‫• رئيس جملس اإلدارة •‬

‫وزير الثقافة‬

‫د ‪ .‬رياض عصمت‬

‫• مدير عام هيئة الكتاب •‬

‫حممود عبد الواحد‬
‫• رئيس التحرير •‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫د‪ .‬خملص الريس ‪ -‬د‪ .‬عمر الطيان‬
‫م‪ .‬لينا كيالني ‪ -‬علي القاسم‬
‫• أمني التحرير •‬

‫رائد حسني حامد‬
‫• مكتب تونس ‪ :‬د‪ .‬كوثر عياد‬
‫• مكتب القاهرة ‪ :‬صالح معاطي‬
‫• مكتب لندن ‪ :‬توفيق السهلي‬
‫• التدقيق اللغوي •‬

‫حممد اخلاطر‬

‫• اإلخراج الفين •‬

‫وسيم قدورة‬
‫راميا اليونس‬

‫سعر النسخة ‪ 50‬ل‪.‬س يف سورية أو مايعادهلا يف البلدان العربية‬
‫االشرتاكات عشرة آالف لرية سورية لإلدارات واملؤسسات داخل سورية‬
‫وأربعمائة دوالر أو مايعادهلا خارج سورية‬
‫توجه كافة املراسالت واملواد باسم رئيس التحرير‬

‫‪www.moc.gov.sy‬‬
‫‪E-mail:‬‬
‫‪talebomran@yahoo.com‬‬
‫‪2011‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪/‬‬

‫جملة علمية ثقافية شهرية تصدر عن‬
‫وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية السورية‬

‫• هيئة التحرير •‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اهليئة اإلستشارية‬
‫د ‪ .‬ح��س��ام اخلطيب ( فلسطني)‬
‫أ ‪ .‬رؤوف وص����ف����ي (م���ص���ر)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ع����ي����اد (ت����ون����س)‬
‫د ‪ .‬ق����اس����م ق����اس����م (ل���ب���ن���ان)‬
‫أ ‪ .‬ط��ي��ب��ة اإلب��راه��ي��م (ال��ك��وي��ت)‬
‫د ‪ .‬حم���م���ود ك������روم (س����وري����ة)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ث����اب����ت (ت����ون����س)‬

‫من إبداعات العقل البشري (د‪ .‬خملص الريس)‬

‫‪6‬‬

‫املريخ واملرخييون يف أدب اخليال العلمي (سائر بصمه جي)‬

‫‪18‬‬

‫هناية العامل النووية يف رؤية أمريكية (حممد ياسر منصور)‬

‫‪28‬‬

‫الرواية وأسئلة الثقافة واجملتمع (أمساء نافع)‬

‫‪40‬‬

‫النفق (د‪ .‬طالب عمران)‬
‫حباً بيامسني (ترمجة توفيق السهلي)‬
‫عزف منفرد على أوتار الزمن (نظمية أكراد)‬

‫‪44‬‬
‫‪60‬‬
‫‪70‬‬

‫ترجو جملة اخليال العلمي من كافة الكتاب واملبدعني ارسال ابداعاهتم منضدة على‬
‫احلاسوب والتأكد من تدقيقها وذلك لتسهيل عملية النشر السريع‬

‫رحلة إىل خفايا الشيخوخة (سوسن قاسم عزام)‬
‫فريوس الوسواس (عبد الباقي يوسف)‬

‫‪82‬‬
‫‪98‬‬

‫حبثاً عن جنوم الكون األوىل (ترمجة حازم فرج)‬
‫رحلة السري على القمر (وسيم قدورة)‬

‫‪104‬‬
‫‪114‬‬

‫املوت واملغامرة الروحية (عرض نضال غامن)‬

‫‪130‬‬

‫الطائرة ‪ ..‬احللم األزيل لإلنسان (بريهان فارس عيسى)‬

‫‪144‬‬

‫كيف تتنوع أشكال الكائن احلي (ترمجة غصون عمار)‬

‫‪158‬‬

‫الزيتون غذاء ودواء (هناء ثابت املداد)‬

‫‪166‬‬

‫ابن حزم األندلسي (حممد اخلاطر)‬

‫‪170‬‬

‫وزير الثقافة‬
‫د ‪ .‬رياض عصمت‬
‫يعرف بعض هواة املطالعة حكايات كثرية‪ ،‬بال شك‪ ،‬عن الدسائس‪ .‬يذكر متابعو األدب الغربي قصة حصان طروادة‬
‫يف (اإللياذة)‪ ،‬وقصة خداع يوليسيس للعمالق األعور يف (األوديسة)‪ ،‬وامللحمتان من تأليف هومريوس‪ .‬أما حمبو‬
‫روايات الفروسية أللكسندر دوماس ورافائيل ساباتيين وميشال زيفاكو‪ ،‬فإهنم يذكرون على وجه اخلصوص مؤامرات‬
‫كاترين دو مدسيس‪ ،‬ودسائس الكاردينال ريشيليو‪ .‬وهناك دسائس موازية أيضاً عند والرت سكوت‪ ،‬خاصة يف روايته‬
‫األشهر (ايفاهنو)‪ .‬أما من يهوى رواي��ات الفروسية العربية‪ ،‬فليس أبرع من جرجي زيدان يف هذا املضمار‪ ،‬الذي‬
‫أدخل اخليال على التاريخ‪ ،‬وخلق منهما مزجياً ممتعاً ومشوقاً‪ .‬بالطبع‪ ،‬ال ختتلف روايات معاصرنا أمني معلوف‬
‫يف اعتمادها عنصر اخليال‪ ،‬ولكن اإلثارة التجارية املمتعة أكرب عند زيدان منها عند معلوف‪ ،‬لوال أن األول مل يتح‬
‫له جمد الرتمجة للغات أجنبية‪ ،‬بينما يكتب الثاني بالفرنسية أصالً‪ ،‬ثم ترتجم أعماله إىل العربية‪ ،‬حبيث سلطت‬
‫عليه األضواء كأديب عاملي‪ .‬لكن العرب عرفوا قصص حرب اإلشاعات وسالح الدسيسة منذ زمن أبعد بكثري‪ ،‬رمبا‬
‫تعود بشائره إىل (ألف ليلة وليلة)‪ ،‬بل إىل قصة (مششون ودليلة)‪ ،‬حبيث ذهب مثالً أن (احلرب خدعة)‪ .‬وجند يف‬
‫الفن السردي الشفوي العربي حكايات عديدة عن صراع (علي الزيبق ودليلة احملتالة)‪ ،‬اليت سبق أن أنتج التلفزيون‬
‫أيام زمان مسلسالً عنها‪ ،‬يصلح لإلحياء من جديد‪ .‬ويذكر بعض املتابعني خدعة (قصري)‪ ،‬الذي جدع أنفه ليخدع‬
‫(الزباء)‪ ،‬ويساعد على ثأر (عمرو بن عدي) منها لقتلها (جذمية) ‪ -‬ملك (احلرية) ‪ -‬غيلة وغدراً‪ ،‬إذ يكسب (قصري)‬
‫ثقتها‪ ،‬يصبح مستشارها الناصح‪ ،‬وجيلب هلا بقوافله الربح الوفري‪ ،‬إىل أن ييسر دخول عمرو وجنده املسلحني فوق‬
‫مجال قافلته التجارية املزعومة‪ ،‬ويدله على النفق الذي تنوي أن هترب منه لتلتجئ إىل حصنها املنيع‪ ،‬وعندما يفاجئها‬
‫تشرب السم قائلة‪( :‬بيدي‪ ،‬ال بيد عمرو) لكنه يكمل عليها بسيفه‪ .‬والزباء شخصية تارخيية خمتلفة عن زنوبيا ملكة‬
‫تدمر‪ ،‬جتنباً لاللتباس الذي سبق أن وقع فيه املؤلف املسرحي املصري الراحل حممود دياب يف مسلسله السوري‬
‫القديم (انتقام الزباء)‪.‬‬
‫استفادت احلروب املعاصرة كثرياً من خيال أدباء املغامرات‪ ،‬و (الكاموفالج)‪ ،‬أو التمويه واخلداع‪ ،‬حبيث أصبح جزءاً‬
‫ال يتجزأ من فنون احلرب‪ ،‬منذ معارك السيف والرتس فوق اخليول‪ ،‬حتى معارك السفن احلربية يف حروب البحار‪،‬‬
‫وصوالً إىل معارك الدبابات واملدرعات يف احلروب احلديثة‪ .‬ومن منا ال يذكر قصة هزمية بونابرت يف روسيا‪ ،‬واليت‬
‫وصفها ليو تولستوي بإتقان يف روايته (حرب وسالم)؟ أما يف احلربني العامليتني األوىل والثانية‪ ،‬فثمة حكايات واقعية‬
‫عديدة عن املناورات الناجحة يف هذا املضمار‪ ،‬بدءاً من ترويض هتلر يف فيايف روسيا‪ ،‬وانتهاءً بإنزال (نورماندي)‬
‫الشهري‪ .‬وسالح الشائعة والدسيسة سالح معروف يف اجلاسوسية وعمل املخابرات‪ ،‬حبيث ال ختلو بطولة رواية أو‬
‫فيلم من هذا الطراز من حبكاته‪ ،‬من جيمس بوند إىل رأفت اهلجان‪ .‬وأعتقد أنه سالح ناجع حتى قبيل بدء البطوالت‬
‫الرياضة‪ ،‬من خالل التصرحيات اليت تسبق مباريات املالكمة أو كرة القدم على سبيل املثال‪ ،‬واليت تضلل اخلصم‪،‬‬
‫وختفي عنه خطة املدرب وعناصر القوة يف الالعب أو الفريق‪ .‬والدسيسة أيضاً سالح مستخدم بوفرة يف إنتاج‬
‫الفنون الدرامية‪ ،‬سواء كان للمسرح أم للسينما أم للتلفزيون‪ ،‬ورمبا كانت مؤامرات (ساليريي) ضد عبقرية (موزارت)‬
‫منوذجاً ممتازاً نذكره عرب مسرحية الربيطاني بيرت شيفر (أماديوس) اليت أخرجها السري بيرت هول‪ ،‬وفيلم املخرج‬
‫ميلوش فورمان الرائع عنها‪ ،‬الذي حصد عدة جوائز أوسكار‪ ،‬منها واحدة ملمثل دور (ساليريي) األمريكي سوري‬
‫األصل‪ ،‬موري إبراهام‪ .‬وغين عن القول‪ ،‬أخرياً‪ ،‬إن سالح اإلشاعات واخلديعة سالح هام يف حقل السياسة‪ ،‬ميكن‬
‫أن يسهم يف بقاء حاكم على عرش السلطة أو سقوطه املدوي املريع‪ ،‬وأن يسري بالعالقات الدولية إىل جناح ساحق أو‬

‫فشل ذريع‪ ،‬كما ميكنه أن يكون فعاالً يف القضاء على اخلصوم واملنافسني‪ ،‬وتشويه صورهتم وحتطيم مسعتهم‬
‫أمام عموم اجلماهري‪ .‬ومرة أخرى‪ ،‬يصدق املثل القائل‪( :‬احلرب خدعة)‪.‬‬
‫أما سبب انطالء اخلدعة فهو أبسط وأسهل من املتوقع – لألسف الشديد – إذ إن اإلنسان بطبعه (حيب الفاينة)‬
‫ كما يقول التعبري العامي السوري ‪ -‬مبعنى أنه مييل لتصديق املسيء حاالً‪ ،‬ومن دون حماكمة منطقية‪ .‬وكلما‬‫كربت اإلشاعة وتضخم كذهبا‪ ،‬كأن تتعلق بدعارة أو باغتيال أو باختالس أو خبيانة‪ ،‬زادت سهولة تلقفها‪ .‬لذلك‪،‬‬
‫يؤكد رصدنا للواقع أن ما يقوم به شخص يف منصب قيادي من إطالق إشاعة معينة للقضاء على منافس مشاكس‬
‫له يكون أكثر جناحاً يف املرحلة األوىل لسلطته‪ .‬ملاذا؟ ألنه إذا ما تأخر األمر‪ ،‬فإن حظوظ اإلقناع لديه تكون قد‬
‫تناقصت‪ ،‬وتكون شخصية كل من الطرفني قد انكشفت وعرفت حبيث ال تنفع دسيسة أو تقبل إشاعة‪ .‬وبعيداً‬
‫عن تنظري كتاب (األمري)‪ ،‬فإن نابليون بونابرت كان على حق كقائد عسكري بارع عندما قال قولته املشهورة‪:‬‬
‫(اهلجوم خري وسيلة للدفاع‪ )،‬إذ إن التغيري لإلطاحة خبصم مناوئ ال تصح إال يف املرحلة األوىل الستالم زمام‬
‫السلطة‪ ،‬أية سلطة‪.‬‬
‫تعرف الصحافة الصفراء – وخاصة الفنية منها – معرفة جيدة أمهية التمويه واخلداع‪ ،‬وكيفية توجيه ضربات‬
‫حتت احلزام ال يلحظها احلكم‪ ،‬مهما كانت رقابته صارمة‪ ،‬ووعيه حاداً‪ .‬يكفي أن يرمي امرؤ إشاعة‪ ،‬أية إشاعة‪،‬‬
‫حتى ولو كانت دون أساس على اإلطالق‪ ،‬ليتلقفها أغلبية الناس‪ ،‬ويرددوهنا دون حتقق من مصداقيتها‪ .‬وال‬
‫ختتلف املسألة يف اإلعالم السياسي غالباً‪ ،‬إذ ما أسهل أن ينسج خيال حمرر حكاية خمتلقة مبنية على (نظرية‬
‫املؤامرة)‪ ،‬أو يشوه سرية شخصية عامة‪ ،‬أو يتهم جهة معينة جبرمية ما‪ ،‬حتى يسري ذلك سريان النار يف اهلشيم‪،‬‬
‫وتتوقف العقول عن التفكري والتحليل‪ ،‬وقد مجدهتا الدهشة النامجة عن امليل الغريزي لتصديق (الفاينة)‪ ،‬أي‬
‫اإلشاعة السلبية الفضائحية املسيئة‪ ،‬فال يفكر خبلو الفعل من الدافع‪ ،‬أو كونه يؤذي املتهم بارتكابه أكثر بكثري‬
‫مما ميكن أن حيقق له فائدة تذكر‪.‬‬
‫قد ال يتوقع اإلنسان العادي الربيء وجود هذا الكم من الشر والكذب يف العامل عند أشخاص ينظر إليهم باحرتام‬
‫وتقدير‪ ،‬فيسلم هلم قياده‪ ،‬مصدقاً كل ما يتفوهون به من زيف‪ ،‬إىل أن يؤدي اكتشافه كذب دعواهم‪ ،‬عادةً‪ ،‬إىل‬
‫صدمة رهيبة تزعزع إميان اإلنسان باآلخرين‪ .‬واألمر يصبح أوسع تأثرياً‪ ،‬وأعمق ختريباً‪ ،‬عندما تستخدم وسائل‬
‫االتصال اجلماهريي لغايات ومآرب كهذه‪ ،‬ألهنا تعمم الشخصي ليصبح عاماً‪ ،‬وتضاعف أذاه مرات ال حتصى‪.‬‬
‫قد نستطيع أن أتفهم الكذب البيض‪ ،‬ونستطيع أن نتقبل الكذب من أجل محاية الذات‪ ،‬أو من حتقيق مصلحة أو‬
‫طموح أو مأرب ما‪ .‬ولكن بعض األشخاص مبتلون بداء الكذب‪ ،‬هكذا ليس لغرض معني‪ ،‬بل من أجل ال شيء‪ ،‬أي‬
‫أنه كذب للكذب‪ ،‬وإيذاء جملرد اإليذاء‪ .‬هنا‪ ،‬تصبح اإلشاعة والدسيسة سالحاً خطراً ومؤذياً بصورة غري إنسانية‪،‬‬
‫ويصبح استخدامه جرمية يف حق اآلخر‪ ،‬بل اجملتمع عامة‪ .‬أعرتف بأنين مل أكن مبنجاة خالل حياتي العملية‬
‫يف اإلعالم والفنون من املخادعني‪ ،‬متاماً كما خدع غريي بسالح الدسيسة واإلشاعات‪ .‬ال يوجد شخص‪ ،‬مهما‬
‫بلغت درجة إدراكه وذكائه‪ ،‬مبنجاة من مؤامرات يصعب رصدها وحتليل دوافعها‪ ،‬وخاصة إذا دخل فيها اجلنس‬
‫الناعم‪ .‬لذلك‪ ،‬يُنصح بقراءة روايات وقصص الفروسية واجلاسوسية والغرام‪ ،‬ألهنا تتضمن تعليماً لفنون اخلداع‬
‫والتمويه والشائعة القاتلة‪ ،‬مما قد يقي املرء جزئياً من الوقوع يف فخها بسهولة يف حياته العملية‪ .‬ويُنصح أيضاً‪،‬‬
‫يف حال اكتشاف شخصية خمادعة كاذبة‪ ،‬عدم التغاضي عنها طويالً‪ ،‬وعدم األمل يف إصالحها‪ ،‬بل استئصاهلا‬
‫من جذورها‪ ،‬والتخلص منها بأسرع السبل‪ ،‬ألن أذاها يستفحل كلما قويت شوكتها‪ .‬عندئذٍ‪ ،‬تصبح املقارنة واردة‬
‫بني السكوت عنها‪ ،‬وبني الرجل الذي عثر على حية تكاد متوت من الربد‪ ،‬فأخذها إىل بيته‪ ،‬أدفأها وأطعمها‪ ،‬فما‬
‫أن استعادت عافيتها حتى عضته فقتلته‪ .‬ونعود لنستفيد من مؤامرات امللكة كاترين دو مدسيس‪ ،‬ومن الكاردينال‬
‫ريشليو‪ .‬نعود لنتذكر دليلة احملتالة وعلي الزيبق‪ .‬ونعود لنحذر من خداع (قصري) الذي أودى بامللكة (الزباء) إىل‬
‫اهلالك‪ ،‬فقد جند يف اخليال حكمة هتدينا للتصرف السليم يف احلياة الواقعية‪.‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من إبداعات العقل البشري‬
‫ارتياد المجهول‬
‫د ‪ .‬خملص عبد احلليم الريس‬
‫أستاذ فيزياء ـــ جامعة دمشق‬

‫يف أحد املؤمترات قال د‪ .‬طالب عمران رئيس رابطة ك ّتاب اخليال‬
‫العلمي العرب‪:‬‬
‫(اخليال العلمي هو نتاج العقل)‬
‫طبعاً ال ننسى ما قاله نبينا حممد (ص) عن املوىل عز وجل ملا خلق العقل ‪:‬‬
‫(وعزتي وجاليل ما خلقت خملوقاً أكرم منك عليَّ شأنا) ‪.‬‬
‫فما هو العقل ؟‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫عندما عرض اهلل األمانة على السماوات‬
‫واألرض واجلبال فأبني أن حيملنها وأشفقن‬
‫منها ومحلها اإلنسان إنه كان ظلوماً جهوالً‬
‫‪ ..‬والسؤال اآلن ملاذا محلها اإلنسان وهي‬
‫ثقيلة جدا؟ ويأتي اجلواب ‪ :‬السبب هو غروره‬
‫وشعوره بعلو شأنه وافتخاره بامتالكه أعظم‬
‫شيء خلقه اخلالق يف هذا الكون ‪ ..‬أال وهو‬
‫العقل ‪ ..‬فاإلنسان هو الوحيد من دون سائر‬
‫خملوقات اهلل الذي يتمتع هبذه اهلبة اإلهلية ‪..‬‬
‫تلك األمانة هي العقل والوعي واإلدراك ‪..‬‬
‫العقل هبة اهلل لإلنسان ‪ ..‬هو ميزة خصه اهلل‬
‫هبا دون سائر املخلوقات ‪ ..‬ميزة آليتها فكر‬
‫وتصور وخيال‪ ،‬مهمتها صنع أمل ومستقبل‬
‫وسعادة‪ .‬وسيلتها يف التحرك عرب الزمان واملكان‬
‫حركتان‪ ،‬إحدامها ذهنية مادية من خالل عقل‬
‫واع (الشعور)‪ ،‬واألخرى حركة فوق ذهنية عرب‬
‫األثري من خالل العقل الباطن (الال شعور)‪.‬‬
‫يظن البعض أن مقر العقل هو يف الدماغ‪ ،‬لرمبا‬
‫كان هذا الظن على قد ٍر كبري من الصحة وذلك‬
‫يف حالة العقل الواعي (الشعور)‪ ،‬الدماغ فعالً هو‬
‫مركز الذواكر والسجالت وأرشيف كل ما جرى‬
‫وما حصل‪ ،‬ورمبا اعتمد عمل بعض املراكز على‬
‫الصفات الوراثية املنقولة من األجداد واآلباء إىل‬
‫األبناء‪ ،‬أما اجلزء األكرب من العقل فهو حمفوظ‬
‫يف الصدر (الفـــؤاد) يف بصورة عقل باطن‪ ،‬هذا‬
‫القسم من العقل (اجلزء الشفاف منه) يشبه‬
‫حلد كبري حجر رشيد الذي متكن به العامل‬
‫شاملبيون من كشف أسرار اللغة اهلريوغليفية‪،‬‬
‫بعض الفالسفة يعتقد أن هذا اجلزء من العقل‬
‫هو جوهر الشخصية البشرية وحجر األساس‬
‫يف وجود اإلنسان يف الدنيا حيث يضم يف‬
‫حناياه كل ‪ ..‬ما كان وما يكون وما سيكون‬
‫‪ ..‬هو اللوح احملفوظ وحجر األساس لوجود‬
‫اإلنسان يف هذا الكون‪ ،‬بكلمة أخرى هو أوراق‬
‫اعتماد وجود اإلنسان يف الكون واليت تعطيه‬
‫شرعية وجوده والتواجد يف الكون‪ ..‬فيه خزائن‬

‫سجالت معلوماتية لكل ما يف الكون قدميه‬
‫وحاضره ومستقبله‪ ..‬جَهرِه وغي ِبه ‪ ..‬ومل ال ؟‬
‫نقول أن اجلنني البشري يعيد قصة نشوء الكون‬
‫بكامله خمتصرة يف تسعة أشهر يف رحم أمه‪،‬‬
‫حتى أن عناصر جسده بكاملها ‪ ..‬مجعت من‬
‫أرجاء الكون بكامله مادة وتأثريات وتفاعالت ‪.‬‬
‫هذا العقل حمطة ترسو عندها خطوط القدر‬
‫بشتى صوره من فكر وخيال وتصور وهذا‬
‫العقل يعمل باستمرار ليل هنار ال يكل وال ميل‬
‫خاضعاً لعاملي الزمان واملكان ‪ .‬وبشكل عام‬
‫يتكون العقل البشري من قسمني ‪:‬‬
‫‪ - 1‬العقل املادي (العقل الواعي) ‪:‬‬
‫هو كيان عضوي مكوّن من أكثر من مائة بليون‬
‫خلية حية نبيلة‪ ،‬وهي ال تشيخ وال تتبدل‬
‫وال متوت طيلة حياة اإلنسان يف هذا‬
‫الكون‪ ،‬أي ال متوت إال مبوت اإلنسان‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪7‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪ .‬عدد خالياه يفوق عدد جنوم جمرتنا جمرة‬
‫درب التبانة هو دغل من خاليا عصبية رمبا‬
‫جتاوز عددها عشرة آالف مليون خلية عصبية‬
‫(‪ . )Nevron‬ولكي يتشكل هذا احلشد‬
‫املنظم من اخلاليا كان على كل خلية منها أن‬
‫تتحرك بسرعة ثابتة على امتداد حبل طوله‬
‫كطول السماء (طبعاً األمر نسيب لتلك اخللية‬
‫يف الدماغ )‪ ،‬ثم كان عليها أن تقف يف نقطة‬
‫حمددة بالضبط وأن تستطلع مكاهنا وترسل‬
‫زوائدها (أذرعتها) لتتشابك مع زوائد خاليا‬
‫حمددة ومعينة لكي يصل أداؤها لكل أحناء‬
‫اجلسد البشري وبتخصص نادر تعجز عنه‬
‫أعظم الكمبيوترات ‪ .‬على هذا يبلغ عدد تلك‬
‫الزوائد املليارات املليارات امل ُ َّ‬
‫نظمة يف نسق َق َّل‬
‫أن جند له نظرياً يف الكون ‪ ...‬تلك اخلاليا‬
‫وزوائدها هي اليت تنسج مادة احلياة اإلنسانية‬
‫فكراً وذكاءً وذواكر وأحاسيس وحواس‬
‫وعواطف ‪ ..‬على هذا فإن تلك الزوائد اليت يبلغ‬
‫أعدداها املليارات واملليارات هي املسؤولة عن‬
‫أعمال ومهام العقل الواعي اخلاضع لعاملي‬
‫الزمان واملكان‪ ،‬هذا اجلزء يتعامل مع األمور‬
‫الواعية من حس وأحاسيس ومشاعر وحواس‬
‫مخس ‪ ..‬السمع والرؤية والشم والتذوق‬
‫واللمس‪.‬‬
‫‪ - 2‬اجلزء املعنوي من العقل (العقل الباطن) ‪:‬‬
‫عرف الناس ما يسمى العقل الباطن وعرفوا‬
‫خواصه وميادين عمله‪ .‬وعرفوا الكثري عن‬
‫طرق إطالقه‪ ،‬كما عرفوا الكثري عن طاقاته‬
‫وقدراته اخلارقة يف اإلدراك واحلدس واإلهلام‬
‫والتنبؤ وقراءة األفكار والبصر املغناطيسي‬
‫وكذلك السمع املغناطيسي ‪ ..‬وكيفية عمله يف‬
‫الالزمن ومستقالً عن عاملي الزمان واملكان‪،‬‬
‫عرفوا كيفية صنعه األحالم واخليال‪ ...‬إىل‬
‫آخره من ظواهر ما فوق علم النفس (علم‬
‫الباراسايكولوجي)‪ ،‬واليت تعمل يف جمال‬
‫احلاسة السادسة توقع العلماء األقدمون‬

‫‪8‬‬

‫وجود دقائق ال متناهية يف الصغر آتية من‬
‫الفضاء اخلارجي ‪( ..‬من األعلى) حاملة معها‬
‫قدر اخللية الدينامي وبرنامج حياهتا اليومي‬
‫وبالتحديد اللحظي‪ ،‬حبيث ترسو هذه الدقائق‬
‫عند اخلاليا العصبية مُلَقِن ًة إياها مهامها‬
‫وأعماهلا الواجب عليها القيام هبا الحقاً‪،‬‬
‫حيث تصل تلك الدقائق مباشرة إىل اخلاليا‬
‫العصبية الدماغية دون أن يعيقها عائق حاملة‬
‫معها برنامج قدر اخللية القادم وتربمج عملها‬
‫بسرعة هائلة ‪ ..‬رمبا كانت تلك السرعة أجزاء‬
‫من سرعة الضوء‪ ،‬وهذا يعين برجمة قدر‬
‫ودينامية خاليا اجلسم البشري بأكمله‪ ،‬العلم‬
‫قدمياً تنبأ بوجود مثل تلك الدقائق‪ ،‬وكثري‬
‫من العلماء ختيل وجود خطوط قدرية تربط‬
‫اإلنسان بقدره املرسوم يف حماولة ملعرفة أو‬
‫تفسري فكرة هل اإلنسان مُسيَّر أم مُخيَّر يف‬
‫حياته ويف تصرفاته‪ ،‬واحلقيقة أن مالمح‬
‫اإلجابة على مثل هذا السؤال بدت تتجلى على‬
‫ضوء اكتشافات جسيمات النيوترينو املسافرة‬
‫يف الكون يف الالزمن‪ ،‬وكذلك البوزيرتون امليقاتي‬
‫املوجب الذي يتحرك تراجعياً يف األزمنة‬
‫املاضية (البوزيرتون هو الكرتون موجب)‪ ،‬وأيضاً‬
‫اكتشاف ضد املادة ‪ ..‬تلك االكتشافات هي من‬
‫نتاج علم امليكانيك الكوانيت ‪.‬‬
‫رمبا كان لتخيالت العلماء يف هذا األمر بعضاً‬
‫من الصحة أو بعضاً من احلقيقة ‪ ..‬إذ أخذت‬
‫مالمح اكتشاف تلك الدقائق تظهر فعالً‪ ،‬حبيث‬
‫إن العلماء خطوا اخلطوة األوىل وأعطوا لتلك‬
‫الدقائق إسم (البيسرتونات)‪ ،‬لكن اجلزء األخر‬
‫الذي يتعامل مع األمور الال واعية من حدس‬
‫وإهلام وتنبؤ وقراءة األفكار والبصر املغناطيسي‬
‫ويف اجلالء البصري والطاقات اخلارقة الفائقة‬
‫وهو العقل الباطن الذي يعمل يف أبعاد احلاسة‬
‫السادسة والسابعة فمركزه هو بالتحديد يف‬
‫الصدر وغدة الثاميوس (الغدة الصعرتية)‪،‬‬
‫ومادته النسيج السائل وهو الدم مبا حيمله‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫من ذرات حديد ‪ ...‬مما يوحي أن جذور العقل‬
‫الباطن املادية هي ذرات احلديد مبا تبثه من‬
‫أمواج فائقة الرتدد‪ ،‬ولعل هذا األمر من أغرب‬
‫االكتشافات يف القرن احلايل ‪.‬‬
‫على ضوء تلك احلقائق صار باإلمكان تفسري‬
‫كثري من األمور اليت كان يظن املرء أهنا من األمور‬
‫املعنوية اليت ال تفسري‪ ،‬مثال على ذلك ‪ :‬اخليال‬
‫والتصور والتأمل وارتياد ميادين جمهولة يف‬
‫كل أمور احلياة‪ ،‬فاجملهول حماط حبجب من‬
‫الغموض‪ ،‬وهلذا األمر سحره وجاذبيته يف‬
‫النفوس‪ ،‬يثري النفس البشرية حب االستطالع‬
‫واملغامرة ‪ ..‬فالتفكري وإشغال الفكر بشيء‬
‫جمهول يثري العقل الباطن ويغريه على القيام‬
‫برحلة غزو لذلك اجملهول عل هذا الغزو يفتح‬
‫للمرء مصاريع املستقبل ويكشف ما حيمله لنا‬
‫القدر ‪ .‬لكن كيف يتم هذا األمر بصورة سليمة؟‬

‫للجواب على هذا السؤال‪ ،‬البد أن يكون الفكر‬
‫البشري مزوداً بالعلم وبأدواته من رياضيات‬
‫ومعادالت رياضية‪ ،‬على هذا يأتي ارتياد‬
‫اجملهول على أنه موضوع فكري مبينُ على‬
‫أساس علمي مطوي فيه عامال الزمان واملكان‪،‬‬
‫يليه حبث علمي للدخول يف األعماق اجملهولة‬
‫فيما يعرف باخليال العلمي مزوداً مبعارف‬
‫حصل عليها الباحث بطرق واعية من بيئته أو‬
‫حميطه ‪ .‬فالعلم هو أوىل بوابات العقل ‪.‬‬
‫لكن ما هي آلية ارتياد اجملهول ؟‬
‫يتم األمر أوالً بصورة فكرية‪..‬هنا يعتمد‬
‫العقل البشري على وسيلتني إبداعيتني مها ‪:‬‬
‫اخليال والشك ‪ .‬فاخليال حيملنا إىل عوامل‬
‫قد ال تكون موجودة فعالً‪ ،‬لكنها موجودة يف‬
‫العقل الباطن مما جيعلنا نعيش حياة ال‬
‫جسد هلا‪ ،‬تتيح لنا احلركة عرب الزمن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪9‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫والزمان تقدماً وتراجعاً دون أن نربح زماننا‬
‫أو مكاننا‪ ،‬ثانياً وهو الشك ‪ ..‬وهو ميكننا من‬
‫حتكيم العقل يف التميّيز بني ماهو زائف وما هو‬
‫حقيقي … وبني ما هو مُغرِق يف اخليال وما هو‬
‫واقعي‪ ،‬يف هذه احلالة يستخدم املرء الوسائل‬
‫والطرق التجريبية العملية للتحقق من صحة‬
‫اخليال والوصول لشيء مُجَسَد ميكن التعامل‬
‫معه يدوياً‪ ،‬ومن ثم خيتار العقل القرار األكثر‬
‫مـالءمة‪ ،‬وهكذا ينبثق من العدم شيء جديد‬
‫إبداعي مل يكن أصالً موجوداً يف الطبيعة‪ ،‬واليت‬
‫كانت صورته موجودة مسبقاً يف خزائن العقل‬
‫الباطن‪ ،‬إن زورق هذه الرحلة هو الفكـر واخليال‬
‫والشك واحلـدس و تطبيق قوانني الفكر والعلم‬
‫يف التحليل والرتكيب وطرق االستقراء والتمديد‬
‫واالستنتاج علّنا نتمكن بتلك الرحلة من اخرتاق‬
‫أسوار اجملهول ‪ ..‬لكن ما هو اجملهول ؟‬

‫‪10‬‬

‫اجملهول هو كل شيء ال تدركه حواسنا‪ ،‬أي ال‬
‫تراه أعيننا‪ ،‬وال تسمعه آذاننا‪ ،‬وهو ينتج عن‬
‫علم وال ينتج عن جهل‪ ،‬ومعادالت العلم متتد يف‬
‫اجملهول وخلف املنظور وتفتح آفاقاً فيه وتنبئ‬
‫عن مالحمه وحمتوياته ‪ .‬هدفه إبداع اخرتاع‬
‫عملي أو معنوي حيقق لإلنسان لذة أو متعة‬
‫جسدية أو روحية أو نفسية‪ ،‬وأقصى هدف له‬
‫هو حتقيق اخللود لإلنسان وامتالك ناصية‬
‫املستقبل ‪.‬‬
‫وسبب اخليال العلمي واجلرأة يف اقتحام‬
‫اجملهول هو حاجة أو أزمة لدى اإلنسان تبحث‬
‫هلا عن حل ‪.‬‬
‫الربهان على جناح عملية اخرتاق اجملهول‬
‫وانبثاق شيء جديد هو أنه ما إن يتم اكتشاف أو‬
‫اخرتاع شيء جديد حتى يالقي الرتحاب والفرح‬
‫من قبل الناس ألنه أصالً موجود يف عقوهلم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫الباطنة‪ ،‬وها قد برز للوجود ماثالً أمام األعني‪.‬‬
‫ففي ارتياد اإلنسان على ذلك اهتمام اإلنسان‬
‫وشغفه يف ارتياد اجملهول واقتحامه أسواره‬
‫بغية اكتشاف ما يقع خلفه‪ ،‬واحلقيقة أن هذه‬
‫الظاهرة اليت يتمتع هبا اإلنسان فقط دون سائر‬
‫الكائنات احلية هي مزيج من مسامهة العقل‬
‫الواعي ‪.‬‬
‫ً‬
‫كم كان اإلنسان سعيدا عندما اكتشف جهاز‬
‫الراديو والتلفاز واملوبايل ؟‪ ،‬وكم كان سعيداً‬
‫عندما متكن من تصحيح الرؤية لديه بقطع‬
‫زجاجية حصل عليها من مصهور الرمل وكانت‬
‫العدسات الضوئية (النظارات الطبية)؟‪.‬‬
‫كم كان فرحاً حينما درس الكيمياء وأوجد‬
‫األدوية الشافية لكثري من األمراض ؟ ‪ ..‬كم‬
‫كانت الدهشة عظيمة حينما غزا العلماء عامل‬
‫اجلسم الصلب (عامل األلكرتونيات) واليت كان‬
‫عنصرها الرئيس هي حبيبات الرمل (عنصر‬
‫السيليسيوم وأكاسيده) ؟ وجعلوا هذا احلجر‬
‫الصغري يتكلم وينقل صوتاً وصورة ملونة ‪ ...‬اخل‬
‫من االخرتاعات اليت مل ميكن إجيادها ما‬
‫مل يرتاد العلماء اجملهول بفكرهم وخبياهلم‬
‫وبعلمهم ومبعادالهتم وتقنيتهم ‪ ..‬حيث قامت‬
‫عقوهلم بتحليل األفكار وتركيبها وحصلوا منها‬
‫على صور خيالية حبركة ذهنية عرب الزمان‬
‫واملكان ‪ ..‬يف املاضي واحلاضر واستشراف‬
‫املستقبل‪ ،‬فسجلوا اخرتاعات حققت الكثري من‬
‫السعادة والرفاه لبين البشر ‪.‬‬
‫العقل بقسميه املادي واملعنوي قادر على‬
‫استيعاب كل ما يف الوجود سواءً كان جهرياً‬
‫أم خفياً وقادر أيضاً على التعامل معها‪ ،‬فهو‬
‫ميتلك مفاتيح خزائن احلكمة واإلدراك‬
‫والوعي‪ ،‬واخليال العلمي هو إحدى الوسائل‬
‫اليت يلجأ هلا العقل البشري كي يرتاد اجملهول‬
‫ويسافر عربه ليسيطر هبا املرء على احلياة ‪..‬‬
‫العقل هو سر الطبيعة البشرية‪ ،‬هو ميزان فيه‬
‫قوة التمييز واإلدراك واالختيار واختاذ القرار‪،‬‬

‫به مييز اإلنسان الصح من اخلطأ‪ ،‬والضار من‬
‫النافع‪ ،‬واخلري من الشر ‪ ..‬هو أعظم عضوية‬
‫حاسوبية حية أوجدها اخلالق يف هذا الكون‪.‬‬
‫وظيفته الفكر والتفكري والتأمل والتخيل‬
‫والتصور واملناقشة واحملاورة‪ ،‬ورمبا وصل‬
‫األمر للمجادلة يف اختيار البدائل للوصول حلل‬
‫أو حلول تضمن لإلنسان أمنه وأمانه وسعادته‪،‬‬
‫هبـذه الصفات واخلواص غدا العقل البشري‬
‫قادراً على ارتياد اجملهول واخرتاقه‪ ،‬بل حتى‬
‫الغوص يف أعمق حباره‪ ،‬هو قادر ختيلياً على‬
‫اخرتاق حجب املادة وسرب أغوارها متجاوزاً‬
‫أبعادها الزمانية واملكانية‪ .‬واملرء هنا مسافر‬
‫يف اجملهول ‪ .‬للدماغ قدرات وطاقات فائقة‬
‫خارقة‪ ،‬وبالتايل ال ميكن اخرتاق اجملهول يف‬
‫أمر ما إال بوجود رغبة وإرادة قوية وفكر‬
‫واسع مزود برصيد علمي أوالً مصحوباً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪11‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫باإلصرار واإلحلاح وإال كان ارتياد اجملهول‬
‫أمراً عقيماً‪ ...‬هنا تأخذ املعادالت الرياضية‬
‫مقعدها يف الوجود واإلجياد ‪ ..‬أي يف الكشف‬
‫واالخرتاع‪ .‬عوامل اجملهول هي عوامل ساحرة‬
‫غامضة جذابة تنطوي على رهبة مصحوبة‬
‫باللذة يثري العقل البشري ويدفعه لإلطالع‬
‫وحب املغامرة وحب االستكشاف ‪ ...‬غالباً ما‬
‫يفتح ارتياد اجملهول أبواب التنبؤ العلمي ‪ .‬وأهم‬
‫وسائله هي املعادالت الرياضية الفيزيائية ألهنا‬
‫تنطوي على كثري من األسرار وتصح يف كل‬
‫العوامل املادية ‪.‬‬
‫«كشف علم الفيزياء الكمومية الطبيعة املوجية‬
‫للمادة‪ ،‬وأدخلنا عوامل غيبية كشفت النصف‬
‫اآلخر من احلقيقة‪ ،‬وقربنا من املطلق أكثر‪.‬‬
‫ومن نتائج هذا العلم تفسري العالقة بني احلدس‬
‫العلمي املُدرِك واحلس العلمي الواعي‪ ،‬وانفتاح‬

‫‪12‬‬

‫العقل الباطن (الال شعور) على العقل الواعي‬
‫(الشعور)‪ ،‬واخليال الفكري العلمي هو أهم داعم‬
‫للمرء الباحث الرتياد اجملهول ونسج اخليال‬
‫العلمي الال مرتبط بقيود أبعاد الزمان واملكان‪،‬‬
‫والنتيجة هي إبداعات خالقة تبين حضارة‪،‬‬
‫ولوال اخليال العلمي لبقيت الطبيعة البشرية‬
‫عجماء حيوانية الوعي عدمية اإلدراك‪.‬‬
‫الفتى أينشتاين وارتياده عامل جمهول ‪:‬‬
‫كان الفتى احلامل الذي مل يبلغ الثانية عشرة‬
‫عاماً من عمره وامسه الربت اينشتاين مولعاً‬
‫بالعلوم الطبيعية ومنها الفيزياء‪ ،‬ولفت نظره‬
‫يوماً موضوع يبحث يف سرعة انتشار الكهرباء‬
‫يف أسالك الدارات الكهربائية‪ ،‬وكم كانت‬
‫دهشته أعظم عندما علم بسرعة انتشار الضوء‬
‫اهلائلة عرب الفضاء ‪ .‬واليت تبلغ (‪ 300‬ألف كيلو‬
‫مرت يف الثانية )‪ ،‬هنا خطر لبال هذا الفتى‬
‫احلامل السؤال التايل ! كيف سيبدو العامل‬
‫بالنسبة ملسافر يركب موجة ضوئية‪ ،‬تنتشر‬
‫يف الفضاء هبذه السرعة اهلائلة ؟ وتساءل عن‬
‫شعور ذلك املسافر وهو ميتطي تلك املوجة‬
‫الضوئيه ؟ ولكي نأخذ فكرة عن سرعة الضوء‬
‫نقول أن شعاع الضوء ميكنه أن يدورحول الكرة‬
‫األرضية مثاني مرات خالل ثانية زمنية واحدة‪،‬‬
‫وأنه كي يصل جسم لسرعة الضوء البد له من‬
‫أن يتسارع بتسارع اجلاذبية االرضية ملدة سنة‬
‫كاملة‪ ،‬وهذا يتطلب حمركات ذات دفع جباره‬
‫مادهتا هائلة التماسك والصالبة كى التتفتت‬
‫حلظة بلوغها سرعة الضوء ‪.‬‬
‫هنا أشرقت يف فكر العامل روبرت اينشتاين‬
‫فكرة التزامن بني حادثتيـن تقعـان يف مكانني‬
‫خمتلفني أحدمها متحرك واآلخر ساكن‪،‬‬
‫واستناداً لتلك الفكرة توصل اينشتاين لنظريته‬
‫فى النسبية اخلاصه اليت تقول أن األطوال‬
‫تتقلص واألزمنة تتمدد والكتل تتزايد يف‬
‫حالة حركة جسم بسرعات قريبة من سرعة‬
‫الضوء‪ ،‬وعندما تصبح سرعته سرعة الضوء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫يتحـول اجلسم املتحرك هبذه السرعة ملستوي‬
‫الثخن له‪ ،‬ويصبح الزمن سرمدياً الهنائيا (أي‬
‫يتوقف)‪ ،‬وخيلُد اجلسم عندئذ وال ميوت‪ ،‬لكن‬
‫تتزايد كتلته وتتضخم حبيث تغدو ال هنائية‬
‫غامرة للكـون برمته‪ ،‬وشاغلة كل أرجائه ‪...‬‬
‫فأية عوامل تظهر يف حالة احلركة بسرعات‬
‫ضوئية‪ ،‬لكن القضية األعجب من ذلك هو‬
‫أنه إذا حترك جسم بسرعة أكرب من سرعة‬
‫الضوء‪ ..‬عندها ندخل عاملاً عجيباً ‪ ..‬هو كون‬
‫شفاف متماثل االجتاهات‪ ،‬المادة فيه وال زمن‬
‫وال أبعاد وال حرارة وال برودة‪ ،‬طاقته هائلة‬
‫خمتزنة يف الالمكان‪ ،‬وهي هادئة خامدة ساكنة‬
‫ال تقوم بأي عمل وكأن عاملها يعاني من موت‬
‫حراري !!‪،‬‬
‫ومع ذلك فهو كون أبدي سرمدي يفرض وجوده‬
‫علينا ويضمنا بني حناياه يف سكون وهدوء‬

‫مطلق !!‪.‬‬
‫حينما مارس اينشتاين لعبة ارتياد اجملهول‬
‫مدعَّماً بعلوم من قبله وعلوم معاصريه‬
‫والدراسات اليت قام هبا هو ‪ ..‬توصل يف عام‬
‫(‪ )1916‬لنظريته يف النسبية العامة‪ ،‬حيث‬
‫درس فيها حركة األجسام املتسارعة أي املتغرية‬
‫السرعة وتوصل ملا يعرف جباذبية الكتل‬
‫الكبرية‪ ،‬وكيف تولد أية كتلة حقالً جاذبياً حوهلا‬
‫بشكل متصل زماني ومكاني‪ ،‬وهذا النسيج‬
‫يتقعر حول الكتلة الكبرية املولدة له وبتقعر‬
‫أشد منه يف حالة الكتلة الصغرية ‪ .‬وهذا ما‬
‫يفسر قوى اجلاذبية الثقالية اليت حيدث فيها‬
‫اجنذاب األجسام كتلياً حنو بعضها وكذلك‬
‫اجنذاب األشعة الضوئية حنو اجلرم السماوي‬
‫اليت متر جبواره ‪ .‬ولقد أمكن التحقق من‬
‫هذه النظرية يف حاالت كسوف الشمس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪13‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إذ كانت النجوم اليت تقع خلف الشمس تبدو‬
‫وكأهنا تقع على حوافها‪ ،‬وعلم الفيزياء يفسر‬
‫ذلك األمر بسهولة واكتشف ما يسمى بالعدسة‬
‫اجلاذبية‪ .‬ومت التأكد من صحة نظريات‬
‫اينشتاين يف النسبية احلاصة والعامة ‪.‬‬
‫فتحت هاتان النظريتان أعني البشرية على‬
‫حقائق كانت جتهلها طيلة حياهتا‪ ،‬إذ صار‬
‫باإلمكان قهر مشكلة عبور الزمن والتغلب‬
‫عليه‪ .‬والسفر فيه‪ ،‬لنتخيل أنه مت جتهيز مركبة‬
‫فضائية للسفر عرب الفضاء وبسرعه قريبة من‬
‫سرعة الضوء‪ ،‬ولنصف مايشاهده راصد يقف‬
‫على األرض عند ابتعاد املركبة عنه بسرعتها‬
‫املتزايدة‪ ،‬فأول ما يالحظه املرء هو أن الضوء‬
‫املنعكس على خلفية املركبة وقد احنرفت‬
‫ذبذبات ألوانه حنو اللون االمحر‪ ،‬أى تواتره‬
‫اخنفض وأطواله املوجية متددت‪ ،‬تدعى تلك‬
‫الظاهرة (بظاهرة دوبلر)‪ ،‬وهى ظاهرة تتغري‬
‫فيها ذبذبة الضوء أو الصوت بسبب حركة‬
‫االجسام بسرعات كبرية‪ ،‬ففي حالة مركبتنا‬
‫الفضائية املبتعدة عنا ينحرف لون الضوء‬
‫املنعكس على خلفيتها حنو اللون األمحر ثم‬
‫اىل ما بعد األمحر‪ ...‬أي اىل االمواج ماحتت‬
‫احلمراء الالمرئية‪ ،‬وأخرياً تتحول اىل أمواج‬
‫ميكروية ثم مرتية‪ ...‬وبعدها ال تعد موجة‪،‬‬
‫اذ تتحول ملوجة مستقيمه ال سعة هلا وال قمة‬
‫وال قاع وال تواتر‪ ،‬عندئذ ال يتمكن الضوء من‬
‫الوصول خللفية املركبة لكى ينعكس عليها ‪.‬‬
‫هذا باالضافة لتقلص طوهلا ومتـدّد زمنها‬
‫وتزايد كتلتها‪ ،‬وحلظة بلوغهـا سرعة الضوء‬
‫تتعرض املركبة لصدمـة اخرتاق حاجز الزمن‪،‬‬
‫ومولدة بذلك انفجاراً تقاربياً عكس ذلك الذى‬
‫حدث يف بداية تشكل الكون‪ ،‬وختتفى املركبة‬
‫فور ذلك وال تعد مرئية‪ ،‬وتدخل اىل كون آخر‬
‫أكثر عجباً وغرابة من كوننا ومتحولة ألمواج‬
‫‪ ...‬ذلك الكون العجيب هو العدم ‪ .‬أما بالنسبة‬
‫للمسافر على متنها فهو ال يشعر بالتغريات‬

‫‪14‬‬

‫الشكل (‪)1‬‬
‫الزمنية وال البعدية وال الكتلية ‪ .‬وما يشاهده‬
‫أمامه قد يكون أكثر إثارة ورعباً من ذلك‪،‬‬
‫فهو مير باألجرام السماوية بسرعته اهلائلة‬
‫ويتجاوزها لتصبح خلفه أوالً ثم ال تلبث تلك‬
‫األجرام أن ينعطف مسارها لتعود متحركة‬
‫بتسارع من اخللف إىل األمام لتسبق املركبة‬
‫ثانية بسرعة وبسرعة أكرب من سرعة املركبة‬
‫ذاهتا‪ ،‬وأخرياً تتجاوز تلك األجـرام السماوية‬
‫املركبة الفضائية نفسها وتتجمع أمام مقدمتها‪،‬‬
‫وأخرياً تغرق كل تلك األجرام يف نافذة صغرية‬
‫كروية الشكل تبدو أمامها‪ ،‬وأثناء ذلك حتفّ‬
‫بتلك النافذة ألوان غريبة مرعبة يغلب عليها‬
‫األلوان الزرقاء الشديدة التوهج كما ورد يف‬
‫ظاهرة دوبلر (يف حالة اقرتاب اجلسم بسرعات‬
‫كبرية تنحرف تواترات الضوء الصادر عنه أو‬
‫املنعكس عليه حنو توترات اللون األزرق )‪ ،‬وأثناء‬
‫ذلك تزداد السرعة وتضيق النافذة وتبتعد أمام‬
‫املركبة لتغوص يف الفضاء أمامها‪ ،‬وتغدو ثقباً‬
‫مضيئـاً بلون أزرق يف هناية نفق طويل مظلم‬
‫واملركبة حتاول مسابقته والوصول إليه‪ ،‬كمـا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫يزداد مقدار ابتالع هذا الثقب لألجرام من‬
‫حوله‪ ،‬وأخرياً يصبح النفق أكثر ضيقاً وطوالً‬
‫مما كان عليه سابقاً‪ ،‬وعلى املركبة بلوغ هنايته‬
‫حلظة بلوغها سرعة الضـوء وحتطيمها حاجز‬
‫الزمن‪ ،‬فتبدو كجمل هائج مندفع حنو فتحة‬
‫إبرة صغرية حماوالً اخرتاقها وعبورها‪ ،‬وحلظة‬
‫االخرتاق يتحول الثقـب لنقطة هندسيـة الأبعاد‬
‫هلا (بعد صفر) ‪ ..‬تلك هي حلظة نشأة الكون‬
‫األوىل‪ ،‬أي عادت املركبة إىل حلظة االنفجار‬
‫الكوني األعظم وولدّت حبركتها ضربة عظمى‬
‫معاكسة لضربة االنفجار األعظم‪ ،‬وصنعت‬
‫أمامها نقطة جتمعت فيها كل األجرام اليت‬
‫مرت هبا فصارت كثافتها ال هنائية‪ ،‬وكان على‬
‫املركبة اجتيازها‪ ،‬فأيّ موجة صدم تلك اليت‬
‫ستتعرض هلا هذه املركبة ؟ وأية مادة صلبة‬
‫ستواجه ؟ هبذا نكون قد عدنا إىل بداية نشأة‬
‫الكون اليت حدثت قبل عشرون بيليون سنة ‪.‬‬
‫احلقيقه أهنا أن تلك املركبة تواجه الكون كله‬
‫وقد تر ّكز فى نقطة واحدة أمامها ‪ .‬فإذا حدث‬
‫االخرتاق للنقطة الصفرية بنجاح‪ ،‬عندئذ‬
‫ختتفي املركبة من كوننا لتنبثق يف كون جديد‬
‫آخر غري مألوف لنا‪ ،‬هو كون واسع ال شيء يبدو‬
‫فيه وال ضياء وال حرارة وال زمن ‪ .‬فالزمن فيه‬
‫متوقف واألبعاد صفرية‪ ،‬والكتلة فيه حتولت‬
‫لطاقة هائلة وسرعان ما تتحلل متحوّلة ألمواج‪،‬‬
‫وهذه األمواج أيضاً ليست مألوفة يف كوننا هي‬
‫أمواج من نوع جديد ‪ ..‬هي أمواج فائقة أتت‬
‫من حتلل طاقة فائقة …‪ .‬والكون اجلديد الذي‬
‫وصلت إليه املركبة هو كون فائق يف طاقاته‬
‫وأبعاده فيه كل شيء ما عدا املادة وضدها ‪.‬‬
‫األنفـاق الكونيـة‬
‫ختيل اينشتاين أن الفضاء الكوني ما هو إال‬
‫نسيج فضائي هو متصل زمانياً ومكانياً أو ما‬
‫ميكن تسميته بـ (الزمكان )‪ ،‬حيث ال ميكن‬
‫فصل املادة فيه عن الزمن‪ ،‬وهذا النسيج يشبه‬

‫الشكل (‪ )2‬عصابة موبيوس‬
‫اجلنب السويسري احلاوي على فراغات كثرية‬
‫بداخله بشكل خطوط منفصلة ذات طبيعة‬
‫رغوية اسفنجية ال زمن فيها‪ ،‬أي هي قطعة من‬
‫اخللود‪ ،‬حبيث تنطبع عليه أحداث وفعاليات‬
‫الكون بأسره ‪ .‬هذا النسيج يتحرك ويتموّج‬
‫ويتشوّه كأنه كائن حي‪ ،‬وإذا ما تفحصنا سطحه‬
‫فلن نراه منتظماً ناعماً‪ ،‬بل يبدو حبيبياً خشناً‬
‫ومشوّهاً ‪ .‬وتلك التشوّهات الكونية تتطور‬
‫وتلتف مشكلة شبكات وأخاديد وأنفاق متداخلة‬
‫معقدة ‪ .‬ولو أمكن ملرءٍ أن يسري خالل أحد تلك‬
‫األنفاق فبإمكانه أن ينتقل من جمرة ألخرى‬
‫يف حملة بصر‪ ،‬يف حني أن السفر هلا بالطرق‬
‫املالحية الفضائية العادية رمبا احتاج األمر‬
‫باليني السنني !!‪.‬‬
‫ميثل الشكل (‪ )1‬شرحية نسيجية من الزمكان‬
‫الكوني‪ ،‬وهي منحنية حبيث مجع طرفاها‬
‫يف موضع معني حيوي نفقاً كونياً يصل بني‬
‫جمرتني بعيدتني عن بعضهما ‪ .‬فإذا استطاع‬
‫إنسان أن يكتشف ذلك النفق وصار جيوب فيه‬
‫لوجده طريقاً مستقيماً أمامه‪ ،‬وصار بإمكانه‬
‫االنتقال عربه من جمرة (آ) إىل جمرة أخرى (ب)‬
‫خالل فرتة زمنية قصرية جداً من رتبة اللمحة‬
‫الزمنية‪ ،‬واللمحة الزمنية هي من رتبة (‪10-‬‬
‫‪ 43‬جزء من الثانية الواحدة) ودون أن يقطع‬
‫املسافات احلقيقية الفعلية بينهما ‪ .‬فإذا سافر‬
‫إنسان عرب نفق كوني من هذا النوع وعاد أخرياً‬
‫من جولته إىل جمرته األوىل‪ ،‬فإنه يعود من تلك‬
‫اجلولة الكونية مقلوب الصورة ‪ .‬حبيث‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪15‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يتبادل ميينه ويساره موضعيهما متاماً‪ ،‬كما‬
‫حيصل بني اجلسم وخياله يف املرآة ‪ .‬وهذا‬
‫يعزى إىل مفعول ما يسمى عصابة (موبيوس)‬
‫الشهرية واملبينة يف الشكل (‪ . )2‬إذ تتمتع هذه‬
‫العصابة خباصة قلب صورة كل شيء لنظريه‪،‬‬
‫وأن سلوك عصابة موبيوس هو سلوك مرآة‬
‫مستوية حيث يتم تبادل املواضع بني اجلسم‬
‫وخياله فيها‪.‬‬
‫مثل هذه األنفاق موجودة يف كل الكون وعلى‬
‫املستوى ما دون الذري‪ ،‬حبيث ميكن للدقائق‬
‫ما دون الذرية (مثل الربينات والكواركات‪)...‬‬
‫عبورها والدخول للكون املادي ليتشكل منها‬
‫األلكرتونات والربوتونات والنيرتونات ‪ ..‬وهذه‬
‫بدورها تشكل ذرات اهليدروجني امل ُ َكوِن‬
‫األساسي للنجوم‪ ،‬مما يعوض النجوم املنتحرة‬
‫‪ .‬واكتشف أنه ينبثق فعالً عرب تلك األنفاق ما‬
‫يعادل ذرة هيدروجني واحدة يف كل ثانية يف كل‬
‫ثالثني مرت مكعب من الفضاء ‪.‬‬
‫مثال آخر على ارتياد اجملهول !! ‪.‬‬
‫يف كتاب (محلة مشاعل التكنولوجيا) الذي‬
‫قدمه الكاتب (هارالند مانشسرت) أنه يف عام‬
‫( ‪ ،) 1913‬عُرِضت على إحدى حماكم نيويورك‬
‫قضية احتيال ونصب وخداع قام هبا شاب‬
‫هزيل اجلسم رث الثياب يدعي أنه خمرتع‪،‬‬
‫امسه (دي فورست )‪ ،‬حيث أقنع هذا الشاب‬
‫بضعة مستثمرين بأن يدفعوا له بعض املال‬
‫من أجل إقامة مشروع يقوم من خالله باخرتاع‬
‫جهاز قادر على نقل الصوت البشري عرب‬
‫احمليط األطلسي ‪ .‬وأثناء احملاكمة محل مُمثل‬
‫اإلهتام بيده على ما يبدو حبابة زجاجية صغرية‬
‫احلجم‪ ،‬خفيفة الوزن تربز من داخلها بعض‬
‫األسالك ‪ ..‬ولعل مثل هذه احلبابة الزجاجية‬
‫رمبا ال يرى فيها اإلنسان العادي أي شيء مثري‬
‫أو غريب‪ ،‬ووجه ممثل اإلهتام للشاب سيالً من‬
‫التهكمات والتُهم باالحتيال واخلداع والنصب‬

‫‪16‬‬

‫على عدد من األبرياء ليبتز أمواهلم يف مشروع‬
‫ومهي ال يصدقه أو يقتنع به إال كل ذي عقل‬
‫ضعيف‪ ،‬وانتهت احملاكمة بعد أن و ُِجهت للشاب‬
‫درساً قاسياً يف أن ال يورط آخرين بأوهام من‬
‫صنع اخليال‪ ،‬وأن مثل تلك األوهام ستزج به يف‬
‫السجن يف يوم ما ‪.‬‬
‫احلقيقة أن هيئة احملكمة وكل الناس يف ذلك‬
‫الزمان مل تكن عقوهلم مهيأة لتقبل مثل تلك‬
‫األفكار مثل نقل الصوت عرب احمليط األطلسي‬
‫دون االستعانة باألسالك مثل اهلواتف‬
‫التقليدية‬
‫لكن احلقيقة أن هذا االنتفاخ الزجاجي الذي‬
‫أوشك أن يزج بصاحبه يف السجن كان أعظم‬
‫اخرتاع مت إجنازه يف القرن العشرين أال وهو‬
‫(أنبوبة األوديون) اليت قامت على أساسها علوم‬
‫التكنولوجيا اإللكرتونية قاطبة‪ ،‬إذ أدت هذه‬
‫األنبوبة إىل اخرتاع مكربات الصوت واالتصاالت‬
‫اهلاتفية عرب احمليطات‪ ،‬ونقل الصور باألمواج‪،‬‬
‫ودخل يف صناعة السينما الناطقة‪ ،‬ويف أجهزة‬
‫الرادار وكثري من االبتكارات األلكرتونية ‪...‬‬
‫لقد كانت تلك احلبابة اإللكرتونية هي مصباح‬
‫عالء الدين السحري الذي قلب مجيع املفاهيم‬
‫يف عامل هندسة الفيزياء االلكرتونية‪ ،‬مما‬
‫يدل على أن ارتياد عوامل اجملهول بفكر مسلح‬
‫بالعلم يأتي باملعجزات ‪ .‬فارتياد اجملهول يؤدي‬
‫لتزاوج بني احلقيقة واخليال ‪.‬‬
‫أليس اكتشافات الفضاء وعلوم االلكرتونيات‬
‫واحلاسوب وأشعة ليزر وعلوم االستنساخ‬
‫احليوية للحيوانات ومستقبالً عند اإلنسان‪،‬‬
‫وأطفال األنابيب واهلندسة الوراثية وإنتاج‬
‫نباتات عمالقة ذاتية التسميد والتغذية‪ ،‬إنتاج‬
‫الرجل األخضر الكلوروفيلي ذاتي التغذية‬
‫والتعقيم يعيش على الطاقة الشمسية‪ ،‬وإطالة‬
‫العمر بطرق التربيد والبيات الشتوي‪ ،‬وجعل‬
‫احليوانات تتكلم وإمكانية التفاهم معها‪،‬‬
‫القضاء على الفريوسات املمرضة وحتويل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫املواد الضارة لنافعة‪ ،‬استنساخ اإلنسان حاد‬
‫السمع والرؤيا ‪ .‬حمطات التلفزيون الفضائي‬
‫واملوبايل‪ ،‬والدخول إىل أعماق الذرة واكتشاف‬
‫علوم النانو مرتية واحلصول على مواد كربونية‬
‫أشد صالبة من الفوالذ ببضع مئات من‬
‫املرات‪ ،‬وإنشاء املصاعد الفضائية الكربونية‪،‬‬
‫السري على القمر وغزو كواكب جمموعتنا‬

‫الشمسية‪ ،‬وإحياء كوكب املريخ والقمر‬
‫مسقبالً ‪ ...‬إخل من االخرتاعات واالكتشافات‬
‫أليست كل تلك اإلجنازات سواء منها ما حتقق‬
‫أو يف طريق االجناز هي وليدة ارتياد العقل‬
‫البشري للمجهول ؟؟‪ .‬واجلواب على مثل هذه‬
‫التساؤالت هو أن األيام أثبتت بعضها ومازلت‬
‫يف طريقها إلثبات اآلخر إن شاء اهلل ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪17‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫المريخ والمريخيون‬
‫في أدب الخيال العلمي‬
‫سائر بصمه جي‬

‫يف قاموس املنجد‪ :‬أمرخ أي ذو البقع احلمراء‪ ،‬فيقال‬
‫ثور أمرخ أي به بقع محراء‪ .‬وقد مسي كوكب املريخ‬
‫– منذ القدم ‪ -‬هبذا االسم نسبة إىل لونه املائل إىل‬
‫احلمرة بالنسبة للراصد من األرض‪ ،‬وعلمياً بسبب نسبة احلديد‬
‫العالية يف هذا الكوكب‪ ،‬ومن هنا أخذ لقبه (الكوكب األمحر) ‪.‬‬
‫وقد أوحى تلونه لدى الثقافات القدمية املتنوعة بإراقة الدماء‪ ،‬حيث إن‬
‫البابليني مسوه (نريجال) إله التدمري لديهم واليونانيني مسوه (أريز)‪،‬‬
‫والرومان (مارس) وهي آهلة احلرب اخلاصة بكل منهما‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫املريخ ‪ Mars‬هو أول كوكب من كواكب‬
‫املنظومة الشمسية يقع خارج مدار األرض‪،‬‬
‫أي أنه الكوكب الرابع حسب ترتيب املسافة من‬
‫الشمس‪ .‬حجمه أصغر من حجم األرض ألن‬
‫قطره يبلغ ‪ 6800‬كيلومرت‪ ،‬وتعادل كتلته ‪0.11‬‬
‫من كتلة األرض وكثافته ‪3.9‬غ‪/‬سم‪ ،3‬أما مقدار‬
‫جاذبية سطحه فتعادل ‪ 0.39‬من جاذبية سطح‬
‫األرض‪ ،‬فإذا كان وزنك يعادل ‪100‬كغ على‬
‫سطح األرض؛ فإنه سيصبح ‪39‬كغ على سطح‬
‫املريخ‪ .‬وعليه فإن سرعة اإلفالت من جاذبيته‬
‫تبلغ حوايل ‪ 5‬كم‪/‬ثانية‪.‬‬
‫شكله يشابه شكل األرض‪ ،‬أي أنه ليس كروياً‬
‫بالضبط بل مفلطح قليالً‪ .‬لذلك يكون قطره‬
‫االستوائي أكرب من قطره القطيب حبوايل ‪40‬كم‪.‬‬
‫كما أن ميل حموره الدوراني عن مستوى مداره‬
‫يقارب ميل حمور األرض عن مستوي مدارها‬
‫‪ 24،5‬درجة لذلك فهو يتمتع بأربعة فصول‪،‬‬
‫حيث إن مدهتا ضعف مدة فصول األرض تقريباً‪،‬‬
‫كما تتميز بزيادة فرتة النهار عن فرتة الليل أثناء‬
‫فصل الصيف والعكس أثناء فصل الشتاء‪.‬‬
‫اكتشف قمراه يف عام ‪ ،1877‬من قبل آصف‬
‫هول وقد مسيا فوبوس (اخلوف) ودميوس‬
‫(الرعب)‪.‬‬
‫احتفظ املريخ مبكانته التنجيمية بالنزاع‬
‫والرجولة يف القرن العشرين على األقل يف‬
‫االستعارة يف قصص رمزية مثل [الرجال من‬
‫املريخ والنساء من الزهرة] (عام ‪ )1992‬جلون‬
‫غراي‪.‬‬
‫الراصد حلركته على اخللفية النجمية جيد أهنا‬
‫متقلبة‪ ،‬وذلك بسبب التبدالت الظاهرية يف‬
‫السرعة وحركته الرتاجعية اللحظية – وهو لغز‬
‫كان ينتظر حله بعد تعديل يوهان كبلر للنموذج‬
‫الكوبرنيكي للنظام الشمسي‪.‬‬
‫مع أن بعض املعامل السطحية للمريخ كانت‬
‫مرئية من خالل التلسكوبات البدائية – كاملنطقة‬
‫املظلمة املعروفة باسم (سريتيس ماجور) واليت‬

‫أشري إليها من قبل كريستيان هويغنز يف عام‬
‫‪ ،1659‬والقمم القطبية اليت تبينها جيوفاني‬
‫كاسيين – إال أنّ اخلرائط التفصيلية األوىل مل‬
‫تنتج حتى ستينيات القرن التاسع عشر عندما‬
‫دخل اجليل اجلديد من األدوات العصرية يف‬
‫االستعمال‪.‬‬
‫فقد واحدة أنتجت يف ‪ 1877‬من قبل جيوفاني‬
‫شياباريللي تضمنت القنوات اليت وصفت للمرة‬
‫األوىل يف ‪ 1876‬من قبل بيرتو سيشي‪.‬‬
‫أسيء تفسري الكلمة من قبل الناطقني باالنكليزية‬
‫(كقنوات) ودفعت الفلكي األمريكي بارسيفال‬
‫لويل ليؤسس مرصداً يف فالغستاف‪ ،‬أريزونا‪.‬‬
‫وقد روج لفكرة أن املريخ مسكن حلضارة‬
‫منحطة تكافح للبقاء حية يف الصحراء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪19‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫احلمراء بوساطة مشروعات ري ضخمة‪.‬‬
‫نشر لويل سلسلة من األوصاف اخليالية املبالغ‬
‫فيها عن احلياة على السطح املرخيي تتضمن‪:‬‬
‫[املريخ] (عام ‪ )1896‬و[املريخ وقنواته] (عام‬
‫‪ )1906‬و[املريخ كمقر للحياة] (عام ‪.)1908‬‬
‫رُمست خرائط أفضل بكثري يف عشرينيات القرن‬
‫العشرين من قبل الفلكي أنطونيادي‪ ،‬وقد أظهر‬
‫فيها ش ّكه املتجهم على الوجود الفعلي للقنوات‪،‬‬
‫لكن القنوات اخلادعة احتفظت بسيطرهتا‬
‫على اخليال الرائج حتى عام ‪ ،1965‬عندما‬
‫أحضر السابر مارينر‪ -4‬اإلثبات احلاسم لعدم‬
‫وجودها‪.‬‬
‫مبقتضى قربه النسيب من األرض – ‪ 59‬مليون‬
‫كيلو مرت بعده عند دنوه األقرب – والتاريخ‬
‫الغريب لرصده الفلكي؛ فإن املريخ احتفظ‬
‫دائماً مبنزلة خاصة يف التصويرات األدبية‬
‫للعوامل األخرى‪ ،‬ويف جمموعة األساطري‬
‫اخليالية العلمية عن عصر الفضاء‪.‬‬
‫الصور األدبية املبكرة وجهت على حنو متعذر‬
‫اجتنابه بالرتابطات التنجيمية والتقليدية‪ .‬يف‬
‫قصة ملاري آن (صدرت عام ‪ )1765‬يكون املريخ‬
‫مسكناً ألرواح الرجال العسكريني‪ ،‬لكن يف قصة‬
‫إمانويل سويدنربغ (صدرت عام ‪ ،)1749‬فإن‬
‫األرواح اليت تعيش هناك يرحب هبا أكثر من‬
‫غريها – وهي فكرة كررت يف أوصاف تتعلق‬
‫بالوالدة الثانية لكاميل فالماريون للتجسيد‬
‫اجلديد على املريخ تتضمن‪ :‬لومينا (عام‬
‫‪ )1872‬و يورانيا (عام ‪( ،)1889‬ويورانيا‪ :‬موزية‬
‫الفلك عند اإلغريق) و [التقمص] (عام ‪)1874‬‬
‫ملورتامير كولن‪.‬‬
‫لقد أمدتنا خريطة شياباريللي بأساس لصور‬
‫املريخ اليت ظهرت يف عمل الشسيزمارا (عام‬
‫‪ ،)1886‬وعمل غاي دي ماوباستانت (اجلنس‬
‫البشري املرخيي) (عام ‪ ،)1887‬كما تواصل‬
‫التقليد امللغز يف الرومانسيات الروحية مثل [من‬
‫اهلند إىل كوكب املريخ] (عام ‪ )1900‬لفلوروني‪،‬‬

‫‪20‬‬

‫و[حقيقة احلياة املقبلة على املريخ] (عام ‪)1903‬‬
‫للويس بوب غراتاكاب‪.‬‬
‫استخدم املريخ كمكان لرومانسيات منسوبة‬
‫إىل املدينة الفاضلة التقليدية كما يف [عرب دائرة‬
‫الربوج] (عام‪ )1880‬لرباسي غريغ و (النجم‬
‫األمحر) (عام ‪.)1908‬‬
‫لكن التفسري املنسوب إىل لويل خلريطة‬
‫شياباريللي شجع الكتاب املتخصصني يف‬
‫املدينة الفاضلة لتجسيد (لون حملي) أكثر يف‬
‫أعمال مثل (السيد غريب يصدق على جمموعة‬
‫من الرسائل) هليو ماككول [عام ‪ ،]1889‬و[غوص‬
‫يف الفضاء] (‪ )1890‬و [رحلة إىل املريخ] (عام‬
‫‪ )1894‬لغوستاف بوب‪ ،‬و(كوكبني اثنني) املفصل‬
‫على حنو الفت للنظر لكورد السفيتس (عام‬
‫‪.)1897‬‬
‫ً‬
‫نشر ويلز ختيالً موجزا حلياة مرخيية منحطة‬
‫يف [البيضة البلورية] (عام ‪ )1897‬قبل أن‬
‫يستعمل صورة مماثلة لعامل ميت كنقطة ابتداء‬
‫لغزاة غرباء متعلقني بالطراز البدائي يف [حرب‬
‫العوامل] (عام ‪.)1898‬‬
‫لقد غرست الرواية فكرة أن املرخييني كانوا‬
‫مسوخ حاقدين على حنو راسخ جداً يف اخليال‬
‫الرائج إىل حد أهنا أصبحت صبغة عصرية‬
‫عندما صورها أورسون ويلز بطريقة مسرحية‬
‫يف [مسرح عطارد] للراديو يف عام ‪ ،1938‬وقد‬
‫عجلت طريقة العرض املقلدة للواقعية يف حدوث‬
‫ذعر وهلع لدى الناس‪ .‬وجاء عمل [أديسون يفتح‬
‫املريخ] (عام ‪ ،)1947‬وفيه فإن علماء أرضيني‬
‫يسددون ضربة انتقامية عسكرية تزيل البقايا‬
‫األخرية من احلضارة املرخيية‪.‬‬
‫مل يعد املريخ مسكناً للمسوخ بعد ذلك‪ ،‬لكن‬
‫فكرة أن حضارته املستنزفة كانت على حافة‬
‫االنقراض سيطرت على ختيالت القرن‬
‫العشرين املبكر من [شهر عسل يف الفضاء]‬
‫(عام ‪ )1901‬جلورج غريفث وما بعدها‪.‬‬
‫قدمت صورة مرتفة على حنو استثنائي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫لالحنطاط املرخيي يف [عطلة جلفر] إلدوين‬
‫لسرت أرنولد (عام ‪ )1905‬الذي يعرف أيضاً‬
‫(جبلفر املريخ)‪ ،‬واليت اقتبست مقداراً ضخماً‬
‫من اإلهلام من كاتب زميل ألرنولد للرومانسات‬
‫هو ريدر هاغرد‪.‬‬
‫روح مماثلة من املغامرة املتهورة طورت إىل هناية‬
‫مل يسبق هلا مثيل من قبل إدغار ريس بوروس‬
‫يف سلسلة اليت بـ [حتت أقمار املريخ] (‪،1912‬‬
‫وقد صدر كتاب عام ‪ 1917‬بعنوان‪ :‬أمرية املريخ)‬
‫واليت امتدت إىل أحد عشر كتاباً خالل الثالثني‬
‫سنة التالية‪.‬‬
‫استعمل بوروس املريخ املنسوب إىل لويل‬
‫كمسرح أحداث حلكايات غري مكبوحة على‬

‫حنو مثري عن اجلرأة البطولية‪ ،‬وفيها فإن‬
‫األبطال يستخدمون السيوف برباعة يقاتلون‬
‫مسوخاً مرخييني وأوغاداً منوعني‪ ،‬ويف الكثري‬
‫من األحوال كانت تظهر غندوالت (أي عربات)‬
‫طائرة للظفر حبب األمريات اجلميالت – وهي‬
‫جمموعة من الصور القوية جداً إىل حد أهنا‬
‫استمرت على ترجيع الصدى على حنو مد ٍو يف‬
‫اخليال ذي املوضوعات املثرية والكتب اهلزلية‬
‫طوال القرن العشرين‪.‬‬
‫وكان بوروس أعطا اللون األخضر ملخلوقات‬
‫الفضاء عموماً‪ ،‬وذلك يف كتابه [أمري من املريخ]‬
‫(عام ‪ .)1917‬واستمر لوهنم هذا يف‬
‫القصص واألفالم التالية ‪ ..‬وكان الكاتب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪21‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قد َ‬
‫شخص سكان فضائه بعمالقة ارتفاعهم‬
‫‪4‬أمتار ولكل منهم ‪ 6‬أطراف‪.‬‬
‫املوضوعات املثرية يف اخليال العلمي املبكر‬
‫كانت مرددة ألصداء [حرب العوامل وأمرية‬
‫املريخ] اإلصدار األول من [قصص مذهلة]‬
‫هلوغو غرينسباك الذي أعاد طبع [الرجل الذي‬
‫أنقذ األرض] (عام ‪ )1923‬ألوسنت هول‪ ،‬وقام‬
‫بتكليف بوروس بكتابة رواية (بارسوم) جديدة‬
‫لإلصدار األول من جملتها املرافقة‪.‬‬
‫إن حماوالت إضافية يف الغزو صورت يف‬
‫قصص بقلم رواد كثريين للمسرحية املوسيقية‬
‫الفضائية تتضمن [عندما شحت الذرات] (عام‬
‫‪ )1930‬جلون كامبل جر‪ ،‬و [مسوخ املريخ]‬
‫(عام ‪ )1931‬إلدموند هامتون‪ ،‬و [اهلالك من‬
‫الكوكب ‪( ]4‬عام ‪ )1931‬جلاك وليمسون‪ ،‬يف‬
‫حني أن طبقات جديدة من التعقد اخليايل‬
‫العلمي وضعت فوق قصص املغامرة املنسوبة‬

‫‪22‬‬

‫إىل بوروس مثل [صوت يف الفراغ] (عام ‪)1932‬‬
‫لكليفورد سيمكا و[شامبليو] (عام ‪ )1933‬ملور‪.‬‬
‫باملقابل حدث رد فعل ايديولوجي على وصم‬
‫املرخييني بتلك الوصمة كان واضحاً سريعاً‬
‫يف روايات عن حياة مرخيية حاملة مثل [إنسان‬
‫الفضاء املنسي] (عام ‪ )1933‬لشويلر ملر‪،‬‬
‫و[خملص قديم] (عام ‪ )1934‬لرميوند غالون‪،‬‬
‫يف حني أن إنشاءات يف علم األحياء اخلارجي‬
‫مفصلة أكثر صورت يف قصص مثل [حطام‬
‫الكويكب] (عام ‪ )1932 – 1933‬لالورنس‬
‫ماننغ‪ ،‬و [سلسلة أسفار مرخيية] (عام ‪)1934‬‬
‫لستانلي واينبوم‪.‬‬
‫مع أن السابقة املنسوبة إىل ويلز‪ ،‬فإن الرومانس‬
‫العلمي الربيطاني أفاد من املريخ بدرجة أقل‬
‫بكثري من اخليال العلمي ذي املوضوعات املثرية‪،‬‬
‫إن ويلز نفسه مل يتحدث عنه ثانية أبداً‪ ،‬مع أنه‬
‫استشهد به على حنو غريب يف [جنيب النجم]‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫(عام ‪ ،)1937‬وأن االفرتاضات الضمنية يف‬
‫[حرب العوامل] كانت عرضة لدحض أيديولوجي‬
‫قاس جداً يف اخليال اجلامح الديين [خارج‬
‫ٍ‬
‫الكوكب الساكن] للويس (عام ‪.)1938‬‬
‫التصوير املسرحي اإلذاعي ألورسون ويلز تصور‬
‫جعل مشروع املرخييني دميقراطياً‪ ،‬وقد شجع‬
‫هذا كتّاب اخليال العلمي للنوع لينتقلوا إىل‬
‫حقول جديدة أكثر‪ ،‬ففكرة االستعمار البشري‬
‫للمريخ تقدمت على حنو متزايد إىل صدر‬
‫جدول أعمال املوضوعات املثرية‪.‬‬
‫[ناسك املريخ] لكليفور سيماك (عام ‪،)1939‬‬
‫و [الكهف] (عام ‪ )1944‬لشويلر مولر‪ ،‬أذنا‬
‫بالتوسع يف مخسينيات القرن العشرين املبكرة‪،‬‬
‫وهو ما صنعته أعمال مثل [رمال املريخ] (عام‬
‫‪ )1951‬آلرثر كالرك و [املريخ قاعدة أمامية]‬
‫(عام ‪( )1952‬يعرف أيضاً بـ ابن املريخ) جلودث‬
‫مريل وكورنبلوث و [غبار الغرباء] (عام ‪)1955‬‬
‫لـ توب‪.‬‬
‫إن احنطاط التخيالت املنسوبة إىل بوروس جنا‬
‫من هذا التغري إال أنه أُعدي بنوع الفت للنظر‬
‫من التوق إىل املاضي‪ ،‬الذي كان واضحاً على‬
‫حنو متزايد يف عمل يل براكيت أثناء تطوره‬
‫من [حبث مرخيي] (عام ‪ )1940‬عرب [ظل على‬
‫املريخ] (‪ 1944‬كتاب عام ‪ 1951‬يعرف أيضاً‬
‫بـ االنتقام من تريا) إىل [ملكة سراديب املوتى‬
‫املرخيية] (‪ 1949‬كتاب موسع عام ‪ 1964‬بـ سر‬
‫سنهارات) و [ملوك البحر يف املريخ] (‪1949‬‬
‫كتاب عام ‪ 1953‬بـ سيف ريانون)‪.‬‬
‫أدخلت حتسينات على البيئة إىل مدى أبعد‬
‫من قبل راي برادبوري الذي كمّل [إكليل من‬
‫املعرفة التقليدية عن السديم األمحر] (عام‬
‫‪ )1946‬جنباً إىل جنب مع [نزهة املليون سنة]‬
‫(عام ‪ )1946‬وواصل ليكتب [املريخ هو جنة]‬
‫(عام ‪ )1948‬و(البقاء ساطعاً) (عام ‪)1948‬‬
‫و [تسمية األمساء] (عام ‪ )1949‬ومواد أخرى‬
‫تشكل [التواريخ املرخيية] وهو مركب من‬

‫عناصر خمتلفة كالسيكية (عام ‪ 1950‬يعرف‬
‫أيضاً بـ اجلراد الفضي)‪.‬‬
‫إن احلضارة املرخيية تكون ميتة لكن املستعمرين‬
‫البشر للكوكب تنتاهبم أشباحه ويفتنهم تدرجيياً‬
‫تراثه املتلبث‪.‬‬
‫هناك ختيالت متسمة بالتوق إىل املاضي‬
‫مشاهبة استمرت يف التكرر بعد ذلك يف خياالت‬
‫جاحمة – علمية هجينة مثل [وردة إيكليسياتس]‬
‫(عام ‪ )1963‬لروجر زيالزني‪ ،‬و [قنابل موقوتة]‬
‫(عام ‪ )1963‬لباالرد وكانت واضحة على حنو‬
‫متزايد يف روايات عن االستعمار مثل [انقضاء‬
‫وقت مرخيي] (عام ‪ )1964‬لفليب ديك‪ .‬و‬
‫[والشوكة احلديدية] (عام ‪ )1967‬ألجليس‬
‫بودري‪.‬‬
‫الصحراء املرخيية كانت خلفية مثالية‬
‫للروبنسوناديني مثل [ال يوم مجعة لإلنسان]‬
‫(‪ 1956‬يعرف أيضاً بـ للمرة األوىل على املريخ)‬
‫لريكس جوردون‪ ،‬و [اإلنسان الذي ضيع البحر]‬
‫(‪ )1959‬لثيودور ستورجيون‪ ،‬و [أهالً وسهالً‬
‫بكم يف املريخ] (عام ‪ )1967‬وملستعمرات‬
‫السجن املروعة يف [املريخ يف ضوء القمر] (عام‬
‫‪ )1958‬لفريدريك بول و [وداعاً نعيم األرض]‬
‫(عام ‪ )1966‬لكومبتون‪ ،‬لكنها خدمت أيضاً‬
‫كمسقط رأس ملخ ِّلص منتظر جديد يف [غريب‬
‫يف أرض غريبة] (عام ‪ )1961‬لروبرت هيلني‪.‬‬
‫كان املريخ هدفاً رئيساً لربنامج الفضاء يف‬
‫الواليات املتحدة منذ ابتدائه‪ ،‬وفقاً لنشرة‬
‫متهيدية أعلنت من قبل ورنر فون براون يف‬
‫[مشروع املريخ] (عام ‪.)1953‬‬
‫لقد عد برنامج أبولو من قبل كثريين كربيب‬
‫ملهمة املريخ بدالً من أن يكون هدفاً يف ذاته‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1962‬صاغت ناسا خططاً إلرسال‬
‫رحل انكفائية بني كوكبية –حاملة لإلنسان‪.‬‬
‫من ناحية ثانية‪ ،‬ويف عام ‪ 1964‬فإن الصور‬
‫اليت أرسلت إىل الوراء من قبل مارينر‪-4‬‬
‫أوحت بأن هذه املقرتحات – مع الصور‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪23‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اخليالية العلمية املعاصرة للمريخ – كانت‬
‫متفائلة أكثر مما ينبغي بكثري‪.‬‬
‫يف الوقت الذي أثبتت فيه هابطة الفايكنغ يف‬
‫السبعينيات من القرن العشرين أن املريخ كان‬
‫عدائياً أكثر بكثري مما كان يرجى يف وقت أبكر‪،‬‬
‫وعليه فإن اقرتاح ناسا يف عام ‪ 1969‬بشأن‬
‫إجراء إعدادات جدية من أجل مهام إىل املريخ‬
‫حُرم من مساعدة احلكومة يف ذلك احلني‪.‬‬
‫خيبة األمل بسبب اكتشاف مريخ قاحل جداً‬
‫بدالً من البارسوم املنسوب إىل بوروس أو‬
‫شيء متوسط سهل القياد إىل حد ما قدرت‬
‫استقرائياً على حنو متجهم يف [األرض قريبة]‬
‫(عام ‪ )1970‬للوديك بيسك يف حني أن [إنكا‬
‫املرخيي] (عام ‪ )1976‬إليان واطسون‪ ،‬و [يف‬
‫قصر امللوك املرخييني] (عام ‪ )1977‬جلون‬
‫فاريل‪ ،‬سلما بأن األرض املرخيية غري الواعدة‬
‫سوف حتتاج إىل طاقات تعويض خارقة إذا كان‬
‫أي صدى لألحالم اخليالية العلمية القدمية‬
‫سينبثق من ذلك‪.‬‬
‫وقد أظهر رد فعل غري هياب على اليأس يف‬
‫عدد كانون األول ‪ 1974‬من [النظري] اخلاص‬
‫باملريخ‪ ،‬والذي تضمنت النموذجية [نيكس‬
‫أوملبيكا] لوليم والنغ‪ ،‬و [حالة اجلو على املريخ]‬
‫أللكس وفيليس أيزنشتاين‪ ،‬لكن إثبات فايكنغ‬
‫أن املريخ غري ذي حياة كان لطمة كبرية ألسطورة‬
‫عصر الفضاء‪.‬‬
‫ً‬
‫لقد بدا أن املريخ من اآلن فصاعدا ميكن أن‬
‫ميثل دوراً مهماً يف اخليال العلمي اجلاد فقط‬
‫كمكان‪ ،‬حيث يرغب الناس يف الذهاب إليه‬
‫جملرد أنه كان هناك كما يف التاريخ البديل‬
‫[رحلة ناسا] (عام ‪ )1996‬لستيفن باكسرت‪.‬‬
‫من ناحية أخرى‪ ،‬مل يكن اجلميع يائسون متاماً‪،‬‬
‫فقد بقيت مع ذلك إمكانية أن البيئة املرخيية‬
‫ميكن ختليصها من موهتا وقسوهتا الشديدين‬
‫بوساطة زراعتها‪.‬‬
‫عوض جيمس لولوكيد عن خيبة آماله األبكر‬

‫‪24‬‬

‫يف ناسا باستقصاء إمكانية ختليص املريخ‬
‫من موته يف [اخضرار املريخ] (عام ‪ 1984‬مع‬
‫ميشل ألباي) الذي ظهر وسط فيض متزايد‬
‫من روايات اخليال العلمي اليت حياول فيها‬
‫الراغبون يف أن يكونوا مستعمرين للمريخ‬
‫التعويض بالتقانة احليوية عن افتقار الطبيعة‬
‫لالحتياط‪ .‬وقد تضمنت األمثلة البارزة [زائد‬
‫رجل] (عام ‪ )1976‬لفريدريك بول‪ ،‬و [فرونتريا]‬
‫(عام ‪ )1984‬للويس شاينر‪ ،‬و [املريخ األخضر]‬
‫(عام ‪ )1985‬لكيم ستانلي روبنسون‪ ،‬الذي‬
‫قدرت موضوعاته استقرائياً يف ثالثية تتضمن‪:‬‬
‫[املريخ األمحر] (عام ‪ )1992‬و [املريخ األخضر]‬
‫(‪ )1994‬و [املريخ األزرق] (عام ‪ – )1996‬و‬
‫[طريق اإلقفار] (عام ‪ )1988‬إليان ماكدونالد‪،‬‬
‫و [املريخ – الكوكب األمحر] (عام ‪ )1990‬مليك‬
‫فارن‪ .‬أيضاً [قوس قزح مرخيي] (عام ‪)1991‬‬
‫لروبرت فورورد‪ ،‬و [الغبار األمحر] (عام ‪)1991‬‬
‫لباول ماكلي‪ ،‬و [رأس اجلسر الساحلي] (عام‬
‫‪ )1992‬جلاك وليمسون‪ ،‬و [املريخ املتحرك]‬
‫(عام ‪ )1993‬لغرغ بري‪ ،‬و [تسلق اوملبوس] (عام‬
‫‪ )1994‬لكيفن أندرسون‪.‬‬
‫إن النشرة التمهيدية لزراعة املريخ سببت‬
‫استنكارات وحركات ارجتاعية متنوعة؛‬
‫فمناصري املذهب البيئي يعرتضون عليها يف‬
‫[تدخل يف هيالس] (عام ‪ )1991‬لدانيل هاتش‪.‬‬
‫تقرتح [رحلة إىل الكوكب األمحر] (عام ‪)1990‬‬
‫لتريي بيسون أن البعثات إىل املرخييني دالة على‬
‫محاقة إىل أحد أنه فقط هوليود ستمول واحدة‬
‫– وهي فكرة أعيدت باختصار مع اختالفات يف‬
‫[صور من بعثة] (عام ‪ )2003‬أللكس إرفني‪ ،‬و‬
‫[املريخ الفاتن] (عام ‪ )2005‬جلاسون ستودارد‪.‬‬
‫وتقرتح [حتت سطح املريخ] (عام ‪ )1997‬لوليم‬
‫هارمتان‪ ،‬أن حفر جحور حتت السطح ميكن‬
‫أن يكون خياراً أفضل من زراعة املريخ‪ ،‬وهي‬
‫نظرية كررت يف [هنر الغبار] (عام ‪)1996‬‬
‫أللكسندر جابلوكوف‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫فكرة احلياة املرخيية رفضت املوت مع أهنا‬
‫عدلت يف حديث ناسا إىل نظرية أنه رمبا كانت‬
‫توجد حياة على املريخ يف املاضي السحيق‪.‬‬
‫إن اكتشاف آثار باهتة من امليتان من قبل سوابر‬
‫أخرى اقرتح أن الغالف اجلوي املرخيي قد ال‬
‫يكون خامالً متاماً‪ ،‬جميزاً ظهور روايات عن‬
‫حياة قصرية األجل مثل [العرق املرخيي] (عام‬
‫‪ )1999‬لغريغوري بنفورد‪.‬‬
‫إحدى النتائج اليت حصلنا عليها من سوابر عام‬
‫‪ 1976‬كانت صورة فوتوغرافية لبنية صخرية‬
‫أصبحت تعرف بـ (وجه املريخ) واليت أثبتت أهنا‬
‫جذابة لذوي التأمل املبهم واملتخصصني يف‬
‫العلم الزائف أكثر بكثري من أي جمرد أثر ضئيل‬
‫من امليتان‪.‬‬
‫إن [آثاراً باقية يف املريخ‪ :‬مدينة على حافة األبد]‬
‫(عام ‪ )1987‬فسرت البنية واملعامل اجملاورة‬
‫املتنوعة كخرائب مدينة رمبا بنيت من قبل زوار‬
‫من مكان آخر‪.‬‬

‫الصور الفوتوغرافية اليت التقطت بواسطة‬
‫املاسح الشامل للمريخ ‪ 1998‬وسوابر (سلسلة‬
‫أسفار ‪ )Odyssey‬املريخ يف ‪ ،2001‬واليت‬
‫اقتضت ضمناً أن الوجه كان نتاجاً صنعياً‬
‫(مليز الكامريا) قليل الرباعة واإلضاءة‪ ،‬األمر‬
‫الذي دفع بصرف النظر عنها على حنو متعذر‬
‫اجتنابه من قبل واضعي نظرية املؤامرة اليت‬
‫تدعي إخفاء احلقيقة‪.‬‬
‫كيّف الوجه على حنو متنوع يف أعمال اخليال‬
‫مثل [كآبة الكوكب األمحر] (عام ‪ 1989‬وسع‬
‫‪ 1992‬بـ ورطة الليل) والفيلم [مهمة إىل املريخ]‬
‫(عام ‪ )2000‬وحادثة عرضية يف ‪ 2002‬يف‬
‫السلسلة التلفزيونية املصنوعة على شكل رسوم‬
‫متحركة‪.‬‬
‫هناك واقعية مصممة احتفظ هبا خالل منقلب‬
‫القرن يف أوصاف كئيبة للسطح املرخيي مثل‬
‫[جبل أوليمبوس] (عام ‪ )1998‬لبود‬
‫سبارهاوك‪ ،‬و [حكاية زوارت بيت] (عام‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪25‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪ )1998‬آللن ستيل‪ ،‬و [عبور املريخ] (عام ‪)2000‬‬
‫جليوفري النديس‪ ،‬و [اهلبوط على املريخ] (عام‬
‫‪ )2002‬و [محلة األطفال العنيفة] (‪)2002‬‬
‫لروبرت ريد‪ .‬ومعظم القصص اليت قدمت يف‬
‫[سوابر املريخ] (عام ‪ )2002‬لبيرت كروثر‪.‬‬
‫إن التوق إىل املاضي استمر يف التكرر يف‬
‫(أعمال الوالء) مدروسة مثل [األمري التافه أو‬
‫امللكة‪ -‬جنس لسراديب املوتى املرخيية] (عام‬
‫‪ )2000‬هلارلن إلسون‪.‬‬
‫األقمار املرخيية صغرية أكثر مما ينبغي جلذب‬
‫اهتمام كثري كخلفيات لقصص اخليال العلمي‬
‫إال أن فوبوس يزخرف على حنو دخيل للنشر‬
‫يف [مدينة املريخ املنسية] (عام ‪ )1934‬هلارل‬
‫فينسنت و [فوبوس الكوكب الروبوت] (عام‬
‫‪ )1955‬لباول كابون و [رومانس مع تغريات‬
‫فوبية] (عام ‪ )2001‬لتوم بوردوم‪ ،‬و [دواليب‬
‫احللم] (عام ‪ )1980‬جلون فورد‪ ،‬واملذكور أخرياً‬
‫يصف بناء سكة حديدية حول فوبوس‪.‬‬
‫السبب يف أن دميوس مل مينح معاملة مماثلة‬
‫غري واضح‪ ،‬لكن يبدو أنه وقع يف إمهال نسيب‬
‫بعد أن مثل دوراً مهماً على حنو متقن يف‬
‫[بلورات اجلنون] (عام ‪ )1936‬جليمس‪.‬‬
‫السعي إلرسال رواد فضاء إىل املريخ يبدو‬
‫حثيثاً‪ ،‬فقد قضى الطاقم املؤلف من ثالثة‬
‫روس وإيطايل وصيين وفرنسي حنو ثالثة أشهر‬

‫‪26‬‬

‫يف حماكاة رحلة إىل املريخ والعودة منه‪ ،‬يف رحلة‬
‫افرتاضية يتوقع أن تستغرق ‪ 520‬يوماً‪ ،‬حيث‬
‫تقدر مدة رحلة الذهاب إىل الكوكب األمحر‪،‬‬
‫والعودة منه مبا يقرب من ‪ 15‬شهراً‪ .‬غري أن‬
‫امللل مل يتسلل بعد إىل «املرخييني األرضيني»‪،‬‬
‫خالل عزلتهم اليت جتاوزت ‪ 90‬يوما حتى‬
‫‪.15/9/2010‬‬
‫يف هذا الصدد‪ ،‬قال بيرت غريف‪ ،‬رئيس وكالة‬
‫الفضاء والطريان األملانية‪« :‬ال يريد أحد منهم‬
‫اخلروج»‪ .‬وال يزال الستة متحمسني بشأن‬
‫اختبار قوة التحمل الذهين‪ ،‬يف الوقت الذي‬
‫صاروا فيه يقومون بأعمال روتينية‪ .‬وكتب‬
‫دييغو أروبينا اإليطايل املشارك يف الرحلة‪ ،‬على‬
‫موقع تويرت للتواصل االجتماعي‪ ،‬إنه ال تزال‬
‫لديه أحالم بشأن الناس الذين يعيشون خارج‬
‫الكبسولة‪.‬‬
‫تشبه هذه «املركبة الفضائية» برنامج بيغ برذر‬
‫التلفزيوني‪ ،‬الذي جيرب فيه املتسابقون على‬
‫اإلقامة معاً يف عدد قليل من الغرف‪ ،‬ختضع‬
‫للمراقبة املستمرة طوال اليوم‪ ،‬حيث إن هذه‬
‫«املركبة» مزودة بكامريات تسجل على مدار‬
‫الساعة ما إذا كان املشاركون يف هذه التجربة‪،‬‬
‫يعملون على تنفيذ املشروعات البحثية املئة‬
‫املكلفني هبا‪.‬‬
‫بينما يقول ينس تيتسه‪ ،‬الباحث الطيب جبامعة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫ارلنغن نورنربغ «يشارك هؤالء الفتية بنجاح‬
‫هائل» يف هذه التجربة‪.‬‬
‫وكان تيتسه وفريق التغذية التابع له أعدوا‬
‫برناجمهم الغذائي مسبقاً‪ .‬وقال تيتسه إنه من‬
‫املتوقع أن يتناولوا مجيعاً الوجبات املدرجة على‬
‫القائمة‪ ،‬بينما مل يغفلوا عن إجراء التحاليل‬
‫الدقيقة لبوهلم‪ .‬ويتعلق أحد االختبارات‬
‫مبعرفة تأثري ملح الطعام على ضغط الدم‪،‬‬
‫فيما تسمح أحدث التقنيات للعلماء مبتابعة‬
‫مرضاهم بدقة‪.‬‬
‫لقد قضى الكابنت أوليفر تويكل‪ ،‬الضابط‬
‫يف اجليش األملاني ‪ 105‬أيام حتت املالحظة‬
‫يف كبسولة االختبار مبوسكو‪ ،‬حيث يصف‬
‫مشروع املريخ ‪ 500‬احلايل بأنه «أكثر التجارب‬
‫تعقيداً يف تاريخ الرحالت الفضائية»‪ ،‬نظراً‬
‫للغموض الذي يكتنف مستقبل املشاركني‬
‫الستة يف التجربة خالل األيام الـ ‪ 450‬املقبلة‪.‬‬
‫يف حني يعد تويكل أن التجربة تزداد جناحا‬
‫يف الوقت الذي تقل فيه احلماسة‪ ،‬نظراً‬
‫«ألنك تؤدي كل املهام نفسها بالفعل بصفة‬
‫متكررة»‪ ،‬يف وصف لتجربته على مدار‬
‫الوقت‪ .‬ففي هذه األشهر القليلة األوىل‪ ،‬تشغل‬
‫التجارب النفسية والبدنية وقت الطاقم‪.‬‬
‫كتب رومني تشارلز الفرنسي يف مادة نشرها‬
‫املوقع اإللكرتوني لوكالة الفضاء األوروبية‪« :‬بعد‬

‫االستيقاظ من النوم‪ ،‬يتعني على كل شخص‬
‫استكمال أربع أو مخس مهام قبل اإلفطار»‪.‬‬
‫فأوقات الفراغ يف هذه التجربة حمدودة‪ ،‬غري‬
‫أن «مسافري الفضاء» يستغلوهنا أيضاً على ما‬
‫يبدو‪ ،‬حيث بدأ املشارك الصيين يف التجربة وانغ‬
‫يوي يف تعليم تشارلز فن اخلط الصيين املعقد‪.‬‬
‫وكان تشارلز احتفل بعيد ميالده أخرياً‬
‫مع زمالئه بكعكة دافئة‪ ،‬وحظي برفاهية‬
‫تلقي هتنئة عرب اهلاتف‪ ،‬باللغة الفرنسية‬
‫من أحد أصدقائه الذي يعيش يف موسكو‪.‬‬
‫وأوضح غريف قائالً‪« :‬مل يعد هذا ممكناً»‪.‬‬
‫ويف جتربة احملاكاة هذه‪ ،‬ابتعدت «مركبة‬
‫الفضاء» للغاية عن األرض‪ ،‬إىل حد يتعذر معه‬
‫تلقي رسائل صوتية‪ .‬كما أن تلقي الردود من‬
‫املراقبني على األرض يستغرق وقتاً أطول من‬
‫أي وقت مضى بالنسبة للطاقم‪ ،‬حيث تستغرق‬
‫اإلشارات الالسلكية ‪ 20‬دقيقة للوصول من‬
‫كوكب املريخ إىل كوكب األرض‪.‬‬
‫أخرياً‪ ،‬إذا أردت عزيزي القارئ أن تكون من‬
‫سكان املريخ ميكنك طلب ذلك؛ فقد طرحت‬
‫وكالة الفضاء ناسا حديثاً فكرة (املواطنة‬
‫املرخيية) لسكان األرض‪ ،‬وذلك يف املوقع الذي‬
‫أطلقته عام ‪http://beamartian.( 2010‬‬
‫‪.)jpl.nasa.gov‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪27‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نهاية العالم النووية‬
‫في رؤية أمريكية‬
‫حممد ياسر منصور‬

‫من خالل فيلم «الدكتور فوالمور» (الدكتور سرتاجنلوف) َّ‬
‫متكن‬
‫ستانلي كوبريك من إخراج أكثر األفالم شعبية واليت تدور حول‬
‫النزاع النووي‪ .‬إنه نوع مستقل بذاته يف السينما األمريكية‪ ،‬خالل‬
‫فرتة احلرب الباردة وبعدها ‪ ،‬حيث يقوم السالم على «توازن الرعب»‬

‫‪28‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫كان يشاهد من نافذة الطائرة القاذفة ب‬
‫‪ ،29‬التفجر املباغت لكتلة متدفقة من الغيوم‬
‫البيضاء اليت تتحول إىل كرة من نار محراء‬
‫داكنة‪.‬وترسم الطائرة عندئذ دائرة على ارتفاع‬
‫أكثر من ‪10000‬م‪ ،‬لكي تتمكن الكامريا من‬
‫تسجيل حتوهلا إىل شكل لوليب داكن معتم‬
‫يأخذ شكل فطر عمالق … مل يكن ذلك يعين‬
‫خدعة سينمائية هوليوودية جديدة تسعى‬
‫إىل مضاهاة فيلم «اليوم املقبل»‪ ،‬هذا الفيلم‬
‫املتواضع جداً وهو ملون قياس ‪16‬مم ويدوم‬
‫ثالث دقائق ومخسني ثانية بالضبط‪ ،‬لكن‬
‫واقعيته ال يرقى إليها الشك‪ :‬إنه من مقتنيات‬
‫أرشيف القوى اجلوية األمريكية‪ ،‬اليت أمرت‬
‫«بتصويره» من على منت القاذفة‪ ،‬اليت ألقت يف‬
‫‪ 9‬أغسطس ‪ 1949‬قنبلة من البلوتونيوم على‬
‫مدينة ناغازاكي اليابانية ‪ .‬ويف يناير ‪،1980‬‬
‫حصلت جلنة منشورات هريوشيما ناغازاكي‬
‫على نسخ من هذا الفيلم وبثتها على تلفزيون‬
‫الدولة اليابانية ‪ .NHK‬وأحدث هذا احلدث‪،‬‬
‫أصداء ال يستهان هبا‪.‬‬
‫يبدو أن هناك عالقات متميزة يف الواليات‬
‫املتحدة بني آلة التصوير واحلرب الذرية‪ :‬فعدد‬
‫األفالم املصورة يف هذا اجملال منذ العام ‪1950‬‬
‫خصوصاً‪ ،‬كبري إىل درجة أنه ميكن تشبيهه بنوع‬
‫سينمائي مستقل‪.‬‬
‫أصبحت املشكلة تثري االهتمام على الصعيد‬
‫الكوني‪ ،‬فثمة بلدان أخرى شعرت أن األمر يعنيها‬
‫وعربت سينمائياً عن هذه الوساوس‪ .‬منها فيلم‬
‫(هريوشيما حيب) إخراج آالن رسنيس‪ ،‬يف العام‬
‫‪ 1959‬؛ وفيلم (لعبة احلرب) للربيطاني بيرت‬
‫واتكنز‪ ،‬الذي صور يف العام ‪ 1965‬ما سيكون‬
‫عليه انفجار ذري يف إنكلرتا وقد رفضت حمطة‬
‫الـ ‪ BBC‬بثه ألنه كان‪( :‬مفرط الذعر) ‪ .‬وفيلم‬
‫(اهلارب والرحل) من إنتاج إيطايل تشيكي‬
‫مشرتك يف العام ‪ ...1969‬أما اليابان فأخرجت‬
‫من ناحيتها عدداً من األفالم حول هذا املوضوع‬

‫‪ ،1‬لكن مهما كانت قيمتها‪ ،‬تظل هذه األفالم‬
‫حاالت منفردة نسبياً‪.‬‬
‫إن عودة فائدة ما أثارته احلرب الذرية لدى‬
‫السينمائيني األمريكيني‪ ،‬منذ بضع سنوات‪ ،‬قد‬
‫تأخذ يف احلسبان تفجر املخاوف املضطربة‬
‫القدمية‪ ،‬اليت عادت الروح إليها خالل مجيع‬
‫فرتات األزمات السياسية واالقتصادية أو‬
‫القفزات التقانية اليت تسبب القلق‪ ،‬واملفضية إىل‬
‫رؤية كارثية للمستقبل‪ .‬لذا فإن تراكم املعلومات‬
‫الدقيقة‪ ،‬الصادرة عن منظمات رمسية‪ ،‬تبدو‬
‫هي السبب يف تزايد عدد تلك األفالم‪ :‬فقد‬
‫تزايد عدد البلدان املالكة للقنبلة الذرية‪ ،‬وازداد‬
‫انتشار الصواريخ بريشنغ وكروز يف أوروبا‪،‬‬
‫وحصة املواطن من تلك املتفجرات واليت بلغت‬
‫أربعة أطنان ت ن ت لكل مواطن وحممولة على‬
‫‪ 50‬ألف رأس نووي يف العامل‪ ،‬جعلت من ظاهرة‬
‫القتل الوفري ترتجم إىل ازدياد حدة أخطار النزاع‬
‫فعالً‪ .‬وإن مننمة بعض األسلحة جعلتها أكثر‬
‫رهبة أيضاً‪ :‬وهناك إغراءات قوية الستخدامها‬
‫يف املدفعية التقليدية ‪2 .‬‬
‫ليس من املدهش إذاً يف هذا السياق‪ ،‬أن يكون‬
‫السينمائيون هم صدى هذه االهتمامات لدى‬
‫الرأي العام‪ ،‬وخيتارون مواضيع متس مباشرة‬
‫الواقع أو املمكن احلدوث على األقل‪.‬‬
‫مثة فيلمان منوذجيان هبذا الصدد ومها‪:‬‬
‫«اليوم املقبل» ملخرجه نيكوالس ميري‪ ،‬وميثل‬
‫حدثاً إعالمياً مل يسبق له مثيل‪ ،‬يتجاوز‬
‫صدمة فيلم «احملرقة» (اهلولوكوست)‬
‫‪ -1‬راجع مقال دونالد ريتشي (مونو نو آوار‪.‬‬
‫هريوشيما يف فيلم) يف كتاب روبرت هوغس‬
‫(أفالم عن السلم واحلرب) نيويورك ‪. 1962‬‬
‫‪ - 2‬القنبلة األشد خطراً‪ ،‬هي القنبلة ب ‪،53‬‬
‫وتزن أربعة أطنان وحتمل حشوة متفجرة قوهتا‬
‫التفجريية تعادل تسعة ماليني حشوة ت ن ت‬
‫أي ما يعادل ألف قنبلة من القنبلة اليت ألقيت‬
‫على هريوشيما‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪29‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الذي بثته شبكة ‪ CBS‬يف العام ‪ .1980‬وشاهده‬
‫أكثر من مئة مليون أمريكي على شبكة ‪،ABC‬‬
‫يف ‪ 20‬نوفمرب ‪ 1983‬؛ ومت بثه يف ‪ 40‬بلداً وأثار‬
‫جدالً واسعاً وخالفات‪ .‬وال ميكن تفسري جناحه‬
‫لسبب وحيد وهو تأثري الصدمة اليت أحدثها‬
‫لدى اجلمهور‪ ،‬على غرار فيلم (حرب العوامل)‬
‫الذي وضع برناجمه أورسون ويلز لإلذاعة يف‬
‫العام ‪ ،1938‬والذي بث الذعر يف قلوب الناس‪.‬‬
‫يؤكد فيلم (املقهى الذري) الذي أخرجه‬
‫(جاين لوادر) و (بريس رافرتي) يف العام‬
‫‪ ،1982‬هذا التغري احلاصل يف املناخ الثقايف‪،‬‬
‫ويطرح من خالل عملية املونتاج‪ ،‬وثائق قدمية‪،‬‬
‫وفكراً استعادياً‪ ،‬حول دور وسائل اإلعالم يف‬
‫األربعينيات واخلمسينيات وإسهامها يف ظاهرة‬
‫تشويه املعلومات بشكل منهجي منظم لدى‬
‫األمريكيني‪.‬‬
‫بينما كانت مجيع الدوائر الرمسية متتلك‬
‫وثائق مثرية للقلق‪ ،‬كانت حتاك مؤامرة صامتة‬
‫حقيقية لكي تعيش البالد خطراً ذرياً يف مناخ‬
‫من التورية‪ .‬ومت إخراج فيلم صور متحركة‬
‫(تعليمي) لألطفال يعلمهم اختاذ املواقف‬
‫الالزمة حلماية أنفسهم يف حال سقوط قنبلة‬
‫ذرية وهم يف املدرسة ؛ وكانوا يوحون إليهم أنه‬

‫‪30‬‬

‫بعد ساعة من االنتظار يف ملجأ حمصن ضد‬
‫السالح الذري ميكنهم اخلروج إىل اهلواء الطلق‬
‫دون خطر‪ ،‬وميكنهم على األرجح ترديد أناشيد‬
‫عصرية مثل (حيب الذري)‪ .. 3‬ونزع الصفة‬
‫املأساوية عن نتائج حرب ذرية بدأ منذ العام‬
‫‪:1945‬‬
‫أمل تتم تسمية القنبلتني الذريتني األمريكيتني‬
‫«الولد الصغري» و «الرجل السمني» ومها‬
‫من عيارين خمتلفني وألقيتا على هريوشيما‬
‫‪ - 3‬يف الفرتة نفسها نشرت الصحافة مقاالت‬
‫مماثلة (راجع يو إس نيوز آند وورلد ربورت‬
‫عدد ‪ 25‬سبتمرب ‪( :)1961‬إن تسقط القنابل)‪،‬‬
‫حيث يؤكد أنه إذا دمرت املصارف‪ ،‬فباإلمكان‬
‫استمرار سحب الشيكات ‪ .‬أو مقال اليف‬
‫(تاريخ ‪ 15‬سبتمرب ‪)1961‬الذي يقول‪( :‬كيف‬
‫ميكنك البقاء على قيد احلياة من الغبار‬
‫الذري املتساقط ‪ .‬وميكن إنقاذ ‪ 97‬من أصل‬
‫‪ :)100‬ويقصد باملقال كيف ميكن احلماية من‬
‫اإلشعاعات بشرب الشاي الساخن‪ ...‬ويورد‬
‫املقال صوراً ألسرة مؤلفة من مخسة أشخاص‬
‫يعيشون براحة داخل ملجأ‪ ،‬ويقومون بالدعاية‬
‫ملالجئ يكلف واحدها ‪ 700‬دوالر فقط‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫وناغازاكي ‪4‬؟‬
‫شكل اخلطر الذري مدخالً سهالً وميسراً‬
‫إىل رمز العنصرية العامل ‪,‬اجلنس البشري‬
‫والشيطان (إخراج العام ‪ )1959‬هذا الفيلم‬
‫الذي جعل الذهان اهلذياني يشتد لدى مشاهدة‬
‫هذه األفالم ‪ .‬ويف فيلم «املوت عند الوصول»‬
‫إخراج عام ‪ ،1949‬جند معدناً مشعاً نادراً يقتل‬
‫رجالً‪ ،‬كما يف فيلم «قبلين حتى املوت» إخراج‬
‫عام ‪ ،1955‬وفيه جند علبة سرية تطلق حرارة‬
‫مشبوهة تؤدي إىل كارثة حني فتحها‪.‬‬
‫األفالم اليت يدور موضوعها حول احلرب‬
‫الذرية مل تكن فقط أفالماً خيالية مأساوية أو‬
‫رمزية‪ :‬إهنا تتناول مسألة احلرب على أهنا حرب‬
‫املستقبل وهذه هي حال كل األفالم تقريباً‪.‬‬
‫والقليل من اإلنتاج السينمائي جترأ وأشار إىل‬
‫أن اجليش األمريكي هو الذي استعمل القنابل‬
‫الذرية يف العام ‪ ،1945‬بغض النظر عن األفالم‬
‫الوثائقية اخلاصة باألرشيف واليت ال يطلع‬
‫عليها العامة غالباً‪ .‬وهذه األفالم أيضاً أخذت‬
‫بعداً تسويغياً واضحاً فيما بعد‪...‬‬

‫يف العام ‪ ،1947‬أنتج فيلم (البداية أو النهاية)‪5‬‬
‫من قبل ‪ MGM‬وحتت مراقبة شديدة من‬
‫احلكومة األمريكية لشرح أصل القنبلة الذرية‪،‬‬
‫وهو مشروع ماهناتان ‪ .‬والرئيس هاري ترومان‬
‫يطلق بنفسه هذه الرسالة يف الفيلم مشبهاً‬
‫القنبلة الذرية بعنصر طبيعي‪( :‬القوى نفسها‬
‫اليت تلهب الشمس قد حتررت ضد اجملرمني‬
‫الذين شنوا احلرب يف احمليط اهلادي)‪.‬‬
‫يشري فيلم (فوق والعامل اآلخر) إخراج ‪،1952‬‬
‫إىل تدريب العقيد (الكولونيل) بول تيبتس‪،‬‬
‫الذي كان مسؤوالً عن عملية إسقاط القنبلتني‬
‫على هريوشيما وناغازاكي‪ .‬إنه عسكري متفوق‬
‫ومدرب جيداً‪ ،‬وتساعده امرأة مثالية تقبل دون‬
‫تردد أن يكلف زوجها أداء مهمة سرية‪...‬‬
‫غري أن أصل القنبلة الذرية مل يقدم دائماً‬
‫ضمن هذا السياق املتفائل‪ :‬فقد أراد فريتز‬
‫النغ منذ العام ‪ 1946‬إثارة مشاعر الرأي العام‬
‫جتاه أخطار السالح النووي من خالل أحد‬
‫أفالم اجلاسوسية العلمية وهو فيلم (القناع‬
‫واخلنجر)‪.‬‬
‫لكن املسؤولني عن اإلنتاج (سينما‬

‫‪ - 4‬هناك جمسمان باحلجم الطبيعي للقنبلتني‬
‫معروضان يف املتحف الذري الوطين يف مدينة ‪ - 5‬رمبا كان عنوان الفيلم مستوحى من‬
‫الرئيس األمريكي هاري ترومان نفسه‪.‬‬
‫البوكريك يف والية نيومكسيكو‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪31‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الواليات املتحدة) فرضوا عليه وضع هناية‬
‫سعيدة ممسوخة وألغوا اجلميلة األخرية اليت‬
‫فيها حتذير واليت يطلقها بطل الفيلم‪ ،‬وهو‬
‫عامل يقوم بدور روبرت أوبنهيمر بشكل شفاف‬
‫حيث يقول‪ :‬فليبق اهلل أسرار القنبلة الذرية يف‬
‫أيدينا‪ ،‬وإال هلكت البشرية ‪.»6‬‬
‫خارج إطار تلك األفالم النادرة ذات البعد‬
‫التارخيي‪ ،‬كانت احلرب العاملية الثالثة‪« ،‬احلرب‬
‫الشاملة» هي املهيمنة على أفق السينما‬
‫األمريكية منذ أن استندت إىل احلرب الذرية‪.‬‬
‫ويف املرحلة األوىل‪ ،‬أعطى األبطال هذه احلرب‬
‫صفة جتميلية خففت من حدة صورهتا‪ ،‬وهي‬
‫صفة شبه مطلقة نظراً ملا فيها من تورية وتلميح‬
‫وإمهال لبعض األشياء البصرية‪ ،‬إىل درجة أهنم‬
‫كانوا ينفرون من إماطة اللثام عن الذعر مع‬
‫اإلشارة إليه إشارة مبطنة وبشكل غري مباشر‪.‬‬
‫‪ - 6‬لقاء مع (فريتز النغ) نشر يف جملة (صورة‬
‫وصوت) باريس‪ ،‬العدد ‪ ،216‬أبريل ‪. 1968‬‬

‫‪32‬‬

‫ثم جاء دور احلذف والتلميح كطريقة للعرض‬
‫أقل ظهوراً للعيان‪ ،‬وترسخ هذا األسلوب من‬
‫خالل سلسلة من السببية‪.‬‬
‫تظهر هذه األفالم كيف أن اجلمهور‪ ،‬من خالل‬
‫نظام متنوع من الرموز املرئية‪ ،‬بدأ يقبل شيئاً‬
‫فشيئاً مواجهة ما ستكون عليه حقيقة حرب‬
‫نووية فعالً‪ :‬فمن خالل وساطة اخليال العلمي‬
‫اكتسب اجلمهور نضوجاً كافياً ليتلقى فيما‬
‫بعد حديثاً ال ميكن وصفه ويرى صوراً مل يكن‬
‫يتخيلها‪ .‬هذه كلها عالقة اجلمهور األمريكي‬
‫بالواقع الذي قد يأتي‪.‬‬
‫أول فيلم جتاري ضخم عاجل فعالً مشكلة‬
‫اإلبادة الذرية يظل فيلم «على الشاطئ»‪ .‬وكان‬
‫حدثاً عظيماً مماثالً لفيلم «اليوم املقبل» عندما‬
‫عرض يف ديسمرب ‪ ،1959‬فقد عرض يف آن‬
‫واحد يف معظم املدن الكربى يف العامل‪ .‬فنحن‬
‫اآلن يف العام ‪ ،1964‬وقد نشبت حرب ذرية‬
‫قلبت كيان مجيع القارات ‪ .‬ومل يبق على قيد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫احلياة سوى‪ :‬طاقم غواصة أمريكية وسكان‬
‫اسرتاليا‪ ،‬الذين جنوا بفضل هبوب رياح مواتية‪.‬‬
‫لكن النشاط اإلشعاعي يتقدم‪ ،‬ويعرف اجلميع‬
‫أهنم حمكوم عليهم باملوت القادم‪ ،‬احملتوم‪.‬‬
‫وهذا العمل السينمائي يقدم صورة متكاملة‬
‫السرتاتيجيات اإلبادة أو البعد عن الواقع‪ .‬وبدأ‬
‫اخليال العلمي بعد تفجر القنبلة الذرية‪ :‬وهذا‬
‫اخليار البعيد عن الواقع‪ ،‬يتجنب متثيل هذا‬
‫احلريق متثيالً يشبه الكابوس‪ ،‬ويف الوقت‬
‫نفسه يضع املشاهد مباشرة خارج كل حقل‬
‫سياسي‪ :‬وال يعطينا املخرج أي سبب‪ ،‬فنحن يف‬
‫زمن األقدار والنكبات واملصائب‪.‬‬
‫البعد عن اجملال له درجات متعددة‪ :‬فاألبطال‬
‫األمريكيون يف نصف الكرة األرضية اآلخر‪،‬‬
‫حتت املاء‪ ،‬أي دون أي متاس مباشر مع األرض‪.‬‬
‫وعندما ميوت االسرتاليون الواحد بعد اآلخر‪،‬‬
‫عندها فقط يقرر طاقم الغواصة األمريكية‬
‫العودة للموت يف الواليات املتحدة‪ .‬ومتثيل نتائج‬
‫احلرب الذرية قد حجب كذلك‪ :‬فقد ظهرت‬
‫إصابة األسرتاليني باألشعة وكأهنا أوضاع غري‬
‫مرحية وغثيان‪ ،‬لكن دون أن يظهر عليهم أي‬
‫أثر خارجي‪ :‬فاملمثلة آفا غاردنر احتفظت حتى‬
‫النهاية بوجهها اجلميل النضر‪ ،‬وقبل السكان‬
‫تناول كبسوالت من السيانور السام لتسريع‬
‫موهتم‪ .‬ومن ناحية ثانية‪ ،‬فالناس مل يكونوا‬
‫ميوتون‪ ،‬بل يسقطون‪...‬‬
‫من الناحية النفسية‪ ،‬حتى من الناحية‬
‫اإلخراجية‪ :‬الغريب أن كل الناس كانوا سلبيني؛‬
‫وال يوجد أي ذعر بينهم‪ ،‬وال أي عنف‪ ،‬ووجود‬
‫كبت مستمر! ويصور الفيلم اكتشاف مدينة‬
‫سان فرانسيسكو بعد الكارثة‪ ،‬وهو اكتشاف‬
‫متأخر‪ ،‬وأخذت الصورة من أبعد مكان ممكن‪:‬‬
‫فمن خالل منظار الغواصة يكتشف املشاهدون‬
‫املدينة املنكوبة ؛ غري أنه ال يالحظ وجود أي‬
‫دمار يف املدينة واملباني كلها واقفة على حاهلا‪،‬‬
‫ومل يشر الفيلم إىل موت أحد من سكان املدينة‪،‬‬

‫فاملشاهد ال يرى سوى الفراغ‪ ،‬على عكس رواية‬
‫األديب «نفيل شوت» اليت اقتبس الفيلم منها‪،‬‬
‫واليت تصف البيوت احملروقة املليئة باجلثث‪.‬‬
‫على الرغم من أن فيلم «كوكب القرود» أخرج‬
‫بعد تسع سنوات‪ ،‬إال أنه كان حيذو حذو سابقه‪.‬‬
‫فاحلرب الذرية اليت دمرت األرض جرت منذ‬
‫زمن؛ وها حنن بعد ألفي سنة من حدوث‬
‫التدمري‪ ،‬األمر الذي يتيح للسينمائي التوفري يف‬
‫تصوير صدمة اآلثار املباشرة لالنفجار النووي‪.‬‬
‫والباقون على قيد احلياة منقطعون أيضاً عن‬
‫الواقع‪ ،‬ال ينقصهم املاء فحسب‪ ،‬بل اهلواء أيضاً‪:‬‬
‫إهنم خيرجون من سفينة فضاء عادت فسقطت‬
‫على األرض عن طريق اخلطأ ‪.‬‬
‫كل األفالم من هذا النوع كانت تشري إىل احلرب‬
‫الذرية‪ ،‬لكنها تنسى أي عرض دقيق حمدد‬
‫وتلجأ إىل أشياء غامضة أو باألحرى إىل نسج‬
‫خرافات حول الطبيعة البشرية‪ .‬والشخصيات‬
‫ال تتفرد بصفات خاصة بل تتطابق مع منوذج‬
‫مثايل وهو‪ :‬الرجل األخري‪ ،‬شارلتون هستون‬
‫(الذي كان دوره األساسي يف فيلم رجل النهاية‬
‫إخراج عام ‪ ،1971‬سيتوافق مع هذا البعد) الذي‬
‫تتطابق شخصيته مع شخصية آفا غاردنر كما‬
‫ورد معنا أعاله‪ ،‬حيث كانت املرأة األخرية‪ ،‬اليت‬
‫تقف يف وجه الرياح‪ ،‬على الشاطئ األخري‪.‬‬
‫يف الستينيات‪ ،‬كان اللجوء إىل علم الكائنات‬
‫(األنطولوجيا) وإىل عروض ال متت إىل الواقع‬
‫بصلة‪ ،‬من أجل جتنب املواجهة املباشرة مع‬
‫موضوع احلرب الذرية أقل من السابق‪ .‬فقد‬
‫أدرجت يف السينما أبعاد جديدة‪ ،‬فاجلدلية‬
‫أفضل إدراجاً يف االستمرارية التارخيية‬
‫والسياسية‪ .‬وهناك أفالم كمثل الدكتور‬
‫سرتاجنلوف (الدكتور فوالمور)‪ ،‬فشل أمين‪،‬‬
‫حادث بدفورد‪ ،‬ذعر يف املدينة‪ ،‬اليت بدالً من‬
‫أن يُنظر إىل احلرب النووية على أهنا أمر بدهي‬
‫مسلم به‪ ،‬وال مفر منها إىل درجة أنه ال‬
‫حاجة إىل إبرازها وعرضها يف فيلم‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪33‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فإن تلك األفالم تتضمن حبثاً عن اآلليات اليت‬
‫جتعل من املمكن اللجوء إىل السالح النووي‪،‬‬
‫وتنتهي هناك حيث كانت تبدأ أفالم من مثل‬
‫«على الشاطئ»‪.‬‬
‫عقب حتذير خاطئ‪ ،‬تنطلق القاذفات األمريكية‬
‫احلاملة للقنابل الذرية وتتجاوز نقطة الالعودة‪،‬‬
‫أي النقطة اليت مل يعد من املمكن إعادهتا منها‪.‬‬
‫واستخدمت مجيع أجهزة التحكم‪ ،‬حتى إن‬
‫الرئيس األمريكي نفسه أمر القاذفات بالعودة‪..‬‬
‫غري أن طائرة واحدة جتاوزت احلدود وألقت‬
‫قنبلة على موسكو‪ .‬والرئيس األمريكي ليربهن‬
‫للسوفييت على أن ما حدث جمرد خطأ‪ ،‬قرر‬
‫عندئذ أن يضحي مبدينة نيويورك‪ ،‬كشاهد‬
‫على حسن نيته ‪ ...‬إنه احلل «املتفائل» (فشل‬
‫أمين) يف السيناريو الوارد كذلك يف فيلم‬
‫«الدكتور سرتاجنلوف»‪ ،‬والذي مبوجبه ال ميكن‬
‫إيقاف نشوب احلرب العاملية الثالثة‪ ،‬وينتهي‬
‫الفيلم عند مشاهد انفجار شامل‪.‬‬
‫يف البحث عن األسباب املمكنة لنشوب حرب‬
‫نووية‪ ،‬هناك دائماً يف األفالم مسؤولية تلقى‬
‫على عاتق شخصيات فردية ضعيفة (هذيان‬
‫عسكري يف فيلم الدكتور سرتاجنلوف‪ ،‬وخطأ‬
‫يف تفسري أمر عسكري يف فيلم حادث بدفورد)‬
‫واملؤامرة السياسية اليت حاكها جمنون خمتل‬
‫العقل (يف فيلم ذعر يف املدينة) والسلطة اليت‬
‫أفلت زمامها بسبب التقانات اجلديدة‪.‬‬
‫الذكاء االصطناعي الذي تتمتع به احلواسب‬
‫يتألب ضد البشر ويهدد بإشعال حرب ذرية‬
‫(يف فيلم خطة فوربان) ‪ .‬كما نرى مراهقاً‬
‫عمره ‪ 17‬سنة يسعى إىل قرصنة مزرعة يف‬
‫ألعاب الفيديو‪ ،‬وينجح مبساعدة جمرد خط‬
‫هاتفي وحاسوب شخصي صغري يف حل رموز‬
‫الشيفرة للدفاع الوطين األمريكي وينجح يف‬
‫تشغيل أجهزة إطالق األسلحة النووية (يف فيلم‬
‫ألعاب احلرب)‪.‬‬
‫من خالل إبراز جسامة أخطار حرب ذرية جراء ‪ - 7‬أجري لقاء مع أحد املنقذين يف الفيلم الذي‬
‫أخرجه جان مالوري وهو (آخر ملوك توليه)‬

‫آليات وأسباب جتعل العامل ينزلق حنو احلرب‪،‬‬
‫فإن هذه األفالم دخلت بقدمني راسختني يف‬
‫حقل اهتمامات الرأي العام‪ ،‬فكيف ميكن خللل‬
‫بشري أو فين أن يشعل حرباً كونية ؟ ومن هم‬
‫املسؤولون ؟ إن التساؤل حول «توازن الرعب‬
‫« الكامن يف مجيع تلك األفالم‪ ،‬يثري ردة فعل‬
‫أخرى لدى املشاهدين‪ :‬إهنم حمكوم عليهم‬
‫باملوت جراء عجزهم‪ ،‬ويرون أنفسهم مهددين‪،‬‬
‫أو خاضعني مستسلمني لقدرهم على األقل‪.‬‬
‫هذه األفالم اليت صنفت على أهنا «خيال‬
‫سياسي» يف الستينيات‪ ،‬وتتضمن إشعال حرب‬
‫ذرية باخلطأ أو عن طريق املصادفة‪ ،‬مل ختل‬
‫يف واقع األمر من أن حتصل يف الواقع‪ .‬ذلك أن‬
‫تقريراً للجنة القوات املسلحة يف جملس الشيوخ‬
‫األمريكي‪ ،‬ونشر يف العام ‪ ،1980‬يذكر حدوث‬
‫‪ 147‬خطأ أو إنذاراً نووياً خاطئاً وسجلت هذه‬
‫األخطاء خالل ‪ 18‬شهراً‪ ،‬إضافة إىل أربعة‬
‫أخطاء أخرى شديدة اخلطر أدت إىل استنفار‬
‫القاذفات ب ‪ 52‬والوحدات املسؤولة عن إطالق‬
‫الصواريخ العابرة للقارات ‪ .‬ومنذ صيف ‪،1983‬‬
‫فككت قوات الشرطة شبكة لشبان أحد املعاهد‬
‫الدراسية يف وسكونسن‪ ،‬جنحوا يف إرغام‬
‫أجهزة فك الشيفرات على فك رموز احلواسب‬
‫على مجيع األراضي األمريكية‪.‬‬
‫لقد حدثت يف الواقع حوادث نووية حمدودة ‪.‬‬
‫ففي العام ‪ ،1966‬وقعت قنبلة ذرية عن طريق‬
‫اخلطأ من إحدى الطائرات يف إسبانيا‪ .‬ويف ‪21‬‬
‫يناير ‪ ،1968‬حتطمت طائرة ب ‪ 52‬أمريكية‪،‬‬
‫حتمل على متنها أربع قنابل ذرية قرب توليه‬
‫يف غروئنالند ؛ وكما حيدث يف أحد أفالم‬
‫اخليال العلمي‪ ،‬فإن «الرجل البدائي» وهو أحد‬
‫رجال األسكيمو مع زحافته اليت جترها الكالب‬
‫هو الذي أنقذ الطيار‪ ،‬لكنه مل ينج من التلوث‬
‫اإلشعاعي ‪... 7‬‬

‫‪34‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫على الرغم من الرسوخ الضمين يف الزمان‬
‫واملكان األمريكيني‪ ،‬فإن هذه األفالم األكثر‬
‫حداثة متثل منوذجاً (ال يطبق) من احلرب‬
‫الذرية على الرغم من أن الطرائق املتبعة يف‬
‫األفالم كانت خمتلفة وكانت أكثر دقة من طرائق‬
‫العقد السابق‪ .‬ومعظم األفالم كانت تنفيساً‬
‫حمسوباً جيداً‪ :‬فالكارثة األرضية مت جتنبها‬
‫بدقة متناهية (ذعر يف املدينة‪ ،‬خطة فوربان‪،‬‬
‫ألعاب احلرب) أو مت احلد منها وختفيفها (يف‬
‫فيلم فشل أمين)‪.‬‬
‫إن عرض االنفجار الذري يبقى حمجوباً غالبا‪ً،‬‬
‫كما يف فيلم «فشل أمين»‪ :‬فالفيلم ينتهي‬
‫بسلسلة صور ثابتة لسكان مدينة نيويورك‬
‫يف الثواني اليت سبقت إسقاط القنبلة الذرية‬
‫‪ .‬وعندما يعرض متثيل لالنفجار النووي (كما‬
‫يف فيلم دكتور سرتاجنلوف) ويعرب مباشرة عن‬
‫(اجلزء الثاني)‪ ،1970 ،‬من إنتاج القناة الثانية‪.‬‬

‫املسافة من خالل فاصل موسيقي مرافق يضم‬
‫حلناً هزلياً‪ ،‬وهو حلن مكرر حلو يرجع تارخيه‬
‫إىل األربعينيات وتقول كلماته‪« :‬سنتالقى ‪ /‬ال‬
‫أدري أين‪ /‬ال أدري متى ‪ /‬لكننا سنتالقى‪/‬‬
‫يف يوم مشسه مشرقة‪ .»...‬واألسود واألبيض‬
‫املستخدمان يف معظم احلاالت‪ ،‬يزخرفان‬
‫العرض السينمائي وجيمالنه‪ ،‬كالتأثري الذي‬
‫تركته اخلطوط امللونة يف فيلم «ألعاب احلرب»‬
‫اليت تضفي على اللقطات املتتالية مجاالً بارداً‬
‫مطلقاً‪.‬‬
‫سجل فيلم «اليوم املقبل» منعطفاً هاماً‪ :‬فهذا‬
‫الفيلم التلفزيوني يلغي مجيع التكتيكات اليت‬
‫كانت تتيح يف األفالم السابقة إبراز املوضوع‬
‫مع اإلبقاء عليه بعيداً‪ ،‬من خالل التالعب‬
‫باجملاالت البعيدة املكانية والزمانية أو اإلحياء‪.‬‬
‫وقد دشن فيلم ماير عهداً من خربات‬
‫حماكاة الواقع‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪35‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يدل تغري طبقة الصوت وحده على االبتعاد‬
‫يف اجملال‪ :‬ففي املنزل‪ ،‬وضمن إطار احلياة‬
‫اخلاصة‪ ،‬يأتي الفيلم ليستجوب املشاهدين‪،‬‬
‫فالتجربة مثرية للقلق واالضطراب أكثر مما‬
‫هو متوقع عندما خيرب التلفزيون املشاهد‬
‫حبصول حرب نووية حقيقية‪ .‬فقد سبق يف‬
‫العام ‪، 1983‬أن أجريت جتربة مشاهبة بشكل‬
‫مربمج يف التلفزيون األمريكي‪ :‬ذلك أن «موجز‬
‫األنباء اخلاص» كان يضم اإلعالن عن معلومات‬
‫على طريقة األخبار املصورة‪ .‬ويتضمن اخلرب‬
‫أن جمموعة من اإلرهابيني استولت على قنبلة‬
‫ذرية وهتدد بتفجريها‪ ...‬وعلى الرغم من مرور‬
‫الشريط اإلخباري املستمر يف أسفل الشاشة‬
‫واملتضمن اجلملة التالية‪« :‬هذا خرب خيايل»‬
‫(أي أنه غري حقيقي) وهذه اجلملة فرضتها‬
‫جلنة االتصاالت الفيدرالية‪ ،‬إال أن جزءاً من‬
‫اجلمهور انتابه الذعر واتصل هاتفياً دون‬
‫انقطاع للحصول على نصائح من أجل البقاء‬
‫على قيد احلياة‪.‬‬
‫لقد أرسى فيلم «اليوم املقبل» دعائم اخليال يف‬
‫أعماق أمريكا‪ ،‬وإن املدن التالية‪ :‬كنساس سييت‪،‬‬
‫لورنس‪ ،‬سداليا‪ ،‬غرينردج مثلها مثل هامالن‪،‬‬
‫يف فيلم «الوصية»‪ 8‬ليست مدناً أسطورية‬
‫خيالية كبرية‪ ،‬بل مدناً متوسطة ‪ .‬ويرى املرء‬
‫فيها أناساً عاديني‪ ،‬يف حياهتم اليومية املساكن‬
‫اخلاصة‪ ،‬أماكن العمل أو اللهو ‪ .‬ومل يعد كبار‬
‫املسؤولني السياسيني أو العسكريني حيتلون‬
‫واجهة املشهد‪ ،‬كما يف أفالم اخليال السياسي‬
‫اليت ظهرت يف الستينيات‪ ،‬حيث كان الشعب‬
‫األمريكي ال يُرى يف الفيلم‪ ،‬بل الرجل العادي‬
‫القاطن يف املدن املتوسطة‪.‬‬
‫األمهية املوالة للزمن «القادم» تبقى اجلرأة‬
‫السينمائية األعظم يف فيلم «اليوم املقبل» وفيلم‬
‫«الوصية» ‪ :‬وعلى عكس األفالم الكارثية اليت‬
‫تنهي العامل بعد تدمريه‪ ،‬فإن احلياة تستمر‪،‬‬

‫‪36‬‬

‫‪ - 8‬عرض يف باريس يف ‪ 13‬يونيو ‪. 1984‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫وميكن للعامة أخرياً رؤية إبادة بعض األجناس‬
‫(زوال النباتات‪ ،‬نفوق احليوانات)‪ ،‬تصاعد‬
‫العنف جراء اخلوف من املوت أو احلصار‪،‬‬
‫واحلرمان من كل مكتسبات احلضارة (من‬
‫ماء وكهرباء ووسائط االتصال)‪ ،‬واالحنطاط‬
‫البدني املتفاقم لدى من أصيبوا باإلشعاعات‪.‬‬
‫النتيجة اليت يقدمها لنا فيلم «اليوم املقبل» هي‬
‫التالية‪( :‬الصور اليت شاهدمتوها خمففة قياساً‬
‫إىل األضرار اليت ختلفها حرب نووية حقيقية)‪.‬‬
‫وقد أكد هذه احلقيقة املرة الناجون من‬
‫انفجاري هريوشيما وناغازاكي والبالغ عددهم‬
‫حنو ‪ 327000‬شخص‪ .‬وهذه األفالم اليت‬
‫حتاكي احلرب الذرية ال تدعي أهنا متثل احلرب‬
‫متثيالً صادقاً مع أهنا مصنفة من قبل جملة‬
‫نيوزويك ‪ )9(9‬كأفالم واقعية‪ .‬وقد تعمدت هذه‬
‫األفالم انتقاء نربة تلميحية‪ :‬وهي األثر الرادع‬
‫املنتظر قد يلغى بسبب العرض املفرط يف دقة‬
‫ما هو مرعب وخميف (إذ يوشك املشاهدون أن‬
‫يرفضوا الفيلم‪ ،‬أو على العكس‪ ،‬يشعرون مبتعة‬
‫عكسية لدى رؤية ما يسميه توم وولف «العنف‬
‫اإلباحي» )‪.‬‬
‫مت إدخال عدد من اخلدع السينمائية أو‬
‫«اجلوازات الدرامية» ألجل تضخيم التأثري‬
‫الواقعي‪ :‬فثمة لقطات بالتصوير البطيء‬
‫لالنفجارات تتيح رؤية أفضل هلا يف حني أن كل‬
‫شيء مير بسرعة كبرية إىل درجة عدم مالحظة‬
‫الربق اهلائل الذي يعمي العيون‪ .‬وعلى املنوال‬
‫نفسه‪ ،‬ففي فيلم «اليوم املقبل» مت التعبري عن‬
‫االنفجار الضخم األول بصرياً مبا يبدو وكأنه‬
‫إشارة مميزة هلذا االنفجار‪ :‬وهو الغيمة اليت‬
‫تأخذ شكل الفطر اهلائل‪ .‬والواقع أن هذا الفطر‬
‫ال يتشكل دائماً يف احلقيقة واألفالم األرشيفية‬
‫تؤكد هذا‪ :‬فكل شيء متعلق بالظروف املناخية‬
‫واألجواء‪ ...‬فالشكل املقولب لالنفجار الذري‬

‫أكثر تأثرياً يف السينما من الواقع‪.‬‬
‫متثيل احلرب الذرية مل يعد يشجع املمثلني‬
‫على تقمص دور األبطال العسكريني‪ ،‬لكنه‬
‫يوشك أن يصطدم بعقبات نوعية أخرى ‪ .‬إذ‬
‫يؤكد أحد املرشدين ليطمئن اجلنود القلقني‪،‬‬
‫يف وثيقة للخدمة يف اجليوش األمريكية يف‬
‫اخلمسينيات‪ ،‬وأدرج قوله يف فيلم «املقهى‬
‫الذري» وهذا القول هو‪« :‬الفطر الذري مشهد‬
‫رائع يستحق التأمل»‪ .‬لقد مت تصوير مجيع‬
‫احلروب‪ :‬احلرائق الصغرية والكبرية‪ ،‬سواء كانت‬
‫حقيقية أو حماكية للحقيقة (متثيلية)‪ ،‬تعود‬
‫كلها إىل جمال املشاهد الكبرية‪ .‬واخلطر من أن‬
‫تنحرف الصورة املرعبة فتصبح صورة مجالية‬
‫قد لوحظ من قبل املسؤولني عن املؤثرات‬
‫اخلاصة يف فيلم «اليوم املقبل»‪ ،‬فهم أنفسهم‬
‫الذين عملوا يف فيلم «حرب النجوم» وهم الذين‬
‫اختاروا حذف بعض املشاهد ألن «جزءاً مما‬
‫كانوا قد جنحوا فيه جيداً جعل االنفجار يبدو‬
‫أكثر مجاالً مما يبدو أكثر إثارة للرعب ‪.»10‬‬
‫التعقيد التقاني الذي تتطلبه احلرب الذرية‬
‫جيعلها أيضاً جمردة‪ :‬فكل شيء يقرره‬
‫احلاسوب‪ ،‬يف قاعات التحكم حيث تظهر على‬
‫الشاشة مسارات الصواريخ والقذائف واليت‬
‫تبدو وكأهنا لعبة فيديو عمالقة‪ .‬وفيلم «لعبة‬
‫احلرب» بعنوانه الضمين‪ ،‬جيعلنا نتأكد من هذا‬
‫االنزالق التدرجيي لالسرتاتيجية العسكرية‬
‫حنو لذة اللعب‪ .‬وفيلم «احنراف اجملنون»‬
‫للمخرج ريشارد دمبو (عام ‪ )1984‬الذي‬
‫نال جائزة األوسكار على أحسن فيلم أجنيب‪،‬‬
‫مصنوع بكامله من هذا االنزالق اإليديولوجي‬
‫استناداً إىل لعبة الشطرنج‪.‬‬
‫تتيح احلرب الذرية املصورة سينمائياً استثمار‬
‫بعد تصويري بياني كامل ومثري عصبياً‪،‬‬
‫ألنه خيضع املرء لدوامة فائقة القدرة‪:‬‬

‫‪ - 9‬جملة نيوزويك‪ ،‬نيويورك‪ 2 ،‬يناير ‪ - 10 ،1984‬املصور السينمائي األمريكي‪ ،‬فرباير‬
‫‪ ،1984‬الصفحة ‪.60‬‬
‫الصفحة (‪.)55‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪37‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ذلك أن ملصق دعاية فيلم «ألعاب احلرب»‬
‫حيوي خارطة للعامل على شاشة التحكم‪،‬‬
‫حيث الصواريخ تقطع أوصال القارات بكاملها‪،‬‬
‫وتشعر املشاهد وكأنه يعيش شعوراً خادعاً بأنه‬
‫هو الذي يلعب دور الباني واملدمر هلذا الكون ‪.‬‬
‫وكان كل متثيل للحرب التقليدية بعيداً للغاية‪.‬‬
‫كتب أحد قراء صحيفة «تلراما»حول فيلم‬
‫«اليوم املقبل»‪ ،‬العبارة التالية‪« :‬فلنهمل ملرة‬
‫واحدة معايرينا كهواة للسينما « ‪ . )11(11‬من‬
‫املؤكد أن تقويم جودة األفالم عن احلرب مهما‬
‫كانت تبعاً لقيمتها الدرامية واجلمالية أمر‬
‫مشكوك فيه نوعاً ما‪.‬‬
‫إن التصعيد يف إنتاج مثل هذا النوع من األفالم‪،‬‬
‫وبغض النظر عن إنذاره للرأي العام‪ ،‬ميكنه‬
‫على العكس إكساب اإلنسان مناعة تدرجيية‬
‫ضد املخاوف‪ ،‬وتكوين عادة لديه بعد أن يألف‬
‫تلك العروض األكثر إخافة‪ .‬ويعلق أحد النقاد‬
‫السينمائيني رداً على سؤال حول موجة «أفالم‬
‫الواقع» يف الواليات املتحدة فيقول‪« :‬يتلقى‬
‫الناس كماً كبرياًَ من األخبار بشكل صور مرئية‬
‫إىل درجة أن الواقع يتحول إىل مشهد متثيلي‪،‬‬
‫وبالتايل‪ ،‬يتحول املشهد إىل حقيقة» ‪ .12‬وإزالة‬
‫احلدود بني اخليال والواقع‪ ،‬يف صميم الثقافة‬
‫األمريكية‪ ،‬كما حلل ذلك دانييل بورستان منذ‬
‫أكثر من ‪ 20‬سنة‪ ،‬يقود إىل اخللط بينهما وإىل‬
‫نشوء إدراك لكل جتربة بعيد عن الواقع‪.‬‬
‫كيف ال ينتاب املرء القلق عندما تسهم الدوائر‬
‫السياسية العليا يف طمس اخلط الفاصل بني‬
‫احلقيقة واخليال؟ فالربنامج األمريكي لألنظمة‬
‫الفضائية املضادة للصواريخ واملسمى حرب‬
‫النجوم استمد تسميته من فيلم جورج لوكاس‬
‫«حرب النجوم» ختفيفاً خلطره على حنو يثري‬
‫االستغراب‪.‬‬

‫العسكريون أنفسهم‪ ،‬يف أثناء جتارهبم على‬
‫متثيل أو حماكاة نشوب حرب ذرية‪ ،‬يستخدمون‬
‫عبارات ألعاب الفيديو‪ :‬فربنامج جانوس‪ ،‬وهو‬
‫الربنامج األكثر تعقيداً‪ ،‬يقول عند أحد كبار‬
‫الضباط‪« :‬هو عن السنني الضوئية وهو متقدم‬
‫على أية لعبة أتاري مهما كانت»؛ وعلى الرغم‬
‫من بقاء جزء من برنامج جانوس سراً من‬
‫األسرار‪ ،‬فهو يعين يف الواقع «عنصراً متبدالً‬
‫أدخل إىل احلاسوب‪ ،‬ويرجع يف أصله إىل لعبة‬
‫قدمية هي املعركة البحرية ‪ .»13‬ونتائج هذه‬
‫التجارب مثرية للقلق‪ :‬فنظراً لالعتياد على‬
‫ألعاب احلاسوب‪ ،‬جند أنه حتى أقدم الضباط‬
‫ال يقاومون إغراء إطالق الصواريخ دون روية‪،‬‬
‫إىل درجة أهنم يدمرون قواهتم اخلاصة يف‬
‫الوقت الذي يدمرون فيه قوات «العدو» ‪ .‬وفيلم‬
‫«الدكتور سرتاجنلوف» وفيلم «ألعاب احلرب»‬
‫مها من األفالم اخليالية األقل جرأة من تلك‬
‫األلعاب اليت حتاكي احلرب احلقيقية‪...‬‬
‫كان مثة إقبال كبري على شراء مشاهد احملرقة‬
‫الذرية‪ :‬ومل خيسر أي منتج هلذه األفالم‪.‬‬
‫وخصصت لبعض األفالم موازنات كبرية‬
‫(‪ 13.6‬مليون دوالر لفيلم ألعاب احلرب)؛‬
‫ومتت االستعانة مبخرجني جتاريني‪ ،‬مثل جون‬
‫بادهام؛ والشركات اهلوليوودية الكربى تأخذ‬
‫بعض املواضيع املخصصة أصالً للتلفزيون‬
‫لتحوهلا إىل أفالم مثل ‪( :‬الوصية) الذي كان‬
‫من املقرر إخراجه للقناة الثقافية ‪PBS‬؛ لكن‬
‫بعد مساومات معقدة‪ ،‬متكنت شركة بارامونت‬
‫أخرياً من إنتاج الفيلم‪ .‬لقد اكتشفت هوليوود‬
‫وسيلة ربح جديدة وهي‪ :‬وسيلة اخلوف الذري‪.‬‬
‫يثري جناح مثل هذه األفالم احلرية واالرتباك‬
‫حول دوافع املشاهدين ملشاهدة هذه األفالم‪:‬‬

‫‪« -13‬ألعاب عنيفة للبقاء على قيد احلياة‬
‫(برنامج سالح جديد مماثل ملذحبة احلرب‬
‫‪( - 11‬تلراما) باريس‪ 22 ،‬فرباير ‪. 1984‬‬
‫‪ -12‬جملة نيوزويك‪ ،‬نيويورك‪ 2 ،‬يناير ‪ ،1984‬النووية )» جملة تايم‪ ،‬نيويورك‪ 16 ،‬أغسطس‬
‫‪. 1982‬‬
‫الصفحة (‪.)55‬‬

‫‪38‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫فاملتعة املضطربة املتمثلة بتأمل املشاهد جمدداً الذرية‪ ،‬يشهدان مع ذلك على تكون ثقافة قائمة‬
‫لفنائه رمبا مل تكن سوى طقس من طقوس على إغراءات التدمري الذاتي‪.‬‬
‫التعويذة والشعور بالضيق اجلماعي يف فرتة‬
‫الشك وعدم اليقني‪ .‬فقد سبق يف الستينيات‪ ،‬إن الغموض األساسي الذي يكتنف مجيع هذه‬
‫أن اعرتف جيل الشباب بتعلقه ببعض األفالم األفالم خبصوص أهوال احلرب النووية مل يدمر‬
‫كمثل (الراكب املرتاح)‪ ،‬الذي يعرض عليهم الفاعلية بشكل كامل‪ :‬ففاعلية هذه األفالم تذكر‬
‫رحلتهم إىل املوت كما يعرتفون بقوهلم‪( :‬كان املرء أنه من اآلن فصاعداً أصبح بقاء اجلنس‬
‫الذهان اهلذياني ميثل استعارة جمازية مركزية البشري موضع شك‪ .‬والتمثيل السينمائي لكوكب‬
‫لثقافتنا‪ ،‬لتعبرينا املفضل ‪ .)14‬واالفتتان الوبيل األرض وقد عمته الفوضى هل يتيح البقاء إىل‬
‫القاتل باملوت املطلق‪ ،‬وارتقاء املخرج تاناتوس إىل األبد ضمن إطار اخليال‪ ،‬ويكذب بذلك الكلمات‬
‫مرتبة رفيعة يف اإلخراج‪ ،‬يف أفالمه عن احلرب املنقوشة منذ هناية الستينيات على جدران سان‬
‫‪ - 14‬ريتشارد لوربر (بيرت فوندا مثل سكوربيو فرانسيسكو‪ ،‬واليت نقرأ فيها العبارة التالية‪:‬‬
‫ريزن)‪ ،‬مقابلة‪ ،‬اجلزء األول الرقم ‪ 1‬عام ‪« .1969‬يوماً ما‪ ،‬سيأتي اليوم‪ ،‬الذي ال يوم بعده»؟‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪39‬‬

‫‪////////////////////////////////////////‬ﻣﺪﻗﻘﺔ‪///////////////////////‬‬

‫ﻌﻴﺐ ﺣﻠﻴﻔﻲ ﻣﺘﺤﺪﺛﺎ ﻋﻦ " ﻻ ﺃﺣﺪ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﻘﻔﺰ ﻓﻮﻕ ﻅﻠﻪ "‪:‬‬
‫‪Science Fiction‬‬

‫شعيب حليفي متحدثا عن « ال أحد يستطيع القفز فوق ظله«‪:‬‬

‫ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺔ ﻭﺃﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‬

‫الرواية وأسئلة الثقافة والمجتمع‬

‫ﺮﻳﺮ ‪ :‬ﺃﺳﻤﺎء ﻧﺎﻓﻊ‬

‫أمساء نافع‬

‫ﻀﻮﺭ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ‬
‫ﻘﺎﺩ ﻭﺍﻷﺩﺑﺎء‬
‫ﺻﺪﻗﺎء ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ‬
‫ﻓﺘﺘﺢ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺤﻖ‬
‫ﺎﺡ ﻋﻦ ﻧﺎﺩﻱ‬
‫ﻢ ﺍﻟﻤﻐﺮﺑﻲ‬
‫ﻭﺓ " ﺍﻟﺴﺮﺩ‬
‫ِﻤﺮﺁﺓ ﻓﻲ ﺃﺩﺏ‬
‫ﻌﻴﺐ ﺣﻠﻴﻔﻲ "‬
‫ﻦ ﺧﻼﻝ ﻧﺼﻪ‬
‫ﺩﺑﻲ " ﻻ ﺃﺣﺪ‬
‫ﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﻘﻔﺰ‬
‫ﻕ ﻅﻠﻪ " ؛‬
‫ﻼ ﺑﺄﻥ ﻫﺬﺍ‬
‫ﺎء ﻣﻊ ﺷﻌﻴﺐ‬
‫ﻴﻔﻲ ﻳﺄﺗﻲ ﻟﻌﺪﺓ‬
‫ﺘﺒﺎﺭﺍﺕ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺎ ﻳُﻤﺜﻠﻪ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻤﻐﺮﺑﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻧﻘﺪﻩ ﺍﻷﺩﺑﻲ ﺍﻟﻤﻮﺳﻮﻡ ﺑﺎﻟﺠﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﻤﻖ ؛‬
‫ﺪﺍﻋﻪ ﺍﻟﺮﻭﺍﺋﻲ ﺍﻟﻤﺘﻤﻴﺰ ﺑﺎﻟﺘﺠﺪﻳﺪ ﻭﺍﻟﻤﻐﺎﻣﺮﺓ ؛ ﺛﻢ ﺣﻀﻮﺭﻩ ﻣﺜﻘﻔﺎ ً ﻓﺎﻋﻼً ‪ ،‬ﺳﻮﺍء ﺑﺼﻔﺘﻪ ﺑﺎﺣﺜﺎ ً ﺟﺎﻣﻌﻴﺎ ً ﻭﻣﺆﻁﺮﺍً‬
‫وأصدقاء الكاتب ‪ ،‬افتتح عبد احلق‬
‫حبضور عدد من النقاد واألدباء‬
‫ﺩﻳﻤﻴﺎ ً ﻓﻲ ﻣﺨﺘﺒﺮ ﺍﻟﺴﺮﺩﻳﺎﺕ‪ ،‬ﺃﻭ ﻓﺎﻋﻼً ﻓﻲ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻤﻌﻴﺎﺕ ﻭﺧﺼﻮﺻﺎ ً ﺍﻟﻤﺮﺻﺪ ﺍﻟﻤﻐﺮﺑﻲ ﻟﻠﺜﻘﺎﻓﺔ ‪.‬‬

‫جناح عن نادي القلم املغربي ندوة (السرد واملِرآة يف أدب شعيب حليفي)‬
‫من خالل نصه األدبي (ال أحد يستطيع القفز فوق ظله) ؛ قائال بأن‬
‫ﺳﻮﺭﻱ ( ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ "ﻻ ﺃﺣﺪ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﻘﻔﺰ ﻓﻮﻕ‬
‫ﺓ‬
‫ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺸﻬﻼ ﺍﻟﻌﺠﻴﻠﻲ ) ﺭﻭﺍﺋﻴﺔ ﻭﻧﺎﻗﺪﺓ ﻣﻦ‬
‫هذا اللقاء مع شعيب حليفي يأتي لعدة اعتبارات منها ما يُمثله الكاتب بالنسبة‬
‫ﻪ ‪ :‬ﻣﻔﺮﺩﺍﺕ ﻣﺆﻟﻤﺔ ﺑﻤﻨﻘﺎﺵ ﻣﻦ ﺃﺛﻴﺮ " ‪ ،‬ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻗﺮﺃﻫﺎ ﺑﺎﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺳﺎﻟﻢ ﺍﻟﻔﺎﺋﺪﺓ ‪ ،‬ﺗﻨﺎﻭﻟﺖ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺘﻤﻬﻴﺪ ﺧﻤﺴﺔ‬
‫للثقافة املغربية من خالل نقده األدبي املوسوم باجلدية والعمق ؛ ً وإبداعه الروائي‬
‫ﺍﻹﺑﺪﺍﻉ‪،‬‬
‫ﺎﻭﻳﻦ ﺳﻌﺖ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ ﺍﻟﻨﺺ‪ ،‬ﻗﺎﺋﻠﺔ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺬﺍﻛﺮﺓ ﺗﺘﺨﺬ ﻭﺟﻬﺎ ﺁﺧﺮ ﻓﻲ‬
‫املتميز بالتجديد واملغامرة ؛ ثم حضوره مثقفاً فاعالً‪ ،‬سواء بصفته باحثاً جامعياً‬
‫ﺗﺬﻭﺏ‬
‫ﻨﻤﺎ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﻣﻦ ﻋﻼﻗﺔ ﺧﻔﻴّﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﻠﻨﺔ‪ ،‬ﺗﺘﺠﻠّﻰ ﻓﻲ ﺳﻴﺮﺓ ﺫﺍﺗﻴّﺔ ﺭﻭﺍﺋﻴّﺔ‪ ،‬ﺃﻭ ﻓﻲ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺳﻴﺮﺓ ﺫﺍﺗﻴّﺔ‪،‬‬
‫ومؤطراً أكادميياً يف خمترب السرديات‪ ،‬أو فاعالً يف عدد من اجلمعيات وخصوصاً‬
‫ﺤﺪﻭﺩ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ‪ .‬ﻭﺃﺿﺎﻓﺖ ﺑﺄﻥ ﺷﻌﻴﺐ ﺣﻠﻴﻔﻲ ﺭﺳﻢ ﺩﺭﻭﺑﺎ ً ﻣﺤ ّﺪﺩﺓ‪ ،‬ﻟﻤﺎ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﻭﻋﻼﻗﺎﺕ ﻭﺷﺨﺼﻴّﺎﺕ‪،‬‬
‫املرصد املغربي للثقافة ‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ﻭﺣﻰ ﻟﻠﻤﺘﻠﻘﻲ ﺃﻥ ﻳﺴﻴﺮ ﻓﻴﻬﺎ‪ ،‬ﻓﻜﺎﻥ ﺃﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻦ ﻛﺎﺗﺐ ﻳﻮﻣﻴّﺎﺕ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﺘﻠﻘﻲ ﻋﻨﺪﻩ ﺣﺎﺿﺮ‪ ،‬ﻏﻴﺮ ﻣﻐﻴّﺐ‪،‬‬
‫ﻷﻥ ﻟﺪﻳﻪ ﻗﻮﻻً ﻣﺎ‪ ،‬ﻭﻳُﻨﺘﻈﺮ ﻣﻨﻪ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻟﻪ ‪ .‬ﺫﻟﻚ ّ‬
‫ﻓﻬﻮ ﻳﻜﺘﺐ ﻭﻳﻨﺸﺮ‪ّ ،‬‬
‫ﺃﻥ ﻗﻀﻴّﺔ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻠّﺖ‬
‫ﺍﻟﺴﺮﺩ‬
‫ﺃﻧﻮﺍﻉ‬
‫ﻛﻤﺎ ‪2011 /‬‬
‫ﺍﻷﺧﺮﻯ‪.‬ايلول‬
‫والثالثون ‪/‬‬
‫الثامن‬
‫ﻋﻨﻬﺎ ‪/‬ﻓﻲالعدد‬
‫ﺗﺨﺘﻠﻒالعلمي‬
‫ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺺّ ‪ ،‬ﺗﺴﺘﺪﻋﻲ ﺩﺭﺟﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﻭﺍﻹﺭﺍﺩﺓ‪،‬اخليال‬

‫‪40‬‬

‫املداخلة األوىل كانت لشهال العجيلي (روائية‬
‫وناقدة من سورية) بعنوان (ال أحد يستطيع‬
‫القفز فوق ظله ‪ :‬مفردات مؤملة مبنقاش من‬
‫أثري)‪ ،‬واليت قرأها بالنيابة سامل الفائدة‪،‬‬
‫تناولت فيها بعد التمهيد مخسة عناوين سعت‬
‫من خالهلا إىل مناقشة النص‪ ،‬قائلة بأن‬
‫العالقة مع الذاكرة تتخذ وجهاً آخر يف اإلبداع‪،‬‬
‫حينما تتحول من عالقة خفيّة إىل معلنة‪،‬‬
‫تتجلّى يف سرية ذاتيّة روائيّة‪ ،‬أو يف رواية سرية‬
‫ذاتيّة‪ ،‬تذوب احلدود بينهما‪ .‬وأضافت بأن‬
‫شعيب حليفي رسم دروباً حمدّدة‪ ،‬ملا له من‬
‫تاريخ وعالقات وشخصيّات‪ ،‬وأوحى للمتل ّقي‬
‫أن يسري فيها‪ ،‬فكان أبعد ما يكون عن كاتب‬
‫يوميّات‪ ،‬فاملتلقي عنده حاضر‪ ،‬غري م ّغيّب‪،‬‬
‫لذا فهو يكتب وينشر‪ ،‬ألنّ لديه قوالً ما‪،‬‬
‫ويُنتظر منه أن يقوله‪ .‬ذلك أنّ قضيّة الكتابة‪،‬‬
‫بالصورة اليت جتلّت يف هذا النصّ‪ ،‬تستدعي‬
‫درجة عالية من الوعي واإلرادة‪ ،‬ختتلف عنها‬
‫يف أنواع السرد األخرى‪ .‬كما أكدت الباحثة‬
‫بأن الكاتب يبدو قادماً من ملحمة إغريقيّة‪،‬‬
‫معجباً بعامله املفعم باجلمال‪ ،‬منسجماً مع‬
‫يوميّاته‪ ،‬وال ختتلف مهمّته عن مهمّة هكتور‪،‬‬
‫أو آخيل‪ ،‬يف الدفاع عن ذلك اجلمال وهذا‬
‫االنسجام ضدّ أيّ اعتداء خارجيّ‪ ،‬بسبب من‬
‫حبّ موصول بنزعة صوفيّة فطريّة فتتش ّكل‬
‫لديه اهلويّة أثناء التعبري عن مراحل الوعي‬
‫اجلمايلّ تلك‪ ،‬وأثناء مراحل الدفاع عنه‪.‬‬
‫وختتم شهال العجيلي ورقتها بأن شعيب‬
‫حليفي ال يستحضر شخصيّاته أل ّنه حباجة‬
‫إليها ليبين خياله‪ ،‬بل أل ّنه حباجة إىل أن‬
‫يعبّر هلا عن حبّه‪ ،‬أو إعجابه‪ ،‬أو عن مقته‪،‬‬
‫أو احتقاره‪ ،‬وذلك بدءاً من صاحل الورّاقي‬
‫وعصبته اليت يكوّن (مويليد) زاويتها‪ ،‬إىل‬
‫الشموس الثقافيّة اليت عمّ نورها املشرق‬
‫واملغرب‪.‬‬

‫أما الناقد التونسي رضا بن صاحل فقد اختار‬
‫احلديث عن نص «ال أحد يستطيع القفز فوق‬
‫ظله « من زاوية « بالغة التخييل الذاتي»‪،‬‬
‫واليت قدمها بالنيابة عنه الباحث «ناصر‬
‫ليديم»‪ ،‬متسائالً منذ البداية عن جتنيس‬
‫النص هل هو ختييل روائي دفعه التجريب‬
‫إىل استنطاق املرجع واستثمار حقائقية الذات‬
‫يف عمل إبداعي ينبو عادة عن املرجع‪ ،‬وإنْ‬
‫َّ‬
‫دل عليه‪ ،‬وينفر من احلقائقي؟ ‪ .‬ويضيف‬
‫الباحث بأننا مل نستطع ‪،‬انطالقاً من العتبات‪،‬‬
‫أن حندد على وجه الدقة جنسه و مُنْتَسَبَه‪،‬‬
‫ضبطاً علمياً آلليات الكتابة الروائية ورمساً‬
‫لتخوم اإلبداع الذي يأبى التحديد والرتسيم‪.‬‬
‫و املؤلف حسب الناقد مل يكتف بتعدد العتبات‬
‫إمنا مال إىل ثنايا النص خيلخل السائد يف بناه‬
‫احلكائية‪ ،‬فهو يضمخ النص حبكايا اآلخرين‬
‫‪،‬وبذلك تغدو هوية الكاتب غري مفصولة عن‬
‫هويات اآلخرين‪ ،.‬و يغدو الكاتب رسوالً مهه‬
‫محل أحالم اآلخرين الذين حيبهم وال يستطيع‬
‫أن يؤسس وجوده مبعزل عنهم‪ ،‬و تغدو الكتابة‬
‫عنده جزءاً من احلياة ودفاعاً عما مينحها‬
‫مشروعيتها‪.‬‬
‫ويف اخلتام يرى الناقد أن رواية «ال أحد‬
‫يستطيع القفز فوق ظله»‪ ،‬من الروايات اليت‬
‫تستحق أن يضعها اإلنسان إىل جوار روايات‬
‫أخرى‪ ،‬يعيد قراءهتا كلما اشتدت وطأة احلياة‬
‫عليه وضاقت به السبل وتنكر له األصدقاء‪،‬‬
‫فالقارئ ال يسعه إال أن يقرأ الرواية بالكثري من‬
‫احلب ألنه يشعر بأهنا حكايته أو قل حكاية‬
‫جيل بأكمله‪.‬‬
‫تناول الكلمة بعد ذلك الباحث املوريتاني‬
‫حممد ولد بادي يف مداخلة بعنوان‪»:‬املعنى يف‬
‫نص «ال أحد يستطيع القفز فوق ظله»‪ ،‬معترباً‬
‫النص قابالً للتأويل وتعدد املعاني ما دام عمالً‬
‫أدبياً حيمل إىل قارئه أفقاً خمتلفاً عما‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪41‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ألفه‪ ،‬فكون النص عمالً أدبياً جيعله ال خيلو‬
‫من معاني ودالالت ميكن للمتلقي أن يصل‬
‫إليها عن طريق التأويل و القراءة العميقة‪،‬‬
‫إذا استثمر خرباته و مرجعياته الثقافية‬
‫واإليديولوجية‪ ،‬و يرى الباحث أننا إذا أردنا‬
‫تأويل نص «ال أحد يستطيع القفز فوق ظله»‪،‬‬
‫تأويالً منطقياً‪ ،‬فالبد أن ننظر إليه من زاوية‬
‫كونه يدخل ضمن األدب الشخصي‪( :‬السرية‬
‫الذاتية‪ ،‬اليوميات اخلاصة‪ ،‬املذكرات)‪ ،‬رغم‬
‫اختالفه النوعي واخلاص عن مجيع هذه‬
‫األجناس األدبية‪ ،‬فالكاتب يف نصه يهتم‬
‫باجلزئيات واليوميات‪ ،‬وعربها يعيد احلياة‬
‫جلميع تلك التفاصيل واألشياء الصغرية اليت‬
‫حتيط بنا‪ ،‬و ال تثري انتباهنا و قد ال نعريها‬
‫أي اهتمام‪ ،‬ألهنا عادية و مألوفة‪ ،‬وكوهنا‬
‫كذلك هو ما جيعل الكاتب يهتم هبا‪ ،‬ملا هلا‬
‫من تأثري يف توليد اإلبداع و ختصيب اخليال‪،‬‬
‫وهذا هو مكمن الطرافة يف النص ومثل‬
‫هذه التفاصيل اليت ميدنا هبا شعيب حليفي‬
‫هي احللقة املفقودة يف مجيع أجناس األدب‬
‫الشخصي ‪،‬وهو رمبا ما حدا بالكاتب إىل سد‬
‫تلك الثغرة‪ ،‬و بالتايل فنص «ال أحد يستطيع‬
‫القفز فوق ظله»‪ ،‬حماولة جادة إلنشاء جنس‬
‫إبداعي جديد ينتقل بسؤال متلقي السرية‬
‫الذاتية من كيف عاش املبدع حياته؟ إىل كيف‬
‫يعيش املبدع حياته؟‪.‬‬
‫عنون الناقد إبراهيم احلجري مداخلته‬
‫ب‪»:‬حليفي ينقب يف ذاكرة األسالف عن‬
‫شكل لكتابة اهلوية»‪ ،‬وفيها يرى أن الرواية‬
‫جتمع بني خطابات عديدة تنحبك عرب فعل‬
‫السرد‪ ،‬لتقدم للقارئ منوذجاً جديداً للسرد‬
‫الروائي‪ ،‬حيث شعيب حليفي يفضل العودة‬
‫إىل ذاته كمركز تتجمع حوله خيوط كثرية‬
‫متشابكة للحكاية‪ ،‬وذلك عرب مساءلة الذاكرة‬
‫الشخصية يف تفاعالهتا اليومية مع املشاوير‬

‫‪42‬‬

‫املختلفة اليت خيوض فيها الكاتب بتناغم‪ ،‬و‬
‫أيضاً عرب العودة إىل تاريخ الساللة‪ ،‬و ليس‬
‫اإلغراق يف هذه التفاصيل جمرد ترف يف لعبة‬
‫احلكي‪ ،‬بل هو فعل اسرتاتيجي لكونه يطرح‬
‫أزمة الذات املثقفة يف بلد حتكمه العرقيات و‬
‫العصبيات على املستوى الثقايف‪.‬‬
‫فبقدر ما كانت الرواية رداً على طرح االنتماء‬
‫الذي رسخه بشكل مغرض جمموعة من أشباه‬
‫املثقفني الذين كان مههم الثراء و االستفراد‬
‫مبراكز القرار‪ ،‬كانت أيضاً انتصاراً للذات‬
‫العروبية القادمة من الشاوية و دكالة و احلوز‬
‫و غريها‪ ،‬على أساس أهنا الوحيدة اليت ال تزال‬
‫تتشبع بالقيم البلدية األصيلة مثل التسامح و‬
‫االجتهاد و التضامن و خدمة الناس بسخاء‪ ،‬و‬
‫التجرد خلدمة الوطن بصدق‪.‬‬
‫و قد فرّع إبراهيم احلجري األطروحة املركزية‬
‫للرواية إىل شقني‪ :‬شق أول ذاتي‪ ،‬سعى فيه‬
‫العمل الروائي إىل النبش يف الذاكرة الشخصية‬
‫للبطل الذي يتطابق يف الغالب مع شخصية‬
‫الروائي‪ ،‬وفياً بذلك إىل منط اليوميات اليت‬
‫تنطوي حتت جنس السرية الذاتية باملفهوم‬
‫اجلديد‪ ،‬الذي يُدخل كل ما هو متعلق بالذات‬
‫يف الكتابة؛ و الشق الثاني موضوعي‪ ،‬يتعلق‬
‫بالوسط العام الذي يتحرك فيه هذا العامل‬
‫الذات‪ ،‬و هو وضع مأزوم على كل املناحي‬
‫واملستويات‪ .‬وما عودة الذات إىل املاضي عرب‬
‫استنطاق الذاكرة‪ ،‬إال صورة مصغرة للهروب‬
‫من منطق هذا الواقع السخيف املغلف بكل‬
‫اإلحباطات واخليبات‪.‬‬
‫ثم أضاف هلما شقا ثالثا نقدياً ينصرف من‬
‫خالله الروائي إىل احلديث عن الكتابة و‬
‫مهومها و آفاقها‪ ،‬عرب إيراد خطاب ميتاروائي‬
‫يكشف بعض األسئلة النقدية املتعلقة بكتابة‬
‫اليوميات‪ ،‬والسرية الذاتية‪ ،‬وجدوامها يف‬
‫احلياة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫و يف األخري فالكتاب بقدر ما خيتزل قيما‬
‫أدبية ومجالية وفنية وفكرية وسجالية‪ ،‬فهو‬
‫يتضمن أيضاً قيمة توثيقية ترصد تارخياً‬
‫منسياً من مسارات الشخوص و األفضية‪،‬‬
‫وأرشيفاً من األحداث و الوقائع اليت سقطت‬
‫سهواً من جيوب املؤرخني املثقوبة‪.‬‬
‫و يف مداخلته املوسومة ب «ال أحد يستطيع‬
‫القفز فوق ظله‪ :‬حاشية على الكتابة الروائية‬
‫لشعيب حليفي»‪ ،‬اعترب الناقد بوشعيب‬
‫الساوري هذا العمل السردي حاشية أو هامشاً‬
‫كبرياً ينري املتخيل الروائي لشعيب حليفي‪،‬‬
‫و يفتح منافذ عدة على ورشه اإلبداعي‪ ،‬و‬
‫يدعونا بشكل غري مباشر إىل إعادة قراءة‬
‫نصوصه الروائية السابقة‪ .‬كما اعتربه مبثابة‬
‫ورشة لكتابة رواية أو ما قبل رواية‪ ،‬انسجاماً‬
‫مع العنوان الثاني للعمل «االحتماالت العشر‬
‫لكتابة رواية واحدة «‪ .‬و هو أيضاً تدشني لنمط‬
‫جديد من الكتابة الروائية‪ ،‬مواكب النشغاالت‬
‫الكاتب االجتماعية و الثقافية وعالقته بالعامل‬
‫والكتابة واحلياة‪ ..‬إذ يلمح الكاتب إىل وجهات‬

‫نظره يف الكتابة و دورها و وظيفتها‪ ،‬و هو‬
‫ما جيعلها قريبة من الكتابة الروائية اليت‬
‫تستطيع ذلك‪ ..‬جتمع بني عدة أمناط سردية‪.‬‬
‫كما أبرز الباحث أن العمل السردي يسعى إىل‬
‫تكريس كثري من القيم النبيلة اليت أخذت ختبو‬
‫يف عالقاتنا‪.‬‬
‫ويف ختام هذه الندوة‪ ،‬وبعد نقاش حول‬
‫النص والكتابة عند شعيب حليفي‪ ،‬حتدث‬
‫هذا األخري يف كلمته عن الظروف اليت كتب‬
‫فيها هذا النص‪ ،‬رابطاً كتابته بأسئلة الثقافة‬
‫واجملتمع من جهة‪ ،‬وأسئلته اخلاصة اليت‬
‫خيتزهلا يف عالقة الكتابة باحلياة ؛ عارضاً‬
‫لتجربته عرب مرحلة أوىل كتب فيها روايات ‪:‬‬
‫مساء الشوق‪ ،‬وزمن الشاوية‪ ،‬ورائحة اجلنة ‪.‬‬
‫قبل ان يتوقف لعشر سنوات عن كتابة الرواية‬
‫ويعود – كما يؤكد‪ -‬يف سياق عنيف ومعرب‬
‫ويكتب «جمازفات البيزنطي» و»أنا أيضاً « ثم‬
‫«ال أحد ‪..»...‬وهي جتارب يوحّدُها وعي آخر‬
‫يبحث عن شكل جديد يستوعب طموحات‬
‫املعاني وسط تقلبات اخليال والواقع ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪43‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النفـــق‬

‫النفـــق‬
‫د‪ .‬طالب عمران‬
‫على الرغم من عظمة التطور العلمي الذي‬
‫وصله اإلنسان على هذا الكوكب فإن أسراراً‬
‫كبرية مازالت تستعصي على فهمه‪ ،‬من بينها‬
‫أسرار عامله الداخلي‪..‬‬
‫حنن حنلم‪ ،‬ونتصوّر مستقبالً تفصلنا عنه‬
‫سنوات‪ ،‬وتقوى على تومهه أفكارنا املنتقلة على‬

‫‪44‬‬

‫أجنحة اخليال‪ ،‬ألن اإلنسان بدماغه املع ّقد له‬
‫قدرة خارقة على التخيّل‪..‬‬
‫وأحياناً يشدّنا املاضي إىل أحداثه الغامضة‬
‫اليت نقرأ سفرها فيما حولنا من آثار شاخمة‬
‫وكتابات قدمية وصور عفا عليها الزمن‪،‬‬
‫ونستخدم خياالتنا أيضاً‪ ،‬فاخليال سرّ اإلبداع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النفـــق‬
‫اإلنساني‪ ،‬ورمز تفوقه‪..‬‬
‫كان شاباً كثري القراءة والتأمل حيب العزلة‪،‬‬
‫واالبتعاد عن املناطق املزدمحة‪ ،‬وكانت‬
‫مدينته الصغرية الواقعة على أطراف البادية‪،‬‬
‫غنية بآثارها وشواهدها القدمية اليت تؤرخ‬
‫حلضارات شهدهتا املنطقة‪ ،‬إهنا منطقة كانت‬
‫مستودعاً حلضارات حكمت البشرية وأثرت يف‬
‫تطورها إىل حد كبري‪.‬‬
‫كان يتمشى خارج املدينة والشمس جتنح حنو‬
‫املغيب‪ ،‬حني لفت نظره رجل غريب اهليئة يتجه‬
‫صوب اآلثار‪ ،‬شعر برغبة يف مالحقته‪ ،‬وقد بدا‬
‫شكله أشبه بشكل (خيال الفزّاعة)‬
‫كان الرجل ميشي هبدوء دون أن يلتفت حوله‬
‫كأنه يعرف وجهته متاماً‪ ،‬تابعه شاهد (وهو‬
‫اسم الشاب) إىل أن وصل قرب عمود ضخم‬
‫يقف شاخماً وحده بني اآلثار يف منطقة عارية‪،‬‬
‫اختفى الرجل فجأة وسط دهشة شاهد‪ ،‬اقرتب‬
‫من العمود يتفحص املنطقة حوله‪ ،‬مل تكن‬
‫هناك ثغرة واضحة‪..‬‬
‫كيف اختفى الرجل الغريب إذن؟ هل انش ّقت‬
‫األرض وابتلعته؟‬
‫ظل حائراً دقائق قبل أن يستدير عائداً إىل‬
‫البيت‪.‬‬
‫ً‬
‫كان شاهد أكرب إخوته‪ ،‬توزعوا مجيعا (وعددهم‬
‫سبعة) يف مدن سورية أخرى‪ ،‬يف وظائف تدّر‬
‫دخالً ثابتاً عليهم‪ ،‬وكلهم رغبوا باالبتعاد عن‬
‫مسقط رأسهم‪..‬‬
‫ً‬
‫تويف والده العام املاضي‪ ،‬وظل يعيش وحيدا مع‬
‫والدته‪ ،‬يدرس التاريخ يف إحدى الثانويات‪ ،‬وقد‬
‫أحبّ تلك املهنة وو ّثق عالقته هبا‪ .‬وكان طلبته‬
‫حيبون دروسه ويستمتعون هبا‪ ،‬وهو جيوب‬
‫هبم يف أعماق التاريخ يتحدث عن احلضارات‬
‫السابقة بعشق يقرتب من الشاعرية‪..‬‬
‫حلظت والدته شروده فسألته‪:‬‬

‫ هل أنت مريض يابين؟‬‫ الياأمي‪ ،‬أنا خبري‪..‬‬‫ العشاء جاهز‪ ،‬أترغب يف تناوله اآلن؟‬‫ ال‪..‬ال أحس بشهية الطعام‪..‬‬‫وملا رآها انزعجت من قوله‪ ،‬مهس‪:‬‬
‫ سنتناول العشاء معاً بعد قليل ياأمي‪..‬‬‫انفرجت أساريرها وخرجت‪..‬‬
‫(آه ياأمي الطيبة‪ ،‬حتاول مايف وسعها اسرتضائي‬
‫كأهنا ختاف من نزوحي أيضاً)‬
‫كان شاهد يف السادسة والثالثني من عمره‪،‬‬
‫خاض جتربة زواج فاشلة‪ ،‬ويرفض أن يكررها‬
‫على الرغم من إحلاح أمه‪..‬‬
‫متدد على السرير يستعيد شكل الرجل الغريب‪،‬‬
‫وكيف اختفى فجأة قرب العمود الضخم‪..‬‬
‫(البد أنه خيفي سراً وراءه)‪ ،‬ذلك اإلحساس‬
‫شحنه بقوة جديدة‪ ،‬جيب أن يكتشف ذلك‬
‫السر‪..‬‬
‫يف صحراء مكشوفة‪ ،‬كان يسري ببطء وقدماه‬
‫تغوران يف الرمال احلارقة وهو حياول اكتشاف‬
‫أثر ملاء يف هذا املد الطاغي من الرمال‪ ،‬وفجأة‬
‫ملح شيئاً يف إحدى التالل احمليطة به‪ ،‬اجته‬
‫صوبه‪ ،‬كان الرجل الغريب يقف هناك وهو‬
‫يضحك‪ ،‬كان رأسه مغطى بقطعة قماش مهرتئة‪،‬‬
‫وحني اقرتب منه ميزه من حتت القماش‪ ،‬كان‬
‫رأسه مججمة مكشوفة من العظام‪ ،‬بدت‬
‫أسناهنا حتت القماش خميفة مرعبة وفجأة‬
‫نفض الرجل الغريب لباسه القديم عن نفسه‪،‬‬
‫فصعق شاهد‪ ،‬كان هيكالً عظمياً جمرداً‪ ،‬اجته‬
‫حنوه حبركات موزونة فصرخ من الرعب‪ ،‬ونظر‬
‫حوله فرأى هياكل عظمية كثرية تتحرك حنوه‬
‫من كل صوب‪ ،‬فعاد يصرخ من جديد والرعب‬
‫يش ّل حركته‪..‬‬
‫استيقظ شاهد على أمه هتزه‪:‬‬
‫‪ -‬كنت ترى كابوساً‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪45‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النفـــق‬
‫حدّق فيها شارداً وهو يفرك عينيه‪:‬‬
‫ فعالً كان كابوساً فظيعاً‪..‬‬‫هنض إىل طاولة الطعام‪ ،‬وصورة اهلياكل‬
‫العظمية مل تبارح خياله‪..‬‬
‫حلظت أمه شروده‪:‬‬
‫ ماذا يابين‪ ..‬أما زلت متعبا؟ً‬‫ سأكون على مايرام التقلقي‪..‬‬‫تظاهر بانشغاله باألكل ليبعد أمه عن توجيه‬
‫أسئلة ّ‬
‫مخن أهنا ستوجهها إليه‪..‬‬
‫جلس بعد العشاء يف مكتبه يطالع‪ ،‬يف حني‬
‫انشغلت أمه مبشاهدة التلفاز‪ ،‬وحني شعر‬
‫بامللل وقد شرد ذهنه بعيداً‪ ،‬خرج إىل احلديقة‬
‫الصغرية احمليطة باملنزل‪ ،‬يرتيّض‪ .‬قام حبركات‬
‫رياضية متواصلة أتعبته‪ ،‬وحني خلد إىل السرير‬
‫سرعان ماغفا‪..‬‬
‫بعد انتهاء دروسه يف املدرسة ظهر اليوم التايل‬
‫خرج يتمشى حنو اآلثار‪ ،‬دار حول العمود‬
‫يتفحص األرض فلم يلفت نظره شيء‪ ،‬فجلس‬
‫هناك لبعض الوقت وشعر كأن أحداً يناديه‪،‬‬
‫جاس يف املكان فلم يعثر على أحد‪ ،‬والوقت يف‬
‫منتصف نيسان‪ ،‬ثم عاد إىل البيت يائساً‪..‬‬
‫وعند العصر خرج من جديد حنو املنطقة‬
‫يتجول فيها‪ ،‬وفجأة خفق قلبه وهو يبصر‬
‫الرجل الغامض يقرتب من اآلثار‪ ،‬والشمس‬
‫تنحدر حنو املغيب‪ ،‬فجلس على مرتفع صغري‬
‫يراقبه وهو يقرتب‪ ،‬ومرّ من أمامه كان يبدو‬
‫كأنه يلبس قناعاً‪ ،‬إذ مل تظهر تفاصيل وجهه‪،‬‬
‫كان شكله كهيكل بشري متحرك يرتدي ثوباً‬
‫فضفاضاً يغطي جسمه من رأسه حتى قدميه‪،‬‬
‫شرد قليالً وهو يتأمله مستغرباً‪ ،‬وفجأة اختفى‬
‫الرجل قرب العمود‪ ،‬حترك شاهد مسرعاً حنو‬
‫مكان اختفائه‪ ،‬أمعقول أن خيتفي بني هذه‬
‫األعشاب املتطاولة حول العمود؟ وكيف؟ حترك‬
‫يزيح األعشاب فانكشفت أمامه فوهة بئر‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫كيف مل يعثر عليها أمس؟ كيف مل ختطر بباله‬
‫فكرة أن تلك األعشاب املتطاولة حول العمود‬
‫ختفي فوهة بدت له واسعة‪ ،‬يف داخلها درجات؟‬
‫لقد اختفى الرجل داخلها إذن‪ ،‬كانت العتمة‬
‫تزحف مهددة إياه‪ ،‬فأجفل وهو يتخيل نفسه‬
‫يدخل وراء الرجل وليس معه مصدر ضوء ينري‬
‫له الطريق‪.‬‬
‫ً‬
‫عاد شاهد إىل املنزل منزعجا‪ ،‬وقضى ليلته‬
‫ساهراً مؤرقاً‪ ،‬لدرجة جعلت والدته تأتي أكثر‬
‫من مرة إىل غرفته لتسأله‪:‬‬
‫ أهناك مشكلة تتعرض هلا يابين؟ حدثين‬‫أرجوك‪..‬‬
‫ولكنه فشل يف طمأنتها‪ ،‬وبعد إحلاح مستمر‪،‬‬
‫مل يدر كيف تلفظ بكذبة الم نفسه عليها ‪– .‬‬
‫أفكر بالزواج‪..‬‬
‫تنهدت األم بارتياح ‪ :‬احلمد هلل‪ ..‬على األقل‬
‫غريت رأيك‪ ،‬أنا مسرورة من ذلك‪ ،‬أال تعلم يابين‬
‫أنين أدعو اهلل ليل هنار‪ ،‬أن جيعلين أمتع نظري‬
‫برؤية أوالدك يسرحون يف هذا البيت‪..‬‬
‫قبلته يف جبينه ومتنت له ليلة سعيدة‪ ،‬وبعد‬
‫خروجها أحس بالندم‪ ،‬ملاذا كذب عليها‪ ،‬وفكرة‬
‫الزواج أزاهلا متاماً من ذهنه منذ مدة طويلة؟‬
‫ومالبثت أن عاد للتفكري بالرجل الغريب وهو‬
‫يقلب األمر‪ ،‬سيتزود غداً مبصباح جيب‬
‫كهربائي‪ ،‬وبعلب من الثقاب‪ ،‬ثم يتبع الرجل‬
‫وغفا على تلك الفكرة‪..‬‬
‫بعد انتهاء دروسه عاد إىل البيت وتناول طعامه‪،‬‬
‫ووضع مدخرتني حديثتني يف مصباح اجليب‪،‬‬
‫ثم وضع يف جيبه مااستطاع من علب الثقاب‪،‬‬
‫وقبل أن خيرج حبث عن مطواته يف املكتب‬
‫وعثر عليها بصعوبة‪ ،‬مل تكن حادة النصل‪،‬‬
‫ولكنه شعر باحلاجة لوضع سالح ما يف جيبه‪.‬‬
‫استغربت أمه اصطحابه املصباح الكهربائي‬
‫فتعلل بأنه سيغري له زجاجة الضوء‪ ،‬ثم طلب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النفـــق‬
‫من أمه أال تقلق إن تأخر فأمامه (مشوار مهم)‬
‫وملا أحلت ملعرفة اجتاهه قال هلا إنه مسافر‬
‫إىل إحدى الضواحي‪ ،‬مهست له بلهفة‪ :‬لديك‬
‫موعد مع الفتاة؟‬
‫ً‬
‫مل جيبها بل ظل صامتا‪ ،‬على بركة اهلل يابين‪،‬‬
‫استمتع بعطلتك‪ .‬وفعالً كان يوم الغد هو يوم‬
‫العطلة األسبوعية‪..‬‬
‫سار (شاهد) بثقة حنو منطقة اآلثار‪ ،‬كانت‬
‫الساعة تقرتب من الثانية والنصف ظهراً‪،‬‬
‫عندما وصل قرب العمود الضخم شعر أنه ب ّكر‬
‫كثرياً يف اجمليء‪ ،‬فالرجل الغامض اليظهر يف‬
‫املنطقة إ ّال عند الغروب‪ ،‬حدثته نفسه أن يهبط‬
‫الدرجات يستكشف املكان الذي خيتفي فيه‬
‫الرجل يومياً‪ ،‬وسرعان مان ّفذ تلك الفكرة‪ ،‬أزاح‬
‫العشب املتطاول‪ ،‬وأخذ يهبط الدرجات ببطء‬
‫وحذر‪ ،‬رأى أمامه فوهة سرداب متطاول بدا‬
‫معتماً‪ ،‬وسرعان ماانكشفت هنايته‪ ،‬وقد أشعل‬
‫مصباح اجليب‪..‬‬
‫مشى هبدوء وحذر فوق أرض مرصوفة بالبالط‪،‬‬
‫وعند هناية السرداب وجد سرداباً آخر‪ ،‬تابع فيه‬
‫السري ثم هبط يف هنايته درجات قليلة فتشعبت‬
‫أمامه فتحات لسراديب كثرية‪ ،‬احتار يف أي منها‬
‫يتابع السري‪ ،‬ثم انتقى السرداب األمين‪ .‬وصلت‬
‫إىل مسعه أصوات ضحكات نسائية‪ ،‬استغرب‬
‫األمر يف البداية‪ ،‬ولكن األصوات اختفت فجأة‪،‬‬
‫كان السرداب الذي سلكه حلزونياً يتدرج يف‬
‫االحندار‪ ،‬ضعف الضوء الصادر عن مصباح‬
‫اجليب ثم اختفى هنائياً‪ ،‬مد يده يستخرج‬
‫عيدان الثقاب ويشعلها واحدة واحدة‪ ،‬وصلته‬
‫بشكل فجائي أيضاً تأوهات أناس يتعذبون‬
‫ومسع أصوات السياط تلهب أجسادهم‪،‬‬
‫فأحس بالرعب‪ ،‬ولكن تلك األصوات اختفت‬
‫أيضاً‪ ،‬شعر أن عيدان الثقاب توشك أن‬
‫تنتهي‪ ،‬فاسقط يف يده‪ ،‬وندم الجنرافه املتهور‬

‫يف مغامرة غري مأمونة العواقب‪ ،‬وعندما بدأ‬
‫يشعل صناديق الكربيت اخلالية واليت احتفظ‬
‫هبا ومل يلقها‪ ،‬مسع صوت خرير مياه‪ ،‬فأحس‬
‫باطمئنان فجائي‪ ،‬الريب يف أن هناك فتحة‬
‫خترج منها املياه‪ ،‬شعر حبركة اهلواء فازداد‬
‫انتعاشاً وثقة بالنفس‪ ،‬واختلط صوت املياه مع‬
‫صخب جمموعة من الناس‪ ،‬اعتقد أنه خرج‬
‫من ورطته أخرياً‪ ،‬ومن جديد عادت أصوات‬
‫النسوة الضاحكات خمتلطة مع األنني وضربات‬
‫السياط وقرقعة القيود احلديدية ولكن صوت‬
‫شالل املياه طغى على كل هذه األصوات‪،‬‬
‫انطفأ اللهب فجأة‪ ،‬فتلمس طريقه والصوت‬
‫يزداد وضوحاً‪ ،‬داس على جسم ليّن‪ ،‬مد يده‬
‫يتحسسه‪ ،‬فوقف شعر رأسه‪ ،‬تأكد أنه جسم‬
‫بشري ميت‪ ،‬قفز مبتعداً عنه فسقط يف هاوية‪،‬‬
‫ّ‬
‫مضخم مبكربات‬
‫وصوت الشالل يهدر كأنه‬
‫الصوت‪ ،‬أحس جبسمه يدور حول نفسه وهو‬
‫يسقط ثم فقد الوعي‪.‬‬
‫حني صحا بعد زمن مل يعرف كم استغرق‪ ،‬وجد‬
‫نفسه فوق صخرة دائرية جترفها املياه‪ ،‬كان‬
‫مدفوعاً بتيار قوي صوب جهة جمهولة‪ ،‬نفذت‬
‫أشعة خافتة من بعيد وازداد توهج الضوء وهو‬
‫يندفع مع التيار‪ ،‬كأنه يف هنر يزداد اتساعاً‪ ،‬مع‬
‫نفوذ الضوء‪ ،‬ميّز ما اعتقدها صخرة دائرية‪،‬‬
‫كانت قطعة ضخمة من جذع شجرة طافية‬
‫فوق سطح املياه مندفعة مع التيار‪ ،‬سخر من‬
‫نفسه ملاذا اعتقدها صخرة‪ ،‬والصخور الميكن‬
‫أن تطفو فوق سطح املاء؟‬
‫خرج شاهد من النفق وهو على جذع الشجرة‬
‫يدفعه التيار إىل اخلارج‪ ،‬وحاملا أصبح حتت‬
‫الضوء وجد نفسه يف مكان غريب مل يكن‬
‫مألوفاً لديه‪ ،‬كان هناك سهل فسيح ميتد‬
‫أمامه‪ ،‬خيرتقه النهر‪ ،‬وكان الوقت‬
‫صباحاً‪ ،‬والشمس يف بداية شروقها‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪47‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النفـــق‬
‫أمعقول أن يكون قد قضى ليلة بأكملها داخل‬
‫النفق؟ ما هذا العامل الغريب من حوله؟‬
‫رمبا ابتعد به جذع الشجرة الطايف إىل منطقة‬
‫بعيدة‪ ،‬حرك يديه كمجذافني حتى وصل‬
‫الشاطئ‪ ،‬ثم هبط بتثاقل متمدداً على العشب‬
‫الطري‪ ،‬كانت السماء سافية واخلضرة تنتشر‬
‫حوله‪ ،‬ترى أين هو اآلن؟ مل يلق باالً هلذا السؤال‪،‬‬
‫مهما ابتعد فالعودة سهلة‪ ،‬وبالطبع ليس عن‬
‫طريق النفق‪ ،‬يكفي ما صادفه من رعب داخل‬
‫ذلك النفق الغامض‪..‬‬
‫فكر كثرياً وهو يتذكر ماصادفه‪ ،‬ماسرّ تلك‬
‫الضحكات املستهرتة؟‬
‫ومن أين وصلته أصوات القيود احلديدية‬
‫والسياط تلهب ظهور املساجني؟‬
‫وملن تلك اجلثة اليت كاد يتعثر فيها؟‬
‫أهي للرجل الغامض‪ ،‬أم لشخص آخر؟!‬
‫هي جثة رجل بالتأكيد‪ ،‬ولكن من يكون ذلك‬
‫الرجل؟ !‬
‫أيكون مغامراً مثله‪ ،‬متلكه الرعب ويئس من‬
‫العثور على طريق العودة فمات؟‬
‫وبينما هو يف شروده مسع أصواتاً حوله‪ ،‬فجأة‬
‫أحاطت به حراب كثرية جلنود يرتدون دروعاً‬
‫وخوذات مصفحة‪ ،‬ويعلقون سيوفاً متطاولة‬
‫يف صدورهم‪ ..‬مل يصدق مايشاهده يف بادئ‬
‫األمر‪ ،‬من هؤالء؟‬
‫هل هم ممثلون يف فيلم سينمائي يروي حكاية‬
‫قدمية؟‪ .‬تكلموا إليه‪ ،‬مل يفهم يف البداية‬
‫كالمهم‪ ،‬ولكنه عندما ركز تفكريه ميّز لغتهم‪:‬‬
‫ ماذا تفعل هنا أيها الشاب؟‬‫ من أنتم؟ وملاذا حتيطون بي هبذه العدوانية؟‬‫ أجب عن سؤالنا‪..‬‬‫ كنت أسبح يف النهر‪ ،‬خرجت أجفف نفسي‬‫حتت الشمس‪..‬‬
‫بدوا غري مقتنعني‪ ،‬قال أكربهم سناً‪ ،‬ورمبا‬

‫‪48‬‬

‫أعالهم رتبة‪:‬‬
‫ من أين أتيت؟ مل نشاهدك من قبل‪ ،‬هل أنت‬‫من البالد الواقعة خلف اجلبال‪.‬؟‬
‫نظر صوب اجلهة اليت أشاروا إليها فرأى‬
‫سلسلة من اجلبال العالية‪ ،‬أحب أن جيامل‬
‫اعتقادهم‪..‬نعم‪..‬‬
‫ وماذا جئت تفعل يف بالدنا؟‬‫ إهنا بالدي أيضاً‪.‬‬‫ اقبضوا عليه‪ ،‬إنه جاسوس ألعدائنا‬‫بالتأكيد‪..‬‬
‫رجع مرتاعاً‪ :‬ماذا تقول؟ لست جاسوساً‪،‬‬
‫والأعلم كيف جئت إىل هنا‪..‬‬
‫ يبدو لباسه غريباً‪ ،‬اربطوه باحلبال‪ ،‬سنحقق‬‫معه يف املدينة‪..‬‬
‫مل يصدق شاهد نفسه‪ ،‬ياإهلي كأنين يف حلم‬
‫عجيب‪ ،‬أناس يتمنطقون بالسيوف ويرتدون‬
‫الدروع ويرفعون احلراب احلادة‪ ،‬يبدون جادين‬
‫يف اعتقايل‪ .‬قرص نفسه معتقداً أنه حيلم‪،‬‬
‫ولكن احلقيقة فاجأته‪..‬‬
‫دفعه اجلنود يف طريق مرصوف‪ ،‬وجد‬
‫نفسه بعد قليل أمام مدينة بأسوار ضخمة‬
‫ينتشراحلراس أمامها‪ ،‬كان باب السور الضخم‬
‫مفتوحاً أمامهم‪..‬‬
‫وفجأة وصله صوت ضحكات أنثوية‪ ،‬ووقع‬
‫سنابك جياد مسرعة التف خلفه فأبصر فتاة‬
‫مجيلة تندفع حنو باب السور‪ ،‬وخلفها جمموعة‬
‫من الفتيات على خيوهلن‪ .‬أوقفت الفتاة جوادها‬
‫أمامه مستغربة ثم خاطبت رئيس جمموعة‬
‫اجلند‪:‬‬
‫ ماذا فعل هذا الشاب ياسريا؟‬‫ عثرنا عليه ياموالتي قرب النهر‪ ،‬قال‪ :‬إنه من‬‫البالد الواقعة خلف اجلبال‪،‬قد يكون جاسوساً‬
‫ألعدائنا‪..‬‬
‫ضحكت الفتاة وهي تتأمله ‪ :‬ال يبدو عليه ذلك‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النفـــق‬
‫لباسه غريب متاماً‪ ..‬ماامسك أيها الشاب؟‬
‫ امسي شاهد‪..‬‬‫أرغمه(سريا) على االحنناء أمام األمرية‪ ،‬اليت‬
‫قالت‬
‫ شاهد إنه اسم عجيب مل أمسع به من قبل‪،‬‬‫هل قدمت فعالً من خلف اجلبال؟‬
‫ دخلت النفق فساقين النهر إىل هنا‪ ،‬لست‬‫أدري كيف صادف وأصبحت يف بالدكم‪..‬‬
‫تأملته بعمق‪ :‬أطلعين على نتيجة التحقيق‬
‫ياسريا‪..‬‬
‫احننى (سريا) أمامها‪ :‬أمر موالتي‪..‬‬
‫ثم مهزت جوادها ادخل السور‪ ،‬وتبعتها الفتيات‬
‫وهن حياولن اللحاق هبا‪.‬‬
‫دفعه اجلنود من جديد‪ ،‬وما إن أصبح داخل‬
‫السور حتى فاجأه منظر مدينة حجرية منظمة‬
‫بأسواقها وبيوهتا وقلعتها احلصينة‪ ،‬شعر أن‬
‫شيئاً غريباً حيدث له مل يستطع تفسريه‪ ،‬أيكون‬
‫النفق الذي دخله نفقاً سحرياً؟ استبعد تلك‬
‫الفكرة‪ ،‬ومتنى أن ينام ويصحو وهو خارج هذا‬
‫العامل العجيب‪..‬‬
‫قاده اجلنود إىل مكان مرتفع يطل على قصر‬
‫عال‪:‬‬
‫ ستخضع للتحقيق أيها الشاب‪ ،‬وسنقدم لك‬‫الطعام الشراب اآلن‪ ،‬لن ندخلك إىل السجن‬
‫املعتم‪ ،‬إال بعد أن نتأكد أنك مذنب فعالً‪..‬‬
‫دفعوه صوب زنزانة بدت له أشبه بغرفة يف‬
‫ملحق‪ ،‬وما إن أغلق الباب وراءه حتى اندفع‬
‫صوب نافذة الزنزانة الواطئة يتأمل باحة قصر‪،‬‬
‫كانت األمرية لشابة تقود جوادها إىل احلظرية‪،‬‬
‫وهي تربت على ظهره وخلفها الوصيفات‬
‫يتسابقن لنيل رضاها‪..‬‬
‫فتح الباب احلديدي‪ ،‬وتقدم أحد احلرّاس‬
‫وبيده طبق من القشّ فوقه طعام ساخن مكون‬
‫من قطعة من اللحم‪ ،‬وبضع حبات من البطاطا‬

‫املشوية‪ ،‬وإناء من الفخار‪ ،‬وضع احلارس طبق‬
‫القش هبدوء ثم خرج وأغلق الزنزانة خلفه‪..‬‬
‫انقضّ شاهد على الطعام يلتهمه بشراهة‬
‫على الرغم من سخونته‪ ،‬ثم شرب من اإلناء‬
‫ّ‬
‫الفخاري‪ ،‬ماء عذباً مل يشرب مثله يف حياته‪،‬‬
‫عاد بعد أن أهنى طعامه إىل النافذة فوجد باحة‬
‫القصر خالية‪ ،‬فأحس خبيبة أمل‪ ،‬ثم متدد على‬
‫سرير القش يف طرف الزنزانة يفكر بوضعه غري‬
‫مصدق‪ ..‬ومتنى أيضاً أن ينام بعمق‪ ،‬ويصحو‬
‫وهو يف مكن آخر غري هذا املكان الغريب‪..‬‬
‫استيقظ شاهد على باب الزنزانة ينفتح‪ ،‬طالعه‬
‫وجه (سريا) وبصحبته رجل جوز بلحية بيضاء‪..‬‬
‫إنه من سيحقق معك أيها الشاب‪..‬‬
‫أشار العجوز له باخلروج ثم جلس قرب شاه‬
‫فوق سرير القش‪..‬‬
‫ الختف يابين‪ ،‬حنن النستخدم العنف‪..‬‬‫ ومن قال لك إنين خائف؟‬‫ يدور يف ذهنك أن التحقيق يبدأ باللجوء‬‫للعنف‪..‬‬
‫ فعالً هذا مادار يف ذهين من قبل‪ ،‬أما اآلن‬‫فأنا مطمئن حلكمتك‪ ،‬تبدو رجالً منطقياً‪..‬‬
‫ابتسم العجوز وهو يهز رأسه‪ ،‬وملعت أسنانه‬
‫البيضاء اليت بدت لشاهد كاملة العدد‬
‫فاستغرب لك كثرياً‪..‬‬
‫ سأستمع لك يابين‪ ،‬حدثين بقصتك‪ ،‬التكذب‬‫أبداً وإال غضبت منك‪ ،‬أستطيع اكتشاف أي‬
‫كذبة يف حديثك ولو كانت صغرية‪..‬‬
‫ أريد أن أسألك سؤاالً ياسيدي؟ إذا مسحت‪،‬‬‫إنه سؤال هام جداً يل‪ ،‬وسأحكي لك بعد أن‬
‫جتيبين كل قصيت دون أن أنقص حرفاً‪..‬‬
‫ آه‪ ..‬تفضل اسأل‪..‬‬‫ من أنتم؟ مباذا تسمون أنفسكم‪ ،‬أقصد إىل‬‫أي األقوام تنتمون‪ ،‬مااسم مدينتكم؟‬
‫‪ -‬غريب يبدو الصدق واضحاً يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪49‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النفـــق‬
‫هلجتك‪ ،‬على كل حال أنت يف مدينة (دورا)‬
‫وهذا هنر الفرات العظيم‪ ،‬حنن حتت ظل‬
‫احلكيم محورابي‪ ،‬سلطان العامل‪..‬‬
‫ محورابي؟ ماذا تقول؟ ياإهلي‪..‬‬‫ تبدو مذهوالً‪..‬‬‫ آه‪ ..‬الأصدق نفسي‪ ،‬أمعقول؟‬‫ أنا أنتظر تفسري وجودك هنا‪..‬‬‫ آه ياسيدي‪ ..‬ماسأقول لك اليصدق‪ ،‬أنا‬‫الأنتمي لعصركم‪ ،‬أنا يف عصر مستقبلي‬
‫يفصلكم عنه حنو (‪ ) 3750‬سنة‪..‬‬
‫ ماهذا اهلراء الذي تقوله أيها الشاب؟‬‫ ليس هراء‪ ،‬إنه حقيقة‪ ،‬أنا نفسي الأزال غري‬‫مصدق‪..‬‬
‫ كيف تعيش يف عصر تفصلنا عنه حنو‬‫(‪ )3750‬سنة؟‪ .‬كيف عاد بك الزمن إىل الوراء‬
‫هذه املدة الطويلة‪.‬؟‬
‫ لست أري‪ ،‬السرّ كله يف ذلك النفق‪ ،‬يبدو‬‫أن الزمن متوقف خالله‪ ،‬أو أن الزمن فيه‬
‫مضطرب فوضوي‪ ،‬حني يدخله الكائن احلي‬
‫خيرج من عامله إىل عصر آخر ال يعرف عنه‬
‫شيئاً‪..‬‬
‫أطرق الشيخ للحظات ثم رفع رأسه صوب‬
‫شاهد‪:‬‬
‫ امسع أيها الشاب‪ ،‬أنت ال تدري مباذا تتحدث‪،‬‬‫يبدو أنك متر بظروف نفسية عصبية سأمهلك‬
‫لبعض الوقت ترتاح خالله‪ ،‬ثم أراك فيما بعد‪،‬‬
‫قد تغيّر رأيك‪..‬‬
‫ من املستحيل يا سيدي أن أغري رأيي‪ ،‬ألن ما‬‫حدث معي كان حقيقة‪ ،‬ومل أكذب يف روايته‬
‫أبداً‪..‬‬
‫مههم الشيخ بعبارات غامضة‪ ،‬ثم خرج من‬
‫الزنزانة اليت أغلقت خلفه بإحكام‪..‬‬
‫وقف شاهد أمام النافذة يتأمل الشمس‪ ،‬وهي‬
‫جتنح حنو الغروب؟ ها أنذا أقضي أول يوم‬

‫‪50‬‬

‫يف هذا العامل العجيب‪ ،‬ماذا تفعل أمي اآلن‪،‬‬
‫هل انتاهبا القلق لتأخري؟ آه إهنا السادسة‬
‫والنصف‪ ،‬يا إهلي كيف نسيت هذا؟ أنا أمحل‬
‫ساعة يد متطورة هبا عقربان وأرقام الكرتونية‪،‬‬
‫إهنا برهان قطعي على أنين من عصر خمتلف‪..‬‬
‫آه‪ ..‬سأحبث يف جيوبي عن أشياء أخرى‪ ،‬وضع‬
‫مصباح اجليب مبدخرتيه الضعيفتني أمامه‬
‫كما وضع مجلة مفاتيح صغرية وأوراق نقود‬
‫وقطعاً معدنية من النقود أيضاً‪ ،‬أحسّ باالرتياح‬
‫سيعرض كل هذه األشياء على الشيخ الذي‬
‫حيقق معه‪ ،‬وسيقتنع بصدقه‪..‬‬
‫مسع أصواتاً أمام باب الزنزانة الذي فتح لتدخل‬
‫األمرية بقامتها اهليفاء خفق قلبه‪ ،‬وراح يتأملها‬
‫وهي تقرتب منه‪:‬‬
‫ ماذا حدث معك أيها الشاب؟ هل انتهوا من‬‫حتقيقاهتم؟‬
‫ سألوني بضعة أسئلة ياموالتي‪..‬‬‫ قلت يل ‪ :‬إن امسك (شاهد) كيف حضرت‬‫إىل هنا؟‬
‫ جئت بطريق املصادفة‪..‬‬‫ أتعلم ماذا كانت نتيجة التحقيق ياسريا؟‬‫احننى سريا أمامها‪ ..‬طلب الشيخ من احلراس‬
‫أن حيسنوا معاملته ويقدموا له ما حيتاج من‬
‫طعام وشراب‪..‬‬
‫ً‬
‫ كنت واثقة أنه ليس جاسوسا‪..‬‬‫احننى شاهد أمامها باحرتام‪ -..‬أميكنين أن‬
‫أسألك سؤاالً ياموالتي؟‬
‫ابتسمت بعذوبة وانعكس ضوء الشمس احملمّر‬
‫عند الغروب‪ ،‬على وجهها فأعطاها مسحة‬
‫آسرة من اجلمال‪ - ..‬تفضل اسأل‪..‬‬
‫ أنت ابنة احلكيم محورابي؟‬‫ نعم‪..‬‬‫ وماامسك ياموالتي؟ أرجو أن تغفري يل‬‫سؤايل‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النفـــق‬
‫ امسي كوال‪..‬‬‫رمقته بإمعان قبل أن تغادر الزنزانة مصحوبة‬
‫باحلراس‪ ،‬وتركته مشدوهاً يفكر‪ ،‬أمعقول؟ أنا‬
‫أعيش فعالً يف زمن محورابي‪ ،‬وكوال هو اسم‬
‫من يزعمون أهنا اإلهلة الشافية سيدة احلياة‪،‬‬
‫حتيي املوتى بلمسة من يديها‪ ،‬وأهنا ربة السموم‬
‫واجلرع الطبية‪..‬‬
‫شرد لبعض الوقت يتأمل غرابة املوقف الذي‬
‫وجد نفسه فيه فجأة دون أن يعلم كيف؟‬
‫وطالعه طيف كوال بابتسامتها الساحرة فغفا‬
‫قلقاً متعباً‪ ،‬وهو يرجو أن يستيقظ من جديد‬
‫على عامله الذي كان يعيش فيه‪..‬‬
‫يف الصباح أيقظه احلارس‪ ،‬كان هناك رجل‬
‫متقدم يف السن حليق اللحية يتفرس فيه بعمق‪،‬‬
‫وبيده أدوات غريبة‪ ،‬خرج احلارس بعد أن أشار‬
‫له الرجل باخلروج‪ ،‬وأمسك الرجل يده جيسّ‬
‫نبضه‪ ،‬ثم فحص عينيه وملس جبهته‪:‬‬
‫ افتح فمك دعين أرى لسانك‪..‬‬‫أطاع شاهد الرجل يف كل ماطلبه‪ ،‬وبعد أن‬
‫انتهى من إجراءاته مهس مستغرباً‪:‬‬
‫ ليس بك أي مرض‪ ..‬آه‪ ..‬قد يكون دماغك‬‫اليعمل جيداً‪ ،‬على كل حال‪ ،‬جئت إليك ألرحيك‬
‫من متاعبك‪ ،‬أريد أن تتعاون معي‪ ،‬هه‪ ..‬تبدو‬
‫أعصابك على غري مايرام‪.‬‬
‫ حسناً ياسيدي‪ ..‬مباذا أستطيع معاونتك؟‬‫ اإلجابة عن كل أسئليت واستفساراتي‪..‬‬‫ أنا جاهز‪..‬‬‫ إىل أي األقوام تنتمي؟ من أين قدمت؟‬‫ صدقين ياسيدي الأنتمي لعاملكم‪ ،‬وجئت من‬‫مكان ما يفصلكم عنه حنو أربعة آالف سنة‪،‬‬
‫أنا من عصر بعيد جداً يف املستقبل بالنسبة‬
‫إليكم‪..‬‬
‫هز الرجل رأسه غري مصدق‪ – ..‬ماتقوله ليس‬
‫له معنى‪..‬‬

‫ سأحدثك عن عصر نادر أنقل لك تفاصيل‬‫احلياة فيه‪..‬‬
‫ أنا أستمع لك‪..‬‬‫وانطلق شاهد يتحدث بطالقة عن القرن‬
‫العشرين وعن احلضارة احلديثة‪ ،‬ووضع‬
‫اجملتمعات البشرية‪ ،‬واهلبوط على القمر‪،‬‬
‫والقنابل اهليدروجينية‪ ،‬ظل لوقت طويل يتكلم‪..‬‬
‫ هذا هو عصرنا ياسيدي‪ ،‬عصر اآللة واخرتاق‬‫الفضاء‪ ،‬والعقول اآللية اليت تقوم بكل األعمال‬
‫الصعبة املطلوبة منها‪..‬‬
‫نظر إليه الرجل متفرساً‪ ،‬مستغرباً‪ - ..‬ماتقوله‬
‫أشبه بقصة خرافية‪ ،‬أال متلك دليالً على ذلك؟‬
‫أراه الساعة االلكرتونية‪ ،‬ومصباح اجليب‪،‬‬
‫وقطع النقود املعدنية والورقية‪ ،‬ومجلة املفاتيح‬
‫الصغرية‪ ،‬إهنا أشياء تنتمي لعاملنا‪..‬‬
‫حدق مدهوشاً مبا يعرضه شاهد‪..‬‬
‫ املصباح به مدخرة‪ ،‬وهو يضيء يف الظالم‪،‬‬‫والساعة ملعرفة الوقت بدقة‪ ،‬وهذه املفاتيح‬
‫الصغرية‪ ،‬ختتلف متاماً عن مفاتيح بيوتكم‪..‬‬
‫ إهنا أشياء غريبة عن عاملنا فعالً‪ ،‬قصتك‬‫يابين يصعب تصديقها‪ ،‬على الرغم من أن‬
‫هلجتك تؤكد أنك تقول الصدق والتكذب‪..‬‬
‫ إذن أنت تصدقين‪..‬؟‬‫ أنا طبيب أيها الشاب‪ ،‬عمري يتجاوز‬‫السبعني‪ ،‬مررت بتجارب كثرية وزرت بلداناً‬
‫عديدة‪ ،‬قطعت أحراجاً وجباالً عالية وسهوالً‬
‫فسيحة‪ ،‬قابلت أناساً من كل األجناس‪ ،‬ومل أر‬
‫يف حياتي املديدة شخصاً مثلك‪..‬‬
‫ أال تسطيع مساعدتي‪.‬؟‬‫ كيف؟ لو قلت للناس‪ :‬إن هذا الشاب من‬‫عصر مستقبلي تفصلنا عنه أربعة آالف سنة ملا‬
‫صدقين أحد‪ ،‬بل التتهموني باجلنون‪..‬‬
‫ يعين أنك التصدقين‪ ،‬أو تشك برواييت؟‬‫‪ -‬هلجتك ليست هلجة من خيتلق‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪51‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النفـــق‬
‫القصص‪ ،‬ولكن ماترويه غري مقنع على‬
‫اإلطالق‪..‬‬
‫ إذن ما الذي ستفعلونه بي؟‬‫ جئت إليك طبيباً ألحاول عالجك‪ ،‬كل‬‫ماأستطيع أن أقوله هلم‪ :‬إنك على مايرام ليست‬
‫بك علة‪ ،‬ولست مريضاً يف عقلك كما اعتقدوا‬
‫أيضاً‪ ،‬ولكن‪ ،‬ملاذا قفزت من عصرك إن صدقت‬
‫حكايتك‪ ..‬إىل هذا العصر الغريب عنك؟‬
‫ الأدري حدث كل شيء دون إرادتي‪..‬‬‫مجع الرجل املسن أغراضه‪ ،‬ثم ربت على كتف‬
‫شاهد مودعاً‪:‬‬
‫ ليحفظك اهلل‪ ،‬سأطلب منهم أال يسيئوا‬‫معاملتك‪..‬‬
‫سأله شاهد بلهفة‪ - :‬أال تستطيع عرض قصيت‬
‫على احلكيم محورابي؟‬
‫ إن ذلك يبدو مستحيالً يابين‪ ،‬ولكن مادمت‬‫قد جئت إلينا‪ ،‬سنحاول مساعدتك بالتأقلم يف‬
‫العيش بيننا‪ ،‬ألن إعادتك لعصرك‪ ،‬إن كنت من‬
‫عصر مستقبلي فعالً‪ ،‬مستحيلة متاماً‪ ،‬وداعاً‬
‫يابين‪ ،‬أرجو لك التوفيق‪..‬‬
‫خرج الطبيب متعاطفاً معه‪ ،‬وحني أغلق الباب‬
‫احلديدي وراءه‪ ،‬كان شاهد متأملاً معذباً‪ ،‬مل‬
‫يدر مايفعل‪ ،‬مامصريه بني هؤالء الناس؟ أميكنه‬
‫أن يتأقلم معهم‪ ،‬ويقدم هلم عصارة معرفته‬
‫املتطورة كثرياً بالنسبة إليهم‪ ،‬ليساعدهم يف‬
‫أمور حياهتم ومستقبلهم؟‬
‫تأمل باحة القصر‪ ،‬كانت هناك حركة غري‬
‫عادية‪ ،‬متنى لو يشاهد من هذا البعد احلكيم‬
‫محورابي؟ كيف يبدو شكله؟ أهو عجوز‪ ،‬أم‬
‫مازال يف قوته؟‬
‫فتح الباب وأدخل احلارس طبق الطعام‪ ،‬كان‬
‫مكوناً هذه املرة من احلليب وحساء احلنطة‪،‬‬
‫وقطعة حلم مشوية‪..‬‬
‫أكل بشراهة أيضاً‪ ،‬وقد شعر بقوة تنتابه‬

‫‪52‬‬

‫ملقاومة ظروفه‪ ،‬قام ببعض احلركات الرياضية‪،‬‬
‫ومل ينتبه لدخول (كوال) إليه‪ ،‬إذ إن الباب مل‬
‫يكن مغلقاً بالرتاج‪ ،‬مسع صوهتا خلفه ‪ – ..‬هه‬
‫تتمرن؟ هل ميكنك استعمال السيف ؟‬
‫تبدو يدك غضة أشبه بيد فتاة‪..‬‬
‫احننى أمامها وقد سحره مجاهلا‪ ،‬كانت ترتدي‬
‫لباساً خفيفاً يظهر مجال ساقيها وقد ملت‬
‫شعرها برباط من القماش امللون‪:‬‬
‫ موالتي األمرية‪..‬‬‫ قال الطبيب‪ .‬إنك تتمتع بصفات جيدة‪ ،‬ولقد‬‫امتدحك كثرياً‪..‬‬
‫ إذن تأ ّكد للجميع أنين لست جاسوساً‪..‬‬‫ هو مطمئن من هذه الناحية‪..‬‬‫ وأنت ياموالتي‪..‬؟‬‫ الأرى فيك عدواً‪ ،‬بل أنا أستلطفك‪..‬‬‫قال ذلك جبرأة وهي تنظر إليه‪ ،‬ثم تابعت‪:‬‬
‫ السباق السنوي‪..‬؟‬‫ إنه سباق جنريه كل عام الختيار األقدر من‬‫احملاربني‪..‬‬
‫ قد الأكون حمارباً قديراً ياموالتي‪..‬‬‫ تبدو عضالتك قوية‪ ،‬ثم إن القوة ليست كل‬‫شيء يف هذا السباق‪ ،‬هناك النزعة اإلنسانية‬
‫والذكاء أيضاً‪..‬‬
‫ إذن تسمحني يل باالشرتاك يف هذا السباق؟‬‫ نعم‪ ،‬سيخربك(سريا) بالتفصيالت‪ ،‬سيبدأ‬‫السباق عند الظهرية‪..‬‬
‫ً‬
‫ هل سيكون احلكيم محورابي حاضرا يف‬‫السباق؟‬
‫ سيحضر يف هنايته ويوزع اجلوائز على‬‫الفائزين‪..‬‬
‫ حسناً ياموالتي‪ ،‬سأكون جاهزاً‪ ،‬خلوض‬‫السباق‪..‬‬
‫هزت رأسها مبتسمة‪:‬‬
‫‪ -‬هكذا مخنت‪ ..‬لست جباناً أيها الشاب‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النفـــق‬
‫وأعتقد أنك ستفوز‪..‬‬
‫أمسك يدها وقبلها باحرتام‪:‬‬
‫ بفضل تشجيعك ياموالتي‪..‬‬‫خرجت وخلفت وراءها نسمة عبري دغدغت‬
‫حواسه‪ ،‬آه‪ ..‬يبدو أنين بدأت أحبك ياكوال‪ ..‬أنا‬
‫خائف من نتيجة هذا احلب‪..‬‬
‫هزه سريا وهو يقول‪:‬‬
‫ امسع أيها الشاب‪ ،‬الأدري ماالذي جيعل‬‫موالتي األمرية متنحك كل هذه التسهيالت‪ ،‬مع‬
‫أنك التزال سجيناً‪ ،‬مل ينته التحقيق معك بعد‪،‬‬
‫ومل يصدر بشأنك أي قرار ملكي‪ ،‬ولكن أوامر‬
‫موالتي ستنفذ‪..‬‬
‫ حسناً ياسريا أخربني عن هذا السباق‪ ،‬ماالذي‬‫سيتسابقون للفوز به؟‬
‫ آه‪ ..‬تعتقد أنك ستكون بني الفائزين؟ هه‪..‬‬‫إنك حتلم بال شك‪..‬‬
‫ اليهم‪ ..‬أخربني فقط عن السباق‪..‬‬‫ إنه من عدة مراحل‪ ..‬املرحلة األوىل هي‬‫اختبار الذكاء‪ ،‬واملرحلة الثانية اختبار احلكمة‪،‬‬
‫واملرحلة الثالثة اختبار الشجاعة‪ ،‬واملرحلة‬
‫الرابعة اختبار القوة‪ ،‬أما املراحل األخرى فتعلن‬
‫يف حينها‪..‬‬
‫ ماذا يعين اختبار الذكاء؟‬‫ االختبارات كلها تدور حول إثبات الشخصية‬‫اإلنسانية‪ ،‬ومن تكن شخصيته أكثر ثباتاً يفز‬
‫بقصب السبق‪ ،‬الأستطيع إعطاءك تفصيالت‬
‫أكثر عن االختبارات ستعرف كل شيء بنفسك؟‬
‫ مل تقل يل مااجلائزة؟‬‫ ستعلنها األمرية قبل بدء السباق‪ ،‬أو قبل‬‫انتهاء املراحل األخرية منه‪ ،‬أحتتاج لشيء اآلن؟‬
‫ مثل ماذا؟‬‫ االستحمام‪ ،‬التمرن على املبارزة‪ ،‬تناول طعام‬‫معني‪ ،‬سآمرهم أن ينفذوا لك ماتريد‪ ،‬سآتي‬
‫بنفسي الصطحابك بعد الظهر‪ ،‬للمشاركة يف‬

‫السباق‪..‬‬
‫ شكراً لك ياسريا‪..‬‬‫مل يكرتث به (سريا)‪ ،‬إذ خرج مسرعاً وسيفه‬
‫يتدىل إىل جانبه‪ ،‬وبعد حلظات فتح احلارس‬
‫الباب خيربه أنه مستعد الصطحابه إىل النهر‬
‫لالستحمام‪..‬‬
‫شعر شاهد بغبطة بالغة وهو يتجه حنو‬
‫النهر‪ ،‬قاده احلارس بصحبة جنديني آخرين‬
‫إىل منطقة منعزلة من النهر‪ ،‬أحاطوا به من‬
‫كل جانب وتركوه يسبح مبالبس خفيفة‪ ،‬وهو‬
‫يبالغ يف حركاته الرياضية وسباحته‪ ،‬حتى‬
‫تعب متاماً‪ ،‬ارتدى مالبسه بعدما جفف جسمه‬
‫بقطعة قماش مسيكة قدموها له‪ ،‬وانطلق‬
‫بصحبتهم عائداً إىل زنزانته‪..‬‬
‫نام لبعض الوقت‪ ،‬ثم استيقظ وقد شعر‬
‫باحلركة تزداد خارج الزنزانة‪ ،‬رفض الطعام‬
‫الذي عرضه احلارس عليه‪ ،‬على الرغم من‬
‫أنه كان جائعاً‪ ،‬إذ خاف أن يتأثر بالطعام إبان‬
‫السباق‪ ،‬بأن يثقل عليه ومينعه من احلركة‬
‫احلرة مثالً‪ ،‬هكذا كان يفكر واحلارس خيرج‬
‫بطبق الطعام ورائحة الشواء تعبق منها‪..‬‬
‫مسع أصوات األبواق تعلن االستعداد لالحتفال‪،‬‬
‫ورأى احلركة يف باحة القصر تزداد بشكل‬
‫واضح‪ ،‬كان هناك فرسان أشداء يصطفون‬
‫بنظام فوق خيوهلم املطهمة‪..‬‬
‫انفتح باب الزنزانة على مصراعيه ودخل (سريا)‬
‫بصحبة جنوده ليصطحبه إىل السباق‪ ،‬أحاط به‬
‫اجلنود و(سريا) يتقدمه هابطاً اجلرات‪ ،‬متجهاً‬
‫صوب باب سور املدينة وسط مظاهر فرح‬
‫من األهايل الذين جتمعوا على جانيب الطريق‬
‫يرقبون صفوف الفرسان‪ ،‬وهي حتمل األعالم‬
‫والرّقم والطبول النحاسية‪ ،‬شق سريا طريقه‬
‫سائراً على البالط املرصوف وخلفه‬
‫(شاهد)‪ ،‬وبقية اجلنود ميشون بانتظام‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪53‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النفـــق‬
‫حتى اخرتقوا باب السور اخلارجي‪..‬‬
‫أمام الباب كان الناس يتجمعون بأعداد غفرية‬
‫حول ساحة ضخمة نصبت حوهلا الرايات‬
‫امللونة‪ ،‬وفوق مصطبة أعدت سلفاً‪ ،‬جلست كوال‬
‫ابنة محورابي وحوهلا الوزراء واملستشارون‪ ،‬وقد‬
‫ارتدت أهبى حلّة‪ ،‬فبدت آية يف اجلمال‪..‬‬
‫كان شاهد ميشي واثقاً من نفسه‪ ،‬فما دامت‬
‫الظروف الغامضة قد أرجعته من عصر‬
‫مستقبلي إىل عصر قديم‪ ،‬فيحاول استخدام‬
‫عقله للتأقلم مع ظروفه املعقدة تلك‪ ،‬حتت‬
‫املصطبة اخلشبية املرتفعة‪ ،‬اصطف الشبان‬
‫بأعداد كبرية‪ ،‬وقد تداعوا لالشرتاك يف السباق‪،‬‬
‫وكان هناك بعض الشيوخ الذين يرتدون لباساً‬
‫موحداً ينظمون صفوف املتسابقني مبساعدة‬
‫اجلنود‪ ،‬تقدم(سريا) وهو يشري إىل شاهد أن‬
‫يأخذ مكاناً بينهم‪ ،‬ثم أعطاه قميصاً بألوان‬
‫خاصة لريتديه‪ ،‬كان فضفاضاً واسعاً‪ ،‬ارتداه‬
‫شاهد ومل يشعر به خلفته‪ ،‬أعلنت األبواق بدء‬
‫املسابقة (إنه اختبار الذكاء)‪ ،‬هكذا مهس (سريا)‬
‫له‪ ،‬انتظم املتسابقون يف صف واحد طويل‬
‫تقدم حنو خيمة من مركز الساحة‪ ،‬جلس فيها‬
‫حكماء املدينة يسألون أسئلتهم للمتسابقني‪،‬‬
‫وكان الفاشل يف اإلجابة على األسئلة خيرج‬
‫من الباب األصفر وسط صرخات استهجان‬
‫من اجلمهور‪ ،‬أما الذي ينجح يف االختبار‬
‫فيخرج من الباب األخضر‪ ،‬حيث ينتزع تصفيق‬
‫اجلماهري احلاشدة وإمياءة من رأس احلسناء‬
‫(كوال) ‪.‬‬
‫جاء دور شاهد‪ ،‬دخل اخليمة‪ ،‬حدّق به الشيوخ‬
‫ثم سأله أحدهم‪:‬‬
‫ قل يل أيها الشاب‪ :‬مااسم العضو يف جسم‬‫اإلنسان الذي قد جير الوبال على اإلنسان‪ ،‬وقد‬
‫يرفعه فوق السحاب‪ ،‬قد يؤذي به‪ ،‬وقد يرفعه‬
‫فوق السحاب‪ ،‬قد يؤذي به‪ ،‬وقد يصلح به‬

‫‪54‬‬

‫مشكالت الناس‪ ،‬من دونه التفاهم بني البشر‪،‬‬
‫وميكن لإلنسان من دونه أن يعيش‪.‬‬
‫ إنه اللسان ياسيدي‪..‬‬‫ أحسنت أيها الشاب مل ترتدد مطلقاً يف‬‫اجلواب‪..‬‬
‫خرج شاهد من الباب األخضر وسط تصفيق‬
‫الناس‪ ،‬وملح (كوال) تبتسم له فخفق قلبه‪..‬‬
‫(االختبار الثاني هو اختبار احلكمة) هبذا مهس‬
‫له (سريا) مشجعاً‪..‬‬
‫كانت هناك خيمة مشدودة أيضاً تبعد عن‬
‫اخليمة األخرى بضع خطوات‪..‬‬
‫تقدم شاهد مع بقية املستبقني حنوها‪ ،‬وعندما‬
‫أتى دوره دخل‪ ،‬مل جيد أحداً فيها‪ ،‬نظر حوله‬
‫فرأى صناديق من اجلواهر والذهب موزعة فيها‬
‫ومسع صوتاً يقول هبدوء‪ :‬خذ منها والختف‪،‬‬
‫عليك األمان‪ ،‬أعطى موالي محورابي األمان ملن‬
‫ينتقي أنفس شيء فيها‪.‬‬
‫تقدم شاهد يتأمل اجلواهر وأكوام الذهب‪ ،‬ثم‬
‫رأى مالبس فاخرة ودروعاً وسيوفاً مزخرفة‬
‫وتابع جتواله فرأى كلباً صغرياً موضوعاً يف‬
‫حلة معدنية كبرية‪ ،‬كان حياول اخلروج منها‬
‫دون نتيجة‪ ،‬ورأى خارج احللة وعاءً من الفخار‬
‫مملوءاً باحلليب‪ ،‬كان اجلرو الصغري حياول‬
‫تسلق جدار احللة دون نتيجة‪ ،‬اقرتب منه‬
‫(شاهد) مشفقاً ومحله من احللة‪ ،‬ووضعه أمام‬
‫احلليب‪ ،‬وأخذ يرمقه راضياً وهو يلعق احلليب‪،‬‬
‫ونسي نفسه‪ ،‬واجلرو الصغري منشغل بوجبته‪،‬‬
‫وحني شبع تقدم من شاهد يتمسح به‪ ،‬فوضعه‬
‫فوق أكوام اجلواهر‪ ،‬وخرج من الباب الذي‬
‫فتحه له أحد الشيوخ‪..‬‬
‫ أحسنت يابين‪ ،‬احملبة أمثن شيء يف اإلنسان‪،‬‬‫أشفقت على هذا اجلرو الصغري ومل جتذبك‬
‫اجلواهر وأكوام الذهب‪..‬‬
‫ماإن خرج من الباب حتى تعالت اهلتافات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النفـــق‬
‫والتصفيق‪ ،‬ورأى كوال احلسناء ترفع يدها‬
‫ملوحة له‪ ،‬فشعر قلبه ينتفض‪..‬‬
‫حبث بعينيه عن (سريا) ليعرف منه االختبار‬
‫القادم فلم جيده‪ ،‬ورأى من جنح يف السباق‬
‫يتجهون صوب حفرة يف وسط امليدان‪ ،‬كانت‬
‫حفرة كبرية دائرية رفعت احلواجز فوقها بشكل‬
‫يسمح للناس برؤية ماحيدث داخلها‪ ،‬أما من‬
‫يتسابق فال يرى‪ ،‬واليسمع شيئاً‪ ،‬ألنه يوضع‬
‫يف سرداب صغري‪ ،‬يف هنايته باب ينفتح على‬
‫احلفرة الدائرية نفسها‪..‬‬
‫دخل شاهد فجأة‪ ،‬فرأى أمامه عمالقاً ضخماً‬
‫حيمل سيفاً طويالً‪ ،‬انقض عليه حاملا رآه‪ ،‬فزاغ‬
‫منه شاهد أكثر من مرة‪ ،‬ثم تظاهر بالتعب‬
‫وأسند ظهره إىل جدار احلفرة يف الوقت الذي‬
‫ألقى العمالق ثقله فوقه‪ ،‬ولكنه ابتعد مبهارة‬
‫وسدّد له ضربة موجعة على يده‪ ،‬فأطار منها‬
‫السيف‪ ،‬حيث تلقاه بيده ووجهه إىل رقبة‬
‫العمالق الذي احننى راكعاً‪ ،‬ولكن شاهداً ألقى‬
‫بالسيف بعيداً‪ ،‬حبث عن باب اخلروج فلم‬
‫جيده‪ ،‬ورأى حبالً يتدىل من األعلى‪ ،‬تأكد من‬
‫متانته‪ ،‬وأخذ يتسلقه مبهارة حتى وصل فوهة‬
‫احلفرة‪ ،‬حيث قفز إىل اخلارج وسط لغط‬
‫اجلماهري وتصفيقهم‪..‬‬
‫حانت منه التفاتة صوب املصطبة اخلشبية‪،‬‬
‫كانت كوال هناك أيضاً ترسل له ابتسامتها‬
‫الساحرة‪ ..‬مهس إليه أحد الشيوخ (جنحت‬
‫أيضاً أيها الشاب يف اجتياز اختبار الشجاعة)‬
‫أشار له أن يتقدم مع من بقي من املتسابقني‬
‫صوب جهة أخرى من الساحة‪..‬‬
‫بعد قليل وجد نفسه أمام قفص يف داخله‬
‫(أسد) وضع أحدهم يف يده السوط‪ ،‬ثم فتح‬
‫باب القفص‪ ،‬ودفعه إىل األمام‪..‬‬
‫رأى شاهد األسد يتحرك من مكمنه‪ ،‬وهو يزأر‬
‫متجهاً صوبه‪ ،‬ورأى أمامه قطعة من اللحم مل‬

‫متس‪ ،‬فأيقن أنه أسد غري جائع‪ ،‬وأنه إذا ظل‬
‫هادئاً لن يؤذيه‪ ،‬فألقى بالسوط على األرض‪،‬‬
‫وتقدم من األسد الذي فاجأته حركته‪ ،‬فتوقف‬
‫وهو يزأر‪ ،‬وصل شاهد إليه وبدأ يربت على‬
‫ظهره ويداعب شعر رأسه‪ ،‬وحيكّ له عنقه وبعد‬
‫حلظات كان األسد يلعق يديه‪ ،‬جلس شاهد إىل‬
‫جانبه مطمئناً‪ ،‬وهو ميسّد له شعره‪ ،‬وينظفه‬
‫من احلشرات‪ ،‬واألسد حيرك رأسه هادئاً‬
‫مطيعاً حتى غفا‪..‬‬
‫وملا تأكد شاهد من نومه‪ ،‬هنض هبدوء صوب‬
‫باب القفص الذي فتح له‪ ،‬فوجد سريا أمامه‬
‫يبتسم بإعجاب‪:‬‬
‫ موالتي كوال تريدك ياسيدي‪ .‬جنحت يف‬‫اختبار القوة‪ ،‬إنك أسرع املتسابقني جناحاً يف‬
‫االختبارات‪..‬‬
‫ وأين هي األمرية (كوال)؟‬‫ إهنا تنتظرك خارج هذه الغرفة األسطوانية‪،‬‬‫حيث سيجري يف داخلها اختبار جديد‪ ،‬لكنها‬
‫واثقة أنك ستجتازه‪..‬‬
‫دخل شاهد غرفة أسطوانية من اخلشب‪،‬‬
‫كانت مظلمة متاماً بعد أن أغلق الباب وراءه‪،‬‬
‫مسع صراخ امرأة وبكاء طفل صغري‪ ،‬وصلته‬
‫قهقهة خشنة لرجل فظ‪ ،‬سأسحق طفلك هذا‬
‫ياخائنة‪..‬‬
‫ ال ال إنه طفل بريء‪..‬‬‫ً‬
‫ إنه مثرة خطيئتك‪ ،‬لن أتركه حيّا‪..‬‬‫ّ‬
‫مخن شاهد مكان صدور الصوت وشعر‬
‫باحلزن لكوهنم يستخدمون طفالً بريئاً يف هذه‬
‫االختبارات‪ ،‬حتسس جدار الغرفة اخلشبية‬
‫وفجأة انبعث النور من أعلى الغرفة‪ ،‬ورأى يداً‬
‫عمالقة متسك طفالً صغرياً تتهياً لقذفه إىل‬
‫أعلى‪ ،‬ومل يرتدد يف القفز حنو الطفل وسحبه‬
‫من اليد العمالقة بسرعة‪ ،‬يف الوقت‬
‫الذي اهنالت فوقه احلجارة من األعلى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪55‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النفـــق‬
‫متكن بصعوبة من محاية الطفل منها‪ ،‬ولكنها‬
‫أصابت رأسه وكتفه‪ ،‬ورأى اليد العمالقة حتمل‬
‫سيفاً ضخماً تنقضّ يف اجتاهه‪ ،‬راوغها مبهارة‬
‫على الرغم من آالمه‪ ،‬حتى غرز نصل السيف‬
‫يف اخلشب‪ ،‬ومل تستطع اليد سحبه من جديد‪.‬‬
‫فتح الباب وتقدمت منه امرأة مسنة وهي‬
‫تبتسم‪ ،‬رأى الطفل الذي بني يديه بال حركة‪،‬‬
‫كانت دمية متقنة الصنعة‪ ،‬أما اليد فكانت‬
‫مصنوعة من اخلشب حترّك من أعلى بواسطة‬
‫شد بعض احلبال‪ ،‬من قبل أربعة رجال أقوياء‬
‫متمرسني‪ ،‬كل األصوات اليت هتيأت لشاهد‬
‫كانت مزيفة‪ ،‬أما احلجارة الساقطة فكانت‬
‫حقيقية‪ ،‬وقد تركت آثاراً على رأسه‪ ،‬وجرحته‬
‫يف أكثر من مكان‪..‬‬
‫خرج شاهد من الغرفة‪ ،‬فوجد كوال أمامه‪،‬‬
‫وتقدم منه الطبيب يدهن جراحه باملراهم‪ ،‬هل‬
‫هو مصاب إصابات بليغة؟‬
‫ الياموالتي‪ ،‬سيكون خبري‪ ،‬جراح خفيفة‬‫ستشفى بسرعة‪..‬‬
‫أراحته املراهم‪ ،‬وشعر أنه ينسحق حتت نظرات‬
‫كوال اجلميلة‪ ،‬اليت مهست إليه‪:‬‬
‫ امسع ياشاهد ميكنك أن تنسحب من املرحلة‬‫األخرية من السباق إهنا أخطر مرحلة‪ ،‬مل يبق‬
‫من املتسابقني سواك ومتسابق آخر‪..‬‬
‫ الياموالتي‪ ،‬سأكمل االختبارات مجيعها‪..‬‬‫ إهنا مرحلة خطرية قد التنجو منها‪..‬‬‫ اليهم‪..‬‬‫ سيختار الفائز عروسه من بني صبايا املدينة‪،‬‬‫أترغب يف الزواج أيها الشاب؟‬
‫ جيب أن أثبت للجميع أنين خملص يف حمبيت‬‫للناس‪ ،‬لست جاسوساً أو جمرماً سأهني السباق‬
‫بنجاح وبعدها سأقرر إن كنت سأتزوج أم ال‪..‬‬
‫مهست له‪ :‬ميكنك اختيار من تشاء من الفتيات؟‬
‫‪ -‬حتى أنت ياموالتي؟‬

‫‪56‬‬

‫ حتى أنا‪ ،‬ولكن لن أمسح ألحد باختياري‬‫عداك‪..‬‬
‫مهس وقلبه يطفو من احلب‪ ..‬موالتي األمرية‪،‬‬
‫سأخاطر حبياتي كي أفوز بالسباق‪..‬‬
‫ ليحرسك اهلل‪ ،‬سأربط هذا الوشاح األزرق‬‫على يدك‪ ،‬وتذ ّكر أنين معك يف كل حلظة‪..‬‬
‫احننى أمامها وغمر يديها بالقبل‪ ،‬سحبت‬
‫يديها‪ ،‬وهي تبتسم ثم ابتعدت عنه‪ ،‬وهي هتز‬
‫رأسها مشجعة‪ ،‬مسع صوت املشرف على‬
‫السباق‪:‬‬
‫ ستنطلقان معاً حنو الغابة القريبة من النهر‪،‬‬‫وبعد مدة قصرية سيبحث عنكما الفرسان‬
‫املزودون مبختلف صنوف األسلحة‪ ،‬وأنتما‬
‫دون سالح ستفرتقان أحدكما عن اآلخر متى‬
‫تشاءان‪ ،‬ومن يستطع الصمود منكما أمام‬
‫هجمات الفرسان والتحايل عليهم فسيكون هو‬
‫املنتصر‪ ،‬لكل منكما احلق يف قتل أي فارس‬
‫يستطيع حماصرته‪ ،‬هل أنتما جاهزان‪..‬‬
‫ نعم ياسيدي‪..‬‬‫بدا على رفيقه الرتدد‪ ،‬كان شاباً وديعاً‪ ،‬قوي‬
‫العضالت‪ ،‬ظهر التعب على وجهه‪ ،‬ولكنه‬
‫سرعان مااسرتد حيويته‪ ،‬انطلقا معاً يركضان‬
‫صوب الغابة‪ ،‬كان شاهد يركض بأقصى‬
‫سرعته وقد أعطاه الوشاح قوة عجيبة‪ ،‬الفت‬
‫وراءه بعد مدة قصرية‪ ،‬فرأى رفيقه يتعثر‬
‫والفرسان ينطلقون يف اجتاهه‪ ،‬أشفق عليه ليته‬
‫انسحب من السباق‪ ،‬بدا له متعباً متاماً‪ ،‬ولكن‬
‫صهيل اخليول املقرتبة‪ ،‬قطع عليه اسرتساله يف‬
‫األسف على رفيقه‪ ،‬فقذف نفسه صوب النهر‬
‫من مرتفع يطل على الغابة‪ ،‬وأخذ يسبح بقوة‬
‫حماوالً االختفاء عن أعني الفرسان الذين مل‬
‫يظهروا له من جديد‪ ،‬رأى جذع شجرة يطفو‬
‫فوق املياه‪ ،‬فسبح يف اجتاهه‪ ،‬ومتدد فوقه وأخذ‬
‫جيدّف بيديه‪ ،‬حماوالً الدخول ضمن الدغل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النفـــق‬
‫املتكاثف‪ ،‬ولكن تياراً كان يدفعه خارج الدغل‪،‬‬
‫وبصعوبة كبرية وبعد حماوالت مستمرة جنح يف‬
‫الدخول إىل الدغل املتكاثف فوق النهر‪ ،‬استمر‬
‫جيدّف بقوة مقاوماً التيار حتى مسع صوت‬
‫شالالت هادرة‪ ،‬ورأى يف الضوء املتغلغل بني‬
‫األغصان مدخالً لكهف صخري ضخم‪ ،‬حتايل‬
‫على التيار‪ ،‬حتى وصل إىل منطقة هادئة‪،‬‬
‫فتنفس الصعداء قليالً‪ ،‬ولكن جذع الشجرة بدا‬
‫فجأة يدور حول نفسه‪ ،‬وهو يدور معه‪ ،‬وسرعة‬
‫الدوران تزداد بشكل خميف‪ ،‬أحسّ كأنه يسقط‬
‫يف هاوية وفقد الوعي‪..‬‬
‫حني صحا وجد نفسه يف ظالم دامس يتمدد‬
‫على أرض صلبة‪ ،‬زحف هبدوء‪ ،‬حتى اصطدمت‬
‫يده باجلدار‪ ،‬فنهض ميشي ببطء‪ ،‬دون أي‬
‫بصيص ضوء‪ ،‬أين أنا؟ ماالذي حيدث يل؟‬
‫ياإهلي أعنّي‪ ،‬تعثرت قدمه فجأة كانت هناك‬
‫درجات صاعدة اجتازها حبذر‪ ،‬ومسع فجأة‬
‫أصوات ضحكات أنثوية فاقشعر بدنه‪ ،‬إنه يف‬
‫النفق من جديد‪ ،‬ياإهلي‪ ،‬إىل أين سيقذفه النفق‬
‫خارج الزمن؟ إىل أي عصر؟ ماالذي حصل له‬
‫حتى يتالعب به احلظ هكذا؟ توقفت األصوات‬
‫األنثوية‪ ،‬وعاد الصخب املفجع‪ ،‬سياط تتهاوى‬
‫فوق أجساد آدمية تتعذب‪ ،‬وقهقهات صاخبة‬
‫جلالدين يتسلون بالتعذيب‪ ،‬مشى شاهد‬
‫صاعداً يف النفق‪ ،‬تعثرت رجله بدرجات صاعدة‬
‫جديدة‪ ،‬وظ ّل اخلوف ينتابه من الوقوع يف هاوية‬
‫تنقله إىل زمن آخر اليعلم عنه شيئاً‪..‬‬
‫ولكن بصيصاً من الضوء تراءى أمامه‪ ،‬فأغ ّذ‬
‫السري مستقوياً‪ ،‬وازدادت درجة اإلنارة‪ ،‬كانت‬
‫أشعة الضوء آتية من ثغرة يف األعلى‪ ،‬ميّز‬
‫الدرجات الصاعدة حنوها‪ ،‬وبدأ يصعدها وقلبه‬
‫خيفق راجياً أن تكون هناية الرحلة األسطورية‪..‬‬
‫خرج شاهد من بني األعشاب املتطاولة‪ ،‬كان‬
‫الوقت صباحاً‪ ،‬والشمس يف بداية شروقها‪،‬‬

‫اجته صوب البيت‪ ،‬كان الناس يرمقونه‬
‫باستغراب‪ ،‬نظر إىل نفسه‪ ،‬كان اليزال يرتدي‬
‫اللباس الفضفاض امللون‪ ،‬نزعه عن جسمه‪ ،‬كان‬
‫لباسه العادي املألوف حتته كما هو‪ ،‬ولكن نظرة‬
‫منه إىل يده أرعشت قلبه كان الوشاح األزرق‬
‫ملتفاً حول يده‪ ،‬وهو يلمع يف ضوء الشمس‪..‬‬
‫وصل البيت‪ ،‬مد يده إىل جيبه يبحث عن‬
‫املفتاح‪ ،‬مل جيد شيئاً‪ ،‬آه‪ ..‬ياإهلي فتحت له أمه‬
‫الباب‪ ،‬ومجدت حني رأت هيئته الغريبة وقد‬
‫ظهر التعب واضحاً عليه‪..‬‬
‫ خري يابين‪ ،‬أحدث لك مايكدر؟‬‫ ال‪..‬الختايف‪ ،‬أموري خبري‪..‬‬‫ والعروس‪.‬؟‬‫ تأمل الوشاح األزرق حبب‪ :‬إهنا خبري‪..‬‬‫لبس (منامته) ومتدد على السرير وهو يطلب‬
‫من أمه أال توقظه ألي سبب من األسباب‪..‬‬
‫ ولكنهم أرسلوا يف طلبك يف املدرسة‪ ،‬وقد‬‫استغربوا غيابك‪ ،‬قلت هلم‪ :‬إنك مسافر إىل‬
‫مكان قريب‪ ،‬ورمبا حدث شيء عطل عودتك‬
‫املبكرّة‪..‬‬
‫ التقلقي ياأمي‪ ،‬لن يفعلوا شيئاً يل‪ ،‬اطمئين‬‫ودعيين أنام‪.‬‬
‫وبعد حلظات كان يغط يف نومه وسط دهشة‬
‫األم‪..‬‬
‫كانت كوال مقبلة حنوه مبتسمة سعيدة‪:‬‬
‫ فزت بالسباق أيها البطل‪..‬‬‫ كوال حبيبيت‪ ،‬أتقبلني الزواج بي؟‬‫ أنا سعيدة بك يارجلي‪..‬‬‫ضمها بشغف شديد‪ ،‬وانتقلت شفتاه تسح فوق‬
‫وجهها ويديها‪ ،‬ولكن (سريا) ظهر له عابساً‪:‬‬
‫امللك غاضب منك‪..‬‬
‫ من تعين؟ احلكيم محورابي !؟‬‫ نعم‪..‬‬‫‪ -‬ولكين فزت بالسباق‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪57‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النفـــق‬
‫ بل فاز هذا الرجل بالسباق‪ ،‬انظر إليه‪..‬‬‫كان هيكالً عظمياً ملفعاً بثوب عتيق‪ ،‬صرخ‬
‫ال‪..‬ال‪..‬الميكن‪ .‬امتدت اجلمجمة حنوه‬
‫مكشرّة ضاحكة‪ ،‬فشعر بالرعب وصرخ‪ :‬كوال‬
‫حبيبيت‪ ،‬لن تتزوجي هذا اهليكل العظمي‪..‬‬
‫كوال‪ ..‬كوال‪..‬‬
‫بدت له (كوال) تبكي ومتد يديها حنوه‪..‬‬
‫استيقظ على أمه هتزه‪ :‬ماذا جرى لك‬
‫ياشاهد؟ من كوال اليت كنت تصرخ بامسها؟‬
‫ماهذا االسم الغريب؟ أرجو أال يكون اسم‬
‫عروسك‪..‬‬
‫تنهد وهو ينظر إليها‪ :‬إنه حلم‪ ،‬جمرد حلم‬
‫ياأمي‪..‬‬
‫مسح العرق املتصبب من جبينه‪ ،‬وطالعه‬
‫الوشاح األزرق املوشّى باخلرز‪:‬‬
‫ من أين لك هذا املنديل؟‬‫ آه‪ ..‬إنه يربط يدي املصابة‪ ،‬الختايف‪ ،‬رضة‬‫بسيطة‪..‬‬
‫ حسناً‪ ،‬سأجهز لك العشاء‪..‬‬‫ سأكمل نومي ياأمي حتى الغد‪ ،‬أشعر حباجة‬‫أيضاً للنوم‪ ،‬مل أكتف منه بعد‪..‬‬
‫ تناول طعامك ومن‪ ،‬مل تأكل شيئاً منذ‬‫عودتك‪..‬‬
‫ اليهم‪..‬‬‫تركته مرغمة ينام‪ ،‬فشرد بفكره حول ماجرى‬
‫له‪ ،‬أمعقول؟ هل ماحدث معي كان حقيقة؟ أوه‪،‬‬
‫من الصعب أن يقتنع هبا أحد‪ ،‬وهذا الوشاح؟‬
‫وهذا الثوب الفضفاض امللون؟‬
‫تقلب يف فراشه طويالً قبل أن يغفو من‬
‫جديد‪..‬‬
‫حني ِأيقظته أمه يف الصباح‪ ،‬ارتدى ثيابه‬
‫وتناول إفطاره‪ ،‬وذهب إىل املدرسة يربر‬
‫غيابه‪ ،‬ثم تابع إعطاء دروسه وسط تساؤالت‬
‫هامسة عن املنظر الغريب الذي شاهده به‬

‫‪58‬‬

‫الناس أمس‪ ،‬ولكنه جتاهل ما يدور من مهس‪،‬‬
‫واستمر يف دروسه وكأن شيئاً مل يكن‪.‬‬
‫عرب أيام متتالية‪ ،‬حتولت األحداث اليت عاشها‬
‫إىل هوس عجيب بالقراءة عن الزمن‪ ،‬ومل‬
‫جيرؤ أن حيكي شيئاً ألحد‪ ،‬إذ إن ماحدث له‬
‫اليصدق فعالً‪ ،‬تعلق بكوال‪ ،‬وحلم هبا مراراً‪،‬‬
‫ومل يسلم من إحلاح أمه ملعرفة ماجرى له (‬
‫مع العروس وأهل العروس)‪.‬‬
‫ووسط ضغط نفسي متواصل شعر شاهد‬
‫أن هذا الكتمان سيؤدي به إىل اجلنون‪ ،‬حكى‬
‫ماجرى له ألحد أصدقائه‪ ،‬كقصة قرأها يف‬
‫كتاب‪ ،‬ولكن الصديق استسخف القصة متاماً‪.‬‬
‫وكرر احملاولة فحكى ألحد املدرسني القصة‬
‫أيضاً‪ ،‬فلم يقتنع إطالقاً بإمكانية حصول مثل‬
‫هذه األحداث‪ ،‬ومل جيد بدّاً من السفر إىل‬
‫العاصمة ليعرض نفسه على طبيب نفسي‪،‬‬
‫أمعقول أن يكون ماجرى له جمرد هتيؤات‬
‫فقط؟ لقد ذهب حنو اآلثار أكثر من مرة‪،‬‬
‫ورأى فتحة السرداب فعالً‪ ،‬ولكنه مل جيرؤ‬
‫على تكرار احملاولة‪ ،‬ومل ير مطلقاً ذلك الرجل‬
‫الغريب الغامض‪ ،‬الذي حاول اللحاق به يف‬
‫السرداب‪..‬‬
‫اختار طبيباً نفسياً شاباً‪ ،‬عائداً حديثاً من‬
‫بالد متطورة‪ ،‬وحكى له ماجرى له‪ ،‬وأجاب عن‬
‫كل أسئلته‪ ،‬وأراه الوشاح والثوب الفضفاض‬
‫امللون فهز الطبيب رأسه مستغرباً حديث‬
‫شاهد‪ ،‬ورمبا كان مقتنعاً فيما بينه وبني نفسه‬
‫أن هذا الشاب مصاب مبرض نفسي اليعرف‬
‫عنه شيئاً حتى اآلن‪ ،‬وحتت إحلاح (شاهد)‬
‫جرّب عليه التنويم املغناطيسي‪ ،‬وأخذ يسأله‬
‫هبدوء‪:‬‬
‫ أنت اآلن يف تلك املدينة القدمية‪ ،‬صف يل‬‫هذه املدينة‪..‬‬
‫‪ -‬إهنا مدينة مبنية من احلجر هبا طرقات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النفـــق‬
‫مرصوفة‪ ،‬وأسواق وباحة واسعة أمام القصر‪،‬‬
‫الدرجات أمام القصر تبدو عريضة جداً‪،‬‬
‫العربات تشق الطرقات حتمل الفرسان‬
‫برماحهم الشرعة‪..‬‬
‫ " آه‪ ..‬هاهي كوال قادمة " مهس الطبيب‬‫صفها يل‪:‬‬
‫ كوال‪ ..‬طويلة القامة سوداء العينني‪ ،‬بشرهتا‬‫بيضاء نقية‪..‬‬
‫ ماذا قالت لك وهي تضع الوشاح حول‬‫ذراعيك؟‬
‫ آه نظراهتا خترتق قليب‪ ،‬مل أمسح ألحد‬‫باختياري زوجة سواك ياشاهد‪ ،‬آه ياإهلي‪،‬‬
‫ماأعذب صوهتا‪..‬‬
‫ حدثين عن مرحلة السباق األخرية‪ ،‬كيف‬‫اجتزت النهر؟‬
‫ آه الفرسان خلفي (وبدأ شاهد يلهث) رفيقي‬‫املتسابق الذي فاز باملراحل األوىل يسقط‬
‫صريعاً حتت سنابك خيوهلم‪ ..‬آه‪ ..‬رؤييت‬
‫للوشاح تعطيين قوة ألجدّف ممتطياً جذع‬
‫الشجرة‪ ،‬مقاوماً التيار الدافع خارج الدغل‬
‫املتكاثف‪..‬آه‪..‬‬
‫ أجل ياشاهد‪ ،‬وماذا ترى أيضاً؟‬‫ أرى الدغل املتكاثف‪ ،‬كأنه يغطي باب كهف‬‫كبري‪ ،‬الأرى شيئاً يف الظالم آه‪ ،‬رأسي يدور‪..‬‬
‫يدور‪..‬‬
‫كان املسجل يدور ببطء والطيب الشاب يستفسر‬
‫من شاهد عن كل شيء‪ ،‬وهو جييبه هبدوء‪،‬‬
‫استغرقت اجللسة ثالث ساعات‪ ،‬خرج الطبيب‬
‫على أثرها مقتنعاً أن (شاهد) يقول الصدق‪،‬‬
‫كأنه دخل نفق الزمن الذي رمته أمواجه على‬
‫ضفاف هنر الفرات قبل حنو أربعة آالف سنة‪،‬‬
‫كانت حكايته تبدو من خالل اعرتافاته وهو‬
‫منوّم مغناطيسياً‪ ،‬منطقية متاماً‪..‬‬
‫بعدما استيقظ شاهد‪ ،‬أخذ الطبيب الشاب‬

‫يعرض عليه صوراً ومنحوتات بابلية قدمية‪،‬‬
‫وشاهد يهز رأسه باستغراب‪..‬‬
‫ لقد رأيت بعضها‪ ،‬كانت أمجل من هذه اليت‬‫أمامي‪ ،‬آه‪ ،‬إهنا صور آلهلة برؤوس بشرية‪ ،‬لقد‬
‫رأيتها من قبل‪ ،‬أنا متأكد‪..‬‬
‫هزّ الطبيب الشاب رأسه وهو حيدق بشاهد‪:‬‬
‫ ولكن الشيء احمليّر‪ ،‬كيف حتدثت بلغتهم‬‫البابلية القدمية؟‬
‫هل تعلمت البابلية من خالل دراستك التاريخ؟‬
‫ الأبداً‪..‬‬‫ حسناً‪ ،‬اقرأ هذه السطور‪..‬‬‫ آه‪ ،‬ياإهلي‪ ،‬ميكنين قراءهتا‪ ،‬إهنا شرائع‬‫محورابي‪ ،‬إذن أنا أعرف البابلية‪ ،‬ولكن كيف؟‬
‫كيف؟‬
‫ كم ميلك اإلنسان من طاقات يف دماغه‬‫التزال جمهولة على فتوحات العلم‪ .‬هكذا‬
‫مهس الطبيب لنفسه وهو يتأمل هذا الشاب‬
‫العجيب‪..‬‬
‫خرج شاهد من عيادة الطبيب النفسي مرتاحاً‪،‬‬
‫وبينما كان يتمشى يف أحد أسواق العاصمة‬
‫املزدمحة‪ ،‬ملح وجهاً يشبه وجه كوال‪ ،‬انتفض‬
‫كامللدوغ وشق صفوف الناس‪ ،‬يف حماولة للحاق‬
‫بالفتاة‪ ،‬كانت الفتاة فعالً تشبه كوال بشكل‬
‫خميف‪ ،‬كوال اليت رآها وعايشها فرتة من الزمن‬
‫تكررت يف أحالمه مراراً‪ ،‬ولكنه فشل‪ ،‬فلقد‬
‫ضاعت الفتاة يف الزحام‪ ،‬ومل يستطع أن يعثر‬
‫عليها بعد ذلك‪ ،‬وظل أليام ينقب يف العاصمة‬
‫علّه يعثر على شبيهة حبيبته (احللم)‪ ،‬فلم‬
‫يتمكن من ذلك‪ ،‬وحني عاد إىل مدينته الصغرية‪،‬‬
‫وطالبته أمه بالوفاء بوعده والزواج من عروسه‬
‫اليت زعم أهنا جاهزة‪ ،‬استمعت إليه مدهوشة‬
‫وهو يقول‪:‬‬
‫ ضاعت مين يف الزحام‪ ،‬ولكن لن أهدأ حتى‬‫أعثر عليها من جديد‪ ،‬اطمئين ياأمي‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪59‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حب ًا بياسمين‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫تأليف‪ :‬جيسون كي تشامبان‬
‫ترمجة‪ :‬توفيق حممد السهلي‬
‫مركبة هولدن كانت تندفع بسرعة تنوف‬
‫عن ضعفي سرعة الصوت‪ ،‬باحرتاق عكسي‬
‫عنيف يف حمرك الدفع‪ ،‬وآسا كان يتوىل مهام‬
‫القيادة‪ .‬هولدن بروك كان يراقب فقط أي‬
‫أثر ألضواء اإلنذار‪ ،‬وطلب من الكون أمنية‬

‫‪60‬‬

‫أال وهي توقف حمظوظ للمركبة‪ .‬لكن الكون‬
‫مل يكن جواداً باحلظوظ‪ ،‬والسيما على عمال‬
‫املناجم يف النيازك‪ .‬رحلتاه األخريتان بالكاد‬
‫خرج منهما دون خسارة وال مربح‪ .‬هذه‬
‫الرحلة كانت آخر فرصة أمام هولدن‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫اللعنة قاهلا آسا شريك هولدن يف عمله‪ ،‬وهو‬
‫يتنقل بني شاشات نظام املالحة يف املركبة‪.‬‬
‫كانت الشاشات تومض بسرعة فائقة مل‬
‫يستطع هولدن متابعتها‪.‬‬
‫ما األمر؟ سفينة أخرى؟ هناك؟ يا آسا‪ ،‬لقد‬
‫أقسمت أن هذه الصخرة لن يعمل عليها أحد‪.‬‬
‫هاه؟ ال‪ ،‬ال توجد سفن أخرى‪ .‬اللعنة‪.‬‬
‫ال‪ ،‬ليس حشرة ‪ .‬ضرب هولدن إحدى‬
‫شاشات الرادار على جهازه‪ .‬أرجوك‪ ،‬قل يل‬
‫إهنا ليست حشرة‪ .‬وجود حشرة يف املكان‬
‫املفرتض فيه أن يكون مكسبه من مال عظيم‪،‬‬
‫يعترب أمراً سيئاً‪ .‬ذلك يعين هناية اللعبة األشبه‬
‫جبهاز املقامرة‪ ،‬يعين أن عليهم مجع حوائجهم‬
‫ومعداهتم والعودة إىل الوطن مفلسني‪.‬‬
‫ال أحد يعرف على وجه اليقني من أين جاءت‬
‫أول حشرة‪ .‬أغلب الظن أهنا جاءت من مكان‬
‫ما يقع قرب كوكبة المبدا سكوربيو أو ذيل‬
‫العقرب‪ .‬لقد ركبت على منت خلفية تيار من‬
‫اإليونات فائقة السرعة طوله نصف كيلومرت‬
‫دخل اجملموعة الشمسية قبل عشر سنوات‪،‬‬
‫لتستقر يف حزام الكويكبات سرييس‪ .‬ومن‬
‫املواد األولية اليت استخرجت من باطن‬
‫النيازك‪ ،‬متكنت احلشرة من تركيب حشرات‬
‫أخرى‪ .‬لقد بات هناك اآلن مئات من هذه‬
‫احلشرات بأرجلها الطويلة الالمعة‪ .‬كانت‬
‫تذرع احلزام النيزكي جيئة وذهابا‪.‬‬
‫كانت تلتهم النيازك وتعيد نقل القطع اللينة‬
‫إىل حيث تقيم لتغذي مشروع بناء ضخم‪.‬‬
‫العلماء الذين كانوا يدرسون بوابة حزام‬
‫الكويكبات كانوا مقتنعني بأن مشروع البناء‬
‫عبارة عن نوع ما من مستقبـِل املادة‪ ،‬متسع‬

‫مبا يكفي لعبور السفن الفضائية خالله‪.‬‬
‫كانوا يتماحكون يف الكالم يف مصطلحات مثل‬
‫الثقوب الدودية‪ ،‬والرتمجة متجاوزة األبعاد‪،‬‬
‫لكن فحوى األمر كان واضحاً‪ :‬أول اتصال‬
‫للبشرية جبنس من الكائنات الفضائية كان‬
‫قاب قوسني أو أدنى‪.‬‬
‫سلطة املريخ اإلقليمية رام مدعومة بتأييد‬
‫كامل من األمم املتحدة و اجلمهورية‬
‫القمرية أعلنت حظراً على اقرتاب الناس‬
‫من احلشرات‪ ،‬ذلك أهنم مل يكونوا ليجازفوا‬
‫بعمل طائش حيول عملية الوصول إىل كارثة‪.‬‬
‫فرق من الباحثني كانت تالحق بعض‬
‫احلشرات هنا وهناك‪ .‬كانوا يلتقطون الصور‬
‫و يتخرّصون يف ما جيري‪ .‬لكن ذلك كله كان‬
‫يتم عن بعد‪ .‬اعرتاض الزوار والعبث معهم‬
‫كان اجلرمية الكربى الوحيدة يف النظام‬
‫القانوني لـ رام‪ .‬حتى جمرد إلقاء دعابة أو‬
‫نكتة عنهم قد تكلف الطيار خسارته بطاقته‬
‫ومنع مركبته من التحليق‪.‬‬
‫ال‪ ،‬إهنا ليست حشرة قال آسا‪ .‬لقد ابتعدت‬
‫عن مطابقة املدار بضع درجات‪.‬حنتاج حرق‬
‫بعض الوقود لتصحيح مسارنا‪.‬أخربتك‬
‫باعتقادي أن اخلطاف انفلت قبل أوانه بكثري‬
‫يف آخر تأرجح للمركبة‪.‬‬
‫تنهد هولدن قائالً‪ :‬بضع درجات؟ تستخدم‬
‫كلمة اللعنة لبضع درجات؟ ينبغي استخدام‬
‫كلمة هراء أو كالم فارغ‪ .‬تستخدم كلمة‬
‫اللعنة‪ .‬فأكاد أصاب بنوبة قلبية خفيفة!‬
‫آسف‪ .‬أقفل آسا املقود فاهتز جسمامها‬
‫بعنف مندفعني حنو األمام‪ ،‬لكن‬
‫األحزمة كانت مشدودة عليهما‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪61‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫أحس هولدن مبركبة إيسيس ‪ ACES‬تندفع‬
‫بقيادة آسا‪ .‬اهتز املقود الرئيسي جمددا‪:.‬‬
‫أليست فواتريي معك‪.‬؟ تعرف‪ :‬شيء من‬
‫التحذير قد يكون لطيفا‪.‬‬
‫أوبْس ‪ .‬نظرا إىل هولدن‪ .‬كفى باهلل عليك‪.‬‬
‫عندك غرفة نوم مزدوجة مشرفة على منظر‬
‫مرخيي رائع‪.‬بالطبع عندك فواتري‪.‬أما أنا؟‬
‫فعندي عربة نوم مقطورة بطول ستة أقدام‬
‫قرب املركز‪ .‬ال داعي للقلق‪.‬‬
‫أنا ال أربي ابنيت يف تابوت! يف الواقع مل يكن‬
‫هولدن متأكداً أن ابنته يامسني بيورك ميكن‬
‫أن يتسع هلا مثل هذا املكان الصغري‪.‬كانت يف‬
‫غاية اإلشراق‪ ،‬مملوءة بالطاقة واحليوية‪،‬‬
‫مرتعة باحلياة‪.‬‬
‫أنا أقول فقط‪ ،‬تعرف‪ ،‬مكان صغري‪ ،‬داخل‬
‫ممر‪ .‬يوجد متسع لثالثتكم‪ ،‬سيتيح يل ذلك‬
‫أن أوفر الكثري‪.‬‬
‫ملاذا ال يكون املكان يف قبة الضمان االجتماعي‬
‫على املريخ؟ هاه؟ ذلك رخيص‪.‬‬
‫ال سيعين ذلك أنك ستنفق مالك كله للوصول‬
‫إىل املدار جلوالت التنقيب‪ .‬املقود سينطلق‪.‬‬
‫حتضر هولدن لالهتزاز والصدمة‪ ،‬واقفل‬
‫آسا املقود‪ .‬لو كان األمر يقتصر على ذلك‬
‫فإن اإلقالع إىل املدار ما كان ليهم‪ .‬كان‬
‫هولدن متأخراً ثالثة أشهر عن دفع فواتريه‬
‫املتعلقة باملركبة إيسيس‪ .‬وراتب شايال كان‬
‫بالكاد يسد نفقات طعامهم وحصصهم من‬
‫اهلواء هم الثالثة‪.‬صندوق بريده اإللكرتوني‬
‫الوارد مملوء بالفواتري‪ ،‬وقد تقطعت به سبل‬
‫التعامل معها‪.‬‬
‫أنت ال تفهم األمر أليس كذلك؟ يا آسا‪ ،‬إذا مل‬

‫‪62‬‬

‫حنصل على مورد مايل من هذه الرحلة‪ ،‬فهذا‬
‫يعين أهنا هناييت‪ .‬ال مزيد من القمار‪ .‬ال مزيد‬
‫من الرحالت‪.‬ال شيء‪.‬‬
‫أشغل آسا نفسه بأزرار مقابض التحكم‪ .‬بدا‬
‫وجهه خالياً من أي تعبري‪ .‬مل يبتسم‪.‬بالكاد‬
‫رمشت عيناه‪ .‬عندما حيدث ذلك مع آسا‪،‬‬
‫فهو مؤشر على أمر سيىء‪.‬‬
‫آسا‪ ،‬أنظر‪ .‬ليس األمر شخصياً‪.‬‬
‫جذب آسا مقابض حمركات الدفع النفاث‬
‫لتعديل وضعية املركبة بضع مرات‪ .‬وجهه‬
‫كان ال يزال من دون عالمات‪ .‬مضى زمن‬
‫طويل على شراكتهما املهنية وزمن أطول على‬
‫صداقتهما‪ .‬رمبا أن املوقف كان صادماً له‬
‫أكثر مما كان هولدن يعتقد‪.‬‬
‫آسا؟‬
‫ارتسمت ابتسامة على وجه آسا‪ ،‬ثم كشف‬
‫عن تكشريته االعتيادية‪ .‬ضرب على أزرار‬
‫التحكم مجيعها فأضاءت الشاشات كلها‬
‫مظهرة املشهد الذي كانت تنقله الكامريات‬
‫األمامية‪ .‬إذن رمبا عليك تأمني هذا العمل‬
‫وجعلنا نكسب بعض املال‪.‬‬
‫كانت مركبتهما معلقة عند ذؤابتها فوق سطح‬
‫النيزك الذي طوله أكثر قليال كم كيلومرت‪،‬‬
‫وبنفس العرض تقريباً‪ .‬سطح النيزك البطيء‬
‫احلركة كان كئيباً بلون معدني رمادي‪.‬‬
‫مجيل‪ .‬ش ّغل هولدن أزرار جهاز الكشف‬
‫التنقييب وبدأ عملية املسح‪ .‬أطلق الكالّب‬
‫املغناطيسي‪ ،‬الذي أمسك بغايته‪ .‬وبينما أخذ‬
‫هولدن يسحب الكالّب داخل املركبة‪ ،‬كان آسا‬
‫يوازن وضعيتها ليحاكي دوران النيزك‪.‬‬
‫أمل أخربك؟ رفع آسا بعالمة النصر بينما‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫كانت املركبة تقرتب من سطح النيزك‪ .‬جهاز‬
‫القياس املغناطيسي‪ ،‬جهاز القياس الضوئي‪.‬‬
‫كل شيء يبدو على ما يرام‪.‬‬
‫كل ذلك لنا وحدنا‪ .‬ال أحد يصل به الغباء‬
‫للوصول إىل هذه النقطة اليت وصلنا إليها‪.‬‬
‫ابتسم هولدن‪ .‬هذا حنن‪ ،‬أمحق الناس يف‬
‫هذه املهنة‪.‬‬
‫حرر نفسه من حزام األمان‪ ،‬واندفع طائراً‬
‫فوق مقعده وبسط عضالته‪ .‬بعد هذه الرحلة‬
‫الطويلة كان الشعور بالسقوط احلر لذيذاً‪.‬‬
‫ال مزيد من الرحالت اندفع آسا من فوق‬
‫مقعده متوجهاً إىل قمرة الطاقم‪ .‬إذا واصلت‬
‫احلديث على هذه احلال‪ ،‬فسيحجر عليك‬
‫مع طائفة العقرب سكوربيو خالل وقت ليس‬
‫بالطويل‪.‬‬
‫ليس يل عالقة بصانعي احلشرات‪ .‬تبعه‬
‫هولدن خالل فوهة القمرة‪.‬‬
‫على أي حال‪ ،‬تكديس األسلحة والكالم عن‬
‫احلرب مع كائنات فضائية تنهي العامل ليس‬
‫من أسلوبي يف الواقع‪.‬‬
‫كان آسا يوجل جسمه داخل بزة الضغط‪.‬‬
‫وليس أسلوبي أيضاً‪ .‬أنا مع الناس الذين‬
‫مييلون أكثر لكي يكونوا من أوائل املرحبني‬
‫بسادتنا الروبوتيني الكبار اجلدد هؤالء الذين‬
‫يوصفون باحلشرات‪.‬‬
‫عدا جينكنز‪.‬‬
‫ً‬
‫ذلك ليس عدال‪ .‬أنا أنسجم معه بشكل جيد‪.‬‬
‫صرّ أسنانه وخـَل َـجَ كتفيه‪ .‬أنا فقط ال أحب أن‬
‫أكون على وفاق معه‪ .‬ليس منذ أن انضم إىل‬
‫قوة الدفاع البشرية – هودفو‪.‬‬
‫تفقد هولدن إغالق بزة آسا بإحكام‪ .‬ميكن أن‬

‫يكون مزعجاً قليالً‪.‬‬
‫قليالً؟ ال ميكنه أن ميسك لسانه عن احلديث‬
‫كل مجلتني شارحاً كيف أن قوة الدفاع‬
‫البشرية هي أعظم إجناز للبشرية‪ .‬تسألين‪،‬‬
‫سيفجرون أنفسهم بتلك القنابل النووية قبل‬
‫ولوج أي كائن عرب تلك البوابة‪.‬‬
‫تناول هولدن بزته من اخلزانة‪ .‬كانت قدمية‬
‫و مهرتئة‪ .‬كانت العديد من الرقع تغطي‬
‫التشققات اخلطرية‪ .‬قبل ثالث رحالت‪،‬‬
‫وعدته شايال باستبداهلا‪ ،‬لكن البزات غالية‬
‫الثمن‪ .‬بدالً من ذلك فضل استخدام املال‬
‫ليشرتي لنفسه بضعة أشهر إضافية مع هذه‬
‫املركبة‪.‬‬
‫هذا إجراء احتياطي يا آسا‪ .‬أوجل جسمه‬
‫يف البزة‪ ،‬وعدّل وضعية الساقني‪ .‬املستقبل‬
‫مكان خفيف‪.‬‬
‫ذلك صحيح دائماً‪ ،‬أتعرف‪ ،‬هناك حكمة أننا‬
‫نولد بربوز الرأس أوالً؟‬
‫أعرف‪.‬مسع ذلك من قبل‪.‬‬
‫حنن مربمـَجون باخللقة على أن ننظر إىل‬
‫األمام‪.‬‬
‫أجل‪ ،‬أعرف‪ ،‬وليس لدينا إال رجلني اثنتني‬
‫فقط‪....‬‬
‫‪....‬هلذا ال نشعر بالراحة التامة بالوقوف يف‬
‫نفس املكان‪.‬‬
‫تناول آسا خوذته من حيث كانت معلقة‪ .‬إذن‪،‬‬
‫هيا بنا ننطلق‪ .‬وضع اخلوذة يف مكاهنا حول‬
‫رأسه‪.‬‬
‫كان على سطح النيزك ما يكفي من احلديد‬
‫ليجعل أحذيتهما املغناطيسية تلتصق‬
‫بشكل جيد‪ .‬كان النيزك أشبه بسبيكة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪63‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫تغص باألوكسيدات اجليدة‪ .‬أفضل بكثري مما‬
‫كانا يأمالن‪ .‬وهذا هو الشيء املهم‪ .‬هنا املكان‬
‫الذي ترتبط فيه جمموعة معادن البالتني‪ .‬لو‬
‫تبني أن النيزك كله غين هبذه العينات املوجودة‬
‫يف املركز‪ ،‬فقد ميضيان العشر سنوات املقبلة‬
‫ينقبان يف هذا النيزك ال غري‪.‬‬
‫نصب هولدن املصابيح‪ ،‬وحضر جهاز احلفر‬
‫يف املوقع الغين بالبالتني‪ .‬أما آسا فقد عاد‬
‫إىل منت املركبة ليشغل جهاز معاجلة الفلزات‪.‬‬
‫لقد حصلت عليه هكذا جاء صوت آسا عرب‬
‫الراديو‪ .‬سنسمي النيزك أملاس آسا‪ .‬ما‬
‫رأيك‪.‬؟‬
‫اسم تافه‪ :.‬وضع هولدن احلفارة يف زاوية‬
‫احلفر الصحيحة‪ ،‬وغطاء الكهرباء الساكنة‬
‫حول قاعدهتا‪ .‬جاذبية النيزك الضعيفة ال‬
‫تستطيع منع غبار احلفر املتطاير من الضياع‬
‫يف الفضاء‪ ،‬وهولدن كان حريصاً على عدم‬
‫إضاعة أي قدر ولو كان قليالً جداً‪ .‬كما أني‬
‫كنت أفكر باالسم‪ :‬أمل يامسني‪.‬‬
‫باهلل عليك‪ ،‬هناك ماليني النيازك اليت ميكن‬
‫أن تطلق عليها اسم طفلتك‪.‬انتظر عشر‬
‫سنوات أخرى وسوف تراها هنا تطالب‬
‫بنيزكها‪.‬‬
‫ذلك مستحيل‪.‬‬
‫نعم أنت على حق‪ ،‬يف غضون عشر سنوات‪،‬‬
‫رمبا يصل هنا صانعو احلشرات‪ ،‬ورمبا‬
‫نصبح مجيعاً عبيداً‪ ....‬أو موتى‪ ....‬أو عبيداً‬
‫موتى‪ ....‬يبدو األمر عديم اجلدوى نوعاً ما‬
‫عندما تفكر فيه‪.‬‬
‫أخرج هولدن رأس احلفارة من أرض النيزك‪،‬‬
‫ثم حركها إىل مكان آخر ليبدأ احلفر من‬

‫‪64‬‬

‫جديد‪.‬‬
‫يامسني لن تتحول إىل جرذ حيفر الصخور‪.‬‬
‫درجاهتا يف الرياضيات كانت مرتفعة‪.‬‬
‫ستصبح مهندسة أو شيئاً من هذا القبيل‪.‬‬
‫ماذا لو أهنا كانت حتب أن تكون جرذاً حيفر‬
‫الصخور؟‬
‫عندها سأغري رأيها‪.‬‬
‫ليـّن‪ .‬أتعرف‪ .‬اللعنة!‪.‬‬
‫أوقف هولدن عمل احلفارة وانتظر‪ .‬لكن آسا‬
‫بقي صامتاً‪.‬آسا؟‬
‫حلظة واحدة‪ .‬اللعنة‪.‬‬
‫هل هذه اللعنة حقيقية‪ ،‬أم أهنا واحدة من‬
‫لعناتك اليت ترددها دائماً؟‬
‫أعتقد أن هناك آخرين هنا‪.‬‬
‫حقا؟‬
‫أعين هناك من يراقب املدار معنا‪ ،‬لكين ال‬
‫أعرف من‪ .‬قل يل أنت‪ :‬أهذه اللعنة حقيقية‬
‫أم ماذا؟‬
‫كانت هناك الكثري من الروايات‪ .‬كل مرة‬
‫كانت سفينة تتخفى عن األعني كانت تدور‬
‫الشائعات‪ .‬ال يهم إن كان هناك مليون شيء‬
‫سخيف ميكنك القيام به لتلقى حتفك يف‬
‫حزام النيازك‪ .‬كان الناس حباجة إىل بعبع‪.‬‬
‫كانت الروايات تتحدث عن أشخاص يدّعون‬
‫حقهم يف امللكية‪ ،‬وعن قراصنة‪ ،‬لكن مؤخراً‬
‫كانت الروايات كلها تتحدث عن احلشرات‪.‬‬
‫الروبوتات ومشروعها الغامض على حزام‬
‫النيازك سرييس ‪ .‬كانت أشبه بالظل الذي‬
‫يعتم كل شيء‪.‬‬
‫مبا أن اجلميع كانوا يعرفون أن تاريخ البشرية‬
‫برمّته كان على وشك التغري يف غضون العقود‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫القليلة املقبلة‪ ،‬بدا أن هذا يصيب الكل بشيء‬
‫من اجلنون‪ .‬جهّز هولدن احلفارة لعملية‬
‫القطع التالية‪ .‬كم من الوقت‪.‬؟‬
‫جهاز املالحة يقدر ذلك بست ساعات‪.‬‬
‫إذن تعال وساعدني ‪ .‬سوف حنفر إىل حني‬
‫وصول أيّ ٍ كان إىل هنا‪ .‬ثم سنرى‪ .‬حنن جئنا‬
‫هنا أوالً‪.‬‬
‫وأنا ال أمانع يف الشراكة‪ .‬هنا الكثري حولنا‪.‬‬
‫ماذا لو مل يكن موقفهم مثلنا؟‬
‫عندها سنتصرف بناء على ما سنواجهه‪.‬‬
‫كانت هناك نربة من االستسالم يف صوت‬
‫آسا‪.‬عشرة ماليني نيزك موجودة هنا‪ ،‬وال‬
‫يأتي هؤالء إال إىل نيزكنا!؟‬
‫واملركبة إيس؟ حاول هولدن أن يبدو عادياً‪،‬‬
‫لكنه مل يكن متأكداً أنه جنح يف ذلك رغم‬
‫صعوبته‪ .‬رمبا عليك أن جتلب م َـشْـعـَ َل‬
‫البالزما‪.‬‬
‫كانا حيفران بأقصى سرعة ممكنة دون أن‬
‫يكونا متهورين‪ .‬كانا يركزان على األماكن‬
‫اليت حتتوي كميات كبرية من األوكسيدات‬
‫متجاهليْن املناطق اليت عادة ما كانا‬
‫يستنضبانـِها وحيلبانِها حتى آخر غرام‪.‬‬
‫حتى أهنما مل يتجشّما عناء وضع الغطاء‬
‫اخلاص بالكهرباء الساكنة‪ ،‬فكانت غمامات‬
‫الغبار حتوم حوهلما وجتلـّلـُهما متاماً‪ .‬جهاز‬
‫التصفية كان يعمل بطاقته القصوى‪.‬‬
‫مل يتبق سوى ساعة‪ .‬تناول هولدن قضيباً‬
‫آخر من البالتني من داخل جهاز التصفية‬
‫وأضافه إىل القضبان األخرى يف صندوق‬
‫الشحنات‪ .‬بدا هلما أهنما كانا قريبني من‬
‫ّ‬
‫يتحضر لعملية‬
‫التعادل‪ .‬متلـّكه اإلعياء وهو‬

‫حفر جديدة‪.‬‬
‫اللعنة‪.‬‬
‫توقف هولدن عن احلفر‪ .‬هال توقفت عن‬
‫التفوه بـلعناتك؟‬
‫هذه املرة حقيقية يا هولدن‪ .‬يعين اللعنة‬
‫زائد‪!.‬‬
‫ما اخلطب؟‬
‫لقد ظهر يل ضيفنا باملنظار‪ .‬إنه حشرة!‬
‫وّجه هولدن ناظريه إىل النجوم وتساءل ملاذا‬
‫كان الكون يكرهه‪.‬‬
‫كبت تنهيدة ودفع بنفسه إىل سطح النيزك‪.‬‬
‫هل مسعتين؟ علينا أن نرحل يا صديقي‪.‬‬
‫مشى هولدن متثاقالً إىل موقع احلفر وهو‬
‫يشعر مبقاومة حذائيه املغناطيسيني‪.‬‬
‫مل تصل هنا بعد أعاد توجيه احلفارة بزاوية‬
‫أخرى حنو نقطة حفر أخرى‪.‬‬
‫علينا أن نبدأ حزم أغراضنا‪.‬‬
‫شغل احلفارة‪ .‬لن أفعل ذلك حتى أ ُ ْ‬
‫ُض َطرّ‬
‫‪ .‬تابع هولدن احلفر‪ .‬قطع قطعتني أخريني‬
‫من احلديد احملتوي على األوكسيد‪ .‬جاء آسا‬
‫ثم ذهب‪ .‬مجع املصابيح واملعدات وأعادها‬
‫إىل املركبة إيسيس ‪ .‬خالل ذلك توقف عن‬
‫الكالم‪ .‬الحظ هولدن اختفاء الفلز من مكان‬
‫احلفر‪ .‬آسا مل يكن ليرتك ماال على الطاولة‬
‫لتمتد إليه األيادي‪.‬‬
‫حان الوقت لوح آسا بيده أمام وجه هولدن‬
‫وأومأ هبا‪.‬‬
‫أدار هولدن وجهه مع هبوط احلشرة على‬
‫السطح على مسافة أقل من مخسني مرتاً‪.‬‬
‫ملاذا؟‬
‫رفع آسا يديه وقبضتيه إىل األعلى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪65‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫كتعبري عن السخط‪ .‬يا له من حظ الال غالب‬
‫والال مغلوب‪.‬‬
‫ال ‪ .‬أعين ملاذا هنا؟؟ خطا هولدن خطوة حنو‬
‫احلشرة‪ .‬هذا نيزك كبري‪ .‬كان من املمكن‬
‫أن هتبط على بعد كيلومرت من هنا‪ ،‬أو على‬
‫اجلانب اآلخر‪ ،‬ملاذا هنا!؟‬
‫أمسك آسا بذراع هولدن بلطف‪.‬األفضل أن‬
‫تأكلنا! وكيف يل أن أعرف؟ كل ما أعرفه أنه‬
‫جيب أن نغادر‪ .‬حسب القانون من املفرتض‬
‫أننا غادرنا‪ .‬إذا عرف أحد بأمرنا‪ ،‬فقد قضي‬
‫علينا‪.‬‬
‫وهل ترى أحداً غرينا‪.‬؟ هل كان هناك شيء‬
‫على شاشة الرادار؟ أدار وجهه باجتاه رفيقه‪.‬‬
‫كانت خوذتامها قريبتني جداً من بعضهما‬
‫حتى كادتا تتالمسان‪.‬‬
‫آسا‪ ،‬إذا غادرت اآلن‪ ،‬فهذه آخر رحالتي‪.‬‬
‫سأخسر سفينيت إيسيس‪ .‬سأفقد منزيل‪.‬‬
‫سينتهي بي املطاف عامالً حيفر سطح املريخ‬
‫ويذرو غباره ويبشم التباشيم كمهنة‪ .‬شايال‬
‫ويامسني‪..‬‬
‫إهنما حتبانك صديقي‪.‬حتبانك حتى لو أكلت‬
‫الوحل والضفادع‪.‬‬
‫ال ميكن أن أفقد هذا يا آسا‪ .‬ال ميكن أن أفقد‬
‫مستقبل يامسني‪..‬‬
‫هولدن‪ ،‬ال ميكنك أن‪-...‬أوه اللعنة!‬
‫مل يكن مضطرا للطلب‪ .‬عينا آسا ونربة صوته‬
‫خلصت املوقف كله‪ .‬كلمة اللعنة هذه املرة‬
‫كانت حقيقية‪ .‬التفت هولدن ليجد احلشرة‬
‫تقف على بعد عدة أمتار قليلة منه‪.‬‬
‫لقد سبق لـهولدن أن شاهد صورا منشورة‬
‫من قــِبـَل فرق العلماء‪ ،‬لكنها كانت صوراً‬

‫‪66‬‬

‫ألشكال مسطحة قليال تومض على شاشة‬
‫البيانات ليس فيها ما خييف‪ ،‬مثلها يف ذلك‬
‫مثل صورة أسد‪ ،‬أو انفجار كبري ألحد النجوم‬
‫املستعرة العمالقة‪ .‬لكنه عندما شاهد تلك‬
‫احلشرة بسيقاهنا متعددة املفاصل اليت‬
‫يبلغ طول الواحد منها قرابة الثالثة أمتار‪،‬‬
‫وجبسمها املُكـَرْد َسْ القبيح الشامخ أمامه‪،‬‬
‫تساءل لو أنه كان يفضل رؤية أسد أو انفجار‬
‫جنم أمامه على ذلك املنظر‪.‬‬
‫عادة ما تأتي احلشرات يف جزأين ‪ .‬األول‬
‫بطول أربعني مرتاً وحيمل صواريخ احلشرة‬
‫النفاثة وقسم احلمولة‪ .‬وهذا اجلزء كان ال‬
‫يزال قابعاً على مسافة بعيدة‪ .‬أما اجلزء‬
‫الثاني‪ ،‬وهو الذي أكسبها امسها الشائع‬
‫احلشرة والذي انربى معطالً عمل هولدن‬
‫وآسا‪ ،‬فكان له اثنتا عشرة ساقا متصلة جبذع‬
‫ثخني له شكل اجلوهرة‪ .‬للسيقان أصابع‬
‫متحركة يف هناية كل منها‪ ،‬وكل منها حيمل‬
‫أدوات وأجهزة قاطعة وحافرة وساحقة‪ .‬على‬
‫مقدمة اجلذع توجد كرة على قصبة قصرية‬
‫حتيط هبا كاخلوامت يبدو أهنا أجهزة استشعار‬
‫القطة وعدسات وأشياء أخرى‪.‬‬
‫أدرك هولدن أن احلشرة مل تكن تراقبهما‬
‫أبداـ بل كانت تتفحص احلفرة على السطح‬
‫حيث استخرج هولدن بعض القطع من‬
‫الفلزات‪ .‬تقدمت إحدى سيقان احلشرة إىل‬
‫احلفرة‪ ،‬وأخذت عجلة سحق دوارة تدور يف‬
‫املكان‪ .‬كان هولدن يراقب مشدوها مع حفر‬
‫أصابع الساق يف سطح النيزك‪ .‬حتركت‬
‫الساق حبركة ماسحة عرب غبار احلفر‬
‫ورفعت هنايتها إىل رأس اآللة‪ .‬بدا كأن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫هذه اآللة تتذوق الغبار‪ .‬البد أن الطعم كان‬
‫مستساغاً ألن هناية الساق عادت إىل األسفل‬
‫حيث برزت شعلة المعة من اللهب البالزمي‬
‫وأخذت تـُعـْمـِ ُل يف صخر النيزك‪.‬‬
‫كان ذلك أكثر مما يطيق هولدن حتمله‪.‬‬
‫فاآللة اخلشرة مل تكن تستويل على صخرته‬
‫فقط‪ ،‬بل تضيع أيضا نصفها بتحويلها إىل‬
‫خبار بفعل جهاز نفث اللهب!‪.‬‬
‫توقفي! خطا خطوتني إىل األمام وأصبح على‬
‫مسافة خطرة من شعلة اللهب‪.‬‬
‫وأخرياً بدا أن احلشرة قد الحظته‪ .‬انطفأت‬
‫شعلة اللهب‪ .‬انفتلت رقبة احلشرة إىل األعلى‬
‫وأخذت تتحرك من مستشعر إىل آخر‪.‬‬
‫على ما يبدو كانت تتصوره يف عدة مناذج‬
‫ووضعيات‪ .‬وأخرياً نظرت إىل أسفل وعاودت‬
‫تشغيل مشعل اللهب‪.‬‬
‫ماذا تفعل حبق السماء!؟ بدا آسا خائفاً‪.‬‬
‫سوف أتدخل بكل ما لدي‪ .‬خطا هولدن‬
‫خطوة أخرى وصفع جانب الساق اليت كانت‬
‫حتمل املشعل‪ .‬صرخ هولدن حماوالً أن‬
‫يضرب احلشرة مكهربا إياها بأقطاب بزته‬
‫الراديوية اإلثين عشر‪...‬توقفي يف احلال‪.‬‬
‫انطفأت الشعلة جمدداً‪ ،‬وتراجعت احلشرة‬
‫قليالً‪ ،‬وارتفع رأسها وأخذ ينفتل‪ ،‬وتوقف‬
‫بعد أن صوبت عدة عدسات على شكل مثلث‬
‫باجتاه هولدن‪.‬‬
‫مهس آسا‪:‬هذا جنون!‬
‫هذا كل ما تبقى يل‪ .‬قعد القرفصاء‪ .‬ضرب‬
‫بقبضته على سطح النيزك‪ .‬هذه الصخرة‬
‫ملكي‪ .‬وضرب بيده على صدره‪.‬‬
‫هولدن!‬

‫إخرس يا آسا!‬
‫هولدن!‬
‫لن أغادر!‬
‫مل يتحرك املشعل‪ ،‬لكن الساق األمامية‬
‫األخرى تقدمت إىل األمام‪ .‬طرقت األرض‬
‫عند قدمي هولدن‪ ،‬ثم طرقت جسمها من‬
‫حيث تدلت الساقان‪ .‬كان صوت آسا مسموعاً‬
‫بالكاد‪ .‬أوه يا إهلي!‬
‫كال‪ .‬صرخ هولدن‪ .‬بل يل! ملس صدره من‬
‫جديد‪ .‬حتركت ساق الروبوت جمدداً‪ ،‬وشهق‬
‫هولدن ملا رأى الساق تتحرك باجتاهه‬
‫مباشرة هذه املرة‪ .‬انكمشت األصابع اآللية‬
‫على بعد عدة سنتيمرتات فقط‪ ،‬ثم توقفت‪،‬‬
‫ثم ملست صدره مرتني بلطف‪ .‬أراد أن يهرب‬
‫أو يصرخ أو يطلب الرمحة‪ ،‬أي شيء‪ ،‬لكنه‬
‫شعر بالشلل‪ .‬حتركت األصابع اآللية إىل‬
‫أعلى أمام وجهه‪ .‬ملست مقدمة خوذته عند‬
‫اجلبهة‪ .‬الطرقتان اخلفيفتان ضاع صدامها‬
‫يف صوت رعد خفقات قلبه اخلائف‪.‬‬
‫أنا إنسان‪ .‬أمسك هولدن باملصباح املثبت‬
‫على جانب خوذته‪ ،‬فتله ثم فصله من مكانه‪.‬‬
‫وجه هولدن املصباح حنو وجهه حتى كاد ال‬
‫يرى شيئاً‪.‬أترين؟ عضوي‪.‬خملوق‪ .‬إنسان‪.‬‬
‫أخذ يرسم بوجهه تعابري سخيفة محقاء‪ ،‬كما‬
‫لو أن من شأن ذلك أن يقنع احلشرة اآللية‬
‫أنه كائن عضوي وليس آلة‪ .‬فأي آلة مصممة‬
‫لكي تتصرف كشخص أمحق؟‪.‬‬
‫ميووووووو ميووووو‪.‬‬
‫ال بأس عليك يا آسا‪ .‬ال أظن أهنا ستؤذيين‪.‬‬
‫مل يكن ذلك صوتي!‬
‫ميووووو ميوووو‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪67‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫تراجع هولدن خطوة‪ .‬هز رأسه‪ .‬كانت‬
‫فرائصه ترتعد من الفزع‪.‬‬
‫إنه حياول استخدام جهاز الراديو‪.‬‬
‫هل تتكلم؟ ال أحد قال إهنا تتكلم!‬
‫مل حياول أحد معرفة ذلك!‬
‫ذلك ألهنم سيقضون عليك جملرد االستهزاء‬
‫هبا!‪.‬‬
‫أخرج هولدن جهازاً صغرياً لعرض وختزين‬
‫البيانات من حزامه‪ .‬استخرج صوراً شخصية‬
‫له وتوقف عند صوره له مع زوجته شايال‬
‫وابنته يامسني‪ .‬كانت الصورة جتمعهم بعناق‬
‫عفوي وهم يضحكون‪ .‬التقطت الصورة يف‬
‫منتزه باونس يف قلب احملطة آريس‪ .‬رفع‬
‫شاشة جهازه الصغري باجتاه احلشرة حماوالً‬
‫تقريبها من عدساهتا‪.‬أترين؟ هذا أنا مع‬
‫زوجيت شايال وابنيت يامسني‪ .‬أترين؟‬
‫هولدن‪ ،‬رمبا ال يعرفون بوجود جنسني من‬
‫البشر!‬
‫أترين؟ يامسني‪ .‬حنن نناديها ياس‪ ،‬ألهنا‪..‬‬
‫حسناً‪ ،‬ألهنا تشبه ياس حقاً‪.‬‬
‫إهنا حالة من الفوضى بالكاد ميكن السيطرة‬
‫عليها‪ ،‬دائماً تأتي باملفاجآت غري املتوقعة‬
‫على اإلطالق‪ .‬جتعلك تعتقد أن شيئاً‬
‫سيحصل‪ ،‬وحيصل شيء‪ ،‬لكنه ليس ما‬
‫تتوقعه‪ .‬إنه شيء أفضل‪ ،‬أكثر حدةً‪ .‬تعرف‬
‫ما أعين؟ وبعدها تفكر يف نفسك قائالً‪:‬‬
‫حسناً‪ ،‬بالطبع‪.‬‬
‫هولدن!‬
‫أترين‪ ،‬إهنا صخرة يامسني‪ ،‬فعالً ‪ .‬أنا حباجة‬
‫إليها من أجلها‪.‬‬
‫هولدن هيا بنا‪ ،‬أنت ختسر املعركة‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫أنا حباجة إِىل هذه الصخرة!‬
‫كان آسا إىل جانبه جيذبه من ذراعه‪ .‬هيا بنا‬
‫يا صاحيب‪ .‬علينا أن نذهب!‪.‬‬
‫ياااااااااسسس هزهزهزألننننننننننننننننننن‪.‬‬
‫التفت آسا‪ ،‬ونظر كال الرجلني حنو احلشرة‪.‬‬
‫ومرة أخرى‪ ،‬طرقت ساق احلشرة على سطح‬
‫النيزك‪ ،‬ثم على هيكلها‪ .‬ياااااااااسسس‬
‫هزهزهز ألننننننننننننننننننن‪.‬‬
‫شعلة أمل هولدن الضئيلة خفتت مع اشتعال‬
‫جذوة مشعل احلشرة‪.‬‬
‫كفى‪ .‬قال آسا‪ .‬اآللة تفوز‪ .‬حنن نذهب‪.‬‬
‫التفتا بعيداً‪ ،‬وبشعور باهلزمية بدأ هولدن‬
‫يفكك جهاز احلفر‪ ،‬بينما أخذ آسا جيمع‬
‫بقية املعدات املبعثرة هنا وهناك حول املوقع‪.‬‬
‫سنجد طريقة يا هولدن‪ .‬رمبا ميكنين أن‬
‫أغري مسارنا ونعثر على نيزك آخر يف طرق‬
‫عودتنا إىل الوطن‪.‬‬
‫ليس لدينا ما يكفي من الوقود‪ .‬تعلم ذلك‪.‬‬
‫حسناً‪ .‬انظر‪ .‬أنت قلتها بنفسك‪.‬إهنا صخرة‬
‫كبرية‪ .‬لنبتعد عن احلشرة مسافة ما فقط‪.‬‬
‫لنتحرك إىل اجلانب اآلخر‪ .‬إذا شاهدنا‬
‫أحداً عندها نتصرف كما لو مل نكن نعرف‬
‫بوجود احلشرة أصالً هنا‪ .‬أعين أهنا ليس‬
‫مثل ذلك الشيء الذي يأتي ويقدم نفسه لنا‬
‫للتعارف‪ ،‬صح؟‬
‫رفع هولدن علبة حمرك جهاز احلفر‪.‬شكراً‪،‬‬
‫لكن ال ميكنين أن أطلب ذلك‪ .‬لقد عرضتك‬
‫ملا يكفي من اخلطر حتى اآلن‪.‬‬
‫هيي‪ .‬أنت أول إنسان يتحدث إىل كائن‬
‫فضائي‪.‬كيف فاتين ذلك‪.‬؟‬
‫أجل‪ .‬حاول هولدن أن يرغم نفسه على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫حب ًا بياسمين‬
‫إخراج ضحكة‪ .‬يف الواقع ليست كائناً‬
‫فضائياً متاماً‪ ،‬تعرف ذلك‪ .‬إهنا جمرد جهاز‬
‫روبوتي‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬أنت أول شخص يتحدث إىل جهاز براد‬
‫لكائن فضائي‪ .‬ال يزال األمر مدهشاً بشدة!‬
‫يف هذه املرة خرجت ضحكته تلقائياً‪.‬‬
‫سأضيف ذلك إىل سجل خرباتي الوظيفية‬
‫واملهنية‪.‬سفري بشري آلالت املطبخ!‬
‫ها قد بدأنا‪.‬‬
‫ياااااااااسسس هزهزهزألننننننننننننننننننن‪.‬‬
‫ماذا اآلن؟ نظر هولدن جمدداً حنو احلشرة‪..‬‬
‫ملرتني كررت حركة الرتبيت على سطح‬
‫النيزك وعلى جسمها‪ .‬تراجعت القهقرى‪،‬‬
‫ثم التفتت للوراء‪ ،‬وعادت إىل قسم القيادة‬
‫املنفصل عنها والقابع بعيدا‪ .‬ارتفعت إىل‬
‫أقصى ارتفاع هلا ووصلت نفسها مبقدمة‬
‫اجلزء االسطواني غليظ اهليئة قصريها‪.‬‬
‫انقبضت السيقان إىل أعلى والتصقت هبيكل‬
‫احلشرة‪ .‬وراقب الرجالن اآللة جبزئيها وهي‬
‫ترتفع بتأثري حمركات دفع نفاثة صغرية‪.‬‬
‫بقي ذلك اجلسم عشر دقائق يتمايل فوق‬
‫سطح النيزك قبل أن يشتعل حمرك الدفع‬
‫الرئيسي بشعلة بيضاء مُزْرّ قة برّاقة ‪.‬‬
‫ما الذي جيري؟ مشى آسا باجتاه البقعة اليت‬
‫تركا فيها احلشرة‪ .‬وضع هولدن احملفار‬
‫على األرض‪ .‬شعر باإلهناك واإلرهاق إىل‬
‫حد عجز معه عن االستمتاع ببارقة األمل‬
‫اليت بدأ حيس هبا‪.‬‬
‫هيي‪ ،‬هولدن!‬
‫أجل؟‬
‫تعال وانظر إىل هذا يا صاحيب‪!.‬‬

‫ما األمر؟‬
‫ماذا قلت لك؟ تعال وانظر!‬
‫توجه هولدن إىل حيث آسا‪ ،‬ليجد هناك‬
‫حفرة مثلثة الشكل بعرض مرت‪ .‬يف داخل‬
‫احلفرة كانت هناك خطوط ملتوية متشابكة‬
‫منقوشة وحمفورة على السطح األملس‪.‬‬
‫ما هذا؟ حتذير من نوع ما؟‬
‫ضحك آسا‪ .‬تنحّ جانبا‪.‬‬
‫خطا هولدن فوق االشكل املنقوش‪ .‬من‬
‫جانب آسا كان أكثر وضوحاً‪ .‬كانت نسخة‬
‫طبق األصل عن الصورة العائلية اليت أراها‬
‫هولدن للحشرة‪.‬‬
‫أمل يامسني! إهنا كذلك قال آسا‪ .‬ومن أكون‬
‫ألجادل حشرة؟ يبدو أن هذا عملك أنت‪.‬‬
‫جثا هولدن على يديه وركبتيه‪ ،‬وتلمس‬
‫اخلطوط بإصبعه‪ .‬حنن على ما يرام‪.‬‬
‫حنن أكثر من على ما يرام‪ .‬حنن أغنياء!‪.‬‬
‫ال‪ ،‬أعين حنن مجيعاً‪.‬‬
‫أوه‪ ،‬هيا يا رجل‪ .‬جلس آسا القرفصاء إىل‬
‫جانب هولدن‪ .‬ال تقل يل إنك تعتقد أهنا‬
‫فهمت كالمك‪ ،‬أليس كذلك؟ كانت تقلدك‬
‫ال غري‬
‫كان بإمكاهنا أن تقتلين‪ .‬واألسوأ كان بإمكاهنا‬
‫أن تتجاهلين‪ ،‬أليس التقليد واحملاكاة أول‬
‫خطوة حنو التواصل؟)‬
‫رمبا‪ ،‬لكنه ال يعدو كونه بلدوزراً آليا‪).‬‬
‫أعرف‪ ).‬رفع هولدن) بصره حنو اجلهة‬
‫اليت بدأت فيها احلشرة تتحرك حنو ستارة‬
‫النجوم يف األعايل‪.‬‬
‫لكنهم صمموها لكي تطوف حول قرى‬
‫النمل‪ ..‬أليس كذلك‪.‬؟)‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪69‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫نظمية أكراد‬
‫عدت من عملي ألجد بطاقة الدعوة املذهبة‬
‫ف���وق ت��س��رحي�تي‪ ،‬أخ��ذهت��ا أمت��ع��ن ب��االمس�ين‬
‫املتعانقني بلهفة يف أعلى البطاقة‪ ،‬حتت آية‬
‫من القرآن الكريم‪ ،‬وحتتهما أمس��اء األبوين‬
‫والعائلتني‪ ،‬كان قليب يزغرد فرحاً‪ ،‬مع بعض‬

‫‪70‬‬

‫التحفظ يف أعماقي الذي مل أسفر عنه ألحد‬
‫خوفاً من أن تصفعين ظنوهنم املخبولة القاتلة‪،‬‬
‫وأن���ا ال��ع��ان��س يف ن��ظ��ره��م‪ ،‬وق��د اق�ترب��ت من‬
‫منتصف العقد الرابع‪ ،‬ومل أشرتك يف جتربة‬
‫حب أو حتى استلطاف‪ ..‬العروس هي سارة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫ابنة أخيت هيام اليت ال تكربني إال بثالث سنوات‬
‫ونيف‪ ،‬لقد تزوجت صغرية جلماهلا وحسبها‪،‬‬
‫وه��ا هي س��ارة حت��ذو ح��ذو أمها‪ ،‬وه��ي على‬
‫أعتاب اجلامعة‪ ،‬واحلظ كما يقال‪ ،‬يقبل مرة‬
‫ثم يغيب‪ ،‬وعلينا إن نغتنم فرصة إقباله ونبحر‬
‫يف إش��راق��ة مشسه‪ .‬ك��ان نصيب س��ارة شاباً‬
‫متعلماً غنياً وابن أسرة عريقة‪ ،‬فرحت ومتنيت‬
‫هل��ا السعادة م��ن ك��ل قليب‪ ،‬ودق��ق��ت يف زم��ان‬
‫الفرح ومكانه‪ ..‬ال بد من احلضور واالستقبال‬
‫واجملامالت والرد على األسئلة املتطفلة اليت‬
‫حتشر أنفها يف خصوصيات اآلخرين وحتاول‬
‫أن تكشف العورات وتعري املستور‪ ،‬أو املراوغة‬
‫واهلروب من مواجهة أصحاب تلك األسئلة‪..‬‬
‫قبل موعد العرس بساعات صففت شعري‪،‬‬
‫وكنت جاهزة بثوبي ال��وردي الذي كشف عن‬
‫املخبأ من مفاتن جسمي‪ ،‬وبريق احللي على‬
‫صدري وأذني أعطاني شكالً جديداً مل آلفه‬
‫أنا نفسي‪ ،‬والكعب العايل زادني طوالً ورشاقة‪.‬‬
‫أشرفت مع أخيت على ترتيب الصالة والزهور‬
‫وط��اوالت املدعوين‪ ،‬ومكان العروس‪ ،‬وفرقة‬
‫ال��ع��راض��ة‪ ،‬وم��ك��ان وقوفها وزم���ان ابتدائها‪،‬‬
‫وأنواع الطعام‪ ،‬ووقت العشاء وتقديم املثلجات‬
‫والعصائر‪ ..‬بعدها استقبلنا املدعوين الذين‬
‫مل يكتمل عددهم إال قبيل وصول العروس‪..‬‬
‫دخلت بعد ذلك مرهقة‪ ،‬واسرتخيت على أريكة‬
‫أريح ساقي‪ ،‬وصمت كل شيء من حويل ليعلو‬
‫بعد قليل صوت فرقة العراضة والزغاريد‪،‬‬
‫وترديدهم‪( :‬عريس الزين يتهنى‪ ..‬يطلب من‬
‫ربه ويتمنى) إىل (من هالليلة صار له عيلة‪،‬‬
‫اهلل يعينه على هالليلة)‪..‬إخل كم هي عبارة‬
‫بليغة‪ ،‬حتمل معاني عميقة وأبعاداً اجتماعية‬

‫وتربوية‪ ،‬وكم هي األمنيات صادقة‪ ،‬وكل ذلك‬
‫يشري إىل امل��س��ؤول��ي��ات ال��ك��ب�يرة ال�تي ستلقى‬
‫على عاتق العريس‪ ،‬اعتباراً من هذه الليلة‪،‬‬
‫مسؤوليات ال يستهان هبا‪ ..‬من توفري متطلبات‬
‫املعيشة‪ ،‬والرتبية السليمة‪ ،‬واحلياة املستقيمة‬
‫الكرمية اليت تليق برجل دخل معرتك احلياة‬
‫بكفاءة واقتدار ومعرفة‪.‬‬
‫لا مب��ا ك��ان��وا يهتفون ب��ه‪ ،‬كأهنم‬
‫فكرت ط��وي� ً‬
‫يلقنون العريس درس���اً‪ ،‬ويتلون عليه مهامه‬
‫الالحقة‪ ،‬ويذكرونه هبا وه��و خيطو اخلطوة‬
‫األخرية الواسعة واألصعب‪ ،‬لتخطي العزوبية‪،‬‬
‫واخلطوة األوىل يف طريق احلياة الزوجية‪..‬‬
‫ونظرت إىل العروس‪ ،‬ابنة أخيت‪ ،‬حبب وشفقة‪،‬‬
‫كما مل أنظر ألي ع��روس غريها م��ن قبل‪..‬‬
‫نفخت وقلت يف نفسي‪ :‬لو تدري ماذا ينتظرها‬
‫ويرتبص هلا‪ ،‬أو لو تعرف ماذا وراء هذه الثياب‬
‫البيضاء األنيقة النقية نقاء الثلج‪ ،‬اليت حتجب‬
‫اآلتي حبلوه وم��ره‪ ،‬تعبه وشقائه‪ ،‬مسؤولياته‬
‫وسهر لياليه‪ ..‬واألوالد وم��ا حيتاجون إليه‬
‫من جهد وتعب ورعاية وحنان‪ ،‬ولكن ال بد أن‬
‫يعمر الكون وتستمر احلياة والتضحية من أجل‬
‫االستمرار‪ ،‬إهنا سنة اهلل يف خلقه‪ .‬انتشلين من‬
‫أف��ك��اري ع��زف املوسيقى الصاخبة املرحة‪،‬‬
‫وابتدأ الرقص والغناء‪ ..‬وامتد ذلك طويالً‪.‬‬
‫دع��ي امل��دع��وون للعشاء‪ ،‬ليختار كل طعامه‬
‫حسب رغبته‪ ،‬تتابع احلضور وتقاطروا‪ ،‬ومل‬
‫يبق إال القليل ينتظرون حتى خيف الزحام‬
‫ح���ول امل��وائ��د ال�ت�ي تصطف عليها األوان���ي‬
‫اململوءة بأشهى األطعمة واملقبالت والفواكه‬
‫واحل���ل���وي���ات‪ ..‬ض���اق ص����دري‪ ،‬أردت‬
‫اخل�����روج ل��ب��ض��ع دق���ائ���ق م���ن ال��ص��ال��ة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪71‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫الفسيحة امل�ب�ردة‪ ،‬كانت أصابعي ب��اردة رغم‬
‫حرارة رأسي وما يعتمل يف داخلي من صراع‪،‬‬
‫وما بي من تشتت وأفكار ملتهبة‪( ..‬كم حضرت‬
‫من األع���راس لصديقاتي‪ ،‬وكنت أمتنى لكل‬
‫واحدة منهن السعادة واحلياة اليت ترجوها)‪..‬‬
‫صفقت للعروسني ورقصت وشاركت بالغناء‪..‬‬
‫ومر الزمن ومل يأت عرسي‪ ،‬بل غدا بعيداً‪،‬‬
‫وت�لاش��ت س�ني الشباب ال��وث��اب��ة واحل��امل��ة يف‬
‫الدراسة والتحصيل ونيل الشهادات العالية‪،‬‬
‫واالس��ت��غ��راق بتدريس األج��ي��ال يف اجلامعة‪،‬‬
‫وهاهو قطار الزواج يفوتين وما زلت أنتظر على‬
‫رصيف احلياة املعتم البارد‪ ،‬واألي��ام متر كما‬
‫مير القطار املسرع أمام األشجار املرتاجعة‪..‬‬
‫أيقنت مبا كانت تقوله يل أمي (مل يبق أمامك‬
‫سوى املطلق أو األرمل أو العازف عن الزواج‬
‫لعلة يف نفسه أو مسعته‪ ،‬ماذا تفيدنا الشهادات‬
‫بعلم الفيزياء دون ضحكة طفل ومناغاته‪ ،‬ومن‬
‫يصمد أمام إغراء كلمة ماما اليت تذيب جليد‬
‫احلياة وتدفئ من زمهرير اجملتمع‪ ،‬وتسكن‬
‫القلب ب��وداع��ة‪ ،‬ولطف ومت��س شغاف القلب‬
‫بلمسة مالئكية)؟‪.‬‬
‫كنت أتعثر بذيل ثوبي وأنا خارجة من الصالة‪،‬‬
‫يا للهول‪ ..‬من هذا‪!.‬؟ كان جيلس على طاولة‬
‫منفرة‪ ،‬تلوذ بزاوية بعيداً عن التربيد‪ ،‬بأناقة‬
‫ال فتة‪ ،‬بطقمه األسود وربطة عنقه الفاخرة‪..‬‬
‫وس��ام��ة ورص���ان���ة‪ ،‬ت��ش��ع ع��ي��ن��اه ال��ف��احت��ت��ان‬
‫بابتسامة غامضة ف��ري��دة‪ ..‬من ه��ذا؟ كأنين‬
‫أع���رف ه��ذا ال��وج��ه م��ن زم��ن ب��ل م��ن أزم���ان‪،‬‬
‫احتضنه قليب‪ ،‬ارحت��ت مل��رآه واجن��ذب��ت إليه‪،‬‬
‫التقت عينانا وتشابكت نظراتنا‪ ..‬طفرت‬
‫على ثغره ابتسامة‪ ،‬رددت عليها بأحسن منها‬

‫‪72‬‬

‫دون تفكري‪ ،‬وأن��ا الواعية الناضجة واملتعلمة‬
‫احلذرة‪ ..‬ما هذا التهور‪!.‬؟ وملا حاذيت طاولته‪،‬‬
‫وقف مع احنناءة احرتام‪ ،‬ال تصدر إال عن رجل‬
‫نبيل‪ ،‬دعاني للجلوس بإمياءة خفيفة‪.‬‬
‫_ ه�لا تفضلت وش��ارك��ت�ني اجل��ل��وس‪ ،‬إذا مل‬
‫تكوني مرتبطة مع آخر‪ ،‬و كان هذا ال يزعجك‪..‬‬
‫_ ال‪ ،‬من دواعي سروري‪ ،‬هذا شرف كبري يل‪،‬‬
‫سأجلس بعض الوقت‪ ..‬فأنا‪..‬‬
‫ملت نفسي على تسرعي وقول مثل هذا الكالم‬
‫لشخص ال أعرفه‪ ،‬تداركت‪ ،‬أنا خالة العروس‪..‬‬
‫وعلي أن أك���ون‪ ..‬تلعثمت والتهبت وجنتاي‪،‬‬
‫(سيدي هل ترغب يف بعض الطعام)؟ قلت‬
‫ألداري ارتباكي واضطرابي‪..‬‬
‫رد ببساطة وه����دوء وم���ا زال���ت االبتسامة‬
‫ترفرف على وجهه املنور‪( ،‬ليس اآلن ما زال‬
‫هناك متسع من الوقت)‪ ،‬وأشار باجتاه احلشد‬
‫اجملتمع حول أواني الطعام‪ ..‬ضحكت ببالهة‬
‫وقلت‪:‬‬
‫ـ معك حق‪ ،‬لو كنت أع��رف ما حتب الخرتت‬
‫لك‪ ،‬وكفيتك هذا الزحام‪.‬‬
‫_ شكراً‪ ،‬ليس يل رغبة يف الطعام‪ ،‬على األقل‬
‫اآلن‪ ،‬هال تفضلت باجللوس‪.‬‬
‫نسيت املدعوين والفرح والطعام‪ ،‬وهو يعرفين‬
‫على نفسه‪ ،‬أسفاره وتنقالته ودراسته والكتب‬
‫ال�تي قرأها ومؤلفاته يف الشعر والسياسة‪،‬‬
‫وعدد اللغات اليت يتقنها‪ ،‬والبالد اليت زارها‬
‫واليت مل تتح له الفرصة لزيارهتا‪ ،‬وحدثين عن‬
‫املتاحف واملعارض وحفالت املوسيقى‪ ..‬كان‬
‫موسوعة ضخمة من العلوم واآلداب والفنون‬
‫والرحالت ومعرفة عميقة باحلياة االجتماعية‬
‫للشعوب‪ ،‬كنت م��ش��دودة إليه بوجداني وكل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫حواسي‪ ،‬لقد سحبين من هذا اجلو الصاخب‬
‫إىل جوه الصايف الرفيع املستوى‪ ،‬الذي أجد‬
‫نفسي فيه وميتعين‪..‬‬
‫صوت إحدى طالباتي الذي ترتدد صداه يف كل‬
‫خلية من كياني‪ ،‬جاءني كطلق ناري يف رأسي‪:‬‬
‫دكتورة هل تسمحني يل بأن أحضر لكما بعض‬
‫العصري أو احل��ل��وى أو املثلجات‪ ،‬لقد رأي��ت‬
‫طاولتكما قاحلة‪.‬‬
‫ابتسامتها املاكرة كأهنا تريد أن تقول يل‪ :‬أنا‬
‫ضبطك ورأيتك وأنت جتالسني رجالً وسيماً‪،‬‬
‫وإنك هنا غري ما نراك عليه يف اجلامعة من‬
‫جدية ووق���ار واح��ت��ش��ام‪ ،‬يف الثياب والكالم‬
‫والعالقات‪.‬‬
‫شكرهتا بكل ود وقلت‪:‬‬
‫ـ سأحضر ما أري��د حني خيف احلشد حول‬
‫الطعام‪..‬‬
‫انسحبت وهي تنظر خلفها خببث ومكر‪ ،‬ودعت‬
‫املصور ليلتقط هلا صورة مع إحدى رفيقاهتا‬
‫أمام غابة الزهور‪ ،‬ومهست للمصور بشيء‪ ..‬ملع‬
‫الضوء يف عيين‪ ،‬ال بد أهنا طلبت منه أن يأخذ‬
‫صورة يل وله‪ ،‬رفعت يدي للمصور الذي هو‬
‫ابن أخي وتفامهنا باإلشارة‪ ..‬استأذنت وقمت‬
‫ألحضر بعض ما نأكل‪ ،‬ومل يبق على املوائد‬
‫إال القليل من الطعام‪ ،‬وامل��دع��وون جيلسون‬
‫إىل موائدهم يشربون القهوة أو العصري‪ ،‬بعد‬
‫أن اكتفوا من الطعام‪ ،‬ومل يبق ح��ول املائدة‬
‫إال املستزيد‪ ..‬أحضرت طبقاً مملوءا َ بكل ما‬
‫لذ وطاب ووضعته أمامه‪ ،‬سحبه على سبيل‬
‫اجملاملة‪ ،‬لكنه مل يتناول لقمة واحدة ومل يأخذ‬
‫ولو رشفة من كأس العصري املثلج الذي بقي‬
‫ممتلئاً أمامه‪ ..‬واستمر طول الوقت يتحدث‬

‫إيل بطالقة‪ ،‬يسأل وجييب‪ ..‬منذ وقعت عيين‬
‫عليه وبيده اليسرى لفافة تبغ هنايتها مذهبة‪،‬‬
‫مل يشعلها‪ ،‬وإذا حاول أحد أن يشعلها له يعتذر‬
‫بلباقة وبأنه ال يدخن أبداً‪ ،‬وأمامه على زاوية‬
‫الطاولة‪ ،‬ترقد والع��ة ذهبية تلمع وترتاقص‬
‫عليها األن��وار‪ ،‬من آن آلخر يضع يده اليمنى‬
‫ف��وق قلبه م��ن حت��ت س�ترت��ه‪ ،‬كأنه حي��اول أن‬
‫ميسكه خوفاً من أن يهرب منه‪ ،‬أو كأنه يقبض‬
‫على شيء مثني خيشى عليه من الضياع‪ ،‬وبني‬
‫ح�ين وآخ��ر ينظر للعروسني بفرح ظاهر‪..‬‬
‫سألته عن امسه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫_ شفيق‪ ،‬شفيق اجلراح‪..‬‬
‫هتفت بفرح ظاهر‪.‬‬
‫_ شفيق اجل��راح‪ ،‬لقد مسعت هذا االسم من‬
‫والدتي‪ ،‬كانت تعتز وتفتخر به وتقول إنه دائرة‬
‫م��ع��ارف كاملة‪ ،‬وم� َّث��ل ب�لاده يف اخل���ارج خري‬
‫متثيل‪ ،‬إنه أحد أخواهلا‪ ..‬قلت دون تفكري‪:‬‬
‫ـ حنن أق��ارب أستاذ شفيق‪ ..‬أن��ت من عائلة‬
‫أخوال أمي‪!!.‬‬
‫_ عفواً من أمك؟‬
‫_ أمي مها خري‪ ،‬وأمها زهراء اجلراح‪.‬‬
‫أنت حفيدة زهراء‪..‬؟‬
‫أكملت كالمي‪:‬‬
‫ رمحها اهلل‪ ،‬كانت امرأة تقية صاحلة ربت‬‫رجاالً يعتد هبم‪ ،‬وهم من علية القوم ‪.‬‬
‫_ م��ا تقولينه عنها قليل‪ ،‬ك��ان��ت أم���اً رائعة‬
‫فاضلة‪ ،‬ومربية مثالية‪ ،‬وسيدة جمتمع جليلة‪..‬‬
‫مل أعرفه على نفسي كما ينبغي‪ ،‬نسيت‪ ..‬يف‬
‫غمرة حديثه الشيق املمتع وتنوعه وغناه‪.‬‬
‫كادت القاعة تفرغ من املدعوين‪ ،‬قال‬
‫بسرعة وتعجل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪73‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫ـ ال ب��د أن أن��ص��رف‪ ،‬إهن��ا س��اع��ات الصباح‬
‫األوىل‪..‬‬
‫ً‬
‫وقف واستدار حبركة آلية جامدة‪ ،‬تاركا الوالعة‬
‫على زاوي���ة ال��ط��اول��ة‪ ،‬رأيتها وه��و يساعدني‬
‫بوضع ش��ايل ح��ول كتفي بيده اليسرى اليت‬
‫حتمل اللفافة‪ ،‬مددت يدي والتقطتها ألعطيها‬
‫ل��ه بعد أن ينهي وض��ع ال��ش��ال على كتفي‪،‬‬
‫احتضنتها بكفي‪ ..‬سألته‪:‬‬
‫_ هل سيارتك معك‪.‬؟‬
‫_ ال إهنا‪ ،‬إني حضرت من دوهنا خوفاً‪..‬‬
‫_ ال بأس‪ ،‬سأوصلك إذا مل متانع‪.‬‬
‫_ أب���داً‪ ،‬مرافقتك ش��رف كبري يل‪ ،‬وك��ان من‬
‫الواجب واللباقة أن أوصلك أنا‪.‬‬
‫_ ال فرق‪ ،‬املرة القادمة‪ ،‬ستوصلين‪.‬‬
‫لوحت ألخ�تي ال�تي كانت تتهيأ للمغادرة مع‬
‫باقي األقارب‪ ،‬ابتسمت هلا مودعة‪..‬‬
‫كان ميشي بضعف وتصلب كأنه رجل آيل‪ ،‬قلت‬
‫مداعبة‪:‬‬
‫_ لقد تصلبنا م��ن قلة احل��رك��ة وط��ول مدة‬
‫اجللوس‪.‬‬
‫كنت حملقة مغمورة بالفرح‪ ،‬وأنا أسري جبانبه‪،‬‬
‫ومتنيت أن يطول الطريق إىل السيارة‪ ،‬ألمتتع‬
‫برفقته واستنشق رائحة الصنوبر املكثف اليت‬
‫تفوح من ثيابه‪ ..‬ركبنا‪ ،‬وسألت‪:‬‬
‫ـ إىل أين يا سيدي‪.‬؟ ورددت ألنه بدا يل أنه مل‬
‫يسمعين‪ ..‬ما هي وجهتك؟‪.‬‬
‫قال مستدركاً وخجالً‪:‬‬
‫_ حي القيمرية‪ ،‬أرجوك‪.‬‬
‫_ أين تسكنني أنت‪ ،‬هل بييت على طريقك‪.‬؟؟‬
‫_ ال‪ .‬ولكن الشوارع فارغة اآلن‪ ،‬والسري ممتع‬
‫يف الليل‪.‬أنا أسكن غرب املالكي‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫_ أي��ن‪ ،‬قلت غ��رب املالكي ‪..‬؟ ك��م أن��ا آسف‬
‫إلزعاجك‪ ،‬وقد أسبب لك احلرج االجتماعي‪،‬‬
‫كان علي أن أوصلك‪ ،‬ال أن توصليين‪ ،‬أنا خجل‪.‬‬
‫_ ماذا تقول‪ ،‬ولو‪ ،‬أي حرج‪ ،‬حنن أقارب‪ ،‬وليس‬
‫مهم مَنْ يوصل مَن‪.‬‬
‫كانت دمشق مجيلة ه��ادئ��ة‪ ،‬واجل��و منعش‪،‬‬
‫وعرائش اليامسني تتوسد األسيجة‪ ،‬وتلقي‬
‫بأزهارها البيضاء النجمية على األرصفة‬
‫بسخاء للعابرين‪ ،‬و تنثر عطرها الرقيق مع‬
‫ن��دى الصباح ونسيمه العليل‪ ،‬نظر إيل بود‬
‫ومهس‪.‬‬
‫_ سأنزل إما يف شارع األمني‪ ،‬أو أمام املسجد‬
‫األموي‪ ،‬أو عند مدخل البزورية‪ ،‬ولكن سيكون‬
‫صعباً عليك‪ ،‬ستدورين عندها دورة واسعة من‬
‫ب��اب شرقي ثم ال أدري‪ ..‬إىل غ��رب املالكي‪،‬‬
‫فاألفضل أن أنزل أمام بوابة األموي‪..‬‬
‫_ الشوارع خالية سأعود من احلريقة وأصل‬
‫بسرعة‪.‬‬
‫ً‬
‫فتح باب السيارة ونزلت ألودعه‪ ،‬مد يدا باردة‬
‫كالثلج‪ ،‬سرت رجفة يف أعطايف كأن ال�برودة‬
‫انتقلت إىل قليب‪ ،‬رفع يده البيضاء الباردة‪ ،‬بل‬
‫الشمعية‪ ،‬هكذا بدت يل يف السحَر‪ ،‬مودعاً‪،‬‬
‫وم��ش��ى كطيف ح��ل��م مج��ي��ل‪ ،‬ب��ط��ول��ه ال��ف��ارع‬
‫ومشيته الوئيدة الرصينة‪ ..‬تابعته بنظري‪،‬‬
‫ط��رق باباً خشبياً عريضاً فخماً‪ ،‬ثم أخرج‬
‫املفتاح من جيبه‪ ،‬فتح الباب ودخل‪ ،‬كأنه كان‬
‫يريد إخطار أحد بقدومه‪ ،‬ولكن اجلميع نيام‬
‫يف مثل هذا الوقت كما أظن‪..‬‬
‫مضت عدة أيام وأنا أفكر به‪ ،‬ال أدري إن كان‬
‫يعيش مع زوجته وأوالده أو مط َّلقاً‪ ،‬ولكن مل‬
‫أحلظ بيده خامت زواج‪ ،‬وإن كان اخلامت ليس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫دائماً مؤشراً حقيقياً‪ ..‬انشغلت وتبلبل تفكريي‪،‬‬
‫ولكن سألتقي به‪ ،‬عرب قداحته الذهبية القدمية‬
‫ال�تي ما زال��ت معي‪ ،‬لقد ق��درت أهن��ا اخليط‬
‫السحري الذي يوصلين به‪ ،‬بل ستكون جسر‬
‫الصداقة بيننا‪ ،‬سأحاول توصيلها له‪ ،‬سأجد‬
‫طريقة مناسبة‪ ،‬لقد عرفت عنوان بيته وأين‬
‫يسكن‪ ،‬ال بد أن أردها إليه بسرعة‪ ..‬ق َّلبتها بني‬
‫يدي‪ ،‬إهنا حتفة رائعة بصياغتها‪ ،‬حمفور على‬
‫حافتها لعليا حرفا امسه (ش‪ ،‬ج)‪.‬‬
‫انتظرت يوم اخلميس ال��ذي كنت قد فرغته‬
‫لراحيت‪ ..‬حرت ماذا ألبس هلذا اللقاء املفروض‬
‫من جانب واحد‪ ،‬مضت ساعات الصباح األوىل‬
‫ثقيلة مملة‪..‬‬
‫الساعة احلادية عشر كنت أطرق الباب الكبري‬
‫يف حي القيمرية العريق‪ ،‬جاءني صوت امرأة‬
‫من بعيد تقول‪( :‬حاضر‪ ،‬من الطارق)؟‪ ..‬ماذا‬
‫أق��ول ‪ ..‬قلت هلا امسي كامالً‪ ،‬فتحت امرأة‬
‫ع��ج��وز هل��ا نفس م�لاحم��ه‪ ،‬بشعر ب�ني فاتح‬
‫خيالطه الكثري من البياض‪ ،‬وعينني خضراوين‪،‬‬
‫وبشرة بيضاء متغضنة‪ ..‬فكرت‪ ،‬كم كانت‬
‫عذبة ومجيلة هذه املرأة‪.‬‬
‫نظرت إيل بعمق‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫_ هل من خدمة‪.‬؟‬
‫اختنقت الكلمات يف حلقي وارتبكت‪ ،‬وقلت‬
‫بلجاجة‪:‬‬
‫_ معي أمانة‪ ،‬ولكن هل هذا بيت السيد شفيق‬
‫اجلراح‪.‬؟‬
‫_ شفيق اجل��راح‪!..‬؟ نعم‪ ..‬نعم هذا هو بيته‪،‬‬
‫تفضلي بالدخول يا بنييت‪.‬‬
‫ك��ان��ت ال��ده��ش��ة مت�لأ عينيها املتسائلتني‬
‫الواسعتني الصافيتني صفاء مساء الصيف‪..‬‬

‫ان��ش��ق ال��ب��اب‪ ،‬ع��ن س��اح��ة مشسية واس��ع��ة‪،‬‬
‫تتوسطها حب�يرة مزخرفة‪ ،‬أرضيتها زرق��اء‪،‬‬
‫ونافورهتا تنثر رذاذ املاء املنعش كمطر السماء‪،‬‬
‫وينسكب فيها شفافاً عذباً ونظيفاً‪ ،‬تتشابك‬
‫حوهلا أشجار النارنج والليمون احللو واملشمش‬
‫هندي ودوايل العنب واليامسني‪ ،‬وبعض هذه‬
‫األش��ج��ار حمملة بثمارها‪ ،‬وأح���واض ال��ورد‬
‫البلدي والرحيان والزنبق من كل األلوان حول‬
‫البحرة ويف أط��راف البيت‪ ،‬يا لروعة البيت‬
‫العربي‪ ..‬الشمس والظل‪ ،‬والكرم والرتحاب‬
‫واحلفاوة‪ ،‬والروائح العطرية‪ ،‬إنه مثل قارورة‬
‫عطر فريد‪ ،‬منذ وضعت قدمي داخ��ل هذا‬
‫البيت أحسست باأللفة والراحة واالنشراح‪.‬‬
‫م��ض��ي��ف�تي‪ ،‬ام�����رأة راق���ي���ة ب��ك��ل ت��ص��رف��اهت��ا‬
‫وح��رك��اهت��ا‪ ،‬استقباهلا ح��ار ول��س��اهن��ا يقطر‬
‫ع��س�لاً‪ ،‬وابتسامتها ت��زي��د وجهها الصبوح‬
‫إش��راق�اً‪ ..‬جلسنا يف قاعة شرقية واسعة مل‬
‫أر أمجل منها‪ ،‬برسومها ونقوشها ونوافذها‬
‫ول��وح��اهت��ا وس��ج��اده��ا وف��رش��ه��ا‪ ..‬مل حت��اول‬
‫مضيفيت أن تسألين عن طليب‪ ،‬قبل أن تنتهي‬
‫من الرتحيب وواج��ب الضيافة‪ ،‬وقد أدهشين‬
‫ثقافتها العميقة واطالعها الواسع وحماكمتها‬
‫لألمور‪ ..‬اعتذرت عن حضوري دون موعد‪،‬‬
‫ألن الدكتور مل يرتك معي رقم هاتفه‪..‬‬
‫سألتين بلطف ونربة صوت رصينة منخفضة‪:‬‬
‫_ من‪.‬؟‬
‫_ السيد شفيق‪ ،‬ارتسمت على زاوي��ة فمها‬
‫ابتسامة شاحبة حزينة‪ ،‬وس��رع��ان ما زمت‬
‫شفتيها ومسحتهما مبنديل ورقي بيدها‪ ،‬كأهنا‬
‫تزيل آثار االبتسامة احلزينة‪.‬‬
‫_ شفيق الصغري‪ ،‬إنه ولد شقي‪ ،‬أرجو أن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪75‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫ال يكون سبب لك إزعاجاً‪ ،‬ماذا تريدين منه‪،‬‬
‫هل أنت معلمة يف مدرسته‪.‬؟‬
‫قلت بثقة‪:‬‬
‫_ ال شفيق ال��رج��ل ال��ن��اض��ج‪ ،‬ص��اح��ب هذه‬
‫الوالعة الذهبية واللفافة ذات النهاية املذهبة‪،‬‬
‫وصاحب هذا البيت‪..‬‬
‫وأخ��رج��ت ال��ق��داح��ة م��ن حقيبيت‪ ،‬وق��د كنت‬
‫وضعتها يف حمفظة جلدية تناسبها‪ ،‬وقفت‬
‫وقدمتها هل��ا‪ ،‬قلبتها ب�ين يديها ث��م فتحتها‬
‫بتأن وه��دوء‪ ،‬نظرت إليها بتمعن‪ ،‬طاف على‬
‫وجهها ما يشبه الغيوم الرمادية‪ ،‬اعتذرت مين‬
‫وخرجت من القاعة‪ ،‬كنت يف غياهبا متوترة‬
‫أح��رث اخل���واء وأب���ذر ب��ذور اخليبة وأحصد‬
‫اخلجل الذي سربلين من رأسي حتى قدمي‪..‬‬
‫بعد قليل عادت حممرة الوجنتني لتقول‪:‬‬
‫_ حقيقة‪ ،‬إهن��ا والع��ة شفيق‪ ،‬ح��روف امسه‬
‫منقوشة عليها‪ ،‬كانت هذه الوالعة جلدي وال‬
‫ميلك أحد غريه مثلها‪ ،‬وقد كانت يف خزانته‬
‫ع��ن��دي ه��ن��ا يف غ��رف��ة ن��وم��ه‪ ..‬إذا مسحت‪،‬‬
‫سآخذها منك وأحتفظ له هبا‪ ،‬إذا كان هذا‬
‫ال يزعجك‪..‬‬
‫واستدرَ َكت‪:‬‬
‫ـ ولكن أين وجدت هذه الوالعة‪ ،‬أو كيف وقعت‬
‫بيدك‪ ..‬وهي مل متتد هلا يد‪ ،‬أو تُحرَّك من‬
‫مكاهنا منذ عشرات السنني ‪!!.‬‬
‫_ يا سيدتي‪ ،‬لقد نسيها السيد شفيق ليلة‬
‫اخلميس املاضي على الطاولة اليت كنا جنلس‬
‫حوهلا‪ ،‬يف حفل زفاف ابنة أخيت‪ ..‬ونسيت أن‬
‫أعيدها له عندما أوصلته إىل بيته هذا‪..‬‬
‫_ ازدادت عيناها الواسعتني اتساعاً‪ ،‬كانت‬
‫تنظر إيل بالكثري من الدهشة وعدم التصديق‬

‫‪76‬‬

‫ورمبا الشفقة‪ ،‬ولكن مظهري وسين‪ ،‬وصدق‬
‫هلجيت‪ ،‬وهتذيبها الرفيع‪ ،‬كل ذلك منعها من‬
‫اإلف��ص��اح عما يعتمل يف داخلها م��ن أفكار‬
‫وأحاسيس ومشاعر‪ ..‬بدت مشتتة‪ ،‬مستغربة‪،‬‬
‫اغتصبت ابتسامة جافة رمستها على شفتيها‬
‫وانعكست على وجهها ال��ودي��ع‪ ،‬ث��م دعتين‬
‫ألتبعها‪..‬‬
‫_ تعايل معي ‪..‬‬
‫وأمسكت يدي بيدها الصغرية الرقيقة‪ ،‬ومشينا‬
‫خارجتني من القاعة الكبرية إىل حيث تدري وال‬
‫أدري‪ .‬ومبفتاح حناسي كبري كان معلقاً جبانب‬
‫الباب اخلشيب الثقيل احملفور عليه نقوش‬
‫بديعة‪ ،‬فتحت‪ ..‬يا إهلي‪ ..‬غرفته مذهلة‪ ،‬كأهنا‬
‫غرفة يف متحف أو معرض للصناعات اليدوية‬
‫الدمشقية القدمية‪ ،‬ص��دف املوزاييك يلمع‬
‫ويرسل وهج املاس النادر‪ ..‬دقة وذوق فريدان‪،‬‬
‫وإتقان صنعة مدهش‪ ،‬فن راق الفت يف نقش‬
‫اجل��دران‪ ،‬والقناديل ذات األلف مشعة تتدىل‬
‫من السقف املزين بعبقرية الصانع الدمشقي‪.‬‬
‫فتحت اخل��زان��ة‪ ،‬ك��ان طقمه األس���ود وربطة‬
‫عنقه الفاخرة وقميصه الذي كان يرتديه يف‬
‫ذل��ك ال��ي��وم‪ ،‬كلها معلقة يف اخل��زان��ة‪ ..‬صور‬
‫ألوالد مبتسمني بصحة وافرة معلقة على باب‬
‫اخلزانة‪ ،‬قالت بعذوبة‪ ،‬وهي تشري إىل الصورة‪:‬‬
‫ـ ه��ؤالء أح��ف��ادي األع���زاء اهلل حيميهم‪ ،‬هذا‬
‫شفيق الصغري‪ ،‬وذاك وفيق‪ ،‬والثالث توفيق‪،‬‬
‫وهذه رفيقة‪..‬‬
‫لفتتين صورة كبرية لشقراء بشعر طويل ناعم‬
‫وعينني زرقاوين واسعتني وخد أسيل‪ ..‬نظرت‬
‫إيل وهي ختمن ما أفكر به‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫ـ هذه صورة زوجة جدي شفيق األجنبية اليت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫مل تعش معه طويالً‪.‬‬
‫_ شيء رائع‪ ،‬إن أمساء العائلة مستمرة‪ ،‬يُسمى‬
‫األوالد بأمساء اآلباء‪ ..‬عادات مجيلة‪..‬‬
‫_ شكراً لك‪ ،‬هذا من عادات عائلتنا‪ ،‬ومعظم‬
‫العائالت يف هذا البلد‪ ،‬كما تعرفني‪.‬‬
‫_ أنا آسفة‪ ،‬لقد أخذت من وقتك الكثري‪ ،‬أرجو‬
‫املعذرة‪.‬‬
‫_ أهالً بك دائماً‪ ،‬والوالعة هل أحتفظ هبا‪..‬؟‬
‫كأهنا كانت تريد أن تسمع مين أكثر لتعرف‬
‫ما الذي أريده من زيارتي‪ ..‬وما وراء مسعته‬
‫من ترهات‪ .‬قلت بتسليم‪ ،‬حتى ال أزعج هذه‬
‫السيدة الوديعة الراقية بكل املقاييس‪:‬‬
‫_ كما تشائني‪ ،‬كنت أود وأفضل أن أعيدها‬
‫إليه بنفسي‪ ،‬أين أجده‪.‬؟‬
‫_ إنه يف بيته هناك‪ ،‬وأشارت إىل جهة الشرق‪..‬‬
‫_ من بعد إذنك‪ ،‬أريد أن تأخذي يل منه موعداً‪،‬‬
‫لنزوره معاً يف بيته‪ ،‬ألعيد له والعته بنفسي‪،‬‬
‫ألنين اعتربها أمانة له عندي‪ ،‬إذا كان هذا ال‬
‫يزعجك وال يزعجه‪.‬‬
‫_ منذ مدة مل أزره‪..‬سنذهب لزيارته يوم االثنني‬
‫الساعة العاشرة صباحاً‪ ،‬هل هذا يناسبك‪.‬؟‬
‫صمت قليالً‪ ،‬يوم االثنني سيكون يوم عطلة‪،‬‬
‫ابتهجت‪ ،‬شكرهتا على كرمها وحسن استقباهلا‪.‬‬
‫خرجت وأن��ا سعيدة بالتعرف على أم��ه‪ ،‬كما‬
‫أعتقد‪ ،‬وأكربت فيها لطفها وكرمها وتواضعها‪،‬‬
‫وكل ما قامت به من كرم‪ ،‬وحتدديها للموعد‪،‬‬
‫نيابة عنه‪ ،‬نزوالً عند رغبيت‪.‬‬
‫انغمست يف األي��ام السابقة للموعد بالعمل‬
‫يف اجل��ام��ع��ة‪ ،‬وألول م��رة يف حياتي ذهبت‬
‫إىل صالون جتميل‪ ،‬ألعمل تدليكاً لبشرتي‬
‫وتنقيتها‪ ،‬ومح��ام زيت ألظافر يدي ورجلي‪،‬‬

‫وأص���ف���ف ش���ع���ري‪ ،‬وس��ل��م��ت ن��ف��س��ي ب��راح��ة‬
‫خلبريات التجميل‪ ،‬وأف��ك��اري ال تتوقف عن‬
‫ال��ت��وارد‪ ..‬أري��د أن أظهر أمامه بأمجل منظر‬
‫وأهبى حلة‪ ،‬شعرت برضا حني قالت يل خبرية‬
‫التجميل (مل أر بنعومة بشرتك ونضارهتا‪ ،‬ال‬
‫حتتاج إال لبعض الكرميات املرطبة‪.).‬‬
‫منت ليلة األحد اإلثنني أحلم باللقاء‪ ،‬وأتساءل‪:‬‬
‫(لكن ماذا لو كان يعيش مع زوجته وأوالده‪)،‬؟‪.‬‬
‫مل أجرؤ على طرح مثل هذا السؤال‪ ،‬وكنت أقنع‬
‫نفسي بالعكس‪ ،‬ولكن كيف يل أن أوقفها عند‬
‫حدها حتى ال تشتط فيتعذر علي ملها‪ ،‬انتهى‬
‫الليل‪ ،‬الساعة العاشرة صباحاً‪ ..‬يف الوقت‬
‫احملدد كنت أقرع الباب الكبري‪ ،‬فتحت السيدة‪،‬‬
‫كانت أنيقة تعرف كيف ختتار لباسها البسيط‪،‬‬
‫خرجت بكل هدوء ورصانة وهي حتمل باقة‬
‫رائعة مع ال��ورد‪ ،‬مرتبة بتناسق أخاذ مجعتها‬
‫من كل ما يف حديقة البيت من ورود وأزهار‬
‫وأعشاب عطرية ورياحني وأوراق خضراء‪..‬‬
‫شعرت باحلرج واخلجل كيف مل خيطر يل‬
‫أن أجلب معي ورداً أو هدية الئقة‪ ،‬ولكن فات‬
‫األوان‪ ،‬والت مندم‪.‬‬
‫ركبت السيدة إىل جانيب يف سيارتي‪ ،‬عطر‬
‫وروده���ا يفغم أن��ف��ي‪ ..‬سقت وه��ي ترشدني‬
‫إىل الطريق‪ ،‬قالت وحن��ن نكاد جنتاز مقربة‬
‫الدحداح‪:‬‬
‫ـ إذا مسحت هال وقفت‪.‬‬
‫ـ آسفة‪ ،‬لقد شردت قليالً‪..‬‬
‫عدت بالسيارة إىل الوراء‪ ،‬نزَلَت وأخذت الباقة‬
‫معها‪ ،‬وركنت أن��ا سيارتي جبانب الرصيف‬
‫وق��ررت أن انتظرها يف السيارة حتى‬
‫تعود‪ ،‬تكلمت مع رجل كهل متهلل الوجه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪77‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫عند الباب‪ ،‬ورحب هبا وهو يبتسم‪ ،‬أشارت إيلَّ‬
‫أن أنزل‪ ،‬أوقفت حمرك السيارة‪ ،‬وأنا أتساءل ‪-‬‬
‫هل تريد قراءة الفاحتة ألمواهتا‪.‬؟‬
‫سرت معها يف املمرات الضيقة حتى وصلنا إىل‬
‫جمموعة قبور رخامية بيضاء متجاورة نظيفة‬
‫ومغسولة للتو‪ ،‬وما زال املاء يلمع على رخامها‪،‬‬
‫واألزه���ار والرياحني امل��زروع��ة يف األح��واض‬
‫الضيقة ندية فواحة‪ ..‬وضعت الباقة بعناية‪،‬‬
‫ورفعت يديها وقرأت الفاحتة‪ ،‬وفعلت مثلها‪،‬‬
‫ولشد ما أدهشين وأث��ار فضويل لفافة أنيقة‬
‫ذات هناية ذهبية تشبه تلك اليت كان حيملها‬
‫شفيق ذاك املساء الذي التقينا يه‪ ،‬كانت ملقاة‬
‫على عند مقدمة القرب الكبري‪ .‬قالت‪:‬‬
‫ـ إن��ه حل��د ج��دي شفيق اجل���راح رمح��ه اهلل‬
‫وأسكنه فسح جنانه‪ ،‬ك��ان كبري العائلة‪ ،‬كان‬
‫كبرياً بكل شيء‪ ،‬بعلمه وثقافته ومركزه وكرمه‪،‬‬
‫شغل مناصب رفيعة‪ ،‬وزار دوالً وق��ارات‪ ،‬كان‬
‫واسع املعرفة واالطالع‪ ..‬رددت معها‪:‬‬
‫_ رمح��ه اهلل‪ ،‬الربكة والعمر الطويل ألوالده‬
‫وأحفاده‪.‬‬
‫_ العمر الطويل لك وألهلك وأحبائك‪ ،‬انظري‬
‫مل يعش طويالً‪ ،‬وأشارت إىل الشاخصة‪ ،‬دققت‬
‫وتبينت إنه مل يعش سوى ثالثة وأربعني عاماً‪،‬‬
‫لقد تويف شاباً‪ .‬قالت‪ ،‬بعد أن جلسنا يف فئ‬
‫القرب على عارضة رخامية‪:‬‬
‫ـ كان حيب زوجته حباً جارفاً‪ ،‬كانت مجيلة‬
‫ورقيقة‪ ،‬لقد أريتك صورهتا‪ ..‬وال��ده مل يكن‬
‫م��رت��اح �اً ل��زواج��ه م��ن أجنبية‪ ،‬وه��و الرجل‬
‫املعروف بتقواه ووطنيته‪ ..‬كنا نرزح حتت نري‬
‫االستعمار والعني علينا من ال��ن��اس‪ ،‬وأحس‬
‫بأن بقاءها يف هذا اجلو جناية عليها‪ ..‬بعدها‬

‫‪78‬‬

‫عن أهلها ووطنها كان قاسياً عليها وعليهم‪،‬‬
‫إهنا لن تستطيع التحمل طويالً‪ ،‬وهي وحيدة‬
‫أه��ل��ه��ا‪ ،‬رج���اه أن يعيدها إىل أهلها معززة‬
‫مكرمة‪ ،‬ويسرحها مبعروف وحمبة ورضا من‬
‫الطرفني‪ ،‬وقدر أهنا لن تنسى له هذا‪ ،‬وقال‬
‫له‪( :‬هي غريبة بيننا‪ ،‬لنا عاداتنا وتقاليدنا‬
‫ولباسنا وطريقة طعامنا املختلفة‪ ،‬إهنا كالشتلة‬
‫الصغرية إذا قلعتها من أرضها وتربتها تذبل‬
‫ومت����وت‪ ،)..‬وبعد أشهر ت��ويف وال���ده وبقيت‬
‫رغبته تلك أمانة يف عنقه‪ ،‬وصية ورغبة حية‬
‫نابضة يف وجدانه‪ ..‬كان يعذره ويقول‪ :‬معه حق‬
‫إنه واع وعاقل وحكيم يف كل ما ق��ال‪ ..‬ولكن‬
‫هي جاءت برغبتها وعشقها للشرق وسحره‪،‬‬
‫أمنيتها أن تعيش هنا‪ ،‬وأنا أحبها وال أقدر على‬
‫فراقها‪.‬‬
‫عندما حدثها حبديث وال��ده‪ ،‬مل تنكره ومل‬
‫تؤيده‪ ،‬وتركت األمر لزوجها جدي شفيق أدرك‬
‫أهن��ا حتن ألهلها‪ ،‬على الرغم من أهن��ا حتب‬
‫سحر الشرقـ وأهنا جاءت ب��إرادة ورغبة‪( ،‬إن‬
‫وال��ده كان على حق‪ ،‬وتكلم حبكمة)‪ ،‬قرر أن‬
‫يرتكها نزوالً عند رغبة والده وتنفيذاً لوصيته‪.‬‬
‫مل ي�ترك م��ك��ان�اً يف البلد إال وأخ��ذه��ا إليه‬
‫وعرفها عليه‪ ،‬واش�ترى هلا ولذويها اهلدايا‬
‫الثمينة واللوحات النادرة‪ ،‬ورافقها إىل بلدها‪،‬‬
‫فاستقبلهما والداها بكل اللهفة والشوق‪ ،‬وكان‬
‫على وشك أن يتكلم مع والدها‪ ،‬ولكن كان ال‬
‫يعرف كيف يبدأ‪ ،‬لشدة خجله وإحساسه بأن‬
‫ذلك سيكون جحوداً‪ ..‬لكن هم من وافقوا على‬
‫أن تعيش وحيدهتم بعيدة عنهم‪ .‬وبينما كان‬
‫يف أشد حلظات حريته‪ ،‬قبل والدها وجنتيه‬
‫واحننى على يديه ليقبلهما‪ ،‬ثم سقط عند‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫قدميه راكعاً يرجوه أن يرتك هلما وحيدهتما‪،‬‬
‫لقد أضنامها بعدها ونغص حياهتما‪ ،‬وصهر‬
‫قلب أمها‪ ،‬فوقعت فريسة األم��راض والعلل‪.‬‬
‫صمت ويف قلبه مجرة مشتعلة حارقة‪ ..‬فمن‬
‫خيفف سعريها‪ ..‬كل ينظر إىل غايته‪ ،‬وهو‬
‫املنسي حتى مم��ن وع��ده بتلبية رغبته‪ .‬يف‬
‫الصباح انسحب وهم نيام‪ ،‬دون كلمة وداع‪،‬‬
‫سافر وتركها‪ ..‬ومل تفارق تفكريه حلظة‪ ..‬كان‬
‫دائماً يفكر هبا‪ ..‬وبعد سنني جاءته رسالة من‬
‫أمها ختربه أن س��ارة تزوجت‪ ،‬ووالدها تويف‪،‬‬
‫وهي تريد أن تدخل دار العجزة لتجد من يعتين‬
‫هبا‪ ،‬بعد أن أصبحت وحيدة ومريضة‪ ،‬وليست‬
‫لديها قدرة على القيام برتبية ابنه‪ ،‬وترجوه أن‬
‫يأتي بأسرع وقت الستالمه‪ .‬كاد جدي شفيق‬
‫يفقد عقله بعد هذه الرسالة‪ ،‬كيف مل ختربه‬
‫سارة بأهنا كانت حامالً عندما انفصل عنها‪.‬؟!‬
‫سافر إىل هناك‪ ،‬وكان عمر ابنه وفيق‪ ،‬والدي‪،‬‬
‫ستة أع��وام‪ ،‬عاد به‪ ،‬وعاش بينهم يالقي كل‬
‫احلب والرعاية واحلنان ولكن ال يالقي حنان‬
‫األم‪ ،‬فحنان األم ال يعوضه أحد‪ .‬مات جدي‬
‫شفيق بعد أن بلغ األربعني بسنني قليلة‪..‬‬
‫مسحت السيدة الرقيقة دمعتني كرجتا على‬
‫خديها وغ��ارت��ا يف األخ��ادي��د العميقة اليت‬
‫حفرها الزمن يف وجهها‪.‬‬
‫_ لقد أوج��ع��ت قليب‪ ،‬رح��م اهلل اجلميع‪ ،‬ال‬
‫نعرف من أخطأ‪ ،‬وما هو اخلطأ الصغري الذي‬
‫ج��ر اخلطأ األك�ب�ر‪ ..‬لقد مضى وق��ت طويل‬
‫وحنن هنا‪ ،‬لقد تأخرنا على موعدنا‪..‬‬
‫نظرت إيل بشفقة وقالت‪:‬‬
‫_ سنعود إىل البيت لقد نسيت شيئاً مهماً ال‬
‫بد أن آخذه ونكمل طريقنا‪ ،‬عدت معها برضا‪،‬‬

‫حتى أرى شفيق احلفيد‪ ،‬وكنت أتوجس خيفة‬
‫من أم��ر ختفيه ع�ني‪ ،‬وصلنا إىل البيت وكل‬
‫منا تلهو هبواجسها وأفكارها‪ ،‬نزلت ودعتين‬
‫للنزول‪ ،‬وأخذتين وهي تلف يدها حول كتفي‬
‫بعطف وأم��وم��ة‪ ،‬وفتحت غرفة ن��وم واسعة‬
‫فخمة األث��اث ومعلق يف صدر الغرفة صورة‬
‫كبرية‪ ،‬لشفيق اجل��راح بنفس الثياب األنيقة‪،‬‬
‫واالبتسامة عينها ال�تي رأيتها لشفتيه يوم‬
‫التقينا‪ ،‬ابتسمت ابتسامة عريضة شهقت هلا‬
‫روحي‪ ،‬وهتفت‪:‬‬
‫_ ه��ذا ه��و شفيق ال��ذي أس��أل عنه ألرد له‬
‫والعته‪ ،‬هو عندك‪ ،‬ولقد كنت مسرورة برفقتك‬
‫لزيارة جدك يف بيته الصغري‪.‬‬
‫هزت رأسها موافقة‪ ،‬تركتين أتأمل كل اجلمال‬
‫والفن من زجاج معشق ولوحات وأثاث‪ ،‬وعادت‬
‫حتمله مالبسه األنيقة‪ ،‬مدت يدها‪ ،‬وأخرجت‬
‫من جيبه الداخلي علبة دخان هبا عدة لفافات‬
‫هنايتها مذهبة‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫ـ أظن إنه مل يشرت سوى هذه العلبة ومل يشعل‬
‫سيجارة واحدة منها‪ ،‬إمنا كان حيملها ويلقيها‬
‫يف أي مكان عندما ميل أو يتعب من محلها‪.‬‬
‫ثم أخرجت بطاقة جديدة‪ ،‬وقالت بدهشة‪:‬‬
‫ـ من أين أتت هذه البطاقة؟‬
‫قرأهتا بصوت مرتفع‪:‬‬
‫_ سهام احلاج إبراهيم‪ ،‬هل أنت سهام احلاج‬
‫إبراهيم‪ ،‬حنن أقرباء‪ ،‬أمك قريبتنا‪.‬‬
‫_ قلت له يوم التقينا إن جدتي ألمي قريبتكم‪..‬‬
‫ت��رحَّ�مَ��ت على جدتي وعلى ك��ل األم���وات‪..‬‬
‫وسألتين باستغراب‪:‬‬
‫_ أنت قلتِ له؟! مل أفهم عليك يا بنييت‬
‫منذ رأيتكِ‪ ،‬كنت أود أن أعرف ما وراءكِ‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪79‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫وأين قابلته‪ ،‬أرجو أن تصدُقيين الكالم‪ ،‬لقد‬
‫وضعت عقلي بكفي منذ زيارتك األوىل‪!!.‬‬
‫_ قابلته يف فرح ابنة أخيت سارة‪.‬‬
‫_ مل أفهم بعد !!‪.‬‬
‫شرحت هلا كيف قابلته وأين‪ ،‬وما حتدث معي‬
‫به‪ ،‬كانت مهتمة وشديدة الرتكيز‪ ،‬تسألين وأنا‬
‫أجيب وأكرر وأعيد‪ ،‬مل أعرف ماذا تريد هذه‬
‫السيدة من وراء هذا التحقيق املرير‪ ،‬امحر‬
‫وجهها وارجتفت يداها وأصاهبا دوار‪ ..‬قالت‪:‬‬
‫ـ ضغطي مرتفع وأنا متعودة على هذا‪.‬‬
‫ناولتها الدواء‪ ،‬مرت دقائق‪ ،‬اسرتاحت وعاد‬
‫هلا صفاء لوهنا‪.‬‬
‫_ سهام لقد وصلت األمانة‪ ،‬إن شفيق جدي‬
‫متوفى منذ عام ‪1910‬وإن�ني مستغربة‪ ،‬كيف‬
‫حضر حفل زواج ابنة أختك اليت هي حفيدة‬
‫حفيدته؟‬
‫أص��اب�ني ال��رع��ب وال��ده��ش��ة‪ ،‬اخليبة وقلة‬
‫ال���رج���اء‪ ..‬م��ت��وف��ى‪..‬؟ ك��ان��ت أم��ي تتوقع يل‬
‫رجالً مطلقاً أو أرمل‪ ،‬أو‪ ..‬أما متوفى؟! هذا‬
‫غري ممكن‪ ..‬استنكرت‪ ..‬إن�ني كنت متأكدة‬
‫منذ البداية‪ ،‬أن ه��ذه السيدة تريد إبعادي‬
‫عن طريقه‪ ،‬وإال ملاذا هذه املراوغة‪ ،‬ملاذا مل‬
‫تقل منذ اللحظة األوىل ما تقوله يل اآلن‪،‬‬
‫إهنا تتالعب بأعصابي وتستدرجين بالكالم‪.‬‬
‫وقعت يف البؤس الذي ترك توقيعه الكبري على‬
‫مساحة وجهي املنكسر‪ ،‬وروحي اهلشة النخرة‬
‫من الصدمة واهلوان‪ ،‬وإذالل النفس‪ ،‬قلت هلا‬
‫بصوت أجش ختنقه الدموع‪ ،‬بعد أن ابتلعت‬
‫غصيت‪:‬‬
‫_ أنا ماضية‪ ،‬ولن تري وجهي ثانية‪ ،‬ولكن يا‬
‫سيدتي املبجلة‪ ،‬أنا اليت أوصلته إىل هذا البيت‬

‫‪80‬‬

‫بسيارتي‪ ،‬قرع الباب ثم فتح باملفتاح ودخل‬
‫بعد أن ودعين‪ ،‬كانت يده باردة متخشبة‪..‬‬
‫_ ازدادت فتحتا عينيها وصرخت برعب‪:‬‬
‫_ قلت باملفتاح هل أنت متأكدة‪..‬‬
‫وهرعت إىل اخلزانة‪ ،‬وأخرجت الطقم األسود‬
‫ثانية وفتشت جيوبه‪ ،‬وك��ان املفتاح يف جيب‬
‫س��روال��ه‪ ،‬مل تصدق أو تتخيل ما أق��ول لوال‬
‫وج��ود بطاقيت يف جيبه واللفافة اليت كانت‬
‫ملقاة أمام الضريح‪ ،‬والوالعة اليت أمحلها وكان‬
‫من املفروض أن تكون يف جيبه‪ ..‬واملفتاح‪:‬‬
‫قالت والرجفة ما زالت تعرتي كياهنا‪:‬‬
‫_ تلك الوالعة‪ ،‬كانت أول هدية تلقاها من‬
‫زوجته سارة‪ ،‬وأحل إىل جانبها علبة الدخان‬
‫ذات النهايات الذهبية‪ ،‬وكل ما تكلم به معك‬
‫كان حقائق ال يعرفها إال املقربون منه‪..‬‬
‫كانت ترتعد‪ ،‬وحايل مل يكن بأحسن من حاهلا‬
‫من شدة الصدمة وامل��رارة وعدم تصديق كل‬
‫ما تدعيه‪ ،‬وم��ن تساؤيل ال��ذي ال ج��واب له‬
‫عند هذه السيدة الفاضلة اليت خاب ظين هبا‬
‫وتزعزعت صورهتا بنفسي‪ ،‬وبدت يل كأهنا يف‬
‫عامل آخر‪ ،‬تتساءل كيف ميكنها اإلقامة هبذا‬
‫البيت بعد اآلن على الرغم من وصيته بأال‬
‫يباع‪ ،‬وأن حيافظ عليه وعلى أثاثه من التلف‬
‫والبلى والضياع‪ ،‬وأن جيدد باستمرار‪ ..‬وفجأة‬
‫صاحت‪:‬‬
‫ـ يا ربي أعين ماذا اصنع ‪.‬؟‬
‫مل أستطع تفسري ما جيري‪ ،‬وتابعت وهي هتتز‬
‫كبندول الساعة اليت خلفها‪..‬‬
‫ـ مات جدي شفيق حبادث سري وانغرس عمود‬
‫املقود حتت قلبه مباشرة‪ ،‬وكانت هناك ضربة‬
‫على رأس��ه‪ ،‬أح��ض��روه من املشفى يف نعش‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫عزف منفرد على أوتار الزمن‬
‫وقرر الشيخ دفنه بسرعة رأفة بابنه وأخوته‬
‫وأختيه‪ .‬انقطع نفسها وك��اد يغمى عليها‪،‬‬
‫قمت وأحضرت هلا كوباً من املاء‪ ،‬مل تستطع‬
‫الشرب‪ ،‬كادت ختتنق وهي تشهق‪ ،‬رششت‬
‫املاء على وجهها وبللت شعرها‪ ،‬وقلت مواسية‬
‫ومشفقة‪:‬‬
‫_ إنه جدك وقد طال الزمان على وفاته‪،‬‬
‫رمحه اهلل وأسكنه فسيح جنانه‪ ،‬من يراك‬
‫يقول إنه قبض للتو‪..‬‬
‫ردت بصوت واهن ضعيف وحزن بالغ‪:‬‬
‫_ تقولني م��ا تقولينه ألن��ك ال تعرفني ما‬
‫حصل للجميع‪ ،‬مبن فيهم أب��ي‪ ،‬ابنه‪ ،‬على‬
‫وجه اخلصوص‪..‬‬
‫_ وماذا حصل ‪..‬؟‬
‫كنت مسحوبة من أعصابي ال�تي أصبحت‬
‫مشدودة كالوتر‪..‬‬
‫_ يف اليوم التايل لوفاته جاء حارس املقربة‬
‫وق���ال‪( :‬إن��ه مس��ع ص��راخ �اً واس��ت��ن��ج��اداً من‬
‫ق�بر امل��رح��وم‪ ،‬استمر ط��وي�لاً‪ ،‬ث��م ختافت‬
‫حتى تالشى‪ ،‬وحل الصمت املطبق كلحود‬
‫اآلخرين‪ ،‬وإنه جاء إلينا يف الصباح ليخطرنا‪،‬‬
‫بأن نوزع احلسنات عن روحه ونقرأ القرآن‪،‬‬
‫وليسألنا‪ ..‬هل كان املرحوم يصلي‪)..‬؟؟ تكلم‬
‫بصعوبة وهو يزدرد ريقه ويضيف‪( :‬أرجو أن‬
‫ال يكون املرحوم مغضوب الدين‪ ،‬أو فاسقاً ال‬
‫مسح اهلل‪ ،‬وإال َ‬
‫مل كان حسابه عسرياً هبذه‬
‫الشدة)‪ .‬لقد مسع صراخه‪ ،‬بعد أن حل يف‬
‫قربه‪ ،‬بعد مدة قصرية‪ ..‬قال‪..( :‬ليس هناك‬
‫ما يؤنس وحدته من أعمال التقوى والفالح‪،‬‬
‫عافانا اهلل وأحسن ختامنا‪ ،)..‬وهبذا أهنى‬
‫كالمه ذاك املعتوه وخرج‪.‬‬

‫هرعت األسرة واجلريان واملعزون إىل املقربة‪،‬‬
‫كشفوا قربه وفتحوه‪ ،‬كان مكوماً يف زاويته‬
‫جثة هامدة‪ ،‬وق��د تقلعت أظافره ألن��ه كان‬
‫حياول إزاح��ة ال�تراب‪ ،‬وحيفر فتحة لدخول‬
‫اهل��واء‪ ،‬وإلزال��ة ما تكوم فوقه من حجارة‪.‬‬
‫مل يقدر‪ ،‬ومات بعد مرور فرتة من اخلوف‬
‫ونقص األكسجني‪ .‬كان حزهنم مضاعفاً‪ ،‬ومل‬
‫يستطع أحد من العائلة وممن مسع اخلرب‪،‬‬
‫نسيان ما حصل‪ ..‬كل هذا يا آنسة كان هو‬
‫جدي شفيق الذي مات مرتني‪ ،‬ومحلوا وزر‬
‫دفنه سريعاً‪..‬‬
‫تساءلت‪ :‬أمل يفحصه طبيب حينها؟‪ .‬غطت‬
‫وجهها بكليت يديها وأجهشت بالبكاء‪.‬‬
‫_ لقد فتحت اجلرح وأثرت خويف‪.‬‬
‫_ يا سيدتي‪ ،‬إنك جتعلينين أحس كأنه مات‬
‫منذ أسبوع وليس منذ عشرات السنني‪..‬أنت‬
‫مل تريه أبداً ومل تعرفيه إال من الصورة‪ ،‬ولكن‬
‫أنا رأيته وجالسته وأكلت معه‪ ..‬ال مل يأكل‬
‫ومل يشرب‪.‬‬
‫ولكن ال��س��ؤال احمل�ير اآلن‪ ،‬كيف ع��اد من‬
‫موته‪ ،‬ولبس ثيابه‪ ،‬وحضر العرس؟! والعته‬
‫وب��ط��اق�تي ش���اه���دان ع��ل��ى ص���دق أق����وايل‪،‬‬
‫واللفافة ذات النهاية الذهبية امللقاة أمام‬
‫ق�بره‪ ،‬وامل��ف��ت��اح‪ ،‬وك��ل حديثه معي وكلماته‬
‫اليت ما زالت مسطرة يف عقلي وقليب وترن‬
‫يف أذن���ي‪ ،‬ك��ل ه��ذا ي��دل على ه��ذا احل��دث‬
‫الغريب اخل��ارق‪ .‬كيف تفسرين ه��ذا‪ ..‬هل‬
‫عندك تفسري لكل ما رويت لك؟ وأنتم ما هو‬
‫تفسريكم‪.‬؟ هل يعود األموات‪..‬؟‪ ..‬أضفت إىل‬
‫خويف من عنوسيت ومهومها خوفاً ومهوماً‪..‬‬
‫أكاد أفقد صوابي‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪81‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رحلة إلى‬
‫خفايا الشيخوخة‬
‫ترمجة ‪:‬سوسن قاسم عزّام‬

‫كان يا ما كان طفلة صغرية تدعى ليلى أرادت الذهاب‬
‫لزيارة جدهتا املريضة ويف الطريق صادفها الذئب الشرير‬
‫الذي سبقها لبيت اجلدة‪,‬ولكن والد ليلى استطاع إنقاذ‬
‫ابنته وأمه من براثن ذلك الذئب الشرير‪ .‬يف احلقيقة لطاملا داعبت هذه‬
‫القصة مشاعرنا وكل األنظار متوجهة لتلك االبنة اليت حتب جدهتا‬
‫واليت خاطرت حبياهتا لتوصل جلدهتا الكعك والعصري ‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫لكن السؤال الذي يطرح نفسه اآلن ‪ :‬هل ما زال‬
‫األهل مستعدين للتضحية بأنفسهم وبأبنائهم‬
‫من أجل آبائهم وأمهاهتم العجائز؟ هل ما زالوا‬
‫قادرين على إرس��ال الكعك والعصري أو حتى‬
‫ال���دواء ألهلهم الضعفاء؟ هل هم مستعدون‬
‫لتحمل أسوأ ما حيدث عند غروب مشس ذاكرة‬
‫أهلهم وبدء اإلتكال عليهم ؟ هل هم مستعدون‬
‫للتعامل مع العته الشيخوخي واأللزهامير أو‬
‫(الذئاب الشريرة)؟ وهل هناك طرق للتعامل مع‬
‫األمراض قبل حدوثها واالستعداد هلا مبكراً؟‬
‫والسؤال األكرب هل نعرف الدماغ وماهية عمله ؟‬
‫وماهي سيكولوجية الذاكرة ؟ وهل هناك أسس‬
‫علمية ووراث��ي��ة ملرضي العته الشيخوخي أو‬
‫األلزهامير ؟ وهل املوسيقا والرياضة والوقاية‬
‫حتمينا من هذه األمراض ؟ هذا ما سنكتشفه‬
‫معاً يف هذه الرحلة العلمية حنو ذلك اجلزء‬
‫اجلديل الغامض أي الدماغ ولعلنا هنرب بذلك‬
‫لألمام حنو الشيخوخة ال خناف منها بل نستعد‬
‫ملواجهتها بالدراسات وباملعرفة والعلم‪.‬‬
‫ال��دم��اغ إن��ه ه��ذا اجل��زء الكامن وال��ف��ع��ال من‬
‫اجلهاز العصيب‪ ،‬فهو املركز املتحكم باحلركة‬
‫والنوم واجل��وع والعطش وافرتاضياً أي عمل‬
‫حيوي ضروري لكي يبقى اإلنسان حياً‪ .‬ويتحكم‬
‫الدماغ أيضاً بالعواطف مبا فيها احلب والكره‬
‫واخلوف والغضب واحلزن والفرح ‪ .‬كما يستقبل‬
‫الدماغ ويفسر إشارات ال معدودة مرسلة إليه‬
‫من أجزاء أخرى من اجلسم فالدماغ ما جيعلنا‬
‫واعيني وعاطفيني وأذكياء يف هناية املطاف ‪.‬‬
‫ولكن ماهو الدماغ ؟‬
‫إن��ه ع��ب��ارة ع��ن كتلة ت��زن (‪ )1،3‬ك��غ شبيهة‬
‫باجليالتني ذات ل��ون رم���ادي م��ائ��ل للزهرة‬
‫وتتألف أنسجته من (‪ )100‬مليون خلية عصبية‬
‫أو عصبونات وخاليا اللُحمة العصبية كأنسجة‬
‫داعمة ووعائية وأنسجة دائمة ‪.‬‬
‫وحييط بالدماغ ثالثة أغشية أو سحايا وهي ‪:‬‬

‫الغشاء األب��ع��د (األم اجلافية) وه��و األقسى‬
‫واألثخن ‪،‬حتته الغشاء األوسط واملسمى بالغشاء‬
‫العنكبوتي أما الطبقة األكثر عمقاً وتدعى باألم‬
‫احلنون ‪.‬و تتألف من أوعية دموية صغرية وتتبع‬
‫املالمح السطحية للدماغ ‪ .‬أما السائل النخاعي‬
‫فأنه يبدو غامراً الدماغ كله ومالئاً لسلسلة‬
‫م��ن أرب��ع ف��ج��وات تسمى (البطينني) جبانب‬
‫مركز الدماغ‪ .‬وظيفة هذا السائل محاية اجلزء‬
‫الداخلي للدماغ من الضغوطات املختلفة ونقل‬
‫مواد كيماوية داخل النظام العصيب ‪.‬‬
‫من اخلارج يبدو الدماغ مقسماً لثالثة أقسام‬
‫تبدو منفصلة ظاهرياً ولكنها مرتبطة فعلياً مع‬
‫بعضها البعض وهي ‪:‬‬
‫الدماغ ‪ :‬وهو عبارةعن نصفي دائرة متساويني‬
‫يف كرب حجمهما ‪.‬‬
‫املخيخ ‪ :‬وهو نصفي دائ��رة أصغر من الدماغ‬
‫خلف املخ ‪.‬‬
‫جذع الدماغ ‪ :‬وهو اللب املركزي الذي سيصبح‬
‫بشكل تدرجيي على شكل عمود فقري ليخرج‬
‫م��ن اجلمجمة م��ن خ�لال فتحة يف قاعدته‬
‫تسمى (الثقبة العظمى) أما اجلزيئان الكبريان‬
‫األخريان للدماغ مها املهاد وحتت املهاد حيث‬
‫يقعان يف منتصف اخل��ط ف��وق ج��ذع الدماغ‬
‫وحتت املخيخ ‪.‬‬
‫وي��ك �وّن ال��دم��اغ م��ع ال��ع��م��ود ال��ف��ق��ري اجلهاز‬
‫العصيب املركزي الذي يتصل مع أجزاء اجلسم‬
‫األخ��رى من خ�لال اجلهاز العصيب احمليطي‬
‫والذي يتألف من زوج من األعصاب القحفية‬
‫امل��م��ت��دة م��ن املخيخ وج���ذر ال��دم��اغ ‪ .‬يتكون‬
‫اجلهاز العصيب احمليطي من نظام ألعصاب‬
‫أخرى متفرعة يف اجلسم كله بدءاً من العمود‬
‫الفقري وصوالً إىل اجلهاز العصيب ال�لاإرادي‬
‫والذي ينظم الوظائف احليوية لكن ال تقع حركة‬
‫القلب واألوعية الدموية والغدد حتت السيطرة‬
‫الواعية ‪.‬‬
‫لكن هل ميكن خلاليا الدماغ أن تتجدد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪83‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تلقائياً؟‬
‫يف أواخ��ر (‪ )1998‬تغري فهم العلماء للدماغ‬
‫بشكل كبري عندما كشفت دراستان منفصلتان‬
‫أن خاليا الدماغ ميكن أن تتجدد ثانية وذلك‬
‫من خالل وجود خاليا رئيسية تسمى باخلاليا‬
‫اجلذعية واليت بإمكاهنا النمو لتصبح على شكل‬
‫أي خلية من خاليا الدماغ ‪ .‬لقد اعتقد العلماء‬
‫سابقاً أن اخلاليا الدماغية ال ميكن أن تتجدد‬
‫بنفسها‪ ،‬رغم أن الدراسات اليت أجريت على‬
‫األمس��اك وال��ق��وارض وال��زواح��ف والطيور قد‬
‫أشارت إىل جتدد يف منو خاليا الدماغ لديها‪،‬‬
‫وهب��ذا ق��د أصبح ل��دى العلماء األم��ل ملعاجلة‬
‫أمراض كاأللزهامير وباركنسون يوماً ما لرمبا‬
‫من خالل وجود عقاقري قد تساعد على جتديد‬
‫اخل�لاي��ا الدماغية أو م��ن خ�لال زرع خلاليا‬
‫دماغية جديدة مصدرها اخلاليا اجلذعية ‪.‬‬
‫علم النفس العصيب ‪:‬‬
‫لقد حاول علم النفس العصيب الربط بني املخ‬
‫والسلوك ضمن نظريتني مها ‪:‬‬
‫الفرضية املخية (‪:)Brain Hypothesis‬‬
‫حيث ت��رى ه��ذه الفرضية أن امل��خ هو مصدر‬
‫السلوك بعد أن كان االعتقاد السائد أن السلوك‬
‫اإلنساني حتكمه األرواح ‪.‬‬
‫فقد أش��ار أمبيدوقليس أن العمليات العقلية‬
‫مركزها القلب‪ .‬أما أفالطون وضع مصطلح‬
‫الروح (ثالثية األطراف) ووضع اجلزء العقلي‬
‫واملنطقي منها يف املخ‪ ،‬وأشار إىل أن (القلب)‬
‫مصدر العمليات العقلية ألنه األدفأ واألنشط‪،‬‬
‫أما املخ فألنه ب��ارد وخامل فهو يعمل كخادم‬
‫لتربيد الدم ‪ .‬ويعترب كالً من هيبوقراط وجالني‬
‫من أكثر من اهتم بفرضية أن املخ هو مصدر‬
‫للسلوك ‪.‬‬
‫الفرضية العصبية‬
‫(‪:)Neuron Hypothesis‬‬
‫توجد فرضيتان عصبيتان لكل منها دور يف‬

‫‪84‬‬

‫تطور علم النفس العصيب من جهة وتفسري عمل‬
‫اجلهاز العصيب من جهة أخرى ‪:‬‬
‫فرضية اخللية العصبية ‪ :‬تعترب أن اجلهاز‬
‫العصيب يتألف من خاليا تتفاعل معاً لكنها‬
‫ليست متصلة مادياً فاخلاليا قد تكون متباعدة‬
‫تشرحيياً لكنها ت��ش��ارك يف القيام بوظيفة‬
‫حمددة ‪.‬‬
‫فرضية شبكة األعصاب ‪ :‬وتشري إىل أن اجلهاز‬
‫العصيب يتكون من شبكة ألياف مرتابطة تعمل‬
‫كوحدة واحدة ‪.‬‬
‫إذاً وجود الرابط بني املخ والسلوك يستدعي‬
‫رابطاً بني الدماغ واملعلومات ما يقودنا للسؤال‬
‫التايل وهو ما العملية اليت نطلقها عند القيام‬
‫برتميز وختزين واستعادة معلومة ما؟ وما الدور‬
‫املهم ال��ذي تلعبه يف حياتنا ؟ فوجودها يعين‬
‫كهولة هادئة ومرحية وعدم وجودها يعين العته‬
‫الشيخوخي واأللزهامير وغريمها من األمراض‬
‫وما نعنيه ذلك الشيء الذي يسمى بـ (الذاكرة)‪.‬‬
‫سيكولوجية الذاكرة ‪:‬‬
‫ال��ذاك��رة هي املكان ال��ذي يقوم به األشخاص‬
‫وأع��ض��اء أخ���رى يف اجل��س��م برتميز وختزين‬
‫واستعادة املعلومات ‪.‬فالرتميز يشري إىل الفهم‬
‫املبدئي وتسجيل املعلومة‪ ،‬والتخزين عبارة عن‬
‫احتفاظ باملعلومات املرمزة على مر الوقت‪ ،‬أما‬
‫االستعادة فتشري للعمليات املتضمنة باستخدام‬
‫املعلومات املخزنة ‪ .‬لذا فأن أي استعادة ناجحة‬
‫لتجربة م��ا سابقة جي��ب أن ت��ك��ون ق��د مرت‬
‫مبراحل ترميز وختزين واستعادة هلا وبالعكس‬
‫فإن أي فشل للذاكرة كنسيان حدث مهم مثالً‬
‫يعكس خلالً يف إحدى املراحل الثالث املذكورة‬
‫أعاله‪.‬‬
‫أنواع الذاكرة ‪:‬‬
‫رغم أن يف اللغة االنكليزية كلمة واحدة للتعبري‬
‫عن الذاكرة وهي (‪ )memory‬إال أنه توجد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫ثالثة مناذج نظرية لتمييز ثالثة أنظمة رئيسية‬
‫هلا وهي‪:‬‬
‫الذاكرة احلسية‪ :‬وهي التسجيل األويل والفوري‬
‫للمعلومة يف أنظمة اجل��س��م احلسية حيث‬
‫حت��ف��ظ ه���ذه األن��ظ��م��ة ك��ل م��ا تلتقطه العني‬
‫من حوهلا لفرتة قصرية ومسى هذا النوع من‬
‫الذاكرة احلسية بـ (الذاكرة األيقونية)‪ .‬حيث‬
‫تقوم أنظمة الذاكرة احلسية بوظائفها خارج‬
‫ن��ط��اق ال��وع��ي وي��ت��م خت��زي��ن املعلومات لوقت‬
‫قصري ج��داً ت��دوم ال��ذاك��رة األيقونية ألق��ل من‬
‫ثانية أم��ا ال��ذاك��رة السمعية فتبقى لثالث أو‬
‫أربع ثواني أو أكثر وعادة ما تستبدل املعلومات‬
‫احلسية احلديثة املعلومات القدمية وقد ختتفي‬
‫املعلومات هنائياً إال إذا لفت أنظارنا شيء أوأن‬
‫تكون املعلومة قد دخلت املرحلة الثانية وهي‬
‫مرحلة الذاكرة الفاعلة ‪.‬‬
‫‪ -2‬ال��ذاك��رة الفاعلة (ق��ص�يرة األم���د) ‪ :‬وهي‬
‫القدرة على االحتفاظ باملعلومات بالدماغ لفرتة‬
‫وجيزة‪ ،‬وقد توسع هذا املفهوم ليتضمن أكثر‬
‫من فكرة ختزين قصري األمد للمعلومات لذلك‬
‫أوجد العلماء مصطلحاً جديداً وهو (الذاكرة‬
‫الفاعلة) وتستخدم اآلن لإلشارة إىل النظام‬
‫األوس��ع وال��ذي خي��زن املعلومات لفرتة قصرية‬
‫وميكن استخدام املعلومات ال�تي مت ختزينها‬
‫‪.‬وتقول بعض األحباث أن هذه الذاكرة قد تتغري‬
‫مع التقدم يف السن وتبدأ باالحندار يف فرتة‬
‫الكهولة ‪،‬كما أن هذا النوع من الذاكرة ميكن‬
‫قياسه يف االخ��ت��ب��ارات فقد وج��د العلماء يف‬
‫بعض الدراسات بأنه كلما كانت القدرة على‬
‫االحتفاظ باملعلومة يف الذهن أكرب كان الشخص‬
‫(ذكياً) أكثر ‪.‬‬

‫كرة القدم قد يتذكر الشخص ماذا كان غداؤه‬
‫البارحة مثالً وقد يسرتجع أول حفلة عيد ميالد‬
‫له فاالعتماد هنا يكون على املعلومة واملهارات‬
‫املخزنة يف الذاكرة طويلة األمد ‪.‬ولقد اختلف‬
‫العلماء ح��ول ط��رق حفظ املعلومة ‪.‬فالشكل‬
‫التقليدي للحفظ يتمثل بدخول املعلومة للذاكرة‬
‫قصرية األمد وكيفية املعاجلة اليت جتعلها تنتقل‬
‫بعدها للذاكرة طويلة األمد‪.‬‬
‫أما الرأي اآلخر فيقول بأن الذاكرتني القصرية‬
‫والطويلة األم��د مه��ا يف احلقيقة متوازيتان‬
‫وليستا متواليتني تسلسلياً‪ ،‬مبعنى آخ��ر أن‬
‫‪ -3‬الذاكرة طويلة األمد ‪:‬‬
‫إهنا نظام يف الدماغ يستطيع حفظ ك ٍم كبريٍ من املعلومة ميكن ختزينها يف مكانني بآن‬
‫املعلومات على أسس ثابتة نسبياً‪ .‬فعند لعب معاً ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪85‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كيميائية التعلم والذاكرة ‪:‬‬
‫ق�دّر العلماء أن دم��اغ الشخص البالغ حيتوي‬
‫على (‪ )100‬بليون عُصبون ك��ل واح���د منها‬
‫مرتبط ب��آالف العصبونات األخ���رى مشكالً‬
‫بذلك تريليونات من اإلرتباطات العصبية ‪.‬‬
‫تتواصل هذه العصبونات مع بعضها من خالل‬
‫وسائط كيميائية تسمى بـ (النواقل العصبية)‪.‬‬
‫حيث تنتقل إشارة كهربائية عرب العصبون حمررة‬
‫بذلك النواقل العصبية يف املشبك (‪)Synapse‬‬
‫(وه��و عبارة عن فجوات صغرية موجودة بني‬
‫العصبونات تتجمع لتكون قريبة ج���داً من‬
‫بعضها ولكنها ليست ملتصقة فعلياً) فالنواقل‬
‫العصبية تنتقل عرب الفجوات لتصل للعصبون‬
‫التايل من خالل اندماجها مع جزيئات الربوتني‬

‫‪86‬‬

‫وهنا يعتقد أغلب العلماء أن الذكريات مُخزنة‬
‫بشكل ما بني تريليونات من املشابك العصبية‬
‫وليس يف العصبونات نفسها ‪.‬‬
‫وهكذا درس العلماء كيميائية التعلم والذاكرة‬
‫من خالل تركيزهم على دراسة «دودة البزاقة»‬
‫املائية وذل��ك بسبب بساطة نظامها العصيب‬
‫ال��ذي يتيح تعلّم أث��ار خمتلف احمل��ف��زات على‬
‫مشابكها العصبية املختلفة ‪ .‬ف��أي تغري على‬
‫سلوك البزاقة بسبب التعلم قد يرتبط مع تغري‬
‫مستوى املشبك العصيب لديها ‪.‬‬
‫كما وجد العلماء دوراً مهماً للسكر واألنسولني‬
‫يف عملية التعلم والذاكرة ‪.‬فعند تزويد حيوان‬
‫املخرب هباتني املادتني أظهر احليوان قدرة على‬
‫التعلم والتذكر حيث يتجاوب البنكرياس عند‬
‫وجود الغلوكوز يف الطعام من خالل زيادة إفراز‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫يف البداية ثم يصبح ثابتاً بعد مرور الوقت وقد‬
‫مسيت هذه احلالة ب(‪)forgetting curve‬‬
‫أو ما يُعرف مبنحنى النسيان ‪.‬‬
‫ثم أكد اخلرباء الحقاً أن املواد اليت يتم تعلمها‬
‫جيداً فإن شكل منحنى النسيان يصبح أفقياً‬
‫مُظهراً أنه ال يعد يوجد نسيان مع مرور الوقت‪.‬‬
‫أما النظريات اليت حتدثت عن النسيان فهي‬
‫متعددة ومنها ‪:‬‬

‫األنسولني ‪.‬‬
‫كما درس العلماء أث��ر امل��ورث��ات على عملييت‬
‫التعلم والذاكرة حيث استطاع العلماء تطوير‬
‫ساللة من الفئران مع نسخ إضافية من املورث‬
‫ال��ذي يساعد على بناء الربوتني(‪)NMDA‬‬
‫(يعمل هذا الربوتني مستقبالً لنواقل عصبية‬
‫معينة ) ولوحظ أن الفئران املتغرية جينياً من‬
‫خالل إضافة هذا الربوتني لديها قد تفوقت يف‬
‫أدائها على الفئران العادية يف اختبارات التعلم‬
‫والذاكرة ‪.‬‬
‫• نظرية التداخل ‪:‬‬
‫لكن هل الذاكرة عرضة فعالً لعملية طبيعية يعتقد علماء النفس أن ت��داخ��ل املعلومات‬
‫تسمى (النسيان) ؟‬
‫والنشاطات قد يسبب النسيان مع مرور الوقت‬
‫‪ .‬فإن تعلّم الطالب معلومة جديدة قبل اإليواء‬
‫النسيان ‪:‬‬
‫للفراش ون��ال قسطاً من النوم وك��ان امتحانه‬
‫ً‬
‫بناء على أحب��اث عديدة فقد متيزت الحقا يف اليوم التايل بينما طالب آخر درس وبقي‬
‫ثالثة أنظمة للذاكرة وه��ي كالتايل ‪ :‬الذاكرة مستيقظاً حتى موعد االمتحان ‪.‬يف اليوم التايل‬
‫العرضية والداللية واإلجرائية وذلك التسهيل سيكون النسيان من نصيب الطالب الذي بقي‬
‫فهم آل��ي��ة النسيان فيما ب��ع��د‪ .‬ول��ك��ن إن مت مستيقظاً‪ ،‬أما الطالب الذي نام (حتى لو أيقظه‬
‫فقدان للمعلومات على مر الوقت‪ ،‬ومل نستطع صوت ما )فإنه يبقى متذكراً ملا درسه ‪،‬ألنه إذا‬
‫استعادهتا عند احلاجة اليها فإن هذا سيكون كان معدل التشويش حيدث أوتوماتيكيا مبرور‬
‫حدثاً مزعجاً بالنسبة إلينا وقد يكون من جهة الوقت فإن معدل النسيان سيكون نفسه أثناء‬
‫النوم واالستيقاظ فالذي يتسبب بالنسيان ليس‬
‫أخرى حتديثاً لذاكرتنا ‪.‬‬
‫لقد كان النسيان وال يزال موضوعاً خصباً لكثريٍ الوقت نفسه بل تداخل نشاطات أخرى وأحداث‬
‫من علماء النفس وأبرزهم األملاني ( ‪ Herman‬مبرور الوقت ‪.‬‬
‫‪ . )Ebbinghaus‬لقد ط�وّر طريقة مبتكرة‬
‫لقياس النسيان ‪.‬لقد أوجد عشرات من القوائم • نظرية الكبت ‪:‬‬
‫ملقاطع أح��رف ليست ذات معنى وتتألف من تقول هذه النظرية أن اإلنسان قد ينسى حدثاً‬
‫ثالثة أحرف مقروءة ولكن ليس هلا معنى مثل غري حمبب أو جزءاً من معلومة بسبب هتديدها‬
‫(‪ )xak-cuv‬ثم يقوم حبفظ القائمة من خالل له بشكل من األشكال‪ .‬وكان صاحب هذه الفكرة‬
‫تذكر العناصر فيها‪ ،‬وبدأ يالحظ الوقت الذي يف أواخر القرن التاسع عشر (سيغموند فرويد)‬
‫استغرقه حلفظها‪ .‬وعاد و اخترب ذاكرته بعد مؤسس التحليل النفسي ‪.‬ويقول ب��أن الناس‬
‫انقطاع تراوح بني (‪ )20‬دقيقة و(‪ )31‬يوما ثم يقومون بإبعاد احلوادث غري املُحببة لديهم إىل‬
‫حسب الكم الذي نسيه من خالل عدد املرات عقلهم ال�لا واع��ي ولكن ت��رك ه��ذه الذكريات‬
‫اليت احتاجها إلعادة حفظ القائمة وقام بتطبيق غري املرغوب فيها قد يؤثر على اإلنسان سلباً‬
‫نفس الطريقة على القوائم األخرى ‪.‬فوجد أن وجيعله عرضة آلثار جانبية مثل (زلاّ ت‬
‫معدل النسيان ثابتاً نسبياً حيث حيصل بسرعة اللسان) ‪ .‬مع هذا بقي العلماء متشككني‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪87‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يف نظرية الكبت كتفسري للنسيان ك��ون من‬
‫الصعوبة مبكان دراستها علمياً‪ ،‬إضافة ألن كل‬
‫الدراسات اليت درسها العلماء كانت من خالل‬
‫دراسة (حاالت) ميكن تفسريها بطرق خمتلفة ‪.‬‬
‫إذاً املعلومات معرضة أحياناً للكبت أو للتداخل‬
‫مع معلومات أخرى أو قد تكون عرضة للنسيان‬
‫ألسباب جت��ادل العلماء ح��ول صحتها كثرياً‪،‬‬
‫هلذا دائماً جيتهد العلماء إلجياد أفضل السبل‬
‫لإلبقاء على املعلومات يف ذاكرتنا أطول وقت‬
‫ممكن مع سهولة اسرتجاعها عند احلاجة إليها‬
‫وذل��ك من خ�لال ابتكار ط��رق متعددة تُسهل‬
‫عملية ترميز وختزين واسرتجاع املعلومة ‪.‬‬
‫لذا يوجد طرق لتحسني الذاكرة وقد استخدمت‬
‫هذه الطرق قدمياً عند اليونان والرومان ‪ .‬فقد‬
‫ك��ان يتم تدريب الناس على فن احلفظ قبل‬
‫تعليمهم الكتابة حيث كان يتحتم على اخلطباء‬
‫لا ت��ذك��ر ن��ق��اط حم���ددة سيتحدثون عنها‬
‫م��ث� ً‬
‫مطوال‪ً.‬‬
‫اعتمدت معظم الوسائل الذاكرية على مبدأين‬
‫أساسني مها ‪:‬‬
‫تسجيل املعلومة بأشكال يسهل تذكرها‪.‬‬
‫تزويد الشخص بإشارات أو تلميحات الستعادة‬
‫املعلومة عند احل��اج��ة إليها ‪،‬ف��األط��ف��ال يف‬
‫املدارس يتذكرون ألوان الطيف من خالل مجع‬
‫أوائل احلروف أللوان الطيف ‪.‬فأوائل احلروف‬
‫تلعب هنا دور إشارات اسرتجاعية تسمح بإعادة‬
‫املعلومة املطلوبة عند احلاجة ‪.‬‬
‫استطاع العلماء مؤخراً إجي��اد تقنيات وطرق‬
‫خاصة بالذاكرة أفضل من الطرق التقليدية‬
‫املُتّبعة كاستخدام التكرار ملرات ومرات حلفظ‬
‫املعلومة مثالًوهي ‪:‬‬
‫طريقة األماكن (‪. )Loci‬‬
‫طريقة الكلمة الوتد (‪.)Pegword‬‬
‫طريقة (‪. )PQ4R‬‬
‫طريقة األماكن (‪: )Loci‬‬
‫وهي كلمة التينية تعين ( األماكن ) واملقصود‬

‫‪88‬‬

‫هبا تشكيل صور قوية وحيّة وتفاعلية بني مواقع‬
‫حمددة مع عناصر يتم تذكرها الحقاً‪.‬‬
‫تقوم املرحلة األوىل حبفظ جمموعة من األماكن‬
‫املألوفة يف املنزل كالدرج األمامي للمنزل والبهو‬
‫وغرفة اجللوس ثم يتم حفظ هذه املواقع بشكل‬
‫دائ��م وال�تي ميكن استخدامها إلع���ادة ترميز‬
‫جتارب معينة عند االستعادة وتُستخدم هذه‬
‫الطريقة لتذ ّكر جمموعة معلومات كقائمة‬
‫اخلضروات ‪ .‬فالطريقة املثلى هنا هي نقل جزء‬
‫من املعلومة إىل ص��ورة ذهنية حية من خالل‬
‫وضعها مبكان مألوف حيث ميكن (رؤيتها)‬
‫ذهنياً‪ ،‬حيث يتذكر الشخص قائمة املشرتيات‬
‫من خالل وضعها (أو تعليقها) ذهنياً فالربتقال‬
‫ت��راه على ال���درج األم��ام��ي واحلليب يف البهو‬
‫واملوز متدلياً من الباب األمامي وهكذا ‪ .‬عند‬
‫الوصول للبائع‪ ،‬فإن الشخص سيتجول ذهنياً‬
‫يف املنزل ويرى األغراض اليت يريد شراءها يف‬
‫موقع حمدود فاملواقع هنا تلعب دور اإلشارات‬
‫االسرتجاعية للمعلومة املراد اسرتجاعها ‪.‬‬
‫طريقة الكلمة الوتد (‪: )pegword‬‬
‫وه��ي الطريقة املعتمدة على ق��وة التصوير‬
‫البصري وتنوعت هذه الطرق لتتفق على (مبدأ‬
‫واحد عام)‪.‬‬
‫فالشخص يتعلم سلسلة من كلمات تقوم مبهمة‬
‫(األوت��اد) اليت ميكن أن يُعلّق عليها الذكريات‬
‫فاستخدام الكلمات الوتدية املقفاة مع األرقام‬
‫تقوم مبقام الوتد لتسهيل عملية التذكر الحقاً ‪.‬‬
‫مثال ‪:‬‬
‫واحد= بندقية = خبز‬
‫اثنني= حنل= موز‬
‫ثالثة= دجاجة = برتقال‬
‫وبالعودة لقائمة املشرتيات فإنه ميكن ربط‬
‫البندقية مع اخلبز مثال من خ�لال ختيّل أن‬
‫البندقية تطلق النار على اخلبز مثال والنحل‬
‫يأكل امل��وز والربتقال تأكله الدجاجة هكذا ‪.‬‬
‫فعند تذكر املشرتيات سيتذكر ما يسمى باألوتاد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫املرافقة لكل كلمة وسيتذكرها ‪.‬‬
‫طريقة ‪: PQ4R‬‬
‫تستخدم هذه الطريقة لتذكر عناصر نص ما‪،‬‬
‫فاإلسم نفسه يوحي بأنه وسيلة تتعلق بالذاكرة‬
‫فاخلطوات يتضمنها العنوان ذات��ه ‪.‬ف��إن أراد‬
‫الشخص أن يتذكر نص ما عليه أوالً أن يقوم‬
‫مبراجعته(‪ )preview‬بشكل سريع ويقوم‬
‫بقراءة سريعة للعناوين‪.‬واملرحلة الثانية وهي‬
‫‪ Questions‬أي ال��ب��دء بتشكيل أسئلة عن‬
‫املعلومات يف النص وذل��ك م��ن خ�لال حتويل‬
‫عناوينه إىل أسئلة ‪.‬أما املراحل األرب��ع التالية‬
‫فهي اختصار لكلمات تبدأ باحلرف (‪ )R‬وهي ‪:‬‬
‫‪ : Read‬وتعين ق���راءة النص بشكل دقيق و‬
‫حماولة اإلجابة على األسئلة املطروحة سابقاً‪.‬‬
‫‪ : Reflect‬واملقصود هبا إضافة الشخص لذاته‬
‫يف النص وذلك من خالل إجياد أمثلة خاصة‬
‫من الشخص ذات��ه حي��اول من خالهلا رفد ما‬
‫قرأه ‪.‬‬
‫‪ : Recite‬أي وض��ع ال��ن��ص ج��ان��ب�اً وحم��اول��ة‬
‫استعادته عن ظهر قلب فإن مل يستطع تذكره‬
‫اآلن فستكون الفرص باسرتجاعه الحقاً قليلة ‪.‬‬
‫‪ : Review‬أي بعد ال��ق��راءة الكاملة للنص‬
‫سيقوم الشخص بقراءته ثانية هبدف اسرتجاع‬
‫وتلخيص نقاطه األساسية هذه املرة ‪.‬‬
‫لقد أثبتت هذه الطريقة فعاليتها الكبرية مع أن‬
‫البعض اعترب مشكلتها يف إبطاء عملية القراءة‬
‫ما جيعل الطلبة يبتعدون عن استخدام مثل‬
‫هذه التقنية لكن يف نفس الوقت ال مينع غريهم‬
‫من استخدامها‪.‬‬
‫لكن من املالحظ أن مشاكل الذاكرة والنسيان‬
‫ترتبط مبشاكل الكهولة أوهذا ما يعتقده الناس‬
‫‪ .‬فعندما يبدأ الشخص العادي بنسيان شيء ما‬
‫أثناء حديثه فإنه تُنسب إليه صفة الشيخوخة‬
‫املبكرة ولو على سبيل املزاح‪ ،‬لكن هذا املزاح يف‬
‫احلقيقة خيفي خماوف عميقة من الشيخوخة‬

‫خوفاً مبعنى آخر يتجه حنو الذاكرة والنسيان ‪.‬‬
‫لقد ك��ان الطبيب النفسي األمل��ان��ي (‪Alois‬‬
‫‪)Alzheimer - 1864-1915‬‬
‫شخص امل��رض ال��ذي يُسبب فقداناً‬
‫أول من ّ‬
‫للوظائف الدماغية ألشخاص جت��اوزوا (‪)65‬‬
‫من العمر وقد يصاب به األشخاص يف أعمار‬
‫مبكرة ‪،‬وقد مسي املرض بامسه الحقاً وهو ما‬
‫يعرف اآلن مبرض (األلزهامير) ‪.‬‬
‫يف احلقيقة مازال العلماء يبحثون عن السبب‬
‫الكامن وراء اإلصابة هبذا املرض حتى اآلن ‪.‬‬
‫تتجه األنظار أحيانا حنو الوراثة أو اجلينات‬
‫ك��أس��ب��اب حم��ت��م��ل��ة ول��ل��ع�ين و ال��رن�ين‬
‫املغنطيسي ك��ط��رق مستقبلية ممكنة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪89‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫للكشف املبكر عنه‪ ،‬كما جتري األحباث ملعرفة‬
‫األثر الفعلي للموسيقى والرياضة ودورمها يف‬
‫إبطاء تطور املرض أو على األقل الوقاية منه‪.‬‬
‫الحظ العلماء أن للجينات دوراً يف تطور هذا‬
‫املرض من ناحيتني ‪:‬‬
‫الطفرة اجلينية ‪ :‬فإن ورث شخص من األهل‬
‫ط��ف��رة جينية مرتبطة ب��أم��راض معينة مثل‬
‫(ال��ت��ل�يّ��ف الكيسي أو احل��ث��ل العضلي) فأنه‬
‫سيصاب باملرض املوروث حتماً ‪.‬‬
‫اإلختالف اجليين ‪ :‬إن التغريات اليت قد حتدث‬
‫للجينات قد تسبب تطوراً ملرض ما وقد ال تفعل‬
‫‪.‬ألن��ه تكفي جينة واح��دة متغرية ألن تتسبب‬
‫ُ‬
‫باملرض أو قد تزيد من احتمال تطور املرض • البداية املبّكرة ‪:‬‬

‫وعند ح��دوث هذا فإن اجلينة املتغرية تسمى‬
‫(عامل اخلطورة اجليين) ‪.‬‬
‫إذاً ما الذي نعرفه عن األلزهامير ؟ وما هي‬
‫مراحل اإلصابة به؟‬
‫األلزهامير مرض يصيب الدماغ وميكن متييز‬
‫هذا املرض من خالل تطور لوحيات األميلويد‬
‫ومن خالل التشابك الليفي العصيب وفقدان‬
‫التواصل بني اخلاليا العصبية يف الدماغ وهلذا‬
‫املرض نوعان‪:‬‬
‫بداية مبكرة وبداية متأخرة ولكليهما روابط‬
‫جينية ‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫وهو شكل نادر من األلزهامير ويصيب حوايل‬
‫(‪ )% 5‬من كل الذين معهم األلزهامير ويتطور‬
‫هذا املرض بني (‪ )30-60‬من العمر ‪.‬وقد تورّث‬
‫بعض احل��االت يف ه��ذه املرحلة (األلزهامير‬
‫العائلي) وال�تي يعود سببها لطفرات جينية‬
‫خمتلفة حتدث للكروموسومات (‪)21-14-1‬‬
‫وكل طفرة منها تتسبب بتشكل بروتينات شاذة‪.‬‬
‫وتسبب ط��ف��رات ال��ك��روم��وس��وم (‪ )21‬بتشكل‬
‫شاذ لوجود أميلوميد الربوتني ‪ .‬أما الطفرات‬
‫للكروموسومات (‪ )14-1‬فهي تؤدي للشيخوخة‬
‫أو مبا يسمى الشيخوخة الشاذة ‪.‬‬
‫فإن مت توريث أي من هذه اجلينات الطافرة‬
‫من أحد الوالدين فإن الشخص سيحدث لديه‬
‫ما يسمى بـ (البداية املبكرة لأللزهامير) ويُشار‬
‫هل��ذا النموذج التوريثي ب��ـ (الصبغي العادي‬
‫السائد) حيث ستكون فرصة إصابة الذرية يف‬
‫اجليل ذاته باأللزهامير العائلي بنسبة ‪.50\50‬‬
‫وهكذا فقد كانت ه��ذه االكتشافات حساسة‬
‫إلظهارها دور اجلينات يف مرض األلزهامير‬
‫ما سيساعد على معرفة الالعب األساسي‬
‫يف عملية ح��دوث ه��ذا امل��رض ‪.‬وق��د ساعدت‬
‫ال��دراس��ات ه��ذه بشرح بعض التغيريات اليت‬
‫حت���دث يف س���ن م��ع��ي��ن��ة ي��ت��ط��ور م���ن خ�لاهل��ا‬
‫األلزهامير‪.‬‬
‫• البداية املتأخرة ‪:‬‬
‫حيث تندرج معظم حاالت األلزهامير يف هذا‬
‫النوع وال�تي حتدث بعد عمر الستني ‪ .‬ووجد‬
‫العلماء أن الطفرات اجلينية للكروموسومات‬
‫اليت حتدث يف حالة نوع األلزهامير (البداية‬
‫املبكرة) غري موجودة هنا ‪.‬بالرغم من أنه مل يتم‬
‫حتديد اجلينة اليت تتسبب يف حدوث األلزهامير‬
‫يف حالة اإلصابة املتأخرة به ولكن قد ظهر فعالً‬
‫(عامل جيين) مؤِّهب لزيادة احتمال اإلصابة به‬
‫‪ .‬يرتبط ه��ذا العامل باجلينة (‪ )APOE‬أو‬
‫ما تسمى ب (‪ )Apolipoprotein‬وال��ذي‬

‫وج��د على الكروموسوم (‪ .)19‬حيث حيتوي‬
‫هذا الربوتني على التعليمات الضرورية لصنع‬
‫الربوتني الذي يساعد على نقل الكولسرتول يف‬
‫جمرى الدم ويأتي هذا الربوتني بأشكال متعددة‬
‫تسمى ب (األليالت)‪.‬‬
‫ع�لاق��ة ال��ك��روم��وس��وم��ات باجلينات و‬
‫احلمض النووي‪:‬‬
‫حتتوي نواة كل خلية بشرية على بصمة حتمل‬
‫التعليمات اليت حتتاجها اخللية ألدائها لوظيفتها‬
‫‪.‬تتكون ه��ذه البصمة من احلمض النووي أو‬
‫(‪ )DNA‬واليت تظهر على شكل جدائل طويلة‬
‫متتد (‪ )6‬أق��دام وترتبط مع بعضها بواسطة‬
‫ال�بروت��ي��ن��ات ل�يُ��ك�وّن��ان من���اذج م��دجم��ة تسمى‬
‫(الكروموسومات) وهي موجودة داخل نواة كل‬
‫خلية ‪ .‬و حتتوي كل خلية على (‪ )46‬كرموسوم‬
‫يف (‪ )23‬زوجاً ويتطابق كل ‪ DNA‬يف كل خاليا‬
‫الفرد تقريباً ‪ .‬حيتوي كل كروموسوم على أالف‬
‫القطاعات وال�تي تسمى اجلينات ‪.‬فاإلنسان‬
‫يرث نسختني من كل جينة من الوالدين ما عدا‬
‫اجلينات على الكروموسوم (‪ )X‬و(‪)Y‬واليت‬
‫تقرر جنس اإلنسان ‪.‬حيث تقوم اجلينة بإخبار‬
‫اخللية كيفية صنع بروتينات حمددة واليت تُقرر‬
‫بدورها أنواع اخلاليا املختلفة املكونة للعضو‪،‬‬
‫وأي تغيري طفيف قد يطرأ على اجلينة فإنه‬
‫ينتج عنه بروتيناً شاذاً سيؤدي إىل تعطل عمل‬
‫اخللية أو اهنيارها مما يُسبب ما يسمى باملرض‬
‫‪.‬وباملقابل فقد حتدث تغريات للجينات واليت ال‬
‫تتسبب باملرض ولكن تزيد من احتمال اإلصابة‬
‫به ‪.‬‬
‫هلذا تساعد الدراسات اجلينية على فهم آلية‬
‫األمراض اليت تبدأ بالدماغ قبل فرتة من ظهور‬
‫األع���راض ويف هناية امل��ط��اف س�تُ��دمّ��ر أج��زاء‬
‫من الدماغ مسببة نقصاً يف القدرات املعرفية‬
‫وهتدف الدراسات اجلينية لتحديد أي‬
‫م��ن األش��خ��اص ل��دي��ه اس��ت��ع��داد لتطور‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪91‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫امل��رض لديه فيما بعد أث��ن��اء اعتماد املعايري‬
‫الوقائية الحقاً ‪.‬‬
‫يف أكرب دراسة على اإلطالق قامت جمموعة من‬
‫(‪ )44‬جامعة ومعاهد أحباث يف أمريكا لتحديد‬
‫(‪ )4‬جينات جديدة مرتبطة مبرض األلزهامير‪،‬‬
‫حيث ميكن أن يسبب ك��ل م���ورث على حدة‬
‫أع��راض العته الشائعة واكتشافها سيساعد‬
‫(إىل جانب كونه تقدماً علمياً) على العالج‬
‫ولرمبا الوقاية منه ‪ .‬ولقد غطت هذه الدراسة‬
‫(‪ )11،000‬شخص مصاب باأللزهامير وعدد‬
‫مشابه من كبار السن الذين ال يعانون أياً من‬
‫أعراض للعته ‪ .‬ولقد عُرف األثر الكبري ملورث يف‬
‫مرض األلزهامير وهو (‪،)Apolipoprotein‬‬
‫وه��و ن��وع من الربوتينات ال�تي تتحد مع امل��واد‬
‫الشحمية (أي املواد الزيتية القابلة لالحنالل‬
‫مثل الكوليسرتول والدهون) وذلك لتشكيل ما‬
‫يسمى بـ (الليبوبروتني) ال��ذي ينقل الشحوم‬
‫خالل النظام الليفي والدوران ‪.‬‬
‫أما اجلينات اجلديدة اليت مت اكتشافها منذ‬
‫سنتني وحتى اآلن هي ‪:‬‬
‫‪ CR1‬ارتبطت األليالت هلذه اجلينة إحصائياً‬
‫بدورها يف اإلصابة باإلصابة املتأخرة مبرض‬
‫األلزهامير ‪.‬‬
‫‪ CLU‬مل تتضح وظيفته ولكن قد تكون مرتبطة‬
‫مبا يسمى (موت اخلاليا املربمج)‪.‬‬
‫‪ B1N1‬اكتشف العلماء أن هذا الربوتني ضروري‬
‫ليقوم القلب بعملية االنقباض‪ .‬ومل يستفد‬
‫العلماء م��ن دراس��ت��ه ملعرفة م��ا ال���ذي جيعل‬
‫القلب ينبض فعلياً لكن كان للدراسة أثراً على‬
‫ما يسمى بـ (السكتة القلبية) حيث ال تستمر‬
‫اخلاليا يف القلب بعملييت انقباض وضخ الدم‬
‫لكل أحناء اجلسم ‪.‬‬
‫م���ع���اي�ي�ر ال��ت��ش��خ��ي��ص ال��س��ري��ري��ة‬
‫لأللزهامير‪:‬‬
‫ً‬
‫ألول مرة منذ (‪ )27‬عاما ّ‬
‫متت مراجعة معايري‬

‫‪92‬‬

‫التشخيص السريرية ملرض األلزهامير ‪ .‬كما مت‬
‫متييز السمات العامة لألحباث للمراحل املبكرة‬
‫من املرض وذلك لتسليط الضوء أكثر على فهم‬
‫هذا النوع من اخللل أو اإلضطراب ‪ .‬فقد قام‬
‫كل من املعهد الوطين للشيخوخة بالتعاون مع‬
‫مجعية االلزهامير (من خالل السمات العامة‬
‫ال�تي وضعتها ) مب��ح��اوالت حثيثة لتشخيص‬
‫هذا املرض‪ .‬لقد كانت املعايري املعروفة متجهة‬
‫حنو املرض وكشف أعراضه املتأخرة فقط يف‬
‫حال كانت أعراض العته واضحة فعالً ‪.‬وكانت‬
‫اإلرش��ادات املعروفة ذات طيف واس��ع ليشمل‬
‫امل��رض وتطوره التدرجيي عرب السنوات ‪.‬ومت‬
‫وص��ف األع���راض السريرية األوىل واملتمثلة‬
‫بضعف م��ع��ريف بسيط إض��اف��ة للعته بسبب‬
‫األلزهامير واملهم اآلن أن هذه السمات اجلديدة‬
‫توائم استخدام الصور واملؤشرات احليوية للدم‬
‫والسائل الشوكي اللذان قد يساعدان بتقرير‬
‫فيما إذا كانت التغيريات احلاصلة يف الدماغ‬
‫وسوائل اجلسم تعود لإلصابة باأللزهامير ‪.‬‬
‫يتم توظيف املؤشرات احليوية بشكل متزايد‬
‫يف البحث القائم حول الكشف عن بدء املرض‬
‫ودرج���ة ت��ط��وره لكن ال ميكن اس��ت��خ��دام هذه‬
‫املؤشرات بشكل روتيين يف التشخيص السريري‬
‫بدون اشباعها باملزيد من االختبار ملعرفة مدى‬
‫فاعليتها احلقيقية‪.‬‬
‫عكست امل��ع��اي�ير ال��س��ري��ري��ة للمرض يف عام‬
‫(‪ )1984‬م��دى حمدوديتها ومت تلخيصها يف‬
‫مرحلة واحدة وهي (العته) حيث افرتض العلماء‬
‫أن األشخاص الذين ال تظهر عليهم أعراض‬
‫العته هم اشخاص غري مصابني باملرض ‪ .‬كان‬
‫يتم تشخيص املرض وتأكيده تشرحيياً حيث‬
‫ش ّكلت كميات غري طبيعية من بروتني أميلويد‬
‫النشاء لوحيات وبروتينات (‪ )Tau‬تشابكاً يف‬
‫الدماغ ‪.‬‬
‫وم��ن��ذ ذل���ك ال��وق��ت اع��ت��م��دت االحب����اث على‬
‫الفكرة بأن االلزهامير قد يسبب تغريات قبل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫عشر سنوات أو أكثر من ظهور األع��راض قد‬
‫ال يكون هلا صلة مباشرة بالتغريات الشاذة اليت‬
‫حتصل بالدماغ بسبب املرض ‪ .‬فمثالً ظهر يف‬
‫التشريح عند بعض كبار السن كميات مرتاكمة‬
‫من لوحيات بروتني األميلويد ومل تظهر عليهم‬
‫أية أعراض للعته يف حياهتم ‪.‬ووجدت رواسب‬
‫لألميلويد مبكرة يف تطور املرض ‪ .‬أما تشكيل‬
‫التشابك وفقدان العصبونات فقد حيدث الحقاً‬
‫وقد يتسارع قبل ظهور أي أعراض سريرية أما‬
‫املراحل الثالث لأللزهامير فهي ‪:‬‬
‫‪ -1‬مرحلة ما قبل السريرية ‪:‬‬
‫حيث تكون الصفات العامة للمرض خمصصة‬
‫فقط لإلطار البحثي حيث يتم وصف مرحلة‬

‫ت��غ��ي�يرات ال��دم��اغ مب��ا فيها ت��راك��م االميلويد‬
‫وتغريات حتصل خلاليا عصبية أخرى ‪.‬يف هذه‬
‫املرحلة ال ميكن مالحظة أية أعراض سريرية‪.‬‬
‫ميكن مراقبة تراكم الربوتني أوالً عند بعض‬
‫ال��ن��اس بواسطة التصوير املقطعي م��ن أجل‬
‫مراقبة تراكمه بواسطة التصوير املقطعي ملا‬
‫يُسمى جبهاز‬
‫‪Positron emission tomography‬‬
‫‪( PET‬وه��و عبارة عن تقنية تصويرية ذرّي��ة‬
‫طبية تنتج صوراً بأبعاد ثالثية أو مما تسمى‬
‫خبريطة للعمليات الوظيفية احل��اص��ل��ة يف‬
‫اجلسم) ‪ .‬ثانياً بواسطة حتليل السائل‬
‫النخاعي (‪ . )CSF‬ويف هذه املرحلة ال‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪93‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ميكن معرفة مدى تقدم امل��رض ولكن يُنصح‬
‫هبذه الفحوصات ألسباب حبثية ويبقى يف إطار‬
‫املرحلة التطويرية وغ�ير ج��اه��زاً لالستخدام‬
‫السريري‪.‬‬
‫‪- 2‬مرحلة الضعف املعريف البسيط ‪:‬‬
‫وتستخدم السمات العامة هلذه املرحلة ألغراض‬
‫حبثية أيضا رغم أهنا قد تساهم بدعم اجلانب‬
‫ال��س��ري��ري ‪ .‬وتتصف ه��ذه املرحلة خبلل يف‬
‫الذاكرة ميكن مالحظتها وقياسها ولكنها ال‬
‫تؤثر على استقالليته ‪.‬قد متهد هذه الفرتة أوال‬
‫تفعل ملرحلة اإلصابة الفعلية بااللزهامير وقد‬
‫يالحظ تراكم االميلويد وأعراض أخرى للدماغ‬
‫كمؤشرات حيوية فمثال ميكن رصد مستويات‬
‫ع��ل��ي��ا ل���ـ (‪ )TAU‬أو ن��ق��ص يف م��س��ت��وي��ات‬
‫االميلويد بيتا يف حتليل النخاع الشوكي ونقص‬
‫يف امتصاص الغلوكوز يف مناطق يف الدماغ‬
‫حسسب ص��ور (‪ )PET‬اض��اف��ة لضمور يف‬
‫مناطق معمينة من الدماغ حسب صور الرنني‬
‫املغناطيسي‪ .‬والنتائج أيضاً تستخدم ألسباب‬
‫حبثية لكنها تُطبق يف أطر سريرية للمساعدة‬
‫يف تقرير األسباب الكامنة وراء أع��راض هذه‬
‫املرحلة أي الضعف املعريف البسيط‪.‬‬
‫‪ -3‬مرحلة عته االلزهامير ‪:‬‬
‫وهي املرحلة األخ�يرة ومن أكثر الروابط ذات‬
‫الصلة لالطباء وامل��رض��ى على ال��س��واء ‪.‬فهي‬
‫حتدد الطرق املتبعة سريرياً واملرتبطة باألسباب‬
‫التقييمية وتطور الضعف املعريف‪.‬و يتم شرح‬
‫مس��ات ه��ذه املرحلة بعيدا عن جم��رد فقدان‬
‫للذاكرة ملريض األلزهامير كصفة أساسية له‬
‫‪.‬فالضعف سينال مظاهر معرفية أخرى مثل‬
‫إجياد الكلمة املناسبة والرؤية واملكان واالفتقار‬
‫للمنطق واحلكم الصحيح على األشياء ‪ .‬يف هذه‬
‫املرحلة تكون نتائج فحوص املؤشرات احليوية‬
‫قد تُزيد أو تُنقص من حتمية وجود هذا املرض‬
‫وإمكانية متييزه عن أم��راض أخ��رى رغ��م أن‬

‫‪94‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫صدق مثل هذه الفحوص مازال هو نفسه حتت‬
‫عدسة اجملهر تطبيقياً ومدى قيمته يف املدرسة‬
‫الطبية ما زالت قيد االختبار كذلك األمر ‪.‬‬
‫وهكذا فأن الفريق الطيب جعل السمات العامة‬
‫مرنة إىل حد يسمح بأية تغيريات قد يتسبب هبا‬
‫أي تطور تكنولوجي أو تقدم يف فهم املؤشرات‬
‫احليوية وفهم متقدم للمرض نفسه ‪.‬‬
‫تقنيات جديدة للكشف عن األلزهامير‪:‬‬
‫ت��ق��ن��ي��ة امل���ن���ظ���ار ‪An interior laser‬‬
‫‪:opthalmosocope‬‬
‫طور األطباء يف بوسطن تقنية يستطيعون من‬
‫خالهلا الكشف املبكر عن وج��ود االلزهامير‪.‬‬
‫وذلك انطالقاً من فكرة أن التغيريات احلاصلة‬
‫يف الدماغ ميكن رصد ما مياثلها يف العني اليت مل‬
‫تعد فقط (نافذة الروح) لكنها قد تكون املفتاح‬
‫إلنقاذ أرواح العديد من األشخاص ‪ .‬حيث قام‬
‫الدكتور (يل غولدستني) بتطوير تقنية للكشف‬
‫عن وجود بروتينات األميلويد يف عدسة العني‬
‫قبل حتى حدوث مرض السّاد (املاء األبيض)‬
‫( وه��و م��رض غ�ير معد يصيب عدسة العني‬
‫فيُعتمها ويُفقدها شفافيتها ويُسبب ضعف يف‬
‫البصر) ويتم الكشف بواسطة (منظار العني‬
‫الليزري الداخلي) وال��ذي يستطيع اقتفاء أثر‬
‫االميلويد عند وجوده‪.‬‬
‫خيتلف السّاد ملرضى األلزهامير عن غريه من‬
‫الساد ملن ليس مصاباً به‪ ،‬حيث يظهر الساد‬
‫كقوس ضبابي على طرف عدسة العني ‪ .‬وهنا‬
‫ٍ‬
‫حتى يتأكد الدكتور غولدستني من أن هذا الساد‬
‫ملريض األلزهامير يقوم حبقن العني بنقاط من‬
‫مادة املضان (‪ )Fluorecene‬واليت تتحد مع‬
‫بروتني النشاء (األميلويد) والذي سيضيء عند‬
‫تعرضه لألشعة حتت احلمراء وعندها سيكون‬
‫ذلك إشارة لوجود األلزهامير ‪.‬‬
‫تقنية التصوير بالرنني املغنطيسي ‪:‬‬
‫ميكن من خ�لال ه��ذه التقنية معرفة أي من‬

‫كبار السن الذين لديهم (ضعف معريف بسيط)‬
‫سيكون عرضة لإلصابة باأللزهامير ‪ .‬فكما‬
‫قلنا سابقاً فإن الضعف املعريف البسيط عبارة‬
‫ع��ن م��رح��ل��ة متوسطة ب�ين ه��ب��وط ال��ق��درات‬
‫العقلية اليت تظهر بشكل طبيعي عند التقدم‬
‫يف السن وب�ين مرحلة التدهور الكبري لتلك‬
‫القدرات واملرتافق مع العته واضطرابات عقلية‬
‫من ضمنها األلزهامير‪ .‬ترتاوح نسبة األشخاص‬
‫ال��ذي��ن لديهم ضعف معريف بسيط وعرضة‬
‫لإلصابة باأللزهامير مابني (‪ . )15-20%‬حيث‬
‫قد تستقر ح��االت البعض بينما تسوء حالة‬
‫البعض اآلخر وتتدهور بسرعة ‪.‬‬
‫لقد ح��اول��ت ال��دك��ت��ورة (ل��ي��ن��دا م��اك��ف��وي) مع‬
‫ف��ري��ق م��ن املختصني حتليل ص���ور فحوص‬
‫تصوير األع��ص��اب بالرنني املغنطيسي ملئات‬
‫من األشخاص األصحاء وآخرين بدأت لديهم‬
‫اإلص��اب��ة ب��األل��زه��امي��ر ب�ين ع��ام��ي (‪2005-‬‬
‫‪ )2010‬وذل��ك ملالحظة أي��ة م��ؤش��رات حيوية‬
‫مهمة يف رصد تطور املرض ‪ .‬وتقوم الدراسة‬
‫بفحص أويل بالرنني كنقطة ابتدائية للقياس‬
‫وفحصاً آخ��ر جي��ري بعد سنة على جمموعة‬
‫بصحة جيدة وأخ��رى ملصابني بضعف معريف‬
‫بسيط وآخرين مصابني مبرحلة متأخرة من‬
‫اإلص��اب��ة به ‪ .‬ثم ق��ام اخل�براء بقياس مساكة‬
‫القشرة املخية وال�تي تلعب دوراً يف ال��ذاك��رة‬
‫واالنتباه واألفكار واللغة وتكمن أمهية دراسة‬
‫السماكة يف حساب احتماالت اإلصابة فمن‬
‫صفات األلزهامير فقدان اخلاليا الدماغية‬
‫وحصول ضمور مناطق معينة من تلك القشرة‬
‫‪.‬ونتيجة الدراسة كانت أن جمموعة األشخاص‬
‫الذين لديهم ضعف معريف بسيط هم عُرضة‬
‫لتطور املرض ليصل ملرحلة األلزهامير بنسبة‬
‫تراوحت بني (‪ . )% 3-40‬استطاع الباحثون بعد‬
‫مقارنة الفحص األويل والتايل بعد سنة حساب‬
‫معدل التغري احلاصل عند ضمور الدماغ‬
‫كمنعكس إلض��ط��راب تنكسي فكانت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪95‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فرتة حياته عبارة عن تدريبات معرفية جلعل‬
‫الدماغ أكثر مالئمة إلحتواء حتديات التقدم يف‬
‫العمر فدراسة اآللة تتطلب سنوات من التدريب‬
‫مم��ا خيلق (ارت��ب��اط��ات بديلة) يف ال��دم��اغ قد‬
‫تُعوّض احندار األداء املعريف عند التقدم بالسن‪.‬‬

‫نسبة من سيتطور لديهم املرض ترتاوح بني (‪3-‬‬
‫‪. )69%‬‬
‫إذاً هل ميكن معاجلة األلزهامير والعته وما‬
‫يرافقهما م��ن أع���راض مزعجة؟ ه��ل ننتظر‬
‫ع��ش��رات السنني حتى تنتهي األحب���اث ليتم‬
‫ألي منها ؟ وما هو الدور‬
‫إجياد العالج املناسب ٍ‬
‫الفعلي الذي تلعبه كالً من املوسيقى والرياضة الرياضة ‪:‬‬
‫يف إحدى املراكز الطبية للصحة والبيئة التابعة‬
‫يف إبطاء أو الوقاية من تلك األمراض؟‬
‫الح��دى امل��ش��ايف يف داالس األم�يرك��ي��ة راقبت‬
‫دراس���ة (‪ )16‬ام���رأة ف��وق الستني م��ن العمر‬
‫املوسيقى ‪:‬‬
‫حتمي ال��دروس املبكرة للموسيقى الطفل من اللواتي ُقمن باملشي السريع ملدة‬
‫مشاكل متأخرة يف حياته ‪.‬فاملوسيقى حتافظ (‪ )50 - 30‬دقيقة لثالثة أو أربعة أيام ملدة ثالثة‬
‫على التيقظ العقلي م��ع م��رور ال��وق��ت وذل��ك شهور‪ .‬واستنتج الدكتور (رون��غ زان��غ) أن بعد‬
‫حسب دراس��ة (قامت هبا بريندا بليدي) كان استخدام جهاز الدوبلر الفوق صوتي لقياس‬
‫الرتكيز فيها على أثر املوسيقى على أشخاص تدفق الدم يف الشريان السباتي للمرأة والذي‬
‫ترتاوح أعمارهم بني (‪ ) 60-83‬ومت تقسيمهم يتوضع يف الرقبة ومي��د ال��دم��اغ بالدم الغين‬
‫حسب خرباهتم املوسيقية ‪ .‬وكانت النتيجة أن بالغلوكوز واألكسجني‪ ،‬أن��ه بعد اج��راء تقييم‬
‫النشاط املوسيقي الذي ميارسه اإلنسان خالل للحالة اجلسدية ومعدل استهالك االكسجني‬

‫‪96‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫(أي قدرة اجلسم العظمى على نقل واستخدام‬
‫األكسجني أثناء التمرين) عندها يقوم الفريق‬
‫بتصميم برنامج تدرييب لكل ام��رأة على حدة‬
‫حسب مستوى لياقتها ‪ .‬ويف هناية التدريب‬
‫يقوم الفريق بقياس تدفق الشريان السباتي‬
‫ثانية حيث وج���دوا أن ت��دف��ق ال���دم للمخ قد‬
‫ازداد مبعدل (‪ )% 11‬و (‪ )% 15‬للنساء اللواتي‬
‫مت قياس الشريان السباتي لديهن على جهيت‬
‫اليمني واليسار‪ ،‬ورافق ذلك اخنفاض لضغط‬
‫الدم بنسبة (‪ )% 4‬ونزلت ضربات القلب مبعدل‬
‫(‪.)% 5‬‬
‫ويف السياق نفسه وجدت دراسات متماثلة أثر‬
‫املشي يوميا ودوره يف ختفيف تطور األمراض‬
‫املعرفية من احلالة اخلفيفة وحتى الشديدة‬
‫منها كاأللزهامير مثالً ‪.‬فقد اعترب الدكتور‬
‫(سايروس راجّي) يف جامعة بيتسبريغ أن املشي‬
‫خلمس أميال يومياً حيمي الكتلة الدماغية‬
‫للمصابني بااللزهامير ملدة عشر سنوات‪ ،‬كما‬
‫يؤثر إجياباً على مراكزالتعلم والذاكرة األساسية‬
‫يف الدماغ ‪.‬لكن حسبما يقول الدكتور (راجّي)‬
‫ف��أن االل��زه��امي��ر م��اي��زال يُعترب م��رض�اً مؤذياً‬
‫وامل��ش��ي ليس ع�لاج�اً ل��ه لكن ف��وائ��ده تُحسّن‬
‫من مقاومة الدماغ للمرض وتُقلّل من فقدان‬
‫الذاكرة الذي يرافق هذا النوع من املرض مع‬
‫مرور الوقت ‪.‬‬
‫ب��امل��ق��اب��ل اع��ت�بر ال��دك��ت��ور (روب����رت ف��ي��دالن��د)‬

‫(وهو رئيس قسم العصبية يف كلية الطب يف‬
‫(لويسفيل يف كنتاكي ) أن املصاب بـ (باالمراض‬
‫املعرفية) وما مياثلها ليس لديه النشاط الكايف‬
‫ملمارسة املشي وبالتايل قد ال يالحظ البعض‬
‫منهم أمهية املشي وأثره على مرضه مباشرة‪،‬‬
‫ألن قلّته قد تكون نتيجة مباشرة لتطور املرض‬
‫نفسه ‪ .‬لكن ال يعين بالضرورة عدم ممارسة‬
‫رياضة املشي ألهنا من نواحي أخرى قد حتميهم‬
‫م��ن تطور أم���راض معينة يف منتصف العمر‬
‫وتزيد من تدفق الدم وتُغيّر النواقل العصبية‬
‫كما تُحسّن الوظيفة القلبية كذلك األمر‪.‬‬
‫وهكذا كما قال (كونفوشيوس)‪( :‬عندما ختبو‬
‫فيك جذوة احلياة ‪ ...‬تراقبها‪. ...‬كمشاهد ‪....‬‬
‫من مقعدك يف الصف األول ‪،‬عندئذ تصبح‬
‫الشيخوخة أم���راً ج��ي��داً وم��ف��رح�اً تشاهدها‬
‫مبرحلتها األخرية ‪...‬على مسرح احلياة) لكن‬
‫هل حنن فعالً قادرون على منح السالم هلؤالء‬
‫الكهول ‪ ..‬كهولنا ؟ هل وضعهم يف دور الرعاية‬
‫ه��و يف احلقيقة ه��رب �اً منهم أوم���ن صعوبة‬
‫االهتمام هبم (رغم مشروعيته أحياناً) لننعم‬
‫حنن بالسالم املؤقت والذي قد يقاطعه أوالدنا‬
‫وهم يسوقوننا باملقابل حنو تلك األماكن؟ يبقى‬
‫اجلواب بانتظار الكهول لفتاة تُدعى ليلى لعلها‬
‫تطرق على باهبم ‪ ...‬لتعطهم شيئاً من الكعك‬
‫والعصري‪ ...‬وليحمِها أبوها من الذئب املخيف‬
‫أال وهي (الشيخوخة) ‪.‬‬

‫اهلوامش ‪:‬‬
‫‪www.barfree.net‬‬
‫‪www.science daily .com‬‬
‫‪www.wikipedia.org‬‬
‫‪www.dimensiaguide.com‬‬
‫‪Encarta‬‬
‫‪www.newworldencyclopedia.org‬‬
‫‪www.ultimatelanguagesecrets.com‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪97‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فيروس الوسواس‬
‫عبد الباقـي يوســـف‬
‫يواجه اإلنسان العديد من النزعات اليت تتكوّن نتيجة لبعض العوامل الرتبوية ‪،‬‬
‫أو عوامل احلياة ‪ ،‬وهي نزعات تتفاوت من شخص إىل آخر رغم وقوع ذات العامل‪،‬‬
‫وكذلك فهي نزعات متر وفق مستويات عديدة ‪.‬‬
‫من هنا حبث اإلنسان عن عوامل التحصني يف مواجهة ما يلقاه خالل حياته ‪ ،‬كي ينسجم‬
‫مع األحداث اليت تواجهه ‪ ،‬أو يعاجلها بشيء من احلكمة يف سبيل التخفيف من عواقبها ‪.‬‬
‫الوسوسة هي من صناعة النفس ‪ ،‬عندما تنعدم الوقائع‪ ،‬تولد الوسوسة ‪.‬‬
‫الوسوسة هي قاع االضطراب النفسي والعصابي‪ ،‬وأفضل ما ميكن لك أن تفعله حنوها هو‬
‫أن تتجنبها‪ ،‬أن تكون المبالياً حنوها ‪.‬‬
‫عالقات مثينة الحصر هلا ‪ ،‬أفسدهتا الوسوسة ‪ ،‬بيوت عامرة ‪ ،‬هدهتا الوسوسة ‪،‬‬
‫أشخاص يتمتعون بكفاءات ومواهب مذهلة‪ ،‬حطمتهم الوسوسة ‪.‬‬
‫الوسوسة تقف خلف الكثري من األمراض النفسية والعصبية‪ ،‬وعلى األخص الوسواس‬
‫القهري ‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫آفة الوسواس‬
‫ميكن للوسوسة أن تتحول إىل فريوس ينقله‬
‫شخص إىل آخر‪ ،‬وخاصة يف العالقات احلميمة‬
‫بني األصدقاء‪ ،‬أو يف العالقات األبوية‪ ،‬أو‬
‫الزوجية ‪.‬‬
‫ميكن للوسوسة أن تفعل فعلها يف شخص حتى‬
‫جتعله مصدراً هلا‪ ،‬فيكون هذا الشخص مصدّراً‬
‫فعلياً لنقل عدوى الوسوسة إىل اآلخرين أينما‬
‫وطأت قدماه‪ .‬إنه ينشر الوساوس يف نفوس‬
‫اآلخرين‪ ،‬يقذف بذور الشك إليهم ‪.‬‬
‫ينجح هذا الشخص يف األوساط الشعبية اليت‬
‫تكون حالة األمية سائدة فيها ‪.‬‬
‫بيد أنه يقف قزماً أمام شخص يتمتع بالوعي‪،‬‬
‫فيصغي إليه هذا الشخص املستنري بأنه كائن‬
‫نالت منه الوسوسة نيالً عظيماً إىل درجة أنه‬
‫مل يعد قادراً غري أن يهلوس ‪.‬‬
‫ينظر إىل درجات الوسوسة يف هيأته‪ ،‬يف‬
‫سحنات وجهه‪ ،‬يف حركاته‪ ،‬طريقة حديثه‪،‬‬
‫طريقة صمته‪ ،‬وهو يشفق عليه مدركاً بأنه‬
‫إنسان واهن الشخصية ترك الوسوسة هتيمن‬
‫عليه وحتيله إىل فريسة بني براثنها ‪.‬‬
‫الوسوسة تشتد عليك عندما تكون يف إرهاق‬
‫فكري أو بدني ‪.‬‬
‫عندئذ عليك أن تستلقي على ظهرك والتشرد‬
‫البتة‪ ،‬ألنك لن تكون قادراً على اختاذ أي قرار‬
‫جدي يف تلك اللحظات‪ ،‬ولن يكون مبقدورك أن‬
‫تفكر تفكرياً جدياً وجمدياً يف أي أمر ‪.‬‬
‫بعد حنو نصف ساعة من االسرتخاء‪ ،‬ينتهي‬
‫كل شيء‪ ،‬وتعود إىل وضعك النفسي والبدني‬
‫الطبيعي ‪.‬‬
‫التظن أنك عندما متضي مبشيئة الوسوسة‬
‫ختفف عن نفسك ‪.‬‬
‫إنك عند ذاك تفعّـلها وجتعلها تشتد عليك ألنك‬
‫بدوت أمامها واهناً ومضيت مبشيئتها‪.‬‬
‫عندما تقوم بفعل ما حتى تتخلص من حالة‬
‫أرقية لديك‪ ،‬اعلم بأنك متضي مبشيئة‬

‫الوسوسة‪ ،‬وأهنا بعد ساعة تؤرقك للقيام بفعل‬
‫آخر‪ ،‬وإن قمت به‪ ،‬سوف تؤرقك يف اليوم التايل‬
‫للقيام بفعل آخر‪ ،‬وإن قمت به‪ ،‬سوف تتدخل‬
‫يف تفاصيل شؤون حياتك‪ ،‬وتفسد عليك حتى‬
‫تناول شربة ماء ‪.‬‬
‫يف تلك اللحظات تذكر بأن الوسوسة رأت‬
‫منفذا ولو أولياً وبدائياً إليك‪ ،‬وتذكر بأن كل ما‬
‫عليك القيام به هو أن تتجنبها‪ ،‬وتقاومها حتى‬
‫لو كان ذلك بطريقة الالمباالة ‪.‬‬
‫إهنا تزداد قوة عليك قدر ما تزداد وهنا ً حتتها‪،‬‬
‫وتزداد طلباً‪ ،‬قدر ما تزداد استجابة إىل أن‬
‫تستعيد قوتك وتوقفها عند حدها‪ ،‬وترضخها‬
‫ألوامرك‪.‬‬
‫حال الوسوسة مع اإلنسان كلعبة القط والفأر‪،‬‬
‫فإما أن حتيلك إىل فأر وتالعبك تلك اللعبة‪ ،‬أو‬
‫حتيلها إىل فأر فتستطيع أن تتحكم هبا وفقما‬
‫تشاء ‪.‬‬
‫ً‬
‫ميكنك أن تعطيها دروسا جتعلها التكرر اإلحلاح‬
‫عليك مبطلب ما‪ ،‬أو بفكرة ما ‪.‬‬
‫مع الزمن والتجارب سوف تدرك الوسوسة‬
‫حدودها معك‪ ،‬ولن تتجاوزها حتى لو طلبت‬
‫إليها ذلك ‪.‬‬
‫نزغ مـن الوسواس‬
‫الوسوسة تصيب نسبة عالية من البشر قد‬
‫تصل إىل تسعني باملئة يف بعض اجملتمعات‬
‫املنغلقة‪ ،‬وقد وردت يف الرتاث البشري بأشكال‬
‫خمتلفة‪،‬‬
‫الوسوسة يف األديان تقرتن بالشيطان‪ ،‬واحلقيقة‬
‫كانت معرفتنا بالشيطان متواضعة من خالل ما‬
‫ترك اإلنسان من أفكار‪ ،‬وحتى يف األديان لبثت‬
‫معرفتنا متواضعة مع العهدين القديم واجلديد‪.‬‬
‫الشيطان هنا قوة تنتج الشر ‪ .‬لكن مع القرآن‬
‫بدأنا نتعرف إليه بشكل أكثر وضوحاً ‪.‬‬
‫القرآن ركز على الشيطان‪ ،‬وقدمه للناس‬
‫بالشكل الذي مل يتم تقدميه به من قبل ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪99‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وميكن لنا أن نقع على عالجات أيضاً هلذه‬
‫الوسوسة يف الدين‪ ،‬وذلك جيدي بالنسبة‬
‫للكثريين الذين يؤمنون جبدوى هذا العالج‪ ،‬ألن‬
‫املريض النفسي‪ ،‬أو املصاب بوسواس‪ ،‬يعيش‬
‫حالة نفسية مضطربة‪ ،‬يبحث عن أي حركة قد‬
‫تساعده للخروج من تلك احلالة‪ ،‬أو للتخفيف‬
‫من هليبها عليه‪ ،‬فهو عندما يكون جالساً يف‬
‫مكان ويعاني من حدة حالة الوسواس‪ ،‬قد يكون‬
‫جمرد النهوض‪ ،‬أو تلقي مكاملة هاتفية‪ ،‬أو مساع‬
‫مقطع موسيقي‪ ،‬أو رؤية شخص حمبَب خمففاً‬
‫عنه ‪.‬‬
‫هنا نعرف بأن الشيطان والذي يسميه القرآن ‪/‬‬
‫الوسواس اخلناس ‪ /‬هو الذي يقف خلف هذه‬
‫احلالة‪ ،‬وهو قوة شر موجودة يف العامل‪ ،‬كما أن‬
‫قوة اخلري موجودة ‪.‬‬
‫ً‬
‫ولكين وجدت ُ قوال البن القيم يقول فيه بأن‬
‫املوسوس يقول ‪ / :‬هذا مرض بليت به ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬نعم‪ ،‬سببه قبولك من الشيطان‪ ،‬ومل يعذر‬
‫اهلل أحداً بذلك ‪.‬‬
‫أال ترى أن آدم وحواء ملا وسوس هلما الشيطان‪،‬‬
‫فقبال منه‪ ،‬أ ُخرجا من اجلنة‪ ،‬ونودي عليهما ما‬
‫مسعت‪ ،‬ومها أقرب إىل العذر ألهنما مل يتقدم‬
‫قبلهما من يعتربان به‪ ،‬وأنت مسعت وحذرك‬
‫اهلل من فتنته‪ ،‬وبيّن لك عداوته‪ ،‬وأوضح لك‬
‫الطريق ‪.‬‬
‫فما لك عذر وال حجة يف ترك السنة والقبول‬
‫من الشيطان ‪. /‬‬
‫وكان الرسول حيذر من أن يشدد اإلنسان على‬
‫نفسه قائالً ‪ / :‬التشددوا على أنفسكم فيشدد‬
‫اهلل عليكم‪ ،‬فإن قوماً شددوا على أنفسهم‪،‬‬
‫فشدد اهلل عليهم فتلك بقاياهم يف الصوامع‬
‫والديار ‪. /‬‬
‫مرة أتى عثمان بن أبي العاص إىل النيب فقال‪:‬‬
‫يارسول اهلل إن الشيطان قد حال بيين وبني‬
‫صالتي وقراءتي يلبسها علي ‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته‬

‫‪100‬‬

‫فتعوذ منه باهلل‪ ،‬واتفل على يسارك ثالثا ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ففعلت ذلك فأذهبه اهلل عين ‪ . /‬عليك‬
‫أن تعرف يا أسام بأن النفس هي أيضاً من‬
‫مصادر الوسوسة ‪ /‬النفس األمارة بالسوء ‪. /‬‬
‫روي أن أحد الصحابة قال للرسول ‪ / :‬إني‬
‫ألجد يف صدري ما تكاد أن تنشق له األرض‪،‬‬
‫وختر له اجلبال هدّ ا ً‪.‬‬
‫فقال له النيب ‪ :‬أوجدمتوه يف قلوبكم ‪ ..‬ذلك‬
‫صريح اإلميان ‪.‬‬
‫ثم قال ‪ :‬احلمد هلل الذي رد كيده إىل الوسوسة‪.‬‬
‫ويف حديث آخر ‪ :‬إن الشيطان ليأتي أحدكم‬
‫فيقول له ‪ :‬من خلق الشمس ؟‬
‫فيقول ‪ :‬اهلل‬
‫فمن خلق القمر ؟‬
‫فيقول ‪ :‬اهلل‬
‫فمن خلق اهلل ؟‬
‫فمن وجد ذلك فليقل ‪ :‬أمنت باهلل ورسوله ‪. /‬‬
‫لذلك كانت الدعوة يف التوجه الديين‪ ،‬والتوجه‬
‫الطيب إىل جتنب التفاصيل ألن ‪ /‬الشيطان‬
‫يكمن يف التفاصيل ‪ . /‬متابعة التفصيل‪ ،‬يفتح‬
‫نافذة إىل تفصيل آخر‪ ،‬وهلم جرا ‪.‬‬
‫‪ /‬وإما ينزغنك من الشيطان نزغ‪ ،‬فاستعذ باهلل‬
‫إنه مسيع عليم ‪./‬‬
‫فكان الدين يذكـّر مبوقف الشيطان من‬
‫اإلنسان‪ / :‬قال رب مبا أغويتين ألزينن هلم يف‬
‫األرض وألغوينهم مجيعا ‪/‬‬
‫ويقول ‪ / :‬ثم آلتينهم من بني أيديهم ومن خلفهم‬
‫وعن أمياهنم وعن مشائلهم ‪/‬‬
‫يقول النيب ‪ / :‬إن شيطاناً تفلـّت علي البارحة‪،‬‬
‫فأراد أن يقطع صالتي ‪. /‬‬
‫جاء يف املسند من حديث سربة بن أبي الفاكة‬
‫أنه مسع النيب صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪/ :‬‬
‫إن الشيطان قعد البن آدم بأطرافه‪ ،‬فقعد له‬
‫بطريق اإلسالم فقال ‪ :‬أتسلم وتذر دينك ودين‬
‫آبائك وأباء آبائك ‪.‬‬
‫فعصاه فأسلم‪ ،‬ثم قعد له بطريق اهلجرة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫فقال‪ :‬أهتاجر وتذر أرضك ومساءك‪ ،‬وإمنا مثل‬
‫املهاجر كالفرس يف الطـِّـوَ ل‪ ،‬فعصاه وهاجر‪،‬‬
‫ثم قعد له بطريق اجلهاد فقال ‪ :‬تقاتل فتقتل‬
‫فتنكح املرأة ويُسـم املال ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فعصاه فجاهد ‪.‬‬
‫أثر الوسواس‬
‫على العالقات األسرية واالجتماعية‬
‫ميكن للوسواس أن يرى منفذاً إىل اإلنسان مهما‬
‫متتع حبذر‪ ،‬رأيتُ أناساً رأوا الوسواس منفذاً‬
‫إليهم عن طريق العالقة الزوجية‪ ،‬فكان الرجل‬
‫يعيش حالة هيجانية من الوسوسة برفقة‬
‫زوجته‪ ،‬هذه احلالة ليست شكا ً يف سلوك‬
‫الزوجة‪ ،‬من طرف زوجها‪ ،‬وليست شكا ً من‬
‫قِـبل الزوجة بسلوك زوجها‪ ،‬ولكنه احلرص‬
‫الشديد املفرط فيه الذي يفعّل الوسوسة‬
‫داخل النفس إىل درجة متقدمة تكون يف بعض‬
‫املواقف أسوأ من الشك سواء بالنسبة للمرأة أو‬
‫بالنسبة للرجل ‪.‬‬
‫تنتقل هذا احلالة يف العالقات الزوجية إىل‬
‫الغرية غري املربرة ‪.‬‬
‫هنا البد يل أن أعود إىل اجلذر الديين يف‬
‫التعامل مع املوسوسني‪ ،‬ألننا نقف أمام القانون‬
‫الذي يتفق مع الدين يف توجيه العقاب إىل الذين‬
‫ميارسون اجلرائم حتت وطئ االضطرابات‬
‫الوسواسية ‪ .‬فعندما وسوس الشيطان آلدم كما‬
‫يبني القرآن‪ ،‬تلقى العقاب ليس هبدف العقاب‬
‫لشخصه بقدر ما هي رسالة بأن اإلنسان عليه‬
‫أن يتحمل كامل املسؤولية جتاه أفعاله‪ ،‬وعليه أن‬
‫يقاوم النزوات‪ ،‬والوساوس واألفكار الشريرة‪.‬‬
‫وإن كان آدم قد رأى التسامح يف انقياده‬
‫لوسوسة الشيطان‪ ،‬فكان األبناء أيضاً يأملون‬
‫هذا التسامح‪ ،‬ولكان الشيطان لوحده مسؤوالً‬
‫عن أخطاء اإلنسان ‪ .‬وعند ذاك كان القانون‬
‫املدني أيضاً جيد نفسه متأثراً هبذه الرخصة‬
‫اإلهلية ‪.‬‬

‫كل إنسان به مسّ من وسوسة‪ ،‬وميكن لإلنسان‬
‫أن يعكسها ويستفيد منها إذا أمسك بزمامها‬
‫بشكل جيد‪ ،‬فيأخذ احليطة‪ ،‬احلذر‪ ،‬اليقظة‪،‬‬
‫احلرص‪ ،‬يتجنب مواطن الشك والريبة ‪.‬‬
‫عندما تأخذ الوسوسة جمراها من إنسان‪،‬‬
‫يتحول إىل أكثر كائنات األرض تعقيداً‪ ،‬وتلغزاً‪،‬‬
‫وتركيباً‪ ،‬واحتقاناً نفسياً ‪.‬‬
‫األمراض النفسية والعصبية صنعها اإلنسان‬
‫بنفسه لنفسه‪ ،‬ما هو هام أنه ميتلك مقدرة‬
‫وحصانة على أال يكون ضحية هلا ‪.‬‬
‫عالمات الوسواس‬
‫من املهم للغاية أن نعرف العالمات اليت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪101‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تبدو على الشخص املوسوس حتى ميكننا تكتشفها حتى لو رأت املريض يف حافلة سري‪ ،‬أو‬
‫يف جتمع ما يف إحدى املناسبات ‪.‬‬
‫التعامل معه وفق ما هو به من اضطراب ‪.‬‬
‫إنه يكون حتت سيطرة أفكار خيالية صعبة‬
‫صفات اإلنسان املوَسوَس‬
‫التحقق‪ ،‬تسيطر عليه مشاهد خميفة رآها أو‬
‫يتخيلها مثل حاالت اخليانة‪ ،‬حوادث السري‪ ،‬يتسم اإلنسان املوسوس بدرجة متقدمة من‬
‫العناد وامليل إىل التدقيق الزائد يف تفاصيل‬
‫مشاهد مرعبة ‪.‬‬
‫وترى يف حديثه وساوس االجرتار عندما يسأل األمور كما أنه يعانـي من شدة تأنيب الضمري‬
‫يف معظم األوقات سواء على نفسه‪ ،‬أو على‬
‫أسئلة غامضة‪ ،‬الميلك هلا أجوبة ‪.‬‬
‫عندما يتحدث تبدو عليه وساوس طقوس اآلخرين ‪.‬‬
‫شخصية جتنح أحياناً إىل اجلدية البالغة إىل‬
‫حركية يكررها باستمرار ‪.‬‬
‫أو ترى عالمات وساوس االندفاعات القهرية درجة نسيان حق النفس يف الرحالت‪ ،‬وجتاوز‬
‫وقد نالت منه‪ ،‬فتنتابه رغبات حنو إحلاق األذى الروتني اليومي‪ ،‬والرتفيه عن النفس‪ ،‬واللعب‪،‬‬
‫بنفسه‪ ،‬كأن يرمي جبسده من بناء مرتفع‪ ،‬أو واملزاح ‪.‬‬
‫يدس إصبعه يف مأخذ الكهرباء‪ ،‬ولكنه يقاوم من اجلانب اآلخر يعرتيه شعور بفقد األمن‪،‬‬
‫هذه املشاعر يف حالة صراع ميكن لراشدة أن وعندما تقع عليه أحداث طارئة كربى‪ ،‬الحيالفه‬

‫‪102‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫النجاح كثرياً يف التصرف‪ ،‬وقد يبتعد بسبب وهذا يأتي على اخلوف الدائم من الوباء‪،‬‬
‫ذلك رغم أنه يتمتع بذكاء أعلى من املتوسط ‪ .‬واخلوف من الفشل يف اجملتمع الذي يعيشه ‪.‬‬
‫هناك سبب وجيه آخر هو القسوة يف تأنيب‬
‫أسباب الوسواس‬
‫الضمري‪ ،‬وخوض حالة من الصراع النفسي‬
‫ميكن اعتبار العامل الوراثي أحد أهم األسباب املصاحب ملمارسة العادة السرية ‪.‬‬
‫ألن بعض النسب بلغت ‪ % 87‬يف التوائم‬
‫العالج الدوائـي للوسواس‬
‫املتشاهبة‪ ،‬و‪ % 47‬يف التوائم غري املتشاهبة ‪.‬‬
‫بعد ذلك ميكن اعتبار بعض العوامل املكتسبة على األغلب فإن مرضى الوسواس القهري‬
‫سببا هاما يف تفعيل هذا املرض لدى شرحية يذهبون إىل العيادات النفسية‪ ،‬وغالباً يكون‬
‫من الناس بدرجة أعلى من غريها‪ ،‬مثل القسوة العالج وفق جلسات وإرشادات سلوكية يومية‪،‬‬
‫الشديدة يف الرقابة على التصرفات والسلوك ولكن يف حال استفحال املرض ميكن للطبيب‬
‫اليومي ‪.‬‬
‫أن يصف ملريضه أقراص األنفافرانيل املضادة‬
‫أيضا عندما هتيمن شخصية األب بقوة على لالكتئاب‪ ،‬وكذلك بروزاك املساعد يف توازن‬
‫االبن‪ ،‬فيفرض عليه أمورا بالقوة‪ ،‬ومينعه من األعصاب ‪.‬‬
‫التعبري‪ ،‬أو املشاركة يف الوضع االجتماعي‪ ،‬أو الوسوسة هي عامل مغلق من الظلمات‪ ،‬البصيص‬
‫األسري يف البيت خيلو من احلوار واملصارحة للضوء فيه‪ ،‬الوسوسة وحش‪ ،‬واإلنسان فريسة‪.‬‬
‫ضمن األسرة ‪.‬‬
‫الوسوسة أحياناً تصيب الطيبني أكثر من‬
‫أيضا ميكن للشعور بافتقاد األمان النفسي أن اخلبيثني‪ ،‬لذلك يقال بأهنا جنون العقالء ‪.‬‬
‫يضع لبنة األساس لإلصابة هبذا الوسواس الوساوس تستفحل وتشتد كلما يستجيب‬
‫من خالل املسعى الدائم لتحقيق هذا األمان املصاب هلا‪ ،‬وتضعف إىل أن تزول كلما‬
‫يف املستقبل له وألوالده حتى لو كان حمققا يف يتجاهلها‪ ،‬ليس بوسع أي دواء أن يشفي املصاب‬
‫مستوى مقبول ‪ .‬وميكن أن يتفرع من هذا الشكل إن مل يقتنع أوالً بأن ما به هو وهم يشبه خيط‬
‫فروع األمان العاطفي‪ ،‬األمان االقتصادي‪ ،‬دخان يتالشى مبجرد النفخ عليه ‪.‬‬
‫األمان الصحي‪ ،‬األمان االجتماعي ‪.‬‬
‫الوسوسة هي حالة حوار‪ ،‬واإلنسان بطبعه‬
‫هنا ميكن أن ترى شخصاً وقد تعرف على نساء هو حماور‪ ،‬ولذلك ميكنه أن يتحاور مع ذاته‬
‫كثريات‪ ،‬لكنه يرتدد من اختاذ موقف الزواج يف سبيل التقدم يف مراحل العالج بغية التغلب‬
‫بإحداهن ألنه اليبلغ مرحلة االستقرار العاطفي على الوسوسة ‪.‬‬
‫ً‬
‫مع أي امرأة يتعرف هبا‪ ،‬ولذلك قدر تراه ميضي ورغم ذلك‪ ،‬فإن الطب أيضا ميكنه أن يكون‬
‫العمر دون زواج‪ ،‬وحتى لو تزوج‪ ،‬فهو شخصية معيناً إلنسان املصاب‪ ،‬حيث ميكن هلذا الطب‬
‫كثرية الطالق‪ ،‬ومتعددة الزواج‪ ،‬وهي شخصية أن يقدم عالجاً مهدئاً على أ ّال يكون أمل الشفاء‬
‫فاشلة يف حياهتا الزوجية وتعاني اضطرابات معقوداً على الدواء‪ ،‬بقدر ما يكون معقوداً على‬
‫عاطفية حتى وهي مستلقية على السرير مقدرة اإلنسان يف مواجهة هذا الداء النفسي ‪.‬‬
‫الوسواس هو حالة شديدة اخلصوصية بني‬
‫الزوجي يف ليلة الدخلة ‪.‬‬
‫و أن ترى شخصاً بالغ الثراء‪ ،‬لو جلس يف بيته اإلنسان وذاته‪ ،‬واألمل اهلام معقود على ذات‬
‫دون عمل ملدة مئة سنة اليستهلك ربع ثروته‪ ،‬اإلنسان املصاب بالوسوسة يف سبيل التخفيف‬
‫ورغم ذلك فإنه اليشعر باألمان االقتصادي ‪ .‬من حدّهتا عليها‪ ،‬وجتاوزها ‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪103‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بحث ًا عن نجوم الكون األولى‬
‫سيساعد اكتشاف النجوم األولى علماء الفلك في فك أسرار الكون الوليد‬

‫بـقــلــم‪ :‬راي جاياواردهانا‬
‫ترمجة‪ :‬حازم حممود فرج‬
‫عن جملة ‪Astronomy‬‬

‫عندما ننظر عالياً يف السماء املرصعة بالنجوم يف ليلة‬
‫صافية‪ ،‬يصعب علينا ختيل حيناً من زمن مل توجد فيه أي‬
‫جنوم‪ ،‬أو جمرات‪ ،‬أو أجرام مساوية مضيئة من أي نوع يف‬
‫الكون‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإنه وعلى امتداد شطر كبري من حقبة أوىل دامت ‪100‬‬
‫مليون سنة تقريباً بعد االنفجار العظيم‪ ،‬فقد كانت العتمة الكاملة هي‬
‫سيدة الكون‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫ث��م ج��اء جيل ال��ن��ج��وم األوىل تلك األس�لاف‬
‫الساطعة والقصرية العمر لشمسنا ونوعها من‬
‫النجوم‪ ،‬اليت احرتقت يف وسط ضبابي كثيف‬
‫مكوّن من ذرات اهلليوم واهليدروجني البدائية‪.‬‬
‫إن حتري كيف استهلت هذه النجوم األوىل فجر‬
‫الكون‪ ،‬وجعلت كل شيء تال ذلك أم��راً ممكناً‬
‫مبا يف ذلك حياة اإلنسان على األرض بعد حنو‬
‫‪ 14‬بليون سنة هو واحد من أهم جبهات البحث‬
‫العلمي يف علوم الكون اآلن‪.‬‬
‫االختباء يف حقبة البليون األوىل‬
‫يف ال��ب��دء‪ ،‬مل تكن هناك ذرات‪ .‬مل ت��زد مادة‬
‫ال��وج��ود األوىل ع��ن ح��س��اء كثيف وح���ار من‬
‫االلكرتونات والربوتونات وجسيمات أولية أخرى‬
‫فقط تتحرك هنا وهناك‪ ،‬وتبعثر أشعة الضوء‬
‫على أط��وال املوجات كلها‪ .‬وم��ع توسع الكون‬
‫الوليد وابرتاده إىل ما دون عدة آالف من درجات‬
‫الكالفن أمكن للربوتونات أن متسك باإللكرتونات‬
‫لتصنع ذرات اهليدروجني احليادية واهلليوم ألول‬
‫مرة يف تاريخ الكون‪ .‬حيمل لنا إشعاع اخللفية‬
‫الكونية وهو األثر اإلحاثي املتبقي من ذلك الكون‬
‫البدائي احلار بصمة بنية الكون عند زمن هذا‬
‫التحول الذي يقدر حدوثه بعد ‪ 380,000‬سنة‬
‫من االنفجار العظيم‪ .‬تبدو صورة هذه البصمة‬
‫بالغة التجانس‪ ،‬أو النعومة‪ ،‬مع وجود تباينات‬
‫يف الكثافة برتبة جزء واحد فقط لكل ‪100,000‬‬
‫جزء‪ .‬يستخدم علماء الكون اآلن برامج حماكاة‬
‫حاسوبية متطورة وأرص��اداً يف أعماق الفضاء‬
‫باستخدام مراصد عمالقة للكشف عن قصة‬
‫نشوء ومن��و أوىل النجوم واجمل���رات م��ن هذه‬
‫التباينات‪ ،‬أو التموجات‪ ،‬الدقيقة‪ .‬إهنا قصة‬
‫تغلفها العتمة مبعناها احل��ريف الكامل‪ .‬ويف‬
‫ال��زم��ن ال��واق��ع ب�ين تش ّكل ال����ذرات احليادية‬
‫واللحظة اليت أضاءت فيها النجوم األوىل‪ ،‬كان‬
‫الكون مير يف مرحلة يدعوها العلماء بالعصور‬
‫املظلمة ‪.Dark Ages‬‬

‫هكذا تكون الفرصة أمامنا ضئيلة للغاية كي‬
‫ن��رى عملية بناء أج���رام ال��ك��ون األوىل بشكل‬
‫مباشر‪ .‬وكبديل لذلك‪ ،‬جيب أن نعتمد على‬
‫العلوم النظرية يف إرشادنا إىل تلك العملية‪.‬‬
‫وب��اس��ت��خ��دام املناظري ال�تي حتظى مب��ا يكفي‬
‫م��ن ق��وة رص���د‪ ،‬ميكننا ت��وق��ع رؤي���ة ت��أث�يرات‬
‫ه��ذه النجوم األوىل على بيئتها وعلى ورثتها‬
‫امل��ب��اش��ري��ن ومي ّكننا ذل��ك ب���دوره م��ن اختبار‬
‫التنبؤات النظرية‪ .‬لقد استطعنا حتى اآلن رؤية‬
‫بعض اجمل��رات وال��ك��وازارات اليت سطعت بعد‬
‫االنفجار العظيم بنحو بليون عام‪ .‬لكن النجوم‬
‫األوىل جيب أن تكون قد تشكلت يف وقت أسبق‪.‬‬
‫بناء جنوم الكون األوىل‬
‫رمبا يبدو أمراً عقيماً أن حناول معرفة كيفية‬
‫والدة النجوم األوىل يف ذل��ك املاضي البعيد‬
‫وغ�ير امل��رص��ود عندما ي��ك��ون فهمنا لتشكل‬
‫النجوم احلالية شيئاً بعيداً عن الكمال‪ .‬ولكن‪،‬‬
‫يف بعض األوج��ه‪ ،‬كانت العملية أكثر بساطة‬
‫يف ذل��ك ال��وق��ت‪ .‬فنحن ل��ن حنتاج إىل إدراج‬
‫التأثريات املعقدة للحقول املغنطيسية اليت متتد‬
‫عرب سحب الغاز أو موجات الصدم الصادرة‬
‫عن املستعرات الفائقة اجملاورة يف وصفة صنع‬
‫النجوم الكونية األوىل‪.‬‬
‫ك��ان��ت امل��ك��ون��ات ال��وح��ي��دة يف اخل��ل��ي��ط هي‬
‫اهل��ي��دروج�ين واهل��ل��ي��وم‪ ،‬وآث���ار م��ن ال��دوت�يري��وم‬
‫والليثيوم باإلضافة إىل (املادة املعتمة)‪ .‬تشكل‬
‫امل��ادة املعتمة أكثر من ‪ % 80‬من م��ادة الكون‪،‬‬
‫ونشعر بتأثريها بنحو رئيس م��ن خ�لال قوة‬
‫ثقالتها‪ .‬كما أنه ال جيب علينا أن نقلق بشأن‬
‫أثر تربد العناصر األثقل أو غبار أجيال سابقة‬
‫من النجوم‪.‬‬
‫يف السنوات األخرية‪ ،‬وضع علماء الفلك رموزاً‬
‫حاسوبية متطورة ودقيقة لنمذجة عمليات‬
‫تشكل النجوم األوىل‪ .‬ورمب��ا كانت أدق‬
‫برامج احملاكاة هي تلك اليت أجنزها توم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪105‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫آبل (من جامعة ستانفورد)‪ ،‬وغريغ برايان (من‬
‫جامعة كولومبيا)‪ ،‬ومايكل نورمان (من جامعة‬
‫كاليفورنيا يف س��ان دييغو) (راج��ع فقرة أول‬
‫ضوء يف الكون يف هذا املقال)‪.‬‬
‫ا من‬
‫وق���ام���ت جم��م��وع��ة أخ�����رى ض��م��ت ك��ل� ً‬
‫فولكر بروم (من جامعة تكساس يف أوسنت)‪،‬‬
‫وريتشارد الرسن وباولو كوبي (من جامعة ييل)‬
‫بإجناز برامج حماكاة باستخدام جمموعة من‬
‫االفرتاضات أكثر بساطة‪ .‬لكن هذا الفريق قد‬
‫استكشف جماالً أوسع من االحتماالت‪.‬‬
‫أظهرت كل برامج احملاكاة أن متوجات الكثافة‬
‫الضئيلة جداً هذه اليت متثل التكتالت املادية‬
‫األوىل يف الكون املبكر قد فعلت فعلها كبذور‬
‫لنمو سحب الغاز‪ .‬صارت هذه التموجات عقداً‬
‫لشبكة خيوط دقيقة استمر تدفق مزيد من‬
‫الغاز فيها‪ .‬تقلصت هذه السحب بفعل قوى‬
‫ثقالتها اخلاصة وسخنت إىل ما ف��وق درجة‬

‫‪106‬‬

‫‪ 1000‬كالفن‪.‬‬
‫اجتمع ع��دد صغري من ذرات اهليدروجني يف‬
‫بنى م��زدوج��ة لتصري ج��زي��ئ��آت اهل��ي��دروج�ين‬
‫اليت ساعدت يف تربيد الغاز‪ ،‬وذلك بإصدارها‬
‫اإلشعاع حتت األمح��ر‪ .‬ومبجرد أن اخنفضت‬
‫درج����ة احل�����رارة يف امل��ن��اط��ق األع��ل��ى كثافة‬
‫إىل ع��دة م��ئ��ات م��ن درج���ات الكالفن‪ ،‬أمكن‬
‫لتجمعات السحب أن تتقلص أكثر‪ .‬كان التربد‬
‫حامساً‪ :‬فقد مسح للمادة العادية‪ ،‬اليت ابرتدت‬
‫بفعل إص��داره��ا اإلش��ع��اع‪ ،‬واستمرارها لذلك‬
‫بالتقلص‪ ،‬أن تنفصل عن املادة السوداء اليت مل‬
‫تبرتد‪ ،‬وبقيت لذلك مبعثرة عرب السحب‪.‬‬
‫اهن��ار بعض الكتل الغازية األكثف من غريها‬
‫حتى اشتعلت‪ .‬وألن االب�تراد بفعل الكم القليل‬
‫من جزيئات اهليدروجني ليس بالغ الفعالية‪،‬‬
‫فإن هذه التكتالت املشكلة للنجوم كانت أكثر‬
‫دفئاً من مثيالهتا اليوم (ت�برد حبيبات الغبار‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬
‫‪4‬‬

‫تسطع النجوم كنتيجة إلطالق الطاقة أثناء التفاعالت النووية‪ .‬يدمج أبسط التفاعالت ــ االندماج‬
‫النووي ــ نوى اهليدروجني ببعضها لتوليد اهلليوم وجسيمات النيوترينو‪ .‬وبنتيجة ذلك تتحرر‬
‫الطاقة‪ .‬إن دمج النوى يستلزم درج��ات ح��رارة بالغة االرتفاع‪ .‬لقد تكونت مادة الكون األولية‬
‫مبعظمها من نوى اهليدروجني واهلليوم‪ .‬ومبجرد اهنيار الغاز بسبب قوى الثقالة‪ ،‬أصبحت النوى‬
‫حارة وقريبة من بعضها مبا يكفي كي تندمج‪ .‬ثم كان هناك ضوء‪ :‬لقد اشتعل النجم األول‪.‬‬
‫وجزيئات أخرى سحب الغيوم بفعالية أكثر)‪.‬‬
‫ك��ان جي��ب على جتمعات ال��غ��ازات أن تكون‬
‫أيضاً أكرب كتلة وحجماً كي تتغلب قوة ثقالتها‬
‫على الضغط املتجه خارجاً الناتج عن الغازات‬
‫األعلى ح��رارة‪ .‬يعين هذا أن التكتالت األوىل‬
‫املشكلة للنجوم كانت على األرجح أكرب حجماً‬
‫بعدة مئات من املرات من الشمس‪.‬‬
‫ت��رى هل اهن��ارت ه��ذه الكتلة الغازية بأكملها‬
‫لتشكل جنماً مفرداً؟ إن أفضل برامج احملاكاة‬
‫احلاسوبية وأكثرها دقة مل يظهر أي ميل جيرب‬
‫ه��ذه التكتالت على التشظي م��ع تقلصها‪.‬‬
‫ول��ذل��ك يعتقد العلماء النظريون أن النجوم‬
‫األوىل كانت أكرب كتلة وأكثر سطوعاً باألحرى‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫ترتاوح التقديرات حلد الكتلة األعلى من ‪300‬‬
‫إىل ‪ 1000‬كتلة مشسية تقريباً؛ وأن نسب‬
‫سطوعها رمبا كان بقدر ماليني املرات من قدر‬
‫سطوع مشسنا‪.‬‬
‫بزوغ الفجر الكوني‬
‫م ّثلت والدة جنوم اجليل األول هذه فجر الكون‪.‬‬
‫وكانت هذه العمالقة حارة جداً أيضاً‪ ،‬بدرجة‬
‫حرارة سطحية تقرب من ‪ 20‬مثالً مشسياً؛ وقد‬
‫بثت بشكل رئيس أشعة ضوء فوق بنفسجي‪.‬‬
‫أخ��ذ إشعاعها امل��ش��ح��ون بالطاقة بتسخني‬
‫وتأيني‪ 1‬ذرات اهليدروجني احليادي يف‬
‫مناطق جوارها‪ ،‬لتصنع فقاعة من غاز‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪107‬‬

‫‪ ..‬ﺑﻞ ﻭﺣﺘﻰ ﺏﺍﻟﺤﻴﺎﺓ"‪.‬‬
‫‪Science Fiction‬‬

‫‪108‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬
‫‪5‬‬

‫متأين يتنامى حجمها حول كل منها‪ .‬ومع تشكل‬
‫املزيد وامل��زي��د من النجوم عرب مئات ماليني‬
‫السنني‪ ،‬تداخلت هذه الفقاعات واندجمت مع‬
‫بعضها‪ ،‬إىل أن صار غاز الكون كله تقريباً يف‬
‫حالة تأين‪.‬‬
‫وم���ن األرج����ح أن معظم ال��ن��ج��وم األوىل قد‬
‫أهنت حياهتا القصرية‪ ،‬ولكن الساطعة‪ ،‬بشكل‬
‫انفجارات مستعرات فائقة (متجددات عظمى)‬
‫يف فرتة عدة مئات ماليني من السنني‪ .‬تتنبأ‬
‫النظريات أن النجوم اليت تراوحت كتلها بني‬
‫‪ 140‬و ‪ 260‬كتلة مشسية قد انفجرت متاماً‪،‬‬
‫وقذفت بذلك العناصر األثقل اليت أنتجتها يف‬
‫عملية االندماج النووي‪.‬‬
‫زرع م��ق��ذوف النجوم األوىل ال��وس��ط الغازي‬
‫احمليط بتلك العناصر املكونة للغبار والكواكب‬
‫بل وحتى احلياة‪ ،‬واندجمت يف آخر األم��ر يف‬
‫عملية صنع أجيال جنوم الكون املستقبلية‪.‬‬
‫أما الصنفان اآلخران‪ ،‬األعلى واألدنى كتلة من‬
‫جمال الكتلة السابقة‪ ،‬فيتوقع العلماء للنجوم‬
‫اجلسيمة عندما تنتهي حياهتا أن تنهار إىل‬
‫ثقوب س��وداء دون أن تطرح كثرياً من كتلتها‪.‬‬
‫مثل هذه النجوم ال ختصب ذريتها كثرياً؛ لكن‬
‫ثقوهبا السوداء املتبقية رمبا أضاءت على شكل‬
‫(كوازارات صغرية) عندما التحمت باملادة لتنمو‬
‫وتقدم مزيداً من مصادر اإلض��اءة واإلشعاع‬
‫املؤين اليت أهنت حقبة عصور الظالم‪ٍ.‬‬
‫ورمبا اندجمت بعض األشالء والبقايا النجمية‬
‫مع بعضها لبناء النوى اليت شكلت بذور اجملرات‬
‫البدائية ‪ .protogalaxies‬إن هذا ميكن له‬
‫أن يفسر ملاذا تقبع الثقوب السوداء اهلائلة يف‬
‫مراكز الكوازارات والكثري من اجملرات‪ .‬وهكذا‪،‬‬
‫فإن مصري النجوم األوىل رمبا كان أكثر أمهية‬
‫حتى من والدهت��ا بالنسبة لكل ما جاء يف إثر‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وحتى مع استخدام أكرب املراصد احلالية‪ ،‬فإن‬
‫فرصة رؤية املشاهد العنيفة الحتضار وموت‬

‫النجوم األوىل هي ضئيلة للغاية‪ .‬لكن بعضها‬
‫رمبا أفضى إىل انبعاثات أشعة غاما اليت هي‬
‫أكثر سطوعاً بكثري من املستعرات الفائقة عند‬
‫ح��اف��ة ال��ك��ون امل��رص��ود‪ .‬وإن التقاط وكشف‬
‫انبعاث أشعة غاما بعيد كهذا هو أفضل أمل‬
‫لدينا للكشف املباشر عن هناية عصور الكون‬
‫املظلمة‪.‬‬
‫أثرٌ من حقبة قدمية‬
‫وعلى الرغم من الصعوبة البالغة اليت متثلها‬
‫إمكانية دراس��ة تلك احلقبة املبكرة من عمر‬
‫ال��ك��ون‪ ،‬إال أن العلماء لديهم وس��ائ��ل أخ��رى‬
‫تساعدهم يف الوصول إليها‪ :‬وسائل من قبيل‬
‫البحث عن تأثريات النجوم األوىل يف حميطها‪ .‬يف‬
‫العام ‪ ،2001‬التقطت جمموعة من علماء الفلك‬
‫يقودها روبرت بيكر (من جامعة كاليفورنيا يف‬
‫ديفيس) إشارات حمتملة للمراحل األخرية من‬
‫عملية إع��ادة التأين الكونية‪ .‬ففي طيف أحد‬
‫أبعد الكوازارات املعروفة‪ ،‬الذي يعود إىل ‪900‬‬
‫مليون سنة بعد االنفجار العظيم (عند درجة‬
‫انزياح محراء تبلغ ‪ ،)6.4‬وجد العلماء بصمة‬
‫تشي بوجود غاز حيادي‪ .‬وبشكل رئيس‪ ،‬رأوا أن‬
‫كامل ضوء الكوازار يف اإلشعاع فوق البنفسجي‬
‫قد امتص من قبل ذرات اهليدروجني على طول‬
‫خ��ط ال��رؤي��ة‪ .‬إن ال��ك��وازارات األق���رب مسافة‬
‫بقليل من ذلك ال تظهر مثل هذا االمتصاص‬
‫الكامل‪ .‬أوح��ت ه��ذه االكتشافات أن أط��راف‬
‫مناطق وجود اهليدروجني احليادي كانت متأينة‬
‫يف ذلك الوقت تقريباً‪.‬‬
‫وه��ن��اك وسيلة أخ���رى‪ .‬فالقياسات األول��ي��ة‬
‫لدرجة االستقطاب يف إشعاع اخللفية الكونية‬
‫ال�تي نفذها مسبار ناسا املسمى ‪WMAP‬‬
‫تشري إىل أن الكون قد تأين مرة ثانية يف وقت‬
‫أبكر كثرياً يف وقت يرتاوح بني ‪ 200‬و ‪ 500‬مليون‬
‫سنة بعد االنفجار العظيم (عند درجة‬
‫انزياح محراء ترتاوح بني‪ 10‬و ‪ ،)20‬بدالً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪109‬‬

‫ﺃﻭﻝ ﺿﻮء ﻓﻲ ﺍﻟﻜﻮﻥ‬
‫‪Science Fiction‬‬

‫أ‪ .‬بقطر ‪ 65‬سنة ضوئية (‪ 20‬بارسك‪)6‬‬
‫تظهر صورة احملاكاة هذه غازاً بارداً يف‬
‫مركز إحدى أوائل اجملرات البدائية‪.‬‬

‫ب‪ .‬بتتبع خ��ط��وط الكونتور (الكفاف)‬
‫ميكننا ال��وص��ول إىل داخ���ل التجمعات‬
‫الغازية املتباينة الكثافة‪ .‬سيتشكل جنم يف‬
‫املركز‪ ،‬حيث الكثافة يف أعلى درجاهتا‪.‬‬

‫ج‪ .‬تزداد كثافة الغاز بسرعة مع إشعاع‬
‫الغاز األويل واهنياره أسرع فأسرع‪.‬‬

‫د‪ .‬يف م��رك��ز اجمل���رة ال��ب��دائ��ي��ة‪ ،‬حيث‬
‫الكثافة األع��ل��ى ل��ل��غ��از‪ ،‬تستمر امل��ادة‬
‫باالهنيار لتشكل جنماً‪.‬‬

‫هـ‪ .‬يشتعل أول جنم أبيض حار ــ بقطر يصل‬
‫إىل حنو ‪ 10‬أمثال قطر نظامنا الشمسي ــ‬
‫بسرعة بسبب حجمه اجلسيم‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬
‫‪6‬‬

‫من فرتة ‪ 900‬مليون سنة كما أش��ارت أرصاد‬
‫ذلك الكوازار‪.‬‬
‫وقد تظهر هذه االكتشافات طريف حقبة إعادة‬
‫التأين‪ :‬واحدة للبداية البداية‪ ،‬وأخرى للنهاية‪.‬‬
‫إن عدم التطابق الظاهر بني أرصاد ‪WMAP‬‬
‫ونتائج دراسات الكوازار يبقى لغزاً كبرياً حقيقياً‪،‬‬
‫وما من أحد يعرف اآللية الفيزيائية اليت ميكنها‬
‫شرح تاريخ مطول من إعادة التأين كما يقول‬
‫زول��ت��ان ه��امي��ان <م��ن جامعة كاليفورنيا>‪.‬‬
‫ورمب��ا تأتي اإلجابة من مسبار بالنك التابع‬
‫لوكالة الفضاء األوروبية ‪ ،ESA‬الذي أطلق عام‬
‫‪ ،2009‬وأنيط به القيام بقياسات أكثر وثوقية‬
‫لالستقطاب يف إشعاع اخللفية الكونية ‪.CMB‬‬
‫إجياد وسائل حبث خمتلفة‬
‫يرغب العلماء باكتشاف ك���وازارات وجم��رات‬
‫أخ��رى‪ ،‬حتى ول��و كانت أبعد مسافة‪ ،‬ميكنها‬
‫أن تظهر اجليل الثاني من جنوم الكون‪ .‬تتنبأ‬
‫برامج احملاكاة بأن هذه اجملرات األولية ستكون‬
‫صغرية احلجم وشاحبة اإلض��اءة نسبياً‪ .‬ومن‬
‫أجل البحث عن أجسام كهذه‪ ،‬فقد استخدم‬
‫العلماء مرصد س��وب��ارو الياباني يف ه��اواي‬
‫واملرصد األوروب���ي اجلنوبي املسمى باملنظار‬
‫الكبري ج��داً يف تشيلي إلج��راء عدة مسوحات‬
‫رص��دي��ة حديثة‪ .‬وستبحث قريباً شبكة من‬
‫صحون اللواقط هي جمموعة أتاكاما امللليمرتية‬
‫الكبرية‪ )ALMA( 2‬اليت تبنى اآلن يف مشايل‬
‫تشيلي عن اجملرات املشكلة للنجوم عند أطوال‬
‫املوجات امللليمرتية‪.‬‬
‫هكذا استمر حال العلماء القائمني باألرصاد‬
‫خايل الوفاض إىل اآلن‪ .‬وإذا مل يسعفهم احلظ‪،‬‬
‫فرمبا كان عليهم االنتظار حلني إطالق منظار‬
‫جيمس ويب الفضائي‪ ،‬الذي هو الوريث املنتظر‬
‫ملنظار هبل الفضائي‪ ،‬أو حلني بناء مرصد‬
‫بصري بقطر ‪ 20‬أو ‪ 30‬مرتاً على األرض‪.‬‬
‫ومن الوسائل األخرى لسرب حقبة إعادة التأين‬

‫ت�ب�رز عملية ال��رص��د امل��ب��اش��ر للهيدروجني‬
‫احليادي‪ .‬تصدر ذرات اهليدروجني الفوتونات‬
‫عند طول املوجة اإلشعاعي املميز ‪ 21‬سم‪ .‬إن‬
‫هذا اإلشعاع املتبقي من الكون املبكر البد أن‬
‫يكون قد بلغ درج��ة إزاح��ة مح��راء حنو أطوال‬
‫موجية أكثر ط��والً عدة أمتار يف الوقت الذي‬
‫يصلنا فيه‪.‬‬
‫لقد خطط العلماء إلنشاء عدة مراصد راديوية‬
‫جديدة يف املستقبل القريب كي تبحث عن بصمة‬
‫اهل��ي��دروج�ين‪ .‬م��ن ه��ذه املشاريع ي�برز مرصد‬
‫جمموعة الذبذبة املنخفضة‪)LOFAR( 3‬‬
‫ال��ذي يتكون من ‪ 15,000‬هوائي تنتشر فوق‬
‫منطقة طوهلا ‪ 62‬ميالً (‪ 100‬كم) والذي هو يف‬
‫قيد البناء حالياً يف هولندا؛ وقد بدأ منوذجه‬
‫األويل جبمع املعلومات‪ .‬كما يرغب يوي يل بن‬
‫(من املعهد الكندي لعلوم فيزياء الفلك النظرية)‬
‫وزمالؤه يف الواليات املتحدة والصني‪ ،‬يف البدء‬
‫ب��األحب��اث يف وق��ت أق��رب وبكلفة منخفضة‪،‬‬
‫فنراهم يضعون آالف�اً من هوائيات التلفزيون‬
‫التجارية املعروفة يف أح��د السهول الواسعة‬
‫والنائية يف الصني‪ ،‬ويتوقعون أن يبدؤوا حبثهم‬
‫عن إصدار اهليدروجني يف غضون عام‪.‬‬
‫يف جوارنا األرضي‬
‫يبحث علماء فلك آخ��رون عن أدل��ة أخ��رى يف‬
‫أماكن أكثر قرباً إىل األرض‪ .‬فبينما عاشت‬
‫النجوم األوىل حياة أسرع وترية وماتت يف ريعان‬
‫شباهبا‪ ،‬ف��إن النجوم األق��ل كتلة ال�تي تشكلت‬
‫بسرعة بعد موت النجوم األوىل رمبا مازالت‬
‫تقبع يف هالة جمرة درب التبانة‪ .‬ميكن لكميات‬
‫العناصر يف أغلفة غازات هذه النجوم الفقرية‬
‫باحلديد واليت هي من اجليل الثاني أن ختربنا‬
‫كيف عاشت وماتت أسالفها اهلائلة‪.‬‬
‫يف غضون السنوات القليلة السابقة‪ ،‬حدد‬
‫الفلكيون جنوماً من هذا النمط (الشديد‬
‫الفقر ب��امل��ع��ادن‪ .))HMP( 4‬حيتوي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪111‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫النجم املسمى ‪ HE 0107-5240‬الذي يوجد‬
‫يف جم��م��وع��ة ال��ع��ن��ق��اء ‪ Phoenix‬النجمية‬
‫اجلنوبية‪ ،‬وجنم ‪ ،HE 1327-2326‬الذي يوجد‬
‫يف جمموعة كوما بريينسيس‪ ،‬على ‪1/200,000‬‬
‫و ‪ 1/300,000‬على التوايل من كمية احلديد‬
‫املوجودة يف مشسنا‪ .‬لكن هذه النجوم الفقرية‬
‫باحلديد هي غنية ومدعومة بعناصر أخرى‬
‫أخف‪ ،‬مثل الكربون‪.‬‬
‫وك��ان��ت ه��ذه م��ف��اج��أة‪ .‬فقد أوح���ت حسابات‬
‫نظرية سابقة أن النجوم األوىل ستقذف أثناء‬
‫مراحل احتضارها حديداً أكثر وكميات ضئيلة‬
‫فقط من الكربون‪ ،‬لتسهم يف بناء جنوم اجليل‬
‫ال��ت��ايل ب��ان��دم��اج��ه��ا م��ع ع��ن��اص��ره��ا‪ .‬ويصف‬
‫تيموثي بريز (من جامعة والية ميتشيغن) جنوم‬

‫‪112‬‬

‫الصنف الفقري جداً باملعادن بأهنا (كتبة) الكون‬
‫املبكر‪ ،‬ويشرح‪ « :‬حتتفظ أغلفتها الغازية بذاكرة‬
‫تركيب الغاز الذي تشكلت منه»‪.‬‬
‫ومن أجل تفسري منوذج كمية العناصر يف هذين‬
‫النجمني‪ ،‬ف��إن كتلة أسالفهما جيب أن تكون‬
‫قليلة بقدر ‪ 25‬كتلة مشسية‪ ،‬وذل��ك حبسب‬
‫من��وذج نظري جديد أع��ده نوبويوكي إيواموتو‬
‫وزم�ل�اؤه يف ال��ي��اب��ان‪ .‬وم��ن أج��ل اختبار هذا‬
‫السيناريو الصاعد‪ ،‬يبحث علماء الفلك اآلن عن‬
‫أمثلة أخرى لنجوم قدمية فقرية باهليدروجني‪.‬‬
‫لكن إجيادها ليس باألمر السهل ألهنا خافتة‪،‬‬
‫وعادة ما توجد عند أطراف اجملرة‪.‬‬
‫يشتمل التمديد احلديث ملشروع سلون ملسح‬
‫ال��س��م��اء رق��م��ي�اً (‪ )SDSS‬على حب��ث يدعى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫توسعة عمل سلون من أجل فهم البنى اجملرية‬
‫وت��ط��وره��ا (اخ��ت��ص��اراً ‪ .)SEGUE‬ستبدأ‬
‫ه��ذه ال��دراس��ة جبمع طيوف ‪ 250,000‬جنم‬
‫يف جمرة درب التبانة‪ ،‬وقد تكشف عن جنوم‬
‫أخرى مرشحة لتكون من جنوم النمط الفقري‬
‫جداً باملعادن‪ .‬وتقول هايدي نيوبرغ (من معهد‬
‫رنسلري بوليتيكنيك يف نيويورك)‪( :‬إن مشروع‬
‫‪ SEGUE‬سيسمح لنا أن حنصل على أول‬
‫صورة كبرية لبنية جمرتنا درب التبانة)‪.‬‬
‫من الواضح أننا مل نعرف بعد القصة الكاملة‬
‫لبزوغ ض��وء فجر الكون‪ .‬إذ قد توجد حلول‬
‫ومفاتيح بعض الفصول الناقصة للقصة يف‬
‫طيوف النجوم القدمية يف هالة جم��رة درب‬
‫ال��ت��ب��ان��ة؛ وستكشف أج����زاء أخ���رى يف ص��ور‬
‫فوتوغرافية لنجوم تبعد باليني السنني الضوئية‬
‫عنا‪ .‬أما تفاصيل القصة فستتضح عندما يضع‬
‫الفلكيون هذه األجزاء مع بعضها يف السنوات‬
‫القليلة القادمة‪.‬‬
‫أول ضوء يف الكون‬
‫كان أول النجوم تشكالً جسيم احلجم تراوحت‬
‫كتلته بني ‪ 30‬و ‪ 300‬كتلة مشسية وكمن يف‬
‫باطن أول جمرة بدائية تكونت‪ ،‬كما يظهر توم‬
‫آب��ل وغريغ برايان ومايكل نورمان يف برامج‬
‫حماكاهتم احلاسوبية‪ .‬ينكمش غازا اهليدروجني‬
‫واهل��ل��ي��وم ومه��ا مقوما م���ادة ال��ك��ون البدائية‬
‫ليشكال أق��دم جيل من النجوم‪ .‬احرتقت هذه‬

‫النجوم على حنو ساطع‪ ،‬وعاشت بوترية أسرع‪،‬‬
‫وماتت فتية بعد دورة حياة امتدت مليوني سنة‬
‫فقط‪.‬‬
‫أحاديث فلكية‬
‫ العصور املظلمة ‪ :Dark Ages‬الفرتة اليت‬‫ب��دأت بعد انطالق إشعاع اخللفية الكونية بـ‬
‫‪ 200,000‬سنة تقريباً‪ ،‬ومتتد وص��والً إىل ما‬
‫قبل اشتعال أول مصادر الضوء (النجوم)‪.‬‬
‫ دوترييوم ‪ :Deuterium‬نظري اهليدروجني‪.‬‬‫ت��ت��ك��ون ن��وات��ه م��ن ن��ي��وت��رون واح���د وب��روت��ون‬
‫واح��د (مقارنة باهليدروجني‪ ،‬ال��ذي ليس له‬
‫نيوترونات)‪ ،‬ويسمى بـ (اهليدروجني الثقيل)‪،‬‬
‫وله مثلي كتلة اهليدروجني‪.‬‬
‫ ال��ك��وازار ‪( Quasar‬اختصاراً من تسمية‬‫(جسم شبه جنمي ‪:)quasi-stellar object‬‬
‫هو أسطع أجسام الكون؛ يعتقد أن مصدر طاقته‬
‫ثقوب س��وداء هائلة الكتلة‪ .‬توجد الكوازارات‬
‫على مسافات سحيقة جداً‪.‬‬
‫ االنزياح حنو األمحر ‪ :Redshift‬مع توسع‬‫الكون‪ ،‬ميتط طول أمواج الضوء ويصبح لوهنا‬
‫ال��ظ��اه��ري أك��ث��ر مح���رة‪ .‬يستخدم كمقياس‬
‫للمسافات الكونية مع الرمز ‪ .z‬واليوم ‪.z=0‬‬
‫ م��س��ت��ع��ر ف���ائ���ق (أو م���ت���ج���دد أع���ظ���م)‬‫‪ :supernova‬موت انفجاري لنجم له ‪ 8‬أمثال‬
‫كتلة مشسنا على األقل‪ .‬يقذف عناصره املكونة‬
‫يف الفضاء‪ ،‬وه��ي ال�تي مهدت يف هناية األمر‬
‫لظهور الكواكب واحلياة‪.‬‬

‫هوامش للمرتجم‪:‬‬
‫‪ 1‬تأيني ‪ :ionization‬تعرض الذرة‪ ،‬أو جمموعة من الذرات‪ ،‬لفقدان أو اكتساب إلكرتون واحد‬
‫أو أكثر‪.‬‬
‫‪ 2‬جمموعة أتاكاما امللليمرتية الكبرية ‪.)Atacama Large Millimeter Array (ALMA‬‬
‫‪ 3‬مرصد جمموعة الذبذبة املنخفضة ‪.)LOw-Frequency Array (LOFAR‬‬
‫‪ 4‬شديد الفقر باملعادن ‪.)hyper-metal-poor (HMP‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪113‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رحلة السير على القمر‬
‫وسيم قدورة‬

‫يف بداية األم��ر ال بد لنا من تعريف بسيط للمركبة‬
‫الفضائية واس��ت��ع��راض م��وج��ز ل��ت��ارخي��ه��ا‪ ،‬فاملركبات‬
‫الفضائية هي مركبة طائرة ق��ادرة على الوصول إىل‬
‫الفضاء اخل��ارج��ي حاملة معها األق��م��ار االصطناعية والبشر‬
‫واملعدات‪.‬ويستطيع أن ينقل إىل الفضاء ما محولته ‪ 32‬طن‪ .‬ومن‬
‫أهم مميزات هذه املركبة هو أنه يعاد استخدامها جزيئا‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫تاريخ املركبات الفضائية‬
‫بدأ عصر الفضاء يف اليوم الرابع من أكتوبر‬
‫من عام ‪1957‬م‪ .‬ففي ذلك اليوم أطلق االحتاد‬
‫السوفيييت أول قمر صناعي (سبوتنيك ‪)1‬‬
‫ليدور ح��ول األرض‪ .‬وكانت أول رحلة طريان‬
‫فضائية مأهولة يوم ‪ 12‬أبريل عام ‪1961‬م‪ ،‬حني‬
‫دار رائ��د الفضاء السوفيييت ي��وري جاجارين‬
‫حول األرض يف السفينة الفضائية فوستوك ‪1‬‬
‫يف رحلة استغرقت ‪ 108‬دقائق‪.‬‬
‫زادت امل��رك��ب��ات غ�ير امل��أه��ول��ة‪ ،‬ال�ت�ي تسمى‬
‫اجمل��س��ات الفضائية‪ ،‬م��ن معرفتنا بالفضاء‬
‫اخلارجي والكواكب والنجوم‪ .‬ففي عام ‪1959‬م‪،‬‬
‫مر جمس فضائي بالقرب من القمر‪ ،‬وارتطم‬
‫آخر به‪ .‬ويف عام ‪1962‬م‪ ،‬حلق جمس أمريكي‬
‫بالقرب من كوكب الزهرة‪ .‬ويف عامي ‪1974‬‬
‫و‪1976‬م‪ ،‬أطلقت الواليات املتحدة األمريكية‬

‫جمسني فضائيني أملانيني إىل مدار كوكب عطارد‬
‫القريب من الشمس‪ .‬ويف عام ‪1976‬م‪ ،‬هبط‬
‫جمسان أمريكيان على سطح كوكب املريخ‪ .‬وقد‬
‫عملت هذه اجملسات على دراسة كل الكواكب‬
‫عدا كوكب بلوتو‪ ،‬كما أهنا استكشفت املذنبات‬
‫والكويكبات‪.‬‬
‫بدأت أول رحلة مأهولة للقمر يف ‪ 21‬ديسمرب‬
‫‪1968‬م‪ ،‬ع��ن��دم��ا أط��ل��ق��ت ال���والي���ات املتحدة‬
‫األمريكية املركبة الفضائية أبولو‪ ،8‬واليت دارت‬
‫حول القمر مثاني م��رات ثم ع��ادت ساملة إىل‬
‫األرض‪ .‬ويف ‪ 20‬يوليو ‪1969‬م‪ ،‬هبط رائ��دا‬
‫الفضاء األمريكيان نيل أرم��س�ترون��ج وإدوي��ن‬
‫ألدرين االبن مبركبتهما أبولو ‪ 11‬على سطح‬
‫القمر‪ .‬وأص��ب��ح أرم��س�ترون��ج أول إن��س��ان تطأ‬
‫قدماه سطح القمر‪ .‬وبعد ذلك قام رواد‬
‫ال��ف��ض��اء األم��ري��ك��ي��ون خبمس عمليات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪115‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫هبوط على سطح القمر قبل استكمال برنامج‬
‫أبولو القمري عام ‪1972‬م‪.‬‬
‫وخالل سبعينيات القرن العشرين‪ ،‬طوّر رواد‬
‫الفضاء مهارات خمتلفة للعيش يف الفضاء‪،‬‬
‫على منت حمطيت الفضاء سكايالب وساليوت‪.‬‬
‫ويف عامي ‪ 1987‬و‪1988‬م‪ ،‬دار رائ��دا فضاء‬
‫سوفييتيان ملدة ‪ 366‬يومًا متتابعة على منت‬
‫مركبة يف الفضاء‪ .‬ويف الثاني عشر من أبريل‬
‫‪1981‬م‪ ،‬ان��ف��ج��ر م��ك��وك ال��ف��ض��اء األم��ري��ك��ي‬
‫كولومبيا‪ ،‬وكان هذا املكوك أول مركبة فضائية‬
‫قابلة إلعادة االستخدام‪ ،‬وأول مركبة فضائية‬
‫تستطيع اهلبوط يف املطارات العادية‪ .‬وشهد‬
‫يوم ‪ 28‬يناير ‪1986‬م‪ ،‬مأساة مروعة‪ ،‬إذ انفجر‬
‫مكوك الفضاء تشالنجر‪ ،‬وقتل مجيع أعضاء‬
‫طاقمه السبعة‪ .‬وقد أعيد تصميم املكوك مرة‬

‫‪116‬‬

‫أخرى‪ ،‬واستأنف رحالته عام ‪1988‬م‪.‬‬
‫ويف السنوات األوىل من عصر الفضاء أضحى‬
‫النجاح يف ميدان الفضاء مقياساً لتفوق األمم‬
‫وريادهتا يف العلوم واهلندسة والدفاع الوطين‪،‬‬
‫مما أدخل الواليات املتحدة األمريكية واالحتاد‬
‫السوفيييت السابق يف تنافس حمموم عرف‬
‫ب��احل��رب ال���ب���اردة‪ .‬ونتيجة ل��ذل��ك‪ ،‬تنافست‬
‫الدولتان لتطوير براجمهما املتعلقة بالفضاء‪.‬‬
‫وقاد (سباق الفضاء) يف ستينيات وسبعينيات‬
‫ال���ق���رن ال��ع��ش��ري��ن‪ ،‬ال��دول��ت�ين إىل إجن����ازات‬
‫استكشافية هائلة‪ .‬وبنهاية السبعينيات‪ ،‬قل‬
‫إيقاع هذا السباق عندما عملت الدولتان على‬
‫حتقيق أه��داف مستقلة يف الفضاء‪ .‬وتتميز‬
‫ال�برام��ج الفضائية ال��ي��وم خب��ط��واهت��ا الثابتة‬
‫والراسخة يف ظل التعاون الدويل‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫وقد صاحب تطور الربامج الفضائية خالف حاد‬
‫حول التوازن األمثل بني االستكشاف بوساطة‬
‫مركبات مأهولة أو جمسات غري مأهولة‪ ،‬حيث‬
‫يفضل بعض اخلرباء اجملسات غري املأهولة ألهنا‬
‫أرخص وأكثر أما ًنا‪ ،‬كما أهنا أسرع من املركبات‬
‫املأهولة‪ .‬فاجملسات‪ ،‬يف رأيهم‪ ،‬تستطيع القيام‬
‫برحالت خطرية قد اليطيقها البشر‪ .‬ولكن‪ ،‬من‬
‫جهة أخ��رى‪ ،‬التستطيع اجملسات التفاعل مع‬
‫األحداث غري املتوقعة‪ .‬أما اليوم‪ ،‬فإن خمططي‬
‫الربامج الفضائية يفضلون اتباع اسرتاتيجية‬
‫م��ت��وازن��ة جت��م��ع ب�ين اجمل��س��ات غ�ير امل��أه��ول��ة‬
‫وامل��رك��ب��ات امل��أه��ول��ة‪ .‬ف��اجمل��س��ات تستطيع‬
‫الوصول إىل األماكن اجملهولة يف الفضاء‪ ،‬أو‬
‫األماكن املعروفة اليت تقع املعلومات املطلوب‬
‫مجعها عنها يف حدود ما هو متوقع‪ .‬ولكن‪ ،‬يف‬
‫بعض احل��االت‪ ،‬البد أن يتبع الناس اجملسات‬
‫وأن يستخدموا براءة الكائن البشري ومرونته‬
‫وشجاعته يف استكشاف أسرار الكون‪.‬‬
‫ويف عام ‪1958‬م‪ ،‬بدأ العلماء يف كل من الواليات‬
‫املتحدة األمريكية واالحتاد السوفيييت يف بذل‬
‫جهود ج��ادة لتصميم مركبة فضائية يكون‬
‫مبقدورها محل البشر‪ .‬وقد اختار كال البلدين‬
‫تطوير كبسولة ب��دون أجنحة توضع يف أعلى‬
‫مركبة إط�لاق مكونة من ص��اروخ معدل بعيد‬
‫املدى‪.‬‬
‫صراع فوستوك ومريكوري‬
‫متثلت اجلهود األوىل إلرسال إنسان إىل الفضاء‬
‫يف برنامج مركبة الفضاء السوفييتية فوستك‬
‫(الشرق) ومركبة الفضاء األمريكية مريكوري‪.‬‬
‫وقد بلغ وزن الكبسولة فوستوك حنو ‪4,500‬‬
‫كجم‪ ،‬وكان من املقرر إرساهلا إىل امل��دار على‬
‫منت قذيفة ‪ R-7‬معدلة‪ .‬وتكونت الكبسولة‬
‫من قمرة قيادة كروية الشكل ومركبة خدمة‬
‫أس��ط��وان��ي��ة‪ ،‬وه��ي اجل���زء ال���ذي حي��ت��وي على‬
‫نظام الدفع‪ .‬وزودت املركبة مبقعد قذيف ليوفر‬

‫وسيلة جناة لرائد الفضاء يف حالة وقوع حادث‬
‫مؤسف أثناء اإلطالق‪ .‬ومتيز نظام دعم احلياة‬
‫داخ��ل املركبة باستخدام مزيج من األكسجني‬
‫والنيرتوجني‪ ،‬مماثل ملا هو موجود يف اجلو عند‬
‫مستوى سطح البحر‪.‬‬
‫أح��ي��ط ال�برن��ام��ج السوفيييت ب��ق��در ك��ب�ير من‬
‫السرية مقارنة بالربنامج األمريكي‪ .‬وقد أطلق‬
‫البلدان مركبات فضائية مدارية غري مأهولة‪،‬‬
‫بغرض االختبار‪ ،‬يف عامي ‪1960‬م و‪1961‬م‪،‬‬
‫وتعرضت ال��ص��واري��خ املستخدمة يف إط�لاق‬
‫بعضها لإلخفاق‪ .‬وأرسل البلدان أيضاً حيوانات‬
‫إىل الفضاء خالل هذه الفرتة‪ ،‬كان من ضمنها‬
‫الشمبانزي ‪ ،‬الذي طار ملدة ‪ 18‬دقيقة داخل‬
‫إحدى كبسوالت مريكوري يف ‪ 31‬يناير ‪1961‬م‪.‬‬
‫وحدثت أول وفاة يف برنامج الرحالت املأهولة‪،‬‬
‫يف ‪ 23‬م���ارس ‪1961‬م‪ ،‬عندما اح�ت�رق رائ��د‬
‫الفضاء السوفيييت املتدرب فالنتني بوندارينكو‪،‬‬
‫يف احلريق الذي شب يف غرفة الضغط‪ .‬وقد‬
‫تكتم املسؤولون السوفييت على هذه احلادثة‪.‬‬
‫فوسخود ومجيين‬
‫أعلنت ال��والي��ات املتحدة األمريكية يف عام‬
‫‪1961‬م‪ ،‬ع��ن ب��رن��ام��ج مج��ي�ني ال����ذي سيتم‬
‫مبوجبه إرس��ال اثنني من ال��رواد إىل الفضاء‬
‫يف نسخة مكربة من الكبسولة مريكوري‪ .‬ودفع‬
‫هذا اإلعالن‪ ،‬املخططني السوفييت إىل تعديل‬
‫الكبسولة فوستوك حبيث أصبحت تتسع لثالثة‬
‫رواد كحد أقصى‪ .‬وكانت الضغوط السياسية‬
‫للتفوق على الواليات املتحدة األمريكية قوية‬
‫ج���داً إىل احل��د ال���ذي دف��ع��ت فيه املهندسني‬
‫السوفييت إىل التضحية ببعض تدابري السالمة‬
‫مثل املقاعد القذفية‪ ،‬عند توسيع الكبسولة‪.‬‬
‫أُطلقت الكبسولة فوسخود (الشروق) (مسيت‬
‫الحقاً فوسخود ‪ ،)1‬وهي أول كبسولة فضائية‬
‫متعددة األفراد يف العامل‪ ،‬يف ‪ 12‬أكتوبر‬
‫‪1964‬م‪ ،‬ح��ي��ث أم��ض��ى رواد الفضاء‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪117‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ال��ث�لاث��ة‪ ،‬ف�لادمي�ير ك��وم��اروف‪ ،‬وكونستنتاين‬
‫فيوكتيستوف‪ ،‬وبوريس جيوروف‪ 24 ،‬ساعة يف‬
‫املدار‪ .‬وأصبحوا أول رواد فضاء يهبطون على‬
‫األرض داخ��ل كبسولتهم‪ ،‬ب��دالً من اهلبوط يف‬
‫احمليط‪.‬‬
‫ويف مارس ‪1965‬م‪ ،‬خرج رائد الفضاء ألكسي‬
‫ليونوف عرب مسد هوائي قابل للنفخ ملحق‬
‫ب��امل��رك��ب��ة ف��وس��خ��ود ‪ ،2‬ليصبح أول إن��س��ان‬
‫ميشي يف الفضاء‪ .‬وبعد تعطل ال��رب��ان اآليل‬
‫للكبسولة‪ ،‬اضطر ليونوف وبافل بلياييف إىل‬
‫توجيهها للهبوط يدوياً‪ .‬وأخطأ رائدا الفضاء‬
‫يف االستدالل على منطقة اهلبوط املقررة سلفاً‬
‫وهبطا يف غابة معزولة‪ ،‬مما اضطرمها إىل‬
‫مقاومة الذئاب اجلائعة‪ ،‬حتى وصلتهم فرق‬
‫اإلنقاذ يف اليوم التايل‪.‬‬
‫وأُطلقت مجيين ‪ ،3‬وه��ي أول رحلة مأهولة‬
‫ضمن برنامج مجيين‪ ،‬يف ‪ 23‬مارس ‪1965‬م‪.‬‬
‫واستخدم رائدا الفضاء جريسوم وجون يونج‬
‫صواريخ املناورة اخلاصة بالكبسولة لتعديل‬
‫مسارها يف الفضاء‪ .‬ومع إطالق مركبة الفضاء‬
‫مجيين ‪ 4‬يف ‪ 3‬يونيو ‪1965‬م‪ ،‬أص��ب��ح رائ��د‬
‫الفضاء إدوارد واي��ت أول أمريكي ميشي يف‬
‫الفضاء‪ .‬وأمضى رواد الفضاء الذين كانوا على‬
‫منت مجيين ‪ ،5‬اليت أطلقت يف ‪ 21‬أغسطس من‬
‫عام ‪1965‬م‪ ،‬قرابة مثانية أيام يف الفضاء‪ ،‬وهو‬
‫رقم قياسي مت حتقيقه بفضل استخدام خاليا‬
‫الوقود لتوليد الكهرباء‪.‬‬
‫وكان املقصود من إطالق مجيين ‪ 6‬يف األساس‬
‫االلتحام مع صاروخ أجنا الذي أطلق يف الفضاء‬
‫قبل ساعات قليلة من إطالق املركبة‪ .‬ولكن بعد‬
‫فقدان صاروخ أجنا غري املأهول بسبب إخفاق‬
‫املعزز‪ ،‬ضمت ناسا رحلة مجيين ‪ 6‬إىل رحلة‬
‫مجيين ‪ 7‬املقرة سلفاً‪ ،‬والبالغة مدهتا ‪ 14‬يوماً‪.‬‬
‫وقد أطلقت مجيين ‪ ،7‬حسب ماهو خمطط هلا‪،‬‬
‫يف ‪ 4‬ديسمرب ‪1965‬م‪ ،‬وأقلعت مجيين ‪ 6‬بعد‬
‫‪ 11‬يوماً من هذا التاريخ‪ .‬ويف غضون ساعات‪،‬‬

‫‪118‬‬

‫متكن رائ��دا الفضاء ش�يرا وتوماس ستافورد‬
‫من حتريك مركبتهما‪ ،‬لتصبح يف ح��دود ‪30‬‬
‫سنتيمرتاً من مجيين ‪ 7‬وطاقمها املكون من‬
‫فرانك بورمان وجيمس لوفل األصغر‪ .‬ودارت‬
‫املركبتان معاً حول األرض لعدة ساعات قبل‬
‫أن تفرتقا‪.‬‬
‫ويف ‪ 16‬م��ارس ‪1966‬م‪ ،‬أكملت مجيين ‪ 8‬أول‬
‫عملية التحام بني مركبتني فضائيتني يف العامل‪،‬‬
‫عندما التحمت مع ص��اروخ أجنا يف الفضاء‪.‬‬
‫وقد تعرضت املركبة الفضائية الرجتاج عنيف‪،‬‬
‫ولكن الرائدان نيل آرمسرتونج وديفيد سكوت‬
‫متكنا من إعادة السيطرة عليها‪ ،‬واهلبوط هبا‬
‫اضطرارياً يف غرب احمليط اهلادئ‪.‬‬
‫مت إجراء املزيد من االختبارات على االلتحام‬
‫والنشاط خ��ارج املركبة على رح�لات مجيين‬
‫األربع املتبقية‪ .‬واكتسب رواد الفضاء ومراقبو‬
‫ال��رح�لات خ�برات حيوية من ه��ذه الرحالت‪،‬‬
‫استعدادًا للتحديات الكبرية املتمثلة يف الرحالت‬
‫القمرية املأهولة‪.‬‬
‫أبولو‪ :‬مهمة إىل القمر‬
‫س���اد ال��س��ب��اق ل��ل��وص��ول إىل ال��ق��م��ر‪ ،‬سباق‬
‫الفضاء يف ستينيات القرن العشرين‪ .‬ويف عام‬
‫‪1961‬م‪ ،‬دعا الرئيس جون كنيدي‪ ،‬يف خطاب‬
‫أمام الكوجنرس‪ ،‬إىل التزام الواليات املتحدة‬
‫األمريكية (ب��إن��زال رج��ل على القمر وإعادته‬
‫ساملاً إىل األرض) قبل انقضاء عقد الستينيات‪.‬‬
‫وكان اهلدف من ذلك إثبات التفوق األمريكي‬
‫يف جم��ال العلم واهلندسة واإلدارة والقيادة‬
‫السياسية‪.‬‬
‫درس��ت ناسا العديد م��ن املقرتحات املتعلقة‬
‫بإرسال رحلة مأهولة إىل القمر‪ ،‬ووقع اختيارها‬
‫على خطة ت��ق��وم فيها ع��رب��ة تسمى مركبة‬
‫القيادة‪ /‬اخلدمة ب��ال��دوران حول القمر‪ ،‬دون‬
‫اهلبوط عليه‪ .‬وعوضاً عن ذلك‪ ،‬ستقوم مركبة‬
‫خاصة تسمى املركبة القمرية حبمل اثنني من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫رواد الفضاء إىل سطح القمر‪ .‬وعندما ينتهي‬
‫ال��رائ��دان م��ن مهمتهما‪ ،‬ستقلع هبما املركبة‬
‫القمرية عائدة إىل مركبة القيادة‪ /‬اخلدمة‬
‫امل��وج��ودة يف امل��دار القمري‪ .‬وق��د وف��رت هذه‬
‫العملية املعقدة ال�تي أطلق عليها اس��م اللقاء‬
‫امل����داري ال��ق��م��ري ك��م��ي��ات ضخمة م��ن وق��ود‬
‫الصواريخ‪ ،‬عن طريق االمتناع عن جعل مركبة‬
‫القيادة‪ /‬اخلدمة‪ ،‬الثقيلة ال��وزن‪ ،‬هتبط على‬
‫سطح القمر ثم تقلع عائدة إىل الفضاء مرة‬
‫أخرى‪ .‬واحتاجت املهمة بأكملها صاروخاً واحد‬
‫من طراز ساتورن ‪ .5‬ويف عام ‪1962‬م‪ ،‬أصبح‬
‫اللقاء امل��داري القمري اإلسرتاتيجية الرمسية‬
‫للواليات املتحدة األمريكية‪ .‬وعندما قررت‬
‫احلكومة السوفييتية سراً‪ ،‬حماولة الوصول إىل‬
‫القمر قبل الواليات املتحدة األمريكية‪ ،‬اختارت‬
‫اإلسرتاتيجية نفسها‪.‬‬

‫التجهيز للرحلة‬
‫تعرض برنامج الفضاء األمريكي لكارثة أليمة‬
‫ي��وم ‪ 27‬يناير ‪1967‬م‪ ،‬أث��ن��اء االس��ت��ع��دادات‬
‫إلط�لاق أول رحلة مأهولة من رح�لات أبولو‪.‬‬
‫فقد ت��ويف ثالثة رواد‪ ،‬ه��م‪ :‬جريسوم وواي��ت‬
‫وروجر تشايف‪ ،‬عندما اندلعت النار فجأة داخل‬
‫مركبة القيادة احملكمة اإلغ�لاق‪ ،‬أثناء فحص‬
‫أرض���ي‪ .‬ورمب��ا ب��دأ احل��ري��ق نتيجة لقصر يف‬
‫إحدى الدوائر الكهربائية‪ .‬وساعد األكسجني‬
‫النقي على اشتعال النار بضراوة‪.‬‬
‫وب��ع��د ذل���ك ب��ش��ه��ور قليلة ت��ع��رض ال�برن��ام��ج‬
‫الفضائى السوفيييت أيضاً لكارثة‪ .‬فقد أطلق‬
‫السوفييت الكبسولة س��وي��وز (ال���وح���دة) ‪،1‬‬
‫وعلى متنها رائد واح��د‪ .‬وكان مفرتضاً‬
‫أن ترتبط هب��ا سفينة فضائية أخ��رى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪119‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مأهولة‪ ،‬ولكن سويوز ‪ 1‬عانت من مشاكل‪ ،‬ولذا‬
‫فإن السفينة األخرى مل تطلق‪ .‬وقد أمر طاقم‬
‫القيادة األرضية الكبسولة بالعودة إىل األرض‪،‬‬
‫ولكن فشالً يف الرباشوت (مظلة اهلبوط) أدى‬
‫إىل سقوطها على األرض‪ ،‬ومقتل رائد الفضاء‬
‫كوماروف‪.‬‬
‫وبينما كانت مركبة القيادة‪ /‬اخلدمة ألبولو‬
‫والكبسولة سويوز ختضعان إلعادة التصميم‪،‬‬
‫كانت اختبارات أخ��رى جتري حسب اخلطة‪.‬‬
‫فقد جنحت عملية اإلط�ل�اق األمريكية غري‬
‫املأهولة ملعزز ساتورن ‪ 5‬األول‪ ،‬واليت أجريت‬
‫يف ‪ 9‬نوفمرب ‪1967‬م‪ .‬ويف أوائ��ل عام ‪1968‬م‬
‫أرسلت مركبة قمرية غري مأهولة إىل امل��دار‪،‬‬
‫حيث أجرت اختبارات على حمركاهتا‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫الدوران حول القمر‬
‫حب��ل��ول أواخ���ر ع��ام ‪1968‬م‪ ،‬ك��ان��ت ال��والي��ات‬
‫املتحدة األمريكية ق��د أجن��زت عملية إع��ادة‬
‫تصميم مركبة القيادة‪ /‬اخلدمة ألبولو‪ ،‬كما‬
‫استطاع املهندسون التغلب على املشاكل التقنية‬
‫املرتبطة بصواريخ س��ات��ورن ‪ .5‬ولكن إجن��از‬
‫املركبة القمرية تأخر كثريًا عن املوعد احملدد‪.‬‬
‫ك��ان ل��دى امل��س��ؤول�ين يف ن��اس��ا معلومات عن‬
‫االستعدادات السوفييتية إلطالق مركبة قمرية‬
‫مأهولة‪ .‬وشجع اكتمال إعداد مركبة القيادة‪/‬‬
‫اخلدمة ومعزز ساتورن هؤالء املسؤولني على‬
‫اختاذ قرار إطالق مركبة مأهولة لتدور حول‬
‫القمر دون مركبة قمرية‪ .‬وقد هدفت الرحلة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫إىل اختبار امل�لاح��ة واالت��ص��ال ح��ول القمر‪،‬‬
‫وتوفري التدريب اجليد لكل من ال��رواد وطاقم‬
‫القيادة األرضي‪ .‬وباإلضافة إىل ذلك‪ ،‬هدفت‬
‫الرحلة إىل منع السوفييت من استباق رحلة‬
‫اهلبوط على القمر برحلة مأهولة بسيطة تدور‬
‫حول القمر‪.‬‬
‫انطلقت املركبة أبولو ‪ ،8‬يف أول رحلة مأهولة‬
‫إىل القمر‪ ،‬من مركز كنيدي الفضائي يف كيب‬
‫كنفرال بفلوريدا‪ ،‬يف ‪ 21‬ديسمرب ‪1968‬م‪ .‬وقد‬
‫احتشد مئات اآلالف من الناس يف الشواطئ‬
‫اجمل��اورة‪ ،‬ملشاهدة انطالق املركبة اليت أقلت‬
‫الرواد بورمان ولوفيل ووليم أنورز‪ .‬وبعد ثالثة‬
‫أي��ام أطلق الطاقم ص��اروخ �اً حم��م��والً لتغيري‬
‫املسار والدخول يف م��دار دائ��ري حول القمر‪.‬‬
‫وبعد تدوين املالحظات وأخذ صور فوتوغرافية‬
‫عاد ال��رواد إىل األرض‪ ،‬حيث هبطت املركبة‬
‫بسالم يف احمليط اهلادئ‪ ،‬بالقرب من هاواي‪،‬‬
‫يف ‪ 27‬ديسمرب‪.‬‬
‫أطلقت ناسا رحلتني إضافيتني اختباريتني‬
‫للتأكد من سالمة املركبة القمرية وكفاءهتا‪.‬‬
‫فقد أجرى طاقم أبولو ‪ 9‬اختباراً على املركبة‬
‫القمرية يف مدار منخفض حول األرض‪ ،‬بينما‬
‫أجرى طاقم أبولو ‪ 10‬اختباره على املركبة يف‬
‫مدار قمري‪.‬‬
‫التجهيز للرحلة‬
‫بدأ جتهيز رحلة أبولو ‪ 11‬يف يناير ‪ 1969‬حيث‬
‫وصلت مركبة اهلبوط على القمر إىل مركز‬
‫كنيدي للفضاء بفلوريدا‪ .‬كما وصلت مركبة‬
‫الفضاء ‪Apollo Command Module‬‬
‫اليت سيقضي فيها رواد الفضاء معظم وقتهم‬
‫أثناء الرحلة ي��وم ‪ 23‬يناير على ظهر إحدى‬
‫الطائرات الضخمة ومت فحصهما فحصاً دقيقاً‬
‫بالنسبة لسالمة عملهما وكذلك على إحكامهما‬
‫والعمل يف الفراغ‪ .‬يف نفس الوقت بدأ العمل‬
‫على جتهيز املراحل الثالث للصاروخ ساتورن ‪5‬‬
‫على بعد ‪ 7‬كيلومرت يف مبين تركيب الصواريخ‬

‫وبعد ذل��ك مت تركيب ساتورن ‪ 5‬على قاعدة‬
‫زاحفة لإلطالق من الفوالذ‪ ،‬تزن ‪ 5700‬طن‪ .‬ثم‬
‫ر ّكبت املركبة القمرية على الصاروخ حمفوظة‬
‫يف غطائها القمعي خالل شهر أبريل وأصبح‬
‫ال��ص��اروخ ساتورن ‪ 5‬بطول ‪ 110‬مرت جاهزا‪.‬‬
‫وأجري بعد ذلك عداً تنازلياً جتريبياً الختبار‬
‫مجيع أجزاء الصاروخ‪.‬‬
‫ويف ي���وم ‪ 20‬م��اي��و ‪ 1969‬ق��ام��ت ال��زح��اف��ة‬
‫الضخمة املسماة ك��راول��ر بنقل ال��ص��اروخ إىل‬
‫قاعدة اإلقالع رقم ‪ 39A‬واليت استخدمت قبل‬
‫ذلك أربعة مرات إلطالق الصواريخ‪ .‬واستغرق‬
‫نقل الصاروخ على الكراولر ‪ 6‬ساعات ملسافة‬
‫‪ 5,5‬كيلومرت‪ .‬ومت تركيب ألواح من الصلب على‬
‫قاعدة اإلقالع تعمل على تصريف غازات اإلقالع‬
‫الشديدة الضغط ور ّكبت منصة الصيانة على‬
‫برج اإلقالع ووُصلت بساترن ‪ 5‬لتسهيل العمل‬
‫على الصاروخ‪ .‬ومت اختبار استعداد الصاروخ‬
‫يوم ‪ 6‬يونيو يف حضور طاقم رواد الفضاء نيل‬
‫أرمسرتونج وبز ألدرن ومايكل كولينز‪.‬‬
‫وأجري ابتداء من يوم ‪ 27‬يونيو على الصاروخ‬
‫اختباراً جتريبياً ثانياً مع العد التنازىل كاختبار‬
‫هنائي‪ .‬وخ�لال هذا االختبار مت ملئ خزانات‬
‫س��ات��ورن ‪ 5‬ب��ال��وق��ود وأك��ت��م��ل ال��ع��د ال��ت��ن��ازيل‬
‫االخ���ت���ب���اري‪ .‬ويف م��رح��ل��ة الح��ق��ة مت تفريغ‬
‫اخلزانات ثاني ًة من الوقود‪ ،‬وأعيد اختبار العد‬
‫التنازيل يف وجود طاقم رواد الفضاء على منت‬
‫املركبة الرئيسية‬
‫رحلة الذهاب إىل القمر‬
‫انطلق أبولو ‪ 11‬يوم ‪ 16‬يوليو ‪ 1969‬يف متام‬
‫ال��س��اع��ة ‪ 13:32‬م��ن م��رك��ز كنيدي للفضاء‬
‫بفلوريدا على قمة الصاروخ ساتورن ‪ 5‬ووصل‬
‫خالل ‪ 12‬دقيقة إىل مداره احملدد حول األرض‪.‬‬
‫وبعد دورة ونصف دورة حول األرض أُشعلت‬
‫امل��رح��ل��ة ال��ث��ال��ث��ة ل��ل��ص��اروخ م���رة ثانية‬
‫‪،‬ودام اشعاهلا ‪ 6‬دقائق لكي تقود رواد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪121‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الفضاء إىل القمر‪ .‬بعد ذلك بوقت قصري مت‬
‫توصيل مركبة الفضاء‪/‬وحدة اخلدمة مبركبة‬
‫اهلبوط على القمر املسماة إجي��ل‪ .‬واستمرت‬
‫رحلة الذهاب بدون أي مصاعب‪ .‬ووصل الرواد‬
‫بعد ثالثة أي��ام إىل القمر حيث قاموا بإجراء‬
‫انعطاف حوله يف متام الساعة ‪ 17:22‬توقيت‬
‫عاملي منسق ‪ UTC‬بواسطة الصاروخ الرئيسي‬
‫لوحدة اخلدمات يف عملية كبح سرعة مركبة‬
‫الفضاء ف��وق الوجه املختفي للقمر واخت��ذوا‬
‫بذلك مدارا حوله‪.‬‬

‫القمرية‪ ،‬فقام املختصون على األرض بدراستها‬
‫بسرعة‪ ،‬ثم أكدوا ألرمسرتونج أن حاليت الطوارئ‬
‫هذه ليستا ذات أمهية وميكن امهاهلما‪.‬‬
‫وعلى ذل��ك أمسك أرمسرتونج قيادة املركبة‬
‫القمرية بنفسه يف الوقت الذي وصل ارتفاعة‬
‫فوق سطح القمر ‪ 300‬مرتا ووجه املركبة جمتازا‬
‫أحد الفوهات وصخور إىل منطقة بدت مستوية‬
‫ومل يبقى لديه سوي وقود ملدة ‪ 20‬ثانية أخرى‪.‬‬
‫واستمر أرمسرتونج يف اهلبوط ويف نفس الوقت‬
‫ي��ق��وم أل���درن ب��ق��راءة احل��اس��وب ع��ن االرت��ف��اع‬
‫ويقوهلا ألرمسرتونج‪ ،‬إىل أن حدث تالمس أرجل‬
‫اإلجي��ل بسطح القمر وأض��اءت ملبة التالمس‬
‫يف متام الساعة ‪ 20:17:39‬بالتوقيت العاملي‬
‫املنسق ي��وم ‪ 20‬يوليو‪ .‬وق��ال قبطان املركبة‬
‫القمرية أل��درن (ضوء التالمس يضيئ) وبعد‬
‫ذلك بثالثة أو أربعة ثوان قام أرمسرتونج بقفل‬
‫احمل��رك ال��ص��اروخ��ي‪ .‬وب��ذل��ك هبطت املركبة‬
‫القمرية هبم هب��دوء على سطح القمر بسرعة‬
‫قدرها ‪5‬و‪ 0‬مرت‪/‬ثانية‪.‬‬
‫وقداستغرقت عملية اهلبوط الصعبة هذه وقتا‬
‫حبيث مل يبقى س��وى ‪ 20‬ثانية قبل أن يلغي‬
‫حاسوب املركبة القمرية عملية اهلبوط تلقائيا‬
‫ويبدأ الصعود من أجل حالة الطوارئ والعودة‪.‬‬
‫وبعد اهلبوط بدأ أرمسرتونج وألدرن االستعداد‬
‫لتشغيل احملرك الصاروخي فورا إذا تبني عدم‬
‫ثبات املركبة على سطح القمر‪ .‬وطبقاً للخطة‬
‫فلديهم حنو دقيقة واحدة ملغادرة مكان اهلبوط‬
‫واللحاق مبركبة الفضاء اليت يقودها كولينز‬
‫وإال تعثر ال��ل��ح��اق هب��ا وق��د ض��اع��ت م��ن تلك‬
‫الدقيقة حنو ‪ 30‬أو ‪ 40‬ثانية بسبب تأخرهم‬
‫أثناء اهلبوط‪ .‬فأصبح كل ما كان لديهم من وقت‬
‫للرجوع الطارئ حنو ‪ 10‬ثوان فقط‪.‬‬

‫اهلبوط على القمر‬
‫بعد اخت��اذ مركبة الفضاء امل��دار ح��ول القمر‬
‫انتقل بز أل��درن أوال إىل مركبة اهلبوط على‬
‫القمر إجيل وحلقه أرمسرتونج إليها بعد ذلك‬
‫بساعة‪ .‬وبعد فحص األج��ه��زة والقيام بفرد‬
‫أرجل املركبة القمرية وقاما بفصلها عن مركبة‬
‫الفضاء واليت بقي فيها زميلهما مايكل كولينز‬
‫وبدأى عملية اهلبوط‪ .‬وعندئذ ظهرت صعوبة‬
‫النزول يف املكان احمل��دد من قبل على سطح‬
‫القمر يف منطقة حبر اهلدوء ‪ .‬فقد أدى انفصال‬
‫املركبتان إىل ازاح��ة غري إرادي��ة يف امل��دار‪ ،‬نتج‬
‫عنها أن احلاسوب الذي يقوم بعملية اهلبوط‬
‫آليا قد قادهم إىل مكان يبعد ‪5‬و‪ 4‬كيلومرت عن‬
‫املكان احمل��دد‪ .‬باإلضافة إىل ذل��ك ب��دأ ضوء‬
‫الطوارئ يضيئ وهم على ارتفاع ‪5‬و‪ 1‬كيلومرت‬
‫مما حريهم ومل يستطيعا الرتكيز على البحث‬
‫عن مكان مناسب للهبوط‪ .‬وق��د ح��دث ذلك‬
‫عندما اختلطت إشارات رادار اهلبوط بإشارات‬
‫رادار اللحاق باملركبة الفضائية اليت تسبح يف‬
‫املدار فوقهم‪ .‬واكتظ احلاسوب باملعلومات على‬
‫غري العادة وكاد أن يُنهي تلقائياً عملية اهلبوط‬
‫وأن يبدأ عملية العودة (اإلنقاذ) واللحاق مبركبة‬
‫على سطح القمر‬
‫الفضاء الرئيسية‪ .‬وس��أل أرمسرتونج مركز‬
‫املراقبة على األرض عن حاليت الطوارئ رقم يف متام الساعة ‪ 20:17:58‬بالتوقيت العاملي‬
‫‪ 1201‬و ‪ 1202‬اليت ينذر هبا حاسوب املركبة املنسق ‪ UTC‬من يوم ‪ 20‬يوليو ‪ 1969‬اتصل‬

‫‪122‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫أرمسرتونج مبركز قيادة رحالت الفضاء قائال‪:‬‬
‫(هيوسنت‪ ،‬هنا قاعدة اهلدوء‪ .‬هبط اإلجيل !)‬
‫وانشغل رائدي الفضاء خالل الساعتني التاليتني‬
‫بإعداد إجيل للعودة حيث ميكن إجراؤها كل‬
‫ساعتني‪ .‬وكان عليهما برجمة حاسوب املركبة‬
‫القمرية واع��ط��ائ��ه البيانات واجت���اه املركبة‬
‫القمرية‪ .‬وكانت احداثيات مكان اهلبوط يف هذا‬
‫الوقت مل تكن معروفة هلما بالضبط حيث مل‬
‫يستطع أرمسرتونج خالل اهلبوط التعرف علي‬
‫مالمح التضاريس ال�تي يعرفها من قبل عن‬
‫طريق الصور‪ .‬وكذلك زميلهم مايكل كولينز‬
‫مل يستطع رؤيتهم من مركبة الفضاء كولومبيا‬
‫خالل دورته اخلامسة فوقهم حول القمر بسبب‬
‫قلة املعلومات‪.‬‬
‫وان��ش��غ��ل أرم��س�ترن��ج وأل����درن بتصوير سطح‬
‫القمر من نافذة املركبة‪ ،‬واقرتحا على قاعدة‬

‫رحالت الفضاء يف هيوسنت تقصري فرتة الراحة‬
‫املخطط هلا من ‪ 5‬ساعات و ‪ 40‬دقيقة إىل ‪45‬‬
‫دقيقة واخل��روج املبكر إىل القمر حيث حتتاج‬
‫االستعدادات لذلك حنو ‪ 3‬ساعات‪.‬‬
‫ويف ي��وم ‪ 21‬يوليو ‪ 1969‬يف مت��ام الساعة‬
‫‪( 02:56:20‬وكان الوقت ال يزال ‪ 20‬يوليو يف‬
‫أمريكا) وطأت قدم نيل أرمسرتونج كأول إنسان‬
‫سطح القمر قائال‪( :‬خطوة صغرية إلنسان‪،‬‬
‫ولكنها قفزة كبري للبشرية!)‬
‫وبعد ذل��ك بنحو ‪ 20‬دقيقة خ��رج إليه أل��درن‬
‫من املركبة القمرية‪ .‬وبدأ الرائدان بنصب عدة‬
‫أجهزة للتجارب العلمية على سطح القمر‪ ،‬منها‬
‫تعليق شرحية أملونيوم لقياس الريح الشمسية‬
‫على القمر واستعادهتا وق��ت اإلق�لاع‪ .‬وقاما‬
‫بنصب راية الواليات املتحدة األمريكية‬
‫وك��ان من الصعب غرسها‪ ،‬فلم تُغرس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪123‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫سوي حنو ‪ 10‬سنتيمرت يف تربة القمر‪ .‬كما قاما‬
‫برتكيب مقياس الزالزل الذي يعطي معلومات‬
‫عن مدي النشاط الزلزايل على القمر‪ ،‬إال أن‬
‫هذا اجلهاز تعطل عن العمل خالل الليلة األوىل‬
‫على القمر بعد ذل��ك‪ .‬وثبت ال��رائ��دان أيضا‬
‫عاكسا ألشعة الليزر على سطح القمر ميكن‬
‫به قياس البعد بني القمر واألرض بدقة بالغة‪.‬‬
‫وبدأ اإلثنان انتقاء عينات من صخور القمر ومن‬
‫تربتة‪ ،‬ومجعوا عينات تزن ‪ 21‬كيلوجرام بغرض‬
‫دراستها على األرض‪ .‬وانتهت فرتة البقاء األوىل‬
‫على القمر بعد ساعتني و ‪ 31‬دقيقة‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫العودة إىل األرض‬
‫اكتشف ب��ز أل���درن قبل ف�ترة ال��راح��ة أن أحد‬
‫املفاتيح قد ُكسر ومفتاح آخر قد انزاح إىل وضع‬
‫آخر‪ ،‬واتضح له أنه البد وأن يكون قد المسهما‬
‫عفوا باحلقيبة الضخمة اليت على ظهره أثناء‬
‫جتهيزه للتجارب خارج املركبة‪ .‬وحيتاج الرائدان‬
‫تشغيل تلك املفاتيح قبل اإلقالع مبدة ساعة‪.‬‬
‫هلذا استعاض ألدرن عن املفتاح واستعمل قلمه‬
‫لتشغيل املفتاح !‪.‬‬
‫ث��م ب���دأت رح��ل��ة ال��ع��ودة م��ن دون ص��ع��وب��ات‪،‬‬
‫وصعدت املركبة القمرية يف الوقت املناسب‬
‫واخت��ذت م��دارا فوق القمر واشتبكت مبركبة‬
‫الفضاء أبولو وفيها زميلهما كولينز‪ .‬وبعد أن‬
‫التم مشل الثالثة ثانيا يف مركبة أبولو ِمت فصل‬
‫املركبة القمرية عنهم ووجهوا مركبة القيادة‬
‫أب��ول��و للعودة إىل األرض‪ .‬ق��ام رواد الفضاء‬
‫باشعال احملرك الصاروخي يف وحدة اخلدمات‬
‫ال��ذي أكسبهم سرعة يستطيعون هبا مغادرة‬
‫مدارهم على القمر‪ .‬واكملوا رحلة العودة إىل‬
‫األرض‪ .‬ويف ي��وم ‪ 24‬يوليو يف مت��ام الساعة‬
‫‪ 16:50‬حسب التوقيت العاملي املنسق نزلت‬
‫مركبة الفضاء يف احمليط اهل��ادي والتقتطهم‬
‫السفينة هورنيت‪.‬‬
‫على سطح السفينة هورنيت لبس رواد الفضاء‬
‫مالبس وقائية‪ ،‬وحـُجزوا داخل مقصورة احلجر‬
‫الصحي أع���دت خصيصا هل��م خ��وف��ا م��ن أن‬
‫يكونوا قد جلبوا معهم بكرتيا أو أوبئة قمرية‬
‫غري معروفة لإلنسان على األرض‪ .‬واستقبلهما‬
‫الرئيس األمريكي نيكسون وحتدث إليهم من‬
‫خارج مقصورة العزل وحياهم بكلمة تارخيية‪.‬‬
‫ثم انتقلت املقصورة هبم إىل هيوسنت وبقوا فيها‬
‫‪ 17‬يوما يف معزل‪ ،‬حيت مت التأكد من خلوهم‬
‫من أي شائبة‪ ،‬واستطاعوا اللقاء بذويهم‪.‬‬
‫وتُ��ع��رض مركبة الفضاء كولومبيا ألبولو ‪11‬‬
‫حاليا يف املتحف ال��وط�ني للطريان والفضاء‬
‫مبدينة واشنطن‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫من هو نيل ارمسرتونج‬
‫نيل ال���دن ارم��س�ترون��ج (ول���د يف ‪ 5‬أغسطس‬
‫‪ )1930‬هو طيار أمريكي ورائد فضاء ‪ ،‬وطيار‬
‫حبوث‪ ،‬وأستاذ جامعي‪ ،‬وطيار حبري للواليات‬
‫املتحدة‪ .‬وك��ان اول شخص يضع قدمه على‬
‫سطح القمر كانت أول رحلة فضاء له على منت‬
‫اجلوزاء ‪ 8‬يف عام ‪ ،1966‬واليت كان فيها الطيار‬
‫القائد‪ .‬يف هذه البعثة‪ ،‬قام بأول رحلة اللتحام‬
‫مركبة ثنائية مع الطيار ديفيد سكوت‪ .‬الرحلة‬
‫الفضائية الثانية واألخ�ي�رة الرم��س�ترون��غ كان‬
‫قائدا لبعثة أبولو ‪ 11‬بعثة اهلبوط على سطح‬
‫القمر يف ‪ 20‬يوليو‪ .1969 ،‬يف ه��ذه املهمة‪،‬‬
‫نزل ارمسرتونغ وباز الدرين إىل سطح القمر‬
‫وأم��ض��وا ساعاتني ون��ص��ف م��ن االستكشاف‬
‫بينما مايكل كولينز بقي يف امل��دار يف وحدة‬
‫ال��ق��ي��ادة‪ .‬ارم��س�ترون��غ ه��و احل��ائ��ز على وس��ام‬
‫الشرف الفضاء من الكوجنرس‪.‬‬
‫قبل أن يصبح رائد فضاء‪ ،‬كان أرمسرتونغ يف‬
‫حبرية ال��والي��ات املتحدة وش���ارك يف احل��رب‬
‫الكورية‪ .‬بعد احلرب‪ ،‬خدم كطيار جترييب يف‬
‫اللجنة االستشارية الوطنية للمالحة اجلوية‬
‫ويف حمطة الطريان العايل السرعة‪ ،‬اليت تعرف‬
‫اآلن باسم مركز درايدن لبحوث الطريان‪ ،‬حيث‬
‫حلق فيما يفوق ‪ 900‬رحلة يف جمموعة متنوعة‬
‫من الطائرات‪ .‬كطيار حبوث‪ ،‬خدم ارمسرتونغ‬
‫كطيار مشروع على طائرات إف ‪ 100‬سوبر‬
‫سابر إيه وس��ي‪ ،‬وإف ‪ 101‬ف��ودو‪ ،‬ولوكهيد ‪-‬‬
‫‪ 104A‬ستارفايرت‪ .‬كما أنه طار بـبيل إكس ‪1‬‬
‫بي‪ ،‬بيل اكس ‪ ،5‬وأمريكا الشمالية إكس ‪ ،15‬إف‬
‫‪ 105‬ثاندرشيف‪ ،‬وإف ‪ 106‬دلتا دارت‪ ،‬ب ‪47‬‬
‫‪ ،Stratojet‬كيه سي ‪ 135‬وباريسيف‪ .‬خترج‬
‫من جامعة بورد ووجامعة جنوب كاليفورنيا‪.‬‬

‫وعمل والده ستيفن ارمسرتونغ يف حكومة والية‬
‫أوهايو‪ ،‬وتنقلت األسرة يف مجيع أحناء الواليات‬
‫م���رارا وت��ك��رارا على م��دى السنوات اخلمسة‬
‫عشرة التالية‪ ،‬حيث أقاموا يف عشرين مدينة‬
‫خمتلفة‪ .‬ل��دي ارمسرتونغ اثنان من األشقاء‪،‬‬
‫جون ودين‪.‬‬
‫يف عام ‪ ،1947‬بدأ ارمسرتونغ دراسة هندسة‬
‫ال��ط�يران يف جامعة ب���وردو‪ ،‬حيث ك��ان عضواً‬
‫يف ف��اي دلتا ثيتا وك��اب��ا كابا بيسي‪ .‬إال أنه‬
‫ك��ان الشخص الثاني يف عائلته ال��ذي ذهب‬
‫إيل كلية‪ .‬كما أنه كان مقبوال أيضا يف معهد‬
‫ماساتشوستس للتكنولوجيا‪ ،‬ولكن املهندس‬
‫الوحيد ال��ذي ك��ان يعرفه اقنعه بالعدول عن‬
‫ال���ذه���اب‪ ،‬ح��ص��ل يف ب�����وردو ع��ل��ى ع�لام��ات‬
‫متوسطة يف مواده الدراسية‪ ،‬مع متوسط نقاط‬
‫الدرجات اليت ارتفعت واخنفضت على مدى‬
‫مثانية فصول دراسية‪ .‬ثم حصل على درجة‬
‫بكالوريوس العلوم يف هندسة الطريان من جامعة‬
‫بوردو يف عام ‪ ،1955‬ودرجة ماجستري العلوم يف‬
‫هندسة الطريان من جامعة جنوب كاليفورنيا‬
‫يف عام ‪1970‬كما محل دكتوراه فخرية من عدد‬
‫من اجلامعات‪.‬‬

‫اخلدمات البحرية‬
‫وصل االستدعاء إىل ارمسرتونغ من البحرية‬
‫يف ‪ 26‬يناير عام ‪ ،1949‬وطلب منه أن حيضر‬
‫إىل حمطة بنساكوال اجلوية البحرية للتدريب‬
‫على ال��ط�يران‪ .‬استمر ه��ذا قرابة ‪ 18‬شهرا‪،‬‬
‫وخالل هذا الوقت أصبح مؤهال للهبوط على‬
‫منت حاملة الطائرات يو اس اس كابوت وحاملة‬
‫الطائرات يو اس اس رايت‪ .‬يف ‪ 12‬أغسطس‪،‬‬
‫‪ ،1950‬بعد أسبوع من عيد ميالده العشرين‪،‬‬
‫أبلغ رسالة مفادها انه اآلن مؤهل كطيار يف‬
‫القوات البحرية‪.‬‬
‫وكانت مهمته األوىل هي أن ميضي وقتا‬
‫السنوات األوىل‬
‫ولد نيل ارمسرتونغ يف اباكونيتا‪ ،‬بوالية اوهايو ‪ ،‬يف السرب ‪ 7‬يف أسطول الطائرات يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪125‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قاعدة ناس يف سان دييغو (املعروفة اآلن باسم‬
‫ناس مشال اجلزيرة)‪ .‬بعد شهرين مت تعيينه‬
‫كمقاتل يف ال��س��رب ‪( 51‬يف اف‪، )51 -‬وه��و‬
‫سرب مكون كله من طائرات نفاثة‪ .‬وكانت أول‬
‫رحلة له بطائرة جيت‪ ،‬وهي ‪ F9F - 2B‬النمر‬
‫يف ‪ 5‬يناير‪ .1951 ،‬بعد ستة أشهر‪ ،‬قام بأول‬
‫هبوط له بطائرة جيت على السفينة احلربية‬
‫إس��ك��س‪ .‬يف االس��ب��وع نفسه مت��ت ترقيته من‬
‫ضابط صف حبري إيل مالزم بالبحرية‪ .‬حبلول‬
‫هناية الشهر‪ ،‬أحبرت إسيكس وعلى متنها يف‬
‫إف ‪ ،51 -‬متوجهة إىل كوريا اجلنوبية‪ ،‬حيث‬
‫ستعمل هناك مبثابة قاعدة أرضية للطائرات‬
‫املهامجة‪ .‬قام أرمسرتونج بأكثر من ‪ 600‬رحلة‬
‫على جمموعة متنوعة من الطائرات‪.‬‬
‫كانت امل��رة األوىل ال�تي ي��رى ارمسرتونغ فيها‬
‫عمليات يف احلرب الكورية يف ‪ 29‬أغسطس‪،‬‬
‫‪ ،1951‬حيث كان مرافقا يف طائرة استطالع‬
‫ف���وق م��دي��ن��ة س��وجن�ين‪ .‬األه����داف الرئيسية‬
‫لرحلته املسلحة ك��ان��ت اس��ت��ط�لاع س��اح��ات‬
‫الشحن وجسر على طريق وادي ضيقة إىل‬
‫اجلنوب من قرية ماجون ني‪ ،‬غرب ونسان‪ .‬يوم‬
‫‪ 3‬سبتمرب ‪ ،1951‬وعند القيام بطريان تفجريي‬
‫منخفض السرعة على حنو ‪ 350‬ميل (‪560‬‬
‫كم ‪ /‬ساعة) يف طائرته ‪ F9F‬النمر‪ ،‬تعرضت‬
‫طائرة آرمسرتونغ لنريان مضادة للطائرات‪.‬‬
‫هبطت الطائرة هبوط رأس��ي مفاجئ‪ ،‬وحول‬
‫كابل مشدود بطول حوايل ‪ 500‬قدم (‪ 150‬مرت)‬
‫عرب الوادي من قبل الكوريني الشماليني الطائرة‬
‫إىل شرائح‪ .‬مما أفقد الطائرة جزء منها ويقدر‬
‫هذا اجلزء املنفصم حبوايل ستة أقدام (‪ 2‬م)‬
‫من اجلناح اليميين‪.‬‬
‫كان ارمسرتونغ قادرا على الطريان بالطائرة إىل‬
‫اراض��ي صديقة‪ ،‬ولكنه مل يتمكن من اهلبوط‬
‫بالطائرة بسالم بسبب فقدان اجلنيح‪ ،‬مما‬
‫جعل من مغادرة الطائرة خياره الوحيد‪ .‬خطط‬
‫ملغادرة الطائرة فوق املاء على أن ينتظر النجدة‬

‫‪126‬‬

‫من قبل طائرات هليكوبرت تابعة للبحرية‪ ،‬لذلك‬
‫طار إىل مهبط للطائرات بالقرب من بوهانغ‪.‬‬
‫بدال من املياه‪ ،‬قذفت الرياح بكرسي خروجه‬
‫إيل األرض‪ .‬التقط ارمسرتونغ بواسطة سيارة‬
‫جيب يقودها رفيق احلجرة يف مدرسة تعليم‬
‫الطريان‪ .‬ومن غري املعروف ما حدث للحطام ‪.‬‬
‫وعلى األجواء الكورية‪ ،‬طار ارمسرتونغ ‪ 78‬مهمة‬
‫ملا جمموعه ‪ 121‬ساعة يف اجل��و‪ ،‬ومعظمها‬
‫كان يف يناير كانون الثاني عام ‪ .1952‬حصل‬
‫على وس���ام اجل��وي��ة للعشرين مهمة قتالية‪،‬‬
‫وجنمة ذهبية للعشرين التالية‪ ،‬ووسام اخلدمة‬
‫يف احل���رب ال��ك��وري��ة وجن��م��ة امل��ش��ارك��ة‪ .‬ترك‬
‫ارمسرتونغ القوات البحرية يف ال ‪ 22‬من عمره‬
‫يف ‪ 23‬أغسطس ع��ام ‪ ،1952‬وأص��ب��ح برتبة‬
‫م�لازم‪ ،‬وعضو يف الصف االحتياطي لبحرية‬
‫الواليات املتحدة‪ .‬استقال من خدمته كاحتياطي‬
‫البحرية يف ‪ 20‬تشرين األول‪.1960 ،‬‬
‫عاد ارمسرتونغ إىل بوردو بعد أن انفصل عن‬
‫البحرية‪ ،‬وأفضل درجاته يف اجلامعة جاءت يف‬
‫األربعة فصول الدراسية اليت تلت عودته من‬
‫كوريا اجلنوبية‪ .‬تعهد أخوية فاي دلتا ثيتا بعد‬
‫عودته‪ ،‬حيث كتب وش��ارك يف إخ��راج جزئهم‬
‫املوسيقي كجزء من العمل املسرحي الساخر‬
‫لكل الطالب‪ .‬كان معدله النهائي ‪ 4.8‬من أصل‬
‫‪ .6.0‬كما أنه كان عضوا يف أخوية كبا كبا بسي‬
‫الوطنية الفخرية‪ .‬خترج ارمسرتونغ مع درجة‬
‫البكالوريوس يف هندسة الطريان يف عام ‪.1955‬‬
‫ربان اختبار‬
‫بعد خترجه من جامعة بوردو‪ ،‬قرر ارمسرتونغ‬
‫أن حياول أن يصبح ربان اختبار حبثي وجترييب‪.‬‬
‫تقدم بأوراقه إىل اللجنة االستشارية الوطنية‬
‫للمالحة اجل��وي��ة ل��ل��ط�يران يف حمطة قاعدة‬
‫ادواردز اجل��وي��ة‪ ،‬وال�تي مل يكن لديها أماكن‬
‫متاحة فأحالت الطلب إىل خمترب لويس للطريان‬
‫يف كليفالند ب��والي��ة اوه��اي��و‪ .‬ب��دأ ارمسرتونغ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫العمل يف حقل لويس يف شباط ‪ /‬فرباير ‪.1955‬‬
‫يف أول يوم له يف إدواردز‪ ،‬طار ارمسرتونغ يف‬
‫مهمته األوىل ‪،‬وكانت جتريب طائرة مطاردة‬
‫على مسافة أدنى من الطائرات التجريبية من‬
‫قاذفات القنابل‪ .‬كما حلق بقاذفات القنابل‪،‬‬
‫وعلى واحدة من هذه املهمات وقع أول حادث‬
‫له على رحلة طريان يف ادواردز‪.‬‬
‫كان ارمسرتونغ متورطا يف العديد من احلوادث‬
‫اليت دونت يف فلكلور ادواردز و كانت مؤرخة يف‬
‫مذكرات زمالئه‪ .‬كانت األول يف رحلة طريان‬
‫على منت إكس ‪ 15‬يوم ‪ 20‬أبريل عام ‪،1962‬‬
‫عندما كان أرمسرتونغ خيترب نظام التحكم يف‬
‫التعديل الذاتي‪.‬‬
‫واحل��ادث الثاني وقع عندما توجه ارمسرتونغ‬
‫للمرة الوحيدة مع تشاك ييغر‪ ،‬بعد أربعة أيام‬

‫من مغامرة ‪ .X-15‬حملقني بطائرة تي ‪33‬‬
‫شوتينج ستار‪.‬‬
‫اشاد العديد من الطيارين يف اختبار ادواردز‬
‫ب��ق��درة آرم��س�ترون��غ اهل��ن��دس��ي��ة‪ .‬ذك���رت ميلت‬
‫تومسون انه (األكثر قدرة من الناحية الفنية بني‬
‫طيارين ‪ X-15‬األوائل‪ ).‬وقال بيرتسون بروس‬
‫عن ارمسرتونغ أنه (كان لديه عقل قادر على‬
‫استيعاب األشياء مثل اإلسفنج)‬
‫وميتلك أولئك الذين طاروا لسالح اجلو رأي‬
‫خمتلف‪ ،‬وخصوصا الناس مثل تشاك ييغر‬
‫وبيت نايت‪ .‬نايت قال واصفا طريقة طريان‬
‫الطيارين املهندسني (ميكانيكية أكثر منها‬
‫طريان)‪ ،‬وجعل هذا هو السبب الذي جيعل‬
‫بعض املهندسني التجريبيني يقعوا يف‬
‫املتاعب ‪ :‬ألن مهاراهتم يف الطريان مل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪127‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تأت بشكل طبيعي‪.‬‬
‫مهنة رائد الفضاء‬
‫مل ت��ك��ن ه���ن���اك حل��ظ��ة ح���امس���ة يف ق���رار‬
‫ارمسرتونغ يف أن يصبح رائد فضاء‪ .‬يف عام‬
‫‪ ،1957‬مت اختياره لربنامج اإلنسان يف الفضاء‬
‫يف اقرب وقت التابع لسالح اجلو االمريكي‪ .‬يف‬
‫نوفمرب ‪ 1960‬م مت اختيار ارمسرتونغ كجزء من‬
‫جمموعة املستشاريني التجريبية ل ‪- X - 20‬‬
‫داينا سوار‪ ،‬وهي طائرة عسكرية للفضاء‪ .‬ويف‬
‫يوم ‪ 15‬مارس عام ‪ 1962‬مت اختياره كواحد‬
‫م��ن ستة م��ن املهندسني التجريبيني الذين‬
‫سوف يطريوا الطائرة الفضائية عندما تنتهي‬
‫مرحلة التصميم‪.‬‬
‫يف الشهور ال�تي تلت االع�لان توالت طلبات‬
‫االل��ت��ح��اق باجملموعة الثانية ل���رواد فضاء‬
‫من ناسا‪ ،‬وأصبح أرومسرتونج أكثر محاسا‬
‫ملستقبل برنامج أبوللو ومستقبل التحقيق من‬
‫بيئة جديدة للطريان‪.‬‬
‫اس��ت��دع��ى دي��ك س�لاي��ت��ون ارم��س�ترون��غ يف ‪13‬‬
‫سبتمرب‪ 1962 ،‬وسئله عما إذا ك��ان مهتما‬

‫‪128‬‬

‫باالنضمام إىل فيلق رواد الفضاء يف ناسا كجزء‬
‫من ما وصفته الصحافة باسم (التسعة اجلدد)‪.‬‬
‫دون ت��ردد‪ ،‬وقال ارمسرتونغ نعم‪ .‬االختيارات‬
‫كانت طي الكتمان حتى بعد ثالثة أي��ام‪ ،‬على‬
‫الرغم من أن التقارير الصحفية قد مت تداوهلا‬
‫منذ منتصف صيف هذا العام بأن أرومسرتونج‬
‫سيكون على حنو حمدد هو (أول رائد فضاء‬
‫من املدنيني)‪.‬‬
‫يف أي��ار ‪ /‬مايو ‪ ،1970‬سافر ارمسرتونغ إىل‬
‫االحتاد السوفياتي لتقديم حماضرة يف املؤمتر‬
‫السنوي الثالث عشر يف اللجنة الدولية لبحوث‬
‫ال��ف��ض��اء‪ .‬ووص���وال إيل لينينغراد ق��ادم��ا من‬
‫بولندا‪ ،‬سافر إىل موسكو حيث التقى رئيس‬
‫ال���وزراء أليكسي كوسيغني‪ .‬وك��ان أول غربي‬
‫يرى الطائرة األسرع من الصوت توبوليف ‪144‬‬
‫ومسح له جبولة يف مركز تدريب يوري غاغارين‬
‫ل��رواد الفضاء‪ ،‬وال��ذي وصفه ارمسرتونغ بانه‬
‫(فيكتوري بعض الشيء)‪ .‬يف هناية اليوم‪ ،‬أعرب‬
‫ع��ن دهشته مل��ش��اه��دة ع��رض فيديو متأخر‬
‫إلطالق سويوز ‪ .9‬فإن أرمسرتونغ مل يكن يعلم أن‬
‫املهمة قد متت‪ ،‬حتى مع أن فالنتينا ترييشكوفا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫مضيفته وزوجها‪ ،‬أندريان نيكوالييف‪ ،‬قد كانا‬
‫على منت املركبة‪.‬‬

‫من أبولو ‪ 11‬عن طريق تقديم تقرير بشأن‬
‫اجلوانب املختلفة ألبولو‪ ،‬بدال من أطروحة‬
‫على حم��اك��اة ل��ل��ط�يران ال���ذي ي��ف��وق سرعة‬
‫الصوت‪ .‬عنوان منصبه الرمسي يف جامعة‬
‫سينسيناتي ك��ان أس��ت��اذ هلندسة ال��ط�يران‪.‬‬
‫بعد التدريس ملدة مثاني سنوات‪ ،‬استقال يف‬
‫عام ‪ 1979‬بسبب التزامات أخ��رى‪ ،‬وبسبب‬
‫ال��ت��غ�يرات يف هيكل اجل��ام��ع��ة لتتحول من‬
‫مستقلة إىل تابعة للوالية‪.‬‬

‫احلياة بعد أبولو‬
‫أعلن أرمسرتونغ بعد وقت قصري من رحلة‬
‫أبولو ‪ 11‬انه ال خيطط للطريان يف الفضاء‬
‫م��رة أخ���رى‪ .‬وق��ال ان��ه ق��د مت تعيينه نائب‬
‫املدير املعاون للمالحة اجلوية ملكتب البحوث‬
‫والتكنولوجيا املتقدمة (داربا ) خدم يف هذا‬
‫املنصب ملدة ‪ 13‬شهر فقط‪ ،‬وقدم استقالته‬
‫املراجع‬
‫م��ن وك��ال��ة ن��اس��ا ك��ك��ل يف آب ‪ /‬أغسطس‬
‫‪ .1971‬وق��ال ان��ه يقبل موقعا للتدريس يف ‪ - 1‬موقع ويكيبيديا‬
‫»‪2- B. Ramsdell, «S/MIME Version‬‬
‫قسم هندسة الطريان يف جامعة سينسيناتي‪.‬‬
‫‪RFC 2633, June 1999.‬‬
‫وفضل سينسيناتي على اجلامعات األخرى‪،‬‬
‫‪3 - J. Callas, L. Donnerhacke, M.‬‬
‫مبا فيها جامعته‪ ،‬بوردو‪ ،‬ألهنا كانت حتتوي‬
‫‪Finney, and R. Thayer, «OpenPGP‬‬
‫على قسم صغري يف ال��ط�يران ؛ أع��رب عن‬
‫‪Message Format,» RFC 2440, Nov.‬‬
‫أمله يف أن أعضاء هيئة التدريس لن يكونوا‬
‫‪1998.‬‬
‫منزعجني م��ن ان��ه ج��اء مباشرة إىل درج��ة‬
‫األس��ت��اذي��ة فقط م��ع ماجستري م��ن جامعة ‪4 - IETF Working Group, http://www.‬‬
‫جنوب كاليفورنيا بدأ العمل فيه أثناء وجوده ‪ietaf.org/html.charters/smime-charter.‬‬
‫‪html‬‬
‫يف ادواردز قبل سنوات‪ ،‬وأهناه بعد االنتهاء‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪129‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الموت والمغامرة الروحية‪..‬‬
‫من األسطورة إلى علم الروّح الحديث‬
‫تأليف ‪ :‬حممد منري منصور‬
‫عرض ‪ :‬نضال غانــم‬

‫هل يستطيع اإلنسان مهما بلغ شأوه يف العلم‪ ،‬ومهما عظمت وتعدّدت‬
‫فتوحاته العلمية املتنوّعة‪ ،‬ومهما كان املدى الذي وصل وسيصل إليه يف‬
‫عملية حبثه األزلية عن اإلجابة الشّافية لسؤاله السّرمدي‪ :‬هل ميكن‬
‫لإلنسان أن يعيش إىل األبد؟ أو هل ميكن له أن يبعد عنه سبح املوت؟ وهل ميكنه‬
‫كشف أسرار املوت وغوامضه؟ ثم ماذا عن الرّوح؟ والعامل اآلخر؟ هل يستطيع اإلنسان‬
‫أن يبحث يف هذه األشياء؟ وهل حيق له ذلك ‪.‬؟‬
‫يقو اهلل سبحانه وتعاىل يف كتابه العزيز ‪( :‬يسألونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر‬
‫ربي وماأوتيتم من العلم إال قليالً) ‪.‬‬
‫إهنا أسئلة دارت يف خلد اإلنسان منذ وجد‪ ،‬وستبقى نفسه جيّاشة تضطرم هبا إىل‬
‫أبد اآلبدين ‪.‬‬
‫والكاتب يف كتابه هذا حياول أن يقدّم إجابات‪ ،‬من خالل دراسة حقيقة املوت يف‬
‫الفكر األسطوري‪ ،‬ثم يف األديان السّماويّة‪ ،‬وبعد ذلك يدرس عالقة املوت بالفلسفة أو‬
‫الفلسفة باملوت‪ .‬وصو ً‬
‫ال إىل دراسة املوت يف الفكر احلديث‪ ،‬وكذلك دراسة سيكولوجيّة‬
‫املوت‪ ،‬ودراسة احلياة البيولوجية واملوت الفيزيولوجيّ «‬

‫‪130‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫هذه العناوين هي حماور القسم األول من‬
‫الكتاب‪ .‬أمّا عناوين القسم الثاني منه فهي‪:‬‬
‫املغامرة العقليّة على أجنحة اخليال‪ ،‬ثمّ من‬
‫املوت إىل مابعد املوت‪ ،‬ثمّ علم الروّح احلديث‬
‫من الكائن إىل الكون‪ ،‬وأخرياً علم الروح‬
‫احلديث من الكون إىل الكائن‪.‬‬
‫يف البداية يعرض الكاتب لتطوّر حياة‬
‫اإلنسان الذي مشل اجلوانب الفكريّة‬
‫واالجتماعية والعلميّة واالقتصادية‪ ،‬والذي‬
‫قاده ألن يسقط حواجز اخلوف من اجملهول‪.‬‬
‫فح ّقق بذلك إجنازات هائل ًة يف امليادين كا ّفة‪.‬‬
‫أوليس اخرتاق اإلنسان املذهل للغالف اجلوّي‬
‫لألرض إجنازاً عظيماً؟‬
‫بلى‪ ..‬ولذلك فإنّ اإلجنازات العديدة اليت‬
‫حققها مل تدفعه إىل القناعة مبا حقق‪ ،‬وإ ّنما‬
‫زادته إصراراً وعزمية على املتابعة بشغف‬
‫وقوّة ورغبة بغية الوصول إىل حقيقة املوت‪،‬‬
‫ومن ثمّ إىل السيطرة عليه‪ ،‬أل ّنه الشيء‬
‫الوحيد الذي مل يستطع شيئاً جتاهه‪ .‬وهو‬
‫يف حماولته حتقيق اإلجنازات العلميّة واحداً‬
‫بعد اآلخر إ ّنما يريد أن يتحدّى املوت يف‬
‫مفهومه الشّامل‪..‬‬
‫تتكوّن احلضارة يف حقيقتها من تراث قديم‬
‫متصل مبستقبل قادم‪ .‬والرتاث القديم هو‬
‫الذي مينح املستقبل قوة منائه واستمراره‪.‬‬
‫وعرب املاضي واحلاضر هناك مغامرة‬
‫بشريّة متواصلة تتأرجح بني حجّي املوت‬
‫واحلياة‪ .‬إ ّنها مغامرة البحث عن احلقيقة‪.‬‬
‫حيث تتوازى يف النهاية األسطورة والفلسفة‬
‫واألديان والعلوم حبثاً عن جوهر واحد‪.‬‬
‫ويبقى املوت قانون النّفي الدائم أليّ مظهر‬
‫من مظاهر احلياة‪ .‬فهو جعل من احلياة‬
‫مرحلة عابرة مؤقتة‪.‬‬
‫إنّ األساطري اليت أنتجها العقل البشريّ عبارة‬
‫عن حماوالت لعقلنة الوجود‪ .‬سعت المتالك‬

‫مسوّغ عقلي للحياة واملوت‪ .‬فاألسطورة حلم‬
‫انبثق عن آليّة كبت كلّي عام وشامل‪ ،‬وك ّل‬
‫ماحتفل به من رموز ورغبات مدفونة إ ّنما‬
‫هي تعبري أصيل عن حاجة عميقة أو رغبة‬
‫احلياة املستمرة يف التحرر واخلروج هنائياً‬
‫من دائرة الفناء‪.‬‬
‫وتتفق األساطري املتشاهبة يف ذاكرة الشعوب‬
‫على وجود رؤية واحدة حول مبدأ الصراع‬
‫األزيل بني اخلري والشرّ‪ ،‬فاخلري هو احلياة‬
‫ّ‬
‫واخلصب‬
‫والطمأنينة والسّمادة والشمس‬
‫املشرقة‪ -‬أمّا الشر فهو املوت والدّمار‬
‫واجلفاف واخلوف والظالم‪.‬‬
‫واجلنّة والنار يف األديان السّماوية معادلة‬
‫حلدّي احلياة واملوت منذ أقدم الديانات‬
‫وجوداً كما يف الدّيانة الربمهيّة‪ ،‬حيث تعترب‬
‫ثنائية املوت واحلياة جتلياً إلرادة إله واحد‪،‬‬
‫وأنّ اجلسد الذي هتبط إليه النفس – كما‬
‫يقول كريشنا – الكاهن اهلندي‪ .‬من السماء‬
‫هو شيء زائل‪ ،‬وأنّ النفس اخلفيّة عن اجلسد‬
‫سرمديّة‪.‬‬
‫لقد احتفظت النفس وحدها بفكرة األمل‬
‫واخللود واخلالص‪ ،‬وإمكانية الفرار من‬
‫املوت األرضي إىل احلياة يف السّماء‪ ،‬وأنّ‬
‫اجلسد وحده هو الذي خيضع لدالالت املوت‬
‫والفناء‪ .‬ويتحدث الكاتب عن فكرة اجلحيم‬
‫يف األساطري الشرقية القدمية على أهنا‬
‫منحت احلياة منذ البداية مستويني متقابلني‬
‫علويّ وسفليّ‪ .‬فاحلياة األرضية تعين الدفء‬
‫واحلب والسّعادة والشمس‪ ،‬والنموّ والتواصل‪،‬‬
‫بينما يعين املوت هبوطاً إىل العامل السفلي‪،‬‬
‫حيث هناك حياة متلؤها الظلمة والغموض‪،‬‬
‫وحتكمها آهلة وقوانني خاصّة‪.‬‬
‫ومل تقدّم األسطورة يف النّهاية إال أمنوذجاً‬
‫للتطوّر العقلي‪ ،‬ومستوى لإلدراك البشري‬
‫العامّ‪ .‬وأهم مايلفت النظر يف تكوين‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪131‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الفكر األسطوري‪ ،‬هو طرح املوت كحقيقة‬
‫قائمة مستقلّة وشاملة إذ رغم أن األساطري‬
‫قد فصلت بني موت اإلنسان العادي وموت‬
‫اآلهلة من حيث املبدأ والدّاللة‪ ،‬بني موت‬
‫اإلنسان العادي‪ ،‬وموت اآلهلة‪ ،‬إال أ ّنها جسّدت‬
‫حقيقة جوهريّة أساسيّة‪ ،‬هي أن املوت رحلة‬
‫الالعودة‪ ،‬وأنّ احتفاظ بعض اآلهلة بصفة‬
‫اخللود هو استثناء حمدّد الميكن له أن يكسر‬
‫مشول القاعدة‪ ،‬كما أنه مستحيل على بين‬
‫البشر‪.‬‬
‫كما متيّز الفكر األسطوري بتخليص املوت‬
‫من فكرة العدم التام‪ ،‬فاملوت يف األسطورة‬
‫اليعين انطفاء املادّة والفكر‪ ،‬كما أ ّنه اليقودنا‬
‫إىل العمى احملض‪ ،‬فهو عامل كامل متجسّد‬
‫التكوين‪ ،‬آهلة وكهنة وقضاة وحكام‪ ،‬وقوانني‬
‫وأنظمة‪ ،‬ورعيّة من املوتى‪ ،‬إ ّنه يف النهاية‬
‫شكل من أشكال احلياة األخرى‪ ،‬وخصوصية‬
‫وجودية تقوم داخل ليل سرمديّ حالك‪.‬‬
‫ويدخل بنا املؤلف إىل رحاب احلضارة‬
‫الفرعونية‪ ،‬حيث يشكل املوت واحداً من‬
‫أهم مفاتيحها‪ ،‬ألنه مصدر الظ ّل الكثيف‬
‫من الرّهبة واخلشوع اليت تنتابنا‪ ،‬كلّما‬
‫وقفنا أمام رمز من رموز هذه احلضارة‪ ،‬فال‬
‫جند أنفسنا إال وحنن نف ّكر يف املوت‪ ،‬إذ إنّ‬
‫جتسيد املوت هبذا الشكل املذهل إمنا ينطوي‬
‫على أمل عميق باالنتصار‪ ،‬وكان صوتاً خفيّاً‬
‫ينبعث من جثة كل مومياء يقول لنا بأن‬
‫شيئاً ما مازال باقياً‪ ،‬إنه جتسيد هلذا األمل‬
‫اخلاص الذي اليستطيع أي إنسان أن يتخلى‬
‫عنه على اإلطالق‪..‬‬
‫فاهلل والطبيعة واإلنسان جيسّدهم شخص‬
‫واحد هو الفرعون‪ .‬ومن هنا يأتي بقاؤه يف‬
‫الوجود واستمراره كضرورة مطلقة‪ ،‬وإذا كان‬
‫املوت يصيب جانبه اإلنساني‪ ،‬فإن جانبه‬
‫اإلهلي يظ ّل خالداً يضخُّ احلياة يف الطبيعة‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫وهذا االعتقاد هو الذي دفع املصريني لبناء‬
‫مقابر عظمى ميكنها احلفاظ على جثث‬
‫ملوكهم‪ ،‬واحليلولة دون متكني املوت من‬
‫إتالفها إهنا جتسيد مباشر لفكرة احلياة بعد‬
‫املوت بشكل ما‪ .‬والتحنيط حبسب ذلك هو‬
‫نطاق نفي مقصود ملظاهر املوت اخلارجية‬
‫القاهرة‪ ،‬وحتدّ ملبدأ العدم املطلق‪.‬‬
‫ّ‬
‫أما األسطورة اليونانية فقد‬
‫ضخمت فكرة‬
‫املوت‪ ،‬وأعطت للجحيم صوراً مرعبة‪،‬‬
‫ورمبا يعود سبب ذلك إىل نوع من الرتاكم‬
‫األسطوري‪ .‬أدّى مع تطور الزمن‪ .‬وتطور‬
‫العقل البشري إىل تنوّع الصور والرموز بشكل‬
‫يتوازى مع األمناط الفكرية واحلضارية‬
‫األكثر تقدّماً يف هذه املرحلة فكلما ازداد‬
‫وصف اجلحيم دقة وتفصيالً‪ ،‬ازدادت شحنة‬
‫اخلوف‪ ،‬وترعرع الرّعب يف األعماق‪ .‬وتبدو‬
‫هذه األفكار أكثر وضوحاً عندما ندخل إىل‬
‫اجلحيم‪ ،‬فللعامل اآلخر آهلة وأعوان‪ ،‬وله‬
‫ّ‬
‫حدود‬
‫وحمطات‪ ،‬وقضاة وعمّال وفالحون‪،‬‬
‫واجلحيم هو املكان الذي يتمّ فيه احلشر‬
‫واحلساب‪ .‬وختتلف املذاهب العقائدية‬
‫اليونانية حول مكان ومقرّ اجلحيم‪ ،‬فبعضهم‬
‫وافق التصوّر اآلسيوي عن العامل السفليّ‪،‬‬
‫واعترب اجلحيم مكاناً يف باطن األرض‪ ،‬بينما‬
‫ذهبت تصورات أخرى إىل اعتبار اجلحيم‬
‫يقع يف مكان ناء وراء احمليط وخلف األفق‪،‬‬
‫حيث التشرق الشمس واليوجد سوى نباتات‬
‫صفراء سوداء‪ ،‬وبالتايل هذا التصور الجيعل‬
‫من املوت سقوطاً حنو األسفل بل رحلة سفر‬
‫طويلة بال هناية والعودة‪.‬‬
‫والبدّ من اإلشارة إىل أنّ أسطورة املوت‬
‫اليونانيّة‪ ،‬إ ّنما كانت حتاول الوصول إىل‬
‫بناء تركيب منطقي فيزيائي‪ ،‬يودّ االقرتاب‬
‫إىل حدّ مامن ساحل احلقيقة الروحيّة كما‬
‫يتصوّرها العقل البشري‪ ،‬وهي حماولة تسعى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫لتدعيم جمموعة من القواعد األخالقية‬
‫استطاعت عرب السنني املتالحقة أن تصبح‬
‫حقائق راسخة يف تراث الشعوب‪.‬‬
‫أما بالنسبة للموت عند العرب يف العصر‬
‫اجلاهلي فريى املؤ ّلف أن العرب وباالستناد‬
‫إىل النصوص التارخيية القدمية مل يعرفوا‬
‫األسطورة يف شكلها امللحمي‪ ،‬غري أن كثرياً‬
‫من املكتشفات احلديثة برهنت على أن‬
‫العرب كان هلم نوع من االعتقادات اخلاصة‬
‫واملميزة جتاه املوت‪ ،‬فقد عثر يف داخل‬
‫اجلزيرة العربية على مقابر على شكل تالل‬
‫مكونة من قطع صخرية موضوعة فوق‬
‫بعضها‪ ،‬وهلا سقوف من الصخر‪ ،‬ويتأ ّلف‬
‫القرب من غرفتني أو غرفة‪ ،‬يهال عليها الرتاب‬
‫بعد إغالق الباب حتى يتخذ القرب شكل تلة‬
‫صغرية‪ .‬وهذه النماذج من القبور عثر على‬
‫مثيالهتا يف البحرين‪ ،‬ويف أبو ظيب‪ .‬ويف هذا‬
‫دليل على وجود روابط فكرية وعقائدية‬
‫مشرتكة بني سكان هذه املنطقة‪ ،‬وسكان‬
‫املناطق احلضارية القدمية اجملاورة هلم‪،‬‬
‫والسيما منطقة اهلالل اخلصيب وحوض‬
‫املتوسط‪ .‬إىل جانب القارة اإلفريقية‪.‬‬
‫والعقائد املتعلقة باملوت بقيت متوارثة‬
‫وراسخة طيلة قرون عديدة‪ ،‬حتى إن األديان‬
‫السّماوية السابقة على اإلسالم مل نتمكن من‬
‫تعديل تلك املعتقدات‪ ،‬ولذلك فعندما جاء‬
‫اإلسالم بعد زمن طويل‪ ،‬وجد العرب اليزالون‬
‫يعبدون احلجارة‪ .‬إال أهنم استطاعوا صياغة‬
‫تصوّر للموت فميّزوا بني اجلسد والنفس‬
‫والروح‪ ،‬وأدركوا ثنائية الدنيا واآلخرة‪ ،‬وآمن‬
‫بعضهم بيوم البعث واحلساب‪ ،‬كما عرفوا‬
‫معنى الشرّ‪ ،‬وكيفية إلقائه‪.‬‬
‫أبرز معتقدات العرب يف العصر اجلاهلي‬
‫قوهلم بأن احلياة ترتبط بالروح‪ ،‬كما يرتبط‬
‫العقل بالنفس فإذا نام اإلنسان قبضت‬

‫نفسه‪ ،‬ومل تقبض روحه‪ ،‬ألنّ الروح التقبض‬
‫إال مرّة واحدة وهي ساعة املوت‪ ،‬ورأوا أن‬
‫لكل إنسان نفسني‪ :‬إحدامها نفسي التمييز‪،‬‬
‫وهي تفارق اإلنسان عند النوم‪ ،‬والثانية نفس‬
‫احلياة إذا زالت زال معها النفس‪ ،‬والنفس‬
‫هي الدم‪ ،‬هلذا مسّيت بالنفس السائلة‪ ،‬وهي‬
‫خترج من اجلسد إذا خرج منه الدمّ‪ .‬وحني‬
‫ينظر إىل النفس كداللة على اجلسد فهي‬
‫تشمل اإلنسان فقط‪ .‬أمّا حني ينظر إليها‬
‫مبعنى الرّوح فهي تتوازى مع الكائنات احليّة‬
‫األخرى‪ ،‬فالروح هي مصدر ك ّل معنى أو‬
‫قيمة أو حركة‪ ،‬واملوت هو السكون‪ ،‬أما كيف‬
‫حيدث املوت؟ فقد اختار العرب كغريهم من‬
‫الشعوب يف تفسري هذه الظاهرة‪.‬‬
‫فرأى بعضهم املوت مع مفارقة الرّوح‬
‫للجسد‪ ،‬ويرى بعضهم اآلخر أنه موت للنفس‬
‫فحني متوت النفس يقع السكون‪ .‬ومن هنا‬
‫تبدو الروح وكأهنا شيء مستقل بذاته‪ ،‬وهي‬
‫حني تبتعد عن اجلسد حيدث املوت فوراً‪.‬‬
‫وهناك من اعترب أنّ املوت جمرّد حدث‬
‫طبيعي يتعرّض له اإلنسان كما يتعرض له‬
‫أيّ شيء يف الوجود إىل الدّمار‪ ،‬ويتصور‬
‫اجلاهليون أنّ الروح خترج من األنف أو الفم‪،‬‬
‫أما القتيل أو اجلريح فخرج روجه من موضع‬
‫جرحه‪ ،‬ويعترب ( الرّمق) بقيّة الروح أو احلياة‬
‫اليت ال تزال عالقة يف اجلسد‪.‬‬
‫ويعترب اجلحيم فكرة مفقودة يف الرتاث‬
‫الذهين للشعوب العربية اجلاهلية‪ ،‬ألهنم‬
‫كانوا يعتقدون أن املوت هو النهاية التامة‪،‬‬
‫واالنطفاء الشامل للمادة والفكر على حدّ‬
‫سواء‪ ،‬كما متوت احلركة ميوت الزمان هنائياً‪.‬‬
‫ويعترب هذا التصور للحياة واملوت من أشدّ‬
‫العقائد اليت واجهها اإلسالم فيما بعد‪،‬‬
‫فعندما طرح اإلسالم فكرة (البعث) بوضوح‬
‫أثار عجبهم وأذهلهم إىل حدّ كبري‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪133‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ورغم أهنا كانت من أكثر األفكار استمالة عند‬
‫العرب‪ ،‬لكن فريقاً منهم كان يؤمن باملوت‬
‫والبعث‪ ،‬ويبدو أن هذه املعتقدات جاءت عن‬
‫طريق التجارة واهلجرات السكانية واحلروب‬
‫والغزوات‪ ،‬ولكنهم مع ذلك مل يتم ّكنوا من‬
‫وضع تصوّر لكيفيّة حدوث ذلك‪ ،‬وال تصور‬
‫عن حقيقة العامل اآلخر‪ ،‬وكل ما كانوا‬
‫يعتقدونه أن اإلنسان بعد دفعنه يف قربه يظل‬
‫يقظاً إال أنه متو ّقف عن التنفس واحلركة‬
‫والطعام والشراب والصالت بالناس واحلياة‪.‬‬
‫لكن روحه ال متوت‪ ،‬ورمبا كان هذا عامالً يف‬
‫إبعاد فكرة اجلحيم عن معتقداهتم‪.‬‬
‫ويلتفت الكاتب بعد ذلك إىل املوت يف األديان‬
‫السماوية‪ .‬إذ يرى أن األديان السماوية ترى‬
‫إىل مفاتيح الوجود الكربى بقداسة عظيمة‪،‬‬
‫فقد سعى اإلنسان إىل سرب احلقيقة‬
‫امليتافيزيقية يف حماولة لصياغتها بطريقة‬
‫تقرّهبا إىل طبيعة‪ ،‬ولذلك فهو حباجة إىل‬
‫دليل عمل‪ ،‬مما دفعه إىل منح أية فكرة‬
‫تسعى حنو هذا اهلدف صفة القداسة‪.‬‬
‫عد اإلنسان يف البداية الظواهر الطبيعية‬
‫خوفاً منها وتقرّباً إليها كونه جيهلها وجيهل‬
‫أسباهبا ومكوّناهتا‪ .‬ولذلك حاول البحث‬
‫عما هو موجود خلف هذه الظواهر‪ ،‬وعما‬
‫هو أقوى منها مجيعاً‪ ،‬واإلنسان كائن متديّن‬
‫يسكنه العلق‪ ،‬ومصدر قلقه خوفه‪ ،‬ومصدر‬
‫خوفه املوت الذي حيكم احلياة يف النهاية‪.‬‬
‫ومادام املوت حقيقة خالدة‪ .‬فقد ساعدت‬
‫معاناته اإلنسان بالتوجه حنو اخلالق حامالً‬
‫سؤاالً عن مصري املخلوق‪ .‬ورغم تنوّع اخلربة‬
‫الدينية وارتقاء الفكر احملسوس إىل اجملرّد‬
‫فقد بقيت فكرة املوت هتز الكون الرّوحي‬
‫لإلنسان‪ ،‬فلم يستطع تاريخ العبادة الطويل‬
‫أن يستأصل من داخل اإلنسانية إحساسها‬
‫اخلاص بالتآكل والتبدّد‪ ،‬فمادام املوت هو‬

‫‪134‬‬

‫قانون الطبيعة األزيل‪ ،‬فإن اجملهول اليزال‬
‫حميطاً شاسع األبعاد‪ ،‬وسوف تبقى روح‬
‫اإلنسان حائرة تسعى وراء ماهو منظور‬
‫معلوم‪ ،‬عما هو خمفيّ وجمهول‪ ،‬وهذا‬
‫اخلفيّ اجملهول صار متحكماً فيما هو معلوم‬
‫بالنسبة للعقل البشري‪..‬‬
‫إن فكرة املوت اليت أجنبت فكرة اخلالص‬
‫كتعبري عن جتدّد الطبيعة يف الفكر األسطوري‬
‫هو الذي يقودنا عرب األديان السّماوية حنو‬
‫الفردوس األعلى‪ ،‬وإن اإلله األسطوري املنقذ‬
‫أصبح اآلن نبياً مرسالً حيمل يف شريعته‬
‫طريقة االنتقال من دار الفناء إىل دار اخللود‪.‬‬
‫إن أهم مامييّز الرساالت السماوية هي صفة‬
‫اخللود املطلق اليت أصبحت الصفة الرئيسة‬
‫اهلامّة اليت يتصّف هبا اهلل سبحانه وتعاىل‪،‬‬
‫وهذا ماجعل قانون املوت والبعث بيده وحده‪،‬‬
‫وأصبحت العبادة واجبة على كل من خيضع‬
‫حلقيقة املوت‪ .‬وألن فكرة اخللود أصبحت‬
‫من صفات اهلل الرئيسة فإن اإلنسان الفاني‬
‫حمور أمله حول فكرة البعث من جديد‪..‬‬
‫والختتلف األديان عن بعضها يف نظرهتا‬
‫إىل احلقيقة املطلقة‪ ،‬فاملوت يف التوراة أمر‬
‫اختاره اإلنسان بنفسه قبل بداية اخلليقة‪،‬‬
‫فألمر مّا اختار اإلنسان شجرة املعرفة‬
‫وترك شجرة اخللود‪ ،‬وهذا االختيار كان‬
‫مصدر سعي البشرية يف الدنيا حبثاً عن‬
‫احلقيقة‪ ،‬ولربّما كان هو املوت الذي ترتب‬
‫على اإلنسان نتيجة اختياره هذا‪ .‬فألن آدم‬
‫مترّد على التحذير اإلهلي فال بدّ أن يتحمل‬
‫مع ذريته مسؤولية فعله‪ .‬ولكن آدم مل يكن‬
‫ميتلك املقدرة على هذا االختيار لوال أن‬
‫اهلل خلقه بكينونه تسمح له هبذا االختيار‪،‬‬
‫ومن ثم فهو حملوم باختيار املعرفة قدره‬
‫ومصريه‪ .‬فاملعرفة صفة من صفات اهلل‪.‬‬
‫فقد ختلّى آدم عن العصمة واختيار احلياة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫املرتبكة باملوت مقابل تلك املعرفة اليت تقود‬
‫إىل اإلميان اإلرادي البشري‪ « ،‬فالربّ أعطى‪،‬‬
‫والربّ أخذ‪ ،‬فليكن اسم اهلل مباركاً « سفر‬
‫أيوب‪.‬‬
‫صورة اجلحيم يف التوراة حتمل مؤثرات‬
‫شرقية‪ ،‬فاملوت شامل للكائنات احليّة‪،‬‬
‫والدار اآلخرة هي عامل سفلي‪ ،‬وهو عامل‬
‫يشمل البشر واألنبياء أيضاً حيث هبط النيبّ‬
‫يعقوب وراء ابنه يوسف إىل أعماق اهلاوية‬
‫نائحاً مثل بقيّة البشر‪.‬‬
‫أما الفكر املسيحي فقد ختبط يف بداياته‬
‫األوىل حول مسألة البعث واخللود والثواب‬
‫والعقاب‪ ،‬وتعترب قيامة السيد املسيح عليه‬
‫السالم حمور اإلميان والعبادة‪ ،‬مع بقاء بعض‬
‫الشك يف صدور الناس‪ ،‬حيث ماينطبق عليه‬
‫قد الينطبق عليهم‪.‬‬
‫وحني يتحدث الالهوتيون املسيحيون عن‬
‫املوت‪ ،‬فإهنم يعطونه معنىً ثالثياً‪ ،‬فهناك‬
‫أوالً املوت الطبيعي الذي هو هناية احلياة‬
‫العضوية‪ ،‬وهناك املوت الروّحي الذي يعبّر‬
‫عن وضع اإلنسانية خارج اإلميان املسيحي‪،‬‬
‫وهناك ثالثاً املوت الصّويف‪ ،‬وهو املشاركة‬
‫يف احلياة اإلهلية اليت جتري بالفعل خالل‬
‫هذا الوجود األرضي على الرّغم من املوت‬
‫الطبيعي‪ ،‬إذ جعل السيد املسيح الوصول‬
‫إليها ممكناً‪ .‬إذ يقول القديس بولس‪« :‬‬
‫مبوتكم تتوحد حياتكم مع املسيح يف الربّ «‬
‫أما قانون املوت يف اإلسالم فيتجلّى يف‬
‫تصدّيه لفكرة املوت من خالل نظرة مشولية‬
‫كاملة شاملة لوحدانية اهلل‪ .‬واإلقرار بالعجز‬
‫التام عن فهم سريورة األشياء‪ .‬فاملوت فعل‬
‫إهلي خالص حبسب القرآن الكريم‪ .‬فاهلل‬
‫مصدر الوجود‪ ،‬وهو العامل بالغيب وحده‪،‬‬
‫وميلك مفاتيح احلياة واملوت‪ ،‬قال تعاىل‪« :‬‬
‫اهلل يتوفى األنفس حني موهتا‪ ،‬واليت مل متت‬

‫يف منامها فيمسك اليت قضى عليها املوت‬
‫ويرسل اآلخرى إىل أجل مسمى إنّ يف ذلك‬
‫آليات لقوم يتف ّكرون « سورة الزمر‪.‬‬
‫فاحلياة واملوت فعل إهلي واحد ‪ « :‬إنا حنن‬
‫حنيي ومنيت وإلينا املصري « ‪.‬‬
‫فاملوت يف قلب احلياة‪ ،‬حمكوم بتوقيت حمدّد‪،‬‬
‫وماأن حتني ساعة املوت حتى ينتهي كل شيء‬
‫دفعة واحدة « فإذا جاء أجلهم اليستأخرون‬
‫ساعة وال يستقدمون « سورة األعراف‪.‬‬
‫ليس مثة مهرب من هذا احلكم املربم القاطع‪،‬‬
‫فكما كانت لنا ساعة ميالد يتحتم علينا أن‬
‫ننتظر ساعة املوت‪.‬‬
‫والعامل اآلخر يف اإلسالم ذو معنى واسع‪ ،‬وهو‬
‫رحلة أبدية طويلة‪ ،‬تبدأ حلظة املوت حيث‬
‫تبدأ إجراءات‪ .‬وحيث يقوم امللك املختص‬
‫(ملك املوت) بتنفيذ حكم املوت‪ ،‬يساعده يف‬
‫ذلك عدة أعوان‪ ،‬وبعد املوت خيرج امليت من‬
‫بيته إىل القرب‪ ،‬ثم يزوره مالئكة خمتصون‬
‫يستجوبون املتوفى لتثبيت العقيدة والشهادة‬
‫واإلميان‪.‬‬
‫ولكن كم هي املدة اليت يبقى فيها املتو ّفى‬
‫سجني قربه؟ إهنا غري معروفة غري أهنا تنتهي‬
‫يوم القيامة والذي اليعلم موعده غري اهلل‪،‬‬
‫حيث يبدأ احلساب فوراً‪ .‬حيث ينتهي بعبور‬
‫املؤمنني واملشرتكني للصراط املستقيم‪،‬‬
‫يصل املؤمنون إىل أبواب اجلنة‪ ،‬بينما سقط‬
‫املشركون يف قاع جهنم‪ .‬فالعامل اآلخر يف‬
‫الفكر اإلسالمي هو رحلة الالعودة‪ ،‬وانتقال‬
‫هنائي حنو اخللود أكان يف اجلنّة أم يف‬
‫النار‪ .‬فاحلياة الدنيا دار جتربة واختبار‪ ،‬كل‬
‫ماميتها زائل‪.‬‬
‫إن ثنائية اخلري والشر‪ ،‬واحلياة واملوت‪ ،‬ثنائية‬
‫ثابتة تتجلّى يف العامل اآلخر باجلنة والنار‪،‬‬
‫والقرآن الكريم أعطامها صفة اخللود‪.‬‬
‫‪-‬وحتت عنوان « املوت واملغامرة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪135‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الفلسفية « يناقش الكاتب فكرة املوت يف‬
‫الفلسفة األوىل‪ ،‬بدءاً من الفلسفة اليونانية‪،‬‬
‫حيث عرفت عدداً من الديانات السرية كما أن‬
‫الفكر اليوناني يتصف بالسكون واالنسجام‪.‬‬
‫والتوازن بني الطبيعتني الداخلية واخلارجية‪،‬‬
‫ولقد حاولت الروح اليونانية التحرّر من قيود‬
‫الطبيعة اخلارجية دون أن يصل هذا التحرّر‬
‫إىل حدّ التعارض بني الطبيعة واإلنسان‪.‬‬
‫واليونانيون اليفرقون بني الروح واجلسد‪،‬‬
‫بسبب نظرهتم للكون على أنه يعود إىل أصل‬
‫واحد الميوت وهو املاء عند (تاليس) أو‬
‫(املادّة) عند (إنكسمتدريس) أو اهلواء حبسب‬
‫تلميذه (إنكسيمانس)‪ ،‬أما (هرياقليط) فقد‬
‫اعترب أن النّار هي املبدأ األول الذي تصدر‬
‫عنه األشياء كلها‪ ،‬فاألشياء يف تغري مستمر‪،‬‬
‫وإن االستقرار هو املوت والعدم‪.‬‬
‫ودخلت فكرة اخللود على يد (فيثاغورث)‬
‫فقد استنتج أن العامل الخيرج عن نطاق كونه‬
‫عدداً ونغماً‪ ،‬فالنفس نوع من النغم‪ ،‬والكائن‬
‫احليّ مركب من كيفيات متضادّة‪ .‬فالنفس‬
‫أو النغم هي مبدأ توافق األضداد وتناسبها‬
‫داخل اجلسد وهي علّة حركته‪ ،‬فاحلياة‬
‫تدوم‪ ،‬مادام هذا النغم‪ ،‬وتنعدم بانعدامه‪،‬‬
‫حيث تسقط عند املوت إىل اجلحيم فتتطهّر‬
‫قبل أن تعود إىل األرض من جديد‪ ،‬وصعود‬
‫النفس وهبوطها املتكرر إمنا طرحته‬
‫(الفيثاغورثية) من خالل إمياهنا بالتناسخ‬
‫واخللود ‪.‬‬
‫أما سقراط فقد برهن على أنّ احلياة‬
‫مؤقتة‪ ،‬واملوت رحلة اختيارية واعية ومدركة‬
‫فاإلنسان خملوق عابر تكمن عظمته يف وعيه‬
‫وتقبّله لوضعه اإلنساني وحقيقته الوجودية‪،‬‬
‫مبسؤولية تتحدّى املوت املرعب‪.‬‬
‫وقد احتل املوت حيّزاً كبرياً عند تلميذه «‬
‫أفالطون « حيث يرى أن كل ماحيدث هو‬

‫‪136‬‬

‫بالضرورة عن علّة‪ ،‬وقد اعترب النفس سابقة‬
‫على اجلسم صنعت من اجلوهر اإلهلي‬
‫البسيط‪ .‬واجلوهر الطبيعي املنقسم‪.‬‬
‫وهذا ماجعلها تدرك احملسوس‪ .‬واملعقول‬
‫معاً‪ .‬وتعترب عالقة النفس باجلسم عالقة‬
‫غامضة وغري واضحة عند أفالطون‪ .‬املوت‬
‫يف الثقافة اهلليستية (مزيج من الثقافتني‬
‫الشرقية واليونانية ) ش ّكل قلقاً عند الناس‬
‫حتى جاء « أبيقور « الذي صرف مهّه‬
‫لتخفيف حدّة اخلوف من املوت‪ .‬حني يرى‬
‫أن املوت حبدّ ذاته هو انعدام اإلحساس‪ .‬وهو‬
‫اليؤمن باخللود ألنّ النفس تنحل مع اجلسد‬
‫وهذا ماجيعل مجيع املخاوف الدائرة حول‬
‫معاناة النفس أيضاً بعد املوت أموراً ختالف‬
‫الطبيعة والأساس هلا من الصحّة‪ .‬كما أن‬
‫فكرة العامل اآلخر مل ترد يف الفكر األبيقوري‬
‫فاخللود مستحيل‪ ،‬وهذا ما جعله يبحث‬
‫عن فكرة أخرى طبيعية وجدها تتجلّى يف‬
‫مبدأ اللذة‪ ،‬فهي الغاية مادام كل شيء ينتهي‬
‫إىل املوت واليوجد عنده فرق بني اجلسم‬
‫والنفس‪ ،‬وهذا ما ساعده على االنتقال من‬
‫لذة احلواس إىل لذة النفس ومبا أن للنفس‬
‫قيمة خاصة‪ ،‬فإن طلب اللذة يتضمّن فكرة‬
‫املنفعة اليت تقودنا حتماً حنو اخلري‪.‬‬
‫غري أن األفالطونية اجلديدة حاولت إنتاج‬
‫مذهب فلسفي شامل يلبّي مطامح اإلنسان‬
‫الروحية‪ ،‬ولذلك فقد مزجت بني املذاهب‬
‫اليونانية الكربى عدا املذهب األبيقوري ومن‬
‫أشهر ماطرحته أن اهلل يف نظرهم هو مبدأ‬
‫أمسى « يعلو على الكون ويتجاوز الوجود‪،‬‬
‫وهو يف الوقت نفسه املنبع الذي تفيض عنه‬
‫األشياء مجيعاً أو تصدر عنه أو تتفرغ عنه «‬
‫حبيث التنفصل عنه أبداً‪ .‬فهو مستبطن يف‬
‫كل شيء«‪.‬‬
‫وتعترب األفالطونية اجلديدة أكثر املدارس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫الفلسفية تأثرياً وتأثراً بالالهوت املسيحي‬
‫فقد متكنت من استقطاب عدد من فالسفة‬
‫الالهوت املسيحي واليهودي‪ ،‬وكان هلا أثر‬
‫كبري يف الفلسفة اإلسالمية اليت جاءت فيما‬
‫بعد‪.‬‬
‫وتعترب األفالطونية اجلديدة أول مدرسة‬
‫فلسفية متكنت من طرح وجود اهلل على أنه‬
‫وجود مفارق‪ ،‬وهو ماوجد صداه الكبري يف‬
‫الفلسفات املدعومة بالفكر الالهوتي خالل‬
‫العصر الوسيط‪ ،‬واليت امتدّ تأثريها حتى‬
‫العصور احلديثة‪..‬‬
‫وبعد سقوط االمرباطورية الرومانية‬
‫استطاعت الكنيسة احملافظة على مقومات‬
‫املدنية ضدّ غزوات برابرة الشمال‪ ،‬كما‬
‫أحكمت سيطرهتا على الرتاث الفكري‬
‫اإلغريقي والروماني‪ .‬ومل تسمح بتسّرب أية‬
‫فلسفة ختالف تعاليمها‪ ،‬فتحولت الفلسفة‬
‫بذلك إىل خادمة لالهوت طيلة عشرة‬
‫قرون‪ ،‬وكانت هنايتها بداية للعصر احلديث‪.‬‬
‫وخالل تلك العصور‪ :‬خضع مفهوم احلياة‬
‫واملوت لسيطرة الفكر امليتافيزيقي املسيحي‬
‫واإلسالمي على حدّ سواء‪.‬‬
‫فيحسب (أوغسطني) فإن اهلل هو مصدر‬
‫الوجود واملعرفة ألن إرادته اجتهت منذ األزل‬
‫خللق العامل فأخرجه من العدم إخراجاً‪،‬‬
‫وأنشأه‪ .‬فلم يكن إىل جانب اهلل شيء من‬
‫مادّة يصوغ منها الكون الذي يريد ولكنه‬
‫خلقه خلقاً دون أن ينبثق منه‪ ،‬وقد بدأ اخللق‬
‫املادي حني بدأ الزمان‪ ،‬أما اهلل نفسه فليس‬
‫له زمان والمكان‪..‬‬
‫ولعل أول لقاء فلسفي بني الفكر اإلسالمي‬
‫وفلسفة أرسطو ثم على يد الفيلسوف العربي‬
‫(الكندي) كما يرى الكاتب – فأرسطو يرى‬
‫أن النفس هي مبدأ احلياة‪ ،‬والنفس هي‬
‫صورة اجلسم ألن األجسام مر ّكبة من هيوىل‬

‫وصورة‪ ،‬وتعترب اهليوىل مبدأ الكثرة‪ ،‬أما‬
‫الصورة فهي مبدأ الوحدة أي اإلنسان إال أن‬
‫(الكندي) خالف هذه النظرية (برأى الكاتب)‬
‫واجته اجتاهاً أفالطونياً يف خلود النفس ‪.‬‬
‫فقد رأى أن املوت يؤدي إىل فناء اجلسد‬
‫الفناء النفس‪ ،‬فالنفس باعتبارها ذات‬
‫مصدر إهلي روحاني‪ ،‬فهي جوهر بسيط‪،‬‬
‫تفارق اجلسد حلظة املوت وتعود إىل نور‬
‫الباري وعامل احلق‪.‬‬
‫وقد حاول الفارابي التوفيق بني أفالطون‬
‫وأرسطو من حيث خلود النفس‪ ،‬ومن حيث‬
‫كوهنا متثل كمال اجلسد وترتبط به‪ ،‬فهي‬
‫التوجد قبله‪ ،‬ولن تبقى بعد‪..‬‬
‫أما ( ابن سينا) فإنه يفصل النفس عن‬
‫اجلسد‪ ،‬ألن النفس لو كانت جسمانية‪،‬‬
‫لتدهورت قوهتا مع الزمن‪ ،‬يف حني أن جسد‬
‫اإلنسان عندما يضمح ّل فإن قوته العاقلة‬
‫تزداد نفوذاً وبصرية وعمقاً فاجلسد يتفكك‬
‫كل حلظة‪ ،‬والقدرة له على الثبات‪ ،‬أما النفس‬
‫فإهنا قوة خالدة ثابتة‪.‬‬
‫وحتتل فكرة احلياة واملوت مكاناً بارزاً يف‬
‫فكر أبي العالء املعرّي‪ ،‬وقد ذهب كثري من‬
‫النقاد واملؤرخني إىل أن (دانيت) قد تأثر يف‬
‫كتابه (الكوميديا اإلهلية) ‪( .‬برسالة الغفران)‬
‫للمعرّي‪ ،‬ويبقى أن تقول إن املعري وقع يف‬
‫متاهة الشك والتناقض‪ ،‬وربط بني النفس‬
‫والعقل‪ ،‬ومبا أن العقل خيطئ ويصيب‪ ،‬فإن‬
‫النفس الميكنها أن تصل إىل أي يقني على‬
‫اإلطالق‪ .‬وهو يتبنّى فكرة اجلربية‪ ،‬فهو‬
‫يقول‪:‬‬
‫ماخبتياري ميالدي وال هرمي ‬
‫ ‬
‫والحياتي فهل يل بعد ختيري‬
‫ ‬
‫ولعل كونه أعمى ساعد يف تلوين فكره‬
‫بالسواد والتناقض‪ .‬فاحلياة حمدودة‪،‬‬
‫واإلنسان موجود بشكل مؤقت‪ ،‬مما‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪137‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫دفعه لتفضيل العدم على الوجود‪ .‬ويرى‬
‫أن املوت أفضل من احلياة ألنّ فيه موتاً‬
‫للتناقض ‪ .‬ويعترب القديس « ألربت الكبري «‬
‫أول من عرف (أرسطو) يف الغرب‪ ،‬وسعى‬
‫للتوفيق بينه وبني العقائد املسيحية‪ ،‬فتبعه‬
‫عدد من الناس كان أبرزهم (توما االكويين)‬
‫الذي رأى أن هناك مصدرين للمعرفة فقط‬
‫مها العقل والوحي‪ ،‬وعمل جاهداً للتوفيق‬
‫بني العقل والعقيدة‪ .‬فهو يرى أن العقل‬
‫اليتعارض مع العقيدة ألنّ ربّ الطبيعة هو‬
‫نفسه ربّ الوحي‪ ،‬فاهلل هو صورة بعيدة عن‬
‫الشوائب املاديّة‪ ،‬وهو أفضل العوامل‪ .‬والروح‬
‫رغم أهنا غري مادية إال أهنا التسبق اجلسد‬
‫وإن كانت التغنى معه‪.‬‬
‫ونتيجة املعارضة الشديدة اليت القاها (توما‬
‫االكويين) فقد ظهرت مدرستان متعارضتان‬
‫مها التوماويّة نسبة إىل (توما) والسّكوتية‬
‫نسبة إىل (دنيس سكوت) أبرز املعارضني‪.‬‬
‫وينتقل الكاتب إىل مناقشة املوت يف الفكر‬
‫احلديث‪ ،‬بادئاً حديثه بقوله إهنا (جتربة‬
‫املوت) جتربة االستحالة ألهنا تودّ إدخال‬
‫ماهو جمهول وغري معقول ضمن ماهو معلوم‬
‫ومعقول‪.‬‬
‫إن فكرة املوت برأيه – ليست مشكلة‪ .‬ألن‬
‫املشكلة هي يف أعماقنا وألهنا تدمر أركان‬
‫السالم يف نفوسنا ورغم أن تغريان الكيان‬
‫البشري منذ الوالدة وحتى الكهولة هي‬
‫تغريات من حالة إىل حالة‪ ،‬وكذلك حالة‬
‫املوت‪ ،‬إال أن هذه احلالة – حالة املوت‪ -‬تبقى‬
‫خميفة إىل حدّ بعيد‪.‬‬
‫ويرى الكاتب أن اجلسد هو املو ّلد‬
‫الكهرطيسي‪ ،‬والعقل هو الضوء‪ ،‬فإذا انطفأ‬
‫الضوء فإمنا يكون ذلك نتيجة توقف املو ّلد‬
‫عن العمل‪ .‬فهل املوت ميالد روحي جديد‬
‫أم هو ميالد عدن مطبق؟ املذاهب الفلسفية‬

‫‪138‬‬

‫الكربى ترى أن هناك جوابني على هذا‬
‫التنساؤل‪ :‬األول‪ :‬هو أن (األنا) الروحية تبقى‬
‫بعد املوت‪ ،‬والميكن التسليم مببدأ العدم‬
‫التام ألننا المنلك أن نقرر يف مسألة خترج‬
‫عن نطاق الوجود‪ .‬أما الثاني‪ :‬فهو أن املوت‬
‫عدم تام ألننا الميكن أن نعي خلوداً خيرج من‬
‫نطاق كياننا الفاني أصالً‪ .‬فالفاني اليدرك‬
‫اخلالد‪ ،‬كما أن وعينا ينتهي عند املوت لقد‬
‫فرّق (ديكارت) بني النفس واجلسم حتى‬
‫يفصل ماهو خالد عما هو فان‪ ،‬ليؤكد على‬
‫خلود الفكر أو النفس‪..‬‬
‫وتابع « كانط « يف القرن السابع عشر تأكيد‬
‫مبدأ اخللود عن طريق احلجة األخالقية‪،‬‬
‫فقد آمن بوجود حياة مستقبلية مستنداً‬
‫بذلك إىل إميانه بوجود اهلل‪ ،‬لكنه اليؤمن‬
‫ببعث اجلسد‪ ،‬ويف هذا خروج عن التصوّر‬
‫املسيحي‪ ،‬واإلسالمي كذلك‪ .‬عندما يقول ‪:‬‬
‫« من ذا الذي يبلغ به التعلق جبسمه أنه يودّ‬
‫أن جيره معه عرب األبد كله‪ ،‬إذا كان بوسعه أن‬
‫ميضي بدونه « ‪.‬‬
‫لقد احتلت الذات البشرية يف الفلسفة‬
‫املعاصرة مكان الصدارة‪ ،‬ألن اإلنسان الذي‬
‫أصبح حيكم األرض يف ظ ّل إنه حيكم الكون‪،‬‬
‫غدا لغزاً ينبغي فهمهم وإدراكه بعمق‪.‬‬
‫الفلسفة املعاصرة عكست طبيعة العصر‪،‬‬
‫والعصر الراهن هو عصر السيطرة املذهلة‪،‬‬
‫والفلسفة املعاصرة تعكس أقصى حاالت‬
‫القلق عند الكائن البشري‪.‬‬
‫كل هذا الصخب يف عصرنا الراهن يدفعنا‬
‫إىل أن نذكر هدوء وبساطة عصر النهضة‬
‫الذي كان حيوياً مشبعاً باألمل‪ ،‬يسعى إىل‬
‫جعل املستحيل ممكناً‪ .‬مما دفع الفكر‬
‫الفلسفي إىل السّعي حنو اخللود إن حتول‬
‫املوت إىل صريورة ذاتية قد غيّر إىل حدّ ما‬
‫شكل العالقة بني اهلل واإلنسان‪ ،‬فمفهوم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫احلياة واملوت مل يعد يتماشى مع قسمة‬
‫الوجود إىل عاملني علويّ وسفلي‪ .‬ألن التمايز‬
‫أصبح بني عامل موضوعي خيضع لسلطة‬
‫اهلل مباشرة‪ ،‬وعامل خيضع لإلنسان‪ ،‬ورحلة‬
‫املوت رحلة من الداخل النسيب إىل اخلارج‬
‫املطلق‪.‬‬
‫لقد أضحت مسألة احلرية واملسؤولية‬
‫من أهم املفاهيم اليت سيطرت على الفكر‬
‫اإلنساني يف الفلسفة املعاصرة‪ ،‬وحتولت‬
‫عالقة اهلل باإلنسان من عالقة بني اخلالق‬
‫واملخلوق إىل عالقة بني احلاكم واحملكوم‬
‫ضمن فردية حمصورة بني العقل اإلنساني‬
‫واإلرادة اإلهليّة‪..‬‬
‫إن اإلحساس العميق لتحرير الذات من آليات‬
‫الكبت امليتافيزيقية‪ ،‬قد ظهر يف منتصف‬
‫القرن التاسع عشر على يد الفيلسوف‬
‫الوجودي ( كريكجورد) الذي فرض تأثريه‬
‫على االجتاهات الفلسفية الوجودية مجيعها‪،‬‬
‫مؤمنة وملحدة وصوفية‪ ،‬فلقب جبدارة بأبي‬
‫الفلسفة الوجودية‪.‬‬
‫احلقيقة املوضوعية عند (كريكجورد)‬
‫خاصيّة عقلية مصّنة خالية من الوجد‪.‬‬
‫بينما تتسم احلقيقة الذاتية بطابع جوهر‬
‫الوجد الذي تندفع به الذات حنو موضوعها‪،‬‬
‫مصحوبة بذلك الولع الذي يصري به اإلنسان‬
‫موجوداً فاحلقيقة التكمن يف املوضوع بقدر‬
‫ماهي كامنة يف العالقة أو يف ذاتية العالقة‬
‫وليس يف موضوعيتها‪ ،‬ومن هنا نفهم‬
‫سبب فشل اإلنسان يف الوصول إىل معرفة‬
‫موضوعية باهلل‪ ،‬ألن اهلل ليس موضوعاً بل‬
‫ذاتاً تظهر لإلنسان من خالل عالقته به‪.‬‬
‫أي أن الدين احلقيقي الينجم عن الفكر بل‬
‫ينبع عن الوجود ذاته‪ .‬وهذا االستنتاج هو‬
‫الذي قلب املفهوم الديكارتي « أنا أفكر إذن‬
‫أنا موجود « إىل « أنا موجود إذن أنا أفكر‬

‫« عند (كريكجورد) ولقد بلغ متجيد الذات‬
‫اإلنسانية حداً عظيماً عند « نيتشيه « فقد‬
‫رأى أن وجود اإلنسان ليس ثابتاً بل هو وجود‬
‫متغيّر‪ -‬ودعا « نيتشيه « لتمجيد القوة‬
‫واإلرادة احلرّة والذات اإلنسانية‪ ،‬وهدم كل‬
‫ماهو غري إنساني يف املبادئ والنظم والقيم‬
‫والشرائع‪ ،‬وهذا مادعا له يقول « اهلل مات‬
‫وحلّت اإلرادة « وهو مااعتربه « هيدجر «‬
‫مبثابة خامتة للعامل امليتافيزيقي‪ .‬ويرى‬
‫« هيدجر» أنّ أيّ حبث يف الوجود يفرتض‬
‫بالضرورة البحث يف موضوع اإلنسان نفسه‪،‬‬
‫فاإلنسان هو املوجود الوحيد الذي يسأل‬
‫عن وجود الوجود وعدمه‪ ،‬وهذا ماجيعل من‬
‫املتعذر حتليل الوجود مبعزل عن املوجود‪.‬‬
‫وهو (هيدجر) من خالل تفريقه بني «‬
‫الوجود يف ذاته « و « الوجود لذاته « يلحق‬
‫صفات السلب واملفارقة والعدم باإلنسان‬
‫وحده ألنه هو الوحيد الذي اليتوقف عن‬
‫الفرار من ذاته‪.‬‬
‫الميكن أن تتوضح مسألة العدم عند «‬
‫ّ‬
‫سارتر « دون أن‬
‫يتوضح مفهومه للحريّة‪،‬‬
‫فاحلريّة كالعدم تكمن أيضاً يف صميم‬
‫الوجود‪ ،‬واإلنسان يوجد أيضاً حراً ألن‬
‫احلرية والوجود شيء واحد‪ ،‬وهي متحدة‬
‫معه وتشكل ماهيّته‪ ،‬وهذا ماجيعل اإلنسان‬
‫كائناً حمكوماً عليه باحلريّة‪.‬‬
‫ومبا أن اإلنسان حمكوم عليه باحلرية‪ ،‬فإن‬
‫مسؤوليته الشاملة جتعل من العامل عبئاً يثقل‬
‫كاهله‪ ،‬فهو مبدع األحداث‪ ،‬ومسؤول عن كل‬
‫أشكال االختالل‪ ،‬وحني حيدث املوت‪ ،‬فهو‬
‫يرحبه من هذا العبء الثقيل‪ ،‬وهذا ماجيعل‬
‫احلريّة صفة رئيسية للحياة تنتهي أي منهما‬
‫بنهاية األخرى حتماً‪.‬‬
‫ويف القسم املتعلق بسيكولوجية املوت‪ ،‬يقف‬
‫الكاتب عند مفهوم « املوت املوضوعي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪139‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫واملعادلة العقلية « يشري إىل أن احلياة هي اليت‬
‫أنتجت العقل‪ ،‬وبالتايل فإن العقل اجلزئي‬
‫غري قادر على اإلحاطة مبفهوم احلياة الكلي‬
‫واحلياة أنتجت العقل حني منحته جزءاً من‬
‫كياهنا‪ .‬ففي عقلنا قبس من الروح وهو ينمو‬
‫بقوة هذا القبس فكيف ينعكس املوت داخل‬
‫النفس؟ وكيف يتجلّى؟ وهل هناك فرق بني‬
‫وعي املوت بشكله املوضوعي‪ ،‬ووعي املوت‬
‫الداخلي الذاتي املضمر؟‬
‫إن وعي املوت يتكون من خربة عقلية نوعاً‬
‫ما‪ ،‬فكل إنسان قبل سن النضج يتعامل مع‬
‫مفهوم املوت بطريقة سلبية‪ .‬فهو يدرك أن‬
‫هناك موتاً يف احلياة لكنه اليعنيه كثرياً يف‬
‫هذه املرحلة ‪ .‬فعامل الزمن مينح الشبان نوعاً‬
‫من املناعة واالسرتخاء جتاه املوت‪ ،‬هو نفسه‬
‫مصدر القلق واخلوف‪ ،‬والتحريض الروحي‬
‫عند من وصلوا إىل سبة النضج‪ ،‬وفارق هذا‬
‫الوعي يقودنا إىل ماميكن تسميته باملوت‬
‫املوضوعي‪ ،‬واملوت الذاتي‪ ،‬وهو أمر المفر‬
‫منه‪ ،‬واليتوقف عند حدود الفعل كحدث يقع‬
‫يف العامل اخلارجي بل يسرّب داخل النفس‬
‫إلحصاء تواتر صداه العميق‪.‬‬
‫إن واقعة موت أي إنسان حتدث صدمة‬
‫وجدانية تتحلّى مبعادلة عقلية عامة‬
‫تنتمي إىل حقيقة الوجود‪ ،‬وانفعال متدرج‬
‫يف اخلصوصية ينتمي إىل طبيعة احلياة‬
‫اإلنسانية واالجتماعية‪..‬‬
‫صدمة املوت تو ّلد معادلة عقلية بالفعل‪،‬‬
‫ولكنها التبقى معلقة يف اهلواء بل ترتك أثراً‬
‫يزداد تراكماً وعمقاً ووضوحاً كلما تكررت‬
‫هذه الصدمات‪ .‬وهذا التكرار يساعد بشكل‬
‫طبيعي على حفر أنفاق ختتزهنا اخلربة‬
‫البشرية بالتدريج‪ ،‬وتراكم اخلربة يدفعنا‬
‫إىل تكيف نوعي يؤدي بنا إىل مواجهتها هو‬
‫أبعد وأعمق وأمشل وأكثر التصاقاً جبوهر‬

‫‪140‬‬

‫الوجود‪.‬‬
‫إننا بالتأكيد حني تقف أمام حلظة املوت‬
‫يفاجئنا هذا االنقسام النفسي اخلاص‪ ،‬حني‬
‫ندرك متاماً أن فينا مامل ميت بعد‪ .‬وفينا‬
‫ماقد مات بالفعل‪ ،‬وحنن النستطيع إمساك‬
‫حلظة احلاضر مهما بلغت حدّة إدراكنا‪ .‬فهي‬
‫تنزلق منّا دائماً بصورة قاهرة إىل غري رجعة‪.‬‬
‫يف القسم الثاني من الكتاب تنتشر موضوعات‬
‫متعددة مثرية لالهتمام‪ ،‬من ذلك وحتت‬
‫عنوان « املغامرة العقلية على أجنحة اخليال «‬
‫يلقي الكاتب الضوء على العالقة الكامنة بني‬
‫( دانيت واملعرّي) من حيث ثقافة عصر كل‬
‫منهما‪ ،‬يف حماولة اللتقاط الصور والرموز‪،‬‬
‫كما صاغها عقل كل منهما يف رحلته الروحية‬
‫إىل العامل اآلخر‪ ،‬فقصة اإلسراء واملعراج كان‬
‫هلا دور كبري يف جعل مغامرة الروح يف العامل‬
‫اآلخر أمراً يستحق االهتمام خاصة وأهنا قد‬
‫ترمجت إىل االسبانية والفرنسية والالتينية‪.‬‬
‫إن دقة الوصف فيها متثل رحلة تزداد‬
‫شفوفية وصفاء واقرتاباً من جوهر الكمال‪،‬‬
‫كما متثل أقصى توازن ميكن للعقل البشري‬
‫أن يصل إليه‪ ،‬فالصور وهي مطلقة احلضور‬
‫تنفتح دائماً على خمزون من احلضور األغنى‬
‫واألكمل‪.‬‬
‫ورغم أن عدداً من الكتاب قد فسّروا‬
‫« رسالة الغفران « على ضوء اخللفية‬
‫السياسية والعقائدية للمعرّي لكن هذا‬
‫المينع أن تأخذ الرسالة صورة املقارنة بني‬
‫سكان الدنيا‪ ،‬وسكان اآلخرة‪ ،‬وهي مقارنة‬
‫حتاول أن تكشف املدى الذي حيتله اإلنسان‬
‫على سلم الكمال‪ ،‬واحلجم الذي ميثله داخل‬
‫العامل املطلق‪ ،‬وإىل جانب الكثري من القيم‬
‫األدبية والفكرية واألخالقية اليت قدمها‬
‫املعري‪ ،‬فإنه مل خيرج من الناحية العقلية‬
‫عن حدود الصور اليت قدمها القرآن الكريم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫للعامل اآلخر‪ .‬فحني يبدو له أن ّ‬
‫يطلع إىل أهل‬
‫النار فينظر إىل ماهم فيه يعظم شكره على‬
‫النعيم‪ ،‬ويستمر يف بناء أحداث الرحلة متكئاً‬
‫على صور العامل اآلخر كما وردت يف القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬فهو مل يعكس صوراً جديدة للعامل‬
‫اآلخر‪ ،‬وكل مايف األمر أن صور وأبعاد هذا‬
‫العامل كانت مرسومة أمام عينيه‪ ،‬وماكان‬
‫عليه إال أن حيرّك بطله « ابن القارح « ضمن‬
‫األوضاع واحلاالت اليت يريد استخدامها‬
‫يف اجلحيم أو يف النعيم ‪ .‬أما (دانيت) فقد‬
‫كان متأثراً باألفالطونية احلديثة حني طرح‬
‫العامل اآلخر على شكل تسع حلقات أو دوائر‬
‫أو مراحل‪ .‬فاجلحيم عنده مقسم إىل تسع‬
‫دوائر كل منها داخل األخرى ويتدرّج العذاب‬
‫شدة وقسوة من اخلارج إىل الداخل‪ ،‬ويبلغ‬
‫أقصى مداه يف دائرة املركز‪ ،‬ويف هناية‬
‫اجلحيم حني تقع عيناه على إبليس اعرتاه‬
‫اخلوف بسبب مظهره املخيف‪ ،‬فسارع إىل‬
‫اخلروج برفقة دليله « فرجيل « الشاعر‪.‬‬
‫ومتثل رحلة دانيت يف اجلحيم والنعيم‬
‫خالصة ألقصى مايستطيع العقل أن يتصوّره‬
‫عن العامل اآلخر وهذا فرق جوهي بني‬
‫(دانيت واملعري) نظراً الهتمام املعري بالقيم‬
‫األدبية أكثر من الصور امليتافيزيقية‪ .‬ويرى‬
‫بعض النقاد أن رسالة « التوابع والزوابع «‬
‫البن شهيد‪ .‬قد سبقت « رسالة الغفران «‬
‫للمعرّي يتسع سنوات على األقل‪..‬‬
‫ومن املوضوعات األخرى يف القسم‬
‫يستوقفنا عنوان هام وهو « من املوت إىل‬
‫مابعد املوت « حياول من خالله اإلجابة عن‬
‫سؤال يتعلق بالعقل اإلنساني‪ ،‬وهو ‪ :‬هل كان‬
‫العقل اإلنساني يسري حتى اآلن يف طريقه‬
‫الصحيح؟ ويشري املؤلف إىل أن أغلب اإلجابات‬
‫عن هذا السؤال كانت إجيابية‪ .‬ولكن هناك‬
‫تساؤالت أخرى التزال إجاباهتا غامضة‪،‬‬

‫من ذلك مسألة املوت والروح والعقل‪ ،‬وهي‬
‫مسألة تثري اجلدل إىل حدّ كبري‪ .‬فقد كانت‬
‫الروح والتزال نقطة استقطاب كربى يف‬
‫الفكر البشري‪ .‬وكل النتائج اليت توصل إليها‬
‫اإلنسان كانت افرتاضية كان اخليال عنصراً‬
‫رئيساً يف تركيبها‪ ،‬ولذلك يرى املؤلف أنه‬
‫آن األوان لالنتقال من الفرضيات اجملرّدة‬
‫عن الروح إىل الرباهني‪ ،‬وعلى ضوء النتائج‬
‫املتوفرة‪ ،‬حيق لكل إنسان أن يتساءل عما إذا‬
‫كان علم الروح احلديث قد جنح يف مسعاه‪،‬‬
‫وإىل أي مدى وصل؟‬
‫يعرتف العقل البشري أن املوت جزء من‬
‫الطبيعة‪ ..‬ألن قانون التحوّل هو قانون‬
‫احلياة‪ ،‬ويف قلب كل حتول يكمن موت نوعي‬
‫خاص‪ .‬لكن العقل اليزال يأبى يف أعماق‬
‫تكويناته أن خيضع هلذا التحول‪ ،‬ألنه اليزال‬
‫يرى تناقضاً قوياً بني ضعف وتفكك البنية‬
‫العضوية مقابل منو قوي للوعي واإلدراك‪،‬‬
‫وهذا التناقض يف قانون النمو بني املادة‬
‫والفكر مينح العقل البشري حقاً جوهرياً يف‬
‫التساؤل عما إذا كان مبدأ التحوّل والتحلّل‬
‫والعودة إىل عناصر الطبيعة األوىل يف دورهتا‬
‫األزلية ينطبق عليه أيضاً؟‬
‫وحني حياول اإلنسان أن يكتشف سبب‬
‫اخلوف الكامن يف أعماق العقل يصطدم‬
‫بسلطة العقل السياسية فهو الذي يسمح لنا‬
‫أن ندخل إىل رحابه أو نبتعد‪ .‬وحينذاك يبقى‬
‫السؤال حائراً‪ ،‬ويبقى كل مانسميه روحاً‬
‫إمنا هو حيّز من الصّدى الوجودي الناشيء‬
‫عن ديناميكية املادة احلية‪ ،‬واليت الميكنها‬
‫أن تبقى حية دون حركة أو منوّ‪ ،‬أما حني‬
‫تفشل الديناميكية باالستمرار فإن ماحيدث‬
‫بعد ذلك هو الذي ميثل اآلن مغامرة العقل‬
‫الدائمة داخل علم الروح احلديث سعياً وراء‬
‫اكتشافه‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪141‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إن البحث يف مسألة مابعد املوت ترتبط‬
‫بشكل رئيس باملنهج العلمي وضرورة االلتزام‬
‫به خوفاً من التسرّع والالموضوعية‪ .‬ولذلك‬
‫فقد اهتمت مؤسسات وجامعات كثرية‬
‫ومؤمترات دولية باستقصاء املعلومات‬
‫املتوفرة‪ ،‬ومقارنتها وحتليلها بدقة وحذر‪.‬‬
‫لقد نظر البحث العلمي املوضوعي إىل‬
‫ثنائية الروح واجلسد يف املاضي على أهنا‬
‫أوهام واعتقادات شعبية أما يف عصرنا‬
‫الراهن فإنه يأخذها مأخذ اجلدّ‪ ،‬مستعمالً‬
‫مصطلحات جديدة لإلشارة إىل الروح مثل‬
‫« البالدما احليويّة « أو « الطاقة احملركة‬
‫للنفس « وقد أيّد عدد من العلماء فكرة أن‬
‫اإلنسان ميلك قريناً ذا جوهر دقيق جداً‬
‫غري مرئي عادة يشبه إىل حدّ بعيد « طيف‬
‫اجلاذبية « الفعّال الذي يتمتع بدقة التفكري‬
‫وبالسرعة‪ ،‬هذا القرين يكوّن املفرّ احلقيقي‬
‫للشخصية املدركة‪ .‬وليس اجلسد أو الدماغ‪،‬‬
‫إنه هو الذي حييي اجلسد ويكوّن الركيزة‬
‫احلقيقية للعاطفة واإلرادة والتفكري‪.‬‬
‫هناك حماوالت طبية رصدت ظاهرة املوت‬
‫املؤقت أو رؤى املختصرين الذين تعرّضوا‬
‫للموت اجلزئي بسبب توقف القلب‪ ،‬ففقدوا‬
‫فيها احلياة ملدة وجيزة ثم ارتدّوا إىل احلياة‬
‫ثانية بفضل وسائل اإلنعاش الطيب‪.‬‬
‫ويؤكد بعض املختصني على أمهية اخلربات‬
‫اليت حيصل عليها احملتضرون‪ ،‬إذ من‬
‫السهولة برأيهم االستمرار بشكل الهنائي‬
‫يف صياغة تفسريات من هذا النوع‪ .‬ويعرتف‬
‫بعضهم بأن من يودّ اعتبار هذه التجارب‬
‫برهاناً على البقاء يف العامل اآلخر سيصطدم‬
‫بثالثة موانع ترتبط مبانع هام وهو أن هذه‬
‫القصص هلا طابع اإلخبار وبالتايل التعترب‬
‫شهادة هؤالء الناس برهاناً‪ ،‬فقد يكذبون‪ ،‬أو‬
‫يعجزون عن التذكر‪ ،‬وقد يكونون من ضحايا‬

‫‪142‬‬

‫هلوسة‪ .‬ولذلك يقرتح هؤالء املختصون‬
‫تكوين فريق منظم للدراسات يضم يف‬
‫عضويته أشخاصاً يف االختصاصات كافة‬
‫طبية ونفسية ودينية وغريها‪ .‬يقوم جبمع‬
‫تقارير جتارب احملتضرين ودراستها وإجراء‬
‫حتقيقات هامة‪ ،‬وعقد لقاءات مع األشخاص‬
‫احملتضرين من أجل تبادل األفكار وتوضيحها‬
‫بغية الوصول إىل نتائج موضوعية أكثر دقة‪.‬‬
‫وخيتتم املؤلف كتابه بالبحث يف علم الروح‬
‫احلديث من الكائن إىل الكون ومن الكون إىل‬
‫الكائن مشرياً إىل أن القوى الطبيعية تشكل‬
‫جزءاً رئيساً من العامل غري املنظور الذي‬
‫يتساءل املؤلف بشأنه ليقول‪ :‬هل هو العامل‬
‫اآلخر كما تصورته األساطري والفلسفات‬
‫واألديان؟ أم هو جمرّد عامل ثان قد يتلوه‬
‫عامل ثالث وراع ضمن ترتيب كوني ال ندري‬
‫عنه شيئاً حتى اآلن؟‬
‫يؤكد كثري من العلماء الفيزيائيني والفلسفيني‬
‫يف اجلامعات ومراكز البحوث العلمية على‬
‫وجود طاقة داخل اإلنسان مل يستخدم سوى‬
‫جزء منها‪ .‬وأن هذه الطاقة متلك سلطة على‬
‫املادة‪ ،‬يطلق عليها املواهب أو اإلحساسات‬
‫غري العادية‪ .‬أو الذكاء املستور‪ .‬وأن هذه‬
‫السلطة مل يتمّ حتديدها وتفسريها وكل‬
‫البحوث اليت جترى اآلن هي حماولة إلثبات‬
‫أن هذه الطاقة تبقى بعد املوت ولكن دون‬
‫تأكيد مطلق على ذلك من حيث ثباته أم‬
‫عدمه‪ .‬ولذلك يتساءل املؤلف هنا عن املوت‬
‫قائالً هل هو خروج من اجلسد‪ ،‬أم خروج من‬
‫الكون؟ فالعقل اإلنساني القلق املتوتر العارف‬
‫رحلة فنائه اليت قد تأتي يف أية حلظة‪،‬‬
‫الينتظر تلك اللحظة حبيادية مطلقة بل إنه‬
‫يتخيل أسلوباً ملوته املتوقع‪ ،‬كما أنه يلحظ‬
‫دائماً احتمال بقائه حياً بعد املوت على شكل‬
‫غامض مبهم‪ .‬وكأن شيئاً سحرياً خاصاً البدّ‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫أن يظهر يف أعماق سرّ خارق ينتمي إىل طاقة‬
‫متلك القدرة على احتواء الشيء الذي ال ميكن‬
‫امتالكه‪ ،‬ورؤية ماالميكن رؤيته‪ ،‬والنفاذ داخل‬
‫ماالميكن النفاذ إليه‪ ،‬وقدرة البقاء خارج‬
‫األشياء‪ ،‬وقوة التأثري يف كل األشياء‪.‬‬
‫ويؤكد املؤلف على أن علم الروح احلديث‬
‫يتحول ليصبح علم املستقبل بعدما تبيّن أنه‬
‫أكثر خطورة من جمرد دراسة الظواهر غري‬
‫املألوفة وغري العادية‪ ،‬فقد أخذ يعيد النظر‬
‫يف التكوين الذري للمادة والطاقة ونظرية‬
‫النسبية واالهتزاز والكهرباء واملغناطيسية‬
‫واإلشعاعات وما وراء النفس واملادة‪.‬‬
‫إن أول حقيقة جوهرية يؤكدها علم الروح‬
‫احلديث هي « أن شعلة احلياة ال تنطفئ‬
‫باملوت فجأة‪ ،‬فكل حياة حلقة تقودنا حللقة‬
‫أخرى‪ ،‬وكل حلقة هي أرحب وأوسع وأعمق‬
‫من أية حياة سابقة‪.‬‬
‫فكيف ينظر علم الروح احلديث إىل اجلسد‬
‫األثريي؟ يقول املؤلف وبشكل خمتصر‬
‫إن اجلسد األثريي كيان مادي ذو اهتزاز‬
‫فيزيائي خاص يفوق يف درجة تؤثره درجة‬
‫االهتزاز املادي للجسد العادي‪ ،‬وهو يتشكل‬
‫منذ البداية مع اجلسد العضوي‪ ،‬وبدونه‬
‫الميكن االرتباط بني اجلسد العضوي والروح‬
‫مبعناها القدسي‪ ،‬وبالتايل فاجلسد األثريي‬
‫ميثل اإلنسان احلقيقي املختفي وراء القناع‬
‫املادي املضلل‪ ،‬وبالتايل فإن احلبل األثريي‬
‫ينقطع بني اجلسد العضوي واجلسد األثريي‬
‫ساعة املوت وعندها تنفصل الطاقة عن‬
‫املادة‪.‬‬
‫واجلسد األثريي هو الذي يفسر وجود الوعي‬
‫املستقل الذي خيلق صلة مابني الفردي‬
‫اجلزئي والكوني املطلق‪ ،‬كما ميثل الرابطة‬
‫احلقيقية اجلهاز العصيب واملستودع الكوني‬
‫للطاقة حبسب التعبري « الثيوصويف « كما‬

‫يقابل اجلسد املطابق أو املثال األصلي‪ ،‬كما‬
‫تسميه « الباراسيكولوجيا «‪.‬‬
‫وخيتتم املؤلف كتابه بالقول إن احلقيقة بعيدة‬
‫متعالية والكون ينطوي على ماليني األسرار‪،‬‬
‫واحلياة أفق شاسع ومدى الرؤية حمدود‪،‬‬
‫واملستقبل اليزال لغزاً غامضاً خمتفياً وراء‬
‫حجب الضباب‪ ،‬واإلنسان الذي بذل جهداً يف‬
‫حماولة لكشف الغطاء عن سرّ املوت اليزال‬
‫ميوت يف كل يوم ويف كل حلظة وإن فكرة‬
‫اخللود اليت سعى إليها بكل ماميلك ماتزال‬
‫فكرة جمرّدة‪ ،‬فالربهان على بقاء الوعي‬
‫واجلسد األثريي بعد املوت الميكن استيعابه‬
‫إال يف نطاق احلركة الدورية املتبادلة بني‬
‫املادة والطاقة‪ ،‬وخلود الروح اليأخذ معناه‬
‫احلقيقي إال من خالل الصريورة والتحول‪.‬‬
‫وإذا كان من الطبيعي أن ننظر للحياة‬
‫باعتبارها حالة وكالّ موحّداً‪ .‬فإن الكون‬
‫بأكمله ميثل يف األصل حقيقة واحدة تنمو‬
‫وتتطور ضمن قانون عام شامل‪.‬‬
‫إن مبدأ احلياة الميكن فهمه إال من خالل‬
‫منظور شامل‪ ،‬فهناك جمموعة من الشروط‬
‫ينبغي هلا أن تتوفر‪ ،‬وحني تتوفر تنبثق احلياة‬
‫كالينابيع اليت تنفجر من أعماق األرض‪ ،‬وأن‬
‫كل جهد تقوم به الروح أو الوعي أو الطاقة‬
‫بعد ذلك هو احملاولة املستميتة جلمل هذه‬
‫الشروط شروطاً أزلية ومبا أن مبدأ النسبية‬
‫هو مبدأ املوجودات واحلقائق يف الكون‬
‫املتفاعل واملستمر فإن املوت واحلياة ضمن‬
‫هذا املسار احلتمي جمرّد وظيفة تقوم هبا‬
‫سائر الكائنات احليّة ضمن شروط طبيعية‬
‫يكفلها لنا هذا الكوكب الذي ننتمي إليه‪ ،‬أما‬
‫حني نبتعد عنه‪ ،‬أو يصبح غري موجود لسبب‬
‫أو آلخر‪ ،‬فإن كل هذه الشروط وهذه القوانني‬
‫تسقط تلقائياً‪ ،‬ويصبح مفهوم احلياة واملوت‬
‫مفهوماً المعنى له على اإلطالق‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪143‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الطائرة‪..‬‬
‫الحلم األزلي الذي يفخر اإلنسان بتحقيقه‬
‫بريهان فارس عيســى‬

‫فكرة التحليق يف الفضاء هلا العديد من العوامل‬
‫امل��ادي��ة وامل��ع��ن��وي��ة‪ ،‬ول��ذل��ك لبث اإلن��س��ان يف سعي‬
‫متواصل إليها إىل أن بلغ مراده‪ .‬التحليق يف الفضاء‬
‫خيفف عن اإلنسان شيئاً من معاناته النفسية بالدرجة األوىل‬
‫فهو يشعر بأنه ابتعد عن األرض‪ ،‬وبالتايل ابتعد عن مصدر‬
‫األمل الذي لقيه يف املكان‪ .‬من الناحية األخرى فاإلنسان لديه‬
‫رغبة دائمة للتوصل إىل اكتشافات جديدة‪ ،‬فهو الذي ميشي يف‬
‫األرض على قدميه‪ ،‬أراد أن يقلد األمساك‪ ،‬فيغطس ويعوم يف‬
‫املياه‪ ،‬ثم أراد أن يقلد الطيور فيحلق كذلك يف الفضاء‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫لبث اإلنسان لعصور طويلة وهو حيلم بالتحلق‬
‫يف السماء كالطيور من أجل أن يصل األماكن‬
‫ال�تي يبتغيها بأقرب وق��ت‪ ،‬وكذلك حتى يقي‬
‫نفسه خماطر املسري يف الصحراء اخلالية‪.‬‬
‫الفضاء بالنسبة لإلنسان هو األمان مهما كان‬
‫الوقت‪ ،‬فال توجد وحوش كاسرة أو حيوانات‬
‫مفرتسة يف الفضاء ميكن هلا أن هت��دد حياة‬
‫اإلن��س��ان‪ .‬ثم من الناحية األخ��رى فقد سعى‬
‫هذا اإلنسان الستخدام الفضاء أيضا مثلما‬
‫يستخدم األرض‪ ،‬فولدت األفكار يف سبيل أن‬
‫يتمكن اإلنسان من الطريان‪ ،‬بيد أن هذه األفكار‬
‫مل تتكلل بالنجاح ففشل يف أن يكون مثل الطري‬
‫يذهب حيثما يشاء ’ لكنه جنح يف أن خيرتع‬
‫طائرة حتمله وتطري به يف الفضاء بدرجات‬
‫أعلى من الطيور اليت كان ينظر إىل تقليدها‪،‬‬
‫فيمكن للراكب أن حيلق يف ارتفاعات ترتاوح‬
‫بني ‪ 9،000‬و‪13،000‬م فوق سطح األرض‪ .‬كما‬
‫يستطيع املسافرون مشاهدة فيلم سينمائي أو‬
‫االستماع إىل املقطوعات املوسيقية وخالفها‪.‬‬
‫وتتسع الطائرة النفاثة الضخمة حلمل حنو‬
‫‪ 500‬راكب‪.‬تطري الطائرات الصاروخية وهي‬
‫الطائرات األكثر سرعة بسرعات تزيد على‬
‫‪7،240‬كم‪/‬ساعة‪.‬‬
‫حلم التحليق يف الفضاء‬
‫إنه احللم األزيل الذي يتوارثه اإلنسان‪ ،‬حلم أن‬
‫يستطيع أن يفق جبناحني متى شاء ويرتفع إىل‬
‫الفضاء ليبلغ املكان الذي يرتئه‪.‬‬
‫روى ق��دم��اء اليونانيني قصة خم�ترع يدعى‬
‫دي��دال��وس واب��ن��ه إي��ك��اروس ك��ان��ا ق��د ط���ارا يف‬
‫اهلواء بأجنحة من الريش والشمع‪ .‬وملا اقرتب‬
‫إي��ك��اروس ك��ث�يرًا م��ن ق��رص الشمس تسببت‬
‫حرارهتا يف انصهار أجنحته‪ ،‬وسقط يف مياه‬
‫البحر وغرق ‪.‬‬
‫وحنو عام ‪400‬ق‪.‬م‪ ،‬صنع عامل يوناني يدعى‬
‫أرشيتاس محامة خشبية تتحرك يف اهل��واء‪.‬‬

‫ومل يعرف ل�لآن كيف استطاع أرشيتاس أن‬
‫جيعل ه��ذه احلمامة تطري‪ .‬ويُعتقد أن��ه قام‬
‫بربط هذا الطائر بذراع دوار‪ ،‬واستخدم خبارًا‬
‫أو غازًا لتحريكه يف اجتاه دوران��ي‪ .‬وفيما بني‬
‫‪ 400‬ق‪.‬م­ ‪300‬ق‪.‬م‪ ،‬اكتشف الصينيون طريقة‬
‫تصنيع الطائرة الورقية‪ ،‬وهي شكل من أشكال‬
‫الطائرات الشراعية‪ .‬وبعد ف�ترة استخدمت‬
‫الطائرات الورقية حلمل أشخاص يف اهلواء‪.‬‬
‫وخ�لال القرن الثالث قبل امليالد‪ ،‬قام العامل‬
‫الرياضي واملبتكر الكبري‪ ،‬اليوناني اجلنسية‬
‫أرمخ��ي��دس‪ ،‬باكتشاف سبب طفو األج��س��ام‬
‫وكيفيته‪ .‬ويف عام ‪880‬م‪ ،‬قام عباس ابن فرناس‬
‫(العربي األندلسي املتوفى عام ‪887‬م) مبحاولة‬
‫للطريان بعد أن صنع لنفسه جناحني من الريش‪،‬‬
‫ولكنه فشل يف حماولته‪ .‬ويف حنو عام ‪1290‬م‪،‬‬
‫سجل راهب إجنليزي يدعى روجر بيكون‪ ،‬أن‬
‫اهلواء مثله مثل املاء حيتوي على جسيمات صلبة‬
‫واستنتج بيكون‪ ،‬بعد أن درس أفكار أرمخيدس‪،‬‬
‫أنه إذا أمكن بناء النوع الصحيح من املركبات‪،‬‬
‫فسوف يرفعها اهلواء كما يرفع املاء السفن‪ .‬ويف‬
‫حنو عام ‪1500‬م‪ ،‬رسم الفنان واملبتكر اإليطايل‬
‫ليوناردو دافينشي جهاز األورنيثوبرت‪ ،‬وهي‬
‫طائرة ذات جناحني خفاقني كأجنحة الطيور‪.‬‬
‫ويف عام ‪1680‬م‪ ،‬أثبت العامل الرياضي اإليطايل‬
‫جيوفاني بوريللي‪ ،‬استحالة أن يطري اإلنسان‬
‫عن طريق رفرفة األجنحة‪ .‬فقد أثبت بوريللي‬
‫أن عضالت جسم اإلنسان أضعف من أن تتمكن‬
‫من حتريك األسطح الكبرية املطلوبة لرفع وزنه‬
‫يف اهلواء‪.‬‬
‫وحتقق احللم الكبري‬
‫ما دام اإلنسان يصر على فكرة ويعمل بإخالص‬
‫م��ن أجلها ف��إن��ه يتقدم يف مسعاه ففي عام‬
‫‪1783‬م استطاع فرنسيان أحدمها طبيب يدعى‬
‫ج��ان ف‪.‬ب��ي�لات��ر دي روزي��ي��ه‪ ،‬والثاني‬
‫يدعى املاركيز دي أرالن���د‪ ،‬تنفيذ أول‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪145‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫طريان لإلنسان داخل آلة خمرتعة‪ .‬فقد متكنا‬
‫من الطريان ملسافة تزيد على ‪8‬كم فوق مدينة‬
‫باريس يف بالون كتاني كبري‪ .‬وقام بتصنيع هذا‬
‫البالون فرنسيان يعمالن يف مهنة تصنيع الورق‬
‫مها األخ��وان جاك وجوزيف منتجولفري‪ ،‬ومت‬
‫ملء املنطاد باهلواء الساخن الناتج عن حرق‬
‫بعض اخلشب والقش‪ ،‬وهو ما رفعهما يف اجلو‪.‬‬
‫قام األخوان منتجولفري بتصنيع مناطيد ناجحة‬
‫أخ��رى‪ ،‬وأصبح ط�يران ه��ذه البالونات حافز‬
‫ملبتكرين آخ��ري��ن‪ ،‬ف��ب��دؤوا يف اس��ت��خ��دام غاز‬
‫اهليدروجني وه��و غ��از أخ��ف من اهل��واء لرفع‬
‫بالوناهتم يف اهلواء‪ .‬وكان التحكم يف البالونات‬
‫وتوجيهها صعباً للغاية‪ ،‬لكن املبتكرين استمروا‬
‫يف إج��راء جتارهبم عليها حتى استطاعوا يف‬
‫منتصف القرن التاسع عشر ابتكار املنطاد‬
‫(السفينة اهلوائية)‪.‬‬
‫وق����د ُز ِودّ امل���ن���ط���اد مب���ح���رك���ات وم������راوح‪،‬‬
‫ف��أص��ب��ح أس��ل��س ق��ي��ادة م��ن ال��ب��ال��ون‪ ،‬ال��ذي‬
‫ك��ان م��ن غ�ير املمكن التحكم يف خ��ط س�يره‪.‬‬
‫ويف هذه الفرتة‪ ،‬حوَّل بعض املبتكرين انتباههم‬
‫حنو الطائرات الشراعية‪ ،‬اليت هي أثقل من‬
‫اهلواء‪.‬‬
‫ففي ع��ام ‪1804‬م‪ ،‬ق��ام ال��س�ير ج���ورج كايلي‬
‫وهو مبتكر بريطاني ببناء أول طائرة شراعية‬
‫ناجحة‪ .‬ومل تكن سوى طائرة صغرية تطري دون‬
‫ركاب‪ .‬وقام كايلي بعد ذلك ببناء طائرة شراعية‬
‫ناجحة حبجم كامل‪ ،‬وق��د محلت إح��دى هذه‬
‫الطائرات سائق عربته مرغماً عرب واد صغري‪.‬‬
‫وقد أسس كايلي ً‬
‫أيضا علم الديناميكا اهلوائية‬
‫ل��دراس��ة ت��أث�ير س��ري��ان اهل���واء ح��ول األج��س��ام‬
‫ورمبا كان هو أول من وصف الطائرة على أهنا‬
‫ذات حمرك وجناح ثابت وأهنا تندفع يف اهلواء‬
‫بوساطة املراوح األمامية‪.‬‬
‫وفيما بني عامي ‪1891‬و ‪1896‬م‪ ،‬استطاع أو ّتو‬
‫ليلينتال األملاني إجراء أول طريان شراعي ناجح‬
‫حيمل راكبًا يتوىل بالفعل قيادة الطائرة‪ .‬وقبل‬

‫‪146‬‬

‫هناية القرن التاسع عشر قام مبتكرون آخرون‪،‬‬
‫من بينهم بريسي بيلتشر الربيطاني‪ ،‬و أوكتيف‬
‫تشانيوت األمريكي‪ ،‬بطلعات شبيهة‪ .‬وقد بنيت‬
‫بعض هذه الطائرات الشراعية األوىل بصورة‬
‫جيدة‪ ،‬حتى إهنا محلت طياريها مئات األمتار‬
‫يف اهلواء‪.‬‬
‫ل��ك��ن ق���ي���ادة ال���ط���ائ���رات ال��ش��راع��ي��ة ك���ان يف‬
‫م��ع��ظ��م األح������وال أم�����راً ع���س�ي�راً‪ ،‬ب��اإلض��اف��ة‬
‫إىل أهن��ا مل تكن مصممة حلمل ال��رك��اب أو‬
‫البضائع‪ ،‬فلم تكن لذلك وسيلة عملية من‬
‫وس��ائ��ل ال��ن��ق��ل‪ .‬ان��ظ��ر‪ :‬ال��ط��ائ��رة ال��ش��راع��ي��ة‪.‬‬
‫شغف الشابان األمريكيان‪ ،‬أورفيل وويلرب رايت‬
‫بالطريان خالل التسعينيات من القرن التاسع‬
‫عشر امليالدي جبانب إدارهتما ورشة لتصنيع‬
‫ال��دراج��ات تقع يف بلدة دايتون بوالية أوهايو‬
‫األمريكية‪.‬‬
‫ق��رأ األخ���وان الكتب ال�تي ع��ث��را عليها وال�تي‬
‫تتحدث عن الطريان‪ .‬وبدآ عام ‪1899‬م يف بناء‬
‫طائرهتما الشراعية‪ .‬ويف العام التايل مباشرة‬
‫شرعا بالقيام بطلعات جوية هلذه الطائرات‬
‫قرب كييت هوك بوالية كارولينا الشمالية‪ ،‬وهي‬
‫منطقة تتصف بسكون الريح وكثرة الكثبان‬
‫الرملية‪ .‬وبعد كثري من احمل��اوالت‪ ،‬متكنا من‬
‫تنفيذ نظام يكفل التحكم يف قيادة الطائرة أثناء‬
‫الطريان‪.‬‬
‫التجربة التحولية الكربى‬
‫يف عام ‪1903‬م‪ ،‬قام األخ��وان راي��ت ببناء أول‬
‫طائرة هلما وأطلقا عليها اسم فالير‪ .‬وزودت‬
‫الطائرة جبناح مزدوج وحمرك احرتاق داخلي‬
‫قدرته ‪12‬حصاناً (أي ما يعادل ‪ 9‬كيلوواط)‪.‬‬
‫ُصنعت األجنحة من اهلياكل اخلشبية املغطاة‬
‫بقماش قطين‪ ،‬وك��ان طوهلا م��ن ال��ط��رف إىل‬
‫الطرف ‪12،29‬م‪ .‬ويكون قائد الطائرة فوق‬
‫اجلناح السفلي‪ ،‬بينما يدفع احملرك املثبت على‬
‫ميينه مروحتني خشبيتني مثبتتني خلف اجلناح‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫وبدالً من العجالت‪ ،‬زودت الطائرة بزحافات‬
‫خشبية‪ ،‬وقبل كل شيء‪ ،‬زودت الطائرة بنظام‬
‫التحكم الناجح ال��ذي ك��ان األخ���وان راي��ت قد‬
‫ابتكراه لطائرهتما الشراعية‪.‬‬
‫ومن أهم مالمح هذا النظام‪ ،‬اجلهاز اخلاص‬
‫بعطف طريف اجلناح عند احلاجة للمحافظة‬
‫على توازن الطائرة أثناء الطريان‪ .‬ويرتكب هذا‬
‫اجل��ه��از م��ن سلك م��رب��وط إىل ط��ريف اجلناح‬
‫متصل حبامل مثبت حول رديف الطيار‪.‬‬
‫ويستطيع الطيار حت��ري��ك ردف��ي��ه إىل طرف‬
‫أحد اجلناحني أو اآلخر للمحافظة على اتزان‬
‫الطائرة‪ ،‬وكذلك للتحكم يف قيادهتا يف أثناء‬
‫الطريان‪.‬‬
‫و يف ‪ 17‬ديسمرب عام ‪1903‬م‪ ،‬أصبح أورفيل‬
‫رايت أول إنسان يطري بنجاح بطائرة أثقل من‬
‫اهلواء تندفع آليًا‪ .‬ومت هذا الطريان قرب بلدة‬

‫كييت ه��وك‪ .‬وأطلق األخ��وان الطائرة من فوق‬
‫قضيب ط��ول��ه ‪18‬م وض��ع على سطح رملي‬
‫مستو‪.‬‬
‫وعندما أقلعت الطائرة طارت يف اهلواء ملسافة‬
‫‪37‬م بسرعة تصل إىل حنو ‪48‬كم‪/‬ساعة ولفرتة‬
‫تقرب من ‪ 12‬ثانية فقط‪ .‬ويف نفس اليوم كرر‬
‫األخوان رايت احملاولة ثالث مرات‪ ،‬كانت أطول‬
‫طلعة من بينها من نصيب ويلرب ال��ذي قطع‬
‫‪260‬م يف ‪ 59‬ثانية‪.‬‬
‫ومل يتنبه معظم الناس فيماعدا قلة من املهتمني‬
‫إىل ماحققه األخوان رايت‪ .‬لكنهما على الرغم‬
‫من ذل��ك استمرا يف إج��راء التحسينات على‬
‫طائرهتما‪ .‬ثم متكنا يف هناية عام ‪1905‬م من‬
‫بناء أول طائرة وإطالقها‪ ،‬وكانت ق��ادرة على‬
‫امل��ن��اورة الكاملة ومستمرة يف الطريان‬
‫ألك��ث��ر م��ن ن��ص��ف س��اع��ة م��ت��واص��ل��ة يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪147‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املرة الواحدة‪ .‬ومل يتم االعرتاف الرمسي هبذه‬
‫الطلعات ألنه مل يشاهدها أي من األشخاص‬
‫احلكوميني‪.‬‬
‫ويف ف���رن���س���ا ع�����ام ‪1908‬م‪ ،‬ق�����ام وي��ل�بر‬
‫ب�����أول ط��ي��ران ع����ام رمس����ي أده�����ش خ�لال��ه‬
‫ال���ع���امل ب���ق���درات ط��ائ��رت��ه ع��ل��ى ال���ط�ي�ران‪.‬‬
‫حماوالت تطوير الطائرة‬
‫أج��ري��ت خ�لال ف�ترة الثالثينيات م��ن القرن‬
‫العشرين العديد من التحسينات اهلندسية‪،‬‬
‫جعلت م��ن املمكن ل��ل��ط��ائ��رات أن ت��ك��ون أكرب‬
‫حجماً‪ ،‬وأن تطري بسرعات أكرب‪ ،‬وملسافات أبعد‪،‬‬
‫والرتفاعات أعلى‪ ،‬وأن تنقل محوالت أثقل‪.‬‬
‫واستطاع املهندسون استناداً إىل التقدم يف علم‬
‫الديناميكا اهلوائية أن جيعلوا طائراهتم أكثر‬
‫انسيابية بدرجة جتعلها تشق طريقها خالل‬
‫اهلواء بيسر‪ .‬انظر‪ :‬التصميم االنسيابي‪.‬‬
‫واجه الطيارون والركاب مشكلة صعوبة التنفس‬
‫بسبب تناقص اهلواء عند االرتفاعات العالية‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬صمم املهندسون ال ُقمَرات املضبوطة‬

‫‪148‬‬

‫الضغط اليت جعلت التنفس عند ارتفاع ‪9،000‬م‬
‫بنفس سهولته عند ارتفاع ‪2،000‬م‪.‬‬
‫كذلك قاموا بتصميم املراوح اليت ميكن التحكم‬
‫يف مقدار خطوهتا مما مسح للطيارين بإعادة‬
‫ضبط وضع ريشة املروحة عند أفضل زاوية‬
‫هلا عند كل سرعة طريان‪ .‬كذلك كان التحسني‬
‫يف معدات االتصال الالسلكي سبباً يف متكني‬
‫ال��ط��ي��اري��ن م��ن تلقي تعليمات ال��ط�يران من‬
‫احملطات األرضية‪.‬‬
‫أم���ا ال��رب��ان اآليل (أو األوت���وم���ات���ي) الطيار‬
‫اجلريوسكوبي فقد بدأ يف العمل خالل الثالثينيات‬
‫من القرن العشرين‪ ،‬وكان سبباً يف زيادة دقة‬
‫املالحة اجلوية‪ ،‬ويف مساعدة الطيارين على‬
‫جتنب اإلرهاق الزائد خالل الرحالت الطويلة‪.‬‬
‫واستُخدمت التحسينات الرئيسية املتاحة كافة‬
‫يف ذلك الوقت لتصميم واحدة من أجنح الطائرات‬
‫على اإلطالق وتصنيعها‪ ،‬وهي الطائرة دوجالس‬
‫دي‪ .‬سي ‪ 3‬األمريكية‪ .‬وقامت ه��ذه الطائرة‬
‫ثنائية احملرك بأول رحلة جوية حتمل ركاباً عام‬
‫‪1936‬م‪ .‬وهي تستطيع محل ‪ 21‬راكباً‪ ،‬وتطري‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫بسالم عند سرعة تصل إىل ‪ 274‬كم‪ /‬ساعة‪،‬‬
‫وسرعان ما أصبحت طائرة النقل الرئيسية‬
‫ل��دى خطوط ال��ط�يران الكربى يف كافة أحناء‬
‫العامل‪ .‬وحتى اآلن‪ ،‬مازالت الطائرات من طراز‬
‫دي‪ .‬سي ‪ 3‬القدمية حتمل الركاب والبضائع‬
‫يف رحالت داخلية يف أجزاء كثرية من العامل‪.‬‬
‫وخ��ل�ال ال��ث�لاث��ي��ن��ي��ات م��ن ال��ق��رن العشرين‬
‫أي� ً‬
‫�ض��ا‪ ،‬مح��ل��ت ال��ط��ائ��رات امل��ائ��ي��ة ال��ك��ث�ير من‬
‫الركاب‪ ،‬واستخدمت أساساً لعبور احمليطات‪.‬‬
‫ومن أوائل الطائرات املائية التجارية‪ ،‬الطائرة‬
‫األمل��ان��ي��ة دورن��ي�ير دو إك��س ذات االث�ن�ي عشر‬
‫حمركاً‪.‬‬
‫وكانت الطلعة األوىل هلذه الطائرة عام ‪1929‬م‪،‬‬
‫لكنها مل حتقق أي انتشار‪.‬‬
‫ويف ع��ام ‪1936‬م‪ ،‬ق��ام��ت بريطانيا بتطوير‬
‫ال���ط���ائ���رات امل��ائ��ي��ة ال��ت��اب��ع��ة ل�لإم�براط��وري��ة‬
‫الربيطانية من أجل توفري خدمة النقل اجلوي‬
‫بني بريطانيا واألجزاء املرتامية لإلمرباطورية‪.‬‬
‫وآخر الطائرات املائية وأشهرها كانت الطائرة‬
‫بوينج ‪ 314‬كليرب ال�تي استطاعت مح��ل ‪74‬‬

‫راك��ب�اً‪ .‬ويف ع��ام ‪1939‬م ب��دأت الطائرة كليرب‬
‫أوىل خدماهتا املنتظمة للركاب عرب احمليط‬
‫األطلسي‪ .‬ويف ع��ام ‪1939‬م‪ ،‬ب��دأت بريطانيا‬
‫يف تشييد خدمة بريدية عرب مشايل األطلسي‬
‫مستخدمة الطائرات املائية لإلمرباطورية‪.‬‬
‫إال أن هذه اخلدمة توقفت مع احلرب العاملية‬
‫ال��ث��ان��ي��ة‪ .‬وب��ع��د ان��ت��ه��اء احل����رب‪ ،‬ك���ان تطور‬
‫الطائرات األرضية لتصبح أكثر قدرة‪ ،‬وكذلك‬
‫تطوير املطارات وتزويدها مبمرات هبوط ذات‬
‫طول كاف الستقباهلا‪ ،‬سبباً يف انتهاء عصر‬
‫الطائرات املائية يف معظم أحناء العامل‪.‬‬
‫تنوع الطائرات‬
‫بعد هذه الرحلة وألن اإلنسان تواق إىل اإلبتكار‬
‫والتطوير فقد سعى إىل صناعة أنواع خمتلفة‬
‫من الطائرات هبدف ختصيص كل واحدة ملهمة‬
‫خاصة هب��ا‪ .‬فانقسمت الطائرات إىل مخسة‬
‫أقسام كل واحدة تؤدي مهمة قد التؤديها غريها‬
‫وهي ‪:‬‬
‫(طائرات نقل جتاري ‪ -‬طائرات خفيفة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪149‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ طائرات عسكرية ‪ -‬طائرات حبرية ‪ -‬طائرات‬‫أغراض خاصة)‪.‬‬
‫• طائرات النقل التجاري ‪:‬‬
‫ط��ائ��رات ضخمة متتلكها ش��رك��ات اخلطوط‬
‫اجل���وي���ة‪ ،‬ومعظمها م��ص��م��م حل��م��ل ال��رك��اب‬
‫والبضائع‪ .‬ويطلق عليها أيضاً طائرات السفر‬
‫اجل���وي وه��ن��اك ط��ائ��رات نقل جت���اري أخ��رى‬
‫مصممة حلمل شحنات البضائع فقط‪.‬‬
‫والكونكورد هي الطائرة التجارية الوحيدة يف‬
‫ال��ع��امل ال�تي تتخطى سرعة ال��ص��وت‪ ،‬وتتسع‬
‫ألكثر من ‪ 120‬راكباً‪ ،‬وتطري بسرعة ‪2،000‬كم‪/‬‬
‫ساعة‪ ،‬لتعرب احمليط األطلسي يف أقل من أربع‬
‫ساعات‪.‬‬
‫وتتسع معظم طائرات اخلطوط اجلوية لعدد‬
‫من الركاب يرتاوح ما بني ‪ 100‬و‪ 250‬راكباً‪ .‬لكن‬

‫‪150‬‬

‫هناك بعض الطائرات اليت حتمل أكثر من ذلك‬
‫كثرياً‪ .‬فالطائرة بوينج ‪ 747‬تتسع ملا يقرب من‬
‫‪ 500‬راك��ب‪ ،‬ويف الطائرة ستة مطابخ إلعداد‬
‫الطعام‪ ،‬وتزود بأكثر من ‪ 178،000‬لرت من الوقود‬
‫وال��ط��ائ��رات النفاثة رب��اع��ي��ة احمل��رك��ات مثل‬
‫الطائرة بوينج ‪ 747‬مصممة لقطع املسافات‬
‫الطويلة‪ ،‬فهي تستطيع االستمرار يف الطريان‬
‫دون توقف ملسافة ‪10،000‬كم أو أكثر‪.‬‬
‫وميكنها ذل��ك من ال��ط�يران املباشر من لندن‬
‫إىل طوكيو‪ ،‬على سبيل املثال‪ .‬وتطري طائرات‬
‫اخلطوط اجلوية النفاثة على ارتفاعات ترتاوح‬
‫بني ‪ 9،000‬و ‪13،700‬م وبذلك تكون فوق معظم‬
‫العواصف اجلوية‪.‬‬
‫وتستطيع بعض الطائرات ثالثية احملركات مثل‬
‫الطائرة لوكهيد ترايستار والطائرة ماكدونل‬
‫دوجالس دي‪ .‬سي ـ‪ 10‬محل عدد من الركاب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫ي��س��اوي م��ا تستطيع محله معظم الطائرات‬
‫النفاثة رباعية احملركات إال أن معظم الطائرات‬
‫النفاثة ثالثية احمل��رك��ات‪ ،‬مصممة لرحالت‬
‫جوية أقصر‪ .‬كما أهنا حتتاج فقط ملمرات إقالع‬
‫أقل طوالً‪.‬‬
‫أم���ا ال��ط��ائ��رة ال��روس��ي��ة ي���اك ‪ ،40‬وك��ذل��ك‬
‫بعض ال��ط��ائ��رات النفاثة ثالثية احمل��رك��ات‪،‬‬
‫فتحمل ح���وايل ‪ 40‬راك��ب �اً ف��ق��ط‪ ،‬وتستطيع‬
‫اإلق���ل���اع واهل����ب����وط يف م���ه���اب���ط ص���غ�ي�رة‪.‬‬
‫وحتمل معظم طائرات اخلطوط التجارية ثنائية‬
‫احملركات حنو ‪ 100‬راكب‪.‬‬
‫وتطري ال��ط��ائ��رات املروحية ثنائية احملركات‬
‫بسرعة تقل ع��ن ‪600‬ك���م‪ /‬س��اع��ة‪ ،‬وت��ق��وم يف‬
‫معظم األحوال بالرحالت اجلوية القصرية‪ .‬أما‬
‫الطائرات النفاثة ثنائية احملركات فتستطيع‬
‫الطريان بسرعة أكرب وملسافات أبعد‪.‬‬
‫فعلى سبيل امل��ث��ال‪ ،‬ت��ط�ير ك��ل م��ن ال��ط��ائ��رة‬
‫األوروبية إيرباص‪ ،‬والطائرة األمريكية بوينج‬
‫‪ 747‬م��ب��اش��رة دون ت��وق��ف يف رح�ل�ات جوية‬
‫يصل طوهلا إىل ‪3،000‬ك��م أو أكثر‪ .‬وتستطيع‬
‫هذه الطائرات محل عدد من الركاب يساوي‬
‫م��ا حتمله معظم ال��ط��ائ��رات النفاثة رباعية‬
‫احملركات‪.‬‬
‫وكثري م��ن ط��ائ��رات اخل��ط��وط اجل��وي��ة الكبرية‬
‫مصممة حبيث ميكن ن��زع مقاعدها إلفساح‬
‫املكان حلمولة كاملة من البضائع‪ .‬وتزود هذه‬
‫الطائرات بأبواب إضافية ضخمة‪ ،‬كما أهنا قد‬
‫ت��زود ب��آالت شحن وتفريغ مبنية داخ��ل جسم‬
‫الطائرة‪.‬‬
‫وتتشابه طائرات الشحن ال�تي حتمل بضائع‬
‫ف��ق��ط‪ ،‬م���ع ط���ائ���رات اخل���ط���وط اجل���وي���ة إال‬
‫أهن��ا دون ن��واف��ذ‪ .‬وتستطيع ط��ائ��رات الشحن‬
‫ال���ك�ب�رى‪ ،‬م��ث��ل ال��ط��ائ��رة ل��وك��ه��ي��د س ‪ 5‬أي��ه‪.‬‬
‫جالكسي‪ ،‬وكذلك الطائرة ط��راز بوينج ‪747‬‬
‫اجملهزة للشحن فقط‪ ،‬محل ‪ 90‬طناً مرتياً من‬
‫البضائع لرحلة طوهلا يزيد على ‪6،400‬ك��م‪.‬‬

‫وحتمل معظم طائرات الشحن اجلوي‪ ،‬البضائع‬
‫خفيفة ال����وزن وغ��ال��ي��ة ال��ث��م��ن م��ث��ل امل��ع��دات‬
‫اإللكرتونية وأج��زاء اآلالت‪ .‬كذلك تنقل هذه‬
‫الطائرات البضائع ال�تي جيب توريدها على‬
‫وج��ه السرعة‪ ،‬مبا يف ذل��ك ال���ورود والفاكهة‬
‫واخل���ض���راوات ال��ط��ازج��ة وال��ل��ح��وم‪ .‬وحتمل‬
‫طائرات الشحن األضخم محوالت أثقل‪ ،‬مثل‬
‫م��واد البناء وامل��ع��دات العسكرية‪ .‬ويتم وضع‬
‫معظم البضائع عند شحنها يف صناديق معدنية‬
‫تسمى احلاويات‪.‬‬
‫وت��ق��وم م��ع��دات خ��اص��ة بتحميل احل��اوي��ات‬
‫ب����س����رع����ة وس����ه����ول����ة م�����ن أو إىل ه����ذه‬
‫ال��ط��ائ��رات‪ .‬ان��ظ��ر‪ :‬ال��ش��ح��ن يف احل���اوي���ات‪.‬‬
‫• الطائرات اخلفيفة ‪:‬‬
‫طائرات أصغر من طائرات النقل التجاري‪،‬‬
‫وتستطيع اإلقالع واهلبوط يف مهابط صغرية‪.‬‬
‫ومعظم هذه الطائرات أحادية احملرك‪ ،‬وتدفع‬
‫آلياً مبراوح‪ ،‬وذات ملكية خاصة‪ .‬ويف الواليات‬
‫املتحدة وحدها ما يزيد على ‪10،000‬ط��ائ��رة‬
‫خفيفة أحادية احملرك وهو رقم يزيد على ما‬
‫متلكه أي دول��ة أخ��رى‪ .‬ويف الواليات املتحدة‪،‬‬
‫وكذلك يف املناطق الواسعة‪ ،‬قليلة السكان بكندا‬
‫وأسرتاليا‪ ،‬تستخدم الطائرات اخلفيفة وسيلة‬
‫شائعة لالنتقال‪.‬‬
‫بعض هذه الطائرات تزن ما ال يزيد على بضع‬
‫مئات من األرط��ال أو الكيلوغرامات‪ ،‬وتتسع‬
‫فقط لقائدها‪ .‬إال أن هناك طائرات خفيفة‬
‫أحادية احملرك تستطيع محل ‪ 12‬راكباً‪.‬‬
‫وتزود أكرب الطائرات اخلفيفة مبحركني تردديني‬
‫أو نفاثني‪ ،‬وتستطيع محل ‪ 19‬شخصاً‪.‬‬
‫وتعمل ه��ذه الطائرات كما لو كانت طائرات‬
‫سفر جوي صغرية‪ .‬وتستخدم اخلطوط احمللية‬
‫واملنتظمة مثل هذه الطائرات لنقل الركاب بني‬
‫املطارات الصغرية‪ ،‬وامل��ط��ارات الكبرية‪.‬‬
‫ومتتلك الكثري م��ن ش��رك��ات األع��م��ال‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ش��دي��دة ال��ص��غ��ر‪ ،‬ومتناهية ال��ص��غ��ر‪ .‬وه��ذه‬
‫الطائرات ذات مقعد واحد وال تستطيع محل‬
‫أكثر من ‪ 120‬كغ‪ ،‬وتدفع آلياً مبحرك احرتاق‬
‫داخلي صغري يدفع مروحة‪ .‬وتطري الطائرات‬
‫متناهية ال��ص��غ��ر ع��ن��د س��رع��ات ت��زي��د على‬
‫‪290‬ك��م‪/‬س��اع��ة‪ ،‬عند ارت��ف��اع��ات ت��زي��د على‬
‫‪7،900‬م‪ .‬ويقود ه��ذه الطائرات يف األس��اس‬
‫طيارون هواة ورياضيون‪ .‬وتنظم القوانني يف‬
‫كثري م��ن ال���دول‪ ،‬احلجم والسرعة واالرت��ف��اع‬
‫األقصى للطائرات شديدة الصغر‪ ،‬والطائرات‬
‫متناهية الصغر‪.‬‬

‫طائرات خفيفة أحادية أو ثنائية احملركات‪،‬‬
‫وتستخدمها لنقل موظفيها اإلداريني واملديرين‬
‫ومندوبي املبيعات وغريهم يف رح�لات عمل‪.‬‬
‫وقليل من طائرات األعمال وطائرات السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬ط��ائ��رات نفاثة ك��ب�يرة وسريعة‪.‬‬
‫وللطائرات اخلفيفة مئات من االستخدامات‬
‫األخرى‪.‬فبعض هذه الطائرات يستخدم للكشف‬
‫عن خطوط األنابيب وخطوط اهلاتف‪ ،‬ولتحديد‬
‫مواقع حرائق الغابات ومقاومتها‪ ،‬ولتوصيل‬
‫مساعدات ال��ط��وارئ للمتضررين‪ .‬وتستخدم‬
‫غريها من الطائرات حلمل شحنات خفيفة‬
‫وللتصوير اجلوي ولتدريب الطلبة الطيارين‪.‬‬
‫ويستخدم املزارعون هذه الطائرات اخلفيفة‬
‫ألع��م��ال مثل ب��ذر ال��ب��ذور والكشف ع��ن تآكل‬
‫الرتبة وحصر الشتالت‪.‬‬
‫وأخف الطائرات اليت تدفع آلياً‪ ،‬هي الطائرات‬

‫‪152‬‬

‫• الطائرات العسكرية ‪:‬‬
‫ت��ؤدي ه��ذه الطائرات مهمات خاصة للقوات‬
‫املسلحة للبالد‪ .‬والقليل من الطائرات العسكرية‬
‫هي يف األصل مناذج خاصة من طائرات النقل‬
‫أو الطائرات اخلفيفة‪ ،‬قامت القوات املسلحة‬
‫بشرائها من مصانع الطائرات‪ .‬فعلى سبيل‬
‫امل��ث��ال‪ ،‬تستخدم ال��ق��وات املسلحة للواليات‬
‫املتحدة مناذج خاصة من الطائرة بوينج‪،707‬‬
‫لنقل اجلنود أو كخزان إلعادة تزويد الطائرات‬
‫األخرى بالوقود يف اجلو‪.‬‬
‫وتُنتج معظم الطائرات العسكرية خصيصاً‬
‫ألداء مهمة عسكرية حم��ددة‪ .‬كأن تكون على‬
‫سبيل املثال‪ :‬طائرة مقاتلة أو قاذفة أو طائرة‬
‫أع��م��ال حب��ري��ة أو ط��ائ��رة ن��ق��ل‪ .‬وت��ع��د ك��ل من‬
‫الواليات املتحدة واالحتاد السوفيييت (ساب ًقا)‪،‬‬
‫املنتجني الرئيسيني للطائرات العسكرية‪.‬‬
‫وتتعاون ال���دول األوروب��ي��ة كذلك يف مشاريع‬
‫مشرتكة‪ ،‬مثل مشروع إنتاج الطائرة بانافيا‬
‫تورنادو اليت اشرتك يف إنتاجها كل من بريطانيا‬
‫وإيطاليا وأملانيا الغربية‪ .‬وتشمل الطائرات‬
‫العسكرية أضخم ال��ط��ائ��رات يف ال��ع��امل مثل‬
‫طائرة القوات اجلوية التابعة للواليات املتحدة‬
‫ط���راز س ‪ 5‬أ ج��االك��س��ي ال��ق��ادرة على محل‬
‫دبابتني أو ‪ 350‬جندياً‪ .‬كذلك تشمل أسرع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫الطائرات العاملية مثل الطائرة لوكهيد س‪.‬ر ‪71‬‬
‫أ‪ ،‬طائرة االستطالع اليت تستطيع التحليق على‬
‫ارتفاع يصل إىل ‪30،000‬م‪ ،‬وبسرعة تزيد على‬
‫‪3،200‬كم‪/‬ساعة‪.‬‬
‫• الطائرات البحرية ‪:‬‬
‫طائرات تستطيع اإلق�لاع واهلبوط فوق املاء‪.‬‬
‫وهناك ثالثة أنواع من الطائرات البحرية هي‪:‬‬
‫‪1‬ـ الطائرات العائمة‪2 ،‬ـ القوارب الطائرة‪3 ،‬ـ‬
‫الطائرات الربمائية‪.‬‬
‫والطائرات العائمة والقوارب الطائرة تستطيع‬
‫العمل ف��وق امل��اء فقط‪ ،‬وال��ط��ائ��رات العائمة‬
‫طائرات أرضية م��زودة بعوامة كبرية بدالً من‬
‫العجالت‪ .‬أما القوارب الطائرة فجسمها حمكم‬
‫ضد تسرب املاء‪ ،‬وتستطيع الطفو فوق املاء مثل‬
‫هيكل السفينة متاماً‪.‬‬
‫والطائرات الربمائية طائرات عائمة أو قوارب‬
‫طائرة م��زودة بعجالت مثبتة يف عوامتها أو‬
‫يف هيكلها‪ .‬ويستطيع الطيار جذب العجالت‬
‫ألعلى أو ألسفل لتقلع أو لتهبط على األرض‬
‫واملاء على حد سواء‪.‬‬
‫• طائرات األغراض اخلاصة ‪:‬‬
‫وق��د سعى اإلن��س��ان إىل تسخري ه��ذا املنجز‬
‫اهلائل ألعماله املختلفة فابتكر أنواعاً خاصة‬
‫أخرى من الطائرات‪ ،‬من هذه األنواع طائرات‬
‫رش احملاصيل اليت يستخدمها املزارعون لرش‬
‫حقوهلم باملخصبات واملبيدات السائلة‪.‬‬
‫هذه الطائرات مصممة لتطري بسرعة بطيئة‬
‫وحلمل خ��زان��ات كبرية مملوءة بالكيميائيات‬
‫السائلة‪ .‬والطائرات الربمائية املصنعة يف كندا‪،‬‬
‫مصممة خصيصاً ملكافحة حرائق الغابات‪.‬‬
‫وتستطيع هذه الطائرة اهلبوط فوق البحريات‪،‬‬
‫وسحب ما يزيد على ‪ 3،800‬لرت من امل��اء يف‬
‫خزاناهتا اجملهزة خصيصاً لذلك‪.‬‬
‫وتقلع الطائرة يف اجتاه احلريق لتسقط محولتها‬

‫م��ن امل���اء‪ .‬وم��ن ط��ائ��رات األغ����راض اخلاصة‬
‫كذلك‪ ،‬الطائرات املستخدمة يف املسابقات أو‬
‫األلعاب اجلوية أو البهلوانية‪.‬‬
‫وتتسم ه��ذه ال��ط��ائ��رات خبفة ال���وزن وأدائ��ه��ا‬
‫للمناورات اجلوية الصعبة‪ .‬من أنواع طائرات‬
‫األغ���راض اخل��اص��ة أي��ض�اً ط��ائ��رات التجميع‬
‫املنزيل وتُصنَّع أجزاؤها يف جمموعات معدة‬
‫للرتكيب بوساطة املالك‪.‬‬
‫أما ما يسمى بطائرات اإلقالع واهلبوط العمودي‬
‫أو القصري (ف‪ .‬ستول) فهي طائرات صممت‬
‫لإلقالع واهلبوط العمودي أو من ممر شديد‬
‫القصر‪ ،‬حبيث ال حتتاج الطائرة ملمر أطول‬
‫من ‪150‬م لإلقالع واهلبوط‪ .‬وحتتاج الطائرات‬
‫العادية إىل عشرة أضعاف هذا القدر‪ .‬وهناك‬
‫ط��ائ��رات تقلع عمودياً مت��ام�اً بينما طائرات‬
‫أخرى تقلع وهتبط يف مسافة قصرية‪.‬‬
‫ولطائرات اإلقالع واهلبوط العمودي أو القصري‪،‬‬
‫كالطائرة الربيطانية ه��اري�ير قيمة عسكرية‬
‫ك��ب�يرة‪ ،‬الستطاعتها اهل��ب��وط على حامالت‬
‫طائرات صغرية أو على األراضي املمهدة داخل‬
‫الغابات‪ .‬ختدم طائرات اإلقالع واهلبوط القصري‬
‫يف اخلطوط اجلوية التجارية‪ .‬فهي تستطيع‬
‫استخدام مطارات صغرية يف املدن الكربى أو‬
‫مهابط غري جيدة التمهيد يف املناطق النائية‪.‬‬
‫األجزاء الرئيسية للطائرة‬
‫تتكون ك��ل ال��ط��ائ��رات فيما ع��دا القليل من‬
‫الطائرات التجريبية من نفس األجزاء الرئيسية‪.‬‬
‫وهذه األجزاء هي‪1 :‬ـ اجلناح ‪2‬ـ اهليكل (اجلسم)‬
‫‪3‬ـ جمموعة الذيل ‪4‬ـ جهاز اهلبوط ‪5‬ـ احملرك‪.‬‬
‫وتشكل ك��ل ه��ذه األج���زاء فيما ع��دا احمل��رك‬
‫هيكل الطائرة‪ .‬ويناقش هذا اجلزء من املقالة‬
‫األجزاء الرئيسية للهيكل‪ ،‬وكذلك أجهزة قيادة‬
‫الطائرة وآالهت��ا وخمتلف أن��واع امل��راوح‪.‬‬
‫اجلناح‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪153‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ميتد جناح الطائرة إىل اخل��ارج من كل جانب‬
‫من جانيب الطائرة‪ .‬والسطح السفلي للجناح‬
‫مستو تقريباً بينما السطح العلوي مقوس‪.‬‬
‫يساعد هذا الشكل االنسيابي على توليد قوة‬
‫الرفع ال�تي ترفع الطائرة عن األرض وتبقي‬
‫عليها يف اجلو‪ .‬انظر فقرة كيف تطري الطائرة‪،‬‬
‫فهي تشرح كيف يساعد شكل اجلناح يف توليد‬
‫قوة الرفع‪.‬‬
‫وتُصنع معظم أجنحة ال��ط��ائ��رات م��ن الفلز‪.‬‬
‫وللجناح هيكل يرتكب من قوائم طولية‪ ،‬وأضالع‬
‫عرضية‪ .‬ويغطي اهليكل بغطاء رقيق يصنع‬
‫عادة من سبيكة ألومنيوم‪( .‬السبيكة خليط من‬
‫الفلزات) ومعظم الطائرات هلا أجنحة كابولية‬
‫مثبتة متاما يف اجلسم‪.‬‬
‫وجلناح الطائرة جذر‪ ،‬وطرف‪ ،‬وحافة أمامية‪،‬‬
‫وحافة خلفية‪ .‬فاجلذر هو اجلزء من اجلناح‬
‫املثبت باجلسم‪ ،‬وال��ط��رف ه��و حافة اجلناح‬
‫األب��ع��د ع��ن اجل��س��م‪ ،‬واحل��اف��ة األم��ام��ي��ة هي‬
‫احل��اف��ة املقوسة يف مقدمة اجل��ن��اح‪ .‬وي��زداد‬
‫سُمْك اجلناح ابتداء من احلافة األمامية‪ ،‬ثم‬
‫ينحدر للخلف حتى احلافة اخللفية احل��ادة‬
‫كالسكني‪ .‬ويف معظم الطائرات يكون طرفا‬
‫لا م��ن ج���ذري���ه‪ .‬ويسمى‬
‫اجل��ن��اح أع��ل��ى ق��ل��ي� ً‬
‫اجلناح يف هذه احلالة جناحاً ذا زاوية زوجية‪.‬‬
‫ولبعض الطائرات أجهزة حتكم إضافية مثبتة‬
‫يف اجلناحني‪ .‬فهناك‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬جهاز‬
‫ختفيف الرفع (املدادات) وهو سطح مثبت على‬
‫اجلزء العلوي من كال اجلناحني‪ .‬وميكن لقائد‬
‫الطائرة رفع جهازي ختفيف الرفع لعمل مكابح‬
‫هوائية‪.‬‬
‫أم��ا إذا رف��ع الطيار جهاز ختفيف ال��رف��ع يف‬
‫جانب واحد فقط‪ ،‬فإن الطائرة متيل يف نفس‬
‫ه��ذا االجت��اه‪ .‬وحت��ل أجهزة ختفيف الرفع يف‬
‫بعض الطائرات حمل اجلنيحات‪.‬‬
‫والشرحية األمامية‪ ،‬سطح مثبت مفصليًا عند‬
‫احلرف األمامي قرب الطرف اخلارجي لكال‬

‫‪154‬‬

‫اجلناحني‪ .‬وتنحدر الشرحية آليا عند السرعات‬
‫املخفضة خارجة لألمام‪ ،‬فتساعد األجنحة على‬
‫توليد قوة الرفع‪ .‬والشق‪ ،‬فتحة صغرية توجد‬
‫خلف احل��رف األم��ام��ي مباشرة ق��رب كل من‬
‫طريف اجلناح‪ .‬ويساعد هذان الشقان أيضاً على‬
‫توليد قوة رفع أكرب عند السرعات املنخفضة‪.‬‬
‫وتثبت احملركات يف كثري من الطائرات إما فوق‬
‫األجنحة أو داخلها‪.‬‬
‫وتوجد احمل��رك��ات داخ��ل غ�لاف معدني مغلق‬
‫يسمى كِنَّة احملرك‪ ،‬يوجد عادة أسفل اجلناح‪.‬‬
‫وتتسع ً‬
‫أيضا معظم األجنحة يف داخلها الحتواء‬
‫خزانات الوقود وجهاز اهلبوط‪ .‬وتتوزع أنواع‬
‫خمتلفة م��ن ك��ش��اف��ات اإلن����ارة ع��ل��ى أجنحة‬
‫الطائرة‪ .‬فيوجد عند كٍل من طريف اجلناح ضوء‬
‫مالحي ملون‪ ،‬أو ضوء حتديد للموقع‪ .‬فالضوء‬
‫املوجود عند طرف اجلناح األيسر يكون ذا لون‬
‫أمحر‪ ،‬أما الضوء املوجود عند الطرف األمين‬
‫فيكون أخضر اللون‪.‬‬
‫وعند رؤية هذين الضوئني‪ ،‬ميكن من اللمحة‬
‫األوىل حتديد اجتاه سري الطائرة‪.‬‬
‫اجلسم‪ .‬ميتد جسم الطائرة من مقدمتها حتى‬
‫ذيلها‪ .‬ويأخذ جسم معظم الطائرات الشكل‬
‫األنبوبي‪ ،‬املغطى بغالف خفيف من األلومنيوم‪.‬‬
‫ويف الطائرات أحادية احمل��رك يثبت احملرك‬
‫ع��ادة يف اجل��زء األم��ام��ي للجسم‪ .‬لكن بعض‬
‫الطائرات النفاثة يثبت أحد حمركاهتا أو كلها‬
‫يف اجلزء اخللفي من اجلسم‪.‬‬
‫وجيمع اجلسم بداخله أجهزة التحكم‪ ،‬والطاقم‪،‬‬
‫وال���رك���اب‪ ،‬وال��ب��ض��ائ��ع‪ .‬وحي��ت��وي اجل��س��م‪ ،‬يف‬
‫ال��ط��ائ��رات ال��ص��غ�يرة‪ ،‬على قمرة تتسع فقط‬
‫للطيار وراكب واحد‪ .‬وجيلس قائد الطائرة مع‬
‫الركاب يف الطائرة اليت تتسع ملا بني راكبني‪،‬‬
‫وستة ركاب‪ .‬ويف معظم الطائرات الكبرية قمرة‬
‫منفصلة للطاقم‪ ،‬وأخ��رى للركاب والبضائع‪.‬‬
‫ويف الطائرات األضخم‪ ،‬مثل الطائرة بوينج‬
‫‪ ،747‬يكون بالقمرة طابقان منفصالن لكل من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫الركاب والبضائع‪.‬جمموعة الذيل‪ .‬هي اجلزء‬
‫اخللفي من الطائرة‪.‬‬
‫وتساعد جمموعة الذيل على التحكم يف قيادة‬
‫ال��ط��ائ��رة واحمل��اف��ظ��ة على ات��زاهن��ا يف اجل��و‪.‬‬
‫ومعظم جمموعات ال��ذي��ل تتكون م��ن زعنفة‬
‫ودفة رأسيتني‪ ،‬وموازن ورافعة أفقيتني‪ .‬وتقف‬
‫الزعنفة رأسياً ثابتة دون حركة‪ ،‬لتحافظ على‬
‫مؤخرة الطائرة من التأرجح مييناً أو يساراً‪.‬‬
‫وتثبت ال��دف��ة يف ال��ط��رف اخللفي للزعنفة‪،‬‬
‫وتتحرك يف أي من اجلانبني للتحكم يف الطائرة‬
‫أثناء الدوران‪.‬‬
‫ويشبه املوازن جناحاً صغرياً مثبتاً عند الذيل‪،‬‬
‫ويعمل على منع الذيل من التذبذب إىل أعلى أو‬
‫ً‬
‫حمافظاً على االستقرار األفقي للطائرة‪.‬‬
‫أسفل‬
‫وت��ث��ب��ت ال���راف���ع���ـ���ة يف ال���ط���ـ���رف اخل��ـ��ل��ف��ـ��ي‬
‫ل���ل���م���وازن‪ ،‬وحي��رك��ه��ا ال��ط��ي��ار إىل أع��ل��ى أو‬
‫أس��ف��ل ل�يرف��ع أو ليُخفض مقدمة ال��ط��ائ��رة‪.‬‬
‫وملعظم الطائرات احلديثة ذيل أفقي يتحرك‬
‫بالكامل‪ ،‬بدال من امل��وازن والرافعة‪ .‬ويتحرك‬
‫الذيل األفقي يف هذه احلالة بكامله إىل أعلى‬
‫أو أسفل‪.‬‬
‫ورمبا تزود الطائرات بسطيح تعديل املوازنة عند‬
‫الرافعة أو الذيل األفقي كامل احلركة‪ ،‬بينما يزود‬
‫بعضها فقط بسطيح تعديل املوازنة عند الدفة‪.‬‬
‫وجملموعة ال��ذي��ل أش��ك��ال وترتيبات خمتلفة‪.‬‬
‫ففي بعض الطائرات‪ ،‬تثبت الزعنفة والدفة‬
‫رأسياً حبيث تصنع زاوي��ة قائمة مع اجلسم‪.‬‬
‫بينما يف طائرات أخ��رى مييالن بزاوية حادة‬
‫للخلف‪ .‬ويف معظم ال��ط��ائ��رات النفاثة اليت‬
‫تكون حمركاهتا يف مؤخرة اجلسم‪ ،‬يثبت املوازن‬
‫األفقي والرافعة عرب أو قرب النهاية العليا للذيل‬
‫الرأسي والرافعة‪ ،‬أو قرهبا‪ ،‬ويكونان أطول من‬
‫املعتاد‪ .‬وتكون جمموعة الذيل لبعض الطائرات‬
‫اخلفيفة على شكل ‪ 7‬مثبت يف كل منها رافعة‬
‫وسطيح تعديل املوازنة‪.‬‬
‫ج��ه��از اهل���ب���وط أو ج��ه��از ال��ع��رب��ة ال��س��ف��ل��ي‪:‬‬

‫وي��ت��ك��ون م���ن ال��ع��ج�لات أو ال���ع���وام���ات ال�تي‬
‫ت��ت��ح��رك ال��ط��ائ��رة ف��وق��ه��ا ع��ن��دم��ا ت��س�ير على‬
‫األرض أو امل���اء‪ .‬ويتحمل جهاز اهل��ب��وط وزن‬
‫ال��ط��ائ��رة عند س�يره��ا على األرض أو امل��اء‪.‬‬
‫وللطائرات األرضية نوعان من أجهزة اهلبوط‪.‬‬
‫ففي بعض الطائرات اخلفيفة‪ ،‬يتكون جهاز‬
‫اهل��ب��وط م��ن عجلتني أس��ف��ل اجل���زء األم��ام��ي‬
‫للجسم‪ ،‬وعجلة ثالثة حتت الذيل‪ ،‬أما معظم‬
‫الطائرات األخ��رى فلها جهاز هبوط ثالثي‪،‬‬
‫يتكون يف الطائرات اخلفيفة من عجلة أسفل‬
‫املقدمة وعجلتني حتت منتصف اجلسم‪ ،‬أو‬
‫واح���دة حت��ت ك��ل ج��ن��اح‪ ،‬وكثري م��ن الطائرات‬
‫الكبرية هلا جهاز هبوط ثالثي يتكون من‪:‬‬
‫‪1‬ـ جهاز اهلبوط الرئيسي‪ ،‬ويتضمن ما يصل‬
‫إىل ‪ 12‬عجلة أسفل كل من اجلناحني‪،‬‬
‫‪2‬ـ ج��ه��از ه��ب��وط امل��ق��دم��ة ب��ه عجلة أو‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪155‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عجلتان على األكثر‪.‬‬
‫وجهاز اهلبوط إما ثابت‪ ،‬أو قابل للطي‪ .‬ويبقى‬
‫اجلهاز الثابت يف وضعه املمتد طوال الطريان‬
‫مما خيفض من سرعة الطائرة‪.‬‬
‫أما الطائرات عالية السرعة فيتم يف معظمها‬
‫طي العجالت أو جذهبا ألعلى بعد إمتام اإلقالع‪،‬‬
‫إم��ا لداخل األجنحة وإم��ا إىل داخ��ل اجلسم‪.‬‬
‫ويقوم جسم الطائرة املائية احملكم ضد تسرب‬
‫املاء بعمله كجهاز هبوط وقمرة يف نفس الوقت‪.‬‬
‫أم��ا العوامات‪ ،‬فتقوم مقام جهاز اهلبوط يف‬
‫الطائرات العادية‪ .‬وللطائرات الربمائية اليت‬
‫تعمل من األرض واملاء عجالت تطوى مثبتة يف‬
‫العوامات أو اجلسم‬
‫حمطات انتقالية يف تاريخ الطريان‬
‫‪1500‬م _ وضع الفنان املبتكر اإليطايل ليوناردو‬

‫‪156‬‬

‫دافينشي رسوماته آلل��ة ط��ائ��رة ذات أجنحة‬
‫رفرافة‪.‬‬
‫‪1783‬م _ حقق الفرنسيان جان ف‪ .‬بيالتر دي‬
‫روزييه‪ ،‬واملاركيز دآرالن��د أول ارتفاع يف اجلو‬
‫يف بالون أخ��ف من اهل��واء مستخدمني اهل��واء‬
‫الساخن لذلك‪.‬‬
‫‪1804‬م _أطلق السري ج��ورج كايلي الربيطاني‬
‫أول منوذج لطائرة شراعية بنجاح‪.‬‬
‫‪1843‬م _ وض��ع ول��ي��م س‪ .‬هنسون‪ ،‬املبتكر‬
‫الربيطاني تصميمات لطائرة تدفع آليا مبحرك‬
‫خباري تتضمن العديد من األج��زاء الرئيسية‬
‫للطائرة احلديثة‪.‬‬
‫‪1848‬م _ بنى جون سرتجنفيللو‪ ،‬الربيطاني‪،‬‬
‫منوذجًا مصغرا مُعتمدًا على تصميمات طائرة‬
‫هنسون‪ ،‬ومت إط�لاق هذه الطائرة‪ ،‬ولكنها مل‬
‫تبق يف اجلو إال فرتة قصرية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪1896 - 1891‬م _ أصبح أو ُّتو ليلينتال‪ ،‬األملاني‪،‬‬
‫أول من قاد بنجاح طائرة شراعية يف اجلو‪.‬‬
‫‪1896‬م _ أطلق صمويل ب‪ .‬الجنلي‪ ،‬األمريكي‪،‬‬
‫منوذجًا لطائرة تدفع آليا مبحرك خباري‪.‬‬
‫‪1903‬م _ ق��ام األخ���وان أورف��ي��ل ووي��ل�بر راي��ت‬
‫األمريكيان ب��أول طلعة ط�يران بطائرة أثقل‬
‫من اهل���واء‪ ،‬تدفع آليا‪ ،‬ق��رب بلدة كييت هوك‬
‫بالواليات املتحدة األمريكية‪ .‬وقطعت الطائرة‬
‫يف طلعتها األوىل مسافة ‪37‬م‪ ،‬وبقيت يف اجلو‬
‫زمنًا قدره ‪ 12‬ثانية‬
‫‪1906‬م _ متكن تراجان فوال‪ ،‬املبتكر الروماني‪،‬‬
‫من بناء أول طائرة حبجم كامل وجناح مفرد‪،‬‬
‫لكنها مل تقدرعلى الطريان‪.‬‬
‫‪1909‬م _ أصبح الفرنسي لويس بلرييو أول‬
‫شخص يطري عرب القناة اإلجنليزية‪.‬‬
‫‪1913‬م _ قام إجي��ور أ‪ .‬سيكورسكي‪ ،‬املبتكر‬
‫الروسي‪ ،‬ببناء وقيادة أول طائرة ذات أربعة‬
‫حمركات‪.‬‬
‫‪1915‬م _ أول طريان لطـائرة مصـنعة بالكامل‬
‫مـن املعـدن‪ ،‬وذات جناح ك��اب��ويل‪ ،‬صنعت يف‬
‫أملانيا حتت اسم يونكرز ج ‪1‬‬
‫‪1924‬م _ أج��ري اختبار جوي يف أملانيا ألول‬
‫ط��ائ��رة مصنعة بالكامل م��ن امل��ع��دن وم���زودة‬
‫بثالثة حمركات طراز يونكرز ج ‪.23‬‬
‫‪1927‬م _ قامت طائرة النقل الشهرية لوكهيد‬
‫فيجا‪ ،‬ذات احملرك الواحد بـأول رحلة هلا‪.‬‬
‫‪1930‬م _ قام املهندس الربيطاني‪ ،‬فرانك ويتل‪،‬‬
‫بوضع تصميمات ألفكاره بشأن حمرك نفاث‪.‬‬
‫‪1936‬م _ دخلت طائرة النقل دوجالس دي‪.‬سي‬
‫‪ 3‬اخل��دم��ة على اخل��ط��وط اجل��وي��ة بالواليات‬
‫املتحدة األمريكية‪ .‬وأصبحت ه��ذه الطائرة‬
‫األكثر استخداما يف تاريخ اخلطوط اجلوية‪.‬‬
‫‪1939‬م _ مت يف أملانيا بنجاح‪ ،‬أول طريان لطائرة‬
‫ذات حمرك نفاث‪.‬‬
‫‪1947‬م_ قام تشارلز ييجر‪ ،‬نقيب طيار بالقوات‬
‫اجلوية األمريكية ب��أول طلعة ط�يران يتخطى‬

‫خالهلا سرعة الصوت بالطائرة الصاروخية‬
‫بيل إكس ‪1‬‬
‫‪1952‬م _ بدأت الطائرة ديهافيالندكوميت‪ ،‬أول‬
‫طائرة خطوط جوية نفاثة ضخمة‪ ،‬باخلدمة‪.‬‬
‫‪1953‬م _ بدأت أول طائرة نقل مروحية‪ ،‬فيكرز‬
‫فيسكونت‪ ،‬اخلدمة يف خطوط جوية منظمة‪.‬‬
‫‪1953‬م _ أصبحت الطائرة األمريكية ف ‪100‬‬
‫سوبر سابر أول مقاتلة نفاثة عاملة‪.‬‬
‫‪1958‬م_ بدأت الطائرة بوينج ‪ 707‬يف العمل‬
‫وك��ان��ت أول ط��ائ��رة نقل تعمل ب�ين ال��والي��ات‬
‫املتحدة األمريكية وأوروبا‪.‬‬
‫‪1960‬م_ كانت الطائرة الربيطانية هوكر ب‬
‫‪ 1127‬أول طائرة ذات حمرك مفرد تقلع وحتط‬
‫عموديا‪.‬‬
‫‪1968‬م _ قام الطيارون ال��روس باختبار أول‬
‫طائرة نقل يف العامل تتخطى سرعة الصوت‪،‬‬
‫وهي الطائرة تي يو ‪.144‬‬
‫‪1970‬م بدأت خدمات طائرة اجلامبو النفاثة‬
‫بوينج ‪.747‬‬
‫‪1976‬م _ دخلت الطائرة كونكورد يف خدمة‬
‫املسافرين‪ .‬وه��ي طائرة نقل تتخطى سرعة‬
‫الصوت اشرتك يف تصنيعها كل من بريطانيا‬
‫وفرنسا‪.‬‬
‫‪1995‬م _دشنت الطائرة بوينج ‪ 777‬خلدمة‬
‫املسافرين‪ .‬وه��ي أك�بر طائرة نفاثة يف العامل‬
‫ثنائية احملركات‪.‬‬
‫‪2000‬م _ توقفت طائرة الكونكورد عن الطريان‬
‫إىل حني معرفة أسباب الشروخ ال�تي ظهرت‬
‫على جسمها‪.‬‬
‫إهنا قصة احللم الذي راود اإلنسان فلبث يعمل‬
‫بإخالص من أجل حتقيقه إىل أن بلغ ما بلغ‪،‬‬
‫وبالطبع ف��إن الطائرة من املنجزات العلمية‬
‫والفكرية الكربى اليت خففت الكثري من العناء‬
‫على اإلنسان وأسهمت بفعالية بالغة يف تطوير‬
‫وتقديم حياته حنو األمام بشكل بالغ األمهية‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪157‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كيف تتنوع‬
‫أشكال الكائن الحي‬
‫ترمجة غصون عمار‬
‫عن جملة العلم واحلياة الفرنسية ‪2011‬‬
‫كيف تعددت األنواع وتنوعت؟ كشف بعض علماء‬
‫األحياء السرّ مؤخراً‪ :‬رمبا كان التطور حمكوماً‬
‫بقواعد هندسية بسيطة ميليها ع��دد اجلينات‪.‬‬
‫تكشف رؤي ٌة جديدةٌ عن براعة الطبيعة‪ ،‬منوه ًة بعالِم كبريٍ‪:‬‬
‫دارسي طومبسون‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫الفروق بني ورقة شجرةِ َقيْ َقب‪ ،‬أو ورقة شجرة‬
‫بلوط‪ ،‬وثالثة من شجرة كستناء‪ ،‬واضحة جداً‪:‬‬
‫حجماً‪ ،‬وحوافاً‪ ،‬ونسيجاً‪ . ...‬ولكن هناك شيء‬
‫آخر بارز أيضاً‪ :‬تبدو كلها مفصَّل ًة وفق أمنوذج‬
‫هو نفسه‪ ،‬كأهنا منحدرة من شكل أصلي هو‬
‫ذاته كان قد كرب‪ ،‬وانكمش‪ ،‬والتوى أو احننى‪...‬‬
‫وفقاً للحاالت‪ .‬يَسْري هذا االنطباع على األنواع‬
‫كلها‪ .‬باختصار‪ ،‬ما سرّ هذا التنوع يف الكائن‬
‫احل��ي إب��ان التطور؟ بعد أحب��اث عند ملتقى‬
‫اهلندسة‪ ،‬واملورفولوجيا‪ ،‬وال��وراث��ي��ات‪ ،‬وعلم‬
‫الربوتينات ‪ ،proteinologie‬وعلم اجلنني‪،‬‬
‫بات سرّ حتوُّل األنواع هذا غريَ واحدٍ‪ :‬كي تنتشر‬
‫بكل أشكاهلا‪ ،‬تستثمر الطبيع ُة أسلوباً هو يف‬
‫الوقت نفسه بسيط وفعال حتى أنه يشْبه حيل ًة‬
‫عجيبة‪.‬‬
‫ذاك هو على كل حال ما تظهره أعمال « أرخات‬

‫أبزانوف « ‪ Arkhat Abzhanov‬وزمالئه‬
‫من « قسم البيولوجيا التطورية « جبامعة «‬
‫هارفارد «‪ ،‬يف « كمربدج «‪ « ،‬الواليات املتحدة‬
‫َ‬
‫«‪ .‬تابعوا منذ ثالثني سنة‬
‫دراس��ة ما يسميه‬
‫البيولوجيون « اجلينات املهندِسة « ‪gènes‬‬
‫‪ ،architectes‬اليت تُمْلي‪ ،‬يف ورق��ة النبات‪،‬‬
‫وال��ف��راش��ة‪ ،‬وال��ذب��اب��ة وس��واه��ا م��ن الكائنات‬
‫َ‬
‫خمطط بناء الكائن احل��ي ب��أن تدفع‬
‫احلية‪،‬‬
‫اخلاليا إىل النمو‪ ،‬والتمايز‪ ،‬أو ال��زوال‪ .‬إال أن‬
‫فريق « أب��زان��وف « كشف مؤخراً عن جينات‬
‫تعمل عل تغيري هذا املخطط البنائي‪ .‬عملياً‪،‬‬
‫اكتشف فريق «هارفارد« أن أدنى اختالف يف‬
‫تعبري هذه اجلينات يؤدي إىل حدوث حتو ٍل يف‬
‫هيئة الكائن احلي ( صورته أو شكله )‪ :‬هنا‪،‬‬
‫يصبح الكائن دقيقاً ومتطاوالً‪ ،‬وهناك‪،‬‬
‫يتكوّن عريضاً وم��دوَّراً‪ . ...‬هكذا ميكن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪159‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تفسري تكوين األنواع‪ :‬رمبا كان التطور حمكوماً‬
‫ليس بتأشُّبات ‪ recombinaisons‬وراثية‬
‫غريبة ومعقدة‪ ،‬بل بتحوالت هندسية بسيطة‬
‫ميليها ب��ع��ض اجل��ي��ن��ات‪ .‬س��رع��ان م��ا ُكشف‬
‫�رك التطور اهلندسيُّ يف نوع يتبوأ موقعاً‬
‫حم� ُ‬
‫ً‬
‫خاصاً متاما يف متخيل البيولوجيني‪ :‬الشراشري‬
‫(مفردها شُرْشُور) ‪ pinsons‬اليت تعيش يف‬
‫جزر « غاالباغوس «‪...‬تلك اليت مسيت يف وقت‬
‫سابق « شراشري داروين «‪.‬‬
‫ع��ن��دم��ا زار «ت��ش��ارل��ز داروي�����ن ‪Charles‬‬
‫‪ Darwin‬إبان شبابه عام ‪ 1835‬هذا األرخبيل‬
‫ال��واق��ع يف احمليط اهل���ادئ‪ ،‬ال��ذي يتشكل من‬
‫عشرين جزيرة صغرية‪ ،‬اكتشف عالَماً فريداً‪،‬‬
‫تسكنه أنواع مألوفة وأصلية يف الوقت نفسه‪.‬‬
‫من بني اإلغوانات (اإلغوانة ‪ iguane‬نوع من‬
‫العظاء ) والسالحف وطيور القطرس األخرى‪،‬‬

‫‪160‬‬

‫كانت الشراشري ه��ي ال�تي اس�ترع��ت انتباهه‪:‬‬
‫بدت له هذه اجلواثم ‪ passereaux‬خمتلفة‬
‫جداً وفقاً للجزيرة اليت اختارهتا موطناً هلا‪.‬‬
‫مناقريها‪ ،‬بشكل خاص‪ ،‬ذات أشكال وأحجام‬
‫م��ت��ن��وع��ة ل��ل��غ��اي��ة‪ :‬ع��ري��ض��ة وق��وي��ة بالنسبة‬
‫للشراشري ال�تي تنقر حبوباً على األرض أو‬
‫مثاراً على األشجار؛ ومستد ّقة بالنسبة لتلك‬
‫اليت تصطاد احلشرات على األوراق‪ . ...‬أدهش‬
‫هذا التنوع يف أشكال املناقري بني األنواع الثالثة‬
‫عشر احملصية « داروي��ن « كثرياً‪ .‬بعد عودته‬
‫إىل إنكلرتة‪ ،‬عام ‪ ،1837‬قدم منها من��اذج إىل‬
‫زمالئه‪ ،‬من بينهم عامل الطيور الشهري «جون‬
‫غولد« ‪ .John Gould‬أكد له غولد أن هذه‬
‫األن��واع الثالثة عشر تنتمي كلها إىل اجلنس‬
‫نفسه‪ ،‬رغم فروقها املورفولوجية البارزة‪.‬‬
‫يف ال��واق��ع‪ ،‬وص��ف (داروي����ن) أش��ك��ال املناقري‬
‫واألري��اش وصفاً دقيقاً‪ ،‬ليس فقط خبصوص‬
‫الشراشري وح��ده��ا‪ ،‬بل حت��دث عن مالحظته‬
‫ملختلف (سالالت) احلمائم اليت تربى ‪ ،-‬لكن‬
‫االهتمام ك��ان نفسَه‪ :‬البحث ح��ول ما يربط‬
‫األن���واع املتقاربة فيما بينها‪ .‬ي��ق��ول‪ :‬خيتلف‬
‫منو عظام الوجه إىل حد كبري‪ ،‬سواء من حيث‬
‫الطول أم العرض أم االحنناء يف اهليكل العظمي‬
‫للسالالت املختلفة‪ .‬يتباين شكل وكذلك بُعد‬
‫الفك السفلي على حنو بارز جداً ‪ ،‬ويضيف‪:‬‬
‫مهما ك���ان ال��ف��رق ال���ذي ن�لاح��ظ��ه ك��ب�يراً بني‬
‫س�لاالت احلمائم املختلفة‪ ،‬فإني أؤي��د متاماً‬
‫الرأي الذي يتفق حوله علماء الطبيعة والذي‬
‫يفيد بأهنا تنحدر كلها من نوع احلمام ‪biset‬‬
‫( محام بري بلون رم��ادي ومييل إىل البين )‪.‬‬
‫هنا الفكرة الرئيسية‪ ،‬وسيسحبها « داروين «‬
‫على الكائن احلي كله‪ ،‬حيواناً ونباتاً‪ :‬كل نوع‬
‫هو مثرة تغريات حاصلة عند النوع الذي سبقه‪،‬‬
‫حيث يتميز أفراد النوع اجلديد ببعض مسات‬
‫ظهرت باملصادفة‪ ،‬عقب تغريات يف اخلواص‬
‫اليت تراكمت وحُفظت‪ .‬تأكدت هذه الرؤية حتى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫اآلن واكتملت بشكل وفري من خالل املعطيات‬
‫اليت جتمعت مبستوى الوراثيات‪ ،‬والبيولوجيا‪،‬‬
‫وعلم األحافري‪.‬‬
‫طفرة وانتقاء ‪:mutation et sélection‬‬
‫بالنسبة مل��ن ج���اؤوا بعد «داروي����ن«‪ ،‬ستصبح‬
‫مناقري شراشري « غاالباغوس « التجسيدَ التام‬
‫للفعل املتضافر لقوتيّ التطور األساسيتني‬
‫هاتني‪ .‬وهكذا‪ ،‬فيما يتعلق بشراشري « داروين «‪،‬‬
‫فإن كل شيء كان قد انطلق من نوع وحيد وصل‬
‫إىل األرخبيل قبل ‪ 2,3‬مليون سنة‪ .‬ومع مرور‬
‫األجيال‪ ،‬الطيور اليت منحتها املصادفة منقاراً‬
‫أط��ول وأدق من املعتاد وج��دت نفسها تتميز‬
‫بالتغذي يف اجلزر اليت تكثر فيها احلشرات‪،‬‬
‫بينما يف اجلزر اليت تكثر فيها احلبوب متتاز‬
‫الطيور باملناقري العريضة والقصرية‪ .‬ووفقاً‬
‫هلذه العملية احملتومة‪ ،‬تالءمت أشكال املناقري‬

‫بذلك مع منط الغذاء املتاح على اجلزيرة اليت‬
‫اختارهتا موطناً‪ ،‬لتتمخض يف هناية األمر عن‬
‫األن��واع الثالثة عشر اليت الحظها «داروي��ن«‪.‬‬
‫بقي هناك لغز مع ذل��ك‪ :‬بأية آلية بيولوجية‬
‫أمكن ملورفولوجية هذه الطيور أن تتحول؟ أي‬
‫منط من الطفرة أتاح لساللة شراشري أن ترى‬
‫منقارها يتطاول أو على العكس أن يتثخن؟‪.‬‬
‫أول رياضي بيولوجي‬
‫للرد على هذا السؤال الذي بقي حتى اآلن بال‬
‫إجابة‪ ،‬جاءت «أرخات أبزانوف « فكرةُ االستلهام‬
‫من صرْح آخر من صروح البيولوجيا‪ ،‬واحد من‬
‫أمج��ل م��ا كتب يف العلم‪ ،‬كتاب ‪Forme et‬‬
‫‪( croissance‬ش ْكل ومن��و)‪ ،‬ال��ذي ظهر عام‬
‫‪ ،1917‬بتوقيع «دارس����ي طومبسون«‬
‫‪ .D`Arcy Thompson‬اهتم هذا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪161‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫البيولوجي اإلسكتلندي‪ ،‬املولود ع��ام ‪،1860‬‬
‫مبقارنة هندسة األن���واع من أج��ل أن يوضح‪،‬‬
‫هكذا كان يأمل‪ ،‬األسباب الفيزيائية األساسية‬
‫اليت توصِل إىل األشكال الطبيعية‪.‬‬
‫ومبا أنه كان مقتنعاً بأن (الفروق اجلوهرية بني‬
‫نوع وآخر تقتصر على فروق يف النسبة‪ ،‬أو فروق‬
‫يف السعات النسبية‪ ،‬أو كما كتب أرسطو فروق‬
‫عدم كفاية أو زيادة)‪ ،‬فقد قدّم (دارسي)‪ ،‬الذي‬
‫كان أول رياضي بيولوجي‪( ،‬نظري َة التحوالت)‬
‫‪ théorie des transformations‬اليت‬
‫هتتم بربط أشكال أف��راد األن��واع املختلفة من‬
‫خ�لال حت��والت هندسية أساسية ( استدارة‬
‫‪ ،rotation‬وتَ��ح��اكٍ ‪.) ... homothétie‬‬
‫وس��ار األم��ر ج��ي��داً! أعطى كتاب البيولوجي‬
‫اإلس��ك��ت��ل��ن��دي‪ ،‬بعد أن طبق عمليات تربيع‬
‫منتظم على رسوم خمتلفة لألنواع‪ ،‬كمي َة أمثلةٍ‬
‫مدهشة‪ ،‬تُوضح بشكل هندسي كيفي َة الربطِ‬
‫بني أشكال مجاجم حيوانات خمتلفة‪ ،‬وأشكال‬
‫أجسام أمساكٍ أو درو ٍع ( سلطعونات )‪.....‬‬
‫سبيل مكمِّل‬
‫كانت «نظرية التحوالت « دقيقة‪ ،‬ولكن بصورة‬
‫غري كافية‪ ،‬وهو ما اع�ترف به مؤلفها نفسه‪،‬‬
‫مب��ا يف ذل��ك عندما ك��ان يفكر يف التفرعات‬
‫التطورية ب�ين أن���وا ٍع‪ ،‬مستنداً إىل الرتبيعات‬
‫‪ .quadrillages‬لكن البيولوجي اإلسكتلندي‬
‫افتتح يف ذلك سبيالً جديداً مكمالً لذاك الذي‬
‫رمسه «داروين «‪ :‬بدالً من السعي إىل شرح شكل‬
‫الكائنات احلية من خالل املقتضيات اخلارجية‪،‬‬
‫املرتبطة بضغوط البيئة‪ ،‬ال�تي مت��ارَس خالل‬
‫الزمن طوال التطور‪ ،‬دعا إىل دراسة املقتضيات‬
‫الداخلية‪ ،‬املرتبطة بالقوى الفيزيائية اليت‬
‫متارَس خالل زمن النمو املضغي القصري‪.‬‬
‫يلزم أن نالحظ أن هذا السبيل‪ ،‬الواقع عند‬
‫احل���دود ب�ين اهلندسة والبيولوجيا‪ ،‬مل يكن‬
‫مطروقاً كثرياً يف الواقع خالل القرن التاسع‬

‫‪162‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫أن��واع اجلنس ‪ .Platyspiza‬بعبارة أخ��رى‪:‬‬
‫تتطابق اجمل��م��وع��ات املتشكلة م��ن التحوالت‬
‫اهلندسية بشكل كامل مع تصنيف أجناس وأنواع‬
‫شراشري كان قد أكده التصنيف التقليدي‪ .‬ألول‬
‫م��رة‪ ،‬تطابقت تربيعات «دارس��ي طومبسون«‬
‫مع أشجار «تشارلز داروي���ن «‪« .‬أن يتمخض‬
‫ِ‬
‫هذا التصنيف‪ ،‬بطريقة التحوالت‪ ،‬عن‬
‫أسلوب‬
‫إعادةِ جتمي ٍع لألنواع فعلياً‪ ،‬فهذا مل يكن متوقعاً‬
‫مطلقاً‪ .‬ولكن كان يلزم بعدُ إثباته‪ .‬وإعادة البناء‬
‫التطوري الساليل هذه احلاصلة موثوقة للغاية‬
‫«يلخص« بنوا روب�ير «‪، Benoît Robert‬‬
‫الباحث يف خمترب علم الوراثة اجلزيئي والتخلّق‬
‫يف معهد باستور‪.‬‬
‫مع ذل��ك‪ ،‬ليس هنا يكمن االهتمام الرئيسي‬
‫هلذه الدراسة‪ .‬وكما أشار (أرخ��ات أبزانوف)‪:‬‬
‫(مل يكن هدفنا أن نراجع شجرة تطور سالالت‬
‫ال��ش��راش�ير! ك��ان��ت ه��ذه ال��ش��ج��رة ق��د أكدهتا‬
‫دراس��ات سابقة‪ ،‬من خ�لال وامس��ات جزيئية‬
‫عديدة)‪ .‬يرى مع زمالئه أن التحدي يكمن يف‬
‫مكان آخر‪ :‬حاملا تبينت وثوقي ُة صلة التحوالت‬
‫اهلندسية‪ ،‬أرادوا أن جيدوا هلا منشأ بيولوجياً‪.‬‬
‫ارتكز استدالهلم على فرضية جريئة مستوحاة‬
‫مباشرةً من أعمال (داروي��ن) و (طومبسون)‪:‬‬
‫إذا مل يكن شكل هذه املناقري قد تطور خالل‬
‫م�لاي�ين السنني إال ع�بر حت��ول�ين هندسيني‪،‬‬
‫التحاكي والنقل العبوري‪ ،‬فإنه توجب حينئذ أن‬
‫توجد‪ ،‬يف طريقة إنتاج الربوتينات اليت تشكل‬
‫ه��ذه ال��زوائ��د ‪ appendices‬األنفية‪ ،‬آليتان‬
‫وراثيتان تأثريُمها هندسيٌّ حم��ض‪ ،‬إحدامها‬
‫ق��ادرة على تكبري املناقري واألخ��رى ق��ادرة على‬
‫جعلها تنثين‪.‬‬

‫ع��ش��ر‪ .‬مل ي��ب��ال معظم اختصاصيي نظرية‬
‫ال��ت��ط��ور‪ ،‬ال��ذي��ن اس��ت��أث��رت هب��م اك��ت��ش��اف��ات‬
‫ال��ب��ي��ول��وج��ي��ا اجل��زي��ئ��ي��ة امل��س��ت��م��رة‪ ،‬بالشكل‬
‫اإلمج��ايل للكائنات احلية مكتفني باالهتمام‬
‫بدراسة اآلليات اليت تتحكم بنموها‪ .‬مع ذلك‪،‬‬
‫مل يتمكن فريق « أرخات أبزانوف « من إيضاح‬
‫تنوع األن��واع بطريقة خمتلفة إال بعد اطالعه‬
‫على أفكار عامل الطبيعة اإلسكتلندي‪.‬‬
‫ب��دأ الباحثون مبسح شاكلة ‪ profil‬منقاريِّ‬
‫فردين أو مناقري ثالثة أفراد من كل واحد من‬
‫أنواع شراشري « غاالباغوس «‪ .‬ومن هنا وضعوا‬
‫رسْم الشاكلة النمطية لكل نوع‪ . ...‬واكتشفوا أن‬
‫حتوالت هندسية بسيطة جداً تكفي للحصول‬
‫على شاكلة منقار أي نوع انطالقاً من شاكلة أي‬
‫نوع آخر‪ :‬تَحَاكٍ ون ْق ٌل عُبُوري ‪.transvection‬‬
‫عمليتان بسيطتان‪ :‬ت��ص��وروا شاكل َة منقا ٍر‬
‫م��رس��وم على تربيع تكبِّرونه أو تقلصونه –‬
‫َ‬
‫خطوطه‬
‫هذه هي عملية التحاكي – أو متيِّلون‬
‫األفقية أو العمودية وفقاً لزاوية معينة – هذه‬
‫ه��ي عملية النقل ال��ع��ب��وري‪ .‬أن تكون هاتان‬
‫العمليتان اهلندسيتان كافيتني لتحويل شرشو ٍر‬
‫كسّا ٍر للجوز‪ ،‬مبنقار ضخم‪ ،‬إىل شرشو ٍر صيادِ‬
‫ح��ش��راتٍ مبنقار دق��ي��ق‪ ،‬فتلك كانت مفاجأة‬
‫كبرية‪ ،‬يف بنوّة « دارسي طومبسون « املباشرة‪.‬‬
‫لكن ذل��ك ليس س��وى بداية‪ .‬مل تكتف هاتان‬
‫العمليتان بربط أنواع الشراشري الثالثة عشرة‬
‫فيما بينها‪ ،‬بل وزعتاها على ثالث جمموعات‪:‬‬
‫ينطوي كل منقار‪ ،‬ضمن كل منها‪ ،‬على الشكل‬
‫نفسه‪ ،‬مع حتاكٍ قريب؛ ومن أجل االنتقال من‬
‫جمموعة إىل األخرى‪ ،‬يكفي القيام بنقل عبوري‬
‫بسيط‪ .‬إال أن هذا التصنيف املقتبَس من حتليل‬
‫هندسي بشكل حمض يتوافق بدقة مع ذاك‬
‫املنحدر من شجرة التطور‪ :‬تضم اجملموعة‬
‫‪ ،BMP4‬بروتني مفتاحي‬
‫األوىل أن���واع اجلنس « ‪ ،Geospiza‬وتضم إال أن بيولوجيي (ه��ارف��ارد) كانوا قد عملوا‬
‫الثانية أنواعاً من أجناس ‪ ،Camarhynchus‬عدة سنوات يف وقت سابق حول وراثيات‬
‫و‪ Pinaroloxias‬و ‪ Certhidea‬والثالثة منوّ فرخ الدجاج – حيوان قريب جداً‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪163‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من الشرشور – وباألخص حول بروتني امسه‬
‫‪ :Bmp4‬إ ْذ كان معروفاً بأنه ضالع يف النمو‬
‫العظمي خ�لال النمو املضغي‪ ،‬فقد ب��دا أنه‬
‫يتحكم حبجم املناقري‪ .‬هل ميكن لآللية الوراثية‬
‫اليت تنتج هذا الربوتني عندئذ أن تكون بالتحديد‬
‫موجِّه َة التحول بطريقة التحاكي؟‪.‬‬
‫ملعرفة ذل���ك‪ ،‬ب��دأ ال��ب��اح��ث��ون يقيسون كمية‬
‫ه���ذا ال�بروت�ين ال��ن��ات��ج ح�ين ال��ت��خ�لّ��ق املضغي‬
‫‪ . embryogenèse‬كانت مهمة دقيقة –‬
‫يتعلق األمر بكشف الربوتني يف نُسُج عشرات‬
‫امل��ض��غ يف وق���ت حم���دد م��ن من��وه��ا‪ .‬إال أهن��ا‬
‫أمثرت‪ :‬أثبت الباحثون أنه كلما وُجد الربوتني‬
‫‪ Bmp4‬بكمية أكرب يف املنقار املضغي يكون أكثر‬
‫ّ‬
‫توضعاً يف تربيع (ممدود) خالل مرحلة البلوغ‬
‫باملقارنة مع األنواع األخرى‪ .‬تؤثر اجلينات اليت‬
‫تتحكم بإنتاج هذا الربوتني إذاً بالفعل كموجّهة‬
‫للتحاكي‪ .‬يكفي أن ينزلق هذا (الزرّ) قليالً يف‬
‫هذا االجتاه أو ذاك حتى يصبح املنقار الناتج‬

‫‪164‬‬

‫عن ذلك أكرب أو أقل كرباً‪ ،‬مع شكل إمجايل مثيل‬
‫‪.identique‬‬
‫من الناحية النظرية‪ ،‬ميكن إذاً‪ ،‬بالعمل على‬
‫كمية ‪ ،Bmp4‬يف مرحلة حم��ددة من التخلق‬
‫املضغي‪ ،‬حتويل الزائدة األنفية لـ ‪géospize‬‬
‫ضخم املنقار « إىل زائدة أنفية لـ « ‪géospize‬‬
‫مبنقار أسْخم اللون « أو حتويل « ‪géospize‬‬
‫ن ّقار « إىل « ‪ géospize‬شرشور داروي�ني «!‬
‫إذا مل يكن البيولوجيون قد جربوا ذلك‪ ،‬فإن‬
‫هذه التجربة جنحت يف املخترب عام ‪ 2004‬مع‬
‫فرخ الدجاج‪ « :‬أتاحت معالَجات تعبري الربوتني‬
‫‪ ،Bmp4‬حتى اآلن‪ ،‬احل��ص��و َل على تغريات‬
‫هامة جداً يف معْلَماتِ مقياسيةِ مناقريِ مضغ ِ‬
‫فراخ دجا ٍج‪ . ...‬ولكن بقي هذا‪ ،‬بشكل أساسي‪،‬‬
‫يتخذ شكل منقار فرخ الدجاج! ‪.‬‬
‫يف الواقع‪ ،‬مل تكتشَف سوى اآللية املسؤولة عن‬
‫التحاكي‪ .‬أما اآللية املسؤولة عن النقل العبوري‬
‫فما تزال لغزاً‪ .‬هل ستبقى هكذا لزمن طويل؟‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫يريد (أرخات أبزانوف) أن يكون مقتنعاً بذلك‪:‬‬
‫(بتنا نبحث عن أطوار منو مضغي قادرة على‬
‫إنتاج أشكال املناقري بالنقل العبوري‪ ،‬كأشكال الـ‬
‫‪ géospizes‬من نوع شراشري داروي��ن‪ .‬أعتقد‬
‫فعالً أنه جيب أن نتمكن‪ ،‬حاملا نكتشف هذه‬
‫اآلليات‪ ،‬من حتريض حتوالت من منط ‪ ,,‬النقل‬
‫العبوري ‪ ,,‬يف جتاربنا املنجزة على فراخ دجاج)‪.‬‬
‫توفري كبري يف الوسائل‬
‫على حنو م��واز‪ ،‬يثابر فريق «ه��ارف��ارد « اآلن‬
‫على توسيع حتليله ليشمل مناقري أنواع أخرى‬
‫من الطيور أكثر أو أقل بُعداً عن الشراشري‪.‬‬
‫وتتابع خمتبَرات أخ��رى ع��دي��دة ه��ذا اجلهد‬
‫لقياس أبعاد كائنات حية بدقة بالغة‪ ،‬أمالً‬
‫بالعثور فيها على رواب��ط بني حتول هندسي‬
‫وتعبري جيين ‪ .‬تلك ه��ي بشكل خ��اص حالة‬
‫خمترب « إنريكو كوين « ‪ Enrico Koen‬يف‬
‫مركز أحباث ‪ John - Innes‬يف إنكلرتة‪ ،‬الذي‬
‫يدرس اآلليات املسؤولة عن شكل أوراق (أنف‬
‫الثور) ‪ ،Gueule – de – loup‬وهي نبتة برية‬
‫ذات مورفولوجية متباينة جداً جندها يف أوربا‬
‫الغربية والواليات املتحدة‪ .‬بعد أن حللوا بدقةٍ‬
‫هندس َة أوراق عشرين نوعاً خمتلفاً وقاطعوا‬
‫هذه املعطيات مع خريطة التعبري اجليين هلذه‬
‫األوراق‪ ،‬كشف ه��ؤالء الباحثون ث�لاث آليات‬
‫يضطلع هبا مخسة عشر جيناً تتيح تأثرياتُها‪،‬‬
‫اهل��ن��دس��ي��ة احمل��ض��ة‪ ،‬ت��ول��ي��د امل��ورف��ول��وج��ي��ات‬
‫املالحَظة كلها (تعمل األوىل‪ ،‬وهي من منط‬
‫التحاكي‪ ،‬على تغيري احلجم‪ ،‬بينما تغري االثنتان‬
‫األخ��ري��ان شكل ال��رس��م )‪ .‬وك��م��ا ه��و احل��ال‬
‫بالنسبة للشرشور‪ ،‬تؤدي هذه اآلليات الثالث‬
‫إذاً دور أزرار ضبط شكل الورقة‪ :‬يكفي حتوُّرٌ‬
‫بسيط يف درجة تعبري هذه اجلينات لالنتقال‬
‫من نوع « أنف ثور « إىل نوع آخر‪.‬‬
‫حتى لو بقيت هذه األعمال جزئية‪ ،‬فإهنا باتت‬
‫تتيح فهم السبب املسؤول عن حت��ول األن��واع‬

‫الذي بقي جمهوالً حتى اآلن‪ .‬حيدث كل شيء‬
‫كما لو أن جينوم الكائن احلي (جمموع جيناته)‪،‬‬
‫حيوان أو نبات‪ ،‬م��زودٌ بعدد من املشريات أو‬
‫املوجِّهات اهلندسية‪ ،‬اليت تتيح لعملية التطور‬
‫استكشاف أشكال جديدة مع اقتصاد كبري يف‬
‫الوسائل‪.‬‬
‫وبدالً من انتظار حدوث طفرات وراثية عشوائية‬
‫وعجيبة‪ ،‬من األسهل كثرياً يف الواقع توليد تنوُّ ٍع‬
‫مورفولوجي بتحريك هذه املشريات‪ ،‬ببساطة‪:‬‬
‫يكفي اخ��ت�لاف صغري يف وضعها ك��ي تتمدد‬
‫األعضاء ويتغري شكلها وتتالءم مع اختالفات‬
‫البيئة‪ ،‬خالل مئات من آالف األجيال اخلاضعة‬
‫هلذه التحوالت اهلندسية املنتقاة بأناة‪.‬‬
‫هذا التعقب لـ « اجلينات املهندسة «‪ ،‬املستوحى‬
‫من نظرية تطور « تشارلز داروين « و « دارسي‬
‫طومبسون «‪ ،‬هو يف بدايته‪ .‬ويأمل الباحثون‬
‫أن يتيح تضافر البيولوجيا واهلندسة حل ألغاز‬
‫الدهاء الذي يستثمره التطور لرسم هذا القدر‬
‫الكبري من ضروب األنواع‪.‬‬
‫جينات متماثلة لكائنات خمتلفة‬
‫يُمْلي بضعُ مئات من اجلينات مهندسة البناء‪،‬‬
‫اليت اكتُشفت يف مثانينيات القرن العشرين‪،‬‬
‫من���وَّ أع���ض���اءٍ خم��ت��ل��ف��ة‪ ،‬ك��ال��ص��در‪ ،‬وال����رأس‪،‬‬
‫والساقني ضمن كائنات حية متباينة‪ ،‬كالذبابة‪،‬‬
‫وف��رخ ال��دج��اج‪ ،‬وال��ف��أر‪ .‬كيف يتسنى جملموع‬
‫ق َِط ِع بناءٍ هو نفسه أن يو ّلد هذا التنوع الواسع‬
‫يف األشكال؟ مل تأت اإلجابة إال خالل السنوات‬
‫األخ�يرة‪ .‬ه��ذه اجلينات مهندسة البناء‪ ،‬غري‬
‫الناشطة إال يف أوقات حمددة من النمو‪ ،‬تدفع‬
‫اخلاليا إىل االزدياد‪ ،‬والنمو على حنو خمتلف‬
‫وفقاً‬
‫ُّ‬
‫لتوضعها‪ .‬ال يبين أي منها األعضاءَ بشكل‬
‫مباشر‪ ،‬بل يفعِّل كل واحد عدداً كبرياً جداً من‬
‫اجلينات األخرى‪ ،‬اليت تؤدي‪ ،‬من خالل خاليا‬
‫املضغة‪ ،‬إىل إنتاج بروتينات وجزيئات أخرى‬
‫ضرورية لبنائها‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪165‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الزيتون ‪ ...‬غذاء ودواء‪ ‬‬
‫هناء ثابت حممد املدَّاد‬

‫يعترب الزيتون من أقدم النباتات اليت عرفها اإلنسان وغرسها واستثمرها‬
‫واستخرج زيتها الثمني واستعمله كغذاء ودواء‪ .‬وقد ورد ذكره يف كتابات‬
‫صينية والتوراة واإلجنيل والقرآن الكريم‪ ،‬إذ وصفت الزيتونة بأهنا‬
‫شجرة مباركة ومثرة الزيتون وحيدة البذرة‪ ،‬وجلدهتا خضراء المعة تتحول إىل‬
‫اللون األسود األرجواني حني نضجها‪ ،‬وحتتوي على مركبات تدعى اجللوكوسيدات‬
‫ويف الزيتون ‪ 85%‬من األمالح املعدنية «الفوسفور‪ ،‬البوتاسيوم‪ ،‬الكربيت املاغنسيوم‪،‬‬
‫الكالسيوم‪ ،‬احلديد‪ ،‬النحاس‪ ،‬الكلور‪ ،‬ومعظم الفيتامينات أ‪ ،‬ب‪ ،‬سي‪ ،‬آي وتعطي‬
‫املئة غرام منه حوايل ‪ 224‬سعرة حرارية‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫ومثار الزيتون الناضجة هلا قيمة غذائية عالية‬
‫ملا فيها من نسبة مرتفعة من الزيت وصفات‬
‫قدمية جاء يف الكتب الطبية القدمية أن الزيتون‬
‫يفتح الشهية للطعام وي��ق��وي امل��ع��دة ويفتح‬
‫السدد‪ ،‬ويساعد على اهلضم ويقوي اجلسم‪.‬‬
‫وباإلضافة إيل مثار الزيتون فإن األوراق مفيدة‬
‫إذا مضغت‪ ،‬إذ ميكن أن تعاجل التهابات اللثة‬
‫والقالع وأورام احللق‪ ،‬وغري ذلك من األمراض‪.‬‬
‫أما نوى الزيتون فتستخدم لعالج الربو والسعال‬
‫كتبخرية دراسات حديثة وصفت الزيتون وزيته‬
‫يف الطب احلديث بأنه مغذ ملني‪ ،‬مدر للصفراء‬
‫م��ف��ت��ت ل��ل��ح��ص��ى‪ ،‬م��ف��ي��د مل��رض��ى ال��س��ك��ري‪،‬‬
‫واإلمساك‪.‬‬
‫وينصح خرباء التغذية والصحة العامة بتناول‬
‫ملعقة أو ملعقتني من الزيت مرة يف الصباح‬
‫ومرة قبل النوم ويفيد الزيتون يف حاالت اإلصابة‬
‫باخلراجات والدمامل وفقر ال��دم واألكزميا‬
‫وتشقق األيدي والقوباء والكساح والروماتيزم‬
‫والتهاب األعصاب‪ ،‬إضافة إىل ذلك يستعمل‬
‫كعالج لتساقط الشعر بفرك فروة الرأس بزيت‬
‫الزيتون مساء ملدة عشرة أيام وتغطى طيلة الليل‬
‫ثم يغسل الشعر يف الصباح‪ ،‬وملعاجلة النقرس‬
‫تنقع كمية من زهور البابونج يف زيت الزيتون‬
‫وتنشر يف الشمس أربعة أيام ثم يفرك هبا مكان‬
‫األمل‪ ،‬ولعالج األكزميا وتشقق اليدين تدهن‬
‫املناطق املصابة بزيت الزيتون واجلليسريين‬
‫وبشكل عام ميكن القول إن الزيتون من الثمار‬
‫املفيدة اليت تقوي اجلسم وتقيه من األمراض‪.‬‬
‫أســـرار وإعجـــاز‬
‫ألول م��رة يف ال��ت��اري��خ اجتمع ستة عشر من‬
‫أشهر علماء الطب يف العامل يف مدينة روما يف‬
‫احلادي والعشرين من شهر أبريل عام ‪1997‬‬
‫م ليصدروا توصياهتم وقراراهتم املوحدة حول‬
‫موضوع (زي��ت الزيتون و غ��ذاء ح��وض البحر‬

‫املتوسط ) وأك���دوا يف بياهنم أن ت��ن��اول زيت‬
‫الزيتون يسهم يف الوقاية من م��رض شرايني‬
‫القلب التاجية وارتفاع كولسرتول الدم ‪ ،‬وارتفاع‬
‫ضغط الدم ‪ ،‬ومرض السكر ‪،‬والبدانة ‪ ،‬كما أنه‬
‫يقي من بعض السرطانات فحتى عام ‪ 1986‬مل‬
‫يأبه أحد من الباحثني األمريكيني واألوروبيني‬
‫بزيت الزيتون‪ ،‬وما أن طلع علينا الدكتور غرندي‬
‫يف دراسته اليت ظهرت عام ‪ ، 1985‬واليت أثبت‬
‫فيها أن زيت الزيتون خيفض كولسرتول الدم‬
‫حتى توالت الدراسات واألحباث تركز اهتمامها‬
‫حول فوائد زيت الزيتون ‪ ،‬وتستكشف يوماً بعد‬
‫يوم املزيد من أسرار هذا الزيت املبارك الذي‬
‫أتى من شجرة مباركة‪.‬‬
‫ق��ال رس���ول اهلل صلى اهلل عليه وآل��ه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪167‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وسلم‪ »:‬كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة‬
‫مباركة» صحيح اجلامع الصغري ‪./4498‬‬
‫وكيف ال تكون الشجرة مباركة ‪ ،‬وق��د أقسم‬
‫اهلل تعاىل هبا أو بأرضها – على اختالف بني‬
‫املفسرين – يف قوله تعاىل والتني والزيتون‬
‫وكيف ال تكون مباركة ‪ ،‬وقد شبه اهلل تعاىل‬
‫نوره بالنور الصادر عن زيتها حني قال يوقد‬
‫من شجرة مباركة زيتونة ال شرقية وال غربية‬
‫فالشجرة مباركة ‪ ..‬والزيت مبارك ‪ ..‬ولكن‬
‫كثرياً من الناس عنه غافلون ‪.‬‬
‫فزيت الزيتون هبة السماء لإلنسان ‪ .‬عرف‬

‫‪168‬‬

‫ال��ق��دم��اء بعضاً م��ن ف��وائ��ده ‪ ،‬وأدرك الطب‬
‫احل��دي��ث – منذ س��ن��وات م��ع��دودات – بعضاً‬
‫آخر منها ‪.‬عرفنا حديثاً أن زيت الزيتون يقي‬
‫من مرض العصر ‪ ..‬جلطة القلب ‪ ،‬ويؤخر من‬
‫تصلب الشرايني‪ .‬وتالشت األسطورة اليت كانت‬
‫تقول إن زيت الزيتون يزيد كولسرتول ال��دم ‪،‬‬
‫ذل��ك الشبح ال��ذي يقض مضاجع الكثريين ‪.‬‬
‫وت��ب�ين للعلم احل��دي��ث أن زي��ت ال��زي��ت��ون عدو‬
‫للكولسرتول ‪ ،‬حياربه أنى كان يف جسم اإلنسان‬
‫واحلقيقة أن األمريكان يغبطون سكان حوض‬
‫البحر األبيض املتوسط على غذائهم ‪ ،‬فهم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫يعرفون أن مرض شرايني القلب التاجية أقل‬
‫حدوثاً يف إيطاليا وأسبانيا وما جاورمها مما‬
‫هو عليه يف مشال أوروب��ا والواليات املتحدة ‪.‬‬
‫ويعزو الباحثون ذلك إىل كثرة استهالك زيت‬
‫الزيتون عند سكان حوض البحر املتوسط ‪،‬‬
‫واعتمادهم عليه كمصدر أساسي للدهون يف‬
‫طعامهم بدالً من السمنة ( املرجرين ) والزبدة‬
‫وأشباهها ‪.‬‬
‫يقول كتاب ‪Heart Owner Handbook‬‬
‫ال�����ذي أص������دره م��ع��ه��د ت��ك��س��اس ألم����راض‬
‫القلب حديثا ‪ :‬إن اجملتمعات ال�تي تستخدم‬
‫ال���ده���ون ال�لام��ش��ب��ع��ة ال��وح��ي��د(وأش��ه��ره��ا‬
‫زي��ت ال��زي��ت��ون) يف غ��ذائ��ه��ا كمصدر أساسي‬
‫للدهون تتميز بقلة حدوث مرض شرايني القلب‬
‫التاجية ‪ ،‬فزيت الزيتون عند سكان اليونان‬
‫وإيطاليا وإسبانيا يشكل امل��ص��در األساسي‬
‫للدهون يف غذائهم ‪ ،‬وهم يتميزون بأهنم األقل‬
‫تعرضاً ملرض شرايني القلب وسرطان الثدي‬
‫يف العامل أمجع ‪ .‬وليس هذا فحسب ‪ ،‬بل إن‬
‫األمريكيني ال��ذي��ن حي���ذون ح��ذو ه���ؤالء يقل‬
‫عندهم حدوث مرض شرايني القلب‪.‬‬
‫الزيتون يف القرآن‬
‫وَهُوَ ا َّلذِي أَن�زَ َل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً َف َأخْرَجْنَا ِبهِ‬
‫نَبَاتَ ُك ِّل شَيْءٍ َف َأخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُ ْخ ِرجُ مِنْهُ‬
‫َ‬
‫حبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ الن َّْخ ِل مِنْ َطلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَ ٌة‬
‫َوجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَ ِبهًا‬
‫و ََغيْرَ مُتَشَا ِبهٍ ُ‬
‫انظرُوا إِلَى ثَمَ ِرهِ إِ َذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ‬
‫إِنَّ فِي َذلِ ُكمْ آليات لِ َقوْ ٍم يُؤْمِنُونَ (‪ .)99‬سورة‬
‫األنعام‬
‫وَهُ���وَ ا َّل���ذِي أَنْ �شَ � َأ جَ �نَّ��اتٍ مَ �عْ �رُوشَ��اتٍ و ََغ �يْ �رَ‬
‫َمعْرُوشَاتٍ وَالن َّْخ َل وَالزَّرْعَ م ُْختَلِ ًفا أ ُ ُكلُهُ وَالزَّيْتُونَ‬
‫وَالرُّمَّانَ مُتَشَا ِبهًا و ََغيْرَ مُتَشَا ِبهٍ ُكلُوا مِنْ ثَمَ ِرهِ إِ َذا‬
‫أَثْمَرَ وَأتُوا ح ََّقهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَال تُسْ ِر ُفوا إِ َّنهُ ال‬
‫يُحِبُّ الْمُسْ ِرفِنيَ (‪ )141‬سورة االنعام‬

‫هُوَ ا َّلذِي أَنزَ َل مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَ ُكمْ مِنْهُ شَرَابٌ‬
‫وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(‪ )10‬يُنْ ِبتُ لَ ُكمْ ِبهِ الزَّرْعَ‬
‫وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِي َل وَالأْ َعْنَابَ وَمِنْ ُك ِّل ال َّثمَرَاتِ إِنَّ‬
‫فِي َذلِكَ اليَ ًة لِ َقوْ ٍم يَتَ َف َّكرُونَ (‪ )11‬سورة النحل‬
‫وَأَن�زَلْ�نَ��ا مِ�نَ السَّمَاءِ مَ��اءً ِب� َق�دَ ٍر َف َأسْ َكنَّاهُ فِي‬
‫األَر ِ‬
‫ْض وَإِ َّن���ا عَلَى َذهَ���ابٍ ِب �هِ لَ��� َق���ادِرُونَ (‪)18‬‬
‫َف َأنشَ ْأنَا لَ ُكمْ ِبهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِي ٍل وَأَعْنَابٍ لَ ُكمْ‬
‫فِيهَا َفوَاكِهُ َكثِريَةٌ وَمِنْهَا تَ ْأ ُكلُونَ (‪ )19‬وَشَجَرَةً‬
‫تَ ْخرُجُ مِ�نْ ُط��و ِر سَيْنَاءَ تَنْبُتُ ِبالدُّه ِْن وَصِبْ ٍغ‬
‫لِآلكِلِنيَ (‪ )20‬وَإِنَّ لَ ُكمْ فِي األَنْعَا ِم لَعِبْرَةً نُسقِي ُكمْ‬
‫مِمَّا فِي ب ُُطونِهَا وَلَ ُكمْ فِيهَا مَنَافِعُ َكثِريَةٌ وَمِنْهَا‬
‫تَ ْأ ُكلُونَ (‪ )21‬وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْ ُفلْكِ تُحْمَلُونَ (‪.)22‬‬
‫سورة املؤمنون‬
‫ال َّلهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَاألَر ِ‬
‫ْض مَثَ ُل نُو ِرهِ َكمِشْ َكاةٍ‬
‫فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي ُزجَاجَةٍ الزُّجَاجَ ُة‬
‫َك َأ َّنهَا َكوْ َكبٌ دُرِّيٌّ يُو َقدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَ َكةٍ َزيْتُونِةٍ‬
‫ال شَرْقِيَّةٍ وَال َغرْ ِبيَّةٍ يَ َكادُ َزيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ‬
‫تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُو ٍر يَهْدِي ال َّلهُ لِنُو ِرهِ مَنْ‬
‫َض ِربُ ال َّلهُ األَمْثَا َل لِلن ِ‬
‫يَشَاءُ وَي ْ‬
‫َّاس وَال َّلهُ ِب ُك ِّل‬
‫شَيْءٍ عَلِيمٌ (‪ )35‬سورة النور‬
‫َفلْيَن ُْظ ِر اإلِنسَانُ إِلَى َطعَامِهِ (‪ )24‬أ َ َّنا صَبَبْنَا‬
‫الْ�مَ��اءَ صَ �بًّ��ا(‪ )25‬ثُ�مَّ شَ َق ْقنَا األَرْضَ شَقًّا(‪)2‬‬
‫َف َأنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (‪ )27‬وَعِنَبًا وَ َق ْ‬
‫ضبًا (‪)28‬‬
‫وَ َزيْتُو ًنا وَنَ ْخال (‪ )29‬وَحَدَائِقَ ُغلْبًا (‪ )30‬وَ َفاكِهَ ًة‬
‫وَأَبًّ��ا (‪ )31‬مَتَاعًا لَ ُكمْ وَألَنْعَامِ ُكم ْ(‪ .)32‬سورة‬
‫عبس‬
‫وَال ِّتنيِ وَالزَّيْتُو ِن (‪ )1‬و َُط��و ِر سِينِنيَ (‪ )2‬وَهَ َذا‬
‫الْبَلَدِ األَمِنيِ (‪ )3‬لَ َقدْ خَل َ ْقنَا اإلِنسَانَ فِي أَحْس َِن‬
‫تَ ْقوِي ٍم (‪ )4‬ثُ�مَّ رَدَدْنَ���اهُ أَسْ َف َل سَافِلِنيَ (‪ )5‬إِال‬
‫ا َّلذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ َفلَهُمْ أَجْرٌ َغيْرُ‬
‫مَمْنُو ٍن (‪َ )6‬فمَا يُ َك ِّذبُكَ بَعْدُ ِبالد ِ‬
‫ِّين (‪ )7‬أَلَيْسَ‬
‫ال َّلهُ ِب َأحْ َك ِم الْحَاكِمِنيَ (‪ )8‬سورة التني‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪169‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ابن حزم االندلسي‬
‫‪ 384‬هـ ‪456 -‬هـ‬
‫حممد اخلاطر‬

‫علي بن حزم االندلسي هو اإلمام البحر‪ ،‬ذو الفنون واملعارف‪،‬‬
‫أبو حممد‪ ،‬علي بن أمحد بن سعيد بن حزم بن غالب بن‬
‫صاحل بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد األندلسي‬
‫القرطيب اليزيدي موىل األمري يزيد بن أبي سفيان بن حرب األموي ‪.‬‬
‫أندلسي أصله من بادية ولبة‪ ,‬أكرب علماء اإلسالم تصني ًفا وتألي ًفا بعد‬
‫الطربي‪ ،‬وهو إمام حافظ ‪,‬فقيه ظاهري‪ ،‬وجمدد القول به‪ ،‬بل حميي‬
‫املذهب بعد زواله يف الشرق‪ ،‬ومتكلم‪ ،‬أديب‪ ،‬وشاعر‪ ،‬وناقد حملل‪ ،‬بل‬
‫وصفه البعض بالفيلسوف‪ ،‬وزير سياسي لبين أمية‪ .‬يعد من أكرب علماء‬
‫األندلس‪ .‬قام عليه مجاعة من املالكية وشرد عن وطنه‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫نشأة ابن حزم األندلسي‬
‫عاش حياته األوىل يف صحبة أخيه أبى بكر‬
‫الذي كان يكربه خبمس سنوات يف قصر أبيه‬
‫أحد وزراء املنصور بن أبي عامر‪ ،‬وابنه املظفر‬
‫من بعده‪ ،‬وكانت تربيته يف تلك الفرتة على‬
‫أيدي جواري القصر الذي كان مقاماً يف‬
‫الشارع اآلخذ من النهر الصغري على الدرب‬
‫املتصل بقصر الزاهرة‪ ،‬واملالصق لدار‬
‫املنصور بن أبي عامر ‪ ،‬ومن ذلك نعرف مدى‬
‫املكانة اليت كان حيظى هبا والد ابن حزم لدى‬
‫املنصور بن أبي عامر حتى جاوره يف السكن‪.‬‬
‫كان ابن حزم قد خرج من وسط أسرة عرفت‬
‫اإلسالم منذ جده األعلى يزيد بن أبى سفيان‪،‬‬
‫وكان خلف أول من دخل األندلس من أسرته‬
‫يف صحبة األمري عبد الرمحن الداخل‪ ،‬وكان‬
‫مقامه يف لبلة ‪ ،‬ومن ذلك نعرف أن مقر هذه‬
‫األسرة كانت الشام بعد مشاركة يزيد أصل‬
‫هذه األسرة يف الفتوحات اإلسالمية هبا‪ ،‬وملا‬
‫خرج عبد الرمحن إىل األندلس خرج معه‬
‫خلف بن معدان‪.‬‬
‫وقد بدأت هذه األسرة حتتل مكاهنا الرفيع‬
‫كواحدة من كرائم العائالت باألندلس يف‬
‫عهد احلكم املستنصر‪ ،‬وجنحت يف امتالك‬
‫قرية بأسرها هي منت ليشم ‪ ،‬ويعترب أمحد‬
‫بن سعيد أحد مشاهري هذه األسرة ومؤسس‬
‫ملكها حتى قال عنه ابن حيان « الوزير املعقل‬
‫يف زمانه الراجح يف ميزانه … هو الذي بنى‬
‫بيت نفسه يف آخر الدهر برأس رابية وعمده‬
‫باخلالل الفاضلة من الرجاحة واملعرفة‬
‫والدهاء والرجولة « ‪ ،‬وقد كان هلذه الصفات‬
‫إىل جانب اجتاهه للحزب األموي وعمق والئه‬
‫ألمرائه وخلفائه دور هام يف استوزار املنصور‬
‫له سنة ‪381‬هـ‪991/‬م‪ ،‬وبلغ من شدة ثقته به‬

‫أنه كان يستخلفه على اململكة أوقات مغيبه‬
‫عنها‪ ،‬وصري خامته يف يده ‪ ،‬وكان ألمحد بن‬
‫سعيد جملس حيضره العلماء والشعراء أمثال‬
‫أبى عمر بن حربون وخلف بن رضا ‪ ،‬وكان له‬
‫باع طويل يف الشعر ومشاركة قوبة يف البالغة‬
‫واالدب حتى إنه ليتعجب ممن يلحن يف‬
‫خماطبة أو جييء بلفظة قلقة يف مكاتبة ‪ ،‬وقد‬
‫كان هلذا أثره على ولده ابن حزم يف متكنه من‬
‫اللغة والشعر واهتمامه هبما‪ ،‬حتى أن بالغته‬
‫كان هلا من التأثري أهنا تأخذ مبجامع القلوب‬
‫وتنفذ إىل أعماق النفوس يف أسلوب سهل‬
‫ممتنع رقيق خيلو من االستطرادات ويتسم‬
‫بطول النفس ومجال النكته وخفة الروح‪ ،‬كما‬
‫كان أمحد بن سعيد من املشاركني يف حركة‬
‫اإلفتاء باألندلس من خالل جمالسه العلمية‬
‫واملناظرات اليت كانت تدور يف قصره حتى‬
‫قال عنه ابن العماد « كان مفتياً لغوياً متبحراً‬
‫يف علم اللسان « ‪ ،‬وهذه العبارة توضح األثر‬
‫الذي تركه أمحد بن سعيد على ولده ابن حزم‬
‫الذي اعتمد يف فتواه وتفسريه لنصوص القرآن‬
‫والسنة على ظاهر اللغة ‪ ،‬ومن ثم يكون والده‬
‫أحد األسباب اليت دفعته إىل املنهج الظاهري‬
‫يف الفتيا والتفسري بالرغم من أنه كان مالكى‬
‫املذهب‪.‬‬
‫ظل أمحد بن سعيد وزيراً بعد املنصور البنه‬
‫املظفر‪ ،‬وأخيه عبد الرمحن شنجول إىل أن‬
‫أعفى من منصبه يف عهد حممد املهدى‪،‬‬
‫وترك منية املغرية حى كبار موظفى البالط‬
‫وعاد لسكنه القديم يف بالط مغيث بعيداً‬
‫عن صخب السياسة‪ ،‬وبعد اغتيال املهدي‬
‫يف ذي احلجة ‪400‬هـ‪1010/‬م ومبايعة هشام‬
‫املؤيد ثانية بعد الزعم مبوته‪ .‬اصطدم أمحد‬
‫بن سعيد بالقائد الصقلبى واضح‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪171‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫حمسوب اخلالفة الذي الحقه وسجنه وصادر‬
‫أمواله‪ ،‬وطلت الفنت والنكبات تتواىل على بين‬
‫حزم حتى وفاة أمحد بن سعيد يف ذى القعدة‬
‫‪402‬هـ‪1012/‬م ‪ ،‬وقد كان هلذه النكبات أثرها‬
‫السيئ على ابن حزم إذ إهنا زادت من حزنه‪،‬‬
‫وكانت أحد أسباب حدته اليت تظهر جلية يف‬
‫مصنفاته‪.‬‬
‫من املصنف الذي صنفه ابن حزم عن أسرته‬
‫والذي يدعى « تواريخ أعمامه وأبيه وأخواته‬
‫وبنيه وبناته مواليدهم وتاريخ من مات منهم‬
‫يف حياته « يتضح أن أبناءه كانوا مجعاً من‬
‫البنني والبنات‪ ،‬ولكن ال نعرف عن بناته شيئاً‪.‬‬
‫أما عن أبنائه الذكور فنعرف منهم أربعة وهم‬
‫أبو رافع الفضل‪ ،‬وأبو أسامة يعقوب‪ ،‬وأبو‬
‫سليمان املصعب‪ ،‬وسعيد‪ .‬سكن هو وأبوه‬
‫قرطبة وناال فِيهَا جاهاً عريضاً‪ .‬أصبح أبوه‬
‫أمحد بن حزم من وزراء احلاجب املنصور بن‬
‫أبي عامر من أعظم حكام األندلس‪ ،‬فارتاح‬
‫باله من كد العيش والسعي وراء الرزق‪ ،‬وتفرغ‬
‫لتحصيل العلوم والفنون‪ ،‬فكتب طوق احلمامة‬
‫يف اخلامسة والعشرين من عمره‪ .‬وقد رزق‬
‫ً‬
‫ذكاءً‬
‫مفرطا وذهنًا سياالً وقد ورث عن أبيه‬
‫مكتبة ذاخرة بالنفائس‪ ،‬اشتغل يف شبابه‬
‫بالوزارة يف عهد «املظفر بن املنصور العامري»‬
‫ثم مالبث أن أعرض عن الرياسة وتفرغ للعلم‬
‫وحتصيله‪.‬‬
‫كان يضرب املثل يف لسان ابن حزم‪ ،‬فقيل عنه‪:‬‬
‫«سيف احلجاج ولسان ابن حزم شقيقان»‪،‬‬
‫فلقد كان ابن حزم يبسط لسانه يف علماء‬
‫األمة وخاصة خالل مناظراته مع املالكية يف‬
‫األندلس‪ ،‬وهذه احلدة أورثت نفورًا يف قلوب‬
‫كثري من العلماء عن ابن حزم وعلمه ومؤلفاته‪،‬‬
‫وكثر أعداؤه يف األندلس‪ ،‬حتى نفوه من‬

‫‪172‬‬

‫قرطبة وأحرقت كتبه يف حماضر عامة بأمر‬
‫من املعتضد بن عباد‪ ،‬وصار ابن حزم ينتقل‬
‫من مكان آلخر حتى مات يف قرية «لبلة»‬
‫غربي األندلس (من نواحي مدينة ولبة)أرض‬
‫أبويه‪ .‬ابن حزم كان سياسياً حاد اللسان يف‬
‫التعرض لفقهاء عصره اجلاحدين املنتفعني‬
‫من مناصبهم‪ ،‬استطاع هؤالء أن يؤلبوا عليه‬
‫املعتضد بن عباد أمري اشبيلية‪ ,‬فاصدر قراراً‬
‫هبدم دوره ومصادرة أمواله وحرق كتبه‪،‬‬
‫وفرض عليه أ ّ‬
‫ال يغادر بلدة أجداده منت ليشم‬
‫من ناحية لبلة‪ ،‬وأال يفيت أحد مبذهب مالك‬
‫أو غريه‪ ،‬كما توعد من يدخل إليه بالعقوبة‪،‬‬
‫وهناك تويف سنة ‪1069‬م‪ ،‬وملا فعلوا ذلك‬
‫بكتبه تأمل كثرياً فقال وقد حُ ِّرقت مؤلفاته ‪:‬‬
‫إن حترقوا القرطاس ال حترقوا الذي‬
‫تضمنه القرطاس بل هو يف صدري‬
‫يقيم معي حيث استقلت ركائيب‬
‫وينزل إن أنزل ويدفن يف قربي‬
‫دعوني من إحراق رق وكاغد‬
‫وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري‬
‫وإ ّ‬
‫ال فعدوا بالكتاتيب بدءة‬
‫فكم دون ما تبغون هلل من سرت‬
‫كذاك النصارى حيرقون إذا علت‬
‫أكفهم القرآن يف مدن الثغر ‪.‬‬
‫املناصب اليت توالها‬
‫ابن حزم األندلسي‬
‫ويل وزارة للمرتضى يف بلنسية‪ ،‬وملا هزم وقع‬
‫ابن حزم يف األسر وكان ذلك يف أواسط سنة‬
‫(‪ )409‬هجريه‪ ،‬ثم أطلق سراحه من األسر‪،‬‬
‫فعاد إىل قرطبة‪.‬‬
‫ويل الوزارة لصديقه عبد الرمحن املستظهر‬
‫يف رمضان سنة (‪ )412‬هجريه‪ ،‬ومل يبق يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫هذا املنصب أكثر من شهر ونصف‪ ،‬فقد قتل‬
‫تالميذ ابن حزم‬
‫املستظهر يف ذي احلجة من السنة نفسها‪،‬‬
‫ومن أشهر تالميذ ابن حزم ‪ :‬حممد بن أبى‬
‫وسجن ابن حزم‪ ،‬وثم أعفي عنه‪.‬‬
‫توىل الوزارة أيام هشام املعتد فيما بني سنيت نصر فتوح بن عبد اهلل بن محيد األزدى‬
‫املعروف باحلميدى (ت‪491‬هـ‪1097/‬م)‪ ،‬و‬
‫(‪ )418-422‬هجرية‪.‬‬
‫أبوبكر حممد بن الوليد الفهرى الطرطوشى‬
‫شريح‬
‫بن‬
‫(ت‪520‬هـ‪1126/‬م)وحممد‬
‫عقيدته‬
‫جمتهد مطلق‪ ،‬وإمام حافظ‪ ،‬كان شافعي الرعينى( ‪392‬هـ ‪-476‬هـ‪1001 /‬م ‪)-1093‬‬
‫الفقه‪ ،‬فانتقل منه إىل الظاهرية‪.،‬أص َّل ابن وشريح بن حممد بن شريح (ت‪537‬هـ‪1142/‬م)‬
‫حزم ما يعرف عادة باملذهب الظاهري وهو واحلسني بن حممد الكاتب وأبوبكر عبد‬
‫مذهب يرفض القياس الفقهي الذي يعتمده الباقي بن حممد بن بريال احلجارى (‪416‬هـ‪-‬‬
‫الفقه اإلسالمي التقليدي‪ ،‬وينادي بوجوب ‪502‬هـ‪1025-1108/‬م) وعمر بن حيان بن‬
‫وجود دليل شرعي واضح من القرآن أو من خلف بن حيان (ت‪474‬هـ‪1081/‬م) وعبد‬
‫السنة لتثبيت حكم ما‪ ،‬لكن هذه النظرة امللك بن زيادة اهلل بن على بن حسني احلمانى‬
‫االختزالية ال تويف ابن حزم حقه فالكثري من القرطيب(‪396‬هـ‪-456‬هـ‪1005/‬م‪-1063‬م)‬
‫الباحثني يشريون إىل انه كان صاحب مشروع وآخرون كثر‪.‬‬
‫كامل إلعادة تأسيس الفكر اإلسالمي من فقه‬
‫مؤلفات ابن حزم األندلسي‬
‫وأصول فقه‪.‬‬
‫كان ابن حزم ينادي بالتمسك بالكتاب والسنة هو أكرب علماء اإلسالم تصني ًفا وتألي ًفا‬
‫وإمجاع الصحابة ورفض ما عدا ذلك يف دين بعد الطربي‪ ،‬ألف ابن حزم يف األدب كتاب‬
‫اهلل‪ ،‬ال يقبل القياس واالستحسان واملصاحل طوق احلمامة‪ ،‬وألف يف الفقه ويف أصوله‪،‬‬
‫املرسلة اليت يعتربها حمض الظن‪ .‬ميكن أن وشرح منطق أرسطو وأعاد صياغة الكثري‬
‫نقلّص من حدّة اخلالف بينه وبني اجلمهور‪ ،‬من املفاهيم الفلسفية‪ ،‬ورمبا يعترب أول من‬
‫حول مفهوم العلة وحجيتها‪ ،‬إذا علمنا أن قال باملذهب االمسي يف الفلسفة الذي يلغي‬
‫كثريًا من اخلالف قد يكون راجعا إىل أسباب مقولة الكليات األرسطية‪ .‬ذكر ابنه أبو رافع‬
‫لفظية أو اصطالحية وهو ما أشار إليه ابن الفضل أن مبلغ تآليف أبي حممد هَ َذا فِي‬
‫الفقه واحلديث واألصول والتاريخ واألدب‬
‫حزم بقوله‪:‬‬
‫واألصل يف كل بالء وعماء وختليط وفساد‪ ،‬وغري َذلِكَ بلغ حنو أربع مئة جملد تشتمل عَلَى‬
‫اختالط األمساء‪ ،‬ووقوع اسم واحد على معان قريب من مثانني ألف ورقة‪ ..‬وكتب ورسائل‬
‫كثرية‪ ،‬فيخرب املخرب بذلك االسم‪ ،‬وهو يريد ومؤلفات أخرى كثرية يف الفقة واللغة العربية‬
‫أحد املعاني اليت حتته‪ ،‬فيحمله السامع على وآداهبا والعقائد والفلسفة واملنطق والطب‬
‫غري ذلك املعنى الذي أراد املخرب‪ ،‬فيقع البالء ومصنفات يف معارف خمتلفة مثل كتاب‬
‫العانس يف صدمات‬
‫واإلشكال‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪173‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وكتاب املرطار يف اللهو والدعابة و كتاب‬
‫أسواق العرب و برنامج ابن حزم ‪.‬‬
‫إحراق كتبه ووفاته‬
‫يرتبط مبصنفات ابن حزم حادثة خطرية‬
‫طاملا تكررت باألندلس كلما ضاق أهلها بأحد‬
‫ممن خيالفهم من العلماء‪ ،‬وهي إحراق كتبه‬
‫عالنية بإشبيلية‪ ،‬بيد أهنا مل تفقد من جراء‬
‫ذلك‪ ،‬فقد كان له مجاعة من تالميذه النجباء‬
‫الذين قدروا فكره وحافظوا على كتبه اليت‬
‫كانوا ميتلكوهنا بنسخها ونشرها بني الناس‪،‬‬
‫ولذا فعندما أحصاها ابن مرزوق اليحصبى‬
‫وجدها مثانني ألف ورقة‪ ،‬وهو نفس إحصاء‬
‫أبو رافع الفضل يف القرن اخلامس اهلجرى‬
‫‪/‬احلادى عشر امليالدى‪ ،‬وميكن أن نرجع‬
‫أسباب هذه احلادثة يف اآلتى ‪:‬‬
‫أوال ‪ :‬ثقة ابن حزم بنفسه عند منازلة كبار‬
‫فقهاء املالكية‪ ،‬وعدم تردده يف تسفيه آرائهم‬

‫‪174‬‬

‫طاملا خالفت احلق‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬تنديده بوالية خلف احلصرى للخالفة‬
‫بإشبيلية‪ ،‬ومبايعته على أنه هشام املؤيد سنة‬
‫‪325‬هـ‪1033/‬م يف عهد حممد بن إمساعيل‬
‫القاضى والد املعتضد بن عباد ‪ ،‬فعندما حل‬
‫بإشبيلية أوقع به املعتضد أشد إيقاع ملا صدر‬
‫منه من إثارة الناس حول حممد بن إمساعيل‬
‫رأس االسرة العبادية‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬معارضة فقهاء املالكية له وسعيهم‬
‫لدى السلطان لإليقاع به وإثارة العامة ضده‬
‫‪ ،‬ومن ثم التقت أغراضهم مع ما كان يرمى‬
‫إليه املعتضد‪ ،‬فكانت واقعة إحراق كتبه على‬
‫مسمع ومرأى من الناس‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬نزعة ابن حزم األموية ودعوته إلعادة‬
‫حكم األمويني يف الوقت الذي قطع فيه‬
‫معظم ملوك الطوائف كل صلة باألموية‬
‫األندلسية‪ ،‬وحاول كل واحد منهم أن حيقق‬
‫استقالال سياسيا واقتصاديا واجتماعيا‬
‫وثقافيا‪ ،‬خاصة املعتضد الذي ما وافق على‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫خدعة أبيه بعد وفاته مببايعة خلف احلصرى‬
‫بإشبيلية على أنه هشام املؤيد إال ليصبغ‬
‫الشرعية على حماولته االستقاللية‪ ،‬ولريضى‬
‫أصحاب النزعات األموية بإمارته‪ .‬فلما حتقق‬
‫له ذلك أعلن وفاة اخلليفة املزعوم‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬أن ابن حزم مل يكن ينظر إىل أمراء‬
‫عصره ومنهم املعتضد نظرة إكبار فهو وزير‬
‫ابن وزير‪ ،‬وما كان له أن ينظر إليهم أكثر من‬
‫نظرته إىل من دونه أو من ليسوا أكرب منه‪،‬‬
‫وهم يأنفون من ذلك األمر الذي دفع املعتضد‬
‫إىل تدبري مؤامرة جتعله ذليال ال يشمخ براسه‬
‫عليه وال على غريه هي إحراق كتبه‪.‬‬
‫وبالرغم من هذه املؤامرة اليت أملت بابن حزم‬
‫فلم يتحقق للمعتضد ما كان يصبو إليه من‬
‫كسر كربيائه وإذالله‪ ،‬بل ظل الرجل يشمخ‬
‫مبكانته وعلمه وعقله هنا وهناك دون ضعف‬
‫وال ذلة‪ ،‬لكنه آثر السالمة وغادر إشبيلية‬
‫إىل قريته منت ليشم اليت كان ميتلكها‬
‫ويرتدد عليها‪ ،‬وظل هبا ميارس التصنيف‬

‫والتدريس حتى وافته املنية عشية يوم األحد‬
‫‪ 28‬شعبان ‪456‬هـ‪ 15/‬يوليو ‪1063‬م‪ ،‬وليس‬
‫كما ذهب البعض من أن وفاته كانت سنة‬
‫‪457‬هـ‪1064/‬م‪ ،‬وال ‪455‬هـ‪1063/‬م‪ ،‬ألن أبا‬
‫رافع ولد ابن حزم هو الذي كتب التاريخ الذي‬
‫ذكرناه‪ ،‬وهو األعلم من أى أحد بتاريخ وفاة‬
‫والده‪ ،‬فضال عن أن معظم من ترجم البن‬
‫حزم ذكروا سنة وفاته كما ذكرها ابنه الفضل‪.‬‬
‫وكان ابن حزم قد رثى نفسه قبل وفاته بقليل‬
‫يف أبيات شعرية كأنه أحس بدنو أجله قائال ‪:‬‬
‫كأنك بالزوار يل قد تبادروا‬
‫وقيل هلم أودى على بن أمحد‬
‫فيارب حمزون هناك وضاحك‬
‫وكم أدمع تزري وخد حمدد‬
‫عفا اهلل عنى يوم أرحل ظاعنا‬
‫عن األهل حمموالً إىل ضيق ملحد‬
‫وأترك ما قد كنت مغتبطاً به‬
‫وألقى الذي آنست منه مبرصد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

‫‪175‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫زحف الجرذان والصبار‬
‫رئيس التحرير‬

‫يصدف أن يعيش املرء أحياناً بني عاملني متناقضني ألسرتني إحدامها فقرية ينزع أفرادها‬
‫إىل الطيبة والوداعة واألخرى أسرة ثرية ينزع أفرادها حنو األنانية وقد أتلف البطر‬
‫أخالقهم ‪ ..‬أو أن يلحظ أخوان أحدمها شرير قاس واآلخر طيب رقيق … وعلى الرغم‬
‫مما تسببه تلك املتناقضات يف الطبائع البشرية من مشاكل فإن امليل لتحكيم العقل يبدو‬
‫مسيطراً بعض األحيان‬
‫وتتشعب التناقضات يف عامل احليوان بني حيوانات ضارة تبيد احلياة وبني أنواع أخرى‬
‫تساهم يف ازدهار معاملها ‪ ..‬وقد يتمكن املطلع ـ إذا اهتم باألمر ـ أن يرصد الكثري من‬
‫الطبائع احليوانية ويتجول بني تلك العوامل على ما فيها من طريف ومثري ‪.‬‬
‫فبينما جتد أن اجلرذان تنقل األمراض إىل اإلنسان واحليوان كالطاعون والتيفوس والدودة‬
‫اللولبية ومحى عضة الفأر والريقان املعدي ومحى اخلنادق جند أن ختريبها للبضائع‬
‫املخزونة واملنقولة والكتب واجللود واملالبس واألقمشة والفواكه واخلضراوات يصل إىل حد‬
‫التدمري التام ‪ ..‬إىل جانب ذلك فإن اجلرذان تقتل صغار الدجاج والديكة الرومية والبط‬
‫واحلمام وتأكل البيض وهتاجم الرباعم والبذور والنباتات الصغرية واألزهار والعصافري ‪،‬‬
‫وتقرض اخلشب واجلدران واألثاث ‪ ..‬بل وحتى أقدام الفيلة ‪ ..‬وأحدثت اجلرذان خروقاً‬
‫يف السدود وسببت الفيضانات واحلرائق وأكلت الربيد ونشرت اجملاعة يف البلدان الغزيرة‬
‫السكان ـ كاهلند ـ قبل سنوات ‪.‬‬
‫من جهة أخرى عندما تنتقل احليوانات أو النباتات من بقعة عاشت فيها منذ آالف السنني‬
‫إىل منطقة أخرى من الكرة األرضية ‪ ،‬قد يطرأ على منوها وتكاثرها بعض الشذوذ فيلجأ‬
‫اإلنسان إىل حفظ تكاثرها‪ ..‬فمنذ سنوات زرع يف (اسرتاليا) نوع من الصبار كسور وقائي‪..‬‬
‫ولكن هذا الزرع بدأ بالتكاثر حتى غطى منطقة هائلة وزاحم أهايل املدن والقرى وأتلف‬
‫املزارع ووقف حائالً دون استمرار زراعة احملاصيل واخلضراوات وصارت (اسرتاليا) يف‬
‫خطر من اكتساحها جبيش من الزرع الصامت ‪ ..‬وهبّ العلماء لنجدهتا ‪ ،‬وانكبّوا يف حبوث‬
‫مضنية يفتشون عن احلل حتى اهتدى أحدهم إىل حشرة ال تتغذى إال على هذا النوع‬
‫من الصبار ‪ ..‬فجلبها إىل املنطقة وأوقف بذلك تكاثر الصبار ‪ ..‬وتراجعت احلشرة ومل‬
‫يبق سوى ما يكفي منها لوقف تكاثر ذلك النبات مما مسح بتكوين األسوار املرغوبة حول‬
‫املزارع‪.‬‬
‫ً‬
‫ويظل عامل األحياء عاملا حافالً باألسرار فيه كثري من اجلوانب املبهمة الغامضة ‪..‬‬

‫‪176‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد الثامن والثالثون ‪ /‬ايلول ‪2011 /‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful