذا احلزام من سبع‬
‫دورات (امل��ع��روف أن الرقم ‪ /7/‬من األرقام‬
‫املقدسة لدى الكثري من األقوام) خيرج بنهايته‬
‫إىل خارج حدود الدائرة‪ .‬ونتساءل هنا‪ ،‬هل دفن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫هنا مؤسسو هذه املنشأة معادن مغناطيسية‬
‫ورتبوها على شكل لوليب؟‪ .‬من املعتقد أنه قد‬
‫كان للشكل اللوليب داللة طقوسية بسبب وفرة‬
‫الرسومات اللولبية الشكل ( وأن غابت عن‬
‫دائرة رولرايت) على حجارة الكرومليتش‪.‬‬
‫لقد أعطت قياسات النشاط اإلشعاعي‬
‫اليت أجريت يف رولرايت وغريها من املنشآت‬
‫امليغاليتية‪ ،‬والسيما دائ���رة ( م��ول – ت��ي –‬
‫وتشف يف مقاطعة ولز) نتائج مثرية للغاية‪ :‬لقد‬
‫متيزت الساحات املعزولة اليت شيدت بينها‬
‫املنشآت امليغاليتية‪ ،‬عن املناطق احمليطة هبا‬
‫بنشاط إشعاعي ذي ضوضاء خلفية تكثر أو‬
‫تقل أحياناً‪ .‬كذلك أظهرت القياسات اليومية‬
‫لتذبذب النشاط اإلشعاعي يف (رولرايت) عن‬
‫وج��ود برهات قصرية (وم��ض��ات) ازداد فيها‬
‫النشاط اإلشعاعي ثالثة أض��ع��اف‪ ،‬وم��ن ثم‬
‫اخنفض إىل مستواه العادي ومرة أخرى نتساءل‪:‬‬
‫إذا مل تكن القياسات خاطئة‪ ،‬فبماذا نفسر هذا‬
‫الشذوذ أو اخلروج عن القياس‪.‬؟ هل ميكن أن‬
‫نفسر نشاط التذبذب اإلشعاعي هنا بتحرك‬
‫مياه جوفية مشبعة بعناصر إشعاعية ناشطة؟‬
‫أم أن هنالك خصائص أخرى يف مناطق توزع‬
‫املنشآت أو يف املواد املتكونة منها؟‬
‫إن أح��ج��ار الكرومليتش ه��ي م��ن مناطق‬
‫خمتلفة وأحياناً من مسافات بعيدة‪ ،‬كما أن‬
‫النشاط اإلشعاعي للصخور احمللية خيتلف‬
‫عن تلك األحجار املنقولة إىل هنا‪ ،‬فهو أقل أو‬
‫أكثر نشاطاً؟؟‬
‫وهكذا فإن الشذوذات الطبيعية اليت تنطح‬
‫للكشف عن كنهها الباحثون املتحمسون ال تزال‬
‫طلمساً حمرياً‪ .‬واتفق العلماء أن ما جرى من‬
‫قياسات على أحجار الكرومليتش هو غري كاف‬
‫حتى اآلن‪ .‬وأن اخلروج بنتائج وبناء فرضيات‬
‫علمية مازال مبكراً‪ ،‬ويأملون مبتابعة مبادرهتم‬
‫الذاتية والتوسع يف أحباثهم بعد التسلح مبعدات‬
‫أكثر عصرنة‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ابن شهيد األندلسي‬

‫رائد أدب الخيال في رسالته (التوابع والزوابع)‬
‫حممد عيد اخلربوطلي‬

‫الرحلة اخليالية هي االنتقال املتخيل الذي يقوم به األديب عرب احللم‬
‫أو اخليال إىل عامل بعيد عن عامله الواقعي‪ ،‬ليطرح يف هذا العامل‬
‫رؤاه وآالمه وأحالمه اليت مل تتحقق يف دنيا الواقع‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪ - 1‬الرحلة اخليالية يف األساطري‪:‬‬
‫هذه الظاهرة األدبية ليست جديدة‪ ،‬فقد‬
‫أخذ اإلنسان القديم على عاتقه إجياد تفسريات‬
‫روح��ي��ة وف��ك��ري��ة مل��ا حي��ي��ط ب��ه م��ن ظواهر‬
‫كونية‪ ،‬وقد روت األساطري كثرياً من مثل تلك‬
‫الرحالت‪.‬‬
‫ولعل أقدم رحلة خيالية تقدمها األساطري‬
‫هي رحلة اإلله اخليالية للقضاء على آهلة العماء‬
‫(تيامات) أو (التنني) وخلق الكون من أشالئها‪،‬‬
‫وإجراء األهنار والبحار من دمائها‪.‬‬
‫كما تعد األسطورة السومرية اليت تتحدث‬
‫ع��ن رح��ل��ة ال��رب��ة (إن��ان��ا) إىل ال��ع��امل السفلي‬
‫أه��م رحلة خيالية أسطورية‪ ،‬كذلك أسطورة‬
‫(عشتار) اليت جاءت بصياغة أسطورية أخرى‬
‫هلبوط (إنانا) إىل العامل السفلي‪ ،‬وهي نفسها‬
‫‪ - 3‬ال��رح�لات اخليالية يف األدب‬
‫عشتار‪ ،‬وتتحدث أسطورة (أورفيوس) عن رحلة‬
‫خيالية إىل ع��امل املوتى (ه��ادي��س) السرتجاع العربي‪:‬‬
‫ظ��ه��رت امل��ق��ام��ة اإلبليسية لبديع الزمان‬
‫زوجته (بوريديس)‪.‬‬
‫اهلمذاني يف القرن الرابع اهلجري (‪398 358‬هـ)‬
‫ببطله أبي الفتح اإلسكندري عندما يفقد إبالً‬
‫‪ - 2‬الرحلة اخليالية يف املالحم‪:‬‬
‫وتتضمن هذه امللحمة رحلتني‪ ،‬األوىل رحلة له فيخرج يف طلبها‪ ،‬فتسوقه األقدار إىل وادٍ‬
‫جلجامش مع أنكيدو إىل جبل األرز وقتلهما أخضر فيه أشجار باسقة ومثار يانعة وأزهار‬
‫إله الشر‪ ،‬ثم رحلة جلجامش وحده بعد موت منوّرة‪ ،‬ويلتقي يف ذلك ال��وادي بشيخ يناشده‬
‫صديقه أنكيدو إىل عامل املوتى وركوبه البحار األشعار‪ ،‬وأخرياً يعرف أنه شيطان شعر جرير‬
‫واحمليطات وعودته بزهرة اخللود ثم نزوله إىل الذي أهلمه القصيدة النونية‪.‬‬
‫يقول النقاد‪ ..‬لقد استفاد اهلمذاني يف رحلته‬
‫البئر والتهام األفعى تلك الزهرة‪.‬‬
‫مثلت الرحلة األوىل صراع اإلنسان مع قوى اخليالية هذه من أسطورة (شيطان الشعر) فكان‬
‫الشر‪ ،‬ومثلت الثانية حبث اإلن��س��ان عن سر عمله سابقاً لغريه‪ ،‬فريداً من نوعه يف األدب‬
‫العربي‪ ،‬ثم تبعه غريه يف ذلك‪ ،‬ولعل ابن شهيد‬
‫احلياة وصراعه مع املوت ذلك اجملهول‪.‬‬
‫لذلك نرى أن رحلة جلجامش كانت تعبرياً استقى منه رحلته (التوابع والزوابع)‪...،.‬‬
‫فقد أ ّكد أكثر من ناقد أن ابن شهيد (‪382‬‬
‫عن تَوْق اإلنسان إىل املعرفة وكشف اجملهول‪،‬‬
‫وحماولته معرفة سر احلياة واخللود‪ ،‬والقضاء ‪426‬هـ) استوحى فكرة رحلته (التوابع والزوابع)‬
‫من فكرة املقامة اإلبليسية‪ ،‬ثم تأتي (رسالة‬
‫على قوة املوت والفناء‪.‬‬
‫وت��أت��ي الرحلة اخليالية إىل ع��امل اآلخرة الغفران) ألب��ي العالء املعري (‪449 363‬هـ)‬
‫يف ملحمة (ه��وم�يروس) يف مقدمة الرحالت واليت تقسم إىل قسمني رئيسني‪ ،‬أوهلما‬
‫اخليالية يف األدب اإلغريقي‪ ،‬ثم حياول فرجيل ال��رح��ل��ة إىل ج��ن��ة ال��غ��ف��ران وجحيمه‪،‬‬

‫(‪ 19 89‬ق‪.‬م) أن حياكي هومريوس يف اإللياذة‪،‬‬
‫فأراد أن حيفظ أجماد الرومان يف عمل يسجله‬
‫التاريخ وخيلده لألجيال القادمة‪...‬‬
‫وعندما جاء اإلسالم أعطى املسلمني تصوراً‬
‫غنياً وعميقاً عن اليوم اآلخر‪ ،‬وهو حق وصدق‪،‬‬
‫كما أغنى خياهلم وأشبع نفوسهم وأراح أرواحهم‬
‫حبديث اإلسراء واملعراج‪ ،‬وكان االعتقاد به ركناً‬
‫م��ن أرك���ان اإلمي���ان لديهم‪ ،‬ول��ذل��ك استقر يف‬
‫نفوسهم وأشبع لديهم الرغبة يف معرفة العامل‬
‫اآلخر‪.‬‬
‫وتعد قصة اإلس��راء واملعراج أول نص أدبي‬
‫يصور الرحلة إىل العامل ا آلخر‪ ،‬وقد بدأ هذا‬
‫النص بالتوسع عندما صار نصاً شعبياً ينسب‬
‫إىل ابن عباس‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪141‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫والثاني الرد على رسالة ابن القارح‪ ،‬ففي القسم‬
‫األول جند ابن القارح يف فردوس الغفران يعقد‬
‫جمالس األدب واملنادمة مع ندمائه من اللغويني‬
‫والنحاة والشعراء ويطارحهم الشعر والقريض‪،‬‬
‫ثم ينتقل ابن القارح من هذه اجملالس األدبية‬
‫إىل جنة العفاريت ويلتقي ب��ـ (أب���ي هورش‪،‬‬
‫اخليتعور) ال��ذي ك��ان قد أهل��م ام��رىء القيس‬
‫معلقته الشهرية‪ ،‬وحياوره ويطارحه القصيد‪ ،‬ثم‬
‫يقابل غريه من الشعراء‪ ،...‬وخالصة الرسالة‬
‫أهنا كانت رحلة خيالية صوَّر املعري من خالهلا‬
‫رؤيته للجنة والنار وفهمه هلما‪ ،‬كما عرب من‬
‫خالهلا عن موقفه من األدب والشعر والشعراء‬
‫واحلياة واجملتمع‪ ،‬مستفيداً يف ذلك كله من‬
‫قصة اإلسراء واملعراج‪ ،‬ومن التصور اإلسالمي‬
‫للجنة والنار‪ ،‬وإن كان ال يعرب بالضرورة عن‬
‫صورة اجلنة والنار يف اإلسالم‪ ،‬ما جيعل صورة‬
‫اجلنة يف رسالة الغفران هي تصوّر املعري هلا‪.‬‬
‫وه��ك��ذا ب��دت ال��رح��ل��ة اخليالية يف األدب‬
‫العربي مبنية على التصور الشعيب األسطوري‬
‫وألسطورة شيطان الشعر لتحمل قضايا األديب‬
‫يف عصره ولتعكس الوجه االجتماعي لبيئة‬
‫تعنى بالفن واألدب‪ ،‬وتقيم وزناً عظيماً لألديب‪،‬‬
‫كما محلت الرحلة تصوَّر بعض الشعراء األدبي‬
‫والفكري للجنة والنار‪ ،‬وإن كان هذا التصور‬
‫متأثراً بالثقافة القرآنية والنبوية‪ ،‬فهو حيفظ‬
‫لألديب خصوصية الرؤية والتصور‪.‬‬

‫واجل��ن��ة)‪ ،‬وك��ل ج��زء مكون من ثالثة وثالثني‬
‫نشيداً مع مقدمة يف نشيد واحد‪.‬‬
‫لقد حلق دان�تي خبياله بعيداً يف ملكوت‬
‫السماوات‪ ،‬وحقق لنفسه ما قد فقده يف دنيا‬
‫الناس من مكانة اجتماعية وسياسية‪ ،‬واستطاع‬
‫أن ينتقم لنفسه من خصومه السياسيني‪ ،‬كما‬
‫انتصر لعقيدته من خصومه الدينيني‪.‬‬
‫وسأخصص لكل رحلة خيالية عرفت يف‬
‫اآلداب دراس���ة هل��ا‪ ،‬وأول دراس���ة سأتناوهلا‬
‫خصصتها ع��ن اب��ن شهيد األن��دل��س��ي (رائد‬
‫أدب اخل��ي��ال) فيما كتبه يف رسالته (التوابع‬
‫والزوابع)‪.‬‬
‫وق����د ات���ض���ح م���ن خ��ل�ال ع����رض الرحلة‬
‫اخليالية القدمية بدءاً باألسطورة وانتهاء إىل‬
‫الكوميديا اإلهلية‪ ،‬ال��دور املهم ال��ذي أسهمت‬
‫فيه الرحالت اخليالية يف عكس آمال اإلنسان‬
‫وطموحاته اليت يريد حتقيقها‪ ،‬وذلك بعد أن‬
‫يقتحم عوامل جمهولة‪ ،‬فرمبا تكون قد شغفته‬
‫شوقاً لكشف جماهيلها‪ ،‬فكانت الرحلة وسيلة‬
‫لتحقيق التجديد اإلهلي اخلالد يف األسطورة‬
‫السومرية واألكادّية‪ ،‬ووسيلة معرفة واستشراف‬
‫للمستقبل يف املالحم القدمية كملحمة جلجامش‬
‫واألوديسة‪ ،‬وطريقاً يصل املرء من خالله إىل‬
‫اخللود الفكري يف اإللياذة‪ ،‬ومسرحاً يستعرض‬
‫فيه األدي��ب قدراته الفكرية والفنية واألدبية‪،‬‬
‫يوجه فيها النقد خلصومه‪ ،‬ورمبا يضرم نار‬
‫االنتقام يف رؤوسهم كما هو حال الرحلة يف‬
‫األدب العربي القديم واألدب األوروبي (‪.)1‬‬

‫‪ - 4‬ال��رح�لات اخليالية يف األدب‬
‫الغربي‪:‬‬
‫ثم ظهرت رحلة خيالية للشاعر اإليطايل‬
‫دانيت (‪1331 1265‬م) واليت مل تنشر بامسها‬
‫املذكور إال سنة ‪1555‬م‪ ،‬وتقوم رحلته اخليالية‬
‫على الرحيل إىل ع��امل اآلخ���رة‪ ،‬وع��رض هذا‬
‫ال��ع��امل م��ن وج��ه��ة النظر الشخصية املوشاة‬
‫بالثقافة الدينية املسيحية الشائعة يف عصرها‪،‬‬
‫وقد قسمها إىل ثالثة أقسام (اجلحيم‪ ،‬واملطهر‪،‬‬

‫ابن شهيد األندلسي (‪426 382‬هـ)‪:‬‬
‫ولد أمحد بن عبد امللك بن شهيد األشجعي‬
‫سنة ‪382‬هـ‪992 /‬م‪ ،‬يف بيت من بيوت قرطبة‬
‫األندلسية‪ ،‬ونشأ يف أحضان النعمة‪ ،‬فالبيت‬
‫ال��ذي ينتمي إليه بيت ث��راء وج��اه وسلطان‪،‬‬
‫وكان هلذه النعمة اليت عاش بني ثناياها األثر‬
‫الكبري يف توجيهه حنو األدب الذي حيقق املتعة‬

‫‪142‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الفنية اخلالصة‪ ،‬فأخذ منه أخ��ذ املنتقي ملا‬
‫يهوى ويرغب‪ ،‬فنمى إحساسه باجلمال‪ ،‬وعرف‬
‫أسرار النبوغ يف األدب ما جعله يطمح لإلبداع‬
‫وحماولة التجديد والتميز عن غريه من األدباء‪،‬‬
‫فلم يكن أدبه أدب حرفة يقلد فيه السابقني‪،‬‬
‫وإمن���ا ه��و ن��ت��اج أح��اس��ي��س ت��ع�بر ع��ن نفسية‬
‫صاحبها ورغباته وأهوائه‪ ،‬وهي رغبات وأهواء‬
‫فنية بالدرجة األوىل‪ ،‬ما جعله يف حياته متفرغاً‬
‫لإلبداع الفين مبا خيالط هذه احلياة من حترر‬
‫وانطالق‪.‬‬
‫مؤلفات وآثار ابن شهيد األندلسي‪:‬‬
‫لقد ضاع الكثري من نتاجه األدبي ومؤلفاته‬
‫العلمية‪ ،‬ولكن على الرغم من ذلك فما أبقته‬
‫األيام كفيل حبفظ هذا االسم يف وجدان هذه‬
‫األمة‪ ،‬وآثاره تتلخص فيما يلي‪:‬‬
‫ـ كتاب (كشف الدك وإيضاح الشك)‪ ،‬وقد‬
‫ض��اع ه��ذا الكتاب برمته‪ ،‬ومل يعلم عنه أحد‬
‫شيئاً‪ ،‬إال أن الدك هو احليل والشعوذة‪ ،‬ذكره‬
‫ابن خلكان يف وفيات األعيان(‪.)2‬‬
‫ـ كتاب (حانوت عطار)‪ ،‬وهو مفقود أيضاً‪،‬‬
‫إال أننا جند منه بعض النصوص يف كتاب جذوة‬
‫املقتبس للحميدي‪ ،‬واملغرب البن سعيد‪ ،‬وأحكام‬
‫صنعة الكالم للكالعي‪ ،‬وتدل تلك النقول على‬
‫أن��ه كتاب ن��ق��دي‪ ،‬تعرض للحديث ع��ن بعض‬
‫الشعراء يف األندلس‪ ،‬وبذلك يكون سابقاً لكتاب‬
‫األمنوذج يف هذا املضمار‪ ،‬كما قال د‪ .‬إحسان‬
‫عباس‪.‬‬
‫ـ (ديوان شعره)‪ ،‬مجعه وحققه يعقوب زكي‬
‫يف رسالته للدكتوراه‪ ،‬وصدره بدراسة تارخيية‬
‫عن جوانب من حياة ابن شهيد‪ ،‬ومجعه أيضاً‬
‫شارل بالت عام ‪.1963‬‬
‫ـ (الرسائل النقدية)‪ ،‬وتعد أهم عمل قام به‬
‫ابن شهيد‪ ،‬ألن فيها آراء نقدية جديدة‪.‬‬
‫ـ (الرسائل األدبية)‪.‬‬
‫ـ (التوابع والزوابع)‪ ،‬وقد فقدت‪ ،‬إال أن بعض‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫امل��ص��ادر األدب��ي��ة قد حفظت لنا قسماً مهماً‬
‫منها‪ ،‬وهي موضوع حبثنا‪...‬‬
‫الرحلة اخليالية سِرُّ اإلبداع‬
‫يف هذا اجلو الفين اخلالص تأهل أمحد بن‬
‫شهيد ل�لإب��داع‪ ،‬فكتب رسالته اخليالية اليت‬
‫مساها (التوابع والزوابع)‪ ،‬وهي قصة خيالية‬
‫حيكي فيها الكاتب رحلة قام هبا إىل عامل اجلن‪،‬‬
‫يناقش من خالهلا شياطني الشعراء وينشدهم‬
‫وينشدونه‪ ،‬ويتعرض يف أثناء ذلك إىل بعض‬
‫اآلراء النقدية يف األدب واللغة‪ ،‬معرِّضاً يف‬
‫كثري م��ن األح��ي��ان خبصومه مدافعاً ع��ن فنه‬
‫مستخلصاً شهادات اإلعجاب واإلطراء‬
‫من شياطني الشعراء واخلطباء‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عاش ابن شهيد شاعراً وكاتباً قد ال يتميز‬
‫عن سائر الكتاب والشعراء بكتابته أو شعره‪،‬‬
‫لكنه برسالته عن (الزوابع والتوابع) أقر مبا‬
‫مل ي��أت ب��ه غ�يره م��ن األدب����اء‪ ،‬حم���رزاً التفوق‬
‫عليهم‪ ،‬بانياً صرحاً فريداً من نوعه يف األدب‪،‬‬
‫واستطاع عن طريق خياله الفذ أن خيلق أرضاً‬
‫ال كأرضنا‪ ،‬وجو ال كجوِّنا‪ ،‬متفرع الشجر‪ ،‬عطر‬
‫الزهر‪ ،‬على حد تعبريه‪.‬‬
‫ومتيّزُ الكاتب يف رسالته هذه مل يكن بسبب‬
‫وصفه للماء أو غ�يره من املوصوفات‪ ،‬ليحلق‬
‫ببديع الزمان اهلمذاني يف حماكاته فما وصفه‬
‫(‪ ،)3‬وإمنا يكمن هذا التميز يف ابتكار الكتابة‬
‫عن بعض عوامل الغيب‪ ،‬فالرحلة اخليالية هي‬
‫سر اإلب���داع‪ ،‬ول��و كانت املسألة مسألة حوار‬
‫لقرنت باملقامات‪ ،‬أو حديث عن النفس لقرنت‬
‫بقصائد الفخر (‪ ،)4‬فتفرد الرسالة يف كوهنا‬
‫سرب ألعماق العامل األرض��ي‪ ،‬وعرض شيق ملا‬

‫الرحلة إىل العامل اآلخر‪:‬‬
‫يبدأ ابن شهيد رسالته مبا يوحي أنه يروي‬
‫شيئاً حقيقياً قد مرّ به وعاش فصوله‪ ،‬إذ أنه‬
‫يوجه الرسالة إىل صاحبه أب��ي بكر بن حزم‬
‫فيذكر اهتمامه باألدب‪ ،‬وإطالعه على الدواوين‪،‬‬
‫وحضوره جمالس العلماء‪ ،‬ثم يقول عن نفسه‪:‬‬
‫(فنبض يل عرق الفهم‪ ،‬ودّر يل شريان العلم‬
‫مب��واد روحانية)‪ ،‬ومي��دح أملعيته وذك��اءه مبيناً‬

‫‪144‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أوحى به خيال الكاتب من موجودات ذلك العامل‬
‫من أحياء أو مجادات‪ ،‬وإن كان هناك تشابه بني‬
‫موصوفات هذه الرحلة وبني موصوفات احلياة‬
‫على سطح األرض‪ ،‬فإن هذا ال خيرجها عن‬
‫كوهنا رحلة خيالية‪ ،‬ذلك أهنا موصوفات تدخل‬
‫حتت عامل جديد هو عامل اجلن والشياطني‪،‬‬
‫وهو عامل خيايل صوره الكاتب ورسم أبعاده من‬
‫وحي خياله‪.‬‬

‫أن قليل االلتماح من النظر يزيده‪ ،‬ويسيّرٌ من‬
‫املطالعة من الكتب يفيده‪ ،‬ثم يذكر أنه قد أحب‬
‫يف شبابه‪ ،‬ثم مات من أحب يف فرتة ملل أصابه‬
‫فجزع لذلك‪ ،‬وأخذ يف رثائه‪ ،..‬ثم يقول (‪:)5‬‬
‫(إىل أن انتهيت إىل االعتذار عن امللل الذي كان‬
‫فقلت‪:‬‬
‫وكنت مللتك ال عن قلى‬
‫وال عن فساد جرى يف ضمريي‬
‫فارتج عليَّ القول وأفحمت‪ ،‬إذا أنا بفارس‬
‫بباب اجمللس على فرس أدهم كما بقل وجهه‪،‬‬
‫قد اتكأ على رحمه‪ ،‬وصاح بي‪ :‬أعجزاً يا فتى‬
‫اإلن��س؟ قلت‪ :‬ال وأبيك‪ ،‬للكالم أحيان‪ ،‬وهذا‬
‫شأن اإلنسان‪ ،‬قال يل‪ :‬قل بعده‪:‬‬
‫كمثل مالل الفتى للنعيم‬
‫إذا دام فيه وحال السرور‬
‫فأثبت إجازته‪ ،‬وقلت له‪ :‬بأبي أنت‪ ،‬من أنت‪،‬‬
‫قال‪ :‬أنا زهري بن منري من أشجع اجلن‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫وما الذي حداك إىل التصور يل؟ فقال‪ :‬هوى‬
‫فيك‪ ،‬ورغبة يف اصطفائك‪ ،‬قلت‪ :‬أه�لاً بك‬
‫أيها الوجه الوضاح‪ ،‬صادقت قلباً إليك مقلوباً‪،‬‬
‫وهوى حنوك جمذوباً‪ ،‬حتادثنا حيناً ثم قال‪:‬‬
‫متى شئت استحضاري فأنشد هذه األبيات‪:‬‬
‫وآىل زهريُ احلب يا عز أنه‬
‫إذا ذكرته الذاكرات أتاها‬
‫إذا جرت األفواه يوماً بذكرها‬
‫خييل يل أني أقبل فاها‬
‫فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت‬
‫أجارع من داري هوى هلواها‬
‫ويف إح��دى لقاءاته مع تابعه زهري بن منري‬
‫يطلب منه إجياد حيلة للقاء أدباء اجلن فيستأذن‬
‫له من شيخهم‪ ،‬ثم يبدأ رحلته بعد أن حل على‬
‫منت جواد كالطائر جيتاب اجلو فاجلو ويقطع‬
‫الدوفالدو‪ ...‬فيصل إىل أماكن وجود شياطني‬
‫الشعراء وجت��ري بينه وبينهم مناقشات عدة‬
‫يصل بعدها إىل شياطني الكتاب الذين مساهم‬
‫شياطني اخلطباء‪ ،‬فيجالسهم ويأخذ منهم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ويأخذون منه‪ ،‬ويف أثناء ذلك يُعَرِّض مبعاصريه‬
‫من األدباء كما ينقد سابقيه‪.‬‬
‫ووصف يف رحلته هذه األماكن اليت ح ََّل هبا‪،‬‬
‫حيث يكشف وصفه عن األديب الذي سينزل يف‬
‫ضيافته‪ ،‬كما يرسم خروج الشياطني األدباء يف‬
‫صورة غري معهودة لينطبق عليها مبدأ الغرابة‬
‫واختالف األحوال بني اإلنس واجلن‪ ،‬حتى تكمل‬
‫صورة ذلك العامل اخليايل الذي رحل إليه كما‬
‫يف قوله عن خ��روج أحدهم‪ ...( :‬فانفلق ماء‬
‫العني عن وجه فتى كفلقة القمر‪ ،‬ثم اشتق اهلواء‬
‫صاعداً إلينا من قعرها حتى استوى معنا‪.)6(.‬‬
‫ابن شهيد وفكرة العامل اآلخر‪:‬‬
‫مل يعرف ع��ن أب��ي عامر أن��ه ذل��ك األديب‬
‫الذي يتكسب بأدبه فيصنعه متلقاً للممدوح‪،‬‬
‫ويشكله بنمط تقليدي مكرر جياري فيه االجتاه‬
‫العام لألدب يف عصره‪ ،‬وإمنا كان أديباً اخنرط‬
‫يف مضمار األدب مليوله الشخصية حنو الفن‬
‫الرفيع‪ ،‬فكان أدبه تعبرياً عن نفسيته وأحاسيسه‬
‫ومشاعره مصوراً معاناته جتاه وقع احلياة على‬
‫نفسه‪ ،‬فكان لبيت الثراء واجلاه الذي عاش فيه‬
‫أثر يف ترفه وانطالقه وهلوه وجمونه‪ ،‬ما جعله‬
‫يبحث عن جنس أدب��ي يعطيه دفعة قوية من‬
‫احلرية واالن��ط�لاق والبعد عن قيود اجملتمع‬
‫واحلياة ال�تي تعيق رؤاه الفنية‪ ،‬وعلى الرغم‬
‫من أنه عاش عيشة متحررة‪ ،‬إال أنه أراد حرية‬
‫أكرب وانطالقاً أبعد‪ ،‬ما جعله يرى يف اخليال‬
‫وشطحاته غري احملدودة اجملال األنسب لتحقيق‬
‫طموحاته الواسعة يف األدب‪.‬‬
‫وقد كان لقصة اإلسراء واملعراج األثر الواضح‬
‫يف إثراء اخليال اإلسالمي‪ ،‬وجعل املسلم حيلق‬
‫يف أج��واء جديدة غري حم��دودة حبدود الواقع‪،‬‬
‫وينظر إىل آفاق أبعد ال ميكن تصورها يف العامل‬
‫األرضي‪ ،‬وهذا من املؤكد أنه أعطى ابن شهيد‬
‫منوذجاً فذا لعامل غري عامل الواقع املرئي‬
‫احملدود‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من ناحية أخرى اختيار الرائد الذي يصحب‬
‫بطل القصة‪ ،‬واألج���واء ال�تي اختارها الكاتب‬
‫مسرحاً لرحلته اخليالية فقد اختار أجواء اجلن‬
‫والشياطني‪ ،‬وصاحبه الذي جعله تابعاً له هو‬
‫أحدهم‪ ،‬ومما ال شك فيه أن اختياره صحبة‬
‫اجل��ن واالن��ط�لاق يف دي��اره��م ك��ان مبعثه زعم‬
‫العرب (أن مع كل فحل من الشعراء شيطاناً‬
‫يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر) (‪.)7‬‬
‫إال أن اب��ن شهيد ق��د ط��ور تلك الفكرة‪،‬‬
‫وجعل للكتاب شياطني تلهمهم الكتابة كما تلهم‬
‫الشياطني الشعراء شعرهم‪.‬‬
‫هذا عن املؤثرات الثقافية واالجتماعية اليت‬
‫أوحت للكاتب برحلته إىل عامل اجلن والشياطني‪،‬‬

‫لكننا نلحظ ظ��روف�اً اجتماعية أخ��رى لعلها‬
‫كانت السبب األساسي القتحامه هذا اجملال‪،‬‬
‫فالوسط األدبي الذي يعيشه أوحى له بإمكانية‬
‫هذا النوع من اإلهلام األدبي الغريب‪ ،‬إذ إنه يف‬
‫رسالته خياطب صاحبه أبا بكر بن حزم فيذكر‬
‫إطراءه لشعره ونثره الذي يتضمن إعجاب أبي‬
‫بكر بابن شهيد‪ ،‬مما جيعل اب��ن ح��زم يصدح‬
‫برأي يف الكاتب مفاده (‪:)8‬‬
‫ً‬
‫(إن شيطاناً يهديه‪ ،‬وشيطانا يأتيه) بل‬
‫(وأق��س��م أن ل��ه تابعة تنجده‪ ،‬وزاب��ع��ة تؤيده‪،‬‬
‫ليس هذا يف قدرة اإلنس‪ ،‬وال هذا النفس هلذا‬
‫النفس‪ ،)...‬فمن هنا يبدو أن فكرة الرسالة قد‬
‫أتت بتشجيع من صاحبه أبي بكر‪ ،‬فقد أوصى‬
‫ل��ه (وإن ك��ان على طريق اإلط���راء) بإمكانية‬
‫حتقيق فكرة التابع والشيطان للكتاب اليت كانت‬
‫معروفة عند العرب للشعراء‪ ،‬لكنها للكتاب‬
‫واخلطباء فكرة جديدة مل ترد إال على لسان‬
‫ابن شهيد وصاحبه ابن حزم‪.‬‬
‫علم اخليال وحرية التعبري عن الرأي‪:‬‬
‫إن فكرة االلتقاء بكبار الشعراء والكتاب‬
‫أعطت الب��ن شهيد الفرصة النتزاع شهادات‬
‫التقدير والثناء على أدب��ه‪ ،‬واالع�تراف بسبقه‬
‫يف مضمار األدب‪ ،‬وهي شهادات كان يف أمس‬
‫احلاجة إليها‪ ،‬حيث إنه كان يعاني من كراهية‬
‫كثري م��ن رج��ال العلم واألدب املعاصرين له‪،‬‬
‫كذلك يبدو أن من أه��م ال��دواف��ع ال�تي جعلته‬
‫يدون رسالته هذه‪ ..‬واقعه الشخصي بالدرجة‬
‫األوىل‪ ،‬وهو نابع من إحساسه بأن أهل عصره‬
‫من الشعراء والكتاب مل ينزلوه املنزلة اليت تليق‬
‫به‪ ،‬أو اليت رأى نفسه أهالً هلا‪ ،‬ومل يقف األمر‬
‫عند ه��ذا احل��د‪ ،‬بل ألهن��م كانوا يضمرون له‬
‫احلقد والشنآن ويكيلون له الكيد‪ ،‬ومن ثم ذهب‬
‫يتلمس التكريم والتقدير عند الشعراء والكتاب‬
‫األف��ذاذ الذين هم أعلى قدراً ومنزلة من أهل‬
‫عصره مجيعاً(‪.)9‬‬
‫ك��م��ا أن اب���ن شهيد وج���د يف ع���امل اجلن‬

‫‪146‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫والشياطني فرصة ساحنة إلبراز آرائه يف النقد‬
‫واألدب‪ ،‬بل والطعن يف خصومه‪ ،‬وبيان آرائه يف‬
‫احلياة‪ ،‬وهو مما مل تسنح له الفرصة يف إبرازه‬
‫يف عامل الواقع‪ ،‬ولعل ما يؤيد هذا ال��رأي ما‬
‫جنده من تطور هلذه الرحالت اخليالية يف شكل‬
‫جديد من أشكال األدب يبثه األدي��ب شجونه‬
‫ومه��وم��ه وآراءه يف واق��ع العصر‪ ،‬حيث عهد‬
‫األدب��اء إىل فن استحدثوه يف عصر احلروب‬
‫الصليبية ومل يكن له وجود من قبل‪ ،‬وهو ما‬
‫يسمى باملنامات األدبية ال�تي هي عبارة عن‬
‫أحالم يقص صاحبها ما يدعي أنه رآه يف املنام‪،‬‬
‫وقد ينتقد يف هذه املنامات ما ال يعجبه‪،...‬‬
‫وهي وسائل ختفيف معاناة األديب جتاه واقعه‬
‫وجتعله يعرب عنها يف شيء من احلرية ال تتوافر‬
‫له يف الواقع املعاش‪ ،‬وهو ما يسمى اليوم بلغة‬
‫الفن (التنفيس)!‪.‬‬
‫اإلسراء واملعراج وأدب اخليال‪:‬‬
‫كما ذك��رت يف البداية‪ ..‬إن لقصة اإلسراء‬
‫واملعراج أثراً بالغاً يف خيال األدباء‪ ،‬إذ أعطتهم‬
‫إش��ارة االنطالق من عامل الواقع احمل��دود إىل‬
‫عامل أرحب‪ ،‬وأهلمتهم بفكرة انتقال البطل إىل‬
‫عامل آخر على ظهر يسابق الريح‪ ،‬وميخر عباب‬
‫السماء أو باطن األرض‪ ،‬ويف صحبته رائد يرود‬
‫الطريق‪ ،‬لكن مل يكن اخلروج عن اخلط األساسي‬
‫للقصة طفرة بني ليلة وضحاها‪ ،‬بل كان ذلك‬
‫نتيجة ملوجة أدبية عمَّت العامل اإلسالمي فيما‬
‫ميكن تسميته بأقاصيص املعراج اليت أصبحت‬
‫لوناً أدب��ي�اً قائماً ب��ذات��ه‪ ،‬حشدت فيه شعوب‬
‫اإلسالم مشاعرها وأحاسيسها جتاه نبيهم وما‬
‫أكرمه اهلل به‪ ،‬ما جعل قصة اإلسراء واملعراج‬
‫خت��رج عن نطاقها العلمي املوثق باألحاديث‬
‫الصحيحة لتصبح حكايات شعبية ينطلق فيها‬
‫اخليال بغري ح��دود‪ ،‬فنشأت حكايات معراج‬
‫يف اهلند‪ ،‬وأخ��رى يف إي��ران والعراق‪،‬وثالثة يف‬
‫الشام‪ ،‬ورابعة يف املغرب‪ ،‬وأخرى يف األندلس‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫(‪ .)10‬إال أن هذه احلكايات كانت تدور يف نطاق‬
‫اإلس��راء واملعراج‪ ،‬وال تعدو أن تكون إضافات‬
‫خيالية على اخل��ط الرئيسي للقصة‪ ،‬وقد‬
‫عاش األدباء هذا اخليال الذي أصبح يكتشف‬
‫القصة‪ ،‬ما أثار ملكة اإلبداع عندهم‪ ،‬وقد يكون‬
‫البعض منهم ممن شارك يف صنع مناذج من‬
‫هذه القصص‪ ،‬أو هام به خياله فأخرج إبداعه‬
‫من فلك اإلسراء واملعراج إىل رحاب األدب الذي‬
‫يقود لغته اخليال ال��ذي ال يعرف احل��دود أو‬
‫االلتزام‪ ،‬لكن هذه النماذج املفرتضة (إن وجدت‪،‬‬
‫مل تصل إلينا‪ ،‬فخلت ساحة أدب اخليال لعلمني‬
‫من أعالم األدب العربي‪ ،‬أحدمها أشهر‬
‫من أن يعرَّف به وهو أبو العالء املعري‬

‫‪147‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يف رسالة الغفران‪ ،‬واآلخر أبو عامر ابن شهيد‬
‫األندلسي يف التوابع والزوابع‪.‬‬

‫األن��دل��س‪ ،‬بدليل أن رسائل اب��ن شهيد ذاعت‬
‫يف املشرق ودوَّهنا املؤلفون املشرقيون‪ ،‬قبل أن‬
‫ميوت‪ ،‬وقبل أن توضع رسالة الغفران‪ ،‬ووافق د‪.‬‬
‫حممد رجب البيومي إىل ما ذهب إليه د‪ .‬أمحد‬
‫هيكل من رسالة التوابع والزوابع قد ألفت قبل‬
‫رسالة الغفران بتسع سنوات‪ ،‬وليس كما يراه د‪.‬‬
‫زكي مبارك بنحو عشرين سنة(‪ ،)12‬كما رجح‬
‫قراءة املعري لرسالة ابن شهيد إذ أهنا ذاعت يف‬
‫املشرق واشتهر هبا صاحبها‪ ،‬وقد حتدثت عنها‬
‫يتيمة الدهر وهي أبعد وأوس��ع ذخائر العرب‬
‫اشتهاراً(‪.)13‬‬
‫ونصل من خالل كل ما ذكرناه‪ ...‬إىل أن ابن‬
‫شهيد أول من ابتكر الكتابة عن بعض عوامل‬
‫الغيب مستوحياً الفكرة م��ن قصة اإلس���راء‬
‫واملعراج‪ ،‬فتأثر به املعري وأعجب بتلك النقلة‬
‫من عامل الواقع احملدود إىل عامل آخر حيلّق يف‬
‫أجوائه اخليال من غري حدود‪ ،‬وإن سلك األول‬
‫طريق اجلن والثاني طريق اجلنة والنار‪ ،‬فما‬
‫األول إال مبتكر يف اجتاهه األدبي وما الثاني إال‬
‫متأثر بسابقه‪.‬‬

‫املعري وابن شهيد وسباق حنو الريادة‪:‬‬
‫للجوانب اليت عرضناها من رحلة ابن شهيد‬
‫اخليالية‪ ،‬نتبيّن أن هناك مشاهبة بينها وبني‬
‫رسالة الغفران للمعري‪ ،‬فكال الرسالتني عرض‬
‫ملشكالت أدبية ونقدية بطريقة قصصية يف‬
‫جوّ خيايل تقع أحداثه يف عامل آخر غري عاملنا‬
‫األرض��ي‪ ،‬كما عرَّض كالمها بأدباء عصرمها‬
‫مع نقد للسابقني هلما‪ ،‬مع اختالف يف خط‬
‫الرسالتني بأمرين اثنني‪ ،‬أحدمها أن املعري قد‬
‫جعل أحداث قصته تدور يف الدار اآلخرة‪ ،‬أما‬
‫ابن شهيد فقد نزل إىل العامل السفلي‪ ،‬عامل‬
‫اجلن والشياطني‪ ،‬واألمر اآلخر فهو أن املعري‬
‫جعل اهتمامه األك�ب�ر باملشكالت الفلسفية‬
‫واملعضالت الدينية على حني وجَّه ابن شهيد‬
‫ج َُّل اهتمامه للقضايا األدبية والبيانية‪ ،‬ونتيجة‬
‫هلذا التشابه بني األثرين وجه الباحثون دراساهتم‬
‫إىل قضية التأثري والتأثر بني األدبني‪ ،‬ما أوجب‬
‫البحث عن أسبقية أحدمها لآلخر‪ ،‬ولع ّل من‬
‫أبرز احملققني يف هذا املوضوع د‪ .‬زكي مبارك‬
‫يف كتابه (النثر الفين يف القرن الرابع اهلجري)‬
‫(‪ ،)11‬حيث استند إىل مؤكدات ملموسة من‬
‫املنطق والتاريخ وفصّلها‪ ،‬ثم رجّ��ح بعد ذلك‬
‫كلّه أن رسالة التوابع والزوابع كتبت بني سنة‬
‫‪403‬هـ وسنة ‪407‬هـ‪ ،‬أما رسالة الغفران فقد‬
‫كتبت بني سنة ‪422‬ه��ـ وسنة ‪424‬ه��ـ‪ ،‬ونتيجة‬
‫ه��ذا التحقيق‪ ...‬أن رسالة الغفران للمعري‬
‫كتبت بعد رسالة التوابع والزوابع بنحو عشرين‬
‫سنة‪ ،‬وبذلك يتبيّن أن د‪ .‬ضيف مل يكن مصيباً‬
‫حني افرتض أن ابن شهيد ق َّلد أبا العالء املعري‪،‬‬
‫وصار من املرجّح أن يكون املعري هو الذي قلّد‬
‫ابن شهيد‪ ،‬وكما كان األندلسيون يقلدون أهل‬
‫املشرق يف كل شيء‪ ،‬كان أهل املشرق حيرصون‬
‫أشد احل��رص على متابعة احلركة األدبية يف‬

‫دانيت والكوميديا اإلهلية‪:‬‬
‫بعد ابن شهيد بأكثر من قرنني من الزمان خرج‬
‫دانيت (‪1321-1265‬م) شاعر إيطاليا الكبري مبا‬
‫مل تعهده أوروبا يف أدهبا‪ ،‬فقد هبرهم مبنظومة‬
‫رائعة صاغها على غري مثال وهي (الكوميديا‬
‫اإلهلية) وهي ملحمة كبرية تصف رحلة الشاعر‬
‫يف عامل ما بعد امل��وت‪ ،‬يقول خليل اهلنداوي‪:‬‬
‫(‪ ..‬ولوال أنه أتاه من ذلك العامل‪ ..‬هو الشاعر‬
‫فرجيل لكان نصيبه اهل�لاك األب��دي فيزوران‬
‫م��ع�اً جهنم ال�تي ام��ت�لأت ب��اآلمث��ة واملغضوب‬
‫عليهم‪ ،‬ثم ينتهيان إىل األع��راف أو املطهر‪،..‬‬
‫ليدخل اجلنة بعد ذلك برفقة مرشدته بياترس)‬
‫(‪.)14‬‬
‫يصور دانيت رحلته ويبدع بصور مل يعهدها‬
‫اخليال البشري‪ ،‬ما حيَّر عقول مواطنيه وأهلب‬

‫‪148‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫خياهلم مبا مل يسمعوا به من قبل‪ ،‬فأصبح بذلك‬
‫أمري شعراء إيطاليا بال منازع وواحداً من شعراء‬
‫اإلنسانية اجمليدين‪ ،‬وم��ا علمت أوروب���ا حني‬
‫أوصلته إىل هذا املقام أن الكوميديا اإلهلية ما‬
‫هي إال قصة اإلسراء واملعراج اإلسالمية ولكن‬
‫بروح أوروبية مسيحية يف ثوب أدبي جديد‪.‬‬
‫دان�تي تتلمذ على قصة اإلس���راء واملعراج‬
‫بشهادة قومه‪:‬‬
‫بقيت أوروب��ا على حاهلا طيلة سبعة قرون‬
‫مشيدة بإبداع صاحبها‪ ،‬ظانة بأن ملحمته على‬
‫غري مثال‪ ،‬إىل أن جاء القرن العشرون‪ ،‬ويف عام‬
‫‪ 1919‬بالذات‪ ..‬إذ بآسني العامل اإلسباني الذي‬
‫اتسم باجلرأة والبحث العلمي اجلاد يقف أمام‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫اجملمع العلمي اإلسباني فيُلقي حماضرة هتزّ‬
‫أرك��ان اجملمع مبا حاولت تغيريه من مفاهيم‪،‬‬
‫فلقد كان هدف هذا العامل اجلليل الربهنة على‬
‫تأثر دان�تي باملؤثرات الشرقية‪ ،‬إال أن��ه قوبل‬
‫بالرفض‪ ،‬وسببت حماضرته هذه جدالً عنيفاً‬
‫ب�ين أس��اط�ين األدب األوروب��ي�ين ال��ذي��ن تغنوا‬
‫بأصالة الكوميديا اإلهلية‪ ،‬فقد صعب عليهم‬
‫أن ي��روا دان�تي يطأطئ رأس��ه للثقافة العربية‬
‫اإلسالمية ليستمد منها أصول ملحمته‪ ،‬ونذر‬
‫آسني نفسه للدفاع عن رأيه العلمي‪ ،‬فأ ّلف كتاباً‬
‫مساه (اإلسالم والكوميديا اإلهلية‪ ،‬حاول فيه‬
‫أن يربهن على تأثريات ابن عربي على‬
‫دان�تي‪ ،‬وم��ا جيعل احتمال ذل��ك التأثري‬

‫‪149‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كبرياً‪ ..‬قرب عهديهما‪ ،‬إذ كان ابن عربي قد تويف والش���ك أن��ه ح��دث��ه ب��أم��ر ه��ذا ال��ك��ت��اب‪ ،‬وهبذا‬
‫قبل والدة دانيت بـ ‪ 25‬سنة حاول آسني أن يربز تنكشف عالقة دان�تي بقصة اإلس��راء واملعراج‪،‬‬
‫الشبه الكبري بني دانيت وبني ما جاء يف الفتوحات ويثبت الغربيون أنفسهم تتلمذ دانيت عليها(‪.)16‬‬
‫املكية الب��ن عربي‪ ،‬كما أن��ه ح��اول أن يثبت أثر‬
‫ويبقى ابن شهيد رائد أدب اخليال‪:‬‬
‫رسالة الغفران للمعري على آراء دانيت (‪.)15‬‬
‫ومل ِ‬
‫وهكذا ن��رى أث��ر قصة اإلس���راء وامل��ع��راج يف‬
‫ترض هذه احلقائق األوروبيني واإليطاليني‬
‫منهم بالذات‪ ،‬متذرعني بعدم وجود دليل على إعطاء األدب العاملي إش��ارة االنعتاق من عامل‬
‫معرفة دانيت لألدب العربي أو االتصال به‪ ،‬وجاء الواقع إىل عامل اخليال الرحب الذي ال متسكه‬
‫الرد من (د‪ .‬أنريكو جريوللي) الذي أفاد‪ ..‬بأنه قيود‪ ،‬فتنتصر الروح على املادة وقوانينها لتحلق‬
‫اكتشف يف مكتبيت الفاتيكان وجامعة إكسفورد يف آف��اق مل تعهدها يف أرض��ن��ا‪ ،‬وإمن��ا صنعها‬
‫وكذلك يف املكتبة الوطنية يف باريس نسخاً من األدي��ب يف مساء خياله‪ ،‬وح��رك شخوصه على‬
‫كتاب املعراج‪ ،‬وهو ترمجة لقصة املعراج باللغتني مسرحها الالحمدود ليبدع أدب�ً�ا ف��ذاً على غري‬
‫الفرنسية والالتينية‪ ،‬وأن مرتجم الكتاب هو مثال‪ ،‬بصيغة تصور خالق ينسي العامل األرضي‪،‬‬
‫(بونا فتنتورا) من سكان مقاطعة توسكاني اليت ويهيم يف أرض ليس هلا حدود‪.‬‬
‫ويستمر األدب يف عطائه اخليايل يف جمال‬
‫عاصمتها فلورنسا اليت هي مسقط رأس دانيت‪،‬‬
‫ولقد ظهر الكتاب يف عام ‪1260‬م‪ ،‬أي قبل والدة القصة واملسرحية‪ ،‬كما يتجه أدب اخليال إىل‬
‫دانيت خبمس سنوات‪ ،‬وأثبت يف مقال نشره (‪ ..‬أن عامل آخر يالئم خيال أبناء القرن العشرين وما‬
‫مبعوث جملس بلدة فلورنسا قد عاد من إسبانيا بعده مشكالً جنساً أدبياً جديداً‪ ،‬هو ما يسمى‬
‫بعدد كبري من الكتب مما ترجم من العربية إىل بقصص اخليال العلمي‪ ..‬ول��ك��ن‪ ..‬يبقى ألبي‬
‫الالتينية واإلسبانية‪ ،‬ومن بينها كتاب الصعود‪ ،‬عامر أمحد بن شهيد األندلسي فضل السبق‬
‫وك��ان هو املبعوث من أصدقاء دان�تي وشيوخه‪ ،‬والريادة يف أدب اخليال‪.‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ 1‬الرحالت اخليالية يف الشعر العربي احلديث‪ ،‬حممد الصاحل السليمان‪.17-9 ،‬‬
‫‪ 2‬وفيات األعيان البن خلكان ‪.98/1‬‬
‫‪ 3‬الفن ومذاهبه يف النثر العربي لشوقي ضيف ‪.322‬‬
‫‪ 4‬األدب األندلسي بني التأثر والتأثري لبيومي ‪.157‬‬
‫‪ 5‬الذخرية البن بسام ‪.547/1‬‬

‫‪150‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪ 6‬الذخرية ‪.253/1‬‬
‫‪ 7‬احليوان للجاحظ ‪.225/6‬‬
‫‪ 8‬الذخرية ‪.246/1‬‬
‫‪ 9‬مالمح التجديد يف النثر األندلسي للسيويف ‪.86‬‬
‫‪ 10‬األصول العربية للكوميديا اإلهلية حلسني مؤنس‪ ،‬العربي ع‪ ،25‬ص‪.142‬‬
‫‪ 11‬النثر الفين يف القرن الرابع اهلجري لزكي مبارك ‪.320-318‬‬
‫‪ 12‬األدب األندلسي بني التأثر والتأثري ‪.179‬‬
‫‪ 13‬نفس املصدر ‪.182‬‬
‫‪ 14‬بني املعري ودانيت للهنداوي‪ ،‬العربي ع‪ ،23‬ص‪.114‬‬
‫‪ 15‬أثر كتاب املعراج على الكوميديا اإلهلية لعطا بكري العربي ع‪ ،106‬ص‪.112‬‬
‫‪ 16‬حسني مؤنس‪ ،‬العربي ع‪ ،142‬ص‪.40‬‬

‫املصادر واملراجع‬
‫‪ 1‬الذخرية يف حماسن أهل اجلزيرة ابن بسام الشنرتيين‪ ،‬حتقيق سامل مصطفى البدري‪ .‬ط‪ ،1‬دار الكتب‬
‫العملية‪ ،‬بريوت ‪.1998‬‬
‫‪ 2‬معجم األدباء ياقوت احلموي ط‪ 3‬دار الفكر بريوت ‪.1980‬‬
‫‪ 3‬الرحالت اخليالية يف الشعر العربي احلديث حممد الصاحل السليمان ط‪ 1‬احتاد الكتّاب العرب دمشق‬
‫‪.2000‬‬
‫‪ 4‬الفن ومذاهبه يف النثر العربي د‪ .‬شوقي ضيف ط ‪ 2‬بريوت‪.‬‬
‫‪ 5‬رسالة الغفران للمعري حتقيق د‪ .‬بنت الشاطئ (عائشة عبد الرمحن) ط‪ 4‬دار املعارف مصر‪.‬‬
‫‪ 6‬شرح مقامات بديع الزمان اهلمذاني حتقيق حممد حميي الدين عبد احلميد ط‪ 2‬مصر‪.‬‬
‫‪ 7‬أدب الرحالت د‪ .‬أمحد زياد حمبك عامل املعرفة الكويت العدد ‪. 138‬‬
‫‪ 8‬احليوان للجاحظ‪ ،‬ط مصر‪.‬‬
‫‪ 9‬تاريخ النقد األدبي يف األندلس د‪ .‬حممد رضوان الداية ط‪ 1‬دار األنوار بريوت ‪.1968‬‬
‫‪ 10‬الصلة البن بشكوال‪ ،‬ط مصر ‪.1966‬‬
‫‪ 11‬أدب اخليال العلمي حممد عزام ط‪ 1‬دار عالء الدين دمشق ‪.2003‬‬
‫‪ 12‬وفيات األعيان ابن خلكان‪ ،‬حتقيق حممد حميي الدين عبد احلميد‪ ،‬ط مصر ‪1368‬هـ‪.‬‬
‫‪ 13‬ابن شهيد صاحل بن إبراهيم احلسن جملة توبار جملد‪ 2‬عدد ‪.1989 4-3‬‬
‫‪ 14‬الرؤية النقدية عند ابن شهيد د‪ .‬عبد اهلل املعطاني جملة الفيصل ع‪.113‬‬
‫‪ 15‬األدب األندلسي بني التأثر والتأثري د‪ .‬حممد رجب البيومي‪.‬‬
‫‪ 16‬مالمح التجديد يف النثر األندلسي د‪ .‬مصطفى السيويف‪.‬‬
‫‪ 17‬األصول العربية للكوميديا اإلهلية د‪ .‬حسني مؤنس جملة العربي ع‪ 25‬ع‪.142‬‬
‫‪ 18‬بني املعري يف رسالة الغفران ودانيت يف الكوميديا اإلهلية خليل اهلنداوي جملة العربي ع‪.23‬‬
‫‪ 19‬أث�������ر ك����ت����اب امل������ع������راج ع����ل����ى ال����ك����وم����ي����دي����ا اإلهل�����ي�����ة ع����ط����ا ب����ك����ري جم����ل����ة ال����ع����رب����ي ـ‬
‫ع ‪.106‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ديناميكية التقارب‬
‫بين األدب والطب‬
‫حسن إبراهيم الناصر‬

‫احلياة هي كل هذه التفاعالت الديناميكية اليت تؤلف‬
‫العالقة بني األشياء‪ ،‬لتتشكل احلركة‪ ،‬ويزدهر الكون‪،‬‬
‫واإلنسان الذي هو غاية احلياة ‪ ..‬وسر مجاهلا‪ ،‬اتصف‬
‫بالعقالنية والوجدان ‪ ..‬كون اإلنسان يستخدم العقل يف أفعاله‪..‬‬
‫وأعظم مهنة تتطلب التفوق يف العالقات اإلنسانية هي مهنة‪:‬‬
‫(الطب)‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫وال���ع�ل�اق���ة ب�ي�ن ال���ط���ب واألدب عالقة‬
‫ديناميكية تتفاعل وتتداخل يف نسيج احلياة‬
‫اإلنسانية واالجتماعية ‪ ..‬تندمج يف سر‬
‫اإلب��داع اإلنساني‪ ،‬كالمها األدب والطب ‪..‬‬
‫ينبعان من مشاعر رهيفة وشفافة تفيض‬
‫على ضفاف األدب شعرا وحكايات‪ ،‬والعالقة‬
‫بني الطب واألدب متناغمة مع «باقي خمتلف‬
‫أنواع الفنون» اليت تتعلق بالوجدان واإلحساس‬
‫العايل والقيم اخلالقة‪ ،‬لتشكل ملحمة تتحدث‬
‫عن نفسها من خالل النتاج األدبي أو العمل‬
‫اجلراحي ‪ ..‬وهي ‪ :‬ظاهرة تنتشر ليس يف العامل‬
‫العربي وحسب ‪ ..‬بل متتد إىل مستوى العامل‬
‫اإلسالمي ‪ ..‬والغربي‪ ،‬العدد الكبري من األطباء‬
‫الذين برعوا يف جمال األدب‪ :‬شعر‪ ..‬ورواية‪..‬‬
‫وقصة‪ ..‬ومسرح ‪ ..‬وف��ن مج��ايل وتشكيلي‪،‬‬
‫برعوا أيضاً يف جمال التقنية للجراحة الطبية‬
‫‪ ..‬والديناميكية العملية املنتجة للمعرفة‪ ،‬ويف‬
‫دمشق هذه املدينة األقدم تارخيياً ‪ ..‬دمشق‬
‫عطر اليامسني يكلل أبواهبا املفتوحة للضيف‬
‫‪..‬وأس��واره��ا املنيعة على األع��داء ‪ ..‬وقلعتها‬
‫احلصينة بأهلها ووحدهتا الوطنية‪ ..‬وحاراهتا‬
‫القدمية ال�تي متنحها مواصفات لتكون من‬
‫أمجل املدن يف العامل املأهولة بالسكان منذ‬
‫تشكلت األرض ‪ ..‬فهي بلد معمورة ومتتلك‬
‫ص��ف��ات ال��دمي��وم��ة‪ ،‬دم��ش��ق ه���ذه اشتهرت‬
‫باألطباء الذين برعوا بالشعر والقص والرواية‬
‫‪ ..‬يكشف عنهم هذا الكتاب الغين باملعلومات‬
‫عن أطباء لديهم إبداع كبري ومميز يف جمال‬
‫األدب ‪ ..‬ويف جمال العمل اجلراحي الطيب‪،‬‬
‫كمهنة إنسانية راقية ‪.‬‬
‫الكتاب للباحث ‪ :‬حممد عيد اخلربوطلي‪،‬‬
‫الذي قدم جهداً كبرياً أمضاه بالتدقيق للمراجع‬
‫واملخطوطات األدبية والتارخيية‪،‬لينتج هذا‬
‫الكتاب الغين باملعلومات اليت كنا جنهلها من‬
‫قبل‪ ،‬والباحث اخلربوطلي‪ ،‬يستند إىل مراجع‬
‫موثقة ودقيقة‪ ،‬يف كتابه اجلديد «أعالم األطباء‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫األدباء يف دمشق» الذي يعد مرجعا موثقا ملن‬
‫يريد البحث واملعرفة‪( ،‬وللباحث اخلربوطلي‬
‫جهد كبري يف كشف بعض ما كتبه األولون من‬
‫دراسات فكرية وأدبية وتراثية‪ ،‬كنا قبله جنهل‬
‫العدد الكبري منها‪ ،‬لقد قدم جهداً كبرياً يف إزالة‬
‫الغبار عن خمطوطات تراثية كانت مركونة‬
‫على رف��وف تعبت من محلها دون أن ميسها‬
‫أحد ‪ ..‬أو يكشفها للمتلقي‪ ،‬ورمب��ا استطاع‬
‫من خالل جهده الفردي أن حيقق رحباً أدبياً‬
‫كبرياً ‪ ..‬دون النظر إىل الربح املادي وهو يعمل‬
‫جبدية لتحقيق أحالمه يف مشروعه الرتاثي‬
‫لنشر الوعي الثقايف للمجتمع وللحفاظ على‬
‫كنوز املعرفة اليت تدل على احلضارة‬
‫العربية)‪ .‬وبالعودة إىل الكتاب الذي‬

‫‪153‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يضم جمموعة رائدة من أعالم األدب‪ ..‬وكبار‬
‫األطباء العرب‪ ،‬الذين عاشوا بدمشق ‪ ..‬أو‬
‫الذين انطلقوا إىل العامل العربي والغربي منها‪،‬‬
‫حيملون إبداعاهتم األدبية والعلمية‪ ،‬هنا يظهر‬
‫الباحث مدى عشقه لدمشق وتفانيه يف خدمة‬
‫العلم واملعرفة‪ ،‬بعيداً عن التعصب الفكري‬
‫‪ ..‬وعدم التعصب جلانب ديين ال يبنى على‬
‫حقائق‪ ..‬جل مهه الكشف عن سر املعرفة‬
‫لعامة الناس ‪...‬؟ وج��ل مهه أن يكشف عن‬
‫عظمة املبدعني واملفكرين األوائ��ل ‪ ..‬الذين‬
‫قدموا نتاجهم الفكري واألدبي‪ ،‬للعامل اإلنساني‬
‫دون متيز أو حتيز ‪ ..‬حيث ( ال فرق بني عربي‬
‫‪ ..‬وال عجمي إال بالتقوى ‪ ..‬والتقوى أساس‬
‫الدين ‪ )..‬وم��ع ختلقه الكبري مببادئ الدين‬
‫احلنيف يدفعه شوقه إىل حتمل املسؤولية‬
‫الفكرية واألدبية‪ ،‬ليكتب لإلنسان واإلنسانية‪،‬‬
‫جند أننا أمام حبث معريف له أمهيته العلمية‬

‫واألدبية والداللية‪ ،‬وقد تعرفنا من خالله على‬
‫أدباء كانوا يعملون يف جمال الطب‪ ..‬ولديهم‬
‫إن��ت��اج أدب���ي مهم خ��اص��ة يف جم��ال الشعر‪،‬‬
‫ولقد لعبوا دوراً بارزاً يف تقدم الثقافة والفن‬
‫لدمشق وللعامل‪ ،‬كما عملوا يف جمال السياسة‬
‫واالق��ت��ص��اد واحل��ي��اة االج��ت��م��اع��ي��ة‪ ،‬ونظراً‬
‫للجهود الكبرية اليت قدمها الباحث (حممد‬
‫عيد اخلربوطلي)‪ ،‬علينا أن نعرتف أننا أمام‬
‫إب��داع حقيقي ألدب له دالل��ة معرفية‪ ،‬ميكن‬
‫أن نستند إليها كمرجع‪ ،‬وكم كنا جنهل الكثري‬
‫من األعالم واألدب��اء الدمشقيني الذين كتبوا‬
‫الشعر‪ ..‬وكانوا أطباء تشهد هلم جناحاهتم يف‬
‫مهنة إنسانية ذات قيمة معنوية ‪.‬‬
‫العالقة بني الطب واألدب قال عنها ( جورج‬
‫ديهاميل )‪« :‬إن اشتغال األطباء باألدب ظاهرة‬
‫تلتمس أسباهبا من طبيعة املهنة الطبية نفسها‬
‫اليت تتيح الفرصة للمشتغلني هبا أن يشاهدوا‬

‫‪154‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫عن قرب عدداً كبرياً من النماذج البشرية‪ ،‬وهي‬
‫تعاني آالم املرض أو سكرات املوت»‪ ،‬وكما قال‬
‫(سومرست موم)‪ :‬لست أعرف مراناً للكاتب‬
‫أفضل من أن يقضي بضع سنوات يف مهنة‬
‫الطب ‪ ..‬إنك قد تعرف الكثري عن الطبيعة‬
‫اإلنسانية يف مكتب حمام‪ ،‬ولكنك تلتقي هناك‬
‫ب��أن��اس كاملي السيطرة على أنفسهم‪ ،‬أما‬
‫الطبيب فيستطيع أن يدرس طبيعة اإلنسان‬
‫عارية جمردة‪ ،)..‬ويقول الطبيب الشاعر نزار‬
‫بين املرجة ‪ :‬القلم الذي أكتب به الوصفة الطبية‬
‫هو القلم نفسه الذي أكتب به القصيدة)‪..‬‬
‫العالقة الديناميكية ب�ين األدب والطب‬
‫هل��ا م��ا ي�برره��ا إنسانياً ‪ ..‬فهي تعتمد على‬
‫املشاعر اإلنسانية والوجدانيات املعربة عن‬
‫داخل يكاد يتفجر «قصائد شعرية نبيلة» تدل‬
‫على اإلحساس اإلنساني العايل الذي يتمتع‬
‫به األطباء‪ ،‬من خالل كشف معاناة اإلنسان‬
‫وقراءة الطبيعة الفيزيولوجية للجسد‪ ،‬كاشفاً‬
‫عن احلالة املرضية‪ ..‬ونوع املرض‪ ..‬ليتقرب‬
‫إىل حد بلوغ الشعور باملعاناة واألمل نفسه‪،‬‬
‫ال��ذي يشعر ب��ه اإلن��س��ان امل��ري��ض ‪ ..‬وهكذا‬
‫يكتب الطبيب القصيدة بشفافية تفيض‬
‫مشاعرً إنسانية تكاد تنطق لوحدها ‪.‬‬
‫يقول الطبيب اجل��راح الشاعر نزار بريك‬
‫هنيدي‪ ..( :‬مثة عالقة جوهرية قائمة بني‬
‫الطب والشعر‪ ،‬فالطب أقرب املهن إىل نفس‬
‫ال��ش��اع��ر)‪ ،‬الطبيب ال���ذي ي��ق�ترب م��ن بنية‬
‫اجلسد وكيفية اخللق اإلهلي العظيم‪ ،‬يتداخل‬
‫لديه شعور خيايل وهو يفكر يف هذا اإلبداع‬
‫اإلهلي‪ ،‬عن الكيفية‪ ..‬وسر اخللق ‪ ..‬والبحث‬
‫عن جدية عمل كل عضو من أعضاء جسد‬
‫اإلن��س��ان ‪( ..‬وعظمة اخل��ال��ق اإلب��داع��ي��ة )‪،‬‬
‫والس��ت��م��رار ح���راك ال��ت��س��اؤل ل��دى الطبيب‬
‫ليمضي يف مسارات احللم بعيداً‪ ،‬يشكل من‬
‫اخليال وال��واق��ع لوحة فنية أدبية قد تكون‬
‫‪( ..‬قصيدة أو قصة أو رواي���ة ‪ ..‬أو لوحة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫فنية تشكيلية رائعة اجلمال ‪ )..‬تظهر مدى‬
‫اجلمالية اإلنسانية اليت ميلكها الطبيب‪ ،‬وقد‬
‫صاغها خياله اإلبداعي ‪.‬‬
‫يقول الطبيب األديب ( عبد املطلب بن أمحد‬
‫السح )‪ :‬لغة األدب والطب واح��دة مادامت‬
‫غايتها سعادة اإلنسان‪ ،‬ويبدو أن العالقة بني‬
‫اجلسد وأصابع الطبيب اليت تالمسه ‪ ..‬هي‬
‫اليت تشعل نار املعرفة والبحث لديه ‪.‬‬
‫من الكتاب‪:‬‬
‫(ك��م��ا أن ال��ك��ون حسب نظرية القدماء‬
‫يتشكل من عناصر أربعة هي ‪ :‬امل��اء واهلواء‬
‫وال�تراب وال��ن��ار‪ ،..‬وأن مؤثرات أربعة أخرى‬
‫تؤثر يف العامل ويف الكائنات وهي ‪ :‬الرطوبة‬
‫واجل��ف��اف واحل����رارة وال��ب��رودة‪ ،‬فكذلك أن‬
‫هذه العناصر األساسية يف الكون‪ ،‬لن تبقى‬
‫مبعزل عن التأثري يف جسم اإلنسان ‪ ..‬من‬
‫خالل العالقة الديناميكية بني توضع األمل‬
‫‪ ..‬وهنا يظهر ال���دور الكبري للطبيب الذي‬
‫جيد أو حيدد ال��دواء الشايف كما يبدع كتابة‬
‫القصيدة‪ ،‬فيتجلى الدور الكبري للطبيب املبدع‬
‫إنسانياً )‪ .‬وكما ازدهر الطب يف دمشق وعمها‬
‫الرخاء والعمران‪ ،‬وبنيت املدارس ودور العلم‬
‫اليت تستقدم الطالب من كافة أقطار العامل‬
‫‪ ..‬وعرفت دمشق األطباء املؤرخني والشعراء‬
‫واألط��ب��اء الفلكيني‪ ،‬واألط��ب��اء املهندسني‪،‬‬
‫واملوسيقيني والنحويني والفقهاء وهي من أكثر‬
‫املدن اتصاالً باحلضارات املختلفة اليت ظهرت‬
‫عرب القرون ‪.‬‬
‫كذلك يبني الباحث دور بعض الدول العربية‬
‫يف جمال التقدم احلضاري والطيب والتعاون‬
‫بني كافة ال��دول العربية على مر العصور‪ ،‬و‬
‫ذلك يف فصل (نشأة علم الطب و تارخيه )‪.‬‬
‫دور مصر‪:‬‬
‫ك��ان ملصر القدمية دور عظيم يف‬

‫‪155‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املعارف الطبية وأن االختصاصات الطبية‬
‫ظهرت مبصر القدمية بوضوح‪ ،‬وظهر مبصر‬
‫ال��ع�لاج ب��األع��ش��اب الطبية وت��أث�يره��ا على‬
‫اجلسم‪ ،‬ما أذهل العامل اليوناني حينما اطلع‬
‫بعض قدماء عشابي اليونان على ما وصلت‬
‫إليه مصر‪ ،‬فقد كانت مصر خمزناً ال ينضب‬
‫من األعشاب الطبية‪.‬‬
‫العراق‪:‬‬
‫إن الوثائق املتوفرة عن الطب القديم يف بالد‬
‫ما بني النهرين‪ ،‬ال تقل عن مثيالهتا املصرية‪،‬‬
‫وتطورت حضارتا الرافدين ومصر ‪ ..‬وظهرت‬
‫اختصاصات أمراض العني‪ ،‬وقوانني محواربي‬
‫‪ ..‬كلها إشارات واضحة هلذا التطور ‪ ..‬وأظهر‬
‫املؤرخون تأثر الفرس بكلتا احلضارتني حينما‬
‫دخلت جيوشهم إىل بالدنا‪ ،‬كما الحظوا انتقال‬
‫هذه املعلومات الطبية مرتمجة إىل اآلرامية‬
‫أوالً‪ ،‬ثم إىل اإلغريقية أيام االحتالل اليوناني‪،‬‬
‫وأشار املؤرخون إىل روح العلم العظيمة اآلتية‬
‫من الشرق‪ ،‬شكل تالقي احلضارات يف البالد‬
‫العربية منوذجاً إنسانياً ‪ ..‬مع أن البالد العربية‬
‫بقيت متقدمة حضارياً منذ األلف الرابع قبل‬
‫امليالد ‪.‬‬
‫أما بالد الشام‪:‬‬
‫ً‬
‫فقد بقي العنصر العربي مسيطرا منذ أقدم‬
‫العصور‪ ..‬حيث ظهرت حضارة (الكنعانيني‪،‬‬
‫واآلراميني املتطورة يف بالد الشام‪ ،‬املتصلة‬
‫ببالد النهرين من جهة‪ ،‬وبوادي النيل من جهة‬
‫ثانية وببادية العرب من جهة ثالثة‪ ،‬ظاهرة‬
‫استمرت لقرون عديدة‪.‬‬
‫(إن أحموتب الطبيب املصري القديم هو‬
‫جدنا‪ ،‬كما حنني بن إسحاق البدوي القادم‬
‫من احل�يرة جدنا‪ ،‬ومثله يوحنا بن ماسويه‬
‫السرياني الذي جاء من جند يسابور‪ ،‬وكذلك‬
‫الرازي اآلتي من إيران‪ ،‬وماسر جويه البصري‪،‬‬

‫‪156‬‬

‫ومثله مثل علي بن عيسى كحال بغداد وابن‬
‫زهر األندلسي‪ ،‬فكلهم أجدادنا ‪.)..‬‬
‫ه��ذا اإلح��س��اس يعطي لقوميتنا العربية‬
‫طعماً إنسانياً خ��اص�اً ‪ ..‬ال يكاد يشعر به‬
‫وال يفهمه كثري من املؤرخني الغربيني‪ ،‬الذين‬
‫حاولوا أن يؤرخوا للعلوم العربية‪.‬‬
‫ي��ق��ول الباحث ‪ :‬إن��ن��ا حن��ن ال��ع��رب‪ ،‬ورثة‬
‫احلضارة والعلم الذين بنى صرحهما هؤالء‬
‫األجداد منذ أقدم العصور ‪.‬‬
‫أطباء عرب قبل اإلسالم ‪:‬‬
‫يذكر الباحث أن من األطباء الذين عرفوا‬
‫قبل اإلسالم احلارث بن كلدة تويف حنو سنة‬
‫«‪ 50‬ه��ـ ‪ 670 /‬م» فقد ك��ان طبيباً عربياً‬
‫م��ن أه��ل ال��ط��ائ��ف‪ ،‬تلقى ال��ط��ب يف مدرسة‬
‫جنديسابور‪ ،‬وأدرك اإلسالم‪ ،‬وعرف عنه أنه‬
‫سافر إىل ف��ارس وناقش كسرى ‪ ..‬وكذلك‬
‫عرف ابن حذيم الذي كان طبيباً من بين تيم‬
‫‪ ..‬وزهري بن جناب‪ ،‬كما عرفت زينب طبيبة‬
‫بين أود‪ ،‬اليت برعت يف طب العيون وجراحتها‪،‬‬
‫وكذلك عرف الشمردل الكعيب النجراني‪ ،‬و‬
‫ضماد اآلزدي ‪ ..‬وغريهم ‪.‬‬
‫أطباء عرفوا يف العصر األموي ‪:‬‬
‫ويذكر الباحث من أطباء دمشق الذين عرفوا‬
‫يف العصر األموي‪ :‬ابن أثال‪ ،‬طبيب معاوية بن‬
‫أب��ي سفيان ‪ ..‬ال��ذي ك��ان خبرياً ب��األدوي��ة ‪..‬‬
‫وأمحد بن إبراهيم الذي تويف سنة ( ‪ 101‬هـ‬
‫‪ 719 /‬م ) وكان طبيباً ليزيد بن عبد امللك‬
‫‪ ..‬وقد صنف رسالة يف النباتات املستعلمة‬
‫بالطب‪ ،‬وع��رف أيضاً صديق عمر بن عبد‬
‫العزيز ‪ ..‬عبد امللك بن أجبر الكناني ‪ ..‬الذي‬
‫درس الطب يف إنطاكية وح��ران‪ ،‬كما عرف‬
‫الطبيب املشهور تياذوق الذي صحب احلجاج‬
‫طويالً‪ ،‬وماسرجويه الذي كان طبيباً مرتمجاً‬
‫وعاش يف البصرة ‪ ..‬ترجم كتاب أه��رون بن‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أع�ين القس لذلك يقول عنه مايرهوف ‪( :‬‬
‫رمبا كان ماسر جويه صاحب أقدم كتاب طيب‬
‫يف أيام األمويني بدمشق ) ‪.‬‬
‫ترمجة العلوم الطبية ‪:‬‬
‫ب��ع��دم��ا ان��ت��ش��ر اإلس��ل�ام‪ ،‬ش��ج��ع اخللفاء‬
‫واألم��راء العلماء على ترمجة العلوم األخرى‪،‬‬
‫ومنها العلوم الطبية‪ ،‬ففي زمن األمويني يف‬
‫الشام والعباسيني يف بغداد‪ ..‬بلغت الرتمجة‬
‫منتهاها‪ ،‬بعد استقرار الدولة أصبحت اللغة‬
‫السريانية لغة التخاطب يف الطب ‪ ..‬وكان‬
‫جيب كتابة املعلومات الطبية وتدوينها باللغة‬
‫العربية ‪ ..‬لذلك حث أصحاب الشأن على‬
‫تدوين الرتاث اإلنساني العلمي كله بالعربية‪،‬‬
‫وع��وم��ل األط��ب��اء امل�ترمج��ون أفضل معاملة‪،‬‬
‫فجاءت الرتمجات دقيقة وأمينة‪ ،‬وعرف منهم‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أبو احلكم الدمشقي ‪ ..‬وأبو هالل احلمصي‬
‫‪ ...‬وأول كتاب طيب ترجم يف دمشق‪..‬‬
‫( كناش أهرون القس ) الطبيب اإلسكندري‬
‫‪ ..‬وق��د ت��رمج��ه م��اس��ر ج��وي��ه ال��ب��ص��ري‪ ،‬من‬
‫السريانية إىل العربية‪ ،‬ويف العهد العباسي كان‬
‫للمأمون دور كبري يف هذا اجملال‪ ،‬حيث جعل‬
‫دار احلكمة مقراً لألطباء واملرتمجني ‪.‬‬
‫وألن دمشق دائماً «قلب العروبة النابض»‬
‫جاءها الطالب والعلماء واألطباء‪ ،‬بعضهم مر‬
‫هبا وبعضهم استقر وأصر أن يدفن فيها‪ ،‬فمن‬
‫بغداد جاء «اسحق بن عمران» ومن املوصل‬
‫عمار بن علي ‪ ..‬وم��ن األن��دل��س جاءها ابن‬
‫البيطار ‪ .‬وكذلك عرف بدمشق نظام االمتحان‬
‫الطيب حيث عرف كتاب (امتحان األلباء لكافة‬
‫األط��ب��اء) ملؤلفة الطبيب موفق الدين‬
‫السلمي الدمشقي‪ ،‬ومن مصادر الكتب‬

‫‪157‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الطبية كتاب «جالينوس وكتاب اب��ن وافد»‬
‫األدوي��ة املفردة وكتابا ابن زهر األندلسي ‪..‬‬
‫وكتابا النجاة والشفاء البن سينا‪ ،‬وتطور علم‬
‫التشخيص للرازي‪ ،‬وكلها درّست بدمشق‪.‬‬
‫أطباء من العامل العربي واإلسالمي‬
‫عرفوا باألدب والشعر ‪:‬‬
‫يقول الباحث اخلربوطلي ‪ ( :‬إن املتتبع‬
‫لكتب التاريخ والرتاجم جيتمع بعدد كبري من‬
‫األطباء األدباء والشعراء‪ ،‬فال يكاد جيد طبيباً‬
‫إال وكان شاعراً أو أديباً أو فيلسوفاً أو عاملاً‬
‫رياضياً‪ ..‬فمن النادر أن جند طبيباً قدمياً ال‬
‫يكون أديباً أو شاعراً‪ )..‬فقد عرف على سبيل‬
‫املثال ال احلصر يف بغداد ‪« ..‬حنني بن اسحق»‬
‫تويف سنة «‪ 264‬هـ» ترجم العدد الكبري من‬
‫الكتب‪ ،‬ويعقوب بن اسحاق الكندي تويف عام‬
‫«‪286‬ه��ـ»‪ ..‬كان طبيباً شاعراً فيلسوفاً وقد‬
‫عرف بفيلسوف العرب‪ ،‬وأبو حسن ثابت بن‬
‫قرة احلراني تويف «‪288‬هـ» ‪.‬‬
‫األطباء األدباء الدمشقيون‪:‬‬
‫ث��م يذكر الباحث أع�لام األط��ب��اء األدباء‬
‫الدمشقيني ومنهم خالد بن يزيد بن معاوية‪،‬‬
‫األم�ير األم��وي امل��ع��روف من رج��االت قريش‬
‫املتميزين بالفصاحة‪ ،‬كان عالمة خبرياً بالطب‬
‫والكيمياء وشاعراً مبدعاً‪ ،‬وحمباً للعلوم فأمر‬
‫بنقل الكتب من اليونانية إىل العربية وكان هذا‬
‫أول نقل يف اإلسالم من لغة إىل لغة‪ ،‬وعيسى‬
‫بن حكم الدمشقي املشهور بلقب (املسيح) أبو‬
‫احلكم‪ ،‬طبَّب بدمشق أثناء احلكم األموي‪ ،‬من‬
‫مؤلفاته‪( :‬منافع احليوان) كتاب طيب كبري‪،‬‬
‫(الياقوتية) رسالة تسمى باهلارونية وحتمل‬
‫بني طياهتا تقدماً علمياً متميزاً‪ ،‬وقد فطن‬
‫هلا الرازي‪ ،‬فاقتبس منها الكثري يف (الرسالة‬
‫ال��ك��اف��ي��ة يف ص��ن��اع��ة ال��ط��ب)‪ ،‬و(األعشاب‬
‫وال��ع��ق��اق�ير) ي��وج��د م��ن��ه ن��س��خ��ة خ��ط��ي��ة يف‬

‫‪158‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫مكتبة الرباط‪ ،‬والفارابي حممد بن حممد‬
‫بن طرخان الفارابي امل��دف��ون بدمشق‪ ،‬كان‬
‫أحد الفالسفة واألع�لام النابغني والعباقرة‬
‫يف تاريخ احل��ض��ارة اإلسالمية واإلنسانية‪،‬‬
‫لقب باملعلم الثاني وبفيلسوف اإلس�لام‪ ،‬برز‬
‫يف الفلسفة والطب والرياضيات واملوسيقى‪،‬‬
‫وكان جييد اللغات ‪ .‬من مؤلفاته ‪( :‬املوسيقي‬
‫الكبري) أهم مؤلف موسيقي عربي‪( ،‬إحصاء‬
‫اإليقاع)‪( ،‬كالم يف املوسيقا)‪( ،‬آراء أهل املدينة‬
‫الفاضلة)‪( ،‬جوامع السياسة)‪( ،‬إحصاء العلوم‬
‫والتعريف بأغراضها)‪.‬‬
‫وأب��و ف��رج ال��ي�برودي ( طبيب ع��امل كاتب‬
‫أديب مصنف )‪ ،‬وهو جورجوس بن يوحنا بن‬
‫سهل بن إبراهيم اليربودي‪ ،‬أبو الفرج‪ ،‬سرياني‬
‫األصل‪ ،‬قضى عمره يف يربود «من قرى قلمون‬
‫قريبة من صيدنايا إىل الشمال من مدينة‬
‫دمشق»‪ .‬عامل بأصول الطب وفروعه‪ ،‬كان من‬
‫قبل ذلك يعمل بالفالحة وجيمع نبات الشيح‬
‫من نواحي دمشق‪ ،‬وحيمله على دابة ليبيعه يف‬
‫دمشق إىل أصحاب األفران ‪.‬‬
‫من مؤلفاته ‪( :‬مقالة يف أن الفرخ أبرد من‬
‫الفروج)‪ ،‬و (نقض كالم ابن املوفقي يف مسائل‬
‫ترددت يف النبض)‪.‬‬
‫والطبيب اب��ن ال��ص�لاح أمح��د ب��ن حممد‬
‫السري‪ ،‬جنم الدين أب��و الفتوح‪ ،‬ع��رف بابن‬
‫ال��ص�لاح ‪ ..‬وأص��ل��ه م��ن مه���ذان وحييى بن‬
‫إمس��اع��ي��ل ال��ب��ي��اس��ي‪ ..‬أب��و احل��ك��م الباهلي‬
‫املغربي‪ ،‬طبيب موسوعي أدي��ب وش��اع��ر‪ ،‬و‬
‫موفق الدين ابن املطران‪ ،‬ولد بدمشق وفيها‬
‫نشأ‪ ،‬وعبد املنعم اجللياني‪ ..‬طبيب موسوعي‬
‫وأديب وشاعر ‪ ..‬أندلسي األصل أقام بدمشق‬
‫وت��رك كثرياً من املؤلفات‪ ،‬وعلي بن خليفة‬
‫اخلزرجي‪ ،‬ابن الطبيب‪ ...‬عبد الرمحن بن‬
‫علي بن حامد‪ ،‬ومهذب الدين ال��دخ��وار ‪...‬‬
‫عبد الرحيم بن علي بن حامد مهذب الدين‬
‫املعروف بالدخوار صاحب أول مدرسة طبية‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫خاصة بدمشق‪ ،‬وعبد اللطيف البغدادي‪..‬‬
‫م��وف��ق ال��دي��ن عبد اللطيف ب��ن ي��وس��ف بن‬
‫على بن أبي سعيد‪ ،‬ومفضل بن إبراهيم بن‬
‫أبي الفضل الدمشقي الطبيب الشاعر‪ ،‬وابن‬
‫النفيس طبيب موسوعي فقيه وأديب ‪ ..‬علي‬
‫بن أبي احلزم القرشي أبو احلسن عالء الدين‬
‫امللقب بابن النفيس‪ ،‬أعلم أهل عصره بالطب‪،‬‬
‫وحممد بن قيم اجلوزية طبيب موسوعي فقيه‬
‫لغوي أديب وعبد الرمحن الشهبندر طبيب‪..‬‬
‫خطيب سياسي وأديب لغوي ومرتجم‪ ،‬ورضا‬
‫سعيد‪ ..‬الطبيب والكاتب‪ ،‬وص�بري القباني‬
‫طبيب ع��امل وأدي��ب موسوعي‪ ،‬وهناك عدد‬
‫كبري ال يتسع اجملال لذكر مجيع األطباء الذين‬
‫برعوا يف الطب واألدب وكتبوا الشعر ‪ ..‬يف‬
‫هذه الدراسة املتواضعة‪.‬‬
‫الكتاب غين وواسع ويشكل موسوعة علمية‬
‫ومعرفية للذين يبحثون عن مناقب األطباء‬
‫األدباء الذين عاشوا بدمشق وشربوا ماءها‪..‬‬
‫ولديهم حبوث علمية وطبية وأدبية تستحق‬
‫املتابعة بكل أمانة ‪.‬‬
‫الباحث حممد عيد اخلربوطلي‪ ،‬أهدى‬
‫كتابه إىل دمشق عاصمة الثقافة ‪:‬‬
‫(إىل دمشق مدينة السحر والشعر ومهد‬
‫احلضارات وصاحبة القلب الكبري)‬
‫الكتاب «أعالم األطباء األدباء يف دمشق»‬
‫صدر عن احتاد الكتاب العرب لعام ‪،2008‬‬
‫طبع الكتاب ‪ ...‬مبناسبة دم��ش��ق عاصمة‬
‫الثقافة العربية ‪.2008‬‬
‫وللباحث ‪ :‬حممد عيد اخلربوطلي‪ ،‬كتاب‬
‫(م���دارس أنشأهتا النساء يف العامل العربي‬
‫واإلس�لام��ي)‪ ،‬ويكتب يف الصحف واجملالت‬
‫السورية والعربية الدراسات الرتاثية‪ ،‬كما أن‬
‫لديه اهتماماً كبرياً يف تبيان دور املكتبات و‬
‫املخطوطات العربية واإلس�لام��ي��ة يف غنى‬
‫املعرفة‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تلوث المياه على األرض‬
‫وفي البحار‬
‫د‪ .‬عبد اللطيف ياسني‬

‫إن تلوث املياه هو التغيري يف الصفات الطبيعية والكيميائية‬
‫والبيولوجية حبيث جيعلها غري صاحلة لالستعمال البشري‬
‫والزراعي واحليواني‪ ،‬وتتعرض مياه األنهار والبحار للتلوث من‬
‫األرض ومن اجلو كذلك‪ ،‬وحتى املياه اجلوفية أصبحت يف كثري من بقاع‬
‫العامل ملوثة وغري صاحلة للشرب‪ ،‬فاملياه اجلوفية يف مدينة دمشق مثالً‬
‫بدأت بالتلوث‪ ،‬حيث يوجد يف مدينة دمشق حوالي ‪ /14/‬مركزاً للضخ‬
‫وحوالي ‪ /200/‬بئر‪ ،‬وهذه املصادر األساسية لتغذية مدينة دمشق‪ ،‬بدأ‬
‫اخلطر يهددها نتيجة إقامة منشآت قريبة منها‪ ،‬وما يرافق ذلك من تلوث‬
‫املياه‪ ،‬حيث تضع شركة النقل الداخلي خزانات املازوت بالقرب من مركز ضخ‬
‫ابن عساكر‪ ،‬أو تقام حديقة حيوانات بالقرب من مركز ضخ آخر‪ ...‬إخل‬

‫‪160‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ويأتي تلوث املياه أيضاً من مياه الصرف‬
‫الصحي غري املعاجلة وتصريف املواد الكيماوية‬
‫والتسربات النفطية واملواد الكيماوية الزراعية‬
‫ال�تي جترفها املياه من الرتبة الزراعية‪ ،‬وقد‬
‫ق��درت منظمة الصحة العاملية أن أكثر من‬
‫مخسة ماليني شخص ميوتون كل عام يف العامل‬
‫نتيجة أمراض تسببها املياه امللوثة‪ ،‬وكلي أمل‬
‫باهتمام اللجنة الفنية املشكلة من وزارة اإلدارة‬
‫احمللية والبيئة وحمافظة دمشق يف اإلسراع يف‬
‫هذا األمر‪ ،‬ألن املاء النظيف هو احلياة‪.‬‬
‫ول��ق��د تضاعف استهالك امل��ي��اه للفرد يف‬
‫العامل خالل األعوام العشرة املاضية ويتضاعف‬
‫تقريباً كل عشر سنوات أيضاً‪ ،‬وه��ذه الزيادة‬
‫مردها ارتفاع مستوى الوعي الصحي والرفاهية‬
‫واالستهالك الصناعي واستهالك الفرد يومياً‬
‫م��ن ‪ 300 - 200‬ليرت‪ ،‬حلاجاته فقط‪ ،‬فإذا‬
‫قدرنا حاجة املعامل واملصانع أيضاً لذهلنا أمام‬
‫الرقم الذي يصرف‪.‬‬
‫ويبدأ تلوث املياه وهي ال تزال يف اجلو‪ ،‬رمبا‬
‫وهي بشكل خبار املاء إذ إن أي انفجار نووي‬
‫حتمل هذه الغيوم ذراته وغباره‪ ،‬فتهطل أمطاراً‬
‫ملوثة كما جرى عام ‪ 1970‬عند تفجري الصني‬
‫للقنبلة النووية‪.‬‬
‫وي��ت��م ت��ل��وي��ث اإلن���س���ان ل�ل�أهن���ار والبحار‬
‫واحمليطات والينابيع بألوف املواد ذات التأثري‬
‫البيولوجي غري احملدد حتى اآلن‪ ،‬ويشمل ذلك‬
‫املنتجات البرتولية وخملفاهتا وفضالت معامل‬
‫الكيمياء واملعادن ومركبات التنظيف اجلاف‬
‫وفضالت مشعة وغ��ازات احل��رب الكيميائية‬
‫ومبيدات احلشرات وآالف املعامل واملصانع‬
‫ال�تي تقام على ضفاف األهن���ار أو الشواطئ‬
‫وترمي فضالهتا البشرية ونفاياهتا على األهنار‪،‬‬
‫أو على شواطئ البحار‪ ،‬كذلك امل��دن القريبة‬
‫أو اليت متر فيها األهنار‪ ،‬فكل أنواع الفضالت‬
‫اآلدمية تصب أحياناً يف النهر‪ ،‬وحتول كهاريز‬
‫املستشفيات وما حتويه من فضالت مرضاها‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫إىل األهنار‪ ،‬ولنا مثال حي على ذلك يف بالدنا‬
‫هنر بردى فهو من منبعه حتى هنايته يف الغوطة‬
‫يستقبل وعلى مدى ‪ 75‬كم كل فضالت الوادي‬
‫وق���راه واملصطافني واملعامل ب���دءاً م��ن معمل‬
‫اهلامة الكهربائي ومعمل دمر االمسنيت الذي‬
‫أغلق (‪ )1‬ومعامل األدوي��ة والبالط والتنظيف‬
‫اليت أقيمت على جوانبه‪ ،‬مع مئات بل ألوف من‬
‫احملالت الصغرية والكبرية اليت حتول نفاياهتا‬
‫وأقذارها إليه‪ ،‬كذلك ما إن يصل الهثاً حيمل‬
‫تلوثه إىل دم��ر حتى يبدأ باستقبال نفايات‬
‫املدينة وضواحيها اجلديدة بدءا ُ من دمر‬
‫واملزة وهكذا ال نستطيع أن نرى فيه أي‬

‫‪161‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫صفة من صفات األهنار العادية‪ ،‬بل هو كهريز‬
‫كبري مكشوف ي��وزع الرائحة واألم��راض طيلة‬
‫سريه شاكياً مما صنعنا به فلم يعد حيمل معنى‬
‫احلياة وعذوبة املاء‪.‬‬
‫أـ مدينة دمشق وغوطتها‬
‫قال (اب��ن جبري) الرحالة العربي الكبري يف‬
‫دمشق وغوطتها‪ :‬ق��د أح��دق��ت هب��ا البساتني‬
‫أحداق اهلالة بالقمر واكتنفها اكتناف الكمامة‬
‫للزهر وام��ت��دت بشرقيها غوطتها اخلضراء‬
‫ام��ت��داد ال��ب��ص��ر»‪ .‬أم��ا اإلدري���س���ي‪ ،‬اجلغرايف‬
‫العربي فقد أطنب يف وصف هواء الغوطة وكثرة‬
‫أشجارها وجودة مثارها‪.‬‬
‫كما قال «املقدسي»‪« :‬دمشق عروس الدنيا‬
‫م��ع مسرقند‪ ،‬وشهر اإلب��ل��ة‪ ،‬أن��زه «منتزهات‬
‫الدنيا»‪.‬‬
‫ويقول االصطخري‪ :‬الذي عاش يف النصف‬
‫األول م��ن ال��ق��رن ال��راب��ع اهل��ج��ري يف وصف‬
‫دمشق‪« :‬وهي أمجل مدينة بالشام كلها‪ ،‬وهي‬
‫أرض واسعة بني جبال حتيط هبا مياه كثرية‬
‫وأش��ج��ار وزروع متصلة وتسمى تلك البقعة‬
‫«الغوطة» خيرجها ماؤها من حتت كنيسةٍ يقال‬
‫لـها «الفيجة»‪ ،‬ثم جيري يف شُعُب تتفجر منها‬
‫العيون‪ ،‬فيأخذ منه هنر عظيم بعرض الدجلة‪،‬‬
‫ثم يستنبط من هنر «امل��زة» وهنر «القناة»‪ ،‬ثم‬

‫‪162‬‬

‫يبقى من هذا املاء عمود النهر‪ ،‬ويسمى «بردى»‬
‫وعليه قنطرة يف وسط دمشق ال يعربه الراكب‬
‫غزارة وكثرة»‪.‬‬
‫كما ق��ال امل��ق��دس��ي م��ؤل��ف ك��ت��اب «أحسن‬
‫التقاسيم يف معرفة األقاليم» ت��ويف بعد عام‬
‫‪378‬ه��ـ‪ :‬وهو بلد قد خرقته األهن��ار‪ ،‬وأحدقت‬
‫به األشجار‪ ،‬وكثرت به الثمار مع أرخص أسعار‬
‫وثلج وأضداد‪ ،‬ال ترى أحسن من محاماهتا‪ ،‬وال‬
‫أعجب من فواراهتا‪ ،‬وال أعزم من أهلها‪.»...‬‬
‫وي���ق���ول امل��ه��ل�بي (ج���غ���رايف ع���اش يف ظل‬
‫الفاطميني وألف كتاب «املسالك واملمالك»)‪:‬‬
‫وبظاهر دمشق وادي البنفسج تكسريه حنو‬
‫أربعة أميال‪ ،‬وهنر ب��ردى يشقه‪ ،‬فالوادي كله‬
‫مملوء بشجر السرو‪ ،‬ال تصل الشمس إىل أكثر‬
‫أرضه‪ ،‬وأرضه كلها بنفسج متشح بعضه ببعض‬
‫يف هناية احلسن‪.»...‬‬
‫كما ذكرها ياقوت احلموي يف كتابه (معجم‬
‫البلدان)‪ ،‬وكذلك اليعقوبي والشاعر الكليب وحتى‬
‫الرحالة األجانب فقد أسهبوا يف الوصف؛ منهم‬
‫وليم الصوري الذي زار دمشق وافتنت جبمال‬
‫غوطتها ثم الرحالة تتمار والرحالة «سوخم»‪...‬‬
‫إخل‪.‬‬
‫كما قال «النويري يف هناية األدب‪ :‬الغوطة‬
‫شرك العقول‪ ،‬وقيد اخلاطر‪ ،‬وعقال النفوس‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ون��زه��ة ال���ن���واظ���ر‪ ..‬خلخلت األهن����ار أش���واق‬
‫أشجارها‪ ،‬وجاست املياه دي��اره��ا‪ ،‬وصافحت‬
‫أيدي النسيم أكفّ ُغدراهنا‪ ،‬ومُث ِّلت يف بواطنها‬
‫موائس أغصاهنا‪ ..‬خيال سالكها أن الشمس قد‬
‫نثرت على أثوابه دنانري ال يستطيع أن يقبضها‬
‫بنان‪ ،‬ويتوهّم املتأمل لثمارها إهنا أشربة قد‬
‫وقفت بغري أوان يف ك ّل أوان‪.‬‬
‫هبا البساتني الوارفة‪ ،‬تتسلل جداوهلا‪ ،‬وتغنّي‬
‫دَوحاهتا‪ ،‬وتتمايل أغصاهنا‪ ،‬وتغرّد أطيارها‪ ،‬بكل‬
‫حلن وشدو يُحلق بسماء ال يفرتُ عن التمجيد‬
‫بعظمة اخلالق‪ ،‬وقدرته فيما خلق‪.‬‬
‫كانت الغوطة رئة دمشق ومتنفس أبنائها‪.‬‬
‫لقد زرت الغوطة عام ‪ 1954‬عندما حضرت‬
‫من الالذقية لدراسة الطب يف دمشق‪ ،‬وكانت‬
‫من أمجل املنتزهات اليت عرفتها‪ ،‬كانت الغوطة‬
‫بالنسبة يل جنة من جنات اهلل على أرضه‪،‬‬
‫وفسحة مجيلة يل وألصدقائي بعد الدراسة‬
‫والتعب‪ ،‬تريح األعصاب والنفس واجلسد‪ ،‬نعود‬
‫بعد زيارهتا للدراسة مهيئني جسمياً ونفسياً‪.‬‬
‫والفرق كبري بني اليوم وأي��ام زم��ان‪ ،‬عندما‬
‫كنا نصعد إىل جبل قاسيون لنطل على مدينة‬
‫دمشق الواسعة املمتدة لكل اجلهات‪ ..‬وكنت‬
‫ترى األسر الدمشقية على جوانب الطريق على‬
‫الكراسي أو يفرشون األرض ببساط متواضع‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫يتسامرون وهم يشربون الشاي‪.‬‬
‫مل يكن هناك غمامة سوداء أو تلوث يغطي‬
‫مساء دمشق كما هو اآلن‪.‬‬
‫كما كنا نتمتع مبنظر هنر بردى الغين اجلميل‬
‫النظيف‪ ،‬والربوة بتخوهتا املقامة على األهنار‪،‬‬
‫كنا نتنزه وأصدقائي وزمالئي يف كلية الطب‬
‫نتأمل امل��اء الوفري يف ب��ردى وهو يهدر بغزارة‬
‫وبسرعة جريان كبرية قبل وصوله إىل املدينة ثم‬
‫مروره خالل األحياء والبيوت‪ .‬حتيط به ظالل‬
‫وارفة وخضرة تنعش القلب واألبصار متنفسني‬
‫هواءً عليالً ال غبار فيه وال رائحة نتنة‪.‬‬
‫وق��د أوصلت مياه ب��ردى إىل كل بيت وإىل‬
‫الغوطة كما كانت مياه ت��ورا تصل إىل‪ :‬جوبر‬
‫وزملكا وحرة ومسرابا وحرستا ودوما‪.‬‬
‫ومياه هنر الدامياني تصل إىل‪ :‬عني ترما‪،‬‬
‫وكفر بطنا وجزين وسقبا ومح��وري��ة‪ ...‬إخل‪،‬‬
‫ولنرى الفرق اآلن بني تلك األي��ام وبني أيامنا‬
‫احملزنة هذه‪..‬‬
‫فقد مسحت األحباث احليوية السمية للمياه‬
‫السطحية واجلوفية بتقدير درج��ة السمية‬
‫للمصدر األس��اس��ي للتموين املائي والنشاط‬
‫االقتصادي‪ ،‬وهو هنر بردى الذي مت تقسيمه‬
‫إىل أج��زاء ذات مسية خمتلفة‪ ،‬فاملياه‬
‫األكثر مسية يف النهر هي املوجودة بني‬

‫‪163‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫دمر وغوطة دمشق‪ ،‬أما اجملرى من النبع وحتى‬
‫دمر فمياهه نظيفة أو ضعيفة السمية‪.‬‬
‫كما متكنت األحب���اث م��ن إظ��ه��ار السمية‬
‫املختلفة للمياه يف عدد من اآلبار وبعض قنوات‬
‫الري يف الغوطة‪.‬‬
‫كما د ّلت الدراسات على أن املياه السطحية‬
‫يف منطقة دمشق عملياً مجيعها ملوثة‪ ،‬وأن‬
‫عامل التلوث الصنعي هو األساسي هنا‪ ،‬نتيجة‬
‫املخلفات الصناعية واملنزلية اليت تصرف يف‬
‫هنر بردى وقناة تورا وديراني واملليحة وغريها‪،‬‬
‫وتتشكل يف مياه القنوات اليت مترّ عرب املدينة‬
‫ظروف مالئمة لنمو املتعضيات اجملهرية الدقيقة‬
‫واليت تش ّكل أساساً لألمراض الوبائية‪.‬‬
‫كما تلعب املياه اجلوفية الدور الرئيسي يف‬
‫ري األراض��ي الزراعية يف غوطة دمشق واليت‬
‫حتتوي على متعدنات‪ ،‬ونتيجة هذا فإن اجلزء‬
‫األعظم من األراضي املزروعة مبا فيها األراضي‬
‫املروية قدمياً ويف املروج املروية والرطبة وشبه‬
‫الصحراوية أصبحت ماحلة وتتحول بشكل دائم‬
‫إىل سبخات‪.‬‬
‫وإن امل��ي��اه ال��ع��ادي��ة املستخدمة يف الري‬
‫أص��ب��ح��ت م��ص��در ت��ل��وث ل��ل�ترب وللمنتجات‬
‫الزراعية واملياه السطحية والقريبة من السطح‬
‫بالبكترييات واملركبات السامة‪ ،‬ونظراً للرتكيب‬
‫الفلزي امليكانيكي الثقيل لرتب غوطة دمشق‬
‫فإهنا تتميز خبصائص امتصاصية وال سيما‬
‫بالنسبة للبكترييا‪.‬‬
‫وم��ن أج��ل التقويم األفضل واألدق للوضع‬
‫اجليوبيئي ملنطقة دمشق وما حوهلا‪ ،‬كان ال بد‬
‫من دراس��ة طبيعة التأثري الناجم عن احلقول‬
‫اجليوفيزيائية من ناحية (الضجيج الصوتي‬
‫والتيارات املغناطيسية واإلشعاعات النامجة‬
‫عن املواد املشعة)‪.‬‬
‫كما توجد خمالفات سرطانية تتفشى يف‬
‫غوطة دمشق‪ ..‬بلدات محورة وبيت نايم سقبا‬
‫جسرين وبيت سوي وغريها‪...‬‬

‫‪164‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫أراض زراعية اقتلعت أشجارها وحتولت إىل‬
‫كتل بيتونية‪ ،‬وإىل أماكن للفيالت والشقق لتجار‬
‫كبار ومستنفعني‪ ،‬حفالت وسهرات ماجنة‪.‬‬
‫كما أن اخل��دم��ات يف ب��ل��دة مح���ورة وباقي‬
‫خدمات البلدات اجملاورة ال تزال قاصرة‪ ،‬إذ ال‬
‫تزال الطرقات ترابية والنظافة متدنية‪ ،‬وتبدل‬
‫اهل��واء العليل إىل غبار ودخ��ان وروائ��ح كريهة‬
‫واملخالفات تنشأ كل يوم على حساب األراضي‬
‫الزراعية اخلصبة وتنهش من جنبات غوطة‬
‫دمشق تدرجيياً‪ ،‬وال من حماسب وال من جميب‪.‬‬
‫واخلوف أن يأتي يوم تتالشى فيه الغوطة رئة‬
‫دمشق هنائياً لتحل حملها كتل بيتونية شاحبة‪.‬‬
‫تذكرت حبسرة ومرارة كلمات الشاعر الراحل‬
‫توفيق قنرب رمسها كصورة رائعة حلوض الفرات‬
‫وبيئته قائالً‪:‬‬
‫«إني التفت فلألشجار أخيلة‬
‫ظالهلا يف جبني األفق أفياءُ‬
‫حبر من الغاب واألشجار ملتطمٌ‬
‫أمواجه من غصون الدوح خضراء»‬
‫فاألشجار تكحل النظر جبماهلا وروعتها‪،‬‬
‫وجتلب املاء فتعيد بناء الشجر‪ ،‬ومن ثم جيلب‬
‫ال��ش��ج��ر األك��س��ج�ين وامل����اء ومه���ا س��ر احلياة‬
‫النظيفة املستمرة‪.‬‬
‫وقد تلوث هنر الراين قدمياً نتيجة تسرب‬
‫مواد كيميائية حتتوي على عنصر الزئبق السام‬
‫من مصانع إحدى الشركات السويسرية األمر‬
‫الذي هدد بالقضاء على الكائنات احلية اليت‬
‫فيه خاصة األمساك‪ ،‬والتأثري بشكل خطري على‬
‫إمدادات مياه الشرب يف أملانيا الغربية وهولندا‪،‬‬
‫مما محل علماء البيئة على أن يعتربوا مياهه‬
‫ملسافات طويلة ميت ًة من الناحية البيولوجية‬
‫وذلك رغم املبالغ الطائلة اليت تنفقها املصانع‬
‫األملانية الواقعة على ه��ذا النهر على محاية‬
‫البيئة اليت وقع فيها احلادث‪.‬‬
‫أم��ا البحر األب��ي��ض امل��ت��وس��ط ال���ذي نطل‬
‫عليه فإنه ميوت اختناقاً نتيجة تسرب ماليني‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫األطنان من املواد امللوثة والسامة واملشعة إىل‬
‫مياهه سنوياً‪ .‬فكل ي��وم يستقبل ه��ذا البحر‬
‫مخسة آالف طن من النفط ومئة وسبعني طناً‬
‫من مواد التنظيف وثالثني طناً من الفينول‪ ،‬ومئة‬
‫مليون مرت مكعب من مياه اجملاري وهذه املواد‬
‫السابقة ترميها إىل هذا البحر مئة وعشرون‬
‫مدينة تقع على سواحله وتصب مياه جماريها‬
‫فيه بدون تكرير أو تنقية‪ .‬إنه سيتحول بعد فرتة‬
‫من الزمن إىل حبر ميت‪ .‬إنه بالوعة كبرية للماء‬
‫اآلس��ن القذر ال��ذي يرميه ح��وايل ‪ 125‬مليون‬
‫نسمة يعيشون على شواطئه يتضاعفون‬
‫يف الصيف‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اهلوامش‬
‫(‪ )1‬لقد ق��رأت يف جملة أكتوبر ‪ 2‬تشرين‬
‫أول ‪2004‬م عن الدكتورة هبة قطب احلائزة‬
‫على الدكتوراه يف الطب اجلنسي واالستشارة‬
‫الزوجية‪ ،‬يف مصر‪ ،‬وه��ي تركز على ضرورة‬
‫الرتبية والثقافة اجلنسية وع��دم الكذب على‬
‫األطفال‪ ،‬عندما يسألون «من أين أتينا»‪ ...‬إخل‪.‬‬
‫بارك اهلل بالدكتورة هبة‪ ،‬ألهنا تقوم بعمل‬
‫ه���ام ج���داً يف ال�ترب��ي��ة اجلنسية وباخلاصة‬
‫لألطفال‪...‬‬
‫كما ق��رأت يف جملة «روز اليوسف» من ‪4‬‬
‫‪2004/9/10‬م‪ ،‬حديث عن أضرار االسبستوس‬
‫وأن اخلرباء يف مصر طالبوا بتفعيل مشروع وزارة‬
‫البيئة ملنع االسبستوس واستخدام البدائل اآلمنة‪،‬‬
‫كما تقول دراسة جبامعة القاهرة‪ ،‬أن خماطره‬
‫تتخطى ح��دود مصانعه وت��ؤث��ر على املناطق‬
‫احمليطة هب��ا‪ ،‬وم��ن يستخدمونه‪ ...‬وتعجبت‬
‫لـهذا التأخري يف حبث مثل ه��ذه املوضوعات‬
‫احلياتية اهلامة سواء الرتبية اجلنسية‪ ،‬وسواء‬
‫الكشف عن أضرار االسبستوس العديدة ومنها‬
‫السرطان‪.‬‬
‫إني واحلق يقال ال أقصد أن أظهر مبظهر‬
‫السبَّاق يف هذه املواضيع‪ ،‬لكين تأملت لتأخر‬
‫البحوث العلمية العربية‪ ،‬يف جم��االت كثرية‪،‬‬
‫فالعرب يف واد والتطور العلمي يف واد آخر‪.‬‬
‫لقد كتبت عن االسبستوس وأخطاره يف كتابي‬
‫«السرطان أسبابه والوقاية منه» الصادر عام‬
‫‪1988‬م وحتت عنوان «سرطانات املهنة والوقاية‬
‫منها»‪ ،‬ذاكراً ومعدداً املهن اليت تعرض أصحاهبا‬

‫‪166‬‬

‫لألمراض املختلفة ومنها السرطان معلقاً على‬
‫أخ��ط��ار االسبستوس (‪ )ASBESTOS‬مبا‬
‫يلي‪« :‬تتضمن عشرات املهن زي��ادة يف خطر‬
‫ال��س��رط��ان‪ ،‬ول��رمب��ا يوجد الكثري والكثري من‬
‫أخطار السرطانات املهنية منتظرة اكتشافها‪،‬‬
‫وإنه ملن املعروف أن من أسوأ األخطار املتعلقة‬
‫باملهن هو خطر غبار األسْ ِبستَ (األسبستية)‬
‫وامل��وج��ود يف بعض مناطق سورية مثل معمل‬
‫االمسنت يف دم��ر‪ ،‬حيث يتدخل بشكل واسع‬
‫يف الصناعات العديدة‪ ،‬وال��ذي يتسبب رمبا‬
‫بوفاة حوايل ‪ %2‬من كل السرطانات يف الواليات‬
‫املتحدة األمريكية‪ ،‬كما يوجد عدد من العمال‬
‫العرب املصابني بسرطان الرئة نتيجة استنشاق‬
‫غبار األسبست وقد تصاب زوجات العمال أيضاً‬
‫نتيجة الستنشاق ألياف االسبست اخلارجة من‬
‫ثياب عمل أزواجهن أثناء تنظيفها يف البيت‪.‬‬
‫كما تبني ع��ام ‪1955‬م أن نسبة امل��وت من‬
‫سرطان الرئة بني العمال املعرضني لألسبست‬
‫يف معمل النسيج يف بريطانيا هي ‪ /14/‬مرة‬
‫أكثر من نسبة املوت عند بقية السكان العاديني‪،‬‬
‫وهذا ما يؤكد عمل املولدات السرطانية املهنية‬
‫عند التعرض لألسبست‪ .‬وبعد ظهور كتابي‬
‫ب��ف�ترة وج��ي��زة أغ��ل��ق معمل االمس��ن��ت يف دمر‬
‫الستخدامه االسبست وال يزال مغلقاً وال تزال‬
‫بعض احملافظات يف سوريا تستخدم االسبست‬
‫يف مصانع االمسنت‪ ...‬آمالً أن تغلق كما أغلق‬
‫معمل االمسنت يف دمر‪..‬‬
‫هذا ما كتبته عام ‪ 1988‬يف كتابي السرطان‪،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫مقارنة مع ما كتب يف جملة روز اليوسف عام‬
‫‪4‬ـ ‪ 2004/9/10‬من أن اخلرباء يف مصر طالبوا‬
‫بتفعيل مشروع وزارة البيئة ملنع االسبستوس‬
‫واستخدام البدائل اآلمنة‪ ...‬ملاذا هذا التأخري‬
‫يف كشف أخطار االسبستوس؟! خصوصاً يف‬
‫مصر أم الثقافة؟!‪.‬‬
‫أما عن الثقافة والرتبية اجلنسية واليت أثريت‬
‫يف اجملالت واجلرائد املصرية يف عام ‪2004‬م‬
‫بالذات‪ ،‬ومن قبل الدكتورة هبة قطب‪ ،‬فهي‬
‫ضرورية ج��داً وهامة ج��داً ولو كانت متأخرة‬
‫كثرياً‪.‬‬
‫وللحق أق���ول‪ ،‬أل��ف��ت يف السبعينيات أول‬
‫موسوعة جنسية ثقافية علمية أخالقية‪ ،‬من‬
‫ثالثة أجزاء حتت اسم‪« :‬منع احلمل ومشاكل‬
‫اجلنس وال���زواج» تكلمت فيها بالتفصيل عن‬
‫أمه��ي��ة الرتبية اجلنسية وع���دم وج���ود ثقافة‬
‫جنسية عند اآلب���اء وال حتى عند املدرسني‬
‫العاديني‪ ،‬راجياً وداعياً وجود أساتذة مثقفني‬
‫يف هذا اجمل��ال‪ ،‬وقد تكلمت فيها عن ضرورة‬
‫الصدق يف التعامل مع الطفل وحسب سنه‪،‬‬
‫فالطفل نواة عقل متطور‪ ،‬وهذا التطور قابل‬
‫للفهم الصحيح الواضح‪ ،‬وإال فسيكون تطوراً‬
‫حنو الفوضى واالضطراب‪ ،‬وتشويه املفاهيم‪...‬‬
‫واملسؤول عن ذلك مها الوالدان‪.‬‬
‫من الثابت علمياً أن الثقافة اجلنسية تبدأ‬
‫قبل احلضانة‪ ،‬بل من أول لقاء‪ ،‬أو تقارب بني‬
‫األم والوليد بعد الوالدة‪ ...‬إهنا يف الطريقة اليت‬
‫حيب فيها األبوان أطفاهلم‪ ،‬أو حيمالهنم هبا‪.‬‬
‫إهنا يف الصوت‪ ،‬وطريقة إخراجه اليت حتمل‬
‫يف نرباهتا احلب أو الرفض‪ ،‬وهي يف اإلحساس‬
‫برائحة األبوين‪ ،‬والشعور جبلدمها‪ ...‬وقد تبدو‬
‫هذه الطريقة الصوتية احلسية غري ذات شأن‪،‬‬
‫لكنها ب��دء التطور يف االجت���اه اجلنسي عند‬
‫الطفل الوليد يف املستقبل‪...‬إخل‪.‬‬
‫إن تساؤل الصغار‪ ...‬من أن جييء األطفال؟‬
‫وأي��ن كانوا قبل ال���والدة؟ هو نقطة البدء يف‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫احلاجة إىل الثقافة اجلنسية‪ ،‬واإلجابة هي بدء‬
‫هذه الرتبية بشكل منهجي ورصني وعلى قدر‬
‫املستوى الذهين والعقلي للطفل‪.‬‬
‫ول�لأس��ف ف��إن معظم البالغني والشباب‬
‫يستقون معلوماهتم اجلنسية من أصدقائهم‬
‫وع��ادة ما تؤخذ يف أثناء حمادثات عابرة‪ ،‬أو‬
‫نكات ومم��ازح��ات‪ ،‬يصب معظمها يف قوالب‬
‫تنايف اخللق وجت��ايف اآلداب والقيم اخللقية‪،‬‬
‫وهي يف الوقت ذاته مشوشة فاسدة‪ ...‬واخلطر‬
‫أن تكون ه��ذه امل��س��ارب من احلديث مصدراً‬
‫لتعليم شبيبتا أهم قضاياهم احلياتية‪...‬‬
‫وقد تطرقت يف املوسوعة اجلنسية أيضاً إىل‬
‫مشاكل اجلنس والزواج‪ ...‬من سرعة القذف‪...‬‬
‫الربودة اجلنسية عند املرأة‪ ...‬العجز اجلنسي‪..‬‬
‫والعادة السرية‪ ...‬اخل بشكل علمي أخالقي‪...‬‬
‫وال أريد مزيداً من التفاصل‪ ...‬فكلها مكتوبة يف‬
‫األج��زاء الثالثة من الكتاب فإن رغبت فارجع‬
‫إليها‪.‬‬
‫وقد أقيمت ندوة ثقافية دعا إليها برنامج‬
‫«كاتب وموقف» اإلذاع��ي ال��ذي يعده األستاذ‬
‫عبد الرمحن احلليب يف املركز الثقايف العربي‬
‫بدمشق بتاريخ ‪ ،1979/4/13‬وحت��ت عنوان‬
‫«حنو ثقافة جنسية» هبدف مناقشة كتابي يف‬
‫الرتبية والثقافة اجلنسية‪ ،‬وشاركين فيه الدكتور‬
‫األس��ت��اذ سعيد ال��ب��وط��ي وال��دك��ت��ورة وحيدة‬
‫العظمة‪.‬‬
‫وما زلت أذكر كلمات صديق أديب حمرتم‪،‬‬
‫وس��ف�ير س��اب��ق‪ ،‬وي��ع��م��ل ح��ال��ي �اً م��ع��اون وزير‬
‫اخلارجية يف سورية عندما قال يل‪:‬‬
‫«لقد صدقت يا دكتور عبد اللطيف عندما‬
‫ذكرت يف كتبك أنه من اخلطأ جداً الكذب على‬
‫األطفال عندما يسألون من أين جاؤوا؟ وتابع‬
‫يقول‪ ،‬لقد سألين طفلي مرة من أين جئت يا‬
‫بابا؟؟ أجبته وجدناك حتت الشجرة‪ ...‬وعندما‬
‫كرب قال يل باحلرف الواحد‪ ...‬كذبت علي يا‬
‫بابا أنا مل آتِ من حتت الشجرة‪.»!!..‬‬

‫‪167‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ظاهرة البرق‬
‫هناء الصاحل‬

‫إن احلديث عن ظاهرة الربق َّ‬
‫ظل مرتبطاً باخلرافات‬
‫واألساطري آلالف السنني ‪ ،‬مل يكن ألحد وقتها أي‬
‫علم عن العمليات اليت حتدث داخل الربق ‪.‬‬
‫فقد أثبتت التجارب أن هنالك عمليات فيزيائية وكيميائية دقيقة‬
‫حتدث داخل شعاع ال�برق‪ ،‬وهي اليوم ّ‬
‫حمل اتفاق من قبل‬
‫مجيع العلماء‪ .‬وميكن رؤية هذه العمليات اليوم بفضل الكامريات‬
‫الرقمية املتطورة‪ ،‬كما ميكن اعتبار وجود هذه العمليات كحقائق‬
‫يقينية ال ّ‬
‫شك فيها‪ .‬وعلى الرغم من التطور التقين الكبري هلذه‬
‫األجهزة تبقى املراحل الدقيقة جداً للربق لغزاً حمرياً للعلماء ‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫ففي ظ��ل ال��ظ��روف ال��س��ائ��دة داخ���ل شعاع‬
‫ال�برق ال ميكن ألي جهاز أن يتحمل احلرارة‬
‫اهلائلة والتوتر الكهربائي العايل جداً‪ .‬فدرجة‬
‫احلرارة يف مركز شعاع الربق تصل إىل ‪ 30‬ألف‬
‫درجة مئوية‪ ،‬أي مخسة أضعاف حرارة سطح‬
‫الشمس!‬
‫إن التوتر الكهربائي الذي تولده ومضة الربق‬
‫الواحدة يصل إىل ماليني الفولتات‪ ،‬وبالتايل‬
‫تُعترب دراس��ة ال�برق من أصعب أن��واع الدراسة‬
‫التجريبية وأكثرها تعقيداً‪ ،‬وذل��ك ألن زمن‬
‫امل��راح��ل ال�تي تشكل ومضة ال�برق م��ن مرتبة‬
‫املايكرو ثانية‪ ،‬أي من مرتبة اجلزء من املليون‬
‫من الثانية‪ ،‬وه��ذا الزمن ضئيل ج��داً وصعب‬
‫اإلدراك ‪.‬‬
‫حقائق تارخيية‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ظلت ظاهرة الربق حدثا حميِّرا للعلماء على‬
‫مدى قرون طويلة‪ ،‬ونُسجت األساطري الكثرية‬
‫حول الربق وتأثرياته‪ ،‬فك ّل حضارة كانت تنظر‬
‫إىل هذه الظاهرة على أهنا حدث مقدس يرتبط‬
‫باآلهلة‪ ،‬وكل حضارة كانت حتاول إعطاء تفسري‬
‫هلذا احلدث املرعب ‪.‬‬
‫ففي األساطري اإلغريقية مثالً كان التفسري‬
‫املقبول وقتها لدى علماء القرن السابع هو أن‬
‫الربق كان سالحاً لإلله «زيوس ‪ »Zeus‬الذي‬
‫استخدمه لتخويف أع��دائ��ه واالنتقام منهم‪.‬‬
‫وحتى عهد قريب كان الناس يعتقدون يف أوروبا‬
‫بوجود هذا اإلله الذي يسمونه «صانع الربق»‪.‬‬
‫كما كانت بعض الشعوب تعتقد بوجود ثور‬
‫يركب عربة وخي�ترق الغيوم ويف ي��ده مطرقة‬
‫كلما طرق هبا تولد الربق ! أو أن هنالك طائراً‬
‫كلما رفرف جبناحيه تولد صوت الرعد ! أما‬
‫الربق فهو عبارة عن الريش الالمع هلذا الطائر‪.‬‬
‫وهكذا بقيت اخلرافات مسيطرة على عقول‬
‫البشر آالف السنني‪.‬‬
‫وعندما ج��اء العصر احلديث ق��ام العلماء‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫بتجارب علمية متعددة منذ منتصف القرن‬
‫السابع عشر امليالدي وحتى يومنا هذا‪ ،‬أي على‬
‫مدى أكثر من قرنني ونصف القرن‪ ،‬وخالل هذه‬
‫الفرتة قام العلماء بآالف التجارب يف سبيل فهم‬
‫هذه الظاهرة احمليّرة‪ ،‬واليت ال تزال التفاصيل‬
‫الدقيقة جمهولة متاماً بالنسبة لنا حتى اآلن ‪.‬‬
‫الربق يف العصر احلديث‬
‫يف عام ‪ 1746‬بدأ العامل «بنيامني فرانكلني»‬
‫جتاربه ح��ول الكهرباء‪ ،‬ثم اق�ترح أول جتربة‬
‫ّ‬
‫منظمة أث��ب��ت م��ن خ�لاهل��ا الطبيعة‬
‫علمية‬
‫الكهربائية للربق‪ ،‬وأن ال�برق ما هو إال شرارة‬
‫كهربائية ناجتة عن التقاء شحنتني كهربائيتني‬
‫متعاكستني‪.‬‬
‫ففي عام ‪ 1750‬كتب هذا العامل ما معناه ‪:‬‬
‫«لكي حندّد ما إذا كان الربق عبارة عن كهرباء‬
‫أم ال‪ ،‬نقوم بالوقوف يف غرفة صغرية على برج‬
‫عالٍ‪ ،‬ثم نرسل سلكاً من احلديد عالياً يف اجلو‬
‫أثناء وجود غيوم كثيفة وممطرة‪ ،‬أي أثناء وجود‬
‫عاصفة رعدية‪ ،‬إن الكهرباء املوجودة يف الغيوم‬
‫سوف تنتقل عرب القضيب املعدني من هنايته‬
‫العليا إىل هنايته السفلى‪ ،‬وسوف تنطلق شرارة‬
‫كهربائية‪ ،‬وينبغي عزل هذا القضيب بالشمع‬
‫لكي ال تنتقل الكهرباء ع�بر اجلسم وتسبب‬
‫األذى»‪.‬‬
‫لقد ن ّفذ هذا العامل جتربته عام ‪ 1752‬م‬
‫باستخدام طائرة ورقية هي األشهر يف التاريخ‬
‫وخ��رج بنتيجة ألول م��رة يقول من خالهلا إن‬
‫ال�برق هو عبارة عن ش��رارة كهربائية نتيجة‬
‫التقاء شحنتني متعاكستني ‪.‬‬
‫ويف ال��ع��ام ذات���ه أي ‪ 1752‬م‪ ،‬ق��ام العامل‬
‫الفرنسي «ت��وم��اس ف��ران��س��وا» بتطبيق هذه‬
‫التجربة‪ ،‬فصنع طائرة ورقية وربطها بسلك‬
‫معدني ثم أرسلها عالياً يف يوم ممطر‪ ،‬وعندما‬
‫قرَّب هناية القضيب من األرض انطلقت‬
‫ش��رارة قوية تشبه ش��رارة ال�برق‪ ،‬فأثبت‬

‫‪169‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بذلك أن الغيوم حتتوي على شحنات كهربائية‪.‬‬
‫ولكن النتائج اليت حصل عليها كانت متواضعة‬
‫جداً ومل يستطع إدراك العمليات الفيزيائية‬
‫اليت تسبب هذه الشرارة القوية‪.‬‬
‫يف ع��ام ‪ 1753‬ق��ام الفيزيائي السويدي‬
‫«رتشمان» بتجربة حول الربق أثبت فيها أن‬
‫الغيوم الرعدية حت��وي شحنات كهربائية‪،‬‬
‫وقد ُقتِل بسبب صدمة الربق اليت تعرض هلا‬
‫عندما قام بتطبيق جتربة «فرانكلني» فأرسل‬
‫طائرة ورقية عالياً لتالمس الغيوم ولكنه نسي‬
‫أن يعزل السلك املعدني فتسببت الشرارة‬

‫‪170‬‬

‫الكهربائية القوية بقتله على الفور‪.‬‬
‫واستمرت التجارب‪ ،‬ولكن املعرفة بالربق‬
‫بقيت متواضعة حتى هناية ال��ق��رن التاسع‬
‫عشر وبداية القرن العشرين‪ ،‬عندما أصبح‬
‫التصوير الفوتوغرايف ممكناً‪ ،‬وعندها أصبح‬
‫بإمكان العلماء التقاط صور لومضات الربق‬
‫ومن ثم حتليلها ومعرفة بعض تفاصيلها اليت‬
‫ال تدركها عني اإلنسان‪.‬‬
‫لقد بدأ التصوير الفوتوغرايف للربق عام‬
‫‪ 1935‬يف الواليات املتحدة األمريكية‪ ،‬ولكن‬
‫أجهزة التصوير كانت بطيئة وبقيت العمليات‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫الدقيقة اليت ترافق ظاهرة الربق جمهولة حتى‬
‫الستينيات من القرن العشرين‪ ،‬حيث تطورت‬
‫التجارب وازداد االهتمام هبا لتجنب صدمات‬
‫ال�ب�رق ال�تي تتعرض هل��ا امل��راك��ب الفضائية‬
‫والطائرات واملنشآت الصناعية‪.‬‬
‫وق��د أم��ك��ن اس��ت��خ��دام التصوير السريع‬
‫وامل��راك��ب الفضائية وال���رادارات واحلاسوب‬
‫ملعاجلة ودراسة البيانات اليت قدمتها خمتربات‬
‫مراقبة الربق ‪.‬‬
‫وه��ك��ذا اس��ت��ط��اع ال��ع��ل��م��اء أخ��ي�راً بفضل‬
‫التصوير فائق السرعة واملعاجلة الرقمية‬
‫للبيانات أن يثبتوا أن ومضة الربق الواحدة قد‬
‫تتألف من عدة ضربات‪ ،‬وكل ضربة تتألف‬
‫من عدة مراحل أو أطوار‪.‬‬
‫وقد مت قياس األزمنة لكل مرحلة بدقة‬
‫كبرية‪ ،‬ورؤي��ة هذه املراحل‪ ،‬ومل يتحقق هذا‬
‫إال يف هناية القرن العشرين‪ ،‬وبداية القرن‬
‫احلادي والعشرين ‪.‬‬
‫أنواع الربق‬
‫قبل ال��ب��دء بالتعرف على أس���رار الربق‬
‫وتفاصيله الدقيقة ال بد من التعرف على أهم‬
‫أن��واع الربق واليت قد ال ختطربالبال‪ ،‬وذلك‬
‫لبيان مدى تعقيد هذه الظاهرة والتنوع الكبري‬
‫يف ضربات الربق‪ ،‬فالربق ميكن أن يضرب يف‬
‫أي مكان على األرض أو يف السماء ‪.‬‬
‫حيدث الربق على عدة أنواع حسب مكان‬
‫وج��ود الشحنتني املوجبة والسالبة‪ .‬وأكثر‬
‫األن��واع شيوعاً وأمهية هو ال�برق الناتج من‬
‫التقاء شحنتني متعاكستني بني الغيمة واألرض‪.‬‬
‫فغالباً ما تكون الغيمة ذات شحنة سالبة عند‬
‫اجلهة القريبة من األرض‪ ،‬أما سطح األرض‬
‫فيكون ذا شحنة موجبة‪ ،‬ويسمي العلماء هذا‬
‫النوع «برق غيمة‪-‬أرض» ‪.‬‬
‫أما النوع الثاني فهو ما حيدث بني غيمة‬
‫وغيمة أخرى‪ ،‬ومبا أن الوسط الذي تتجمع‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫فيه الغيوم ميتلئ باحلقول الكهربائية فإن‬
‫احتمال تالمس الشحنات املتعاكسة والتقائها‬
‫كبري جداً‪.‬‬
‫ولذلك فإن الربق الذي حيدث بني الغيوم‬
‫ميثل ثالثة أرباع ومضات الربق‪ ،‬واليت تقدر‬
‫مبئة ومضة يف كل ثانية وذل��ك يف خمتلف‬
‫أحناء العامل‪ .‬ويعرف هذا النوع بـ «برق غيمة‬
‫– غيمة»‪.‬‬
‫أما النوع الثالث فهو ما حيدث بني الغيمة‬
‫واهل���واء‪ .‬حيث تكون الغيمة حممّلة بشحنة‬
‫كهربائية‪ ،‬واهلواء احمليط هبا من أحد جوانبها‬
‫حيمل شحنة معاكسة ‪.‬‬
‫وعندما تكون كمية الشحنات الكهربائية‬
‫يف الغيمة ويف اهلواء كافية ينطلق شعاع الربق‪،‬‬
‫وحيدث هذا النوع الذي يعرف بـ «برق غيمة‬
‫– هواء» ‪.‬‬
‫وهذا النوع من أنواع الربق قليل املالحظة‪،‬‬
‫وعلى الرغم من ذلك فقد مت حديثاً التقاط‬
‫ص��ور واض��ح��ة ل��ل�برق احل��اص��ل ب�ين الغيوم‬
‫واهلواء احمليط هبا ‪.‬‬
‫هنالك ن��وع آخ��ر وه��و ال�برق ب�ين الغيمة‬
‫وطبقات اجلو العليا‪ ،‬وحيدث هذا الربق بني‬
‫الطبقات العليا يف الغيوم الركامية وبني طبقة‬
‫األيونوسفري واليت حتوي حقالً كهربائياً بشكل‬
‫دائم‪.‬‬
‫وقد أمكن رؤية برق كهذا بواسطة أجهزة‬
‫التصوير املثبتة على األقمار االصطناعية‪ ،‬مع‬
‫العلم أن مجيع أنواع الربق حتدث نتيجة التقاء‬
‫شحنات متعاكسة‪ .‬وسوف نرى يف الفقرات‬
‫القادمة أن اآللية اهلندسية حل��دوث الربق‬
‫متشاهبة يف مجيع أنواعه ‪.‬‬
‫وهنالك أن��واع أخ��رى كثرية نذكر منها ما‬
‫حيدث داخل الغيمة ذاهتا‪ ،‬وإذا علمنا بأن أية‬
‫غيمة حتمل شحنة موجبة يف أحد طرفيها‪،‬‬
‫فال بد أن حتمل شحنة سالبة يف طرفها‬
‫املقابل‪ ،‬وهكذا ويف ظروف العواصف‬

‫‪171‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الرعدية حيدث التالمس ويتحقق الربق الذي‬
‫يضيء األرض ولكنه ال يصل إليها ‪.‬‬
‫كذلك هنالك برق حيدث يف أشهر الصيف‬
‫وآخ��ر يف الشتاء‪ ،‬وهنالك ب��رق على شكل‬
‫كرة‪ ،‬وبرق صفائحي وغري ذلك كثري‪ .‬كما أن‬
‫العلماء رصدوا برقاً على بعض الكواكب مثل‬
‫املشرتي أشد مبئة مرة من تلك الضربات على‬
‫األرض‪.‬‬
‫واليوم ومنذ عدة سنوات يعمل العلماء على‬
‫دراسة ومراقبة الربق من الفضاء باستخدام‬
‫تقنيات متطورة ج��داً‪ ،‬وقد توصلوا حلقائق‬
‫كثرية عن هذه الظاهرة ‪،‬‬
‫الغيوم الرعدية‬
‫إن ال��ب�رق ال حي���دث يف أي غ���ي���وم‪ ،‬بل‬
‫هنالك غيوم حمددة يسمِّيها العلماء بالغيوم‬
‫الرعدية‪ ،‬وهي البيئة املناسبة حلدوث الربق‪،‬‬
‫وقد تكون هنالك غيمة واحدة أو عدة غيوم‬
‫وهو األغلب‪.‬‬
‫وهذه الغيوم تكون عادة ممتلئة باحلقول‬
‫الكهربائية بسبب الرياح اليت تسوق جزيئات‬
‫خبار امل��اء وتدفعه لألعلى وتسبب احتكاك‬
‫هذه اجلزيئات بعضها ببعض ما يولد هذه‬
‫احلقول الكهربائية‪ .‬يف الوقت نفسه تتجمع‬
‫شحنات سالبة وأخ��رى موجبة يف الغيمة‪،‬‬
‫وغالباً ما ترتفع الشحنات املوجبة لألعلى‬
‫وتبقى السالبة يف أسفل الغيمة من اجلهة‬
‫القريبة من األرض‪.‬‬
‫لقد د ّلت الدراسات أيضاً أن هنالك فرقاً‬
‫يف اجلهد الكهربائي بني سطح األرض وطبقة‬
‫األي��ون��وس��ف�ير يبلغ ‪ 500‬أل��ف ف��ول��ت‪ ،‬وهذا‬
‫الفرق ينتج بسبب التوزع العاملي للعواصف‬
‫الرعدية‪ ،‬واليت تعترب ضرورية للحفاظ على‬
‫هذا الفرق‪.‬‬
‫من أين تأتي هذه الشحنات؟‬

‫‪172‬‬

‫إن احلديث عن الغيوم يعين احلديث عن‬
‫املاء الذي حتمله هذه الغيوم‪ ،‬وحنن نعلم أن‬
‫كل جزيئة ماء ترتكب من ذرة أكسجني وذرتني‬
‫من اهليدروجني ‪.‬‬
‫إن الشحنات السالبة تنتشر على ذرة‬
‫األوكسجني أم��ا الشحنات املوجبة فتنتشر‬
‫على ذرت���ي اهل��ي��دروج�ين نتيجة مل��ا يسمى‬
‫الرابطة اهليدروجينية املوجودة يف جزيئات‬
‫املاء‪ ،‬وهذه الرابطة تشكل مصدراً مهماً من‬
‫مصادر الشحنات السالبة واملوجبة واليت‬
‫تنتشر يف أجزاء الغيمة واهلواء ‪.‬‬
‫ولكي نأخذ فكرة أوس��ع عن ال�برق الذي‬
‫حيدث على األرض نتأمل بعض اإلحصائيات‬
‫احلديثة عن ومضات الربق على سطح الكرة‬
‫األرضية ‪.‬‬
‫حقائق وأرقام‬
‫ يف كل ثانية هنالك مئة ومضة برق يف‬‫العامل ‪.‬‬
‫ ويف كل يوم هنالك ‪ 8.6‬ماليني ومضة‬‫برق ‪.‬‬
‫ ويف سنة واح���دة حي��دث يف الواليات‬‫املتحدة األمريكية أكثر من ‪ 20‬مليون ومضة‬
‫برق ‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ كل ومضة برق تولد توترا كهربائيا يرتاوح‬‫من ‪ 100‬مليون وحتى ‪ 1000‬مليون فولت ‪.‬‬
‫ كل ومضة برق تنتج تياراً كهربائياً من‬‫‪ 10‬آالف أمبري وحتى ‪ 200‬ألف أمبري ‪.‬‬
‫ إذا نظرنا للكرة األرضية يف أي حلظة‬‫فإننا نرى فيها ‪ 2000‬عاصفة رعدية حتدث‬
‫يف اللحظة ذاهتا ‪.‬‬
‫ إن ال��ب�رق ال ي��ن��ح��ص��ر يف العواصف‬‫الرعدية‪ ،‬بل متت مشاهدة بعض أنواع الربق‬
‫يف األع��اص�ير ال��ك��ب�يرة‪ ،‬ويف ال�ب�راك�ي�ن‪ ،‬ويف‬
‫العواصف الثلجية الضخمة‪.‬‬
‫ ميكن أن متتد شرارة الربق إىل أكثر من‬‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫عشرة كيلو مرتات أفقياً‪.‬‬
‫ ختربنا اإلحصائيات الدقيقة أن الربق‬‫قد قتل يف الواليات املتحدة األمريكية ‪3696‬‬
‫شخصاً‪ ،‬وذلك بني عامي ‪ 1959‬و‪200‬‬
‫كيف حيدث الربق‬
‫نعلم من قوانني الكهرباء أنه عندما تلتقي‬
‫الشحنات املتعاكسة ينتج عنها ومضة أو‬
‫شرارة كهربائية‪ ،‬وهذا ما حيدث يف الربق‪.‬‬
‫فالغيوم تتكون نتيجة جتمع جزيئات البخار‬
‫املرتفع م��ن األرض‪ ،‬ه��ذه اجل��زي��ئ��ات تكون‬
‫حممَّلة بشحنات كهربائية موجبة وسالبة‬
‫نتيجة تفاعلها واحتكاكها واصطدامها‪ ،‬وكما‬
‫قلنا غالباً ما تكون الشحنات السالبة يف أسفل‬
‫الغيمة من اجلهة القريبة من األرض ‪.‬‬
‫وسبب ذلك هو تأثري اجلاذبية اليت تقوم‬
‫بدورها يف توزيع الشحنات‪ ،‬وتكون الشحنة‬
‫املوجبة يف أعلى الغيمة‪ ،‬وه��ذا حي��دث يف‬
‫ما يسمى بالغيوم الرعدية اليت تسبب الربق‬
‫دائماً‪.‬‬
‫إن الشحنة الكهربائية أو ما يسمى بالكهرباء‬
‫الساكنة هي متاماً ما حنسّ به عندما نلمس‬
‫قبضة الباب بعد احتكاك أقدامنا بالسجادة‪،‬‬
‫أو عندما نلمس شاشة الكومبيوتر أحياناً‬
‫فنحسّ بلدغة كهرباء خفيفة‪ ،‬وم��ا هي إال‬
‫عبارة عن شرارة كهربائية مصغرة !‬
‫وكذلك عندما جنري تالمساً بني سلكني‬
‫كهربائيني أح��دمه��ا م��وج��ب واآلخ���ر سالب‬
‫موصولني بقطيب بطارية صغرية فإننا نرى‬
‫شرارة تتولد بينهما ‪.‬‬
‫ع��ن��دم��ا ت��ك��ون ه��ن��ال��ك زي�����ادة يف عدد‬
‫اإللكرتونات يف أسفل الغيمة يتولد عن ذلك‬
‫حقل كهربائي سالب‪ ،‬ويقابل هذه الزيادة يف‬
‫أعلى الغيمة نقص لإللكرتونات ولذلك يتولد‬
‫احلقل الكهربائي املوجب ‪.‬‬
‫وعندما تتجمع كميات مناسبة من‬
‫اإلل��ك�ترون��ات يف أسفل الغيمة تنتقل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪173‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هذه الشحنات السالبة بواسطة اهلواء الرطب‬
‫املوجود بني الغيمة وسطح األرض‪ ،‬وتقرتب من‬
‫سطح األرض ذي الشحنة املوجبة‪ ،‬عند ذلك‬
‫تتشكل قناة دقيقة جداً يف قاعدة الغيمة‪.‬‬
‫وينطلق ب��ع��د ذل���ك ع�بر ه���ذه ال��ق��ن��اة ما‬
‫يسميه العلماء الشعاع القائد ‪ Leader‬من‬
‫الغيمة باجتاه األرض‪ ،‬وهذا الشعاع الذي ميرّ‬
‫وخيطو خبطوات متتالية هو أول مرحلة من‬
‫مراحل الربق‪.‬‬
‫وعندما يصل هذا القائد إىل األرض وبفعل‬
‫احلقل السالب ال��ذي حييط به جيذب إليه‬
‫الشحنات املوجبة املوجودة بالقرب من سطح‬
‫األرض‪ ،‬وتتحرك ه��ذه الشحنات املوجبة‬
‫باجتاه الشعاع القائد وتصطدم به على ارتفاع‬
‫عشرات األمتار عن سطح األرض‪ ،‬وتتشكل‬
‫قناة اتصال بني الغيمة واألرض‪.‬‬
‫وعندها تنهار عازلية اهلواء ويصبح ناقالً‬
‫للكهرباء ويتولد تيار كهربائي قوي ينري على‬
‫شكل ومضة ب��اجت��اه األع��ل��ى‪ ،‬وي��دع��ى طور‬
‫الرجوع ‪ ،Return Stroke‬وهذه الضربة‬
‫الراجعة هي ما نراه فعالً ألن معظم الضوء‬
‫يتولد عنها‪.‬‬
‫وتصل سرعة شعاع الربق يف هذه الضربة‬
‫الراجعة إىل ‪ 160‬ألف كيلو مرت يف الثانية‪،‬‬
‫وتستغرق وسطياً حبدود ‪ 40‬مايكرو ثانية‪،‬‬
‫وتُنتج التيار الراجع والذي يقدر من ‪ 10‬إىل‬
‫‪ 20‬أل��ف أمبري‪ .‬وبعد ذل��ك متر ف�ترة توقف‬
‫مدهتا من ‪ 3‬وحتى ‪ 100‬ميلي ثانية ثم تتكرر‬
‫العملية من جديد باستخدام القناة ذاهتا‬
‫الربق خطوة خطوة‬
‫لكي نسهل رؤية ما حيدث متاماً يف الربق‬
‫نستعني بالرسوم التوضيحية‪ .‬وهذه الرسوم‬
‫هي تقريب ملا حي��دث‪ ،‬وال��واق��ع أن ضخامة‬
‫العمليات وسرعتها الفائقة يف شرارة الربق ال‬
‫ميكن إدراكها أبداً ‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫‪ -1‬يبدأ ال�برق باخلطوة األوىل املتمثلة‬
‫ب��ان��ط�لاق ال��ش��ع��اع ال��ق��ائ��د ‪ Leader‬وهذا‬
‫الشعاع ال ينْزِل دفعة واح��دة‪ ،‬بل ميرّ مروراً‬
‫على شكل خطوات‪ .‬وغالباً ما تكون شحنة‬
‫هذا الشعاع سالبة ‪.‬‬
‫‪ -2‬ثم تأتي اخلطوة الثانية ليصل هذا‬
‫الشعاع إىل هدفه على األرض ويصطدم مع‬
‫شحنتها املوجبة‪ ،‬وحيدث التصادم عادة فوق‬
‫سطح األرض على ارتفاع عشرات األمتار‪.‬‬
‫‪ -3‬أما اخلطوة الثالثة ففيها يبدأ تدفق‬
‫الشحنة السالبة من الغيمة باجتاه األرض‪،‬‬
‫وذلك على طول القناة اليت أسسها الشعاع‬
‫القائد ‪.‬‬
‫‪ -4‬فيما بعد تتم أهم خطوة وهي الضربة‬
‫الراجعة من األرض باجتاه الغيمة‪ ،‬ومع أننا‬
‫نظن بأن الربق يتجه من الغيمة إىل األرض‪،‬‬
‫إال أن احلقيقة هي أن الشعاع يتجه من األرض‬
‫راجعاً باجتاه الغيمة‪ ،‬ولكن سرعة العملية‬
‫جتعلنا نرى العكس ‪.‬‬
‫‪ -5‬وأخ�ي�راً تنتهي ض��رب��ة ال�ب�رق بصعود‬
‫الشعاع الراجع إىل الغيمة‪ ،‬وتكون هنالك فرتة‬
‫توقف تقدر بعشرات األج��زاء من األلف من‬
‫الثانية‪ ،‬ثم ترجع الضربة لتتكرر من جديد‬
‫وفق اخلطوات ذاهتا‪ ،‬وهكذا ميكن أن تتكرر‬
‫ضربة الربق عدداً من املرات لتعطي ومضة‬
‫واح���دة وق��د مت تسجيل ‪ 47‬ضربة ب��رق يف‬
‫ومضة واح��دة‪ ،‬وجتدر اإلش��ارة إىل أن أطول‬
‫وم��ض��ة ب��رق مت تسجيلها ال ت��ت��ج��اوز ‪1.5‬‬
‫ثانية‪.‬‬
‫إن ال��ع��ل��م��اء مل ي��ك��ون��وا ليستيقنوا هبذه‬
‫احلقائق العلمية لوال أهنم متكنوا من اخرتاع‬
‫أجهزة للتصوير السريع‪ ،‬وكذلك اخرتاع أجهزة‬
‫للقياسات الدقيقة‪ ،‬وكذلك اخرتاع الكمبيوتر‬
‫الذي بواسطته يتم حتليل البيانات القادمة‬
‫من أجهزة القياس بشكل رقمي ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫خمطط ضربات الربق‬
‫لقد قام العلماء برسم العديد من املخططات‬
‫ح��ول ال�برق وأط���واره‪ ،‬وم َّثلوا العمليات اليت‬
‫حتدث على رسوم متنوعة هبدف تسهيل فهم‬
‫هذه الظاهرة املعقدة‪.‬‬
‫ولذلك ميكننا أن نتأمل املخطط اآلتي‬
‫والذي نالحظ فيه أطوار الربق وزمن كل طور‪،‬‬
‫وهذه الدراسة قد َّ‬
‫متت من أجل غيمة منوذجية‬
‫ترتفع عن سطح األرض ‪ 3‬كيلومرتات‪ ،‬وطوهلا‬
‫يصل إىل ‪ 10‬كيلومرتات ‪.‬‬
‫نستطيع اليوم أن نعلم من خالل القياسات‬
‫الدقيقة أن كمية هائلة من الشحنات السالبة‬
‫تصل من الغيمة إىل األرض يف أقل من جزء‬
‫من األلف من الثانية‪ ،‬وتتولد بعد ذلك الضربة‬

‫الراجعة واليت تسري عرب قناة حمددة بسرعة‬
‫تصل إىل أكثر من نصف سرعة الضوء كما‬
‫رأينا واليت تعطي الربق الوميض الذي نراه ‪.‬‬
‫إن القناة ال�تي تسلكها الضربة الراجعة‬
‫تُستخدم من جديد لضربات أخرى‪ ،‬أي هنالك‬
‫مرور ورجوع لشعاع الربق‪ ،‬أي هنالك تكرار‬
‫لضربات الربق ميكن أن يكون عددها ‪ 3‬أو ‪4‬‬
‫أو نستطيع اليوم أن نعلم من خالل القياسات‬
‫الدقيقة أن كمية هائلة من الشحنات السالبة‬
‫تصل من الغيمة إىل األرض يف أقل من جزء‬
‫من األلف من الثانية‪ ،‬وتتولد بعد ذلك الضربة‬
‫الراجعة واليت تسري عرب قناة حمددة بسرعة‬
‫تصل إىل أكثر من نصف سرعة الضوء كما‬
‫رأينا واليت تعطي الربق الوميض الذي تراه ‪.‬‬

‫املراجع‬
‫‪-Martin A Uman, All About Lightning, Courier Dover Publications, 1987.‬‬
‫‪-G V Cooray, Vernon Cooray, The Lightning Flash, IET, 2003.‬‬
‫‪-Richard Kithil, Fundamentals of Lightning Protection, National Lightning‬‬
‫‪Safety Institute, www.lightningsafety.com‬‬
‫‪-Martin A Uman, Lightning, Courier Dover Publications, 1984.‬‬
‫‪-Hugh Christian, Steven Goodman, Observing Lightning from Space, www.‬‬
‫‪nasa.gov, 1998.‬‬
‫‪-The Lightning Process: Keeping in Step, www.noaa.gov, March 2004 ,9.‬‬
‫‪-Dan Breed, Bob Henson, Lightning: FAQ, UCAR Communications, www.‬‬
‫‪ucar.edu‬‬
‫‪-Lightning, www.wikipedia.org‬‬
‫‪-Lightning and Thunder, www.fma-research.com‬‬
‫‪-How Lightning Forms, www.weatherimagery.com‬‬
‫‪-Flash Facts About Lightning, National Geographic News, June 2005 ,24.‬‬
‫‪-Steve Goodman, A Lightning Primer, www.nasa.gov‬‬
‫‪-Zeus and his Lightning Bolt, www.atheism.about.com‬‬
‫‪-Dean R . Koontz, Lightning, Berkley Publishing Group, 2003.‬‬
‫‪-http://www.lightningeliminators.com‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

‫‪175‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪ƶƬƯřƺƗƹžƤƐƫřŚƿŚƠų‬‬
‫رئيس التحرير‬
‫إن الرصد اجلوّي وعمل تقارير خاصة حبركة اهلواء يف طبقات اجلوّ ودرجات احلرارة والتحذيرات من‬
‫عواصف مقبلة‪ ،‬وقراءة التغريات اجلويّة خالل الساعات أو األيام املقبلة‪ ،‬أصبحت اآلن متطورة كثرياً بعد‬
‫أن ازداد التطوّر العلمي يف جمال األقمار الصناعية واالستشعار عن بعد‪..‬‬
‫إن أهم العناصر اليت تلزم الرصد اجلوّي ملعرفة التغريات وقراءهتا لأليام املقبلة هي الضغط اجلوي ثم‬
‫اجتاه الرياح وسرعتها ودرجة حرارة اهلواء والرطوبة وكميّة السحب وأنواعها وارتفاعها ثم كمية املطر أو‬
‫الثلج الساقط ومدى الرؤية‪ ..‬هذه العناصر تكون مانسميه الطقس وتتوىل التقنيّة املعاصرة حساهبا بدقة‬
‫وبالتايل قراءة الطقس لأليام املقبلة وتوقعات تغرياته‪..‬‬
‫كانوا من قبل يقيسون كميات املطر بأوعية خاصة‪ ،‬ويرسلون بالونات خاصة لدراسة طبقات اجلوّ العالية‪،‬‬
‫كما كانوا يغمسون عصا يف الثلج ملعرفة مساكته وازديادها التدرجيي‪ ..‬ولكن اآلن وقد دخلت احلواسيب‬
‫املتطورة‪ ،‬واألقمار الصناعية اخلاصة بالتنبؤ بالطقس إضافة ألجهزة عالية الد ّقة تقيس عناصر الطقس‬
‫مجيعها‪ ،‬وتضع توقعاهتا القريبة جداً من احلقيقة‪..‬‬
‫عندما يهب اهلواء الساخن الرطب القادم من البحر مندفعاً فوق منحدرات اجلبال‪ ،‬فإنه يتمدد ويربد‬
‫سريعاً‪ ،‬وتنخفض درجة حرارته حتت درجة التشيع بكثري‪ ،‬حيث ينهمر املطر الغزير‪ ..‬ومبجرد أن يتخلص‬
‫اهلواء من خبار املاء فإنه ينتقل ليحل حملّه هواء رطب آخر اليلبث بدوره أن يتخلص من رطوبته ويبتعد‪..‬‬
‫وتتكاثف السحب الركامية مع الضغوط املنخفضة وتيارات اهلواء‪ ،‬حيث تفرخ مطرها الغزير‬
‫ليس الثلج‪ ،‬مطراً متجمداً‪ ،‬فهو المير حبالة السيولة وإمنا يتكوّن من تكاثف خبار املاء يف اهلواء العايل‬
‫على صورة بلّورات من الثلج‪ ..‬واجلليد يتكون من صفائح بلورات الثلج‪ ،‬تلك البلورات اليت لو نظر إليها من‬
‫حتت اجملهر املكبّر لبدت خمتلفة األشكال نادراً ماتتشابه واحدة مع أخرى‪..‬‬
‫والثلج هو البخار املتكاثف ‪ ،‬بينما الربد يتولد يف سحب العواصف الرعدية‪ ،‬وهو يتكوّن من طبقات‬
‫كطبقات البصل‪ ،‬من الثلج الش ّفاف واجلليد اهلشّ‪..‬‬
‫من الربد مايكون حبجم حبّات اخلرز ومنه مايكون بشكل قرة قد يصل قطرها إىل (‪ )13‬سنتمرتاً أحياناً‬
‫تسقط بسرعة تصل إىل (‪ )192‬كيلومرتاً يف الساعة‪ ،‬قد تقتل احليوانات ‪ ،‬وتتلف ال��زرع واحملاصيل‬
‫واألشجار املثمرة‪ ..‬واملطر الذي يتجمّد عقب سقوطه على األرض يكون جليداً مصقوالً‪ ،‬قد يهدد وسائل‬
‫النقل على الطرقات‪ ،‬بالتزحلق واالصطدام والكوارث‪..‬‬
‫وكثرياً ماينجم عن اجلليد املصقول تلف يف األشجار وأسالك اهلاتف اخلارجيّة‪ ،‬وأسالك الكهرباء أحياناً‪..‬‬
‫وقد يصل مسك طبقة اجلليد إىل مخسة سنتمرتات‪ ،‬وتقاوم عوامل التميّع أحياناً لفرتة‪..‬‬
‫وتتجمع السحب يف الضغوط املنخفضة‪ .‬تسوقها الرياح وحني تتكاثف كثرياً وتثقل يبدأ املطر باهلطول أو‬
‫يسقط الثلج‪ ،‬تبعاً للكثافة والضغط فسبحان اخلالق العظيم‪..‬‬
‫بالطبع ليست كل السحب ّ‬
‫هطاله ملطر‪ ،‬واليهطل املطر إ ّال من السحب الركامية اليت تتكون يف ارتفاعات‬
‫منخفضة ومتوسطة ‪ ..‬أما السحب السمحاقية العالية‪ ،‬فهي ليست سحباً ّ‬
‫هطالة‪ ،‬وهي سحب بيضاء‬
‫متناثرة أحياناً يف أشكال شتّى‪ ..‬قد تتكاثف أحياناً ويسوّد لوهنا وهي تنخفض لتتحول إىل ركام مبرور‬
‫الزمن‪ ،‬وسط ضغوط منخفضة‪ ..‬وتساهم اجلبال يف تشكل السحب‪ ،‬اليت تنتقل أحياناً مئات الكيلومرتات‬
‫قبل أن تبدأ قطرات املطر أو حبّات الثلج باهلطول منها بشكل خفيف أو غزير حسب مساكة السحب‬
‫وحسب الضغوط اجلويّة يف مناطق اهلطول‪..‬‬

‫‪176‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد العشرون ‪ /‬آذار ‪2010 /‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful