‫• رئيس جملس اإلدارة •‬

‫وزير الثقافة‬

‫د ‪ .‬رياض عصمت‬

‫• مدير عام هيئة الكتاب •‬

‫حممود عبد الواحد‬
‫• رئيس التحرير •‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫د‪ .‬خملص الريس ‪ -‬د‪ .‬عمر الطيان‬
‫م‪ .‬لينا كيالني ‪ -‬علي القاسم‬
‫• أمني التحرير •‬

‫رائد حسني حامد‬
‫• مكتب تونس ‪ :‬د‪ .‬كوثر عياد‬
‫• مكتب القاهرة ‪ :‬صالح معاطي‬
‫• مكتب لندن ‪ :‬توفيق السهلي‬
‫• التدقيق اللغوي •‬

‫حممد اخلاطر‬

‫• اإلخراج الفين •‬

‫وسيم قدورة‬
‫راميا اليونس‬

‫سعر النسخة ‪ 50‬ل‪.‬س يف سورية أو مايعادهلا يف البلدان العربية‬
‫االشرتاكات عشرة آالف لرية سورية لإلدارات واملؤسسات داخل سورية‬
‫وأربعمائة دوالر أو مايعادهلا خارج سورية‬
‫توجه كافة املراسالت واملواد باسم رئيس التحرير‬

‫‪www.moc.gov.sy‬‬
‫‪E-mail: talebomran@yahoo.com‬‬

‫جملة علمية ثقافية شهرية تصدر عن‬
‫وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية السورية‬

‫• هيئة التحرير •‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اهليئة اإلستشارية‬
‫د ‪ .‬ح��س��ام اخلطيب ( فلسطني)‬
‫أ ‪ .‬رؤوف وص����ف����ي (م���ص���ر)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ع����ي����اد (ت����ون����س)‬
‫د ‪ .‬ق����اس����م ق����اس����م (ل���ب���ن���ان)‬
‫أ ‪ .‬ط��ي��ب��ة اإلب��راه��ي��م (ال��ك��وي��ت)‬
‫د ‪ .‬حم���م���ود ك������روم (س����وري����ة)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ث����اب����ت (ت����ون����س)‬

‫يف بطن اجلبل (د‪.‬طالب عمران)‬
‫سعدون بدزن أجنحة (صالح معاطي)‬
‫قارئ األفكار (د‪ .‬عمار سليمان علي)‬
‫الرحلة ( جمدي جعفر)‬

‫هناد شريف‬
‫(توتري وقلقي أثناء الكتابة جيعلين يف حالة شبه باليقظة (محادة هزاع)‬
‫هناد شريف رحلة عطاء ال تنتهي (د‪ .‬مها خضر)‬

‫‪6‬‬
‫‪25‬‬

‫اخليال يف نظرية املعرفة العربية (د‪ .‬فواز سيوف)‬

‫‪30‬‬

‫عودة املكبوت الالعقالني (د‪ .‬عبد اهلادي صاحلة)‬

‫‪44‬‬

‫سينما اخليال العلمي بدايات وآفاق (لؤي عثمان)‬

‫‪60‬‬

‫خياالت العامل السفلي (د‪ .‬أمين امسندر)‬
‫اهلندسة العكسية ( توفيق السهلي)‬
‫ذاركة اإلنسان (حواس سباهي)‬
‫اليوغا للحفاظ على صحة االنسان (د‪ .‬نوراير ماجنيان)‬

‫‪102‬‬
‫‪106‬‬
‫‪108‬‬
‫‪120‬‬

‫املريخ أو ال شيئ (ترمجة حازم فرج)‬
‫حوادث الطائرات (د‪ .‬كسرى حرسان)‬

‫‪126‬‬
‫‪142‬‬

‫الذكاء االصطناعي (وسيم قدورة)‬

‫‪150‬‬

‫بصمات األفاعي على كوكب األرض (سوسن قاسم عزام)‬
‫ترجو جملة اخليال العلمي من كافة الكتاب واملبدعني ارسال ابداعاهتم منضدة على‬
‫احلاسوب والتأكد من تدقيقها وذلك لتسهيل عملية النشر السريع‬

‫‪72‬‬
‫‪82‬‬
‫‪88‬‬
‫‪94‬‬

‫‪168‬‬

‫وزير الثقافة‬
‫د ‪ .‬رياض عصمت‬

‫ال أدري ملاذا يشكل الرقمان (‪ )3‬و(‪ )7‬سحراً خاصاً يف الرتاث العربي واملخيلة الشرقية عموماً‪ .‬ولكننا‬
‫نذكر أنه يف حكايات «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬تتفرع احلكاية األصلية غالباً إىل ثالث حكايات‪،‬‬
‫فإما األبناء الثالثة‪ ،‬أو احلمالون الثالثة‪ ،‬أو األشقاء الثالثة‪ ،‬ولكل واحد حكاية تنفصل‪/‬تتصل بالعمود‬
‫الفقري األساسي‪ .‬وحتى يف الرتاث األدبي الغربي‪ ،‬جند رقم ثالثة مهيمناً‪ .‬ففي مسرحية شكسبري‬
‫َّ‬
‫اخلطاب الراغبون يف االقرتان باحلسناء بورشيا صندوقاً من ثالثة صناديق‪ ،‬فإذا‬
‫«تاجر البندقية» خيتار‬
‫أفلح واحدهم يف اختيار الصندوق احملدد ظفر بيدها‪ .‬وكثرياً ما يواجه البطل لغزاً يتوجب اختيار حله من‬
‫ثالثة احتماالت‪ .‬رمبا تكون اجلامعات احلديثة استلهمت من هذا نظام امتحاناهتا املسمى ‪Multiple‬‬
‫‪ .Choice‬ولكن يف منوذج آخر من احلكايات الشرقية حتديداً‪ ،‬جند الرقم سبعة مهيمناً‪ .‬هناك سبعة‬
‫أب��واب‪ ،‬أو سبع عقبات‪ ،‬أو سبعة فرسان‪ ،‬أو سبع أرام��ل‪ .‬ال خيرج عن هذا يف تراث اإلنسانية سوى‬
‫«الوصايا العشر»‪ ،‬ألن الرقم (‪ )3‬وحتى الرقم (‪ )7‬ال يكفيان إلنقاذ البشر من الغوايات‪ ،‬وإن كانت النسبة‬
‫األعلى منهم – لألسف الشديد – ترتكب بعض اخلطايا زيادة أو نقصاناً‪ .‬ويبدو أن حكمة الزعيم امللهم‬
‫املهامتا غاندي مل تكن االستثناء هلذه القاعدة‪ ،‬إذ إنه توصل إىل ما يسمى «املثالب السبعة»‪ ،‬وهي التالية‪:‬‬
‫‪ – 1‬ثروة بال عمل‪.‬‬
‫‪ – 2‬لذة بال ضمري‪.‬‬
‫‪ – 3‬جتارة بال وازع‪.‬‬
‫‪ – 4‬علم بال إنسانية‪.‬‬
‫‪ – 5‬عبادة بال تضحية‪.‬‬
‫‪ – 6‬سياسة بال مبادئ‪.‬‬
‫‪ – 7‬حقوق بال مسؤوليات‪.‬‬
‫ً‬
‫يف الواقع‪ ،‬يستحق كل بند من بنود «املثالب السبعة» مقاال يشرحه‪ ،‬لكننا سنكتفي باإلجياز‪.‬‬
‫قد جيد بعضهم إغراء يف امتالك ثروة طائلة دون عمل‪ .‬فللوهلة األوىل‪ ،‬ما أمتع أن حيظى املرء بوقت‬
‫فراغ مطلق‪ ،‬بينما يتدفق عليه املال من جهود أناس يعملون لصاحله‪ ،‬وجيلبون له مزيداً من الغنى‪ .‬ولكن‬
‫ما يبدو نعمة يف الظاهر هو يف العمق نقمة‪ .‬إن العطلة يف احلياة عبارة عن عطالة يف العقل‪ ،‬ويف اجلسد‪،‬‬
‫ورمبا يف الوجدان‪ .‬وغالباً ما يعاني األثرياء الذين ال يعملون من أمراض‪ ،‬ويصيبهم الرتهل أو الوهن‪،‬‬
‫ويغادرون احلياة باكراً‪ ،‬خاصة إذا أغرقوا أنفسهم يف حبر من اللذات‪ ،‬تتضمن اجلنس وخمتلف أنواع‬
‫اإلدمان والقمار‪ .‬وأشد أعداء هؤالء هو امللل القاتل‪ .‬إهنم خيافون على ثروهتم‪ ،‬وخيافون من استغالل‬
‫أصدقائهم وجشع أقربائهم‪ ،‬فتمضهم الوحدة‪ .‬لذا‪ ،‬وضع غاندي هذا املثلب أوالً بني املثالب‪ ،‬إمياناً منه‬
‫بقيمة العمل‪.‬‬

‫ال شك أن احلياة حتفل باللذات‪ .‬بالتأكيد‪ ،‬ليست اللذة بالضرورة خطيئة‪ ،‬بل هي مبفهومها اإلجيابي‬
‫هبجة جتعل احلياة حلوة ومشتهاة‪ .‬لذلك‪ ،‬ربط املهامتا غاندي حبكمة بني اللذة والضمري‪ .‬إذا غاب‬
‫الضمري‪ ،‬أصبحت اللذة أنانية‪ ،‬ورمبا خداعاً آمثاً ودنيئاً على حساب اآلخر‪ ،‬الذي أسلم قياده ومنح‬
‫ثقته برباءة‪ .‬الضمري أحد اخلصائص اليت متيز اإلنسان عن احليوان‪ ،‬وجتعله سيد الكون‪.‬‬
‫يقوم العامل على التجارة‪ .‬وهدف التجارة‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ليس اخلسارة‪ .‬لكن الوازع األخالقي ضروري‬
‫وهام كي ال يكون الربح بواسطة الغش‪ ،‬بل رحباً معقوالً يتناسب مع الكلفة احلقيقية‪ ،‬ويتحرى اجلودة‪،‬‬
‫ويلتزم باألمانة‪ .‬هلذا‪ ،‬فإن الوازع األخالقي أساس حموري للتجارة النزيهة‪ ،‬حيث ال يكفي الربح وحده‬
‫ليحمل املرء جبدارة صفة تاجر‪ .‬وكم من حكاية نذكرها من الرتاث األدبي عن جتار شرفاء‪ ،‬وجتار‬
‫جشعني وفاسدين‪ ،‬ليلقى األوائل الثواب‪ ،‬واآلخرون العقاب‪.‬‬
‫العلم ميزة ال ينكرها أحد‪ ،‬ولكن العلم اجملرد من اإلنسانية يعرض البشرية إىل أخطار الفناء‪ ،‬ويهدد‬
‫الوجود البشري‪ .‬إن عظمة العلم يف إنسانيته‪ ،‬أي يف القيم اليت ال بد أن حيملها كل عامل شريف‪،‬‬
‫حبيث يعمل لتحسني شرط الوجود اإلنساني‪ ،‬وليس يف طموح علمي طائش وفوضوي بال حدود‪.‬‬
‫تلك مسألة رأيناها يف عديد من أفالم اخليال العلمي‪ ،‬حيث حيرك الطموح أفراداً ملزيد من السلطة‬
‫أو اهليمنة أو القوة‪ ،‬غري آهبني ملصائر أخواهتم وإخواهنم يف البشرية‪ ،‬واملخاطر احملتملة اليت هتددهم‪.‬‬
‫نتوقف عند العبادة‪ ،‬اليت هي عبارة عن طقوس روحية يفرتض أهنا تساعد على السمو األخالقي‪،‬‬
‫وعن إميان يهدف للتواصل مع اهلل عزَّ وجل‪ .‬ولكن جوهر العبادة ليس جمرد أداء الطقوس بروتينية‬
‫من أجل مصري املرء ما بعد املوت‪ ،‬أي بلوغ اجلنة وجتنب جهنم‪ .‬إن ما يكمل العبادة هو روح الدين‪،‬‬
‫الذي هو يف املقام األول تضحية‪ ..‬تضحية من أجل اجملتمع‪ ..‬وخاصة احملتاجني يف ذلك اجملتمع‪.‬‬
‫ت��وازي طقوس العبادة مع جوهرها القائم على التضحية هو السبيل احلقيقي لتحقيق الرسالة‬
‫السماوية وإرضاء اهلل‪ ،‬وبالتايل الوصول إىل اجلنة املرجتاة‪.‬‬
‫يف عامل اليوم‪ ،‬من املؤسف أن نالحظ ازدياد تكالب السياسة على املصاحل‪ ،‬وجتاهلها للمبادئ‪ .‬دول‬
‫قليلة جداً ما زالت تكافح بإخالص للحفاظ على القيم‪ ،‬أو – على أقل تقدير – املوازنة بني املصاحل‬
‫واملبادئ‪ ،‬ألن املصاحل أيضاً ضرورية للشعوب‪ ،‬إمنا دون تنازالت خمجلة عن املبادئ‪ .‬وليس مستحيالً‬
‫أن يوجد السياسي تكامالً بني العنصرين‪.‬‬
‫ما زالت حقوق اإلنسان هدفاً سامياً من أهداف البشرية‪ .‬لكن احلقوق ليست يف فراغ‪ ،‬بل تأتي ضمن‬
‫معادلة بينها وبني املسؤوليات‪ .‬ال يعقل أن جتري املطالبة باحلقوق فقط‪ ،‬دون أن يتحمل أصحاهبا‬
‫مسؤولياهتم‪ .‬ومثالنا البسيط على ذلك هو «احلرية املسؤولة»‪ ،‬ألن احلرية املطلقة وحدها قد تعين‬
‫الفوضوية واالنفالت من أي قواعد ناظمة للمجتمع‪.‬‬
‫تلك هي «املثالب السبعة» اليت توصلت إليها حكمة املهامتا غاندي‪ ،‬الذي استطاع حترير وطنه اهلند‬
‫من االستعمار الربيطاني بالوسائل السلمية‪ ،‬وال غرابة‪ .‬إن االلتزام مبثل عليا كهذه يف كل جمال من‬
‫جماالت احلياة سيؤدي إىل ازدهار وقوة ومنعة أي بلد يف العامل‪.‬‬

‫نهاد شريف‬
‫توتري وقلقي أثناء الكتابة يجعلني في‬
‫حالة أشبه باليقظة المتحفزة فأتناول‬
‫مهدئ ًا خفيف ًا ألنام‪.‬‬
‫محادة هزاع‬

‫يف ‪ 6/25‬من عام ‪ 1930‬ولد عميد أفكاره‪ ،‬وكيف يقدمها يف قالب فين‪.‬‬
‫أدب اخل��ي��ال العلمي يف ال��وط��ن‬
‫ال��ع��رب��ي هن��اد ش��ري��ف‪ ،‬ومبناسبة ‪ -1‬امليالد والنشأة‬
‫ذكرى ميالده أقدم هذه املقالة املتواضعة (‪ )1‬ولد هناد شريف يف‪ )2( 1930/ 6/ 25‬يف حي‬
‫اليت أتناول فيها السرية الذاتية هلذا الرائد من حمرم بك مبدينة اإلسكندرية‪ ،‬ألس��رة تعشق‬
‫خالل التعرف على البيئة والظروف اليت نشأ الفن وتقدسه وحتب الثقافة وهتتم هبا‪ .‬فجده‬
‫فيها‪ ،‬واألسباب والدوافع وراء شغفه وتعلقه لوالده املرحوم إبراهيم أسعد شريف‪ ،‬املستشار‬
‫بالعلم وصياغته يف قوالب أدبية‪ ،‬ثم احلديث القانوني مبجلس النواب يف ذلك الوقت‪ ،‬كان‬
‫عن أهم الشخصيات اليت شجعته عرب مسريته من املؤمنني بتكوين مكتبة خاصة للعائلة‪ ،‬وكان‬
‫الشخصية واإلبداعية‪ ،‬ودورها يف دفعه وصموده مقتنعاً أنه إن مل يفد منها مباشرة فسوف يفيد‬
‫على طريق اإلبداع الشاق‪ ،‬وأخرياً ندخل معه يف منها ابن أو حفيد يوماً ما‪.‬‬
‫حوار حول منهج الكتابة األدبية ومن أين يستقي كانت هذه املكتبة ثرية ج�دّاً حيث حوت أكثر‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫من مئة ألف جملد‪ ،‬ومكونة من قاعتني‪ ،‬وتضم‬
‫نوعني من الكتب‪ ،‬اجلانب األول لكتب الدين‬
‫والقانون‪ ،‬واجلانب اآلخر كتب يف جمال العلم‬
‫وال��ع��ل��وم‪ ،‬رغ��م أن��ه ليست ل��ه عالقة مباشرة‬
‫بالعلم إال أنه كان يعشقه مما جعله خيصص‬
‫هبا جزءاً خاصّاً للخيال العلمي الذي كان يهواه‬
‫بصفة خاصة‪ ،‬حيث كان حيب مؤلفات ويلز‪،‬‬
‫وماري شيللي‪ ،‬وفرين‪ ،‬وغريهم‪.‬‬
‫ووالده الفنان التشكيلي املرحوم منري إبراهيم‬
‫شريف‪ ،‬حفيد رئيس الوزراء ومنشئ الدستور‬
‫املصري حممد شريف باشا‪ ،‬كان حريصاً على‬
‫تعلم الفن التشكيلي على أي��دي أساتذة أملان‬
‫حتى أج���اد ه��ذا ال��ف��ن وخت��ص��ص ف��ي��ه‪ ،‬فكان‬
‫ضمن أول هيئة قامت بالتدريس يف كلية الفنون‬
‫اجلميلة‪ ،‬وأصبح له مرسم مشهور يف ضاحية‬
‫حلوان‪ ،‬وشارك بلوحاته يف عديد من املعارض‬
‫مبصر وخارجها‪ ،‬ومن ثم زينت أعماله الزيتية‬
‫عدداً من أماكن ومتاحف وبلدان مصر‪ .‬وهناك‬

‫ص��ورة بشكل لوحة كبرية وضعت يف متحف‬
‫القائد ال��راح��ل مج��ال عبدالناصر‪ ،‬اعتربت‬
‫إحدى الصور املميزة لعبد الناصر‪.‬‬
‫ومل يكن الوالد سائراً وح��ده يف طريق الفن‪،‬‬
‫فمعه شقيقاه‪ ،‬حممد وأمحد‪ ،‬عمَّا هناد‪ ،‬حيث‬
‫ك��ان األخ�ير ش��اع��راً وواح���داً من قدامى هواة‬
‫تربية الزهور ومؤسساً قدمياً جلمعية فالحة‬
‫البساتني وعضو جل��ان التحكيم يف معارض‬
‫ال��زه��ور‪ ،‬وك��ان��ت ل��دي��ه حديقة ص��غ�يرة متتلئ‬
‫بالزهور اليت م��راراً ما حصل هبا على جائزة‬
‫أصغر حديقة مزهرة يف مصر‪.‬‬
‫يف هذا اجلو عاش الصيب هناد يف منزل األسرة‬
‫الضخم ال���ذي شهد م��ول��د وال���ده وأع��م��ام��ه‪،‬‬
‫بضاحية حلوان‪ ،‬وسط جو عائلي ملتزم يضم‬
‫مرسم الوالد‪ ،‬ومكتبة اجلد‪ ،‬وحديقة األعمام‬
‫اليت يتمتع مبرآها‪ .‬من هنا كان منزل األسرة‬
‫حبلوان قبلة للفن واألدب ومنرباً للذوق‬
‫الرفيع‪ ،‬فال ختلو لياليه من أصدقاء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪7‬‬

‫أعمامه وأبيه‪ ،‬من الشعراء واملثقفني ورجال‬
‫الدين الذين جيتمعون يف الصالون وجيلس‬
‫معهم الصيب كل مساء يسمع احلوار السخي‪،‬‬
‫باإلضافة إىل أن والده كان يصطحبه معه يف‬
‫جوالته الفنية يف ريف مصر‪ ،‬وسفراته للخارج‪.‬‬
‫وه��ك��ذا ن��ش��أ هن���اد ش��ري��ف ع��ل��ى ت���ذوق الفن‬
‫التشكيلي‪ ،‬والتمتع جبمال الطبيعة‪ ،‬إضافة إىل‬
‫حب القراءة واقتناء الكتب‪ ،‬وحتول هذا احلب‬
‫إىل هنم شديد لقراءة الكتب العلمية ب��دءاً من‬
‫مكتبة جده فمكتبات والده وعميه إىل أن كون‬
‫مكتبته اخلاصة ‪ -‬يف سن مبكرة ‪ -‬مع مبدأ‬
‫دراسته الثانوية‪ .‬ومن ثم كان أول تعرفه على‬
‫مؤلفات جول فرين‪ ،‬وويلز‪ ،‬وغريمها فيما يعرف‬
‫بأدب اخليال العلمي‪.‬‬
‫‪ -2‬النزول إىل معرتك احلياة‬
‫بعد معرفة الطريق الصحيح للمسرية األدبية‪،‬‬
‫ينخرط الكاتب هناد شريف يف احلياة األدبية‬
‫السائدة يف عصره‪ ،‬من ندوات ولقاءات‪ ،‬ويعمل‬
‫دوم��اً على صقل موهبته وإم��داده��ا املستمر‬
‫والدؤوب باجلديد من العلوم‪ ،‬عن طريق القراءة‬
‫النهمة واملتوالية يف جماالهتا والرتكيز يف فهمها‬
‫واستيعاب مفرداهتا‪.‬‬
‫وتتواىل جهوده األدبية يف نشر أدب��ه من جهة‬
‫واألخذ بأيدي السائرين على الطريق نفسه من‬
‫الشباب املبدعني أو الباحثني يف أدب النوع‪ ،‬من‬
‫جهة أخرى‪.‬‬
‫وت��أت��ي اجل��وائ��ز األدب��ي��ة والتقديرات املعنوية‬
‫لتكون مبثابة الواحات اليت يستظل هبا الكاتب‬
‫من هجري ومشاق طريق اإلبداع الطويل‪.‬‬
‫من هنا يأتي ه��ذا العنصر ليعرض بطريقة‬
‫«بانورامية « أهم احملطات يف حياة الكاتب هناد‬
‫شريف الشخصية واإلبداعية‪.‬‬
‫أ ‪ -‬احلياة العملية‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫خالل دراسته الثانوية ثم اجلامعية بكلية اآلداب‬
‫قسم التاريخ تبلورت أفكار الشاب هناد شريف‬
‫واجتهت يف وضوح إىل الكتابة األدبية والعلمية‬
‫وخباصة‪ ،‬حتى استهل حياته العملية بالتدريب‬
‫يف جم��ال الصحافة ب��دار أخ��ب��ار ال��ي��وم حيث‬
‫التحق بالقسم العلمي يف جملة آخر ساعة قبيل‬
‫خترجه من اجلامعة بني عامي (‪.)1957 - 54‬‬
‫ثم عمل منذ عام ‪ ،1957‬موجهاً ثقافياً فمرشداً‬
‫لتعليم الكبار‪ ،‬فمديراً لقسم الثقافة واإلرشاد‬
‫مبشروع ثورة ‪ 23‬يوليو ‪« 1952‬مديرية التحرير»‬
‫فأدى دوراً إعالميّاً للتعريف باملشروع وأمهيته‬
‫جملتمعه النامي اجلديد‪.‬‬
‫وحني تكونت املؤسسة املصرية العامة للتعمري‬
‫واملشروعات الزراعية بالقاهرة نقل إليها يف‬
‫ع��ام ‪ ،1961‬ليعمل م��دي��راً للعالقات العامة‬
‫هبا ويزاول نشاطاً إعالميّاً موسعاً ملشروعات‬
‫اإلص�لاح ال��زراع��ي مبصر‪ .‬حتى اخ��ت��اره عام‬
‫‪ ،1963‬وزير اإلصالح الزراعي متحدثاً صحفيّاً‬
‫بالوزارة‪.‬‬
‫لكن يف فرباير ‪ - 1974‬وعقب ظهور مؤلفه‬
‫األول يف اخليال العلمي ‪ -‬قام األديب يوسف‬
‫السباعي وزير الثقافة بنقل هناد شريف للعمل‬
‫مراقباً للمعلومات باجمللس األع��ل��ى لرعاية‬
‫الفنون واآلداب والعلوم االجتماعية‪ ،‬ثم مراقباً‬
‫عامّاً للتحرير والنشر ومشرفاً على مسابقات‬
‫الكتاب األول ل�لأدب��اء الشبان‪ .‬وح�ين حتول‬
‫اجمللس إىل اجمللس األعلى للثقافة أصبح هناد‬
‫شريف مديراً عامّاً إلدارة املسابقات‪ .‬ومنح‬
‫عضوية اللجنة العليا إلع��داد موسوعة أدباء‬
‫مصر والعامل العربي‪ ،‬كما منح يف عام ‪1986‬‬
‫بقرار من وزير الثقافة عضوية اللجنة الفنية‬
‫للقصة باجمللس‪.‬‬
‫وحني أنشئت ألول مرة يف تاريخ مصر جلنة‬
‫للثقافة العلمية باجمللس اختري هن��اد شريف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫عضواً عامال هبا يف أكتوبر ‪ .1992‬كما عمل‬
‫مستشاراً فنيّاً ألدب اخليال العلمي مبؤسسة‬
‫كنوز الثقافية املصرية‪.‬‬
‫وعقب إنشاء جمموعة اللجان العلمية مبكتبة‬
‫اإلسكندرية لالستعانة خب�برة وحكمة وعلم‬
‫أعضائها اختري هناد شريف عضواً عامالً بلجنة‬
‫العلم والتكنولوجيا منذ عام ‪.2003‬‬
‫وي��ش��ارك هن��اد شريف يف األنشطة املختلفة‬
‫هليئات ومؤسسات ختتص بأدب اخليال العلمي‬
‫مثل أكادميية البحث العلمي‪ ،‬واهليئة العامة‬
‫للكتاب‪ ،‬ونوادي علوم األهرام ‪ ..‬إخل‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النشاط واالتصاالت‪:‬‬
‫اختري هناد شريف عضواً مبجلس إدارة «مجعية‬
‫دار األدباء»‪ ،‬كما انضم عضواً عامالً يف نوادي‪:‬‬
‫«القصة» بالقاهرة واإلسكندرية‪« ،‬اجلمعية‬
‫العربية للفنون والثقافة اإلعالمية»‪« ،‬رابطة‬
‫األدب احل��دي��ث»‪« ،‬ن��ادي القاهرة الرياضي»‪،‬‬
‫«نادي أمسنت حلوان»‪« ،‬نادي اليخت»‪« ،‬احتاد‬
‫الكتّاب العرب بدمشق» والذي أصدر مؤلفان‬
‫له‪.‬‬
‫وه��و عضو م��ؤس��س «ب��احت��اد ك � ّت��اب مصر»‪،‬‬
‫وم��ؤس��س «مجعية ك� ّت��اب وحم�بي أدب اخليال‬
‫العلمي» مع املرحوم الكاتب الصحفي صالح‬
‫ج�لال‪ ،‬وه��و كذلك عضو جل��ان التحكيم يف‬
‫مسابقات القصة والرواية اليت ينظمها نادي‬
‫القصة‪ ،‬واجمللس األعلى للثقافة‪ ،‬وأكادميية‬
‫البحث العلمي‪ ،‬واهليئة العامة للكتاب‪ .‬وجهات‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ويعد هناد شريف الرائد األول يف جمال كتابة‬
‫أدب اخليال العلمي يف مصر والوطن العربي‬
‫وأول من ختصص فيه وأول من قدم اخليال‬
‫العلمي عربيّاً يف السينما والتليفزيون‪ .‬كما تعد‬
‫كتاباته لوناً حديثاً من األدب طال افتقار األدب‬
‫العربي إليه‪.‬‬

‫وتدرس حالياً أعماله وأفكاره ورؤاه املستقبلية‬
‫يف أقسام الدراسات األدبية جبامعات القاهرة‪،‬‬
‫وع�ي�ن مش���س‪ ،‬وح���ل���وان‪ ،‬وك���ذا اإلس��ك��ن��دري��ة‪،‬‬
‫املنصورة‪ ،‬املنيا‪ ،‬ويف معهد اإلذاعة والتليفزيون‬
‫ومعهد السينما‪ .‬كما أن هناك حبوثاً أكادميية‬
‫أعدت حول أفكاره وتصوراته وتوقعاته العلمية‬
‫حلضارة الغد وجبماليات فنه يف أدب اخليال‬
‫العلمي عربيّاً وفعاليات هذا األدب من أجل‬
‫مستقبل أفضل للبشر‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬اجلهود األدبية‪:‬‬
‫منذ بداية عمله مبديرية التحرير أشرف على‬
‫إص���دار اجمل��ل��ة احمللية «ن��ص��ر» ط���وال مخسة‬
‫أعوام ونصف‪ ،‬كما أسس عدداً كبرياً من املراكز‬
‫الثقافية وشبكات اإلذاع��ة بقرى املديرية قدم‬
‫من خالهلا برامج ثقافية وعلمية وترفيهية‪.‬‬
‫اب��ت��داءً من ع��ام ‪ 1949‬نشر قصصاً ورواي��ات‬
‫مطولة وم��ق��االت أدبية وتارخيية وعلمية يف‬
‫غالبية صحف وجمالت مصر والوطن العربي‪.‬‬
‫وق��د حت��ول الكثري منها إىل متثيليات إذاعية‬
‫وتليفزيونية‪ ،‬بينما كتب وأعد برامج لإلذاعة‬
‫منها الربنامج اخلاص «دائرة معارف الشعب»‬
‫على م��دى ستة أع���وام ب���دءاً م��ن ع��ام ‪.1962‬‬
‫إضافة إىل ما قدمته اإلذاعة السورية وغريها‬
‫من إذاعات عربية‪.‬‬
‫كذلك نوقشت أعماله وأفكاره الروائية وتنبؤاته‬
‫العلمية يف عديد من جمالت وصحف وإذاعات‬
‫مصر وال��وط��ن العربي وإذاع���ة سورية ولندن‬
‫العربية وبرلني وباريس‪ ،‬وكذا التليفزيون يف كل‬
‫من سوريا ولبنان وتركيا واألردن‪ .‬أما أحاديثه‬
‫فيتلقفها اإلعالم املصري والعربي على الدوام‪.‬‬
‫كما عقدت ن��دوات من أج��ل ما يقدم من فن‬
‫قصصي رائ���د يف خمتلف األن��دي��ة واحمل��اف��ل‬
‫األدبية مبصر واألردن وسورية ويف تركيا‪.‬‬
‫وواك����ب ذل���ك ك��ت��اب��ة دراس����ات وأحب���اث‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪9‬‬

‫جادة عن أعمال هناد شريف بأقالم كبار كتّاب‬
‫وباحثي ونقاد مصر وال��وط��ن العربي‪ .‬بينما‬
‫ترمجت كتاباته إىل اللغات الرتكية‪ ،‬اإلنكليزية‪،‬‬
‫الصينية‪ ،‬األملانية‪ ،‬والفرنسية‪.‬‬
‫وي��ل��ق��ي ك��ات��ب��ن��ا حم���اض���رات ع��ن م����ادة «أدب‬
‫اخل��ي��ال العلمي» على طلبة معهد اإلذاع���ة‬
‫والتليفزيون وك��ذا يف جلسات خاصة ببعض‬
‫األندية واملؤسسات على مجاهريه وحميب فنه‪.‬‬
‫وهو دائم الرعاية لكتّاب أدب اخليال العلمي‬
‫من الشباب‪ .‬ومن ثم فمن تالميذه النشطني‬
‫البارزين يف جمال هذا األدب‪ :‬األدي��ب صالح‬
‫معاطي‪ ،‬واألديب هشام الصياد‪ ،‬واألديب حممد‬
‫علي عبد اهلادي‪.‬‬
‫وهناد شريف دائم الرتحال فيما بني حمافظات‬
‫مصر إللقاء حماضراته يف اجلامعات واألندية‬
‫واإلذاعة واليت هتتم هبذا األدب اجلديد وبنشر‬
‫الثقافة العلمية خاصة بني الشباب‪.‬‬
‫ويف جماالت أعماله الروائية املطولة يف وسائل‬
‫اإلعالم املصري فقد اعترب الفيلم السينمائي‬
‫املأخوذ عن رواي��ة هناد شريف «قاهر الزمن»‬
‫واملسمى باالسم ذاته أول فيلم عربي من اخليال‬
‫العلمي عرفته السينما املصرية‪ .‬كما عُدَّ إقدام‬
‫كمال الشيخ على إخراجه خطوة رائدة حتتسب‬
‫ملصر يف جمال الفن السينمائي واختيار القصة‬
‫املتطورة ذات االجتاه والتناول العلمي منذ عام‬
‫‪ 1987‬أي تاريخ إنتاجه‪.‬‬
‫ً‬
‫وشهد فيلم «قاهر ال��زم��ن» عـروضا حاشدة‬
‫ونـدوات متعددة بأحناء مصر والوطن العربي‬
‫وب��ل��دان أوروب����ا وح��ص��ل ع��ل��ى ت��ق��دي��ر النقاد‬
‫الفرنسيني وكتبت عنه صحف أملانيا وإيطاليا‬
‫وفرنسا وغريها‪.‬‬
‫ويف حديث أجرته جملة «الرأي اآلخر» بتاريخ‬
‫سبتمرب ‪ 1998‬مع العامل املصري الكبري الراحل‬
‫د‪ .‬أمحد مستجري قال «إن األمريكان يؤسسون‬

‫‪10‬‬

‫جيشاً مستنسخاً بفكرة عربية وأن هناد شريف‬
‫هو صاحب هذا اجليش يف كتابه (قاهر الزمن)‬
‫ثم شرح مقولته عرب احلوار الذي أجري معه‪».‬‬
‫ويف جمال التليفزيون قدمت له الشاشة الصغرية‬
‫بالقناة األوىل سهرة درامية وفيلماً تليفزيونيّاً‬
‫أذاعته كل القنوات‪ ،‬أما السهرة فهي عن قصته‬
‫بعنوان «هنر السعادة « قدمت عام ‪ 1981‬من‬
‫إعداد الراحل فؤاد عبد اجلليل وإخراج أمحد‬
‫صالح الدين‪ ،‬أما الفيلم التليفزيوني فهو بعنوان‬
‫«املاسات اخلضراء» من إع��داد ممدوح فهمي‬
‫وإخ���راج ي��س إمساعيل ي��س ومت إنتاجه عام‬
‫‪ .1997‬وج��اري إع��داد إنتاج فيلم تليفزيوني‬
‫جديد عن روايته «الشيء»‪.‬‬
‫أما جمال اإلذاع��ة فعالوة على حنو ‪ 35‬سهرة‬
‫قدمتها إذاعات الربنامج العام والثقايف وصوت‬
‫العرب والشرق األوسط والشباب‪ ،‬فقد اختص‬
‫الربنامج العام بتقديم مسلسلني شهريين مها‪:‬‬
‫«سكان العامل الثاني»‪ ،‬و»قاهر الزمن»‪ ،‬كما قدم‬
‫الربنامج الثقايف جمموعة من القصص املقروءة‬
‫من أدب اخليال العلمي‪.‬‬
‫د‪ -‬املؤلفات‪:‬‬
‫• الروايات‪:‬‬
‫‪ -1‬قاهر ال��زم��ن‪ .‬رواي���ات اهل�ل�ال‪/‬دار اهلالل‬
‫‪.1972‬‬
‫‪ -2‬الذي حتدى اإلعصار‪ .‬هيئة الكتاب ‪.1981‬‬
‫‪ -3‬الشيء‪ .‬خمتارات فصول ‪.1989‬‬
‫‪ -4‬ابن النجوم «األب» جـ‪ 1‬شركة هنضة مصر‬
‫‪.1997‬‬
‫‪ -5‬سكان العامل الثاني‪ .‬جمللس األعلى للثقافة‬
‫‪.2005‬‬
‫‪ -6‬حتت اجملهر‪ .‬ركز احلضارة العربية ‪.2006‬‬
‫• اجملموعات القصصية‪:‬‬
‫‪ -1‬رقم ‪ 4‬يأمركم‪ .‬كتاب اليوم‪ /‬دار أخبار اليوم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪.1974‬‬
‫‪ -2‬امل��اس��ات الزيتونية‪ .‬اق��رأ ‪ /‬دار املعارف‬
‫‪.1979‬‬
‫‪ -3‬الذي حتدى اإلعصار‪ .‬هيئة اكتاب ‪.1981‬‬
‫‪ -4‬أنا وكائنات الفضاء‪ .‬كتاب اليوم‪ /‬دار أخبار‬
‫اليوم ‪.1982‬‬
‫‪ -5‬ب��اإلمج��اع‪ .‬احت���اد ك��ت��اب ال��ع��رب‪ /‬دمشق‬
‫‪.1991‬‬
‫‪ -6‬ن��داء لولو ال��س��ري‪ .‬احت��اد كتاب العرب‪/‬‬
‫دمشق ‪.1994‬‬
‫• املسرح‪:‬‬
‫‪ -1‬أحزان السيد مكرر‪ .‬هيئة الكتاب ‪.1990‬‬
‫• الدراسات‪:‬‬
‫‪ -1‬ال���دور احل��ي��وي ألدب اخل��ي��ال العلمي يف‬
‫ثقافتنا العلمية املكتبة األكادميية ‪.1997‬‬
‫• الرتمجة‪:‬‬
‫ ترمجة كتاب «سينما اخليال العلمي» دينيس‬‫جيفورد دار األمانة ‪.1985‬‬
‫• يف غري اخليال العلمي‪:‬‬
‫ توماس أديسون معجزة العلم (دراسة) علماء‬‫عاشوا باألمل‪ /‬دار املعارف ‪.1992‬‬
‫ تأمالت يف العلم والثقافة (مقاالت) اهليئة‬‫العامة لقصور الثقافة ‪.1996‬‬
‫ شارك يف مؤلف‪ :‬يوسف السباعي يف ذكراه ـ‬‫هيئة الكتاب ‪.1996‬‬
‫ وشارك يف مؤلف‪ :‬ألوان من األدب املصري‬‫احلديث ‪ -‬دار كتابي ‪.1979‬‬
‫ وشارك يف مؤلف‪ :‬أضواء على الثقافة العلمية‬‫ اجمللس األعلى للثقافة ‪.2001‬‬‫ كما كتب العديد من املقدمات ملؤلفات زمالئه‬‫وتالميذه‪.‬‬
‫• املقاالت‪:‬‬
‫كتب عرب مسريته اإلبداعية والفكرية مقاالت‬
‫(م��ت��ف��رق��ة) للصحف واجمل��ل�ات واإلذاع�����ات‬

‫املختلفة (يف جمال اخليال العلمي‪ ،‬ونظريات‬
‫العلم وت��ط��ور تقنياته‪ ،‬وم��ا ي���دور يف حياتنا‬
‫الثقافية)‪.‬‬
‫ واب��ت��داء من ‪ 1992/5/2‬وفيما يزيد على‬‫أربعة أع��وام نشر مقاالت أسبوعية منتظمة‬
‫يف صفحة ال��رأي جبريدة «األه���رام املسائي»‬
‫حتت عنوان «يف العلم ويف غريه» تناول خالهلا‬
‫موضوعات حيوية شتى يف أطر التقدم العلمي‬
‫وأهم نظرياته وإجنازاته وكم مشروعاته اآلتية‬
‫منها واملستقبلية إىل جانب تناول املوضوعات‬
‫الثقافية وال��س��ي��اس��ي��ة واالج��ت��م��اع��ي��ة امللحة‬
‫وقتذاك‪ ،‬اخل‪.‬‬
‫‪ -3‬بواعث املنحى العلمي يف أدبه‬
‫أ ‪ -‬حكايات اجلدة‪:‬‬
‫لعل أبرز العوامل أثراً يف ظهور احلس األدبي‬
‫اخل��ي��ايل عند هن��اد شريف يرجع إىل نشأته‬
‫األوىل يف حضن جدته لوالده‪ .‬يقول «استطاعت‬
‫جدتي السيدة الوقور اليت طاملا أخفى احلجاب‬
‫قسمات حلوة بامسة من وجهها‪ ،‬وال�تي طاملا‬
‫ح��وت جعبتها أكثر القصص إث���ارة وأشدها‬
‫غرابة وعجباً‪ ..‬من مصباح ع�لاء الدين إىل‬
‫رح�لات السندباد وأس��اط�ير اجل�ني والبساط‬
‫الطائر واحليوانات املتكلمة والبلورة املسحورة‬
‫واحلجارة الناطقة ‪ ..‬اخل‪ .‬وإني ألختيلها اآلن‬
‫تتشح بشاهلا املوشي احلواف وهي تقص علي‬
‫بصوهتا اهلادئ العميق وقد استكنت إىل حضنها‬
‫طفالً يف الرابعة أو اخلامسة تنسال أمامه دنيا‬
‫فسيحة من اخليال واألحالم والرؤى املدهشة‪،‬‬
‫وكانت لديها قدرة فذة ‪ -‬وهي اليت ال حتمل أي‬
‫مؤهل دراسي ‪ -‬على أن تروي يل القصة بأكثر‬
‫من صورة حتى ال ينتابين السأم‪ ،‬بل إهنا كانت‬
‫تضيف بعض التفاصيل الصغرية اجلديدة يف‬
‫كل مرة تروي يل هذه احلكايات مما خلق لدي‬
‫القدرة على تعدد الرؤى‪ .‬وساعدها على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪11‬‬

‫ذلك أهنا كانت قارئة ممتازة ألربع لغات‪».‬‬
‫ويقول هناد شريف أيضاً «إن�ني عندما قرأت‬
‫حكايات ورح�لات (سندباد) بعد سنوات من‬
‫رواية جدتي هلا عليّ‪ ،‬اكتشفت أن جدتي كانت‬
‫(ت��ؤل��ف) ح��ك��اي��ات أك��ث��ر ‪ 20‬م��رة مم��ا ه��و يف‬
‫النصوص األصلية‪»..‬‬
‫ب‪ -‬عبقرية املكان‪:‬‬
‫ومثة عامل آخر كان له أبلغ األثر يف توجيه هناد‬
‫شريف وإمن��اء تفكريه نشأ من ظ��روف إقامة‬
‫األس���رة يف ح��ل��وان‪ ،‬يقول «ومل��ا بلغت الرابعة‬
‫عشرة من العمر بدأت أجد متعيت يف مراقبة‬
‫السماء باملنظار العادي من شرفة بيتنا حبلوان‪.‬‬
‫ث��م كانت متعيت ال��ك�برى ترتكز يف اصطحاب‬
‫قريب يل يعمل يف مرصد حلوان‪ ،‬حيث كنت‬
‫أتابع يف هدوء واهتمام مناقشات بعض علماء‬
‫املرصد وخاصة الدكتور مساح الذي كان أحد‬
‫كبار أساتذة علم الفلك يف مصر‪ ،‬والذي كان ال‬
‫يرتدد يف اإلجابة على أي سؤال كنت أطرحه‪.‬‬
‫وقد قيل عين آنذاك إن هذا الصغري قد أطل من‬
‫مناظري املرصد أكثر من العلماء العاملني فيه‪.‬‬
‫وقد ظلت هذه التجربة الفريدة عالقة يف نفسي‬
‫حتى قمت بتسجيل آثارها يف رواي�تي األوىل‬
‫«قاهر الزمن» واليت تدور أحداثها يف مرصد‬
‫حلوان‪.‬‬
‫ولعل هذا العامل يفسر لنا شغف هناد شريف‬
‫وتعلقه بالفضاء حتى كانت السماء وأهل السماء‬
‫موضوعاً أساسيّاً من موضوعات أدبه‪ ،‬وإميانه‬
‫العميق بوجود حضارات أخرى على الكواكب‬
‫اليت متأل أجواء الفضاء‪ ،‬وأنه سوف يأتي يوم‬
‫ما وحيدث االتصال بني كائنات األرض وكائنات‬
‫هذه الكواكب‪ .‬وغري ذلك مما سجله يف روايته‬
‫«ابن النجوم» اليت تدور أحداثها حول هذا اللقاء‬
‫ومثاره‪.‬‬
‫وإذا كان مرصد حلوان قد جعل الصيب هناد‬

‫‪12‬‬

‫يتعلق بالسماء والفضاء‪ ،‬فإن مفردات املكان‬
‫األخ���رى ق��د تركت أث���راً على صفحة ذاكرته‬
‫حيث جعلته ينظر أفقيّاً إىل تضاريس املكان‬
‫وجغرافيته حيث بدأ يتفقد مناطق آثار قدماء‬
‫املصريني بالبدرشني وسقارة وارتياد مرتفعات‬
‫شرقي حلوان واليت هبا «وادي حوف» الشهري‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬أحداث خاصة يف حياته‪:‬‬
‫على الرغم من تلك النشأة األدبية والثقافية‪،‬‬
‫فإن الشاب هناد شريف كان قد رسم طريقه‬
‫لكي يصبح طبيب العائلة‪ .‬وذلك ألسباب ختص‬
‫التاريخ املرضي للعائلة اليت كانت تعاني بشكل‬
‫وراث��ي على ف�ترات متقاربة من تكون حصى‬
‫األكسيالت يف الكلى‪ ،‬وق��د ت��ويف ج��ده خالل‬
‫إجراء جراحة الستخراج بعض هذه احلصى‪،‬‬
‫وفكر الشاب هن��اد يف االجت��اه ل��دراس��ة الطب‬
‫ليتخصص يف طب املسالك البولية وخاصة أنه‬
‫ال توجد مهنة طبيب يف أسرته‪ .‬وبالفعل وضع‬
‫أوراقه على أن يدخل قسماً علميّاً‪.‬‬
‫ولكن جتري الرياح مبا ال تشتهي السفن‪ ،‬كما‬
‫يقول املتنيب‪ ،‬فقد أصيب إبان إجازته الصيفية‬
‫بالتهاب رئ��وي ح��اد أض��ر بصحته‪ ،‬ومل يكن‬
‫ال��ع�لاج م��ت��ط��وراً يف ذل��ك ال��وق��ت حيث كانت‬
‫«السلفا» هي العالج املتاح‪ ،‬مما جعله جيلس‬
‫للعالج شهراً كامال‪ ،‬واضطر الطبيب ألن يبيت‬
‫معه ليلة كاملة على السرير املقابل لسريره‪.‬‬
‫وهنا تظهر بداية املسرية‪ ،‬فكل ذلك جعل الوالد‬
‫يصدر عدة «فرمانات»‪:‬‬
‫‪ -1‬رفض دخول هناد كلية علمية لطول سين‬
‫دراستها واختصار ال��دراس��ة بسبب امل��رض‪،‬‬
‫بدخول إحدى الكليات النظرية‪.‬‬
‫‪ -2‬منع هناد من ممارسة أي نشاط بدني‪.‬‬
‫‪ - 3‬احل��رم��ان م��ن ال��دراس��ة اجلامعية عاماً‬
‫كامال‪.‬‬
‫ولقد تركت حادثة املرض تلك أثراً كبرياً على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫حياة هناد الشخصية واإلبداعية‪ ،‬الشخصية‬
‫ح��ي��ث وض��ع��ت ق��دم��ه ع��ل��ى ب���داي���ات ط��ري��ق‬
‫التخصص يف الكتابة األدبية ذات املنحى العلمي‬
‫كما سنرى‪ ،‬وعلى املستوى اإلبداعي فقد وظف‬
‫املرض الوراثي للكلى يف رواياته وقصصه وحقق‬
‫إبداعيّاً‪ ،‬ما كان يرجوه من دراسة الطب للقضاء‬
‫على هذا املرض‪ ،‬مثل قصة «املاسات الزيتونية»‬
‫ال�تي يتوصل بطلها الطبيب إىل حتويل هذه‬
‫احلصوات إىل ماسات مما حيقق االستفادة‬
‫على مستويني‪ ،‬األول‪ :‬االستفادة من بيع املاس‪،‬‬
‫والثاني‪ :‬سهولة خروج احلصوات بالقضاء على‬
‫أطرافها املدببة‪ ،‬وكذلك يف روايته «الشيء» فقد‬
‫كان البطل مصاباً مبرض حصى الكلى‪ ،‬ورواية‬
‫«سكان العامل الثاني» كذلك‪.‬‬
‫وأما طبيبه الذي بات معه ليلة كاملة فقد تأثر‬
‫به هن��اد تأثراً كبرياً وجعله بطل أوىل رواياته‬
‫وباكورة نتاجه وهي رواي��ة «قاهر الزمن» كما‬
‫سنرى‪.‬‬
‫د‪ -‬عامل القراءة الفسيح‪:‬‬
‫بعد أن حكم على الشاب هناد باملكوث يف املنزل‬
‫عاماً كامال‪ ،‬ومل يكن له أي متنفس حتى ممارسة‬
‫الرياضة حرم منها‪ ...‬فماذا يفعل إذن؟ وهنا‬
‫تتحقق أمنية اجلد حيث جاء حفيده ليستفيد‬
‫من املكتبة اليت حوت جمموعات ضخمة من‬
‫الكتب العربية واألجنبية وأمهات املراجع‪ ،‬جلأ‬
‫هناد إىل مكتبات أسرته ومكتبته ومكتبة جده‬
‫خاصة ال�تي ك��ان ميكث هب��ا وق��ت�اً ط��وي�لاً بني‬
‫كتب اخليال العلمي اليت أسر هبا وقرأ أمهات‬
‫كتب اخليال العلمي مثل «آلة الزمن» و»الرجل‬
‫اخلفي» لويلز و»رحلة إىل مركز األرض» جلول‬
‫فرين‪ ،‬قرأها باللغات الثالث‪ ،‬ومل يكتف بالقراءة‬
‫بل شاهد أفالم اخليال العلمي على شرائط‪،‬‬
‫وبذلك كان هذا العام مبثابة صهر وإعداد لفكر‬
‫وعقل الكاتب هناد شريف‪.‬‬

‫هـ‪ -‬آخرون شجعوه‪:‬‬
‫رأينا‪ ،‬فيما سبق‪ ،‬أن العوامل اليت أكدت املنحى‬
‫العلمي يف أدبه كانت مجيعها تنبع من طبيعة‬
‫الظروف والنشأة وتستمد وجودها من ذاتية‬
‫األدي��ب وبيئته‪ ،‬فإننا ن��رى هنا «شخصيات»‬
‫ساعدت على تأصيل املنحى العلمي يف أدبه‬
‫وتشكيل فكره وفنه‪ ،‬عن طريق مساعدهتا له‬
‫وتشجيعه‪.‬‬
‫فباإلضافة إىل جدته لوالده احلكاءة العظيمة‪،‬‬
‫ووال���ده ال��ذي ك��ان يصطحبه معه يف جوالته‬
‫الفنية‪ ،‬وطاملا أخ��ذ ب��رأي هن��اد ح��ول لوحاته‪،‬‬
‫وكذلك قريبه الذي كان يعمل يف مرصد حلوان‬
‫وجعله يتطلع إىل السماء والفضاء ومراقبة‬
‫النجوم والكواكب‪ ،‬وج��ده ال��ذي أف��اده مبكتبته‬
‫الضخمة‪ ،‬ومنصور ال��ش��وادف��ى أس��ت��اذ اللغة‬
‫العربية مبدرسة حلوان الثانوية ال��ذي اهتم‬
‫بإتقان هناد للغة العربية وصربه على مناقشة‬
‫ما يدونه من موضوعات إنشائية وما أمد به‬
‫هناد من كتب ثقافية ليقرأها‪ ،‬باإلضافة إىل كل‬
‫هؤالء‪ ،‬فإن هناك شخصيات أخرى أثرت أيضاً‬
‫وبشكل كبري يف حياته‪ ،‬منها‪ :‬الصحفي صالح‬
‫جالل‪ ،‬واألدباء‪ :‬يوسف السباعي‪ ،‬وحييى حقي‪،‬‬
‫ومصطفى حممود‪ ،‬ويوسف الشاروني‪.‬‬
‫‪ -4‬حول منهج الكتابة‪:‬‬
‫لكل كاتب منهجه اخل��اص يف الكتابة‪ ،‬وفعل‬
‫الكتابة عنده له طقوس خاصة‪ ،‬وخيتلف هذا‬
‫املنهج وتلك الطقوس من كاتب إىل آخر‪ ،‬وذلك‬
‫باختالف األمزجة وتنوع فنون الكتابة‪.‬‬
‫وإذا كانت هناك قاعدة عامة حتكم الكتاب‬
‫وه��ي احتياج كل كاتب إىل قلم وورق ومكان‬
‫هادئ يبدع فيه‪ ،‬فإن كاتب اخليال العلمي يشذ‬
‫عن تلك القاعدة! نعم يشذ‪ ،‬وبقوة‪ ،‬فبجانب‬
‫القلم واألوراق‪ ،‬البد أن جيلس يف مكان مليء‬
‫باملراجع وامل��ص��ادر واملعلومات العلمية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪13‬‬

‫اليت يراجعها ويدرسها طوال فرتة كتابة عمله‬
‫الروائي أو القصصي أو املسرحي‪ .‬أي أنه يظل‬
‫يف حبث دائم ودائب وشاق‪.‬‬
‫وحيدثنا هناد شريف عن منهجه يف الكتابة‪،‬‬
‫ومن أين يستقى أفكاره‪ ،‬وكيف يضعها يف قالب‬
‫أدبي ويقدمها يف صياغة فنية‪ ،‬وأهم طقوس‬
‫الكتابة عنده قائال‪:‬‬
‫ منهجي لكتابة نوعية أدب اخليال العلمي‬‫شاق‪ ..‬طويل‪ ،‬ومعقد‪ ،‬وهو منهج مييزه كم مهول‬
‫من الشك واالنفعال يصالن درجة املرض‪.‬‬
‫ البداية ال خترج عن خرب أو حديث أو قراءة‬‫أو مشاهدة أو التقاط جمرد فكرة عابرة‪ .‬وما‬
‫أكثر ما مير بنا من رؤى وأح��داث‪ ،‬وما جيول‬
‫خبواطرنا من أفكار وتأمالت‪.‬‬
‫على أن معظم أفكاري تأتيين وأن��ا جالس يف‬
‫شيء متحرك كقطار أو طائرة أو أتوبيس أو‬
‫س��ي��ارة‪ ،‬ب��ل إن معظم م�لام��ح رواي�ت�ي «قاهر‬
‫ال��زم��ن» تبلورت وتكونت بينما أجلس مبرتو‬
‫حلوان؛ ولذلك فإني أحتفظ دوم �اً معي بقلم‬
‫ومفكرة أسجل فيها األفكار اليت تعن يل قبل أن‬
‫تغيب يف غيابة جب النسيان‪.‬‬
‫ الصياغة الفنية لعمل م��ن األع��م��ال على‬‫عشقي هل��ا ه��ي قمة امل��ع��ان��اة‪ ،‬فبعد أن يربز‬
‫أمامي شيء باهت وصغري عندئذ ينشط كياني‬
‫كله وتبدأ املعاناة‪ :‬هذه احلقيقة العلمية‪ ..‬هل‬
‫يتيسر إخضاعها لعمل درام��ي؟ كيف؟ وعلى‬
‫أية ص��ورة ؟وب��أي ترتيب؟ ف��إذا راقتين الفكرة‬
‫واقتنعت هبا ب��دأت مرحلة البحث وال��دراس��ة‬
‫ح��ول احلقيقة العلمية ذاهت��ا وم��دى صحتها‬
‫وعمقها واألحب��اث اليت أجريت حوهلا واآلث��ار‬
‫اليت ترتبت عليها‪ ،‬ثم جتيء مرحلة استشارة‬
‫املتخصص أو مرحلة ارتياد مكان ما‪ ،‬أو رؤية‬
‫مقر علمي أو تفقد مؤسسة متخصصة إىل آخر‬
‫هذه األشياء الضرورية الستكمال حبثي‪ ،‬وبعد‬

‫‪14‬‬

‫مدة معينة أبدأ الصياغة أو أنبذ املوضوع من‬
‫أساسه وأجته إىل غريه‪.‬‬
‫ف��إذا ما ق��ررت الكتابة فإنين على عشقي هلا‬
‫أنزلق إىل قمة املعاناة‪ .‬وتتمثل لدى يف استدعاء‬
‫خمزون معلوماتي ومراجعتها وتقليبها وفحصها‬
‫واستكماهلا من مصادر مكتبيت ومستشاريَّ‬
‫وم��ن جهات أخ��رى متخصصة بينما تشتعل‬
‫طاقات خميليت ألقصاها‪.‬‬
‫وأعطيك منوذجاً على سبيل املثال‪ :‬هذا الكوكب‬
‫القصي الذي يقصده أبطال رواييت‪ .‬كيف يبدو‬
‫على البعد وسفينتنا الكونية تقرتب منه‪ ،‬ما‬
‫شكله وتضاريسه‪ ،‬وما مييزه عن غريه‪ ،‬ثم كلما‬
‫اقرتبنا من الكوكب كيف يتضخم منظوره وتتضح‬
‫تفاصيله ومشاهده‪ ،‬فإذا ما حان اهلبوط كيف‬
‫تتم هذه العملية الدقيقة حتى تستقر السفينة‬
‫على الثرى‪ .‬وملا يغادر املالحون ‪ -‬أبطال الرواية‬
‫ سفينتهم فكيف هلم باستقبال أجواء الكوكب‬‫وتكويناته وما به من خملوقات إن وجدت‪.‬‬
‫وبعد العموميات البد من تناول اخلصوصيات‬
‫فما هي أنواع خملوقات الكوكب كل على حدة؟‬
‫وهل بينها كائنات عاقلة؟ وهنا نصل إىل واحدة‬
‫م��ن ذرى ال��ن��ش��اط ال��ف��ك��ري ك��وص��ف هليئات‬
‫وتصرفات هذه الكائنات‪.‬‬
‫ال��ك��ث�ير وال��ك��ث�ير م��ن أم��ث��ال ه���ذه ال��ت��ص��ورات‬
‫واالستفسارات تدور يف رأسي‪ ،‬لكن خميليت ال‬
‫تبدأ من فراغ وإمنا قاعدهتا املعلومات العلمية‬
‫وتنبوءات املتخصصني ‪ -‬كما ذكرت ‪ -‬وإىل أقل‬
‫وأصغر تفاصيلها‪.‬‬
‫وق��د ت��ع��ودت أس��رت��ي الصغرية ‪ -‬زوج��ة وابنة‬
‫وابن ‪ -‬على تكرار جلوئي إىل العزلة والصمت‬
‫والتأمل وط��ول ف�ترات عزليت وما يعرتيها من‬
‫اعتكاف أو هو تفرغ كامل حتى أنتهي من كتابة‬
‫الرواية أو القصة‪.‬‬
‫ومبا أني كاتب بالغ الدقة والقلق‪ ،‬بل التوجس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫يف أعمايل‪ ،‬فإن إمتام العمل الفين أو تركه إىل‬
‫عمل غريه ال يتحقق قبل شهرين أو ثالثة من‬
‫ختامه‪ ،‬حيث تتلو مرحلة االنتهاء مراحل عدة‬
‫من قراءة النص مرات‪ ،‬كذلك ال مانع من دراسة‬
‫مزيد من التفاصيل العلمية أو سؤال خمتص‬
‫حول جزئية فيه‪ ،‬فإذا اقتنعت يف النهاية لبذل‬
‫أقصى طاقاتي استسلمت وقدمت مولودي إىل‬
‫الناشر وساعتها فقط أحس الراحة والتقط أوىل‬
‫أنفاسي‪ .‬إال أهنا ليست راحة مطلقة‪ ،‬فمطلقاً ال‬
‫يعنى اطمئناناً واستقراراً عميقني جتاه أي عمل‬
‫فين ينشر يل‪ ،‬كيف واملسؤولية ضخمة وخطرية‬
‫وأول م��ا أخ��ش��اه ن��ق��دي الشخصي مل��ا خيطه‬
‫قلمي‪ .‬وهكذا مع كثرة وتعدد مواليدي يتفاقم‬
‫قلقي وتتأجج عذاباتي‪.‬‬
‫وعن أهم العادات والتصرفات اخلاصة اليت‬
‫ميارسها هناد شريف وقت الكتابة‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ أوال أن��ا إن��س��ان ليلى إذا م��ا كتبت ورمب��ا‬‫أكثر ساعاتي اهنماكاً عندما ينتهي اإلرس��ال‬
‫التليفزيوني‪ .‬أي بعد منتصف الليل وإىل حلول‬
‫الفجر حيث أجد متعيت الكربى يف مراقبة وتأمل‬
‫خيوط الضوء الوليد وهي تتسلل من وراء األفق‬
‫وعندئذ فقط أتوجه إىل فراشي‪.‬‬
‫ بداييت يف الغالب عصبية للغاية وهي تستغرق‬‫وقتاً طويال يسودها التربم وعدم الرضا لكن‬
‫متى اجتزت معركة بنائها ف��إن الباقي أكثر‬
‫سهولة وانسياباً‪.‬‬
‫ وأن��ا أميل إىل الصمت والنظام والسكون‬‫املطلق يف أغلب أوقات الكتابة خاصة يف عمق‬
‫الليل لكن ال بأس من االستماع إىل موسيقى‬
‫كالسيكية هادئة‪.‬‬
‫ أدخن البايب بشراهة أثناء الكتابة لكنى ال‬‫أتناول أية منبهات‪ .‬فقط جلأت إىل الينسون يف‬
‫الشتاء للتدفئة فقط‪ .‬إال أن توتري وقلقي أثناء‬
‫الكتابة كثرياً ما جيعلين يف حالة أشبه باليقظة‬

‫املتحفزة مم��ا يدفعين يف بعض األح��ي��ان إىل‬
‫تناول مهدئ خفيف ألنام‪.‬‬
‫ ال أحب الورق املسطر وال امللون أو السميك‪.‬‬‫وأم � ّل الكتابة على ال��ورق كبري احلجم‪ .‬لذلك‬
‫فأنا أقسم ورقة الفولسكاب األبيض نصفني‪،‬‬
‫أما األق�لام فكل لون يدل على املراجعة مرة‪،‬‬
‫لكن البداية دائماً بالقلم الرصاص‪.‬‬
‫محادة هزاع ـ شاعر وناقد مصري‬
‫‪yahoo.com@Eslam_deen2000‬‬
‫إحاالت‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ هذه املقالة مستلة من رساليت للماجستري‬
‫من فصل بعنوان ( هناد شريف سرية ومنهج)‪،‬‬
‫وقد اعتمدت يف هذا الفصل على الكثري من‬
‫األحاديث واللقاءات اليت أجريت مع األديب هناد‬
‫شريف‪ ،‬ونشرت يف الصحف واجملالت املصرية‬
‫والعربية‪ ،‬وعلى شبكة املعلومات (اإلنرتنت)‪،‬‬
‫باإلضافة إىل ما رواه وكتبه يل خالل مقابالتي‬
‫الشخصية املتعددة معه‪.‬‬
‫ويف جلسة خاصة يل معه يف منزله بالدقي‪،‬‬
‫بعد أن قرأ هذا الفصل‪ ،‬يف يوم ‪،2006/2/21‬‬
‫الساعة احلادية عشر صباحا أثنى على ما ورد‬
‫فيه‪ ،‬ثم أب��دى بعض املالحظات القيمة اليت‬
‫أفدت منها‪ ،‬فجزاه اهلل خري اجلزاء‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ كثري من النقاد ذكروا أن سنة امليالد كانت‬
‫‪ ،1932‬ولكن ه��ذا غري صحيح‪ ،‬فقد ذك��ر يل‬
‫األس��ت��اذ هن���اد ش��ري��ف أن ‪ 1930/6/25‬هو‬
‫التاريخ الصحيح مليالده‪.‬‬
‫وك��ان األوىل مبكتبة األس��رة التى يتشدق هبا‬
‫صانعوها‪ ،‬و التى نالت جائزة اإلب��داع العربى‬
‫دون مثقال ذرة من االستحقاق أن تطبع األعمال‬
‫الكاملة هلذا الكاتب الكبري ‪.‬‬
‫• بناء الشخصية يف القصة القصرية عند هناد‬
‫شريف‬
‫تعد الشخصية ج��زءاً أساسيّاً يف بناء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪15‬‬

‫القصة مهما بلغت حداثتها‪ ..‬إذ هي منبع الشعور‬
‫واحلدث‪ ،‬إذن فثمة «عالقة عضوية وطيدة بني‬
‫احلدث والشخصية وليست الشخصية دائما‬
‫هي اإلنسان‪ ،‬وإن كان احل��دث يتم ع��ادة على‬
‫أي��دي الناس‪ ،‬ون���ادراً ما يتسبب فيه غريهم‪،‬‬
‫كالزالزل والعواصف‪ ،‬علينا إذن أن نأخذ يف‬
‫االعتبار أن املقصود بالشخصية ال يقتصر على‬
‫البشر فقط‪ ،‬وإمنا يتعداه ليشمل كل ما يؤدي‬
‫فعالً‪ ،‬أو ميارس تأثرياً‪ ،‬أو يتمتع حبضور قوى‬
‫تتجاوز أص��داؤه ح��دود حجمه‪ ،‬فاملكان ميكن‬
‫أن يكون شخصية أو بطالً يف إحدى القصص‪،‬‬
‫وهو كذلك بالفعل يف عدد كبري من القصص‪،‬‬
‫وال��ط�ير واحل���ي���وان أي��ض��ا وال��ش��ج��رة والبحر‬
‫والنهر واجلبل واجل��دار والسيجارة وال��زالزل‬
‫والكابوس والسيارة واملساء والشمس والقمر‬
‫والنار والنور‪ ..‬إىل غري ذلك من املوجودات اليت‬
‫صورها اخلالق سبحانه‪ ،‬وأبدع صورها‪ ..‬املهم‬
‫أن املقصود بالشخصية هو حمرك احلدث أيا‬
‫كانت طبيعته»‪)1(.‬‬
‫هبذا املفهوم للشخصية‪ ،‬ميكن أن ندرس بناء‬
‫الشخصية يف القصة القصرية عند هناد شريف‪،‬‬
‫عن طريق تقسيمها قسمني‪:‬‬
‫‪ -1‬البشر‬
‫‪ -2‬األمناط الشخصية األخرى‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬وقد اهتم هناد شريف يف معاجلته هلذين‬
‫القسمني باألبعاد الثالثة‪ ،‬اليت يكتمل هبا وصف‬
‫الشخصية ‪-‬بوجه ع��ام‪ -‬وه��ي‪ :‬البعد امل��ادي‪،‬‬
‫والبعد االجتماعي‪ ،‬والبعد النفسي‪.‬‬
‫‪ -1‬البشر‪:‬‬
‫يف عرضه لشخصية الدكتور «عبد اللطيف‬
‫شوقي»على م��دار قصة «امل��اس��ات الزيتونية»‬
‫نراه «رجالً يف العقد الرابع من عمره‪ ،‬عريض‬
‫املنكبني‪ ،‬فارع الطول»‪ ،‬ومن هذا البعد املادي‬
‫ينتقل إىل البعد االج��ت��م��اع��ي‪ »:‬م��ت��زوج وله‬

‫‪16‬‬

‫ابنتان وتعيش معه أم��ه وأخ��وه ال��ذي يصغره‬
‫بثمانية أع��وام‪ ،‬املريض مبرض مزمن استنفد‬
‫كل مدخرات أخيه الطبيب ومصادر قوته‪ ،‬وهو‬
‫جراح املسالك البولية األول يف مستشفى طنطا‬
‫اخلريي‪ ،‬ويعاني من مرض يف الكلى»‪.‬‬
‫ه��ذان البعدان تركا على البعد الثالث وهو‬
‫النفسي أث��رمه��ا‪ ،‬فظهرت امل�لام��ح النفسية‬
‫واألب��ع��اد السيكولوجية ال�تي ال ميكن إدراكها‬
‫إال من خ�لال ما تأتيه الشخصية من أفعال‬
‫أو متارسه من سلوكيات‪ ،‬وم��ن ه��ذه املالمح‬
‫النفسية‪ ،‬التعبري ببعض اللوازم اجلسدية عن‬
‫االنفعاالت النفسية‪،‬مثل‪»:‬كان ج��ام��داً صلباً‬
‫ال ي��ط��رف ل��ه ج���ف���ن‪،‬إال أن امح����رار مقلتيه‬
‫وحتجرمها‪ ،‬واالختالجة اليت اعرتت فمه‪ ،‬بل‬
‫الطريقة املنفعلة ال�تي شبك هبا أصابع يديه‬
‫حتى هربت منها الدماء‪ ،‬دلت هذه كلها على أنه‬
‫يرزح حتت جبل من الرتدد جياهد للفكاك من‬
‫قيده يف استماتة»‪)2(.‬‬
‫ويعرب عن نفاد صربه الواضح يف نظراته‪ »:‬بطرق‬
‫بالط األرضية بكعب حذائه طرقات قصرية‬
‫منغمة «‪ ،‬وع��ن رفضه ألي أسئلة عن مصدر‬
‫امل���اس‪ »:‬ق��ال الرجل يف صرامة ب��دت شرسة‬
‫ضارية‪ ،‬تتنافى مع مظهره املتخاذل لدى أول‬
‫قدومه»‪.‬‬
‫وكذلك عن استكانته من خالل موقفني‪ ،‬األول‪:‬‬
‫حينما دخل صاغراً «الدكان» بدون أي مقاومة‪»:‬‬
‫وملا الحظ العجوز أن الرجل مل يغري من وقفته‬
‫لدى الباب‪ ..‬ترك مقعده وهرول جيذب قامته‬
‫الفارعة برفق‪ ..‬فانقاد له حتى أجلسه على‬
‫واحد من كراسي اخليزران»‪)3(.‬‬
‫اآلخ��ر‪ :‬حينما وعد اجلواهرجي العجوز بأنه‬
‫ل��ن يعود مل��ا يفعله م��ن استخالص امل��اس من‬
‫كلى املرضى‪ »:‬أحنى الطبيب قامته الفارعة‬
‫وهو يتصبب عرقاً‪ ،‬وق��ال‪ :‬وأن��ا‪ ..‬إن��ي‪ ..‬أذعن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫لرغبتك»‪)4(.‬‬
‫ويعرب أيضا عن حمافظته على القيم النبيلة من‬
‫خالل التضحية بنفسه يف سبيل إسعاد أخيه‬
‫املريض‪ »..‬حني تصلك سطوري تكون اجلراحة‬
‫قد فشلت وأك��ون ساعياً للقائي املرتقب مع‬
‫خالقي‪ ..‬معذرة مرة أخ��رى‪ ،‬فحياة أخي لدي‬
‫أغلى من حياتي»‪)5(.‬‬
‫ويف قصة «الطحلب» يصور لنا شخصية أخرى‬
‫وهي شخصية العامل الدكتور أدهم راشد فهو‬
‫«رجل قصري القامة‪،‬مستدير الوجه مثل وجوه‬
‫األطفال على الرغم من شاربه الرفيع املعتنى‬
‫بتشذيبه أفقياً‪ ،‬كثيف الشعر الذي مأل صدره‬
‫وساقيه «‪)6(.‬‬
‫وهو متزوج وله ابنة «ألفت» وابن أصغر منها‬
‫«عبد احلميد»‪ ،‬يعاني من مشاكل مع زوجته‬
‫ومن جفائها له وأعصاهبا املشدودة‪ ،‬مبناسبة‬
‫وبال مناسبة‪.‬‬
‫ً‬
‫وه��و على املعاش‪ ،‬وك��ان أس��ت��اذا للكيميائيات‬
‫وم��دي��راً للكيمياء البيولوجية مبعهد حبوث‬
‫أعماق البحار سابقاً‪ ،‬ويعاني من نوبات ضغط‬
‫الدم‪.‬‬
‫هذا الوصف امل��ادي واالجتماعي كان مناسباً‬
‫للحالة النفسية اليت يرزح حتتها‪ ،‬فهو يعاني‬
‫من ضغوط كل شيء يف احلياة عليه من أنابيب‬
‫األكسجني الضخمة اليت ينوء هبا ظهره أثناء‬
‫جوالته البحرية‪ ،‬مروراً بضغط الدم الذي عاقه‬
‫يف إح��دى امل��رات عن إج��راء جتاربه وأحباثه‪،‬‬
‫وإىل الضغط األس���ري م��ن ال��زوج��ة واألوالد‬
‫وال��ذي قرر م��راراً التخلص منه بعدم السماح‬
‫ألسرته بتعطيله عن أحباثه «حني راح يصعد يف‬
‫أعقاب ابنه كان يؤكد لنفسه‪-‬رمبا للمرة املئة‬
‫بعد األلف‪ -‬بأنه لن يسمح هلما بتعطيل أحباثه‬
‫بعد اليوم «‪)7(.‬‬
‫املرة الوحيدة اليت قرر فيها التمرد على كل من‬

‫حوله واهل��روب من تلك الضغوط‪ ،‬كان سائراً‬
‫فيها إىل مصريه وهنايته‪ ،‬والعجيب أن��ه مات‬
‫حت��ت ضغط م��ن ن��وع آخ��ر‪»:‬ع��ل��ى ال��ف��ور شعر‬
‫الرجل ب��األذرع امللساء الباردة حتوطه إحاطة‬
‫كاملة ال مهرب منها إطالقاً‪،‬ثم راحت يف عنف‬
‫وحشي تعتصره اعتصاراً‪ ..‬حاول الصياح لكن‬
‫أنفاسه مخدت قبل أن تتحرك شفتاه»‪)8(.‬‬
‫وه��ك��ذا ي��ق��دم هن��اد ش��ري��ف األب��ع��اد املختلفة‬
‫للشخصية‪ ،‬كما رأينا‪ ،‬وكما يكثر يف قصصه‬
‫باضطراد‪.‬‬
‫‪ -2‬األمناط الشخصية األخرى‪:‬‬
‫أ‪ -‬اآلليون واحليوانات‪:‬‬
‫وكما اهتم هناد شريف بتصوير األبعاد املادية‬
‫واالج��ت��م��اع��ي��ة وال��ن��ف��س��ي��ة ل��ش��خ��ص��ي��ات��ه من‬
‫البشر فإنه يهتم كذلك بتصوير هذه األبعاد‬
‫ل��ش��خ��ص��ي��ات��ه م���ن اآلل���ي�ي�ن واحل���ي���وان���ات‪ ،‬يف‬
‫قصة «ح��ذار إنه ق��ادم» يقدم لنا جمموعة من‬
‫األوص���اف ال�تي يتمتع هبا اإلن��س��ان اآليل فهو‬
‫«صاحب ظهر عريض مرصع مبجموعة من‬
‫أزرار السمع واحلساسية وذراع�ين غليظتني‪،‬‬
‫تطفح جبهته ب��األض��واء القرمزية املتباينة‬
‫الناجتة عن تألق كامل للخاليا العقلية‪ ،‬ويعرب‬
‫ع��ن احل����االت النفسية هل���ذا اإلن��س��ان اآليل‬
‫مبعادالت مسعية بصرية‪ ،‬مثل حالة الغضب‬
‫األه��وج امل��ري��ع‪« ،‬واق�ت�رب من وجهي وك��ل ثنية‬
‫يف مفاصله املعدنية هتتز وتصطك ببعضها‬
‫البعض»‪)9(.‬‬
‫ويصور املشاعر النفسية اليت يشعر هبا اإلنسان‬
‫اآليل بعد أن امتلك اإلحساس والعاطفة‪ ،‬وصدم‬
‫حبقيقته وعرف أنه جمرد آلة صنعها اإلنسان‬
‫خلدمته‪ ،‬ومن هنا يقرر أن يقف جبوار اإلنسان‬
‫املقهور املنزوي يف الغابات فيقدم على تضحية‬
‫كربى وهي تدمري املفاعل ال��ذري املسؤول عن‬
‫شحن بطاريات اآلليني حتى يتم على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪17‬‬

‫يديه اخل�ل�اص‪ ،‬ك��ل ذل��ك بعد عاطفة احلب‬
‫اجلياشة اليت اجتاحت أسالكه وسرت يف كل‬
‫وصلة من توصيالت شبكته اإللكرتونية‪ ،‬جتاه‬
‫واحدة من بنات اإلنسان وهي حبيبته اآلدمية‬
‫«سوها» اليت يصفها لنا اإلنسان اآليل بقوله‪»:‬‬
‫واس��ع��ة العينني‪ ،‬دقيقة األن���ف وال��ف��م‪ ،‬لدنة‬
‫ناعمة البشرة على الرغم من ق��ذارة قدميها‬
‫احلافيتني‪ ،‬ينسكب شعرها الفاحم على كتفيها‬
‫العاريتني يف حالوة أبدية‪ ،‬يشرئب هنداها من‬
‫خالل خصالت شعرها شهيان»‪)10(.‬‬
‫ويف قصة «وتوقفت عقارب الساعة « يقدم‬
‫ال��دم��ي��ة اآلل��ي��ة وق���د ات��س��م��ت ب��ع��دة صفات‬
‫جسدية ونفسية‪ ،‬إهنا دمية آلية «أنيقة جذابة‬
‫القسمات‪ ..‬أسناهنا المعة‪ ..‬عيناها جذلتان‬
‫تغلقهما من حني آلخر نصف إغالقة وكأهنما‬
‫تنعمان حبياة حقيقية أو كأن تكوينهما طبيعي‬
‫غري آيل»(‪ ،)11‬ويضفي عليها بعض الصفات‬
‫األنثوية الفاتنة‪« ،‬ارتفع حاجب الدمية املكسوة‬
‫ث��وب�اً يلتصق م��ن أم��ام بنهديها وي�برز مفاتن‬
‫خصرها وفخذيها‪ ..‬وحاولت أن ترفع قباليت‬
‫إصبعاً حنيفاً معرتضاً»‪)12(.‬‬
‫وتتصف هذه الدمية ببعض الصفات النفسية‬
‫مثل الذكاء وسرعة البديهة‪ ،‬واخلبث واملكابرة‪،‬‬
‫باإلضافة إىل أهنا مقدمة برامج بالتليفزيون‬
‫املصري‪.‬‬
‫ه��ذا‪ ،‬وينتشر اآلل��ي��ون بكثرة يف قصص هناد‬
‫ش��ري��ف ليقوموا ب��األع��م��ال نفسها ال�تي كان‬
‫يقوم هبا البشر‪ ،‬مثل‪ :‬البناء‪ ،‬واحملافظة على‬
‫النظام‪ ،‬والتحكم يف وسائل املواصالت‪ ،‬كما يف‬
‫قصص‪ »:‬اهلجرة إىل املستقبل‪ -‬قشرة املوز‪-‬‬
‫الناقوس الصدئ‪ -‬املارد الفضي»‪.‬‬
‫ويف إطار املفهوم احملدد سلفاً للشخصية‪ ،‬الذي‬
‫يشري إىل أن املقصود بالشخصية ال يقتصر‬
‫على البشر فقط وإمن��ا يتعداه ليشمل كل ما‬

‫‪18‬‬

‫يؤدي فعالً أو ميارس تأثرياً أو يتمتع حبضور‬
‫قوي يتجاوز حدود حجمه وحيرك احلدث‪ -‬يف‬
‫هذا اإلطار‪ ،‬نرى هناد شريف جيعل من بعض‬
‫احليوانات أبطاال حقيقيني لقصصه‪ ،‬ويقدمه‬
‫لنا بأبعاده الشخصية املتعددة‪.‬‬
‫يف ق��ص��ة «ن����داء ل��ول��و ال��س��ري» جن��د البطلة‬
‫احلقيقية للقصة هي الغوريال «لولو» أول قردة‬
‫ناطقة يعرفها التاريخ البشري‪،‬تقدم نفسها‬
‫قائلة‪ »:‬أنا قردة أتكلم‪،‬أنا أنثى أمساني معلمي‬
‫لولو أنا كما يقول معلمي أول قردة تنطق كلمات‬
‫اإلن��س��ان وتتفاهم هبا معه‪ ،‬أن��ا لست حيواناً‬
‫أن��ا ك��ائ��ن م��ن س�لال��ة هل��ا نظمها وتقاليدها‬
‫مثلكم»(‪)13‬‬
‫ه��ذه ال��ق��ردة الشابة تتمتع ب��ال��ذك��اء ال��ذي ال‬
‫يقل مستواه عن ذكاء صيب يف الرابعة عشرة‬
‫من عمره‪ ،‬حتى أهنا يف إمياءاهتا اليت تصدر‬
‫ع��ن رأس��ه��ا الضخم أو أصابعها العارية من‬
‫ال��ش��ع��ر وك��أهن��ا خم��ل��وق ب��ش��ري ارت����دى لباس‬
‫التنكر أو ختفى حت��ت تلك الكمية الضاوية‬
‫من الشعر الفاحم القصري‪ »...‬أنا لولو‪ ،‬قردة‪،‬‬
‫غوريال‪ ..‬ذكية‪ ،‬أنا أحب كل احليوانات و‪..‬و‪..‬‬
‫اإلنسان»(‪)14‬‬
‫ويقدم الكاتب الصفات النفسية هلذه الـ»لولو»‬
‫بأهنا كانت تسرف يف مشاعرها وأحاسيسها‬
‫جتاه الكائنات احلية وخباصة احليوان‪ ،‬ويقدم‬
‫عدة مواقف تدل على ذلك منها‪ :‬ذلك اليوم‬
‫ال��ذي حمل��ت «ل��ول��و» م��ن ن��اف��ذة حجرة املعمل‬
‫أحد حراس الدار يقتل فأراً جبليا مبسدسه‪،‬‬
‫فاندفعت تصيح وه��ي تطرق ص��دره��ا بكلتا‬
‫قبضتيها يف ضربات متالحقة‪ »:‬فأر مات‪..‬‬
‫فأر مسكني‪ ..‬مسكني‪)15(»..‬‬
‫وتستطيع القردة أن تسيطر على مشاعرها‬
‫ب��ل تغريها يف اجت���اه آخ���ر‪ ..‬يتضح ذل��ك من‬
‫خالل احلوار الذي دار بينها وبني عامل النفس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫املسؤول عنها‪ ،‬عن حادثة الفأر حينما نطقت‬
‫«مندفعة كلمتني خافتتني يف كثري من اليأس‪:‬‬
‫شرير إنسان!‬
‫ماذا؟‬
‫وترتبك القردة‪ ،‬يشملها الضياع لثوان‪ ..‬لكنها‬
‫تتمالك نفسها فرتفع إصبعا هت��رش به خلف‬
‫عنقها‪ :‬ذكى إنسان يعد أشياء كثرية‪ ،‬كثرية‪..‬‬
‫ميأل هبا الدنيا‪.‬‬
‫وكانت تكذب ألول مرة‪ ،‬منذ قدومها»‪)16(.‬‬
‫وت��ص��ل امل��ش��اع��ر النفسية هب��ا م��داه��ا حينما‬
‫حتدث مشاجرة بني حارسني من حراس الدار‬
‫قتل أحدمها اآلخر‪ ،‬وخرجت رصاصة طائشة‬
‫قتلت زميلتها عندها اهنارت لولو وارمتت على‬
‫األرض وأصيبت باهنيار عصيب حاد «ظلت على‬
‫أث��ره أياما تعاف الطعام وال تكلم أح��داً‪،‬وك��ان‬
‫احلزن يغرق وجهها ويستقر عميقاً يف أغوار‬
‫عينيها»‪)17(.‬‬
‫وبعد أسبوع من هذه احلادثة اقرتبت من عامل‬
‫النفس «مهاب»وبعد أن سألته عدة أسئلة‪ ،‬ختلت‬
‫عنها شجاعتها فجأة فذاب هدوؤها الظاهري‬
‫وأخذت هتمهم يف ضيق وعصبية «إنسان‪ ،‬ملاذا‬
‫ميلك‪ ..‬أسلحة كثرية‪ ..‬ملاذا يقتل؟ «‪)18(.‬‬
‫وبعد أن تتأكد «لولو» أن اإلنسان هو سبب كل‬
‫الشرور واآلثام على وجه األرض وأنه يستخدم‬
‫أسلحته ال للدفاع هبا عن نفسه وقت اللزوم‬
‫ولكن ليعذب هبا نفسه واآلخرين ويف اعتقاده‬
‫أنه حيسن صنعاً‪ ..‬بعد أن تتأكد من ذلك تقرر‬
‫وه��ي تعلم صغريها وقردين معه النطق بلغة‬
‫البشر أن تلقنهم نداءها الصارم اخلفي‪»:‬تعلموا‬
‫بكل جهدكم وإصراركم نطق لغة هذه املخلوقات‬
‫املغرورة حتى ينشأ منكم جيل تتلوه أجيال‪..‬‬
‫تتفوق عليهم‪ ..‬فتمحوا شرورهم وتنقذ العامل‬
‫املسامل من الطغيان والتدمري والفناء»‪)19(.‬‬
‫ويف قصة «الطحلب» يقدم لنا حيواناً آخر ولكنه‬

‫حب��ري ه��ذه امل��رة إن��ه «طحلب املاكروسيتس‬
‫بريفرا» وكما قدمت لنا الغوريال «لولو» نفسها‪،‬‬
‫فإن الطحلب يقدم لنا نفسه هو اآلخ��ر‪ »:‬أنا‬
‫طحلب املاكروسيتس بريفرا سيد عمالقة‬
‫احمليطات بال منازع‪ ،‬وأول من اختلج بطفرة‬
‫احلياة على وجه الكرة األرضية «‪)20(.‬‬
‫ً‬
‫وبعد أن يقدم لنا الكاتب وصفاً مسهبا ألبعاد‬
‫الطحلب املادية واالجتماعية‪ ،‬ينتقل بنا إىل‬
‫التعبري البصري والسمعي عما متور به نفس‬
‫الطحلب من انفعاالت فمن الصور البصرية‬
‫اليت تعرب عن حالة االضطراب‪:‬‬
‫« وع����ادت أذرع ال��ط��ح��ل��ب ت��ت��م��دد يف اجت��اه‬
‫الدكتور‪ ..‬الواقف مشدوها وتقلصت‪ ..‬عرهتا‬
‫رجفة لثوان‪ ..‬ثم قبعت واستكانت على جانبيه»‪.‬‬
‫(‪)21‬‬
‫ومن الصور السمعية‪»:‬على أن نربات الصوت‬
‫[ص��وت الطحلب] شاهبا الغضب بغتة وسرى‬
‫يف طبقاهتا احل��ادة حقد أهوج دفني‪ ،‬يف حني‬
‫زاد التفاف أذرع الطحلب املطاطية حول بدن‬
‫الرجل‪ ..‬حتى المسته وهو الهٍ‪ ،‬متجمد‪ ،‬ضائع‬
‫احلواس»‪)22(.‬‬
‫وي�برز الرغبة النفسية الشديدة للطحلب يف‬
‫االنتقام م��ن ال��رج��ل ال��ذي انتزعه م��ن عامله‪،‬‬
‫«هذه هي قصة الطحالب‪ ،‬يا دكتور أدهم‪ ..‬هذه‬
‫هي قصة حياتي‪ ،‬وه��ذا عاملي وجربوتي وقد‬
‫انتزعتين منه غدراً‪ ،‬دون أن متلك احلق الذي ال‬
‫جيرؤ أحد على ادعائه‪ ..‬لكين مع ذلك بقيت‪..‬‬
‫مل أمت‪ ..‬ومل أنتهِ‪ ،‬وإمنا ستنزل عليك لعنيت‬
‫وتدمرك نقميت أنت الذي سيحيق بك الفناء‪..‬‬
‫بل البد أن تدفع الثمن يا دكتور»‪)23(.‬‬
‫وهكذا قدم لنا هناد شريف تفاصيل املشاعر‬
‫النفسية واألبعاد املادية واالجتماعية‪ ،‬لكل من‬
‫اآلل��ي�ين وبعض احل��ي��وان��ات‪ ،‬وهيأ هل��ا التعبري‬
‫البصري والسمعي‪ ،‬مما أكسبها وضوحاً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪19‬‬

‫يف عقل القارئ‪ ،‬وقبوالً يف قلبه وذوقه‪.‬‬
‫ب‪ -‬الكائنات الفضائية‪:‬‬
‫يقدم لنا هناد شريف يف جمموعته القصصية‬
‫«أنا وكائنات الفضاء» صورة متكاملة للشخصية‬
‫الفضائية‪ ،‬وامل��رأة على وجه اخلصوص‪ ،‬ومل‬
‫تقف زوايا الصورة عند حدود الوصف الكامل‬
‫هلذه الشخصية بأبعادها املختلفة‪ ،‬بل اتسعت‬
‫لتشمل العالقات اجلنسية اليت أقامها أبطال‬
‫هذه اجملموعة مع نساء الفضاء‪.‬‬
‫ونظراً ألن أكثر شخصيات الفضاء عند هناد‬
‫شريف من النساء ومن ثم ظهور صورة املرأة‬
‫وطغياهنا على ص��ورة الرجل الفضائي‪ ،‬اليت‬
‫جاءت باهتة الظالل‪ ،‬فإنه سوف يتم الرتكيز‬
‫أكثر على شخصية امل��رأة الفضائية‪ ،‬جبانب‬
‫الشخصيات األخرى‪.‬‬
‫يف قصة «سر القادم من أعلى» يقدم لنا البعد‬
‫اجلسمي لكائن الفضاء‪ ،‬فبدنه ع��ب��ارة عن‬
‫«رداء مصفح مربق من معدن يشبه الصفيح‬
‫جت���اورت قطعه فيما مي��اث��ل قشر السمك‪،‬‬
‫وذراعاه وساقاه أربعة أطراف بالغة الرفع من‬
‫مادة جلدية‪ ،‬وقفازان خيفيان بداخلهما أكثر‬
‫من عشر أصابع‪ ،‬وحذاءان مستديران يشبهان‬
‫خف اجلمل بدوا من لدين مقوى‪ ،‬باإلضافة إىل‬
‫تلك اخلوذة اخلشنة امللمس على ما يبدو وقد‬
‫اعتلت الكل مصمتة قامتة قبيحة بال فتحات‬
‫وال ثغرات أو أي ثقوب‪ ..‬إهنا رأسه»(‪)24‬‬
‫وجسمه كله عبارة عن قوام أسفنجي أو جمرد‬
‫وعاء بالستيكي فارغ أو هو جمرد خواء‪ ،‬من‬
‫هذا اجلسم تنزف مادة زرقاء تبلل ذراع الكائن‬
‫بدت ثقيلة القوام تنسكب ببطء‪ ،‬إهنا الدماء‪.‬‬
‫ويف قصة «اللقاء الرهيب» يقدم لنا كائناً‬
‫فضائيّاً آخ��ر‪ »:‬كان رأس��ه مياثل ثلث حجمه‬
‫تقريبا‪ ..‬ضخمة مكورة‪ ..‬صلعاء بارزة قليال‬
‫عظام اجلبهة‪ ..‬أم��ا ال��وج��ه فكانت مالحمه‬

‫‪20‬‬

‫وقسماته لوجه طفل مل يتعد عامه العاشر‬
‫وص��غ�يراً للغاية بالنسبة ملساحة ال���رأس‪..‬‬
‫وبدت العينان واسعتني‪ ..‬وبدت األذنان جمرد‬
‫فجوتني‪.‬‬
‫وك���ان ك��ل م��ن ال��ع��ن��ق وال���ذراع�ي�ن وال��س��اق�ين‬
‫قصرياً مكتنزاً‪ ..‬لكنهم متناسقون‪ ..‬وإن َّ‬
‫شذ‬
‫عن تكوين القدمني والكفني لضآلتهما بشكل‬
‫واضح‪ ..‬وأما لون البشرة ولون اليدين بأكمله‬
‫فكان مييل إىل الصفار‪ ،‬تتضح من خالل حلمه‬
‫ع��روق خضراء متشعبة خفيفة يف األط��راف‬
‫كثيفة عند الصدر»‪)25(.‬‬
‫ه��ذا عن الشكل اخل��ارج��ي أم��ا عن املكونات‬
‫الداخلية لكائنات الفضاء فإهنم مثل البشر‬
‫مع اختالفات يسرية فهم طوال القامة‪ ،‬خمتلفو‬
‫أجهزة أبداهنم الداخلية‪ ،‬حيث خلت من الزائدة‬
‫ال��دودي��ة‪..‬امل��رارة‪..‬ال��ط��ح��ال‪ ..‬امل��ريء‪..‬ال��ل��وز‪..‬‬
‫األسنان‪ ..‬كما ضمرت املعدة‪.‬‬
‫وتنقسم الكائنات الفضائية إىل ذكور وإناث‪،‬‬
‫تارة حتمل النساء الصفات اجلسدية للذكور‬
‫كما يف قصة «اللقاء الرهيب»‪« ،‬فقد ضمرت‬
‫مبرور الزمن أثداء اإلناث وأصبحت الرؤوس‬
‫رجاالً ونساء صلعاء»‪)26(.‬‬
‫وأخرى يرفل الذكور يف جسد اإلناث كما يف‬
‫قصة «وتوقفت عقارب الساعة»‪:‬‬
‫«‪ -‬كيف تكلميين يا سيدتي داخلياً؟‬
‫ إني ذكر‪ ،‬فأنا مالح السفينة األول‪ ،‬وعلى‬‫جانيب مساعداتي وهن إن��اث‪ ،‬واخللط الذي‬
‫وقعت فيه سببه اختالف تكويننا عنكم»‪)27(.‬‬
‫وع��ن البعد النفسي هل��ذه الكائنات فإهنا‬
‫حمبة للسالم تكره العنف واحل��روب متطورة‬
‫الذكاء‪ ،‬متقدمة املشاعر والعواطف كما جند‬
‫يف قصص‪»:‬وتوقفت عقارب الساعة»‪ ،‬و»اللقاء‬
‫الرهيب»‪ ،‬و»رقم ‪ 4‬يأمركم»‪ ،‬و»وجهان لقصة‬
‫واحدة «‪ ،‬و»البداية اآلن»‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫أما عن صورة املرأة الفضائية فإهنا تبدو لنا‬
‫من خالل مجع صفاهتا اجلسدية والنفسية‬
‫املتناثرة يف قصص «لقاء مع حفيدة خوفو»‪،‬‬
‫و»امرأة يف طبق طائر»‪ ،‬و»مندوبة فوق العادة«‪.‬‬
‫ف��امل��رأة الفضائية «ب��ش��رهت��ا يف ل��ون اخلمر‬
‫املعتقة‪ ،‬متوردة الشفتني‪ ،‬دقيقة األنف تتسع‬
‫عيناها يف احنناء ألعلى قرابة األذنني اللتني‬
‫غطامها ب��دورمه��ا م��وج م��ن الشعر الفاحم‬
‫يتطاير خلفهما مع هبات اهلواء»‪)28(.‬‬
‫وم�لاب��س��ه��ا‪»:‬ال��ث��وب ال��ط��وب��ي وبنسيجه فتل‬
‫الكريستال الرباقة يلف بدهنا فيربز مفاتنه‪..‬‬
‫وفتحة الصدر منه تكشف عن ثدييها‪..‬فإذا‬
‫مها مشرئبان كامال االستدارة «‪)29(.‬‬
‫«وب����دا ج��س��ده��ا وه���و يستقر ع��ل��ى األرض‬
‫احلجرية كأنه قوام مطاطي‪ ..‬خيلو من العظام‬
‫كلية «‪)30(.‬‬
‫وي��ت��ك��رر وص���ف ال��ن��ه��ود يف ت��ل��ك القصص‪،‬‬
‫بالعبارات نفسها‪:‬‬
‫«واملتموج بنهدين كاملي االمتالء واالستدارة‬
‫«‪)31(.‬‬
‫«وهكذا عاجال‪ ..‬أسكرني عبريها وارمتاؤها‬
‫املفاجئ علي‪ ..‬وشعوري بطراوة حلمها وتآلف‬
‫روحها مما مل أجربه قبال «‪)32(.‬‬
‫هذه الصفات اجلسدية املثرية دفعت أبطال‬
‫القصص إىل إقامة عالقات غرامية مع كل‬
‫امرأة قادمة من الفضاء‪« ..‬رحت أضم جسدها‬
‫الرخص إيلّ يف عاطفة جياشة وأنا أناجيها‬
‫ب��أع��ذب ك��ل��م��ات احل���ب وأرق���ه���ا‪ ..‬وشفتاي‬
‫الواهلتان تغمران كل ثنية يف وجهها وعنقها‬
‫بالقبالت اجملنونة «‪)33(.‬‬
‫«اقرتبت منى وطبعت على شفيت قبلة طويلة‬
‫ملتهبة «‪)34(.‬‬
‫«وأفقت على شفتها تعتصران شفيت‪ ..‬يف قبلة‬
‫ظمأى‪ ..‬ظلت أستدفئ بلهيبها»‪)35(.‬‬

‫« فتمر الدقائق تباعاً وهي غارقة بني ذراعي‪..‬‬
‫وشفتاي تدغدغان شفتيها ومتتزجان هبما‪..‬‬
‫وشعرها األشقر اهلفهاف ينسكب على رأسي‬
‫فيغطيه إىل عنقي»‪)36(.‬‬
‫« تأخرت الفتاة عن مرافقيها لتقرتب منى‬
‫فتقبلين بينما حبات لؤلؤية على خديها‪..‬‬
‫إن الذي مازلت أعيه‪ ،‬وأتيقن منه يقيين من‬
‫وج���ودي‪ ..‬هو أن هناك خملوقتني إحدامها‬
‫ع��ذب��ة الشفتني‪ ..‬واألخ���رى م��ن نسل ملكي‬
‫مقدس تستقران يف مكان قصي‪ ..‬توصيين‬
‫هبما خريا شبيهة هلما يف مذاق الشفتني كلما‬
‫حال يل أن أضم هذه الشبيهة بني ذراع��ي»‪.‬‬
‫(‪)37‬‬
‫امل��رة الوحيدة اليت مل يقم فيها بطل القصة‬
‫عالقة غرامية مع امل��رأة الفضائية‪ ،‬كانت يف‬
‫قصة «اللقاء الرهيب» حيث جاءت املرأة فيها‬
‫حتمل ص��ف��ات ال��رج��ل‪ ،‬وم��ن ث��م مل ينخرط‬
‫معها البطل يف عالقة غرامية‪ ،‬وفضل أن يغري‬
‫موضوع احلديث بينهما أوال ثم إقامة عالقة‬
‫إخوة ثانياً‪ ،‬من هنا جاء مشهد الوداع خمتلفا‪»:‬‬
‫وقبضت امل��رأة على أصابعه بأصابع قصرية‬
‫دافئة‪ ..‬وليست باردة كما كانت قبال‪،‬تشبثت‬
‫به طويالً‪ ..‬طوقته بنظراهتا‪ ..‬كان صدرها‬
‫الشبيه بصدور الرجال يعلو ويهبط يف عصبية‪،‬‬
‫احن��درت دمعتان من عينيها الواسعتني على‬
‫خديها‪ ..‬وابتسم فمها الدقيق اخل��ايل من‬
‫األسنان ألول مرة‪ ..‬وابتسم القائد أيضاً من‬
‫وراء القناع‪ ..‬فتالقت ابتسامتا إخوة نادرتان»‪.‬‬
‫(‪)38‬‬
‫ً‬
‫وإمعانا منه يف مطابقة الكائنات الفضائية‬
‫للجنس البشري يف الصفات التكونية‪،‬يقدم‬
‫لنا الكاتب ه��ذه امل��رأة الفضائية ال�تي حتمل‬
‫جسداً وروح���اً كالبشر‪،‬يف قصته «ام���رأة يف‬
‫طبق طائر» حيث تقابل البطل روح هذه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪21‬‬

‫امل��رأة؛ لتأخذه إىل جسدها القابع يف الطبق‬
‫الطائر حتى يساعدها على ارت��داء جسدها‬
‫مرة أخرى‪ ،‬والفقرة التالية من القصة تشرح‬
‫لنا كيفية دخ��ول ال���روح يف اجل��س��د‪ »:‬وف��وق‬
‫السرير يسارا رق��دت فتاة ثانية‪ ..‬يا إهلي!!‬
‫واس��ت��درت يف احل��ال إىل رفيقيت الصامتة‪..‬‬
‫ماذا أقول‪ ..‬أيتشابه التوأم إىل هذه الدرجة؟!‪،‬‬
‫كانت االثنتان متماثلتني يف كل ذرة من شكلهما‬
‫اخلارجي‪ ..‬على أن رفيقيت مل تدعين ملزيد من‬
‫الفحص لوجه توأمتها‪ ..‬وإمنا جذبتين من يدي‬
‫إىل صندوق معدني حني فتحته حملت احملقن‬
‫والزجاجة وهب��ا سائل داك��ن ال��ق��وام‪ ..‬بعدئذ‬
‫عادت الفتاة تقف لدى رأس توأمتها وتشري إيلّ‬
‫يف هلفة أن أحقن عند منتصف جبهة التوأم‬
‫القدر ال��ذي حددته بأصابعها ومياثل أربعة‬
‫سنتيمرتات من املصل أو الدواء‪...‬‬
‫دفعت السائل ببطء‪ ..‬وما أن أخرجت طرف‬
‫احملقن من اجلبهة الرخوة الشبيهة حبشية‬
‫القطن حتى وثبت رفيقيت يف اهل��واء واعتلت‬
‫جسد ت��وأم��ت��ه��ا‪ ،‬وراح���ت ت���ذوب يف ثناياها‬
‫متالشية كما يتالشى الدخان من على سطح‬
‫إناء توقف غليانه‪ ...‬رباه أهذا ممكن؟!»(‪)39‬‬
‫ه��ذه هي األمن��اط الثالثة ال�تي ج��اءت عليها‬
‫الشخصية يف ال��ق��ص��ة ال��ق��ص�يرة ع��ن��د هن��اد‬
‫شريف‪.‬‬
‫ومن املالحظ كذلك على الشخصية يف القصة‬
‫ال��ق��ص�يرة ع��ن��ده‪،‬ق��ل��ة ع���دد الشخصيات يف‬
‫القصة الواحدة‪ ،‬فالقصة‪ ،‬عنده‪ ،‬ترتكز دائماً‬
‫على شخصيتني أو ثالثة على األكثر حترك‬
‫األحداث وتدفع هبا إىل األمام‪ ،‬بالطبع هناك‬
‫شخصيات أخرى تتحرك يف دنيا القصة لكنها‬
‫مهما سامهت يف تطور األحداث‪ ،‬تظل ثانوية‪،‬‬
‫وت��ك��ون عناية الكاتب هب��ا « أق��ل م��ن عنايته‬
‫بالشخصيات الرئيسية‪ ،‬فال يهتم بالتفاصيل‬

‫‪22‬‬

‫الصغرية اخلاصة هبا وال يوضح املصري الذي‬
‫سوف تنتهي إليه‪ ،‬فهذه الشخصيات هلا دور أو‬
‫أدوار حمددة تؤديها‪ ،‬ثم ال تلبث أن ختتفي من‬
‫مسرح األحداث»‪)40(.‬‬
‫وينوع هن��اد شريف شخصياته الرئيسية يف‬
‫قصصه القصرية‪،‬فتارة جيعل بطلي القصة‬
‫إن��س��ان وح��ي��وان كما يف قصيت «ن���داء لولو‬
‫السري»‪ ،‬و»الطحلب» أو اإلنسان وسليله اآليل‬
‫كما يف قصة «ح��ذار إن��ه ق���ادم»‪ ،‬أو اإلنسان‬
‫وكائنات الفضاء كما يف جمموعته «أنا وكائنات‬
‫الفضاء»‪.‬‬
‫وقلة عدد الشخصيات هذا‪ ،‬له بعد فين آخر‬
‫وه��و املساعدة على إحكام البناء القصصي‬
‫وق��وة متاسكه إذ من املعروف أنه «كلما قلت‬
‫الشخصيات إىل أقل حد ممكن‪ ،‬ساعدها ذلك‬
‫على قوة البناء ومتاسكه‪ ،‬وعدم توزعه على‬
‫قوى كثرية حتاول كل منها أن جتذب الثقل يف‬
‫اجتاهها‪ ،‬مما خيشى على اهنيار البناء‪)41(»..‬‬
‫وما كان ذلك كذلك إال «ألن الوحدة والتماسك‬
‫وال��ن��ف��اذ مباشرة إىل قلب امل��وض��وع وهدفه‬
‫ه��و ال��ع��امل احل��ق��ي��ق��ي ل��ل��ق��ص��ة‪ ..‬ط��ال��ت أو‬
‫قصرت»(‪)42‬‬
‫وه��ذا ما فطن إليه هناد شريف وطبقه على‬
‫قصصه بتقليل عدد الشخصيات فيها‪.‬‬
‫مالحظة أخ��رى على الشخصية القصصية‬
‫عند هناد شريف وهي‪:‬‬
‫إذا ك��ان الكاتب ق��د أسهب يف رس��م مالمح‬
‫الشخصية بأبعادها املختلفة‪ ،‬فإنه مل يذكر‬
‫وصفاً أو مستاً ال يساهم يف تصعيد احلدث‬
‫والوصول إىل ذروته‪ ،‬واهلدف منه‪ ،‬وهبذا ظهر‬
‫االرت��ب��اط العضوي بني الشخصية واحل��دث‬
‫فمثالً يف قصته «امل��اس��ات الزيتونية» كان‬
‫احلدث يف حاجة إىل‪:‬‬
‫أ‪ -‬أن يكون البطل مصاباً مبرض تكوين حصوة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫الكلى‪ ،‬وليست أي حصوة بل البد أن تكون من‬
‫نوع اإلكسيالت‪ « ..‬فقد كان أبي‪ ،‬رمحه اهلل‪،‬‬
‫مصابا مب��رض تكوينها‪ ،‬وبعده أصيب خال‬
‫يل‪ ..‬بل أنا نفسي قاسيت آالم لفظ إحداها‬
‫يف صباي»‪)43(.‬‬
‫ب‪ -‬أن يرزح هذا البطل حتت ظروف اجتماعية‬
‫ومادية صعبة حتى يتم تصعيد احلدث بلجوئه‬
‫إىل إجراء جتاربه على كلى املرضى‪ ،‬يف مقدمة‬
‫هذه الظروف مرض أخيه املزمن الذي استنفد‬
‫كافة مدخراته ومصادر قوته ومن ثم اضطراره‬
‫إىل ختليق احلصوات املاسية ثم بيعها حتى‬
‫حيصل على النقود‪)44(.‬‬
‫جـ_ وأن يتحلى البطل بصفات أخالقية كرمية‬
‫من قبيل الوفاء بالعهد‪ ،‬وإيثار حياة أخيه على‬
‫حياته‪ ،‬مما يدفع باحلدث خطوة أخرى حنو‬
‫ال��ذروة «عزيزي احل��اج علي أنشد صفحك‪،‬‬
‫أخ��ي توفيق يف خطر داه���م والب���د أن أهب‬
‫لنجدته‪ ،‬حسب قسمي لك‪ ،‬والذي لن أحنث‬
‫به‪ ،‬أضطر لتكوين احلصوات املاسية بكلييت‬
‫أنا‪ ،‬وال أحد غريي‪ ،‬حني تصلك سطوري تكون‬
‫اجل��راح��ة ق��د فشلت‪ ،‬وأك���ون ساعياً للقائي‬
‫املرتقب مع خالقي‪ ..‬معذرة مرة أخرى‪ ،‬فحياة‬
‫أخي لديّ أغلى من حياتي»‪)45(.‬‬
‫م��ن ذل��ك يتضح أن ال��ص��ف��ات امل��ت��ع��ددة اليت‬
‫خيلعها هناد شريف على شخصية أبطاله ال‬
‫تكون إال بقدر ما حيتاجه احلدث‪.‬‬
‫وهنا جتدر اإلش��ارة إىل أن هذا أمر يفرضه‬
‫البناء الفين للقصة اجليدة‪ ،‬فال مفر منه إذن‪،‬‬
‫«حتى تتسق الشخصية مع احل��دث وتتسق‬
‫املشاعر مع الشخصية‪ ،‬وينسجم اجلميع يف‬
‫نسق بنائي متحد ومتماسك يسعى بكل أجزائه‬
‫حنو الغاية أو األثر الذي يطمح أن يلقيه يف روع‬
‫املتلقي»‪)46(.‬‬
‫ومثة مالحظة ثالثة كذلك‪ ،‬وهي أن هناد شريف‬

‫حينما يقدم شخصية رئيسية من شخصياته‬
‫ال يقدمها بكل أبعادها وصفاهتا دفعة واحدة‪،‬‬
‫بل يقدمها لنا على مراحل وبانتهاء القصة‬
‫تكون قد اكتملت لنا املعامل الكلية للشخصية‬
‫الرئيسية‪ ،‬وهو ما ميكن أن يطلق عليه «تطور‬
‫بناء الشخصية «‪.‬‬
‫ويظهر ذلك يف قصص‪»:‬املاسات الزيتونية‪-‬‬
‫الطحلب‪ -‬وسيظل ال يعرف‪ -‬القصر‪ -‬ثقب يف‬
‫جدار الزمن»‪.‬‬
‫ولنأخذ قصة «ثقب يف جدار الزمن» مثاال‪،‬ففيها‬
‫يقدم لنا شخصيته احملورية على مراحل‪:‬‬
‫أ‪ -‬يف بداية القصة يصور لنا رج�لاً ينطلق‬
‫حبماس زائد وينادى زوجته «سلمى» ثم يصور‬
‫لنا م��ا يرتديه م��ن مالبس‪»:‬سرتته القطنية‬
‫الزرقاء الضيقة األكمام واملتدلية خلفا حتى‬
‫فخذيه‪ ..‬ثم سرواله الكتاني السميك األصفر‬
‫ذي احل���واف املزينة بأشرطة بنية‪ ..‬وخفه‬
‫اجللدي القامت السواد»(‪ ،)47‬مثل هذه املالبس‬
‫جتعل القارئ يتساءل‪ :‬من أي عصر قدم هذا‬
‫الرجل؟‬
‫ب‪ -‬يصل هذا الرجل إىل مكان ما ويقتحمه ثم‬
‫يركع حتت قدمي امرأة وينفجر يف البكاء وهو‬
‫ينشج أملاً مرّاً علقماً‪.‬‬
‫جـ‪ -‬تظهر لنا حقيقة هذا الرجل فنعلم أنه‬
‫قائد مملوكي يدعى أنس باي داوودي يعمل‬
‫ق��ائ��د عسكر يف ج��ي��ش ال��س��ل��ط��ان قانصوة‬
‫الغوري‪.‬‬
‫وي���رى ال��ب��اح��ث أن ه��ذا يتطابق م��ع املقولة‬
‫النقدية القائلة‪ »:‬إنه من الشروط األولية يف‬
‫تقديم الشخصية ع��دم الكشف عنها كاملة‬
‫منذ البداية؛ ألن الدرامية والتشويق الالزمني‬
‫لكل فن حيتمان أن تظهر مسات الشخصية‬
‫بالتدريج»‪.)48(.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪23‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ * 1‬إحــاالت‪:‬‬
‫‪ -1‬فن كتابة القصة‪ ،‬فؤاد قنديل‪ ،‬اهليئة العامة‬
‫لقصور الثقافة‪،‬القاهرة‪ ،‬سلسلة كتابات نقدية‬
‫العدد ‪ ،123‬يونيو ‪ ،2002‬ص‪.204‬‬
‫‪ -2‬جم��م��وع��ة امل��اس��ات ال��زي��ت��ون��ي��ة‪ ،‬األع��م��ال‬
‫الكاملة‪ ،‬ج��ـ‪،1‬رواي��ة وجمموعتني قصصيتني‪،‬‬
‫اهليئة املصرية العامة للكتاب‪ ،‬القاهرة ‪1994‬م‪،‬‬
‫ص‪.392‬‬
‫‪ -3‬السابق‪ ،‬ص ‪.398‬‬
‫‪ -4‬السابق‪ ،‬ص ‪.403‬‬
‫‪ -5‬السابق‪ ،‬ص ‪.405‬‬
‫‪ -6‬السابق‪ ،‬ص ‪.467‬‬
‫‪ -7‬جمموعة املاسات الزيتونية‪ ،‬األعمال الكاملة‪،‬‬
‫جـ‪ ،1‬ص‪.471‬‬
‫‪ -8‬السابق‪ ،‬ص‪.476‬‬
‫‪ -9‬جمموعة رقم ‪ 4‬يأمركم‪ ،‬كتاب اليوم‪ ،‬العدد‬
‫‪ ،87‬القاهرة‪ ،‬ديسمرب ‪1974‬م‪ ،‬ص ‪.11‬‬
‫‪ -10‬السابق‪ ،‬ص‪.12‬‬
‫‪ -11‬جمموعة ال���ذي حت��دى اإلع��ص��ار‪ ،‬اهليئة‬
‫املصرية العامة للكتاب‪ ،‬القاهرة ‪1981‬م‪ ،‬ص ‪.52‬‬
‫‪ -12‬السابق‪ ،‬ص‪.53‬‬
‫‪ -13‬جمموعة نداء لولو السري‪ ،‬منشورات احتاد‬
‫كتاب العرب‪ ،‬دمشق‪ ،‬سوريا‪1994‬م‪ ،‬ص‪.9‬‬
‫‪ -14‬السابق‪ ،‬ص‪.19‬‬
‫‪ -15‬السابق‪ ،‬ص‪.20‬‬
‫‪ -16‬السابق‪ ،‬ص‪.22‬‬
‫‪ -17‬السابق‪ ،‬ص‪.25‬‬
‫‪ -18‬السابق‪ ،‬ص‪.27‬‬
‫‪ -19‬السابق‪ ،‬ص‪.33‬‬
‫‪ -20‬جمموعة امل��اس��ات الزيتونية‪ ،‬األع��م��ال‬
‫الكاملة‪ ،‬جـ‪ ،1‬ص‪.475‬‬
‫‪ -21‬السابق‪ ،‬ص‪.475‬‬
‫‪ -22‬السابق‪ ،‬ص‪.475‬‬
‫‪ -23‬السابق‪ ،‬ص‪.476‬‬

‫‪24‬‬

‫‪ -24‬جمموعة أنا وكائنات الفضاء‪ ،‬كتاب اليوم‪،‬‬
‫دار أخ��ب��ار ال��ي��وم‪ ،‬ال��ع��دد‪ ،214‬مايو ‪1983‬م‪،‬‬
‫ص‪.64 ،62‬‬
‫‪ -25‬السابق‪ ،‬ص‪.150‬‬
‫‪ -26‬السابق‪ ،‬ص‪.152‬‬
‫‪ -27‬جمموعة الذي حتدى اإلعصار‪ ،‬ص ‪،59‬‬
‫‪.60‬‬
‫‪ -28‬جمموعة أنا وكائنات الفضاء‪ ،‬ص‪.9‬‬
‫‪ -29‬السابق‪ ،‬ص‪.137‬‬
‫‪ -30‬السابق‪ ،‬ص‪.74‬‬
‫‪ -31‬السابق‪ ،‬ص‪.74‬‬
‫‪ -32‬السابق‪ ،‬ص‪.76‬‬
‫‪ -33‬جمموعة أنا وكائنات الفضاء‪ ،‬ص‪.133‬‬
‫‪ -34‬السابق‪ ،‬ص‪.141‬‬
‫‪ -35‬السابق‪ ،‬الصفحة نفسها‪.‬‬
‫‪ -36‬السابق‪ ،‬ص‪.127‬‬
‫‪ -37‬السابق‪ ،‬ص‪.83‬‬
‫‪ -38‬السابق‪ ،‬ص‪.156‬‬
‫‪ -39‬جمموعة الذي حتدى اإلعصار‪ ،‬ص‪.126‬‬
‫‪ -40‬الفن القصصي يف ض��وء النقد األدب��ي‪،‬‬
‫بني النظرية والتطبيق‪ ،‬د‪ .‬عبد اللطيف حممد‬
‫احلديدي‪ ،‬دار املعرفة للطباعة والتجليد‪ ،‬ط‬
‫أوىل‪ ،‬املنصورة ‪1416‬ه���ـ‪1996 -‬م‪ ،‬ص‪،158‬‬
‫‪.159‬‬
‫‪ -41‬فن كتابة القصة‪ ،‬ص ‪.228‬‬
‫‪ -42‬السابق‪ ،‬ص‪.229‬‬
‫‪ -43‬جمموعة امل��اس��ات الزيتونية‪ ،‬األع��م��ال‬
‫الكاملة‪ ،‬جـ‪ ،1‬ص‪.400‬‬
‫‪ -44‬السابق‪ ،‬ص ‪.401‬‬
‫‪ -45‬جمموعة امل��اس��ات الزيتونية‪ ،‬األع��م��ال‬
‫الكاملة‪ ،‬جـ‪ ،1‬ص‪.405‬‬
‫‪ -46‬فن كتابة القصة‪ ،‬ص‪.231‬‬
‫‪ -47‬جمموعة رقم ‪ 4‬يأمركم‪ ،‬ص‪.121 ،120‬‬
‫‪ -48‬فن كتابة القصة‪ ،‬ص‪213‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫نهاد شريف‬
‫رحلة عطاء ال تنتهي (قاهر الزمن‪/‬‬
‫سكان العالم الثاني‪ /‬الشيء‪ /‬ابن‬
‫النجوم) عالمات على الطريق‬
‫د‪ .‬مها مظلوم خضر‬

‫اختار األستاذ هناد شريف ـ رمحه‬
‫اهلل تعاىل وتغمده يف فسيح جناته‬
‫ـ الطريق الصعب؛ فصُنف ـ منذ‬
‫ال��ب��داي��ة ـ بكاتب اخل��ي��ال العلمي‪ ،‬ث��م رائ��د‬
‫اخليال العلمي يف مصر حتى وفاته بال منازع‬
‫أو منافس‪.‬‬
‫ملاذا إبداعات األستاذ هناد شريف يف اخليال‬
‫العلمي؟‬
‫ألهن��ا ش��ه��ادة م��ي�لاد ألدب اخل��ي��ال العلمي‬
‫بفنونه وأن��واع��ه (القصصية‪ /‬ال��روائ��ي��ة‪/‬‬
‫املسرحية)‪ .‬وكانت رساليت للدكتوراه عنواهنا‬

‫«بناء رواية اخليال العلمي يف األدب املصري‬
‫املعاصر»(*)؛ وهي أول رسالة علمية تتناول‬
‫يف جزء منها إبداعات اخليال العلمي يف رواية‬
‫األستاذ هناد شريف ممثلة يف‪( :‬قاهر الزمن‪/‬‬
‫سكان العامل الثاني‪ /‬الشيء‪ /‬ابن النجوم)‪.‬‬
‫ت��ن��اول��ت ه��ذه ال���رواي���ات ب��ال��دراس��ة والنقد‬
‫والتحليل باستخدام النظرية النقدية املعاصرة‬
‫ممثلة يف «علم السرديات» الذي ساعدني يف‬
‫حتليل عناصر بناء األعمال الروائية العلمية‬
‫من حيث‪( :‬الراوي‪ /‬الصوت‪ /‬الزمان واملكان‪/‬‬
‫الصيغة(شكل منط اخلطاب املسرود)‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪25‬‬

‫بأسلوب «جريار جينيت»‪.‬‬
‫رواي��ة اخليال العلمي هي «رواي��ة مستقبلية‬
‫تقوم على احلقيقة الثابتة حينا أو املتخيلة‬
‫عن جانب جمهول من الكون واحلياة حيناً‬
‫آخ���ر‪ ،‬شخصياهتا امس��ي��ة أو رق��م��ي��ة غري‬
‫مكتملة اهليئة النفسية واجل��س��دي��ة تنقل‬
‫اخلطاب الشامل ـ املسرود يف الغالب ـ إىل‬
‫زمان مستقبلي أو اسرتجاعي متوهم‪ ،‬وإىل‬
‫مكان خيايل‪،‬أحداثها مشوقة ومثرية تدفع إىل‬
‫التفكري يف نتائج من اخليال املقنن واملوظف‬
‫لتقدم حلوالً مستقبلية ملا جيب أن تكون عليه‬
‫احلياة يف ظل التقدم العلمي املتسارع‪ ،‬كذلك‬
‫تقدم حماذير لنتائج تلك النظريات العلمية‬
‫إذا أسيء استخدامها دون حساب النتائج‪،‬‬
‫عنصراها‪:‬العلم واألدب يف صياغة ختيلية‬
‫هي حلقة من حلقات الرواية عامة ‪ ،‬والرواية‬
‫العربية واملصرية خاصة» (‪.)1‬‬
‫ك��ان لألستاذ هن��اد شريف السبق يف لفت‬
‫االن��ت��ب��اه إىل أمه��ي��ة توظيف رواي���ة اخليال‬
‫العلمي خلدمة قضايا اإلن��س��ان احلياتية؛‬
‫حيث ب���دأت رواي���ة (ق��اه��ر ال��زم��ن) بفكرة‬
‫تربيد اجلسم البشري حلني االنتهاء من حل‬
‫مشكالته الصحية‪ ،‬وبالفعل مت االستفادة من‬
‫هذه الفكرة العلمية وتوظيفها يف كثري من‬
‫العمليات اجلراحية الناجحة‪ ،‬وحفظ األجنة‬
‫يف بنوك حلني االحتياج إليها‪ ...‬وغريها ومل‬
‫تكن شائعة يف ذل��ك الوقت‪ ،‬فقدم األستاذ‬
‫هناد شريف استباقاً علمياً هبذا اللون األدبي‪.‬‬
‫وتأتي رواييت‪( :‬سكان العامل الثاني‪ /‬الشيء)‬
‫حماولتني لغزو البحار‪ ،‬والفضاء‪ ،‬وحماولة‬
‫ختيل ع���وامل ج��دي��دة باستخدام معطيات‬
‫العصر الناسبة واملتاحة‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫وحتى ال تصبح النظريات العلمية حلماً غري‬
‫قابل للتحقيق‪ ،‬ويف ظل معطيات الواقع تقدم‬
‫رواي��ة‪( :‬ابن النجوم ـ ذلك الكائن األخضر)‬
‫تصوراً لكيفية استفادة اإلنسان من معطيات‬
‫ال��ط��ب��ي��ع��ة ال��ف��ط��ري��ة امل���وج���ودة يف ح��ي��ات��ه؛‬
‫فيبسطها‪ ،‬ويسهلها‪ ،‬وجييب على تساؤل‬
‫علمي طرحه وأجاب عليه هو ماذا حيدث لو‬
‫كان اإلنسان مثل النبات يف تكوينه؟‬
‫مجع األستاذ هناد شريف يف رواياته يف اخليال‬
‫العلمي بني أنواع من الرحالت العلمية‪:‬‬
‫رواي��ة قاهر الزمن‪ :‬هي رحلة داخ��ل جسم‬
‫اإلنسان؛ حيث تدورأحداثها حول الصحفي‬
‫«كامل هبنسي» الذي يرتك بلده وأهله وحيضر‬
‫إىل مرصد حلوانليكتب كتاباً عن (الفلك يف‬
‫م��ص��ر)‪ ،‬وي��راف��ق��ه يف ه��ذه الرحلة صديقه‬
‫«رؤوف» ال���ذي يظهر يف ب��ع��ض األح���داث‬
‫وخيتفي يف بعضها‪،‬ويدعوه» الدكتور حليم»إىل‬
‫فيلته ليقيم هبا ‪ ،‬ويكتب مذكراته العلمية؛‬
‫فيجد «ك��ام��ل» فرصة إلش��ب��اع فضوله عن‬
‫هذه الفيال‪ ،‬وتدور أحداث كثرية ومغامرات‬
‫ليلية حتى يصل احلدث إىل ذروته‪ ،‬ويكتشف‬
‫«كامل هبنسي» وجود مامسا بقلعة النائمني‬
‫املكونة من أماكن فردية مجع فيها»د‪.‬حليم»‬
‫علماء متنوعي التخصصات من العامل وقام‬
‫بتجميدهم‪ ،‬ووض��ع لكل واح��د منهم بطاقة‬
‫خ��اص��ة ببياناته ليعرفوا أنفسهم عندما‬
‫يستيقظون‪.‬‬
‫حت���دث امل��ف��اج��أة إلب����راز اهل����دف م��ن ه��ذه‬
‫التجربة العلمية املستقبلية اليت حلم هبا كما‬
‫يقول ال���راوي العليم يف ال��رواي��ة‪« :‬التجربة‬
‫احللمية يتغري هبا الطب والتعليم والعواطف‪،‬‬
‫وط��رق البحث واالكتشاف‪ ،‬وط��رق احل��رب‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫وال��ف��ر امل�لاح��ي يف ال��ك��ون‪ ،‬ب��ل وح��ت��ى عمر‬
‫اإلنسان نفسه‪ ،‬وكيفية حياته سوف يتغريان‬
‫من أساسهما متاما» (‪.)2‬‬
‫ي��دور ح��وار صريح بني «ك��ام��ل» و «الدكتور‬
‫حليم» حول كيفية جتميد اجلسم البشري‬
‫ف��ي��ق��ول دك��ت��ور ح��ل��ي��م‪ »:‬ل��ق��د اط��ل��ع��ت على‬
‫الوصفات السحرية باألعشاب والسوائل اليت‬
‫كان يعدها األقدمون بغرض إطالة احلياة يف‬
‫عهد قدماء املصريني إىل العصور الوسطى‬
‫إىل القرن الثامن عشر‪ ...‬وق��د درس��ت كل‬
‫ماجرى من جت��ارب يف ه��ذا اجمل���ال‪ ...‬كما‬
‫درست حماوالت إطالة احلياة بواسطة تنظيم‬
‫أغذية معينة لفرتات طويلة مثل اللنب الزبادي‬
‫‪ ...‬اللنب الرايب‪ ...‬والغلة املنقوعة‪ ،‬والعسل‬
‫األسود» (‪.)3‬‬
‫يستشهد بتجربة حدثت يف العامل أوحت له‬
‫بفكرة جتميد اجلسم البشري؛ حيث أنقذ‬
‫رجال اإلنقاذ رجالً كان حتت الثلوج ملدة أربع‬
‫وعشرين ساعة بتدفئته‪ ،‬ولكنه م��ات بعد‬
‫يومني) (‪.)4‬‬
‫وهكذا يستمر «د‪.‬حليم» يف جتاربه إىل هناية‬
‫حركة احلدث؛ ودائماً ما يضع األستاذ هناد‬
‫شريف هناية للحدث بإهناء حياة شخصياته‬
‫ليظل اخليال العلمي طرحا فرضيا قابال‬
‫للتحقيق يف املستقبل‪.‬‬
‫أما رواية سكان العامل الثاني‪ :‬هي رحلة إىل‬
‫أع��م��اق البحر داخ��ل غ��واص��ة يف زي���ارة إىل‬
‫مدينة القاع املُقامة كاملة حتت املاء بسكاهنا‪،‬‬
‫وأبطاهلا م��ن مصر وال��ع��راق واهل��ن��د؛ ت��دور‬
‫أحداثها حول اختفاء جمموعة من العلماء‬
‫يف ظروف غامضة من خمتلف أحناء العامل‪،‬‬
‫ووص��ول رسائل غامضة من قاع البحر إىل‬

‫(أوك�لاه��وس��ي�تي ج��ن��وب ال���والي���ات املتحدة‬
‫األمريكية‪ ،‬ثم تستقبل لندن نفس اإلشارات‪،‬‬
‫وكذلك االحت��اد السوفيييت) وتتغري األمكنة‬
‫مع تنوع التوقيتات الزمانية من بلد آلخر يف‬
‫أرجاء العامل‪.‬‬
‫يأخذنا األس��ت��اذ هن��اد شريف خب�برة املبدع‬
‫املُبحر املتعمق ال��ذي ميلك أدوات صياغته‬
‫األدبية فيغطي حركة احل��دث ف��وق األرض‬
‫ويف البحر‪ ،‬ويتابع لنا حركة احلدث وردود‬
‫األف��ع��ال ل�يرب��ط ب�ين األح����داث وم��ص��دره��ا‬
‫املتحرك من مدينة القاع يف البحر‪ ،‬ويقدم لنا‬
‫ال��راوي السارد كل كبرية وصغرية مبعلومات‬
‫علمية دقيقة عن طرق هذه ال��دول العلمية‬
‫يف مواجهة مثل ه��ذه اإلش���ارات‪ ،‬واملقاومة‬
‫العلمية والتكنولوجية ملثل هذا الغزو على‬
‫أراضيهم وممتلكاهتم؛ وهذا راجع إىل ثقافة‬
‫األس��ت��اذ هن���اد ش��ري��ف العلمية‪ ،‬ومتابعته‬
‫ألحدث النظريات‪ ،‬واألسلحة‪ ،‬ونظم التأمني‬
‫العسكرية‪ ،‬وأساليبها‪ ،‬فتخرج لنا رواية(سكان‬
‫العامل الثاني) ـ رغم طوهلا يف بعض األحيان‬
‫ـ كرؤية استباقية لعصر مل نعشه بعد‪ ،‬ومل‬
‫نعرف عنه شيئاً يف السبعينيات‪ ،‬وعرفناه يف‬
‫هناية القرن العشرين‪.‬‬
‫تدور حماوالت كثرية ملعرفة مصدر اإلشارات‬
‫والربقيات الغامضة طوال ثالثة أيام متوالية‪،‬‬
‫تتقدم ق��وات دول��ي��ة حمل��اول��ة نسف مصدر‬
‫اإلش�����ارة ال��ب��ح��ري��ة‪ ،‬وه��ن��ا هت��ب��ط السفينة‬
‫االستكشافية اليت ترسل اإلشارات الالسلكية‬
‫إىل قاع البحر؛ ففي‪« :‬أعقاب حماوالت جرت‬
‫هب��ا أص��اب��ع خبرية انضبت امل��وج��ة وح��ددت‬
‫احملطة‪ ...‬وإن بدا صوت املذيع قصياً‬
‫يرتاوح انسيابه بني اخلفوت واالرتفاع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪27‬‬

‫املفاجىء‪ ...‬واآلن وقد مر أكثر من ‪ 120‬ساعة‬
‫فقد فشلت كافة اجلهود اليت بذلتها وحدات‬
‫الضفادع البشرية حتى مس��اع ه��ذه النشرة‬
‫يف العثور على اثر ألحد مندوبي دول احلياد‬
‫الثالثة» (‪.)5‬‬
‫انتهت أح��داث الرواية بعودة غواصة اجليب‬
‫اخلارجة من مدينة القاع البحرية إىل مكاهنا‬
‫لتنتهي األحداث لترتك جماالً فسيحاً مستقبلياً‬
‫جييب عن هل ميكن أن يسكن اإلنسان يف قاع‬
‫البحر يف إطار مدينة جمهزة باألدوات احلديثة‬
‫ويقيم هبا ما تبقى له من عمر؟‪.‬‬
‫رواية الشيء‪ :‬تورد أحداثها حول ذلك الشيء‬
‫ال����ذي ي��ه��ب��ط ع��ل��ى ق��ري��ة(ف��وخ��ة) م��ن ق��رى‬
‫مصر‪،‬يدور تساؤل ما هو هذا الشيء؟ هل هو‬
‫من كوكب آخر؟ هل هو خري أم شر؟‬
‫«الحظت اجلموع يف منطقة فوخة تناثر وريقات‬
‫من مادة بالستيكية متاثل يف طراوهتا املشمع‬
‫املقوى‪...‬وعليها ما يشبه األرق��ام أو النقوش‬
‫املتقطعة أو احل��روف املرسومة املنمنمة غري‬
‫املعروفة من قبل‪.)6( »...‬‬
‫ما هذه األشياء اليت هبطت على قرية فوخة‬
‫فكما ظهرت فجأة اختفت فجأة تاركة وراءها‬
‫هذه التساؤالت حول حقيقة هذا الشيء‪.‬‬
‫ورواي��ة الشيء هي الرحلة الثالثة من رحالت‬
‫األس��ت��اذ هن��اد شريف يف رواي��ات��ه يف اخليال‬
‫العلمي؛ وه��ذه الرحلة من ع��امل الفضاء إىل‬
‫األرض‪ .‬وك��ان��ت ال��رح�لات إىل ال��ف��ض��اء قد‬
‫ب��دأت بالفعل‪ ،‬ولكن مل تتضح نتائجها وقت‬
‫كتابة هذه الرواية؛ فأنشأ األستاذ هناد شريف‬
‫عالقة خيالية بني األرض والسماء قائمة على‬
‫معلومات علمية من أصحاب هذه الرحالت‪،‬‬
‫وأدواهتم العلمية ‪ ،‬وكعادته مل يصل يف النهاية‬

‫‪28‬‬

‫بعضهم مع بعض؛ فلدى كل واحد منهم غدة‬
‫تفرز أو تطلق شحنات موجبة‪...‬تكمن باملخ‬
‫وترافق من يراد مرافقته‪ ،‬وعن طريق هذه‬
‫الشحنات املوجبات تعرف األحداث أوالً بأول‬
‫ويستجيب جملرياهتا أوالً بأول»(‪.)8‬‬
‫كانت هذه هي الفرضية العلمية فهل ميكن‬
‫أن تكون لغة التخاطب بني البشر هي لغة‬
‫ختاطب ابن النجوم مع الكائنات اليت تشبهه‬
‫(لغة التخاطر الذهين عن بعد) رمبا قدمت‬
‫األي��ام اليت نعيشها اآلن اإلجابة اليت نبحث‬
‫عنها‪.‬‬
‫أجابت رواي��ات اخليال العلمي عند األستاذ‬
‫هناد شريف عن بعض االفرتاضات العلمية‬
‫يف حني كتابة هذه الروايات‪ ،‬ومازال بعضها‬
‫يف طور التجريب؛والقضايا اليت أثارها كاتبنا‬
‫رمحة اهلل عليه هي‪(:‬جتميد اجلسم البشري‬
‫يف رواي��ت��ه قاهر ال��زم��ن‪ /‬السكن واإلق��ام��ة‬
‫داخل مدينة يف قاع البحر‪ /‬هبوط كائنات‬

‫م��ن الفضاء يف شكل كائنات هالمية غري‬
‫مفهومة التكوين على األرض‪ /‬وكذلك هبوط‬
‫كائنات فضائية لتعيش بيننا)‪.‬‬
‫رح���م اهلل األس���ت���اذ هن���اد ش��ري��ف برمحته‬
‫الواسعة وأسكنه فسيح جناته ملا أسداه من‬
‫علم يستحق التفكري فيه‪ ،‬وقد حتقق معظم‬
‫فرضياته اآلن‪ ،‬فكان سابقاً لزمانه وأحداثه‬
‫ومنجزات عصره العلمية‪،‬وبفقده فقد أدب‬
‫اخليال العلمي رائ��داً من رواد أدب اخليال‬
‫العلمي ال��ذي��ن ص��ه��روا ح��ي��اهت��م يف بوتقة‬
‫اخليال العلمي الذي هو مقدمة ألي اخرتاع أو‬
‫اكتشاف علمي بعد ذلك لو دخل هذا التصور‬
‫املعمل سنصل إىل نتائج مذهلة وسيؤتي‬
‫مثاره‪.‬‬
‫نرجو أن يعوضنا اهلل سبحانه وتعاىل بأبنائه‬
‫ليكملوا ما بدأه األستاذ هناد شريف أستاذهم‬
‫رائد أدب اخليال العلمي بال منازع‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن احلمد هلل رب العاملني‪.‬‬

‫إىل إجابة شافية واضحة ‪ ،‬ولذلك ترك كنه‬
‫وحقيقة ه��ذا ال��ش��يء غامضة لتكون فرضاً‬
‫علمياً ميكن أن يتحقق يف يوم من األيام‪ ،‬وأن‬
‫تأتينا رسائل من السماء‪.‬‬
‫وخنتتم رحلتنا مع ه��ذا العمالق ال��ذي أفنى‬
‫عمره باحثاً متجوالً بني العوامل الكبرية احمليطة‬
‫به يف اجل��و يف السماء‪ /‬يف ق��اع البحار‪ /‬يف‬
‫داخل اجلسم البشري فصنع لنا عاملاً خيالياً‬
‫حاملاً‪.‬‬
‫رواية ابن النجوم تدور أحداثها حول كائن قادم‬
‫من الفضاء إىل األرض؛ فقد هبط «ابن النجوم‬
‫ذلك الكائن األخضر» ليعيش على أرضنا مع‬
‫بطل ال��رواي��ة‪ ،‬وزوج��ت��ه وأبنائه‪ ،‬وحي��دث أول‬
‫حوار بينهم‪:‬‬
‫«أنا منّ تبحث عنه ‪...‬‬
‫التفت إليه‪ :‬ماذا؟‬
‫جئت خصيصاً أللقاك‪.‬‬
‫أنت!؟‬
‫بعد انتظارك الطويل‪...‬هأنذا‪...‬رهن تصرفك‪.‬‬
‫ما الذي تقصده؟‬
‫أنا ابن النجوم» (‪.)7‬‬
‫اب��ن النجوم هو الكائن األخضر ال��ذي يهبط‬
‫مبركبته الفضائية باحثا ع��ن م��ن يصلح له‬
‫ترساً يف مركبته اليت تعطلت ‪ ،‬وتبدأ به أحداث‬
‫الرواية إىل أن تنتهي بعودته إىل الفضاء مرة‬
‫أخ��رى ليظل حلم اخليال العلمي يف التعرف‬
‫على حقيقة الكائنات الفضائية قائماً‪.‬‬
‫يشرح لنا ال���راوي العليم يف ال��رواي��ة أسلوب‬
‫التخاطب بني هذه الكائنات فيقول عنها‪:‬‬
‫«لغة التحاور جوانية‪ ،‬لغة التخاطر الذهين اليت‬
‫هي واح��دة من أبرز مسات التفاهم والتعاون‬
‫على البعد‪..‬بالتخاطر ب�ين سكان الكواكب‬

‫(*) بناء رواية اخليال العلمي يف األدب املصري املعاصر؛رسالة دكتوراه بقسم اللغة العربية‬
‫‪،‬كلية اآلداب ـ جامعة القاهرة‪1999،‬م‪ .‬وطبعت‪.‬ـ أوىل ‪.‬ـ أسيوط‪ :‬األوفست احلديثة‪2001،‬م‪.‬‬
‫(‪ )1‬بناء رواية اخليال العلمي‪:‬ص‪.38،‬‬
‫(‪ )2‬هناد شريف‪:‬قاهر الزمن‪.‬ـ ط‪.‬ت القاهرة‪:‬دار اهلالل‪1974،‬م‪.‬‬
‫(‪ )3‬هناد شريف‪ :‬قاهر الزمن‪،‬ص ‪.72،71‬‬
‫(‪ )4‬املصدر السابق‪،‬ص‪.72،71‬‬
‫(‪ )5‬هناد شريف‪ :‬سكان العامل الثاني‪.‬ت ط‪.‬ت القاهرة‪ :‬دار األمانة‪1977،‬م‪.94،‬‬
‫(‪ )6‬هن��اد ش��ري��ف‪ :‬ال��ش��ىء‪.‬ـ ط‪.‬ـ ال��ق��اه��رة‪ :‬اهليئة العامةللكتاب(خمتارات ف��ص��ول(‪)59‬‬
‫ن‪1989‬م‪،‬ص‪.110‬‬
‫(‪ )7‬هناد شريف‪ :‬ابن النجوم‪.‬ـ ط‪.‬ـ القارهرة‪ :‬هنضة مصر‪1997،‬م‪،‬ص‪.14‬‬
‫(‪ )8‬ابن النجوم‪ :‬ص‪.37،36‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪29‬‬

‫اهلوامش‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيال‬

‫في نظرية المعرفة العربية‬
‫د‪ .‬فواز سيوف‬

‫‪30‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫وميكن اختصار اجتاهات امل��دارس الرئيسية‬
‫بعد مراقبة التاريخ الفكري لنظرية املعرفة [‪]1‬‬
‫إىل مدرستني‪ُ ،‬كتِبَ هلا احلياة فرتة طويلة من‬
‫الزمن‪ ،‬ومازالت إىل اآلن‪:‬‬
‫أ – مدرسة ثنائية؛ العلم عندهم مكوّن من‬
‫عاملني م��ادي ومعنوي‪ ،‬مها مصدر املعرفة‪،‬‬
‫ويقصدون بالعامل املادي عامل العقل واحلس‬
‫وال��واق��ع‪ ،‬يسود فيه منطق وق��ان��ون السببية‬
‫والتطور املادي‪ ،‬أما العامل املعنوي (املثايل) فهو‬
‫عامل الغيب واملعنى واألرواح‪ ،‬ويسود فيه منطق‬
‫الوحي واحلب والنخبة والعواطف‪.‬‬
‫ب – مدرسة التثليث؛ العامل مكوّن عندهم من‬
‫ثالثة ع��وامل؛ عامل غييب حيوي كل الفضائل‬
‫وامل��ع��ل��وم��ات وال��ق��وى ‪ ،‬وع���امل واق��ع��ي حسّي‬
‫يصيبه الفساد وحي��ت��اج باستمرار إىل قوى‬
‫تدعمه ونِع ٍم تأتي إليه‪ ،‬وع��امل وسيط ينقل‬
‫األم���ر وال��ت��أث�ير م��ا ب�ين ال��ع��امل�ين‪ .‬وت���رى هذه‬
‫املدرسة أن كل ش��يء يقوم على ثالثة أسس‬
‫اعتمدهتا النظريات املعرفية بدءاً من الرؤية‬
‫اهلندية املبينة يف الفيدا [‪ ،]2‬مروراً بأفالطون‬
‫ال��ذي بنى مجهوريته على ثالثيات‪ ،‬م��روراً‬
‫باملفكرين املسلمني ووصوالً إىل الوقت احلايل‪،‬‬
‫حيث صاغوها بلغة العصر على أهنا‪ :‬مصدر‬
‫للمعلومات النقية‪ ،‬ومتلق للمعلومات‪ ،‬وواسطة‬
‫تنقل املعلومة من املصدر إىل املتلقي‪ .‬وال تشذ‬
‫أخالق الفرد وال املعرفة عن األركان الثالثة‪،‬‬
‫جاء يف كتاب املعرفة من منظار الفيدا [‪:]2‬‬
‫"ع��ن��دم��ا تتفاعل األح��ادي��ة تظهر الثالثية‪،‬‬
‫فعندما يشاء اهلل أن يُظهر الكون يأخذ دور‬
‫اخلالق‪ ،‬ومبا أن عملية اخللق هي استمرار‬
‫دائم ما دام الوجود موجوداً‪ ،‬يستمر اهلل يف‬
‫عملية اخللق‪ ،‬وم��ن أج��ل أن تستمر اخلليقة‬
‫يف ال��وج��ود وي��ك��ون اهلل عليها وك��ي�لاً ويوجه‬
‫مسارها التطوري‪ ،‬فبعد عملية اخللق تكون‬
‫عملية احلفاظ على استمرارية الوجود فيأخذ‬
‫اهلل دور احمل��اف��ظ على اخلليقة‪ .‬وم��ن أجل‬

‫استمرارية الوجود البد من إزال��ة ما هو قد‬
‫يعوق هذه االستمرارية‪ ،‬وهنا يكون هلل دوراً يف‬
‫تدبري ما قد تلف من خليقته‪ ،‬هذه هي النواحي‬
‫الثالثية لدور اهلل يف اخلليقة"‪.‬‬
‫وقد أخذت املدرسة الثنائية صور كثرية متفقة‬
‫مع املناسبة املتطلّبة للمعرفة‪ ،‬فنجد ثنائيات‬
‫مسيطرة على الفكر مثل (النور والظلمة) و‬
‫(امل��وت واحلياة) و (العلم واجلهل) و (احلب‬
‫والكره) و (العنف والالعنف)‪ ،‬إىل ما هنالك‬
‫من ثنائيات صاحلة لبناء منظومات معرفية‬
‫جزئية‪ ،‬مجعتها فلسفة القرن التاسع عشر‬
‫وأع��م��ال هيغل وم��ارك��س يف ثنائية (م��ادي‬
‫معنوي) [‪ .]3‬اليت بنت البشرية عليها مدارس‬
‫كثرية ومتنوعة للمعرفة والتعامل مع الكون‬
‫وكائناته‪ .‬غري أن مساهتا الرئيسية اليت علقت‬
‫هبا وظهرت معها يف الواقع وكأهنا مفرزات‬
‫وخصائص البد من وجودها يف كل ثنائية‪ ،‬هي‬
‫الصراع واملنافسة (التناحرية)‪ ،‬هذا مع التذكري‬
‫أن ترتيب عناصر الثنائية (مادي معنوي) أو‬
‫(معنوي مادي) ضاعف من االجتاهات الفكرية‬
‫املعرفية‪.‬‬
‫ونقلت تلك االجتاهات اخلواص الصراعية إىل‬
‫أتباعها‪ ،‬الذين وصلوا بالعلم إىل تنفيذ حربني‬
‫عامليتني (ما بني حلفاء وحمور)‪ ،‬وصراع شديد‬
‫قسم العامل ما بني شيوعي اشرتاكي ورأمسايل‬
‫غربي دام فرتة طويلة من الزمن‪ ،‬وأضرّ بالعامل‬
‫أمجع‪.‬‬
‫باملقابل تفاعلت الشعوب الشرقية مع املصادر‬
‫التثليثية للمعرفة بصورة أق��وى‪ ،‬ومل يهتموا‬
‫كثرياً لرتتيب الثالثية اليت وجدنا أهنا مؤلفة‬
‫من منبع وواسطة ومستقر‪ ،‬ميثل املنبع مصدر‬
‫كل شيء ومنشأه‪ ،‬بينما ميثل املستقر املظهر‬
‫امل��ادي والعقلي واحلسي‪ ،‬وهو مظهر مؤ ّقت‬
‫سينتهي عاجالً أم آج�لاً‪ ،‬وهي إرادة اخلالق‬
‫(املنبع) اليت تطال اجلميع‪ .‬أما الواسطة‬
‫فهو العامل الذي عربت بوساطته األشياء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪31‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫احملسوسة واملفهومة من عامل املعنى والروح‬
‫إىل ع���امل احل���س واجل��س��د وامل�����ادّة (اخل��ل��ق‬
‫والربء)‪ .‬ومل تتطور التفاعالت املتبادلة ما بني‬
‫عناصر الثالثية إىل حاالت الصراع واملنافسة‪،‬‬
‫بل متيّزت العوامل الثالثة باالنسجام والتناغم‬
‫والتناسق‪ ،‬وكأن الشرقي أوجد عامل الواسطة‬
‫كمخمّد للصراعات املمكنة‪ ،‬ومقرّب للمفاهيم‬
‫واملصاحل‪ ،‬وتوجد بالطبع خالفات وصراعات‬
‫متو ّلدة حتت جناح املدرسة التثليثية غري أن‬
‫مصدرها من اختالفهم يف تفاصيل العالقة‬
‫بني ال��ع��وامل الثالثة‪ :‬فمن معتقد ب��أن املنبع‬
‫خالق يستمر يف اخللق والتدبري‪ ،‬والواسطة‬
‫هي املالئكة والرسل املختلفون‪ ،‬إىل معتقد‬
‫أن املنبع خلق الكون وأوكل بعامل الواسطة أو‬
‫جزء منه عملية التطوير والتدبري‪ ...‬إىل ما‬
‫هنالك من جزئيات فكرية و ّلدت مدارس كثرية‬
‫يف جمال املعرفة تقوم على تنوعات صغرية أو‬
‫كبرية يف العالقات والصالحيات املتداخلة ما‬
‫بني العوامل الثالثة‪.‬‬
‫م��ا نريد الرتكيز على مكوناته وخصائصه‬
‫اآلن هو عامل اخليال‪ ،‬أين موقعه يف مذاهب‬
‫املدرستني الرئيسيتني‪ ،‬وما هو دوره يف إحدى‬
‫أجزائها‪ ،‬وم��ا هي مكوناته ومواصفاته اليت‬
‫متيّزه كعامل ومصدر معريف له دوره ومكانته‪.‬‬
‫املنظومة املعرفية الدينية‬
‫موقع اخليال حم�دّد بوضوح عند ابن عربي‬
‫كأحد عوامل املنظومة املعرفية الفكرية املؤلفة‬
‫من الثالثية (احلس اخليال املعنى) [‪ .]4‬وهذه‬
‫املنظومة جتريد للثالثيات الدينية املعروفة‬
‫واملؤلفة من (خالق‪ -‬رس��ول‪ -‬خملوق)‪ ،‬وتكاد‬
‫ال��ث�لاث��ي��ات ال��ك��ث�يرة ال�تي م���رّت معنا سابقاً‬
‫(وأَسست عليها كثري من اجملتمعات والتيارات‬
‫الفكرية نظريتها ورؤيتها املعرفية) أن تكون‬
‫حتوير وتصرف لفظي بالثالثية الدينية‪ ،‬مع‬
‫العلم أن م��ا قيل أع�لاه ال يعين أن املذاهب‬
‫الدينية تثليثية فقط‪ .‬فهناك اجتاهات دينية‬

‫‪32‬‬

‫ومدارس فكرية دينية تقوم على أسس معرفية‬
‫ثنائية‪ ،‬وه��ي إن اع�ترف��ت ب��وج��ود الواسطة‬
‫لفرتة زمنية حم�دّدة‪ ،‬فإن الدين معرفياً يقوم‬
‫عندهم على وج���ود (خ��ال��ق وخم��ل��وق)‪ ،‬وأن‬
‫العالقة بينهما مباشرة‪ ،‬ويُلغون دور الواسطة‬
‫يف املنظومة املعرفية‪ ،‬حيث يتحوّل الرسول‬
‫إىل ناقل آني قام بدور حمدّد وانتهى‪ .‬مقابل‬
‫امل��دارس الدينية (املنتمية لنفس الدين) اليت‬
‫تعتقد ب��أن ال��واس��ط��ة ه��ي أه��م ج��زء معريف‬
‫يف النظرية املعرفية اخل��اصّ��ة هب��م‪ ،‬بل وقد‬
‫ي��ص �رّح��ون ب���أن اخل��ل��ق م��ا وج���د إال ك��رام��ة‬
‫للواسطة وإلظهارها[‪ .]5‬وسنمر على شيء من‬
‫هذا يف الفقرات القادمة‪ ،‬مع التنويه أن هذا‬
‫التنوع والتفاوت يف موقع الواسطة والرسول‬
‫ال خيص ديناً حمدّداً‪ ،‬فنحن جنده متوفراً يف‬
‫مذاهب كل األديان املعروفة‪.‬‬
‫فموقع اخليال هو الواسطة أو الرسول‪ ،‬ومل‬
‫يدقق ويشرح هذا املوقع أحدٌ أفضل من ابن‬
‫ع��رب��ي يف منظومته الثالثية (معنى خيال‬
‫ح��س)‪ ،‬فهو العامل (احل��ض��رة) الوحيد الذي‬
‫ينقل املعاني من ع��امل الغيب إىل احل��س يف‬
‫العامل الواقعي[‪.]6‬‬
‫وهنا لن ندخل يف النقاش الدائر عموماً حول‬
‫األصول الفكرية لنتاج ابن عربي‪ ،‬واالستفادة‬
‫منها يف وصف رؤية ابن عربي لعامل اخليال‪ ،‬ألن‬
‫هذا العمل غري خمصص لدراسة هذه املسألة‪،‬‬
‫وبالنسبة لنا سواء كانت املنظومة املعرفية يف‬
‫ثالثية ابن عربي مطوّرة أم مؤسسة على أعمال‬
‫سابقة أم أهنا بنية أصيلة صاغها ابن عربي‬
‫بعد وحي خاص‪ ،‬ألن النتيجة واحدة‪ ،‬وأصالة‬
‫فكره واضحة‪ .‬وفكرياً ال بد من تصنيف عامل‬
‫اخليال بالصيغة اليت قدّمها ابن عربي ضمن‬
‫املدرسة التثليثية كنموذج عربي متكامل‪ ،‬وأن‬
‫ابن عربي رائد علم اخليال‪ ،‬الذي وضع عامل‬
‫اخليال يف موقع الواسطة والرسول‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫اخليال يف املدرسة الثنائية‬
‫املصدر الرئيسي للمعرفة يف املدرسة الثنائية‬
‫(ع��ن��د امل��ادي�ين منهم) ه��ي احل���واس والعقل‬
‫(وعند الروحانيني منهم هو الوحي واإلهلام)‪،‬‬
‫ويكون اخليال من قوى النفس‪ ،‬وكأهنا نشاط‬
‫مفرط يف احل��واس والعقل‪ .‬وهنا يتحدّثون‬
‫ع��ن احل��اس��ة ال��س��ادس��ة وم���ا ب��ع��ده��ا حبيث‬
‫يبقى النشاط التخيلي عند اإلنسان حمصوراً‬
‫بالنشاط امل���ادي البحت‪ ،‬وان��ف��رد ج��ان بول‬
‫سارتر بأن عدّ اخليال تعبري عن احلرية [‪:]7‬‬
‫"بالنسبة جل��ان ب��ول سارتر ف��إن اخليال هو‬
‫التعبري الكامل عن احلرية اليت يتسم هبا الوعي‬
‫يف أن يضفي معانيه على املوضوعات واملواقف‬
‫اليت تواجهه‪ ،‬وحيثما يتجاوز اخليال حدود‬
‫اخلربة اإلدراكية‪ ،‬احملدودة‪ ،‬فإنه يسمح للوعي‬
‫بأن يستكشف جتربة املعاني اجلديدة وذلك‬

‫من خالل اللعب احلر للتفكري بالصور‪ .‬وهو‬
‫اللعب الذي نقوم خالله بنفي الواقع أو سلبه‬
‫(باملعنى الوجودي) ومن ثم إخضاعه لإلرادة‬
‫اخلاصة بنا"‪.‬‬
‫أم��ا ال��روح��ان��ي��ون م��ن امل��درس��ة الثنائية فال‬
‫يتحدّثون عن اخليال كنشاط مستقل‪ ،‬فهو‬
‫جزء من اإلهلامات والتجليات اليت يصل إليها‬
‫اإلن��س��ان بنشاطه ال��روح��ي‪ ،‬وق��د جن��ده على‬
‫ص��ورة تعاون مع خملوقات روحية كاملالئكة‬
‫واجلان وما شابه ذلك‪ .‬واحلديث عن اخليال‬
‫يف ه��ذا ال��ف��رع م��ع��دوم تقريباً ألن املمارسة‬
‫ّ‬
‫وتغطي على‬
‫الروحية واإلهلامية أعلى وأقوى‬
‫كل األشكال املعرفية الوسطية األخرى‪.‬‬
‫أي أن اخل��ي��ال يفقد معامله يف املنظومات‬
‫املعرفية الثنائية على نوعيها‪ ،‬فهو‬
‫(عند املاديني) أحاسيس ماديّة إضافية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪33‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫موجودة يف وع��ي اإلن��س��ان‪ ،‬ولكنها كامنة أو‬
‫مكبوتة أو مهملة‪ ،‬ولذلك فهي تنمو باملران‬
‫والتعلّم وتظهر كإبداعات فردية خاصّة مبن‬
‫ظهرت عنده تلك األحاسيس‪ ،‬وأطلقت اخليال‬
‫ل��دي��ه ع��م��وم�اً أو ب��ص��ورة مستقطبة باجتاه‬
‫حم���دّد‪ .‬وت��ت��ح�وّل م��ف��رزات ذل��ك اخل��ي��ال إىل‬
‫معلومات خمزّنة مثلها مثل املعلومات اآلتية‬
‫عن طريق كتابات وص��ور مكتشف جغرايف‪،‬‬
‫أو عامل نباتي‪ ،‬أو عامل فيزيائي يتابع حركات‬
‫اإللكرتونات يف بلورات جديدة‪ .‬وهكذا؛ يتحوّل‬
‫اخليال إىل حاسّة هبذه الصورة أو تلك‪ .‬وألن‬
‫منتجاته ليست حاالت ماديّة حمدّدة وموجودة‬
‫بعد فهو إبداع أدبي أو تأليف فكري بالدرجة‬
‫األوىل‪ ،‬وهو جزء من (آلية االكتشاف)‪.‬‬
‫وهنا نصل إىل إشكالية معرفية إضافية‬

‫‪34‬‬

‫حت��وم ح��ول منتجات اخل��ي��ال كنشاط م��ادي‬
‫يف املنظومة املعرفية الثنائية‪ ،‬وهي هل تؤدي‬
‫املعلومات الناجتة عن األحاسيس اإلضافية‬
‫(مب��ا فيها املصاغة كخيال) دوراً يف التقدم‬
‫امل��ادي والتقين بصورة فعلية؟‪ ،‬أم أن��ه منتج‬
‫إبداعي فكري فحسب‪ ،‬ودوره ثانوي يف ذلك‬
‫التقدّم؟‪.‬‬
‫ً‬
‫ه��ذا يسمح لنا بالتساؤل حقيقة‪ :‬هل كانت‬
‫مؤلفات جون فرين حول صعود اإلنسان إىل‬
‫القمر مثالً هي الباعث أو احمل �رّك الرئيس‬
‫ملشروع رحالت اإلنسان إىل القمر يف املعسكر‬
‫الغربي والشرقي؟‪ ،‬وهل كانت املعلومات اليت‬
‫أفرزها ذل��ك اخليال مكوّن ه��ام يف فكر من‬
‫ش��ارك يف التخطيط ل��رح�لات اإلن��س��ان إىل‬
‫القمر؟‪ ،‬أو حتى باعث خفي على األقل؟‪.‬‬
‫برأي إن مسرية التقدم التقين حمكومة مبا يف‬
‫اجملتمع املثنوي امل��ادي من نزعة إىل الصراع‬
‫والتناحر أك��ث��ر م��ن ك��ون��ه حم��ك��وم�اً بالرغبة‬
‫يف حتقيق نبوءات علمية على ص��ورة خيال‬
‫علمي وم��ا شابه ذل��ك‪ .‬وحن��ن ن��درك باعث‬
‫املعسكر الغربي لتحقيق سبق تقين علمي‬
‫ن��س��ب��ة للمعسكر االش�ت�راك���ي أي����ام ال��س��ب��اق‬
‫على الفضاء‪ ،‬فقد كان الباعث هو الفوز يف‬
‫الصراع‪ ،‬واحلفاظ على التقدم العلمي الذي‬
‫يتعلق بالتفوق العسكري‪ ،‬وإىل هنا أيضاً ميتد‬
‫التساؤل‪ :‬هل ساعدت كتابات أصحاب اخليال‬
‫العلمي القائمني على التخطيط السرتاتيجيات‬
‫وتكتيكات الصراع يف تصور خطوات وإجراءات‬
‫مبدعة يف جمال الصراع نفسه؟‪ ،‬وجزئياً أخذ‬
‫اسم حرب الفضاء‪.‬‬
‫ال ش��ك أن اإلن��س��ان ال���ذي ي��ق��رأ منتجات‬
‫اخليال‪ ،‬واخليال العلمي يف هذا العصر‪ ،‬يكون‬
‫قد امتلك أدوات إضافية ملا تعلّمه يف الدراسة‬
‫األكادميية والدورات التدريبية‪ ،‬وتكون تفاصيل‬
‫األفكار املكوّنة للخيال معلومات مضافة إىل‬
‫معلوماته عن املناهج والنماذج العلمية اليت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫درسها‪ ،‬وبذلك سيكون اخليال مكوّناً هاماً‬
‫يف املنظومة املعرفية الثنائية املادية‪ ،‬من جهة‬
‫إضافة معلومات إبداعية متو ّلدة عن حواس ما‬
‫بعد اخلمسة‪ ،‬ومن جهة توسيع الفضاء الذي‬
‫يتحرّك فيه املخطط واملفكر يف املستويات‬
‫املختلفة‪ .‬ولكن تضيع كثري من خصوصيات‬
‫املنتجات اخليالية حتت إحلاح أغراض الصراع‬
‫والتناحر والتنافس االقتصادي واالستخرابي‪.‬‬
‫تضيع منتجات اخليال يف املنظومة املعرفية‬
‫الثنائية الروحية ألهنا تندمج مع نشاط اإلهلام‬
‫الروحي والكشوفات والفتوحات الغيبية لدى‬
‫املفكرين واحلكماء‪ ،‬ويصبح تصنيعها أقرب‬
‫إىل معلومات آتية من مصدر روحي استطاع‬
‫املمارس االتصال معه‪.‬‬
‫وتتم صياغتها ك ُأعطيات روحية خارجية‪،‬‬
‫وصلت إلينا عن طريق اتصال ذل��ك املفكر‬
‫أو احلكيم ‪ ،‬وتُ��خ �زّن كمعلومات فيها كثري‬
‫م��ن ال��رم��زي��ة للحفاظ ع��ل��ى اخلصوصية‪.‬‬
‫وخصوصية الكشف واإلهل��ام هي أه��م حالة‬
‫تقيس املستوى الروحي للممارس‪ ،‬ومن هنا‬
‫تأتي أمهيتها وض��رورة الرمزية فيها‪ ،‬ولكن‬
‫مبا أن املنظومة املعرفية ثنائية فإن الصراع‬
‫وال��ت��ن��اح��ر يظهرا رم��زي �اً أي��ض �اً‪ ،‬ويف ع��وامل‬
‫أخرى أو موازية لعاملنا حفاظاً على االنسجام‬
‫والتناسق من حولنا‪ ،‬وسعياً إىل الرقي الروحي‪.‬‬
‫يعمل اخليال بتعريفه البسيط على أنه كشف‬
‫يف منطقة اجمل��ه��ول ان��ط�لاق �اً م��ن املنطقة‬
‫املعلومة لنا بثقة‪ .‬ول��ذل��ك فهو يُ��ش��ارك يف‬
‫املنظومة املعرفية يف اجملتمع الثنائي الروحي‪،‬‬
‫ولكن خصوصية املعلومات اآلتية من اخليال‬
‫ت��ض��ي��ع م��ع ط��غ��ي��ان اخل��ص��وص��ي��ة ال��روح��ي��ة‬
‫املطلوبة من قِبل املمارس‪ ،‬وطغيان الرمزية‬
‫واملصطلحات الروحية‪ ،‬فتدخل تلك املعلومات‬
‫كجزء من املنظومة املعرفية إىل أجزاء اجملتمع‪،‬‬
‫ولكنها تكون متمازجة مع األصناف األخرى‬
‫من املعلومات حبيث يكون مردود وفعالية تلك‬

‫املعلومات ضعيفاً‪.‬‬
‫مع ذلك يساهم اخليال العلمي احلاصل يف‬
‫ه��ذه اجملتمعات يف عملية التطور اجل��ديل‬
‫للمجتمع‪ ،‬ونالحظ تفاصيل من هذا الصنف‬
‫يف تعاليم احلكيم اهلندي عن وح��دة الكون‪،‬‬
‫واختصار اخللية أو ال��ذرة للكون وبالعكس‪.‬‬
‫ووحدة التعليم مبعنى ضرورة أن يتعلّم الشاب‬
‫كل العلوم معاً وليس بصورة ختصصية‪ ،‬وكذلك‬
‫احلكومة الكونية وما شابه ذلك [‪ ،]1‬ولكنهم‬
‫اضطروا للتنازل للفكر الغربي عن أسس كثرية‪،‬‬
‫فقدّموا فكرهم على أنه حل ملشاكل العصر‪،‬‬
‫وملعاجلة األمراض املادية يف اجلسد‪ ،‬والعقد‬
‫املاديّة يف اجملتمع لتنمية االنسجام والتناغم كي‬
‫يسمعهم املفكر الغربي‪ ،‬ألن األغراض السابقة‬
‫ليست أغراض جمتمعهم حقيق ًة‪ .‬مما ساهم‬
‫يف عدم وضوح هويتهم اخلاصة "وبصمتهم"‬
‫على النماذج اجلديدة واملناهج املقدمة ‪ ،‬حتى‬
‫لنجد أن كثرياً من ميزات املنظومة املعرفية‬
‫الثنائية الروحية حجبها احلكيم شو يف سعيه‬
‫إلقناع الغربي بأفضلية هذه املنظومة‪.‬‬
‫املهم أ ّنا ال نشعر بوجود اخليال عند ماهاريشي‬
‫أو شو ألنه عبارة عن معلومات م َ‬
‫ُتضمَّنة يف‬
‫الصورة الشاملة للنموذج ‪ ،‬ونشعر بكل معلومة‬
‫منه أهنا آتية من كتب احلكمة عندهم‪ ،‬أو من‬
‫حكيم آخر أو من اتصال روحي حدث أو حيدث‬
‫بصورة ما‪ .‬ولكنه حقيقة موجود كنشاط واضح‬
‫للمنظومة املعرفية الروحية‪ ،‬وميكن القول إن‬
‫معلومات اخليال آتية عن طريق اخرتاق روحي‬
‫ملنطقة اجمل��ه��ول م��ن جهة اجل��ان��ب ال��روح��ي‬
‫للعامل‪ .‬فهي جزء من (آلية الكشف) ‪.‬‬
‫اخليال يف املدرسة التثليثية‬
‫املدرسة التثليثية أصيلة أيضاً يف الفكر البشري‪،‬‬
‫ولذلك ال يُتَصوّر وقتٌ مل يكن هلذه املدرسة‬
‫وج��ود يف اجملتمعات البشرية‪ ،‬مثلها‬
‫مثل املدرسة الثنائية‪ .‬وهم أولئك الذين‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪35‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أرادوا احملافظة على العامل الواقعي احلسي‬
‫على األرض‪ ،‬والعامل املثايل العلوي يف السماء‪،‬‬
‫ويرون أن العامل املثايل يرعى العامل الواقعي‬
‫باستمرار ويعتين به وميده بالقوة واخلري بسبب‬
‫وجود احملبة أو كون العامل الواقعي فيض من‬
‫فيوضات العامل املثايل‪ ،‬واحتاجوا إىل واسطة‬
‫لتبقى تلك الروابط مستمرة‪ ،‬وليبقى االهتمام‬
‫واالعتناء مستمرين‪ .‬وظيفة الواسطة ردم اهلوة‬
‫ما بني املثايل غري احملسوس والواقعي املرتبط‬
‫باملادة‪ ،‬رآها أصحاب الفيض عقالً أولياً فاض‬
‫عن العامل املثايل أو اخلالق فيه‪ ،‬وفاض عنه‬
‫النفس أو العامل الواقعي‪.‬‬
‫ورآه أصحاب احملبة مالكاً وروحاً خاصاً قادراً‬
‫على أن يكون مثالياً وه��و يف ال��ع��امل املثايل‬
‫ومادياً وهو يف العامل الواقعي‪ ،‬حبيث يتمكن‬
‫هذا الرسول وتلك الواسطة من نقل املعلومة‬
‫واملعرفة ما بني عاملني متناقضني‪.‬‬
‫وسنجد تفاصيل متشعبة هنا وهناك‪ ،‬فبعض‬
‫الفرق الفيضية زادت الفيوضات ما بني العاملني‪،‬‬
‫وكأن الواسطة ال تستطيع بالتمام والكمال أن‬
‫تكون مثالية وواقعية بكل تلك الدقة املطلوبة‪،‬‬
‫فكانت عقالً كلياً ف��اض نفساً كلية فاضت‬
‫عقالً أولياً‪ .‬وسنجد تفاصيل أيضاً عند الفرقة‬
‫ال�تي ت��رى أن عالقة احملبة هي سبب اخللق‬
‫وأساس ما بني العاملني من حاالت‪ ،‬كأن توجد‬
‫روح واسطة من عامل املثال وجسد واسطة يف‬
‫عامل الواقع‪ ،‬وإنسانٌ مُختارٌ ومهي ٌأ هو واسط ٌة‬
‫بني العامل الواقعي والعامل املثايل‪ .‬إذ ال بد من‬
‫حصر انتقال املعرفة بالرسول أو الواسطة من‬
‫منطلق أن الناس مجيعاً غري مهيئني للتواصل‬
‫املباشر مع الواسطة املثالية من جهة والبشر‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬ملا يف ذلك من خطورة كبرية‪،‬‬
‫ورمبا ال يستطيعه أحد‪ ،‬فتقوم الواسطة هبذا‬
‫الدور‪ .‬وكمثال نأخذ ما صاغه شاكر يف كتابه‬
‫"اخليال" [‪ ]8‬عن فكرة أفلوطني عن اخليال‪:‬‬
‫"يف فلسفة أفلوطني صورة القدرة اإلبداعية‬

‫‪36‬‬

‫على أهنا تشع‪ ،‬ويف التاسوعات قال أفلوطني‬
‫بوجود نوعني متمايزين من اخليال‪ ،‬أحدمها‬
‫م��وجّ��ه إىل األع��ل��ى واآلخ���ر إىل األس��ف��ل‪ ،‬أي‬
‫أحدمها صاعد واآلخر هابط‪.‬‬
‫ال ي��وج��د للطبيعة ش��ك��ل أو وج���ود مستقل‬
‫فيساعدها اخليال يف متثيل وتلقي الصور‬
‫من ال��واح��د (ألن ال��وج��ود يصدر من الواحد‬
‫على هيئة صور)‪ ،‬أما الطبيعة البدائية فليس‬
‫هلا خيال وال ق��درة لديها على تلقي األفكار‬
‫اجلوهرية احلميمة القادمة من األعلى"‪.‬‬
‫سنجد أن هذه التصورات املتعدّدة وامل�برّرة‬
‫للواسطة أو الرسول يف املدرسة التثليثية قد‬
‫أفرزت عدّة مظاهر معرفية مع ّقدة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ – 1‬وج��ود أشخاص مُختارون ومهيئون من‬
‫ال��ع��امل امل��ث��ايل لتكون لديهم ق��درة التواصل‬
‫والوساطة‪.‬‬
‫‪ – 2‬وجود طبقات من األشخاص املختارون‬
‫لالتصال بني الواسطة والطبقات املختلفة من‬
‫العامل الواقعي وأجزاؤه املتنوعة‪.‬‬
‫‪ – 3‬وجود جمموعات خمتلفة من أجزاء العامل‬
‫الواقعي ق��ادرون على التواصل مع الواسطة‪،‬‬
‫ونقل املعرفة ومتثيلها باستمرار‪ .‬وهم يتطلعون‬
‫للرقي والوصول إىل الطبقات األعلى (خنبة)‪.‬‬
‫‪ – 4‬وج���ود م��ري��دي��ن ي��ت��ح�لّ��ق��ون ح���ول أح��د‬
‫األشخاص الواصلني ليأخذوا منهم املعرفة‬
‫املوصلة إىل رؤية أج��زاء العامل املثايل‪ ،‬وذلك‬
‫باالنتقاء والرضا‪ ،‬وليس بالتع ُّلم‪.‬‬
‫‪ – 5‬وجود جمموعات كبرية من اجملتمع الغافل‬
‫يف العامل الواقعي‪ ،‬الذي حيتاج إىل تعلّم بعض‬
‫امل��ع��ارف ليحافظ على حياته ومعاشه مدّة‬
‫وجوده يف العامل الواقعي‪.‬‬
‫تنتقل املعرفة يف هذه املنظومة وفق التسلسل‬
‫السابق أيضاً‪ ،‬وألن تلك املعرفة جديدة فهي‬
‫حتتاج إىل قوة جسمية خاصّة يف الفئات (‪،2‬‬
‫‪ ،)4 ،3‬وهي قوة اخليال والوهم اليت تربط‬
‫ما بني الشيء املعنوي واحلسي باستخدام‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫اخلربات السابقة‪.‬‬
‫وعندما تنتقل املعاني واملعارف من العامل املثايل‬
‫إىل العامل الواقعي يكون عامل اخليال قد قام‬
‫بدوره األساس‪ ،‬وقدّم معرفة حممّلة مبفاهيم‬
‫وتصورات وألفاظ يفهمها البشر‪ ،‬واإلنسان‬
‫الذي قام بذلك‪ ،‬أو حدث ذلك بوساطته ‪ ،‬هو‬
‫األق��رب من غريه إىل العامل املثايل (واص��ل)‪،‬‬
‫وطريقة حصوله على تلك املعرفة هي (طريقة‬
‫الكشف)‪.‬‬
‫ويتساوى يف ذلك املاديون والروحانيون من‬
‫أصحاب املدرسة التثليثية‪ ،‬فالعقل هو الواسطة‬
‫عند املاديني منهم‪ ،‬أي انتقال املعرفة عندهم‬
‫اك��ت��ش��اف عقلي ب��اس��ت��خ��دام أدوات املعرفة‬
‫العقلية من منطق وحدس واستدالل‪ ،‬فيكون‬
‫اخليال أداة حتقيق ذل��ك الكشف وصياغته‬

‫بصورته القابلة للتقديم للناس‪.‬‬
‫من املفيد يف هذه املرحلة أن نستعرض رأي‬
‫الفارابي يف اخليال حيث إنه عملياً ينطلق من‬
‫املدرسة املثنوية‪ ،‬فاخليال ج��زء من اجلسد‬
‫ومي����ارس اك��ت��ش��اف��ات��ه اس��ت��ن��اداً إىل وس��ائ��ط‬
‫ومقدمات م��ادي��ة‪ ،‬ولكنه عند النوم ينفصل‬
‫اخليال عن اجلسد ويعطيه فرصة لالنتقال‬
‫للروح والعمل معها‪ ،‬فكأن الفارابي‪( ،‬وهو ثاني‬
‫مفكر من احلضارة العربية اإلسالمية أعطى‬
‫اخليال حقه من البحث)‪ ،‬أراد أن يبقى يف‬
‫املدرسة الثنائية وقسم حاالت نشاط اخليال‬
‫إىل فرتة يعمل فيها مع املادة وفرتة يعمل فيها مع‬
‫الروح‪ ،‬فيساهم يف حاالت الكشف واالكتشاف‬
‫معاً‪ ،‬أو أنه أراد أن يقول‪ :‬إن اخليال يف‬
‫مرحلة غياب اجلسد ع��ن ال��وع��ي قد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪37‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يقوم بدور الواسطة بني ال��روح واجلسد كما‬
‫ترى املدرسة الثليثية‪ ،‬عرض هذا مؤلف كتاب‬
‫" اخليال من الكهف إىل العامل االفرتاضي" [‪:]8‬‬
‫"خالل النوم تبتعد القوة اخليالية وتتحرر من‬
‫األشكال احلسيّة لألشياء اليت تقوم احلواس‬
‫بتكرارها وجتديدها مرّة بعد أخرى يف حاالت‬
‫اليقظة‪ ،‬إهنا ترتك مهمة أن تكون يف مقدمة‬
‫القوى العاقلة والغاذية‪ ،‬وتعود إىل األشكال‬
‫اخل��اص��ة ب��األش��ي��اء احل��س �يّ��ة ال�ت�ي جندها‬
‫حمفوظة وباقية يف داخلها"‬
‫متميزا ع��ن ه��ؤالء وأول��ئ��ك ق��دم اب��ن عربي‬
‫نظرية متكاملة حول اخليال (وألول مرّة يف‬
‫املنظومات الفكرية السائدة)‪ ،‬ومل يقدّمه كأداة‬
‫كشف أو أداة اكتشاف‪ ،‬بل قدّمه مكوّن أساس‬
‫يف حركة املعرفة‪ ،‬هو كامن يف حالة اإلمكان‬

‫‪38‬‬

‫يف ع��امل اخل��ي��ال‪ ،‬فكل م��ا نعرفه ه��و كشف‬
‫واكتشاف ملا هو كامن‪ ،‬وحتويل له من حالة‬
‫اإلمكان إىل الوجود‪ .‬فما هو وضع اخليال كما‬
‫يراه ابن عربي؟‪.‬‬
‫اإلن��س��ان جسم م��ادي ح�سّ��ي‪ ،‬فهو يف عامل‬
‫ال��واق��ع ي���درك ويفهم ك��ل م��ا ي���راه ويسمعه‬
‫ويلمسه ويشمّه ويذوقه‪ ،‬وال خيرج عن قانون‬
‫السببيّة‪ ،‬وجتاربه يف الصح واخلطأ ال نقاش‬
‫فيها‪ ،‬ويسلّم ملا سلّم به العقل من منطق أو‬
‫اس��ت��دالل واس��ت��ق��راء‪ ،‬أم��ا إذا م �رّ على وعيه‬
‫معنى أو كائن غييب فإنه ال يدركه وال يعي‬
‫حدوده‪ ،‬فإذا استخدم قوة اخليال لديه قلّل من‬
‫معارضة عقله ملا أدركه‪ ،‬ألن ما ينتج عن قوة‬
‫اخليال مسموح له أن خيالف املنطق وقانون‬
‫السببيّة‪ ،‬وهذا يعين أنه‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪ – 1‬كلما زادت قوة اخليال عند الشخص زادت والقوة احلافظة وقوة العقل‪ ،‬نكون قد حصلنا‬
‫منطقة الكشف أو االكتشاف ال�تي يستطيع على ق��وى النفس البشرية ال�تي يستخدمها‬
‫اإلنسان لتحصيل املعرفة والعرفان‪.‬‬
‫التعامل معها‪.‬‬
‫‪ – 2‬كلما زادت ق��وة اخل��ي��ال عند الشخص‬
‫ميزات أدوات املعرفة‬
‫تقلّص دور ق��وة العقل وتراجعت إىل مراتب‬
‫ت���زداد امل��ع��رف��ة ب��ق �وّة ق��وى النفس العاقلة‪،‬‬
‫ثانوية‪.‬‬
‫أول ما تفعله قوة اخليال عندما يكون الشخص واستحكام االنسجام فيما بينها م��ن حيث‬
‫مستعداً لتلقي معنى أو خاطر غييب‪ :‬إلباس اهل���دف وال��غ��اي��ة‪ ،‬وتنقص بضعفها وتشتّت‬
‫ذلك الشيء ص��ورة من عامل احلس ليدركها ج��ه��وده��ا‪ ،‬ول��ذل��ك ع��ل��ى اإلن���س���ان االع��ت��ن��اء‬
‫اإلن��س��ان بدماغه‪ ،‬وإن مل جيد شيئاً قريباً‪ ،‬بقواه اليت تقوى باملران والرياضات والغذاء‪،‬‬
‫جلأ لقوة الذاكرة يراجع كل ما فيها من صور وتضعف ب��اإلمه��ال وال�لام��ب��االة واألم���راض‪.‬‬
‫حسيّة بصرية ومسعية وملسيّة ومشيّة وذوقية‪ .‬وظهور تناقض ما بني ق��وة اخليال وأيّ قوة‬
‫وقد يُلبس اخليال ذلك املعنى صوراً أو أجزاءً أخرى يوهن املعرفة ويبدّد اإلمكانات واجلهود‪،‬‬
‫من ص��ور وجيمعها معاً يف كيان جديد‪ .‬ثم وكلما أَجن��زت قوة اخليال كشفاً أو اكتشافاً‬
‫أن التصور املتخيّل املر ّكب يُعرض على قوة زادت ال��ص��ور ال�تي ه��ي حت��ت ت��ص�رّف القوة‬
‫العقل لضبطه مكاناً وزماناً وضرورةً وما شابه املصوّرة وزاد خمزون القوة احلافظة‪ ،‬وزادت‬
‫ذلك من ضوابط‪ ،‬فإذا قرّر العقل أن الكيان خربة قوة العقل يف التعامل مع املعاني اجلديدة‪،‬‬
‫املُتخيّل اجلديد أصبح جاهزاً للعرض خارج وزادت قوة الفكر من عطائها املعريف بصوره‬
‫الذات بالرسم أو الكالم أو التمثيل أو احلركة احلسيّة املتنوّعة‪.‬‬
‫أو الكتابة‪ ،‬أصبح املعنى الغييب جزءاً من عامل هذا يعين أن عامل احلس والواقع (كما ورد يف‬
‫احل��س وال��واق��ع‪ ،‬ل��ه ص��ورة يُفهم م��ن خالهلا فقرة سابقة) يتوسّع ويكرب باستمرار‪ ،‬مصاحباً‬
‫وي��درك��ه اآلخ���رون (مكاناً وزم��ان�اً وض���رورةً)‪ ،‬للكشف واالكتشاف الذي تقوم به قوى اخليال‬
‫فيزيد خم���زون ع��امل ال��واق��ع ص���ورة جديدة عند كل إنسان على حساب املعاني واألمساء‬
‫الغيبية‪ ،‬مع العلم أن ع��امل الغيب املطلق ال‬
‫وخيسر عامل الغيب معنى‪.‬‬
‫وهذه آليّة الكشف واالكتشاف‪ ،‬إذا استخدمها هنائي فهو ال ينقص‪ ،‬وع��امل اخل��ي��ال هنائي‬
‫اإلنسان ذو الفكر املادي من املدرسة الثنائية أيضاً فيما حيويه من ممكنات‪ ،‬وه��ذا يعين‬
‫أو التثليثية مسيناها معرفة باالكتشاف‪ ،‬وإذا يف النظرية املعرفية املستندة إىل فكر ابن‬
‫استخدمها إنسان ذو فكر روحي من املدرسة عربي‪ ،‬أن توسّع عامل احلس والواقع بالكشف‬
‫الثنائية أو التثليثية (أي استخدم أدوات تعبري واالكتشاف (الذي هو نوع من اخللق يف العامل‬
‫احلسي) هو فعل أيضاً يعود أثره إىل املنظومة‬
‫وإدراك روحيّة) مسيناها معرفة بالكشف‪.‬‬
‫إذا خ��رج املعنى الغييب م��ن الشخص ال��ذي الكونية كتغذية راجعة وإىل عامل الغيب املطلق‪،‬‬
‫استقبله‪ ،‬ومل يُ��ع��اجل ب��ق��وة العقل كما جيب وحيرّض فيه فعل خلق جديد ملمكنات جديدة‬
‫فقد يظهر كوهم وت��وهّ��م‪ ،‬وه��ي معارف غري تُ��ض��اف إىل ع��امل اخل��ي��ال‪ ،‬فيصبح اإلنسان‬
‫مبمارسته املعرفة خالقاً يف العامل احلسي‪.‬‬
‫مضبوطة‪ ،‬فهي ليست معرفة‪.‬‬
‫قوة اخليال إذن هي (عند ابن عربي)‪ :‬أداة‬
‫ملاذا تنوّع اخليال‬
‫الكشف واالكتشاف‪ ،‬وإضافة إىل القوة املصوّرة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪39‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رأينا يف عمل سابق أن املعاني عند ابن عربي‬
‫جتتاز ع��امل اخليال إىل ع��امل احل��س بصورة‬
‫أس��رع من حركة احملسوس عرب اخليال إىل‬
‫عامل املعاني‪ ،‬فاجلسم حيتاج إىل تعلّم ورياضة‬
‫وزاد معريف‪ ،‬كي ينتقل من حال إىل حال‪ ،‬وهو‬
‫أيضاً حباجة إىل اختيار ومس��اح من اخلالق‬
‫بذلك ليكون سفره أعمق وأثبت‪ .‬ه��ذا يعين‬
‫أن اختالف مناهج التهيؤ وامل��ران على فهم‬
‫وإدراك عامل اخليال واملعاني ستنعكس على‬
‫نوع الكشف واالكتشاف الذي سيمارسه‪ ،‬أي‬
‫(بلغة العصر)‪ :‬اختالف نوع اخليال‪.‬‬
‫ومن الواضح أن االختالف يعود إىل عاملني‪:‬‬
‫‪ - 1‬اختالف املخزون احلسي من زم��ان إىل‬
‫زمان أو مكان إىل مكان‪،‬‬
‫‪ - 2‬واختالف التهيئة واملران اخلاص بالقوى‬
‫من معلّم ومدرب إىل آخر‪.‬‬
‫فمن يعيش يف بيئة َقصصية تعتمد خرافات‬
‫مُتناقلة يستخدم قوة خياله بصورة خمتلفة عن‬
‫آخر يعيش يف بيئة يتم فيها التعليم وتبادل‬
‫الصور احلسية باستخدام منهجية املالحظة‬
‫والتجربة‪ ،‬وكالمها خيتلفان عن من يعيش يف‬
‫بيئة رومانسية مر ّفهة مثالً‪.‬‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬يؤ ّثر التصور العقائدي للفرد‬
‫وتعلقه مبعلّمه على عملية استخدام قوى‬
‫اخليال وامل��ص�وّرة واحلافظة والعقل والفكر‬
‫والوهم‪ ،‬أي أن اخليال بأنواعه املختلفة (وعلى‬
‫ال��رغ��م م��ن أن��ه يُ��ع��د أس���اس عملية الكشف‬
‫واالك��ت��ش��اف يف النظرية امل��ع��رف��ي��ة) فهو ال‬
‫يعبّر عن احلرية بالقدر الذي عرض له كثري‬
‫من املفكرين مثل سارتر ‪ ،‬إال إنه (بقدر ما)‬
‫انعتاق عن قواعد العقل والتقاليد االجتماعية‬
‫احمليطة‪ .‬وحريّة اخليال ذاتية أكثر من كوهنا‬
‫خاصّة وميّزة له‪ ،‬ذلك أن حريّة الفرد يف ختيّله‬
‫تكون حمكومة أيضاً مببادئه وعقيدته ورغباته‪،‬‬
‫ثم إن الفرد لن يُظهر من ممارساته الستخدام‬
‫قوة اخليال إال ما يتفق مع عقيدته ومبادئه‪،‬‬

‫‪40‬‬

‫مهما أحس حبرية االستخدام أثناء الكشف‬
‫وتغيري الصور واألحاسيس يف منطقة اخليال‪،‬‬
‫ألن ما سيظهر واقعياً لن يعود خياالً‪ ،‬بل صوراً‬
‫حمسوسة للواقع‪ ،‬وهو فوق ذلك يظهر بعد أن‬
‫مير على قوّتي الفكر والعقل أي بعد تقيدها‪.‬‬
‫وينقسم اخليال الذي و ّلد معرفة (كشفاً أو‬
‫اكتشافاً) إىل مسميات عدّة‪ ،‬كاخليال الشعيب‬
‫والقصصي واألس��ط��وري واألدب���ي والرقمي‬
‫والعلمي إىل ما هنالك من مسمّيات‪ .‬وهذه‬
‫اإلض��اف��ات لكلمة اخل��ي��ال حم��اول��ة لتصنيف‬
‫منتجات عملية الكشف أو االكتشاف اليت قام‬
‫هبا الشخص‪ ،‬ومن جهة أخرى هي إشارة إىل‬
‫األدوات والوسائل ال�تي يتقنها الشخص‪ ،‬أو‬
‫انطلق معها يف البحث عن صور حسية جديدة‬
‫ملعاني معرفية جديدة‪.‬‬
‫اخليال العلمي‬
‫ي ّ‬
‫ُغطي اخل��ي��ال العلمي ج��زءً م��ن نشاط قوة‬
‫اخليال العلمي عند اإلنسان‪ ،‬ويكون متوافراً‬
‫بصورة أكرب عند الذين امتلكوا خمزوناً حسياً‬
‫علمياً‪ ،‬بالقراءة والتعليم والتجريب‪ ،‬وسلكوا‬
‫ولو جزئياً يف املنهج العلمي وطرائقه‪ ،‬وكلما‬
‫كان مستعداً لتلقي املعاني والتقاطها زادت‬
‫ع��ن��ده ع��دد اخل��ي��االت العلمية وتفاصيلها‬
‫وضوحاً‪ ،‬ألن الصور احلسيّة املتخيّلة (للمعاني‬
‫اجلديدة يف جمال العلوم اليت يعرفها) ال تثبت‬
‫كمحسوسات مكتشفه إال بعد صياغتها بقوّة‬
‫الفكر صياغة مقبولة ومفهومة لآلخرين‪.‬‬
‫تتميّز اخلياالت العلمية يف نظرية املعرفة‬
‫(انطالقاً من منوذج ابن عربي)‪ ،‬بأهنا صور‬
‫ح��س �يّ��ة ع��ل��م��ي��ة (ص����ور وأص������وات وملمس‬
‫وذوق وش��م) م��ت��ص�وّرة على معاني منتشرة‬
‫باستعدادات املٌتخيّل اليت أنعم اهلل هبا عليه‪،‬‬
‫وجمموع املخزون احلسي العلمي الذي تعلمه‬
‫وبذل جهداً يف فهمه من مظا ّنه ومن معلمني‬
‫ل��ه‪ .‬خت��رج تلك املمكنات إىل ع��امل ال��وج��ود‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫بالنسبة للمتخيّل أو ً‬
‫ال‪ ،‬فإذا مت ّكن املتخيّل من‬
‫إخراجها إىل اآلخرين بوسائل التعبري احلسيّة‬
‫املتعارف عليها وبقالبها العلمي (مستخدماً‬
‫عقله وفكره)‪ ،‬أصبحت خياالت علمية موجودة‬
‫يف عامل الواقع كأفكار ومؤلفات‪ ،‬قد يتحقق‬
‫جزء منها ليصبح جسماً مادياً ويبقى اجلزء‬
‫اآلخر يف خمزون املعلومات الواقعيّة واحلسيّة‬
‫للبشرية‪ .‬ويكون اإلخراج أدق وأكمل كلّما كانت‬
‫املعاني اليت تعاملت معها قوّة اخليال قريبة‬
‫من احلدود ما بني عامل الواقع وعامل اخليال‪،‬‬
‫فيكون االكتشاف والكشف يف ه��ذه املناطق‬
‫مقبوالً ملخلوقات العامل الواقعي‪ ،‬ومرحباً به‬
‫كفكر أو كتقدّم علمي صناعي‪ ،‬وكلّما كانت‬
‫املعاني اليت تعاملت معها ق�وّة اخليال بعيدة‬
‫عن ذلك احلد‪ ،‬كان إخراجه أصعب‪ ،‬ويظهر‬
‫وكأنه فكر موجّه لنخبة ما‪ ،‬أو خيال جامح‬
‫مل يصبح مهيئاً لالنتشار‪ ،‬وإن حتوّل إىل صور‬
‫حمسوسة خاصّة به‪.‬‬
‫تارخيياً متحورت مواضيع اخليال العلمي حول‬
‫الزمان واملكان وحركة أجرام السماء وخملوقات‬
‫األرض‪ ،‬وتبادل األجسام والطاقات واملعاني‬
‫م��ا ب�ين ال��س��م��اء واألرض وامل��خ��ل��وق��ات فيما‬
‫بينها‪ .‬ذلك أن العلوم تعمل بتلك املصطلحات‬
‫واملناطق‪ .‬غري أن العلم ال��ذي نقصده اليوم‬
‫(جمموعة العلوم األساسية والتطبيقية) كان‬
‫جزءاً من العلوم الفلسفية والالهوتية‪ ،‬إىل أن‬
‫استلمت اجملتمعات العربية اإلسالمية السبق‬
‫يف التيار احل��ض��اري العاملي‪ ،‬وأص��ب��ح لدينا‬
‫معطيات عاملية جديدة‪:‬‬
‫أ – ت��داول العلوم ونشرها يف نطاق جغرايف‬
‫واس��ع‪ ،‬من حيث التلقي والتعليم والتطوير‬
‫وتنقالته‪ ،‬ومع ذلك بقيت تلك العلوم منتمية‬
‫إىل املدرسة الثنائية والتثليثية بفرعيها الروحي‬
‫وامل���ادي‪ .‬فاملعتزلة مثنوية مادية‪ ،‬وج��زء من‬
‫املتصوفة (الغنوصية) مثنوية روحية‪ ،‬ومفكري‬
‫ح���ران تثليثية م��ادي��ة‪ ،‬وج���زء م��ن املتصوفة‬

‫العرفانية تثليثية روحية‪.‬‬
‫‪ – 2‬حدث فصل تدرجيي للعلوم املاديّة عن‬
‫العلوم الفلسفية والالهوتية‪ ،‬ومت تثبيت ذلك‬
‫يف املدارس اليت انتشرت يف كل املناطق ومن‬
‫أجل كل األعمار‪.‬‬
‫‪ – 3‬هضمت املدارس الفقهية األفكار واملناهج‬
‫املثنوية والتثليثية‪ ،‬ووضعتها يف بوتقة واحدة‬
‫حمكومة بثوابت التوحيد واملنطق العقلي‪،‬‬
‫مما فتح جماالً واسعاً للعمل العلمي وبالتايل‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬ضمن قواعد الفكر التوحيدي‪،‬‬
‫ونظرة اإلسالم لإلنسان على أنه مستخلف يف‬
‫األرض لعمارها بالعدل واإلحسان‪.‬‬
‫ساعدت تلك امليزات على منو العلوم الدنيوية‬
‫مستقلّة عن الفلسفة والالهوت‪ .‬فظهر‬
‫علم اجل�بر واملقابلة‪ ،‬وعلم البصريات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪41‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫واحل��رك��ة وع��ل��م ال��ط��ب اجل��راح��ي واألدوات‬
‫الفلكية وعلم االجتماع‪ .‬وال شك أن عملية‬
‫الفصل واالس��ت��ق�لال احتاجت إىل كثري من‬
‫اخل��ي��ال العلمي‪ ،‬وسنجد كثري م��ن تفاصيل‬
‫اخل��ي��ال العلمي ال��دق��ي��ق فيما نسميه بعلم‬
‫دقيق الكالم [‪ ،]9‬وألن ذلك املخزون العلمي مل‬
‫حيرّض خياالً علمياً باملعاني اليت نفهمها اليوم‪،‬‬
‫يعتقد كثريون أن احلضارة العربية اإلسالمية‬
‫كانت حمرومة من اخليال العلمي‪ ،‬وهذا طبعاً‬
‫غري صحيح‪ ،‬ألن التغلب على حاجز الزمان‬
‫واملكان كان متوفراً يف كثري من أدبيات تلك‬
‫احلضارة‪ ،‬فقد قام اجلن بكل مهام التعامل‬
‫مع مفاهيم الزمان واملكان من قبل املتخيّل‪،‬‬
‫ولو درسنا آليات احلركة وتسخري الطاقات‬
‫ال��ك��ث�يرة امل���وج���ودة يف ال��ق��ص��ص واألدب���ي���ات‬
‫امل��وروث��ة‪ ،‬سنجد أهن��ا مفاهيم ومصطلحات‬
‫مرتبطة باملخزون العلمي ألهل ذلك الزمان‪،‬‬
‫وأنه خيال علمي مرتابط‪ ،‬قام بدور اكتشاف‬
‫العامل وال��ك��ون احمليط‪ ،‬وكشف معاني عامل‬
‫الغيب اجلديدة‪ .‬أي ّ‬
‫غذى النشاط احلضاري‬
‫باملتطلبات اخلاصة باخليال العلمي املناسب‬
‫لتلك احلضارة وذلك الزمان‪.‬‬
‫لقد انطلق اخليال العلمي (مبفهومه احلديث)‬
‫مع حترير طاقة ال��ب��ارود واحمل��رّك البخاري‬
‫والقوة الكهربائية‪ .‬وبقي أيضاً حم��دوداً ألن‬
‫الزمان واملكان بقيا حتى بداية القرن العشرين‬
‫مفهومان مطلقان‪ ،‬ث��م حت��وال إىل مفهومني‬
‫نسبيني‪ ،‬وزاد من سعار اخليال العلمي يف‬
‫القرن العشرين ظهور النظرية الكمومية يف‬
‫الفيزياء‪ ،‬حيث بدأت أفكار السفر يف الزمان‬
‫تستعني بالعلوم احلديثة‪ ،‬وأصبحت مقرّبة‬
‫للعلوم وكأهنا تبسيط له‪ .‬وحنن اآلن مازلنا‬
‫حتت تأثري نظريات العوامل املوازية واملتداخلة‪،‬‬
‫وأفكار التناظر والتوحيد وما شابه ذلك‪.‬‬
‫فالفرق بني اخليال العلمي قبل القرن العشرين‬
‫وبعده هو يف املخزون احلسي العلمي املتو ّفر‬

‫‪42‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫لدى املتخيل‪ ،‬ويف أدوات إيضاح وإخراج الصور‬
‫املتخيلة إىل ع��امل ال��واق��ع‪ ،‬حيث دخ��ل عامل‬
‫الصوت والصورة بعد انتشار الطباعة كعوامل‬
‫مساعدة جداً لتميّز أدب اخليال العلمي ورفده‬
‫مبصطلحات وأدوات جديدة خاصّة به‪.‬‬
‫وعلى تنوع أدوات اخليال العلمي يف العصر‬
‫احلايل ومتيزه الواضح‪ ،‬فإنه ما زال معرفياً‬
‫ينطلق من مدرسة مثنوية غرضها الصراع‬
‫والتناحر‪ ،‬كما يف أفكار غزو الفضاء أو غزو‬
‫األرض من الفضاء‪ ،‬والسفر عرب الزمان لتغيري‬
‫مصري األرض اآليل إىل الدمار الذاتي مثالً‪،‬‬
‫أو ينطلق من مدرسة تثليثية تثبت التفاؤل‬
‫واالنسجام يف الكون‪ ،‬كما يف أعمال املذاهب‬
‫البوذية احلديثة‪ ،‬أو نظرية ما هاريشي يف‬

‫التأمّل التجاوزي والغبطة الكونية وما شابه‬
‫[‪.]10‬‬
‫وس���ط ه���ذا وذاك‪ ،‬م��ا ت����زال ن��ظ��ري��ة اب��ن‬
‫عربي املعرفية يف الكشف واالكتشاف بقوة‬
‫اخليال‪ ،‬قادرة على شرح وتفسري آلية الكشف‬
‫واالك��ت��ش��اف يف عصر العلم والتقنية بدقة‬
‫وإحكام‪ ،‬ودون حاجة إىل تعديل وتطوير كما‬
‫حدث مع املداخل األخ��رى‪ ،‬والبديع أيضاً أن‬
‫هذه اآللية استخدمها أتباع املدرسة املثنوية‬
‫بالقدر نفسه الذي استخدمها به أتباع املدرسة‬
‫التثليثية‪ ،‬وذلك أن عامل اخليال كما قدّمه ابن‬
‫عربي يُالئم هذه وتلك‪ ،‬ومع الرتكيز على بعض‬
‫املصطلحات اخلاصة لتصبح مالئمة للماديني‬
‫والروحيني أيضاً‪.‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ - 1‬الفكر الشرقي القديم‪ ،‬جون كولر‪ ،‬ترمجة كامل يوسف حسني‪ ،‬عامل املعرفة عدد‬
‫‪ ،199‬الكويت‪.1995 ،‬‬
‫‪ - 2‬أنشودة املوىل (الفيدا)‪ ،‬ماريش ماهش يوغي‪ ،‬ترمجة سليم حداد‪1996 ،‬م‪.‬‬
‫األوبانيشاد ‪ ،‬عبد السالم زيان ‪ ،‬دار ورد للطباعة ‪2001 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ - 3‬كارل ماركس رجل ضد األديان ‪ ،‬عصام عبد الفتاح ‪ ،‬دار الكتاب العربي للنشر‬
‫والتوزيع ‪.2008‬‬
‫‪ - 4‬اخليال وعامل الربزخ واملثال‪ ،‬حمي الدين ابن عربي‪ ،‬حتقيق حممود حممود الغراب‬
‫‪.1985‬‬
‫‪ - 5‬عنقاء املغرب يف ختم األولياء‪ ،‬حمي الدين بن عربي‪ ،‬القاهرة‪1954 ،‬م‪.‬‬
‫‪ - 6‬حضرة اخليال مابني الواقع والغيب‪ ،‬د‪ .‬فواز سيوف‪ ،‬جملة اخليال العلمي‪ ،‬وزارة‬
‫الثقافة‪ ،‬سوريا‪ ،‬العدد ‪2011 ،32‬م‪.‬‬
‫‪ - 7‬تاريخ الفلسفة الغربية‪ ،‬برتراند راس��ل‪ ،‬ترمجة حممد فتحي الشنيطي‪ ،‬اهليئة‬
‫املصرية العامة للكتاب‪.‬‬
‫‪ - 8‬اخليال – من الكهف إىل الواقع اإلفرتاضي‪ ،‬د‪ .‬شاكر عبد احلميد‪ ،‬سلسلة عامل‬
‫املعرفة‪ ،‬الكويت‪ ،‬العدد ‪2009 ،360‬م‪.‬‬
‫‪ - 9‬دقيق الكالم‪ ،‬د‪ .‬بسام الطائي‪ ،‬من موقعه اإللكرتوني‪.‬‬
‫‪ - 10‬علم الكينونة وفن احلياة‪ ،‬جي غوروديف‪ ،‬مهاريشي ماهشي يوغي‪ ،‬ترمجة سليم‬
‫حداد‪ ،‬لبنان‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪43‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عودة المكبوت الالعقالني‬
‫«الهورال نموذج ًا»‬
‫د‪.‬عبد اهلادي صاحلة‬

‫‪44‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫شعر موباسان منذ بداياته تفضيالً جلنس‬
‫«اخلارق للواقع الفنتاستيك ‪،»le fantastique‬‬
‫والذي ينضم إليه يف مؤلفه تقريباً بشكل مباشر‬
‫فيما عدا اهلورال ‪ Le Horla‬اثنتان وثالثون‬
‫قصة وحكاية‪ .‬مل يتوقف موباسان أبدا من «اليد‬
‫املسلوخة» ‪ ،La Main d›ecorche‬النشر‬
‫األول له‪ ،‬و «من يعرف ‪ »Qui sait‬يف ‪،1890‬‬
‫عن كتابة قصص خارقة للواقع‪ ،‬البل إنه درس‬
‫«اخلارق للواقع» ( ‪Le gaulois en octobre‬‬
‫‪ ) 1883‬بشكل عام‪ ،‬يف بضع صفحات موجزة‪.‬‬
‫‪ ..‬تنتمي قصص موباسان يف الواقع مجيعها‬
‫ماعدا للبيع‪ ،‬و «املخادعة‪»L’endormeuse‬‬
‫و «اإلنسان القادم من كوكب مارس» إىل جمال‬
‫احللم أكثر مما تنتمي إىل جمال الكابوس‪.‬‬
‫ج��اءت قصص موباسان اخل��ارق��ة للواقع يف‬
‫فرتة اتسمت بانتشار كبري ومتماسك هلذا النوع‬
‫األدب��ي أثناء العقود اآلربعة املمتدة من ‪1870‬‬
‫إىل ‪ ،1914‬وه��ي ترجعنا إىل مفاهيم «روح‬
‫هناية ق��رن» و «حت��ول ق��رن»‪ .‬إن مفهوم «هناية‬
‫قرن» يؤثر بشكل رئيسي على اختيارنا إذ متثل‬
‫هذه املرحلة قرناً انتقالياً ولد ظواهر انقطاع‪.‬‬
‫إن زمن موباسان هو زمن مرت فيه الفلسفة‬
‫والعلم والكتاب واجملتمع إثرصدمة هزمية‬
‫فرنسا يف ‪ 1870‬بأزمة وعي مجاعي كان من‬
‫أهم مظاهرها نفي أو استهالك القيم الدينية‬
‫واألخالقية وهناية مذهب املركزية البشرية‬
‫وفكرة أن حواسنا ناقصة ومعارفنا نسبية‪ ،‬إنه‬
‫زمن جمتمع متعب وعنيف يشبه يف العديد من‬
‫النقاط زمننا حيث انتشرت أمراض العصاب‬
‫واللجوء إىل امل��خ��درات و التجارب اجلنسية‬
‫املتنوعة‪ .. .‬كثريون هم آنذاك كتاب القصص‬
‫الفنتاستيكية ال�تي تشهد عن ثقافة عصاب‬
‫معينة وعن إرادة إث��ارة إعياء عند القارئ من‬
‫خالل استدعاء مواقف قصوى‪ :‬جان لوران يف‬
‫قصصه عن امل��خ��درات واألقنعة ؛ ورمي��ي دو‬
‫غونغور يف قصصه السحرية ( ‪ ) 1895‬حيث‬

‫يسيطر اجلنس واملوت ؛ وكاتتول مانديس يف‬
‫( ‪ monstres parisiens‬وحوش باريسية ‪-‬‬
‫‪.) 1882‬‬
‫إن االكتشافات احلديثة للعلم يف ذلك الزمن‬
‫مل جتعل اإلنسان أكثر حكمة وال أكثر سعادة‪..‬‬
‫لقد مالت هذه اإلكتشافات إىل الربهنة على أن‬
‫اإلنسان ليس الساكن الوحيد للفضاء‪ ،‬ولكنه‬
‫واحد من سكانه األقل كماالً‪ .. .‬يعرض كامييه‬
‫ف�لام��اري��ون ه��ذه النظرية يف «ت��ع��دد ال��ع��وامل‬
‫املسكونة « ( ‪ ) 1862‬ويف كتابه « أراضي السماء‬
‫( ‪ ») 1877‬يفرتض كامييه أن سكان كوكب‬
‫ساتورن شفافني‪ ،‬وسكان جمنحني ويعيشون‬
‫يف م��ن��اخ أص��ف��ر ب��رت��ق��ايل ‪ -‬ه��ذه التفاصيل‬
‫سيتذكرها موباسان وه��و يكتب «اهل���ورال» و‬
‫«اإلنسان القادم من كوكب م��ارس»‪ .‬ويف عام‬
‫‪1877‬يربهن عامل الفلك شياباريلي (‪-1835‬‬
‫‪ ) 1910‬على وجود «قنوات»على هذا الكوكب‬
‫واستنتجوا من ذلك بشكل طبيعي بأهنا ابتكرت‬
‫من قبل عقول ذكية‪.‬‬
‫وأخ��ي�راً الح��ظ��وا يف ال��س��ن��وات ال��ث��م��ان�ين‪ ،‬يف‬
‫أملانيا‪ ،‬ثم يف تركيا‪ ،‬أغراض طائرة غري حمددة‬
‫اهلوية وأن��ه يوجد «مركب كوكيب مقذوف يف‬
‫الالمتناهي من قبل كائنات مفكرة» وتصوروا‬
‫أنه من الكواكب البعيدة ميكن أن ينبثق املنافس‬
‫ال��ذي سيخلف اإلن��س��ان ‪ :‬إن��ه ل��ن يأتي خلري‬
‫البشرية‪ ،‬إهنم يتصورونه كهدام وليس كمنقذ‪...‬‬
‫يغرق هذا العصر يف التشاؤم ويسيطر عليه‬
‫الشك وخيبات اآلمل وتعظيم املشاعر املريضة‬
‫ومعنى االحنطاط‪.‬‬
‫ولقد عكس الفن ذاته هذاالشك وهذااحلزن‪.‬‬
‫ويف املوسيقا‪ ،‬جتاوبت التناغمات الرخيمة‬
‫لغونود مع انطالقات فاغنر املفرطة‪ .‬ويف الرسم‬
‫ق��دم االنطباعيون رؤي��ة جم��زأة ومتحركة عن‬
‫الواقع؛ وفضلوا العناصر اهلاربة‪ ،‬والسماوات‬
‫املرتعشة واملاء اجلاري والظالل‪ .‬وليس‬
‫بعيداً عنهم‪ ،‬عرب أوديلون رودون وجيمس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪45‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أنسور تشكيلياً عن مؤلفات أومواضيع تنتمي‬
‫إىل جمال اخلارق للواقع حيث يصور رودون يف‬
‫طباعاته احلجرية قصص ادغارآالن بو وغواية‬
‫القديس انطوان لفلوبري‪.‬ويصورجيمس آنسور‪،‬‬
‫الرسام الفالماندي دون تعب يف رسومه وحنوته‬
‫موضوع القناع‪ .‬إن إشكاليات السقوط والتحلل‬
‫وقابلية التحول اوازدواجية الشخصية تتطابق‬
‫مع أغراض اختارها الكتاب أكثر من مواضيع‬
‫منحطة بشكل منوذجي و منطي مشتقة من علم‬
‫اجلمال الذي درسه والرت باتر مثل عبادة اجلمال‬
‫واخلمول وسيطرة اإلحساس والنرجسية أو‬
‫النزعة حنو الغريب الرببري القادم‬
‫موباسان واخلارق للواقع‬
‫ل��ع��ب م��وب��اس��ان دوراً أس��اس��ي��اً يف جت��دي��د‬
‫الفانتاستيك وظهر من خ�لال مقاربته هلذا‬
‫اجلنس كاتباً حداثياً وخصوصاً يف قصصه‬
‫األخرية حيث يقارب الالعقالني دون شرح أو‬
‫تفسري‪ ،‬و كما لو أن األم��ر جي��ري تقريباً من‬
‫تلقاء ذات��ه‪ .. .‬وهكذابداموباسان قريباً من‬
‫كتاب العبث الذين يصورون اليوم عاملا مفككا‬
‫الحيكمه ضابط أو ق��ان��ون‪ ...‬ميكن القول إن‬
‫معظم حكايا موباسان اخل��ارق��ة للواقع هي‬
‫حكايا قلق نفسي وك��رب وج��ودي‪ ،‬ليس فقط‬
‫القلق العرضي ال��ذي يشعر به املريض أمام‬
‫حدث اليفسر‪ ،‬ولكنه قلق وجودي عميق‪ ،‬قلق‬
‫أمام سر احلياة واملوت‪ .‬وتعترب قصة «اهلورال»‬
‫(‪ ،)1887‬اليت نتخذها منوذجاً من أكثر القصص‬
‫إيالماً وسحراً وجاذبية حيث تصور مأساة اهللع‬
‫من الرعب الذي اليتغذى من ظواهر خارجية‪،‬‬
‫ولكن من قلق مرتبط باهلشاشة النفسية للكائن‬
‫البشري يربزه وخيرجه لنا موباسان يف فضاء‬
‫م��أل��وف وداخ��ل��ي يعتربه جحيماً‪ ،‬وه��و فضاء‬
‫الوعي الذي هدمه اجلنون كما يظهر لنا جليّاً‬
‫يف ه��ذه القصة حيث يستمد روح��ه وغ��ذاؤه‬
‫م��ن ال��دواف��ع الباطنية العميقة ( االحن��راف‬

‫‪46‬‬

‫والشذوذ اجلنسي وغريزة القوة يف « جمنون‬
‫؟» والتيمية يف «اجلمة»‪ .‬ولكن القصص اليت‬
‫سبقتها وحضرهتا ومهدت هلا الطريق نوعاً ما‪،‬‬
‫هي سلسلة قصص مرتبطة برابط موضوعاتي‬
‫واضح يف «اخلوف»‪ ...‬يف عام‪1885‬حيث يقبل‬
‫موباسان فرضية وجود الالمنظور‪ ،‬الالمرئي‬
‫ال��ذي تغوص فيه جمموع احل��ي��اة اإلنسانية‪،‬‬
‫وي��ع��ت�براإلن��س��ان لعبة يف أي���دي ق��وى غامضة‬
‫ينكشف وجودها يف احلوادث الغريبة؛ تسرد لنا‬
‫قصة «اخلوف» جتربة تراجيدية للخوف حيث‬
‫يتسأل القاص ‪« :‬ملاذا خناف ؟» ماذا ختبئ هذه‬
‫املعتقدات واخلرافات واملفهوم مافوق الطبيعي‬
‫للعامل ؟ ويستفيد الكاتب من كل ه��ذا ليربر‬
‫جمموعة م��ن األف��ك��ار املتأثرة باحلنني لقرن‬
‫فنتازي وخ��ي��ايل ومج���ايل‪ .‬زد على ذل��ك فإن‬
‫نزعته العلمية الوائقة يف بداياته فسحت اجملال‬
‫شيئاً فشيئاً ملوقف أكثر متييزاً حيث يظهر تأثري‬
‫أفكار منتشرة رائجة ترتبط باخلفي‪ :‬إذاك��ان‬
‫العلم حيمل لنا نتائج أكيدة‪ ،‬فإنه الميكن أن‬
‫يضئ سوى جزء من الواقع‪ ،‬ذلك اجلزء الذي‬
‫يقابل اتساع وامتداد حواسنا‪ .‬وينسحب األمر‬
‫كذلك على قصص ظهور و هو؟ و اجلمة اليت‬
‫تعاجل مجيعها وجود كائن ما فوق طبيعي‪ ،‬هذا‬
‫الوجود يظهر تقريباً دائماً مزيفاً يف النهاية‪.‬‬
‫ولكن تظل «اهلورال» هذه الدرة املتفردة يف عقد‬
‫موباسان يف هذا الشأن األكثر شهرة من نصوص‬
‫هذه الكوكبة احلقيقية‪ ،‬ولقد حضرت من خالل‬
‫مشروعني‪ ،‬أكثر قصراً‪« :‬رسالة جمنون ‪Lettre‬‬
‫‪ ) 1885 ( »d›un fou‬ورواية أوىل خمتلفة جداً‬
‫عن «اهلورال» وحتمل نفس العنوان‪.‬‬
‫تستند القصة الفنتاستيكية عند موباسان إىل‬
‫انقطاع مزدوج خارجي وهو ظهور مفاجئ ملا‬
‫فوق الطبيعي وداخلي وهو ظهور أزمة شخصية‪.‬‬
‫عندما جتد الشخصية نفسها مقابل ظاهرة ما‬
‫فوق طبيعية فإهنا ت��زود نفسها أحيانا حبدة‬
‫متطورة أكثر من الالزم‪ ،‬وتصبح الكائن الوحيد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫القادر على مساع أو رؤية الكيانات‪ ،‬وانطالقاً‬
‫من هذه اللحظة يبتعد منط تفكريها وإدراكها‬
‫احلسي ع��ن التفكري العلمي وع��ن املالحظة‬
‫املوضوعية ليتجه حن��و من��ط تفكري وإدراك‬
‫سحري للعامل‪ .. .‬يستند اخللق اخلارق للواقع‬
‫عند موباسان يف األصل إىل نفي مطلق ملا فوق‬
‫الطبيعي مرتبط بقناعات وضعية مطابقة‬
‫لروح عصره املنغمس يف املاديات واملال والعلوم‬
‫اليت مل ترتك سوى جمال ضيق جدا للفنتازيا‪.‬‬
‫والنندهش إذا رأينا أن موباسان يتحقق من‬
‫خ�لال الشخص اجمل��ه��ول ال��ذي ص��ادف��ه بطل‬
‫قصة «اخل��وف» يف قطار من اختفاء اإلمي��ان‬
‫مبا فوق الطبيعي ويرثي هناية اخلارق للواقع‬
‫التقليدي‪ ،‬هذا االجن��ذاب الرهيب لـ «اخلوف‬
‫من الواقع»‪« ،‬اخلوف الغامض من الال مرئي‪،‬‬
‫اخلوف من اجملهول « (‪ »:)1‬اخلوف (والرجال‬
‫األكثر جرأة ينتاهبم شعور باخلوف)‪ ،‬إنه شيء‬
‫م��رع��ب‪ ،‬إح��س��اس فظيع‪ ،‬مثل تفكك ال��روح‪،‬‬
‫وتشنج مرعب للفكر والقلب‪ ،‬حيث إن تذكره‬
‫وحده يصيبنا بإرتعاشات قلق وهذا حيدث يف‬
‫ظروف معينة غري طبيعية‪ ،‬حتت بعض التأثريات‬
‫الغامضة‪ ،‬يف مواجهة أخطار غامضة‪.‬‬
‫هل اخل��وف احلقيقي هو ش��يء شبيه بتذكر‬
‫رعب خارق للواقع مضى «(‪ ...)2‬هذا املوقف‬
‫عند موباسان سيختلف بشكل ملحوظ مبا فيه‬
‫الكفاية خالل عشر سنوات للوضوح الذهين‬
‫ال��ذي متتع موباسان بعد جن��اح قصته «كتلة‬
‫حل��م»‪ ،‬وإن أول داف��ع من دواف��ع ه��ذا التطور‬
‫ه��و دون ش��ك امل���رض العصيب ال���ذي أصابه‬
‫أثناء شبابه ؛ هذا املرض تطور لدرجة اجلنون‬
‫النهائي ورمبا توجب ظهوره من خالل سلسلة‬
‫م��ن أع���راض ذات خ��ط��ورة م��ت��زاي��دة‪ .. .‬أخذ‬
‫موباسان منذ ‪ 1880‬يعاني م��ن اضطرابات‬
‫بصرية‪ ،‬هذه اآلآلم الدائمة كانت ترتافق مع آالم‬
‫عصبية مؤملة‪ .‬وكان الدواء الوحيد هو األثري‪،‬‬
‫زد على ذل��ك ك��ان ينتابه إح��س��اس بالسعادة‬

‫العميقة والنشاط الذهين الكثيف واللذيذ الذي‬
‫يتبعه والذي مييز قبل كل شيء أثر هذا األثري‬
‫إنه االحساس الغريب والساحر بالفراغ الذي‬
‫حيسه يف كل جسده ال��ذي أصبح خفيفاً كما‬
‫لو أنه كان يتبخر من الداخل‪ ،‬هذا النوع من‬
‫التبخر اخلاص يصبح له بسرعة غري حمتمل‪.‬‬
‫‪ ..‬وعلى الرغم من العزاء العابرالذي سببه األثري‬
‫واملورفني واملخدرات املتنوعة اليت تغري طبعه‬
‫ورؤيته للعامل‪ ،‬فإن موباسان كان يشعر أكثر‬
‫فأكثر شعوراً عميقاً بالقلق‪ ،‬وكان لديه انطباع‬
‫بأنه مالحق ومل يعد يتعرف على صورته عندما‬
‫ينظر إىل نفسه طويالً يف املرآة‪ .‬ومنذ ‪1882‬بدأ‬
‫يصاب بنوبات هلوسة‪.‬‬
‫وتتكرر يف ‪ 1887‬هذه النوبات وتوهم رؤية الذات‬
‫وهاجس وج��ود كائن غ��ازي أو مصاص دماء‪.‬‬
‫و مل تكن تلك امل��رة األوىل اليت كان موباسان‬
‫يعاجل فيها استالب إرادت���ه من قبل قرين إذ‬
‫إن قصص هو؟ جمنون؟ رسالة جمنون تصور‬
‫مقدماً قبل بضع سنني اهلورال القادم‪ .‬يف‪1891‬‬
‫أخذ موباسان يعاني أكثر فأكثر من آالالم يف‬
‫عينيه‪ ،‬وأسنانه ورأسه ومعدته وأخذ يشعر أنه‬
‫أصبح جمنوناً‪ .‬ويف كانون الثاني ‪ 1892‬ويف سن‬
‫الواحدة واألربعني‪ ،‬وبعد عودته من بيت والدته‬
‫حي��اول موباسان االنتحار‪ .‬ويدخل إىل مصح‬
‫عقلي‪ .‬يف ‪ 8‬متوز ‪ 1893‬ميوت موباسان‪.‬‬
‫عاش موباسان وحيداً فنمت يف ذات��ه غريزة‬
‫ب��ق��اء م��رض��ي��ة وخ���وف م��ت��واص��ل م��ن امل���وت‪،‬‬
‫وميكن القول إن هذه العوارض مرتبطة مبرض‬
‫وراث��ي‪ ،‬رمبا ألنه كان يتحقق من وجودها يف‬
‫عائلته وكان يستشعرها يف نفسه‪ ،‬إذ إن والدته‬
‫عانت من اهنيار عصيب وأخوه تويف جمنوناً‪...‬‬
‫ي�برع موباسان يف قصة «اهل���ورال» يف التعبري‬
‫بشكل رئيسي عن شعور الشخصية الرئيسية‬
‫باالستالب من قبل قرين وشبح ومصاص دماء‪،‬‬
‫بينما أن الدم اهلام جدا يف القصة تكشف‬
‫بشكل سري عن مرض وراثي ‪ 16 :‬أيار‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪47‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫لدي دون إنقطاع هذااإلحساس البشع خلطر‬
‫مهدد‪ ،‬ه��ذا التوجس من املصيبة ال�تي تأتي‬
‫أو من امل��وت ال��ذي يقرتب‪ ،‬هذا احل��دس الذي‬
‫هو دون شك اإلصابة مبرض م��ازال جمهوالً‪،‬‬
‫والذي ينبت يف الدم واللحم ( ‪ ) 3‬كان موباسان‬
‫عصابياً وذهانياً وميكن القول إنه أول كاتب‬
‫يف القرن التاسع عشر أح��ب اجلنون وجاهبه‬
‫بعبارات سريرية‪ .‬ولقد جتلّى اجلنون واالهنيار‬
‫واهلذيان يف رواييتّ غي دو موباسان «اهلورال» و‬
‫‪ « La Chevelure‬اجلمة»‪ ،‬إذ إن كالًّ منهما‬
‫تبدأان بكلميت‪« :‬اجملانني جيذبونين‪.»...‬برع‬
‫موباسان يف عرض حالة املذعور من هلوساته‬
‫من خالل أسلوبه األدب��ي املميز الذي يسيطر‬
‫عليه – كما أسلفنا – اخلوف واليأس اإلنتحاري‬
‫وجلأ إىل جتارب غري عادية قصد هبا إخرتاق‬
‫ح��دود العقل املألوف وكسر قوانينه وأعرافه‬
‫امل��ت��وارث��ة‪ ،‬وارت��ف��ع مبعاناته ع�بر كتاباته إىل‬
‫مستويات تعبريية خارقة‪ ،‬واستطاع أن حيول‬
‫جتربة اجلنون اخلاص إىل طاقة إبداعية هائلة‬
‫حيث يتداخل اجلنون مع اخليال‪ .‬ونستطيع‬
‫ال��ق��ول إن موباسان إنضم إىل ش��ارل نودييه‬
‫الذي قال ‪ « :‬إن القصة اخلارقة للواقع اجليدة‬
‫واحلقيقية لعصر دون معتقدات مل تكن لتوضع‬
‫بشكل مناسب إال يف فم جمنون»(‪)4‬‬
‫موباسان والقرين‬
‫لقد جدد موباسان موضوع القرين احلاضر‬
‫يف األدب الفنتاستيكي منذ هوفمان مستخدماً‬
‫الدراسات العلمية والطبية الرائجة‪ ...‬رصد‬
‫موباسان بعني خبرية كل أعراض واضطرابات‬
‫احلالة العصبية مما جعل البعض يعتقد أنه‬
‫اعتمد يف كتابة قصصه على مذكرات مريض‬
‫عقلي يعاني من هذه األعراض‪ ،‬وأيا كان األمر‬
‫فقد قرأموباسان كثريا يف الطب النفسي وكان‬
‫القرن هو قرن أطباء األم��راض العقلية‪ ،‬كان‬
‫موباسان يثابر على متابعة دروس الطبيب‬

‫‪48‬‬

‫شاركو بشكل خاص يف مشفى السالبرتيري‪ .‬لقد‬
‫ظلت مشكلة اإلزدواجية والثنائية يف الطبيعة‬
‫البشرية تؤرق موباسان وتشكل املعامل البارزة‬
‫للعديد من أعماله‪ ...‬وجنح موباسان يف إبراز‬
‫حالة التناقض اليت يعيشها من خالل الغوص‬
‫يف عمق نفسه‪ ،‬ويف ع��رض حركة التبدالت‬
‫النفسية وحتوّهلا‪...‬هذا املوضوع سيأخذ شيئاً‬
‫فشيئاً منحى أكثر قلقاً وكان يقول قبل كتابة‬
‫قصة «اهل��ورال» بسنوات لبول بورجيه ‪ »:‬كلما‬
‫عدت إىل منزيل‪ ،‬رأيت قريين ‪ :‬أفتح بابي فأراه‬
‫جالسا يف مقعدي ! إهنا هلوسة بال ريب‪ ،‬ناجتة‬
‫عن خ��وف الأدري كنهه ! « ( ‪ ...)5‬إن امليزة‬
‫األساسية ملعاجلة موضوع القرين يف «هناية‬
‫ق��رن» ترتكز على ح��دس العناصر الالواعية‬
‫اليت تتكون منها األن��ا‪ .‬إن متثيل األزم��ة يدمج‬
‫بشكل مبتكر ونوعي قبل النظريات الفرويدية‬
‫مفهوم الالوعي‪ .‬ولقد كان موباسان قادراً على‬
‫إضاءة املفاهيم الفرويدية‪ .‬إن التجارب املتعلقة‬
‫باألمراض العصبية والنفسية واملاوراء نفسية‬
‫تشرتك يف إيضاح هذا العنصرالذي يفلت من‬
‫الوعي ويعربعنه بإنطباع السرواجملهول والغرابة‬
‫وكذلك بشعوراإلستالب واإلنشطار والتمزق‪...‬‬
‫هذا القلق سيقود موباسان إىل أن يضع على‬
‫الورق هذيانه الفصامي جتاه اآلخر حيث يقر‬
‫بانشطار ذاته أو أناه إىل قسمني متناقضني ‪5 »:‬‬
‫متوز – إذا‪ ،‬كنت مسرمنا‪ ،‬كنت أعيش‪ ،‬دون أن‬
‫أعرف ذلك‪ ،‬من هذه احلياة املزدوجة الغامضة‬
‫اليت جتعلنا نشك بوجود كائنني بداخلنا‪ ،‬أو فيما‬
‫إذا كان كائن غريب‪ ،‬خفي‪ ،‬وغري منظور حييى‪،‬‬
‫خالل فرتات‪ ،‬عندما تفرت مهة روحنا‪ ،‬وجسدنا‬
‫أسري يطيع هذا اآلخر‪ ،‬كما يطيعنا‪ ،‬وأكثر مما‬
‫يطيعنا «(‪ )6‬ويتذبذب رأيه ويتفاوت يف نفسه‬
‫ويف اآلخر قرينه‪ ،‬فهو أحياناً قوي وأحياناً جبان‬
‫‪»:‬األنا املقدامة عندي تسخر من األنا اجلبانة‪،‬‬
‫ومل حيدث يل كما حدث ذلك اليوم حيث مل‬
‫أدرك التناقض بني الكائنني القابعني بداخلي‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫أحدمها كان يريد‪ ،‬واآلخ��ر كان يصمد «(‪»)7‬‬
‫أمتلك قوة بشعة (فظيعة )‪ .‬رمبا نستطيع القول‬
‫إن كائناً آخر مسجون بداخلي‪ ،‬ويريد باستمرار‬
‫اهل����روب (‪ )...‬حن��ن اث��ن��ان ح�لا يف جسدي‬
‫املسكني‪ ،‬إنه هو‪ ،‬هذا اآلخ��ر‪ ،‬ال��ذي غالباً ما‬
‫يكون األقوى‪ ،‬مثل هذا املساء «( ‪.) 8‬‬
‫يشري ظهور القرين واجلنون ال��ذي ينجم عن‬
‫ذلك إىل دنو أزمة مأساوية متنع راوي القصة‬
‫من أن يستعيد حتى توازنه الداخلي السابق‪.‬‬
‫ه��ذا اإلنقطاع يطرح من جديد أيضاً ضبط‬
‫األفكار‪.‬‬
‫إن خ��ي��ال وم��ع��ت��ق��دات ال����راوي مهيجة‪ ،‬ومن‬
‫هنا ينجم انطباع إستالب مرتبط حبكايات‬
‫ال��ق��رن��اء‪ ...‬ي��أخ��ذ ه��ذا امل��وض��وع ال���ذي شكل‬
‫ملوباسان كارثة‪ ،‬إذ إنه هو نفسه كان يعاني ‪-‬‬
‫كما أسلفنا ‪ -‬من ره��اب صورته باالتساع يف‬
‫مؤلفات موباسان ابتداء من ‪ ،1884‬من خالل‬
‫املرايا والصور الشمسية أواملرسومة‪ .‬وجيد‬
‫موضوع القرين واملرآة يف قصة «اهلورال» تعبرياً‬
‫متميزاً‪ . .‬هذا الكائن يأخذ بعده احلقيقي يف‬
‫«رسالة جمنون» و «اهلورال» «كائن غري منظور»‬
‫وهو يتعلق بالوحش أومثل يف «اهلورال»‪ ،‬يتعلق‬
‫يف ال��وق��ت ذات��ه مبصاص ال��دم��اء‪ ،‬وبالشبح‪،‬‬
‫وبالقادم من كوكب آخر‪ -‬وجيسد اآلخر‪ ،‬يعين‬
‫ذلك الكائن ذاته الذي يهدد هوية البطل وهو‬
‫يبحث عن احللول مكانه‪ ...‬سيكتشف موباسان‬
‫حضور القرين يف قصة «اهل���ورال» من خالل‬
‫م��رآة كبرية‪ ،‬وال�تي ال يرى بداخلها أي صورة‪.‬‬
‫هذه املرآة هي أيضاً بكل وضوح مأساوية إذ إن‬
‫هاجس هذا الكائن الغازي‪ ،‬مصاص الدماء هو‬
‫الصدى الصحيح للعصاب الذي يعذبه‪ .‬ويشكل‬
‫مشهد املرآة نقطة الذروة يف القصة حيث يقع‬
‫ال��راوي يف فخ اهل��ورال ويشعر بأن هذا األخري‬
‫يهدد هويته و يسرق له صورته‪.‬‬
‫تروى قصة « اهلورال» على شكل يوميات شخص‬
‫خمتل عقلياً يشهد بشكل مرعب غزو فكره من‬

‫قبل استيهام ازدواجية الشخصية‪ ،‬يسجل هذا‬
‫الشخص املقتنع متاماً بأن كائناً غري منظور‬
‫وق��وي يسكنه‪ ،‬كائناً شريراً جي��رده من إرادت��ه‬
‫ويسلبه هدوء الروح ويثري يف الوجدان غموضاً‬
‫واضطراباً‪ ،‬وخيرج العقل عن طوره‪.‬‬
‫يكتوى ه��ذا الشخص ب��ن��ار اخل���وف م��ن هذا‬
‫الكائن الذي شل تفكريه وجعله عبداً له‪.‬ميتزج‬
‫اهلورال بكل كيانه ويعيشه حلماً ودماً وعاطفة‬
‫وإحساساً وقلباً وعقالً‪.‬‬
‫يسجل لنا ال��راوي اضطراباته وأحالمه وأدق‬
‫حركاته ليفهم ماحيدث له وليدفع بعيداً عنه‬
‫هذا اهلاجس‪ .‬يقع الراوي فريسة ومهه لدرجة‬
‫أن ذات���ه ف��ق��دت اس��ت��ق�لاهل��ا ومت��اه��ت ال���ذات‬
‫املوباسانية متاهياً تاماً يف اهلورال وخضعت له‬
‫وسكنت إليه يف حلم أبدعته الذات يف امتثاهلا‪،‬‬
‫والوجود له خارج هذا اإلمتثال‪.‬‬
‫إن��ه امل��اي��ا‪ ،‬إن��ه نقاب ال��وه��م غشى على بصر‬
‫موباسان فأراه عاملا النستطيع أن نقول عنه إنه‬
‫موجود أو غري موجود‪ .‬هذا الشخص التعيس‬
‫ك��ان ي��ت��أمل منذ وق��ت قصري م��ن اضطرابات‬
‫هلوسية بصرية ومسعية ومن فقدان اإلرادة‪،‬‬
‫ويصاب بذهان هذياني خطري لدرجة أنه أخذ‬
‫يعتقد بوجود مصاص دماء قادم من كوكب آخر‬
‫ميتلكه‪ ،‬وبأن هذا الكائن الغريب عن اإلنسانية‬
‫والذي ميتلك ملكة الالمنظورية وسلطة فرض‬
‫إرادة بشكل ظامل ومستبد على ضحاياه وهو‬
‫ميسك بزمام عقلهم رمبا سيغزو العامل األرضي‬
‫وسيخلف اإلنسان وسيصبح سيده‪ ،‬هذا اهلورال‬
‫هو اآلخر‪ ،‬شقيقنا الليلي‪ ،‬القرين الذي يتسلل‬
‫إىل داخلنا‪ ،‬يالمسنا‪ ،‬يراقبنا‪ ،‬ويعطي لكل‬
‫حركة من حركاتنا منحدرها السليب واملنحرف‪.‬‬
‫قريننا هو شقيقنا‪ ،‬ولكن أيضاً منافسنا القادم‬
‫من خارج الكوكب األرضي الذي سيعين قدومه‬
‫هناية سلطان وحكم اإلنسان‪...‬وهكذا تنتهي‬
‫حكاية اجلنون بكابوس ما وراء نفسي‬
‫وبقصة اس��ت��ش��راف واستبصار كارثي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪49‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حيث يقرأ واقعه وحي��اول أن يدفع عن نفسه‬
‫ه��ذا احللم الكابوسي املنذر بكارثة مصريية‬
‫ت��دم��ر ح��اض��ره ومستقبله النفسي والعلمي‬
‫واألدب��ي‪ ،‬وأن يكسر حاجز الوصاية والرقابة‬
‫األبوية املشددة اليت تتمثل يف سلطات متعددة‬
‫وخمتلفة تزيد من إغرتابه‪.. .‬‬
‫تبدأ احلكاية عندما يبصر الراوي وهو ممدد‬
‫يتملى هن��ر ال��س�ين م��ن ح��دي��ق��ت��ه‪ »:‬قافلة من‬
‫املراكب جيرها مركب جرار»‪.‬هذا األخري يظهر‬
‫كشخص‪»:‬حيشرج مبشقة‪ ،‬نافثاً دخاناً كثيفاً»‪.‬‬
‫وبعد هذه الصورة للجرار يرى السارد ظهور‬
‫ثالث ص��واري برازيلية بيضاء‪ ،‬مجيلة‪ ،‬نقية‪،‬‬
‫والمعة‪.‬هذا املركب يلفت انتباه القارئ‪ ،‬ويرتك‬
‫عنده انطباعاً جيداً يثري السارد الذي تتدهور‬
‫حالته بعد أيام‪ ،‬وتؤثر على عقله‪ ،‬وبالتايل يتضح‬
‫لديه قلق نفسي وج���ودي م��ن خ�لال أع��راض‬
‫احلمى اليت يستعريها هذا اآلخ��ر الدخيل ‪»:‬‬
‫يف ‪ 12‬أي��ار‪ -‬أصبت قليالً باحلمى منذ عدة‬
‫أيام‪ ،‬أشعر باإلعياء‪ ،‬أو باألحرى ينتابين شعور‬
‫باحلزن( ‪ ( 9‬ويشعر الراوي بالتهديد من شيء‬
‫ما مل يستطع حتديده‪ ،‬و يستند قلقه إىل تفكري‬
‫ابتسمومولوجي ويتساءل وهو حمموم ‪»:‬من أين‬
‫تأتي هذه التأثريات الغامضة اليت تغري سعادتنا‬
‫إىل إحباط وثقتنا إىل بؤس‪.‬‬
‫قد نشعر أن اهلواء‪ ،‬اهلواء الالمرئي مليء بقوى‬
‫خفية خنضع جلريهتا الغامضة‪ .‬استيقظت‬
‫مغموراً بالبهجة‪ ،‬مع رغبات غناء يف احلنجرة‪.‬‬
‫– ملاذا ؟ ‪ -‬نزلت على جانب املياه ؛ وفجأة بعد‬
‫نزهة قصرية عدت حزيناً‪ ،‬كما لو أن مصيبة ما‬
‫كانت تنتظرني‪ – .‬ملاذا ؟ هل هي قشعريرة برد‬
‫المست جسدي فهزت أعصابي وأظلمت روحي‬
‫؟ هل شكل النجوم‪ ،‬أم لون النهار‪ ،‬لون األشياء‪،‬‬
‫املتغري ج��داً‪ ،‬الذي عرب عيوني فأقلق فكري ؟‬
‫هل نعرف كل ما حييط بنا‪ ،‬كل مانراه دون أن‬
‫ننظر إليه‪ ،‬كل ما نالمسه دون أن نعرفه‪ ،‬كل‬
‫مانلمسه دون أن جنسه‪ ،‬كل ما نصادفه دون أن‬

‫‪50‬‬

‫منيزه أ له علينا‪ ،‬على أعضائنا‪ ،‬ومن خالهلا‪،‬‬
‫على أفكارنا‪ ،‬وحتى على قلبنا ذاته‪ ،‬أثار سريعة‬
‫ومدهشة وغامضة؟‬
‫كم هو عميق‪ ،‬سر الالمنظور! النستطيع سربه‬
‫حبواسنا البائسة‪ ،‬بعيوننا اليت التعرف رؤية‬
‫الصغري جداً وال الكبري جداً‪ ،‬وال حتى القريب‬
‫جداً أو البعيد ج��داً‪ ،‬وال حتى سكان جنمة أو‬
‫سكان قطرة م��اء‪ .. .‬مع أذاننا ال�تي ختدعنا‬
‫ألهنا تنقل لنا إهتزازات اهلواء بعالمات رنانة‪.‬‬
‫أهن��ن جنيات تلك ال�تي تصنع معجزة تغيري‬
‫احل��رك��ة إىل ص��وت وم��ن خ�لال ه��ذا التحول‬
‫تولد املوسيقا اليت جتعل إضطراب الطبيعة‬
‫الصامت مغرداً‪ ...‬مع حاسة مشنا‪ ،‬األضعف‬
‫من حاسة شم الكلب‪ ...‬مع ذوقنا الذي بالكاد‬
‫يستطيع متييز عمر مخر ! آه ! كم من األشياء‬
‫استطعنا إكتشافها أيضاً حولنا لو كان لدينا‬
‫أع��ض��اء أخ��رى ق��د تنجز لصاحلنا معجزات‬
‫أخرى ! «(‪ )10‬وينتابه شعور باخلطر وباخلوف‬
‫الذي يغزوه ويبدا حيلم بالكوابيس ليال‪25 »:‬‬
‫أيار التغيري ! حاليت حقاً غريبة‪...‬وكلما اقرتب‬
‫املساء‪ ،‬يغزوني قلق واضطراب غري مفهوم‪ ،‬كما‬
‫لو كان الليل خيفي يل هتديدا رهيبا‪.)11( »...‬‬
‫إنه حيس أن أحداً ما يريد خنقه بكل قوته‪...‬‬
‫وخت��ف��ق مج��ي��ع ال��ع�لاج��ات الطبية بتخفيف‬
‫مصابه فيحتمي يف بيته‪ .‬ميكن القول إن قصة‬
‫«اهل��ورال» هي أوالً وخصوصاً قصة رهاب من‬
‫االتصال وال��ذي يلعب فيها الليل األس��ود دور‬
‫الفاعل احلافز والوسيط وهبذا الشكل يضيق‬
‫القلق اخلناق تدرجيياً على القصة اليت تستمر‬
‫س�يرورة أحداثها ع��دة أشهر ويرتسم احلبس‬
‫واالنفالق من خالل التحصن يف البيت املسكون‬
‫من قبل الكائن الالمنظور‪.. .‬هذه احلياة املنعزلة‬
‫تقدم كتعويض للبطالة تقريباً‪ . .‬أما بالنسبة له‬
‫فإن وعيه يقتصرعلى اللحظة احلاضرة‪ .‬هذا‬
‫احلاضر هو حاضر انكفاء على ال��ذات الذي‬
‫حيكم عالقاته مع العامل‪ .‬وهب��ذا الشكل يلجأ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫ال��راوي إىل كتابه اليوميات لكي جيسد قلقه‬
‫األه��م‪ .‬ويصاب بتمزق وبتشتت للوعي حيث‬
‫يتضخم القلق بسبب اخلوف‪« :‬القلق سرى يف‬
‫جسمي فجأة قشعريرة‪ ،‬إهنا ليست قشعريرة‬
‫ب��رد‪ ،‬ولكن قشعريرة قلق غريبة‪.)12( »....‬‬
‫هذا القلق النفسي ينخره اجملال املغلق الذي‬
‫يسجن الشخصية بالتدريج داخل بيته احلامي‬
‫الذي ينغلق عليه كفخ قالب ليقيده يف وحدته‪..‬‬
‫هذا الفخ اهلاجسي املوباساني ال��ذي حيتجز‬
‫ضحيته يف الداخل ويقيده ويكبله برباط آسر !‬
‫إيصبح الكائن يف حالة العزلة هذه موضوع ذاته‬
‫ويدركها عن بعد‪« :‬ال أفهم‪...‬ألن السبب يهرب‬
‫م�ني‪ ...‬حنن نتخيل بسرعة خرائب مفزعة‪،‬‬
‫وقوى خارقة» (‪...)13‬حي��ارب السارد الوحدة‬
‫ويدين خطرها على عقل اإلنسان ‪12 :‬متوز‬
‫«لقد فقدت عقلي إذا رمبا كنت لعبة بني يدي‬
‫خيايل اهل��ائ��ج‪ ،‬إال إذا كنت حقاً م��س��رمن‪ ،‬أو‬
‫خضعت هلذه التأثريات املثبتة‪ ،‬ولكن ال تفسر‪،‬‬
‫اليت تدعى إحياءات‪ .‬على كل حال‪ ،‬هلعي كان‬
‫يالمس اخلبل‪.‬‬
‫ب��ال��ت��أك��ي��د‪ ،‬إن ال��وح��دة خ��ط�يرة للعقول ال�تي‬
‫تعمل‪ .‬جيب أن نكون حماطني بأناس يفكرون‬
‫ويتكلمون‪ .‬عندما نكون لوحدنا طويالً‪ ،‬فإننا‬
‫نسكن ف��راغ األش��ب��اح»‪ )14( ...‬هذا اإلنطواء‬
‫الذي حيكم عالقاته مع العامل يفاقم تضييق‬
‫عيون الشبكة‪...‬وتنصب الوحدة طعمها وتشكل‬
‫عقدة الفخ‪« :‬متلؤني الوحدة بقلق مرعب‪.»...‬‬
‫إن وص��ف امل��راح��ل املختلفة ال�تي تسم صعود‬
‫اخل��وف والقلق النفسي وعما قريب اجلنون‬
‫تبلغ دق��ة سريرية الميكن جم��اراهت��ا اليوجد‬
‫ك��ات��ب أف��ض��ل م��ن م��وب��اس��ان ع��رف يف ال��واق��ع‬
‫حتليل ووص��ف املراحل املختلفة اليت متر هبا‬
‫احلساسية العصبية للضحية قبل أن تغرق‬
‫بشكل هنائي يف رعب اهللع املطلق‪.‬‬
‫ً‬
‫لقد كان موباسان واعيا حلالته ومدركا متام‬
‫اإلدراك مل��ا جي��ري ل��ه‪ ،‬وي��ع��زو م��ا أص��اب��ه إىل‬

‫إضطراب فيزيولوجي أدى إىل حدوث ظواهر‬
‫شبيهة بتلك ال�تي حت��دث يف األح�ل�ام حيث‬
‫تسبح النفس يف عامل األشباح‪ ،‬وحيث ينشط‬
‫اخليال حراً بعيداً ألن حس الرقابة معطل ‪7« :‬‬
‫آب» بالتأكيد‪ ،‬رمبا ظننت أنين جمنون‪ ،‬جمنون‬
‫متاماً‪ ،‬لو مل أكن واعياً‪ ،‬لو مل أكن أعرف متاما‬
‫حاليت‪ ،‬لو مل أسربها بالتحليل الواعي والتام‪.‬‬
‫قد ال أكون إذاً يف احملصلة سوى مهلوس عاقل‪.‬‬
‫رمب��ا أص��اب دماغي إض��ط��راب جمهول‪ ،‬أحد‬
‫هذه اإلضطرابات اليت حياول الفيزيولوجيون‬
‫تسجيلها وحتديدها اليوم ؛وه��ذا اإلضطراب‬
‫رمبا حدد يف فكري ويف نظام ومنطق أفكاري‬
‫شق عميق‪.‬‬
‫إن مثل هذه الظواهر حدثت يف احللم الذي‬
‫يطوف بنا من خالل اإلستشباحات األكثر بعداً‬
‫عن التصديق‪ ،‬دون أن يدهشنا ذلك ألن جهاز‬
‫التدقيق والفحص وحس املراقبة يف حالة غفوة‬
‫(‪ )15‬هذا القـلـق الـوجـودي الذي يصيب معظم‬
‫شخصياته حيتوي اخل��ارج ويشكل بالتأكيد‬
‫هت��دي��داً شبحياً لألنا ال�تي ستجد هنايتها يف‬
‫اإلش��ارة إىل العدوى ( دائماً فوبيا اإلتصال )‬
‫بني القارات ‪« :‬أعرف‪ .. .‬أعرف‪ ...‬أعرف كل‬
‫شيء! قرأت هذا للتو يف جملة العامل العلمي ‪:‬‬
‫خرب مثري للفضول مبا فيه الكفاية يصلنا من‬
‫ريو دوجانريو‪ .‬جنون‪ ،‬وباء جنون يشبه اخلبل‬
‫املعدي ال��ذي أص��اب شعوب أوروب��ا يف العصر‬
‫الوسيط يعيث يف هذا الوقت يف مقاطعة سان‬
‫باولو‪ .‬يرتك السكان بيوهتم مهتاجون وخيلون‬
‫قراهم ويهجرون حماصيلهم زاعمني أن كائنات‬
‫غري منظورة تشبه مصاصات الدماء رغم أهنا‬
‫ملموسة تطاردهم وتسلبهم إرادهتم وتتغذى من‬
‫حياهتم» ( ‪ ) 16‬ويف الرابع عشر من آب يعلن‬
‫ال��راوي ضياعه وخضوعه التام وغياب إرادته‬
‫وعجزه عن التفكري واختاذ القرار‪« :‬أنا ضائع!‬
‫شخص ما يستحوذ على روحي على كل‬
‫أفكاري» ( ‪) 17‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪51‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يتحول ال��راوي إذا بالتدريج من حالة الصحة‬
‫إىل حالة املرض فتظهر لديه هالوس وهذاءات‬
‫ع��دي��دة فيتحول إىل إثنني « شخص وقرينه‬
‫«يتموضع اهلورال يف اخلارج أمام الراوي الذي‬
‫رغ��م وج���ود ش��ك خب��ص��وص حالته الذهنية‬
‫اليرتدد يف حتديد هوية الكائن الدخيل‪ :‬كائن‬
‫المنظور وشرير‪ .‬هذا العنصر ما فوق الطبيعي‬
‫املشوش جي��اوب ص��داه انقطاع داخلي هتيئه‬
‫ومتهد له العزلة واإلنسحاب اإلرادي من احلياة‬
‫اإلجتماعية‪ .‬وعلى هذا النحو يتحول الراوي إىل‬
‫اثنني‪ ،‬األول هو احلقيقي‪ ،‬أما الثاني فهو الوهم‬
‫املتجسد وهو املضطهد واملكبوت‪.‬يصبح الراوي‬
‫إنساناً حيارب بعضه بعضاً‪ ،‬ويستمر هذا طوال‬
‫القصة‪ ،‬إىل أن كانت هنايته جنوناً مطبقاً‪.‬‬
‫تتبدى على الراوي كل مظاهر الفصام كمرض‬
‫عقلي يعكس اإلض��ط��راب اخل��اص بالتصدع‬
‫والتفكك بني وظائف الشعور أو اإلنفعال من‬
‫ناحية ووظائف التفكري أو املعرفة من ناحية‬
‫أخرى‪.‬ومن أمثلة هذه اإلضطرابات التدهور‬
‫ال��ذي ح��دث يف ق��درات��ه العقلية ويف عالقاته‬
‫اإلجتماعية بالناس ثم انعزاله‪ ،‬وهو يقوم كذلك‬
‫بأفعال قهرية وسواسية ومير بنوبات من التقلب‬
‫السريع من املرح إىل اإلكتئاب ويريد اهلروب من‬
‫ذاته فيواجهها ويعاني من اضطرابات كثرية يف‬
‫السلوك والكالم والتفكري‪ ،‬ومن أهم اضطرابات‬
‫حم��ت��وى التفكري ال�ت�ي ي��ع��ان��ي م��ن��ه‪ :‬ه���ذاءات‬
‫العظمة واإلض��ط��ه��اد واض��ط��راب��ات اإلدراك‬
‫والوجدان وكلها تتفاعل معاً أثناء اإلضطراب‬
‫الفصامي‪ .‬ومع تفاقم حالته الصحية والنفسية‬
‫يشعر ال��راوي بشكل بارز بإضطهاد اآلخر له‬
‫ومطاردته‪ ،‬إنه هو ذاته اليت ختارجت ومتوضعت‬
‫يف اخل��ارج وجتسدت أم��ام��ه‪ ...‬إن اإلحساس‬
‫باإلضطهاد ميثل نتيجة خطر يشعر به الراوي‬
‫ل��دى اق�تراب مرحلة حرجة وحساسة‪ .‬ويثري‬
‫شعور مستمر بالتهديد اإلنطباع بأنه مطارد‪.‬‬
‫إن القصة اخل��ارق��ة للواقع تتبع ه��ذا التدرج‬

‫‪52‬‬

‫الدراماتيكي املتزايد‪ ،‬ويعيد السرد إىل السطح‬
‫شيء يتعلق بالال حمدد والفوضى والالوعي‬
‫وبشكل متناقض ف��إن ب��راه�ين وج��ود الكائن‬
‫الالمنظور ال تظهر إال على شكل إختفاءات‬
‫وغياب‪ .‬يشعر راوي اهل��ورال املريض إذا بأنه‬
‫مل يعد الشخص نفسه السابق الطبيعي‪ ،‬هذا‬
‫الشعور يرتبط ‪ -‬كما رأينا‪ -‬بإختالل الواقع‬
‫الذي يبدو خميفاً وحمبطاً‪ ،‬ويشعر الراوي يف‬
‫بدايات هذا اإلعياء أنه سيصبح جمنوناً‪ .‬وينجم‬
‫هذا اإلضطراب عن التشوهات اليت حتدث يف‬
‫الوعي ويف إدراك الشخص جلسمه‪ ،‬فيدرك‬
‫الشخص ذات��ه باعتبارها غريبة عن أفكاره‬
‫ومشاعره واآلخرين‪ .‬كان راوي «اهلورال»اليعلم‬
‫علم اليقني أك��ل م��ا ي��راه حوله ه��و ج��زء من‬
‫العامل الواقعي أم هو إمتداد الرؤى املضطربة‬
‫اليت رآها يف حلم‪ .‬إن حدود الواقع تتداخل مع‬
‫حدود الوهم لديه وتتنافذ عوامل الصحو مع‬
‫عوامل احللم وتكثر اهلالوس اخللطية النامجة‬
‫عن تشوش الوعي‪ .. .‬وتبلغ مثل هذه احلالة‬
‫ذروهتا فتتحول حالته املزاجية والدافعية إىل‬
‫حالة من التفكك الوجداني لكنه ال يستطيع‬
‫أبداً أن يهرب من موجات الرعب العاتية اليت‬
‫جاءت معها وحاصرته‪.‬‬
‫وبناء على ما سبق ميكننا القول بأن اخلربة‬
‫األساسية ال�تي وق��ع فيها راوي «اهل���ورال» يف‬
‫براثنها كانت خ�برة هلوسية هذائية عنيفة‬
‫أكثر منها شيء آخر‪...‬يكافح الراوي ويثور كي‬
‫ينتصر على القرين ويؤكد ذات��ه يف وجه هذه‬
‫الذات اآلخرى‪ ،‬أوعلى األقل‪ ،‬هذا اآلخر الذي‬
‫يهدده ويريد اإلستيالء على ذاته‪ ،‬هذا القرين‬
‫الذي يطارده كاجلالد الذي اليرمحه ويقوده إىل‬
‫جحيمه امللعون‪. .‬هذا اهلو اآلخر الذي يكتشفه‬
‫أم��ام مرآته يشكل ج��زءاً ‪ -‬حسب رأي ماكس‬
‫ميلنر «من فئة الوجوه األبوية وذلك بقوة انتمائه‬
‫إىل جنس كائنات أعلى مقاماً وق��وة تتالعب‬
‫مبصري اجلنس البشري»؛ وه��ذا ال يبقى دون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫نتيجة إذا تذكرنا أن البطل وجد ملجأ أمومياً‬
‫يف بيته ‪ « :‬الميكن للعالقة الثنائية مع األم‪،‬‬
‫مع خطراالبتالع ال��ذي حتمله‪ ،‬الميكن هلذه‬
‫العالقة أن تنقطع بشكل سعيد إال باإللتحاق‬
‫باسم األب الذي يدخل الطفل يف نظام اللغة‬
‫والقانون‪.‬ولكن اهلورال الحيمل امسا والصورة‬
‫األبوية هي مكان فارغ وميكن القول أهنا ترتبط‬
‫بشكل وثيق بصورة الالمرئية‪ ،‬وهب��ذا الفراغ‬
‫يشعر البطل نفسه مهددا» ( ‪ )18‬هذاالفراغ‬
‫هوالذي سيلتهم ظله‪ .‬تصيب ظواهر القطيعة‬
‫والفراغ إشكالية اهلوية واستقرار األنا وتشكل‬
‫ش��ع��ور اس��ت�لاب م��دم��ر وهل���ذا السبب يعيش‬
‫الراوي هذه السريورة كضياع وكفقدان حيوية‬
‫وكإنفتاح ثغرة وهاوية يتوجب سدها بتمثيالت‬
‫خيالية‪...‬هذه اهللوسات ترمز إىل تقدم وتطور‬
‫ف��ق��دان ال��س��ي��ط��رة ودخ����ول ال�لاع��ق��ل يف لغة‬
‫مضبوطة ومنطقية بشكل متناقض ومفارق‪.‬‬
‫ال يظهر الكيان الالمنظور بشكل غريب ‪ -‬كما‬
‫أسلفنا ‪ -‬إال عن طريق الغياب والفراغ ‪:‬إختفاء‬
‫احلليب وت��غ�ير تلقائي مل��ك��ان ال����وردة وغياب‬
‫الصورة يف امل��رآة‪ .‬ياخذ الفراغ إتساعاً هاماً‬
‫أكثر فأكثر ويطلب أن يزود بعنصرعلى مقاس‬
‫هذه القوة‪.‬ويصبح حينئذ الكائن غرياملصدق‬
‫«اهلورال»تربيراً للربهنة وحبثا عن سبب خارجي‬
‫وتعبرياً عن حماولة مقاومة ضد تفتت اهلوية‪.‬‬
‫المرئية الظاهرة اخلارقة للواقع‬
‫إن امل��رآة موضوع متواتر يف قصص وحكايا‬
‫موباسان اخلارقة للواقع‪:‬إهنا تقوم مقام الفخ‬
‫ال��ذي يأسر الكائن غ�ير منظور‪ ،‬ه��ذا اآلس��ر‬
‫يرتافق مع ضياع الصورة‪.‬‬
‫إن البطل الذي رأى اهلورال يأكل صورته استوىل‬
‫عليه اضطراب وهتيج قاتلني فصرخ‪»:‬سأقتله‪.‬‬
‫رأي��ت��ه!»ه��ذه امل����رآة‪ -‬ال��ف��خ ه��ي م���رآة خطرية‬
‫ومرعبة إهنا تفقد سلبيتها كفرض وكموضوع‬
‫وت��ش��ارك يف عمل القدراخلبيث ال��ذي يوجه‬
‫مصري البطل‪ .‬يشدد موباسان كثرياً على ال‬

‫مرئية الظاهرة اخلارقة للواقع ويقرر يف املقابل‬
‫أن اهلورال ابتلع صورة ال��راوي‪ ،‬مع االزدواجية‬
‫اليت تفرتضها هذه الكلمة‪ .‬فإما حنن ما نزال‬
‫يف جمال املعقول‪ ،‬ويتعلق األمر حينئذ بظاهرة‬
‫فيزيائية‪ ،‬باملعنى الذي نقول أن األسود ميتص‬
‫الضوء‪ ،‬وإما حنن دخلنا يف جمال الالمعقول‬
‫أخرياً‪ ،‬مل يعد األمر يتعلق حبيلولة اهلورال بني‬
‫الراوي واملرآة لقد أصبح اهلورال كياناً ال مادياً‬
‫واختلط مع صوت الراوي روحياً والتهم صورته‪.‬‬
‫ولكي يتخلص ال��راوي من اهل��ورال ويتحرر من‬
‫نريه وقيوده جلأ إىل الكتابة اليت تشكل املخرج‬
‫الوحيد املتصورة لألزمة الشخصية‪ ،‬وحدها‬
‫الكتابة ت��ب��دو وسيلة خ�لاص وحتررلتفريغ‬
‫التوترولتحرير وصياغة األزم���ة‪ .‬م��اذا يعين‬
‫كتابه يوميات خاصة‪ ،‬سوى البحث عن أن يرى‬
‫اإلنسان صورته النرجسية تعاد إليه‪ ،‬استقالالً‬
‫ع��ن ك��ل عنصر غ��ري��ب‪ ...‬إن م��ا يبحث عنه‬
‫الراوي عند اآلخرين هو قبل كل شيء صورته‬
‫اخل��اص��ة‪ .‬إن الغياب التام تقريباً للعالقات‬
‫االجتماعية‪ ،‬والذي يقع على املستوى نفسه مع‬
‫واقعة أنه يرضى نفسه متاماً‪ ،‬ويستمتع بوجوده‬
‫اخلاص‪ ،‬يظهر هذا الغياب مبا فيه الكفاية إىل‬
‫أي درج��ة يوجه ال��راوي كل شيء إىل ذات��ه وال‬
‫يعترب إال نفسه‪ .‬وما يزعجه يف نقص اجلسم‬
‫البشري‪ ،‬هو نقصه اخل��اص‪ ،‬ما يسعى إليه‪،‬‬
‫يف نضاله ضد اهل��ورال ليس خالص البشرية‬
‫ول��ك��ن خ�لاص��ه‪ .‬لقد استشعر ب��وج��ود كائن‬
‫جديد أقوى منه سيخلفه على األرض وألنه مل‬
‫يعرف ختمني طبيعة هذا السيد فخلف حتت‬
‫تأثري الرعب كل الكم اهلائل اخلارق للكائنات‬
‫اخلفية‪ ،‬أشباح غامضة ولدها اخلوف وتفرض‬
‫عليه رؤاها وتصوراهتا القاسية واليت اليستطيع‬
‫التحرر من نريها لكي يستطيع التعبري عن ذاته‬
‫مبطلق احلرية‪ ،‬ولكي يتخلص من اآلخر ومن‬
‫ضعفه وخ��وف��ه وع��ج��زه النفسي ال��ذي‬
‫يبقى بداخله‪ ،‬وعبثا حياول اإلنعتاق‪ ،‬إذ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪53‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إن هذا اآلخر الومهي عنيد وسحري وغريب‬
‫وقدري ال ميكن املساس به‪ ،‬غري منظور وغري‬
‫مسموع وخصوصاً أن األشياء ال تتوقف هنا‬
‫مب��ا أن��ه ال ميكن التعرف على اهل���ورال بأية‬
‫ح��اس��ة م��ن احل���واس ف��إن��ه يصعب أك��ث��ر على‬
‫الفعل التعرف عليه‪ .‬وحي��اول ال��راوي الغوص‬
‫يف قراءة مؤلف ظاهرياً‪ ،‬وقد استطاع اهلروب‬
‫إىل روان واستعار من املكتبة دراس��ة الدكتور‬
‫هريمان هوريستوس حول الكائنات الساكنة‬
‫اجملهولة للعامل القديم واحلديث‪ ،‬وأحس أنه‬
‫أخذ ثانية من طرف الكائن اخلفي‪...‬ويقرأ هذا‬
‫الكتاب ليالً فيأخذه النعاس‪ ،‬وعندما يستيقظ‬
‫يالحظ أن أوراق الكتاب تقلب لوحدها‪ .‬حينها‬
‫يتيقن أن الكائن اخلفي موجود أمامه‪ ،‬وهو‬
‫يتصفح الكتاب‪ .‬فينطلق بدون جدوى لقتله‪.‬‬
‫كما أنه بعد قراءة مقال الربوفيسور دون بيدرو‬
‫هنريكيز حول حالة جنون مجاعي‪ ،...‬ربط بني‬
‫املركب الربازيلي الذي أبصره بالسني منذ ثالثة‬
‫أشهر‪ ،‬وجميء الكائن اجلديد‪ ،‬يستنتج السارد‬
‫أن القرين جاء على ظهر هذا املركب‪ .‬ولنتذكر‬
‫أن امل��رك��ب ك���ان أب��ي��ض م��ث��ل م��ن��زل ال��س��ارد‪.‬‬
‫فاألبيض يصور مسبقاً اهل��ورال‪ ،‬ويقدمه‪18 :‬‬
‫آب « آه‪...‬آه‪...‬إن��ن��ي أت��ذك��ر‪...‬ت��ذك��رت املركب‬
‫الربازيلي اجلميل ذي الصواري الثالث‪ ،‬والذي‬
‫كان مير حتت نوافذي‪...‬عابرا هنر السني‪...‬‬
‫يوم ‪ 8‬أيار املنصرم‪ .. .‬لقد وجدته مجيالً‪.. .‬‬
‫أبيض‪ ...‬مبهجاً‪ .. .‬الكائن كان على متنه‪ ،‬قادم‬
‫من هناك‪...‬حيث بين جنسه‪ ...‬وقد رآني‪...‬‬
‫رأى مسكين األبيض أيضا‪..‬وقفز من املركب‬
‫حنو الضفة» ( ‪ .) 19‬وحتت سيطرة الكائن‬
‫اجلديد‪ ،‬يتساءل السارد إذا مل يكن اهل��ورال‬
‫إهل��ا‪ »:‬يا إهلي‪...‬هل هو إل��ه؟»‪ .‬ثم يستنتج ‪»:‬‬
‫واآلن أنا أعرف‪ ،‬أفكر‪...‬حكم وعهد اإلنسان‬
‫انتهى» (‪ .) 20‬لقد عوض حبكم اهلورال‪....‬هذا‬
‫األخري يعلن انه املنقذ‪ »:‬لقد ج��اء‪ ...‬يا إهلي‪.‬‬
‫‪ ..‬تباً لنا مجيعا» ( ‪ ) 21‬مل ي��أت ملساعدة‬

‫‪54‬‬

‫اإلنسان‪ ،‬وإنقاذه‪ .‬لقد جاء لتدمريه‪ ،‬واستعباده‪.‬‬
‫وبالتفكري يف هذا األخري‪ ،‬استنتج بعد جمموعة‬
‫من العالمات املؤشرة‪ ،‬أن حكم وسيادة اهلورال‬
‫قد وص��ل‪ .‬وم��ن هنا التلفظ املستمر للراوي‬
‫املسكون هبذه السلطة اإلرادية األثريية‪ « :‬فكرت‬
‫طوال النهار‪ .‬أوه ! نعم‪ ،‬سأطيعه‪ ،‬وسأتبع كل‬
‫دوافعه‪ ،‬وسأتتم كل إرادت��ه‪ ،‬وسأجعل نفسي‬
‫متواضعاً وخاضعاً وجباناً‪ .‬إنه يفوقين قوة‪.. .‬‬
‫«( ‪) 22‬‬
‫ه��ذا األخ�ير سرياقب وسيسيطر على ال��روح‬
‫اإلنسانية اليت ستصبح عبداً له‪ .‬بيد أن هذا‬
‫اخلليفة يف ه��ذا العامل أليس هو بالتحديد‬
‫نسخة مطابقة للذات اليت ينهيها ويعريها‪.‬مع‬
‫وجود فارق بسيط فإن اهلورال هو هذا اجلسد‬
‫األكثر دقة وال��ذي يأسر ال��راوي ب��إرادت��ه‪ ..‬ال‬
‫خيتزل اهل��ورال إىل جسم بسيط غريب ميكن‬
‫أن يستويل على الكائن البشري بشكل آيل‬
‫وأعمى‪ ،‬لكنه أيضاً روح ميتلك سلطة ظاهرياً‬
‫الح��دود هلا‪.‬من جانب آخ��ر‪ ،‬كلما تقدمنا يف‬
‫النص‪ ،‬أخذ امتصاص البتالع اهلورال للراوي‬
‫أشكاالً ذهبية وليست جسدية‪« .‬قوة غامضة‪-‬‬
‫خفية» كما يعرفه بذلك الراوي مرات عديدة‪.‬‬
‫هذا الكائن املوجود تقريباً يف كل مكان‪ ،‬الذي‬
‫ال يكف عن الرؤية دون أن يرى أو يلمس أو‬
‫يسمع‪ ،‬ميتلك أيضاً القدرة على فرض نفسه‬
‫وسلطانه ل��درج��ة أن يهمس ب��امس��ه يف أذن‬
‫ال��راوي‪ ،‬وأن جيربه على القيام هبذا الفعل أو‬
‫ذاك‪ ،‬أو أن يتخيل هذا اهلذيان أو ذاك‪« :‬ماذا‬
‫فعلت إذاً؟ إن��ه ه��و ه��و‪ ،‬اهل���ورال ال��ذي يسكن‬
‫جم��ام��ع��ي‪ ،‬ال���ذي جيعلين أف��ك��ر هب��ذه الطرق‬
‫اجلنونية إنه يسكنين لقد أصبح ذاتي‪ ،‬سأقتله»‬
‫( ‪ ) 23‬يتخيل الراوي مع اهلورال كائناً تقريباً‬
‫مشاهباً لنفسه‪ ،‬والذي يستطيع أن ينعكس فيه‬
‫طبعاً وتلبية الستيهاماته أو لرغباته‪ .‬نوع من‬
‫مصاص الدماء على طريقته‪ ،‬مرجعاً كل شئ‬
‫إليه‪ ،‬كائنات وأشياء‪ ،‬إنه كائن بشري‪ ،‬بالتأكيد‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫ولكن دون هوية حمددة وقريبة أيضاً يف بعض‬
‫املظاهر من احليوان والنبات‪.‬‬
‫القلق امليتافيزيقي‬
‫يقيم اهلورال قطيعة بني امتداد الواقع ومتثيله‬
‫من قبل الذات املدركة‪ ،‬ويقدم راوي «اهلورال»‬
‫خطابا متناقضاً حول وضع اإلدراك احلسي‬
‫للواقع اإلش��ك��ايل‪ ،‬ويربهن ال���راوي على عجز‬
‫احل��واس اإلنسانية على إدراك جمموع وجوه‬
‫هذا الواقع‪...‬هذه التأكيدات اليت تربر ‪-‬حسب‬
‫رأيه‪ -‬إمكانية وجود غري منظور تبقي الشخصية‬
‫رغما عنها منشطرة بني نقص حسي (حواس‬
‫ناقصة وع��اج��زة) وإف���راط يعين ت��ط��ور زائ��د‬
‫ل��ل�إدراك احل��س��ي‪ .‬ي��ق��ول راوي «اهل����ورال» إن‬
‫حواسه مشحوذة ومتأهبة وخصوصاً أمام حالة‬
‫إن��ذار حسي يثريه الرعب‪.‬هذا الشعور بالقوة‬
‫احلسية الزائدة يعمل كقوة ما فوق طبيعية‪،‬‬
‫ومي��ن��ح الشخص ط��اق��ة وق���درة ف��وق بشرية‪،‬‬
‫وتتحول هذه احلدة سريعاً إىل قوة ساحرة وإىل‬
‫صفاء ذهين زائد عن احلد وطاقة رؤيوية‪.‬‬
‫إن من��ط اإلدراك احل��س��ي ه��ذا يقع يف قلب‬
‫إشكاليات الذات وعالقتها بالعامل‪ .‬وتستخدم‬
‫الشخصية أو تبدو تؤمن أن إثارة مفرطة للحواس‬
‫تسمح هلا برؤية غري املنظور‪ .‬ونستطيع القول‬
‫إن كل مغامرة خارقة للواقع عند موباسان تبدأ‬
‫على مستوى اإلدراك احلسي وأهنا أوالً إدراك‬
‫حسي تائه مل يعد يستطيع أن يتوافق بشكل‬
‫موضوعي مع الواقع‪ .‬هذه الفكرة الدائمة حول‬
‫نقص وعجز حواسنا هي حسب رأي موباسان‬
‫احل��اج��ز الوحيد ال���ذي يفصلنا ع��ن م��ا فوق‬
‫الطبيعي‪ .‬إن موضوع عجز احلواس اإلنسانية‬
‫وإمكانية عيش جتربة حدة حساسية حسية‬
‫عالية تدفع وتثري الشخصيات الرئيسية عند‬
‫موباسان‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬إلعداد نظرية ترمي‬
‫إىل الربهنة عن ظهور كيانات غري منظورة‪.‬‬
‫وبالتدريج وبشكل منهجي‪ ،‬يتمكن ال��راوي من‬

‫إيصال القارئ إىل اإلميان بوجود كائنات غري‬
‫واقعية وشريرة ‪ »:‬ولكن لو ك��ان لدينا بعض‬
‫األعضاء زيادة فإننا سنكتشف من حولنا عدداً‬
‫المتناه من األشياء األخرى اليت النشك هبا أبداً‬
‫بسبب غياب وسيلة للتأكد منها(‪ »)24‬ملاذا‪ ،‬كيف‬
‫حيدث هذا ؟ هل يعرف املرء السبب ؟ ولكن ماذا‬
‫يعرف املرء ؟ كل شيء غامض‪ .‬حنن ال نتواصل‬
‫م��ع األش��ي��اء إال ب��واس��ط��ة ح��واس��ن��ا البائسة‪،‬‬
‫الناقصة‪ ،‬العاجزة‪ ،‬الضعيفة جداً لدرجة أهنا‬
‫بالكاد متتلك القوة للتثبت مما جيري حولنا‬
‫(‪ )25‬حقيقة على األرض‪ ،‬خطأ يف مكان أبعد‪،‬‬
‫أستنتج من هذا أن األسرار اليت نستشفها مثل‬
‫الكهرباء‪ ،‬والتنويم املغناطيسي‪ ،‬وإنفاذ اإلرادة‪،‬‬
‫واإلحي���اء‪ ،‬كل ه��ذه الظواهر املغناطيسية مل‬
‫تعد خافية علينا‪ ،‬إال ألن الطبيعة مل هتبنا‪ ،‬مل‬
‫تزودنا بالعضو‪ ،‬أو باألعضاء الضرورية لنفهمها‬
‫«(‪ )26‬هذا التنديد بعجز حواسنا يشكل الزمة‬
‫حقيقية يف قصص موباسان الفنتاستيكية‪.. .‬إذ‬
‫إن الواقع ليس هومانراه‪ ،‬إن عضو أكثر تطويراً‬
‫قد يتيح لنا رؤية عناصر مل نصل إليها حتى‬
‫اآلن‪ .‬زد على ذلك فإن فرضية عجز وذاتية‬
‫احلواس البشرية تدعم حركة جتعل من العامل‬
‫املادي الذي ميثل يف قصص موباسان من خالل‬
‫سريورة امتداد الشك نسبياً بشكل عام‪.‬‬
‫لقد جذب اخلبل موباسان‪ ،‬هذا اإلجنذاب الذي‬
‫يتشاطر به مع العديد من رجال عصره حيث‬
‫بدأ الناس بفهم حقيقة أن احلدود بني املرض‬
‫والصحة رقيقة جداً وحاولوا اجتياز هذا احلد‬
‫وحاولوا التواصل مع أولئك األشخاص الذين‬
‫يفصلهم اجلنون عن بقية العامل واستخدموا‬
‫لذلك على أمل أن جيلبوا هلم الشفاء أوالً املغنطة‪،‬‬
‫ثم التنويم املعناطيسي‪.. .‬يعرب موباسان على‬
‫شاكلة معاصريه عن اهتمام أكيد باملغنطيسية‬
‫ولقد أدخل يف ‪1886‬املمغنط البلجيكي بيكمان‬
‫يف الصالونات الباريسية‪.‬‬
‫ي��دم��ج م��وب��اس��ان ال��ن��ظ��ري��ات النفسية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪55‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫والعلمية والفلسفية والباطنية والعلوم اإلخفائية‬
‫واإلي��دي��وجل��ي��ات ال��رائ��ج��ة يف ذل��ك ال��وق��ت ‪:‬‬
‫املغناطيسية واإلحيائية واملسمريية وتشاؤمية‬
‫شوبنهور ومثالية هيجل حول الواقع واحلواس‬
‫يدجمها يف أقوال الراوي الذي يذكر يف مرات‬
‫عديدة أمساء أطباء وخمتصني علميني‪.‬بيد‬
‫أن القارئ ال يلتقط حقاً نقاشات أو عروض‬
‫حم��ددة ومفصلة هل��ذه النظريات‪ .‬يستخدم‬
‫ال���راوي ه��ذه النظريات لكي ي�برر األح��داث‬
‫واملعتقدات يف جتربته‪ ...‬وجتدر اإلشارة إىل‬
‫أن التنويم املغناطيسي الذي خضعت له إبنة‬
‫عم ال��راوي السيدة سابلني من قبل د‪.‬ب��اران‬
‫اإلختصاصي يف األم���راض العصبية مسح‬
‫للراوي برؤية كيف ميكن السيطرة على إرادة‬
‫آخرين‪ .‬فاخلضوع الذي مت من خالل األمر‬
‫الذي توصلت به‪ ،‬والقيام بفعل العرافة‪ ،‬وقراءة‬
‫الغيب‪ .‬فإن السيدة سابلي رأت على بطاقة‬
‫صورة غري موجودة لقريبها فوجدت نفسها‬
‫أهن��ا جم�برة على ال��ك��ذب للربهنة والتدليل‬
‫على القرض املايل من إبن عمها ال��راوي‪.. .‬‬
‫إن السيطرةعلى إرادهت��ا تصور مسبق إلرادة‬
‫قريبها اليت سيطر عليها اهلورال‪.‬‬
‫مل يكتف د‪ .‬ب���اران ب��أن يستعرض تارخيياً‬
‫أمهية هذا السائل الذي ال وزن له بل يذهب‬
‫إىل التجريب‪ :‬جتلس مدام سابليه على كرسي‬
‫وبدأ بالنظر إليها حمدقا فيها وهو جيذهبا‬
‫وبدأ يعين األمر بالنسبة له أن يسيطر عليها‬
‫ويدير الصور و يدرب مدام سابليه على هذا‬
‫العامل االستشباحي اخلارق‪ .‬ومن هنا اجللسة‬
‫الغريبة لإلسقاط‪.. .‬مل تعد ابنة العم‪ ،‬اليت‬
‫يزورها إشعاع سحري وغ�ير ملموس‪ ،‬سوى‬
‫آلة خاضعة للنقاش‪ .‬يتخيل الراوي مع اهلورال‬
‫كائناً تقريباً مشاهباً لنفسه‪ ،‬والذي يستطيع‬
‫أن ينعكس فيه طبعاً وتلبية الستيهاماته‬
‫أولرغباته‪ ...‬إن تصرف الراوي مع ابنة عمه‬
‫الواقعة حتت تأثري التنويم املغناطيسي هو‬

‫‪56‬‬

‫أيضاً قريب من تصرف اهلورال معه‪ .‬يف الواقع‪،‬‬
‫يشكل وجود هذه السوائل الال منظورة اليت‬
‫تكثر يف القصة سراغريبا يعزز قلق الراوي‪،‬‬
‫كما جتدر االشارة إىل أن هذا اإلثبات اليشكل‬
‫سوى حلقة من سلسلة لظاهرة املغنطة اليت‬
‫جتذب ال��راوي إىل حماكمات دقيقة لتحديد‬
‫سحر ال��ري��ح‪ ،‬وال��غ��واي��ات املضللة للسوائل‬
‫العصبية‪ .‬زد على ذلك‪ ،‬فإهنا تظهر األدوات‬
‫األكثر تعذيبا يف « اهل��ورال «‪ ،‬أدوات النهاية‬
‫والسيطرة على اإلنسان من قبل قوة خفية‬
‫غامضة‪ .. .‬حسب رأي مسمر‪ ،Mesmer‬أن‬
‫«الشرط األول للمغنطة‪ ،‬هو اإلرادة»‪ ،‬ينجم‬
‫عن هذا هنا‪ ،‬مرة أخرى أيضاً‪ ،‬أن هذه القدرة‬
‫اإلرادية هي فخ يستويل على األخرين ويأخذ‬
‫مبجامعهم ‪ -‬لدرجة أن هذا السائل الفتان‬
‫م��ن جهة أخ���رى خيضع لسيطرته ممغنط‬
‫قصة « جمنون ؟ «‪ .‬إن اجلدلية العامة للنتاج‬
‫املوباساني هي جدلية الفخ ( اخلديعة ) الذي‬
‫جيتذب بطعم بواسطة قوة الميكن إمساكها‪،‬‬
‫وكذلك بواسطة هاجس‪ ،‬أو من خالل اآلخر‬
‫الذي يفرض نفسه ( املرأة على سبيل املثال )‪.‬‬
‫يقول راوي» اهلورال» أن الناس مسوا هذه القوة‬
‫اجلديدة على النفس البشرية‪ :‬مغنطيسية‪،‬‬
‫ت��ن��وي��م مغناطيسي‪ ،‬إحي��اء‪....‬وه��وي��س��م��ي��ه‬
‫«اهلورال» ويتنبأ بأن هذا الكائن الوافد اجلديد‬
‫سيجعل من اإلنسان شيئاً وذلك فقط بقوة‬
‫إرادت���ه ويندب حظ البشرية ويرسم لنا يف‬
‫هذه القصة تراجع ونكوص البشر إىل حالة‬
‫احليوانية الذين حياولون االنتقام من السيد‬
‫اجلديد ويعرتف بأن عينه ال تستطيع متييز‬
‫ال��ق��ادم اجل��دي��د ال���ذي يضطهده‪ .‬لقد أكد‬
‫موباسان أن أحب��اث الدكتوراألملاني ميسمر‬
‫حول املغناطيسية احليوانية قد ساعدت كثرياً‬
‫العلم‪ ،‬وان هذه التقدمات ستلغي أكثر وأكثر‬
‫االعتقاد ب��اخل��وارق‪ ..‬لذانستطيع القول إن‬
‫موباسان ميثل احلساسية الفنية املنحطة اليت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫اتسم هبا عصره‪.‬‬
‫ونصوص موباسان ‪ -‬وخصوصا منها اخلارقة‬
‫للواقع‪ -‬مل تك انعكاس عامله الداخلي فقط‪،‬‬
‫ب��ل إهن��ا تعكس أي��ض��ا‪ ،‬مثل م���رآة مشوهة‪،‬‬
‫وج��ه عصره‪ .‬إناالكتشافات العلميةاملروية‬
‫يف حكاياالدكتورباران باإلضافة إىل برهنته‬
‫تبني التقدم العجيب للتجارب حول التنويم‬
‫املغناطيسي واإلحي��اء‪...‬ومي��ك��ن��ن��ا القول أنه‬
‫الميكن فصل « اهلورال «عن مناخ هناية عصر‬
‫منقسم بني الوضعية املنتصرة وال�تي ترتكز‬
‫انتصاراهتا الفلسفية على التقدم املدهش للعلم‬
‫احلديث وعودة قوية لكل املكبوت الالعقالني ‪:‬‬
‫موجة املدنية للمغنطة واإلخفائية والتوصوفية‬
‫وعلم الفلك اليت «ترافقت مع حركة االحياء‬
‫املسيحي وإح��ي��اء الباطنية واخل���ارق للواقع‬
‫وارتبط رفض العامل الصناعي مع ردة الفعل‬
‫ضد النزعة الوضعية‪)27( ».‬‬
‫يرفض موباسان االعرتاف بالعقل‪ ،‬تلك امللكة‬
‫ال�تي ك��ان��ت يف ال��ع��ص��ور الكالسيكية حتكم‬
‫التصرفات اإلنسانية‪ -‬وهذا من خالل «منارتي»‬
‫السابع عشر والثامن عشر‪ :‬باسكال وفولتري‪.‬‬
‫وهويذكرنا باملنظور الباسكايل الذي يرى بأن‬
‫اإلنسان وبسبب حدوده الفيزيائية عاجز أن‬
‫حيدد لنفسه موضعاً بني قطبني ضدين الكبري‬
‫الالمتناهي والصغري الالمتناهي‪ ،‬بني الكون‬
‫الكبري والكون الصغري‪ »:‬منذ أن بدأ اإلنسان‬
‫بالتفكري ومبعرفة ق��ول وكتابة فكره‪ ،‬أحس‬
‫بسر يالمسه ويصعب على ح��واس��ه الفظة‬
‫والناقصة إدراكه‪ ،‬وسعى من خالل بذل جهود‬
‫فكرية لسد نقص عجز حواسه « ( ‪ )28‬هذا‬
‫الفكر اليقدم سوى وسيلة الطائل منها لنقص‬
‫ولعجز احلواس باملقدار الذي‪ ،‬وهي حمدودة‬
‫وعاجزة عن إدراك احلقيقة‪ ،‬ختلق جمموعة‬
‫من األس��اط�ير‪ ،‬أو باألحرى ول��ع باألكاذيب‪»:‬‬
‫عندما كان هذا الفكرمايزال يف حالة بدائية‪،‬‬
‫إختذ هاجس هذه الظواهرغرياملنظورة أشكاال‬

‫خميفة بتفاهة‪ .‬وم��ن هنا ول��دت املعتقدات‬
‫مبا فوق الطبيعي‪ ،‬وأساطري األرواح الطوافة‪،‬‬
‫واجلنيات‪ ،‬والعفاريت واألشباح (‪ )...‬ولكن‬
‫منذ أكثر من ق��رن تقريباً‪ ،‬ب��دا أن اإلنسان‬
‫إستشعر شيئاً م��ا ج��دي��داً‪ ،‬ميسمر وبعض‬
‫العلماء اآلخ��ري��ن وضعونا على طريق غري‬
‫متوقع‪ ،‬ولقد وصلنا حقاً منذ أربع أو مخس‬
‫سنوات خصوصاً إىل نتائج مدهشة «(‪)29‬‬
‫ه��ذا غري املنظور ميثل حينئذ ه��ورال يعجنه‬
‫الفكر البشري بصور ومتاثيل مرعبة وفارغية‪.‬‬
‫وكذلك فإن الروحانية ‪ -‬حسب موباسان‪-‬‬
‫مث��رة ومه��ي��ة الت��س��د قلق ال��ف��رد وع��ج��زه إال‬
‫ومهياً‪.‬‬
‫إن وعي اإلنسان العاجزعن إدراك كينونة العامل‬
‫يصنع من ذلك غري املنظور كائناً أسطورياً‪-‬‬
‫ه��ورال ف��وق البشر أو إهل���ي‪ ...‬وتظهر قصة‬
‫«اهل��ورال» تلف ودم��ار احلدس املينافيزيائي‪.‬‬
‫‪..‬لقد خلق التشاؤم احمليط يف القرن التاسع‬
‫عشر هذا املفهوم‪ ...‬إن راوي « اهلورال « يفكر‬
‫وحياكم و يربهن من جانب آخر وبناء على ذلك‬
‫على خ��واء القرن‪ 17 – :‬آب» حنن عاجزون‬
‫جدا‪ ،‬حنن جمردون من السالح‪ ،‬حنن جاهلون‪،‬‬
‫حنن صغار وحنن اآلخرون على حبة وحل تدور‬
‫مذابة يف نقطة ماء « (‪ )30‬تلتقي القصة إذاً‬
‫مع املعطيات الثقافية للعامل اليت تشكل القصة‬
‫نسخة عنها‪.. .‬هذا العامل الذي تسيطر عليه‬
‫القوى املادية جيعل من اإلنسان ضحية محى‬
‫مالريا حقيقية إجتماعية وأخالقية‪ ،‬وكذلك‬
‫ضحية التشاؤم الذي كرسه وتفرد به الوجه‬
‫الكبرياألسطوري لتلك ال��ف�ترة‪ :‬شوبنهور‪...‬‬
‫عديدون كانوا املعجبني املسحورين باألستاذ‬
‫صاحب األصالة الفكرية العميقة الذي قلب‬
‫املعتقدات وحطم اآلم��ال والطموحات وقتل‬
‫احلب وخلق الشك والريبة وأفرغ كل شيء من‬
‫مضمونه‪ ،‬وكان موباسان قد قرأ أفكار‬
‫وأق��وال شوبنهوراملأثورة وأدركها على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪57‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مستوى احلساسية أكثر مما أدركها على صعيد‬
‫املوضوع الفكري؛ لقد وجدعنده بشكل رئيسي‬
‫حمتوى فلسفي لتيماته املفضلة ‪ :‬التشاؤم‬
‫وامل��رأة وال��ف��ن‪ ...‬تقيم قصة «اهل��ورال» عالقة‬
‫جوهرية مع التحليل الذي جيربه شوبنهور عن‬
‫العامل «كإرادة وامتثال ‪ »1818‬يف هذا الكتاب‪،‬‬
‫إن اإلرادة اليت تعرف كحدس حسي لألشياء‪،‬‬
‫ال تتضح وال تأخذ شكالً إال من خالل جعلها‬
‫موضوعية يف تظاهرات جسمية مثل الرغبة‬
‫اجلنسية واألمل واجل���وع‪ ...‬زد على ذل��ك أن‬
‫خ��ط��اب م��وب��اس��ان يشكل ص��دى للداروينية‬
‫املنتشرة حوله‪ ...‬إن نظرية التطور الداروينية‬
‫تأتي يف « اهلورال « لتكون مفهوماً انطالقا من‬
‫هذا اهلاجس باآلخر‪.‬‬
‫يبدو اهلورال أكثر من أي ظاهرة أخرى خارقة‪،‬‬
‫إنه يفلت من أي إدراك وهذا ما يؤسس قوته‪.‬‬
‫ال ينتمي اهل��ورال فقط إىل كوكب آخر مغاير‬
‫لكوكبنا‪ ،‬األمر الذي جيعل منه كائناً يصعب‬
‫الوصول متاماً إليه‪ ،‬ولكن زد على ذلك يبدو‬
‫أن��ه ميتلك ك��ل سلطة على ال��ف��رد‪ ...‬دارون‬
‫وشوبنهور‪ ،‬كل حسب طريقته‪ ،‬يقدمان طبيعة‬
‫حمتومة قاسية حيث يسيطر فيها الصدفة‬
‫والنضال من أجل احلياة وانتصار األق��وى‪...‬‬
‫هذا املفهوم‪ -‬اإلخطبوط الدارويين‪ -‬الذي يلقى‬
‫مبجساته على تفوق وتغلب اإلنسان ويرجعه من‬
‫جديد إىل مرتبة احليوانية‪ .‬هذا النكوص يسري‬
‫بالتوازي جنباً إىل جنب مع التخلي التدرجيي‬
‫عن أية عالقة اجتماعية‪ ...‬حيوانية وجنون‬
‫مها غالباً مرتابطان عند موباسان‪ .‬إن اخلارق‬
‫للواقع يفرتض أن الفرد‪ ،‬مهما كان عادياً‪ ،‬هو‬
‫فرد قادرعلى جتاوز نفسه‪ .‬ومن املعلوم أن عند‬
‫موباسان ال يوجد جتاوز ممكن‪ .‬فمهما كانت‬
‫الثقة اليت رمبا استطاع أن مينحها موباسان مع‬
‫معاصرية إىل فكر شوبيهور فإن معظم قصصه‬
‫الفنتاستيكية تستند على أن الفرد عاجز عن‬
‫اخلروج من ذاته‪ .‬إن الظاهرة اخلارقة للواقع‬

‫‪58‬‬

‫عند موباسان مثلما يف كل قصة خارقة للواقع‬
‫تقليدية تتيح للشخصية بأن يعي ويدرك ضعفه‬
‫وصغره‪ ،‬أو باألحرى سطحيتة‪ ،‬وتقدم هلا هبذا‬
‫الشكل حياة ثانية جيب الوصول إليها‪ ،‬مقدماً‬
‫إليه إمكانية أن يثبت ذاته ويتجاوز نفسه‪...‬يقيم‬
‫الراوي مع اهلورال عالقة غريبة من اجلاذبية‬
‫وال��ن��ف��ور‪ .‬فمن ج��ان��ب‪ ،‬ميثل اهل���ورال ك��ل ما‬
‫يفقده الراوي‪ ،‬ومن جانب آخر‪ ،‬يشكل اهلورال‬
‫بالنسبة للراوي خطراً قاتالً‪ .‬يبدو اهلورال أكثر‬
‫من أية ظاهرة أخرى خارقة للواقع انه يفلت‬
‫من أي إدراك وه��ذا ما يؤسس قوته‪ .‬يستغل‬
‫موباسان بإعارته اهل��ورال مثل ه��ذا السلوك‬
‫وهذه النعوت تقليداً متأصالً ومؤلفات قدمية‬
‫خرافية مشرتكة وال��ذي ك��ان يساهم الكتاب‬
‫الرومانسيون بشكل واسع يف انتشاره‪ ...‬وهبذا‬
‫العمل جيمع موباسان مؤلفات قدمية وخرافية‬
‫م��ع ظ��اه��رة م��ص��اص ال��دم��اء بشكل حديث‬
‫علمي ومعاصر ومع وجود كائنات قادمة من‬
‫كواكب أخرى غري منظورة ويعريهذه الكائنات‬
‫بعداً كونياً كبرياً لدرجة أنه ينسب إليها أصالً‬
‫خارجا عن األرض وإرادة غزو العامل بأكمله‪.‬إن‬
‫موباسان شخص عقالني‪ ،‬وهو يف الوقت نفسه‬
‫حين إىل زمن جهل وأسطورة‪.‬‬
‫إن قصص موباسان الفنتاستيكية‪ ،‬تقريبا‬
‫دائما‪ ،‬على العكس‪ ،‬هي حمتملة التصديق‪:‬إذا‬
‫إعتربنا أن» اهل��ورال «تنجم من إمي��ان حينئذ‬
‫منتشر ج��دا يف ذل��ك ال��وق��ت ب��وج��ود كائنات‬
‫ذات تكوين خمتلف عن تكويننا وتتفوق عليه‪،‬‬
‫وتستخدم يف احملصلة خياال علميا‪ .‬إن قصة «‬
‫اهلورال « هي قصة خارقة للواقع ختضع بشكل‬
‫دقيق لقواعد صارمة وليست القصة اخلارقة‬
‫للواقع نتاجا هلوسيا لعقل مريض‪ ،‬ولكن نتيجة‬
‫عمل معقد انطالقا من خمطط معني وحمدد‬
‫ميثل هذا اجلنس األدب��ي‪ .‬ولقد حققت قصة‬
‫« اهل��ورال « يف ميدان اخل��ارق للواقع جناحا‬
‫منوذجيا‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪-1 Guy de Maupassant، » la Peur، Apparition» Gallimard، Flammarion، p.98.‬‬
‫‪-2 Guy de Maupassant، «Contes de la Becasse» preface de J.Chessex.‬‬
‫‪commentaireset notes de Louis Forestier، p.52‬‬
‫‪-3Maupassnt، «Le Horla»، edition presentee par Andre Fermigier، Gallimard،‬‬
‫‪1986.p.27‬‬
‫‪.» La Fee aux Miettes» - preface. -4 Charles Nodier‬‬
‫‪ -5‬ذكره مسريعبده يف «التحليل النفسي جلنون غي دو موباسان « دار الكتاب العربي دمشق – القاهرة‬
‫–‪199‬ص‪ -61‬دون اإلشارة إىل املرجع‬
‫‪-6 Maupassant، « Le Horla « ibid، p. 33‬‬
‫‪-7 Maupassant،» La Maison Tellier «، preface، commentaries et notes de‬‬
‫‪P.Wald – Lasowski، p.8‬‬
‫‪-8 Guy de Maupassant، « la Peur، Apparition»، ibid، p.112‬‬
‫‪-9 Maupassnt، « Le Horla» ibid، p. 26‬‬
‫‪-10» Le Horla»ibid 27-26‬‬
‫‪-1 «Le Horla» ibid، p.27‬‬
‫’‪-12 ibid، 29‬‬
‫‪-13 ibid، p. 35-34‬‬
‫‪-14، ibid، p. 35‬‬
‫‪-15 ibid، p. 44 -43‬‬
‫‪-16 ibid، 49‬‬
‫‪-17 ibid، 45‬‬
‫‪-18Max Milner، « La Fantasmagorie»، P.U.F.1982، pp.114-113‬‬
‫‪-19»Le Horla»، ibid.p.49‬‬
‫‪-20 ibid.p.49‬‬
‫‪-21، ibid.p.50‬‬
‫‪-22 ibid.p.49‬‬
‫‪-23 ibid.p. 52‬‬
‫‪-24 ibid.p.27‬‬
‫‪Maupassnt، « Un fou ?، Apparition «، Gallimard، Flammmarion، p.-25 1112‬‬
‫‪-26 Maupassnt، » Lettre d’un fou «، Le Horla « Gallimard، Flammarion، p. 38‬‬
‫‪-27 Jean Yves Tadie، « Introduction a la vie litteraire du xix siecle، Bordas،‬‬
‫‪1984، p.118‬‬
‫‪-28 « Le Horla»، ibid.p.36‬‬
‫‪-29 ibid.p.36‬‬
‫‪-30 ibid.p.48‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪59‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سينما الخيال العلمي‬
‫بدايات وآفاق‬

‫لؤي عثمان‬

‫‪60‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫وهل يكمن احلل يف ذلك الفضاء الغرائيب الذي‬
‫ندور به ويدور بعقولنا حول فكرة ال تزال رهينة‬
‫العلم القاصر حتى اآلن‪ ...‬هل حنن وحدنا يف‬
‫هذا الكون‪...‬؟‬
‫هل هناك من كائنات أخرى‪ ،‬تشبهنا يف تكوينها‬
‫البيولوجي‪...‬؟‬
‫ُ‬
‫هل يوجد أم��م وشعوب أخ��رى تتفق معنا يف‬
‫النمط احلياتي‪ ،‬أم ختتلف عنّا كل االختالف‪...‬؟‬
‫م��ا هيئتها وشكلها‪...‬؟ ه��ل ه��م أع����داء‪ ...‬أم‬
‫أصدقاء‪...‬؟‬
‫كيف سنخاطبهم وخياطبوننا‪ ...‬؟ وقبل كل‬
‫ذلك هل هم موجودون أصالً‪...‬؟‬
‫وكيف ملا منلك من شُ �حّ علميِّ حتى اآلن أن‬
‫ميكننا من اكتشاف ذلك‪...‬؟‬
‫وكيف لنا أن هنرب من هذه احلقيقة‪...‬؟‬
‫يف احلقيقة أم��ام قصورنا العقلي والتأمّلي‬
‫والعلمي‪ ،‬يشكل الفن عموماً خري وسيلة للنجاة‬
‫من هذا املأزق الذي تورطنا به بشكل ال إرادي‬
‫حيث اهلجوم غري املضاد لألفكار واألخيلة ما‬
‫فتئ إال اضطراماً‪ ،‬حيث القلم والورقة بادِئ ذي‬
‫بدء هي املالذ الوحيد للتخلص من عبء ال بل‬
‫رحابة ذلك اخليال األكثر مجاالً تارةً وختويفاً‬
‫ت��ارةً أخ��رى‪ ...‬إال أن ذلك التوق لتجسيد تلك‬
‫املخيلة بشكل أوض��ح وأكثر تعبرياً‪ ،‬حذا هبذا‬
‫الكائن البشري إىل تدوين ما خيتربه وما يتخيله‬
‫على هيئة أشكال وصور على جدران الكهوف‬
‫واألحجار الكبرية وحتى على أوراق النباتات‪،‬‬
‫وبعد ذلك‪ ...‬أي بعد أن استعرت تلك النريان اليت‬
‫تؤجج املخيلة بشكل كادت أن تلتهم صاحبها‪،‬‬
‫حيث زيارات من العامل اخلارجي ومشاهدات‬
‫ألطباق طائرة وأج��س��ام غريبة ص��ارت شغل‬
‫العامل الشاغل‪ ..‬اشتد معها ذلك التوق البشري‬
‫لتوثيق مقتنياته التخيلية بصورة أكثر دقة تكون‬
‫قادرة على البوح بشكل أعمق‪ ،‬فما كان منه إال‬
‫أن حنى مبنهجه الفين ذلك حنو السينما واليت‬
‫أثبتت منذ اخرتاعها أهنا من بني األجدر واألقدر‬

‫على اختصار العالقة اجلدلية اآلخذة بالتشعّب‬
‫بني اإلنسان وحميطه من جمتمع‪ ،‬أخالق‪ ،‬دين‪،‬‬
‫ثقافة‪ ،‬سياسة‪ ،‬وكل ما يعزف على أوتار القلق‬
‫ال��ب��ش��ري‪ ،‬على شكل وثيقة مسعية بصرية‬
‫حركية غاية والروعة واجلمال والتأثري أيضاً‪..‬‬
‫فكيف إذاً‪...‬؟ عندما تكون تلك العالقة بني‬
‫الفرد وخميلته‪ ،‬بينه وبني اعتقاده برحابة هذا‬
‫الفضاء الكوني الشاسع‪ ،‬وغري احملدود بزما ٍن‬
‫أو مكان أو حتى خميلة‪ ...‬خميّلة ال متلك سوى‬
‫التفكري واألحالم‪ ،‬أغلبنا نسميها أوهاماً وخياالً‬
‫بالرّغم من كل االكتشافات ال�تي عثر عليها‬
‫العلماء على ه��ذا الكوكب إن ك��ان من‬
‫الثقافات القدمية كالسومرية اليت تُعدّ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪61‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فإذا كان أولئك الغرباء مل يعقدوا العزم على‬
‫مقابلة القيّمني على تلك املنشآت‪ ،‬ملناقشتهم‬
‫ح��ول ح��ل��ول ممكنة لتصريف ذل��ك الفائض‬
‫النووي‪ ،‬وأخ��رى ملتبسة باجلدية والتو ّقع ملا‬
‫ميكن أن ينشأ عن مثل تلك الزيارات كل ذلك‬
‫وأكثر أدى إىل تأجج املخيلة بالكثري من الرؤى‬
‫عن ما يرتتب عن تلك ال��زي��ارات‪ ،‬حيث اللقاء‬
‫اآلدمي مع تلك املخلوقات مل يُعلن عنه بعد على‬
‫األقل بشكل صريح‪..‬‬

‫قِبلة احلضارات الفضائية‪ ،‬كما تشري النقوش‬
‫املُكتشفة فيها إىل ثقافة األزتك واملايا وغريها‬
‫أيضاً‪ ،‬وما اكتشف من اكتشافات يف شبه جزيرة‬
‫يوكاتان هزت العامل اإلنساني‪..‬‬
‫دخلت سينما اخليال العلمي مساراً تساؤلياً‬
‫آخر‪ ،‬وذلك رداً على التساؤل القائم على فكرة‬
‫مفادها‪ ،‬أنه إذا كان هؤالء الزائرون الفضائيون‬
‫ينوون مساعدة كوكب األرض للتغلب على دمار‬
‫شامل سيعمّه‪ ،‬كنتيجة ملا اقرتفته يد اإلنسان‬
‫من حروب وصراعات مدمّرة‪ ،‬واخرتاعها أعتى‬
‫األسلحة النووية والقنابل الذرية وخصوصاً أن‬
‫هؤالء الزوّار ّ‬
‫متت مشاهدهتم بالقرب من مواقع‬
‫قريبة ملنشآت نووية‪ ،‬حيث اعتقد البعض أن‬

‫‪62‬‬

‫اخل��وف يعرتي الفضائيني‪ ،‬من نشوب حرب‬
‫نووية ساحقة يتعدى جماهلا كوكب األرض‪،‬‬
‫وخصوصاً بعد إلقاء قنبلتني ذريتني على مدينيت‬
‫هريوشيما وناغازاكي‪ ،‬باإلضافة إىل اضطرام‬
‫محى التسلّح النووي اليت عصفت بالدول‪ ،‬حيث‬
‫ما ميكن أن حيدثه املفعول اإلشعاعي لبعض‬
‫العناصر النووية كالبلوتونيوم واليورانيوم الذي‬
‫ميتد مل��دة تزيد على ‪ 240,00‬سنة قد يودي‬
‫حبياة كواكب كثرية حتيط بنظامنا الشمسي‪،‬‬
‫وذل���ك بالنظر إىل م��ا متلكه دول ع���دة من‬
‫رؤوس وأسلحة نووية‪ ،‬ومن هذا املنطلق ا ّتجه‬
‫السينمائيون إىل طرح تلك الفكرة بشكل ساخر‬
‫ومضحك أحياناً‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫بذور سينما اخليال العلمي‪:‬‬
‫يُعد فيلم (‪ )A Trip To The Moon‬أو‬
‫(‪ )Le voyage dans la luna‬والذي أخرجه‬
‫الفرنسي جورج ميلييه (‪)George Melies‬‬
‫يف عام ‪ ،1902‬البذرة يف بداية مرحلة سينما‬
‫اخل��ي��ال العلمي‪ ،‬حيث يسافر جمموعة من‬
‫العلماء املتخصصني يف علوم الفضاء ومنهم‬
‫املمثل (‪ ،)Victor andre‬على منت مركبة‬
‫فضائية ليهبطوا على سطح القمر‪ ،‬ويدخلوا‬
‫يف ن��زاع��ات مع قاطين القمر‪ ،‬ومنهم املمثلة‬
‫(‪ )Brutte Bernon‬فيقعون يف األس��ر‪ ،‬و‬
‫يعانون من تبعات الصراع القائم إىل أن ينجحوا‬
‫باهلرب والعودة إىل األرض ساملني‪ ،‬ومما سبق‬
‫جند أن هذا العمل مهّد الطريق أمام العديد‬
‫من أف�لام اخليال العلمي القادمة لتتخذ من‬
‫رح�لات الفضاء وغ��زوه واحل��روب مع سكانه‬
‫ثيمة رئيسية هلا‪..‬‬
‫لقد اقتبس املخرج جورج ميلييه‪ ،‬أحداث فيلمه‬
‫اآلن��ف ال��ذك��ر م��ن رواي���ة (‪from earth to‬‬
‫‪ )moon‬لرائد أدب اخليال العلمي يف هناية‬
‫القرن التاسع عشر (‪)jules Gabrile verne‬‬
‫جول فرين‪ ،‬املولود يف عام (‪،)1925 – 1861‬‬
‫حيث قام املخرج بأداء دور (‪prof. Barben‬‬
‫‪ ،)fouillis‬وإذا كان ميلييه قد أسس بفيلمه‬
‫هذا أساساً ملوجة من أف�لام اخليال العلمي‪،‬‬
‫فقد ك��ان ذل��ك الفيلم يف ذل��ك العصر فريداً‬

‫م��ن نوعه م��ن حيث طريقة التصوير املتّبعة‬
‫واللقطات ال�تي تأخذها الكامريا كما أن��ه مل‬
‫يبتكر يف أزياء ذلك الفيلم فحسب بل أيضاً يف‬
‫املوسيقى املرافقة له‪ ،‬وال�تي أع �دّت خصيصاً‬
‫من أجله‪ ،‬حيث يعد من أول من أدرج املوسيقى‬
‫يف األف�ل�ام‪ ،‬وأول من وض��ع اللبنة األساسية‬
‫للتصوير السينمائي‪ ،‬واملونتاج بتقنياته املتعددة‬
‫من مزج و تركيب وقطع التفاصيل املرتابطة ما‬
‫بني السيناريو والديكور وامل��ؤث��رات البصرية‪،‬‬
‫وقد كان لالنتشار السريع للفن السابع بعد أن‬
‫كان بسيطاً جداً كما أسس له األخوين لوميري‪،‬‬
‫من توافر فكرة صاحلة للتصوير وتصويرها‬
‫يف أماكنها الطبيعية املكانية الزمانية دون أي‬
‫تدخل يذكر‪ ،‬معتمدين كل االعتماد على آلة‬
‫التصوير السينمائي‪ ،‬نقطة البحث و الرتكيز‬
‫وال��ت��ط��وي��ر أي��ض �اً ك��وهن��ا ال��دف��ة األس��اس��ي��ة يف‬
‫العملية السينمائية‪ ،‬وازدي����اد ع��دد األف�لام‬
‫السينمائية باإلضافة الزدي��اد عدد املخرجني‬
‫واملنتجني واملهتمني بالشأن السينمائي حول‬
‫العامل‪ ،‬بزغت احلاجة امللحة ألفكار أكثر رحاب ًة‬
‫وت��ط��وراً وحم��اك��اةً ل�لأف��ق السينمائي اآلخ��ذ‬
‫بالتطور‪ ،‬فكانت هناك موجة جديدة من الرواد‬
‫السينمائيني املبدعني و على رأسهم كما ذكرت‬
‫آنفا ً (‪ ،)George Melies‬املولود يف باريس يف‬
‫الثامن من ديسمرب من عام ‪1861‬م لعائلة غنية‪،‬‬
‫والذي أظهر منذ نعومة أظافره تعلقاً بالرسم‬
‫وصنع املناظر الطبيعية رمس� ً�ا أو جتسيماً‪،‬‬
‫وبعد أن كرب وت��وىل املسؤولية يف أحد مصانع‬
‫وال��ده‪ ،‬عكف على دراس��ة اآلالت حتى أصبح‬
‫ميكانيكيا بارعا‪ ،‬سافر بعدها إىل لندن بغرض‬
‫تعلم اإلجنليزية‪ ،‬وهناك كان يرتدد باستمرار‬
‫وبشغف على مسرح يشغله أحد السحرة املهرة‬
‫وصانعي الوهم الساحر(‪ ،)Maskelyne‬ولدى‬
‫عودته إىل باريس راح يتابع ساحر آخر مبهوراً‬
‫يدعى (‪ )Harry Houdini‬من أسرة‬
‫يهودية جمرية‪ ،‬آخذاً امسه املسرحي من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪63‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ساحر فرنسي مشهور امسه جني يوجني روبرت‬
‫هودين‪ ،‬يف مسرحه املسمى بامسه(‪Houdini‬‬
‫‪ ،)Theatre‬ويف العام ‪1888‬م اشرتى (ميليه)‬
‫هذا املسرح الصغري‪ ،‬ومن خالل االعتكاف فيه‬
‫متكن من ابتكار أساليب وحيل سحرية عديدة‪،‬‬
‫كانت السبب يف إقبال الناس عليه بشكل الفت‬
‫للعيان‪ ،‬وك��ي يطور من نفسه وخي��رج من فخ‬
‫الرتابة والروتني راح يصنع ما يلزم من مناظر‬
‫وديكورات تساعده على تطوير حيله باستمرار‪.‬‬
‫قال ميليه‪ ،‬ذات مرة‪( :‬يف السينما‪ ..‬ميكنك أن‬
‫تصنع املستحيل)‪ ،‬وقد ترجم قوله ذلك على‬
‫أرض الواقع وحت��دي��داً يف جم��ال السينما من‬
‫خالل معرفته بالتصوير الفوتوغرايف الثابت‬
‫وخربته بالكامريا السينمائية األمر الذي أدى‬
‫إىل اكتشافه طرقاً جديدة تقوم فيها الكامريا‬
‫نفسها باحليل‪ ،‬ومن بني هذه الطرق خاصية‬
‫املزج وخاصييت الظهور واإلخفاء‪ ،‬كما استخدم‬
‫يف السينما تقنية التصوير الفوتوغرايف يف‬
‫لقطة متالشية األط����راف‪ ،‬وال��ت��ص��وي��ر على‬
‫أرضية س��وداء‪ ،‬ويف العام ‪1897‬م قام (ميليه)‬
‫ببناء استوديو كامل جمهز بكل م��ا حيتاجه‬
‫لتحقيق رؤاه السينمائية‪ ،‬وصوالً إىل عام ‪1902‬‬
‫وإنتاجه فيلم ‪.)voyage dans la luna) Le‬‬
‫ومب��ا أن أول دع��ام��ات سينما اخليال العلمي‬
‫آن��ذاك‪ ،‬كانت مقتبسة من األب الروحي ألدب‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬حيث كانت أعماله األدبية من‬
‫أكثر األعمال اليت ّ‬
‫مت جتسيدها على الشاشة‬
‫الكبرية‪ ،‬فمن اجلدير إلقاء الضوء على بعض من‬
‫أجنح كتبه‪ ،‬فالرواية اليت قام بتأليفها يف عام‬
‫‪ 1914‬بعنوان (‪Around The world In‬‬
‫‪ ،)Days 80‬ش ّكلت إهلاماً للكثري من اإلنتاجات‬
‫السينمائية املميزة‪ ،‬ألفالم بنفس العنوان كان‬
‫آخرها من بطولة (‪.)Jackie Chan‬‬
‫لتأتي رواي��ت��ه امل��ث�يرة (‪Leagues 20,000‬‬
‫‪ )Under The Sea‬يف ع��ام ‪ ،1916‬وال�تي‬
‫استنبط منه ال��ع��دي��د م��ن األف�ل�ام وم��ا ي��زال‬

‫‪64‬‬

‫حتى اآلن‪ .‬وأيضاً (‪The journey To The‬‬
‫‪ )Center Of The Earth‬واليت كانت مادةً‬
‫خام لعدة إنتاجات سينمائية ناجحة كان آخرها‬
‫من بطولة النجم (‪ )Brandon Frezeer‬عام‬
‫‪2008‬م‪ ،‬وبنفس العنوان أيضاً‪.‬‬
‫يف ع��ام ‪ 1904‬يعود الفرنسي ج��ورج ميلييه‬
‫إلهب��ار املشاهدين م �رّة أخ��رى يف فيلم (‪An‬‬
‫‪ )Impossible Voyage‬ال���ذي ي���دور يف‬
‫‪ 24‬دقيقة عن جمموعة من العلماء يقومون‬
‫برحلة هذه املرة إىل الشمس ضمن قطار يقطع‬
‫املسافات خالل جبال األلب الفرنسية للوصول‬
‫إليها‪ ،‬مستخدماً العديد من املؤثرات اخلاصة‪،‬‬
‫م��ا ي���زال ب��ع��ض�اً منها يستخدم ح��ت��ى اآلن‪،‬‬
‫بنفس الرتاتبية من حيث مجع احلركة احليّة‬
‫مع اخللفيات املرسومة‪ ،‬واستخدام النماذج‬
‫املصغرة (‪ )Maket‬لتصوير الكوارث املدمّرة‪،‬‬
‫وأيضاً إضفاء ميزات الشاشة املنقسمة‪ ،‬وما إىل‬
‫ذلك مما كان يعترب ّ‬
‫فذاً آنذاك وحتى يومنا هذا‪.‬‬
‫لقد استطاع جورج ميلييه ومن تبعه من خالل‬
‫دمج اخليايل مع احلقيقي أن يصلوا إىل حد‬
‫اإلقناع ال��ذي يعرتي املشاهد املنبهر بالصور‬
‫املدجمة على الشاشة‪ ،‬مع متعته الفائقة أيضاً‪.‬‬
‫بالرغم من ك ّل ذلك النجاح واإلهبار الذي حظيا‬
‫به أفالم تلك الفرتة واليت أطلق عليها مصطلح‬
‫السينما املستقبلية (‪)Futuristic Cinema‬‬
‫إال أن سينما اخليال العلمي كظاهرة حقيقية‬
‫يُحتفى هبا من قبل الن ّقاد‪ ،‬مل تتخذ بشكل جدّي‬
‫إال يف فرتة األربعينيات واخلمسينيات من القرن‬
‫الفائت مع دخول الكمبيوتر والتطور امللحوظ‬
‫آن��ذاك يف التقنيات احلديثة ولغة الدجييتال‬
‫الرقمية واألشكال الثالثية األبعاد‪ ،‬إىل عامل‬
‫السينما‪.‬‬
‫ومبا أن اخليال العلمي يف أحد أوجهها‪ ،‬ما هي‬
‫إال ترمجة ملا سينتجه العامل يف املستقبل‪ ،‬فإن‬
‫جتسيد ذلك اإلنتاج يتطلب تطوراً تقنيّاً كي‬
‫يستطيع املخرج حماكاة خميلته وتنبؤاته اليت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫سيتعرض هلا يف الفيلم‪ ،‬لذا كان احلرص على‬
‫حتقيق تلك اخلياالت على الشاشة ومقاربتها‬
‫لتصبح واقعاً بصرياً ملموساً‪ ،‬برزت احلاجة‬
‫لالستعاضة عن الوسائل التقليدية‪ ،‬بأخرى‬
‫تكون أكثر مواءمة‪ .‬فعلى سبيل املثال عندما‬
‫قام (‪ )Georye Lucas‬بإخراج الفيلم األول‬
‫ضمن سلسلة (‪ )Star wars‬الشهرية‪ ،‬بعنوان‬
‫(‪ )Star wars – A New Hopes‬والذي‬
‫أدار فيه كالً من (‪ )Harrison Ford‬بدور‬
‫(‪ )Han solo‬و(‪ )Mark Hamill‬ب��دور‬
‫(‪ )Luke skywalker‬واملمثلة (‪Carrie‬‬
‫‪ )Fisher‬ب��دور األم�ي�رة (‪،)Leia organy‬‬
‫حيث ذكر جورج لوكاس وهو كاتب القصة أيضاً‬
‫أنه طيلة فرتة العمل على تنفيذ الفيلم‪ ،‬كل ما‬

‫كان يشغل باله هو كيف يكون بإمكانه أن جيسد‬
‫شخصية (ب��ودا)‪ ،‬ال��ذي ال تتعدى ط��والً القدم‬
‫ونصف القدم‪ ،‬فمع قدرته على ختيلها إال أنه‬
‫مل يستطع من تطويعها لتصبح واقعاً يشاهده‬
‫اجلمهور‪ ،‬كما كان يرغب ألن ذلك تطلب الكثري‬
‫من اجلهد الفردي واجلماعي لتحريك الدمية‬
‫وأجهزة التحكم عن بعد‪ ،‬وعلى الرّغم من كل‬
‫تلك الصعوبات‪ ،‬كانت النتيجة مذهلة‪ ،‬فقد نال‬
‫الفيلم العديد من الرتشيحات‪ ،‬حصد منها ستة‬
‫جوائز أوسكار‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1980‬يأتي الفيلم الثاني ضمن ذات‬
‫السلة بعنوان (‪Star wars: The Empire‬‬
‫‪ )Strikes Back‬ليكمل جورج لوكاس‬
‫ما بدأه يف اجلزء األول مع نفس طاقم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪65‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ال��ف��ي��ل��م‪ ،‬ليحصد ال��ف��ي��ل��م ه���ذه امل���رة ج��ائ��زة‬
‫أوس��ك��ار واح���دة‪ ،‬وليتابع ع��ام ‪ 1983‬بالفيلم‬
‫الثالث بعنوان (‪star wars: Return to‬‬
‫‪ )jedi‬مع ذات املمثلني‪ ،‬ليرتشح الفيلم ألربعة‬
‫أوسكارات‪ ،‬لتتابع السلسة على التوايل بأجزاء‬
‫جديدة وأكثر ت��ط��وراً‪ ،‬فالتطور التقين اهلائل‬
‫ال��ذي حصل‪ ،‬م ّكن ج��ورج لوكاس من حتقيق‬
‫أحالمه يف تطوير شخصياته وإسباغها كافة‬
‫أف��ك��ار خميلته بسهولة وي��س��ر‪ ،‬مم��ا أدى إىل‬
‫نتيجة رائعة‪ ،‬ففي عام ‪ 1999‬قدّم جزءاً جديداً‬
‫بعنوان‪Star Wars: The Phantom( :‬‬
‫‪ )Menace‬م��ع ط��اق��م ج��دي��د م��ن املمثلني‬
‫(‪،)liam Neson) ، (Ewan Mcgregor‬‬

‫‪66‬‬

‫و(‪ )Natalie Portman‬ليحصد الفيلم ثالثة‬
‫أوسكارات جبدارة‪ ،‬ثم تتابعت األجزاء وصوالً‬
‫إىل (‪)Star wars: Revenge of The Sith‬‬
‫عام ‪2005‬م‪ ،‬مع إضافة لطاقم العمل كل من‬
‫(‪ )Hyden Christensen‬و (‪Samuel L.‬‬
‫‪.)Jackson‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإن ج��ورج لوكاس‪ ،‬قد حقق أحالمه‬
‫وخميّلته بسلسلة (‪ )Star wars‬جمسّداً كل‬
‫ما تفتحت عنه قرحية إبداعه وطاقم أفالم‬
‫ه��ذه السلسلة‪ ،‬فهو بذلك ق��د أس��س ملفهوم‬
‫جديد يف سينما اخليال العلمي ليس من حيث‬
‫غزو الفضاء وإمنا من حيث التقنيات اهلائلة‬
‫وامل��ت��ط��ورة ال�تي استفاد منها يف عمله ذلك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫لدرجة صارت تلك السلسة تش ّكل هوساً لدى‬
‫أجيال بأسرها حول العامل‪ ،‬وصار يُطلق عليها‬
‫(‪.)Star Wars Mania‬‬
‫لقد وصلت أفالم اخليال العلمي مراتب متقدمة‬
‫جدا‪ ،‬حتى أهنا وصلت رتبة التنافس على جوائز‬
‫األكادميية األمريكية للسينما (‪Academy‬‬
‫‪ )awards, USA‬األوسكار واليت كان آخرها‬
‫سلسلة (‪ ،)The lord of Rings‬كفانتازيا‬
‫خيالية اليت حصلت على جائزة أفضل فيلم‬
‫لذلك العام‪ ،‬وأيضاً ما حصدته سلسلة (‪Star‬‬
‫‪ )wars‬كما ذكرنا‪ ،‬وقبل ذلك بكثري فيلم (‪The‬‬
‫‪ )wizerd of oz‬ع��ام ‪ 1939‬للمخرج الذي‬
‫سكن ذاكرة العامل والشعب األمريكي حتديداً‬

‫منذ ذلك احلني وحتى اآلن‪ ،‬والدليل على ذلك‬
‫فوزه جبائزة أحسن فيلم خيايل حتى اآلن يف‬
‫مهرجان جوائز (‪Academy of Science‬‬
‫‪)Fiction, Fantasy and horror Films‬‬
‫عام ‪2006‬م‪.‬‬
‫‪ (Cannes‬كما ت��رشّ��ح للسعفة الذهبية يف‬
‫ع��ام ‪ 1939‬وص���والً إىل )‪Film Festival‬‬
‫)‪ (Steven Spielberg‬للمخرج )‪ (E.T‬فيلم‬
‫عام ‪1982‬م‪ ،‬الذي المس فيه معاناة املخلوق‬
‫الفضائي الذي جيده الطفل إليوت يف مكان ما‬
‫وخيبئه لتنشأ بينهما صداقة‪ ،‬فيقرر مساعدته‬
‫للعودة إىل موطنه األص��ل��ي‪ ،‬وبالطبع‬
‫ح��ص��د الفيلم أرب��ع��ة ج��وائ��ز أوس��ك��ار‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪67‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪ (Best sound)، (Best‬ضمن الفئات التالية‬
‫‪visual effects)، (Best Music)، (Best‬‬
‫‪sound editing).‬‬
‫‪ .‬بانوراما سينمائية لبعض من أجنح‬
‫أفالم اخليال العلمي‪:‬‬
‫• أفالم غزو الفضاء اخلارجي‪:‬‬
‫لطاملا حفلت صناعة السينما بالكثري من‬
‫العبقريات اليت ارتقت هلذه الصناعة ال لتغزو‬
‫ال��ع��امل فحسب ب��ل لتبهر األب��ص��ار واألف��ئ��دة‬
‫وتؤرخ كما تؤسس ملفاهيم جديدة ووعي أرحب‬
‫لعاملنا‪ ،‬حتى وإن كان ذلك نتيجة للمزج بني‬
‫العاطفة والوحشية يف قالبٍ واح��د‪ ،‬اإلنسان‬
‫بصفاته املنسية والغريب الفضائي أو الكوني‬
‫خبصاله الغامضة‪ ،‬والكثري غري ذلك‪ ،‬وإن كان‬

‫‪68‬‬

‫اهلدف هو الربح التجاري والتشويق الدرامي‬
‫أو احل��رك��ي س����واء أك����ان ذل���ك يف ف��ان��ت��ازي��ا‬
‫خيالية علمية مشوقة الق��ت وم��ات��زال الكثري‬
‫م��ن النجاحات‪ ،‬أو إن ك��ان م��ن خ�لال أف�لام‬
‫اجتياح العوامل اخلارجية لكوكبنا األرضي‪،‬ففي‬
‫فيلم (‪World Invasion: Battle Los‬‬
‫‪ ,)Angeles‬واملصنوع بعناية وتقنيات عالية‬
‫جداً تضمن للمتفرج أن يبقى مشدوداً طيلة‬
‫الفيلم إنتاج عام ‪ 2011‬إخراج(‪Jonathan‬‬
‫‪ ،)Liebesman‬ت��ت��ع��رض م��دي��ن��ة ل��وس‬
‫أجنلوس و عدة مدن أخرى على كوكب األرض‬
‫لسقوطات نيزكية هائلة‪ ،‬متخذة من شواطئ‬
‫والية كاليفورنيا مهبطاً هلا‪ ،‬ليتبني فيما بعد‬
‫أهنا حمملة بغزاة من الفضاء يبيدون األخضر‬
‫واليابس يف طريقهم للسيطرة على أهم موارد‬
‫كوكب األرض وهو املاء‪ ،‬فتتخذ قوات اجليش‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫والبحرية األمريكية على عاتقها مهمة التصدي‬
‫ألول��ئ��ك ال��غ��زاة يف عمل م��ش��وق‪ ،‬ال خيلو من‬
‫استعراض لرتسانة األسلحة األمريكية‪ ،‬و الفيلم‬
‫من بطولة ‪Aaron Eckhart)، (Ramon‬‬
‫‪.)Rodriguez)،(Michelle Rodriguez‬‬
‫ويف ‪ 2010‬ي��أت��ي (‪ ،)Skyline‬إخ���راج كالً‬
‫م����ن‪)colin and Grey Strause( :‬‬
‫يستيقظ جم��م��وع��ة م��ن ال��ش��ب��ان ع��ل��ى ض��وء‬
‫مبهر للبصر‪ ،‬يسرق لب العقول فيجذب من‬
‫يقع عليه دون شعور إىل مركبة الفضائية‪،‬‬
‫وتقوم الكائنات الفضائية آلية الشكل متعددة‬
‫األذرع كاألخطبوط بفصل رؤوسهم وابتالعها‬
‫لتتجسد من جديد على هيئتها األصلية ولكن‬
‫جبهاز عصيب مركزي آدم��ي‪ ،‬هو اهل��دف من‬
‫العملية‪ ،‬ليغرق الفيلم بذات النمط من العنف‬
‫واحل��رك��ة م��ع الكثري واجل��دي��د م��ن امل��ؤث��رات‬

‫اخلاصة واملبهرة‪ ،‬إىل أن يقع بطلي الفيلم بعد‬
‫طول مقاومة كضحيتني ليتم فصل رأس البطل‬
‫وابتالعه ليصري إىل خملوق جديد لكنه ميلك‬
‫القدرة على احلب‪ ،‬فيأخذ على عاتقه مهمة‬
‫ال��دف��اع عن حبيبته اآلدم��ي��ة‪ ،‬دون أن يسمح‬
‫ألي كائن فضائي أن ميسّها بضرر‪ ،‬كما تري‬
‫هناية الفيلم‪ ،‬حيث يتفوق الوجود اإلنساني‬
‫املتمثل بأرقى أشكاله احلب‪ ،‬فهو أقوى من كل‬
‫آالت القتل والعنف الفضائية تلك‪ ،‬أي ميكن‬
‫لآلدمي التفوق على عدوه الفضائي اجملهول‬
‫كما يفرتض الفيلم‪ ،‬على األقل إن مل يكن بالعلم‬
‫والعدد والقوة‪ ،‬باحلب والشعور اإلنساني‪.‬‬
‫يف ع��ام ‪ 2010‬ي��أت��ي فيلم ج��دي��د ه��ذه امل��رة‬
‫ضمن سلسلة أفالم (‪ )Predetors‬املفرتسني‬
‫‪ ،‬م��ن ت��وق��ي��ع امل��خ��رج (‪Nermond‬‬
‫‪ ،)Antal‬يف ف��ي��ل��م حي���م���ل ن��ف��س‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪69‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫العنوان (‪ )Predators‬بطولة احلائز على‬
‫األوسكار(‪Adrien Brody)، (Laurence‬‬
‫‪ ،)Fishburn) ، (Topher Grace‬ليحمل‬
‫الفيلم هذه املرة طابعاً أخالقيا‪ ،‬حيث يصحو‬
‫جمموعة من األش��خ��اص بعد سقوطهم على‬
‫كوكب غريب يسكنه املفرتسون‪ ،‬ليجدوا نفسهم‬
‫يف صراع البقاء بعد أن نصب املفرتسون هلم‬
‫عدة أفخاخ لصيدهم أحياء‪ ،‬يف لعبة الفأر و‬
‫القط‪ ،‬وهم الذين اعتادوا على القتل املأجور‬
‫على كوكب األرض‪.‬‬
‫يف العام ‪ 2009‬يقدم املخرج و املنتج (‪James‬‬
‫‪ ،)Cameron‬واح��داً من أقوى وأجنح أفالم‬
‫اخليال العلمي الدرامي والتشويقي‪ ،‬احملفز‬
‫للتساؤل العاطفي واإلنساني‪ ،‬مصرحاً و بقوة‬
‫عن مدى جشع آلة النهب و الطمع واحلرب‬
‫اإلنسانية ‪،‬اليت تصل هذه املرة إىل كوكب باندورا‬
‫بغية احلصول على م��وارده و ثرواته النادرة‪،‬‬
‫ضارب ًة بعرض احلائط كل القيم اإلنسانية‪،‬‬
‫لقتل و ترويع ذلك الشعب اآلم��ن‪ ،‬وقد أدخل‬
‫املخرج إىل هذه الفيلم تقنية جديدة جداً على‬
‫عامل الفن السينمائي‪ ،‬وقد القى الفيلم جناحاً‬
‫مجاهريياً باهراً على مستوى العامل أمجع‪ ،‬لكنه‬
‫مل يلق احلظ يف سباق األوسكارات كما لقي يف‬
‫السباق اجلماهريي‪ ،‬فعمد املخرج إىل إطالق‬
‫الوعود بأنه سيقوم بإنتاج أجزاء أخرى للفيلم‪،‬‬
‫وه��و من بطولة(‪Sam Worthington)،‬‬
‫‪(Zoe‬‬
‫‪Salande)،‬‬
‫‪(Sigourney‬‬
‫‪.)Weaver‬‬
‫يف ع��ام ‪ 2009‬يأتي فيلم (‪The Fourth‬‬
‫‪ ،)Kind‬إخراج (‪،)Oltunde Osunsanmi‬‬
‫من بطولة (‪ )Milla jovovich‬لري ِو لنا أحداثاً‬
‫مرعبة غامضة جتري يف والي��ة آالسكا‪ ،‬عن‬
‫عدّة اختفاءات غامضة ألشخاص‪ ،‬حيث جيري‬
‫التعتيم على القضية من قبل مكتب التحقيقات‬
‫الفيدرايل‪ ،‬لنكتشف أن عمليات اخلطف تتم من‬
‫قبل مركبات فضائية تأخذ املخطوفني إلجراء‬

‫‪70‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫التجارب عليهم‪ ،‬تطالعنا بطلة الفيلم يف بدايته‬
‫لتقول أن األحداث حقيقية وقد حدثت بالفعل‪،‬‬
‫ولنا كامل احلرية‪ ،‬أن نصدق أو ال نصدق‪ ،‬علماً‬
‫أن الفيلم حوى عدد من املشاهد التوثيقية‪.‬‬
‫و أيضاً‪ ،‬يقدم املخرج (‪،)Christian Alvart‬‬
‫ع��م�لاً سينمائياً ب��ع��ن��وان (‪)Pandorum‬‬
‫بطولة كل من (‪ )Dennis Quaid‬و (‪Ben‬‬
‫‪ ،)Foster‬حيث يصحو طاقم سفينة ما بعد‬
‫رحلة استكشافية إىل الفضاء‪ ،‬م��ن سباهتم‬
‫دون أدنى معرفة عن حاهلم وما آلو إليه ‪ ،‬فهم‬
‫ال يعرفون من هم أص�لاً وال ماهية رحلتهم‬
‫ليجدوا أنفسهم يف صراع مميت مع خملوقات‬
‫غريبة جداً هلا الشكل اآلدمي املشوه إال أهنم‬
‫أقوى منهم بكثري‪.‬‬
‫ً‬
‫و يف عام ‪ 2009‬أيضا يأتي فيلم (‪District‬‬
‫‪ )9‬للمخرج (‪ )Neill Blomkamp‬الذي‬
‫ترشح للعديد من األوسكارات‪ ،‬بطابع جديد‬
‫هذه املرة حيث تسقط مركبات فضائية على‬
‫سطح األرض‪ ،‬وتقوم حكومة الواليات املتحدة‬
‫األمريكية‪ ،‬باستالم زم��ام السيطرة والتحكم‬
‫هذه امل��رة‪ ،‬فتقوم بعزل ه��ؤالء الفضائيني يف‬
‫منطقة حمايدة و تفرض عليهم قوانني جائرة‬
‫جداً‪ ،‬ليصبحوا عرضة للقتل واإلذالل والنبذ‪،‬‬
‫وليعيشوا هم بدورهم الصراع من اجل إجياد‬
‫حل ميكنهم من العودة غلى كوكبهم و التخلص‬
‫من اجلحيم املفروض عليهم من احلكومة‪.‬‬
‫يف ع����ام ‪ 2007‬ق�����دّم امل���خ���رج (‪Frank‬‬
‫‪ )Darabont‬فيلماً سينمائياً مميّزاً جداً عن‬
‫قصة للكاتب الرائد يف قصص وروايات اخليال‬
‫العلمي (‪ ،)Stephen King‬بنفس العنوان‬
‫(‪ ،)The Mist‬بطولة (‪Thomas jane) ،‬‬
‫‪ ،)(Marcia gay Harden‬ليجتمع غالبية‬
‫سكان بلدة ما يف سوق جتاري مغلق ليحددوا‬
‫ماهية ذلك الضباب الكثيف الذي أغرق البلدة‬
‫بالغموض وانعدام الرؤيا‪ ،‬ليكتشفوا أن جمموعة‬
‫من املخلوقات الفضائية الضخمة اآللية هتاجم‬

‫البشر لتتغذى عليهم‪ ،‬حيمل الفيلم كما القصة‬
‫طابعاً تساؤلياً‪ ،‬فماذا عن اخل��وف وانعدام‬
‫األم���ل عندما تفقد ُك��ل م��ن ح��ول��ك‪ ،‬عندما‬
‫يطلب منك أح��ده��م أن ختلصه م��ن عذابه‬
‫وانتظار دوره احملتوم‪ ،‬املوت بفظاعة على أيدي‬
‫هؤالء الفضائيني أن تطلق عليه النار‪ ،‬ثم على‬
‫نفسك‪..‬؟‬
‫هل ستفعل أم تنتظر حتى النهاية‪ ،‬لتالقي‬
‫م��ص�يرك وت��رض��ى ب���ق���درك‪ ..‬أم أن اخل��وف‬
‫مل ي��أتِ من الضباب وسكانه‪ ،‬بل من داخلنا‬
‫وتسرُّعنا بإطالق األحكام‪..‬؟ فمن يدري‪ ،‬رمبا‬
‫لو انتظرت قليالً وانتصرت على خماوفك‪،‬‬
‫لنجوت حبياتك‪!!!!.‬‬
‫من املمكن أن يكون جناح فيلم اخليال العلمي‬
‫مرتبط بعدة ع��وام��ل‪ ،‬منها القصة واحلبكة‬
‫والتشويق ال��درام��ي‪ ،‬وغريها من األم��ور اليت‬
‫تعتمد على بنية السيناريو وبناء الشخوص‬
‫اخل��ي��ال��ي��ة ال�ت�ي حت��اك��ي يف أغ��ل��ب األح��ي��ان‬
‫خميلة الشبيبة والناشئة يف تطلعها حنو أفق‬
‫جديد خيتلف عما ع��ه��ده‪ ،‬وم��ن جانب آخر‬
‫ف��إن املواصفات الشكلية واملعمارية املتمثلة‬
‫بالديكورات وانسجامها مع احلركة خالهلا‪،‬‬
‫إىل املؤثرات السمعية والبصرية املستخدمة‪،‬‬
‫ناهيك عن كل ما حيققه التقدم التكنولوجي‬
‫يف الصوت والصورة واللون واستخدام الشاشة‬
‫العريضة(‪ ،)Wide Screen‬ملا تتيحه من‬
‫امتيازات فنية عالية‪ ،‬وما عامل الصوت اآلخذ‬
‫بالتطور بشكل ملحوظ ومنقطع النظري من‬
‫حيث التزامن بينه وب�ين ال��ص��ورة إال إضفاء‬
‫واقعية ومصداقية أكثر يف جتسيد األحداث‬
‫و ق��رهب��ا م��ن املتلقي‪،‬حيث م��ا ي��وف��ره جهاز‬
‫الكمبيوتر والتطور اهلائل يف العامل الرقمي من‬
‫حيل وخدع بصرية مذهلة للعني واملشاهدين‪،‬‬
‫أتاح للمخرجني باباً عريضاً لطرح املزيد من‬
‫األخيلة واألفكار ودجمها يف أُطر مدهشة تبهر‬
‫العيان على الشاشة الكبرية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪71‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫د‪.‬طالب عمران‬

‫كانت األم��ط��ار الغزيرة وال��ع��واص��ف اليت‬
‫شهدهتا املنطقة‪ ،‬ق��د سببّت الكثري من‬
‫الكوارث يف مناطق اإلنزالقات الكلسية يف‬
‫العاصمة‪ ،‬حيث تقبع البيوت على سفح‬
‫اجلبل متكئة عليه بأساسات تفتقد إىل‬
‫املتانة‪ ،‬على تربة كلسيّة هشّة‪...‬‬

‫‪72‬‬

‫ت��ت��س��رب م��ي��اه األم��ط��ار ال��غ��زي��رة‪ ،‬فتنفذ‬
‫إىل ال�ترب��ة ع�بر امل��س��ام��ات‪ ،‬لتصبح ركائز‬
‫األس��اس��ات هشّة متداعية‪ ،‬جتعل البيوت‬
‫تنزلق وتنهار‪ ،‬وبعضها تبتلعها األرض‪..‬‬
‫إهن��ا عملية تتكرر ك��ل س��ن��وات كلما كانت‬
‫األمطار أغزر من املعدّل املتوقع للهطول‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫وقد كانت املآسي املتكررة سبباً يف عزوف‬
‫بعض الناس عن السكن يف تلك املناطق‪،‬‬
‫إال أن الفقر يدفع العديدين لالجتاه صوب‬
‫املناطق رخيصة الثمن‪ ،‬وكانت تلك املناطق‬
‫من بينها‪ ..‬بدأت قصتنا يف أواخ��ر شباط‬
‫من العام ‪ 1996‬كان زياد – وهو كاتب قصة‬
‫وصحايف – يزور أحد أصدقائه من سكان‬
‫إحدى املناطق املتكئة على سفح اجلبل يف‬
‫العاصمة‪ ،‬كانت السماء ملبّدة بالغيوم حني‬
‫توقفت سيارة سامي صديقه أم��ام منزل‬
‫ع�لاء ال��ذي ي��زوران��ه‪ ..‬ضغط سامي على‬
‫الباب اخلارجي وه��و حي �دّق يف‬
‫بطــنج��رس‬
‫زر‬
‫الجبــل‬
‫فـي‬
‫السماء امللبّدة بالغيوم‪:‬‬
‫ يبدو أن املطر الغزير قادم‪..‬‬‫ س��اع��د اهلل س��ك��ان ه��ذه امل��ن��اط��ق‪ ،‬حني‬‫تسقط األمطار الغزيرة يتأذون كثرياً من‬
‫غزارة املياه‪..‬‬
‫ ولكن املطر مل يصل إىل مرحلة السيول‬‫هذا العام‪..‬‬
‫ أرجو أن اليصل‪..‬‬‫فتح عالء الباب مرحباً‪:‬‬
‫ أهالً بك استاذ زياد‪ ،‬جيّد من سامي أنه‬‫استطاع إقناعك‪..‬‬
‫ الي��اأخ ع�لاء كنت فعالً أن��وي زي��ارت��ك‪..‬‬‫وشجعين سامي على ذلك‪ ،‬تعرف أن سامي‬
‫رسّام اجلريدة اليت أعمل هبا‪ ،‬وقد تكاسل‪-‬‬
‫على عادة بعض الرسامني‪ -‬يف ضبط موعد‬
‫الزيارة‪..‬‬
‫قال سامي‪:‬‬
‫ الرسامون املتفوقون تكون اللوحة شغلهم‬‫الشاغل‪ ،‬وه��ي س�رّ عبقريتهم‪ ،‬النيتبهون‬

‫كثرياً إىل الوقت‪ ،‬وإىل املواعيد‪..‬‬
‫ معك حق‪..‬‬‫ املكان دافئ‪ ..‬مريح‪..‬‬‫ إال أنه ضيّق قليالً‪ ..‬هه سنشرب القهوة‬‫أوالً؟‬
‫وجل داخل البيت قال سامي‪:‬‬
‫ امسع يازياد‪ ..‬عالء حيبك كثرياً‪ ،‬وأعتقد‬‫أنه لن ميانع لو دخلت يف املوضوع مباشرة‪.‬‬
‫ سأحاول‪..‬‬‫عاد عالء ومعه القهوة‪:‬‬
‫ القهوة‪ ..‬أخيت زينة أعدّهتا‪..‬‬‫و َ‬‫مل مل تدخلها زينة إلينا‪ ،‬هي تعرف زياد‬
‫جيداً؟‬
‫ نعم‪..‬نعم‪ ..‬أجّلت الدخول قليالً‪ ،‬لدينا‬‫ضيفة‪..‬‬
‫ البأس‪ ..‬قل يل ياعالء‪ ..‬أما زلت متارس‬‫فرض الشعر؟‬
‫ قليالً‪ ..‬الشعر ل��ه وقته اخل��اص ج��داً‪،‬‬‫وأنا رجل مشغول كما تعرفين‪ ،‬أعمل على‬
‫احلاسوب لوقت طويل‪ ..‬وأدرّس الربجمة يف‬
‫عدة مدارس‪..‬‬
‫ أصبحت مشهوراً يف ال�برجم��ة‪ ،‬اجلميع‬‫يتحدثون عن براعتك‪..‬‬
‫ إهنا متابعة مستمرة‪ ،‬وعالقة فهم خبواص‬‫احلاسوب‪..‬‬
‫طرق الباب بلطف‪ ،‬ثم دخلت زينة‪:‬‬
‫ مساء اخلري‪ ..‬كيف حالكم؟ يبدو أن املطر‬‫قد بدأ باهلطول بغزارة‪..‬‬
‫ ذهبت أم حسن؟‬‫ ن��ع��م‪ ..‬مسكينة إهن��ا الت��رى سوى‬‫األحالم املزعجة هذه األيام‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪73‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فـي بطــن الجبــل‬
‫ كانت منشغلة براوية أحالمها لك وألمي؟‬‫ كانت أحالماً حنن أبطاهلا‪ ،‬أنا وأنت وأمي‪،‬‬‫وشاب غريب كما مسّته‪..‬‬
‫ أن��ت��م أب��ط��اهل��ا؟ وم����اذا ك���ان حم���ور تلك‬‫األحالم؟‬
‫ أهنا جترف البيوت‪ ،‬أرض تفتح فوهات‬‫يف قشرهتا وتبتلع الناس‪ ..‬تصور ياأستاذ‬
‫س��ام��ي‪ ،‬كانت تبكي وه��ي ت��روي لنا هذه‬
‫األحالم‪..‬‬
‫ إنه أمر غريب‪..‬‬‫ م��اش��اء اهلل‪ ،‬ك��أن املطر يسقط بغزارة‬‫شديدة‪ ..‬وبشكل متواصل‪..‬‬
‫هدر الرعد لقصف متواصل‪..‬‬
‫ يبدو أهنا ليلة غري عادية‪..‬‬‫ قل يل ي��ازي��اد‪ ،‬أمل تسبب زاوي��ت��ك حول‬‫م��ض��ار اخل��ض��ار ال��ن��اجت��ة ع��ن احملميات‬
‫الزراعية نقداً من أصحاب احملميّات؟‪.‬‬
‫ بالطبع‪ ..‬خاصة أول��ئ��ك ال��ن��اس الذين‬‫يستخدمون احملرّضات الكيماوية بكثرة‪،‬‬
‫إضافة لألمسدة واهلرمونات‪..‬‬
‫ إنه أمر جيب مراقبته جيداً‪..‬‬‫ وضرر الدواجن اليت تسّمن بسرعة اليقل‬‫عن دسّ السمّ يف الدسم‪..‬‬
‫ معك ح��ق‪ ،‬إن��ه عصر جيب االنتباه إىل‬‫م��اجي��ري فيه قبل أن جيرفنا حبضارته‬
‫وعواقب استهتار اإلنسان فيها على حساب‬
‫قيمه ونزعته اخليّرة‪..‬‬
‫مسعوا طرقات ملحة على الباب اخلارجي‪..‬‬
‫ خري إن شاء اهلل من الذي يقرع الباب ؟‬‫فتحه كانوا جمموعة رجال‪:‬‬
‫‪ -‬أستاذ عالء‪ ،‬السيول تنساب من اجلبل‪،‬‬

‫‪74‬‬

‫بدأ الناس خيلون املنطقة‪..‬‬
‫ أخفض صوتك‪..‬‬‫ قد تتغلغل السيول حتت األساسات ويبتلع‬‫اجلبل البيوت‪ ،‬كما يفعل يف السنوات غزيرة‬
‫املطر‪..‬‬
‫ حسناً سأدبّر األمر‪ ..‬شكراً لك‪..‬‬‫أغلق الباب هرعت زينة ملهوفة إليه‪:‬‬
‫ صوت جارنا أبي أمحد‪ ..‬ماذا كان يقول‬‫لك؟‬
‫ يتحدّث عن غزارة املطر‪..‬‬‫ وخطر ذلك على البيوت‪ ..‬معه حق‪..‬‬‫ أترين أن خنلي البيت‪ ،‬ونذهب إىل بييت‬‫يف مشال العاصمة؟‪ .‬أمتنى ذل��ك‪ .‬تعلمني‬
‫كم ترفض أمي مغادرة البيت؟ إنه موطن‬
‫ذكرياهتا وسعادهتا‪..‬‬
‫ وماالعمل اآلن؟‪ ..‬ق��د ترفض أم��ي من‬‫جديد‪.‬؟‬
‫ المفرّ من أخذها من هنا بسبب أو بآخر‪..‬‬‫حاويل إقناعها‪..‬‬
‫تنهدت‪:‬‬
‫ عد إىل صديقيك‪ ،‬سأكلمها‪..‬‬‫ قبل أن أعود إيل صديقيّ‪ ،‬مارأيك بزياد‪،‬‬‫سيطلب يدك مين بعد قليل؟‬
‫ ليس هذا وقت اخلطبة ياأخي‪..‬‬‫ مهما كان الوقت حرجاً‪ ،‬جيب أن أعرف‬‫رأيك‪ ..‬زياد شاب ممتاز‪..‬‬
‫ كما ت��ري��د‪ ..‬إن ك��ان ه��ذا رأي��ك ب��ه فأنا‬‫موافقة‪..‬‬
‫ أنت تعرفينه جيداً‪ ..‬وهذا رأيك أيضاً؟‬‫ حسناً‪..‬حسناً‪ ،‬سأكلم أمي‪..‬‬‫كان الوقت مير سريعاً‪ ..‬وزينة حتاول إقناع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫فـي بطــن الجبــل‬
‫أمها بالذهاب إىل بيت أخيها‪ ..‬فيما كان‬
‫عالء يتبادل احلديث مع سامي وزياد‪..‬‬
‫وكما تو ّقع ملحّ سامي لرغبة زي��اد خبطبة‬
‫(زينة) فأبلغه باملوافقة‪ ..‬وكان املطر يزداد‬
‫غزارة‪ ،‬والرعد يقصف بصوت يصمّ اآلذان‪..‬‬
‫عادت زينة وهي هتز رأسها كناية عن فشلها‬
‫بإقناع أمها‪:‬‬
‫ اذه��ب إليها ي��اع�لاء‪ ..‬وق��ل هلا إن ابنك‬‫مريض يف البيت‪ ،‬هي غري مقتنعة‪ ،‬أنا آسفة‬
‫مل أجد أفضل من هذا السبب‪ ،‬هي حتب‬
‫الصغري كثرياً‪ ..‬وهو حيمل اسم أبي‪..‬‬
‫ حسناً سأدخل إليها‪..‬‬‫مهس سامي لزياد‪:‬‬
‫ مربوك‪ .‬ستتم اخلطبة قريباً‪ ..‬أنا سعيد‬‫من أجلكما‪..‬‬
‫ شكراً لك ياسامي‪..‬‬‫ط��رق الباب ك��ان طرقاً عنيفاً متواصالً‪،‬‬
‫فتحت زينة الباب كانوا جمموعة من الناس‬
‫يصرخون‬
‫ األرض تتحرّك الوقت لديكم أخلوا البيت‬‫بسرعة‪..‬‬
‫ حسناً حسناً‪..‬‬‫ اخرجوا بسرعة‪..‬‬‫أتى عالء على الصوت‪:‬‬
‫ً‬
‫ إهنم جرياننا‪ ،‬يبدو األمر خطريا فعالً‪..‬‬‫ وماذا نفعل عالء؟ ملاذا مل حتضر والدتك؟‬‫فعالً الوضع ليس سهالً‪..‬‬
‫ من هذا البيت أكثر من (‪ )70‬سنة‪ ،‬بناه‬‫والدي وأعمامي‪ ،‬حتت إشراف جدي‪ ..‬ورغم‬
‫السيول واألم��ط��ار‪ ..‬مل تتأثر أساساته‪..‬‬
‫ورغم أن اجلبل ابتلع بيوتاً قريبة منه فإن‬

‫أم��ي تؤمن أن بإمكان البيت أن ي��ق��اوم‪..‬‬
‫ويصمد‪..‬‬
‫ ولكن العديد من البيوت القريبة منكم‪،‬‬‫أعيد بناؤها بعد اجنراف الرتبة يف املنطقة‬
‫إهن��ا تربة كلسية حتفر فيها املياه أنفاقاً‬
‫كثرية‪..‬حتدث فراغات تسبب سقوط البيت‬
‫بكامله داخل بطن اجلبل ‪...‬كان البيت يهتز‬
‫فعالً‪...‬‬
‫دخ��ل ع�لاء م��ن جديد ث��م ع��اد وه��و يقول‬
‫لسامي‪:‬‬
‫ هيء السيارة سأقول هلم أن يسرعوا‬‫ أقنعتها أخرياً‪...‬‬‫أتت األم قلقة حائرة سلمت على زياد ‪:‬‬
‫ كيف حالك يابين ؟‪..‬‬‫ خب�ير ي��اخ��ال��ة‪..‬ه��ل أس��اع��دك��م بشيء‬‫ياعالء؟‪..‬‬
‫ امحل هذه احلقيبة‪ ،‬سأتكفل أنا وزينة‬‫بأمي‪...‬‬
‫قالت األم (هبلع) نسيت صندوق وال��دك‪..‬‬
‫جيب أن حتضره بسرعة‪..‬‬
‫قالت زينة أنا أعرف مكانه‪ ،‬خذها ياعالء‬
‫إىل السيارة سأحضره‪...‬‬
‫أكمل زياد سأبقى معها حتى خنرج سوية‪...‬‬
‫ حسناً‪ ..‬هيا يا أمي‪...‬‬‫ أمتأكد أن وضع البيت ليس مطمئناً؟‪.‬‬‫ بالطبع‪ ..‬هيا ياأمي‪...‬‬‫ويف داخل البيت صرخت زينة تنادي زياد ‪:‬‬
‫ خري يازينة؟‪..‬‬‫ الصندوق حمشور داخ��ل األلبسة هنا‪،‬‬‫جيب سحبه بقوة‪...‬‬
‫‪ -‬كيف اقتنعت والدتك أخرياً؟‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪75‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فـي بطــن الجبــل‬
‫ بعد اه��ت��زاز البيت‪ ،‬حكى هلا ع�لاء عن‬‫خطر انزالق البيت‪ ،‬إضافة لكالمه عن ابنه‬
‫املريض‪.‬‬
‫سحب الصندوق بصعوبة ‪:‬‬
‫ هيل بسرعة يازينة‪..‬‬‫ البيت يهتز‪ ،‬جدرانه تتداعى‪ ..‬يبدو أننا‬‫تأخرنا‪...‬‬
‫ هيا حناول يازينة أعطين يدك‪..‬‬‫ آه األرض تتحرك حتتنا‪..‬‬‫صرخ زياد زينة‪ ..‬زينة انتبهي‪....‬‬
‫والسيارة تقف جانب الطريق‪ ،‬شهد عالء‬
‫ووالدته مع سامي اخنساف األرض حول‬
‫البيت ثم ابتالعه ل��ه‪ ..‬وس��ط حنيب األم‬
‫وصراخها املفجع‪..‬‬
‫كان الوضع شديد اخلطورة وهم يراقبون‬
‫م��احي��دث حوهلم م��ن ك���وارث وليس سوى‬
‫أص�����وات ال��ع��وي��ل وااله�����ت�����زازات ختتلط‬
‫بأصوات املطر والرعد‪ ..‬والبيوت املتوضعة‬
‫البائسة‪...‬‬
‫قال سامي أخريا ‪ً:‬‬
‫ ال فائدة من البقاء هنا يا عالء‪..‬‬‫كانت األم تبكي ‪:‬‬
‫ أنا من قتلت ابنيت‪ ...‬أن��ا‪ ..‬لو مل أطلب‬‫منها إحضار الصندوق ملل حدث ماحدث‪..‬‬
‫ هيا ي��ا أم���ي‪ ..‬جي��ب أن نبتعد‪ ،‬مازالت‬‫األخطار حتيط بنا‪...‬‬
‫ وكيف سأعود من دون ابنيت؟‪..‬‬‫ سنبذل املستحيل للعثور عليهما‪ ..‬هيا يا‬‫أمي‪ ..‬حترك يا سامي أرجوك‪..‬‬
‫مه��س سامي حب��زن ‪ :‬فلريمحهما اهلل‪...‬‬
‫مجعهما املوت يا عالء‪...‬‬

‫‪76‬‬

‫ ال أستطيع أن أصدق‪ ،‬كأنه كابوس مريع‪...‬‬‫ويف تلك األثناء‪ ،‬كانت األطياف تنتشر حول‬
‫املنطقة‪ ،‬وكان بعضها داخل األرض‪ ،‬مع املياه‬
‫واالهنيارات املتواصلة‪..‬‬
‫أط��ي��اف شفافة غ��ري��ب��ة‪ ،‬تتالقى جتتمع‪،‬‬
‫تتحاور يف شفافية‪ ،‬غري مرئية‪ ،‬واحلزن يلف‬
‫الناس والفواجع يكرب حجمها شيئاً فشيئاً‪..‬‬
‫كان زياد حيلم ‪:‬‬
‫ (( آه ي��ا إهل��ي م���اذا أرى جمموعة من‬‫الناس على شاطىء النهر‪ ،‬إهنم جيتمعون‬
‫حول شيء ما الذي حدث؟ ماذا حدث أيها‬
‫الناس؟ ما الذي جيري؟‬
‫ صبية غريقة‪ ،‬انتشلتها النسوة‪...‬‬‫ كيف غرقت؟‬‫ فاض النهر فجرف بيوتاً كثرية وهي من‬‫تلك البيوت بالطبع‪...‬‬
‫ دعوني أراها أرجوكم أشعر بانقباض يف‬‫صدري‪..‬‬
‫ ساعدوا الشاب على العبور‪ ،‬رمب��ا كان‬‫قريبها‪..‬‬
‫ ياإهلي إهن��ا زينة‪ ..‬زينة ماالذي حدث؟‬‫ماالذي حدث؟‬
‫ إهنا ميتة ابتعدوا عنها‪ ،‬اتركها أيها الشاب‬‫جيب أن هنيئها للدفن‪..‬‬
‫ أال ترى كم هو متأثر‪.‬؟‬‫ زينة‪ ..‬جيب أن تعيشي‪ ،‬جيب‪ ..‬سأجري‬‫لك اإلسعافات‪ ،‬أشعر أنك مازلت حيّة‪..‬‬
‫ ماذا تقول أيها الشاب‪ ،‬إهنا ميتة‪ ،‬ليس‬‫فيها نبض والروح‪ ..‬مسكني‪ ..‬إنه حياول بث‬
‫احلياة فيها وقد شبعت موتاً‪..‬‬
‫مههم بعد قليل (( احلمد هلل ع��اد قلبها‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫فـي بطــن الجبــل‬
‫للخفقان‪ ..‬وهي خترج املاء من جوفها))‬
‫ مستحيل لقد صنع هذا الشاب معجزة‪..‬‬‫ ياسبحان اهلل إهنا تتحرك فعالً‪..‬‬‫ زينة حبيبيت‪ ،‬احلمد هلل أنت خبري‪..‬‬‫ زياد‪ ..‬ماالذي حدث يل‪ ،‬ملاذا أنا هنا‪.‬؟‬‫ أنت خبري ياحبيبيت‪ ،‬اعتقدوك ميتة‪..‬‬‫استيقظ زياد من كابوسه فوجد نفسه يف‬
‫مكان معتم‪ ،‬وه��و يضمّ جسداً داف��ئ�اً بني‬
‫ذراعيه حبنّو بالغ‪ ..‬كانت اآلالم اليت يشعر هبا‬
‫شديدة‪ ..‬وقد خاف أن تكون زينة مصابة‪..‬‬
‫حركها هبدوء فسمع تنفسها املنتظم‪ ،‬وشعر‬
‫أنه وزينة بني أنقاض‪ ،‬وقد سقطا يف مكان‬
‫منخفض‪ ،‬وصوت املياه حوله يوحي بأهنما‬
‫حماصران‪ ..‬وفوقهما جدار إمسنيت مائل‬
‫محامها من امل��وت‪ ..‬تفقد و ّ‬
‫الع��ة الغاز ((‬
‫أرج��و أن أستطيع م�دّ ي��دي إىل حبيبيت))‬
‫كانت املياه حتيط هبم‪ ،‬كانت علبة السجائر‬
‫مبللة عثر على الو ّ‬
‫العة(ماذا أفعل اآلن؟ كيف‬
‫السبيل للخالص من هذا الركام) صرخ‪:‬‬
‫ زينة‪ ..‬زينة‪..‬‬‫ آه‪..‬أين أنا؟ ياإهلي‪ ..‬زياد‪..‬‬‫ اهن��ار البيت وحن��ن داخ��ل��ه يازينة‪ ،‬حنن‬‫حتت األنقاض‪..‬‬
‫ حنن حماصران يازياد‪..‬‬‫ التقلقي سنكون خب�ير‪ ..‬سيبحثون عنّا‬‫سريعاً‪..‬‬
‫ أشعر بضيق يف صدري‪ ،‬سنحتاج اهلواء‬‫يازياد‪ ..‬أنت مصاب‪..‬‬
‫ ح�ين حدثت ال��ك��ارث��ة‪ ،‬محيتك جبسدي‬‫بشكل عفوي‪ ،‬أتشعرين بأمل؟‬
‫‪ -‬ال‪ ..‬أنا خبري‪ ..‬وماذا سنفعل؟‬

‫ سننتظر‪ ،‬ق��د ي��ب��دؤون سريعاً بالبحث‬‫بني األنقاض‪ ،‬وسيعثرون علينا‪ ..‬جيب أن‬
‫الأحتفظ بالوالعة مشتعلة‪ ،‬قد ينفذ الغاز‪..‬‬
‫ البأس‪ ..‬معك حق‪..‬‬‫ظ�ل�اّ يف ال��ظ�لام ل��وق��ت ب���دا هل��م��ا ط��وي�لاً‬
‫ج �دّاً والأث��ر لصوت ح ّفارة أو رافعة تزيل‬
‫األنقاض‪ ،‬وأخذ صوت تأوهات الناس من‬
‫حوهلما خيفت رويداً رويداً رويداً‪ ..‬وشعراً‬
‫باجلوع‪ ،‬والتعب‪ ،‬وقلة اهلواء‪ ...‬ومل يكن أمام‬
‫زياد مفرّ من حماولة احلركة‪ ،‬وهو حيضن‬
‫زينة حبنان ويشدّد على آالمه‪ ..‬كانت املياه‬
‫ترتفع حوهلما‪..‬‬
‫وفجأة شعرا أن األرض تتحرك حوهلما‪،‬‬
‫خ��اف زي���اد أن يسقط اجل���دار اإلمسنيت‬
‫فوقهما فمشى هب���دوء ص���وب ث��غ��رة بني‬
‫األنقاض‪ ..‬شعر أهنا تزداد اتساعاً‪..‬‬
‫وبعد دقائق من التقدم البطيء شعر أن املياه‬
‫تنزلق حنو مكان منخفض‪ ،‬أشعل الو ّ‬
‫العة‬
‫لريى منحدراً تتدفق منه السيول حنو فوهة‬
‫ضخمة‪ ،‬كانت تبتلع كل املياه‪ ..‬سأهلا‪:‬‬
‫ تعرفني السباحة؟‬‫ ال‪ ..‬ملاذا تسألين‪.‬؟‬‫ جيب أن نقاوم املياه‪ ،‬وإن دفعتنا صوب‬‫الفتحة سنحبس أنفاسنا عسى أن نصل‬
‫إىل مكان خروج املياه‪ ،‬الذي رمبا كان مكاناً‬
‫مفتوحاً للشمس‪..‬‬
‫ ساعدني يف ذل��ك‪ ،‬س��أك��ون عبئاً كبرياً‬‫عليك‪..‬‬
‫ التقويل ذل��ك‪ ،‬أفديك بروحي‪ ،‬يبدو أن‬‫األق��دار مجعتنا وقد جئت خلطبتك‬
‫من أهلك‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪77‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فـي بطــن الجبــل‬
‫ امل��ي��اه ت���زداد ان��دف��اع �اً‪ ،‬األرض تتحرك‬‫حولنا‪..‬‬
‫ اتكلنا على اهلل‪ ..‬أعطين يدك‪ ،‬سأخفي‬‫ال��والع��ة يف مكان التصل إليه امل��ي��اه‪ ..‬يف‬
‫الكيس ال���ذي أحتفظ فيه هب��وي�تي‪ ..‬هيا‬
‫ياوينة‪..‬‬
‫ أنا جاهزة يازياد‪..‬‬‫ً‬
‫ظ��ل زي��اد وامل��ي��اه جترفهما ممسكا بزينة‬
‫بقوة‪ ،‬وحني شعر أهنما فوق الفوهة طلب‬
‫منها حبس أن��ف��اس��ه��ا‪ ..‬وجرفهما التيار‬
‫سريعاً عرب ممر طويل ثم قذفهما يف مكان‬
‫منحدر تعلق بصخوره واطمأن زياد أن زينة‬
‫مازالت تتنفس‪..‬‬
‫ انتبهي يازينة‪ ،‬سنتسلق الصخور‪..‬‬‫ الأرى شيئاً‪ ..‬هل حنن يف باطن اجلبل‪،‬‬‫أو خارجه؟‬
‫ الأدري‪ ،‬سنصعد أوالً حتى نصل إىل مكان‬‫مستو‪ ،‬سأرى حينها على ضوء الوالعة أين‬
‫حنن‪ ..‬هيا سأساعدك‪..‬‬
‫ لو كنت وحدي‪ ،‬كان التيار جرفين وقضى‬‫علي‪..‬‬
‫ احلمد هلل أننا معاً‪ ..‬هيا يازينة‪..‬‬‫جنحنا يف تسلق الصخور وال��وص��ول إىل‬
‫منطقة مستوية‪ ،‬متدد فوقها‪ ،‬أشعل زياد‬
‫الوالعة لريى نفسه داخل كهف طويل‪ ،‬واملياه‬
‫حتته جتري بفوران بالغ‪..‬‬
‫حبث عن أي شيء قابل لالشتعال ينري له‬
‫الطريق‪ ،‬فلم جيد شيئاً‪ ..‬فأخذ يسري وزينة‬
‫يف الظالم هبدوء ويشعل الوالعة كل فرتة‪..‬‬
‫حتى ه��دمه��ا التعب فجلسا ق��رب ج��دار‬
‫الكهف يسرتحيان‪..‬‬

‫‪78‬‬

‫ أما زلت تشعرين بالعطش واجلوع؟‬‫ أستطيع الصمود لفرتة أخرى‪ ..‬أنت متعب‬‫يازياد‪ ..‬مصاب بكدمات وجروح كثرية‪..‬‬
‫ اليهم‪ ،‬أنا بكامل وعيي‪ ،‬وجيب أن أنقذك‪..‬‬‫ ليس على حساب حياتك‪ ..‬الأري��د هذه‬‫التضحية‪ ،‬يعلم اهلل كم أنا متعلقة بك اآلن‪،‬‬
‫أنت اآلن كل شيء يف حياتي‪..‬‬
‫ البأس يازينة‪ ،‬سأكون خبري إن شاء اهلل‪..‬‬‫ أال تشعرين أن جدار الكهف خلفنا ليس‬‫صلباً‪..‬‬
‫ معك حق‪ ..‬إنه أشبه بإسفنج مضغوط‪..‬‬‫رمبا من الرطوبة الدائمة‪..‬‬
‫وصلتهما أصوات رفيف أجنحة‪.‬‬
‫ أمسعت يازياد؟‬‫ ن��ع��م‪ ..‬إهن��ا خملوقات ط��ائ��رة‪ ..‬معقول‬‫ياإهلي‪ ،‬حنن قريبان من باب اخلروج إذن‪..‬‬
‫ سنسرتيح قليالً ونتابع طريقنا‪..‬‬‫ اليازينة‪ ،‬قد يكون طريقنا طويالً‪ ،‬ومازال‬‫يف جسدينا بقية ط��اق��ة‪ ،‬لنستخدمها يف‬
‫العثور على باب اخلروج‪..‬‬
‫ حسناً‪ ..‬استند عليّ سأساعدك‪..‬‬‫ الداعي لذلك‪ ،‬أنا خبري‪..‬‬‫س��ارا طويالً داخ��ل الكهف‪ ،‬ومها بني فرتة‬
‫وأخرى يسمعان صوت رفيف أجنحة‪ ،‬ولكن‬
‫الطريق كان أطول من الالزم‪ ..‬مل جيدا بّداً‬
‫مم اجللوس لالسرتاحة من جديد‪..‬‬
‫ف ّكر زياد‪ ،‬وقد شعر أن جسمه يرتعش وأن‬
‫مح��ى م��ن ن��وع غ��ري��ب ستصيبه سريعاً‪..‬‬
‫ّ‬
‫وشعر بفداحة مسؤوليته جتاه زينة وعثرت‬
‫يده على جسم ساخن إىل جانبه‪ ،‬كان حيواناً‬
‫حبجم الفأر ّ‬
‫عضه بنابني قويني‪ ،‬وطار‪ ،‬تأكد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫فـي بطــن الجبــل‬
‫أنه وطواط‪..‬‬
‫إن��ه كهف فيه وط��اوي��ط ك��ث�يرة‪ ..‬والميكن‬
‫مهما اشتد اجل��وع‪ ،‬أن يستطيعا أكل أحد‬
‫هذه الوطاويط‪ ،‬فهي حيوانات كريهة‪ ،‬رمبا‬
‫ّ‬
‫يتغذى على املاء الدافئة‪..‬‬
‫بعضها‬
‫ياهلذا الكهف الذي ليس له هناية؟ أمعقول‬
‫أهنما يسريان صوب باب اخلروج؟ أم أهنما‬
‫يسريان يف اجتاه معاكس داخل اجلبل؟‬
‫حريته األسئلة املقلقة‪ ،‬وزينة إىل جواره تكاد‬
‫تغيب عن الوعي من التعب واجلوع وشعر أن‬
‫جسمه يرتعش بقوّة‪ ،‬وقد ّ‬
‫محى‬
‫حطت عليه ّ‬
‫شديدة‪..‬‬
‫وه��و يرتعش واهل��ذي��ان ق��د ح� ّ‬
‫�ط عليه يف‬
‫غيبوبته املظلمة‪ ،‬رأى وجهاً لشيخ بلحية‬
‫بيضاء يبتسم يف وجهه وهو ميسك يده‪..‬‬
‫زياد‪ ..‬أتسمع؟ مثة إنسان يف الكهف‪ ..‬زياد‪..‬‬
‫أتسمعين؟ زي��اد‪..‬زي��اد‪ ..‬ياإهلي إهنا يشتعل‬
‫من احلمّى‪ ..‬زياد ماذا حدث لك ياحبييب؟‬
‫ماهذا‪ ،‬إنه ضوء مصباح يشق العتمة ‪..‬‬
‫ الختايف ياابنيت‪ .‬إنه حمموم‪..‬‬‫ من أنت؟ إنس أم جان؟‬‫ أنا أحد سكان هذا الكهف‪ ،‬لست جنيّاً‪..‬‬‫تعايل معي‪..‬‬
‫ وزياد‪ ،‬إنه مريض ياعمّاه‪..‬‬‫ التقلقي‪ ،‬سيتكفل أتباعي بأمره‪ ..‬صرخ‬‫الشيخ رامز‪ ..‬أين أنت؟‬
‫ أنا هنا ياسيدي؟‬‫ أحضر زميلك وان��ق�لا ه��ذا ال��ش��اب إىل‬‫مكان إقامتنا‪..‬‬
‫ سأفعل ياسيدي‪..‬‬‫تقدمت إليها عجوز كانت تسري مع الشيخ‪:‬‬

‫ تعايل ياابنيت سأساعدك‪ ،‬أن��ت جائعة‬‫‪ ،‬وعطشى أي��ض �اً‪ ،‬وج��س��دك متهالك من‬
‫التعب‪ ..‬تعايل‪..‬‬
‫ وزياد ياخالة‪ ..‬إنه مريض‪..‬‬‫ التقلقي عليه‪ ،‬سيعتنون به‪..‬‬‫ساعدهتا املرأى يف السري داخل الكهف‪ ،‬ثم‬
‫دخلوا إىل ممّ��ر منتظم تضيئه املشاعل‪..‬‬
‫وقد محل رجالن زياداً على حم ّفة‪ ،‬والشيخ‬
‫يتقدمها‪..‬‬
‫وانفتح باب يف هناية املمّر‪ ،‬ليطلوا على قاعة‬
‫واسعة فيها البسط واألرائ���ك‪ ،‬واألسلحة‬
‫القدمية املعلقة من سيوف وخناجر وأقواس‬
‫وسهام‪..‬‬
‫أدخلتها املرأة إىل غرفة تطل على القاعة‪،‬‬
‫وق���دّم���ت هل���ا احل��ل��ي��ب ال��س��اخ��ن واخل��ب��ز‬
‫املشروح‪ ..‬وبعض التمر‪ ..‬ثم مددهتا على‬
‫فراش وثري وغطتها‪..‬‬
‫شعرت زينة بالنعاس يطبق عليها فنامت‬
‫بعمق‪ ..‬وحني استيقظت وجدت امل��رأة إىل‬
‫جانبها‪.‬‬
‫ زي��اد خب�ير‪ ،‬كم حيبك ه��ذا ال��ش��اب؟ إنه‬‫يهذي بامسك‪ ..‬سقاه الشيخ اللنب والعسل‪،‬‬
‫وع���امل ل��ه ج��راح��ه ب��األع��ش��اب‪ ..‬سيشفى‬
‫سريعاً‪..‬‬
‫ من أنتم ياخالة؟ هل تسكنون اجلبل؟‬‫ نعم يابنيت حنن من سكان اجلبل‪..‬‬‫ أنتم كثريون؟‬‫ احلمد هلل أعدادنا مناسبة‪ ..‬تريدين رؤية‬‫زياد‪.‬؟؟‬
‫ نعم أرجوك ياخالة‪..‬‬‫‪ -‬حسناً‪ ،‬تعايل معي‪ ..‬بعد أن تشربي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪79‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فـي بطــن الجبــل‬
‫هذا احلليب الساخن‪..‬‬
‫ طيب‪..‬‬‫كان حليباً لذيذ الطعم‪ ..‬مهست العجوز‪:‬‬
‫ اشربي إنه مفيد أيضاً‪ ،‬سيقوّي عزميتك‪..‬‬‫هيّا تعايل‪..‬‬
‫س��ارت زينة والعجوز إىل القاعة‪ ،‬وعربهتا‬
‫إىل غ��رف��ة جانبية منحوتة ف���رأت زي���اداً‬
‫ممدداً على فراش وثري وقربه الشيخ وبعض‬
‫األتباع‪..‬‬
‫هرعت إليه ملهوفة تطمئن على صحته‪ ،‬فلم‬
‫جيبها‪ ..‬رغم تكرار النداء بامسه‪ ..‬فشعرت‬
‫برغبة بالبكاء على صدره‪..‬‬
‫ ياإهلي‪..‬أعنه‪ ،‬أما زال يف غيبوبته؟‬‫ إنه نائم فقط‪ ،‬حينما سيستيقظ سيكون‬‫خبري‪ ،‬يتمتع بقوة ومقدرة كما كان الختايف‬
‫عليه ياابنيت‪..‬‬
‫ وكيف سنخرج من هنا‪ ،‬هل هناك منفذ‬‫للخروج ياعمّاه؟‬
‫ التقلقي ياابنيت‪ ،‬سيكون كل ش��يء كما‬‫ترغبني‪..‬‬
‫صحا زياد بعد قليل قال ‪:‬‬
‫ زينة‪..‬زينة‪..‬‬‫ أنا هنا ياحبييب‪ ..‬أنا هنا‪..‬‬‫مههم الشيخ بارتياح‪:‬‬
‫ إنه يفتح عينيه احلمد هلل‪..‬‬‫ويف اخل��ارج كانت اجل��راف��ات تعمل بدأب‬
‫تبحث عن الضحايا كان عالء يدور حوهلا‬
‫بقلق وحزن وقربه سامي‪..‬‬
‫ أرج��وك اسحب األنقاض هب��دوء‪ ..‬أخيت‬‫وخطيبها حتت هذه األنقاض‪..‬‬
‫‪ -‬سأفعل التقلق‪..‬‬

‫‪80‬‬

‫ يامجاعة‪ ،‬ساعدونا لنرفع هذا الردم من‬‫هنا‪..‬‬
‫ انتبهوا سأرفع اجلدار اإلمسنيت‪..‬‬‫ ضعه يف الناحية األخ��رى‪ ..‬حيث جنمع‬‫األنقاض‪..‬‬
‫ يارب‪ ..‬رمبا كانان حييّن‪..‬‬‫ يبدو األمر مستحيالً ياسامي‪..‬‬‫وأتى والد زياد املفجوع‪:‬‬
‫ أمل يعثروا على شيء بعد؟ ابين زياد سيىء‬‫احلظ ياسامي‪..‬‬
‫ إنه القدر ياعماه‪..‬‬‫ً‬
‫ يارب‪ .‬أعتقد أنه مازال حيّا‪.‬؟‬‫ رمبا‪ ..‬إن شاء اهلل‪..‬‬‫ سنرفع الردم هبدوء‪ ،‬هيا يارجال‪..‬‬‫ ك��ادوا ينتهون من أنقاض البيت‪ ،‬والأثر‬‫هلما‪..‬‬
‫ البدّ وأن يعثروا عليهما‪..‬‬‫ورغم البحث الدقيق مل تعثر فرق اإلنقاذ‬
‫على جثيت زي��ن��ة وزي���اد‪ ،‬وه���ذا م���ازاد من‬
‫غموض الكارثة‪ ..‬أم��ا أم زي��اد فكانت يف‬
‫ح��ال��ة ي��رث��ى هل��ا وه��ي تتلقى خ�بر سقوط‬
‫األنقاض واهنيار البناء فوق ابنها وخطيبته‪،‬‬
‫وقد كانت متنّى النفس أن يعود إليها خبرب‬
‫سار‪..‬‬
‫ووضعت الفرق املتتابعة‪ ،‬احتماالً أن تكون‬
‫األرض قد ابتلعت اجلثتني مع املياه املتسربة‬
‫إىل بطن اجل��ب��ل‪ ..‬وع���مّ احل���زن اجل�يران‬
‫واملعارف واألصدقاء واألهل واألقرباء‪..‬‬
‫ومرّ أسبوع على احلادثة‪ ،‬وقرر أهل زينة‬
‫وأه����ل زي����اد أن ي��ف��ت��ح��وا جم��ال��س ل��ل��ع��زاء‬
‫للفقيدين‪ ..‬ويف جملس عزاء أهل زياد‪ ..‬مع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫فـي بطــن الجبــل‬

‫هناية األسبوع األول من آذار ذلك العام‪..‬‬
‫ عوضك اهلل بالصرب ي��اع �مّ‪ ..‬ك��ان زياد‬‫كاتباً متميزاً وصحافياً ناجحاً‪..‬‬
‫ إن هلل وإنا إليه راجعون‪..‬‬‫وانبعثت ضجة داخل السرادق‪:‬‬
‫ عمي أبا زياد‪ ..‬البشارة‪ ..‬البشارة‪ ..‬زياد‬‫حيّ‪ ،‬وقد عاد‪ ..‬ومعه زينة‪..‬‬
‫ ماذا تقول ياسامي‪ ..‬ياإهلي مستحيل‪..‬‬‫زياد‪..‬ابين‪..‬‬
‫كان زياد بلحمه وشحمه وقربه زينة هرعت‬
‫األم من الداخل مذهولة تبكي وتضحك‪:‬‬
‫ أماه‪ ..‬أرجوك اهدأي أنا خبري‪..‬‬‫ آه ياحبييب‪ ،‬معقول أنت معي؟‬‫ زينة ياأماه‪ ..‬زوجة ابنك املقبلة‪..‬‬‫ زينة‪ ،‬يازينة البنات ياحبيبيت‪ ،‬محداً هلل‬‫على سالمتك وزياد‪..‬‬
‫‪ -‬أشبه مبعجزة‪ ،‬كيف حدث ذلك يازياد؟‬

‫معقول‪ ،‬مل ن�ترك ش�ب�راً ب�ين األن��ق��اض إال‬
‫وحبثنا فيه عن أثر لكما‪ ،‬دون نتيجة‪..‬‬
‫ وأنا نفسي ماأزال غري مصدق‪..‬‬‫قضى زياد وزينة تلك األيام داخل اجلبل‪،‬‬
‫وأول��ئ��ك ال��ن��اس يعتنون هب��م‪ ،‬ويف إح��دى‬
‫الليايل استيقظا من نومهما ومه��ا حتت‬
‫شجرة تطل على املدينة‪..‬‬
‫ك��ي��ف وص�ل�ا إل��ي��ه��ا؟‪ .‬وأي���ن يقبع مدخل‬
‫الكهف‪ ،‬وأين أولئك الناس؟ مل يستطع أيّ‬
‫منهما اإلجابة عن أي من تلك األسئلة‪.‬‬
‫وانفك زياد ‪ ،‬حبسه الفضويل ينقب يف بطن‬
‫اجلبل باحثاً عن مدخل لكهف غريب قضى‬
‫فيه وزينة أياماً أشبه باحللم‪ ،‬مازال لغزمها‬
‫دون حل‪..‬‬
‫ومازال وجه الشيخ يلوح له يف نومه‪ ..‬وكذلك‬
‫زينة‪ ..‬وقد تزوجا ورزقا أول أوالدمه��ا يف‬
‫عام ‪... 1998‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪81‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سعدون بدون أجنحة‬

‫صالح معاطي‬
‫تباً لتجار ه��ذا ال��زم��ان ومساسرته الذين‬
‫مل يدعوا مكاناً للقيم وال األخ�لاق‪ ،‬فصار‬
‫ك��ل ش��يء لديهم ق��اب�لاً للبيع حتى األمانة‬
‫وال���ش���رف‪ ..‬ف��اس��ت��ب��اح��وا ال��رذي��ل��ة وداس���وا‬
‫بأقدامهم كل املعاني النبيلة‪ ،‬وأصبح مبدؤهم‬
‫األوحد " الغاية تربر الوسيلة "‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫وأخشى من التجار ذلك النوع الذي يستطيع‬
‫أن مي��ارس أكثر من جت��ارة يف وق��ت واح��د‪.‬‬
‫فأكثر بضاعته الكالم ‪ ..‬يلف ويدور حولك‬
‫وامه �اً إي��اك أن��ك الرابح يف النهاية وأن��ه ال‬
‫يبغي س��وى مصلحتك‪ ،‬فيبيع ل��ك ال�ترام‬
‫واهل��رم وال�برج وهنر النيل وبعد أن يبيع لك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫اهلواء يبيعك بثمن خبس‪ .‬وسعدون من هذا‬
‫النوع ‪..‬‬
‫ال أدري متى تعرفت به ‪.‬وال الظروف اليت‬
‫دفعت به يف طريقي‪ ،‬ولكن هكذا ظهر يف‬
‫حياتي‪ ،‬ولبد داخل كياني كالفريوس اخلطري‬
‫الذي ال يرتك اجلسد وال بالطبل البلدي ويف‬
‫نفس الوقت ال تفلح معه أي طعوم أو أمصال‪.‬‬
‫فرجل مثل سعدون يستطيع أن يغري جلده‬
‫وشكله ولونه كل حلظة ‪.‬‬
‫وألنين صديقه األوحد كنت ضحيته األوىل‪..‬‬
‫فاعتاد أن مي���ارس معي مواهبه الفريدة‬
‫مستغالً صداقتنا‪ ،‬فعندما كنا صغاراً نرتع‬
‫يف سين الطفولة الربيئة باع يل سعدون دفرت‬
‫توفري الربيد اخلاص بوالده وامهاً إياي بأنين‬
‫سأحصل منه على ث��روة طائلة‪ ،‬وصدقته‬
‫حتى اكتشفت اخلدعة ‪ ..‬لكنه سرعان ما‬
‫رجع آسفاً نادماً على فعلته الشنعاء واضعاً‬
‫أمامي سيالً من التربيرات واألعذار ‪.‬‬
‫ما إن يراني يتهلل وجهه ويتسع شدقاه حتى‬
‫تبدو أنيابه كالنمر اجلائع ال��ذي عثر على‬
‫فريسة بعد طول انتظار‪ ،‬ثم يبدأ يف معاتبيت‬
‫بدون سبب ‪:‬‬
‫ ال يا ويزا ال ‪ ..‬شهر مير دون أن تقول أزور‬‫صديق العمر سعدون‪ ،‬خيونك العيش وامللح‬
‫لقد كنت أنوي أال أصافحك أبداً لكن العشرة‬
‫ال هت��ون على أي��ة ح��ال وص��داق��ة السنني ال‬
‫تذوب مهما حدث بيننا من خالف ‪.‬‬
‫وويزا ‪ ..‬ليس امسي بالطبع وال يوجد بامسي‬
‫حرف واحد من حروف كلمة " ويزا "‪ ،‬لكن‬
‫أطلقه علي " س��ع��دون " تيمنا باسم لعبة‬
‫أطفال حتمل نفس االسم يعتقد أهنا جلبت‬

‫له احلظ والسعادة ‪.‬‬
‫يطرق سعدون قليال ثم يقول جبدية ‪:‬‬
‫ وإذا كنت أخطأت يف حقك فساحمين‪ ،‬ماذا‬‫أفعل يف قليب الطيب ال��ذي ال يستطيع أن‬
‫حيمل لك ضغينة أو حقداً ‪ .‬فأنا إنسان بال‬
‫أجنحة كما تعلم وأنت جناحاي اللذان أحلق‬
‫هبما ‪.‬‬
‫هبذه الكلمات كان سعدون يذيب ما بيننا من‬
‫جليد وحيطم ما نشأ من جبال وعراقيل ‪.‬‬
‫لكن سرعان ما يبدأ التاجر الكامن يف أعماقه‬
‫بالتحرك‪ ،‬فيدفع يل بورقة وهو يقول ‪:‬‬
‫ خذ هذه ‪.‬‬‫برتدد متتد يدي إىل الورقة وأنا أتساءل ‪:‬‬
‫ ما هذه يا سعدون ؟‬‫ خذها وال ختف‪ .‬حظك حلو أنك قابلتين‬‫اليوم‪.‬‬
‫جتري عيين على الورقة مستعرضة بنودها‬
‫ال��ع��دي��دة بينما ميضي س��ع��دون يف عرض‬
‫بضاعته ممارساً هوايته التجارية الفريدة‬
‫وق��درت��ه الرهيبة على اإلق��ن��اع فأحتول يف‬
‫حلظة م��ن صديق إىل زب��ون ‪ ..‬هكذا كان‬
‫س��ع��دون حيسب لكل ش��يء حسابه ‪ .‬لغته‬
‫األرق��ام ‪ .‬مشاعره مرتبطة برقم سيحصل‬
‫عليه يف النهاية ‪ .‬الربح هو احلقيقة الوحيدة‬
‫يف حياته أما اخلسارة فال معنى هلا ‪.‬‬
‫ذات يوم وجدته يهرع إيل يطلبين على عجل‪،‬‬
‫حاولت أن أستفسر منه عن السبب فصاح‬
‫حبدة ‪:‬‬
‫ دع ما يف يدك واتبعين على الفور ‪.‬‬‫ذهبت معه إىل البيت ألجده قد حتول‬
‫إىل حظرية دواجن ‪ ..‬سألته بدهشة ‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪83‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سعدون بدون أجنحة‬
‫ سعدون ‪ ..‬ما هذا ؟‬‫ضحك وهو يسن السكني ‪:‬‬
‫ كما ترى ‪ ..‬دجاجات من جدود الدواجن‬‫أطعمتها وعلفتها ومسنتها وح���ان وق��ت‬
‫السكني ‪.‬‬
‫مل أفهم شيئاً ‪ .‬يف بداية األم��ر ظننت أن‬
‫سعدون حياول أن يكفر عن أفعاله معي ومع‬
‫غريي فقرر أن يذبح هذا الذبح العظيم لوجه‬
‫اهلل ‪ .‬أمسك سعدون ب��أول دجاجة وعمل‬
‫فيها السكني وهو يكرب بصوت عال‪ ،‬ثم ألقى‬
‫هبا على األرض تاركاً روحها خترج يف هدوء‬
‫وأمسك غريها وهو حيدثين بصوت أجش ‪:‬‬
‫ حمدش بياكلها بالساهل ‪.‬‬‫كنت أت��أم��ل ال��دج��اج��ة األوىل وه��ي ترفس‬
‫وتفرفر وت��ض��رب اهل���واء بأرجلها حماولة‬
‫التشبث باحلياة اليت حرمها منها سعدون‪،‬‬
‫وقد ختضب ريشها بالدماء ‪ .‬ألقى سعدون‬
‫بالثانية لتلحق بأختها وأمسك الثالثة ‪:‬‬
‫ ال تدري يا ويزا كم تعبت من أجل احلصول‬‫على هذه الدجاجات ‪.‬‬
‫ كان اهلل يف عونك يا سعدون ‪ .‬تأكد أن‬‫عمل اخلري جزاؤه اجلنة ‪ .‬لكن ما كان ينبغي‬
‫ذب��ح ه��ذا ال��ع��دد م��ن ال��دج��اج ‪ .‬ك��ان يكفي‬
‫مخسة أو عشرة واألجر والثواب عند اهلل ‪.‬‬
‫أسرع يقول وهو يلقي بالرابعة بلهجة اخلبري‬
‫املتمرس ‪:‬‬
‫ مخسة أو عشرة ال تنفع يا ويزا‬‫قلت حمدثا نفسي بصوت خفيض ‪:‬‬
‫ معك حق‪ ،‬فأفعالك معي ال ميحوها سوى‬‫ذب��ح مئة عجل وليس دجاجة ‪ .‬عظم اهلل‬
‫أجرك يا صديقي وغفر ذنبك وتقبل نذرك ‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫قطب حاجبيه ل��دى مساعه كلمة النذر‬
‫وصاح وهو يلقي بدجاجتني مذبوحتني مرة‬
‫واحدة ‪:‬‬
‫ نذر ؟‬‫ بالطبع‪ ،‬فاخلطايا والذنوب ال ميحوها غري‬‫الصدقات والنذور ‪.‬‬
‫ض��ح��ك وه���و جي���ري بالسكني ع��ل��ى رقبة‬
‫دجاجة بعنف ويقول ‪:‬‬
‫ يالك من ساذج يا ويزا ‪ .‬هذه طلبية كنت‬‫قد قبضت عربوهنا وسوف أقوم بتسليمها‬
‫اليوم ‪.‬‬
‫ طلبية ‪ .‬أ لك يد يف الدجاج أيضا ؟‬‫ التجارة شطارة يا صديقي‪ ،‬والدجاج سلعة‬‫مثل أي سلعة ‪.‬‬
‫ وم��ن اجملنون ال��ذي تاقت نفسه للدجاج‬‫حتى يشتهيه هبذه الصورة البشعة ؟‬
‫أومأ وهو يبتسم بثقة ‪:‬‬
‫ هذا ليس دجاج يا ويزا ‪ .‬بل ديوك رومي ‪.‬‬‫صرخت ‪:‬‬
‫ وهل سأتوه عن الديوك الرومي يا سعدون‪.‬‬‫إهن��ا دج��اج��ات ب�لا ش��ك وه��ا ه��ي أعرافها‬
‫الصغرية ناتئة فوق رؤوسها وقد هربت منها‬
‫الدماء ‪.‬‬
‫ألقى بدجاجة أخرى فوق اجلثث اليت مألت‬
‫البانيو وقال ‪:‬‬
‫ من اليوم هي ديوك رومية ‪ ..‬فقد طلب‬‫م�ني رج���ل م��ي��س��ور أن أح��ض��ر ل��ه عشرين‬
‫ديكا روميا مذبوحني ومقطعني لعمل وليمة‬
‫ضخمة‪ ،‬فأحضرت هذه الدجاجات الكبرية‬
‫وحقنتها هبرمونات ديوك رومية لتأخذ نفس‬
‫الطعم‪ ،‬وبعد الذبح والتنظيف والتقطيع يتوه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫سعدون بدون أجنحة‬
‫اجلميع يف املرق‪ ،‬فال تعرف هذه من تلك ‪.‬‬
‫صرخت يف انفعال ‪:‬‬
‫هذا غش يا سعدون ‪ .‬نصب ‪ .‬احتيال ‪..‬‬‫دفعين يف كتفي بيده امللوثة بدماء الدجاج‬
‫وهو يقول ‪:‬‬
‫ ستظل طول عمرك غبيا يا وي��زا ‪ .‬هذه‬‫الدجاجات السمينات أب��رك أل��ف م��رة من‬
‫الديوك الرومية‪ ،‬فهي سهلة اهلضم خفيفة‬
‫ع��ل��ى امل��ع��دة واأله����م م��ن ذل���ك خ��ال��ي��ة من‬
‫الكوليسرتول ‪.‬‬
‫رح���ت أت��ط��ل��ع إىل وج��ه��ه وال��ع��رق يتصبب‬
‫عليه وفمه املفتوح حتى بدت أنيابه ويداه‬
‫الغارقتان يف الدماء‪ ،‬فأحسست أنين أمام‬
‫دراكوال وخشيت أن متتد يده بالسكني حنوي‬
‫ويذحبين أنا اآلخر كالدجاج ‪.‬‬
‫أسرعت من أمامه بينما كان ينادي خلفي ‪:‬‬
‫ وي��زا ‪ .‬وي��زا ‪ .‬انتظر ‪ .‬من سينظف تلك‬‫الديوك الرومية معي ‪..‬‬
‫أفضل ش��يء فعلته أن��ي قاطعت سعدون‪،‬‬
‫فليس سعدون بالصديق الذي تطمئن النفس‬
‫إليه ويظهر وقت الشدة‪ ،‬وليس املكر واخلداع‬
‫من شيم األصدقاء ‪..‬‬
‫مل متض غري أي��ام قالئل حتى وجدته أمام‬
‫البيت مطأطئ الرأس يقرصه الندم ويعضه‬
‫تأنيب الضمري‪ ،‬ما إن رآني حتى ألقى جبسده‬
‫الضخم علي وهو جيهش ويقول ‪:‬‬
‫ ساحمين يا ويزا واصفح عين فأنا مكسور‬‫اجلناح وأن��ت جناحي ‪ .‬لعن اهلل الشيطان‬
‫الذي دخل بيننا وأفسد صداقتنا ‪.‬‬
‫هل رأيت يوماً مسكة تأكل الطعم إىل هنايته‬
‫وتستلذ به ‪ ..‬متضغه وتبلعه‪ ،‬وأخ�يراً تلعق‬

‫بلساهنا السكني ال��ذي غ��رس به الطعم بل‬
‫وتغرسه بدورها يف فمها لتتعلق يف سنارة‬
‫الصياد ‪ ..‬أج��ل كنت أن��ا تلك السمكة ‪..‬‬
‫صدقت سعدون وأنا أعلم أنه لن يتغري وأن‬
‫الداء متغلغل يف أعماقه ‪..‬‬
‫سافرت يف بعثة إىل اخل��ارج للحصول على‬
‫الدكتوراه وعند عودتي كانت دهشيت كبرية‬
‫عندما رأيت سعدون يف استقبايل باملطار ‪.‬‬
‫مل أنس بعد أننا يف قطيعة منذ آخر لقاء‬
‫بيننا لكنين أكربت له موقفه النبيل هذا ‪ ..‬ما‬
‫أن رآني حتى عانقين حبرارة وبللت دموعه‬
‫خدي وراح يقول ‪:‬‬
‫ ال أستطيع أن أصف لك يا صديقي العزيز‬‫كم مرت علي هذه السنوات الطوال‪ ،‬شعرت‬
‫فيها أني بدون أجنحة ‪.‬‬
‫نظرت له ملياً ألحتسس مواطن التغري فيه‬
‫وأنا أقول ‪:‬‬
‫ تغريت كثرياً يا سعدون ‪.‬‬‫يبدو أنه فطن إىل ما أرمي إليه فهز رأسه‬
‫وراح يعبث بلحيته وقال ‪:‬‬
‫ ال تنظر إىل وجهي وال للحييت يا ويزا‪ ،‬فقد‬‫تغريت من داخلي أيضاً ‪ .‬وهذا هو األهم ‪.‬‬
‫ثم سكت قليالً وبادرني ‪:‬‬
‫ ها يا ويزا ‪ .‬ما الذي تنوي فعله بالدكتوراه‬‫اليت حصلت عليها ؟‬
‫رحت أقول حمدثاً إياه بينما راح يدير حمرك‬
‫سيارته وينطلق هبا ‪:‬‬
‫ ال أدري يا سعدون‪ ،‬فكما تعلم أن ختصصي‬‫ه��و اهل��ن��دس��ة ال��وراث��ي��ة وبالتحديد زراع��ة‬
‫اجلينات وهذا املوضوع مازال حديثاً‬
‫هنا يف مصر ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪85‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سعدون بدون أجنحة‬
‫ضرب ركبيت بيده الثقيلة وهو يقول ‪:‬‬
‫ ال يهمك ‪ .‬احلل عندي ‪.‬‬‫قطبت حاجيب يف دهشة بينما راح يرسم‬
‫ابتسامة واسعة ويقول ‪:‬‬
‫ سأشاركك ‪.‬‬‫وكأن صاعقة هوت فوق رأسي فرحت أقول ‪:‬‬
‫ ثانية ‪ .‬مستحيل ‪ .‬ال يلدغ مؤمن من جحر‬‫مرتني ‪ .‬لنكن أصدقاء أفضل يا سعدون ‪.‬‬
‫قبض على يدي بقوة وهو يقول يف إصرار ‪:‬‬
‫ ال تتعجل يا ويزا ‪ .‬كعادتي بك دائما مندفع‬‫واندفاعك هو ال��ذي يضيع منك الفرص ‪.‬‬
‫أنصت يل جيدا ‪ .‬سنفتتح مستشفى على‬
‫أحدث طراز لن تدفع مليما واحدا ‪ .‬أنا برأس‬
‫املال وأنت باخلربة ‪.‬‬
‫ب��دأت الفكرة ت��روق يل بالرغم من معرفيت‬
‫اجليدة بسعدون‪ ،‬فليس سعدون باملغامر‬
‫الذي يضحي بعدة ماليني من أجل شخص‬
‫حتى ولو كنت أعز أصدقائه ويزا ‪ ..‬رحت‬
‫أقول ‪:‬‬
‫ ولكن الطب مهنة غري مرحبة يا سعدون‬‫كما تظن وقد ختسر مالك كله بال طائل ‪.‬‬
‫أجاب حبكم الواثق ‪:‬‬
‫ ال شأن لك بي ‪ .‬كل ما عليك أن توقع على‬‫العقد ‪.‬‬
‫صدقته ووقعت العقد وخ�لال أشهر قليلة‬
‫ك��ان املستشفى م��ق��ام�اً وم��ع��داً الستقبال‬
‫مرضاه أصدق تعبري عنه " مستشفى مخس‬
‫جنوم " ‪..‬‬
‫ب��دأ الشك يساورني ‪ .‬ما ال��ذي يفكر فيه‬
‫سعدون؟ ‪ ..‬صدقت ظنوني عندما دس داخل‬
‫املستشفى طبيباً أعرفه جيداً ‪ .‬ال ميكن‬

‫‪86‬‬

‫للرمحة أن جتد طريقاً إىل قلبه‪ ،‬فقد أجرى‬
‫ع��دة عمليات مشبوهة فصل بسببها من‬
‫نقابة األطباء وحكم عليه مبمارسة املهنة‪.‬‬
‫ولكن األي��ادي اخلفية تصنع املعجزات وها‬
‫هو قد عاد ثانية ليمارس املهنة من جديد‪.‬‬
‫ورأي���ت يف ه��ذا الطبيب وج��ه�اً آخ��ر لعملة‬
‫سعدون ‪.‬‬
‫بدأت أراقبهما عن كثب حتى مسعت بأذني‬
‫ما أكد ظنوني ‪ .‬اتفاق سري على بيع عدة‬
‫أعضاء بشرية مببالغ خرافية سيحصلون‬
‫عليها من مرضاي ‪ .‬كدت أبلغ الشرطة لوال‬
‫فكرة مدهشة طرأت على خاطري ‪ .‬سعدون‪.‬‬
‫أج��ل ه��و ال���رأس امل��دب��ر ال��ذي خيطط لكل‬
‫عملية املقصود هبا احلصول على املال بكل‬
‫الوسائل مشروعة كانت أم غري مشروعة‪ .‬إذن‬
‫البد من قص أجنحة سعدون ‪.‬‬
‫يف الصباح التايل كان سعدون ممداً أمامي‬
‫يف غرفة العمليات بعد أن أقنعته بأخذ‬
‫عينة من دمه لعمل بعض التجارب عليها‪،‬‬
‫وال أخفيكم سراً دفعت فيها مبلغاً من املال‬
‫بعد أن أخ��ذ يساومين حبجة أن دم��ه ليس‬
‫دماً عادياً وإمنا كلفه الشيء الكثري ‪ .‬وحتت‬
‫اجمل��ه��ر اإلل��ي��ك�ترون��ي ب���دأت أف��ح��ص خاليا‬
‫سعدون ‪ .‬كنت أري��د أن أصل إىل اخلريطة‬
‫اجلينية لسعدون فكما يستطيع العلم جتميل‬
‫أجسادنا عليه أيضا أن جيمل يف صفاتنا ‪.‬‬
‫مل يكن سعدون حباجة إىل تغيري صفات بقدر‬
‫ما حيتاج إىل خريطة جينية جديدة حتمل‬
‫ص��ف��ات شخص آخ��ر ليست احل��ي��اة عنده‬
‫مغلقة على املكسب والتجارة واحلسابات‪،‬‬
‫فقد كان التاجر الذي بداخل سعدون يربز‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫سعدون بدون أجنحة‬
‫يل من داخ��ل كل خلية وم��ن خلف كل جني‬
‫فكنت أالح��ق��ه خب�لاي��ا بديلة منزوعة من‬
‫أجساد فنانني وأدب��اء وشعراء مشهود هلم‬
‫بالرومانسية والشاعرية وزهدهم يف املال‬
‫والتجارة ‪.‬‬
‫داخ��ل غرفة العمليات مت كل ش��يء‪ ،‬وأرجو‬
‫أال يفهم ع�ني أن��ي أخليت ب��أم��ان��ة مهنيت‬
‫وقدسيتها‪ .‬بل إن القسم الذي أقسمته هو‬
‫الذي دفعين إىل ذلك العمل اإلنساني ‪ .‬فما‬
‫أمجل أن ختتار صفات صديقك بنفسك مبا‬
‫يتالءم مع صفاتك‪.‬‬
‫بدأ سعدون يفتح عينيه ببطء ‪ .‬تلفت حوله‬
‫يف أحن��اء الغرفة ‪ .‬راح ينظر يل مليا وهو‬
‫يتساءل ‪:‬‬
‫ أين أنا ؟‬‫طمأنته قائالً ‪:‬‬
‫ اطمئن يا سعدون أنت يف املستشفى ‪.‬‬‫ املستشفى ‪ .‬هل وقع يل حادث ‪.‬‬‫ أبدا أبدا ‪ .‬أنت خبري ‪.‬‬‫ب��دأ سعدون ي�ترك فراشه وي��دور يف أحناء‬
‫الغرفة‪:‬‬
‫ ملاذا ال تفتح النافذة ‪ .‬أريد أن أرى ضوء‬‫الشمس الوليد وه��و يبزغ يف األف��ق ‪ .‬من‬
‫فضلك شغل يل موسيقى ‪.‬‬
‫كنت أمسعه غري مصدق ‪:‬‬
‫ سعدون أنت ‪.‬‬‫بدأ سعدون يرقص على أنغام املوسيقى ألول‬
‫مرة ثم توقف حمدثاً إياي ‪:‬‬
‫ أشعر أن شيئاً قد تغري داخل كياني‪ ،‬كأنين‬‫ول��دت اليوم فقط‪ ،‬أو أن�ني شخص آخ��ر ال‬
‫أعرفه ولكنين سعيد به ‪.‬‬

‫عانقته حبرارة وأنا أقول بتأثر ‪:‬‬
‫ مح��داً هلل على سالمتك يا سعدون ‪ .‬يا‬‫صديقي القديم ‪ .‬أقصد صديقي اجلديد ‪.‬‬
‫أنت بالفعل ولدت اليوم فقط إنساناً جديداً‬
‫كنت أراه فيك طيلة عمري دون أن أعثر له‬
‫على أثر ‪ .‬كم متنيته‪ ..‬مضطر أن أخربك بكل‬
‫شيء اآلن فهذا حقك‪ ،‬وأرجو أن تساحمين ‪.‬‬
‫قصصت على سعدون كل ما حدث وبعد‬
‫أن انتهيت فوجئت به جيهش وهو يعانقين‬
‫ويقول‪:‬‬
‫ ال أدري كيف أشكرك يا صديقي ‪ .‬ليتك‬‫فعلت معي ه��ذا من زم��ن‪ ،‬فاحلياة ليست‬
‫أرقاماً وحسابات فقط هناك أشياء أخرى‬
‫أكثر قيمة وفائدة ‪.‬‬
‫ثم جفف دموعه وأردف ‪:‬‬
‫ تباً لتجار هذا الزمان ومساسرته الذين‬‫صار كل شيء لديهم قابالً للبيع ‪ .‬صدقين أنا‬
‫لست كذلك لكنهم هم الذين دفعوني للسري‬
‫يف هذا الطريق ‪ .‬من أجل ذلك سأنتقم منهم‬
‫مجيعاً‪ .‬سآتي هبم إىل هنا لتغري خالياهم‬
‫وتقضي على نفوسهم املريضة اجلشعة ‪.‬‬
‫برقت عيين بربيق النجاح واالنتصار وأنا‬
‫أقول مؤكداً حبماس ‪:‬‬
‫ أجل ‪ .‬أحضرهم يل واحداً واحداً ودعين‬‫أنتزع خالياهم املادية القذرة ألزرع بدالً منها‬
‫خاليا وديعة رقيقة تشعر باجلمال وحتس‬
‫به ‪.‬‬
‫عندئذ فوجئت بسعدون ينتفض يف فراشه‬
‫ويصيح وهو يهز سبابته يف وجهي ‪:‬‬
‫ ولكن ال تنس عموليت ‪ % 40‬من تكاليف كل‬‫عملية يا ويزا ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪87‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قارئ األفكار‬

‫د‪ .‬عمار سليمان علي‬
‫ض��ج��ت ال��ق��ري��ة بالنبأ ال���ط���ازج‪ :‬ل��ق��د ع��اد‬
‫امساعيل السلوم من غربة دام��ت مخسني‬
‫عاماً‪.‬‬
‫أحست عاتكة بوخز قوي يف صدرها ساعة‬
‫مساعها النبأ‪ .‬ملاذا عاد؟ ما الذي جاء يفعله‬
‫بعد أن جتاوز السبعني من عمره؟ ليتين مت‬

‫‪88‬‬

‫قبل أن يعود‪ .‬ال أريد أن أراه‪.‬‬
‫قبل مخسني عاماً كانت عاتكة تشتهي أن‬
‫ترى امساعيل ولو من بعيد‪ .‬كانت واقعة يف‬
‫هواه حتى الثمالة‪ ،‬وكان سرها مفضوحاً بني‬
‫مجيع شباب القرية وصباياها‪ ...‬إال هو‪.‬‬
‫فلم يكن امساعيل يف ذلك الوارد يوماً‪ ،‬ألنه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫كان منقطعاً إىل الدراسة والقراءة واالنرتنت‪.‬‬
‫وعندما نبهه بعض رف��اق��ه إىل أم��ر عاتكة‬
‫ابتسم من ط��رف فمه وق��ال‪ :‬هل متزحون؟‬
‫أن��ا مل أالح��ظ شيئاً‪ .‬على كل ح��ال املشكلة‬
‫مشكلتها‪ ..‬وأنا ال أستطيع أن أفعل هلا شيئاً‪.‬‬
‫مل يكد ميض وقت طويل على هذه احلادثة‪،‬‬
‫اليت مل تعلم هبا عاتكة مطلقاً‪ ،‬ومل يعلم هبا إال‬
‫عدد حمدود من األشخاص على حال‪ ،‬حتى‬
‫كان امساعيل يطري إىل الواليات املتحدة لكي‬
‫يتابع دراسته على نفقة والده احلاج محدان‬
‫ال��ذي باع ج��زءاً من أرض��ه ليوفر البنه املال‬
‫الالزم ملصاريف السفر‪ .‬وبعد سنتني غابت‬
‫أخ��ب��ار امساعيل ع��ن القرية هن��ائ��ي�اً‪ ،‬تاركاً‬
‫والديه يف حسرة كبرية أدت خالل أشهر إىل‬
‫وفاهتما تباعاً‪ ،‬حزناً على ابنهما الوحيد‪.‬‬
‫تناهت إىل مسامع عاتكة‪ ،‬وهي جتلس وحيدة‬
‫يف غرفتها‪ ،‬أص���وات بعض النسوة اللواتي‬
‫جئن خصيصاً لكي يروا ردة فعلها على النبأ‪،‬‬
‫فهن من أبناء جيلها ويعلمن قصتها القدمية‬
‫مع امساعيل‪ .‬فكرت هل خت��رج إليهن لكي‬
‫تريهن أهنا غري مكرتثة بعودة امساعيل وأهنا‬
‫جت��اوزت حبه منذ وقت طويل‪ .‬صحيح أهنا‬
‫قضت مخس سنوات بعد رحيله ترتقب عودته‬
‫وتنتظر رجوعه‪ ،‬وتبكي يومياً لفراقه‪ ،‬ولكنها‬
‫بعد ذلك عادت إىل رشدها وتزوجت وأجنبت‬
‫أطفاالً ونسيت امساعيل السلوم هنائياً‪.‬‬
‫ما ه��ذا يا عاتكة؟ هل تكذبني على نفسك‬
‫أيضاً؟ أن�تِ مل تنسيه يوماً‪ ،‬ومل خيرج حبه‬
‫من قلبك أبداً‪ ،‬بل كان ينمو فيه يومياً‪ ،‬وبقيت‬
‫تفكرين ب��ه حتى بعد أن ت��زوج��ت وأجنبت‬
‫وك�بر أوالدك وت��زوج��وا وأجن��ب��وا وأصبحت‬
‫جدة‪ ،‬وقبل سنتني عندما تويف زوجك ازداد‬
‫تفكريك بامساعيل كثرياً وصار خياله يالزمك‬

‫ليل هن��ار‪ .‬غمرت دم��وع ساخنة وجه عاتكة‬
‫فأسرعت وأقفلت ب��اب غرفتها خمافة أن‬
‫تنس ّل إحدى النسوة إليها وتراها هبذه احلالة‪.‬‬
‫حسناً سأبقى يف غرفيت ولن أخرج منها ولن‬
‫أرى أحداً‪ ،‬وال حتى امساعيل السلوم نفسه‪.‬‬
‫ساعدني يا رب‪.‬‬
‫يف تلك األثناء كان امساعيل السلوم قد وصل‬
‫فعالً إىل منزل أهله املهجور منذ سنوات‬
‫طويلة‪ ،‬وراح يتأمل أحن��اءه ويستعيد بعضاً‬
‫من ذكرياته العالقة يف ذهنه‪ .‬دخل الغرفة‬
‫اليت كانت غرفته أيام الصبا‪ ،‬وهاله أهنا ال‬
‫ت��زال على حاهلا منذ غادرها قبل مخسني‬
‫عاماً‪ .‬يبدو أن والديه أرادا احملافظة عليها‬
‫كما تركها لكي تذكرمها به وليشما رائحة‬
‫أغراضه وكتبه وكمبيوتره‪.‬‬
‫يا إهل��ي ه��ذا الكمبيوتر الضخم ال��ذي كنت‬
‫أستخدمه يف تلك األيام ال يزال كما تركته‪.‬‬
‫أتراه يعمل؟ إنه يستحق أن يوضع يف املتحف‪.‬‬
‫وحت��س��س امس��اع��ي��ل ب��ي��ده شيئاً ف��وق أذن��ه‬
‫اليسرى‪ ،‬حيث زرع كمبيوتراً متطوراً جداً‪،‬‬
‫طوله سنتمرت واحد‪ ،‬وموصول بالدماغ الذي‬
‫يعطيه األوامر من خالل ذبذبات أفكار صاحبه‬
‫ويتلقى منه املعطيات على شكل ذبذبات أيضاً‬
‫يقوم بتحويلها بدوره إىل أفكار جديدة‪ .‬تابع‬
‫امساعيل جولته يف منزل أهله قبل أن خيرج‬
‫إىل صحن الدار ويرحب بأقاربه وأصدقائه‬
‫الذين جتمعوا حول املنزل بعد مساعهم النبأ‪.‬‬
‫نظر يف الوجوه فلم يعرف أحداً‪.‬‬
‫وق��د الح��ظ��وا ذل��ك رغ��م حماولته أن يصلح‬
‫امل��وق��ف ع�بر ت��وزي��ع الكثري م��ن االبتسامات‬
‫ال�ت�ي مل جت��د ن��ف��ع�اً‪ .‬ومل ينقذ امل��وق��ف إال‬
‫ع���ادل امل��ص��ط��ف��ى‪ ،‬ص��اح��ب��ه م��ن أي��ام‬
‫ال��ص��ب��ا‪ ،‬ح��ي��ث ت��ق��دم م��ن��ه وق���ال ل��ه‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪89‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قارئ األفكار‬
‫أه�لاً بامساعيل‪ .‬أمل تتذكر صديقك عادل‬
‫املصطفى يا رج��ل؟ وعندما صافحه عادل‬
‫أحس حبرارة سرت يف جسده فظن أهنا أمر‬
‫طبيعي بسبب املصافحة والشحنة العاطفية‪،‬‬
‫وجتاهل األمر‪ .‬وقام بعد ذلك بتذكريه بأمساء‬
‫املوجودين الذين صافحوه مجيعاً وأحسوا‬
‫حلظة مصافحته بنفس احلرارة العابرة اليت‬
‫أحس هبا عادل املصطفى‪.‬‬
‫انتقل اجلميع إىل مضافة القرية حيث جتمع‬
‫حشد كبري من رجال القرية ونسائها ترحيباً‬
‫بابن القرية الذي عاد من غربة طويلة‪ .‬ورغم‬
‫أن ع���ادل أراد أن ي��ري��ح صديقه م��ن عبء‬
‫مصافحة اجلميع‪ ،‬إال أن امساعيل أصرّ على‬
‫أن يصافحهم فرداً فرداً مبن فيهم األطفال‬
‫الصغار‪.‬‬
‫بعد انتهاء مراسم املصافحة جلس اجلميع يف‬
‫أماكنهم‪ ،‬وجلس امساعيل السلوم يف صدر‬
‫اجمللس‪ .‬طلبوا منه أن حيدثهم عن نفسه وعن‬
‫غربته‪ ،‬فأخربهم أنه بعد أن غادر البالد درس‬
‫يف الواليات املتحدة علوم الكمبيوتر وأتقنها‬
‫وبات من املربزين فيها‪ .‬سألوه‪ :‬هل تزوجت؟‬
‫هل عندك أوالد؟ فأجاب بالنفي قائالً‪ :‬أعترب‬
‫نفسي متزوجاً من العلم الذي وهبته حياتي‬
‫وأعطاني كامل الرضا عن نفسي‪.‬‬
‫ـ وملاذا انقطعت أخبارك هنائياً بعد سنتني من‬
‫رحيلك‪ .‬سأله أحد جمايليه‪.‬‬
‫ـ لقد مت اختياري لاللتحاق ب��أرق��ى معهد‬
‫ت��ك��ن��ول��وج��ي يف ال���ع���امل‪ ،‬وم���ن أه���م ش��روط‬
‫الدراسة فيه السرية املطلقة‪ ،‬حيث أمضينا‬
‫عشر سنوات ال نرى أحداً وال نتصل بأحد‪.‬‬
‫وبعد التخرج فاحتت أساتذتي بأمر العودة‬
‫إىل الوطن‪ ،‬فلم يسمحوا يل وانتدبوني للعمل‬
‫يف معهد آخر‪ ،‬سريّ أيضاً‪ ،‬بقيت أعمل فيه‬

‫‪90‬‬

‫حتى تقاعدي قبل شهر من اآلن‪ .‬وعندها‬
‫فقط مسحوا يل بالعودة إىل الوطن‪.‬‬
‫ـ أهالً وسهالً بك‪.‬‬
‫ـ هال حدثتنا عن شيء مما كنتم تصنعونه يف‬
‫معاهدكم السرية‪.‬‬
‫ـ كنا بالدرجة األوىل نطور كمبيوترات ورقائق‬
‫الكرتونية بالغة الصغر وق���ادرة على إجناز‬
‫عمليات تشبه عمليات الدماغ البشري‪ ،‬إمنا‬
‫بسرعة كبرية وبكفاءة تفوق ك��ف��اءة الدماغ‬
‫البشري مباليني املرات‪.‬‬
‫ـ أهلذا احلد وصل العلم لديكم؟ سبحان اللـه‪.‬‬
‫وهل جنحتم يف ذلك؟‬
‫ـ ال أستطيع إخباركم بكل ش��يء‪ ،‬فأنا كنت‬
‫أع��م��ل فقط على ج��زء صغري م��ن البحث‪،‬‬
‫وغريي على جزء خمتلف‪ ،‬وهكذا‪ ،‬حبيث ال‬
‫تتجمع معطيات البحث كاملة ً إال للربوفيسور‬
‫املشرف على البحث أو اللجنة املشرفة عليه‪.‬‬
‫وقف عادل املصطفى واستأذن اجلميع يف أن‬
‫يصطحب صديقه امساعيل لتناول الغداء يف‬
‫منزله‪ .‬كان امساعيل وع��ادل وحيدين على‬
‫م��ائ��دة ال��غ��داء عندما ب��دأ امساعيل حيدث‬
‫عادل عن بعض األمور اليت ال ميكن أن يعلمها‬
‫إال من كان مقيماً يف القرية‪ ،‬كاخلالف بني‬
‫آل اخلليل وآل السرحان‪ ،‬ووف��اة ابنة عادل‬
‫بالسرطان قبل عشرة أعوام‪ ،‬والصاعقة اليت‬
‫أصابت اجلزء الشمايل من مدرسة القرية منذ‬
‫سنتني‪ ،‬وأمور أخرى عديدة‪ .‬ذهل عادل متاماً‬
‫وراح يسأل صديقه عن مصدر معلوماته هذه‪،‬‬
‫لكن امساعيل اكتفى بالتبسم ومل حير جواباً‪.‬‬
‫قضى عادل ليلته حائراً يف حقيقة صديقه‬
‫امساعيل الذي بدا أنه مطلع على أدق تفاصيل‬
‫ما جيري يف القرية‪ ،‬مبا فيها قصص احلب‬
‫والغرام والزواج والطالق‪ ،‬بل إنه أخربه بأمور‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫قارئ األفكار‬
‫مل يكن هو نفسه يعرفها قبل تلك الساعة‪.‬‬
‫واللـه العظيم لو كان معنا كل الوقت ملا اطلع‬
‫على كل تلك األم��ور‪ ،‬فكيف وهو مسافر يف‬
‫أقصى العامل ومعزول‪ ،‬كما ادعى‪ ،‬عن العامل‬
‫اخلارجي طيلة تلك السنوات؟ أمر يضع العقل‬
‫يف الكف‪ ،‬وال بد أن وراءه سراً ما‪.‬‬
‫يف ص��ب��اح ال��ي��وم ال��ت��ايل ذه��ب ع���ادل لرؤية‬
‫صديقه امساعيل‪ ،‬لكنه مل يكن يف املنزل‪.‬‬
‫سأل عنه اجل�يران فأخربوه أنه غ��ادر املنزل‬
‫منذ الصباح الباكر‪ .‬أين ذهب يا ترى وهو‬
‫ال يكاد يعرف أح��داً يف القرية؟ فكر عادل‪،‬‬
‫وقرر العودة إىل منزله عرب طريق الكروم لكي‬
‫يتفقد يف الطريق أرض��ه ال�تي مل يتفقدها‬
‫منذ أسبوع‪ .‬مسع عادل مهساً ووشوشة ثم‬
‫صوتاً عالياً شبيه بصوت امساعيل‪ ،‬وعندما‬
‫اقرتب أكثر من مصدر الصوت تأكد أنه هو‬
‫امساعيل وق��د ك��ان يكلم يوسف السرحان‪،‬‬
‫ومل يفهم عادل من احلديث إال بعض األرقام‪.‬‬
‫اختبأ قليالً وراء شجرة زيتون ضخمة إىل أن‬
‫غادر امساعيل متجهاً حنو القرية فيما جلس‬
‫يوسف على األرض وعالئم الغضب والتوتر‬
‫بادية عليه‪ .‬اقرتب منه عادل بعد أن تأكد من‬
‫ابتعاد امساعيل‪ ،‬رغبة منه يف فهم ما جيري‪.‬‬
‫ـ السالم عليكم يا أخي يوسف‬
‫ـ وعليكم السالم ورمحة اللـه وبركاته‪ .‬أجاب‬
‫يوسف حماوالً إظهار شيء من رباطة اجلأش‪.‬‬
‫ـ ما األخبار؟ ماذا تفعل هنا يف هذه الساعة؟‬
‫ـ كنت أتفقد أرضي‬
‫ـ ولكن أرضك بعيدة من هنا‪ .‬هل كان معك‬
‫أحد ما؟ كأني مسعتك تتحدث بصوت عال‪.‬‬
‫ـ ال ال لقد كنت لوحدي رمبا كنت أدندن ببعض‬
‫األغاني كعادتي‪ ،‬فخيل إليك أنين أحتدث مع‬
‫أحد‪.‬‬

‫ودع��ه ع��ادل وه��و مندهش من نفي يوسف‬
‫ل��وج��وده م��ع امس��اع��ي��ل‪ ،‬وت��اب��ع طريقه حنو‬
‫أرضه ثم قفل عائداً إىل القرية حيث التقى‬
‫بامساعيل يف ساحة القرية برفقة بعض‬
‫الرجال‪ .‬سلم عادل عليهم واستأذهنم وأخذ‬
‫امساعيل جانباً ليسأله عما كان يفعله يف‬
‫الكروم؟‬
‫ـ الكروم؟ أنا؟ مل تطأ رجلي طريقها أبداً‪.‬‬
‫ـ لكين متأكد أن�ني رأيتك تتكلم مع يوسف‬
‫السرحان‪.‬‬
‫ـ ي��ب��دو أن��ك ب��دأ خت��رف ي��ا صديقي‪ .‬قاهلا‬
‫امساعيل بني املزح واجلد‪.‬‬
‫بات عادل ليلته الثانية على التوايل يف أرق‬
‫شديد بسبب ما اعتربه لغزاً كامناً وراء صديق‬
‫صباه امساعيل السلوم‪ ،‬دون أن يهتدي إىل‬
‫حل أسراره‪ .‬وما أدهشه كثرياً هو السرعة اليت‬
‫اخنرط فيها امساعيل مع أهل القرية مجيعاً‬
‫صغاراً وكباراً‪ ،‬رج��االً ونساءً‪ ،‬وخالل يومني‬
‫أص��ب��ح ينتقل م��ن بيت لبيت‪ ،‬بكل بساطة‬
‫وبدون أي تكلف‪.‬‬
‫وصار يكثر من األحاديث اجلانبية مع رجال‬
‫مل يتعرف إليهم إال باألمس‪ ،‬وخيال املراقب‬
‫أن بينه وبينهم أسراراً خطرية‪ .‬يا إهلي‪ ،‬هل أنا‬
‫أبالغ يف هواجسي؟ لعله من الطبيعي لرجل‬
‫غ��اب مخسني ع��ام�اً ع��ن القرية أن حي��اول‬
‫االندماج مع أهلها م��ادام قرر‪ ،‬كما قال‪ ،‬أن‬
‫يعيش بينهم األيام الباقية له من احلياة‪ ،‬وهي‬
‫ليست كثرية كما أسر يل يف ليلته األوىل بسبب‬
‫إصابته بنوع خبيث من سرطانات الدم‪ ،‬وكان‬
‫ه��ذا ه��و السبب احلقيقي ل��ع��ودت��ه‪ ...‬لكي‬
‫ميوت ويدفن يف قريته‪ .‬ولكن ما قصة اللسعة‬
‫احل���راري���ة ال�ت�ي أح��س��س��ت هب��ا حلظة‬
‫مصافحته األوىل يل‪ ،‬وال�ت�ي ق��ال يل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪91‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قارئ األفكار‬
‫أكثر من شخص يف القرية إهنم أحسوا مبثلها؟‬
‫صحيح أن�ن�ي مل أش��ع��ر هب��ا يف مصافحاتي‬
‫الالحقة له‪ ،‬لكن لسعها مازال حياً يف ذاكرتي‪،‬‬
‫ألن له طعماً غريباً ال يشبه أي شيء آخر يف‬
‫الوجود‪.‬‬
‫يف ال��ي��وم ال��ت��ايل اكتشف ع���ادل أن صديقه‬
‫امساعيل قد زار خالل إقامته القصرية معظم‬
‫بيوت القرية‪ ،‬وعرف مجيع سكاهنا ما خال بيت‬
‫واح��د هو بيت أرملة حممود جابر‪ ،‬عاشقته‬
‫القدمية عاتكة‪ ،‬رغ��م أن��ه تعرف إىل أبنائها‬
‫وبناهتا وأحفادها يف مناسبات متفرقة‪.‬‬
‫سأله عادل بلهجة خبيثة‪ :‬أال ترغب يف زيارة‬
‫عاتكة؟‬
‫ـ مل ال‪ .‬لنذهب‪.‬‬
‫ذهبا مباشرة إىل منزل عاتكة‪ .‬استقبلهما‬
‫أوالدها ثم أخربوا والدهتم املنزوية يف غرفتها‬
‫منذ وص��ول امساعيل‪ ،‬فاستغربت وب��دا على‬
‫وجهها خليط من املشاعر املتناقضة‪:‬دهشة‬
‫وفرح وسخط والمباالة‪...‬‬
‫ـ أهالً وسهالً بالضيوف‪ .‬قالت عاتكة وجلست‬
‫مباشرة على أق��رب كرسي دون أن تصافح‬
‫الضيفني‪.‬‬
‫هن��ض امس��اع��ي��ل م��ن كرسيه وت��وج��ه حنوها‬
‫مصافحاً‪ :‬كيف أنت يا عاتكة‪.‬‬
‫ـ اع��ذرن��ي ألن��ي ت��وض��أت قبل قليل وال أري��د‬
‫إفساد وضوئي‪.‬‬
‫عاد امساعيل حنو كرسيه‪ :‬ال عليك ال عليك‪.‬‬
‫ك��ان��ت نظراهتما تلتقيان للمرة األوىل منذ‬
‫مخسني سنة‪ .‬وفجأة وقفت عاتكة وصرخت‪:‬‬
‫مستحيل‪ .‬أنت لست امساعيل السلوم‪.‬‬
‫ألقت عاتكة قنبلتها وعادت هبدوء حنو غرفتها‪،‬‬
‫وه��ي حتمد اللـه أن من رأت��ه أمامها مل يكن‬
‫امساعيل السلوم ال��ذي تنتظره منذ مخسني‬

‫‪92‬‬

‫عاماً‪ .‬حلق هبا عادل الذي استفزه املشهد وقرع‬
‫باب غرفتها ثم دخل سائالً‪ :‬لكن كيف تأكدت‬
‫أنه ليس امساعيل‪.‬‬
‫ـ ال أعتقد ان أحداً يف القرية يعرف امساعيل‬
‫وحيفظ مالحمه أكثر مين‪ ،‬وأنا واثقة أن هذا‬
‫الشخص ليس امساعيل السلوم‪.‬‬
‫يف اخل���ارج ك��ان أح��د أب��ن��اء عاتكة حي��اول أن‬
‫خيفف عن الضيف وأن يفسر له موقف أمه‬
‫املستغرب‪ :‬رمب��ا ه��ذا بسبب رغبتها يف أال‬
‫تعود إىل القرية بعد هذا الغياب الطويل‪ .‬لكن‬
‫عالئم االنزعاج كانت بادية بوضوح على وجه‬
‫امساعيل الذي غادر املنزل بسرعة وحتى قبل‬
‫أن خيرج صديقه عادل ملرافقته‪.‬‬
‫خرج عادل حماوالً اللحاق بصديقه دون جدوى‪،‬‬
‫وحبث عنه يف أحناء القرية‪ ،‬ومل يعثر له على‬
‫أثر‪ ،‬وعندما دخل منزل أهله اكتشف أن حقائبه‬
‫وأغراضه الشخصية ليست موجودة‪ .‬هل غادر‬
‫هنائياً؟ هل هو امساعيل حقاً أم كما قالت‬
‫عاتكة شخص آخ��ر؟ أح��س ع��ادل ب��أن اللغز‬
‫الذي شغله منذ وصول صديقه امساعيل يزداد‬
‫تعقيداً‪ ،‬ويبدو أنه لن حيل مادام امساعيل أو‬
‫شبيه امساعيل قد غادر القرية‪ ،‬رمبا عائداً‬
‫إىل بالد الغربة‪.‬‬
‫لكن التعقيد احلقيقي جتلى خالل الساعات‬
‫اليت تلت مغادرة امساعيل للقرية‪ ،‬فقد اكتشف‬
‫عادل أن امساعيل قد ابتز معظم أهل القرية‬
‫مبا يعرفه من أسرار عنهم مجيعاً‪ ،‬وقبض منهم‬
‫مبالغ يصل جمموعها إىل حوايل مخسة ماليني‬
‫لرية‪ ،‬لكي يسكت عنهم‪ ،‬وال يفشي بأسرارهم‬
‫الكفيلة‪ ،‬فيما لو انفضحت‪ ،‬بإحداث زلزال أو‬
‫زالزل قوية يف القرية‪.‬‬
‫أيقن عادل أن عاتكة على حق‪ ،‬وأن هذا الذي‬
‫أمامه ليس امساعيل بل شخص نصاب يشبهه‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫قارئ األفكار‬
‫ولكن هذا ال حيل اللغز األساسي‪ ،‬وهو كيف عرف‬
‫ذلك النصاب أسرار القرية مجيعها‪ ،‬واستطاع‬
‫ابتزاز أهلها بتلك الرباعة وبتلك السرعة‪ .‬مل جيد‬
‫عادل أمامه‪ ،‬وهو ضابط الشرطة املتقاعد‪ ،‬إال‬
‫أن يبلغ السلطات األمنية اليت‪ ،‬بدورها‪ ،‬عممت‬
‫اسم امساعيل وصورته على املنافذ احلدودية‪.‬‬
‫يف اليوم التايل استدعي عادل إىل مركز الشرطة‪،‬‬
‫وأخربه الضابط املسؤول أهنم ألقوا القبض على‬
‫الشخص النصاب‪ ،‬لكنه يرفض الكالم ويرفض‬
‫االع�ت�راف‪ .‬وطلب الضابط من ع��ادل أن يديل‬
‫بشهادته ويواجهه بكل ما فعله بأهل القرية‪.‬‬
‫ام��ت��ث��ل ع���ادل ودخ���ل إىل غ��رف��ة التحقيق مع‬
‫«صديقه امساعيل» فرآه حمبطاً مكتئباً‪.‬‬
‫ـ ملاذا فعلت ذلك؟ هل أنت امساعيل أم شخص‬
‫يشبهه؟‬
‫ـ هل تتشاطر اآلن؟ أن��ت وك��ل أه��ل القرية مل‬
‫يكتشفوني‪ ،‬ووح��ده��ا عاتكة عرفتين‪ .‬لوالها‬
‫لنجوت بفعليت ولغادرت بالسر دون أن ينتبه أحد‬
‫إىل األمر إال بعد فوات األوان‪.‬‬
‫ـ أمحد اللـه الذي هداني لكي أصطحبك إليها‬
‫وأكتشف حقيقتك اليت مل أعرفها حتى اآلن؟ من‬
‫أنت؟‬
‫ـ أنا امساعيل ولست امساعيل‪.‬‬
‫ـ مل أفهم‪.‬‬
‫ـ أن��ا فعلياً امساعيل اب��ن قريتكم وصديقكم‬
‫القديم‪ .‬ولكن أج��ري يل يف الغربة سلسة من‬
‫العمليات من نوع اهلندسة الوراثية اليت تتالعب‬
‫بالصبغيات واملورثات‪ ،‬فأصبحت خليطاً عجيباً‬
‫من الصفات املتناقضة‪ ،‬أو قل أصبحت شخصاً‬
‫متعدد الشخصيات‪ .‬ف��أن��ا أح��ي��ان�اً امساعيل‬
‫وأحياناً لست امساعيل أو قل عكس امساعيل‪.‬‬
‫ـ ومن أين حصلت على أسرار القرية اليت ابتززت‬
‫هبا أهلها؟‬

‫ـ آخر عملية أجريت يل كانت لتجريب رقاقة‬
‫الكرتونية صغرية جداً مزروعة هنا قرب الدماغ‬
‫وموصولة به‪ ،‬باإلضافة إىل جمسات ملمرتية يف‬
‫اليد اليمنى تستطيع خالل فمتوثانية أن حتصل‬
‫على مجيع املعلومات املخزنة يف دماغ الشخص‬
‫الذي أصافحه‪...‬‬
‫ـ آ‪ ..‬هذا هو إذن سبب اللسعة احلرارية اليت‬
‫أحسسنا هبا مجيعاً عند مصافحتك‪.‬‬
‫ـ عند أول مصافحة فقط‪ ،‬وبعدها يصبح‬
‫ال��ش��خ��ص م��ع��روف��اً وال داع����ي ل�لات��ص��ال‬
‫بدماغه‪.‬‬
‫ـ ولكن كيف استطعت اهل��رب من املعاهد‬
‫السرية اليت قلت إنك كنت تعمل هبا وأنت‬
‫حتمل هذه األجهزة املتطورة؟‬
‫ً‬
‫ـ يا صديقي أن��ا مل أدخ��ل معهدا سرياً يف‬
‫حياتي‪ ،‬ومل أك��م��ل تعليمي ق��ط‪ .‬وعندما‬
‫انقطعت أخباري عنكم بعيد سفري بسنتني‬
‫كنت مسجوناً بتهمة االحتيال‪ ،‬وهذي هتمة‬
‫لفقها يل أح��ده��م‪ ،‬لكي يبتزني بعد ذلك‬
‫وجي�برن��ي‪ ،‬م��ق��اب��ل إط�ل�اق س��راح��ي‪ ،‬على‬
‫املشاركة يف جتاربه اليت حدثتك عنها‪ .‬حتى‬
‫قصة إصابيت بالسرطان هي كذبة اختلقتها‬
‫لكي أستدر عطفك وعطف أهل القرية‪.‬‬
‫أما كيف هربت مع هذه األجهزة السرية‪،‬‬
‫فأنا مل أه��رب‪ ،‬بل هم أرسلوني يف مهمة‬
‫سرية جتسسية إىل وط�ني‪ ،‬وال أدري كيف‬
‫خالفت األوامر وأحببت أن ابدأ بالتجسس‬
‫واالحتيال على أهل قرييت‪ .‬ال ال لست أنا‬
‫امساعيل السلوم من فعل ذلك‪ ،‬بل شخص‬
‫آخر موجود يف داخلي كما أخربتك‪ ،‬ووحدها‬
‫عاتكة اليت أحبتين بصدق اكتشفت احلقيقة‪،‬‬
‫ألن احلب يبقى أقوى من العلم‪ ،‬وألن القلب‬
‫البشري يظل أكثر كفاءة من التكنولوجيا‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪93‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الرحـلة‬

‫جمدى حممود جعفر‬
‫‪ ..‬ثوانٍ ‪ ،‬بضع ثوانٍ فقط‪ ،‬كلما حاولت أن أمر‬
‫عليها عابراً ‪ ..‬فشلت‪ ،‬ماليني الثواني مررت‬
‫هبا دون أن توقفين أو أشعر هبا ‪ ..‬إال هذى‬
‫الثواني‪ ،‬الزمن توقف عندها ‪ ..‬لتسبب يل‬
‫صداعاً مزمناً وأرقاً ‪ ..‬قد يسري الزمن هادئاً‬

‫‪94‬‬

‫بعذوبة ورقة‪ ،‬مير كنسمة فجر ندية ‪ ..‬وقد‬
‫يثور كموجة خادعة تسحبنا يف دوامة وتلقينا‬
‫يف قاع حميط ال قرار له ‪ ..‬قد يثور كأسدٍ‬
‫جائع يفرتس أحالمنا واللحظات احللوة ‪.‬‬
‫‪ ..‬ث���وانٍ ‪ ..‬ث���وانٍ م��ع��دودات ت��وق��ف الزمن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫عندها‪ ،‬التصقت بذهين‬
‫فشتته ورسخت يف قليب فأعيته‪ ،‬حاولت‬
‫أن أسرهبا خارج نفسي‪ ،‬حاولت أن أخنقها‬
‫ب��ي��ديّ‪ ،‬ح��اول��ت أن أدف��ن��ه��ا ‪ ..،‬ح��اول��ت ‪..‬‬
‫وحاولت ‪ ..‬ولكنى فشلت‪ ،‬ومل يكن أمامي بُد‬
‫من اجمليء إىل هنا ‪ !..‬ما هذا ؟‪ ..‬موسيقى‬
‫ه��ادئ��ة‪ ،‬وأن���وار خافتة‪ ،‬ولوحة معلقة على‬
‫اجلدار حتتل مساحة كبرية من اجلدار املقابل‬
‫للسرير الذى أمتدد عليه ‪ :‬مشس تولد من‬
‫رحم فجر‪ ،‬األمل ‪ ..‬أى أمل يا دكتور!‪ ..‬ال‬
‫تظن يا دكتور أنك صياد ماهر وتستطيع أن‬
‫متسك باللحظات اهلاربة ‪ ..‬أو تقبض على‬
‫اجلرثومة اليت تنهش نفسي وتقلق مضجعي‪.‬‬
‫خت���رج ص�ل�اح يف كلية اهل��ن��دس��ة وحياته‬
‫مسطرة وقلم وفرجار‪ ،‬اتسمت حياته بالدقة‬
‫والنظام ‪ -‬كرسوماته وتصميماته ‪ .. -‬بزَّ كل‬
‫أقرانه وصعد بسرعة الصاروخ ‪ ..‬ذاع صيته‬
‫وانتشر كأمهر‬
‫مهندس يف بر مصر‪ ،‬أخذ املنحنى يصعد‬
‫به‪ ،‬و يثب وثبات حمسوبة بدقة‪ ،‬وفى رحلة‬
‫القفز والصعود وحماولة بلوغ القمة صادفها‬
‫هناك الشاطئ ‪.‬‬
‫آالف النساء التقيت هب��ن‪ ،‬يف ال��ش��ارع‪ ،‬يف‬
‫الكلية‪ ،‬حتى فنانات السينما املشهورات‪،‬‬
‫وأغلبهن التقيت هبن وجلست معهن مرات‬
‫وم���رات‪ ،‬صممت هل��ن الفيالت والقصور‪،‬‬
‫أي منهن قليب‪ ،‬ومل‬
‫وأب���داً أب���داً مل خت�ترق ٍ‬
‫ت��ت��ح��رك م��ش��اع��ري ق���ط‪ ،‬رغ���م تلميحات‬
‫بعضهن وتصريح األخريات‪ ،‬حتى الراقصة‬
‫املشهورة اليت رقصت يل وح��دي يف الفيال‬

‫اليت صممتها هلا‪ ،‬وحاولت أن توقعين يف تلك‬
‫الليلة لكنها فشلت ‪ ..‬أتضحك‪ ..‬؟!‬
‫اضحك يا دكتور ‪..‬‬
‫أنا واثق يا دكتور أنك لو كنت طبيباً للممثالت‬
‫أو الراقصات لضعفت ومن يدرى ‪ ...‬رمبا‬
‫لو ام��رأة لعوب‪ ،‬أية ام��رأة لعوب ج��اءت إىل‬
‫عيادتك‪ ،‬ومتددت على هذا السرير‪ ،‬وكشفت‬
‫عن ساقيها‪ ،‬و ‪ ..‬عفواً‪ ،‬عفواً يا دكتور‪ ،‬أنا‬
‫فقط قلت ‪ ..‬رمبا ‪ ..‬نعم ‪ ..‬نعم يا دكتور‬
‫‪ ..‬مل أر يف أي منهن مجاالً‪ ،‬وال يف أي امرأة‬
‫أخرى‪ ،‬حتى صادفتها هناك على الشاطئ !!‬
‫كانت متسك دف�تراً وقلماً‪ ،‬وتتابع بعينيها‬
‫اجلميلتني الشمس وه��ي تغيب يف البحر‬
‫‪ ..‬قالت ‪ " :‬يف الصباح خترج الشمس من‬
‫البحر‪ ،‬تلف الدنيا‪ ،‬كل الدنيا‪ ،‬تعطى البشر‬
‫وال��ن��ب��ات واحل��ي��وان وك��ل املخلوقات النور‬
‫والدفء‪ ،‬ثم تعود آخر النهار لتنام يف حضن‬
‫البحر " ‪ ..‬تسللت إىل قليب هبدوء ونعومة كما‬
‫يتسلل ضوء الشمس من خصاص الشباك‪،‬‬
‫فيبدد عتمة الغرفة املغلقة ‪ ..‬أبداً ‪ ..‬أبداً يا‬
‫دكتور‪ ،‬أنا لست بشاعر‪ ،‬وال حاولت الشعر‬
‫يوماً‪ ،‬ولكنى أحببت الشعر يوم أن أحببتها ‪..‬‬
‫أتعرف يا دكتور ‪ ..‬أني اكتشفت أن اهلندسة‬
‫شعر‪ ،‬كما اكتشفت‬
‫هي أن الشعر هندسة !! فحينما يكون احلب‪،‬‬
‫تكون حلظات الكشف والتجلي ‪ ..‬ياه ياه يا‬
‫دكتور‪ ،‬صور وحكايات وذكريات‬
‫تنسال على ال��ذاك��رة‪ ،‬وتتدافع كلها حتاول‬
‫أن تقفز‪ ،‬أع��رف أنك اآلن كمخرجي‬
‫السينما‪ ،‬ستأخذ هذه الصور‪ ،‬وهذه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪95‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الرحـلة‬
‫ال��ل��ق��ط��ات تركبها وت��رت��ب��ه��ا‪ ،‬ورمب���ا تصري‬
‫كاإلحصائي تبوهبا وجتدوهلا وحتوهلا إىل‬
‫أرقام ورسومات ومنحنيات ‪..‬‬
‫‪ ..‬فوجئت بي ذات مرة وحنن نتأمل البحر‪،‬‬
‫وهو حيتضن الشمس وقت الغروب‪ ،‬بأني‬
‫أخ���رج ش��ري��ط ال��ق��ي��اس وم��س��ط��رة ومنقلة‬
‫وأوراق�����اً‪ ،‬وأوق��ف��ت��ه��ا ُق��ب��ال�تي ورح���ت أقيس‬
‫خصرها‪ ،‬وأسجل مقاسه على الورق‪ ،‬وأقيس‬
‫عنقها‪ ،‬ظنت يف البداية أن��ى سأشرتي هلا‬
‫فستاناً‪ ،‬ولكين ملا رحت أقيس وركها وكعبها‬
‫وطول قدمها‪ ،‬تسرب إليها شك‪ ،‬وانفجرت‬
‫ضاحكة مل��ا رأت�ني أقيس املسافة ب�ين نينّ‬
‫عينيها وطول أنفها‪ ،‬وحميط فتحيت األنف‬
‫وطول اهلدب وطول شعرة ال��رأس‪ ،‬وارتفاع‬
‫اخلدين‪ ،‬وانسيابية الذقن‪ ،‬وحجم الصدر‪،‬‬
‫وقطري هنديها‪.‬واستلقت على بطنها من‬
‫الضحك وهى تراني أمسك باآللة احلاسبة‪،‬‬
‫أمجع وأض��رب وأط��رح وأقسم‪ ،‬وق��رأت اجلا‬
‫واجلتا والظا والظتا وزواي��ا ارتفاع وزواي��ا‬
‫اخنفاض‪ ،‬صرخت‬
‫ضاحكة ‪:‬‬
‫" ماذا تفعل يا جمنون ؟ "‬‫طول عمري يا دكتور وأنا أعشق التناسب بني‬
‫األشياء‪ ،‬وأرى اجلمال يف هذا التناسب وهذا‬
‫التناسق‪ ،‬فإذا اختل هذا التناسب يكون القبح‬
‫‪ ..‬كان تناسباً عجيباً ودقيقاً‪ ،‬ذلك التناسب‬
‫والتناسق الذى شدني إليها يف البداية‪ ،‬وأكدته‬
‫علوم اهلندسة واحلساب ‪ ..‬كان أعظم معمار‬
‫هندسي أكتشفه يف حياتي ‪ ..‬كنت أحدثها‬
‫عن التناسب والتناسق يف الكون‪ ،‬وأحدثها‬

‫‪96‬‬

‫عن التناسب والتناسق الذى جيمع تقاطيعها‬
‫ومالحمها‪ ،‬ويلم كل أعضائها يف منظومة‬
‫متكاملة‪ ،‬فتبدى ارتياحاً‪ ،‬وأملح فرحة تكاد‬
‫تنط من عيبنها ‪..‬تصور ‪ ..‬تصور يا دكتور‬
‫أن هذا اجلسد املتناسب واملتناسق حيمل‬
‫بني جنبيه نفساً شاعرة مرهفة‪ ،‬تذوب رقة‬
‫وعذوبة‪ ،‬أذكر ‪ ..‬أذكر يا دكتور أهنا فاجأتين‬
‫بقوهلا ‪" :‬أتقرأ الشعر ؟!" قلت متلعثما ‪" :‬‬
‫أحياناً "‪ ،‬قالت ‪ :‬ملن تقرأ ؟ "‪ ،‬أجهدت الذاكرة‬
‫وقلت "‪ ،"......‬ضحكت و قالت " أتقرأه ألنه‬
‫مهندس " وألول م��ره أع��رف أن��ه مهندس‪،‬‬
‫فقلت خجالً "رمب��ا" ودخل الشعر يف دائرة‬
‫اهتماماتي وأصبحت دواوي��ن الشعر تزاحم‬
‫كتب اهلندسة أرفف مكتبيت ‪.‬‬
‫‪ ..‬ال��غ��ري��ب ‪ ...‬ال��غ��ري��ب ي��ا دك��ت��ور أن كل‬
‫قصائدها ال�تي نُشرت وال�تي مل تُنشر‪ ،‬مل‬
‫تتحدث فيها عن الرجل‪ ،‬الذي من املفرتض‬
‫أن���ه حم���ور اه��ت��م��ام أي أن��ث��ى‪ ،‬ومل أمل���ح يف‬
‫قصائدها أي ملمح أو إشارة لفارس كان يف‬
‫حياهتا أو فارس تنتظره‪ ،‬فلم تُشر إىل الرجل‬
‫ال��ذي سقط من قرص الشمس إال بعد أن‬
‫التقينا ! قالت ‪" :‬أنبأني قليب ب��أن حبييب‬
‫سيسقط من قرص الشمس وقت الغروب‬
‫وهي حتتضن البحر "‬
‫‪ ..‬وكنت أنا يا دكتور ابن الشمس املنتظر‪،‬‬
‫الذي أشرق يف قلبها‪ ،‬وألول مرة أرى احلب‬
‫يف ومضة العني‪ ،‬وفرحتها عند اللقاء‪ ،‬يدها‬
‫الطرية يف يدي‪ ،‬رقيقة ناعمة‪ ،‬تعانق قليب‪،‬‬
‫حنلق طرباً على الشاطئ‪ ،‬ونسمات البحر‬
‫تداعب خصالت شعرها األشقر اجلميل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫الرحـلة‬
‫‪ ..‬أحبر يف عينيها الزرقاوين‪ ،‬بصوت رائق‪،‬‬
‫تلقي على قليب ما كتبت من أشعار‪ ،‬وألول مرة‬
‫أكتشف أني كلمة حلوة خترج من قلبها‪ ،‬أراني‬
‫على شفتيها الرقيقتني معنى مجيالً‪ ،‬حلناً‪،‬‬
‫عصفوراً من عصافري الكناريا‪ ،‬هنراً من حب‬
‫مُصفى ‪ " :‬سأتيه دالالً يا حبيبيت ‪ "..‬تد ّله‬
‫يا قمري‪ ،‬فأنت قطرات ضوء تسَّاقطت على‬
‫قليب ‪ "..‬وما عاد يا دكتور البحر هو البحر‪،‬‬
‫وال القمر هو القمر‪ ،‬وال الزهر هو الزهر‪،‬‬
‫وال األرض هي األرض‪ ،‬وال الناس هم الناس‪،‬‬
‫وال احلياة هي احلياة وما عادت رسوماتي و‬
‫تصميماتي هي رسوماتي و تصميماتي ‪"..‬‬
‫سأسكنك يا حبيبيت قصراً‪ ،‬ليس له مثيل‬
‫على األرض "‬
‫كنت يا دكتور مشدوهاً‪ ،‬ويف حالة وجد‪ ،‬وأنا‬
‫أصمم هذا القصر حلبيبيت‪ ،‬مل أشعر باملكان‬
‫وال بالزمان‪ ،‬وال باجلوع وال بالعطش‪ ،‬فكرت‬
‫يف دمي��وم��ة احل��ب وص�يرورت��ه وخ��ل��وده‪ ،‬يف‬
‫اجلسد الذي ال يبلى‪ ،‬والزمن الذي ال يفنى‪،‬‬
‫ودرس��ت تصميمات الفراعنة‪ ،‬والبابليني‪،‬‬
‫و اآلشوريني‪ ،‬عرَّجت على اهلند و الصني‪،‬‬
‫شرَّقت وغرَّبت يا دكتور وهي ال تغادر عقلي‬
‫وال تفارق خيايل‪ ،‬أمسعها حلناً مجيالً يف‬
‫دقات قليب‪ ،‬أنفاساً دافئة ترتدد يف صدري‪،‬‬
‫سألتين ‪ " :‬كم لبثت يف تصميم هذا القصر؟‪،‬‬
‫قلت يوماً أو بعض يوم‪ ،‬ضحكت و قالت ‪" :‬بل‬
‫لبثت سنني‬
‫ع��دداً "نظرتُ يف عينيها الزرقاوين وقلت‬
‫دهشاً ‪ :‬ما زلت أنا كما غادرتك‪ ،‬ذقين حليق‬
‫وشعري قصري ووجهك كالصبح إذا تنفس‬

‫‪ ....‬وام��ت��دت يداها احلانيتان تتحسسان‬
‫وجهي‪ ،‬وكأم رؤوم تدلك فروة رأسي‪ ،‬ودفنت‬
‫رأس����ي يف ص���دره���ا‪ ،‬واس��ت��ح��ل��ب��ت احل��ن��ان‬
‫قطرات‪ ،‬وأحسست بأني أنكمش وأنكمش‬
‫وأص�ير طفالً‪ ،‬أحتل رجليها‪ ،‬هتدهد عليَ‬
‫وحتكي يل عن جنة ربنا ‪ -‬اليت نعود فيها‬
‫شباباً‪ ،‬خنلد فيها وال من��وت‪ ،‬هنمس حُباً‪،‬‬
‫نغين فيها ونرقص‪ ،‬بال قيود بال حدود‪ ،‬و‪..‬‬
‫غفوت على صدرها أو على قلبها وصحوت‬
‫وهي مل تزل تتحدث عن جنة ربنا !‬
‫قلت ‪ :‬يف تصميماتي هدمت نظريات وبنور‬
‫حبنا ابتدعت نظريات‪ ،‬أهلمين حبك رؤى‬
‫وأف��ك��اراً‪ ،‬أخرجت أوراق���ي ودف��ات��ري وقلت‬
‫انظري إىل رسوماتي واقرأي أفكاري ‪ ..‬وألول‬
‫م��رة ‪ -‬أرى يا دكتور ‪ -‬سحابة من احلزن‬
‫تغيم يف عينيها‪ ،‬كانت تنظر إيلَّ وأشعر بأهنا‬
‫حتبس يف قلبها األخضر مهاً ‪ ..‬قلت حبيبيت‬
‫و مليكيت حتبس يف عينيها دموعاً ‪ -‬كيف؟‬
‫وكأني نكأت جُرحاً‪ ،‬فانفجرت باكية تنهمر‬
‫الدموع من عينيها كشالل‪ ،‬كنت ال أصدق‪،‬‬
‫فماذا جرى ؟ ‪ ..‬قالت ‪:‬‬
‫ان��ظ��ر إىل ع��ي�نيَّ‪ ،‬قلت ‪ :‬مجيلتان كصحو‬
‫السماء بعد إمطار ‪ ..‬قالت ‪ :‬انظر إىل وجهي‬
‫وإىل جيدي وإىل عنقي أال ترى آثار الزمن‬
‫عليها‪ ،‬أال ت��رى جتاعيد ال��وج��ه وكرمشة‬
‫اجللد‪.‬‬
‫ضحكت وقهقهت وقلت ‪:‬ما هذه التخيالت‬
‫يا حبيبيت‪ ،‬لو رأي��ت تصميماتي‪ ،‬وق��ر أتى‬
‫نظرياتي لعرفت أنى جنحت يف إيقاف‬
‫الزمن ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪97‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الرحـلة‬
‫قلت ي��ا دك��ت��ور ‪ :‬م��ن أدرك���ه احل��ب وه��و يف‬
‫الثالثني سيتوقف به الزمن عند الثالثني‪،‬‬
‫ومن أدرك��ه احلب يف األربعني سيتوقف به‬
‫ال��زم��ن عند األرب��ع�ين‪ ،‬وت��ب��دأ حياة جديدة‬
‫ختتلف عن احلياة األوىل‪ ،‬فاحلياة األوىل‬
‫بدأت بلقاء منىٍ ببويضة‪ ،‬أما احلياة الثانية‬
‫ب��دأت بالتقاء رُوح�ين‪ ،‬بتقابل نفسني‪ ،‬قلب‬
‫يذوب يف قلب‪ ،‬ونفس تنصهر يف نفس ‪.‬‬
‫حني صادفت رُوح��ي رُوحها على الشاطئ‪،‬‬
‫وتعانقا عناقاً ح��اراً‪ ،‬اهنالت ال��رؤى وتوالت‬
‫االكتشافات والفتوحات والفيوضات‪ ،‬العني‬
‫م��ا ع���ادت ه��ي ال��ع�ين‪ ،‬واألن���ف م��ا ع��اد هو‬
‫األنف‪ ،‬واألذن ما عادت هي األذن‪ ،‬واجللد‬
‫ما ع��اد هو اجللد‪ ،‬اللغة نفسها ما عادت‬
‫هي اللغة‪ ،‬صار حلبنا يا دكتور لغة خاصة‬
‫ورموزاً‪ ،‬وشفرات‪ ،‬رمبا يأتي بعد ألف عام أو‬
‫يزيد من يفك رموزها كما فعل شامبليون مع‬
‫لغة الفراعنة‪ ،‬سيكون كشفاً عظيماً‪ ،‬وحتوالً‬
‫هائالً يف حياة البشرية‪ .. ،‬نعم ‪ ..‬نعم يا‬
‫دكتور كان البد أن تكون تصميمات احلياة‬
‫الثانية خمتلفة عن تصميمات احلياة األوىل‪،‬‬
‫ك��ان الب��د أن أعيد تشكيل ال��ع��امل‪ ،‬وأعيد‬
‫هندسة ال��ك��ون وتصميمه‪ ،‬فاختزلته يف‬
‫معادالت رياضية وفيزيائية جديدة وأدخلت‬
‫أبعاداً جديدة ومفاهيمَ جديدة ‪ ..‬فرحاً ‪..‬‬
‫فرحاً يا دكتور خرجت من صومعيت‪ ،‬ومحلت‬
‫بشراي‪ ،‬وطرت أزف هلا البشرى‪ ،‬بدالً من‬
‫أن حتلق ط��رب�اً معي‪ ،‬وج��دهت��ا يف حمراهبا‬
‫سامهة‪ ،‬شاردة‪ ،‬وكلما دخلت عليها احملراب‬
‫وجدت عندها أكداساً من كتب الدين‪ ،‬وكتب‬

‫‪98‬‬

‫الفلسفة‪ ،‬وتسود يف دفاترها خواطر وشوارد‬
‫عن الكون والعامل واحلياة‪ ،‬وأشد ما أحزنين‬
‫أن م��ا ت��س��وده يتعارض م��ع رؤاي وأف��ك��اري‬
‫ونظرياتي‪ ..‬ملاذا ؟ ‪ ..‬ملاذا تنظر يف الساعة‬
‫يا دكتور ؟ ‪ ..‬هل سرقك الوقت ؟ كم من‬
‫األوراق دونت‪ ،‬وكم أسطوانة موسيقى بدلت‪،‬‬
‫وكم من شريط عبأناه ‪..‬؟ مشكلتك يا دكتور‬
‫أنك ما زلت تعيش يف حياتك األوىل ‪ -‬رغم‬
‫جتاوزك اخلمسني ‪.‬‬
‫ آهٍ لو أدركك احلب قبل عشرين عاماً‪ ،‬لبقيت‬‫شاباً عفياً ال تشيخ روحك وال يهرم بدنك ومل‬
‫احتجت إىل هذه النظارة الطبية ‪..‬يف عاملي‬
‫يا دكتور ويف دنياي اجلديدة ال يوجد أطباء‪،‬‬
‫ها ها ‪ ..‬فنحن احملبني ال منرض وال نشيخ‬
‫وال هنرم‪ ،‬كلمة احلزن اختفت ألننا ال حنزن‪،‬‬
‫وكلمات مثل القبح والظلم واالستغالل و‪..‬‬
‫مئات الكلمات اختفت‪ ،‬مسكني ‪ ..‬مسكني يا‬
‫دكتور‪ ،‬أراك مكروباً‪ ،‬ومهموماً‪ ،‬كم سيجارة‬
‫أشعلت وكم فنجان‬
‫قهوة شربت ؟ املدهش يا دكتور أنك دوماً‬
‫مبتسم‪ ،‬هل فعال أنت مبتسم ألنك سعيد وإن‬
‫كنت سعيداً فلماذا أنت سعيد ؟‬
‫معذرة ‪ ..‬معذرة يا دكتور فاتين أن مهمتك أن‬
‫تسأل أنت وأنا أجيب‪ ،‬سل ‪ ..‬سل يا دكتور ؟‬
‫‪ ..‬نعم ‪ ..‬نعم يا دكتور‪ ،‬ولدت ألب مصري‬
‫وألم أمريكية‪،‬‬
‫ال أذك��ر أب��ى ولكنى أت��ص��وره‪ ،‬وم��رات قليلة‬
‫اليت رأيت فيها أمي وهى باملناسبة موسيقية‬
‫قالت‪ " :‬جاء أباك من مصر آخذاً من اهلرم‬
‫مشوخه ومن النيل عذوبته‪ ،‬ليدرس العلوم‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫الرحـلة‬
‫وقعت يف هواه وذبت يف وجهه األمسر‪ ،‬كان‬
‫يقضى جُل وقته بني الكتب واملراجع وفى‬
‫املعامل وفى مراكز البحث‪ ،‬كنت فخورة به‪،‬‬
‫وسعيدة بتفوقه‪ ،‬ونبوغه‪ ،‬ذاع صيته وانتشر‬
‫يف األوساط العلمية‪ ،‬فاجأني ذات يوم وقال‬
‫‪ :‬يف غضون أشهر قليلة سنرحل ‪ ..‬قلت ‪:‬‬
‫إىل أين ؟ ‪ ..‬قال حبزم ‪ :‬إىل مصر‪ ،‬ولزمت‬
‫الصمت‪ ،‬فكان من الصعب مناقشته يف قرار‬
‫اخت��ذه‪ ،‬وأرج��أت احلديث معه لوقت الحق‬
‫أستطيع فيه أن أقف على تفاصيل وأسباب‬
‫هذا القرار املفاجئ ‪".‬‬
‫تقول أمي ‪ " :‬بدأ اخلوف يتسرب إىل نفسي‪،‬‬
‫مكاملات هاتفية م��ن جمهولني هت��دد أب��اك‬
‫بالقتل إذا صمم على الرحيل ‪ ..‬ورسائل‬
‫جمهولة‪ ،‬أصابين القلق واخل���وف‪ ،‬توسلت‬
‫إليه‪ ،‬وقبلت يديه وقدميه ليعدل عن قراره‪،‬‬
‫ولكنه ك��ان عنيداً‪ ،‬قالت أم��ي ‪ :‬ألول مرة‬
‫أكتشف أن للعلم يف بلدنا مافيا وعصابات ‪-‬‬
‫تزداد شراسة ووحشية عن مافيا وعصابات‬
‫املخدرات ‪ -‬حتتكر العقول الفذة‪ ،‬وتوظفها‬
‫خلدمتهم وخ��دم��ة م��ن ي��دف��ع��ون‪ ،‬واملشكلة‬
‫أهنم أرادوا أن حيرموا مصر من علم أبيك‬
‫ويقصروه على دولة معادية ملصر ‪ " ..‬نعم ‪..‬‬
‫نعم يا دكتور أنا ابن العامل املشهور ‪ ...‬الذى‬
‫ُقتل يف ظروف غامضة ‪.‬‬
‫أم��ي ‪ ..‬أم��ي يا دكتور أذك��ره��ا‪ ،‬كالفراشة‪،‬‬
‫كعصفور‪ ،‬درست الباليه واملوسيقى واألوبرا‪،‬‬
‫هل��ا ق��ل��ب رق��ي��ق ن��اع��م‪ ،‬إذا ع��زف��ت‪ ،‬وإذا‬
‫رقصت‪ ،‬وإذا غنت ينساب الدفء إىل قلبك‬
‫خدراً لذيذاً‪ ،‬وتنتشي رُوحك وتتألق‪ ،‬تشيع‬

‫البهجة يف النفس‪ ،‬وتتحرر الروح من أغالل‬
‫اجلسد وتنطلق‪ .. ،‬ال أكتمك سراً يا دكتور‬
‫إذا قلت أنى أخذت موسيقى أمي وأغنياهتا‬
‫ورقصاهتا‪ ،‬وجعلتها مواد إجبارية تدرس يف‬
‫احلياة الثانية ‪.‬‬
‫‪ ..‬نعم ‪ ..‬نعم يا دكتور الرصاصة اليت مل‬
‫ختطئ رأس أبي أسالت الدماء من قلب أمي‬
‫الرقيق ‪،‬مل حتتمل املوقف برمته‪ ،‬فقضت‬
‫جُ��ل حياهتا يف مصحة نفسية وعقلية ‪..،‬‬
‫كنت أذهب إىل املصحة ألمضى العطلة مع‬
‫أم��ي‪ ،‬ال�تي ال تفيق إال قليال‪ ،‬كنت أبكي‪،‬‬
‫وكانت حتضنين‪ ،‬ويف حلظات اإلفاقة كانت‬
‫تقول كالماً‪ ،‬أذكره ‪ ..‬نعم أذكره يا دكتور ‪..‬‬
‫أذكره جيداً ‪ ..‬كانت تقول ‪ :‬ملاذا بلدنا تُعلن‬
‫غري ما تبطن ؟‪ ..‬ملاذا حتتكر جهود العلماء‬
‫وحت��رم بالدهم من علمهم ؟‪ ..‬كانت تذكر‬
‫السياسة والسياسيني ‪،‬واملخابرات‪ ،‬واحلرب‬
‫والشر‪ ،‬و‪ ..‬كلمات كثرية تبدو لعقلي الصغري‬
‫كاأللغاز واللوغاريتمات‪ ،‬وحينما كربت حللت‬
‫ه��ذه األل��غ��از وفككت ه��ذه اللوغاريتمات‪،‬‬
‫كانت تقول يا دكتور ‪ :‬مل��اذا قتلوا حبييب ؟‬
‫حبييب طيب وم��ن ب�لاد ناسها طيبون ‪..‬‬
‫معقول عاوزين يسلموا حبييب وعلمه ألعداء‬
‫بلده ليكون خنجراً وقنبلة وباروداً ‪ ..‬صالح‬
‫‪ ..‬هاتوا حبييب صالح‪ ..‬أرمتي يف حضنها‬
‫وأب��ك��ي ‪ ..‬مت��س��ح دم��وع��ي وهت��ده��دن��ي ‪..‬‬
‫تغين بصوت حزين ‪ ..‬مل��اذا خينقون القمر‬
‫وحيرقون الزهور !!‪ ..‬روح يا صالح عش يف‬
‫بلد أج���دادك‪ ،‬وم��ن الطني واحلجارة‬
‫مثلهم‪ ،‬اص��ن��ع ح��ض��ارة‪ ،‬واب���ن حياة‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪99‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الرحـلة‬
‫انشد سالماً وازرع حباً‪ ،‬وورداً‪ ،‬وفالً‪ ،‬وزيتوناً‬
‫وخنالً‪ ،‬كانت تضمين إىل صدرها وتبكي ‪" :‬‬
‫هناك الشمس والنيل والناس الطيبون "‬
‫وكانت يف آخر أيامها يا دكتور تعانق عيناها‬
‫ال��س��م��اء‪ ،‬وت��رى م��ا ال أراه‪ ،‬كنت أح��دق يف‬
‫السماء لعلى أرى الشخص ال��ذى حت��اوره‪،‬‬
‫ومن حوارها عرفت بصعوبة أنه املسيح ‪:‬‬
‫صلبوك وقتلوا حبييب ‪ ..‬عُد لتلملم اجلراح‪،‬‬
‫لتُطبب القلوب‪ ،‬وت���داوى النفوس‪ ،‬لتنشر‬
‫احملبة ‪ ..‬أيها املخلص ‪ ..‬خلص ‪ ..‬أيها األب‬
‫الذي يف السماء ‪ ..‬وكانت تتلو كلمات تقع يف‬
‫قليب وال أعيها ‪..‬‬
‫نعم ‪ ..‬نعم يا دكتور‪ ،‬كانت أمي مجيلة‪ ،‬أمجل‬
‫من رأت‬
‫عيناي‪ ،‬حلوة املالمح‪ ،‬عذبة التقاطيع‪ ،‬رقيقة‬
‫كنسمة‪ ،‬كفراشة ‪ ..‬حبيبيت تشبهها متاماً‪،‬‬
‫نفس العينني ال��زرق��اوي��ن‪ ،‬ون��ف��س الشعر‬
‫األشقر‪ ،‬نفس الوجه الرائق‪ ،‬اهلادئ‪ ،‬الوديع‪،‬‬
‫اجلميل‪ ،‬أحتفظ ب��أوراق ألمي فيها بيانات‬
‫مفصلة ‪ :‬حلبيبيت ‪ ..‬نفس الطول‪ ،‬ونفس‬
‫الوزن‪ ،‬تنطبق حبيبيت وأمي كل منهما على‬
‫األخرى متام االنطباق‪ ،‬حتى يف طول األنف‬
‫واهل��دب‪ ،‬وحجم الصدر واخلصر‪ ،‬يف طول‬
‫القدم وانسيابية الذقن‪ ،‬يف كل اجلزئيات‬
‫واملنمنمات الصغرية يتشاهبان‪.‬‬
‫ما هذا اإللتماع الذى أبصره يف عينيك يا‬
‫دكتور‪ ،‬وما هذه البسمة اليت تقطر ألقاً على‬
‫شفتيك‪ ،‬هل ومض يف ذهنك اكتشاف مفاجئ‬
‫‪ ..‬رمبا أصابك ما يصيب الشعراء‪ ،‬فحبيبيت‬
‫يف أوج االنتشاء والذوبان واالنصهار‪ ،‬كانت‬

‫‪100‬‬

‫خترج قلماً وورق �اً وتدبج قصيدة‪ ،‬أذك��ر أن‬
‫أمي ‪ -‬حتى وهي تعد الطعام – تتوقف فجأة‬
‫وجتري تبحث عن النوتة املوسيقية وتدون‬
‫فيها‪ ،‬أعرف ‪ ..‬أعرف يا دكتور أن الفكرة قد‬
‫تومض كالربق ‪ ..‬ولكن من يا دكتور يستطيع‬
‫أن ميسك ال�برق ويقبض على وميضه ؟ ‪..‬‬
‫مررت هبذه التجربة يا دكتور‪ ،‬كنت أرقب هذه‬
‫الومضات وأنتظرها‪ ،‬وغالباً ما كانت تفلت‬
‫مين‪ ،‬ونادراً ما أقبض عليها‪ ،‬حينما التقيت‬
‫حببيبيت على الشاطئ أحسست بأن ومضات‬
‫سريعة ومتالحقة تومض يف رأسي‪ ،‬جنحت‬
‫يف اإلمساك هبا‪ ،‬وكانت النفحات هتب على‬
‫رُوحي‪ ،‬والتجليات على قليب‪ ،‬حلظات نادرة‬
‫وخالدة‪ ،‬تصفو فيها النفس فتكون اخلواطر‬
‫والرؤى واألفكار ‪ ...‬قالت ‪ :‬انتظرتك كثرياً‪،‬‬
‫وسأنتظرك حتى جيف العمر ‪ ..‬قلت ‪ :‬لن‬
‫أغيب‪ ،‬يوماً أو بعض يوم وأعود ‪.‬‬
‫كانت هت��رب إىل البحر‪ ،‬قالت ‪ :‬كنا نعيش‬
‫يف مدينة القنطرة شرق القناة‪ ،‬كنا نشعر‬
‫بأننا جسر بني م��دن الدلتا وسيناء‪ ،‬أمي‬
‫إسكندرانية‪ ،‬وأبي سيناوي‪ ،‬أحببت البحر و‬
‫الصحراء ‪ ،..‬شيء مهول أن يصحو الطفل‬
‫ع��ل��ى أص����وات م��داف��ع وط���ائ���رات‪ ،‬وج��ن��ود‬
‫يقبضون على بنادق‪ ،‬قيدوا أمي أمام عيين‪،‬‬
‫شيء فظيع ‪ ..‬مل حيتمل شاعر القبيلة املنظر‪،‬‬
‫مات قبل أن يطلقوا عليه الرصاص‪ ،‬مزقوا‬
‫أوت��ار ع��ودي وكسروا البيانو‪ .. ،‬احتضنين‬
‫جدي ألمي‪ ،‬وعشت يف اإلسكندرية‪ ،‬كان أبى‬
‫يهوى اخليل ويقرض الشعر ويتباهى بنسبه‬
‫العربي‪ ،‬وجدي ألمي من أصل يوناني‪ ،‬عشق‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫الرحـلة‬
‫اإلسكندرية‪ ،‬علمين العزف والغناء ‪ -‬كسروا‬
‫البيانو وم��زق��وا أوت���ار ال��ع��ود ‪ -‬كانت أمي‬
‫تعلمين على البيانو‪ ،‬وأب��ى يصطحب العود‬
‫يف جلسات السمر‪ ،‬ينشد للقبيلة حكاوي‬
‫وغناوي ‪.‬‬
‫‪ ..‬أهديتها يا دكتور ع��ودواً وبيانو‪ ،‬عزفت‬
‫يل ورق��ص��ت‪ ،‬رق��ص امل��وج وال��رم��ل والزهر‪،‬‬
‫مسعت وشوشات النسيم‪ ،‬ورأي��ت ابتسامة‬
‫الفجر‪ ،‬رأيتها يا دكتور فراشة بيضاء حتوم‪،‬‬
‫عصفوراً رقيقاً من عصافري اجلنة‪ ،‬حلناً‬
‫مساوياً ال يفقهه إال أويل النهى‪.‬‬
‫قالت ‪ :‬حينما أرقص أعرب عن معنى‪ ،‬وحينما‬
‫أع��زف أع�بر عن معنى‪ ،‬وحينما أكتب أعرب‬
‫عن معنى‪ ،‬املعنى الذى أعرب عنه باملوسيقى‬
‫ال أستطيع أن أعرب عنه بالشعر أو الرقص‪،‬‬
‫واملعنى الذى أعرب عنه بالرقص ال أستطيع‬
‫أن أع�بر عنه باملوسيقى أو الشعر‪ ،‬نفسي‬
‫‪ ...‬نفسي يا صالح أمسك باملعنى الغامض‬
‫يف أغوار نفسي وال أستطيع أن أترمجه إىل‬
‫كلمات وال إىل نغمات‪ ،‬فحينما سقطت يا‬
‫حبييب من قرص الشمس‪ ،‬خلخلت الراكد‪،‬‬
‫وحركت الساكن‪ ،‬وأثرت الغامض‪ ،‬ومل يبق إال‬
‫أن أمسك بتالبيب املعنى وأفجره شعراً مل‬
‫يقله أحد قبلي وموسيقى مل تُخلق بعد ‪.‬‬
‫وتركتها يا دكتور تبحث عن القصيدة الغاربة‪،‬‬
‫و املعزوفة اهلاربة ‪ ..‬قالت ‪ :‬تلك القصيدة‬
‫وتلك املعزوفة وتلك الرقصة ستكون هدييت‬
‫لك يف ليلة العُرس ‪ .‬فرحاً غادرهتا يا دكتور‪،‬‬
‫أحبث أنا اآلخر عن رسم و تصميم لقصر‬
‫تسكنه‪ ،‬مل يسكنه أحد من قبل‪ ،‬ولبثت يا‬

‫دك��ت��ور ي��وم �اً أو بعض ي���وم‪ ،‬وع���دت أمحل‬
‫تصميماتي وأفكاري و نظرياتي‪ ،‬ألجدها يف‬
‫حالٍ غري احلال ‪ ..،‬قالت‪:‬‬
‫ " اكتشفت أنك الرباق الذى أمتطيه يف رحلة‬‫اإلسراء " ‪ ،..‬وتكلمت عن الصعود و العروج‪،‬‬
‫و املسالك و ال��دروب‪ ،‬تكلمت عن الكرامات‬
‫والفيوضات‪ ،‬والنفحات‪ ،‬كنت أجلس إىل‬
‫جوارها و أشعر أهنا جمذوبة ‪،‬وال تفطن إيلّ‬
‫وال تشعر بي‪ ،‬حتدق يف الالشيئ و تبتسم‪،‬‬
‫وحني تفيق تنظر إيلّ وتقول ‪ :‬أعد البصر‬
‫كرتني ثم ‪ ،...‬اق�ترب يا ص�لاح‪ ،‬أن��ت على‬
‫أعتاب الوصول‪ ،‬مل يبق أمامك إال خطوة ‪..‬‬
‫بل خطوتني ‪.‬‬
‫وحني قرأت يا دكتور ما سودته يف أوراقها‪،‬‬
‫وجدت ألغازاً وأحاجي تستعصي على الفهم ‪..‬‬
‫قالت‪ :‬إشارات ‪ ..‬وكأن يف السماء مغناطيس‬
‫يا دكتور‪ ،‬يسحب عينيها ورُوحها‪ ،‬ويف حلظة‬
‫من حلظات اإلفاقة القليلة ‪ ..‬القليلة جداً‬
‫‪ ..‬قالت ‪ :‬ياه ‪ ..‬ياه يا صالح‪ ،‬غبت طويالً‪،‬‬
‫وص��رت عجوزاً‪ ،‬وابتسمت‪ ،‬وقبل أن أنطق‬
‫غابت بعينيها يف السماء‪ ،‬صرختُ فيها ‪:‬‬
‫أنا كما غادرتك شعري قصري‪ ،‬وذقين حليق‪،‬‬
‫أفيقي يا حبيبيت‪ ،‬يف هذه األوراق أفكاري‪،‬‬
‫ويف هذه اللوحة تصميم قصرك ‪ ..،‬قالت‬
‫‪ " :‬قصري هناك‪ ،‬أراه‪ ،‬ال أستطيع أن أصفه‬
‫بكلمات وال نغمات ‪ ...‬أفيقي يا حبيبيت‪،‬‬
‫قصرك ها هنا على الورق !!‬
‫‪ ..‬ويف ثوانٍ ‪ ..‬ثوانٍ معدودات ‪،‬فاضت روحها‬
‫بني يدي ‪..‬‬
‫ثوانٍ ‪ ....‬بضع ثوانٍ فقط يا دكتور ‪...،...‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪101‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫خياالت العالم السفلي‬
‫في خيال بالد الرافدين‬
‫(‪)1‬‬
‫د‪ .‬أمين امسندر‬
‫تناولت معظم احلضارات القدمية اليت توالت على شرقنا وعلى بقيّة‬
‫بقاع العامل فكرة العامل اآلخر أو العامل الذي يرحتل إليه أرواح البشر بعد‬
‫موهتم‪ .‬وهناك قدر من الغموض يف نظرة بالد ما بني النهرين إىل املوت‬
‫والعامل اآلخر فاجلحيم املظلم أرالو ‪ Arallu‬أو األرض اهلائلة أو دار‬
‫األشباح توجد حتت األرض‪ .‬وتبلغها أرواح املتوفني عندما تعرب بالقوارب‬
‫هنر خبُرة ‪ Habour‬وينعكس هذا على شكل القوارب اليت عثر عليها‬
‫يف بعض القبور‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫واإلق��ام��ة يف ذل��ك ال��ع��امل السفلي جبّرية‪ ،‬ال‬
‫مفرَّ منها‪ ،‬حتى أن اآلهل��ة نفسها ال تستطيع‬
‫مغادرته إال بعد أن تضمن البديل‪ ،‬حتى العظماء‬
‫واألبطال من احلكام األرضيني الذين ارتقوا إىل‬
‫مصاف اآلهلة يتحولون إىل آهلة من آهلة العامل‬
‫السفلي مثل جلجاميش وايتانا واريشكيجال‪.‬‬
‫وحياة األموات حياة قامتة مظلمة غري مبهجة‬
‫وحيمل إله الشمس الضوء والطعام والشراب‬
‫خالل رحلته الليلية وللعامل السفلي هنر يشكل‬
‫حدوده وعلى اآلهلة أن تعرب سبع بوابات للوصول‬
‫إليه هذا العامل اآلخر أو العامل السفلي هو أيضاً‬
‫عند السومريني باإلضافة إىل ما سبق ذكره‬
‫هو مملكة حتكمها ملكة امسها أريشكيجال‬
‫‪ Erishkigal‬وزوج��ه��ا نرجال ‪ Nergal‬مع‬
‫حاشيتها م��ن اآلهل���ة وامل��وظ��ف�ين م��ن صرعى‬
‫احل��روب مبا يف ذلك وزيرمها (أش��روم) وإهلة‬
‫الكتابة بعلة صريى اليت تقوم بتسجيل الداخلني‬
‫وه��ؤالء مجيعاً حيتاجون إىل طعام ومالبس‬
‫وأدوات‪ .‬شأهنم شأن اإلهلة املوجودة على سطح‬
‫األرض والبشر الذين يعيشون فوقها‪ .‬وتعتمد‬
‫مرتبة املرء يف العامل اآلخر على نشاطه إبان‬
‫حياته وي��ت��وىل احل��ك��م على أرواح امل��وت��ى إله‬
‫الشمس الذي ميرّ بالعامل السفلي يف السماء‬
‫فيزودهم بالضوء الوحيد املوجود لديهم كما‬
‫حيكم عليها أيضاً اإلله ننار الذي يقرر نصيبهم‪.‬‬
‫ولعل أق��دم ن��ص يتحدث ع��ن ال��ع��امل السفلي‬
‫ورد على لسان أحد أبطال ملحمة جلجاميش‬
‫الشهرية «انكيدو»‪.‬‬
‫يقص انكيدو أحالمه على جلجاميش ويصف‬
‫العامل السفلي بأن احلياة فيه كئيبة موحشة‬
‫فهي انعكاس شاحب للحياة على األرض ويروى‬
‫له كيف سيق إىل بيت الظالم‪.‬‬
‫إىل البيت الذي ال يغادره من يدخله‪،‬‬
‫إىل الطريق الذي ال عودة منه‬
‫ً‬
‫إىل املكان الذي ال يرى سكانه نورا وال ضياء‪.‬‬
‫حيث الغبار طعامهم والطني قوهتم‬

‫عليهم أجنحة بدل املالبس‬
‫يعيشون يف الظالم فال يرون النور‬
‫يف بيت ال�ت�راب ش��اه��دت امل��ل��وك و تيجاهنم‬
‫مطروحة على األرض‬
‫ملحمة جلجامش‪ :‬اللوح السابع (‪.)42-34‬‬
‫وهؤالء النزالء يُطعمون ويشربون مياهاً باردة‬
‫من زقاق املاء وتلك هي مسؤولية االبن األكرب‬
‫ال��ذي عليه أن يقوم يف ف�ترات دوري��ة بسكب‬
‫السكائب تكرمياً لإلهلة وتقديم والئم جنائزية‬
‫ليقيم أود األسالف فإذا ما رَ َقدْ شخص ما أو‬
‫روحه (اتيمو ‪ )Etemu‬بغري دفن أو حُرمت من‬
‫املساندة اليت يقدمها األحياء فإهنا تطوف‬
‫هبم وتعذهبم ويدفن امللوك كالعامة يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪103‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مقابر أو أسفل مساكنهم وتضم القبور امللكية‬
‫يف أور (‪ 2600‬ق‪.‬م) ما بني ‪ 73‬إىل ‪ 74‬من‬
‫األتباع واملوسيقيني‪ ،‬كما تشتمل على هدايا‬
‫من اجلواهر‪ ،‬وأواني وأدوات موسيقية ومزجلة‬
‫للمدفن وحيوانات لتجرها كما هو احلال يف‬
‫مقربة بو أبي (‪ .)Po-Abi‬ورمبا كانت هذه‬
‫ممارسات من أصول من غري سامية مستمدة‬
‫من خارج بالد ما بني النهرين ومشاهبة لتلك‬
‫الطقوس املعروفة يف مصر‪ .‬وإن كانت تشري‬
‫على كل حال إىل حاجة اإلنسان للتزود باملؤن‬
‫من أجل احلياة يف العامل اآلخر‪...‬‬
‫وعَودُ على بدأ لقد نظر سكان بالد الرافدين‬
‫إىل احل��ي��اة األخ����رى أو ال��ع��امل اآلخ���ر على‬
‫أن��ه ص��ورة شاحبة ع��ن احل��ي��اة ال�تي يعيشها‬
‫اإلنسان هذه الصورة الشاحبة للعامل تربر دفن‬
‫األدوات واألوان���ي ومتاثيل اخل��دم والعربات‬
‫وحتى اخليول واجلنود واملوسيقيني مع كبار‬
‫الشخصيات كما ك��ان يدفن مع كل صاحب‬
‫مهنة حمددة كل األدوات اليت كان يستعملها‬
‫يف مهنته وكأنه حباجة هلذه األدوات يف العامل‬
‫اآلخ��ر أو أن��ه سيمارس نفس املهنة وبالتايل‬

‫‪104‬‬

‫فإنه حباجة هلذه األدوات واملعدّات‪.‬‬
‫وحتى الشمس اليت يراها تشرق وتغرب كل يوم‬
‫كان يعتقد أنه يف الوقت الذي تغرب يف عامله‬
‫املُعاش كانت ه��ذه الشمس تشرق يف العامل‬
‫اآلخر‪.‬‬
‫لكن مل يكن دائماً حال العامل اآلخر على هذا‬
‫الشكل يف كل حضارات ما بني النهرين وما‬
‫رواه انكيدو يف ملحمة جلجاميش عن هذا‬
‫العامل صورة أخرى عنه وخيال جديد خيتلف‬
‫عمَّا سبق‪ .‬فيه من العذاب واألمل والغبار ما ال‬
‫حيتمله إنسان فال لباس يغطي أجساد املوتى‬
‫بل هو ريش يكسو أجسادهم ويغلفها وطعامهم‬
‫ما و إال غبار وبقايا طني‪.‬‬
‫واجلميع يف العامل اآلخر سواسية امللك واألمري‬
‫والعبد والفقري وألقاهبم وتيجاهنم مطروحة يف‬
‫الطني والرتاب ويعلوها الغبار‪.‬‬
‫هذا اخلوف الرهيب من مظاهر العامل اآلخر‬
‫كما ختيلها الرافديون عموماً جعلت البشر يف‬
‫ذلك املكان يقيمون االحتفاالت اخلاصة باإلهلة‬
‫ويقدمون القرابني هلا تفادياً هلذا املصري املفجع‬
‫وللتقليل من عذاباته وآالم��ه على أقل تقدير‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫كما أن تالوة الرتاتيل اخلاصة بالتوبة والصالة‬
‫والتفجع والنواح ميكن أن ختفف من العقاب‬
‫والعذاب يف العامل اآلخر وميكن لألفراد أيضاً‬
‫أن يوجهوا صلواهتم إىل إل��ه بعينه يعبدونه‬
‫ويتلون ال�ترات��ي��ل ال�تي متجدّ صفاته اإلهلية‬
‫ومنجزاته وتنتهي بتسبيحة منطية للشكر‬
‫وتشمل املزامري السومرية واألك��ادي��ة تراتيل‬
‫موجهة للمعابد واملدن املقدسة وميكن أن يتجه‬
‫الناس إىل اإلهل��ة الشفيعة الما ‪ Lama‬اليت‬
‫تأخذ بيد املتعبد إىل حضرة اإلله كما يؤخذ‬
‫امل��رء إىل حضرة امللك اجلالس على عرشه‬
‫وميكن كذلك االبتهال إىل األرواح احلارسة‬
‫«ش��دو ‪( »Shedu‬وال�لام��اس��و ‪.)Lamasu‬‬
‫وهذه بعض الرتاتيل‪:‬‬
‫«اعبد إهلك كل يوم»‬
‫قدم له القرابني والصلوات‬
‫اليت ّ‬
‫مت على أكمل وجه مع تقديم البخور‬
‫ً‬
‫قدّم قربانك طائعا إلهلك‬
‫ألن ذلك يتناسب مع اإلله‬
‫قدم له الصالة والضراعة والسجود كل يوم‬
‫وسوف تثاب على ما تفعل‬

‫عندئذ يكون بينك وبني اهلل‬
‫اتصال كامل‬
‫إن التبجيل يولد احلظوة‬
‫القربان يطيل احلياة‬
‫والصالة تكفر عن الذنب‬
‫لقد شعر إنسان بالد الرافدين يف ذلك الزمان‬
‫من األلف األول والثاني قبل امليالد أن سلوكه‬
‫يف حياته ومعاشه تلعب دوراً حامساً ومهماً يف‬
‫ما ستكون عليه مكانته يف العامل اآلخر وهذا‬
‫حبد ذات��ه تطور مهم يف الفكر التيولوجي‪،‬‬
‫ويبدو أنه كان مقدمة لظهور فكرة الفردوس‬
‫واجلحيم أي فكرة انقسام العامل اآلخ��ر إىل‬
‫نطاقني وم��ن ث��م ظ��ه��ور م��وض��وع��ي العقوبة‬
‫والثواب ويوم الدنيونة أو يوم القيامة وهناية‬
‫العامل‪ ...‬لقد توالدت وتطورت هذه األفكار‬
‫من بعضها البعض وصارت حالياً تشكل نظاماً‬
‫تيولوجياً بالغ الدقة واإلتقان وخيضع ملعايري‬
‫ومفاهيم متماسكة‪.‬‬
‫لقد قاد خيال اإلنسان القديم البشرية إىل‬
‫حقائق مذهلة كانت أساس اخلطوات العظيمة‬
‫حنو احلقيقة الكربى‪....‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪105‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الهندسة العكسية‬
‫اعتقاد بأن ما تم تحقيقه من تقدم في مجال‬
‫التكنولوجيا مصدره أجسام فضائية‬
‫توفيق السهلي‬

‫أن مستوى السرية ف��اق بكثري السرية اليت‬
‫حمفزات اثورات العلمية‬
‫فقد شهدت احل��رب العاملية الثانية حتقيق أحاطت بتطوير أول األسلحة النووية خالل فرتة‬
‫خطوات متقدمة سريعة يف ميدان التكنولوجيا األربعينيات من القرن املاضي‪.‬‬
‫العسكرية‪ ،‬مثل الرادار والقنبلة النووية وتقنية‬
‫"املنطقة ‪ "51‬السرية‬
‫الكمبيوتر‪ .‬وباملثل ك��ث�يراً م��ا يقال إن سباق‬
‫الفضاء ال��ذي ك��ان مدفوعاً باحلرب الباردة وجيادل البعض بالقول إن هذا ال يزال مستمراً‪،‬‬
‫أدى إىل تطوير متسارع ألنواع جديدة من املواد بعد عدة عقود‪ ،‬ألن التكنولوجيا الفضائية غري‬
‫البالستيكية‪ .‬واألغذية وغري ذلك من الفوائد األرضية كانت متقدمة بصورة هائلة جداً عن‬
‫غري املتوقعة بالنسبة للمنازل يف أحناء العامل معارفنا حتى أننا ما استطعنا حتى اآلن إال أن‬
‫رمبا استغرق ظهورها عشرات السنني لوال هذه نفهم ق��دراً صغرياً ج��داً من مكوناهتا‪ .‬ويقال‬
‫إن معظم تلك األحب���اث جت��رى يف القاعدة‬
‫القوة الدافعة‪.‬‬
‫العسكرية األمريكية السرية ج��داً واملوجودة‬
‫على أرض ال��واق��ع وال�تي يشار إليها باسم "‬
‫"روزويل" و"ماجستيك"‬
‫وي��زع��م ب��ع��ض ال��ب��اح��ث�ين يف جم���ال األج��س��ام املنطقة ‪ ."51‬وقد مت االعرتاف بالتأكيد بإجراء‬
‫الطائرة جمهولة اهلوية‪ ))UFO‬أن الطريان جتارب هنا على أنظمة متقدمة حملركات دفع‬
‫احلديث رمبا يدين بشكل مماثل إىل ما يقال نفاثة لطائرات‪ ،‬بعض تلك األنظمة ال تزال يف‬
‫عن اسرتجاع أجسام طائرة جمهولة اهلوية بعد مراحل جتريبية جداً‪.‬‬
‫حتطمها‪ ،‬حيث بدأ ذلك مع حادثة "روزوي��ل"‬
‫شهادات موظفني سابقني‬
‫عام ‪ .1947‬ومثل هذه اإلدعاءات مثرية للخالف‬
‫بشكل هائل حتى يف أوساط املهتمني باألطباق وقد التقى بعض األشخاص بباحثني يف جمال‬
‫الطائرة جمهولة اهلوية‪ ،‬إذ ال دليل قاطعاً يثبت األجسام الطائرة جمهولة اهلوية ممن زعموا‬
‫أن مركبات طائرة فضائية من خ��ارج األرض أهنم عملوا يف مثل تلك املشاريع حيث قالوا إن‬
‫سقطت على األرض‪ .‬غري أن القصص حول بعض الطائرات احلديثة املتقدمة جداً تتضمن‬
‫"ماجستيك ‪ * "12‬تشمل اإلدع���اء ب��أن��ه مت تكنولوجيا مستمدة من مركبات فضائية غري‬
‫اسرتجاع تكنولوجيا فضائية غري أرضية من أرض��ي��ة‪ .‬ويستعمل ه��ؤالء مصطلح" اهلندسة‬
‫ع��دة م��واق��ع حتطمت فيها مركبات كائنات العكسية" لوصف عملية العمل عكسيا انطالقا‬
‫فضائية‪-‬واملفرتض أن هذا كان موضع دراسة من قطعة معدات مت االستيالء عليها سعيا‬
‫مكثفة أجراها عدد من كبار العلماء‪ .‬ويبدو لفهم املبادئ األساسية اليت تعمل وفقها‪.‬‬

‫*ماجستيك ‪ "12‬وهو االسم احلركي الذي يقال إنه أطلق على جلنة سرية للغاية‬
‫شكلتها احلكومة األمريكية حلماية وتنفيذ أحباث تتعلق بتحطم مركبات فضائية‬
‫من خارج األرض وإلثبات ذلك‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪107‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ماهية ال���ذاك���رة‪:‬إنَّ ال��ذاك��رة ت��ع�رَّف على أ َّنها‬
‫النشاط العقلي اخلاص بالقدرة على استيعاب‬
‫امل��ع��ل��وم��ات واالح���ت���ف���اظ هب���ا وال���ق���درة على‬
‫اسرتجاعها واستعادهتا‪ ،‬وهي وظيفة أساسية‬
‫من وظائف املخ وهي أيضاً شرط الزم لعملية‬
‫التعلّم‪ ،‬واستخدام الذاكرة هو نشاط معريف‬
‫يستدعي ثالث عمليّات أو مراحل متصلة ‪..‬‬
‫أوّهل��ا ‪ - :‬وضع املعلومات يف الذاكرة وتسمّى‬
‫هذه العملية بالرتميز ( ‪ ) Ecoding‬وعندما‬
‫تصل املعلومات داخ��ل ال��ذاك��رة جيب إبقاؤها‬
‫هناك وتسمّى هذه العملية بالتخزين‬
‫( ‪ ) Storage‬وبالطبع عند الرغبة يف استخدام‬
‫املعلومات املخزونة حنتاج إىل إخراجها مرَّة‬
‫أخ����رى وت��س �مّ��ى ه���ذه ال��ع��م��ل��ي��ة ب��االس�ترج��اع‬
‫(‪ )Retrieval‬ل��ذا تتطلّب ال��ذاك��رة ك�لاً من‬
‫عملية ترميز وختزين واسرتجاع املعلومات‪.‬‬

‫ذاكرة اإلنسان‬
‫(ماهية الذاكرة – ُ‬
‫ّ‬
‫التذكر – مشكالتها – تنميتها )‬
‫طرق‬
‫حواس حمي الدين سباهي‬
‫كثرياً ما حيصل لنا أن جند يف حياتنا االجتماعية شخصاً ‪ ..‬ومبجرّد رؤيتنا‬
‫لذلك الشخص نشعر أنَّ شكله مألوف لدينا ونقول يف أنفسنا لعلّنا رأينا هذا‬
‫الشخص يف زما ٍن ومكا ٍن آخرين فنحاول أن نعرفه بامسه ولكننا ال نستطيع‬
‫يف تلك اللحظة ‪ ..‬ويظل هذا األمر يالحقنا حتى تسعفنا الذاكرة بإخراج‬
‫امسه من خمزون الذاكرة ‪ ..‬عندها نشعر أننا قد بذلنا جهداً – من حيث ال‬
‫ندري – ويأتي االسم فجأة دون أي إشعار ‪ ..‬وأحياناً قبل ورود االسم إلينا‬
‫تعطينا الذاكرة حرفاً أو أكثر من حروف امسه أو كنيته ‪ ..‬ترى ما هي الذاكرة‬
‫وكيف تعمل وما هي مشكالهتا ‪ ..‬وكيف تتم تنميتها ‪ ،‬هذا ما سنتناوله يف‬
‫مقالنا ‪...‬‬

‫‪108‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫طرق ال َّت َذ ّكر ‪:‬‬
‫ومن أهم الطرق التذ ّكريّة ‪:‬‬
‫‪ -1‬االسرتجاع الذهين للصور‪ :‬وهذه العملية‬
‫التذ ّكريّة يرجع إليها ك��ل ال��ن��اس وخصوصاً‬
‫صغار السن وطلبة املدارس‪ ،‬وأكثر ما يستعني‬
‫هبا الطالب لتأدية االختبارات املدرسية ‪..‬‬
‫ويذكر الدكتور ( عناية مصطفى جنم ) أ َّنه يف‬
‫إح��دى امل �رَّات و َّق��ع األستاذ على ورق��ة اختبار‬
‫ألحد الطلبة وقد كتب حرفيّاً نصوصاً طويلة‬
‫من مادة الكتاب فأي َقن األستاذ أنَّ الطالب ال‬
‫بدَّ أ َّنه قد استعان بالكتاب أثناء االختبار لكنَّ‬
‫األستاذ فوجئ عند مراجعة هذا الطالب أ َّنه‬
‫حيفظ صفحات كثرية عن ظهر قلب بواسطة‬
‫ما اختزنته ذاكرته من صور ذهنية ملادة الكتاب‬
‫وهناك العديد من الناس الذين ميتلكون القدرة‬
‫على ت��ذ ّك��ر ح���وادث وأش��ي��اء م �رَّت يف حياهتم‬
‫وهذا ما يستعني به رجال الشرطة والقضاء عن‬
‫طريق استدعاء الشهود يف األعمال اجلنائية‪،‬‬
‫وهو ما تناولته الدراسات النفسية فيما يُعرف‬

‫بسيكولوجية الشهود اليت قام بدراستها (بنييه‬
‫ودي باستيل) وعلماء نفس الشكل (كوفكا‬
‫وول���ف) وجت��در اإلش���ارة إىل أنَّ ه��ذه املقدرة‬
‫االسرتجاعية للصور تكثر لدى الصغار وتقل‬
‫لدى الكبار ففي حادث سيارة مثالً تبيّن من‬
‫خالل الدراسات العلمية على هذا النوع واليت‬
‫بدأت يف أملانيا (‪ 1910‬م) أنَّ األطفال يستطيعون‬
‫سرد كل الصور اليت ختللت هذه احلادثة وبدقة‬
‫متناهية‪ ،‬واألمر ال يقتصر على حادث مرَّ منذ‬
‫أيَّام‪ ،‬ولكن األطفال حيتفظون بصور حلوادث‬
‫موغلة يف القِدَم‪ ،‬ويستحضرون وقائعها كما لو‬
‫مرّت عليهم منذ ساعات‪ ،‬إ َّال أنَّ هذه امليّزة اليت‬
‫يتميّز هبا الطفل يفتقر هلا مَنْ تَعَدّوا سن البلوغ‬
‫ودخلوا ط��ور الكهولة فتتناقص أمهية‬
‫هذا النوع من التذكر عندهم ويصبحون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪109‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عاجزين عن مالحقة جزئيّاهتا ودقائقها ‪.‬‬
‫‪ -2‬التذ ّكر ب��االق�تران‪ :‬وهناك طريقة أخرى‬
‫نستطيع م��ن خ�لاهل��ا اس�ت�رج���اع م��ا اخ�ترن��اه‬
‫بواسطة التذ ّكر بتكوين االرتباطات ‪ ..‬فاألشياء‬
‫اليت تربطها مسات أو وحدات مشرتكة تتأ ّلف‬
‫فيما بينها على شكل سالسل أو جمموعات‬
‫متقاربة وعندما حن��اول استحضار ش��يء ما‬
‫من ذاكرتنا أو نتعلّمها من واقع احلياة ورغبتنا‬
‫باالحتفاظ هبا لدا ٍع ما ‪ ..‬فإننا نقوم باستحضار‬
‫ما يشبهها يف ذاكرتنا أو يتالقى معها يف مساتٍ‬
‫معينة متهيداً لربطها معها والتآلف فيما بينها‬
‫وهنالك العديد من األشياء اليت يشابه بعضها‬
‫بعضاً يف واقع حياة اإلنسان ‪..‬‬
‫ف��م��ث�لاً ل��ف��ظ احل��دي��ق��ة يستدعي ع���ادة عند‬
‫التل ّفظ به األشجار والزهور واملقاعد واألضواء‬
‫واأللعاب وامل��أك��والت املعروضة على العربات‬
‫املتنقلة أم��ام باهبا ‪ ...‬إخل‪ ،‬ونذكر األصحاب‬
‫واألقران ممن ذهبنا وإيّاهم أو التقيناهم ولعبنا‬
‫ومرحنا معاً هناك‪ ،‬كل ما ذكرناه يرتابط على‬
‫شكل جمموعات يف الذاكرة‪ ،‬التل ّفظ أو حتى‬
‫التفكري بإحداها يستدعي التوارد الكثري من‬
‫عناصر هذه اجملموعة التذ ّكرية‪ ،‬وهناك أمثلة‬
‫يوردها علماء النفس للتدليل على ق �وّة هذا‬
‫النوع من التذ ّكر وأمهيّته يف حياة اإلنسان وآلية‬
‫عمله وتناسقه يف الذاكرة ‪.‬‬
‫ّ‬
‫فمن البساطة مبكان أن يتذكر ط�لاّب إحدى‬
‫امل��دارس اسم مديرهم وما يرتبط هبذا االسم‬
‫م��ن ع��ش��رات ال��ص��ور األخ����رى امل��خ��زون��ة يف‬
‫ذاكرهتم وهذا ما ال ميكن تذ ّكره مثالً مع مدير‬
‫املدرسة اجملاورة فمجموع االقرتانات الصورية‬
‫الذهنية ملدير املدرسة األوىل أكثر ا ّتساعاً وأشدّ‬
‫رسوخاً يف الذاكرة من االقرتانات اليت ميكن أن‬
‫توجد عند ذِ ْك ِر مدير املدرسة اجملاورة عالوة‬
‫على قوّة صور االقرتانات األوىل ووضوح معاملها‬
‫واضطراب الصور األخ�يرة وتشوّشها بل وقلّة‬

‫‪110‬‬

‫ع��دده��ا بفعل عامل ال��زم��ن وإق��ص��اء ال��ذاك��رة‬
‫للصور اليت ال تعنيها أو تفيدها وهناك طرق‬
‫لتقوية هذا اجلانب من أنواع التذ ّكر وترسيخ قوّة‬
‫اقرتانه باحلفظ املتأ ّني وتكرار املعاودة الختبار‬
‫م��دى سالمة ه��ذه االق�تران��ات وزي���ادة عددها‬
‫عن طريق التعلّم واالبتعاد عن مصادر الفساد‬
‫والتشويه رغم اجلهود اليت قد يبذهلا اإلنسان‬
‫يف سبيل جعل اقرتانات ذاكرته يف أوضح صورة‬
‫وأصفاها فالنتيجة سهولة اسرتدادها فيما بعد‬
‫وتوظيفها يف الوقت املناسب ‪.‬‬
‫جت��ارب بنفيلد ‪ :‬لع ّل الدكتور (وايلد بنفيلد‬
‫‪ ) penfield‬هو أحد أشهر الباحثني يف الذاكرة‬
‫وهو من جامعة (ماك غيل) يف (مونرتيال) بكندا‬
‫وقد بدأ يف عام (‪ 1951‬م) بتقديم معلومات‬
‫مثرية ع��ن ال��ذاك��رة حت��اول اإلج��اب��ة ع��ن عمل‬
‫الذاكرة أثناء إجرائه عمليّات جراحية دماغية‬
‫للمرضى املصابني بالصرع ‪ ..‬قام بنفيلد بإجراء‬
‫عدّة جتارب كان يلمس فيها اللحاء الصدغي‬
‫لدماغ املريض مستعمالً تيّاراً كهربائيّاً ضعيفاً‬
‫م���ارّاً من خاليا مسبار (غالفاني) وجتمّعت‬
‫لديه مالحظات قيّمة خالل سنواتٍ عدَّة وبعد‬
‫جت��ارب كثرية ويف ك ّل حالة من هذه احلاالت‬
‫كان املريض ي َُخدّر ختديراً موضعيّاً وبذلك كان‬
‫املريض واعياً متاماً أثناء عملية السرب للقشرة‬
‫الدماغية وكان قادراً على التحدّث مع الدكتور‬
‫(بنفيلد) ولقد قال ك ّل من هؤالء املرضى الذين‬
‫أجْ �رِي��ت عليهم التجارب أ ّن��ه��م مسعوا أشياء‬
‫معجبة ولقد تراءى من خالل أقوال هؤالء الذين‬
‫خضعوا للتجربة أنَّ كل شيء يستقر يف وعينا‬
‫يسجل بالتفصيل وخيتزن يف الدماغ وميكن‬
‫استعادته يف احلاضر‪ ،‬ولقد وجد (بنفيلد) أنَّ‬
‫الالحب (‪( )Electode‬القطب الكهربائي)‬
‫املثري ميكن أن يستَخرِج الذكريات من ذاكرة‬
‫اإلنسان بوضوح وبشكل إجباري وقدّم (بنفيلد)‬
‫على ذلك األمثلة التالية ‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪ -1‬حالة املريض ( س‪ .‬ب ) الذي أثري يف النقطة‬
‫( ‪ )19‬يف االلتفاف األول من الفص الصدغي‬
‫األمين وال��ذي قال ( لقد كان ّ‬
‫مثة بيانو وكان‬
‫هناك من يعزف أنين أستطيع مساع األغنية )‬
‫وعندما أثريت النقطة مرّة أخرى وبدون ختدير‬
‫قال املريض ( بعضهم يتكلم إىل واحدٍ آخر )‪،‬‬
‫( وذكر امساً ولكنين مل أستطع فهمه لقد كان‬
‫األمر يشبه احللم ) ولقد أثريَت النقطة نفسها‬
‫مرَّة ثالثة وبدون ختدير فقال املريض بصورة‬
‫عفويّة ( أو – ماري‪ ،‬أو – ماري – إنَّ أحدهم‬
‫يغنّي هذه األغنية ) وملَّا أثريَت النقطة عينها مرَّة‬
‫رابعة مسع املريض األغنية‪ ،‬وقال ‪ ( :‬إ َّنها الزمة‬
‫برنامج إذاعي ) وحني َّ‬
‫مت إثارة املنطقة ( ‪) 16‬‬
‫قال املريض – والالحب يف موضعه – ( إنين‬
‫أستطيع رؤية شركة املياه الغازيّة «سفن آب» ‪..‬‬
‫و»هاريسون بيكري» ) وحينئذٍ قيل للمريض إ َّنه‬
‫أثري ولكن الالحب مل يكن موضوعاً يف دماغه‬
‫فقال إ َّنه ل يرى وال يسمع شيئاً ‪.‬‬

‫‪ -2‬حالة املريضة ( د ‪ .‬ف ) يف هذه احلالة‬
‫أث�يرَت نقطة موجودة على املساحة العليا من‬
‫الفص الصدغي األمين وذلك ضمن شق‬
‫(سلفيوس) فسمعت املريضة أغنية شائعة‬
‫معيّنة تُ��ع��زف م��ن قبل جوقة موسيقية وملَّ��ا‬
‫تكررت اإلثارة تكرر مساع األغنية نفسها طاملا‬
‫كان الالحب يف موضعه وقد أخ��ذت املريضة‬
‫تدندن اللحن نفسه ‪.‬‬
‫‪ -3‬حالة املريض (ل ‪ .‬ج ) يف هذه احلالة حُمل‬
‫املريض على أن يستشعر من جديد أمراً قال‬
‫إ َّن��ه خَ� ِب�رَه من قبل ولكنه حني أُث�يرَ يف نقطة‬
‫صدغية أخرى أدّى ذلك إىل رؤية رجل وكلب‬
‫ميشيان على طريق ق��رب منزله يف الريف‪،‬‬
‫ولقد سَمِعَت امرأة أخرى صوتاً مل تفهمه متاماً‬
‫وذلك حني أثري االلتفاف الصدغي األوّل عندها‬
‫‪ ..‬وحني ِ‬
‫أرجعَ الالحب مرَّة أخرى إىل النقطة‬
‫ذاهتا مسعت صوتاً ينادي ( مجى ‪..‬مجى‬
‫) وهو اسم الدلع لزوجها الشاب الذي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪111‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حيتفظ بالصفات املفصلة للخربة األصيلة‬
‫ول��ذل��ك ف��إن��ه ح�ين تستثار ال��ذك��رى يف وعي‬
‫املريض تبدو اخلربة وكأ َّنها جارية يف احلاضر‪،‬‬
‫َّ‬
‫ولعل السبب يف ذلك أ َّنها تفرض نفسها على‬
‫انتباهه بقوَّة ال تقاوَم وال يستطيع اإلنسان أن‬
‫يدرك أ َّنها ذكرى من ذكريات املاضي إ َّال بعد أن‬
‫تنقضي وتتالشى )‪.‬‬
‫‪ -5‬إنّ الدماغ يعمل بوصفة مسجَّلة ذات أمانة‬
‫بالغة‪ ،‬وهي تسجِّل كل خربة حتدث منذ وقت‬
‫ال���والدة وحتى قبل ال���والدة‪ ،‬وبالرغم م��ن أنَّ‬
‫ختزين املعلومات يف الدماغ عملية ( كيمازية )‬
‫من دون ريب تشتمل على ترميز مل نستطع فهم‬
‫طبيعته حتى اآلن وبالرغم من أ َّن��ه يف تشبيه‬
‫الدماغ مبسجلة ذات أمانة بالغة تبسيط زائد‬
‫ل�لأم��ور نقول بالرغم م��ن ه��ذا كلّه ف��إنَّ هذا‬
‫التشبيه قد اثبت أ َّن��ه ذو فائدة كبرية يف فهم‬
‫الذاكرة ‪.‬‬

‫‪ -6‬إنَّ اخل��ي��ط الناظم لالستمرار بالنسبة أمراً نفسيّاً «سيكولوجيّاً» َفحَسْب ولكنها أمر‬
‫للذكريات املستعادة هو الزمان ذلك بأنَّ النمط «بيولوجي» أيضاً ‪.‬‬
‫األص��ل��ي ك��ان ق��د َّ‬
‫مت يف ت��ت��ا ٍل زم�ني ‪ ..‬يقول‬
‫«بانفيلد» ‪ ( :‬يبدو أنَّ خيط التتايل الزمين عالج اضطرابات الذاكرة ‪:‬‬
‫يربط فيما بني عناصر الذكريات ويبدو كذلك إنَّ الذاكرة هي إحدى صفات الوعي البشري‬
‫سيَّة اليت انتبه إليها اإلنسان ال�تي تقوم حبفظ وتذ ّكر واستعادة معظم ما‬
‫أنَّ العناصر احل ّ‬
‫ّ‬
‫هي اليت تسجل وليس كل اإلش��ارات احلسيّة هو مسموع ‪ ..‬ومُدْرَك ‪ ..‬ومُ َفكر به‪ ،‬وما عاناه‬
‫ال�تي تقع ب��اس��ت��م��رار على اجلملة العصبية اإلنسان وفعله ‪ ..‬أي أ َّنها العملية الذهنية اليت‬
‫تسمح باختزان خ�برات ومفاهيم تش ّكلت يف‬
‫املركزية ) ‪..‬‬
‫وميكن القول بالنظر لتع ّقد الذكريات وتواليها حياة الفرد وعرفها‪ ،‬وال�تي ميكن بوساطتها‬
‫أنَّ لكل ذك��رى نستطيع تذكرها درب �اً عصبيّاً إحياء أو اسرتجاع هذه اخلربات أو صورة عنها‬
‫يف خميلته وتفكريه‪ ،‬وإمجاالً ال بدَّ من القول إنَّ‬
‫خاصاً‪.‬‬
‫‪ -7‬وم��ن اجل��وان��ب اهل��ام��ة يف فهمنا لكيفية الذاكرة صفة إنسانية هامة تشغل مكانة بالغة‬
‫تأثري املاضي يف احلاضر ما ميكن مالحظته يف تفكري الفرد وممارساته العملية ‪..‬‬
‫من أنَّ اللحاء الصدغي يُستخدم بوضوح يف هذا وقد َّ‬
‫ظل كثري من علماء النفس يعتقدون‬
‫تفسري اخل�ب�رات احل��اض��رة يقول «بانفيلد» ‪ :‬ولسنوات طويلة أنَّ كل خربة عرفها املرء تسجَّل‬
‫(ميكن إحداث األوهام بإثارة اللحاء الصدغي يف مكان حمدد من املخ وبالتايل يكون هناك‬
‫واالضطراب احلاصل هو اضطراب يف احلكم احتمال للمرء بأن يبقى قادراً على تذ ّكر هذه‬
‫بالنسبة للخربة احلاضرة‪ ،‬احلكم ب��أنَّ اخلربة اخلربة عن طريق ملكة خاصة للتذ ّكر ‪..‬‬
‫مألوفة أو غريبة أو شاذة‪ ،‬احلكم بأنَّ املسافات إ َّال أنَّ علم النفس احلديث يرفض نظرية امللكات‬
‫و احلجوم متغيّرة‪ ،‬حتى كون الوضع احلاضر اليت كانت تؤكد بوجود ملكة للتفكري‪ ،‬وأخرى‬
‫خميفاً‪ ،‬إنَّ ه��ذه األوه��ام أوه��ام إدراك ويقود للتذ ّكر‪ ،‬وثالثة للتخيّل والتصوّر‪ ،‬ورابعة للفهم‬
‫النظر فيها إىل االعتقاد بأنَّ اخلربة اجلديدة واإلدراك ‪..‬إخل‪ ،‬وذلك باعتبار أنَّ املخ اإلنساني‬
‫تصنّف مباشرة جنباً إىل جنب مع خربة مماثلة وحدة متفاعلة وليس كتلة مقسَّمة إىل جمرات‬
‫سابقة حبيث أنَّ احلكم على ال��ف��روق ووج��وه وأج��زاء خاصة مستقلة عن بعضها ‪ ..‬وتتميَّز‬
‫الشبَه يصبح ممكناً ومثال على ذلك أ َّنه بعد ال��ذاك��رة خباصتني ‪ :‬إحدامها تدعى الذاكرة‬
‫مضي فرتة الزمن قد يصبح من الصعب على قصرية األمد‪ ،‬اليت تدوم لبضع ثوا ٍن كتذكر اسم‬
‫اإلنسان أن يستحضر ذكرى صورة صديق قديم شخص حصلت مقابلته صدفة ملرَّة واحدة قبل‬
‫كما بدت له قبل سنواتٍ عدّة ومع ذلك فإننا ف�ترة وجيزة أو تذ ّكر رق��م هاتف صديق دون‬
‫َّ‬
‫متوقعة اللجوء إىل سجل اهلواتف ‪ ..‬والثانية الذاكرة‬
‫ال نكاد نقابل هذا الصديق بصورة غري‬
‫حتى نالحظ الفرق بني الصورتني احلاضرة طويلة األم��د ال�تي حتتفظ ب��األم��ور اهلامة ‪..‬‬
‫والسابقة ‪ ..‬إنَّ اإلن��س��ان ي�لاح��ظ اخلطوط واليت مرّت يف حياة الفرد وتركت أث��راً حسناً‬
‫اجلديدة يف وجهه والتغيُّر يف شَعْرِه ويف احنناء أو سيئاً ‪ ..‬أو املسائل الدراسية اليت َّ‬
‫حضر هلا‬
‫كتفه وإذا كان ال بدَّ لنا من استخالص علمي وتناوهلا الفرد باهتمام لتقديم االمتحانات ‪.‬‬
‫واض��ح من جت��ارب «بانفيلد» فهو أنَّ جتارب‬
‫ّ‬
‫ه��ذا العالِم أثبتت أنَّ وظيفة التَّذ ّكر ليست وظائف عملية التذكر ‪:‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪113‬‬

‫تزوّجته يف اآلونة األخرية ‪.‬‬
‫استنتاجات بانفيلد ‪ :‬وباالستناد إىل التجارب‬
‫السابقة توصّل (بانفيلد) إىل االستنتاجات‬
‫التالية ‪:‬‬
‫‪ -1‬إنَّ ما أثاره الالحب كان ذكرى واحدة وليس‬
‫مزجياً من الذكريات وتعميماً ‪.‬‬
‫‪ -2‬إنَّ االستجابة لالحب مل تكن اختياره ‪.‬‬
‫‪ -3‬إنَّ احل���وادث املاضية ال تسَجّل وحدها‬
‫بالتفصيل ولكن يُسَجّل معها املشاعر اليت‬
‫راف��ق��ت تلك احل����وادث وام��ت��زج��ت هب���ا‪ ...‬إنَّ‬
‫احلادث وما رافقه من مشاعر كانت تسجَّل يف‬
‫دماغ اإلنسان حبيث إ َّنه ال ميكن إحياء واحداً‬
‫منها دون إحياء اآلخر ‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -4‬إنَّ السجل الذاكري يبقى سليما بعد اندثار‬
‫قدرة اإلنسان على تذكرة ‪ ..‬ويقول «بانفيلد»‪:‬‬
‫( إنَّ التذكر الناتج عن إثارة اللحاء الصدغي‬

‫‪112‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تقوم عملية التذ ّكر بعدَّة وظائف أمهّها ‪:‬‬
‫‪ -1‬التعرّف ‪ :‬أي التعرّف على خربات سبق أن‬
‫تعلّمها الفرد‪ ،‬وذلك عندما يراها أو يسمع هبا‬
‫مرَّة ثانية فإنه يتذ ّكرها‪ ،‬مبعنى أنَّ التعرّف هو‬
‫تذ ّكر شيء ما مي ّثل هذا الشيء أمام احلواس‪،‬‬
‫مثل تذ ّكر وجوه أصدقاء قدامى أو التعرّف على‬
‫حلن موسيقي أو نربة صوت رجل ّ‬
‫مت مساعها‬
‫يف املاضي ‪...‬‬
‫‪ -2‬االستدعاء ‪ :‬هو اسرتجاع الذكريات يف حال‬
‫غياب موضوعاهتا األوليّة يف خميّلة الشخص‬
‫س��واء ك��ان ذل��ك ب��ص��ورة ذهنية أو لفظية ‪..‬‬
‫واالس��ت��ذك��ار من أصعب أشكال التذ ّكر‪ ،‬فهو‬
‫عبارة عن حضور فكرة أو ختيّل مشهد سبق أن‬
‫مرَّ به الفرد يف املاضي دون مثول هذا الشيء‬
‫أو املشهد يف الوقت احلاضر‪ ..‬وحي��دث ذلك‬
‫بكثرة يف احلياة العملية أثناء تقديم االمتحانات‬
‫مبختلف أنواعها‪ ..‬حيث تكون ليست فقط جملرد‬
‫احلفظ واالستظهار وإ َّنما تكون هنا الذاكرة‬
‫ّ‬
‫وتتوضح‬
‫إح��دى أه��م العمليّات يف التفكري ‪..‬‬
‫قدرة الذاكرة على االحتفاظ باملعلومات‪ ..‬أو‬
‫تتأ ّكد من هشاشتها ‪ ..‬كما تتبيّن قوّهتا ‪..‬‬
‫ويف نفس الوقت تتبيّن مدى تعرّضها للتأ ّثر‬
‫والتشويش ‪ ...‬وهناك وظائف لعملية التذ ّكر‬
‫كإعادة إحياء أو تَمَ ّثل املوقف السابق‪ ،‬واألداء‬
‫والعادة ‪ ..‬وإ ّتباع نظام أو سلوك معيّن ‪ ...‬ومهما‬
‫يكن شكل التذ ّكر فإ َّنه يتطلّب أوّالً أن نتعلّم أو أن‬
‫نكتسب اخلربة أي نعتمد على العمليّات اآلتية ‪:‬‬
‫اإلدراك احل �سّ��ي ‪ :‬الوسيلة ال�تي يتّصل هبا‬
‫اإلنسان بالعامل اخلارجي‪ ،‬وهو يف نفس الوقت‬
‫استجابة تصدر عن الفرد ِّ‬
‫بكل ما لديه من‬
‫ذكريات وخربات وا ّتجاهات وميول‪.‬‬
‫التعلّم ‪ :‬وهو وسيلة هامّة يف ت ّقوية الذاكرة‪..‬‬
‫وخيضع ل��ع�دَّة ق��وان�ين أمهّ��ه��ا ق��ان��ون العقاب‪،‬‬
‫قانون التنظيم‪ ،‬قانون التمّرين‪ ،‬قانون األثر‪،‬‬
‫قانون قوّة االستجابة ‪ ...‬إخل ‪.‬‬
‫تكوين العادات ‪« :‬ال شك نريد التعرّف على‬

‫‪114‬‬

‫عوامل تكوين العادات اإلجيابية ونبذ العادات‬
‫السيئة» ‪ ..‬ويعتمد تكوين العادات على التعلّم‬
‫اجليّد‪.‬‬
‫وال��ع��ادة يف ال��واق��ع درج���ة عالية م��ن التعلّم‬
‫ترسّخت يف الذهن ما جيعل االستجابة هلا‬
‫تتم بشكل عفوي وتلقائي مثل غسل اليدين‬
‫والوجه صباحاً‪ ،‬ارتداء املالبس‪ ،‬قيادة السيّارة‪،‬‬
‫القراءة الصامتة‪ ،‬تنفيذ املناوبة ‪ ..‬والذاكرة‬
‫م��رت��ب��ط��ة ب��اجل��س��م ال��ب��ش��ري وم��ت��و ّق��ف��ة على‬
‫احلاالت النفسيّة للفرد‪ ،‬فإ َّنها معرّضة للضعف‬
‫ولالضطراب‪ ،‬وه��ذا يعين أ َّنها ال تعمل دائماً‬
‫بانتظام ‪ ..‬فمظاهر ضعف الذاكرة اليت تُعْزى‬
‫إىل اضطرابات جسميّة تسمّى االضطرابات‬
‫العضويّة ‪ ..‬أمَّ��ا االض��ط��راب��ات ال�تي تالحَظ‬
‫على امل��رء من نسيان وف��ق��دان ذاك��رة دون أن‬
‫يكون سببها اض��ط��راب عصيب «عصب املخ»‬
‫فإ َّنها تُسمّى االضطرابات الوظيفيّة ‪ ..‬وأهم‬
‫االضطرابات اليت تصيب الذاكرة‪..‬هي ‪:‬‬
‫األمنيزيا ‪:‬أي فقدان الذاكرة وضياع املعلومات‬‫واملعارف اليت سبق حفظها ومن املُتع ّذر للمرء‬
‫استعادة تلك املعلومات‪ ،‬وميكن أن يكون سبب‬
‫ذلك عضوياً تعرَّض له املخ‪ ،‬أو وظيفياً «حالة‬
‫هسترييا» ‪ ..‬وميكن أن يكون فقدان الذاكرة‬
‫كليّاً أو جزئيّاً‪ ..‬وهناك فقدان الذاكرة الذي‬
‫حي��دث عقب وق��وع ح��ادث معيّن‪ ،‬وغالباً ما‬
‫يلْجأ الفرد إىل النسيان رغب ًة منه يف التخفيف‬
‫من حالة الضيق اليت يعاني منها ‪ ..‬وحاالت‬
‫ال��وه��ن‪ ،‬واض��ط��راب املشي أثناء ال��ن��وم‪ ..‬ومن‬
‫أشهر االضطرابات النفسيّة اضطراب انفصام‬
‫الشخصيّة اليت تظهر فجأة على خلفية حالة‬
‫قويّة من الضيق ناجتة عن الصراع العنيف يف‬
‫النفس على أثر تعرّض الفرد ألزمة قاسية يف‬
‫حياته الشخصيّة‪ ،‬أو حلدث خارجي صعب‪..‬‬
‫وللتخلّص م��ن تلك األزم���ات يتعرّض الفرد‬
‫لفقدان ذاته رغبة منه باهلروب ونسيان املاضي‬
‫فيتكوّن لديه ما يُسمّى ازدواج الشخصيّة – أثار‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫هذا االضطراب خيال ال ُكتّاب يف رواياهتم –‬
‫فمثالً قد حتدث اإلصابة يف احلرب على أثر‬
‫تعرّض الفرد لصدمة عنيفة يف القتال فينسى‬
‫الفرد امس��ه وك��ل األح��داث والوقائع السابقة‬
‫حتى أ َّنه ينسى مكان ميالده وأصدقاءه وأقاربه‪،‬‬
‫وتصبح ذاكرته كالصفحة البيضاء‪ ،‬وميكن أن‬
‫يتابع احلياة من جديد‪ ،‬فقد ي��ت��زوّج وينجب‬
‫أط��ف��االً ومي��ارس عمالً مفيداً كسائر الناس‬
‫ومتضي احلياة به عاديّة حتى يُصْدَم بصدمة‬
‫تعيده إىل ذاكرته األوىل وكأنَّ ستاراً ّ‬
‫متت إزاحته‬
‫عن حياته السابقة ‪.‬‬
‫هناك اضطرابات التعرّف ‪ :‬عدم استطاعة‬‫ال��ف��رد أن ي���درك أو يفسّر م��ا ي���راه م��ن أم��ور‬
‫وظواهر ‪.‬‬
‫‪-1‬األمنيزيا الرجعية ‪ :‬يتعلّم الفرد ويكتسب‬
‫خربات لكنّه سرعان ما ينساها ‪.‬‬
‫‪-2‬الذاكرة املزيفة ‪ :‬وهذه ميكن أن تكون أعراض‬
‫اضطراب‪ ،‬حيث قد جيمع املرء املصاب ذكريات‬
‫زائ��ف��ة خمتلفة‪ ،‬أو يتقمّص ت��اري��خ أشخاص‬
‫آخرين‪.‬‬
‫باإلضافة إىل ضعف الذاكرة الناتج عن التقدّم‬‫يف السن وم��ا يصيبها من وه��ن وتشويش يف‬
‫بعض ال��ظ��روف املُ��ع� ّق��دة ‪ ..‬أمَّ��ا ع�لاج ضعف‬
‫ال��ذاك��رة وت�ل�ايف االض��ط��راب��ات ال��ن��امج��ة عن‬
‫الصدمات واملشاكل املع ّقدة وتطوير الذاكرة‬
‫فيتم با ّتخاذ اإلجراءات التالية ‪:‬‬
‫هناك بعض العقاقري اليت تساعد يف اسرتجاع‬
‫وتقوية الذاكرة لكنّها ال تُجدي نفعاً يف احلاالت‬
‫املزمنة‪ ،‬كذلك كلّما كان فقدان الذاكرة عنيفاً‬
‫صعب عالجه س��واء بالوسائل اجلراحية أو‬
‫العقاقري أو الوسائل النفسيّة ‪ ..‬وهناك إرشادات‬
‫بسيطة تساعد الشخص السوي أو كبري السن‬
‫ال��ذي ب��دأ يشعر بضعف ال��ذاك��رة‪ ،‬والنسيان‪،‬‬
‫منها استخدام املذكرات الكتابية واالعتماد على‬
‫النتائج واملفكرات‪ ،‬والتمرّن على اإلعادة‬
‫واالس�ترج��اع‪ ،‬واالبتعاد عن أهم عوامل‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪115‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ضعف الذاكرة كالشرود والقلق ونقصان الدافع‬
‫‪..‬‬
‫والذاكرة تتدعّم باملخططات اجلديدة والرموز‬
‫وامل��ف��اه��ي��م ال�تي يسهل تطويرها وتعميقها‪،‬‬
‫واستمرارها ‪ ..‬ويعترب عالج الضعف الدراسي‬
‫أو عملية كسب املعلومات واالحتفاظ هبا من‬
‫أهم موضوعات علم النفس الرتبوي‪ ،‬واختذت‬
‫عدّة تدابري للبحث يف هذه املشكلة اليت يعاني‬
‫منها الطالّب يف األسرة ويف املدرسة ‪....‬إخل ‪.‬‬
‫مشكالت الذاكرة ‪:‬‬
‫تواجه ذاكرة اإلنسان عدّة مشكالت من شأهنا‬

‫‪116‬‬

‫طمس بعض صورها أو تشويه بعضها اآلخر‬
‫وف��ق��د ن��ق��اء ال��ص��ور وحتريفها ‪ ..‬وم��ن هذه‬
‫املشكالت ‪:‬‬
‫‪ -1‬احلوادث ‪ :‬من املسلّم به أنَّ ذكرياتنا تفتقر‬
‫مع مرور الوقت حتى تبدو لنا يف النهاية ظالًّ‬
‫شاحباً لِما ألِفنا صورته سابقاً ‪ ..‬وهناك مَنْ‬
‫وصل به التشاؤم إىل حدِّ التشكيك مبصداقية‬
‫ذاكرتنا وجدواها يف حياة اإلنسان العملية من‬
‫علماء النفس والفالسفة‪ ،‬ووصفها باخلداع‬
‫كوننا ال نذكر األشياء اليت مررنا هبا منذ أيّام‪،‬‬
‫وبعضها قد يكون منذ ساعات بكل تفصيالهتا‬
‫ودق��ائ��ق��ه��ا ‪ ..‬وال يقتصر األم���ر ع��ل��ى ذل��ك‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫وهذا ما زاد من حدّة هذه النغمة التشاؤميّة‪،‬‬
‫ولكننا ننسى بعض أس��ع��د س��اع��ات حياتنا‬
‫وأكثرها قرباً إىل نفوسنا‪ ،‬ولعلّنا نعذر هؤالء‬
‫ألنَّ واقع حياة اإلنسان ال ينفي هذه احلقيقة‪،‬‬
‫وال بدَّ أنَّ الكثريين دُهِشوا للفارق بني الصورة‬
‫اليت كان حيتفظ هبا يف نفسه عن مكان ألِ َفه‬
‫لفرتة من الوقت وبعد رؤيته له ثانية‪ ،‬فما كان‬
‫حقيقة باألمس يثري فينا ذكريات بيت الطفولة‬
‫جبدرانه وأبوابه وخمابئ وحديقته‪ ..‬يتالشى‬
‫بعد وقوفنا أمامه عن كثب ‪ ..‬كم تتشوّه ذاكرتنا‬
‫من صور حياتنا اليت اكتسبناها على مرِّ السنني‬
‫وحتيلها إىل خيال يصدّق حقيقته ك ّل الناس بل‬
‫ويعايشونه ِبحلّوِه ومرّه ‪.‬‬
‫‪ -2‬حتريف ما اكتسبناه‪ :‬يأتي هذا التحريف‬
‫الذي تتعرّض له الذاكرة من فشل اإلنسان من‬
‫التدقيق حبوادث احلياة والوقوف على ِّ‬
‫كل كبرية‬
‫وصغرية مت�سّ مثل ه��ذه احل��وادث مما يرتتب‬
‫عليه اضطراب يف الذكريات وعدم تثبت من‬
‫د ّقتها الواقعية‪ ،‬وهناك حتريف ينشأ من طريقة‬
‫تناول ح��وادث احلياة بغية االحتفاظ هبا يف‬
‫الذاكرة واستحضارها ‪ ..‬فكلّنا يعرف أنَّ عامل‬
‫الوقت له تأثري كبري على ذاكرتنا وما تنطوي‬
‫عليه م��ن إحم��اء وت��ش��وي��ه‪ ،‬فالعالقة عكسية‬
‫بني عامل الزمن من جهة والذكريات من جهة‬
‫أخرى‪ ،‬فطول عهدنا حبادث ما ينتج عنه نقص‬
‫يف عدد الصور اليت حصلنا عليها مبعايشة هذا‬
‫احلادث‪ ،‬على أنَّ املتبقي من الصور ال يسلم هو‬
‫اآلخر من االضطراب والتشويه‪..‬‬
‫ويف مثل هذه احلالة يتدخّل اإلنسان جبانبه‬
‫الفكري ليساعد على استحضار الصور كاملة‬
‫وبنقاء معيَّن عن طريق ملء الفراغ وسدّ الثغرات‬
‫مبا يتناسب وطبيعة احلادثة أو سياقها‪ ،‬ومن‬
‫هنا تربز السقطات واألغالط بتدخّلنا الفكري‬
‫وإعادة التشكيل للناقص واملشوّه ‪ ..‬فاستحضار‬
‫الذكريات اليت بعد العهد هبا مرهون إمتامه‬
‫بتشكيل جديد‪ ،‬فقسمه األكرب يأتي من تدخلنا‬

‫ال��واع��ي وامل��ق��ص��ود إلخ��راج��ه ك��ام��ل التنسيق‬
‫والتكامل املنطقي‪ ،‬ويف ه��ذا يقول «بروست»‬
‫بصدد حبثه ملشكلة إدالء الشهود ألقواهلم أمام‬
‫القضاء واحملققني فيقول ‪ ( :‬يف الذاكرة ثغرات‬
‫يردمها الشاهد عن طريق االخرتاع ) ‪.‬‬
‫‪ - 3‬االنفعاالت ‪ :‬درس «فرويد» دور االنفعاالت‬
‫يف حياة اإلنسان وتأثريها على الذاكرة بوجه‬
‫خاص‪ ،‬وتأ ّكد له أنَّ تذ ّكرنا لألشياء يسري يف‬
‫الطريق ال�تي تسري فيها مصاحلنا ورغباتنا‬
‫الشخصية‪ ،‬وأنَّ اإلنسان مييل بشكل فطري إىل‬
‫تناسي ما اختزنته من حوادث‪ ،‬تذكره هلا يؤذيه‬
‫ويسبب له اآلالم مبقياً على املسار واحملبب‬
‫من الذكريات إىل نفسه‪ ،‬وال�تي تلتقي أخ�يراً‬
‫مع ميوله الشخصية ‪ ..‬وكم هنالك من أناس‬
‫لكثرة ترديدهم ألش��ي��اء حمببة إىل نفوسهم‬
‫ت��ب��دو حقيقة ثابتة ي��ؤم��ن��ون ب��وج��وده��ا على‬
‫أرض الواقع‪ ،‬رغم أ َّنها ال متت إليه بأيَّ صلة‬
‫كاملزوقني ومروجي اإلشاعات اليت يكونون هم‬
‫أوّل ضحايا تصديقها واإلميان هبا‪ ،‬ألنَّ عمليات‬
‫اإلحياء اليت ميارسها هذا الصنف من الناس‬
‫على اآلخرين ترتد لتصيبهم فيختلط لديهم‬
‫الواقع باخليال والصحيح باملعتل ‪.‬‬
‫منو القدرة على التذ ّكر ‪:‬‬
‫لقد سبق أن عرفنا أمهيّة تعيني الذكرى يف‬
‫الزمان واملكان يف وضوح الذكرى‪ ،‬هذا النسيان‬
‫ع��ل��ى ش��ك��ل ص��ل��ة ب�ين ال��ن��س��ي��ان واالح��ت��ف��اظ‬
‫والتذ ّكر فنحن نقيس النسيان مبقدار ما يبقى‬
‫من احلفظ كما ميكن أن نقيسه مبقدار ما‬
‫فقدنا بعد احلفظ ‪.‬‬
‫فالنسيان هو رص��د للعالقة بني متحوّلني‪..‬‬
‫متحوّل الزمان ال��ذي مضى على احلفظ من‬
‫جهة‪ ..‬ومتحوّل ع��دد الكلمات أو األرق���ام أو‬
‫املقاطع اليت نظ ّل حنتفظ هبا أو نسيناها من‬
‫جهة أخرى ‪ ..‬وهبذا املعنى ميكن لنا أن‬
‫نقيس الذاكرة قياساً كمّيّاً‪ ..‬فنقيس مثالً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪117‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪-4‬عند دراسة موضوع ما‪ ،‬جيب شرح املبادئ التعرّض ملوضوعني بنفس الوقت ‪.‬‬
‫األوّليّة ثمّ ذكر التفاصيل‪ ،‬ثمّ ادرس ك ّل عناصر ‪-8‬التدريب املستمر للذاكرة وزي��ادة املستوى‬
‫املوضوع دون استثناء مع بيان ترتيبها‪ ،‬ومكاهنا الثقايف ‪.‬‬
‫وعالقاهتا ببعضها ‪.‬‬
‫‪-5‬تدوين املعلومات اهلامّة واالعتماد على مبدأ ويف اخلتام ‪ ..‬ميكن القول بأنَّ العقل البشري‬
‫سيبقى فيه كثري من األس���رار‪ ..‬غري مكتشفة‬
‫التلخيص لرتسيخ املعلومات يف الذاكرة ‪.‬‬
‫ْ‬
‫‪-6‬التكرار املستمر للمادة املدروسة‪ ،‬فمثالً إذا بانتظار بوصلة العِلم وال��دراس��ات والتجارب‬
‫ترك الطالب احملاضرة دون إعادة ينسى ( ‪ )%70‬على هذا الصندوق الغريب العجيب والذاكرة‬
‫من املعلومات‪ ،‬بينما إذا أعاد دراسة احملاضرة حبدِّ ذاهتا تعترب جماالً هامّاً حيتاج إىل املزيد‬
‫من املعلومات واالختبارات والتجارب للكشف‬
‫يستوعب حوايل ( ‪ ) %80‬من املعلومات ‪.‬‬
‫‪-7‬دراسة ك ّل شيء عن املوضوع املعيّن‪ ،‬وعدم عن أسرارها وخباياها ‪...‬‬
‫مدى االحتفاظ مفرّقني مبوجب هذا املعيار بني‬
‫ذاكرة قصرية األمد أو ذاكرة مباشرة وهي الذاكرة‬
‫اليت تظهر يف التذ ّكر بعد االستماع إىل املثريات‬
‫السمعيّة أو البصريّة مباشرة ‪ .‬والذاكرة الطويلة‬
‫األمد وهي الذاكرة اليت تسرتجع الذكريات بعد‬
‫فرتة طويلة من اكتساهبا‪..‬وهلذا فإننا حني نتبع‬
‫منو الذاكرة من الطفولة إىل الرشد سيكون أحد‬
‫مظاهر منو هذه الذاكرة االنتقال من الذاكرة‬
‫القصرية األم���د ‪memory short term‬‬
‫إىل الذاكرة الطويلة األمد ‪memory long‬‬
‫‪ term‬كما سنستخدم معياراً كمّيّاً آخ��ر هو‬
‫تطوّر سعة الذاكرة ‪ memory span‬أي زيادة‬
‫حمتوى ما ميكن أن حتتفظ به الذاكرة من أرقام‬
‫أو كلمات أو مقاطع أو أبيات شعريَّة وغريها من‬
‫الوحدات‪ ..‬ولن نكتفي بذلك ‪ ..‬ذلك أنَّ الذاكرة‬
‫يف منوّها كغريها من جوانب النمو ال تأخذ‬
‫خصائص التغيّر الكمّيّة بل وأيضاً خصائص‬
‫كيفيّة ‪..‬وخ�لاص��ة القول إننا يف تتبّعنا لنمو‬
‫القدرة على التذ ّكر سنرصد التغيّرات الكمّيّة‬
‫والكيفيّة معاً ولكن قبل ذلك من املناسب أن‬
‫نعرف شيئاً عن آليّة منو القدرة على التذ ّكر ‪.‬‬

‫ت��ط�وّرات منائية توصله إىل النضج يف هناية‬
‫املطاف ‪ ..‬ولكن جيب االعرتاف بأنَّ نضج اجلهاز‬
‫العصيب يفسح اجملال لتحقق الفعل التذ ّكري‬
‫ولكنه ال حيققه فعالً ‪ ..‬إذ ال بدَّ من فعاليات‬
‫نفسيّة أخرى من أمهّها أنَّ األشكال الدنيا من‬
‫صور التذ ّكر ال ختدم الطفل بشكل وظيفي يف‬
‫عالقته مع البيئة وتكيّفه معها ‪ ..‬وحني تبدو‬
‫ه��ذه ال��ذك��ري��ات وال��ص��ور اخل�بري��ة غ�ير كافية‬
‫حل ّل مشكالت التكيّف فيكون الطفل يف هذه‬
‫احلالة مضطراً الستبدال هذه األمناط الدنيا‬
‫من التذ ّكر بأمناط أعلى وأكثر تقدّماً فتكيّف‬
‫العضوية مع حميطها هو الرافعة الضرورية‬
‫لتقدم النمو ُقدُماً يف مظاهره املختلفة ‪.‬‬

‫تقوية وتنمية الذاكرة ‪:‬‬
‫يؤ ّكد علماء النفس أنَّ مبقدور اإلنسان تقوية‬
‫ذاكرته وتطويرها‪ ،‬وم��ن أه �مّ الطرق الكفيلة‬
‫بتطوير الذاكرة ‪ ..‬ما يأتي ‪:‬‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫‪ -1‬كل ما يَعلَم‪ ،‬ينبغي أن يُعْلم على أنه ذو قيمة‬
‫يف احلياة اليوميّة وذو فائدة معيّنة ‪.‬‬
‫‪ -2‬إع��ارة االنتباه أمهيّة بالغة‪ ،‬وكل أمر يُعار‬
‫االنتباه إليه ينبغي أن يتم ذلك بطريقة واضحة‬
‫مستقيمة ال اعوِجاج فيها وال تعقيد ‪.‬‬
‫آلية منو القدرة على التذ ّكر ‪:‬‬
‫لع ّل من األمور املهمّة اليت هلا صلة بنمو القدرة ‪-3‬ك���ل م��ا يُ���درس جي��ب اإلش���ارة إىل طبيعته‬
‫على التذ ّكر ما يطرأ على اجلهاز العصيب من احلقيقية وجوهره وأسباب وجوده ‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫املراجع واملصادر‬
‫‪-1‬الدكتورة ‪ :‬عناية مصطفى جنم – الصور الذاكرية كيف وملاذا تتشوّه ؟ ‪ -‬جملّة الفيصل‬
‫– سبتمرب‪ ،‬أكتوبر ‪-1993‬العدد( ‪ ) 202‬ص ‪.35‬‬
‫‪-2‬الدكتور ‪ :‬فاخر عاقل – أين خنتزن ذكرياتنا؟ ‪ -‬جملذة العربي – سبتمرب ‪ -1976‬العدد‬
‫( ‪ ) 214‬ص ‪. 116‬‬
‫‪14161‬ه‪-‬‬
‫‪3‬‬
‫ص ‪. 47‬‬
‫‪-4‬الدكتور ‪ :‬حممد عبد اهلل البيلي – الذاكرة اإلنسانيّة وأسرارها – صحيفة البيان‬
‫اإلماراتيّة – العدد ( ‪ ) 5644‬تاريخ ‪1995 -12-1‬م ‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪-5‬أ ‪ .‬د عبد اجمليد سيد أمحد منصور – سرعة التذكر – صحيفة اجلزيرة – السعودية‬
‫– العدد ( ‪ ) 8605‬تاريخ ‪ 1995 -6 -25‬م ‪.‬‬
‫‪ -6‬ناظم طحّان وآخرون – علم النفس الرتبوي – دمشق ‪ 1973‬م ‪.‬‬
‫‪ -7‬الدكتور ‪ :‬فاخر عاقل – معجم علم النفس – دار العلم للماليني – بريوت – لبنان –‬
‫‪1976‬م‪.‬‬
‫‪-8‬ج ‪ .‬كوالن – سيكولوجية الطفل – ترمحة ك حافظ اجلمايل – منشورات جامعة دمشق‬
‫– ‪1956‬م – الطبعة األوىل ‪.‬‬
‫‪ -9‬الدكتور ‪ :‬عبد الرمحن العيسوي – علم النفس الفسيولوجي – دار النهضة ‪.‬‬
‫‪ -10‬جريوم كاغان – تعريب ‪ :‬عبد الكريم ناصيف – أطفالنا كيف نفهمهم ؟ ‪ -‬دار اخلليل‬
‫– دمشق ‪.‬‬
‫‪ -11‬الدكتور ك فاخر عاقل – تفسريات للذاكرة والنسيان – جملة املعلم العربي – العدد‬
‫األوّل ‪ -1973‬دمشق‪.‬‬
‫‪ -12‬الدكتورة ك عناية مصطفى جنم – جملة الفيصل – مصدر سابق – ص ‪. 35‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪119‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اليوغا‬

‫للحفاظ على صحة الجسم‬
‫د‪ .‬نوراير ماجنيان‬

‫إهنا حقيقة ثابتة بأن الوقاية من األمراض أسهل بكثري من عالجها‪.‬‬
‫إن اإلنسان من حلظة إبصاره النور‪ ،‬عمليتا البناء واهلدم تتمان يف جسمه‬
‫وبتقدم الزمن فإن عالمات الشيخوخة تظهر‪ ،‬جفاف الغضاريف‪ ،‬تصلب‬
‫الشرايني‪ ،‬تراكم مواد يف الدم‪ ،‬تفسخ اخلاليا اهلوائية يف الرئتني ‪،‬ضمور‬
‫الغدد الصماء وضعف عضلة القلب‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫إن مم��ارس��ي (ال��ي��وغ��ا) خ�لال آالف السنني‪،‬‬
‫نظموا ووضعوا متارين روحية نفسية ورياضية‬
‫اليت تعطي اإلمكانية لعيش حياة قيمة ‪،‬مليئة‬
‫باحليوية والنشاط ومثمرة أيضا‪.‬‬
‫كطبيبة معاجلة وباحثة ‪،‬ب��ع��د حب��ث علمي‬
‫وعملي وج���دت أن مم��ارس��ة بعض التمارين‬
‫املأخوذة من اليوغا‬
‫تعطي نتائج جيدة يف احلفاظ على وظائف‬
‫أعضاء اجلسم حيويا وبالتايل تعترب عمليات‬
‫وقائية من املرض‪.‬‬
‫ه��ذه التمارين تنظم‪ ،‬األم��ع��اء ‪،‬املعدة‪.‬القلب‪،‬‬
‫الكبد و أيضاً على اجلهاز العصيب‪.‬‬
‫إهنا حتافظ على سالمة اجلسم ويرفع مقاومته‬
‫ضد الكثري من العوامل اخلارجية والداخلية‪.‬‬
‫أقرتح القيام بالتمارين التالية وهي مميزة ألهنا‬
‫سهلة التطبيق وتتطلب القليل من الوقت‪.‬‬
‫التنفس‬
‫إن التنفس الصحيح هو األس��اس ال��ذي يبنى‬
‫عليه يف علم ( اليوغا) ‪ .‬التنفس العميق والكامل‬
‫هام جداً‪ ،‬حيث جيعل اجلسم طبيعياً و بفضله‬
‫حيافظ اإلنسان على الصحة ويسيطر على‬
‫الطاقة وله أه��داف وقائية وعالجية‪ .‬عملية‬
‫التنفس تتم على املراحل املتتالية التالية‬
‫‪ -1‬مرحلة السكون (التوقف عن التنفس ‪2-1‬‬
‫ثانية)‬
‫‪ -2‬الشهيق – أخذ النفس (شهيق عميق باألنف‬
‫حيث يرتفع القفص الصدري)‬
‫‪ -3‬التوقف ‪ 2-1‬ثانية‬
‫‪ -4‬زفري‪-‬طرد النفس( طرد اهل��واء كامالً عن‬
‫طريق الفم‪-‬حيث ينزل القفص الصدري)‬

‫صورة ‪1‬‬

‫صورة ‪2‬‬

‫اسرتاحة من ‪ 3-2‬ثوان ومرة جديدة شهيق زفري‪.‬‬
‫التنفس بوضع جلوس‬
‫‪ -1‬اجللوس بوضع م��رت��اح‪،‬وض��ع ليدين على‬
‫اخلصر واالرختاء ‪.‬‬
‫‪ -2‬تركيز النظر على جهة ال��ب��ط��ن‪ ،‬غمض‬
‫العينني وح��ف��ظ ط��رف ال��ل��س��ان ق��رب أسنان‬
‫القواطع العلوية‪.‬‬
‫بدون توتر‪ ،‬القيام خبمسني عملية شهيق –زفري‬
‫ومن ثم اسرتاحة من ‪ 3-2‬ثوان بعد كل عملية‬
‫• التنفس بوضع نائم‬
‫شهيق –زفري‪ .‬نذكر ‪-‬الشهيق باألنف والزفري‬
‫زفري كامل بالفم وبعد ذلك شهيق تنفس ببطء بالفم‪.‬‬
‫من األنف‪.‬‬
‫إزال���ة التوتر وإع���ادة احليوية للجسم‬
‫االحتفاظ باهلواء لبضع ثواني ثم زفري بالفم‪.‬‬
‫وتقوية العضالت‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪121‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫صورة ‪3‬‬
‫• مترين ‪1‬‬
‫‪ -1‬النوم على الظهر فوق السرير‪ ،‬وضع اليدين‬
‫على الطرفني ‪،‬متديد القدمني ‪ .‬شهيق‪.‬‬
‫‪-2‬زف�ي�ر وبنفس ال��وق��ت رف��ع ال��ق��دم�ين ومها‬
‫صورة ‪4‬‬
‫متالصقان مع الثين وإىل األعلى‪.‬‬
‫‪-3‬مسك الركبتني باليد وتوحيدمها بالصدر‪ .‬بعضهما‪،‬تدوير الكتفني ‪.‬شهيق زفري‪.‬‬
‫شهيق‪-‬زفري ‪-‬البقاء هبذه الوضعية‪ 3 ،‬ثوان‪.‬‬
‫البقاء بالوضعية ‪ 2‬ثانية ث��م ارخت���اء‪ .‬تكرار‬
‫تكرار العملية ‪ 5-2‬مرات‪( .‬صوره رقم ‪)1‬‬
‫التمرين ‪ 10-1‬مرات‪( .‬صورة رقم ‪)3‬‬
‫• مترين ‪2‬‬
‫متارين لصحة العمود الفقري‬
‫‪-1‬اجل���ل���وس ع��ل��ى ال��ك��رس��ي‪ ،‬ض��م األص��اب��ع للوضع الصحيح ل��ل��ف��ق��رات‪ ،‬ختفيف وإزال���ة‬
‫(قبضة) وضع القبضة خلف الرأس‪.‬‬
‫حتدب الظهر‬
‫‪-2‬ت��دوي��ر الكتفني حنو اخللف بشكل يرتفع‬
‫أصبع اإلهبام حنو اخللف‪.‬‬
‫• مترين ‪1‬‬
‫‪ - 3‬ضغط القبضة على الرقبة والبقاء ثابتا ‪ -1‬وقوف مستقيم‪ ،‬كعبا القدمني بعيدان من‬
‫هبذه الوضعية‪.‬‬
‫بعضهما ‪ 30‬سم‪ ،‬توجيه أصابع القدمني حنو‬
‫تكرار العملية من ‪ 5-2‬مرات بتطبيق الشهيق اخل��ارج ‪ 45‬درج��ة ‪،‬أصابع اليد خلف ال��رأس‪.‬‬
‫والزفري‪ ( .‬صورة رقم ‪.)2‬‬
‫شهيق‪-‬زفري‪.‬‬
‫• مترين ‪3‬‬
‫‪ -2‬جلوس مقرفص‪ ،‬باأليدي أخذ الرأس إىل‬
‫النوم على الظهر وضع األيدي على توازي مع األمام‪ ،‬شهيق‪-‬زفري‪.‬‬
‫اجلسم وحنو الداخل‪.‬شهيق‪-‬زفري‪.‬‬
‫‪ -3‬الوقوف ووضع اليدين على اجلنب‪.‬‬
‫ومتديد‬
‫�ل‬
‫�‬
‫�داخ‬
‫جلب أص��اب��ع القدمني حن��و ال�‬
‫إجراء التمرين مرتني صباحا ومساء (صورة‪)4‬‬
‫ال��ق��دم ق��در املستطاع والتقعر حبيث تظهر‬
‫أصابع القدمني‪.‬شهيق‪-‬زفري‪.‬‬
‫• مترين ‪2‬‬
‫تقليص عضالت البطن وجلب اليدين حنو ‪ -1‬الوقوف أمام الطرف احلر من الباب املفتوح‬

‫‪122‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫صورة ‪5‬‬
‫‪ -4‬البقاء بالوضعية ثانيتني ’ ثم العودة لنقطة‬
‫ومسك بأصابع اليد مسكيت الباب ‪.‬‬
‫اجلسم حنو اخللف مع حفظ الظهر مستقيماً البدء‪.‬‬
‫وال��ي��دان مم��ددت��ان باستقامة وجي��ب توجيه إذا الكتف األيسر ن��ازل‪ ،‬إج��راء التمرين على‬
‫الرجل اآلخر‪ .‬الصورة رقم ‪6‬‬
‫القدمني ليكونا مستقيمني‪ .‬شهيق و زفري‪.‬‬
‫‪ - 2‬متديد اجلسم حنو الباب مع التنفس شهيق‬
‫متارين إلزالة التعب‬
‫عميق ‪ ،‬زفري‪.‬‬
‫‪ - 3‬ت��رج��ي��ع اجل��س��م حن��و اخل��ل��ف بوضعية تنظيم دوران الدم يف القسم السفلي من اجلسم‬
‫مشدودة واالرتفاع على أصابع القدمني وبقاء ‪-1‬وضعية البدء ‪ -‬فتح كعيب القدمني بعرض‬
‫الكتف‪ ،‬بوضعية اجللوس‪ ،‬ثين القدمني مبنطقة‬
‫متقلص ثانيتني ‪ -‬شهيق ‪ -‬زفري‪.‬‬
‫‪-4‬العودة إىل حالة البدء‪ .‬تكرار ‪ 10‬مرات صرة الركبتني‪ ،‬وض��ع اليدين على األرداف‪.‬ال���رأس‬
‫مستقيم‪ ،‬تركيز االنتباه على القدمني‪.‬‬
‫رقم (‪)5‬‬
‫‪-2‬التوجه حنو اليمني وشهيق‪.‬‬
‫‪-3‬اس�تراح��ة ق��ص�يرة وتصحيح وض��ع ال��رأس‬
‫• مترين ‪3‬‬
‫‪-1‬الوقوف أمام الطرف احلر من الباب‪ ،‬املسك وزفري‪.‬‬
‫بزاوية الباب بشكل تلقائي’ أصابع اليدين مع ‪-4‬الرجوع إىل وضع البدء تدرجيياً‪.‬‬
‫بعضها ’ التمدد حن��و األس��ف��ل وحم��اول��ة رفع التكرار بطرف اليسار ‪ .‬الصورة رقم ‪7‬‬
‫الكتفني باليد‪.‬‬
‫‪ -2‬إذا الكتف األمين نازل‪ ،‬رفع الرجل األيسر تنظيم عمل القليب العصيب والوعائي‬
‫وضعية ال��ب��دء ‪ -‬فتح كعيب القدمني بعرض‬
‫ومتديده‪ .‬شهيق –زفري‪.‬‬
‫‪ -3‬ثين الرجل األمين وحتميل ثقل اجلسم على الكتفني‪ ،‬األيدي حنو األسفل‪.‬‬
‫خ��ط��وة ب��ال��رج��ل األي���س���ر حن���و األم���ام‬
‫القدم األمين‪.‬شهيق –زفري‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪123‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪ -3‬حفظ التوازن ‪،‬احتباس بالنفس ثانيتني ثم‬
‫زفري عميق‪.‬‬
‫‪ -4‬النزول على كعيب القدمني ‪ .‬الصورة رقم ‪9‬‬
‫إعادة التمرين‪ 3‬مرات‪.‬‬
‫تنظيم االستقالب‬
‫‪Metabolism‬‬
‫‪-1‬فتح القدمني بعرض الكتفني‪.‬األيدي حرة ‪.‬‬
‫‪ -2‬أخذ خطوة بالقدم األمي��ن‪ ،‬اجللوس بثين‬
‫الركبة ‪.‬تنفس شهيق‪.‬‬
‫‪ -3‬رفع األيدي مبستوى الصدر‪ ،‬ضغط أصابع‬
‫القبضتني ‪.‬‬
‫صورة ‪6‬‬
‫‪-4‬رفع األيدي مبستوى الصدر‪ ،‬ضغط أصابع‬
‫واجل��ان��ب‪،‬ج��ل��وس ال��ق��رف��ص��اء‪ ،‬ن���ي الركبتني القبضتني‪ ،‬أخذ اليد األمين حنو األمام‪،‬بنفس‬
‫ُ‬
‫والفخذين‪ ،‬رفع اليدين بوضعية قبضة على الوقت أخذ اليد األيسر إىل اخللف ‪ .‬زفري‪.‬‬

‫صورة ‪7‬‬
‫تركيز النظر على قبضة اليد األمين ‪.‬‬
‫مستوى الصدر‪.‬‬
‫شهيق اليد اليمنى على ال��ص��در‪ ،‬بينما اليد أخذ اليد األمين حنو الصدر وتنفس شهيق‪.‬‬
‫األيسر حنو اجلانب‪ .‬فتح األصبعني السبابة رفع اليدين حنو األعلى فوق الرأس واستمرار‬
‫التنفس ‪.‬‬
‫والوسطى وتركيز االنتباه عليهما‪.‬‬
‫‪ -7‬إبعاد اليدين عن بعضهما ‪ .‬زفري‪.‬‬
‫‪ -5‬إعادة يد األيسر إىل الصدر وبدء الزفري‪.‬‬
‫‪ -6‬شهيق – تنزيل اليدين هبدوء وبالزفري العودة ‪-8‬إنزال اليدين حبركة دائرية‪.‬‬
‫‪ -9‬العودة إىل البدء ‪.‬‬
‫إىل وضعية البدء‪ .‬صورة رقم ‪8‬‬
‫إعادة على الطرف األيسر ‪ .‬الصورة رقم ‪10‬‬
‫تنظيم دوران الدم‬
‫وتنظيم عمل األمعاء واملعدة‬
‫‪ -1‬إبعاد القدمني واأليدي حرة ‪.‬‬
‫‪-2‬االرتفاع بأطراف أصابع القدم‪ ،‬شهيق‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫متارين للرجال‬
‫احملافظة وحتسني القدرة احليوية اجلنسية‬
‫• التمرين ‪1‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫صورة ‪8‬‬

‫‪ -5‬رفع اليدين والقدمني بنفس الوقت‪.‬‬
‫‪ -6‬شهيق‪ -‬زفري‪.‬‬
‫‪ -7‬اسرتاحة ‪.‬‬
‫تكرار التمرين من ‪ 5-2‬مرات ‪ .‬الصورة (رقم‬
‫‪)12‬‬
‫إن ممارسة اليوغا توقف التغريات الكيميائية‬
‫احليوية املرتبط بالتمثيل الغذائي‪ ،‬كما تزيد‬
‫مضادات األكسدة يف اجلسم‪.‬‬
‫ً‬
‫ممارسة متارين اليوغا يوميا ب��روح متفائل‪،‬‬
‫وبكامل اإلميان‪ ،‬حيظى اإلنسان حبيوية ويشعر‬
‫حتسن فجائي يف صحته ‪،‬حيث يقضي على‬
‫التعب وما ينتج منه من اآلم‪ ،‬يتجدد الشباب‪،‬‬
‫ويصبح أكثر اتزاناً يف احلياة‪.‬‬

‫صورة ‪9‬‬

‫صورة ‪10‬‬
‫‪-1‬اجللوس على مقعد‪.‬‬
‫‪-2‬وضع كعيب القدمني على بعد ‪ 35‬سم‪.‬‬
‫‪ -3‬وضع اليدين خلف الفخذين‪.‬‬
‫‪- 4‬تنزيل الرأس بني الركبتني‪.‬‬
‫‪-5‬الوقوف بقوة‪.‬‬
‫ينفذ التمرين صباحا ومساء ‪.‬‬
‫الصورة رقم ‪11‬‬
‫• التمرين رقم ‪2‬‬
‫‪-1‬النوم أرضا على الظهر‪.‬‬
‫‪-2‬متديد اليدين خلف الرأس‪.‬‬
‫‪-3‬شهيق مع شد أصابع القدمني حنو الرأس ‪.‬‬
‫‪ -4‬زفري‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪125‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫المريخ ‪...‬أو ال شيء‬
‫فرانك سيتزن*‬
‫ترمجة‪ :‬حازم حممود فرج‬
‫عن جملة ‪Astronomy‬‬

‫تعد املناطق القطبية املرخيية مواقع مستهدفة بالنسبة لالستكشاف البشري القادم للمريخ‪ .‬إن‬
‫اكتشاف آثار حياة فيها هو أمر حمتمل يف هذه املناطق اليت يغطيها املاء‪.‬‬

‫س��وف تشتمل ال�برام��ج املستقبلية الستكشاف املريخ على‬
‫مركبات مدارية ومركبات هبوط متطورة‪ ،‬وأخ�يراً‪ ..‬حتليقاً‬
‫فضائياً بشرياً‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫ي��أت��ي ال��ن��ج��اح ال��رائ��ع للمركبتني اجلوالتني‬
‫املرخييتني سبرييت وأبورتيونيت اللتان توشكان‬
‫اآلن على اهناء عامهما األرضي السابع على‬
‫الكوكب األمحرــ كخطوة أخرية ضمن برنامج‬
‫طموح من املركبات املدارية ومركبات اهلبوط‪،‬‬
‫وستقودان رحالت اإلنسان األوىل إىل املريخ‬
‫حبدود العام ‪ ،2030‬وفقاً خلطط ناسا‪.‬‬
‫عند ه��ذه النقطة ميكن ال��ق��ول إن التاريخ‬
‫املذكور هنا هو التاريخ املنشود فقط‪ .‬فحقائق‬
‫الواقع واخلربة الشاقة املكتسبة من التحليق‬
‫الفضائي توحي كلها بأهنا ميكن أن تتأخر أكثر‬
‫من ذلك‪ ،‬رمبا بقدر يبلغ العقد‪.‬‬
‫وبناءً على جناحات املركبات اجلوالة‪ ،‬نرى‬
‫مهندسي وعلماء الفضاء املدنيني منهمكني‬
‫يف تصميم وإعداد برنامج استكشاف شامل‬
‫للمريخ‪ .‬وهذا الربنامج مصمم للقيام ببعثات‬
‫مدارية وبعثات هبوط ستمهد الطريق أمام‬

‫البشر الستكشاف الفضاء‪ ،‬وهي اليت تعرف‬
‫أي��ض�اً باسم م��ب��ادرة م��ن القمر إىل املريخ‪.‬‬
‫وميكننا أن نضيف إىل هذه البعثات اجلاري‬
‫عليها العمل اآلن تصور بعثة خاصة مبهمة‬
‫جلب عينات من تربة املريخ إىل األرض يف‬
‫العقد الثاني من هذا القرن‪ ،‬وهي بعثة مازالت‬
‫على أل���واح ال��رس��م‪ ،‬وب��ذل��ك يرتسم أمامنا‬
‫سيناريو جديد لكشف أسرار الكوكب األمحر‪.‬‬
‫يف شهر شباط‪/‬فرباير من عام ‪ 2005‬أعلنت‬
‫ناسا عن موازنتها اخلاصة باستكشاف املريخ‬
‫للسنة املالية ‪ ،2006‬وبلغت حينها‪723.1‬‬
‫مليون دوالر‪ .‬لكن هذه املوازنة كانت تزداد‬
‫سنوياً لتصل إىل ‪ 1.26‬بليون دوالر يف العام‬
‫‪ .2010‬وإذا وافق الكونغرس األمريكي على‬
‫متويل كامل الربنامج‪ ،‬فسيكون هذا أكرب برنامج‬
‫لالستكشاف اآليل يف النظام الشمسي يف‬
‫تاريخ ناسا‪ .‬لقد صممت ناسا برنامج‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪127‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ت���س���ت���ه���دف امل���ع���دات‬
‫ال��ع��ل��م��ي��ة ع���ل���ى م�تن‬
‫‪ MRO‬امل������داري������ة‬
‫املنطقتني القطبيتني‬
‫اجلليديتني على املريخ‪،‬‬
‫وسيساعد هذا علماء‬
‫الفلك يف التعرف على‬
‫واق���ع وج���ود امل���اء على‬
‫الكوكب األمحر‪.‬‬

‫بعد رحلة دامت ‪ 7‬أشهر قامت مركبة مارس استخدمت ‪ MRO‬موجات الرادار للبحث عن‬
‫ماء وجليد حتت السطح‪ ،‬وحتدد هذه العملية‬
‫ريكونيسانس أوربرت (‪ )MRO‬بعملية كبح‬
‫املواقع اليت جيب استكشافها يف البعثات‬
‫هوائي نقلتها إىل مدار دائري (هبوطاً من مدار‬
‫املستقبلية‪.‬‬
‫إهليلجي) كي تنجز األهداف العلمية للبعثة‪.‬‬
‫استكشاف املريخ حول جمموعة من أهداف‬
‫علمية وتقانية عالية الرتكيز‪ .‬إن األه��داف‬
‫العلمية طموحة للغاية ولكنها مباشرة‪ :‬حتديد‬
‫فرصة نشوء احلياة يف أي وقت على املريخ‪،‬‬
‫وحتليل شخصية مناخ املريخ‪ ،‬ورسم خارطة‬
‫جيولوجية للكوكب‪ ،‬وتعيني املعامل املرتبطة‬
‫باملاء‪ ،‬ومتهيد الطريق أمام بعثات االستكشاف‬
‫البشرية‪ .‬ومنذ حقبة بعثات أبولو للهبوط على‬
‫القمر يف عقد الستينيات من القرن املاضي‪،‬‬
‫فإن هذا حيدد امل��رة األوىل اليت تربط فيها‬
‫وكالة الفضاء مباشرة بني هدف برنامج‬
‫آيل وبعثات استكشاف بشرية‪.‬‬
‫ومن أجل خلق الوسائل لتحقيق هذه األهداف‪،‬‬
‫فإن ناسا تطور سلسلة من التقانات املتقدمة‪.‬‬
‫لقد بينت لنا بعثتا سبرييت وأبورتيونييت أمهية‬
‫احلركة على املريخ‪ ،‬كما أظهرت أيضاً حدود‬
‫إمكانياهتما‪ .‬إن االعتماد الكلي على الطاقة‬
‫الشمسية ف��وق املريخ جيعل استمرار عمل‬
‫املركبات اجلوالة أمراً صعباً‪ .‬فضوء الشمس‬
‫على املريخ هو بنصف شدته على األرض‪ .‬وما‬
‫هو أسوأ أن الغبار املرخيي الدائم هناك يغطي‬

‫‪128‬‬

‫األل��واح الشمسية‪ ،‬ليحد من م��ردود طاقتها‬
‫مع م��رور الوقت‪ .‬كما أن خمططي البعثات‬
‫ال ميكنهم االعتماد على هبات ريح مناسبة‬
‫لتنظيف املركبة اجلوالة من الغبار عليها‪ ،‬كما‬
‫ح��دث مع سبرييت يف شهر آذار‪/‬م���ارس من‬
‫عام ‪.2005‬‬
‫لقد أجربت مصادر الطاقة الضئيلة للجوالتني‬
‫على حالة سبات يف عز فصل الشتاء املرخيي‪.‬‬
‫ويف حني أننا مل نشهد إخفاق أي من املعدات‬
‫بسبب ال�ب�رد‪ ،‬ف��إن ه��ذا ق��د يكون م��رده إىل‬
‫احل��ظ احل��س��ن يف ال��غ��ال��ب‪ .‬لقد مت اختيار‬
‫شحنة املعدات بشكل مبسط مراعاة ملوضوع‬
‫حفظ الطاقة‪.‬‬
‫وأخ�يراً‪ ،‬فإنه حتى لو متكنت اجلوالتان من‬
‫السري قدراً يفوق كثرياً ما توقع هلما من بنامها‪،‬‬
‫فهما مل تغطيا من الكوكب سوى نزراً ضئيالً‬
‫فقط وهنا نعلم أن كل واحد من علماء املريخ‬
‫يرغب مبشاهدة أكرب قدر ممكن من سطحه‪.‬‬
‫ومع تناول هذه املواضيع‪ ،‬فإن ناسا ختطط‬
‫لتجهيز البعثات املستقبلية مبنظومات تشتمل‬
‫على أنواع جديدة من الدفع‪ ،‬والطاقة املضافة‪،‬‬
‫واتصاالت أسرع وإلكرتونيات أفضل للتحليق‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫دامت رحلة فينيكس ‪Phoenix‬‬
‫إىل امل��ري��خ م���دة ‪ 9‬أش��ه��ر عرب‬
‫ال��ف��ض��اء‪ ،‬وهبطت على موقع‬
‫حم����دد م��س��ب��ق �اً ب��ع��د دخ��وهل��ا‬
‫الغالف اجلوي للكوكب‪.‬‬

‫وبرجميات مطورة‪ .‬أما بالنسبة لبعثات إعادة‬
‫عينات مرخيية‪ ،‬وبعثات مسح أماكن معينة‪،‬‬
‫فستزداد هذه القائمة لتشمل تقانات دخول‬
‫ونزول وهبوط جديدة متكن مركبات فضائية‬

‫أثقل وأكثر قدرة من اهلبوط بأمان‪.‬‬
‫يرغب مصممو البعثات الفضائية بأنظمة‬
‫تسمح للجواالت بقابلية حركة ذاتية‪،‬‬
‫وحتمي املركبة الفضائية بشكل أفضل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪129‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حفرت مركبة فينيكس الثابتة بذراعها اآللية‬
‫يف تربة املريخ حبثاً عن جليد قريب من‬
‫السطح‪ ،‬وأخرجته إىل متنها إلجراء التجارب‬
‫عليه‪.‬‬

‫حللت فينيكس كيميائية الرتبة يف موقع‬
‫هبوطها لتخترب العناصر واملكونات اليت قد‬
‫تكون خطرة على رواد املريخ مستقبالً ‪.‬‬
‫سيغطي خمترب علوم املريخ ‪MSL‬‬
‫م��ن��اط��ق ع��م��ل أوس���ع مم��ا غطته‬
‫مركبتا سبرييت وأب��ورت��ي��ون��ي�تي‪،‬‬
‫وذل���ك بفضل ق��درات��ه ال��ن��ووي��ة‪،‬‬
‫وس��ي��ك��ون ل��ه ق���درة ت��ص��وي��ر أدق‬
‫ب��ق��در مخ��س م���رات مم��ا حظيت‬
‫به مركبتا سبرييت وأبورتيونييت‪،‬‬
‫لتتناسب م��ع مركبة ج��وال��ة أكرب‬
‫كثرياً منهما‪.‬‬

‫من أجل بقاء فرتات أطول على السطح‪ .‬كما‬
‫أهن��م يرغبون مب��ع��دات علمية أح��دث وأكثر‬
‫قدرة‪ .‬ويسعى خمططو الرحالت لتطوير أنواع‬
‫جديدة من املعدات السطحية حبيث متكن‬
‫من العمل لسنوات بعد انتهاء مهمتها األولية‪،‬‬
‫وب��ذل��ك ميكن أن خت��دم كمحطات خمربية‬
‫سطحية شبه دائمة‪ .‬أم��ا بعثة مجع وإع��ادة‬
‫عينات مرخيية فستتطلب تقانات متكن من‬
‫اختيار ومج��ع األحجار والرتبة وعينات من‬
‫الغالف الغازي ووضعها يف عربة انطالق‪ ،‬ثم‬
‫يف كبسولة اإلعادة من أجل رحلة العودة إىل‬
‫األرض‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫وب��ال��رغ��م م��ن ال��ت��ط��ور التقاني امل��ت��زاي��د يف‬
‫املركبات املرخيية املستقبلية‪ ،‬إال أهنا ستبقى‬
‫حباجة دائمة إىل تعقيمها‪ .‬إن كافة برامج‬
‫أحباث املريخ حتكمها اتفاقيات متت املوافقة‬
‫عليها دولياً من أجل احلماية الكوكبية‪ .‬تنص‬
‫هذه االتفاقيات على تقانة لتنظيف وتعقيم‬
‫مركبة اهلبوط وعناصرها‪ .‬إذ ما من أحد‬
‫يرغب بإرسال حشرات أو جراثيم أرضية إىل‬
‫املريخ أو تلويث األرض جبراثيم مرخيية (إن‬
‫وجدت)‪.‬‬
‫تعد مركبة استطالع املريخ املدارية (‪،)MRO‬‬
‫اليت أطلقت بتاريخ ‪ 12‬آب‪/‬أغسطس‪،2005 ،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫ستشكل عملية نزول وهبوط املركبة ‪ MSL‬مناورة بالغة التنسيق عندما تنزل الرافعة املركبة‬
‫اجلوالة حبرص‪ .‬تبدأ الشحنة نزوهلا على ارتفاع ‪ 8‬كم فوق السطح عند سرعة ‪ 2‬ماك‪20‬‬
‫(ضعف سرعة الصوت)‪ .‬ستستخدم املركبة ‪ MSL‬راداراً متطوراً لقياس االرتفاع والسرعة‬
‫إلجياد موقع هبوط آمن‪ .‬وبعد ‪ 3‬دقائق فقط من بدء مرحلة نزوهلا‪ ،‬ستخفض الشحنة سرعتها‬
‫إىل ‪ 2.2‬ميالً يف الساعة‪ ،‬لتمنح املركبة اجلوالة هبوطاً آمناً‪.‬‬
‫أول عضو يف برنامج استكشاف املريخ‪ .‬و بعد‬
‫حتليق دام ‪ 7‬أشهر‪ ،‬وصلت هذه املركبة إىل‬
‫مدارها حول الكوكب األمحر بتاريخ ‪ 10‬آذار‪/‬‬
‫مارس‪ .2006 ،‬ويف خطوة تالية‪ ،‬تقوم ‪MRO‬‬
‫بتشغيل حمركها الصاروخي للدخول يف مدار‬
‫إهليلجي بالغ حول املريخ‪ .‬وعند أخفض نقطة‬
‫هلا يف مدارها وتبلغ حنو ‪ 300‬كم فوق السطح‬
‫متس املركبة األجزاء العليا من الغالف الغازي‬
‫للكوكب‪ .‬وأثناء مناورة معقدة وطويلة األمد‬
‫متتد فرتة ‪ 6‬أشهر تدعى بعملية الكبح اهلوائي‬
‫تفيد ‪ MRO‬من الكبح الضعيف الذي يطبقه‬
‫الغالف اجلوي املرخيي جلعل مدارها دائرياً‬
‫أك��ث��ر‪ .‬وب��ذا يكون امل���دار النهائي للعمليات‬
‫العلمية ال���ذي ميكن حتقيقه م��ن عمليات‬
‫االحتكاك اهل��وائ��ي وتشغيل م��ع��ززات الدفع‬
‫بارتفاع ‪ 450‬كم‪.‬‬

‫بعد بدء عملها‪ ،‬حبثت‪ MRO ‬عن آثار ماء من‬
‫مدارها باستخدام أكثر الكامريات تطوراً محلت‬
‫على منت أية مركبة فضائية كوكبية‪ .‬وبتصوير‬
‫أج��س��ام سطحية ص��غ�يرة حبجم ك��رة سلة‪،‬‬
‫تستطيع كامريا عالية الدقة خاصة بتصوير‬
‫ال��ت��ج��ارب العلمية (إخ��ت��ص��اراً ‪)HiRISE‬‬
‫حتديد وفهرسة األحجار والصخور اليت ميكن‬
‫أن تشكل أخطاراً ملركبات اهلبوط املستقبلية‪.‬‬
‫ويقوم جهاز قياس طيفي تصويري خاص‬
‫(‪ )CRISM‬بالرتكيز على أهداف أصغر وأدق‬
‫مما استطاعته أجهزة قياس الطيف املدارية‬
‫السابقة‪ .‬وبقدرة ميز تصل إىل ‪ 18‬مرتاً ميكن‬
‫هلذا اجلهاز أن يقوم بتحليل األشعة الضوئية‬
‫املرئية والقريبة من األشعة حتت احلمراء‬
‫على السطح إىل مئات "األل��وان" وذلك‬
‫لتحديد املعادن‪ ،‬وباألخص منها تلك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪131‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بانتظار التمويل‪ ،‬ستستكشف ‪ ،ARES‬وهي طائرة "كشافة" انزالقية‪ ،‬اجلزء األخفض من‬
‫الغالف الغازي للكوكب األمحر‪ ،‬وهي منطقة مل تدرس بعد‪ ،‬وستمنح العلماء نظرة من ارتفاع‬
‫منخفض إىل الكوكب‪.‬‬
‫اليت يرجح تشكلها بوجود امل��اء‪ .‬كما يسمح‬
‫رادار خاص خترتق موجاته األعماق اخلفيفة‬
‫حتت السطح (امسه املختصر ‪)SHARAD‬‬
‫باكتشاف املاء املتجمد أو السائل يف منطقة‬
‫يبلغ مسكها عدة مئات من األقدام يف اجلزء‬
‫األع��ل��ى م��ن ال�ترب��ة‪ .‬وت��راق��ب م��ع��دات أخ��رى‬
‫أحوال الغيوم على الكوكب‪ ،‬وعواصف الغبار‪،‬‬
‫وتبدالت حرارة الغالف الغازي وخبار املاء‪.‬‬
‫ك��ذل��ك ف��ق��د ض��م��ت بعثة‪ MRO ‬منظومة‬
‫اختبار رادي��وي��ة حبزمة ‪ Ka11‬وذب��ذب��ة ‪32‬‬
‫جيغاهريتز‪( 12‬تستخدم بعض أجهزة رادرات‬
‫الشرطة ذبذبة مماثلة)‪ .‬سيكون هذا الراديو‬
‫أول نظام يستخدم يف تأسيس "انرتنت كواكبية"‬
‫وجسر اتصال مع األرض بالنسبة للمركبات‬
‫اجلوالة على سطح املريخ‪ .‬ميكن إعادة توجيه‬
‫األوامر من األرض إىل مركبة هبوط أو إعادة‬
‫معطيات املركبة إىل األرض عرب هذه الوصلة‪.‬‬
‫سيكون األمر أشبه بإعطاء مركبات اهلبوط‬
‫واجل�����واالت امل��رخي��ي��ة ص��ل��ة ات��ص��ال ان�ترن��ت‬
‫عريضة املوجة‪ ،‬مع إمكانية استخدامها مدة‬
‫‪ 5‬دقائق‪ ،‬مرتان يف اليوم‪.‬‬
‫من املقرر لبعثة ‪ MRO‬أن تستمر حتى شهر‬

‫‪132‬‬

‫كانون‪ ‬األول‪ /‬ديسمرب من عام ‪ .2010‬وعلى‬
‫أية حال‪ ،‬فإن ناسا قد زودت املركبة بوقود‬
‫داس���ر‪ 13‬ك��اف لدرجة متكنها عند احلاجة‬
‫أن تنجز بث اتصاالهتا لفرتة مخسة سنوات‬
‫اضافية‪ .‬وبعد إلغاء بعثة مركبة اتصاالت املريخ‬
‫املدارية (‪( )MTO‬كان من املخطط إرساهلا‬
‫يف العام ‪ ،)2009‬فإن متديد مهمة‪ MRO ‬هو‬
‫أمر مرجح‪.‬‬
‫كما أرسلت ناسا مركبة هبوط جديدة إىل‬
‫املريخ لتبحث عن اجلليد حتت سطح الكوكب‪.‬‬
‫تدعى املركبة فينيكس ‪ ،Phoenix‬وهبطت‬
‫على سطح املريخ يف شهر أيار‪/‬مايو من عام‬
‫‪ .2008‬إن هذه البعثة هي األوىل من سلسلة‬
‫تدعى ب��ـ "كشافة امل��ري��خ ‪"Mars Scouts‬‬
‫وهي بعثات أصغر حجماً وموجهة إىل مواقع‬
‫حم���ددة مسبقاً أو جلمع معلومات يتمنى‬
‫علماء الكواكب دراستها‪ .‬يشري اسم فينيكس‬
‫‪ Phoenix‬إىل طائر أس��ط��وري (العنقاء)‬
‫ينهض من النار باعثاً ذاته من جديد‪ .‬ويبدو‬
‫االسم مناسباَ هنا إذا علمنا أن خمططي هذه‬
‫البعثة قد استخدموا كثرياً من املعدات املتبقية‬
‫ال�تي كانت ق��د صممت أص�لاً لبعثة م��ارس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫ستبحث بعثة مقرتحة ــ هي املخترب امليداني لعلم احلياة الفضائية (‪ )AFL‬ــ عن إشارات تدل‬
‫على حياة سابقة‪ ،‬أو حالية‪ ،‬يف مواقع حيددها خمترب علوم املريخ ‪.MSL‬‬
‫الن���در ‪ Mars Lander‬ال�تي ألغيت عام‬
‫‪ .2001‬تشمل جمموعة املعدات هذه التجارب‬
‫املطلوبة بعناية‪ ،‬وكذلك جتارب أخرى مطورة‬
‫من جتارب مركبة مارس بوالر الندر ‪MPL‬‬
‫اليت حتطمت عام ‪.1999‬‬
‫وك��م��ا ك���ان األم���ر م��ع م��رك��ب��ة ‪ ،MPL‬فقد‬
‫استهدفت فينيكس التوجه إىل موقع هبوط‬
‫عند خط عرض مرتفع‪ .‬ولكن على العكس‬
‫من ‪ MPL‬فإن فينيكس أرسلت إىل موقع يف‬
‫النصف الشمايل من الكوكب‪ ،‬وليس اجلنوبي‬
‫منه‪ .‬وكما كان أمر بعثات سابقة‪ ،‬فقد خطط‬
‫لفينيكس أن تعمل أيضاً مدة ‪ 90‬يوماً مرخيياً‬
‫(اليوم املرخيي أطول بقدر ‪ 40‬دقيقة من اليوم‬
‫األرض��ي)‪ .‬تستهدف اخلطط احلالية موقعاً‬
‫يقع ب�ين خطي ال��ع��رض ‪ 65º‬و ‪ 75º‬درج��ة‬
‫مشاالً‪ ،‬وقرب خط الطول ‪ 240º‬شرقاً‪ .‬وقد‬
‫اكتشفت عمليات القياس املنفذة من املدار‬
‫بوساطة جهاز مقياس الطيف العامل بأشعة‬
‫غاما على منت مركبة مارس أوديسي أن الرتبة‬
‫يف املنطقة القطبية املرخيية حتوي كميات‬

‫كبرية من اهليدروجني‪ .‬وتشري احلسابات إىل‬
‫أنه حتت عمق عدة إنشات من الرتبة اجلافة‪،‬‬
‫فإنه رمبا يكون ما يقرب من ‪ %80‬من حجم‬
‫الرتبة هو جليد مائي‪ .‬يظهر املوقع املختار‬
‫بصمة مائية ق��وي��ة ب��ق��در املنطقة الثلجية‬
‫القطبية ذاهتا‪.‬‬
‫ويف خطوة غري معتادة‪ ،‬فقد طلبت ناسا من‬
‫املنظمات العلمية األخ��رى التنافس يف إدارة‬
‫بعثة فينيكس‪ ،‬لتمنح العقد من ثم إىل خمترب‬
‫علوم القمر والكواكب يف جامعة أريزونا يف‬
‫مدينة تكسن‪ .‬وق��د أراد بيرت مسيث‪ ،‬الذي‬
‫ت��رأس فريق البعثة‪ ،‬أن ينشئ موقع هبوط‬
‫حياكي املوقع املرخيي‪ ،‬والقيام بتجارب على‬
‫نسخة باحلجم الكامل من مركبة فينيكس‪.‬‬
‫ويقول بيرت مسيث‪" :‬اشتملت محولة املركبة‬
‫على الكثري من امل��ع��دات التفاعلية‪ .‬وتدعم‬
‫منظومة الكامريا ال��ذراع اآللية اليت ستأخذ‬
‫عينات الرتبة واجلليد وتضعها داخل أجهزة‬
‫االختبار على منت مركبة اهلبوط‪ .‬لكن‬
‫الطريقة الوحيدة اليت ميكن أن خنترب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪133‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قد جتد منظومة حفر عميق جليداً حتت‬
‫سطح الكوكب األمحر ــ رغم أن هذه البعثة مل‬
‫تدرج بعد على جدول مهمات ناسا اخلاصة‬
‫باملريخ‪.‬‬

‫ستتمكن بعثة ‪ ExoMars‬األوربية من احلفر‬
‫يف الصخور وحتريك عوائق كبرية من الطريق‬
‫لتخترب كيميائية وحياتية تربة املريخ‪.‬‬

‫سرتسل وكالة الفضاء األوربية بعثة خاصة‬
‫بإعادة عينات من تربة الكوكب‪ ،‬وتعود هبا إىل‬
‫املركبة املدارية بوساطة مركبة صعود خاصة‪.‬‬

‫فيها كامل املنظومة يف بيئة مثرية للغبار تشبه‬
‫ما على املريخ هي يف موقع اختبارنا هذا"‪.‬‬
‫يتوقع خمططو البعثة أن تكشف عمليات‬
‫االختبار والتجارب عن أم��ور ميكن التعامل‬
‫معها قبل إرسال املركبة فعالً‪ .‬ويشرح مسيث‪:‬‬
‫"ميكن تعديل البيئة احمليطة باملركبة الفضائية‬
‫كي خنلق ظروفاً ليعاجلها الفريق العلمي فقد‬
‫جتد اجملموعة خندقاً يتشكل حيث توجد‬
‫صخرة كيف سنعاجل مشكلة كهذه؟"‪.‬‬
‫إن فينيكس هي مركبة ثابتة‪ .‬لكن مسيث يشري‬
‫إىل أن معداهتا ستساعد علماء آخرين بوضع‬
‫خطط أوىل رحالت رواد الفضاء إىل املريخ‪.‬‬
‫وعلى ذلك‪ ،‬فإن جهاز حتليل الناقلية والنشاط‬
‫الكهربائي الكيميائي اجمل��ه��ري (اخ��ت��ص��اراً‬
‫‪ )MECA‬الذي سيبنيه خمترب الدفع النفاث‬
‫‪ ،JPL‬سوف يساعد يف تقليل األخطار اليت‬
‫تفرضها تربة املريخ على صحة رواد الفضاء‪.‬‬
‫وي��ق��ول مس��ي��ث‪" :‬ب��ش��ك��ل رئ��ي��س‪ ،‬ن��رغ��ب يف‬
‫التأكد أن الغبار ليس ساماً‪ ،‬وذل��ك ألن��ه ال‬
‫توجد طريقة ملنعه من الدخول يف بيئة حية‪.‬‬
‫إن ج��ه��از ‪ MECA‬س��وف حيلل خصائص‬

‫كيميائية الرتبة والغبار الذي حيمله اهلواء"‪.‬‬
‫نقلت فينيكس معها م��اءً أرض��ي �اً لتمزجه‬
‫مع عينات من تربة املريخ‪ ،‬ولتجري كذلك‬
‫عمليات حتليل للمياه ب��اس��ت��خ��دام أجهزة‬
‫استشعار خاصة على متنها‪ .‬ويتوقع مسيث‬
‫أن��ه‪" :‬بالنسبة الختبارات فينيكس العلمية‪،‬‬
‫سنرى أهن��ا تسمح ب��إع��ادة خلق احلالة اليت‬
‫ذاب فيها اجلليد حتت السطحي‪ ،‬وسيثبت ما‬
‫إذا كانت السهول تقدم مصدراً جاهزاً للماء‬
‫الناتج ع��ن اجلليد"‪ ،‬وذل��ك م��ن أج��ل حاجة‬
‫رواد الفضاء‪ ،‬كما يتوقع مسيث‪ .‬ومع أنه مل‬
‫يقرر للبعثة أن تبحث حتديداً عن آثار حياة‬
‫سابقة أو حالية‪ ،‬إال أن نتائج دراساهتا جيب‬
‫أن تساعد يف تقليص االحتماالت‪.‬‬
‫بعد بعثة "الكشافة" األوىل‪ ،‬يعود هدف ناسا‬
‫من استكشاف املريخ إىل مرحلة التجوال على‬
‫سطح الكوكب ولكن مع فارق كبري عن اآللتني‬
‫اللتني تشقان طريقهما حالياً على سطح‬
‫الكوكب األمحر‪.‬‬
‫أم��ا بعثة خمترب علوم املريخ (‪ ،)MSL‬فقد‬
‫كان خمططاً إطالقها يف شهر كانون األول‪/‬‬

‫ديسمرب عام ‪ ،2009‬ليكون تاريخ وصوهلا يف‬
‫شهر تشرين أول‪/‬أكتوبر‪ ،2010 ،‬لكن القيود‬
‫على موازنة ناسا أخ��رت موعد إط�لاق هذه‬
‫البعثة حتى عام ‪ .2011‬وستكون هذه املركبة‬
‫اجلوالة أكرب كثرياً وأكثر طموحاً من اجلوالتني‬
‫احلاليتني على سطح املريخ‪ .‬وإذا كنا نشبه كالً‬
‫من سبرييت وأبورتيونييت بعربة رياضة الغولف‬
‫ال��ص��غ�يرة‪ ،‬ف��إن ج��وال امل��ري��خ ال��ت��ايل سيكون‬
‫مركبة مهفي ‪( Humvee‬يف الواقع فإهنا‬
‫ستزن تقريباً قدر وزن عربة مهر حقيقية)‪.‬‬
‫ستحمل املركبة معدات صنعتها وأرسلتها‬
‫ع��دة دول‪ ،‬وك��ذل��ك م��ن ال��والي��ات املتحدة‪،‬‬
‫وستتكون مركبة اهلبوط من مركبة جوالة‬
‫ذات ست عجالت ق��ادرة على مجع عينات‬
‫م��ن ال�ترب��ة وال��ص��خ��ور‪ .‬وف��ور وض��ع العينات‬
‫داخل املركبة‪ ،‬سيتم حتليلها حبثاً عن مركبات‬
‫عضوية وظ��روف بيئية رمب��ا ساعدت حياة‬
‫ميكروبية يف امل��اض��ي أو ح��ال��ي�اً‪ .‬ستساعد‬
‫الكامريات املرفوعة على سارية املركبة يف‬
‫اختيار أهم العينات لوضعها داخل حجرات‬
‫االختبار‪ .‬ومبجرد وضعها داخ�لاً‪ ،‬ستخضع‬
‫هذه العينات إىل عمل جمموعة من املعدات‬

‫‪134‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫سيحتاج رواد الفضاء إىل قاعدة لالتصال‬
‫باألرض‪ .‬رمبا سيكون لون داخلها أخضراً‬
‫وأزرقاً‪ ،‬من باب إدخال لون جديد على بيئة‬
‫املريخ احلمراء‪.‬‬
‫ال�تي ستحلل تركيبها حبثاً عن أي��ة مركبات‬
‫عضوية أو حامضية أخرى‪.‬‬
‫ستقدم روسيا جهاز الكشف عن املاء‪ ،‬واسبانيا‬
‫منظومة أجهزة االختبارات اخلاصة باألرصاد‬
‫اجلوية‪ ،‬وتقدم كندا واحداً من أجهزة قياس‬
‫الطيف (م��ع مشاركة أمل��ان��ي��ة)‪ .‬ستعمل آلة‬
‫تصوير دقيقة قابلة للضبط البؤري كعدسة‬
‫اجليولوجيني اليدوية‪ ،‬وسيقصف شعاع ليزر‬
‫أه��داف على السطح من مسافة تصل حتى‬
‫‪ 10‬أمتار لقياس الرتكيب العنصري لألحجار‬
‫والرتبة‪ .‬وسيعمل جهاز كشف اإلشعاع على‬
‫اإلعداد لليوم الذي يصل فيه البشر إىل املريخ‪.‬‬
‫أم��ا الغاية منه فهي مراقبة طيف اإلشعاع‬
‫العريض الذي يصل إىل سطح املريخ‪ ،‬وهذا‬
‫أم��ر بالغ األمهية للعلماء لإلحاطة بأحوال‬
‫الكوكب قبل أن يقوم البشر بزيارته‪.‬‬
‫أما ما مينح املركبة ‪" MSL‬أرجالً" فهو قدر‬
‫كاف من الطاقة املستمدة من نظري إشعاعي‬
‫النشاط‪ .radioisotope 14‬إن هذا سيمكن‬
‫املركبة اجلوالة من العمل عند خطوط‬
‫عرض تصل إىل ‪ 60º‬مش��االً أو جنوباً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪135‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بعد التجوال فوق السطح إلجياد منطقة‬
‫اختبارات‪ ،‬جيمع رواد الفضاء املعلومات عن‬
‫تربة املريخ‪.‬‬

‫حيث تكون طاقة الشمس ضعيفة‪ .‬إن مصدراً‬
‫ن��ووي��اً م��ن ال��ط��اق��ة ي��ع�ني أي��ض �اً أن املركبة‬
‫الفضائية لديها م��ق��دار واف���ر م��ن الطاقة‬
‫الكهربائية لتشغيل معدات أكثر تطوراً وأكثر‬
‫حاجة للطاقة من تلك األجهزة املوجودة على‬
‫سبرييت وأبورتيونييت‪.‬‬
‫لن هتبط مركبة ‪ MSL‬باستخدام األكياس‬
‫اهلوائية كما فعلت كل من سبرييت وأبورتيونييت‪.‬‬
‫بدالً من ذلك‪ ،‬ستحلق إىل مكان هبوط خمتار‬
‫متاماً كما ينزلق مكوك الفضاء عرب الغالف‬
‫اجل��وي حنو م��درج اهلبوط على األرض‪ .‬ثم‪،‬‬
‫مع تقدمها التدرجيي حنو املوقع‪ ،‬تنشر املركبة‬
‫القادمة مظلة وتشعل صواريخ عكسية كاحبة‬
‫لالقرتاب من السطح‪.‬‬
‫ستسمح حمركات الصواريخ للمركبة أن حتوم‬
‫فوق موقع اهلبوط‪ ،‬وأن تديل املركبة اجلوالة‬
‫بوساطة كبل طويل مثلما تنزل الرافعة العالية‬
‫جسماً ثقيالً إىل السطح‪ .‬وعندما يتم إجياد‬
‫املوقع األنسب‪ ،‬تقوم مركبة اهلبوط احمللقة‬
‫بإنزال املركبة اجلوالة إىل السطح‪ ،‬وتطلقها‪،‬‬
‫ث��م حتلق بعيداً ع��ن م��وق��ع اهل��ب��وط قبل أن‬
‫تسقط وتتحطم بشكل مربمج يف مكان ال يؤثر‬
‫على املركبة اجلوالة‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫تشتمل قاعدة مرخيية حمتملة على مأوى‬
‫وحمطة وقود ومعدات أحباث ومركبة عودة إىل‬
‫األرض‪.‬‬
‫إن آلية اهلبوط هذه تثبت أن طريقة اهلبوط‬
‫باألكياس اهلوائية ليست آلية عملية بالنسبة‬
‫للمركبات اجلوالة ومركبات اهلبوط الثقيلة‬
‫األخرى‪ .‬إهنا أيضاً تسمح ملخططي الرحلة أن‬
‫خيتاروا مواقع ستكون خطرة للهبوط عليها‬
‫إذا مل حيظوا بآلية االختيار الدقيق للمكان‬
‫اليت يسمح هبا نظام التحويم واإلنزال بأسلوب‬
‫الرافعة‪ .‬ويتوقع العلماء أن تكون صور مركبة‬
‫استطالع املريخ ‪ MRO‬مهمة بالنسبة لعملية‬
‫اختيار موقع اهل��ب��وط النهائي ملخترب علوم‬
‫املريخ ‪ .MSL‬إن املدة األساسية للبعثة كما‬
‫حددهتا ناسا لبعثة خمترب علوم املريخ هي سنة‬
‫مرخيية واحدة ( ‪ 670‬يوماً مرخيياً‪ ،‬أو ‪687‬‬
‫يوماً أرضياً)‪ .‬ومع احتمال تأخري اإلطالق حتى‬
‫العام ‪ ،2011‬فسيكون متاحاً لناسا املزيد من‬
‫الوقت للتخطيط‪ .‬ويف هذه احلالة فقد تعتمد‬
‫ناسا سياسة التأمني ذاهتا اليت اعتمدهتا مع‬
‫سبرييت وأبورتيونييت أي بناء مركبتني يف‬
‫الوقت ذاته وإرساهلما معاً‪.‬‬
‫كما يوجد لدى ناسا مهمات أخرى أبعد مدى‬
‫حتت الدراسة مل تكتمل بعد لتقدميها رمسياً‪،‬‬
‫وهي ليست كذلك على جدول أعمال الوكالة‬
‫أو أفق موازنتها املالية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫سيتطلب البحث عن احلياة على املريخ جمموعة من التجارب‪ ،‬وكذلك بشراً إلجرائها‪ .‬وللبعثات‬
‫املأهولة ميزة رئيسة على البعثات اآللية‪:‬‬
‫فاإلنسان مييز بشكل أفضل الدالئل اليت تشري إىل احلياة‪.‬‬
‫بعد بعثة خمترب علوم املريخ‪ ،‬تأتي بعثة "كشافة"‬
‫ثانية‪ .‬إن هذه املهمة الكشفية املتقدمة قد‬
‫تأخذ مح��والت كالبوالني أو ط��ائ��رات ميكن‬
‫إطالقها يف جو املريخ إلجراء عمليات مسح‬
‫طريانية مطولة يف اجلزء األعلى من الغالف‬
‫الغازي للمريخ‪ .‬إن أقرب وقت ميكن فيه لناسا‬
‫أن ترسل فيه عملية "كشافة" ثانية هو عام‬
‫‪.2011‬‬
‫هناك أيضاً فكرتان مماثلتان مت النظر فيهما‪،‬‬
‫مها مشروع بعثة مجع العينات من أجل دراسة‬
‫امل��ري��خ (اخ��ت��ص��اراً ‪ ،)SCIM‬وه��ي عملية‬
‫إس��ق��اط م��ن ارت��ف��اع ع��ال ع�بر اجل��زء األعلى‬
‫م��ن ال��غ�لاف اجل���وي للكوكب‪ ،‬وك��ذل��ك بعثة‬
‫املسح اهلوائي السطحي (اختصاراً ‪،)ARES‬‬
‫وهي طائرة حتلق على ارتفاع منخفض كي‬
‫تستكشف الغالف اجلوي يف املنطقة اجملاورة‬

‫لسطح ال��ك��وك��ب‪ .‬ه��ك��ذا‪ ،‬س��ت��درس ك��ل بعثة‬
‫منطقة أخفض ارتفاعاً من املهمات املدارية‪،‬‬
‫ولكن فوق سطح الكوكب‪.‬‬
‫ثم سيكون هناك أكثر البعثات جرأة وتعقيداً‬
‫وآلي ًة‪ ،‬وهي الرحلة اليت ستعود إىل األرض‬
‫بعينات من املريخ‪ .‬لقد مضت عقود حتى اآلن‬
‫يف دراسة مغامرة كهذه‪ .‬فمهمة جلب عينات‬
‫مرخيية ستتطلب حشداً من تقانات متقدمة‬
‫مل ت��زل يف قيد التطوير‪ ،‬ب��دءاً من عمليات‬
‫االلتقاء وااللتحام الذاتية إىل كفاءات اإلطالق‬
‫السطحي ال��دق��ي��ق‪ .‬وك��م��ا يتصور خمططو‬
‫البعثة‪ ،‬سيحمل صاروخ دافع عينة حمفوظة‬
‫من تربة املريخ إىل امل���دار‪ ،‬حيث تلتقي مع‬
‫مركبة تعيدها إىل األرض‪.‬‬
‫وأثناء وجودها على السطح‪ ،‬ستحتاج‬
‫جوالة أخذ العينات إىل جتهيزات بالغة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪137‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫التطور ومنظومات ذك��اء اصطناعي ميكنها‬
‫التمييز بني املواقع املستهدفة‪ ،‬والتغيري بينها‬
‫حسب احل��اج��ة‪ ،‬وإع���داد العينات املرشحة‬
‫وإع��داد حتليل أويل مفصل الختيار العينات‬
‫من أجل رحلة العودة‪.‬‬
‫وبإضافة اختبارات ومزايا جديدة إىل البعثات‬
‫األوىل‪ ،‬تستطيع ناسا أن تطور تقانة خاصة‬
‫بعمليات هبوط دقيقة‪ ،‬وان��ط�لاق‪ ،‬والتقاء‪،‬‬
‫والتحام يف مدار مرخيي‪ .‬وسيكون أمراً دقيقاً‬
‫ك��ذل��ك وض��ع عينات ت��رب��ة سطح امل��ري��خ يف‬
‫عربة الدخول بالنسبة لرحلة العودة والتأكد‬
‫من بقاء العربة حمكمة اإلغالق أثناء دخوهلا‬
‫غ�لاف األرض ال��غ��ازي واستعادهتا‪ .‬ال أحد‬
‫يرغب بتكرار عملية هبوط مركبة جينسيس‪،‬‬
‫اليت حتطمت فيها كبسولة مغلقة كانت حتمل‬
‫عينات م��ن جسيمات ال��ري��ح الشمسية‪15‬‬
‫يف صحراء والية يوتا يوم ‪ 8‬أيلول‪/‬سبتمرب‪،‬‬
‫‪.2004‬‬
‫وباإلضافة إىل التحدي الذي تطرحه عملية‬
‫إعادة العينات‪ ،‬تنظر ناسا يف مركبات هبوط‬
‫وج����واالت أخ����رى‪ ،‬م��ث��ل خم��ت�بر ع��ل��م احل��ي��اة‬
‫الفضائية امليداني (‪ )AFL‬ملتابعة البحث‬
‫عن احلياة‪ ،‬ومركبة هبوط أخرى ميكنها أن‬
‫حتمل منظومات حفر عميقة دقيقة‪ .‬وبينما‬
‫تقوم بعثات السطح هذه بعملها‪ ،‬رمبا توضع‬
‫م��رك��ب��ات م��داري��ة ج��دي��دة وأخ����رى لتحويل‬
‫االتصاالت يف مدار مرخيي لتمهيد الطريق‬
‫أمام أوىل البعثات البشرية‪.‬‬
‫أما وكالة الفضاء األوربية ‪ ESA‬فقد أعدت‬
‫برناجماً الستكشاف النظام الشمسي يدعى‬
‫أورورا ‪ Aurora‬س��وف جيمع ب�ين بعثات‬
‫آلية وأخرى بشرية إىل القمر واملريخ وحزام‬
‫الكويكبات‪ .Asteroids 16‬يطرح الربنامج‬
‫منطني من البعثات‪ :‬كبرية تدعى "البارجة"‪،‬‬
‫وأخ��رى أصغر تدعى باسم "بعثات السهم"‪.‬‬
‫وفيما يتوىل النوع األول منها عمليات ومهمات‬

‫‪138‬‬

‫طموحة (وبشكل تال موازنات مالية أكرب)‪ ،‬فإن‬
‫الثانية منها (ذات املوازنات األقل) ستساعد‬
‫يف تطوير تقانات لدعم البعثات الرئيسة‪.‬‬
‫إن كامل برنامج أورورا سيكون‪ ،‬يف مجيع‬
‫األحوال‪ ،‬أقل مدى ومشوالً من برنامج ناسا‪،‬‬
‫وذلك ألن وكالة الفضاء األوربية تعمل ضمن‬
‫موازنات وأولويات ‪ 16‬دولة عضوة مشاركة‪.‬‬
‫لكن أورورا ق��د انطلق‪ .‬إن مركبة م��ارس‬
‫إكسربيس‪ ،‬اليت تدور حول املريخ اآلن‪ ،‬هي أوىل‬
‫بعثات ‪ ESA‬إىل الكوكب األمحر‪ .‬والبقية يف‬
‫قيد العمل‪ ،‬مبا فيها بعثة من صنف "السهم"‪،‬‬
‫لتطوير تقانات جديدة يف عملية الدخول إىل‬
‫أجواء املريخ‪ .‬رمبا ستحتوي هذه على صدفة‬
‫هوائية قابلة لالنتفاخ أو درع حراري‪.‬‬
‫ستكون بعثة إك��زوم��ارس ‪ Exo Mars‬هي‬
‫أوىل البعثات من الصنف الكبري (البارجة)‪.‬‬
‫لكن إطالقها قد تأخر عن موعده املقرر يف‬
‫العام ‪ .2009‬جتمع املهمة بني مركبة مدارية‪،‬‬
‫وم��رك��ب��ة ن����زول‪ ،‬وم��رك��ب��ة ج��وال��ة يف مركبة‬
‫فضائية واحدة قادرة على الطريان إىل املريخ‬
‫ووض��ع نفسها يف امل���دار‪ .‬وبعد وصوهلا إىل‬
‫امل��دار‪ ،‬تنفصل مركبة النزول (ومعها املركبة‬
‫اجل��وال��ة) ع��ن امل��رك��ب��ة امل��داري��ة وتتجه حنو‬
‫السطح‪ .‬أما املركبة اجلوالة‪ ،‬اليت ستسريها‬
‫الطاقة الشمسية كما هو األم��ر مع مركبيت‬
‫سبرييت وأبورتيونييت‪ ،‬فهي بنفس حجمهما‬
‫تقريباً‪ ،‬وستسري مثلهما أيضاً على ‪ 6‬عجالت‪.‬‬
‫تذكر اخلطط أن املركبة ستقود ذاهت��ا عدة‬
‫أم��ي��ال على األق���ل ف��وق ال��س��ط��ح‪ .‬أم��ا وجه‬
‫ت��ف��وق امل��رك��ب��ة األورب��ي��ة على مركبيت ناسا‬
‫فيكمن يف جتهيزاهتا ومعداهتا‪ .‬إن لدى بعثة‬
‫‪ ExoMars‬محولة تقرب من ‪ 40‬كغ يرتكز‬
‫عملها على دراس��ة احلياة على كوكب آخر‪.‬‬
‫تضم معداهتا منظومة حفر خفيفة‪ ،‬وأداة‬
‫مجع ومعاجلة عينات‪ ،‬وجمموعة من املعدات‬
‫العلمية للبحث عن إش��ارات تنبئ عن حياة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫سيشكل االستكشاف البشري للمريخ جمرد خطوة على طريق استكشافنا للنظام الشمسي‪.‬‬
‫بعد زيارات متكررة إىل الكوكب األمحر‪ ،‬قد يغامر البشر بالذهاب إىل تايتان‪ ،‬قمر زحل‪ ،‬أو قمر‬
‫املشرتي يوروبا ــ ومها قمران رمبا شهدا حياة سابقة ‪..‬أو حالية‪.‬‬
‫سابقة أو حالية‪ .‬يف غضون ذلك‪ ،‬تنقل املركبة‬
‫امل��داري��ة نفسها إىل م��دار آخ��ر أكثر مالئمة‬
‫ميكنها من أن تعمل كساتل لنقل املعلومات‪.‬‬
‫وبشكل أويل‪ ،‬فإهنا ستنقل معلومات للمركبة‬
‫اجلوالة ‪ ،ExoMars‬ولكن مهمتها قد متدد‬
‫لتخدم بعثات مستقبلية‪.‬‬
‫يلي بعثة ‪ ExoMars‬بعثة أوربية أخرى هبدف‬
‫جلب عينات‪ .‬تتألف هذه البعثة الطموحة من‬
‫مخ��س مركبات فضائية‪ ،‬ك��ل منها مصمم‬
‫ملرحلة حم��ددة من البعثة‪ :‬عربة انتقال من‬
‫األرض إىل املريخ‪ ،‬مركبة مدارية مرخيية‪،‬‬
‫عربة إنزال‪ ،‬عربة إقالع‪ ،‬وعربة عودة ودخول‬
‫إىل األرض‪ .‬مي��ك��ن إط�ل�اق م��رك��ب�تي امل��ري��خ‬
‫املدارية والعودة األرضية بوقت يقرب من عام‬

‫‪ ،2011‬والبقية تتبع ذلك يف العام ‪.2013‬‬
‫تنص خطة التحليق أنه مبجرد مجع عينات‬
‫م��ن تربة امل��ري��خ ال�تي سيكون جمموع وزهن��ا‬
‫الكلي حنو باوند‪ 17‬واحد ووضعها يف مركبة‬
‫اإلق�لاع‪ ،‬سيتم إطالق هذه يف مدار مرخيي‬
‫لتلتقي مع عربة العودة األرضية‪ .‬بعد عملية‬
‫االل��ت��ق��اء‪ ،‬تعود مركبة ال��ع��ودة األرض��ي��ة إىل‬
‫األرض وف��ق م��س��ار ب��ال��س�تي‪ 18‬م��ع عينات‬
‫الرتبة والغالف الغازي‪ .‬بعد االستعادة‪ ،‬تعزل‬
‫العينات يف خمترب ملنع تلوثها والسماح للعلماء‬
‫بتحليلها بأمان‪.‬‬
‫وحب��س��ب رؤي���ة أخ���رى ل��ن��اس��ا‪ ،‬فهي ختطط‬
‫أن تعيد رواد فضاء إىل القمر حبلول‬
‫العام ‪ ،2020‬وذل��ك من خالل سلسلة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪139‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من املهمات اليت سوف تستأنف االستكشاف‬
‫البشري للقمر من حيث تركه رواد أبوللو يف‬
‫أوائ��ل السبعينيات‪ .‬إن هذه املهمة‪ ،‬واليت هي‬
‫اآلن حتت دراسة مفصلة ويف قيد التخطيط‬
‫األويل‪ ،‬ستستهدف م��ن جديد مناطق خط‬
‫االس��ت��واء القمرية‪ :‬أوالً‪ ،‬مناطق البحار‪19‬‬
‫األسهل‪ ،‬ثم األهداف األكرب حتدياً‪.‬‬
‫ستستهدف موجة أخرى من عمليات اهلبوط‬
‫املناطق القطبية القمرية وستقود يف النهاية إىل‬
‫بناء قواعد قمرية دائمة‪ .‬وحتت "مظلة" مبادرة‬
‫من القمر إىل املريخ‪ ،‬فسكون هل��ذه القواعد‬
‫بعض أن���واع امل��ن��ش��آت والتجهيزات وأنظمة‬
‫الطاقة اليت ستحتاجها أوىل القواعد املرخيية‪.‬‬
‫وباإلفادة من خطط االستكشاف املطورة من‬
‫أهداف مبادرة من القمر إىل املريخ‪ ،‬فسيكون‬
‫القمر يف العقد ال��ت��ايل ق��اع��دة لالختبارات‬
‫والتدريب من أجل الرحالت التالية إىل املريخ‪،‬‬
‫واليت خيطط هلا يف عقد الثالثينيات من القرن‬

‫‪140‬‬

‫احل��ايل (يتصور اجل��زء امل��أه��ول م��ن برنامج‬
‫أورورا األورب���ي حم��اول��ة مماثلة‪ ،‬باستخدام‬
‫القمر كقاعدة انطالق حنو املريخ)‪.‬‬
‫وحبسب رؤي��ة كريغ ش��ت��اي��دل‪ ،‬وه��و الرئيس‬
‫السابق يف إدارة أنظمة االستكشاف التابعة‬
‫لناسا‪ ،‬فإن أوىل البعثات البشرية إىل املريخ‬
‫ستستخدم نسخة م��ط��ورة م��ن ع��رب��ة طاقم‬
‫االس��ت��ك��ش��اف (‪ )CEV‬اخل��اص��ة مب��ش��روع‬
‫كونستليشن‪ ،‬وقد حتمل طاقماً يتألف من ستة‬
‫أف��راد‪ .‬ويقول شتايدل إن ال��زي��ارات البشرية‬
‫األوىل س��وف ت��ك��ون بعثات حتليق يف م��دار‬
‫مرخيي‪.‬‬
‫ستكون أوىل ال��رح�لات إىل الكوكب األمح��ر‬
‫رحالت مطولة‪ .‬سيدرس رواد الفضاء مواقع‬
‫هبوط منتقاة مسبقاً م��ن امل���دار باستخدام‬
‫كامريات وأجهزة استشعار متطورة‪ .‬ورمبا ترى‬
‫رح�لات املريخ امل��داري��ة الالحقة رواد فضاء‬
‫يرسلون شحنة أو وح���دات طاقة أسفل إىل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫السطح لبناء أوىل خميمات القواعد البشرية‪/‬‬
‫اآللية‪.‬‬
‫يتبع املخططون أس��ل��وب ال��وح��دات البنائية‬
‫املتسلسلة ال��ذي استخدم يف تصميم بعثات‬
‫القمر السابقة‪ :‬زي���ادة ف�ترات البقاء وإن��زال‬
‫معدات أكثر تطوراً مع تنامي حجم خميمات‬
‫القاعدة‪ .‬ولكن حتى قبل ب��دء الرحالت إىل‬
‫امل��ري��خ‪ ،‬ف��إن رواد الفضاء قد يضطرون إىل‬
‫بعثات اخ��ت��ب��اري��ة أخ���رى إلع��داده��م للرحلة‬
‫املعقدة‪.‬‬
‫توحي أوراق خطط ناسا ب��رح�لات حمتملة‬
‫ملركبات طواقم االستكشاف مؤهلة مرخيياً‬
‫إىل كويكب قريب من األرض أو إرسال طاقم‬
‫لبناء أو تطوير منظار مستقبلي بعيد املدى يف‬
‫الفضاء‪.‬‬
‫أوالً‪ ،‬جيب على برامج املركبات اآللية أن متهد‬
‫الطريق‪ .‬وكما يقول شتايدل‪" :‬إن إدارة أنظمة‬
‫االستكشاف تعمل بتنسيق مع إدارة البعثات‬

‫العلمية لتحديد البعثات اآللية األوىل لتأمني‬
‫االستطالع ملواقع اهلبوط احملتملة وإلظهار‬
‫التقانات املتقدمة بالنسبة للبعثات البشرية‬
‫املستقبلية‪ .‬إن عمل إدارة العلوم هو أمر أساسي‬
‫أمام "رؤية استكشاف الفضاء لوضع بشر على‬
‫سطح املريخ"‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬ستحاول ناسا وإيسا يف العقد القادم‪،‬‬
‫منفردتني أو معاً‪ ،‬جتربة إطالق برنامج مستدام‬
‫من البعثات اآللية إىل املريخ‪ .‬ويف الوقت ذاته‪،‬‬
‫فإن رواد الفضاء وكذلك الروبوتات املرافقة‬
‫هلم سيطورون مهاراهتم ويكتسبون اخلربة على‬
‫القمر وهي خربة تقتضيها وحتتاجها الرحالت‬
‫املستقبلية إىل املريخ‪.‬‬
‫ه��ك��ذا ن��رى أن االن��ط�لاق��ة احلقيقية لربامج‬
‫االستكشاف املتقدمة حنو الكوكب األمحر قد‬
‫ب��دأت منذ سنوات قليلة فقط‪ ،‬وحت��دي��داً يف‬
‫العام ‪ ،2004‬مع مركبيت سبرييت وأبورتيونييت‬
‫الفذتني‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪141‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حوادث الطائرات‬
‫د‪ .‬كسرى خليل حرسان‬

‫إذا كان السفر على منت الطائرات أكثر أماناً مقارنة بوسائل النقل األخرى‬
‫فإن حوادثها باملقابل أعظم كارثي ًة‪ .‬إذ تتعرض الطائرات س��واء داخل‬
‫املطارات أم خارجها لكوارث خمتلفة تودي حبياة عدد كبري من الركاب‪ ،‬أو‬
‫على أقل تقدير تتسبب احلوادث يف العديد من احلاالت اخلطرية‪ ،‬فضالً‬
‫عما ختلفه من أضرار بالغة باملباني واملنشآت اليت تسقط عليها‪ ،‬وعقب‬
‫كل حادث لطائرةٍ مدنية كانت أم حربية تتوىل اجلهة املختصة معاجلة‬
‫األسباب املؤدية إىل وقوع احلادثة حسب اإلمكانات املتاحة لديها‪ ،‬مع وضع‬
‫خطة للبحث عن حطام الطائرة املنكوبة ومتابعة املوقف بالتنسيق مع‬
‫اجلهات اليت تبحث يف أسباب هذه الكوارث مهما كانت؛ أخطاء تصميمية‬
‫أم روتينية لطاقم الطائرة أم وج��ود خلل يف نظام االتصاالت واألجهزة‬
‫املالحية باإلضافة إىل سوء األحوال اجلوية‪ ،‬وما يتعلق من هذه األسباب‬
‫باإلرهاب‪...‬إخل‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫إن انتشار ظاهرة سقوط الطائرات يف اآلونة‬
‫األخرية على مستوى العامل يرجع إىل األخطاء‬
‫األساسية التالية‪ :‬أوهل��ا أخطاء الطيار أثناء‬
‫مرحليت اإلقالع واهلبوط‪ ،‬ثانياً أخطاء اإلداريني‬
‫يف امل��ط��ار أو ال��ع��م��ال ال��ذي��ن ي��ق��وم��ون بوضع‬
‫احلموالت يف الطائرة اليت قد تكون زائدة عن‬
‫ال���وزن احمل���دد‪ ،‬ثالثاً األع��ط��اب املفاجئة اليت‬
‫حتدث نتيجة انسداد الوقود أو انفجار أحد‬
‫أجزاء الطائرة بسبب االصطدام حباجز‪ ،‬ورابعاً‬
‫حالة اخللل النامجة عن انعدم التجانس بني‬
‫قياسات السرعة يف عدادات الطائرة‪.‬‬
‫إن تأثري األح��وال اجلوية يف ح��دوث الكوارث‬
‫قليلة جداً حالياً‪ ،‬بعد تقدم األجهزة اخلاصة‬
‫بالتنبؤات اجلوية‪ ،‬إذ يتم تقديم رصد جوي لكل‬
‫رحلة يتضمن األح��وال اجلوية املتوقعة‪ ،‬ويبلغ‬
‫لقائد الطائرة من خالل أحد أجهزة الطائرة‪،‬‬
‫وجي��دد كل ‪ 30‬دقيقة‪ ،‬لذلك فإن عامل اجلو‬
‫يشكل أقل األسباب‪ ،‬يف حني تزداد نسبة العامل‬
‫البشرى يف احل��وادث اجلوية لتصل إىل ‪%72‬‬
‫سواء يف القيادة أم يف الصيانة أم يف املراقبة‪،‬‬
‫لكن العواصف الرعدية تشكل العدو الرئيس‬
‫للحركة اجلوية‪ ،‬والسيما عندما حتدث بشكل‬
‫مفاجئ مل يتنبأ به‪ ،‬مما يدفع الطيار إىل اهلبوط‬
‫يف أق���رب م��ط��ار قبل ال��ت��ع��رض ملخاطر هذه‬
‫العواصف‪ ،‬ومن الصعوبة ضمان عدم الوقوع‬
‫يف ال��ش��روط غ�ير املالئمة ألي ط�يران بشكل‬
‫كامل‪ ،‬إذ بينت اإلحصاءات أن أكثر احلوادث‬
‫اجلوية النامجة عن تأثري العوامل غري املالئمة‬
‫هي االضطرابات اجلوية‪ ،‬وتعرَّف االضطرابات‬
‫اجلوية بأهنا احلركة العشوائية لكتلة اهلواء يف‬
‫اجلو‪ ،‬واليت قد تؤدي إىل حتطم الطائرة‪ ،‬وتعد‬
‫األوض��اع اجلوية غري املرئية من قبل الطيار‬
‫واليت اليتم اكتشافها من الوسائط األرضية من‬
‫أخطر املؤثرات اجلوية على أمان الطائرات أثناء‬
‫الطريان‪.‬‬
‫التتعلق خطورة تكاثف الغيوم بعدم الرؤية فقط‬

‫بل باالضطرابات اجلوية وتأثريات الصواعق‬
‫اليت قد خترق أو تصهر معدن اهليكل أو حتطم‬
‫انسيابيته‪ ،‬إن أي تأثري يف هيكل الطائرة حيدث‬
‫متاساً كهربائياً بني أجهزة الطائرة‪ ،‬وبالتايل‬
‫قد ينشأ حريق‪ ،‬فقد بينت إحصاءات الطريان‬
‫املدني أن عدد الطلعات حتى اإلصابة بضربة‬
‫صاعقة يف أوربا الغربية بلغ ‪ 9100‬طلعة‪.‬‬
‫حني يتشكل اجلليد على أسطح الرفع لألجنحة‬
‫أو على شفرات املروحة أو على مداخل اهلواء أو‬
‫على غطاء الكابني الزجاجي أو مداخل أجهزة‬
‫قياس الضغط أو غريها فإن خواص الطائرة‬
‫االيروديناميكية واالس��ت��ق��راري��ة وحتى‬
‫ال��ق��ي��ادة ت��س��وء‪ ،‬كما أن إمكانية عمل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪143‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أجهزهتا تضعف باإلضافة إىل زيادة وزهنا‪.‬‬
‫تشكل الطيور خطورة كبرية على الطائرات‬
‫واحلوامات‪ ،‬فمع زيادة السرعة يزداد التحطم‬
‫عند االصطدام بالطيور‪ ،‬فإذا كان وزن الطائر‬
‫‪ 1.8‬كغ واصطدم بطائرة سرعتها ‪ 700‬كم‪/‬سا‬
‫فإنه خيلف إصابة مماثلة ملدفع عيار ‪ 30‬مم‪.‬‬
‫أما اخلطورة األكرب على الطائرة احلديثة فهي‬
‫دخول الطيور يف حمركاهتا العنفية النفاثة‪ ،‬إذ‬
‫تسجل سنوياً يف الواليات املتحدة األمريكية أكثر‬
‫من ‪ 500‬حادثة تصادم الطائرات والطيور منها‬
‫(‪ )3 ÷ 1‬حوادث تؤدي إىل حتطم الطائرة كلياً‪،‬‬
‫وأحياناً عشرات احملركات تبدل نتيجة لذلك‪.‬‬
‫ي��ؤدي وق��وع الطائرة يف األث��ر النفثي لطائرة‬
‫تطري قبلها إىل تشكل ق��وى وع���زوم تغري من‬
‫حركتها‪ ،‬وتتناسب شدة هذه القوى والعزوم مع‬
‫شدة األثر وحلظة تأثريه وكيفية توضعه على‬
‫الطائرة‪ ،‬فيختل نظام طرياهنا‪ ،‬وتزداد اخلطورة‬
‫إذا كان االرتفاع صغرياً وعند اإلقالع واهلبوط‪،‬‬
‫فمثالً إذا دخلت طائرة يف األث��ر النفثي ملدة‬
‫ثانية فإن امليالن يزداد حتى ‪ 90o‬درجة وخالل‬
‫ثوان تفقد الطائرة ‪ 60‬م من ارتفاعها‪ .‬وكما هو‬

‫‪144‬‬

‫معروف فإن األثر النفثي غري مرئي‪ ،‬والدخول‬
‫فيه يسوِّئ من آلية القيادة واالستقرار وبالتايل‬
‫يؤدي إىل خفض مستوى أمان الطريان‪.‬‬
‫تصاعدت حوادث سقوط الطائرات يف األعوام‬
‫األخرية بصورة مثرية للقلق‪ ،‬رغم أن خرباء النقل‬
‫الي��زال��ون يعدوهنا أكثر وس��ائ��ل السفر أمناً‪.‬‬
‫وسجل عاما ‪1996‬م‪ .‬و ‪2002‬م‪ .‬أك�بر عدد‬
‫من حوادث الطريان بواقع تسع يف كل منهما‪،‬‬
‫وك��اد ع��ام ‪1999‬م‪ .‬أن مي��ر دون تسجيل أي‬
‫منها لوال حادث سقوط الطائرة املصرية قبالة‬
‫سواحل نيويورك يف تشرين األول‪ ،‬وبينما كانت‬
‫الطائرات من ط��راز اي��روب��اص األوروب��ي��ة هي‬
‫األقل عرضة للحوادث خالل هذه الفرتة كانت‬
‫الطائرتان بوينغ األمريكية وتوبوليف الروسية‬
‫األكثر تعرضاً هلا‪ .‬وفيما يلي استعراض ألشهر‬
‫حوادث الطريان اليت وقعت خالل عام ‪1996‬م‬
‫وراح ضحيتها املئات‪.‬‬
‫الثامن من كانون الثاني‪ :‬مقتل ثالمثئة ومخسني‬
‫شخصاً على األقل يف سقوط طائرة شحن من‬
‫طراز أنتونوف ‪ 32‬على سوق مزدحم يف وسط‬
‫كينشاسا عاصمة الكونغو الدميقراطية (زائري‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫سابقاً)‪.‬‬
‫السادس من شباط‪ :‬مقتل مئة وتسعة ومثانني‬
‫شخصاً يف سقوط طائرة بوينغ تابعة لشركة‬
‫ط�يران الدومينيكان قبالة سواحل مجهورية‬
‫الدومينيكان‪ ،‬ومل ينج أحد يف احلادث‪.‬‬
‫التاسع والعشرون من شباط‪ :‬مقتل مئة وثالثة‬
‫وعشرين شخصاً يف اصطدام طائرة بوينغ تابعة‬
‫لشركة الطريان يف بريو جببل أثناء هبوطها يف‬
‫أريكويبا الواقعة على بعد أل��ف كيلومرت إىل‬
‫اجلنوب من العاصمة ليما‪ ،‬ومل ينج أحد‪.‬‬
‫احل���ادي عشر م��ن أي���ار‪ :‬مقتل مئة وعشرة‬
‫أشخاص يف سقوط طائرة من طراز دي سي ‪9‬‬
‫تابعة لشركة فالوجت بالقرب من مطار ميامي‬
‫بالواليات املتحدة‪ ،‬ومل ينج أحد‪.‬‬
‫السابع عشر من مت��وز‪ :‬مقتل مئتني وثالثني‬
‫شخصاً يف انفجار ط��ائ��رة تابعة لشركة تي‬
‫دبليو أيه األمريكية فوق احمليط األطلسي عقب‬
‫إقالعها من مطار كينيدي بنيويورك يف طريقها‬
‫إىل باريس‪ ،‬ومل ينج أحد‪.‬‬
‫التاسع والعشرون من آب‪ :‬مقتل مئة وواح��د‬
‫وأرب��ع�ين شخصا يف سقوط طائرة من طراز‬

‫توبوليف ‪ 154‬كانت تستأجرها شركة تعدين‬
‫روسية يف طريقها إىل جزيرة سبيتزبرجن‪ ،‬ومل‬
‫ينج أحد‪.‬‬
‫السابع من تشرين الثاني‪ :‬مقتل مئة وواح��د‬
‫ومخ��س�ين ش��خ��ص�اً يف حت��ط��م ط��ائ��رة بوينغ‬
‫نيجريية كانت يف طريقها من ب��ورت هاركوت‬
‫إىل الجوس‪ ،‬ومل ينج أحد‪.‬‬
‫الثاني عشر من تشرين الثاني‪ :‬مقتل ثالمثئة‬
‫وتسعة وأرب��ع�ين شخصاً يف اص��ط��دام طائرة‬
‫ج��ام��ب��و م���ن ال��س��ع��ودي��ة وط���ائ���رة ش��ح��ن من‬
‫كازاخستان يف أج��واء اهلند‪ ،‬وهو أسوأ حادث‬
‫اصطدام يف اجلو‪.‬‬
‫الثالث والعشرون من تشرين الثاني‪ :‬مقتل مئة‬
‫ومخسة وعشرين شخصاً يف سقوط طائرة‬
‫بوينغ إثيوبية خمتطفة يف املياه قبالة ساحل‬
‫جزر القمر‪ ،‬وجناة مخسني من الركاب‪.‬‬
‫ويف العاشر من حزيران عام ‪2008‬م‪ .‬اشتعلت‬
‫ال��ن�يران يف ط��ائ��رة ت��اب��ع��ة للخطوط اجل��وي��ة‬
‫السودانية بعد هبوطها يف مطار اخلرطوم‬
‫ال���دويل ق��ادم��ة م��ن العاصمة األردن��ي��ة‬
‫ع��م��ان‪ ،‬وعلى متنها ‪ 217‬شخصاً من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪145‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫• األول من حزيران‪ :‬سقوط طائرة فرنسية‬
‫من طراز إيه ‪ 330‬تابعة لشركة أيرفرانس يف‬
‫احمليط األطلسي‪ ،‬وهي يف طريقها من ريودي‬
‫جانريو إىل باريس‪ ،‬وأسفر احل��ادث عن مقتل‬
‫مجيع الركاب وعددهم ‪.228‬‬
‫• الثالثون من حزيران‪ :‬حتطم طائرة للخطوط‬
‫اليمنية أيرباص ‪ 310‬قبل وصوهلا إىل مطار‬
‫األم�ير سعيد إبراهيم ال��دويل يف ج��زر القمر‬
‫قادمة من مطار صنعاء‪ ،‬ومل ينجُ من ركاهبا‬
‫البالغ عددهم ‪ 153‬سوى طفلة واحدة‪.‬‬
‫• اخل��ام��س عشر م��ن مت���وز‪ :‬س��ق��وط طائرة‬
‫روسية من طراز توبوليف ‪ 154‬على مقربة من‬
‫قرية إيرانية بعد إقالعها بزمن وجيز‪ ،‬وقد لقي‬
‫مجيع الركاب حتوفهم وتعدادهم ‪.168‬‬

‫م��ن ط��راز بومباردير داش ‪ 8‬ع��ائ��دة لشركة‬
‫كونتيننتال كانت متوجهة من نيوجريسي إىل‬
‫بوفالو ب��والي��ة ن��ي��وي��ورك حاملة ‪ 48‬شخصاً‬
‫ركاباً وطاقماً وتعدادهم أربعة‪ ،‬وقد أودى هذا‬
‫احلادث حبياهتم مجيعاً وكذلك حبياة شخص‬
‫كان على األرض‪.‬‬

‫تقسم املراحل األساسية للبحث يف احلوادث‬
‫أم��ا حصيلة ح���وادث ال��ط�يران يف ال��ع��امل لعام اجلوية إىل ثالث‪:‬‬
‫‪2010‬م فبلغت ‪ 828‬قتيالً‪ ،‬كان احلادث األخطر‬
‫هو حتطم طائرة البوينغ ‪ 737‬التابعة لشركة املرحلة األوىل‪:‬‬
‫إنديا أي��ر إكسربيس أثناء هبوطها يف مدينة هي جمموعة من اإلج��راءات اليت تبدأ بإعالم‬
‫بنغالور جنوبي اهلند‪ ،‬ما أدى إىل مصرع مجيع القيادة بوقوع احل��ادث‪ ،‬وحتى وص��ول اللجنة‬
‫الركاب ويبلغ عددهم ‪ .158‬ومن حوادث العام اخل��اص��ة بالبحث إىل م��ك��ان احل���ادث إلنقاذ‬
‫املذكور حتطم طائرة أيروباص التابعة لشركة الطاقم‪ ،‬وتقديم اخل��دم��ات الطبية الالزمة‪،‬‬
‫أيربلو الباكستانية طرازها إيه ‪ 320‬بالقرب وإطفاء احلريق‪ ،‬واحملافظة على مجيع الدالئل‬
‫من إسالم أباد قادمة من كراتشي ومقتل مجيع وأمهها الصندوق األسود؛ لكونه املكمن احلقيقي‬
‫ال��رك��اب مع الطاقم وع��داده��م ‪ 152‬شخصاً‪ ،‬ملعلومات الرحلة اليت توفر اجلهد األكرب للجنة‬
‫ومنها كذلك سقوط ال��ط��ائ��رة أي��روب��اص إيه املختصة يف معرفة سبب احل��ادث��ة‪ ،‬وتنظيم‬
‫‪ 330‬التابعة للخطوط اجلوية الليبية قادمة من عملية احلماية ملكان احل��ادث‪ .‬حتفظ الوثائق‬
‫جنوبي إفريقيا نتيجة فشلها يف اهلبوط مبطار املرتبطة هبذا الطريان ويتم إجياد الشهود الذين‬
‫طرابلس ال��غ��رب ال���دويل‪ ،‬وع��ل��ى متنها ‪ 104‬شاهدوا احلادثة أو الذين عاشوا وقائعها‪ ،‬وبعد‬
‫أشخاص قضوا باستثناء طفل واحد‪ ،‬وسقوط ذلك تنظم املعلومات كافة كمعطيات أولية عن‬
‫طائرة أثيوبية تابعة لشركة إيرالينز من طراز ظ��روف احل��ادث��ة‪ .‬بعد انتهاء املرحلة األوىل‬
‫بوينغ ‪ 737‬يف البحر املتوسط قبالة السواحل وتعيني جلنة حبث يف احلادثة اجلوية تتشكل‬
‫اللبنانية أسفر عن مقتل ركاهبا التسعني‪ ،‬ويف من خمتصني بأمان الطريان ومهندسني‬
‫العاشر من نيسان نعت مجهورية بولندة حبزن جويني وعناصر خدمة طبية وعناصر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪147‬‬

‫ركاب وطاقم‪ ،‬وقتل يف هذا احلادث ما ال يقل‬
‫عن ‪.100‬‬
‫أما أب��رز ح��وادث الطائرات يف عام ‪ 2009‬م‪.‬‬
‫فكانت مايلي‪:‬‬
‫• اخل��ام��س عشر م��ن ك��ان��ون الثاني‪ :‬سقوط‬
‫الطائرة األمريكية التابعة لشركة الطريان»يو‬
‫اس أيرويز» يف هنر هدسون بنيويورك بسبب‬
‫توقف حمركيها إث��ر اصطدامها بسرب من‬
‫الطيور‪ ،‬وجناة مجيع ركاهبا البالغ عددهم ‪150‬‬
‫مسافراً وطاقمها املؤلف من مخسة أشخاص‬
‫بفضل مهارة قائد الرحلة‪.‬‬
‫• ال��ث��ال��ث ع��ش��ر م��ن ش��ب��اط‪ :‬حت��ط��م ط��ائ��رة‬

‫‪146‬‬

‫عميق مصرع ‪ 96‬من كبار ساستها وقوادها‬
‫البارزين ويف مقدمتهم الرئيس ليخ كاتشينسكي‬
‫وزوجته‪ ،‬وهم متوجهون إىل روسيا إلحياء ذكرى‬
‫شهدائهم ضحايا جرائم ستالني اليت ارتكبها‬
‫حبقهم‪ ،‬نتيجة حتطم طائرهتم توبوليف ‪154‬‬
‫على أطراف مدينة مسولينسك الروسية بعد‬
‫إقالعها مبدة قصرية‪ ،‬وكان هذا احلادث مبثابة‬
‫نكبة على الشعب البولندي ألول مرة يف تاريخ‬
‫طريانه املدني‪.‬‬
‫الغاية م��ن البحث يف احل���وادث اجل��وي��ة هي‬
‫حتديد السبب احلقيقي واخت���اذ اإلج���راءات‬
‫الفعالة للحؤول دون وقوع احل��وادث املشاهبة‪.‬‬
‫وبشكل عام جيب أن حتجَّم كل حادثة جوية‪،‬‬
‫بغض النظر عن الظروف املرتبطة هبا‪ ،‬حبالتها‬
‫وصعوبتها‪.‬‬

‫• السادس والعشرون من شباط‪ :‬حتطم طائرة‬
‫ركاب تركية تقل ‪ 135‬راكباً أثناء هبوطها يف‬
‫مطار العاصمة اهلولندية أمسرتدام‪ ،‬وأدى إىل‬
‫مقتل تسعة ركاب وإصابة ‪ 25‬آخرين جبروح‬
‫خطرية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الطائرات»‪ ،‬ويتضمن هذا الداء رغبة املرضى‬
‫يف معرفة أدق تفصيالت احل���ادث‪ ،‬كالوقت‬
‫الذي استغرقته الطائرة يف السقوط‪ ،‬أو سبب‬
‫سقوط ال��ط��ائ��رة‪ ،‬وذل��ك جلعل ال��ص��ورة أكثر‬
‫واقعية يف عقوهلم‪ .‬أك��د العلماء أن املصابني‬
‫هبذا املرض يضعون هذه احلوادث يف أذهاهنم‪،‬‬
‫ويتخذون منها قاعدة عند السفر جواً‪ ،‬وقد ذكر‬
‫علماء الرابطة األمريكية لعلم النفس إن تزايد‬
‫االهتمام اإلعالمي حبوادث سقوط الطائرات‬
‫هو ما قد يضاعف من نسبة فوبيا الطائرات‬
‫ال��ذي ينمو ويتطور عند الناس جتاه السفر‪.‬‬
‫ويذكر أن للمرض أعراضاً جسدية تتمثل يف‬
‫نوبات متسلسلة من اخل��وف واالرت��ع��اش عند‬
‫مس��اع أي ص��وت يف ال��ط��ائ��رة‪ ،‬حتى وإن كان‬
‫طبيعياً كصوت احملركات أو العبور فوق املطبات‬
‫اهلوائية‪.‬‬
‫ويف اخلتام إن حوادث الطائرات يف كل األحوال‬
‫تقشعر هلا األبدان حلظة مساعنا هبا‪ ،‬وحوادثها‬
‫ال تقتصر على األس��ب��اب امل��ذك��ورة فقط‪ ،‬بل‬

‫هناك أسباب أخرى كثرية منها االهتزازات اليت‬
‫تتولد يف بعض أج��زاء احملركات فتنشأ حالة‬
‫طنني ت��ؤدي إىل حتطم الطائرة بشكل كامل‪،‬‬
‫ومل جتدِ نفعاً حماوالت خرباء الطريان للحد من‬
‫كوارث الطائرات؛ فاحلوادث تأتي فجأة بدون‬
‫إن���ذار س��اب��ق‪ ،‬وأسباهبا ق��د تكون أبسط مما‬
‫يتوقعه هؤالء اخلرباء‪.‬‬

‫املراجع العلمية‬

‫ال��ب��ح��وث العلمية املختصة ب��أم��ور ال��ط�يران السبب فإهنا تقوم بتجارب طريانية يف املخرب‬
‫وخصائص وقوع احل��وادث اجلوية اليت يرتاوح وحبوث أخرى مشاهبة للحادث قد تعطي بعض‬
‫الدالئل األولية‪ ،‬وجترى هذه االختبارات بدقة‬
‫عدد أشخاصها عادة من (‪.)10 ÷ 8‬‬
‫عالية وحتليل كامل ألنه يعوَّل عليها يف تفسري‬
‫سبب احلادث اجلوي‪.‬‬
‫املرحلة الثانية‪:‬‬
‫دراسة املعلومات األولية اليت حصل عليها من‬
‫الصندوق األسود عن حيثيات احلادثة اجلوية املرحلة الثالثة‪:‬‬
‫من قبل اللجنة اخلاصة‪ ،‬والسماع من الشهود وه��ي مرحلة صياغة نتائج البحث وإع���داد‬
‫عناصر الطاقم وال��رك��اب الذين جن��وا حسب املقرتحات الالزمة لتنفيذ اإلجراءات اليت متنع‬
‫اإلمكان‪ ،‬ومن ثم فحص مكان الواقعة‪ ،‬ورسم من تكرار مثل هذه احلادثة هبذه األسباب‪.‬‬
‫خمطط لتوزيع األج��زاء املتحطمة وحتديدها‪ ،‬وم��ن الناحية الطبية ف��أن مشاهد ح��وادث‬
‫وبعد تنفيذ ذلك تعطي اللجنة مقرتحاهتا حول الطائرات يف وسائل اإلعالم ختلق لدى بعض‬
‫أسباب احلادث‪ .‬وإذا مل تستطع اللجنة حتديد الناس اإلصابة برهاب االنتقال ج��واً «فوبيا‬

‫‪148‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪.1984 William. W، Bath M. Fundamentals Gas Turbine New York‬‬
‫‪.1981 F. L. Singer، A. Pytel Strength of Materials New York‬‬
‫‪Wonchkovesky Vibration of Temperature Turbine Elements Poland‬‬
‫‪.1974‬‬
‫‪Kasra Harsan Vibration of Blades Axial Compressor for Jet Turbine‬‬
‫‪.1993 Engine Poland‬‬
‫‪Kasra Harsan: Shear Strength of Pin – sleeve Joint glued with‬‬
‫‪Applied Science Publishers»Rzeszow« 638 and Loctite 5 Epiddian‬‬
‫‪.1995 university Technology Poland‬‬
‫‪Kasra Harsan: Determination of Stress Concentration Factor in Pin‬‬
‫‪– Sleeve glue Joint at Torsion «Applied Science Publishers» Rzeszow‬‬
‫‪.1994 university Technology Poland‬‬
‫صندوق أسود (طريان) من موقع ويكيبيديا املوسوعة احلرة‪.‬‬
‫موقع منتديات عرب اونالين األقسام العامة للطائرات املدنية واحلربية‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪149‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الذكاء االصطناعي‬
‫وسيم قدورة‬

‫الذكاء االصطناعي هو سلوك وخاصيات معينة تتسم هبا الربامج احلاسوبية جتعلها حتاكي‬
‫القدرات الذهنية البشرية وأمناط عملها‪ .‬من أهم هذه اخلاصيات القدرة على التعلم واالستنتاج‬
‫ورد الفعل على أوضاع مل تربمج يف اآللة‪ .‬إال أن هذا املصطلح إشكايل نظرا لعدم توفر تعريف‬
‫حمدد للذكاء‪ .‬الذكاء االصطناعي فرع من علم احلاسوب‪.‬كما تعرف الكثري من الكتب الذكاء‬
‫االصطناعي على انه « دراسة وتصميم العمالء األذكياء» والعميل الذكي هو نظام يستوعب بيئته‬
‫ويتخذ املواقف اليت تزيد من فرصته يف النجاح يف حتقيق مهمته أو مهمة فريقه‪ .‬جون ماكارثي‪،‬‬
‫الذي صاغ هذا املصطلح يف عام ‪ ،1956‬عرفه بأنه «علم وهندسه صنع آالت ذكيه»‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫اسس هذا اجملال علي افرتاض أن ملكة الذكاء‬
‫ميكن وصفها ب��دق��ة ب��درج��ة متكن اآلل���ه من‬
‫حماكاهتا‪ .‬هذا يثري جدل فلسفي حول طبيعة‬
‫العقل البشري وح��دود املناهج العلميه‪ ،‬وهى‬
‫قضايا مت تناوهلا أسطوريا‪ ،‬خياليا وفلسفيا منذ‬
‫القدم‪ .‬كما يدور جدل عن ماهية الذكاء وأنواع‬
‫الذكاء اليت ميتلكها اإلنسان وكيفية حماكاهتا‬
‫من اآللة‪ .‬كان وما زال الذكاء االصطناعي سببا‬
‫حلالة من التفاؤل الشديد‪ ،‬ولقد عانى نكسات‬
‫فادحة واليوم‪ ،‬أصبح جزءا أساسيا من صناعة‬
‫التكنولوجيا‪ ،‬حامال ع��بء ثقيل م��ن أصعب‬
‫املشاكل يف علوم الكمبيوتر‪.‬‬
‫ان حبوث الذكاء االصطناعي من األحباث عاليه‬
‫التخصص والتقنيه‪ ،‬لدرجة أن بعض النقاد‬
‫ينتقدون «تفكك» هذا اجملال‪ .‬تتمحور اجملاالت‬
‫الفرعية ل��ل��ذك��اء االصطناعي ح��ول مشاكل‬
‫معينة‪ ،‬وتطبيق ادوات خاصة وحول اختالفات‬
‫نظريه ق��دمي��ة يف االراء‪.‬امل��ش��اك��ل الرئيسية‬
‫للذكاء االصطناعي تتضمن قدرات مثل التفكري‬
‫املنطقى واملعرفة والتخطيط والتعلم والتواصل‬
‫واالدراك والقدرة علي حتريك وتغيري األشياء‪.‬‬
‫الذكاء العام (أو «الذكاء االصطناعي القوى»)‪،‬‬
‫ما زال هدفا بعيد املدى لبعض األحباث‪.‬‬
‫تاريخ حبوث الذكاء االصطناعي‬
‫يف منتصف القرن العشرين‪ ،‬بدأ عدد قليل من‬
‫العلماء استكشاف هنج جديد لبناء آالت ذكية‪،‬‬
‫بناء على االكتشافات احلديثة يف علم األعصاب‪،‬‬
‫ونظرية رياضية جديدة للمعلومات‪ ،‬وتطور علم‬
‫التحكم اآليل‪ ،‬وقبل كل ذلك‪ ،‬عن طريق اخرتاع‬
‫احلاسوب الرقمي‪ ،‬مت اخرتاع آله ميكنها حماكاة‬
‫عملية التفكري احلسابى اإلنسانية‪.‬‬
‫اس����س اجمل�����ال احل���دي���ث ل��ب��ح��وث ال���ذك���اء‬
‫االصطناعي يف مؤمتر يف حرم كليه دارمتوث‬
‫يف صيف عام ‪ .1956‬أصبح ه��ؤالء احلضور‬
‫ق��ادة حبوث الذكاء االصطناعي لعدة عقود‪،‬‬

‫وخاصة جون مكارثي ومارفن مينسكاي‪ ،‬ألني‬
‫نويل وه��رب��رت سيمون ال��ذي اس��س خمتربات‬
‫للذكاء االصطناعي يف معهد ماساتشوستس‬
‫للتكنولوجيا(‪ )MIT‬وجامعة كارنيجي ميلون‬
‫(‪ )CMU‬وستانفورد‪.‬هم وتالميذهم كتبوا‬
‫برامج أدهشت معظم ال��ن��اس‪ .‬ك��ان احلاسب‬
‫اآليل حيل مسائل يف اجلرب ويثبت النظريات‬
‫املنطقيه ويتحدث اإلجنليزيه‪ .‬حبلول منتصف‬
‫الستينات أصبحت تلك البحوث متول بسخاء‬
‫من وزاره الدفاع األمريكيه‪ .‬و هؤالء الباحثون‬
‫قاموا بالتوقعات اآلتية‪:‬‬
‫ع��ام ‪ ،1965‬ه��ـ‪ .‬أ‪ .‬سيمون‪« : ‬اآلالت ستكون‬
‫ق��ادرة‪ ،‬يف غضون عشرين عاما‪ ،‬علي القيام‬
‫بأي عمل ميكن أن يقوم به اإلنسان»‪.‬‬
‫ع��ام ‪ ،1967‬مارفني مينسكاي‪« : ‬يف غضون‬
‫جيل واح���د‪ ‎...‬س��وف يتم ح��ل مشكلة خلق ‘‬
‫الذكاء االصطناعي ‘ بشكل كبري»‪.‬‬
‫ولكنهم فشلوا يف ادراك صعوبة بعض املشاكل‬
‫ال�ت�ي واج��ه��ت��ه��م‪ .‬يف ع���ام ‪ ،1974‬وردا على‬
‫انتقادات السري جيمس ‪ Lighthill‬االجنليزى‬
‫وال��ض��غ��ط املستمر م��ن ال��ك��ون��غ��رس لتمويل‬
‫م��ش��اري��ع أك��ث��ر إن��ت��اج��ي��ة‪ ،‬قطعت احلكومتني‬
‫األمريكية والربيطانية متويلهما لكل االحباث‬
‫االستكشافية الغري موجهة يف جم��ال الذكاء‬
‫االصطناعي‪ ،‬كانت تلك أول انتكاسة تشهدها‬
‫أحباث الذكاء االصطناعي‪.‬‬
‫يف أوائ��ل الثمانينات‪ ،‬شهدت أحب��اث الذكاء‬
‫االصطناعي صحوة جديدة من خالل النجاح‬
‫التجاري «للنظم اخلبرية»‪ ،‬و هي أحد برامج‬
‫ال���ذك���اء االص��ط��ن��اع��ي ال�ت�ي حت��اك��ى امل��ع��رف��ة‬
‫واملهارات التحليلية لواحد أو أكثر من اخلرباء‬
‫البشريني‪ .‬حبلول ع��ام ‪ 1985‬وصلت أرب��اح‬
‫أحباث الذكاء االصطناعي يف السوق إىل أكثر‬
‫من مليار دوالر‪ ،‬وبدأت احلكومات التمويل من‬
‫ج��دي��د‪ .‬وبعد س��ن��وات قليلة‪ ،‬ب��دءا من‬
‫اهنيار س��وق آل��ة ال��ـ ‪Lisp Machine‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫(احدى لغات الربجمة) يف عام ‪ ،1987‬شهدت‬
‫أحباث الذكاء االصطناعي انتكاسة أخرى ولكن‬
‫أطول‪.‬‬
‫يف التسعينات وأوائل القرن الواحد والعشرين‪،‬‬
‫حقق الذكاء االصطناعي جناحات أك�بر‪ ،‬وإن‬
‫كان ذلك إىل حد ما وراء الكواليس‪ .‬يستخدم‬
‫الذكاء االصطناعي يف اللوجستية‪ ،‬واستخراج‬
‫ال��ب��ي��ان��ات‪ ،‬والتشخيص ال��ط�بي وال��ع��دي��د من‬
‫اجمل����االت األخ����رى يف مج��ي��ع أحن���اء صناعة‬
‫تكنولوجيا‪ .‬يرجع ذلك النجاح إىل عدة عوامل‬
‫هي‪ : ‬القوة الكبرية للحواسيب اليوم (انظر‬
‫قانون م��ور)‪ ،‬وزي��ادة الرتكيز على حل مشاكل‬
‫فرعية حمددة‪ ،‬وخلق عالقات جديدة بني جمال‬
‫الذكاء االصطناعي وغريها من جماالت العمل‬
‫يف مشاكل مماثلة‪ ،‬وفوق كل ذلك بدأ الباحثون‬
‫االلتزام مبناهج رياضية قوية ومعايري علمية‬
‫صارمة‪.‬‬
‫فلسفة الذكاء االصطناعي‬

‫‪152‬‬

‫يشكل الذكاء االصطناعي حتديا واهلاما لعلم‬
‫الفلسفة؛ لزعمه القدرة على إعادة خلق قدرات‬
‫العقل البشرى‪ .‬هل هناك ح��دود مل��دى ذكاء‬
‫االالت؟ هل هناك ف��رق جوهري بني الذكاء‬
‫البشري والذكاء االصطناعي؟ وهل ميكن أن‬
‫يكون لاللة عقل ووع��ى؟ ع��دد قليل من أهم‬
‫اإلجابات على هذه األسئلة ترد أدناه‪.‬‬
‫االت احلساب والذكاء «قانون تورينج»‬
‫إذا كان اجلهاز يعمل بذكاء يضاهى اإلنسان‪،‬‬
‫اذا فذكائه مياثل ذك��اء اإلنسان‪ .‬تفيد نظرية‬
‫آالن تورنج أنه‪ ،‬يف هناية املطاف‪ ،‬ال يسعنا إال‬
‫أن حنكم على ذكاء آاللة بناءأعلى أدائها‪ .‬هذه‬
‫النظرية تشكل أساسا الختبار تورينج‪.‬‬
‫أطروحة دارمتوث‬
‫«ميكن وص��ف كل جانب من عملية التعلم أو‬
‫غريها من مظاهرالذكاء بدقة شديدة متكن‬
‫اإلنسان من تصميم آلة حتاكيه «‪ .‬طبع هذا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫التأكيد يف األطروحة املقدمة ملؤمتر دارمتوث ‪،)Moravec‬راي كرزويل (‪)Ray Kurzweil‬‬
‫عام ‪ ،1956‬وهو ميثل موقف معظم الباحثني وغريهم قالوا بأنه من املمكن من الناحية التقنية‬
‫نسخ الدماغ مباشرة يف املعدات والربجميات‪،‬‬
‫قي جمال الذكاء االصطناعي‪.‬‬
‫وبأن هذا سيتم بشكل مطابق لألصل متاما‪.‬‬
‫فرضية نظام‬
‫أحباث الذكاء االصطناعي‬
‫نويل وسيمون للرموز املادية‬
‫«نظام الرموز املادية لديه الوسائل الضرورية يف القرن الواحد والعشرين‪ ،‬أصبحت أحباث‬
‫والكافية لألفعال الذكية بوجه عام»‪ .‬مفاد هذه ال��ذك��اء االص��ط��ن��اع��ي على درج���ة عالية من‬
‫اجلملة هو ان جوهر الذكاء يكمن قي املقدرة التخصص والتقنية‪ ،‬وانقسمت إىل جماالت‬
‫على معاجلة الرموز‪ .‬على عكس ذلك‪ ،‬يعتقد ف��رع��ي��ة مستقلة بشكل عميق ل��درج��ة أهن��ا‬
‫أوب�ير دري��ف��وس أن اخل�ب�رات البشرية تتشكل أصبحت قليلة ببعضها البعض‪ .‬منت أقسام‬
‫بشكل غريزى ال واعى وال تعتمد على التالعب اجملال حول مؤسسات معينة‪ ،‬وعمل الباحثني‪،‬‬
‫بالرموز بشكل واعى؛ فهى تتطلب أن يكون لدى وعلى حل مشكالت حمددة‪ ،‬وخالفات يف الرأي‬
‫اإلنسان «شعور» باملوقف حتى وان مل تكن لديه نشأت منذ زمن طويل حول الطريقة اليت ينبغي‬
‫أن يعمل وفقا هلا الذكاء االصطناعي‪ ،‬وتطبيق‬
‫املعرفة الكافية بالرموز‪.‬‬
‫أدوات خمتلفة على نطاق واسع‪.‬‬
‫نظرية عدم االكتمال اخلاصة جبودل‬
‫مشاكل الذكاء االصطناعي‬
‫ال ميكن لنظام منطقي (مثل برنامج حاسوبي)‬
‫إثبات مجيع اجلمل الصحيحة‪ .‬يعتقد روجر انقسمت مشكلة حماكاة (أو خلق) الذكاء إىل‬
‫بينروز واخرون غريه أن نظرية جودل وضعت عدد من املشاكل الفرعية احملددة‪ .‬وتتكون هذه‬
‫حدودا ملا ميكن أن تفعله االالت مبا أهنا وضعت من مسات أو ق��درات معينة يود الباحثون أن‬
‫ح��دا ملا ميكن استنتاجه حسابيا‪ ،‬ولكنها مل جيسدها نظام ذك��ي‪ .‬تلقت املالمح املذكورة‬
‫أدناه أكرب قدر من االهتمام‪.‬‬
‫تضع حدودا ملا ميكن أن يفعله اإلنسان‪.‬‬
‫االستنتاج ‪،‬و التفكري املنطقى‪ ،‬واملقدرة على حل‬
‫املشكالت‬
‫فرضية سريل‬
‫وض����ع ال��ب��اح��ث��ون األوائ������ل يف ع��ل��م ال��ذك��اء‬
‫حول الذكاء االصطناعي القوي‬
‫«ميكن أن يكون جلهاز الكمبيوتر عقال مياثل االصطناعي اخلوارزميات اليت حتاكى التفكري‬
‫عقل اإلن��س��ان ان متت برجمته بشكل مالئم املنطقى املتسلسل ال��ذي يقوم به البشر عند‬
‫باملدخالت واملخرجات الصحيحة»‪ .‬يرد سريل حل األل��غ��از‪ ،‬ولعب الطاوله أو االستنتاجات‬
‫على ه��ذا التأكيد حبجته املعروفة بالغرفة املنطقية‪ .‬وفى الثمانينيات والتسعينيات‪ ،‬أدت‬
‫الصينية‪ ،‬وال�ت�ي تطلب منا أن ننظر داخ��ل أحباث الذكاء االصطناعي إىل التوصل لوسائل‬
‫الكمبيوتر‪ ،‬لنحاول أن نعرف أين قد يكون هذا ناجحة للغاية للتعامل مع املعلومات الغري مؤكدة‬
‫أو الغري كاملة‪ ،‬مستخدمة يف ذلك مفاهيم من‬
‫«العقل»‪.‬‬
‫االحتمالية واالقتصاد‪.‬‬
‫بالنسبة للمشاكل ال��ص��ع��ب��ة‪ ،‬تتطلب‬
‫فرضية املخ االصطناعي‬
‫ميكن حم��اك��اة امل��خ‪ .‬هانز مورفيك (‪ Hans‬معظم هذه اخلوارزميات موارد حسابية‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪153‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ه��ائ��ل��ة—مم��ا ي���ؤدى إىل «ان��ف��ج��اران��دم��اج��ي‬
‫«‪: ‬أى يصبح مقدار الذاكرة أو الوقت الالزم‬
‫للحواسيب فلكي عندما تتجاوز املشكلة حجما‬
‫معينا‪ .‬البحث عن خوارزميات أكثر قدرة على‬
‫حل املشكالت هو أولوية قصوى ألحباث الذكاء‬
‫االصطناعي‪.‬‬
‫حيل البشر معظم مشاكلهم باستخدام أحكام‬
‫س��ري��ع��ة بديهية ول��ي��س��ت واع��ي��ة‪ ،‬ع��ن طريق‬
‫االستنتاج ال��ت��درجي��ى ال���ذي متكن الباحثون‬
‫األوائل يف علم الذكاء االصطناعي من حماكاته‬
‫اليا‪ .‬حققت أحباث الذكاء االصطناعي بعض‬
‫التقدم يف تقليد هذا النوع «الرمزي الفرعى»‬
‫من م��ه��ارات حل املشاكل‪ : ‬املناهج املتضمنة‬
‫يف ذلك تأكد أمهية املهارات احلسية احلركية‬
‫للتفكري األرق����ى؛وحي����اول ال��ب��ح��ث يف جم��ال‬
‫الشبكات العصبية حماكاة اهلياكل داخ��ل مخ‬
‫اإلنسان واحل��ي��وان ال�تي ت��ؤدى إىل ظهور هذه‬
‫املهارة‪.‬‬
‫متثيل املعرفة‬
‫متثيل املعرفة و هندسة املعرفة ه��ي حمور‬
‫أحب��اث الذكاء االصطناعي‪ .‬كثري من املشاكل‬
‫اليت يتوقع أن حتلها آالالت سوف تتطلب معرفة‬
‫واسعة بالعامل‪ .‬من بني األم��ور اليت حتتاج أن‬
‫ميثلها الذكاء االصطناعي‪ : ‬األشياء واخلواص‬
‫واجملموعات التصنيفية والعالقات بني األشياء؛‬
‫و املواقف واألحداث‪ ،‬والدول‪ ،‬والزمن؛ األسباب‬
‫والنتائج؛ معرفة املعرفة (ما نعرفه عما يعرفه‬
‫الناس) وغريها من اجملاالت الكثرية النى مل تلق‬
‫القدر الكافى من البحث‪ .‬يسمى التمثيل الكامل‬
‫«ملا هو موجود» أنطولوجية (وجودية) (كلمة‬
‫مقرتضة من الفلسفة القدمية)‪ ،‬واألكثر مشوال‬
‫منها تسمى أنطولوجيات عليا‪.‬‬
‫من بني أصعب املشاكل يف متثيل املعرفة هي‪: ‬‬
‫التفكري االفرتاضي ومشكلة التأهيل‬
‫يعد الكثري مم��ا يعرفه ال��ن��اس «اف�تراض��ات»‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫على سبيل املثال‪ ،‬عند ذكر الطيور يف حمادثة‪،‬‬
‫ع��ادة ما يرسم مخ اإلنسان ص��ورة حيوان يف‬
‫حجم قبضة ال��ي��د‪ ،‬يغين‪ ،‬وي��ط�ير‪ .‬بالطبع ال‬
‫تنطبق كل ه��ذه املواصفات على كل الطيور‪.‬‬
‫عرف جون مكارثي هذه املشكلة يف عام ‪1969‬‬
‫مبشكلة املؤهالت‪ : ‬لكل قاعدة منطقية يهتم‬
‫باحثي الذكاء االصطناعي بتمثيلها‪ ،‬العديد‬
‫من االستثناءات‪ .‬ال يوجد شيء تقريبا ميكن‬
‫القول ببساطة أنه حقيقية أم ال بالطريقة اليت‬
‫يقتضيها املنطق اجمل��رد‪ .‬استكشفت أحباث‬
‫ال��ذك��اء االصطناعي ع��ددا م��ن احل��ل��ول هلذه‬
‫املشكلة‪.‬‬
‫اتساع املعرفة املنطقية‬
‫يعلم اإلنسان العادي عددا كبريا من احلقائق‬
‫عن الذرة‪ .‬مشاريع البحوث اليت تسعى إىل بناء‬
‫قاعدة كاملة من املعرفة املنطقية (مثل ‪)Cyc‬‬
‫تتطلب كميات هائلة من اهلندسة األنطولوجية‬
‫فهى جيب أن تبنى بطريقية تقليدية حيث يتم‬
‫بناء املفاهيم املعقدة واحدا تلو االخر‪ .‬من أحد‬
‫األه��داف الرئيسية أن يفهم جهاز الكمبيوتر‬
‫عددا وافرا من املفاهيم ليكون قادرا على التعلم‬
‫من خالل قراءة مصادر مثل اإلنرتنت‪ ،‬وبالتايل‬
‫يكون قادرا على أن يضيف إىل أنطولوجيته‪.‬‬
‫الشكل الفرعي الرمزي‬
‫لبعض املعرفة املنطقية‬
‫الكثري مما يعرفه الناس غري ممثل ب «احلقائق»‬
‫أو «البيانات» اليت ميكن التحدث عنها‪ .‬على‬
‫سبيل املثال‪ ،‬جتد من كان ذا خربة بالشطرنج‬
‫يتجنب موضعا معينا الن��ه «مكشوف أو غري‬
‫امن» وجتد الناقد الفنى يدرك أن متثاال مزيفا‬
‫بنظرة واحدة‪ .‬هذه بديهيات أو ميول تتمثل يف‬
‫الدماغ بشكل غري واع وشبه رمزي‪ .‬مثل هذه‬
‫املعرفة يدعم ويوفر السياق‪ ،‬للمعرفة الرمزية‬
‫الواعية‪ .‬وكما هو احل��ال مع مشكلة التفكري‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫املنطقى الشبه رم���زي‪ ،‬م��ن امل��أم��ول أن توفر ظل عدم اليقني‪.‬‬
‫أحباث الذكاء االصطناعي أو الذكاء احلسابى التخطيط عن طريق عوامل متعددة يستخدم‬
‫وسائل لتمثيل هذا النوع من املعرفة‪.‬‬
‫ال��ت��ع��اون وامل��ن��اف��س��ة ب�ين الكثري م��ن العوامل‬
‫لتحقيق ه��دف معني‪ .‬السلوك الناشئ مثل‬
‫التخطيط‬
‫هذا تستخدمه اخلوارزميات التطورية والذكاء‬
‫جيب أن تكون العوامل الذكية قادرة على حتديد السربي‪.‬‬
‫األهداف وحتقيقها‪ .‬فهي يف حاجة إىل طريقة‬
‫لتصور املستقبل (جيب أن يكون لديها القدرة‬
‫التعلم‬
‫على متثيل حال البشر يف هذا العامل‪ ،‬وتكون تعلم اآلل��ة ك��ان تعلم االل��ة حموريا يف أحباث‬
‫قادرة على التنبؤ مبدى مقدرهتم على تغيريه)‪ ،‬الذكاء االصطناعي منذ البداية‪ .‬التعلم بدون‬
‫وتكون قادرة على االختيار لتعظيم الفائدة (أو إشراف هو القدرة على إجياد أمناط يف عدد‬
‫«القيمة») من اخليارات املتاحة‪.‬‬
‫كبري م��ن امل��دخ�لات‪ .‬التعلم حت��ت االش���راف‬
‫يف بعض مشاكل التخطيط‪ ،‬ميكن أن يفرتض يشمل كال من التصنيف (القدرة على حتديد‬
‫العامل الذكى أنه الشيء الوحيد ال��ذي يعمل إىل أى فئة ينتمي شيء ما‪ ،‬بعد رؤية عددا من‬
‫يف العامل وميكنه أن يصبح متأكدا من عواقب النماذج لعدة أشياء من فئات عدة)‪ ،‬والرتاجع‬
‫تصرفاته‪ .‬بالرغم من ذلك‪ ،‬وإذا كان ذلك غري (اكتشاف الية مستمرة من شأهنا أن تولد نواتج‬
‫صحيح‪ ،‬جيب أن يتأكد العامل بشكل دورى من من املدخالت ‪،‬يف ضوء جمموعة من املدخالت‬
‫اتساق توقعاته مع الواقع ‪،‬وجيب أن يغري خطته وامل��خ��رج��ات العددية م��ن األم��ث��ل��ة)‪ .‬يف‬
‫عند الضرورة‪ ،‬يتطلب ذلك أن يعمل العامل يف التعلم ال��ت��ق��ومي��ى ي��ك��اف��أ ال��ع��ام��ل على‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪155‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫احلركة وامكانية التغيري‬
‫جمال الروبوتيات هو ذا صلة وثيقة بالذكاء‬
‫االصطناعي‪ .‬يلزم ال��روب��وت��ات ال��ذك��اء لتكون‬
‫قادرة على التعامل مع مهام مثل يغييى األشياء‪،‬‬
‫وامل�لاح��ة‪ ،‬يف ظ��ل مشاكل الفرعية اخلاصة‬
‫بتحديد امل��ك��ان (أن تعلم أي��ن أن���ت)‪ ،‬ورس��م‬
‫اخلرائط (أن تعلم ما حولك)‪ ،‬وختطيط احلركة‬
‫(أن تعرف كيف تصل إىل هناك)‪.‬‬

‫اإلب����داع م��ن الناحية النظرية (م��ن املنظور مبادئ بسيطة وأنيقة (مثل املنطق أو التحسني)؟‬
‫الفلسفي والنفسي) والعملية على حد سواء أو هل حيتاج بالضرورة إىل حل عدد كبري من‬
‫(من خالل تطبيقات معينة لنظم تولد خمرجات املشاكل الغري متعلقة ببعضها البعض؟ و هل‬
‫ميكن اعادة إنتاج الذكاء باستخدام رموز رفيعة‬
‫ميكن أن تعترب إبداعية)‪.‬‬
‫املستوى‪ ،‬على غرار الكلمات واألفكار؟ أم أهنا‬
‫حتتاج إىل معاجلة « شبه رمزية»؟‬
‫الذكاء العام‬
‫يأمل معظم الباحثون أن تدمج أعماهلم يف هناية‬
‫علم التحكم اآليل وحماكاة الدماغ‬
‫املطاف يف صورة آلة ذات ذكاء عام ‹ (يعرف‬
‫باسم الذكاء االصطناعي القوي)‪ ،‬جيمع كل يف األربعينيات واخلمسينيات‪ ،‬قام عدد من‬
‫امل��ه��ارات السابق ذك��ره��ا وي��ت��ج��اوز معظم أو الباحثني باستكشاف العالقة بني علم األعصاب‪،‬‬
‫كل القدرات البشرية‪ .‬يعتقد البعض أن هذا نظرية املعلومات‪ ،‬وعلم التحكم اآليل‪ .‬بعضهم‬
‫املشروع يتطلب مسات إنسانية مصطنعة مثل بين اآلالت اليت تستخدم الشبكات اإللكرتونية‬
‫لعرض الذكاء البدائي مثل سالحف و‪ .‬جراى‬
‫الوعى االصطناعي أو املخ االصطناعي‪.‬‬
‫كثري م��ن املشاكل امل��ذك��ورة أع�لاه تعترب ج��زءا وال�ت�ر ‪ W. Grey Walter‬ووح���ش جونز‬
‫ال ي��ت��ج��زأ م��ن م��س��أل��ة ال���ذك���اء االص��ط��ن��اع��ي هوبكنز ‪ .Johns Hopkins‬العديد من هؤالء‬
‫التام‪ :‬حلل مشكلة واح��دة‪ ،‬جيب حل كل هذه الباحثني جتمعوا حلضور اجتماعات اجلمعية‬
‫املشكالت‪ .‬على سبيل امل��ث��ال‪ ،‬تتطلب مهمة الغائية يف جامعة برينستون ونادي النسبية يف‬
‫حمددة مثل الرتمجة اآللية أن تتابع االلة رأى انكلرتا‪ .‬وحبلول عام ‪ ،1960‬أصبح هذا املنهج‬
‫الكاتب (العقل)‪ ،‬ومعرفة ما جيري احلديث عنه مهجور إىل ح��د كبري‪ ،‬على ال��رغ��م أن بعضا‬
‫(املعرفة)‪ ،‬واع��ادة كتابة نية الكاتب بأمانة (ا من عناصره ع��ادت هلا احلياة مرة أخ��رى يف‬
‫الذكاء االجتماعي)‪ .‬ولذلك‪ ،‬يعتقد أن الرتمجة الثمانينيات‪.‬‬
‫اآللية وثيقة الصلة بالذكاء االصطناعي التام‪:‬‬
‫قد حتتاج الذكاء االصطناعي القوي لترتجم الذكاء االصطناعي التقليدي الرمزي‬
‫عند الوصول إىل احلواسيب الرقمية أصبح‬
‫مثلما يرتجم اإلنسان‪.‬‬
‫من املمكن يف منتصف اخلمسينيات‪ ،‬بدأت‬
‫أحباث الذكاء االصطناعي استكشاف إمكانية‬
‫مداخل للذكاء االصطناعي‬
‫ال توجد نظرية موحدة أو منوذج يوجه حبوث أن خيتزل الذكاء البشري للتحكم بالرموز‪ .‬وكان‬
‫ال��ذك��اء االصطناعي‪ .‬اختلف الباحثون حول مركز األحباث يف املؤسسات الثالث‪،CMU : ‬‬
‫العديد من القضايا‪ .‬من أكثر املسائل اليت ظلت وستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا‪،‬‬
‫دون إجابة ملدة طويلة هي‪ :‬هل ينبغي للذكاء وضعت كل واحدة أسلوهبا اخلاص يف البحث‪.‬‬
‫االصطناعي حماكاة الذكاء الطبيعي من خالل أطلق جون هاوجالند ‪John Haugeland‬‬
‫دراس��ة علم النفس أو علم األع��ص��اب؟ أم أن على ه��ذه امل��داخ��ل للذكاء االصطناعي اسم‬
‫البيولوجيا البشرية ال متت بصلة إىل أحباث «الطراز القديم اجليد للذكاء االصطناعي « أو‬
‫ال���ذك���اء االص��ط��ن��اع��ي مثلما ال مت��ت حب��وث «‪.»GOFAI‬‬
‫بيولوجيا الطيور بصلة هلندسة املالحة اجلوية؟‬
‫حماكاة املعرفة‬
‫و هل ميكن وصف السلوك الذكي باستخدام‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪157‬‬

‫اإلدراك‬
‫تصور اآللة هو القدرة على استخدام مدخالت‬
‫م���ن أج���ه���زة االس��ت��ش��ع��ار (م��ث��ل ال��ك��ام�يرات‬
‫وامليكروفونات والسونار وغريها من االالت‬
‫األكثر غرابة) الستخالص جوانب من العامل‪.‬‬
‫رؤي���ة احل��واس��ي��ب ه��ى ال��ق��درة على التحليل‬
‫ال��ب��ص��ري امل���دخ�ل�ات‪ .‬م��ن امل��ش��اك��ل الفرعية‬
‫القليلة‪ :‬التعرف على ال��ك�لام التعرف على‬
‫الوجوه والتعرف على األشياء‪.‬‬
‫االستجابة احلسنة ويعاقب على االستجابة‬
‫السيئة‪ .‬ميكن حتليل ه��ذه االستجابات من‬
‫حيث نظرية القرار‪ ،‬وذلك باستخدام مفاهيم‬
‫مثل املنفعة‪ .‬التحليل الرياضي خلوارزميات‬
‫تعلم اآللة وأدائها هو فرع من علوم الكمبيوتر‬
‫النظرية املعروفة باسم نظرية التعلم احلسابية‪.‬‬
‫الية عمل اللغة الطبيعية‬
‫املعاجلة الطبيعية للغة تعطي آالالت القدرة على‬
‫قراءة وفهم اللغات اليت يتحدثها البشر‪ .‬يأمل‬
‫كثري من الباحثني أن يكون نظام معاجلة اللغة‬
‫الطبيعية قويا مبا يكفي الكتساب املعرفة من‬
‫تلقاء نفسه‪ ،‬من خالل قراءة النص احلايل املتاح‬
‫عرب اإلنرتنت‪ .‬بعض التطبيقات املباشرة ملعاجلة‬
‫اللغة الطبيعية‪ ،‬تشمل اسرتجاع املعلومات (أو‬
‫حتليل النصوص)‪ ،‬والرتمجة اآللية‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫الذكاء االجتماعي‬
‫تقوم العواطف واملهارات االجتماعية بدورين‬
‫للعامل الذكي‪: ‬‬
‫جيب أن تكون قادرة على التنبؤ بأفعال اآلخرين‪،‬‬
‫وفهم دواف��ع��ه��م وح��االهت��م العاطفية‪( .‬وه��ذا‬
‫ينطوي على عناصر من نظرية اللعبة‪ ،‬نظرية‬
‫القرار‪ ،‬وكذلك القدرة على حماكاة العواطف‬
‫البشرية ومهارات اإلدراك احلسي للكشف عن‬
‫العواطف‪).‬‬
‫حلسن التفاعل بني اإلنسان واحلاسوب‪ ،‬حتتاج‬
‫اآللة الذكية أيضا أن تظهر املشاعرعلى األقل‬
‫جيب أن تبدو مهذبة وحساسة يف تفاعلها مع‬
‫البشر‪ .‬يف أحسن األحوال‪ ،‬ينبغي أن تكون لديها‬
‫مشاعر عادية‪.‬‬
‫اإلبداع‬
‫هو جمال فرعى للذكاء االصطناعي‪ ،‬يتناول‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رج�لا االقتصاد هربرت سيمون وآالن نويل‬
‫درس��ا امل��ه��ارات البشرية وح���اوال وضعها قي‬
‫اطار شكلى‪ .‬وبأعماهلما هذه وضعا أساس علم‬
‫الذكاء االصطناعي‪ ،‬فضال عن العلوم املعرفية‪،‬‬
‫وحبوث العمليات وعلم اإلدارة‪ .‬أجرى فريقهم‬
‫البحثى جت��ارب��ا نفسية لبيان أوج��ه التشابه‬
‫بني مهارات اإلنسان قي حل املشاكل ومهارات‬
‫ال�برام��ج ال�تي ك��ان��وا يصمموهنا (م��ث��ل «ح�لال‬
‫املشكالت ال��ع��ام»)‪ .‬ك��ان مقدرا هل��ذا التقليد‪ ،‬الذكاء االصطناعي القائم على املعرفة‬
‫املرتكز يف جامعة كارنيجي ميلون ‪،‬يف هناية عندما أصبحت ذاكرة احلواسيب الكبرية متاحة‬
‫املطاف أن يؤدى إىل تطوير بناء الـ ‪( Soar‬بناء يف عام ‪ 1970‬تقريبا‪ ،‬بدأ باحثني من كل هذه‬
‫معرفى رمزى) يف منتصف الثمانينيات‪.‬‬
‫التقاليدالثالثة يف بناء املعرفة يف تطبيقات‬
‫الذكاء االصطناعي‪ .‬أدت «ث��ورة املعرفة» هذه‬
‫الذكاء االصطناعي املنطقي‬
‫إىل تطوير ونشر النظم اخلبرية (ال�تي قدمها‬
‫وخالفا لنويل وسيمون‪ ،‬وجون ماكارثي ورأى ادوارد فيغنبوم‪ ،‬وهى أول شكل حقيقي ناجح‬
‫ان األجهزة ليست يف حاجة إىل حماكاة الفكر لربجميات الذكاء االصطناعي‪ .‬كان أيضا ما‬
‫البشري‪ ،‬ولكن ب��دال من حماولة العثور على حيرك ثورة املعرفة إدراك أن كميات هائلة من‬
‫جوهر املنطق اجملرد وحل املشاكل‪ ،‬وبغض النظر املعارف ستكون مطلوبة للعديد من التطبيقات‬
‫عما إذا كان الناس يف نفس اخلوارزميات‪ .‬وقال البسيطة للذكاء االصطناعي‪.‬‬
‫يف خمترب ستانفورد (شراع) الرمسية اليت تركز‬
‫على استخدام املنطق حلل جمموعة واسعة‬
‫الذكاء االصطناعي الشبه الرمزي‬
‫من املشاكل‪ ،‬مبا يف متثيل املعرفة‪ ،‬والتخطيط خالل ‪ ،1960‬حققت املناهج الرمزية جناحا‬
‫والتعليم‪ .‬كان املنطق أيضا حمط تركيز العمل ك��ب�يرا يف حم��اك��اة التفكري ال��ع��ال امل��س��ت��وى يف‬
‫يف جامعة ادنربة وأماكن أخرى يف أوروبا واليت برامج متثيلية صغرية‪ .‬هجرت املناهج القائمة‬
‫أدت إىل تطوير لغة الربجمة املسماه بالربولوج على علم التحكم اآليل أو الشبكة العصبية أو‬
‫وعلوم الربجمة املنطقية‪.‬‬
‫دفعت إىل اخللفية‪ .‬وفى الثمانينيات‪ ،‬بالرغم‬
‫من ذلك‪ ،‬توقف التقدم يف الذكاء االصطناعي‬
‫الذكاء االصطناعي الرمزي‬
‫الرمزى واعتقد العديد أن النظم الرمزية لن‬
‫«الغري منتظم»‬
‫تكون قادرة على حماكاة مجيع عمليات اإلدراك‬
‫وج����د ب��اح��ث��ون يف م��ع��ه��د م��اس��ات��ش��وس��ت��س البشري‪ ،‬وال سيما التصور‪ ،‬الروبوتيات‪ ،‬والتعلم‬
‫للتكنولوجيا (مثل مارفن مينسكاي وسيمور والتعرف على األمناط‪ .‬وبدأ عدد من الباحثني‬
‫‪ )Papert‬أن حل املشاكل الصعبة يف الرؤية النظر يف املناهج «الشبه رمزية» ملشاكل حمددة‬
‫وم��ع��اجل��ة ال��ل��غ��ة ال��ط��ب��ي��ع��ي��ة ت��ت��ط��ل��ب ح��ل��وال يف الذكاء االصطناعي‪.‬‬
‫خاصة—وقالوا إنه ال يوجد مبدأ عام وبسيط من أسفل إىل أعلى‪ ،‬متضمن‪ ،‬موجود‪ ،‬القائم‬
‫(مثل املنطق) اليت من شأهنا استيعاب مجيع على السلوك أو الذكاء االصطناعي اجلديد‬
‫جوانب السلوك الذكي‪ .‬وص��ف روج��ر شانك والباحثني قي جمال الروبوتيات‪ ،‬مثل رودني‬
‫مناهجهم «املضادة للمنطق» بـ «الغري منتظمة»‬
‫(على عكس النماذج «املنتظمة» يف ‪CMU‬‬
‫وستانفورد)‪ .‬قواعد املعرفة املنطقية (مثل‬
‫مشروع دوغ لينات املسمى ب ‪ )Cyc‬هي مثال‬
‫على الذكاء االصطناعي «الغري منتظم»‪ ،‬ألهنا‬
‫جيب أن تصمم يدويا؛ مفهوم معقدا واحدا تلو‬
‫االخر‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫بروكس‪ ،‬رفضوا الذكاء االصطناعي الرمزي‬
‫ورك��زوا على املشاكل األساسية للهندسة اليت‬
‫من شأهنا أن تسمح للروبوتات بالتحرك والبقاء‬
‫على قيد احلياة‪ .‬أحيى عملهم وجهة النظر الغري‬
‫رمزية ألوائ��ل باحثى السيربنطيقية (التحكم‬
‫االىل) من اخلمسينيات وأعادوا تقديم نظرية‬
‫التحكم يف ال��ذك��اء االصطناعي‪.‬تتصل هذه‬
‫املداخل من نظريا بأطروحة العقل املتجسد‪.‬‬
‫الذكاء احملاسيب‬
‫جت����ددااله����ت����م����ام ب���ال���ش���ب���ك���ات ال��ع��ص��ب��ي��ة‬
‫و»ال��ت�راب����ط» م��ن خ�ل�ال دي��ف��ي��د روم��ي��ل��ه��ارت‬
‫‪ David Rumelhart‬وآخرين يف منتصف‬
‫الثمانينيات‪ .‬اآلن تدرس هذه املداخل وغريها‬
‫من املناهج الشبه رمزية‪ ،‬مثل النظم التقريبية‬
‫‪ fuzzy systems‬واحل��س��اب��ات التطورية‪،‬‬
‫جمتمعة من خالل مبحث ناشئ ميسمى الذكاء‬
‫احلسابي‪.‬‬
‫الذكاء االصطناعي اإلحصائي‬
‫يف التسعينيات‪ ،‬وضع باحثو الذكاء االصطناعي‬
‫أدوات رياضية معقدة حل��ل مشاكل فرعية‬
‫حمددة‪ .‬هذه األدوات هي حقا علمية‪ ،‬مبعنى أن‬
‫نتائجها ميكن قياسها والتحقق منها على حد‬
‫سواء‪ ،‬وكانت مسؤولة عن العديد من النجاحات‬
‫األخرية ألحباث الذكاء االصطناعي‪ .‬كما تسمح‬
‫أيضا هذه اللغة الرياضية املشرتكة مبستوى‬
‫عال من التعاون مع املزيد من اجملاالت (مثل‬
‫الرياضيات‪ ،‬واالقتصاد‪ ،‬أو حبث العمليات)‪.‬‬
‫راس��ل ستيوارت وبيرت ‪ Norvig‬وصفا هذه‬
‫احلركة بأهنا ليست أقل من «الثورة» و»انتصارا‬
‫للنظاميني»‪.‬‬
‫دمج املناهج‬
‫منوذج العامل الذكي‬
‫العامل الذكي هو نظام يستوعب بيئته ويتخذ‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪159‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫امل��واق��ف ال�تي ت��زي��د م��ن فرصته يف النجاح‪ .‬عدد قليل من أعم هذه الوسائل‪.‬‬
‫العوامل الذكية يف أبسط أشكاهلا هي برامج‬
‫البحث والتحسني‬
‫حلل مشاكل حمددة‪ .‬وأكثرها تعقيدا هو اإلنسان‬
‫املفكر والعقالنى‪ .‬هذا النموذج يعطي الباحثون ميكن حل العديد من مشاكل الذكاء االصطناعي‬
‫رخصة لدراسة املشاكل املنفردة وإجياد حلول من الناحية النظرية بالبحث الذكى يف العديد‬
‫ميكن التحقق من صحتها واالس��ت��ف��ادة منها من احللول املمكنة‪ : ‬ميكن أن خيتزل التفكري‬
‫ها على حد س��واء‪ ،‬من دون االتفاق على هنج املنطقى إىل اجراء البحث‪ .‬على سبيل املثال‪،‬‬
‫واح��د‪ .‬ميكن للعامل استخدام أي هنج يصلح ميكن اعتبار الدليل املنطقي حبثا عن مسار‬
‫حلل مشكلة حمددة—بعض العوامل رمزية ينطلق م��ن اف�تراض��ات إىل ن��ت��ائ��ج‪ ،‬حيث كل‬
‫ومنطقية‪ ،‬وبعضها شبكات عصبية شبه رمزية خطوة هي تطبيق لقاعدة االستدالل‪ .‬تبحث‬
‫وغريها ميكنه استخدام مداخل جديدة‪ .‬كما اخل��وارزم��ي��ات التخطيطية خ�لال تفريعات‬
‫يقدم النموذج للباحثني لغة مشرتكة للتواصل من األه��داف الرئيسية والفرعية‪ ،‬يف حماولة‬
‫مع جماالت أخرى‪ ،‬مثل نظرية القرار واالقتصاد إلجي����اد ال��ط��ري��ق إىل اهل����دف‪ ،‬وه���ي عملية‬
‫واليت تستخدم أيضا مفاهيم العوامل اجملردة‪ .‬تسمى حتليل ال��وس��ائ��ل وال��غ��اي��ات‪ .‬تستخدم‬
‫أصبح منوذج العامل الذكي مقبوال على نطاق اخلوارزميات الروبوتية حمركات حبث حملية‬
‫واسع خالل التسعينيات‪.‬‬
‫لتحريك األط����راف واس��ت��ي��ع��اب األش��ي��اء يف‬
‫مساحة التكوين‪ .‬العديد من خوارزميات التعلم‬
‫العامل البنيوى أو املعرفية البنيوية‬
‫تستخدم خوارزميات البحث على أساس قابلية‬
‫صمم ب��اح��ث��ون أنظمة لبناء نظم ذك��ي��ة من التحسني‪.‬‬
‫خالل تفاعل العوامل الذكية يف النظام متعدد أحب��اث بسيطة شاملة ن��ادرا ما تكون كافية‬
‫العوامل‪ .‬النظام الذي يتكون من مكونات رمزية ملعظم مشاكل العامل احلقيقي‪ : ‬فضاء البحث‬
‫وشبه رمزية هو نظام ذكي هجني‪ ،‬ودراسة مثل (عدد أماكن البحث) لتنمو بسرعة إىل أرقام‬
‫هذه األنظمة تعترب تكامال بني أنظمة الذكاء فلكية‪ .‬والنتيجة هي حبثا بطيئا للغاية أو حبثا‬
‫االص��ط��ن��اع��ي‪ .‬ي��وف��ر ن��ظ��ام امل��راق��ب��ة اهلرمية ال ينجز أبدا‪ .‬احلل بالنسبة لكثري من املشاكل‪،‬‬
‫جسرا بني الذكاء االصطناعي الشبه رمزى هو استخدام «االستدالل» أو «قواعد التجربة»‬
‫افى قاع اهلرم واملستويات االستجابية والذكاء ال�تي تقضي على اخل��ي��ارات ال�تي يستبعد أن‬
‫االصطناعي التقليدى الرمزى يف أعلى اهلرم‪ ،‬تؤدي إىل اهلدف (و هي تسمى «تشذيب شجرة‬
‫حيث تسمح املسافة الزمنية بالتخطيط ووضع البحث»)‪ .‬يوفر االستدالل الربنامج ب»أفضل‬
‫النماذج للعامل‪ .‬كان هيكل التصنيف اخلاص ختمني» عن طريق احلل‪.‬‬
‫برودني بروكس ‪ Rodney Brooks‬اقرتاحا وه��ن��اك ن��وع خمتلف ج��دا م��ن البحث ب��رز يف‬
‫مبكرا هلذا النظام اهلرمي‪.‬‬
‫التسعينيات‪ ،‬على أس���اس نظرية التحسني‬
‫الرياضية‪ .‬بالنسبة لكثري م��ن امل��ش��اك��ل‪ ،‬من‬
‫أدوات أحباث الذكاء االصطناعي‬
‫املمكن أن تبدأ عملية البحث بشكل م��ا من‬
‫خالل مخسني سنة من البحوث‪ ،‬صمم الذكاء التكهن والتخمني‪ ،‬ثم يعدل التخمني تدرجييا‬
‫االصطناعي ع���ددا ك��ب�يرا م��ن ال��وس��ائ��ل حلل حتى الوصول إىل الدرجة املثلى اليت ال ميكن‬
‫أصعب املشاكل يف علوم الكمبيوتر‪ .‬نناقش أدناه اجراء أى حتسينات بعدها‪ .‬ميكن تصور هذه‬

‫‪160‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫اخلوارزميات كأهنا أعمى يتسلق التالل‪ : ‬يبدأ‬
‫البحث عند نقطة عشوائية على الساحة‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك‪ ،‬بعض القفزات أو اخلطوات‪ ،‬ونستمر يف‬
‫حتريك ختميننا بصعود هذا التل‪ ،‬إىل أن نصل‬
‫إىل القمة‪ .‬من خوارزميات التحسني األخرى‪:‬‬
‫حم��اك��اة ال��ص��ل��ب‪ ،‬حب��ث ال��ش��ع��اع والتحسني‬
‫العشوائي‪.‬‬
‫تستخدم احملاسبة التطورية شكل من أشكال‬
‫البحث األمثل‪ .‬على سبيل املثال‪ ،‬قد تبدأ من‬
‫الكائنات اليت يبلغ عدد سكاهنا (التكهنات)‪ ،‬ثم‬
‫السماح هلم بالتحور واعادة التكوين‪ ،‬واختيار‬
‫األصلح فقط للبقاء على قيد احلياة كل جيل‬
‫(صقل التخمينات)‪ .‬أشكال التطور احلسابية‬
‫ت��ش��م��ل خ���وارزم���ي���ات ال��ذك��اءال��س��رب��ى (م��ث��ل‬
‫مستعمرة النمل أو حتسني سرب اجلسيمات)‬
‫واخل��وارزم��ي��ات التطورية (مثل اخلوارزميات‬
‫اجلينية) والربجمة اجلينية‬

‫املنطق‬
‫املنطق أدخله ج��ون مكارثي يف جم��ال أحباث‬
‫ال���ذك���اء االص��ط��ن��اع��ي يف ع���ام ‪ 1958‬خ�لال‬
‫اطروحته املسماة «اآلخ��ذ باملشورة»‪ .‬يف عام‬
‫‪ ،1963‬اك��ت��ش��ف ج‪.‬آالن روب��ن��س��ون طريقة‬
‫خ��وارزم��ي��ة بسيطة وكاملة متاما لالستنتاج‬
‫امل��ن��ط��ق��ى ال���ذي مي��ك��ن ب��س��ه��ول��ة أن ي��ق��وم به‬
‫احلواسيب الرقمية‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬سرعان ما يؤدي‬
‫التنفيذ الساذج للخوارزمات إىل حدوث انفجار‬
‫اندماجي أو حلقة ال هناية هلا‪ .‬يف عام ‪،1974‬‬
‫اقرتح روبرت كوالسكي متثيل تعبريات منطقية‬
‫حسب شروط القرن (البيانات يف شكل قواعد‪،‬‬
‫كما يلي‪« : ‬ان ‪ p‬إذا ‪ ،»q‬مما اختزل االستدالل‬
‫املنطقي إىل تسلسل خلفى أو أمامى‪.‬هذا خفف‬
‫املشكلة إىل حد كبري (ولكن مل يلغها)‪.‬‬
‫يستخدم املنطق لتمثيل املعرفة‪ ،‬وحل‬
‫املشاكل‪ ،‬ولكن ميكنه أن يطبق على غريها‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪161‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مراقبة املنتجات االستهالكية‪.‬‬
‫املنطق االف�تراض��ي‪ ،‬املنطق ال��غ�ير مونوتوني‬
‫واحمل���ي���ط‪ ،‬ه��ي أش��ك��ال امل��ن��ط��ق ال���ذي صمم‬
‫للمساعدة يف امل��ن��ط��ق االف�ت�راض���ي ومشكلة‬
‫التأهيل‪.‬‬
‫صممت ع��دة ام��ت��دادات للمنطق للتعامل مع‬
‫جم���االت حم���ددة م��ن امل��ع��رف��ة‪ ،‬مثل‪ : ‬املنطق‬
‫الوصفى؛ وحساب املوقف‪ ،‬وحساب احلدث‬
‫واحلساب الطليق (لتمثيل األح��داث والزمن)‬
‫احل��س��اب ال��س��ب�بي؛ ح��س��اب املعتقد‪ ،‬ومنطق‬
‫االحتماالت‪.‬‬

‫من املشاكل أيضا‪ .‬على سبيل املثال ‪،‬خوارزمية‬
‫‪ satplan‬تستخدم املنطق للتخطيط‪ ،‬و برجمة‬
‫املنطق االستقرائي هي طريقة للتعلم‪ .‬هناك‬
‫عدة أشكال خمتلفة من املنطق املستخدم يف‬
‫حبوث الذكاء االصطناعي‪.‬‬
‫املنطق االقرتاحي أو العياري هو منطق البيانات‬
‫اليت ميكن أن تكون صحيحة أو غري صحيحة‪.‬‬
‫املنطق األوىل يسمح أيضا باستخدام الكلمات‬
‫الدالة على الكمية واخلرب‪ ،‬وميكنه التعبري عن‬
‫حقائق األش��ي��اء‪ ،‬وخ��واص��ه��م‪ ،‬وعالقاهتم مع‬
‫بعضهم البعض‪.‬‬
‫املنطق التقريبى‪ ،‬هو ن��وع من املنطق األوىل‬
‫وال���ذي يسمح بتمثيل حقيقة اجلملة بقيمة‬
‫بني ‪ 0‬و ‪ ،1‬ب��دال من جم��رد (‪ )1‬للصحيح أو‬
‫(‪ )0‬للخطأ‪ .‬ميكن استخدام النظام التقريبى‬
‫للتفكري الغري مؤكد‪ ،‬وكان املنطق الذي يستخدم‬
‫على نطاق واس��ع يف الصناعة احلديثة ونظم‬

‫‪162‬‬

‫الطرق االحتمالية‬
‫للتفكري الغري مؤكد‬
‫مشاكل عديدة يف أحباث الذكاء االصطناعي‬
‫(يف التفكري‪ ،‬والتخطيط‪ ،‬وال��ت��ع��ل��م‪ ،‬والفهم‬
‫والروبوتيات) تتطلب عامالً للعمل مع معلومات‬
‫غ�ير كاملة أو غ�ير أك��ي��دة‪ .‬اب��ت��داء م��ن أواخ��ر‬
‫الثمانينيات وأوائ��ل التسعينيات‪ ،‬داف��ع يهودا‬
‫ب�يرل وغ�يره ع��ن استخدام أساليب مستمدة‬
‫من نظرية االحتمال واالقتصاد لوضع عدد‬
‫من أدوات قوية حلل ه��ذه املشاكل‪ .‬شبكات‬
‫‪ Bayes‬هي أداة عامة للغاية ميكن استخدامها‬
‫يف ع��دد كبري من املشاكل‪ : ‬التفكري املنطقى‬
‫(باستخدام خوارزمية ‪ Bayesian‬االفرتاضية‬
‫االستداللية)‪ ،‬التعلم (باستخدام خوارزمية‬
‫تعظيم التوقعات ‪ ،)-‬ختطيط (باستخدام‬
‫شبكة قرار) و تصور(باستخدام شبكة دينامية‬
‫النظرية االفرتاضية)‪.‬‬
‫ميكن استخدام اخلوارزميات االحتمالية أيضا‬
‫للرتشيح‪ ،‬والتنبؤ‪ ،‬ومتهيد‪ ،‬وإجي��اد تفسريات‬
‫ل��ت��ي��ارات ال��ب��ي��ان��ات‪ ،‬وم��س��اع��دة نظم التصور‬
‫لتحليل العمليات اليت حتدث على مر الزمن‬
‫(على سبيل املثال‪ ،‬منوذج ماركوف اخلفي) أو‬
‫مرشح كاملان‬
‫ومث��ة مفهوم رئيسي م��ن علم االق��ت��ص��اد هو‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫«اجلدوى»‪ : ‬مقياس ملعرفة قيمة شيء بالنسبة‬
‫للعامل ذك��ي‪ .‬وضعت أدوات رياضية دقيقة‬
‫لتحليل كيف ميكن للعامل االختيار والتخطيط‪،‬‬
‫وذلك باستخدام نظرية القرار‪ ،‬قرار التحليل‪،‬‬
‫نظرية قيمة املعلومة‪ .‬وتشمل ه��ذه األدوات‬
‫مناذج مثل عملية قرار ماركوف‪ ،‬شبكة القرار‬
‫الديناميكية نظرية اللعبة‪ ،‬وتصميم اآللية ‪.‬‬
‫املصنفات وطرق التعلم اإلحصائي‬
‫ال��ذك��اء االصطناعي أبسط تطبيقات ميكن‬
‫تقسيمها إىل نوعني‪ : ‬املصنفات («اذا كانت‬
‫براقة فهى ماس») وحدات التحكم («إذا كانت‬
‫المعة ‪،‬فالتقطها»)‪ .‬ولكن أدوات التحكم تصنف‬
‫الشروط قبل أن نستنتج األعمال‪ ،‬ولذلك يشكل‬
‫أن��واع التصنيف جزءا أساسيا من العديد من‬
‫نظم الذكاء االصطناعي‪.‬‬
‫املصنفات من املهام اليت تستخدم منط املطابقة‬
‫لتحديد اق��رب مطابقة‪ .‬ميكن ضبطها وفقا‬
‫لنماذج وجعلها جذابة جدا لالستخدام يف الذكاء‬
‫االصطناعي‪ .‬تعرف هذه األمثلة باملالحظات أو‬
‫األمن��اط‪ .‬يف التعليم حتت اش��راف ‪،‬ينتمي كل‬
‫منط إىل فئة معينة حمددة سلفا‪ .‬ميكن اعتبار‬
‫هذه الفئة قرارا جيب أن يتخذ‪ .‬تعرف مجيع‬
‫املالحظات مع عالمات فئاهتا باسم جمموعة‬
‫من البيانات‪.‬‬
‫عندما ت��رد مالحظة ج��دي��دة‪ ،‬تصنف هذه‬
‫املالحظة على أس��اس اخل�برة السابقة‪ .‬ميكن‬
‫تدريب املصنفات بطرق خمتلفة ‪،‬فهناك العديد‬
‫من املناهج اإلحصائية ومناهج تعليم االلة‪.‬‬
‫جمموعة واسعة من املصنفني متاحة‪ ،‬ولكل‬
‫منها نقاط قوهتا ونقاط ضعفها‪ .‬ويعتمد أداء‬
‫املصنف بشكل كبري على خصائص البيانات‬
‫املراد تصنيفها‪ .‬ال يوجد تصنيف واحد يعمل‬
‫على النحو األفضل يف كل املشاكل وهو ما يشار‬
‫اليه بنظرية «ال توجد وجبة غ��ذاء جمانية»‪.‬‬
‫أجريت اختبارات جتريبية خمتلفة للمقارنة بني‬

‫أداء املصنفات وللعثور على خصائص البيانات‬
‫ال�تي حت��دد تصنيف األداء‪ .‬بالرغم من ذلك‬
‫‪،‬يعترب حتديد املصنف املناسب ملشكلة معينة‬
‫فنا أكثر من كونه علما‪.‬‬
‫أكثرا املصنفات استخداما هي الشبكة العصبية‬
‫الطرق األساسية مثل دعم جهاز النقل املدعم‬
‫خ��وارزم��ي��ة (ك) ألق��رب ج��ار ال��ن��م��وذج جوس‬
‫‪ Gauss‬املختلط مصنف بايز ‪Bayes‬البسيط‪،‬‬
‫وشجرة ال��ق��رارات‪ .‬ق��ورن أداء هذه املصنفات‬
‫بالكثري من مهام التصنيف من أجل التوصل إىل‬
‫بيانات اخلصائص اليت حتدد تصنيف األداء‪.‬‬
‫الشبكات العصبية‬
‫وه��ن��اك شبكة عصبية تتكون م��ن جمموعة‬
‫مرتابطة من الفروع‪ ،‬وأقرب إىل شبكة واسعة‬
‫من اخلاليا العصبية يف الدماغ البشري‪.‬‬
‫دراس��ة الشبكة العصبية االصطناعية بدأت‬
‫خ�لال العقد السابق لتأسيس أحب��اث الذكاء‬
‫االص��ط��ن��اع��ي‪ .‬يف ال��س��ت��ي��ن��ات‪ ،‬وض���ع ف��ران��ك‬
‫روزن���ب�ل�ات ‪ Frank Rosenblatt‬نسخة‬
‫هامة وج��دي��دة؛ أال وه��ى‪ ،‬املستقبالت‪ .‬طور‬
‫بول فربوس ‪ Paul Werbos‬خوارزمية اعادة‬
‫االنتشار ‪ backpropagation‬للمستقبالت‬
‫امل��ت��ع��ددة الطبقات يف ع��ام ‪ ،1974‬مم��ا أدى‬
‫إىل هنضة يف جمال البحث والشبكة العصبية‬
‫و «الرتابط» ‪ )connectionism‬بشكل عام‬
‫يف منتصف الثمانينات‪ .‬شبكة هوبفيلد ‪The‬‬
‫‪ ،Hopfield net‬هي شكل من أشكال شبكة‬
‫اجلذب‪ ،‬وكان أول من وصفها هو جون هوبفيلد‬
‫‪ John Hopfield‬يف عام ‪.1982‬‬
‫من الشبكات البنائية اليت مت تطويرها شبكة ال‬
‫‪ ،feedforward‬وشبكة القاعدة الشعاعية‪،‬‬
‫خريطة كوهونن ‪ Kohonen‬املنظمة ذاتيا‬
‫وخمتلف الشبكات العصبية املتكررة ‪s. To‬‬
‫‪show relevance‬تطبق الشبكات‬
‫العصبية على مشكلة التعليم‪ ،‬باستخدام‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪163‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تقنيات مثل التعلم بطريقة هب ‪Hebbian‬‬
‫‪ ،learning‬والتعلم التنافسى‪ .‬و التصميمات‬
‫اجلديدة نسبيا مثل التسلسل اهلرمي للذاكرة‬
‫الزمنية وشبكات االعتقاد العميق‪.‬‬
‫نظرية التحكم‬
‫نظرية التحكم‪ ،‬وليدة علم التحكم اآليل‪ ،‬هلا‬
‫العديد م��ن التطبيقات اهل��ام��ة‪ ،‬وخ��اص��ة يف‬
‫الروبوتيات (أو علوم اإلنسان االىل)‪.‬‬
‫اللغات املتخصصة‬
‫وض��ع باحثو ال��ذك��اء االصطناعي العديد من‬
‫اللغات املتخصصة لبحوث الذكاء االصطناعي‪: ‬‬
‫‪ IPL‬هي اللغة األوىل اليت صممت لتطبيقات‬
‫الذكاء االصطناعي‪ .‬وتشمل مسات تدعم برامج‬
‫حل املشكالت العامة‪ ،‬مبا يف ذلك من قوائم‪،‬‬
‫االفكار املرتبطة ببعضها البعض‪ ،‬املخططات‬
‫(األط��ر)‪ ،‬التخصيص احلركى للذاكرة‪ ،‬وأنواع‬
‫البيانات‪ ،‬واستدعاء ذاتي‪ ،‬االسرتجاع املرتابط‪،‬‬
‫الوظائف مثل القيم‪ ،‬وامل��ول��دات الكهربائية‬
‫(تيارات)‪ ،‬والقيام مبهام متعددة بشكل متناسق‪.‬‬
‫اللثغة أو ال‪ Lisp‬هو نظام عملي حسابي لربامج‬
‫الكومبيوتر بنى على أساس المبدا يف احلساب‬
‫‪ .lambda calculus‬القوائم املرتابطة هي‬
‫واح��دة من هياكل البيانات الرئيسية للغات‬
‫اللثغة ‪ ،Lisp‬ومصدر شفرة اللثغة هو نفسه‬
‫مكون من القوائم‪ .‬ونتيجة لذلك‪ ،‬ميكن أن تغري‬
‫برامج اللثغة شفرة املصدر بوصفها هياكل‬
‫البيانات ‪،‬و هو ما نتج عنه األنظمة الكلية اليت‬
‫تسمح للمربجمني بإنشاء تراكيب جديدة أو‬
‫الربجمة املتخصصة املتضمنة يف اللثغة‪ .‬هناك‬
‫العديد من هلجات اللثغة املستخدمة اليوم‪.‬‬
‫ال�برول��وج ‪ Prolog‬ه��ي لغة بيانية تعرب عن‬
‫الربامج من خالل العالقات ‪،‬و وحيدث التنفيذ‬
‫‘ عن طريق تشغيل االستفسارات ‪queries‬‬
‫حول هذه العالقات‪ .‬للربولوج فائدة خاصة يف‬

‫‪164‬‬

‫التفكري املنطقى الرمزي ‪،‬و تطبيقات قواعد‬
‫البيانات والتحليل‪ .‬يستخدم ال�برول��وج على‬
‫نطاق واسع يف الذكاء االصطناعي اليوم‪.‬‬
‫ال��س�ترب��س ‪ STRIPS‬ه��ي ل��غ��ة للتعبري عن‬
‫التخطيط اآليل للمشاكل‪ .‬تعرب ع��ن احلالة‬
‫األولية‪ ،‬أحوال اهلدف‪ ،‬وجمموعة من اإلجراءات‪.‬‬
‫لكل عمل شروط حمددة مسبقا (ما جيب أن‬
‫حيدد قبل أجناز العمل) وشروط مؤخرة (ما مت‬
‫حتديده بعد اجناز العمل)‪.‬‬
‫امل��خ��ط��ط ه��و م��زي��ج ب�ين ال��ل��غ��ات اإلج��رائ��ي��ة‬
‫واملنطقية‪ .‬وهى تعطي تفسريا إجرائيا مبسطا‬
‫جلمل منطقية على عكس الدالالت اليت تفسر‬
‫عن طريق االستدالل النمطى‪.‬‬
‫تكتب تطبيقات الذكاءاالصطناعي أيضا يف كثري‬
‫من األحيان بلغات معيارية مثل س ‪ + +‬واللغات‬
‫املصممة من أجل الرياضيات ‪ MATLAB‬و‬
‫‪.Lush‬‬
‫تقييم الذكاء االصطناعي‬
‫كيف ميكن حتديد ما إذا كان العامل ذكيا أم‬
‫ال؟ يف عام ‪ ،1950‬اقرتح آالن تورينج إجراء عام‬
‫الختبار ذكاء عامالً يعرف اآلن باختبار تورينج‪.‬‬
‫يسمح ه��ذا اإلج���راء باحتبار معظم املشاكل‬
‫الرئيسية للذكاء االصطناعي‪ .‬ولكنه يعد حتديا‬
‫صعبا للغاية يف الوقت احلايل ومجيع العوامل‬
‫ااتى حضعت له باءت بالفشل‪.‬‬
‫وميكن أيضا أن يقيم الذكاء االصطناعي وفقا‬
‫ملشاكل حمددة مثل مشاكل صغرية يف الكيمياء‪،‬‬
‫والتعرف على خط اليد واأللعاب‪ .‬مسيت هذه‬
‫االختبارات باختبارات تورينج اخلبرية‪ .‬كلما‬
‫صغر حجم املشاكل زاد عدد األهداف القابلة‬
‫للتحقيق‪ ،‬وه��ن��اك ع��دد متزايد م��ن النتائج‬
‫اإلجيابية‪.‬‬
‫تصنف نتائج اختبار الذكاء االصطناعي إىل‬
‫اجملموعات االتية‪:‬‬
‫األمثل ‪ : ‬أنه ال ميكن ألداء أفضل‬

‫إنسان خارق قوى ‪ : ‬أداء أفضل من كل البشر تطويره جمددا من قبل ليج وهوتر من مميزات‬
‫إنسان خارق ‪ : ‬أداء أفضل من معظم البشر‬
‫التعريفات الرياضية‪ ،‬أنه ميكن تطبيقها على‬
‫أقل من اإلنسان ‪ : ‬أسوأ من أداء معظم البشر الذكاء الغري إنسانى ويف غياب املمتحنني من‬
‫على سبيل املثال ‪،‬أداء لعبة الداما هو األمثل‪ ،‬البشر‪.‬‬
‫األداء يف الشطرنج‪ ،‬ي��ن��درج حت��ت «اإلن��س��ان‬
‫اخلارق» ويقرتب من «اإلنسان اخلارق القوى»‬
‫تطبيقات الذكاء االصطناعي‬
‫واألداء يف العديد من املهام اليومية اليت يقوم استخدم الذكاء االصطناعي بنجاح يف جمموعة‬
‫هبا البشر يندرج حتت فئة «أقل من اإلنسان»‪ .‬واسعة من اجمل��االت من بينها النظم اخلبرية‬
‫وه��ن��اك هن��ج خمتلف متاما يقوم على قياس ومعاجلة اللغات الطبيعية ومتييز األص��وات‬
‫ذكاء االالت من خالل اختبارات مستمدة من ومتييز وحتليل ال��ص��ور وك��ذل��ك التشخيص‬
‫من التعريفات الرياضية للذكاء‪ .‬ب��دأت أمثلة الطيب‪ ،‬وتداول األسهم‪ ،‬والتحكم اآليل‪ ،‬والقانون‪،‬‬
‫ع��ل��ى ه���ذا ال��ن��وع م��ن االخ��ت��ب��ارات يف أواخ���ر واالكتشافات العلمية‪ ،‬وألعاب الفيديو ولعب‬
‫التسعينات؛ ك��اخ��ت��ب��ارات ال��ذك��اء باستخدام اطفال وحمركات البحث على اإلنرتنت‪ .‬يف كثري‬
‫مفاهيم ك��ومل��وج��روف ‪ Kolmogorov‬مثل من األحيان‪ ،‬عندما يتسع استخدام التقنية ال‬
‫التعقيد والضغط كما ق��دم م��ارك��وس هوتر ينظر إليها بوصفها ذكاء اصطناعيا‪ ،‬فتوصف‬
‫تعريفات مماثلة لذكاء االالت يف كتابه الذكاء أحيانا بأهنا أثر الذكاء االصطناعي‪ .‬ومن املمكن‬
‫االصطناعي العاملي (سربينغر ‪ ،)2005‬والذي مت أيضا دجمها يف احلياة االصطناعية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪165‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املسابقات واجلوائز‬
‫هناك عدد من املسابقات واجلوائز لتشجيع‬
‫البحث يف جمال الذكاء االصطناعي‪ .‬اجملاالت‬
‫الرئيسية اليت عززت هي‪ :‬الذكاء العام لاللة‪،‬‬
‫سلوك احمل��ادث��ة‪ ،‬حتليل البيانات‪ ،‬السيارات‬
‫املتحركة ب��دون سائق‪ ،‬وال��روب��وت لكرة القدم‬
‫واأللعاب‪.‬‬
‫أحباث الذكاء االصطناعي يف‬
‫األسطورة‪ ،‬والرواية والتكهنات‬
‫آالت التفكري والكائنات االصطناعية تظهر يف‬
‫األسطورة اليونانية‪ ،‬مثل ‪ Talos‬يف «كريت»‪،‬‬

‫‪166‬‬

‫وال��روب��وت��ات الذهبية يف‪ Hephaestus‬و‬
‫‪ Galatea‬يف ‪ .Pygmalion‬يعتقد أن أشباه‬
‫البشر الذكية نشأت يف كثري من اجملتمعات‬
‫القدمية‪ ،‬ومن أقدمها التماثيل املقدسة اليت‬
‫عبدت يف مصر واليونان‪ ،‬مبا يف ذلك آالت يان‬
‫شي ‪ ،Yan Shi‬و بطل اإلسكندرية و اجلزرى‬
‫أو فولفغانغ ف��ون كمبلن‪ .‬ك��ان من املعتقد أن‬
‫جابر بن حيان وج��ودة لوف ‪Judah Loew‬‬
‫وبارسيلسوس ‪ Paracelsus‬صنعوا كائنات‬
‫اصطناعية‪ .‬تناقش قصص ه��ذه املخلوقات‬
‫وم��ص�يره��ا ال��ع��دي��د م���ن اآلم�����ال وامل���خ���اوف‬
‫واالع��ت��ب��ارات األخ�لاق��ي��ة ال�تي قدمها ال��ذك��اء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫االصطناعي‪.‬‬
‫تتناول م��اري شيلي يف روايتها «فرانكشتني»‬
‫‪ ،Frankenstein‬م��س��أل��ة أس��اس��ي��ة يف‬
‫أخالقيات الذكاء االصطناعي‪ ،‬وهى‪ : ‬إذا كان‬
‫م��ن املمكن خلق جهاز لديه ذك���اء‪ ،‬أميكن أن‬
‫يشعر أيضا؟ إذا كان ميكن أن يشعر‪ ،‬أيكن له‬
‫نفس حقوق اإلنسان؟ وتظهر أيضا هذه الفكرة‬
‫يف اخليال العلمي احلديث‪ :‬يف فيلم «الذكاء‬
‫االصطناعي»‪ : ‬ميثل الفيلم االل��ة يف ص��ورة‬
‫طفل صغري منح القدرة على الشعور بالعواطف‬
‫البشرية‪ ،‬مب��ا يف ذل��ك ‪،‬ال��ق��درة على الشعور‬
‫باملعاناة‪ .‬جيري حاليا النظر يف هذه القضية‪،‬‬
‫وال�تي تعرف اآلن باسم «حقوق ال��روب��وت»‪ ،‬يف‬
‫بعض املؤسسات؛ على سبيل املثال‪ ،‬مؤسسة‬
‫كاليفورنيا من أجل املستقبل‪ ،‬رغم أن العديد‬
‫من النقاد يعتقدون أن من السابق ألوانه مناقشة‬
‫هذا الشأن‪.‬‬
‫ومث��ة مسألة أخ��رى يستكشفها كل من كتاب‬
‫اخليال العلمي وذوى النزعة املستقبلية هي‬
‫ت��أث�ير ال��ذك��اء االصطناعي على اجملتمع‪ .‬يف‬
‫ال��رواي��ات‪ ،‬ظهر الذكاء االصطناعي باعتباره‬
‫خادما (‪ R2D2‬يف ح��رب النجوم)‪ ،‬وكمطبق‬
‫القانون يف (‪)K.I.T.T. «Knight Rider‬و‬
‫رفيقا (‪Lt. Commander Data in Star‬‬
‫‪،,)Trek‬الغازى (‪ ،)The Matrix‬الديكتاتور‬
‫(مكتوف األيدي‪،)With Folded Hands‬‬
‫واملدمر (املدمر‪،)Battlestar Galactica ،‬‬
‫وامتدادا لقدرات البشر يف «شبح داخل احملار»‬
‫(‪ ،)Ghost in the Shell‬واملنقذ للجنس‬
‫البشري ‪ R. Daneel Olivaw‬يف سلسلة‬
‫التأسيس ‪ .)Foundation Series‬اعتربت‬
‫بعض املصادر األكادميية أن هذه النتائج هي‬
‫دعوة لتخفيض الطلب على العمالة البشرية‪،‬‬
‫تعزيز القدرة البشرية أو اخلربة وحاجة إلعادة‬
‫تعريف اهلوية اإلنسانية والقيم األساسية‪.‬‬
‫يزعم بعض املستقبليني أن الذكاء االصطناعي‬

‫سوف يتجاوز حدود التقدم وسيغري اإلنسانية‬
‫تغيريا جوهريا‪ .‬استخدم راى ك��رزوي��ل ‪Ray‬‬
‫‪ Kurzweil‬قانون مور (الذي يصف التحسن‬
‫الكبري يف التكنولوجيا الرقمية بالدقة اخلارقة)‬
‫حلساب أن الكمبيوتر س��وف يكون ل��ه نفس‬
‫قوة املعاجلة لدى العقول البشرية حبلول سنة‬
‫‪ ،2029‬وحبلول عام ‪ 2045‬سوف يصل الذكاء‬
‫االصطناعي إىل نقطة يصبح عندها قادرا على‬
‫حتسني نفسه مبعدل يتجاوز كل ما ميكن تصوره‬
‫يف املاضي‪ ،‬وهو سيناريو اخليال العلمي الذي‬
‫صاغه الكاتب فرينور فينج ‪Vernor Vinge‬‬
‫وأمساه «التفرد التكنولوجي»‪ .‬إدوارد ‪Fredkin‬‬
‫يقول إن «الذكاء االصطناعي هو املرحلة التالية‬
‫يف التطور» وهي فكرة اقرتحها ألول مرة صموئيل‬
‫بتلر ‪« /‬داروين بني ماكينات» (‪ ،)1863‬وأفاض‬
‫يف احلديث عنها جورج دايسون يف كتابه الذي‬
‫حيمل نفس االسم يف عام ‪ .1998‬توقع العديد‬
‫من املستقبليني وكتاب اخليال العلمي أن البشر‬
‫واآلالت ستندمج يف املستقبل وتصبح سايبورج‬
‫(أى نظام ميزج بني صفات طبيعية ووصفات‬
‫اصطناعية ‪ cyborg‬فيكون بذلك أكثر قدرة‬
‫وقوة من كالمها‪ .‬تسمى هذه الفكرة «ما فوق‬
‫اإلنسانية»‪ transhumanism ،‬وهلا جذور يف‬
‫كتابات الدوس هوكسلي ‪Aldous Huxley‬‬
‫وروبرت ايتنجر ‪ ،Robert Ettinger‬وهى اآلن‬
‫مرتبطة باسم مصمم الروبوت هانز مورفيك‬
‫‪ Hans Moravec‬وع����امل ال��ت��ح��ك��م االىل‬
‫كيفن واروي��ك ‪ ،Kevin Warwick‬واملخرتع‬
‫راي كرزويل ‪ .Ray Kurzweil‬مت متثيل الـ‬
‫«ما فوق إنسانية» ‪ Transhumanism‬يف‬
‫الروايات أيضا‪ ،‬على سبيل املثال يف قصة املاجنا‬
‫اليابانية «الشبح يف حم��ار» وسلسلة اخليال‬
‫العلمي املسماة «سلسلة الكثيب»‪ .‬كتبت باميال‬
‫مكوردك ‪ Pamela McCorduck‬أن هذه‬
‫السيناريوهات تعترب تعبريا عن الرغبة البشرية‬
‫القدمية يف‪ ،‬كما وصفته‪« ،‬تشكيل اآلهلة»‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪167‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بصمات األفاعي‬
‫على كوكب األرض‬
‫سوسن قاسم عزّام‬

‫‪168‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫لكن حديثا عندما بدأ الناس بالتساؤل حول‬
‫ماهية األس��ط��ورة او ح��ول ما يعرفونه ضمن‬
‫إطار صحيح تارخييا أو علميا ‪ ،‬عندها بدأت‬
‫بعض تلك االس��اط�ير بالظهور بشكلها غري‬
‫احلقيقي ‪ .‬وهكذا فقد كانت األفاعي جزءاً ال‬
‫يتجزأ من تلك االساطري رمبا بسبب سلوكها أو‬
‫تعابريها الوجهية (أي عدم وجود رموش هلا)‬
‫فقد كانت مكروهة أحياناً ملا حتمله من رمزية‬
‫امل��وت والشر وحمبوبة أحيانا أخ��رى لداللتها‬
‫لألهلة والسماء ‪.‬‬
‫فمثالً يف األس��اط�ير ال��روم��ان��ي��ة واملكسيكية‬
‫ارتبطت االفاعي بالسماء واالرض ‪ ،‬وأحياناً‬
‫كان هلا دالالت متعلقة باخلصوبة حيث كان‬
‫شعب مشال أمريكا الشمالية (‪ )Hopi‬يقدم‬
‫رق��ص��ة أف��ع��ى س��ن��وي�اً اح��ت��ف��االً ب��احت��اد أفعى‬
‫الشباب (أفعى السماء) والفتاة االفعى (روح‬
‫العامل السفلي) ولتجديد خصوبة الطبيعة ‪.‬‬
‫وارتبطت األفاعي مبفاهيم متعددة كاخللود‬
‫وخلق االسطورة والعامل السفلي واحلكمة ‪.‬‬
‫ارتبطت األفعى باخللود ألهنا تبدو وكأهنا تعيد‬
‫خلق نفسها بنفسها عندما تقوم بسلخ جلدها و‬
‫تقوم أحياناً بعضّ ذيلها و ّلف نفسها لتكون على‬
‫شكل دائرة ويف احلالتني متيل ك ّفة الداللة إىل‬
‫اخللود‪ .‬يف هذا السياق لعل امللحمة السومرية‬
‫(أس��ط��ورة جلجامش) ٌتجسّد برمزية كبرية‬
‫األفعى اليت أكلت نبتة اخللود السحرية اليت‬
‫حصل عليها جلجامش ملك أوروك بعد خوضه‬
‫مغامرات كثرية فقد فيها صديقه وندّه إنكايدو‬
‫أثناء حبثه الطويل عن اخللود ‪.‬‬
‫أم��ا عن دور األفعى يف خلق األس��ط��ورة فقد‬
‫اعتقد ال��ن��اس يف اهلند أن األف��ع��ى املسؤولة‬
‫عن اجلفاف (‪ )Ahi‬أو (‪ )Vritra‬قد ابتلعت‬
‫احمليط األساسي ومل تُفرج عن كل املخلوقات‬
‫حتى تقوم (‪ )Indra‬بتقسيم معدة االفعى‬
‫بواسطة الصاعقة ‪.‬‬
‫ُ‬
‫كما كان لألفعى عالقتها املميزة بالعامل السفلي‬

‫ألن��ه ك��ان يُعتقد أهن��ا إم��ا م��ن ح���رّاس العامل‬
‫السفلي أو رسُ�لآ بني العامل العُلوي والسفلي‬
‫رمبا ألهنا تعيش بني الشقوق وا ُ‬
‫حلفر يف األرض‬
‫ويف األس��ط��ورة اليونانية كانت (‪)Medusa‬‬
‫املشهورة امرأة أفعى أو هجينة تكفي نظرة منها‬
‫لتحوّل اللحم إىل حجر ‪.‬‬
‫املعروف كما قلنا سابقا أن األفعى قد ارتبطت‬
‫باألساطري ففي كثري منها كانت العالقة بني‬
‫اإلن��س��ان واألف��ع��ى هل��ا ص��ف��ة ق��دمي��ة ونفعية‬
‫أحيانا و ضد ذلك اإلنسان أحيانا أخرى ‪.‬ففي‬
‫منطقة آس��ي��ا الشرقية ك��ان��ت األف��ع��ى التنني‬
‫هتتم باحلصاد اجليد واملطر واخلصوبة ودورة‬
‫الفصول بينما كانت األفعى يف اهلند واليونان‬
‫تُعترب جالبة للحظ وكثريآ ما اُستخدمت‬
‫تعاويذ لألفعى ل��درء خطر أي نوع من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪169‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الشر ‪.‬‬
‫كما شاركت حضارة األزتيك القدمية الشعوب‬
‫اليت اعتربت االفعى من املخلوقات القوية اليت‬
‫هلا تأثري على ثقافتها وطريقة عيشها فقد آمن‬
‫االزتيك منذ بداية حضارهتم بانتشار حضارة‬
‫كحضارهتم إلمي��اهن��م العميق ب��ق��درهت��م على‬
‫إنتشارها فاألسطورة تقول بوجود جمموعة‬
‫من األشخاص سيصبحون مشهورين وأقوياء‬
‫ج��داً حب��ض��ارة كبرية على إم��ت��داد قرنني من‬
‫الزمان ‪ ،‬وتقول األسطورة بأن شعب األزتيك‬
‫سيبين ح��ض��ارة قوية يف منطقة مستنقعات‬
‫حيث عليهم أوالً رؤية إشارة معينة مثل وجود‬
‫شجرة صبار متفرعة من داخل صخرة وعلى‬
‫تلك الشجرة يوجد نسر جاثم عليها أثناء أكله‬
‫ألفعى ‪ .‬واعتقد ذلك الشعب بوجود ما يسمى‬

‫‪170‬‬

‫ب(‪ )Quezacoatl‬إله الصباح وإله النجوم يف‬
‫الليل وكان له مظهران أحدمها إلنسان حمارب‬
‫واآلخ��ر ألفعى خضراء املكسوة بالريش وهي‬
‫رمز للموت والبعث من جديد ‪.‬‬
‫أم��ا يف مصر فلم تكن ختلو مدينة فيها من‬
‫حيوان مقدس ألنه كان يعتقد أن بعض اآلهلة‬
‫متثل نفسها على األرض من خالل جتسّدها‬
‫يف حيوان ما من فصيلة معينة‪ ،‬ولتكريم اآلهلة‬
‫جيب تكريم احليوان الذي متثله والذي غالباً‬
‫ما كان يعتقد أنه قريب من املعابد واألماكن‬
‫الدينية وم��ن تلك احليوانات ق��رد البابون و‬
‫القطة والتمساح والصقر و اإلوزة واألفعى‬
‫وغ�يره��ا ‪ .‬فاألفعى حسب االعتقاد املصري‬
‫القديم كانت مزجياً من الشهرة اليت مجعت ما‬
‫بني خطرها وبني الشفاء من ترياقها ‪.‬فعندما‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫كان يسافر إله الشمس كل يوم يف قاربه املليء‬
‫باآلهلة واألرواح خالل الليل لكي يُولد من جديد‬
‫وأثناء مروره بالسماء والعامل السفلي كان يواجه‬
‫خطر أفعى ضخمة تدعى (‪ )apep‬لتمنعه من‬
‫إكمال رحلته املسائية‪.‬‬
‫أم��ا اإلل��ه هرمس فقد ك��ان حيمل صوجلانا‬
‫(‪ )Caduceus‬جمدوالً حوله إثنني من األفاعي‬
‫وأجنحة أحياناً وقد استعمل هذا الرمز الحقاً‬
‫يف اجملاالت الطبية والعسكرية يف مناطق من‬
‫العامل‪.‬‬
‫وق��د جت��د ص��ورة أو متثال إلسكاليبوس إله‬
‫الطب والشفاء عند اليونان حيث نرى األفعى‬
‫ملتفة حول صوجلانه (‪ )Asclepius‬الذي هو‬
‫شعار املسافر الذي ال يقر له قرار والثعبان رمز‬
‫املعرفة وقد استعمل هذا الشكل أيضاً رمزاً‬
‫للطب بالرغم من أنه استبدل يف بعض االحيان‬
‫بطريق اخل��ط��أ م��ع ص��وجل��ان ه��رم��س وه��ذا‬
‫الشعار أي االفعى والعصا اللذان يستخدمان‬
‫كشعار تراه على الصيدليات واملراكز الطبية يف‬
‫أغلب بلدان العامل ‪.‬‬
‫ولفهم طبيعة األفاعي ال بد من االقرتاب منها‬
‫تشرحيياً‪ ،‬فاألعضاء احلسية لألفعى ختتلف‬
‫عن غريها من احليوانات والثدييات اليت تعتمد‬
‫على حاسيت البصر والسمع بينما تعتمد األفعى‬
‫على حاسيت الشم واللمس‪ .‬واملعروف أنه ليس‬
‫لألفاعي أجفان أو آذان خارجية أو وسطى أو‬
‫حتى غشاء الطبل ولكنها تستخدم ما تشبه‬
‫بعظمة األذن لكشف ترددات األمواج الصوتية‬
‫على األرض حتتها وقد تستقبل بعض الرتددات‬
‫اهل��وائ��ي��ة ول��ك��ه��ا ق��ص�يرة امل���دى ن��س��ب��ي�اً‪ .‬وق��د‬
‫استعاضت األفاعي عن األن��ف بلساهنا الذي‬
‫تستخدمه كأداة للشم ‪ ،‬فاللسان املُشعّب جيمع‬
‫جزيئات اهلواء الدقيقة لتكون حبالة متاس مع‬
‫عضو صغري يف اجلوف الفمي ويُدعى (امليكعي‬
‫األنفي) وعندها تُميز األفعى الرائحة فيما إذا‬
‫كانت لفريسة أو ملفرتس أو شيء آخر‪.‬‬

‫وتتميز األفاعي مبا يسمى باحلاسة السادسة‬
‫واملعروفة بالتجاويف وال�تي تكون بني عيوهنا‬
‫وفتحات أنفها ووظيفتها اإلحساس بالتغريات‬
‫احلرارية الدقيقة مثل األشعة حتت احلمراء‬
‫وذلك ملساعدهتا يف حتديد الفرائس من خالل‬
‫دفء ح��رارة جسدها كالقوارض مثالً ‪.‬ولكن‬
‫القوارض ذاهتا كالسناجب طورت آلية أخرى‬
‫للتحايل على كشف األفاعي هلا ‪ ،‬فقد كشفت‬
‫إحدى الدراسات اليت قامت هبا جامعة (يوسي‬
‫دافيس ) ال�تي وج��دت أن السناجب األرضية‬
‫والصخرية يف كالفورنيا تقوم مبضغ جلود‬
‫األفاعي اجمللجلة وتدهن هبا فرائها لتحمي‬
‫نفسها من املفرتسني وتقوم اإلناث هبذا السلوك‬
‫أكثر من ال��ذك��ور ألهن��ا األكثر عُرضة للهجوم‬
‫فتُساعدها ه��ذه الرائحة ال�تي اكتسبتها من‬
‫رائحة األفعى من جتنب هجوم أفاعي أخرى هلا‬
‫يف جحورها ليالً ‪.‬‬
‫أما جسم األفعى فهو مغطى باحلراشف حلمايتها‬
‫من التجفاف واإلنكشاط أثناء حركتها‪ ،‬وتقوم‬
‫عضالهتا بتسهيل حركة جسمها ودفع الفريسة‬
‫للداخل‪ .‬ولألفعى غري السامة أسنان قابضة‬
‫وه��ي عبارة عن صفني من األسنان الصغرية‬
‫واملعقوفة يف كال الفكني العلوي والسفلي بينما‬
‫األفاعي السامة لديها أنياب ُ‬
‫خمددّة أو مُجوّفة‪.‬‬
‫أما نظام جهازها اهلضمي فيتألف من املريء‬
‫وامل��ع��دة األم��ع��اء الدقيقة وال��ك��ول��ون و الغدد‬
‫فعند الثدييات يتميز املريء بأنه قوي ليدفع‬
‫بالطعام للمعدة بينما عند األفعى فإن عضلة‬
‫املريء لديها ليست قوية لذلك يتم دفع الطعام‬
‫بواسطة جسمها كله وال يوجد رابط واضح بني‬
‫املريء واملعدة اليت بدورها ليست متطورة كثريا‬
‫واألمعاء بسيطة نسبياً ‪.‬وتبقى امل��رارة والكبد‬
‫والبنكرياس مرتبطة كلها باجلهاز اهلضمي ‪.‬‬
‫وم��ن احل���االت العلمية امل��ع��روف��ة ال�تي حتدث‬
‫ل�لأف��اع��ي أس���وة ب��احل��ي��وان��ات األخ���رى‬
‫واملسماة (‪ )polycephaly‬أي تعدد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪171‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الرؤوس جتد أن العديد من احليوانات واألفاعي‬
‫ضمنها هلا رؤوس متعددة و أشهرها أن تكون‬
‫برأسني أو ثالثة مشاهبة لذلك للتوائم السيامية‬
‫البشرية حيث يتوقف فيها اجلنني عن االنقسام‬
‫ويصبح احليوان برأسني متالصقني ‪.‬أما عن‬
‫حياة هذا النوع من االفاعي فهي صعبة ومربكة‬
‫هلا بشكل كبري‪ ،‬حيث ال يعرف رأس االفعى‬
‫األول بوجود الرأس الثاني فعند وجود فريسة‬
‫أمامهما قد يتقاتل الرأسان علها واملضحك يف‬
‫األمر أنه عندما يأكل أحد الرأسني ال يعرف‬
‫اآلخر سبب إحساسه بالشبع ‪.‬ومن الصعوبات‬
‫اليت يالقيها مثل هذه االفاعي هي االجتاه الذي‬
‫يتعني عليها أن تسلكه فدماغ كل رأس قد يعطي‬
‫األفعى أمراً خمتلفاً عن األخرى ولكن غالباً ما‬
‫يكون االجتاه املسيطر من جهة اليمني وخاصة‬
‫عند اختاذ القرارات‪.‬‬
‫وميكن أن جتد األفاعي يف كل مكان يف العامل‬
‫ولقد مت التعرف على (‪ )2900‬ن��وع معروف‬
‫هلا بأحجام متعددة وأط��وال خمتلفة وصفات‬
‫متعددة وطرائد بطبيعة احلال متنوعة أيضاً‪.‬‬
‫وتتميز األفاعي واليت تسمى أحياناً بذوات الدم‬
‫البارد بأهنا من أكثر املخلوقات جذباً لإلهتمام‬
‫بني أخرى عاشت على األرض ‪.‬‬
‫ميكن متييز نوعني من األفاعي‪ :‬أفاعي سامة‬
‫وأخرى غري سامة‪.‬‬
‫األفاعي السامة واليت تضم أنواعاً مثل ‪:‬‬
‫العرابيد (‪ )Elapidae‬وهي من أكثر الفئات‬
‫مسّ���اً وأذى ل�لإن��س��ان وم��وط��ن��ه��ا يف املناطق‬
‫اإلستوائية وجنوهبا واملعروف عن هذه األنواع‬
‫بأهنا حتمل نوعاً من األنياب املُجوفة واملصمم‬
‫خصيصاً حلقن السُّم الذي يُؤثر مباشرة على‬
‫اجل��ه��از العصيب للفريسة ‪.‬وت�ت�رأس القائمة‬
‫األفعى السامة (املامبا)‬
‫واألف��اع��ي األخ���رى يف نفس القائمة الكوبرا‬
‫وذات الرأس النحاسي االسرتالية وامللك الكوبرا‬

‫‪172‬‬

‫ األفعويات ‪ Viperdae‬وهذا النوع جتده يف‬‫اسرتاليا نيوزيالندة وإيرلندة ومدغشقر وغريها‬
‫من املناطق‬
‫وتضم االنواع يف هذه اجملموعة األفعى اجمللجلة‬
‫واألفعى الغابونية والثعبان وأفعى وحيدة القرن‬
‫وغريها‪.‬‬
‫‪ -2‬األفاعي الغري سامة ‪:‬‬
‫ال��ث��ع��اب�ين (‪ : )Colubrida‬األف��اع��ي ال�تي‬
‫تنتمي هل��ذه الفئة إم��ا أن تكون غري سامة أو‬
‫قليلة السمية ومن هذه اجملموعة حية الشجر‬
‫ّ‬
‫مسطحة الظهر واألفعى ذات األنف‬
‫واألفعى‬
‫املتقوّس‪.‬‬
‫ األفاعي املائية (‪ : )Hydrophiidae‬وهي‬‫أفاعي البحار وهي من النوع السام جداً حتى‬
‫أكثر من األفاعي األرضية لكن نادراً ما قابلها‬
‫اإلنسان ‪ .‬ومن األفاعي غري السامة فئة تدعى‬
‫األفاعي املُخططة وهي متعددة بألوان خطوطها‬
‫ال�تي قد تكون مح��راء أو صفراء أو برتقالية‬
‫وجتد هذا النوع قريباً من املياه ألهنا تتغ ّذى‬
‫بشكل أساسي على األمساك والضفادع ‪.‬‬
‫األصليات (‪: )Boidae‬حيث يُعيرب هذا النوع‬
‫من األفاعي غري ساماً لكنها تتميز بعضالت‬
‫قابضة قوية ج��دآ تعتمد عليها لتقوم خبنق‬
‫فريستها كما باستطاعتها أن تبتلع أحجام كبرية‬
‫حليوانات كالظيب مثالً‪ ،‬ومن أنواعها املعروفة‬
‫األن��اك��ون��دا وأص��ل��ة ب��ورم��ا وأص��ل��ة الصخور‬
‫األفريقية وغريها‪.‬‬
‫ول��ك��ن ال��س��ؤال ال���ذي ي��ط��رح نفسه وه���و هل‬
‫للخطوط اليت نراها على بعض األفاعي تأثريآ‬
‫على األفعى األرضية منها على األفعى البحرية؟‬
‫هذا السؤال يف احلقيقة جعل بعض األساتذة‬
‫يف جامعة سيدني جيرون دراسة ملعرفة ماهية‬
‫اإلجابة عليه ‪.‬‬
‫فقد قام الربوفسور (ريك شاين) والدكتور (أديل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫بايل ) بدراسة كشفا فيها أن ت ُّلون األفاعي‬
‫البحرية يُؤثر على حساسيتها للطحالب مما‬
‫يُخفف ذل��ك م��ن سرعتها يف السباحة حتى‬
‫نسبة (‪ .)%20‬وقد سلّطت هذه الدراسة الضوء‬
‫على أن كيفية إنتقال األفعى من احلياة الربية‬
‫إىل احلياة املائية قد فسّر كثرياً من تطور هذه‬
‫األخرية ‪.‬فقد اعترب الدكتور شاين أن األفاعي‬
‫املائية قد تطورت من أفاع برية سامة كأفعى‬
‫النمر الشديدة السمية واليت غزت احمليطات‬
‫الحقاً أي قبل ح��وايل (‪ )5‬ماليني سنة خلت‬
‫تطورت إىل أفا ٍع حبرية حيث أصبحت منوذجاً‬
‫مثالياً للدراسة ألنه من املمكن مقارنة اخلطوط‬
‫على أجسامها يف كال النوعني البحرية منها‬
‫والربية وعندها أصبح باإلمكان حتديد قوى‬
‫مُعيّنة جعلتها تتماشى م��ع م��واط��ن عيشها‬
‫املختلفة األمر الذي وضعها أمام حتديات كبرية‬
‫نظراً إلنتقاهلا من احلياة الربية إىل البحرية فما‬
‫حصل لبعض األفاعي‪ ..‬هو تكوّن اخلطوط على‬

‫أجسامها لتُساعدها على حتمّل حياة البحار ‪،‬‬
‫وقد جند عند بعض حدوث تغيّر لذيوهلا اليت‬
‫بدت تأخذ شكالً كاجملذاف لتساعدها على‬
‫السباحة‪ ،‬كما أصبح لديها ما يُسمّى باألصّمة‬
‫لتُغلق فتحات أنفها باإلضافة إىل وجود رئتني‬
‫ضخمتني لتزويدها باألكسجني حتت املاء‪ ،‬ومن‬
‫الصفات املُميزة ألفاعي البحار وه��ي تلوُّهنا‬
‫فتارة جتدها مقلّمة أكثر وتارة جتدها مب ّقعة‬
‫ّ‬
‫خمططة ‪.‬‬
‫أو‬
‫تكاثر األفاعي ‪:‬‬
‫ً‬
‫وخيتلف ت���زاوج ه��ذه األف��اع��ي طبقا للحالة‬
‫املناخية ففي املناطق الباردة يكون التزاوج يف‬
‫فصل الربيع حيث ترسل األنثى الفورمونات‬
‫وق��د ترتكها وراءه��ا جل��ذب الذكر إليها وعند‬
‫التقاطه هلا يلحق باألنثى للتزاوج ويف حاالت‬
‫ن��ادرة قد يدخل حتى يف ع��راك ق��وي معها ‪،‬‬
‫وبعد التزاوج تبقى األنثى فوق بيوضها عند‬
‫الصخور أو يف احلفر وذل��ك لرعايتها‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪173‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وحراستها حتى تفقس وأحيانا تقوم األفعى‬
‫بتدفئتها للتسريع بتفقيسها بينما تقوم أفاعي‬
‫أخرى بوالدة األفاعي كما ميكن لبعض األفاعي‬
‫أن تضع بيوضاً بدون حصول تزاوج كأفعى البوا‬
‫ففي دراس��ة قلبت امل��وازي��ن املعروفة على مر‬
‫ال��ع��ق��ود ح��ول تكاثر ال��زواح��ف ‪ ،‬حيث وجد‬
‫الباحثون يف جامعة (كارولينا ستايت) أن أنثى‬
‫البوا العاصرة تستطيع إنتاج املزيد من الصغار‬
‫بدون حصول عملية التزاوج واحلقيقة األكثر‬
‫غرابة اليت ظهرت وهي أن الصغار الناجتني هم‬
‫عن عملية تسمى التكاثر الذاتي وهذا النوع من‬
‫احليوانات يُسمى باحليوانات (عدمية اجلنس )‬
‫‪ ،‬وقد أظهرت الدراسة اليت أجريت على الصغار‬
‫حيث ظهر أن ال تأثري ذكري فيها على اإلطالق‬
‫وال حتى بصمات جينية تدل على وجود الذكر‬
‫يف عملية التكاثر ‪.‬‬
‫وتعترب هذه أول عملية توالد عذري تتسم هبا‬
‫أفاعي البوا العاصرة على حد ق��ول الدكتور‬
‫(وورب��ي�ن ب���ووث) وق���ال أي��ض��ا أن نتائج هذه‬
‫ال��دراس��ة قد جترب العلماء على إع��ادة فحص‬
‫عملية التكاثر يف الزواحف وخاصة بني األفاعي‬
‫األكثر بدائية كأفعى البوا العاصرة‪.‬‬
‫أما التفسري العلمي هلذه احلالة فإن الدكتور‬
‫بووث يستبعد ان يكون السبب وراءها التغيريات‬
‫املناخية فقد ظهر بعض األثر حليوانات عدمية‬
‫اجلنس أو لبعض أنواع األمساك ولكن مل تظهر‬
‫أي تبدالت يف بيئة أفعى البوا العاصرة أو يف‬
‫سري حياهتا املعروف جيدا والذي يستدعي مثل‬
‫هذا التغيري يف التكاثر وعلى األغلب ان هذه‬
‫األف��ع��ى تعترب طفرة جينية ولكنها ق��د تكون‬
‫طبيعية خالفا ملا كان يعتقد سابقا‪.‬‬
‫األفاعي واملستحثات ‪:‬‬
‫األفاعي من احليوانات اليت ال أرجل هلا رغم أن‬
‫بعض املستحثات قد أثبتت العكس حيث كشفت‬
‫إحدى تقنيات أشعة إكس املتطورة عن وجود‬

‫‪174‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫رجل ملستحثة وُجدت يف صخرة عمرها (‪)95‬‬
‫مليون سنة يف لبنان وكانت اهليكلية الداخلية‬
‫لعظام الرجل تشبه كثرياً رجل السحلية الربية‬
‫وكانت هذه األفعى املستحثة من ضمن مرحلة‬
‫تطورية وس��ط��ى مل تفقد فيها أرجلها بعد‬
‫واليت فقدهتا الحقآ بسرعة رمبا نظراً لنموها‬
‫البطيء مما حسم اجلدال الذي كان يدور حول‬
‫أص��ل األفعى هل هو من السحلية الربية أو‬
‫البحرية‪ .‬و يف السياق ذاته سنتكلم عن عالقة‬
‫متميزة بني األفاعي وبني والديناصورات من‬
‫جهة و بني األفاعي والسناجب من جهة أخرى ‪:‬‬
‫فعلى صعيد األفاعي والديناصورات وُجدت‬
‫بقايا ألفعى (‪ ) sanjeh indicus‬حمفوظة‬
‫بطريقة شبه كاملة وهي يف عش للديناصورات‬
‫قد فقس حديثاً من نوع (‪ )Sauropod‬حيث‬
‫تُعترب البالغة منها من أكرب الديناصورات اليت‬
‫مشت على األرض وتبدو هذه اللحظة التارخيية‬
‫املُجمّدة مهمة حيث ميكن رؤية األفعى منجذبة‬
‫للديناصورات الصغرية مما يُشري إىل حقيقة‬
‫ّ‬
‫تتغذى على‬
‫مفادها أن األفعى يف ذلك الوقت‬
‫الديناصورات الصغرية ‪ .‬وهذه الوضعية اليت‬
‫وُجدت فيها األفعى من ترتيب للعظام والبنى‬
‫الرقيقة والضعيفة لقشور البيض ووج��ود‬
‫مججمة األفعى ذاهتا يوحي حبدوث دفن ٍ سري ٍع‬
‫هلا وعميق فقد تكون عاصفة رملية تسببت‬
‫هبذا الشكل من الدفن السريع هلا واإلبقاء على‬
‫هذا الشكل الذي وُجدت عليه ‪.‬‬

‫ويتميز هذا النوع من األفاعي أنه قادراً على‬
‫تناول طرائد أكرب من حجمها بسبب مججمتها‬
‫القابلة للتحرك إضافة لفمها الكبري والعريض‪،‬‬
‫ويبلغ طوهلا (‪ )5 ،3‬أم��ت��ار وتستطيع تناول‬
‫ديناصور طوله (‪ )5 ،1‬مرت وتُعترب ميزة األفاعي‬
‫التطورية ه��ذه من اإلسرتاتيجيات التطورية‬
‫لألفاعي البدائية من خالل قدرهتا على تناول‬
‫طرائد كبرية من خ�لال زي��ادة حجمها أكثر‪،‬‬
‫وتبقى الديناصورات الفتية عُرضة للخطر‬
‫حتى تبلغ السنة األوىل م��ن عمرها فتصل‬
‫عندها إىل الضخامة املطلوبة اليت حتميها من‬
‫املفرتسني ‪.‬‬
‫وتبقى األفاعي من ضمن قائمة احليوانات‬
‫املهددة باإلنقراض ‪ ،‬يف الصني تتزايد شهية‬
‫الصينيني يف تناوهلا يف البيوت واملطاعم‪ ،‬حتى‬
‫أن دم األفعى أو مرارهتا قد ُ‬
‫يضاف إىل بعض‬
‫ّ‬
‫املفضلة يف جنوب الصني ناهيك‬
‫أنواع النبيذ‬
‫عن السم املفضل لديهم والذي يتم احلصول‬
‫عليه ألسباب عالجية متنوعة‪.‬‬
‫وه��ك��ذا ف��إن ه��ذا احل��ي��وان أس��ط��وري�اً ك��ان أم‬
‫أحُفورياً ‪ ،‬برياً أو حبرياً يبقى من احليوانات‬
‫اآلس���رة ال�تي راف��ق��ت اإلن��س��ان لعقود طويلة‬
‫م��ؤرخ��ة بطريقتها حياته على ه��ذه األرض‬
‫ومؤرخاً عواطفه املتقلبة حنوها واليت امتزجت‬
‫بالتقديس أحياناً واخلوف أحياناً أخرى‪ ،‬لكنها‬
‫تكاد أن تكون املخلوق الوحيد على األرض الذي‬
‫مجع بني الداء والدواء‪.‬‬

‫‪www.mythencyclopedia.‬‬
‫‪www.snake anatomy and physiology.‬‬
‫‪www.buzzle .‬‬
‫‪www.scienceray.‬‬
‫‪www.sciencedaily.‬‬
‫‪Wikipedia.org‬‬
‫)‪Image (google images‬‬
‫‪www.aztic-history.net‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

‫‪175‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫األعمار ‪ ..‬والتطوّر العلمي ‪-1-‬‬
‫رئيس التحرير‬

‫أن ميتد العمر باالنسان ليعيش فوق املائة تلك حالة شاذة ‪ ،‬إال أهنا يف الوقت احلاضر آخذة باالنتشار‬
‫سيما وأن اإلنسان يف تقدم مطرد ‪ ،‬واستطاع أن يتخلص من معظم األمراض واآلفات اليت كانت هتدد‬
‫حياته وتقصر عمره ‪ .‬وهذا ما جعل منو البشر يطرد على مدى قرون متتالية وتضاعف يف هذا القرن‬
‫أضعاف أضعاف ما كان عليه قبل قرون خلت ‪ .‬وأصبح املعمرون يعيشون حياة طويلة ‪ .‬ويتمتعون بأبدان‬
‫قوية ونشاط مستمر ‪..‬‬
‫لعل أطول األشجار عمراً شجرة ( الساجورا املاكروزاميا ) االسرتالية اليت يصل عمرها إىل ( ‪ ) 15‬ألف‬
‫سنة وميتد عمر أمساك الكراكي والكارب حتى ‪ 300‬سنة وميكن للدجاجة املنزلية أن تعيش حتى ‪30‬‬
‫سنة ‪ .‬كما أن الغراب النوحي والنسر قد يعيشان ‪ 70‬سنة ‪ ،‬ويعيش الصقر فوق املائة سنة والببغاء‬
‫أطول الطيور عمراً قد يعيش حتى ‪ 140‬سنة وميكن للفئران أن تعيش ‪ 6‬سنوات ‪ ،‬واألرانب ( ‪ ) 7‬سنوات‬
‫واألغنام ‪ 20‬سنة واحلمري حتى ‪ 106‬سنني ‪ ،‬وقد تعمر احليتان فيصل عمرها إىل ‪ 400‬سنة ‪ ،‬وتعيش‬
‫الفيلة حتى ‪ 90‬سنة ‪ ،‬وميكن أن ميتد عمرها حتى ‪ 120‬سنة ‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1904‬توفيت امرأة يف القوقاز عن عمر يناهز ( ‪ ) 180‬سنة ومنذ مدة تويف رجل يف الباكستان‬
‫عمره ( ‪ ) 180‬سنة أيضاً ‪ ،‬وقد عاش والده ( ‪ ) 200‬سنة وأطول املعمرين حياة هو االنكليزي ( توماس‬
‫كار ) الذي عاش ‪ 207‬سنني ‪ ..‬ويبلغ تعداد املعمرين يف العامل (‪ )27000‬معمر ‪ ،‬معظمهم يعيش يف‬
‫االحتاد السوفيييت ‪ .‬ونسبة املعمرين يف كل مليون من البشر تبلغ معمراً واحداً يف اليابان و ‪ 7‬يف‬
‫فرنسا و‪ 8‬يف بريطانيا و‪ 15‬يف الواليات املتحدة األمريكية و ‪ 104‬يف روسيا ‪ .‬ويعيش ‪ 1929‬معمراً بني‬
‫‪ 110‬و‪ 130‬سنة و‪ 597‬معمراً فوق الـ ‪ 120‬سنة ومن بني املشاهري الذين عاشوا بني ( ‪ 80‬ـ ‪ ) 90‬سنة‬
‫فولتري ‪ ،‬وأديسون ‪ ،‬ونيوتن ‪ ،‬والمارك‪ ،‬ومن الذين عاشوا بني ( ‪ 90‬ـ ‪ ) 100‬سنة الفيلسوف اليوناني (‬
‫دميوقريط ) واهلولندي‪ ( ،‬فان ليفتهوك ) خمرتع اجملاهر ‪ ،‬والروائي االنكليزي ( سومرست موم ) و (‬
‫فينو جرادسكي ) الروسي الذي اكتشف ظاهرة التمثيل الكيميائي ‪ .‬والكاتب اإليرلندي الساخر ( برنارد‬
‫شو ) ‪.‬‬
‫وزاد عمر ( رجا املطلق احلوبان ) أحد شيوخ القبائل يف األردن عن ( ‪ ) 150‬سنة ‪.‬‬
‫يتوقف عمر اإلنسان من حيث طوله وقصره على عوامل عديدة ‪ ،‬فسكان املناطق الزراعية يعيشون أكثر‬
‫من سكان املدن ( لو أمنت هلم الرعاية الصحية الالزمة ) ‪ .‬كما أن للعوامل االجتماعية أمهية كبرية وألد‬
‫أعداء طول العمر ‪ ( :‬البطالة ـ التسول ـ االفتقار إىل العناية الصحية ) ‪ .‬ويف الدول املتأخرة متوسط‬
‫عمر اإلنسان ‪ 32‬عاماً وأكثر الوفيات بني األطفال ‪ .‬أما يف الدول املتقدمة ( كروسيا مثالً ) فمتوسط‬
‫العمر يزيد عن ‪ 70‬عاماً ‪ ،‬بسبب تأمني العناية الالزمة ملواجهة ظروف احلياة الصعبة ‪ .‬وحسب ما‬
‫يقوله العلماء فإن متوسط عمر اإلنسان جيب أن يكون ( ‪ ) 100‬عام واملوت قبل هذا العمر يعترب موتاً‬
‫قبل األوان ‪ .‬ويعتقد علماء آخرون أن على اإلنسان أن يعيش ( ‪ ) 150‬عاماً ‪ ،‬لو اتبع شروطاً خاصة تقلل‬
‫من أخطار املوت ‪..‬‬
‫كان متوسط عمر إنسان العصر احلجري ‪ 18‬عاماً ‪ ،‬بسبب األخطار اليت كان يتعرض هلا من قوى‬
‫طبيعية وظروف حياتية صعبة ‪ .‬ويف عصر اإلقطاع بأوروبا وصل متوسط عمر اإلنسان إىل ‪ 21‬عاماً‬
‫فقط حيث كان اجلهل والفقر واملرض ينتشر بني الناس ‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد اخلامس والثالثون ‪ /‬حزيران ‪2011 /‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful