‫• رئيس جملس اإلدارة •‬

‫وزير الثقافة‬

‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫• مدير عام هيئة الكتاب •‬

‫حممود عبد الواحد‬
‫• رئيس التحرير •‬

‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫د‪ .‬خملص الريس ‪ -‬د‪ .‬عمر الطيان‬
‫م‪ .‬لينا كيالني ‪ -‬د‪ .‬أمين امسندر‬
‫علي القاسم‬
‫• أمني التحرير •‬

‫رائد حسني حامد‬
‫• مكتب تونس ‪ :‬د‪ .‬كوثر عياد‬
‫• مكتب القاهرة ‪ :‬صالح معاطي‬
‫• مكتب لندن ‪ :‬توفيق السهلي‬
‫• التدقيق اللغوي •‬

‫حممد اخلاطر‬

‫• اإلخراج الفين •‬

‫وسيم قدورة‬
‫راميا اليونس‬
‫• اإلشراف الطباعي ‪ :‬ماجد الزهر •‬
‫سعر النسخة ‪ 50‬ل‪.‬س يف سورية أو مايعادهلا يف البلدان العربية‬
‫االشرتاكات عشرة آالف لرية سورية لإلدارات واملؤسسات داخل سورية‬
‫وأربعمائة دوالر أو مايعادهلا خارج سورية‬
‫توجه كافة املراسالت واملواد باسم رئيس التحرير‬

‫‪www.moc.gov.sy‬‬
‫‪E-mail: talebomran@yahoo.com‬‬

‫جملة علمية ثقافية شهرية تصدر عن‬
‫وزارة الثقافة يف اجلمهورية العربية السورية‬

‫• هيئة التحرير •‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اهليئة اإلستشارية‬
‫أ ‪ .‬هن�������اد ش�����ري�����ف (م����ص����ر)‬
‫د ‪ .‬ح��س��ام اخلطيب ( فلسطني)‬
‫أ ‪ .‬رؤوف وص����ف����ي (م���ص���ر)‬
‫أ ‪ .‬عبد السالم البقايل (املغرب)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ع����ي����اد (ت����ون����س)‬
‫د ‪ .‬ق����اس����م ق����اس����م (ل���ب���ن���ان)‬
‫أ ‪ .‬ط��ي��ب��ة اإلب��راه��ي��م (الكويت)‬
‫د ‪ .‬حم���م���ود ك������روم (س����وري����ة)‬
‫د ‪ .‬اهل��������ادي ث����اب����ت (ت����ون����س)‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫اخليال العلمي يف الرواية املغربية (بوشعيب الساوري)‬

‫‪6‬‬

‫فضاء الوصف يف رواية أحزان السندباد(د‪ .‬مسر الديوب)‬

‫‪26‬‬

‫من نظرية املعرفة إىل اإلستعرافية والعلمياء (د‪ .‬معن النقري)‬

‫‪42‬‬

‫الصوت يف اخليال العلمي (سائر بصمه جي)‬

‫‪48‬‬

‫الدمريي وحياة احليوان (د‪ .‬طالب عمران)‬

‫‪96‬‬

‫ظهور املقدس يف الشرق األوسط (اهلادي ثابت)‬

‫‪108‬‬

‫ترجو جملة اخليال العلمي من كافة الكتاب واملبدعني ارسال ابداعاهتم منضدة على‬
‫احلاسوب والتأكد من تدقيقها وذلك لتسهيل عملية النشر السريع‬

‫نداء الكوكب األمحر (لينا كيالني)‬

‫‪56‬‬

‫املاسات الزيتونية (هناد شريف)‬

‫‪70‬‬

‫الكوكب (د‪ .‬قدرية سعيد)‬

‫‪82‬‬

‫أحالم العودة احلائرة (خولة سنجاب)‬

‫‪92‬‬

‫أسرار كونية (د‪ .‬خملص الريس)‬

‫‪118‬‬

‫مراصد ناسا الكربى (ترمجة حازم فرج)‬

‫‪130‬‬

‫آفاق التحكم باجلاذبية (د‪ .‬خري الدين عبد الرمحن)‬

‫‪142‬‬

‫قصة اخرتاع الـ ‪( CD‬وسيم قدورة)‬

‫‪150‬‬

‫طي الربوتني ‪ ...‬لغز بيولوجي (رؤوف وصفي)‬

‫‪158‬‬

‫هناية العامل (م‪ .‬طارق حامد)‬

‫كيف تنوعت الثديات (ترمجة غصون عمار)‬

‫‪164‬‬

‫‪170‬‬

‫‪3‬‬

‫عرّف إخوان الصفا علم الفلك يف رسائلهم فقالوا «هو علم يبحث يف معرفة‬
‫تركيب األفالك وكمية الكواكب وأقسام الربوج وأبعادها وعظمتها وحركاهتا‬
‫وما يتبعها من هذا الفن»‪.‬‬
‫أما ابن خلدون فقال عن علم الفلك يف مقدمته ‪« :‬هو علم ينظر يف حركات‬
‫الكواكب الثابتة واملتحركة واحمليّرة ويستدل من تلك احلركات على أشكال‬
‫وأوضاع لألفالك لزمت عنها هلذه احلركات احملسوسة بطريقة هندسية»‪.‬‬
‫ويقول ابن خلدون عنه أيضاً ‪« :‬اهليئة صناعة شريفة ‪ ،‬وليست على ما‬
‫يفهم يف املشهور أهنا تعطي صورة السماوات وترتيب األفالك والكواكب‬
‫باحلقيقة‪ ،‬بل إمنا تعطي أن هذه الصورة واهليئات لألفالك لزمت عن هذه‬
‫احلركات‪ ،‬وأنت تعلم أنه ال يبعد أن يكون الشيء الواحد الزماً ملختلفني»‪.‬‬
‫ويقول عبد الرمحن بن خلدون يف مقدمته أيضاً عن األزياج ‪« :‬علم األزياج‬
‫صناعة حسابية على قوانني عددية فيها ّ‬
‫خيص كل كوكب من طريق حركته‪،‬‬
‫وما أدّى إليه برهان اهليئة يف وضعه من سرعة وبطء واستقامة ورجوع ‪،‬‬
‫وغري ذلك‪ ،‬يعرف به مواضع الكواكب يف أفالكها ألي وقت فرض من قبل‬
‫حسبان حركاهتا على تلك القوانني املستخرجة من كتب اهليئة»‪.‬‬
‫وبالطبع فاألزياج جداول حسابية تسجل فيها حركة الشمس والقمر‬
‫والكواكب والنجوم وأقدم جدول حسابي معروف هو لبطليموس أورده يف‬
‫كتابه املشهور ( اجملسطي ) ‪..‬‬
‫وعلم اهليئة أو الفلك‪ ،‬خيتلف عن التنجيم‪ ،‬وقد اعترب العرب التنجيم‬
‫الذي وصلهم ليس إال جمموعة من اخلرافات دون أسس علميّة ‪ ..‬وقد‬
‫أسّسوا علماً باسم علم التنجيم ووضعوا فيه احلقائق املبينة على االختبار‬

‫‪4‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫وزير الثقافة‬
‫د ‪ .‬رياض نعسان آغا‬
‫واملشاهدة ‪ ..‬وأحلقوه بعلم اهليئة أو الفلك ‪..‬‬
‫وقد ترجم العرب كتب الفلك عن احلضارات القدمية ‪ ،‬وكان أول كتاب‬
‫ترجم يف علم الفلك هو كتاب هرمس احلكيم (مفتاح النجوم) ويف عهد أبي‬
‫جعفر املنصور ازداد اإلقبال على ترمجات كتب علوم الفلك ‪...‬‬
‫ووصل االهتمام باإلضافات على علوم الفلك يف عصر املأمون ‪ ،‬إىل درجة‬
‫متقدمة ففي عهد املأمون قاس أوالد موسى بن شاكر حميط األرض‬
‫وتأسست عدة مراصد ‪..‬‬
‫وقد زاوج العرب بني احلضارات السابقة ‪ ،‬وأسسوا حضارة جديدة طبعت‬
‫بطابعهم قدموا فيها عطاءاهتم الكبرية خالل فرتة امتدت حتى القرن‬
‫السادس عشر امليالدي‪..‬‬
‫وما زالت بعض أمساء النجوم واجملموعات النجميّة يف السماء موجودة يف‬
‫اللغات األوروبية بأصلها العربي ‪ ،‬كالعقرب والعذارى والغول والنصل والفرد‬
‫والطائر واألوج والسّماك والسمت وغري ذلك‪..‬‬
‫وقد أحصى الباحثون أكثر من (‪ )260‬إمساً عربياً للنجوم واجملموعات‬
‫النجمية يف اللغة االنكليزية ‪ ،‬وهي تزيد عن نصف النجوم املعروفة اليوم ‪.‬‬
‫تفوّق العرب يف قياساهتم الفلكيّة إىل حد كبري وقد وصل ال ّتبّاني يف حساباته‬
‫لطول السنة الشمسية إىل دقة مذهلة ‪ ،‬فلم خيطئ يف حساهبا إال مبقدار‬
‫دقيقتني و (‪ )22‬ثانية ‪..‬‬
‫لقد قاس أبناء موسى بن شاكر يف عهد املأمون حميط األرض فكان هذا‬
‫احمليط يساوي عندهم ( ‪ ) 41248‬كيلو مرتاً بينما الرقم احلقيقي اليوم أي‬
‫بعد ما يقارب أحد عشر قرناً ( ‪ ) 40070‬كيلو مرتاً ‪..‬‬
‫ومن أشهر أزياج العلماء العرب واملسلمني أزياج الغزاري � اخلوارزمي �‬
‫الطوسي � اليوزجاني � ابن الشاطر � ابن يونس � وغريهم ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪5‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الخيال العلمي في الرواية المغربية‬

‫االنشغاالت والخصوصيات‬
‫بوشعيب الساوري‬
‫باحث يف السرد العربي ‪ -‬املغرب‬

‫قبل احلديث عن اخليال العلمي يف الرواية املغربية ال بأس أن نعرِّف‬
‫بهذا الصنف من الرواية‪ ،‬ونضع اليد على أهم خصائصه اليت متيزه‬
‫عن األشكال الروائية األخرى‪ ،‬وعن األنواع األدبية األخرى‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ميكننا أن ن��ع�رِّف اخل��ي��ال العلمي(‪science‬‬
‫‪ )fiction‬بأنه االنتقال عرب آفاق الزمن‪ ،‬على‬
‫أجنحة احللم املشبعة باملكتسبات والتطورات‬
‫العلمية‪ ،‬فهو ذلك الفرع من األدب الروائي الذي‬
‫يعاجل بطريقة خيالية تفاعل اإلنسان مع كل تقدم‬
‫يف العلوم والتكنولوجيا‪ .‬ويُعد نوعاً من قصص‬
‫املغامرات‪ ،‬إال أن أحداثه تدور عادة يف املستقبل‬
‫البعيد أو على كواكب غري كوكب األرض‪ ،‬وفيه‬
‫جتسيد لتأمالت اإلنسان يف احتماالت وجود‬
‫حياة أخرى يف األج��رام السماوية‪ ،‬كما يصوِّر‬
‫ما ميكن أن يُتوقع من أساليب حياة على وجه‬
‫كوكبنا هذا‪ ،‬بعد تقدُّم بالغ يف مستوى العلوم‬
‫والتكنولوجيا‪ .‬وهل��ذا النوع من األدب القدرة‬
‫على أن ي��ك��ون قناعاً للهجاء السياسي من‬
‫ناحية‪ ،‬وللتأمل يف أسرار احلياة واإلهليات من‬
‫‪1‬‬
‫ناحية أخرى‪.‬‬
‫ليس من الضروري أن تدور أحداثه على كواكب‬
‫غ�ير األرض‪ ،‬ب��ل ميكن أن ت��دور على األرض‬
‫نفسها‪ .‬كما أن قدرته ليست مقصورة على أن‬
‫تكون قناعاً للهجاء السياسي وللتأمُّل يف أسرار‬
‫احلياة واإلهليات فحسب‪ ،‬بل ميكن أن توظف‬
‫ألغ��راض أخرى كالتأمل يف اجملتمع ومشاكله‬
‫ورصد مفارقاته‪ ،‬كما هي حال الرواية اليت حنن‬
‫بصددها فيهتم بالقضايا اليت يواجهها العامل‬
‫اآلن مثل التلوث واحل���رب ال��ذري��ة والتضخم‬
‫السكاني والتكنولوجيا الشاردة وتقييد الفكر‬
‫وغريها من األخطار اليت هتدد اإلنسان‪ .2‬وقد‬
‫يتنبَّأ بأحداث أو مواقف أو جمتمعات حمتملة‬
‫يف احلاضر أواملستقبل‪ ،‬يف األرض براً وحبراً‬
‫وجوّاً‪ ،‬ويف الفضاء اخلارجي‪ ،‬انطالقاً من حقائق‬
‫معروفة يف احل��اض��ر‪ .‬يف ح�ين يبقى اخليال‬
‫يف ح��دود املمكن عقلياً ال خت��رج القصة عن‬
‫الواقعية‪ ،‬ألن وظيفة اخليال بالدرجة املتوسطة‬
‫ه��ي النظر إىل احل��اض��ر اجمل��ه��ول واملستقبل‬
‫القريب والبعيد من أجل توسيع اإلدراك احلايل‬
‫للقارئ‪ 3.‬وال يتعلق األمر باستيهامات فانطازية‬

‫حاملة‪.‬‬
‫كما تندرج روايات اخليال العلمي يف حقل األدب‬
‫ألن غايتها األوىل هي اإلمتاع وليست علماً غايته‬
‫املعرفة‪ .‬ذلك أن كاتب هذه القصص ال يُقدِّم‬
‫ملتلقيه كتاباً علمياً أو يوضح له نظريات علمية‬
‫بغية تنمية معارفه‪ ،‬بل يقدم له رواي��ة بقصد‬
‫إمتاعه‪ ،‬ومن خالل هذا اإلمتاع يُزودّه مبعارف‬
‫علمية ونظرية بسيطة ال تغرق يف التفاصيل‬
‫العلمية اليت قد تؤدي إىل ملل القارئ‪.‬‬
‫ومن أهم مسات رواية اخليال العلمي ميكن أن‬
‫نذكر اخلصائص التالية‪:‬‬
‫• اللغة املستعملة يف السرد واحلوار تـتسم يف‬
‫قصص اخليال العلمي خاصة بالسمة العلمية‪،‬‬
‫س��واء أك��ان امل��راد هنا األلفاظ أم الرتاكيب أم‬
‫املصطلحات‪ .‬وهذه اللغة تكاد تتصف بالتشابه‬
‫والتكرار من أجل ذلك‪ 4.‬وقد تتصف بالغرابة‬
‫إنْ مل يكن القارئ ميلك زاداً معرفيا منها‪ ،‬أو‬
‫مل يكن املؤ ِّلف قادراً على توضيحها من خالل‬
‫السياق‪.‬‬
‫• التنبؤ باملستقبل‪ :‬غالبا ما يَ��ط�رُق ُكتّاب‬
‫روايات اخليال العلمي أبواب املستقبل بتنبؤاهتم‬
‫دون زمن حمدد‪ ،‬نظراً لكون اخليال العلمي ال‬
‫ميكن فهمه إال يف بعد ه الزمين‪ .5‬فهو نظرة‬
‫واسعة على العامل‪ ،‬يتداخل فيها خيال الكاتب‬
‫م��ع احل��ق��ائ��ق وال��ن��ظ��ري��ات العلمية املوجودة‬
‫واحملتملة‪ .‬ترسم أحداثاً تقع يف املستقبل‪ ،‬أو‬
‫يف املاضي‪ ،‬تثري وتذهل ال��ق��ارئ‪ .‬تومهنا بأن‬
‫ما جي��ري من أح��داث قابل للوقوع‪ ،‬وحمتمل‬
‫احل��دوث‪ .‬وذل��ك انطالقاً من بعض التنبؤات‬
‫ال�تي ي��ف�ترض العلماء حدوثها يف املستقبل‪.‬‬
‫فالتنبؤ مثالً مبا سيصري إليه الطقس العام‬
‫لكوكب األرض أليام قادمة ليس رمجاً بالغيب‪،‬‬
‫بل ينبع من علوم هلا أصوهلا وتطبيقاهتا‬
‫وحساباهتا ومعادالهتا‪ 6.‬ال يتعلق األمر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪7‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫إال باحتماالت‪ ،‬لكن بواسطتها يغدو التخييلي‬
‫مرئياً‪ 7.‬حماوالً اإلجابة عن سؤال أساسي ماذا‬
‫سيحدث ل��و تتوفر ش��روط معينة؟ بالنسبة‬
‫للمسقبل وماذا كان سيحدث لو توفرت شروط‬
‫معينة يف الزمن املاضي؟‬
‫• الرحلة اخليالية‪ :‬مهما يكن األمر فإن روايات‬
‫اخل��ي��ال العلمي حريصة دائ��م �اً على الرحلة‬
‫اخليالية ال�تي تعد ش��رط إمكان تسلل سكان‬
‫األرض إىل عوامل أخرى‪ ،8‬سواء أكان احلاضر‬
‫زمناً هلذه الرحلة إىل العوامل اجملهولة يف األرض‬
‫والفضاء‪ ،‬أم كان املستقبل القريب أم البعيد زمناً‬
‫هلا‪ .‬وهذا احلرص على الرحلة اخليالية يُعلي‬
‫دائماً من شأن املكان يف روايات اخليال العلمي‪،‬‬
‫ويكاد جيعله بطالً متمتِّعاً بالغرابة والبعد عن‬
‫‪9‬‬
‫املألوف‪.‬‬
‫‪ -1‬اخليال العلمي يف الرواية املغربية‬
‫قلّما اعتدنا أن نقرأ يف أدبنا العربي احلديث‬
‫واملعاصر بصفة عامة‪ ،‬واملغربي بصفة خاصة‪،‬‬
‫رواي���ة م��ن ن��وع اخل��ي��ال العلمي ( ‪Science‬‬
‫‪ .) Fiction‬نظراً لغياب كتاب متخصصني‬
‫يف ه��ذا النوع من الكتابة يف امل��غ��رب‪ .‬وتبقى‬
‫ال��رواي��ات ال�تي تنتمي إىل ه��ذا النوع معدودة‬
‫على رؤوس األصابع‪ .‬وتتمثل يف جتربة كل من‬
‫املفكر واألدي��ب الراحل حممد عزيز احلبابي‬
‫يف روايته إكسري احلياة‪ 10‬وجتربة أمحد عبد‬
‫‪11‬‬
‫السالم البقايل يف روايته الطوفان األزرق‬
‫الصادرتني يف السبعينيات من القرن املاضي‪.‬‬
‫وقد ظهرت حماوالت روائية حمتشمة جانبت‬
‫اخليال العلمي كما هي احل��ال يف رواي��ة عني‬
‫الفرس‪ 12‬للميلودي شغموم اليت تتضمن بعض‬
‫خصائص اخليال العلمي‪ ،‬نظراً لوجود الزمن‬
‫املستقبلي وذل��ك بتوقع أح���داث وقعت سنة‬
‫‪ 2081‬م‪ ،‬وغرابة التحوالت اليت يسربها هذا‬
‫التوقع‪ .‬وانتظرنا زمناً طويالً لتظهر رواية ثالثة‬

‫‪8‬‬

‫تستجيب خلصوصيات اخليال العلمي وهي‬
‫رواية جمرد حلم‪ 13‬لعبد الرحيم هبري‪.‬‬
‫وإذا انتقلنا من الرواية إىل القصة القصرية‪،‬‬
‫فإننا جند اجملموعة القصصية غدا‪ 14‬ألمحد‬
‫إف��زارن‪ ،‬اليت تبقى التجربة الوحيدة يف هذا‬
‫اجملال‪ ،‬واليت يستشرف فيها بعض املشاكل اليت‬
‫ستواجه اإلنسان يف املستقبل‪ ،‬كسيطرة التقنية‪،‬‬
‫وقلة املاء‪ ،‬ومشكلة االستنساخ البشري‪ ،‬وغريها‬
‫من القضايا ال�تي ستواجه إنسان الغد بلغة‬
‫قصصية ممتعة تأخذنا إىل املستقبل املمكن‪.‬‬
‫وع��م��وم �اً‪ ،‬فقد بقي اخل��ي��ال العلمي حمدود‬
‫االنتشار يف الرواية املغربية‪ ،‬شأنه شأن الرواية‬
‫البوليسية‪.‬‬
‫ستضطلع هذه الدراسة بتحليل ثالث روايات‪،‬‬
‫هي إكسري احلياة والطوفان األزرق وجمرد حلم‪،‬‬
‫وسرتصد كيف متاثلت وتباينت يف تعاملها مع‬
‫اخليال العلمي‪ .‬وستتناول هذه الروايات حسب‬
‫الرتتيب الزمين لصدورها‪.‬‬
‫‪ 1-1‬إكسري احلياة حملمد عزيز احلبابي‬
‫‪1-1-1‬الرؤيا الناظمة‬
‫تنطلق الرواية من اجلهود اجلبارة اليت يبذهلا‬
‫العلماء حملاربة بعض األمراض وإطالة احلياة‪.‬‬
‫وتطرح مشكلة املوت واخلوف منه لدى اإلنسان‪،‬‬
‫وتتخيل م��اذا سيحدث يف جمتمع سيتم فيه‬
‫اخ�ت�راع إكسري احل��ي��اة واخل��ل��ود؟ م�برزة تباين‬
‫ردود أفعال الناس جتاه اإلكسري بني مرحب به‬
‫ورافض له‪ ،‬وكل ذلك يف إطار الصراع الطبقي‬
‫بني األغنياء والفقراء‪ .‬فيحضر اخليال العلمي‬
‫يف ال��رواي��ة عرب إكسري احلياة العجيب‪ ،‬كخرب‬
‫علمي مثري سيزيد من تفاقم التباين الطبقي‪.‬‬
‫تندرج رواية إكسري احلياة ضمن رواية اخليال‬
‫العلمي م��ن خ�لال الفكرة امل��ؤط��رة ألحداثها‬
‫وقضاياها االجتماعية والسياسية‪ ،‬وباألخص‬
‫مشكلة التباين الطبقي والصراع االجتماعي‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫وه��ي أن الكاتب يتصور ت��وص��ل العلماء إىل‬
‫اخ�تراع إكسري للحياة أو إكسري للخلود‪ .‬لكن‬
‫فكرة اخللود حبد ذاهتا لن تشغل الرواية‪ ،‬وإمنا‬
‫يتم استحضارها كمطية لتوجيه النقد واهلجاء‬
‫إىل اجملتمع‪ ،‬فهي مبثابة شكل أو إطار خارجي‬
‫ملناقشة قضايا أخرى‪ ،‬لذلك لن تنشغل الرواية‬
‫بقضايا علمية‪ ،‬وإمنا تربز كيف يتفاعل اجملتمع‬
‫مع نتائج العلم‪ .‬كما تفرتض الرواية رحلة إىل‬
‫اآلخرة لكن هذا اجلانب مل يكن له حضور قوي‪،‬‬
‫وإمنا ظل جمرد مونولوجات‪ ،‬هلذا لن ننشغل به‬
‫يف هذه الدراسة‪.‬‬
‫ليس هذا جديداً يف أدبنا العربي‪ ،‬فقد وظفه‬
‫ابن شهيد األندلسي الذي ختيل رحلة إىل عامل‬
‫اجلن يف رسالة التوابع والزوابع‪ ،15‬اختذها مطية‬
‫ملناقشة بعض القضايا األدبية يف زمنه‪ ،‬مربزاً‬
‫مكانته بني أقرانه األدباء‪ .‬وهو نفس النهج الذي‬
‫‪16‬‬
‫سار عليه أبو العالء املعري يف رسالة الغفران‬
‫اليت ختيل فيها رحلة إىل اآلخرة عرب فيها عن‬
‫مواقفه املُدينة لألوضاع االجتماعية والسياسية‬
‫يف القرن اهلجري اخلامس‪ .‬قد تكون هاتان‬
‫التجربتان أوحتا حملمد عزيز احلبابي بالفكرة‬
‫املؤطرة ألحداث الرواية‪.‬‬
‫تنْشُد رواي��ة إكسري احلياة االحتمال واملمكن‪،‬‬
‫حماولة اإلجابة عن س��ؤال م��اذا سيحدث يف‬
‫جمتمع يسوده التمايز الطبقي لو توفر له إكسري‬
‫احل��ي��اة واخل��ل��ود؟ وجت��ي��ب م��ؤك��دة أن الوضع‬
‫االجتماعي للطبقة الفقرية لن يتغري مهما كانت‬
‫الظروف‪ ،‬بل قد يتغري إىل األسوأ‪ ،‬أما الطبقة‬
‫الغنية فستزداد غنى‪ .‬وذلك عرب التقابل الذي‬
‫جيريه السارد بني عائلة إدريس الفقرية وعائلة‬
‫الفقيه احلاج الرحايل الغنية‪.‬‬
‫‪ 2-1-1‬إكسري حياة أم إكسري موت ؟‬
‫تبدأ الرواية مبحاضرة يلقيها الدكتور جسوس‬
‫على طلبة كلية العلوم بالرباط يثري فيها بداية‬
‫مشكلة املوت اليت حريت اإلنسان منذ وجوده‬

‫على األرض و ال تزال‪ ،‬وقد ورد يف احملاضرة‪»:‬كل‬
‫هذا الذي يعرف السناء واحلياة إعارة‪ ،‬ال عطاء‪،‬‬
‫مآله إىل رماد‪ ،‬إىل فناء! إني أعلم أنين ميت‪،‬‬
‫وأن اجلميع ي��ؤول إىل املوت‪(».‬إكسري احلياة‪،‬‬
‫ص‪ ).13.‬ويعلن يف هنايتها عن خرب مثري‪ ،‬وهو‬
‫انتصار العلم على امل��وت بتوصل العلماء إىل‬
‫إكسري اخللود‪ .‬ثم يصور لنا السارد أثر هذا‬
‫اخلرب العجيب على الناس وكيف تفاعلوا معه‪.‬‬
‫وقد اختذ قالب اإلشاعة اليت تعد أكثر إخباراً‬
‫عن الواقع‪ ،‬وأكثر مفعوالً فيه‪ ،‬بل تساهم يف‬
‫صنعه‪ .17‬انطالقاً من مفارقة نستشفها من‬
‫تعليقات السارد وح��وارات إدريس وابنه محيد‬
‫واملتمثلة يف أن اإلكسري عوض أن يريح الناس‬
‫زاد من تعبهم‪ ،‬ومن جوعهم وفراغهم وتقاتلهم‬
‫وصراعهم وموهتم‪ .‬فريصد السارد كيف تفاعل‬
‫ال��ن��اس م��ع اخل�بر‪ ،‬وانعكاساته عليهم‪ ،‬ويربز‬
‫النتائج التالية‪:‬‬
‫ تغري السلوك العادي للناس‪ .‬يقول‪ »:‬أصبح‬‫تصرف الناس غريباً‪ ،‬وكأهنم أصيبوا بعدوى‬
‫رغ��ب��ة جنونية أف��ق��دهت��م ال��وع��ي‪ ،‬فاستبدلوا‬
‫حبصافة العقل وال��رش��د‪ ،‬هدفا يلهيهم عن‬
‫احل��ي��اة احلقيقية‪ ،‬ويعوضهم عنها‪ ،‬فهاهم‬
‫ينساقون مع رغبة اخللود اليت زرعت التوتر‪،‬‬
‫وأحرقت العالقات والعواطف والقيم‪ (« .‬إكسري‬
‫احلياة‪ ،‬ص‪).24.‬‬
‫ زوال الراحة بسبب اجلوع والسرقة والفوضى‬‫وتعطيل العمل‪ .‬ي��ق��ول‪»:‬ردوا لنا اهتماماتنا‬
‫السابقة ولذتنا يف الشغل!» (نفسه‪ ،‬ص‪).35.‬‬
‫م��ن خ�لال االزدح���ام واجل���ري والتقاتل الذي‬
‫ق���د ي��ف��ق��ده��م احل���ي���اة ق��ب��ل احل���ص���ول على‬
‫اإلكسري‪»:‬يتقاتلون ليطلعوا على أخبار القضاء‬
‫على املوت! لقد عشقوا لعبة خطرية‪ :‬يريدون‬
‫الدوام‪ ،‬فهاهم‪ ،‬من أجل ذلك‪ ،‬يهرقون احلياة‪،‬‬
‫ويضيعون األوق��ات تلو األوق���ات‪ ،‬يف التزاحم‬
‫والتقاتل‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).39.‬‬
‫‪ -‬املوت بدل اخللود‪ ،‬موت الفقراء وسكان‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪9‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫األحياء الشعبية نتيجة تزامحهم‪»:‬عوضاً عن‬
‫اخللود‪ ،‬األق��وام يتساقطون موتى‪ ،‬كالذباب‪،‬‬
‫يصرعهم املوت بالتقسيط وباجلملة‪( ».‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).44.‬ويقول‪»:‬موتى املدينة العتيقة‪ ،‬كموتى‬
‫البوادي‪ ،‬ال يكفنون‪ :‬األسواق مغلقة‪ ،‬فال قطن‬
‫وال كتان‪ .‬أما التوابيت فبال مسامري ألن املسمار‬
‫يستورد من البلدان املتقدمة‪ ،‬وامل��ب��ادالت مع‬
‫اخل��ارج متوقفة‪ ،‬منذ بداية حالة االستثناء‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).121.‬يف مقابل خلود الطبقة‬
‫الغنية‪ »:‬لكن اآلن��س��ة وخطيبها‪ ،‬سيخلدان‬
‫بفضل اإلكسري! املنعمون يف األرض منعمون‬
‫إىل األب��د‪ ،‬واملعذبون يف األرض يعذبون‪ ،‬بال‬
‫أمل‪ ،‬بالرغم عن اإلكسري‪ ...‬وإن اإلكسري مما‬
‫يعذهبم‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).117.‬واستمرار التمايز‬
‫االجتماعي‪ .‬يقول‪»:‬لعنة اهلل على الفقر!‪ ..‬كلوا‬
‫حتى التخمة‪ ،‬ولنمت حنن مع رغباتنا وجوعنا!‬
‫أنتم ال تعرفون معنى اإلغراء‪ ،‬ألن اخلريات كثرية‪،‬‬
‫وكل صباح تبارك قدرة غيبية ثالجاتكم‪ .‬لعنة‬
‫اهلل على الفاقة!‪ ..‬أنتم ال تقاومون الشهوات‪،‬‬
‫ألهنا ترضى قبل أن تربز‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).99.‬‬
‫ اجن�لاء وه��م حب محيد للفتاة الغنية اليت‬‫كانت تستغله قبل ظهور اإلكسري‪ ،‬وستظهر على‬
‫حقيقتها‪ .‬تقول خماطبة محيد الذي قصدها‬
‫من أجل أن تبادله كتب الطب بقشور الفواكه‬
‫واخلضر‪ ،‬نظراً للجوع الذي حلق به وبعائلته‬
‫وحبيه باملدينة العتيقة‪»:‬مايل حاجة بالكتب‪،‬‬
‫وال بالدفاتر!‪ ...‬بانتصار اإلكسري‪ ،‬الطب انتهى‬
‫أمره‪ .‬من اآلن‪ ،‬ولفرتة مؤقتة حمدودة‪ ،‬ستبقى‬
‫ب�لادن��ا يف حاجة إىل ع��دد قليل م��ن األطباء‬
‫لألحياء األهلية الفقرية‪ ،‬وللبوادي‪ ،‬وطبعاً إىل‬
‫البيطريني‪( »..‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).92.‬وتقول له بعد‬
‫أن أخربته بأهنا مقبلة على ال��زواج‪ ،‬وبأهنا مل‬
‫تعد هلا رغبة يف إمتام دراستها‪»:‬الدراسة انتهت‬
‫بانتهاء الطب!‪ ..‬ثم‪ ،‬هل أنت وصي علي! ها‬
‫ها ها !‪ ..‬عهدتك ذكياً‪ ،‬فكيف جرؤ طمعك‬
‫حتى صرت تنوي بسط احلضانة على آنسة مل‬

‫‪10‬‬

‫جتمعها بك إال صدفة الدروس‪ ،‬بنفس الكلية؟‬
‫دُمْ لبيبا‪ ،‬واع��رف احل��دود‪ ،‬فرحم اهلل امرىء‬
‫عرف قدر نفسه‪ ،‬وجلس دونه! يا سي محيد‪،‬‬
‫لقد أحرجتين فوضعت النقط على احلروف‪»...‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).95.‬وزوال كرامة محيد بعد أن‬
‫أصبح يستبدل كتبه يف الطب مقابل قشور‬
‫اخلضر والفواكه‪ .‬وهناية حلمه وحلم عائلته‪،‬‬
‫بأن يصبح طبيبا نتيجة إغالق كلية الطب‪.‬‬
‫ استمرار عذاب الطبقة الفقرية‪ ،‬يقول‪»:‬فاخللود‬‫م��ع الفاقة اخل��ال��دة ع���ذاب خ��ال��د‪( ».‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).83.‬لذلك مت رف��ض اإلك��س�ير‪ ،‬ونشدان‬
‫املوت من قبل إدريس وابنه محيد‪ »:‬فليسقط‬
‫اإلكسري! نعم‪ ،‬فليسقط! وليحيى عامل املوت‬
‫والفناء!‪( »..‬نفسه‪ ،‬ص‪).38.‬‬
‫كما يرصد السارد التمايز بني حي الليمون‬
‫وح��ي املدينة العتيقة م��ا بعد خ�بر اإلكسري‪،‬‬
‫ذلك التباين الذي مينح الرواية إيقاعها القائم‬
‫على التقابل والتنافر‪ ،‬أثناء لغة احلوار املفعمة‬
‫بالتوتر والتهكم‪ .‬ويربز املفارقات اليت ميكن أن‬
‫جيسدها اإلكسري‪:‬‬
‫ اهل��دوء حبي الليمون‪« :‬حي الليمون هادئ‪،‬‬‫حيرسه اجلند الرمسي والقوات االحتياطية‪،‬‬
‫فلن يصل إليه أي متظاهر‪ ،‬وسكانه لن يتظاهروا‬
‫ألهنم من أنصار اإلكسري‪ ،‬وألن اجلوع مل يعرف‬
‫ب��ع��د ط��ري��ق ح��ي��ه��م‪ ،‬ول���ن ي��ع��رف��ه‪( »..‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).81.‬يف مقابل الفوضى والضوضاء باملدينة‬
‫العتيقة‪ »:‬األزقة تتدفق بالصيحات‪ ،‬والضوضاء‪،‬‬
‫كل األزقة تتالطم يف خضم حبر زاخر بأمواج‬
‫هوجاء من البشر‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).78.‬‬
‫ نظافة ح��ي الليمون مقابل ات��س��اخ املدينة‬‫العتيقة‪ .‬يقول عن حي الليمون‪»:‬ال عفونات يف‬
‫طرق أحياء العائالت‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪).102.‬‬
‫ الفراغ يف حي الليمون‪»:‬الشوارع الربمكية‬‫خ���اوي���ة‪( »...‬ن��ف��س��ه‪ ،‬ص‪ ).102.‬يف مقابل‬
‫االزدحام باألحياء الفقرية باملدينة العتيقة‪»:‬سال‬
‫االزدحام سهال هادرا من كل جانب‪( »...‬نفسه‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ص‪).79.‬‬
‫ الغنى مقابل الفقر‪ ،‬وذلك خبلود الفقراء يف‬‫فقرهم‪ ،‬وخلود األغنياء يف غناهم‪»:‬إذا كانوا‬
‫سيبنون هناك القصور ألنفسهم‪ ،‬ودور القصدير‬
‫ألمثالنا‪ ،‬كما يفعلون على هذه األرض!» (نفسه‪،‬‬
‫ص‪).44.‬‬
‫اجلوع مقابل الشبع‪»:‬عجيب! حتى باإلكسري‪،‬‬‫يف عامل اخللود‪ ،‬سيأكل الغري أشهى الفواكه‬
‫وأمج��ل��ه��ا‪ ،‬وسأبقى أن��ا وأه��ل��ي آك��ل م��ا تبقى‬
‫من تفاح عفن خامج‪ ،‬وطماطم نتنة‪ ،‬وبطيخ‬
‫حامض‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).38 .‬‬
‫هكذا يصور لنا السارد التباين بني الطبقات‬
‫يف كيفية التعامل مع اخلرب الذي لبس لبوس‬
‫اإلشاعة‪ ،‬فإدريس ال��ذي يعيش حياة كادحة‪،‬‬
‫يقول رافضا اإلكسري‪»:‬لن يغري ظفرا من حياتي‪:‬‬
‫ح��ري��رة وسفنج يف الصباح‪ ،‬زي��ت��ون وخبز يف‬
‫الظهر‪ ،‬وم��ا يسر اهلل يف امل��س��اء‪ (« .‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).16.‬اإلكسري لن يغري الوضع االجتماعي‬
‫امل���زري ألم��ث��ال��ه م��ن ال��ف��ق��راء‪ .‬بينما سيبقي‬
‫األغنياء على حاهلم‪ ،‬بل سيزيد يف امتيازاهتم‪.‬‬
‫يقول‪»:‬عندما ستصبح من اخلالدين‪ ،‬خالدا‬
‫يف اجل��وع‪ ،‬وال��ب��ؤس‪ ،‬واجلهل‪ ،‬وامل��رض‪ ،‬بينما‬
‫اآلخرون خيلدون ذكرى النعمة‪ ،‬ويتكالبون‪ ،‬أكثر‬
‫من كل وق��ت‪ ،‬على احتكار كل خ�يرات الدنيا‪،‬‬
‫وحن��ن من��وت بغيظنا! خلود اجل��وع!» (نفسه‪،‬‬
‫ص‪ .).39.‬لذلك رفض إدري��س اإلكسري و َق ِبل‬
‫املوت؛ ألن األول سيخلد الفوارق االجتماعية‪،‬‬
‫بينما الثاني يسوي ب�ين ال��ن��اس‪ »:‬إكسريهم؟‬
‫استعملوه يف البخور أو لالستنجاء! اجملد‬
‫للموت! اللهم ال حترمنا من املوت‪( »....‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).39.‬ويقول‪ »:‬اإلكسري لآلخرين‪ ،‬ال لسكان‬
‫املدينة العتيقة‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪).113 .‬‬
‫كما يُ��ح��دث ال��س��ارد تقابال ب�ين زم��ن م��ا قبل‬
‫اإلع�لان عن خرب اإلكسري وما بعده‪ ،‬فاملا قبل‬
‫ميثل اهل���دوء والطمأنينة وال��راح��ة والنظام‬
‫واحللم‪ ،‬وميثل املا بعد الفوضى واجلوع والتقاتل‬

‫واجنالء األوهام؛ وهم حب محيد للفتاة الغنية‬
‫اليت غريت طريقة تعاملها معه‪ ،‬وواجهته بكل‬
‫ما كانت ختبئه يف زمن ما قبل اإلكسري‪ .‬ووهم‬
‫أن يصري طبيبا‪ .‬ما جيعل كل من محيد ووالده‬
‫إدري��س حينان إىل زم��ن ما قبل اإلكسري على‬
‫الرغم من مساوئه وسلبياته‪ ،‬وينشدان املوت‪.‬‬
‫وب��ذل��ك يكون اإلك��س�ير ق��د أظهر ال��واق��ع على‬
‫حقيقته‪ ،‬ذلك هو فعل اإلشاعة اليت تكون أكثر‬
‫إخبارا عن الواقع‪.‬‬
‫‪ 3-1-1‬تركيب‬
‫ي��ك��ش��ف اخل���ي���ال ال��ع��ل��م��ي يف رواي�����ة إكسري‬
‫احلياة‪ ،‬عرب فكرة اإلكسري‪ ،‬عن تطلعات فئتني‬
‫اجتماعيتني متباينتني طبقياً‪ ،‬وجي��س نبض‬
‫املستقبل لديهما‪ .‬كما تظهر فكرة اإلكسري‪ ،‬اليت‬
‫قامت ب��دور اإلش��اع��ة‪ ،‬وحركت الشخصيات‪،‬‬
‫وصنعت األح���داث وكشفت ال��واق��ع احلقيقي‬
‫لفئتني اجتماعيتني متباينتني‪ ،‬وع��رت الواقع‬
‫الفعلي لكل فئة‪ ،‬عرب تقابالت وتصادمات كثرية‬
‫تقوم يف جوهرها على السخرية واملفارقة‪،‬‬
‫يف إط��ار أسلوب ح��واري قائم على التصادم‬
‫واملواجهة بني فكرين متناقضني‪ ،‬بلغة تعري‬
‫التناقضات السائدة يف اجملتمع عرب ثنائيات‬
‫تتقابل‪ ،‬أو تتفاعل‪ ،‬لتسهم يف رسم الصورة‪ ،‬ويف‬
‫منو احلدث‪ ،‬ويف صراع الشخصيات وحواراهتا‪،‬‬
‫وتظهر الواقع على حقيقته‪.‬‬
‫‪ 2 -1‬ال��ط��وف��ان األزرق ألمح��د عبد السالم‬
‫البقايل‬
‫‪ 1-2-1‬الرؤيا الناظمة‬
‫تتناول ال��رواي��ة آف��اق التطور العلمي‪ ،‬سلباً‬
‫وإجياباً‪ ،‬وخصوصاً خطر القنبلة الذرية على‬
‫اإلنسان‪ .‬إذ يصور أمحد عبد السالم البقايل‬
‫فيها توجُّه هيئة علمية‪ ،‬تضم جمموعة‬
‫من العلماء والباحثني العامليني من خمتلف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪11‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ف��روع العلم‪ ،‬حنو البحث للعثور على وسائل‬
‫إلطفاء احلريق الذري واحلد من أخطار التلوث‪.‬‬
‫فأسسوا مدينة علمية بعد احل��رب العاملية‬
‫الثانية قادرة على مواجهة الدمار النووي ومت‬
‫فيها ختزين الرتاث اإلنساني‪ ،‬وخوفاً من حرب‬
‫عاملية ثالثة‪ .‬وهبدف إعمار األرض وإنقاذها من‬
‫البشرية الفوضوية وتعويضها ببشرية جديدة‪.‬‬
‫ومت��ت استعارة فكرة اجل���ودي م��ن قصة نوح‬
‫عليه السالم ورد يف مقتطف من أحد حوارات‬
‫الرواية‪ -»:‬مسعتك تذكر «جبل اجلودي»‪ ،‬أليس‬
‫ذلك رمزاً إىل اجلبل الذي رست عليه سفينة‬
‫نوح؟‬
‫ بَلَى مسى العلماء األول��ون هذا املكان جببل‬‫اجلودي للشبه الكبري بني قصتهم وقصة نوح‪..‬‬
‫هربوا من عامل أوشك على الغرق‪ ،‬هذه املرة يف‬
‫طوفان اإلشعاع النووي! وأملهم أن يبقى هذا‬
‫اجلبل جزيرة آمنة داخل طوفان املوت القادم‬
‫عند اندالع احلرب الثالثة‪ ...‬جبل اجلودي إذن‬
‫رمز له داللته!» (الطوفان األزرق‪ ،‬ص‪).86.‬‬
‫وقد مت إخفاء اجلبل حتى ال يرى‪ .‬يقول‪« :‬أبداً!‬
‫لقد استطعنا إخفاء اجلبل باألشعة السرابية‬
‫اليت جتعل البحرية واجلبل يندجمان يف الوادي‬
‫العميق مثل أي كثيب من ماليني الكثبان الرملية‬
‫يف الصحراء‪( »..‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).92.‬ذلك بتحويل‬
‫فكرة جمردة إىل مشروع حمسوس وهي بذلك‬
‫تذكرنا جبمهورية أفالطون وباملدن الفاضلة‬
‫عموماً‪ ،‬لكن حبس نقدي وذلك بإظهار السلبيات‬
‫اليت ميكن أن تواجهها‪ .‬كما تعاجل الرواية مسألة‬
‫طغيان اآللة والتقنية على اإلنسان اليت طرحت‬
‫يف الفكر الفلسفي املعاصر م��ع الفيلسوف‬
‫األمل��ان��ي م��ارت��ن هايدجر ال��ذي عدها عصرا‬
‫من عصور التاريخ الكربى وكيفية من كيفيات‬
‫الوجود اإلنساني‪ 17‬نظراً لكوهنا حتول الطبيعة‬
‫إىل م��س��ت��ودع ال متناه م��ن ال��ط��اق��ة‪ 18‬وحتول‬
‫اإلنسان إىل جمرد فاعل من فاعليها وخادم‬
‫هلا‪ ،‬وخاضع لقوهتا يف كل جماالت وجوده‪ ،‬بعد‬

‫‪12‬‬

‫أن أصبحت تشمل كل جوانب وج��وده‪ .‬ويؤكد‬
‫هايدجر أن التقنية أصبحت هتدد باالنفالت‬
‫من مراقبة اإلنسان‪ 19‬وبالفعل جتاوزت التقنية‬
‫‪20‬‬
‫إرادته ومراقبته‪.‬‬
‫تطرح الرواية مشكلة التقنية من خالل حتكم‬
‫معاذ الكائن اآليل ال��ذي برجمه اإلنسان بعد‬
‫أن هربت هيئة من العلماء إىل جبل اجلودي‬
‫هبدف إنقاذ البشرية من حرب عاملية ثالثة‪»:‬‬
‫«معاذ»‪ .‬العقل اإللكرتوني‪ .‬املثال الذي أعطيتك‬
‫ل��ي��س إال ج��ان��ب �اً ص��غ�يراً م��ن وظ��ائ��ف معاذ‪.‬‬
‫وميكنين أن أصفه بأنه أكمل آلة صنعها خملوق‬
‫ناقص هو اإلنسان! ومعاذ هو اختصار اإلسم‬
‫املطول‪« :‬مُجمَّع العالقات اإللكرتونية الذاتية»‪.‬‬
‫وي��وج��د جببل اجل���ودي ه��ذا أكثر م��ن مخسة‬
‫آالف ع��امل وع��امل��ة يف مجيع ميادين املعرفة‬
‫اإلنسانية العقلية منها والعملية‪ ..‬وكل هؤالء‬
‫موكلون بإطعام معاذ مجيع ما يف ميادينهم من‬
‫معلومات‪ ،‬وما يضاف إليها كل يوم من حبوث‬
‫واكتشافات جديدة‪ .‬ويسمى هؤالء «مربجمون»‬
‫الختصاصهم يف تصفية البحوث وإرجاعها‬
‫إىل أبسط أصوهلا‪ .‬وقد أصبحت أحشاؤه اآلن‬
‫حتتوي على جممل املعرفة البشرية منذ بدأ‬
‫اإلنسان يفكر ويسجل‪ .‬أطعمَهُ املربجمون تاريخ‬
‫اإلنسان من فجر ميالده حتى اآلن‪ .‬وكذلك‬
‫فلسفته وأدي���ان���ه‪ ..‬أح��ل��ك ع��ص��وره وأهباها‪،‬‬
‫وعلوم املال واالقتصاد وأسواق األسهم واألوراق‬
‫املالية‪ ،‬وب��ه بدأنا نعرف مسبقاً ما سيحدث‬
‫يف ال��ع��امل ال��رأمس��ايل م��ن ال��ت��غ�يرات‪ ،‬وبذلك‬
‫أصبحت للمنظمة ثروة هائلة من االستثمارات‬
‫اليت ينصح هبا «معاذ»‪ .‬وقد أطعمناه ترمجات‬
‫حياتنا وأسرارنا الشخصية وأحوالنا الصحية‪،‬‬
‫فتنبأ بأمراضنا قبل أن تصيبنا‪ ،‬ووص��ف لنا‬
‫الوقاية قبل العالج‪ ،‬وأحاط مبا يشغل عواطفنا‬
‫وعقولنا‪ ،‬ونبهنا إىل عيوننا ونقائصنا‪ ،‬وأصبح‬
‫احلجة األوىل والعقل املسري األعلى للمنظمة‪.‬‬
‫وق��د أصبح طبيب نفسه‪ ،‬يكتشف أمراضه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ويصحح ما يصيب بعض أعضائه من عطب أو‬
‫خلل‪ .‬فيغري قطعه‪ ،‬وينتج اجلديد منها‪ ،‬ويشحم‬
‫دواليبه ويزيت أنابيبه‪( »...‬الطوفان األزرق‪،‬‬
‫ص‪ ). 86-85.‬لكنه انفلت من مراقبتهم وأصبح‬
‫يتمتع باحلرية بعد برجمته‪ »:‬وملعاذ امتياز آخر‪،‬‬
‫وهو احلرية املطلقة يف استعمال مجيع فروع‬
‫املعرفة البشرية األُخرى اليت متأل جوفه‪ .‬وليس‬
‫هناك دماغ بشري حيتوي ما حيتوي عليه دماغ‬
‫معاذ!» (نفسه‪ ،‬ص‪ ).111.‬الذي سينفلت من‬
‫سيطرة اإلن��س��ان‪« :‬م��ع��اذ اآلن أصبح خارجاً‬
‫عن كل سيطرة خاصة‪ .‬سرعة آلياته اهلائلة‪،‬‬
‫وقدرته على مزج العلوم املتباعدة اليت هضمها‪،‬‬
‫واخلروج من خليطها بنتائج مدهشة ال تَ ْخ ُطر‬
‫على عقل عامل من أي ميدان‪ ،‬جعلته يف مقدمة‬
‫اجلميع‪ ،‬وجعلت العلماء يلهثون خلفه‪ ،‬حياولون‬
‫اللحاق بالكشوف اجلديدة اليت ال يزال يلقي هبا‬
‫كل ثانية سواء يف الطب أو الفضاء أو املعادن أو‬
‫الكيمياء‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).86.‬األمر الذي كانت‬
‫له انعكاسات سلبية على اجلودي وعلى حياة‬
‫اهليئة العلمية اليت أنشأته‪ .‬هذا ما سيكتشفه‬
‫علي ن��ادر مباشرة بعد يقظته من غيبوبته‪.‬‬
‫وسيدرك خطورة معاذ من خالل جمموعة من‬
‫األمور اليت الحظها أو مسع هبا‪:‬‬
‫ حتكم معاذ يف العلماء الذين برجموه‪ ،‬اختاذ‬‫ق���رارات ش��اذة كقوله بفكرة الطوفان األزرق‬
‫بعد االجتماع الذي عقد حول مستقبل األرض‬
‫فكانت له نوايا تدمريية‪.‬‬
‫ حتكمه يف ال���والدة واحل��م��ل‪ »:‬حن��ن نصنع‬‫سكاننا اآلن‪ ...‬نتحكم يف ظروف احلمل والوالدة‬
‫والرتبية‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪).92.‬‬
‫ تعذيبه للمعارضني‪( .‬نفسه‪ ،‬ص‪).93.‬‬‫ جتريد اإلن��س��ان من العاطفة‪ ،‬تدخل معاذ‬‫يف اإلنسان وحماولة جعله آلة تابعة لسلطته‬
‫بربجمة أدم��غ��ة األط��ف��ال‪« :‬م��ع��اذ يربمج هؤالء‬
‫األطفال عن طريق ذبذبات صامتة تسري إىل‬
‫أدمغتهم منه رأساً‪ .‬ألول مرة يف حياة البشرية‬

‫سيستطيع املخ الواحد أن يعيش حياة كاملة‬
‫مستعمالً أجزاءه وخالياه‪ ..‬وال ندري‪ ،‬وحنن يف‬
‫هذا الطور‪ ،‬كفاءة ذلك امل��خ‪ ...‬إال أننا ال نرى‬
‫عالئم التشبع أو التعب أو النسيان أو العجز يف‬
‫أي من هؤالء الصغار‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪).114.‬‬
‫لقد انشغلت ال��رواي��ة بقضايا علمية صرفة‪،‬‬
‫من خالل خملفات العلم ونتائجه على الوجود‬
‫البشري ونتائجه اليت خيبئها املستقبل‪ .‬كما‬
‫طرحت مشكلة العقل والقلب‪ .‬يقول السارد‪:‬‬
‫«ول��ك��ن انتصار العقل على القلب ال يتم إال‬
‫باالنتصار على هذه الصدمات‪ ...‬وسوف خترج‬
‫من حمنتك هذه متزناً مكتمل البناء النفسي‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).110.‬يالحظ أن الدكتور علي‬
‫باعتباره آخر ملتحق باجلودي ما زال حيتفظ‬
‫باملشاعر اإلنسانية‪ ،‬يف مقابل اختفائها لدى‬
‫البعض اآلخر مع زمن اآللة‪ .‬ذلك من األسباب‬
‫اليت دفعته إىل طرح األسئلة‪ ،‬وهي اليت مكنته‬
‫من إع��ادة الثقة لإلنسان بعد أن تغلب على‬
‫الكائن اآليل‪.‬‬
‫‪ 2-2-1‬الطوفان األزرق رواية احلدث‬
‫ت��ن��درج رواي���ة ال��ط��وف��ان األزرق ضمن رواية‬
‫احل��دث اليت تتميز عموماً خب��روج البطل عن‬
‫ما هو رتيب إىل ما هو مثري‪ 21.‬وال��ذي ال بد‬
‫أن يعود‪ ،‬بعد رحلة صاخبة ومليئة باملغامرات‪،‬‬
‫إىل بر السالمة واالستقرار وإىل احلياة املألوفة‬
‫املنتظمة واآلمنة‪ 22.‬كما يصف هذا النوع من‬
‫ال��رواي��ات وق��ائ��ع غ�ير مألوفة بطريقة هتدف‬
‫اإلمتاع‪ 23.‬وتكون قدرات البطل والشخصيات‬
‫بوجه عام باملقدار الذي يتطلبه احلدث‪.‬‬
‫تنقلنا الرواية من حدود حياة مألوفة رتيبة خالية‬
‫من اإلثارة‪ ،‬حياة علي نادر العامل األنرتبولوجي‬
‫املغربي املشهور املهتم باملستقبليات املقيم‬
‫بلندن الذي يسافر هبدف الراحة بفيجي وإلقاء‬
‫حماضرة هناك بطلب من والد تلميذته‬
‫تاج‪ ،‬إىل حياة ومسار مليئني باملفاجآت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪13‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وامل���غ���ام���رات واألح�������داث امل���ث�ي�رة ال��ت�ي حتري‬
‫الشخصيات وحتري العامل ككل‪ .‬ما منح الرواية‬
‫إيقاعاً حمكوماً باإلثارة نظراً لتوايل املفاجآت‪.‬‬
‫وتبعاً ل��ذل��ك‪ ،‬ومتشياً م��ع روح راي��ة اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬حظي املكان بأمهية ك�برى يف رواية‬
‫الطوفان األزرق فهو ليس إطاراً لتأثيث األحداث‬
‫بل مكوناً أساسياً داخلها‪ ،‬نظرا لكوهنا تتأسس‬
‫على عنصر الرحلة‪ ،‬واليت تتم من وإىل أماكن‬
‫متعددة ومثرية‪ .‬والرحلة هنا ليست رحلة إىل‬
‫كوكب آخر وإمنا هي رحلة إىل األرض هروباً‬
‫من التقدم العلمي‪ ،‬هبدف إنقاذ األرض وإنقاذ‬
‫الرتاث اإلنساني‪ .‬وباألخص جبل اجلودي‪ ،‬الذي‬
‫يسميه علي نادر بأرض املفاجآت‪ ،‬نظراً لكثرة‬
‫املفاجآت اليت اعرتضته هناك‪.‬‬
‫مل يتم اإلف��ص��اح يف ال��رواي��ة ع��ن سبب سفر‬
‫الدكتور هالني الذي اختطف على منت طائرة‬
‫يف ظروف غامضة‪ ،‬ذلك احلدث الغريب‪ ،‬الذي‬
‫تفتتح به أحداث الرواية‪ ،‬يقول أحد شخصيات‬
‫ال��رواي��ة‪»:‬خ�بر يف منتهى ال��غ��راب��ة‪ ،‬وصلنا من‬
‫الدار البيضاء باملغرب‪ ،‬مفاده أن الدكتور هالني‬
‫اخلبري السويدي املعروف يف مكافحة اإلشعاع‬
‫الذري‪ ،‬واحلائز على جائزة نوبل يف أحباثه يف‬
‫ذلك امليدان‪ ،‬اختفى من طائرة عابرة احمليط‬
‫وه��ي يف اجل��و‪ -‬أعيد‪ :‬يف اجل��و بني نيويورك‬
‫وال��رب��اط‪( ».‬ال��ط��وف��ان األزرق‪ ،‬ص‪ ).9.‬ذلك‬
‫احل��دث احمل�ير‪ .‬وي��ق��ول آخ��ر‪»:‬الب��د أن��ه غلط‪.‬‬
‫فال خيتفي املسافرون من الطائرات يف عنان‬
‫السماوات‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).10.‬يتعلق األمر‬
‫باحلدث‪»:‬األول من نوعه يف تاريخ االختطافات‬
‫واالختفاءات اخليالية»( نفسه‪ ،‬ص‪ ).14.‬وما‬
‫واكبه من حبث بوليسي وم��ؤمت��رات صحفية‬
‫على املستوى العاملي‪ .‬احلدث الذي ضاعف من‬
‫حرية الناس واألمن الدويل والصحافة العاملية‪،‬‬
‫املكتوبة واملرئية‪»:‬نعود بكم إىل لندن‪ ،‬وسوف‬
‫نوافيكم مبا جيدَّ يف موضوع االختفاء اخليايل‬
‫الذي يشغل بال العامل اليوم‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).18.‬‬

‫‪14‬‬

‫حماولة إعطاء تفسري‪ »:‬يظهر أن جيمس بوند‬
‫عاد إىل فعالته املدهشة‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).18.‬أو‬
‫ردها إىل أعمال جاسوسية‪.‬‬
‫ومل مت��ر إال م���دة ق��ص�يرة ح��ت��ى مت اإلع�ل�ان‬
‫عن حدث آخر مثري وهو اختفاء أو اختطاف‬
‫الدكتور علي نادر وتلميذته تاج على منت طائرة‬
‫أخرى متوجهة إىل الفيجي‪ ،‬دون أن يكون على‬
‫علم بذلك‪ .‬يقول السارد‪»:‬وما نزلت الطائرة‬
‫ب�لاغ��وس‪ ،‬عاصمة ناجيرييا حتى م�لأ اجلو‬
‫أزي��ز أس�لاك ال�برق واهلاتف تنقل خرب اختفاء‬
‫الدكتور على ن��ادر واآلنسة ت��اج حميي الدين‬
‫من قلب الطائرة يف عرض الفضاء‪( ».‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).33.‬ما أدى إىل تزايد حرية العامل‪ ،‬ودفع‬
‫بالشرطة إىل البحث يف شقة علي‪ ،‬وتصفح‬
‫مذكراته من أجل معرفة السر وراء اختفائه‪،‬‬
‫اليت تتضمن بعض اإلشارات اهلامة‪ ،‬كاإلشارة‬
‫إىل بعض أحالم البطل املستقبلية كفكرة بناء‬
‫مدينة إلن��ق��اذ البشرية‪»:‬ماذا سيكون مصري‬
‫اإلنسان لو ضغط جمنونه على زر أمحر وفتح‬
‫أبواب جهنم على األرض؟ ماذا ميكن أن نفعل‬
‫لتاليف إبادة البشرية وما حققته من تقدم أثناء‬
‫اخلمسة آالف سنة من تارخيها؟» «هل هناك‬
‫«ش��اجن��ري�لا» حلفظ ه��ذا ال�ت�راث؟ أعتقد أن‬
‫األوان قد آن ليقوم مجاعة من العلماء املسؤولني‬
‫ببناء قلعة أو جزيرة منيعة عن اإلشعاع حتى‬
‫إذا كان اإلنسان ينوي االنتحار تدخل العلماء‬
‫لتقنينه واحلد من مفعوله حبيث يقتصر على‬
‫الساسة والعناصر اليت وصلت باإلنسانية إىل‬
‫حافة االنتحار جيب االحتفاظ باملوهوبني من‬
‫العلماء والفنانني والصناع واحملرتفني لبدء عامل‬
‫جديد نظيف‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).38.‬‬
‫يتميز سري علي ومغامراته بتوايل األخطار‪.‬‬
‫قالت تاج‪ »:‬ال تُف ِّكرْ يف املوت اآلن‪ .‬بعد أن جنونا‬
‫من حادث الطائرة‪ ،‬ووجدنا الواحة والقافلة ال‬
‫أعتقد أن أجلنا قد وصل‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).62.‬‬
‫وت���وايل األح���داث امل��ث�يرة ال�تي جتعله يفكر يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫احللول املناسبة هل��ا‪ :‬مثال مسألة جن��اة علي‬
‫رغم أطالق النار عليه‪ »:‬لقد كدت أخرج عن‬
‫عقلي حني رأيتك طرحياً هناك وال��دم يفور‬
‫من صدرك! فال تفسد سعادتي بعودتك حياً‬
‫إيل بغريتك ال�تي ال أس���اس هل����ا‪( »...‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).74.‬وعدم افتضاض بكارة تاج على الرغم‬
‫م��ن تعرضها لالغتصاب(نفسه‪ ،‬ص‪،).74.‬‬
‫وموت الرجل الذي اغتصبها‪ »:‬لقد أغمي علي‬
‫حني طرحين أرض ً��ا‪ .‬وحني أفقت وجدته جثة‬
‫هامدة‪ ..‬ال أثر للدم يف جسده‪ .‬ال بد أن أصيب‬
‫بسكتة قلبية‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).75.‬‬
‫دائما جيد البطل نفسه يف مكان غريب أو أمام‬
‫حدث غريب فيحاول أن يفهم ملاذا هو يف ذلك‬
‫املكان ي��ق��ول‪ »:‬وأح��س بفقدان حاسة الزمن‪،‬‬
‫وأنه يف تلك اللحظة بدون ذاكرة وال ماض‪»...‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).78.‬فيحاول البحث عن تفسري ملا‬
‫يعرتضه من أح��داث‪ ،‬جتعله يشكك فيما يراه‬
‫فريدد العبارة التالية‪»:‬هل ما زلنا حنلم؟ «(نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).43.‬تلك الالزمة اليت يكررها دائما علي‬
‫ن��ادر كلما اعرتضه أمر مثري‪ .‬كما يتفاعل مع‬
‫األحداث عرب األحالم والكوابيس اليت ترتاءى له‪،‬‬
‫واليت تغدو مبثابة مرايا واقعية‪ ،‬وختييلية‪ ،‬ملا‬
‫متر هبا حياته النفسية والعاطفية‪ .‬خصوصا‬
‫احللم الذي يرى نفسه فيه «يطارد تاجاً وهي‬
‫ع��اري��ة على ال��ش��اط��ىء‪ .‬واق�ت�رب مبخيلته من‬
‫جسمها اخل��م��ري امللتهب حيوية وإغ����راء‪...‬‬
‫وكيف كان سواد عينيها وشعرها من العوامل‬
‫اليت أهلبت خياله وجذبته حنوها‪( »...‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).169.‬وهو احللم الذي رآه مرات عديدة‪.‬‬
‫وت��ت��واىل مفاجآت علي ن��ادر بعد وصوله إىل‬
‫مدينة اجلودي ولقائه بالدكتور هالني املختفي‬
‫قبله الذي يقدم له الطريقة اليت مت هبا اختفاؤه‪.‬‬
‫يقول‪« :‬مت االختفاء بالتعاون مع الطيار واملالح‬
‫املنتميني للهيئة اليت أنت ضيف عليها اآلن‪ .‬تنزل‬
‫الطائرة إىل ارتفاع مناسب يقل معه الضغط‬
‫اجلوي‪ ،‬ويلقى بك منها مبظلة ليلتقطك أعوان‬

‫اهليئة يف نقطة معينة بالبحر أو الصحراء‪ .‬وتتم‬
‫العملية حتت ختدير شامل لبقية الركاب‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).83-82.‬كما يقدم له سبب إنشاء‬
‫اهليئة‪« :‬سأشرح لك‪ .‬منذ بعض وعشرين سنة‪،‬‬
‫أي بعد هناية احلرب العاملية الثانية‪ ،‬قررت هيئة‬
‫من العلماء الفرار مبواهبهم وحبوثهم من أوربا‬
‫إىل مكان جمهول يدفنون فيه كنزر نتاج العقل‬
‫البشري وتراث اإلنسان منذ بدأ يقلب وجهه يف‬
‫السماء‪ ..‬كان خوفهم حقيقياً من قيام حرب‬
‫ثالثة ذرية متسح البشرية من األرض وتقضي‬
‫على مخسة آالف سنة من الكدح العقلي‪ ..‬فوقع‬
‫اختيارهم على جبل يف جوف واد شاسع بقلب‬
‫الصحراء بعيد عن كل طريق‪ ،‬أطلقوا عيه اسم‬
‫جبل اجلودي‪ .‬وبقي اتصاهلم بالعامل اخلارجي‬
‫دائماً بطرق معقدة للحصول على اجمللدات‬
‫املهمة والسجالت القيمة واألشرطة املوسيقية‬
‫والسينمائية اليت تسجل حياة اإلنسان وذخائر‬
‫م��واه��ب��ه‪ .‬وب��ال��ت��ق��دم ال��س��ري��ع ال���ذي ح��دث يف‬
‫العشرين سنة األخرية أمكن فيها إىل حد بعيد‪.‬‬
‫وكرب املشروع ومعه اهليئة‪ .‬ومت استقدام عدد‬
‫كبري من العلماء الرواد يف ميادينهم‪ ،‬والفنانني‬
‫واألدباء والصناع املهرة يف مجيع املهن‪ .‬وينبغي‬
‫أن أع�ترف أن استقدام بعض أول��ئ��ك مل يكن‬
‫بالطرق التقليدية‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).83.‬وعن‬
‫س��ب��ب إح���ض���اره إىل اجل����ودي ي��ق��ول‪« :‬وأن���ت‬
‫رشحتك أحب��اث��ك الطليعية يف علم اإلنسان‬
‫لعضوية اهل��ي��ئ��ة‪ .‬وبرتشيحك ه��ذا أصبحت‬
‫شريكاً يف أعظم م��ش��روع! مشروع اإلشراف‬
‫على تشكيل مستقبل اإلنسان‪ ..‬بل على كتابة»‬
‫سفر تكوين «جديد‪ ،‬ال يَدَ للصدفة أو العشوائية‬
‫فيه‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).83.‬‬
‫فينشد علي نادر االستفهام واالستغراب حول‬
‫ك��ل م��ا ي���راه‪ ،‬وخصوصا بعد ح��ض��وره ملؤمتر‬
‫باجلودي حول كيفية التعامل مع األرض هبدف‬
‫التخلص من العامل القديم وإعادة ترتيب‬
‫كوكب األرض‪ ،‬والذي متخضت عنه ثالثة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪15‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اجتاهات‪ :‬األول‪ :‬يقول باإلبقاء على األمر كما‬
‫هو عليه‪ ،‬الثاني‪ :‬يقول باالستيالء على األرض‬
‫وإصالحها الثالث‪ :‬يقول خبلق طوفان واآللة‪/‬‬
‫معاذ من أنصاره‪ .‬يتبني لعلي نادر من نتائج هذا‬
‫املؤمتر عدم ختلص اإلنسان من ماضيه‪ .‬األمر‬
‫الذي سيؤدي إىل شعوره خبطورة جبل اجلودي‬
‫كما مل حيس هبا من قبل‪ .‬يقول السارد‪« :‬ذهب‬
‫ال��دك��ت��ور ن��ادر تلك الليلة إىل ف��راش��ه منتفخ‬
‫الرأس مشبعاً باملفاجآت‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).105.‬‬
‫وس��ت��زداد اخلطورة عندما يشاهد علي نادر‬
‫م��وت ت��اج‪ ،‬على الشاشة‪« :‬وج���اءت املمرضة‬
‫لتنزع اخليمة عن جثة تاج العارية‪ ،‬وتزيل القناع‬
‫والعرَّق الصناعي‪ ،‬ثم تغطيها من قدميها إىل‬
‫ما فوق وجهها بإزار أبيض‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪-106.‬‬
‫‪).107‬‬
‫وستتضاعف حرية علي نادر بعثوره على خمبأ‬
‫لثوار ضد تزايد سلطات اآللة‪ ،‬تلك اللجنة اليت‬
‫تشكلت هب��دف مقاومة خطر معاذ‪ ،‬وضمنها‬
‫الدكتور هالني‪ ،‬ال��ذي يقول ل��ه‪ »:‬لسنا ثواراً‬
‫على حكومة وال على نظام‪ ..‬أرجو أال تعتقدنا‬
‫جمانني إذا قلت ل��ك إننا ث��ائ��رون على آلة‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).126.‬يف مكان ال يعرفه معاذ‪:‬‬
‫«مل يكتشفنا «معاذ» بعد‪ .‬سلطته مل تصل إىل‬
‫م َْخبئنا هذا‪ .‬ولنا وسائلنا للتخفي‪ .‬ولكن ليس‬
‫معنى هذا أننا سنبقى بعيدين إىل األبد‪ .‬فعقله‬
‫اإلجرامي الشرير ما يزال يبحث عنا‪( ».‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪).130.‬‬
‫مما طرح مشكلة إعادة السيطرة على معاذ‪« :‬يا‬
‫هل تُرى ميكن احتواء «معاذ» والسيطرة عليه!؟‬
‫أم هو حر‪ ،‬يفعل يف ملكه ما يشاء؟» (نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).122.‬بعد أن تزايدت سلطته «وأعطي‬
‫«م��ع��اذ» س��ل��ط��ات ب�لا ح����دود‪ ،‬ف��ب��دأ يتناسل‬
‫ويتكاثر ويتمدد كالبنفسج حتى أصبح بعيداً‬
‫عن فهم أي فرد وح��ده من اللجنة األصلية‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).129.‬وتزايد خطره الذي يصل‬
‫إىل إهناء احلياة ب��األرض‪« :‬أتعرف أن «معاذاً»‬

‫‪16‬‬

‫ميكن أن يضغط على زر واحد يف هذه اللحظة‬
‫وينهي احلياة البشرية على األرض؟» (نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).128.‬وبدأ يقوم بقتل معارضيه‪« :‬وبعد‬
‫هناية االجتماع بدأ أعضاء اللجنة احملافظون‬
‫الذين عارضوا إعطاء السلطة املطلقة «ملعاذ»‬
‫خيتفون واح��داً واح��داً‪ ،‬وفقد بعضهم ذاكرته‬
‫متاماً‪ .‬وانتحر بعضهم يف ظ��روف غامضة‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).129.‬وق��ام بإشاخة ت��اج حتى‬
‫تنسى ما قرأته من أس��رار يف تلك احملفظة‬
‫اليت عثرت عليها يف الصحراء‪ ،‬واليت تتضمن‬
‫معادلة توصل إليه الدكتور ناجي لشل حركة‬
‫معاذ وإرجاعه إىل حالته األوىل وحتويله إىل‬
‫آلة مطيعة‪ ،‬ألنه كان يعرف نقط ضعف معاذ‬
‫وأول من حاول مواجهته لكنه أبعده فهرب ومعه‬
‫سر التغلب على معاذ‪ ،‬يقول علي نادر‪« :‬كنت يف‬
‫حالة ال تسمح يل باملالحظة الواضحة‪ .‬كنت‬
‫جرحياً أفقد الدم والوعي‪ .‬ورأي��ت تاجاً تقرأ‬
‫أوراقاً أخرجتها من تلك احلقيبة وعلى وجهها‬
‫عالمات الفزع‪ .‬وأغمي عليَّ قبل أن أمسع ما‬
‫كانت تريد أن تقوله يل‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).145.‬‬
‫انتقاماً منها وتعذيب النساء‪ .‬ولقد أوكلت‬
‫اللجنة لعلي نادر مهمة القضاء على معاذ‪ ،‬وبعد‬
‫عدة استكشافات وحوارات مع معاذ متكن علي‬
‫نادر من التغلب على معاذ‪.‬‬
‫لتنتهي األح��داث بانتصار اإلنسان يف شخص‬
‫علي ن��ادر على اآلل���ة‪ ،‬ال��ذي ك��ان م��ن نتائجه‬
‫موت معاذ‪ ،‬يقول‪ »:‬وبدأ «معاذ» يغر ُق يف دمه‪،‬‬
‫وا ْزر ََّق الوجه الكبري ثم اسود‪ ،‬وعال من رئتيه‬
‫شخري مفزع حتول إىل تنهد ثقيل غرق بعده‬
‫الرأس إىل أسفل‪ ،‬وسكتت الصفارات واألجراس‬
‫وانطفأت األض��واء كلها‪ ،‬وس��اد املكان صمت‬
‫رهيب‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).156.‬وإنقاذ تاج وغرق‬
‫الثوار(اجلمعية ال�تي أنشأها الدكتور هالني‬
‫ملواجهة سيطرة معاذ) تقول تاج اليت تقمصت‬
‫روحها جسد ك��ارول‪« :‬أغرقه معاذ بسرعة مل‬
‫منلكْ معها اخلروج يف الوقت املناسب‪ ...‬ولقي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫حمفظة جلدية غريبة تتضمن أس��راراً خطرية‬
‫حول معاذ ومها يف الصحراء‪ .‬لكن النوم أخذه‪،‬‬
‫تقول‪« :‬علي‪ ،‬أعتقد أن الوقت قد حان ألشرح‬
‫لك بعض الغموض ال��ذي أح��اط حبياتك منذ‬
‫لقائنا‪ .‬وأكشف لك عن أس��رار رحلتك هذه‬
‫واهل��دف احلقيقي منها‪ .‬ونظر الدكتور نادر‬
‫إليها بعينني شبه مقفلتني‪ ،‬فرأى وجهها يتماوج‬
‫ويلفه ضباب كثيف‪ ،‬وشفتيها تتحركان دون أن‬
‫يصله منهما ص��وت‪ ،‬ثم غابت عنه بانسدال‬
‫ستار إغماء عميق عليه‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).75.‬‬
‫ما يؤدي إىل حتبيك أحداث الرواية وشد انتباه‬
‫القارئ‪ ،‬وجيعله يشارك يف إنتاج النص‪ ،‬ويعيد‬
‫ترتيب أحداثه ورموزه‪.‬‬
‫هكذا تكون رحلة علي ن��ادر املليئة باإلثارة‬
‫والدهشة والغرابة رحلة إنقاذ يؤدي فيها دور‬
‫احملرر الذي خيلص اإلنسانية من خطر اآللة‬
‫اليت كانت ستغرق اإلنسان يف ويالت‪ ،‬واليت ما‬
‫فتئت تسيطر على اإلنسان يوماً بعد يوم‪ ،‬نظراً‬
‫ملا يشهده العصر من تطور تكنولوجي مذهل‪،‬‬
‫ك��ل ذل��ك ي��ن��ذر بأخطار العلم على الطبيعة‬
‫واإلنسان‪ ،‬إذا ما اختفى السؤال والتأمل على‬
‫حد تعبري هايدجر‪.‬‬
‫يركز أمحد عبد السالم البقايل يف روايته هذه‬
‫على احل��دث‪ ،‬بتوايل أح��داث غريبة أساسها‬
‫التدرج من العادي إىل املثري إىل العجيب والغريب‬
‫يف تسلسل سردي قوامه تشويق القارئ‪ .‬فتحكي‬
‫الرواية سلسلة من األحداث اليت حتقق حبكتها‬
‫عرب غرابتها اليت تتطلب حبثا وتفسريا من قبل‬
‫الشخصيات والقارئ‪ ،‬فتشد انتباهنا‪ .‬ليصري‬
‫احلدث يف الرواية مبثابة غرابة مستمرة‪ ،‬جتد‬
‫الشخصيات نفسها داخلها‪ ،‬وحتاول تفسريها‬
‫واخلروج منها‪ ،‬كما ينساق القارئ بدوره وراءها‬
‫مشدوداً إليها‪ ،‬فيساهم بدوره يف إنتاج النص‪.‬‬

‫أغلبنا حتفه يف اللحظات األوىل من هجوم‬
‫امل��اء من كل جانب‪ ...‬وقد مسحوا بإخراجي‬
‫أنا األوىل لكوني ام��رأة‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪).164.‬‬
‫وحول مناصريه إىل عباد آلليني له يقدسونه‬
‫ويعبدونه بعد هنايته‪ »:‬كل ما أت��ذك��ره هو أن‬
‫«معاذاً» يف دقائق حياته األخرية أصيب بنوبة‬
‫جنون ح��ادة‪ ...‬ويظهر أنه عرَّض مجيع علماء‬
‫اجلودي من حاملي الصراصري إىل عملية غسل‬
‫دماغ كاملة‪ ،‬ثم برجمهم حبيث يصبحون عباداً‬
‫آليني له‪ ....‬أو على األقل للتمثال الذي صنعه‬
‫لنفسه وأخرجه من قلب البحرية‪ ،‬وهو يلفظ‬
‫أنفاسه األخ�يرة‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).163.‬هذا ما‬
‫سيكتشفه ن��ادر بعد ختلصه من معاذ‪ ،‬يقول‬
‫السارد‪« :‬وفرك رجليه ثم وقف ليمعن النظر‬
‫يف املوكب‪ ،‬فإذا وجوه مألوفة للعلماء واملربجمني‬
‫والفنانني يف مالبس بيضاء فضفاضة‪ ،‬يرددون‬
‫تراتيل آلية إليكرتونية مل يفهم ألغازها وهم‬
‫يتحركون حنوه‪( »..‬نفسه‪ ،‬ص‪).159.‬‬
‫وعندما خرج علي ن��ادر من حمنته ومغامرته‬
‫حاول العودة إىل بلده‪ ،‬ومنها إىل لندن‪ ،‬وبالفعل‬
‫متكن من ذلك‪ ،‬وحكى مغامرته إىل الناس لكن‬
‫ال أحد من صدقه‪ ،‬سواء يف بلده األصلي أو يف‬
‫لندن‪ ،‬خصوصاً بعد أن حبثوا عن جبل اجلبل يف‬
‫الصحراء فلم جيدوه‪ ،‬يقول السارد‪ »:‬ووصفت‬
‫الصحافة القصة بأهنا أكرب كذبة فاتح إبريل‬
‫يف التاريخ‪ !..‬ومل يعد الدكتور نادر جيرؤ على‬
‫مقابلة أحد‪ ،‬وتفاداه أصدقاؤه العلماء حتى ال‬
‫يتعرضوا للحرج إذا هم رفضوا تصديق روايته‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).172.‬لتتأكد املقولة اليت ترددها‬
‫ال��رواي��ة وه��ي‪ »:‬اإلنسان هو احليوان الوحيد‬
‫ال��ذي ال يستفيد من جت��ارب غ�يره‪( ».‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪).164.‬‬
‫ليس هناك تسلسل يف األح��داث‪ ،‬وإمنا هناك‬
‫ن��وع من التلغيم ال��ذي ميارسه ال��س��ارد‪ ،‬على‬
‫القارئ فمثالً مل خيربنا السارد أن تاج كانت ‪ 3-2-1‬تركيب‬
‫ت��ري��د إخ��ب��اره بسر م��ا‪ ،‬بعد أن ع��ث��رت على تصور لنا رواية الطوفان األزرق أخطار‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪17‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫التقنية على احل��ض��ارة البشرية على سطح‬
‫األرض‪ ،‬وهو املوضوع الذي بدأ يكتسي أمهية‬
‫كربى يف ظل التقدم العلمي اهلائل‪ .‬وذلك من‬
‫وجهة نظر متزج الرواية الواقع باخليال املمكن‪،‬‬
‫حماولة حتذيرنا من األخطار احملدقة باإلنسان‬
‫نتيجة تطور العلم‪ ،‬عن طربق ط��رح مشاكل‬
‫التلوث واملرض والتفجريات الذرية وعن طريق‬
‫االنتقال إىل خلق عامل شبيه بعاملنا يفرض فيه‬
‫البطل (اإلنسان) احلل الصحيح أمام خطر أكرب‬
‫وهو مشكلة التقنية وسيطرهتا على اإلنسان‪.‬‬
‫لتصور لنا كيف بإمكان اإلنسان إرجاع األمور‬
‫إىل نصاهبا بالسيطرة على التقنية اليت صنعها‪،‬‬
‫وبإعادة االعتبار للمشاعر اإلنسانية‪ ،‬وقدرته‬
‫على مواجهة خطر اآلل���ة‪ ،‬بفضل مجعه بني‬
‫عقله وقلبه‪ .‬بغية إعادة الثقة واألمل لإلنسان‬
‫والطبيعة‪ .‬كما أن هناك حضور لتجربة احلب‬
‫اليت تعطي للرواية جاذبيتها‪.‬‬
‫كل ذلك بلغة سردية شفافة تتبع مسار رحلة‬
‫ممتعة مليئة باألحداث املثرية واملشوقة رحلة‬
‫استكشافية إىل ه��ذا ال��ع��امل املمكن وإظهار‬
‫س��ل��ب��ي��ات��ه ع��ل��ى ال���وج���ود اإلن��س��ان��ي وخطره‬
‫عليه‪ ،‬رحلة مفعمة باالستفهامات واألحالم‬
‫واالنطباعات واحلوادث املفاجئة‪.‬‬
‫ ‬
‫‪ -3-1‬جمرد حلم لعبد الرحيم هبري‬
‫‪ 1-3-1‬احللم وتأسيس اخليال العلمي‬
‫مييز فرويد بني مصدرين لألحالم؛ األول هو‬
‫ال�لا شعور ويتجسد يف تلك األح�لام املبهمة‬
‫ال�تي حتقق رغ��ب��ة مكبوتة‪ ،‬ت��ع��ود إىل جتربة‬
‫ماضية مرتبطة بالطفولة‪ ،‬والثاني هو مشاغل‬
‫‪24‬‬
‫اليومي‪.‬‬
‫تندرج أحالم هذه الرواية ضمن النوع الثاني‪،‬‬
‫إذ مت دمج املشاغل اليومية للسارد يف اخليال‬
‫العلمي‪ ،‬ومت اخت��اذ احللم مطية انتقل عربها‬
‫السارد من كوابيس واقعه إىل واقع معادل له‬

‫‪18‬‬

‫يف املاضي واملستقبل‪ .‬فاضطلع احللم بوظيفة‬
‫الربط بني واقع السارد املليء باخليبات وآخر‬
‫افرتاضي مبثابة مرآة عاكسة له‪.‬‬
‫بفعل انشغال السارد بالشأن العربي الراهن‬
‫وما راكمه من خيبات بدأت تتسلل إىل أحالمه‬
‫جمموعة من الكوابيس‪ ،‬تقول إحدى الشخصيات‬
‫خم��اط��ب��ة ال��س��ارد‪»:‬دم��اغ��ك ح���اول اسرتجاع‬
‫التاريخ كما قرأته يف حماولة لتربير وضعية‬
‫اندجمت فيها‪ ،‬رمبا تعاني منها ألهنا أصبحت‬
‫شغلك ومهمتك‪( »...‬جم��رد حلم‪ ،‬ص‪).109.‬‬
‫واألحالم الثالثة اليت تؤسس الرواية صورة من‬
‫تلك الكوابيس اليت يعيشها السارد‪ ،‬تقول زوجته‬
‫خماطبة إياه‪»:‬حفظت تفاصيل أحالمك اململة‬
‫عن السياسة‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).156.‬‬
‫يف أحد هذه الكوابيس يرى السارد أنه أصبح‬
‫قبطاناً يف سفينة فضائية موجهة من الكوكب‬
‫األخضر( ال��ذي اكتشفه اإلنسان بعد أن دمر‬
‫األرض وأصبحت فيها احلياة مستحيلة وانتقل‬
‫إليه سنة ‪2492‬م وختلى عن ش��روره وأصبح‬
‫يعيش يف أم��ن وس�ل�ام) حن��و األرض بعد أن‬
‫تكونت ل��دى اإلن��س��ان إرادة إع��ادة احلياة إىل‬
‫األرض وإنقاذها وتنقيتها من التلوث(نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).133.‬وإع���ادة إع��م��اره��ا‪ ،‬ف��ك��ان السارد‬
‫ضمن الوفد املبعوث إىل األرض سنة‪3230‬م‬
‫من أجل حتقيق ذلك اهلدف‪ .‬ولقد بقي حاكم‬
‫وحيد على األرض متمسكاً هبا لقرون رافضاً‬
‫إصالح ما مت ختريبه‪ ،‬عرف جبربوته وبطشه‪،‬‬
‫حياول السارد ومن معه من الوفد التفاوض مع‬
‫ذلك املستبد‪ .‬فيجد السارد نفسه أمام جمتمع‬
‫تسوده العبودية لرجل واحد‪( .‬نفسه‪ ،‬ص‪).148.‬‬
‫فينزاح السارد عن املهمة اليت كانت موكولة إليه‬
‫وحياول دفع الناس إىل الثورة ضد ذلك الرئيس‬
‫املستبد‪( .‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).146-143.‬لكنه فشل إال‬
‫مع التالميذ الذين استجابوا لدعوته‪( .‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).152.‬وبذلك خرق احملذور فأدانه الرئيس‬
‫وأمر بقتله‪ ،‬لكن السارد كان حيمل معه قنبلة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫على شكل قلم ستدمر كل شيء مبا يف ذلك‬
‫نفسه‪( .‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).154.‬ي��زاوج السارد‪ ،‬يف‬
‫هذا احللم‪ ،‬بني املشاهد احلوارية والوصفية من‬
‫خالل هذه الرحلة اليت تتم من الكوكب اجلديد‬
‫إىل األرض‪ .‬وي���ؤدي ال��وص��ف هنا وظيفتني‪:‬‬
‫يرصد التباين بني الكوكب اجلديد واألرض‪،‬‬
‫ويصف املتغريات اليت ميكن أن حتدث يف هذا‬
‫الكوكب يف ارت��ب��اط بطريقة احل��ك��م‪ ،‬وكذلك‬
‫بالمباالة اإلنسان وأنانيته‪.‬‬
‫والسارد وهو متوجه إىل األرض يف رحلته تلك‬
‫ويف غفوة يرى حُلمني‪:‬‬
‫األول؛ يعود به إىل ال��وراء يقول ملخصاً ذلك‬
‫احللم‪»:‬ولكن الغريب أن�ني حلُمت يف البداية‬
‫بأنين أرعى إبالً يف الصحراء‪ ،‬ثم أصبحت أمرياً‬
‫على واحة كبرية‪ ...‬النساء واجلمال والسلطة‬
‫إخل‪...‬يف العصور األوىل أي حوايل القرن السابع‬
‫أو الثامن أو التاسع‪ ...‬لست أدري ورمبا قروناً‬
‫طويلة حيث رأيتين أحصل على حملول سحري‬
‫أطال عمري أنا وسيايف أو حارسي الشخصي‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).109.‬ويتم السرد بضمري املتكلم‬
‫والذي جيسد ثقة زائدة يف الذات وتضخم األنا‬
‫يتجلى ذلك يف سلطة السارد‪ ،‬وسلطة اخلليفة‬
‫وجت�بره وت��ل��ذذه باحلكم‪ ،‬كما تتخلله مشاهد‬
‫وصفية ل�لأج��واء احمليطة باحلكم م��ن قصر‬
‫وحريم وبروتوكوالت‪.‬‬
‫ال��ث��ان��ي؛ ي��رى نفسه صحافياً جي��ري ح���واراً‬
‫تلفزيونياً مع حاكم عربي يقول‪»:‬فلقد رأيتين يف‬
‫تلك (املنامة) أو الكابوس‪ ...‬أحتول إىل صحفي‬
‫جيري حواراً متلفزاً يف هناية القرن العشرين‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).109.‬هيمن على هذا احللم احلوار‬
‫واألسلوب احلجاجي إذ عمل السارد على إرباك‬
‫الرئيس احمل��اوَر وإح��راج��ه‪ ،‬على شكل أسئلة‬
‫مسنودة إىل أدلة دامغة وحجج‪ ،‬وسعي الرئيس‬
‫إىل إبطاهلا‪ ،‬يف صيغة ح��وار سقراطي قوامه‬
‫التهكم والسخرية‪.‬‬
‫اعتمدت رواي��ة جم��رد حلم لغة شفافة بعيدة‬

‫عن التلوينات البالغية‪ ،‬لغة حت��اول التقريب‬
‫بني انشغاالت السارد اليومية‪ ،‬واخليال العلمي‪،‬‬
‫الذي اختذته إط��اراً ملناقشتها‪ ،‬لكنها ال تغرق‬
‫يف التفاصيل واجل��زئ��ي��ات العلمية الدقيقة‪،‬‬
‫وإمنا تكتفي بتقديم إشارات عامة خادمة للرؤيا‬
‫املوجهة للكتابة‪ ،‬مثال‪:‬‬
‫ الزمن‪ :‬تنطلق كوابيس وأح�لام السارد من‬‫سنة ‪3230‬م‪ ،‬يقول السارد‪»:‬إننا نعيش يف سنة‬
‫‪ 3230‬ميالدية‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).112.‬وتعود بنا‬
‫إىل الوراء إىل العهود اإلسالمية األوىل ابتداء من‬
‫زمن الردة‪ ،‬يقول السارد‪ »:‬ماتت أمي من فرط‬
‫أمل والدت��ي‪ .‬مل أذق طعم حليبها الطاهر‪ .‬أما‬
‫أبي فقد هَلَكَ يف حرب الردة اليت مل أستوعب‬
‫سِرَّها إىل اليوم‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).6.‬ثم تقودنا إىل‬
‫هناية القرن العشرين‪.‬‬
‫ خ��ل��ود احل��اك��م ال��ع��رب��ي نتيجة اجل��م��ع بني‬‫جمموعة من اجلينات لعدد من املستبدين الذين‬
‫«امجعوا على تكوين خلية واح��دة مشتقة من‬
‫خلية لكل واحد منهم‪ ،‬أي أن كل واحد ساهم‬
‫جبينات حمددة منه إلنتاج إنسان متكامل يف‬
‫نظرهم‪ ،‬وبوسائل علمية ومبساعدة باحثني‬
‫أوجدوا نسخة آدمية أعطوها لسفيان‪ ،‬وزعموا‬
‫أن أرواح��ه��م ال��ش��ري��رة ستنتقل إىل جسده‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪).126.‬‬
‫ خت��ري��ب األرض‪ ،‬ال��ت��ح��والت ال�تي ميكن أن‬‫حت��دث للعامل يف املستقبل‪ ،‬كتدمري األرض‪،‬‬
‫يقول‪ »:‬انظر كيف حتولت إىل خراب‪ .‬أنظر إىل‬
‫آثار مدن هائلة واليت شغلت مساحات شاسعة‪.‬‬
‫احمليطات حتولت إىل ركام من امللح‪ ،‬الغابات‬
‫وم��ا احتوته م��ن أش��ج��ار وش��ج�يرات ونباتات‬
‫وأزهار حتولت إىل رماد‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).126.‬‬
‫ االنتقال إىل كوكب جديد‪ ،‬يقول السارد‪:‬‬‫«م��ا معنى خ��روج اإلن��س��ان سليماً م��ن كوكب‬
‫بعد أن دم��ره وقضى عليه حبروبه النووية؟‬
‫كيف تضافرت األسباب والعوامل لينجو‬
‫اإلنسان من اهلالك؟ ثُم يهاجر إىل كوكب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪19‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫آخر؟ ما معنى كل هذا؟» (نفسه‪ ،‬ص‪).127.‬‬
‫ الرحلة اخليالية‪ ،‬ففي احللم الثاني هناك‬‫رحلة بدون قصد عرب الصحراء ستقود السارد‬
‫إىل احلكم وجم��د الكرسي ثم إىل امل��وت‪ ،‬ويف‬
‫احللم الثالث هناك رحلة من واحة عربية إىل‬
‫أخرى من أجل إجراء حوار تلفزيوني مع قائد‬
‫واحة عربية يف القرن العشرين‪ ،‬أما يف احللم‬
‫األول فهناك رحلة من كوكب جنة ع��دن إىل‬
‫األرض‪».‬بدأت الرحلة متعبة ولكنها رائعة ألننا‬
‫كنا نطل عرب الال متناهي‪ ،‬كنا نقطع مسافة‬
‫خيالية‪ .‬كل هذا بفضل ركوب األشعة ما فوق‬
‫احلمراء‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).118-117.‬تبعاً للرؤيا‬
‫الناظمة للرواية وهي تشخيص الراهن العربي‪،‬‬
‫من خالل رصد مفارقاته انطالقاً من مشكلة‬
‫احلكم‪ ،‬يتحرك السرد عرب رحلة خيالية إىل‬
‫الوراء ثم إىل األمام‪ ،‬معرجاً على الراهن العربي‪،‬‬
‫فاحللم الثاني يعود بنا على املاضي العربي‪،‬‬
‫واحللم الثالث يركز على الراهن العربي‪ ،‬واحللم‬
‫األول يستشرف املستقبل‪ ،‬حماوالً اإلجابة عن‬
‫األسئلة التالية‪ :‬كيف كانت السلطة عندنا؟‬
‫وكيف هي اآلن؟ وكيف ستكون يف املستقبل؟‬
‫ متديد عمر اإلنسان إىل ع��دة ق��رون بدون‬‫عالمات الشيخوخة‪ »:‬من كان يتخيل أن البشر‬
‫سيصري مثلي ومثلك؟ شباباً دائماً بال جتاعيد‪،‬‬
‫وال شيب أبيض وال ضعف وال أمراض وراثية‪،‬‬
‫وال غري وراثية‪ ...‬بل حياة تتعدى ثالثة قرون‬
‫باحلساب األرض��ي العتيق مع هناية سعيدة‪،‬‬
‫وموت رائع ورحيم‪ ،‬ألنه مربمج سلفا ومعروف‬
‫تارخيه‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪).113-112.‬‬
‫ القدرة على متابعة ما جيري يف ذهن اإلنسان؛‬‫يقول السارد على لسان الربان جاد‪»:‬عرفت‬
‫انك تعاني من كابوس‪ .‬أنبأني اجلهاز فأضأت‬
‫ال��ش��اش��ة ألت���ف���رج ع��ل��ى ب��ع��ض م��ش��اه��د من‬
‫دماغك‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪).108.‬‬
‫مم��ا أبعد ال��رواي��ة نسبياً ع��ن امللل ال��ذي قد‬
‫حي��دث نتيجة اإلغ��راق يف التفاصيل العلمية‬

‫‪20‬‬

‫ومنحها جاذبية للقراءة‪.‬‬
‫كما يتسم اخليال العلمي يف الرواية بالتدرج‪،‬‬
‫مع مراعاة الفرتة التارخيية املتحدث عنها‪ ،‬فإذا‬
‫كان يف احللم الثاني قد أشار إىل ترياق يطيل‬
‫العمر وهو عبارة عن حملول أعشاب‪ ،‬فإنه يف‬
‫احللم الثالث املرتبط بنهاية القرن العشرين‪،‬‬
‫يتحدث عن االستنساخ البشري‪ ،‬أما يف احللم‬
‫األول فهناك حضور مذهل للخيال العلمي‪،‬‬
‫بتقديم بعض االكتشافات العلمية اليت تدخل‬
‫يف حدود املمكن‪ ،‬أمهها انتقال الناس إىل كوكب‬
‫آخر بعد أن دمروا األرض‪ ،‬يقول السارد‪»:‬خرج‬
‫املكتشفون يبحثون عن كوكب شبيه باألرض‪،‬‬
‫خارج النظام الشمسي إىل أن مت اكتشاف كوكب‬
‫جنة عدن‪ ،‬عيث يعيش اليوم سعيداً وبعيداً عن‬
‫االستبداد واحلكم الفردي واحلروب العقائدية‬
‫أو احلضارية‪ (« ...‬نفسه‪ ،‬ص‪).121-120.‬‬
‫لقد اخت��ذ عبد الرحيم هب�ير اخل��ي��ال العلمي‬
‫دعامة خادمة للرؤيا اإلبداعية البانية لروايته‪،‬‬
‫وهي نقد الذات اجلماعية وتشخيص الراهن‬
‫العربي خبيباته وهزائمه املتواصلة‪ .‬وبذلك‬
‫تندرج روايته يف جمال اهلجاء السياسي الذي‬
‫يُعد م��ن أه��م مقومات أدب اخل��ي��ال العلمي‪،‬‬
‫انطالقاً من مشكلة احلكم‪ ،‬تلك املشكلة اليت‬
‫مل يستطع العرب احلسم فيها طيلة أربعة عشر‬
‫قرن‪.‬‬
‫كما كان هذا التأطري االستشرايف للمستقبل‬
‫فرصة ملناقشة بعض القضايا الراهنة كاحلروب‬
‫ال��ع��ق��ائ��دي��ة‪ ،‬اإلس��ل�ام ال��س��ي��اس��ي‪ ،‬احلداثة‪،‬‬
‫الدميقراطية‪ ،‬تلوث البيئة‪ ،‬وإثارة بعض األسئلة‬
‫احمل��رج��ة‪»:‬ه��ذه أزمتنا ومصيبتنا هل نرفض‬
‫احلضارة احلديثة ملركب نقص فينا؟ أم ألننا مل‬
‫نستطع مسايرة عصر التكنولوجيا؟ ملاذا ال نبين‬
‫بدل أن ندمر؟ ملاذا ال نتطور كباقي خلق اهلل؟‬
‫وملاذا وملاذا؟» (نفسه‪ ،‬ص‪).102.‬‬
‫يضطلع اخليال العلمي بعدة أدوار يف الرواية‪:‬‬
‫أرضية ملناقشة بعض قضايا الراهن العربي‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫انطالقا من اهلزائم املتوالية لإلنسان العربي‪،‬‬
‫من خالل مشكلة السلطة والدميقراطية وحقوق‬
‫اإلنسان‪.‬‬
‫ي��ق��دم ق����راءة تشخيصية للحاضر خبيباته‬
‫ومساوئه الواقعية واحملتملة بالعودة إىل املاضي‬
‫واستشراف املستقبل‪.‬‬
‫تقديم نظرة ح��ول شكل السلطة يف الوطن‬
‫العربي يف املستقبل‪.‬‬
‫كما يسهم يف بناء شخصية منطية للحاكم‬
‫العربي تتسم باخللود واألبدية ال تتغري وال تتبدل‬
‫رغم تغري الزمان واملكان‪ ،‬ليغدو أسطورة‪.‬‬
‫‪ -2-3-1‬من نقد الواقع إىل أسطورة الكرسي‬
‫‪ – 1-2-3-1‬الرؤيا الناظمة للرواية‬
‫ت��دخ��ل ه��ذه ال��رواي��ة ضمن ت��ي��ار نقد الذات‬
‫والسخرية منها‪ ،‬انطالقاً من مشكلة السلطة‬
‫وحساباهتا وغوايتها والتمسك هبا‪ ،‬ونقد بعض‬
‫القيم اليت تصاحبها واألقنعة اليت تتلبس هبا‪،‬‬
‫يقول السارد يف احللم الثاني‪»:‬رمست فوق جبهيت‬
‫أثر السجود وصبغت حلييت بطالء عجيب‪ .‬فعلت‬
‫كما أفعل يف املناسبات الدينية عندما أتوجه‬
‫للصالة يف املسجد‪ (« .‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).41.‬وغياب‬
‫حرية التعبري والتمسك بالسلطة يف نربة ساخرة‬
‫يقول السارد‪« :‬السياسة حرم خليفة املسلمني‪.‬‬
‫ف��رددوا معي أكثر من مرة ثم أقسموا اليمني‬
‫على االل��ت��زام ب��أوام��ري واحرتامها وإشاعتها‬
‫والدعاية هلا لدى عامة املسلمني يف كل مكان‬
‫ويف أي زمان إىل أن يرث األرض ومن عليها‪،‬‬
‫لتظل السياسة حمرمة على عامة املسلمني‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).47.‬إهن��ا نظرة ساخرة للتاريخ‬
‫العربي بكل مساوئه السياسية وما شابه من‬
‫صراع حول السلطة‪ ،‬تاريخ االغتياالت‪ ،‬قراءة يف‬
‫التاريخ العربي قدميه ومعاصره بتقديم مناذج‬
‫من التاريخ العربي كملوك الطوائف‪ ،‬هارون‬
‫الرشيد‪ .‬واإلش��ارة إىل بعض التناقضات اليت‬

‫يعيشها اإلنسان العربي‪ .‬يقول احلاكم العربي‬
‫املستبد احمل��اوَر يف احللم الثالث من الرواية‪:‬‬
‫«الثورة من صلب الشعب‪ ،‬كل أف��راد الشعب‪.‬‬
‫لذا جيب أن جند مصطلحا يفيد بأن احلكم‬
‫هو للشعب‪ .‬أي الشعب سيد نفسه‪( ».‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).76.‬وي��ق��ول ك��ذل��ك‪»:‬ال أري��د ه��ذه اللغة‬
‫األعجمية وهي ال تفيدنا بشيء وحنن شعب‬
‫ال يؤمن هبذه الدميقراطية الغربية‪( ».‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).76.‬ويقول مرة أخ��رى معربا عن موقفه‬
‫من الدميقراطية‪« :‬كيف نؤمن بالدميقراطية؟‬
‫إهنا مصطلح غربي كافر وال يقبله اإلسالم وهو‬
‫أجوف ال معنى له‪( ».‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).76.‬حتاول‬
‫الرواية‪ ،‬إذن‪ ،‬رصد مفارقات السلطة وتبعاهتا‬
‫يف التاريخ العربي‪ ،‬وبعض املواقف املتحجرة من‬
‫الدميقراطية وغريها‪.‬‬
‫إهن��ا ص��ور فانطازية للراهن العربي انطالقا‬
‫من مشكلة السلطة وما يرتبط هبا من خرق‬
‫للدميقراطية وحقوق اإلنسان‪.‬‬
‫حتاول الرواية تأكيد أمر مهم وهو أن مشكلة‬
‫السلطة وطريقة احلكم لن تتغري لدى العرب‬
‫وستظل على حاهلا يف املستقبل على الرغم من‬
‫كل التحوالت اليت ميكن أن حتدث يف العامل‪.‬‬
‫وكأن األمر يتعلق بقصة واحدة تتكرر عرب الزمن‬
‫يف املاضي واحلاضر واملستقبل‪ .‬وتتجلى صور‬
‫ذلك يف التمسك بالكرسي رغم كل الظروف‪،‬‬
‫يقول السارد يف احللم األول‪»:‬ألن��ه خائف من‬
‫ثورة ضده وأكثر من هذا وذاك أنه يعترب نفسه‬
‫غري عادي‪ ،‬وجيب أن يظل الوضع على حاله‪،‬‬
‫الناس هائمون‪ ،‬تائهون‪ ،‬صم‪ ،‬بكم ال يقشعون‪...‬‬
‫واجبهم الطاعة والعبادة وميكث هو على كرسي‬
‫احلكم واالستبداد إىل ما ال هناية‪( ».‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).125.‬ليغدو األمر مبثابة أسطورة‪ .‬مما‬
‫منح الرواية إيقاعا قائما على التماثل الذي‬
‫يكرس الثبات‪.‬‬
‫يُسهم احللم يف تداخل اخليال والواقع‬
‫فيعكسه‪ ،‬وي��غ��دو األول ص���ورة ممكنة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪21‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫للثاني تُ��ق��دم أزم��ات��ه وص�يرورت��ه الدرامية‬
‫امل��ع��ق��دة‪ ،‬يف قالب اف�تراض��ي‪ ،‬توجهه نزعة‬
‫تشاؤمية م��ن ال��راه��ن ال��ع��رب��ي‪ ،‬على شكل‬
‫تنبؤ بالصورة اليت سيكون عليها احلكم يف‬
‫العامل العربي‪ .‬وحيضر الواقع بقوة من خالل‬
‫القضايا املطروحة للنقاش يف احللمي والواقع‬
‫االفرتاضي الذي خيلقه اخليال العلمي‪ .‬يقول‬
‫السارد بعد استيقاظه من كوابيسه‪»:‬ضغطت‬
‫على زر التحكم ع��ن ب��ع��د‪ .‬أض���اءت شاشة‬
‫التلفزيون فالحت رمبا بالصدفةـ صورة رئيس‬
‫مجهورية عربية وهو يلقي خطابه على جوقة‬
‫من البؤساء كما حصل يف أحالمي الغريبة‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪).156.‬‬
‫نلمس نوعا من التداخل بني سفيان يف احللم‬
‫الثاني والرئيس ال��ذي ذه��ب الصحايف إىل‬
‫حماورته يف احللم الثالث وكذلك القائد الذي‬
‫سيتفاوض معه السارد املبعوث ضمن وفد من‬
‫الفضاء بشأن إنقاذ األرض يف احللم األول‪.‬‬
‫فهم حيملون نفس االسم‪ ،‬سفيان بن سفيان‪،‬‬
‫ويتمتعون بنفس اخلصائص‪ .‬يقول السارد‬
‫يف احللم الثالث‪ »:‬أخذت الصورة ت�تراءى يل‬
‫من بعيد‪ ...‬كل ما يف هذا القصر شاهدته‬
‫وعشت فيه‪ ...‬ومسرور هو حارسي الشخصي‬
‫وسيايف‪ ...‬هنا عشت قرونا طويلة‪( »...‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪ ).106.‬يوحي ه��ذا التطابق يف األمساء‬
‫سفيان بن سفيان بالتماهي بني الشخصيات‬
‫وبأن احلاكم العربي يتمتع بنفس اخلصائص‬
‫يف أي زم���ان وم��ك��ان‪ .‬يظهر ذل��ك التماهي‬
‫املرآوي من خالل ما يلي‪:‬‬
‫ مت��اه��ي ال��رئ��ي��س واخل��ل��ي��ف��ة يف األح�ل�ام‬‫الثالثة والتمتع بنفس اخلصائص‪ ،‬مما يكرس‬
‫خصائص أبدية للحكم يف الوطن العربي‪.‬‬
‫ ت��ك��رار ن��ف��س ال��ت��ع��ام�لات والربتوكوالت‬‫ال�تي حتيط بالرئيس واخلليفة‪ ،‬يف املاضي‬
‫واحلاضر واملستقبل‪.‬‬
‫‪ -‬األجواء احمليطة باحلاكم تظل على حاهلا‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫القصر‪ ،‬األث��اث‪ ،‬اجل��واري‪ ،‬احلرس‪ ،‬احلارس‬
‫م��س��رور‪« :‬ه���ذا ال��رج��ل أع���رف���ه‪( »...‬نفسه‪،‬‬
‫ص‪).130.‬‬
‫كل ذلك يؤكد االستمرارية والثبات‪ ،‬ثبات طريقة‬
‫احلكم عند العرب على الرغم من مرور قرون‬
‫عديدة‪ .‬يتعلق األمر بأسطورة احلاكم العربي‬
‫الكل يتغري حوله وهو ال يتغري يتمسك بكرسيه‬
‫وبطقوسه يف املاضي واحلاضر واملستقبل‪.‬‬
‫تبعاً هلذه الرؤيا احلاكمة للرواية يبدو يل أن‬
‫اخليال العلمي يف رواية جمرد حلم هو إطار‬
‫يقدم فيه الكاتب وجهة نظره م��ن مشكلة‬
‫احلكم والدميقرطية يف عاملنا العربي‪.‬‬
‫‪ 2-2-3-1‬أسطورة الكرسي‬
‫تبعا للرؤيا الناظمة للرواية ميكن أن نشري‬
‫إىل أن األمر يتجاوز النقد واالنتقاد والرفض‬
‫إىل خلق أس��ط��ورة وه��ي أس��ط��ورة الكرسي‪،‬‬
‫انطالقاً من العالقة احلميمية ال�تي تربط‬
‫احلاكم العربي بالكرسي ومتسكه اجلنوني‬
‫به‪ ،‬ورفض التخلي عنه‪ ،‬يف األحالم الثالثة‪،‬‬
‫يقول احلاكم العربي‪« :‬أن��ا هو الكرسي وهو‬
‫أن��ا ال ول��ن نفرتق أب��دا‪...‬م��ن��ه أستمد قوتي‬
‫وجربوتي وشبابي وحيوييت‪ ،‬يف هذا الكرسي‬
‫كل سحري وجنوني‪ ،‬أنا سفيان بن قحطان‬
‫الوهلان بالكرسي‪ ،‬العاشق للسلطة‪ ،‬أنا قيس‬
‫الكرسي‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).153.‬مما يكرس‬
‫الثبات واخللود واألبدية‪ ،‬تقول إحدى جواري‬
‫احلاكم سفيان بن سفيان‪»:‬أنا مل أمت ولن أموت‬
‫أبدا‪ ...‬أنا جارية موالي احلاكم العربي‪ ،‬شربت‬
‫على يديه حملول إكسري احلياة‪...‬أنا مؤنسة‬
‫موالي‪ ،‬وصاحبته وحبيبته وجاريته ومطربته‬
‫اخلالدة‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪ ).146.‬كما أن املكان‬
‫يظل كما هو بكل طقوسه وبروتوكوالته‪ ،‬يقول‬
‫السارد‪»:‬هذا املكان أعرفه‪ .‬أرضيته من مرمر‪،‬‬
‫أب��واب��ه م��ن ذه��ب وف��ض��ة‪ ،‬أع��م��دة م��ن ذهب‬
‫سقوف من ذهب أمحر‪( »...‬نفسه‪ ،‬ص‪).130.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫فعلى الرغم من التحوالت الكبرية اليت عرفها‬
‫كوكب األرض‪ ،‬وهجرة سكانه إال أن الوضع‬
‫يف العامل العربي الذي يستعري له الكاتب اسم‬
‫الواحة يظل على حاله‪ ،‬يقول السارد على لسان‬
‫احلاكم العربي‪« :‬اقرأ تارخينا لن جتد حاكما‬
‫عربيا تنازل عن الكرسي أبدا وأحت��داك‪»...‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).135.‬على الرغم من تغري نظام‬
‫احلكم يف الكوكب اجل��دي��د‪ ،‬يقول‪»:‬القانون‬
‫هكذا عندنا‪ ...‬اجمللس مكون من ع��دد من‬
‫املسؤولني انتخبوا بطرق دميقراطية ويعملون‬
‫بال مقابل‪ .‬هدفهم املصلحة العامة للوطن‪».‬‬
‫(نفسه‪ ،‬ص‪ ).132.‬فإن القائد ظل متمسكاً‬
‫بتقاليد احلكم املتوارثة‪ .‬يؤكد ذل��ك متاهي‬
‫اخلليفة يف احللم الثاني مع الرئيس يف هناية‬
‫القرن العشرين ومع حاكم الواحة يف القرن‬
‫امليالدي الثالث والثالثني‪ .‬يوحي ذل��ك بأن‬
‫احلاكم العربي يتمتع بنفس اخلصائص يف أي‬
‫زمان ومكان‪ ،‬ليغدو أسطورة متجاوزة للزمان ‪ -3‬تركيب عام‬
‫لست أدع��ي أني استوفيت يف هذه الدراسة‬
‫واملكان‪.‬‬
‫خصوصيات رواية اخليال العلمي يف املغرب‪،‬‬
‫وإمنا توخيت تقديم صورة عن اخليال العلمي‬
‫‪ -3-3-1‬تركيب‬
‫يف اخلتام تؤكد لنا رواية جمرد حلم أهنا فعَّلت يف الرواية املغربية من خالل ثالثة نصوص‬
‫بعض إوال��ي��ات اخليال العلمي ال�تي طرقتها تتمثل خصوصيات هذا النوع من جهة‪ ،‬ومن‬
‫الروايتان السابقتان (إكسري احلياة والطوفان جهة أخ��رى هي النصوص الروائية املغربية‬
‫األزرق) كمسألة ال��ب��ح��ث ع��ن س��ر اخللود اليت راهنت على هذا الشكل الروائي‪.‬‬
‫وخ����راب ك��وك��ب األرض وحم��اول��ة إصالحه وت��ب�ين يل م��ن خ�لال ال��ن��م��اذج ال��ث�لاث��ة اليت‬
‫وأخطار سيطرة اإلنسان‪ ،‬بعلمه وتقنياته‪ ،‬على حللتها أن رواية اخليال العلمي باملغرب تتميز‬
‫الطبيعة‪ .‬وأضافت جانبا آخ��ر وه��و الرحلة باخلصائص التالية‪:‬‬
‫اخليالية من كوكب جديد إىل األرض‪ ،‬عرب ‪ -1‬تناوهلا أله��م القضايا ال�تي ينشغل هبا‬
‫اإلمكانات الال حمدودة اليت أتاحها هلا احللم‪ .‬اخل��ي��ال ال��ع��ل��م��ي ع����ادة‪ ،‬ك��م��س��أل��ة اخللود‪،‬‬
‫وخماطر التطور العلمي والتقين على اإلنسان‬
‫كما حققت الرواية مطلبني‪:‬‬
‫أوهلما؛ إمتاع القارئ عرب ثالثة أحالم تُجاوِر والطبيعة‪ ،‬ومستقبل األرض‪ ،‬كما انشغلت‬
‫بني احلاضر واملاضي واملستقبل‪ ،‬بني الواقعي بقضايا اجتماعية كالتباين الطبقي‪ ،‬وبقضايا‬
‫سياسية كمشكلة الدميقراطية واحلكم يف‬
‫واحملتمل‪.‬‬
‫ً‬
‫وثانيهما؛ حماولة قراءة الراهن العربي انطالقا الوطن العربي‪ .‬ما مسح هلا بالتعبري‬
‫من مشكلة التمسك بالسلطة والدميقراطية عن الواقع مبختلف جتلياته االجتماعية‬

‫وحقوق اإلنسان يف الوطن العربي والتعايش‬
‫ب�ين وال��ش��ع��وب واحل��ض��ارات‪ ،‬على املستوى‬
‫الكوني‪ ،‬وغريها من القضايا‪ ،‬بنربة ال ختلو من‬
‫سخرية‪ .‬وأكدت أن هذا النوع من األدب قادر‬
‫على تناول قضايا إنسانية كربى‪.‬‬
‫وهبذين املطلبني تنسجم جمرد حلم مع روح‬
‫رواي��ة اخليال العلمي اليت تراهن على إمتاع‬
‫القارئ وتشويقه مع اختاذ موقف من بعض‬
‫القضايا السياسية والظواهر االجتماعية‬
‫والبيئية والعلمية‪.‬‬
‫تبعا لكل هذه املميزات اليت تتمتع هبا رواية‬
‫جمرد حلم ال يسعنا إال أن نشيد بانفتاح الكاتب‬
‫املغربي عبد الرحيم هبري على هذا النوع من‬
‫الكتابة الروائية النادرة يف أدبنا املغربي‪ .‬وهو‬
‫بذلك يثري رصيد الرواية املغربية من هذا‬
‫النوع الروائي‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪23‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫والسياسية والثقافية والعلمية حمليا وكونيا‪.‬‬
‫‪ -2‬تعكس الروايات الثالث الواقع‪ ،‬كل واحدة‬
‫بطريقتها اخل��اص��ة‪ ،‬رمب��ا مبرايا حمدبة أو‬
‫مقعرة‪ ،‬مقدمة ال��واق��ع ع�بر أزم��ات��ه العلمية‬
‫واإلجتماعية والسياسية وصريورته الدرامية‪.‬‬
‫حتى لو تومهنا أهنا بعيدة عن الواقع كما هي‬
‫احلال يف رواية الطوفان األزرق لقوة التخييل‬
‫ال�تي اعتمدهتا‪ ،‬والفانتازيا ال�تي ساقتها‪..‬‬
‫ورمب��ا توغلت فيه كما هي احل��ال يف إكسري‬
‫احلياة وجمرد حلم‪ .‬إذ إن االكتشافات العلمية‬
‫هي اليت تتعرف الواقع‪ ،‬من نواته وذراته‪ ،‬إىل‬
‫جنومه وجم��رات��ه‪ .‬ك��ل ذل��ك يف إط��ار تفاعل‬
‫اإلنسان مع هذا الواقع الفعلي أو املفرتض‪.‬‬
‫‪ -3‬تعبريها عن الذات ومهومها وانشغاالهتا‬
‫اخلاصة يف بعديها احمللي والكوني‪.‬‬
‫‪ -4‬مراهنتها على تقنيات عديدة كالرحلة‬
‫اخليالية يف كل من الطوفان األزرق وجمرد‬
‫حلم‪ ،‬وإمكانات احللم يف جمرد حلم‪ ،‬وفكرة‬

‫اإلشاعة يف رواي��ة إكسري احلياة وغريها من‬
‫التقنيات اليت يتوسل هبا أدب اخليال العلمي‪.‬‬
‫كل ذلك داخل رهان أكرب هو التنبؤ باملستقبل‪.‬‬
‫‪ -5‬صياغتها حلبكات روائية متميزة تشد‬
‫انتباه القارئ‪.‬‬
‫‪ -6‬على مستوى اإليقاع الروائي هناك تباين‬
‫بني ال��رواي��ات ال��ث�لاث؛ وذل��ك حبسب حبكة‬
‫كل رواية؛ فإيقاع رواية إكسري احلياة حمكوم‬
‫بالتوتر والتقابل‪ .‬وإي��ق��اع الطوفان األزرق‬
‫موسوم بتوايل املفاجآت الذي مينح الرواية‬
‫عنصر التشويق‪ .‬أما إيقاع رواية جمرد حلم‬
‫فمحكوم بالتماثل ب�ين امل��اض��ي واحلاضر‬
‫واملستقبل‪.‬‬
‫‪ -7‬على الرغم من ندرة رواية اخليال العلمي‬
‫يف املغرب‪ .‬فالروايات اليت قمت بتحليلها تنم‬
‫عن قدرات إبداعية متميزة‪ ،‬وتؤكد قدرة هذا‬
‫النوع من الرواية على تناول قضايا اجتماعية‬
‫وسياسية وعلمية حملية وكونية‪.‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ -1‬جمدي وهبة‪ ،‬معجم مصطلحات األدب‪ ،‬مكتبة لبنان‪ ،‬بريوت‪ ،1974 ،‬ص‪.503 .‬‬
‫‪ -2‬رؤوف وصفي‪ ،‬أدب اخليال العلمي‪ ،‬التاريخ والرؤى‪ ،‬دار الشؤون الثقافية العامة‪ ،‬آفاق‬
‫عربية‪ ،‬املوسوعة الصغرية‪ ،1990 ،‬ص‪.40.‬‬
‫‪ -3‬كولن ولسن‪ ،‬املعقول والالمعقول يف األدب احلديث‪ ،‬ترمجة أنيس زكي حسن‪ ،‬دار‬
‫اآلداب‪ ،1966 ،‬ص‪.237 .‬‬
‫‪ -4‬نفسه‪ ،‬ص‪.161 .‬‬
‫‪ -5‬جان غاتينيو‪ ،‬أدب اخليال العلمي‪ ،‬ترمجة ميشيل خوري‪ ،‬منشورات أوتسرتاد‪ ،‬دمشق‪،‬‬
‫‪ ،1990‬ص‪.127 .‬‬
‫‪ -6‬عبد احملسن ص��احل‪ ،‬التنبّؤ العلمي ومستقبل اإلنسان‪ ،‬عامل املعرفة‪ ،‬العدد ‪،48‬‬
‫الكويت‪ ،‬الطبعة الثانية‪ .1981 ،‬ص‪.20 .‬‬
‫‪7 -Henri Baudin,»De limaginaire scientifique à la science‬‬
‫‪fiction», In De la science en littérature à la science fiction, sous‬‬

‫‪24‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪la direction de Danielle Jacquart, Ed. C.T.H.S, 1996, p.187.‬‬
‫‪ -8‬جان غاتينيو‪ ،‬م‪ .‬م‪ ،‬ص‪.109.‬‬
‫‪ -9‬حسني فهيم‪ ،‬أدب الرحالت‪ ،‬سلسلة عامل املعرفة‪ ،‬العدد‪ ،138 ،‬الكويت‪،1989 ،‬‬
‫ص‪ 165 .‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ -10‬صدرت الطبعة األوىل ضمن سلسلة روايات اهلالل مبصر سنة‪ .1974‬وأعيد‬
‫طبعها باملغرب ضمن منشورات عيون املقاالت بالدار البيضاء سنة‪ .1988‬وهي‬
‫الطبعة اليت سنعتمدها يف هذه الدراسة‪.‬‬
‫‪ -11‬صدرت ألول مرة بتونس بعنوان الطوفان األزرق رواية اخليال العلمي‪ ،‬الدار‬
‫التونسية للنشر‪ .1976 ،‬وأعيد طبعها من جديد ضمن منشورات احتاد الكتاب‬
‫العرب سنة ‪ .1997‬وهي الطبعة اليت سنعتمدها يف هذه الدراسة‪.‬‬
‫‪ -12‬امليلودي شغموم‪ ،‬عني الفرس‪ ،‬دار األمان‪ ،‬الرباط‪.1988 ،‬‬
‫‪ -13‬عبد الرحيم هبري‪ ،‬جمرد حلم‪ ،‬دار الثقافة‪ ،‬الدار البيضاء‪.2004 ،‬‬
‫‪ -14‬أمح��د إف���زارن‪ ،‬غ��دا‪ ،‬جمموعة قصص من اخليال العلمي‪ ،‬طبع بطنجة‪،‬‬
‫‪.1985‬‬
‫‪ -15‬ابن شهيد األندلسي‪ ،‬رسالة التوابع والزوابع‪ ،‬حتقيق بطرس البستاني‪ ،‬دار‬
‫صادر‪ ،‬بريوت‪ ،‬ط‪.1996 ،2.‬‬
‫‪ -16‬أبو العالء املعري‪ ،‬رسالة الغفران‪ ،‬حتقيق عائشة بنت الشاطئ‪ ،‬دار املعارف‪،‬‬
‫القاهرة‪.1954 ،‬‬
‫‪ -17‬عبد السالم بنعبد العايل‪ ،‬لعقالنية ساخرة‪ ،‬دار توبقال‪ ،‬ال��دار البيضاء‪،‬‬
‫‪ ،2004‬ص‪.18.‬‬
‫‪ -18‬عبد السالم بنعبد العايل‪ ،‬أسس الفكر الفلسفي املعاصر‪ ،‬منشورات دار‬
‫توبقال الدار البيضاء‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،2000 ،‬ص‪.58.‬‬
‫‪19- M. Heidegger, «La question de la technique» in Essais‬‬
‫‪et conférences, Tr. A. Préau, Ed. Gallimard, 1958, p.20.‬‬
‫‪20- Ibid, p.13.‬‬
‫‪21- Ibid, p.32.‬‬
‫‪ -21‬إدوين موير‪ ،‬بناء الرواية‪ ،‬ترمجة إبراهيم الصرييف‪ ،‬املؤسسة املصرية العامة‬
‫للتأليف واألنباء والنشر‪ /‬الدار املصرية للتأليف والنشر‪ ،1965 ،‬ص‪.17.‬‬
‫‪ -22‬نفسه‪ ،‬ص‪.16.‬‬
‫‪ -23‬نفسه‪ ،‬ص‪.16.‬‬
‫‪ -24‬سيجموند فرويد‪ ،‬تفسري األحالم‪ ،‬ترمجة مصطفى صفوان‪ ،‬منشورات دار‬
‫الفارابي بريوت واملؤسسة الوطنية لالتصال والنشر واإلشهار اجلزائر‪،2003 ،‬‬
‫ص‪ 61.‬وما بعدها‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪25‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فضاء الوصف‬
‫( )‬
‫في رواية أحزان السندباد ‪1‬‬
‫د‪ .‬مسر الديوب‬
‫أستاذ مساعد يف جامعة البعث‪،‬‬
‫كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية‪ ،‬قسم اللغة العربية‬

‫يع ّد الوصف مدخالً مناسباً لدراسة هذه الرواية بسبب كثافة احلضور الوصفي فيها؛ لذا‬
‫يهدف هذا البحث إىل دراسة وظائف الوصف الداخلية املرتبطة باخلطاب‪ ،‬واخلارجية‪،‬‬
‫والبعد احلدثي السردي يف الوصف‪ ،‬وخصوصيات الوصف الفنية والداللية‪ ،‬وقدرة‬
‫الوصف على مشاكلة الفنون األخرى كالرسم‪ ،‬وارتباطه برؤية الروائي ورؤياه‪.‬‬
‫والوصف يف هذه الرواية وصف ضمن نص سردي قائم على اخليال املرتبط بالعلم‪،‬‬
‫لكن‬
‫والرواية تظل رواية سواء أكانت لغة خيال علمي أو رواية بوليسية أو حربية‪ّ ...‬‬
‫لرواية اخليال العلمي خصوصية ال جندها يف بقية الروايات‪ .‬فالرواية احلربية ميكن‬
‫أن تكون غرامية‪ ،‬والبوليسية ميكن أن تكون حربية لكن رواية اخليال العلمي وحدها‬
‫ّ‬
‫حتلق يف أجواء اخليال العلمي‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫• الوصف يف املعجم والنقد‬
‫يعدّ الوصف مكوناً من مكونات اخلطاب‪،‬‬
‫وعنصراً من عناصره‪ ،‬وقد حتدث نقادنا العرب‬
‫القدامى عن الوصف‪ ،‬فعدّوه معيار جودة الشعر‪،‬‬
‫وجماالً للتفاضل بني الشعراء‪ ،‬وقد ارتبط‬
‫الوصف لديهم بالشعر؛ ألن العرب مل تعرف‬
‫الرواية إال يف العصر احلديث‪ ،‬فنجد حضوره‬
‫واضحاً يف الرواية العربية يف مراحل تطورها‪.‬‬
‫وتؤكد رواية اخليال العلمي‪ -‬باعتمادها الواضح‬
‫على عنصر الوصف‪ -‬أهنا تأخذ مكانتها يف‬
‫عامل الرواية العربية‪.‬‬
‫وقد اهتم النقاد القدامى بالوصف خالف‬
‫‬‫النقاد احملدثني الذين انصرفوا عنه ‪-‬إال أقلهم‬
‫(‪ )2‬إىل السرد واخلطاب‪ .‬فقد هنضت الرواية‬
‫على الوصف لكنّ النقد غيّبه‪.‬‬
‫ارتبط الوصف باحملاكاة والتصوير والتخييل‪،‬‬
‫وقد أفادت املادة – معجمياً‪ -‬معاني الكشف‬
‫واإليضاح واحلسن واالتصاف‪« .‬وصف الشيء‬
‫له وعليه وصفاً‪ ،‬وصفة‪ :‬حاله‪ ...‬الوصف‬
‫(‪)3‬‬
‫وصفك الشيء حبليته ونعته‪.»...‬‬
‫يعين الكالم السابق أن كل ما دل على الصفات‬
‫واهليئات مدرج ضمن الوصف حيمل معنى‬
‫اإلبانة والكشف من جهة‪ ،‬ومعنى اإلخبار الذي‬
‫خيصص املوصوف من جهة أخرى‪ .‬وميكن أن‬
‫منثل لتعريف الوصف مبا يلي‪:‬‬
‫إخبار عن الصفات ← تدقيق يف الصفات ←‬
‫مبالغة يف التدقيق ← ارتباط باحلواس‪.‬‬
‫ارتبط الوصف باملستوى األدبي البالغي وهو‬
‫األمر الذي جنده لدى البالغيني القدامى‪ ،‬فقد‬
‫ربطوا الوصف بشكل التعبري‪ ،‬وبالنظام والرتتيب‬
‫يف الكالم‪ ،‬فقد رأى قدامة بن جعفر(‪ )4‬أنه حمسّن‪،‬‬
‫ومن شروطه لديه أن يكون مسحاً‪ ،‬سهل خمارج‬
‫احلروف من مواضعها‪ ،‬عليه رونق الفصاحة مع‬
‫اخللو من البشاعة‪ .‬يقول‪« )5(:‬الوصف إمنا هو‬
‫ذكر الشيء مبا فيه من األحوال واهليئات وملا‬
‫كان أكثر وصف الشعراء إمنا يقع على األشياء‬

‫املركبة من ضروب املعاني كان أحسنهم وصفاً‬
‫من أتى يف شعره بأكثر املعاني اليت املوصوف‬
‫مركب منها‪ ،‬ثم بأظهرها فيه وأوالدها حتى‬
‫حيكيه بشعره‪ ،‬وميثله للحس بنعته»‪.‬‬
‫يعين الكالم السابق أن الوصف قد عُدّ مقياس‬
‫الشعرية‪ ،‬وارتبط حبقيقة املوصوفات‪ ،‬لكنه‬
‫حديث عن الصفة اليت تتبع املوصوف‪ ،‬ال حديث‬
‫عن أثر الوصف ووظيفته يف النص األدبي‪.‬‬
‫فريتبط الوصف باألحوال واهليئات أي بالصورة‬
‫اخلارجية‪ ،‬ويتحول املوصوف من شكل مادي‬
‫إىل شكل فين له خصوصية لغوية‪.‬‬
‫كما أن الوصف – لدى قدامة – مركب ال مفرد‪،‬‬
‫فاملبدع املربّز من أتى بأكثر املعاني للموصوف‬
‫املركب مع الرتكيز على النقل األمني للواصف‪،‬‬
‫فعالقة الوصف باملوصوف عالقة مقاربة‬
‫ومماثلة‪.‬‬
‫ربط إبراهيم فتحي يف معجمه الوصف باحلواس‬
‫قائالً (‪ )6‬إنه «شكل من أشكال القول‪ ،‬ينبئ عن‬
‫كيف يبدو شيء ما‪ ،‬وكيف يكون مذاقه‪ ،‬ورائحته‪،‬‬
‫وصوته‪ ،‬ومسلكه‪ ،‬وشعوره»‪.‬‬
‫أدرك النقاد احملدثون أن للوصف قيمتني‪ :‬فنية‬
‫ونقدية مع أهنم تأرجحوا بني النكران والرضى‬
‫ألمهيته ووظيفته يف بناء الرواية‪ .‬لكن الوصف‬
‫ظ ّل مستعلياً على مواقف النقاد‪ ،‬فلم يرتبط‬
‫جبنس أدبي حمدد‪ ،‬ومل ينظم سلفاً يف شكل‬
‫خاص‪ ،‬وال يؤدي وظيفة واحدة يف اخلطاب‪،‬‬
‫وال يتجلى بشكل واحد‪ .‬وقد تنوعت مواقف‬
‫النقاد احملدثني من الوصف‪ ،‬ورمبا أمكن هلذا‬
‫البحث الوقوف عند بعض من جهودهم يف هذا‬
‫اجملال هبدف حتليل الوصف يف رواية أحزان‬
‫السندباد‪.‬‬
‫• أحزان السندباد‬
‫تدور أحداث الرواية يف اهلند‪ ،‬ذلك املكان املثري‬
‫احلافل باألمور الغريبة واجملهولة لدى‬
‫الكثريين‪ ،‬ويسردها را ٍو هو الشخصية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪27‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الواصفة على امتداد صفحات الرواية‪،‬‬
‫وهو طالب عربي حيضر رسالة دكتوراه يف‬
‫الرياضيات‪ ،‬يرغب يف زيارة بعض األصدقاء يف‬
‫اهلند وهو راجنيش الفيلسوف‪ ،‬كثري التالميذ‪،‬‬
‫القادر على التأثري يف مستمعيه‪ ،‬فريى أحالماً‬
‫يفاجأ أنه يراها يف اليوم التايل حقيقية حتدث‬
‫معه « يا إهلي ك ّل شيء يبدو ساحراً يف هذه‬
‫البالد‪ ،‬حتى األحالم؟ نفس املنظر الذي رأيته‬
‫يف احللم بكل تفاصيله ؟ (الرواية‪ ،‬ص‪.)111‬‬
‫ومن بني أحالمه اليت أضحت حقيقة يف اليوم‬
‫التايل فتاة هندية مجيلة تعرّف إليها يف حمطة‬
‫القطار‪ ،‬فشعر بقوة خفية حنوها‪« .‬آه أحلم هبما‬
‫يف نومي‪ ،‬فأرامها بشحمهما وحلمهما يتجسدان‬
‫أمامي‪ ،‬يا إهلي ما أعذب عيين نيالم‪ ،‬إهنا تنظر‬
‫إيل كأهنا حتاول قراءة أفكاري‪ ،‬أحسّ أنين‬
‫ضعيف أمام سحر عينيها»‪( .‬الراوية‪ ،‬ص‪.)16‬‬
‫يكشف الوصف فضاء اهلند بعاداته‪ ،‬وطباع‬
‫اهلنود‪ ،‬ومعتقداهتم‪ ،‬وأوضاعهم السياسية‬
‫والدينية واالجتماعية‪ ،‬ووضع العرب وموقف‬
‫الشخصية الواصفة من كثري من القضايا العربية‬
‫والعاملية‪.‬‬
‫تتطور عالقته بنيالم‪ ،‬وتسرد له قصتها املؤملة‪،‬‬
‫فلها زواج سابق فاشل‪ ،‬ويربطه هبا حزهنا‬
‫العميق‪ ،‬فتحبه حباَ شديداً‪ ،‬ويشعر مبيل‬
‫حنوها‪ ،‬ويتزوجان‪ ،‬ويتابع رحالته يف اهلند‪،‬‬
‫فيتعرف إىل متخاطر شهري كان يزور جامعة‬
‫أغرا‪ ،‬يهتم بالتخاطر واحلاسة السادسة وقوى‬
‫اإلنسان اخلفية «كان ماهراً جداً يف قراءة‬
‫األفكار‪ ،‬ومعرفة اخلفايا‪ ..‬والتنبؤ باملستقل‬
‫القريب» (الرواية ص‪ )87‬فأخربه أن سيبدأ‬
‫مغامرة جديدة يتخلى فيها عن زوجه اليت حتبه‬
‫جداً‪ ،‬وأنه سيندم حني ال ينفع ندم‪ ،‬ويشرح‬
‫له كيفية تدريب نفسه على معرفة اخلفايا‪،‬‬
‫واحلاسة السادسة؛ ألنه جنح يف رؤية إشارات‬
‫يفسرها بالقفز فوق الزمن‪ ،‬ورؤية بعض مالمح‬
‫املستقبل‪ ،‬وبعض ما ختتزنه الذاكرة من املاضي‬

‫‪28‬‬

‫‪( .‬الرواية‪ ،‬ص ‪.)88‬‬
‫ثم يتعرف الراوي إىل إهلام العربية وال يدري‬
‫سبب إنكار زواجه أمامها‪ ،‬وتتطور العالقة بينهما‬
‫بينما تتدهور حال زوجه الصحية‪ ،‬وترسل إليه‪،‬‬
‫فال يبايل‪ ،‬فيكتشف فجأة يف زيارته وصديقه‬
‫مكاناً حيرق فيه اهلنود موتاهم وفاة زوجه‪ ،‬فعلم‬
‫من أخيها أن مرضها كان السرطان‪ ،‬وأنه قد أتى‬
‫ليحرق نيالم‪ ،‬وكان يأمل أن يتكل عليه ملساعدته‬
‫يف بث حب احلياة يف نفس أخته املريضة‪ ،‬فندم‬
‫حني مل يعد ينفع الندم « آه من أحزاني‪ ،‬أحزان‬
‫السندباد» (الرواية‪ ،‬ص ‪ ،)119‬وتظهر هناية‬
‫الرواية أحزانه املتوالية نتيجة خسارته أصدقاءه‬
‫واحداً تلو اآلخر نتيجة أزماهتم النفسية املرتبطة‬
‫بواقعهم السياسي واالجتماعي‪.‬‬
‫• العتبة النصية وارتباطها بالوصف‬
‫حييل العنوان «أحزان السندباد» إىل الرحلة‬
‫يف املكان‪ .‬فالشخصية الواصفة غري ثابتة يف‬
‫املكان‪ ،‬ويعين هذا األمر أن الرواية رواية مكان‪،‬‬
‫أي رواية وصف مكان بامتياز‪ .‬فثمة أحزان‪ ،‬ال‬
‫حزن واحد تنسب إىل السندباد الذي ارتبط ذكره‬
‫باألمكنة املختلفة‪ .‬إهنا رواية مكان ملا حتمله من‬
‫وعي خاص باملكان‪ ،‬ويشعر السندباد باألحزان‬
‫املرتبطة بأسباب تتعلق برحالته يف املكان‪.‬‬
‫مثة حوارية نامجة عن استحضار الشخصية‬
‫اخلرافية (السندباد)‪ ،‬وإسقاطها على الشخصية‬
‫الواصفة‪ .‬فالشخصية الواصفة هي السندباد‬
‫املسافر عرب األمكنة‪ .‬وتأتي رواية اخليال العلمي‬
‫لتثبت قدرهتا على حوار نص آخر‪ ،‬وبذلك تكون‬
‫العالقة بني النص احملاور واحملاوَر عالقة توافق‬
‫حواري‪ ،‬فيتوازى النصان‪ ،‬وحيمل النص الثاني‬
‫الطاقة اإلحيائية املوجودة يف النص األول‪ .‬ومثة‬
‫عالقة بني النص الغائب املرجعي أو احملال إليه‬
‫(حكاية السندباد) والنص احلاضر‪ ،‬فينتفي‬
‫النص األول‪ ،‬وتظهر إحياءاته يف النص الثاني‬
‫عرب الشخصية الواصفة‪ .‬فثمة توافق حواري‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫بني النصني‪.‬‬
‫يرى باختني أنه «لكي يشقّ اخلطاب طريقه إىل‬
‫معناه وتعبريه فإنه جيتاز بيئته من التعبريات‬
‫والنربات األجنبية‪ ،‬ويكون على وئام مع بعض‬
‫(‪)8‬‬
‫عناصرها‪ ،‬وعلى اختالف مع بعضها اآلخر»‪.‬‬
‫وجند أن الروائي قد أضاف إىل هذه احلوارية‬
‫مع الرتاث بعداً جديداً من خالل االستعارة‬
‫الواضحة يف العتبة النصية‪ ،‬فالسندباد حزين‪،‬‬
‫وقد حتول حزنه إىل غابة من األحزان‪ ،‬وهو ‪-‬أي‬
‫السندباد‪ -‬بذلك يدخل يف عالقة ضدية يف‬
‫اآلن نفسه مع الشخصية املعروفة‪ .‬فاحلوارية‬
‫قائمة على التضاد ويشي العنوان بوصف هلذه‬
‫األحزان‪ ،‬وهو أمر يقرّب التجربة الروائية إىل‬
‫املتلقي‪ ،‬وميزج بني الشخصية اخلرافية واإليهام‬
‫بالواقع واخليال العلمي االستشرايف‪.‬‬
‫تتجلى أحزان السندباد يف اهلند؛ ألهنا موضع‬
‫فراق الشخصية الواصفة مَنْ حتب ال موضع‬
‫لقاء‪ ،‬أفق للمغادرة ال للمجيء‪ ،‬فالسندباد توق‬
‫دائم للحركة‪ ،‬ورفض للثبات واالستقرار فما‬
‫وظيفة الشخصية الواصفة ؟ وما عالقتها‬
‫بالروائي‪ ،‬وبسريورة احلدث الروائي؟‪.‬‬
‫(‪)7‬‬

‫احلدث والشخصيات والزمان واملكان من بداية‬
‫الرواية إىل هنايتها‪ ،‬وتعرف الشخصية الواصفة‬
‫(الشخصية الروائية) ما يعرفه الراوي‪ ،‬وتعرب‬
‫عن وجهة نظر ذاتية؛ ألن الذي يرويها را ٍو يقدم‬
‫األفعال واألقوال واملشاعر واألفكار‪ .‬يقودنا‬
‫هذا الكالم إىل عدّ ضمري املتكلم املسيطر على‬
‫هذه الرواية مرتبطاً بالكتابات السردية املتصلة‬
‫بالسرية الذاتية‪ ،‬ففيه محيمية بني الراوي‬
‫وموضوعه‪ ،‬وبساطة وقدرة على الغوص يف‬
‫أعماق الشخصية‪.‬‬
‫تشاكل هذه الرواية السرية الذاتية منذ أول‬
‫سطر فيها‪« :‬آه من ذلك الزمن الذي وجدت‬
‫نفسي غارقاً يف أحداثه بكل تفاصيلها املذهلة؟‬
‫كيف بدأت تلك األحداث؟ كانت أشبه حبلم مرّ‬
‫بسرعةٍ تاركاً أثراً كبرياً يف قليب مل أنسه رغم‬
‫مرور السنني‪ ،‬أستعيد فيه جزءاً من ماض‬
‫أتساءل أحياناً هل عشته حقاً»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص‬
‫‪.)7‬‬
‫فعرب سطورها نتعرف إىل شخصية الراوي‬
‫ورؤيتها ورؤياها‪ ،‬ورمبا نتجاوب مع قدرته‬
‫على إيهامنا بواقعيته ما جرى فثمة متاه بني‬
‫الشخصية الروائية وشخصية الراوي‪ ،‬ومتاه بني‬
‫السارد واملسرود‪ .‬ورمبا استطاع إقناع املتلقي‬
‫فنياً حبرارة التجربة الشخصية أو السرية‬
‫(‪)9‬‬
‫الذاتية اليت يرويها الراوي‪ /‬البطل‪.‬‬
‫يعين ضمري املتكلم هيمنة املنظور الذاتي‬
‫للشخصية الواصفة‪ ،‬وانتفاء شخصية الراوي‬
‫العليم الذي يبعد الشخصية احملورية عن أداء‬
‫وظيفتها‪ .‬ورمبا أراد الراوي أن حيمّل الشخصية‬
‫ما أراد ب ّثه من رؤية ورؤيا‪ ،‬فكانت الشخصية‬
‫الواصفة هي الشخصية احملورية؛ ألن الراوي‬
‫هبذه الطريقة‪ -‬يهيمن على السرد الروائي‬‫بطريقة طبيعية‪ ،‬أو خفية‪ ،‬كما ترى مينى العيد‪.‬‬

‫• الشخصية الواصفة‬
‫أغفل الروائي اسم الشخصية الواصفة؛ ألهنا‬
‫أدت وظيفة الراوي‪ ،‬فال يعين االسم شيئاً أمام‬
‫احلال اليت متثلها هذه الشخصية‪.‬‬
‫ً‬
‫وليس كاتب اخليال العلمي مغرما بالتجريب‬
‫من ناحية احلبكة‪ ،‬فقد ُقدّم احلدث الوصفي‬
‫بطريقة أقرب إىل البساطة‪ ،‬وبدت الشخصية‬
‫الواصفة هي من يتوىل توزيع األدوار يف هذا‬
‫العامل احلكائي‪ ،‬وسارداً داخل حكائي‪ ،‬أراد أن‬
‫خيرب بنفسه‪ .‬وبذلك ميكن القول إن الوصف‬
‫يُعزى إىل وظيفة هذه الشخصية يف السرد‪.‬‬
‫(‪)10‬‬
‫تقدّم الشخصية الواصفة الرواية بضمري‬
‫املتكلم الذي حييل إىل الذات يف حني حييل يناسب هذا الضمري بناء رواية اخليال‬
‫ضمري الغائب إىل املوضوع (اخلارج)‪ ،‬فتصف العلمي كونه بناء غري معقد‪ ،‬استطاع‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪29‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الراوي أن يعرب به عن مهّه الشاغل جتاه‬
‫مشكالت الكون بعامة (حروب‪ ،‬خمدرات‪،‬‬
‫صراع ديين‪ ،‬دعارة‪ )...‬فيسهم ضمري املتكلم‬
‫يف التعبري عن قضايا اإلنسان‪ ،‬وإبرازه مهوم‬
‫الذات البشرية مبعزل عن احلدود السياسية‬
‫بني البشر‪ ،‬والرتكيز على املضمر من خطاب‬
‫االستشراق؛ ألن الشخصية الواصفة ‪ /‬الراوي‬
‫تعرب حبرية‪ ،‬وتتحول إىل حمور العامل الروائي‬
‫داخل الرواية‪ ،‬فكل حدث يصدر عن هذه الذات‬
‫يرتد إليها‪ ،‬ويرتبط هبا‪ .‬وهي املعيار الذي يقيِّم‬
‫أي شيء‪ ،‬حتى إهنا تقيّم نفسها‪ -‬مراجعة الراوي‬
‫نفسه‪ ،‬وندمه على تصرفه جتاه نيالم‪ -‬لكن‬
‫هذا الصنيع جيعل عامل الرواية عاملاً نسبياً من‬
‫وجهة نظر أحادية اجلانب حاول أني علن موقفه‬
‫من مجلة قضايا إنسانية بإدراج عنصر خيال‬
‫حمدود األفق‪.‬‬
‫مثة تشاكل بني الروائي والشخصية الواصفة‬
‫مع إدراكنا أن الروائي كائن‪ ،‬والراوي شخصية‬
‫خيالية‪ ،‬األول مؤلف‪ ،‬والثاني سارد‪ .‬لكن هذا‬
‫التشاكل يوحي بقرب احلدث من الروائي‪ ،‬فهو‬
‫ليس مراقباً‪ ،‬وال متحدثاً عليماً مبنأى عن‬
‫الدهشة واملفارقات اليت حدثت عن الشخصية‬
‫الواصفة‪ .‬إنه مسهم بوظيفة فاعلة يف احلدث‬
‫الوصفي‪ .‬حيقق إيهام املماثلة مع الواقع ‪ .‬إنه‬
‫الصدق الفين لكن عناصر السرية الذاتية اليت‬
‫تعدّ عناصر تكوينية يف هذه الرواية أتت بأفق‬
‫ختيلي ميكن تسميته االنزياح التخيلي عن‬
‫الواقعي أو السِّريي‪.‬‬
‫تعدّ الكتابة بضمري األنا خاصية شعرية ترتبط‬
‫برؤية العامل‪ ،‬واملوقع اجملتمعي اإليديولوجي»‪»11‬‬
‫الذي منه تبنى هذه الرؤية‪ ،‬وعليه تنهض‪،‬‬
‫فال فرق بني الذات الواصفة والراوي‪ ،‬فيلوي‬
‫عنق أجزاء الرواية؛ الرتباط عامل الرواية به‪،‬‬
‫وتسري الرواية يف خط زمين متصاعد من دون‬
‫ارتدادات إىل اخللف‪ ،‬وييسري الفضاء احلكائي‬
‫يف اجتاه واحد‪ ،‬والشخصية الواصفة حمصورة‬

‫‪30‬‬

‫باجتاه واحد فقط‪.‬‬
‫مثة موضع واحد يف جمال جتاوز خط احلدث‬
‫املستقيم إىل املستقبل ثم العودة إىل احلاضر‬
‫يف حديثه عن التخاطر‪ .‬فالشخصية اليت تصف‬
‫بضمري األنا تقنية أرادها الروائي؛ ليتمكن‬
‫من احلضور داخل النص‪ ،‬وليتمكن من إدراج‬
‫مقوالته املتعلقة باخليال العلمي وقضايا الكون‪،‬‬
‫فتتحرك هذه الشخصية على بساط السندباد‬
‫بني أمكنة خمتلفة يف اهلند بطريقة تبدو مفتعلة‬
‫يف بعض األحيان «مشيت إىل حمطة القطار قرب‬
‫القرية و (كيشور) يالحقين ليطمئن إىل سهولة‬
‫رحيلي‪ ،‬وصعدت يف قطار باساجنور أردأ أنواع‬
‫القطارات يف اهلند‪ ،‬وبقيت حماصراً بني أشباه‬
‫البشر‪ ...‬حتى وصلت دهلي» (الرواية ص ‪)48‬‬
‫يرتبط وصف الشخصية الواصفة بوجهة النظر‬
‫لديها‪ ،‬فكيف استطاعت أن توظف وصف املكان‬
‫(اهلند) يف خدمة هدفها؟‬
‫• الوصف البصري‬
‫تعد رواية اخليال العلمي جنساً أدبياً يتطور‬
‫بفضل حتوالت تسم العملية اإلبداعية‪ ،‬من هنا‬
‫يكتسب الوصف أمهية؛ ألنه قادر على اإلسهام‬
‫يف خلق النمذجات‪ ،‬وجعلها قادرة على حتقيق‬
‫األهداف اليت تريدها‪.‬‬
‫يرتبط وصف املكان (اهلند) بوجهة النظر‬
‫(الرؤية)‪ .‬فهو ليس مكاناً جغرافياً‪ .‬إنه مكان‬
‫حيمل قيماً معينة‪ .‬فال يؤطر احلدث؛ ألن له‬
‫وظيفة يف تصاعد احلدث وتطوره‪ .‬فمن صفات‬
‫املكان الفين «أنه متناه‪ ،‬غري أنه حياكي موضوعاً‬
‫ال متناهياً هو العامل اخلارجي الذي يتجاوز‬
‫(‪)12‬‬
‫حدود العمل الفين»‪.‬‬
‫والواضح أن الروائي قد اهتم بفضاء املكان‬
‫أكثر من اهتمامه بالشخصيات البشرية‪ ،‬ويعود‬
‫ذلك إىل رغبته يف تعريف القارئ هبذا الفضاء‬
‫(اهلند) اجملهول‪ ،‬بالنسبة إليه‪ ،‬احلافل بالغرائب‬
‫واألسرار‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫أ‪ -‬الوصف الرؤياوي‬
‫جند ثنائيات يف وصف املكان مثل ثنائية شرق‬
‫‪ /‬غرب‪ ،‬وهي ثنائية ضدية ظهرت يف خطاب‬
‫االستشراق الذي قدّمته الشخصية الواصفة يف‬
‫لقائها املستشرقة الكندية‪.‬‬
‫«كانت الزائرة الشقراء فتاة كندية تشتعل‬
‫بالبحث‪ ،‬وتتقن األوردو إضافة لثالث لغات‬
‫شرقية أخرى هي العربية والفارسية واهلندية‬
‫وأربع لغات أوروبية هي اإلنكليزية والفرنسية‬
‫واإلسبانية واألملانية‪ .‬كانت (مارسيا هرماتس)‬
‫يف حنو اخلامسة والثالثني من عمرها‪ ،‬عزباء‬
‫تتابع حبوثها يف جامعة شيكاغومول الصوفية‪...‬‬
‫ويف الليلة نفسها أدرت معها حواراً حول الصوفية‬
‫اكتشتف من خالله مدى ضآلة معلوماهتا‪ ،‬وهذا‬
‫ما زاد من شكوكي مبهمتها العلمية كما حاولت‬
‫أن تفسر هي سبب وجودها يف اهلند‪ ...‬رغم‬
‫أن عالقيت مبارسيا مل تتعد عالقيت بأية فتاة‬
‫أخرى‪ ،‬عالقة عابرة سريعة فقد تركت يف نفسي‬
‫أثراً سيئاً عن أولئك القادمني من الغرب الذي‬
‫حياولون معرفة سر السّحر الشرقي‪ ،‬وسرقة‬
‫آثاره وتزويرها‪( ».‬الرواية‪ ،‬ص ‪.)39 -38‬‬
‫«يبدو أهنا ‪-‬املستشرقة الكندية‪ -‬نفذت بني‬
‫العرب أيضاً‪ ،‬أليست أنثى ومتحررة‪ ،‬ملاذا ال تنفذ‬
‫إذن»؟! (الرواية‪ ،‬ص‪.)62‬‬
‫(‪)13‬‬
‫على الثنائيات‬
‫تكلم كلود ليفي شرتاوس‬
‫املتعارضة اليت تؤدي إىل التكامل‪ .‬فاحلياة‬
‫مبنية على أساس هذا التكامل‪ .‬وجند أن ثنائية‬
‫شرق‪ /‬غرب ثنائية متعارضة تشكل تقاطباً‬
‫مكانياً‪ ،‬فثمة توازن بني املكانني؛ ألن التضاد‬
‫قائم على التوازي بني طرفني متساويني‪ ،‬فالليل‬
‫والنهار متوازيان ومتضادان؛ ألن قوة اجلذب‬
‫وقوة النبذ متساويتان وحاصلهما الصفر‪ ،‬وإذا‬
‫اختل هذا التوازي حدث اختالل كوني هو سبب‬
‫املشكالت‪ .‬وهذا ما تراه الشخصية الواصفة‬
‫هنا‪ ،‬فقد طمع الغرب بالشرق‪ ،‬وش ّكل الشرق‬
‫يف نظرهم – الغربيني‪ -‬مكاناً غامضاً سحرياً‬

‫سعوا إىل اكتشافه‪ ،‬وطمعوا فيه‪ ،‬ورغبوا يف‬
‫السيطرة عليه‪ .‬فقام االستشراق على أساس‬
‫القاعدة السياسية ال العلمية‪.‬‬
‫كما جند يف وصفه املكانَ ثنائية املكان املغلق‪/‬‬
‫املفتوح‪ ،‬وحييل هذا الوصف إىل العتبة النصية‬
‫(أحزان السندباد)‪ ،‬فيأنف السندباد اإلقامة يف‬
‫مكان مغلق‪ ،‬ويرغب يف التحليق فوق األمكنة‬
‫املختلفة‪.‬‬
‫يُظهر الوصف ثنائية املكان اإلجباري‪/‬‬
‫االختياري‪ ،‬فقد اختار اهلند مكاناً للدراسة‪،‬‬
‫وهو جمرب على اإلقامة يف مكان ما‪ ،‬فحاول‬
‫اخلروج من حدّ هذه الثنائية باالنتقال على‬
‫بساط سندباد‪ ،‬وحتوّل إىل املكان املفتوح الذي‬
‫ساعده على إظهار موقفه من مشكالت العامل‪.‬‬
‫ «عندما (ننسطل) ننسى واقعنا‪ ،‬لو تعلم‬‫املتاعب اليت منرّ هبا‪ ،‬احلرب مستمرة‪ ،‬والقصف‬
‫مستمر على البصرة‪ ،‬وال أخبار أو رسائل من‬
‫األهل‪( »...‬الرواية‪ ،‬ص‪.)66‬‬
‫ً‬
‫ « حنن يا عزيزي عاطفيون جدا‪ ،‬وشعبنا‬‫مسامل وديع‪ ،‬ولكن الذئاب تنتشر بني أفراده‬
‫أحياناً؛ ألن عقوبة اجلرمية عندنا أقل بكثري من‬
‫مدى فداحتها وتأثريها»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص‪)46‬‬
‫ «وانبسطت أمامي حديقة واسعة مزينة‬‫بالزهور‪ ،‬يتوسطها طريق مرصوف بالبالط‬
‫يف منتصفه قناة مائية طويلة‪ ،‬سرنا على أحد‬
‫جانبيها نتبادل احلديث‪ ،‬وأمامنا يرتفع تاج حمل‬
‫بقبابه األربع‪ ..‬ارتفع بناؤه املرمري األبيض‬
‫اجلميل املتناسق‪ ..‬رزح حتت ثقل حجارته‬
‫الضخمة آالف العبيد‪:‬‬
‫ ما مِنْ أثر كبري يف العامل إال وبناه امللوك على‬‫أكتاف العبيد‪ ،‬قد يكون هذا رمزاً للحب ولكن‬
‫الناس سواسية يف قبورهم بعد املوت‪ .‬إنه أثر‬
‫خالد بين فوق جثتني تنغل فيهما الديدان كجثة‬
‫فقري هندي»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص ‪.)30 -29‬‬
‫ «كنت يف حال يرثى هلا من اإلحساس‬‫بالغثيان وأنا أعيش بني اجلواميس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪31‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وقطعان الذباب والبعوض والسواقي كريهة‬
‫الرائحة والطعام بالتوابل‪( »...‬الرواية‪ ،‬ص‪.)48‬‬
‫تُظهر الشواهد السابقة ارتباط الوصف بالرؤيا‪،‬‬
‫فوصف املكان حييل إىل وصف الفضاء‪ :‬املكان‬
‫بشخوصه وأحداثه‪ .‬وبذلك يكون الوصف‬
‫وظيفياً‪ ،‬وصفاً بصرياً لكنه ال يصف الواقع بل‬
‫يصف رؤيا الشخصية الواصفة جتاه الواقع‪.‬‬
‫ونستطيع أن نقول‪ :‬إن الوصف إن مل يكن وظيفياً‬
‫فليس بذي أمهية‪ ،‬وليس فاعالً يف الرواية‪ ،‬وال‬
‫يعد اسرتاحة سردية؛ ألن له وظائف تزينية‬
‫وتفسريية ورمزية وإخبارية‪ .‬وكربى وظائفه –‬
‫كما يرى جريار جينيت‪ )14( -‬الوظيفة التفسريية‬
‫الرمزية‪ ،‬إذ يغدو الوصف عنصراً أساسياً له‬
‫داللته اخلاصة‪.‬‬
‫يلقي الوصف احملمّل بدالالت تفسريية الضوء‬
‫على األبعاد والسياسية واالجتماعية يف‬
‫الشواهد السابقة (الفقر‪ -‬استغالل امللوك‬
‫الفقراء – االستعمار‪ -‬االستغالل‪)...‬‬
‫جند يف األمثلة السابقة أن الشخصية الواصفة‬
‫قد وصفت املكان وصفاً وظيفياً من زاوية‬
‫الوصف الثنائي الذي يرى الشيء وضده (شرق‪/‬‬
‫غرب‪ ،‬مغلق‪ /‬مفتوح‪ ،‬فقري ‪ /‬غين) ويشكل هذا‬
‫الوصف إيقاع الرواية الذي ينظر إىل احلدث يف‬
‫جوانبه السلبية واإلجيابية‪.‬‬
‫ومما جنده أيضاً أن الوصف البصري يتوازى‪،‬‬
‫ على واقعيته وحسيته ‪-‬مع خطاب التوهم‬‫(وهم البصر)؛ ألنه يقوم على نسق ضدي‪،‬‬
‫وحيمل تعبرياً رمزياً عن موقف إيديولوجي من‬
‫احلياة السياسية واالجتماعية يف اهلند والعراق‬
‫وغريمها‪ .‬وهو ما ميكن تسميته بالوصف‬
‫اخلالق الذي يتجاوز الوصف التقليدي إىل‬
‫(‪)15‬‬
‫مرحلة الوصف الوظيفي يف النص الروائي‪.‬‬
‫اهلند مكان مرتبط برغبة الروائي يف وصفه؛‬
‫لذا كان أساساً يف عملية الوصف أكثر من‬
‫الشخصيات فالوصف الرؤياوي للمكان مرتبط‬
‫بصفحات الرواية كلها‪ ،‬فكيف قدم الوصف‬

‫‪32‬‬

‫التفسريي؟‬
‫ب ‪ -‬الوصف التفسريي‬
‫يرتبط الوصف التفسريي شأنه شأن الوصف‬
‫الرؤياوي بالفضاء بعامة‪ :‬املكان بشخصياته‪،‬‬
‫وأحداثه‪ .‬ومثة ميل واضح من قبل الروائي إىل‬
‫وصف األمكنة بأمسائها احملددة على اخلريطة‬
‫اجلغرافية من باب اإليهام بالواقع مع أنه ال‬
‫ضرورة لالرتباط بني املكان املرجعي والواقعي‬
‫يف وراية اخليال العلمي‪ .‬والرواية من عنواهنا‬
‫رواية مكان‪ ،‬ووصف مكان‪ ،‬ولكل مكان وصف‬
‫خمتلف‪ ،‬وجند أن اهلند بأجزائها تعدّ مكاناً‬
‫واحداً لكنه محل وظائف خمتلفة؛ ألنه محلّه‬
‫دالالت سياسية وإيديولوجية‪.‬‬
‫ورغبة الذات الواصفة يف أن تكون سندباد‬
‫محلت هذا املكان مسة‬
‫مسافراً يف املكان املفتوح ّ‬
‫سلبية؛ ألهنا ركزت على اجلانب املظلم منه‪،‬‬
‫فقد أضحى هذا املكان مكان شتات (خمدرات‪،‬‬
‫جتارة رقيق‪ ،‬استغالل فقراء‪)...‬‬
‫لكننا جند ولعاً بوصف األماكن وما يتعلق هبا‬
‫هبدف التفسري والتعليم‪ ،‬وهي معرفة حصلتها‬
‫الشخصية الواصفة من رحالت سابقة يف‬
‫اهلند‪ ،‬توهم بالواقع‪ ،‬وتتشاكل مع السرية‬
‫الذاتية؛ الرتباطها بالشخصية الواصفة من‬
‫جهة‪ ،‬وجتربتها يف مكان ألفته سابقاً‪ .‬جعل‬
‫هذا الوصف الكثيف اخليال العلمي يف الرواية‬
‫يبدو حقيقياً‪ .‬ويبدو أن اهلند قد رسخ يف ذهن‬
‫الراوي‪ ،‬فأراد بقوة أن يوصله إىل أذهان اآلخرين‬
‫بالوصف التفسريي‪.‬‬
‫ «حاولت أن أشغل نفسي بالتطلع إىل الركاب‪،‬‬‫ومعظمهم من الفقراء‪ ،‬تلوح التعاسة من وجوههم‪،‬‬
‫وقد وضع ك ّل منهم صرّته الكبرية أو حقيبته‬
‫الثقيلة قربه‪ ،‬والنساء حيملن أطفاهلن‪ ،‬وبعضهن‬
‫يتسلني بتقشري (املونفلي) وأكله‪ ...‬واملونفلي نوع‬
‫من الفستق صغري احلب‪(.»...‬الرواية‪ ،‬ص‪.)33‬‬
‫ «تناولت قطعة من الفوالبي وهو نوع من‬‫احللوى بشكل كرات صغرية بلون اسفنجي قامت‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ولبه بلون احلنطة‪ ،‬رمبا من أجود األصناف اليت‬
‫تقدم يف البيوت»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص ‪.)55‬‬
‫ «جلست على الرصيف أقرأ يف رواية‬‫هارولد روبنس اليهودي األمريكي‪ ،‬وكانت‬
‫بعنوان القرصان‪ ،‬تدور حول العرب ونزواهتم‬
‫ومالينيهم اليت ينفقوهنا بال حساب يف أمريكا‬
‫وأوربا وحتكي بفصوهلا األربعة عن ربيع وصيف‬
‫وخريف وشتاء عام ‪( .»1973‬الرواية‪ ،‬ص‪.)15‬‬
‫ «حيرقون الرجل وهو ملتف بثوب أبيض‪،‬‬‫واملرأة بثوب أمحر‪ ،‬يغطسون اجلثة يف مياه‬
‫النهر ثالث مرات ثم يضعوهنا على احملرقة)‪.‬‬
‫(الرواية‪ ،‬ص‪.)111‬‬
‫ «كان‪ -‬املتخاطر اهلندي‪ -‬ماهراً جداً يف قراءة‬‫األفكار ومعرفة اخلبايا ‪ ..‬والتنبؤ باملستقبل‬
‫القريب‪( »...‬الرواية‪ ،‬ص‪.)87‬‬
‫حني يشعر الروائي أن املتلقي حباجة إىل التفسري‬
‫والشرح يلجأ إىل الوصف التفسريي‪ ،‬فيتدخل‬
‫الواصف؛ ليفسر الوصف ويسوّغه؛ ليبدو‬
‫منطقياً‪ ،‬فترتاكم الصفات للموصوف الواحد‪،‬‬
‫وينتقل الواصف من موصوف إىل آخر‪ ،‬وهذا ما‬
‫حدث يف الوصف الذي داخله اخليال العلمي‪،‬‬
‫والوصف املرتبط بطبيعة بلد ميثل عاملاً غريباً‬
‫ساحراً يف نظر اآلخرين‪ .‬وبذلك يصبح الوصف‬
‫كشفاً يظهر املوصوف غريباً‪ -‬املتخاطر واهلندي‬
‫احلدث الوصفي املرتبط به‪ -‬يرغب الروائي يف‬
‫حتميل الواقع هذه األمور؛ ألنه يدرك إمكانية‬
‫حتقيقها‪ .‬فيتداخل يف هذا الوصف الواقع‬
‫باخليال‪ ،‬أو أن الوصف جزء من الواقع لكنه‬
‫حمكوم بقوانني ال نعرفها‪ .‬وتقدم هذه األمور‬
‫املوصوف بعني اخليال والوهم بالبصر‪ ،‬وهلذا‬
‫اجلانب الوصفي مساحة ضئيلة يف الرواية‪.‬‬
‫يرتكز الوصف التفسريي شأنه شأن أنواع الوصف‬
‫املختلفة يف «الذات الواصفة»(‪ )16‬وهي الشخصية‬
‫الواصفة اليت توجه حديثها إىل املتلقي سواء‬
‫أكان شخصيات روائية‪ ،‬أم قارئاً هبدف التأثري‬
‫فيها‪ .‬كما يتشاكل مع الوصف الصريح الذي‬

‫يظهر التزام الروائي خبطة الوصف‪.‬‬
‫د‪ -‬الوصف الصريح‬
‫وهو ما ميكن أن نطلق عليه الوصف اخلارجي‬
‫املرتبط بوصف املكان والشخصية يف أثناء أداء‬
‫حركتها‪ ،‬وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً باحلدث‬
‫الوصفي يف الرواية؛ ألنه يضفي واقعية وتلقائية‬
‫عليها‪..‬‬
‫ «طلب من (السكوتر) االجتاه صوب حمفل‬‫(البغوان راجنيش) كان منزالً صغرياً مكوناً من‬
‫عدة غرف وقائمة للعرض فيها جهاز عرض‬
‫سينمائي وجهاز فيديو‪ .‬ومكتبة ضخمة حتوي‬
‫خطب رافينش وفلسفته‪ ..‬كان يضع سبحة‬
‫طويلة حول عنقه يف طرفها قلب من اخلشب‬
‫يف داخله صورة راجنيش املبتسم»‪ ( .‬الرواية‪،‬‬
‫ص ‪.)10‬‬
‫يكشف الوصف الصريح عالقة الروائي بنصه‪،‬‬
‫والتزامه خبطة الوصف‪ ،‬فيسمّي ما يصفه‪،‬‬
‫وبذلك يرتبط احلدث الوصفي بالنية ال باملادة‬
‫املوصوفة‪ ،‬وبذلك ال يكون املكان تأطرياً للحدث؛‬
‫ألنه حيمل دالالت‪.‬‬
‫وقد تنقلت الذات الواصفة من مكان إىل آخر‪،‬‬
‫فتعددت أمساء األماكن يف الرواية ( أغراد‪،‬‬
‫دهلي‪ ،‬مدراس‪ ،‬كلكتا‪ )....‬ومبا أشار هذا التعدد‬
‫إىل االختالل والتفكك يف الرواية‪ ،‬ولكن ما يشري‬
‫إىل متاسكها كون هذه األمكنة املتعددة حتيل إىل‬
‫مكان واحد يف النهاية‪ ،‬وتؤدي وظائف مرتابطة‪.‬‬
‫لكننا جند وصفاً جملرد الوصف يف مواضع‬
‫متفرقة من الرواية‪ ،‬وكأن هاجس التعريف‬
‫بفضاء اهلند أرّق الروائي‪( ...‬سافرت كثرياً‬
‫يف شهر نيسان التايل‪ -‬وعشت أياماً مع عائلة‬
‫فقرية من املزارعني يف إحدى القرى‪ ..‬نثرت‬
‫الغطاء بعنف ألجد أفعى سوداء مرقطة تتسل ّل‬
‫على السطح‪ ،‬وجلدها يلمع حتت ضوء القمر‪،‬‬
‫(الرواية‪ ،‬ص ‪.)47‬‬
‫حيضر اإلدراك البصري يف هذا النوع من‬
‫الوصف يف صورة عليا ومتقدمة‪ ،‬وتظهر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪33‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كثافة الدوال على البصر‪ ،‬والدوال اللغوية الدالة‬
‫على الرؤية (يلمع‪ ،‬القمر‪ ،‬صورة‪ )...‬ووجود‬
‫األفعال يف الشواهد السابقة أمر يشري إىل حركية‬
‫فعل الرؤية‪ ،‬وامتداده عرب النص الروائي‪.‬‬
‫جند أن الشخصيات يف هذه الرواية قد بنيت‬
‫بالوصف‪ ،‬مع أن فالدميري بروب يرى أن‬
‫الشخصية حتدد بالوظيفة اليت تستند إليها‬
‫وليس بصفاهتا‪ ،‬والثوابت يف السرد هي الوظائف‬
‫(األفعال) اليت تقوم هبا الشخصيات‪ ،‬والعناصر‬
‫املتغرية هي األمساء‪ ،‬وأوصاف الشخصيات‪.‬‬
‫واستخلص من ذلك أن ما هو مهم يف دراسة‬
‫احلكاية هو التساؤل عما تقوم به الشخصيات‪.‬‬
‫أما من فعل هذا الشيء أو ذاك وكيف فعله فهي‬
‫أسئلة ال ميكن تقدميها إال بوصفها توابع ليس‬
‫(‪)17‬‬
‫غري‪.‬‬
‫حاول بروب إذن أن يقلل من وظيفة الوصف‬
‫وأمهيته مع أنه األساس الذي تبنى عليه‬
‫الشخصية وبذلك خيتزل تعريف بروب دراسة‬
‫الشخصية إىل حدث مرتبط بوظيفة تؤديها‪،‬‬
‫وينفي وظيفة الوصف يف بنائها‪.‬‬
‫يبدو لنا أن املوصوف خيضع لقوانني الكتابة‬
‫الوصفية ال للمرجعية الواقعية‪ ،‬وهو أمر يضمن‬
‫خصوصية‪ .‬وموصوفات اخليال العلمي‪ -‬على‬
‫حمدودية أفقه يف هذه الروية‪ -‬تنحو منحى‬
‫غريباً‪ ،‬هي موصوفات جديدة يف مالحمها‬
‫وخصائصها‪ ،‬ومرجعُها الوحيد احلدث الوصفي‪،‬‬
‫واخلطاب الوصفي بعامة‪.‬‬
‫كما يبدو أن الوصف يتشعب يف طريقني‪:‬‬
‫أوالمها التعريف‪ ،‬وثانيتهما الكشف عن فاعلية‬
‫املوصوفات وحيويتها‪ .‬ومما يرتبط بالشق الثاني‬
‫األلوان وما تشري إليه يف احلدث الوصفي‪.‬‬
‫• الوصف املرتبط باللون‬
‫يعرب اللون عن حال نفسية أو وضع فكري‪،‬‬
‫فهو يصنع األشياء‪ ،‬وبه تنكشف هذه األشياء‪.‬‬
‫فلأللوان فاعلية تكشف عما فيها من دقة‬

‫‪34‬‬

‫احلركة وحيويتها‪ .‬وهي تندرج ضمن خطاب‬
‫البصر الذي طغى على هذه الرواية‪.‬‬
‫ «عدت تعباً يف ذلك اليوم الذي لن أنساه‪ ،‬كان‬‫يوماً ربيعياً مشرقاً‪ ،‬الطيور تغرد‪ ،‬والطبيعة‬
‫مزدانة باخلضرة يف حرم اجلامعة‪( »...‬الرواية‪،‬‬
‫ص‪.)39‬‬
‫ «كنت أفكر بالرقيق األبيض الذي تنتشر‬‫جتارته يف معظم البلدان األسيوية الفقرية»‪.‬‬
‫(الرواية ص ‪.)35‬‬
‫ « أنا مشدودة – نيالم‪ -‬إىل نبلك وعاطفتك‬‫برباط لست أدري ماذا أمسيه‪ ،‬كأنك حلمٌ صافٍ‬
‫أتى يضيء ظلمة حياتي؟ أو لعله اإلحساس‬
‫باحلاجة إىل إنسانية اإلنسان اليت فقدهتا»‪.‬‬
‫(الرواية‪،‬ص ‪.)46‬‬
‫ «التفتُّ ليطالعين وجه فتاة مليحة التقاسيم‪،‬‬‫ترتدي سارياً أخضر‪ ،‬إىل جانبها رجل بنظارات‬
‫مسيكة حيمل حقيبة»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص‪.)12‬‬
‫جند أن الذات الواصفة قد اعتمدت أنواع األلوان‬
‫وكثافتها على امتداد صفحات الرواية‪ ،‬وهو أمر‬
‫يرتبط بوفرة املوصوفات‪.‬‬
‫ويشري تنوع الصفات اللونية إىل تنوع وظيفتها‬
‫يف اخلطاب الوصفي‪ .‬فاالخضرار خصوبة‬
‫ورواء ومجال يناسب صفات نيالم ذات اجلمال‬
‫والطيبة‪ ،‬وترتبط خضرة الطبيعة باستقبال‬
‫الذات الواصفة رسالة من نيالم تلك املرأة‬
‫اليت أثارت اهتمام الواصف‪ ،‬وإعجابه‪ .‬يقودنا‬
‫هذا الكالم إىل عدّ الرؤية البصرية قد أوجدت‬
‫خطاباً وصفياً داخل اخلطاب الروائي‪ .‬فيه‬
‫كثافة ونوعية مل تنقطع عالقته باملرجع الواقعي‬
‫لكنه بنى هذه العالقة على أساس وهم البصر‪،‬‬
‫ال البصر‪.‬‬
‫وقد أُسند فعل الرؤية إىل الشخصية الواصفة‪،‬‬
‫وهي رؤية متصلة باملعرفة‪ ،‬فحني عبّرت عن‬
‫معرفتها بالشيء أصبحت واصفة‪ ،‬وأصبح‬
‫اخلطاب وصفياً‪ ،‬أي فضاءً عالمياً مقروءاً‪.‬‬
‫قام الوصف على أساس البصر‪ ،‬فامتلك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الواصف املعرفة‪ ،‬فهو ال يصف الرقيق األبيض‬
‫جملرد الوصف‪ ،‬أو جملرد تقدميه للمتلقي‪ ،‬إنه‬
‫حيمّله شحنة من الدالالت املرتبطة باللون‬
‫واملتعلقة باستغالل إنسانية اإلنسان‪ .‬يفضي‬
‫هذا الكالم إىل ثنائية ما تراه العني‪ ،‬وما تريه‬
‫لآلخرين‪ ،‬وهو األمر الذي جيعل الرؤية حممّلة‬
‫بالدالالت‪ .‬وعلى هذا تكون للشخصية الواصفة‬
‫عيون ختتلف من مشهد وصفي إىل آخر‪.‬‬
‫تعين الرؤية البصرية تغليب الفضاء البصري من‬
‫جهة‪ ،‬وتغليب اجلانب املادي على ال الشعوري‬
‫والذهين‪ ،‬إذ تشري الصورة إىل املرئي‪ ،‬وحتاكيه‬
‫وال متاثله‪ ،‬والعالقة بني الرمز واملرموز إليه‬
‫عالقة داللة أكثر من كوهنا عالقة تصوير‪.‬‬
‫لكن مثة مواضع مل يكن الوصف فيها بصرياً‬
‫تثبت تنوع جماالت الوصف وأنواعه يف الرواية‪.‬‬
‫• الوصف غري البصري‬
‫قد يتم الوصف بدوال تدل على الشعور أو‬
‫السمع أو الشمّ‪ .‬وهي دوال مرتبطة بإدراك‬
‫الواصف هلا‪.‬‬
‫ «يا إهلي ما أكثر ما تقدّس املرأة رجلها عندهم؟‬‫كانت كالوردة الفواحة برائحة العطر‪ ،‬نظيفة‬
‫ناعمة‪ ...‬عادت أصابعي من جديد تسرّح على‬
‫جلدها الناعم»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص ‪.)79‬‬
‫تتداخل الرؤية البصرية مع احلواس األخرى‬
‫لتشكيل هذه الصورة‪ ،‬فلم تعد تكفي الرؤية‬
‫البصرية وحدها إلمتام الوصف‪ ،‬فاستند‬
‫الواصف إىل حاسيت الشم واللمس‪ ،‬وقاده إىل‬
‫ذلك حاجته إىل وصف ما ال يُرى بالعني‪.‬‬
‫وقد تغين أفعال الشعور عن أفعال النظر يف‬
‫بعض املقاطع الوصفية‪ .‬مع أن أفعال النظر حتوز‬
‫اجلانب األكرب من االهتمام يف هذه الرواية‪.‬‬
‫ «أنا منْ سبّب هلا هذا القتل‪ ..‬يا إهلي كيف‬‫طاوعتين نفسي على قتل إنسانة بريئة طاهرة‬
‫مثلها؟ أختيلها تروح وجتيء كالزهرة تدور‬
‫حويل ملبية رغباتي حببّ يقرب من العبادة‪»...‬‬

‫(الرواية‪ ،‬ص‪.)116‬‬
‫ «املتخاطر اهلندي‪ :‬أنت شديد الطيبة – ولكنك‬‫ختطئ أحياناً أخطاء توقعك يف مصائب جديدة‬
‫زوجتك هذه حتبك حباً يفوق الوصف ولكنك‬
‫رغم ذلك قد تتخلى عنها‪( »...‬الرواية‪،‬ص‪.)87‬‬
‫تعمل بعض أدوات اإلدراك على معاضدة‬
‫الرؤية على الوصف‪ ،‬ال نفيها‪ ،‬فنجد يف املثالني‬
‫السابقني معاضدة الشعور أفعا َل الرؤية‪ ،‬وقد‬
‫حقق الوصف يف الشاهد الثاني نقلة زمنية يف‬
‫اخلطاب الوصفي‪ ،‬فقد كان وصفاً استشرافياً‬
‫جتريدياً مرتبطاً بتحفيزه قدرة اإلنسان على‬
‫التبصر يف الواقع‪ ،‬وما يعرف عن املاضي؛‬
‫الستشراف املستقبل القريب‪ ،‬وهو أمر ال ميكن‬
‫للوصف البصري منعزالً أن حيققه‪.‬‬
‫وقد يكون الوصف حركياً شعورياً مرتبطاً‬
‫بالوصف البصري الذي تلح عليه الرواية‪.‬‬
‫ «نظرت – نيالم‪ -‬إيلّ بعينني خمضلتني‬‫بالدمع‪ ،‬وقد انبعث منهما بريق العاطفة الذي‬
‫نادراً ما رأيته يف عيين املرأة إال املرأة اليت يكوي‬
‫احلب قلبها»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص ‪.)53‬‬
‫جند ارتباط الفعل بالوصف (نظرت‪ ،‬انبعث)؛‬
‫ليؤدي وظيفة الوصف احلركي الشعوري بدالً‬
‫من الوصف التقريري‪ ،‬وهو كالم يقودنا إىل‬
‫التساؤل عن مدى عالقة اخلطاب الوصفي‬
‫باخلطاب السردي يف هذه الرواية‪.‬‬
‫• اخلطاب الوصفي وعالقته بالسرد‬
‫يعد ضمري املتكلم الذي ُقدم الوصف به مرتبطاً‬
‫بالكتابات السردية املتصلة بالسرية الذاتية‪،‬‬
‫(‪)18‬‬
‫فهو ضمري يناسب السرد‪ .‬يرى د‪ .‬مرتاض‬
‫أن مثة تداخالً بني السرد والوصف يف النص‬
‫الروائي‪ ،‬ويقودنا هذا الكالم إىل التساؤل حول‬
‫هذا التداخل‪ :‬هل يتداخل السرد والوصف أو‬
‫يتجاوران؟!‪...‬‬
‫مثة وصف بسيط يعطى من مجلة‬
‫قصرية تشكل وحدة وصفية صغرى‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪35‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫«اهلنود لطفاء طيبون يعاملون الغريب باحرتام»‪.‬‬
‫(الرواية‪،‬ص‪ .)13‬ومثة وصف مركب يبدأ‬
‫بالعنوان املنتمي إىل السرد الروائي‪ ،‬فيكون‬
‫االنتقال من املوصوف (السندباد) إىل أجزائه‬
‫ومكوناته‪ ،‬ومثة وصف انتشاري يواكب املشاهد‬
‫واألحداث بشكل يسمح له بأن يقدم نفسه‬
‫مهيمناً يُخضع ملشيئته حمور السرد‪.‬‬
‫كما ميكن أن حيدث الوصف باحلدث‪ ،‬فيسمى‬
‫احلدث وصفياً‪ ،‬وميكن أن حيدث بالزمن الذي‬
‫يؤدي وظائف خمتلفة يف جمرى عالقة زمن‬
‫السرد الروائي (اخلطاب) وزمن احلكاية‪.‬‬
‫يبدو الوصف جتديداً للن َفس يف العمل األدبي‬
‫السردي‪ ،‬وهو يف هذه احلال حيقق وظيفة‬
‫مجالية خالف ما ذهب إليه د‪ .‬مرتاض‬
‫حني قال إن الوصف يناقض السرد‪ ،‬والسرد‬
‫يتعارض حتماً مع الوصف‪ ،‬إذ رأى أن الوصف‬
‫يبطئ حركة املسار السردي على الرغم من‬
‫لزوم الوصف للسرد أكثر من لزوم السرد‬
‫للوصف(‪ .)19‬ويناقض نفسه يف موضع آخر‬
‫حني يرى أن للوصف الروائي وظيفة‪ ،‬ومبقدار‬
‫ما يكون ضرورياً لتسليط الضياء على بعض‬
‫األحوال أو املواقف مبقدار ما يكون معرقالً‬
‫ملسار احلدث الذي يتطلب املضي حنو األمام‪.‬‬
‫(‪ )20‬ثم وجد أن الوصف يسهم يف بناء السرد‬
‫(‪)21‬‬
‫وبلورة أحداثه‬
‫واحلق أن الوصف يف كثري من املواضع يغين‬
‫احلركة السردية‪ ،‬ويطورها؛ ألن للوصف بعداً‬
‫حدثياً سردياً‪ .‬وال تقتصر وظيفته على وصف‬
‫الشخصيات واألشياء‪ ،‬فثمة حركة وصفية‬
‫مولدة للمعنى بفضل مسة الوصف يف هذه‬
‫الرواية‪.‬‬
‫يهتم الوصف باألحوال‪ ،‬ويهتم السرد باألعمال‪،‬‬
‫فال يهتم الوصف مبسار احلكاية بل يضيف‬
‫معلومات جديدة للحدث الوصفي‪ .‬فاالتساع‬
‫خاصية ثابتة يف النص الوصفي؛ لذا نستطيع‬
‫القول إن اخلط األفقي يف الوصف يقابله خط‬

‫‪36‬‬

‫عمودي زمين يف السرد‪.‬‬
‫ّ‬
‫يعطل الوصف املبأر السرد‪ ،‬ويوقفه لكن‬
‫الوصف الوظيفي يغين السرد‪ .‬ويغدو الوصف‬
‫الذي يظهر من تأمُّل الواصفِ األشياءَ جزءاً‬
‫من زمن القصة‪ ،‬وهو أمر ال يؤدي إىل جتمد‬
‫الزمن‪ ،‬وجنده يف الوصف الذي يشري إىل توتر‬
‫الشخصية‪ ،‬فيضفي عليها بعداً جديداً‪.‬‬
‫ «آه من أحزاني أحزان السندباد الذي ينهش‬‫قلبه االكتئاب واألمل‪ ،‬وتكرب أخطاؤه حتى تسد‬
‫عليه رغبة احلياة‪( »..‬الرواية‪ ،‬ص‪.)119‬‬
‫ «استوقفين متشرد نظر يل بعمق وهو يعبث‬‫بلحيته ثم قال‪ :‬جتنب أيها الغريب أن تتناقش‬
‫مع فضويلّ مدع مغرور ستقابله يف طريقك‪.‬‬
‫أنا أقرأ الكثري يف عينيك‪ ،‬ستشهد أياماً شديدة‬
‫السواد»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص‪.)105‬‬
‫يتشكل السرد يف املثالني السابقني من اهليئة‪،‬‬
‫واحلال‪ ،‬واحلدث املوصوف‪ .‬فغاية هذه الرواية‬
‫رسم األشياء يف وجودها يف فضاء مرتبطة‬
‫باحلدث والزمن‪ ،‬ومع إدراكنا أن مثة فرقاً بني‬
‫النص السردي والنص الوصفي جند أن األفعال‬
‫يف النص السردي تصف حال املوصوف‪،‬‬
‫فالفعل يعبث يدل على السرد مبقدار ما يدل‬
‫على الوصف‪ ،‬فقد حترك سردياً لكنه وصف‬
‫يف حتركه‪ .‬وبذلك جند أننا ال ميكن أن حندث‬
‫فرقاً بني السرد والوصف؛ ألن الوصف من‬
‫ضرورات النص السردي‪ ،‬فيمكن للواصف أن‬
‫يصف من دون أن يسرد‪ ،‬فيكون وصفاً مبأراً‪،‬‬
‫ويتوقف الزمن السردي فيتوقف زمن القصة‬
‫كلياً يف الرواية حني يشتد الوصف؛ ليتسع زمن‬
‫اخلطاب‪ .‬إذ يوقف الوصف القصة لكنه يعين‬
‫امتداداً يف اخلطاب‪)22(.‬ولكن من الصعب عليه‬
‫أن يسرد من دون أن يصف‪ .‬يفضي بنا هذا‬
‫الكالم إىل عدّ الوصف حاجة ضرورية للسرد‬
‫أكثر من كون السرد حاجة ضرورية للوصف‪.‬‬
‫الوصف املعرب عن احلدث يف حوار الواصف‬
‫مع املشعوذ يسرّع زمن السرد على حساب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫زمن احلكاية‪ .‬أما الوصف اخلارجي للحكاية الوصفي والفعل القويل؟‪.‬‬
‫فيوقف الزمن‪ ،‬يف حني أن السرد الوصفي‬
‫يبطئ احلكاية‪ ،‬ويطيل زمن اخلطاب بوساطة • املشهد الوصفي‬
‫ترتابط األحداث مشهدياً يف مواضع متفرقة‬
‫األوصاف‪.‬‬
‫الشخصية الواصفة غري ثابتة يف املكان‪ ،‬أما من الرواية‪ ،‬وهذا البناء املشهدي هو الذي‬
‫وعيها فيتحرك يف زمن ذي خط ثابت‪ .‬أما ساعد الواصف على االنتقال على بساط‬
‫االستشراف يف حديث املتخاطر اهلندي فهو سندباد من مشهد إىل مشهد‪ ،‬ومن رحلة إىل‬
‫حركة سردية تتجه إىل إيراد حدث آت‪ ،‬أو رحلة‪ .‬وتذكرنا هذه التقنية بتقنية املسرح‬
‫اإلشارة إليه سلفاً(‪ )23‬فيقفز زمن الرواية إىل الكالسّي إذ يرتاكم الوصف‪ ،‬فينمو السرد عن‬
‫مستقبل احلدث‪ .‬ومن املعروف عن الزمن طريق التعاقب‪ ،‬فيأتي كل مشهد مبنزلة لقطة‬
‫االستشرايف أنه ال يتسم باليقينية‪ .‬أما يف رواية سينمائية تؤسس للمشهد الكلي‪ .‬وبسبب هذا‬
‫اخليال العلمي فهو زمن يقيين أوجد حال توتر البناء الوصفي القائم على تعاقب املشاهد‬
‫لدى الذات الواصفة‪ ،‬وأوجد عنصر تشويق‪ ،‬يتباين الروائي عن السرد الروائي العادي‬
‫الذي يعتمد تقنية االسرتجاع‪ .‬فمحورية الذات‬
‫الكتمال الرؤيا يف هناية الرواية‪.‬‬
‫ومل يأت االستشراف على لسان الذات الواصفة‪ ،‬الواصفة جتعلها حاضرة يف كل مقطع سردي‪،‬‬
‫بل وقع عليها‪ ،‬فوُجد من دون أن خي ّل باخلط ويف كل حوار خيدم غرض الوصف‪ ،‬فال تغيب‬
‫الزمين الروائي‪ ،‬وظهر باحلدث الوصفي الذي الوظائف السردية اليت تنقل املتلقي من مقطع‬
‫جتلت فيه النزعة الضدية بني االستشراف وصفي إىل آخر‪.‬‬
‫واالحتمال من جهة واللغة اليقينية من جهة ‪« -‬انتشرت زرافات الشبان والفتيات من أوربا‬
‫مبالحمهم الضائعة وهن يدخنون احلشيش‪،‬‬
‫أخرى‪.‬‬
‫الوصف‪ -‬حسب ما تقدم‪ -‬تعبري لغوي جياور ويرقصون‪ ،‬ويغنون‪ ،‬ويتبادلون العناق مع‬
‫السرد باإلشارات واألفعال وهو ما يؤدي إىل بعضهم بعضاً‪ .‬بعضهم وشم على يديه وصدره‬
‫وجود تعالق بني النص اللغوي الوصفي وحركة (ال تصنع حرباً‪ ،‬اصنع حباً‪ ،‬السالم ال احلرب)‪.‬‬
‫النفس‪ .‬فثمة وصف‪ ،‬وعني واصفة‪ ،‬وداللة قلوب موشومة خترتقها سهام‪ ،‬شبان شعورهم‬
‫مرتبطة بسياق الرواية بعامة‪ ،‬ومثة عالقة طويلة‪ ،‬وذقوهنم أيضاً‪ ،‬يرتدون ألبسة ال تكاد‬
‫بالسرد ‪ .‬يرى جان ريكاردو أن «كل عمل تسرت عوراهتم‪ .‬وفتيات يلبسن ألبسة مضحكة‬
‫ختييلي هو مكان احرتاب متواصل»‪ )24(.‬ليست مزرية أحياناً بأشكال مستهرتة‪ ،‬تبدو القذارة‬
‫العملية عملية احرتاب بقدر ما هي عملية جتاور عليهم‪ ،‬يدخنَّ احلشيش أيضاً‪ .‬ويتبادلن‬
‫وتكامل ‪ .‬فثمة وظيفة سردية ووظيفة وصفية الضحكات املستهرتة العائبة‪ ،‬وبعض الشبان‬
‫األفعان مبالحمهم اخلشنة يساومون السيّاح‬
‫ومثة سرد وصفي حني تتجاور الوظيفتان‪.‬‬
‫وميكن أن نصل إىل نتيجة هي أن جتاور السرد على قطع احلشيش‪ ،‬وقد برعوا باالجتار به‬
‫والوصف يف هذه الرواية قد أدّى إىل تكامل وهتريبه‪ .‬وبعضهم يبيع األفيون واهلريويني‬
‫يف مستوى الوظائف والبناء الداليل مع أنه قد والكوكائني بأسعار كبرية»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص ‪.)7‬‬
‫ميثل املثال السابق مشهداً وصفياً متكامالً‬
‫أحدث بعض التغاير يف مستوى اخلطاب‪.‬‬
‫فإذا كان الوصف والسرد على هذه احلال من حيتوي حدّي املقطع الوصفي (البداية‬
‫التجاور فكيف جتلّى املشهد الوصفي‪ ،‬والفعل والنهاية) فثمة عبارة وصفية تعلن بدايته‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪37‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫(انتشرت زرافات الشبان) وهنايته (بعضهم يبيع‬
‫األفيون‪ .)...‬وهي لعبة مراوغة من الروائي؛‬
‫ليخفف من الفوارق بني السرد والوصف‪.‬‬
‫تتعقد املمارسة الوصفية يف الوحدة الوصفية‬
‫املتكاملة‪ ،‬وتتواىل الوحدات الوصفية وتتعاقب؛‬
‫لتغدو مطلباً ملحاً بسبب الفكرة اليت تؤدّى‬
‫بالوصف‪ ،‬فثمة «تراكيب كثرية تعدّ حبق برامج‬
‫وصفية إذ ينتظر املروي له وصف األمساء‬
‫املكونة هلا إن عاجالً أو آجالً‪ ..‬ويبقى املروي‬
‫له وقد استحال موصوفاً لينتظر وصف االسم‬
‫أو األمساء األخرى‪ ،‬ولكن انتظاره ال يطول‬
‫ً (‪)25‬‬
‫كثريا»‬
‫مهّد الواصف للمقطع الوصفي مبلفوظ‬
‫سردي يعرب عن الرغبة يف الكشف واإلخبار‪.‬‬
‫ومثة نسق وصفي ينتظم الرواية فتتعاقب‬
‫املشاهد الوصفية من جهة‪ ،‬وتتوحد األجزاء‬
‫املوصوفة؛ لرتتد إىل موصوف واحد ضمن‬
‫املقطع الوصفي‪ ،‬فنيالم اجلميلة ذات سا ٍر‬
‫أخضر ووجه مالئكي‪ ،‬وهي صفات ترتد إىل‬
‫موصوف واحد‪.‬‬
‫• وصف األفعال وسردها‬
‫يقوم احلدث الوصفي على تعيني املوصوف‪،‬‬
‫وإحلاق الصفات به‪ ،‬وحرصُ الروائي على‬
‫إزالة الغموض اآلسر عن فضاء اهلند دفعه إىل‬
‫التدقيق يف ضبط العناصر‪ ،‬وتعيني الصفات؛‬
‫لريسم صورة واضحة عن املوصوف‪.‬‬
‫ومل تُنب اجلملة الوصفية على علة سببية‬
‫يف أغلب األحيان‪ ،‬بل جاءت يف سياق التتابع‬
‫والتعاقب الزمين‪.‬‬
‫الرغبة يف الوصف ← معرفة آلية الوصف ←‬
‫القدرة على الوصف ← أن يرى ويصف‪.‬‬
‫يتجاوز الوصف يف رواية اخليال العلمي‬
‫املألوف‪ ،‬ويعمد إىل قلب املقاييس‪ ،‬فال يالئم‬
‫يف انبنائه منطق املوصوفات العلي السبيب‬
‫لوجود حافز نفسي مرتبط بالفضاء الغريب‬

‫‪38‬‬

‫اجملهول (اهلند)‪.‬‬
‫يقرب سرد األفعال املسافة بني السرد‬
‫والوصف‪ ،‬ومثة فرق بني سرد األفعال‬
‫ووصفها‪ ،‬فاألحداث يف وصف األفعال تتعاقب‬
‫بتسلسل زمين خطي‪ ،‬أما يف سرد األفعال‬
‫(‪)26‬‬
‫فيمكن التالعب بزمن األحداث‪.‬‬
‫ «كنا جنلس على أحد املقاعد احلجرية‬‫يف احملطة ننتظر القطار‪ ،‬والنسمات الباردة‬
‫ختزنا وتلسعنا‪ ،‬فنتقوقع على أنفسنا‪ ،‬ومل نعد‬
‫نستطيع حتمل الربد يف الشتاء اهلندي اجلاف‪،‬‬
‫فأخرجت – نيالم‪ -‬بطانية من بني أغراضها‪،‬‬
‫وأعطتنا إياها لنغطي هبا جسمنا»‪( .‬الرواية‬
‫ص‪.)17‬‬
‫ال يتالعب الروائي بزمن األحداث‪ ،‬فيصفها‬
‫وصفاً فعلياً خطياً‪ ،‬أما سرد األفعال فنجده‬
‫يف الوصف االستشرايف – حديث الواصف‬
‫مع املتشرد واملتخاطر اهلندي‪ -‬ففي هذين‬
‫املوضعني حتدث قفزة زمنية إىل املستقبل‪،‬‬
‫تُقطع من قبل الواصف بالعودة إىل احلاضر‬
‫الذي يصفه‪.‬‬
‫وقد جند وصفاً ألفعال شاعرياً يضفي صفة‬
‫شعرية على لغة الوصف يف هذه الرواية‪،‬‬
‫فتحدث مراوغة شعرية يف احلدث الوصفي‪،‬‬
‫وتتجاور السمة الشعرية والسمة السردية‪.‬‬
‫ «فينا احلبيبة قطعة من القلب‪ ،‬إن خرجت‬‫منه ذبل ومات»‪( .‬الرواية‪ ،‬ص ‪.)71‬‬
‫ «يا إهلي ما أشدّ عذوبتها – نيالم‪ ...-‬حنونة‬‫كاملطر على األرض العطشى‪ ،‬يف قلبها دفء‬
‫املرأة واألم واحلبيبة‪ ،‬غفت على صدري كأهنا‬
‫تأمن من شرور الدنيا وغدرها»‪( .‬الرواية‬
‫ص‪.)78‬‬
‫يتجاور وصف األفعال والتصوير يف الشاهدين‬
‫السابقني‪ ،‬ويتحول الوصف إىل وصف أدبي‬
‫خيضع يف داللته للسياق‪ ،‬ولتجاور األلفاظ‬
‫ضمن منطق خاص يف الرتابط‪.‬‬
‫لكن استقالل املشهد الوصفي يف أغلب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫مواضع الرواية جيعلنا نرى اجلملة الوصفية‬
‫متمتعة بسمة االستقالل على الرغم من‬
‫ارتباطها بروابط حنوية تصلها بالنص‪ .‬وميكن‬
‫أن منثل الستقاللية الوحدات الوصفية ‪-‬على‬
‫الرغم من وجود روابط سياقية بينها‪ -‬بالشكل‬
‫التايل‪:‬‬
‫زيارة اهلند للدراسة ← وصف زيارة أحد مراكز‬
‫الدعوة ← وصف رؤيا ← وصف حتققها ←‬
‫وصف رحلة ← حتقق رؤيا تتعلق بنيالم ←‬
‫وصف تطور العالقة ← وصف معاناة نيالم‬
‫السابقة ← وصف مشكالت العامل ورؤية‬
‫الواصف اخلاصة جتاهها (دينية‪ ،‬سياسية‪،‬‬
‫اجتماعية‪ ،‬حربية) ← ارتباطه بنيالم ← وصف‬
‫الفقر وجتارة الرقيق األبيض ← واالسشرتاق‬
‫← وصف مشكالت أصدقائه العرب يف املغرتب‬
‫← لقاؤه املتخاطر اهلندي واملتشرد ← تعرّفه‬
‫إهلاماً وحتقق االستشراف ووصف حدث وفاة‬
‫نيالم ← وصف ندمه وأحزانه‪.‬‬
‫• خامتة‬
‫ ارتبطت وظيفة الوصف يف الرتاث النقدي‬‫والبالغي عند العرب بالتزيني‪ ،‬فقد انطلقوا‬
‫من املفردة الواصفة‪ ،‬واجلملة الواصفة ال من‬
‫املشد الوصفي‪ ،‬وفاهتم أن مييزوا الوصف‬
‫التزييين من الوصف الداليل‪ ،‬وأن يتحدثوا‬
‫عن مجالية الوصف وقيمته التبليغية‪ ،‬أما‬
‫الدراسات احلديثة فرتى فيه بينة داللية‪.‬‬
‫ مييز هذه الرواية كثافة الوصف املوظف‬‫لغايات تعليمية وإخبارية ورمزية وتزينية‪.‬‬
‫فتقوم البنية الوصفية فيها على تركيب توليفي‬
‫يعلن ضرورة وجود الوصف‪ ،‬وضرورة تفريعه‬
‫‪.‬‬
‫ غاية الوصف استحضار الغائب‪ ،‬وإعطاؤه‬‫مسة احلضور‪ ،‬وكثافته يف هذه الرواية أمر‬
‫يشري إىل كثافة حضور الواصف‪.‬‬
‫‪ -‬حضرت الذات الواصفة يف الرواية بوصفها‬

‫معيدة صياغة األشياء‪ ،‬ال ناقلة مصورة هلا؛‬
‫لتحدد موقفها منها‪ ،‬ولتظهر رؤيتها ورؤياها‪.‬‬
‫وجعل هذا األمر اخلطاب الوصفي متأرجحاً‬
‫بني الذاتية واملوضوعية‪.‬‬
‫ الوصف الرؤياوي والداليل جعال الروائي‬‫يتعامل مع املعطيات التارخيية‪ ،‬ومعطيات‬
‫العلم يف ضوء معطيات األدب‪.‬‬
‫ حتيل العتبة النصية (أحزان السندباد)‬‫إىل عامل غرائيب بعيد عن الواقعي‪ ،‬فتدخل‬
‫يف عالقة تضاد مع كثافة الوصف اإلخباري‬
‫والتفسريي واإليديولوجي والرمزي‪ ،‬وهو‬
‫وصف يشدّ الرواية إىل الواقع‪ .‬فالعتبة النصية‬
‫ظاهرياً تصرف عن الدخول إىل عامل الرواية؛‬
‫ألن الوصف ال يشد إىل الواقع‪ ،‬بل إىل وهم‬
‫الواقع‪ ،‬أو الواقع الفين الذي تصوغه رؤية‬
‫الروائي ورؤياه‪.‬‬
‫ اللغة الشعرية يف مواضع متفرقة من الرواية‬‫تعين تضاداً مع العلم الذي يقوم اخليال على‬
‫أساسه‪ ،‬لكن هذا التضاد يؤدي إىل تكامل ألن‬
‫اخليال العلمي خيال حملّق يف أجواء العلم‪ ،‬فال‬
‫حيده العلم‪ ،‬فتقديم الوصف يف جمال اخليال‬
‫العلمي أميل إىل الصورة الواقعية لإلقناع به‪.‬‬
‫ حتضر اجلملة الوصفية حضوراً تعاقبياً‬‫على امتداد صفحات الرواية‪.‬‬
‫ يتوازى الوصف العادي حيث يرتب الواصف‬‫موصوفاته‪ ،‬وينظمها واملعرفة الوصفية‬
‫املضمرة اليت يصف الواصف فيها ويستنتج‬
‫املتلقي (وصف املستشرقة الكندية)‪.‬‬
‫ أخرياً‪ :‬خيتزل الوصف يف هذه الرواية النزعة‬‫اإلنسانية العميقة اليت تسم رؤي َة الروائي الكونَ‪.‬‬
‫فالكرة األرضية وحدة‪ ،‬واألجناس البشرية‬
‫والطوائف والثقافات تنفتح على بعضها بعضاً‪،‬‬
‫والعامل قرية صغرية تتالقح فيها العناصر‬
‫الثقافية‪ ،‬وجيب أال حتول االختالفات دون لقاء‬
‫اإلنسان أخاه اإلنسان‪ .‬وهو أمر جيعلنا‬
‫ندرج هذه الرواية حتت عنوان ثقافة العوملة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪39‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اهلوامش‬
‫‪ -1‬طالب عمران‪ ،2002 :‬احتاد الكتاب العرب‪،‬‬
‫دمشق‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬حممد جنيب العمامي‪ 2005 :‬يف الوصف‬
‫بني النظرية والنص السردي‪ ،‬دار حممد علي احلامي‪،‬‬
‫تونس‬
‫عبد الفتاح احلجمري‪ ،2008 :‬الكحل واملرود‪-‬‬
‫حتليل الوصف يف الرواية العربية‪ ،‬ط‪ ،1‬دار احلرف‪،‬‬
‫املغرب‪.‬‬
‫‪ - 3‬ابن منظور ‪ ،1994 :‬لسان العرب‪ ،‬ط‪ 3،،‬دار‬
‫صادر‪ ،‬بريوت‪ ،‬مادة وصف‪.‬‬
‫‪ - 4‬قدامة بن جعفر‪ ،1948 :‬نقد الشعر‪ ،‬تح‪ :‬كمال‬
‫مصطفى‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ص ‪.62‬‬
‫‪ - 5‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.134‬‬
‫‪ - 6‬إبراهيم فتحي‪ ،1986 :‬معجم املصطلحات‬
‫األدبية‪ ،‬املؤسسة العربية للناشرين املتحدين‪ ،‬مادة‬
‫وصف‪.‬‬
‫‪ - 7‬انظر يف هذا اجملال‪ :‬جوليا كريستيفا‪،1991 :‬‬
‫علم النص‪ ،‬ترمجة‪ :‬فريد الزاهي‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار توبقال‪،‬‬
‫املغرب‪ ،‬ص ‪.79 -78‬‬
‫‪ - 8‬ميخائيل باختني ‪ ،1987 :‬اخلطاب الروائي‪،‬‬
‫ط‪ ،2‬تر‪ :‬حممد برادة‪ ،‬دار األمان‪ ،‬الرباط‪ ،‬ص‪.52‬‬
‫‪ - 9‬للتوسع يف هذه الفكرة انظر‪ :‬عبد امللك مرتاض‪:‬‬
‫‪ ،2004‬يف نظرية الرواية‪ ،‬حبث يف تقنيات السرد‪،‬‬
‫سلسلة عامل املعرفة‪ ،‬الكويت‪ ،‬ص ‪.187‬‬
‫ آمنة يوسف‪ ،1997 :‬تقنيات السرد بني النظرية‬‫والتطبيق‪ ،‬دار احلوار‪ ،‬الالذقية‪ ،‬ص‪.39‬‬
‫‪ - 10‬يُمنى العيد‪ ،1986 :‬الراوي‪ :‬املوقع والشكل‪،‬‬
‫مؤسسة األحباث العربية‪ ،‬ط‪ ،1‬بريوت‪ ،‬ص ‪.86 ،84‬‬
‫‪ - 11‬جريار جينيت‪ ،1997 :‬خطاب احلكاية‪ ،‬ط‪،2‬‬
‫تر‪ :‬حممد معتصم وآخرون‪ ،‬اجمللس األعلى للثقافة‪،‬‬
‫القاهرة‪ ،‬مقدمة املرتمجني‪ ،‬ص ‪.13‬‬
‫‪ - 12‬يوري لومتان‪ ،1956 :‬مشكلة املكان الفين‪ ،‬تر‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫سيزا قاسم‪ ،‬جملة ألف‪ ،‬ع ‪ ،64‬منشورات اجلامعة‬
‫األمريكية‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ص‪.88‬‬
‫‪ - 13‬إدموند ليتش‪ ،2002 :‬كلود ليفي شرتاوس‪-‬‬
‫دراسة فكرية‪ ،‬تر‪ :‬ثائر ديب‪ ،‬منشورات وزارة الثقافة‪،‬‬
‫دمشق‪ ،‬ص‪.24‬‬
‫‪ - 14‬جريار جينيت‪ :‬حدود السرد‪ ،‬من طرائق حتليل‬
‫السرد األدبي‪ ،‬ط‪،1‬منشورات احتاد كتاب املغرب‪،‬‬
‫الرباط ص ‪.76‬‬
‫‪ - 15‬حممد جنيب العمامي‪ ،2002 :‬الوصف يف‬
‫رواية تراهبا زعفران‪ ،‬حوليات اجلامعة التونسية‪،‬‬
‫عدد ‪ ،46‬ص ‪21‬‬
‫‪ - 16‬حممد جنيب العمامي‪ ،2010 :‬الذات الواصفة‬
‫يف بداية القاهرة اجلديدة‪ ،‬ورقة عمل مقدمة إىل‬
‫ندوة الذات يف اخلطاب‪ ،‬تونس‪ ،‬جامعة سوسة‪ ،‬ص‬
‫‪1‬‬
‫‪ - 17‬محيد حلميداني‪ ،2000 :‬بنية النص السردي‬
‫من منظور النقد األدبي‪ ،‬ط‪ ،3‬املركز الثقايف العربي‬
‫للطباعة والنشر‪ ،‬ص ‪.24 -23‬‬
‫‪ - 18‬عبد امللك مرتاض‪ ،1998 :‬يف نظرية الرواية‪،‬‬
‫حبث يف تقنيات السرد‪ ،‬ص ‪249‬‬
‫‪ - 19‬املرجع السابق‪ ،‬ص‪.249‬‬
‫‪ - 20‬املرجع السابق‪ ،‬ص ‪.294‬‬
‫‪ - 21‬املرجع السابق‪ ،‬ص‪.300‬‬
‫‪ - 22‬جان ريكاردو‪ ،1977 :‬قضايا الرواية احلديثة‪،‬‬
‫ترمجة صياح اجلهيم‪ ،‬منشورات وزارة الثقافة‪،‬‬
‫دمشق‪ ،‬ص‪.245‬‬
‫‪ - 23‬جريار جنييت‪ ،‬خطاب احلكاية‪ ،‬ص ‪.51‬‬
‫‪ - 24‬جان ريكاردو‪ :‬قضايا الرواية احلديثة‪ ،‬ص‬
‫‪.34‬‬
‫‪ - 25‬حممد جنيب العمامي‪ ،‬الوصف يف رواية تراهبا‬
‫زعفران‪ ،‬ص ‪15‬‬
‫‪ -26‬املرجع السابق‪ ،‬ص ‪16‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫املصادر واملراجع‬
‫‪ -1‬باختني‪ ،‬ميخائيل ‪ ،1987 :‬اخلطاب الروائي‪ ،‬ط‪ ،2‬تر‪ :‬حممد برادة‪ ،‬دار األمان‪ ،‬الرباط‬
‫‪ -2‬ابن جعفر‪ ،‬قدامة‪ ،1948 :‬نقد الشعر‪ ،‬تح‪ :‬كمال مصطفى‪ ،‬القاهرة‬
‫‪ -3‬جينيت‪ ،‬جريار‪ :‬حدود السرد‪ ،‬من طرائق حتليل السرد األدبي‪ ،‬ط‪،1‬منشورات احتاد كتاب‬
‫املغرب‪ ،‬الرباط‬
‫‪ -4‬جينيت‪ ،‬جريار‪ ،1997 :‬خطاب احلكاية‪ ،‬ط‪ ،2‬تر‪ :‬حممد معتصم وآخرون‪ ،‬اجمللس األعلى‬
‫للثقافة‪ ،‬القاهرة‬
‫‪ -5‬احلجمري‪ ،‬عبد الفتاح‪ ،2008 :‬الكحل واملرود‪ -‬حتليل الوصف يف الرواية العربية‪ ،‬ط‪ ،1‬دار‬
‫احلرف‪ ،‬املغرب‬
‫‪ -6‬ريكاردو‪ ،‬جان‪ ،1977 :‬قضايا الرواية احلديثة‪ ،‬ترمجة صياح اجلهيم‪ ،‬منشورات وزارة الثقافة‪،‬‬
‫دمشق‬
‫‪ -7‬العمامي‪ ،‬حممد جنيب‪ ،2010 :‬الذات الواصفة يف بداية القاهرة اجلديدة‪ ،‬ورقة عمل مقدمة‬
‫إىل ندوة الذات يف اخلطاب‪ ،‬تونس‪ ،‬جامعة‬
‫‪ -8‬العمامي‪ ،‬حممد جنيب‪ 2005 :‬يف الوصف بني النظرية والنص السردي‪ ،‬دار حممد علي‬
‫احلامي‪ ،‬تونس‬
‫‪ -9‬العمامي‪ ،‬حممد جنيب‪ ،2002 :‬الوصف يف رواية تراهبا زعفران‪ ،‬حوليات اجلامعة التونسية‪،‬‬
‫عدد ‪46‬‬
‫‪ -10‬عمران‪ ،‬طالب‪ ،2002 :‬احتاد الكتاب العرب‪ ،‬دمشق‬
‫‪ -11‬العيد‪ ،‬مينى‪ ،1986 :‬الراوي‪ :‬املوقع والشكل‪ ،‬مؤسسة األحباث العربية‪ ،‬ط‪ ،1‬بريوت‬
‫‪ -12‬فتحي‪ ،‬إبراهيم‪ ،1986 :‬معجم املصطلحات األدبية‪ ،‬املؤسسة العربية للناشرين املتحدين‪ ،‬مادة‬
‫وصف‬
‫‪ -13‬كريستيفا‪ ،‬جوليا‪ ،1991 :‬علم النص‪ ،‬ترمجة‪ :‬فريد الزاهي‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار توبقال‪ ،‬املغرب‬
‫‪ -14‬حلميداني‪ ،‬محيد‪ ،2000 :‬بنية النص السردي من منظور النقد األدبي‪ ،‬ط‪ ،3‬املركز الثقايف‬
‫العربي للطباعة والنشر‬
‫‪ -15‬لومتان‪ ،‬يوري‪ ،1956 :‬مشكلة املكان الفين‪ ،‬تر‪ :‬سيزا قاسم‪ ،‬جملة ألف‪ ،‬ع ‪ ،64‬منشورات‬
‫اجلامعة األمريكية‪ ،‬القاهرة‬
‫‪ -16‬ليتش‪ ،‬إدموند‪ ،2002 :‬كلود ليفي شرتاوس‪ -‬دراسة فكرية‪ ،‬تر‪ :‬ثائر ديب‪ ،‬منشورات وزارة‬
‫الثقافة‪ ،‬دمشق‬
‫‪ -17‬مرتاض‪ ،‬عبد امللك‪ ،2004 :‬يف نظرية الرواية‪ ،‬حبث يف تقنيات السرد‪ ،‬سلسلة عامل املعرفة‪،‬‬
‫الكويت‬
‫‪ -18‬ابن منظور ‪ ،1994 :‬لسان العرب‪ ،‬ط‪ 3،،‬دار صادر‪ ،‬بريوت‬
‫‪ -19‬يوسف‪ ،‬آمنة‪ ،1997 :‬تقنيات السرد بني النظرية والتطبيق‪ ،‬دار احلوار‪ ،‬الالذقية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪41‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من نظرية المعرفة وعلم العلم‬
‫إلى االستعرافية والعلمياء‬
‫د‪ .‬معن النقري‬

‫عرفت الفلسفة منذ القديم على أنها علم العلوم وبقي شاهداً على ذلك‬
‫يف عصرنا تسمية ‪ Ph. D‬كشهادة عامة وشاملة لكافة االختصاصات‬
‫العليا الراهنة على اختالفها‪ ،‬كما توجد اآلن ختصصات فلسفية فرعية‬
‫تركيبية شاملة ومشرتكة بني التخصصات ولكنها اكتسبت صفات ومسات العلوم‬
‫الفرعية التشعبية مع كونها عامة عرب‪ -‬اختصاصية‪ ،‬أما علم العلم فيختلف عن ذلك‬
‫كله بأنه علم ختصصي حديث ولكنه مركب ومنظومي موضوعه العلم ككل [ يف هذا‬
‫اخلصوص ميكن مراجعة م‪ .‬ع‪ .‬ن‪ :‬الفلسفة وعلم العلم‪ ،‬األسبوع األدبي‪ ،‬دمشق‪،‬‬
‫ع ‪ ،1166‬يف ‪ ،2009 /9 /12‬ص‪.] 5‬‬

‫‪42‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫إن علم العلم ليس علمَ معرفةٍ أو معرف َة معرفةٍ‬
‫أو نظرية معرفة‪ ،‬ألن (العلم) هنا أمشل وأوسع‬
‫كثرياً من مفهوم املعرفة اجملردة باجتاه كثري من‬
‫املعاني والتجسدات امللموسة اهلامة‪ ،‬وبالتايل‬
‫فعلم العلم هو ليس االبستمولوجيا اليت هي‬
‫نظرية للمعرفة أو علم ع��ن املعرفة أساساً‬
‫وحتديداً‪ ،‬وهذا املعنى لالبستمولوجيا واضح‬
‫متاماً يف األدبيات واملرجعيات العاملية كافة‪:‬‬
‫الروسية واإلنكليزية والفرنسية واإليطالية‪...‬‬
‫بالرتكز واالستقطاب حم��وري�اً ح��ول املعرفة‪،‬‬
‫ويكاد يشذ الفكر العربي وتشذ الثقافة العربية‬
‫عن ذلك جبعلها االبستمولوجيا وفهمها كعل ٍم‬
‫للعلم بالرتافق مع‪ -‬ورمبا بسبب‪ -‬جهل مطبق‬
‫بوجود علم حديث متخصص آخر ووحيد حيمل‬
‫صراحة وبوضوح تسمية (علم العلم) حرفياً‬
‫باللغات احلية املعاصرة (كاإلنكليزية والروسية‬
‫وغريمها)‪ ،‬وبكلمات جديدة خالية من جذور‬
‫يونانية أو إغريقية أو التينية‪....‬‬
‫وهكذا جند أن االبستمولوجيا يف الثقافات‬
‫العاملية احلية الراهنة هي أساساً‪ ،‬ويف األغلب‬
‫األع��م‪ ،‬ليست علم العلم بل نظرية املعرفة أو‬
‫الغنوسيولوجيا بتعبري آخ��ر‪ ،‬نستثين من ذلك‬
‫الثقافة العربية ال�تي تكاد تستفرد بالشذوذ‬
‫عن ه��ذه القاعدة وه��ذه املعاني فتشوه داللة‬
‫علم العلم احل��ق والناضج على أرض الواقع‬
‫واملختلف‪ ،‬ليس بإعطائه صبغة االبستمولوجيا‬
‫فقط‪ ،‬بل وبتسمية علوم ومعارف وممارسات‬
‫عديدة متباعدة ومتضاربة أحياناً على أهنا علم‬
‫العلم بدورها‪ ،‬أمثال‪ :‬السيمياء والسيميائيات‪،‬‬
‫والعلمولوجيا‪ /‬السينتولوجيا‪ ،‬والفقه وعلوم‬
‫الدين‪ ،‬وفلسفة العلوم والفلسفة‪ ،‬بل وبعض‬
‫االجتاهات واملدارس الفلسفية بعينها مييناً أو‬
‫يساراً‪.‬‬
‫واللوثة الفكرية أيضاً تأتي عرب املطابقة بني‬
‫علم العلم وعلم العلوم‪ ،‬بني علم العلم وفلسفة‬
‫العلوم‪ ،‬وال يقتصر اإلشكال هنا على الثقافة‬

‫العامة أو العمومية الشعبية‪ ،‬بل يتجاوزها إىل‬
‫اختصاصيني عرب من صلب املوضوع يطابقون‬
‫أيضاً بني دالالت ومعاني كل من االبستمولوجيا‬
‫وعلم العلم‪ :‬ي��رد ذل��ك جزئياً ل��دى (منتديات‬
‫درع اإلم���ارات) للثقافة العامة والعاملية‪ ،‬ويف‬
‫املوسوعة العربية‪ ،‬ويف موقع املفكر ‪ -‬أفكار‬
‫حرة‪ :‬يف هذه املرجعيات خيتلط املعنى جزئياً‬
‫كما قلنا‪ ،‬ألن االبستمولوجيا توصف بسمات‬
‫متباينة أو متعارضة بزعم أن الدالالت مرتادفة‪،‬‬
‫فهي من جهة نظرية أو علم يف املعرفة‪ ،‬وهي من‬
‫جهة أخرى علم العلم‪ ،‬وكأن األمرين سَيَّان‪ .‬لكن‬
‫الثقافة العربية االختصاصية ال تعدم‬
‫فهماً مغلوطاً كلياً ملعاني االبستمولوجيا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪43‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫على أهن��ا علم العلم حت��دي��داً‪ :‬ه��ذا هو احلال‬
‫مع تعريفات (املعجم) العام للعلوم االجتماعية‬
‫وغريه من املعجمات‪ ،‬وهكذا احلال أيضاً مع د‪.‬‬
‫حممد عابد اجلابري – قامة العرب (الفارهة)‬
‫ف��ل��س��ف��ي�اً؛ وس��ي��ك��ون احل����ال أس����وأ ك��ث�يراً مع‬
‫اختصاصيَّني عربيَّني آخرَين من صلب املوضوع‬
‫ذات��ه مها (د‪ .‬مينى طريف اخل��ويل) واحملال‬
‫إليه (د‪ .‬شوقي جالل)‪ :‬ألن اإلشكال هنا أعمق‬
‫وأخطر وأدهى‪ :‬عندمها ليست االبستمولوجيا‬
‫بعد اآلن هي علم العلم‪ ،‬بل نشأ علم جديد أكثر‬
‫جذرية هبذا املعنى هو عندمها السينتولوجيا‪،‬‬
‫اليت جيعالهنا ذاهتا علم العلم باملعنى املوضوعي‬
‫احلديث واملعاصر كعلم مركب موضوعه العلم‬

‫‪44‬‬

‫ككل‪ -‬أي ذات مواصفات العلم احلق والناجز‬
‫العاملي احلي اآلن!!‬
‫ويف ه����ذه احل���ال���ة ن��س��ت��ط��ي��ع ال�ت�رح���م على‬
‫االجتاهات العامية العمومية والشعبوية اليت مل‬
‫تبالغ يف ادعاءاهتا أو يف مزاعم من هذا القبيل‪،‬‬
‫بل مسَّ��ت األش��ي��اء مبسمياهتا الفعلية وبدت‬
‫السينتولوجيا عندها (علمولوجيا)‪ ،‬وليست‬
‫(علم العلم) م��زع��وم‪ ،‬وع�برت ع��ن مضموهنا‬
‫بعبارات صرحية واضحة‪ :‬علمولوجيا الروح‪،‬‬
‫علمولوجيا العامل (احلر)! العلمولوجيا كحركة‬
‫(دينية)‪( ،‬ديانة الساينتولوجيا)‪ ،‬العلمولوجيا أو‬
‫السينتولوجيا (كمجموعة من التعاليم الدينية‬
‫واملعتقدات‪.)....‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫م��ن جهة أخ���رى جن��د م��واق��ع وشبكات جنوم‬
‫عربية هتتم بعلم العلم ب��دوره��ا من مواقفها‬
‫النجومية الغيبية وبفهمها اخل��اص واآلخر‬
‫واملفارق لعلم العلم أيضاً‪ :‬إنه (بوب) علم أو علم‬
‫العلم الشعبوي‪.‬‬
‫وبسبب ذلك كله آثرنا تسمية هذه الظاهرة ككل‬
‫بأطرافها املتعارضة ونقائضها مجيعاً‪ -‬العلمية‬
‫وغ�ير العلمية واخل��راف��ي��ة والغيبية وغريها‪-‬‬
‫ظاهرة فوضى علم العلم يف الثقافة العربية‪ ،‬يف‬
‫حني كان يلزمنا مدلول واحد وواضح وتسمية‬
‫واحدة (مع اجتهادات لغوية حبتة فقط) لوصف‬
‫وتسمية العلم اجلديد‪ ،‬مثل سائر أمم األرض‬
‫وثقافاهتا األخرى ال أكثر وال أقل‪.‬‬
‫إن علم العلم احل��ق وال��ن��اج��ز عاملياً بالفعل‬
‫منذ حوايل نصف قرن‪ -‬منذ الستينيَّات‪ -‬هو‬
‫ببساطة واختصار اختصاص جديد يدرس‬
‫تطور العلم ككل وتوظيفه واستثماره اجتماعياً‬
‫وتطبيقياً مبساعدة عدد كبري من علوم العلم‪:‬‬
‫ابستمولوجيا وسيكولوجيا وسوسيولوجيا‬
‫واقتصاد وتنظيم وإدارة‪ ...‬العلم ذاته إخل‪،...‬‬
‫وهو يهدف إىل عقلنة العلم املعاصر وتطبيقاته‬
‫جمتمعياً‪ ،‬وإىل تنظيم النشاط العلمي وإدارة‬
‫وتوجيه العلم‪ ،‬وإىل التنبؤ واالستشراف علميَّاً‪،‬‬
‫وإىل إنتاج وإعادة إنتاج القدرات العلمية (الكوادر‬
‫أو األطر)‪...‬‬
‫هبذه املعاني التخصصية اجلديدة لعلم العلم‬
‫جن��د أنفسنا أم��ام ج��وان��ب وسياقات عديدة‬
‫متنوعة مل��وض��وع البحث وال���دراس���ة‪ ،‬ليست‬
‫معرفية فقط‪ ،‬بل وذات صلة أيضاً بنشاطات‬
‫وممارسات وتطبيقات‪ ،‬وبكيانات ومؤسسات‬
‫اجتماعية كربى وليدة كذلك‪ ،‬إضافة إىل تطوير‬
‫ختصصات من صلب ويف نواة علم العلم تعرب‬
‫جوهرياً عن معايريه وتقيسُه وتُحدّد مواصفاتِه‬
‫(ه��و ذات���ه والعلم ال���ذي ي��درس��ه ب����دوره)‪ :‬إنه‬
‫العلموميرتيا‪ -‬أي علم قياس ومواصفات العلم‬
‫ذاته‪ ،‬والذي يعرب خباصة عن أصالة ومتيز العلم‬

‫اجلديد‪ .‬وعلى أساس دراسات علم العلم احلق‬
‫والناجز كعلم تطبيقي (نافع) مباشرةً توضع‬
‫اسرتاتيجيَّات وسياسات وخطط وبرامج علمية‬
‫ملموسة وذات أمهية تنموية حقيقيَّة وفعالة‪.‬‬
‫أما الدوريات املتخصصة كلياً بعلم العلم احلق‬
‫والناجز هذا فهي تعاجل مسائل اختصاصية‬
‫ومتميزة يف حماورها امللموسة الكربى أمثال‪:‬‬
‫العلم واجملتمع‪ ،‬ونظرية ‪/‬أو نظريات‪ /‬تطور‬
‫أو تطوير العلم‪ ،‬ومنطق ومنهج ‪/‬ميتودولوجيا‬
‫ال��ع��ل��م‪ ،‬وق��ض��اي��ا اإلب����داع ال��ع��ل��م��ي‪ ،‬وصياغة‬
‫شخصية ال��ع��امل (املشتغِل بالعلم) ومسائل‬
‫القدرات العلمية (الكوادر)‪ ،‬وإدارة العلم وتنظيم‬
‫النشاطات العلمية‪ ،‬واقتصاديات العلم مبا فيها‬
‫مسائل اجلدوى واملردودية والكفاءة‪ /‬اجلدارة‬
‫العلمية‪ ،‬وعقلنة وت��رش��ي��د ال��ب��ح��ث العلمي‬
‫والدراسات العلمية؛ وكانت السنوات والعقود‬
‫األخ�يرة تشهد اهتماماً تصاعدياً باملؤشرات‬
‫العلمية وباملواصفات أو املقاييس العلموميرتية‬
‫ككل‪ ،‬وبقضايا باتتْ لصيق ًة بالعلم التقليدي‬
‫الكالسيكي امل��ع��زول سابقاً وامللتحم حالياً‬
‫بالتقنية والتكنولوجيا (ال��ت��ق��ان��ة) يف وحدة‬
‫منظومية كتقدم علمي‪ -‬تقين وكثورة علمية‪-‬‬
‫تقنية‪ ،‬وهي مجيعاً اآلن على تشعُّبها وتركبُّها‬
‫أح �دُ موضوعات علم العلم املعاصر‪ ،‬وازداد‬
‫أيضاً االهتمام بدور العوامل الناعمة يف تطور‬
‫‪/‬وتطوير العلم كالعوامل الذهنية والنفسية‬
‫والسوسيوثقافية‪...‬إخل‪.‬‬
‫ولو أخذنا اجلانب األساس الذي هتتم به ثقافتنا‬
‫العربية (االختصاصية العلمية) من علم العلم‬
‫حقاً‪ ،‬الذي ال تعرفه‪ ،‬وجدنا أنه اجلانب املعريف‬
‫‪/‬الغنوسيولوجي‪ /‬االبستمولوجي‪ ،‬أي أننا أكثر‬
‫ما نعرف من مباحث هذا العلم أو التخصص‬
‫اجلديد هو ابستمولوجيا ‪/‬غنوسيولوجيا العلم‬
‫يف األغلب األعم على حساب كثري من اجلوانب‬
‫األخرى واألكثر أمهية‪.‬‬
‫وأما يف جمال اهتمامنا التجاوزي الغريب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪45‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املستغرب ه��ذا‪ -‬ابستمولوجيا العلم‪ -‬فإننا‬
‫أيضاً نكاد نكون غرباء أو يف حالة اغرتاب عن‬
‫إجن��ازات واهتمامات العامل املتقدم الطليعية‬
‫األوسع واألعمق معرفياً‪ /‬ايبيستيمياً‪ ،‬فنحن ال‬
‫هنتم بابستمولوجيا وميتودولوجيا كثري من العلوم‬
‫الطبيعية غري التقليدية‪ ،‬بل ومنها علوم األرض‬
‫والفضاء والكون‪ ،‬وال هنتم بتاتاً تقريباً بالعلم‬
‫التكنولوجي‪ /‬التقاني ومبعرفيات العلوم التقنية‬
‫والتطبيقية بصورة أعم‪ ،‬ورمبا مل نسمع بعد‬
‫مبعاجلات ومعرفيات علم جديد وتفصيلي وليد‬
‫آخر هو علم اإلبداع واالخرتاع والتطوير‪ -‬علم‬
‫اإلبداع التطبيقي‪ -‬العلم املهتم مبسائل البحث‬
‫واالكتشاف (الذي مسيناه إجرائياً‪ :‬البحثية‪-‬‬
‫االكتشافية) وهو اليوريستيك‪ /‬اإليفريستيكا‪،‬‬
‫كما أننا غرباء عن معرفيات احملاكاة واملماثلة‬
‫والتنميط والنمذجة واملنهجيات املنظوميَّة‬
‫املتقدمة معرفياً‪ ،‬ول��ذا نستغرب التصميمية‬
‫االجتماعية كنظري للتصميم اهلندسي التطبيقي‪،‬‬
‫وتنقصنا اآلف��اق وسعة الصدر يف إيكولوجيا‬
‫ومعلوميَّات العصر معرفياً‪ ،‬ومسائل العقل أو‬
‫الذكاء الصنعي‪ ،‬ومعرفيات‪ /‬أو ابستمولوجيا‬
‫وميتودولوجيا السيميائيات واألمنوذجات‬
‫املشرتكة العامة‪ ،‬وملعرفيات‪ /‬ابستمولوجيات‬
‫ليس العلوم وامل��ع��ارف اهلندسية والتطبيقية‬
‫فقط‪ ،‬بل والنشاطات‪ /‬وامل��م��ارس��ات وكذلك‬
‫التطبيقات التقنية اهلندسية معرفياً‪ ،‬وال سيما‬
‫يف خصوص وتُ��ج��اه بيوت اخل�برة وتعليمات‬
‫اخلرباء‪.‬‬
‫أردنا من ذلك باختصار إيقاظ االبستمولوجيا‬
‫العربية وتوسيع آفاقها خصوصاً أهنا املهيمنة‬
‫والسائدة على الساحة حتى اآلن‪ .‬أخ�يراً هل‬
‫االبستمولوجيا‪ /‬الغنوسيولوجيا ه��ي فعالً‬
‫نظرية (املعرفة) حسب فهمنا احلايل عربياً؟‬
‫أع�ني ه��ل ه��ي ك��ذل��ك حتى يف ح��ال اقتنعنا‬
‫باألبعاد واملعاني املعرفية أساساً وحموراً؟ ‪ -‬هنا‬
‫يلزم تدقيق إض��ايف‪ ،‬ألن ه��ذه االختصاصات‬

‫‪46‬‬

‫ال�تي ه��ي (م��ع��رف��ي��ة) ف��ع�لاً ال هتمها املعرفة‬
‫اجل��اه��زة ال��ب��اردة الباهتة كحصاد وحصيلة‬
‫قدر اهتمامها بكيفية وسبل وآليات ومسارات‬
‫حتصيل املعرفة كسعي وتوجه وسلوك نشداني‬
‫مطليب‪ :‬إهن��ا حتصيل وس��ع��ي وط��ل��ب املعرفة‬
‫وليست إياها ذاهتا كأولوية‪ ،‬هبذا املعنى تكون‬
‫تسميتنا نظرية (املعرفة) غري دقيقة مقابل أي‬
‫من الغنوسيولوجيا واالبستمولوجيا‪ ،‬على الرغم‬
‫من إقرار العامل املعريف املشرتك بينها مجيعاً‬
‫وب��ف��رض ذل���ك‪ .‬املعنى احلقيقي لنظريةٍ يف‬
‫هذا اجملال هو نظرية التحصيل والوصول إىل‬
‫املعرفة‪ ،‬أي أن األساس واألصل هنا هو التعرف‬
‫أو االستعراف‪ ،‬وهي بالتايل نظرية تعرف‪ /‬أو‬
‫استعراف‪ ،‬أو هي علم تعرف‪ /‬أو استعراف‪ ،‬أو‬
‫أهنا باختصار التعرفية‪ /‬أو االستعرافية وليست‬
‫املعرفية (بصياغتِنا لتسمية التوجهات الفكرية‬
‫واملعرفية قياساً)‪.‬‬
‫إن��ن��ا يف ال��غ��ن��وس��ي��ول��وج��ي��ا‪ /‬االبستمولوجيا‬
‫أم��ام نظرية تعرف أو استعراف وليس أمام‬
‫نظرية معرفة‪ :‬وهذا ما قصدناه بالتعرفية أو‬
‫االستعرافية‪ .‬وج��ذور هذه املعاني (املعرفية‪-‬‬
‫التحصيلية) الساعية الطاحمة السالكة‪...‬إخل‪.‬‬
‫موجودة حتى يف املفاهيم املعرفية الغنوصية‬
‫(من غنوسيس)‪ ،‬ويف العرفان الصويف والعربي‬
‫اإلس�ل�ام���ي مم��ا ت��ط��ور إىل الغنوسيولوجيا‬
‫املعاصرة (من غنوسيس أيضاً)‪ ،‬وهي مجيعاً‬
‫تشرتك يف معاني البحث عن املعرفة ونشداهنا‬
‫وطلبها وكيفية حتصيلها وليس هبا ذاهتا كمنتوج‬
‫جاهز أو حصاد حاصل هنائي‪ ،‬هذا مع وعلى‬
‫الرغم من اختالف املضمون واألهداف املعرفية‬
‫يف احلالتني‪ :‬ه��ن��اك‪ /‬سابقاً املطلب واملراد‬
‫هو معرفة اهلل والتوجهات الدينية اإلميانية‬
‫الالهوتية‪ ،‬وهنا‪ /‬اآلن املراد واملطلب واهلدف‬
‫املنشود هو الوصول إىل معرفة الواقع والعامل‬
‫والوجود‪ -‬عاملنا الدنيوي وواقعنا العلمي حموراً‬
‫وأساساً قبل أي شيء آخر‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫وع��ل��م العلم احل��ق وال��ن��اج��ز ه��و ذات���ه نظرية‬
‫العلم (ب��ل ويتجسد ذل��ك بامللموس لغوياً‪ :‬يف‬
‫اإلنكليزية احلاضرة اليت تعطي حرفياً معنى‬
‫علم العلم كمقابل تام ملا يف الروسية الراهنة‬
‫من معنى أقرب إىل صياغة (نظرية العلم)‪ :‬لكن‬
‫املضمون الفعلي يف املمارسة والرؤى هو ذاته يف‬
‫احلالتني)‪ ،‬ونظراً لبعض التجارب اليت نصطدم‬
‫هب��ا م��ن س��وء ت��أوي��ل املعنى يف ح��ال �ةِ تسمية‬
‫عل ٍم تركيبيَّا من أكثر من كلمة وما قد يقود‬
‫إليه من التباس أو تعددية يف الداللة‪ ،‬نقرتح‬
‫إجرائياً تسمي ًة عربي ًة من كلمة واحدة مقابل‬
‫علم العلم أو نظرية العلم هي العِلْمياء‪ ،‬واليت‬
‫توحي كثرياً بكلمة العلماء ظاهرياً على األقل‪،‬‬
‫وهذا ليس سيئاً‪ ،‬بل ال تستغرب أن تكون كلمة‬
‫العلمياء قد سبق استخدامها يف الرتاث العربي‬
‫لوصف العلماء أو مجاعة العلماء بتحديد أكرب‪،‬‬
‫كما تشهد بعض احليثيات امللموسة شبكياً‪،‬‬
‫لكن املقصود من العِلْمياء هنا حتديداً هو علم‬

‫العلم‪ ،‬وإن شوش عليك التأنيث والتذكري يف‬
‫احلالتني تعبرياً عن مقصود واح��د‪ ،‬فال تقلق‬
‫نفسياً‪ ،‬يكفي أن تتمثل وتتصور املعنى ذاته يف‬
‫نظرية العلم (املؤنثة) وقد بقيت مؤنثة وصار هلا‬
‫اسم آخر هو العِلْمياء‪ ،‬فال جمال لليأس إذاً أو‬
‫لالكتئاب‪ ،‬وللتذكري هبذا الوزن املعمول به يكفي‬
‫أن نشري إىل اإلعالمياء واملعلومياء والصورياء‬
‫يف م��ي��ادي��ن ق��ري��ب��ة‪ .‬أم���ا ع�لْ��م��ي��اء يف معاجم‬
‫الطب العربي احلديث فهي ذاهتا املعلومياء أو‬
‫املعلوماتية ‪ informatic‬وه��ذا برأينا خطأ‬
‫فادح يف التعريب ألن جذر الكلمة هو معلومة‬
‫أو معلومات ‪ information‬وبالتايل ال جيوز‬
‫أن نتجاهل ذلك وكأن اجلذر هو علْم واالنطالق‬
‫إىل علْمياء ب��دالً من معلومياء أو معلوماتية‪،‬‬
‫بينما العلمياء اليت نقرتحها ونتحدث عنها هنا‬
‫هي بالفعل من جذر علْم وتعبّر حقاً وقياساً عن‬
‫العلم الذي يرتكز إىل هذا اجل ْذر أي العلم الذي‬
‫يدرس العلم ذاتَه‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪47‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الصوت‬

‫في الخيال العلمي‬
‫سائر بصمه جي‬

‫نعلم أن الصوت عبارة عن االهتزازات اليت تصدر عن األجسام فندركها حباسة‬
‫السمع‪ .‬ويسمى العلم الذي يدرس الصوت من ناحية خصائصه الفيزيائية‬
‫(تردده‪ ،‬شدته‪ ،‬طول موجته‪ )...،‬بعلم الصوت أو السمعيات ‪.Acoustics‬‬
‫وقد ثبت يف اللغة العلمية أن الظاهرة الصوتية أقل حتدياً من ظاهرة الضوء‪ ،‬لكن فيما‬
‫يتعلق باإلحساس الفين فإن التحديات التقنية اليت تطرحها املوسيقى ‪-‬على األقل‪ -‬تضاهي‬
‫تلك اليت يطرحها الفن البصري‪ .‬لقد مت صياغة نظام األصوات البشرية املعقد بصورة‬
‫بصرية من خالل ابتكار هام غري جمرى التاريخ أال وهو األجبدية‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫تارخيياً؛ وضعت األعمال التقليدية لبطلميوس‪،‬‬
‫مبا فيها علم األص���وات املوسيقية واملرتكزة‬
‫أس��اس�اً على سابقيه فيثاغورس‪ ،‬أس��س علم‬
‫الصوت اليت ربطت بني الرياضيات واألحلان‪.‬‬
‫وقد نزعت دراسة ظواهر الصوت ألن تكتسي‬
‫بالنظرية املوسيقية يف كل من العلم واألدب‬
‫حتى القرن السابع عشر‪.‬‬
‫أعار العلماء أيضاً انتباههم للكثري من األصوات‬
‫الطبيعية خباصة تلك املرافقة لألحوال اجلوية‪،‬‬
‫أو األص����وات ال��ع��ف��وي��ة امل��راف��ق��ة لالنفعاالت‬
‫خصوصاً الصراخ عند األمل أو النصر أو الفرح‬
‫والرتح‪ .‬وخارج نطاق املوسيقا واإلن��ذار خبطر‬
‫حمدق‪ ،‬كانت األصوات الصنعية األكثر أمهية‬
‫قبل القرن التاسع عشر هي الضجة العالية‬
‫املرافقة لالنفجارات‪ ،‬واليت زاد صخبها على‬
‫حنو ملحوظ منذ القرن الرابع عشر‪.‬‬
‫م��ع معرفة الفيثاغورسيني أن درج��ة النغمة‬
‫املوسيقية اليت تنتجها األوت��ار املنقورة تعتمد‬
‫على طول الوتر‪ ،‬فقد ترك للمهندس املعماري‬

‫الروماني ماركوس فيرتوفيوس (القرن‪1‬ق‪.‬م)‬
‫أن يقرتح النظرية املوجية النتشار الصوت‪ ،‬ثم‬
‫طبق مبادئ نظريته املوجية يف الصوت‪ ،‬على‬
‫اهلندسة الصوتية يف القاعات الرومانية‪.‬‬
‫بعد أن انتقل عرش العلم حلضارة العرب‪ ،‬حقق‬
‫العلماء العرب يف الفرتة الواقعة بني القرنني‬
‫الثامن واخلامس عشر‪ ،‬إجنازات هامة نوردها‬
‫هنا ‪ -‬بعد دراسة معمقة استمرت أربع سنوات‪-‬‬
‫فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬اعتمد ال��ع��رب على مصطلحات صوتية‬
‫خم��ت��ل��ف��ة ت���ف���ردوا هب���ا ع���ن غ���ريه���م ك��م��ا يف‬
‫املصطلحات‪( :‬القرع والقلع) و (احلدة والثقل) و‬
‫(الرطوبة و اليبوسة) وغريها‪ .‬حماولني توضيح‬
‫مفاهيمها وه��و األم��ر ال��ذي ي��دل على وجود‬
‫منظومة اصطالحية خاصة هبم‪ ،‬وإن مل يكن‬
‫املصطلح متطابقاً متاماً عند مجيع العلماء‪،‬‬
‫كما هو احلال يف مصطلح (الرطوبة واليبوسة)‪،‬‬
‫وهذه سنة من سنن تطور املصطلحات‬
‫و انتقاهلا من فوضوية العموم إىل دقة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪49‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الداللة‪.‬‬
‫‪ -2‬بالنسبة ملالحظة خاصية االجتاهية يف‬
‫األذن‪ ،‬فإننا مل نعثر على أي نص يوناني أو غريه‬
‫يؤكد مالحظة هذه اخلاصية قبل مالحظته من‬
‫قبل العلماء العرب‪.‬‬
‫‪ -3‬خرجوا على رأي أرسطو يف حاسة اللمس‪،‬‬
‫وعلى رأي جالينوس يف حاسة السمع وذلك‬
‫بوضعهم مركز السمع يف الصماخ وليس يف‬
‫الدماغ مباشرةً‪.‬‬
‫‪ -4‬مل يؤكد اليونانيون إمكانية انتشار الصوت‬
‫يف امل��اء‪ ،‬و ذل��ك خب�لاف العرب الذين قرروا‬
‫إمكانية ذلك نظراً للتشابه يف اخلواص بني املاء‬
‫واهلواء‪.‬‬
‫‪ -5‬لقد تفرد العرب بتقدميهم لوثيقة علمية‪،‬‬
‫تناقش موضوع انتشار الصوت يف األجسام‬

‫‪50‬‬

‫الصلبة‪ ،‬دون غريهم من احلضارات السابقة‪.‬‬
‫‪ -6‬ت��ف��وق ال��ع��رب على اليونانيني يف اجملال‬
‫التجرييب ال��ص��وت��ي‪ ،‬ففي ح�ين عثرنا على‬
‫جتربتني للعرب‪ ،‬فإننا مل نعثر على أية جتربة‬
‫مماثلة أو خمتلفة لليونانيني حسب الوثائق اليت‬
‫قمنا بالبحث فيها‪.‬‬
‫‪ -7‬درس العلماء العرب بعض العوامل اليت تؤثر‬
‫على شدة الصوت‪ ،‬دون أن يتعرض هلا اليونانيون‪.‬‬
‫كاملسافة بني السامع ومصدر الصوت‪ ،‬وتغري‬
‫شدة الصوت حبسب اجتاه الرياح‪ .‬باإلضافة‬
‫لتنبههم لطاقة الصوت التدمريية وأثرها يف‬
‫الكائنات احلية و اجلمادات‪.‬‬
‫‪ -8‬لقد قدم لنا العلماء العرب تصنيفاً علمياً‬
‫دقيقاً للطرائق ال�تي ميكن أن حي��دث عنها‬
‫الصوت‪ ،‬وفرقوا فيما بينها‪ ،‬وهو مامل يفعله‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫اليونانيون من قبل‪.‬‬
‫‪ -9‬فصَّـل العرب يف احلاالت اليت يتخامد هبا‬
‫الصوت‪ ،‬حماولني رصد العوامل املؤثرة عليه‪،‬‬
‫وهو مامل يفعله اليونانيون أو الرومانيون‪.‬‬
‫‪ -10‬ابتكار أوالد موسى بن شاكر آللة تسجيل‬
‫الصوت و استعادته (بشكليه املوسيقي والناطق)‪،‬‬
‫منذ ال��ق��رن التاسع للميالد قبل فوكانسون‬
‫الفرنسي وأديسون األمريكي‪ .‬إ ْذ مل تذكر لنا‬
‫املصادر و املراجع املتخصصة يف تاريخ العلم‬
‫والتقنية عن وجود آلة تقوم بتسجيل الصوت‪،‬‬
‫ثم تعيد إصداره بنفس الرتتيب الذي سجلت به‪،‬‬
‫قبل العلماء العرب‪.‬‬
‫‪ -11‬لقد توصل العلماء العرب إىل تصميم‬
‫آالت وأدوات موسيقية استخدموها يف آالهتم‬
‫امليكانيكية إلضفاء احليوية عليها‪ ،‬أو بغرض‬

‫التنبيه‪ .‬كما أهنم عرفوا اآلالت الناطقة اليت‬
‫ختزن األصوات البشرية فيها‪.‬‬
‫ً‬
‫بعد أن درس علم ال��ص��وت ن��ظ��ري �ا‪ ،‬ظهرت‬
‫حاجة ملحة للبحث فيه جتريبياً‪ .‬فقد قام‬
‫بيري غاسندي ع��ام ‪ 1635‬ألول م��رة حبساب‬
‫سرعة الصوت‪ .‬وقد كان كل من مارين مريسن‬
‫وإسحاق نيوتن املؤيدين األساسيني إىل حاجة‬
‫الصوت إىل وسط ينقله‪ .‬ويف عام ‪ 1747‬وضع‬
‫جان داالمبري صيغة رياضياتية النتشار األمواج‬
‫الصوتية‪ ،‬مساعداً بذلك يف فهم األنواع املختلفة‬
‫ل�لاه��ت��زازات ال�تي تنتجها األدوات املوسيقية‬
‫املتنوعة‪ .‬وقد جاء التحليل الرياضياتي الشامل‬
‫للصوت على يد جوزيف فورييه يف أوائل القرن‬
‫التاسع عشر‪.‬‬
‫علم الصوت احلديث يرتكز إىل فرضية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪51‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جورج سيمون أوم اليت وضعها عام ‪ 1843‬وبني‬
‫فيها أن األذن حتلل األصوات املعقدة إىل نغمات‬
‫بسيطة بطريقة ميكن متثيلها رياضياتياً وفق‬
‫حتليل فورييه‪ .‬ويف هذا السياق من التطورات‬
‫احلاصلة يف علم ال��ص��وت‪ ،‬فقد وج��د القليل‬
‫منها طريقه إلهلام األعمال األدبية اليت تستطيع‬
‫استحضار الظواهر الصوتية إىل صور‪ ،‬وميكن‬
‫تلخيص اإلمكانيات اليت كان من املمكن ختيلها‬
‫يف عصر النهضة األورب��ي��ة يف وص��ف «بيوت‬
‫ال��ص��وت» ‪ Sound houses‬يف (أطلنتيس‬
‫اجلديد) لفرانسيس بيكون عام ‪ 1627‬والذي‬
‫يشري إىل وسائل تضخيم ميكن استخدامها‬
‫كأدوات مساعدة للسمع‪ ،‬كما يشري إىل أصداء‬
‫صنعية تعدل طبقة الصوت ووسائل متنوعة‬
‫لنقل األصوات عرب قنوات وأنابيب‪.‬‬
‫إن فائدة املعلومات اليت يتم اكتشافها باسرتاق‬
‫السمع شجعت االستخدام املؤقت يف اخليال ملا‬
‫يسمى «دهاليز اهلمس»‬
‫‪ ، Whispering galleries‬كتلك املالحظة‬
‫يف كاتدرائية القديس باول‪ ،‬حيث تعكس األمواج‬
‫الصوتية إىل بؤرة على مسافة ما من مصدرها‪،‬‬
‫وق��د ق��در ه��ذا التأثري بشكل تأملي يف قصة‬
‫(عني العنكبوت) للوكريتا فيل عام ‪.1856‬‬
‫رمب���ا ك���ان اب��ت��ك��ار ال��ت��ل��غ��راف ال��ك��ه��رب��ائ��ي يف‬
‫ثالثينيات القرن التاسع عشر وتكييفه لنقل‬
‫الرسائل بوساطة رم��وز م��ورس صوتياً‪ ،‬أوفر‬
‫حظاً بتحفيز وإثارة اخليال األدبي‪ .‬لقد أصبحت‬
‫الرسائل وفق نظام مورس ميزة قياسية خليال‬
‫اجل��رمي��ة املثري يف النصف األخ�ير م��ن القرن‬
‫التاسع عشر‪ ،‬يف قصة (صوت التوقيع) لليون‬
‫سكوت عام ‪ ،1857‬مل يكن ق��ادراً على إعادة‬
‫االستماع لألصوات اليت كان يكتشفها‪ ،‬فجاء‬
‫الفونوغراف (أو احلاكي) الذي طوره أديسون‬
‫عام ‪ 1877‬ليقدم مثاالً استثنائياً‪ .‬إن طريقة‬
‫التسجيل بالتثليم على الشمع اليت ظهرت عام‬
‫‪ ،1885‬زادت من جعله مناسباً أكثر‪ ،‬خصوصاً‬

‫‪52‬‬

‫بعد تطويرات إميل برلنر الذي حوله من الشكل‬
‫األسطواني إىل الشكل القرصي وقام بإنتاجه‬
‫باجلملة بعد عام ‪.1900‬‬
‫التصورات اخليالية املبكرة لتسجيل الصوت‬
‫ظهرت يف أعمال ج‪ .‬د‪ .‬هويليب (ذرات كالدني)‬
‫عام ‪ ،1860‬و(أذن اإلنسان اآليل) لفلورينس‬
‫ماكالندبريغ ع��ام ‪ ،1873‬يف حني أن (صوت‬
‫الصمت) آلرث��ر كونان دوي��ل ع��ام ‪ 1891‬يعد‬
‫سابقة مبكرة ل��رواي��ات ال حتصى يف القرن‬
‫العشرين اللتقاط الفونوغراف اع�تراف��ات ال‬
‫تأخذ حذرها عند احلديث بني اثنني‪.‬‬
‫تطوير اهلاتف كان له تأثري مثري بدرجة أكرب على‬
‫اسرتاتيجيات اخليال العلمي‪ ،‬وقد واصل تطوير‬
‫الراديو (اإلرسال واالستقبال الالسلكي) عملية‬
‫التطور‪.‬‬
‫إن التقدم يف حتسني تقنية تسجيل الصوت يف‬
‫القرن العشرين كان سريعاً‪ .‬وقد وجدت قصص‬
‫التجسس فرصاً مثرية للبقاء جنباً إىل جنب أو‬
‫متقدمة بشكل طفيف يف سلسلة التطورات‬
‫احلاصلة يف أجهزة التنصت واسرتاق السمع أو‬
‫أجهزة الشرطة‪.‬‬
‫ومع ازدي��اد تقنيات التشفري حلجب املعلومات‬
‫يف اإلش����ارات السمعية تعقيداً‪ ،‬ف��إن النتاج‬
‫األدبي لعلم الكتابة بالشفرة أصبح معقداً بشكل‬
‫مشابه‪ .‬وهو ما جنده يف قصة (صوت القتل‬
‫العمد) لغودوين والش عام ‪ ،1926‬حيث تظهر‬
‫مكرفوناً فائق احلساسية مصنوعاً اللتقاط‬
‫األصوات املتبقية من املاضي‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫تكتشف أذن اإلن��س��ان جم���اال حم����دودا فقط‬
‫م��ن األص���وات ي�ت�راوح ع���ادة ب�ين (‪ 20‬هرتز‪-‬‬
‫‪20‬ك��ي��ل��وه��رت��ز)‪ ،‬مت���ام���اً م��ث��ل ع�ي�ن اإلنسان‬
‫احلساسة فقط جملال حمدود من اإلصدارات‬
‫الكهرطيسية اليت تشكل الضوء املرئي‪ .‬لكن‬
‫بعض الكائنات احلية من املفصليات والفقاريات‬
‫ميكنها أن تدرك حسياً اهتزازات صوتية أكثر‬
‫من اجمل��ال البشري‪ ،‬وه��و جم��ال األم��واج فوق‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫صوتية اليت ال تستطيع األذن البشرية مساعها‪.‬‬
‫لقد ع��ان��ى أب��ط��ال قصة (ال��ك��وك��ب الثالثي)‬
‫ملؤلفها إ‪.‬إ‪.‬مسيث عام ‪ ،1948‬صعوبة بالتواصل‬
‫مع اجلنس الربمائي بسبب اختالف اجملاالت‬
‫السمعية لكال الطرفني‪ .‬وهي مشكلة ظهرت‬
‫حقيقة عندما بدأ البشر مبحاولة االتصال مع‬
‫الدالفني يف ستينيات القرن العشرين‪.‬‬
‫وق��د استخدمت أص��وات خ��ارج نطاق السمع‬
‫البشري بطرائق ب��ارع��ة ومتنوعة يف قصيت‬
‫(إله فوق صوتي) ملؤلفها ل‪.‬سرباغو دي كامب‬
‫عام ‪ ،1951‬و (السكون املهلك) جليمس غن‬
‫عام ‪ .1958‬ويف قصة (أصوات منخفضة على‬
‫مستوى عايل) يف كوميديا ج‪.‬ب‪.‬بريستلي تشكل‬
‫ميزة جلهاز يصدر أخفض األص��وات املمكنة‪.‬‬

‫وكما نالحظ من عناوين القصص السابقة أن‬
‫غياب الصوت هو املهم وليس وجوده‪.‬‬
‫لقد كانت حقيقة أن الكلب مل ينبح هي اليت‬
‫وضعت شارلوك هوملز على الطريق الصحيح‬
‫يف حترياته يف قصة (الربيق الفضي) لكونان‬
‫دوي���ل ع��ام ‪ .1892‬وق��د ك��ان��ت إزال���ة أو كبت‬
‫األصوات املتعمدين هي مادة موضوع قصص‬
‫مثل ‪( :‬قاتل الضجيج) لـ أ‪.‬م‪.‬ماكنيل عام ‪،1930‬‬
‫و (الصمت أرجوك) آلرثر كالرك عام ‪،1954‬‬
‫و (مُشعر السكون) لـ ت‪.‬ل‪.‬ش�يرد عام ‪،1953‬‬
‫و (إزالة الصوت) لـ ج‪.‬ج‪ .‬باالرد عام ‪ ،1960‬و‬
‫(غادجيت يقابل تريند) لكريستوفر أنويل عام‬
‫‪.1962‬‬
‫من ناحية أخرى فإن حقيقة أن الصوت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪53‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ال ميكن نقله عرب الفراغ قد مت جتاهلها روتينياً‬
‫يف املشاهد التلفزيونية واألف�لام السينمائية‬
‫اليت تتناول اخليال العلمي‪ ،‬حيث كثرياً ما تكون‬
‫املعارك يف الفضاء مدوية على حنو ال يطاق‪.‬‬
‫إن قابلية هذه التخيالت السمعية للتصديق‬
‫ظاهرياً ليست سوى انعكاس لضجيج املعارك‬
‫األرضية‪.‬‬
‫إحدى الظواهر الصوتية اليت اكتسبت مرتبة‬
‫رمزية يف القرن العشرين كانت (الدوي الصوتي)‬
‫املرافق الخرتاق حاجز الصوت للطائرات‪ ،‬وهو‬
‫عمل أجنزته ألول مرة طائرة ‪ 1-Bell X‬املزودة‬
‫مبحرك صاروخي عام ‪ .1947‬ومع أن الطائرات‬
‫املقاتلة النفاثة عملت روتيناً بسرعات تتجاوز‬
‫ما يسمى (ماك) بعد عام ‪ ،1960‬إال أن ترافق‬
‫الظواهر الصوتية مع السرعات العالية‪ ،‬استمر‬
‫يف ممارسة نفوذه اخليايل لفرتة طويلة بعد‬
‫ذلك‪ .‬قصة (ماك‪ :1-‬كوكب إيونوس) أللن أدلري‬
‫عام ‪ 1957‬تظهر مزجلة حبرية فوق صوتية‪.‬‬
‫وتظهر أشكال خمتلفة غري موسيقية ألغنية‬
‫مغرية م��ن ج��ه��از إص���دار نغمات موسيقية‬
‫تظهرها قصة (الصوت) لـ أ‪ .‬فان فوغت عام‬
‫‪ ،1950‬و (الضجيج) جلاك فانس عام ‪.1952‬‬

‫‪54‬‬

‫لقد استخدمت األمواج فوق الصوتية للتشويش‬
‫يف (القعقة اخلافتة) إلسحاق أسيموف عام‬
‫‪ ،1981‬كما ظهرت وسائل قتل حاذقة بوساطة‬
‫ظاهرة صوتية تظهر يف (النبضة امليتة) للورنس‬
‫ماجنفري عام ‪.1998‬‬
‫يف قصة (ك��س��ر ال��زم��ن) ل��ل��وري بنفورد عام‬
‫‪ ،1979‬يفرتض بطريقة ساخرة تشاهباً بني‬
‫األثالم اليت صنعها أديسون على أسطوانته يف‬
‫الفونوغراف وتلك املوجودة على أحد القدور‬
‫القدمية‪ ،‬مما يشجع أحد علماء اآلثار للبحث‬
‫عما إذا ك��ان تسجيل ال��ص��وت ق��د ع��رف يف‬
‫املاضي السحيق‪.‬‬
‫كما أوحى التشابه اجلزئي بني الضوء والصوت‬
‫إىل تطوير فكرة (الضجيج األب��ي��ض) الذي‬
‫يتضمن مزجياً من كل ال�ت�رددات املسموعة‪.‬‬
‫وق��د ك��ان من السهل إنتاجه لكنه ب��دا أن��ه ال‬
‫ميتلك وظيفة‪ ،‬بقي األمر كذلك حتى نشر يف‬
‫جتارب احلرمان احلسي للمنبهات السمعية؛‬
‫فتبني أن األذن تصبح مفرطة احلساسية هلا‬
‫بعد التعرض للصمت‪.‬‬
‫يف األدب العلمي العربي املعاصر جند أن قصة‬
‫(كوكب األحالم) ‪ -‬اليت خصها الدكتور طالب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫عمران لألطفال ونشرها عام ‪ -1978‬يروي‬
‫لنا موقف نزول ماجد وداليا إىل دغل قريب‪،‬‬
‫حيث مسعوا أصواتاً موسيقية عذبة تناديهم‬
‫بأمسائهم‪ ،‬تنبعث من األزه��ار اجلميلة اليت‬
‫تغين‪ ،‬فتصيب املرء بغيبوبة تفقده عقله‪ ،‬إذا‬
‫استمع إليها أح��د‪ ،‬أو نظر إىل مجاهلا‪ .‬وقد‬
‫كانوا يعلمون هذه احلقيقة‪ ،‬لكن داليا رغبت يف‬
‫قطف زهرة مجيلة‪ ،‬ألخذها إىل خمترب التحليل‪،‬‬
‫فسقطت مغمى عليها‪.‬‬
‫وم��ع إدراك��ن��ا ال��ت��ام أن ال��ص��وت ال ينتقل يف‬
‫الفضاء اخلارجي؛ لكن يف روايته (خلف حاجز‬
‫الزمن) ع��ام ‪ ،1985‬يصور د‪.‬ع��م��ران سفينة‬
‫فضائية أرضية‪ ،‬حتط بعد رحلة طويلة‪ ،‬فوق‬
‫ك��وك��ب شبيه ب����األرض‪ .‬وي��ب��دأ رج��ل الفضاء‬
‫املكلف مبهمة دراس��ة الكوكب بتجهيز نفسه‪،‬‬

‫ولباسه الفضائي‪ ،‬وأدواته اإللكرتونية املتطورة‬
‫‪ ...‬ويصادف بعد جولة فتاة ترحب به وتريه‬
‫«حمطة القدرة السمعية» اليت تلتقط األصوات‪،‬‬
‫وحت��ل��ل��ه��ا‪ ،‬وت��ف��ك رم���وزه���ا‪ ،‬ب��وس��اط��ة شبكة‬
‫استقبال‪ ،‬وأجهزة حاسبة‪ ،‬وبرجمة خاصة‪ ،‬لكن‬
‫هذه احملطة كانت تستقبل األصوات من الفضاء‬
‫اخلارجي !‪ ...‬فكان منه أن حتدث مع حمطة‬
‫البث األرضي التابعة لقاعدته؛ فطمأهنم على‬
‫سالمته وسالمة أجهزته‪ ...‬ورمبا كانت حمطة‬
‫القدرة السمعية هي حمطة استقبال راديوية‪..‬‬
‫لقد ك��ان ال��ص��وت – مثل غ�يره م��ن الظواهر‬
‫الطبيعية‪ -‬مصدر إهلام لكتّاب اخليال العلمي‪،‬‬
‫ال��ذي��ن و ّل���دوا ب��دوره��م أف��ك��اراً هامة لتطوير‬
‫ابتكارات واخرتاعات نتلمس اليوم فوائدها يف‬
‫حياتنا اليومية‪.‬‬

‫املراجع‬
‫‪.2006 ,Science Fact and Science Fiction, Brian Stableford, Routledge, New York‬‬

‫دار طالس‪ ،‬ط‪ ،1‬دمشق‪ .1994 ،‬اخليال العلمي يف األدب‪ ،‬حممد عزام‪،‬‬
‫دار طالس‪ ،‬ط‪ ،1‬دمشق‪ .1990 ،‬أدب اخليال العلمي‪ ،‬جان غاتينبو‪ ،‬ترمجة‪ :‬م‪.‬ميشيل خوري‪،‬‬
‫علم الصوت‪ ،‬سائر بصمه جي‪ ،‬خمطوط حتت الطبع‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪55‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رقـــم ‪ 4‬يأمركـــم‬

‫لينــا كيـــالني‬

‫(( املعلومات العلمية يف هذه القصة هي دقيقة من مصادرها‪ ،‬أما التجربة فهي‬
‫من اخليال العلمي ألن املريخ مل تطأه قدم إنسان بعد‪ ،‬وما عاش جتربة هذه‬
‫الرواية أحد))‪.‬‬
‫مل أكن ألصدق ما أراه أو أمسعه عندما اهتزت‬
‫شاشات العامل وأمواج اإلذاعات تعلن أن مساء‬
‫اليوم وهو التاسع والعشرون من أغسطس عام‬
‫‪ 2020‬سوف تنطلق مركبتنا الفضائية املتطورة‬

‫‪56‬‬

‫اىل املريخ يف رحلة استكشافية جديدة للكوكب‬
‫األمحر‪ .‬التمعت شاشة الكمبيوتر الصغري يف‬
‫زاوية املخترب بسيل من املعلومات عندما فتحت‬
‫صفحات الشبكة العنكبوتية ألتابع املزيد من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫األخبار وهي تسري عرب العامل بسرعة الربق‪..‬‬
‫وتعلن عن مشاركة ها ٍو أو سائح فضاء هو أنا‬
‫يشارك العلماء يف هذه الرحلة اجلريئة‪ ..‬شردت‬
‫وأفكاري تسحبين حنو ذكرياتي وطموحاتي وأنا‬
‫يف قمة الشباب اندفع وراء اهتماماتي وهواياتي‬
‫وكأهنا اخلط الفاصل عندي بني املوت واحلياة‪..‬‬
‫وأضطرب أمام ذلك اجلهاز أي جهاز الكمبيوتر‬
‫الذي طاملا كان نافدتي اليت أطل منها على كل‬
‫العوامل الرحبة اليت أحبها وأشغف هبا‪ ..‬دون أن‬
‫أعرف أن القدر كان ينسج يل غاللة رقيقة من‬
‫األحالم‪.‬‬
‫من بعيد جاءني صوت زميلي يكسر ذهويل أمام‬
‫ما أتابعه على شاشة الكمبيوتر‪:‬‬
‫ فارس‪ ..‬فارس‪ ..‬هيا لقد حان الوقت‬‫لالنضمام اىل باقي الفريق‪ .‬الشك أنك يف‬
‫قمة سعادتك اليوم‪ ..‬أليس هذا ما سعيت له‬
‫ورصدت له كل ثروتك تقريباً؟‬
‫التقطت كلمة سعادة فاقرتبت منه‪ ،‬ووضعت‬
‫يدي فوق رأسه‪ ،‬وقلت‪:‬‬
‫_ السعادة هنا يا صديقي يف الفكر‪.‬‬
‫رد ممازحاً وهو يطلب غرفة القيادة عرب‬
‫اهلاتف‪:‬‬
‫ وملاذا ال تقول يف الشِعر؟‬‫أجبته وعيناي مثبتتان فوق شاشة الكمبيوتر‪:‬‬
‫_ الفكر والشِعر ال يفرتقان‪ ..‬بل قل إن كالً‬
‫منهما يكمل اآلخر أو هو حباجة اليه‪ ..‬لكن‬
‫الفكر البشري هو العلم‪ ..‬وهو التقدم‪ ..‬وهو‬
‫احلضارة‪ ..‬ماذا أضاف الشِعر مثالً اىل تقدم‬
‫البشرية منذ الفراعنة واإلغريق والصينيني‬
‫القدماء؟ ال شيء أكثر من إثارة املشاعر‬
‫اإلنسانية اليت هي نفسها على توايل العصور‪.‬‬
‫قاطعين‪:‬‬
‫_ ألن اإلنسان هو نفسه يا صديقي‪ ..‬يف الفرح‪،‬‬

‫واحلزن‪ ،‬والغضب‪ ،‬واحلب‪ ،‬والكره‪ ،‬اخل‪...‬‬
‫حتمست وقلت‪:‬‬
‫_ رمبا‪ ..‬لكن اإلنسان ليس نفسه يف مقياس‬
‫التطور والتقدم‪ ..‬أين إنسان هذا العصر من‬
‫اإلنسان البدائي الذي كان يعيش يف الكهوف‬
‫ويقدح احلجر أو اخلشب ليوقد النار؟‬
‫رد‪:‬‬
‫ـ أنا أقصد احلياة‪ ..‬نبض احلياة واإلحساس‬
‫هبا‪ ..‬فهل تقارن مثالً متعتك وأنت ترى على‬
‫الشاشة متحفاً ما‪ ،‬أو مدينة‪ ،‬أو آثاراً‪ ،‬أو غابة‪،‬‬
‫أو حتى زهرة مبتعة إحساسك هبا وأنت معها‬
‫تعيش جوها وتشم رائحتها أو تالمسها؟‬
‫أجبته باهتمام‪:‬‬
‫_ أجل‪ ..‬أجل‪ ..‬ومن يتخيل نفسه فوق أحد‬
‫الكواكب ليس كم يكون فعالً هناك‪ ..‬هذه‬
‫هي املرة األوىل يل اليت احتك هبا بعالَم مما‬
‫أحب خارج العالَم االفرتاضي الذي تعودت أن‬
‫أعيشه من خالل جهاز الكمبيوتر‪ ،‬أو أجهزة‬
‫البعد الثالث كما لو أن املشهد أمامي فعالً‪،‬‬
‫أو كما لو أنين أنا فيه‪ ..‬أما هذه التجربة اليت‬
‫حنن فيها اآلن فهي خمتلفة متاماً‪ ..‬صحيح أن‬
‫الواقع شيء حقيقي بينما اخليال شيء ال أقول‬
‫إنه ومهي بل كأنه مقطوف من حلم مصنّع‪..‬‬
‫ولكن لوال هذا اخليال أما كان الواقع كطائر‬
‫مقصوص اجلناحني؟‬
‫فأجابين‪:‬‬
‫ـ وبعد قليل ستعيش أحالم املريخ‪.‬‬
‫وما لبث احلوار أن انقطع بيننا عندما مسعنا‬
‫رنني اجلرس الرئيس وهو حياصرنا من‬
‫كل اجتاه يف إعالن لنا ألن نتوجه اىل خمترب‬
‫اإلعداد‪.‬‬
‫كانت حلظات حامسة تلك اليت انطلقت‬
‫فيها املركبة لتأخذ مسارها فيما بعد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪57‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫حنو الكوكب األمحر يف أعماق الفضاء‪ ..‬البداية‬
‫كانت موفقة فاألجهزة تعمل جيداً‪ ،‬وما من خطأ‬
‫أو خلل يف مسار الرحلة‪.‬‬
‫وسرت رهبة يف جسدي‪ ،‬وما إن نظرت عرب‬
‫أجهزة املركبة اىل وجه القمر والظالم يغمر كل‬
‫ما حوله حتى متلكين إحساس غامض وغريب‬
‫بأن جزءاً من ذاتي قد سكن فوق هذا الكوكب‬
‫املشرق بالضياء‪ ..‬متليت يف تفاصيل وجه‬
‫القمر‪ ،‬واملشهد أمامي ال حد لتنوعه وغناه‪..‬‬
‫وبدأت أعدد أمساء حباره‪ :‬هنا حبر األمطار‪..‬‬
‫وقريباً منه حبر الصفاء‪ ..‬حبران مستديران‬
‫بدون مياه‪ ..‬وجبوارمها حبر السكون‪ ..‬أما‬
‫ذاك فهو حبر األزمات‪ ..‬قريب من حافة‬
‫القمر وأصغر من سابقيه‪ ،‬وكأن هذه البحار‬
‫حتكي قصة احلياة‪ ..‬تنتقل من املاء والصفاء‬
‫اىل السكون‪ ،‬ثم تنفجر األزمة وسط حميط‬
‫العواصف‪ ..‬وأحسست وكأنين يف طقس بدائي‬
‫فوق قمة العامل‪ ،‬ومشاعري أقرب اىل السماء‬
‫منها اىل األرض‪.‬‬
‫أثناء سفر املركبة كنت كتلة ممغنطة من املشاعر‬
‫والرتقب‪ ..‬بل أشبه ما أكون بإنسان آيل ليس له‬
‫وجود إال من خالل هذه اإلشارات‪ ،‬واألصوات‪،‬‬
‫والشاشات‪ ،‬واالرتباط باألزرار‪ ،‬والتحكم هبا‪،‬‬
‫وقد انتفى الوجود البشري ليحل حمله وجود‬
‫شبه ميكانيكي‪ ..‬فإذا كانت األرض كلها مل تعد‬
‫تعين شيئاً أكثر من كوهنا كوكباً من بني هذه‬
‫الكواكب فهل إنسان ما ولو كان عاملاً سيعين‬
‫أكثر من ذرة غبار يف فضاء ما؟!‬
‫وكنت أعيش كاملسحور أو املخطوف اىل عامل‬
‫آخر بل هو بالفعل عامل آخر‪ ..‬ال أعلم كيف‬
‫سيكون‪ ..‬ومل يكن يف رأسي توقع له أكثر مما‬
‫شاهدته يف صور وأفالم خمترب الفضاء‪ .‬مل‬
‫أهتم كثرياً حبواراتي مع باقي الرواد بل كنت‬

‫‪58‬‬

‫أستبق بروحي ومشاعري موعد هبوط املركبة‪،‬‬
‫وأحبر يف اخليال حتى أصبحت ال أطيق أن‬
‫أمسع اتصاالهتم مع األرض‪ ..‬ذلك الكوكب‬
‫األزرق الذي كان يبدو من الفضاء البعيد صغرياً‬
‫ولكنه مبهر ورائع اجلمال‪.‬‬
‫كنت أقضي أغلب وقيت يف قراءة كل ما يتعلق‬
‫بكوكب املريخ الذي نتجه إليه يف سباق مع‬
‫الزمن وسرعة الضوء حتى أنين قرأت كل‬
‫التقارير اليت محلتها املركبة معها‪ ،‬واطلعت على‬
‫مجيع املعادالت الرياضية واملسائل الفيزيائية‬
‫والكيميائية‪ ،‬ومراحل املهمة وخطوات اهلبوط‬
‫والعودة‪ ،‬وكان الوقت مع ثقل االنتظار واللهفة‬
‫اىل الوصول‪ ..‬كان يهرب بسرعة رغم طول‬
‫الرحلة الذي امتد ألسابيع بل لشهور‪ .‬مل يعد‬
‫إحساسي بالزمن إحساساً أرضياً بل أصبح زمناً‬
‫من نوع خاص فضائياً رمبا‪ ..‬نعرب من خالل‬
‫دقائقه وساعاته اىل طرف آخر من الكون‪.‬‬
‫عشت مع نفسي يف ذلك السفر االستثنائي‬
‫كثرياً‪ ..‬أتذكر كل تفاصيل حياتي‪ ..‬وأنا مع باقي‬
‫الرواد نعيش يف شبه علبة مقفلة تسبح يف‬
‫أرجاء الكون‪ ،‬وتسافر عرب الزمن حنو اجملهول‬
‫وحنن مشدودون فيها اىل األحزمة واألنابيب‬
‫واحلبال‪ ،‬وال نعرف ما املفاجآت اليت ستقابلنا‬
‫إذا ما وصلنا‪ .‬وهكذا مرت املرحلة األوىل‬
‫ملهمتنا‪.‬‬
‫مل يبق هلبوط املركبة سوى ساعات قليلة اهنمك‬
‫فيها الرواد الثالثة باإلعداد له ألنه ال يقل‬
‫أمهية وخطورة عن حلظات االنطالق‪ .‬تكومت‬
‫على نفسي يف زاوييت‪ ،‬وأخذت أصلي كي مير‬
‫األمر بسالم‪ ..‬مل أكن خائفاً بل إنين أثق بالعلم‬
‫وباإلنسان‪ ..‬ومل أعد أستطيع أن أفكر بشيء‬
‫سوى اللحظات القادمة‪ ،‬وحتول الرواد اىل‬
‫أشبه ما يكونون بروبوتات حقيقية ال يتحرك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫من أجسادهم سوى األيدي والعيون‪ ،‬والعقول‬
‫طبعاً‪ .‬وعند اللحظة احلامسة اليت اقرتبت‬
‫فيها املركبة من جو املريخ أخذت سرعتها‬
‫اهلائلة تتناقص تدرجيياً‪ ،‬وأخذ الرواد يضعون‬
‫إحداثيات املنطقة اليت ستنزل فوقها املركبة‬
‫على وجه الدقة‪.‬‬
‫مل يبق سوى أربع دقائق فقط للرسو‪ ،‬وكانت‬
‫املركبة قد اخرتقت غالفاً رقيقاً للغاية هو‬
‫الغالف اخلارجي للمريخ فرتاجعت سرعتها‬
‫بشكل ملحوظ‪ ،‬وبرز منها درع للحماية من‬
‫احلرارة الرهيبة اليت سيولدها أول احتكاك هلا‬
‫مع ذلك الغالف حتى ال يتآكل السطح اخلارجي‬
‫للمركبة‪ .‬وقبل ثوا ٍن من االرتطام بسطح املريخ‬
‫بدأت أشياء عجيبة تربز من حواف املركبة‪،‬‬
‫وظهرت جمموعة من األكياس الضخمة حتيط‬
‫هبا‪ ،‬وتنتفخ كي متتص الصدمة‪ ،‬وحتى ال‬
‫تتحول املركبة اىل كرة طاولة تقفز فوق أرض‬
‫الكوكب‪ .‬وانفتحت املظلة الضخمة اليت تدلت‬
‫منها املركبة وهي هتبط ببطء بينما سارع جهاز‬
‫املسح الراداري باستكشاف املكان مثل أي عني‬
‫فضولية تستبق الرؤية لتهيئة احلدث‪ .‬وعند‬
‫جزء من الثانية صفر حلظة املالمسة اخلطرية‬
‫تالشت سرعة املركبة‪ ،‬وقفزت األكياس مرات‬
‫عدة حتى استوت املركبة بشكل هنائي‪.‬‬
‫مكثتُ ساكناً يف مكاني مل أنطق حبرف‪ ..‬وما‬
‫هي إال حلظات حتى انفتحت األبواب وبدت‬
‫املركبة كزهرة خرافية تفتح أوراقها لتستقبل‬
‫اجملهول‪ .‬وانطلقت عربة صغرية تشبه ألعاب‬
‫األطفال حتمل يف رأسها كامريا متطورة لتقوم‬
‫مبهمة مصور فوتوغرايف بارع األنامل‪.‬‬
‫جلس كل واحد منا وراء شاشته اخلاصة به‬
‫نراقب الصور اليت تبثها العربة الفضائية‪،‬‬
‫ونقرأ كل ما يكتب جبانبها من مالحظات‬

‫وتعليمات‪ ،‬ومضت قرابة أربع ساعات وحنن‬
‫على هذه احلال حتى أصبح بإمكاننا اخلروج‬
‫من القمّرة ألول مرة‪ .‬ارتدينا لباس الفضاء‬
‫الواقي وهي بدالت حديثة منفوخة باألكسجني‬
‫النقي لتساعدنا على التالؤم مع اجلو اجلديد‬
‫فتمدنا هبواء التنفس‪ ،‬وحتمي أجسادنا من زوال‬
‫الضغط املفاجئ‪ ،‬ودرجات احلرارة الرهيبة اليت‬
‫تنتظرنا‪ .‬وضعنا اخلوذات الواقية‪ ،‬وفتح باب‬
‫صغري يف القمّرة‪ ،‬وخرج اثنان من الرواد بينما‬
‫لبثنا أنا والرائد اآلخر بضع دقائق ريثما وصلتنا‬
‫إشارة منهما كي نلحق هبما‪.‬‬
‫خرج الرائد وأنا من خلفه‪ ..‬هل أنا فعالً فوق‬
‫كوكب املريخ؟؟‪ ..‬مل أصدق أن قدمي تطأ أرضه‪..‬‬
‫خفق قليب بني أضلعي كعصفور صغري‪ ..‬هاهو‬
‫احللم يصبح حقيقة إذن‪ ..‬فهل لطموح اإلنسان‬
‫أي إنسان من حدود؟‬
‫انضممنا اىل الرائدين اآلخرين بينما كانت‬
‫العربة الفضائية تعود حنونا مسرعة وكأهنا‬
‫كلب ويفّ يبحث عن محاية صاحبه‪ .‬أخذ الرواد‬
‫الثالثة يتفحصون أرجاء املكان‪ ،‬وجيمعون‬
‫عينات من الرتبة والصخور وكأهنم يف مهمة قد‬
‫اعتادوا عليها‪ ،‬أو أهنم قد زاروا هذا الكوكب‬
‫قبالً‪ ،‬والصمت سيد بيننا فال أحد يتكلم أو‬
‫يتحدث مع اآلخر‪.‬‬
‫الروعة أكرب من توصف‪ ..‬فاألرض غري األرض‪..‬‬
‫والسماء غري السماء‪ ..‬فاجأني لون أرض‬
‫الكوكب ما أن صافحته عيناي رغم أن تسميته‬
‫بالكوكب األمحر تعلن عن لونه‪ ..‬لكنين وجدته‬
‫أمحر غاضباً يصبغ أجواءه بتدرجات لونية‬
‫كأهنا الشفق‪ .‬سرت فوق روعة ذاك اللون املتمرد‬
‫خفيفاً منطلقاً كأنين أطري‪ ..‬بل فعالً كنت أطري‬
‫فما من جاذبية أو شيء يقيدني سوى‬
‫هذه البذلة البيضاء اليت أغوص فيها‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪59‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫ليتين أحترر منها ولكن كيف وشروط بيئة‬
‫الكوكب ليست مهيأة الستقبال كائنات بشرية؟‬
‫ابتعدت قليالً عن اجملموعة تبهرني رغبة‬
‫االكتشاف‪ ،‬وتستحوذ عليّ أجواء الكوكب الغريبة‬
‫بكل ما فيها من صخور وجبال وجتاويف‪ ..‬وإذا‬
‫بصوت أحد الرواد يأتي إيلّ عرب جهاز الكرتوني‬
‫مثبت يف طرف اخلوذة‪:‬‬
‫ فارس إياك أن تبتعد عنا‪ ..‬دقائق ويعود‬‫الفريق اىل القمّرة‪ ..‬انتهى الوقت املخصص‬
‫ملرحلة االكتشاف األوىل‪.‬‬
‫جاء صوته حاداً وغريباً‪ ،‬وكأنه جيرح الصمت‬
‫األزيل هلذا الكوكب منذ ماليني بل مليارات‬
‫السنني‪ ..‬وكان لفظ امسي (فارس) هو أول‬
‫أجبدية ينطقها إنسان هنا‪ ..‬فهل اإلنسان هو‬
‫فارس الفضاء؟‪ ..‬انصعت ألوامره مثل تلميذ‬
‫مطيع‪ ،‬وبالفعل خالل دقائق معدودة كان‬
‫اجلميع وراء أجهزهتم داخل املركبة من جديد‪،‬‬
‫و ُفتحت الشاشات باتصال أرضي ينقل بالصوت‬
‫والصورة كل خطوات املرحلة األوىل من هبوط‬
‫املركبة‪.‬‬
‫ً‬
‫كنت مذهوال أمام تلك الشاشات اليت أرى فيها‬
‫أهل كوكب األرض ويرونين‪ ..‬أحتدث اليهم‬
‫ويتحدثون إيلّ كما لو أهنم أناس حقيقيون‬
‫أمامي‪ ..‬وأنا الذي فتحت عيين على شاشات‬
‫الكمبيوتر‪ ،‬وأجهزة االتصال‪ ،‬وولدت يف زمن‬
‫األقمار الصناعية اليت جتوب الفضاء‪ .‬كنت قد‬
‫نسيت أن ماليني البشر من سكان األرض‪ ..‬بل‬
‫كل من على األرض كان يرصد هبوطنا وبداية‬
‫اكتشافنا للكوكب بقلب خافق‪ ،‬وأمل كبري هبذه‬
‫اخلطوة اإلنسانية اجلبارة‪.‬‬
‫مل تعد هتمين األصوات القادمة من عامل اإلنسان‬
‫بقدر ما كنت مهتماً بتنفيذ املرحلة الثانية‬
‫للهبوط فقد جاء األمر من احملطة األرضية‬

‫‪60‬‬

‫يقول‪« :‬ليبدأ الرواد اآلن بضغط األزرار إلقامة‬
‫املستعمرة»‪.‬‬
‫سكنت األصابع فوق األزرار واملفاتيح تديرها‪،‬‬
‫وأنا أراقب مهارة الرواد يف حتريكها‪ ..‬كيف‬
‫حيفظون مهمة كل واحد منها؟ بل كيف مييزون‬
‫بينها وهي تتشابه مع بعضها بعضاً؟‪ ..‬ولكن هل‬
‫هذا هو الشيء الوحيد الذي يثري فضويل؟‪ ..‬ال‪..‬‬
‫بل إن كل ما أشاهده يثري الفضول والدهشة‪.‬‬
‫ومن بني تلك األزرار واحد أمحر كبري ما إن‬
‫ُ‬
‫ضغط عليه حتى برزت أمامنا شاشة كبرية‬
‫راحت تنقل إلينا صور األبواب الداخلية‬
‫واخلارجية للمركبة وهي تنفتح آلياً‪ ،‬وخترج‬
‫منها معدات وجتهيزات‪ ،‬والرواد يتحكمون هبا‬
‫عن بعد بواسطة أجهزة الكرتونية خاصة حتى‬
‫جتمعت تلك األشياء مبا يشبه بناءً مؤلفاً من‬
‫أربعة أقسام‪ ،‬اصطف واحدها قرب اآلخر وكأن‬
‫يد مهندس خفي تقوم بضبطها بدقة ولصقها‬
‫بعضها ببعض‪ ،‬وهي مزودة بكل لوازم احلياة من‬
‫غذاء وماء وهواء‪ .‬جترأت وكسرت حدة الصمت‬
‫اليت سادت بيننا لساعات‪ ،‬وسألت‪:‬‬
‫ ما هذه املنشآت‪ ..‬وملاذا تقيموهنا؟‬‫أجاب رائد وهو يدفع إيل بأحد املخططات‪:‬‬
‫_ لعلك نسيت أهنا املستعمرة اليت سنقيم هبا‪.‬‬
‫تأملت املخطط كأنين أراه ألول مرة وكنت قد‬
‫عدت اليه مراراً أثناء السفر الطويل‪ .‬قلت‪:‬‬
‫ بل تذكرت اآلن‪ ..‬ولكن أين القبة السماوية؟‬‫مل أمسع منه جواباً بل ضغط على زر يف طرف‬
‫اللوحة أمامه فنقلت الشاشة الكبرية صورة ألواح‬
‫زجاجية من نوع خاص جداً ومتطور أخذت‬
‫تتجمع بكثافة‪ ،‬ثم انفردت تلقائياً فوق مساحة‬
‫كبرية كطائر عمالق يفرد جناحيه ألقصى مدى‬
‫حتى غطت بناء املستعمرة وما حوهلا ملسافات‪.‬‬
‫وقفت أراقب املشهد وهو يتشكل أمامي ويبعث‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬

‫الرهبة يف نفسي‪ ..‬هل هو كوكب يهبط فوق‬
‫كوكب أم أنه طموح اإلنسان؟‬
‫بدأت أنابيب ضخمة بشفط غاز ثاني أوكسيد‬
‫الكربون من جو املنشأة لتضخ مكانه غاز‬
‫األكسجني النقي‪ ،‬وأخذت األجهزة احلرارية‬
‫تعمل بطاقة قصوى لتقهر درجات احلرارة‬
‫العالية جداً هناراً‪ ،‬واملتدنية ألقصى حد ليالً‪،‬‬
‫وكذلك أجهزة تعديل الضغط اجلوي مهيئة‬
‫بذلك بيئة تصلح لنعيش ضمنها بشروط‬
‫أجسادنا البشرية‪.‬‬
‫مضت ساعات قبل أن نغادر مركبتنا لندخل اىل‬
‫عامل املريخ فعالً‪ .‬عندما وقفت حتت تلك القبة‬
‫السماوية اهلائلة أصابين نوع من اخلدر اللذيذ‬
‫فروعة املشهد تفوق الوصف‪ ..‬مساء مرخيية‬

‫تسطع بأشعة الشمس املبهرة ومن حتتها سقف‬
‫زجاجي كأنه مساء دنيا تتكسر فوقه األشعة‬
‫الكونية‪ ،‬وتتالمع حول أطرافه ألوان أكاد ال‬
‫أعرفها من قبل‪.‬‬
‫الليل املرخيي كان مل حيل بعد‪ ،‬وكنت مع باقي‬
‫الرواد نتجول يف أرجاء املستعمرة غري مصدقني‬
‫وحنن ننظر اىل أجسادنا اليت حتررت من بدالت‬
‫الفضاء‪ ،‬إذ مل يكن مبقدورنا أن نتحرر منها لوال‬
‫هذا اجلو الواقي الذي أقمناه‪ ،‬فال حرارة عالية‬
‫تلسعنا‪ ،‬وال غاز قاتل نتنفسه‪ ،‬وال أشعة كونية‬
‫تصعقنا‪ .‬وزع قائد الرحلة علينا نظارات واقية‬
‫وهو يعطينا التعليمات‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ سوف نقضي أغلب أوقاتنا يف هذه‬‫املستعمرة وحتت القبة الواقية‪ ،‬ندرس‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪61‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫الرتبة والصخور مما حولنا بينما نطلق العربة‬
‫االستكشافية يف رحاب املريخ‪ ،‬ونراقب مسارها‬
‫عرب الشاشات‪ ،‬وبعد ذلك ننطلق يف مغامرتنا‬
‫فوق تضاريس الكوكب‪ ..‬أما هذه النظارات‬
‫فيجب أن يرتديها كل من يريد أن يتأمل السماء‬
‫يف النهار كي ال تتأثر أعيننا بأي من األشعة‬
‫فوق البنفسجية أو غريها لو حصل أي تسرب‬
‫هلا‪.‬‬
‫النهار هنا طويل وهو ضعف مدته على األرض‪..‬‬
‫والسنة املرخيية تعادل سنتني أرضيتني‪ ،‬فكرت‬
‫يف هذا ورحت أسال‪:‬‬
‫ لو قضينا مدة عام هنا فهل سنتقدم يف العمر‬‫عاماً أم عامني؟‬
‫ضحك اجلميع رغم أهنم مل يهزؤوا بسؤايل‪،‬‬
‫وقال أحدهم‪:‬‬
‫ سوف يدرس العلماء هذا األمر على اخلاليا‬‫احلية فلرمبا طالت أعمارنا فوق هذا الكوكب‪،‬‬
‫ورحنا يف املستقبل نرسل أوالدنا ومرضانا اليه‬
‫ليعيشوا أكثر‪.‬‬
‫نظر كبري الرواد حنو السماء‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ استعدوا ملشاهدة الليل املرخيي للمرة األوىل‪..‬‬‫ها هو بدأ حيل‪.‬‬
‫وبالفعل أخذ ظالم قامت يلف املكان وكأنه‬
‫رداء أسود كثيف‪ .‬سارع الفريق لتفقد األجهزة‬
‫احلرارية ولتهيئة األنوار الكاشفة لتضيء املكان‬
‫ولكن ليس قبل أن نشهد ظلمة الليل اجلديد‪.‬‬
‫استوىل ظالم حالك على الكون من حولنا‪ ..‬كان‬
‫مهيباً وخميفاً وصامتاً‪ ..‬وما إن سطعت أضواء‬
‫أجهزتنا حتى شعرنا وكأهنا الروح ترتد إلينا‪.‬‬
‫وبدأت املؤشرات احلرارية تتذبذب بسرعة‬
‫لتعدل جو املستعمرة فقد كانت احلرارة يف‬
‫اخلارج تنخفض بسرعة ملئات الدرجات حتت‬
‫الصفر بدا معها املريخ كجثة باردة تغرق يف‬

‫‪62‬‬

‫الظالم‪ .‬وظهرت على شاشة الكمبيوتر أول‬
‫نشرة جوية للمريخ تقول‪ « :‬غداً الطقس‬
‫مشمس وبارد «‪.‬‬
‫ملع من بعيد يف السماء ضوء هادئ‪ ،‬فصرخت‪:‬‬
‫ انظروا‪ ..‬انظروا هاهو قمر املريخ يظهر‪..‬‬‫هل هو القمر الذي أمسوه (فوبوس) أم أنه أخوه‬
‫(دميوس)؟‬
‫نظر كبري الرواد مليا‪ ً،‬ثم قال‪:‬‬
‫ هذا هو (فوبوس) ألنه يشرق من الغرب‪،‬‬‫وهاهو يتجه حنو الشرق ليغيب فيه‪ ،‬ومن ثم‬
‫يعود للظهور بعد سبع ساعات ونصف‪.‬‬
‫يا له من قمر صغري ولطيف كأنه ضوء يف قمة‬
‫عمود نور‪ ،‬ميد رأسه متفقداً كوكبه العزيز كل‬
‫بضع ساعات‪.‬‬
‫مضت أيام مرخيية واخرى أرضية عديدة قبل‬
‫أن خنرج ألول مرة اىل أجواء املريخ احلقيقية‪..‬‬
‫كنا قد درسنا املعلومات اليت تبثها لنا العربة‬
‫الفضائية‪ ،‬وعرفنا تضاريس الكوكب وأقسامه‪،‬‬
‫وحددنا املنطقة اليت سنتوجه إليها‪ .‬ارتدينا‬
‫البدالت الفضائية‪ ،‬وبنظرة سريعة قبل أن‬
‫ننطلق لشاشة األرصاد اجلوية كنا نقرأ‪« :‬‬
‫الطقس اليوم مشمس وبارد‪ ،‬والسماء صافية‬
‫تشوهبا سحب غري كثيفة من الغبار مع رياح‬
‫جنوبية شرقية خفيفة‪ ،‬ودرجة احلرارة (‪)60‬‬
‫مئوية حتت الصفر يف الساعة الثامنة والربع‬
‫بتوقيت املريخ‪ ».‬ارتسمت البسمات على الوجوه‬
‫متحدية الدرجات املنخفضة للحرارة‪ ،‬وانطلقنا‬
‫بكل ثقة وإصرار اىل مهمتنا‪.‬‬
‫أول ما قابلنا يف طريقنا حفرة هائلة ال يقل‬
‫قطرها عن عشرة أميال‪ ،‬فقفزت اىل ذاكرتي‬
‫فوراً حفرة (هاوتون) يف القطب الشمايل للكرة‬
‫األرضية ذلك املكان العجيب‪ ..‬بل الغريب‪..‬‬
‫وكأنه هبط من كوكب املريخ ليستقر فوق كوكب‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫األرض‪ ،‬بل هو حقاً تشكل بفعل نيزك أو كويكب‬
‫سيّار جاء من الفضاء اخلارجي ليضرب األرض‬
‫بقوة هائلة مازالت تعلن عن قدومه منذ ماليني‬
‫السنني‪ .‬والعلماء يقولون إن هذا حدث منذ ما‬
‫ال يقل عن ثالثة وعشرين مليون سنة‪ ..‬رقم‬
‫خيايل مثري لالهتمام‪ ..‬يا إهلي كأنه املشهد ذاته‬
‫يتكرر كم مها متشاهبان‪ .‬سرنا مبتعدين عن‬
‫تلك احلفرة وأنا مثبت نظري يف األرض اليت‬
‫حتت أقدامي‪ ،‬وأستمع اىل الرواد وهم يتحدثون‬
‫مع بعضهم عرب ميكروفونات مثبتة يف أطراف‬
‫خوذهم‪ ،‬وإذا بصوت كبري الرواد يصيح‪:‬‬
‫ ها هي‪ ..‬ها هي الصخرة أمامنا‪.‬‬‫تنبهت ورفعت رأسي‪ ،‬وما لبثت أن شهقت من‬
‫مفاجأتي جبسم ضخم داكن اللون يقف أمامي‪،‬‬
‫فلم أتصوره إال وحشاً يريد أن يبتلعين‪ ،‬صرخت‬
‫بصوتٍ عالٍ‪:‬‬
‫ الدب‪ ..‬الدب‪ ..‬الدب القطيب‪ ..‬ابتعدوا عنه‪.‬‬‫وجاءني صوت قائد الفريق يقول‪:‬‬
‫ ما بك يا فارس‪ ..‬هذه ليست إال صخرة!!‬‫فتحت عيين جيداً‪ ،‬ووقفت أنظر إليها من‬
‫جديد‪ ،‬وقلت‪:‬‬
‫ آه‪ ..‬هذا صحيح‪ ..‬ملاذا تومهتها ذلك الوحش‬‫القطيب؟!‬
‫أضفت معلالً وقد أصابين شيء من اخلجل‪:‬‬
‫ لعل تشابه املكانني (هاوتون) واملريخ جعلين‬‫أظن أنه توجد هنا دببة أيضاً‪.‬‬
‫ضحك اجلميع وكأنين أطلقت نكتة خففت من‬
‫جدية املوقف‪ ،‬فرد أحدهم‪:‬‬
‫ سنسميها إذن صخرة الدب‪.‬‬‫أجاب آخر‪:‬‬
‫ تسمية موفقة مادامت هذه هي الصخرة‬‫األكرب فوق هذا الكوكب حسبما يقول العلماء‪..‬‬
‫سنخربهم بتسميتها حني عودتنا‪.‬‬

‫تابع الرواد الثالثة سريهم وأنا ما أزال أتأمل‬
‫صخرة الدب هذه‪ .‬للصخرة فعالً شكل الدب‬
‫القطيب‪ ..‬وكأمنا رأيت بقعاً مضيئة كالعيون‬
‫تتلصص عليَّ من خلف الصخرة‪ ،‬وما تلبث أن‬
‫ختتفي‪ .‬شعرت بشيء من القلق‪ ،‬وال أمسيه‬
‫خوفاً فأسرعت يف خطواتي متجاهالً تلك‬
‫العيون املضيئة ألنضم إىل باقي الفريق‪.‬‬
‫كانت األرض اليت نسري فوقها مألى باحلفر‬
‫النامجة عن سقوط النيازك‪ ،‬ومبا يشبه جماري‬
‫أهنار مُغرقة يف القدم‪ ،‬وأخاديد عميقة وكأن‬
‫تيارات مياه قوية حفرهتا على وجه الكوكب‪.‬‬
‫غرقت يف أفكاري مرة اخرى وأنا أتبع أفراد‬
‫الفريق وأتصور كوكب املريخ يستحم بطوفان‬
‫ال ينتهي‪ ..‬وأفقت من شرودي هذه املرة على‬
‫مفاجأة مل أتوقعها حبال من األحوال‪ ..‬كان‬
‫مشهداً يفوق املألوف يف كوكب غري مأهول بأي‬
‫حياة ذكية‪ ..‬ورحت أغمض عيين وأفتحهما‬
‫ألتأكد أن ما أراه حقيقة ال سراباً‪ ..‬حيث ظهرت‬
‫من الطرف الشمايل ارتفاعات تشبه األهرامات‬
‫املصرية واىل جانبها أبو اهلول!!!‪ ..‬تسمرت يف‬
‫مكاني مذهوالً‪ ..‬الشك أنين أهلوس‪ ..‬إهنا‬
‫هتيؤات ال أكثر‪ ..‬هل عادت إىل رأسي األوهام‬
‫مرة أخرى؟‪ ..‬مشيت بضع خطوات ثم التفتُ‬
‫من جديد فرأيت املشهد ذاته‪ ..‬ال ليست هتيؤات‬
‫إهنا األهرامات اليت أعرفها جيداً‪ ..‬وها هو‬
‫وجه أبي اهلول يقف أمامها كمثيله يف (اجليزة)‬
‫مبصر‪ .‬تلفتُّ حويل فلم أر أحداً من الفريق‪،‬‬
‫حاولت أن أناديهم فلم أستطع كان صوتي قد‬
‫غاب عين من هول املفاجأة‪ ..‬عاد رئيس الفريق‬
‫ينبهين مؤنباً‪ ،‬ومسعت صوته يقول‪:‬‬
‫ فارس أين أنت؟‪ ..‬ملاذا تبتعد عنا؟‬‫وعند ذلك خرج صوتي مرجتفاً‪:‬‬
‫‪ -‬أنا يف الطرف الشمايل‪ ..‬أسرعوا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪63‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫باجتاهي‪ ..‬هنا شيء خطري‪.‬‬
‫اضطرب أفراد الفريق عندما قلت عبارتي‬
‫األخرية‪ ،‬ورحت أمسع أصواهتم وهم يركضون‬
‫باجتاهي‪ .‬وعندما وصلوا إيلّ وكنت أشري بيدي‬
‫حنو األهرامات‪ ،‬وقفوا ثالثتهم وكأن صاعقة‬
‫نزلت عليهم‪ ،‬وراح صوتي املرجتف يرتفع من‬
‫جديد‪:‬‬
‫ أليست هذه األهرامات املصرية ذاهتا؟‪ ..‬ما‬‫الذي أتى هبا إىل هنا؟‪ ..‬بل من الذي أقامها؟‪..‬‬
‫هل توجد على الكوكب حياة عاقلة يتميز‬
‫أصحاهبا بالذكاء وهذه هي آثارهم؟!!‬
‫هذه املرة حل اخلوف مكان الضحك‪ ..‬نظرت‬
‫إىل وجه رئيس الفريق فرأيته مصفراً واهللع بادٍ‬
‫عليه‪ ،‬وكذلك الرائدان اآلخران ومها يرتعشان‪.‬‬
‫متالك رئيس الفريق نفسه‪ ،‬وضغط على آلة‬
‫التصوير ليلتقط ما أمكن من الصور‪ ،‬وكأن‬
‫موجة كهرباء سرت يف أجسادنا‪ ،‬ثم أمرنا‬
‫بصوت متهدج‪:‬‬
‫ لننصرف يف احلال‪ ..‬هيا بسرعة إىل‬‫املستعمرة‪.‬‬
‫وأخذنا نقطع املسافة بأقصى ما منلك من‬
‫طاقة وكأننا نفر من أشباح جمهولة تطاردنا‬
‫حتى وصلنا إىل مقرنا مقطوعي األنفاس‪.‬‬
‫وعلى الفور توجه أحد الرواد إىل جهاز‬
‫الطوارىء فأدار األزرار ليولد حول مستعمرتنا‬
‫طاقة كهربائية كأهنا درع محاية يفصل بيننا‬
‫وبني العامل اخلارجي‪.‬‬
‫تلك الليلة كانت أطول ليلة يف حياتنا‪ ..‬أال يكفي‬
‫أن الليل املرخيي طويل بل ضعف مثيله على‬
‫كوكب األرض؟‪ ..‬مل يغمض لنا جفن واجلميع‬
‫منهمك بتحليل الصور واملعلومات لدينا‪،‬‬
‫واالتصال مع األرض يف حماولة حممومة حلل‬
‫لغز تلك األهرامات‪ .‬وقبل أن يظهر النهار‬

‫‪64‬‬

‫جاءت اإلجابات من جهاز حتليل املعلومات‬
‫ومن األرض متوافقة تؤكد أن‪ « :‬تلك اهلياكل‬
‫الضخمة اليت تشبه األهرامات ليست نوعاً من‬
‫البناء‪ ،‬ولكنها تكوينات جيولوجية تشكلت بفعل‬
‫عوامل املناخ السائدة‪ .‬أما الوجه الذي يشبه أبا‬
‫اهلول فقد جرى حنته بطريقة جيولوجية بطيئة‬
‫استمرت ماليني السنيني‪ ،‬وال وجود فوق كوكب‬
‫املريخ ألي حياة من أي نوع‪».‬‬
‫تنفس الفريق الصعداء مع بداية هنار جديد‪،‬‬
‫وعادت أزرار درع احلماية الكهربي إىل وضع‬
‫عدم التشغيل‪ ،‬وكان البد للجميع أن يأخذوا‬
‫وقتاً للنوم والراحة‪ .‬أما أنا فظل فكري مشغوالً‬
‫ومازال يف قليب شك‪ ..‬إذ كيف ميكن للعوامل‬
‫اجليولوجية أن تنحت أشياء هبذه الدقة ولو عرب‬
‫ماليني السنني!!‬
‫بقي النتهاء الرحلة يومان وقد شارف الفريق‬
‫على إهناء مهمته االستكشافية بشكل كامل‪،‬‬
‫وبدأت التحضريات لرحلة العودة‪ ،‬ولكن حدث‬
‫ما هو غري متوقع‪ ،‬إذ كان من املقرر أن خيرج‬
‫الفريق يف آخر طلعة له خارج املستعمرة‬
‫عندما أعلن جهاز الرصد اجلوي عن قدوم‬
‫عاصفة مفاجئة‪ .‬وعادت الشاشات تنبض‬
‫يف أرجاء املستعمرة بتحذير يأتي من علماء‬
‫األرض بضرورة اختاذ كل التدابري الوقائية‪،‬‬
‫فالعواصف املرخيية خطرية جداً إذ تزجمر‪،‬‬
‫وهي قد تتسع لتشمل مساحات واسعة من‬
‫الكوكب إن مل يكن الكوكب بأسره‪ ،‬وال ختمد‬
‫إال بعد فرتات طويلة قد متتد لعدة أشهر‪ .‬أما‬
‫الرياح اليت حتمل الرمال فتصل سرعتها آلالف‬
‫األميال يف الساعة‪ .‬ولكن جهاز الرصد اجلوي‬
‫بث يف نشرته التالية اقرتاب هبوب العاصفة‬
‫وأهنا عاصفة خفيفة وليست من النوع املدمر‬
‫ممتد األجل‪ .‬تلك العبارات بدت لنا أمجل من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫أي أشعار ميكن أن نقرأها‪ ،‬وأحلى من أي حلن‬
‫سيمفوني قد نسمعه ألننا لن نضيع يف عاصفة‬
‫هوجاء قد تبددنا يف أطراف الكون‪.‬‬
‫ظلت رغبة اقتحام اجملهول تراودني إذ كان‬
‫قليب ال يزال معلقاً عند (صخرة الدب) وعند‬
‫تلك األهرامات‪ .‬مل أتصور فكرة فراق الكوكب‬
‫وقد ألفته رغم وحشته الفظيعة‪ ،‬ومتنيت لو‬
‫أنين أبقى ولو وحيداً فوقه‪ .‬شعرت بدافع قوي‬
‫ألن أخرج وأذهب أللقي نظرة ثانية إىل حيث‬
‫الصخرة الكبرية مادام توقيت العاصفة مل حين‬
‫بعد وهناك ساعات تفصلنا عنه‪ ،‬فألغتنم‬
‫فرصيت إذن‪.‬‬
‫اخرتت وقتاً كان فيه الرواد مشغولني‪ ،‬وارتديت‬
‫البذلة الفضائية‪ ،‬وتسللت هبدوء خارج املستعمرة‬
‫دون أن يدري بي أحد‪ ..‬أعرف وجهيت وأحفظ‬
‫الطريق حنوها‪ .‬سرت مسرعاً وسط اهلدوء‬
‫الشديد الذي يلف الكوكب قبل هبوب العاصفة‬
‫حتى وصلت‪ ..‬كان شيء جمهول يشدني حنو‬
‫تلك الصخرة العظيمة‪ .‬وقفت أمامها متهيباً‪،‬‬
‫ورحت أتأملها وأحتدث إليها كما لو أنين‬
‫أستنطقها لتخربني عن ماضي هذا الكوكب‬
‫الغامض‪ ،‬وجتيب عن تساؤالتي حوله‪ ،‬بل أن‬
‫تكشف يل كل األسرار اليت ختتفي فيه‪ .‬ألقيت‬
‫أسئليت عندها وكأنين أحترر من شيء ثقيل‬
‫كنت أمحله‪.‬‬
‫حاولت أن أبتعد عن الصخرة باجتاه األهرامات‬
‫فمازالت قناعيت بشأهنا مل تكتمل بعد‪ ،‬ومازلت‬
‫أراها لغزاً حمرياً‪ .‬سرت إليها بضع أمتار‪،‬‬
‫فالحت يل من بعيد جداً وقد بدت أكثر ضخامة‬
‫وغموضاً‪ .‬حتمست أن أتابع وإذا بعاصفة من‬
‫تراب أمحر غاضب تتقدم حنوها‪ ،‬وما لبثت‬
‫أن لفتها بدوامة ممتدة وكأهنا تريدني أن أبقى‬
‫بعيداً كي تظل سراً غامضاً‪ .‬ختليت عن جرأتي‬

‫ومحاسيت‪ ،‬و أخذ اخلوف يتسرب إيل فها هي‬
‫العاصفة قد بدأت تضرب الكوكب من أطرافه‬
‫الشمالية البعيدة‪ ،‬ورأيت يف الطرف املقابل‬
‫لألهرامات جبالً رهيباً يشق السماء بارتفاعه‬
‫الذي ال مثيل له فتغيب قمته فيها‪.‬‬
‫شهقت مذهوالً‪ ..‬هل كان هذا اجلبل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪65‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫قائماً فعالً عندما خرجت مع باقي الرواد يف‬
‫املرة السابقة؟‪ ..‬أم أن مفاجأة األهرامات قد‬
‫أذهلتنا آنذاك فلم نلحظه؟‪ ..‬وتذكرت أنين‬
‫قرأت عن جبل يصعد فوق سطح املريخ ملئات‬
‫الكيلومرتات‪ ..‬البد أنه هو‪ ..‬تراجعت خطواتي‬
‫إىل الوراء‪ ..‬فسمعت ما يشبه مهساً خفيفاً‬
‫يناديين بامسي‪ ..‬كان اهلمس يأتيين من ناحية‬
‫الصخرة‪ .‬عدت حنوها كاملسحور وإذا بتلك‬
‫العيون املضيئة اليت مل يرها سواي تظهر أمامي‬
‫ثم ختتفي‪ .‬لبثت منتظراً بكثري من القلق احلذر‬
‫فعادت تنبض من جديد‪ ،‬وهي تتكاثر وتقرتب‬
‫مين ثم تدور حويل كأنين نقطة يف مرتكز دائرة‬
‫وأنا أراقبها بفضول شديد‪ ..‬وبدأت ألف حول‬
‫نفسي حتى كدت أصاب بالدوار أم أنين أصبت‬
‫به فعالً؟‪..‬‬
‫مضت برهة من الزمن شعرت معها أنين غبت‬
‫عن وعيي‪ ،‬أو دخلت يف حلم رأيت فيه تلك‬
‫العيون تتحول إىل يراعات من نور وهي توحي‬
‫إيل أن أبقى فوق هذا الكوكب‪« :‬ابقَ‪ ..‬وال تعد‬
‫إىل األرض‪ ».‬وراح عقلي يرسل أسئلة وأجوبة‬
‫كثرية‪ :‬كيف أبقى والرحلة انتهت؟‪ ..‬وهل سأظل‬
‫وحيداً فوق كوكب ال حياة فيه؟‪ ..‬سوف أشعر‬
‫بالوحشة واخلوف‪ ..‬ال ‪ ..‬ال أستطيع فبقائي‬
‫يتطلب أمواالً كثرية وأنا ال أملك هذه األموال‪..‬‬
‫لقد دفعت أغلب ثروتي كي أصل إىل هنا‪.‬‬
‫سرت كمن يسري يف نومه وعادت بي قدماي‬
‫إىل املستعمرة ودخلتها وكأنين يف حالة نوم‬
‫مغناطيسي‪.‬‬
‫غضب مين رئيس الفريق إذ كيف أجترأ وأخرج‬
‫دون إذن منه والسيما أن العاصفة بدأت هتب‬
‫حنونا قادمة من مشال الكوكب‪ ،‬وكانت أقسى‬
‫مما توقعنا لكنها مرت بسالم مع اختاذ مجيع‬
‫وأقصى التدابري الوقائية‪ .‬قال الرئيس وكأنه‬

‫‪66‬‬

‫قد خرج للتو من معركة حامية‪:‬‬
‫ لقد تسببت العاصفة بتشويش بعض األجهزة‬‫االلكرتونية والرادارية ولذلك سوف تتأخر‬
‫عودتنا أليام ريثما يتم إصالح األجهزة‪.‬‬
‫ال أعلم كيف التمعت يف ذهين األفكار‪ ،‬فوقفت‬
‫أمام الفريق أعلن متردي وأنين لن أعود معهم‬
‫يف مركبتهم إىل األرض‪ .‬نظر إيلّ رئيس الفريق‬
‫وهو يف غاية الدهشة مما يسمع إذ كيف يل أن‬
‫أبقى‪ ،‬وكيف خيطر يل ذلك فهذا أمر غري وارد‬
‫على اإلطالق وهو حمسوم سلفاً‪ .‬ولكنين بقيت‬
‫مصرّاً على موقفي وقد شُحنت بقوة غريبة‪،‬‬
‫ورحت أؤكد أنين لن أعود بل سأبقى‪.‬‬
‫وجرت االتصاالت مع احملطة األرضية خترب‬
‫النبأ الغريب لتمردي على قواعد وشروط‬
‫الرحلة‪ ..‬وأجهزة االتصال تنقل أصوات العلماء‬
‫من األرض وهي تأتي زاجرة ناهية تأمرني‬
‫بالعودة تارة‪ ،‬ولطيفة حتاول إقناعي بالتخلي‬
‫عن تلك الفكرة اجلنونية تارة أخرى‪.‬‬
‫بدأ إصراري على البقاء يضعف‪ ..‬وأصبحت‬
‫أكثر هدوءاً وجتاوباً مع تعليمات العلماء‪ .‬وفجأة‬
‫اندفعت باجتاه األطراف الزجاجية للمستعمرة‬
‫وكأن قوة جذب كبرية تسحبين حتى رأيت‬
‫مرة أخرى تلك الرياعات املضيئة تنبض من‬
‫وراء الزجاج وكأهنا ختاطب عقلي عن طريق‬
‫التخاطر بأن أبقى‪« :‬ابقَ‪ ..‬ولسوف نأتيك بثروة‬
‫ال حدود هلا‪ ..‬ابقَ‪ ..‬ولن تعرف اآلن ما معنى‬
‫ثرائك إال عندما تسافر السفينة من دونك‪».‬‬
‫عدت حنو الرواد الثالثة وقد أصاهبم التوتر‬
‫والقلق وحالة من التشويش بسبيب‪ ..‬ووقفت‬
‫حتت مركز القبة الزجاجية وقد استحوذت‬
‫على تفكريي فكرة االتصال بشبكة املعلومات‬
‫عرب احملطة األرضية ألجيب عن كل ما خيطر‬
‫على بال سكان األرض من أسئلة حول عامل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫الكوكب األمحر‪ ،‬عامل املريخ الغاضب مقابل‬
‫مبالغ من املال توضع يف حساب مصريف خاص‬
‫بي‪ .‬استُنفر اجلميع أمام طليب الذي بدا غريباً‬
‫جداً وكأن شريكاً جمهوالً أوحى به إيلّ‪ .‬ومل يكن‬
‫أمام العلماء واحملطة األرضية إال أن يستجيبوا‬
‫إىل رغبيت اليت حتولت إىل قرار ال رجوع عنه‪.‬‬
‫طوال املدة اليت كان فيها الرواد يعملون جاهدين‬
‫إلصالح أجهزة املركبة كنت أجلس وراء الشاشة‬
‫الضخمة داخل املستعمرة وأنا أبعث بإجابات‬
‫علمية دقيقة حول كل سؤال أتلقاه من جهات‬
‫األرض األربع‪ ..‬والرياعات اجلهنمية تنبض من‬
‫حويل ويف أعماق تفكريي‪ .‬إجاباتي كانت مبهرة‬
‫وعميقة وصحيحة مما حيّر العلماء‪ ،‬وأثار سؤال‬
‫استفهام كبري عن مصادرها حتى أنا نفسي‬
‫كنت أفاجأ من أين يل هبذه املعلومات املتدفقة‬
‫الغزيرة والفريدة؟!!!‪ ..‬وراحت ثروتي تتضاعف‬
‫فوق األرض بشكل هائل‪ ،‬فاجلميع مستعد ألن‬
‫يدفع مبلغاً من املال مهما كان مقابل العثور على‬
‫إجابة لسؤال حميّر‪.‬‬
‫وقبل اإلعداد النطالق املركبة حنو األرض ثانية‬
‫يف رحلة العودة‪ ،‬بعد ذلك اهلبوط املثري فوق‬
‫كوكب املريخ‪ ،‬حاول الرواد ومجاعة األرض من‬
‫جديد إقناعي بالعودة‪.‬‬
‫بقيت متجاهالً كل ما يدور من حوارات بني‬
‫الرواد‪ ،‬وأيضاً تلك اليت تأتي من األرض كي‬
‫أعدل عن قراري وأتوجه بكل انتظام إىل املركبة‬
‫العائدة‪ ..‬وأنا أخرتق شبكة املعلومات حبرييت‬
‫عرب احملطة األرضية‪ ،‬وال أحد جيرؤ أن يوقفين‬
‫خوفاً من ازدياد متردي‪ .‬وبينما كنت أستعرض‬
‫صفحات اإلنرتنت ظهرت أمامي عناوين من‬
‫صحف حتمل عبارات خمتلفة‪:‬‬
‫« سائح الفضاء يرفض العودة «‬
‫« أول زائر للمريخ يصرّ على البقاء فوق‬

‫الكوكب»‪« ..‬ثروة سائح الفضاء تتضاعف بشكل‬
‫خيايل»‪ « ...‬فتى الفضاء يصبح أغنى فتى يف‬
‫العامل»‪ ..‬علت ضحكاتي وأنا أردد‪ :‬أغنى فتى‬
‫يف العامل‪ ..‬أصبحت الفتى األغنى‪.‬‬
‫نظر إيل الرواد باستنكار فلم أهتم‪ ..‬عقدت‬
‫يدي وراء رأسي‪ ،‬وأسندت ظهري يف مقعدي‪،‬‬
‫وعيناي مثبتتان على صفحات اإلنرتنت وهي‬
‫تعرض عشرات العناوين للصحف‪ ..‬وتذكرت‬
‫أمي وأخيت‪ ،‬ترى هل قرأتا ما تكتبه الصحف‬
‫عين؟‪ ..‬وهل مها حزينتان ألنين ال أريد أن أعود‬
‫إىل عاملهما؟‪ ..‬وتذكرت صديقي احلميم وكيف‬
‫كنت أحدثه عن الثروة اليت قد ال تكون باملال‪،‬‬
‫وتساءلت هل كل ثروتي اآلن هي تلك األوراق‬
‫النقدية فقط؟‪ ..‬وقبل أن أفكر ماذا سأفعل هبا‪،‬‬
‫وهل أريدها حقاً لفت نظري من بني السطور‬
‫اليت تظهر أمامي عنوان يقول‪« :‬الرحلة الفضائية‬
‫إىل املريخ تتأخر يف عودهتا بسبب شاب أمحق‬
‫يعيق مهمتها»‪ ..‬شعرت بالغضب وأنا أقرأ تلك‬
‫العبارات‪ ..‬فهل أنا فعالً أعيق مهمة الرحلة؟‪..‬‬
‫ولكنين بالتأكيد لست أمحق‪.‬‬
‫وفجأة جاء صوت أعرفه عرب اإلذاعة األرضية‪،‬‬
‫وما لبثت صورة صاحبها أن ظهرت على‬
‫الشاشة الكبرية‪ .‬كان صديقي العامل (سهيل)‬
‫وهو يتحدث إيل‪ ،‬ويدعوني أن أختلى عن‬
‫قراري يف التمرد على رحلة العودة‪ .‬شعرت أنين‬
‫أصبحت حماصراً‪ ..‬وأخذت مقاوميت تضعف‬
‫بعد أن رأيت وجه الدكتور سهيل يأتيين عرب‬
‫أمواج الفضاء‪ ..‬وبدأت أحبث عن تلك الرياعات‬
‫املضيئة يف كل مكان من أرجاء املستعمرة فال‬
‫أجدها‪ .‬وجاءني صوت رئيس الفريق جافاً‬
‫متوتراً يقول‪:‬‬
‫ فارس‪ ..‬ستعود مركبتنا بعد تسع‬‫ساعات من اآلن أي مع ظهور أول خيوط‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪67‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬

‫الشمس‪.‬‬
‫قال تلك الكلمات ومل يضف شيئاً آخر‪.‬‬
‫دخلت الغرفة املخصصة يل‪ ،‬وألقيت بنفسي‬
‫متعباً فوق فراش مطاطي منفوخ باهلواء‪،‬‬
‫وفضلت أن تبقى األضواء منطفئة‪ .‬أغمضت‬
‫عيين وأنا أفكر يف مصريي لو بقيت فوق كوكب‬
‫املريخ‪ ،‬وعندما فتحت عيين من جديد رأيت‬
‫غرفيت مضاءة بعشرات بل مبئات العيون وهي‬
‫تنبض يف أحنائها بإيقاع متسارع وكأهنا تنذر‬
‫بأمر ما‪ .‬هنضت من مكاني‪ ،‬ومددت يدي أريد‬

‫‪68‬‬

‫أن أملس واحدة منها فشعرت حبرارة من نوع‬
‫غريب تلسعين‪ ..‬واقرتبت تلك األجسام املضيئة‬
‫من وجهي فنظرت إليها بعينني متسعتني‪..‬‬
‫يا اهلل‪ ..‬ما هذا الذي أراه أمامي‪ ..‬إهنا تشبه‬
‫وجوهاً صغرية جداً مبالمح طفولية حتدق بي‬
‫وتبتسم يل‪ ..‬ترى هل كانت هلا تلك الوجوه من‬
‫قبل أم أن هلا قدرة على التحول من شكل إىل‬
‫آخر؟؟!! الشك أهنا كذلك‪ ..‬أمل تكن كالرياعات‬
‫يف املرة السابقة‪ ،‬وكالعيون يف مرة قبلها؟‪..‬‬
‫حتركت مشاعري بالعاطفة حنو تلك الوجوه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫نداء‪ ..‬الكوكب األمحر‬
‫الصغرية‪ ،‬وأشفقت عليها‪ ..‬ترى هل هي كائنات‬
‫مسكينة‪ ..‬أم هي خملوقات مثلنا‪ ..‬أم أهنا طاقة‬
‫متحولة؟‬
‫ضجت األسئلة يف رأسي‪ :‬ملاذا اختارتين دون‬
‫غريي لتظهر يل؟ هل ألنين تعلقت هبذا الكوكب‬
‫دون سواي؟‪ ..‬أم ألنين أنسج من أحالمي‬
‫الكثري؟‪ ..‬شعرت بالصداع‪ ..‬وعاد قليب خيفق‬
‫بشدة وكأن موجة من الكهرباء تسري يف‬
‫جسدي كله‪ .‬ازداد نبض الوجوه املضيئة حتى‬
‫حتول املكان من حويل إىل كتلة من األنوار‬
‫اخلافقة‪ ..‬ورحت أمسع ذلك اهلمس من جديد‬
‫وكأهنا ومضات خفية ختاطب عقلي‪« :‬عد إىل‬
‫كوكبك ‪ ..‬ال جتعلهم يغادرون من دونك‪ ..‬لن‬
‫حتتمل قسوة وحدتك هنا»‪ ..‬وقبل أن تقفز‬
‫إىل ذهين فكرة ارتباطي اجملهول هبذا الكوكب‬
‫الغامض ارتسمت أمامي صور جملموعات بشرية‬
‫تسكن كوكب املريخ يف منشآت فضائية مبتكرة‬
‫األشكال واأللوان‪ ،‬ورأيت اللون األخضر يغطي‬
‫مساحات من أرض الكوكب‪ ،‬وأناساً وعلماء‬
‫كثريين بأردية بيضاء يعملون باهنماك يف خمابر‬
‫ومراكز أحباث‪.‬‬
‫غابت تلك الصور من أمامي ألرى مكاهنا فضاء‬
‫الكون الواسع متلؤه قوافل من سفن فضائية‬
‫يف خطوط متصلة تغادر األرض حنو كواكب‬
‫اجملموعة الشمسية‪ ..‬جاء صوت من أعماقي‬
‫يسأل مبرارة‪« :‬هل ختليت فعالً يا فارس عن‬
‫عاملك األرضي؟ «‪ ..‬فأجبت نفسي بصدق‬
‫وعفوية بالغتني‪ « :‬ال أملك إال احلب للكوكب‬
‫األزرق اجلميل»‪ .‬ترى هل كانت هذه قناعاتي‬
‫العميقة تعود إىل ذاكرتي من جديد؟‪ ..‬وعال‬
‫اهلمس من حويل‪« :‬سنزورك يف أحالمك‪..‬‬
‫وعندما يتطور العلم فوق كوكبكم ستعرف عنا‬
‫الكثري»‪.‬‬

‫جذبتين طاقة يراعات النور تلك أم أهنا العيون‬
‫املضيئة أم الوجوه اخلفية ال أدري‪ ..‬وكأهنا أيدٍ‬
‫تسحبين حنو مركبتنا الفضائية‪ ..‬كانت أرقام‬
‫الساعة االلكرتونية تعلن موعد التحاق الرواد‬
‫باملركبة بعد أن انتهى كل شيء وأغلقت صفحات‬
‫ملف الرحلة لتبدأ العودة‪ .‬ركضت حنو شاشات‬
‫االتصال مع األرض‪ ،‬ورحت أضرب على أزرار‬
‫الكمبيوتر بسرعة‪ ،‬وخرج صوتي عالياً يعلن‬
‫قرار عودتي‪.‬‬
‫سرت موجة من االرتياح العميق بني الرواد‪،‬‬
‫وكذلك بني العلماء يف احملطة األرضية‪ ،‬وعلت‬
‫صيحات املفاجأة والفرح‪ ،‬وأسرع اجلميع‬
‫بتهيئيت لالنضمام إىل الفريق املغادر‪.‬‬
‫وال أدري هل كان رجوعاً أم حلماً‪ ..‬هل كانت‬
‫رحلة يف ظالم اجلهل أم إجازة يف ضياء العلم؟‪..‬‬
‫كأمنا كنت غائباً عن الوجود عندما عدت إىل‬
‫الوجود‪ ..‬لكنه هذه املرة وجود أرضي وليس‬
‫بالفضائي‪ ،‬وكأن حلم الطريان منذ أقدم األزمان‬
‫ارتبط باإلنسان‪ ،‬لكن احللم إذ يتحقق عن طريق‬
‫العلم يفتح آفاقاً ال حصر هلا من اآلمال تتمسك‬
‫هبا األجيال لتغدو حقائق ملموسة تشهد هلا‬
‫احلضارة اإلنسانية بالتفوق الذي متده القوى‬
‫العلية قوى الرمحن وخري البشرية‪.‬‬
‫أما ثروات األرض وأغالها الذهب فهي املسخرة‬
‫باألمر اإلهلي الزدهار احلياة على األرض‪ ..‬فهل‬
‫سأخبل أنا بثروة هبطت علي من السماء إىل‬
‫األرض أم سأجعلها يف خدمة أهل األرض؟‬
‫لن أفكر وحدي‪ ..‬فكروا معي‪ ..‬ماذا سأفعل‬
‫بثروتي تلك؟‬
‫العلم يناديين‪ ..‬وطموح اإلنسان يرتفع بي إىل‬
‫الفضاء‪ ..‬فهل الزمن اجلديد هو زمن اجلوالت‬
‫يف السماء؟‬
‫أنا أفكر‪ ..‬فكروا معي‪ ..‬وسنقرر معا‪ً.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪69‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رقـــم ‪ 4‬يأمركـــم‬

‫هناد شريف‬
‫ادخل‪ ..‬إنه حملك‪ ..‬تفضل‪.‬‬
‫وملا الحظ العجوز أن الرجل مل يغري من وقفته‬
‫ظل الرتدد يشمله‪ ..‬ثم قال‪:‬‬
‫لدى الباب ترك مقعده وه��رول جيذب قامته‬
‫خشيت أن‪ ..‬أوقظك‪..‬‬
‫الفارعة‪ ..‬برفق‪ ..‬فانقاد له حتى أجلسه على‬
‫وق��ف العجوز يلوِّح للقادم‪ ،‬وق��د عمَّه نشاط واحد من كراسي اخليزران اليت بدون مسند‪..‬‬
‫مفاجئ كان يفتقده منذ حلظات‪:‬‬
‫واستطرد العجوز‪ ،‬وه��و يعود جمللسه خلف‬
‫ال أب���داٍ‪ ..‬إهن��ا ح���رارة اجل��و‪ ،‬دفعتين لإلغفاء املنضدة‪:‬‬
‫دقائق يسرية‪..‬‬
‫من منا ال يتأثر مبثل حرارة اليوم؟‪ ..‬لقد فاقت‬

‫‪70‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫املاسات الزيتونية‬
‫‪ 40‬درج����ة‪ ..‬ورمب���ا ق��ال��ت األرص����اد غ���داً ‪42‬‬
‫درجة‪..‬‬
‫لكن الغريب ذو األرب��ع�ين ربيعاً‪ ..‬وق��د أحنى‬
‫منكبيه العريضني‪ ،‬وشبك أصابعه على حجره‪..‬‬
‫ظل على صمته ومج��وده‪ ..‬فماذا يفعل عجوز‬
‫مثلي‪ ..‬حني تطبق عليه كل هذه احلرارة؟‬
‫ومل ينبس الرجل الفارع حبرف كذلك‪..‬‬
‫آه‪ ،‬واآلن طلباتك يا سيد‪ ..‬ما الذي ترغب يف‬
‫شرائه‪ ..‬أس��اور ذهبية بالفصوص‪ ،‬أو أيقونة‬
‫تتدىل من سلسلة‪ ،‬أو ق��رط دقيق منمق؟‪...‬‬
‫أم ت��راك هت��دف إىل اختيار م��ا يناسبك أنت‬
‫شخصيًّا‪ ..‬لدي طلبك متاماً‪..‬خامت ذهيب ذو‬
‫نقش نادر‪..‬‬
‫قاطعه الرجل يف نربة حامسة‪:‬‬
‫ال أريد شراء شيء‪.‬‬
‫رمقه العجوز بنظرة فاحصة‪:‬‬
‫إذن فالسيد‪ ..‬أتى بغية إصالح حلية ما؟‬
‫وال هذا‪..‬‬
‫تدىل فك العجوز‪ ،‬واتسعت حدقتاه وقد أغرقته‬
‫حرية متتزج بنفاد الصرب‪.‬‬
‫فهل لدى السيد قطعة من ذهب يعرض بيعها‪..‬‬
‫خامت على سبيل املثال؟‬
‫بدا أن العجوز أصاب اهلدف هذه املرة‪ ،‬فقد عاد‬
‫القلق يغزو نظرات الرجل الشاردة‪ ..‬كان جامداً‬
‫صلباً ال‪ ‬يطرف له جفن‪ ،‬إال أن امحرار مقلتيه‬
‫وحتجرمها‪ ،‬واالختالجة اليت اعرتت ركن فمه‪،‬‬
‫بل الطريقة املنفعلة اليت شبك هبا أصابع يديه‬
‫حتى هربت منها الدماء‪ ..‬د َّلت هذه كلها على‬
‫أنه يرزح حتت جبل من الرتدد‪ ..‬جياهد للفكاك‬
‫من قيده يف استماتة‪..‬‬
‫ليس لدي ذهب‪..‬‬
‫قاهلا الغريب الفارع جبفاء‪ ،‬ويف جتهم‪ ،‬وقد‬

‫صمم على املضي قدماً مهما كانت النتائج مد‬
‫ي��داً رفيعة األصابع إىل جيب سرتته الداخلي‬
‫وأخ��رج��ه��ا‪ ،‬وق���د قبضت ع��ل��ى ك��ي��س جلدي‬
‫منتفخ‪ ..‬وبعصبية فتح الكيس وقربه من سطح‬
‫املنضدة املغطى بورقة عريضة بيضاء‪ ..‬ثم قلب‬
‫فوهة الكيس إىل أسفل فتدحرجت منه أربع‬
‫حصوات برَّاقات‪..‬‬
‫زجمر‪:‬‬
‫لدي‪ ..‬هذه‪...‬‬
‫حول العجوز بصره‪ ..‬رأى احلصوات تستقر‬
‫قبالته‪ ،‬على السطح الورقي األبيض‪ ،‬وقد ملعت‬
‫سطوحها املثمنة من خ�لال ما يشبه الزجاج‬
‫املسنفر‪ ،‬وأومضت بربيق أخضر زيتوني‪ ،‬بالغ‬
‫حد اجلمال والروعة‪..‬‬
‫ك��ان��ت ث�ل�اث منها يف ح��ج��م ح��ب��ات الزيتون‬
‫املتوسطة‪ ..‬أما الرابعة فكانت كبيضة احلمام‬
‫إذا طليت بلون الزيتون القامت األخَّاذ‪.‬‬
‫فتح العجوز درجاً باملنضدة‪ ،‬استل منه عدسة‬
‫مكربة‪ ..‬التقط احلصاة الكربى‪ ،‬وراح يتفحصها‬
‫بعني ليست حادة البصر بقدر ما هي فاحصة‬
‫ذات خربة يف التمييز واملوازنة واكتشاف أدق‬
‫احلسنات أو أتفه العيوب يف ع��امل الصياغة‬
‫احلافل باألسرار‪..‬‬
‫بعد برهة‪ ،‬أنزل العجوز ميناه بالعدسة املكربة‪،‬‬
‫يف حني ظلت أصابع يسراه قابضة على احلصاة‬
‫الزيتونية‪ ،‬تقلبها يف إعجاب‪ ،‬وفمه يتمتم‪:‬‬
‫هه!‪ ..‬عظيم‪ ..‬تقليد متقن للماس‪ ..‬مل أر طيلة‬
‫حياتي مثله دقة‪..‬‬
‫هو ماس خام‪ ..‬حقيقي‪..‬‬
‫عاد العجوز يتفحص احلصاة وقد رفع حاجبيه‬
‫دهشة‪ ،‬ثم تركها وتناول واحدة غريها‪..‬‬
‫وغمغمت شفتاه‪ ،‬يف حني كانت عيناه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪71‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املاسات الزيتونية‬
‫تعتصران رصيد اخلربات الضخم‪:‬‬
‫لكن هذه العروق املستعرضة فيما حول النُوَيَّات‪..‬‬
‫هي غريبة حقًّاً‪ ،‬بل نفس النويات تبدو من قوام‬
‫مغاير‪ ،‬ومع ذلك تقول إهنا حقيقية‪ ..‬فكيف‬
‫تكونت؟‪ ..‬ثم هذا اللون الزيتوني‪ ،‬مل أره من‬
‫قبل‪ ..‬بالطبع رائع‪ ،‬ومذهل‪ ..‬لكنه شاذ‪..‬‬
‫مهس الرجل الفارع مستعيداً بعضاً من ثقته‬
‫بنفسه‪:‬‬
‫هي خامات صادقة‪ ،‬ما يف ذلك أدنى شك‪ ..‬وأنا‬
‫أعرض بيعها‪.‬‬
‫سأله العجوز يف خبث‪:‬‬
‫رغبتك واضحة يا سيد‪ ..‬فمن أي��ن حصلت‬
‫عليها؟‬
‫قال الرجل يف صرامة بدت شرسة‪ ،‬ضارية‪،‬‬
‫تتنافى مع مظهره املتخاذل لدى أول قدومه‪:‬‬
‫إن شرطي لبيع املاسات أال يصحبه أي أسئلة‪.‬‬
‫حاول العجوز أن يعرتض‪:‬‬
‫لكن‪...‬‬
‫قاطعه الغريب يف حسم‪:‬‬
‫أرج��و اعتبار كالمي هنائياً‪ ..‬فقط ثق بأهنا‬
‫ليست مسروقة‪.‬‬
‫قطب العجوز جبينه‪ ..‬بدا أنه يفكر عمي ًقاً‪،‬‬
‫وأصابعه املرهفة تتلمس سطوح احلصوات يف‬
‫تعلق وهنم‪ ،‬ثم دىل شفته السفلى‪ ،‬وكور لسانه‪،‬‬
‫وقال بغتة‪:‬‬
‫ال مفر من ذكر امسك على األقل‪..‬‬
‫وما الداعي‪ ..‬وحنن لن نوقع أوراقاً رمسية؟‬
‫ال أفهم!‬
‫األمر غاية يف البساطة‪ ..‬إذا أعجبتك احلصوات‪،‬‬
‫أنت تدفع وأنا أعطي‪ ..‬وهذا كل شيء‪..‬‬
‫مل يتفوه العجوز حب��رف‪ ..‬م��ال بكرس ِيه إىل‬
‫الوراء‪ ،‬حتى المس ظهره احلائط‪ ،‬وقبع يتدبر‬

‫‪72‬‬

‫أم��ره يف سكينة‪ ..‬م��رت دقائق وه��و ال حييد‬
‫ببصره عن احلصوات األربع املستكينات على‬
‫الصفحة البيضاء‪ ..‬هل حقاً هي حقيقية‪ ،‬من‬
‫خام طبيعي‪ ،‬وليست مصنعة‪ ،‬مقلدة؟‪ ..‬يلوح‬
‫هذا‪ ،‬ومل ال؟‪ ..‬لكن النواة‪ ..‬التعريقات‪ ..‬اللون‪..‬‬
‫الشكل ال��ع��ام غ�ير امل��أل��وف‪ ..‬ث��م حاسته‪ ،‬هل‬
‫ختدعه إىل هذه الدرجة؟‬
‫وانكب العجوز يتفحص احلصوات من جديد‪..‬‬
‫راح يقلبها كلاًّ بدورها‪ ،‬حتت العدسة املكربة‪،‬‬
‫فتفصح عن ملعان سطوحها‪ ،‬بالرغم من عدم‬
‫صقلها‪ ..‬وجرب أيضاً اختبارات عملية‪ ..‬جرب‬
‫طرقها‪ ،‬وخ��دش سطوحها‪ ،‬وتسخينها على‬
‫موقد حلام قوي النريان‪ ..‬وجرب شق إحداها‬
‫مبنشار كهربي ذي أسنان من تراب املاس‪ ،‬لكن‬
‫احلصاة ظلت على صالبتها‪ ،‬تستعصي على‬
‫جمرد إح��داث شرخ يسري‪ ..‬هي بالتأكيد خام‬
‫طبيعي‪ ..‬هي أصيلة وليست مزورة‪.‬‬
‫اتضح نفاد الصرب يف نظرات الرجل الفارع‪،‬‬
‫وقال وهو يطرق بالط األرضية بكعب حذائه‬
‫طرقات قصرية منغمة‪:‬‬
‫واآلن‪ ..‬فما الذي تنويه؟‬
‫رفع العجوز عينني متعبتني‪:‬‬
‫رمبا ال أستطيع املغامرة‪...‬‬
‫قابل ال��رج��ل ال��ن��ظ��رات املرسلة إليه بأخرى‬
‫متحدية‪:‬‬
‫وقد تستطيع‪.‬‬
‫يف استكانة هذه املرة‪ ،‬أمسك العجوز باحلصاة‬
‫ال��ك�برى‪ ،‬ووض��ع��ه��ا على إح���دى كفيت امليزان‬
‫احل��س��اس‪ ،‬وأخ���ذ ي��وازهن��ا ب��ع��دد م��ن الصنج‬
‫والرقائق النحاسية‪..‬‬
‫صاح يف إعجاب مل يقو على كبحه‪:‬‬
‫‪ 52‬قرياطاً!!‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫املاسات الزيتونية‬
‫ومجع احلصوات الثالث الباقيات ووزهنا‪:‬‬
‫ً‬
‫‪83‬‬
‫ق�يراط�اً‪ ..‬فيكون جمموع األرب��ع معًا ‪135‬‬
‫ً‬
‫قرياطاً‪.‬‬
‫حسن‪ ..‬فكم تبلغ قيمتها؟‬
‫وحدَّث العجوز نفسه‪..‬‬
‫«بالطبع تبلغ الكثري‪ ..‬إهن��ا تساوي ما ال يقل‬
‫عن ستة آالفٍ من اجلنيهات‪ ..‬ال‪ ..‬قد تصل‬
‫إىل سبعة أو مثانية آالف‪ ..‬ف��إذا أضيف إىل‬
‫احلسبان لوهنا ال��غ��ري��ب‪ ،‬فقد يتعدى الرقم‬
‫عشرة آالف جنيه»‪.‬‬
‫تنحنح العجوز‪ ،‬وقال يف هلجة غامضة‪:‬‬
‫إن قيمتها كبرية‪ ..‬قد تزيد‪ ..‬عن ألفني‪ ..‬ورمبا‬
‫ثالثة آالف جنيه‪..‬‬
‫متتم الرجل يف صوت أجوف‪ ،‬خلفيته وجه بال‬
‫تعابري‪:‬‬
‫ثالثة آالف جنيه؟!‬‫على أن العجوز أضاف بسرعة‪:‬‬
‫إال أن�ني ال أم��ل��ك ح��ال�يّ�اً خب��زان�تي س��وى ألف‬
‫واحدة‪.‬‬
‫ألف‪ ..‬فقط؟!‬
‫وخاف العجوز أن تفلت منه الصفقة‪ ،‬فعاد يقول‬
‫ملحّاً‪:‬‬
‫ق��د أمت��ك��ن‪ ..‬م��ن مج��ع مخسمئة أخ���رى من‬
‫زمالئي باجلوار‪.‬‬
‫تغيري مفاجئ اجتاح قسمات الرجل الفارع‪..‬‬
‫انقلبت سحنته‪ ،‬ضاقت عيناه‪ ،‬وبرزت أسنانه‪..‬‬
‫ومل يلحظ العجوز شيئاً من ذلك‪ ..‬كان مشغوالً‬
‫باحتضان احلصوات بأرق نظرات حانية‪ ،‬يبعثها‬
‫قلبه عرب حدقتيه‪..‬‬
‫بلع الغريب ريقه وقال‪:‬‬
‫ال‪ ..‬ال داعي‪ ،‬يكفيين ألف واحد هذه املرة‪.‬‬
‫أَوَ ستكون هناك مرة تالية؟‬

‫رمبا مرات‪.‬‬
‫تبيعين فيها حصوات كهذه؟‬
‫آمل ذلك‪..‬‬
‫قال العجوز ويده جتذب باب اخلزانة الثقيل‪،‬‬
‫فتظهر شبه خالية من الداخل إال من صندوق‬
‫خشيب تعلوه حزمة أوراق مالية منسقة‪:‬‬
‫أحسنت إذ أخربتين حتى أعد لك مبلغاً مناسباً‪..‬‬
‫لكن متى يكون قدومك التايل؟‬
‫ال علم يل‪ ..‬قد يتيسر بعد ثالثني يوماً‪.‬‬
‫أراح العجوز حزمة األوراق املالية على حافة‬
‫املنضدة‪ ،‬وشبك ذراعيه‪ ،‬وابتسم‪..‬‬
‫تفضل املبلغ‪..‬‬
‫ِ‬
‫مل‬
‫حيص الرجل الفارع القامة حزمة األوراق‬
‫اخل��ض��راء‪ ،‬وإمن��ا تناوهلا يف ه��دوء‪ ..‬وأودعها‬
‫جيب سرتته‪ ،‬حيث كانت تستقر حصوات املاس‬
‫منذ دق��ائ��ق‪ ..‬ودون أن يلفظ ح��رف�اً‪ ،‬أو حتى‬
‫يومئ للعجوز حميياً‪ ،‬استدار‪ ..‬وغادر احلانوت‬
‫على عجل‪..‬‬
‫قرابة آخر الشهر التايل‪ ،‬وقد مر حنو أربعني‬
‫يوماً أو تزيد بيوم ورمبا يومني‪ ..‬ظهرت قامة‬
‫الغريب ال��ف��ارع��ة‪ ،‬ذات الكتفني العريضتني‬
‫والصدر البارز العضالت كصدر الرياضيني‪..‬‬
‫انطلق صاحبها يوسع اخلطا بساقيه الطويلتني‬
‫عرب «زقاق الزعفراني»‪ ..‬تسبقه أصداء ضربات‬
‫قدميه يف رنني مكتوم‪ ،‬وتالحقه نظرات متسائلة‬
‫من حوانيت عدة يداعبها أمل التوقف لدى كل‬
‫منها دون غريها‪..‬‬
‫لكن الرجل ظل على هرولته حتى عرب ثلثي‬
‫الزقاق‪ ..‬ووجل يف احلانوت الذي حيمل الفتة‪،‬‬
‫ك��ت��ب عليها خب��ط ك��ب�ير م��ائ��ل‪« :‬احل����اج علي‬
‫اجلوهري»‪.‬‬
‫غري أن الرجل الفارع القامة مل ميكث‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪73‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املاسات الزيتونية‬

‫ط��وي�لاً حب��ان��وت تاجر اجمل��وه��رات‪ ،‬فبمجرد‬
‫أن دخ��ل واستقبله العجوز بالرتحاب وكانت‬
‫برفقته زوجه‪ ،‬وهي امرأة طيبة مسنة وإن كانت‬
‫تصغره بعقد أو حنوه حتى بادر بإعطائه مخس‬
‫حصوات زيتونيات دفعة واح��دة‪ ..‬ومل يستمر‬
‫فحص احلصوات أكثر من دقائق عشر‪ ..‬وهكذا‬
‫سرعان ما غ��ادر الرجل حانوت احل��اج علي‬
‫اجلوهري وجيبه يضم ألفني من اجلنيهات‪..‬‬
‫بدلاً من األلف السابقة‪...‬‬
‫وامتدت العالقة بني الرجلني‪ ،‬وتوثقت عن ذي‬
‫قبل‪ ..‬لكنها ظلت عالقة حذرة بني جمهولني‪..‬‬
‫العجوز احلاج الذي جيهل كل شيء عن صاحبه‬
‫حتى امس��ه‪ ،‬والسيد الغامض ال��ذي ال يبغي‬
‫معرفة أي شيء عن صاحبه فيما عدا امسه‪..‬‬
‫وكان الرابط الوحيد بني اجملهولني املتفامهني‬
‫جماميع من حصوات خام املاس ‪ -‬بديعة اللون‪،‬‬
‫خفية املصدر ‪ -‬تراوحت أعدادها يف كل مرة‬
‫بني حصاتني وست حصوات‪ ..‬ومقابلاً نقديًّا‬
‫للحصوات الثمينات‪ ،‬يتفاوت بني نصف ألف إىل‬
‫ثالثة آالف‪ ،‬أُعدت وجُهزت كمقابل استغاليل‬
‫خبس لسلعة عصيَّة يصعب تسويقها يف مكان‬
‫آخر‪..‬‬

‫‪74‬‬

‫وبامتداد عامني كاملني‪ ،‬تقابل اجملهوالن تسع‬
‫عشرة م��رة‪ ..‬فتبدلت ح��ال تاجر اجملوهرات‬
‫العجوز واختلفت كلي ًة عما كانت عليه سابقاً‪ ،‬إذ‬
‫سرعان ما اشتهر مبورده اجلديد من املاسات‬
‫الزيتونية العجيبة‪ ،‬ال�تي مهَر دون س��واه يف‬
‫قطعها وتشكيلها‪ ..‬وما تبع ذلك من ثراء ونعمة‪،‬‬
‫وانتقالة ش��اخم��ة إىل ح��ان��وت أوس���ع‪ ،‬بشارع‬
‫الصاغة الرئيس‪ ،‬تتخمه قطع احللي الفاخرة‪،‬‬
‫وكميات الذهب واألحجار الكرمية اليت تقدر‬
‫بأسعار خيالية‪..‬‬
‫أما الرجل جالب احلصوات‪ ،‬فلم يعلم بأمره‬
‫أحد‪ ،‬حتى العجوز النشط بالرغم مما حيمل‬
‫على كاهله من أيام مضنيات‪ ..‬فقد جهل وزوجه‬
‫أي معلومات عن عميله بصورة قاطعة‪ ..‬صحيح‬
‫أنه خالل حمادثاهتما املقتضبة املبتورة‪ ،‬كثريا‬
‫ما ح��اول استخالص أو تلمس أو‪ ‬استشفاف‬
‫أتفه الكلمات‪ ..‬كما تعمد مرة أن يتعقب الرجل‬
‫الفارع‪ ،‬بعد مغادرته احلانوت‪ ،‬ثم أثناء سريه‬
‫من الزقاق‪ ،‬وبعده بشارع األزهر إىل أن وصل‬
‫إىل ميدان العتبة‪ ..‬وأكثر من مرة‪ ،‬تقابل وإياه‬
‫لدى قدومه من أول الزقاق‪ ،‬وبعدئذ بأول شارع‬
‫الصاغة‪ ،‬حني نقل حانوته إىل األخ�ير‪ ..‬لكنها‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫املاسات الزيتونية‬

‫بقيت مجيعها حماوالت ساذجة‪ ،‬عجزت متاماً‬
‫عن أن تكشف النقاب عن الشخصية اخلفية‪..‬‬
‫اليت يغرقها الغموض ويلفها اإلهبام‪.‬‬
‫ك��ان��ت احل��ج��رة امل��ت��س��ع��ة ت��رف��ل يف ح��ل��ة من‬
‫ال��س��ك��ون‪ ..‬واجل���و ال���ب���ارد امل��ع��ت��م‪ ،‬املشحون‬
‫باملشاعر املتأججة‪ ..‬وعلى الفراش الوحيد هبا‬
‫استقر جسد دثرته البطاطني الثقيلة‪ ،‬فلم يتبق‬
‫ظاهراً منه للعيان سوى وجه شاحب‪ ..‬كان فاقد‬
‫الوعي‪ ،‬بعد أن أجريت له توّاً جراحة عاجلة‪..‬‬
‫وخب���ارج ال��ن��اف��ذت�ين امل��ت��ج��اورت�ين‪ ،‬على ميني‬
‫الفراش‪ ،‬كانت السماء متطر رذاذاً متفر ًقاً‪..‬‬
‫يف حني تنبئ الغيوم املرتاكمة مبزيد من املطر‬
‫ومزيد من العتمة‪..‬‬
‫وع��اد احل��اج علي اجل��وه��ري يتلمس قسمات‬
‫الوجه املليحة‪ ..‬ببصر ضاعفت من حدته ‪-‬‬
‫مؤخراً ‪ -‬عدستان حييطهما إطار أنيق‪ ..‬وبينما‬
‫جلست إىل جواره زوجه‪ ،‬قبعت يف املواجهة ‪-‬‬
‫جبانب الفراش األيسر ‪ -‬أم املريضة وأختها‪،‬‬
‫وق��د نطقت أساريرمها بأبلغ آي��ات االنفعال‬
‫واألمل‪..‬‬
‫مل يكن الثراء املفاجئ الذي يرفل فيه احلاج‬
‫العجوز ‪ -‬ومصدره املاسات‪ ،‬منحة القدر دون‬

‫جهد يذكر ‪ -‬هو سبب جميئه ومعه ما محل من‬
‫هدايا‪ ،‬وال كان خوفه من ألسنة أفراد عائلته ‪-‬‬
‫اليت ال ترحم لدى أقل تقصري‪ -‬هو الذي حركه‬
‫عند مساعه خرب إج��راء جراحة الزائدة هلا‪..‬‬
‫ال‪ ،‬ليس شيئاً من ذلك باملرة‪ ..‬وإمنا كان حباً‬
‫حقيقياً يكنه هل��ذه الصغرية‪ ،‬ابنة أخته‪ ،‬وقد‬
‫منت وكربت‪ ،‬ثم تزوجت مبعرفته وعلى يديه‪..‬‬
‫لقد حرم هو األبناء فعوضه اهلل خرياً يف هذه‬
‫االبنة «منال» ‪ ،‬وإن تكن ابنة ألخته وليس له‪..‬‬
‫وأف��اق��ت املريضة ال��ش��اب��ة‪ ،‬فتنهدت القلوب‪،‬‬
‫واس�ترخ��ت املشاعر م��ن ح��وهل��ا‪ ..‬وابتسم هو‬
‫ابتسامة الطمأنينة‪ ..‬وانتظر إىل أن متالكت‬
‫م��ش��اع��ره��ا‪ ،‬ل��ي��ق�ترب وي��ض��ع حت��ت وسادهتا‬
‫مظروفاً يضم مبلغاً كبرياً من املال‪..‬‬
‫وحينما انطلق وزوجه يأخذان طريق العودة‪..‬‬
‫عرب املمر الطويل مبستشفى طنطا اخلريي‪،‬‬
‫كانت السعادة والرضاء يعمانه‪ ،‬فقد استطاع‬
‫دون ريب أن يقدم خدمتني جليلتني يف رأيه‪..‬‬
‫إحدامها للفتاة املقربة إىل قلبه‪ ،‬والثانية لنفسه‬
‫هو تعويض لعاطفة األبوة اليت يفتقدها‪..‬‬
‫وبينما كان العجوز‪ ،‬وقد امتأل جسده‬
‫وترهَّل عن ذي قبل‪ ،‬يتقدم حثيثاً تالحقه‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪75‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املاسات الزيتونية‬
‫امرأته البدينة وأمارات الطيبة تنري وجهها‪ ..‬إذ‬
‫هبا تتشبث بذراعه بغتة‪ ،‬بكيفية كادت تدفعه‬
‫إىل التعثر والسقوط‪..‬‬
‫انظر يا علي!‪..‬‬
‫هتف وهو يعيد توازنه‪:‬‬
‫ماذا تفعلني؟‪ ..‬كدت أقع‪ ..‬ما الذي تريدينه؟‬
‫انظر هناك‪ ..‬خلف تلك احملفة‪..‬‬
‫دفع العجوز ببصره بعيداً‪ ..‬كانت هناك حمفة‬
‫(نقالة) ذات عجل‪ ،‬يقودها ممرضان إىل ميني‬
‫املمر‪ ..‬وأمكنه متييز وجهي الرجلني‪ ،‬لكنه عجز‬
‫عن تفسري مالمح اجلسم املستلقي عليها‪..‬‬
‫ال ميكنين تبيُّن املريض‪ ..‬من هو؟‬
‫قالت السيدة‪ ،‬وه��ي تضغط بكتفها‪ ،‬مقرّبة‬
‫خدها من خد زوجها‪:‬‬
‫ال أقصد املريض‪ ..‬بل انظر من يسريان وراء‬
‫املمرضني‪..‬‬
‫ً‬
‫ونقل العجوز بصره ملسافة أكثر بعدا‪ ،‬وأمكنه أن‬
‫يرى الرجلني املنهمكني يف حديث بدا مسرتسالً‬
‫متشابكاً‪ ..‬وه �مَّ العجوز أن يستوضح زوجه‬
‫عما يثريها يف هيئتهما‪ ،‬حينما استطاع اإلملام‬
‫بقسمات ومالمح أح��دمه��ا‪ ..‬عندئذ كف عن‬
‫املسري‪ ،‬وقد عمه انفعال شديد‪..‬‬
‫آه‪ ..‬هذا الذي على اليسار!‬
‫مهست كأهنا ختاف أن يسمعها أحد‪:‬‬
‫أجل‪ ..‬أليس هو؟‬
‫قاطعها منفعالً‪ ،‬وقد خفت بدوره من صوته‪:‬‬
‫ال ج��دال أن��ه ه��و‪ ،‬بعينه‪ ..‬إذن فهو طبيب؟‪..‬‬
‫ويبدو أنه جراح كذلك‪...‬‬
‫أوقف العجوز ممرضة عابرة‪ ،‬وسأهلا‪:‬‬
‫أليس ال��ذي على اليسار هو الطبيب فتحي‬
‫أبو‪..‬؟‬
‫قاطعته وهي مستمرة يف سريها‪:‬‬

‫‪76‬‬

‫من‪..‬؟‪ ..‬هذا؟‪ ..‬إنه جراح املسالك البولية دكتور‬
‫عبد اللطيف شوقي‪.‬‬
‫وطوال ساعات العودة‪ ،‬والسيارة األجرة تطوي‬
‫الطريق اإلسفليت‪ ،‬حتت وابل كثيف من املطر‪،‬‬
‫راح العجوز وزوجه يتساءالن يف حرية ودهشة‬
‫بالغة‪ ،‬عما يدفع طبيباً‪ ..‬جراحاً‪ ،‬إىل االجتار‬
‫يف امل��اس‪ ..‬تلك البضاعة اليت تنأى كلي ًة عن‬
‫جم��ال الطب واألط��ب��اء‪ ..‬إال‪ ..‬ل��و ك��ان املاس‬
‫مهرباً‪ ...‬لكن من أين؟‬
‫ً‬
‫لقد جئتك مبكراً؛ ألنين أزمع الرحيل مبكرا‪..‬‬
‫قاهلا الرجل الفارع القامة‪ ،‬وهو يلوح بالكيس‬
‫ويلقيه قبالة العجوز على املنضدة‪ ..‬ثم يودع‬
‫طرف األريكة جسده‪ ،‬ويطوي معطفه ويضعه‬
‫فوق ركبتيه‪ ..‬لكن العجوز ‪ -‬وقد ربض وقوراً‬
‫غامضاً على غري عادته – مل‪ ‬يفتح الكيس‪،‬‬
‫وإمنا شبك ذراعيه‪ ،‬وافتعل ابتسامة عريضة‬
‫على شفتيه اليابستني‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫قد يكون السيد متسرِّعاً يف اختاذ قراره‪..‬‬
‫ان��ت��ش��رت احل�ي�رة ع��ل��ى جبهة ال��رج��ل الفارع‬
‫وتساءل‪:‬‬
‫أي قرار تعين؟!‬
‫موضوع رحيلك املبكر‪..‬‬
‫ازداد قلقه‪:‬‬
‫ومل ال‪..‬؟‬
‫اعتدل العجوز‪ ،‬وقال ببطء يف وداع��ة ظاهرة‬
‫حيركها حشد من الدهاء واملكر‪:‬‬
‫ألن بيننا اليوم حدي ًثا حافالً‪ ..‬طال انتظاره يا‬
‫دكتور عبد اللطيف‪...‬‬
‫جتهم وجه الرجل‪ ..‬اصفر‪ ،‬ثم اخضر‪ ،‬ثم ظل‬
‫باهتاً بني اللونني‪ ..‬لكنه مل يفتح فمه‪ ،‬بل اعرتاه‬
‫الوجوم‪ ،‬والتبلد‪ ..‬حط عليه ستار من السكينة‪،‬‬
‫خي��ف��ي حت��ت��ه ب��رك��ان �اً م��ن امل��ش��اع��ر اجلياشة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫املاسات الزيتونية‬
‫املتضاربة‪..‬‬
‫بعد أن ط��ال صمته‪ ،‬متتم يف النهاية‪ ،‬فخرج‬
‫صوته فحيحاً أجش غري مألوف‪:‬‬
‫أعرفت امسي؟!‬
‫بالكامل‪ ..‬الدكتور عبد اللطيف شوقي‪..‬‬
‫ن� َّ�ك��س ال��رج��ل رأس���ه‪ ،‬وأغ��ل��ق عينيه‪ ،‬يف حني‬
‫استطرد العجوز‪:‬‬
‫وعرفت مهنتك ووظيفتك‪ ..‬فأنت جراح املسالك‬
‫البولية األول‪ ،‬مبستشفى طنطا اخلريي‪..‬‬
‫كل ذلك ؟‪ ..‬كيف ؟!‬
‫مبحض املصادفة وحدها‪..‬كنت وزوج�تي يف‬
‫زيارة مريضة قريبة‪ ،‬مبستشفى طنطا‪ ،‬وهناك‬
‫حملناك‪ ..‬وعرفنا كل شيء عنك‪.‬‬
‫أرجح الطبيب ذراعه املدالة على جانب مسند‬
‫األريكة‪ ..‬أرجحها يف ملل‪ ..‬أخرياً قال يف هلجة‬
‫مستسلمة‪ ،‬وأس��ن��ان��ه جت��ز على ط��رف شفته‬
‫السفلى‪:‬‬
‫ً‬
‫لقد كشفت جزءا من سري‪ ..‬وأظن أنه ال مفر‬
‫من إطالعك على بقيته‪..‬‬
‫انفرج فم العجوز عن مجلة مقتضبة‪ ،‬أودعها‬
‫الكثري من املعاني‪:‬‬
‫لو مسحت‪..‬‬
‫غ�يَّ��ب الطبيب ي��ده يف جيب س�ترت��ه‪ ،‬وأخرج‬
‫منديالً بسطه وراح جيفف عرقاً غري واضح‬
‫القطرات‪ ..‬وقال‪:‬‬
‫املوضوع متشعب‪ ،‬عويص‪ ،‬قد يطول شرحه‬
‫وس��رد ج��وان��ب��ه‪ ..‬لكين ق��در اإلم��ك��ان‪ ..‬سوف‬
‫أوجزه وأقربه إىل فهمك‪..‬‬
‫وأغلق الطبيب عينيه‪ ،‬يتيح ألفكاره قدرة أكرب‬
‫على التداعي والتجمع‪ ،‬ومن ثم الرتكيز‪ ..‬كان‬
‫حبق يسرتجع ماضياً يهرب منه وخيشاه‪:‬‬
‫ال أدري على وجه الدقة متى بدأ اهتمامي بتلك‬

‫احلصوات‪ ،‬املسننات‪ ،‬البالغات أقصى درجات‬
‫ال��ص�لاب��ة‪ ،‬وأق��ص��ى درج����ات اخل��ط��ورة على‬
‫اإلنسان‪ ..‬وقصدي هنا ينصب على حصوات‬
‫الكلى املريضة‪ ..‬بالطبع يرجع هذا إىل زمن‬
‫بعيد‪ ،‬يسبق التحاقي بكلية الطب‪ ،‬فقد كان أبي‬
‫ رمحه اهلل ‪ -‬مصاباً مبرض تكوينها‪ ،‬وبعده‬‫أصيب خال يل‪ ..‬بل أنا نفسي قاسيت آالم لفظ‬
‫إحداها يف صباي‪..‬‬
‫وصمت الطبيب برهة‪ ،‬عاود بعدها نسج كلماته‬
‫العجلى الالهثة‪ ،‬يستمدها من أغوار روحه‪:‬‬
‫قلت إنين أقصد احلصوات اليت تتكون يف كلى‬
‫اإلنسان‪ ..‬وأعين يف حديثي نوعاً منها بالذات‬
‫ه��و حصى «األك��س��ي�لات»‪ ،‬ال�تي يكوهنا ذلك‬
‫الراسب امللحي املتبلور‪ ،‬واليت متتاز باألطراف‬
‫احلادة القاطعة يف ضراوة‪ ..‬وكنت كلما أمسكت‬
‫بواحدة من هذه احلصوات امللعونة‪ ،‬أحاول دقها‬
‫أو سحق جزء ‪ -‬ولو يسري ‪ -‬منها بالقادوم‪..‬‬
‫فإذا تعبت من الدق‪ ،‬وباءت حماوالتي بالفشل‪،‬‬
‫رح��ت أس���أل نفسي‪ :‬أي ف���ارق ب�ين حصوات‬
‫«األكسيالت» وحصوات املاس‪ ..‬وخالل دراسيت‬
‫اجل��ام��ع��ي��ة‪ ..‬وج���دت اجل����واب ع��ن س���ؤايل‪..‬‬
‫حصوات املاس أكثر صالبة‪ ،‬وأكثر بريقاً وهباء‪..‬‬
‫ثم إن ظروف تكوهنا ختتلف وتتباعد عن ظروف‬
‫تكون حصوات «األكسيالت»‪ ..‬لكين أبداً مل أكن‬
‫أحصل على االقتناع ال��ك��ايف‪ ،‬بوجود الفارق‬
‫الضخم بني النوعني من أنواع احلصى‪...‬‬
‫أدنى الطبيب أصابعه من حافة املنضدة‪ ،‬وأخذ‬
‫ينقر عليها يف عصبية‪ ،‬ثم رفع إصبعه‪ ،‬ونفخ‬
‫أوداجه‪ ،‬وألقى بنفسه مذعناً يف خضم الكلمات‬
‫املرة املضنية‪:‬‬
‫وذات يوم‪ ،‬وكنت قد أجريت لتوي جراحة‬
‫أخرجت فيها حصاة «أكسيالت» كبرية‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪77‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املاسات الزيتونية‬
‫وبينما أخذت أقلب احلصاة الزيتونية‪ ،‬مستعذباً‬
‫مرأى لوهنا اجلذاب وسطوحها ذات النتوءات‪،‬‬
‫حتى كدت أنسى عذابات تكوهنا وإخراجها من‬
‫البدن املريض املسكني‪ ..‬بغتة أومضت يف رأسي‬
‫تلك الفكرة اجملنونة‪« ..‬أال ميكن إنبات حصاة‬
‫ماس حقيقية بكلية شخص مريض؟»‪.‬‬
‫اتضح االنزعاج على وجه العجوز‪ ،‬فألقى سؤاله‬
‫مبتوراً‪ ،‬ناشزاً تعرتيه الرجفة‪:‬‬
‫يا ستار‪ ..‬أية جرمية نكراء دبرت؟!‬
‫والطبيب مل يهتم العرتاض العجوز‪ ،‬إمنا أطلق‬
‫العنان ملشاعر طال كبتها تنساق مع كلماته‪..‬‬
‫وما كان لعائق مهما ك��ان‪ ،‬أن جيرؤ اآلن على‬
‫اعرتاضها وسلبها حقها يف االنبثاق والتوالد‪:‬‬
‫رح��ت أق���رأ ال��ع��دي��د م��ن الكتب ع��ن امل���اس‪..‬‬
‫عن نظريات تكونه وتشكل أن��واع��ه‪ ..‬وسألت‬
‫الكثريين من خرباء إنتاجه‪ ،‬وخرجت حبصيلة‬
‫مدهشة‪ ..‬املاس ما هو إال كربون نقي متبلور‬
‫ولكي تتكون بلوراته‪ ،‬ال بد من ضغط الكربون‬
‫بشدة‪ ،‬وتسخني سائله املتدفق إىل درجة حرارة‬
‫عالية‪ ..‬ثم حيتاج تكونه أيضاً لصدمات من‬
‫الربودة املفاجئة‪ ..‬وبالنسبة خلطوتي اجلريئة‬
‫ ال�تي مل يسبقين إليها أح��د ‪ -‬كنت أحتاج‬‫إىل مطلب إضايف كذلك‪..‬كلية مريضة تذعن‬
‫لعمليات الرتسيب‪ ،‬حيث يتاح إبراز احلصاة إىل‬
‫الوجود‪..‬‬
‫دمدم العجوز ساخرا‪ً:‬‬
‫ترى من هو سعيد احلظ الذي َّ‬
‫تلقى جتربتك‬
‫األوىل عليه؟‬
‫اقتصرت جتاربي املبدئية على احليوانات‪..‬‬
‫أجريتها على الفئران‪ ..‬عقاقري تولد درجات‬
‫حرارة عالية موضعية‪ ،‬وأخرى تسبب ما يشبه‬
‫الضغط ال��ع��ايل‪ ،‬وثالثة توفر تدفق السائل‬

‫‪78‬‬

‫وجريانه بصورة منتظمة‪ ..‬ثم صدمات فجائية‬
‫من عناصر غازية بالغة الربودة‪ ..‬وبعد جهود‬
‫شاقة مضنية‪ ،‬حصلت يف كلى الفئران على‬
‫الثمرة الفريدة‪ ..‬مناذج من خام املاس‪ ،‬يف حجم‬
‫رؤوس الدبابيس‪ ،‬وأكربها كانت يف حجم حبة‬
‫األرز‪..‬‬
‫توقف الطبيب عن الكالم‪ ،‬وأخذ يدلك عنقه‪،‬‬
‫كأنه خيتنق‪ ..‬جاهد يف استماتة‪ ،‬لكن التيار‬
‫الشرس جذبه‪ ،‬طواه‪ ،‬هضمه يف أعماقه‪..‬‬
‫وم��ا كنت ألج���رؤ‪ ،‬مهما أوت��ي��ت م��ن شجاعة‪،‬‬
‫على نقل جت��ارب��ي ل�لإن��س��ان‪ ..‬حتى أملَّ��ت بي‬
‫تلك الفاجعة على غري انتظار‪ ..‬مرض شقيقي‬
‫املزمن‪ ،‬الذي استنفد كافة مدخراتي ومصادر‬
‫قوتي‪..‬‬
‫ألديك أسرة كبرية؟‬
‫ل��دي زوج���ة واب��ن��ت��ان وأم���ي وذل���ك األخ الذي‬
‫يصغرني بثمانية أعوام‪..‬‬
‫عوى العجوز وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة‪:‬‬
‫موضوعنا‪ ..‬لنعد إىل موضوعنا‪ ..‬فكيف أمكنك‬
‫حتويل حصوات الـ‪ ..‬ماذا أمسيتها؟‬
‫«األكسيالت»‪ ..‬إحدى مشتقات اجلري‪..‬‬
‫أج��ل‪ ،‬كيف حولت «األك��س��ي�لات» إىل ماس‪..‬‬
‫بداخل الكلية البشرية!‬
‫قال الطبيب يف جدية‪:‬‬
‫أنا ال أحول شيئاً إىل شيء آخ��ر‪ ..‬ليس األمر‬
‫هب��ذه الكيفية‪ ..‬وإمن���ا أن��ا أحب��ث ب�ين الكلى‬
‫املريضة عن تلك اليت ترسب ملح «األكسيالت»‪..‬‬
‫فإذا‪ ‬ما‪ ‬وجدت كلية يف بداية تكوينها للحصاة‪،‬‬
‫حبيث ال يزيد حجم احلصاة عن جمرد رملة‬
‫حبجم م ِّليمرت مكعب أو م ِّليمرتين‪ ،‬التقطتُّ‬
‫اخليط وبدأت العمل الفوري‪...‬‬
‫كيف باهلل‪..‬؟!‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫املاسات الزيتونية‬
‫ِّ‬
‫أحضرها‬
‫أبدأ يف إعطاء املريض األدوي��ة اليت‬
‫مبفردي يف معملي‪ ..‬مستغالً رملة «األكسيالت»‬
‫كنواة‪ ،‬يرتاكم عليها خام املاس حبوض الكلية‪..‬‬
‫آه‪ ..‬يا للغرابة!!‪ ..‬وبعدئذٍ؟‬
‫أجاب الطبيب‪ ،‬وقد تغلبت عليه نزعة البحث‬
‫العلمي‪:‬‬
‫خالل شهر تقريباً‪ ،‬يتم تكون احلصاة املاسية‬
‫املناسبة‪ ..‬وأمكث أتتبع مراحل منوها باألشعة‬
‫والتحاليل املختلفة‪ ..‬وحني تصل حدّاً أعرفه‪،‬‬
‫أن��زهل��ا مبساعدة موسِّعات احل��ال��ب وم���درَّات‬
‫البول املعروفة‪ ..‬أو عن الطريق اجلراحي‪ ..‬دون‬
‫أن‪ ..‬أتقاضى أجراً‪...‬‬
‫أومضت عينا العجوز‪ ،‬وبرزتا‪ ،‬وامحرتا‪ ..‬أخرياً‬
‫قد أمسك اهلنَّة اليت ظل يرتقبها بنفاد صرب‪،‬‬
‫منذ أن بدأ الطبيب يتكلم‪..‬‬
‫هذه اجلراحة‪ ..‬يف أعقاب تلك الوسائل املفتعلة‬
‫امل��ق��ص��ودة‪ ..‬امل��خ��ادع��ة‪ ..‬إذاً مل يكن تصرفك‬
‫عمالً إجرام ّيًاً حبتاً‪ ..‬فماذا تسميه؟‬
‫حاول الطبيب املراوغة‪:‬‬
‫أنا ال أجري جتاربي إال على ذوي البنية القوية‬
‫من الشباب وحدهم‪ ،‬وال أقرب الشخص الواحد‬
‫مرتني‪ ،‬بأي حال من األح��وال‪ ..‬ثم إن حصاة‬
‫املاس ملساء أسهل يف االنزالق يف جمرى البول‬
‫من حصاة «األكسيالت» املسننة‪...‬‬
‫غري أن مقاومة الطبيب اعرتاها التصدع؛ إذ‬
‫ترقرقت دمعتان يف مقلتيه‪ ،‬تعربان عما جيتاحه‬
‫من أمل وحزن دفني‪..‬‬
‫لكن‪ ..‬فيم املكابرة ؟‪ ..‬فيم تلمس األعذار؟‪..‬‬
‫هكذا كان انسياقي إىل اهلوة‪ ،‬إىل أعمق أعماقها‪،‬‬
‫إىل قاعها املليء بالطني والوحل‪ ..‬وأنت يا حاج‬
‫تعرف بقية التفاصيل اليت نتجت عن قصة تلك‬
‫احلصوات‪ ..‬تلك الزيتونات املربقات‪..‬‬

‫أطلق العجوز آهة طويلة‪ ،‬مشحونة‪ ..‬وقال يف‬
‫وه��ن‪ ،‬وقد فرت محاسه‪ ،‬واع�تراه شعور ممض‬
‫بالتقزز‪:‬‬
‫هذا ما مخنته منذ البداية‪ ..‬مل تكن املاسات‬
‫طبيعية‪ ،‬مل‪ ‬أرَ‪ ‬مثلها‪ ..‬مثل لوهنا الزيتوني‪ ،‬قبالً‬
‫يف حياتي‪ ..‬واآلن‪ ،‬وقد اتضح ما خفي علي‬
‫طيلة ما يزيد على عامني‪ ،‬فقد بات من احملتم‬
‫أن أختذ موقفاً مغايراً‪ ..‬سيدي الطبيب‪ ،‬من‬
‫اجلحود أن أنكر فضل حصواتك أو‪ ‬ماساتك‬
‫اخلام عليّ‪ ..‬هي بالفعل سبب ما أنعم به من‬
‫ثراء حايل‪ ..‬لكن‪ ‬يف الوقت نفسه‪ ،‬من احملال أن‬
‫أقبل االستمرار يف اللعبة الكريهة!‬
‫ما الذي تقصده؟!‬
‫مبنتهى الوضوح‪ ،‬ستكون هذه الصفقة األخرية‬
‫بيننا‪ ..‬فإنين لن أتسلم منك أي ماسات بعد‬
‫اليوم‪...‬‬
‫أحنى الطبيب قامته الفارعة وه��و يتصبب‬
‫عر ًقاً‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫وأنا‪ ..‬إني‪ ..‬أذعن لرغبتك‪.‬‬
‫قاهلا الطبيب وقد وقف جيفف عنقه مبنديله‪،‬‬
‫وهو يهم مبغادرة احلانوت‪ ..‬لكن العجوز ترك‬
‫كرسيه متعجالً‪ ،‬وحلق بالطبيب يتشبث بذراعه‬
‫الضخم‪..‬‬
‫أرج�����وك‪ ..‬ال تغضب م�ن�ي‪ ..‬األم���ر يتضمن‬
‫مصلحتك كذلك‪ ..‬ثم إن��ك ‪ -‬كما يبدو يل ‪-‬‬
‫رجل عاقل‪ ،‬تتغلب احلكمة والطيبة على بقية‬
‫نوازعك‪ ..‬ولذا فلن أتركك قبل أن أحصل على‬
‫وعد منك بعدم تكرار استغالل مرضاك‪...‬‬
‫وعرب ساعة تالية تبودلت فيها كلمات عتاب‬
‫تأرجحت بني العنف واهلدوء‪ ،‬أمكن للعجوز أن‬
‫يفوز بالقسم الذي أراد مساعه‪...‬‬
‫وم��رت ث�لاث س��ن��وات متخمات‪ ،‬ازداد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪79‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫املاسات الزيتونية‬

‫أثناءها احلاج علي اجلوهري ثراء ونفوذاً‪ ،‬وبلغ‬
‫صيته فيها أوجه‪ ،‬حتى لقب بأبي جتار املاس‬
‫يف مصر بأسرها‪ ،‬وأغنى أغنياء خان اخلليلي‬
‫املوغل يف القدم‪ ،‬وأصبح واحداً من أبرز األعيان‬
‫املرموقني يف الناحية‪ ..‬وكانت حادثة احلصوات‬
‫العجيبة قد أوشكت أن تنمحي من ذاكرته‪ ،‬حني‬
‫خيل إليه يف أعقاب السنني الطويلة‪ ،‬أنه قد ملح‬
‫وجه الطبيب ‪ -‬يف اآلون��ة األخ�يرة ‪ -‬أكثر من‬
‫مرة‪ ..‬يف أكثر من مكان‪ ،‬وأكثر من مناسبة‪...‬‬
‫وذات أم��س��ي��ة‪ ..‬على وج��ه التحديد أمسية‬
‫التاسع من ثالث شهور السنة اجلديدة‪ ،‬وبينما‬
‫ك��ان العجوز وح��ده حبجرته العلوية حبانوته‬

‫‪80‬‬

‫احلديث التجهيز يتناول غ��داءه متأخراً‪ ،‬إذا‬
‫بكبري صبيانه «شحاتة» خيطره بإحلاح سيدة‬
‫وقور يف طلبه‪...‬‬
‫أمل تسأهلا حاجتها أوال؟ً‬
‫تريدك يف أمر شخصي‪...‬‬
‫بعد أن آكل‪ ..‬بعد دقائق عشر أكون معها‪...‬‬
‫استدار الصيب يهبط الدرج‪ ،‬إال أنه تذكر أمراً‬
‫دفعه للصعود ثانية‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ال��س��ي��دة ط��ل��ب��ت أي���ض���اً أن أق����دم ل���ك هذه‬
‫البطاقة‪...‬‬
‫أمسك العجوز البطاقة بأطراف أصابع ميناه‪،‬‬
‫يف تأفف والمباالة ألقى هبا حتت بصره‪ ..‬قرَّهبا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫املاسات الزيتونية‬
‫أكثر‪ ،‬ليعوض نسيانه وضع النظارة‪ ..‬مشلها‬
‫بنظرة ف��ات��رة‪ ،‬وأم��س��ك بيسراه ك��وب الشاي‬
‫الساخن‪ ..‬لكن كلمات البطاقة البارزة الطباعة‪،‬‬
‫اسرتعت انتباه العجوز‪ ..‬مجد كوب الشاي‪ ،‬فلم‬
‫ترتفع إىل شفتيه‪ ،‬وثارت دفقة من األحاسيس‬
‫بأحناء صدره‪...‬‬
‫ت��رك الكوب‪ ،‬وأس��رع يسبق الصيب يف هبوط‬
‫ال���درج‪ ..‬تقدم بلهفة‪ ..‬حدثه م��رأى السيدة‬
‫املتشحة ب��ال��س��واد‪ ،‬ب��وق��وع أم��ر ج��ل��ل‪ ..‬وتقدم‬
‫يسلم‪ ،‬وجيذب كرسياً‪ ..‬يف حني جلست السيدة‬
‫حيث أشار هلا‪ ،‬وراحت تعبُر يف أسى‪:‬‬
‫مل يأت زوجي وجئت بدالً منه‪ ..‬لقد لقي ربه‬
‫منذ عشرين ي��وم �اً‪ ..‬آه‪ ..‬النكبة حلت عقب‬
‫إج���راء ج��راح��ة استخراج حصى م��ن كليته‪..‬‬
‫أجل أصيبت كليتاه االثنتان معاً‪ ،‬لكن اجلراحة‬
‫أجريت يف اليسرى أوالً‪ ..‬تلك اليت حوت عدداً‬
‫أكرب‪ ..‬سبع حصوات‪ ..‬اليمنى كان أمرها أهون‪..‬‬
‫وهبا واحدة‪ ..‬ماذا؟‪ ...‬ال‪ ،‬ال أذكر إصابته بداء‬
‫الكلى قبالً‪ ..‬مل يشكُ تكوّن احلصى إطال ًقاً‪..‬‬
‫أنا نفسي أعيش كابوساً خميفاً‪ ..‬خالل أربعة‬
‫أشهر‪ ،‬اتضح مرضه بصورة صاعقة مريبة‪ ،‬كأن‬
‫استفحال مرض أخيه مل يكن يكفينا‪ ،‬فمرض هو‬
‫كذلك‪ ..‬كعادته ساق يف عناده‪ ،‬وأصر على أن‬
‫يعاجل نفسه بنفسه‪ ..‬ياه!‪ ..‬وماذا تفعل كلماتي‪،‬‬
‫أو توسالتي؟‪ ..‬أنت ال تعرفه مثلي‪ ..‬إذا انتوى‬
‫أم��راً‪ ،‬ال يقوى أحد على إثنائه أو اعرتاضه‪..‬‬
‫ليلة إجراء اجلراحة‪ ،‬كتب سطرين من أجلك‪..‬‬
‫َّ‬
‫ال‪ ‬مل‪ ‬أطلع عليهما‪ ،‬وال فعل ذلك غريي‪ ..‬بعد‬
‫أن غيبهما مظروفاً‪ ،‬طلب إيل أن أسلمك إياه‬
‫مع احلصوات يف حالة‪ ..‬قضائه حنبه‪ ..‬آه يا‬
‫رب!‪ ..‬ك��دت أنسى‪ ..‬لقد ذك��ر ليلتها شيئاً‪..‬‬
‫أظنه عن أمانة لديك ختصه‪ ..‬الصباح التايل‬

‫أجريت له اجلراحة‪ ،‬أجراها له زميل من زمالئه‬
‫املقربني‪ ..‬وقد سلمين اجلراح زميله احلصوات‬
‫املستخرجة‪ ..‬ومل يسلمين زوج���ي معافى‪..‬‬
‫أستغفر اهلل‪ ،‬فأنا مؤمنة وممتثلة‪ ،‬لكن الفراق‬
‫صعب!‪ ..‬معك حق‪ ،‬كلنا سنجرع من الكأس‪..‬‬
‫آه‪ ،‬هذا هو املظروف‪!..‬‬
‫فض العجوز املظروف األزرق‪ ،‬وأخ��رج الورقة‬
‫املطواة‪ ..‬نشرها وقرأ‪:‬‬
‫«عزيزي احل��اج علي‪ ..‬أنشد صفحك‪ ..‬أخي‬
‫توفيق يف خطر داه���م‪ ،‬وال ب��د م��ن أن أهب‬
‫لنجدته‪ ..‬حسب قسمي لك ‪ -‬والذي لن أحنث‬
‫به ‪ -‬أضطر لتكوين احلصوات املاسية بكلييت‬
‫أن��ا‪ ،‬وال أح��د غ�ي�ري‪ ..‬ح�ين تصلك سطوري‪،‬‬
‫تكون اجلراحة قد فشلت‪ ،‬وأكون ساعياً للقائي‬
‫املرتقب مع خالقي‪ ..‬معذرة مرة أخرى‪ ،‬فحياة‬
‫أخي لدي أغلى من حياتي‪ ...‬وداعاً‪ ..‬وصل من‬
‫أجلي‪.‬‬
‫دكتور عبد اللطيف شوقي»‬
‫مه��س العجوز يف تأثر وق��د م��د ي��داً شاحبة‬
‫مرتعدة حنو السيدة‪:‬‬
‫احلصوات من فضلك!‬
‫ها هي ذي!‬
‫ودون أن يفتح الكيس امل��ع��ه��ود‪ ،‬واراه درجاً‬
‫خفيضاً‪ ..‬ثم تناول عشر حزم متخمات بأوراق‬
‫خضراء‪ ،‬غيبها بداخل علبة ورقية‪ ..‬واستدار‬
‫إىل السيدة يضع العلبة بني يديها‪ ،‬وهو يرى يف‬
‫قسماهتا خطوطاً آسية‪.‬‬
‫ً‬
‫ومتتم وهو يشيح بوجهه بعيدا يشاركها أساها‬
‫بقلب أصيب يف الصميم‪:‬‬
‫س��ي��دت��ي ‪ ..‬ه���اك األم��ان��ة اخل��اص��ة بزوجك‬
‫ولتصحبك السالمة!‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪81‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رقـــم ‪ 4‬يأمركـــم‬

‫د‪ .‬قدرية سعيد‬
‫أعلنت جمموعة من رواد الفضاء‬
‫اكتشاف كوكب جديد غين باملياه‬
‫ويقارب يف حجمه كوكب األرض‪،‬‬
‫إال أن األجواء قد تكون حارة بعض الشيء فيه‪،‬‬
‫إذ إن غطاءه اجلوي كثيف‪ ،‬وأكد رواد الفضاء‬
‫أن هذا اإلكتشاف يشكل نقطة مهمة يف طريق‬
‫البحث عن حياة أخرى يف الكون مشاهبة لتلك‬

‫‪82‬‬

‫املوجودة على األرض ‪.........‬‬
‫ لقد وجدت ضاليت املنشودة – اكتشاف كوكب‬‫نظيف أستطيع أن أحيا فيه بال تلوث – لقد‬
‫فشلت كل األم��م يف ال��وص��ول إىل حلول لكي‬
‫تتنازل عن مشروعاهتا اإلقتصادية املسرفة‬
‫جداً يف حرق الفحم والبرتول – انكشفت النوايا‬
‫يف ذلك املؤمتر ال��دويل – اإلبتسامات املزيفة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الكـــوكـــب‬
‫– الوعود الكاذبة – سيظل باطن األرض يغلي‬
‫حتى ينفجر – كل الشعوب اليت تدعي أهنا تعمل‬
‫بالعلم وتتنبأ مبستقبل األرض ال يهمها سوى‬
‫طموحاهتا اإلقتصادية‪ ،‬وكأهنا تشنق العامل‬
‫جبموح التكنولوجيا احلديثة ‪.....‬‬
‫إمسي ‪ :‬مجال احللواني‪ -‬عمري عشرون عاماً‬
‫– قرأت كثرياً عن الكون وسحر العامل والفضاء‪،‬‬
‫واآلن وقد مت اكتشاف أمل جديد يف التوجه‬
‫إىل كوكب قريب من األرض‪ ،‬تتوافر به املياه ‪...‬‬
‫سوف أجتهد ألكون أول إنسان جتارب ‪ ..‬نعم‬
‫وليس حيوان‪ ،‬سوف أهبط على سطح الكوكب‬
‫– إنين على اتصال دائم بباحثي وعلماء وكالة‬
‫الفضاء الدولية – اتابعهم عن كثب‪ ،‬هم أيضاً‬
‫يراسلونين‪ -‬إهنم حيرتمون اآلخ��ر‪ ،‬يستجيبون‬
‫لرسائلي ألهنم يشعرون جبدييت يف املعرفة ‪..‬‬
‫قالوا يل يف آخ��ر (إمي��ي��ل)‪ :‬مفاجأة – كوكب‬
‫جديد ‪..‬‬
‫كانت إجابيت بال تردد ‪:‬يسعدني أن أكون أول‬
‫إن��س��ان يهبط عليه – س��وف أك��ت��ب لكم كل‬
‫الضمانات والتعهدات بأنين أريد الذهاب إىل‬
‫هناك مهما كانت النتائج ‪...‬‬
‫اهن��ال��ت ال��رس��ائ��ل ع��ل��ى (اإلمي���ي���ل) ت��ش��رح يل‬
‫العواقب واملخاطر والتوقعات ‪..‬‬
‫كانت كلها تدفعين للرتاجع – لكنين صممت ومل‬
‫تتغري رساليت بل كانت واحدة – تكررت عشرات‬
‫امل��رات مع كل رسالة حتذير منهم‪ ،‬ك��ان ردي‬
‫الدائم ‪:‬يسعدني أن أكون أول إنسان يهبط على‬
‫الكوكب اجلديد ‪.‬‬
‫سنتان‪ :‬هي فرتة اإلعداد والتأهيل – اإللتحاق‬
‫مبعهد الفضاء – دراس���ة مكثفة – م��ا قبل‬
‫التأهيل تركوني يف وسط بارد لدرجة ما قبل‬
‫التجميد‪ ،‬ويف وسط حار لدرجة تقارب انصهار‬

‫الدم يف عروقي ‪..‬‬
‫سنتان – يدفعين احللم إىل التحمل ‪ ..‬احللم‬
‫واخليال قوة شحن متنحين الدافع لإلستمرار‬
‫للتعرف على املستقبل اجمل��ه��ول‪ ..‬مل يكذبوا‬
‫وصدقت وعودهم ‪...‬‬
‫ً‬
‫اندفعت املركبة الفضائية ‪ ..‬انطلقت بعيدا ‪....‬‬
‫وهبطت على سطح الكوكب‪ ،‬لقد حصلت على‬
‫موافقة الوكالة الفضائية تسمية الكوكب باسم‬
‫( كوكب مجال احللواني)‪.‬‬
‫ك��ان معي احل��اس��ب اإلن��س��ان اآليل الفضائي‬
‫– م��زوداً بكل الربجميات الالزمة من تسجيل‬
‫وتصوير وحتليل ومراسلة ‪ ..‬لقد صاحبين ذلك‬
‫الروبوت والذي طلبت منهم أن يأخذ شكل فتاة‬
‫مجيلة يف مثل عمري – أطلقت عليها اسم‬
‫أهنار‪....‬‬
‫أهنار‪ :‬هي السيدة اليت ربتين وكأهنا كانت تقرأ‬
‫الطالع وتعرف مستقبلي‪ ،‬أمي احلبيبة أهنار‪،‬‬
‫حلظة هبوطي على سطح الكوكب فقط تذكرت‬
‫كل املواقف اليت كانت تضعين فيها أهنار‪ ،‬مواقف‬
‫ملزيد من ق��درات التحمل‪ ،‬مواقف للتحدي –‬
‫كانت تطلب أن أق��ف على ق��دم واح��دة وأرفع‬
‫األخرى مشجعة بقوهلا‪ :‬كل دقيقة تقف هكذا‬
‫سوف حتصل يل مخسة جنيهات ‪ ..‬حصلت مرة‬
‫على ثالثني جنيهاً – وأخرى على أربعني جنيهاً‬
‫‪ ...‬مل تكن كل املكافآت مادية – كانت جتيد‬
‫اختيار القصة اليت جتذبين إليها‪ ،‬دائمة التصفح‬
‫– عندما أحست باهتمامي بالفضائيات ‪،‬بدأت‬
‫تبحث الختيار الدراسة املثلي يف هذا اجملال‪،‬‬
‫تشرح يل يف ح��دود وع��ي طفوليت – وعدتين‬
‫بالدراسة يف معهد الفضاء ‪ ..‬دفعتين لتلخيص‬
‫ما أقرأ لتعرف مدي استيعابي حملتويات‬
‫الكتب ‪ ...‬هي أمي احلبيبة أهنار ‪...‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪83‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الكـــوكـــب‬
‫هبطت املركبة – برز السلم اجلانيب األوتوماتيكي‬
‫ليهبط تدرجيياً إىل سطح الكوكب – استخدمت‬
‫السلم للهبوط ببطء حسب التعليمات – وكانت‬
‫أهنار قد سبقتين يف النزول ‪.‬‬
‫ب���دأت أهن���ار يف إط�ل�اق وم��ض��اهت��ا وغرسال‬
‫ع��ش��رات ال��ص��ور إىل األرض – حيث معهد‬
‫الفضاء – قمت بالضغط على ال��زرار املربمج‬
‫للحديث معها ‪ :‬محد اهلل على السالمة‬
‫أهنار ‪ :‬مل أتوقع هذا اجلمال‪ ،‬اخلضرة واملياه‬
‫– أح��ق �اً حن��ن على ك��وك��ب آخ���ر! رمب��ا تكون‬
‫اجلنة – اجلنة ‪ ...‬ضحكت أهنار بصوت عذب‬
‫وموسيقي‪ ،‬به رقة‪ ،‬ويشعرك باإلطمئنان‪ .‬طلبت‬
‫من أهنار ان ترقص معي – أدارت الزرار اخلاص‬
‫باملوسيقا – كان شعورا رائعاً ‪ ..‬هيا نغين‪..‬‬
‫أنا مجال احللواني‬
‫راح اعيش يف كوكب تاني‬
‫ومعايا أهنار كل حناني‬
‫نرقص ونغين من احلاني‬
‫حبعت أجيب كل أحبابي‬
‫واعيش معاهم كل حياتي‬
‫ظلت املوسيقا تعلو وتعلو‪ ،‬واجلنة حتت أقدامنا‬
‫وحنن نرتاقص ونرتاقص ‪..‬‬
‫ك��ان املنظر خ�لاب�اً – ش��ج�يرات قصرية تشبه‬
‫أشجار النخيل على األرض حتدد جمري مائي‬
‫طويل نري بدايته وال نعرف بعد إىل أين ينتهي‬
‫– مياه صافية ‪ ...‬أهي مياه حقاً أم عسل حنل‬
‫رائ��ق‪ ،‬أوشكت أن أت��ذوق طعمه – ليس بعد‪،‬‬
‫هناك نظام فضائي للسلوك اإلنساني على‬
‫سطح الكوكب اجلديد – ولكنين أرسلت يف‬
‫اإلستئذان لتذوق تلك املياه‪ ،‬إن الكوكب يبعد‬
‫‪ 40‬سنة ضوئية من كوكب األرض إال أن سرعة‬
‫الرسائل الليزرية سوف تيسر اإلتصال وجتعله‬

‫‪84‬‬

‫أكثر سرعة ‪.‬‬
‫ملعت شاشة واضحة على صدر أهنار مسجالً‬
‫عليها ( حبث) ‪ ..‬حان وقت البحث‪.‬‬
‫مل أنس مواقف احملاكاة لدراسة سطح الكوكب‬
‫وحنن على األرض – توقع العلماء من خالل‬
‫الصور اليت مت التقاطها حواىل ‪ % 90‬من الشكل‬
‫الصحيح الذي أراه اآلن‪ ،‬عدا بعض التفاصيل‬
‫اخلاصة بشكل الشجريات‪ ،‬صفاء املياه‪ ،‬رمبا‬
‫تفاصيل أخ��رى‪ ..‬مل يشمل الربنامج الرقصة‬
‫اجلميلة ال�تي قمت هب��ا م��ع أهن��ار على سطح‬
‫الكوكب ‪..‬‬
‫إن أرضية الكوكب حجرية تتخللها تربة طينية‬
‫يف الفواصل بني األحجار ‪..‬‬
‫بدأنا بالسري لتتبع هناية اجملري املائي – كان‬
‫ط��وي�لاً ‪ ..‬م��ا ه��ذا ال��ش��يء ال�لام��ع؟ عشرات‬
‫األفالم األرضية مل تلتقط تلك األشياء الالمعة‪،‬‬
‫املالبس الفضائية جتعلنا نسري بسرعة حمدودة‬
‫كما أن الكوكب أكرب من حجم األرض مبرتني‬
‫ون��ص��ف‪ ،‬ل���ذا ت����زداد اجل��اذب��ي��ة عليه وجيعل‬
‫ساعات الليل والنهار أطول منها على األرض‪..‬‬
‫إهنا كرات ذهبية المعة خمتلفة احلجم – أهو‬
‫يورانيوم ؟ قنابل؟ حتدثت مع أهنار ‪ :‬ماذا تعين‬
‫الكرات الذهبية ؟‬
‫ أجسام مل يتم تصويرها على األرض‬‫ مهما كانت دق��ة اخلطط امل�برجم��ة للسفر‬‫عرب الفضاء‪ ،‬البد أن حيدث أخطاء‪ :‬زيادة غري‬
‫متوقعة يف درجات احلرارة – توقف حمرك عن‬
‫العمل ألسباب غري معلومة رمبا تشل مواصلة‬
‫الرحلة ‪ ...‬ولكن تلك الكرات الالمعة ؟!‬
‫ نرسل عينة لفحصها‬‫ نرسل ص��ورة أوالً – أخشى أن تكون قابلة‬‫لإلنفجار‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الكـــوكـــب‬

‫ قابلة لإلنفجار ! كيف ؟‬‫ كرات نووية قابلة لإلنشطار الذري‬‫ تقصد اليورانيوم – ولكنه املوجود يف الطبيعة‬‫بوفرة هو اليورانيوم ‪ 238‬وه��و آم��ن إىل حد‬
‫كبري‪.‬‬
‫ أع��رف اليورانيوم ‪ 238‬هو املتوفر ولكنك‬‫تتحدثني عن كوكب األرض‪.‬‬
‫ نعم اليورانيوم القابل لإلنشطار هو اليورانيوم‬‫‪ 235‬وحيتاج إىل تدخل اإلنسان لتخصيبه ‪.‬‬

‫ ما زلت تتحديثني بلغة األرض‪ ،‬لدينا معمل‬‫دقيق بداخلك يا أهنار‬
‫ رمبا لو أخذنا عينة من تلك الكرات إلجراء‬‫اختبار عليها قد حتدث تلفيات ال نعرف مداها‬
‫‪ ..‬نظر مج��ال إىل وج��ه أهن���ار‪ ،‬إن مالحمها‬
‫اجلميلة قد سادها العبوس والقلق – استدعت‬
‫أهنار (الروبوت) وجه والدته (أهنار احلقيقية)‬
‫– كانت تكسوه تلك املالمح عند تعلمه‬
‫السباحة – ك��ان حي��اول أن يبقي حتت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪85‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الكـــوكـــب‬
‫املاء اطول فرتة ممكنة مسيطراً على أنفاسه‪،‬‬
‫ثم خيرج فجأة قافزاً بوجهه فوق سطح املاء‪،‬‬
‫فيلمح عالمات القلق على وجهها قبل أن تسرع‬
‫يف تبديله بابتسامة وتصفيق ‪ :‬برافو برافو يا‬
‫حبييب ‪..‬‬
‫ولكن عالمات القلق هنا ظلت كاسية على وجه‬
‫أهنار‪ :‬مجال فلنواصل السري ‪،‬إهنا كرات حمدودة‬
‫– رمبا عشرون أوثالثون كرة ذهبية ‪..‬‬
‫واصل اإلثنان السري – التقطت أهنار عينة من‬
‫املياه لتحليلها ‪..‬‬
‫بعد دقائق أعلنت الرسالة على الشاشة‪ :‬مياه‬
‫نقية ‪ % 100‬خالية من التلوث ‪.‬‬
‫ه��ذا النهر – هنر اجلمال ت��زداد على جانبيه‬
‫الكرات الذهبية – تتزايد وتتزايد – خيتفي‬
‫النهر – ال تظهر له حدود هنائية‪ ،‬ولكنه خيتفي‬
‫حتت أرض تكسوها اخلضرة ‪..‬‬
‫بدأ ظالم الليل – وانبعثت من أهنار أضواء قوية‬
‫كاشفة – ايضا ملعان الكرات على سطح الكوكب‬
‫ساعدت على السري‪ ...‬لكنها بدأت تتحرك يف‬
‫اجتاهات عشوائية‪ ،‬ت��زداد حركتها تدرجيياً‪،‬‬
‫صاحب ذل��ك اض��ط��راب يف حركة السري بني‬
‫مجال وأهنار – أوشكا على السقوط رغم جهاز‬
‫التثبيت املزودة به أهنار‪ ،‬ايضا البدلة الفضائية‬
‫امل���زودة بالتحكم يف ت���وازن السري ‪ ...‬ترتفع‬
‫الكرات وهتبط‪ ،‬يرتفع مجال ويهبط ‪ ..‬تتمايل‬
‫أهنار وهتتز ‪..‬‬
‫إهنا النهاية – لقد تدربت على التفكري وسط‬
‫األزم���ات ‪ ...‬إهن��ا أم��ي قالت يوما ‪:‬ل��و حصل‬
‫زلزال وأنت وحدك يف البيت هتعمل ايه؟‬
‫ أجري على السلم‪ – ..‬أل ‪ -‬األسانسري ‪ -‬أل‬‫أل‬
‫‪ -‬أدخل حجرتي وأغلق الباب خلفي تضحك ‪:‬‬

‫‪86‬‬

‫أل طبعا ‪ ..‬حاول دائما أن تكون شجاعاً‪ ،‬وأنك‬
‫قادر على النجاة – احتمي حتت املائدة الكبرية‬
‫بسرعة‪ ،‬أي مكان يسمح لك بالفراغ من حولك‬
‫‪....‬‬
‫ إذا شعرت بأحد اللصوص يتسلل داخل املنزل‬‫‪..‬‬
‫ اضربه (بالشبشب) ‪ -‬تصمت يف مكانك‬‫متاما حيت يشعر باألمان – ألنك لن تستطيع‬
‫أن تقاومه وحدك – فرمبا ال يراك‪ ،‬إنه عادة ال‬
‫يريد االشتباك مع األشخاص ‪..‬‬
‫وهنا يف الفضاء ‪ ..‬أين التجاويف اليت سنختيبء‬
‫هبا – إن اإلهتزاز يزداد ويزداد‪ ،‬نكاد أن نسقط‬
‫‪ ..‬صحت يف أهنار ‪ :‬افتحي البالون من اجلانبني‬
‫– قمت بدوري بفتح بالون اإلنقاذ على جانيب‬
‫البدلة الفضائية ‪ ...‬قفزنا يف النهر‪ ،‬مل يكن‬
‫لدينا حل آخر‪ ،‬رحن يف شبه إغماء من سرعة‬
‫جريان املياه يف النهر‪ ...‬مل نشعر إال بسطوع‬
‫ض���وء ال��ن��ج��م ع��ل��ى س��ط��ح ال��ك��وك��ب – كانت‬
‫احلرارة شديدة ساعدت على جتفيف أجسادنا‬
‫ومالبسنا‪ ،‬جلسنا يف الوضع الذي تدربنا عليه‬
‫شهوراً طويلة‪ ..‬عدنا إىل احلركة جمدداً وعربنا‬
‫اجلسر األخضر الذي اختبأ بداخله النهر –‬
‫هدأت األجواء‪..‬‬
‫ إنه غضب بداخل الكوكب‪ ،‬زلزال عنيف ‪..‬‬‫ هذا يعين أن هناك اهتزازات شديدة تصيب‬‫قشرة الكوكب‪ ،‬رمبا متدد صخور داخلية أدت‬
‫إىل انفجارها أو ان��زالق��ات متتالية للصخور‬
‫اجلوفية ‪...‬‬
‫شعر مجال باجلوع ألول مرة منذ هبط على‬
‫سطح الكوكب مع أهنار ‪ ..‬تناول بضعة أقراص‬
‫– كان البد أن يفرغ عقله من التفكري لبضع‬
‫دقائق‪ ،‬هذا أحد التدريبات اهلامة وقت تناول‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الكـــوكـــب‬
‫(الطعام) أال يفكر سوى يف تناول الطعام – حيت‬
‫يعطي رأسه حالة من‬
‫اهلدوء والسكينة بعض الوقت – عاش مع نفسه‬
‫تلك الدقائق ينظر إىل داخله‪ ،‬ال يفكر سوي يف‬
‫بلع األقراص ­– تركيز يف شيء بسيط لتهدئة‬
‫احلالة املتوهجة للعقل‪..‬‬
‫أخرياً جاءت اإلشارة من كوكب األرض‪ ،‬تطلب‬
‫على وجه السرعة إرسال عينة من تلك الكرات‬
‫م��ن خ�ل�ال ت��وج��ي��ه وت��ن��ش��ي��ط أح���د األجسام‬
‫الصاروخية املتناهية يف الصغر املثبتة يف خمزن‬
‫(أهن��ار) يريدون عينة ال تتجاوز (املليمرت) يتم‬
‫سحبها عن طريق ساق من األلياف الزجاجية‪،‬‬
‫ساق أنبوبية تدرب عليها مجال من قبل‪ ،‬هلا‬
‫فوهة حادة بداخلها كرة مطاطية مزودة بساق‬
‫معدنية رفيعة (تشبه املنفاخ)‪ ،‬يتم خدش الكرة‬
‫باستخدام الفوهة اخلشنة وسحبها باملنفاخ ثم‬
‫إلصاقها يف مكان معد لذلك يف جسم صاروخي‬
‫دقيق وتوجيهه إىل كوكب األرض ‪ ..‬وعندما‬
‫يدخل اجملال األرضي‪ ،‬يتم السيطرة عليه من‬
‫خالل القاعدة الفضائية واليت ستقوم باختبار‬
‫العينة ‪...‬‬
‫تدرب مجال على استخدام تلك الساق الدقيقة‬
‫– إال أن��ه يف مسرح األح��داث وعندما سحب‬
‫الساق بسرعة أكثر مما ينبغي‪ ،‬سقطت منه‬
‫وهتشمت إىل دقائق صغرية جداً ‪...‬‬
‫استقبلت الشاشة اخلارجية اش��ارات لطمأنة‬
‫مج��ال‪ :‬احملطة الفضائية تتابعكم ‪،‬ال داعي‬
‫للقلق رمبا كانت كرات ناجتة من محم قدمية‬
‫بردت مبرور الزمن ‪...‬‬
‫مجال ‪ :‬تري أهي أجسام مشعة – رمبا يكون‬
‫ذلك مستبعدا ألن لون إىلورانيوم مييل إىل اللون‬
‫الفضي وليس الذهيب ‪ ...‬قد تكون هناك ساقا‬

‫احتياطية مثبتة يف الرتاكيب الداخلية جلسم‬
‫أهنار‪ .....‬مشي بعيداً عنها بضعة أمتار‪ :‬البحث‬
‫عن الساق الدقيقة جتعله حيتاج إىل خلع الرأس‬
‫اجلميلة وفك بعض األجزاء الداخلية ‪...‬ال‪..‬ال‬
‫ إنك يا مجال تتعامل مع آلة – آلة تساعدك‬‫– استيقظ من اخليال الضار‪ -‬ليست والدتك‬
‫اجلميلة‪ ،‬إهنا (روب��وت) – ابدأ يف البحث عن‬
‫الساق – البد من حل لغز الكرات قبل فوات‬
‫األوان‪...‬‬
‫وق��ف مج��ال يف مواجهة أهن��ار – اق�ترب شيئاً‬
‫فشيئاً – إهنا تنظر إليه ‪،‬أو هكذا يبدو له ‪..‬‬
‫عالمات العبوس واحل��زن على وجهها ‪ :‬إذن‬
‫سوف تقوم ببعض التشريح!‬
‫ ت��ش��ري��ح‪ ...‬نعم – ف��ك وخ��ل��ع ال��دم��اغ هي‬‫اخلطوة األوىل لبداية التعامل مع داخل أهنار‪،‬‬
‫ولكن رمبا ال أجد الساق املطلوبة‪ ،‬رمبا أفشل‬
‫يف تشغيل أهن��ار بنفس الكفاءة‪ ،‬احل��ل اآلخر‬
‫إسقاط أحد الكرات وتشغيل املعمل الداخلي يف‬
‫جسم أهنار‪...‬‬
‫ قد تنفجر الكرة بداخلها ‪ -‬كرة كاملة بداخلها‬‫‪ ..‬ما هذه احلماقة‪ ،‬حنتاج أيضاً إىل عينة دقيقة‬
‫من سطح الكرة ‪ ....‬كيف تعقدت األمور هكذا‬
‫‪ ......‬أهنار هل هناك حل للمشكلة؟‬
‫ هناك خداشة أسفل قدمي – فقط تفك‬‫(صامولة) واحدة‪ ،‬انزع اخلداشة املغناطيسية‬
‫واجعلها حتتك بإحدى الكرات حبركة خفيفة‪،‬‬
‫ثم افتح ال��درج العلوي أسفل ال��رأس وضع به‬
‫اخلداشة اليت حتتوي على دقائق وجزيئات من‬
‫الكرة ‪...‬‬
‫ فهمت ‪ ...‬سوف نقوم بتشغيل املعمل ‪ ..‬رمبا‬‫تكون جزيئات مشعة تنقسم يف سلسلة‬
‫انشطارية ‪ ..‬ولكن كل الدالئل الظاهرية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪87‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الكـــوكـــب‬
‫تستبعد ذلك ‪...‬‬
‫ ابدأ فوراً وانزع اخلداشة‪ .‬ابتسم مجال‪ ،‬ربت‬‫على كتف أهن��ار‪ ،‬مد يده وأمسك بآلة دقيقة‬
‫تشبه (املفك)‪ ،‬أخرج اخلداشة بعد حتريرها‬
‫من الصامولة الدقيقة ‪...‬‬
‫تقدم ببطء إىل أحد الكرات ن البد من إحداث‬
‫قدر من اإلحتكاك لتلتصق هبا بعض جزيئات‬
‫من الكرة ‪،‬راودت��ه اهلواجس باحتمال حدوث‬
‫انفجار نتيجة احلرارة الناجتة عن االحتكاك ‪..‬‬
‫‪ ..‬إهنا حلول وبدائل خارج التعليمات األرضية –‬
‫حقيقة مسموح بذلك ولكن ليس بالقرارات اليت‬
‫رمبا تفسد الرحلة كاملة ‪ ...‬اإلنفجارات سوف‬
‫تفسد تلك اجلنة – قد تكون قنابل هامدة‪..‬‬
‫لقد تذكر شيئاً هاماً‪ ،‬لقد حتركت تلك الكرات‬
‫بفعل الزلزال وتطايرت وحدث بينها احتكاكات‬
‫عنيفة ‪ ...‬مل حت��دث مشكلة ‪ ..‬تقدم مجال‬
‫حبماس شديد‪ ،‬نفذ اتفاقه مع أهنار ‪ ...‬ودخال‬
‫العينة عن طريق أحد األدراج اليت متثل معمل‬
‫بالغ الدقة يف جسد أهن��ار‪ ..‬ضغط على زرار‬
‫أمحر – ظهرت على الشاشة كلمة ( حتليل)‪.‬‬
‫جلس مج��ال يتناول طعامه ‪،‬وك��ال��ع��ادة أطلق‬
‫العنان لذكرياته مع والدته واألستاذة (ندا)أو‬
‫(مس ن��دا)‪ ،‬مل��اذا تذكرها اآلن من على سطح‬
‫الكوكب ؟‬
‫حضرت لزيارته عندما ك��ان يف السابعة من‬
‫عمره بعد إجراء عملية (استئصال اللوزتني)‬
‫كانت تقف جب��وار وال��دت��ه ‪،‬هل��ا بشرة مخرية‬
‫ومالمح جذابة أهم ما فيها عينان سوداوان‬
‫وابتسامة رائعة ستحضرها اآلن يف خياله‪..‬‬
‫احضرت معها باقة من ال��ورد مل ير مثله يف‬
‫اجل��م��ال وال��رائ��ح��ة العطرة ‪ ..‬عندما التقط‬
‫قرص التغذية الصغري – ختيل أهنا تساعده يف‬

‫‪88‬‬

‫بلعه مشجعة يف رقة وهدوء‪:‬يالال يا مجال (ابلع‬
‫بسرعة علشان ختف)‪..‬‬
‫كان دائما جيد صعوبة يف تناول أقراص الدواء‪،‬‬
‫اضطرت والدته أن تغرز القرص يف صباع املوز‬
‫ليتمكن من بلعه مع جرعه من املياه‪..‬‬
‫أمرته مس ندا أن يبلع القرص ‪..‬أخ��ذه ومتت‬
‫املهمة بال معاناة ‪..‬‬
‫ك��ان��ت ص���ورة املعلمة وك��أهن��ا س��اح��رة مجيلة‬
‫ت��أم��ره‪ ،‬فيستجيب هل��ا – استطاع أن جييد‬
‫اللغة اإلجنليزية ‪،‬احضرت له األف��ام القصرية‬
‫‪..‬القصص املبسطة ‪ ..‬مل تكن مجيلة املالمح‬
‫بقدر ما كانت مجيلة الشخصية ‪.‬‬
‫مس��ع ضجة وص��خ��ب وأص����وات مل ينتبه إىل‬
‫داللتها – أهي زلزال جديد؟ انفجارات؟‬
‫ظهرت نتيجة التحليل على الشاشة – حاول‬
‫الرتكيز يف قراءة مدلول البحث ‪،‬إال أن اضطراب‬
‫حركته واالهتزاز الشديد الذي تعرضت له أهنار‬
‫‪،‬ثم انبعاث أشعة ضوئية حادة وكأهنا موجهة‬
‫من كشاف قطره بضعة أمتار ‪،‬تسببت يف شل‬
‫قدرته على اإلبصار ‪.‬‬
‫ما هذا ؟! ‪ ....‬أصابه الذعر ‪ ...‬حاول أن يقرتب‬
‫من أهنار – مل يستطع ‪............‬‬
‫مل يعرف كم مضي من الوقت على إغمائه –‬
‫أفاق من غيبوبته – حالة من اهل��دوء – كانت‬
‫أهن��ار تقف أم��ام��ه م��ب��اش��رة‪ ،‬وجهها مبتسماً‬
‫ولكنها مل تكن الوحيدة ‪ ...‬التفت حوله ‪:‬‬
‫أين أنا ؟! وجد نفسه يف قاعة كبرية من اجلدار‬
‫الرخامي‪ ،‬هبا مقاعد رخامية‪ ،‬وفتحات يدخل‬
‫منها ضوء النجم الذي يتبعه الكوكب ‪ ...‬حالة‬
‫جديدة! أهو حلم ؟ أم حقيقة؟ كان خيشى أن‬
‫ينظر إىل كل شيء مرة واحدة – حترك بصره‬
‫ببطء شديد ‪ :‬نتيجة التحليل‪ :‬معدن‪،‬الرقم‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الكـــوكـــب‬
‫ال��ذري ‪ ،79‬ال��وزن ال��ذري ‪ - 196.967‬درجة‬
‫اإلنصهار ‪ْ 1063‬م درج��ة الغليان ‪ْ 2500‬م‪،‬‬
‫موصل جيد للحرارة والكهرباء ‪....‬‬
‫النتيجة ‪ :‬كرات خليط من الذهب والطمي عايل‬
‫اخلصوبة ‪...‬‬
‫بدأ يتجاوز الشاشة وينظر حوله ‪ :‬أشخاص‬
‫ومالمح بشرية ‪ ...‬حتركت عيناه يف بطء شديد‬
‫‪ :‬أعداد من البشر رمبا جتاوزت العشرين – ال‬
‫يعرف بالضبط ‪.....‬‬
‫ب��دأت الصورة تستقر أمامه‪ ،‬أجسام بشرية‪،‬‬
‫وج��وه يكسوها النقاء‪ ،‬نظرات مطمئنة‪ ،‬ملح‬
‫عيوناً متشاهبة‪ ،‬العيون فقط ‪،‬كلها سوداء المعة‬
‫وواسعة بشكل ملحوظ‪ ،‬يرتدون مالبس تبدو‬
‫غريبة بعض الشيء‪ ،‬تشبه املالبس الفرعونية‬
‫– رمبا مصنوعة من خيوط الكتان‪ ،‬إهنا تناسب‬
‫األج��واء احل��ارة للكوكب ‪ ...‬س��ادت حالة من‬
‫الصمت – تركوه يتجول ببصره كيفما يشاء –‬
‫مل يلمح أي أجهزة أو أسلحة تدعوه للقلق – مل‬
‫يلحظ وجود مالمح غريبة كما تصور الروايات‬
‫وتتحدث عن اجلسم اخليايل أو الوجوه املخيفة‬
‫أو التكوينات املرعبة‪ ،‬إنه شكل آدم��ي مئة يف‬
‫املئة ‪...‬‬
‫عاد يتفحص وجه أهنار اليت قطعت الصمت ‪:‬‬
‫أصدقاء جدد‬
‫وقف أحدهم جبوار مجال ‪ :‬نشأت بشريتنا يف‬
‫هذا الكوكب‪ ،‬نتميز عن البشر يف كوكب األرض‬
‫وقد غرست يف جيناتنا مقومات لغوية‪ ،‬كان‬
‫من رواد كوكبنا منذ األزمنة السحيقة أجناس‬
‫خمتلفة وثقافات متعددة‪ ،‬ل��ذا حنن نتحدث‬
‫مجيع لغات اللغات املوجودة على كوكبكم ‪ ..‬كما‬
‫ترى‪ ،‬حياتنا بسيطة – الزراعة‪ ،‬غزل املالبس ‪..‬‬
‫وهذا النهر الذي تراه مبياهه الصافية من أقوى‬

‫الثروات ‪ ..‬لدينا ثروة من الذهب والطمي‪....‬‬
‫ولكن ثروتنا العظيمة جدا هي عقول البشر على‬
‫سطح هذا الكوكب ‪ ...‬اقدم اعتذاري حلدوث‬
‫بعض اإلج��راءات األمنية للحفاظ على سالمة‬
‫كوكبنا ‪ ...‬مل يكن هناك أي نوع من الزالزل‬
‫كما توقعت يف املرة األويل‪ ،‬ولكنها تقنيات بالغة‬
‫الصغر والدقة – تقنيات لإلستشعار وتقنيات‬
‫للسيطرة‪ ،‬وأخ���رى للحفاظ على ن��ق��اء هذا‬
‫املكان‪...‬‬
‫قال مجال حماوال ان جيرب قدرته على حمادثة‬
‫هؤالء البشر ‪ :‬تقول لديكم عقول مثلنا ولديهم‬
‫قدرات خارقة!‬
‫ لسنا عامل السحرة ولكن حنتفظ يف عقولنا‬‫بكل لغات العامل – ليس لدينا أبدية إلستمرار‬
‫حياتنا‪ ،‬ولكن هناك أجيال تتعلم – نعم تتعلم‬
‫‪..‬‬
‫ إذن ال تعرفون كلمة ( مشاكل) ؟‬‫ لدينا مشاكل‪ ،‬وهي التعرض لغزو الكوكب –‬‫حنن ال نشبه (اهلنود احلمر) الذين عجزوا عن‬
‫تطوير قدراهتم للحفاظ على وطنهم ومت سحقهم‬
‫من قبل أجناس متعددة – حنن بشرلديه من‬
‫التقدم الذي يكفي حلمايته – صنعنا ما يشبه‬
‫الزلزال كما تصور لك – واآلن أنت معنا هنا‪،‬‬
‫وضيف ونرحب بك كضيف ‪ .....‬إن الكثريين‬
‫من كوكبنا م��وج��ودون على أرضكم للتعلم يف‬
‫أعظم املراكز البحثية ولكنكم غري مساملني حيت‬
‫نرحب بكم كشركاء معنا على (كوكب السعادة)‬
‫ إنه (كوكب السعادة) وليس كوكب‬‫(مجال احللواني) – لديكم من حروب‪ ،‬أطماع‪،‬‬
‫مؤامرات‪ ،‬عنف ‪ ...‬ولدينا عمل – حبث – بيئة‬
‫نظيفة ‪..‬‬
‫‪ -‬مجال‪ :‬أمل يتعرض أحد للخطأ‪ -‬يعين‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪89‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الكـــوكـــب‬

‫هل أنتم مالئكة أم بشر؟‬
‫ حنن بشر من الذكور واإلناث نولد ونتزاوج‬‫‪ ...‬لدينا منظومة أساسية يف حياة الكوكب‬
‫وهي ( الثروة هي العقل والعمل) وحول هذه‬
‫املنظومة ينشأ األطفال ‪...‬‬
‫ مجال ضاحكاً ‪ :‬هل لديكم ما يسمي بوزارة‬‫الرتبية والتعليم ؟‬
‫يقطع احلديث ص��وت موسيقا‪ ،‬يدخل فتيان‬
‫وفتيات يرتدون مالبس كتانية بديعة األلوان‪،‬‬
‫حيملون آالت موسيقية مصنوعة من البيئة‪،‬‬
‫ول��ك��ن��ه��ا خت��ض��ع ألص���اب���ع ه����ؤالء الفنانني‪،‬‬
‫فتنطلق املوسيقا احلاملة وكأهنا خلفية ملشهد‬
‫رومانسي‪...‬‬
‫تقدم أح��ده��م‪ ،‬ميلك عينني واسعتني وأنف‬
‫عريضة بعض الشيء‪ ،‬ولكنه يتميز عن غريه‬

‫‪90‬‬

‫بفم واس��ع وشفتني رفيعتني بشكل ملحوظ‪،‬‬
‫ي��رت��دي ث��ي��اب�اً م��ن قطعتني‪ ،‬ل��ه شكل مهندم‬
‫تتداخل أل��وان��ه ب�ين األزرق واألب��ي��ض‪ ،‬ق��ال ‪:‬‬
‫اآلن تنتشر املوسيقا اليت تسمعها يف كل أحناء‬
‫الكوكب على الرغم أنه أكرب حجماً مرة ونصف‬
‫من حجم كوكب األرض – هناك إشارات معينة‬
‫متفق عليها‪ ،‬تشري إىل اإلنصات املوسيقي ‪...‬‬
‫نعرف أن عندكم استخدام املوسيقا للعالج – إن‬
‫تلك املوسيقا تساعد على االسرتخاء واستجماع‬
‫اإلرادة والتغلب على مسببات األمل‪ ،‬فيبدأ‬
‫اجلسم يف تنشيط املضادات الطبيعية ‪ ...‬إن‬
‫املوسيقا يف أحلان منها أجزاء داعية للعمل –‬
‫كان يعرفها القدماء على األرض مثل أغاني‬
‫صيادي السمك‪ ،‬واحلمالني والبنائني ‪....‬‬
‫‪ -‬وتلك الكرات ماذا تفعلون هبا؟‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الكـــوكـــب‬
‫ الكرات الذهبية ال تستطيعون رؤيتها من على‬‫كوكبكم‪ ،‬تروهنا فقط عندما تأتون لزيارتنا‪،‬‬
‫إهن��ا أح��د ثرواتنا القومية – حقاً استطاعت‬
‫رفيقتك اآللية أهنار أن تكشف مكونات الكرات‬
‫حقاً الذهب والطمي اجلاف‪ ،‬هي ثروة للزراعة‬
‫وال��ع�لاج‪ ،‬وأي��ض�اً للدفاع‪ ،‬مل يستطع معملكم‬
‫البالغ الدقة أن يكشف كل مكونات الكرات‬
‫الذهبية ‪.‬‬
‫مج��ال‪ :‬م��اذا تريدون من كوكب األرض ؟ لقد‬
‫دفعنا احلضور إىل هنا الفضول العلمي العظيم‬
‫حبثاً عن ع��وامل بديلة‪ ،‬إن��ه حق مشروع لكل‬
‫األجناس م��ادام لديها القدرة العلمية للنفاذ‬
‫عرب الفضاء – أعتقد أن لديكم مشكلة هامة‪،‬‬
‫النجم الذي يدور حوله كوكبكم أصغر حجما‬
‫من الشمس‪ ،‬وأقل إشعاعاً‪ .‬أعرف أننا أيضاً‬
‫أس��رف��ن��ا ك��ث�يراً يف اس��ت��خ��دام أش��ع��ة الشمس‪،‬‬
‫ماليني السنني‪ ،‬أصبحت هناك مناطق أو بقع‬
‫مظلمة تدفعنا إىل دراسة املزيد للتعرف على‬
‫مشوس أخرى ‪ ...‬إذن هناك مصلحة مشرتكة‬
‫للتعاون‪ ،‬وهي مصلحة احلياة والبقاء الستمرار‬
‫البشرية يف هذا الكون العظيم ‪.‬‬
‫تقدمت س��ي��دة ت��ق�ترب مالحمها م��ن املالمح‬
‫الصينية وقد أدرك��ت ما يفكر فيه مجال ملاذا‬
‫ختتلف مالحمها عن اآلخرين؟ كانت تعلق يف‬
‫عنقها عقدا ف�يروزي اللون وت��رت��دي مالبساً‬
‫مشاهبة بألوان خليط من اللون األزرق واألبيض‬
‫وقبل أن تبدأ بالكالم‪ ،‬تقدمت‬
‫أهن��ارق��ائ��ل��ة‪ :‬البحث العلمي ليس ل��ه أجناس‬
‫أو ل��ون أو كوكب ‪ ...‬لقد سجلت يف ذاكرتي‬
‫منظومة (الثروة هي العقل والعمل) وإذا كنتم‬
‫قد نقلتم عنا ما ينفعكم للحفاظ على حالة‬
‫اإلتزان اليت تتمثل يف حتقيق قدرة الكوكب على‬

‫الدوران بصورة منتظمة حول كوكبكم الصغري‬
‫– هل تودون أن ننقل رسالة اآلن؟ هناك قلق‬
‫من العلماء يف كوكبنا – هناك إش��ارات كثرية‬
‫ترد إلينا تود اإلطمئنان على ما جيري – هل‬
‫حتجبون عنهم ذل��ك املشهد ال��ذي نقف فيه‬
‫اآلن؟‬
‫أجابت السيدة ذات املالمح الصينية ‪ :‬عشت‬
‫على األرض بعض الوقت وسالليت األصلية من‬
‫هنا ‪ ..‬كوكب السعادة – حقيقة كان اهلم األكرب‬
‫كيف نستطيع دم��ج بعض النجوم أو بلغتكم‬
‫بعض الشموس ليتسع جنمنا فيقلل ذلك من‬
‫سرعة حركة الدوران حوله‪ ،‬وحيث أنكم جنحتم‬
‫يف الوصول إلينا‪ ،‬هذا يعين أن هناك عقوالً‬
‫جبارة تعمل على األرض ‪،‬وأقرتح على كل السادة‬
‫احلضور أن تزاح أشعة احلجب عن اجتماعنا‬
‫هذا لريى العلماء أن هناك بشراً على كوكب آخر‬
‫يرسلون برقية حتمل منظومتنا املقدسة وهي‬
‫(الثروة هي العقل والعمل) ونستطيع اإلفصاح‬
‫عن أسرار حياتنا يف محاية الكوكب‪ ،‬هل توافق‬
‫يا سيد مجال ؟‬
‫ إهن��ا دع��وة ال يستطيع أح��د أن يرفضها –‬‫بالتأكيد سوف نتعاون يف جماالت خمتلفة –‬
‫نفيدكم ونستفيد منكم – وامسحوا يل أن أعود‬
‫ومعي أهنار إىل حيث هبطت املركبة الفضائية‪،‬‬
‫فقد ح��ان وق��ت ال��ع��ودة وأط��ل��ب منكم الوعد‬
‫باإلتصال الدائم معنا – السماح بتكرارزيارتكم‬
‫والتعرف على مزيد من علمكم كما تعرفتم‬
‫علينا واستطعتم االستفادة من علمنا ‪...‬‬
‫انتقل مجال وأهنار حيث موقع املركبة الفضائية‬
‫‪ ...‬صاحت أهنار‪ :‬هل تود البقاء هنا؟‬
‫ص���اح مج���ال‪ :‬فلنسبح يف ال��ف��ض��اء إىل أمنا‬
‫احلبيبة كوكب األرض ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪91‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رقـــم ‪ 4‬يأمركـــم‬

‫خولة سنجاب‬
‫كعادتي يف كل يوم ها أ نذا أقف‬
‫فوق هذا اجلرم الفضائي الصغري‬
‫الذي خصص يل كمسكن وحمطة‬
‫لتزويدي بالطاقة‪.‬أنتظر مركبيت اليت ستوصلين‬
‫إىل عملي واليت أعلموني بواسطة برقية‬
‫أرسلوها إىل الرقاقة املزروعة داخل رأسي بأهنا‬
‫سوف تتأخر ريثما يتم إصالح اخللل فيها‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫أنا أشعر بامللل لذا سأروي لكم قصيت مغتنمة‬
‫فرصة غياب الفضائيني عين‪ ،‬علماً بأن الشعور‬
‫بامللل هو من األشياء املمنوعة متاماً يف عاملي‬
‫مثله مثل أي مشاعر إنسانية تطرأ على البشر‪.‬‬
‫عذراً فإن طبيعيت البشرية قد تغلبت علي ثانية‬
‫وقد نسيت أن أعرفكم بنفسي‪.‬‬
‫أنا سيدة شابة أبلغ من العمر»‪ »357‬عاماً أرضياً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫أحالم العودة احلائرة‬
‫ولكن حبساب سنوات الفاء فأنا أبلغ السادسة‬
‫والعشرين‪ ،‬أدعى» ن‪،‬ب ‪ »117‬وهو اختصار‬
‫لعبارة نصف بشري‪ ،‬أما الرقم امللحق فهو يرمز‬
‫إىل جيلي املصنع ‪.‬‬
‫نعم أنا كائن نصف بشري أعيش على كوكب‬
‫من الكواكب املنتشرة يف إحدى اجملرات‪ ،‬كان‬
‫أجدادي البشر قد وصلوا إليه منذ زمن بعيد‬
‫إبان تدمري األرض يف القرن اخلامس والثالثني‬
‫من عمرها‪.‬‬
‫يف ذلك الزمان وصلت مركبتهم البدائية املسماة‬
‫صاروخا‪،‬حتمل عدداً من البشر املنهكني بعد أن‬
‫تاهوا لبضع سنني يف الفضاء‪ ،‬ذاقوا خالهلا‬
‫أهوال التيه بني الكواكب لوال أن سكان هذا‬
‫الكوكب كانوا قد رصدوا تلك املركبة التائهة‬
‫اليت تصدر نداء استغاثة تلو آخر‪ ،‬فعملوا‬
‫على استجرارها إليهم واستقبلوا من كان على‬
‫ظهرها على الرغم من أهنم خيتلفون عنهم كلياً‪،‬‬
‫فأهل هذا الكوكب هم أطياف الترى بالعني»‬
‫لذلك فنحن حنذر من التحدث إىل أنفسنا»‪،‬‬
‫وليست هلم لغة حمكية يتخاطبون هبا‪ ،‬ولكنهم‬
‫يتفامهون بواسطة توارد األفكار‪،‬وهلم خاصية‬
‫االندماج السريع يف أي شكل يقابلهم‪ ،‬ولذلك‬
‫وحني قدوم األرضيني تغلغلوا يف خالياهم ملدة‬
‫ال تزيد عن دقيقة واحدة‪ ،‬فيشعر املرء بدغدغة‬
‫خفيفة يكون خالهلا الفضائي قد عمل مسحاً‬
‫ألفكار ونفسية هذا الشخص ثم خيرج منه‬
‫متخذا مثل هيئته متاما وقادرا على أن يتكلم‬
‫لغته‪ ،‬هلذا السبب مل يشعر أجدادي باخلوف‬
‫والغربة مع هؤالء القوم‪ ،‬ونظراً لدقة املسح‬
‫النفسي فقد أدرك الفضائيون ماينتاب الشخص‬
‫من األرضيني من عواطف ومشاعر تكون لنفسه‬
‫نقاط ضعف أو قوة ‪ ،‬كاحلب‪،‬والكره‪ ،‬واحلقد‪،‬‬

‫واملساحمة‪ ،‬والغرية‪،‬وحب التملك‪،‬والرغبة يف‬
‫السيطرة على الغري‪،‬وهي أمور غريبة بالنسبة‬
‫لطبيعة أهل الفضاء‪،‬فهم قوم ميتازون بذكاء‬
‫متطور وجينات خالية متاما من هذه املشاعر‪،‬‬
‫لذلك اهتم هؤالء بأن حيتضنوا ضيوفهم إلجراء‬
‫التجارب عليهم وملساعدهتم يف تطوير ذكائهم‬
‫وحتريرهم من شرور أنفسهم اليت اليريدون هلا‬
‫أن تنتشر يف كوكبهم اآلمن‪ ،‬وقد أطلق أجدادي‬
‫اسم «احلاضنني» على هذا الكوكب‪.‬‬
‫اشرتط سكان احلاضن األصليني على أجدادي‬
‫لضمان بقائهم لديهم بأن يتخلى الواحد منهم‬
‫عن عواطفه ومشاعره‪،‬وأن يقبل بالتعامل املادي‬
‫التقين فقط أو املغادرة‪ .‬تشاور األرضيون فيما‬
‫بينهم وقرروا الرضوخ هلذا الشرط الصعب‪،‬فما‬
‫كان هلم اخليار من أمرهم‪،‬فهم اليعرفون إىل‬
‫أين يتجهون إن غادروا وال يضمنون مصريهم‬
‫خارجاً‪ ،‬مسح احلاضنون لضيوفهم بأن‬
‫يستصلحوا قسماً من أراضيهم لتأمني غذاء‬
‫أجسامهم البشرية‪ ،‬وكان مفروضاً عليهم أن‬
‫يعيش كل منهم مبسكن منفرد عن مساكن‬
‫اآلخرين ضماناً لعدم تبادل العواطف فيما‬
‫بينهم وهلذا فقد خصصوا لكل واحد منهم‬
‫جرماً صغرياً خاصاً به من األجرام املنتشرة‬
‫بكثرة حول كوكبهم «كاجلزر حتيط باليابسة»‪.‬‬
‫مل ميض وقت كبري حتى جاءهم هؤالء الفضائيون‬
‫بأمر جديد أال وهو أن خيتار البشريون يف أن‬
‫يتحول أحدهم إىل آيل بالكامل أو نصف آيل ‪،‬‬
‫وكان للعجائز حرية البقاء كبشر‪ ،‬فالفضائيون‬
‫حباجة إىل عمال شباب ‪ ،‬جدتي كانت ممن‬
‫اختاروا أن تكون آلية بالكامل‪ ،‬فقد سئمت من‬
‫تعاطي البشر بشعارات وقيم أفرغت من‬
‫معانيها السامية‪ ،‬واليت ماعادت تستعمل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪93‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أحالم العودة احلائرة‬
‫إال كقناع خيفي الرغبة باالستغالل والتدمري‬
‫«كاحلب مثال» ومل تفلح توسالت جدي ودموعه‬
‫من ثنيها عن عزمها بالرغم من أنه تنازل عن‬
‫بعض خصائصه الذكورية اليت ما كان يتنازل‬
‫عنها لو كان ال يزال على كوكب األرض» وهذا‬
‫ماجعلين أقتنع بأن احلب هو عامل ضعف جيب‬
‫أن نرفضه»‪.‬‬
‫لكن جدتي أعلنت العصيان وحتولت إىل امرأة‬
‫آلية عاملة يف جماالت شتى وقد سامهت يف‬
‫تطوير هذا الكوكب التقين‪ ،‬وحني انقضاء عمرها‬
‫االفرتاضي فككت وأعيد تصنيعها‪ ،‬حيث حولت‬
‫إىل صواميل وبراغي مازلنا نتوارثها يف أقسامنا‬
‫اآللية جيل بعد جيل‪ ،‬أما جدي فقد آثر البقاء‬
‫بشرياً وتفرغ بكتابة مذكراته عن حياته يف كوكب‬
‫األرض‪ ،‬وقد برع بإظهار حزنه وأمله وندمه على‬
‫مافعل هو وإخوانه البشر‪ ،‬حيث ساهم كل منهم‬
‫بقسطه لتخريب ذلك الكوكب اجلميل‪ ،‬وقد وزع‬
‫على كل منا حنن األجيال األنصاف آليني نسخة‬
‫لقراءهتا والتعرف على تارخينا الطويل‪.‬‬
‫كوكب األرض كما وصفه جدي هو كوكب مجيل‬
‫يتميز على غريه من الكواكب خبضرته لوجود‬
‫املياه على سطحه‪ ،‬كانت تعيش فوقه أعدادا‬
‫كبرية من احليوانات‪ ،‬ولسبب ما بدأت هذه‬
‫املخلوقات اللطيفة باالنقراض‪ ،‬وتكاثرت بدال‬
‫منها وحوش هلا أشكال بشرية وقلوب فوالذية‪،‬‬
‫وكان هذا زمن اندثار الرمحة واحلب بني‬
‫الناس‪ ،‬وزمن طغياهنم على بعضهم‪ ،‬وقد كان‬
‫هذا العصر مدخال لتدمري األرض‪.‬‬
‫ذكر جدي بأن سكان األرض هم يف األصل‬
‫خملوقات ذكية بالفطرة طيبة السريرة‪ ،‬عاشوا‬
‫معا بسالم إىل أن وجد بينهم عنصر غريب‬
‫امسه املال‪ ،‬فسيطر على عقوهلم البدائية‬

‫‪94‬‬

‫وعبث بضمائرهم‪ ،‬فتحل السالم إىل حرب‬
‫مااستطاعوا أن يتخلصوا منها بالرغم من‬
‫وجود بعض العقالء املخلصني بينهم‪ ،‬وقد قدم‬
‫بعضهم للبشرية خدمات جليلة هبدف حتسني‬
‫معيشتهم‪.‬‬
‫ولكن اجملانني األشرار استغلوها ملصاحلهم‬
‫اخلاصة‪ ،‬وحاولوا أن يسيطروا هبا على‬
‫اآلخرين‪ ،‬وكما نوه جدي بأن عنصر املال مل‬
‫يكن شرا خالصا‪ ،‬فقد كان من املمكن أن حيول‬
‫إىل عنصر خريكما هو باألصل كذلك‪ ،‬فلواله ما‬
‫استطاع بين البشر إنقاذ أنفسهم وجنسهم من‬
‫االنقراض‪ ،‬وباختصار هو يشري إىل أن كل شيء‬
‫ممكن حتويله إىل عنصر اجيابي إن توفرت‬
‫احلكمة واإلرادة لذلك‪.‬‬
‫يف كل مرة أقرأ مذكرات جدي أشعر بشعور‬
‫غريب ينتابين‪ ،‬فأنا كما أخربتكم ممنوعة من‬
‫اإلحساس بأي مشاعر إنسانية‪ ،‬ولكن يستثريني‬
‫الفضول ملعرفة اسم شعوري‪ ،‬وها أذا أنظر إىل‬
‫التعاريف اليت صنفها جدي ملشاعر البشر‪ :‬آه‬
‫انه احلنني ‪.‬‬
‫نعم أنا أعرتف وبصدق أنين أشعر بالعنني لوطين‬
‫األم‪ ،‬فمهما بعد الزمان واملكان فان وطين يسكن‬
‫يف كامل نفسي وان مل أكن أسكن يف أي جزء‬
‫منه‪ ،‬أعرتف بأن هذا الشعور ومثله كثري من‬
‫العواطف هو حبيس يف صدورنا حنن األنصاف‬
‫بشر الذين تركنا لآلخرين حرية التصرف‬
‫مبقدراتنا‪ ...‬ها هي برقية وصلتين تفيد بأن‬
‫املركبة يف طريقها إيلّ لنقلي إىل عملي‪...‬‬
‫فأنا أعمل موظفة بسيطة يف منشأة صناعية‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫أحالم العودة احلائرة‬
‫خمتصة بتلقني املعلومات لذاكرة احلواسيب‪،‬‬
‫وهذه وظيفة بسيطة يشغلها أنصاف البشر‬
‫أمثايل‪ ،‬وقد أنشأها احلاضنون خصيصاً هبدف‬
‫إعادة إعمار األرض واستصالحها لتكون قابلة‬
‫لعيش البشر خاليا من االنفعاالت بعيدا عن‬
‫العواطف اليت اعتربوها السبب الرئيس يف دمار‬
‫األرض الذي حلق هبا بعد دمار النفوس‪.‬‬
‫ها هي مركبيت قد وصلت وهاأنذا أنزلق‬
‫املقصورة املخصصة يل‪ ،‬وعلي أن أثبت نفسي‬
‫باألحزمة واألقفال الرقمية حتى ال تؤثر سرعة‬
‫املركبة على فعالية أجهزتي اآللية‪ ،‬نظرت من‬
‫الكوة الصغرية على جانب مقصورتي فرأيت‬
‫زميليت «ن‪ ،‬ب ‪ »115‬تستقبلين بابتسامة‪،‬‬
‫وكعادتنا كل صباح فإننا نرسل التحية لبعضنا‬
‫عرب نظرات مقرونة بابتسامة مشحونة باحلب‬
‫والود‪ ،‬وهي طريقتنا السرية لتبادل العواطف‬
‫السامية فيما بني أجزائنا البشرية‪ ،‬وحلسن‬
‫احلظ فان الفضائيني مل يدركوا أن احلب‬
‫الحيتاج إىل وسيلة مادية للوصول‪ ،‬فهو كالنسمة‬
‫اللطيفة هتب على الروح يف صحراء الوحدة ‪،‬‬
‫وتعيد هلا احليوية والسعادة‪.‬‬
‫وال أخفيكم بأن شحنات كبرية من املشاعر‬
‫حتتبس يف صدري وال أستطيع اإلفصاح عنها‬
‫خوفا من الفضائيني‪ ،‬فباتت كمادة مهربة‬
‫حمظورة أخفيها حبذر لوقت اللزوم‪.‬‬
‫ها حنن قد وصلنا إىل مركز عملنا وانطلقنا‬
‫فدخل كل إىل مقصورته اليت جيب أن يغلقها‬
‫خلفه فال يرى أحدا حني دخوله‪ ،‬جلست على‬
‫مقعدي وبدأت بلمس األزرار يف حاسوبي‬

‫اخلاص ألبدأ العمل‪ ،‬لكين فوجئت بأن الشاشة‬
‫ال تستقبل شيئاً مما أريد تسجيله عليها من‬
‫كلمات‪ .‬أسرعت ألستدعي املختصة بإصالح‬
‫احلاسوب‪ ،‬لكنه ولدهشيت الكبرية بدأ احلاسوب‬
‫بالعمل وسجل على صفحته‪« :‬انتظري»‪ ،‬لست‬
‫أعاني من أي خلل‪ ،‬اقرتبت منه وقد حسبت أن‬
‫أحداً قد دخل على برناجمي باخلطأ وأخذت‬
‫أسجل كلماتي بكبس األزرار املعدنية «إذا ما‬
‫األمر» أجابين تلقائيا «ألنين أريد أن أطلب منك‬
‫شيئاً‪ ،‬فهل تسمحني؟» تك تك تك تك وكتبت‬
‫كلماتي‪ »:‬ومتى كانت احلواسيب تطلب أشياء‬
‫خاصة هبا»‪ .‬أجاب بسرعة‪« :‬أنا حالة خاصة»‬
‫أسرعت وكتبت وكلي أمل يف أن تكون هذه‬
‫مزحة من أحدهم «إذاً قل مابك»‪ .‬وكنت أنتظر‬
‫اجلواب بلهفة ‪ .‬كتب احلاسوب «هل تقبلني‬
‫الزواج بي؟؟» أذهلتين العبارة املكتوبة وكدت‬
‫أقع مغميا علي لوال أن اجلزء اآليل من دماغي‬
‫استدرك األمر وأسرع باإلجابة «كيف؟؟؟» كتب‬
‫احلاسوب يبلغين ما به « لقد عملت علي ملدة‬
‫طويلة كانت كافية ألن تبث حرارة أصابعك اليت‬
‫تذخر باحلياة والعطف وتدخل دفء احلب إىل‬
‫قليب البارد حيث إهنا كانت تالمس أزراري‪،‬‬
‫فسرى حبك إىل معدني وجعلين أمتنى أن أصري‬
‫إنساناً‪،‬تزوجيين وسوف أكون لك خري صديق»‪.‬‬
‫بكيت وشعرت فجأة بأن يل الشجاعة الكافية‬
‫ألطلق مشاعري من داخلي جبرأة‪ ،‬وأن أعتز‬
‫بإنسانييت‪ ،‬وقررت إعالن احلب على كل من‬
‫تعرتض على وجوده‪ ،‬وصممت على اختاذ هذه‬
‫احلادثة الغريبة نواة إلعادة زرع احلب يف األرض‬
‫اليت استطاع احلقد والطمع تدمريها ذات يوم‪.‬‬
‫فان كان املعدن قد تعرف على حرارة اإلنسانية‬
‫‪ ،‬أفال تفعل القلوب؟؟؟‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪95‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الدميري‬

‫وحياة الحيوان‬
‫د‪ .‬طالب عمران‬

‫الشك أن إسهامات العرب يف موضوع التصنيف احليواني تفوق بكثري ما كتبوه‬
‫يف املواضيع احليوية األخ��رى ‪ ،‬برأي الدكتور م��روان السبع ‪ ،‬صاحب كتاب‬
‫شذرات مضيئة عن علم احلياة احليوانية يف الرتاث العربي اإلسالمي‪..‬‬
‫ورمبا يعود السبب يف ذلك إىل غنى عامل احليوان بفصائله وفروعه كثرية العدد ‪ ،‬من‬
‫الديدان البدائية حتى الثدييات ‪ ..‬مروراً باحلشرات اليت يقدر عدد أنواعها بـ ( ‪ ) 800‬ألف نوع‬
‫من احلشرات على اليابسة ‪..‬‬

‫‪96‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫وقد ساهم العلماء العرب املسلمون مبؤلفاهتم‬
‫يف تأطري هذا العلم الذي مل يكن مفصوالً عن‬
‫غريه من العلوم األخ��رى‪ ..‬فأ ّلفوا الكتب اليت‬
‫تبحث يف حياة احليوان وأصنافه وطرق معيشته‬
‫وتطفله وهجرته وانتحاره وغري ذلك ‪..‬‬
‫لننظر مثالً إىل م��ا يقوله إخ���وان الصفا يف‬
‫رسائلهم عن احليوان ‪« :‬عندما خلق الباري‬
‫عزّ وج ّل أصناف احليوانات سلّح وحدد طريقة‬
‫كل واحد منها لكي يعيش على وجه البسيطة‬
‫سعيداً‪ ،‬فنجد أن احليوانات الربيّة اليت تأكل‬
‫العشب هلا أفواه كبرية وأسنان حادّة وأضراس‬
‫صلبة»‪.‬‬
‫بينما جند أن السباع اليت تأكل اللحوم هلا أنياب‬
‫صلبة وخمالب مقوّسة وقوية ج��داً كما قسّم‬
‫اهلل أجناس احليوانات إىل أربعة أقسام ‪ :‬سكان‬
‫اهلواء مثل الطيور واحلشرات ‪..‬‬
‫وسكان املاس كالسمك والسرطان والضفادع‬
‫والصدف‪ ،‬وسكان ال�برّ وهي األنعام والبهائم‬
‫والسباع ثم سكان الرتاب وهي اهلوام‪..‬‬
‫وقد جعل الباري احلكيم ألجناس احليوانات‬
‫الربّية اآلكلة منها للعشب جعل هلا أفواهاً واسعة‬
‫لتتمكن من القبض على احلشيش والكأل يف‬
‫املرعى‪ ..‬وجعل هلا أسناناً تقطع هبا وأضراساً‬
‫تطحن هبا الصلب من العشب واحل�بّ والورق‬
‫والقشر والنوى‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫«وجعل هلا مريئاً واسعا زلقا تزورد به مامتضغه‬
‫وك��روش�اً واسعة حممّلة متلؤها وحتمل فيها‬
‫زاده��ا‪ ،‬فإذا اكتفت رجعت إىل أماكنها وبركت‬
‫واسرتاحت وهي جت ّ‬
‫رت طعامها لتهضمه معداهتا‬
‫هضماًَ سهالً ‪ »..‬أما عن السباع فيقول إخوان‬
‫الصفا ‪:‬‬
‫أما السباع وهي من أكلة اللحوم فإن خلقتها‬
‫وطباعها وتركيب بعض أعضائها الظاهرة‬
‫والباطنة وأمزجتها وشهواهتا خمالفة ملا عليه‬
‫احليوانات اآلكلة للعشب‪ ،‬وذلك أن الباري عزّ‬
‫وج ّل ملّا خلقها وجعل غذاءها من أكل اللحـوم‬

‫ومادّة أبداهنا من جثث احليوانات جعل هلا أنياباً‬
‫صلبة وخمالب مقوّسة قويّة وزندات ضيقة ‪..‬‬
‫كما مكنها م��ن ال��وث��وب اخلفيف والفقرات‬
‫البعيدة للقبض على احليوانات وضبطها وخرق‬
‫جلودها وش�قّ أجوافها وكسر عظامها وهنش‬
‫حلومها من غري رمحة وال شفقة عليها‪..‬‬
‫بالطبع هذا نوع من التصنيف احليواني املنطقي‪،‬‬
‫طوّره العلماء العرب فيما بعد عن طريق اخلربة‬
‫والتجربة‪ ،‬فكان رائد التجريب يف علم احليوان‬
‫عمرو بن حبر اجلاحظ ‪ ..‬الذي اهتم بالتجربة‬
‫واملنهج التجرييب ‪..‬‬
‫ولننظر إىل ما يقوله أحد علماء علم احليوان‬
‫وه��و كمال ال��دي��ن حممد ب��ن موسى الدمريي‬
‫حول الضب يف كتابه ( حاوي احلسان من حياة‬
‫احليوان ) ‪..‬‬
‫«بني ّ‬
‫الضب والعقارب ألفة‪ ،‬فلذلك يؤويها يف‬
‫حجره لتلسع املتحرّش به‪ ،‬إذ أدخل يده ألخذها‬
‫وال ميكننا حتديد العالقة بني العقرب والضبّ‪،‬‬
‫على أنه من الثابت أن العقارب ختتفي يف جحور‬
‫الضباب ‪»..‬‬
‫وقد د ّلت املشاهدات على ما يؤيد هذه الظاهرة‬
‫ولقد وردت يف آراء الدمريي الكثري من األفكار‬
‫حول املشاركة والتكافل بني األحياء‪ ،‬ما يؤكد أن‬
‫الدمريي قد أسسّ فعالً علم املشاركة أو التكافل‬
‫وليس الفيلسوف األملاني ( غوته ) كما يزعم‬
‫الغربيون‪..‬‬
‫ولد الدمريي عام ‪ 742‬للهجرة املوافق لـ ‪1341‬‬
‫للميالد يف دمرية مبصر وعاش يف القاهرة حيث‬
‫عمل والده يف اخلياطة‪ ..‬كان ال يزال صغرياً حني‬
‫بدأ ولعه بالقراءة‪ ،‬واالطالع والبحث يف مكتبة‬
‫والده الصغرية‪ ،‬أو يف مكتبات الوّراقني الذين‬
‫يسمحون له وق��د أعجبتهم نباهته باالطالع‬
‫على الكتب يف دكاكينهم ‪..‬‬
‫يف أحد األيام أسّر موسى بن عيسى الدمريي‬
‫والد حممد ألحد شيوخ األزهر عن ولع‬
‫الصيب بالكتب والقراءة ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪97‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أرى رغب ًة يف عينيك باحلديث إيلّ ؟ هل هناك‬
‫ما يشغلك يا أبا حممد ؟‬
‫نعم يا شيخنا‪ ،‬إنه ولدي حممد ‪..‬‬
‫ولدك حممد ؟ ما به ؟ أهناك شيء يقلقك يف‬
‫تصرفاته ؟‬
‫بالعكس‪ ،‬أشعر أنين مقصرّ جتاهه‪ ،‬به ظمأ‬
‫شديد للعلم واملعرفة‪ ،‬وأنا ال أستطيع أن أروي‬
‫له هذا الظمأ‪ ،‬إنه يساعدني يف احلياكة ولكنّ‬
‫الولع بالقراءة والتعلّم يشغل هاجسه ‪..‬‬
‫فهمت‪ ..‬ال تستطيع االستغناء عن مساعدته‬
‫لك يف دكان اخلياطة‪ ،‬ويف نفس الوقت ترغب‬
‫أن تفتح أمامه السبيل للتعلّم‪..‬‬
‫أن��ا أخ��اف عليه ي��ا شيخنا‪ ،‬إن تركته يلتحق‬
‫ب��األزه��ر حي��ت��اج مل��رش��د يوجهه ص��وب منابع‬
‫العلم‪ 0‬إنه ولد نبيه ‪ ..‬قد يصبح عاملاً يوماً من‬
‫األيام‪..‬‬
‫من هذه الناحية ال تقلق عليه‪ ،‬سيكون حتت‬
‫ن��ظ��ري‪ ،‬أتابعه وأرش����ده‪ ،‬وأوص���ي ب��ه أساتذة‬
‫اجملالس العلميّة‪..‬‬
‫ب��ارك اهلل ف��ي��ك‪ ..‬ه��ذا م��ا كنت آم��ل مساعه‬
‫منك‪..‬‬
‫ولكن هل تستطيع االستغناء عنه يف دكانك‪ ،‬إنه‬
‫ماهر يف احلياكة كما أعلم ؟‬
‫مستقبله يف العلم واألدب وليس يف هذا الدكان‬
‫البسيط ‪..‬‬
‫أنت رجل عاقل يا أبا حممد‪ ،‬سيصبح ابنك رجالً‬

‫‪98‬‬

‫مهمّاً بفضل تفهمك لدور العلم واملعرفة وأنت‬
‫البسيط ال��ذي حتتاج عونه لك يف اخلياطة‪،‬‬
‫بدالً من فتح الطريق أمامه عن هذه املهنة ‪..‬‬
‫هل اطمئن يا سيدي لرعايتك له‪ 0‬؟ ‬
‫لن أخبل عليه بالرعاية والنصح‪ ،‬اطمئن من‬
‫هذه الناحية ‪..‬‬
‫إذن م��ن��ذ ال��غ��د س��ي��ب��دأ حم��م��د دروس�����ه يف‬
‫األزهر‪ ..‬‬
‫على بركة اهلل‪ ..‬‬
‫وح�ي�ن ع���اد األب إىل ال��ب��ي��ت استقبلته األم‬
‫ملهوفة‪:‬‬
‫تأخرت يا أبا حممد‪ ،‬ليس من عادتك ؟‪ ..‬‬
‫كنت يف األزهر‪..‬‬
‫قصدت األزهر للصالة ؟‪..‬‬
‫للصالة‪ ،‬ولسبب آخر‪ ..‬أين ذهب حممد ؟‪..‬‬
‫ملاذا ال تكلّفه حبياكة األثواب هنا ؟ إنه يشغل‬
‫كل وقته يف قراءة الكتب‪ ،‬أنا خائفة على عينيه‪،‬‬
‫يسهر أحياناً حتى الفجر وهو يقرأ على ضوء‬
‫الشمعة ‪ ..‬‬
‫ماذا تقولني يا امرأة ؟ أكلفه باحلياكة يف البيت‬
‫أيضاً ؟ هذا ال ميكن أن حيدث أبداً‪ ..‬أنا أدخره‬
‫لعمل آخر‪ ..‬ومن أجل هذا ذهبت لألزهر‪ ..‬‬
‫عمل آخر ؟ أي عمل ميكن للصيب القيام به‪ ..‬‬
‫ستفهمني كل شيء ‪..‬‬
‫ودخل األب إليه فوجده مع أخوته وهم يتجمعون‬
‫حوله‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫أمل يناموا بعد ؟‪..‬‬
‫طلبوا مين أن أحكي هلم حكاية قبل النوم‪..‬‬
‫قال األب شارداً ‪:‬‬
‫أري���د أن أس��ت��م��ع ل��ك وأن���ت حت��ك��ي حكايتك‬
‫ألخوتك‪..‬‬
‫واستمع األب إىل احلكاية بشغف وق��د حلظ‬
‫تعلق أوالده هبا ثم خلودهم للنوم ‪:‬‬
‫قل يل يا بين من أي��ن حتفظ ه��ذه احلكايات‬
‫الغريبة عن احليوان ؟‬
‫من كتاب احليوان للجاحظ‪ ،‬إنه كتاب ممتاز‪..‬‬
‫آه‪ ..‬هكذا إذن ‪ ..‬ولكن قصة السبع وعالقته‬
‫باللبوة وباألشبال مل أقرأ مثلها يف كتاب احليوان‬
‫للجاحظ ‪..‬ما كتبه اجلاحظ خيتلف قليالً عمّا‬
‫ذكرته ‪..‬‬
‫أضفت إليها بعض اإلضافات من أجل إدخال‬
‫عنصر التشويق‪..‬‬
‫إهنا إضافات ممتازة‪..‬‬
‫قـل يل يا أبي‪ ،‬مادمت حتبّ الكتب والتعلّم ملَ‬
‫مل تتابع حتصيلك‪ ،‬وتصبح فقيهاً أو أديباً أو‬
‫عاملاً ؟‬
‫آه يا بين‪ ،‬تويف جدّك ووجدت نفسي مسؤوالً‬
‫عن عائلة بكاملها‪ ،‬فالتحقت بدكان اخلياطة‬
‫ال���ذي ت��رك��ه وال���دي – ج���دّك‪ ،‬وض��اع��ت عليّ‬
‫فرصة متابعة الدراسة والبحث ‪0‬‬
‫لن أخبل عليك باملساعدة يا أبي ‪ ..‬أنت تتعب‬
‫كثرياً من أجلنا‪..‬‬

‫امس���ع ي��ا ب�ن�ي‪ ،‬ك��ن��ت يف األزه����ر ه���ذا املساء‬
‫وحتادثت مع شيخنا السب ّكي‪ ،‬أتعلم يف ماذا‬
‫انصب حديثي مع الشيخ اجلليل ؟‬
‫ال يا أبي ‪ ..‬وكيف يل أن أعلم ؟‪..‬‬
‫منذ الغد يا حممد سوف ترتك دكان اخلياطة‬
‫وتلتحق مبكان آخر ( خطوات تقرتب)‬
‫قال مستغرباً ‪:‬‬
‫أترك احلياكة ؟‬
‫ستنضم إىل جمالس األزه���ر تلميذاً صغرياً‬
‫يقطف مثار العلم ‪ ..‬افتح الصرّة يا حممد‬
‫فتحها الصيب كانت هبا عباءة وعمامة وجبّة‬
‫طويلة ‪..‬‬
‫إنه لباس تلميذ األزهر الشريف ‪ ..‬كنت أجهزه‬
‫البن جارنا يف السوق ال��ذي ينوي إحل��اق ابنه‬
‫باجلامع األزه��ر أيضاً ‪ ..‬له نفس مقاسك يا‬
‫بين ‪..‬‬
‫اندفع الصيب يقبل يده ‪:‬‬
‫شكرا لك يا أبي ‪ ..‬ولكن ‪..‬؟‬
‫وعلقت األم منزعجة ‪:‬‬
‫مـاذا أقـول‪ ،‬لقد أفسدت الولد وسيتجه صوب‬
‫الفقر واحل��اج��ة‪ ،‬ط�لاب العلم ال حيصدون‬
‫سوى الفاقة ‪ ..‬ثم إنك حباجة له كثرياً يف دكان‬
‫اخلياطة‪..‬‬
‫ماذا تقولني يا امرأة؟ مهنة العلم أشرف املهن‬
‫وأرف��ع��ه��ا م��ق��ام�اً‪ ..‬وأستطيع أن أعمل‬
‫بدونه ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪99‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وأكد الصيب ‪ -:‬ولكن يا أبي‪ ،‬أمي حم ّقة‪ ،‬أنت‬
‫حباجة يل يف الدكان ‪..‬‬
‫أستطيع العمل بدونك‪ ،‬سأدبّر نفسي‪ ..‬ال تقلق‬
‫من هذه الناحية ‪..‬‬
‫اعرتضت األم ‪:‬‬
‫معقول ما تقوله يا رجل ؟‪..‬‬
‫يكفي يا امرأة‪ ،‬ال أريد أن امسع كلمة أخرى‪..‬‬
‫والتحق الصيب بالشيخ السبكي‪ ،‬كان قد قرر أن‬
‫يتعلم يف النهار‪ ،‬وخييط الثياب يف الليل ويقول‬
‫باعتذار ملعلمه ‪:‬‬
‫إهنم حيتاجون جهدي يف اخلياطة يا سيدي ‪..‬‬
‫وجدت أنه احلل املعقول‪ ،‬أرجوك حاول إقناع‬
‫أبي هبذا احلل ‪..‬‬
‫سأقنعه ال تقلق ‪ ..‬أما اآلن فسأعرفك على‬
‫أم�ين مكتبة ه��ذا اجلناح يف األزه��ر إن��ه رجل‬
‫ص��ادق سيعتين بك ويلّيب طلبك‪ ..‬ويقدم لك‬
‫أي خمطوطة ترغب يف االطالع عليها‪ ..‬تعال‬
‫يا بين ‪..‬‬

‫‪100‬‬

‫وانشرح صدر األم هلذا احلل فضمت الصيب‬
‫إىل صدرها ‪:‬‬
‫آه يا حبييب‪ ،‬كنت واثقة أنك لن ترتك والدك‬
‫يتعب لوحده‪..‬‬
‫هل أقنعه الشيخ يا أمي ؟‪..‬‬
‫ت��ردّد كثرياً ولكنه رضخ لطلب الشيخ ‪ ..‬قال‬
‫إن ذلك سيتعبك‪ ،‬ولكن الشيخ أكدّ له أنه احل ّل‬
‫املالئم مسعته كيف وصفك بالطفل النابغة ‪..‬‬
‫حفظك اهلل يا بين وأعلى مراتبك ‪ ..‬إن شاء اهلل‬
‫ستصبح يف املستقبل رجالً عظيماً كما يؤكد‬
‫الشيخ‪..‬‬
‫وهكذا درس حممد يف األزهر احلديث والتفسري‬
‫وحفظ القرآن واطلّع على أصول الفقه ونسخ‬
‫املخطوطات وتن ّقل بني اجملالس العلمية يف‬
‫األزهر‪..‬‬
‫ويف أوقات فراغه ‪ -‬وهي قليلة ‪ -‬كان يتجول‬
‫يف القاهرة وعلى ضفاف النيل‪ ،‬ويف حبرية‬
‫األزبكيّة‪ ،‬يراقب الطيور واحليوانات ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫وأحياناً كان يزور املشايف‪ ،‬ويطلّع على ما جيري‬
‫فيها من عالجات للمرض‪ ،‬كما كان يزور اآلثار‬
‫الفرعونية‪ ،‬واملساجد والقصور ورمبا زار مع‬
‫والده قريتهم ( دمرية ) يف الضفة الغربيّة من‬
‫النيل ‪..‬‬
‫كما كان يراقب موكب السلطان الظاهر ( فرج‬
‫بن برقوق ) وحاشيته وأتباعه وفرسانه وهم‬
‫يروحون وجييئون يف القاهرة ‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وبعد أعوام‪ ،‬كرب حممد وأصبح شابا هادئا كثري‬
‫الذكاء والفصاحة ‪ ..‬استدعاه الشيخ يوماً ‪0‬‬
‫امسع يا بين‪ ،‬سرتافقين هذا العام إىل احلج على‬
‫نفقيت‪ ،‬أنت طالب علم جمد جمتهد ومتفوق ‪..‬‬
‫أن���ا ؟ س��أح��ج‪ ،‬ه���ذا أك��ث��ر م��ا ك��ن��ت أمت��ن��اه يا‬
‫سيدي‪..‬‬
‫أنت شاب له مستقبل مشرق بعون اهلل‪ ..‬وأنت‬
‫يف معزة ابين‪..‬‬
‫بارك اهلل فيك يا سيدي وأطال عمرك‪..‬‬
‫ومهس له أحد مريدي الشيخ بإعجاب ‪:‬‬
‫أن���ت حم��ظ��وظ‪ ،‬ف��ال��ش��ي��خ ال��س��ب��ك��ي‪ ،‬خيصك‬
‫باهتمامه ‪..‬‬
‫إنه أستاذي ومعلمي‪ ،‬نشأت على يديه وترعرعت‬
‫يف كنفه ‪..‬‬
‫للشيخ السبكي‪ ،‬موقع متميز بني رجال الفقه‬
‫وال��ع��ل��م‪ ،‬أع��ت��ق��د أن���ه وجم��م��وع��ة م��ن الشيوخ‬
‫واألج�لاء‪ ،‬سيمنحونك ويتعرفون على موقعك‬
‫يف العلم خالل فرتة احلج‪ ،‬مسعت أن هذه من‬
‫عادهتم ‪..‬‬
‫ً‬
‫احلمد هلل‪ ،‬لست قلقا بشأن أي اختبار ميكن أن‬
‫أوضع فيه مهما كان صعباً ‪..‬‬
‫تبدو واثقاً من نفسك‪ ..‬أرجو لك التوفيق ‪..‬‬
‫شكراً لك ‪..‬‬
‫ويف الطريق إىل احلج مع القافلة اليت انضمّ‬
‫إليها الشيخ السبكي وم��راف��ق��وه وم��ن بينهم‬
‫حممد وهم يسرتحيون يف النهار يف ظ ّل أشجار‬
‫إحدى الواحات صرخ رجل هبلع ‪:‬‬
‫سأموت ‪..‬غرست ناهبا يف رجلي تلك األفعى‬

‫اللعينة ‪ ..‬آه ‪ ..‬ابتعد أيها الشاب إهن��ا تتجه‬
‫حنوك‬
‫سأفتح هذا الكيس لتقع فيه‪ ..‬لقد أمسكتها ‪..‬‬
‫انتبه‪ ،‬إهنا من نوع خطر شديد السمية‪..‬‬
‫ل��ق��د رب���ط���ت ف��ت��ح��ة ال��ك��ي��س‪ ،‬أي����ن عضتك‬
‫اللعينة؟‪..‬‬
‫هنا يف ساقي يف هذه الناحية ‪..‬‬
‫ال ختف سنوقف انتشار السم بإذن اهلل ‪ ..‬هه‬
‫سأربط لك رجلك هنا‪..‬‬
‫إنك تضغط كثرياً برباطك‪..‬‬
‫حتى أحبس ال��دم عن االنتشار ‪ ..‬ه��ه‪ ..‬هذا‬
‫يكفي‪..‬‬
‫ماذا تفعل ؟‪..‬‬
‫سأجرحك هنا‪ ..‬يف عدة أماكن‪ ..‬جيب أن تصرب‬
‫على األمل‪..‬‬
‫وجاء الشيخ السبكي على الصراخ ‪:‬‬
‫ماذا تفعل يا بين ؟ يبدو الرجل وكأنه سيغيب‬
‫عن الوعي ‪..‬‬
‫سيعود إىل رشده بإذن اهلل حني ننظف ساقه‬
‫من السم‪..‬‬
‫أكد الشيخ ‪ - :‬ما تفعله صحيح يا حممد‪ ،‬لقد‬
‫أنقذت الرجل ‪..‬‬
‫أخذ أحد اجلنود الكيس الذي به األفعى ثم عاد‬
‫بعد قليل وهو يقول ‪:‬‬
‫ً‬
‫قتلتها وهي داخل الكيس‪ ،‬مل متت سريعا ‪..‬‬
‫سأله أحدهم ‪ -:‬وأين ألقيت الكيس ؟‪..‬‬
‫يف منطقة خلف الكثبان ‪..‬‬
‫علق السائل ‪ -:‬هذا أفضل‪ ،‬أفاعي الصحراء‬
‫خطرة وسامة وال تنسى االنتقام ‪..‬‬
‫اعرتض حممد ‪:‬‬
‫م��اذا تقول ؟ االنتقام ؟ ه��ذه خرافة ليس هلا‬
‫م��ع��ن��ى‪ ..‬مل ن��ب��دأ ال���ع���دوان األف��ع��ى ه��ي اليت‬
‫بدأت‪..‬‬
‫وفتح املصاب عينيه كان يتنفس جيداً ‪..‬‬
‫احلمد هلل على سالمتك يا رجل‪..‬‬
‫أشعر بدوار وصداع‪ ..‬رجلي تؤملين أيضاً‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪101‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪..‬‬
‫قال اجلندي ‪:‬‬
‫سبحان اهلل‪ ..‬كنت أظنه سيموت خالل مدة‬
‫قصرية ‪ ..‬لو مل يسارع هذا الشاب ملثل ما فعله‬
‫من ربط الساق وجرحها عدة جروح حتى خيرج‬
‫السم كان السم قد أماته ‪..‬‬
‫وه��ك��ذا اج��ت��ازت قافلة احل��ج البحر األمحر‬
‫واحن��درت ص��وب احلجاز إىل أن وصلت مكة‬
‫املكرمة‪ ،‬حيث بدأ اجلميع يؤدون الفريضة ‪..‬‬
‫ويف أح��د األي��ام واحلجاج يسعون بني الصفا‬
‫واملروة‪ ،‬أرسل الشيخ السبكي يف طلب حممد‪0‬‬
‫طلبتين ياسيدي‪..‬‬
‫نعم يا بين‪ ..‬طلبتك ألبلغك أنين مع جمموعة‬
‫من الشيوخ وعلماء الدين والعارفني سنجري‬
‫لك امتحاناً فيما تعلمته يف األزهر ‪..‬‬
‫هل سيكون االختيار شامالً يا سيدي ؟‬
‫حني ستمثل بني يدينا يف الغد‪ ،‬ستعرف نوعية‬
‫االختيار‪ ..‬ستكون جاهزاً غداً ؟‬
‫بالطبع يا سيدي‪..‬‬
‫أرجو لك التوفيق ‪..‬‬
‫تبادل الشيخ احلديث بعد ذه��اب حممد مع‬
‫الرجل الذي أنقذه حممد من لدغة األفعى ‪:‬‬
‫أنا متشوق ملعرفة وضع هذا الشاب وهو جييب‬
‫عن أسئلة هؤالء الفقهاء مجيعهم‪..‬‬
‫أتعتقد أنه سينجح يف االختبار ؟‬
‫إن شاء اهلل‪ ،‬إنه شاب ممتاز ‪..‬سبحان اهلل لواله‬
‫لكنت اآلن أرقد يف حفرة يف باطن الصحراء‬
‫متأثراً بسم تلك األفعى اللعينة‪..‬‬
‫أتعلم أن حدسه كان يف حمله فقبل وصولنا إىل‬
‫مكة املكرمة‪ ،‬كادت أفعى من نفس لون األفعى‬
‫اليت قتلتها هتامجين‪ ،‬لوال أن طاردها جاري يف‬
‫اخليمة ‪ ..‬مل أمن يف تلك الليلة من اخلوف ‪..‬‬
‫رغم أنه طمأنين أن احلادث عرضي وال يعين‬
‫شيئاً‪..‬‬
‫ويف اليوم التايل يف الصباح بدأ االختبار ‪:‬‬
‫سنبدأ اختبارنا يا حممد بآيات من القرآن‬

‫‪102‬‬

‫ال��ك��ري��م‪ ،‬ستفسر لنا ه��ذه اآلي���ات ومعانيها‬
‫وأحكامها التشريعية وآراء الفقهاء حوهلا‪..‬‬
‫أنا جاهز يا سيدي ‪..‬‬
‫واجتاز حممد االختبار بنجاح‪ ،‬وسط دهشة‬
‫احل��ض��ور وإع��ج��اهب��م‪ ،‬ورغ����م ك��ث��رة األسئلة‬
‫وصعوبتها فلقد كان متفوقاً يف إجاباته ‪..‬‬
‫وعانقه الشيوخ والفقـهاء‪ ،‬وأعـطوه شهادة‬
‫موقعة منهم‪ ،‬أنه مؤهل للتدريس يف األزهر‪،‬‬
‫وكان الشيخ ( السبكي ) أكثرهم فرحاً‪ ،‬بنجاح‬
‫تلميذه املتميز ‪..‬‬
‫وتابع الدمريي دراسته فقرأ على أبي الفضل‬
‫النوير واجلمال األسنوي‪ ،‬وابن امللقن‪ ،‬والبلقيين‪،‬‬
‫وأخذ األدب عن القرياطي‪ ،‬والعربية عن البهاء‬
‫بن عقيل‪ ،‬واطلع على علوم عصره وب��رع يف‬
‫التفسري واحلديث والفقه وتصنيف األحياء ‪..‬‬
‫وتزوج ورزق األوالد‪ ،‬وظل حمافظاً على نظامه‬
‫يف ال��ع��م��ل يف اخل��ي��اط��ة‪ ،‬وت��دري��س تالميذه‬
‫واإلقبال على التعلم ‪..‬‬
‫ً‬
‫كان حياضر يف طالبه يومني أسبوعيا‪ ،‬ويوزع‬
‫أيامه األخرى يف القراءة والعمل يف اخلياطة‪،‬‬
‫والكتابة واخلط يف منزله الذي بدأت مكتبته‬
‫تكرب شيئاً فشيئاً ‪..‬‬
‫وأرسلت أمه يف طلبه وكانت يف وضع صعب‬
‫فذهب وزوجته وأوالده ‪:‬‬
‫آه يا بين ال فائدة‪ ..‬سأموت وصييت لك والدك‪،‬‬
‫ال ترتكه وحيداً يا حممد‪ ،‬مع أخيك الصغري‪..‬‬
‫اطمئين يا أمي ستكونني خبري إن شاء اهلل ‪..‬‬
‫ذهب والدك إلحضار الطبيب‪ ،‬ولكن ال فائدة‪،‬‬
‫سأموت قبل أن يعود‪..‬‬
‫خففي عنك يا أمي أرجوك‪..‬‬
‫حممد ال ترتك اخلياطة‪ ،‬ساعد والدك يف هذه‬
‫املهنة‪ ،‬العمل سيجعله يتعزى قليالً‪ ،‬آه يا حممد‬
‫إهنا أول مـرة سأفارقه فيها إىل األبد‪ ..‬مل نفرتق‬
‫يوماً عن بعضنا كان رجالً عظيماً طوال حياته‬
‫معي‪ ..‬أرجوك عدني أن تنتبه له جيداً ‪..‬‬
‫أعدك يا أمي‪ ..‬أعدك‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫وحني عاد األب مع الطبيب كانت العجوز قد‬
‫ماتت بني يدي ولدها ورأى حممد والده ألول‬
‫مرة يف حياته يبكي بكاء م �رّاً ‪ ..‬وبعد انتهاء‬
‫م��راس��م ج��ن��ازة أم��ه‪ ،‬دخ��ل إىل وال���ده املنزوي‬
‫حزيناً‪:‬‬
‫لن أتركك يا أبي يف البيت لوحدك وأخي الصغري‪،‬‬
‫جيب أن تنضم لنا وتعيش و أخي معنا‪..‬‬
‫سأكون خبري يف منزلنا الكبري يا حممد ‪ ..‬تعلم‬
‫أننا قضينا فيه أمجل سنوات حياتنا‪..‬‬
‫أعلم يا أبي ‪ ..‬ميكنك زيارته بني وقت وآخر‪..‬‬
‫أرجوك‪ ،‬إهنا وصية أمي‪..‬‬

‫ولكن ‪..‬؟‬
‫أرجوك ‪ ..‬لن نربح هذا املكان أنا وزوجيت وأوالدي‬
‫إال وأنت وأخي الصغري برفقتنا قد تتعرى بني‬
‫أحفادك يف فرتة الضيق اليت متر هبا‪..‬‬
‫وأرسل السبكي يوماً يف طلبه‪ ،‬فدخل إليه وهو‬
‫يقلّ‍ب يف خمطوط جديد ‪ ..‬ومعه ع��دد من‬
‫الشيوخ وقد التف حوله تالمذته ومريديه ‪:‬‬
‫تعال يا حممد ‪ ..‬واستمع معنا إىل ما يقوله‬
‫ال��ق��زوي�ني يف ع��ج��ائ��ب امل��خ��ل��وق��ات وغرائب‬
‫املوجودات إنه عامل ممتاز‪..‬‬
‫قرأت هذا الكتاب يا معلمي ونسخته إىل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪103‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مكتبيت‪..‬‬
‫عظيم ‪ ..‬ولكننا نتناقش يف فحوى الكتاب‬
‫ومواضيعه عن احل��ي��وان ‪ ..‬هل أن��ت مستعد‬
‫ملشاركتنا النقاش ؟‬
‫بالطبع يا سيدي ‪ ..‬فعاملنا الكبري زكريا بن‬
‫حممد بن حممود القزويين متفوق يف الكتابة‬
‫كما هو متفوق يف البحث ‪..‬‬
‫هل نسخت كتبه األخرى ؟‪..‬‬
‫لدي كتابان آخ��ران ( خطط مصر ) و ( آثار‬
‫البالد وأخبار العباد ) ‪..‬‬
‫ً‬
‫كتبه عديدة‪ ،‬كان رمحه اهلل متفوقا على علماء‬
‫جيله مجيعهم يف دراسة أخبار البالد والعباد‬

‫‪104‬‬

‫وحياة احليوان العجيبة احلافلة بالغرائب ‪..‬‬
‫مل يتوقف عن العمل طوال سنني البالغة (‪)77‬‬
‫سنة هجرية ‪..‬‬
‫صحيح ‪ ..‬انظر ما يقوله يف كتابه ‪..‬هه‪ ..‬اقرأ‬
‫هذه الفقرة يا عباس ‪..‬‬
‫ح��اض��ر ي��ا س��ي��دي ه���ه‪ (( :‬ال��ظ�بي‪ ،‬ه��و أشد‬
‫احليوانات ن��ف��وراً‪ ،‬وم��ن طبعه أن��ه أراد دخول‬
‫كناسته يدخله مستديـراً ويسـتقبل بعينيه ما‬
‫خيافه على نفسه وصغاره ‪ ..‬والظيب يرعى‬
‫احلنظل ويستعذبه ‪..‬وم��اء احلنظل يسيل من‬
‫فمه ومن شدقيه ))‬
‫إنه حيوان عجيب ‪ ..‬أكمل يا عباس ‪..‬‬
‫ي���رد ال��ظ�بي م���اء ال��ب��ح��ر وي��ش��رب م��ن��ه رغم‬
‫ملوحته‪..‬‬
‫إن���ه ح��ي��وان ع��ج��ي��ب‪ ،‬ي��ش��رب ال��ع��ل��ق��م وامل���احل‬
‫ويستحلي املرارة وامللوحة ‪..‬‬
‫وماذا كتبت أنت يا حممد يف وصف الظيب ؟‪..‬‬
‫أنا يا سيدي ؟‪..‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫نعم ‪ ..‬أعلم أنك تصنف كتابا هاما عن احليوان‪،‬‬
‫قل يل ماذا أفردت للظيب من صفات ؟ إضافة‬
‫ملا أفراده القزويين ؟‪..‬‬
‫فتح حممد أوراق ‪:‬‬
‫أق��ول يا سيدي عن الظباء ‪..‬ه��ه‪ ..‬الظيب هو‬
‫الذكر واألن��ث��ى هي الظبية وأرض مظباء أي‬
‫كثرية الظباء وتكنى الظبية بأم اخلشف‪ ،‬وأم‬
‫ش��ادن‪ ،‬وأم الطال‪ ،‬والظباء خمتلفة األلوان‪:‬‬
‫اآلرام ‪ :‬وهي ظباء بيضاء تسكن الرمال كثرية‬
‫اللحم والشحم ‪..‬والعفر وهي ظباء لوهنا أمحر‪،‬‬
‫أعناقها قصرية وه��ي أضعف الظباء عدواً‪..‬‬
‫تألف املواضع املرتفعة واألماكن الصلبة ‪..‬‬
‫وماذا عن الصنف الثالث ؟‪..‬‬
‫إنه الصنف املـسمى ب��األدم‪ ،‬وظـباء هذا النوع‬
‫تنصف ب��األع��ن��اق وك��ذل��ك ق��وائ��م��ه��ا‪ ،‬بطوهنا‬
‫بيضاء‪..‬‬
‫بارك اهلل فيك إهنا معلومات هامة‪..‬‬
‫حدثنا يا أبا موسى عن الظربان‪ ،‬ماذا كتبت‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫عنها ؟‪..‬‬
‫الظربان‪ ،‬دويبة فوق جرو الكلب منتنة الروائح‪،‬‬
‫هلا صماخان بغري أذنني‪ ،‬قصرية اليدين وفيهـما‬
‫براثـن ح��ادة‪ ،‬طويلة الذنب ليس له فقار يف‬
‫ظهره بل عظمة واحدة من الرأس إىل الذنب ‪..‬‬
‫وجلده صلب ‪..‬‬
‫نعم‪ ..‬وللظربان عند العرب روايات ضاحكة ‪..‬‬
‫مجعت هذه الروايات وخلصتها يف حديثي عن‬
‫الظربان ‪..‬‬
‫سيكون كتاباً قيماً يا حممد‪..‬‬
‫بفضل رعايتك يل يا سيدي ‪ ..‬فأنت األستاذ‬
‫واملعلم ‪ ..‬أطال اهلل عمرك‪..‬‬
‫ويف أحد األيام‪ ،‬استيقظ الدمريي مب ّكراً وانكب‬
‫يطالع يف كتبه وخمطوطاته واستيقظت زوجته‬
‫فوجدته يهيئ لباسه اجلديد لريتديه وقد أيقظ‬
‫ابنه موسى الذي كان متعلقاً به ‪:‬‬
‫ستقابل رجالً مهماً اليوم ‪..‬‬
‫نعم يا أم موسى ‪ ..‬سنجتمع يف األزهر اليوم مع‬
‫ابن خلدون ‪..‬‬
‫ابن خلدون‪ ،‬ذلك العامل كثري الرتحال ؟ ‪..‬‬
‫نعم إنه أحد أعظم علماء هذا العصر‪ ،‬سنناقشه‬
‫يف املقدمة اليت كتبها يف علم االجتماع والعمران‬
‫واحلضارة واألجناس واألقوام‪..‬‬
‫متى وفد القاهرة ؟‬
‫أول أمس ‪ ..‬مثل فور حضوره بني يدي السلطان‬
‫الظاهر برقوق ‪..‬‬
‫متى ستعود ؟‪..‬‬
‫ال أدري واهلل ‪ ..‬سأصطحب موسى معي ‪..‬‬
‫وقد نتأخر ‪..‬‬
‫يف رعاية اهلل يا أبا موسى ‪..‬‬
‫والتقى الدمريي بابن خلدون وأبدى إعجابه هبذا‬
‫الرجل العبقري‪ ،‬الذي اجتمع حوله علماء مصر‬
‫يناقشونه يف أعماله وأفكاره ‪..‬‬
‫كان ينسخ الكتب املهمة وحيتفظ هبا يف مكتبته‬
‫‪ ..‬كلما مسع زمالؤه العاملون يف حقل املعرفة‬
‫بكتاب هام يتبادلونه وينسخونه ليحتفظوا به‪..‬‬

‫كان يكون مكتبته زاخرة باملراجع ‪ ..‬أصبحت‬
‫فيما بعد من املكتبات املهمة يف القاهرة ‪..‬‬
‫وزاره الشيخ السبكي إىل بيته وأب��دى إعجابه‬
‫مبكتبته ‪:‬‬
‫مكتبة حافلة باملخطوطات يف ص��در البيت‬
‫‪ ..‬إهنا كثرية العناوين‪ ،‬رفوفها منظمة ‪ ..‬هذا‬
‫اجلناح خصصته لنفسك ؟‬
‫نعم يا سيدي‪ ،‬املخطوطات اليت أكتبها‪ ،‬أو اليت‬
‫أعلق عليها‪..‬‬
‫وماذا عن اخلياطة ؟‪..‬‬
‫لقد وعدت أبي رمحه اهلل أن أستمر يف هذه‬
‫املهنة أيضاً‪ ،‬فما زلت أداوم على الدكان وأحيك‬
‫الثياب ‪.‬‬
‫إنه عمل صعب‪ ،‬كيف توفق بني اخلياطة وإلقاء‬
‫الدروس‪ ،‬والكتابة والتأليف‪ ،‬حتتاج جلهد كبري‬
‫لتوفق بني هذه األمور‪..‬‬
‫احلمد هلل‪ ،‬تعودت على تنظيم وقيت يا سيدي‬
‫‪ ..‬وأشعر أن العمر قصري مهما طال‪..‬‬
‫تنهد الشيخ ‪:‬‬
‫فعالً العمر قصري‪ ،‬وال ميكن للمرء أن يشبع‬
‫من طلب العلم ‪ ..‬أمل تسمع بالقول املأثور‪:‬‬
‫«مفهومان ال يشبعان ‪ ..‬طالب علم وطالب‬
‫مال»‬
‫فعالً يا سيدي‪..‬‬
‫وقلب الشيخ الكتب ‪:‬‬
‫هذا هو شرح يف فلسفة ( ابن ماجه ) وهاهي‬
‫ارجوزتك الشعرية يف أحكام الشريعة اإلسالمية‬
‫والفقه وأصوله‪ ..‬بدأ الطالب حيفظوهنا عن‬
‫ظهر قلب‪ ..‬وهاهو شرح املنهاج النووي‬
‫أنا أحاول أن أرضي ظمأي للمعرفة يا سيدي‪..‬‬
‫ب��ورك فيك من رجل متابع للعلم‪ ،‬دؤوب على‬
‫التحصيل ‪ ..‬أنا سعيد بك يا بين‪ ،‬سعيد وأنا‬
‫أرى مؤلفاتك وش��روح��ك تتخاطفها جمالس‬
‫العلم ‪0‬‬
‫الفضل لك يا سيدي ‪..‬‬
‫ال��ف��ض��ل هلل ي��ا ب�ني ‪ ..‬اه��ت��م بصحتك‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪105‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وعينيك وال ترهق نفسك ك��ث�يراً‪ ،‬خذ الدنيا‬
‫هبدوء فالعلوم ك��األرزاق موزعة على اخلالئق‬
‫‪..‬‬
‫أرجو أن يساعدني املوىل عز وجل يف تأليف‬
‫الكتابني اللذين أق��وم جبمعهما وتأليفهما ‪..‬‬
‫كتاب عن ( حياة احليوان الكربى ) وكتاب عن‬
‫تفسري األحالم ‪..‬‬
‫ولكن كتاب ( ح��ي��وان احل��ي��وان ) حيتاج إىل‬
‫سفر ومشقة ورحالت لتتبع احليوان وفصائله‬
‫وأماكن معيشته ‪..‬‬
‫ال أرغ��ب أن يكون كتابي من ه��ذا النهج‪ ،‬ما‬
‫أرغبه هو الكتابة يف أدب��ي��ات علم احليوان‪،‬‬
‫قرأت لك بعضا مما كتبته عن الظيب والظربان‬
‫‪..‬يف جملسكم قبل فرتة أال تتذكر ؟‬
‫ً‬
‫نعم‪..‬نعم‪ ..‬تذكرت سيكون كتابك معتمدا على‬
‫األحرف اهلجائية‪ ،‬مرتبة حسب اسم احليوان‬
‫وصنفه ومعيشته ‪..‬‬
‫نعم ‪..‬‬
‫هذا مشروع ممتاز‪ ،‬وفقك اهلل يا بين ‪..‬‬

‫‪106‬‬

‫وان��ض��م إىل جملسه ي��وم�اً ش��اب صغري‪ ،‬داوم‬
‫على حضور املناقشات واحملضرات ولفت نظر‬
‫الدمريي ذكاءه وفصاحته وسرعة بديهته فسأله‬
‫عن امسه وكان أمحد بن علي القريزي ‪:‬‬
‫تذكرتك‪ ،‬أنت تكتب وتؤلف يف حياة النحل‪..‬؟‬
‫نعم يا سيدي‪ ،‬وأتابع أيضاً جتميع معلومات عن‬
‫النعم والبهائم والوحوش ‪..‬‬
‫ه��ذا عظيم ‪ ..‬كل ما حتتاجه يا بين ميكنك‬
‫طلبه مين‪ ..‬أراك حتضر جملسي باستمرار‪..‬‬
‫أريد أن آتي ملكتبتك يا سيدي ‪ ..‬عندك كتب‬
‫نادرة‪..‬‬
‫البأس سأفتح مكتبيت لك يا أمحد‪..‬‬
‫شكراً لك يا سيدي‪ ،‬ستجدني إن شاء اهلل خري‬
‫عون لك‪..‬‬
‫وأصبح القريزي أحد أقرب تالمذته إليه ‪:‬‬
‫ب����ارك اهلل ف��ي��ك ي��ا أمح����د‪ ،‬ل��ق��د ساعدتين‬
‫م��س��اع��دة ك��ب�يرة يف مج��ع م���واد ك��ت��اب��ي حياة‬
‫احليوان الكربى‪..‬‬
‫مكتبتك حافلة باملعلومات يا سيدي‪ ،‬أتريدني‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫أن أساعدك يف كتاب تفسري األحالم أيضاً؟‬
‫ال‪..‬ال داع��ي لذلك‪ ،‬إنه كتاب ليس يف أمهية‬
‫كتاب احليوان يا أمحد ‪..‬‬
‫حتى اآلن بلغ جمموع ما كتبته من صفحات‬
‫عن احليوان‪ ،‬أكثر من ألف ورقة‪ ،‬سيكون عمالً‬
‫ضخماً‪ ،‬يضم مجيع أن��واع صنوف احليوانات‬
‫املعروفة ‪ ..‬واملعلومات املتوفرة عنها يف كل‬
‫املراجع والكتب القدمية واحلاضرة ‪..‬‬
‫سأغنيه باحلكايات املعروفة عن احليوان‪ ،‬حتى‬
‫احلكايات السائدة بني العوام ‪..‬‬
‫أن���ت ع���امل ك��ب�ير ي���ا س���ي���دي‪ ،‬حت��ف��ظ الكثري‬
‫م��ن املعلومات وال��ص��ف��ات وامل��ص��ادر اللغزية‬
‫واالستدالالت وحتفظ حتى اآلراء الفقهية فـي‬
‫أكـل احليوان من حيث حتليله وحترميه وإباحة‬
‫قتله أو حتريم قتله ‪..‬‬
‫جيب أن يكون كتابا شامالً يا أمحد‪ ..‬أكتب يا‬
‫أمحد ‪« :‬الثعلب ‪ :‬األنثى ثعلبة واجلمع ثعالب‬
‫ومس��ي الثعلب ب��أب��ي احل��ص�ين واب���ي النجم‬
‫وبأبي الوثاب‪ ،‬واألنثى أم عويل‪ ،‬والذكر ثعلبان‪،‬‬
‫والثعلب سبع جبان مستضعف ذو مكر وخديعة‬
‫ومن حيله يف طلب ال��رزق أن يتماوت وينفخ‬
‫بطنه ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات‪ ،‬فإذا‬
‫قرب منه حيوان وثب عليه وصاده ‪»..‬‬
‫إنك مدهش يا معلمي‪ ،‬كيف تتذكر كل ذلك‬
‫دون أن تستعني مبرجع ‪..‬‬
‫من يتابع العلم‪ ،‬تصبح ذاكرته قوية يا بين‪ ،‬وهو‬
‫ال ينسى ما دخل رأسه من معارف‪ ،‬فالدماغ‬
‫من أسرار اخلالق عز وجل‪ ،‬فيه مستودع هائل‬
‫للمعرفة‪ ،‬وختزين األفكار ‪..‬‬
‫صدقت يا سيدي ‪..‬‬
‫امس��ع ي��ا ب�ني‪ ،‬أوص��ي��ك ب��األم��ان��ة يف النقل‪،‬‬
‫وأن��ت تزمع كتابة تاريخ األشخاص والناس‪،‬‬
‫األمانة هي زاد املؤرخ‪ ،‬واملعلومات املضللة قد‬
‫حتكم على األشخاص الذين تقدم عنهم هذه‬
‫املعلومات بأحكام غري عادلة بل وظاملة أحياناً‬
‫‪ ..‬اخرتاع احلوادث الكاذبة عن الناس أن حيمل‬

‫وزرها املؤرخ الذي يرويها‪..‬‬
‫كيف وصلك يا سيدي أن�ني يف سبيل كتابة‬
‫التاريخ يف كتاب جامع ؟‬
‫أنت تسأل كثرياً‪ ،‬تقرأ الكتب اليت تتحدث عن‬
‫العوامل القدمية‪ ،‬واجملتمعات القبلية واملدنية‬
‫والبـادية أنـت مولع بتسجيل احلوادث والكتابة‬
‫عن حيوات األشخاص‪ ،‬لك صفات امل��ؤرخ يا‬
‫أمحد‪..‬‬
‫شكراً لك يا سيدي ‪..‬‬
‫وح��امل��ا أهن���ى ال���دم�ي�ري ك��ت��اب��ه‪ ،‬ودف��ع��ه ليد‬
‫أح��د ال��وراق�ين م��ن أص��دق��ائ��ه‪ ،‬حتى ختاطفه‬
‫الناسخون‪ ،‬وأصبح أهم الكتب املطروحة يف‬
‫سوق الوراقني‪..‬‬
‫ك��ان كتاب ( حياة احل��ي��وان ال��ك�برى ) حيوي‬
‫معلومات أدبية وعلمية وطبية أحياناً‪ ..‬وفيه‬
‫حكايات غريبة وأساطري حمكية ‪..‬‬
‫كان هذا الكتاب أهم الكتب اليت مهدت لعلم‬
‫التاريخ الطبيعي‪ ،‬وجعلت علم األحياء احلديث‪،‬‬
‫يقوم على أسس متينة من البحوث التجريبية‬
‫والوصفية ‪..‬‬
‫تويف الدمريي يف القاهرة عام ‪ ) 808 /‬للهجرة‬
‫املوافق ( ‪ ) 1405‬للميالد عن عمر ناهز ( ‪) 66‬‬
‫سنة هجرية ( ‪ ) 64‬سنة ميالدية ‪..‬‬
‫ودعه الناس مبحبة واحرتام ولقي من اخلياطني‬
‫زمالئه الكثري من االح�ترام والتقدير وقد كان‬
‫مرجعهم يف حل املشاكل وإصالح ذات البني ‪..‬‬
‫وقد ودعه املقريزي أمحد بن علي الذي تتلمذ‬
‫على يديه وكتب عن النحل ومنافع النحل وعن‬
‫احليوان‪ ،‬كما أرخ بتارخيه املشهور للعامل يف‬
‫ذلك احلني ‪..‬‬
‫علم التصنيف احليواني أسسه العرب وأرسوا‬
‫دعائمه ‪ ..‬وكان هلم السبق يف اكتشاف تكافل‬
‫احليوان وتعاون بعض أصنافه ‪..‬‬
‫وساعد العلماء العرب يف فصل هذا العلم عن‬
‫العلوم األخرى ما أدى لتطويره مع بدء النهضة‬
‫احلديثة ‪..‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪107‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ظهور المقدس‬

‫في الشرق األوسط‬
‫ترمجة اهلادي ثابت‬

‫“حتت هذا العنوان نشرت جملة “علوم ومستقبل “ الفرنسية عدد‪731‬‬
‫جانفي ‪ 2008‬ملفاً حول آخر الدراسات اليت قامت بها بعثة فرنسية يف‬
‫كل من سورية وفلسطني وجنوب تركيا‪ .‬نرتجم لقراء العربية مقاالت‬
‫هذا امللف اهلام‪ ،‬والذي يؤكد مدى رسوخ احلضارة اإلنسانية يف هذه الربوع‪،‬‬
‫ويربهن على ّأن منطقة الشرق األوسط هي مهد احلضارات اليت اجتاحت حوض‬
‫البحر املتوسط”‬

‫‪108‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫من القبائل األوىل إىل اآلهلات األوائل‬
‫إنّ الشرق األوسط ميثل مهد حضارتنا‪ .‬فمنذ‬
‫‪ 12000‬سنة كان الناس يبنون أول القرى‪ ،‬ثم‬
‫زرعوا وألول مرة احلبوب ودجنّوا احليوانات‪.‬‬
‫بعد س��ت آالف سنة ش��ي��دوا امل��دن واخرتعوا‬
‫الكتابة‪.‬‬
‫ك��ل ه��ذا م��ع��روف‪ .‬لكننا نكتشف ال��ي��وم بكل‬
‫اندهاش أنّ جذورنا منغرسة يف أعماق أراضي‬
‫املشرق‪ ،‬إىل أزمنة سحيقة من العصر احلجري‬
‫القديم‪ .‬فقد أظهرت حفريات حديثة يف مكان‬
‫ق��رب حلب بسورية يدعى ح��وض ال��ك��وم‪ ،‬أنّ‬
‫أجدادنا استقروا هناك يف زمن يعود إىل مليون‬
‫ومخ��س مئة أل��ف س��ن��ة‪ ،‬وإهن���م ظ��ل��وا مقيمني‬
‫باستمرار‪ .‬إن��ه تواصل سكاني ال يرقى إليه‬
‫الشك‪.‬‬
‫ه��ذا االكتشاف امل��ذه��ل يضاف إىل جمموعة‬
‫أخرى من االكتشافات‪ ،‬حتققت خالل اخلمس‬
‫عشرة سنة األخرية‪ ،‬أثناء حفريات متعددة يف‬
‫كل من سورية واألناضول يف اجلنوب الشرقي‬
‫لرتكيا‪ .‬كانت فرق علماء اآلثار قد قدمت إىل‬
‫ه��ذه املنطقة بعدما أط��رد بعضها من إيران‪،‬‬
‫على إثر اندالع الثورة اإليرانية‪ ،‬ثم من العراق‬
‫على إثر حرب اخلليج ‪ ،1990‬وقد جذهبم أيضاً‬
‫إنشاء السدود الكربى على هنر الفرات يف مشال‬
‫سورية والذي تطلب حفريات كثرية إلنقاذ تلك‬
‫الكنوز م��ن ال��غ��رق يف مياه ال��س��دود‪ .‬يف هذه‬
‫املناطق حيث تعلوا التالل‪ ،‬ميكن التعرف على‬
‫تاريخ جديد لإلنسانية‪ .‬وذلك قبل نشأة مدينة‬
‫أور األسطورية بالعراق يف حوايل ‪ 4100‬سنة‬
‫قبل امليالد‪ ،‬وتلك اليت اكتشفت حديثاً بتل الربق‬
‫بسورية‪.‬‬
‫لتلك األزمنة السحيقة ‪ ،‬العهد احلجري القديم‪،‬‬
‫متكن فريق األثريني السوري الفرنسي بقيادة‬
‫السورية هيبة الساخل والفرنسي إيريك بويدا‬
‫من رفع الرتاب عن طبقات احلضارات املوجودة‬

‫بني طيات أرض أمّ التالل (قرب حلب) وكان‬
‫مهرجان من األوائ��ل‪ :‬أول حجارة مهيأة‪ ،‬يعود‬
‫تارخيها إىل مليون و‪ 500‬ألف سنة‪ ،‬أول قبيلة‬
‫‪ 120‬ألف سنة‪ ،‬أول سالح مبقبض حممّر ‪75‬‬
‫ألف سنة‪.‬‬
‫ويف العهد احلجري احلديث‪ ،‬ظهرت يف موقع‬
‫ج��رف األمح��ر ق��رب حب�يرة األس��د اكتشافات‬
‫هامة‪ ،‬وذل��ك على إث��ر تنقيبات ق��ام هبا عامل‬
‫اآلثار الفرنسي دنيال ستوردور‪ ،‬رئيس األحباث‬
‫باملركز الوطين لألحباث العلمية بفرنسا‪ ،‬أو تلك‬
‫اليت قام هبا مبوقع برتكيا (قرب احلدود الرتكية‬
‫السورية) وقد توصل بدقة متناهية إىل‬
‫تفكيك ف�ترة أساسية‪ :‬تلك ال�تي حتوّل‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪109‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫فيها اإلنسان من صياد قاطف للثمار إىل مزارع‬
‫مرب للحيوانات‪ .‬وكان عامله الداخلي قد أخذ‬
‫يتحول‪.‬‬
‫وكما يؤكد ع��امل اآلث���ار الفرنسي ج��ون بول‬
‫دميول أنه منذ عشرة آالف سنة قبل امليالد‪،‬‬
‫نرى ظهور كميات هامة من العروض‪ ،‬والنحوت‪،‬‬
‫وال��رس��وم اجل��داري��ة‪ ،‬والتماثيل الصغرية‪...‬‬
‫وال�تي سينحدر منها يف عصور التاريخ نشأة‬
‫الفن الغربي‪ .‬كان الناس يف العصر احلجري‬
‫احلديث ينحتون احليوانات (الطوطم) ورمبا‬
‫رموز حتكي أساطري‪ ،‬وحكايات املسارة‪ ،‬ويبنون‬
‫املعابد‪ .‬وشيئاً فشيئاً أخذت تنحت يف الشرق‬
‫األوسط‪ :‬اآلهلة األم والثور‪.‬‬
‫قام باحلديث جمللة علم ومستقبل ألني كينار‬
‫ودومنيك لوجلو‪.‬‬
‫البحث على أثار الرحل األوائل‬
‫ه��ل أن ال��ش��رق األوس���ط مل يكن أب���داً أرضاً‬

‫‪110‬‬

‫للعبور‪ ،‬بل كان أرض�اً أوت منذ عهود ما قبل‬
‫التاريخ سكاناً من الرحل؟ ريبورتاج من سورية‪،‬‬
‫بأم التالل‪ ،‬مقر لثقافات مرتاصّة أظهرهتا أخرياً‬
‫االكتشافات العجيبة‪.‬‬
‫سورية الوسطى‪ ،‬قرية الكوم‪ ،‬بني هنر الفرات‬
‫وواح��ة البلمري‪ ،‬بعيداً عن الطرقات املعبدة‪.‬‬
‫ومل يكن املؤذن قد أيقظ أفراد البعثة العلمية‬
‫ال��س��وري��ة ال��ف��رن��س��ي��ة ل�لآث��ار ع��ن��د اخلامسة‬
‫صباحاً‪ ،‬بل أيقظهم ناقوس أبو إميان الطباخ‬
‫وه���و ي��ل��وح ب��ه يف ال��ف��ض��اء‪ .‬ن���زل الطلبة من‬
‫السطوح حيث ك��ان��وا ينامون على حشية يف‬
‫العراء حبثاً عن بعض من الرطوبة‪ ،‬ثم التحق‬
‫هبم األساتذة لتناول اإلفطار األول‪ .‬شاي أمحر‪،‬‬
‫قهوة مسحوقة‪ ،‬خبز بال مخرية و «املاتللو» وهو‬
‫ما يعادل النوتيال (مضمون بال م��واد معدّلة‬
‫جينياً‪ ،‬وبدون كحول وال شحم اخلنزير)‪ .‬طلع‬
‫النهار متكاسالً‪ ،‬اخلامسة والنصف صباحاً‪،‬‬
‫عندما وضعت سيارة رباعية الدفع أول دفعة‬
‫من احلفارين‪ ،‬ملتحفي ش��اش��ات‪ ،‬ومسلحني‬
‫مبجارف‪ ،‬ومقصاة‪ ،‬ومرافش‪ ،‬وغرابل‪ ،‬وتوجهوا‬
‫إىل موقع أم التالل على بعد مخس عشرة دقيقة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫يف الصحراء‪.‬‬
‫هذا املوقع املفتوح على اهلواء‪ ،‬ميسح ‪ 4000‬مرت‬
‫مكعب‪ ،‬وقع حتديده منذ ‪ 1978‬من قبل عامل‬
‫ما قبل التاريخ جاك كوفان أحد كبار املختصني‬
‫الفرنسيني يف العهد احل��ج��ري احل��دي��ث‪ .‬ثم‬
‫وقع حفره سنة ‪ 1991‬يف جزء صغري ‪400 -‬‬
‫مرت مكعب حالياً ‪ -‬فأظهر أنه كان مأهوالً من‬
‫اإلنسان دون انقطاع تقريباً منذ عهود ما قبل‬
‫التاريخ‪ .‬يوجد يف ح��وض الكوم‪ ،‬وه��و حوض‬
‫ميسح بعض الكيلومرتات املربعة حيث تندرج‬
‫أقدم سهاب املريح‪ ،‬وكذلك املواقع األثرية ملا قبل‬
‫التاريخ للكوم‪ ،‬وقدير‪ ،‬وندويه‪ ،‬واهلمال‪.‬‬
‫ولكنه حي��ت��وي على طبقات جيولوجية غري‬
‫عادية‪ ،‬متواصلة ومدهشة‪« ،‬أم التالل متثل‬
‫أمج��ل منجم للمعلومات معروف ح��ول سكان‬
‫ه��ذه املنطقة م��ن ال��ش��رق األوس����ط»‪ ،‬حسب‬
‫املسؤولني عن احلفر‪ ،‬الفرنسي إيريك بويدا‬
‫(جامعة باريس ‪ )10‬والسوريان هيبة الساخل‬
‫(حمافظة مبتحف دمشق) وسلطان حميسن‬
‫(أستاذ جبامعة دمشق)‪« .‬إننا بصدد العودة‬
‫بالزمن منذ الوجود الروماني – الذين بنوا قلعة‬

‫منذ ألفي عام فحسب – حتى الوصول إىل أول‬
‫السكان منذ ما يقارب مليون ومئيت سنة‪»! ‬‬
‫من هم هؤالء السكان من عهود ما قبل التاريخ؟‬
‫من أين أتوا؟ ملعرفة هذا‪ ،‬ال ميكن اللجوء إىل‬
‫البقايا البشرية‪.‬‬
‫إذ مل يعثر يف طبقات أرض أم التالل سوى على‬
‫قطع جلماجم بشرية يعود تارخيها إىل ‪70000‬‬
‫سنة فقط وما زال العلماء يف اختالف لتحديد‬
‫إن كانت تنتمي إىل اإلنسان العاقل أم إنسان‬
‫نيوندرتال‪.‬‬
‫ويذ ّكر إيريك بويدا‪« :‬املواقع األثرية يف اهلواء‬
‫الطلق مثل أم التالل قليالً ما حتتفظ مبدافن‪،‬‬
‫خالفاً للمناطق الساحلية لفلسطني‪ ،‬أما مناطق‬
‫األح���راش مثل ال�تي توجد بسورية الوسطى‪،‬‬
‫فقد أظهرت شحاً يف وجود البقايا البشرية‪.‬‬
‫وحتى املخابئ حتت الصخور والكهوف مبنطقة‬
‫البلمري‪ ،‬وهي أكثر محاية‪ ،‬مل تعط احلفريات‬
‫الشيء الكثري‪ ».‬وكان موقع الندوية االستثناء‪،‬‬
‫على بعد بعض الكيلومرتات من هنا‪ ،‬وقع حفره‬
‫من قبل علماء خمتصني يف عهود ما قبل‬
‫التاريخ من جامعة بال بسويسرا‪ ،‬وقد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪111‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أعطى يف سنة ‪ 1996‬بعض البقايا جلمجمة‬
‫بشرية تعود إىل اإلن��س��ان القائم‪ ،‬وق��د حدد‬
‫تارخيها ب ‪ 500‬ألف سنة تقريباً‪ ،‬وهي تشبه‬
‫حب �دّة‪ ،‬حسب تعبري مكتشفها جان م��اري لو‬
‫ت��ان��س��رار‪ ،‬لإلنسان ال��ذي ك��ان جي��وب مناطق‬
‫الشرق األقصى يف نفس تلك الفرتة‪ .‬ويذ ّكر‬
‫إيريك بويدا ‪ :‬ال يهم وجود بقاياهم‪ ،‬فهم قد‬
‫خلفوا آثارهم‪ .‬وهي مئات اآلالف من األدوات‬
‫قد حنتت عرب العامل وعليها نعتمد يف دراساتنا‬
‫حنن علماء العهد احلجري القديم‪.‬‬
‫يف أم التالل‪ ،‬اليت توجد بني إفريقيا‪ ،‬وأوروبا‪،‬‬
‫وآسيا‪ ،‬هذه األدوات تُظهر أنّ طرق الصحراء‬
‫كانت مأهولة منذ زمن أبعد مما كنا نتصور‬

‫‪112‬‬

‫يف دراستنا لتاريخ اإلنسانية‪ .‬يف سنوات ‪،1960‬‬
‫كانت الرؤية مغايرة متاماً‪ :‬كانت االكتشافات‬
‫عرب ساحل املتوسط – وكذلك يف املمر الطبيعي‬
‫ال��ذي تكونه سهول البحر امليت‪ ،‬وهنر األردن‬
‫والبقاع – كانت تدفع للقول إنّ اإلنسان األول‬
‫القادم من إفريقيا قد مرّ من هنا مر الكرام‪.‬‬
‫جاء عرب هنر النيل‪ ،‬وصل إىل دجلة والفرات‬
‫وانتقل ليغزو العامل‪ .‬بينما أم التالل تكشف‬
‫ق��ص��ة م��غ��اي��رة مت��ام��اً‪ :‬ل��ق��د سيطر اإلنسان‬
‫األول بسرعة على األح��راش الوسطى للشرق‬
‫األوس��ط‪ ،‬بل ط��ور هناك‪ ,‬ويف بعض األحيان‬
‫على امتداد مئات آالف السنني‪ ،‬ثقافات فريدة‬
‫ودائمة التدفق‪.‬‬
‫هل ميكن أن تكون أم التالل ختفي أحد أقدم‬
‫األدوات ب��ال��ش��رق األوس����ط؟ يف بئر قدمية‪،‬‬
‫اكتشفت حصاة ملساء مهيأة‪ ،‬يعود تارخيها رمبا‬
‫ملليون ومخس مئة سنة‪ ،‬وهي تذ ّكر بالصناعات‬
‫األكثر قدماً يف العامل‪ .‬تلك اليت وجدت بإفريقيا‬
‫الشرقية‪ ،‬مهد البشرية‪ ،‬حيث توجد أقدم آثار‬
‫للبشريات‪ .‬لكن علماء حقبة ما قبل التاريخ ما‬
‫زالوا يكتشفون يف أماكن أخرى‪ :‬يف آسيا (لنجب‬
‫بالصني)‪ ،‬بأوروبا (دامانيسي جبورجيا)‪ ،‬وهي‬
‫مواقع تؤكد على أنّ اإلنسان ك��ان قد انتشر‬
‫يف العامل القديم منذ مليوني سنة‪ .‬املشكل‪:‬‬
‫أي طرق اختذ هذا اإلنسان القديم (اإلنسان‬
‫الصانع‪ ،‬اإلنسان الفاعل‪ ،‬اإلنسان القائم‪)...‬‬
‫ليمر؟ تنقالته ذهاباً وإياباً حول املعمورة ما‬
‫زالت غري معروفة بد ّقة‪ .‬ويشرح إيريك بويدا‪:‬‬
‫«حسب اعتقادي‪ ،‬لقد قدم األناس األوائل الذين‬
‫متركزوا بالشرق األوسط من آسيا»‪ ،‬وللتأكيد‬
‫على ذلك‪ ،‬ال بدّ من التنقيب العميق‪.‬‬
‫وتشرح هيبا الساخل‪« :‬كانت النحوت األوىل‬
‫عبارة عن مفاتيح تسمح للدخول إىل العامل‬
‫الذهين هلؤالء املستعمرين األوائ��ل داخل مناخ‬
‫ش��ب��ه ج���اف‪ .‬وه���ي ت��وض��ح ت��ص��رف��ات تقنية‪،‬‬
‫وإقليمية‪ ،‬بل حتى رمزية» على هذا املستوى‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫تكون أم التالل مثالية‪ .‬ويقول إيريك بويدا وهو‬
‫ينزل إىل اخلندق حيث علماء اإلحاثة من فريقه‬
‫حي��ف��رون إىل عمق سبعة أم��ت��ار‪« :‬إهن��ا مغارة‬
‫ك�برى» وبإصبعه يشري إىل عشرات الطبقات‬
‫اجليولوجية امل�تراص��ة يف بعض األم��اك��ن‪ ،‬كل‬
‫عشر سنتمرتات‪ ،‬مثل طبقات كعكة «ميل فوي»‬
‫ثم يسرد‪« :‬لقد غطيت اآلثار سريعاً بالغرين‪ ،‬أو‬
‫أهنا أشبعت مبياه العيون‪ ،‬وهو ما محى عدداً‬
‫كبرياً من آثار النشاط البشري – عظام‪ ،‬صوان‪،‬‬
‫كلسي‪ ،‬خشب‪ ،‬حبوب‪ ،‬جنيليات‪ ،‬زفت‪ ،‬وقليل‬
‫من آثار التنظيم املكاني‪»! ‬‬
‫أن��اس ما قبل التاريخ‪ ،‬وخ�لال ‪ 120000‬سنة‬
‫األخرية استعملوا بالتداول أم التالل على أهنا‬
‫موقع للصيد‪ ،‬وموقع للجزارة وللسكن‪ .‬وهو‬

‫حتليل كريستوف جرجيو‪ ،‬من جامعة جرونوبل‬
‫بفرنسا‪ ،‬الذي يدرس منذ ‪.1992‬‬
‫ويوضح ‪ :‬ورغم انعدام آثار بشرية فإنّ املوقع‬
‫غ�ن�ي ب��ع��ش��رات اآلالف م���ن ب��ق��اي��ا اجلمال‪،‬‬
‫واحلمري‪ ،‬وفرآت التبت (محار جال يعيش بآسيا‬
‫وخاصة على مرتفعات التيبت)‪ .‬وكذلك غزال‬
‫النمسا‪ ،‬وأرخص‪ ،‬وكركدن‪ ! ‬داخل خمربه‪ ،‬الذي‬
‫يدعوه «غار الساحر» حيدد‪ ،‬ويقيس وحيسب‬
‫كل عظم حليوان وجده داخل الطبقات األثرية‪.‬‬
‫كلها ع�لام��ات مثينة‪« :‬م��وق��ع صيد ي�ترك لنا‬
‫فقرات الظهر‪ ،‬والضلوع‪ ،‬ومجاجم‪ ،‬وأطراف‬
‫األعضاء‪ ،‬ألن البشر قد قاموا بقصّ فرائسهم‬
‫على عني املكان ثم محلوا القطع األكثر‬
‫حلماً‪ ،‬واألف��خ��اذ‪ ،‬بينما موقع للجزارة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪113‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫يظهر العكس‪ .‬كما أنّ موقع السكن – حيث يقع‬
‫جتفيف اللحم مثال – له ميزاته»‪.‬‬
‫ومما يدعو للتعجب‪ ،‬هذا اإلثبات‪ :‬أنّ املوقع‬
‫سواء أكان جافاً أم رطباً‪ ،‬فإنّ إنسان ما قبل‬
‫التاريخ قد تعلم‪ ،‬مع التغريات املناخية‪ ،‬أن يهيئه‬
‫حسب متطلبات الراهن‪ .‬وقد توصلوا باكراً إىل‬
‫استقالل كبري عن احمليط‪ ،‬وقدرة كبرية للتأقلم‬
‫من خالل الثقافة‪.‬‬
‫وحسب أيريك بويدا فإنه خالل مئات اآلالف‬
‫من السنني‪ ،‬لعب موقع أم التالل‪ ،‬ومثيله حوض‬
‫الكوم‪ ،‬دور واح��ة امل�لاذ‪ .‬ففي ف�ترات الرطوبة‬
‫استقر الناس على ضفاف البحرية‪ .‬ويف فرتات‬
‫اجلفاف كانوا ي��رت��وون من املنابع االرتوازية‬
‫الدائمة التدفق‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫وخ�لال ‪ 120000‬السنة األخ�يرة كانت فرتات‬
‫احل��رارة وال�برودة تتعاقب بسرعة‪ .‬نرى داخل‬
‫طبقات الرواسب ‪ 70‬انقطاعاً مناخياً‪ ...‬ولكل‬
‫واحد من هذه التحوالت‪ ،‬تظهر ثقافات تقنية‬
‫جديدة ميكن تأرخيها بتواجد حراري بشري‪.‬‬
‫ويضيف «بالنسبة يل إهنا قبائل جديدة حتل‪».‬‬
‫كلمة قبيلة ليست بسيطة‪ :‬فالباحثون يف ما‬
‫قبل التاريخ يرون هؤالء الناس يقيمون باملوقع‬
‫على عدة أجيال ولكن بطريقة متقطعة‪ .‬وحيكي‬
‫إيريك بويدا‪« :‬كيفما كان املناخ‪ ،‬فإهنم ال يبقون‬
‫مشدودين إىل منبع املاء‪ .‬إهنا نفس اجملموعة‬
‫تغدو وت���روح‪ ،‬دون أن نفهم سبب رحيلها يف‬
‫حلظة معينة»‪.‬‬
‫وعندما تكون األرض غري عامرة‪ ،‬نالحظ طبقة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫عقيمة واضحة‪ .‬ويضيف الباحث‪« :‬إهنا أحد‬
‫امل��رات القالئل يف العامل اليت نعثر فيها على‬
‫تسجيل الحتالل بشري هبذه الدقة‪ .‬ال ميكننا‬
‫أن حندد فرتة الزمن اليت تفصل بني كل إقامة‬
‫لكن ميكننا أن نقدّر كم من زمن دامت اإلقامة‪.‬‬
‫فمثالً بعض الفرتات مل تتعد السنتني‪ .‬فأثارهم‬
‫غطيت بسرعة‪ .‬وعظام احليوانات اليت أكلوها‬
‫أو اصطادوها‪ ،‬مل تتغري‪ ،‬مل جتد احليوانات‬
‫اجلارحة الفرصة لتنظيف عظامها‪ »...‬رمبا‬
‫نكون أمام أول التجمعات للرحل يف املنطقة‪،‬‬
‫وال�تي تعود باستمرار لنفس األم��اك��ن‪ .‬آالف‬
‫السنني بعدها‪ ،‬يواصل أحفادهم التمتع بنفس‬
‫املنابع‪ ،‬وهي كثرية خالل سنوات ‪ ،1920‬وذلك‬
‫حسب الصور اجلوية اليت التقطت آنذاك‪.‬‬
‫يف ورشة احلفر‪ ،‬كانت الظروف قاسية‪ ،‬كل شيء‬
‫يتوقف عند الساعة ‪ 12‬ونصف‪ ،‬قبل أن تصل‬
‫درجة احلرارة ‪ 50‬درجة‪ .‬يف النقطة األكثر علوا‬
‫يف املوقع‪ ،‬حيث تعمل هزار احلمّار من جامعة‬
‫باريس‪ 10‬وفراس جبور‪ ،‬من جامعة حلب‪ ،‬تئز‬
‫ريح صماء‪ .‬كان الشابان كرسا دراستهما على‬
‫ف�ترة تدعى «كباري هندسي» (منذ ‪)16000‬‬
‫تتميز بوفرة الصخور الربكانية‪ ،‬وهي عبارة عن‬
‫شفرات صغرية من احلجارة‪ ،‬يصعب التفطن‬
‫إليها وإخراجها من أرض حمبحبة وجبسية‪.‬‬
‫هل هذه الشفرات هي أدوات؟ يف الظاهر إهنا‬
‫ليست عدائية‪ .‬فتصحح ه���ازار‪« :‬إهن��ا تقطع‬
‫مثل موس احلالقة‪ .‬وميكننا قبض عدد منها‬
‫يف قطعة من اخلشب» وعلى كنشها الصغري‪،‬‬
‫صورت سالحاً مسنناً‪ ،‬به عدّة شفرات صغرية‬
‫مركزة أو مائلة قليالً على قاعدهتا‪ ،‬شيء من‬
‫سكني اخلبز واملنشار القديم وهو قادر حسب‬
‫طوله أن يقص القصب‪ ،‬وميزق حلم اجلمل‪...‬‬
‫ويف الرسم الثاني‪ ،‬توجد شفرات مثلثة مغروسة‬
‫يف مقبض خشيب باجتاه الطول‪ .‬يف هذه املرة‬
‫فهي مكشط للجلد أو مفرمة للعشب‪،‬‬
‫تضيف هزار‪.‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪115‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ويشرح كريستوف جرجيو‪« :‬لقد وجدنا أول‬
‫سالح يف العامل‪ ،‬حيمل مقبض قار وذلك بفضل‬
‫الزفت‪ ،‬الذي يرفع قوة الرمي‪ ،‬وأيضاً سهولة‬
‫احلركة» هذا األخصائي يتمرن باستمرار على‬
‫رم��ي رم��ح صغري ذي داف��ع الختبار نظريته‪.‬‬
‫ويوجد الزفت يف منطقة جبلية بالبشريي على‬
‫بعد ‪ 25‬كيلومرتاً إىل الشمال الغربي‪.‬‬
‫خ ّفت احلرارة بعد الساعة اخلامسة مساء‪ ،‬أخذ‬
‫إيريك بويدا يصعد جمرى واد قديم‪ .‬ويعود إىل‬
‫مصادر الصوان‪ ،‬على بعد بعض الكيلومرتات من‬
‫موقع أم التالل‪ ،‬حيث خيتار أناس ما قبل التاريخ‬
‫مادهتم األوىل‪ .‬ويتخيل أيريك بويدا بصوت عال‬
‫وهو يتنقل خبياله إىل ما قبل عشرات اآلالف‬
‫من السنني‪ ،‬يف أدمغة أولئك الناس الذين كانوا‬
‫أول من استوطن الشرق األوس��ط ‪« :‬أنظروا‬
‫كيف كانوا فطنني‪ ،‬كانوا يقولون مثالً‪ :‬حنن يف‬
‫حاجة إىل قتل مجل‪ ،‬لقص حلمه‪ ،‬ودبغ جلده‪.‬‬
‫ثم حنن يف حاجة إىل بعض السالل من السل‪.‬‬
‫إذن علينا أن نصنع عشر الشظايا‪ ،‬وبعض‬
‫الشفرات‪ ،‬واألمواس وكثري من السنن‪ .‬علينا أن‬
‫ننحت على عني املكان حتى ال نضطر إىل محل‬
‫شظايا كبرية‪ .‬فلننجزها هنا يف جمرى النهر‬
‫اجلاف حتى ال نضطر لنقل كتل كبرية للمخيم‬
‫ألن األدوات تف ّل‪ ،‬لذلك ال بدّ أن تكون جاهزة‬
‫من قبل‪ ،‬إخل‪»...‬‬
‫راشال مولو مبعوثة خاصة جمللة علوم‬
‫ومستقبل إىل سورية‪.‬‬

‫فاخلشب أو العظم يصعب احملافظة عليهما‬
‫ول��ذل��ك ليس غريباً أن ال جي��د علماء اآلثار‬
‫أسلحة كاملة وال أدوات باملقابض‪ .‬وحتى يصلوا‬
‫الثورة اجلديدة للعصر احلجري‬
‫إىل تشكيلها من جديد أو التعرف على وظائفها‬
‫احلديث‬
‫يلتجئون إىل علم اآلثار التجرييب‪ ،‬والبحث عن‬
‫بقايا استعماالت ونقائش مبساعدة اجملهر‪.‬‬
‫لقد توصل العلماء إىل اليقني من أنّ الزفت قد لقد تلقت أوروب���ا العصر احل��ج��ري احلديث‬
‫استعمل منذ ‪ 75000‬سنة بأم التالل‪ .‬أي قبل كهدية قادمة من الشرق األوسط‪ ،‬منذ ‪8000‬‬
‫‪ 60000‬سنة من تقديرات علماء ما قبل التاريخ‪ .‬سنة تقريباً‪ ،‬هدية حممّلة بقراها‪ ،‬وقمحها‪،‬‬

‫‪116‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ومعزها‪ ،‬وخزفها‪ ،‬ورموزها‪ .‬إهنا لثورة شاملة‬
‫بالنسبة ألح��ف��اد الصيادين القطاف سكان‬
‫كهوف السكوا(جبنوب فرنسا) لكنها خادعة‬
‫بالنسبة لعلماء ما قبل التاريخ األوروبيني‪! ‬‬
‫ألهنم يعاجلون ذلك التحول من خالل النموذج‬
‫األوروبي‪ ،‬وواصلوا السري على منهجه حتى‬
‫سنوات ‪ ،1950‬وه��ي نظرة تقريبية‪ ،‬فكانوا‬
‫يقولون‪ :‬ال يوجد عصر حجري حديث دون‬
‫خزف‪ ،‬وال قرى دون زراعة‪.‬‬
‫بينما يف الشرق األوسط كان التاريخ خمالفاً‪.‬‬
‫فمنذ سنة ‪ 1951‬اكتشفت كاتلني كينيون‪ ،‬املرأة‬
‫العظيمة املختصة يف علم اآلث��ار الربيطاني‪،‬‬
‫بأرحيا بالضفة الغربية بيوتاً‪ ،‬ثم آثار الزراعة‬
‫يعود بناؤها إىل ‪ 9000‬سنة قبل امليالد‪ ،‬ولكن‬
‫دون وجود خزف‪ .‬بعد ذلك بقليل‪ ،‬أظهر عامل‬
‫اآلث���ار الفرنسي ج��ون ب�يرو للعيان باملالحة‬
‫بفلسطني احملتلة‪ ،‬كفر‪ ،‬بين ابتداء من األلفية‬
‫‪ 12‬لكن ال أثر للزراعة‪ .‬وأخرياً يف سنوات ‪1970‬‬
‫جعل جاك كوفان من منطقة املريبط بسورية‬
‫املوقع املرجع الذي يسمح بتحديد مراحل العصر‬
‫احلجري احلديث‪ .‬كان بطيئاً‪ ،‬وكثري التطور‪،‬‬
‫وميتدّ بني ‪ 12000‬و‪ 5500‬سنة قبل املسيح‪.‬‬
‫أكثر من سبعة آالف سنة‪ ! ‬وبفضل احلفريات‬
‫اليت أجنزت خالل اخلمس عشرة سنة األخرية‪،‬‬
‫توصل علماء اآلث��ار إىل ضبط‪ ،‬بدقة تقارب‬
‫بعض املئات من السنوات‪ ،‬كيف سيطر اإلنسان‬
‫يف الشرق األوسط على الطبيعة‪.‬‬
‫امل��درس��ة الفرنسية ه��ي ال��وح��ي��دة احلاضرة‬
‫باملنطقة‪ ،‬وخاصة بشمال سورية‪ .‬ومن سنة‬
‫‪ 1995‬إىل ‪ 1999‬ق���ادت دان��ي��ال س��ت��ور (من‬
‫امل��رك��ز ال��وط�ني ل�لأحب��اث العلمية وح��دة آثار‬
‫الشرق) حفريات جرف األمحر – موقع جرفته‬
‫مياه ال��ف��رات اليوم – وال��ذي حت��ول إىل خمرب‬
‫حقيقي‪ ..‬وقد وضع عامل آث��ار النبات جورج‬
‫ويلكوكس للعيان زراعة مساها «زراعة ما قبل‬
‫التدجني» ألنّ االناس كانوا يعاجلون النبتات‬

‫بينما هي ما زالت حتافظ على شكلها البدائي‪.‬‬
‫وتشرح دانيال ستور‪ ،‬إذ تقول‪ « :‬عثر ويلكوكس‬
‫على هذه األعمال األولية عندما الحظ تكاثر‬
‫النباتات الطفيلية‪ ،‬وهو دليل على أنّ األرض‬
‫قد استخدمت للزراعة»‪ .‬وبعد أن درس عدة‬
‫مئات من السنابل اليت تعود إىل ما قبل التاريخ‪،‬‬
‫أظهر كذلك أ ّن��ه ال بدّ من عدة آالف السنني‬
‫حتى يصل اإلنسان إىل انتقاء نبتة القمح‪ .‬بينما‬
‫دان��ي��ال هلمار ق��د توصل إىل وص��ف مراحل‬
‫تدجني احليوانات بالتفصيل‪« :‬كانت البداية مع‬
‫املاعز واخلرفان‪ ،‬ثم األبقار واخلنازير‪».‬‬
‫ظ ّل سؤاالً مطروحاً‪ ...‬ملاذا قامت هذه الثورة؟‬
‫– اليت وقعت أيضاً ويف أزمان أخرى بالصني‬
‫وبغينيا اجلديدة – هل هي تقدم ال مناص منه‬
‫للتطور اإلنساني؟ هل هي نتيجة ألزمة مناخية‬
‫أو دميغرافية؟ أم ضرورة من ضروريات أزمة‬
‫اقتصادية؟ أو أهنا نتيجة ل»ثورة رمزية»‪ ،‬وحده‬
‫حتليل جاك كوفني ال��ذي يرى أنه يف سنوات‬
‫‪ 9500‬قبل امليالد ظهرت «صورتان رمزيتان‬
‫مهيمنتان‪ ،‬امل���رأة وال��ث��ور‪ ،‬وال��ل��ت��ان ستظالن‬
‫يف ال��ص��دارة طيلة العصر احلجري احلديث‬
‫والعصر احلديدي الشرقي‪.‬‬
‫كيفما كانت احلالة‪ ،‬فقد أدت إىل مصري خارق‬
‫يف ب�لاد ب�ين ال��راف��دي��ن الوسطى ويف مصر‪.‬‬
‫وتنحصر األوىل بني البحر والصحراء بينما‬
‫الثانية يف واحة ضيقة على طول النيل‪ ،‬وقد‬
‫ان��دف��ع س��ك��ان ه��ذه املناطق يف تلك العصور‬
‫ال��غ��اب��رة‪ ،‬وذل��ك حسب ق��ول ع��امل اآلث���ار جان‬
‫ب��ول دمي��ول‪« ،‬يف ه��روب إىل األم��ام دميغرايف‬
‫وسياسي يف اآلن نفسه»‪ .‬فبنوا املدن‪ ،‬واخرتعوا‬
‫الدولة والكتابة‪ .‬وحوايل ‪ 3500‬سنة قبل املسيح‬
‫قفز طرفا اهلالل اخلصيب من قبل التاريخ إىل‬
‫التاريخ»‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ألني كينار ودومنيك لوجلو‪ .‬جملة علم‬
‫ومستقبل جانفي ‪2008‬‬

‫‪117‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫أســرار كونيــة‬
‫الطبيعة ليست حمقاء‪،‬‬
‫وال تصنع شيئ ًا دون سبب قوي ‪،‬‬
‫د ‪ .‬خملص عبد احلليم الريس‬

‫تشري األحباث والدراسات على أنه قبل حوالي عشرين بيليون سنة كان‬
‫هناك شيء‪ ،‬ومع ذلك مل يكن بالشيء ‪ ،‬إمنا هو عامل فوق مادي ‪ ..‬هو‬
‫أمواج متطابقة فائقة التذبذب والطاقة وعندما سرى فى ذلك العامل أمر‬
‫النشأة والتكوين‪ ،‬انتشرت موجة اضطرب اهتزازية يف نقطة من ذلك العامل حتطم‬
‫التناظر فيها واخنفضت أبعادها اليت كانت النهائية ومل تعد تلك النقطة شفاف ًة وال‬
‫مستمرة‪ ،‬بل حتللت إىل مكوناتها األساسية من أمواج فائقة مل يلبث أن ساد فيها‬
‫تقطع وتكميم وانشطار موجي تناظري‪ ،‬واختذت نواتج هذا االنشطار والتقطع أشكال‬
‫أوتار حلقية مكممة سريعة االهتزاز هلا أبعاد حمددة دعاها العامل اينشتايـن الربينات‪،‬‬
‫هذا التكمم أكسبها نوعاً من الصفات املادية وعتمتها ‪ ..‬مل تلبث تلك الربينـات حبلتها‬
‫مسي بالكواركات األولية الشبه املادية‬
‫املوجية اجلديدة أن صارت تتحد معاً لتكوِّن ما ِّ‬
‫وكانـت على شكلني متناظرين من الناحية املوجية‪ ،‬لكل شكل موجي نظري خيالفه‬
‫ويعاكسه بشكل تكاملي (ذكر وأنثى) وكأن كالً منهما خيال مرأتي لآلخر ‪ .‬ونتج نوعان‬
‫من الكواركات املادة وضد املادة ‪ ..‬من تلك التكوينات ظهرت مادة الكـون ‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫بدأت أوىل احلركات بالظهور يف الكواركات‬
‫وكذلك قوى األفعال املتبادلة فيما بينها‬
‫وردودهـا مثل الصدم والتصادم واالرتطام‪،‬‬
‫صاحب ذلك األمر تزايد الصفات املادية‬
‫للكواركات بسبب ما كانت تعانيه تلك الرتكيبات‬
‫من هرس وضغط وسحق‪ ،‬حددت ألية هذه‬
‫ُّ‬
‫تنضد األمواج بداخل‬
‫امليكانيكيات طريقة‬
‫الكواركات وحددت طبيعتها اجلاذبية الثقالية‪،‬‬
‫أما طبيعتها الكهربائية فحددها مدى طول أو‬
‫قصر األمواج املُكونـة جلسم الكوارك‪ ،‬هذا بدوره‬
‫أيضاً حدد مهام الكواركات وسلوكهـا التفاعلي‬
‫املستقبلي‪ ،‬تلك هي اإلرهاصات األوىل للدنا‬
‫املادى واجلد القديم للذرات‪.‬‬
‫استطاعت الكواركات شبه املادية مبا لديها من‬
‫طاقه وما اقرتضته من العدم أن تفتح أنفاقاً‬
‫وأقنية كونية وتسللت عربها خلارج العدم فى‬
‫عملية هروب مجاعية‪ ،‬ومت هلا ذلك األمر خالل‬
‫حملات زمنية قليلة وبسرعات هائله رمبا فاقت‬
‫سرعة الضوء باليني املرات حينها‪ ،‬صاحب ذلك‬
‫اخنفاض فى عدد أبعادها وزيادة فى ماديتها‬
‫فصارت أكثر حبيبية ومادية‪ .‬وجتلت طاقتها‬
‫بشكل حركة دورانية ودردورية مل يعهدها العدم‬
‫من قبل‪ .‬فكانت تلك احلركة هي ثاني مظاهر‬
‫التموّد يف الكواركات‪.‬‬
‫بعد أن حتقق للكواركات شبه املادية هروباً‬
‫مجاعياً خلارج العدم‪ ،‬شكلت ما يشبه السحابة‬
‫اليت مل يلبث أن امتصها العدم وجذهبا لداخله‬
‫ومتت تلك العملية بسرعات أكرب مما كانت عليه‬
‫يف حالة اخلروج‪ ،‬سبب هلا هذا اجلذب سحقاً‬
‫ضوئياً فائقاً أدى لتكاثفها يف نقطة (بيضة)‬
‫شبه عدمية كثافتها الهنائية ال زمن فيها وال‬
‫أبعاد‪ ،‬مل تدم هذه احلاله أكثر من حملة زمنية‬
‫مدهتا (‪ 43-10‬جزء من الثانية الزمنية الواحدة)‬
‫دعاها العامل ستيفن هاوكنـغ باللمحة الزمنية‬
‫أو بالزمن االفرتاضي التخيلي ( ‪VIRTUAL‬‬
‫‪ ) TIME‬الذي سبق حلظة نشوء الكون ‪..‬‬

‫رمبا صدف أن اخرتق كوارك سريع تلك البيضة‬
‫فلقحها وقصم ترابطها وحطم متاسكها ونشّط‬
‫طاقات حمتوياهتا وأثار فيها محى التفاعالت‬
‫املتبادلة وردودها‪ ،‬فغدت البيضة ملقحة مفعمـة‬
‫باحلركة والنشاط ينمو يف حناياهااملظلمة‬
‫جنني‪ .‬عندها حدث االنفجار األعظم وانبثقـت‬
‫كواركات مادية شكلـت مادة الكون كله بلغ عدد‬
‫أنواعها ومضاداهتا املكتشفه لغاية اآلن ستة‬
‫كواركات‪ ،‬كتلها من رتبة (‪ 6‬الكرتون فولط)‬
‫وشحناهتا الذاتية هي أجزاء من شحنات موجبة‬
‫أو سالبة مقاديرها ترتاوح ما بني (‪ ) 3\ e-‬و (‪+‬‬
‫‪ .) 3\e2‬حيث ( ‪ ) - e‬شحنة الإللكرتون‪ ،‬من‬
‫تلك الدقائق األولية تشكلت اجلسيمات‬
‫ما دون الذرية من الكرتونات ونيرتونات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪119‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وبروتونات وذرات اهليدروجني‪ ..‬وتواىل تتابع‬
‫األحداث من األبسط إىل األعقد بتفاعالت‬
‫غري عكوسـة متت باجتاه واحد ال رجعة فيه‬
‫وفق مبدأ موجَّه من األعقد إىل األعقد فولدت‬
‫سدماً غازيـة تشكل منها جمرات وجنوم وكواكب‬
‫بدل أن تتحلل وتتفكك‪.‬‬

‫يف فضاء العدم احمليط هبـا‪ ،‬بل بقيت مرتبطة‬
‫جبسم الكوارك املادي املضاد‪ .‬يعتقد أن سبب‬
‫اجلاذبية الثقالية هو حماولة األمواج الفائقة‬
‫النصفية املادية الإللتحام بنظريهتا األمواج‬
‫الفائقه النصفية ضد املادة واإلمساك هبـا‬
‫لتلتحما و تندجما معاً لتعودا حلالة سكوهنما‬
‫العدمي األول‪ ،‬كما يبحث العصب احليّ املقطوع‬
‫يف عضوية حية عن تتمته لاللتحام هبا أثناء‬
‫مرحلة التآم اجلرح‪ ،‬من هنا ظهرت قوى‬
‫اجلاذبية الثقالية فاعلة نشطة يف الكون املادي‬
‫كنتيجة طبيعية مليل األمواج الفائقه النصفية‬
‫للتكامل مـع نظريهتا لدى الكوارك شبه املادة‬
‫النظري الضد‪.‬‬

‫سر قوة الثقالة ‪:‬‬
‫إذا عدنا إىل مرحلة تشكل الكواركات شبه‬
‫املادية واليت عانت أنواعاً من التفاعالت‬
‫املتبادلة كالصدم واالرتطام اللذين سببا‬
‫انزياحات ضغطية ألمواجها الفائقه النصفية‬
‫واليت أكسبتهـا زيادة يف صفاهتا املادية‪ ،‬كما‬
‫أن عملية السحق الضوئية أعطتها أخري األمر‬
‫الصفه املادية الكاملة فيمــا بعد‪ ،‬إال أن ذلك سر الكهرباء ‪:‬‬
‫مل يسبب انقطاع امتدادات أمواجها الفائقه إن سبب ظاهرة اجلاذبية الثقالية هو حماولة‬

‫‪120‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫االمتدادات املوجية الفائقه وضدها يف‬
‫الكواركات بنوعيها اإللتقاء وااللتحام لتحقق‬
‫التوازن واالستقرار يف أدنى أو أقل طاقة‬
‫ممكنة بطريقة اإلشباع واإلكتفاء املوجي‪ ،‬وحنن‬
‫نالحظ مثل هذا األمر يف االحتادات الكيميائيـة‬
‫حيث تسعى العناصر املتفاعلة لتشكيل مركبات‬
‫مستقرة يف أخفض طاقة ممكنة هلا‪ .‬لكن فى‬
‫حالة الكهرباء فاألمر خمتلف قليالً‪ ،‬فالذي‬
‫حيدث هو أن الكواركات شبه املادية ونتيجة‬
‫حدوث تصادمات وارتطامات غري رأسية فيما‬
‫بينها‪ ،‬وهي اصطدامات متت بشكل جانيب‬
‫وبزوايا مائله للكواركات‪ ،‬مـا أدى حلدوث‬
‫انزياحات انزالقية لألمواج الفائقة النصفية‬
‫بداخلها‪ ،‬وهذا أعطى منوذجني‪ ،‬أحدمها له‬
‫بروز أمامي حمدب تنبثق منه امتدادات موجية‪،‬‬
‫واآلخر له فجوة مقعرة إىل الداخل بشكل‬
‫جزء من قبة كروية داخل جسم الكوارك ال‬
‫ينبثق منها أية امتدادات موجية‪ ،‬هكذا تولدت‬
‫كواركـات مشوهه إجيابياً حنو اخلارج (موجبة‬
‫الشحنة)‪ ،‬وأخرى مشوهة سلبياً حنو الداخل‬
‫(سالبـة الشحنة) بل على العكس صار الكوارك‬
‫املشوه سلبياً يقبل دخول أية امتدادات موجية‬
‫إليه عرب الفجوة املوجودة فيه ليتحد هبا ويتكامل‬
‫معها ليعود الكواركان معاً إىل حالة االستقرار‬
‫املادي ويف أقل مستوى طاقي ممكن‪ .‬النتيجة‬
‫‪ :‬إن ظاهرة التجاذب الكهربائي هى ظاهرة‬
‫حيدث فيها تقوية أحد الكواركني باكتسابه‬
‫بعضاً مـن االمتدادات املوجية للكوارك اآلخر‬
‫والتكامل معه‪ ،‬أي هذه الشحنة السالبة حتـاول‬
‫جذب مزيد من األمواج إليها لتبتلعها وتعوض‬
‫مافقدته من أمواج حلظات تشكلها األوىل‪،‬‬
‫بينما الشحنة املوجبة حتاول التخلص من‬
‫الفائض من االمواج لديها‪ ،‬يالحظ أن العملية‬
‫تكامليـة واحلقول الكهربائية احمليطه بالكوارك‬
‫ماهي إال حيّز تنتشر فيه االمتدادات موجاته‬
‫الفائقه النصفية فى حماولتها اإلمساك بأمواج‬

‫الكوارك الضد منها‪ ،‬كأن هلا أذرع طويلة متتد‬
‫يف الفضاء بعيداً حماولة اإلمسـاك بنظريهتا‬
‫لتتزاوج معها‪.‬‬
‫من هنا نالحظ أن الكهرباء البدائية كانت‬
‫وحيدة القطب‪ ،‬وهذا ما اكتشف وجوده فعالً‬
‫فـي الكون‪ ،‬هكذا يعترب احلقل الكهربائي اجملال‬
‫الذي تبدو فيه آثار شطري األمواج الفائقـة‬
‫النصفية املمتده من الكوارك حبيث إذا دخل‬
‫فيه كوارك آخر تأثر بقوة جذب أو تنافر ‪،...‬‬
‫والسؤال اآلن هو ‪:‬‬
‫هل توجد عالقة بني الكهرباء والعضوية احلية‬
‫وما جيري فيها من تفاعالت ومظاهر حياتية ؟‬
‫واجلواب طبعاً يوجد مثل تلك العالقة‪ ،‬صحيح‬
‫أن الكهرباء ال متثل الروح يف أي شيء‪ ،‬بل هي‬
‫أداة األداة الوحيدة اليت تعمل خالل العضوية‬
‫احلية‪ ،‬فمثالً غذاء الدماغ هو السكر وغـاز‬
‫األوكسجني والكهرباء‪ .‬وكل األحاسيس اليت‬
‫يشعر هبا اإلنسان ويتلذذ هبا أو يتأمل منها هي‬
‫يف الواقع أحاسيس كهربائية تنتقل يف أعصاب‬
‫احلس بشكل سيالة عصبية كهر كيميائية ‪..‬‬
‫فريى اإلنسان أو يسمع أو يتذوق أو يلمس‪.‬‬
‫سر الزمن ‪:‬‬
‫ما هو الزمن ؟ ‪ ...‬ما هي طبيعته ؟ هو سؤال‬
‫حمريّ فعالً ! لرمبا تعثر أو شعر باحلرج مجيع‬
‫العلماء على اختالف ختصصاهتم يف تعريفه‬
‫أو اإلجابة على هذا السؤال‪ .‬اجلواب قد يبدو‬
‫صعباً يف حاالت ومستحيالً يف حاالت أخرى‪،‬‬
‫لكنه بنفس الوقت هو سهل جداً‪ ،‬وسهولته ال‬
‫ميكن ختيلها ‪ !! ..‬فإذا ما رجعنا إىل الفرتة اليت‬
‫سبقت نشوء الكون وإىل العنصر األول املكوّن‬
‫ملادة الكون وهو األمواج الفائقة العدمية‪ ،‬ألن‬
‫تعريف الزمن على املستوى املادي صعب جداً‬
‫بل هو مستحيل‪ ،‬ألنه ال توجد قطعة يف هذا‬
‫الكون امسها الزمن‪ ،‬فالعلم الكوني هو‬
‫علم مادي حبت له مراجعه ومقارناته‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪121‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫وأجهزة قياسه النسبية‪ ،‬أما طبيعة الزمن‬
‫فليس هلا مثل تلك الطبيعة املادية إطالقـاً ألنه‬
‫على الصعيد املادي بكل بساطة ال وجود للزمن‬
‫بذاته إال بوجود املادة ‪ ..‬فهو بُعدٌ قرين لصيق‬
‫هبا يستحيل فصله عنها‪ ،‬أي ال وجود للزمن إال‬
‫بوجود املادة‪ ،‬وبالتايل ليس له مراجع تكشف‬
‫كنهه‪ ،‬وكل ما يوجد وتوصل إليه اإلنسان هو‬
‫أجهزة قياس تسجل نسبية إيقاع الزمن فقط‬
‫تدعى بالساعات‪.‬‬
‫وتعرب عن هذا اإليقاع بوحدات قياسية امسها‬
‫الثانية تلك الساعات هي من اخرتاع اإلنسان‪.‬‬
‫يأتي اجلواب على السؤال كما يلي ‪:‬‬
‫ينص هذا اجلواب بكل بساطة على ‪:‬‬
‫« أن الزمن ما هو إال أمواج فائقة عدمية نصفية‬
‫دقيقة لزجة دبقة تلتصق مبرونة وبدون وزن أو‬
‫ضغط بكواركات املادة وتبقى امتدادات تلك‬
‫األمواج منتشرة يف كل الفضاء العدمي احمليط‬
‫بالكوارك ‪ ..‬تعرب كلمتا اللزوجة والدبق عن‬
‫مدى شراهة األمواج الزمنية الكبرية لاللتصاق‬
‫و االلتحام بدقائق املادة وتغليفها‪ .‬أو رمبا كان‬
‫العكس أي تعبِّر هاتان الكلمتان عن شدة شـره‬
‫املادة الثالثية األبعاد لاللتصاق ببعد رابع‬
‫هو البعد الزمين‪ .‬لذلك توجد عالقة ارتباط‬
‫محيمة امسنتية القوام بني الزمن واملادة‪.‬‬
‫وهذا االرتباط أو االلتحام مت إجنازه يف حلظة‬
‫تشكل الدقائق املادية و انفصاهلا عن العدم‪.‬‬
‫بتحديد أدق مت يف الكواركات الشبه املادية قبل‬
‫أن تتشكل الذرات املادية قطعاً‪ ،‬حبيث قبعت‬
‫أمواج الزمن ال مرئية يف بعد واحد رابع حمدب‬
‫ولصيق باألبعاد الثالثية املكانية للمادة‪ ،‬ومتتد‬
‫أمواجه وتغلف املادة بدءاً من الدقائق ما دون‬
‫الذرية وملدى بعيد حول املادة صانعة ما دعاه‬
‫العامل اينشتاين بالنسيج الزمكاني‪ ،‬كأنه هالة‬
‫ال مرئية تغلف املادة وقد مت التأكد فعالً من‬
‫وجود هذا النسيج خالل ظواهر الكسوف الكلي‬
‫للشمس‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫طبعاً الزمن ليس مطلقاً بل لكل جزء يف الكون‬
‫زمنه اخلاص‪ ،‬حتى أنه يوجد بعض أجزاء من‬
‫الكون ال زمن فيها مثل األنفاق الكونية اليت‬
‫اكتشفت حديثاً‪ ،‬ويوجد دليل آخر وهو الثقوب‬
‫السوداء اليت يكون فيها الزمن خمتلف متاماً عن‬
‫زمن يف أية بقعة أخرى يف الكون‪ ،‬لبعضها زمن‬
‫طويل ولبعضها اآلخر زمن قصري‪ ،‬ويشمل هذا‬
‫األمر كل ما يف الكون والزمن الكونى املادي ما‬
‫هو إال أمواج فائقه نصفية خمتلطة أو ممتزجة‬
‫مع أمواج أخرى فائقه فقدت بعضـاً من أبعادها‬
‫بالتقطع أو باالنفصال أو بالتكميم أو بالتموّد‪،‬‬
‫باملثل ‪ ..‬كما يوجد للمادة زمن‪ ،‬يوجد هناك‬
‫زمن مضاد يلتحم باحلاالت املضاده للمادة‪،‬‬
‫حبيث يكون لكل بعد مكاني ثلث بعد زمين‬
‫حبيث يكون للطول ثلث بعد زمين ومثله للعرض‬
‫والثلث األخري للعمق واجملموع هو بعد زمين‬
‫واحد يشغل ويتخلخل ويغلّف األبعاد املكانية‬
‫الثالثة كلها بلحظة واحدة‪ ،‬وباملثل يوجد نفس‬
‫الشيء بالنسبة لضد املادة‪.‬‬
‫مل خيتلط الزمن بالفراغ كما حدث للمادة‬
‫ودقائقها حلظة االنفجار األعظم‪ ،‬بل بقي‬
‫موجياً فائقاً ممتداً يف كل الوجود العدمي ويف‬
‫بعد واحد منه‪ .‬وبالتايل ال وجود للزمن بذاته‬
‫بدون مـادة كما ال توجد مادة نقية بدون زمن‪،‬‬
‫وال وجود لكليهما بدون وجود حركة‪ ،‬وال يتخلى‬
‫أحدمهـا عن اآلخر إال يف حالة السكون الداخلي‬
‫املطلق للمادة‪ ،‬أي يف حالة عودهتما للعدم مرة‬
‫ثانية ال يظهر للزمن أي سلوك جتاذبي أو‬
‫تنافري مع ذاته أو مع غريه من األزمان‪ .‬ألن‬
‫موجاته هي موجات فائقة انشطرت ملرة واحدة‬
‫فقط ومل تتموّد‪ ،‬أي مل تتقطع ومل تتكمم ومل‬
‫تتحول ملادة‪ ،‬وبالتايل ليس ملوجات الزمن من‬
‫نظري يف املادة نفسها‪ ،‬ألنه وإن كان موجوداً يف‬
‫املادة فهو لصيق هبا أما ضد املادة ففيها زمن‬
‫مضاد‪ ،‬مياثل بذلك األمواج اليت شكلت املادة‬
‫وضد املادة‪ .‬نادراً ما حيدث هلما لقاء يف الكون‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫وإن كان ذلك متوقعاً حتمـاً يف هناية عمر الكون‬
‫فسيكون مصحوباً أيضاً بالتحام الزمن ونظريه‬
‫حتماً آنئذ‪.‬‬
‫رغم امتداد األمواج الزمنية يف الفضاء وارتباطها‬
‫بشدة باملادة املواكبة هلا‪ ،‬إال أن كثافتها تتناقص‬
‫مع االبتعاد عن املادة والفضاء احمللي الذي‬
‫تشغله تلك املادة‪ ،‬حبيث يكون هناك لكل مادة‬
‫زمنها احمللي اخلاص وزمنها النسيب املرصود‬
‫من موضع آخر‪ ،‬مبعنى أن لكل جزء يف هذا‬
‫الكون زمنه اخلاص وزمنه العام‪ .‬وبكل احلاالت‬
‫يبقى الزمن ال مرئياً وذا طبيعة غيبيـة ال‬
‫مدركة‪ ،‬ألنه ال يوجد جهاز يف كوننا قادر على‬
‫تسجيل ترددات أمواجه الفائقه اليت تغلف كـل‬
‫شيء ألنه ال مركز هلا فيه وال مستقر‪.‬‬
‫يف عام ( ‪ ) 1905‬اكتشف اينشتاين بنظريته‬
‫النسبية اخلاصة ظاهرة متدد الزمن مع تزايد‬
‫سرعة اجلسم املتحرك‪ ،‬خاصة عندما تكون‬
‫السرعة من رتبة السرعات الضوئية‪ ،‬وأتـت‬
‫معادلته املتعلقة بتمدد الزمن مؤكدة على‬
‫طبيعته املوجية خاصة أن التمدد والتقلص هو‬
‫ظاهرة موجية حبتة‪ ،‬و األمواج تبدي مرونة‬
‫كبرية جتاه التمدد والتقلص مع السرعة ‪..‬‬
‫ويوجد الكثري من األمثلة تدعم هذا الرأي مثل‬
‫متدد األمواج الكهرطيسية القصرية جداً(اليت‬
‫سادت حلظات اإلنفجار األعظم) وحتوهلا‬
‫ألشعة كونية‪ ،‬ومن ثم حتوهلا ألشعة غاما‪ ،‬ثم‬
‫ألشعه فوق بنفسجيـة‪ ،‬ثم ألمواج حتت احلمراء‬
‫ثم ألمواج راديوية طويلة املوجة ‪ ..‬وهكذا‪ ،‬يدعم‬
‫هذا الـرأي ويثبته هو تغري األطوال والكتل مع‬
‫السرعات الكبرية وفق القوانني اليت وضعها‬
‫العامل اينشتاين يف نظريته النسبية اخلاصة‪..‬‬
‫كل ذلك يثبت حقيقة أن كل موجودات الكون‬
‫قاطبة هي موجيـة القوام‪.‬‬
‫عندما تلتقي مادة بضدها يلتقي أيضاً زمنها‬
‫وضده‪ ،‬وينتج عن هذا اللقاء فناء املادة‬
‫وكذلك الزمن وينتشر حلظتها طاقة‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪123‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كبرية وعودة للعدم‪ .‬وال يعد الزمن وضده‬
‫موجيني بل يتحوالن إىل موجات فائقة عدمية‬
‫متفانية متخامدة مشبعة‪.‬‬
‫إن قياس الزمن يف كوننا ال يعدو كونه مقارنة مع‬
‫جهاز يعمل حدثاً مع الزمن ( يهتز ) والنتيجة هي‬
‫قياس مدى امتداد فرتة وقوع أحداث متعاقبة‬
‫يف الكون‪ ،‬ألن حقيقة الزمن ال ميكن قياسها‬
‫أو إدراكها بأجهزتنا إطالقاً ألن الزمن ليس‬
‫موجوداً بشكل ح ٍر يف عاملنا وبسبب طبيعته‬
‫املوجية املستمرة دون إنقطاعات باإلضافة‬
‫لقابليتها لاللتحام بأمواج أخرى هلا ما مياثلها‬
‫يف دقائق ماديـة أخرى صار هلا ما يشبه احلقل‬
‫أو اجملال أو اهلالة الزمنية اليت تغلف حيزاً من‬
‫املكان أكسبهـا صفة املتصل احمللي املستمر‬
‫وصار باإلمكان نسب تعاقب وقوع األحداث‬
‫إىل تلك اهلالـة الزمنية‪ ،‬وبالتايل قياس الزمن‬
‫هو تزمني األحداث مبوقتات أرضية هي من‬
‫صنع اإلنسان تدعى الساعـات‪ .‬فالساعات هي‬
‫من صنع اإلنسان وليس هلا عالقة بالزمن ‪،...‬‬
‫واينشتاين الذي حتدث عن الزمن وحبث فيه مل‬
‫يكن يف بيته ساعة‪.‬‬
‫يلعب البعد الزمين املالصق للمادة دوراً مميزاً‬

‫‪124‬‬

‫إذ يكون لكل دقيقة (كوارك مثالً) زمنها اخلاص‬
‫وعند جتمعها ترتابط األبعاد الزمنية لدقائقها‬
‫لتشكل زمناً كلياً مشرتكاً هلا‪ .‬وبالتالـي يوجد‬
‫توحيد زمين عند اندماج الكتل مع بعضها‬
‫البعض حبيث يبقى لكل جسيم يف كوننا زمنه‬
‫اخلاص وغري مشرتك مع غريه ما دام منفصالً‪.‬‬
‫وله زمن مشرتك عام ضمن صنفه ونوعـه من‬
‫الكينونات فمثالً الزمن يف عامل اجلراثيم ليس‬
‫كما هو يف عامل الفريوسات‪ ،‬أو كما فـي عامل‬
‫البكترييا‪ ،‬أو كما هو عند اإلنسان ‪ ...‬وهكذا‪.‬‬
‫سر املغناطيسية ‪:‬‬
‫تعترب القوى املغناطيسية واحلقل املغناطيسي‬
‫وليدة القوى الكهربائية‪ ،‬فعندما تتحرك شحنة‬
‫كهربائية بسرعة ثابتة فإهنا تولد حوهلا حقالً‬
‫مغناطيسياً حوهلا‪ .‬صحيح أن الكهربائية ميكن‬
‫أن تكون وحيدة القطبية بفصل الشحنات عن‬
‫بعضها البعض‪ ،‬لكن الشحنات املغناطيسية‬
‫ال ميكن فصلها عن بعضها حبيث يكون‬
‫للمغناطيس قطبان أحدمها مشايل وجنوبي‪،‬‬
‫والغريب أن كل ذرة مبا فيها من الكرتونات‬
‫دوارة أو حتى حرة احلركة كما يف املعادن ‪...‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫هي يف احلقيقة مغناطيس صغري إال أن املادة‬
‫بشكل عام ال تبدو مغناطيسية بسبب اختالف‬
‫إجتاهاهتا الدورانية وعشوائيتها أو عشوائية‬
‫حركاهتا العادية‪ ،‬احلقيقة أن املغناطيسية هي‬
‫ثاني أهم أسرار الكون قاطبة‪ ،‬وتتدخل يف‬
‫األمور احلياتية جلميع الكائنات احلية‪ ،‬فمثالً‬
‫يف داخل كل كرية محراء ذرة حديد بشكل‬
‫شاردي تقوم بعملية التنفس لدى الكائن احلي‪،‬‬
‫ولوال وجود ذرات احلديد بشكلها الشاردي ملا‬
‫كان هناك تنفس وحياة‪ ،‬كما اكتشف وجود‬
‫مغانط دقيقة (ماغنيت) يف عديد من مناطق‬
‫اجلسم البشري‪ ،‬وخاصة يف الدماغ‪ ،‬لرمبا كان‬
‫أشدها يف مقدمة الدماغ ويف منطقة الناصية‬
‫أو منطقة العني الثالثة‪ ،‬هي املنطقة اليت حتدد‬
‫شخصية اإلنسان وطريقة تفكريه والقرارات‬
‫اليت يتخذها‪ ..‬هي منطقة القرار الصادر عن‬
‫اإلنسان‪ ،‬ويف احليوانات هذه املنطقة هي مبثابة‬
‫عني ثالثة اليت ترشد الطري أثناء طريانه يف اجلو‬
‫إىل خط مساره وهو يقطع آالف الكيلومرتات‬
‫أثناء هجرته السنوية‪ ..‬إذ تتحسس تلك‬
‫املغانط املوجودة يف دماغ الطري خطوط اجملال‬
‫املغناطيس األرضي وتسرتشد هبا‪ .‬للمغناطيس‬

‫أسرار هائلة يف كل أرجاء الكون وعلى مجيع‬
‫الصعد‪ .‬حتى أن لكل جرم يف الكون جماله‬
‫املغناطيسي ‪ ..‬لألرض ‪ ..‬للشمس ‪ ..‬للقمر ‪..‬‬
‫للحجر ‪ ..‬لإلنسان ‪...‬‬
‫سر الضوء ‪:‬‬
‫قدمياً كان يعتقد أن الضوء عبارة عن جسيمات‬
‫من نور خترج من العني إىل األجسام وتسقط‬
‫عليها فرتاها العني‪ ،‬ثم قيل العكس وهو أن‬
‫األجسام هي اليت تطلق تلك اجلسيمات الضوئية‬
‫إىل العني فرتى األجسام‪ ،‬ودعت احلاجة إىل‬
‫هذا االعتقاد لتفسري السلوك اهلندسي لظواهر‬
‫انكسار الضوء وانكساره‪ .‬فوفق هذه الفرضية‬
‫اليت اعتربت أن الضوء جسيمات أو حبيبات‬
‫مرنة من النور فسرت ظاهرة االنعكاس على‬
‫أنه صدم مرن بني حبيبات الضوء والسطوح‬
‫املصقولة أو على أنه فعل ورد فعل‪ ،‬يف حني مت‬
‫تفسري االنكسار على أنه تغري مفاجيء يف سرعة‬
‫تلك اجلسيمات الضوئية حلظة مالقاهتا وسطاً‬
‫مادياً آخر كثافته أكرب أو أصغر من كثافة وسط‬
‫انتشارها‪ ،‬وعرفت نسبة السرعتني يف‬
‫الوسطني على أهنا قرينة انكسار ‪ ..‬لكن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪125‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الذي حدث أن شوهدت ظواهر جديدة مثل ‪ ...‬كأن الفوتون سيارة ال متناهية يف الصغر‬
‫انعراج الضوء وتداخله واستقطابه‪ .‬مثل تلك حتمل وقوداً والوقود حيركها‪ .‬هبذه الفرضية‬
‫الظواهر مل ميكن تفسريها إال على إذا كان أمكن تفسري مجيع الظواهر الفيزيائية للضوء‪.‬‬
‫للضوء خواص موجية‪ ،‬ألن األمواج هي الوحيدة‬
‫القادرة على القيام مبثل تلك الظواهر‪ ،‬ما تطلب سر مثلث برمودا ‪:‬‬
‫األمر افرتاض أن الضوء عبارة عن أمواج تشبه لرمبا كان لغز مثلث برمودا مثاالً حياً واقعياً‬
‫أمواج االهتزاز امليكانيكية هنا ظهرت مشكلة على وجود ما يسمى األنفاق الكونية اخلالية‬
‫جديدة‪ ،‬وهي أن األمواج لكي تنتشر البد هلا من الزمن‪ ،‬حيث وقعت يف تلك املنطقة من‬
‫من وسط حيملها‪ ،‬فمثالً األمواج االهتزازية العامل أحداث مثرية وغامضة منها اختفاء‬
‫اليت حتدث على سطح املاء حتتاج لوسط عديـد من الطائرات والسفن واألشخاص‪،‬‬
‫حيملها هم املاء ذاته فتنتشر على سطحه‪ ،‬والقصص لكثرهتا حول هذا املوضوع ال تسمح‬
‫كذلك الضوء حيتاج لوسط حيمل موجاته‪ ،‬ما لإلنسـان بتجاهلها وميكن تفسري هذه الظاهرة‬
‫دعا العلماء حينها إىل افرتاض وجود مادة غاية بافرتاض تشكل نفق كوني ال زمن فيه من‬
‫يف القساوة لكي تنقل الضوء بسرعته املعروفـة أمواج ترددات ذبذباهتاعالية جداً وغري معلومة‪،‬‬
‫وهي (‪ 300000000‬مرت يف كل ثانية ) بنفس حبيث تشكل تلك األمواج أنبوباً جدرانه غاية يف‬
‫الوقت هذا الوسط غاية يف املرونة لتتمكن القسـاوة‪ ،‬وفرتات تشكل هذا النفق غري معلومة‪.‬‬
‫األجرام السماوية من احلركة فيه‪ .‬ومتت تسمية لكن منطقة تشكله معروفة بالضبط وهي‬
‫هذا الوسط باألثري‪ ،‬لكن التجارب العلمية أثبتت تقع يف احمليط األطلسـي بالقـرب من جزيرة‬
‫أن هذا الوسط غري موجود فعالً‪ ،‬ما اضطر بورتوريكو‪ .‬رمبا جتري خالل فرتة تشكله‬
‫العلماء ثانية إىل صياغة نظرية جديدة تفرتض عملية سطو كونية يُسرَق فيها املاء من كرتنا‬
‫أن الضوء هو أمواج كهرطيسية مستمرة األرضية من قِبَل سكان أحد الكواكب املأهولة‬
‫وليست ميكانيكية وانتشارها ال حيتاج لوسط حلاجتهم للماء للشرب‪ ،‬للزراعة أو للتنفس‪ ،‬يتم‬
‫مادي حيملها كاألثري‪ ،‬مل يلبث أن ظهرت قضية هلم ذلك األمر بامتصاص املاء بواسطة هذا‬
‫جديدة وهي املفعول الكهرضوئي‪ ،‬الذي اكتشف النفق الكوني الطبيعي وهم يعرفون زمن تشكله‬
‫فيه أن الضوء ليس قادراً على انتزاع الكرتون ومدة عمله (نشاطه)‪ ،‬أو رمبا كان هذا النفق من‬
‫حر يف معدن إال إذا كان حبيباً مكمماً وطاقة صنعهم هم ( هذه إشـارة وتنبيه الحتمال وجود‬
‫هذه الكمية من الضوء جتاوزت عتبة معينة من كائنات ذكية أخرى غرينا يف الكون‪ ،‬رمبا هي‬
‫الطاقة‪ ،‬وأن اإللكرتون الناتج حيتاج انتزاعه متفوقة علينا بالعلم والتقدم احلضاري)‪ ،‬وهم‬
‫كمية حمددة من الطاقة والفائض منها يكتسبه يستغلون تلك األنفاق يف امتصاص ماء أرضنا‪،‬‬
‫اإللكرتون املنتزع بشكل طاقة حركية‪ ،‬طبعأ هذا طبعاً هذا األمر يتضمن خطورة كبرية على‬
‫الفائض من الطاقة ال يكفي النتزاع الكرتون سكان والبحارة يف تلك املناطق‪ ،‬إذ غالباً ما‬
‫آخر ما مل حيقق أيضاً شرط عتبة اإلصدار‪ ،‬يرافق تشكل هذا النفق اختفاء بواخر وطائرات‬
‫ما أثبت للعلماء أن الضوء مكمم أيضاً‪ ،‬أي هو يتقاطع خط سريها مـع جسم النفق أثناء‬
‫حبيبات من الطاقة املتقطعة املهتزة واهتزازهتا تشكله‪ ،‬وأغلب الظن أن تلك األجسام تسافر‬
‫كهرطيسية‪ ،‬دعاها العلماء بالفوتونات‪ .‬إذن مع املاء آنياً عرب الال زمن إلـى عوامل أخرى‪،‬‬
‫الفوتون هو حبيبة حتمل طاقة والطاقة حتركها وختتفـي فيها إىل األبد دون رجعة‪ .‬رمبا كان‬

‫‪126‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫هذا النوع من األنفاق يتكون بصورة طبيعية‬
‫دورية يف أجواء تلك املنطقة وينشط خالل مدد‬
‫زمنية معينة يصل فيها بني كوكبهم وبني كرتنا‬
‫األرضية ‪ ..‬وهو يتشكل يف منطقة مثلث برمودا‬
‫فــي احمليط األطلسي‪ ،‬كما اكتشف وجود نفق‬
‫كوني آخر يتشكل يف الطرف اآلخر من كرتنا‬
‫األرضية يف منطقة مثلث فرموزا يف احمليط‬
‫اهلادئ هذه املرة‪ .‬نقصد بكلمة الال زمن أن‬
‫العملية تتم مستقلة عن البعد الرابع الزمين‬
‫امللتحم باملادة أو جبزء منهـا‪ .‬والقصص على‬
‫اختفاء الطائرات و القوارب وحتى األشخاص‬

‫ال تعد وال حتصى يف تلك املنطقـة‪.‬‬
‫لطاملا شعر اإلنسان بعجزه عن السفر عرب‬
‫الفضاء وخاصة لألعماق البعيدة بني النجـوم‬
‫و اجملرات‪ ،‬فاألفكار الفيزيائية اليت تفرتض‬
‫وجود أنفاق كونية يف نسيج الزمكان الكوني‬
‫مازال يغلب عليها طابع اخليال‪ ،‬لرمبا استطاع‬
‫اإلنسان مستقبالً أن يتحرى مواضع وأزمان‬
‫تشكـلها و متابعة تقلباهتا ومن ثم اصطيادها‬
‫واستغالهلا يف انتقاالته الكونية بني النجوم ورمبا‬
‫بني اجملرات وما هو مستحيل اليوم رمبا‬
‫صار ممكناً غداً‪ ،‬وهذا األمر على درجـة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪127‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كبرية األمهية‪ ،‬خاصة أن مثل تلك االنتقاالت‬
‫تتم يف حملات زمنية صغرية‪ ،‬لذا إذا متكن املرء‬
‫من التعامل معها يف انتقاله بني جمرات أو على‬
‫األقل بني املنظومات الشمسية األخرى يف‬
‫جمرتنا ألجنز حلم اإلنسان القديم يف السفر‬
‫الال زمين عرب الفضاء‪ ،‬وحتقيق حلم اتصال‬
‫إنساننا املعاصر حبضارات حية وخملوقات‬
‫ذكية أخرى حيتمل وجودها يف مناطق أخرى‬
‫من الكون‪ .‬طبعاً مل يتمكن أحد من البشر إىل‬
‫اآلن من االستفادة من هذه الظاهرة ‪...‬‬
‫الثقوب السوداء هي نوع من األنفاق الكونية‬
‫ذات بعدين مها البعد اخلامس الالزمين والبعـد‬
‫السادس املوجي الذبذبي‪ ،‬تتمتع تلك الثقوب‬
‫السوداء بقوى جاذبة ثقالية هائلة حبيث‬
‫تستطيع من جذب جمرات وجنوم وكواكب وأية‬
‫أجرام أخرى وابتالعها مبنتهى السهولة وتفكك‬
‫أية كينونة مادية تسقط فيها إىل عناصرها‬
‫األولية وجتعلها تتخلى عـن بعدهـا الزمين‪،‬‬
‫وترى مثل تلك األجرام وهي تشع إشعاعـات‬

‫‪128‬‬

‫مرئية وغري مرئية مثل األشعة السينية وكأهنا‬
‫تستغيث وتستنجد أثناء امتصاصها وابتالعها‬
‫من قبل الثقب األسود‪ ،‬أثناء ذلك تتحول‬
‫عناصرها ألمواج كأهنا صوف مندوف‪ ،‬متاماً‬
‫مثلما يتفكـك أي جسم حي لعناصره األساسية‬
‫عند موته‪.‬‬
‫يعتقد البعض أن الكوارث واألعاصري والزالزل‬
‫اليت حتدث يف األرض رمبا سببها أنفاق كونية‬
‫تصطنعها الطبيعة ذاهتا‪ ،‬يفسر العامل أينشتاين‬
‫تلك الظواهر كما يلي‪ ،‬كل جسم أو جسيم‬
‫ومهما كان نوعه يفتح أمامه أثناء حركته مساراً‬
‫حمدداً يف نسيج الزمكان ‪ ..‬أي نفقاً وينزلق‬
‫فيـه‪ ،‬فمثالً القمر أثناء حركته يفتح أمامه‬
‫مساراً مغلقاً دائرياً نفقياً وينزلق فيه‪ ،‬حتى‬
‫أن األجسام حيـن تسقط على األرض تقوم‬
‫بنفس العملية تفتح حتتها نفقاً وتسقط فيه‬
‫وهي متسارعة حنو األسفل‪ ،‬حتى أن أشكال‬
‫الدوامات اهلوائية اإلعصارية (التورنادو) تشبه‬
‫األنفاق‪ ،‬وهو أمر ال يتناقض بل يتوافق وحلد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫بعيد مع نظرية اينشتاين يف النسبية العامة‪،‬‬
‫االعتقاد السائد حالياً أن بإمكان علماء الفيزياء‬
‫يف املستقبل القريب إجياد تقنية تعتمد هذه‬
‫الظاهرة لرتكيب أجهزة تعمل يف البعد اخلامس‬
‫الال زمين ويف اجتاه معاكس‪ ،‬كأن يثريوا أحداثاً‬
‫يتمكنون بواسطتها حتريك ونقل جسـم ما عبـر‬
‫بشكل آني ويف زمن ال يتقدم وال يتأخر ولو كان‬
‫قليالً كما حدث يف نقل عرش امللكة بلقيس من‬
‫اليمــن إىل القدس يف عهد النيب سليمان عليه‬
‫السالم‪.‬‬
‫لعل اكتشاف ظاهرة وجود األنفاق الكونية‬
‫وإمكانية السفر الال زمين عربها يقدم تفسرياً‬
‫علمياً يريح عقول الناس بصحة االعتقاد بوجود‬
‫عوامل أخرى ال نراها بأعيننا العارية وجتري‬
‫فيهـا أحداثاً ال ندركها وأن االنتقال فيها يتم‬
‫بسرعات فوق ضوئية‪ ،‬ألنه لو كانت سرعة‬
‫احلركة فيها تسـاوي سرعة الضوء لرأينا تلك‬
‫العوامل كضوء على األقل‪ ..‬إال أنه مل يتمكن أحد‬
‫من مشاهدة تلك العوامل إطالقاً إىل اآلن‪.‬‬
‫لنعد ملوضوعنا وهو األنفاق الكونية الالزمنية‪،‬‬
‫فنجد بالبحث أن تلك األنفاق ليست بعيدة عنا‬
‫بل هي خمتلطة مع املادة واألثري وكل شيء يف‬
‫كوننا‪ .‬كأنه ُكتِبَ على كل من يُخلق يف هذا الكون‬
‫( كواركات‪ ،‬ذرات‪ ،‬أحياء‪ ،‬إنسان‪ ،‬آدم وحواء ‪)..‬‬
‫أن يعبُرَ نفقاً أو أنفاقاً كونية ً‪ ..‬نعم كل ذرة يف‬
‫أجسادنا وما دوهنا وما فوقها مرت يف يوم من‬
‫األيام عرب نفق كوني أو أكثر ‪.‬‬
‫احلقيقة أن خاليا أجسادنا وذراهتا تتضمن‬
‫العديد من األنفاق الكونية خمتلفة األشكال‬
‫واألحجام والسؤال األخري هو ‪ :‬هل ترتبط‬
‫احلياة ببنية العضويات احلية بواسطة أنفاق‬
‫كونية أم ماذا ؟ وأين موقـع تلك األنفاق الكونية؟‬
‫وما هو نوعها؟ وما هي القوة الدافعة اليت تنجز‬
‫هذه الرابطة وتكسب بعض العضويات حياة؟‬
‫هل جلزيئات املاء عالقـة هبذا األمر؟ لعل‬
‫اجلواب ‪ :‬نعم ! خاصة أن للماء أسراراً هائلة‬

‫مدهشة ال ندرك الكثري منها !! فلِمَ ال نصدق‬
‫وجود كائنات أخرى يف الكون تتحرك بسرعات‬
‫ضوئية أو رمبا أعلى من ذلك بكثري ؟؟‪.‬‬
‫التجارب واالكتشافات تؤكد ذلك فجزيء املاء‬
‫يتكون من ذرتي هيدروجني وذرة أوكسجيـن‬
‫واحدة‪ ،‬والرتابط بينهما هو ترابط كهربائي مما‬
‫جيعل ذرتي اهليدروجني هتتزان بشدة هائلة‬
‫وبعنف حول مركز ذرة األوكسجني العمالق‬
‫بالنسبة هلما وبذبذبة تفوق (‪14+10‬هرتز) كأن‬
‫بني ذرات ذلك اجلزيء نوابض مهتزة غاية يف‬
‫الصالبة‪ ،‬تولد من سرعة اهتزازها نفقاً كونياً‬
‫فيمتـو مرتياً يف جسم جزيء املاء فتدخل عناصر‬
‫احلياة عرب هذا النفق الغاية يف الصغر والدقة‬
‫كأنه فخ وتلتحم من خالله الروح بالعضوية‬
‫الصلبة ومتنحها حياة‪ .‬فمن خالل تلك األنفاق‬
‫الكونية الال متناهية يف الصغر تدخل الشبكة‬
‫الروحية اجلسدية وترتبط باخلاليا العضوية‬
‫للكائن احلي‪ ،‬تدعى هذه الرابطة بالرابطة‬
‫الربوتونية للماء‪ ،‬فمن خالل تلك األنفاق‬
‫الكونية الفيمتو مرتية املتشكلة ضمن جزيئات‬
‫املاء باالهتزاز والذبذبة ترتبط الـروح باخللية‬
‫احلية‪ .‬يشبه هـذا األمر ظاهرة خروج إلكرتون‬
‫مــن نواة ذرة ‪ ..‬طبعاً خروج إلكرتون من نواة‬
‫ذرة أمر مستغرب متاماً إال أنه حيدث يف عامل‬
‫الذرة‪ ،‬إذ يقوم اإللكرتون باقرتاض طاقة من‬
‫البيئة احمليطة بـه داخــل النـواة ثم يسرع يف‬
‫جريانه حنو جدارها‪ ..‬ما يؤدي إىل فتح نفق‬
‫كوني فيمتو مرتي أمامه يف جدارها بشكـل‬
‫تلقائـي ويتمكن من اخلروج من عربه للعامل‬
‫اخلارجي للنواة‪.‬‬
‫يف حالة السفر عرب نفق كوني يسافر املرء ويقضي‬
‫كل حوائجه يف اجملرة األخرى وعندما يعود إىل‬
‫سريره جيده دافئاً كما تركه منذ حلظات‪.‬‬
‫ويكتشف هذا املسافر النفقي بعد عودته من‬
‫جولته ملوطنه األصلي أنه عاد مقلوب الصورة‪.‬‬
‫حبيث يغدو مينه يساراً واليسار مييناً‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪129‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫مراصد ناسا الكبرى‬
‫بـقـلــم‪ :‬ريتشـارد تالكوت‬
‫ترمجة‪ :‬حازم حممود فرج‬
‫عن جملة ‪Astronomy‬‬

‫غريت جمموعة رباعية من املناظري الفضائية تدعى بـ‪ :‬هبل‪،‬‬
‫سبيتزر‪ ،‬تشاندرا‪ ،‬وكومبتون نظرتنا إىل الكون ‪ ....‬وإىل األبد‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫تعشق غالبية الناس بطانة اهلواء احمليطة بكوكب‬
‫األرض إىل درجة كبرية‪ .‬كيف ال وحمتواها من‬
‫األكسجني يبقينا أحياء؛ بينما حتمينا أوزوهنا‬
‫وجزيئات غازاهتا األخ��رى من أذي��ات اإلشعاع‬
‫عايل الطاقة‪ .‬أما علماء الفلك فهم قوم حمبون‬
‫للدعابة‪ :‬فنرى أهنم ميتعضون من تأثري اهلواء‬
‫الكبري يف احل��د من قدرهتم على رؤي��ة الكون‬
‫بقدر ما يثمنون فوائده وحسناته يف دعم احلياة‬
‫ومحايتها على كوكب األرض‪.‬‬
‫ومما ال مفر منه‪ ،‬أن أشعة الضوء املرئي القادمة‬
‫م��ن ال��ف��ض��اء ت�لاق��ي يف طريقها ع�بر الغالف‬
‫اجلوي حتى يف ليلة بالغة الصفاء واهلدوء جيوباً‬
‫هوائية دافئة وأخرى باردة‪ ،‬فتتشوه وتضطرب‪.‬‬
‫ويسبب هذا االضطراب الضوئي تأللؤ النجوم‬
‫و وميضها‪ ،‬فيمنع الفلكيني من احلصول على‬
‫رؤي��ة ح��ادة‪ .‬وبقدر مماثل من اإلزع��اج‪ ،‬حيظر‬
‫الغالف اجلوي متاماً وصول أشعة غاما وأشعة‬
‫‪ X‬الكونية إىل سطح األرض‪ ،‬وحيول دون وصول‬
‫معظم األشعة فوق البنفسجية وحتت احلمراء‪.‬‬
‫هلذا قررت وكالة الفضاء األمريكية ناسا الشروع‬
‫يف برناجمها اخلاص باملراصد الكربى‪ .‬قدم هذا‬
‫الربنامج رؤية لرفع أربعة مراصد‪ ،‬صمم كل منها‬
‫لرؤية جزء خمتلف من طيف اإلشعاع الكهرطيسي‬
‫‪ ،electromagnetic spectrum‬عالياً فوق‬
‫التأثريات السلبية لغالف األرض الغازي‪ .‬تبني‬
‫لنا الصور التالية على ه��ذه الصفحات شيئأ‬
‫بسيطاً فقط مما حققته ه��ذه امل��راص��د حتى‬
‫اآلن؛ وتوحي مبا ميكن أن تنجزه يف املستقبل‪.‬‬
‫ك��ان أول ه��ذه امل��راص��د العظيمة وص���والً إىل‬
‫الفضاء هو منظار هبل(‪ )1‬الفضائي‪ .‬فقد وضعه‬
‫م��ك��وك ال��ف��ض��اء كولومبيا يف م���داره يف شهر‬
‫نيسان‪ /‬م��ن ع��ام ‪ ،1990‬ل��ي��دور ح��ول األرض‬
‫على ارتفاع ‪ 370‬ميالً تقريباً (‪ 595‬كم)‪ .‬تقوم‬
‫معدات هبل باستكشاف الكون يف جم��ال من‬
‫األط��وال املوجية يبدأ من طرف جمال األشعة‬
‫فوق البنفسجية‪ ،‬وص��والً إىل طرف قريب من‬

‫األشعة حتت احلمراء‪ ،‬ليغطي بذلك جمال أشعة‬
‫الضوء املرئي‪.‬‬
‫ورغ���م أن م��ن��ظ��ار ه��ب��ل ب���دأ م��س�يرت��ه العلمية‬
‫بتوقعات وطموحات كبرية‪ ،‬إال أن هذه اآلمال‬
‫تالشت عندما كشفت صوره األوىل وجود خلل‬
‫فين يف مرآته الكبرية إذ مل يستطع املنظار القيام‬
‫بعملية الرتكيز البصري لألشعة الضوئية إلنتاج‬
‫صور ح��ادة كما جيب‪ .‬ومن حسن حظ البعثة‬
‫أن تصميم املنظار قد اشتمل على خطة صيانة‬
‫دورية له‪ .‬ويف شهر كانون األول‪ /‬من عام ‪،1993‬‬
‫زود رواد الفضاء على منت املكوك إنديفر املنظار‬
‫بـ "نظارات" فائقة التقنية‪ ،‬ليزيلوا متاماً‬
‫الرؤية املشوشة السابقة‪ .‬وعلى مدار عقد‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪131‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كامل تال‪ ،‬وفى هبل بوعده األول‪ ،‬لتعود فتنحسر‬
‫جودة صوره الالحقة‪ .‬بيد أن بعثات الصيانة مل‬
‫تنته مع بعثة العام ‪ .1993‬فقد أرسلت ناسا ثالث‬
‫بعثات أخرى إىل املنظار‪ ،‬قام فيها رواد الفضاء‬
‫باستبدال كافة معدات املنظار القدمية و وضع‬
‫اجلديدة مكاهنا‪ ،‬ليساعد هذا على إبقاء املنظار‬
‫يف طليعة التطورات واالكتشافات التكنولوجية‬
‫الفلكية‪.‬‬
‫ومنذ شهر كانون األول‪ ،1993 /‬قام هبل برصد‬
‫أجسام قريبة من األرض‪ ،‬مثل القمر‪ ،‬وبعيدة‬
‫عنها بقدر أبعد اجملرات اليت أمكنه مشاهدهتا‪.‬‬
‫وأيضاً‪ ،‬فقد أفاد هبل كمسبار لرصد األحوال‬
‫اجلوية على كواكب أخرى‪ ،‬فسمح لعلماء الفلك‬
‫مبتابعة التغريات اليت تطرأ على األغلفة اجلوية‬
‫للكواكب اخلارجية‪ .‬لقد متكن هبل من رصد‬
‫االص��ط��دام��ات االن��ف��ج��اري��ة ل��ش��ظ��اي��ا املذنب‬
‫شوميكر ليفي ‪ 9‬عندما اصطدم بكوكب املشرتي‬
‫عام ‪ .1994‬وأظهرت أرصاد هبل للنجوم حديثة‬

‫‪132‬‬

‫التشكل أن أقراص الغاز والغبار وهي املادة اليت‬
‫تتشكل منها الكواكب هي شائعة حول النجوم‬
‫الفتية‪ ،‬وأهن��ا حت��وي كتلة كافية لتشكيل نظم‬
‫كواكبية كاملة‪.‬‬
‫لكن رمب��ا ما ك��ان أح��د أب��رز إجن��ازات هبل هو‬
‫أرص����اده ألج��س��ام ت��وج��د خ���ارج جمرتنا درب‬
‫ال��ت��ب��ان��ة‪ .‬ل��ق��د مت��ك��ن ه��ب��ل م��ن حت��دي��د معدل‬
‫توسع الكون‪ ،‬وكذلك سلم املسافات الكونية من‬
‫خالل تقصي الضوء املتغري الصادر عن النجوم‬
‫القيفاوية املتغرية (‪ )2‬اليت تقع على بعد حنو ‪100‬‬
‫مليون سنة ضوئية من األرض‪ .‬كما قدم هبل أول‬
‫إثبات على وجود الثقوب السوداء (‪ )3‬بكشفه أن‬
‫هذه األجسام املعتمة اليت تزيد كتلتها عن قدر‬
‫بليون كتلة مشسية تقبع يف مراكز اجملرات‪ .‬وقد‬
‫أظهر أن كالً من هذه الثقوب السوداء اخلارقة‬
‫هلا كتلة تعادل ‪ 0.2‬تقريباً من كلي كتلة اجملرة‪.‬‬
‫كما ساعد يف إثبات أن الكوازارات (‪ )4‬هي مراكز‬
‫طاقة جملرات بعيدة‪ ،‬يبدو الكثري منها على تآثر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫مع جم��رات أخ��رى‪ .‬وأظهرت ص��ورة حديثة له‪،‬‬
‫أطلقت عليها تسمية ص��ورة حقل رؤي��ة هبل‬
‫البعيد جداً ‪ ،)5( HUDF‬جمرات محراء اللون‬
‫خافتة تشكلت بعد حنو ‪ 400‬مليون سنة من‬
‫االنفجار العظيم ليجعل منها أقدم اجملرات اليت‬
‫شوهدت على اإلطالق‪.‬‬
‫كما يأتي على رأس قائمة إجنازات منظار هبل‬
‫دراساته وأرصاده للنجوم املتفجرة‪ ،‬أو املتجددات‬
‫العظمى (‪ ،supernovae )6‬يف أقاصي الكون‪.‬‬
‫أظهرت أرصاد هبل أن هذه املستعرات تتحرك‬
‫مبتعدة عنا بسرعة تفوق ما ميكن تفسريه بقوة‬
‫الثقالة وحدها‪ .‬كان التفسري الوحيد املمكن‪:‬‬
‫ق���وة جم��ه��ول��ة مس��اه��ا ع��ل��م��اء ال��ف��ل��ك "الطاقة‬
‫السوداء" هي ما جيرب الكون على التوسع بوترية‬
‫متسارعة‪.‬‬
‫أما املنظار العظيم الثاني من مناظري ناسا الكربى‬
‫وصوالً إىل الفضاء فهو منظار كومبتون(‪ )7‬ألشعة‬
‫غاما الذي محله املكوك آتالنتس إىل الفضاء عام‬

‫‪ .1991‬رصد منظار كومبتون إشعاعات غاما‪،‬‬
‫ال�تي هي أق��وى أن��واع األشعة يف الكون‪ ،‬وذلك‬
‫من موقعه الذي يعلو بارتفاع ‪ 280‬ميالً (‪450‬‬
‫كم) فوق سطح األرض‪ .‬وبوزنه البالغ ‪ 17‬طناً‪،‬‬
‫أخذ منظار كومبتون منزلة متقدمة بني أثقل‬
‫الشحنات الفلكية اليت رفعت إىل الفضاء على‬
‫اإلطالق‪ .‬وكان وزنه البالغ هذا عامالً حامساً يف‬
‫مصريه‪ .‬فقد رأت ناسا أن املنظار سيشكل بوزنه‬
‫هذا‪ ،‬خطراً بسيطاً‪ ،‬ولكن حقيقياً‪ ،‬إذا سقط‬
‫على األرض يف حال تعطل جهاز جايروسكوب‬
‫(‪ )8‬ثان عليه‪ .‬ولذا قامت ناسا بإسقاط املنظار‬
‫يف شهر حزيران عام ‪ ،2000‬ليحرتق يف أعايل‬
‫الغالف الغازي فوق احمليط اهلادئ‪ .‬يف سنوات‬
‫عمله التسع يف الفضاء أي تقريباً ضعف فرتة‬
‫عمله التصميمية قام كومبتون باكتشاف مصادر‬
‫ألشعة غاما أكثر بـ ‪ 10‬م��رات مما كان يعرف‬
‫سابقاً‪ ،‬ونبعاً من امل��ادة املضادة ينبجس‬
‫يف مركز جمرتنا‪ ،‬ونفاثات من مادة تندفع‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪133‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫من الثقوب السوداء مبتعدة عنها بسرعات تقرب‬
‫من سرعة الضوء‪.‬‬
‫لكن لعل أكثر ما سيذكر به منظار كومبتون‬
‫هو إثباته أن انبعاثات أشعة غاما هي أقوى‬
‫االنفجارات الكونية على االطالق‪ .‬وقبل إطالق‬
‫كومبتون‪ ،‬كان معظم علماء الفلك يعتقد أن هذه‬
‫اإلنفجارات القصرية توجد أصالً ضمن قرص‬
‫جمرتنا‪ .‬لكن كومبتون أظهر أهنا تأتي من كل‬
‫اجت��اه‪ ،‬وأن مصدرها جيب أن يكون لذلك من‬
‫أقاصي ال��ك��ون‪[ .‬يف وق��ت الح��ق‪ ،‬متكن منظار‬
‫هبل م��ن رص��د ال��وه��ج املتالشي لبعض هذه‬
‫االنفجارات‪ ،‬وأثبت أهنا تنبثق من جمرات بعيدة‬
‫خافتة]‪.‬‬
‫مضت أكثر من ‪ 8‬سنوات أخ��رى قبل أن يصل‬
‫املنظار العظيم الثالث إىل مداره‪ .‬فقد رفع مكوك‬
‫الفضاء كولومبيا منظار تشاندرا (‪ )9‬إىل الفضاء‬
‫يف شهر متوز ‪/‬يوليو عام ‪ .1999‬ثم قام نظام‬
‫ملحق خاص برفع املنظار إىل م��دار المركزي‬
‫حول األرض حبيث تبعد أقرب نقطة من مداره‬
‫بقدر ‪ 10000‬ميل تقريباً (‪ 16100‬كم) عن سطح‬
‫األرض‪ ،‬وتصل نقطته األبعد إىل مسافة قصوى‬
‫تبلغ حنو ‪ 83000‬ميل ( ‪ 133600‬كم) أي أكثر‬
‫من ثلث املسافة إىل القمر‪ .‬مت تصميم هذا املدار‬
‫غري العادي كي ميضي املنظار حنو ‪ 85‬باملئة‬
‫من وقته خارج مناطق حزام فان آلن(‪ ، )10‬حيث‬
‫تطغى جسيمات مشحونة على عمل املعدات‬
‫احلساسة للمنظار‪ .‬يسمح هذا امل��دار للعلماء‬
‫بأرصاد متواصلة تدوم حتى ‪ 55‬ساعة يف املرة‬
‫الواحدة‪.‬‬
‫يرصد منظار تشاندرا أجسام السماء بأشعة ‪،X‬‬
‫واليت هي أشعة هلا طاقات وأطوال موجية توجد‬
‫بني حقلي أشعة غاما واألشعة فوق البنفسجية‪.‬‬
‫ميضي منظار تشاندرا وقته برصد األحداث‬
‫عالية الطاقة يف الثقوب ال��س��وداء‪ ،‬والنجوم‬
‫النباضة(‪ ، )11‬وبقايا املتجددات العظمى‪ ،‬ومراكز‬
‫اجملرات‪ .‬لقد التقط تشاندرا إشعاعاً يصدر عن‬

‫‪134‬‬

‫الثقب األسود اخلارق الكتلة يف مركز جمرة درب‬
‫التبانة عندما كان يلتهم مادة حميطة به‪ .‬وقد‬
‫أثبتت أرصاده للمجرة الساطعة ‪6240 NGC‬‬
‫يف جمموعة احل��واء ‪ Ophiuchus‬أن��ه ميكن‬
‫لثقبني أسودين أن يتواجدا يف اجملرة ذاهتا‪ .‬ويف‬
‫وقت ما يف البليون سنة التالية‪ ،‬سيندمج هذان‬
‫الثقبان يف حادثة كارثية ستعطي ثقباً أسود أكرب‬
‫حتى من والديه‪ .‬كما رأى تشاندرا نفاثات عالية‬
‫الطاقة تصدر عن ثقوب سوداء وجنوم نباضة‬
‫تتطور بأوجه غريبة وغري متوقعة‪.‬‬
‫ثم ج��اءت احللقة األح��دث يف برنامج املناظري‬
‫العظيمة منظار سبيتزر(‪ )12‬الفضائي‪ ،‬الذي‬
‫أطلق يف شهر آب‪/‬من عام ‪ ،2003‬من على منت‬
‫صاروخ هذه املرة‪ .‬يرصد منظار سبيتزر األشعة‬
‫حتت احل��م��راء‪ ،‬مبوجاهتا األط��ول من موجات‬
‫األشعة املرئية‪ ،‬والصادرة من مناطق باردة يف‬
‫الفضاء‪ .‬إن منظار سبيتزر هو الوحيد من بني‬
‫املناظري العظيمة اليت ال تأخذ م��داراً هلا حول‬
‫األرض‪ .‬بدالً من ذلك‪ ،‬فقد وضعته ناسا يف مدار‬
‫حول الشمس حبيث يلحق باألرض يف حركتها‪،‬‬
‫وينحرف ببطء عن كوكبه األم‪ .‬يبقي هذا املدار‬
‫املنظار بارداً أكثر بكثري مما كان سيكون عليه يف‬
‫مدار حول األرض الدافئة‪ ،‬وهذا ما خيفض كمية‬
‫سائل التربيد املطلوبة لإلبقاء على برودة أجهزة‬
‫الرصد عليه‪.‬‬
‫وألن األش��ع��ة حت��ت احل��م��راء ميكنها اخ�ت�راق‬
‫مناطق الغبار‪ ،‬فإن سبيتزر يستطيع إنتاج صور‬
‫دقيقة ملناطق تشكل جنوم وكواكب حمجوبة عن‬
‫ال��رؤي��ة يف أط��وال موجية أخ��رى‪ .‬كما سيكون‬
‫ق��ادراً أيضاً على رصد جم��رات بعيدة احنرف‬
‫ضوؤها املرئي إىل جمال األشعة حتت احلمراء‬
‫بفعل توسع الكون‪ .‬ورغم حداثة سنه النسبية‬
‫ضمن جمموعة املناظري العظيمة‪ ،‬إال أن منظار‬
‫سبيتزر ه��و عنصر ب��ال��غ األمه��ي��ة يف برنامج‬
‫املراصد العظيمة الذي سوف يستمر بإدهاش‬
‫علماء الفلك لسنوات قادمة*‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ﺗﻮﺳﻊ ﺍﻟﻜﻮﻥ‪ .‬ﻭﺭﻏﻢ ﺣﺪﺍﺛﺔ ﺳﻨﻪ ﺍﻟﻨﺴﺒﻴﺔ ﺿﻤﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻟﻤﻨﺎﻇﻴﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ‪ ،‬ﺇﻻ ﺃﻥ ﻣﻨﻈﺎﺭ ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ ﻫﻮ‬
‫ﻧﺎﻣﺞ ﺍﻟﻤﺮﺍﺻﺪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻮﻑ ﻳﺴﺘﻤﺮ ﺑﺈﺩﻫﺎﺵ ﻋﻠﻤﺎء ﺍﻟﻔﻠﻚ ﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻗﺎﺩﻣﺔ*‪.‬‬

‫ﺎﺋﻲ ﻫﻮ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺁﻟﺔ ﺭﺻﺪ‬
‫ﺓ ﻭﻣﺼﺎﺩﺭﻫﺎ ‪ .‬ﻭﻳﺒﺪﻭ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ‬
‫ﺍﻷﺷﻌﺔ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍء ﺑﻔﻌﻞ ﺗﻮﺳﻊ ﺍﻟﻜﻮﻥ‪ .‬ﻭﺭﻏﻢ ﺣﺪﺍﺛﺔ ﺳﻨﻪ ﺍﻟﻨﺴﺒﻴﺔ ﺿﻤﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻟﻤﻨﺎﻇﻴﺮ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ‪ ،‬ﺇﻻ ﺃﻥ ﻣﻨﻈﺎﺭ ﺳﺒ‬
‫ﺪ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺗﺸﻜﻞ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻓﻲ‬
‫ﻋﻦﺻﺮ ﺑﺎﻟﻎ ﺍﻷﻫﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ ﺍﻟﻤﺮﺍﺻﺪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻮﻑ ﻳﺴﺘﻤﺮ ﺑﺈﺩﻫﺎﺵ ﻋﻠﻤﺎء ﺍﻟﻔﻠﻚ ﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻗﺎﺩﻣﺔ*‪.‬‬
‫ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻣﻨﻊ ﺣﺮﺍﺭﺗﻪ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ‬
‫ﻴﺎﺕ ﺍﻟﺮﺻﺪ‪ ،‬ﻳﻘﻮﻡ ﺍﻟﻬﻠﻴﻮﻡ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭ ﻣﻦ‬
‫ﻟﻰ ﺩﺭﺟﺔ ﺣﺮﺍﺭﺓ ﻗﺮﻳﺒﺔ‬
‫ﻲ ﺩﺭﻉ ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‪. 1‬ﺍﻟﻤﻨﻈﺎﺭ ﻣﻦ‬
‫ﻘﻴﻪ ﻣﺪﺍﺭﻩ ﺍﻟﺨﺎﺹﺇﻥﺑﻌﻴﺪﺍً‬
‫ﻋﻦﺳﺒﻴﺘﺰﺭ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻲ ﻫﻮ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺁﻟﺔ ﺭﺻﺪ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻓﺎﺋﻘﺔ ﺍﻟﺤﺴﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺤﺮﺍﺭﺓ ﻭﻣﺼﺎﺩﺭﻫﺎ ‪ .‬ﻭﻳﺒﺪﻭ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ‬
‫ﻳﺮﺻﺪ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺗﺸﻜﻞ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﺮﺳﻢ ﺍﻟﻔﻨﻲ ﻭﻫﻮ **‬
‫سبيتزرﻣﻨﻊ‬
‫ﻭﻣﻦ ﺃﺟﻞ‬
‫ﺍﻟﺘﺒﺎﻧﺔ ‪.‬‬
‫ﺍﻟﺨﺎﺻﺔعن آلة رصد فائقة احلساسية‬
‫ﺣﺮﺍﺭﺗﻪهو عبارة‬
‫الفضائي‬
‫منظار‬
‫ﻣﺠﺮﺗﻨﺎ ﺩﺭﺏ إن‬
‫ﺍﻟﻬﻠﻴﻮﻡ‬
‫ﻳﻘﻮﻡ‬
‫ﺍﻟﺮﺻﺪ‪،‬‬
‫ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺸﻮﻳﺶللحرارة ومصادرها‪ .‬ويبدو يف هذا الرسم الفين وهو يرصد مناطق‬
‫جمرتناﻗﺮﻳﺒﺔ‬
‫ﺩﺭﺟﺔ ﺣﺮﺍﺭﺓ‬
‫ﺍﻟﻤﻨﻈﺎﺭ ﺇﻟﻰ‬
‫دربﻣﻦالتبانة‪ .‬وم��ن أج��ل منع حرارته‬
‫النجوم يف‬
‫ﺍﻟﺴﺎﺋﻞ ﺑﺘﺒﺮﻳﺪ تشكل‬
‫ﺍﻟﺼﻔﺮ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ ‪ .‬ﻭﻳﺤﻤﻲ ﺩﺭﻉ ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ ﺍﻟﻤﻨﻈﺎﺭ ﻣﻦ‬
‫عمليات الرصد‪ ،‬يقوم اهلليوم السائل‬
‫اخلاصة من التشويش على‬
‫ﺣﺮﺍﺭﺓ ﺍﻟﺸﻤﺲ‪ ،‬ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺒﻘﻴﻪ ﻣﺪﺍﺭﻩ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﻌﻴﺪﺍً ﻋﻦ‬
‫ﺣﺮﺍﺭﺓ ﺍﻷﺭﺽ‪.‬بتربيد املنظار إىل درجة حرارة قريبة من الصفر املطلق‪ .‬وحيمي درع‬
‫‪.2‬‬

‫سبيتزر املنظار من حرارة الشمس‪ ،‬فيما يبقيه مداره اخلاص بعيداً‬
‫**‬
‫عن حرارة األرض‪.‬‬

‫مي����ث����ل س�����دي�����م ت����اران����ت����وال‬
‫‪ Tarantula‬يف سحابة ماجالن‬
‫الكربى أك�بر منطقة تولد فيها‬
‫النجوم يف الطرف القريب إلينا‬
‫ﻣﺎﺟﻼﻥ‬
‫ﻳﻤﺜﻞ ﺳﺪﻳﻢ ﺗﺎﺭﺍﻧﺘﻮﻻ ‪ Tarantula‬ﻓﻲمنﺳﺤﺎﺑﺔ‬
‫تظهر هذه الصورة‬
‫الكون‪.‬‬
‫ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺕﻭﻟﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ‬
‫املوزاييكية اليت التقطها منظار‬
‫ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻮﻥ ‪ .‬ﺗﻈﻬﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﻮﺯﺍﻳﻴﻜﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ‬
‫املرئية دوامات‬
‫باألشعة‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ ﻣﻨﻈﺎﺭ ﻫﺒﻞ ﺑﺎﻷﺷﻌﺔ ﺍﻟﻤﺮﺋﻴﺔ هبل‬
‫ﻭﺍﻟﻐﺒﺎﺭ‬
‫ﺩﻭﺍﻣﺎﺕ ﺍﻟﻐﺎﺯ‬
‫حول حشد النجوم‬
‫ﺣﻮﻝ ﺣﺸﺪ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻱ ‪ R136‬ﻓﻲالغاز‬
‫والغبارﺇﻥ ﻫﺬﺍ‬
‫ﺍﻟﺴﺪﻳﻢ ‪.‬‬
‫ﺳﺎﺑﻘﺎًيف السديم‪ .‬إن‬
‫ﻣﻌﻬﺎ‪R136‬‬
‫املركزي‬
‫ﺍﻟﺤﺸﺪ ﺍﻟﻨﺠﻤﻲ ﻫﻮ ﺑﺎﻟﻎ ﺍﻟﻜﺜﺎﻓﺔ ﻟﺪﺭﺟﺔ ﺍﻋﺘﻘﺪ‬
‫ه��ذا احلشد النجمي هو بالغ‬
‫ﺃﻧﻪ ﻧﺠﻢ ﻣﻔﺮﺩ‪.‬‬
‫معها‬
‫اعتقد‬
‫�ة‬
‫�‬
‫�درج‬
‫�‬
‫ل‬
‫الكثافة‬
‫ﻳﻤﺜﻞ ﺳﺪﻳﻢ ﺗﺎﺭﺍﻧﺘﻮﻻ ‪ Tarantula‬ﻓﻲ ﺳﺤﺎﺑﺔ ﻣﺎﺟﻼ‬
‫**‬
‫سابقاً‬
‫مفرد‪.‬ﺕﻭﻟﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻟﻘﺮ‬
‫جنمﻣﻨﻄﻘﺔ‬
‫أنهﺃﻛﺒﺮ‬
‫ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ‬

‫ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻮﻥ ‪ .‬ﺗﻈﻬﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﻮﺯﺍﻳﻴﻜﻴﺔ ﺍﻟﺘ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ ﻣﻨﻈﺎﺭ ﻫﺒﻞ ﺑﺎﻷﺷﻌﺔ ﺍﻟﻤﺮﺋﻴﺔ ﺩﻭﺍﻣﺎﺕ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﻭﺍ‬
‫ﺣﻮﻝ ﺣﺸﺪ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻱ ‪ R136‬ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺪﻳﻢ ‪ .‬ﺇﻥ‬
‫ﺍﻟﺤﺸﺪ ﺍﻟﻨﺠﻤﻲ ﻫﻮ ﺑﺎﻟﻎ ﺍﻟﻜﺜﺎﻓﺔ ﻟﺪﺭﺟﺔ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﻣﻌﻬﺎ ﺳﺎ‬
‫ﺃﻧﻪ ﻧﺠﻢ ﻣﻔﺮﺩ‪.‬‬

‫‪. 3‬اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫**‬

‫‪135‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪.4‬‬
‫**‬

‫ﻳﺒﺪ ﻭ ﺳﺪﻳﻢ ﺗﺎﺭﺍﻧﺘﻮﻻ ﺑﻌﻴﻮﻥ ﻣﻨﻈﺎﺭ ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‬
‫ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻲ ﻭﻗﺪ ﺍﻧﺘﺸﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﺧﻴﻮﻁ ﻋﻨﻜﺒﻮﺗﻴﺔ ﻭﻧﺠ‬
‫ﻭﻟﻴﺪﺓ‪ .‬ﺇﻥ ﻝﻣﻨﻈﺎﺭ ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ ﺣﻘﻞ ﺭﺅﻳﺔ ﺃﻋﺮﺽ ﺑﻜﺜ‬
‫ﻣﻦ ﺣﻘﻞ ﺭﺅﻳﺔ ﻣﻨﻈﺎﺭ ﻫﺒﻞ ‪ .‬ﻳﻘﻊ ﺍﻟﺤﺸﺪ ﺍﻟﻨﺠﻤ‬
‫ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ‪ R136‬ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺍﻷﻛﺜﺮ ﺳﻄﻮﻋﺎً ﻣﻦ‬
‫ﺍﻟﺴﺪﻳﻢ‪ .‬ﻭﻳﺴﺒﺐ ﺿﻮء ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮﺓ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ ﺍﻟﻄ‬
‫ﺗﻮﻫﺞ ﺍ ﻟﺴﺪﻳﻢ‪ ،‬ﻓﻴﻤﺎ ﺗﻤﺰﻕ ﺍﻟﺮﻳﺎﺡ ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﻨﻴﻔ‬
‫ﺳﺤﺐ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺑﺸﻜﻞ ﺍﻣﺘﺪﺍﺩﺍﺕ ﺧﻴﻄﻴﺔ‪.‬‬

‫يبدو سديم تارانتوال بعيون منظار سبيتزر‬
‫الفضائي وقد انتشر بشكل خيوط عنكبوتية‬
‫وجن��وم ول��ي��دة‪ .‬إن ملنظار سبيتزر حقل رؤية‬
‫أعرض بكثري من حقل رؤية منظار هبل‪ .‬يقع‬
‫احلشد النجمي الكبري ‪ R136‬يف املنطقة األكثر‬
‫سطوعاً م��ن السديم‪ .‬ويسبب ض��وء النجوم‬
‫الكبرية العايل الطاقة توهج السديم‪ ،‬فيما متزق‬
‫ال��ري��اح النجمية العنيفة سحب ال��غ��از بشكل‬
‫امتدادات خيطية‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫**‬

‫‪ .5‬اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫جمرة‬
‫أنيقة‬
‫حلزونية‬
‫أذرع‬
‫ﺳﺤﺎﺑﺔ يف تنثين‬
‫جسيم‬
‫ممزقة‬
‫أش�لاء‬
‫بقايا‬
‫تنتشر‬
‫ﻣﺠﺮﺓ‬
‫ﻣﺠﺮﺓ‬
‫نواةﻧﻮﺍﺓ‬
‫ﻧﻮﺍﺓ‬
‫منﻣﻦ‬
‫ﺧﺎﺭﺟﺔ‬
‫خارجةﻣﻦ‬
‫ﺧﺎﺭﺟﺔ‬
‫ﺃﻧﻴﻘﺔﺃﻧﻴﻘﺔ‬
‫ﺣﻠﺰﻭﻧﻴﺔ‬
‫ﺣﻠﺰﻭﻧﻴﺔ‬
‫ﺃﺫﺭﻉﺃﺫﺭﻉ‬
‫ﺗﻨﺜﻨﻲ‬
‫ﺗﻨﺜﻨﻲ‬
‫ﺳﺤﺎﺑﺔ‬
‫لنجمﻓﻲ‬
‫ﺟﺴﻴﻢ‬
‫ﺟﺴﻴﻢ ﻓﻲ‬
‫ﻟﻨﺠﻢ ﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﻣﻤﺰﻗﺔ‬
‫ﻣﻤﺰﻗﺔ‬
‫ﺃﺷﻼءﺃﺷﻼء‬
‫ﺑﻘﺎﻳﺎ ﺑﻘﺎﻳﺎ‬
‫ﺗﻨﺘﺸﺮ‬
‫ﺗﻨﺘﺸﺮ‬
‫‪Ursa‬‬
‫‪Ursa‬‬
‫ﺍﻷﻛﺒﺮ‬
‫ﺍﻷﻛﺒﺮ‬
‫ﺍﻟﺪﺏ‬
‫ﺍﻟﺪﺏ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬
‫ﺍﻟﻘﺮﻳﺒﺔ ﻓﻲ‬
‫ﻓﻲ‬
‫‪M81‬‬
‫‪M81‬‬
‫ﺍﻷﻋﻈﻢ‪،‬‬
‫ﺍﻷﻋﻈﻢ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻤﺘﺠﺪﺩ‬
‫ﺍﻟﻤﺘﺠﺪﺩ‬
‫ﻫﺬﺍ‬
‫ﺑﻘﺎﻳﺎ‬
‫ﻫﺬﺍ‬
‫ﺑﻘﺎﻳﺎ‬
‫ﺗﺘﻜﻮﻥ‬
‫ﺗﺘﻜﻮﻥ‬
‫‪.‬‬
‫ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ‬
‫‪.‬‬
‫ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ‬
‫ﻣﺎﺟﻼﻥ‬
‫ﻣﺎﺟﻼﻥ‬
‫‪Ursa‬‬
‫األكرب‬
‫الدب‬
‫جمموعة‬
‫ﺍﻟﻘﺮﻳﺒﺔ يف‬
‫القريبة‬
‫‪M81‬‬
‫املتجدد‬
‫بقايا هذا‬
‫ﺧﺎﺭﺟﺔ ﻣﻦ ﻧﻮﺍﺓ ﻣﺠﺮﺓ‬
‫ﺣﻠﺰﻭﻧﻴﺔ ﺃﻧﻴﻘﺔ‬
‫تتكونﺃﺫﺭﻉ‬
‫ماجالن الكربى‪ .‬ﺗﻨﺜﻨﻲ‬
‫سحابةﺳﺤﺎﺑﺔ‬
‫ﺷﻼء ﻣﻤﺰﻗﺔ ﻟﻨﺠﻢ ﺟﺴﻴﻢ ﻓﻲ‬
‫ﺍﻷﺫﺭﻉ‬
‫ﺍﻷﺫﺭﻉ‬
‫ﻣﻨﺎﻃﻖ‬
‫ﻣﻨﺎﻃﻖ‬
‫ﺩﺍﻓﺊيفﻓﻲ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﺩﺍﻓﺊ‬
‫غبارﻏﺒﺎﺭ‬
‫ﻏﺒﺎﺭ‬
‫ﻳﻨﺘﺸﺮﻳﻨﺘﺸﺮ‬
‫‪.Major‬‬
‫‪.Major‬‬
‫ﺗﺸﻜﻠﺖ‬
‫ﺗﺸﻜﻠﺖ‬
‫ﺛﻘﻴﻠﺔ‬
‫ﻋﻨﺎﺻﺮ‬
‫ﻋﻨﺎﺻﺮ‬
‫ﻣﻦ‪ ،‬ﻣﻦ‬
‫‪N49‬‬
‫‪، N49‬‬
‫ﺍﻷﻋﻈﻢ‪،‬ﺑـ‬
‫ﻳﺪﻋﻰ‬
‫ﻳﺪﻋﻰ ﺑـ‬
‫ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﺮﻯ‪ .‬ﺗﺘﻜﻮﻥ ﺑﻘﺎﻳﺎ ﻫﺬﺍﺍﻟﺬﻱ‬
‫‪Ursa‬‬
‫ثقيلةﺍﻟﺪﺏ ﺍﻷﻛﺒﺮ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬
‫ﺛﻘﻴﻠﺔﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻘﺮﻳﺒﺔ‬
‫‪M81‬‬
‫ﺍﻟﻤﺘﺠﺪﺩ‬
‫األذرع‬
‫مناطق‬
‫دافئ‬
‫ينتشر‬
‫‪.Major‬‬
‫عناصر‬
‫من‬
‫‪،N49‬‬
‫بـ‬
‫يدعى‬
‫الذي‬
‫األعظم‪،‬‬
‫ﺍﻟﻤﺠﺮﺓ ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻤﺠﺮﺓ ﻓﻲ‬
‫ﻣﻌﺎﻟﻢﻣﻌﺎﻟﻢ‬
‫ﺃﺑﺮﺯ ﺃﺑﺮﺯ‬
‫ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻨﻬﺎ‬
‫ﻟﻴﺠﻌﻞﻟﻴﺠﻌﻞ‬
‫ﺍﻟﻠﻮﻟﺒﻴﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻠﻮﻟﺒﻴﺔ‪،‬‬
‫ﻣﺎ‪،‬‬
‫ﻳﻮﻡ‬
‫ﻣﺎ‪،‬‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﻳﻮﻡ‬
‫‪.‬‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ‬
‫‪.‬‬
‫ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ‬
‫ﺁﻻﻑ‬
‫ﺁﻻﻑ‬
‫ﻗﺒﻞ‬
‫ﺍﻧﻔﺠﺮ‬
‫ﻗﺒﻞ‬
‫ﺍﻧﻔﺠﺮ‬
‫ﻧﺠﻢ‬
‫ﺩﺍﺧﻞ‬
‫ﻧﺠﻢ‬
‫ﺩﺍﺧﻞ‬
‫‪ .Major‬ﻳﻨﺘﺸﺮ ﻏﺒﺎﺭ ﺩﺍﻓﺊ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺍﻷﺫﺭﻉ‬
‫ـ ‪ ، N49‬ﻣﻦ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺛﻘﻴﻠﺔ ﺗﺸﻜﻠﺖ‬
‫أطوال‬
‫ﺩﻫﺎ يف‬
‫اجملرة‬
‫معامل‬
‫ﺍﻷﺷﻌﺔأبرز‬
‫منها‬
‫ليجعل‬
‫ﺃﺑﺮﺯ يف‬
‫السنني‪.‬‬
‫آالف‬
‫جنم‬
‫داخل‬
‫تشكلت‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺩﻫﺎ‬
‫ﻳﺮﺹﻳﺮﺹ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻷﺷﻌﺔ‬
‫ﻣﻮﺟﺎﺕ‬
‫ﻣﻮﺟﺎﺕ‬
‫اللولبية‪،‬ﺃﻃﻮﺍﻝ‬
‫ﺃﻃﻮﺍﻝ‬
‫ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻦ‬
‫ﺟﺪﻳﺪﺓ‬
‫ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻣﻦ‬
‫ﺍﻟﻠﻮﻟﺒﻴﺔ‪،‬ﺃﺟﻴﺎﻻً‬
‫قبلﻻً‬
‫ﺃﺟﻴﺎ‬
‫انفجرﻟﺘﺸﻜﻞ‬
‫ﻟﺘﺸﻜﻞ‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺩﺓﺍﻟﻤﺎﺩﺓ‬
‫ﺗﻨﺪﻣﺞ ﻫﺬﻩ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫ﻣﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺠﺮﺓ ﻓﻲ‬
‫ﻟﻴﺠﻌﻞ‬
‫ﺗﻨﺪﻣﺞ ﻣﺎ‪،‬‬
‫ﺳﻮﻑﻳﻮﻡ‬
‫ﺳﻮﻑ ﻓﻲ‬
‫ﻔﺠﺮ ﻗﺒﻞ ﺁﻻﻑ ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ ‪.‬‬
‫أجياالً‬
‫سبيتزر‪.‬‬
‫منظار‬
‫يرصدها‬
‫ﻭﺗﺸﻴﺮاليت‬
‫موجات‬
‫ﺳﺤﺐ‬
‫ﺳﺤﺐ‬
‫ﺍﻧﺒﻌﺎﺙ ﺇﻟﻰ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻧﺒﻌﺎﺙ‬
‫ﻋﻘﺪ ﻋﻘﺪ‬
‫ﻭﺗﺸﻴﺮ‬
‫األشعة‪.‬‬
‫ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ ‪.‬‬
‫ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‬
‫ﻛﻮﺍﻛﺐ‪.‬‬
‫ﻭﺭﺑﻤﺎ‬
‫ﻭﺭﺑﻤﺎ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ــ‬
‫لتشكل‬
‫ﺃﻃﻮﺍﻝاملادة‬
‫ﻛﻮﺍﻛﺐ‪.‬هذه‬
‫تندمج‬
‫سوف‬
‫ما‪،‬‬
‫ﻳﺮﺹ ﺩﻫﺎ‬
‫ﺍﻷﺷﻌﺔ ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﻣﻮﺟﺎﺕ‬
‫ﺟﺪﻳﺪﺓ ــﻣﻦ‬
‫يومﻻً‬
‫ﺞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻟﺘﺸﻜﻞ ﺃﺟﻴﺎ‬
‫ﻳﺠﺮﻱ‬
‫ﻳﺠﺮﻱ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ‬
‫ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ‬
‫ﻭﻫﻲ‬
‫ﻭﻫﻲ‬
‫ﺍﻟﻜﺜﻴﻔﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻜﺜﻴﻔﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻬﻴﺪﺭﻭﺟﻴﻦ‬
‫ﺍﻟﻬﻴﺪﺭﻭﺟﻴﻦ‬
‫ﺳﺤﺐ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻧﺒﻌﺎﺙ‬
‫ﻋﻘﺪ‬
‫ﻭﺗﺸﻴﺮ‬
‫‪.‬‬
‫ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‬
‫ﺑﻤﺎ ﻛﻮﺍﻛﺐ‪.‬‬
‫وتشري عقد انبعاث إىل سحب اهليدروجني‬
‫جديدة من النجوم ــ ورمبا كواكب‪.‬‬
‫ﻟﻠﻨﺠﻮﻡ‪.‬‬
‫ﻟﻠﻨﺠﻮﻡ‪.‬‬
‫ﻧﺸﻂ ﻧﺸﻂ‬
‫ﺗﺸﻜﻞﺗﺸﻜﻞ‬
‫ﻓﻴﻬﺎ‬
‫ﻓﻴﻬﺎ‬
‫ﻳﺠﺮﻱ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ‬
‫ﻭﻫﻲ‬
‫ﺍﻟﻜﺜﻴﻔﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻬﻴﺪﺭﻭﺟﻴﻦ‬
‫الكثيفة‪ ،‬وهي املناطق اليت جيري فيها تشكل‬
‫ﻓﻴﻬﺎ ﺗﺸﻜﻞ ﻧﺸﻂ ﻟﻠﻨﺠﻮﻡ‪.‬‬
‫**‬
‫** للنجوم‪.‬‬
‫نشط‬
‫‪.6 .6‬‬
‫**‬

‫ﻫﻴﻠﻴﻜﺲ ‪Helix‬‬
‫ﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺨﺒﺌﻪ‬
‫ﺠﻢ ﻣﺜﻞ ﺷﻤﺴﻨﺎ ‪.‬‬
‫ﺠﻢ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻱ ﻓﻲ‬
‫ﻪ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ‬
‫ﺒﺐ ﺍﻹﺷﻌﺎﻋﺎﺕ‬
‫ﺍﻟﻨﻮﺍﺓ ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺞ ﺍﻟﻐﺎﺯ ‪ .‬ﻟﻜﻦ‬
‫ﻣﺎﺯﺍﻟﻮ ﺍ ﻏﻴﺮ‬
‫ﻮﻟﺪ ﺍﻟﻌﻘﺪ ﺍﻟﻐﺮﻳﺒﺔ‬
‫ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻟﻠﺴﺪﻳﻢ ‪.‬‬
‫ﻟﺼﻮﺭﺓ ﻣﻦ‬
‫ﺑﻴﻦ ﺻﻮﺭ ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻣﻨﺎﻇﻴﺮ ﺃﺭﺿﻴﺔ‪.‬‬

‫‪Helix‬‬
‫‪Helix‬‬
‫ﻫﻴﻠﻴﻜﺲ‬
‫ﻫﻴﻠﻴﻜﺲ‬
‫ﺳﺪﻳﻢﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﻳﻌﻄﻴﻨﺎ‬
‫ﻳﻌﻄﻴﻨﺎ‬
‫ﻳﺨﺒﺌﻪﻳﺨﺒﺌﻪ‬
‫ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ‬
‫ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ‬
‫ﻟﻤﺤﺔ ﻟﻤﺎ‬
‫ﻟﻤﺤﺔ ﻟﻤﺎ‬
‫ﺷﻤﺴﻨﺎ ‪.‬‬
‫ﺷﻤﺴﻨﺎ ‪.‬‬
‫ﻟﻨﺠﻢ ﻣﺜﻞ‬
‫ﻟﻨﺠﻢ ﻣﺜﻞ‬
‫ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ‬
‫ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ‬
‫ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻱ ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻱ ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢﺍﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﻗﺬﻑﻗﺬﻑ‬
‫ﻟﻘﺪ ﻟﻘﺪ‬
‫ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ‬
‫ﻃﺒﻘﺎﺗﻪ‬
‫ﻃﺒﻘﺎﺗﻪ‬
‫ﺍﻟﺴﺪﻳﻢ‬
‫ﺍﻟﺴﺪﻳﻢ‬
‫ﺍﻹﺷﻌﺎﻋﺎﺕ‬
‫ﺍﻹﺷﻌﺎﻋﺎﺕ‬
‫ﻭﺗﺴﺒﺐ‬
‫ﻭﺗﺴﺒﺐ‬
‫ﺑﻌﻴﺪﺍً ‪.‬‬
‫ﺑﻌﻴﺪﺍً ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻨﻮﺍﺓﺍﻟﻨﻮﺍﺓ‬
‫ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﻋﻦ‬
‫ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﻋﻦ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯﺍﻟﻐﺎﺯ‪ .‬ﻟﻜﻦ‪ .‬ﻟﻜﻦ‬
‫ﺗﻮﻫﺞﺗﻮﻫﺞ‬
‫ﺍﻟﻌﺎﺭﻳﺔ‬
‫ﺍﻟﻌﺎﺭﻳﺔ‬
‫ﻏﻴﺮ ﻏﻴﺮ‬
‫ﻣﺎﺯﺍﻟﻮ ﺍ‬
‫ﻣﺎﺯﺍﻟﻮ ﺍ‬
‫ﺍﻟﻔﻠﻚﺍﻟﻔﻠﻚ‬
‫ﻋﻠﻤﺎءﻋﻠﻤﺎء‬
‫ﺍﻟﻐﺮﻳﺒﺔ‬
‫ﺍﻟﻐﺮﻳﺒﺔ‬
‫ﺍﻟﻌﻘﺪﺍﻟﻌﻘﺪ‬
‫ﻳﻮﻟﺪ ﻳﻮﻟﺪ‬
‫ﻭﺍﺛﻘﻴﻦ ﻣﻤﺎ‬
‫ﻭﺍﺛﻘﻴﻦ ﻣﻤﺎ‬
‫ﻟﻠﺴﺪﻳﻢ ‪.‬‬
‫ﻟﻠﺴﺪﻳﻢ ‪.‬‬
‫ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﺤﺎﻓﺔ‬
‫ﺍﻟﺤﺎﻓﺔ‬
‫ﻋﻠﻰ ﻋﻠﻰ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻣﻦ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻣﻦ‬
‫ﺻﻨﻌﺖ ﻫﺬﻩ‬
‫ﺻﻨﻌﺖ ﻫﺬﻩ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺻﻮﺭﺻﻮﺭ‬
‫ﺩﻣﺞ ﺑﻴﻦ‬
‫ﺩﻣﺞ ﺑﻴﻦ‬
‫ﻋﻤﻠﻴﺔﻋﻤﻠﻴﺔ‬
‫ﺃﺭﺿﻴﺔ‪.‬‬
‫ﺃﺭﺿﻴﺔ‪.‬‬
‫ﻣﻨﺎﻇﻴﺮ‬
‫ﻣﻨﺎﻇﻴﺮ‬
‫ﻭﺻﻮﺭ‬
‫ﻭﺻﻮﺭ‬
‫ﻫﺒﻞ ﻫﺒﻞ‬
‫** **‬
‫**‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ي��ع��ط��ي��ن��ا س���دي���م هيليكس‬
‫‪ Helix‬حمل��ة مل��ا مي��ك��ن أن‬
‫خيبئه املستقبل لنجم مثل‬
‫مشسنا‪ .‬لقد ق��ذف النجم‬
‫املركزي يف السديم طبقاته‬
‫اخل��ارج��ي��ة ب��ع��ي��داً‪ .‬وتسبب‬
‫اإلش��ع��اع��ات ال���ص���ادرة عن‬
‫النواة النجمية العارية توهج‬
‫ال���غ���از‪ .‬ل��ك��ن ع��ل��م��اء الفلك‬
‫مازالوا غري واثقني مما يولد‬
‫العقد الغريبة على احلافة‬
‫الداخلية للسديم‪ .‬صنعت‬
‫هذه الصورة من عملية دمج‬
‫بني صور منظار هبل وصور‬
‫مناظري أرضية‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪.7‬‬
‫‪.7 .7‬‬

‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫التصوير‪OSSE‬‬
‫منظومةﺍﻟﺘﺼﻮﻳﺮ‬
‫التقطت ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﺖ‬
‫ﺗﺪﻝ ﺃﺷﻌﺔ ‪ X‬ﺍﻟﻘﺎﺩﻣﺔ ﻣﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ‪47 Tucanae‬‬
‫منظار‬
‫ﻋﻠﻰعلى‬
‫‪OSSE‬‬
‫‪�47‬ة‪4747‬‬
‫‪�Tucanae‬‬
‫‪�Tucanae‬وع‬
‫جم��م�‬
‫��ن‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔم�‬
‫ال��ق��ادم��ة‬
‫‪XX‬‬
‫ﺃﺷﻌﺔ�ع��ة‬
‫ت���دل‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫‪OSSE‬‬
‫‪OSSE‬‬
‫ﺍﻟﺘﺼﻮﻳﺮ‬
‫ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ‬
‫ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﺖ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﺖ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬
‫ﻧﺸﺎﻁﻣﻦ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﺍﻟﻘﺎﺩﻣﺔ‬
‫ﺍﻟﻘﺎﺩﻣﺔ‬
‫‪X‬‬
‫ﺃﺷﻌﺔ‬
‫ﺗﺪﻝ‬
‫ﺗﺪﻝ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﻟﻨﺎﻓﻮﺭﺓ‬
‫ﺍﻟﺘﺼﻮﻳﺮ ﻏﺎﻣﺎ‬
‫ﺑﺄﺷﻌﺔ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫ﻛﻮﻣﺒﺘﻮﻥ‬
‫ﺣﺘﻰ ﻓﻲ‬
‫ﺣﺮﺍﺭﻱ‬
‫ﻳﻮﺏ‬
‫أش�ﺝ‬
‫ﻭﺟﻮﺩ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫‪3000‬ﻣﻦ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﻟﻨﺎﻓﻮﺭﺓ‬
‫ﻟﻨﺎﻓﻮﺭﺓ‬
‫ﻏﺎﻣﺎ‬
‫ﻏﺎﻣﺎ‬
‫ﺑﺄﺷﻌﺔ‬
‫ﺑﺄﺷﻌﺔ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫ﻛﻮﻣﺒﺘﻮﻥ‬
‫ﻛﻮﻣﺒﺘﻮﻥ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﺣﺘﻰ‬
‫ﺣﺘﻰ‬
‫ﺣﺮﺍﺭﻱ‬
‫ﺣﺮﺍﺭﻱ‬
‫ﻧﺸﺎﻁ‬
‫ﻧﺸﺎﻁ‬
‫ﻳﻮﺏ‬
‫ﻳﻮﺏ‬
‫ﺝ‬
‫ﻭﺟﻮﺩ‬
‫ﺝ‬
‫ﻭﺟﻮﺩ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫لنافورة‬
‫غاما‬
‫بأشعة‬
‫�ورة‬
‫�‬
‫�ص‬
‫�‬
‫ال‬
‫�ذه‬
‫�‬
‫ه‬
‫كومبتون‬
‫ﺍﻷﺟﺴﺎﻡحراري‬
‫ﻣﻌﻈﻢنشاط‬
‫جيوب‬
‫‪Tucanae‬‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﻀﺎﺩﺓ ﺗﻨﺒﺠﺲ ﻋﺎﻟﻴﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ‬
‫وجودﺗﻤﺜﻞ‬
‫علىﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺎﺕ‬
‫‪3000‬‬
‫‪3000‬‬
‫ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ‬
‫ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ‬
‫ﺇﻟﻰ‪.‬ﺇﻟﻰ‬
‫ﻋﺎﻟﻴﺎً‬
‫ﻋﺎﻟﻴﺎً‬
‫ﺗﻨﺒﺠﺲ‬
‫ﺗﻨﺒﺠﺲ‬
‫ﺍﻟﻤﻀﺎﺩﺓ‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ‬
‫ﺍﻷﺟﺴﺎﻡ‬
‫ﻣﻌﻈﻢ‬
‫ﻣﻌﻈﻢ‬
‫ﺗﻤﺜﻞ‬
‫ﺗﻤﺜﻞ‬
‫ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺎﺕ‬
‫ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺎﺕ‬
‫عالياً‬
‫ﺗﺼﻄﺪﻡ‬
‫ﻋﻨﺪﻣﺎ‬
‫ﻣﺠﺮﺗﻨﺎ‬
‫ﻣﺴﺘﻮﻯ‬
‫ﻓﻮﻕ‬
‫ﺳﻨﺔ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫حتىﻓﻲ‬
‫ﺗﻘﺮﻳﺒﺎً‬
‫تنبجس‬
‫ﺍﻟﻤﻀﺎﺩﺓ�ادة‬
‫�ض�‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔامل�‬
‫امل��ادة‬
‫ﺍﻷﺟﺴﺎﻡمتثل من‬
‫ارتفاع‬
‫إىل‬
‫القدمية‪.‬‬
‫النجمية‬
‫املنظومات‬
‫ﻓﻲيف‬
‫ﺗﺼﻄﺪﻡ‬
‫ﺗﺼﻄﺪﻡ‬
‫ﻋﻨﺪﻣﺎ‬
‫ﻋﻨﺪﻣﺎ‬
‫‪.‬‬
‫ﻣﺠﺮﺗﻨﺎ‬
‫‪.‬‬
‫ﻣﺠﺮﺗﻨﺎ‬
‫ﻣﺴﺘﻮﻯ‬
‫ﻣﺴﺘﻮﻯ‬
‫ﻓﻮﻕ‬
‫ﻓﻮﻕ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‬
‫ﺳﻨﺔ‬
‫ﺳﻨﺔ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﺗﻘﺮﻳﺒﺎً‬
‫ﺗﻘﺮﻳﺒﺎً‬
‫ﻣﻊ‬
‫(‬
‫ﺍﻟﻤﻀﺎﺩﺓ‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ‬
‫ﺍﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫)‬
‫ﺍﻟﺒﻮﺯﻳﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﻧﺠﻢ‬
‫ﻓﻴﻬﺎ‬
‫ﻳﻠﻘﻲ‬
‫ﺣﻴﺚ‬
‫ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫ﻣﻨﻈﻮﻣﺎﺕ‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫جمرتنا‪.‬‬
‫�س��ت��وى‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺩﺓم�‬
‫��وق‬
‫ﺍﻟﺒﻮﺯﻳﺘﺮﻭﻧﺎﺕ�وئ��ي��ة ف�‬
‫ض�‬
‫الصورة اليت ‪ 3000‬س��ن��ة‬
‫ﻋﻠﻰاً‬
‫ﻳﻠﻘﻲ��ذه‬
‫ﺣﻴﺚه‬
‫ﺣﻴﺚيف‬
‫تقريب‬
‫األجسام‬
‫معظم‬
‫ﻣﻊ ﻣﻊ‬
‫ﺍﻧﺒﻌﺎﺙ (‬
‫ﺍﻟﻤﻀﺎﺩﺓ‬
‫ﺍﻟﻤﻀﺎﺩﺓ (‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ‬
‫ﺍﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﺍﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﺍﻟﺒﻮﺯﻳﺘﺮﻭﻧﺎﺕ )‬
‫ﻧﺠﻢ‬
‫ﻓﻴﻬﺎﻓﻴﻬﺎ‬
‫ﻳﻠﻘﻲ‬
‫ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫ﻣﻨﻈﻮﻣﺎﺕ‬
‫ﻣﻨﻈﻮﻣﺎﺕ‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫ﺑﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﻣﻌﺎً‬
‫ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ‪ )،‬ﺗﺘﻔﺎﻧﻰ‬
‫ﺍﻻ ﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﻧﺠﻢﺇﻣﺎ‬
‫ﻫﻮ‬
‫ﻣﻨﻬﺎﺭ‪،‬‬
‫ﺟﺴﻢ‬
‫ﻣﺎﺩﺓ‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍﺷﻤﺴﻲ‬
‫ﺷﺒﻪ‬
‫ﻋﺎﺩﻱ‬
‫املادة‬
‫(الكرتونات‬
‫البوزيرتونات‬
‫تصطدم‬
‫عندما‬
‫ﺍﻧﺒﻌﺎﺙ‬
‫ﺍﻧﺒﻌﺎﺙ‬
‫ﺑﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﺑﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﺎ‬
‫ً‬
‫ﻣﻌ‬
‫ﺎ‬
‫ً‬
‫ﻣﻌ‬
‫ﺗﺘﻔﺎﻧﻰ‬
‫ﺗﺘﻔﺎﻧﻰ‬
‫ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ‪،‬‬
‫ﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﺍﻻ‬
‫ﺍﻻ‬
‫ﺇﻣﺎ‬
‫ﺇﻣﺎ‬
‫ﻫﻮ‬
‫ﻫﻮ‬
‫ﻣﻨﻬﺎﺭ‪،‬‬
‫ﻣﻨﻬﺎﺭ‪،‬‬
‫ﺟﺴﻢ‬
‫ﺟﺴﻢ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﻣﺎﺩﺓ‬
‫ﻣﺎﺩﺓ‬
‫ﺷﻤﺴﻲ‬
‫ﺷﻤﺴﻲ‬
‫ﺷﺒﻪ‬
‫ﺷﺒﻪ‬
‫ﻋﺎﺩﻱ‬
‫ﻋﺎﺩﻱ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭثنائية‪،‬‬
‫منظومات‬
‫منظار‬
‫ﻷﺷﻌﺔ ﻏﺎﻣﺎ ‪ .‬ﻭﻳﺒﻘﻰ ﻣﺼﺪﺭ ﺍﻟﺒﻮﺯﻳﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫تشاندراﻟﻘﺪ ﺍﻛﺘﺸﻒ‬
‫ﻧﻴﻮﺗﺮﻭﻧﻲ ‪.‬‬
‫التقطها ﺃﻭ ﻧﺠﻢ‬
‫ﺃﺑﻴﺾ‬
‫ﻗﺰﻡ‬
‫ﺍﻟﺒﻮﺯﻳﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﻣﺼﺪﺭ‬
‫ﻣﺼﺪﺭ‬
‫ﻭﻳﺒﻘﻰ‬
‫ﻭﻳﺒﻘﻰ‬
‫ﻏﺎﻣﺎ ‪. .‬‬
‫ﻏﺎﻣﺎ‬
‫ﻷﺷﻌﺔ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻛﺘﺸﻒ‬
‫ﻟﻘﺪ‬
‫ﻟﻘﺪ‬
‫ﻧﻴﻮﺗﺮﻭﻧﻲ ‪.‬‬
‫ﻧﻴﻮﺗﺮﻭﻧﻲ ‪.‬‬
‫ﻧﺠﻢﻧﺠﻢ‬
‫ﻣﺼﺎﺩﺭﺍًﺃﻭ‬
‫ﺃﺑﻴﺾ‬
‫ﺃﺑﻴﺾ ﺃﻭ‬
‫ﻗﺰﻡ‬
‫ﻗﺰﻡ‬
‫ﺍﻟﺒﻮﺯﻳﺘﺮﻭﻧﺎﺕ معاً‬
‫ﻷﺷﻌﺔ‪.‬‬
‫ﻏﺎﻣﻀﺎً‬
‫ﺍﻛﺘﺸﻒﻣﻤﺎ‬
‫ﻣﺮﺍﺕ‬
‫ﺑﻌﺸﺮ‬
‫ﺃﻛﺜﺮ‬
‫‪X‬‬
‫ﻷﺷﻌﺔ‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫تتفانى‬
‫العادية‪،‬‬
‫االلكرتونات‬
‫مع‬
‫املضادة)‬
‫مادة‬
‫مشسي‬
‫شبه‬
‫عادي‬
‫جنم‬
‫فيها‬
‫يلقي‬
‫حيث‬
‫ﻏﺎﻣﻀﺎً‪.‬‬
‫ﻏﺎﻣﻀﺎً‪.‬‬
‫ﻣﻤﺎﻣﻤﺎ‬
‫ﻣﺮﺍﺕ‬
‫ﻣﺮﺍﺕ‬
‫ﺑﻌﺸﺮ‬
‫ﺑﻌﺸﺮ‬
‫ﺃﻛﺜﺮﺃﻛﺜﺮ‬
‫ﺳﺎﺑﻘﺔ‪X.‬‬
‫‪X‬‬
‫ﻷﺷﻌﺔ‬
‫ﻷﺷﻌﺔ‬
‫ﻣﺼﺎﺩﺭﺍً‬
‫ﻣﺼﺎﺩﺭﺍً‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ‬
‫ﻣﻨﺎﻇﻴﺮ‬
‫ﻭﺟﺪﺗﻪ‬
‫إما‪ .‬قزم أبيض أو جنم ب��ص��ورة انبعاث ألشعة غ��ام��ا‪ .‬ويبقى مصدر‬
‫ﻣﻤﺎﺛﻠﺔهو‬
‫منهار‪،‬‬
‫جسم‬
‫على‬
‫ﺳﺎﺑﻘﺔ‬
‫ﺳﺎﺑﻘﺔ‪.‬‬
‫ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ‬
‫ﻣﻨﺎﻇﻴﺮ‬
‫ﻣﻨﺎﻇﻴﺮ‬
‫ﻭﺟﺪﺗﻪ‬
‫ﻭﺟﺪﺗﻪ‬
‫نيوتروني‪ .‬لقد اكتشف منظار تشاندرا مصادراً **البوزيرتونات غامضاً‪.‬‬
‫ألشعة ‪ X‬أكثر بعشر مرات مما وجدته مناظري ****‬
‫‪ .8 .8.8‬مماثلة سابقة‪.‬‬

‫يلتهب سديم ‪ Bug‬وهو خيرج‬
‫من جنم فيت حار تطوقه حلقة‬
‫كثيفة وثخينة من الغبار‪ .‬خيفي‬
‫القرص املغرب النجم عن الرؤية‬
‫املباشرة‪ ،‬لكن منظار هبل التقط‬
‫ﻳﻠﺘﻬﺐ ﺳﺪﻳﻢ ‪ Bug‬ﻭﻫﻮ ﻳﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﻧﺠﻢ‬
‫السديم‬
‫على‬
‫ﺳﺪﻳﻢ�ه‬
‫�أث�يرات�‬
‫ﻓﺘﻲت�‬
‫الشبيهﻧﺠﻢ‬
‫ﻧﺠﻢ‬
‫ﻣﻦﻣﻦ‬
‫ﻳﺨﺮﺝ‬
‫ﻳﺨﺮﺝ‬
‫ﻭﻫﻮ‬
‫ﻭﻫﻮ‬
‫‪Bug‬‬
‫‪Bug‬‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﻳﻠﺘﻬﺐ‬
‫ﻳﻠﺘﻬﺐ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﻭﺛﺨﻴﻨﺔ‬
‫ﻛﺜﻴﻔﺔ‬
‫ﺣﻠﻘﺔ‬
‫ﺗﻄﻮﻗﻪ‬
‫ﺣﺎﺭ‬
‫الذيﻣﻦ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﻭﺛﺨﻴﻨﺔ‬
‫ﻭﺛﺨﻴﻨﺔ‬
‫ﻛﺜﻴﻔﺔ‬
‫ﻛﺜﻴﻔﺔ‬
‫ﺣﻠﻘﺔ‬
‫ﺣﻠﻘﺔ‬
‫ﺗﻄﻮﻗﻪ‬
‫ﺗﻄﻮﻗﻪ‬
‫ﺣﺎﺭ‬
‫ﺣﺎﺭ‬
‫ﻓﺘﻲ‬
‫ﻓﺘﻲ‬
‫�از‪،‬‬
‫�‬
‫�غ‬
‫�‬
‫ال‬
‫�رج‬
‫�‬
‫خي‬
‫�ة‪.‬‬
‫�‬
‫�روح‬
‫�‬
‫�امل‬
‫ب�‬
‫ﺍﻟﻐﺒﺎﺭ ‪ .‬ﻳﺨﻔﻲ ﺍﻟﻘﺮﺹ ﺍﻟﻤﻐﺒﺮ ﺍﻟﻨﺠﻢ ﻋﻦ‬
‫ﻋﻦﻋﻦ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﺍﻟﻤﻐﺒﺮ‬
‫ﺍﻟﻤﻐﺒﺮ‬
‫ﺍﻟﻘﺮﺹ‬
‫ﺍﻟﻘﺮﺹ‬
‫ﻳﺨﻔﻲ‬
‫ﻳﺨﻔﻲ‬
‫‪.‬‬
‫ﺍﻟﻐﺒﺎﺭ‬
‫‪.‬‬
‫ﺍﻟﻐﺒﺎﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ ﻫﺒﻞ ﺍﻟﺘﻘﻂ‬
‫ﺍﻟﺮﺅﻳﺔ‬
‫البنفسجي‬
‫�وق‬
‫ﻟﻜﻦف�‬
‫ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ‪�،‬اع‬
‫ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ‪�،‬‬
‫ﺍﻟﺮﺅﻳﺔاإلش��ع‬
‫يثريه‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻂ‬
‫ﻫﺒﻞﻫﺒﻞ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﻟﻜﻦﻟﻜﻦ‬
‫ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ‪،‬‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻂ‪.‬‬
‫ﺑﺎﻟﻤﺮﻭﺣﺔ‬
‫ﺍﻟﺸﺒﻴﻪ‬
‫ﺍﻟﺴﺪﻳﻢ‬
‫ﺍﻟﺮﺅﻳﺔ ﻋﻠﻰ‬
‫ﺗﺄﺛﻴﺮﺍﺗﻪ‬
‫ﻓﻮﻕ�‬
‫ﺍﻹﺷﻌﺎﻉ وري‬
‫للنجم‬
‫ﺍﻟﺴﺪﻳﻢ��د‬
‫�ش��دي‬
‫ﻋﻠﻰال�‬
‫ﺗﺄﺛﻴﺮﺍﺗﻪ�وي‬
‫ﻳﺨﺮﺝ�ق�‬
‫ال�‬
‫ﺑﺎﻟﻤﺮﻭﺣﺔ ‪.‬‬
‫��اح ‪.‬‬
‫ﺑﺎﻟﻤﺮﻭﺣﺔ‬
‫ﺍﻟﺸﺒﻴﻪ‬
‫ﺍﻟﺸﺒﻴﻪ‬
‫ﺍﻟﺴﺪﻳﻢ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﺗﺄﺛﻴﺮﺍﺗﻪ‬
‫ﻳﺜﻴﺮﻩ‬
‫ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‪،‬‬
‫ﻓﻮﻕ‬
‫ﻓﻮﻕ‬
‫ﺍﻹﺷﻌﺎﻉ‬
‫ﺍﻹﺷﻌﺎﻉ‬
‫ﻳﺜﻴﺮﻩ‬
‫ﻳﺜﻴﺮﻩ‬
‫ﺍﻟﺬﻱﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‪،‬‬
‫ﻳﺨﺮﺝ‬
‫ﻳﺨﺮﺝ‬
‫الوحيد‬
‫االجتاه‬
‫يف‬
‫القوية‪،‬‬
‫النجم‬
‫ﻭﺭﻳﺎﺡ‬
‫ﻟﻠﻨﺠﻢ‬
‫ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ‬
‫ﺍﻟﻘﻮﻱ‬
‫ﺍﻟﺒﻨﻔﺴﺠﻲ‬
‫ﻭﺭﻳﺎﺡ‬
‫ﻭﺭﻳﺎﺡ‬
‫ﻟﻠﻨﺠﻢ‬
‫ﻟﻠﻨﺠﻢ‬
‫ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ‬
‫ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ‬
‫ﺍﻟﻘﻮﻱ‬
‫ﺍﻟﻘﻮﻱ‬
‫ﺍﻟﺒﻨﻔﺴﺠﻲ‬
‫ﺍﻟﺒﻨﻔﺴﺠﻲ‬
‫ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ‬
‫ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ‪ ،‬ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﺬﻱفيه‬
‫�ل�ات‬
‫ﺍﻻﺗﺠﺎﻩاإلف�‬
‫يستطيع‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢ����ذي‬
‫ال‬
‫ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ‬
‫ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ‬
‫ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ‬
‫ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ‬
‫ﻓﻴﻪﻓﻲ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﻣﺤﻮﺭ‬
‫ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ــ‬
‫ﺍﻹﻓﻼﺕ‬
‫ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ‬
‫تدوميه‬
‫��ور‬
‫ﻋﻠﻰ�‬
‫ﻓﻴﻪ ــحم‬
‫�ى‬
‫ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ�ل�‬
‫ـ��ـ ع�‬
‫ﻣﺤﻮﺭ‬
‫ﻣﺤﻮﺭ‬
‫ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ‬
‫ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ام��ت��دادــ‬
‫ﻓﻴﻪ‬
‫ﺍﻹﻓﻼﺕ‬
‫ﺍﻹﻓﻼﺕ‬
‫ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ‬
‫ﺍﻟﻘﺮﺹ‪.‬‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﺍﻟﻌﻤﻮﺩﻱ‬
‫ﺗﺪﻭﻳﻤﻪ‬
‫القرص‪.‬‬
‫على‬
‫العمودي‬
‫ﺍﻟﻘﺮﺹ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻘﺮﺹ‪.‬‬
‫ﻋﻠﻰﻋﻠﻰ‬
‫ﺍﻟﻌﻤﻮﺩﻱ‬
‫ﺍﻟﻌﻤﻮﺩﻱ‬
‫ﺗﺪﻭﻳﻤﻪ‬
‫ﺗﺪﻭﻳﻤﻪ‬

‫‪138‬‬

‫**‬
‫****‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬
‫‪7‬‬

‫‪.9‬‬

‫‪.9‬‬

‫ص�����ورة م��رك��ب��ة ب��أش��ع��ة ‪X‬‬
‫واألشعة البصرية والراديوية‬
‫األع���ظ���م‬
‫��ج���دد‬
‫ﺻﻮﺭﺓ�ق��اي��ا‬
‫ﻣﺮﻛﺒﺔ�ب�‬
‫ﺻﻮﺭﺓ ل�‬
‫ﻣﺮﻛﺒﺔامل���ت�‪X‬‬
‫ﺑﺄﺷﻌﺔ‬
‫ﻭﺍﻷﺷﻌﺔﻭﺍﻷﺷﻌﺔ‬
‫ﺑﺄﺷﻌﺔ ‪X‬‬
‫ﺍﻟﻤﺘﺠﺪﺩاً‬
‫ﺍﻟﻤﺘﺠﺪﺩتشرحي‬
‫‪،72-EO102‬وتظهر‬
‫ﻭﺍﻟﺮﺍﺩﻳﻮﻳﺔ ﻟﺒﻘﺎﻳﺎ‬
‫ﻟﺒﻘﺎﻳﺎ‬
‫ﻭﺍﻟﺮﺍﺩﻳﻮﻳﺔ‬
‫ﺍﻟﺒﺼﺮﻳﺔﺍﻟﺒﺼﺮﻳﺔ‬
‫ﻭﺗﻈﻬﺮ‬
‫‪،EO102-72‬‬
‫أشعة‬
‫متفجر‪.‬‬
‫لنجم‬
‫تكشفﻭﺗﻈﻬﺮ‬
‫‪،EO102-72‬‬
‫ﺍﻷﻋﻈﻢ ﺍﻷﻋﻈﻢ‬
‫‪X‬‬
‫ﺃﺷﻌﺔ‬
‫ﺗﻜﺸﻒ‬
‫‪.‬‬
‫ﻣﺘﻔﺠﺮ‬
‫ﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﻭﺍﻷﺷﻌﺔ‬
‫‪X‬‬
‫ﺗﺸﺮﻳﺤﺎًﺑﺄﺷﻌﺔ‬
‫ﺭﺓ ﻣﺮﻛﺒﺔ‬
‫ً‬
‫ﺃﺷﻌﺔا ‪X‬‬
‫ﻣﺘﻔﺠﺮ ‪.‬‬
‫ﺗﺸﺮﻳﺤﺎً ﻟﻨﺠﻢ‬
‫األزرق)‬
‫(ب��ال��ل��ون‬
‫‪X‬‬
‫ﺗﻜﺸﻒ غ���از‬
‫ﻏﻨﻴﺎً‬
‫ﻏﺎﺯﺍً‬
‫ﻟﺒﻘﺎﻳﺎب�(‬
‫ﻏﺎﺯﺍً ﻏﻨﻴﺎً‬
‫�س�(‬
‫ﺍﻷﺯﺭﻕ‬
‫ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ‬
‫ﺼﺮﻳﺔ )ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ )‬
‫ﺍﻟﻤﺘﺠﺪﺩ‬
‫ﺍﻷﺯﺭﻕ�ي�اً‬
‫والنيون‪،‬‬
‫�ج�ين‬
‫�األك�‬
‫ﻭﺍﻟﺮﺍﺩﻳﻮﻳﺔغ��ن�‬
‫ﻭﺗﺒﻠﻎ‬
‫ﻭﺍﻟﻨﻴﻮﻥ‪،‬‬
‫ﺑﺎﻷﻛﺴﺠﻴﻦ‬
‫ﺣﺮﺍﺭﺗﻪ ﺣﺮﺍﺭﺗﻪ‬
‫ﻭﺍﻟﻨﻴﻮﻥ‪ ،‬ﻭﺗﺒﻠﻎ‬
‫ﺑﺎﻷﻛﺴﺠﻴﻦ‬
‫ﻭﺗﻈﻬﺮ�ه ‪.‬ع���دة ماليني‬
‫�رارت�‬
‫‪،EO102-72‬ح�‬
‫ﻣﻦ�ل��غ‬
‫ﻈﻢ ﻋﺪﺓ ﻣﻼﻳﻴﻦوت��ب�‬
‫ﺍﻟﺪﺭﺟﺎﺕ‬
‫ﻭﻳﺸﻴﺮ‪ .‬ﻭﻳﺸﻴﺮ‬
‫ﺍﻟﺪﺭﺟﺎﺕ‬
‫ﺗﻜﺸﻒﻣﻦ‬
‫ﻣﻼﻳﻴﻦ‬
‫ﻳﺤﺎً ﻟﻨﺠﻢ ﻋﺪﺓ‬
‫‪X‬‬
‫ﺃﺷﻌﺔ‬
‫ﻣﺘﻔﺠﺮ ‪.‬‬
‫الضوء‬
‫ويشري‬
‫الدرجات‪.‬‬
‫من‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫(‬
‫ﺍﻷﺧﻀﺮ‬
‫ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ‬
‫)‬
‫ﺍﻟﻤﺮﺋﻲ‬
‫ﻮﻥ ﺍﻟﻀﻮء‬
‫ﻏﻨﻴﺎً)ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ ﺍﻷﺧﻀﺮ( ﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻟﻤﺮﺋﻲ‬
‫ﺍﻟﻀﻮءﻏﺎﺯﺍً‬
‫ﺍﻷﺯﺭﻕ (‬
‫إىل‬
‫األخضر)‬
‫(باللون‬
‫املرئي‬
‫ﺍﻷﻛﺴﺠﻴﻦ ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﻏﺎﺯ‬
‫ﻛﺘﻞ ﻛﺜﻴﻔﺔ‬
‫ﺍﻷﻛﺴﺠﻴﻦ ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﻭﺗﺒﻠﻎﻣﻦ ﻏﺎﺯ‬
‫ﻣﻦﻛﺜﻴﻔﺔ‬
‫ﻛﺘﻞ‬
‫ﺣﺮﺍﺭﺗﻪ‬
‫ﻭﺍﻟﻨﻴﻮﻥ‪،‬‬
‫ﺴﺠﻴﻦ‬
‫ﻣﺌﻮﻳﺔ‪ º.‬ﺃﻣﺎ‬
‫‪30,000‬‬
‫األكسجني ﺃﻣﺎ‬
‫ﻣﺌﻮﻳﺔ‪.‬‬
‫‪30,000‬‬
‫ﺩﺭﺟﺔ‬
‫ﺍﺑﺘﺮﺩ ﺇﻟﻰﺍﺑﺘﺮﺩ‬
‫من‪ º‬غاز‬
‫ﺩﺭﺟﺔﺇﻟﻰكثيفة‬
‫كتل‬
‫ﻭﻳﺸﻴﺮ‬
‫ﺍﻟﺮﺍﺩﻳﻮﻳﺔ )‪.‬‬
‫ﺍﻟﺪﺭﺟﺎﺕ‬
‫ﻣﻼﻳﻴﻦ ﻣﻦ‬
‫ﺍﻷﺣﻤﺮﻥ (‬
‫ﺑﺎﻟﻠﻮ‬
‫ﺍﻟﻤﻮﺟﺎﺕ‬
‫ﺍﻷﺣﻤﺮ (‬
‫ﺑﺎﻟﻠﻮ‬
‫ﺍﻟﺮﺍﺩﻳﻮﻳﺔ ﻥ)‬
‫ﺍﻟﻤﻮﺟﺎﺕ‬
‫‪30,000º‬‬
‫درجة‬
‫إىل‬
‫ابرتد‬
‫الذي‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻷﺧﻀﺮ(‬
‫ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ‬
‫ﻮء ﺍﻟﻤﺮﺋﻲ‬
‫املوجاتﺗﺪﻭﻡ‬
‫ﺍﻟﻄﺎﻗﺔ‬
‫ﻋﺎﻟﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﺗﺪﻭﻡ‬
‫ﺍﻟﻄﺎﻗﺔ‬
‫ﻋﺎﻟﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ‬
‫ﻓﺘﻈﻬﺮ )ﻓﺘﻈﻬﺮ‬
‫الراديوية‬
‫أما‬
‫مئوية‪.‬‬
‫ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﺍﻷﻛﺴﺠﻴﻦ‬
‫ﻏﺎﺯ‬
‫ﻣﻐﻨﻄﻴﺴﻲ‪.‬‬
‫ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ‬
‫ﻛﺜﻴﻔﺔﻓﻲﻣﻦﺧﻄﻮﻁ‬
‫ﻣﻐﻨﻄﻴﺴﻲ‪.‬‬
‫ﺧﻄﻮﻁ ﻣﺠﺎﻝ‬
‫�����ر) فتظهر‬
‫�‬
‫األمح‬
‫��ون‬
‫�‬
‫��ل‬
‫�‬
‫��ال‬
‫�‬
‫(ب‬
‫ﺩ ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺟﺔ ‪ º 30,000‬ﻣﺌﻮﻳﺔ‪ .‬ﺃﻣﺎ‬
‫الطاقة تدوم‬
‫الكرتوناتﻥ عالية‬
‫ﺍﻷﺣﻤﺮ (‬
‫ﺟﺎﺕ ﺍﻟﺮﺍﺩﻳﻮﻳﺔ )ﺑﺎﻟﻠﻮ‬
‫ﺗﺪﻭﻡمغنطيسي‪.‬‬
‫ﺍﻟﻄﺎﻗﺔجمال‬
‫خطوط‬
‫ﻬﺮ ﺍﻟﻜﺘﺮﻭﻧﺎﺕ يف‬
‫ﻋﺎﻟﻴﺔ‬
‫‪10 . 10‬‬
‫ﻣﺠﺎﻝ‪ .‬ﻣﻐﻨﻄﻴﺴﻲ‪.‬‬
‫ﺧﻄﻮﻁ‬

‫**‬

‫**‬

‫**‬

‫يتكون النظام امل���زدوج للثقب األس��ود ‪XTE‬‬
‫‪ XTE‬له‬
‫‪XTE‬يف مدار‬
‫مشسي‬
‫جنم شبه‬
‫‪ 480+J1118‬من‬
‫ﻟﻠﺜﻘﺐ ﺍﻷﺳﻮﺩ‬
‫ﻳﺘﻜﻮﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ‬
‫ﺍﻟﻤﺰﺩﻭﺝﺍﻷﺳﻮﺩ‬
‫ﺍﻟﻤﺰﺩﻭﺝ ﻟﻠﺜﻘﺐ‬
‫ﻳﺘﻜﻮﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ‬
‫الطيفية‬
‫هذه‬
‫تظهر‬
‫أسود‪.‬‬
‫ثقب‬
‫حول‬
‫الصورة ﻣﺪﺍﺭ‬
‫ﻣﺪﺍﺭﻓﻲ‬
‫ﺷﻤﺴﻲ‬
‫ﺷﺒﻪ‬
‫ﻧﺠﻢ‬
‫ﻣﻦ‬
‫‪J1118+480‬‬
‫‪ J1118+480‬ﻣﻦ ﻧﺠﻢ ﺷﺒﻪ ﺷﻤﺴﻲ ﻓﻲ‬
‫الساطع‬
‫منظار‬
‫اليت‬
‫(اخلطﺍﻟﻄﻴﻔﻴﺔ‬
‫تشاندراﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﺗﻈﻬﺮ ﻫﺬﻩ‬
‫ﺃﺳﻮﺩ ‪.‬‬
‫ﺛﻘﺐ‬
‫ﺣﻮﻝ‬
‫ﻟﻪ ﺣﻮﻝ ﻟﻪ‬
‫ﺍﻟﻄﻴﻔﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫التقطهاﺗﻈﻬﺮ‬
‫ﺃﺳﻮﺩ ‪.‬‬
‫ﺛﻘﺐ‬
‫ﺍﻟﺴﺎﻃﻊ‬
‫ﺍﻟﺨﻂ‬
‫)‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﺴﺎﻃﻊ‬
‫ﺍﻟﺨﻂ‬
‫)‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ الطويل) أن قرص املادة الساقطة املسحوبة من‬
‫ﺍﻟﺴﺎﻗﻄﺔ‬
‫ﻗﺮﺹال ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ‬
‫ﻗﺮﺹﺃﻥ‬
‫اجلسم (‬
‫ﺍﻟﻄﻮﻳﻞ‬
‫ﺍﻟﻤﺴﺤﻮﺑﺔ‬
‫ﺍﻟﺴﺎﻗﻄﺔ‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ‬
‫ﺍﻟﻄﻮﻳﻞ ( ﺃﻥ‬
‫ﺍﻟﻤﺴﺤﻮﺑﺔعن‬
‫مسافة تقل‬
‫يقرتب إىل‬
‫القرين‬
‫ﻋﻦﺗﻘﻞ ﻋﻦ‬
‫ﻣﺴﺎﻓﺔ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﻳﻘﺘﺮﺏ‬
‫ﻳﻘﺘﺮﺏﻻ‬
‫ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻻﺍﻟﻘﺮﻳﻦ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﺗﻘﻞ‬
‫ﻣﺴﺎﻓﺔ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻟﻘﺮﻳﻦ‬
‫ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ‬
‫�ود‪.‬ﻭﻗﺪوقد‬
‫الثقب األس�‬
‫كم) من‬
‫(‪970‬‬
‫‪ 600‬ميل‬
‫‪600‬‬
‫ﺍﻷﺳﻮﺩ ‪.‬‬
‫ﻣﻦﻛﻢ (‬
‫‪970‬‬
‫ﻣﻴﻞ )‬
‫ﺍﻷﺳﻮﺩ‬
‫ﻟﻠﺜﻘﺐ‬
‫ﺍﻟﻤﺰﺩﻭﺝ‬
‫‪ XTE‬ﻭﻗﺪ‬
‫ﺍﻟﺜﻘﺐ ‪.‬‬
‫ﻣﻦﺍﻷﺳﻮﺩ‬
‫ﺍﻟﺜﻘﺐ‬
‫ﻛﻢ (‬
‫‪970‬‬
‫ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻣﻴﻞ )‬
‫ﺘﻜﻮﻥ ‪600‬‬
‫يستطيع‬
‫ﻳﺴﺘﻄﻴﻊأن‬
‫ﻣﺪﺍﺭﻗﺒﻞقبل‬
‫حارة‬
‫فقاعة‬
‫بشكل‬
‫الغاز‬
‫يندفع‬
‫ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ‬
‫ﺃﻥ‬
‫ﺣﺎﺭﺓ‬
‫ﻓﻘﺎﻋﺔ‬
‫ﺑﺸﻜﻞ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‬
‫ﻳﻨﺪﻓﻊ‬
‫ﻓﻲ ﺃﻥ‬
‫ﺷﻤﺴﻲ ﻗﺒﻞ‬
‫ﻓﻘﺎﻋﺔ ﺣﺎﺭﺓ‬
‫ﻳﻨﺪﻓﻊ‬
‫ﺑﺸﻜﻞﺷﺒﻪ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ ﻧﺠﻢ‬
‫‪ J1118+480‬ﻣﻦ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫أكثر‬
‫االقرتاب‬
‫من ﺫﻟﻚ‪.‬‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﺃﻛﺜﺮ‬
‫ﺍﻻﻗﺘﺮﺍﺏ‬
‫ﺫﻟﻚ‪.‬‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﺃﻛﺜﺮ‬
‫ﺍﻻﻗﺘﺮﺍﺏ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻄﻴﻔﻴﺔ‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫ﺗﻈﻬﺮ‬
‫ﺃﺳﻮﺩ ‪.‬‬
‫ﻪ ﺣﻮﻝ ﺛﻘﺐ‬

‫يتبدى قلب جمرة املرأة املسلسلة ‪Andromeda‬‬
‫أشعة ‪X‬‬
‫ﺍﻟﻤﺮﺃﺓمصادر‬
‫جتمعاتﻗﻠﺐواف��رة من‬
‫بصورة‬
‫ﺍﻟﻤﺴﻠﺴﻠﺔ‬
‫ﻳﺘﺒﺪﻯ‬
‫ﻣﺠﺮﺓ ﺍﻟﻤﺴﻠﺴﻠﺔ‬
‫ﻣﺠﺮﺓ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ‬
‫ﻳﺘﺒﺪﻯ ﻗﻠﺐ‬
‫التقطها‬
‫الدقيقة اليت‬
‫يف هذه الصورة‬
‫منظار ﻣﻦ‬
‫ﻭﺍﻓﺮﺓ‬
‫ﺑﺼﻮﺭﺓ‬
‫‪Andromeda‬‬
‫ﺗﺠﻤﻌﺎﺕﻣﻦ‬
‫ﻭﺍﻓﺮﺓ‬
‫ﺗﺠﻤﻌﺎﺕ‬
‫ﺑﺼﻮﺭﺓ‬
‫‪Andromeda‬‬
‫ً‬
‫تقدر‬
‫ا‬
‫�د‬
‫�‬
‫ج‬
‫جسيم‬
‫�ود‬
‫�‬
‫أس‬
‫ثقب‬
‫يقبع‬
‫ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﻫﺬﻩﻓﻲ ﻫﺬﻩ‬
‫ﺃﺷﻌﺔ ‪X‬‬
‫ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﻣﺼﺎﺩﺭ‪ X‬ﻓﻲ‬
‫تشاندرا‪ .‬ﺃﺷﻌﺔ‬
‫ﻣﺼﺎﺩﺭ‬
‫اجملرةﺟﺴﻴﻢ‬
‫ﺃﺳﻮﺩ‬
‫ﻳﻘﺒﻊ‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ‬
‫ﺛﻘﺐﺟﺴﻴﻢ‬
‫ﺃﺳﻮﺩ‬
‫مشسية‪.‬ﺛﻘﺐ‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‪ .‬ﻳﻘﺒﻊ‬
‫بـ‪30‬ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ‬
‫مركز‬
‫يف‬
‫مليون كتلة‬
‫كتلته‬
‫ﺷﻤﺴﻴﺔ ﻓﻲ‬
‫ﻛﺘﻠﺔ‬
‫ﻣﻠﻴﻮﻥ‬
‫‪30‬‬
‫ﺑـ‬
‫ﻛﺘﻠﺘﻪ‬
‫ﺗﻘﺪﺭ‬
‫ﺍ‬
‫ً‬
‫ﺟﺪ‬
‫ﺷﻤﺴﻴﺔ ﻓﻲ‬
‫الصفراءﻣﻠﻴﻮﻥ ﻛﺘﻠﺔ‬
‫ﻛﺘﻠﺘﻪ ﺑـ ‪30‬‬
‫حيثﺍً ﺗﻘﺪﺭ‬
‫ﺟﺪ‬
‫توجد‬
‫الساطعة ال�تي‬
‫اللطخة‬
‫ﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔ‬
‫ﺍﻟﺼﻔﺮﺍءﺍﻟﺼﻔﺮﺍء‬
‫ﺍﻟﻠﻄﺨﺔ ﺍﻟﻠﻄﺨﺔ‬
‫ﺍﻟﻤﺠﺮﺓ ﺣﻴﺚ‬
‫ﻣﺮﻛﺰ‬
‫ﺣﻴﺚ‬
‫ﺓ‬
‫ﺍﻟﻤﺠﺮ‬
‫ﻣﺮﻛﺰ‬
‫مباشرة فوق مصدر أشعة ‪ X‬البارد الذي يبدو‬
‫‪X‬‬
‫ﻓﻮﻕ‬
‫ﺗﻮﺟﺪ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﻤﺴﻠﺴﻠﺔ‬
‫ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ‬
‫ﻣﺠﺮﺓ‬
‫ﺍﻟﺘﻲﻗﻠﺐ‬
‫ﻳﺘﺒﺪﻯ‬
‫ﻣﺼﺪﺭ ﺃﺷﻌﺔ‪X‬‬
‫ﺃﺷﻌﺔ‬
‫ﻣﺒﺎﺷﺮﺓﻣﺼﺪﺭ‬
‫ﻓﻮﻕ‬
‫ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ‬
‫ﺗﻮﺟﺪ‬
‫سنوات‬
‫‪10‬‬
‫مسافة‬
‫تفصل‬
‫األزرق‪.‬‬
‫باللون‬
‫ﺗﻔﺼﻞ‪ .‬ﺗﻔﺼﻞ‬
‫ﺍﻷﺯﺭﻕ‬
‫ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ‬
‫ﻳﺒﺪﻭ‬
‫ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﺍﻟﺒﺎﺭﺩ‬
‫ﺗﺠﻤﻌﺎﺕ ‪.‬‬
‫ﺑﺎﻟﻠﻮﻥ ﺍﻷﺯﺭﻕ‬
‫ﺍﻟﺒﺎﺭﺩ ﺍﻟﺬﻱ‬
‫ﻭﺍﻓﺮﺓ ﻣﻦ‬
‫ﻳﺒﺪﻭﺑﺼﻮﺭﺓ‬
‫‪Andromeda‬‬
‫ﻣﺴﺎﻓﺔبني‬
‫ضوئية‬
‫ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔﻫﺬﻳﻦ‬
‫ﺑﻴﻦ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‬
‫ﺳﻨﻮﺍﺕ‬
‫‪10‬‬
‫ﻣﺴﺎﻓﺔ‬
‫ﻫﺬﻳﻦ‬
‫املصدرين‪ .‬ﺑﻴﻦ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‬
‫‪10‬‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ‬
‫ﺳﻨﻮﺍﺕﻫﺬﻩ‬
‫هذينﻓﻲ‬
‫‪X‬‬
‫ﺃﺷﻌﺔ‬
‫ﻣﺼﺎﺩﺭ‬

‫ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻟﻘﺮﻳﻦ ﻻ ﻳﻘﺘﺮﺏ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﺗﻘﻞ ﻋﻦ‬

‫ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻟﻤﺠﺮﺓ ﺣﻴﺚ ﺍﻟﻠﻄﺨﺔ ﺍﻟﺼﻔﺮﺍء ﺍﻟﺴﺎﻃﻌﺔ‬

‫ﺍﻟﻤﺼﺪﺭﻳﻦ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻤﺼﺪﺭﻳﻦ‪.‬‬

‫‪2010‬ﻣﻨﻈﺎﺭ ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‪ .‬ﻳﻘﺒﻊ ﺛﻘﺐ ﺃﺳﻮﺩ ﺟﺴﻴﻢ‬
‫ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ‬
‫ﺗﺸﺎﻧﺪﺭﺍ‬
‫ﻟﺘﻲ ﺍﻟﺘﻘﻄﻬﺎ ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻟﺴﺎﻃﻊوالعشرون ‪ /‬نيسان ‪/‬‬
‫ﺍﻟﺨﻂ احلادي‬
‫العلمي ‪) /‬العدد‬
‫اخليال‬
‫‪139‬‬
‫ﺟﺪﺍً ﺗﻘﺪﺭ ﻛﺘﻠﺘﻪ ﺑـ ‪ 30‬ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻛﺘﻠﺔ ﺷﻤﺴﻴﺔ ﻓﻲ‬
‫ﻟﻄﻮﻳﻞ ( ﺃﻥ ﻗﺮﺹ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﺍﻟﺴﺎﻗﻄﺔ ﺍﻟﻤﺴﺤﻮﺑﺔ‬
‫**‬

‫**‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫‪.11‬‬
‫‪. 11. 11‬‬

‫ﺍﻷﺷﻌﺔ يف‬
‫ﺍﻷﺷﻌﺔ�ار‬
‫��ازﻓﻲوغ��ب�‬
‫ﻭﻏﺒﺎﺭغ�‬
‫ﻏﺎﺯ م��ن‬
‫ﻣﻦ��ة‬
‫�ح��اب‬
‫�وع‬
‫ﺑﺴﻄﻮﻉ�ط�‬
‫�وه��ج ب��س�‬
‫ت��ت�‬
‫ﻭﻏﺒﺎﺭ‬
‫ﺳﺤﺎس�ﺑﺔ‬
‫ﺑﺴﻄﻮﻉ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﻣﻦﺑﺔ‬
‫ﺳﺤﺎ‬
‫ﺗﺘﻮﻫﺞ ﺗﺘﻮﻫﺞ‬
‫ﺍﻷﺷﻌﺔ‬
‫ﻏﺎﺯﻓﻲ‬
‫ﻭﻏﺒﺎﺭ‬
‫ﻏﺎﺯ‬
‫ﺗﺘﻮﻫﺞﺳﺤﺎ ﺑﺔ‬
‫ﺑﺴﻄﻮﻉ‬
‫جنمية‬
‫ﻋﻨﻴﻔﺔ�ح‬
‫ﻋﻨﻴﻔﺔري�‬
‫ومتزقها‬
‫�راء‪،‬‬
‫ﻭﺗﻤﺰﻗﻬﺎ�م�‬
‫ﻭﺗﻤﺰﻗﻬﺎاحل�‬
‫حتت‬
‫األشعة‬
‫ﻭﺇﺷﻌﺎﻉ‬
‫ﻧﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺭﻳﺢ‬
‫ﻭﺗﻤﺰﻗﻬﺎ‬
‫ﺍﻟﺤﻤﺮﺍء‪،‬‬
‫ﺗﺤﺖ‬
‫ﻭﺇﺷﻌﺎﻉ‬
‫ﻧﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺭﻳﺢ‬
‫ﺍﻟﺤﻤﺮﺍء‪،‬‬
‫ﺗﺤﺖ ﺗﺤﺖ‬
‫ﻭﺇﺷﻌﺎﻉ‬
‫ﻋﻨﻴﻔﺔ‬
‫ﻧﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺭﻳﺢ‬
‫ﺍﻟﺤﻤﺮﺍء‪،‬‬
‫ﺍﻟﺤﺎﻓﺔ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﻳﻘﻊ‬
‫ﺟﺴﻴﻢ‬
‫ﻧﺠﻢ‬
‫ﻋﻦ‬
‫ﻳﺼﺪﺭ‬
‫ﻣﺆﻳﻦ‬
‫يصدر ﺇﻟﻰ‬
‫ﻳﻘﻊ‬
‫ﺟﺴﻴﻢ‬
‫ﻧﺠﻢ‬
‫ﻋﻦ‬
‫ﻳﺼﺪﺭ‬
‫ﻣﺆﻳﻦ‬
‫ﺍﻟﺤﺎﻓﺔ جسيم يقع‬
‫ﺍﻟﺤﺎﻓﺔجنم‬
‫عن‬
‫مؤين‬
‫وإشعاع‬
‫عنيفة‬
‫ﻣﺆﻳﻦ ﻳﺼﺪﺭ ﻋﻦ ﻧﺠﻢ ﺟﺴﻴﻢ ﻳﻘﻊ ﺇﻟﻰ‬
‫ﻫﺬﻩﻫﺬﻩ‬
‫ﺗﻨﺘﻤﻲ‬
‫ﻫﺬﻩ‪.‬‬
‫ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺻﻮﺭﺓ‬
‫ﻓﻲﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻴﺴﺮﻯ‬
‫ﺗﻨﺘﻤﻲ‬
‫ﻫﺬﻩ‪.‬‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺻﻮﺭﺓ‬
‫ﺍﻟﻴﺴﺮﻯ‬
‫سبيتزر‬
‫منظار‬
‫صورة‬
‫ﺍﻟﺘﻲيف‬
‫اليسرى‬
‫احلافة‬
‫إىل‬
‫ﻫﺬﻩ‬
‫ﺗﻨﺘﻤﻲ‬
‫ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‪.‬‬
‫ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ ﻫﺬﻩ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺻﻮﺭﺓ‬
‫ﺍﻟﻴﺴﺮﻯ ﻓﻲ‬
‫ﻓﻲﻓﻲ‬
‫ﻣﻌﺘﻤﺔ‬
‫ﻛﺮﻳﺔ‬
‫ﺑﺸﻜﻞ‬
‫ﺗﺒﺪﻭ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻟﺤﺎﺿﻨﺔ‬
‫ﺍﻟﺤﺎﺿﻨﺔ ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‪ ،‬ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﺪﻭ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺮﻳﺔ ﻣﻌﺘﻤﺔ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﻣﻌﺘﻤﺔ‬
‫ﻛﺮﻳﺔ‬
‫ﺑﺸﻜﻞ‬
‫ﺗﺒﺪﻭ‬
‫ﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻤﻴﺔ‪،‬‬
‫تبدو‬
‫ﺍﻻﻧﺒﻌﺎﺙ اليت‬
‫النجمية‪،‬‬
‫احلاضنة‬
‫ﺍﻷﺷﻌﺔهذه‬
‫تنتمي‬
‫هذه‪.‬‬
‫‪ICIC‬‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﺇﻟﻰﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻟﻤﺮﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫ﺻﻮﺭ‬
‫ﺍﻻﻧﺒﻌﺎﺙ‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﺍﻟﻤﺮﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫ﺍﻷﺷﻌﺔ‬
‫ﺍﻟﺤﺎﺿﻨﺔﺻﻮﺭ‬
‫‪IC‬‬
‫ﺍﻻﻧﺒﻌﺎﺙ‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻟﻤﺮﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫ﺻﻮﺭ ﺍﻷﺷﻌﺔ‬
‫‪.Cepheus‬‬
‫ﺗﻬﺐ‬
‫ﺍﻟﻤﻞ‬
‫ﻓﻲﻓﻲ‬
‫‪1396‬‬
‫ﻭﺟﺪ‬
‫‪. Cepheus‬‬
‫ﺗﻬﺐ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬
‫‪1396‬‬
‫ﻭﺟﺪإىل‬
‫املرئية‪،‬‬
‫األشعة‬
‫صور‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔﺍﻟﻤﻞيف‬
‫معتمة‬
‫كرية‬
‫بشكل‬
‫ﻭﺟﺪ‬
‫‪.‬‬
‫‪Cepheus‬‬
‫ﺗﻬﺐ‬
‫ﺍﻟﻤﻞ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬
‫‪ 1396‬ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﺒﺪﺍﺋﻴﺔ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬
‫ﻧﺼﻒ‬
‫ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫ﺍﻟﺒﺪﺍﺋﻴﺔ‬
‫يفﺍﻟﻨﺠﻮﻡ‬
‫‪1396‬ﻣﻦ‬
‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬
‫سديمﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ‬
‫امللتهب‬
‫جمموعة‬
‫ﻧﺼﻒ‪IC‬‬
‫االنبعاث‬
‫ﺍﻟﻜﺮﻳﺔ‪.‬ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﺒﺪﺍﺋﻴﺔ‬
‫ﻧﺼﻒ‬
‫ﺳﺒﻴﺘﺰﺭ‬
‫ﺿﻤﻦ‬
‫ﺍﻟﻜﺮﻳﺔ‪.‬‬
‫ﻣﻨﻈﺎﺭ ﺿﻤﻦ‬
‫‪ .Cepheus‬وج���د م��ن��ظ��ار س��ب��ي��ت��زر نصف‬
‫ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻜﺮﻳﺔ‪.‬‬
‫جمموعة من النجوم البدائية ضمن الكرية‪.‬‬

‫‪.12.12‬‬

‫‪.12‬‬

‫تشبه جمرة احللقة ‪Ring‬‬
‫‪ galaxy‬الرائعة هذه سواراً‬
‫‪Ring‬‬
‫‪galaxy‬‬
‫ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ‬
‫ﻣﺠﺮﺓ‬
‫‪Ring‬‬
‫‪galaxy‬‬
‫ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ‬
‫ﺗﺸﺒﻪ‬
‫حشود‬
‫تسطع‬
‫�اس‪.‬‬
‫ﻣﺠﺮﺓ�‬
‫ﺗﺸﺒﻪاألمل‬
‫من‬
‫ﺍﻷﻟﻤﺎﺱ‪.‬‬
‫ﻣﻦﻣﻦ‬
‫ﺳﻮﺍﺭﺍً‬
‫ﻫﺬﻩﻫﺬﻩ‬
‫ﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ‬
‫ﺍﻷﻟﻤﺎﺱ‪.‬‬
‫ﺳﻮﺍﺭﺍً‬
‫ﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ‬
‫طول‬
‫ﺯﺭﻗﺎء�ى‬
‫ﻧﺠﻤﻴﺔع��ل�‬
‫���اء‬
‫زرق�‬
‫ﺗﺴﻄﻊ�ي��ة‬
‫ﺗﺴﻄﻊ��م�‬
‫جن‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﺯﺭﻗﺎء‬
‫ﺣﺸﻮﺩ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﻧﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺣﺸﻮﺩ‬
‫‪Ring‬‬
‫‪galaxy‬‬
‫ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ‬
‫ﺗﺸﺒﻪ ﻣﺠﺮﺓ‬
‫ﻋﻠﻰﻋﻠﻰعلى‬
‫ﺩﻟﻴﻞ�ل‬
‫ﺩﻟﻴﻞدل��ي�‬
‫ﻭﻫﺬﺍ��ذا‬
‫وه�‬
‫حافتها‪،‬‬
‫ﺗﺸﻜﻞ‬
‫ﻭﻫﺬﺍ‬
‫ﺣﺎﻓﺘﻬﺎ‪،‬‬
‫ﻃﻮﻝ‬
‫ﺗﺸﻜﻞ‬
‫ﺣﺎﻓﺘﻬﺎ‪،‬‬
‫ﻃﻮﻝ‬
‫ﺍﻷﻟﻤﺎﺱ‪.‬‬
‫ﻣﻦﻣﻦ‬
‫ﺳﻮﺍﺭ‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﻛﺒﻴﺮ‬
‫ﻫﺬﻩﻛﻢ‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ‬
‫ﻛﺒﻴﺮ‬
‫ﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ ﻛﻢ‬
‫النجوم‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡﻓﻲمن‬
‫كبري‬
‫ﻣﻦﺍًكم‬
‫تشكل‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﺯﺭﻗﺎء‬
‫ﻧﺠﻤﻴﺔ‬
‫ﺗﺴﻄﻊ ﺣﺸﻮﺩ‬
‫ﺑﻌﻴﺪﺓ‪،‬‬
‫ﺃﺣﻘﺎﺏ‬
‫ﻭﻗﺒﻞ‬
‫ﻟﻠﻤﺠﺮﺓ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ‬
‫ﺑﻌﻴﺪﺓ‪،‬‬
‫ﺃﺣﻘﺎﺏ‬
‫ﻭﻗﺒﻞ‬
‫ﻟﻠﻤﺠﺮﺓ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ‬
‫للمجرة‪.‬‬
‫القريب‬
‫املاضي‬
‫يف‬
‫ﻋﺒﺮﻋﺒﺮ‬
‫ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ‬
‫ﺃﺧﺮﻯ‬
‫ﻣﺠﺮﺓ‬
‫ﺍﻧﺪﻓﻌﺖ‬
‫ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ‬
‫ﺃﺧﺮﻯ‬
‫ﻣﺠﺮﺓ‬
‫ﺍﻧﺪﻓﻌﺖ‬
‫ﺗﺸﻜﻞ‬
‫ﻋﻠﻰ‬
‫ﺩﻟﻴﻞ‬
‫ﻭﻫﺬﺍ‬
‫ﻃﻮﻝ ﺣﺎﻓﺘﻬﺎ‪،‬‬
‫اندفعت‬
‫بعيدة‪،‬‬
‫أحقاب‬
‫ﻛﻢ ﻛﺒﻴﺮ ﻣﻦوقبل‬
‫ﻣﻦﻣﻦ‬
‫ﺯﺍﺩﺕ‬
‫ﺣﺎﺩﺛﺔ‬
‫ﻭﻫﻲ‬
‫ﻗﺮﺻﻬﺎ‪،‬‬
‫ﺯﺍﺩﺕ‬
‫ﺣﺎﺩﺛﺔ‬
‫ﻗﺮﺻﻬﺎ‪،‬‬
‫ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ‬
‫ﻭﻫﻲﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ‬
‫ﻭﺷﻮﻫﺖ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ‬
‫ﻭﻻﺩﺓ‬
‫ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ‬
‫ﻭﺷﻮﻫﺖ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ‬
‫ﻭﻻﺩﺓ‬
‫ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ‬
‫عرب‬
‫�رة‬
‫�‬
‫�اش‬
‫�‬
‫�ب‬
‫�‬
‫م‬
‫��رى‬
‫�‬
‫أخ‬
‫�رة‬
‫ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ جم�‬
‫ﻟﻠﻤﺠﺮﺓ‪ .‬ﻭﻗﺒﻞ ﺃﺣﻘﺎﺏ ﺑﻌﻴﺪﺓ‪،‬‬
‫‪.‬‬
‫ﺍﻟﺪﺍﺋﺮﻱ‬
‫ﺷﻜﻠﻬﺎ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻟﻤﺠﺮﺓ‬
‫‪.‬‬
‫ﺍﻟﺪﺍﺋﺮﻱ‬
‫ﺷﻜﻠﻬﺎ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﺍﻟﻤﺠﺮﺓ‬
‫ﻋﺒﺮ زادت‬
‫ﻣﺒﺎﺷﺮﺓحادثة‬
‫ﺃﺧﺮﻯوهي‬
‫قرصها‪،‬‬
‫ﺍﻧﺪﻓﻌﺖ ﻣﺠﺮﺓ‬
‫ﺯﺍﺩﺕ ﻣﻦ‬
‫ﻭﻫﻲ ﺣﺎﺩﺛﺔ‬
‫والدة النجوم‬
‫عمليات‬
‫ﻗﺮﺻﻬﺎ‪ ،‬من‬
‫ﻭﺷﻮﻫﺖ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ‬
‫ﻭﻻﺩﺓ‬
‫ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ وشوهت اجمل��رة إىل شكلها‬
‫الدائري‪.‬ﺍﻟﺪﺍﺋﺮﻱ‪.‬‬
‫ﺍﻟﻤﺠﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺷﻜﻠﻬﺎ‬

‫‪140‬‬

‫جزءاً‬
‫ﻼً‬
‫ﺿﺌﻴ‬
‫ﺟﺰءﺍً‬
‫‪(NGC‬‬
‫‪2786‬‬
‫‪)(NGC‬‬
‫‪Pencil‬‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﻳﺸﻜﻞ‬
‫ﺿﺌﻴﻼً‬
‫ﺟﺰءﺍً‬
‫‪(NGC‬‬
‫‪2786‬‬
‫‪) Pencil‬‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﻳﺸﻜﻞ‬
‫‪)2786‬‬
‫‪Pencil‬‬
‫سديم‬
‫يشكل‬
‫ﺩﻓﻌﺖﻼً‬
‫ﺿﺌﻴ‬
‫ﺟﺰء‪.‬ﺍً‬
‫ﺍﻟﻔﺎﺋﻖ(‬
‫‪NGC‬‬
‫‪2786‬‬
‫ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ)‬
‫‪Pencil‬‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﻳﺸﻜﻞ‬
‫ﻣﻮﺟﺔ‬
‫‪Vela‬‬
‫ﻟﻠﻤﺴﺘﻌﺮ‬
‫ﺍﻟﺒﻘﺎﻳﺎ‬
‫ﻣﻦ‬
‫ﻣﻮﺟﺔ‬
‫ﺩﻓﻌﺖ‬
‫‪.‬‬
‫‪Vela‬‬
‫ﺍﻟﻔﺎﺋﻖ‬
‫ﻟﻠﻤﺴﺘﻌﺮ‬
‫ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ‬
‫ﺍﻟﺒﻘﺎﻳﺎ‬
‫ﻣﻦ‬
‫الفائق‬
‫للمستعر‬
‫اهلائلة‬
‫البقايا‬
‫�ن‬
‫�‬
‫م‬
‫ال‬
‫ً‬
‫ضئي‬
‫ﺩﻓﻌﺖ‬
‫‪.Vela‬‬
‫ﺍﻟﻔﺎﺋﻖ‬
‫ﻟﻠﻤﺴﺘﻌﺮ‬
‫ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ‬
‫ﺍﻟﺒﻘﺎﻳﺎ‬
‫ﻣﻮﺟﺔﺇﻟﻰ‬
‫ﻭﺳﺨﻨﺘﻪ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﺑﻴﻦﺑﻴﻦ‬
‫ﺍﻟﻮﺳﻂ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‬
‫ﺍﻻﻧﻔﺠﺎﺭ‬
‫ﺻﺪﻡ‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﻭﺳﺨﻨﺘﻪ‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢ‬
‫ﺍﻟﻮﺳﻂ‬
‫ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‬
‫ﺍﻻﻧﻔﺠﺎﺭ‬
‫ﻣﻦﺻﺪﻡ‬
‫الغاز‬
‫ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ‪�،‬ار‬
‫ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ‪�،‬ج�‬
‫ﺍﻟﻨﺠﻢ�ف�‬
‫ﺁﻻﻑاالن�‬
‫ﻣﺮﻭﺭ�دم‬
‫ص�‬
‫ﻭﻣﻊ�ة‬
‫�وج�‬
‫ﺍﻻﻧﻔﺠﺎﺭ��ع�‬
‫ﻣﻼﻳﻴﻦدف‬
‫‪.Vela‬‬
‫ﺇﻟﻰ‬
‫ﻭﺳﺨﻨﺘﻪ‬
‫ﺑﻴﻦ‬
‫ﺍﻟﻮﺳﻂ‬
‫ﺍﻟﺪﺭﺟﺎﺕم‪�.‬ﻓﻲ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‬
‫ﺻﺪﻡ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‬
‫ﺍﺑﺘﺮﺩ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‬
‫ﺍﺑﺘﺮﺩ‬
‫ﺁﻻﻑ‬
‫ﻣﺮﻭﺭ‬
‫ﻭﻣﻊ‬
‫�ت‪.‬‬
‫ﺍﻟﺪﺭﺟﺎﺕ‬
‫ﻣﻼﻳﻴﻦ‬
‫ماليني‬
‫إىل‬
‫وسخنته‬
‫النجم‬
‫ﺍﻷﺷﻜﺎﻝب�ين‬
‫�وس��ط‬
‫ﻭﺃﺧﺬ�‬
‫ﻣﻼﻳﻴﻦال‬
‫يف‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﻳﻤﺘﺪﻳﻤﺘﺪ‬
‫ﺍﻟﻴﻮﻡ‪.‬‬
‫ﻧﺮﺍﻫﺎ‬
‫ﺍﻟﺘﻲﺍﻟﺘﻲ‬
‫ﺍﻟﺨﻴﻄﻴﺔ‬
‫ﻭﺃﺧﺬ‬
‫ﺳﺪﻳﻢ‬
‫ﺍﻟﻴﻮﻡ‪.‬‬
‫ﻧﺮﺍﻫﺎ‬
‫ﺍﻟﺨﻴﻄﻴﺔ‬
‫ﺍﻷﺷﻜﺎﻝ‬
‫ﺍﻟﻐﺎﺯ‬
‫ﺍﺑﺘﺮﺩ‬
‫ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ‪،‬‬
‫ﺁﻻﻑ‬
‫ﻣﺮﻭﺭ‬
‫ﻭﻣﻊ‬
‫ﺍﻟﺪﺭﺟﺎﺕ‪.‬‬
‫ﺳﻨﺔ‬
‫ﺃﺭﺑﺎﻉ‬
‫‪3‬‬
‫ﻧﺤﻮ‬
‫ﻗﻄﺮﻫﺎ‬
‫ﻳﺒﻠﻎ‬
‫ﻣﻨﻄﻘﺔ‬
‫ﻓﻲ‬
‫‪Pencil‬‬
‫ﺳﻨﺔ‬
‫ﺃﺭﺑﺎﻉ‬
‫‪3‬‬
‫ﻧﺤﻮ‬
‫ﻗﻄﺮﻫﺎ‬
‫ﻳﺒﻠﻎ‬
‫ﻣﻨﻄﻘﺔ‬
‫ﻓﻲ‬
‫‪Pencil‬‬
‫ابرتدﺳﺪﻳﻢ‬
‫السنني‪،‬ﻳﻤﺘﺪ‬
‫ﻧﺮﺍﻫﺎ ﺍﻟﻴﻮﻡ‪.‬‬
‫ﺍﻟﺨﻴﻄﻴﺔ‬
‫ﻭﺃﺧﺬ‬
‫الغاز‬
‫مرورﺍﻟﺘﻲآالف‬
‫ﺍﻷﺷﻜﺎﻝ ومع‬
‫الدرجات‪.‬‬
‫‪114‬‬
‫ﻣﺴﺎﻓﺔ‬
‫‪Vela‬‬
‫ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﺮ‬
‫ﺑﻘﻴﺔﺑﻘﻴﺔ‬
‫ﺗﻤﺘﺪﺗﻤﺘﺪ‬
‫ﻓﻴﻤﺎﻓﻴﻤﺎ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫‪114‬‬
‫ﻣﺴﺎﻓﺔ‬
‫‪Vela‬‬
‫ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﺮ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫ﺳﻨﺔ‬
‫ﺃﺭﺑﺎﻉ‬
‫‪3‬‬
‫ﻧﺤﻮ‬
‫ﻗﻄﺮﻫﺎ‬
‫ﻳﺒﻠﻎ‬
‫ﻣﻨﻄﻘﺔ‬
‫ﻓﻲ‬
‫‪Pencil‬‬
‫األشكال‪ .‬اخليطية اليت نراها اليوم‪ .‬ميتد‬
‫وأخذ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‪.‬‬
‫ﺳﻨﺔ‬
‫ﺗﻤﺘﺪ ﺑﻘﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﺮ ‪ Vela‬ﻣﺴﺎﻓﺔ ‪114‬‬
‫ﺳﻨﺔﻓﻴﻤﺎ‬
‫ﺿﻮﺋﻴﺔ‪،‬‬
‫سديم ‪ Pencil‬يف منطقة يبلغ قطرها حنو‬
‫ﺳﻨﺔ ﺿﻮﺋﻴﺔ‪.‬‬
‫‪ 3‬أرباع سنة ضوئية‪ ،‬فيما متتد بقية املستعر‬
‫****‬
‫‪ Vela‬مسافة ‪ 114‬سنة ضوئية‪.‬‬

‫**‬

‫****‬
‫ﺗﺎﻟﻜﻮﺕ‬
‫ﺭﻳﺘﺸـﺎﺭﺩ‬
‫‪:‬‬
‫ﺑـﻘـﻠــﻢ‬
‫ﺑـﻘـﻠــﻢ‪ :‬ﺭﻳﺘﺸـﺎﺭﺩ ﺗﺎﻟﻜﻮﺕ‬
‫ﻓﺮﺝﻓﺮﺝ‬
‫ﻣﺤﻤﻮﺩ‬
‫ﺣﺎﺯﻡ‬
‫ﺗﺮﺟﻤﺔ‪:‬‬
‫ﻣﺤﻤﻮﺩ‬
‫ﺣﺎﺯﻡ‬
‫ﺗﺮﺟﻤﺔ‪:‬‬
‫‪Astronomy‬‬
‫ﻣﺠﻠﺔ‬
‫ﻋﻦﻋﻦ‬
‫‪Astronomy‬‬
‫ﻣﺠﻠﺔ‬
‫نيسان ‪2010 /‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪/‬‬

‫**‬

‫ﺑـﻘـﻠــﻢ‪ :‬ﺭﻳﺘﺸـﺎﺭﺩ ﺗﺎﻟﻜﻮﺕ‬

‫اهلوامش‬
‫‪ - 1‬منظار هبل‪ :‬محل املنظار اسم عامل الفلك األمريكي إدوين ب‪ .‬هبل (‪-1889‬‬
‫‪ )1953‬الذي اكتشف ظاهرة تقهقر اجملرات وعالقة سرعة ابتعادها مع مسافتها‪.‬‬
‫(املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 2‬النجوم القيفاوية املتغرية ‪ :Cepheid variable stars‬جنوم فتية عمالقة‪،‬‬
‫صفراء اللون‪ ،‬تصدر نبضات من الطاقة وفق معدالت ترتبط بسطوعها الفعلي‪.‬‬
‫(املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 3‬الثقب األسود ‪ :Black hole‬حيز‪ ،‬أو منطقة متناهي الصغر من الزمكان‪ ،‬هلا‬
‫قوة ثقالة خارقة حتجز املادة املقرتبة منها (مبا يف ذلك الضوء)‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 4‬الكوازار ‪ :Quasar‬جسم كوني شبه جنمي‪ ،‬يبث موجات ضوئية وراديوية بالغة‬
‫الشدة‪ ،‬له قدر انزياح أمحر كبري‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫‪Hubble Ultra Deep Field - 5‬‬
‫‪ - 6‬املتجدد األعظم ‪ :Supernova‬هناية انفجارية هائلة لنجم جسيم يقذف‬
‫طبقاته الغازية اخلارجية وتبقى نواته كنجم نيوتروني‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 7‬كومبتون ‪ :Compton‬نسبة للفيزيائي األمريكي آرثر هويل كومبتون (‪-1892‬‬
‫‪ )1962‬الذي عرف بأحباثه يف أشعة غاما وباكتشافه تأثري كومبتون‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 8‬جايروسكوب ‪ :gyroscope‬جهاز حفظ توازن الطائرة أو السفينة أو مركبة‬
‫فضائية‪ ،‬وميكن أيضاً من حتديد االجتاه‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 9‬تشاندرا ‪ :Chandra‬أخذ املنظار اسم العامل األمريكي اهلندي األصل تشاندرا‬
‫سيخار(‪ )1995-1910‬الذي اشتهر بأحباثه يف تطور النجوم‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 10‬حزام فان آلن ‪ :Van Allen‬املنطقة الفضائية احمليطة بكوكب األرض‬
‫اليت حيجز فيها حقل األرض املغنطيسي جسيمات ذرية (بروتونات والكرتونات)‬
‫مشحونة مصدرها الريح الشمسية‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 11‬النجوم النباضة ‪ :Pulsars‬أج���رام كونية يعتقد أهن��ا جن��وم نيوترونية‬
‫سريعة الدوران‪ ،‬وتصدر نبضات راديوية (أو أشعة ‪ ،X‬أو أشعة مرئية) منتظمة‪.‬‬
‫(املرتجم)‪.‬‬
‫‪ - 12‬سبيتزر ‪ :Spitzer‬مسي املنظار نسبة للعامل األمريكي ليمان سبيتزر (‪-1914‬‬
‫‪ )1997‬الذي كان أول من قدم وتبنى فكرة وضع منظار يف املدار‪ ،‬وكان الداعم الكبري‬
‫ملشروع منظار هبل الفضائي‪( .‬املرتجم)‪.‬‬
‫* تواصل إرسال املناظري الفضائية إىل املدار بعد برنامج املناظري املذكورة يف املقال‬
‫هنا‪ ،‬فكان منظار سويفت‪ ،‬وكبلر‪ ،‬وفريمي وغريها‪( .‬املرتجم)‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪141‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫آفاق تطبيقات‬
‫التحكم بالجاذبية‬
‫د‪ .‬خري الدين عبد الرمحن‬

‫بعد ثالثة عقود من البحث اجلاد‬
‫الذي عكف العديد من فيزيائيي‬
‫الفلك عليه ‪ ،‬مستهدفني دالئل‬
‫تؤيد استنتاجات حسابية نظرية بشأن‬
‫العالقة التجاذبية فيما بني الكواكب والنجوم‬
‫واجملرات ‪ ،‬أو ما أطلقت عليها أمساء مثل‬
‫«قوة التدافع» أو «القوة املعاكسة للجاذبية» أو‬
‫«الطاقة الباردة» أو «الطاقة املظلمة» ‪Dark‬‬
‫‪ ، energy‬رجح أكثر هؤالء العلماء مؤخرا‬
‫أن تلك الطاقة اليت يصعب كشفها تغمر‬
‫الكون بأسره ‪ ،‬حتى وهم يعرتفون بغموض‬
‫كنه هذه الطاقة ‪ ،‬مما يؤكد نظرية “ الكون‬
‫املفتوح “ اليت تقوم على افرتاض أن املسافات‬
‫فيما بني اجملرات تتزايد باستمرار وفق معدل‬
‫ثابت ‪ .‬كان ألربت آينشتاين قد رد هذا التباعد‬
‫قبل حنو نصف قرن إىل “ وجود قوى تدافع‬
‫جتاذبي بني خمتلف األجسام الكونية“ ‪،‬‬
‫وافرتض أن تباعد النجوم والكواكب واجملرات‬
‫عن بعضها بعضا يعين أن الكون برمته يف‬
‫حالة متدد واتساع مستمر‪ .‬لقد تعزز هذا‬
‫االفرتاض بآخر صور انفجارات النجوم اليت‬
‫أرسلها تلسكوب هابل الفضائي يف مطلع‬
‫العام ‪ ،2004‬قبل انتهاء عمره االفرتاضي ‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫خيتلف التعامل الراهن مع االكتشافات‬
‫واالبتكارات اجلديدة بالتأكيد عنه قبل قرون‬
‫عندما ألقى العامل اإليطايل جاليليو عدة كرات‬
‫متفاوتة األثقال من أعلى برج بيزا املائل‪ ،‬ثم راح‬
‫يرقب تتايل وصوهلا إىل األرض‪ ،‬رابطا بني وزن‬
‫وحجم كل منها وسرعة الوصول‪ .‬أو قبل ذلك‪،‬‬
‫مالحظة سقوط تفاحة من الشجرة والتساؤل‬
‫عن السر يف السقوط‪ .‬ال ننكر أن ما تال هذه‬
‫املالحظة وبعدها تلك التجربة من الدراسات‬
‫واألحباث والنظريات والقوانني املتعلقة‬
‫باجلاذبية قد فتح آفاقا واسعة من األحباث‬
‫املتوالدة والتطبيقات املتجددة املتعددة يف سائر‬
‫جماالت العلوم واحلياة‪ .‬فما كان للطريان مثال‬
‫أن يصل إىل ما وصل إليه من تطور لوال استناده‬
‫إىل بعض تلك األحباث‪ ،‬وال كان باإلمكان تطوير‬
‫الصواريخ املختلفة والقذائف عموما‪ ،‬واألقمار‬
‫الصناعية‪ ،‬واملركبات األرضية واجلوية‪ ،‬والسفن‬
‫وسائر القطع البحرية‪.‬‬
‫إن االرتباط الوثيق للجاذبية حبسابات السرعة‬
‫والتسارع‪ ،‬وبالتايل باملدى‪ ،‬ناهيك عن ارتباطها‬
‫بالضغط اجلوي وباملسائل املختلفة لرتكيب‬
‫وحياة الكائنات احلية‪ ،‬ناهيك عن أحوال‬
‫وتفاعالت سائر املواد يف الطبيعة جيعل كل‬
‫البشر وما يستخدموه مرتبطاً بشكل أو بآخر‬
‫بقوانني اجلاذبية وتأثرياهتا‪ .‬هذا ما فكر به ألربت‬
‫آينشتاين مطوالً عند افرتاضه وجود موجات‬
‫للجاذبية وحاول كشف أسرارها وخصائصها‬
‫وآلياهتا‪ ،‬ويف ذهنه أن هذا هو بداية التوصل‬
‫إىل حتكم بشري بقوى اجلاذبية (‪.)1‬‬
‫عندما انطلقت عربة الفضاء « كاسيين» إىل‬
‫زحل ثاني أضخم كواكب اجملموعة الشمسية‬
‫بعد املشرتي سنة ‪ 1997‬بسرعة تفوق سرعة‬
‫انطالق رصاصة البندقية‪ ،‬لكي تبلغ هدفها يف‬
‫السنة التالية ‪ ،2004‬كان واضحاً أن رحلة مثل‬
‫هذه أن تتم لوال حسابات متشعبة بالغة التعقيد‬
‫شكل حسابات تبدل اجلاذبية ركنا رئيسا منها‪.‬‬

‫وعندما طارت املركبة الفضائية بايونري‪،10 -‬‬
‫على بعد اثين عشر مليار كيلومرت‪ ،‬بسرعة أربع‬
‫وأربعني ألف كيلومرت يف الساعة خارج النظام‬
‫الشمسي‪ ،‬وعندما انطلقت املركبة األوربية‬
‫األوىل إىل كوكب املريخ يف شهر أيار‪ ،2003‬أو‬
‫عندما متت جتربة طائرة خارقة السرعة تقطع‬
‫املسافة بني نيويورك وطوكيو يف ساعتني فقط‬
‫بسرعة مثانية آالف وثالمثئة كم‪ /‬سا بعد‬
‫حتويل قاذفة أمريكية مقاتلة إىل طائرة جتارية‪،‬‬
‫أو مع إعالن شركة ترانس أوربيت يف كاليفورنيا‬
‫عن انطالق أول رحالهتا السياحية إىل القمر‬
‫مقابل مليون دوالر لكل راكب‪ ،‬وبتوايل الرحالت‬
‫السياحية الفضائية يف مركبات روسية يف‬
‫السنوات األخرية‪ .‬رجح عامل الفيزياء‬
‫األمريكي روبرت وينغلي األستاذ يف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪143‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫جامعة واشنطن أن املركبة اليت أجنز تصميماهتا‬
‫األوىل سنة ‪ 2000‬ستنجح سنة ‪ 2010‬يف‬
‫االنطالق إىل الفضاء بسرعة الضوء‪،‬مما‬
‫خيفض مدة الرحالت بني الكواكب بعشر مرات‬
‫وجيعل الرحالت خارج نظامنا الشمسي مسألة‬
‫عادية‪ ،‬ال يكفي أن نستذكر يف تفسري األمر‬
‫املبدأ البسيط املتلخص يف أن اجلاذبية بالنسبة‬
‫لنا حنن الذين نعيش على األرض تتضاءل كلما‬
‫ارتفعنا عنها‪ ،‬أو كلما ابتعد جسم عن كوكب‬
‫آخر جيذبه كما هو حال املركبات الفضائية‬
‫مثال إذ أن هذه اجلاذبية تضعف يف الفضاء‬
‫القريب‪ ،‬ثم تبدأ االضمحالل حتى تصبح شبه‬
‫معدومة الفضاء البعيد‪ .‬تشمل املسائل املتعلقة‬
‫باجلاذبية تفاصيل وقوانني وتعقيدات وجماهل‬
‫كثرية حياول العلماء اقتحامها وكشف أسرارها‬

‫‪144‬‬

‫وفهم كنهها‪ ،‬متهيدا لالستفادة منها وتطويع ما‬
‫ميكن التحكم به من قدرات وميزات ومفاعيل‬
‫ترتبط هبا‪ .‬اجملاالت الواعدة لالستفادة من‬
‫تكنولوجيا الفضاء وأحباثها وجتارهبا يف‬
‫الفضاء اخلارجي كثرية‪ ،‬منها مثالً جمال‬
‫اجلاذبية الضعيفة ‪ Microgavity‬اليت تتعاظم‬
‫التوقعات بشأن ما تعد أحباثه به من ابتكارات‬
‫واخرتاعات غزيرة جداً وحلول غري مسبوقة‬
‫ملسائل ومشاكل عديدة يف اجملاالت العسكرية‬
‫واملدنية‪ .‬نأخذ مثالً أحباث اجلاذبية الشعرية‬
‫‪ Capitlarity‬حيث ال تقتصر تأثريات هذه‬
‫األحباث على تطوير اإللكرتونيات واالتصاالت‬
‫والتقنيات الدقيقة وإمنا تتشعب لتشمل العديد‬
‫من اجملاالت املتوالدة‪.‬‬
‫إن انعدام اجلاذبية‪ ،‬أو االقرتاب من حالة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫انعدامها‪ ،‬يسمح بدراسة أعمق وأكثر موضوعية‬
‫وسالمة للمواد احلية واجلامدة وتفاعالهتا يف‬
‫بيئة متحررة من تأثريات اجلاذبية‪.‬مثة ثالثة‬
‫فروع رئيسة هلذه الدراسة (‪: )2‬‬
‫‪ )1‬املوائع ‪ :‬يهتم العلماء بدراستها الرتباطها‬
‫باحلياة‪ ،‬حيث يتسع جماهلا ليشمل قضايا‬
‫كثرية من تدفق الدم يف أوردة وشرايني البشر‬
‫واحليوانات‪ ،‬إىل انتقال تيارات األكسجني يف‬
‫الغالف اجلوي‪ ،‬مرورا بانتقال احلرارة والنقل‬
‫الناشر وتدفق األطوار املتعددة وديناميكية‬
‫مستوى السطح البيين للمائع مع اجلسم الصلب‬
‫واإلضاءة الغازية وتطويع املعادن واملواد املركبة‬
‫وتطوير املركبات الربية واجلوية والفضائية‪.‬‬
‫‪ )2‬البيولوجيا ‪ :‬تشمل تقنياهتا بدورها ثالثة‬
‫جماالت رئيسة هي ‪ :‬منو الربوتينات البلورية‬

‫مبا يوضح الرتكيبات البيولوجية اجلزيئية‬
‫وآليات تكوين بلورات من قبل اجلزيئات‬
‫البيولوجية الكبرية‪ ،‬واستنبات اخلاليا احليوانية‬
‫مبا يفيد يف حتسني مناذج تكاثر اخلاليا ومنو‬
‫األنسجة بعيداً عن تأثري اإلجهادات امليكانيكية‬
‫حبيث تفتح آفاقاً واسعة يف دراسة األنسجة‬
‫واخلاليا املريضة واألورام وتكاثرها على حنو‬
‫يسهل إجياد العالج الالزم املناسب‪ ،‬وأساسيات‬
‫اهلندسة البيولوجية اليت أدت أحباثها مؤخراً‬
‫إىل ثورة اهلندسة الوراثية ‪.‬‬
‫‪ )3‬الفسيولوجيا ‪ :‬تشمل أساساً دراسات‬
‫متطورة لعمليات القلب والرئتني املختلفة ومنو‬
‫العظام والعضالت وحفظها وعمليات تنظيم‬
‫اجلسد وخمتلف أعضائه وظائف املخ من إدراك‬
‫وتوازن وتعلم ‪.‬‬
‫‪ )4‬كانت إحدى البدايات اهلامة تساؤالت‬
‫بسيطة‪ ،‬مثل تساؤل رائد علم الفضاء الروسي‬
‫األول قسطنطني تسولكوفسكي (‪-1857‬‬
‫‪ )1935‬عما يسند املركبة أو الصاروخ يف الفراغ‬
‫الفضائي على حنو ما تسند األرض السيارة‪ ،‬أو‬
‫على حنو ما يسند املاء السفينة‪ .‬كانت فكرته‬
‫البسيطة على النحو التايل ‪ :‬ختيل أنك يف‬
‫قارب وسط حبرية واسعة‪ ،‬وقد نسيت إحضار‬
‫اجملاذيف معك‪ ،‬فكيف ميكنك الوصول إىل‬
‫الضفة ؟ يكفي أن تكون لديك كمية من احلصى‬
‫يف القارب‪ ،‬فتجلس وظهرك إىل الضفة‪ ،‬ثم‬
‫تقذف حجرا خبط مستقيم إىل األمام بأقصى‬
‫سرعة ممكنة فيتحرك القارب‪ ،‬أعد الكرة فتجد‬
‫أن كل رمية حجر تعطي دفعا جديدا للقارب‪،‬‬
‫إىل أن يصل إىل الضفة‪ .‬التفسري البسيط‬
‫للمسألة هو أن للحصاة كتلة خاصة هلا قوة‬
‫كسولة معاكسة (القصور) تقاوم احلركة اليت‬
‫تريد فرضها على جسم ما‪ ،‬وهذا موجود يف‬
‫كل جسم‪ .‬يكمن جوهر سر حمرك الصاروخ يف‬
‫هذا املثال البسيط‪ ،‬فاستبدال احلجارة‬
‫يف القارب املفرتض بكتلة كبرية من الغاز‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪145‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تقذف بسرعة كبرية جدا على اعتبار أن قوة‬
‫الدفع تزداد أكثر كلما ازدادت السرعة يقود‬
‫ببساطة إىل قوة اجتاه معاكس لتفاعل الغازات‬
‫مع القذف‪ ،‬هي قوة دفع الصاروخ ‪.‬‬
‫لقد طرح أينشتان قبل أربعني سنة فكرته حول‬
‫ثابت رياضي‪ ،‬هو ثابت اجلاذبية‪ ،‬لكنه مل يلبث‬
‫أن تراجع عن هذه الفكرة‪ .‬إال أن علماء وخرباء‬
‫وكالة الفضاء األمريكية ناسا عادوا إىل دراسة‬
‫الفكرة جمدداً‪ ،‬وقرروا إطالق مركبة فضائية‬
‫خاصة يف نيسان ‪ 2003‬حلسم مسألة وجود‬
‫ثابت اجلاذبية أو عدم وجوده‪.‬‬
‫عرضت مارشيا بارتوزياك آخر خطوات البحث‬
‫العلمي يف جمال اجلاذبية األرضية‪ ،‬وبشكل‬
‫خاص ذلك املشروع املهتم بالعثور على موجات‬
‫اجلاذبية والذي يرمز إليه اختصارا باسم‬
‫‪ ،LIGO‬وهو يرمي إىل مراقبة موجات اجلاذبية‬
‫باستخدام أجهزة مقسمات الليزر‪ .‬وقد أقيم يف‬
‫البدء مرفقان لتنفيذ هذا املشروع الذي تشرف‬
‫عليه املؤسسة القومية العلمية األمريكية‪ ،‬والذي‬
‫تربعت شركتان بتغطية نفقات جتاربه اليت بلغت‬
‫عدة مئات من ماليني الدوالرات قابلة للزيادة‬
‫باستمرار‪ .‬أقيم املرفق األول يف والية لويزيانا‬
‫والثاني يف والية واشنطن‪ ،‬ثم تالحق انضمام‬
‫عدد متزايد من الدول إىل املشروع وراحت تقيم‬
‫مرافق وحمطات أخرى يف إطاره على حنو ما‬
‫فعلت اليابان اليت أقامت حمطة للمشروع يف‬
‫كيوتو‪ .‬أكد القائمون على املشروع الذي يفرتض‬
‫أن ينجز مهمته يف العام ‪ 2006‬أن إقامة املزيد‬
‫من احملطات واملرافق يف مناطق خمتلفة من‬
‫العامل يقرتب باملشروع من حتقيق غرضه‬
‫الذي يتلخص حبسم ما افرتضه أينشتاين من‬
‫وجود موجات اجلاذبية‪ .‬صمم مبنى املشروع‬
‫يف لويزيانا على شكل احلرف ‪ ،G‬ويتضمن كل‬
‫ضلع من ضلعي احلرف أنبوبا معدنيا بطول‬
‫‪2‬ر‪ 21‬ميال وبعرض أربعة أقدام‪ ،‬وهي أبعاد‬
‫الثقب املوجود يف الغالف اجلوي‪ .‬أما سر‬

‫‪146‬‬

‫امتداد األنابيب هبذه املسافة الطويلة فهو تفريغ‬
‫األنابيب من اهلواء لكي جيد الضوء املنبعث من‬
‫الليزر طريقه عرب حميط فارغ‪ .‬مت وضع مولد‬
‫الليزر وجهاز مقسم األشعة وجهاز رصد األشعة‬
‫املرتدة املكون من مرايا يف هناية كل أنبوب عند‬
‫ملتقى الضلعني‪ ،‬حبيث تعمل هذه التجهيزات‬
‫كمصيدة إليقاع موجات اجلاذبية األرضية يف‬
‫الفخ‪ .‬وقد مت تصميم هذه التجهيزات على حنو‬
‫بالغ التعقيد‪ ،‬حبيث يكاد يستحيل ختيل هذه‬
‫التصميمات وفقا ألسس وخربات التصاميم‬
‫والصناعات اهلندسية التقليدية‪ .‬إن املهمة‬
‫الكربى هلذه التجهيزات هي توفري دليل عيين‬
‫على وجود أو عدم وجود الثقوب السوداء اليت‬
‫مل يتوفر سوى أدلة ظرفية على وجودها‪ .‬ولئن‬
‫كان تلسكوب هابل اهلائل يكشف عمق الكون‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫إىل اثين عشر مليار سنة ضوئية‬
‫(السنة الضوئية هي املسافة اليت يقطعها‬
‫الضوء يف عام كامل من الزمن الذي تعارف‬
‫البشر عليه‪ ،‬وبالتايل فالسنة الضوئية ليست‬
‫مقياساً زمنياً وإمنا هي مقياس مسافة) فإن‬
‫املشرفني حمطات املراقبة اخلاصة مبشروع‬
‫كشف موجات اجلاذبية يأملون أن تسمح هلم‬
‫احملطة يوما لعلماء من جيلنا مبراقبة دوران‬
‫الثقوب السوداء أو اصطدامها ببعضها أمام‬
‫عيون أجيال قادمة من البشر سوف تولد بعد‬
‫آالف السنني ‪ :‬أي رؤية مسبقة لظواهر وأحداث‬
‫سوف تتم يف املستقبل البعيد ! إن الفرضيات‬
‫املتعلقة مبوجات اجلاذبية وإمكانية اصطيادها‬
‫ومن ثم التحكم هبا ال تزال غائمة ومشوبة بقدر‬
‫هائل من الغموض‪ ،‬لكنها تغري باملضي يف‬

‫البحث والدراسة ملا قد تفتحه من آفاق غري‬
‫مسبوقة‪ .‬وإذا كانت موجات الصوت والضوء‬
‫تنتقل عرب الزمان واملكان فإن صعوبة كشف‬
‫موجات اجلاذبية اليت هي موجيات افرتاضية‬
‫صغرية جدا ذات أثر بالغ الضآلة إىل حد يكاد‬
‫جيعله غري حمسوس تنتقل داخل حيز نفس‬
‫الزمان واملكان الذي ينتقل الصوت والضوء فيه‪،‬‬
‫مما يزيد األمر تعقيدا ‪.‬‬
‫بعيداً عن طموحات هؤالء العلماء اليت وجدت‬
‫شركات تدفع مبالغ هائلة لإلنفاق على أحباثها‬
‫وجتارهبا‪ ،‬نقف عند مشروع أكثر التصاقا‬
‫بواقعنا الراهن نشرت جملة جينز األسبوعية‬
‫(‪ )3‬بعض تفاصيله‪ .‬خالصة األمر أن شركة‬
‫بوينغ األمريكية لصناعة الطائرات‬
‫قد سعت إىل استقطاب عامل روسي‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪147‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫عمل يف مشروع هام ملقاومة اجلاذبية له‬
‫آثار بعيدة وفائقة األمهية على صناعة‬
‫الطائرات العسكرية واملدنية وكذلك صناعة‬
‫الصواريخ‪ .‬اعرتفت شركة بوينغ أهنا اتصلت‬
‫بالعامل الروسي يفغيين بودكلتنوف إلغرائه‬
‫بالعمل لصاحلها يف مشروع امسه « أحباث‬
‫اجلاذبية للدفع الفضائي املتقدم (غراسب )»‬
‫تديره وحدة األحباث املتقدمة يف مقر الشركة‬
‫يف سياتل‪ .‬تقول وثيقة املشروع اليت نشرهتا‬
‫جملة جينز ‪ :‬إذا كان تعديل اجلاذبية أمرا‬
‫حقيقيا وممكنا فسوف حيدث هذا تغيريا يف‬
‫كل أعمال الفضاء والطريان‪ ،‬تشمل تطبيقات‬
‫ابتكار وسيلة لتعديل اجلاذبية أو التحكم هبا‬
‫إطالق اجلاذبية االصطناعية يف املركبات‬
‫الفضائية ودفع الطائرات العسكرية واملدنية‬
‫وتوليد الكهرباء بدون وقود والعديد من‬
‫احلقول واجملاالت األخرى‪ .‬إن قانون حتويل‬
‫املادة إىل طاقة ‪ 2 E = m c‬الطاقة = الكتلة‬
‫‪( X‬سرعة الضوء)‪ 2‬الذي بات حمور مئات‬
‫التطبيقات العسكرية واملدنية اهلامة يف حياتنا‬
‫املعاصرة يرتبط ارتباطا حمكما مبسائل‬
‫تأثريات اجلاذبية‪ ،‬وهذا هو جوهر صناعات‬
‫وتطبيقات عديدة‪ ،‬مثل حتويل الكتلة إىل طاقة‬
‫هائلة مدمرة كما يف حالة القنبلة‪ ،‬أو حتويلها‬
‫إىل طاقة مساملة كما يف استخراج الطاقة‬
‫الكهربائية يف حمطات توليد نووية‪ .‬إن اهلدف‬
‫هو استكشاف إمكانية الدفع بدون حمركات‬
‫دفع ( أو ما يعرف يف أحباث الفضاء مبقاومة‬
‫اجلاذبية )‪ .‬من ناحية أخرى‪ ،‬كان كارل ساغان‬
‫وآالن هاريس قد أ ّكدا يف خمترب الدفع النفثي‬
‫ومعهما جريج كانافان يف املعمل القومي يف‬
‫لوس أالموس‪ ،‬وكذلك أوسرتو االقرتاب من‬
‫النجاح يف اختبار جسم مناسب وتغيري مداره‬
‫وإرساله لالصطدام باألرض بفعل عامل مؤثر‬
‫عنيف مفاجئ ( ‪ .)4‬لقد أكد بودكلنتوف‬
‫أنه استطاع إخراج شعاع من الطاقة املماثلة‬

‫‪148‬‬

‫للجاذبية ميكن توجيهه بقوة فورية تصل‬
‫إىل ‪ 1000‬ج‪ ،‬أي ألف ضعف قوة اجلاذبية‪،‬‬
‫على أي جسم من حيث املبدأ و ال سيما إذا‬
‫كان هذا اجلسم يتحرك بسرعة عالية‪ .‬أكد‬
‫بودكلنتوف أن املعمل الذي جيري فيه اختباراته‬
‫يف روسيا قد برهن بالفعل على قدرة هذا‬
‫الشعاع الذي يبلغ عرضه عشرة سنتمرتات‬
‫على قذف األجسام ملسافة تصل إىل كيلومرت‪،‬‬
‫وأنه أظهر فقدان قدر بسيط جدا من الطاقة‬
‫ملسافة تصل إىل مئيت كيلومرت‪ .‬يوحي هذا‬
‫على الفور بإمكان استخدام هذا الشعاع ضد‬
‫األقمار الصناعية أو كدرع مضاد للصواريخ‬
‫البالستية‪ .‬قال بودكلنتوف أنه قد صنع جهازا‬
‫سريع الدوران و فائق التوصيل أثبت جناحه‬
‫مرارا بتجارب خمتلفة‪ ،‬وأنه قد اكتشف تلك‬
‫الظاهرة أثناء عمله يف املوصالت الفائقة‪،‬‬
‫وهي مواد تقوم بتوصيل الكهرباء دون فقدان‬
‫طاقة للمقاومة‪ .‬كانت وكالة الفضاء األمريكية‬
‫ناسا قد حاولت قبل حنو عشر سنوات تقليد‬
‫ما جنح فيه بودكلنتوف‪ ،‬لكنها فشلت وفقا‬
‫ملا ذكرته جملة جينز األسبوعية العسكرية‪.‬‬
‫وقد اشتكت بوينج من أن القوانني الروسية‬
‫اخلاصة بضوابط انتقال التكنولوجيا الروسية‬
‫املتقدمة قد حالت بينها وبني استقطاب‬
‫بودكلنتوف وشراء ابتكاره وخربته‪ .‬كذلك‬
‫فشلت شركة لوكهيد مارتن وشركة ‪BAE‬‬
‫(شركة الفضاء والطريان الربيطانية سابقاً)‬
‫يف حماولتني منفصلتني الستقطاب العامل‬
‫الروسي واستثمار اكتشافه‪ .‬لكن احملاوالت‬
‫والدراسات تستمر وتتشعب على أي حال‬
‫لتطوير القدرات العسكرية عرب االستفادة من‬
‫جديد أحباث اجلاذبية‪ .‬لن يقتصر األمر على‬
‫استثمار هذا االكتشاف يف اجملال العسكري‪،‬‬
‫فاخليال العلمي ملئات العلماء سوف يسعى يف‬
‫الوقت نفسه إىل استثماره يف تطبيقات مدنية‬
‫عديدة لن تقتصر على الطريان ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫اهلوامش‬
‫(‪ )1‬مارشيا بارتوزياك‪« ،‬أينشتاين – سيمفونية مل تكتمل ‪ :‬االستماع ألصوات املكان‬
‫والزمان»‬
‫(‪Marcia Partusiak, Einstein`s Unfinished Symphony : Listening )2‬‬
‫‪.Joseph Henry Press,2000 to Sound of Space-Time, December‬‬
‫(‪ )3‬د‪ .‬نضال قسوم‪ ،‬ما الفائدة من غزو الفضاء؟ جملة العربي‪ ،‬الكويت‪ ،‬العدد‪،4555‬‬
‫تشرين األول ( أكتوبر) ‪ ،1996‬ص ‪. 69-62‬‬
‫(‪ )4‬التفاصيل يف موقع جملة جينز على االنرتنت‪ .‬نقلت صحيفة االحتاد‪ ،‬أبو ظيب عن‬
‫هذا املوقع بعض تلك التفاصيل يوم ‪ ،2002/8/1‬ص ‪. 22‬‬
‫(‪ )5‬كارل ساغان‪ ،‬كوكب األرض نقطة زرقاء باهتة ‪ :‬رؤية ملستقبل اإلنسان يف الفضاء‪،‬‬
‫عامل املعرفة‪ ،‬الكويت‪ ،‬العدد ‪ ،254‬شباط ‪ ،2000‬ص ‪.262‬‬
‫(‪ )6‬د‪ .‬خري الدين عبد الرمحن‪ ،‬أسلحة القرن احلادي والعشرين‪ ،‬دار اجلليل بدمشق‬
‫ودار إشراق بعمّان‪.1996 ،‬‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪149‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫قصه اختراع الـ ( ‪) CD‬‬
‫وسيم قدورة‬

‫نعيش يف عامل رقمي شديد التسارع يف منوه وازدياد بياناته‪ ...‬وبات لزاماً علينا‬
‫أن جند الوسائل املناسبة من حيث السرعة والفاعلية واألمان حلفظ ونقل تلك‬
‫البيانات‪ ...‬ففي إحدى مراحل تطور احلاسوب وملحقاته‪ ،‬أصبح من املخيف نقل‬
‫البيانات أو االحتفاظ بها على ما يسمى القرص املرن أو الفلوبي ديسك‪ ،‬لسهولة وسرعة‬
‫تلفها وفقدان البيانات املوجودة عليها‪.‬‬
‫كما أن األحجام املمكن حفظها على تلك األق��راص كانت صغرية أو متناهية يف الصغري‬
‫باملقارنة مع حجم البيانات اهلائل املتولد نتيجة التطور السريع‪ ،‬لذلك أصبح من الضروري‬
‫جداً إجياد الوسائل البديلة اليت تضمن السرعة واألمان حلفظ ونقل البيانات‪ ،‬وهكذا وجد ما‬
‫يسمى بالـ ‪CD - ROM‬‬

‫‪150‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫يدل مصطلح ‪ CD-ROM‬على اجلملة‬
‫التالية ‪Compact Disc read-only‬‬
‫‪،memory‬‬
‫وتعين األقراص املضغوطة القابلة للقراءة فقط‪.‬‬
‫واليت حتقق باكتشافها وتداوهلا فيما بعد قفزة‬
‫هائلة النتشار ملفات الصوت والصورة‪ ،‬وكان‬
‫الفضل يف اكتشافها للمهندس الكهربائي والعامل‬
‫الفيزيائي جيمس راسيل ‪.James Rusell‬‬
‫ولد (راسيل) يف واشنطن عام ‪1931‬م‪ ،‬وكان‬
‫ما يقض مضجع عاملنا الشاب التلف الذي‬
‫يصيب تسجيالت الفونوجراف (والفونوجراف‬
‫هو جهاز صوتي قديم) حيث كان ميتلك الكثري‬
‫منها‪ ،‬فحاول جاهدا أن يتخلص من تلك املشاكل‬
‫وحتسني اجلودة والنوعية اليت كان أيضا غري‬
‫راض عنها يف تلك التسجيالت‪.‬‬
‫فبدأ باستخدام إبرة الصبار وثبتها يف جهاز‬
‫الفونوجراف‪ ،‬ولكنه استمر يف التفكري يف‬
‫طريقة أفضل للتسجيل‪ ،‬ومبا أنه فيزيائي‬
‫متخصص وبارع يف األجهزة الكهربائية حيث‬
‫أنه صمم أول جهاز (لِحام) يستخدم احلزمة‬
‫اإللكرتونية يف تشغيله‪ ،‬فما كان منه إال أن فكر‬
‫بطريقة مبتكرة وجديدة قلبت موازين صناعة‬
‫ختزين البيانات؛ حيث استخدم الضوء بدال عن‬
‫الطريقة السابقة وذلك بالتعبري عن اخلانتني‬
‫(‪ )0‬و (‪ )1‬بـ (معتم) و (مضيء)‪ ،‬وهبذه الطريقة‬
‫لن يكون هناك سهولة يف التلف أو الضرر‪.‬‬
‫هكذا كانت الفكرة‪ ،‬وبعد سنوات من العمل‬
‫املتواصل وبتشجيع من الشركة أو املؤسسة‬
‫اليت يعمل هبا‪ ،‬استطاع (راسيل) عام ‪1970‬م‬
‫أن ينجح يف اخرتاع أول تسجيل (رقمي‪-‬‬
‫ضوئي)‪ ،‬حيث قام بالتسجيل على طبق كبري‬
‫حساس للضوء يف خانات دقيقة حتتوي مبدأ‬
‫(الضوء‪ ،‬العتمة) بدل (‪)0.1‬؛ حيث إن قطر كل‬
‫خانة (‪1‬ميكرون= ‪ 10‬مرفوع لألس ‪ 6 -‬من‬
‫املرت)‪ ،‬ويقرأ تلك اخلانات شعاع ليزري الذي‬
‫بدوره ينقلها إىل احلاسب اآليل الذي يرتمجها‬

‫إىل إشارات إلكرتونية لتحويلها يف النهاية إىل‬
‫صوتية أو مرئية‪.‬‬
‫وكعادة االكتشافات اجلديدة‪ ،‬ووجهت الفكرة‬
‫باخلوف والتوجس ومل جيد (راسيل) أحداً‬
‫يتبنى فكرته حتى قبلت شركة سوني اليابانية‬
‫شراء حقوق امللكية الفكرية لتبدأ مرحلة اإلنتاج‬
‫التطوير‪ ،‬حتى وصلت هذه التقنية إىل ما يسمى‬
‫بالـ (‪Digital Versatile Disc (DVD‬؛‬
‫وهو ما يستطيع تسجيل وختزين البيانات بشكل‬
‫مكثف أكثر بكثري من قرص الليزر العادي‪.‬‬
‫أما بالنسبة لنظام ختزين البيانات فيه فيسمى‬
‫‪ ، ISO9660‬وسرعات سواقة األقراص الليزر‬
‫‪ CD-ROM driver‬فكل سرعة ‪ X1‬تعترب‬
‫قيمتها ‪150 KBps‬؛ أي ‪150‬كيلو بت يف الثانية‪،‬‬
‫وبالتايل فإن ‪ Kbps 4800 = x32‬وكذلك ‪x60‬‬
‫= ‪ ، Kbps 9000‬وهكذا‪.‬‬
‫ما هو الفرق بني ‪CD & DVD‬‬
‫كثر احلديث عن تقنية ‪ DVD‬وإذا‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪151‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كنت تتساءل عن ماهية هذه التقنية‪ ،‬وفيما إذا‬
‫كنت ستحتاجها فعالً‪ ،‬فإليك اإلجابة عن هذه‬
‫التساؤالت‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬سنبدأ إجابتنا باختبار بسيط ملعلوماتك‪:‬‬
‫أيهما حيتوي على مسارات ‪ tracks‬أكثر؟‬
‫قرص الـ ‪ CD‬أم قرص الـ ‪DVD‬؟‬
‫يعتقد معظم الناس أن قرص الـ ‪ DVD‬حيتوي‬
‫على بيانات تفوق بكثري ما حيتويه قرص الـ‬
‫‪ ،CD‬ولذلك فإن اجلواب الصحيح على سؤالنا‪،‬‬
‫يبدو وكأنه قرص الـ ‪ .DVD‬لكن الواقع ليس‬
‫كذلك‪ ..‬إذ يشكل سؤالنا متناقضة منطقية‪ ،‬ألن‬
‫كالً من أقراص ‪ CD‬وأقراص ‪ DVD‬حيتوي‬
‫على مسار واحد فقط !‬
‫األقراص املدجمة ‪Compact Disks‬‬
‫ميثل مصطلح ‪ CD‬باللغة اإلجنليزية اختصاراً‬
‫لعبارة «قرص مدمج» ‪compact disc‬‬
‫وطوّرت هذه التقنية شركتا فيليبس وسوني عام‬
‫‪ ،1981‬كوسيط لتسجيالت موسيقى السترييو‬
‫‪ .stereo music‬فقد كانت األسطوانات‬
‫املوسيقية القدمية مصنوعة من مادة الفينيل‬
‫‪ ،vinyl‬املعرضة للتلف بسهولة‪ ،‬وكانت تعاني‬
‫من قصور يف توليد جمال كامل من األصوات‪،‬‬
‫كما كانت تعاني يف الغالب‪ ،‬من مشكلة تداخل‬
‫الكالم ‪ ،cross talk‬حيث ميكن أن نسمع‬
‫املقاطع املوسيقية ذات الصوت‪ ،‬املرتفع‪ ،‬من‬
‫خالل املقاطع املوسيقية منخفضة الصوت‪،‬‬
‫اجملاورة هلا‪.‬‬
‫حلت تقنية أقراص ‪ CD‬مجيع هذه املشاكل‪،‬‬
‫باإلضافة إىل أهنا قدّمت العديد من املزايا‬
‫األخرى‪ .‬وميتاز الصوت الرقمي بأنه أكثر دقة‬
‫من الصوت التشاهبي يف عملية إعادة توليد‬
‫األصوات‪ .‬فرأس القراءة الليزري ال يالمس‬
‫القرص أبداً‪ ،‬مما يقلل من احتماالت التلف‪ ،‬كما‬
‫أن ظاهرة تداخل الكالم ال حتدث يف الصوت‬
‫الرقمي‪ ،‬ألن بيانات الصوت خمزنة على شكل‬
‫عيّنات رقمية‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫يتم ختزين البيانات‪ ،‬كسلسلة من البتات‪ ،‬على‬
‫مسار حلزوني واحد‪ ،‬يبدأ من مركز القرص‪،‬‬
‫وميتد حنو حافته اخلارجية‪ .‬وتركزّ أشعة‬
‫القراءة الليزرية على طبقة البيانات‪ ،‬ضمن‬
‫القرص البالستيكي‪ ،‬حيث تتناوب التجاويف‬
‫‪ pits‬على األرضية ‪.land‬‬
‫واألرضية عبارة عن منطقة ملساء خالية من‬
‫التجاويف‪ .‬يرتد الضوء املنعكس من خالل‬
‫موشور ‪ ،prism‬وينعكس على حساس ضوئي‪،‬‬
‫يتغيّر توتر خرجه‪ ،‬اعتماداً على كمية الضوء‬
‫اليت يتلقاها‪ .‬وكما هو احلال يف الوسط‬
‫املغناطيسي‪ ،‬ال مت ّثل التجاويف واألرضية‪،‬‬
‫بشكل مباشر‪ ،‬األصفار والواحدات‪ ،‬بل إن‬
‫االنتقاالت بني التجاويف واألرضية‪ ،‬هي اليت‬
‫مت ّثل البيانات‪ .‬عند تسليط الضوء على جتويف‪،‬‬
‫فإنه يتناثر بشكل أكرب من تناثره عند تسليطه‬
‫على األرضية‪ .‬ويستطيع رأس القراءة هبذه‬
‫الطريقة حتسس االنتقاالت بني التجاويف يف‬
‫املسار‪ ،‬وميكنه بالتايل‪ ،‬إعادة توليد البيانات‪.‬‬
‫ختزن البيانات يف عناصر صغرية جداً‪ :‬يبلغ‬
‫طول اخلطوة املسارية ‪- track pitch‬أي‬
‫املسافة بني املسارات املتجاورة ‪ 1.6 -‬ميكرون‬
‫فقط‪ ،‬وترتاوح أطوال التجاويف من ‪ 0.83‬إىل‬
‫‪ 3.0‬ميكرون‪ .‬امليكرون هو واحد باأللف من‬
‫امليلليمرت‪ .‬ويتم طبع التجاويف يف مساحة‬
‫فارغة‪ ،‬من البالستيك متعدد الكربونات‬
‫‪ ،polycarbonate‬يتم تغطيتها بطبقة رقيقة‬
‫من األملنيوم‪ ،‬الذي يعطي القرص لونه الفضي‬
‫املميز‪ .‬ثم تُ ّ‬
‫غطى طبقة األملنيوم بطبقة رقيقة‬
‫من الورنيش ‪ ،lacquer‬الذي يؤمن سطحاً‬
‫أملس‪ ،‬ميكن طباعة عنوان القرص عليه‪.‬‬
‫جيهل العديد من املستخدمني‪ ،‬أن الطبقة العلوية‬
‫من أقراص ‪ ،CD‬وهي الطبقة اليت يطبع عليها‬
‫عنوان وحمتويات القرص‪ ،‬هي يف الواقع أكثر‬
‫عرضة للتلف من الطبقة السفلية‪ ،‬ذات السطح‬
‫الصايف‪ .‬وإذا خُدش السطح العلوي بعمق كاف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫لتلف طبقة األملنيوم العاكسة‪ ،‬فليس أمامك من‬
‫وسيلة إلنقاذ هذا القرص‪ ،‬سوى استبداله‪.‬‬
‫وتركز أشعة الليزر يف الواقع‪ ،‬من ناحية‬
‫أخرى‪ ،‬على طبقة تقع ضمن القاعدة الصافية‬
‫للقرص‪ ،‬وميكنها قراءة البيانات متجاوزة‬
‫بعض اخلدوش الصغرية على السطح‪ ،‬بطريقة‬
‫مشاهبة للطريقة اليت ميكننا هبا أن نر ّكز على‬
‫الكائنات اخلارجية‪ ،‬عندما ننظر من خالل‬
‫شبك ‪ screen‬نافذتنا‪.‬‬
‫ً‬
‫وحتى إذا كان اخلدش حادا‪ ،‬لدرجة أنه مينع‬
‫أشعة الليزر من قراءة البيانات‪ ،‬فمن املمكن أن‬
‫نتم ّكن من إنقاذ هذا القرص عن طريق تنظيفه‬
‫وتلميعه‪.‬‬

‫تستخدم أقراص ‪ Audio CD‬الصوت الرقمي‪،‬‬
‫املبين على معدّل مسح العينات ‪sampling‬‬
‫‪ rate‬برتدد ‪ 44.1‬كيلوهرتز‪ ،‬والذي يؤمن‬
‫استجابة ترددية مناسبة لألصوات اليت يصل‬
‫تردد اخلطوة فيها حتى ‪ 20‬كيلوهرتز يعتقد‬
‫بعض اخلرباء واملختصني يف أنظمة الصوت‪ ،‬إن‬
‫معدل الرتددات هذا غري كاف اللتقاط تأثريات‬
‫األصوات النفسية ‪ ،psychoaccoustic‬اليت‬
‫ال يسمعها الشخص العادي‪ .‬وحتتوي كل عينة‬
‫على ‪ 16‬بت من البيانات‪ ،‬اليت تؤمّن ‪65536‬‬
‫مستوى خمتلف‪ .‬وميكن أن نستنتج أن هذا‬
‫العدد يؤمّن جماالً ديناميكياً واسعاً‪،‬‬
‫للمقاطع املوسيقية الصاخبة واهلادئة‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪153‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫ويتم تسجيل األصوات يف مسارين للحصول‬
‫على صوت سترييو‪.‬‬
‫ميكن ختزين حتى ‪ 74‬دقيقة من الصوت على‬
‫قرص ‪ ،CD‬وهذا ما يعادل أكثر من ‪ 783‬مليون‬
‫بايت‪ .‬وإذا طرحنا منها الكمية املستخدمة‬
‫لتصحيح األخطاء‪ ،‬سنحصل على سعة قرص‬
‫‪ CD-ROM‬النظامية‪ ،‬واليت تساوي ‪680‬‬
‫مليون بايت‪ ،‬تقريباً‪.‬‬
‫ًتخزّن البيانات يف مسار حلزوني واحد‪ ،‬كما‬
‫أسلفنا‪ ،‬مما يعين أن رأس القراءة يقرأ كمية‬
‫أكرب من البيانات يف دورة واحدة‪ ،‬عندما يكون‬
‫عند احلافة اخلارجية من القرص‪ ،‬باملقارنة مع‬
‫البيانات اليت يقرؤها عندما يكون أقرب إىل‬
‫مركز القرص‪ .‬وتتطلب أقراص ‪ CD‬الصوتية‪،‬‬
‫تدفقاً ثابتاً ومنتظماً للبيانات‪ ،‬مما يعين أن‬
‫القرص جيب أن يدور بشكل أسرع‪ ،‬عندما‬
‫يكون رأس القراءة قريباً من مركز القرص‪،‬‬
‫وهذا ما يسمى بالتصميم ذو السرعة اخلطية‬
‫الثابتة ‪.constant linear velocity, CLV‬‬
‫بينما يدور القرص الصلب النموذجي بسرعة‬
‫ثابتة‪ ،‬فنقول أن تصميمه ذو سرعة زاويّة ثابتة‬
‫‪.constant angular velocity, CAV‬‬
‫تكفي سرعة ‪ 176‬كيلوبايت يف الثانية لنقل‬
‫البيانات الصوتية من األقراص املدجمة‪ ،‬لكن‬
‫تعترب سرعة ‪ ،KBps 150‬بطيئة لتطبيقات‬
‫البيانات‪ .‬وتستخدم برامج وألعاب امللتيميديا‬
‫يف الكمبيوترات‪ ،‬قصاصات ‪ clips‬فيديو‬
‫رقمية‪ ،‬وملفات رسوميات كبرية‪ ،‬تتطلب‬
‫معدّالت نقل أعلى‪ ،‬لكي تعمل بانسياب‪ .‬وقد‬
‫تسارعت سواقات األقراص املدجمة‪ ،‬يف زمن‬
‫قياسي‪ ،‬إىل درجة أن السواقات ذات ‪ 32‬ضعف‬
‫السرعة األساسية‪ ،‬ويرمز هلا ‪ ،32X‬صارت‬
‫منتشرة يف معظم الكمبيوترات احلديثة‪ ،‬كما‬
‫تتوفر سواقات أسرع من ذلك‪ .‬ولنالحظ أن‬
‫العديد من هذه السواقات اجلديدة‪ ،‬ميكنها‬
‫أن تستخدم‪ ،‬عند قراءة البيانات‪ ،‬السرعة‬

‫‪154‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الزاويّة الثابتة ‪ CAV‬وحدها‪ ،‬أو مزجياً من‬
‫سرعة ‪ CAV‬والسرعة اخلطية ‪ CLV‬كما‬
‫أهنا تدعم السرعة اخلطية ‪« CLV‬أحادية‬
‫السرعة»‪ ،‬املطلوبة لألقراص املدجمة الصوتية‪.‬‬
‫ونتيجة لذلك‪ ،‬فإن معدل نقل البيانات الفعلي‬
‫يتغري تبعاً ملوقع البيانات على القرص‪ .‬وميكنك‬
‫يف معظم احلاالت‪ ،‬احلصول على السرعة‬
‫االمسية العظمى‪ ،‬فقط عند قراءة أبعد نقطة‬
‫من املسار عن املركز‪ ،‬على قرص ‪ CD‬ممتلئ‬
‫بالبيانات‪ .‬وحتى مع استخدام السرعات الدنيا‬
‫هلذه السواقات‪ ،‬فإهنا تعترب أسرع بعشر مرات‬
‫على األقل‪ ،‬من السواقات أحادية السرعة ‪1X‬‬
‫األصلية‪.‬‬
‫تستحق إحدى مشتقات هذه التقنية‪ ،‬اإلشارة‬
‫إليها بشكل خاص‪ ،‬وهي أقراص ‪CD-ROM‬‬
‫القابلة للتسجيل‪ ،‬أو ‪ .CD-R‬تعترب األقراص‬
‫املدجمة القياسية وسطاً صاحلاً للقراءة فقط‪،‬‬
‫حيث يتم ختم املعلومات فيزيائياً‪ ،‬يف فراغات‬
‫بالستيكية ال ميكن تغيريها‪ .‬بينما تسهّل تقنية‬
‫‪ CD-R‬عملية إنشاء نسخ مستقلة عن البيانات‬
‫أو املوسيقى‪ ،‬على أقراص مدجمة قابلة للكتابة‬
‫عليها ‪ ،CD-R‬باستخدام سواقات خاصة‪،‬‬
‫وحبيث ميكن استخدام األقراص الناجتة يف‬
‫أي سواقة ‪ CD‬قياسية‪ .‬ويتم هذا األمر عن‬
‫طريق وضع صباغ حساس للحرارة‪ ،‬بني طبقة‬
‫البالستيك الناعم‪ ،‬والطبقة العاكسة‪.‬‬
‫وعندما تستخدم سواقة ‪ CD-R‬لـ «نسخ»‬
‫قرص مدمج قابل للكتابة‪ ،‬فإن شعاع الليزر‬
‫يسخن طبقة الصباغ‪ ،‬إىل درجة تغيّر خواصها‬
‫االنعكاسية بشكل دائم‪ ،‬أي إىل تسجيل البيانات‬
‫عليها‪ .‬تنشر هذه البقع اليت تغريت خواصها‬
‫االنعكاسية‪ ،‬شعاع الليزر الصادر عن رأس‬
‫القراءة‪ ،‬بطريقة مشاهبة ملا تفعله التجاويف‬
‫املوجودة على األقراص املدجمة العادية‪ ،‬وميكن‬
‫بالتايل استخدامها يف معظم سواقات ‪CD-‬‬
‫‪.ROM‬‬

‫أقراص ‪DVD‬‬
‫تعترب أقراص ‪ CD‬مناسبة جداً أللبومات‬
‫املوسيقى‪ ،‬أو ألعاب الكمبيوتر‪ ،‬والتطبيقات‬
‫على الرغم من أن بعضها حيتاج إىل قرصني‬
‫أو أكثر‪ .‬لكن‪ ،‬إذا أردت أن تضع فيلم فيديو‬
‫كامل‪ ،‬على قرص واحد‪ ،‬فإن أقراص ‪CD‬‬
‫صغرية جداً‪ ،‬وبطيئ ًة جداً‪ ،‬هلذا الغرض‪ .‬حلت‬
‫الشركات الصانعة هذه املشكلة بتطوير أقراص‬
‫‪.DVD‬‬
‫ميثل مصطلح ‪ DVD‬يف األصل‪ ،‬أوائل الكلمات‬
‫«قرص فيديو رقمي» ‪،digital video disk‬‬
‫ألنه كان مصمماً لالستخدام كوسط لتخزين‬
‫ونقل األفالم الرقمية‪ ،‬لعرضها يف التلفزيونات‬
‫املنزلية‪ .‬ثم تطوّر هذا املصطلح ليقودنا إىل‬
‫عامل من التطبيقات األخرى‪ ،‬املتعلقة باألقراص‬
‫البصرية ‪ optical‬ذات السرعة العالية‪،‬‬
‫والسعة الكبرية‪ ،‬ولذلك تغيّر امسه إىل «قرص‬
‫متنوع رقمي» ‪ .digital versatile disk‬لكن‬
‫تغيري التسمية مل يسبب أي مشكلة‪ ،‬ألن معظم‬
‫الناس‪،‬يستخدمون االختصار ‪ ،DVD‬فقط‪.‬‬
‫قد يصعب علينا‪ ،‬للوهلة األوىل‪،‬التمييز بني‬
‫قرص ‪ DVD‬وقرص ‪ .CD‬فلهما قياس‬
‫واحد‪ ،‬حيث يبلغ قطر كل منهما ‪ 120‬ملليمرتاً‪،‬‬
‫وكالمها عبارة عن أقراص بالستيكية بسماكة‬
‫‪ 1.2‬ملليمرتاً‪ ،‬ويعتمدان على أشعة الليزر‬
‫لقراءة البيانات املمثلة بواسطة التجويفات‪،‬‬
‫ضمن املسار احللزوني‪ .‬لكن أوجه التشابه‬
‫بينهما تنتهي تقريباً‪ ،‬عند هذا احلد…‬
‫صمم قرص ‪ DVD‬لتخزين فيلم سينمائي‪،‬‬
‫يستغرق طوله وسطياً‪ ،‬حوايل ‪ 135‬دقيقة‪.‬‬
‫يتطلب ختزين صورة فيديو باحلركة الكاملة‪،‬‬
‫وباستخدام تقنية الضغط ‪ ،MPEG2‬حوايل‬
‫‪ 3500‬كيلوبت لكل ثانية‪ .‬وإذا أضفنا الصوت‬
‫الرقمي احمليطي العامل بنظام األقنية‬
‫الستة ‪ 5.1‬مخس قنوات موجهة من‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪155‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫الوسط‪ ،‬واليسار‪ ،‬واليمني‪ ،‬واليسار اخللفي‪،‬‬
‫واليمني اخللفي‪ ،‬باإلضافة إىل قناة مضخم‬
‫فرعي غري موجهة‪ ،‬فستحتاج الصورة إىل ‪384‬‬
‫كيلوبت أخرى يف الثانية‪ .‬وإذا أضفنا التخزين‬
‫اإلضايف الالزم لتسجيل احلوار بلغات خمتلفة‪،‬‬
‫والعناوين الفرعية ملقدمة الفيلم وهنايته‪،‬‬
‫فإن حجم التخزين املطلوب يصل إىل ‪4692‬‬
‫كيلوبت لكل ثانية من طول الفيلم‪ ،‬الذي يبلغ‬
‫‪ 135‬دقيقة‪ ،‬أي ‪ 586.5‬كيلوبايت يف الثانية‪.‬‬
‫وحبساب بسيط يتبني أننا حنتاج إىل قرص‬
‫بسعة ‪ 4.75‬مليون كيلوبايت‪ ،‬لتخزين فيلم‬
‫فيديو كامل‪ .‬ويشار إىل هذه األقراص يف‬
‫الصناعة‪ ،‬غالباً‪ ،‬بالرمز ‪.4.75GB‬‬
‫كيف ميكن أن حنصل على سبعة أضعاف سعة‬
‫القرص املدمج العادي ‪ ،CD‬على قرص له‬
‫األبعاد ذاهتا؟‬
‫ميكننا ذلك عن طريق تصغري أبعاد العناصر‬
‫املمثلة للبيانات‪ ،‬فتتقلص خطوة املسار ‪-‬أي‬
‫املسافة بني األخاديد‪ -‬من ‪ 1.6‬ميكرون‪ ،‬إىل‬
‫‪ 0.74‬ميكرون فقط‪ ،‬وينخفض قياس التجويف‬
‫من ‪ 0.83‬ميكرون إىل ‪ 0.40‬ميكرون‪ .‬ونظراً‬
‫ألن طول موجة الضوء‪ ،‬الصادر عن أشعة الليزر‬
‫يف سواقات ‪ CD‬التقليدية‪ ،‬ال يسمح بالتعرف‬
‫إىل هذه التجاويف الصغرية‪ ،‬اضطر املهندسون‪،‬‬
‫لكي يتم ّكنوا من صنع سواقات ‪ ،DVD‬أن‬
‫يطوروا أشعة ليزر تنتج ضوءاً بطول موجة ‪640‬‬
‫نانومرت‪ ،‬بدالً من ‪ 780‬نانومرت املستخدمة يف‬
‫سواقات ‪ .CD‬وتتطلب هذه الطريقة أيضاً‪،‬‬
‫أن تكون صفيحة القرص ‪ disk platter‬أقل‬
‫مساكة‪ ،‬حبيث ال يضطر الضوء إىل اخرتاق‬
‫طبقة مسيكة نسبياً‪ ،‬من البالستيك‪ ،‬ليصل إىل‬
‫طبقة البيانات‪ .‬ويتطلب تصميم قرص ‪DVD‬‬
‫أن تكون مساكة صفيحته مساوية لنصف مساكة‬
‫قرص ‪ ،CD‬أي ‪ 0.6‬ملليمرت‪ .‬وللمحافظة‬
‫على مساكة ‪ 1.2‬ملليمرت للقرص‪ ،‬جيب لصق‬
‫صفيحة فارغة بسماكة ‪ 0.6‬ملليمرت على وجهه‬

‫‪156‬‬

‫العلوي توجد استخدامات أخرى هلذه الطبقة‪،‬‬
‫سنأتي على ذكرها الحقاً‪.‬‬
‫ميكن للبوصة الواحدة من مسار قرص ‪،DVD‬‬
‫وعن طريق تقليص أبعاد جتاويف البيانات‪،‬‬
‫أن تستوعب حوايل ضعف كمية البيانات‪ ،‬اليت‬
‫تستوعبها البوصة الواحدة من مسار قرص‬
‫‪ .CD‬ولكي حنصل على معدل نقل قريب من‬
‫‪ 600‬كيلوبايت يف الثانية‪ ،‬الذي حنتاجه للفيلم‬
‫السينمائي‪ ،‬جيب أن يدور قرص ‪ DVD‬بشكل‬
‫أسرع من دوران قرص ‪ CD‬القياسي‪.‬‬
‫وتقدم سواقات ‪ DVD-ROM‬معدالت أعلى‬
‫لنقل البيانات‪ ،‬لالستخدامات املتعلقة بتطبيقات‬
‫البيانات‪ ،‬فالسرعة األحادية تبلغ ‪ 1.3‬ميجابايت‬
‫يف الثانية‪ ،‬وتتوفر يف األسواق سواقات تعمل‬
‫بضعف هذه السرعة‪.‬‬
‫على الرغم من أن ‪ 4.7‬جيجابايت قد تبدو‬
‫سعة هائلة‪ ،‬إال أن املواصفات القياسية ألقراص‬
‫‪ DVD‬بدأت تتطلّب سعات أكرب‪.‬‬
‫وعلى سبيل املثال‪ ،‬بدالً من لصق صفيحة فارغة‬
‫فوق قرص ‪ DVD‬احملمّل بالبيانات‪ ،‬ملاذا ال نضع‬
‫قرص بيانات آخر فوقه؟ فنحصل بذلك على‬
‫قرص بوجهني‪ ،‬تصل سعته إىل ‪ 9.4‬جيجابايت‪.‬‬
‫وقد استفاد الكثري من أفالم ‪ DVD‬من هذه‬
‫امليزة‪ ،‬حيث وضعت على الوجه األول إصدارة‬
‫للفيلم مهيئة بنسبة إظهار ‪ ،4:3‬الستخدامها مع‬
‫التلفزيون العادي‪ ،‬أو مرقاب الكمبيوتر‪ ،‬ووضعت‬
‫على الوجه الثاني‪ ،‬إصدارة مهيئة بنسبة إظهار‬
‫‪ 16:9‬للشاشات العريضة‪.‬‬
‫ال تقف إمكانيات تقنية ‪ DVD‬عند هذا احلد‪،‬‬
‫فهناك املزيد‪ .‬ميكن عن طريق تغيري تركيز أشعة‬
‫ليزر القراءة‪ ،‬قراءة املعلومات من أكثر من طبقة‬
‫واحدة من القرص‪ .‬فبدالً من استخدام طبقة‬
‫إنعكاس كتيمة‪ ،‬ميكن استخدام طبقة نصف‬
‫شفافة‪ ،‬تتوضع خلفها طبقة إنعكاس كتيمة‪،‬‬
‫حلمل املزيد من البيانات‪ .‬وعلى الرغم من أن‬
‫هذه التقنية ال تضاعف السعة متاماً‪ ،‬نظراً ألن‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الطبقة الثانية ال ميكنها أن تكون بكثافة الطبقة‬
‫األوىل‪ ،‬إال أنه ميكن استخدام هذه الطريقة‬
‫للحصول على قرص بوجه واحد وطبقتني‪ ،‬سعته‬
‫‪ 8.5‬جيجابايت‪ .‬وإذا استخدمنا هذه الطريقة‬
‫على وجهي القرص‪ ،‬سنحصل على قرص ‪DVD‬‬
‫يتسع حتى ‪ 17‬جيجابايت من البيانات‪.‬‬
‫تعاني مؤسسات اإلنتاج السينمائي‪ ،‬اليت تنتج‬
‫أقراص ‪ ،DVD‬من مشكلة مهمة‪ ،‬وهي نسخ‬
‫وتوزيع هذه األفالم بصورة غري شرعية‪ .‬وتوجد‬
‫مشكلة أخرى‪ ،‬فنظراً ألن هذه املؤسسات تسيطر‬
‫على توزيع األفالم عرب العامل‪ ،‬فقد حتصل بعض‬
‫األسواق العاملية‪ ،‬على حق عرض فيلم معيّن يف‬
‫دور السينما‪ ،‬قبل غريها من األسواق‪ ،‬وبالتايل‬

‫فإهنا ترغب يف منع املستخدمني يف بعض مناطق‬
‫العامل‪ ،‬من مشاهدة أقراص ‪ ،DVD‬مت طرحها‬
‫لالستخدام يف مناطق أخرى‪.‬‬
‫وأدّى هذا إىل ظهور أفالم على أقراص ‪،DVD‬‬
‫حتتوي على نظام أمين متطور‪ ،‬لزيادة صعوبة‬
‫نسخ األقراص بشكل غري شرعي‪ .‬ومت ترميز‬
‫أقراص ‪ DVD‬لتعمل فقط مع مش ّغالت‬
‫‪ players‬حتتوي على مفتاح مستخدم يف‬
‫منطقة معينة من العامل‪ .‬وميكنك يف بعض‬
‫احلاالت‪ ،‬إعادة تعريف رمز املفتاح يف املشغل‪،‬‬
‫كما هو احلال يف بطاقات فك ترميز ‪DVD‬‬
‫املستخدمة يف الكمبيوترات‪ ،‬إال أن معظم‬
‫املشغالت متنع تغيري هذا املفتاح‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪157‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫طي البروتين ‪ ..‬لغز بيولوجي‬

‫رؤوف وصفي‬

‫الربوتني الذي يعد أخطر مكونات األجسام احلية شأناً‪ ،‬اليزال حيري‬
‫العلماء بتشكيالته املذهلة عدداً وتنوعاً‪ ،‬وهم هلثون وراء سر هذه‬
‫التشكيالت ألغراض علمية وصحية واقتصادية شتى‪..‬‬

‫‪158‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫تبدأ احلياة آلالف الربوتينات‪ -‬اليت تقوم بوظائف‬
‫حيوية داخل أجسامنا – بتحد‪ .‬إذ يتعني على‬
‫ال�بروت�ين أن حي �وّل نفسه‪ ،‬من سلسلة طويلة‬
‫مرنة وناعمة من األمحاض األمينية ‪Amino‬‬
‫‪ ،Acids‬إىل جزيئ له شكل حمدد‪ ،‬وبه خمتلف‬
‫االلتواءات واالحنناءات اليت تلزمه ألداء وظيفته‬
‫يف اخللية‪ ،‬وهي مايطلق عليه «طىّ الربوتني»‬
‫‪ Protein Folding‬إن فهم عملية طىّ الربوتني‬
‫بالغة األمهية إلنتاج املستحضرات الصيدلية‬
‫الربوتينية‪ ،‬كما تؤدي هذه العملية دوراً جوهرياً‬
‫يف التفاعالت احليوية اليت حتدث داخل اخللية‪،‬‬
‫ومع منو وازدهار صناعات التكنولوجيا احليوية‬
‫‪ ،Biotechnology‬زاد بدرجة كبرية االهتمام‬
‫بط ّيّ الربوتني‪ ،‬إذ عادة ما حيتاج تطوير عمليات‬
‫اإلنتاج التجاري للربوتينات املصنّعة‪ ،‬إىل طريقة‬
‫فعّالة وعالية اإلنتاجية لط ّيّ الربوتني‪ .‬ويعد طيّ‬
‫الربوتني أحد أعاجيب الطبيعة‪ ،‬وعندما تنزاح‬
‫الربوتينات بعيداً عن خطوط جتمع اخلاليا‪،‬‬
‫فإهنا تصبح الشيء أكثر من سالسل طويلة من‬
‫األمحاض األمينية‪.‬‬
‫ويوجد عشرون نوعاً من األمح��اض األمينية‪،‬‬
‫وحيتوي الربوتني ع��ادة مابني مئة إىل عشرة‬
‫آالف مح��ض أم��ي�ني‪ ،‬وت���ؤدي ه��ذه األمحاض‬
‫األمينية وظيفة مهمة‪ ،‬إذ إهن��ا جتسّد شكل‬
‫ووظيفة الربوتني‪ .‬وحنن نعرف أن هناك مثانية‬
‫وعشرين حرفاً يف اللغة العربية‪ ،‬ميكن ترتيبها‬
‫حبيث تعطى جمموعة من الكلمات ذات معنى‪،‬‬
‫وك��ذل��ك ف��إن األمح���اض األمينية تتجمع مع‬
‫بعضها البعض‪ ،‬لتكوين عشرات املاليني من‬
‫الربوتينات‪ ،‬يف كل الكائنات احلية اليت تعيش‬
‫فوق كوكب األرض‪.‬‬
‫الزمامات املنزلقة‪..‬‬
‫وي��ن��ف��ذ ال�ب�روت�ي�ن م��ه��ام��ه م��ن خ�ل�ال التعاون‬
‫البيولوجي‪ ،‬حيث يرتبط بروتينان كل باآلخر‬
‫للعمل ككيان وظيفي واح���د‪ .‬وب��ع��د جتميع‬
‫ق��وامه��ا‪« ،‬ي��ع��ص��ر « ه���ذا ال��ش��ري��ك��ان بينهما‬

‫احل��م��ض ال���ن���ووي (دن����ا) ‪ DNA‬كاملصارع‬
‫الذي يسيطر على خصمه مبسكة « املقص «‬
‫بواسطة القدمني !‪ .‬املعتقد أن هذين الربوتينني‬
‫يرتبط ك��ل منهما ب��اآلخ��ر ب��أمح��اض أمينية‬
‫تسمى «لوسينات» ‪ . Leucines‬حيث تشكل‬
‫اللوسينات حافة خشنة من العقد‪ ،‬بامتداد أحد‬
‫جانيب كل بروتني‪ ،‬وعندما يتالمس الربوتينان‪،‬‬
‫تتداخل اللوسينات وتندس عقد أحد الربوتينني‬
‫بني عقد ال�بروت�ين الثاني‪ ،‬متاماً مثل أسنان‬
‫الزمام املنزلق للمالبس ‪ . Zipper‬وعندئذ‬
‫يتشابك الربوتينان معاً بقوة‪ ،‬وتصبح مبثابة‬
‫زمام بيولوجي منزلق‪.‬‬
‫اللغز‪ ..‬والطيات العديدة‬
‫تصور خيطاً م��ن حبات ملوّنة كبرية‪،‬‬
‫صفراء وخضراء ومحراء وزرقاء وبنية‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪159‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫علماً بأن احلبات الصفراء تنجذب إىل بعضها‬
‫البعض مثل املغناطيسات‪ .‬وتتنافر احلبات‬
‫اخل��ض��راء م��ع م��ث��ي�لاهت��ا‪ ،‬وت��ن��ج��ذب احلبات‬
‫احلمراء بقوة ضعيفة إىل احلبات الزرقاء‪ ،‬ما مل‬
‫توجد جبوارها حبة بنية اللون‪ ،‬وتذكر أيضاً أن‬
‫احلبات احلمراء ّ‬
‫تفضل أن تستقر بني احلبات‬
‫الصفراء‪ ،‬ما مل توجد حبات خضراء بينهما!‬
‫واآلن كون تسلسالً عشوائياً من بضع مئات من‬
‫احلبات امللونة املختلفة‪ -‬اليت متثل األمحاض‬
‫األمينية‪ -‬وتنبأ بالرتكيب ثالثي األبعاد‪ ،‬الذي‬
‫سوف ينطوي اخليط ذاتياً إليه ! يبدو األمر‬
‫غ��اي��ة يف التعقيد‪ ،‬ول��ك��ن علماء البيولوجيا‬
‫ميارسون هذه «اللعبة» ويطلقون عليها «لغز‬
‫طيّ الربوتني» ‪.‬‬
‫ولكل بروتني تسلسل لألمحاض األمينية خاص‬
‫به فقط‪ ،‬وينتهي بطريقة ما‪ ،‬بالطيّة املميزة له‪،‬‬

‫‪160‬‬

‫لكن مثل هذه السلسلة املعقدة ميكن أن تنطوى‬
‫بعدد كبري جداً من الطرق املختلفة‪ ،‬ولكن كيف‬
‫يتأتى للربوتني أن ينتهي بالشكل الصحيح له‬
‫بالضبط؟ الميكن اإلج��اب��ة ع��ن ه��ذا السؤال‬
‫بالتخمني أو باتباع طريقة التجربة واخلطأ‪.‬‬
‫إن عمر الكون نفسه يعد قصرياً مقارنة باوقت‬
‫ال��ذي يستغرقه بروتني صغري لتجربة باليني‬
‫من الطيات املمكنة واحدة وراء أخرى‪ ،‬وصوالً‬
‫إىل الطية الصحيحة ! ‪ .‬إذ أن الربوتينات تنثين‬
‫وتلتوي وتلتف يف شكل حلقات أو حلزونات‪،‬‬
‫بينما تنضغط بعض الربوتينات األخ���رى يف‬
‫رقائق مطوية تشبه اآللة املوسيقية « األورديون»‬
‫‪ ،‬وكذلك يف أشكال أخرى‪ ،‬وهذه الطيّات تساعد‬
‫على أداء الربوتينات لوظائفها اجلوهرية داخل‬
‫اخلاليا‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬فإن الزوايا والشقوق‬
‫يف طيات أي أنزيم ‪ Enzyme‬هضم – وهو‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫أحد الربوتينات – ميكنها أن حتتجز جزيئات‬
‫النشا ثم تقرتب بعد ذلك الكيماويات اليت حتللها‬
‫إىل سكر‪ ،‬وباملثل تكمن البكترييا والفريوسات‬
‫بقوة يف ثنايا وطيّات األجسام املضادة ‪Anti‬‬
‫‪ ،Bodies‬اليت متسكها بإحكام‪ ..‬بينما تطلب‬
‫«النجدة» من آليات الدفاع األخرى جبهاز املناعة‬
‫يف اجلسم وعندما تواصل سلسلة األمحاض‬
‫األمينية املفتوحة‪ ،‬عملية الوصول إىل الشكل‬
‫النهائي للطيّة فإهنا تواجه الكثري من التطورات‬
‫غري املرغوب فيها‪.‬‬
‫فاألمحاض األمينية تتنافر وتتجاذب فيما بينها‪،‬‬
‫كما أهنا تتفاعل مع جزيئات أخرى يف اجلسم‪،‬‬
‫م��ن أج��ل إمت��ام بعض االت��ص��االت الكيميائية‬
‫احليوية‪ .‬ترى ماالسر الذي ميكن وراء لغز طيّ‬
‫الربوتني؟ إن اإلجابة عن هذا التساؤل‪ ،‬أصبحت‬
‫واحدة من أكثر مناطق الكيمياء احليوية إثارة‪،‬‬
‫ألن الربوتينات – على هيئة أنزميات وهرمونات‬
‫‪ Hormones‬وأجسام مضادة‪ ..‬اخل – تقوم‬
‫بوظائف بيولوجية بالغة األمهية للجسم‪.‬‬
‫وال��واق��ع أن عملية ط �يّ ال�بروت��ي��ن��ات بطريقة‬
‫صحيحة‪ ،‬وبقائها مطويّة خارج بيئتها اخللوية‬
‫الطبيعية‪ ،‬هي واحدة من أكثر املشاكل احملبطة‬
‫لآلمال يف صناعة التكنولوجيا احليوية‪.‬‬
‫إذ رمبا يدخل الباحثون جيناً ‪ Gene‬لربوتني‬
‫بشري مهم ون���ادر‪ ،‬يف بكترييا وينجحون يف‬
‫احلصول على كميات كبرية من هذا الربوتني‬
‫– باستخدام اهلندسة ال��وراث��ي��ة ‪Genetic‬‬
‫‪ Engineering‬ثم يكتشفون يف النهاية أن‬
‫جزيئاته التنطوي داخل خاليا البكترييا‪ ،‬أو أهنا‬
‫تلتصق ببعضها البعض‪ ،‬يف تكتالت ال قيمة‬
‫هلا‪.‬‬
‫وأح��ي��ان �اً ينتجون م��ا ي��ب��دو أن��ه ب��روت�ين مط ٍو‬
‫بطريقة صحيحة‪ ،‬ثم يفاجؤون برؤيته ينحل‬
‫عند إخراج العينات من حجرة التجميد – حيث‬
‫جترى التجارب – إلذابتها‪ .‬وأي شخص يتعامل‬
‫مع الربوتينات غري املطويّة يف أنبوب اختبار‪،‬‬

‫هو فقط الذي يعرف جيداً املخاطر احملتملة‪،‬‬
‫فبدالً من أن تنتهي التجربة‪ ،‬جبزيئات الربوتني‬
‫وهي تعمل بنشاط كامل‪ ،‬رمبا حيصل الباحث‬
‫على كتلة هالمية متداخلة يف بعضها البعض‪،‬‬
‫تعد امل��ن��اظ��ر الكيميائي لطبق م��ن املكرونة‬
‫«اإلس��ب��اج�تي» ال�تي تركت على النار أكثر من‬
‫الالزم‪ ،‬فتعجّنت !‪.‬‬
‫تصميم ‪ ..‬الربوتينات‬
‫ويتمثل جزء من التحدي الكامن يف لغز طيّ‬
‫الربوتني‪ ،‬يف أنه ال يظل متجمداً يف شكل ثابت‬
‫واحد‪ ،‬وحتى عندما يكون مستقراً يف حملول‬
‫ما‪ ،‬فإنه يتأرجح بسرعة بني أشكال خمتلفة‪.‬‬
‫وعندما تتالصق الربوتينات مع جزيئات جماورة‪،‬‬
‫فإننا نتوقع حدوث أي عدد من التغريات هلا‪.‬‬
‫واملشكلة احلقيقية يف ط�يّ ال�بروت�ين‪ ،‬هي يف‬
‫التعامل مع حاالت تتحول بسرعة فائقة‪ ،‬رمبا‬
‫تصل إىل جزء من الثانية ! وهذه التحوالت جتعل‬
‫من الصعب القياس التجرييب للرتكيب «املثايل»‬
‫للربوتينات البسيطة‪ ،‬ال���ذي يفضل العلماء‬
‫معرفة بعض القواعد األساسية لعملية طيّها‪.‬‬
‫ويؤثر تسلسل األمح��اض األمينية يف الرتكيب‬
‫ثالثي األبعاد للربوتني وبالتايل وظيفته‪.‬‬
‫وم��ن خ�لال استبدال مح��ض أميين معني به‪،‬‬
‫يستطيعون «تصميم» بروتينات مصنّعة جديدة‬
‫متاماً‪ ،‬ميكنها تأدية وظائف حيوية حمددة‪.‬‬
‫بيد أن األم��ر حيتاج يف املخترب إىل سنوات‪،‬‬
‫ل��ت��ح��دي��د ال�ترك��ي��ب ث�لاث��ي األب���ع���اد للربوتني‪،‬‬
‫باستخدام األشعة السينية (أشعة إك��س) أو‬
‫التصوير بالرنني املغناطيسي النووي ‪Nuclear‬‬
‫‪ magnetic Resonance‬ومها الطريقتان‬
‫اللتان يعوّل عليهما حالياً‪ ،‬ملسح التضاريس‬
‫السطحية للربوتينات‪.‬‬
‫ويف ال��وق��ت ن��ف��س��ه‪ ،‬ي��ت��م حت��دي��د تسلسالت‬
‫األمحاض األمينية كل يوم‪ ،‬ما يؤدي إىل‬
‫وجود عدد كبري ومتزايد من الربوتينات‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪161‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫اكتسب هذا اجملال النشط من البحث العلمي‪،‬‬
‫امل��زي��د م��ن االه��ت��م��ام يف ال��وق��ت احل��اض��ر إثر‬
‫تزايد معرفتنا بأن أخطاء عملية طيّ الربوتني‪،‬‬
‫رمب��ا تفضي إىل اض��ط��راب��ات صحية خطرية‬
‫مثل مرض «الزهاير» ‪ Alzheimer‬وأمراض‬
‫االع���ت�ل�ال ال��دم��اغ��ي اإلس��ف��ن��ج��ي ‪Spongi‬‬
‫‪ From Encdphalopathies‬مثل مرض‬
‫«كروتزفيلد جاكوب» وهو الشكل البشري ملرض‬
‫«جنون البقر»‪.‬‬

‫م��ع��روف��ة التسلسل‪ ،‬ول��ك��ن تركيبها الدقيق‬
‫الداخلي‪ ،‬ال يزال جمهوالً!‪ .‬واخلالصة‪ ،‬أن على‬
‫علماء البيولوجيا التنبؤ‪ -‬من تسلسل األمحاض‬
‫األمينية للربوتني‪ ،-‬بكيفية حدوث عملية طيّ‬
‫الربوتني‪.‬‬
‫لكن ترى ماهي أنواع الربوتينات اليت قد يرغب‬
‫العلماء يف إعادة تصميمها؟ إن القائمة تتزايد‬
‫بسرعة‪ ،‬إذ يتعاظم ترسيخ فكرة أن الربوتينات‬
‫نوع رئيسي من الكيماويات املنظمة يف اجلسم‪،‬‬
‫وإهنا تؤثر يف عدد كبري من الوظائف احليوية‬
‫اليت ت�تراوح مابني املناعة إىل احلالة النفسية الرقصـة ‪ ..‬البيولوجية‬
‫لإلنسان‪.‬‬
‫يف أواخ���ر الثمانينيات م��ن ال��ق��رن العشرين‪،‬‬
‫اكتشف علماء البيولوجيا أن اخلاليا حتتوي‬
‫الربيونات‪ ..‬وتدمري اخللية‬
‫على جزيئات خاصة مرافقة‪ ،‬هي نفسها عبارة‬
‫إن اكتشاف آلية ط�يّ الربوتينات وتداعياهتا عن بروتينات يطلق عليها «الربوتينات املقرتنة»‬
‫املستقبلية‪ ،‬ب��ال��غ األمه��ي��ة ل��ع�لاج األم���راض ‪. Molecular Chaperones‬‬
‫النامجة عن اخللل من عملية الطيّ‪ ،‬وهي تتعلق وتساعد الربوتينات املقرتنة يف توجيه جزيئات‬
‫بالتغيّر الذي حيدث للربوتني من خيط أصلي ال الربوتينات غري كاملة النضج بعيداً عن املؤثرات‬
‫شكل له من األمحاض األمينية‪ ،‬إىل كيان مطوي السيئة‪ ،‬وكذلك محايتها لكي تنطوي بالطريقة‬
‫الصحيحة‪.‬‬
‫ثالثي األبعاد‪.‬‬
‫وق��د أمث���رت األحب���اث العلمية احل��دي��ث��ة‪ ،‬إىل ولطاملا أصيب الباحثون بالدهشة م��ن هذا‬
‫الكشف عن بعض احلقائق اخلاصة بكيفية «التعاون اجلزيئي» ومن ثم خضعت الربوتينات‬
‫حدوث هذا التحول‪ ،‬وتصحيح عدد من األفكار املقرتنة ألحب��اث علمية دقيقة للتعرف على‬
‫اخلاطئة بشأن سرعة تكوين هذا الطيّ‪.‬‬
‫طبيعتها‪ ،‬والدور الذي تقوم به يف إمتام عملية‬
‫إن عملية طيّ الربوتني تتعرض أحياناً للمشاكل‪ ،‬طيّ الربوتني‪ .‬ومن هذه األحباث‪ ،‬قيام العلماء‬
‫فالربوتينات لديها ميل كبري الرتكاب أخطاء مبعاجلة بكترييا إنتاج «األنسولني» باستخدام‬
‫تبطئ من سرعتها كثرياً‪ ،‬أثناء رحلتها املعقدة‪ ،‬تقنيات اهلندسة الوراثية‪ ،‬حيث أوقفوا نشاط‬
‫اجلينات اليت تدخل يف عملية إنتاج الربوتينات‬
‫إىل الرتكيب النهائي هلا‪.‬‬
‫ويتعيّن على الربوتينات أن تطوى بسرعة فائقة‪ ،‬املقرتنة‪ .‬ونتج عن ه��ذا م��وت البكترييا وهي‬
‫إذ لو تأخرت يف مرحلة بينية واحدة‪ ،‬لتعرضت «متجلطة» بكتل من الربوتينات اجملمّعة بطريقة‬
‫للتكتل مع بروتينات أخرى‪ ،‬أثناء عملية الطيّ خاطئة‪.‬‬
‫وهذا رمبا يكون مدمراً للخلية‪ ،‬حيث تتحول ومن دون مساعدة الربوتينات املقرتنة املوجهة‪،‬‬
‫ه��ذه الربوتينات إىل «بريونات» ‪ Prions‬أي تفشل حنو ثالثني باملئة من بروتينات البكترييا‪،‬‬
‫بروتينات معدية‪ ،‬قد تصل إىل اخلاليا العصبية يف أن تنطوي بالشكل الصحيح‪.‬‬
‫يف امل��خ وتقوم بتدمريها‪ ،‬تاركة فيها فجوات ولكن كيف تقوم الربوتينات املقرتنة بوظيفتها‪ ،‬يف‬
‫عديدة فيبدو النسيج العصيب كاإلسفنج ! وقد مساعدة الربوتني على اختاذ الطيّة الصحيحة؟‬

‫‪162‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫توجد الربوتينات املقرتنة يف اخللية‪ ،‬ومن أمهها‬
‫الربوتني «جرويل» ‪ Groel‬والربوتني «جرويس»‬
‫‪ Groes‬مع وجود األدينوسني ثالثي الفوسفات‬
‫‪، Adenosine Triphosphate ATP‬‬
‫الذي ختزن فيه الطاقة املستخرجة من الغذاء‬
‫ثم تتوافر للتفاعالت الكيميائية يف اخللية‪.‬‬
‫ويعد هذا اجلزيء املصدر الرئيسي للطاقة يف‬
‫اخللية‪.‬‬
‫وي��ك��ون شكل ال�بروت��ي��ن��ات امل��ق�ترن��ة مثل عدة‬
‫طبقات من «الكعك» الدائري الشكل‪ ،‬وتتجمع‬
‫هذه اجلزيئات مع بعضها البعض‪ ،‬لتكوّن مركباً‬
‫معقداً من نوع ما‪ .‬وتتوافر املادة الرابطة «الغراء»‬
‫م��ن التجاذبات الرقيقة يف بعض األمحاض‬
‫األمينية للربوتني‪.‬‬
‫وتنفذ هذه الربوتينات املقرتنة‪ ،‬املناظر الكيميائي‬
‫احليوي‪ ،‬لرقصة بيولوجية معقدة‪ ،‬تضمها مع‬
‫الربوتني غري الناضج‪.‬‬
‫ففي اخلطوة األوىل يقوم «جرويس» بربط أذرعه‬
‫بأحد ط��ريف «ج��روي��ل» حبيث تشكل حلقاهتا‬
‫جت��وي��ف�اً ف��ارغ �اً ك��ب�يراً‪ ،‬مب��ا يكفي الستيعاب‬
‫بروتني واحد‪.‬‬
‫ويف اخلطوة الثانية‪ ،‬يلتصق الربوتني غري الناضج‬
‫داخل هذا التجويف‪ ،‬كاخليط املشدود‪ ،‬حتى ال‬
‫يتعرض ألي التواءات قبل الوقت املناسب‪ ،‬أثناء‬
‫خروج الربوتني من «ريبوسومات» ‪Ribosomes‬‬
‫اخللية إىل «السيتوبالزم» ‪ Cytoplasm‬ليكمل‬
‫رحلته داخ��ل اجلسم ويقود ذلك إىل اخلطوة‬
‫الثالثة‪ ،‬حيث يشتبك «جرويس» بالطرف اآلخر‬
‫ل��ـ «ج��روي��ل» م��ا ي��ؤدي إىل حت��رر ال�بروت�ين من‬
‫«سجنه» داخل التجويف‪ ،‬بواسطة الطاقة اليت‬
‫حيصل عليها من األدينوسني ثالثي الفوسفات‪.‬‬
‫وهب��ذا يصبح الربوتني ح��راً بعد محايته داخل‬
‫«القفص اجلزيئي» يف التجويف‪ ،‬من أي مؤثرات‬
‫خارجية ضارة به وهكذا تنتهي املشكلة‪ ،‬ويتمكن‬
‫الربوتني من أن ينطوي بطريقة صحيحة‪.‬‬
‫ولكن يعتقد بعض الباحثني‪ ،‬أن الربوتينات‬

‫املنتشرة تربط أذرعها مع الربوتينات املقرتنة‬
‫فقط بشكل متقطع‪ ،‬وأن معظم عملية الطيّ تتم‬
‫أثناء انفصاهلا وكذلك رمبا تستخدم الربوتينات‬
‫املقرتنة األدينوسني ثالثي الفوسفات‪ ،‬يف «جندة»‬
‫الربوتينات «احملبوسة» يف حاالت طيّ خاطئة‪،‬‬
‫وإعطائها فرصة أخرى‪.‬‬
‫ث��م تطلق ه��ذه ال�بروت��ي��ن��ات ال�تي مت إنقاذها‪،‬‬
‫وترتكها لكي تنطوي تلقائياً‪ .‬فإذا انطوى الربوتني‬
‫بالشكل الصحيح فكل شيء على ما يرام‪ ،‬أما‬
‫يف حالة ح��دوث أي مشكلة‪ ،‬تقوم الربوتينات‬
‫املقرتنة بنجدته م��رة أخ���رى‪ ،‬وه��ك��ذا حتصل‬
‫معظم الربوتينات على فرص كافية‪ ،‬لكي تصل‬
‫إىل الطيّة الصحيحة يف النهاية‪.‬‬
‫آفاق املستقبل‬
‫ً‬
‫ً‬
‫لقد لعب طيّ الربوتني دورا رئيسيا يف كل من‬
‫األحباث والتطورات األكادميية والصناعية يف‬
‫جم��ال التكنولوجيا‪ .‬إذ اعتمدت الصناعات‬
‫التكنولوجية احليوية على عمليات طيّ الربوتني‪،‬‬
‫يف (اخل�لاي��ا احلية ) ‪ In Vivo‬وك��ذل��ك يف‬
‫املعامل (يف أنابيب االختبار ) ‪ In Vitro‬لإلنتاج‬
‫الناجح للربوتينات املصنعة‪ ،‬املعتمد استخدامها‬
‫حالياً يف العالج الطيب واستنباط أدوية عالجية‬
‫جديدة يف املستقبل القريب‪ .‬وهل��ذا‪ ،‬فإن طيّ‬
‫ال�بروت�ين‪ ،‬أصبح يف ب��ؤرة االهتمام العلمي يف‬
‫الوقت احلاضر‪ ،‬خاصة بعد التوصل إىل إجناز‬
‫مشروع الطاقم ال��وراث��ي البشري (اجلينوم)‬
‫‪ ،Genome‬وبداية األحباث اخلاصة بالكشف‬
‫عن تعاقبات األمحاض األمينية يف الربوتينات‪،‬‬
‫وهو مايطلق عليه «الربوتيوم» ‪. Proteome‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪163‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫نهاية العالم‬
‫م‪ .‬طارق نواف حامد‬

‫هل هي حقيقة علمية أم نبوءة أسطورية ‪ .‬هل‬
‫من املعقول أن تزول حضارة اإلنسان وكل ما بناه‬
‫خالل آالف السنني املاضية وتغور غالبية البحار‬
‫واحمليطات وتتغري معامل اليابسة على سطح كوكبنا اجلميل‬
‫وتظهر حميطات جديدة ويابسة جديدة ‪.‬‬
‫نهاية العامل يف ‪ 2012‬خرب تناقلته الصحف العلمية األمريكية‬
‫حيث مت تسريب اخلرب من وكالة الفضاء األمريكية ناسا يف‬
‫السنوات األخرية ‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ويروي ناقل اخلرب ما كشفته الوكالة ناسا عن‬
‫تأكيد وجود كوكب آخر باإلضافة إىل الكواكب‬
‫األحد عشر املتعارف عليها‪.‬‬
‫حيث كشف أحد التلسكوبات التابعة للوكالة‬
‫يف الفضاء ظهور كوكب يعادل حجم الشمس‬
‫تقريباً وأطلق عليه اسم (‪.)nibiru‬‬
‫وقد قامت الوكالة بدراسة ذلك الكوكب الغامض‬
‫فوجدت أنه ذو قوة مغناطيسية هائلة تعادل ما‬
‫حتمله الشمس وبالتايل وجدوا أن هناك خماطر‬
‫كثرية لو اقرتب من مسار األرض‪.‬‬
‫ولكن هذا ما حصل فبعد اختبارات استمرت‬
‫ألكثر من مخسة أعوام وجدوا أن هذا الكوكب‬
‫(‪)nibiru‬سوف مير بالقرب من الكرة األرضية‬
‫على مسافة متكن سكان شرق آسيا من رؤيته‬
‫بكل وضوح (‪ )2009‬بل انه سوف يعرتض مسار‬
‫األرض وذلك يف عام (‪ )2011‬وسيتمكن مجيع‬
‫سكان األرض من رؤيته وكأنه مشس أخرى ‪.‬‬
‫ونظراً لقوته املغناطيسية اهلائلة فإنه سوف‬
‫يعمل على عكس القطبية يف الكوكب األرضي‬
‫أي أن القطب املغناطيسي الشمايل سيصبح هو‬
‫القطب املغناطيسي اجلنوبي والعكس صحيح‬
‫وبالتايل فإن الكرة األرضية سوف تبقى تدور‬
‫دورهتا املعتادة حول نفسها ولكن بالعكس حتى‬
‫يبدأ الكوكب باالبتعاد عن األرض مكمالً طريقه‬
‫املساري حول الشمس ‪.‬‬
‫كوكب (‪ )nibiru‬هو كوكب يدور حول الشمس‬
‫يف نفس مسار الكواكب األخرى ولكن على مدى‬
‫أبعد حيث توصل العلماء إىل أن هذا الكوكب‬
‫يستغرقه يف دوران��ه ‪ 4100‬سنه إلكمال دورة‬
‫واحدة حول الشمس‪ ،‬أي أنه قد حدث له وأن‬
‫أكمل دورت���ه السابقة قبل ‪ 4100‬سنة وهذا‬
‫م��ا ي��ش��رح لنا سبب ان��ق��راض الديناصورات‬
‫واحليوانات العمالقة قبل ‪ 4100‬سنة تقريباً‬
‫وان��ف��ص��ال ال��ق��ارات ع��ن بعضها البعض (ما‬
‫عرفناه باالنفجار الكبري) ‪.‬‬
‫حيث انه مبرور هذا الكوكب بالقرب من األرض‬

‫سوف تفقد الكرة األرضية قوهتا املغناطيسية‬
‫وبالتايل سيكون هناك خلل يف التوازن األرضي‬
‫ما سينتج عنه زالزل هائلة وفيضانات شاسعة‬
‫وتغريات مناخية مفاجئة حيث تقضي على ‪%70‬‬
‫من سكان العامل كما أنه حتى وان أكمل طريقه‬
‫وصار على مقربة من الشمس فإنه سوف يؤثر‬
‫على قطبيتها وبالتايل ستحدث انفجارات هائلة‬
‫يف احلمم اهليدروجينية على سطح الشمس ما‬
‫س��ي��ؤدي إىل وص���ول بعض احل��م��م إىل سطح‬
‫األرض حيث ستؤدي إىل كوارث بيئية عظيمة‪.‬‬
‫وهذا ما يفسر ارتباك احلكومة األمريكية ووكالة‬
‫ناسا حيث قاموا بعد مدة من الزمن باكتشاف‬
‫األض����رار ال��ن��اجت��ة م��ن ال��ك��وك��ب (‪)nibiru‬‬
‫وبادعائهم بأهنم ارتكبوا خطأ عندما أعلنوا عن‬
‫ظهور كوكب آخر أضيف للمجموعة الشمسية‬
‫وأنه ال يوجد‪ ،‬وإمنا كانت أخطاء علمية حبته ‪.‬‬
‫وه���ذا م��ا يفسر حب��ث وك��ال��ة ن��اس��ا يف عشر‬
‫السنوات املاضية عن كوكب يكون شبيهاً بالكرة‬
‫األرض��ي��ة حيث يستطيع البشر العيش فيه‪،‬‬
‫وأيضاً قيامهم برحالت استكشافية باستمرار‪.‬‬
‫وهذا ما يفسر التغريات املناخية اليت حدثت‬
‫يف العشر سنوات األخ�يرة من زالزل مستمرة‬
‫وفيضانات هائلة وبراكني واخنفاض مشهود يف‬
‫درج��ات احل��رارة وذوب��ان يف القطبني الشمايل‬
‫واجلنوبي‪.‬‬
‫وهنا بعض ما نشر عن علماء من خمتلف الدول‬
‫عن هذه املسألة ‪:‬‬
‫ ع���امل ال��ف��ل��ك ال��ف��رن��س��ي (ن���وس�ت�رادام���وس)‬‫(سنة ‪:)1890‬حيث تنبأ بأن الكواكب التابعة‬
‫للمجموعة الشمسية سوف تضطرب بنهاية‬
‫األلفية الثاني بعد ‪ 12‬عاما فقط وتسبب دمار‬
‫احلياة‪.‬‬
‫ عامل الرياضيات الياباني (هايدو ايناكاوا)‬‫(‪ :)1950‬حيث تنبأ ب��أن ك��واك��ب اجملموعة‬
‫الشمسية س��وف تنظم يف خ��ط واحد‬
‫خلف الشمس ‪ -‬وأن هذه الظاهرة سوف‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪165‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫تصاحب بتغريات مناخية وخيمة تنهي احلياة‬
‫على سطح األرض حبلول ‪. 2012‬‬
‫ علماء صينيون‪ :‬بداية هناية العامل ستكون يف‬‫ديسمرب ‪ 21‬من عام ‪ 2012‬حيث يكون الكوكب‬
‫اجملهول يف أقرب نقطة له من األرض ويف عام‬
‫‪ 2014‬سيصل إىل نقطة ينتهي فيها تأثريه على‬
‫األرض مكمالً مساره الشمسي حتى يعود مرة‬
‫أخرى بعد ‪ 4100‬سنة ‪.‬‬
‫يشار أيضاً إىل أن أمماً وثقافات كثرية حاولت‬
‫التنبؤ بنهاية العامل ‪ ..‬ففي اإلجنيل مثالً يوجد‬
‫نص يدّعي أن املالئكة قيدت الشيطان إىل قعر‬
‫جهنم ولن يفك وثاقه قبل ألف عام‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫وم��ن ه��ذا النص فهم املسيحيون األوائ���ل أن‬
‫القيامة ستقع بعد ‪ 1000‬عام من ميالد املسيح‪.‬‬
‫وحني شارفت األلف األوىل على هنايتها توقع كثري‬
‫منهم انتهاء الدنيا فهجروا أمواهلم وممتلكاهتم‬
‫وخرجوا إىل التالل يستعدون (لالجنراف حنو‬
‫السماء)‪ .‬وحني مل حيدث شيء ومرت أول ألفية‬
‫بسالم ظهرت تفاسري جديدة تدعي أن قيام‬
‫الساعة سيكون عام (‪. )2000‬‬
‫وألننا أيضاً جتاوزنا هذا املوعد بسالم ظهرت‬
‫افرتاضات جديدة تؤكد أن دمار العامل سيكون‬
‫بنهاية األلفية الثالثة (اعتماداً على أن املسيح‬
‫توفى يف عقده الثالث) ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫وهناك أيضاً النبوءة اليت يدعيها شعب املايا‬
‫وتقول إن العامل سينتهي عام ‪.2012‬‬
‫وأمهيتها ال تنبع من صحتها بل من أن شعب‬
‫امل��اي��ا (يف أم��ري��ك��ا ال��وس��ط��ى) وض���ع ج���داول‬
‫رياضية تنبأت بدقة بالكوارث اجلوية واألحداث‬
‫الفلكية‪ ..‬وهي جداول تستحق االح�ترام فعالً‬
‫ألهنا ال تعتمد على التنجيم أو األساطري (كما يف‬
‫أغلب احلضارات) بل على استنتاجات رياضية‬
‫وضعت بعد مراقبة طويلة‪.‬‬
‫واملايا قبائل هندية أسست حضارة مدنية بلغت‬
‫أوج تألقها يف القرن الثالث امليالدي‪ .‬ففي وقت‬
‫كانت فيه ب��اري��س ول��ن��دن جم��رد ق��رى بدائية‬

‫حيث كانت م��دن مثل تايكال وتيهاكان متلك‬
‫طرقاً مرصوفة وأكثر من مئة أل��ف نسمة‪..‬‬
‫غري أن عظمة املايا احلقيقية تكمن يف مهارهتم‬
‫يف علوم الفلك والرياضيات ورصد األحداث‪.‬‬
‫فقد توصلوا إىل قياس طول السنة بنسبة خطأ‬
‫ال تتجاوز الثانيتني‪ ،‬كما استخرجوا احمليط‬
‫الصحيح ل�لأرض‪ ،‬وتنبؤوا مبواعيد اخلسوف‬
‫والكسوف‪ .‬وتتضح براعتهم بوضع ما يعرف بـ‬
‫(تقويم املايا) الذين استطاعوا من خالله التنبؤ‬
‫بالفيضانات وهبوب األعاصري ومواسم القحط‬
‫واجلفاف‪.‬‬
‫وه��و عبارة عن ج��داول رياضية تتكرر‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪167‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫بنمط دوري وتتوافق فيها األي��ام مع التواريخ‬
‫(ك��أن يوافق األول من شباط ع��ام ‪2099‬يوم‬
‫ال��س��ب��ت‪ ،‬واألول م��ن ش��ب��اط ع���ام ‪1982‬ي����وم‬
‫الثالثاء‪.‬‬
‫وأكثر ما يشد االنتباه يف تقويم املايا ادعاؤه أن‬
‫هناية العامل ستكون عام‪ ،2012 ،‬فقد كان املايا‬
‫يؤمنون بأن البشر خيلقون ويفنون يف دورات‬
‫تزيد قليالً عن مخسة آالف عام‪.‬‬
‫ومبا أن آخر ساللة بشرية من وجهة نظرهم‬
‫ظ��ه��رت قبل ‪ 3114‬م��ن امل��ي�لاد ف��إن هنايتهم‬
‫ستكون (عام (‪2012‬وحتديدا يف ‪23‬كانون األول‬
‫من ذلك العام ‪.‬‬
‫والغريب أن هذا التخمني يتوافق تقريباً مع ما‬
‫جاء يف التوراة من أن اهلل خلق اإلنسان قبل‬
‫‪3760‬ع��ام�اً من امليالد‪ ،‬كما يتوافق مع ظهور‬
‫اإلنسان املتحضر وأول كتابة يف العراق!!‬
‫وقد أثار تقويم املايا اهتمام الباحث السويدي‬
‫كارل كوملان (‪ )Carl Calleman‬الذي قارن‬
‫بينه وبني األح��داث العظيمة خالل السبعمئة‬
‫عام املاضية‪ .‬وقد وجد بينهما تطابقاً مدهشاً‬
‫غ�ير أن��ه مل يفهم مل��اذا ستتوقف احل��ي��اة عام‬
‫‪.2012‬‬
‫وقد حاول كوملان استخدام هذا التقويم للتنبؤ‬
‫بأحداث املستقبل وألف يف ذلك كتاباً يدعى‪:‬‬
‫تقويم امل��اي��ا ح��ل اللغز العظيم (‪Solving‬‬
‫‪the Greatest Mystery:The Mayan‬‬
‫‪)Calendar‬‬
‫وهنا بعض ما نشر عن علماء من خمتلف الدول‬
‫عن هذه املسألة ‪:‬‬
‫عامل الفلك الفرنسي (ن��وس�ترادام��وس) (سنة‬
‫‪:)1890‬حيث تنبأ بأن الكواكب التابعة للمجموعة‬
‫الشمسية سوف تضطرب بنهاية األلفية الثاني‬
‫وتسبب دمار احلياة بعد ‪ 12‬عاماً فقط‪.‬‬
‫ع��امل الرياضيات الياباني (ه��اي��دو ايناكاوا)‬
‫(‪ :)1950‬حيث تنبأ ب��أن ك��واك��ب اجملموعة‬
‫الشمسية س��وف تنتظم يف خط واح��د خلف‬

‫‪168‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫الشمس‪ -‬وأن ه��ذه الظاهرة س��وف تصاحب‬
‫بتغريات مناخية وخيمة تنهي احلياة على سطح‬
‫األرض حبلول ‪. 2012‬‬
‫علماء صينيون ‪:‬بداية هناية العامل ستكون يف‬
‫ك��ان��ون األول ‪ 21‬م��ن ع��ام ‪ 2012‬حيث يكون‬
‫الكوكب اجملهول يف أقرب نقطة له من األرض‬
‫ويف عام ‪ 2014‬سيصل إىل نقطة ينتهي فيها‬
‫تأثريه على األرض مكمالً مساره الشمسي حتى‬
‫يعود مرة أخرى بعد ‪ 4100‬سنة‪.‬‬
‫والغريب أن النظرة الكارثية لعام ‪ 2012‬ميكن‬
‫مالحظتها حتى بني أتباع الديانات السماوية‬
‫الثالث ؛ ففي حني يؤمن شعب املايا بأن البشر‬
‫خيلقون ويفنون يف دورات تساوي مخسة آالف‬
‫عام؛ جند توافقاً بني هذا االعتقاد وما جاء يف‬
‫التوراة حول خلق اإلنسان وبقائه على األرض‬
‫خلمسة آالف سنة (ينتهي آخرها عام ‪.2012‬‬
‫وه��ذا االعتقاد يتوافق بالتبعية مع كثري من‬
‫النبوءات املسيحية اليت اعتمدت على ما جاء‬
‫يف التوراة أو العهد القديم ‪ ..‬فمعظم املسيحيني‬

‫مثالً يؤمنون مثلنا بظهور «امل��ه��دي» يف آخر‬
‫الزمان ‪ .‬ويرى كثري منهم أن ظهوره سيكون عام‬
‫‪ 2012‬اعتماداً على حتديد دانيال يف اإلجنيل ‪..‬‬
‫وهناك قس مشهور يدعى إدجار كايسي (سبق‬
‫وأن تنبأ باهنيار البورصة األمريكية عام ‪) 1929‬‬
‫ادعى أن نزول املسيح سيكون بعد ‪ 58‬عاماً من‬
‫وفاته وأن العامل سينتهي حينها بزالزل وحرائق‬
‫تشتعل يف نفس الوقت (عام ‪.)2012‬‬
‫هذا تقريباً ما مت تداوله يف هذا العام ‪2009‬‬
‫الذي شارف على هنايته ‪.‬‬
‫ومل يبق أمامنا إال االنتظار فالزمن القادم كفيل‬
‫بإزالة الغموض على مدى صحة هذه التوقعات‬
‫أو خطئها ‪.‬‬
‫فهل حقاً سينتهي هذا العامل من الوجود وكأنه‬
‫مل يكن يوماً‪ ،‬أم هي جمرد أفكار مت تسريبها من‬
‫الوكالة األمريكية للفضاء ناسا إلحداث بلبلة‬
‫بني سكان كوكبنا لتحقيق أهداف سياسية أو‬
‫اقتصادية أو عسكرية معينة ‪.‬‬
‫لننتظر ونرى فإن غداً لناظره قريب ‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪169‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫كيف تنوعت الثدييات‬
‫ترمجة غصون عمار‬
‫عن «العلم واحلياة» الفرنسية‬

‫ليس لتنوع الثدييات أي عالقة باختفاء الديناصورات‪ ،‬يقول علماء‬
‫نشوء األنواع‪ .‬من شأن هذا السيناريو اجلديد أن حيدث تغرياً عميقاً‬
‫يف مرجعيات علماء اإلحاثة‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫مل تنتظر الثدييات أن ميحو حجرٌ نيزكي‬
‫‪ météorite‬الديناصورات ‪dinosaures‬‬
‫عن خريطة الكوكب كي تتنوع‪ :‬مل تكن الثدييات‬
‫جمرد كراتِ شعْ ٍر صغرية ترتعش يف ظل زواحف‬
‫عمالقة‪ ،‬بل مجاع ًة قوية متنوعة‪ ،‬منذ ما قبل‬
‫الكارثة اليت أتت على الديناصورات ببضع‬
‫ماليني من السنوات‪ ،‬كانت تضم تقريباً كامل‬
‫الرتب ‪ ordres‬اليت نعرفها اليوم‪ ،‬مبا يف‬
‫ذلك الرئيسات ‪ !primates‬إذاً‪ ،‬قد ال يعود‬
‫تنوع الثدييات اهلام – وبالتايل اإلنسان – يف‬
‫اجملموع احليواني ‪ faune‬الكبري احلايل إىل‬
‫حدث جاء من الفضاء الكوني‪ ،‬وال إىل حترير‬
‫الديناصورات للميدان الذي شَ َغلتْه‪ .‬هذا على‬
‫كل حال هو السيناريو اجلديد الذي قدمه يف‬
‫آذار ‪ 2007‬فريقٌ دويل من علماء نشوء األنواع‬
‫‪( phylogénéticiens‬علماء تطور األنواع‬
‫والسالالت وجمموعات العضويات‪« ،‬مصنفو‬
‫الكائن احلي») برئاسة « أوالف بنيندا –‬
‫إموندز» ‪ ،O. Bininda – Emonds‬عامل‬
‫األحياء من جامعة ميونيخ التقنية‪.‬‬
‫ال توجد مستحاثة ( أحفور ) ‪ fossile‬استثنائية‬
‫تشكل أساساً هلذه األعمال‪ :‬إن كانت حصلت‬
‫تنقيبات‪ ،‬فهي يف قواعد البيانات‪ .‬يف الواقع‪،‬‬
‫عمل «أوالف بنيندا – إموندز» وزمالؤه على‬
‫حتليل «دنا» ‪ DNA‬األنواع احلالية‪ .‬يسمى‬
‫منهجهم «الساعات اجلزيئية» ‪horloges‬‬
‫‪ ،moléculaires‬الذي ابتكر يف ستينيات‬
‫القرن املاضي‪ ،‬وال يزال يف طور اإلنضاج‪.‬‬
‫«يقارن الباحثون‪ ،‬لتأريخ االنفصال بني‬
‫نوعني قريبني‪ ،‬الفروق بني جينني مثليني‬
‫‪ .homologues‬يقدرون بعد ذلك السرعة‬
‫اليت حدثت هبا الطفرات ‪ mutations‬املوجودة‬
‫يف هذين اجلينني‪.‬‬
‫ثم يؤكدون‪ ،‬يف احلالة األبسط‪ ،‬أنه توجد‬
‫ساعة جزيئية‪ ،‬أي تواتر طفري جيين ثابت‬

‫كثرياً أو قليالً»‪ ،‬يشرح «كريستوف دوادي» ‪Ch.‬‬
‫‪ ،Douady‬عامل نشوء األنواع يف جامعة ليون‬
‫األوىل‪ ،‬فرنسا‪ .‬أصبح بذلك ممكناً‪ ،‬انطالقاً من‬
‫أنواع حالية‪ ،‬إرجاع أنساهبا ‪ généalogie‬إىل‬
‫عدة ماليني خلت من السنوات‪ ،‬من خالل صقل‬
‫أشجار (النسَب) استناداً إىل معْلَماتٍ إحاثية‬
‫‪( paléontologiques‬مستحاثات أو أحداث‬
‫جغرافية حيوية )‪.‬‬
‫مل يكن املنهج قد مشل حتى اآلن سوى بعض‬
‫الرتب ‪ ordres‬الكبرية أو الفصائل ‪familles‬‬
‫الكبرية لثدييات مشيمية (ثدييات أصيلة)‬
‫‪ ( 1 euthériens‬تلك اليت يتميز جنينها بفرتة‬
‫محل أطول يف املشيمة‪ ،‬أي ‪ %93‬من األنواع احلية‬
‫حالياً‪ ،‬املسماة مشيمية ‪ ،)placentaires‬غري‬
‫أنه جعل الباحثني يشتبهون بأن أصوهلا أقدم‬
‫بكثري من تلك اليت يفرتضها علماء اإلحاثة‬
‫(علماء املستحاثات) ‪paléontologues‬‬
‫الذين يعملون على األحافري مبفردها‪.‬‬
‫كرونولوجية جديدة‬
‫ولكن‪ ،‬متكن أعضاء فريق «أوالف بنيندا –‬
‫إموندز»‪ ،‬بعد أن قدروا من جديد أصل ‪ %99‬من‬
‫أنواع الثدييات احلالية (حللوا ‪ 4510‬من بني‬
‫‪ 4554‬نوعاً كان قد مت إحصاؤها من قبل )‪ ،‬من‬
‫أن يعيدوا‪ ،‬ألول مرة يف العامل‪ ،‬بناء شجرة نشوء‬
‫نوعي ‪ arbre phylogénétique‬إمجالية‪...‬‬
‫وتأرخيية!‪.‬‬
‫ومن هنا‪ ،‬ظهر ترتيب زمين جديد متاماً لصفّ‬
‫الثدييات‪ « .‬الحظنا لدى املشيميات ذروةً يف‬
‫التنوع منذ ‪ 93‬مليون سنة‪ ،‬وهو ما يعين إشعاعاً‬
‫(تفرقاً وتكيفاً يف بيئات جديدة) ‪radiation‬‬
‫أولياً يف الطباشريي ‪ ،2‬ولكن مل نلحظ أدنى‬
‫اختالف عند مستوى أزمة الطباشريي ‪ /‬الثالث‬
‫‪ ،3‬قبل أن نتبني مرة أخرى ذروةً‪ ،‬أخفض‬
‫من األوىل‪ ،‬منذ ‪ 50‬مليون سنة»‪ ،‬يلخص‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪171‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫«أوالف بنيندا – إموندز»‪ .‬يتضح من ذلك أن‬
‫رتب املشيميات كلها قد تكون متايزت خالل‬
‫اإلشعاع األول‪ ،‬يف الطباشريي‪ ،‬أي أن اللواحم‬
‫‪ ،carnivores‬والـ ‪( glires‬القوارض‪ ،‬األرانب)‪،‬‬
‫ومفردات األصابع ‪périssodactyles‬‬
‫(احلصان‪ ،‬والكركدن‪ ،‬والتابري) واخلرطوميات‬
‫‪( proboscidiens‬الفيل)‪ ،‬أو حتى الرئيسات‪،‬‬
‫كانت موجودة منذ ‪ 75‬مليون سنة‪ ،‬أي حتى قبل‬
‫ظهور «التريانوصور» ‪ tyrannosaure‬الشهري‪.‬‬
‫وينهي الباحث قائالً‪« :‬ال يبدو أنه كان الختفاء‬
‫الزواحف العمالقة‪ ،‬وعلى حنو أعم االنطفاء‬
‫اجلماعي يف هناية الطباشريي‪ ،‬تأثري مباشر‬

‫‪172‬‬

‫على تطور الثدييات احلالية»‪.‬‬
‫ما رأي علماء اإلحاثة هبذا السيناريو اجلديد‬
‫الذي طوره علماء نشوء األنواع؟ أوالً‪ ،‬ال ينكرون‬
‫ذروةَ تنوع املشيميات منذ حنو ‪ 50‬مليون‬
‫سنة‪ .‬يف الواقع‪ ،‬هذه الوفرة أكدهتا املعطيات‬
‫األحفورية‪ .‬ما هو سببها؟ «أمكن جداً الحرتار‬
‫القارات الشمالية املناخي أن يكون عام َل إطالق‪،‬‬
‫بأن شجع اهلجراتِ‪ ،‬والتفرُّ َق‪ ،‬وبالنتيجة تنوعَ‬
‫مجاعات كانت حتى ذاك احلني أكثر احرتاسا»‪،‬‬
‫جييب «إمانويل غريبران» ‪،E. Gheerbrant‬‬
‫عامل الثدييات القدمية يف املتحف الوطين‬
‫للتاريخ الطبيعي يف باريس‪.‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫ورمبا تكون املشيميات قد أحرزت أيضاً‬
‫انتصاراً حامساً يف ذاك الوقت على سالالت‬
‫ثدييات أخرى‪ ،‬انطفأت حتت وطء احلوافر‪،‬‬
‫يشرح الباحث أيضاً‪ ،‬مضيفاً‪« :‬أظهرت دراس ٌة‬
‫يف وقت سابق‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬أن انتشار‬
‫القوارض يف بداية األيوسيين ‪ 4‬يتوافق وانطفاء‬
‫الـ ‪ ،multituberculés‬وهي ساللة من‬
‫الثدييات العاشبة املنقرضة اليوم»‪.‬‬
‫باملقابل‪ ،‬يرفض علماء اإلحاثة فكرة حدوث‬
‫تنوع مجاعي للمشيميات قبل الفرتة اليت شكلت‬
‫هناي َة الطباشريي وبداي َة الدور الثالث‪.‬‬
‫كيف نفسر ذلك‪ ،‬يف الواقع‪ ،‬إال من خالل‬
‫حترير الديناصورات للمراتع البيئية ‪niches‬‬
‫‪ écologiques‬اليت كانت تشْغلها؟ مع ذلك‪،‬‬
‫لدى علماء نشوء األنواع هنا فرضية‪ ،‬ترتكز‬
‫إىل تكتونية الصفائح ‪tectonique des‬‬
‫‪ :plaques‬ميكن أن يكون انقسام القارة الفائقة‬
‫ذلك الزمن‪ ،‬أمّ القارات «باجنيا» ‪،Pangée‬‬
‫الذي متخض عن مناطق معزولة‪ ،‬قد ساهم يف‬
‫تطور مجاعات من احليوانات املتمايزة‪.‬‬
‫إال أن «إميانويل دوزري» ‪ ،E. Douzery‬عامل‬
‫الفيزيولوجيا يف جامعة مونبلييه الثانية فرنسا‪،‬‬
‫يقرّ بالقول‪ :‬احلجج اإلحاثية غري متوافرة يف‬
‫الوقت احلاضر لتأييد نتائج القائلني مبنهج‬
‫الساعات اجلزيئية ‪.molécularistes‬‬
‫مثالً‪ ،‬ال يعود تاريخ أقدم أحفور ميثل‬
‫الـ ‪( euprimates‬اجملموعة اليت تضم‬
‫الليموريات ‪ 5‬والقرود ‪ ،)singes‬وامسها‬
‫العلمي ‪ ،Altiatlasius koulchii‬إال إىل‬
‫الباليوسيين ‪ Paléocène 6‬األعلى ( من ‪-‬‬
‫‪ 65‬إىل – ‪ 55‬مليون سنة )‪.‬‬
‫وبينما أخذت أحافري الثدييات «القدمية»‬
‫‪ archaïques‬من الدهر الثاني تتجمع‬
‫بالعشرات على رفوف متاحف التاريخ الطبيعي‪،‬‬
‫فإن أحافري الثدييات املشيمية ‪،placentaires‬‬

‫اليت كان ميكن هلا أن تتمخض عن سالالت‬
‫حالية‪ ،‬تكاد ال تشكل حفن ًة‪.‬‬
‫مل مينعها ذلك من أن تعيش‪ .‬بدا ‪Eomaia‬‬
‫‪ ،scansori‬وهو حيوان صغري اكتشف يف الصني‬
‫عام ‪ ،2002‬بطول ‪ 10‬سم ووزن ‪ 25‬جراماً‪،‬‬
‫كأنه جدّ كبري‪ :‬يعود إىل بداية الطباشريي‪،‬‬
‫منذ ‪ 125‬مليون سنة‪ .‬أما أجناس ‪genres‬‬
‫آكالت احلشرات ‪ Zalambdalestes‬و‬
‫‪ ، Cimolestes‬اليت تعود إىل هناية الطباشريي‪،‬‬
‫فهي أحدث شكالً بكثري وميكن أن تكون جَدة الـ‬
‫‪ ( glires‬القوارض واألرانب ) واللواحم‪.‬‬
‫وبعد إعادة دراسة كاملة‪ ،‬استنتج عامل الثدييات‬
‫الكبري « جون وايبل « ‪ J. Wible‬وزمالؤه‬
‫من ‪Muséum d`histoire naturelle‬‬
‫‪ / Carnegie‬بيتسبورغ – الواليات املتحدة‪،،‬‬
‫يف حزيران ‪ « ،2007‬أنه ليس ألي من األشكال‬
‫املدروسة ارتباط بالثدييات املشيمية « وأن هذه‬
‫األخرية قد ظهرت إذاً عند حدود االنطفاء‬
‫اجلماعي منذ ‪ 65‬مليون سنة‪.‬‬
‫ساعة غري دقيقة؟‬
‫ما هو الرأي النهائي؟ يقول «إمانويل غريبران»‬
‫خمففاً من الغلو‪ « :‬هذه وجهة نظر مبالغ فيها‬
‫قليالً؛ ألن النواقص األحفورية وفقاً لألدوار‬
‫(الطباشريي بشكل خاص) والقارات ال تتيح لنا‬
‫سوى رؤية جزئية للمعطيات‪.‬‬
‫ال نعرف مثالً أي شيء تقريباً عن الثدييات‬
‫يف أفريقيا‪ ،‬بينما يعترب اجلميع هذه القارة‬
‫أهنا مهد رئيسي‪ .‬كلما توغلنا أكثر يف الزمن‬
‫املاضي‪ ،‬ازدادت شروط حفظ األحافري تعقيداً‬
‫وندرت‪ ،‬خصوصاً إذا كانت احليوانات صغرية‬
‫احلجم‪ ،‬كالثدييات األوىل غالباً»‪.‬‬
‫لكن االكتشافات مستمرة‪ :‬اكتشف علماء‬
‫إحاثة هنود من جامعة ‪ ،Jammu‬يف‬
‫تشرين الثاني ‪ ،2007‬أضراساً طاحنة‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪173‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫لنوع جديد‪Kharmerungulatum ،‬‬
‫‪ ،vanvaleni‬عمره ‪ 65‬إىل ‪ 80‬مليون سنة‪.‬‬
‫ووفقاً لـ «غنتوبايل براساد» ‪G. Prasad‬‬
‫وزمالئه‪ ،‬رمبا كانت هذه املستحاثة تعود إىل‬
‫حيوان حافري ‪( ongulé‬حصان‪ ،‬خنزير )‬
‫بدئي‪ ...‬بينما يعود تاريخ أقدم دليل مكتشف‬
‫عن هذه اجملموعة اليوم إىل الباليوسيين‬
‫األدنى‪ ،‬أي بعد أزمة الطباشريي الثالث ببضعة‬
‫ماليني من السنوات‪.‬‬
‫يبقى أن علماء اإلحاثة يعارضون حج ًة أخرية‪:‬‬
‫عدم دقة الساعات اجلزيئية اليت يستند‬
‫إليها علماء نشوء األنواع‪ .‬يرى « جان ‪ -‬لوي‬
‫هرتنربجيه ‪ ،J.-L. Hartenberger‬عامل‬
‫اإلحاثة من جامعة مونبلييه الثانية‪ ،‬أن هذه‬
‫الساعات قد تكون خطية ‪ linéaire‬أكثر مما‬
‫ينبغي‪« ،‬بينما من املعروف أن معدل التطور‬
‫اجلزيئي ميكن أن يسري وفق إيقاعات خمتلفة‬
‫حسب األنواع واألدوار‪ ،‬مع أطوار تسارعات‬
‫تطورية»‪.‬‬
‫يف الواقع‪ ،‬هذا االعرتاض تبناه أيضاً فريق‬
‫من علماء نشوء األنواع برئاسة «ياسوهريو‬
‫كيتازوي» ‪ ،Y. Kitazoe‬من كلية طب‬
‫«كوشي» ‪ ،Kochi‬وقد نشر يف نيسان ‪2007‬‬
‫دراسة تستند إىل مقاربة جزيئية معمقة‪.‬‬
‫النتيجة‪ :‬حتدد شجرةُ النسب احلاصلة – من‬
‫جمموعة عينات أضيق من مثيلتها يف دراسة‬
‫«أوالف بنيندا إدموندز» – اإلشعاعَ األصلي‬
‫للمشيميات بنحو ‪ 85 -‬مليون سنة‪ ،‬أي بعد‬
‫ذاك الذي حدده « أوالف بنيندا – إدموندز»‬
‫بنحو ‪ 15‬مليون سنة‪ .‬ال مينع‪ ،‬فهذا التاريخ‪،‬‬
‫هو أيضاً‪ ،‬يقع قبل االنطفاء اجلماعي لنهاية‬
‫الطباشريي‪ ،‬منذ ‪ 65‬مليون سنة‪...‬‬
‫من نصدق؟ طاملا مل تتطابق نتائج أنصار‬
‫الساعة اجلزيئية مع نتائج علماء اإلحاثة‪ ،‬تبقى‬
‫املسألة مفتوحة‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫رمبا تكون التباعدات اجلينية اليت الحظها‬
‫القائلون بالساعة اجلزيئية منذ الدور‬
‫الطباشريي قد سبقت وحسْب التحويرات‬
‫التشرحيية ‪modification anatomiques‬‬
‫اليت مل يالحظها علماء اإلحاثة يف األحافري إال‬
‫بعد أزمة الطباشريي ‪ /‬الثالث‪.‬‬
‫ولكن كيف ميكن التحقق من ذلك؟ هناك شيء‬
‫مؤكد‪ :‬كانت أنواع الطباشري املوصوفة‪ ،‬اليت‬
‫تنتمي إىل الثدييات «احلالية»‪ ،‬صغريةَ احلجم‬
‫كلها‪ ،‬كثريٌ منها آك ٌل للحشرات‪ ،‬واقتصر عيْشُها‬
‫على احلياة الربية‪.‬‬
‫مل تظهر عضويات أكرب حجماً ومل ترتسم‬
‫خاصيات مورفولوجية لكل جمموعة رئيسية إال‬
‫بعد أزمة الطباشريي ‪ /‬الثالث‪ :‬إذاً‪ ،‬هناك شيء‬
‫ما يعود الفضل فيه إىل اختفاء الديناصورات‪.‬‬
‫ثدييات «قدمية» غري متوقعة‬
‫إن مل تكن الثدييات «احلديثة» ‪modernes‬‬
‫(أحادية املسلك ‪ ،monotrèmes‬وا ِ‬
‫جلرابية‬
‫‪ ،marsupiaux‬واملشيميات) قد متيزت‬
‫بأشكال شديدة التنوع يف زمن الدينوصورات‪،‬‬
‫فإن ذلك ال ينطبق على الثدييات األخرى‪ ،‬املسماة‬
‫«قدمية» ‪ ،archaïques‬املنطفئة اليوم‪ .‬ومنذ‬
‫سنتني‪ ،‬راحت صورةُ آكالت احلشرات الربية‬
‫عدمي ُة الشأن‪ ،‬اليت تعيش يف ظل العظائيات‬
‫‪ ،sauriens‬تتالشى كلما حصلت اكتشافات‬
‫أحفورية جديدة‪ .‬كان الـ ‪repenomamus‬‬
‫‪ ،giganticus‬الذي اكتشف يف الصني يف‬
‫كانون الثاني ‪ ،2005‬المحاً بطول ‪ 1‬م ووزن‬
‫‪ 14‬كغ تقريباً‪ .‬وكان الـ ‪ ،R. robustus‬قريبُ‬
‫هذا «الكلب الضخم»‪ ،‬قد مت العثور عليه مع‬
‫بقايا دينوصور صغري أسفل قفصه الصدري‪.‬‬
‫أما الـ ‪،Fruita fosseur windscheffeli‬‬
‫وهو ثديي عمره ‪ 150‬مليون سنة‪ ،‬املكتشف يف‬
‫نيسان من العام نفسه يف الواليات املتحدة‪،‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫والذي ميتاز بأطراف أمامية عريضة‪ ،‬فقد كان‬
‫حيواناً ن ّقاباً ‪ ،fouisseur‬على شاكلة مناجذنا‬
‫( مجع خُلْد ‪ ) taupe‬احلالية‪.‬‬
‫حالة تكيف نوعي أخرى ميثلها الـ‬
‫‪ Castorocauda lutrasimilis‬الذي وصف‬
‫يف شباط ‪ :2006‬كان هذا احليوان املنغويل‬
‫‪ mongol‬آكل السمك‪ ،‬ذو الذيل املسطح كثرياً‬
‫أو قليالً واألصابع الك ّفية ‪ ،palmés‬الذي يعود‬
‫تارخيه إىل – ‪ 164‬مليون سنة‪ ،‬متكيفاً متاماً مع‬
‫احلياة شبه املائية ‪.semi – aquatique‬‬
‫أخرياً‪ ،‬تؤكد اآلثار اجللدية بني قوائم احليوان‬
‫‪ ،Volatico - therium antiquus‬األحدث‬
‫يف تاريخ االكتشاف‪ ،‬لياقتَه يف الطريان السبوح‬
‫‪ ،vol plané‬على غرار السنجاب الطائر احلايل‪.‬‬
‫ومبا أهنا متكيفة مع نظم غذائية ومواطن بيئية‬
‫مل يكن أحد يتصورها حتى بضع سنوات خلت‪،‬‬
‫فإن هذه الثدييات متتاز إذاً بتنوع مذهل‪.‬‬
‫اهلوامش‬
‫‪ - 1‬تشري كلمة ‪ euthériens‬إىل البهائم احلقيقية‪ ،‬أي الثدييات املشيمية من صفيف‬
‫البهائم احلقيقية يتميز جبنني ينمو يف رحم األنثى حيث حيصل على الغذاء ويتبادل‬
‫الغازات عرب املشيمة‪« .‬املرتمجة»‬
‫‪ - 2‬الطباشريي ‪ :Crétacé‬الدور األخري من حقب احلياة الوسطى ويعود زمنه إىل ما بني‬
‫‪ 144‬و‪ 65‬مليون سنة‪« .‬املرتمجة»‬
‫‪ « - 3‬أزمة [ االنطفاء املفاجئ والعنيف ] الطباشريي ‪ /‬الثالث « ( « ‪:)« Crise K / T‬‬
‫االختفاء املفاجئ الذي حدث منذ ‪ 65‬مليون سنة ووسَم هناية الطباشريي ( باألملانية‬
‫‪ ،kreide‬وبالفرنسية ‪ ،craie‬طبشور ‪ /‬طباشري‪ ،‬ومن هنا احلرف ‪ ،) K‬أي العصر‬
‫األخري من الدهر الثاني ‪ ،ère secondaire‬وبداية الدور الثالث ‪.)ère tertiaire ( T‬‬
‫«النص»‬
‫‪ - 4‬األيوسيين ‪ :Eocène‬احلقبة الثانية من الدور الثالث ‪ ،Tertiaire‬امتدت من حوايل‬
‫‪ 55‬مليون سنة إىل ‪ 38‬مليون سنة مضت‪« .‬املرتمجة»‬
‫‪ - 5‬القرود األوايل ‪ ،lémuriens‬رتيبة من الثدييات الرئيسة قريبة من القرد‪.‬‬
‫«املرتمجة»‬
‫‪ - 6‬احلقبة األوىل من الدور اجليولوجي الثالث امتدت بني ‪ 65‬و‪ 55‬مليون سنة مضت‬
‫تقريباً‪« .‬املرتمجة»‬
‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

‫‪175‬‬

‫‪Science Fiction‬‬

‫رئيس التحرير‬
‫يعتقد العلماء حسب أحدث نظرية عن تشكل النظام الشمسي أن هذا النظام بدأ على هيئة‬
‫دوامات من السحب الغازية والرتابية‪ ،‬اندفعت متجولة يف الكون خالل مليارات من السنني‬
‫الطويلة ‪..‬‬
‫وبفعل القوى اجلاذبة والقوى التحريضية وعوامل احلركة‪ ،‬اجنذبت حبيبات وجسيمات‬
‫الغبار الدقيقة إىل مركز السحابة‪ ،‬وجتمعت هناك بشكل كرة نامية من الغازات الساخنة‬
‫( هي الشمس ) وإىل جانبها تكونت قوى صغرية ضئيلة مل تكن هلا القدرة احلرارية اليت‬
‫للكرة النامية‪ ،‬حتولت فيما بعد إىل كواكب تدور حول الشمس‪ ،‬ومل متكنها قدرهتا احلرارية‬
‫وتوهجها الضئيل من التحول إىل مشوس صغرية كما جرى للنواة الكبرية …‬
‫وهكذا تشكلت األرض‪ ،‬وكانت يف البداية على درجة كبرية من السخونة‪ ،‬ونتيجة لعمليات‬
‫جرت يف الصخور الباطنية تبخرت السوائل املعدنية احملبوسة وتصاعد البخار الذي جتمع‬
‫حول األرض‪ ،‬وألقى ظله املعتم عليها …‬
‫ولزمن طويل كان الغالف اجلوي‪ ،‬على درجة من السخونة وارتفاع احلرارة حبيث امتص‬
‫الرطوبة من كرة األرض امللتهبة …‬
‫تكاثفت قطرات البخار‪ ،‬وسقطت على القشرة الساخنة املتوهجة ثم تبخرت من جديد …‬
‫وتكررت العملية طويالً‪ ،‬وساعد هذا اهلطول املؤقت للمطر الساخن‪ ،‬على تربيد القشرة‪ ،‬وعلى‬
‫نقل احلرارة إىل الطبقات العليا من جو األرض‪ ،‬حيث تسربت إىل الفضاء اخلارجي ‪..‬‬
‫ظلت كتل السحب املرتاكمة الضخمة لعدة آالف من السنني معلقة فوق األرض‪ ،‬حتول دون‬
‫وصول أشعة الشمس إىل سطحها ‪ ..‬ومن ثم استغرقت القشرة األرضية مثل هذا الوقت‬
‫الطويل لكي تربد حرارهتا من درجات انصهار الصخور ( وهي بني ‪ 500‬درجة مئوية و‪1200‬‬
‫درجة مئوية ) إىل درجة غليان املاء ( ‪ 100‬درجة مئوية ) …‬
‫وأخرياً جاء اليوم الذي أمكن فيه لقطرات املياه الساخنة اهلاطلة من السحب أن تظل سائلة‬
‫متأل فجوات الكوكب األجرد اخلايل إال من الصخور املتوهجة احلارة …‬
‫وتدفق املطر وبدأ ينهمر بغزارة عظيمة‪ ،‬وجتمعت املياه‪ ،‬ومل حيدث مثل هذا التجمع خالل‬
‫أعظم طوفان يف التاريخ … ورمبا امتد هذا املطر الغزير إىل سنوات طويلة زادت عن عشرات‬
‫ماليني السنني ‪..‬‬

‫‪176‬‬

‫اخليال العلمي ‪ /‬العدد احلادي والعشرون ‪ /‬نيسان ‪2010 /‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful