‫انغٍذ انًغٍخ سعىل انغالو ٌهىح باألفك‬

‫فضيلة العبلَّمة اإلنساني‬
‫‪٤‬تمد أمُت شيخو‬
‫َّ‬
‫"قدَّس اهلل سره"‬

‫جمعو وحققو‬
‫سامر أ‪ٛ‬تد ا‪٢‬تندي‬

‫السيد المسيح رسوؿ السبلـ يلوح باألفق‬
‫لفضيلة العبلَّمة اإلنساين الكبَت‬
‫‪٤‬تمد أمُت شيخو‬
‫َّ‬
‫سره‬
‫قدَّس اهلل ّ‬
‫‪ٚ‬تعو وحققو سامر أ‪ٛ‬تد ا‪٢‬تندي‬
‫تطلب كتب فضيلة العبلَّمة اإلنساين الكبَت‬
‫‪٤‬تمد أمُت شيخو قدس اهلل سره من‪:‬‬
‫َّ‬
‫دار نور البشَت‬
‫سوريا ػ دمشق ػ ص‪.‬ب‪)76<= ( :‬‬
‫ىاتف‪)66?<977(<98?=7= :‬‬

‫عنواف دار نور البشير على شبكة االنترنت‪:‬‬
‫‪www.rchss.com‬‬
‫‪info@amin-sheikho‬‬

‫عنواف البريد االلكتروني‪:‬‬
‫‪info@ rchss.com.‬‬
‫‪info@amin-sheikho‬‬

‫انفهشط‬
‫مقدمة‪.‬‬
‫الفصل األوؿ‪:‬‬

‫‪٨‬تو مفهوـ الساعة‬
‫قوـ سيدنا نوح ‪‬‬

‫قوـ سيدنا ىود ‪( ‬قوـ عاد ا‪١‬تعروفُت بالعمالقة األشداء)‬
‫قوـ سيدنا صاّب ‪( ‬قوـ ‪ٙ‬تود)‬
‫قوـ سيدنا لوط ‪‬قوـ سيدنا شعيب ‪( ‬أىل مدين)‬
‫غاية ا‪ٟ‬تق من إ‪٬‬تاد ا‪٠‬تلق‬
‫الفصل الثاني‪:‬‬

‫الساعة وحتمية وقوعها‬
‫الفصل الثالث‪:‬‬
‫أشراط الساعة‬
‫خروج بيت ا‪١‬تقدس من أيدي ا‪١‬تسلمُت‬
‫طلوع الشمس من مغرُّا وانشقاؽ القمر‬
‫النفوذ من أقطار السموات واألرض‬
‫خروج يأجوج ومأجوج‬
‫خروج دابة األرض‬
‫زخرفة األرض‬
‫ظهور الدخاف‬
‫أشراط الساعة الصغرى‬
‫الفصل الرابع‪:‬‬

‫عودة السيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬ودالئل عودتو من القرآف الكرًن‬
‫ما ىي النفس؟‪ .‬وأين مركز وجودىا؟‪ .‬وما ىي وظيفتها؟‬
‫ما ىي الروح؟‪.‬‬
‫نظاـ خروج اإلنساف إىل ىذا العامل‪.‬‬

‫الدليل األوؿ على عودة السيد ا‪١‬تسيح ‪.‬‬
‫معٌت التوُب‪.‬‬
‫ما ىو السبب ُب توُب سيدنا عيسى ‪ ‬نوماً؟!‪.‬‬
‫الدليل الثاين على عودة السيد ا‪١‬تسيح ‪.‬‬
‫وجاىة السيد ا‪١‬تسيح ‪.‬‬

‫الدليل الثالث على عودة السيد ا‪١‬تسيح ‪.‬‬
‫انتهاء جوالت الباطل‪.‬‬
‫طوىب ‪١‬تولود ىذا الزماف‪.‬‬
‫الفصل الخامس‪:‬‬

‫ا‪١‬تعلم األوؿ سيدنا آدـ ‪ ‬أبو البشرية ومعلمها‪.‬‬

‫حقيقة الشفاعة‪.‬‬

‫يغره؟!‪.‬‬
‫كيف نسي سيدنا آدـ ‪ ‬وصية اهلل تعاىل واستطاع الشيطاف أف ّ‬
‫غاية قصة سيدنا آدـ ‪..‬‬
‫ىل كاف خروج سيدنا آدـ ‪ ‬إىل ىذه الدنيا و‪٣‬تيء بٍت اإلنساف من بعده إليها‬
‫أحسن‪ ،‬أـ أف بقاءه ُب ا‪ٞ‬تنَّة وخلق بٍت اإلنساف ُب ا‪ٞ‬تنَّة‪ ،‬رأساً دوف خروجهم إىل الدنيا‬
‫أحسن؟‪ .‬وأي ا‪ٟ‬تالُت يعود على اإلنساف بالسعادة وا‪٠‬تَت‪ ،‬أكثر من اآلخر؟‪.‬‬
‫الفصل السادس‪:‬‬

‫طريق اإلٯتاف‪.‬‬

‫مقتطفات من علوـ العبلمة اإلنساين ‪٤‬تمد أمُت شيخو قدَّس اهلل سره‪.‬‬

‫مبلحظة ىامة جداً‪:‬‬
‫ٔتا أف ىذا الكتاب اقتصرنا بو على ظهور السيد ا‪١‬تسيح و ّأمو عليهما السبلـ بعد رقود‬

‫ٕتاوز األلفي عاـ‪ ،‬مل نتطرؽ إىل البحث عن سيدنا ا‪١‬تهدي العظيم ‪ ،‬وقد ذكر ُب‬
‫األحاديث النبوية الشريفة‪ ،‬أنو ٯتؤل األرض قسطاً وعدالً‪ ،‬كما ملئت ظلماً وجوراً‪ ،‬يرضى‬
‫عنو ساكن األرض والسماء‪ ،‬فعلمو إشراقي‪ ،‬وال يعارضو إالَّ مقلٍّدة العلماء‪ ،‬كما عارض‬

‫الفريسيوف سيدنا عيسى ‪.‬‬
‫ٍّ‬

‫أما كتاب سيدنا ا‪١‬تهدي فإننا سنفرد لو ْتثاً خاصاً فريداً ‪١‬تا لو من أ‪٫‬تية بالغة‪.‬‬
‫***‬

‫يمذيت‬
‫بسم اهلل الر‪ٛ‬تن الرحيم‬
‫ٍ‬
‫مبعوث للعا‪١‬تُت‬
‫رب العا‪١‬تُت‪ ،‬والصبلة والسبلـ األ٘تَّاف األكمبلف على خيػر‬
‫ا‪ٟ‬تمد هلل ٍّ‬

‫سيدنا ‪٤‬تمد ‪ ‬الصادؽ الوعد األمُت‪.‬‬

‫ات ُب‬
‫عم‬
‫لقد أضحينا ُب آخر الزمن‪َّ ،‬‬
‫ا‪ٞ‬تهل وتغلَّب ا‪٢‬توى‪ ،‬واستعصت الشهو ُ‬
‫ُ‬
‫وفتح الناس باب اإلباحية‪.‬‬
‫وحٍّرـ‬
‫ُ‬
‫النفوس‪ ،‬استُ َّ‬
‫حل ا‪ٟ‬تر ُاـ ُ‬
‫ا‪ٟ‬تبلؿ‪َ ،‬‬
‫ففر‬
‫القلوب والنفوس‪.‬‬
‫ليل أعتم‬
‫أ‪ٝ‬تل البصائر‪َّ ،‬‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫دامس و ٌ‬
‫ظبلـ ٌ‬
‫ضباب ا‪ٟ‬تضارة الكثيف َ‬
‫ِ‬
‫وحجب‬
‫غياىب ا‪٠‬تمور والفجور‪ ،‬كما أغرؽ الضياء والنعيم‪،‬‬
‫الناس من الواقع‪ ،‬وغاصوا ُب‬
‫َ‬
‫يفارؽ الصدور‪ ،‬من ظلم بٍت اإلنساف‬
‫ورعب ال‬
‫اب‪،‬‬
‫نور ٍّ‬
‫ُ‬
‫ا‪ٟ‬تق ا‪١‬تقيم‪ ،‬قلق واضطر ٌ‬
‫ٌ‬
‫ٍ‬
‫غاض ماؤىا لقسوة أىل‬
‫ٌ‬
‫مع من مآؽ َ‬
‫لئلنساف‪ ،‬أملٌ‬
‫‪٬‬تتاح ا‪ٟ‬تنايا‪ ،‬يستنػزؼ الد َ‬
‫عاصف ُ‬
‫ِ‬
‫وعمائِها‪.‬‬
‫ا‪ٟ‬تضارة َ‬
‫القلوب ٖتت وطأتو‪ٌّ ،‬‬
‫الذؿ من أجل‬
‫رىيب ترز ُح‬
‫ذؿ ٗتطى القيم لنفوس أبت إالَّ ّ‬
‫ُ‬
‫كابوس ٌ‬
‫ٌ‬
‫أذىل الكائنات ‪١‬تن يدَّعوف با‪ٟ‬تضارةِ واإلنسانية وا‪١‬تكرمات‪ ،‬مهرجا ٌف‬
‫لقمة عيش كريهة‪ٌ ،‬‬
‫عسف َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫بطش القوي‬
‫بالضعيف‪ ،‬و ُ‬
‫عظيم ولكن من األنَّات إذ َ‬
‫ٌ‬
‫الرجاؿ بالنساء واألطفاؿ‪ ،‬واألغنياءُ‬
‫ِ‬
‫بالفقراء‪ ،‬صرخات التوج ِع واآلىات تًتى والعذاب سجاؿ‪.‬‬
‫ا ْغتِيلت الفضيلةُ‪ ،‬وأمسكت الرذيلةُ بصو‪ٞ‬تاف اإلمارة‪ ،‬فحلَّت بواديهم مآسي ا‪٠‬تزي‬
‫الطاغوت‪ ،‬ف ُقتلت النفوس وافْتقدت السعادة‪ ،‬طُلٍّق‬
‫وا‪٠‬تسارة‪ُ ،‬دفنت القيم‪ ،‬واستعلى‬
‫ُ‬
‫حل الببلء وانعدـ الرضى وأضحت ا‪ٟ‬تياةُ‬
‫ا‪ٟ‬تياءُ فأصبحت سوؽ الشيطاف رائجةً‪ ،‬عندىا َّ‬
‫جحيماً ال يطاؽ‪.‬‬
‫ىجر الناس القرآف‪ ،‬كما ىجر من قبلو اإل‪٧‬تيل والتوراة‪ ،‬وتكالبوا على‬
‫اندثرت ا‪ٟ‬تقيقة إذ َ‬

‫العلم‪ ،‬اإللۤو ا‪١‬تزيَّف (علم المخلوؽ الضعيف ال علم الخالق العظيم)‪ ،‬وأشاحوا عن الديّاف‬
‫مبدع الكماؿ ورب النعيم والسرور العميم‪ ،‬فانقطعت سبل السعادة‪ ،‬وغرؽ الناس ُب ْتر‬
‫الضنك وا‪١‬ترارة‪.‬‬

‫ضن ًكا ‪ )78:( }...‬سورة طۤػو‪ .‬انكبّوا على‬
‫ض َعن ِذ ْك ِري فَِإ َّف لَوُ َم ِعي َ‬
‫ش ًة َ‬
‫{ َوَم ْن أَ ْع َر َ‬

‫ليعود األمر أشد وأدىى‬
‫ألواف ا‪٠‬تمور وا‪١‬تخدرات يعبّوف منها‪ ،‬وينشدوف ُّا الفرار فًتات‪َ ،‬‬
‫أكثر شراسةً وأطغى‪ ،‬حىت دفع اليأس والقنوط وخيبة األمل من الدنيا الكثَت الكثَت ُب ٍّأـ‬
‫و ُ‬
‫وىجر ما ىفوا إليو من دنيا دنيّة‪.‬‬
‫الغرارة إىل االنتحار ْ‬
‫ا‪ٟ‬تضارات ا‪٠‬ت ّداعة ّ‬
‫آف األواف ودار الزماف دورتو‪ ،‬وملّت النفوس من اإلعراض‪ ،‬إذ أترعت باألمراض‪ ،‬حىت‬
‫فالعود‬
‫زاغت األبصار‪ ،‬وبلغت القلوب ا‪ٟ‬تناجر‪ ،‬فتعالت النداءات أف عودوا إىل ا‪ٟ‬تق‪ْ ،‬‬
‫خَت وأحب إىل اهلل من التمادي ُب الباطل‪ ،‬لقد أىب الر‪ٛ‬تن الرحيم‬
‫أ‪ٛ‬تد‪ ،‬والرجوع إىل ا‪ٟ‬تق ٌ‬
‫إالَّ أف ينقذ بٍت اإلنساف من ىذا ا‪٢‬تواف‪ ،‬فبعد أف ذاقوا مرارة اإلعراض من طغياهنم وبغيهم‬
‫فحل فيهم الشقاء‬
‫وفسادىم‪ ،‬عندما ٗتلوا عن اإللۤو مبدع األكواف واألرض والسموات‪َّ ،‬‬
‫ِ‬
‫يب‬
‫والبؤس والبأساء‪ ،‬طلبوا ا‪٠‬تبلص من رب ا‪٠‬تبلص‪ :‬فاستجاب ‪٢‬تم رُّم أين‪ ...{ :‬أُج ُ‬
‫ِ‬
‫َد ْعوةَ َّ ِ‬
‫وغمكم و‪٫‬تكم‬
‫َ‬
‫الد ِاع إذَا َد َعاف ‪ )7><( }...‬سورة البقرة‪ ،‬سأب ّدؿ شقاءكم نعيماً‪ّ ،‬‬
‫ُّجة وحبوراً‪ ،‬وسأجعل أرضكم جنَّات وغبطة أبديّة‪ ،‬سأعيد إليكم رسوالً عظيماً كرٯتاً‪،‬‬
‫يطيٍّب عيشكم ُب ظبلؿ روح ور٭تاف‪ ،‬ورضى وُّجة وأماف‪ ،‬بظهور سيّد األكواف (ُب عصره)‬

‫سيدنا (عيسى ا‪١‬تسيح ‪ ) ‬إىل يوـ تلقوين وأنا عنكم راض‪ .‬فمن نعيم إىل نعيم أكرب‪ ،‬ومن‬
‫سعادة إىل سعادة أعظم‪.‬‬
‫ىذا العظيم الذي جاء للدنيا ‪٢‬تداية قومو‪ ،‬وجرب عثراهتم وإيقاظهم من رقادىم‪ ،‬ونقلهم‬
‫من السعادة ا‪١‬توىومة الكاذبة إىل ا‪ٟ‬تقيقة ا‪١‬تنَتة ا‪١‬تشرقة والكسب العظيم‪ ،‬وىم للمنطق ما‬
‫استجابوا‪ ،‬وللعمى أرادوا‪ ،‬ب َذؿ الكثَت ُب نصحهم‪ ،‬وشقي إلسعادىم‪ ،‬لكن حب الدنيا ىو‬
‫حل ُب ٍ‬
‫قلب إال أ‪٫‬تَّوُ ونغَّصو وأضناه‪ ،‬وُب الرذيلة والقسوة أرداه‪،‬‬
‫رأس كل خطيئة‪ ،‬وما َّ‬
‫فشهوهتم مستيقظة‪ ،‬وفكرىم ُب رقاد‪.‬‬
‫األبرص‪ ،‬ورأوا معجزاتو كلها‪ ،‬وشاىدوا كماالتو ولطفو‬
‫أحيا ‪٢‬تم ا‪١‬تيّت‪ ،‬وأبرأ‬
‫َ‬
‫األكمو و َ‬
‫وحساً‪ ،‬ولكن قلبهم األعمى ْتب الدنيا جحد بو ونكره‪ ،‬فاهتموه بالسحر‪ ،‬ناسُت‬
‫‪١‬تساً ّ‬
‫بغمرهتم ا‪١‬تنحطة كماالتو الرفيعة اليت مل يدانو فيها ‪٥‬تلوؽ‪ ،‬ومل يروا ٔتنظارىم ا‪١‬تنحرؼ‬

‫منطقو العايل الذي ىو من اهلل مباشرًة‪ ،‬بل مل يشاىدوا لطفو وكمالو‪ ،‬ور‪ٛ‬تتو وحنانو‪ ،‬فلم‬
‫يعلموا ‪ٞ‬تهلهم على من يردوف‪ ،‬فنكروا الوحي وأصموا أ‪ٝ‬تاعهم عن نداء رُّم الرحيم‪ ،‬فكاف‬
‫ُىبوطُهم من ‪ٝ‬تائهم ُْ‪٤‬تتماً‪ ،‬وفقداهنم ‪١‬تنزلتهم التكليفية مربماً‪ ،‬وقالوا كلمة الكفر ويا ‪٢‬توؿ ما‬
‫أطهر‬
‫قالوا‪ ،‬ظناً ال ٖتقيقاً بقو‪٢‬تم إنو ا‪١‬تسيح الدجاؿ‪ٍ ،‬ب ّ‬
‫الغض من ّأمو الص ّديقة‪ ،‬اليت ىي ُ‬
‫نساء العا‪١‬تُت‪:‬‬
‫ِ‬
‫اؾ وطَه ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (‪ ):8‬سورة‬
‫َّرؾ َو ْ‬
‫{‪...‬يَا َم ْريَ ُم إِ َّف الل َّو ْ‬
‫ساء ال َْعالَم َ‬
‫اصطََفاؾ َعلَى ن َ‬
‫اصطََف َ َ‬
‫آؿ عمراف ‪ ،‬فكانوا كمن يهوي من السماء فتخطفو الطَت‪،‬أو هتوي بو الريح ُب مكاف‬
‫سحيق‪ ،‬ىذا عن اليهود‪ ،‬أما النصارى فكاف قو‪٢‬تم ال واقع وال منطق فيو‪ ،‬إذ نسبوا لو‬
‫وألمو األلوىية وىو ‪ ‬براء من الشرؾ‪ ،‬فالشرؾ شيء عظيم ومل ولن ٮتطر لو على باؿ‪،‬‬
‫فاف ٍ‬
‫مستغرؽ با‪ٟ‬تضرة اإل ۤ‪٢‬تية‪ٍ ،‬‬
‫وباؽ باهلل‪ ،‬ألنو مشاىد مبصر‪ ،‬فما‬
‫ألنو ال يرى إال اهلل‬
‫ٌ‬
‫نسبوه إليو ال أصل وال وجود لو ُب نفسو‪ ،‬وىو مستسلم بروحو وكلّيتو وجسمو إىل اهلل‪،‬‬
‫فمن أين جاؤوا ُّذا القوؿ وخرقوه وىو ‪ ‬منو براء‪.‬‬
‫بل سبق ‪َّ ‬‬
‫وحذرىم من الشرؾ بقولو‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْجنَّةَ ‪ )=8( }...‬سورة ا‪١‬تائدة‪.‬‬
‫{‪ ...‬إِنَّوُ َمن يُ ْش ِر ْؾ بِاللّو فَػ َق ْد َح َّرَـ اللّوُ َعلَيو ال َ‬
‫وإجبلءً لوجو ا‪ٟ‬تقيقة‪ ،‬وتبياناً حقاً للخليقة أف نبُت ُب ىذا الكتاب‪:‬‬
‫(السيد المسيح رسوؿ السبلـ يلوح باألفق)‬
‫قصة السيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬كاملة‪ ،‬وعبلمات الساعة قبل ‪٣‬تيئو‪ ،‬ومفهوـ الساعة وغَتىا من‬
‫البحوث ا‪٢‬تامة‪ ،‬معتمدين على ا‪١‬تنطق الصحيح ٔتا نطق بو الذكر ا‪ٟ‬تكيم من آيات‬
‫ورداً على ما ذىب إليو البعض من مزاعم‬
‫بينات‪ ،‬ومن صلب الواقع احملسوس ا‪١‬تلموس‪ّ ،‬‬
‫باطلة‪ ،‬ال أصل ‪٢‬تا وال وجود‪.‬‬

‫فهذا كتاب جديد كل ا‪ٞ‬تدة‪ ،‬غريب كل الغرابة‪ ،‬مل يعهد الناس كتاباً مثلو‪ ،‬ومل تألف‬
‫البشر مثل ىذه ا‪١‬تعاين‪ ،‬ومع ذلك فإف ىذا الكتاب مل يكن بدعاً من البدع‪ ،‬ألف العبلَّمة‬

‫‪٤‬تمد أمُت شيخو قدَّس اهلل سره مل ٮترج بو عن كتاب اهلل وال سنّة رسولو ‪.‬‬
‫اإلنساين َّ‬
‫وكل ما ُخ َّ‬
‫ط ضمن ىذا الكتاب اقتبسناه من ثنايا علومو القرآنية‪.‬‬

‫إف ىذا العلم غريب‪ ،‬ألف الدين أصبح غريباً‪ ،‬جديد‪ ،‬ألف معظم الناس قد ىجروا ما‬
‫أنزؿ اهلل واتَّبعوا ما نسب إىل آبائهم‪.‬‬
‫لقد ىجر ا‪١‬تسلموف القرآف الكرًن‪ ،‬وٯتموا وجوىهم شطر ا‪ٟ‬تديث والفقو وغَت ذلك‪،‬‬
‫دوف النظر إىل توافقهما والقرآف الكرًن‪.‬‬
‫من أجل ذلك غدا الدين غريباً‪ ،‬ألف القرآف أصبح مهجوراً‪ ،‬وإذا ما أضعنا القرآف ومل‬
‫نتدبر آياتو‪ ،‬وجعلناه وراء ظهورنا‪ ،‬فإننا أضعنا الدين كلو‪ ،‬وإنك لًتى الدين قد عفَّت‬
‫حقائقو‪ ،‬فلم يبق من اإلسبلـ إالَّ ا‪ٝ‬تو‪ ،‬ومن القرآف إالَّ ر‪ٝ‬تو‪.‬‬
‫لقد ورثنا ‪٦‬تا نسب إىل اآلباء‪ ،‬تركة ال خَت ُب معظمها‪ ،‬فبدالً من أف يوجهوا الناس إىل‬
‫التفكر ُب آيات اهلل الكونية‪ ،‬وإىل التدبر ُب ىذا القرآف العظيم‪ ،‬راحوا يوجهوهنم إىل سفاسف‬
‫األمور‪ ،‬من ا‪٠‬ترافات والقصص اإلسرائيلية‪ ،‬واإلفاضة ٔتا ىو غَت جوىري‪ ،‬وذلك بغية ٖتويل‬
‫الناس عن طريق اإلٯتاف‪ ،‬وعن معاين ىذا القرآف العظيم‪ٍ ،‬ب إغراؽ الناس ُب اختبلفات‬
‫بأي يأخذ‪.‬‬
‫الفقهاء‪ ،‬وكثرة اآلراء اليت ال يعرؼ اإلنساف ٍّ‬
‫و ْأوىل ‪١‬تن أراد أف ٮتوض ىذا البحر ا‪٠‬تضم أف ٭تسن العوـ‪ ،‬أو يصطحب قارباً للنجاة‬
‫ودليبلً مرشداً‪ ،‬وإال ابتلعو ا‪١‬توج إف مل تدركو ر‪ٛ‬تة من ربو‪ ،‬وسوؼ يعيش ُب ظلمة‪ ،‬بل ُب‬
‫ظلمات من الشكوؾ بعضها فوؽ بعض‪.‬‬
‫َّ‬
‫ورا فَ َما لَوُ ِمن نُّوٍر} (‪ ):6‬سورة النػػور‪ :‬يهتدي بو ُب‬
‫{‪َ ...‬وَمن ل ْم يَ ْج َع ِل اللَّوُ لَوُ نُ ً‬
‫حياتو وُب أعمالو‪.‬‬
‫{يا أَيػُّها الَّ ِذين آمنوا اتَّػ ُقوا اللَّو و ِ‬
‫آمنُوا بَِر ُسولِ ِو يػُ ْؤتِ ُك ْم كِ ْفلَْي ِن ِمن َّر ْح َمتِ ِو َويَ ْج َعل‬
‫َ َُ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫شو َف بِ ِو ويػ ْغ ِفر لَ ُكم واللَّو غَ ُف ِ‬
‫َّ‬
‫يم} (>‪ )8‬سورة ا‪ٟ‬تديد‪ :‬فبل ٖتصل‬
‫ورا تَ ْم ُ‬
‫ََ ْ ْ َ ُ ٌ‬
‫ور َّرح ٌ‬
‫ل ُك ْم نُ ً‬

‫التقوى وىذه الرؤية بالنور إالَّ بعد اإلقباؿ القليب النفسي بصحبة رسوؿ اهلل ‪ ‬على اهلل‬
‫تعاىل‪.‬‬
‫لقد أمرنا اهلل أف نتبع ما أنزؿ‪ ،‬ال أف نتبع ما ألفينا عليو آباءنا‪ ،‬ومل يأمرنا أف نتخذىم‬
‫أرباباً‪ ،‬نسمع كبلمهم ونشركو مع كبلـ اهلل‪.‬‬
‫وال تغرنك ىذه ا‪١‬تبليُت ا‪١‬تطمئنة وا‪١‬تصدقة للذي جاءت بو األجداد‪ ،‬ألف أغلب الناس‬
‫ال يتبعوف إال الظن‪ ،‬وإف الظن ال يغٍت من ا‪ٟ‬تق شيئاً‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ضيِ‬
‫وؾ َعن َسبِ ِ‬
‫يل الل ِّو إِف يَػتَّبِعُو َف إِالَّ الظَّ َّن َوإِ ْف ُى ْم‬
‫ضلُّ َ‬
‫{ َوإِف تُط ْع أَ ْكثَػ َر َمن في األ َْر ِ ُ‬
‫صو َف} (<‪ )77‬سورة األنعاـ‪ :‬يسكتوف إذ ال حجة ‪٢‬تم ُب رد ا‪ٟ‬تق عند ‪٣‬تاُّتهم بو‪،‬‬
‫إِالَّ يَ ْخ ُر ُ‬
‫دنيا وآخرة‪.‬‬
‫لذلك فإف اهلل تعاىل خلق اإلنساف ُب ىذه الدنيا وىداه‪{ :‬إِ َّف َعلَْيػنَا لَل ُْه َدى} (‪)78‬‬
‫سورة الليل‪ ،‬بأف أرسل لو الرسل الكراـ‪ ،‬معلٍّمُت ىادين لطريق اإلٯتاف‪ ،‬كي ال يضلّوُ أكثر‬
‫سر بسَتىم‪ ،‬ومل يدرس ومل يتبع ما‬
‫من ُب األرض عن ا‪ٟ‬تق‪ ،‬ومن مل يدخل مدرستهم ومل يَ ْ‬
‫أنزؿ اهلل عليهم‪ ،‬فإنو بو ٍاد وا‪٢‬تداية بو ٍاد آخر‪ ،‬لذا علينا أف نقتدي ُّ ْد ِي رسلو الكراـ‪،‬‬

‫ونسلك الطريق اليت ُّا اىتدوا إليو‪ ،‬وندخل ا‪١‬تدرسة اليت منها ٗترجوا‪،‬و‪٨‬تصل على شهادة (ال‬
‫إلۤو إال اهلل) اليت منها حصلوا عليها‪ ،‬واليت أصبحت ‪٢‬تم العُت اليت يروف ُّا ا‪ٟ‬تقائق‪ ،‬واألذف اليت‬
‫يسمعوف ُّا‪ ،‬والقلب الذي يفقهوف بو معاين كبلـ اهلل الذي أحاط بأسرار الكوف‪ ،‬واللساف‬
‫الذي ينطقوف بو(‪.)3‬‬

‫ومن مل يتخرج من ىذه ا‪١‬تدرسة‪ ،‬فبل وربك ال يؤمن ولو قرأ كتب األولُت واآلخرين‪ ،‬أو كلَّمو‬
‫ا‪١‬توتى‪ ،‬أو أي شيء يكرب ُب صدره‪.‬‬

‫(‪ )7‬سورة األنعاـ‪ :‬اآلية(<‪)77‬‬

‫(‪ )8‬سورة الليل‪ :‬اآلية(‪.)78‬‬

‫(‪ )9‬سنبُت ْتث اإلٯتاف بنهاية ىذا الكتاب‪ ):( .‬سورة البقرة‪ :‬اآلية(=‪.)7:‬‬

‫ِ‬
‫ْح ُّق ِمن‬
‫ْح ُّق ِمن َّربّْ َ‬
‫ين } ( =‪ ) 7:‬سورة البقرة‪{:‬ال َ‬
‫{ال َ‬
‫ك فَبلَ تَ ُكونَ َّن م َن ال ُْم ْمتَ ِر َ‬
‫ِ‬
‫ين}‪ :‬فلن تكوف أبداً من ا‪١‬تمًتين‪.‬‬
‫َّربّْ َ‬
‫ك‪(: }...‬أنت يا حبييب يا ‪٤‬تمد)‪{:‬فَبلَ تَ ُكونَ َّن م َن ال ُْم ْمتَ ِر َ‬

‫فمن مل يؤمن باهلل‪ ،‬فلن ‪٬‬تعل اهلل لو نوراً‪ ،‬ولن ‪٬‬تعل لو فرقاناً يفرؽ ا‪ٟ‬تق من الباطل‪،‬‬
‫الغث من السمُت‪ ،‬وىذه ا‪١‬تدرسة مفتوحة األبواب ُب كل حُت‪ ،‬و‪١‬تن يشاء‪ ،‬وليس علم اهلل‬
‫و َّ‬
‫أو العلم بكتابو مقصوراً على أمة دوف أمة‪ ،‬وال زماف دوف زماف‪ ،‬وال خزائن ر‪ٛ‬تتو مفتوحة على‬

‫أناس دوف أناس‪.‬‬
‫شاء‪ ):( }...‬سورة ا‪ٞ‬تمعة‪:‬كل من يشأ بصدؽ فاهلل‬
‫ك فَ ْ‬
‫ض ُل اللَّ ِو يػُ ْؤتِ ِيو َمن يَ َ‬
‫{ذَلِ َ‬
‫خص عا‪١‬تاً دوف‬
‫يؤتيو فضلو العظيم‪ .‬فما أرسل اهلل رسلو ورسولو إالَّ ر‪ٛ‬تة للعا‪١‬تُت‪ .‬فما َّ‬
‫عامل‪.‬‬

‫ك‪ )86( }...‬سورة اإلسراء‪ :‬الكل عند اهلل‬
‫{ ُكبلِّ نُّ ِم ُّد َى ُؤالء َو َى ُؤالء ِم ْن َعطَاء َربّْ َ‬
‫واحد‪ ،‬كل امرئ يعطى على حسب صدقو وسعيو‪...{:‬إِ َّف أَ ْك َرَم ُك ْم ِعن َد اللَّ ِو أَتْػ َقا ُك ْم‬
‫ورا} (‪ )86‬سورة اإلسراء‪:‬‬
‫‪ )79( }...‬سورة ا‪ٟ‬تجرات‪َ ...{ .‬وَما َكا َف َعطَاء َربّْ َ‬
‫ك َم ْحظُ ً‬
‫ما تطلبو ٕتده‪.‬‬
‫لقد تساءلت قريش من قبل فقالوا‪{ :‬أَأُن ِز َؿ َعلَْي ِو ّْ‬
‫الذ ْك ُر ِمن بَػ ْينِنَا‪ )>( }...‬سورة‬

‫ص ۤۤ‪ :‬أمل ‪٬‬تد اهلل من القوـ سواه؟‪.‬‬
‫ۤ‬
‫أجل‪ ،‬لقد أنزؿ عليو الذكر ال من بينهم فحسب‪ ،‬بل من بُت كل األمم‪ ،‬ألنو كاف‬
‫صادؽ النيَّة والطلب ألف يتعرؼ على مبدع الوجود‪ ،‬فكاف يذىب إىل شعاب مكة‪ ،‬يسَت‬
‫فوؽ بطاحها‪ ،‬ويتسلق جبا‪٢‬تا‪ ،‬ويقضي األياـ والليايل يتفكر ُب خلق السموات واألرض‪،‬‬
‫حىت أتاه اليقُت من رب اليقُت‪ُ ،‬ب وقت كانت فيو قريش تلهو وتلعب وتسمر‪ ،‬وتشغل‬
‫نفسها بزينة الدنيا ومتاعها‪.‬‬
‫وعلى اإلنساف قبل أف يستغرب‪ ،‬فهل حاوؿ ولو ‪١‬ترة واحدة‪ ،‬أف يسلك النهج الذي‬

‫سلكو القدوة ا‪ٟ‬تسنة ‪‬؟‪.‬‬

‫أـ أف االعتقاد والذي كتب ُب ا‪١‬تاضي دوف توافقو والقرآف الكرًن ىو الذي يوصل‬
‫إىل اإلٯتاف باهلل واليوـ اآلخر‪ ،‬أما الحظت كم من آية ٯتروف عليها ُب تفاسَتىم وىم‬
‫عنها معرضوف؟‪.‬‬
‫أما أمرنا اهلل تعاىل أف نتفكر ُب خلق السموات واألرض؟‪.‬‬
‫والتفكر با‪٠‬تلوات وا‪١‬توت‪ ،‬لتزىد النفس بالدنيا الدنية ا‪١‬تنقضية‪ ،‬والتفكر بالفلوات‬
‫للوصوؿ لرب الكائنات‪ ،‬فبأي حديث بعد اهلل وآياتو يؤمنوف؟‪.‬‬
‫أـ أهنم ينتظروف أف تأتيهم ا‪٢‬تداية من رب العا‪١‬تُت‪ ،‬دوف أف يطلبوىا ىم‪ ،‬كما طلبها‬

‫أبونا إبراىيم ‪ ،‬أو دوف أف يكلفوا أنفسهم قليبلً من ا‪ٞ‬تهد؟‪.‬‬

‫وكيف يهدي اهلل قوماً يقضوف أعمارىم ُب مراتع اللهو واللعب‪ ،‬أو القيل والقاؿ؟‪.‬‬
‫أـ كيف يهدي اهلل من أغفل عنو قلبو‪ ،‬واٗتذ إۤ‪٢‬تو ىواه وكاف أمره فرطاً؟‪.‬‬

‫فلو شاء اهلل ‪٢‬تدى الناس ‪ٚ‬تيعاً‪ ،‬ولكن أي فائدة ‪٬‬تنيها اإلنساف إذا سيق إىل‬
‫ما يكره بالقوة؟‪.‬أال تبقى نفسو معرضة إذا أكرىت على عمل ما؟!‪ .‬بل قد يزداد إعراضها‬
‫إذا أُجربت على شيء ليس ‪٢‬تا رغبة فيو‪.‬‬
‫إف ا‪٢‬تداية ا‪ٟ‬تقة ىي أف يُقبػِل اإلنساف عن طوع وبدافع ذاٌب‪ ،‬حىت يكوف اإلٯتاف إٯتاناً‬

‫ذاتياً شهوديّاً عاينو ىو وٖتقق منو وعقلَو‪ ،‬وأيقن بو قلبو‪ ،‬فيقوؿ أشهد أف ال إلۤو إال اهلل‬
‫شهوداً‪ .‬فاإلٯتاف شهود بالعُت عُت الرأس‪ٍ ،‬ب شهود قليب بعُت النفس‪.‬‬
‫عندئذ يشاىد ا‪٠‬تَت والعدؿ‪ ،‬ويلمس الر‪ٛ‬تة وا‪ٟ‬تب يسري ُب الوجود كلو‪ ،‬فبل ر‪ٛ‬تتو‬
‫جل شأنو‬
‫تعاىل تسبق عدلو‪ ،‬وال غضبو يسبق رأفتو‪ ،‬فهو سبحانو قائم بالقسط‪ ،‬وىو َّ‬
‫على صراط مستقيم‪.‬‬
‫إف اهلل وحده بيده ا‪٠‬تَت للمحسن وا‪١‬تسيء على حد سواء‪ ،‬ومن مل يشهد ذلك ُب‬
‫الدنيا‪ ،‬فسوؼ يشهده ُب اآلخرة‪ ،‬وما داـ األمر كذلك‪ ،‬وىو كذلك‪ ،‬فإنو ال يوجد ظلم‬
‫بُت الناس‪ ،‬وما داـ ال يوجد ظلم فبل يوجد شر‪.‬‬

‫إف ما نراه شراً‪ ،‬ىو ‪٤‬تض ا‪٠‬تَت ‪١‬تن يصيبو‪ ،‬ألف ىذا الشر الذي أصابو سينقذه من شر‬
‫أعظم لو مل يصبو‪ ،‬وىذا الشر ما كاف ليصيبو لوال ما قدمت يداه‪ ،‬إف شق البطن شر‬
‫بالنسبة للمعاَب‪ ،‬إال أنو ا‪٠‬تَت كل ا‪٠‬تَت ‪١‬تن ٗترج بو علَّتو‪.‬‬

‫والظلم أيضاً ال يقع إال على من يستحقو‪ ،‬والظامل ال يقع ظلمو إالَّ على ظامل مثلو‬
‫ِ‬
‫ك نػُولّْي بػ ْع َ َّ ِ ِ‬
‫ضا بِ َما َكانُواْ يَ ْك ِسبُو َف} (?‪ )78‬سورة‬
‫ين بَػ ْع ً‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬وَك َذل َ َ َ‬
‫ض الظالم َ‬
‫األنعاـ‪:‬من أعما‪٢‬تم‪.‬‬
‫إذ لعلو بتلك ا‪١‬تصيبة يرجع عن غيو ويتذكر ما قدمت يداه‪ ،‬ويتوب إىل اهلل توبة‬
‫نصوحاً‪ ،‬عندئذ يرتفع عنو الظلم‪ .‬بل قد ٯتكنو تعاىل من الذي ظلمو‪.‬‬
‫ىذا التصرؼ ال يقتصر على األفراد فحسب‪ ،‬بل يتعداه إىل األمم والشعوب‪ ،‬فاألمة‬
‫اليت يكوف فيها من القابلية لئلٯتاف أكثر من غَتىا‪ ،‬يسلط اهلل عليها أمة أظلم تسومها سوء‬
‫العذاب لعلها تتضرع إىل اهلل‪ ،‬وتبتعد عما ىي فيو من اجًتاح السيئات‪ ،‬فتنيب إليو تعاىل‪،‬‬
‫عندئذ يبدؿ اهلل سيئاهتا حسنات‪ ،‬ويرد ‪٢‬تا الكرة على من ظلمها‪ ،‬ال لتبطش وتنتقم‬

‫لنفسها‪ ،‬بل لًتدىا أيضاً إىل طريق ا‪٢‬تداية والصبلح‪.‬‬

‫ينقسم ا‪ٞ‬تنس البشري إىل أصناؼ ثبلثة‪( :‬إنساني‪ ،‬وظالم‪ ،‬وأظلم)‪.‬‬

‫والظامل ىنا ىو الظامل لنفسو‪ ،‬الذي يسلك مسالك (حيوانية) لتحقيق أىوائو‪ ،‬واألظلم‬
‫ىو ظامل لنفسو ولكن يسلك مسالك (شيطانية) لتحقيق أغراضو ا‪١‬تنحطة‪ .‬وىذا التقسيم‬

‫ينطبق على األمم كما ينطبق على األفراد‪ ،‬ؤتا أف اإلنساف اإلنساين بكل ما تعنيو ىذه‬
‫الكلمة من معٌت مفقود أو شبو مفقود ُب ىذا العصر‪ ،‬لذلك مل يبق إالَّ الظامل واألظلم‬
‫منو‪ ،‬وُب ىذه ا‪ٟ‬تالة يسلّط اهلل األمة األظلم‪ ،‬على األمة الظا‪١‬تة‪ ،‬لعلها تصحو من غفلتها‪،‬‬
‫وترجع إىل إنسانيتها‪ ،‬فيبدؿ اهلل ضعفها قوة‪ ،‬وذ‪٢‬تا عزاً‪ ،‬وخذالهنا نصراً على من ظلمها‪،‬‬
‫لعل األخرى ترجع إىل اهلل‪ ،‬وترتاح البشرية بعدىا من ىذا الشقاء‪ ،‬ومن ىذه اآلالـ اليت‬
‫تصيبها‪.‬‬

‫غَت أف الواقع يشَت إىل أف األمل ُب الرجوع كاد يصبح مستحيبلً‪ ...{ :‬والَ يػز ُ َّ ِ‬
‫ين‬
‫َ ََ‬
‫اؿ الذ َ‬
‫ِ‬
‫صَنػعُواْ قَا ِر َعةٌ أ َْو تَ ُح ُّل قَ ِريبًا ّْمن َدا ِرِى ْم َحتَّى يَأْتِ َي َو ْع ُد الل ِّو إِ َّف اللّوَ الَ‬
‫َك َف ُرواْ تُصيبُػ ُهم بِ َما َ‬
‫اد} (‪ )97‬سورة الرعد‪ ،‬لذا بات الببلء متوقعاً والساعة قريبة‪ ،‬والسيد ا‪١‬تسيح ‪،‬‬
‫يُ ْخِل ُ‬
‫ف ال ِْم َيع َ‬
‫ا‪١‬تنقذ للبشرية من الشقاء واآلالـ‪ ،‬ومن الكفر وا‪ٟ‬ترماف‪ ،‬قد الح باألفق‪:‬‬
‫شاء وىو الْع ِزيز َّ ِ‬
‫{‪ ...‬ويػومئِ ٍذ يػ ْف رح ال ِ‬
‫ِ‬
‫يم‪،‬‬
‫ْم ْؤمنُو َف ‪،‬بِنَ ْ‬
‫نص ُر َمن يَ َ َ ُ َ َ ُ‬
‫ص ِر اللَّو يَ ُ‬
‫ََْ َ َ َ ُ ُ‬
‫الرح ُ‬
‫ف اللَّوُ َو ْع َد هُ َولَكِ َّن أَ ْكثَػ َر الن ِ‬
‫َّاس َال يػَ ْعلَ ُمو َف} (‪ :‬ػ <) سورة‬
‫َو ْع َد اللَّوِ َال يُ ْخلِ ُ‬
‫الروـ‪.‬‬
‫تقدًن الناشر‬
‫***‬

‫انفصم األول‬
‫في ىذا الفصل‪:‬‬
‫‪ ‬نحو مفهوـ الساعة‪.‬‬
‫‪ ‬قوـ سيدنا نوح ‪.‬‬
‫‪ ‬قوـ سيدنا ىود ‪( ‬قوـ عاد المعروفين بالعمالقة األشداء)‪.‬‬
‫‪ ‬قوـ سيدنا صالح ‪( ‬قوـ ثمود)‪.‬‬
‫‪ ‬قوـ سيدنا لوط ‪.‬‬
‫‪ ‬قوـ سيدنا شعيب ‪( ‬أىل مدين)‪.‬‬

‫‪‬‬

‫غاية الحق من إيجاد الخلق‪.‬‬

‫َـذـى يفهـىو انغــاعـت‬
‫إف البشرية ُب ىذا العصر تعاين قلقاً نفسياً حاداً‪ .‬وذلك ٔتا أحدثتو الثورة التقنية من‬
‫طغياف مادي كثيف‪ ،‬ألقى ظبللو القا٘تة على األنفس َّ‬
‫فسد عليها منابع النور‪ ،‬وحجبها‬
‫عن موطن ا‪٠‬تلود‪.‬‬
‫وىذه الثورة أغرقت الناس ُب متاىات فكرية‪ ،‬متعاكسة أحياناً‪ ،‬ومتشابكة ُب أحياف‬

‫كثَتة‪.‬‬
‫لقد كانت الثورة العلمية التقنية حلماً يدغدغ أحبلـ بعض ا‪١‬تفكرين‪ ،‬وكانوا ينظروف إليها‬
‫منذ أواخر القرف التاسع عشر نظرة ا‪١‬تنقذ من الفقر وا‪١‬ترض وا‪ٞ‬تهل‪ .‬وقد أطلقوا ألفكارىم‬
‫العناف‪ ،‬فوصفوىا وصفاً مسرفاً ُب البلواقعية‪ ،‬وشنوا حرباً شعواء على النظم وا‪١‬تعتقدات‬
‫القدٯتة‪ ،‬وقالوا إهنا شاخت واىًتأت‪ ،‬ومل تعد تصلح ‪٢‬تذا العصر‪ ،‬وكما حكموا على النظم‬

‫وا‪١‬تعتقدات بالشيخوخة واالىًتاء‪ ،‬حكموا على اإللۤو با‪١‬توت {انظر كتاب (نيتشو) ىكذا‬
‫تكلم زرادشت}‪.‬‬
‫يسخر‬
‫وأعلنوا عن مولد إلۤو جديد‪ ،‬ىو إلۤو العلم أو العقل ا‪ٞ‬تبار‪ ،‬وأف ىذا اإللۤو سوؼ ٍّ‬
‫سخرىا ‪٢‬تم اإللۤو القدًن‪.‬‬
‫الطبيعة‪ ،‬أكثر ‪٦‬تا َّ‬
‫وصدَّقت الناس داعي الشيطاف‪ ،‬وخاصة الغرب والشرؽ األقصى‪ ،‬وأشاحت بوجهها‬
‫عن مبدع السموات واألرض‪ ،‬فهجرت بل واستهزأت‪ ،‬بكل ما جاء بو من سنن وشرائع‬
‫سدنَِة ىذا الشيطاف ا‪١‬تريد‪.‬‬
‫ومثل‪ ،‬واستبدلتها بشرائع وسنن من وحي َ‬
‫ُ‬
‫يلوح‬
‫غَت أف ىذا اإللۤو الذي داعب مولده ‪٥‬تيلة ا‪١‬تفتونُت بو‪ ،‬قد ٘تخض عن نار ٍّ‬

‫للبشرية بُت ا‪ٟ‬تُت وا‪ٟ‬تُت‪ ،‬بالدمار الشامل وا‪٢‬تبلؾ األكيد‪.‬‬
‫ولقد رأوا من بعد ما تبُت ‪٢‬تم رفاىوُ‪َّ ،‬‬
‫لشوباً‪ ،‬والسعادة‬
‫أف طعامو ذو َّ‬
‫غصة‪ ،‬وإف عليو ْ‬
‫ا‪١‬تنتظرة اليت كانوا ٭تلموف ُّا‪ ،‬إ‪٪‬تا كانت كسراب بقيعة‪ ،‬٭تسبو الذين استحبوا ا‪ٟ‬تياة الدنيا‬

‫ماءً‪ ،‬فيو ا‪ٟ‬تياة وفيو السعادة وا‪٢‬تناء‪ .‬و‪١‬تا جاؤوه مل ‪٬‬تدوه إالَّ و‪٫‬تاً‪ ،‬ومل ‪٬‬تدوه إال أ‪١‬تاً‬
‫وشقاء‪ ،‬وكفى بذلك واعظاً‪ ،‬لو كانوا يعقلوف‪.‬‬
‫وشرع لنا‬
‫إف فاطر السموات واألرض قد أبدع الوجود‪ ،‬على أحسن ما يكوف اإلبداع‪َّ ،‬‬
‫من النظم ما تتوافق والفطرة اليت فطر الناس عليها‪.‬‬
‫لقد بٌت الوجود على سنن غاية ُب الدقة‪ ،‬وغاية ُب اإلبداع وا‪ٞ‬تبلؿ‪ ،‬وترؾ لئلنساف‬
‫اَّاؿ لكي ينظر ُب ن فسو حُت كاف نطفة‪ ،‬وكيفية أطواره ُب بطن أمو‪ ،‬وينظر إىل‬
‫السماء كيف ُرفعت‪ ،‬وإىل النجوـ كيف حبكت‪ ،‬وإىل ا‪ٞ‬تباؿ كيف نُصبت‪ ،‬وإىل البحار‬
‫كيف ملئت‪ ،‬وإىل ما بث ُب األرض من دابة كيف خلقت‪ ،‬وإىل ما أنبت فيها من كل‬
‫زوج كرًن‪.‬‬
‫ترى من الذي قاـ بكل ىذا ويقوـ؟‪ .‬ومن ا‪١‬توجد العظيم‪ ،‬الذي َّ‬
‫مد وٯتد الوجود اآلف‬
‫وُب كل آف؟‪.‬‬
‫ٍب جعل "جلَّ شأنو" شرائعو متوافقة مع الفطرة اليت فطر الناس عليها‪ ،‬وىي هتدؼ‬

‫إىل سعادة اإلنساف ُب الدنيا واآلخرة‪ ،‬فقد بنيت تلك الشرائع على مبادئ قوٯتة‪ ،‬تنهض‬
‫باألنفس لتسمو ُّا‪ ،‬وتربطها ٓتالقها‪ ،‬وُّذا الرباط أو ىذ ه الصلة تستطيع أف تتحرر من‬
‫عبودية ا‪١‬تادة‪ ،‬اليت ما إف تستويل على النفوس حىت ترديها‪ ،‬وٕتعلها تعيش معيشة‬
‫ضنكاً‪ .‬وُّذه الصلة‪ ،‬يتبدد ا‪٠‬توؼ من قلب ا‪١‬تؤمن‪ ،‬ويزداد الرجاء كلما تقدمت بو‬

‫وقربتو إىل ا‪١‬تصَت احملتوـ‪ ،‬ال يتضجر إف أقبلت الدنيا عليو‪ ،‬أو أدبرت‪.‬‬
‫السنوف‪َّ ،‬‬
‫وكذلك ال يبايل إف اعتل أو أصابتو مصيبة‪ ،‬ألنو يعلم أف ا‪ٟ‬تياة الدنيا ليس ‪٢‬تا من‬
‫بقاء‪ ،‬واآلخرة ىي ا‪ٟ‬تياة الباقية‪.‬‬
‫أما الذين رضوا با‪ٟ‬تياة الدنيا واطمأنوا ُّا‪ ،‬وجعلوىا مبلغ ‪٫‬تهم‪ ،‬فإف قلقهم يزداد ُب‬
‫أمسيات العمر‪ ،‬فيزدادوف ‪٫‬تاً وغماً‪ ،‬إف أقبلت أو أدبرت‪ ،‬أو أصاُّم مكروه‪.‬‬

‫يسخر ‪٢‬تم‬
‫إف الذين يأملوف‪ ،‬أف ‪٬‬تعل ‪٢‬تم إ ۤ‪٢‬تهم ا‪ٟ‬تياة الدنيا فردوساً ‪ٚ‬تيبلً‪ ،‬وأف ٍّ‬
‫الطبيعة بأكثر ‪٦‬تا ٕتود بو‪ ،‬أولئك ىم ا‪١‬توىوموف‪ ،‬وأولئك ىم ا‪١‬تغبونوف ال ُب اآلخرة‬
‫فحسب‪ ،‬بل وُب ا‪ٟ‬تياة الدنيا أيضاً‪.‬‬
‫وىذا اإللۤو الذي يأملوف منو أف ‪٬‬تعل ‪٢‬تم الدنيا جنات وقصوراً‪ ،‬سوؼ يفسد عليهم‬
‫أحبلمهم‪ ،‬وسوؼ يكتووف بناره عن غضبة يغضبها‪ ،‬و‪٬‬تعل ما بنوه بواسطتو من حضارة‪،‬‬
‫قاعاً صفصفاً‪.‬‬
‫إف ىذه الثورة (التقنية) قد جاءت ‪٥‬تيبة لآلماؿ‪ ،‬إذ أهنا أبعدت الناس عن السعادة‬
‫ا‪ٟ‬تقيقية اليت ال تقارف مع تلك السعادة ا‪ٟ‬تسيَّة ا‪١‬توىومة‪ ،‬ذلك ألف السعادة ا‪ٟ‬تسية ْتقيقتها‬
‫ليست سعادة‪ ،‬وإ‪٪‬تا ىي لذائذ وقضاء شهوات ورغائب‪ ،‬وشتاف بُت ىذه وتلك‪.‬‬
‫ذلك ألف شهوات النفس كثَتة‪ ،‬وطاقتها غَت ‪٤‬تدودة‪ ،‬بينما طاقات اإلنساف ا‪ٞ‬تسمية‬
‫‪٤‬تدودة‪ ،‬والفارؽ بُت الطاقتُت ىو مبعث األمل ومبعث الشقاء‪ ،‬فًتكيب طاقة غَت ‪٤‬تدودة‬
‫على طاقة ‪٤‬تدودة‪٬ ،‬تعل األخَتة ال تستطيع أف تليب رغائب األوىل‪.‬‬
‫النفس كالفرس ا‪ٞ‬تموح‪ ،‬كلما قضت من شهوة وطراً طلبت أخرى من غَت ملل أو‬
‫كلل‪ ،‬ألف ماىية تكوينها غَت مادي‪ ،‬وىذه الطاقة غَت احملدودة مل يع ّدىا تعاىل لتمؤل‬
‫أوضاراً‪ ،‬وإ‪٪‬تا أعدت لتمؤل كماالً و‪ٚ‬تاالً مطلقُت‪ ،‬ولتشرب من معُت ال ينضب‪.‬‬
‫با‪٢‬تم والغم‬
‫وشتاف بُت تلكما ا‪ٟ‬تالتُت‪ ،‬لذائذ زائفة كفيلة بإنتاج الضجر والسأـ مشوبة ٍّ‬

‫واألمل ومنتهية من قبل أف ينتهي اإلنساف من الدنيا‪ ،‬وسعادة مستمرة ومتزايدة تظل معو‬

‫إىل األبد(‪.)1‬‬

‫وُب اآلخرة ال توجد إال حقائق‪ ،‬والزيف ليس لو وجود ىناؾ‪ ،‬ولذا فإف نفس ا‪١‬تعرض‬
‫عن اهلل ُب ا‪ٟ‬تياة الدنيا‪ ،‬بسبب اتٍّباعو لشهواتو‪ ،‬تذىب إىل بارئها عمياء‪ ،‬ألهنا مل ٖتاوؿ‬
‫ض َعن ِذ ْك ِري فَِإ َّف لَوُ َم ِعي َشةً‬
‫أف تتعرؼ على ا‪ٟ‬تق ُب الدنيا‪ .‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬وَم ْن أَ ْع َر َ‬
‫اؿ ر ّْ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫نت ب ِ‬
‫ِ‬
‫اؿ‬
‫ص ًيرا‪،‬قَ َ‬
‫ضن ًكا َونَ ْح ُ‬
‫َ‬
‫ب ل َم َح َش ْرتَني أَ ْع َمى َوقَ ْد ُك ُ َ‬
‫ش ُرهُ يَػ ْو َـ الْقيَ َامة أَ ْع َمى‪،‬قَ َ َ‬
‫‪٤‬تمد أمُت شيخو قدَّس اهلل سره (بحث السعادة وحقيقتها)‪.‬‬
‫(‪ )7‬لطفاً انظر كتاب (الفتوحات‬
‫َّ‬
‫المحمدية ) للعبلَّمة َّ‬

‫ك الْيَػ ْو َـ‬
‫ك آيَاتُػنَا فَػنَ ِسيتَػ َها َوَك َذلِ َ‬
‫ك‪ :}...‬كنت أعمى البصَتة ُب الدنيا‪...{ .‬أَتَػ ْت َ‬
‫َك َذلِ َ‬
‫نسى}(‪ 78:‬ػ<‪ )78‬سورة طۤػو!‪ .‬أننساؾ اليوـ!‪ .‬ال ب ّد أف يُساؽ لنفسك ما يلزمها من‬
‫تُ َ‬
‫ِ‬
‫وب‬
‫ار َولَكن تَػ ْع َمى الْ ُقلُ ُ‬
‫عبلج‪ .‬ويدعم ىذه ا‪ٟ‬تقيقة قولو تعاىل‪ ...{ :‬فَِإنػَّ َها َال تَػ ْع َمى ْاألَبْ َ‬
‫صُ‬
‫الص ُدوِر} (<‪ ):‬سورة ا‪ٟ‬تػج‪.‬‬
‫الَّتِي فِي ُّ‬
‫{ومن َكا َف ِفي ى ِذهِ أَ ْعمى فَػهو فِي ِ‬
‫َض ُّل َسبِيبلً} (‪ )=8‬سورة‬
‫اآلخ َرةِ أَ ْع َمى َوأ َ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫َ َُ‬
‫اإلسراء‪.‬‬
‫ؤتا أف اهلل سبحانو وتعاىل حريص على سعادتنا‪ ،‬فإنو يسوؽ ‪١‬تن كفر بو من العذاب‬
‫عما ىم فيو من الشقاء‪ ،‬إىل ما فيو سعادهتم ُب‬
‫األدىن دوف العذاب األكرب‪ ،‬لعلهم يرجعوف َّ‬
‫الدنيا واآلخرة‪ ،‬وٗتليصهم من حب الدنيا اليت ىي مصدر كل شقاء وكل أمل‪.‬‬
‫ِ‬
‫اب ْاألَ ْدنَى ُدو َف الْ َع َذ ِ‬
‫َّه ْم ِم َن ال َْع َذ ِ‬
‫اب ْاألَ ْكبَ ِر لََعلَّ ُه ْم يَػ ْرِجعُو َف} (‪)87‬‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬ولَنُذيَقنػ ُ‬

‫و(لعل) ىنا تبُت بوضوح أف االختيار مطلق لئلنساف‪.‬‬
‫سورة السجدة‪:‬‬
‫ّ‬
‫لذلك فإف ا‪٢‬تبلؾ سوؼ ٭تل بساحة البشرية إذا خالفت السنن أو القوانُت اليت‬
‫أوجدىا تعاىل ‪٢‬تم‪ ،‬وٕتاوزت إىل نقطة البلعودة إىل اهلل عز وجل‪ .‬لقد ضرب تعاىل من‬
‫األمثلة العملية فيما حل باألمم السابقة‪ ،‬عندما ٕتاوزت تلك السنن ا‪١‬توضوعة لسعادهتم‪،‬‬

‫ومل يقبلوا بتحطيم ا‪ٟ‬تواجز اليت حالت بينهم وبُت السبيل إىل اهلل تعاىل‪ ،‬كقوـ نوح ‪‬‬
‫وقوـ عاد و‪ٙ‬تود وفرعوف‪...‬‬
‫حل‬
‫أما اليوـ‪ ،‬فمهما بذلت البشرية من جهد لكي تتخلص من اآلالـ والشقاء الذي َّ‬
‫الظل لصاحبو‪ ،‬من ىذا الضياع والضبلؿ‬
‫ُّا‪ ،‬أو من ىذا القلق ا‪ٟ‬تاد ا‪١‬تبلزـ ‪٢‬تا مبلزمة ٍّ‬
‫البعيد‪ ،‬ومن تلك ا‪١‬تتاىات الفكرية ا‪١‬تتعاكسة وا‪١‬تتشابكة‪ ،‬اليت منها يظنوف أهنم سوؼ‬
‫يتوصلوف إىل السعادة ا‪١‬تنتظرة‪ .‬فإهنم لن يفلحوا أبداً بذلك‪ ،‬ولن يفلحوا إال بشرط واحد‪،‬‬
‫ىو العودة إىل إقامة شريعة اهلل ُب أرضو قوالً وعمبلً‪ ،‬وأخذىا بقوة‪ ،‬فإف مل يفعلوا ولن‬
‫يفعلوا!‪ .‬فلينظروا زالزؿ وبراكُت وأعاصَت مدمرة‪ ،‬وأمراضاً فتاكة‪ ،‬كما وقع ويقع اليوـ‪،‬‬
‫الصلد‪ ،‬وما ذلك عن الظا‪١‬تُت‬
‫وبعدىا ينظروف ناراً تصهر ا‪ٟ‬تديد الصلب‪ ،‬وتُفتٍّت ا‪ٟ‬تجر َّ‬

‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫يم َش ِدي ٌد} (‪)768‬‬
‫ك أَ ْخ ُذ َربّْ َ‬
‫ببعيد‪َ { :‬وَك َذلِ َ‬
‫ك إِ َذا أ َ‬
‫َخ َذ الْ ُق َرى َوى َي ظَال َمةٌ إِ َّف أَ ْخ َذهُ أَل ٌ‬

‫سورة ىود‪:‬ىذا قانوف‪ ،‬كل من سار ُّذا السَت‪ ،‬حق عليو ا‪٢‬تبلؾ‪.‬‬
‫لقد ضرب لنا تعاىل ُب كتابو العزيز الكثَت من القصص عن ىبلؾ األمم‪ ،‬اليت ٗتلَّت‬
‫عن السنن اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬واتَّبعت شرائع من وضع أىوائها‪ ،‬وبُت لنا األسباب اليت حالت بينهم‬
‫وبُت الرجوع إىل دين ا‪ٟ‬تق‪ٍ ،‬ب النتائج ا‪١‬تؤسفة اليت انتهوا إليها‪.‬‬
‫وكاف تعاىل قبل ىبلكهم يرسل إليهم نذيراً‪ ،‬٭تذرىم من مغبة معتقداهتم وأعما‪٢‬تم‬
‫ا‪١‬تخالفة لسنن الوجود‪ ،‬ويبُت ‪٢‬تم أف تلك ا‪١‬تعتقدات ال تزيدىم إال شقاء‪ ،‬وال تزيدىم إال‬
‫بؤساً وابتعاداً عن منبع السعادة ا‪ٟ‬تقيقية‪ ،‬إال أف دعوهتم غالباً ما كانت لتلقى إال آذاناً‬

‫صماء وقلوباً غلفاً‪ ،‬ذلك ألف ا‪١‬تادة قد أوصدت أبواُّا على عقو‪٢‬تم‪ ،‬وأغرقتهم إىل األذقاف‬
‫السيّْئَ ِة قَػْب َل‬
‫فهم مقمحوف‪ .‬ال يفلحوف بل ‪ٞ‬تهلهم وعدـ إٯتاهنم يستعجلوف‪ ...{ :‬بِ َّ‬
‫ت ‪ )<( }...‬سورة الرعد‪ :‬ما حدث لؤلمم الغابرة‪،‬‬
‫سنَ ِة َوقَ ْد َخلَ ْ‬
‫ت ِمن قَػْبلِ ِه ُم ال َْمثُبلَ ُ‬
‫ال َ‬
‫ْح َ‬
‫حل ُّم؟!‪.‬‬
‫ماذا َّ‬
‫نبُت معٌت الساعة اليت يأٌب فيها السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬و‪٪‬تيزىا عن الساعة‬
‫واآلف وقبل أف ّ‬
‫اليت ُّا تقوـ القيامة‪ ،‬نريد أف نستعرض معتقدات وأعماؿ تلك األمم اليت أُىلكت‪ ،‬وا‪ٟ‬توار‬
‫نتقصى األسباب اليت منعتهم من أف يستجيبوا‬
‫الذي دار بُت تلك األقواـ ورسلهم‪ٍ ،‬ب ّ‬
‫لداعي اهلل‪ .‬وأخَتاً ذكر النهاية ا‪١‬تؤسفة اليت انتهوا إليها‪ .‬فإذا وفقنا إىل ذلك‪ ،‬وىذا ما نأملو‬
‫من اهلل سبحانو وتعاىل‪ ،‬فإف موضوع الساعة سوؼ يتكشف لنا معناه‪ ،‬وسوؼ يزوؿ كل‬

‫التباس نتيجة ا‪١‬تقارنة بُت مفهوـ الساعة اليت يأٌب فيها السيد ا‪١‬تسيح‪ ،‬ليمسح آالـ البشرية‬
‫وينقذىا‪ ،‬وبُت الساعة اليت ُّا تقوـ القيامة‪.‬‬
‫إف أوؿ األمم اليت ذكرىا تعاىل ُب كتابو الكرًن واليت أىلكت بسبب ا‪٨‬ترافها عن‬
‫الطريق ا‪١‬تستقيم‪ ،‬ىم قوـ سيدنا نوح ‪.‬‬
‫تلك األمم اليت ساقها اهلل ُمثبلً كافية من حيث ا‪١‬توعظة والعربة‪١ ،‬تن كاف لو قلب أو‬
‫ألقى السمع وىو شهيد‪ ،‬ألف ما قيل للرسل الذين مل يذكرىم تعاىل‪ ،‬ىو نفس‬

‫ما قيل لغَتىم من الرسل(‪ ،)1‬الذين ذكروا ُب القرآف الكرًن‪ ،‬أو ألي رجل صاّب يهدي‬
‫ِ‬
‫اؿ لَ َ َِّ‬
‫ك لَ ُذو‬
‫إىل ا‪ٟ‬تق‪ .‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬ما يُػ َق ُ‬
‫يل لِ ُّ‬
‫ك إِ َّف َربَّ َ‬
‫لر ُس ِل ِمن قَػ ْب ِل َ‬
‫ك إال َما قَ ْد ق َ‬
‫َمغْ ِفرةٍ َوذُو ِع َق ٍ‬
‫اب أَلِ ٍيم} (‪ ):9‬سورة فصلت‪.‬‬
‫َ‬
‫وؿ إَِّال قَالُوا س ِ‬
‫ك َما أَتَى الَّ ِذين ِمن قَػ ْبلِ ِهم ّْمن َّر ُس ٍ‬
‫اح ٌر أ َْو‬
‫جل شأنو‪َ { :‬ك َذلِ َ‬
‫وقاؿ َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اص ْوا بِ ِو بَ ْل ُى ْم قَػ ْوٌـ طَاغُو َف} (‪ ;8‬ػ‪ );9‬سورة الذاريات‪.‬‬
‫َم ْجنُو ٌف‪،‬أَتَػ َو َ‬
‫وىاؾ ما قالو أبو الفتح أ‪ٛ‬تد الشهرستاين ُب كتابو( ا‪١‬تلل والنحل) حوؿ ىذه الفكرة‪:‬‬

‫‪ .....‬ومن جادؿ نوحاً‪ ،‬وىوداً‪ ،‬وصا‪ٟ‬تاً‪ ،‬وإبراىيم‪ ،‬ولوطاً‪ ،‬وشعيباً‪ ،‬وموسى‪ ،‬وعيسى‪،‬‬

‫و‪٤‬تمد صلوات اهلل عليهم أ‪ٚ‬تعُت‪ .‬كلهم نسجوا على منواؿ اللعُت األوؿ ((إبليس)) ُب‬
‫إظهار سفاىتو‪ ،‬وحاصلها يرجع إىل دفع التكليف عن أنفسهم‪ ،‬أو جحد أصحاب الشرائع‬

‫ش ٌر يَػ ْه ُدونَػنَا ‪ )<( }...‬سورة التغابن‪،‬‬
‫والتكاليف بأسرىم)‪ .‬إذ ال فرؽ بُت قو‪٢‬تم‪ ...{:‬أَبَ َ‬
‫ت ِطينًا} (‪ )<7‬سورة اإلسراء‪ ،‬وعن ىذا صار مفصل‬
‫َس ُج ُد لِ َم ْن َخلَ ْق َ‬
‫وبُت قولو‪...{ :‬أَأ ْ‬
‫ِ‬
‫اءى ُم ال ُْه َدى إِالَّ‬
‫َّاس أَف يػُ ْؤمنُواْ إِ ْذ َج ُ‬
‫ا‪٠‬تبلؼ و‪٤‬تز االفًتاؽ ما ىو ُب قولو تعاىل‪َ { :‬وَما َمنَ َع الن َ‬
‫ش ًرا َّر ُسوالً} (‪ )?:‬سورة اإلسراء‪.‬‬
‫أَف قَالُواْ أَبَػ َع َ‬
‫ث اللّوُ بَ َ‬
‫ك أَالَّ‬
‫فبُت أف ا‪١‬تانع من اإلٯتاف ىو ىذا ا‪١‬تعٌت‪ ،‬كما قاؿ ا‪١‬تتقدـ األوؿ‪{ :‬قَ َ‬
‫َّ‬
‫اؿ َما َمنَػ َع َ‬
‫اؿ أَنَاْ َخ ْيػ ٌر ّْم ْنوُ َخلَ ْقتَنِي ِمن نَّا ٍر َو َخلَ ْقتَوُ ِمن ِطي ٍن} (‪ )78‬سورة‬
‫ك قَ َ‬
‫تَ ْس ُج َد إِ ْذ أ ََم ْرتُ َ‬
‫األعراؼ‪ .‬وقاؿ ا‪١‬تتأخر من ذريتو على لساف فرعوف كما قاؿ ا‪١‬تتقدـ‪{ ،‬أَ ْـ أَنَا َخ ْيػ ٌر ّْم ْن‬
‫َّ ِ‬
‫ين وَال يَ َك ُ ِ‬
‫ين} (‪ );8‬سورة الزخرؼ‪.‬‬
‫َى َذا الذي ُى َو َم ِه ٌ َ‬
‫اد يُب ُ‬

‫اؿ‬
‫وكذلك لو تعقبنا أقواؿ ا‪١‬تتقدمُت منهم وجدناىا مطابقة ألقواؿ ا‪١‬تتأخرين‪َ { :‬وقَ َ‬
‫ك قَ َ َّ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين ِمن قَػ ْبلِ ِهم ّْمثْ َل‬
‫ين الَ يَػ ْعلَ ُمو َف لَ ْوالَ يُ َكلّْ ُمنَا اللّوُ أ َْو تَأْتِينَا آيَةٌ َك َذلِ َ‬
‫اؿ الذ َ‬
‫الذ َ‬
‫ت قُػلُوبػُ ُه ْم ‪ )77>(}...‬سورة البقرة‪ ،‬إف اآلية اليت مرت معنا قبل قليل‪:‬‬
‫شابَػ َه ْ‬
‫قَػ ْولِ ِه ْم تَ َ‬
‫وؿ إَِّال قَالُوا س ِ‬
‫ك َما أَتَى الَّ ِذين ِمن قَػ ْبلِ ِهم ّْمن َّر ُس ٍ‬
‫اح ٌر أ َْو َم ْجنُو ٌف} (‪ );8‬سورة‬
‫{ َك َذلِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك ِمنْػهم َّمن قَصصنَا َعلَي َ ِ‬
‫ِ‬
‫ك وَما َكا َف لِر ُس ٍ‬
‫وؿ أَ ْف‬
‫َ ْ ْ‬
‫(‪ )7‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬ولَ َق ْد أ َْر َسلْنَا ُر ُس ًبل ّْمن قَػبْل َ ُ‬
‫ص ْ‬
‫ك َومنْػ ُهم َّمن لَّ ْم نَػ ْق ُ‬
‫ص َعلَيْ َ َ‬
‫َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ٍ‬
‫ِ ِ‬
‫ْمبْ ِطلُو َف} (>=) سورة غافر‪.‬‬
‫ْح ّْق َو َخ ِس َر ُىنَالِ َ‬
‫يَأْت َي بِآيَة إِ َّال بِِإ ْذف اللَّو فَِإذَا َجاء أ َْم ُر اللَّو قُض َي بِال َ‬
‫ك ال ُ‬

‫أىن مرت كلمة‬
‫الذاريات‪ :‬تعترب من السنن اليت ال تتبدؿ وال تتحوؿ على مر الزمن‪ ،‬و َّ‬
‫(كذلك ) ُب القرآف الكرًن‪ ،‬وكما ىي ُب اآلية اآلنفة الذكر‪ ،‬فإف القوؿ الذي يأٌب بعدىا‬
‫يكوف ُب أغلب األحياف قانوناً أو سنة من تلك السنن اليت عناىا تعاىل بقولو‪ُ { :‬سنَّةَ اللَّ ِو‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫سن َِّة اللَّ ِو تَػ ْب ِد ًيبل}(‪ )<8‬سورة األحزاب‪.‬‬
‫في الذ َ‬
‫ين َخلَ ْوا من قَػ ْب ُل َولَن تَج َد ل ُ‬
‫تلك سنن وقوانُت ال تتبدؿ وال تتحوؿ‪ ،‬فما قاـ بو األولوف الذين مل يؤمنوا من قوؿ أو‬
‫جل وعبل اقتصر ُب‬
‫فعل‪ ،‬ال ٮتتلف من حيث ا‪ٞ‬توىر عما قالو ا‪١‬تتأخروف‪ ،‬لذلك فإف اهلل َّ‬
‫ضرب األمثلة على بعض األمم اليت تعترب أقوا‪٢‬تا اليت تنم عن معتقدىا وأفعا‪٢‬تا‪٪ ،‬تاذج‬
‫عملية ‪٢‬تبلؾ كل أمة تسلك مسلكهم‪ ،‬وتعًتض على رسو‪٢‬تا اعًتاضاهتم‪.‬‬
‫واآلف وبعد ىذا الذي ذكرنا‪ ،‬نريد أف نتناوؿ بشيء من التفصيل أىم األمم اليت‬
‫طبقت عليها تلك السنن‪ ،‬فمن تلك األمم‪:‬‬
‫(قػوـ سػيدنػػا ن ػػوح)‬
‫(قػوـ سػيػػدنػا ىػػود)‬
‫(قوـ سيدنا صاّب)‬
‫( قػوـ سػيدنا لػوط)‬
‫(قوـ سيدنا شعيب)‬
‫علػيهػم السػبلـ‬
‫***‬

‫لىو عٍذَا َىح ‪‬‬
‫وحا إِلَى قَػ ْوِم ِو إِنّْي لَ ُك ْم‬
‫لقد أرسل اهلل سيدنا نوحاً ‪ ‬إىل قومو فقاؿ‪َ { :‬ولََق ْد أ َْر َسلْنَا نُ ً‬
‫ِ‬
‫اؿ ال َْمؤلُ‬
‫اب يَػ ْوٍـ أَلِ ٍيم‪ ،‬فَػ َق َ‬
‫َخ ُ‬
‫ين‪،‬أَف الَّ تَػ ْعبُ ُدواْ إِالَّ الل َّو إِنّْ َي أ َ‬
‫اؼ َعلَْي ُك ْم َع َذ َ‬
‫نَذ ٌير ُّمبِ ٌ‬
‫اؾ اتَّػبػع َ ِ َّ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين ُى ْم أ ََر ِاذلُنَا‬
‫ين َك َف ُرواْ ِمن قِ ْوِم ِو َما نَػ َر َ‬
‫اؾ إِالَّ بَ َ‬
‫ش ًرا ّْمثْػلَنَا َوَما نَػ َر َ َ َ‬
‫ك إالَّ الذ َ‬
‫الذ َ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫ين} (;‪ 8‬ػ=‪ )8‬سورة ىود‪.‬‬
‫ي َّ‬
‫الرأْ ِي َوَما نَػ َرى لَ ُك ْم َعلَْيػنَا ِمن فَ ْ‬
‫ض ٍل بَ ْل نَظُنُّ ُك ْم َكاذب َ‬
‫بَاد َ‬
‫إف دعوة سيدنا نوح ‪ ‬أو أي رسوؿ من رسل اهلل الكراـ‪ ،‬ىي توجيو الناس ‪٨‬تو عبادة‬
‫اهلل‪ ،‬خالقنا الذي ال إلۤو إال ىو‪ ،‬وتلك كلمة باقية إىل يوـ القيامة‪ ،‬وتلك خَت ما جاءت بو‬
‫الرسل صلوات اهلل عليهم أ‪ٚ‬تعُت‪ ،‬وتلك ىي الغاية اليت خلقنا من أجلها‪ .‬أما الغاية من‬
‫عبادتنا لو‪ ،‬فهي ليس كما يدعي البعض بأف اهلل يتباىى أماـ مبلئكتو‪ ،‬فسبحانو وتعاىل عن‬
‫مثل ىذا الوصف‪ .‬وإ‪٪‬تا الغاية ىي تزكية األنفس‪ ،‬وتطهَتىا ‪٦‬تا علق ُّا من الشوائب‪ ،‬ذلك‬
‫ألف تزكية األنفس ال تكوف إال بالصلة باهلل وبالصبلة‪ ،‬وبعبادتنا هلل‪ ،‬اليت تعٍت الطاعة التامة‪،‬‬
‫واالستسبلـ ا‪١‬تطلق ألوامر اهلل‪ ،‬حيث تكتسب األنفس ا‪١‬تطيعة الثقة برضاء اهلل عنها‪ ،‬وبتلك‬
‫الثقة تتوجو األنفس من غَت خجل‪ ،‬أو من غَت حجاب ٭تجبها عنو فتصبغ النفس بإقبا‪٢‬تا‬
‫ِ‬
‫َحسن ِمن الل ِّو ِ‬
‫ِ‬
‫صْبػغَ ًة َونَ ْح ُن لَوُ َعابِدو َف}‬
‫على اهلل بصبغة الكماؿ‪{ :‬صْبػغَةَ اللّو َوَم ْن أ ْ َ ُ َ‬
‫(>‪ )79‬سورة البقرة‪ ،‬وبذلك اإلقباؿ والصلة باهلل والصبلة‪٘ ،‬تحى من النفس شوائبها‬
‫وذنوُّا‪ ،‬وٖتل ‪٤‬تلها الفضائل‪ ،‬وتلك الفضائل اليت اكتسبها اإلنساف من اهلل‪ ،‬تصلح سريرتو‪،‬‬
‫ويصلح عملو‪ ،‬وإذا صلحت األنفس‪ ،‬صلحت األعماؿ‪ ،‬وبالتايل صلح اَّتمع‪ .‬وإذا صلح‬
‫اَّتمع‪ ،‬فكيف ال يعيش أفراده ُب سعادة وىناء؟‪ .‬من أجل ذلك طلب إلينا تعاىل أف‬
‫نتمسك بشريعتو‪ ،‬لكي نعيش سعداء ُب الدنيا واآلخرة‪.‬‬
‫لقد بلَّغ سيدنا نوح ‪ ‬ما أوحي إليو من ربو‪ ،‬والقى من الذين كفروا من قومو مثل ما‬
‫اؾ اتَّػبػع َ ِ َّ ِ‬
‫ين ُى ْم‬
‫القى غَته من الرسل فقالوا‪َ ...{ :‬ما نَػ َر َ‬
‫اؾ إِالَّ بَ َ‬
‫ش ًرا ّْمثْػلَنَا َوَما نَػ َر َ َ َ‬
‫ك إالَّ الذ َ‬

‫ِ ِ‬
‫ِِ‬
‫ين} (=‪ )8‬سورة‬
‫ي َّ‬
‫الرأْ ِي َوَما نَػ َرى لَ ُك ْم َعلَْيػنَا ِمن فَ ْ‬
‫ض ٍل بَ ْل نَظُنُّ ُك ْم َكاذب َ‬
‫أ ََراذلُنَا بَاد َ‬
‫ىود‪ .‬وىذا اإلنكار على الرسوؿ‪ ،‬ىو الذي ٯتنع الناس من اإلٯتاف باهلل‪.‬‬
‫ِ‬
‫اءى ُم ال ُْه َدى إِالَّ أَف قَالُواْ أَبَػ َع َ‬
‫ث اللّوُ‬
‫َّاس أَف يػُ ْؤمنُواْ إِ ْذ َج ُ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬وَما َمنَ َع الن َ‬
‫ش ًرا َّر ُسوالً} (‪ )?:‬سورة اإلسراء‪ .‬وىذا اإلنكار إ‪٪‬تا يرجع إىل عدـ رؤية كماؿ الرسوؿ‬
‫بَ َ‬
‫ِ‬
‫ندهِ‬
‫نت َعلَى بػيّْػنَةٍ ّْمن َّربّْي وآتَانِي رحمةً ّْمن ِع ِ‬
‫الكرًن لذلك‪{ :‬قَ َ‬
‫اؿ يَا قَػ ْوـ أ ََرأَيْػتُ ْم إِف ُك ُ‬
‫ََْ ْ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫وىا َوأَنتُ ْم لَ َها َكا ِر ُىو َف} (>‪ )8‬سورة ىود‪.‬‬
‫فَػعُ ّْميَ ْ‬
‫ت عَلَ ْي ُك ْم أَنػُلْ ِزُم ُك ُم َ‬
‫كذلك اعًتضت قريش على سيدنا ‪٤‬تمد ‪ٔ ‬تثل ىذا االعًتاض‪َ { :‬وقَالُوا لَ ْوَال نػُ ّْز َؿ‬
‫َى َذا الْ ُق ْرآ ُف َعلَى َر ُج ٍل ّْم َن الْ َق ْريَػتَػ ْي ِن َع ِظ ٍيم} (‪ )97‬سورة الزخرؼ‪.‬‬
‫والسبب ُب ىذا االعًتاض ىو وكما ذكرنا عدـ رؤية كماؿ الرسوؿ ‪٤‬تمد ‪ ،‬وإ‪٪‬تا‬

‫شاىدوا عظمة الرجاؿ با‪١‬تاؿ أو ا‪ٞ‬تاه‪ ،‬ؤتعٌت آخر إف معظم الناس تنظر إىل ظواىر األمور‬
‫دوف البحث ُب حقيقتها‪.‬‬
‫لقد َّبُت سيدنا نوح ‪ ‬ما لقيو من قومو من إعراض‪ ،‬بالرغم من دعوتو ا‪١‬تتواصلة ليل‬

‫هنار‪ ،‬إسراراً وإعبلناً‪ ،‬ومع ذلك فإف دعوتو ما كانت لتلقى آذاناً صاغية من قومو‪ ،‬بل‬
‫جعلوا أصابعهم ُب آذاهنم‪ ،‬وأصروا على كفرىم إصراراً‪ ،‬واستكربوا عن ‪ٝ‬تاع ا‪ٟ‬تق‬
‫سبع‬
‫استكباراً‪ ،‬فقد بُت ‪٢‬تم رسو‪٢‬تم كيف أف اهلل تعاىل خلقهم أطواراً‪ ،‬وكيف خلق اهلل َ‬
‫‪ٝ‬توات طباقاً‪ ،‬وجعل القمر فيهن نوراً‪ ،‬وجعل الشمس سراجاً‪ ،‬وكيف حثهم على التفكر‬
‫فيما ذرأ اهلل ُب األرض من كل دابة‪ ،‬وما أنبت من كل زوج ُّيج‪.‬‬
‫ولكنهم وبدالً من أف يلتفتوا إىل ما دعاىم إليو‪ ،‬راحوا ينظروف إليو نظرة استغراب‬
‫وتعجب‪ ،‬بل نظرة استهزاء خفي وتكذيب‪ .‬وما رأوه إال بشراً مثلهم‪ ،‬نظروا ُب صورتو فلم‬
‫يروا ‪ٝ‬تو حقيقتو‪ ،‬أعمى قلوُّم حب الدنيا ومل يلتفتوا للموت‪ ،‬فاستحبوا حياة الفناء‪ ،‬وعزفوا‬
‫عن البقاء األبدي‪ .‬وقالوا إف ىي إال حياتنا الدنيا ‪٪‬توت ونفٌت وما ‪٨‬تن ٔتبعوثُت‪ ،‬فأنكروا‬
‫البعث وأشاحوا عن اإللۤو‪ ،‬بل إهنم رأوا أنو ما اتبعو إال األراذؿ منهم‪ ،‬الذين ليس ‪٢‬تم قيمة‬

‫اجتماعية (بنظرىم األعمى)‪ ،‬ومن أنو ‪ ‬فرد‪ ،‬وحيث أهنم ال يستطيعوف إنكار شأنو وسَتتو‬

‫العالية ومنطقو‪ ،‬استكربوا وما آمنوا‪ ،‬وما منعهم من ا‪٢‬تدى‪ ...{ :‬إِالَّ أَف قَالُواْ أَبَػ َع َ‬
‫ث اللّوُ‬
‫ش ًرا َّر ُسوالً} (‪ )?:‬سورة اإلسراء‪.‬‬
‫بَ َ‬
‫فإذا مل ينظر اإلنساف إىل خلق السموات واألرض‪ ،‬ويسلك طريق التفكَت الذاٌب حىت‬
‫يؤمن باهلل‪ ،‬وحىت تطهر نفسو من ا‪٠‬تبث بالصلة باهلل‪ ،‬فلن يعرؼ الرسوؿ ولن يؤمن بو‬
‫وبدعوتو أبداً‪ .‬ذلك ألف الكماؿ يظل مستوراً عنو‪ ،‬ومل يبق أماـ عينيو إال صورة الرسوؿ أو‬
‫شكلو‪ ،‬فبل يعرؼ حقيقتو ‪.‬‬

‫ك و ُىم الَ يػ ْب ِ‬
‫ص ُرو َف} (>?‪ )7‬سورة األعراؼ‪:‬‬
‫قاؿ تعاىل‪َ ...{ :‬وتَػ َر ُ‬
‫اى ْم يَنظُُرو َف إِلَْي َ َ ْ ُ‬
‫حقيقتك‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫َسو ِ‬
‫الر ُس ِ‬
‫{وقَالُوا َم ِ‬
‫ك‬
‫اؿ َى َذا َّ‬
‫اؽ لَ ْوَال أُن ِز َؿ إِلَْي ِو َملَ ٌ‬
‫وؿ يَأْ ُك ُل الطََّع َ‬
‫َ‬
‫اـ َويَ ْمشي في ْاأل ْ َ‬
‫فَػيَ ُكو َف َم َعوُ نَ ِذ ًيرا}(=) سورة الفرقاف‪ :‬يتخيل ٗتيبلت‪ ،‬نظرىم للدنيا‪ ،‬وظنوا أف ا‪١‬تاؿ‬
‫واألمبلؾ خَت لئلنساف ودليل عظمتو ورضى اهلل عليو‪.‬‬

‫ولذلك‪ ،‬فبل عجب إذا لبث سيدنا نوح ‪ُ ‬ب قومو ألف سنة إال ‪ٜ‬تسُت عاماً‬
‫يدعوىم إىل اهلل‪ ،‬ومل يؤمن معو إال قليل‪.‬‬
‫ولو بقي فيهم إىل يوـ يبعثوف‪ ،‬ما كانوا ليؤمنوا‪ ،‬إال إذا سلكوا القوانُت اليت ر‪ٝ‬تها تعاىل ‪٢‬تداية‬
‫سعدوا ويُسعِدوا البشرية‪.‬‬
‫الناس‪ ،‬عندىا يفتّح اهلل بصائرىم بالتقوى‪ ،‬فيستنَتوا ويَ َ‬
‫قاؿ رسوؿ اهلل ‪ ‬على لساف اهلل عز وجل ‪{ :‬أَفَػغَْيػ َر الل ِّو أَبْػتَ ِغي َح َك ًما َو ُى َو الَّ ِذي‬
‫ِ‬
‫ْكتَاب م َف َّ َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ك‬
‫اب يَػ ْعلَ ُمو َف أَنَّوُ ُمنَػ َّز ٌؿ ّْمن َّربّْ َ‬
‫ين آتَػ ْيػنَ ُ‬
‫اى ُم الْكتَ َ‬
‫أَنَػ َز َؿ إِلَْي ُك ُم ال َ ُ‬
‫صبلً َوالذ َ‬
‫ِ‬
‫ك ِ‬
‫ص ْدقًا و َع ْدالً الَّ ُمبَد ِ‬
‫ّْؿ لِ َك ِل َماتِِو‬
‫ين‪َ ،‬وتَ َّم ْ‬
‫ت َربّْ َ‬
‫ت َك ِل َم ُ‬
‫بِال َ‬
‫َ‬
‫ْح ّْق فَبلَ تَ ُكونَ َّن م َن ال ُْم ْمتَ ِر َ‬
‫ِ‬
‫و ُىو َّ ِ‬
‫يم} (‪ 77:‬ػ;‪ )77‬سورة األنعاـ‪.‬‬
‫السم ُ‬
‫َ َ‬
‫يع ال َْعل ُ‬
‫تلك سنن وقوانُت‪ ،‬إذ ال ٯتكن لنفس أف تؤمن إال بسلوكها التفكَت الذاٌب ا‪١‬تقروف بنيَّة‬
‫البحث عن ا‪ٟ‬تقيقة واكتشاؼ وجود اإللۤو ا‪١‬تسَت ا‪١‬تريب ا‪٠‬تالق من ثنايا صنعو تعاىل‪ ،‬فإف مل‬
‫يؤمنوا باهلل ويعملوا صا‪ٟ‬تاً‪ ،‬فلن يؤتوا الكتاب‪ ،‬الذي ىو صبغة اهلل اليت تصبغ األنفس با‪ٟ‬تق‬
‫والكماؿ‪ ،‬ولن يكوف القرآف‪ ،‬أو أي كتاب أُنزؿ على رسلو آيات بينات ُب صدورىم‪ ،‬بل‬

‫يظل عليهم عمى‪ ،‬وتظل أعما‪٢‬تم السيئة حائبلً دوف فقهو‪ ،‬ولن تنفعهم لغتهم كذلك‪ ،‬وال‬
‫قرُّم الزماين من عصر الرسوؿ ‪ ،‬ألف ىذا القرآف كتاب مكنوف ُب قلب الرسوؿ ‪ ،‬وال‬

‫ٯتس معانيو الرفيعة إال ا‪١‬تطهروف(‪ ،)1‬ا‪١‬تطهرة قلوُّم عن أدراف الدنيا الدنيّة ومعاصيها ا‪١‬تهلكة‪.‬‬

‫لقد لبث سيدنا نوح ‪ُ ‬ب قومو ذلك الدىر الطويل‪ ،‬ولكن وبالرغم من طوؿ ىذه‬
‫الفًتة اليت قضاىا بينهم‪ ،‬مل يؤمن معو من قومو إالَّ القليل‪ ،‬فأنذرىم إف ظلوا معرضُت من‬
‫ادلْتَػنَا‬
‫وح قَ ْد َج َ‬
‫من قومو‪{ :‬قَالُواْ يَا نُ ُ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ين} (‪ )98‬سورة ىود‪:‬إف كنت‬
‫الصادق َ‬

‫عذاب أليم سيحل ُّم‪ ،‬فأجابو الذين كفروا‬
‫نت ِم َن‬
‫فَأَ ْكثَػ ْر َ‬
‫ت ِج َدالَنَا فَأْتَنِا بِ َما تَ ِع ُدنَا إِف ُك َ‬
‫صادقاً فلينزؿ الببلء علينا‪ ،‬ال نريد ترؾ ما ‪٨‬تن فيو‪.‬‬

‫لقد تأمل عليهم‪ ،‬وتأ‪١‬توا منو‪ ،‬وناح عليهم وسخروا منو‪ ،‬وأنذرىم با‪٢‬تبلؾ فاستهزأوا‬
‫وب فَانتَ ِ‬
‫ص ْر}‬
‫بو‪ ،‬وبُت ‪٢‬تم سخف معتقدىم فمكروا بو‪ .‬عندئذ دعا ربو‪...{ :‬أَنّْي َمغْلُ ٌ‬
‫رب أيدين ْتجج أُخرى مقنعة علّهم يغَتوا ما بأنفسهم فيهتدي‬
‫(‪ )76‬سورة القمر‪ ،‬أي‪ٍّ :‬‬

‫فبُت لو تعاىل أنو ال فائدة تُرجى منهم‪ ،‬وأف كؤوس نفوسهم قد أترعت‬
‫ُّا قومي‪ّ ،‬‬
‫بالفساد‪ ،‬ولن يطلبوا ا‪٢‬تدى ولن يؤمنوا‪ ،‬فبل فائدة ترجى منهم‪ ،‬وكانوا قوماً بوراً‪ ،‬وأوحى‬
‫إليو أف يصنع الفلك بوحي منو‪ ،‬ألف القوـ قد استحقوا ا‪٢‬تبلؾ‪ ،‬ومل يبق أي أمل يرٕتى من‬
‫إٯتاهنم‪ ،‬وقد أصبحوا وال خَت فيهم‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َنص ًارا} (;‪)8‬‬
‫{م َّما َخطيئَات ِه ْم أُ ْغ ِرقُوا فَأُ ْدخلُوا نَ ًارا فَػلَ ْم يَج ُدوا لَ ُهم ّْمن ُدوف اللَّو أ َ‬
‫سورة نوح‪.‬‬
‫وقبل أف ‪٩‬تتم الكبلـ عن قوـ سيدنا نوح ‪ ‬نريد أف نلفت النظر إىل ناحية ىامة‪،‬‬

‫وىي أهنم قالوا أف سيدنا نوحاً ‪ ‬دعا على قومو با‪٢‬تبلؾ(‪ ،)1‬بسبب سخريتهم منو وأهنا‬

‫ب َال‬
‫خطيئة‪ ،‬وا‪ٟ‬تقيقة ىي أف سيدنا نوحاً ‪ ،‬مل يدع على قومو بقولو‪َ { :‬وقَ َ‬
‫وح َّر ّْ‬
‫اؿ نُ ٌ‬

‫ػاب َّمكْنُػ ٍ‬
‫(‪)7‬‬
‫يم‪،‬فِػػي كِتَػ ٍ‬
‫ػوف‪َّ،‬ال يَ َم ُّسػػوُ إَِّال ال ُْمط ََّهػ ُػرو َف} (==ػ ػ?=) سػػورة الواقعػػة إف ىػػذا الكتػػاب مكنػػوف‪ ،‬أي‪٥ :‬تبػػأة معانيػػو ُب‬
‫قػػاؿ تعػػاىل‪{ :‬إِنَّػػوُ لَُقػ ْػرآ ٌف َك ِر ٌ‬
‫قلػب الرسػػوؿ األعظػم ‪ ،‬وال يسػػتطيع اإلنسػاف أف ٯتػػس معانيػو إال إذاكػػاف مػن أىػػل الطهػارة النفسػػية‪ ،‬ولػن ٯتػػس معانيػو إال مػػن ٖتصػل لػػو الشػػفاعة‬
‫والصحبة القلبية ا‪ٟ‬تبيّة برسوؿ اهلل ‪.‬‬
‫‪٤‬تمد أمُت شيخو قدَّس اهلل سره‪.‬‬
‫(‪ )7‬انظر كتاب (عصمة األنبياء) للعبلَّمة َّ‬

‫تَ َذر علَى ْاألَر ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين َديَّ ًارا} (<‪ )8‬سورة نوح‪ ،.‬إال من بعد أف أوحى إليو ربو‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫ض م َن الْ َكاف ِر َ‬
‫بأنو لن يؤمن معو إال من قد آمن‪ .‬فمن حنانو ‪١ ‬تا أخربه تعاىل أهنم ال ٯتكن أف يؤمنوا‪،‬‬
‫طلب ‪٢‬تم ا‪٢‬تبلؾ‪ ،‬كرجل لو قريب عزيز مريض يتأمل ال ٯتكن شفاؤه يتطلب لو ا‪١‬توت كي‬

‫ٮتلص من آالمو‪ ،‬وكذلك سيدنا نوح ‪ ‬طلب ‪٢‬تم ا‪٢‬تبلؾ بعد وحي اهلل لو أهنم لن يؤمنوا‬
‫ليقل شقاؤىم‪ ،‬حيث أهنم لن يزدادوا إال ضبلالً وكفراً وعناداً‪ ،‬فا‪١‬توت إيقاؼ لشرورىم‬
‫َّ‬

‫اليت تكويهم بنارىا ُب اآلخرة‪.‬‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬وأ ِ‬
‫ك إِالَّ‬
‫ُوح َي إِلَى نُ ٍ‬
‫وح‪١ :}...‬تا طلبوا ا‪٢‬تبلؾ‪...{ :‬أَنَّوُ لَن يػُ ْؤِم َن ِمن قَػ ْوِم َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫س بِ َما َكانُواْ يَػ ْف َعلُو َف}‪ :‬ال ٖتزف وال تتأمل‬
‫َمن قَ ْد َ‬
‫آم َن‪ :}...‬ال جدوى ‪٢‬تم‪ ...{ :‬فَبلَ تَػ ْبتَئ ْ‬
‫ْك بِأَ ْعيُنِنَا‪ }...‬نراؾ ونلهمك‪َ ...{ .‬وَو ْحيِنَا‪:}...‬داللتنا‪:‬‬
‫اصنَ ِع الْ ُفل َ‬
‫من عدـ اىتدائهم‪َ { :‬و ْ‬
‫ِ ِ ِ َّ ِ‬
‫ين ظَلَ ُمواْ‪:}...‬ال تتوسط ُب دفع الببلء عنهم وال تًتجى فيهم‬
‫{‪َ ...‬والَ تُ َخاط ْبني في الذ َ‬
‫ٍ‬
‫حق عليهم‬
‫‪ .‬بعد أف دعاىم ألف سنة إالَّ ‪ٜ‬تسُت عاماً ‪١ ,‬تا امتنعوا عن اإلٯتاف والطاعة‪ّ ،‬‬
‫ا‪٢‬تبلؾ‪ ،‬لكن سيدنا نوحاً ‪ ‬رغم معارضاهتم لو‪ ،‬كاف يتمٌت ىدايتهم‪...{ :‬إِنػَّ ُهم‬
‫ُّمغْ َرقُو َف}(<‪ 9‬ػ=‪ )9‬سورة ىود‪ :‬ال َّ‬
‫بد منها‪.‬‬

‫***‬

‫لـــىو عـــاد‬
‫ِ‬
‫لقد أرسل اهلل إىل عاد أخاىم ىوداً ‪ ...{:‬يَا قَػ ْوـ ا ْعبُ ُدواْ اللّوَ َما لَ ُكم ّْم ْن إِلَ ٍو غَْيػ ُرهُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ي إِالَّ َعلَى الَّ ِذي فَطََرنِي أَفَبلَ‬
‫َج ًرا إِ ْف أ ْ‬
‫َسأَلُ ُك ْم َعلَْيو أ ْ‬
‫إِ ْف أَنتُ ْم إِالَّ ُم ْفتَػ ُرو َف‪،‬يَا قَػ ْوـ ال أ ْ‬
‫َج ِر َ‬
‫تَػ ْع ِقلُو َف}(‪ ;6‬ػ‪ );7‬سورة ىود‪.‬‬
‫قاؿ ‪٢‬تم ‪ ...{ :‬ا ْعبُ ُدواْ اللّوَ‪ : }...‬أطيعوا أوامره وا‪ٝ‬تعوا كبلمو‪،‬ال كبلـ عبد‬
‫ومسَت سواه‪ ،‬من الذي ينزؿ األمطار‪،‬‬
‫مثلكم‪َ ...{:‬ما لَ ُكم ّْم ْن إِلَ ٍو غَ ْيػ ُرهُ‪ :}...‬ما من رزاؽ ٍّ‬
‫من يسوؽ الشمس والقمر؟‪ .‬الليل‪ ،‬النهار‪ ،‬الفصوؿ‪ ،‬من يدير الكرة األرضية؟‪...{ .‬إِ ْف‬
‫أَنتُ ْم إِالَّ ُم ْفتَػ ُرو َف}‪ :‬على اهلل بادعائكم ُّذه اآل‪٢‬تة‪ ،‬بعبادتكم األصناـ‪{ ،‬يَا قَػ ْوِـ ال‬
‫ِ‬
‫ي إِالَّ َعلَى الَّ ِذي فَطََرنِي‪:}...‬أظهرين‪...{:‬أَفَبلَ تَػ ْع ِقلُو َف}‪:‬‬
‫َج ًرا إِ ْف أ ْ‬
‫َسأَلُ ُك ْم َعلَْيو أ ْ‬
‫أْ‬
‫َج ِر َ‬
‫أفبل تفكروف ولو قليبلً؟!‪ .‬العاقل يفكر بأي كلمة يسمعها‪ ،‬إف كانت صحيحة اتَّبعها وإال‬
‫ردىا‪ ،‬أليس األجدر باإلنساف أف يعقل بذاتو؟‪ .‬يتوصل للوجود اإل ۤ‪٢‬تي ويلمس ا‪ٟ‬تقيقة من‬
‫َّ‬
‫آالئو الكونية!‪ .‬من يطعمو ومن يسقيو؟‪ .‬ومن إذا مرض يشفيو؟‪.‬‬

‫نوح‪ ،‬ومثل ما قالو الرسل‬
‫لقد قاؿ ‪٢‬تم رسو‪٢‬تم سيدنا ىود ‪ ،‬مثل ما قالو سيدنا ٌ‬
‫صلوات اهلل عليهم أ‪ٚ‬تعُت‪ ،‬من قبل‪ ،‬ومن بعد‪...{:‬ا ْعبُ ُدواْ الل َّو َما لَ ُكم ّْم ْن إِلَ ٍو غَْيػ ُرهُ‬
‫ا‪١‬تسَت ‪٢‬تذا الكوف‪ ،‬ىو اهلل سبحانو وتعاىل‪ ،‬وأنو‬
‫‪ :}...‬لقد بُت ‪٢‬تم ىذا الرسوؿ الكرًن‪،‬أف ٍّ‬

‫ما من شيء إال ويؤوؿ إليو‪ ،‬وال يتحرؾ متحرؾ إال من بعد إذنو‪ ،‬فهو وحده ا‪ٟ‬تي القيوـ‪،‬‬
‫ذرة من ذرات ىذا الوجود‪ .‬وىو‬
‫ألنو ىو وحده ا‪٠‬تالق‪ ،‬مصدر ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬ومصدر القياـ لكل َّ‬
‫الذي ٯتد وال يستمد‪ ،‬ألنو فرد صمد‪.‬‬

‫كذلك فإف ٯتسسكم اهلل بضر فبل كاشف لو إال ىو‪ ،‬وإف يردكم ٓتَت فبل ر َّاد لفضلو‪،‬‬
‫صورًب شكلها‬
‫ولكن ٔتقدار ما تستحقونو‪ .‬يا قوـ إف ىذه اآل‪٢‬تة اليت تعبدوهنا‪ ،‬أنتم الذين َّ‬
‫بأيديكم‪ ،‬أفتعبدوف ما تنحتوف؟!‪ .‬تباً لكم (أي ا‪٢‬تبلؾ عليكم) أفبل تعقلوف‪ .‬أما تروف أهنا‬
‫ال تستطيع دفع الضر عنكم‪ ،‬وال عن كياهنا‪ ،‬ما لكم كيف ٖتكموف؟!‪.‬‬

‫يا قوـ ِملَ تعرضوف عن مبدع السموات واألرض؟‪ .‬وتعبدوف ما ال يضركم وال ينفعكم‪ .‬إف‬
‫ىذا إال إفك افًتيتموه أنتم وآباؤكم‪ ،‬ما أنزؿ اهلل بو من سلطاف‪ ،‬وما كاف جواُّم إال أف‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اع ِظ ِ‬
‫ين‪َ ،‬وَما‬
‫{قَالُوا َس َواء َعلَيْػنَا أ ََو َعظ َ‬
‫ين‪،‬إ ْف َى َذا إ َّال ُخلُ ُق ْاأل ََّول َ‬
‫ْت أ َْـ لَ ْم تَ ُكن ّْم َن ال َْو َ‬
‫ِ ِ‬
‫ين} (<‪ 79‬ػ>‪ )79‬سورة الشعراء‪ .‬وقاؿ ‪٢‬تم يا قوـ ال تغرنكم ا‪ٟ‬تياة الدنيا‪،‬‬
‫نَ ْح ُن ب ُم َع َّذب َ‬
‫تتبجحوف ُّا‪ ،‬وقولكم‪َ ...{:‬م ْن أَ َش ُّد ِمنَّا قُػ َّوةً ‪)7;( }...‬‬
‫وتغرنكم أموالكم وقوتكم اليت َّ‬

‫سورة فصلت‪:‬أفبل تروف أف الذي خلقكم ىو أشد منكم قوة‪ .‬وإذاً فلم االستكبار بغَت ا‪ٟ‬تق؟‪.‬‬
‫ومل ا‪ٞ‬تحود وأنتم تشهدوف؟‪ .‬لقد صدَّىم عن اهلل الًتؼ ا‪١‬تادي‪ ،‬والغٌت الفاحش الذي حصلوا‬
‫عليو من التجارة العا‪١‬تية‪ ،‬فمنطقتهم ا‪١‬تمتدة من غرب الفرات إىل سواحل ا‪١‬تتوسط‪ ،‬كانت‬
‫مركزاً لتبلقي التجارة العا‪١‬تية(‪ ،)3‬وُّذا الغٌت أشادوا عاصمتهم‪{ :‬إِرـ ذَ ِ‬
‫ات ال ِْع َم ِاد‪،‬الَّتِي لَ ْم‬
‫ََ‬
‫يُ ْخلَ ْق ِمثْػلُ َها فِي الْبِ َبل ِد} (=ػ>) سورة الفجر‬
‫وقد وصف لنا تعاىل أعما‪٢‬تم العمرانية اليت تنم عن غناىم الفاحش‪ ،‬فقاؿ تعاىل ُب سورة‬
‫الشعراء‪{ :‬أَتَػْبػنُو َف بِ ُك ٍّل ِري ٍع آيًَة‪ :}...‬بكل ريع‪ :‬روعة واتقاف‪ ،‬وتبنوف قصوراً‪ ،‬مقاىي (بناء‬
‫ا‪١‬تقاىي وا‪١‬تبلىي ُب األماكن ا‪١‬تختارة) (‪ ،)2‬مقاصف‪ ،‬منتزىات رائعة ىي آية ُب ا‪ٞ‬تماؿ‪،‬‬
‫وتتخذوهنا للهو والًتؼ‪ ..{ :‬تَػ ْعبَثُو َف‪ )78>(}...‬سورة الشعراء‪ :‬تضيعوف فيو الوقت‪ ،‬أىذا‬
‫ِ‬
‫صانِ َع‪:}...‬مصانع‪ :‬ا‪١‬تعامل ا‪١‬تخازف‪،‬وما فيها من حرير وألعاب‪،‬‬
‫يؤىلكم للجنّة؟!‪َ { .‬وتَػتَّخ ُذو َف َم َ‬
‫أماكن التخزين والبيع تزينوهنا‪ ..{:‬لَ َعلَّ ُك ْم تَ ْخلُ ُدو َف}(?‪ )78‬سورة الشعراء‪:‬ظانُت أنكم‬
‫ستخلدوف‪ ،‬ناسُت ا‪١‬توت‪ ( ،‬كل ذلك زينة ُب ا‪ٟ‬تياة تؤذي ا‪١‬تتوسطُت والفقراء من الناس‪،‬‬
‫وٕتعلهم ٯتيلوف إىل الدنيا‪ ،‬وإىل ا‪٠‬تسة والبخل والشح‪ ،‬ونكراف فعل ا‪٠‬تَت وا‪١‬تعروؼ)‪َ { :‬وإِذَا‬

‫ين} (‪ )796‬سورة الشعراء‪:‬بعضكم مع بعض‪ ،‬وإذا التحمتم ُب أمر كدًب‬
‫بَطَ ْشتُم بَطَ ْشتُ ْم َجبَّا ِر َ‬
‫أف يذىب بعضكم بنفس اآلخرين منكم بوحشية‪ ،‬لفقداف الر‪ٛ‬تة من قلوبكم‪{ :‬فَاتَّػ ُقوا اللَّ َو‬

‫(‪ )8‬وكذلك تشَت كلمة (ريع)‪ :‬إىل ا‪١‬تبالغ الضخمة والفاحشة اليت تصرؼ على ىذه ا‪١‬تقاصف وا‪١‬تبلىي وا‪١‬تزارع‪.‬‬

‫ِ‬
‫َطيع ِ‬
‫وف} (‪ )797‬سورة الشعراء‪ :‬انظروا ‪١‬تا ٕتره عليكم ىذه األبنية‪ ،‬وىذه القصور‪ ،‬وىذا‬
‫َوأ ُ‬
‫الًتؼ‪ ،‬من فساد لقلوب الناس‪ ،‬ونكد لعيشهم‪ ،‬وتنافس بالدنيا‪َ { :‬واتَّػ ُقوا الَّ ِذي أ ََم َّد ُكم‪:}...‬‬
‫أقبلوا عليو‪ ،‬وفكروا ٔتا أنعم عليكم‪ ...{ :‬بِ َما تَػ ْعلَ ُمو َف}‪ :‬من ا‪٠‬تَتات‪{ :‬أ ََم َّدُكم‬
‫َّات‪ :}...‬ساتُت‪...{:‬وعُي ٍ‬
‫بِأَنْػع ٍاـ‪:}...‬غنم‪...{ :‬وبنِين}‪ :‬وأوالد‪{ :‬وجن ٍ‬
‫وف }(‪ 796‬ػ‪)79:‬‬
‫َ‬
‫َ ُ‬
‫ََ‬
‫ََ َ‬
‫سورة الشعراء‪:‬نعم وعطاء عظيم‪.‬‬
‫إذف حينما يبعث اهلل رسوالً فإنو ٮتلقو ُب منطقة متوسطة من العامل‪ ،‬ال ُب منطقة تكاد‬
‫تكوف منعزلة عن العامل‪ ،‬إال من بعض التجار القادمُت من ا‪٢‬تند أو من الشرؽ األقصى‪ .‬قاؿ‬
‫وال ‪ );?( }...‬سورة‬
‫ث ِفي أ ُّْم َها َر ُس ً‬
‫ك الْ ُق َرى َحتَّى يَػْبػ َع َ‬
‫ك ُم ْهِل َ‬
‫تعاىل‪َ { :‬وَما َكا َف َربُّ َ‬
‫القصص‪.‬‬
‫أما قوـ ‪ٙ‬تود فتكاد آراء ا‪١‬تؤرخُت ٕتمع بأف موطنهم يقع ُب منطقة وادي القرى ُب‬
‫طريق ا‪ٟ‬تج الشامي إىل مكة ا‪١‬تكرمة‪.‬‬
‫وقد جاء ذكر ‪ٙ‬تود ُب ‪ٚ‬تلة الببلد اليت غلبها ا‪١‬تلك اآلشوري (سرجوف) عاـ‪/=7;/‬ؽ‬

‫ـ‪ُ ،‬ب ببلد ا‪ٟ‬تجاز‪ .‬ويؤخذ من سياؽ الوصف أهنا كانت ّتوار مكة ‪٦‬تا يلي الشماؿ‪،‬‬
‫كذلك ورد ذكرىا ُب كتب اليوناف‪ ،‬وقد عينوا موقعها ُب منطقة ا‪ٟ‬تجر‪ ،‬وىم يسموهنا ‪ٙ‬تود‬
‫يٍت ( ‪ ،) Thamudeni‬وا‪ٟ‬تجر يسموهنا (‪ ،)Agra‬وإذا كانت ‪ٙ‬تود تسكن ىذه‬
‫ا‪١‬تنطقة فبل بد أف تكوف عاد تسكن ُب منطقة سورية ا‪ٟ‬تالية‪.‬‬
‫لقد استفاد قوـ عاد‪ ،‬ومن بعدىم قوـ ‪ٙ‬تود‪ ،‬من ا‪١‬توقع ا‪ٞ‬تغراُب ا‪١‬تمتاز الذي يقطنونو‪،‬‬
‫ألهنم كانوا يقطنوف ُب منطقة تبلقي التجارة العا‪١‬تية القادمة من الشرؽ‪ ،‬والذاىبة إىل الغرب‪،‬‬
‫وىذه ا‪١‬تنطقة كانت يوـ ذاؾ ولزمن ليس بالبعيد‪ ،‬ملتقى لثبلث طرؽ عا‪١‬تية‪.‬‬
‫األوؿ ‪ :‬الطريق التجاري القادـ من اليمن فا‪ٟ‬تجاز‪ ،‬ومن ٍب إىل ببلد الشاـ وإفريقيا عرب‬

‫سيناء‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬طريق ا‪٠‬تليج العريب‪ ،‬ومنو عرب الصحراء إىل ببلد الشاـ وإفريقيا‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬طريق ببلد فارس فببلد الرافدين‪ ،‬فسوريا‪ ،‬فغرب البحر ا‪١‬تتوسط‪ ،‬وْتكم ىذا‬
‫ا‪١‬توقع االسًتاتيجي استفادت تلك األقواـ من التجارة‪ ،‬وذلك ٔتا كانوا يقدمونو من وسائط‬
‫لنقل البضائع‪ ،‬ومن خدمات أمنية ‪ٟ‬تفظها من اللصوص‪ ،‬إىل جانب ا‪٠‬تدمات األخرى‬
‫من مأكل ومشرب‪ ،‬وعلف للدواب‪ ،‬وخانات السًتاحة التجار‪ ،‬و‪٥‬تازف ‪ٟ‬تفظ البضائع‪،‬‬
‫وال يستبعد أف أصبحوا فيما بعد من التجار العا‪١‬تيُت‪.‬‬
‫ومن تلك اآليات نستنتج أيضاً أف قوـ عاد‪ ،‬ومن بعدىم قوـ ‪ٙ‬تود‪ ،‬كانت ‪٢‬تم حضارة‬
‫متقدمة‪ ،‬ليس من الناحية العمرانية فحسب‪ ،‬بل ومن الناحية الثقافية أيضاً‪ ،‬فقد وصفهم‬
‫ساكِنِ ِه ْم َوَزيَّ َن‬
‫ادا َوثَ ُم َ‬
‫تعاىل بأهنم كانوا قوماً مستبصرين‪َ { :‬و َع ً‬
‫ود َوقَد تَّػبَػيَّ َن لَ ُكم ّْمن َّم َ‬
‫ِ‬
‫لَ ُه ُم َّ‬
‫السبِ ِ‬
‫ين} (>‪ )9‬سورة‬
‫ص َّد ُى ْم َع ِن َّ‬
‫الش ْيطَا ُف أَ ْع َمالَ ُه ْم فَ َ‬
‫يل َوَكانُوا ُم ْستَْبص ِر َ‬
‫العنكبوت‪:‬تفننوا بالعلم الدنيوي‪.‬‬
‫وليس ٔتستغرب من أف تكوف تلك األقواـ متنورة بأنواع الثقافات العلمية واألدبية‪ ،‬ألف‬
‫البناء الرائع‪ ،‬وا‪١‬تصانع ا‪١‬تشيّدة ال بد ‪٢‬تا من مهندسُت أكفَّاء‪ ،‬وىذا ال يكوف إال بعلم راؽ‬
‫ُب الرياضيات‪ ،‬وبالتايل ُب ‪ٚ‬تيع أنواع الثقافة‪ ،‬ساعدىم ُب ذلك موقعهم ا‪ٞ‬تغراُب ا‪١‬تمتاز‪،‬‬
‫وقد قيل ( حيثما تتبلقى التجارة تتبلقح العقوؿ)‪.‬‬
‫لقد بُت ‪٢‬تم رسو‪٢‬تم أف اعبدوا اهلل وأطيعوه‪ ،‬يرسل السماء عليكم مدراراً‪ ،‬ويزدكم قوة‬
‫إىل قوتكم‪ .‬وقوؿ سيدنا ىود ‪ ‬ىو قوؿ عامل بالسنن اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬ألف اهلل عندما يرسل رسوالً‬
‫إىل قوـ من األقواـ‪ ،‬وال يستمعوف لو‪ ،‬يأخذىم بالبأساء والضراء‪ ،‬ويذيقهم من العذاب‬
‫ك}‪ :‬رسبلً‪،‬‬
‫األدىن دوف العذاب األكرب‪ ،‬لعلهم يتضرعوف‪َ { .‬ولََق ْد أ َْر َسلنَآ إِلَى أ َُم ٍم ّْمن قَػ ْبلِ َ‬

‫اى ْم‬
‫كما أرسلناؾ‪ ،‬فعارضوا رسلهم‪ .‬فأرسل اهلل ‪٢‬تم الشدائد والفقر وا‪١‬ترض‪...{ :‬فَأ َ‬
‫َخ ْذنَ ُ‬
‫ض َّرعُو َف} (‪ ):8‬سورة‬
‫ْساء َوالض َّ‬
‫َّراء‪١ :}...‬تاذا ىذه الشدائد؟‪...{ .‬لَ َعلَّ ُه ْم يَػتَ َ‬
‫بِالْبَأ َ‬
‫األنعاـ‪ :‬حىت يتضرعوا وتطهر نفوسهم‪( .‬ىذه الشدائد حىت تتضرع وتشفى نفسك‪.‬‬
‫ب إىل اهلل‪ ،‬التجئ‪ .‬إف التجأت وأقبلت‪،‬‬
‫إذف الببلء ال بد لو من سبب ُب نفسك‪ .‬تُ ْ‬
‫تطهر نفسك من "ا‪١‬تكروب" الذي سبَّب ىذا الفقر وا‪١‬ترض والشدائد‪ ،‬عندىا يعطيك‬

‫ْساء‬
‫اهلل ا‪٠‬تَت‪ ،‬ويرفع عنك الببلء)‪َ { .‬وَما أ َْر َسلْنَا ِفي قَػ ْريٍَة ّْمن نَّبِ ٍّي إِالَّ أ َ‬
‫َخ ْذنَا أ َْىلَ َها بِالْبَأ َ‬
‫َّراء}‪١ :‬تا جاء الرسل و َّ‬
‫كذُّم الناس‪ ،‬شدَّد اهلل على الناس‪ ،‬ىكذا تقتضي الر‪ٛ‬تة‬
‫َوالض َّ‬
‫َّ‬
‫وا‪ٟ‬تناف‪ .‬وما أرسل اهلل تعاىل ُب بلدة من بلداف العامل داللة ليؤمنوا ببل إلۤو إالَّ اهلل‪ ،‬ومل‬
‫يؤمنوا‪ ،‬إال أخذ أىلها بالبأساء‪ .‬فاهلل تعاىل ال يهلك أمةً‪ ،‬حىت يرسل ‪٢‬تا الرسل‪ ،‬إف مل‬
‫يرجعوا‪ ،‬أخذىم بالشدائد‪" .‬بالبأساء"‪ :‬عذاب النفس‪" .‬الضراء"‪ :‬عذاب ا‪ٞ‬تسم‪:‬‬
‫َّرعُو َف}(‪ )?:‬سورة األعراؼ‪ :‬يدؿ ىذا التعذيب والتشديد على أف ىنالك‬
‫{‪...‬لَ َعلَّ ُه ْم يَض َّ‬
‫قابلية للرجوع‪ ،‬كل ذلك لكي يضَّرعوا‪ ،‬فتشفى نفوسهم ‪٦‬تا كمن فيها‪ .‬فانظر إىل كبلـ اهلل‬
‫تعاىل وانظر إىل قوؿ كثَت من ا‪١‬تفسرين‪ ،‬أف اهلل خلق أناساً للجنة‪ ،‬وآخرين للنار‪ ،‬فإف ىذا‬
‫القوؿ يناقض العدؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪.‬‬
‫فاهلل تعاىل يقوؿ‪ :‬عندما يعاند الناس رسو‪٢‬تم‪ ،‬فإنو تعاىل يضيٍّق عليهم‪ ،‬علَّهم‬

‫يضَّرعوف‪ .‬بتضرعهم إىل اهلل‪ ،‬يزوؿ ا‪٠‬تبث من أنفسهم‪ ،‬وتطهر أنفسهم‪ .‬دعوة اهلل تعاىل‬
‫عامة لسائر ا‪٠‬تلق‪{ :‬ثُ َّم‪ :}...‬عندما أصروا فما رجعوا‪ ،‬بل ثابروا على ضبل‪٢‬تم‪...{ :‬بَ َّدلْنَا‬
‫م َكا َف َّ ِ‬
‫‪:‬فلما استحكم ا‪ٞ‬ترثوـ ُب أنفسهم‪ .‬ومل يعد ‪ٙ‬تَّة رجاء بالشفاء‪:‬‬
‫ْح َسنَةَ‪َّ }..‬‬
‫السيّْئَة ال َ‬
‫َ‬
‫أعطاىم كافة رغائبهم‪ .‬أعطيناىم الدنيا لعلهم يشكروف‪ .‬وكاف باإلمكاف البدء ‪٢‬تؤالء‬
‫قل من يشكر‪ ،‬لذا يبدؤىم بالشدائد‪ :‬إف مل يرجعوا ىلكوا‪:‬‬
‫باإلنعاـ بالدنيا‪،‬لكن َّ‬
‫{‪َ ...‬حتَّى َع َفواْ‪ :}..‬مل يتذكر ىؤالء نعم اهلل‪ ،‬وأصبحوا أغنياء وكثرت أموا‪٢‬تم‪ ،‬فما رجعوا‬

‫َّراء‬
‫س آبَاءنَا الض َّ‬
‫وما عادوا دعوا اهلل‪ ،‬نسوا كل شيء‪َّ ...{:‬وقَالُواْ قَ ْد َم َّ‬
‫الس َّراء‪:}..‬أصابت آباءنا ظروؼ شدَّة وظروؼ سعة‪ :‬ما نسبوا األشياء لعملهم وفعلهم‪،‬‬
‫َو َّ‬

‫اىم بَػغْتَةً َو ُى ْم الَ يَ ْشعُ ُرو َف} (;?) سورة‬
‫بل قالوا ىذه عادة الزماف‪ ...{ :‬فَأ َ‬
‫َخ ْذنَ ُ‬
‫األعراؼ‪ :‬من دوف أف يشعروا وعلى حُت غفلة‪ ،‬أتاىم الببلء بغتةً‪ .‬فلو كانت مقطوعة‬

‫فلم الرسل وملَ الشدائد؟!‪ .‬قو‪٢‬تم خطأ كلو‪ :‬ىناؾ طريق للرجوع‪،‬‬
‫فيها أزلياً كما يقولوف‪َ ،‬‬
‫وإمكاف للتوبة واإلنابة‪ .‬أرسل اهلل الرسل‪ ،‬أىل اإلرشاد‪ ،‬أعطاؾ الفكر‪ ،‬جعل الكوف كلو‬
‫أمامك َّ‬
‫لتتذكر‪ ،‬فإف استدللت بتفكَتؾ‪ ،‬أعطاؾ كل خَت ومل يشدٍّد عليك‪.‬‬

‫وفعبلً إف اهلل أخذىم بالعذاب األدىن‪ ،‬فقد حبس عنهم األمطار‪ ،‬وتضررت بساتينهم‬
‫وضرب اقتصادىم وبنيتهم التحتية‪ ،‬وقد بُت ‪٢‬تم سيدنا ىود ‪ ‬األسباب فقاؿ‪:‬‬
‫ومواشيهم‪ُ ،‬‬
‫ِ‬
‫با‪١‬تريب‪ ،‬كل شيء إف ف ّكرت بو استدللت‪ ،‬من ربّاؾ ُب‬
‫اسَتػغْ ِف ُرواْ َربَّ ُك ْم‪:}...‬آمنوا ٍّ‬
‫{ َويَا قَػ ْوـ ْ‬
‫بطن أمك ‪١‬تا كنت نطفة؟!‪.‬‬
‫ّ‬
‫ا‪١‬تريب‪ .‬إف مل تستغفر فتطلب الشفاء من ىذه الشهوات فإهنا تظل‬
‫على‬
‫يدؿ‬
‫شيء‬
‫كل‬
‫ّ‬
‫متعلّقة بقلبك‪ .‬الزنا‪ ،‬السرقة‪ ،‬القتل‪ ،‬كلها جرائم تقع ُب النفس‪ ،‬إف استغفرت وتبت وعملت‬
‫فشفيت نفسك‪ ،‬عندىا تصاحب رسوؿ اهلل ‪ٔ ،‬تعيّتو تشاىد ا‪٠‬تَت من‬
‫صا‪ٟ‬تاً‪ ،‬أقبلت‪،‬‬
‫ْ‬
‫الشر‪ ،‬وٖتمد اهلل أف ‪٧‬تّاؾ من ا‪١‬تعاصي‪١ ،‬تا تراه فيها‪ ...{ :‬ثُ َّم تُوبُواْ إِلَْي ِو‪٦ :}..‬تا أنتم عليو‪:‬‬
‫الس َماء َعلَْي ُكم ّْم ْد َر ًارا‪:}..‬و كانوا ُب شدة وضيق‪َ ...{ :‬ويَ ِز ْد ُك ْم قُػ َّوًة إِلَى‬
‫{‪ ...‬يُػ ْر ِس ِل َّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ين} (‪ );8‬سورة ىود‪:‬حارمُت أنفسكم من ا‪٠‬تَتات‪،‬‬
‫قُػ َّوت ُك ْم َوالَ تَػَتػ َول ْواْ‪:}..‬وأنتم‪ُ ...{ :‬م ْج ِرم َ‬
‫وأنتم ما فيكم خَت أبداً‪ .‬جئت للدنيا لتكوف من أىل الكماؿ وا‪١‬تعروؼ‪ .‬خلقت لئلحساف‪.‬‬

‫طَتوف برسو‪٢‬تم إف مل يستجيبوا لو‪ ،‬بسبب ما يذيقهم اهلل من أنواع‬
‫لذلك ٕتد كل قوـ يت َّ‬
‫العذاب‪ .‬لقد أخذ اهلل قوـ عاد بالعذاب األدىن دوف العذاب األكرب‪ ،‬فما استكانوا وما‬
‫رجعوا‪ ،‬بل قالوا إف قولك ىذا ال يكفي أف يكوف حجة علينا‪ ،‬لكي هنجر آ‪٢‬تتنا‪ ،‬ونعبد إ ۤ‪٢‬تاً‬
‫نعتز بدنيانا‬
‫واحداً‪ ،‬وإف قولك ىذا إف ىو إال ٗتيبلت‪ ،‬ال يتوافق وواقعنا‪ ،‬إذ كيف ال َّ‬
‫ؤتصانعنا وقصورنا اليت ىي عنواف التقدـ والرقي‪ ،‬وىي اليت ٘تيزنا عن غَتنا من الشعوب‬
‫ا‪١‬تتأخرة‪ ،‬ونلتفت للعبادة وسبل اإلٯتاف بالغيب‪ .‬وإف ىذا الذي تراه فساداً‪ ،‬فإننا نراه صبلحاً‬

‫وتقدماً(‪ ،)1‬وما نظنك إال اعًتاؾ بعض آ‪٢‬تتنا بسوء‪ ،‬بسبب إنكارؾ عبادهتم‪ ،‬فسًتت‬

‫نفسك عن ا‪ٟ‬تق‪ ،‬وجعلتك تقوؿ ما تقوؿ‪ ،‬وننصحك أف ترجع عن ىذا التخريف‪ ،‬وتعبد‬
‫ما كاف يعبد آباؤؾ‪ .‬فأجاُّم‪ ...{ :‬إِنّْي أُ ْش ِه ُد الل ِّو َوا ْش َه ُدواْ أَنّْي بَ ِريءٌ ّْم َّما تُ ْش ِرُكو َف‪ِ،‬من‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫نظر ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫وف‪،‬إِنّْي‬
‫ُدونو‪ :}...‬فأفحمهم ‪ ‬بل وٖتداىم أ‪ٚ‬تعُت‪ ...{ :‬فَكي ُدوني َجم ًيعا ثُ َّم الَ تُ ُ‬
‫صلِحو َف‪،‬أَال إِنَّػهػم ُىػم الْم ْف ِسػ ُدو َف ول ِ‬
‫ِ ِ‬
‫( ‪)7‬‬
‫يل ل َُه ْم الَ تُػ ْف ِس ُدواْ فِي األ َْر ِ‬
‫َكػن الَّ يَ ْش ُػع ُرو َف}‬
‫ض قَالُواْ إِنَّ َما نَ ْح ُن ُم ْ ُ‬
‫َ‬
‫ُْ ُ ُ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬وإذَا ق َ‬
‫(‪ 77‬ػ‪ )78‬سورة البقرة‪.‬‬

‫ِ‬
‫صر ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِِ ِ‬
‫ٍِ‬
‫اط‬
‫تَػ َوَّكل ُ‬
‫ْت َعلَى اللّو َربّْي َوَربّْ ُكم َّما من َدآبَّة إالَّ ُى َو آخ ٌذ بنَاصيَت َها إ َّف َربّْي َعلَى َ‬
‫ُّم ْستَ ِق ٍيم} (‪ ;:‬ػ<;) سورة ىود‪ :‬دبٍّروا ما شئتم‪ ،‬شجاع‪ ،‬ألنو أمُت من نفسو كونو سائراً‬
‫فشل اهلل قواىم وسرى ا‪ٞ‬تنب والرعب إىل أعماؽ قلوُّم‪،‬‬
‫على ا‪ٟ‬تق متوكبلً على اهلل‪َّ ،‬‬
‫وخفضوا رؤوسهم صاغرين أماـ عظمتو ا‪١‬تهيبة‪ ،‬إذ كساه تعاىل ثوب ا‪١‬تهابة الربانية ألنو‬
‫ِِ‬
‫ين}‪ :‬ىذا‬
‫رسولو‪ .‬و‪١‬تا أنذرىم من مغبة أعما‪٢‬تم قالوا‪...{ :‬أ ََو َعظ َ‬
‫ْت أ َْـ لَ ْم تَ ُكن ّْم َن ال َْواعظ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين}‪:‬ىذا ما سار عليو أجدادنا‪ ،‬فما‬
‫سَتنا ومعتقدنا وال نبايل‪{ :‬إ ْف َى َذا إَّال ُخلُ ُق ْاأل ََّول َ‬
‫ِ ِ‬
‫ين} (<‪ 79‬ػ>‪)79‬‬
‫بالك تريد أف ٍّ‬
‫تغَت ما ‪٨‬تن عليو وما ورثناه من قبل‪َ { .‬وَما نَ ْح ُن ب ُم َع َّذب َ‬
‫سورة الشعراء‪:‬قولك ىذا كلو ال أصل لو‪ .‬لقد أنكر قوـ عاد على رسو‪٢‬تم قولو‪ ،‬وأصروا‬

‫على ‪٤‬تبة دنياىم الدنية‪ ،‬وطلبوا من سيدنا ىود ‪ ‬أف يأتيهم ٔتا يعدىم إف كاف من‬

‫الصادقُت‪.‬‬

‫اد إِ ْذ أَن َذر قَػومو بِ ْاألَح َق ِ‬
‫َخا َع ٍ‬
‫ت النُّ ُذ ُر ِمن بَػ ْي ِن‬
‫اؼ َوقَ ْد َخلَ ْ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬واذْ ُك ْر أ َ‬
‫َ َُْ ْ‬
‫اؼ َعلَْي ُكم َع َذاب يػوٍـ َع ِظ ٍيم‪،‬قَالُوا أ ِ‬
‫َج ْئتَػنَا‬
‫َخ ُ‬
‫يَ َديْ ِو َوِم ْن َخل ِْف ِو أ ََّال تَػ ْعبُ ُدوا إَِّال اللَّ َو إِنّْي أ َ‬
‫َ َْ‬
‫ْ‬
‫نت ِمن َّ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫اد ِقين‪،‬قَ َ ِ‬
‫ِِ ِ ِ ِ ِ‬
‫ْم ِعن َد اللَّ ِو‬
‫الص َ‬
‫لتَأْف َكنَا َع ْن آل َهتنَا فَأْتنَا ب َما تَع ُدنَا إف ُك َ َ‬
‫اؿ إنَّ َما الْعل ُ‬
‫ضا ُّم ْستَػ ْقبِ َل أ َْو ِديَتِ ِه ْم‬
‫ت بِ ِو َولَ ِكنّْي أ ََرا ُك ْم قَػ ْوًما تَ ْج َهلُو َف‪،‬فَػلَ َّما َرأ َْوهُ َعا ِر ً‬
‫َوأُبَػلّْغُ ُكم َّما أ ُْر ِس ْل ُ‬
‫ض ُّمم ِطرنَا بل ىو ما استػعجلْتم بِ ِو ِريح فِيها َع َذ ِ‬
‫يم‪،‬تُ َد ّْم ُر ُك َّل َش ْي ٍء‬
‫قَالُوا َى َذا َعا ِر ٌ ْ ُ َ ْ ُ َ َ ْ َ ْ َ ُ‬
‫ٌ‬
‫ٌ َ‬
‫اب أَل ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين‪َ ،‬ولََق ْد‬
‫ساكِنُػ ُه ْم َك َذلِ َ‬
‫بِأ َْم ِر َربّْػ َها فَأ ْ‬
‫ك نَ ْج ِزي الْ َق ْو َـ ال ُْم ْج ِرم َ‬
‫َصبَ ُحوا َال يػُ َرى إ َّال َم َ‬
‫ِ‬
‫يما إِف َّم َّكنَّا ُك ْم ِف ِيو َو َج َعلْنَا لَ ُه ْم َس ْم ًعا‬
‫َم َّكن ُ‬
‫َّاى ْم‪ : }...‬كانوا سادة العامل ‪ ...{ .‬ف َ‬
‫ِ‬
‫ارُى ْم َوَال‬
‫ص ًارا َوأَفْئ َدةً‪:}...‬تقدموا بالعلوـ‪...{ .‬فَ َما أَ ْغنَى َع ْنػ ُه ْم َس ْمعُ ُه ْم َوَال أَبْ َ‬
‫َوأَبْ َ‬
‫صُ‬
‫أَفْئِ َدتُػهم ّْمن َشي ٍء إِ ْذ َكانُوا ي ْجح ُدو َف بِآي ِ‬
‫ات اللَّ ِو َو َحا َؽ بِ ِهم َّما َكانُوا بِ ِو يَ ْستَػ ْه ِزُؤوف}‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫(‪ 87‬ػ<‪ )8‬سورة األحقاؼ‪.‬‬
‫***‬

‫لـــىو ثـًـــىد‬
‫اؿ يَا‬
‫صالِ ًحا قَ َ‬
‫ود أ َ‬
‫لقد أرسل اهلل تعاىل إىل ‪ٙ‬تود أخاىم صا‪ٟ‬تاً فقاؿ‪َ { :‬وإِلَى ثَ ُم َ‬
‫َخ ُ‬
‫اى ْم َ‬
‫ِ‬
‫شأَ ُكم ّْم َن األ َْر ِ‬
‫استَػ ْع َم َرُك ْم فِ َيها‬
‫قَػ ْوـ ا ْعبُ ُدواْ الل َّو َما لَ ُكم ّْم ْن إِلَ ٍو غَْيػ ُرهُ ُى َو أَن َ‬
‫ض َو ْ‬
‫ِ‬
‫فَ ِ‬
‫ِ‬
‫يب} (‪ )<7‬سورة ىود‪.‬‬
‫ْ‬
‫يب ُّمج ٌ‬
‫استَػ ْغف ُروهُ ثُ َّم تُوبُواْ إِلَْيو إِ َّف َربّْي قَ ِر ٌ‬
‫إف دعوة الرسل واحدة ُب كل زماف ومكاف‪ ،‬وىي دعوة الناس إىل اهلل‪ ،‬وتعريفهم‬
‫بكمالو‪ ،‬وتبياف ا‪ٟ‬تكمة من أوامره ونواىيو‪ ،‬ذلك ألف اإلنساف إذا عرؼ ربو‪ ،‬فقد عرؼ‬
‫كل شيء‪ ،‬ومن أضل نفسو عن ربو‪ ،‬فلن ٕتد لو ولياً مرشداً‪ ،‬وعاش ُب ظلمات‪ ،‬وأعشتو‬
‫الضبللة عن معرفة ا‪ٟ‬تقيقة‪ ،‬وأصبح ال يرى إال صور األشياء‪ ،‬وىكذا فإف الكافر ينظر إىل‬
‫ا‪ٟ‬تق ٔتنظار معكوس‪.‬‬
‫ولذلك عندما ٗتاطبهم رسلهم با‪ٟ‬تق‪ ،‬يستنكروف دعوهتم‪ ،‬ويسفهوف تصرفهم‪ ،‬ألهنم‬
‫ٮتاطبوهنم ٔتقلوب ما يفهموف على ظنٍّهم ا‪٠‬تاطئ‪ .‬ويعملوف من الطهارة والشرؼ‬
‫والتضحيات بعكس ما يريدوف من سفاالت‪ ،‬فبل عجب إذاً أف يرى أعمى القلب ظبلماً‬
‫تبُت‪ ،‬وىكذا استنكر قوـ ‪ٙ‬تود دعوة‬
‫ُب رابعة النهار الصائف‪ ،‬وأف ‪٬‬تادؿ ُب ا‪ٟ‬تق بعدما َّ‬
‫نت‬
‫صالِ ُح قَ ْد ُك َ‬
‫رسو‪٢‬تم ‪٢‬تم للعودة إىل اهلل‪ ،‬وأبدوا تعجبهم ‪٦‬تا يدعوىم إليو‪{ :‬قَالُواْ يَا َ‬
‫فِينَا َم ْر ُج ِّوا قَػ ْب َل َى َذا‪ :}...‬ناظرين فيك أنك عاقل‪...{ :‬أَتَػ ْنػ َهانَا أَف نَّػ ْعبُ َد َما يَػ ْعبُ ُد‬
‫آبَا ُؤنَا‪ :}...‬أتأتينا بدين جديد؟!‪ .‬كل من سبقنا سار على ىذا الطريق!‪ .‬ىل جئتنا أنت‬
‫ك ّْم َّما تَ ْدعُونَا إِلَْي ِو ُم ِر ٍ‬
‫بشيء جديد؟!‪ .‬أٗتالف كل من سبق؟!‪َ ...{ .‬وإِنػَّنَا لَِفي َش ٍّ‬
‫يب}‬
‫(‪ )<8‬سورة ىود‪ :‬ىذا شيء ظاىر خطؤه‪.‬‬
‫ك‬
‫َصبلَتُ َ‬
‫ومثل ىذا اإلنكار قد أنكره من ُ‬
‫بأَ‬
‫بعد أىل مدين حينما‪{ :‬قَالُواْ يَا ُش َع ْي ُ‬
‫تَأ ُْم ُر َؾ أَف نػَّ ْتػ ُر َؾ َما يَػ ْعبُ ُد آبَا ُؤنَا‪ :}...‬طوؿ عمرنا و‪٨‬تن سائروف ُّذا‪ ،‬واآلف أنت وحدؾ‬
‫فهماف!‪ .‬كل الناس سائروف ُّذا وكانوا يعبدوف األصناـ‪...{ :‬أ َْو أَف نػَّ ْف َع َل فِي أ َْم َوالِنَا َما‬
‫َنت‬
‫نَ َ‬
‫التصرؼ ُّا كما نشاء!‪...{ .‬إِنَّ َ‬
‫ك َأل َ‬
‫شاء‪:}...‬ألسنا أحراراً ُب أموالنا؟!‪٘ .‬تانعنا ُب ّ‬

‫ال ِ‬
‫الر ِشي ُد} (=>) سورة ىود‪ :‬وكانوا من قبل يثنوف عليو الثناء العظيم‪ ،‬فقالوا لو‪:‬‬
‫يم َّ‬
‫َ‬
‫ْحل ُ‬

‫ىل عقلك يدلّك على ىذا اآلف؟!‪ .‬أىذا كبلـ ا‪١‬تنطق؟!‪. .‬‬
‫ومثل ذلك قد ٭تصل اليوـ أيضاً‪ ،‬فلو أوضحت ‪٢‬تم مساوئ حضارهتم‪ ،‬وبينت ‪٢‬تم أهنا‬
‫غدت مصدراً للشقاء واألمل‪ ،‬وأف ىذا األمل والشقاء‪ ،‬ينبع من نفس ا‪١‬تصدر الذي ٭تسبو‬
‫الناس سعادة‪ ،‬فاستبدلوه بدين اهلل ا‪٠‬تالق الرازؽ‪ ،‬الستنكروا عليك ذلك‪ ،‬واستهزأوا بك‪،‬‬
‫ِ ِ‬
‫يل لَ ُه ْم الَ تُػ ْف ِس ُدواْ ِفي األ َْر ِ‬
‫ض‪:}...‬‬
‫واهتموؾ بالتهمة نفسها‪ ،‬اليت اهتموا ُّا غَتؾ‪َ { :‬وإ َذا ق َ‬
‫إف قلت لو ال تفسد الناس بعملك‪ ،‬بالبناء‪ ،‬بالزخرؼ والًتؼ وا‪١‬تبلىي‪ ،‬يقوؿ لك ىذه نَِع ٌم‬
‫من اهلل‪ ،‬أترجع بنا إىل القروف ا‪١‬تاضية‪.‬‬
‫صلِ ُحو َف}‪٨ :‬تن ُب ىذه ا‪١‬تبلىي‬
‫قدٯتاً ما كاف عندىم مدنيّة‪ ...{ :‬قَالُواْ إِنَّ َما نَ ْح ُن ُم ْ‬
‫نتسلى تسلية ال نعمل شيئاً‪{ :‬أَال إِنػَّ ُه ْم ُى ُم ال ُْم ْف ِس ُدو َف َولَ ِكن الَّ يَ ْشعُ ُرو َف}‪ :‬يظن نفسو‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َّاس‪ :}...‬إف قيل لو انظر َم ْن قبلك وماذا فعلوا‪:‬‬
‫يل لَ ُه ْم آمنُواْ َك َما َ‬
‫آم َن الن ُ‬
‫‪٤‬تسناً‪َ { :‬وإذَا ق َ‬
‫ِ‬
‫الس َف َهاء‪ :}...‬ىؤالء كانوا جهاالً‪ ،‬ال مدنية عندىم‪ ،‬ىل ‪٨‬تن‬
‫آم َن ُّ‬
‫{‪ ...‬قَالُواْ أَنػُ ْؤم ُن َك َما َ‬
‫الس َف َهاء َولَ ِكن الَّ يَػ ْعلَ ُمو َف}‬
‫خلقنا للعمل فقط؟‪٬ .‬تب أف نتسلى‪ ...{:‬أَال إِنػَّ ُه ْم ُى ُم ُّ‬
‫(‪ 77‬ػ‪ )79‬سورة البقرة‪ :‬ما سيحل ُّم‪.‬‬

‫إف قوـ ‪ٙ‬تود كقوـ عاد كانت ‪٢‬تم حضارة متقدمة‪ ،‬وكاف طابعها ا‪١‬تميز ىو البناء‪،‬‬
‫وبذلك ‪ٝ‬تاىم تعاىل‪ ..{ :‬أَصحاب ِ‬
‫الح ْج ِر(‪ )>6( }...)1‬سورة ا‪ٟ‬تجر‬
‫َْ ُ‬
‫(‪ )7‬لقد مر معنا عندما تكلمنا عػن قػوـ عػاد‪ ،‬بػأف قػوـ ‪ٙ‬تػود كػانوا يقطنػوف ُب وادي القػرى أو منطقػة ا‪ٟ‬تجػر‪ ،‬وليسػت تلػك التسػمية‬
‫قد جاءت من وجود ا‪ٟ‬تجارة ُب منطقػة سػكناىم‪ ،‬وإ‪٪‬تػا جػاءت مػن اسػتعما‪٢‬تم ا‪ٟ‬تجػارة بكثػرة ُب أغػراض البنػاء‪ .‬لقػد ذكػر تعػاىل ُب‬
‫سورة الفجر ا‪١‬تيزة الرئيسية ‪ٟ‬تضارات ثبلث‪ :‬حضارة عاد و‪ٙ‬تود وقوـ فرعوف‪ ،‬تلك ا‪١‬تيػزة ىػي الناحيػة العمرانيػة‪ .‬قػاؿ تعػاىل‪{ :‬أَلَ ْػم تَػ َػر‬
‫ػاد‪،‬الَّتِي لَػػم ي ْخلَػ ْق ِمثْػلُهػػا فِػػي الْ ػبِ َبل ِد‪ ،‬وثَمػ َ َّ ِ‬
‫ات ال ِْعمػ ِ‬
‫ػف فَػعػػل ربُّػ َ ٍ‬
‫ػاد‪،‬إِرـ ذَ ِ‬
‫الص ػ ْخ َر بِػػال َْو ِاد‪َ ،‬وفِ ْر َعػ ْػو َف ِذي‬
‫ين َجػػابُوا َّ‬
‫َ‬
‫ػك بِ َعػ َ َ‬
‫ُْ‬
‫ػود الػػذ َ‬
‫َُ‬
‫َ‬
‫َك ْيػ َ َ َ َ‬
‫ػك لَبِال ِْمرص ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ط َعػ َذ ٍ‬
‫ػاد} (<ػ ػ‪ )7:‬سػورة‬
‫ػك َس ْػو َ‬
‫ص َّ‬
‫اب‪،‬إِ َّف َربَّ َ‬
‫ػب َعلَ ْػي ِه ْم َربُّ َ‬
‫سَ‬
‫اد‪،‬فَ َ‬
‫ْ َ‬
‫ْاأل َْوتَاد‪ ،‬الذ َ‬
‫ين طَغَ ْوا في الْب َبلد‪ ،‬فَأَ ْكثَػ ُروا ف َيهػا الْ َف َ‬
‫الفجر‪ .‬من تلك اآليات الكرٯتة يتبُت أف الفساد ىنا كاف نتيجة ما أحدثوه من البناء الضخم الفخم‪ ،‬فقوـ عاد قد أشػادوا مػدينتهم‬
‫حىت غدت أ‪ٚ‬تل ببلد الدنيا ُب ذلك العصر‪ ،‬وقوـ ‪ٙ‬تود الذين جابوا الصخر من ا‪ٞ‬تباؿ‪ ،‬و‪٬‬تلبوهنا إىل مدينتهم لبناء القصور بواسطة‬
‫ا‪١‬تػػاء ا‪ٞ‬تػػاري ُب الوديػػاف ‪٤‬تمػػوالً علػػى أل ػواح مػػن خشػػب أو علػػى سػػفن معػػدة لػػذلك‪ .‬والفراعنػػة أيض ػاً اسػػتخدموا وادي النيػػل ‪ٞ‬تلػػب‬

‫ا‪ٟ‬تجػػارة مػػن ا‪ٞ‬تنػػوب لبنػػاء األىرامػػات الػػيت وصػػفها تعػػاىل كمػػا وصػػف ا‪ٞ‬تبػػاؿ باألوتػػاد‪ ،‬وًب بنػػاء ا‪١‬تعابػػد والقصػػور وغػػَت ذلػػك‪ ،‬ىػػذه‬

‫لقد ساعد قوـ ‪ٙ‬تود على تشييد حضارهتم الغٌت ا‪١‬تادي الذي حصلوا عليو عن طريق‬
‫التجارة أيضاً‪ ،‬وا‪١‬توقع التجاري ا‪١‬تمتاز على طريق التجارة العا‪١‬تية‪ ،‬وقد استثمروا تلك‬
‫(‪) 3‬‬

‫األمواؿ ُب استعمار‬

‫األرض‪ ،‬فأنشأوا ُّا جنات تسقيها العيوف‪ ،‬وبنوا ُب وسطها‬

‫القصور(‪ )4‬الشا‪٥‬تات‪ ،‬كذلك كانوا ينحتوف من ا‪ٞ‬تباؿ بيوتاً يصطافوف ُّا فارىُت‪ .‬قاؿ‬
‫تعاىل على لساف سيدنا صاّب ‪{:‬أَتُػ ْتػرُكو َف فِي ما َى ُ ِ ِ‬
‫ين } ( <‪ ) 7:‬سورة‬
‫َ‬
‫اىنَا آمن َ‬
‫َ‬
‫الشعراء ‪:‬ظانُت البقاء!‪ .‬أتظنوف أنو ال إلۤو ‪٢‬تذا الكوف قابض على ناصيتكم!‪ .‬آمنُت من‬
‫ِ‬
‫َّات وعُي ٍ‬
‫ٍ‬
‫وع‬
‫وف}‪ :‬باقُت‪ ،‬ف ّكر ٔتن سبق‪ ،‬مات وصار ٖتت الًتاب‪َ { :‬وُزُر ٍ‬
‫ا‪١‬توت!‪{ .‬في َجن َ ُ‬
‫ِ‬
‫يم}‪:‬يهضم بسهولة‪ .‬فقط‬
‫َونَ ْخ ٍل طَلْعُ َها‪ٙ:}...‬ترىا‪ .‬متسق ‪٦‬تشوؽ ُب الفضاء‪َ ...{ .‬ىض ٌ‬
‫لؤلكل!‪{ .‬وتَػ ْن ِحتُو َف ِمن ال ِ‬
‫ْجبَ ِ‬
‫اؿ بػُيُوتًا‪ :}...‬تأخذوف منها ا‪ٟ‬تجارة لتبنوا القصور الضخمة‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ين}‪ :‬رفاىية العيش‪( .‬كم َّبُت اهلل وح ّذر من خطر التطاوؿ ُب‬
‫ا‪١‬تنتظمة وا‪١‬ترتبة‪ ...{:‬فَا ِرى َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ين}‪:‬‬
‫البنياف‪ ،‬ذلك لعظيم خطره على الناس)‪{ :‬فَاتَّػ ُقوا الل َو َوأَطيعُوف‪َ ،‬وَال تُطيعُوا أ َْم َر ال ُْم ْس ِرف َ‬
‫َّ ِ‬
‫ين يُػ ْف ِس ُدو َف فِي ْاأل َْر ِ‬
‫صِل ُحو َف} (=‪7:‬ػ‪ )7;8‬سورة‬
‫ض َوَال يُ ْ‬
‫أسرفوا على أنفسهم‪{ :‬الذ َ‬
‫الشعراء‪ :‬٭ترضوف وينشروف بأفعا‪٢‬تم الفساد بُت الناس‪.‬‬
‫وٯتكن القوؿ أف ‪ٙ‬تود خلفت عاداً ْتضارهتا ونسجت على منوا‪٢‬تا‪ ،‬إال أهنا مل تف ْقها‬
‫قوة وال علماً‪.‬‬
‫ىذا وإذا رجعنا إىل اآليات اليت ذكرناىا آنفاً‪ ،‬وأمعنا النظر فيها ثانية‪ ،‬نرى أف صا‪ٟ‬تاً‬

‫‪ ،‬قد حذرىم من تلك ا‪ٟ‬تضارة‪ ،‬وبُت ‪٢‬تم فسادىا‪ ،‬وما ٕتلبو ‪٢‬تم من شقاء‪ ،‬كما‬
‫جلبت ٍ‬
‫لعاد الشقاء ومن ٍب ا‪٢‬تبلؾ قبلهم‪.‬‬
‫األعماؿ وما يلحق ُّا من زينة وفسق قد أحدثت الفسػاد ُب قلػوب العبػاد‪ ،‬وانقسػم اَّتمػع لطبقػات مًتفػة أو مدقعػة بػالفقر ‪٤‬ترومػة‬
‫فحل الشقاؽ واهنارت اإلنسانية‪ ،‬عندئذ صب عليهم ربك سوط عذاب‪.‬‬
‫مقهورة‪ّ ،‬‬
‫ِ‬
‫شػأَ ُكم ّْم َػن األ َْر ِ‬
‫اسػتَػ ْع َم َرُك ْم‬
‫صالِ ًحا قَ َ‬
‫اؿ يَا قَػ ْوـ ا ْعبُ ُدواْ اللّوَ َمػا لَ ُكػم ّْم ْػن إِلَ ٍػو غَ ْيػ ُػرهُ ُى َػو أَن َ‬
‫ود أ َ‬
‫(‪ )9‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬وإِلَى ثَ ُم َ‬
‫َخ ُ‬
‫ض َو ْ‬
‫اى ْم َ‬
‫ِ‬
‫فِيها فَ ِ‬
‫ِ‬
‫يب } (‪ )<7‬سورة ىود‪.‬‬
‫َ ْ‬
‫يب ُّمج ٌ‬
‫استَػغْف ُروهُ ثُ َّم تُوبُواْ إِل َْيو إِ َّف َربّْي قَ ِر ٌ‬
‫ض تَػت ِ‬
‫(‪ ):‬قػاؿ تعػػاىل علػى لسػػاف سػػيدنا صػاّب‪{ :‬واذْ ُكػػرواْ إِ ْذ جعلَ ُكػػم ُخلََفػػاء ِمػػن بػع ِػد َعػ ٍ‬
‫ػاد َوبَػ َّػوأَ ُك ْم فِػػي األ َْر ِ‬
‫َّخػ ُذو َف ِمػػن ُسػ ُػهولِ َها‬
‫َْ‬
‫ََ ْ‬
‫َ ُ‬
‫ض م ْف ِس ِ‬
‫اؿ بػيوتًا فَاذْ ُكرواْ آالء الل ِّو والَ تَػ ْعثَػوا فِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (‪ )=:‬سورة األعراؼ‪.‬‬
‫د‬
‫َر‬
‫أل‬
‫ا‬
‫ي‬
‫قُ ُ‬
‫ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ورا َوتَػ ْنحتُو َف الْجبَ َ ُ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صً‬
‫ُ‬

‫وبديهي أف يستنكر ا‪١‬تًتفوف منهم دعوة سيدنا صاّب ‪ ،‬ويتهموه بشىت التهم‪ .‬ذلك‬
‫ألف معظم الناس ال تؤمن إال بالرفاه ا‪١‬تادي سبيبلً للسعادة‪ ،‬أو على األقل ىو أحد‬
‫األسباب الرئيسية ‪٢‬تا‪.‬‬
‫أما الرسل‪ ،‬وىم الذين يروف بقلوُّم حقائق األمور‪ ،‬فإهنم ينظروف إىل الرفاه ا‪١‬تادي‬
‫بعكس ما ينظر إليو ا‪١‬تًتفوف‪ ،‬فا‪١‬تًتفوف ينظروف إىل األمور ٔتنظار معكوس‪ ،‬بينما الرسل‬
‫تنظر إليو بنور من اهلل‪ ،‬فَتوف ما ال يرى أولئك‪ ،‬إذ يروف حقائق األمور‪ ،‬بينما ا‪١‬تظاىر‬
‫خ ّداعة‪ .‬ومن تلكما النظرتُت‪ ،‬أو من اختبلؼ ا‪١‬تفهومُت‪ ،‬ينشأ ا‪٠‬تبلؼ بُت الرسل‬

‫وأتباعهم من جهة‪ ،‬وبُت ا‪١‬تًتفُت وأشياعهم من جهة أخرى وال ٮتفى ما للرفاه ا‪١‬تادي وما‬
‫يتلوه من ٘تايز طبقي وتفرقة وعداوة بُت الفقراء واألغنياء ُب اَّتمع حىت يكوف سبباً‬
‫للمًتفُت لتكذيب الرسل فا‪٢‬تبلؾ‪.‬‬

‫واآلف نريد أف نبُت الكيفية ُب توليد الفساد‪ ،‬ومن ٍب الشقاء الذي ٭تسبو الناس سعادة‪.‬‬
‫إف اإلنساف يظل ٔتعيشتو راضياً إذا شاىد أفراد ‪٣‬تتمعو يعيشوف ا‪١‬تستوى نفسو‪ ،‬الذي‬
‫يعيشو تقريباً‪ .‬وىذا الرضى يظل باقياً‪ ،‬طا‪١‬تا مل ير غَته قد سبقو ُب ىذا ا‪١‬تضمار كثَتاً‪.‬‬
‫فبيتو مثبلً يبقى ُب عينو ‪ٚ‬تيبلً‪ ،‬ما مل ير قصوراً منيفة قد أشيدت إىل جانبو‪ ،‬ويبقى‬

‫مسروراً بأثاثو ولباسو‪ ،‬ما مل ير جاره قد استحدث من األثاث واللباس‪ ،‬ما يفوؽ أثاثو‪،‬‬
‫جودة وأناقة‪.‬‬
‫كذلك يظل مسروراً ٔتأكلو ومشربو‪ ،‬وأماكن ‪٢‬توه وعاداتو وتقاليده‪ ،‬سواء كانت سيئة‬
‫أو حسنة‪ ،‬ما مل ير الدنيا قد تغَتت من حولو‪ ،‬عندئذ ينظر إىل ما كاف يستحسنو باألمس‬
‫ويرتضيو‪ ،‬نظرة ازدراء واحتقار‪ٍ ،‬ب يبدأ ا‪٢‬تم والغم يطارده ُب كل مكاف‪ ،‬والضجر والسخط‬
‫والتربـ من ا‪ٟ‬تياة‪.‬‬
‫تُرى من الذي أحدث ىذا ا‪٢‬تم ُب نفس ىذا اإلنساف؟‪ .‬ومن ا‪١‬تسؤوؿ عن شقائها؟‪.‬‬
‫ومن الذي سلبو ذلك الرضى‪ ،‬وتلك السعادة‪ ،‬اليت كاف يتمتع ُّا نسبياً؟‪.‬‬

‫أليس ا‪١‬تًتفوف‪ ،‬ىم الذين أفسدوا على السواد األعظم من أفراد اَّتمع حياهتم؟‪ .‬فلكي‬
‫تتمتع ىذه الفئة القليلة ُب كل ‪٣‬تتمع با‪ٟ‬تياة‪ ،‬فإهنا تفسد ا‪ٟ‬تياة على الغالبية العظمى من‬
‫الناس‪.‬‬
‫ليس بوسع الناس ‪ٚ‬تيعاً أف تبٍت قصوراً‪ ،‬وتقتٍت أثاثاً يناسب تلك القصور‪ ،‬ولو حصلوا‬
‫على ذلك‪ ،‬وىذا ‪٤‬تاؿ‪ ،‬فهل يقف األغنياء منهم عند حد‪ ،‬أـ أهنم يسعوف جاىدين إىل‬
‫اختبلؽ تفنن جديد ُب ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬لكي يظلوا متميزين عن غَتىم من الناس؟‪.‬‬
‫أجل‪ :‬إف التسابق يظل موجوداً‪ ،‬ال من أجل الرفاه وحسب‪ ،‬بل من أجل التفاخر‬
‫والتباىي أماـ اآلخرين‪{ :‬ا ْعلَموا أَنَّما الْحياةُ ُّ ِ‬
‫اخ ٌر بَػيْػنَ ُك ْم‬
‫ب َولَ ْه ٌو َو ِزينَةٌ َوتَػ َف ُ‬
‫ُ َ ََ‬
‫الدنْػيَا لَع ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫يج فَػتَػ َراهُ‬
‫ار نَػبَاتُوُ ثُ َّم يَ ِه ُ‬
‫ب الْ ُك َّف َ‬
‫َوتَ َكاثػُ ٌر في ْاأل َْم َواؿ َو ْاأل َْوَالد َك َمثَ ِل غَ ْيث أَ ْع َج َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ض َوا ٌف َوَما‬
‫اب َش ِدي ٌد َوَمغْ ِف َرةٌ ّْم َن اللَّ ِو َو ِر ْ‬
‫ص َف ِّرا ثُ َّم يَ ُكو ُف ُحطَ ًاما َوفي ْاآلخ َرة عَ َذ ٌ‬
‫ُم ْ‬
‫ْحيَاةُ ُّ‬
‫الدنْػيَا إَِّال َمتَاعُ الْغُ ُروِر} (‪ )86‬سورة ا‪ٟ‬تديد‪.‬‬
‫ال َ‬
‫إذاً فالتسابق ‪٨‬تو الرفاه أو ‪٨‬تو التفاخر‪ ،‬ليس لو هناية‪ ،‬ألف النفس ال يستقر سرورىا‬
‫ورضاىا طويبلً على شيء ألفتو‪ ،‬بل ٘تجو وتطلب غَته‪ ،‬فكلما قضت من مطلب وطراً‬

‫تفتقت ‪٢‬تا مطالب جديدة‪ ،‬وتنقضي ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬وشهواهتا ال تنقضي‪{ :‬أَل َْها ُك ُم التَّ َكاثػُ ُر‪َ ،‬حتَّى‬
‫ُزْرتُ ُم ال َْم َقابَِر} (‪ 7‬ػ‪ )8‬سورة التكاثر‪:‬ذلك ألف النفس ال هناية لطاقاهتا‪ ،‬فباستطاعتها أف‬
‫تبتلع لذة الوجود من غَت أف تشبع‪ ،‬أو من غَت أف تروي طاقاهتا البلمتناىية‪.‬‬
‫أما اهلل تعاىل فقد أعد ‪٢‬تا تلك الطاقات ا‪٢‬تائلة‪ ،‬لًتتوي من معينو الذي ال ينضب‪،‬‬
‫ومن ‪ٚ‬تالو وجبللو وعلمو ور‪ٛ‬تتو‪.‬‬
‫وُب ا‪ٟ‬تديث القدسي‪:‬‬

‫(ما وسعني أرضي وال سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن) أحاديث األحياء‬

‫رقم‪./9/‬‬

‫لذا إف أطاع اإلنساف نفسو‪ ،‬وأراد إشباعها من شهوات الدنيا‪ ،‬فإنو يًتدى‪ ،‬من غَت أف‬
‫٭تقق ‪٢‬تا إال يسَتاً من لذائذ الشقاء والضجر والسأـ والضنك و٭تسب أف فيها سعادتو‬
‫وا‪ٟ‬تقيقة أهنا ال ٗتلصو من شقائو وال يزداد إال ضنكاً و‪٫‬تّاً‪.‬‬
‫وبذلك التسابق ‪٨‬تو الرفاه‪ ،‬تأخذ ا‪ٟ‬تياة بالتعقيد بدؿ التبسيط‪ ،‬والشقاء بدؿ‬
‫السعادة‪ ،‬ويكوف السبب ُب ىذا ىم ا‪١‬تًتفوف‪ ،‬الذين أفسدوا ا‪ٟ‬تياة على الفقراء‪ٔ ،‬تا‬
‫أحدثوه من زخرؼ وزينة‪ ،‬ونتيجة ‪٢‬تذا الفساد‪ ،‬تفسد الضمائر‪ ،‬وتفسد القيم‪ ،‬ويصبح‬
‫ىم الناس ‪ٚ‬تع ا‪١‬تاؿ‪ ،‬ليحققوا بو شهواهتم ورغائبهم وال يهمهم من أي طريق ُجلِب‪،‬‬
‫ليكونوا كأمثاؿ من فاقوىم بالًتؼ أو ليتعالوا على من دوهنم فيفسدوا قلوُّم‬
‫ومعيشتهم‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬فإف ا‪ٟ‬تضارة قد جلبت للناس شقاء وبؤساً‪ ،‬وولَّدت ُب نفوسهم حقداً وأ‪١‬تاً‪،‬‬

‫غٌت‬
‫واستطاعت أف توقع بينهم العداوة‪ ،‬ال سيما بُت ا‪١‬تًتفُت واحملرومُت‪ ،‬فا‪١‬تًتفوف يزدادوف ً‬
‫وتسلطاً واستغبلالً‪ ،‬واحملروموف يزدادوف فقراً وعبودية وحقداً وإذالالً‪ .‬وال عجب عندئذ أف‬

‫يتكتل الفقراء ضد األغنياء‪ ،‬ليسقوىم الكأس نفسو الذي سقوىم منو‪ .‬ولكن ىؤالء‬
‫الفقراء الذين حلوا ‪٤‬تل ساداهتم‪ ،‬ال بد أف يعيشوا بعد حُت بالعقلية ذاهتا اليت كانت‬
‫لساداهتم‪ ،‬ألف الغاية اليت قاتلوا من أجلها‪ ،‬ىي نفسها اليت تسنموا ذروهتا‪ .‬فضبلً عن‬
‫ذلك‪ ،‬فإف كثرة ا‪١‬تتطلبات ا‪ٟ‬تضارية‪ٕ ،‬تعل اإلنساف ٓتيبلً ‪٨‬تو نفسو و‪٨‬تو ذويو‪ ،‬وال يفعل‬

‫من ا‪١‬تعروؼ إال قليبلً‪ ،‬وعدـ فعل ا‪١‬تعروؼ‪ ،‬يعترب من األسباب ا‪٢‬تامة ُب تقطيع أواصر‬
‫اَّتمع‪ ،‬وفقداف احملبة فيما بينهم‪.‬‬
‫ومهما يكن من أمر فإف األزمة الروحية وا‪٠‬تلقية ُب كل حضارة‪ ،‬لن ُٖتَ َّل إال بالقضاء‬

‫على مسبباهتا‪ ،‬وىذا يعٍت الرجوع إىل شرعة اهلل‪ ،‬وامتثاؿ أوامره‪ ،‬ألهنا ىي الشرعة الوحيدة‬
‫اليت تنقذنا من شقاء الدارين‪ .‬واليت أنقذت الصحب الكراـ ومن تابعهم‪ ،‬من أجل ذلك‬
‫حذر سبحانو وتعاىل على لساف رسلو من االستغراؽ والتوغل ُب الدنيا لتمحيص طاقاتنا‬
‫كلها‪ ،‬حىت ال ‪٩‬تسر اآلخرة الباقية‪ ،‬وطلب إلينا أف ‪٪‬تشي ُب مناكبها‪ ،‬أي ُب أطرافها ال أف‬

‫ِ ِِ ِ ِ‬
‫ِ ِِ‬
‫ور} (;‪)7‬‬
‫نغوص ُب أعماقها قاؿ تعاىل‪ ...{ :‬فَ ْام ُشوا ُب َمنَاكب َها َوُكلُوا من ٍّرْزقو َوإلَْيو الن ُش ُ‬

‫سورة ا‪١‬تلك‪ .‬ألف التوغل كما رأينا‪ ،‬وكما نعيشو اآلف ُب ىذا العصر‪ ،‬٭تدث ُب األرض‬
‫نفع أبداً‪.‬‬
‫الفساد‪ ،‬وإذا فسد الشيء‪ ،‬يصبح ضرره أكثر من نفعو‪ ،‬إف مل نقل مل يعد لو ٌ‬
‫مل يقتصر إفساد ا‪ٟ‬تضارة على أحواؿ ا‪١‬تعيشة واألخبلؽ فحسب‪ ،‬بل إهنا تفسد علينا‬
‫طريق الوصوؿ إىل سعادتنا األبدية‪ ،‬أو الغاية اليت خلقنا اهلل من أجل ٖتقيقها‪ .‬من أجل‬

‫ذلك‪ ،‬حذر سيدنا صاّب ‪ ‬قومو من مغبة أعما‪٢‬تم‪ ،‬وبُت ‪٢‬تم فسادىا‪ ،‬وفساد معتقداهتم‪،‬‬
‫وحذرىم من الفساد الذي أحدثوه ُب األرض بعد إصبلحها‪ ،‬فما كاف جواب قومو إال أف‪:‬‬
‫{قَالُوا إِنَّما أ َ ِ‬
‫ين}‪ :‬تتخيّل ٗتيّبلت وتتكلم‪ .‬مستور عليك ما ُب ىذه‬
‫َ‬
‫س َّح ِر َ‬
‫َنت م َن ال ُْم َ‬
‫ِ‬
‫نت من َّ ِ ِ‬
‫ِ ِ ٍ ِ‬
‫ين}‬
‫َنت إَِّال بَ َ‬
‫األمور من نعيم‪َ { .‬ما أ َ‬
‫الصادق َ‬
‫ش ٌر ّْمثْػلُنَا فَأْت بآيَة إف ُك َ َ‬
‫(‪ 7;9‬ػ‪ )7;:‬سورة الشعراء‪.‬‬
‫وقد طلبوا منو آية‪ ،‬تثبت بأنو رسوؿ من اهلل(‪ ،)3‬فأرسل اهلل إليهم ناقة ضخمة‪٢ ،‬تا ِوْرُد‬
‫يوـ‪ ،‬و‪٢‬تم ِوْرُد اليوـ التايل‪ ،‬وبتلك اآلية أصبح ا‪١‬تاء قسمة بينهم وبينها‪ ،‬إال أهنم مل يصربوا‬
‫على تلك القسمة فعقروا الناقة‪.‬‬
‫وكاف تعاىل قبلها قد أخذىم بألواف من العذاب ليتوبوا‪ ،‬ويعودوا للحق فيصلحوا سَتىم‬

‫فرد عليهم بأف ما تطَتوا بو ىو من عند اهلل‪ ،‬وذلك‬
‫ا‪١‬تعوج‪ ،‬لكنهم تطَتوا بصاّب ‪ ‬ومن معو‪َّ ،‬‬

‫نتيجة أعما‪٢‬تم ا‪١‬تنحرفة‪ ،‬نتيجة افتتاهنم ُب الدنيا وغرورىم ُّا‪.‬‬
‫أجل لقد نصحهم رسو‪٢‬تم مراراً‪ ،‬وبُت ‪٢‬تم فساد مسلكهم‪ ،‬وبُت ‪٢‬تم طريق سعادهتم ُب‬
‫الدنيا واآلخرة‪ ،‬إال أهنم مل يقبلوا نصيحتو(‪ ،)1‬بسبب اهنماكهم بالدنيا‪ ،‬وعدـ تفكرىم‬
‫بآالء اهلل‪ ،‬وبالتايل عماىم القليب‪َ .‬أو ٭تبوف من ٭تاوؿ هنيهم عن شهواهتم ا‪١‬تنحطَّة؟‪ .‬حىت‬
‫لو أدت ُّم إىل الفساد والتعاسة والشقاء‪٦ ،‬تا يظنونو د‪ٝ‬تاً وىو با‪ٟ‬تقيقة س ٌم زؤاـ‪ ،‬و‪١‬تا‬
‫ّ‬

‫ٍ‬
‫اؿ ى ِذهِ ناقَةٌ لَّها ِشرب ولَ ُكم ِشر ٍ‬
‫سػوىا بِ ٍ‬
‫اب يَػ ْػوٍـ َع ِظ ٍ‬
‫وىػا‬
‫سػوء فَػيَأ ُ‬
‫ػيم‪ ،‬فَػ َع َق ُر َ‬
‫ْخػ َذ ُك ْم َعػ َذ ُ‬
‫(‪ )9‬قاؿ تعاىل‪{ :‬قَ َ َ َ َ ْ ٌ َ ْ ْ ُ‬
‫ب يَػ ْػوـ َّم ْعلُػوـ‪َ ،‬وَال تَ َم ُّ َ ُ‬
‫ِِ‬
‫ين} (;;‪ 7‬ػ=;‪ )7‬سورة الشعراء‪.‬‬
‫فَأ ْ‬
‫َصبَ ُحوا نَادم َ‬
‫(‪ )7‬انظر اآليات من رقم ‪ =9/‬حىت ‪ />6‬من سورة األعراؼ‪.‬‬

‫أطاؿ نصحو ‪٢‬تم‪ ،‬وظنوه عائقاً فيما بينهم وبُت ما يشتهوف‪ ،‬أراد ا‪١‬تًتفوف من قومو أف‬
‫يتخلصوا منو‪ ،‬فكادوا لو مؤامرة‪ ،‬ولكن اهلل كاف ‪٢‬تم با‪١‬ترصاد‪ ،‬فقبل أف تصل إليو أيديهم‪،‬‬
‫وقبل أف ينفذوا مكرىم‪ ،‬أخذىم اهلل‪ ،‬ىم وأتباعهم‪ ،‬من حيث ال يشعروف‪ ،‬إذ حاشا هلل‬
‫أف ٍّ‬
‫ٯتكن ‪٥‬تلوقاً من أف يلمس الرسوؿ ‪ ‬بلمسة أذى‪ ،‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬ولََق ْد أ َْر َسلْنَا إِلَى‬
‫ِ‬
‫اىم ِ ِ‬
‫اف ي ْختَ ِ‬
‫ص ُمو َف}‪:‬منهم من آمن ومنهم‬
‫ود أ َ‬
‫ثَ ُم َ‬
‫َخ ُ ْ َ‬
‫صال ًحا أَف ا ْعبُ ُدوا اللَّوَ فَِإ َذا ُى ْم فَ ِري َق َ‬
‫اؿ يَا قَػ ْوِـ‬
‫من مل يؤمن‪ ،‬فالذين مل يؤمنوا قالوا ائتنا بعذاب من عند اهلل‪ ،‬فأجاُّم‪{ :‬قَ َ‬
‫لِم تَستَػع ِجلُو َف‪ : }...‬قالوا ليفعل اهلل بنا ما يريد‪...{ :‬بِ َّ ِ‬
‫سنَ ِة‪:}...‬‬
‫َ ْ ْ‬
‫السيّْئَة قَػبْ َل ال َ‬
‫ْح َ‬
‫يستعجلوف العذاب‪...{:‬لَ ْوَال تَ ْستَػغْ ِف ُرو َف اللَّوَ‪ :}...‬أىكذا بدالً من أف تطلبوا الشفاء‬
‫ك َوبِ َمن‬
‫لنفوسكم‪...{ :‬لَعَلَّ ُك ْم تػُ ْر َح ُمو َف}‪ :‬يغفر اهلل لكم‪{ .‬قَالُوا اطَّيَّػ ْرنَا بِ َ‬
‫اؿ طَائِ ُرُك ْم ِعن َد اللَّوِ بَ ْل أَنتُ ْم قَػ ْوـٌ تػُ ْفتَػنُو َف ‪ :}...‬ما‬
‫ك ‪ :}...‬تشاءمنا‪ ...{ :‬قَ َ‬
‫مَّعَ َ‬
‫ليس‬
‫تفعلونو معلوـ عند اهلل‪ ،‬وإف ما ٭تدث لكم من إنذارات ىو من عند اهلل ور‪ٛ‬تتو بكم‪ ،‬و َ‬
‫حوؿ وال قوة‪َ {:‬وَكا َف ِفي ال َْم ِدينَ ِة تِ ْس َعةُ َرْى ٍط‪ :}...‬قبائل‪ ...{ :‬يُػ ْف ِس ُدو َف فِي ْاأل َْر ِ‬
‫ض‬
‫يل بو ٌ‬
‫وَال ي ِ‬
‫اس ُموا بِاللَّ ِو لَنَُبػيَّْتػنَّوُ‪ :}...‬نقتلو‪ ،‬ضاقوا بو ذرعاً‪َ ...{ :‬وأ َْىلَوُ ثُ َّم‬
‫َ ُْ‬
‫صل ُحو َف‪،‬قَالُوا تَػ َق َ‬
‫لََنػ ُقولَ َّن لِولِيّْ ِو ما َش ِه ْدنَا م ْهِل َ ِ ِ‬
‫ص ِادقُو َف‪َ ،‬وَم َك ُروا َم ْك ًرا‪ :}...‬دبّروا تدبَتاً‪:‬‬
‫ك أ َْىلو َوإِنَّا لَ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫{‪َ ...‬وَم َك ْرنَا َم ْك ًرا َو ُى ْم َال يَ ْش ُع ُرو َف}‪:‬بأف يَد اهلل فوؽ تسيَتىم‪ .‬أي أنّو ال إلۤو إال اهلل‪ ،‬ال‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اىم وقَػومهم أ ِ‬
‫ين‪،‬‬
‫فعّاؿ‪ ،‬ال ٍّ‬
‫مسَت إال اهلل‪{ .‬فَانظُْر َكْي َ‬
‫ف َكا َف َعاقبَةُ َم ْك ِرى ْم أَنَّا َد َّم ْرنَ ُ ْ َ ْ َ ُ ْ ْ‬
‫َج َمع َ‬
‫ٍ‬
‫َّ ِ‬
‫آمنُوا‬
‫ْك بػُيُوتُػ ُه ْم َخا ِويَةً بِ َما ظَلَ ُموا إِ َّف ِفي ذَلِ َ‬
‫فَتِل َ‬
‫ك َآليَةً لَّْق ْوـ يَػ ْعلَ ُمو َف‪َ ،‬وأ َ‬
‫ين َ‬
‫َنجيْػنَا الذ َ‬
‫َوَكانُوا يػَتَّػ ُقو َف} (;‪ :‬ػ‪ );9‬سورة النمل‪.‬‬
‫كل ىذه األمثلة تبُت ر‪ٛ‬تة اهلل تعاىل بعباده بأنو يبُت لئلنساف أف ي ٍّ‬
‫فكر ُب مصَته وما‬
‫سيؤوؿ إليو أمره ىل ىو إىل النعيم أـ إىل ا‪ٞ‬تحيم وما الذي ‪٬‬تب عليو أف يعملو ليتجنب‬
‫ا‪٢‬تاوية ويسمو إىل ا‪ٞ‬تناف‪.‬‬
‫***‬

‫لـىو عٍـذَا نــىط ‪‬‬
‫آمن لسيدنا إبراىيم‪ ،‬سيدنا لوط‪ ،‬عليهما السبلـ‪ ،‬وراح بعد ذلك يدعو قومو إىل‬
‫عبادة اهلل‪ ،‬وتَػ ْر ِؾ السيئات‪ ،‬وكاف لقوـ سيدنا لوط سيئة انفردوا ُّا‪ ،‬دوف غَتىم من األمم‬
‫اليت سبقتهم‪.‬‬
‫تلك السيئة ىي مباشرة الذكراف من دوف النساء‪ ،‬وىذه السيئة تًتؾ ُب اَّتمع آثاراً‬
‫اجتماعية خطَتة‪ ،‬إذ أف ‪٦‬تارسة تلك العادة ٗتلق جيبلً متحلبلً من القيم‪ ،‬ومن األخبلؽ‪.‬‬
‫تتويج لسلوكية ‪٣‬تتمع منحرؼ‪ .‬إف الفاعلُت لتلك الشهوة الشاذة تفقد من‬
‫وىي با‪ٟ‬تقيقة ٌ‬
‫ا‪١‬تفعوؿ ُّم صفة ا‪ٟ‬تياء والرجولة‪ ،‬وٖتو‪٢‬تم إىل أشباه الرجاؿ‪ .‬إذ ال نستطيع أف نعدىم من‬

‫الرجاؿ وال من النساء ومن الفاعلُت تفقد صفة ا‪١‬تروءة والوجداف‪ .‬لذلك فاجتثاث الفاعل‬
‫مصرين‪ ،‬ألهنم أصبحوا يفسدوف ُب‬
‫وا‪١‬تفعوؿ بو من األرض أوىل من بقائهم‪ ،‬ما داموا ٍّ‬
‫األرض وال يصلحوف‪ ،‬وحيث أف قوـ لوط ‪ ‬ىم أوؿ من فتح باب الشذوذ ا‪ٞ‬تنسي‬

‫بالعا‪١‬تُت واخًتعو وابتدعو‪ ،‬لذا كاف عقاُّم الردعي عنيفاً‪ ،‬وعليهم وزرىا ووزر من عمل ُّا‬
‫إىل يوـ القيامة‪.‬‬
‫ِ‬
‫اؿ لَِقوِم ِو أَتَأْتُو َف الْ َف ِ‬
‫َح ٍد ّْمن‬
‫اح َ‬
‫شةَ َما َسبَػ َق ُكم بِ َها م ْن أ َ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬ولُوطًا إِ ْذ قَ َ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّْساء بَ ْل أَنتُ ْم قَػ ْوٌـ ُّم ْس ِرفُو َف}‬
‫الر َج َ‬
‫ين‪،‬إِنَّ ُك ْم لَتَأْتُو َف ّْ‬
‫ال َْعالَم َ‬
‫اؿ َش ْه َوةً ّْمن ُدوف الن َ‬
‫(‪ >6‬ػ‪ )>7‬سورة األعراؼ ‪ :‬تلقوف ُّذا ا‪١‬تاء الطاىر ُب مكاف ‪٧‬تس وهتدرونو وأنتم تبصروف‬
‫ضعة نفوسكم وا‪٨‬تطاطها‪.‬‬
‫إف لوطاً ‪ ،‬قد حذرىم من مسلكهم الشاذ ىذا‪ ،‬وبُت ‪٢‬تم أف فعلهم مل يسبقهم إليو‬
‫ِ‬
‫اس‬
‫أحد من العا‪١‬تُت‪ .‬فما كاف جواب قومو إال أف قالوا‪ ...{ :‬أَ ْخ ِر ُج ُ‬
‫وىم ّْمن قَػ ْريَت ُك ْم إِنَّػ ُه ْم أُنَ ٌ‬
‫َّرو َف} (‪ )>8‬سورة األعراؼ‪ :‬ىؤالء ‪ٚ‬تاعة يتظاىروف بالصبلح‪ ،‬ىذه شهوة بكل إنساف‪.‬‬
‫يَػتَطَه ُ‬

‫لقد بلغت الوقاحة بقوـ سيدنا لوط حد اَّاىرة ٓتطيئتهم‪ ،‬وبلغ ُّم العمى أف راودوا‬

‫لوطاً ‪ ‬عن ضيفو‪ ،‬وقد ضاؽ ‪ُّ ‬م ذرعاً‪ ،‬وعرض عليهم الزواج الشرعي من بناتو حيث‬

‫أف ىذا ىو أطهر ‪٢‬تم‪ ،‬حىت ال ٮتزوه ُب ضيفو‪ ،‬إال أهنم رفضوا ىذا العرض وقالوا‪{ :‬قَالُواْ‬
‫ك ِم ْن َح ٍّق‪ )=?( }...‬سورة ىود‪ :‬ال ‪٨‬تب النساء‪.‬‬
‫ت َما لَنَا فِي بَػنَاتِ َ‬
‫لََق ْد َع ِل ْم َ‬
‫ك لَتَػ ْعلَ ُم َما نُ ِري ُد}‪ :‬من الوساخة والسفالة‪.‬‬
‫{‪َ ...‬وإِنَّ َ‬
‫فلما رفضوا الزواج من بناتو‪ ،‬وأصروا على ما جاؤوا من أجلو‪ ،‬طمأنو ضيوفو بأهنم لن‬
‫يصلوا إليو‪ ،‬وأخربوه بأهنم مبلئكة‪ ،‬جاؤوا ليقطعوا دابرىم مصبحُت‪ٍ ،‬ب طلبوا من سيدنا‬
‫لوط أف يسري بأىلو بقطْع من الليل‪ ،‬من غَت أف يلتفت منكم أحد بنفسو إىل أقربائو‪،‬‬
‫ألهنم كفرة فجرة‪ ،‬وذلك كيبل تتلوث نفوسكم بالتفاتكم إليهم من شفقة أو عطف‪ ،‬أما‬
‫تغربت‬
‫امرأتك فقد قدرنا عليها ما قدرنا على قومك وإنو مصيبها ما أصاُّم‪ ،‬ألف نفسها َّ‬

‫من نفوس قومها‪ ،‬بسبب حبها ألىلها وميلها ‪٢‬تم‪ ،‬بدؿ االلتفات إليك‪ ،‬أو االستماع‬
‫لك‪.‬‬
‫حاد اهلل ورسولو‪.‬‬
‫من أجل ذلك حذر اهلل سبحانو وتعاىل ا‪١‬تؤمنُت‪ ،‬أف يعلّقوا قلوُّم ٔتن َّ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬ال تَ ِج ُد قَػ ْوًما يػُ ْؤِمنُو َف بِاللَّ ِو َوالْيَػ ْوِـ ْاآل ِخ ِر يػُ َوادُّو َف َم ْن َح َّ‬
‫اد اللَّوَ َوَر ُسولَوُ‬
‫ب فِي قُػلُوبِ ِه ُم‬
‫اءى ْم أ َْو إِ ْخ َوانَػ ُه ْم أ َْو َع ِش َيرتَػ ُه ْم أ ُْولَئِ َ‬
‫اءى ْم أ َْو أَبْػنَ ُ‬
‫َولَ ْو َكانُوا آبَ ُ‬
‫ك َكتَ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِْ‬
‫ين ِف َيها‬
‫يما َف َوأَيَّ َد ُىم بِ ُر ٍ‬
‫وح ّْم ْنوُ َويُ ْدخلُ ُه ْم َجنَّات تَ ْج ِري من تَ ْحت َها ْاألَنْػ َه ُ‬
‫اإل َ‬
‫ار َخالد َ‬
‫ِ‬
‫ضوا ع ْنو أُولَئِ َ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب اللَّ ِو ُى ُم ال ُْم ْف ِل ُحو َف}‬
‫ب اللَّو أ ََال إِ َّف ح ْز َ‬
‫ك ح ْز ُ‬
‫َرض َي اللَّوُ َع ْنػ ُه ْم َوَر ُ َ ُ ْ‬
‫(‪ )88‬سورة اَّادلة‪.‬‬
‫إف إتياف ىذا ا‪١‬تنكر أصبح ُب اَّتمعات ا‪ٟ‬تديثة شائعاً‪ ،‬كما أنو أصبح مشروعاً عند‬
‫بعض الدوؿ الغربية‪ ،‬وىذا الشذوذ تفشى كثَتاً ُب بعض دوؿ الشرؽ األدىن‪ ،‬فإذا أىلك‬
‫اهلل قوـ لوط ُّذا العمل السيء‪ ،‬الذي يقضي على ا‪ٟ‬ترث والنسل‪ ،‬والذي ليس لو من‬
‫شهوة سوى الشذوذ ا‪ٞ‬تنسي ُب نفوس مرتكبيو‪ ،‬فما بالك وحاؿ اَّتمع ا‪ٟ‬تديث كما نراه‬
‫من ٗتنث ومشاُّة بُت الرجاؿ والنساء‪ ،‬إال أف نتوقع ىبلكاً مروعاً يشيب ‪٢‬تولو الولداف‪.‬‬
‫ِ‬
‫يء بِ ِه ْم‪ :}...‬استاء وضاؽ صدره ُّم‪:‬‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬ولَ َّما َج ْ‬
‫اءت ُر ُسلُنَا لُوطًا س َ‬
‫ضا َؽ بِ ِه ْم َذ ْر ًعا‪ :}...‬ضاؽ صدره من ‪٣‬تيئهم‪ ،‬ألنو يعرؼ أف قومو أرذاؿ‪...{ :‬‬
‫{‪َ ...‬و َ‬

‫ِ‬
‫َوقَ َ‬
‫يب}‪:‬ال خبلص بو‪َ { :‬و َجاءهُ قَػ ْوُموُ يُػ ْه َرعُو َف إِلَْي ِو َوِمن قَػ ْب ُل َكانُواْ‬
‫اؿ َى َذا يَػ ْوٌـ َعص ٌ‬
‫السيّْئَ ِ‬
‫اؿ يَا قَػ ْوِـ َى ُؤالء بَػنَاتِي ُى َّن‬
‫ات‪ :}...‬السفالة‪ :‬ىذه صفتهم‪...{ :‬قَ َ‬
‫يَػ ْع َملُو َف َّ‬
‫أَطْهر لَ ُكم‪ :}...‬أزوجكم إياىن‪...{ :‬فَاتَّػ ُقواْ اللّوَ‪ :}...‬أال ٗتجلوف؟!‪...{ .‬والَ تُ ْخز ِ‬
‫وف‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َُ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫فِي َ ِ‬
‫س ِمن ُك ْم َر ُج ٌل َّر ِشي ٌد}‪:‬أال يوجد فيكم رجل عاقل يستنكر ىذا العمل؟!‪.‬‬
‫ض ْيفي أَلَْي َ‬
‫ت ما لَنا فِي بػناتِ َ ِ‬
‫ك لَتَػ ْعلَ ُم‬
‫‪٨‬تب النساء‪َ ...{ :‬وإِنَّ َ‬
‫ََ‬
‫{قَالُواْ لََق ْد َعلِ ْم َ َ َ‬
‫ك م ْن َح ٍّق‪ :}...‬ال ّ‬
‫اؿ لَ ْو أَ َّف لِي بِ ُك ْم قُػ َّوةً‪:}...‬ألرّدكم‪...{ :‬أ َْو آ ِوي‬
‫َما نُ ِري ُد}‪ :‬من الوساخة والسفالة‪ { :‬قَ َ‬
‫ٍِ‬
‫ِ‬
‫ط إِنَّا ُر ُس ُل‬
‫‪:‬ظهر أستند إليو‪ ،‬أو أحد أركن إليو ُب دفعكم‪{:‬قَالُواْ يَا لُو ُ‬
‫إلَى ُرْك ٍن َشديد} ٌ‬
‫ك‪:}...‬ا‪١‬تلك ال يُعرؼ وىو بصورة إنساف‪ ،‬سيدنا إبراىيم ‪ ،‬زوجة سيدنا إبراىيم‬
‫َربّْ َ‬
‫وسيدنا لوط ‪ ‬مل يعرفوىم‪ ...{ :‬لَن ي ِ‬
‫ك بِِقطْ ٍع ّْم َن اللَّْي ِل َوالَ‬
‫َس ِر بِأ َْىلِ َ‬
‫صلُواْ إِلَْي َ‬
‫ك فَأ ْ‬
‫َ‬
‫يػلْت ِف ْ ِ‬
‫ك‪ :}...‬كانت ٖتب قومها‪ ،‬كفرت‬
‫َح ٌد‪:}...‬إليهم باحملبة‪...{ :‬إِالَّ ْام َرأَتَ َ‬
‫ََ‬
‫ت من ُك ْم أ َ‬
‫ِ‬
‫َصابَػ ُه ْم‪:}...‬‬
‫‪٬‬تره ‪ٟ‬تاؿ من ٭تب‪ ...{ :‬إِنَّوُ ُمصيبُػ َها َما أ َ‬
‫ْتبّها لقومها‪ ،‬كذلك ّ‬
‫حب ا‪١‬ترء ّ‬
‫ستهلك معهم‪ ،‬ألهنا كافرة مثلهم‪ .‬على اإلنساف أف يعلّق قلبو بأىل الطهارة‪...{ :‬إِ َّف‬
‫الص ْب ُح بَِق ِر ٍ‬
‫يب}‪ :‬جاؤوا وقت الصبح‪{ :‬فَػلَ َّما َجاء أ َْم ُرنَا َج َعلْنَا‬
‫س ُّ‬
‫َم ْو ِع َد ُى ُم ُّ‬
‫الص ْب ُح أَلَْي َ‬
‫َعالِيَػ َها َسافِلَ َها‪ :}...‬حصل ‪٢‬تم زلزاؿ إذ قَػلَب األرض‪َ ...{ :‬وأ َْمطَ ْرنَا َعلَْيػ َها ِح َج َارًة ّْمن‬
‫ِس ّْج ٍ‬
‫مسجل عليو عملو من حسنات وسيئات‪:‬‬
‫يل‪ :}...‬من سجل عملهم‪ ،‬كل واحد ّ‬
‫{‪َّ ...‬من ُ ٍ‬
‫س َّوَمةً‪ :}..‬كل واحد وببلؤه على حسب ما‬
‫ضود}‪ :‬متتالية‪ ،‬واحد بعد واحد‪ُّ { .‬م َ‬
‫حجر وعليو اسم صاحبو‪ ،‬يصيبو على حسب حالو‪ ،‬فالببلء ‪٥‬تصص‬
‫يستحق‪ ،‬كل َ‬
‫ِ‬
‫ك وما ِىي ِمن الظَّالِ ِمين‪ :}...‬اآلف‪ ...{ :‬بِب ِع ٍ‬
‫يد}‬
‫َ‬
‫َ‬
‫والر‪ٛ‬تة ‪٥‬تصصة‪...{ :‬عن َد َربّْ َ َ َ َ َ‬
‫(== ػ‪ )>9‬سورة ىود‪ :‬كل واحد سيناؿ ح ّقو‪ .‬زالزؿ ىربوا منها‪ ،‬فإذا ا‪ٟ‬تجارة تر‪ٚ‬تهم من‬
‫السماء‪.‬‬
‫إذف‪ :‬على اإلنساف أال يعلق قلبو با‪١‬تعرضُت فهذه زوجة رسوؿ اهلل لوط ‪ ‬كانت مغربة‬

‫النفس حيث كاف ‪٢‬تا ‪٤‬تبة لقومها فجاءىا الببلء معهم ٔتقدار ما تستحق‪ ،‬فمن حبها ‪٢‬تم‬
‫وتعلقها ُّم اغربت واتسخت نفسها فصارت رائحتها القلبية من رائحتهم‪.‬‬

‫علي عبدي وانظر نتائج ا‪١‬تعاصي) اإلنساف الصحيح ا‪١‬تؤمن‬
‫اهلل تعاىل يقوؿ لئلنساف (أقبل َّ‬
‫ال يعلق قلبو إال بأىل ا‪ٟ‬تق‪ ،‬وال يعلق قلبو بالكفرة (ا‪١‬تؤمن يبغض هلل و٭تب هلل ) فأحبب أىل‬
‫ؼ‬
‫كل كرب وىم‪ ...{ :‬الَ َخ ْو ٌ‬
‫الكماؿ‪ ،‬فا‪١‬ترء ٭تشر مع من ٭تب وأولئك ىم الناجوف من ٍّ‬
‫َّ ِ‬
‫آمنُواْ اتَّػ ُقواْ الل َّو َوُكونُواْ َم َع‬
‫ين َ‬
‫َعلَْي ِه ْم َوالَ ُى ْم يَ ْح َزنُو َف} (‪ )<8‬سورة يونس‪{ .‬يَا أَيُّػ َها الذ َ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ين} (?‪ )77‬سورة التوبة‪.‬‬
‫الصادق َ‬
‫***‬

‫أهــم يـذٌـٍ‬
‫ومن حناف اهلل علينا أف يضرب األمثلة لنا للموعظة والعربة لعل عاص يتوب ويقلع‬
‫مرتكب‪ ،‬ويزوؿ الفساد من األرض ويعيش الناس بسعادة حقيقية ال نغص فيها‪ ،‬ويضرب‬
‫لنا مثبلً آخر عن أسباب ىبلؾ األمم‪:‬أىل مدين‪.‬‬
‫اؿ يَا قَػ ْوِـ ا ْعبُ ُدواْ اللّوَ َما لَ ُكم ّْم ْن‬
‫لقد أرسل اهلل إىل مدين أخاىم شعيباً‪ ...{ :‬قَ َ‬
‫ٍِ‬
‫ِ‬
‫َّاس‬
‫سواْ الن َ‬
‫إلَو غَيْػ ُرهُ قَ ْد َجاءتْ ُكم بَػيّْػنَةٌ ّْمن َّربّْ ُك ْم فَأ َْوفُواْ الْ َك ْي َل َوالْم َيزا َف َوالَ تَػ ْب َخ ُ‬
‫ض بػع َد إِ ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين}‬
‫اءى ْم َوالَ تُػ ْفس ُدواْ في األ َْر ِ َ ْ ْ‬
‫أَ ْشيَ ُ‬
‫صبلَح َها ذَل ُك ْم َخيْػ ٌر ل ُك ْم إف ُكنتُم ُّم ْؤمن َ‬
‫(;>) سورة األعراؼ‪.‬‬
‫كاف قوـ سيدنا شعيب ‪ ،‬قوـ مدين‪ ،‬أي أىل دنيا ورفاىية وترؼ‪ ،‬إثراء وغٌت‬
‫و‪ٝ‬تّوا (بأصحاب األيكة) إذ جعلوا من حضارهتم جنة‬
‫فاحش‪ .‬أقاموا حضارة دنيوية رائعة ُ‬

‫أرضية‪ ،‬أسسها الفساد والغش وا‪٠‬تداع وا‪ٟ‬تراـ‪.‬‬
‫إذ كانوا أىل حضارة راقية ومدنيَّة عالية ‪ٚ‬تعوا صنوؼ لذائذ ا‪ٟ‬تياة الدنيا وتباروا‬
‫بالتنافس ُّا‪ ،‬كما كانت لديهم حدائق وجنائن وبساتُت معطاءة أكرمهم رُّم ُّا فضلوا‬
‫وأضلوا عن سبيلو‪ ،‬وعلى مذبح الدنيا الدنية ضحوا بالقيم اإلنسانية‪ ،‬فكاف ‪٫‬تهم ا‪ٞ‬تمع‬
‫يود سلب البائع‪ ،‬وغدوا ال‬
‫وا‪١‬تنع‪ ،‬فالبائع يود السلب والنهب من الشاري‪ ،‬والشاري ّ‬
‫يهمهم إال أمر أنفسهم‪ ،‬حىت فقدوا إنسانيتهم على حساب أنانيتهم‪ ،‬وغدا اإلنساف ذئباً‬

‫ُمناه سلب أخيو اإلنساف‪ ،‬ؤتا أف ىذا األسلوب من ا‪ٟ‬تياة يفرؽ اإلنساف عن أخيو‬
‫اإلنساف‪ ،‬ويوقع البغض والنفور والعداء و‪٬‬تعل ا‪ٟ‬تياة جحيماً نفسياً ال يطاؽ‪ ،‬وحُت‬
‫يذىب اإلنساف إىل ربو إثر مفارقتو ا‪ٟ‬تياة‪ .‬يذىب وليس لو عمل صاّب بُت يديو يواجو بو‬
‫ربو لَتقى ُب جناتو جزاء ما قدَّـ‪ ،‬إنو مل ُ٭تسن ‪١‬تخلوقاتو بل أساء ما استطاع دوف رادع أو‬
‫وازع‪ ،‬فبل أعماؿ يتقرب ُّا لربو ليناؿ ا‪ٞ‬تنات وبذا ٮتسر الداريْن دنياه وأخراه‪ ،‬فيسقط ُب‬

‫ودياف ا‪ٟ‬تسرات والندامة وا‪٠‬تجل‪ ،‬وخوفاً على قومو وحبّاً ُّم هنض سيدنا شعيب ‪‬‬
‫ناصحاً ‪٢‬تم رؤوفاً ُّم شفوقاً عليهم‪ ،‬علّو ينقذىم‪ ،‬من ودياف ومراتع الشقاء إىل مرابع‬

‫السعادة وا‪٢‬تناء‪ .‬فالرسل كلهم على نسق واحد وكل متابع ‪٢‬تم من أىل ا‪ٟ‬تق ىذا‬
‫قولو‪...{:‬يَا قَػ ْوِـ ا ْعبُ ُدواْ اللّوَ َما لَ ُكم ّْم ْن إِلَ ٍو غَيْػ ُرهُ‪،}...‬وقد جاء أىل مدين ‪٤‬تل‬
‫(قحط) وحفظ اهلل لسيدنا شعيب ‪ ‬مالو فذكرىم ٔتن سبق ‪٦‬تن ىلكوا بسبب حبهم‬
‫للدنيا وتنافسهم ُّا‪ ،‬وحذرىم من الفساد ُب األرض بعد إصبلحها‪ ،‬بعمارة األبنية‬
‫والقصور‪ ،‬وما تبثو من فساد ُب قلوب العباد‪ ،‬فانظروا نتائج أىل الفساد الذين دلوا غَتىم‬
‫حل ُّم!‪.‬‬
‫على األعماؿ ا‪١‬تنحطة ماذا َّ‬

‫ولقد حذرىم سيدنا شعيب ‪ ‬من الفسق‪ ،‬ومن التبلعب بالكيل وا‪١‬تيزاف‪ ،‬أو أف‬

‫يبخسوا الناس أشياءىم‪ .‬ألف ىذا األسلوب الشيطاين‪ ،‬يولد ا‪ٟ‬تقد والبغضاء بُت البائع‬
‫وا‪١‬تشًتي‪ ،‬والغش والتحايل ال ُب البيع والشراء فحسب‪ ،‬بل ُب ‪ٚ‬تيع ا‪١‬تعامبلت ا‪١‬تعاشية‪.‬‬
‫وىو أيضاً يفسد الضمائر ويعتادوف على الكذب؛ وإذا فسد الضمَت‪ ،‬شاع الفساد ُب‬
‫وحل الشقاء‪ ،‬وخسروا ا‪ٟ‬تياة األبدية األُخروية الباقية‪ ،‬على مذبح ا‪ٟ‬تياة الدنيا‬
‫األرض‪َّ ،‬‬
‫الفانية‪ .‬من أجل ذلك حذرىم رسو‪٢‬تم بقولو‪َ ...{ :‬والَ تُػ ْف ِس ُدواْ فِي األ َْر ِ‬
‫ض بَػ ْع َد‬
‫إِ ِ ِ‬
‫ِِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين} (;>) سورة األعراؼ‪.‬‬
‫ْ‬
‫صبلَح َها ذَل ُك ْم َخيْػ ٌر ل ُك ْم إف ُكنتُم ُّم ْؤمن َ‬
‫إف مثل الذين يبتاعوف حاجيات الناس بثمن ٓتس‪ ،‬ويبيعوهنم ما ٭تتاجوف إليو بثمن‬
‫مرت فع‪ ،‬كمثل ا‪١‬تنشار الذي يأكل من ا‪٠‬تشب ُب الذىاب واإلياب‪ .‬من غَت أف يفيد‬
‫ا‪٠‬تشب إال التقطيع والتمزيق‪.‬‬
‫كذلك فإف األعماؿ اليت كاف يقوـ ُّا أولئك القوـ‪ ،‬تولد البغض بدؿ ا‪ٟ‬تب‪ ،‬والقطيعة‬
‫والتفرقة بدؿ التآزر والتعاوف‪ .‬إف شراء مقتنيات الناس بثمن ٓتس‪ٍ،‬ب بيعهم بضائعهم بثمن‬
‫َّ ِ‬
‫ين إِذَا‬
‫مرتفع‪ ،‬ىو أسلوب من يأكل وال يطعم‪ ،‬وىو بالتايل أسلوب ا‪١‬تطففُت‪{ :‬الذ َ‬
‫ا ْكتَالُواْ َعلَى الن ِ‬
‫وى ْم يُ ْخ ِس ُرو َف} (‪ 8‬ػ‪ )9‬سورة‬
‫وى ْم أَو َّوَزنُ ُ‬
‫َّاس يَ ْستَػ ْوفُو َف‪َ ،‬وإِذَا َكالُ ُ‬
‫ا‪١‬تطففُت‪.‬‬

‫و‪١‬تا حذرىم سيدنا شعيب من ىذا األسلوب‪ ،‬وبعد أف بُت ‪٢‬تم النتائج اليت تنجم عن‬

‫تلك ا‪١‬تعاملة‪ ،‬راحوا ٭تذروف الناس منو ومن أتباعو‪ ،‬ويقعدوف ‪٢‬تم ُب كل طريق(‪،)2‬‬

‫ليصدوىم عن ‪ٝ‬تاع ا‪ٟ‬تق‪ ،‬وىكذا وبدؿ أف يستمعوا إىل موعظة رسو‪٢‬تم‪ ،‬قاموا يصدوف‬
‫عن سبيل اهلل ويتوعدوهنم‪ ،‬ألهنم يريدوهنا ِعوجاً‪ .‬ناجزوه مناجزة وطلبوا منو تعنتاً أف ٯتطر‬
‫اب يَػ ْوِـ الظُّلَّ ِة‬
‫عليهم كسفاً من السماء إف كاف صادقاً فأخذىم اهلل با‪٢‬تبلؾ‪َ ...{ :‬ع َذ ُ‬

‫‪ )7>?( }...‬سورة الشعراء‪.‬‬

‫أما جواُّم فبل ٮتتلف عما قيل لغَته من الرسل الكراـ‪ ،‬كذلك فإف سيدنا شعيباً ‪ ‬مل‬

‫يقل غَت ما قالو الرسل من قبل ومن بعد‪١ ،‬تا فيو شفاؤىم وسعادهتم‪ .‬إال أف كل رسوؿ يعطي‬
‫اىتماماً خاصاً ‪١‬تعا‪ٞ‬تة الظاىرة السيئة البارزة ُب قومو‪.‬‬
‫اؿ لَهم ُشعيب أََال تَػتَّػ ُقو َف‪،‬إِنّْي لَ ُكم رس ٌ ِ‬
‫ين‪،‬فَاتَّػ ُقوا‬
‫وؿ أَم ٌ‬
‫ْ َُ‬
‫لذلك قاؿ ‪٢‬تم رسو‪٢‬تم‪{ :‬إِ ْذ قَ َ ُ ْ َ ْ ٌ‬
‫ِِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين‪،‬أ َْوفُوا الْ َكْي َل َوَال‬
‫ي إَِّال َعلَى َر ّْ‬
‫َج ٍر إِ ْف أ ْ‬
‫َسأَلُ ُك ْم َعلَْيو م ْن أ ْ‬
‫اللَّوَ َوأَطيعُوف‪َ ،‬وَما أ ْ‬
‫ب ال َْعالَم َ‬
‫َج ِر َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين‪َ ،‬وِزنُوا بِال ِْق ْسطَ ِ‬
‫اءى ْم‪:}...‬‬
‫َّاس أَ ْشيَ ُ‬
‫تَ ُكونُوا م َن ال ُْم ْخس ِر َ‬
‫سوا الن َ‬
‫اس ال ُْم ْستَق ِيم‪َ ،‬وَال تَػْب َخ ُ‬
‫تُبخس لو البضاعة وٖتقرىا لتأخذىا بثمن ٓتس‪...{ :‬وَال تَػعثَػوا فِي ْاألَر ِ ِ ِ‬
‫ين}‪:‬‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ ْْ‬
‫ض ُم ْفسد َ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َِّ‬
‫ين}(==‪7‬ػ‪)7>:‬‬
‫كل ذلك ‪٬‬تر الفساد بُت الناس‪َ { :‬واتَّػ ُقوا الذي َخلََق ُك ْم َوالْجبل َة ْاأل ََّول َ‬
‫سورة الشعراء‪.‬‬
‫وما كاف جواُّم إال أف‪{ :‬قَالُوا إِنَّما أ َ ِ‬
‫َنت إَِّال‬
‫ين}‪:‬تتخيل‪َ { :‬وَما أ َ‬
‫َ‬
‫س َّح ِر َ‬
‫َنت م َن ال ُْم َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫شر ّْمثْػلُنَا وإِف نَّظُن َ ِ‬
‫ِِ‬
‫الس َماء إِف‬
‫َسق ْ‬
‫ط َعلَْيػنَا ك َس ًفا ّْم َن َّ‬
‫ين}‪ :‬ىذا ظننا‪{ .‬فَأ ْ‬
‫بَ َ ٌ‬
‫َ‬
‫ُّك لَم َن الْ َكاذب َ‬
‫نت ِمن َّ ِ ِ‬
‫اؿ َربّْي أَ ْعلَ ُم بِ َما تَػ ْع َملُو َف}‪:‬‬
‫ين}‪ٍّ :‬نزؿ الببلء علينا‪ .‬ىذا ىو الكفر‪{ :‬قَ َ‬
‫الصادق َ‬
‫ُك َ َ‬
‫ِ َُّّ ِ‬
‫غمت عليهم‬
‫َىو الذي ٍّ‬
‫ينزؿ‪{ :‬فَ َك َّذبُوهُ فَأ َ‬
‫َخ َذ ُى ْم َع َذ ُ‬
‫اب يَػ ْوـ الظلة‪ :}...‬سحابة ّ‬
‫ٍ‬
‫ِِ‬
‫ين}‬
‫اب يَػ ْوـ َع ِظ ٍيم‪،‬إِ َّف فِي ذَلِ َ‬
‫فأىلكتهم‪ ..{ :‬إِنَّوُ َكا َف َع َذ َ‬
‫ك َآليَةً َوَما َكا َف أَ ْكثَػ ُرُىم ُّم ْؤمن َ‬
‫(;>‪7‬ػ‪ )7?6‬سورة الشعراء‪.‬‬
‫اط تُ ِ‬
‫صػػر ٍ‬
‫وعػ ُدو َف وتَصػػدُّو َف َعػػن س ػبِ ِ ِ‬
‫(‪ )8‬قػػاؿ تعػػاىل علػػى لسػػاف شػػعيب ‪{ : ‬والَ تَػ ْقعػ ُدواْ بِ ُكػ ّْ ِ‬
‫آمػ َػن بِػ ِػو َوتَػْبػغُونَػ َهػػا ِع َو ًجػػا‬
‫َ ُ‬
‫َ ُ‬
‫يل اللّػػو َمػ ْػن َ‬
‫َ‬
‫ػل َ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ين} (<>) سورة األعراؼ‪.‬‬
‫َواذْ ُك ُرواْ إِ ْذ ُكنتُ ْم قَلِيبلً فَ َكثػ ََّرُك ْم َوانظُُرواْ َكيْ َ‬
‫ف َكا َف َعاقبَةُ ال ُْم ْفسد َ‬

‫لقد بادت تلك ا‪ٟ‬تضارة وا‪١‬تدنية وكأهنا مل تكن وعاد الطابع البدوي الرعوي‪ ،‬وغدت‬
‫ا‪ٞ‬تنات والعيوف غابات وأحراشاً طبيعية أصبحت للناجُت ٔتثابة مراع يرعوف فيها مواشيهم‬
‫ك ِمْنػ َها قَآئِ ٌم‪ :}...‬بآثارىا ما تزاؿ قائمة‬
‫ك ِم ْن أَنبَاء الْ ُق َرى نَػ ُق ُّ‬
‫صوُ َعلَْي َ‬
‫وسوائمهم‪َ {:‬ذلِ َ‬
‫ظاىرة{‪...‬وح ِ‬
‫اى ْم‪ :}...‬حاشا هلل‬
‫صي ٌد}‪ :‬زالت عن بكرة أبيها‪ ،‬مل يبق ‪٢‬تا أثر‪َ {:‬وَما ظَلَ ْمنَ ُ‬
‫ََ‬
‫أف يظلم أحداً‪ ،‬خلقك وأعطاؾ أىلية َّ‬
‫تامة‪ .‬فكيف يقولوف‪ :‬إنو كتب أناساً للنار‪ ،‬وأناساً‬
‫ِ‬
‫للجنَّة؟!‪ .‬ىذا كلو ٍّ‬
‫س ُه ْم‪ :}...‬ىم‬
‫يكذبو قولو تعاىل‪ :‬وما ظلمناىم‪َ ...{:‬ولَكن ظَلَ ُمواْ أَن ُف َ‬
‫أعرضوا‪ ،‬فضلوا‪ ،‬أرسل ‪٢‬تم الرسل لَتشدوىم‪ ،‬ما قدَّر اهلل عليك الشقاوة‪ ،‬لكن ق ّدر أنك إف‬
‫سرت ُّذا الطريق أصابك الشقاء‪ ،‬وإف سرت ُّذا أصابك ا‪٠‬تَت‪ ،‬ما حتّم عليك‪ .‬ظلموا‬

‫ت‬
‫أنفسهم إذ مل يف ّكروا‪ ،‬كل من اجتهد فف ّكر وعقل سبق‪ ،‬اَّتهد يرقى‪ ...{ :‬فَ َما أَ ْغنَ ْ‬
‫َعْنػهم آلِهتُػهم الَّتِي ي ْدعُو َف ِمن ُد ِ‬
‫وف الل ِّو ِمن َش ْي ٍء‪ :}...‬اليت كانوا يعبدوهنا‪ ،‬كانوا يدعوف‬
‫َ‬
‫ُْ َ ُُ‬
‫آ‪٢‬تة‪ ،‬فما أفادهتم عند الببلء شيئاً‪ .‬كذلك كل من يطيع ما سوى اهلل‪ ...{ :‬لّْ َّما َجاء أ َْم ُر‬
‫٭تل ا‪١‬توت بأحد‪ ،‬ال يستطيع دفعو‬
‫َربّْ َ‬
‫ك‪ :}..‬ما استطاعوا دفع الببلء‪ ،‬كذلك اآلف عندما ّ‬
‫وى ْم غَْيػ َر تَػْتبِ ٍ‬
‫يب}‪:‬خسارة وخسراف‪:‬‬
‫وقوة‪َ ...{ :‬وَما َز ُ‬
‫اد ُ‬
‫عنو أحد‪ ،‬مهما كاف لو جند ّ‬
‫ك‪ :}...‬ىذا قانوف‪ ،‬كل من سار ُّذا السَت حق عليو ا‪٢‬تبلؾ‪ .‬ف ّكر بنفسك‪ ،‬أعطاؾ‬
‫{ َوَك َذلِ َ‬
‫ك إِ َذا‬
‫اهلل أىليّة‪ ،‬تستطيع ُّذا الكوف‪ ،‬الوصوؿ لئلٯتاف وحدؾ‪ ،‬من دوف أحد‪...{ :‬أَ ْخ ُذ َربّْ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم‬
‫أَ‬
‫َخ َذ الْ ُق َرى َوى َي ظَال َمةٌ‪ :}...‬ضمن عدالة‪ ،‬ال يأخذ إالّ الظامل‪ ...{ :‬إِ َّف أَ ْخ َذهُ أَل ٌ‬
‫ك آليَةً‪ :}...‬دالّة‪ ،‬ظاىرة‪،‬‬
‫َش ِدي ٌد}‪ :‬ولكن ليس ‪ٙ‬تة من يف ّكر‪ :‬يراىا بعيدة‪{ :‬إِ َّف فِي ذَلِ َ‬
‫اؼ ع َذاب ِ‬
‫اآلخ َرِة‪ :}..‬فقط‪ ،‬وىو كل من ف ّكر واستدؿ‪ ،‬فعرؼ أف‬
‫مكشوفة‪ ...{ :‬لّْ َم ْن َخ َ َ َ‬
‫ىناؾ موتاً‪ ،‬وملكاً سيقبض روحو‪ ،‬ومن بعده عذاب أو جنة‪ ،‬ىذا الشخص يستفيد من ىذا‬

‫الكبلـ‪.‬‬
‫فف ّكر يا إنساف‪ ،‬مهما فعلت ال ب ّد من ا‪١‬توت‪ .‬ىذه آية ‪١‬تن يف ّكر ويؤمن باآلخرة‪ ،‬فمن‬
‫ال يف ّكر با‪١‬توت‪ ،‬ال يفقو من كبلـ اهلل شيئاً‪ ،‬األماين ال تغٍت‪...{ :‬ذَلِ َ‬
‫ك يَػ ْوٌـ َّم ْج ُموعٌ لَّوُ‬
‫ك يَػ ْوٌـ َّم ْش ُهو ٌد}(‪ 766‬ػ‪ )769‬سورة‬
‫َّاس‪ :}...‬من آدـ ‪ ،‬إىل يوـ القيامة‪َ ...{ :‬وذَلِ َ‬
‫الن ُ‬

‫ىود‪ :‬تنكشف حقائق ا‪٠‬تلق‪ ،‬كل إنساف البس ثوبو‪ ،‬كل واحد البس عملو‪ .‬ىنالك ا‪٠‬تزي‬
‫وصل اآلف‪ ،‬فا‪ٟ‬تسنات‬
‫وا‪٢‬تواف‪ ،‬لقد ضيّعوا الغاية اليت خلقوا وأوجدوا من أجلها‪ ،‬فتب ٍّ‬
‫يذىنب السيئات‪ ،‬فتبلؼ أمرؾ‪ ،‬ال تنقطع عن اهلل حىت تنزع الثوب الوسخ‪ ،‬وتلبس الثوب‬
‫النظيف وٖتقق الغاية اليت خلقت ألجلها‪ .‬فبل تنشغل ٔتا ىو ليس لك عما ىو لك ؤتا‬
‫عما ُخلِقت ألجلو‪.‬‬
‫ُخلق ألجلك ّ‬

‫تلكم حملة موجزة سقناىا ُب ىذا البحث‪ ،‬تكلمنا فيها عن حياة معظم األمم البائدة اليت‬
‫ذكرىا تعاىل ُب كتابو الكرًن‪ .‬وأشرنا إىل أىم األعماؿ اليت كانت تفعلها‪ ،‬واألقواؿ اليت‬
‫عارضت ُّا رسلها‪ٍ .‬ب ٖتدثنا عن ا‪١‬تستوى ا‪ٟ‬تضاري الذي بلغتو بعض تلك األمم كقوـ عاد‪،‬‬
‫وىذه ا‪ٟ‬تضارات الزائغة بأفانينها ا‪١‬تتعددة اليت تشغل النفوس عن ذكر اهلل‪ ،‬وإذا أعرضت‬

‫النفوس عن اهلل‪ ،‬أصبحت تعيش معيشة ضنكاً ولن تغنيها ا‪١‬تادة عن الروح‪ .‬كذلك تبُت لنا‬
‫من خبلؿ دراستنا لتلك األمم النتائج ا‪١‬تؤسفة اليت وصلت إليها‪١ ،‬تا ظلموا أنفسهم‪ ،‬واتبعوا‬
‫أىواءىم‪ ،‬ونسوا الغاية اليت خلقوا من أجلها‪.‬‬
‫وكيبل يقع علينا ما وقع على قوـ نوح وىود وصاّب ولوط وشعيب عليهم السبلـ وكيبل‬
‫نضيٍّع الغاية اليت خلقنا من أجلها‪ ،‬لذا ال َّ‬
‫بد من وقفة نبُت فيها غاية ا‪ٟ‬تق من إ‪٬‬تاد‬
‫ا‪٠‬تلق‪:‬‬
‫***‬

‫غاٌت انذك يٍ إٌجاد انخهك‬
‫ال َّ‬
‫بد أف كل إنساف وع ْػرب فًتات عمره قد دارت ُب خلده أسئلة كثَتة‪ ،‬فهو منذ‬

‫طفولتو ومع بداية إدراكو و٘تييزه يسأؿ عما يراه‪ .‬فقد يسأؿ الطفل إذا نظر إىل السماء‬
‫مثبلً‪١ ،‬تاذا تلمع ىذه النجوـ؟‪ .‬وأين تذىب الشمس ُب ا‪١‬تساء؟‪ .‬ومن أين ٕتيء‬
‫الغيوـ؟‪ .‬إىل غَت ذلك من األسئلة ‪.‬‬
‫إلهامات وتساؤالت‪ :‬ومع ‪٪‬تو إدراؾ ىذا الطفل تكثر أسئلتو‪ ،‬طالباً من خبل‪٢‬تا‬
‫التعرؼ إىل ىػذا الكػوف‪ ،‬وىكذا‪..‬‬
‫إىل أف يتجػاوز ُب تساؤالتو حدود ىذا الكوف ا‪١‬تادي‪ ،‬فينتقل إىل ‪٣‬تاؿ آخر ؛ فيتساءؿ‬
‫عن موجد ىذا الكوف؟!‪ .‬وأين ىو؟!‪ .‬وما غايتو من إ‪٬‬تاده؟!‪ .‬فحب االستطبلع من‬
‫أسس طبائع اإلنساف‪ ،‬فما حقيقة تلك األسئلة؟‪ .‬وما مصدرىا؟‪ .‬قد تظهر وكأهنا منبعثة‬
‫موجهة من اهلل عن‬
‫من نفس ذلك الطفل‪ ،‬إالَّ أف ا‪ٟ‬تقيقة غَت ذلك‪ ،‬فهذه األسئلة كلها َّ‬
‫طريق مبلئكتو ‪٢‬تذا الطفل‪ ،‬على شكل صوت خفي ينبض ُب قرارة نفسو‪ ،‬علَّها تقوـ‬
‫عما ُخلِ َق من أجلو‪ .‬فمن أجل أي شيء خلق ىذا‬
‫بتحريض ىذا اإلنساف ودفعو للبحث َّ‬
‫اإلنساف؟‪ .‬وىل صحيح أف ىذا السؤاؿ ال جواب لو؟‪.‬‬
‫أـ ىل ُخلِ َق من أجل مأكل ومشرب وزواج أو غَت ذلك من شهوات؟‪ .‬حتماً ليست‬
‫خلقت من أجلها ‪ ..‬فكل ما ىو دونك من ا‪١‬تخلوقات وا‪ٟ‬تيوانات‬
‫ىي الغاية اليت‬
‫َ‬
‫ٖتصل على مثل ىذا‪ ،‬وىي أوفر حظاً منك با‪ٟ‬تصوؿ على تلك الشهوات والتمتع ُّا‪..‬‬
‫فإف كانت الغاية لؤلكل والشرب‪ ،‬فالبقرة مثبلً تأكل عشرات األرطاؿ من طعامها‪..‬‬
‫بلذة وشهوة ونػَ َهم‪ ،‬فأي إنساف مهما بلغ ىل يسبقها بالطعاـ؟!‪.‬‬

‫وإف كانت الغاية النكاح‪ ،‬فالطيور أسبق منو بكثَت‪ ،‬فأي ديك عنده األعداد الكثَتة‬
‫وقد تصل للعشرات من الدجاجات‪ ،‬وكذا كساء الطيور وأرياشها فهي ذات ‪ٚ‬تاؿ منقطع‬
‫النظَت كالطاووس مثبلً ٔتا حوى من روائع ا‪٠‬تلق‪،‬ما يغنيها عن علوـ البشر ومصانع ِ‬
‫نسيجو‬
‫وصنع ا‪١‬تبلبس وما إليها من تعقيدات ا‪ٟ‬تضارة ومدنيتها‪َ ،‬و‪٠‬تلَق اهلل البشر على هنج‬

‫الطيور الفتانة الرائعة ا‪ٞ‬تماؿ دو‪٪‬تا جهد ونصب لتكاليف ا‪ٟ‬تياة ا‪١‬تعقدة ا‪١‬ترىقة‪ ،‬ولكفاه‬
‫كما يكفي تلك الطيور الراقية البديعة اليت تشدهُ العقوؿ وتسيب القلوب‪ ،‬تغدو بالصباح‬
‫‪ٜ‬تاصاً‪ ،‬وتعود با‪١‬تساء بطاناً‪ ،‬ببل جهد وال عمل مض ٍن‪.‬‬
‫فما الغاية اليت جئنا ألجلها إىل الدنيا إذف؟‪.‬‬

‫قيل‪ :‬خلقنا اهلل من أجل عبادتو‪ ،‬والدليل قولو تعاىل ‪{ :‬وما َخلَ ْق ُ ِ‬
‫ِ‬
‫نس‬
‫ََ‬
‫ت الْج َّن َو ْاإل َ‬
‫إَِّال لِيػ ْعب ُد ِ‬
‫وف} (<; ) سورة الذاريات‪.‬‬
‫َُ‬
‫لماذا خلقنا؟!‪..‬‬

‫صحيح ىذا‪،‬ولكن ىذا ا‪ٞ‬تواب للبعض ىو سؤاؿ ُب حػ ٍّػد ذاتػػو‪ ،‬فػلػم خػػلقنػػا اهلل وأمرنػا‬

‫بعبادتو؟‪ .‬ىل ألنو إلۤو وينبغي لئللۤو أف يكوف لديو من يعبده؟‪ .‬وىل ىو سبحانو وتعاىل‬
‫الصمد الذي ٯتد وال يستمد؟‪.‬‬
‫ْتاجة لعبادتنا وىو تعاىل َ‬
‫أـ أنو خلقنا وأمرنا بالعبادة ليذيقنا صنوفاً من ا‪١‬تشقات من أوامر ونواه؟!‪ .‬حتماً ما‬
‫كانت الغاية ال ىذه وال تلك‪ ،‬وحاشا هلل أف تكوف كذلك‪ .‬فإف كماؿ اهلل وأ‪ٝ‬تاءه ا‪ٟ‬تسٌت‬
‫تتناَب وىذه الغايات‪ ،‬فاهلل تعاىل غٍت عنّا وعن عبادتنا‪.‬‬
‫إذ يقوؿ تعاىل‪{ :‬ما أُ ِري ُد ِم ْنػهم ّْمن ّْرْز ٍؽ وما أُ ِري ُد أَف يط ِْعم ِ‬
‫وف} (=;) سورة‬
‫ُ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫ُ ُ‬

‫الذاريات‪.‬‬

‫وُب ا‪ٟ‬تديث القدسي الشريف‪:‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫(‪ ..‬يا عبادي‪ :‬لو َّ‬
‫واحد‬
‫صعيد‬
‫أف أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في‬
‫ٍ‬
‫إنساف مسألتو ما نقص ذلك مما عندي إالَّ كما ينقص‬
‫كل‬
‫فسألوني‬
‫ُ‬
‫فأعطيت ّ‬
‫ط إذا أُدخل البحر‪.)1()..‬‬
‫المخي ُ‬
‫غاية َخلقنا‪:‬‬

‫(‪ )7‬كنز العماؿ ج; رقم ‪./:9;?6/‬‬

‫إذف غاية ا‪ٟ‬تق من إ‪٬‬تاد ا‪٠‬ت ْلق ىو أف يتعرؼ اإلنساف على خالقو‪ ،‬وأف يعػمل‬
‫ا‪١‬ت ػعػروؼ واإلحساف ؛ وذلك بأف يؤمن باهلل ورسولو ؛ ويصبح صاحب بصَتة يرى ا‪٠‬تَت‬
‫من الشر ؛ فيعمل ا‪٠‬تَت‪ ،‬فيسعد ُب دنياه ويلقى ربو بعد موتو بوجو أبيض ٔتا قدَّـ لعباده‬
‫تعاىل من خَتات‪ ،‬فيخلد ُب جنَّاتو بالغبطة األبدية‪.‬‬
‫كنت قد َّ‬
‫قدمت لو فأقوؿ‪:‬‬
‫إليك بياف ما ُ‬

‫كاف اهلل ومل يكن معو شيء ؛ فبل أرض وال ‪ٝ‬تاء ؛ وال قمر وال ‪٧‬توـ ؛ وال غَت ذلك من‬
‫‪٥‬تلوقات‪.‬‬
‫قلت أوؿ‪ ،‬فهو أوؿ وأوؿ‪ ،‬وليس لوجوده تعاىل أوؿ‪ ،‬وال شيء قبلو‪.‬‬
‫فمهما َ‬
‫ِ‬
‫ٍ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم} (‪ )9‬سورة ا‪ٟ‬تديد‪.‬‬
‫{ ُى َو ْاأل ََّو ُؿ َو ْاآلخ ُر َوالظَّاى ُر َوالْبَاط ُن َو ُى َو ب ُك ّْل َش ْيء َعل ٌ‬
‫الغاية من خلقنا‪..‬‬

‫وقد أراد اهلل وىو معدف ا‪ٞ‬تود واإلحساف‪ ،‬والر‪ٛ‬تة والفضل وا‪ٟ‬تػنػاف‪ ،‬وا‪ٞ‬تػمػاؿ والػعػظمػة‬

‫وا‪ٞ‬تبلؿ‪ ،‬وما إليها من األ‪ٝ‬تاء ا‪ٟ‬تسٌت الدالة على الكماؿ‪ ،‬أراد تعاىل أف ٮتلق ا‪١‬تخلوقات‬
‫ليذيقها من ر‪ٛ‬تتو‪ ،‬وليغمرىا ٍ‬
‫بفيض من ٍّبره وإحسانو‪.‬‬
‫وإف شئت فقل‪ :‬أراد تعاىل أف ٮتلق ا‪١‬تخلوقات ليغمرىا بذاتو‪ ،‬حىت تسبح متنعمة ُب‬
‫شهود ‪ٚ‬تالو‪ ،‬وتتمتع مستغرقة ُب رؤية كمالو‪.‬‬
‫وُب ا‪ٟ‬تديث القدسي الشريف‪( :‬كنت كنزاً مخفياً فأحببت أف أُعرؼ فخلقت‬
‫الخلق وعرفتهم بي فبي عرفوني )(‪.)1‬‬
‫وا‪١‬تراد بالكنز ىنا‪ :‬ىو ذلك ا‪ٞ‬تماؿ اإل ۤ‪٢‬تي العظيم‪ ،‬والكماؿ العايل الرفيع‪ .‬ومعٌت‬
‫المخفي‪ :‬أي الذي ال يعرفو أحد‪.‬‬
‫فأحببت أف أُعرؼ‪ :‬وذلك من كرمو تعاىل وكبَت فضلو‪ ،‬ألف من شأف الكرًن أف يظهر‬

‫كرمو وفضلو‪ ،‬ويفيض َّبره وإحسانو‪.‬‬

‫(‪ )7‬وقػػد وافػػق علػػى صػػحة ا‪ٟ‬تػػديث الشػػيخ علػػي مػػبل القػػاري مسػػتنداً إىل تأويػػل ابػػن عبػػاس رضػػي اهلل عنػػو لقولػػو تعػػاىل‪َ { :‬وَمػػا‬

‫اإلنس إَِّال لِيػ ْعب ُد ِ‬
‫َخلَ ْق ُ ِ‬
‫وف} (<;) سورة الذاريات‪ :‬أي ليعرفوين‪ .‬وقد اعتمده الصوفية وابن عريب وبنوا عليو أصوالً‪.‬‬
‫ت الْج َّن َو ِْ َ َ ُ‬

‫فخلقت الخلق‪ :‬ليتمتعوا بشهود ذلك ا‪ٞ‬تماؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬وليستغرقوا ُب رؤية ذلك‬
‫الكماؿ الذي ال يتناىى‪ .‬وىي تشَت ىنا إىل إ‪٬‬تاده تعاىل ا‪١‬تخلوقات ُب ذلك العامل الذي‬
‫يسمونو عامل األزؿ‪.‬‬
‫توصلوا ‪١‬تعرفيت‪ ،‬فتمتعوا برؤية ذلك‬
‫وعرفتهم بي‪ :‬أي عن طريق رؤيتهم ألنفسهم‪َّ ،‬‬
‫الكنز العايل‪ ،‬إذ شاىدوا طرفاً من ‪ٚ‬تايل وكمايل‪ :‬كاف ذلك كلو قبل ‪٣‬تيئنا إىل الدنيا‪.‬‬

‫ىذا‪ ،‬وسبب ا‪٠‬تروج إىل الدنيا ىو أف وقوؼ ىذه ا‪١‬تخلوقات عند درجة واحدة من‬
‫٘تل ا‪ٟ‬تاؿ الذي ىي فيو‪،‬‬
‫الرؤية للجماؿ وا‪ٞ‬تبلؿ اإل ۤ‪٢‬تي الذي شهدتو‪٬ ،‬تعلها فيما بعد ّ‬
‫مهما كاف عالياً‪ ،‬وال َّ‬
‫بد ‪٢‬تا حىت يكوف النعيم والفضل تاماً‪ ،‬من أف تًتقى ُب الرؤية من‬

‫حاؿ إىل حاؿ أعلى‪ ،‬بصورة جديدة كل ا‪ٞ‬تدَّة وال تتناىى‪ .‬وتقريباً لذلك من األذىاف‬
‫نقوؿ‪:‬‬
‫لو أف رجبلً ‪٬‬تلس ُب مزرعة فاتنة ‪ٚ‬تيلة مل تر مثلها العُت‪ ،‬وظل مقيماً فيها أمداً‬
‫طويبلً ‪ ..‬فبل شك أنو ٯتلّها‪ ،‬وال يعود يرى بعد حُت ما فيها من متعة و‪ٚ‬تاؿ‪ ،‬وال بد لو‬
‫حىت يدوـ لو النعيم‪ ،‬من أف ينتقل إىل بستاف جديد آخر أ‪ٚ‬تل وأحلى وأُّى ‪٦‬تا ىو فيو‪.‬‬
‫٘تل دواـ ا‪ٟ‬تػاؿ الواحػد‪..‬‬
‫المػلػل‪ :‬وال شك أف ا‪١‬تلل َّ‬
‫يتطرؽ إىل النفوس‪ ،‬فهي بطبيعتها ّ‬

‫٘تل تكرار ودواـ األصوات واألنغاـ الطروبة‪ ،‬بل وا‪١‬تآكل الفاخرة بتكرارىا‪،‬‬
‫حػىت أهنػا ّ‬
‫وكافة ا‪١‬تشتهيات ا‪١‬تتكررة بذاهتا‪.‬‬
‫وحيث أف ا‪١‬تخلوؽ ال يستطيع أف يًتقى ُب رؤية ا‪ٞ‬تماؿ اإلۤ‪٢‬تي من حاؿ إىل حاؿ أعلى‪،‬‬
‫إالَّ إذا كانت لو أعماؿ طيبة ٕتعلو واثقاً من رضاء خالقو عنو‪ ،‬وتكوف لو ٔتثابة مدارج يستطيع‬

‫يتقرب ُّا إىل اهلل تعاىل زلفى‪ ،‬لذا منحنا تعاىل حرية االختيار لنكسب األكثر‪ ،‬وأخرجنا‬
‫أف َّ‬
‫الغث من الثمُت‪ ،‬والعمل‬
‫تعاىل إىل ىذه الدنيا لنصبح أويل بصَتة‪٪ ،‬تيٍّز ا‪٠‬تَت من الشر‪ ،‬و َّ‬
‫الدينء من األعماؿ اإلنسانية السامية‪ ،‬والباقي من الزاىق الفاين‪ ،‬فننطلق إىل فعل ا‪٠‬تَتات‪ ،‬لذا‬
‫ا‪٠‬تَتة لنا‪ ،‬برؤيتو تعاىل اليت تدًن نفع‬
‫أرسل لنا رسبلً وأنبياء‪ ،‬أدالَّء على ا‪ٟ‬تق‪ ،‬ولنخضع ألوامره ٍّ‬
‫ما نطبٍّقو أبد اآلباد ُب ا‪ٟ‬تياة وبعد ا‪١‬تمات‪ ،‬فننفع عباده الذين ٭تبهم تعاىل كما ٭تبنا‪ ،‬ألنو ىو‬

‫أوجدىم وخلقهم و‪٪‬تَّاىم‪ ..‬وبأعمالنا الطيبة ‪٢‬تم‪ ،‬يرضى عنَّا‪ ،‬فحُت ننتقل إليو تعاىل إثر انتهاء‬
‫آجالنا‪ ،‬فإ‪٪‬تا ننتقل بوجو أبيض بأعمالنا الطيبة‪ ،‬فنُقبل عليو تعاىل‪ ،‬ونتمتع ّتناتو البلهنائية من‬
‫تتكرر باآلخرة‬
‫جراً‪ ،‬مرتكزين على الثقة ٔتا ق ّدمنا من أعماؿ عالية طيبة‪َّ ،‬‬
‫جنة ‪ٞ‬تنة أعلى َّ‬
‫وىلم ّ‬
‫أمامنا‪ ،‬فتكوف ٔتثابة مدارج ‪١‬تعارجنا با‪ٞ‬تنّات‪.‬‬
‫إذف‪ :‬فاهلل تعاىل خلق اإلنساف لفعل ا‪١‬تعروؼ وعمل اإلحساف‪ ،‬و‪١‬تا يبٌت عليهما ُب‬

‫اآلخرة من إكرامات وجنات وتلك غاية وجودنا إف آمنّا بو تعاىل فعرفناه‪ ،‬فصرنا أويل بصائر‬
‫بو تعاىل‪ ،‬فهو نور السموات واألرض‪ ،‬نرى ا‪٠‬تَت ونعملو‪ ،‬ونرى الشر فنتجنبو‪ ،‬فهو مانح‬
‫وخالق كل فضل ونعمة وإحساف‪ ،‬وما ىذه الدنيا بذات قرار‪ ،‬فكل من عليها فاف‪ ،‬ويبقى‬
‫وجو ربٍّك ذو ا‪ٞ‬تبلؿ واإلكراـ‪.‬‬
‫ؤتا أف الناس اليوـ على وجو ىذه البسيطة‪،‬ضيّعت تلك ا‪١‬تعرفة الثمينة‪ ،‬وخسرت‬
‫األعماؿ العظيمة اليت تنتجها معرفتها باهلل تعاىل‪ ،‬وأعملت تفكَتىا فقط با‪ٟ‬تياة الدنيا‬
‫الدنيئة‪ ،‬فإف الببلء بات بكل ‪ٟ‬تظة متوقعاً‪ ،‬شأهنم بذلك شأف األقواـ السابقة ا‪٢‬تالكة بل‬
‫َمر‪.‬‬
‫أدىى من ببلئهم وأ ّ‬

‫***‬

‫انفصم انثاًَ‬
‫في ىذا الفصل‪:‬‬
‫‪ ‬الساعة وحتمية وقوعها‪.‬‬
‫***‬

‫انغـــاعت ودتًٍت ولىعها‬
‫يعترب موضوع الساعة من ا‪١‬تواضيع الغامضة وا‪١‬تشوشة‪ ،‬ليس عند ا‪١‬تسلمُت وحسب‪،‬‬
‫بل عند غَتىم من أصحاب الديانتُت اليهودية والنصرانية‪.‬لقد خلط علماء ا‪١‬تسلمُت‪،‬‬

‫وعلماء النصارى‪ ،‬بُت الساعة اليت يأٌب ُّا السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬وبُت الساعة اليت تقوـ ُّا‬
‫القيامة‪ .‬فكاف معٌت قو‪٢‬تم إذ قالوا‪:‬إف الساعة اليت يأٌب ُّا السيد ا‪١‬تسيح‪ ،‬ىي نفسها‬
‫الساعة اليت ُّا تقوـ القيامة‪ ،‬وكما أف مفهوـ الساعة غامض ومشوش لديهم‪ ،‬فإهنم مل‬
‫يدركوا الغاية اليت يأٌب ُّا السيد ا‪١‬تسيح ‪.‬‬
‫فاليهود مثبلً الذين مل يعًتفوا بالسيد ا‪١‬تسيح عندما جاء ُب ا‪١‬ترة األوىل‪ ،‬يأملوف من‬
‫‪٣‬تيء السيد ا‪١‬تسيح ا‪ٟ‬تقيقي بزعمهم‪ ،‬أف يعيد ‪٢‬تم عزىم اآلفل و‪٣‬تدىم ا‪١‬تنهار‪ ،‬وذلك‬
‫بعد أف يصبح ا‪١‬تلك العا‪١‬تي‪.‬‬
‫والنصارى يأملوف أيضاً‪ ،‬أف يدخلهم السيد ا‪١‬تسيح ملكوت اآلب‪ ،‬بعد أف كفر عنهم‬
‫سيئاهتم وافتدى بدمو ا‪٠‬تطيئة األوىل‪.‬‬
‫أما ا‪١‬تسلموف فغايتهم منو عند ‪٣‬تيئو‪ ،‬أف يقتل الدجاؿ واليهود‪ ،‬ويكسر الصليب‪ ،‬من‬
‫غَت أف ٘تسهم األحداث اليت ترافق ‪٣‬تيئو بسوء‪ ،‬وىم اآلف على ما ىم عليو‪ ،‬تلك‬
‫أمانيهم‪ ،‬أما ا‪ٟ‬تقيقة فليست كذلك‪ ،‬ا‪ٟ‬تقيقة أف تتعرؼ على رب ا‪ٟ‬تق وا‪ٟ‬تقيقة‪ ،‬فإذا‬
‫آمنت باهلل من ذاتك بذاتك‪ ،‬عن طريق االستدالؿ بالكوف حق اإلٯتاف‪ٕ ،‬تد كل مسألة‬
‫ُب القرآف واضحة أشد الوضوح‪ ،‬مبينة كفلق الصبح‪.‬‬
‫من أجل ذلك لن ٕتد ‪٢‬تذا الكتاب مصدراً سوى القرآف الكرًن‪ ،‬ا‪ٞ‬تامع للصحف‬
‫السماوية‪ ،‬والتوراة والزبور واإل‪٧‬تيل‪ ،‬والسنة النبوية ا‪١‬تطهرة اليت تشرح عملياً معاين القرآف‪،‬‬

‫(‪)1‬‬
‫وبُت فيو كل شيء‪.‬‬
‫ذلك ألف اهلل سبحانو وتعاىل ما فرط ُب الكتاب من شيء َّ‬

‫ِ‬
‫ض والَ طَػائِ ٍر ي ِطيػر بِجنَاحي ِػو إِالَّ أُمػم أَمثَػالُ ُكم َّمػا فَػ َّرطْنَػا فِػي ِ‬
‫ٍِ‬
‫( ‪)7‬‬
‫الكتَ ِ‬
‫ػاب ِمػن َش ْػي ٍء ثُ َّػم إِلَػػى‬
‫ٌَ ْ‬
‫َ ُ َ َْ‬
‫قػاؿ تعػاىل‪َ { :‬وَمػا مػن َدآبَّػة فػي األ َْر ِ َ‬
‫ػك َشػ ِهي ًدا َعلَػى َى ُػؤالء َونَػ َّزلْنَػا‬
‫ش ُرو َف} (>‪ )9‬سورة األنعػاـ‪َ { ،‬ويَػ ْوَـ نَػ ْبػ َع ُ‬
‫َربّْ ِه ْم يُ ْح َ‬
‫ث فِي ُك ّْل أ َُّم ٍة َش ِهي ًدا َعلَػيْ ِهم ّْم ْػن أَن ُف ِسػ ِه ْم َو ِج ْئػنَػا بِ َ‬
‫ٍ‬
‫َعلَي َ ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫ِ ِِ‬
‫ين} (?>) سورة النحلسورة النحل(?>)‪.‬‬
‫ْ‬
‫ك ال َ‬
‫اب ت ْبػيَانًا لّْ ُك ّْل َش ْيء َو ُى ًدى َوَر ْح َمةً َوبُ ْش َرى لل ُْم ْسلم َ‬

‫إننا إزاء مفهوـ جديد‪ ،‬وإف شئت فقل إزاء حقيقة واقعنا‪ ،‬فهي جديدة كل ا‪ٞ‬تدة‪،‬‬
‫غريبة كل الغرابة‪ ،‬عما ألفو الناس وما ‪ٝ‬تعوه من منقوؿ‪ ،‬وىذه ا‪ٟ‬تقيقة الواقعية اليقينية‪،‬‬
‫مبنية على االستنباط من القرآف وحده‪ ،‬الذي يشمل السنة وا‪ٟ‬تديث والفقو‪ ،‬وكل ما يفيد‬
‫اإلنساف ويسعده ُب الدنيا واآلخرة‪.‬‬
‫وإف شئت ا‪ٟ‬تقيقة فقل إف اإلٯتاف التقليدي‪ ،‬غَت ا‪١‬تبٍت على اليقُت الذاٌب بالبحث‬
‫واإلستدالؿ‪ ،‬ىو الذي ‪٬‬تعل القرآف على الناس عمى‪ ،‬وىذا اإلٯتاف الذي ٮتلو من اليقُت‪،‬‬
‫ىو الذي ‪٬‬تعل بيننا وبُت معانيو الرفيعة السامية‪ ،‬حجاباً مستوراً‪ ،‬وىو الذي ٯتنعنا أف‬
‫نستشف ثقل القوؿ الذي أنزلو اهلل تعاىل على رسولو الكرًن ‪.‬‬

‫وىذه ا‪ٟ‬تقيقة قد توافق أو توازي ما قالو األولوف ُب بعض األحياف‪ ،‬وقد ٗتالفهم أو‬
‫تعاكسهم ُب أحياف كثَتة‪٢ .‬تذا ال نريد أف نناقش أقوا‪٢‬تم أو آراءىم ا‪١‬تتضاربة‪ ،‬كأف ننفي‬
‫قوالً ونثبت آخر‪ ،‬أو نستخلص من ‪٣‬تموع اآلراء رأياً وسطاً‪ٍ ،‬ب ‪٩‬ترج كتاباً ليس فيو إال‬
‫ا‪ٞ‬تمع والتنسيق‪ٍ ،‬ب نقوؿ للناس قد ألَّفنا كتاباً‪ ،‬من غَت أف نقوؿ ‪٢‬تم إننا ‪ٚ‬تعنا ‪٢‬تم ‪٦‬تا قالو‬
‫األولوف كتاباً‪.‬‬
‫واآلف لنرجع إىل موضوع الساعة‪ ،‬نستجلي معناىا من ا‪١‬تعُت الذي ال ينضب‪ ،‬ومن‬
‫ذلك ا‪١‬تصدر الذي ال عوج فيو وال اختبلؼ‪ ،‬من ٍ‬
‫كتاب أحكمت آياتو ٍب فصلت من‬
‫لدف حكيم خبَت‪.‬‬
‫لقد ذكرنا ُب فصل سابق أىم أعماؿ ومعتقدات معظم األمم البائدة‪ ،‬وبيَّنا األسباب‬
‫اليت أدت إىل ىبلكهم‪ ،‬ونريد ُب ىذا الفصل أف نستعرض أعماؿ ومعتقدات البشرية اليوـ‪،‬‬
‫ٍب نقارف بعد ذلك ىذه األعماؿ وا‪١‬تعتقدات مع تلك‪ ،‬وبعد ا‪١‬تقارنة سيتبُت لنا ما إذا كنا ُب‬
‫‪٧‬توة من ا‪٢‬تبلؾ الوشيك‪ ،‬أو أننا سوؼ ننتهي إىل نفس ا‪١‬تصَت الذي انتهوا إليو‪ ،‬إف مل نغَت‬
‫السلوؾ ا‪٠‬تاطئ‪ ،‬و‪٩‬تضع ‪ٟ‬تكم اهلل ُب كتابو الكرًن‪.‬‬
‫إف معتقدات األمم البائدة ال ٗتتلف من حيث ا‪ٞ‬توىر أو ا‪١‬تضموف‪ ،‬عن معتقدات‬
‫أمم ىذا العصر‪ ،‬ومل يتبدؿ فيها إال الشكل والعرض‪ ،‬ذلك ألف األنفس البشرية ال تتبدؿ‬

‫با ختبلؼ الزماف وا‪١‬تكاف‪ ،‬وإ‪٪‬تا الذي يتبدؿ ىو ما تعيو النفس أو ٖتويو من حق أو باطل‪،‬‬
‫أو من حقائق وأوىاـ‪ .‬وعلى أساس ىذا الوعي أو ىذا االحتواء‪ ،‬تطلب النفس من الفكر‬
‫أف يبحث ‪٢‬تا عن ا‪١‬تربرات‪ ،‬ليمنطق ‪٢‬تا ما تعتقد وهتوى‪ ،‬ؤتا أف النفس الكافرة برُّا ال‬
‫ٖتوي إال شهوات الدنيا أو شهواهتا‪ ،‬وال ترى إال صور األشياء واألشكاؿ‪ ،‬لذلك فإف‬
‫الذي يتبدؿ من ا‪١‬تعتقدات لديها‪ ،‬ىو التغيَت والتبديل الذي يطرأ على شكل ا‪١‬تادة‪ ،‬وىذا‬
‫التبديل ىو الذي دعيناه بالعرض‪.‬‬
‫فإذا كانت األمم البائدة تعبد الكواكب‪ ،‬وتتخذ ‪٢‬تا رموزاً‪ ،‬فإف الغاية ىي جلب منفعة‬
‫أو اتقاء خطر‪ ،‬وإف تعلقهم بالصورة دوف شهود ا‪ٟ‬تقيقة‪ ،‬ىي اليت أوحت ‪٢‬تم مثل تلك‬
‫ا‪١‬تعتقدات‪.‬‬
‫وإذا كنا ننظر إىل تلك ا‪١‬تعتقدات نظرة ازدراء وسخف‪ ،‬فإف معتقدات األمم ا‪ٟ‬تاضرة‬
‫ال تقل عن تلك سخفاً وازدراء‪.‬‬
‫فمهما تبدلت ا‪١‬تفاىيم وتغَتت الشكليات‪ ،‬فإف ا‪ٞ‬توىر يظل واحداً‪ ،‬لقد استبدلت‬
‫الناس اآل‪٢‬تة ا‪١‬تتعددة‪ ،‬بآ‪٢‬تة متعددة أخرى‪ ،‬فمن البشر من اٗتذ الطبيعة إ ۤ‪٢‬تاً‪ ،‬وغَتىم اعترب‬
‫العقل ا‪١‬تتفوؽ ىو اإللۤو‪ .‬فالطبيعة بنظر الشيوعية مثبلً ىي البارئة ا‪١‬تصورة‪ ،‬أما سر خلقها‬

‫فلم تبح بو إال لرسلها (داروف وماركس وانجلز ولينين)‪.‬‬

‫إف نظرية داروف‪( :‬االختيار الطبيعي أو بقاء األصلح) التطورية قد مهدت لآلخرين‬
‫نظريتهم ا‪١‬تسماة (النظرية الديالكتيكية) وىذه النظرية اليت ُّا قواـ ا‪٠‬تلق وا‪١‬تعاش‪ ،‬تقوـ‬

‫على أسس ثبلثة‪:‬‬

‫األوؿ‪ :‬تحوؿ التبدالت الكمية إىل تبدالت كيفية‪ ،‬وىذه الفكرة أوحتها الطبيعة إىل‬
‫داروف وأضرابو الذين سبقوه‪ ،‬وخبلصتها أف التباين بُت ظواىر الطبيعة‪ ،‬ىو تباين كمي‪.‬‬
‫أي ىي عبارة عن عملية ٕتميع وتركيب كمي لؤلجساـ‪ ،‬فبل تتبدؿ نوعياً‪ ،‬وىذا التفسَت‬
‫ا‪١‬تيكانيكي للتطور أو لبلرتقاء‪ ،‬أوقعهم ُب أخطاء كثَتة‪ِ ،‬‬
‫هت إىل تلك النظرية سهاـ‬
‫ووج ْ‬
‫ُ‬
‫نقد ‪٦‬تيتة‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬وحدة صراع المتناقضات‪ ،‬وىذا القانوف كما تقوؿ الشيوعية يكمن ُب‬
‫العبلقات ا‪١‬تتبادلة بُت ‪٤‬تتوى الشيء وشكلو‪ ،‬بُت ا‪ٞ‬توىر والظاىر‪ .‬والعبلقات ا‪١‬تتبادلة تعٍت‬
‫أف ‪ٚ‬تيع األشياء والظواىر ذات تناقضات داخلية‪ ،‬وإف كل شيء ىو وحدة متناقضات‪،‬‬
‫وىذه ا‪١‬تتناقضات ُب الشيء‪ ،‬ىي سلبية وإ‪٬‬تابية‪٢ ،‬تا ماضيها و‪٢‬تا مستقبلها‪ ،‬وفيها ما‬
‫مضى زمانو‪ ،‬وىو ُب طريقو إىل ا‪١‬توت‪ ،‬وفيها ما ىو ُب طريق النمو والتطور‪ ،‬وصراع ىذه‬
‫االٕتاىات ا‪١‬تتناقضة اليت ٖتتويها األشياء‪ ،‬ىو مصدر التطور والقوة احملركة لو‪.‬‬
‫وُب اعتقادىم أف مرحلة حل ا‪١‬تتناقضات ىامة جداً ُب التطور‪ ،‬فعندما يستنفد القدًن‬
‫ذاتو‪ ،‬ويصبح ‪ٞ‬تاماً عائقاً ُب طريق ا‪ٞ‬تديد‪ ،‬فإف التناقض بُت القدًن وا‪ٞ‬تديد ينبغي أف ٭تل‬
‫عن طريق انعداـ القدًن‪ ،‬وظفر ا‪ٞ‬تديد‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬قانوف نفي النفي‪ ،‬وىذا القانوف يعٍت نفي النوعية القدٯتة‪ ،‬وإحبلؿ النوعية‬
‫ا‪ٞ‬تديدة‪ ،‬فمثبلً الربجوازية حلَّت ‪٤‬تل اإلقطاع بعد أف نفتو‪ ،‬واالشًتاكية سوؼ ٖتل ‪٤‬تل‬
‫الرأ‪ٝ‬تالية‪ ،‬وٯتكن القوؿ على أساس ذلك بأف الشيوعية ستحل ‪٤‬تل االشًتاكية‪ ،‬وال بد أف‬
‫يأٌب يوـ ونتيجة ‪٢‬تذا الصراع أف تنفى الشيوعية من األرض(‪.)1‬‬

‫إف رسل الطبيعة قد اعًتفوا بأف آ‪٢‬تتهم عمياء‪ ،‬وغَت واعية‪ .‬وأىدافها من خلقها تتم‬
‫بدوف وعي‪.‬‬
‫ولكن ما يضَت ىذه اآل‪٢‬تة العمياء عماىا وعدـ وعيها‪ ،‬طا‪١‬تا أهنا ٗتلق خلقاً واعياً‪،‬‬
‫وتنظم األمور تنظيماً عقبلنياً على غاية من الدقة واإلبداع والتكامل‪ ،‬وىذا اإلبداع ُب‬
‫التنظيم‪ ،‬وىذا السر ُب ا‪٠‬تلق كلو‪ ،‬قد ساقتو يد ا‪١‬تصادفة!‪.‬‬
‫وبعد ذلك ىل رأيت سخفاً أشد من ىذا ا‪١‬تعتقد؟‪ .‬أـ رأيت عمى أبعد من ىذا‬
‫العمى‪ ،‬أليس ىذا ىو الضبلؿ البعيد؟‪ .‬وىل ا‪١‬تصادفة تتكرر؟‪ .‬إف تكررت أصبحت قانوناً‬
‫مسَتة ‪٢‬تا‪ ،‬فمن يُشرؽ الشمس ُب نفس اللحظة من كل يوـ ُب كل عاـ‬
‫وخضعت إلرادة ّ‬
‫‪٤‬تم ػػد أمػػُت شػػيخو قػػدَّس اهلل سػػره ب ػػزواؿ الشػػيوعية مػػن روسػػيا مػػن ذل ػػك العهػػد با‪٠‬تمسػػينات مػػن الق ػػرف‬
‫بشػػر ُّػػا العبلَّمػػة َّ‬
‫(‪ )7‬وىػػذه ّ‬
‫ا‪١‬تاضي‪،‬حُت كاف االٖتاد السوفييت بذروة ‪٣‬تده وقوتو‪.‬‬

‫َّ‬
‫ورا‬
‫سابق والحق؟!‪ .‬ىل ىذه مصادفة؟‪ .‬ولكن ال عجب‪َ ...{ :‬وَمن ل ْم يَ ْج َع ِل اللَّوُ لَوُ نُ ً‬
‫فَ َما لَوُ ِمن نُّوٍر} (‪ ):6‬سورة النػػور‪ .‬من ال يؤمن ببل إلۤو إال اهلل فهو ُب ظبلـ قليب‪ ،‬نوره‬
‫الدنيا الزائلة‪.‬‬
‫ومن ىذه اآل‪٢‬تة السائدة ُب ىذا العصر أيضاً‪ ،‬إلۤو العقل أو إلۤو العلم‪ .‬إف ىذا اإللۤو ىو‬
‫من جنس اإلنساف نفسو‪ ،‬إال أنو ٯتتاز عن اإلنساف العادي بتفوؽ ذكائو وقدرتو على‬

‫الكشف واالخًتاع‪ ،‬والبشرية تأمل من ىذه اآل‪٢‬تة ا‪١‬تتفوقة‪ ،‬أف ٖتقق ‪٢‬تا كل ما كانت تصبو‬
‫إليو من اإللۤو القدًن الذي قضى ‪٨‬تبو‪ ،‬باعتقاد الفيلسوؼ نيتشو‪.‬‬
‫وىذا اإللۤو (أي اإلنساف ا‪١‬تتفوؽ) ىو من نتاج الطبيعة اليت أ ّ‪٢‬تها ماركس وأضرابو‪ ،‬٭تاوؿ‬

‫أف يتمرد على آ‪٢‬تتو األـ‪ ،‬ويسخرىا ‪١‬تشيئتو ويتصرؼ ُّا كيف يشاء‪ ،‬ألف أمو فضبلً عن‬
‫عماىا وعدـ وعيها‪ ،‬رعناء وظا‪١‬تة‪ ،‬وتأىب أف ٕتود عليو إال بالنزر اليسَت‪ ،‬بالرغم من غناىا‬
‫الفاحش‪ ،‬لذلك فبمحاولتو للسيطرة عليها‪ ،‬يريد أف ‪٬‬تعل على األرض جنات النعيم‪ ،‬ومل‬
‫يكتف ىذا اإللۤو أو ىذا االبن العاؽ ألمو‪ ،‬أف يسيطر عليها‪ ،‬بل يسعى ليسلب منها سر‬
‫ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬حىت ال يبقى ٖتت ر‪ٛ‬تتها أو ٖتت وصايتها‪ ،‬تقضي عليو مىت شاءت‪ ،‬من غَت أف‬
‫تًتكو يتمتع با‪ٟ‬تياة‪ .‬فأمو باعتقاده‪ ،‬تتخبط ُب مصَت ‪٥‬تلوقاهتا ٗتبطاً عشوائياً‪ .‬إف الذي‬
‫ساعد الناس على تقبل فكرة ىذا اإللۤو ا‪ٞ‬تديد‪ ،‬واإلٯتاف بقدرتو‪ ،‬ىو ما أحرزه اإلنساف من‬

‫تقدـ تكنيكي ىائل‪ .‬إذ أصبح نتاج ىذا اإللۤو ىو شغل البشرية الشاغل ُب العصر ا‪ٟ‬تديث‪،‬‬
‫وإىل جانب ىذا النتاج خلق ‪٢‬تا من ا‪١‬تتاعب ما يفوؽ التمتع بنتاجو أضعافاً مضاعفة‪ ،‬فضبلً‬
‫عن ذلك فقد وضع من أسلحة الدمار الشامل ما تستطيع أف تقضي بو عليو‪ ،‬وعلى البشرية‬
‫‪ٚ‬تعاء‪.‬‬
‫أما شريعة ىذا اإللۤو‪ ،‬فقد جاءت نتيجة طبيعية لنتاجو‪ ،‬فقد علّم الناس البخل‪،‬‬
‫وا‪ٞ‬تشع‪ ،‬وا‪١‬تكر‪ ،‬وا‪٠‬تديعة‪ ،‬والفسق‪ ،‬والغلظة‪ ،‬والظلم‪ ،‬وا‪٠‬تيانة‪ ،‬ؤتعٌت آخر فقد‬
‫استطاعت ىذه اآل‪٢‬تة من خبلؿ نتاجها‪ ،‬أف تفسد على اإلنساف نفسو‪ ،‬وبالتايل أفسدت‬
‫يؤمن ما صنعو من زخرؼ وزينة إذا مل ينغمس‬
‫عليو معيشتو‪ ،‬إذ كيف يتمكن اإلنساف أف ٍّ‬

‫ويسخر كل طاقاتو وملكاتو من أجل تأمُت متطلبات ا‪ٟ‬تياة اليت‬
‫ويسًتسل ُب ا‪ٟ‬تياة الدنيا‪،‬‬
‫ٍّ‬
‫و٭تتَ ْل ويفسق ويكذب ويسرؽ‪ .‬كذلك مل تقف شريعتو عند‬
‫يبخل َْ‬
‫يعيشها ‪٣‬تتمعو‪ ،‬وإذا مل ْ‬

‫تلك ا‪ٟ‬تدود‪ ،‬بل استطاع أف يقيد الناس ويسلبهم حرياهتم اليت منحت ‪٢‬تم‪ ،‬وأصبح الفرد‬
‫عنصراً تافهاً ال قيمة لو‪ ،‬وأضحى وكأنو جزء من أجزاء آلتو الصماء‪.‬‬
‫ليت شعري‪ ،‬كيف تستسيغ البشرية حياة تقوـ على الظلم والفسق والصراع والعبودية؟!‪.‬‬
‫وكيف ٯتكن أف ٖتل السعادة على ‪٣‬تتمع ٭تيا حياة مشحونة با‪ٟ‬تقد والرياء؟‪.‬‬
‫إنو ال ٯتكن أف تكوف السعادة ا‪١‬تنتظرة ُب ظل إلۤو العلم إال و‪٫‬تاً ابتدعتو ‪٥‬تيلة ا‪١‬تهووسُت‬
‫بو‪ .‬إذ كيف يكوف ذلك ُب ‪٣‬تتمع فقد القيم اإلنسانية‪،‬وفقد صفتو اإلنسانية؟‪.‬‬
‫لقد ٕترد إنساف ىذا العصر من كل القيم اليت ٕتعلو إنساناً‪ ،‬واستبد‪٢‬تا بقيم ُّيمية‬
‫من نوع مفًتس أو ‪٤‬تتاؿ‪ٍ ،‬ب أحل ‪٤‬تل الفضيلة‪ ،‬الرذيلة‪ ،‬واستبدؿ شريعتو ا‪١‬تثلى‪ ،‬بشريعة‬
‫الغاب‪.‬‬
‫{ولَ َق ْد ذَرأْنَا لِج َهنَّم َكثِيرا ّْمن ال ِ‬
‫ْج ّْن َوا ِإل ِ‬
‫وب الَّ يَػ ْف َق ُهو َف بِ َها َولَ ُه ْم‬
‫نس لَ ُه ْم قُػلُ ٌ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ً َ‬
‫أَ ْعين الَّ يػ ْب ِ‬
‫َض ُّل‬
‫ص ُرو َف بِ َها َولَ ُه ْم آذَا ٌف الَّ يَ ْس َمعُو َف بِ َها أ ُْولَئِ َ‬
‫ك َكاألَنْػ َع ِاـ بَ ْل ُى ْم أ َ‬
‫ٌُ ُ‬
‫ك ُى ُم الْغَافِلُو َف} (?=‪ )7‬سورة األعراؼ‪.‬‬
‫أ ُْولَئِ َ‬
‫الذرة‪ ،‬فهل نعتقد بعد ىذا أف‬
‫تلك ‪٪‬تاذج عن أىم ا‪١‬تعتقدات ا‪١‬تستحدثة ُب عصر َّ‬
‫تكوف الشعوب القدٯتة قد وصلت بكفرىا ٓتالقها ومربيها إىل ما توصلت إليو البشرية‬
‫اليوـ؟‪ .‬وىل أنكرت وجود ا‪٠‬تالق كما أنكرتو ُب ىذا العصر؟‪.‬‬
‫إف إبليس على شدة كفره مل ينكر وجود ا‪٠‬تالق‪ ،‬وال العزة اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬وال الربوبية‬

‫أيضاً(‪ ،)1‬بل أنكر العدؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬عندما ظن بأف اهلل فضل سيدنا آدـ عليو بغَت ا‪ٟ‬تق‬
‫بزعم و‪ ،‬كذلك فإف عبدة األصناـ مل ينكروا اهلل‪ ،‬بل اعتقدوا بأف تلك األصناـ (ا‪ٟ‬تجارة)‬
‫ىي الوسيلة لتقرُّم إىل اهلل زلفى‪ .‬أما أف ٭تكموا على اهلل با‪١‬توت (‪٣‬تانُت) أو ينفوا‬

‫ض ‪ )9?( }...‬سورة ا‪ٟ‬تجر‪{ ،‬قَ َ ِ‬
‫َّهم أ ْ ِ‬
‫ب بِ َمآ أَ ْغ َويْػتَنِي أل َُزيّْػنَ َّن ل َُه ْم فِي األ َْر ِ‬
‫ػين} (‪ )>8‬سػورة‬
‫(‪{ )7‬قَ َ‬
‫اؿ َر ّْ‬
‫اؿ فَبِ ِعزَّت َ‬
‫ػك َألُ ْغػ ِويَػنػ ُ ْ‬
‫َج َمع َ‬
‫ص‪ .‬اعًتاؼ بالعزة اإل ۤ‪٢‬تية وبا‪٠‬تالق‪.‬‬

‫األولوف‪ .‬ليس باألمر العجاب أف تصل الناس بكفرىا‬
‫وجوده‪ ،‬فهذا ما مل يفعلو َّ‬
‫وإنكارىا وجحودىا إىل ما وصلت إليو اآلف‪ ،‬كما أنو ليس ٔتستبعد أف يصبح إبليس‬
‫تلميذاً عند أئمة الكفر منهم‪ ،‬يعلمونو كيف ي ِ‬
‫ضل الناس‪ ،‬ذلك ألف للكفر قوانينو‪،‬‬
‫ُ‬
‫ولئلٯتاف قوانينو أيضاً‪.‬‬
‫فالكفر أو اإلٯتاف يزداد وينقص‪ْ ،‬تسب سلوؾ ىذا الطريق أو ذاؾ‪.‬‬
‫فأٯتا السبيلُت سلك فإنو يبتعد عن اآلخر ‪.‬‬
‫ؤتا أف معظم الناس ُب ىذا العصر اٗتذت الدنيا سبيبلً‪ ،‬واكتفت وارتضت ُّا حياة‪،‬‬
‫فبل نعجب إف صدرت من أفواىهم مثل تلك األقواؿ‪ ،‬وظهرت منهم مثل تلك األعماؿ‪،‬‬
‫ال سيما ُب اَّتمعات األوروبية خاصة‪ ،‬وُب سائر اَّتمعات البشرية عامة‪.‬‬
‫أما سبيل اآلخرة أو سبيل اهلل‪ ،‬فهو بإتاه معاكس لطريق الدنيا الدنية‪ ،‬فكلما ابتعد اإلنساف‬
‫عن حب الدنيا‪ ،‬اقًتب من اهلل واستقاـ لو طريقو‪ .‬وما داـ ُب قلبو شيء منها‪ ،‬يظل مشدوداً‬
‫إليها‪ ،‬بقوة ما ُب قلبو منها‪ .‬وُب اللحظة اليت يتخلص من عقا‪٢‬تا‪ ،‬يكوف قد ٗتلص من أكرب‬
‫عقبة تعًتض سبيلو إىل اهلل‪ ،‬وعندىا تبدو لو ا‪ٟ‬تقيقة‪ ،‬سافرة من غَت قناع‪.‬‬
‫إف السبب ُب عدـ رؤية ا‪ٟ‬تقيقة‪ ،‬ىو أف اإلنساف إذا أحب الدنيا فإف النفس ال تتذكر‬
‫إال ما تعي‪ ،‬وال تفقو إال ما ٖتتوي‪ ،‬فإذا ٯتمت وجهها شطر الدنيا‪ ،‬فإهنا ٗتتزف من‬
‫الشهوات بقدر توغلها فيها‪ ،‬وتصبح ‪٢‬تا غطاء‪ ،‬وىذا الغطاء يكوف ٔتثابة حاجز ٯتنعها من‬
‫‪ٝ‬تاع ا‪ٟ‬تق‪ ،‬لذلك فحينما يلقى عليها شيء من ا‪ٟ‬تق‪ ،‬ال يكوف لو وقع فيها‪ ،‬وال ميل لو‪،‬‬
‫ألهنا مل تع منو شيئاً‪ ،‬وبالتايل ال تفقو منو شيئاً‪.‬‬
‫ِ ِ ِ‬
‫اآلخرةِ‬
‫َّ ِ‬
‫ت الْ ُقرآ َف َجعَلْنَا بػَيْػنَ َ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬وإِذَا قَػ َرأْ َ‬
‫ك َوبػَيْ َن الذ َ‬
‫ين الَ يػُ ْؤمنُو َف ب َ‬
‫ِ‬
‫ورا‪َ ،‬و َجعَلْنَا عَلَى قػُلُوبِ ِه ْم أَكِنَّةً أَف يػَ ْف َق ُهوهُ َوفِي آذَانِ ِه ْم َوقػ ًْرا َوإِذَا‬
‫ح َجابًا مَّ ْستُ ً‬
‫ِ‬
‫ت ربَّ َ ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ورا‪ ،‬نَّ ْح ُن أَ ْعلَ ُم بِ َم ا يَ ْستَ ِمعُو َف‬
‫ك ف ي الْ ُق ْرآف َو ْح َد هُ َول ْواْ عَلَى أَ ْدبَا ِرى ْم نػُ ُف ً‬
‫ذَ َك ْر َ َ‬
‫ك َوإِ ْذ ُى ْم نَ ْج َوى إِ ْذ يػَ ُق ُ‬
‫وؿ الظَّالِ ُمو َف إِف تَػتَّبِعُو َف إِالَّ َر ُجبلً‬
‫بِوِ إِ ْذ يَ ْستَ ِمعُو َف إِلَيْ َ‬

‫ورا} (;‪ :‬ػ=‪ ):‬سورة اإلسراء‪ .‬فهم ‪٧‬توى مع الشيطاف وللدنيا‪ ،‬ٮتاطبهم الشيطاف‬
‫َّم ْس ُ‬
‫ح ً‬

‫ويزين ‪٢‬تم أعما‪٢‬تم‪ ،‬ألهنم بعيدوف عن اهلل مثلو‪ ،‬وحب الدنيا الفانية قد ملك قلبهم‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ٍِ‬
‫ِ‬
‫ْر َوِمن بَػ ْينِنَا‬
‫قاؿ تعالػى‪َ { :‬وقَالُوا قُػلُوبػُنَا في أَكنَّة ّْم َّما تَ ْدعُونَا إِلَْيو َوفي آذَاننَا َوقػ ٌ‬
‫وبػينِ َ ِ‬
‫اب فَا ْع َم ْل إِنػَّنَا َع ِاملُو َف} (;) سورة فصلت‪:‬ىنا يصف حا‪٢‬تم وقو‪٢‬تم‪:‬‬
‫ك ح َج ٌ‬
‫َ َْ‬
‫قلوبنا مستورة مرتاحة ‪٦‬تا تأمرنا بو‪ ،‬ال نريد ‪ٝ‬تاع بيانك اتركنا واعمل ٔتا ترى إننا عاملوف‬
‫ٔتا نشتهيو‪ .‬كانت الدنيا الزائلة غاية ُمناىم‪.‬‬
‫أما ا‪١‬تؤمن فإف القرآف يصبح لو تذكَت وىدى‪ ،‬يذكره با‪ٟ‬تقائق اليت رآىا بنفسو‪ ،‬فكلما‬
‫وعى ا‪١‬تؤمن من ا‪ٟ‬تقائق أكثر‪ ،‬رأى من القرآف حقائق أعمق وأغزر‪ ،‬ويرى القرآف وكأنو‬
‫تر‪ٚ‬تاف ‪١‬تكنونات نفسو أو ‪١‬تا كاف قد شاىده من ا‪ٟ‬تقائق اليت نا‪٢‬تا بإٯتانو باآليات الكونية‬
‫(صنع اهلل) من قبل‪.‬‬
‫ومهما تقدـ اإلنساف ُب معارج القدس كماالً وعلماً‪ ،‬ومهما رأى من ا‪ٟ‬تقائق‬
‫الفكرية والعقلية ‪٬‬تد القرآف ليس سابقاً إليها وحسب‪ ،‬بل شارحاً ومفصبلً لتلك ا‪ٟ‬تقائق‬
‫أٯتا تفصيل‪.‬‬
‫وبذلك الفهم للقرآف‪ ،‬يستعظم الرسوؿ‪ ،‬ا‪١‬تفيض ‪ٟ‬تقائق القرآف فيضاً‪١ ،‬تا حوت نفسو الكرٯتة‬

‫‪ ،‬من العلم ومن الكماؿ‪ ،‬الذي مل يدانو ٔتثلو أحد ُب العا‪١‬تُت‪.‬‬

‫وكيف ال يكوف ذلك‪ ،‬وقد بلغ ‪ ‬سدرة ا‪١‬تنتهى ُب العلم اإل ۤ‪٢‬تي والر‪ٛ‬تة والكماؿ؟‪ .‬إف‬
‫القرآف وإف كاف ذكرى للعا‪١‬تُت‪ ،‬إال أف معانيو الرفيعة ال يتذكرىا إال العالِموف‪ ،‬الذين‬

‫ٮتشوف رُّم بالغيب‪.‬‬

‫ولذا فإف اهلل جل شأنو‪ ،‬ال يطلب من الرسل إال أف ٍّ‬
‫يذكروا الناس بعهد اهلل وميثاقو‬
‫والبعث وا‪ٞ‬تزاء‪ ،‬والنظر إىل ما يؤوؿ إىل خالقهم ومربيهم ومسَتىم‪.‬‬
‫غَت أف ىذه الذكرى ما كانت لتلقى جزافاً من الرسل‪ ،‬بدوف وحي من حضرة اهلل‬
‫إليهم‪ ،‬أما غَتىم من الذين أصبح ‪٢‬تم علم بالكتاب‪ ،‬فيكوف عن طريق رابطة ا‪١‬تؤمن‬

‫القلبية برسوؿ اهلل ‪ ‬وفهمو ‪١‬تعاين الكتاب‪ ،‬وىذه ناحية جد مهمة‪ ،‬ذلك أف الرسوؿ ال‬

‫يعلم ما ُب نفوس البشر‪ ،‬بل اهلل ىو العليم بالسر وأخفى‪ ،‬ولذا فإنو سبحانو يوحي إىل‬
‫الرسوؿ‪ ،‬القوؿ الذي ‪٬‬ت ب أف ينطق بو عند اجتماع الناس إليو‪ ،‬ألف ىذا القوؿ ىو‬
‫األنسب ‪٢‬تم ُب تلك اللحظة‪ .‬ومن أجل ذلك أوحى تعاىل إىل رسولو الكرًن‪ ،‬أف ال يعجل‬

‫بالقرآف من قبل أف يقضى إليو وحيو‪ ،‬ومل يقتصر ىذا التنبيو على الرسوؿ الكرًن ‪ ‬وحده‪،‬‬
‫بل ذكر سبحانو أف ‪ٚ‬تيع الرسل ال يسبقونو(‪ )1‬بالقوؿ‪ .‬معصوموف‪ ،‬ال ينطقوف إال بعد قوؿ‬

‫اهلل وأمره‪ .‬عباد مكرموف منزىوف عن الزلل‪.‬‬
‫ؤتا أنو تعاىل وحده ىو ا‪١‬تطلع على أسرار نفوس خلقو‪ ،‬وال يأذف ألحد أف يطلع على‬
‫ما ُب نفوس اآلخرين‪ ،‬ألف من صفاتو الستار‪ ،‬لذلك ىو الذي يوحي إىل الرسوؿ أف‬
‫يتكلم ُّذا القوؿ أو بذاؾ‪ ،‬أما الرسل وإف كاف قو‪٢‬تم حقاً‪ ،‬إال أهنم ال يعلموف أي الكبلـ‬
‫أحق بالقوؿ من غَته‪ ،‬ألهنم ال يعرفوف ما ُب نفوس اَّتمعُت إليهم عموماً وإحاطةً‪.‬‬
‫ونتيجة للوحي ٕتد لكبلمهم وقعاً ُب النفوس‪ ،‬ويظنوف و َّ‬
‫كأف الرسوؿ يعلم ما ُب أنفسهم‪،‬‬

‫ألهنم يرونو يتحدث ٔتا يهمهم وما يعنيهم فرداً فرداًكل ُب ‪٣‬تالو وأفقو‪.‬‬

‫َم ِرهِ يَػ ْع َملُػػو َف} (=‪ )8‬سػػورة‬
‫(‪ )7‬لقػػد جػػاء ُب التفاسػػَت‪ :‬أف الػػذين ال يسػػبقونو بػػالقوؿ مػػن اآليػػة الكرٯتػػة‪َ { :‬ال يَ ْسػبِ ُقونَوُ بِػػالْ َق ْوِؿ َو ُىػػم بِػأ ْ‬

‫األنبياء‪ ،‬ىم ا‪١‬تبلئكة‪ ،‬أما ا‪ٟ‬تقيقة فإف الذين ال يسبقونو بالقوؿ ُب ىذه اآليػة ىػم الرسػل‪ ،‬كمػا ال ننكػر أف ا‪١‬تبلئكػة أيضػاً ال يسػبقونو‬
‫بالقوؿ‪.‬‬
‫ودليلنػػا علػػى صػػحة مػػا ذىبنػػا إليػػو ىػػو‪ :‬مسػػرى اآليػػات‪ ،‬كػػذلك فػػإف السػػورة الػػيت وردت فيهػػا ىػػذه اآليػػة الكرٯتػة ىػػي سػػورة األنبيػػاء‪،‬‬
‫واآليػػات تػػدور حػػوؿ أعمػػا‪٢‬تم‪ .‬واآلف لننظػػر إىل اآليػػات الػػيت تسػػبق تلػػك اآليػػة ٍب اآليػػات الػػيت تليهػػا‪ .‬قػػاؿ تعػػاىل‪َ { :‬وَمػػا أ َْر َس ػلْنَا ِمػػن‬
‫وف‪ ،‬وقَػالُوا اتَّ َخػ َذ ال َّػرحمن ولَػ ًدا سػبحانَو ب ِ‬
‫ِ‬
‫قَػبلِ َ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ػل عبَػا ٌد ُّمك َْرُمػو َف‪َ،‬ال يَ ْسػبِ ُقونَوُ‬
‫ْ‬
‫ك من َّر ُسوؿ إَِّال نُوحي إِل َْيو أَنَّػوُ َال إِلَػوَ إَِّال أَنَػا فَا ْعبُػ ُد َ‬
‫َْ ُ َ ُْ َ ُ َ ْ‬
‫ضػػى َو ُىػػم ّْمػ ْػن َخ ْشػػيَتِ ِو ُم ْشػ ِػف ُقو َف }‬
‫بِػػالْ َق ْوِؿ َو ُىػػم بِػأ َْم ِرهِ يَػ ْع َملُػػو َف‪ ،‬يَػ ْعلَػ ُػم َمػػا بَػػيْ َن أَيْػ ِػدي ِه ْم َوَمػػا َخلْ َف ُهػ ْػم َوَال يَ ْش ػ َفعُو َف إَِّال لِ َم ػ ِن ْارتَ َ‬
‫(;‪ 8‬ػ>‪ )8‬سورة األنبياء‪. .‬من خبلؿ قراءة ىذه اآليات الكرٯتة مل يرد ذكر للمبلئكة بل السػورة كلهػا تػدور حػوؿ األنبيػاء وإذا كػاف‬
‫ا‪١‬تفسروف قد ضربوا لذلك إبليس مثبلً لتدعيم حجتهم فإف ذلػك ا‪١‬تثػاؿ غػَت صػحيح أيضػاً مػن نػاحيتُت‪ :‬الناحيػة األوىل إف إبلػيس مل‬
‫ب بِ َمػػآ أَ ْغػ َػويْػتَنِي أل َُزيّْػػنَ َّن ل َُهػ ْػم فِػػي األ َْر ِ‬
‫ض ‪ )9?( }...‬سػػورة ا‪ٟ‬تجػػر كمػػا أنػػو‬
‫ي ػ ّدع األلوىيػػة بػػل اعػػًتؼ بالربوبيػػة بقولػػو‪{ :‬قَػ َ‬
‫ػاؿ َر ّْ‬
‫اعًتؼ بالعزة اإل ۤ‪٢‬تية عندما قاؿ‪{ :‬قَ َ ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (‪ )>8‬سورة ص‪ .‬أما الذي أنكره إبليس ىػو (العػدؿ اإل‪٢‬تۤػي)‬
‫اؿ فَبِ ِعزَّت َ‬
‫َّه ْم أ ْ‬
‫ك َألُ ْغ ِويَػنػ ُ‬
‫َج َمع َ‬
‫عندما زعم بأف اهلل فضَّل آدـ عليو وىػو خػَت منػو كمػا أنػو نسػب الغوايػة إىل اهلل وتلػك صػفة كػل كػافر يتخػذ الشػيطاف وليػاً‪ .‬الناحيػة‬
‫الثانيػة‪ :‬إف إبلػيس لػيس مػن ا‪١‬تبلئكػة‪ ،‬ألف ا‪١‬تبلئكػة ال يتوالػدوف حػىت تكػوف ‪٢‬تػم ذريػة أمػا الػذين ‪٢‬تػم ذريػة فهػم اإلنػس وا‪ٞ‬تػن وإبلػيس‬
‫َِّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ػيس َكػػا َف ِمػ َػن‬
‫كمػػا ذكػػر تعػػاىل ىػػو مػػن ا‪ٞ‬تػػن‪ ،‬قػاؿ تعػػاىل ُب سػػورة الكهػػف‪َ { :‬وإِ ْذ قُػلْنَػػا لل َْم َبلئِ َكػػة ْ‬
‫سػ َ‬
‫اسػ ُ‬
‫ػج ُدوا آل َد َـ فَ َ‬
‫ػج ُدوا إال إبْلػ َ‬
‫ِ‬
‫س َق َع ْن أ َْم ِر َربِّْو ‪ }...‬كذلك فإف اهلل خلق ا‪ٞ‬تن وإبليس أبوىم من النار بينما ا‪١‬تبلئكة من نور‪.‬‬
‫الْج ّْن فَػ َف َ‬

‫أما ا‪١‬تؤمنوف‪ ،‬فإنو ْتديثو يذكرىم ٔتا شاىدوا من الفضل اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬أو ٔتا شاىدوا من‬
‫ملكوت السموات واألرض‪ ،‬فيزدادوف إٯتاناً‪ ،‬ويزدادوف خشوعاً‪ .‬وأما الكافروف وا‪١‬تنافقوف‪،‬‬
‫فإهنم يروف كل كبلـ الرسوؿ إنذاراً‪ ،‬بينما يراه ا‪١‬تؤمنوف بشَتاً‪ .‬فحينما يقرأ ا‪١‬تؤمن القرآف‬
‫يستبشر بو‪ ،‬بينما ‪٬‬تده الكافر عائقاً أماـ رغباتو وأعمالو‪.‬‬
‫وإذا مر على ا‪١‬تؤمن شيء من قصص األنبياء‪٬ ،‬تد كما‪٢‬تم و‪٬‬تدىم دائماً وأبداً الطليعة‬

‫لكل مكرمة‪ .‬بينما ا‪١‬تنافق أو الكافر يؤوؿ أقوا‪٢‬تم وأفعا‪٢‬تم نقصاً فإذا قاؿ تعاىل مثبلً‪{ :‬يَا‬
‫اح ُكم بػَيْ َن الن ِ‬
‫اؾ َخلِي َفةً فِي ْاأل َْر ِ‬
‫ْح ّْق َوَال تَػتَّبِ ِع ال َْه َوى‬
‫َد ُاوودُ إِنَّا َجعَلْنَ َ‬
‫ض فَ ْ‬
‫َّاس بِال َ‬
‫ص ‪ .‬فإنو يفسر ىذا ا‪٢‬توى ىوى جنسياً‪ ،‬بينما يراه ا‪١‬تؤمن عشقاً إ‪٢‬تۤياً‪،‬‬
‫‪ )8<( }...‬سورة ۤ‬
‫وىياماً ْتضرة اهلل و‪ٚ‬تالو وجبللو‪ ،‬وذلك ىو ا‪ٟ‬تق(‪.)2‬‬

‫وإذا أراد اهلل أف يقضي على عادة من عادات ا‪ٞ‬تاىلية السيئة‪ ،‬كعادة التبٍت مثبلً‬
‫واختار الرسوؿ ‪ ‬لتلك ا‪١‬تهمة‪ ،‬وأمره بأف يتزوج من زينب زوجة متبنيو زيد‪ ،‬وإذا ٖترج‬
‫الرسوؿ الكرًن الطاىر من اخًتاؽ تلك العادة ا‪١‬تتأصلة‪ ،‬وخشي من انطبلؽ ألسنة‬

‫الناس بسبب اخًتاقو لتلك العادة‪ ،‬وأراد ربك أف يبدي ما كاف ٮتفيو الرسوؿ ‪ ‬من‬
‫ىذا ا‪ٟ‬ترج‪ ،‬راح الذين ُب قلوُّم مرض يتهموف الرسوؿ الطاىر ْتبو لزينب‪ ،‬وٮتتلقوف‬

‫لتلك ا‪ٟ‬تادثة قصصاً شيطانية‪ ،‬ما أنزؿ اهلل ُّا من سلطاف(‪.)3‬‬

‫وقل مثل ذلك ُب السادة األنبياء يوسف‪ ،‬وسليماف‪ ،‬وأيوب عليهم السبلـ‪.‬‬
‫أما الناحية األخرى فإهنا ال تقل سوءاً عن ىذه الناحية‪.‬‬
‫وتلك الناحية ىي اعتبار أعما‪٢‬تم السيئة ونسبتها قدر مقدر من اهلل‪ ،‬ونفي ا‪١‬تشيئة واالختيار‬

‫عن أنفسهم‪ ،‬ونسبتها إىل اهلل‪ .‬وُب ىذا القوؿ ما فيو من اإلغراء على ارتكاب السيئات‪.‬‬

‫‪٤‬تمد أمُت شيخو قدَّس اهلل سره‪.‬‬
‫(‪ )8‬انظر كتاب عصمة األنبياء للعبلَّمة َّ‬
‫‪٤‬تمػػد أمػػُت شػػيخو قػػدَّس اهلل سػػره (ْتػػث قصػػة زواجػػو ‪ ‬مػػن‬
‫‪٤‬تمػػد ‪ ‬تظهػػر ُب القػػرف العشػرين للعبلَّمػػة َّ‬
‫(‪ )9‬انظػػر كتػػاب حقيقػػة سػػيدنا َّ‬
‫السيدة زينب رضي اهلل عنها)‪.‬‬

‫أما إذا خاضوا ُب ذات اهلل‪ ،‬فإهنم يصورونو إۤ‪٢‬تاً ‪٤‬تدوداً بعرشو‪ ،‬بعيداً عنا بعداً مسرفاً‪ ،‬ويوـ‬
‫القيامة يكوف جالساً على عرشو‪ ،‬وا‪١‬تبلئكة ٭تملونو ىو وعرشو‪ ،‬أما يده‪ ،‬وأما عينيو‪ ،‬وأما‬

‫وجهو فللمعرضُت تصورات غريبة وبعيدة كل البعد عما يعٍت فيها‪.‬‬
‫وأما أ‪ٝ‬تاؤه ا‪ٟ‬تسٌت‪ ،‬فإهنم يؤولوهنا تأويبلً ‪٥‬تالفاً ‪١‬تا اتصف بو سبحانو من صفات‬
‫الكماؿ ا‪١‬تطلق‪ُ ،‬ب كل اسم من أ‪ٝ‬تائو‪ .‬لذلك فحينما يقرأ الذين ُب قلوُّم مرض القرآ َف‪،‬‬
‫ال ‪٬‬تدوف فيو إال قصصاً وأمثاالً‪ ،‬ال رابط يربطها وال انسجاـ بينها‪ .‬ذلك ألف نفس‬
‫ا‪١‬تعرض عن اهلل‪ ،‬مل تكتسب من اهلل شيئاً‪ ،‬فبل علم وال طهارة‪ ،‬وال كماالً وال حقائق‪،‬‬
‫سوى ما اكتسبو ُب عامل األزؿ‪ ،‬ومن ىذا العلم الضئيل الذي طمس معظمو باجًتاحو‬
‫السيئات‪ ،‬يراوده حينما يقرأ القرآف الشك ورٔتا التكذيب‪.‬‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬فَ َما لَ ُه ْم َال يػُ ْؤمنُو َف‪َ ،‬وإِ َذا قُ ِر َ‬
‫ئ َعلَْي ِه ُم الْ ُق ْرآ ُف َال يَ ْس ُج ُدو َف*‪،‬بَ ِل الذ َ‬
‫َك َف ُرواْ يُ َك ّْذبُو َف‪َ ،‬واللَّوُ أَ ْعلَ ُم بِ َما يُوعُو َف} (‪ 86‬ػ‪ )89‬سورة اإلنشقاؽ‪.‬‬
‫إف سبب عدـ استعظامهم لكتاب اهلل‪ ،‬وتكذيبهم ‪١‬تعانيو السامية الرفيعة ىو ما وعتو‬

‫نفوسهم من الباطل‪ ،‬وىذا التكذيب أو الشك ىو ما حصل لعلماء بٍت إسرائيل من قبل‪،‬‬
‫ألف نفوسهم‪ ،‬نتيجة كفرىم‪ ،‬قد تغلفت بالباطل‪ ،‬فأصبحت قلوُّم كا‪ٟ‬تجارة بل أشد‬
‫قسوة‪ ،‬وأصبحت التوراة عليهم عمى‪ ،‬و‪١‬تا مل يروا بالتوراة شيئاً‪ ،‬ىجروىا‪ ،‬وراحوا ٮتطوف‬

‫للناس ديناً من عند أنفسهم‪ ،‬ويقولوف ىو من عند اهلل وما ىو من عند اهلل‪٘ .‬تاماً كما ىجر‬
‫بعض ا‪١‬تسلمُت القرآف‪ ،‬وولوا وجوىهم شطر ا‪٠‬ترافات‪ ،‬اليت ما أنزؿ اهلل ُّا من سلطاف‪.‬‬
‫إف الكثَت يظنوف أهنم إذا حفظوا شيئاً من القرآف‪ ،‬وكثَتاً من ا‪ٟ‬تديث والفقو‪ ،‬أصبحوا‬
‫مؤمنُت‪ ،‬وىذا ‪ٚ‬تيل ولكن ال يكفي لنطلق على أحدىم صفة عامل أو مؤمن‪ ،‬فالعامل‬
‫ا‪ٟ‬تقيقي ىو من يرى ويذوؽ ما ٭تفظ‪ ،‬فإذا ذكرت الر‪ٛ‬تة اإل ۤ‪٢‬تية فبل بد وإنو ذاؽ شيئاً‬
‫منها‪ ،‬وإذا ذكر العدؿ فبل بد أف يكوف قد ‪١‬تس شيئاً منو‪ ،‬ؤتعٌت آخر أف يؤمن ْتقيقة‬
‫ومعٌت ما يقولو من الكبلـ‪ ،‬ويشهد حقائقو‪ ،‬ال أف يؤمن بالكبلـ نفسو‪ ،‬ألف الكلمة ْتد‬
‫ذاهتا‪ ،‬رمز ‪١‬تعٌت‪ ،‬وليست ىي ا‪١‬تعٌت‪ ،‬فإذا شاىدنا أحد احمليطات على ا‪٠‬تارطة‪ ،‬فهذا ال‬

‫يعٍت أنو ىو ذلك احمليط‪ .‬فإذا مل تشاىد البحر يظل تصورؾ لو ناقصاً إف مل نقل يظل‬
‫ْتدود ا‪٠‬تريطة اليت رأيتها أو ر‪ٝ‬تتها‪ .‬وىكذا فإذا مل تلمس القدرة اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬فإف حفظك‬
‫لكلمة القدير ال وزف ‪٢‬تا‪ ،‬وىذه الكلمة سرعاف ما تفلت منك إذا رأيت سيفاً شهر ُب‬
‫وجهك‪ .‬فلو كنت ‪١‬تست القدرة أو ‪١‬تست بأنو القاىر فوؽ عباده‪ ،‬وعلمت بأنو سبحانو‬
‫على صراط مستقيم‪١ ،‬تا أرىبك ىذا السيف الذي أشهر ُب وجهك أبداً إف كنت‬

‫مستقيماً‪.‬‬
‫إف اإلٯتاف القائم على الشرؾ(‪ )1‬ىو السبب ُب التكذيب والشك‪ ،‬وىذا اإلٯتاف‬
‫اإلشراكي‪ ،‬يرجع إىل عدـ التقيد بالسنن اإل ۤ‪٢‬تية اليت ر‪ٝ‬تها رب العا‪١‬تُت‪ ،‬طريقاً للوصوؿ‬
‫إليو‪ ،‬واإلٯتاف بو إٯتاناً سليماً من كل شائبة‪ .‬وخَت الطرؽ ىو الطريق الذي سلكتو الرسل‪،‬‬
‫صلوات اهلل عليهم أ‪ٚ‬تعُت‪ ،‬وبذلك أمرنا بقولو تعاىل‪{ :‬أُولَئِ َ َّ ِ‬
‫اى ُم‬
‫ين َى َدى اللّوُ فَبِ ُه َد ُ‬
‫ْ‬
‫ك الذ َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َسأَلُ ُك ْم َعلَْي ِو أ ْ ِ‬
‫ين} (‪ )?6‬سورة األنعاـ‪ .‬وقاؿ‬
‫اقػْتَد ْه قُل الَّ أ ْ‬
‫َج ًرا إ ْف ُى َو إالَّ ذ ْك َرى لل َْعالَم َ‬
‫جل شأنو‪{ :‬لََق ْد َكا َف لَ ُكم فِي رس ِ ِ‬
‫سنَةٌ لّْ َمن َكا َف يَػ ْر ُجو اللَّ َو َوالْيَػ ْو َـ‬
‫وؿ اللَّو أ ْ‬
‫َُ‬
‫ْ‬
‫ُس َوةٌ َح َ‬
‫ْاآل ِخ َر َوذَ َك َر اللَّوَ َكثِ ًيرا} (‪ )87‬سورة األحزاب‪.‬‬
‫فلو رجعنا إىل مسلك الرسوؿ قبل البعثة وأثناءىا‪ٍ ،‬ب تدبرنا معاين القصص اليت أوردىا‬
‫تعاىل عن رسلو الكراـ‪ .‬ومن ٍب نظرنا إىل اآليات ا‪١‬تكية كيف أهنا ٖتث اإلنساف على‬
‫التفكَت‪ ،‬والتعمق ُب آيات اهلل الكونية صنع اإللۤو العظيم‪ ،‬ونسلك باإلٯتاف مسلك أبينا‬

‫إبراىيم ‪ٞ .‬تنينا ‪ٙ‬تاراً يانعة وإٯتاناً ال يتزعزع‪ ،‬ولكننا وبدؿ أف ندخل البيوت من أبواُّا‬
‫راح البعض من علمائنا ٭تشوف أذىاف الطبلب ٔتعلومات سابقة ألواهنا‪ ،‬إف مل نقل خالية‬
‫من كل فائدة‪ ،‬بل رٔتا كاف ضررىا أكثر من نفعها‪ .‬وتلك العلوـ اليت حشوا ُّا أذىاف‬
‫الطبلب ال تستطيع أف تقف أماـ النظريات ا‪١‬تلحدة‪ ،‬بالرغم من سخف األخَتة‬

‫وتفاىتها‪.‬‬
‫(‪ )7‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬وَما يُػ ْؤِم ُن أَ ْكثَػ ُرُى ْم بِالل ِّو إِالَّ َو ُىم ُّم ْش ِرُكو َف} (<‪ )76‬سورة يوسف‪.‬‬

‫ولو كاف ما حشتو مقلدة العلماء ُب أذىاف طبلُّا من عند اهلل‪١ ،‬تا وقفت ُب طريقهم‬
‫أعىت نظرية فلسفية جاء ُّا علماء ىذا العصر ا‪١‬تتوحش‪ ،‬بل ‪ٞ‬تعلوىا أضحوكة أماـ‬
‫ا‪١‬تعتقدين بصحتها‪ ،‬ذلك ألف اهلل أنزؿ على رسولو قوالً ثقيبلً‪ ،‬وىذا القوؿ يزىق الباطل‬
‫أىن وجده‪ .‬إذ أف معاين القرآف ‪٤‬تجوبة عن الناس بسبب ما ٖتملو أنفسهم من السيئات‪،‬‬
‫وبسبب زعمهم القائل أف األوائل قد فسروا القرآف تفسَتاً ال ‪٬‬توز من بعده االجتهاد‪،‬‬

‫ألهنم ىم وحدىم الذين فهموا الدين‪ ،‬وأي فهم ‪١‬تن جاء بعدىم ال ٯتكن أف يتعاىل على‬
‫فهمهم أو حىت يصل إىل مستواه ووضعوا حو‪٢‬تا ىاالت مقدسة‪ .‬وبذلك االدعاء ا‪١‬تاكر‪،‬‬
‫عطلوا على الناس فكرة االجتهاد‪ ،‬وحرموىم من نعمة التفكَت‪ ،‬إال ضمن اَّاؿ الذي‬
‫دساً ‪٢‬تم األجداد‪.‬‬
‫ر‪ٝ‬تتو ّ‬
‫ِ ِ‬
‫َنز َؿ اللّوُ قَالُواْ بَ ْل نَػتَّبِ ُع َما أَلْ َفيْػنَا َعلَ ْيوِ آبَاءنَا أ ََولَ ْو َكا َف‬
‫يل لَ ُه ُم اتَّبِعُوا َما أ َ‬
‫{ َوإذَا ق َ‬
‫آبَا ُؤ ُى ْم الَ يَػ ْع ِقلُو َف َش ْيئاً َوالَ يَػ ْهتَ ُدو َف} (‪ )7=6‬سورة البقرة‪ .‬وُّذا راحوا يصدوف الناس‬
‫عن سبيل اهلل تعاىل‪ ،‬وما من أحد يصد زورىم ويقيم عليهم ا‪ٟ‬تجج فيدحضهم ويردىم‬
‫خائبُت‪.‬‬
‫العجاب أف مقلّدة العلماء بالرغم ‪٦‬تا يصل إليو ا‪١‬تسلموف‪ ،‬من ترؾ دينهم‬
‫والعجب ُ‬
‫بأسباب ىذه الصفاقات ا‪١‬تدسوسة‪ ،‬راحوا يضعوف حوؿ الكتب القدٯتة ىاالت مقدَّسة‪،‬‬
‫فجمدوا‬
‫وإثباتات واىية‪ ،‬جعلتها عندىم بديل القرآف الكرًن‪ ،‬بل كانت قرآهنم العملي‪َّ .‬‬
‫التفكَت‪ ،‬وأغلقوا باب االجتهاد‪ ،‬وألقى فريق منهم كتاب اهلل وراء ظهورىم‪ ،‬فنسبوا قصص‬
‫الرذيلة والسفالة للرسل واألنبياء (وحاشاىم عليهم الصبلة والسبلـ)‪.‬‬
‫كيف نؤمن ببعض ما أوردوه ُب تفاسَتىم وخاصة وصفهم الرسل الكراـ الذين ىم‬
‫خَتة اهلل من خلقو بصفات يندى ‪٢‬تا ا‪ٞ‬تبُت‪ .‬وكيف نصدؽ تفسَتىم لآلية‪:‬‬
‫ْجن َِّة الْيَػ ْو َـ ِفي ُشغُ ٍل فَاكِ ُهو َف} (;;) سورة يۤػس‪ :‬من قوؿ يتندى لو‬
‫{إِ َّف أ ْ‬
‫َص َح َ‬
‫اب ال َ‬

‫وجو الفضيلة‪ ،‬ونأىب تكرار قو‪٢‬تم ا‪١‬تدسوس السافل ا‪٠‬تبيث‪.‬‬

‫ٍب كيف نصدؽ بأف اهلل بعيد عنّا ىذا البعد الذي وصفوه لنا‪ ،‬واهلل يقوؿ بأنو أقرب‬
‫إلينا من حبل الوريد‪ ،‬أـ كيف نصدؽ بأف اهلل بعرشو ‪٤‬تاط‪ ،‬وىو تعاىل يقوؿ أنو بكل‬
‫شيء ‪٤‬تيط‪ ،‬وكيف نؤمن بأف (طو) اسم رجل ا‪ٝ‬تو بالنبطية (عك) " انظر تفسَت الطربي"‬
‫أـ كيف نؤمن بتفسَت سورة الناس والفلق‪ ،‬وقضية سحر الرسوؿ من قِبل لبيد اليهودي‪ ،‬إذ‬
‫مىت كاف للشيطاف سلطاف على عباده ا‪١‬تخلَصُت والشيطاف ذاتو ينفي عن نفسو ذلك‬
‫ب بِ َمآ أَ ْغ َويْػتَنِي أل َُزيّْػنَ َّن لَ ُه ْم فِي األ َْر ِ‬
‫َّه ْم‬
‫بقولو لرب العا‪١‬تُت‪{ :‬قَ َ‬
‫اؿ َر ّْ‬
‫ض َوألُ ْغ ِويَػنػ ُ‬
‫أَجم ِعين‪،‬إِالَّ ِعب ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (?‪ 9‬ػ‪ ):6‬سورة ا‪ٟ‬تجر‪ :‬بفتح البلـ وىم األنبياء‬
‫ََ‬
‫اد َؾ م ْنػ ُه ُم ال ُْم ْخلَص َ‬
‫َْ َ‬
‫والرسل فكيف بسيدنا ‪٤‬تمد ‪ ‬سيد ا‪١‬تخلَصُت؟!‪.‬‬
‫وما اهتموه بو ‪ ‬أنو‪ ( :‬كاف يدخل على أـ حراـ بنت ملحاف فتطعمو‪ ،‬وكانت أـ‬
‫حراـ تحت عبادة بن الصامت‪ ،‬فدخل عليها رسوؿ اهلل صلى اهلل عليو وسلم‬
‫فأطعمتو‪ ،‬وجعلت تفلي رأسو‪ ،‬فناـ رسوؿ اهلل صلى اهلل عليو وسلم‪.)2( ) ...‬‬

‫فمن ىي أـ حراـ حىت يناـ عندىا‪ ،‬ىل ىي زوجتو؟!!‪ .‬أليس لرسوؿ اهلل ‪ ‬زوجات‬

‫ولكل منهن حجرهتا ا‪٠‬تاصة ويناـ عندىن؟‪ .‬ما حاجتو أف يذىب إىل امرأة أجنبية؟‪ .‬إال أف‬
‫تكوف فرية نكراء‪ ،‬ودسيسة خبيثة‪ْ ،‬تق أشرؼ ا‪٠‬تلق‪ ،‬وىل لرسوؿ اهلل ‪ ‬من وقت (وىو‬
‫ا‪١‬تشغوؿ دائماً بالدعوة) للذىاب والنوـ عند أـ حراـ‪ ،‬ومهاـ العباد والببلد كثَتة وكبَتة‪ ،‬وىي‬

‫ملقاة على عاتقو الشريف ‪ ،‬وىو الذي مل يصافح امرأةً قط‪ ،‬وقو‪٢‬تم كانت أـ حراـ تفلي‬
‫رأسو؟!‪ .‬ما الذي كانت تفليو برأسو؟!!‪ .‬ىل ىذا الظن يليق برسوؿ اهلل ‪‬؟!‪ .‬إف رسوؿ اهلل‬
‫‪ ‬ا‪٢‬تادي ا‪١‬تهدي‪ ،‬مربأ من تلك األقواؿ‪ ،‬ومن كل األقواؿ اليت ٗتطٍّئو‪ ،‬واليت تزيغ القلوب‬

‫عنو ‪ ‬وٕتعل الناس يظنوف بو الظنوف‪ ،‬ويقطعوف الناس من الصبلة عليو‪ ،‬واالستشفاع بو إىل‬
‫اهلل تعاىل‪.‬‬

‫(‪ )8‬صحيح البخاري رقم‪./8<9</‬‬

‫وُب ْتوثهم عن الغسل وا‪ٞ‬تنابة‪ ،‬يتكلموف بأحاديث مرعبة ْتق زوجات الرسوؿ‬
‫الطاىرات‪ ،‬ال سيما َّأمنا عائشة رضي اهلل عنها بأهنا وحاشاىا قالت‪:‬‬
‫(كنت أغتسل أنا والنبي صلى اهلل عليو وسلم من إناء واحد‪ ،‬كبلنا جنب‪ ،‬وكاف‬

‫يأمرني فأتزر‪ ،‬فيباشرني وأنا حائض‪ )1( )...‬أليس ىذا بقوؿ شيطاف َمريد؟!‪.‬‬

‫الًتىات وغَتىا‬
‫وقد استغل ا‪ٟ‬تاقدوف على الدين اإلسبلمي‪ ،‬وعلى رسوؿ اهلل ‪ ،‬ىذه ّ‬

‫ا‪١‬تربأ ‪.‬‬
‫واستخدموىا مطاعن ْتق ّ‬

‫واألدىى من ذلك أهنم يضعوف لتلك الروايات تربيرات وغايات‪ ،‬ال ٘تت لصفات‬

‫الرسوؿ ‪ ‬وألىل بيتو الطاىرات بصلة‪ ،‬لتنطلي على عامة الناس‪.‬‬

‫لن نؤمن ٔتا قالتو األجداد إال با‪ٟ‬تق‪ ،‬با‪ٟ‬تدود اليت ال تنسب إىل اهلل الظلم وال تناُب‬
‫األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬ت ية ا‪ٟ‬تسٌت‪ ،‬وبا‪ٟ‬تدود اليت تظهر كماؿ رسلو الكراـ وكماؿ كبلـ اهلل تعاىل‬
‫وإحكاـ بعضو ببعض‪.‬‬
‫تلك نبذة عن معتقدات ىذا العصر‪ ،‬أما أعما‪٢‬تم فإهنا ال تقل سوءاً عن معتقداهتم‪،‬‬
‫فا‪١‬تصانع اليت أقامتها األمم القدٯتة قد ال تكوف بذات باؿ أماـ مفاعل الذرة‪ ،‬ومصانع‬
‫أسلحة الدمار الشامل‪ ،‬وأما التبلعب بالكيل وا‪١‬تيزاف فيعترب حيل أطفاؿ أماـ التبلعب‬
‫بقوت الشعوب وامتصاص ثرواهتم‪ ،‬وأما بطشهم فبل يعتد بو أماـ اإلبادة ا‪ٞ‬تماعية وأماـ‬
‫اآلالت ا‪ٞ‬تهنمية‪.‬‬
‫واللباس‪ ،‬وما أدراؾ ما اللباس‪ ،‬إنو يشف حىت يصف‪ٍ ،‬ب أصبح العري أو شبو العري‬
‫ىو الدارج ُب ىذه األياـ‪.‬‬
‫وتشبو الرجاؿ بالنساء‪ ،‬والنساء بالرجاؿ‪ ،‬يكاد يكوف مألوفاً اليوـ‪ .‬والزىن تبعاً لذلك قد‬
‫تفشى ٘تاماً ُب كل اَّتمعات‪ ،‬والشذوذ ا‪ٞ‬تنسي قد أقرتو بعض ا‪ٟ‬تكومات بشكل ر‪ٝ‬تي‪.‬‬

‫(‪ )7‬صحيح البخاري رقم‪./592/592/‬‬

‫وخبلصة القوؿ لقد ٕتاوزت معتقدات وأعماؿ البشرية ُب ىذا العصر َّ‬
‫حد ا‪١‬تألوؼ‪،‬‬
‫وبلغ الفساد والفسق عند أكثر الشعوب ذروتو‪ ،‬وما تبقى منها فإهنا ماضية على سنن من‬
‫سبقوىم ُب الفساد ٓتطى سريعة‪.‬‬
‫إف اهلل سبحانو وتعاىل قد ارتضى للبشرية حدوداً‪ ،‬ورسم ‪٢‬تا سنناً‪ ،‬وأنزؿ إليها شرائع‪ ،‬فإذا‬
‫ٕتاوزت البشرية تلك السنن‪ ،‬وٗتطت تلك ا‪ٟ‬تدود‪ ،‬وأ‪٫‬تلت الشرائع‪ ،‬فإهنا تفسد النفوس‬
‫ا‪١‬تتعمد بطغيانو‪ ،‬ال خَت فيو‪ ،‬فالنار عندئذ‬
‫وبفسادىا تفسد ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬ؤتا أف الفاسد ا‪١‬تفسد و ٍّ‬
‫مثواه‪ ،‬وبئس ا‪١‬تثوى وا‪١‬تصَت‪.‬‬
‫تظن أف البشرية ٔتفازة من ا‪٢‬تبلؾ‪ ،‬بل األصح أهنا‬
‫وال أظن بعد ىذا الذي بيناه‪ ،‬أف َّ‬
‫أصبحت على قمة ا‪٢‬تاوية‪ ،‬أو على شفا جرؼ ىار‪ ،‬وىم اآلف ُب سكرهتم يعمهوف‪ ،‬وُب‬
‫غمرهتم الىوف‪ .‬ولقد أنذرنا تعاىل كثَتاً ُب كتابو الكرًن‪ ،‬ولكن اآليات والنذر ال تغٍت لقوـ ال‬
‫س ْرنَا الْ ُق ْرآ َف لِ ّْ‬
‫آؿ ِف ْر َع ْو َف النُّ ُذ ُر‪َ ،‬ك َّذبُوا‬
‫لذ ْك ِر فَػ َه ْل ِمن ُّم َّدكِ ٍر‪َ ،‬ولََق ْد َجاء َ‬
‫يؤمنوف‪َ { .‬ولََق ْد يَ َّ‬
‫اى ْم أَ ْخ َذ َع ِزي ٍز ُّم ْقتَ ِد ٍر‪،‬أَ ُك َّف ُارُك ْم َخْيػ ٌر ّْم ْن أ ُْولَئِ ُك ْم أ َْـ لَ ُكم بَػ َراءةٌ فِي‬
‫بِآيَاتِنَا ُكلّْ َها فَأ َ‬
‫َخ ْذنَ ُ‬
‫الزب ِر‪،‬أ َْـ يػ ُقولُو َف نَ ْحن ج ِم ٌ ِ‬
‫ْج ْم ُع َويػُ َولُّو َف ُّ‬
‫اعةُ َم ْو ِع ُد ُى ْم‬
‫الدبػُ َر‪،‬بَ ِل َّ‬
‫الس َ‬
‫يع ُّمنتَص ٌر‪َ ،‬سيُػ ْه َزُـ ال َ‬
‫ُ َ‬
‫ُّ ُ َ‬
‫اعةُ أَ ْد َىى َوأ ََم ُّر} (‪:6‬ػ<‪ ):‬سورة القمر‪.‬‬
‫َو َّ‬
‫الس َ‬
‫أما وقد بُت لنا تعاىل نوع الببلء الذي أصاب كل أمة من تلك األمم السابقة‪ ،‬فقوـ‬
‫سيدنا نوح وقوـ فرعوف قد أغرقهم‪ ،‬وقوـ ‪ٙ‬تود أىلكت بالطاغية‪ ،‬وعاد أىلكت بريح‬
‫صرصر عاتية‪ .‬أما أمم ىذا العصر‪ ،‬فسوؼ هتلك بنار حامية‪ ،‬ال تبقي وال تذر‪ .‬وأما‬
‫مصادر ىذه النار‪ ،‬فهذا ما سنبينو بعد قليل‪.‬‬
‫إف ا‪١‬تتعمق ٔتشاكل العصر يرجع ٓتيبة أمل‪ ،‬ويشعر بأف قوى الشر قد رسخت‬
‫جذورىا‪ ،‬إذ ال ٯتكن إصبلح البشرية‪ ،‬إال باجتثاث مسببات الشر والفساد‪ ،‬وال يوجد شر‬
‫وال يوجد ضبلؿ أكرب من ىذه ا‪١‬تفاسد الدنيوية ا‪١‬تأساوية اليت تغلغلت ُب القلوب‬
‫فأتعستها‪ ،‬وكانوا قد ظنوىا فيها ا‪ٟ‬تياة وا‪١‬تاء الغدؽ‪ ،‬فإذا ُّا سبل الببلء والوباء‪ ،‬والشقاء‬

‫وا‪ٟ‬تروب‪ ،‬وغضب الطبيعة‪ ،‬وجنوف األنعاـ وىبلكها‪ ،‬إذف لن تسعد البشرية إال بإزالتها‪ٍ ،‬ب‬
‫إقامة شريعة اهلل ُب أرضو‪ ،‬وتلك ا‪٠‬تيبة اليت يتحسسها ا‪١‬ترء تتجلى ُب عوامل عدة منها‪:‬‬
‫سباؽ التسلح والصراع احملموـ بُت الدوؿ الكربى على مناطق النفوذ‪ ،‬والتقدـ العلمي‬
‫ا‪١‬تخيف‪ٍ ،‬ب عدـ كفاية األنظمة ا‪١‬تبلئمة ‪٢‬تذه الثورة التقنية ا‪٢‬تائلة‪ ،‬وقلة مرونتها‪.‬‬
‫ىذه األسباب وغَتىا‪ ،‬تدعو اإلنساف بأال يتفاءؿ ٔتستقبل يسوده السبلـ‪ .‬كذلك فإف‬
‫ا‪ٞ‬تهد ا‪١‬تبذوؿ إلنقاذ السبلـ ال يزاؿ ضعيفاً‪ ،‬والنتائج اليت ٘تخضت عنها مؤ٘ترات السبلـ‬
‫من نزع السبلح‪ ،‬أو ا‪ٟ‬تد من انتشاره‪ ،‬أو تقليص كميتو‪ ،‬ال يذكر‪ ،‬ومل تتمكن الدوؿ‬
‫الكربى بعد من اٗتاذ قرار ٭توؿ دوف وقوع الكارثة‪.‬‬
‫إف مؤ٘ترات نزع السبلح‪ ،‬وا‪ٞ‬تهود ا‪١‬تبذولة إلنقاذ السبلـ‪ ،‬تعًتضها عقبات كثَتة‪ ،‬نذكر‬
‫منها‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬فقداف الثقة بُت األطراؼ ا‪١‬تتصارعة ا‪١‬تالكة لؤلسلحة النووية وا‪٢‬تيدروجينية‪،‬‬
‫والنظر بعُت الشك وا‪ٟ‬تذر كل إىل خصمو‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬عدـ التفريط با‪١‬تصلحة الوطنية والسيادة القومية‪ ،‬لصاّب ا‪ٞ‬تنس البشري‪ ،‬فالسلوؾ‬
‫الدويل‪ ،‬مل َّ‬
‫يتعد بعد ا‪١‬تستوى القومي‪ ،‬وال يزاؿ ‪٤‬تصوراً ُب فلك ا‪١‬تصلحة الوطنية‪ ،‬ولذا فأي‬
‫هتديد للسيادة القومية‪ ،‬أو إضرار ُب النواحي االقتصادية‪ ،‬أو السياسية أو األمنية‪٬ ،‬تعلها‬

‫تلوح ‪١‬تن يهدد مصا‪ٟ‬تها باستعماؿ تلك األسلحة الرىيبة اليت لن يقتصر ضررىا على ا‪٠‬تصم‬
‫ّ‬
‫وحسب‪ ،‬بل يتعداه ليعم البشرية بأسرىا تقريباً‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬وجود نظامُت متصارعُت ُب العامل و‪٫‬تا‪ ،‬النظاـ الغريب والشرقي‪ ،‬وكل نظاـ تقف‬
‫وراءه كتل بشرية ىائلة ٘تتلك أفتك األسلحة‪ ،‬وتسعى من خبلؿ نظامها أف تبسط يدىا على‬
‫البشرية ‪ٚ‬تعاء‪ .‬ؤتا أف القائمُت على كل نظاـ ٯتقت كل منهما النظاـ اآلخر‪ ،‬فإف الرد سوؼ‬
‫يكوف حا‪ٝ‬تاً إذا شعر أحد‪٫‬تا بأف النظاـ اآلخر بدأت ترجح كفتو‪.‬‬

‫رابعاً‪ :‬التسابق ا‪ٞ‬تنوين ‪٨‬تو التسلح كماً وكيفاً‪ ،‬وحجتهم ُب ذلك (إذا أردت السبلـ‬
‫فتهيأ للحرب) ومعٌت ذلك أنو إذا كاف أحد الطرفُت أكثر قوة‪ ،‬فإف اآلخر سيتلكأ عن‬

‫إثارة الكارثة‪ ،‬وحسب ىذه النظرية يظل التسابق قائماً‪ ،‬حىت ال يتجرأ أحد الطرفُت‬
‫ا‪١‬تتنازعُت على ذبح خصمو‪ ،‬وىذه النظرية إف دلت على شيء‪ ،‬فإ‪٪‬تا تدؿ على الذعر‬
‫الدائم‪ ،‬والتوتر ا‪١‬تستمر‪ ،‬بُت أفراد اَّتمع البشري‪ .‬ولكن أما يكوف للخوؼ والتوتر من‬
‫هناية؟‪ .‬فإذا رأينا استحالة نزع السبلح وتدمَته‪ ،‬أما تكوف ا‪ٟ‬ترب ىي السبيل الوحيد‬
‫للوصوؿ إىل النهاية؟‪.‬‬
‫‪٦‬تا أسلفنا يتبُت لنا أف عوامل الشر الدافعة ‪٨‬تو ا‪ٟ‬ترب‪ ،‬أكثر وأقوى بكثَت‪ ،‬من عوامل‬
‫ا‪٠‬تَت الدافعة ‪٨‬تو السبلـ‪ .‬كذلك فإف عوامل الفساد ال تزاؿ مستشرية‪ ،‬وال تزاؿ تزداد‬
‫عمقاً وانتشاراً‪.‬‬
‫من كل ذلك نستنتج َّ‬
‫أف الببلء بات وشيكاً‪ ،‬وُب أية ‪ٟ‬تظة‪ ،‬والكارثة آتية ال ريب‬

‫فيها‪ ،‬وىي ليست من الظا‪١‬تُت ببعيد‪.‬‬
‫عما ‪٨‬تن فيو‪ ،‬الرتفع الببلء‪ ،‬وألوجد اهلل لنا‬
‫إف الببلء ليس قدراً ‪٤‬تتوماً‪ ،‬لو رجعنا ّ‬
‫وسيلة‪ٗ ،‬تلصنا من ىذا ا‪٠‬تطر ا‪ٞ‬تاٍب على صدرنا‪ ،‬أ‪٦‬تاً كنّا أـ أفراداً‪ .‬قاؿ تعاىل‪{ :‬فَػلَ ْوالَ‬
‫ت فَػَنػ َفعها إِيمانػُها إِالَّ قَػوـ يونُس لَ َّمآ آمنُواْ َك َش ْفنَا َعْنػهم َع َذاب ِ‬
‫الخ ْز ِي‬
‫َكانَ ْ‬
‫آمنَ ْ َ َ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت قَػ ْريَةٌ َ‬
‫ُْ‬
‫َْ ُ َ‬
‫الدنْػيا ومتػَّعن ِ ِ‬
‫ِ‬
‫فباب التوبة والرجوع إىل اهلل‬
‫ْحيَا َة ُّ َ َ َ ْ َ ُ‬
‫في ال َ‬
‫اى ْم إلَى حي ٍن} ( >?) سورة يونس‪ُ .‬‬
‫مفتوح وال يغلق أبداً إال عند ا‪١‬توت أو وقوع ا‪٢‬تبلؾ(‪.)1‬‬
‫لقد أطلق رب العا‪١‬تُت على ىذه الكارثة اسم (الساعة) والساعة أينما ذكرت ُب‬

‫القرآف فإهنا عموماً ٖتمل معاين عدة‪:‬‬

‫الساعة التي يموت فيها اإلنساف‪،‬أو الساعة التي تقوـ بها القيامة‪ ،‬أو الساعة التي‬

‫نحن بصددىا‪.‬‬
‫وإذا تركنا ساعة ا‪١‬توت‪ ،‬وساعة يوـ القيامة حالياً واكتفينا بالساعة اليت يأٌب ُّا السيد‬
‫ا‪١‬تسيح ‪ ،‬لوجدنا أف تسمية ا‪ٟ‬ترب العا‪١‬تية أو ا‪ٟ‬ترب النووية القادمة‪ ،‬ىي تسمية للحرب‬
‫َّ ِ‬
‫ت التػ َِّ ِ‬
‫السيّْئَ ِ‬
‫(‪{ )7‬ولَيْس ِ‬
‫ار‬
‫ت قَ َ‬
‫ين يَػ ْع َملُو َف َّ‬
‫َح َد ُى ُم ال َْم ْو ُ‬
‫ات َحتَّى إِذَا َح َ‬
‫اؿ إِنّْي تُػبْ ُ‬
‫ين يَ ُموتُو َف َو ُى ْػم ُك َّفػ ٌ‬
‫ض َر أ َ‬
‫ْ‬
‫ت اآل َف َوالَ الذ َ‬
‫َّوبَةُ للذ َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫يما} (>‪ )7‬سورة النساء‪.‬‬
‫أ ُْولَئِ َ‬
‫ك أَ ْعتَ ْدنَا ل َُه ْم َع َذابًا أَل ً‬

‫اعةُ أَ ْد َىى َوأ ََم ُّر} (<‪ ):‬سورة القمر‪ :‬وىي الساعة‬
‫ٍّ‬
‫اعةُ َم ْو ِع ُد ُى ْم َو َّ‬
‫ا‪١‬تطهرة‪{ :‬بَ ِل َّ‬
‫الس َ‬
‫الس َ‬

‫ا‪١‬ترافقة لقدوـ السيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬ا‪١‬تنقذ للبشرية رسوؿ السبلـ والطمأنينة واألماف بعد القلق‬
‫ا‪١‬ترىق والشقاء وطوىب ‪١‬تولود زمانو‪ .‬إذ وعده تعاىل بقولو‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫يك َوَرافِ ُع َ ِ‬
‫{إِ ْذ قَ َ‬
‫ين َك َف ُرواْ‬
‫يسى إِنّْي ُمتَػ َوفّْ َ‬
‫ك إلَ َّي َوُمطَ ّْه ُر َؾ م َن الذ َ‬
‫اؿ اللّوُ يَا ع َ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫َح ُك ُم‬
‫ين اتَّػبَػعُ َ‬
‫ين َك َف ُرواْ إِلَى يَػ ْوـ الْقيَ َامة ثُ َّم إِلَ َّي َم ْرِجعُ ُك ْم فَأ ْ‬
‫وؾ فَػ ْو َؽ الذ َ‬
‫َو َجاع ُل الذ َ‬
‫ِ‬
‫يما ُكنتُ ْم فِ ِيو تَ ْختَلِ ُفو َف} (;;) سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫بَػ ْيػنَ ُك ْم ف َ‬
‫أي عند ظهوره اآلف‪ ،‬وقريباً جداً‪ ،‬فاألمارات السابقة لظهوره ‪٘ ‬تت بإذف اهلل‬
‫وانتهت‪ ،‬وجاء الفرج لكل ا‪١‬تؤمنُت‪ ،‬وقد حق قوؿ رسوؿ اهلل ‪:‬‬
‫( ال تقوـ الساعة حتى تقتتل فئتاف عظيمتاف يكوف بينهما مقتلة عظيمة دعواىما‬

‫واحدة ) (‪.)1‬‬

‫اعةُ إالّ َعلَ َى ِش َرا ِر الْ َخل ِْق )(‪ :)2‬وىي ساعة ىبلؾ العامل الفاسد‪،‬‬
‫الس َ‬
‫وقولو ‪ (:‬الَ تَػ ُق ُ‬
‫وـ ّ‬

‫وقصم ظهر الكفر وأىلو‪ .‬إذ أف ا‪ٟ‬ترب النووية القادمة ٘تتاز كغَتىا من ا‪ٟ‬تروب بالسرعة‬
‫وا‪١‬تفاجأة‪ ،‬ولكن ىذه ا‪ٟ‬ترب ٗتتلف من حيث الغاية عن ا‪ٟ‬تروب اليت سبقتها‪ ،‬إذ ُب‬
‫ا‪ٟ‬تروب السابقة كانت الغاية من السرعة وا‪١‬تفاجأة ىي إحراز النصر‪ ،‬أما ُب ىذه ا‪ٟ‬ترب‪،‬‬
‫أي ا‪ٟ‬ترب النووية وا‪٢‬تيدروجينية‪ ،‬فغايتها اتقاء خطر الفناء‪ ،‬والقضاء على ا‪٠‬تصم قضاء‬
‫تاماً‪ ،‬قبل إعطاء الفرصة لو ليتمكن من الرد على خصمو‪ .‬ولذا فإف البادئ ُب ىذه‬
‫ا‪ٟ‬ترب‪ ،‬سوؼ يلقي أكرب كمية ‪٦‬تكنة من القنابل الذرية وا‪٢‬تيدروجينية وغَتىا من أنواع‬
‫األسلحة ذات التدمَت الشامل‪ُ ،‬ب الدقائق األوىل‪ ،‬للقضاء على العدو قضاءً مربماً‪ ،‬و‪٤‬توه‬
‫من الوجود‪ ،‬غَت أف وسائل اإلنذار ا‪ٟ‬تديثة‪ ،‬والتيقظ التاـ سوؼ تفوت على البادئ ىذه‬

‫ا‪١‬تباغتة‪ ،‬وسيتمكن ا‪٠‬تصم من الرد عليو‪ ،‬وإفنائو أيضاً‪ .‬لذلك فإف ا‪ٟ‬ترب القادمة ال نصر‬
‫(‪ )7‬أخرجو البخاري ومسلم‪.‬‬
‫(‪ )8‬صحيح مسلم‪.‬‬

‫فيها‪ ،‬بل ىبلؾ شبو مربـ‪ .‬ومن ىنا يتبُت أف ا‪ٟ‬ترب القادمة سوؼ تكوف سريعة‪ ،‬ال‬
‫تتجاوز الساعة من الزمن‪ ،‬وسوؼ تأتيهم بغتة وىم ال يشعروف‪.‬‬
‫اع ِة}‪ :‬يسألونك عن الساعة مىت‬
‫ك}‪ :‬بعد بيانك ىذا‪َ {:‬ع ِن َّ‬
‫قاؿ تعاىل‪{:‬يَ ْسأَلُونَ َ‬
‫الس َ‬
‫وقوعها‪ ،‬بدالً من أف ٍّ‬
‫يفكروا ُب قولك ويتبّعوه‪ ،‬حيث إهنم مل يعبؤوا بقولو سألوه ىذا‬
‫ِ‬
‫ْم َها ِعن َد َربّْي الَ يُ َجلّْ َيها لَِوقْتِ َها إِالَّ‬
‫السؤاؿ‪{:‬أَيَّا َف ُم ْر َس َ‬
‫اىا}‪ :‬مىت وقوعها؟‪{ .‬قُ ْل إِنَّ َما عل ُ‬
‫ُى َو}‪ :‬ال أحد يعلم وقتها‪ ،‬أنا ُمبلّغ ال أعلم الوقت‪ ،‬ولكن ‪٢‬تا إشارات وعبلمات‪.‬‬
‫ت}‪ :‬عظُمت‪ :‬ىو‪٢‬تا عظيم‪ ،‬من فوقهم ومن ٖتت أرجلهم‪ ،‬نَتاف وزالزؿ‪ ،‬ال تبقي وال‬
‫{ثَػ ُقلَ ْ‬

‫تذر‪ .‬أتدري ما فيها من ىوؿ؟‪ .‬فقط تسأؿ عنها!‪ .‬ماذا أعددت ‪٢‬تا؟‪.‬‬
‫ِ‬
‫السماو ِ‬
‫لو َّ‬
‫ات‬
‫فكر لعرؼ عظمة اهلل و‪١‬تا سأؿ ىذا السؤاؿ‪ ،‬بل ‪٠‬تاؼ منها‪{:‬في َّ َ َ‬
‫َواأل َْر ِ‬
‫ض}‪ :‬ىوؿ‪ ،‬شدائد من السماء واألرض‪ ،‬من األرض ينبعث ببلء‪ ،‬ومن السماء‬
‫ببلء‪{:‬الَ تَأْتِي ُك ْم إِالَّ بَػغْتَةً}‪ :‬على غفلة‪ ،‬على حُت ِغَّرة‪ .‬لكن الببلء ما ىو فقط ببلء‬
‫ك َح ِف ّّي َع ْنػ َها}‪ :‬كأنك ال تعرؼ شيئاً‬
‫ك َكأَنَّ َ‬
‫الدنيا‪ :‬ببلء ُب الدنيا وُب اآلخرة‪{ :‬يَ ْسأَلُونَ َ‬
‫عنها‪ ،‬وال تعلمها‪ .‬كأنك ال تدري عنها شيئاً‪ :‬تريد أف ُٗتلٍّصهم من العذاب‪ ،‬وىم يريدوف‬
‫أف ٯتتحنوؾ امتحاناً‪ .‬وىم كفرة اليهود‪ ،‬إذ أرادوا امتحاف الرسوؿ ألهنا مذكورة عندىم‪:‬‬
‫ِ‬
‫ْم َها ِعن َد الل ِّو}‪ :‬وقت وقوعها ال يعلمو سواه‪َ {:‬ولَ ِك َّن أَ ْكثَػ َر الن ِ‬
‫َّاس الَ‬
‫{قُ ْل إِنَّ َما عل ُ‬
‫يَػ ْعلَ ُمو َف}(=>‪ )7‬سورة األعراؼ‪ :‬ىذا ا‪٢‬توؿ الذي فيها‪.‬‬
‫ال يعلموف شيئاً عنها وال ٍّ‬
‫يفكر فيها أحد‪ .‬واهلل عليم أف وقتها قريب جداً و‪ٚ‬تيع‬
‫اإلشارات وقعت‪ .‬فما أشقى من ال ٍّ‬
‫يفكر ويستعد ‪٢‬تا!‪ .‬كما أنو ورد ُب األثر عنو ‪ ‬٭تدثنا‬

‫عن القنابل النووية وا‪٢‬تيدروجينية‪ (:‬ال تقوـ الساعة حتى تزوؿ الجباؿ عن أماكنها وتروف‬
‫األمور العظاـ التي لم تكونوا ترونها)(‪.)1‬‬

‫و‪١‬تا كانت ىذه الكارثة هتم البشرية عامة‪ ،‬لذا كاف لزاماً علينا أف نعطي صورة واضحة‬

‫عنها‪ ،‬وأما ما سيعقبها من أحداث يتوقف عليها مصَت البشرية‪ ،‬فهذا ما سنذكره بعد قليل‬
‫(‪ )7‬كنز العماؿ ج‪ 7:‬رقم‪./9>;=7/‬‬

‫بإذف اهلل‪ .‬إف ما ٭توؿ بُت الناس وبُت اهلل‪ ،‬ىو حب الدنيا الدنية ُّذه ا‪ٟ‬تضارة ا‪١‬تادية‬
‫العمياء ا‪١‬تدمرة‪ ،‬اليت طغت على عقوؿ الناس وقلوُّم‪ ،‬لذا فإف الرجوع إىل اهلل مرىوف‬
‫بإزالتها‪ ،‬ؤتا أف البشرية ال تتنازؿ عن ىذه ا‪ٟ‬تضارة الدنيوية طوعاً‪ ،‬فإف اهلل ىو الذي‬
‫يزيلها‪ ،‬وعلى أيدي صانعيها‪{ :‬قَ ْد م َكر الَّ ِذين ِمن قَػبلِ ِهم فَأَتَى اللّو بػ ْنػيانَػهم ّْمن الْ َقو ِ‬
‫اع ِد‬
‫ْ ْ‬
‫َُُ ُ َ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫الس ْق ُ ِ‬
‫ِ‬
‫ث الَ يَ ْشعُ ُرو َف} (<‪ )8‬سورة‬
‫فَ َخ َّر َعلَْي ِه ُم َّ‬
‫اب م ْن َح ْي ُ‬
‫ف من فَػ ْوق ِه ْم َوأَتَ ُ‬
‫اى ُم ال َْع َذ ُ‬
‫فخر عليهم ما‬
‫النحل‪:‬عملوا تدبَتات وحيل وترتيبات لرد ا‪ٟ‬تق فأتى اهلل بنياهنم من أصلو َّ‬
‫لصد الناس عن ا‪ٟ‬تق‪ ،‬واهلل أرسل ‪٢‬تم ببلء‬
‫صنعوه‪ ،‬ونزلت قنابلهم عليهم‪ ،‬ىم دبّروا ٍّ‬
‫فالسكُت اليت حدَّىا ضرب نفسو ُّا‪ ،‬أذاه عاد عليو‪{ :‬ثُ َّم يَػ ْو َـ ال ِْقيَ َام ِة يُ ْخ ِزي ِه ْم ‪}...‬‬
‫(=‪ )8‬سورة النحل‪.‬‬
‫إف البشرية مل ولن ٘تر عليها كارثة بلغت من الشدة مثل ما ستبلغو ىذه الكارثة‪ .‬ولن‬
‫ينجو منها إال كل مؤمن‪ ،‬أو من عنده القابلية لئلٯتاف‪ .‬أما ا‪١‬تبلجئ األرضية فإهنا لن تغٍت‬
‫من اهلل شيئاً‪ ،‬إف شاء أف يهلكهم‪ ،‬ومنطق ىذه ا‪ٟ‬ترب يؤكد ذلك‪ ،‬فالذين مل يُقض‬
‫عليهم من الصدمة األوىل‪ ،‬فإف اإلشعاعات الذرية والتلوث‪ ،‬وفساد ا‪ٞ‬تثث‪ ،‬والزالزؿ‪،‬‬
‫ستحوؿ بينهم وبُت ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬بعد خروجهم من ا‪١‬تبلجئ‪ ،‬وال ندري أيضاً ما سيخرج ‪٢‬تم من‬
‫باطن األرض‪ .‬فاإلنساف ال يستطيع أف يبقى ُب ا‪١‬تلجأ زمناً طويبلً‪ ،‬ولو افًتضنا أف كل‬
‫شيء قد ىيئ فيو‪ ،‬فإف ا‪ٟ‬تياة خارجو غدت مستحيلة‪ ،‬فكل شيء خارج ا‪١‬تلجأ غدا‬
‫ىامداً ال حراؾ فيو‪ ،‬ىدوء مرعب‪ ،‬إال من أنُت الرياح‪ ،‬ال أىل وال بيت وال ولد إذ أف كل‬
‫شيء قد ٖتوؿ إىل رماد‪.‬‬

‫ترى ماذا تتصور أف تكوف حاؿ ىذا اإلنساف الذي خرج من ملجئو بعد حُت‪ ،‬ناىيك‬
‫عن الغبار الذري ا‪١‬ترعب وآثاره السامة‪ ،‬إف حالتو النفسية سوؼ تبلغ حد ا‪ٞ‬تنوف أو‬
‫االهنيار‪ .‬وسيدرؾ ا‪١‬تتفائلوف بإعادة ا‪ٟ‬تضارة بعد ا‪ٟ‬ترب من جديد‪ ،‬أهنا أماين‪ ،‬وأف ذلك‬
‫لرجع بعيد‪.‬‬

‫إف الدمار سوؼ يكوف متناسباً مع شدة الفسق‪ ،‬وعلى أساس ذلك فإف مناطق‬
‫ا‪١‬تعسكرين الشرقي والغريب‪ ،‬ستصبح قاعاً صفصفاً‪ ،‬وستكوف جثث شعوُّا حطباً لتلك‬

‫النار‪ ،‬ومن ٍب رماداً تذروه الرياح‪ .‬وسوؼ ال ٖتس منهم من أحد أو تسمع ‪٢‬تم بعد ذلك‬
‫ركزاً‪.‬‬
‫أما منطقة الشرؽ األوسط خاصة اليت ىي مهد األنبياء‪ ،‬فسوؼ يكوف حظها من‬
‫الدمار أقل‪ ،‬وىذا ال يعٍت أف تبقى فيها بعض مظاىر ا‪ٟ‬تضارة فهذا ‪٤‬تاؿ‪ ،‬فهي كغَتىا من‬
‫ا‪١‬تناطق‪ ،‬ستعاين من الزالزؿ األرضية واَّاعة‪ ،‬الشيء الكثَت‪ ،‬وسوؼ تكوف مسرحاً‬
‫للحروب التقليدية‪ ،‬ولن ينجو منها إال القليل‪ ،‬بعد أف تكوف ا‪ٟ‬ترب قد أخرجت ‪٢‬تم كل‬
‫أمراضهم النفسية‪ ،‬وىيأهتم للطهارة نتيجة التجائهم إىل اهلل‪ ،‬من شدة ما سيعانوف‪ ،‬من‬
‫ا‪ٞ‬توع وا‪٠‬توؼ واألمل‪.‬‬
‫لذلك فا‪١‬تبلجئ اليت ‪٬‬تب أف نعدىا فقط‪ ،‬ىي االلتجاء إىل اهلل‪ ،‬وااللتجاء من اآلف‪،‬‬
‫ولن يفيد االلتجاء إذا أزفت اآلزفة‪ ،‬إذ ليس ‪٢‬تا من دوف اهلل كاشفة‪ ،‬فالتوبة‪ ،‬واالستعداد‪،‬‬
‫والتحرس ‪٬‬تب أف يكوف قبل أف يأٌب يوـ ال ينفع فيو الدعاء‪.‬‬

‫ت ظَالِ َمةً}‪:‬‬
‫ص ْمنَا ِمن قَػ ْريٍَة َكانَ ْ‬
‫انظروا إىل األمم السابقة ماذا َّ‬
‫حل ُّم‪َ {:‬وَك ْم قَ َ‬
‫ين}(‪ )77‬سورة األنبياء‪ٍّ :‬‬
‫فكر ٔتن سبق أين ىم‬
‫مثلكم‪َ {:‬وأَن َ‬
‫شأْنَا بَػ ْع َد َىا قَػ ْوًما َ‬
‫آخ ِر َ‬
‫اآلف؟‪ ..‬ماذا كانت نتائج أحوا‪٢‬تم؟‪ ..‬وأنتم إف مل ترجعوا للحق ستُهلكوف ‪ :‬ىذا هتديد‬
‫عاـ لكل منحرؼ ‪ .‬فاإلنساف ولو عرؼ بفكره فلن يستفيد شيئاً‪ ،‬ال َّ‬
‫بد من العقل ‪:‬‬
‫ْسنَا}‪ :‬جاء الببلء‪ ،‬جاءىم ا‪٢‬تبلؾ‪{:‬إِ َذا‬
‫َح ُّ‬
‫سوا بَأ َ‬
‫بالعقل اإلنساف يعرؼ ا‪ٟ‬تقائق‪{:‬فَػلَ َّما أ َ‬

‫ضو َف}(‪ )78‬سورة األنبياء‪ :‬من البلد‪ ،‬تراكضوا ليخلصوا من الببلء ‪١ .‬تا‬
‫ُىم ّْم ْنػ َها يَػ ْرُك ُ‬
‫َّ‬
‫حصلت الزالزؿ ‪ :‬أين ا‪١‬تفر؟‪ ..‬ستُسأؿ غداً عند ا‪١‬توت عن الصوـ‪ ،‬الصبلة‪ ،‬ا‪ٟ‬تج‪ ،‬كل‬
‫شيء لو صورة وحقيقة‪ ،‬وا‪ٟ‬تقيقة ببل صورة ال تفيد‪ ،‬والصورة ببل حقيقة ال فائدة منها ‪ :‬ال‬
‫َّ‬
‫ضوا}‪ :‬أنتم غداً مثلهم ‪ .‬قلنا‬
‫بد من ا‪ٞ‬تمع‪ ،‬فالذي يأٌب بالصور ال يستفيد شيئاً‪َ {:‬ال تَػ ْرُك ُ‬
‫‪٢‬تم قبل ذلك على لساف رسلهم ال تركضوا غداً عند الببلء‪ ،‬ىكذا قالت الرسل‪َ {:‬و ْارِجعُوا‬

‫إِلَى َما أُتْ ِرفْػتُ ْم ِف ِيو}‪ :‬ال تفسدوا ا‪٠‬تلق ‪ ,‬عملكم ىل ىو منطقي وطيٍّب؟‪..‬‬
‫ساكِنِ ُك ْم}‪:‬اليت تسكنوهنا‪ ،‬ما سكنت نفوسكم فيو من الدناءة وا‪٠‬تبث‪،‬وانظروا إىل‬
‫{ َوَم َ‬
‫ىذه ا‪١‬تدف من حكمها؟‪ .‬من سكن ُّا؟‪ .‬أين ىم الذين سبقوا وعاشوا قبلك؟‪.‬‬
‫ىل ستبقى أنت وٗتلد؟‪{.‬لَ َعلَّ ُك ْم}‪:‬تعرفوف إف َّ‬
‫فكرًب فتدركوف أنكم بعد ىذه ا‪ٟ‬تياة ‪:‬‬

‫{تُ ْسأَلُو َف}(‪ )79‬سورة األنبياء‪:‬تعرؼ ‪١‬تاذا خلقت وتتدارؾ األمر فتعرؼ أنك ستُسأؿ عن‬
‫ىذه األشياء كلها ‪:‬ستُسأؿ عن كل ما فعلت ‪ .‬أما إف مل ٍّ‬
‫تفكر‪ ،‬فلن ٮتطر السؤاؿ لك‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ين}(‪ )7:‬سورة‬
‫على باؿ‪{ :‬قَالُوا يَا َويْػلَنَا}‪ :‬عند نزوؿ الببلء عليهم‪{:‬إنَّا ُكنَّا ظَالم َ‬
‫ْك‬
‫األنبياء‪:‬ولكن ما الفائدة من ىذا القوؿ عند الببلء وا‪٢‬تبلؾ؟‪{ ..‬فَ َما َزالَت تّْػل َ‬
‫اىم ح ِ‬
‫صي ًدا‬
‫َد ْع َو ُ‬
‫اى ْم}‪ :‬ومعارضتهم للحق وتكذيبهم لرسلي‪َ {:‬حتَّى َج َعلْنَ ُ ْ َ‬
‫ِِ‬
‫ظل اإلنساف متعلٍّقاً بالدنيا "ال ٍّ‬
‫يفكر با‪١‬توت"‪ ،‬فإف مل‬
‫ين}(;‪ )7‬سورة األنبياء‪:‬إذا َّ‬
‫َخامد َ‬
‫ِِ‬
‫ٍّ‬
‫يفكر با‪١‬توت‪ ،‬يظل ٍّ‬
‫ين}‬
‫مكذباً للحق‪َ { :‬وَما َخلَ ْقنَا َّ‬
‫الس َماء َو ْاأل َْر َ‬
‫ض َوَما بَػ ْيػنَػ ُه َما َالعب َ‬
‫(<‪ )7‬سورة األنبياء‪ :‬لعب اٗتذناىا!‪ٍّ . .‬‬
‫فكر يا إنساف بالسماء واألرض وا‪ٞ‬تباؿ ىل ىي‬
‫لعب؟!‪ .‬كلها لسعادتك ‪ .‬ىل خلقنا الدنيا لعباً؟!‪ .‬أال ٍّ‬
‫تفكر ‪١‬تاذا خلق اهلل الكوف؟‪.‬‬
‫خلقك لتكوف إنساناً‪.‬‬
‫وىذه الواقعة‪ ،‬سوؼ ال ينجو منها إال كل مؤمن‪ ،‬أو من ىو قابل لئلٯتاف‪ ،‬إذ ُب ىذه‬
‫الساعة سوؼ يهلك كل ‪٣‬ترـ‪ ،‬أما الذين لديهم قابلية لئلٯتاف‪ ،‬فإف ا‪ٟ‬تق سيعرض عليو إما‬

‫على لساف السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬وإما على لساف أتباعو‪ ،‬فإف آمن واىتدى وصدؽ با‪ٟ‬تسٌت‪،‬‬
‫فسوؼ ٭تيا حياة طيبة ُب الدنيا‪ ،‬وُب اآلخرة يكوف من الصا‪ٟ‬تُت‪ ،‬وإال سيهلك مع‬
‫ا‪٢‬تالكُت‪ .‬إف الببلء سوؼ ال يأخذ الصاّب ّتريرة الطاّب‪ ،‬كما أنو ليس صحيحاً ا‪١‬تثل‬

‫القائل‪ (:‬الرحمة مخصصة والببلء يعم) وىو مثل مغلوط‪ ،‬فالقرآف الكرًن كلو وبو ا‪ٟ‬تجة‬
‫البالغة‪ ،‬ال يؤيد ىذا الزعم‪ ،‬بل يبُت أف الر‪ٛ‬تة ‪٥‬تصصة‪ ،‬والببلء ‪٥‬تصص أيضاً‪ .‬إف اهلل‬
‫سبحانو وتعاىل قد بُت لنا عن األقواـ السابقة اليت أىلكت‪ ،‬أنو قد ‪٧‬تّا من بينهم ا‪١‬تؤمنُت‪،‬‬
‫ٍ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬ولَ َّما جاء أَمرنَا نَ َّجيػنَا ى ً َّ ِ‬
‫اىم ّْم ْن‬
‫آمنُواْ َم َعوُ بَِر ْح َمة ّْمنَّا َونَ َّجْيػنَ ُ‬
‫َ َ ُْ ْ ُ‬
‫ين َ‬
‫ودا َوالذ َ‬

‫يظ} (>;) سورة ىود ‪{ .‬فَػلَ َّما جاء أَمرنَا نَ َّجيػنَا ِ‬
‫اب غَِل ٍ‬
‫َّ ِ‬
‫َع َذ ٍ‬
‫آمنُواْ َم َعوُ‬
‫ْ َ‬
‫ين َ‬
‫صال ًحا َوالذ َ‬
‫َ ُْ‬
‫ي ال َْع ِز ُيز} (<<) سورة ىود‪ .‬وقل مثل‬
‫ك ُى َو الْ َق ِو ُّ‬
‫بِ َر ْح َم ٍة ّْمنَّا َوِم ْن ِخ ْز ِي يَػ ْوِمئِ ٍذ إِ َّف َربَّ َ‬
‫ذلك عن قوـ لوط‪ ،‬وأىل مدين وغَتىا من اآليات‪.‬‬
‫تلك سنن وقوانُت ال تتبدؿ وال تتغَت‪ ،‬وىذه القوانُت تنطبق على الفرد كما تنطبق على‬
‫ا‪ٞ‬تماعة‪ ..‬وقد وعد سبحانو بأنو سوؼ ينجي ا‪١‬تؤمنُت إذا أصاب قومهم الببلء‪ ،‬قاؿ‬
‫ِ‬
‫ك ح ِّقا َعلَْيػنَا نُ ِ ِ ِ‬
‫ين} (‪ )769‬سورة يونس‪.‬‬
‫تعاىل‪َ ...{ :‬ك َذل َ َ‬
‫نج ال ُْم ْؤمن َ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ِ‬
‫آصةً َوا ْعلَ ُمواْ أ َّ‬
‫َف الل َّو‬
‫ين ظَلَ ُمواْ ِمن ُك ْم َخ َّ‬
‫أما اآلية الكرٯتة‪َ { :‬واتَّػ ُقواْ ف ْتػنَةً الَّ تُصيبَ َّن الذ َ‬
‫َش ِدي ُد ال ِْع َق ِ‬
‫اب} (;‪ )8‬سورة األنفاؿ‪:‬فهي تعٍت أولئك الذين بإمكاهنم ‪٤‬تاربة الفتنة(‪ٍ )1‬ب‬
‫تقاعسوا عنها‪ ،‬لذلك فإنو ال بد أف يصيبهم ما أصاب الذين كانوا سبباً ُب إيقاظها‪ ،‬ألهنم‬
‫بعدـ هنيهم عنها دليل على رضاىم ُّا‪ ،‬أما إذا استشرت الفتنة واستفحلت‪ ،‬وخرجت عن‬
‫نطاؽ مقاومة ا‪١‬تؤمنُت ‪٢‬تا‪ ،‬فما على ا‪١‬تؤمن إال نفسو‪ ،‬ومن يستطيع ىدايتهم‪ ،‬أو من لو‬
‫سلطة عليهم‪.‬‬
‫لقد بُت لنا تعاىل ىوؿ ىذه الساعة‪ ،‬وبُت لنا أف النجاة ُب عصرىا‪ ،‬ال يكوف إال‬
‫بالتقوى‪ ،‬أي اإلٯتاف ا‪١‬تبٍت على الشهود‪ ،‬إذ ال ٯتكن لئلٯتاف التقليدي أف يثبت صاحبو‬
‫أماـ ىذه الشدائد‪.‬‬

‫ِ‬
‫الس َ ِ‬
‫يم‪ ،‬يَػ ْو َـ تَػ َرْونَػ َها‬
‫َّاس اتَّػ ُقوا َربَّ ُك ْم إِ َّف َزل َْزلَةَ َّ‬
‫اعة َش ْيءٌ َعظ ٌ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬يَا أَيػُّ َها الن ُ‬
‫ِ‬
‫تَ ْذ َىل ُك ُّل مر ِ‬
‫َّاس ُس َك َارى‬
‫ض َع ْ‬
‫ت َوتَ َ‬
‫ض َع ٍة َع َّما أ َْر َ‬
‫ُْ‬
‫ض ُع ُك ُّل ذَات َح ْم ٍل َح ْملَ َها َوتَػ َرى الن َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫اب اللو َشدي ٌد} (‪ 7‬ػ‪ )8‬سورة ا‪ٟ‬تػج‪.‬‬
‫س َك َارى َولَك َّن َع َذ َ‬
‫َوَما ُىم ب ُ‬
‫إف ىذه اآلية ال تشَت كما يُظن‪ ،‬إىل يوـ القيامة‪ ،‬ألف أ‪ٛ‬تاؿ النفس من شهوات‬
‫كالنساء وا‪١‬تاؿ وا‪ٞ‬تاه والبناء والسيارات واللباس وما شابو ذلك(‪ )1‬تكوف سقطت ‪ٚ‬تلة‬
‫(‪ )7‬الفتنة‪ :‬ىي كل ما يوقظ الشهوة احملرمة ُب النفوس‪.‬‬
‫(‪ )7‬ولفهم أ‪ٛ‬تاؿ النفس نضرب ا‪١‬تثاؿ التايل‪ :‬لػو أف رجػبلً اقتػٌت قصػراً منيفػاً غايػة ُب ا‪ٞ‬تمػاؿ علػى شػاطئ البحػر‪ ،‬وسػكن مػع أوالده‬
‫العشرة‪ ،‬واقتٌت عدة سيارات‪ ،‬ولو عدة بواخر وزوارؽ للتجارة‪ ،‬وأصابو الغرؽ‪ ،‬ىل يتػذكر ُب ىػذه اللحظػة قصػره أو سػيارتو أو أوالده‬
‫أو بواخره‪ ،‬أـ أنو يذىل عن كل ىذا لينجو بنفسو‪.‬‬

‫وتفصيبلً عند ا‪١‬توت‪،‬فبل ‪ٛ‬تل وال أطفاؿ ترضع وأمهات تُرضع يوـ القيامة‪ ،‬كما أنو ال يبقى‬
‫لئلنساف أية أمنية سيئة ٭تملها ُب ذلك اليوـ‪ ،‬فإنو يتمٌت أف يكوف بينو وبينها أمداً بعيداً‪،‬‬

‫أما أ‪ٛ‬تاؿ النفس وكل ما يشغلها(‪ )2‬قبل قياـ الساعة‪ ،‬تكوف موجودة فيها‪ ،‬وال تضعها إال‬
‫عندما ترى شدة ىو‪٢‬تا‪ ،‬حىت أف كل مرضعة تذىل عما أرضعت‪ ،‬كم عند الوالدة من عطف‬
‫على ولدىا‪ ،‬ولكن ساعتها تذىل عنو‪ ،‬بل ىذه األحداث ا‪٢‬تائلة ٖتدث ُب الدنيا عند وقوع‬
‫الزالزؿ ا‪١‬ترعبة‪ ،‬إذ ال يبقى للنفس من ىم إال اتقاء شدة الببلء‪ ،‬وينسى اإلنساف كل شيء‪،‬‬

‫َّاس ُس َك َارى‪ :}...‬ا‪٢‬توؿ ينسيهم كل شيء‪...{:‬‬
‫إال ىذا ا‪٠‬تطر احملدؽ بو‪َ ..{ :‬وتَػ َرى الن َ‬
‫ِ‬
‫س َك َارى‪:}...‬ما شربوا ‪ٜ‬تراً‪ ،‬لكن العذاب أسكرىم وشغلهم عن كل شيء‪...{:‬‬
‫َوَما ُىم ب ُ‬
‫ِ‬
‫اب اللَّ ِو َش ِدي ٌد}‪:‬إذا كاف اهلل تعاىل يصف ىذا اليوـ وعذابو بالشدة‪ ،‬فكيف ىو يا‬
‫َولَك َّن َع َذ َ‬
‫ترى؟!‪.‬‬
‫ىذا وقد ورد ذكر للساعة ُب اإل‪٧‬تيل أيضاً‪ ،‬وسنذكره ُب حينو‪.‬‬
‫وال غرابة‪ ،‬فالسيد ا‪١‬تسيح ‪ِ ‬عْل ٌم للساعة‪ ،‬وىو ا‪١‬تعٍت باألمر‪ ،‬وىو ا‪١‬تأمور بإعبلء كلمة‬
‫ا‪ٟ‬تق ُب األرض من قياـ الساعة وإىل يوـ القيامة بإمداد من اهلل تعاىل‪ ،‬ولكن فهمت النصارى‬
‫كما فهم ا‪١‬تسلموف بأف الساعة اليت يأٌب ُّا ىي ساعة يوـ القيامة‪.‬‬
‫أقوؿ‪ :‬ما فائدة ‪٣‬تيء الرسوؿ ‪ ‬عند يوـ القيامة؟!‪.‬‬

‫أما انتهت فًتة االمتحاف؟!‪ .‬أما ينتظر الناس ليؤتى كلٌّ منهم كتابو؟!‪ .‬إما بيمينو وإما‬
‫بشمالو‪ ،‬وما فائدة النصح وىل تنفع موعظة عندئذ؟!‪ .‬أما كشف الغطاء وأصبح البصر‬
‫يومئذ حديد؟!‪.‬‬
‫***‬

‫أما لو كانت نفسو مطمئنة فإنو يغيظو أدىن تلف ألدىن شيء ٯتتلكو‪ .‬أما اآلف ىوؿ الغرؽ واالختناؽ أسكره وأذىلو عن كل ىذا‪.‬‬
‫(‪ )8‬أ‪ٛ‬تاؿ النفس ىنا‪ :‬ىي ما ٖتملو النفس من شهوات‪ ،‬كشهوة النساء وا‪١‬تاؿ وا‪ٞ‬تاه وما شابو ذلك‪.‬‬

‫انفصم انثانث‬
‫في ىذا الفصل‪:‬‬
‫‪ ‬أشراط الساعة‪.‬‬
‫‪ ‬خروج بيت المقدس من أيدي المسلمين‪.‬‬
‫‪ ‬طلوع الشمس من مغربها وانشقاؽ القمر‪.‬‬
‫‪ ‬النفوذ من أقطار السموات واألرض‪.‬‬
‫‪ ‬خروج يأجوج ومأجوج‪.‬‬
‫‪ ‬خروج دابة األرض‪.‬‬
‫‪ ‬زخرفة األرض‪.‬‬
‫‪ ‬ظهور الدخاف‪.‬‬
‫‪ ‬أشراط الساعة الصغرى‪.‬‬
‫***‬

‫أشـشاط انغـاعت‬
‫ك الْ ُق َرى بِظُل ٍْم َوأ َْىلُ َها غَ ِافلُو َف} (‪ )797‬سورة األنعاـ‬
‫ك ُم ْه ِل َ‬
‫ك أَف لَّ ْم يَ ُكن َّربُّ َ‬
‫{ذَلِ َ‬
‫إف اهلل سبحانو ال يأخذ الناس على حُت غرة‪ ،‬ودوف سابق إنذار‪ ،‬وىو جل شأنو‬

‫لر‪ٛ‬تتو بعباده يرسل(‪ )2‬إليهم رسوالً ٭تذرىم ‪٦‬تا ىم فيو من الكفر والضبلؿ‪ ،‬وينذرىم إذا مل‬

‫يتوبوا ناراً أعدت للكافرين‪.‬‬

‫فإذا رجعوا عما ىم فيو‪ ،‬وهنوا النفس عن ا‪٢‬توى‪ ،‬فإف اهلل من بعدىا لغفور رحيم‪ ،‬يبدؿ‬
‫يمانػُ َها‬
‫آمنَ ْ‬
‫سيئاهتم حسنات‪ ،‬ويرفع عنهم عذاب ا‪٠‬تزي‪{ :‬فَػلَ ْوالَ َكانَ ْ‬
‫ت قَػ ْريَةٌ َ‬
‫ت فَػنَػ َف َع َها إِ َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ْحيَاةَ ُّ‬
‫اى ْم إِلَى‬
‫آمنُواْ َك َ‬
‫َّعنَ ُ‬
‫الدنْػيَا َوَمتػ ْ‬
‫ش ْفنَا َع ْنػ ُه ْم َع َذ َ‬
‫اب الخ ْز ِي في ال َ‬
‫س لَ َّمآ َ‬
‫إالَّ قَػ ْو َـ يُونُ َ‬
‫ِحي ٍن} (>?) سورة يونس‪.‬‬

‫وأما إذا عتوا عن أمر رُّم‪ ،‬وأصروا على كفرىم‪ ،‬فإف اهلل يأخذىم بالعذاب األدىن دوف‬
‫العذاب األكرب‪ ،‬لعلهم يرجعوف‪ ،‬أو يبلوىم بالبأساء والضراء‪ ،‬ويلبسهم شيعاً ليذيق بعضهم‬

‫بأس بعض‪ ،‬أو يضرب عليهم الذلة وا‪١‬تسكنة‪ ،‬أو يذيقهم شيئاً من ا‪ٞ‬توع وا‪٠‬توؼ وعدـ‬
‫األمن‪ ،‬إىل غَت ذلك من ألواف العذاب‪ ،‬لعلهم بتلك ا‪١‬تصائب أو تلك العبلجات‪ ،‬يصحوف‬
‫من سكرهتم‪ ،‬ويتنبهوف من غفلتهم‪ ،‬فإذا مل يذعنوا ألمر اهلل‪ ،‬ومل يعتربوا من تلك ا‪١‬تصائب‬
‫الناشبة اآلف ُب كل بقاع ا‪١‬تعمورة‪ ،‬من أعاصَت وعواصف استوائية‪ ،‬وزالزؿ وبراكُت‪،‬‬
‫وجفاؼ وفيضانات ُب بقاع أُخرى‪ ،‬وطوفانات كسونامي وغَتىا الكثَت ُب أرجاء‬
‫األرض‪ ،‬وحروب مدمرة‪ ،‬وأمراض مستعصية لئلنساف واألنعاـ‪ ،‬كجنوف البقر‪ ،‬وانفلونزا‬
‫الطيور‪ ،‬وطاعوف األغناـ‪ ،‬ونفوؽ النوؽ وا‪ٞ‬تماؿ‪ ،‬وغَتىا‪ ،‬فإف اهلل بعد ذلك يأخذىم‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫يم َش ِدي ٌد}‬
‫ك أَ ْخ ُذ َربّْ َ‬
‫بعذاب يوـ بئيس‪َ { :‬وَك َذلِ َ‬
‫ك إِ َذا أ َ‬
‫َخ َذ الْ ُق َرى َوى َي ظَال َمةٌ إِ َّف أَ ْخ َذهُ أَل ٌ‬
‫(‪ )768‬سورة ىود‪.‬‬

‫وال يَػ ْتػلُو َعلَػيْ ِه ْم آيَاتِنَػا َوَمػا ُكنَّػا ُم ْهلِ ِكػي الْ ُق َػرى إَِّال َوأَ ْىلُ َهػا‬
‫ث فِي أ ُّْم َها َر ُس ً‬
‫ك الْ ُق َرى َحتَّى يَػ ْبػ َع َ‬
‫ك ُم ْهلِ َ‬
‫(‪ )8‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬وَما َكا َف َربُّ َ‬
‫ظَالِ ُمو َف} (?;) سورة القصص‪.‬‬

‫لذلك فقد َّ‬
‫حذرنا تعاىل على لساف رسولو الكرًن‪ ،‬بالعبلمات أو اإلشارات اليت تسبق‬
‫تلك الساعة‪ ،‬لعلنا نتدارؾ أمرنا‪ ،‬ونثوب إىل رشدنا‪ ،‬فنرجع إىل ديننا‪ ،‬ونؤمن باهلل ورسولو‪،‬‬
‫وعندئذ سوؼ ينصرنا نصراً عزيزاً‪ ،‬ويبدؿ خوفنا أمناً‪ ،‬وعسرنا يسراً‪ ،‬وضعفنا قوة‪ ،‬فنخدـ‬
‫إخواننا بٍت البشر‪ ،‬لسلوؾ الطريق ا‪١‬تستقيم‪ ،‬وكي ننعم ‪ٚ‬تيعاً ْتياة الرغد وا‪٢‬تناء واحملبة‬
‫والوئاـ‪ٖ ،‬تت لواء الرسوؿ الرحيم‪ ،‬فنغدو ُّذه ا‪ٟ‬تياة ُب جنّة حقيقية ننعم ُّا ‪ٚ‬تيعاً‪٨ ،‬تن‬

‫األخوة أوالد أبينا آدـ وأمنا حواء عليهما السبلـ‪ ،‬فيعم ذلك بالعامل‪ ،‬ال لننهب ثرواهتم‪،‬‬
‫(‪)2‬‬

‫أو نذ‪٢‬تم بغَت ا‪ٟ‬تق‪ ،‬كما تفعل بعض الدوؿ اليوـ‪ ،‬بل لنحررىم‬

‫من عبودية ا‪١‬تادة ومن‬

‫عبودية شهواهتم‪ ،‬ؤتعٌت أمشل لنؤدي ‪٢‬تم رسالة السماء‪ ،‬كي يعرفوا طعم ا‪ٟ‬ترية‪ ،‬وطعم‬
‫العدؿ‪ ،‬وطعم السعادة‪ .‬ونناؿ بذلك األجر والثواب من اهلل تعاىل‪.‬‬
‫مصرين على ما ‪٨‬تن عليو‪ ،‬فحاشا هلل أف ينصرنا‪ ،‬وحاشا لو أف يعزنا‪،‬‬
‫وإالَّ نفعل ذلك ونبقى ٍّ‬
‫ألف اهلل جلَّت قدرتو لو سودنا على العامل ألعطينا الناس فكرة مشوىة عن اإلسبلـ‪.‬‬
‫ىذا وإف كنت قد فصلت ُب ىذا ا‪١‬توضوع‪ ،‬فإين أضيف ىنا لُمحاً عن كيفية الفساد‪،‬‬

‫ذلك ألف حب الدنيا الدنيّة‪ ،‬وما فيها من مفاتن‪ ،‬ىي األساس ُب إعراض الناس عن اهلل‬
‫جل شأنو‪.‬‬
‫فإذا التفتت النفس إىل الدنيا‪ ،‬واستغنت ُّا عن اآلخرة‪ ،‬يصبح ‪٫‬تها شهوهتا ا‪١‬تنحطّة‪،‬‬
‫وما أكثرىا‪ ،‬وتشغل ساحتها‪ ،‬وتصرفها عما سواىا‪.‬‬
‫وبغية ٖتقيق تلك الرغبات ا‪١‬تتزايدة‪ ،‬يسعى اإلنساف بكل ما أوٌب من قوة‪ ،‬ويبذؿ كل‬
‫ما وسعو من جهد‪ ،‬لسد متطلبات ا‪ٟ‬تياة الكثَتة وا‪١‬تعقدة اليت فرضها عليو ‪٣‬تتمعُوُ‪ ،‬وىو‬
‫ُب غٌت عنها‪.‬‬
‫إف السعادة نسبية‪ ،‬فالنفس ترضى بالقليل إف وجدت اَّتمع اإلنساين كلو أو حىت‬
‫البيئة اليت يقطنها‪ ،‬تعيش ُب مستوى معُت بسيط‪ ،‬ولكن اإلنساف إذا سكن ُب بيئة‬
‫ِ َّػ ِ‬
‫(‪ )8‬قاؿ تعػاىل‪{ :‬وم ا لَ ُكػ م الَ تُػ َقػ اتِلُو َف فِػي س بِ ِ ِ‬
‫ضػ َع ِفين ِمػ ن ّْ ِ‬
‫ين يَػ ُقولُػو َف َربَّػنَػا‬
‫َػ‬
‫َ َػ ْ‬
‫ّْسػ اء َوالْ ِولْػ َداف ال ذ َ‬
‫ْم ْستَ ْ َ َ‬
‫يل اللّػو َوال ُ‬
‫الر َجػ اؿ َوالن َ‬
‫أَ ْخ ِرجنَا ِمن ى ِذهِ الْ َقري ِة الظَّالِ ِم أَ ْىلُها واجعل لَّنَا ِمن لَّ ُد َ ِ‬
‫نك نَ ِ‬
‫ص ًيرا} (;=) سورة النساء‬
‫اجعَل لَّنَا ِمن لَّ ُد َ‬
‫ْ ْ َ‬
‫نك َوليِّا َو ْ‬
‫َ َ َْ‬
‫َْ‬

‫متفاوتة الطبقات أو ا‪١‬تستويات ا‪١‬تعاشية‪ ،‬فإنو من غَت شك تأخذه الغَتة‪ ،‬واألمل‪ ،‬وا‪ٟ‬تقد‪،‬‬
‫ؤتعٌت آخر‪ ،‬لقد أفسد عليو ‪٣‬تتمعو حياتو‪ ،‬واهلل ال ٭تب الفساد‪ ،‬وعندىا يشمر عن‬
‫ساعد ا‪ٞ‬تد‪ ،‬ويسعى بشىت الطرؽ‪ ،‬ويتذرع ٔتختلف الوسائل‪ ،‬ليسد الرغائب اليت فرضها‬
‫عليو ‪٣‬تتمعو الفاسد‪ ،‬وال يبايل إذا سلك طرقاً ملتوية دوف وازع من ضمَت‪ ،‬إلرواء غليلو‪،‬‬
‫ما داـ ىذا الطريق أو ذاؾ ٭تقق لو ما يريد‪.‬‬
‫إف مهمة الرسوؿ الكرًن إذاً ىي تصحيح الوضع االجتماعي ا‪١‬تًتدي‪ ،‬الذي يقودىم ‪٨‬تو‬
‫ا‪٢‬تاوية‪٨ ،‬تو الشقاء األبدي‪ .‬فيأتيهم با‪٢‬تدى‪ ،‬والكتاب ا‪١‬تنَت‪ ،‬ويعظهم ويقارعهم با‪ٟ‬تجة‪،‬‬
‫فإف ‪ٝ‬تعوا وعملوا ٔتا ‪ٝ‬تعوا‪ ،‬فإف اهلل من بعدىا لغفور رحيم‪ ،‬يبدؿ سيئاهتم حسنات‪ ،‬ويبتعد‬
‫ا‪٢‬تم والقلق واألمل والظلم والشقاء بطبيعتو‪ ،‬ويصلح با‪٢‬تم‪ .‬وإف أبوا واستكربوا فإف اهلل‬
‫يأخذىم كما ذكرنا بألواف من العذاب‪ ،‬لعلهم يرجعوف‪ ،‬وإذا مل يفدىم العبلج‪ ،‬ومل يقبلوا‬
‫نصح الرسوؿ الكرًن‪ ،‬فعندئذ ينذرىم تعاىل على لساف رسولو‪ ،‬فإف أصروا على كفرىم‪،‬‬
‫واستهزأوا ٔتا أنذروا‪ ،‬عندئذ فإف الببلء ٌّ‬
‫حاؿ ُّم ال ‪٤‬تالة‪ ،‬وسينجي اهلل الذين آمنوا منهم‬
‫بر‪ٛ‬تة منو ومتاع إىل حُت‪.‬‬

‫ٍ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬ولَ َّما جاء أَمرنَا نَ َّجيػنَا ى ً َّ ِ‬
‫اىم‬
‫آمنُواْ َم َعوُ بَِر ْح َمة ّْمنَّا َونَ َّج ْيػنَ ُ‬
‫َ َ ُْ ْ ُ‬
‫ين َ‬
‫ودا َوالذ َ‬
‫اب غَلِ ٍ‬
‫ّْم ْن َع َذ ٍ‬
‫يظ} (>;) سورة ىود‪.‬‬
‫ِ‬
‫يه ا ِم ن ال ِ ِ‬
‫ين ‪ ،‬فَ َم ا َو َج ْد نَا‬
‫وقاؿ سبحانو عن قوـ لوط‪{ :‬فَأَ ْخ َر ْج نَا َم ن َك ا َف ف َ َ ُ‬
‫ْم ْؤم ن َ‬
‫ِ‬
‫يه ا غَيْػ ر بػ يْ ٍ‬
‫ت مّْ ن الْم ِ ِ‬
‫ين } (;‪ 9‬ػ<‪ ) 9‬سورة الذاريات‪.‬‬
‫فَ َ َ‬
‫َ ُ ْ‬
‫سلم َ‬
‫َّ ِ‬
‫آمنُواْ َم َعوُ بَِر ْح َم ٍة َّمنَّا‬
‫ين َ‬
‫وعن قوـ شعيب قاؿ‪َ { :‬ولَ َّما َجاء أ َْم ُرنَا نَ َّج ْيػنَا ُش َع ْيبًا َوالذ َ‬
‫وأ َ ِ َّ ِ‬
‫ِ ِ ِ ِِ‬
‫ين}(‪ )?:‬سورة ىود‪.‬‬
‫ين ظَلَ ُمواْ َّ‬
‫الص ْي َحةُ فَأ ْ‬
‫َ‬
‫َصبَ ُحواْ في ديَا ِرى ْم َجاثم َ‬
‫َخ َذت الذ َ‬

‫ىذا و‪١‬تا أصبحت الفنت تتوارد كقطع الليل مظلماً‪ ،‬فإف اهلل سيهلك الذين كفروا منا‬
‫وأصروا على كفرىم‪ ،‬وسينجي الذين آمنوا بر‪ٛ‬تة منو‪ ،‬وسيجعلهم بعد ذلك فوؽ الذين‬

‫كفروا إىل يوـ القيامة‪.‬‬

‫تلك قوانُت ال ٯتكن التغلب عليها‪ ،‬ألف اهلل غالب على أمره‪ ،‬فإذا فسقت أمة‪ ،‬أو أمم‬
‫فإف ىبلكهم سيكوف ‪٤‬تققاً‪ ،‬فبل مؤ٘ترات السبلـ‪ ،‬وال اجتماعات نزع السبلح‪ ،‬وال فكرة‬

‫التعايش السلمي‪ ،‬وال توازف القوى‪ ،‬وال أي شيء ُب الوجود‪ ،‬ٯتكنو أف يصرؼ الببلء‬
‫ا‪١‬تنتظر إذا آف أوانو‪ ،‬اللهم إال بشرط واحد فقط‪ ،‬وىذا الشرط ىو ابتعاد البشرية عما‬
‫أُترفوا فيو‪ ،‬وتغيَت ىذا النهج‪ ،‬هنج الضبلؿ والكفر‪ ،‬والرجوع إىل رياض الدين‪ ،‬والتمسك‬
‫بتعاليمو قوالً وفعبلً‪ ،‬وأخذ الكتاب بقوة‪ ،‬والعمل بو بقوة أيضاً‪ ،‬و‪١‬تا كاف ىذا الشرط‪،‬‬
‫يكاد يكوف مستحيبلً‪ ،‬بسبب االنصراؼ الكلي ‪٨‬تو الدنيا‪ ،‬واالبتعاد الكلي بالنسبة ‪١‬تعظم‬
‫البشرية عن اهلل‪ ،‬فإف الساعة آتية ال ريب فيها‪ ،‬وىذا ما بينو سبحانو وتعاىل‪ ،‬عندما قرف‬
‫وقوع القوؿ على الناس ٓتروج دابة األرض(‪ ،)7‬ؤتا أف دابة األرض قد أخرجت‪ ،‬فإف‬
‫الببلء بات ‪٤‬تققاً‪ ،‬ذلك ألف البشرية ُب ىذا العصر‪ ،‬تقًتؼ من السيئات ما فاؽ أعماؿ‬
‫األمم السابقة ‪ٚ‬تيعها‪ ،‬وأهنا بلغت من الطغياف مبلغاً مل يصلو أحد من العا‪١‬تُت من قبل‪،‬‬
‫لذا فإف اهلل عز وجل لن يًتكنا نعيث ُب األرض فساداً‪ .‬كبل‪ ...‬فإنو مصيب الذين ظلموا‬

‫ُب عصرنا ما أصاُّم‪ ،‬بل أدىى من ذلك كلو وأمر‪.‬‬

‫إف الرسوؿ الكرًن ‪٤‬تمد ‪ ،‬حذرنا من ىذا الببلء‪ ،‬وبُت لنا األشراط الدالة على وقوعو‪.‬‬
‫وكذلك سوؼ يظهر اهلل السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬وىذا الظهور بات وشيكاً‪ ،‬مؤكداً ما قالو سيدنا‬

‫‪٤‬تمد ‪ .‬وإذا مل تستمع البشرية لداعي اهلل‪ ،‬فإف الببلء سوؼ ال يلبث طويبلً‪ ،‬وسوؼ ال‬
‫ينجو منو إال كل مؤمن‪ ،‬أو قابل لئلٯتاف‪ ،‬ولن تفيدىم صياصيهم‪ ،‬وال غَتىا من‬
‫االستعدادات‪ ،‬إذا أراد اهلل أف يهلكهم‪.‬‬

‫أما األشراط أو العبلمات أو اإلشارات اليت تسبق الساعة‪ ،‬فهي كثَتة‪ ،‬لذا نذكر منها‬
‫ما جاء ذكرىا ُب القرآف الكرًن وًب وقوعها فعبلً‪.‬‬
‫فمن ىذه األشراط الكربى‪:‬‬
‫(‪ )7‬انظر شرحها بالصفحة( ‪.) 7<9‬‬

‫خشوج بٍج انًمذط يٍ أٌذي انًغهًٍٍ‬
‫وقبل تفصيل ىذا الشرط نقوؿ من ىم الذين تكوف القدس ُب أيديهم عند فتحها من‬
‫قبل ا‪١‬تسلمُت؟‪.‬‬
‫لقد جاء ُب األثر بأف القدس قد فتحت ُب زمن عمر بن ا‪٠‬تطاب‪ ،‬وكانت يومئذ ٖتت‬
‫سيطرة النصارى من الروماف‪ ،‬كما فتحت ثانية على يد صبلح الدين األيويب‪ ،‬وكانت يوـ‬
‫ذاؾ ٖتت سيطرة النصارى من الصليبيُت‪ ،‬ولكن ىل إىل ىذين الفتحُت أشار القرآف؟‪ .‬أـ‬
‫إىل فتح آخر؟‪.‬إذا ما رجعنا إىل القرآف الكرًن ‪٧‬تده قد نوه إىل ذلك الفتح ُب سورة‬
‫ضيػنَا إِلَى بنِي إِسرائِيل فِي ال ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫اب لَتُػ ْف ِس ُد َّف فِي األ َْر ِ‬
‫ض َم َّرتَػ ْي ِن‬
‫اإلسراء‪ .‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬وقَ َ ْ‬
‫َ َْ َ‬
‫ِ‬
‫ْس َش ِد ٍ‬
‫ادا لَّنَا أ ُْولِي بَأ ٍ‬
‫يد‬
‫ُوالى َما بَػ َعثْػنَا َعلَْي ُك ْم عبَ ً‬
‫َولَتَػ ْعلُ َّن عُلُ ِّوا َكبِ ًيرا‪ ،‬فَِإذَا َجاء َو ْع ُد أ ُ‬
‫اسواْ ِخبلَ َؿ الدّْيَا ِر َوَكا َف َو ْع ًدا َّم ْفعُوالً‪ ،‬ثُ َّم َر َد ْدنَا لَ ُك ُم الْ َك َّرةَ َعلَْي ِه ْم َوأ َْم َد ْدنَا ُكم‬
‫فَ َج ُ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ٍ ِ‬
‫َسأْتُ ْم فَػلَ َها‬
‫سنتُ ْم أ ْ‬
‫ين َو َج َعلْنَا ُك ْم أَ ْكثَػ َر نَف ًيرا‪ ،‬إِ ْف أ ْ‬
‫سنتُ ْم ألَن ُفس ُك ْم َوإِ ْف أ َ‬
‫بأ َْم َواؿ َوبَن َ‬
‫َح َ‬
‫َح َ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫وى ُك ْم َولِيَ ْد ُخلُواْ ال َْم ْس ِج َد َك َما َد َخلُوهُ أ ََّو َؿ َم َّرٍة‬
‫سوُؤواْ ُو ُج َ‬
‫فَإ َذا َجاء َو ْع ُد اآلخ َرة ليَ ُ‬
‫َولِيُتَبّْػ ُرواْ َما َعلَ ْواْ تَػ ْتبِ ًيرا} (‪ :‬ػ=) سورة اإلسراء‪.‬‬
‫من ىذه اآليات يتبُت أف بيت ا‪١‬تقدس عند فتحو يكوف بيد اليهود اإلسرائيليُت‪ ،‬وليس‬

‫بيد ا‪١‬تسيحيُت من روماف وصليبيُت‪.‬‬

‫ض ْيػنَا إِلَى بَنِي‬
‫وىذا ما تدؿ عليو تلك اآليات الكرٯتة‪َ {:‬وقَ َ‬
‫ال ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫اب‪ :}..‬إف اهلل قضى ُب الكتاب‪ ،‬أي ُب التوراة‪ ،‬أف بٍت إسرائيل‬

‫ِ ِ‬
‫يل فِي‬
‫إ ْس َرائ َ‬
‫ما داموا على‬

‫استكبارىم‪ ،‬وعدـ تقديرىم لرسو‪٢‬تم‪ ،‬وعدـ تفكَتىم ُب آالء اهلل‪ ،‬وبالتايل عدـ إٯتاهنم‬
‫باهلل‪ ،‬فإهنم سيفسدوف ُب األرض مرتُت‪ ،‬وىذا الفساد قد جاء ذكره ُب العهد القدًن‪ ،‬لقد‬

‫جاء ُب سفر ُأرميا ُب اإلصحاح الثاين‪(:‬إنذىلي أيتها السموات من ىذا الفساد‬
‫شرين)‪.‬‬
‫واقشعري وانتفضي جسداً فإف شعبي صنع َّ‬

‫وىذا مصداؽ لآلية الكرٯتة‪ ...{:‬لَتُػ ْف ِس ُد َّف فِي األَ ْر ِ‬
‫ض َم َّرتَػ ْي ِن‪،}..‬ؤتا أف العهد القدًن‬
‫ىو عبارة عن تاريخ بٍت إسرائيل بغض النظر عن صحة رواياتو فإف ىذا القوؿ ال شك مأخوذ‬
‫شريْن) فبل يؤخذ ٔتعناىا ا‪ٟ‬ترُب بأف الشرين قد حدثا ُب‬
‫من التوراة كبلـ اهلل‪ .‬وأما ‪ٚ‬تلة (صنع َّ‬
‫ا‪١‬تاضي بسبب التحريفات اليت أحدثوىا‪ ،‬وبسبب سوء الًت‪ٚ‬تة‪ ،‬كذلك فإف ُب القرآف الكرًن‬

‫آيات جاءت بصيغة ا‪١‬تاضي‪ ،‬وىي تعٍت ا‪١‬تستقبل(‪.)1‬‬

‫ضمنوه أسفارىم ال سيما (سفر أشعيا وأرميا) فإنك ترى‬
‫أما الفساد األوؿ فانظر ما َّ‬

‫وصفاً لفسادىم وإفسادىم يفوؽ حد الوصف(‪ ،)2‬وىذا الفساد واإلفساد قد جاء قبيل‬
‫تنفيذ الوعيد من رب العا‪١‬تُت‪ ،‬لقد ّبُت تعاىل بأف اإلفساد األوؿ ستكوف عقوبتو إرساؿ عباد‬
‫لو أويل بأس شديد‪ .‬واآلف لننظر ما جاء ُب اإلصحاح السابع من سفر أشعيا‪:‬‬
‫(‪ ...‬تقتلوف‪ ،‬وتسرقوف وتزنوف‪ ،‬وتحلفوف‪ ،‬ثم تأتوف وتقفوف بين يدي الرب في‬
‫ىذا البيت الذي دعي باسمي وتقولوف أنْق ْذنا حتى تصنعوا جميع تلك األرجاس‪.‬‬
‫أفصار ىذا البيت الذي دعي باسمي مغارة للصوص )‪.‬‬
‫ونتيجة لذلك الفساد جاء جواب الرب كما ورد ُب نفس اإلصحاح‪:‬‬

‫( وبما أنكم عملتم كل ىذه األعماؿ وقد كلمتكم مبكراً(‪)1‬ولم تسمعوا فسأصنع بهذا‬

‫البيت الذي دعي باسمي كما صنعت ((بشيلو)) وأنبذكم على وجهي كما نبذت جميع‬
‫إخوتكم)‪.‬‬

‫(‪ )7‬مثاؿ ذلك قولو تعاىل‪{ :‬أَتَى أ َْم ُر الل ِّو فَبلَ تَ ْستَػ ْع ِجلُوهُ ُس ْب َحانَوُ َوتَػ َعالَى َع َّما يُ ْش ِرُكو َف } (‪ )7‬سورة النحل‪.‬‬
‫(‪ )8‬مػػن ذلػػك الفسػػاد نػػذكر مػػا جػػاء ُب اإلصػػحاح ا‪٠‬تػػامس مػػن سػػفر أشػػعيا‪ ..( :‬كيػػف أصػػفح وقػػد تػػركٍت بنػػوؾ وحلفػوا ٔتػػا لػػيس إلۤػػو‪ .‬وحػػُت‬
‫أشبعتهم فسقوا وإىل بيت الزانية تبػادروا‪ ،‬صػاروا أحصػنة معلفػة ىائمػة كػل يصػهل علػى امػرأة قريبػو أفػبل أفتقػد علػى ىػذا يقػوؿ الػرب‪ ،‬وال تنػتقم‬
‫نفس من أمة مثل ىؤالء‪" ،‬لقد غدر يب آؿ إسرائيل وآؿ يهػوذا‪ ،‬ىػا أنػذا أجلػب علػيكم أمػة مػن بعيػد يػا آؿ إسػرائيل أمػة قويػة‪ ،‬أمػة قدٯتػة‪ ،‬أمػة‬
‫عريقة" أمة ليسػت تعػرؼ لسػاهنا وال تفهػم مػا تػتكلم بػو‪ .‬جعبتهػا كقػرب مفتػوح كلهػم جبػابرة وصػفهم تعػاىل‪( :‬أ ُُ ْولِػي بَػأ ٍ‬
‫ْس َش ِػديد ٍُ) يػأكلوف‬
‫حصادؾ‪ ،‬وخبزؾ وغنمك‪ ،‬ويدحروف بالسيف مدنك ا‪ٟ‬تصينة‪ ،‬آثامكم وخطاياكم منعت ا‪٠‬تَت عنكم)‪.‬‬
‫(‪ )7‬إف ‪ٚ‬تلػػة (وقػػد كلمػػتكم مبك ػراً ) دليػػل آخػػر بػػأف اهلل قضػػى لبػػٍت إسػرائيل مبكػراً أي ُب التػػوراة بأنػػو سػػيدمر البيػػت إذا بلغػوا مػػن‬
‫الفسق ىذا ا‪ٟ‬تد‪.‬‬

‫وفعبلً كاف تدمَت البيت أمراً مفعوالً على يد ا‪١‬تلك الكلداين (بختنصر)‪ .‬وبعد توبتهم‬

‫ورفع شأهنم بعصر سيدنا داود ‪ ‬الذي قتل (جالوت) وأصبحوا خَت أمة‪ ،‬ولكنهم عادوا‬

‫للفساد وإفساد حياة األمم‪ ،‬فغَتوا سَتهتم اليت كانوا عليها بعهد سيدنا داود وسليماف‬
‫عليهما السبلـ‪.‬‬
‫ومنذ ذلك ا‪ٟ‬تُت وحىت عاـ ‪ /7?<=/‬ظل ىذا الشعب خاسراً للقدس وخارجها‬

‫ٖتت حكم ووصاية الدوؿ ورعايتها‪.‬‬
‫لقد بُت تعاىل ُب اآلية السابقة‪ ،‬بأف اهلل قضى ‪٢‬تم ُب الكتاب‪ ،‬بأهنم سيفسدوف ُب‬
‫األرض مرتُت‪ ،‬ويعلوف علواً كبَتاً‪ ،‬أما وقد أشرنا وذكرنا شيئاً من فسادىم‪ ،‬إال أننا مل نذكر‬
‫عن إفسادىم شيئاً‪ ،‬ألننا نعلم أف كل فساد يتبعو اإلفساد‪ ،‬إذ كل فاسد ٭تاوؿ إفساد غَته‬
‫ليكوف لو ذلك مربراً أماـ اهلل والناس بزعمو‪ ،‬فمن ذلك قو‪٢‬تم‪ ...{ :‬اتَّبِعُوا َسبِيلَنَا‬

‫َولْنَ ْح ِم ْل َخطَايَا ُك ْم ‪ )78( }...‬سورة العنكبوت‪.‬‬

‫ذلك ألف الشيء ال يظهر بشكل واضح إال بضده‪ ،‬فإذا وجدت فئة مؤمنة وأخرى كافرة‪،‬‬
‫فإف سلوؾ الثانية يظهر بشعاً أماـ سلوؾ األوىل‪ ،‬ونتيجة ‪٢‬تذا التفاضل يتولد‬
‫ا‪ٟ‬تسد والغيظ من قبل الكفار‪ ،‬وعندئذ يسعوف إلفسادىم‪ ،‬لكي يزوؿ ذلك التفاضل‪ ،‬ولكي‬
‫ال ينكشف للناس زيفهم‪ .‬وبالنسبة لبٍت إسرائيل عندما أصبحت نفوسهم خبيثة‪ ،‬ولكي ال‬
‫يظهر للناس فسادىم‪ ،‬أو تقاـ عليهم ا‪ٟ‬تجة يوـ القيامة‪ ،‬بزعمهم‪ ،‬راحوا يسعوف ُب األرض‬
‫الفساد‪ ،‬وقد تذرعوا بشىت الوسائل‪ ،‬لتربير إفسادىم‪.‬‬
‫لقد جاء ُب أسفارىم قصص كثَتة من األساليب ا‪١‬تلتوية‪ ،‬اليت كانوا يتبعوهنا ُب سبيل اإلفساد‪،‬‬
‫فمن ‪ٚ‬تلة األساليب مثبلً‪ ،‬استخدامهم للنساء‪ ،‬وا‪١‬تاؿ‪ ،‬والفسق‪ ،‬ونشر الًتؼ‪.‬‬
‫والكثَت من ىذا الشعب كاف وال يزاؿ‪ ،‬ينشر الفساد كلما سنحت لو الفرص وواتتو‬
‫الظروؼ‪ .‬ألنو كاف يبغي ‪ٚ‬تع ا‪١‬تاؿ‪ ،‬وا‪١‬تاؿ مادة الشهوات والفساد‪ ،‬ال يقتصر على اإلغراء‬
‫بالشهوات‪ ،‬وإ‪٪‬تا يلحقها إفساد العقائد اليت تدين ُّا األمم أيضاً‪ .‬وتلك احملاوالت قد‬
‫نلمسها ُب بعض كتب التفسَت‪ ،‬وُب األحاديث ا‪١‬تدسوسة‪ ،‬وقد ٘تكن ىؤالء مع غَتىم‬

‫من الداسُت‪ ،‬أف يدسوا ُب الدين اإلسبلمي الشيء الكثَت(‪ ،)1‬كما أهنم استطاعوا‬
‫با‪١‬تساعي مع غَتىم‪ُّ ،‬ذه الدسوس وسذاجة من يتقبلها‪ ،‬أف يفرقوا األمة اإلسبلمية‪ ،‬إىل‬
‫شيع وأحزاب وطوائف كثَتة متناحرة‪.‬‬
‫تلك حملة موجزة عن فسادىم وإفسادىم‪ ،‬وعن علوىم وتدمَتىم ُب ا‪١‬ترة األوىل‪ ،‬أما ُب ا‪١‬ترة‬
‫الثانية من فسادىم الثاين ُب األرض‪ ،‬فهو ٍّبُت لكل ذي عُت‪ ،‬وما فساد أوربا‪ ،‬إال من مكر‬

‫ا‪١‬تفسدين من ىذا الشعب‪ ،‬و٘تكنوا ُب فًتة ال تزيد عن ربع قرف‪ ،‬بواسطة حبل من الناس الغربيُت‬
‫والشرقيُت‪ ،‬وىم الذين أمدوىم‪ ،‬بأف يبسطوا نفوذىم على كامل فلسطُت‪ ،‬وبعض األراضي‬
‫اَّاورة ‪٢‬تا‪ ،‬وكاف عاـ ‪7?<=/‬ـ‪ /‬أكرب علػو ‪٢‬تم‪ ،‬فقد أ٘توا سيطرهتم واحتبل‪٢‬تم ‪١‬تدينة‬
‫القدس‪{:‬إِ ْف أَحسنتم أَحسنتم ِألَن ُف ِس ُكم وإِ ْف أَسأْتُم فَػلَها فَِإ َذا جاء و ْع ُد ِ‬
‫اآلخ َرِة‬
‫َ ْ َ‬
‫ْ َ ُْ ْ َ ُْ‬
‫َ َ‬
‫ْ َ‬
‫ِ‬
‫وى ُك ْم َولِيَ ْد ُخلُواْ ال َْم ْس ِج َد َك َما َد َخلُوهُ أ ََّو َؿ َم َّرةٍ َولِيُتَبّْػ ُرواْ َما َعلَ ْواْ تَػ ْتبِ ًيرا}‬
‫سوُؤواْ ُو ُج َ‬
‫ليَ ُ‬
‫(=) سورة اإلسراء‪:‬فيتم ىبلؾ الكفرة ا‪ٞ‬تاىلُت منهم‪ ،‬على أيدي ا‪١‬تؤمنُت‪ٍ ،‬ب ال َّبد وأف يؤمن‬
‫الباقوف منهم ‪ٚ‬تيعاً‪ ،‬على يد سيدنا عيسى ‪ ،‬بداللة قولو تعاىل ووعده‪{ :‬وإِف ّْمن أ َْى ِل ال ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫اب‬
‫َ ْ‬
‫إِالَّ لَيُػ ْؤِمنَ َّن بِِو قَػْب َل َم ْوتِِو َويَػ ْوَـ ال ِْقيَ َام ِة يَ ُكو ُف َعلَْي ِه ْم َش ِهي ًدا} (?;‪ )7‬سورة النساء‪:‬ىذا حتماً‬
‫ِ ِِ ِ ِ ِ ِ‬
‫ض‬
‫اس ُكنُواْ األ َْر َ‬
‫يل ْ‬
‫سيقع ّ‬
‫عما قريب‪ ،‬وأما آية ‪ٚ‬تْعهم بفلسطُت‪َ { :‬وقُػلْنَا من بَػ ْعده لبَني إ ْس َرائ َ‬
‫اآلخرِة ِجْئػنا بِ ُكم لَِفي ًفا} (‪ )76:‬سورة اإلسراء‪ .‬وليست كلمة { ِ‬
‫ِ‬
‫اآلخ َرةِ}‪:‬‬
‫فَِإذَا َجاء َو ْع ُد َ َ ْ‬
‫تعٍت يوـ القيامة بل ىي آخر فسادىم وكفرىم وذلك بعد ٕتمعهم‪ ،‬فقد وقعت‪ ،‬وقد اجتمعوا اآلف‬
‫بفلسطُت‪.‬‬
‫وقبل أف ‪٩‬تتم ىذا الشرط أو ىذه العبلمة الكربى من عبلمات الساعة عن خروج بيت‬
‫ا‪١‬تقدس من أيدي ا‪١‬تسلمُت لليهود‪ ،‬حيث وقع ذلك عاـ ‪ /7?<=/‬نود أف نتعرض للنقطة التالية‪:‬‬
‫(‪ )7‬مػػا يسػػمونو باإلس ػرائيليات كتلػػك الروايػػات الػػيت تشػػوه سػػَتة أشػػرؼ ا‪٠‬تلػػق ‪ ‬مػػن أف يهودي ػاً رىػػن عنػػده النػػيب الكػػرًن درعػػو‪ .‬ويهودي ػاً‬
‫سحره‪ .‬ويهودية ‪ٝ‬تمػت النػيب الكػرًن‪ .‬وأف اليهػودي (دحيػة الكلػيب) الػذي كػاف يشػبو جربيػل (بػزعمهم) خػدع الرسػوؿ وأوحػى لػو بػا‪٠‬تروج‬
‫إىل بٍت قريظػة‪ .‬فمػا دمنػا نقػوؿ ‪ ‬فػبل ٯتكػن أف يتسػمم‪ ،‬أو يُسػحر‪ ،‬أو ٮتػدع‪ ،‬أو يفتقػر مطلقػاً‪ ،‬ألف السػبلـ يعػٍت األمػاف مػن اهلل تعػاىل‪.‬‬
‫ػأىن ‪١‬تخلػػوؽ أف يضػػره أو يذلّػػو واهلل مػػانع رسػػلو‪ .‬قػػاؿ تعػػاىل‪ ...{ :‬واللّػػوُ يػ ْع ِ‬
‫ك ِمػ َػن‬
‫صػ ُػم َ‬
‫كمػػا قػػاؿ ‪( ‬السػػبلـ أمػػاف اهلل فػػي األرض) فػ ّ‬
‫َ َ‬
‫ّ‬
‫الن ِ‬
‫َّاس ‪ )<=( }...‬سورة ا‪١‬تائدة سورة ا‪١‬تائدة (=<)‪.‬‬

‫لقد ذكر لنا تعاىل ُب كتابو الكرًن‪ ،‬أف بٍت إسرائيل قد ضربت عليهم الذلة وا‪١‬تسكنة‪ ،‬وباؤوا‬
‫بغضب من اهلل‪ ،‬كما أنو كتب عليهم التشريد ُب اآلفاؽ‪ .‬وما داـ األمر كذلك‪ ،‬فلماذا أصبح ‪٢‬تم‬
‫ىذا الشأف؟‪.‬‬
‫ا‪ٟ‬تقيقة أف بٍت إسرائيل ال يزاؿ مضروباً عليهم الذلة وا‪١‬تسكنة‪ ،‬ضمن حالتُت كما ورد ُب اآلية‬
‫ت َعلَْي ِه ُم ّْ‬
‫ضٍ‬
‫الذلَّةُ أَيْ َن َما ثُِق ُفواْ إِالَّ بِ َحْب ٍل ّْم ْن الل ِّو َو َحْب ٍل ّْم َن الن ِ‬
‫ب‬
‫ض ِربَ ْ‬
‫َّاس َوبَآ ُؤوا بِغَ َ‬
‫التالية‪ُ { :‬‬
‫ِ‬
‫ك بِأَنَّػهم َكانُواْ ي ْك ُفرو َف بِآي ِ‬
‫ات الل ِّو َويَػ ْقتُػلُو َف األَنبِيَاء‬
‫ض ِربَ ْ‬
‫ّْم َن الل ِّو َو ُ‬
‫َ ُ َ‬
‫ت َعلَْي ِه ُم ال َْم ْس َكنَةُ َذل َ ُ ْ‬
‫صوا َّوَكانُواْ يَػ ْعتَ ُدو َف} (‪ )778‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫بِغَْي ِر َح ٍّق ذَلِ َ‬
‫ك بِ َما َع َ‬
‫الحبل األوؿ‪ :‬ىو حبل اهلل ‪ :‬أي ٖتت سيطرة أمم إسبلمية‪.‬‬
‫والحبل الثاني‪ :‬وىو حبل الناس‪ ،‬يعٍت بأف اهلل ال ٯتد بٍت إسرائيل وىم على ىذه ا‪ٟ‬تاؿ‬

‫إال عن طريق الناس من غَت ا‪١‬تؤمنُت‪ ،‬وىؤالء يسخروهنم ‪٠‬تدمة مصا‪ٟ‬تهم‪ ،‬وتنفيذ غاياهتم‬
‫ومآرُّم‪ ،‬على مبدأ ٍّفرؽ تسد‪ .‬وىذا أمر واضح لكل ذي بصر بأف قياـ دولة إسرائيل‬
‫وبقاءىا مرىوف ْتبل أمريكا وأوروبا‪ .‬أما الغاية من تسليط ىؤالء وىؤالء علينا من قبل اهلل‬
‫تعاىل‪ ،‬ىي ر‪ٛ‬تتو تعاىل بنا‪ ،‬لعلنا نتعظ ونرجع إىل ديننا وإنسانيتنا‪ ،‬ونتوب إىل اهلل متاباً‪ ،‬بعد‬
‫أف بلغنا من الفسق والضبلؿ ما بلغنا‪ .‬وألننا دوف غَتنا ا‪١‬تعنيوف وا‪١‬تكلفوف بنشر ا‪ٟ‬تق إىل‬
‫العامل أ‪ٚ‬تع‪ ،‬و‪٨‬تن األمة الوسط الذين اختارنا اهلل‪ ،‬منذ أف بعث الرسوؿ الكرًن سيدنا ‪٤‬تمد‬

‫‪ ‬فينا‪ ،‬وىذا الرسوؿ الكرًن جاء ليكوف علينا شهيداً‪ ،‬ونكوف شهداء على الناس‪ ،‬ولكن‬
‫بياف شهادة ا‪ٟ‬تق للناس ال تكوف إال إذا أقمنا الصبلة‪ ،‬وحصلنا على الزكاة القلبية والطهارة‪.‬‬
‫وىذه الصبلة ال تقاـ إال إذا اعتصمنا باهلل تعاىل‪ ،‬وأصبح لنا الويل‪ ،‬دوف دوؿ الشرؽ‬
‫والغرب‪.‬‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اجتَبَا ُك ْم َو َما َجعَ َل عَلَ ْي ُك ْم فِي‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬و َجاى ُدوا في اللَّو َح َّق ِج َهاد ه ُى َو ْ‬
‫ِ‬
‫اىيم ى و س َّم ا ُكم ال ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫مين ِمن قَػبْلُ َوفِي َى َذا‬
‫الدّْي ِن م ْن َح َر ٍج ّْملَّةَ أَبي ُك ْم إِبْػ َر َ ُ َ َ ُ ُ‬
‫ْم ْسل َ‬
‫وؿ َش ِهي ًدا عَلَي ُكم وتَ ُكونُوا ُشه َداء عَلَى الن ِ ِ‬
‫الص َبل ةَ َوآتُوا‬
‫الر ُس ُ‬
‫يموا َّ‬
‫لِيَ ُكو َف َّ‬
‫َ‬
‫َّاس فَأَق ُ‬
‫ْ ْ َ‬
‫ِ ِ َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ير} (>=) سورة ا‪ٟ‬تػج‪.‬‬
‫الزَكاةَ َوا ْعتَص ُموا باللو ُى َو َم ْوَال ُك ْم فَن ْع َم ال َْم ْولَى َون ْع َم النَّص ُ‬

‫وما مل نرجع عن غيٍّنا‪ ،‬فإف اهلل جلت حكمتو‪ ،‬سوؼ يظل مسلٍّطاً علينا سوطاً من‬
‫ِ‬
‫ك نػُولّْي بػ ْع َ َّ ِ ِ‬
‫ضا بِ َما َكانُواْ‬
‫ين بَػ ْع ً‬
‫ومن يذيقنا كأس الذؿ وا‪٢‬تواف‪َ {:‬وَك َذل َ َ َ‬
‫ض الظالم َ‬
‫العذاب‪َ ،‬‬
‫يَ ْك ِسبُو َف} (?‪ )78‬سورة األنعاـ‪.‬‬
‫أما العز‪ ،‬و‪٨‬تن على ما ‪٨‬تن عليو‪ ،‬فهو ‪٤‬تاؿ‪ ،‬وما مل نتب توبة نصوحاً‪ ،‬ونرجع إىل‬
‫ديننا‪٨ ،‬تكم ٔتا أنزؿ اهلل‪ ،‬فإف الببلء سوؼ ال يفارقنا‪ ،‬حىت يقضي اهلل بأمره‪.‬‬
‫وىنالك قانوف عاـ ساري‪ :‬فاهلل يسلط الكافر على ا‪١‬تؤمن العاصي‪ ،‬علو يتوب ويرجع إىل‬
‫إنسانيتو‪ ،‬فإف عاد واستقاـ‪ ،‬وللصبلة والزكاة أقاـ‪ ،‬وأمر با‪١‬تعروؼ وهنى عن ا‪١‬تنكر‪ ،‬سلَّطو تعاىل‬
‫بدوره على الكافر فَتدعو‪ ،‬لعلو يؤمن‪ ،‬فإف آمن‪ ،‬رفع عنو الذؿ‪ .‬وأفعالو تعاىل كلها خَت ْتق‬
‫ك َعلَ َى ُك ّْل َش ْي ٍء قَ ِد ٌير}‬
‫شاء َوتُ ِذ ُّؿ َمن تَ َ‬
‫ا‪ٞ‬تميع‪َ ...{ :‬وتُِع ُّز َمن تَ َ‬
‫شاء بِيَ ِد َؾ الْ َخْيػ ُر إِنَّ َ‬
‫(<‪ )8‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫وأما بنو إسرائيل‪ ،‬فقد سحبت منهم شهادة ا‪ٟ‬تق للناس‪ ،‬منذ أف جاء السيد ا‪١‬تسيح ‪‬‬

‫ُب ا‪١‬ترة األوىل‪ ،‬ولوال كلمة سبقت من اهلل لقضي بينهم من بعد أف ‪٫‬توا بقتل السيد ا‪١‬تسيح‬

‫يبُت ذلك بعد ذكر طائفة من أنبياء بٍت إسرائيل ذكر‬
‫‪ .‬وقد جاء ُب القرآف الكرًن ما ٍّ‬
‫ِ‬
‫تعاىل قائبلً عن األنبياء‪{:‬أُولَئِ َ َّ ِ‬
‫ْح ْك َم َوالنُّبُػ َّوَة فَِإف يَ ْك ُف ْر بِ َها‬
‫ين آتَػْيػنَ ُ‬
‫اى ُم الْكتَ َ‬
‫اب َوال ُ‬
‫ْ‬
‫ك الذ َ‬
‫ى ُؤالء‪ :}...‬اليهود {‪ ...‬فَػ َق ْد وَّكلْنَا بِها قَػوما‪:}...‬العرب‪...{ :‬لَّي ِ ِ ِ‬
‫ين}(?>)‬
‫َ‬
‫َ َ ًْ‬
‫سواْ ب َها ب َكاف ِر َ‬
‫ُْ‬
‫سورة األنعاـ‪ .‬وىذه الكلمة متوقف انتهاؤىا على عودة السيد ا‪١‬تسيح ‪ُ ‬ب ا‪١‬ترة الثانية‪،‬‬

‫فمن ال يستجيب لو‪ ،‬فإف ىبلكهم سيكوف ‪٤‬تققاً وكامبلً‪.‬‬
‫وخبلصة القوؿ‪ :‬أف اهلل وعد بٍت إسرائيل إف مل يتوبوا ويستقيموا فيؤمنوا ويقدٍّروا رسولو‬
‫وعديْن‪:‬‬
‫األوؿ‪ :‬عند خروجهم من مصر‪ ،‬بقيادة الرسوؿ الكرًن موسى ‪ ‬واستقرارىم ُب‬
‫فلسطُت‪ ،‬حُت كانوا ىداة مرشدين للبشرية‪ ،‬وبتطاوؿ الزمن عليهم فسدوا وأفسدوا‪،‬‬
‫وحادوا عن طريق ا‪ٟ‬تق‪ ،‬فسلط اهلل عليهم ٓتتنصر‪ ،‬فتابوا وعادوا للحق‪ٖ ،‬تت لواء سيدنا‬
‫داود وسليماف عليهما السبلـ‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬إذا جاء وعد اآلخرة ( أي الوعد الثاين)‪ ...{ :‬فَِإ َذا جاء و ْع ُد ِ‬
‫اآلخ َرةِ ِج ْئػنَا‬
‫َ َ‬
‫بِ ُك ْم لَِفي ًفا} (‪ )76:‬سورة اإلسراء‪:‬من بعد ىذا التشريد عند أمم األرض‪ ،‬وىذا ما‬
‫نلحظو ُب ىذه األياـ‪ ،‬فقد اجتمعوا ُب فلسطُت من ‪ٚ‬تيع أ‪٨‬تاء ا‪١‬تعمورة وأصبح ا‪١‬تسجد‬

‫ا‪١‬تسجد‬
‫األقصى أسَتاً عندىم والوقعة الثانية سيدخل ا‪١‬تؤمنوف مع السيد ا‪١‬تسيح ‪‬‬
‫َ‬
‫فاٖتُت‪.‬‬
‫ِ ِ ِ ِ‬
‫يل‬
‫وىاكم تأويل اآليات ُب سورة اإلسراء‪َ {:‬وقَ َ‬
‫ض ْيػنَا}‪ :‬حكمنا وبيّنا‪{:‬إلَى بَني إ ْس َرائ َ‬
‫فِي ال ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫علي‪ ،‬ومل تسَتوا ضمن أمري‪{:‬لَتُػ ْف ِس ُد َّف‬
‫اب}‪:‬إف مل تدخلوا من باب موسى ‪َّ ‬‬
‫فِي األ َْر ِ‬
‫ض َم َّرتَػ ْي ِن}‪:‬إف تركتم ال إلۤو إال اهلل‪ ،‬ملتم لغَت اهلل‪ ،‬ما آمنتم باهلل‪ :‬ستميلوف‬
‫للدنيا‪ ،‬وٕتعلوف الناس ٯتيلوف إليها‪ ،‬سيكوف ىذا مصَتكم‪.‬‬
‫وتفسدوف مرتُت‪َ {:‬ولَتَػ ْعلُ َّن ُعلُ ِّوا َكبِ ًيرا}(‪ ):‬سورة اإلسراء‪ :‬حيث أف قلبهم ‪٦‬تتلئ با‪٠‬تبث‪.‬‬
‫ُوالى َما}‪:‬‬
‫إف تباعدًب عن اهلل ومل تعظموه‪ ،‬سيقع بقلبكم حب الدنيا وستعلوف ُّا‪{:‬فَِإ َذا َجاء َو ْع ُد أ ُ‬
‫ِ‬
‫ْس َش ِد ٍ‬
‫ادا لَّنَا أ ُْولِي بَأ ٍ‬
‫يد}‪ :‬وقد فسدًب‪ ،‬وىذا‬
‫سيكوف ىذا لكم‪ :‬الفساد األوؿ‪{:‬بَػ َعْثػنَا َعلَْي ُك ْم عبَ ً‬
‫اسواْ ِخبلَ َؿ الدّْيَا ِر}‪ :‬فجاؤوا لتأديبكم‪ ،‬وحصل لكم ما‬
‫وقع ‪١‬تّا تسلّط عليهم (بختنصر)‪{:‬فَ َج ُ‬
‫حصل‪َ {:‬وَكا َف َو ْع ًدا َّم ْفعُوالً}(;) سورة اإلسراء‪:‬مفعوالً‪ :‬أي وقع ىذا وانتهى‪ .‬ىذا ا‪٠‬تطاب لليهود‬
‫ُب عهد رسوؿ اهلل ‪ ،‬ذ ّكرىم اهلل ٔتا جرى ‪٢‬تم‪ٍ .‬ب تبتم ورجعتم والتجأًب‪ ،‬وعاىدوا فجاءىم سيدنا‬
‫داود ‪{:‬ثُ َّم َرَد ْدنَا لَ ُك ُم الْ َك َّرةَ َعلَْي ِه ْم}‪ :‬بعصر داود ‪ ،‬وانتصر سيدنا داود على العدو ورفع اهلل‬
‫ِ ٍ ِ‬
‫ين َو َج َعلْنَا ُك ْم أَ ْكثَػ َر نَِف ًيرا}(<) سورة‬
‫شأهنم‪ ،‬فأعطيناكم ماالً وأوالداً‪َ {:‬وأ َْم َد ْدنَا ُكم بأ َْم َواؿ َوبَن َ‬
‫اإلسراء‪ :‬صار لكم مقامكم العايل‪ ،‬بتوبتكم وإٯتانكم‪ ،‬فغدوًب بعهد سيدنا داود وسليماف عليهما‬
‫السبلـ‪ ،‬خَت أمة أُخرجت للناس‪ ،‬ألنكم كنتم تأمروف با‪١‬تعروؼ‪ ،‬وتنهوف عن ا‪١‬تنكر‪ ،‬وتؤمنوف باهلل‪.‬‬
‫سنتُ ْم ِألَن ُف ِس ُك ْم}‪:‬اآلف قد‬
‫سنتُ ْم أ ْ‬
‫اآلف أرسلنا لكم ‪٤‬تمداً ‪ ‬ومعو القرآف‪ ،‬فخاطبهم تعاىل‪{:‬إِ ْف أ ْ‬
‫َح َ‬
‫َح َ‬
‫حصل لكم يا بٍت إسرائيل أوالً ما حصل‪ ،‬ولكن إف أحسنتم وآمنتم بو‪ ،‬فتبتم ودخلتم من باب‬
‫َسأْتُ ْم}‪:‬ظللتم على ما أنتم عليو اآلف من‬
‫علي َّ‬
‫‪٤‬تمد ‪َّ ‬‬
‫حولت عنكم الببلء‪،‬خلصتم منو‪َ {:‬وإِ ْف أ َ‬
‫الفساد‪{:‬فَػلَها}‪ :‬ستحصل لكم الثانية‪{:‬فَِإ َذا جاء و ْع ُد ِ‬
‫اآلخ َرةِ}‪ :‬الوقعة الثانية‬
‫َ‬
‫َ َ‬

‫ِ‬
‫وى ُك ْم}‪ :‬ستستاؤوف كما حصل لكم زمن (بختنصر) إذ سنرسل لكم ىؤالء‬
‫سوُؤواْ ُو ُج َ‬
‫واألخَتة‪{:‬ليَ ُ‬
‫ا‪١‬تؤمنُت‪ ،‬بقيادة السيد ا‪١‬تسيح ‪َ {:‬ولِيَ ْد ُخلُواْ ال َْم ْس ِج َد َك َما َد َخلُوهُ أ ََّو َؿ َم َّرةٍ َولِيُتَّْبػ ُرواْ َما َعلَ ْواْ‬
‫تَػْتبِ ًيرا}(=) سورة اإلسراء‪:‬ال يبقوف لكم أثراً‪ ،‬بل يقطٍّعونكم تقطيعاً‪ .‬وىكذا فاهلل تعاىل‪ ،‬يرسل على‬

‫مفر‬
‫اإلنساف إف فسد (ضربة) فَتجع إىل اهلل‪ ،‬فيعطيو الدنيا ّمرة ثانية‪ ،‬فإف نكل‪ ،‬جاءه ا‪٢‬تبلؾ وال ّ‬
‫سى َربُّ ُك ْم أَف يَػ ْر َح َم ُك ْم}‪:‬إف تبتم رفعت عنكم الشدائد‪ ،‬ىنالك أناس كثر منهم‬
‫منو‪َ {:‬ع َ‬
‫سيؤمنوف مع سيدنا عيسى ‪ ‬عند ظهوره اآلف ‪َ {:‬وإِ ْف‬
‫عُدتُّم}‪:‬للمعارضات‪{:‬عُ ْدنَا}‪:‬لتأديبكم‪ .‬وىذه عامة لكل إنساف‪{:‬وجعلْنَا جهن ِ ِ‬
‫ين‬
‫ْ‬
‫َّم ل ْل َكاف ِر َ‬
‫َ ََ ََ َ‬
‫حِ‬
‫ص ًيرا}(>) سورة اإلسراء‪ٖ:‬تصرىم‪{ :‬إِ َّف َى َذا الُْق ْرآ َف}‪ :‬الذي أنزلناه على رسولنا ُب ليلة القدر‪{:‬يِ ْه ِدي‬
‫َ‬
‫لِلَّتِي ِى َي أَقػ َْوُـ}‪:‬للبشرية‪ ،‬أىدى وأقوـ وأمثل طريق‪ .‬خلقك تعاىل للسعادة‪ ،‬لتعيش ُب الدنيا سعيداً‪،‬‬
‫َّ ِ‬
‫الصالِح ِ‬
‫ِِ‬
‫وُب اآلخرة سعيداً‪َ {.‬ويػُبَ ّْ‬
‫ات} ‪ :‬الصاّب‬
‫ين يَػ ْع َملُو َف َّ َ‬
‫ين} ‪ :‬دنيا وآخرة‪{:‬الذ َ‬
‫ش ُر ال ُْم ْؤمن َ‬
‫لئلنسانية‪ ،‬ا‪١‬تثمر لو دوماً يؤٌب أكلو كل حُت بإذف ربو‪ ،‬إذ ال شائبة فيو‪ ،‬ألف غايتو بعملو‬
‫وجو اهلل‪ ،‬ونتاج ىذا العمل يدٯتو اهلل لو‪ ،‬على ا‪ٟ‬ترث والنسل إىل يوـ القيامة‪ ،‬ا‪١‬تؤمن ح ّقاً‬
‫يعمل الصا‪ٟ‬تات‪ ،‬يرى السعادة ُب األعماؿ الصا‪ٟ‬تة‪ ،‬الصبلة كلها وسائل للعمل الصاّب‪،‬‬
‫لتكوف من أىل اإلحساف‪{:‬أ َّ‬
‫َج ًرا َكبِ ًيرا}(?) سورة اإلسراء‪ :‬ال هناية وال حد ‪٢‬تذا‬
‫َف لَ ُه ْم أ ْ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫اآلخرةِ}‪:‬لكنك ستًتؾ الكل‪ ،‬أنت ٍ‬
‫العطاء‪{:‬وأ َّ َّ ِ‬
‫اله ُب الدنيا فهل‬
‫َف الذ َ‬
‫ين الَ يػُ ْؤمنُو َف ب َ‬
‫أنت مؤمن باآلخرة؟‪ .‬لست ٔتؤمن وال ٔتفكر ُّا‪ ،‬ا‪١‬تؤمن ليس ىذا عملو‪{:‬أَ ْعتَ ْدنَا لَ ُه ْم‬
‫ِ‬
‫يما} (‪ )76‬سورة اإلسراء‪:‬ا‪١‬تؤمن ُّا حقاً يستقيم‪ ،‬فبل يشذ أبداً‪.‬‬
‫َع َذابًا أَل ً‬
‫***‬

‫طهىع انشًظ يٍ يغشبها واَشماق انمًش‬
‫* إف الشمس والقمر آيتاف من آيات اهلل‪ ،‬يسَتاف ‪٨‬تو غاية معينة وألجل‪ ،‬ال يتبدالف‬
‫إىل آخر الدوراف‪ ،‬وأي تبديل ُب نظامهما‪ ،‬يتبعو تبديل نظاـ الكوف كلو‪ ،‬فإذا طلعت‬
‫الشمس من مغرُّا‪ ،‬فمعٌت ذلك أف األرض بدأت تدور بعكس إتاىها األوؿ‪ ،‬وبالتايل‬
‫أصبح الليل سابقاً للنهار‪ ،‬وىذا ما ال ينبغي أف يكوف‪ ،‬ألف اهلل قد نفى ذلك بآية صر٭تة‪:‬‬
‫ِ‬
‫َّها ِر وُكلّّ فِي فَػلَ ٍ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫{ َال َّ‬
‫ك يَ ْسبَ ُحو َف}‬
‫س يَنبَغي لَ َها أَف تُ ْد ِر َؾ الْ َق َم َر َوَال اللْي ُل َساب ُق النػ َ َ‬
‫الش ْم ُ‬
‫(‪ ):6‬سورة يۤػس‪.‬‬
‫لذلك فإف ىذه اإلشارة أو ىذه العبلمة ال تعٍت ىنا ىذا الكوكب ا‪١‬تلتهب الذي يشرؽ‬
‫ُب الصباح‪ ،‬ويغرب ُب ا‪١‬تساء وإ‪٪‬تا معٌت طلوع الشمس ىنا‪ ،‬ىو معٌت ‪٣‬تازي‪.‬‬

‫كما أنو تعاىل حدثنا عن رسوؿ اهلل ‪ ‬أنو سراج منَت‪ ،‬والسراج ىو الشمس‪{ :‬يَا أَيػُّ َها‬
‫ِ‬
‫النَّبِ ُّي إِنَّا أَرسلْنَ َ ِ‬
‫ِ ِِ ِ‬
‫اى ًدا ومب ّْ ِ‬
‫اجا ُّمنِ ًيرا} (;‪ :‬ػ<‪):‬‬
‫اؾ َش َ َُ‬
‫ش ًرا َونَذ ًيرا‪َ ،‬و َداعيًا إِلَى اللَّو بِِإ ْذنو َوس َر ً‬
‫َْ‬

‫طرؼ من أ‪ٝ‬تاء‬
‫سورة األحزاب‪ .‬فكاف ‪ ‬مشس النبيُت ر‪ٛ‬تة للعا‪١‬تُت نور اهلل الذي بو يُرى ٌ‬
‫اهلل ا‪ٟ‬تسٌت‪ ،‬فهنا جاء معٌت السراج ‪٣‬تازياً كشفاً ‪ٟ‬تقيقة رسوؿ اهلل ‪ ‬الكاشف ‪١‬تا أغلق‬
‫والفاتح ‪١‬تا سبق‪.‬‬
‫كما أف سيدنا يوسف ‪ ‬رأى والده وأمو ُب الرؤيا مشساً وقمراً وإخوتو كواكب‪.‬‬

‫أما الشمس اليت ىي مدار ْتثنا وجدىا ذو القرنُت ‪ ‬تغرب ُب عُت ‪ٛ‬تئة فهل يعقل‬

‫أف تغرب ىذه الشمس اليت ُب السماء ُب بقعة من بقاع األرض رغم ضخامتها أـ كيف‬
‫‪٬‬تد قوماً عندىا وىي ُب السماء‪ .‬وماذا ٭تدث لو اقًتبت الشمس من األرض وخرجت‬
‫عن مدارىا ا‪١‬تعروؼ علمياً بداىةً؟‪ .‬أال تتبخر الكرة األرضية وتفٌت؟‪.‬‬
‫الرباقة من جهة‬
‫إذف‪ :‬ا‪١‬تقصود بطلوع الشمس من مغرُّا‪ ،‬ىو بزوغ ا‪ٟ‬تضارة وعلومها َّ‬
‫الغرب‪ ،‬أو من ا‪ٞ‬تهة اليت غربت فيها‪ ،‬ال من ا‪١‬تشرؽ عن طريق مشس النبيُت ‪ ‬السراج ا‪١‬تنَت‪.‬‬

‫إف حضارة ىذا القرف‪ ،‬قد أشرقت على ا‪١‬تعمورة من الغرب‪ ،‬وانتشرت كالشمس ُب أرجائها‪،‬‬
‫إذ ما من أحد إال وعليو أثر من آثار أشعتها‪ ،‬وما من امرئ إال وو‪ٝ‬تتو ٔتيسمها‪.‬‬

‫تلك ا‪ٟ‬تضارة اليت انتشرت عمقاً واتساعاً‪ُ ،‬ب أ‪٨‬تاء األرض‪ ،‬قد غزت عقوؿ الناس‬
‫وقلوُّم‪ ،‬وأزاغت قلوُّم عن منبع النور ا‪ٟ‬تقيقي‪ ،‬وجعلتهم يعيشوف ُب ظلمات وقلق‪،‬‬
‫ونتيجة ما أرسلتو مع أشعتها من شوب‪ ،‬استطاعت أف تبهر عقوؿ الذين كفروا‪ ،‬حيث‬
‫جعلتهم ُب ظلمات ال يبصروف‪ ،‬وُّذا العمى القليب‪ ،‬راحت البشرية تعب منها عبّاً دنيوياً‬
‫‪٤‬تضاً‪ ،‬ال إٯتاف فيو‪.‬‬

‫* فما شروؽ الشمس من مغرُّا‪ ،‬وال انشقاؽ القمر‪ ،‬إال معاين ‪٣‬تازية‪ ،‬ترمز وتدؿ على‬
‫أشراط الساعة الكربى‪ ،‬وبداية اآلية الكرٯتة‪{ :‬ا ْقػَتػرب ِ‬
‫اعةُ َوان َش َّق الَْق َم ُر} (‪ )7‬سورة‬
‫ت َّ‬
‫الس َ‬
‫ََ‬
‫القمر‪ :‬تؤكد ىذا ا‪١‬تعٌت وتبينو بوضوح‪ ،‬بأف اقًتاب الساعة مرتبط بانشقاؽ القمر‪ ،‬وليست كما‬

‫يقاؿ أهنا معجزة لرسوؿ اهلل ‪ ‬و‪٦‬تا يؤكد ىذا ا‪١‬تعٌت أيضاً‪:‬‬
‫* أف اهلل تعاىل مل يؤيد رسولو با‪١‬تعجزات‪ ،‬وال ٓتوارؽ العادات‪ ،‬وإ‪٪‬تا أيده بقرآف يقذؼ‬
‫بآياتو باطل الكفار‪ ،‬فإذا ىو زاىق ال حياة فيو‪.‬‬
‫* ذلك ألف للمعجزة تعريف‪ :‬وىي تكوف ظاىرة مكشوفة للناس وفيها ٖتدٍّ‪ ،‬كما بينها‬
‫َّاس‬
‫تعاىل ٔتعجزة عصا سيدنا موسى ‪{:‬قَ َ‬
‫اؿ َم ْو ِع ُد ُك ْم يَػ ْو ُـ ّْ‬
‫الزينَ ِة َوأَف يُ ْح َ‬
‫ش َر الن ُ‬
‫ض ًحى} (?;) سورة طۤػو ‪:‬وا‪١‬تعجزة ليست بناقلة ألحد من الكفر إىل اإلٯتاف‪ ،‬ما مل يعمل‬
‫ُ‬
‫فكره‪ ،‬ويتأمل ُب ىذه الكائنات‪ ،‬صنع اإللۤو العظيم‪ .‬وقد بُت تعاىل بآية واضحة سبب‬
‫منع إرسالو ا‪١‬تعجزات‪ ،‬أف كذب ُّا األولوف‪ ،‬قاؿ تعاىل‪{ :‬وما منَػعنَا أَف نػُّر ِسل بِاآلي ِ‬
‫ات‬
‫ََ َ َ‬
‫ْ َ َ‬
‫ب بِ َها األ ََّولُو َف ‪ );?( }...‬سورة اإلسراء‪ ،‬فبعد التكذيب با‪١‬تعجزة‪ ،‬ا‪٢‬تبلؾ‬
‫إِالَّ أَف َك َّذ َ‬
‫ا‪ٟ‬تتمي‪ ،‬واهلل يدعو إىل دار السبلـ‪ ،‬وال يرضى لعباده ا‪٢‬تبلؾ‪ ،‬فهل يرسل ‪٢‬تم ما يهلكهم‪،‬‬
‫وىو العليم بأحوا‪٢‬تم وبتكذيبهم؟!‪ .‬فإف جاءت ا‪١‬تعجزات وما آمنوا‪ ،‬سيهلكوف‪ ،‬وىم لن‬

‫ا‪،‬وىاؾ نظرة سريعة لصنائع ا‪١‬تعجزات‪.‬‬
‫يؤمنو َ‬

‫* فالنار‪ :‬كانت على سيدنا إبراىيم ‪ ،‬برداً وسبلماً‪،‬وما زاد ذلك قومو إالَّ كفراً وعناداً‪ ،‬ومل‬

‫يؤمن من قومو أحد‪ ،‬وأصبحوا فيما بعد‪ ،‬قوـ لوط ا‪١‬ترجومُت ْتجارة من سجيل‪.‬‬

‫* خروج الناقة من الصخرة‪ :‬معجزة أرسلت لقوـ سيدنا صاّب ‪ ،‬بناء على طلبهم‪،‬‬
‫ومن صخرة ىم عيَّنوىا‪،‬فما جعلت قومو يعظمونو ُب شيء‪ ،‬بل ما كاف منهم إال أف‬
‫ش ٌر ّْمثْػلُنَا‪ )7;:( }..‬سورة الشعراء‪ٍ ،‬ب عقروا الناقة‪ ،‬وعتوا عن أمر‬
‫َنت إَِّال بَ َ‬
‫قالوا‪َ {:‬ما أ َ‬
‫رُّم‪ ،‬وقالوا‪ ...{ :‬يا صالِح ائْتِنا بِما تَ ِع ُدنَا إِف ُك َ ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (==) سورة‬
‫َ َ ُ َ َ‬
‫نت م َن ال ُْم ْر َسل َ‬
‫األعراؼ‪،‬وىلكوا‪.‬‬

‫* وقاؿ آؿ فرعوف لسيدنا موسى ‪ ‬بعد أف رأوا ما رأوا‪ ،‬من آيات بيٍّنات‬
‫ومعجزات‪ ...{ :‬م ْهما تَأْتِنَا بِِو ِمن آي ٍة لّْتَسحرنَا بَِها فَما نَ ْحن لَ َ ِ ِ ِ‬
‫ين} (‪ )798‬سورة‬
‫َ َ‬
‫ك ب ُم ْؤمن َ‬
‫َ ُ‬
‫َ ْ ََ‬
‫األعراؼ‪،‬وازدادوا كفراً وعناداً‪.‬‬

‫* أيضاً معجزات سيدنا عيسى ‪ ‬أحيا ا‪١‬تيت وأبرأ األكمو واألبرص‪ ،‬وخلق من الطُت طَتاً بإذف‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (<) سورة الصف‪،‬ومكروا مك ارً‬
‫اهلل‪ ،‬أما قومو‪ ...{ :‬فَػلَ َّما َج ُ‬
‫اءىم بِالَْبػّْيػنَات قَالُوا َى َذا س ْحٌر ُّمبِ ٌ‬
‫ِ‬
‫ْح ْك َم َوالنُُّبػَّوةَ ‪)>?( }...‬‬
‫ليقتلوه ‪ ،‬وحل ُّم ا‪٢‬تبلؾ ا‪ٟ‬تقيقي‪ ،‬إذ ُحرموا من‪ ...{ :‬الْكتَ َ‬
‫اب َوال ُ‬
‫سورة األنعاـ‪:‬بعد كفرىم‪ .‬واهلل آواه وأمو إىل ربوة ذات قرار ومعُت‪ ،‬ويقاؿ أهنا ربوة دمشق‪،‬أي‪:‬‬
‫سحب تعاىل ىذا ا‪٠‬تَت العظيم‪ ، ،‬عنهم بكفرىم‪.‬‬

‫يصد ْؽ‬
‫* وكما أشارت اآلية الكرٯتة إىل أنو ال فائدة من رؤية ا‪١‬تعجزات‪ ،‬إف مل ُ‬
‫الس َماء فَظَلُّواْ فِ ِيو‬
‫اإلنساف بطلب ا‪ٟ‬تق‪ُ ،‬ب قولو تعاىل‪َ { :‬ولَ ْو فَػتَ ْحنَا َعلَْي ِهم بَابًا ّْم َن َّ‬
‫ورو َف} (‪ 7:‬ػ;‪ )7‬سورة‬
‫يَػ ْع ُر ُجو َف‪ ،‬لََقالُواْ إِنَّ َما ُس ّْك َر ْ‬
‫ت أَبْ َ‬
‫ارنَا بَ ْل نَ ْح ُن قَػ ْوٌـ َّم ْس ُح ُ‬
‫صُ‬
‫ا‪ٟ‬تجر‪ :‬إف مل يكن اإلنساف ىو بذاتو طالباً للحق فسينكث ويعود للمعارضة ويظن‬
‫ا‪١‬تعجزات سحراً‪ ،‬فاإلٯتاف أصل من دونو لن يصدؽ ا‪١‬ترء بطريق الكماؿ‪.‬‬
‫فا‪١‬تعجزات ليست بناقلة أحداً من الكفر إىل اإلٯتاف من األقواـ السابقة‪ ،‬لذا أتت اآلية‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب بِ َها األ ََّولُو َف‬
‫الكرٯتة بإيقاؼ ظهور ا‪١‬تعجزات‪َ { :‬وَما َمنَػ َعنَا أَف نُّػ ْرس َل بِاآليَات إِالَّ أَف َك َّذ َ‬

‫‪ );?( }...‬سورة اإلسراء‪،‬بل ال َّ‬
‫بد من إعماؿ الفكر الدقيق‪ ،‬فيما يسمعو اإلنساف من‬

‫ا‪٢‬تدى والبياف‪ ،‬كما آمن سيدنا إبراىيم ‪ ،‬وكما آمن صحابة رسوؿ اهلل ‪ ،‬فرفع تعاىل‬
‫شأهنم‪ ،‬أو النظر والتأمل ُب ىذه الكائنات‪ ،‬مع ا‪٠‬تشية من الفراؽ الذي ال بُ َّد منو‪ ،‬قاؿ‬

‫تعاىل‪{ :‬إِ َّف فِي َذلِ َ ِ ِ‬
‫الس ْم َع َو ُى َو َش ِهي ٌد} (=‪ )9‬سورة‬
‫ْب أ َْو أَلْ َقى َّ‬
‫ك لَذ ْك َرى ل َمن َكا َف لَوُ قَػل ٌ‬

‫ۤؽ‪.‬‬

‫القرآف الكريم معجزة الرسوؿ صلى اهلل عليو وسلم الخالدة‪:‬‬

‫* َّأما معجزة القرآف‪ ،‬فبل تنحصر ُب ناحية معينة‪ ،‬كجماؿ األسلوب‪ ،‬وال ُب جرسو‬
‫العجيب‪ ،‬وال ُب غزارة معناه‪ ،‬مع إ‪٬‬تاز لفظو ومبناه‪ ،‬وإ‪٪‬تا تشمل أيضاً‪ ،‬احتواءه على علوـ‬

‫البشر‪ُ ،‬ب ماضيها وحاضرىا ومستقبلها‪،‬قاؿ تعاىل‪:‬‬
‫َنزلْنَا إِلَْي ُك ْم كِتَابًا فِ ِيو ِذ ْك ُرُك ْم ‪ )76( }...‬سورة األنبياء‪ .‬قاؿ رسوؿ اهلل ‪:‬‬
‫{لََق ْد أ َ‬
‫(كتاب اللّو فيو نبأ ما قبلكم‪ ،‬وخبر ما بعدكم‪ ،‬وحكم ما بينكم‪ ،‬وىو الفصل ليس‬
‫بالهزؿ‪ ،‬من تركو من جبار قصمو اللّو‪ ،‬ومن ابتغى الهدى في غيره أضلو اللّو‪ ،‬وىو‬
‫حبل اللّو المتين‪ ،‬وىو الذكر الحكيم‪ ،‬وىو الصراط المستقيم‪ ،‬ىو الذي ال تزيغ بو‬
‫األىواء‪ ،‬وال تلتبس بو األلسنة‪ ،‬وال يشبع منو العلماء‪ ،‬وال يخلق عن كثرة الرد‪ ،‬وال‬

‫تنقضي عجائبو‪ ،‬ىو الذي لم تنتو الجن اذ سمعتو حتى قالوا‪ :‬إنا سمعنا قرآناً عجباً‬
‫يهدي إلى الرشد فآمنا بو‪ ،‬من قاؿ بو صدؽ‪ ،‬ومن عمل بو أجر‪ ،‬ومن حكم بو‬

‫ىدي إلى صراط مستقيم)(‪.)1‬‬
‫عدؿ‪ ،‬ومن دعا إليو َ‬

‫ىذا ومل يرسل تعاىل الرسل الكراـ صلوات اهلل عليهم‪ ،‬إال بلساف قومهم‪ .‬قاؿ تعاىل‪:‬‬
‫وؿ إِالَّ بِِلس ِ‬
‫{وَما أ َْر َسلْنَا ِمن َّر ُس ٍ‬
‫اف قَػ ْوِم ِو ‪ ):(}...‬سورة إبراىيم‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫بأوجو‪ ،‬فأيَّده اهلل تعاىل ٔتعجزة أبطل ُّا‬
‫السحر‬
‫ففي عصر سيدنا موسى ‪ ‬كاف ٍّ‬
‫شعوذهتم ودجلهم وٗتييبلهتم وأما سيدنا عيسى ‪ ‬فقد جاء بعصر الطب وتفوقو‪،‬‬

‫ٔتعجزات ما أبطل علمهم‪ ،‬كإحيائو ا‪١‬توتى بإذف اهلل‪ ،‬وخلق من الطُت كهيئة الطَت فيكوف‬
‫طَتاً بإذف اهلل‪ ،‬وإبرائو األكمو واألبرص‪.‬‬
‫وكذلك سيدنا سليماف ‪ ‬جاء بعصر ا‪١‬تلك‪ ،‬وكيف أف اهلل وىب لو من ا‪١‬تلك ما مل‬
‫يهبو أحداً من بعده‪.‬‬

‫(‪ )7‬سنن الًتمذي رقم‪./96=6/‬‬

‫‪٤‬تمد ‪ ‬إذ أصبح الزمن زمناً يتبارى فيو البلغاء‪ ،‬ويتنافس‬
‫وكذلك األمر ُب عهد سيدنا ّ‬

‫فبيت‬
‫فيو الشعراء‪ ،‬ومل يبق للملك والسلطاف تلك القيمة اليت كانت لو عندىم من قبل‪ُ ،‬‬
‫شعر بنظر العرب آنذاؾ‪ ،‬أ‪ٙ‬تن لديهم من قصور كسرى وقيصر‪ ،‬فجاءىم رسوؿ اهلل ‪‬‬
‫ٖتد من اهلل تعاىل ‪٢‬تم‪:‬‬
‫بالقرآف الكرًن‪ ،‬معجزة أبدية مكشوفة ظاىرة لكل الناس‪ ،‬وفيها ٍّ‬
‫ودىا النَّاس وال ِ‬
‫َّ‬
‫ت‬
‫ْح َج َارةُ أ ُِع َّد ْ‬
‫َّار الَّتِي َوقُ ُ َ‬
‫ُ َ‬
‫{فَِإف ل ْم تَػ ْف َعلُواْ َولَن تَػ ْف َعلُواْ فَاتَّػ ُقواْ الن َ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين‪َ ،‬وإِف ُكنتُ ْم فِي َريْ ٍ‬
‫ورةٍ ّْمن ّْمثْلِ ِو َوا ْدعُواْ‬
‫سَ‬
‫ل ْل َكاف ِر َ‬
‫ب ّْم َّما نَػ َّزلْنَا َعلَى َع ْبدنَا فَأْتُواْ ب ُ‬
‫وف الل ِّو إِ ْف ُك ْنتُم ِ ِ‬
‫ُشه َداء ُكم ّْمن ُد ِ‬
‫ٖتد واضح من اهلل‬
‫ين‪ ،‬فَِإف لَّ ْم تَػ ْف َعلُواْ‪ٍّ : }..‬‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫صادق َ‬
‫تعاىل ‪٢‬تم‪َ ...{ .‬ولَن تَػ ْف َعلُواْ‪ : }...‬وىذا ٖتد لكل األزماف وإىل هناية الدوراف‪،‬‬
‫ْحجارةُ أ ِ‬
‫ُع َّد ْ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين}(‪ 89‬ػ‪ )8:‬سورة‬
‫َّار الَّتِي َوقُ ُ‬
‫َّاس َوال َ َ‬
‫إذف‪{:‬فَاتَّػ ُقواْ الن َ‬
‫ت ل ْل َكاف ِر َ‬
‫ود َىا الن ُ‬
‫البقرة‪.‬‬

‫القرآف الكرًن ىو ا‪١‬تعجزة الكربى الوحيدة‪ ،‬اليت أيَّد اهلل تعاىل ُّا رسولو الكرًن ‪ ،‬وقد ذكر‬
‫ذلك عز وجل‪ ،‬مبيناً أف ال معجزات سوى ىذا القرآف الكرًن بقولو تعاىل‪َ {:‬وقَالُوا لَ ْوَال أُن ِز َؿ‬
‫ات ّْمن َّربِّْو قُل إِنَّما ْاآلي ُ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َنزلْنَا‬
‫َعلَْي ِو آيَ ٌ‬
‫ين‪ ،‬أ ََولَ ْم يَ ْكف ِه ْم أَنَّا أ َ‬
‫ات عن َد اللَّو َوإِنَّ َما أَنَا نَذ ٌير ُّمبِ ٌ‬
‫ْ َ َ‬
‫َعلَي َ ِ‬
‫ك لََر ْح َم ًة َوِذ ْك َرى لَِق ْوٍـ يػُ ْؤِمنُو َف} (‪;6‬ػ‪ );7‬سورة‬
‫اب يُػْتػلَى َعلَْي ِه ْم إِ َّف فِي َذلِ َ‬
‫ْ‬
‫ك الْكتَ َ‬
‫العنكبوت‪.‬‬
‫أمل يكفهم أنو أنزؿ على رجل منهم ال يعرؼ القراءة والكتابة‪ ،‬والذي يتحدى بو بل‬
‫بسورة منو‪ ،‬أمراء البياف وفحوؿ الشعراء‪ ،‬أف يأتوا ٔتثلو وُب سائر األزماف والعصور‪ ،‬وعجزوا‬
‫ويعجزوف إىل يوـ القيامة‪ ،‬ولو كاف اإلنس وا‪ٞ‬تن بعضهم لبعض ظهَتاً‪ .‬أال يعترب ْتق‬
‫معجزة‪ .‬بل أعظم معجزة دائمة ‪١‬تن أراد وجو ا‪ٟ‬تق!‪.‬‬
‫أوليس ما ‪٨‬تن واقعوف فيو ُّذا الزماف‪ ،‬من إشارات وعبلمات للساعة‪ ،‬قد بينها تعاىل‬
‫ُب كتابو الكرًن‪ ،‬منذ أربعة عشر قرناً ونيف‪ ،‬أليس ىذا ٔتعجزة؟!!‪ .‬أال يستدؿ من‬
‫عبلمات الساعة ا‪١‬تذكورة ُب القرآف الكرًن‪ ،‬أف ىذا الكتاب‪ ،‬ال يأتيو الباطل من بُت يديو‬

‫وعرب عنو‬
‫وال من خلفو؟‪ .‬كيف وصف رسوؿ اهلل ‪ ‬ىذا الزماف ُّذا الوصف الدقيق‪ّ ،‬‬
‫بكلمات جامعة مانعة‪ ...‬أليس ىذا ٔتعجزة؟!‪.‬‬
‫إف كلمة شروؽ الشمس من مغرُّا‪ ،‬وانشقاؽ القمر‪ ،‬وغَتىا من اآليات اليت ٗتص‬
‫الساعة‪٢ ،‬تي من أكرب ا‪١‬تعجزات والر‪ٛ‬تات اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬اليت أفاضها تعاىل على رسولو الكرًن‪،‬‬
‫لكي نتدارؾ أمرنا‪ ،‬ونعود إليو تعاىل‪.‬‬
‫ص ِغي ٍر َوَكبِي ٍر ُم ْستَطٌَر} (‪ ;8‬ػ‪);9‬‬
‫قاؿ تعاىل ‪َ { :‬وُك ُّل َش ْي ٍء فَػ َعلُوهُ فِي ُّ‬
‫الزبُ ِر‪َ ،‬وُك ُّل َ‬
‫سورة القمر‪.‬‬
‫* ىذا و‪١‬تا كاف الغيب هلل‪ ،‬فإنو ال يطلعو إال ‪١‬تن ارتضى من رسوؿ‪ ،‬وىذا الغيب قد‬

‫جل وعبل لرسولو الكرًن ليلة أسرى بو‪ ،‬والرسوؿ ‪ ‬مل يضن علينا ٔتا كشف لو‬
‫كشفو ّ‬
‫تعاىل من علم الغيب(‪.)2‬‬
‫فذكر األحداث الكربى اليت ستجري ُب ا‪١‬تستقبل‪ .‬وما عبلمات الساعة اليت نتحدث عنها‬
‫اآلف إال من آثار تلك الفتوحات الغيبية‪ ،‬اليت أراه اهلل إياىا‪ .‬وأوردىا تعاىل ُب كتابو العزيز‪.‬‬
‫إذف‪ :‬فإف انشقاؽ القمر كما بيّنا آنفاً ليس ٔتعجزة‪ ،‬وإف الروايات اليت ذكرت حوؿ‬
‫ىذه اآلية‪ ،‬ال صحة ‪٢‬تا أبداً أنو انشق فلقتُت‪ ،‬فلقة من دوف ا‪ٞ‬تبل‪ ،‬وفلقة من خلف‬

‫ا‪ٞ‬تبل‪ .‬فقاؿ النيب ‪ ‬بزعمهم‪( :‬اللهم اشهد) فذلك يتناَب مع القرآف الكرًن ٔتا أوردناه‬

‫بآيات سابقة‪،‬ويتناَب مع القوانُت الكونية اليت سنَّها تعاىل‪ ،‬وإ‪٪‬تا آية االنشقاؽ‪ ،‬وحديث‬
‫طلوع الشمس من مغرُّا‪ ،‬ودابة األرض‪ ،‬إشارات ودالئل لقرب وقوع الساعة‪ ،‬ولو أف آية‬
‫انشقاؽ القمر حصلت بزمن الرسوؿ ‪ ‬حينها لوقعت الساعة ُب تلك األثناء‪ ،‬وىذا ما مل‬
‫٭تدث‪ ،‬بل امتدت الدنيا إىل وقتنا ىذا‪ ،‬و‪٨‬تن اآلف نعيش ىذه العبلمة‪ ،‬وقرب الساعة‬
‫ا‪ٟ‬تتمية‪.‬‬
‫لقد بيّنا قبل قليل عن طلوع الشمس من مغرُّا‪ ،‬وبيّنا بأهنا رمز للحضارة القادمة من‬
‫الغرب‪ ،‬ىذه ا‪ٟ‬تضارة اليت ظلت ‪٤‬تجوبة وبشكل عملي‪ ،‬عن الشرؽ اإلسبلمي حىت أوائل‬
‫(‪{ )8‬وما ِ‬
‫احب ُكم بِم ْجنُ ٍ‬
‫وف‪َ ،‬ولََق ْد َرآهُ بِ ْاألُفُ ِق ال ُْمبِي ِن‪َ ،‬وَما ُى َو َعلَى الْغَْي ِ‬
‫ضنِي ٍن} (‪88‬ػ‪ )8:‬سورة التكوير‪.‬‬
‫ب بِ َ‬
‫ََ َ‬
‫ص ُ َ‬

‫القرف العشرين تقريباً‪ ،‬وبدأ إشراقها بدوف حجاب‪ ،‬بعد ا‪ٟ‬ترب الكونية األوىل‪ ،‬وبدأ العامل‬
‫اإلسبلمي عامة‪ ،‬والعريب خاصة‪ ،‬ينسلخ عن منبع النور اإلسبلمي‪ ،‬من مشس النبوة‪،‬‬
‫السراج ا‪١‬تنَت ‪ ،‬مستمداً نوره من ىذه الشمس الدنيوية احملضة اليت بانت من الغرب‪،‬‬
‫فأصبح قمراً للغرب‪ ،‬يعكس وىج مشسها‪.‬‬
‫لقد اختار اهلل تعاىل ىذه األمة اإلسبلمية العربية أمة وسطاً‪ ،‬ليكونوا شهداء على‬

‫الناس ٔتا يستمدونو من نور اهلل‪ ،‬عن طريق رسولو الكرًن ‪ ،‬إال أهنم اآلف ىجروا ىذا‬

‫النور واستبدلوه بنور ا‪ٟ‬تضارة ا‪١‬تادية احملموـ‪ ،‬وبذلك فقد األمل منهم تقريباً ُب إقامة ا‪ٟ‬تق‬

‫على األرض‪ ،‬ألف ىذه األمة الوسط بُت رسوؿ اهلل ‪ ‬وخلق اهلل‪ ،‬وا‪١‬تكلفة بإنقاذ العامل‪،‬‬
‫من الظلمات إىل النور اإل ۤ‪٢‬ت ي‪ ،‬قد ٖتولت بوجهتها إىل الغرب‪ ،‬لذلك‪ ،‬فإف اقًتاب وقوع‬
‫الساعة بات ‪٤‬تققاً‪ ،‬وال بد ُب ىذه ا‪ٟ‬تالة‪ ،‬من ‪٣‬تيء منقذ للبشرية ينقذىا من مشس‬
‫الباطل إىل مشس ا‪ٟ‬تق‪ ،‬والسيد ا‪١‬تسيح رسوؿ السبلـ‪ ،‬ىو ا‪١‬تهيأ ‪٢‬تذا اإلنقاذ‪.‬‬
‫فيا أيها الناس اتقوا ربكم‪ ،‬إف زلزلتها لشيء عظيم‪ ،‬وإف عذاُّا لشديد‪.‬‬
‫ىذا وإف انشقاؽ القمر الذي ورد ذكره ُب اآلية الكرٯتة‪ ،‬إف ىو إال حدث من األحداث‬
‫ا‪١‬تسطرة ُب الزبر‪ ،‬يبُت اهلل تعاىل فيها ألىل كل عصر‪ ،‬ما يهمهم من اآليات ُب الوقت‬

‫ا‪١‬تناسب‪ ،‬ليعلموا أف اهلل حق‪ ،‬وأف الرسوؿ ‪ ‬وما جاء بو ىو ا‪ٟ‬تق من ربو(‪ ،)1‬وليعلموا أف‬
‫اهلل على كل شيء شهيد‪ ،‬وبيده ‪٧‬تاة ونصر من يتقيو‪.‬‬
‫فبما أف القمر ا‪١‬تذكور باآلية الكرٯتة‪{ :‬اقْػتَػرب ِ‬
‫ش َّق الْ َق َم ُر} (‪ )7‬سورة‬
‫ت َّ‬
‫اعةُ َوان َ‬
‫الس َ‬
‫ََ‬
‫القمر‪ :‬ال يعٍت ذلك الكوكب ا‪١‬تنَت كما ذكرنا‪ ،‬إ‪٪‬تا يشَت إىل معٌت ‪٣‬تازي‪ ،‬وىو البلد الذي‬
‫يستمد من ا‪ٟ‬تضارة الغربية‪ ،‬اليت ىي الشمس للعامل‪ ،‬من االخًتاعات واإلبداعات‪ ،‬و‪٢‬تا‬
‫التبعية وبكافة األقطار اإلسبلمية وغَت اإلسبلمية‪ ،‬ولفًتة وجيزة كانت ىذه الدوؿ تتنعم‬
‫بنتاج حضارة مشس الغرب‪ ،‬ونتاج علومو الدنيوية احملضة‪ ،‬عوامل ا‪١‬تادة‪ ،‬من سيارات وطائرات‬
‫وقطارات وا‪١‬تصانع الضخمة‪ ،‬وشبكات االتصاؿ والفضائيات‪ ،‬ووسائل اللهو واإلنًتنت‪،‬‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫اؽ وفِي أَنُف ِس ِهم حتَّى يػتَبػيَّن ل َُهم أَنَّوُ الْح ُّق أَولَم يك ِ‬
‫(‪)7‬‬
‫ك أَنَّوُ َعلَى ُك ّْل َش ْي ٍء َش ِهي ٌد} (‪ );9‬سورة فصلت‬
‫ْف بَِربّْ َ‬
‫َ ََْ‬
‫ْ َ ََ َ ْ‬
‫{ َسنُ ِري ِه ْم آيَاتنَا في ْاآلفَ َ‬

‫ونقلت كل فنونو حىت ُب اللباس واألدوات ا‪١‬تنزلية والغناء‪ ،‬فأصبح العامل يعيش بتلك الصور‬
‫الدنيوية ‪٤‬تجوباً عن ا‪ٟ‬تقائق الباقية‪ ،‬باالٕتاه الكلي ‪٨‬تو ىذه الشمس‪ .‬فقد أشاح الناس‬

‫بالعامل أ‪ٚ‬تع‪ ،‬عن مبدع السموات واألرض‪ ،‬وما أع ّده ‪٢‬تم من جنات باقيات‪ ،‬باتباعهم ‪٢‬تذه‬
‫ا‪ٟ‬تضارة اآلنية‪ ،‬واليت تعقبها خسارة أبدية‪.‬‬
‫لقد أصبح الشرؽ كلو‪ ،‬قمراً يستمد نوره من مشس حضارة الغرب‪ ،‬وما العامل اإلسبلمي‬

‫إال جزء ال يتجزأ من الشرؽ‪ ،‬شأنو شأف باقي الدوؿ‪ ،‬يستمد نوره أيضاً من ىذه الشمس‬
‫ا‪ٟ‬تضارية‪ٍ .‬ب وبفقداف الروح والغذاء القليب للبشر‪ ،‬بدأت تدرؾ ما فيو من خطر‪ ،‬وبدأت‬
‫باالنشقاؽ‪ ،‬كإيراف وشعوب وقبائل باكستاف وأفغانستاف والقرف األفريقي والعراؽ وغَتىم‪،‬‬
‫حىت أف االنشقاؽ حاصل بُت الدولة الواحدة فيما بينها(إذاً االنشقاؽ حاصل ُب كل الدوؿ‬
‫على أعلى وأصغر ا‪١‬تستويات) بكل ما تتضمن كلمة االنشقاؽ من معٌت‪ .‬أما انشقاؽ‬
‫فتم ‪٨‬تو األسوأ‪ ،‬ويا ليتهم مل ينش ّقوا‪.‬‬
‫الصُت ّ‬
‫انش ّقوا عن استعمار ببلدىم ولكنّهم قتلوا أنفسهم إذ غدوا (كا‪١‬تستجَت من الرمضاء‬

‫بالنار)‪ ،‬أو كما يقوؿ ا‪١‬تثل العامي (طلعنا من ٖتت الدلف إىل ٖتت ا‪١‬تزراب)‪ ،‬لقد ىووا‬
‫بانشقاقهم عن الغرب إىل قاع الشيوعية اليت ال روح فيها أبداً وال حياة قلبية‪ ،‬بل فيها نكراف‬
‫اإللۤو واآلخرة‪ ،‬فهم بالضبلؿ غارقوف‪ ،‬وثبت عليهم وعلى ببلدىم ما أطلقو أىل الصبلح‬
‫األولوف (أ ّف ببلد الصُت ىي ببلد ا‪٠‬تَطا)‪ ،‬حىت الكثَت من األثرياء ُب العامل وغَتىم‪ ،‬عربوا عن‬
‫ّ‬
‫انشقاقهم عن ىذه ا‪ٟ‬تضارة وإفبلسها ُب نفوسهم‪ٔ ،‬تا سجلت من حاالت كثَتة ُب االنتحار‪،‬‬
‫وخاصة ُب الدوؿ الراقية‪ .‬وإليك نبذة من اعًتافاهتم‪:‬‬
‫وحىت عن ملذات ومبلىي مدينة نيويورؾ ا‪١‬تتنوعة فإف "جيمي والكر" ا‪١‬تتهم بكل‬
‫شيء إال بعمق نظرتو وغور تفكَته قاؿ عنها ُب آخر سٍت حياتو‪:‬‬
‫( أصبحت اليوـ ال أرى سحر وفتنة األمس إال شيئاً مبهرجاً تافهاً)‪.‬‬
‫ويقوؿ "دراموند"‪ ( :‬إف أعلى متع األرض ليست إال ألماً متنكراً "مقنعاً")‪.‬‬

‫ويقوؿ "سير أرنولد"‪( :‬عجباً‪ ،‬كما ىي الريح كذلك ىي الحياة البشرية الفانية‪،‬‬
‫عويل‪ ،‬ندب‪ ،‬تحسر‪،‬غضب‪ ،‬كدح)‪.‬‬
‫ضن ًكا ‪ )78:( }...‬سورة طۤػو‪.‬‬
‫ض َعن ِذ ْك ِري فَِإ َّف لَوُ َم ِعي َشةً َ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬وَم ْن أَ ْع َر َ‬
‫وىكذا فليست اللذائذ الدنيوية احملضة سوى شقاء وأمل وخسارة أبدية وحسرات مغلفة بغبلؼ‬
‫َّبراؽ ‪٥‬تادع‪.‬‬
‫إف ما نعيشو اليوـ من كوارث وفيضانات وزالزؿ و‪٣‬تاعات‪ ،‬وحروب وأعاصَت مدمرة‬
‫وحرائق ُب الغابات وا‪١‬تدف‪ ،‬ومن ذوباف القطبُت الشمايل وا‪ٞ‬تنويب وا‪٩‬تفاض ُب ا‪١‬تياه‬
‫اإلقليمية ونقص كبَت من مستويات األهنار‪ ،‬وارتفاع درجة حرارة األرض وفساد البيئة‬
‫اءىم لََفس َد ِ‬
‫ض َوَمن فِي ِه َّن‬
‫ت َّ‬
‫الس َم َاو ُ‬
‫ات َو ْاأل َْر ُ‬
‫نتيجة ‪١‬تا ذكره تعاىل‪َ { :‬ولَ ِو اتَّػبَ َع ال َ‬
‫ْح ُّق أ َْى َو ُ ْ َ‬
‫‪ )=7(}...‬سورة ا‪١‬تؤمنوف‪:‬ؤتا أف اهلل تعاىل منح اإلنساف حرية االختيار‪ ،‬وىم اختاروا‬
‫وصمموا على ما مل يرضو اهلل ‪٢‬تم‪ .‬لِما يعود عليهم بذلك من ىبلؾ‪ ،‬ولكنهم أصروا‬
‫َّ‬
‫فأعطاىم طلباهتم ومشتهياهتم‪،‬وكل واحد سار ُّواه فتغَت نظاـ الكوف‪ ،‬زالزؿ‪ ،‬طوفانات‪،‬‬
‫حل الببلء الذي أشرنا إليو وسيعقبو ا‪٢‬تبلؾ العاـ إف مل يثوبوا إىل رشدىم ويلتجئوا‬
‫قحط‪ّ .‬‬
‫إىل رُّم‪ ،‬ليصلحوا ما أحدثوا من عظيم الفساد‪ ،‬والذي عاد عليهم بأمراض غريبة أصابت‬

‫اإلنساف‪ ،‬وأمراض أخرى أصابت األنعاـ‪ ،‬مصدر غذائنا‪ ،‬ومن آالـ وأمراض نفسية على‬
‫مستوى العامل‪ ،‬حىت أوصلت الكثَت منهم إىل االنتحار‪ ،‬وكل ذلك نتيجة انغماس الناس‬
‫با‪ٟ‬تياة الدنيا‪ ،‬واتباعهم مشس ىذه ا‪ٟ‬تضارة الغربية‪ ،‬اليت أعمتهم عن ا‪ٟ‬تقائق‪ ،‬وأصمتهم‬
‫اد فِي الْبَػ ّْر َوالْبَ ْح ِر بِ َما‬
‫سُ‬
‫عن ‪ٝ‬تاع ا‪ٟ‬تق‪ ،‬بسبب ما اقًتفت أيديهم من آثاـ‪{ :‬ظَ َه َر الْ َف َ‬
‫ت أَي ِدي الن ِ ِ ِ‬
‫ض الَّ ِذي َع ِملُوا لَ َعلَّ ُه ْم يَػ ْرِجعُو َف} (‪ ):7‬سورة الروـ‪.‬‬
‫َّاس ليُذي َق ُهم بَػ ْع َ‬
‫سبَ ْ ْ‬
‫َك َ‬
‫فكم ىو ربنا رحيم ورؤوؼ ُّذا اإلنساف‪ ،‬فالدنيا ال ٯتكن أف تكوف جنة‪ ،‬ألهنا ليست‬

‫باقية‪ ،‬ومصَتىا إىل الزواؿ‪ ،‬وأما ا‪١‬تؤمنوف ٔتا يستمدوف من مشس الرسوؿ الكرًن ‪ ،‬الذي‬
‫يأتيهم باألنوار من اهلل‪ ،‬فهم ُب ا‪ٞ‬تنّة‪ ،‬وبو تعاىل ا‪ٟ‬تياة األبدية السرمدية الباقية‪ ،‬وما وصلت‬
‫الناس إليو اليوـ من ضيق وحزف وأمل‪ ،‬فبل بد أف يبدؿ اهلل شقاءىم سعادة‪ ،‬بعودة وشروؽ‬

‫مشس السيد ا‪١‬تسيح‪ ،‬حبيب اهلل‪ ،‬رسوؿ السبلـ‪ ،‬واألنبياء ‪ٚ‬تيعاً ىم مشوس ا‪ٟ‬تقائق‪ ،‬وكاف‬
‫ظهورىم دوماً ُب الشرؽ األدىن‪ ،‬مهبط الرسل والنبيُت‪ ،‬واالنشقاؽ ظهر ُب ىذا العصر فقط‪،‬‬
‫ألـ ا‪ٟ‬تضارة اليت‬
‫عن مشس الغرب ا‪١‬تادية احملضة‪ .‬وىذا االنشقاؽ مرحلي‪ ،‬ورفْض مبدئي ّ‬
‫ولّدهتا‪ ،‬والك ْشف عن زيفها وغرورىا‪ ،‬وهتيئة لرفضها الكلّي إثر ا‪ٟ‬ترب العا‪١‬تية الثالثة وعظيم‬
‫يتم الرفْض الكلّي والتقبّل باألشواؽ لعصر ا‪١‬تنقذ رسوؿ اهلل‬
‫أىوا‪٢‬تا الكربى وكرُّا‪ ،‬فعندىا ّ‬
‫ا‪١‬تسيح ‪ ،‬عندىا تزوؿ عن العيوف الغشاوة‪ ،‬وعن اآلذاف الوقر‪ ،‬وتتفتّح القلوب ألنوار ا‪ٟ‬تقيقة‬
‫بقدوـ السيّد ا‪١‬تسيح ‪.‬‬
‫وخبلصة القوؿ‪:‬‬

‫إف سورة القمر ومن بدايتها‪ ،‬تتحدث عن التكذيب واإلعراض الكلي عن اهلل تعاىل‪،‬‬
‫وتستعرض األقواـ السابقة حُت أتاىا العذاب‪ ،‬ابتداءً من قوـ سيدنا نوح‪ ،‬إىل قوـ سيدنا‬
‫ىود‪ ،‬إىل قوـ سيدنا صاّب‪ ،‬إىل قوـ سيدنا لوط‪ ،‬إىل قوـ سيدنا موسى‪ ،‬وبعد ىبلؾ‬
‫ا‪١‬تكذبُت على طوؿ الزماف‪ ،‬يذكر تعاىل ُب آخر السورة‪ ،‬تكذيب أىل ىذا الزماف‪ ،‬والنهاية‬
‫ا‪١‬تؤسفة اليت سينتهوف إليها‪ ،‬شأهنم ُب ذلك‪ ،‬شأف من سبقهم من الكافرين‪ ،‬الذين كذبوا‬
‫دعوة الرسل‪ ،‬وقد اجتمعت فيهم ‪ٚ‬تيع علل األقواـ‪ ،‬من كفر وعناد وتطاوؿ ُب البنياف‪،‬‬
‫يع ُّمنتَ ِ‬
‫ص ٌر}‪ :‬با‪ٟ‬ترب القادمة‪:‬‬
‫وشذوذ ُب األخبلؽ‪ ،‬وغش وإعراض‪{:‬أ َْـ يَػ ُقولُو َف نَ ْح ُن َج ِم ٌ‬
‫ْج ْم ُع َويػُ َولُّو َف ُّ‬
‫الدبػُ َر}‪ :‬إذ أف ىذه ا‪ٟ‬ترب النووية ا‪٢‬تيدروجينية‪ ،‬ال نصر فيها‬
‫{ َسيُػ ْه َزُـ ال َ‬
‫اعةُ أَ ْد َىى‬
‫أبداً‪{:‬بَ ِل‬
‫اعةُ َم ْو ِع ُد ُى ْم‪:}...‬ساعة الببلء العاـ‪َ ...{:‬و َّ‬
‫َّ‬
‫الس َ‬
‫الس َ‬
‫َوأ ََم ُّر}(‪ ::‬ػ<‪ ):‬سورة القمر‪ :‬ىذه الساعة ىي أدىى ُّبلكهم‪ ،‬من الساعات اليت مرت‬
‫على األقواـ السابقة‪ ،‬وكلمة {‪َ ...‬وأ ََم ُّر}‪ :‬أي أشد مرارة من غَتىا‪ ،‬وذلك لعموميتها‬
‫بأرجاء الكرة األرضية‪.‬‬
‫***‬

‫انُفىر يٍ ألطاس انغًىاث واألسض‬
‫ِ‬
‫السماو ِ‬
‫اإل ِ ِ‬
‫ش ر ال ِ‬
‫ْج ّْن َو ِْ‬
‫ات‬
‫نس إِف ْ‬
‫استَطَ ْعتُ ْم أَف تَن ُف ُذوا م ْن أَقْطَا ِر َّ َ َ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬يَا َم ْع َ َ‬
‫آالء ربّْ ُكما تُ َك ّْذب ِ‬
‫ض فَان ُف ُذوا َال تَن ُف ُذو َف إَِّال بِس ْلطَ ٍ‬
‫َو ْاأل َْر ِ‬
‫اف‪ ،‬يػُ ْر َس ُل َعلَْي ُك َما‬
‫اف‪ ،‬فَبِأ ّْ‬
‫َ‬
‫َي َ َ َ‬
‫ُ‬
‫صر ِ‬
‫ِ‬
‫اف} (‪ 99‬ػ;‪ )9‬سورة الر‪ٛ‬تن‪.‬‬
‫ُش َوا ٌ‬
‫ظ ّْمن نَّا ٍر َونُ َح ٌ‬
‫اس فَ َبل تَنتَ َ‬
‫إف ىذه اآليات الكرٯتة ظهرت حكمتها اآلف‪ ،‬إذ يبُت اهلل بأف نفوذ اإلنس وا‪ٞ‬تن‪ ،‬من‬
‫أقطار السموات صعوداً ‪٨‬تو التسلح ضمناً واألرض غوراً للتنقيب‪ ،‬ال يتم إال بسلطاف‪،‬‬
‫بقدرة ومعرفة وعلم‪ ،‬من استطاع أف يعرؼ ذىاباً ُب السموات أو غوراً ُب األرض فلو ذلك‬
‫ولكن ‪٬‬تب أف َّ‬
‫يعد العدة‪ ،‬فبل نفاذ إال بسلطاف الفكر‪.‬‬
‫ىذا الشيء قد ًب فعبلً‪ ،‬واستطاعوا أف ينفذوا من أقطار السموات واألرض‪ ،‬بعد أف‬
‫ٗتلصوا من سلطاف األرض أو جاذبيتها‪ .‬ولكن على اإلنساف أالَّ يغًت ٔتا وصل إليو‪ ،‬ألف‬
‫ىذا العلم إ‪٪‬تا ىو من نتاج الفكر والعقل‪ ،‬اللذين وىبنا اهلل إيا‪٫‬تا لنسمو ُّما‪ ،‬ال لنكوف‬
‫كا‪ٞ‬تن الذين يصعدوف من أقطار السموات واألرض‪ ،‬للشر واسًتاؽ السمع‪ ،‬كما قالت‬
‫ت َح َر ًسا َش ِد ي ًدا َو ُش ُهبًا‪َ ،‬وأَنَّا ُكنَّا نػَ ْقعُ ُد‬
‫ا‪ٞ‬تن‪َ {:‬وأَنَّا لَ َم ْسنَا َّ‬
‫اىا مُلِئَ ْ‬
‫الس َماء فَػ َو َج ْدنَ َ‬
‫ِمنْػ ها‪:}...‬من السماء‪ ..{:‬م َق ِ‬
‫لس ْم ِع‪ >(}...‬ػ?) سورة ا‪ٞ‬تن‪:‬فهذا ليس برق ٍي‬
‫اع َد لِ َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫إنساين‪ ،‬بل كالرقي الشيطاين‪ ،‬وا‪ٞ‬تن أدىن مرتبة ومنزلة من اإلنس‪ ،‬بل الرقي باإلٯتاف باهلل‬
‫السمو بو‪ ،‬فنبلغ مرتبة اإلنسانية ا‪ٟ‬ت ّقة‪ ،‬ونناؿ ا‪ٞ‬تنات من حضرة اهلل‪ ،‬دنيا وآخرة‪،‬‬
‫واألنس و ٍّ‬
‫وىذا الفكر ٭تمل طاقات ىائلة‪ ،‬أُع ّد لنصل بو إىل موجدنا‪ ،‬لنحقق إنسانيتنا‪ ،‬والغاية اليت‬
‫خلقنا من أجلها كما أشرنا‪ ،‬أما وقد وجهو الناس إىل غَت ما أعد لو‪ ،‬فإنو أيضاً يبدع ُب‬

‫ا‪ٞ‬تهة اليت صوب ‪٨‬توىا‪ ،‬ولكن بطريق يؤدي إىل ىبلكهم‪.‬‬
‫أما إذا استهانت الناس بالقدرة اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬فغشَّت نفسها‪ ،‬وحولتها عن مصدر خَتىا‬
‫سبحانو‪ ،‬وظنت أهنا ستتصرؼ ىي بالوجود‪ ،‬كيفما تريد وحسبما تشاء‪ ،‬عندئذ حذرنا‬
‫صر ِ‬
‫ِ‬
‫اف} (;‪ )9‬سورة الر‪ٛ‬تن‪:‬‬
‫تعاىل بقولو‪{ :‬يُػ ْر َس ُل َعلَْي ُك َما ُش َوا ٌ‬
‫ظ ّْمن نَّا ٍر َونُ َح ٌ‬
‫اس فَ َبل تَنتَ َ‬

‫ُّذه ا‪ٟ‬تضارة الفضائية النووية اليت صنعتها اإلنس ال نصر فيها‪ ،‬بل خسارة تفوؽ الوصف‬
‫لكبل ا‪١‬تتصا ِر َع ُْت‪.‬‬
‫ُب اآلية‪{:‬يػُ ْر َس ُل‪:}...‬إمهاؿ وٖتذير‪ ،‬ولكنو إمهاؿ غَت طويل‪ .‬وفيهما أيضاً فعل يرسل‬

‫مبٍت للمجهوؿ‪ ،‬ومعٌت ذلك أهنم بتنفيذىم ذلك‪ ،‬يُرسل عليهما بواسطة أو بأخرى‪ ،‬شواظ‬
‫من نار و‪٨‬تاس‪ ،‬قد تكوف ىذه ىي القنابل النووية احملمولة بواسطة ا‪١‬تركبات الفضائية‬
‫واألقمار االصطناعية‪ ،‬عندئذ فلن تنتصرا ُّذه ا‪ٟ‬تضارة‪ ،‬اليت سوؼ يتم القضاء عليها ُّا‬
‫قضاءً مربماً‪ ،‬ولن يكوف ىناؾ ُّذه ا‪ٟ‬ترب النووية منتصر‪.‬‬
‫ِ‬
‫ور‪،‬أ َْـ أ َِمنتُم‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬أَأ َِمنتُم َّمن فِي َّ‬
‫الس َماء أَف يَ ْخ ِس َ‬
‫ف بِ ُك ُم األ َْر َ‬
‫ض فَِإ َذا ى َي تَ ُم ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ف نَ ِذي ِر} (<‪ 7‬ػ=‪ )7‬سورة‬
‫َّمن فِي َّ‬
‫ستَػ ْعلَ ُمو َف َك ْي َ‬
‫الس َماء أَف يػُ ْرس َل َعلَْي ُك ْم َحاصبًا فَ َ‬
‫ا‪١‬تلك ‪.‬‬
‫وىذا الببلء الذي سيحصل يوـ الساعة الكربى وعندىا سيعلم الكفار أي منقلب‬
‫سينقلبوف‪ ،‬وكيف أف اهلل تعاىل ٍّ‬
‫٭تذر وينذر وينفٍّذ‪ ،‬ومن أصدؽ من اهلل حديثاً‪.‬‬
‫***‬

‫خشوج ٌأجىج ويأجىج‬
‫ٍ‬
‫وج‬
‫اىا أَنػَّ ُه ْم َال يَػ ْرِجعُو َف‪َ ،‬حتَّى إِذَا فُتِ َح ْ‬
‫اـ َعلَى قَػ ْريَة أ َْىلَ ْكنَ َ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬و َح َر ٌ‬
‫ت يَأ ُ‬
‫ْج ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ومأْجوج وىم ّْمن ُك ّْل ح َد ٍ ِ‬
‫ار‬
‫ََ ُ ُ َ ُ‬
‫صةٌ أَبْ َ‬
‫ْح ُّق فَِإذَا ى َي َشاخ َ‬
‫ب يَنسلُو َف‪َ ،‬واقْػتَػ َر َ‬
‫ب ال َْو ْع ُد ال َ‬
‫َ‬
‫صُ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِِ‬
‫ين‪،‬إِنَّ ُك ْم َوَما تَػ ْعبُ ُدو َف ِمن‬
‫ين َك َف ُروا يَا َويْػلَنَا قَ ْد ُكنَّا في غَ ْفلَة ّْم ْن َى َذا بَ ْل ُكنَّا ظَالم َ‬
‫الذ َ‬
‫ِ ِ‬
‫َّم أَنتُ ْم لَ َها َوا ِر ُدو َف} (;? ػ>? ) سورة األنبياء‪.‬‬
‫ُدوف اللَّو َح َ‬
‫ص ُ‬
‫ب َج َهن َ‬
‫إذف حناف اهلل ورأفتو تقتضياف أف يُهلك من ال يرجع إليو من القرى وحراـ على قرية أف‬

‫تبقى ُب العصر ا‪١‬تقبل عصر سيدنا عيسى ‪ ‬بل يهلكها تعاىل ألهنا ال ترجع إليو‪.‬‬

‫هلل جل شأنو ُب ىذا الوجود سنن و قوانُت ال تتبدؿ وال تتغَت‪ ،‬فمن تلك السنن‬
‫ا‪٠‬تاصة ُب إىبلؾ القرى‪.‬‬
‫أوالً‪ :‬إف اهلل ال يأخذ القرى إذا أراد ىبلكها‪ ،‬وأىلها غافلوف‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬إف اهلل حرـ على نفسو إىبلؾ قرية‪ ،‬إال إذا انقطع األمل منهم ُب الرجوع إليو‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬اعًتاؼ أىل القرى ا‪٢‬تالكة‪ ،‬بأهنم كانوا ظا‪١‬تُت‪.‬‬

‫أما بالنسبة لشعوب ىذا العصر‪ ،‬فإف استحالة الرجوع إىل اهلل مقروف بانفتاح يأجوج‬
‫ومأجوج على الناس‪ ،‬لبث عقيدهتم‪.‬‬
‫فاهلل ٭تجب الفساد على من فيهم ا‪٠‬تَت‪ ،‬فإذا نضب ذلك منهم‪ ،‬بعث إليهم من يظهر ‪٢‬تم‬
‫كوامن أنفسهم‪ ،‬حىت ال يكونوا مغشوشُت بأنفسهم‪ ،‬أو يظنوا بأهنم ما زالوا على ا‪ٟ‬تق‪.‬‬
‫لقد أذف اآلف ليأجوج ومأجوج‪ ،‬ا‪١‬تفسد والفاسد‪ ،‬اآلج وا‪١‬تأجوج بنار الًتؼ وزينة‬
‫الدنيا‪ ،‬أف ينشروا عقائدىم الفاسدة‪ ،‬لنفوس أصبحت مستعدة لتقبل تلك العقائد‪.‬‬
‫وقد وصف تعاىل الكيفية ُب نشر مبادئهم فقاؿ تعاىل‪:‬‬
‫ب ي ِ‬
‫نسلُو َف} وا‪ٟ‬تدب ىو خروج الظهر‪ ،‬ودخوؿ الصدر‬
‫{‪َ ...‬و ُىم ّْمن ُك ّْل َح َد ٍ َ‬
‫والبطن‪ ،‬داللة على الضعف والعجز‪.‬‬

‫وا‪ٟ‬تدب أيضاً ىو ما ارتفع من الشيء كحدب ا‪١‬توج والرمل بسبب ضغط بعضو على‬
‫بعض‪ ،‬والغليظ ا‪١‬ترتفع من األرض‪ ،‬نتيجة التصدع والضغط‪.‬‬
‫أما كلمة{‪ ...‬ي ِ‬
‫انسل‪ ،‬وتعٍت انطلق باستخفاء‪ ،‬وبصورة عامة‬
‫نسلُو َف}‪:‬ا‪١‬تاضي منها َّ‬
‫َ‬
‫فإف االنسبلؿ‪ ،‬وكل ما ىو مشتق من كلمة ينسلوف‪ ،‬تعٍت‪ :‬السعي إىل ما يريده ا‪١‬ترء بذكاء‬
‫وحذر‪ .‬ومن تلك ا‪١‬تعاين األخَتة نستنتج بأف (يأجوج ومأجوج) يسعوف ُب نشر دعوهتم‬
‫بُت الناس‪.‬‬
‫ولكي تسمع دعوهتم‪ ،‬ولتصبح مقبولة بُت فقراء الناس‪ ،‬فإهنم يأتوهنم من نقاط‬
‫الضعف ُب اَّتمعات ا‪١‬تضطربة‪ ،‬حيث ضغط األغنياء‪ ،‬وتسلطهم على الفقراء‪ ،‬مبينُت ‪٢‬تم‬
‫بأف شقاءىم وتعاستهم سببو أغنياؤىم‪ ،‬وأف القضاء عليهم يعٍت القضاء على الظلم‬
‫االجتماعي‪ ،‬وبالتايل القضاء على البؤس والفقر والشقاء‪.‬‬
‫وقد حصل ذلك ُب منتصف القرف ا‪١‬تاضي حينما بدأت األفكار الشيوعية اإل‪ٟ‬تادية‬
‫بالتسلل إىل ىذه اَّتمعات وبث ىذه األفكار ا‪١‬تسمومة‪ ،‬ولوال حصوؿ ا‪ٟ‬تدب أو الوضع‬
‫غَت الصحيح وغَت السليم ُب تلك اَّتمعات‪١ ،‬تا راجت أفكارىم اإل‪ٟ‬تادية‪.‬‬
‫وا‪ٟ‬تدب أيضاً‪ :‬ىو الشيء ا‪١‬تتفاوت من ارتفاع وا‪٩‬تفاض‪ ،‬وذلك بتعايل الدوؿ الغنية‪،‬‬
‫على الدوؿ الفقَتة‪ ،‬وُّذا التفاوت وىذا التعايل حصل أيضاً االنشقاؽ بُت الدوؿ‪٦ ،‬تا‬

‫أتاح الفرصة ليأجوج ومأجوج و‪٫‬تا الصُت وروسيا‪ ،‬أف يستغبل ىذا التفاوت‪ ،‬لنشر‬
‫أفكارىم ا‪٢‬ت ّدامة اإل‪ٟ‬تادية‪ ،‬كما أف ٕتار الصُت الشيوعية بثوا بضائعهم الرخيصة بُت‬
‫شعوب العامل‪ ،‬بسبب الغبلء الفاحش‪ ،‬مع الفقر ا‪١‬تدقع‪ ،‬عندىا استطاعوا التدخل‬
‫باالقتصاد والتجارة‪ ،‬ويكوف ‪٢‬تم بذلك باع ليس بقليل‪.‬‬
‫ىذا وإف كافة ا‪٠‬ترائط ا‪ٞ‬تغرافية القدٯتة السابقة كانت تشَت إليهما‪ ،‬وتسمي إقليمي‬
‫الروس والصُت بتسمية يأجوج ومأجوج‪.‬‬
‫أما وصف أولئك القوـ بكلميت‪( :‬يأجوج ومأجوج) فؤلهنم بدعوهتم تلك‪ ،‬يؤججوف‬
‫الفتنة بُت الطبقات الغنية منها والفقَتة‪ ،‬ويشعلوف الثورات بُت األمة الواحدة أو بُت‬

‫األمم‪ ،‬وىذا ما حصل معظمو ُب منتصف القرف ا‪١‬تاضي‪ .‬لقد بُت تعاىل بأف يأجوج‬
‫ومأجوج إذا فتحت على العامل‪ ،‬وأخذت بنشر دعوهتا بُت األمم‪ٍ ،‬ب أصبحت لتلك‬
‫الدعوة الفعالية والقوة صفة العموـ‪ ،‬فإف الوعد ا‪ٟ‬تق بات قريباً‪ ،‬والساعة السابقة لو واليت‬
‫يظهر فيها السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬سيد ىذا الزماف‪ ،‬ليمسح كل ظلم وجور‪ ،‬غدا وشيكاً‪ ،‬وأما‬

‫يوـ القيامة فإف أبصار أصحاب النظريات البلإنسانية‪ ،‬اليت انتشرت ُب العامل‪ ،‬شاخصة‬
‫يوـ القيامة من شدة الرعب وا‪٢‬تلع يقولوف‪ ...{ :‬يَا َويْػلَنَا قَ ْد ُكنَّا فِي غَ ْفلَ ٍة ّْم ْن َى َذا بَ ْل‬
‫ِِ‬
‫ين} (=?) سورة األنبياء‪:‬وسوؼ يكونوف ىم وآ‪٢‬تتهم من مبدعي ىذه النظريات‬
‫ُكنَّا ظَالم َ‬
‫َّم أَنتُ ْم لَ َها َوا ِر ُدو َف}‬
‫ا‪٢‬تدامة‪ ،‬كما قاؿ أصدؽ القائلُت جل جبللو‪َ ...{ :‬ح َ‬
‫ص ُ‬
‫ب َج َهن َ‬

‫(>?) سورة األنبياء‪.‬‬

‫***‬

‫خشوج دابت األسض‬
‫الص َّم ُّ ِ َّ ِ‬
‫ين‪َ ،‬وَما‬
‫ك َال تُ ْس ِم ُع ال َْم ْوتَى َوَال تُ ْس ِم ُع ُّ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬إِنَّ َ‬
‫الد َعاء إذَا َول ْوا ُم ْدب ِر َ‬
‫َنت بِه ِ‬
‫ض َبللَتِ ِه ْم إِف تُ ْس ِم ُع إَِّال َمن يػُ ْؤِم ُن بِآيَاتِنَا فَػ ُهم ُّم ْس ِل ُمو َف‪َ ،‬وإِذَا‬
‫ادي الْعُ ْم ِي َعن َ‬
‫أ َ َ‬
‫ض تُ َكلّْ ُم ُه ْم أ َّ‬
‫َوقَ َع الْ َق ْو ُؿ َعلَْي ِه ْم أَ ْخ َر ْجنَا لَ ُه ْم َدابَّةً ّْم َن ْاأل َْر ِ‬
‫َّاس َكانُوا بِآيَاتِنَا َال‬
‫َف الن َ‬
‫يُوقِنُو َف} (‪ >6‬ػ‪ )>8‬سورة النمل ‪.‬‬
‫لقد شرط اهلل جل شأنو ُب اآلية الكرٯتة‪ ،‬من اآليات اآلنفة الذكر‪َّ ،‬‬
‫بأف وقوع ا‪٢‬تبلؾ ال‬
‫يكوف إال بعد ظهور دابة األرض‪ ،‬ؤتا أف تلك الدابة قد ظهرت‪ ،‬فإف الببلء أو الساعة‬
‫أصبح أمراً مربماً‪ ،‬ومل يبق إال تنفيذه‪ ،‬أما ٖتديد وقوع ىذه الساعة فهذا ال علم ألحد بو‪،‬‬
‫ألف الغيب هلل وال ‪٬‬تليها لوقتها إال ىو‪ ،‬وألهنا ال تأتينا إال بغتة‪ ،‬ولكن تكامل أشراطها‬
‫ينذر ْتلو‪٢‬تا اآلف‪ ،‬وُب أي وقت‪ ،‬و‪٨‬تن يقيناً على أبواُّا‪ .‬أما اآليات اليت تسبق ىذه‬
‫أصمت‬
‫اآلية‪ ،‬فإهنا تبُت صفة الذين يقع عليهم القوؿ‪ ،‬فهم الذين أماتت الدنيا قلوُّم‪ ،‬و َّ‬
‫آذاهنم‪ ،‬وطمست على أبصارىم‪.‬‬
‫أولئك ما كاف ألحد ُب العا‪١‬تُت القدرة على ىدايتهم‪ ،‬ألهنم أعرضوا عن ا‪ٟ‬تق‪ ،‬وولوا‬
‫وجوىهم شطر الباطل‪ ،‬وما كاف اهلل ليهديهم‪ ،‬بسبب استسبلمهم لشهواهتم‪ ،‬اليت‬
‫تسَتىم‪ .‬أما الذين يسمعوف ا‪ٟ‬تق‪ ،‬فأولئك الذين يؤمنوف بآيات اهلل ولو‬
‫أصبحت ‪٢‬تم آ‪٢‬تة ٍّ‬
‫ال إىل شهواهتم مسلموف‪.‬‬
‫ؤتا أف الناس عموماً ُب ىذا العصر‪ ،‬قد أسلموا لشهواهتم العناف‪ ،‬وأقبلوا على الدنيا‬
‫بكليتهم‪ ،‬ودخلوا إليها من أوسع أبواُّا‪ ،‬لذا فإف إمكانية التوبة باتت شبو مستحيلة‪،‬‬

‫ونتيجة لذلك فقد حق القوؿ على أكثرنا‪ ،‬بأننا مهلكوف‪ ،‬وما األعاصَت ا‪١‬تهلكة‪ ،‬والزالزؿ‬
‫ا‪١‬تتتابعة‪ ،‬وأمراض البقر والطيور الفتاكة‪ ،‬والفيضانات والقحط وا‪ٞ‬تراد‪ ،‬إالَّ ابتبلءات ا‪٢‬تبلؾ‬
‫الشمويل القادـ اآلف إلينا‪ ،‬وىذه االبتبلءات الرىيبة ا‪١‬تتتالية‪ ،‬مل يسبق ‪٢‬تا مثيل من ألوؼ‬
‫السنُت‪ ،‬ومئات األجياؿ‪.‬‬

‫إف ا‪٢‬تبلؾ أصبح ‪١‬تن ىذه صفتو ر‪ٛ‬تة‪ ،‬ألف وجوده ُب الدنيا‪ ،‬بات لو ولغَته ضرراً‪ ،‬ولذا‬
‫ومن ر‪ٛ‬تة اهلل ُّم‪ ،‬من أف يزدادوا إ‪ٙ‬تاً‪ ،‬وبالتايل سعَتاً‪ ،‬فإف اهلل يأخذىم‪ ،‬أخذاً شديداً‬

‫ومباغتاً‪.‬‬
‫إف اهلل مل يشر ُب اآلية الكرٯتة السابقة‪ ،‬بأنو سوؼ ٮتلق ‪٢‬تم دابة‪ ،‬بل قاؿ تعاىل‪:‬‬
‫{ َوإِ َذا َوقَ َع الْ َق ْو ُؿ َعلَْي ِه ْم أَ ْخ َر ْجنَا لَ ُه ْم َدابَّةً ّْم َن ْاأل َْر ِ‬
‫ض تُ َكلّْ ُم ُه ْم‪ )>8( }...‬سورة النمل‪:‬‬
‫كما أنو جل شأنو مل يشر أف الغرض من إخراجها‪ ،‬أف تكوف للناس معجزة‪ ،‬بل منع بآية‬
‫‪٤‬تم ٍد ‪ ،‬لعدـ جدواىا كما أشرنا سابقاً‪.‬‬
‫صر٭تة إرساؿ ا‪١‬تعجزات ُب زمن سيدنا ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب بِ َها األ ََّولُو َف َوآتَػيْػنَا‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬و َما َمنَػعَنَا أَف نػُّ ْرس َل بِاآليَات إِالَّ أَف َك َّذ َ‬
‫صرةً فَظَلَمواْ بِها وما نػُر ِسل بِاآلي ِ‬
‫ِ‬
‫ات إِالَّ تَ ْخ ِوي ًفا} (?;) سورة‬
‫ثَ ُم َ‬
‫ُ َ ََ ْ ُ َ‬
‫ود النَّاقَةَ مُبْ َ‬
‫اإلسراء‪.‬‬
‫ىذا وليس من ا‪١‬تصادفة ُب شيء‪ ،‬أف ٮتص ُب ىذه اآلية الكرٯتة (الناقة) كمعجزة من‬

‫بُت تلك ا‪١‬تعجزات الكثَتة اليت أرسلها اهلل تعاىل على رسلو الكراـ قبل سيدنا ‪٤‬تمد ‪،‬‬

‫وإ‪٪‬تا ذ ْكره لتلك ا‪١‬تعجزة بالذات‪٢ ،‬تا داللتها و‪٢‬تا ما يربرىا‪ ،‬وىذا يعٍت أف ال يتوىم الناس‬
‫أو يظنوا بأف الدابة اليت سيخرجها للناس‪ ،‬ىي من جنس حيواين‪ ،‬أو أف يكوف الغرض من‬
‫إخراجها آية أو معجزة‪.‬‬
‫بل لو من إخ راجها غاية أخرى‪ ،‬ال ٘تت إىل ا‪١‬تعجزة ُب شيء‪ ،‬وكذلك فإف إخراج‬
‫الدابة ليس لو صفة ا‪١‬تعجزات‪ .‬ليس من ا‪١‬تنطق ُب شيء أف يكرر سبحانو معجزة مشاُّة‬
‫‪١‬تعجزة سابقة َّ‬
‫كذب ُّا الناس‪.‬‬
‫إف معٌت الدابة ُب اللغة‪ ،‬ىو كل شيء يدب على األرض‪ ،‬وغلب على ما يُركب ومن‬
‫ىذا ا‪١‬تعٌت جاءت لفظة دبابة‪ ،‬وىي آلية القتاؿ‪ ،‬وقد ‪ٝ‬تيت ُّذا االسم ألهنا تدب على‬
‫األرض‪ ،‬ولذا فإف معٌت الدابة ال يقتصر على ا‪ٟ‬تيواف فحسب‪ ،‬بل يشمل ما يدب على األرض‬
‫من ا‪ٞ‬تماد أيضاً‪.‬‬
‫ولغة‪ :‬كل ما دب على األرض فهو دابة‪.‬‬

‫لقد ذكر لنا تعاىل عن ناقة سيدنا صاّب ‪ ‬بأهنا ناقة اهلل وسقياىا‪ ،‬وتلك الناقة ىي من ‪ٟ‬تم‬
‫ودـ وروح‪ ،‬بينما مل يشر إىل ىذه الدابة اليت سيخرجها من األرض بأهنا تتمتع بصفة ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬ما‬
‫عدا لفظة تكلمهم‪ .‬ومسألة الكبلـ فقد أصبحت اآللة تشاركنا بو‪ ،‬با‪١‬تسجبلت وا‪١‬تذياع والتلفاز‬
‫وغَتىا‪.‬‬
‫أما حدثنا صلوات اهلل عليو عن السيارة يصفها‪ (:‬سيكوف بعدي سلطاف الفتن على أبوابهم‬

‫كمبارؾ اإلبل ال يعطوف أحداً شيئاً إال أخذ من دينو مثلو )(‪ .)1‬اإلبل تستخدـ للنقل والًتحاؿ‬
‫والسيارة كذلك وتقف أماـ بيت صاحبها كما تربؾ اإلبل وتلزـ موضعها‪.‬‬

‫كما أنو ‪ ‬وصفها بدقة أكثر قاؿ ‪ (:‬تبعث نار على أىل المشرؽ فتحشرىم إلى‬
‫المغرب تبيت معهم حيث باتوا‪ ،‬وتقيل معهم حيث قالوا‪ ،‬يكوف لها ما سقط منهم وتخلف‬

‫تسوقهم سوؽ الجمل الكسير)(‪ .)2‬أي أف السيارة صناعة الغرب وُّا نقلوا ثقافتهم وحضارهتم‬

‫ووسائلها إىل العامل‪ ،‬فتوجو أىل ا‪١‬تشرؽ إليهم يعبوف من معينها اآلسن‪ ،‬وأما أنو ‪ٝ ‬تّاىا ناراًكناية‬
‫عن ‪٤‬تركها االنفجاري والنار ىنا‪ :‬نار احملرؾ االنفجاري للبنزين با‪١‬تكابس (البسطونات) وا‪ٟ‬تقيقة‬

‫أعظم وا‪ٟ‬تديث‪ (:‬نار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا ) حيث يناـ صاحب‬
‫السيارة ويبيت سواءً ليبلً أو هناراً‪ ،‬تكوف معهم أماـ البيت أو الفندؽ‪ ،‬وىذا ىو وصفها من‬
‫الداخل إذ وصفها لصحبو الكراـ من ا‪٠‬تارج من أف متابعها ال يدركها وىي تدركو‪ ،‬وىذه من‬
‫نبوءات األنبياء اليت ال ٗتطئ‪( .‬يكوف في آخر ىذه األمة رجاؿ يركبوف على المياثر‬
‫(السيارات) حتى يأتوا أبواب المساجد نساؤىم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة‬
‫البخت العجاؼ فالعنوىن فإنهن ملعونات)(‪ :)1‬فالعنوىن‪ :‬واللعن ىو البعد‪ ،‬أي ابتعدوا‬

‫عنهن ألهنن ملعونات‪ :‬أي بعيدات عن اهلل‪.‬‬

‫(‪ )7‬رواه الطرباين‪.‬‬
‫(‪ )8‬أخرجو الدارقطٍت ُب األفراد والطرباين وا‪ٟ‬تاكم وصححو عن عبد اهلل بن عمرو‪.‬‬
‫(‪ )7‬أ‪ٛ‬تد وا‪ٟ‬تاكم‪.‬‬

‫كما أنو ‪ ‬حدث عن الطائرات إذ يقوؿ‪ ( :‬لتقصدنكم نار ىي اليوـ خامدة‪ ،‬تغشى‬
‫الناس‪ ،‬فيها عذاب أليم‪ ،‬تأكل األنفس واألمواؿ تدور الدنيا كلها في ثمانية أياـ‪ ،‬تطير‬
‫طير الريح والسحاب‪ ،‬حرىا بالليل أشد من حرىا بالنهار‪ ،‬ولها ما بين السماء واألرض‬

‫دوي كدوي الرعد القاصف‪ ،‬ىي من رؤوس الخبلئق أدنى من العرش) (‪.)2‬‬

‫( تغشى الناس‪ ،‬فيها عذاب أليم‪ ،‬تأكل األنفس واألمواؿ) ال ٮتفى ما للقوة العسكرية‬
‫ا‪ٞ‬توية من قوة تدمَتية شاملة‪ ( .‬حرىا بالليل أشد من حرىا بالنهار) ألف الليل مظلم ساتر‬
‫‪٢‬تا عن اإلصابة با‪١‬تدفعية ا‪١‬تضادة للطائرات سابقاً وتنجح ا‪١‬تفاجأة بالقصف للمدف وا‪١‬تواقع‬
‫عما رّكب فيها من أجهزة تكييف وتعديل لدرجات ا‪ٟ‬ترارة( تطير طير‬
‫العسكرية ليبلً وكناية ّ‬

‫الريح والسحاب‪ ،‬حرىا بالليل أشد من حرىا بالنهار‪ ،‬ولها ما بين السماء واألرض دوي‬
‫كدوي الرعد القاصف‪ ،‬ىي من رؤوس الخبلئق أدنى من العرش) يشَت ‪ ‬إىل ضعف‬
‫إٯتاف الناس اليوـ‪ ،‬إذ يظنوف أف ُّا حوؿ وقوة و‪٢‬تا فعل‪ ،‬وينسوف أف ا‪ٟ‬توؿ والقوة بيد اهلل تعاىل‬
‫صاحب التجلي العظيم‪.‬‬
‫وال يُعلم إىل اآلف أف شيئاً أخرج من األرض‪ ،‬وأصبح يدب على األرض إال السيارات‬

‫والدبابات وما شابو ذلك‪ ،‬من القطارات وغَتىا‪ .‬ومادة ىذه اآلليات قد استخرجت من‬
‫األرض‪ ،‬أي من ا‪١‬تناجم ا‪ٟ‬تديدية‪ ،‬لذلك أصبحت ىذه الدابة تكلم الناس ٔتا ركب عليها من‬
‫أجهزة ال سلكية أو مذياع (راديو) أو غَت ذلك‪ .‬وقد قيل بأهنا تستقبل ا‪١‬تشرؽ فتصرخ صرخة‬
‫تنفذه‪ ،‬وتستقبل ا‪١‬تغرب فتصرخ صرخة تنفذه‪ ،‬وكذلك الشماؿ وا‪ٞ‬تنوب‪.‬‬

‫وىذا القوؿ صحيح‪ ،‬ألف ىذه األجهزة ينفذ صوهتا من ‪ٚ‬تيع أقطار األرض‪ .‬وىذه‬
‫الدابة ركب عليها ‪ٛ‬تار الدجاؿ الذي يُقاؿ بأنو ا‪١‬تذياع‪.‬‬
‫فا‪١‬تذياع احملموؿ منو أو الثابت‪ ،‬أصبح ينقل إىل الناس أقواؿ الدجالُت‪ ،‬وىذه‬
‫اإلذاعات باستطاعتها أف تقلب ا‪ٟ‬تق باطبلً‪ ،‬والباطل حقاً‪١ ،‬تا ‪٢‬تا من قدرة اإل‪ٝ‬تاع‪ ،‬إذ‬
‫معظم أقوا‪٢‬تا تدجيل بتدجيل‪ ،‬ليس فيو من ا‪ٟ‬تق إال القليل‪.‬‬
‫(‪ )8‬كنز العماؿ ج‪ 7:‬رقم‪./9>>></‬‬

‫(إف أُذُف حمار الدجاؿ لتُ ِظ ُّل سبعين ألفاً)(‪.)1‬‬

‫الشعرة فيو تغنّي )‪.‬‬
‫وقولو ‪ (:‬إف طوؿ ذيل حمار الدجاؿ بين(‪ 44‬ػ‪)74‬ذراعاً‪ ،‬وأف ْ‬

‫(أي إبرة ا‪١‬تذياع أو ا‪١‬تؤشر لنقل صوت اإلذاعات) وقولو الشريف‪ (:‬وأف الشعرة فيو‬

‫تغني ) أي كلما َحّركت ا‪١‬تؤشر أي اإلبرة مقدار شعرة تنقل صوت إذاعة أخرى‪ ،‬كما أف‬
‫قولو ‪ ‬أنو‪ (:‬ما دخل بيتاً إالّ أفسده) (أي خرب نفوس مستمعيو ‪١‬تا فيو من ٍ‬
‫أغاف‬

‫خرب قلب صاحبو‪،‬‬
‫رخيصة جنسية ال أخبلقية)‪ ( ،‬وما دخل حانوتاً إالّ خربو) (أي َّ‬
‫الذي غدا يهوى اللهو واَّوف‪ ،‬وٖتقيق مآربو وأىوائو‪ ،‬بكسبو الزائد عن ا‪ٟ‬ت ّد اإلنساين)‪،‬‬

‫كل‪ ،‬فهذه األمور غدت أموراً تارٮتية ْتتة غَت مهمة‪ ،‬إذ تبلىا أرقى منها‪ ،‬كالتلفاز‬
‫على ٍّ‬
‫البصري و(الستااليت) والفيديو والكومبيوتر واإلنًتنت‪.‬‬
‫اؾ ِ‬
‫الرجل ع َذبةُ ِ‬
‫سوط ِو ِ‬
‫أحدث‬
‫وتخبرهُ فخ ُذهُ بما‬
‫نعل ِو‬
‫وشر َ‬
‫َ‬
‫ال تقوـ الساعة حىت‪(:‬يُكلّْ َم َّ ُ َ‬
‫ُ‬
‫أىلوُ بعدهُ) (‪ .)1‬وعذبة السوط ىو البلسلكي كالذي ٭تملو رجاؿ األمن من شرطة ا‪١‬ترور‪.‬‬
‫ا‪٢‬تاتف السلكي‪ُ٘ ،‬تسك السماعة والسلك يبقى متدلياً‪( .‬وشراؾ النعل)‪ :‬أي أف ا‪٢‬تاتف‬
‫يشًتؾ والنعل (ا‪ٟ‬تذاء) بالصفة الظاىرية والشكل حىت واللوف‪ ،‬وقد وصف ‪ ‬ا‪٢‬تاتف بشراؾ‬
‫أحدث‬
‫النعل كناية عن ا‪٢‬تاتف إذ أنو يشبو النعل ٘تاماً أي‪ :‬ا‪ٟ‬تذاء ا‪١‬تقلوب ( وتخبره فخذه بما‬
‫َ‬
‫أىلو من بعده) إشارة للموبايل وبيوهتا ا‪ٞ‬تلدية اليت تعلق ُب أعلى الفخذ على ا‪ٟ‬تزاـ أو ُب جيب‬
‫البنطلوف‪ .‬كما أهنا تشَت إىل أجهزة التجسس اليت قد يضعها البعض على بيتو أو مكاف عملو‪.‬‬
‫واليت تُربط بشكل أو بآخر مع ا‪٢‬تواتف البلسلكية‪.‬‬
‫وا‪ٟ‬تقيقة ‪١‬تا بدأت ىذه الدابة ُب بداية القرف ا‪١‬تاضي‪ ،‬كاف الناس عن ‪ٝ‬تاع ا‪ٟ‬تق ُب‬
‫صمم‪ ،‬ذلك ٔتا أحدثتو ىذه الثورة الصناعية من الفنت‪ ،‬وجعلتهم يكفروف بآيات اهلل‪،‬‬
‫ويؤمنوف بآ‪٢‬تة العلم والتكنولوجيا‪ ،‬وولوا وجوىهم شطر مشس الغرب‪ ،‬فهذا ْتث تارٮتي‬
‫ليس إالَّ‪ ،‬وإف كاف ال يزاؿ مستمراً‪ ،‬فهو شاىد ص ْدؽ على أشراط الساعة اليت يأٌب ُّا‬
‫(‪ )7‬أخرجو ابن أيب شيبة‪ :‬أي صوت ا‪١‬تذياع يصل ويغطي سبعُت ألفاً من باب الكثرة وقدرتو على إ‪ٝ‬تاع الكثَت من الناس‪.‬‬
‫(‪ )7‬سنن الًتمذي ج‪ 9‬رقم‪./7=/‬‬

‫سيدنا عيسى ا‪١‬تسيح ‪ ‬أثناء أو إثر ا‪ٟ‬ترب العا‪١‬تية ا‪١‬تطهرة مباشرة‪َ ...{ :‬وُمطَ ّْه ُر َؾ ِم َن‬
‫َّ ِ‬
‫يطهره من‬
‫ين َك َف ُرواْ‪ :}...‬اآلية ىذه‪ ،‬وعد من اهلل تعاىل لسيدنا عيسى ‪ ،‬بأنو عندىا ٍّ‬
‫الذ َ‬

‫ا‪١‬تصرين على الكفر‪ ،‬ورافع شأنو على العا‪١‬تُت‪ ،‬وشأف أتباعو إثر ظهوره‪ ،‬وإىل يوـ‬
‫الكفار ٍّ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ إِلَى يَػ ْوِـ ال ِْقيَ َام ِة‪ );;(}..‬سورة‬
‫ين اتَّػبَػعُ َ‬
‫وؾ فَػ ْو َؽ الذ َ‬
‫القيامة‪َ ...{:‬و َجاع ُل الذ َ‬
‫آؿ عمراف‪ :‬أي إثر ظهوره ا‪١‬ترتقب اآلف‪ ،‬وقد ٘تَّت أشراط ظهوره ‪.‬‬
‫***‬

‫صخــشفـت األسض‬
‫ات األ َْر ِ‬
‫ْحيَ ِاة ُّ‬
‫ض‬
‫الس َماء فَا ْختَػلَ َ‬
‫َنزلْنَاهُ ِم َن َّ‬
‫ط بِ ِو نَػبَ ُ‬
‫الدنْػيَا َك َماء أ َ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬إِنَّ َما َمثَ ُل ال َ‬
‫ِم َّما يأْ ُكل النَّاس واألَنْػعاـ حتَّى إِذَا أ َ ِ‬
‫ت َوظَ َّن أ َْىلُ َها أَنػَّ ُه ْم‬
‫ض ُز ْخ ُرفَػ َها َو َّازيػَّنَ ْ‬
‫َخ َذت األ َْر ُ‬
‫َ ُ ُ َ َُ َ َ‬
‫ِ‬
‫اىا ح ِ‬
‫صي ًدا َكأَف لَّ ْم تَػ ْغ َن بِاأل َْم ِ‬
‫ك‬
‫س َك َذلِ َ‬
‫قَاد ُرو َف َعلَْيػ َهآ أَتَ َ‬
‫اىا أ َْم ُرنَا لَْيبلً أ َْو نَػ َه ًارا فَ َج َعلْنَ َ َ‬
‫صل اآلي ِ‬
‫ات لَِق ْوٍـ يَػتَػ َف َّك ُرو َف} (‪ )8:‬سورة يونس‪.‬‬
‫نػُ َف ّْ ُ َ‬
‫إف األرض أخذت زخرفها‪ ،‬فقد ازيَّنت القرى وا‪١‬تدف باألضواء الكهربائية ا‪١‬تلونة‪.‬‬
‫وتزينت األرض ُب البناء الشامخ ا‪١‬تزخرؼ‪ ،‬وا‪١‬تفروشات الوثَتة‪ ،‬وأقيمت الشوارع وعلى‬
‫حافتيها ا‪١‬تتاجر وا‪١‬تعارض ا‪١‬تزينة بالزخارؼ (الديكورات)‪ٍ ،‬ب خرجت النساء بأ‪ٚ‬تل زينة‬
‫وأعظم فتنة‪ ،‬وطلَّقت اآلداب الدينية وا‪ٟ‬تياء وا‪ٟ‬تشمة بالثبلث‪ .‬وراحت ٖتاكي الرجاؿ ُب‬
‫اللباس‪ ،‬كما أخذت الرجاؿ ٖتاكي النساء أيضاً‪ ،‬بتطويل الشعور وإرخاء السوالف‪،‬‬
‫واللباس ا‪١‬تلوف‪ .‬وقد بُت الرسوؿ الكرًن ‪ ‬أف من عبلمات الساعة أف ٗترج النساء‬

‫كاسيات عاريات‪ ،‬مائبلت ‪٦‬تيبلت‪ ،‬على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاؼ‪(،‬وموضة‬
‫بالسد العايل) فالعنوىن‪ ،‬ألهنن ملعونات‪ ،‬ومن عبلماهتا أيضاً‬
‫ّ‬
‫قصة الشعر ىي ما يدعونو ّ‬

‫أنو قاؿ ‪:‬‬

‫( تتشبو النساء بالرجاؿ والرجاؿ بالنساء )(‪.)1‬‬

‫(‪)2‬‬

‫وقاؿ أيضاً‪ (:‬أف ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولوف في البنياف)‬
‫يقتصر الزخرؼ على أماكن اللهو والبيع‪ ،‬بل إىل ا‪١‬تعابد أيضاً‪ ،‬فجعلت عملياً كا‪١‬تتاحف‪،‬‬
‫يزورىا ا‪١‬تؤمن بالدين والكافر بو (كمتحف أثري) بدؿ ٗتصيصها للعبادة‪ ،‬وألمور صاّب‬
‫ا‪١‬تسلمُت‪ .‬وتلك أيضاً من عبلمات الساعة‪.‬‬

‫(‪ )7‬أخرجو أبو نعيم ُب ا‪ٟ‬تلية‪.‬‬
‫(‪ )8‬أخرجو النسائي رقم‪./:?>>/‬‬

‫ومل‬

‫لقد بلغت مشس ا‪ٟ‬تضارة بدءاً من القرف ا‪١‬تاضي وإىل اآلف‪ ،‬كبد السماء ا‪١‬تادي‪ ،‬وتقدـ‬
‫فأىن ‪٢‬تم‬
‫العلم السيما التكنيك منو‪ ،‬تقدماً ىائبلً‪ ،‬فخرجت الدنيا ُب أ‪ٚ‬تل وأُّى حلة‪َّ ،‬‬

‫اإلٯتاف وكيف؟‪ .‬وىم الذين ٭تلموف بأف يسيطروا على الطبيعة‪ ،‬بعد أف ظنوا أهنم سيطروا‬
‫على األرض‪ ...{:‬وظَ َّن أ َْىلُها أَنَّػهم قَ ِ‬
‫اد ُرو َف َعلَْيػ َهآ‪ }...‬فإذا بلغت البشرية ىذا ا‪ٟ‬تد‪ ،‬فإف‬
‫َ ُْ‬
‫َ‬

‫اىا أ َْم ُرنَا لَْيبلً أ َْو نَػ َه ًارا‪ :}...‬أي ينزؿ الببلء العمومي ليبلً‬
‫اهلل من بعد ذلك يقوؿ‪ ...{:‬أَتَ َ‬
‫على ببلد الشرؽ‪ ،‬وهناراً على ببلد الغرب‪ُ ،‬ب النصف الثاين من الكرة األرضية‪.‬‬
‫ىذا وقد فصل اهلل تعاىل ُب سورة الزخرؼ‪ ،‬كيفية تسخَت ما ُب األرض ‪٢‬تم إذا أصبحت‬
‫الناس أمة واحدة‪ ،‬قِبلتُهم الدنيا وزخرفها‪ ،‬وليس أمة واحدة قِْبلتُهم اآلخرة ونعيمها‪ ،‬وبالتايل‬
‫َّاس‬
‫تتبعهم الدنيا صاغرة بإذنو تعاىل‪ ،‬وكما ورد ُب اآليات التالية‪َ { :‬ولَ ْوَال أَف يَ ُكو َف الن ُ‬
‫أ َُّمةً و ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ ِ‬
‫ِج َعلَْيػ َها‬
‫اح َد ًة لَ َج َعلْنَا لِ َمن يَ ْك ُف ُر بِ َّ‬
‫الر ْح َم ِن لبُػيُوت ِه ْم ُس ُق ًفا ّْمن فَضَّة َوَم َعار َ‬
‫َ‬
‫يظْهرو َف‪،‬ولِبػيوتِ ِهم أَبػوابا وسررا َعلَيػها يػت ِ‬
‫ْحيَ ِاة‬
‫َّك ُؤو َف‪َ ،‬وُز ْخ ُرفًا َوإِف ُك ُّل ذَلِ َ‬
‫ك لَ َّما َمتَ ُ‬
‫اع ال َ‬
‫َ َ ُ َ ُُ ْ ْ َ ً َ ُ ًُ ْ َ َ‬
‫ِ ِ‬
‫ك لِل ِ‬
‫ُّ‬
‫ين} (‪ 99‬ػ;‪ ) 9‬سورة الزخرؼ‪.‬‬
‫الدنْػيَا َو ْاآلخ َرةُ عن َد َربّْ َ ُ‬
‫ْمتَّق َ‬
‫فقولو تعاىل باآلية‪ ..{:‬لِبػيوتِ ِهم س ُق ًفا ّْمن فَض ٍ‬
‫َّة‪٦:}...‬تا نراه اآلف من ديكورات السقوؼ‬
‫ُُ ْ ُ‬

‫ج َعلَْيػ َها يَظ َْه ُرو َف}‪" :‬ا‪١‬تعارج ىي‬
‫االصطناعية الرائعة‪ ،‬ذات األلواف الفضيّة ا‪٠‬تبلَّبة‪َ ...{:‬وَم َعا ِر َ‬

‫ا‪١‬تصاعد باألبنية‪ ،‬ويطلق عليها لفظ مصاعد أو معارج لغةً"‪َ ...{:‬علَْيػ َها يَظ َْه ُرو َف}‪ :‬أي‬
‫يصعدوف‪َ {:‬ولِبُػيُوتِ ِه ْم أَبْػ َوابًا‪ :}..‬البيوت لغ ًة‪ :‬الغرؼ‪ .‬وا‪١‬تنازؿ‪ :‬الدور‪ ،‬فالغرؼ بالبيوت العربية‬
‫ذات باب واحد‪ ،‬أما ُب األبنية‪ ،‬فللغرفة عدة أبواب مثبلً‪ :‬باب للبلكوف‪ ،‬وباب لغرفة‬
‫االستقباؿ‪ ،‬وباب للمطبخ‪ ،‬وما إىل ذلك‪ ...{:‬وسررا‪ :}...‬أي ِ‬
‫األسَّرة الفخمة الفاخرة‪ُ ،‬ب‬
‫َ ُ ًُ‬

‫ا‪١‬توبيليا العصرية ا‪ٟ‬تديثة‪َ ...{:‬وُز ْخ ُرفًا‪ :}...‬ديكورات وما أدراؾ بروعتها وتكاليفها ‪ٟ‬تياة فانية‪،‬‬

‫أنست البشرية ا‪ٟ‬تياة الراقية األبدية ُب ا‪ٞ‬تنات‪.‬‬

‫لقد أرسل اهلل إىل العامل عدداً من اإلنذارات‪ ،‬وألواناً من العذاب‪ ،‬كا‪ٟ‬تروب وما إليها كما‬
‫أحملنا سابقاً‪ ،‬ولكنهم نسوا ذلك‪ ،‬وأقبلوا على الدنيا بكل ما لديهم من طاقات‪.‬‬

‫قاؿ ‪( :‬اقتربت الساعة وال يزداد الناس على الدنيا إال حرصاً‪ ،‬وال يزدادوف من‬
‫اهلل إال بعداً)(‪ .)1‬و‪١‬تا نسوا ما ٍّ‬
‫ذكروا بو‪ ،‬فتح اهلل عليهم كنوز األرض‪ ،‬فبل بد بعد ذلك‬

‫من أف يأخذىم بغتة‪ ،‬وىم مبلسوف‪.‬‬
‫ْحيَاةِ ُّ‬
‫ات‬
‫الس َماء فَا ْختَػلَ َ‬
‫َنزلْنَاهُ ِم َن َّ‬
‫ط بِ ِو نػَبَ ُ‬
‫الدنْػيَا َك َماء أ َ‬
‫إذف‪{:‬إِنَّ َما َمثَلُ ال َ‬
‫األ َْر ِ‬
‫ض ‪: }...‬واآلف ىكذا حاؿ الد نيا‪ ،‬وىذا مثاؿ عن الساعة اليت ستقع غداً‪..{:‬‬
‫ِم َّما يأْ ُكل النَّاس واألَنْػعاـ حتَّى إِذَا أ َ ِ‬
‫ض ُز ْخ ُرفَػ َها‪:}..‬طيارات‪ ،‬سيارات‪،‬‬
‫َخ َذت األ َْر ُ‬
‫َ ُ‬
‫ُ َ َُ َ َ‬
‫ت‪ :}..‬بأنوار‬
‫أبنية‪ ،‬قصور‪ ،‬ىواتف‪ ...‬كل شيء على أ٘تو‪ :‬الدنيا كاملة {‪َ ...‬و َّازيػَّنَ ْ‬
‫الكهرباء‪ ..{ ...‬وظَ َّن أ َْىلُها أَنػَّهم قَ ِ‬
‫اد ُرو َف َعلَيْػ َهآ‪:}...‬ظنوا أهنم بعملهم سيطروا على‬
‫َ ُْ‬
‫َ‬

‫اىا أ َْم ُرنَا‪ :}..‬با‪٢‬تبلؾ‪ ...{:‬لَْيبلً أ َْو‬
‫الطبيعة فأشاحوا عن مالك ا‪١‬تلك‪ ...{:‬أَتَ َ‬
‫اىا ح ِ‬
‫صي ًدا َكأَف لَّ ْم تَػغْ َن‬
‫ارا‪:}...‬ليبلً على الشرؽ وهناراً على الغرب‪ ...{ .‬فَ َجعَلْنَ َ َ‬
‫نَػ َه ً‬
‫بِاأل َْم ِ‬
‫س‪ :}...‬كأهنا ما كانت‪.‬‬
‫صل اآلي ِ‬
‫ات لِ َق ْوٍـ يَػتَػ َف َّك ُرو َف}‪:‬وال يفيد شيئاً من ىذا من ال يفكر‪ ،‬إف مل‬
‫{‪َ ...‬ك َذلِ َ‬
‫ك نػُ َف ّْ ُ َ‬
‫السبلَِـ‪ :}...‬دار األماف والراحة‪َ ..{:‬ويَػ ْه ِدي َمن‬
‫يفكر فبل خَت فيو‪َ { :‬واللّوُ يَ ْدعُو إِلَى َدا ِر َّ‬
‫صر ٍ‬
‫ِ ِ‬
‫اط ُّم ْستَِق ٍيم}(‪8:‬ػ;‪ )8‬سورة يونس‪ :‬والدعوة‬
‫يَ َ‬
‫شاء‪ :}..‬كل من شاء ا‪٢‬تداية إليو‪ ...{:‬إلَى َ‬
‫عامة‪{ :‬قُ ْل أ ََرأَيْػتُ ْم إِ ْف أَتَا ُك ْم َع َذابُوُ بَػيَاتًا أ َْو نَػ َه ًارا َّماذَا يَ ْسَتػ ْع ِج ُل ِمْنوُ ال ُْم ْج ِرُمو َف} (‪ );6‬سورة‬
‫يونس‪ :‬ماذا ترد عن نفسك؟‪ .‬ما يأتيك من الببلء ُب ساعتو؟‪ .‬ماذا حضَّرت لو؟‪ .‬أترجو خَتاً‬
‫يومها؟‪ .‬ىل تؤمن كما آمن فرعوف؟!‪ .‬ماذا تفيد اإلنساف رجعتو عند ا‪٢‬تبلؾ؟!‪ .‬أرسلك لتعمل العمل‬
‫الطيب وعند الببلء ال يبقى لك عمل‪ .‬أعطاؾ اهلل أىلية عالية وضيّعت‪ٍّ ،‬‬
‫فكر ُّذا الكوف وما فيو‬
‫من آيات عظيمة‪ ،‬مل ىذه الدقة وىذا الًتتيب؟‪ .‬وىذه التحذيرات واإلنذارات كلها ألجلك لكي‬
‫تفكر‪.‬‬
‫***‬
‫(‪ )7‬أخرجو ا‪ٟ‬تاكم‪ ،‬عن ابن مسعود‪.‬‬

‫ظهــىس انذخـاٌ‬
‫ِ‬
‫السماء بِ ُد َخ ٍ‬
‫ِ‬
‫اب‬
‫اف مُّبِي ٍن ‪،‬يػَغْ َ‬
‫َّاس َى َذا عَ َذ ٌ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬فَ ْارتَق ْ‬
‫ب يَػ ْو َـ تَأْت ي َّ َ‬
‫ش ى الن َ‬
‫ِ‬
‫اب إِنَّا ُم ْؤِمنُو َف ‪،‬أَنَّى لَ ُهم ّْ‬
‫اءى ْم َر ُس ٌ‬
‫وؿ‬
‫يم‪َ ،‬ربػَّنَا ا ْك ِش ْ‬
‫الذ ْك َرى َوقَ ْد َج ُ‬
‫ف عَنَّا الْعَ َذ َ‬
‫أَل ٌ‬
‫ُ‬
‫مُّبِين ‪،‬ثُ َّم تَػولَّوا عَنْوُ وقَالُوا معلَّم مَّجنُو ٌف‪،‬إِنَّا َك ِ‬
‫اش ُف و الْعَ َذ ِ‬
‫يبل إِنَّ ُك ْم‬
‫اب قَلِ ً‬
‫َُ ٌ ْ‬
‫َْ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫شةَ الْ ُكبْػ َرى إِنَّا مُنتَ ِق ُمو َف} (‪ 76‬ػ<‪ )7‬سورة الدخاف‪.‬‬
‫ش الْبَطْ َ‬
‫عَائ ُدو َف‪،‬يَػ ْو َـ نػَبْط ُ‬
‫تبُت لنا ىذه اآليات الكرٯتة‪ ،‬أف الدخاف الذي يغشى الناس‪ ،‬فيو عذاب أليم‪ ،‬ىو من‬
‫غَت شك دخاف القنابل‪ ،‬ودخاف الغازات السامة‪ٍ ،‬ب دخاف حرائق الغابات الكبَتة‪ ،‬ودخاف‬
‫ا‪ٟ‬ترائق اليت ٖتدثها اإلنفجارات‪ ،‬على منطقة معينة ‪٤‬تدودة‪ ،‬من كثرة ا‪ٟ‬تروب‪ ،‬والغازات‬
‫ا‪١‬تتصاعدة من ا‪١‬تعامل والسيارات‪ُ ،‬ب كل أ‪٨‬تاء ا‪١‬تعمورة‪ ،‬حىت أف قادة العامل الكبار اجتمعوا‬
‫ألكثر من مرة إل‪٬‬تاد حلوؿ ‪٢‬تذه ا‪١‬تشكلة الكبَتة‪ ،‬ووقَّعوا على اتفاقيات‪ ،‬ومنهم من مل‬
‫يوقع‪ ،‬وكلما اجتمعوا على حل ىذه ا‪١‬تعضلة‪ ،‬ٮترجوف ‪٥‬تتلفُت‪ ،‬ومن آثارىا السلبية على‬
‫صحة اإلنساف وا‪ٟ‬تيواف والنبات أيضاً آثاراً سيئة على ا‪ٞ‬تو وارتفاع ا‪ٟ‬ترارة (كتلوث البيئة‬
‫واالحتباس ا‪ٟ‬تراري) حىت بدأت الثلوج ُب القطبُت بالذوباف‪ ،‬وُّذه التغَتات ا‪١‬تناخية‬
‫ا‪١‬تفاجئة‪ ،‬نتيجة ىذا الدخاف أصيب الناس بكثَت من األمراض ا‪ٟ‬تساسة‪ ،‬وخاصة األمراض‬
‫الصدرية‪ ،‬وا‪ٞ‬تهاز التنفسي واألمراض ا‪ٞ‬تلدية‪ .‬وظهور الدخاف أيضاً ُب األماكن الساخنة‬

‫با‪ٟ‬تروب والفنت من جراء القنابل وا‪١‬تتفجرات‪٬ ،‬تعل الناس يستغيثوف برُّم‪ ،‬ليكشف عنهم‬
‫الببلء‪ .‬إذ من بعد ظهور الدخاف فإف العذاب سينكشف قليبلً‪ ،‬ألف ىذه ا‪١‬تنطقة اليت‬
‫غشاىا الدخاف قد تضرع سكاهنا إىل اهلل‪ ،‬وتعهدوا أف يؤمنوا بو‪ ،‬بعد أف يكشف عنهم‬
‫العذاب‪ .‬ولكن ادعاءىم ىذا ال يلبث طويبلً‪ ،‬وأهنم سوؼ يعودوف إىل ما كانوا عليو‪.‬‬
‫وعندئذ سوؼ يكوف انتهاؤىم مع من ينتهوف يوـ يبطش بطشة الساعة‪ ،‬قاؿ تعاىل‪{ :‬يَػ ْوَـ‬
‫ِ‬
‫ش الْبَطْ َش َة الْ ُكْبػ َرى إِنَّا ُمنتَ ِق ُمو َف} (<‪ )7‬سورة الدخاف‪:‬وتلك األشراط قد ظهرت‬
‫نَػْبط ُ‬

‫‪ٚ‬تيعها‪.‬‬

‫وإىل جانب ىذه األشراط الكربى‪ ،‬توجد أشراط ثانوية نذكر منها‪:‬‬
‫كتاب اهلل عاراً "إذا طبقو ا‪١‬تؤمن فيعَتونو وخاصة‬
‫( ال تقوـ الساعة حتى يُجعل ُ‬
‫االختبلط على كافة األوجو"‪ .‬ويكوف اإلسبلـ غريباً‪ ،‬حتى تبدو الشحناء بين الناس‪،‬‬

‫وحتى يُقبض العلم " العلم‪ :‬ا‪١‬تقصود بو ىنا العلم بأ‪ٝ‬تاء اهلل ا‪ٟ‬تسٌت" ويؤتمن التهماء‪ ،‬ويتَّهم‬
‫األمناء‪ ،‬ويُ َّ‬
‫صدؽ الكاذب‪ ،‬ويك ّذب الصادؽ‪ ،‬وحتى تبنى الغرؼ فتتطاوؿ‪ ،‬ويظهر البغي‬

‫والحسد والشح‪،‬ويتبع الهوى‪ ،‬ويقضى بالظن‪ ،‬ويغيض العلم غيضاً‪ ،‬ويفيض الجهل‬
‫فيضاً‪ ،‬ويكوف الولد غيظاً‪ ،‬والشتاء قيظاً‪ ،‬ويقوـ الخطباء بالكذب فيجعلوف حقي لشرار‬
‫أمتي‪ ،‬ويقل الصدؽ‪.)1() .‬‬

‫(يأتي على الناس زماف ال يتبع فيو العالِم‪ ،‬وال يستحيا فيو من الحليم‪ ،‬وال يوقر‬

‫فيو الكبير‪ ،‬وال يرحم فيو الصغير‪ ،‬يقتل بعضهم بعضاً على الدنيا‪ ،‬قلوبهم قلوب‬
‫األعاجم‪ ،‬وألسنتهم ألسنة العرب‪ ،‬ال يعرفوف معروفاً‪ ،‬وال ينكروف منكراً‪ ،‬يمسي‬

‫الصالح فيو مستخفياً(‪ )1‬أولئك شرار خلق اهلل‪ ،‬ال ينظر اهلل إليهم يوـ القيامة)(‪.)2‬‬

‫من عبلمات اقًتاب الساعة‪( :‬أف يصلي خمسوف نفساً‪ ،‬ال تقبل ألحد منهم‬
‫صبلة(‪ ..)4())3‬فصبلهتم ظاىرية ال قلبية كأنو أمر تعبدي قسري فهم ال يشعروف َّ‬
‫بلذهتا‪.‬‬
‫ُب آخر الزماف‪ ( :‬ما يبقى من القرآف إال رسمو وال من اإلسبلـ إال اسمو)(‪،)5‬‬

‫( تكوف المشورة لئلماء ويخطب على المنابر الصبياف وتكوف المخاطبة للنساء‪ ،‬فعند‬
‫(‪ )7‬كنز العماؿ رقم ‪../77533 /‬‬

‫(‪ )7‬اسػػتخفاء ا‪١‬تػػؤمن‪ :‬نػػاتج عػػن ٕتنبػػو االخػػتبلط ُب ‪٣‬تتمػػع شػػبو عػػار لكػػيبل يػػؤذى مػػن رائحػػة الفاحشػػة‪ ،‬فيتجنػػب ‪٣‬تتمع ػاً عػػار عػػن‬
‫الفضائل وا‪٠‬تَت مصر على الرذيلة إصراراً‪.‬‬
‫(‪ )8‬كنز العماؿ رقم‪./977>=/‬‬
‫(‪ )9‬ألف الصػػبلة ُب حقيقتهػػا صػػلة بػػُت العبػػد وربػػو‪ ،‬ولكػػن صػػلة نفػػوس ىػؤالء ا‪١‬تصػػلُت ‪٤‬تصػػورة ُب الػػدنيا‪ ،‬يقفػػوف بالصػػبلة سػػاىية قلػػوُّم‬
‫الىية أفكارىم متجهة إىل أىلهم وأعما‪٢‬تم‪٤ ،‬تجوبة عن رُّم بأعما‪٢‬تم السيئة‪.‬‬
‫(‪ ):‬ا‪ٞ‬تامع الصغَت رقم‪./8:>7/‬‬
‫(;) كنز العماؿ ج‪ 77‬رقم‪./9779;/‬‬
‫(<) أخرجو ابن مردويو عن ابن عباس رضي اهلل عنهما‪.‬‬

‫ذلك تزخرؼ المساجد‪ ،‬كما تزخرؼ الكنائس والبيع‪ ،‬وتطوؿ المنابر وتكثر‬
‫الصفوؼ‪ ،‬مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأىواء جمة‪ ،‬يكوف المؤمن فيهم أذؿ‬
‫من األمة يذوب قلبو في جوفو كمػا يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فبل‬
‫يستطيع أف يغيره‪ ،‬ويكتفي الرجاؿ بالرجاؿ والنساء بالنساء‪ ،‬ويغار على الغلماف كما‬

‫يغار على الجارية البكر)(‪.)6‬‬

‫أما صدؽ رسوؿ اهلل ‪ُ ‬ب كل ىذا‪ ،‬أما كاف قولو ىو الفصل وليس با‪٢‬تزؿ!‪.‬‬

‫(من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أضاعوا الصبلة وأضاعوا األمانة‪ ،‬واستحلوا‬
‫الرشا‪ ،‬وشيدوا البناء‪ ،‬وباعوا الدين بالدنيا‪ ،‬واتخذوا‬
‫الكبائر‪ ،‬وأكلوا الربا‪ ،‬وأكلوا ّ‬
‫القرآف مزامير‪ ،‬وقلت العلماء‪ ،‬وكثر القراء‪ ،‬واتخذوا القينات‪ ،‬واستحلت المعازيف‪،‬‬
‫وشربت الخمور‪ ،‬وعطلت الحدود‪ ،‬وشاركت المرأة زوجها في التجارة‪ ،‬وتشبهت‬
‫النساء بالرجاؿ‪ ،‬والرجاؿ بالنساء (أي‪ :‬بكثَت من األعماؿ واللباس) ويحلف بغير اهلل‬
‫(و٭تلف الناس بعقائدىم ا‪١‬تادية ومشتهياهتم)‪ ،‬وكانت الزكاة مغرماً‪ ،‬واألمانة مغنماً‪ ،‬وأطاع‬
‫الرجل امرأتو‪َّ ،‬‬
‫وقرب صديقو‪ ،‬وأقصى أباه‪ ،‬وضيّعتم حق اهلل في أموالكم‪،‬‬
‫وعق أمو‪ّ ،‬‬
‫آخر ىذه األمة أولها)(‪:)1‬وىذا ما نلحظو اليوـ بشكل علٍت‪.‬‬
‫ف المكاييل‪َّ ،‬‬
‫وطُّْف َ‬
‫وسب ُ‬

‫ومن عبلماهتا كثرة ا‪ٟ‬تروب ا‪ٟ‬تاصلة ُب ىذا الزماف والفنت‪ ،‬كثُر القتل وإراقة الدماء‪ .‬وقد‬
‫أشار الرسوؿ ‪(:‬والذي نفسي بيده ال تذىب الدنيا حتى يأتي على الناس يوـ ال يدري‬
‫(‪)2‬‬
‫زجاً‪ ،‬أو إشارة للمرتزقة ُب‬
‫القتاؿ‬
‫ُب‬
‫وف‬
‫زج‬
‫ي‬
‫أي‬
‫القاتل فيما قَػتَ َل وال المقتوؿ فيما قُتل)‬
‫ّ‬
‫ُ‬

‫ا‪ٞ‬تيوش‪.‬‬
‫ومن أشراط الساعة أف‪:‬‬

‫(‪ )7‬رواه الديلمي عن أمَت ا‪١‬تؤمنُت علي كرـ اهلل وجهو‪.‬‬

‫(‪ )8‬صحيح مسلم رقم‪./8676/‬‬

‫( يظهر الفحش والتفحش وسوء الخلق وسوء الجوار)(‪ :)3‬واليوـ الكل يشكوف من‬
‫األخبلؽ السيئة ومن سوء ا‪ٞ‬توار‪.‬‬
‫وقاؿ ‪ ( :‬في آخر الزماف إذا لم تنل المعيشة إال بمعصية اهلل‪ ،‬فإذا كاف كذلك‬
‫حلت العُزبة‪ ،‬يكوف في ذلك الزماف ىبلؾ الرجل على يد أبويو‪ ،‬إذا كاف لو أبواف وإال‬

‫فعلى يد زوجتو وولده‪ ،‬وإال فعلى يدي األقارب والجيراف‪ .‬يعيرونو بضيق المعيشة‬
‫ويكلّْفونو ما ال يطيق‪ ،‬حتى يورد نفسو الموارد التي يهلك فيها)(‪.)1‬‬
‫وقراء فسقة)(‪.)2‬‬
‫(يكوف في آخر الزماف عباد جهاؿ َّ‬

‫( التقوـ الساعة حتى يقوـ الخطباء بالكذب فيجعلوف حقي لشرار أمتي فمن‬

‫صدقهم بذلك ورضي بو لم يرح رائحة الجنة)(‪.)3‬‬

‫وىذا ما يقولو بعض ا‪٠‬تطباء للناس أف رسوؿ اهلل ‪ ‬سيشفع للعصاة منهم يوـ القيامة‬

‫(شفاعتي ألىل الكبائر من أمتي)‪ .‬ٯتنوهنم ُّذه األماين الكاذبة‪ .‬وقاؿ ‪:‬‬
‫ش َّو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة‪ ،‬وقطع‬
‫(إف بين يدي الساعة ف ُ‬
‫ش َّو القلم‪ ،‬وظهور الشهادة بالزور‪ ،‬وكتماف شهادة الحق)(‪.)4‬‬
‫األرحاـ‪ ،‬وف ُ‬

‫وكذلك قاؿ ‪ ( :‬ال تقوـ الساعة حتى تقتتل فئتاف عظيمتاف يكوف بينهما مقتلة‬

‫عظيمة دعواىما واحدة "ا‪ٟ‬ترب العا‪١‬تية الثالثة بُت الشرؽ والغرب" وحتى يقبض العلم‬

‫"العلم ببل إلۤو إال اهلل وبأ‪ٝ‬تائو تعاىل ا‪ٟ‬تسٌت‪. .‬‬

‫" وتكثر الزالزؿ "وىا ‪٨‬تن اليوـ نرى ونسمع عن ىذه الزالزؿ ُب كل الدوؿ‪ ،‬ما ظهر‬
‫معشارىا باألجياؿ البشرية السابقة"‪ .‬ويتقارب الزماف " تقارب الزماف يتم بواسطة السيارة‬
‫والطائرة" وتظهر الفتن ويكثر الهرج "القتل" وحتى يكثر فيكم الماؿ "من ثروات باطنية‬
‫(‪ )9‬أخرجو ابن أيب شيبة‪.‬‬
‫(‪ )7‬كنز العماؿ‪./77/7;:/‬‬

‫(‪ )8‬أبو نعيم‪7:/888/‬ـ‪.‬‬

‫(‪ )9‬أخرجو البخاري‪.‬‬

‫(‪ ):‬أخرجو البخاري ومسلم‪.‬‬

‫كالبًتوؿ وا‪١‬تعادف الثمينة وغَتىا"‪ ...‬وحتى يتطاوؿ الناس في البنياف‪ ،‬وحتى يمر الرجل‬
‫بقبر الرجل فيقوؿ يا ليتني مكانو "‪٢‬توؿ األحداث والضيق العاـ بزالزؿ الساعة" وحتى تطلع‬
‫الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآىا الناس آمنوا أجمعوف "بوجهتهم ‪٨‬تو مشس ا‪ٟ‬تضارة‬
‫الغربية" وذلك حُت {‪ ...‬الَ ين َفع نَػ ْفسا إِيمانػُها لَم تَ ُكن آمن ْ ِ‬
‫ت فِي‬
‫سبَ ْ‬
‫َ ُ ً َ َ ْ ْ ََ‬
‫ت من قَػْب ُل أ َْو َك َ‬
‫إِ َيمانَِها َخْيػ ًرا ‪ )7;>(}...‬سورة األنعاـ‪" .‬وذلك حُت وقوع ساعة الببلء"ولتقومن الساعة‬
‫وقد نشر الرجبلف ثوبهما بينهما فبل يتبايعانو وال يطويانو‪ .‬ولتقومن الساعة وقد انصرؼ‬

‫الرجل بلبن لقحتو " الناقة ا‪ٟ‬تلوب" فبل يَطعمو)(‪،)1‬وكلها تدؿ أف قياـ الساعة بغتة وىم‬

‫مبلسوف ‪.‬‬

‫قاؿ ‪(:‬ليكونن من أمتي أقواـ يستحلوف الحر والحرير "وا‪١‬تقصود با‪ٟ‬تَِر‪ :‬ال َف ْر ْج‪،‬‬

‫وىو داللة على تفشي الزنا بدوف حرج"‪ .‬والخمر والمعازؼ)(‪ :)2‬استحبلؿ األغاين‬
‫وا‪١‬تعازؼ‪.‬‬

‫قاؿ ‪ …( :‬وأف تتخذ المساجد طرقاً‪ ،‬وأف يظهر موت الفجأة)(‪ ،)3‬أي ٯتر‬
‫الرجل ُب ا‪١‬تسجد مروراً ال يصلي فيو‪.‬‬
‫(يوشك األمم أف تداعى عليكم كما تداعى األكلة إلى قصعتها)(‪.)4‬‬

‫أما وصية الرسوؿ ‪١ ‬تن شاء أف ينجو ُب دينو فهي‪:‬‬

‫(كيف بك إذا بقيت بين حثالة من الناس قد مرجت عهودىم وأماناتهم‪،‬‬
‫واختلفوا‪ ،‬كانوا ىكذا؟‪" .‬وشبك بين أصابعو" قاؿ‪ :‬فبػِ َم تأمرني؟‪ .‬قاؿ‪ :‬إلزـ بيتك‪،‬‬
‫وأمسك لسانك‪ ،‬وخذ ما تعرؼ‪ ،‬ودع ما تنكر‪ ،‬وعليك بأمر خاصة نفسك‪ ،‬ودع‬
‫عنك أمر العامة )(‪.)5‬‬

‫(‪ )7‬أخرجو البخاري رقم‪./;8<>/‬‬

‫(‪ )8‬رواه الطرباين‪.‬‬

‫(‪ )9‬الطرباين ُب األوسط عن أنس‪.‬‬
‫(;) رواه أبو داود عن عبد اهلل بن عمرو بن العاص‪.‬‬

‫(‪ ):‬أخرجو البخاري‪.‬‬

‫لقد جاء ذكر للساعة ُب اإل‪٧‬تيل أيضاً‪ ،‬وىذا أمر بديهي أف يذكر السيد ا‪١‬تسيح‬
‫أشراط الساعة‪ ،‬ألنو ىو ا‪١‬تعٍت باألمر‪ ،‬وىو ا‪١‬تأمور بإعبلء كلمة اهلل ُب األرض ‪٢‬تذه الفًتة‪،‬‬
‫وإىل يوـ القيامة‪ ،‬بإمداد من اهلل تعاىل‪ .‬وقد فهمت النصارى كما فهم ا‪١‬تسلموف خطأً بأف‬
‫الساعة اليت يأٌب ُّا ىي ساعة يوـ القيامة‪.‬‬
‫والسؤاؿ ىنا ما الفائدة من ‪٣‬تيء الرسوؿ عند يوـ القيامة؟!‪ .‬أما انتهت فًتة‬
‫االمتحاف؟‪ .‬أما ينتظر الناس ليؤتى كل إنساف كتابو‪ .‬إما بيمينو وإما بشمالو؟‪ .‬وما فائدة‬
‫النصح‪ ،‬وىل تنفع ا‪١‬توعظة عندئذ؟‪ .‬أما كشف الغطاء وأصبح البصر يومئذ حديد؟!‪.‬‬
‫لقد سئل السيد ا‪١‬تسيح من قبل تبلميذه عندما كاف جالساً على جبل الزيتوف عن‬
‫عبلمة ‪٣‬تيئو وانقضاء الدىر‪ٚ ،‬تلة انقضاء الدىر ال تعٍت يوـ القيامة(‪ ،)1‬فأجاُّم عن‬

‫األشراط اليت تسبق الساعة‪ٍ ،‬ب وصف ‪٢‬تم الساعة وىو‪٢‬تا فقاؿ‪:‬‬
‫(فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قاؿ عنها دانياؿ النبي قائمة في المكاف‬
‫المقدس‪ ،‬ليفهم القارئ‪ ،‬حينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجباؿ‪ ،‬والذي على‬
‫السطح فبل ينزؿ ليأخذ من بيتو شيئاً‪ ،‬والذي في الحقل فبل يرجع إلى ورائو ليأخذ‬
‫ثيابو‪ ،‬وويل للحبالى والمرضعات في تلك األياـ‪.)2()...‬‬

‫أما قولو والذي على السطح فبل ينزؿ ليأخذ من بيتو شيئاً والذي‪ ...‬كناية عن ا‪١‬تباغتة‬
‫والذىوؿ الذي يصيب الناس حُت وقوعها‪ .‬وىذا القوؿ الذي ورد ُب اإل‪٧‬تيل يوافق معٌت‬
‫ِ‬
‫الس َ ِ‬
‫ْم َها ِعن َد َربّْي الَ يُ َجلّْ َيها لَِوقْتِ َها‬
‫ك َع ِن َّ‬
‫اآلية‪{ :‬يَ ْسأَلُونَ َ‬
‫اعة أَيَّا َف ُم ْر َس َ‬
‫اىا قُ ْل إِنَّ َما عل ُ‬
‫إِالَّ ىو ثَػ ُقلَ ْ ِ‬
‫السماو ِ‬
‫ات َواأل َْر ِ‬
‫ك َح ِف ّّي َع ْنػ َها‬
‫ك َكأَنَّ َ‬
‫ض الَ تَأْتِي ُك ْم إِالَّ بَػ ْغتَ ًة يَ ْسأَلُونَ َ‬
‫ت في َّ َ َ‬
‫َُ‬
‫ِ‬
‫ْم َها ِعن َد الل ِّو َولَ ِك َّن أَ ْكثَػ َر الن ِ‬
‫َّاس الَ يَػ ْعلَ ُمو َف} (=>‪ )7‬سورة األعراؼ‪.‬‬
‫قُ ْل إِنَّ َما عل ُ‬
‫(‪ )7‬ا‪١‬تقصود بانقضاء الدىر‪ :‬الفًتة بُت زمنو ذاؾ وذىابو وأمو لربوة ذات قرار ومعُت وعودتو ثانية ‪١‬تسح الشرور من على وجو‬
‫البسيطة‪.‬‬
‫)‬
‫‪9‬‬
‫(‬
‫سورة األعراؼ‪ :‬اآلية(=>‪.)7‬‬
‫(‪ )8‬اإلصحاح الرابع والعشروف ا‪٧‬تيل مىت‪.‬‬
‫(‪ ):‬سورة ا‪ٟ‬تج‪ :‬اآلية(‪ 7‬ػ‪.)8‬‬

‫وأما قولو‪( :‬وويل للحبالى والمرضعات في تلك األياـ)‪:‬وىذا أيضاً يوافق معٌت اآلية‪:‬‬
‫اع ِة َشيء َع ِظيم‪،‬يػوـ تَػرونَػ َها تَ ْذ َىل ُك ُّل مر ِ‬
‫ض َع ٍة‬
‫َّاس اتَّػ ُقوا َربَّ ُك ْم إِ َّف َزل َْزلَةَ َّ‬
‫الس َ ْ ٌ ٌ َ ْ َ َ ْ‬
‫ُ ُْ‬
‫{يَا أَيػُّ َها الن ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫س َك َارى‬
‫ض َع ْ‬
‫ت َوتَ َ‬
‫َع َّما أ َْر َ‬
‫ض ُع ُك ُّل ذَات َح ْم ٍل َح ْملَ َها َوتَػ َرى الن َ‬
‫َّاس ُس َك َارى َوَما ُىم ب ُ‬
‫ِ‬
‫اب اللَّ ِو َش ِدي ٌد} (‪ 7‬ػ‪ )8‬سورة ا‪ٟ‬تػج‪.‬‬
‫َولَك َّن َع َذ َ‬
‫وجاء ُب اإلصحاح رقم‪ /87/‬قولو‪:‬‬

‫( ألنو يكوف حينئذ ضيق عظيم ولم يكن مثلو منذ ابتداء العالم إلى اآلف ولن يكوف)‪.‬‬
‫اعةُ أَ ْد َىى َوأ ََم ُّر} (<‪ ):‬سورة‬
‫اعةُ َم ْو ِع ُد ُى ْم َو َّ‬
‫واآلية الكرٯتة اليت تؤيد ىذا القوؿ‪{ :‬بَ ِل َّ‬
‫الس َ‬
‫الس َ‬

‫القمر‪.‬‬
‫إف القوؿ الذي ذكرناه آنفاً على لساف السيد ا‪١‬تسيح ال يعٍت بو يوـ القيامة‪ ،‬وإ‪٪‬تا يشَت‬

‫عما يسبق ظهوره ‪ ‬من تطهَت‬
‫إىل الساعة‪ ،‬والببلء الذي ًب التحدث عنو ُب كتابنا ىذا َّ‬
‫األرض من الفساد وا‪١‬تفسدين‪.‬‬
‫ويبُت ذلك قوؿ السيد ا‪١‬تسيح نفسو‪:‬‬
‫ّ‬

‫(ألنو كما كانوا في األياـ التي قبل الطوفاف يأكلوف ويشربوف ويتزوجوف ويزوجوف‬

‫إلى اليوـ الذي دخل فيو نوح الفلك ولم يعلموا حتى جاء الطوفاف وأخذ الجميع‬
‫كذلك يكوف مجيء ابن اإلنساف "أي ىو نفسو ابن سيدنا آدـ عليهما السبلـ" حينئذ‬
‫يكوف اثناف في الحقل يؤخذ الواحد ويترؾ اآلخر‪ ،‬اثنتاف تطحناف على الرحى تؤخذ‬
‫الواحدة وتترؾ األخرى)‪ .‬فإذا كاف ا‪ٟ‬تديث عن يوـ القيامة فإف اهلل يأخذ ا‪ٞ‬تميع فبل‬
‫يأخذ الواحد ويًتؾ اآلخر أو يأخذ الواحدة ويًتؾ األخرى‪ .‬ومن قوؿ السيد ا‪١‬تسيح ‪‬‬

‫ىذا نستنتج استنتاجُت‪:‬‬
‫االستنتاج األوؿ‪ :‬لقد شبو السيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬الساعة بالطوفاف‪.‬‬
‫عم قوـ سيدنا نوح ‪ ‬وكانوا ىم كافة البشر على وجو البسيطة‪ ،‬مل‬
‫ففي الطوفاف الذي ّ‬

‫ينج منو إال أصحاب السفينة‪.‬‬

‫كذلك فإف ىذا الببلء ا‪١‬تنتظر ال ينجو منو إال كل مؤمن‪ ،‬فلنكن منهم‪ ،‬بسلوؾ طريق‬
‫اإلٯتاف‪ ،‬تكتب لنا النجاة‪ ،‬إىل عصر السعادة والسبلـ‪ ،‬وطوىب ‪١‬تولود ىذا الزماف‪.‬‬
‫االستنتاج الثاني‪:‬إف ىذا الكبلـ ينفي القوؿ القائل‪( :‬الرحمة مخصصة والببلء يعم)‬

‫ؤتعٌت آخر أف اهلل ال يأخذ الصاّب بسيئات الطاّب‪ .‬وقد ذكر ىذا االستنتاج سابقاً‪،‬وذلك‬
‫بسبب تفشي ىذا القوؿ وتقبلو على كافة ا‪١‬تستويات وحىت الدينية منها‪ .‬فالقرآف الكرًن يبُت‬
‫جراء ما قدَّمت يداه‪ ،‬وغَت ذلك كلها ظنوف سيئة باهلل تعاىل‪،‬‬
‫أف ما يصيب اإلنساف ىو َّ‬
‫ك بِظََّبلٍـ لّْلْعبِ ِ‬
‫يد} (<‪ ):‬سورة فصلت‪.‬‬
‫نسفها القرآف الكرًن نسفاً‪َ ...{ :‬وَما َربُّ َ‬
‫َ‬
‫***‬

‫انفصم انشابع‬
‫في ىذا الفصل‪:‬‬
‫‪ ‬عودة السيد المسيح ‪ ‬ودالئل عودتو من القرآف الكريم‪.‬‬
‫‪ ‬ما ىي النفس؟‪ .‬وأين مركز وجودىا؟‪ .‬وما ىي وظيفتها؟‪.‬‬
‫‪ ‬ما ىي الروح؟‪.‬‬
‫‪ ‬نظاـ خروج اإلنساف إلى ىذا العالم‪.‬‬
‫‪ ‬الدليل األوؿ على عودة السيد المسيح ‪.‬‬
‫‪ ‬معنى التوفي‪.‬‬
‫‪ ‬ما ىو السبب في توفي سيدنا عيسى ‪ ‬نوماً؟!‪.‬‬
‫‪ ‬الدليل الثاني على عودة السيد المسيح ‪.‬‬
‫‪ ‬وجاىة السيد المسيح ‪.‬‬
‫‪ ‬الدليل الثالث على عودة السيد المسيح ‪.‬‬
‫‪ ‬انتهاء جوالت الباطل‪.‬‬
‫‪ ‬طوبى لمولود ىذا الزماف‬
‫***‬

‫عىدة انغٍذ انًغٍخ ‪‬‬
‫قبل قياـ الساعة أو أي ببلء آخر‪ ،‬فإف اهلل يرسل إىل الناس إنذارات وٖتذيرات‪ ،‬لعلَّهم‬
‫يتنبهوف من غفلتهم‪ ،‬ويصحوف من سكرهتم‪ٍ ،‬ب يتداركوف أمرىم من قبل أف ٭تل‬
‫بساحتهم العذاب‪ ،‬وقبل أف يقولوا ربنا أرجعنا نعمل صا‪ٟ‬تاً غَت الذي كنا نعمل‪.‬‬
‫وال تقتصر تلك التحذيرات على لساف الرسل فحسب‪ ،‬بل التنظيم الكوين الصارـ‬
‫بدقتو‪ ،‬ا‪٢‬تادؼ ُب غايتو‪ ،‬٭تذرؾ أيضاً من أف ىذه ا‪ٟ‬تياة ما ‪٢‬تا من قرار‪ .‬فا‪١‬تراحل اليت ٯتر‬
‫ُّا اإلنساف أو ا‪ٟ‬تيواف‪ ،‬من ضعف إىل قوة‪ ،‬ومن قوة إىل ضعف وشيبة‪ ،‬والنبات حينما‬
‫ٮترج غضاً‪ٍ ،‬ب يستغلظ ويستوي على سوقو‪ٍ ،‬ب يصبح ىشيماً تذروه الرياح‪ ،‬إف ىي إال‬
‫آيات ‪٤‬تذرات مبينات لئلنساف‪ ،‬بأال يطمئن ويركن إىل ا‪ٟ‬تياة الدنيا‪ ،‬بل تطلب إليو ٔتا‬
‫تقدمو من ا‪١‬تواعظ‪ ،‬أف يشمر عن ساعد ا‪ٞ‬تد‪ ،‬ويسعى ‪١‬تا ىو ‪٥‬تلوؽ لو‪ ،‬ألف األمر جد‪،‬‬
‫وما ىو با‪٢‬تزؿ‪.‬‬
‫وما أشراط الساعة اليت ذكرىا الرسوؿ الكرًن ‪ ،‬وظهرت اآلف‪ ،‬إال آيات مبينات‬

‫ألويل األلباب‪ ،‬الذين يبحثوف عن لب األمور‪ ،‬ويذروف القشور‪ ،‬بأف ىذه ا‪ٟ‬تضارة اليت‬
‫بنوىا وارتضوا ُّا‪ ،‬سوؼ يأٌب اهلل بنياهنا من القواعد‪ ،‬فيخر عليهم السقف‪ .‬ذلك بأف اهلل‬
‫ال يأخذ القرى وأىلها غافلوف‪ ،‬أما إذا أخذىا وىي ظا‪١‬تة بعد أف حذرىا وذ ّكرىا وأنذرىا‬
‫وبعث تعاىل عليها من الببلء ألواناً‪ ،‬فإف أخذه أليم شديد‪.‬‬
‫ىذا و‪٬‬تب أف ال ٗتدعنا األقواؿ بأف الدوؿ اليت ٘تلك أسلحة الدمار ال ٯتكن أف‬
‫تستعملها‪ ،‬ألف ُب استعما‪٢‬تا حتفها‪ ،‬وىل يسعى اإلنساف إىل حفر قربه بيده مثبلً؟!‪.‬‬
‫تلك أقوا‪٢‬تم‪ ،‬أما قوؿ رب العا‪١‬تُت وقوانينو‪ ،‬فبل تقاس بتلك العواطف‪ ،‬وال بتلك‬
‫األىواء‪ ،‬ألف لرب العا‪١‬تُت غاية سامية من وجودنا‪ ،‬أما إذا ا‪٨‬ترفنا عن تلك الغاية‪ ،‬اليت ىي‬
‫ا‪ٟ‬تياة الطيبة بأ‪ٝ‬تى معانيها‪ ،‬فإف ا‪٢‬تبلؾ يصبح ‪٤‬تققاً‪ ،‬وذلك لكيبل تزداد شرورنا‪ ،‬فيزداد‬

‫أ‪١‬تنا وحسرتنا يوـ الدين‪.‬‬

‫فلو كانت ا‪ٟ‬تياة طيبة ُب ظل ىذه ا‪ٟ‬تضارة‪١ ،‬تا شاىدنا التربـ والضجر واألمل واالنتحار‬
‫وا‪ٟ‬تروب والببلءات الكربى واألمراض ا‪١‬ترعبة‪ ،‬من ىذا النهج الذي ارتضتو البشرية لنفسها‪.‬‬
‫إف اهلل أعلم ٔتن خلق‪ ،‬وأعلم ٔتا يسعد أنفسهم‪ ،‬أوليس الذي أبدع السموات واألرض‪،‬‬
‫وأسبغ علينا نعمو ظاىرة وباطنة‪ ،‬بقادر أف يضع سنناً تكفل لنا سعادة الدارين؟‪ .‬بلى‪ ،‬وىو‬
‫أىوف عليو‪ ،‬ألنو ىو أعلم ٔتن خلق‪ ،‬وأعلم ٔتا يسعد أنفسهم ويشقيها‪ ،‬ولكن خروج الناس‪،‬‬
‫عما أنزؿ من الشرائع الكفيلة بسعادهتا ومنحها حياة طيبة‪ ،‬ىو الذي سبب ‪٢‬تم النكبات‪،‬‬
‫وسبب ‪٢‬تم األمل والشقاء‪ ،‬إذف فالذنب ليس ذنب الدين اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬ولكن الذنب ذنب‬
‫ا‪٠‬تارجُت عن سننو ا‪١‬تنزلة إلينا‪ ،‬من أجل ذلك‪ ،‬يبعث اهلل تعاىل إليهم رسوالً من أنفسهم‪،‬‬
‫يتلو عليهم آياتو وشرائعو‪ ،‬ويأمرىم أف يطيعوا اهلل ورسولو بتطبيق تلك الشرائع‪ ،‬و٭تذرىم‬
‫ويعظهم من ا‪٢‬تبلؾ‪ ،‬إذا ا‪٨‬ترفوا عنها واستبدلوىا بشرائع من وحي أىوائهم‪.‬‬
‫وال يَػ ْتػلُو َعلَْي ِه ْم‬
‫ث ِفي أ ُّْم َها َر ُس ً‬
‫ك الْ ُق َرى َحتَّى يَػ ْبػ َع َ‬
‫ك ُم ْهلِ َ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬وَما َكا َف َربُّ َ‬
‫آيَاتِنَا َوَما ُكنَّا ُم ْهلِ ِكي الْ ُق َرى إَِّال َوأ َْىلُ َها ظَالِ ُمو َف} (?;) سورة القصص ‪.‬‬
‫والسيد ا‪١‬تسيح(‪  )1‬ىو رسوؿ ىذا العصر‪ ،‬وىو الذي أرجأه تعاىل ‪٢‬تذه الساعة‪.‬‬
‫وال ب َّد لنا قبل البدء بقصة سيدنا عيسى ‪ ‬من أف نقدٍّـ الكلمة التالية فنقوؿ‪ :‬خلق‬
‫اهلل اإلنساف مركباً من عناصر ثبلثة‪ :‬جسد ونفس وروح‪.‬‬

‫فالجسد‪ :‬ىو ىذا ا‪ٞ‬تسم ا‪١‬تادي ا‪١‬تؤلف من ‪ٟ‬تم وعظم وعروؽ وأعصاب ودـ‪،‬‬

‫وا‪ٞ‬تسم تنتابو أعراض كثَتة‪ ،‬من قوة وضعف‪ ،‬وصحة ومرض‪ ،‬و‪٨‬توؿ و‪ٝ‬تن‪ ،‬وفتوة وىرـ‪.‬‬
‫النفس‪ :‬ىي ذات اإلنساف ا‪١‬تعنوية الشاعرة‪ ،‬وىي نور إ‪٢‬تي مركزىا ُب الصدر وأشعتها‬

‫تتعرؼ‬
‫سارية بواسطة األعصاب ُب سائر أ‪٨‬تاء ا‪ٞ‬تسم‪ ،‬وىذه النفس ا‪١‬تسجونة ُب ا‪ٞ‬تسم إ‪٪‬تا ّ‬
‫ٔتا ٭تيط ُّا من األشياء بواسطة ا‪ٟ‬تواس‪ ،‬فمن طريق العُت تُبصر‪ ،‬وعن طريق األذف تسمع‬
‫(‪ )7‬لكل رسوؿ من الرسل الكراـ أكثر من اسم‪ ،‬وكل اسػم مػن أ‪ٝ‬تػائهم يشػَت إىل معػٌت‪ ،‬فسػيدنا ‪٤‬تمػد ‪ ‬مػثبلً لػو أ‪ٝ‬تػاء عػدة منهػا أ‪ٛ‬تػد‬
‫ألنو أ‪ٛ‬تد ا‪٠‬تلق هلل‪ ،‬وسيدنا نوح ‪ٝ‬تي بذلك لكثرة ا‪ٟ‬تزف والنواح على قومو‪ ،‬وكذلك اسم ا‪١‬تسيح إ‪٪‬تا يعػٍت بأنػو سيمسػح الكفػر مػن علػى‬
‫وجػو البسػػيطة بػػإذف اهلل‪ .‬وال تبقػػى إال فئػة جػػد ضػػئيلة وىػؤالء لػن تقػػوـ ‪٢‬تػػم قائمػػة أو دولػة إىل يػػوـ الػػدين كمػػا سػنأٌب علػػى شػػرحو مفصػبلً‬
‫الحقاً‪.‬‬

‫عما‬
‫تشم وبواسطة ا‪ٞ‬تلد ٖتس وتلمس‪ ،‬وباللساف تذوؽ طعوـ األشياء‪ ،‬كما ّ‬
‫تعرب بو ّ‬
‫وباألنف ّ‬
‫‪٬‬توؿ فيها من ا‪٠‬تواطر واألفكار‪ ،‬وبشيء من التفصيل نقوؿ‪:‬‬
‫إذا وقف أحدنا مثبلً أماـ شاطئ البحر فبل شك أف رؤيتو للبحر ٕتعلو ٮتشع أماـ ىذا‬
‫ا‪١‬تنظر ويستعظمو وىذا ا‪٠‬تشوع واالستعظاـ إ‪٪‬تا ىو خشوع النفس واستعظامها‪.‬‬
‫وإذا وقع نظرنا على شخص عزيز على قلوبنا ُجرحت يده جرحاً بليغاً‪ ،‬وجعل الدـ‬

‫يتقاطر منها‪ ،‬فبل بد أننا ‪٨‬تزف ‪٢‬تذا ا‪١‬تشهد ونتأمل على صاحبو‪ ،‬فهذا ا‪ٟ‬تزف واألمل الذي ‪٧‬تده‬
‫إ‪٪‬تا ىو حزف النفس وأ‪١‬تها‪ .‬وإذا كاف أحد أقاربنا الذين ‪٨‬تبهم مسافراً سفراً بعيداً و‪ٝ‬تعنا‬
‫بعودتو سا‪١‬تاً فهناؾ نسر ونفرح‪ ،‬وما ذاؾ إالّ فرح النفس وسرورىا‪ ،‬وىكذا فالنفس ىي‬
‫العنصر األساسي ُب اإلنساف فهي اليت تستعظم وٗتشع وىي اليت ٖتزف وتتك ّدر‪ ،‬وتسر‬
‫ا‪١‬تعوؿ‪.‬‬
‫وتفرح وترضى وتغضب وتتلذذ وتتأمل وعليها ّ‬
‫والنفس ىي ا‪١‬تخاطبة دوماً ُب القرآف‪ ،‬وىي ا‪١‬تكلَّفة بالسَت ُب طريق ا‪ٟ‬تق‪ ،‬وىي اليت‬
‫تتنعم ُب ا‪ٞ‬تناف فبل تبغي عنها حوال‪ .‬و‪ٝ‬تٍّيت بالنفس‬
‫تتأمل عندما تُعاِب وتُداوى‪ ،‬وىي اليت ّ‬
‫لقيمتها النفيسة‪.‬‬

‫أما بالنسبة للروح‪ :‬فهي اإلمداد بالنور اإل‪٢‬تۤي الساري ُب الدـ ومركزىا ىذا القلب‬

‫ا‪١‬تادي‪ ،‬وىي القوة احملركة لكافة أجهزة وخبليا ا‪ٞ‬تسم‪ ،‬وبواسطتها تتم تغذية وحركة وقياـ‬
‫وحياة ىذا ا‪ٞ‬تسم‪ ،‬وىي السلطة التنفيذية ألغراض ومتطلبات ولوازـ ومشتهيات النفس‪،‬‬
‫وىي ٖتت إمرة النفس السارية ُب األعصاب اآلمرة الناىية على كافة األعضاء اإلرادية‬
‫والبلإرادية‪ .‬والروح ُب اإلنساف وا‪ٟ‬تيواف وكافة ا‪١‬تخلوقات ا‪ٟ‬تيّة ىي ذاهتا‪ ،‬لكنها تكوف ُب‬
‫منزىة عن الشوائب واألغراض الدنيئة ألف نفوسهم مل‬
‫األنبياء والرسل روحاً مق ّدسة أي‪َّ :‬‬

‫فحفظت الروح نقية طاىرة مقدَّسة‪ ،‬فهي ال تنطق‬
‫َّ‬
‫تتلوث بشوائب الدنيا وأدراهنا ا‪٠‬تبيثة ُ‬
‫ات واألنس والنعيم والسعادة‬
‫إال با‪٠‬تَت وا‪ٟ‬تق والفضيلة والكماؿ‪ ،‬وحيثما حلّت حلّت ا‪٠‬تَت ُ‬
‫والغبطة األبدية من اهلل بواسطتهم على كل من التفت إليهم‪ .‬ولقد سألوا رسوؿ اهلل ‪‬‬

‫عن الروح‪ ،‬فشرح ‪٢‬تم ‪ ‬الروح وسرياهنا ُب ا‪ٞ‬تسم بواسطة الدـ‪.‬‬

‫وُب ا‪ٟ‬تديث الشريف‪( :‬إف الشيطاف يجري من ابن آدـ مجرى الدـ من الجسد)(‪.)1‬‬
‫وح…} (;>) سورة اإلسراء‪.‬‬
‫الر ِ‬
‫ك َع ِن ُّ‬
‫وذلك ما تُشَت إليو اآلية الكرٯتة‪َ { :‬ويَ ْسأَلُونَ َ‬

‫يسألونك يا ‪٤‬تمد عن الروح‪ ،‬فقد سألوه عن الروح تعجيزاً لو فأجاُّم تعاىل‪:‬‬
‫تبُت ذلك‬
‫وح ِم ْن أ َْم ِر َربّْي‪:}...‬وكلمة{‪َ ..‬ربّْي‪ٍّ }..‬‬
‫{‪ ..‬قُ ِل‪" :}..‬يا ‪٤‬تمد"‪ُّ ...{:‬‬
‫الر ُ‬
‫اإلمداد اإل ۤ‪٢‬تي الساري ُب الوجود وبو قيامك أيها اإلنساف ومعاشك وقياـ ‪ٚ‬تيع ا‪١‬تخلوقات‬
‫من إنساف وحيواف ونبات فبل تتحرؾ حركة إال بإمداده وأمره تعاىل‪.‬‬
‫ولو أنو تعاىل يسحب إمداده‪ ،‬أي‪ :‬الروح عن ا‪١‬تخلوقات ‪١‬تا بقي ‪٢‬تا حركة وال حياة‪.‬‬
‫٭ترؾ كل اآلالت اليت تعمل‬
‫ومثل الروح ُب ا‪١‬تخلوقات كمثل التيار الكهربائي الذي ٍّ‬
‫بواسطتو فإذا ما انقطعت تلك الطاقة ‪ٜ‬تدت اآلالت وسكنت حركتها وتوقَّف عملها‪،‬‬
‫وىكذا تنصب الروح ُب ا‪ٞ‬تسد على قلب اإلنساف وتسري ُب الدـ الذي يقوـ بنقل الغذاء‬
‫واألكسجُت إىل كافة أ‪٨‬تاء ا‪ٞ‬تسم والعودة بالفضبلت والسموـ ليتم طرحها خارج ا‪ٞ‬تسم‬
‫عن طريق التبوؿ والزفَت‪.‬‬
‫{‪ِ ...‬م ْن أ َْم ِر َربّْي‪:}...‬الواردة ُب اآلية إ‪٪‬تا تعٍت ذلك اإلمداد على القلب والدـ لتتم‬

‫ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬وإذا ما انقطع ذلك اإلمداد عن ا‪١‬تخلوقات ا‪ٟ‬تية بقيت جثةً ىامدة ال حراؾ فيها‪،‬‬
‫وما يؤٍّكد ما قلناه قولو تعاىل‪ …{ :‬إِنَّما الْم ِس ِ‬
‫ِ‬
‫يسى ابْ ُن َم ْريَ َم َر ُس ُ‬
‫وؿ الل ِّو َوَكل َمتُوُ‬
‫َ َ ُ‬
‫يح ع َ‬
‫وح ّْم ْنوُ …} (‪ )7=7‬سورة النساء‪.‬‬
‫أَلْ َق َ‬
‫اىا إِلَى َم ْريَ َم َوُر ٌ‬
‫وما ىذه الروح إال ذلك اإلمداد اإل‪٢‬تۤي الذي أمدَّه اهلل تعاىل لسيدنا عيسى ‪‬‬

‫رد عليهم‪:‬‬
‫بواسطة سيدنا جربيل وبعد أف ّبُت ‪٢‬تم ما ّبُت َّ‬
‫{… َوَما أُوتِيتُم ّْمن ال ِْعل ِْم إِالَّ قَلِيبلً} (;>) سورة اإلسراء‪:‬وكلمة {… َوَما أُوتِيتُم ّْمن‬
‫ال ِْعل ِْم …}ال تعود على رسوؿ اهلل ‪ ،‬بل على السائلُت ولو كانت تعود على رسوؿ اهلل ‪‬‬
‫‪ٞ‬تاءت بصيغة "وما أوتيت" بل جاءت وىو ا‪١‬تتكلم قل ‪٢‬تم يا ‪٤‬تمد وما أوتيتم أنتم أيها ا‪١‬تعرضوف‬
‫من العلم إالَّ قليبلً‪.‬‬
‫(‪ )7‬متفق عليو مسند أ‪ٛ‬تد ج‪ 9‬ص<;‪. 7‬‬

‫نظاـ خروج اإلنساف إلى ىذا العالم‪:‬‬
‫وقد كاف خلق األنفس قبل خلق األجساد‪ُ ،‬ب عامل األزؿ‪ ،‬وقد أشرنا إىل ىذا األمر‬
‫عند ْتثنا ( غاية ا‪ٟ‬تق من إ‪٬‬تاد ا‪٠‬تلق)‪.‬‬
‫ضنَا ْاألَمانَةَ َعلَى َّ ِ‬
‫ض وال ِ‬
‫ْجبَ ِ‬
‫اؿ فَأَبَػ ْي َن أَف‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬إِنَّا َع َر ْ‬
‫َ‬
‫الس َم َاوات َو ْاأل َْر ِ َ‬
‫يَ ْح ِم ْلنَػ َها َوأَ ْش َف ْق َن ِم ْنػ َها َو َح َملَ َها ِْ‬
‫وال} (‪ )=8‬سورة األحزاب‪.‬‬
‫وما َج ُه ً‬
‫نسا ُف إِنَّوُ َكا َف ظَلُ ً‬
‫اإل َ‬
‫فلما أراد تعاىل أف يظهر النوع اإلنساين ‪٢‬تذا العامل‪ ،‬عامل الصور واألجساد‪ ،‬جعل‬
‫لذلك قانوناً وسنة‪ ،‬فجعل لكل إنساف والدين‪ :‬أب وأـ‪ ،‬٭تمل األب ُب ظهره أنفس أبنائو‬
‫و‪ٚ‬تيع نفوس ذريتو‪ٍ ،‬بَّ ينتقل االبن من األب إىل رحم أمو‪ ،‬منطوية نفسو ُب ذلك ا‪ٟ‬توين‬
‫الذي ال تدركو العُت اَّردة لدقتو وصغر جرمو‪ ،‬وما يزاؿ مستقراً ُب الرحم َّ‬
‫يتغذى وينمو‬
‫ويتخلَّق يوماً بعد يوـ‪ ،‬حىت يصبح إنساناً سوياً‪.‬‬

‫وىكذا فالناس كلهم كانوا ُب ظهر أبيهم آدـ ‪ ‬ومنو نسلوا‪ ،‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬ولََق ْد َخلَ ْقنَا‬
‫ِْ‬
‫نسا َف ِمن ُس َبللَ ٍة ّْمن ِطي ٍن‪،‬ثُ َّم َج َعلْنَاهُ نُطْ َفةً فِي قَػ َرا ٍر َّم ِكي ٍن‪ ،‬ثُ َّم َخلَ ْقنَا النُّطْ َفةَ َعلَ َقةً‬
‫اإل َ‬
‫ضغَةً فَ َخلَ ْقنا الْم ْ ِ‬
‫ِ‬
‫شأْنَاهُ َخ ْل ًقا‬
‫فَ َخلَ ْقنَا ال َْعلَ َقةَ ُم ْ‬
‫اـ لَ ْح ًما ثُ َّم أَن َ‬
‫س ْونَا الْعظَ َ‬
‫َ ُ‬
‫ضغَةَ عظَ ًاما فَ َك َ‬
‫ِِ‬
‫ين} (‪ 78‬ػ‪ )7:‬سورة ا‪١‬تؤمنوف‪.‬‬
‫َ‬
‫آخ َر فَػتَبَ َار َؾ اللَّوُ أ ْ‬
‫س ُن الْ َخالق َ‬
‫َح َ‬
‫وقد َّ‬
‫شذ عن ذلك النظاـ الذي ٔتوجبو توالد البشر وجاؤوا إىل ىذه الدنيا‪ ،‬سيدنا آدـ‬
‫‪ ،‬فقد خلق اهلل تعاىل جسد سيدنا آدـ من تراب‪ٍ ،‬ب أرسل نفس سيدنا آدـ ‪٤ ‬تمولة‬

‫بواسطة ا‪١‬تلك إىل جسدىا‪ ،‬من غَت أف يكوف ذلك عن طريق أب‪ .‬وكذلك كاف خلق‬

‫سيدنا عيسى بن مرًن ‪ ،‬فقد أرسل اهلل نفس سيدنا عيسى إىل بطن أمو بواسطة ا‪١‬تلك من‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يسى ِعن َد الل ِّو‬
‫غَت أف يتوسط أب ُب نقل ىذه النفس الكرٯتة إليها‪ ،‬قاؿ تعاىل‪{ :‬إ َّف َمثَ َل ع َ‬
‫آد َـ َخلَ َقوُ ِمن تُػر ٍ‬
‫اؿ لَوُ ُكن فَػيَ ُكو ُف} (?;) سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫اب ثِ َّم قَ َ‬
‫َك َمثَ ِل َ‬
‫َ‬
‫وبُت لنا ُب ىذه القصة أنو ال‬
‫فصل لنا تعاىل قصة ‪ٛ‬تل أـ سيدنا عيسى ‪ ‬بو‪َّ ،‬‬
‫وقد َّ‬
‫َّ‬
‫بد وأف ‪٬‬تزي الصادؽ بصدقو‪ ،‬رجبلً كاف أو امرأة فقاؿ تعاىل‪:‬‬

‫آؿ إِبػر ِاىيم و َ ِ‬
‫ِ‬
‫ض َها‬
‫ين‪،‬ذُ ّْريَّةً بَػ ْع ُ‬
‫اصطََفى َ‬
‫{إِ َّف اللّوَ ْ‬
‫آد َـ َونُ ً‬
‫وحا َو َ ْ َ َ َ‬
‫آؿ ع ْم َرا َف َعلَى ال َْعالَم َ‬
‫ِ‬
‫ض واللّو س ِم ِ‬
‫يم} (‪ 99‬ػ‪ )9:‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫من بَػ ْع ٍ َ ُ َ ٌ‬
‫يع َعل ٌ‬
‫ض َها ِمن بَػ ْع ٍ‬
‫ض} أي‪َّ :‬‬
‫أف البشر ‪ٚ‬تيعاً متماثلوف ُب األصل فهم‬
‫وا‪١‬تراد بكلمة {ذُ ّْريَّةً بَػ ْع ُ‬
‫ُ‬
‫يتوالدوف ويتناسلوف بعضهم من بعض‪ ،‬ال ميزة ألحد على آخر ُب ىذه الناحية‪َّ .‬أما كلمة‬
‫{واللّو س ِم ِ‬
‫يم}‪:‬فإ‪٪‬تا تُبُت سبب التمايز واإلختبلؼ‪ ،‬فإذا كاف البشر ُب األصل‬
‫َ ُ َ ٌ‬
‫يع َعل ٌ‬
‫متماثلُت‪ ،‬ال فرؽ وال ميزة ألحد على أحد‪ ،‬من جهة النسب وا‪ٟ‬تسب‪ ،‬فهذا التمايز إَِّ‪٪‬تا‬
‫٭تصل بينهم ْتسب الصدؽ والنية العالية‪ ،‬فاهلل تعاىل ‪ٝ‬تيع ‪١‬تا يتطلَّبو كل إنساف‪ ،‬عليم‬
‫ْتالو وص ْدؽ نفسو‪ ،‬وكل من صدؽ مع ربٍّو ُب طلب ا‪ٟ‬تق والكماؿ‪ ،‬فبل َّ‬
‫بد أف ‪٬‬تزيو اهلل‬
‫بصدقو‪.‬‬

‫ٍبَّ ذكر لنا تعاىل مثاالً على أىل الصدؽ فقاؿ‪{ :‬إِ ْذ قَالَ ِ‬
‫ت‬
‫ت ْامَرأَةُ ِع ْمَرا َف َر ٍّ‬
‫ب إِ ٍّين نَ َذ ْر ُ‬
‫ك َما ُِب بَطٍِْت ُ‪٤‬تََّرًرا‪ )9;( }...‬سورة آؿ عمراف أي‪ :‬عزمت أف أجعل ىذا الولد الذي‬
‫لَ َ‬
‫أنا حاملة بو ‪٤‬ترراً أي‪ :‬خالصاً للقياـ ٓتدمتك‪ ،‬وذلك ‪٦‬تا تعٍت بو أف يكوف ولدىا‪ ،‬قائماً‬
‫بفعل اإلحساف وا‪٠‬تَت ٕتاه عباد اهلل‪ ،‬فلعل اهلل تعاىل يقبل دعاءىا و‪٬‬تعل ولدىا مرشداً‪،‬‬
‫َنت َّ ِ‬
‫يع‬
‫يدؿ الناس على اهلل‪ٍّ ،‬‬
‫ويعرفهم بو ٍب ٘تمت داعية بقو‪٢‬تا‪{ :‬فَػتَػ َقبَّ ْل ِمنّْي إِنَّ َ‬
‫كأ َ‬
‫السم ُ‬
‫ِ‬
‫يم} أي‪ٝ :‬تيع لقويل‪ ،‬عليم ْتايل‪ ،‬وصدقي ُب مطليب‪.‬‬
‫ال َْعل ُ‬

‫ض َعْتػ َها‬
‫ٍبَّ إهنا ‪١‬تَّا ولدت ‪ ،‬وضعت السيدة مرًن عليها السبلـ ‪ ،‬قاؿ تعاىل‪{ :‬فَػلَ َّما َو َ‬
‫ت َولَْيس َّ‬
‫الذَك ُر َكاألُنثَى } أي‪ :‬أهنا كانت‬
‫ت َر ّْ‬
‫قَالَ ْ‬
‫ض ْعُتػ َها أُنثَى َواللّوُ أَ ْعلَ ُم بِ َما َو َ‬
‫ب إِنّْي َو َ‬
‫ض َع ْ َ‬
‫تتطلب أف يكوف مولودىا ذكراً‪ ،‬ليستطيع أف يقوـ ُّذه ا‪١‬تهمة العالية ُب اإلرشاد والداللة‬
‫على اهلل‪ٍ ،‬بَّ تابعت القوؿ ٔتا أشارت إليو اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪َ {:‬وإِنّْي َس َّمْيتُػ َها َم ْريَ َم‬
‫الشْيطَ ِ‬
‫ك َوذُ ّْريػََّتػ َها ِم َن َّ‬
‫الرِج ِيم} (‪ ) 36‬سورة آؿ عم راف‪.‬‬
‫اف َّ‬
‫ِوإِنّْي أ ُِعي ُذ َىا بِ َ‬
‫وقد استجاب اهلل دعوة األـ الصادقة‪ ،‬فأنبت ىذه البنت نباتاً حسناً قاؿ تعاىل‪:‬‬
‫ِ ٍ‬
‫سنًا َوَك َّفلَ َها َزَك ِريَّا‪ }...‬أي‪ :‬جعلو ‪ ‬ويل‬
‫{فَػتَػ َقبَّػلَ َها َربػُّ َها ب َقبُوؿ َح َس ٍن َوأَنبَتَػ َها نَػبَاتًا َح َ‬
‫تربيتها‪ ،‬فاهلل تعاىل يويل الصادؽ على الصادؽ أو الصادقة معو تعاىل‪ ،‬ونشأت ىذه البنت‬

‫الصغَتة‪ ،‬وما أف بدأت تعي و٘تيّز‪ ،‬حىت أُفعِ َم قلبُها ٔتحبة اهلل واإلقباؿ عليو‪ ،‬بسبب‬
‫تفكَتىا الدائب بنعم اهلل وآالء صنعو الكونية‪ ،‬وفضلو على ا‪ٞ‬تميع بالطعاـ والشراب‪،‬‬
‫شأهنا ُب ذلك التفكَت‪ ،‬شأف أبينا إبراىيم ‪ ،‬حُت ف ّكر بآيات اهلل الكونية‪ ،‬وتوصل إىل‬

‫‪٤‬تمد ‪ ‬بعد ذلك ‪ .‬وكاف اهلل تعاىل يفيض عليها بإقبا‪٢‬تا عليو من العلم‬
‫اهلل‪ ،‬وشأف سيدنا ّ‬

‫وا‪١‬تعرفة‪ ،‬ما يفيضو على قلوب عباده ا‪١‬تؤمنُت ا‪١‬تقبلُت‪ ،‬وكاف سيدنا زكريا ‪ ‬كلما دخل‬
‫عليها احملراب‪ ،‬أي مكاف خلوهتا للعبادة ُب ‪٤‬تاربتها للشيطاف وجد عندىا رزقاً‪ ،‬أي علماً‬
‫ومعرفة وبياناً‪ ،‬عن كماؿ اهلل‪ ،‬فيعجب بذلك ويسأ‪٢‬تا يا مرًن من أين جئت ُّذا العلم‪،‬‬
‫وىذه ا‪١‬تعرفة العالية‪ ،‬فتقوؿ ىو من عند اهلل‪ ،‬قاؿ تعاىل مبيناً ذلك بقولو الكرًن‪ُ { :‬كلَّ َما‬
‫ِ‬
‫اؿ يا مريم أَنَّى لَ ِ‬
‫ِ‬
‫ت ُى َو ِم ْن‬
‫ك َى َذا قَالَ ْ‬
‫َد َخ َل َعلَْيػ َها َزَك ِريَّا الْم ْح َر َ‬
‫اب َو َج َد عن َد َىا ِرْزقاً قَ َ َ َ ْ َ ُ‬
‫ِع ِ‬
‫شاء بِغَْي ِر ِحس ٍ‬
‫ند الل ِّو َّ‬
‫اب} (=‪ )9‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫إف اللّوَ يَػ ْرُز ُؽ َمن يَ َ‬
‫َ‬
‫وىي تريد بكلمة { َّ‬
‫شاء} أي‪ :‬يرزؽ كل صادؽ‪ ،‬وإين صدقت مع‬
‫إف اللّوَ يَػ ْرُز ُؽ َمن يَ َ‬
‫ريب ُب طلب ا‪ٟ‬تق‪ ،‬ففكرت بفضلو وآمنت‪ ،‬فأكرمٍت ٔتا أكرمٍت بو‪.‬‬
‫ٍّ‬
‫وا‪١‬تراد بقو‪٢‬تا‪{:‬بِغَْي ِر ِحس ٍ‬
‫اب} أي‪ :‬إِ َّف األمر ال ٭تتاج إالَّ إىل الصدؽ‪ .‬فلما رأى سيدنا‬
‫َ‬
‫زكريا ‪ ‬ذلك و‪ٝ‬تع منها ما ‪ٝ‬تع‪ ،‬طلب من اهلل تعاىل أف يرزقو ولداً صا‪ٟ‬تاً‪ ،‬يرثو من بعده‪،‬‬

‫فيكوف مرشداً وكاف ‪ ‬ال ولد لو‪ ،‬فدعا ربو ٔتا أشارت إليو اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪:‬‬
‫ك ذُ ّْريَّةً طَيّْبةً إِنَّ َ ِ‬
‫يع ُّ‬
‫الد َعاء}‬
‫ك َد َعا َزَك ِريَّا َربَّوُ قَ َ‬
‫اؿ َر ّْ‬
‫ب لِي ِمن لَّ ُدنْ َ‬
‫{ ُىنَالِ َ‬
‫َ‬
‫ك َسم ُ‬
‫ب َى ْ‬
‫(>‪ )9‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫وىكذا فمسرى اآلية يبُت لنا أف الرزؽ الذي كاف ‪٬‬تده سيدنا زكريا ‪ ‬عند ىذه البنت‬

‫ُب احملراب‪ ،‬ليس ىو ا‪ٞ‬توز والرماف‪ ،‬وليست الفاكهة‪ ،‬فمثل ىذا ليس ٔتطلب األنبياء‪ ،‬وال‬
‫يتشوؽ النيب للولد ويدعو اهلل‪ ،‬ألف ىذا القوؿ ا‪٠‬تبيث يشكك ُب عرضها‬
‫يستدعي أف َّ‬
‫وحاشاىا ‪ .‬إ‪٪‬تا الرزؽ ىو ذلك العلم وا‪١‬تعرفة اليت كاف ‪٬‬تدىا عندىا ويسمعو منها‪ ،‬وذلك‬
‫ىو الذي قدَّره وعظَّمو منها‪ ،‬وال يعرؼ الفضل إالَّ ذووه‪.‬‬

‫وقد استمرت سيدتنا مرًن عليها السبلـ‪ ،‬عاكف ًة على الوجهة إىل رٍُّّا‪ ،‬ال تنقطع‪،‬‬
‫فكاف ‪٢‬تا من ىذه الصلة الدائمة برٍُّّا‪ ،‬أف طهرت نفسها طهارة أوصلتها إىل درجة تليق‬

‫معها بأف يصطفيها رُّا على نساء العا‪١‬تُت‪ ،‬وبذلك أصبحت أعلى النساء عند اهلل شأناً‬
‫وأعظمهن منزلةً‪.‬‬
‫وقد زاد ُّا ىذا الصفاء النفسي‪ ،‬إىل أف بلغت الدرجة اليت يتغلَّب ُّا نور النفس‬
‫اللطيف‪ ،‬على حجاب ا‪ٞ‬تسم الكثيف‪ ،‬واليت يستطيع معها اإلنساف أف يشهد ا‪١‬تبلئكة‬
‫وٮتاطبونو‪ ،‬وقد أشارت اآليات الكرٯتة إىل ما َّنوىنا عنو من تلك الطهارة‬
‫الكراـ‪ ،‬فيُخاطبهم ُ‬
‫النفسية واالصطفاء‪ ،‬كما أشارت إىل ذلك التسامي النفسي‪ ،‬الذي َّأىل ىذه السيدة الكرٯتة‬
‫إىل أف تتلقى خطاب ا‪١‬تبلئكة الكراـ وتسمعو‪ ،‬فقاؿ تعاىل ُب كتابو العزيز‪{ :‬وإِ ْذ قَالَ ِ‬
‫ت‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫اؾ وطَه ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين‪،‬يَا َم ْريَ ُم اقػْنُتي‬
‫َّرؾ َو ْ‬
‫ال َْمبلَئِ َكةُ يَا َم ْريَ ُم إِ َّف الل َّو ْ‬
‫ساء ال َْعالَم َ‬
‫اصطََفاؾ َعلَى ن َ‬
‫اصطََف َ َ‬
‫ك واسج ِدي وارَك ِعي مع َّ ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين}(‪ :8‬ػ‪ ):9‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫ل َربّْ َ ْ ُ َ ْ َ َ‬
‫الراكع َ‬
‫ؤتا أف الركوع ُب حقيقتو‪ ،‬ىو ذلك ا‪٠‬تضوع النفسي هلل تعاىل‪ ،‬ذلك ا‪٠‬تضوع الذي‬
‫حق قدره‪ ،‬من بعد أف عرؼ‬
‫يتمثَّل ُب نفس ا‪١‬تؤمن الذي شاىد كماؿ ربو وحنانو‪ ،‬فقدَّره َّ‬
‫ر‪ٛ‬تتو ٓتلقو وإحسانو‪ ،‬وعلى ىذا‪ ،‬فالراكعوف ىم ُب األصل األنبياء والرسل الكراـ‪ .‬ولذلك‬
‫أمر اهلل تعاىل ىذه الصدٍّيقة بأف تَػ ْقنت لرٍُّّا‪ ،‬أي تدًن وجهتها إليو تعاىل وتسجد لو وتركع‬
‫مع الراكعُت‪ ،‬ا‪١‬تستعظمُت مقاـ رُّم دوماً‪ ،‬وىم األنبياء حصراً‪١ ،‬تقامها العايل الرفيع‪،‬‬
‫كسيدنا زكريا وسيدنا عيسى عليهما السبلـ‪.‬‬
‫وقد أراد ربك أف يكرمها‪ ،‬كما أكرـ ّأمها ُّا من قبل‪ ،‬فجعلها تعاىل ّأماً لرسوؿ من‬

‫رسلو الكراـ ىو سيدنا عيسى ‪ ،‬ذلك الرسوؿ الذي كاف ‪٣‬تيؤه إىل الدنيا‪ ،‬بآية من اهلل‬
‫تعاىل‪ ،‬وكانت لو ُب طفولتو آية‪ ،‬وكانت على يديو من بعد آيات بينات‪ ،‬أظهرىا اهلل تعاىل‬
‫وٖترؾ فكره‬
‫ليكوف منها عربة ‪١‬تعترب‪ ،‬فلعل ىذه اآليات تلفت نظر اإلنساف ا‪ٞ‬تاحد‪ّ ،‬‬
‫ويتعرؼ بسببها إىل خالقو‪.‬‬
‫ا‪٠‬تامد‪ ،‬فيثوب إىل رشده‪ّ ،‬‬

‫ونبدأ اآلف باآلية اليت كاف ُّا ‪٣‬تيء ىذا الرسوؿ الكرًن إىل الدنيا‪ ،‬وىي آية ‪ٛ‬تل أمو‬
‫يتوسط ُب ذلك أب فنقوؿ‪:‬‬
‫بو‪ ،‬من دوف أف َّ‬
‫قدَّمنا ُب مطلع حديثنا عن قصة ىذا الرسوؿ الكرًن‪ ،‬أف اهلل تعاىل جعل ‪٢‬تذا النوع‬

‫اإلنساين ُب اَّيء ‪٢‬تذه الدنيا‪ ،‬نظاماً وسنة‪َّ ،‬أما سيدنا عيسى ‪ ‬فكاف ‪٣‬تيؤه ووالدتو‬
‫ك كما ذكرنا‪ ،‬حامبلً تلك النفس‬
‫‪٥‬تالفاً ‪٢‬تذا النظاـ والسنَّة‪ ،‬فما َ‪ٛ‬تَلَو ‪ ‬أب إِ‪٪‬تا جاء ا‪١‬تلَ ُ‬
‫َ‬
‫الكرٯتة‪ ،‬إىل السيدة مرًن عليها السبلـ‪ ،‬وكانت إذ ذاؾ ُب مكاف عبادهتا‪ ،‬ملتجئة عن‬
‫أىلها‪ ،‬منصرفة ُب الوجهة إىل رٍُّّا‪ ،‬مقبلة عليو بكلٍّيتها‪ ،‬فإذا ُّا ترى جربيل ‪ ‬أمامها‪،‬‬

‫وقد أرسلو اهلل تعاىل ‪٢‬تا فتمثَّل ‪٢‬تا على ىيئة بشر سوي‪ ،‬قاؿ تعاىل ُمشَتاً إىل قصة ا‪ٟ‬تمل‬
‫بقولو الكرًن‪{ :‬واذْ ُكر فِي ال ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫ت‬
‫ت ِم ْن أ َْىلِ َها َم َكانًا َش ْرقِيِّا‪ ،‬فَاتَّ َخ َذ ْ‬
‫اب َم ْريَ َم إِ ِذ انتَبَ َذ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ش ًرا َس ِويِّا} (<‪ 7‬ػ=‪ )7‬سورة مرًن‪.‬‬
‫َّل لَ َها بَ َ‬
‫من ُدون ِه ْم ح َجابًا فَأ َْر َسلْنَا إِلَْيػ َها ُر َ‬
‫وحنَا فَػتَ َمث َ‬
‫وقد اضطربت سيدتنا مرًن وىي ُب خلوهتا من رؤية ىذا الشخص أمامها‪ ،‬فقالت وقد‬
‫نك‪ }...‬أي‪:‬أعتز وألتجئ إليو وأحتمي بو‪،‬‬
‫ت إِنّْي أَعُوذُ بِ َّ‬
‫حسبتو رجبلً‪{ :‬قَالَ ْ‬
‫الر ْح َمن ِم َ‬
‫نك‪ }...‬أي‪ :‬إنٍت التجأت واحتميت‬
‫ويكوف ما نفهمو من كلمة {‪...‬إِنّْي أَعُوذُ بِ َّ‬
‫الر ْح َمن ِم َ‬
‫واعتززت بالر‪ٛ‬تن منك فمن أنت؟‪.‬‬
‫عرفها بأنَّو ملك من مبلئكة اهلل فأجابتو‪ ...{ :‬إِف‬
‫والذي نفهمو من مدلوؿ اآلية أنو َّ‬
‫نت تَِقيِّا}(>‪ )7‬سورة مرًن أي‪ :‬ولو كنت ملَكاً ما حاجتك؟‪ .‬فهل ٭تق لك ‪٥‬تالفة‬
‫ُك َ‬

‫حرـ اهلل عليك ا‪٠‬تلوة ُّا‪ ..‬وإالَّ فما مرادؾ؟‪.‬‬
‫أوامر اهلل تعاىل‪ ،‬والدخوؿ على من َّ‬
‫ك ِأل ََىب لَ ِ‬
‫وؿ ربّْ ِ‬
‫ك غُ َبل ًما َزكِيِّا}‬
‫فأجاُّا ٔتا ورد ُب اآلية الكرٯتة‪ ...{ :‬إِنَّ َما أَنَا َر ُس ُ َ‬
‫َ‬
‫رسل من اهلل تعاىل‪ ،‬وأنا ال أشتهي‪ ،‬لكوين غَت مكلَّف ْتمل‬
‫(?‪ )7‬سورة مرًن أي‪ :‬إنٍت ُم َ‬
‫األمانة‪،‬وإين َملك ملَّكت نفسي هلل من عامل األزؿ‪ ،‬فبل أشتهي أبداً‪ ،‬إين ملَك ُمرسل ألىب‬
‫ِ‬
‫لك غبلماً طيباً طاىراً عايل االسم والشأف‪ ،‬فعجبت أف يكوف ‪٢‬تا ولد‪ ،‬ومل تتزوج ومل ٯتسسها‬
‫اؿ َك َذلِ ِ‬
‫ك‬
‫َؾ بَِغيِّا‪ ،‬قَ َ‬
‫ش ٌر َولَ ْم أ ُ‬
‫ت أَنَّى يَ ُكو ُف لِي غُ َبل ٌـ َولَ ْم يَ ْم َس ْسنِي بَ َ‬
‫بشر‪ ،‬فأجابتو‪{ :‬قَالَ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّاس ور ْحم ًة ّْمنَّا وَكا َف أ َْمرا َّم ْق ِ‬
‫قَ َ ِ‬
‫ضيِّا} (‪86‬ػ‪ )87‬سورة‬
‫اؿ َربُّك ُى َو َعلَ َّي َىيّْ ٌن َولنَ ْج َعلَوُ آيًَة للن ِ َ َ َ‬
‫ً‬
‫َ‬

‫ا‪١‬تلك نفس سيدنا عيسى ‪ ‬بسيدتنا مرًن عليها السبلـ عن طريق الفم فيما‬
‫مرًن أي‪:‬ألقى ُ‬
‫ىي ٗتاطب ا‪١‬تلك الذي كاف ٭تمل نفس سيدنا عيسى ‪ ،‬عندىا سرت نفس سيدنا عيسى‬

‫الطاىرة إليها سرياف النور‪ ،‬أو كما تسري القوة البلسلكية ‪٤‬تملة على األثَت إىل ا‪٢‬تاتف فإذا ىو‬
‫ت بِ ِو َم َكانًا‬
‫‪٤ ‬تموؿ ُب بطنها‪ ،‬قاؿ تعاىل ُمشَتاً إىل ذلك بقولو الكرًن‪{ :‬فَ َح َملَْتوُ فَانتَبَ َذ ْ‬
‫ِ‬
‫ت يَا لَْيتَنِي ِم ُّ‬
‫نت نَ ْسيًا‬
‫اض إِلَى ِج ْذ ِع النَّ ْخلَ ِة قَالَ ْ‬
‫ت قَػ ْب َل َى َذا َوُك ُ‬
‫َج َ‬
‫اءىا ال َْم َخ ُ‬
‫قَصيِّا‪،‬فَأ َ‬
‫َّم ِ‬
‫نسيِّا} (‪ )89‬سورة مرًن أي‪ :‬أ‪ٞ‬تأىا أمل الوالدة إىل االستناد والتمسك ّتذع النخلة‪ .‬ىنالك‬
‫قالت وقد اجتمع عليها أمل الوالدة وأمل نفسي آخر‪ ،‬ىو أعظم من ذلك األمل ا‪ٞ‬تسمي‪،‬‬
‫ناشئ عن خوفها أف يتَّهمها الناس بالزىن‪ ،‬وتكثر األقاويل‪ ،‬وىم ال يعلموف من أمر تلك‬
‫ا‪١‬تعجزة اليت ‪ٛ‬تلت ُّا شيئاً‪ ،‬وقد يػُْن ِكُروف عليها كل اإلنكار وقد ال يُصدٍّقوهنا إذا أرادت أف‬
‫وحزناً شديداً‪ ،‬والشريف يَك ُْرب عليو أف يتَّهمو النَّاس‬
‫ٍّ‬
‫غماً ُ‬
‫تعرفهم ْتقيقة األمر‪ ،‬وىكذا القت ّ‬
‫ٍ‬
‫يلوث ‪ٝ‬تعتو وشرفو‪ ،‬ولذلك‪:‬‬
‫بتهمة باطلة إفك‪َّ ،‬‬
‫ويتمٌت أف ٯتوت وال يتكلَّم عليو أحد ٔتا ٍّ‬
‫نت نَسيا َّم ِ‬
‫ت يَا لَْيتَنِي ِم ُّ‬
‫نسيِّا} (‪ )89‬سورة مرًن‪.‬‬
‫{‪ ...‬قَالَ ْ‬
‫ت قَػْب َل َى َذا َوُك ُ ْ ً‬
‫وولدت سيدتنا مرًن‪ ،‬سيدنا عيسى ‪ ‬بلمح البصر‪ ،‬وأراد ربك أف ٮتفٍّف عنها ما ٕتده‬
‫غم وحزف‪ ،‬فأنطق مولودىا ساعة والدتو‪ٔ ،‬تا أشارت إليو اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪:‬‬
‫من ٍّ‬
‫ك تَ ْحتَ ِ‬
‫اد َاىا ِمن تَ ْحتِ َها أََّال تَ ْحزنِي قَ ْد جعل ربُّ ِ‬
‫ك َس ِريِّا} (‪ )8:‬سورة مرًن‪ .‬وا‪١‬تراد‬
‫{فَػنَ َ‬
‫َ‬
‫ََ َ َ‬

‫بكلمة{ َس ِريِّا} أي‪ :‬ولداً وجيهاً يسري ذكره وشأنو العايل ُب اآلفاؽ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِِ‬
‫ط َعلَْي ِ‬
‫ك ُرطَبًا َجنِيِّا‪،‬فَ ُكلِي‬
‫س ِاق ْ‬
‫ٍب ٘تَّم ىذا ا‪١‬تولود قولو‪َ { :‬و ُى ّْزي إلَْيك بج ْذ ِع النَّ ْخلَة تُ َ‬
‫ص ْوًما فَػلَ ْن‬
‫ت لِ َّ‬
‫َوا ْش َربِي َوقَػ ّْري َعْيػنًا فَِإ َّما تَػ َريِ َّن ِم َن الْبَ َ‬
‫َح ًدا فَػ ُقولِي إِنّْي نَ َذ ْر ُ‬
‫لر ْح َم ِن َ‬
‫ش ِر أ َ‬
‫ِ‬
‫ص ْوًما} أي‪ :‬انقطاعاً عن الكبلـ‪.‬‬
‫أُ َكلّْ َم الْيَػ ْوَـ إِنسيِّا} (;‪ 8‬ػ<‪ )8‬سورة مرًن‪ .‬وا‪١‬تراد بكلمة{ َ‬
‫وجاءت سيدتنا مرًن ٔتولودىا‪ ،‬قاؿ تعاىل ُمشَتاً إىل ذلك‪{ :‬فَأَتَ ْ‬
‫ت بِ ِو قَػ ْوَم َها تَ ْح ِملُوُ‬
‫ت ىارو َف ما َكا َف أَب ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ت‬
‫وؾ ْام َرأَ َس ْوٍء َوَما َكانَ ْ‬
‫ُ‬
‫قَالُوا يَا َم ْريَ ُم لََق ْد ج ْئت َش ْيئًا فَ ِريِّا‪،‬يَا أُ ْخ َ َ ُ َ‬
‫أ ُُّم ِ‬
‫ارو َف}‪ُ :‬ب التقوى والصبلح‪،‬‬
‫ك بَِغيِّا} (=‪ 8‬ػ>‪ )8‬سورة مرًن وا‪١‬تراد بكلمة {يَا أُ ْخ َ‬
‫ت َى ُ‬
‫أي ‪٦‬تاثلة لو ُب الطهارة‪.‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫صبِيِّا} (‪ )22‬سورة مرًن‪.‬‬
‫{فَأَ َش َار ْ‬
‫ت إِلَْي ِو قَالُوا َك ْي َ‬
‫ف نُ َكلّْ ُم َمن َكا َف في ال َْم ْهد َ‬
‫وقد تكلَّم سيدنا عيسى ‪ُ ‬ب ا‪١‬تهد‪ ،‬وأراد اهلل تعاىل أف ‪٬‬تعل من كبلمو آية‪ ،‬تبُت‬
‫براءة ذمة ّأمو ٔتا قد يتَّهمها بو ا‪١‬تتهموف من جهة‪ ،‬وتنضم إليها معجزة ‪ٛ‬تْلها بو من دوف‬
‫أب من جهة ثانية‪ ،‬فيؤمنوف من وراء ذلك بعظمة اهلل تعاىل‪ ،‬كما يعظٍّموف ىذا ا‪١‬تولود‪،‬‬
‫ويؤمنوف برسالتو يوـ يبعثو اهلل رسوالً‪ ،‬وقد أشارت اآليات الكرٯتة إىل كبلـ سيدنا عيسى‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اب َو َج َعلَنِي‬
‫‪ُ ‬ب ا‪١‬تهد ٔتا ورد ُب قولو تعاىل‪{ :‬قَ َ‬
‫اؿ إِنّْي َع ْب ُد اللَّو آتَان َي الْكتَ َ‬
‫الص َبل ِة َو َّ‬
‫ت َحيِّا‪َ ،‬وبَػ ِّرا بَِوالِ َدتِي‬
‫صانِي بِ َّ‬
‫الزَكاةِ َما ُد ْم ُ‬
‫نَبِيِّا‪َ ،‬و َج َعلَنِي ُمبَ َارًكا أَيْ َن َما ُك ُ‬
‫نت َوأ َْو َ‬
‫الس َبل ُـ َعلَ َّي يَػ ْو َـ ُولِ ُّ‬
‫ك‬
‫َولَ ْم يَ ْج َعلْنِي َجبَّ ًارا َش ِقيِّا‪َ ،‬و َّ‬
‫وت َويَػ ْو َـ أُبْػ َع ُ‬
‫ث َحيِّا‪،‬ذَلِ َ‬
‫دت َويَػ ْو َـ أ َُم ُ‬
‫ِعيسى ابن مريم قَػو َؿ الْح ّْق الَّ ِذي ِف ِيو يمتػرو َف‪،‬ما َكا َف لِلَّ ِو أَف يػت ِ ِ‬
‫َّخ َذ من َولَ ٍد ُس ْب َحانَوُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َْ َ ُ َ‬
‫َ ْ ُ َ َْ َ ْ‬
‫وؿ لَوُ ُكن فَػي ُكو ُف‪،‬وإِ َّف اللَّ َو ربّْي وربُّ ُكم فَا ْعب ُدوهُ َى َذا ِ‬
‫ط‬
‫ص َرا ٌ‬
‫ضى أ َْم ًرا فَِإنَّ َما يَػ ُق ُ‬
‫إِذَا قَ َ‬
‫َ ََ ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫يم} (‪ 96‬ػ<‪ )9‬سورة مرًن‪.‬‬
‫ُّم ْستَق ٌ‬
‫وبعد أف ذكر لنا تعاىل قصة ‪ٛ‬تل سيدتنا مرًن بسيدنا عيسى ‪ ،‬وبعد أف َّبُت لنا‬
‫تبُت براءة السيدة مرًن من جهة‪ ،‬كما‬
‫تعاىل معجزة كبلمو ‪ُ ‬ب ا‪١‬تهد‪ ،‬تلك ا‪١‬تعجزة اليت ٍّ‬
‫تبُت رسالة سيدنا عيسى ‪ ‬وكونو عبد اهلل ورسوالً من رسلو الكراـ‪ ،‬ختم لنا تعاىل ذلك‬
‫ٍّ‬
‫بقولو الكرًن‪َ { :‬ذلِ َ ِ‬
‫ْح ّْق الَّ ِذي فِ ِيو يَ ْمتَػ ُرو َف‪َ ،‬ما َكا َف لِلَّ ِو أَف‬
‫يسى ابْ ُن َم ْريَ َم قَػ ْو َؿ ال َ‬
‫كع َ‬
‫يػت ِ‬
‫وؿ لَوُ ُكن فَػيَ ُكو ُف}وتفيد كلمة( ُس ْب َحانَوُ)‬
‫ضى أ َْم ًرا فَِإنَّ َما يَػ ُق ُ‬
‫َّخ َذ ِمن َولَ ٍد ُس ْب َحانَوُ إِ َذا قَ َ‬
‫َ‬
‫منزه عن أف يكوف لو ولد‪ ،‬ألف ا‪١‬تولود من خصائصو‬
‫الواردة ُب ىذه اآلية معٌت أنو تعاىل َّ‬
‫أف ٭تمل صفة أبيو ويشاُّو‪ ،‬فاهلل تعاىل ُمنَػَّزه عن أف يشاُّو أحد‪ُ ،‬ب ذاتو‪ ،‬أو ُب أي اسم‬
‫من أ‪ٝ‬تائو‪.‬‬
‫ٍ‬
‫وبشيء من التفصيل نقوؿ‪ :‬إِ َّف اهلل تعاىل أوؿ ببل بداية‪ ،‬ال أوؿ لوجوده‪ ،‬فمهما قلت‬

‫أوؿ فهو أوؿ وأوؿ وليس لو أوؿ‪ ،‬أما سيدنا عيسى بن مرًن فلو أوؿ‪ ،‬وأولو زمن ظهوره‬
‫لعامل الوجود‪ ،‬وىو ُّذا كغَته من ا‪١‬تخلوقات‪ ،‬اليت ‪٢‬تا بداية وهناية‪ ،‬والبداية وا‪ٟ‬تدوث صفة‬
‫تبلزـ ا‪١‬تخلوقات‪ ،‬وتتناَب مع األلوىية‪.‬‬

‫واهلل تعاىل صمد ُب ذاتو‪ ،‬وُب كل اسم من أ‪ٝ‬تائو‪ ،‬والصمد ىو الذي ُٯتِد وال يستمد‪،‬‬
‫وال ٭تتاج إىل غَته‪ .‬فاهلل تعاىل مثبلً صم ٌد ُب حياتو‪ٔ ،‬تعٌت أنو ال يستمد ا‪ٟ‬تياة من غَته‪ ،‬وال‬
‫تتوقَّف حياتو على أحد‪ ،‬أو على شيء من األشياء‪ ،‬بل ىو تعاىل ا‪ٟ‬تي‪ ،‬منبع ا‪ٟ‬تياة ومصدر‬
‫مد حياة كل ‪٥‬تلوؽ من ا‪١‬تخلوقات‪.‬‬
‫ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬ومنو تعاىل وحده تُ ْستَ ُ‬

‫َّأما سيدنا عيسى ‪ ‬فهو كغَته من ا‪١‬تخلوقات ُب ىذه الناحية‪ ،‬فحياتو ‪ ‬مستمدة من اهلل‬

‫تعاىل‪ ،‬فإذا انقطع إمداد اهلل تعاىل با‪ٟ‬تياة عن سيدنا عيسى‪ ،‬مات ُب ا‪ٟ‬تاؿ‪.‬‬
‫ٍب َّ‬
‫إف اإللۤو َّإ‪٪‬تا يكوف قائماً بذاتو‪ٔ ،‬تعٌت أنو ال ٭تتاج ُب بقاء وجوده إىل عامل من‬
‫العوامل أو شيء من األشياء‪.‬‬

‫َّأما سيدنا عيسى ‪ ‬فهو خاضع للقوانُت الكونية اليت أبدعها اهلل تعاىل لؤلحياء‪ ،‬فهو‬
‫‪٤‬تتاج إىل الطعاـ والشراب‪ ،‬والنور وا‪٢‬تواء‪ ،‬وبقاء حياتو متوقف على كثَت من العوامل‪ ،‬شأنو ُب‬
‫ذلك كشأف غَته من ا‪١‬تخلوقات‪ٍ .‬بَّ إف الولد يتخذ ليكوف عوناً ألبيو ومساعداً لو‪ ،‬واهلل تعاىل‬
‫غٍت عن أف يساعده ‪٥‬تلوؽ من ‪٥‬تلوقاتو‪ ،‬وإذا كاف ا‪١‬تخلوؽ إَِّ‪٪‬تا يستمد كل شيء من اهلل‬
‫تعاىل‪ ،‬فكيف يصح أف يستعُت خالق قوي ٔتخلوؽ ضعيف‪ ،‬ال حوؿ وال قوة لو‪.‬‬
‫واإللۤو إىل جانب كل ما ذكرناه‪ ،‬إَِّ‪٪‬تا يكوف ُ‪٤‬تيطاً بسائر ا‪١‬توجودات‪ ،‬فهو أعظم من كل‬

‫شيء‪ ،‬وأكرب من كل شيء‪َّ .‬أما سيدنا عيسى ‪ ‬فإ‪٪‬تا كاف ‪٤‬تموالً على سطح األرض‪،‬‬
‫ُ‪٤‬تاطاً با‪٢‬تواء والفضاء والسموات‪ ،‬وذلك كلَّو ‪٦‬تَّا يتناَب مع صفات األلوىية‪ ،‬وقد أشارت‬
‫اآليات الكرٯتة مبيٍّنة فساد ٍّادعاء من نسب األلوىية إىل ىذا الرسوؿ الكرًن فقاؿ تعاىل‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫يح يَا بَنِي‬
‫يح ابْ ُن َم ْريَ َم َوقَ َ‬
‫اؿ ال َْمس ُ‬
‫ين قَالُواْ إِ َّف اللّوَ ُى َو ال َْمس ُ‬
‫{لَ َق ْد َك َف َر الذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ْجنَّةَ‬
‫يل ا ْعبُ ُدواْ اللّوَ َربّْي َو َربَّ ُك ْم إِنَّوُ َمن يُ ْش ِر ْؾ بِاللّو فَػ َق ْد َح َّر َـ اللّوُ عَلَيو ال َ‬
‫إ ْس َرائ َ‬
‫َّ ِ‬
‫و َمأْواهُ النَّار و َما لِلظَّالِ ِمين ِم ْن أ َ َّ‬
‫ث ثَبلَثَةٍ َو َما‬
‫ين قَالُواْ إِ َّف اللّوَ ثَالِ ُ‬
‫َُ‬
‫َ َ‬
‫َنصا ٍر‪،‬ل َق ْد َك َف َر الذ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِمن إِلَوٍ إِالَّ إِلَوٌ واح ٌد وإِف لَّم ينتَػ هواْ عَ َّم ا يػ ُقولُو َف لَيم َّ َّ ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ منْػ ُه ْم‬
‫ْ َ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َّن الذ َ‬
‫ع َذ اب أَلِيم‪،‬أَفَبلَ يػتوبو َف إِلَى اللّوِ ويستػغْ ِفرونَو واللّو غَ ُف ِ‬
‫ِ‬
‫يح ابْ ُن‬
‫ََ َْ ُ ُ َ ُ ٌ‬
‫َُ ُ‬
‫يم ‪،‬مَّ ا ال َْمس ُ‬
‫ور َّرح ٌ‬
‫َ ٌ ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َم ْريَ َم إِالَّ َر ُس ٌ‬
‫اـ انظُ ْر‬
‫ت ِمن قَػبْلِوِ ُّ‬
‫وؿ قَ ْد َخلَ ْ‬
‫الر ُسلُ َوأُمُّوُ صدّْي َقةٌ َكانَا يَأْ ُكبلَف الطَّ َع َ‬

‫ات ثُ َّم انظُر أَنَّى يػ ْؤفَ ُكو َف ‪،‬قُل أَتَػ ْعب ُدو َف ِمن دُ ِ‬
‫ف نػُبػيّْن لَهم اآلي ِ‬
‫وف اللّوِ َم ا الَ‬
‫ْ ُ‬
‫ُ‬
‫َكيْ َ َ ُ ُ ُ َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ض ِّرا والَ نػَ ْفع ا واللّوُ ُىو َّ ِ‬
‫يم } (‪ =8‬ػ<=) سورة ا‪١‬تائدة ‪.‬‬
‫يَ ْملِ ُ‬
‫السم ُ‬
‫ً َ‬
‫ك لَ ُك ْم َ َ‬
‫َ‬
‫يع الْعَل ُ‬
‫وىكذا فتوقف ا‪ٟ‬تياة على الطعاـ والشراب‪ ،‬يناُب األلوىية‪ ،‬ويثبت االحتياج‪ ،‬فلو‬

‫عف‪ ،‬والهنارت قواه‪ ،‬وحاشا لئللۤو أف‬
‫مكث رسوؿ اهلل عيسى ‪ ،‬عدة أياـ ببل طعاـ َ‬
‫لض َ‬

‫يضعف‪ ،‬إذف الهنار الكوف‪ .‬واإللۤو كما رأينا صمد‪ ،‬ال تتوقف حياتو على شيء‪ ،‬وال‬
‫٭تتاج لشيء من األشياء‪ ،‬وىو غٍت عن كل شيء‪ ،‬مغ ٍن لكل شيء‪.‬‬
‫وقد أرسل اهلل تعاىل سيدنا عيسى ‪ ‬لبٍت إسرائيل‪ ،‬وكاف الناس ُب عصره على جانب‬
‫عظيم من ا‪١‬تهارة وا‪١‬تعرفة بالطب‪ ،‬فأيَّده اهلل تعاىل بآيات بينات تتناسب مع عصره‪،‬‬

‫ويعجز النَّاس مهما برعوا ُب الطب وا‪١‬تداواة‪ ،‬أف يأتوا ٔتثلها‪ ،‬إظهاراً لرسالتو‪ ،‬فلعل النَّاس‬
‫يستعظموف رسو‪٢‬تم ويتبعونو‪ ،‬فًتافق نفوسهم تلك النفس الزكية الطاىرة‪ ،‬وتعرج ٔتعيَّتها إىل‬
‫خالقها‪ ،‬فتشهد الكماؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬وتشهد بذلك النور اإل ۤ‪٢‬تي ا‪ٟ‬تقائق‪ ،‬فًتى ا‪٠‬تَت من الشر‪،‬‬
‫وا‪ٟ‬تق من الباطل‪ ،‬وىنالك تعرض عن الدنيا وسفاسفها‪ ،‬وتُقبل على اهلل تعاىل‪ ،‬فتعمل‬

‫لآلخرة وتسعى ‪٢‬تا‪.‬‬
‫و‪٦‬تَّا أيَّد اهلل تعاىل بو ىذا الرسوؿ الكرًن‪ ،‬أنو كاف يربئ األكمو واألبرص بإذف اهلل‪ ،‬وأنو‬
‫كاف ُ٭تيي ا‪١‬توتى بإذف اهلل‪ ،‬وقد أشار تعاىل إىل ما أظهره على يد ىذا الرسوؿ من‬
‫ِ ِ ِ ِ‬
‫يل أَنّْي قَ ْد ِجْئتُ ُكم بِآيٍَة ّْمن َّربّْ ُك ْم أَنّْي أَ ْخلُ ُق لَ ُكم ّْم َن‬
‫ا‪١‬تعجزات‪َ { :‬وَر ُسوالً إلَى بَني إ ْس َرائ َ‬
‫ُحيِي‬
‫الطّْي ِن َك َهْيئَ ِة الطَّْي ِر فَأَن ُف ُخ ِف ِيو فَػيَ ُكو ُف طَْيػ ًرا بِِإ ْذ ِف الل ِّو َوأُبْ ِر ُ‬
‫ص َوأ ْ‬
‫ئ األ ْك َموَ واألَبْػ َر َ‬
‫ك آليَةً لَّ ُك ْم‬
‫ال َْم ْوتَى بِِإ ْذ ِف الل ِّو َوأُنَػبّْئُ ُكم بِ َما تَأْ ُكلُو َف َوَما تَ َّد ِخ ُرو َف فِي بػُيُوتِ ُك ْم إِ َّف ِفي ذَلِ َ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ين} (?‪ ):‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫إف ُكنتُم ُّم ْؤمن َ‬
‫ك إِ ْذ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬إِ ْذ قَ َ‬
‫ك َو َعلَى َوالِ َدتِ َ‬
‫اؿ اللّوُ يَا ِعيسى ابْ َن َم ْريَ َم اذْ ُك ْر نِ ْع َمتِي َعلَْي َ‬
‫ْكتَاب وال ِ‬
‫س تُ َكلّْم النَّاس فِي الْم ْه ِد وَك ْهبلً وإِ ْذ َعلَّمتُ َ ِ‬
‫وح الْ ُق ُد ِ‬
‫ك بِ ُر ِ‬
‫ْح ْك َمةَ‬
‫أَيَّدتُّ َ‬
‫ْ‬
‫ك ال َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫ِ ِ‬
‫يل َوإِ ْذ تَ ْخلُ ُق ِم َن الطّْي ِن َك َه ْيئَ ِة الطَّْي ِر بِِإ ْذنِي فَػتَن ُف ُخ فِ َيها فَػتَ ُكو ُف طَْيػ ًرا‬
‫َوالتػ َّْوَرا َة َواإلنج َ‬
‫ئ األَ ْكم َو واألَبْػرص بِِإ ْذنِي وإِ ْذ تُ ْخرِج الْموتَى بِِإ ْذنِي وإِ ْذ َك َف ْف ُ ِ ِ ِ‬
‫يل‬
‫بِِإ ْذنِي َوتُػ ْب ِر ُ‬
‫َ َ َ َ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫ت بَني إ ْس َرائ َ‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫ات فَػ َق َ َّ ِ‬
‫نك إِ ْذ ِج ْئتَػهم بِالْبػيّْػنَ ِ‬
‫ين} (‪)776‬‬
‫َع َ‬
‫ُْ َ‬
‫ين َك َف ُرواْ م ْنػ ُه ْم إِ ْف َى َذا إِالَّ س ْح ٌر ُّمبِ ٌ‬
‫اؿ الذ َ‬
‫سورة ا‪١‬تائدة‪ .‬وىكذا فمهما تقدَّـ الطب‪ ،‬فاألطباء ‪ٚ‬تيعاً ُب كل زماف ومكاف‪ ،‬عاجزوف‬
‫ورد روحو إليو‪ ،‬وأيَّد اهلل تعاىل رسولو ُّذه ا‪١‬تعجزة البيٍّنة‪ ،‬غَت َّ‬
‫أف اإلنساف‬
‫عن إحياء ا‪١‬تيت ٍّ‬
‫مهما رأى من آيات‪ ،‬ومهما ظهر لو من معجزات‪ ،‬ال يغٍت ذلك عنو شيئاً‪ ،‬إف ىو مل‬
‫ويتعرؼ منها إىل خالقو‪ ،‬وما داـ ىذا اإلنساف كافراً‪ ،‬أي ال‬
‫يفكر ُب آيات ىذا الكوف‪َّ ،‬‬
‫تقدير لديو وال تعظيم آليات اهلل‪ ،‬فبل ٯتكن أف يرجع عن ضبللو‪ ،‬وال أف يُعظٍّم ما يراه من‬

‫ا‪١‬تعجزات‪ ،‬اليت يُظهرىا اهلل على يد رسلو‪.‬‬
‫فهذا السيد ا‪١‬تسيح‪ ،‬سيدنا عيسى بن مرًن صلوات اهلل عليو وسبلمو‪ ،‬ٮتلق من الطُت‬
‫وٮترج‬
‫كهيئة الطَت بإذف اهلل‪ ،‬وينفخ فيها فتكوف طَتاً بإذف اهلل‪ ،‬ويُربئ األكمو واألبرص‪ُ ،‬‬
‫ا‪١‬توتى بإذف اهلل‪ ،‬ومع ذلك كلو ٕتد الذين كفروا‪ ،‬أي الذين مل يقدٍّروا آيات اهلل ونِعم اهلل‬
‫ومل يعبؤوا ُّا‪ ،‬يتَّهمونو بالسحر كما َّاهتموا غَته من الرسل صلوات اهلل عليهم أ‪ٚ‬تعُت‪.‬‬
‫فيقولوف إِ ْف ىذا إِالَّسحر مبُت‪ ،‬وقد ‪ٝ‬تعوا كبلـ سيدنا عيسى ‪ُ ‬ب ا‪١‬تهد‪ٍ ،‬ب قالوا إىل‬

‫جانب ذلك على مرًن ُّتاناً عظيماً‪.‬‬
‫ٍبَّ إِنَّك إىل جانب ىؤالء الكافرين ا‪١‬تعرضُت‪ٕ ،‬تد آخرين ما آمنوا باهلل حق االٯتاف‪ ،‬وما‬
‫تعرفوا إىل خالقهم عن طريق النظر واالستدالؿ‪ ،‬بل قلَّدوا آباءىم تقليداً أعمى‪ ،‬فهؤالء ‪١‬تا‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫رأوا على يد سيدنا عيسى ‪ ‬ما رأوه من معجزات‪ ،‬غلوا ُب دينهم‪ ،‬وكفروا أيضاً باهلل‪،‬‬
‫فقاؿ فريق منهم إف اهلل ىو ا‪١‬تسيح ابن مرًن‪ .‬وقاؿ فريق ا‪١‬تسيح ابن اهلل‪ ،‬وقاؿ آخروف إف‬
‫اهلل ثالث ثبلثة‪ ،‬فزعموا َّ‬
‫مر بنا ُب آيات‬
‫أف سيدنا عيسى وأمو إ‪٢‬تُۤت من دوف اهلل‪ ،‬كما َّ‬

‫مضت‪ ،‬وقد ندَّد تعاىل بكذُّم وكفرىم‪ ،‬فذكر لنا موقف سيدنا عيسى ‪ ‬يوـ القيامة بُت‬
‫اؿ‬
‫يديو‪ ،‬وأشار إىل كذب ىؤالء فيما قالوه عن لساف رسولو الكرًن‪ ،‬فقاؿ تعاىل‪َ { :‬وإِ ْذ قَ َ‬
‫ِ‬
‫َّاس اتَّ ِخ ُذونِي وأ ُّْمي إِلَه ْي ِن ِمن ُد ِ‬
‫لت لِلن ِ‬
‫اؿ‬
‫وف الل ِّو قَ َ‬
‫َنت قُ َ‬
‫يسى ابْ َن َم ْريَ َم أَأ َ‬
‫َ َ َ‬
‫اللّوُ يَا ع َ‬
‫نت قُػلْتُوُ فَػ َق ْد َع ِل ْمتَوُ تَػ ْعلَ ُم َما‬
‫ك َما يَ ُكو ُف لِي أَ ْف أَقُ َ‬
‫ُس ْب َحانَ َ‬
‫س لِي بِ َح ٍّق إِف ُك ُ‬
‫وؿ َما لَْي َ‬
‫َنت َعبلَّ ُـ الْغُيُ ِ‬
‫ْت لَ ُه ْم إِالَّ َما أ ََم ْرتَنِي‬
‫ك إِنَّ َ‬
‫فِي نَػ ْف ِسي َوالَ أَ ْعلَ ُم َما فِي نَػ ْف ِس َ‬
‫وب‪َ ،‬ما قُػل ُ‬
‫كأ َ‬

‫بِ ِو أ ِ‬
‫نت‬
‫ت فِي ِه ْم فَػلَ َّما تَػ َوفَّػ ْيتَنِي ُك َ‬
‫نت َعلَْي ِه ْم َش ِهي ًدا َّما ُد ْم ُ‬
‫َف ا ْعبُ ُدواْ اللّوَ َربّْي َوَربَّ ُك ْم َوُك ُ‬
‫َنت َّ ِ‬
‫َنت َعلَى ُك ّْل َش ْي ٍء َش ِهي ٌد} (<‪ 77‬ػ=‪ )77‬سورة ا‪١‬تائدة‪.‬‬
‫يب َعلَْي ِه ْم َوأ َ‬
‫أ َ‬
‫الرق َ‬

‫وقد عارضت بنو إسرائيل سيدنا عيسى ‪ ‬معارضة شديدة‪ ،‬كما عارضوا من قبل من‬

‫جاءىم من الرسل الكراـ‪ ،‬ألهنم فتنوا بالدنيا وشهواهتا‪ ،‬بسبب إعراضهم عن رُّم‪ ،‬فما‬
‫كاف يروؽ ‪٢‬تم أف يأتيهم رسوؿ ٔتا ال هتوى أنفسهم‪ .‬قاؿ تعاىل ُمشَتاً إىل موقفهم ىذا‬
‫ٕتاه رسلو‪ ...{ :‬أَفَ ُكلَّما َجاءُكم ر ُس ٌ ِ‬
‫استَ ْكَبػ ْرتُ ْم فَػَف ِريقاً َك َّذبْػتُ ْم َوفَ ِريقاً‬
‫س ُك ُم ْ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫وؿ ب َما الَ تَػ ْه َوى أَن ُف ُ‬
‫تَػ ْقُتػلُو َف} (=> ) سورة البقرة ‪.‬‬
‫وكاد بنو إسرائيل لسيدنا عيسى كيداً شديداً قاؿ تعاىل ُم شَتاً إىل ذلك بقولو‬
‫الكرًن‪{ :‬فَػلَ َّما أَح َّ ِ‬
‫َنص ُار‬
‫َنصا ِري إِلَى الل ِّو قَ َ‬
‫يسى ِمْنػ ُه ُم الْ ُك ْف َر قَ َ‬
‫ْح َوا ِريُّو َف نَ ْح ُن أ َ‬
‫اؿ َم ْن أ َ‬
‫اؿ ال َ‬
‫َ‬
‫سع َ‬
‫ِ‬
‫آمنَّا بِالل ِّو َوا ْش َه ْد بِأَنَّا ُم ْسلِ ُمو َف} (‪ );8‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫اللّو َ‬
‫وقد ‪ٛ‬تل الكفر أولئك ا‪١‬تعارضُت الذين كفروا برٍُّّم‪ ،‬على تدبَت ا‪١‬تؤامرات لقتل رسولو ‪‬‬
‫كما ىي عادهتم‪ ،‬قاؿ تعاىل ُمشَتاً إىل ذلك بقولو الكرًن‪َ { :‬وَم َك ُرواْ َوَم َك َر اللّوُ َواللّوُ َخْيػ ُر‬
‫ِ‬
‫ين} (‪ );:‬سورة آؿ عمراف ‪ .‬وقد ضاؽ صدر سيدنا عيسى ‪ُّ ‬ؤالء الكفرة‪،‬‬
‫ال َْماك ِر َ‬

‫وىكذا نفس ا‪١‬تؤمن كا‪١‬ترآة الصافية‪ ،‬تنعكس فيها أحواؿ ا‪١‬تعرضُت عن اهلل‪ ،‬فيضيق ُّم‬

‫طهره‬
‫غماً شديداً‪ ،‬ولذلك وعد اهلل رسولو ‪ ‬بأف يُ ٍّ‬
‫صدراً‪ ،‬ويلقى من َّ‬
‫جراء اجتماعو ُّم ّ‬
‫ِ‬
‫يك‬
‫من الذين كفروا‪ ،‬وبشَّره بذلك‪ ،‬فقاؿ تعاىل‪{ :‬إِ ْذ قَ َ‬
‫يسى إِنّْي ُمتَػ َوفّْ َ‬
‫اؿ اللّوُ يَا ع َ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫َوَرافِ ُع َ ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ إِلَى‬
‫ين اتَّػبَػعُ َ‬
‫وؾ فَػ ْو َؽ الذ َ‬
‫ين َك َف ُرواْ َو َجاع ُل الذ َ‬
‫ك إلَ َّي َوُمطَ ّْه ُر َؾ م َن الذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫يما ُكنتُ ْم فِ ِيو تَ ْختَِل ُفو َف} (;;) سورة آؿ‬
‫يَػ ْوـ الْقيَ َامة ثُ َّم إِلَ َّي َم ْرِج ُع ُك ْم فَأ ْ‬
‫َح ُك ُم بَػ ْيػنَ ُك ْم ف َ‬
‫عمراف‪.‬‬

‫انذنٍم األول عهى عىدة انغٍذ انًغٍخ ‪:‬‬
‫يك}‪ ،‬وليس ا‪١‬تراد من التوُب ا‪١‬توت‪ ،‬ألف‬
‫وقد بدأت اآلية الكرٯتة بكلمة {إِنّْي ُمتَػ َوفّْ َ‬
‫التوُب يقع ُب حاؿ النوـ أيضاً‪ ،‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬و ُى َو الَّ ِذي يَػتَػ َوفَّا ُكم بِاللَّْي ِل َويَػ ْعلَ ُم َما‬
‫س ِّمى ‪ )<6( }...‬سورة األنعاـ‪.‬‬
‫َّها ِر ثُ َّم يَػ ْبػ َعثُ ُك ْم فِ ِيو لِيُػ ْق َ‬
‫َج َر ْحتُم بِالنػ َ‬
‫ضى أ َ‬
‫َج ٌل ُّم َ‬
‫َخذؾ الشيء واستيفاؤؾ إيَّاه‪ ،‬بعد أف تكوف قد منحت فيو حق‬
‫والتوفي لغةً‪ :‬ىو أ ْ‬
‫التصرؼ لغَتؾ حيناً‪ .‬تقوؿ‪ :‬توفيت َديٍْت من فبلف‪ ،‬أي‪ :‬أخذتو واستعدتو منو‪ ،‬وتقوؿ‪:‬‬
‫َّ‬
‫توَب فبلف حقَّو من غرٯتو‪ .‬وبناءً على ما قدَّمناه‪ ،‬ولبياف ا‪١‬تراد من توُب النفس نقوؿ‪ :‬إف‬

‫اهلل تعاىل منح النفس ُب ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا االختيار‪ ،‬وبناء على اختيارؾ ينفذ اهلل تعاىل‬
‫لك مرادؾ ومطلوبك‪ ،‬فمن اإلنساف االختيار والطلب‪،‬ومن اهلل تعاىل اإلمداد وا‪ٟ‬توؿ‬
‫والقوة والتسيَت‪ ،‬وتوُب النفس إ‪٪‬تا يكوف بقبض االختيار‪.‬‬
‫وكما يقع ٍّ‬
‫التوُب ُب حاؿ ا‪١‬توت‪ ،‬يقع ُب حالة النوـ‪.‬‬
‫ففي حاؿ النوـ‪ ،‬يكوف توُب النفس بأف يقبض اهلل تعاىل االختيار من النفس مدة‬
‫وجيزة‪ ،‬وىنالك يستسلم اإلنساف ٍ‬
‫لنوـ ال يستيقظ منو‪ ،‬إالَّ إذا أعاد اهلل تعاىل للنفس‬
‫اختيارىا‪ ،‬وعاد عليها بسابق فضلو‪.‬‬
‫َّأما ُب حاؿ ا‪١‬توت‪ ،‬فيكوف توُب النفس‪ ،‬بأف يقبض اهلل تعاىل من النفس اختيارىا‬
‫قبضاً هنائياً‪ ،‬قاؿ تعاىل ُمشَتاً إىل وفاة النفس ُب حاؿ ا‪١‬توت‪ ،‬ووفاهتا ُب حاؿ النوـ‪ ،‬ومبيٍّناً‬
‫لنا الفرؽ بُت الوفاتُت بقولو تعاىل‪:‬‬
‫{اللَّو يػتػوفَّى ْاألَن ُف ِ‬
‫ضى َعلَْيػ َها‬
‫ين َم ْوتَِها َوالَّتِي لَ ْم تَ ُم ْ‬
‫ك الَّتِي قَ َ‬
‫ت ِفي َمنَ ِام َها فَػيُ ْم ِس ُ‬
‫سح َ‬
‫ُ ََ َ‬
‫َ‬
‫الْمو َ ِ‬
‫َج ٍل ُم َس ِّمى ‪ ):8( }...‬سورة الزمر‪.‬‬
‫ت َويُػ ْرس ُل ْاألُ ْخ َرى إِلَى أ َ‬
‫َْ‬
‫وٮتتلف توُب النفس ُب حاؿ ا‪١‬توت‪ ،‬عن توُب النفس ُب حاؿ النوـ أيضاً‪َّ ،‬‬
‫بأف توُب‬
‫النفس ُب حاؿ ا‪١‬توت‪ ،‬يرافقو توُب الروح وقبضها من ا‪ٞ‬تسم‪.‬‬
‫فالروح‪ :‬وىي ذلك النور اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬والذي تكوف بو حياة ا‪ٞ‬تسم‪ ،‬وانتظاـ سَت أجهزتو‪،‬‬
‫ٍ‬
‫فعندئذ يتوقف عن ا‪ٟ‬تركة‪ ،‬وتنقطع أجهزتو عن القياـ بوظائفها‪،‬‬
‫إذا ىي قُبضت من ا‪ٞ‬تسم‬

‫وتنعدـ منو ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬فتمتد إليو يد البلى والفناء‪ٍ .‬ب َّ‬
‫إف ٍّ‬
‫توُب الروح إ‪٪‬تا يكوف بواسطة ا‪١‬تلك‪،‬‬
‫فا‪١‬تلك ا‪١‬توَّكل بنفخ الروح ُب اإلنساف عندما يكوف جنيناً‪ ،‬عند خلق النطفة وانتقا‪٢‬تا إىل‬
‫َ‬
‫رحم أمو‪ ،‬ىو ا‪١‬توَّكل أيضاً بقبض الروح من ا‪ٞ‬تسم حُت ا‪١‬توت‪ ،‬قاؿ تعاىل ُمشَتاً إىل ذلك‬
‫بقولو الكرًن‪{ :‬قُل يػتػوفَّا ُكم َّملَك الْمو ِ‬
‫ت الَّ ِذي ُوٍّك َل بِ ُك ْم ‪ )77( }...‬سورة السجدة‪.‬‬
‫ُ َْ‬
‫ْ ََ َ‬
‫ت تَػ َوفَّػ ْتوُ ُر ُسلُنَا َو ُى ْم الَ يُػ َف ّْرطُو َف}‬
‫َح َد ُك ُم ال َْم ْو ُ‬
‫َّى إِ َذا َجاء أ َ‬
‫قاؿ تعاىل‪َ ...{ :‬حت َ‬
‫(‪ )<7‬سورة األنعاـ‪.‬‬
‫ك) فهي إ‪٪‬تا تعٍت ٍّ‬
‫توُب‬
‫(الملَ ْ‬
‫وبناءً على ما قدَّمناه‪ ،‬إذا قرنت كلمة (التوفي) بكلمة َ‬
‫الروح‪ ،‬وأعٍت بذلك ا‪١‬توت وانقطاع ا‪ٟ‬تياة‪.‬‬
‫واآلف وبعد أف بيَّنا معٌت ٍّ‬
‫التوُب‪ ،‬والفرؽ بُت وفاة ا‪١‬توت ووفاة النوـ نقوؿ‪ٔ :‬تا أف كلمة‬
‫يك} اليت خاطب اهلل تعاىل ُّا سيدنا عيسى ‪ ‬مل تقًتف بذكر ا‪١‬تلك‪ ،‬فهي إذاً‬
‫{إِنّْي ُمتَػ َوفّْ َ‬
‫ا‪١‬تعرب عنو با‪١‬توت‪َّ ،‬‬
‫وإ‪٪‬تا تُشَت إىل توُب النفس‪ ،‬وأعٍت بو قبض االختيار‬
‫ال تعٍت قبض الروح َّ‬
‫توَب اهلل تعاىل سيدنا عيسى ‪ ‬توفّياً أخفى بو‬
‫الذي يقع ُب حاؿ النوـ‪ ،‬وىكذا فقد ّ‬
‫جسمو عن األنظار‪ ،‬وجعلو ُب حاؿ النائم‪ ،‬ويشبو ذلك ما وقع ألصحاب الكهف‪،‬‬
‫الذين توفَّاىم اهلل تعاىل مئات السنُت‪ ،‬دوف أف يتطرؽ البلى إىل أجسامهم‪ٍ ،‬ب بعثهم‬
‫ض َربْػنَا َعلَى‬
‫ذين كانوا ُب ذلك العصر الذي بعثهم اهلل فيو‪ ،‬قاؿ تعاىل‪{ :‬فَ َ‬
‫ليكونوا عربة للّ َ‬
‫ف ِسنِين َع َد ًدا‪،‬ثُ َّم بػعثْػنَاىم لِنَػعلَم أ ُّ ِ‬
‫آذَانِ ِهم فِي الْ َك ْه ِ‬
‫صى لِ َما لَبِثُوا أ ََم ًدا}‬
‫َي الْح ْزبَػ ْي ِن أ ْ‬
‫َح َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ََ ُ ْ ْ َ‬
‫(‪ 77‬ػ‪ )78‬سورة الكهف‪.‬‬

‫ؤتا أف سيدنا عيسى ‪ ‬يعلم أنو ال يػُ َقٍّرب العبد من خالقو زلفى سوى عملو العايل‪،‬‬
‫وليس يرفعو إىل ذلك ا‪ٞ‬تناب اإل ۤ‪٢‬تي الكرًن غَت فعلو ا‪١‬تعروؼ‪ ،‬ودعوتو الناس إىل طريق‬
‫ا‪ٟ‬تق واإلٯتاف‪ ،‬ؤتا َّ‬
‫أف سيدنا عيسى ‪ ‬لقي من قومو ما لقي من الكفر وا‪١‬تعارضة‪ ،‬ومل‬
‫يذعن لداللتو إالَّ نفر قليل أو ضئيل من الناس‪ ،‬لذلك ‪١‬تا أخربه اهلل تعاىل بأنو متوفٍّيو‪،‬‬
‫َّ‬
‫حزف أسفاً على أنو مل ٖتقَّق لو نيتو العالية‪ ،‬ومل يتم لو مطلبو ُب ذلك ا‪ٞ‬تيل‪.‬‬

‫وقد أراد اهلل تعاىل أف يُسلٍّيو عن ذلك‪ ،‬ويُبشٍّره ٔتا سيجعلو من ا‪٠‬تَت على يديو فقاؿ‬
‫ك إِلَ َّي ‪ );;( }...‬سورة آؿ عمراف‪ :‬أي ال ٖتزف فبل بد من أف‬
‫تعاىل‪َ ...{ :‬وَرافِ ُع َ‬
‫ِ‬
‫يل باألعماؿ اإلنسانية‪،‬‬
‫أُعيدؾ للناس ثانية‪ ،‬وستدعوىم إىل اإلٯتاف فيؤمنوف‪ ،‬وإين رافعك إ ّ‬
‫اليت ستقدمها بصدقك ونيتك العالية‪ ،‬ؤتا ستقوـ بو ٍ‬
‫حينئذ ُب ا‪١‬تستقبل من داللتك ‪٠‬تلقي‬
‫علي‪ ،‬وجهادؾ ُب سبيل األخذ بأيديهم إىل سبيل اإلٯتاف‪.‬‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ك إِلَ َّي ‪ }...‬ما يتبادر إىل األذىاف‪ ،‬أذىاف‬
‫وإذاً فليس ا‪١‬تراد من كلمة {‪َ ...‬وَرافعُ َ‬
‫ك‬
‫بعض الناس من أنو ُرفِ َع إىل السماء‪ .‬فإف اآلية جاءت صر٭تة بقولو تعاىل‪َ ...{ :‬وَرافِ ُع َ‬
‫إِلَ َّي ‪ }...‬ومل تقل ورافعك إىل السماء‪ ،‬واهلل تعاىل ىذا ا‪٠‬تالق العظيم‪ ،‬الذي ال هناية لو‪،‬‬
‫ُم َّنزهٌ عن أف ُ٭تيط بو زماف ومكاف‪ ،‬فهو خالق الزماف وا‪١‬تكاف‪.‬‬
‫ٍب َّ‬
‫إف السماء واألرض عند اهلل تعاىل سيَّاف ُب ا‪١‬تنزلة والشأف‪ ،‬وكبل‪٫‬تا ‪٥‬تلوؽ‪ ،‬وليس‬
‫يرفع من شأف اإلنساف رفعوُ إىل السماء‪َّ ،‬إ‪٪‬تا الذي يرفع اإلنساف إىل خالقو ويدنيو من‬

‫جنابو الكرًن‪ ،‬عملو العايل‪ ،‬وجهاده ُب سبيل اهلل‪ ،‬ودعوتو الناس إىل طريق ا‪ٟ‬تق‪،‬‬
‫وىدايتهم إىل الصراط ا‪١‬تستقيم‪ .‬وإذاً فالذي جاءت بو اآلية الكرٯتة ليس رفعاً جسمياً‪َّ ،‬إ‪٪‬تا‬
‫ىو رفع ا‪١‬تنزلة والشأف نقوؿ‪ :‬رفع األمَت فبلناً إليو‪ ،‬أي أدناه منو منزلة ومكانة‪ ،‬ال جسمياً‬
‫ومكاناً‪.‬‬
‫قاؿ تعاىل‪ ...{ :‬والْعمل َّ ِ‬
‫ح يَػ ْرفَػعُوُ ‪ )76( }...‬سورة فاطر‪َ { .‬واذْ ُك ْر فِي‬
‫الصال ُ‬
‫َ ََ ُ‬
‫ال ِ‬
‫اب إِ ْد ِريس إِنَّوُ َكا َف ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫صدّْي ًقا نَّبِيِّا‪َ ،‬وَرفَػ ْعنَاهُ َم َكانًا َعلِيِّا} (<; ػ=;) سورة مرًن‪...{ .‬‬
‫َ‬
‫يػرفَ ِع اللَّوُ الَّ ِذين آمنُوا ِمن ُكم والَّ ِذين أُوتُوا ال ِْعلْم َدرج ٍ‬
‫ات ‪ )77( }...‬سورة اَّادلة‪.‬‬
‫َ ََ‬
‫َ َ‬
‫َْ‬
‫َْ َ‬
‫أقوؿ‪ :‬والذي ينفي أيضاً رفع سيدنا عيسى ‪ ‬إىل السماء قولو تعاىل‪َ { :‬و َج َعلْنَا ابْ َن‬
‫اىما إِلَى ربػوةٍ َذ ِ‬
‫ات قَػ َرا ٍر َوَم ِعي ٍن} (‪ );6‬سورة ا‪١‬تؤمنوف‪.‬‬
‫آويْػنَ ُ َ‬
‫َم ْريَ َم َوأ َُّموُ آيَ ًة َو َ‬
‫َْ َ‬
‫والربوة‪ :‬ىي ا‪١‬تكاف ا‪١‬ترتفع من األرض‪ .‬والقرار‪ :‬ىو ا‪ٞ‬تبل الراسخ ا‪١‬تستقر‪ .‬والمعين‪:‬‬
‫ا‪١‬تاء ا‪ٞ‬تاري الذي ال ينقطع‪.‬‬

‫اىما إِلَى ربػوةٍ َذ ِ‬
‫ات قَػ َرا ٍر‬
‫آويْػنَ ُ َ‬
‫عن أيب أمامة عن النيب ‪ ‬قاؿ ُب ىذه اآلية‪َ ...{:‬و َ‬
‫َْ َ‬
‫َوَم ِعي ٍن}‪ ( .‬قاؿ أتدروف أين ىي؟‪ .‬قالوا اهلل ورسولو أعلم‪ .‬قاؿ‪ :‬ىي بالشاـ بأرض‬
‫يقاؿ لها الغوطة‪ ،‬في مدينة يقاؿ لها دمشق ىي خير مدف الشاـ)(‪ .)1‬وىذا ما رواه‬
‫البيضاوي ُب تفسَته‪ ،‬وا‪١‬تؤرخ ابن جبَت ُب كتابو "تذكرة األخبار عن اتفاقات األسفار" َّ‬
‫أف‬
‫ىذا اإليواء إَِّ‪٪‬تا كاف إىل ربوة دمشق‪ ،‬وجاء ُب بعض اآلثار‪ ،‬أف ظهور سيدنا عيسى ‪ُ ‬ب‬

‫آخر الزماف‪ ،‬سيكوف ُب دمشق‪.‬‬
‫واآلف وبعد أف بيَّنا ما تُشَت إليو اآلية الكرٯتة من التوُب والرفع نقوؿ‪:‬‬

‫ا‪ٟ‬تق‪ ،‬أراد تعاىل‬
‫بعد أف بشَّر اهلل تعاىل سيدنا عيسى ‪ ،‬بالعودة والقياـ بالدعوة إىل ٍّ‬

‫أف يطمئن قلب رسولو‪ ،‬بأف النَّاس ُب زمنو ا‪١‬تقبل سيهتدوف بو‪ ،‬وسينقلب العامل بأسره إىل‬
‫ُ‬
‫عامل مؤمن باهلل‪ ،‬وستُمحى دولة الكفر من الوجود وٖتل ‪٤‬تلها دولة التوحيد واإلٯتاف‪،‬‬
‫وىنالك ينطوي النَّاس ٖتت لواء ا‪ٟ‬تق ‪ٚ‬تيعاً‪ ،‬فبل يعود يضيق صدرؾ من أحد‪ ،‬وال تعود‬
‫تشعر ُّذا الضيق الذي تلقاه اليوـ‪ ،‬من اجتماعك بأىل الكفر والضبلؿ‪ ،‬إِنَّك ستجد‬
‫صفاءً وسروراً‪ ،‬وستشعر ُّذه الطهارة من ىؤالء الكفار طهارة دائمية‪ ،‬وذلك ما أشارت‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ‪ٍ ،}...‬ب َّبُت تعاىل َّ‬
‫أف ىذه‬
‫إليو اآلية الكرٯتة بقولو تعاىل‪َ ...{ :‬وُمطَ ّْه ُر َؾ م َن الذ َ‬

‫الدولة‪ ،‬دولة اإلٯتاف‪ ،‬ستبقى إىل يوـ القيامة‪ ،‬وسيبقى للمؤمنُت الشأف والسيطرة‪ ،‬يهتدي‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ إِلَى يَػ ْوِـ ال ِْقيَ َام ِة‬
‫ين اتَّػبَػعُ َ‬
‫وؾ فَػ ْو َؽ الذ َ‬
‫العامل ُّ ْديهم قاؿ تعاىل‪َ ...{ :‬و َجاع ُل الذ َ‬
‫ِ‬
‫يما ُكنتُ ْم فِ ِيو تَ ْختَِل ُفو َف} (;;) سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫ثُ َّم إِلَ َّي َم ْرِجعُ ُك ْم فَأ ْ‬
‫َح ُك ُم بَػ ْيػنَ ُك ْم ف َ‬
‫واآلف وبعد أف بيَّنا ا‪١‬تراد من ٍّ‬
‫التوُب والرفع والتطهَت‪ ،‬الواردة ُب اآلية الكرٯتة السابقة‪ ،‬ال‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫بد لنا من ذكر موجز القصة‪ ،‬التي كانت سبباً في توفي سيدنا عيسى ‪ ‬نوماً‪ ،‬وحجبو‬
‫عن األنظار‪ ،‬فنقوؿ‪١ :‬تا تآمر اليهود على قتل سيدنا عيسى ‪ ،‬شاركهم ُب ذلك رجل‬
‫منافق منهم كاف قد تظاىر باإلٯتاف‪ ،‬وأنو من أتباعو ‪َّ ،‬‬
‫ود‪٢‬تم على ا‪١‬تغارة اليت كانت مركز‬
‫قيادة حربية لسيدنا عيسى ‪ ،‬وُب اليوـ الذي أرادوا فيو تنفيذ ا‪١‬تؤامرة‪ ،‬كاف ذلك الرجل‬
‫(‪ )7‬أخرجو ابن عساكر‪.‬‬

‫مبلزماً ا‪١‬تكاف الذي كاف فيو سابقاً سيدنا عيسى ‪ ‬حيث حجب اهلل تعاىل رسولو وأخفاه‬

‫عن األنظار‪ ،‬بأف أمره بالذىاب مع أمو إىل أف يصل إىل مغارة بيَّنها تعاىل لو‪ ،‬وىنالك ناما‪،‬‬
‫مُت كأصحاب الكهف‪ ،‬فكانت ىذه الفًتة الطويلة من النوـ آية‪ ،‬كما أورد تعاىل‬
‫فأبقا‪٫‬تا نائ ْ‬
‫اىما إِلَى ربػوةٍ ذَ ِ‬
‫ات قَػ َرا ٍر َوَمعِي ٍن} (‪);6‬‬
‫آويْػنَ ُ َ‬
‫بقولو‪َ { :‬و َج َعلْنَا ابْ َن َم ْريَ َم َوأ َُّموُ آيَةً َو َ‬
‫َْ َ‬
‫سورة ا‪١‬تؤمنوف‪ :‬إىل حُت ظهور‪٫‬تا ُب زمننا ىذا‪ .‬وألقى الشبو على ذلك ا‪٠‬تائن‪ ،‬الذي كاف‬
‫يبالغ ُب العناية باللباس وا‪١‬تظهر الديٍت‪ ،‬وإطالة اللحية والعمامة‪ ،‬للتعمية على نفاقو‪ ،‬فظنو‬
‫الزبانية الروماف ىو اإلماـ‪ ،‬أي ظنوه من بُت ا‪ٟ‬تواريُت أنو ىو سيدنا عيسى ‪ ،‬و‪١‬تا مل‬
‫ّ‬
‫يكن سيدنا عيسى ‪ ‬موجوداً با‪١‬تغارة‪ ،‬إذ سبق أمر اهلل با‪١‬تغادرة‪ ،‬ومعو أمو إىل مغارة‬

‫سَت‪٫‬تا تعاىل إليها‪ ،‬وكاف األمر الصادر بإلقاء القبض على سيدنا عيسى‬
‫أُخرى بربوة ّ‬
‫صارماً لزبانية الروماف‪ ،‬ذلك ألف اليهود أعلموا ا‪ٟ‬تاكم الروماين إذ ذاؾ بشعبيّة سيدنا‬

‫عيسى ‪ ، ‬وأنو غدا يهدد استقرار حكمو‪ ،‬ألف ‪ٚ‬تاىَت فلسطُت تبعتو‪ ،‬بسبب ا‪٠‬توارؽ‬
‫وا‪١‬تعجزات ال سحرية بزعمهم‪ .‬عندىا خشي ا‪ٟ‬تاكم الروماين من ا‪٠‬تطر بنشوء ثورة أو قتاؿ‬
‫من قبل ا‪ٞ‬تماىَت ا‪١‬تتأثرة والتابعة ‪٢‬تذا الشخص‪ ،‬الذي بلغت شهرتو مبلغاً رىيباً‪ ،‬بسبب‬
‫عجائبو وخوارقو‪ ،‬فأمر بأف يقتلوه فور القبض عليو‪ ،‬ألهنم إف مل يقتلوه‪ ،‬فستثور ا‪ٞ‬تماىَت‬
‫والعواـ بثورة ساحقة ماحقة‪ .‬أما إف وضع الشعب أماـ أمر واقع‪ ،‬وىو أنو قد قتل وقضي‬
‫األمر‪ ،‬فسيقضى على الفتنة ُب مهدىا‪ ،‬و‪٬‬تد الناس أنو مقتوؿ فسيهمدوف‪ .‬كانت ىذه‬
‫وجهة نظر ا‪ٟ‬تاكم الروماين‪ ،‬الذي أثاره علماء اليهود ِضد سيدنا عيسى‪ ،‬فأصدر أمر قتلو‬
‫وصلبو فور القبض عليو‪ ،‬دوف إبقائو وسجنو‪ ،‬فتثور الناس بثورة قد تودي با‪ٟ‬تاكم وجنده‪،‬‬
‫لذا أمر ا‪ٞ‬تنود الذين أرسلهم بقتلو مباشرة‪ ،‬وىؤالء الزبانية كانوا جنوداً منفذين‪ ،‬ال يعرفوف‬
‫شخص سيدنا عيسى ‪ ،‬فلما و‪ٞ‬توا الكهف وشاىدوا ا‪ٟ‬تواريُت األحد عشر‪ ،‬ومعهم ىذا‬
‫ا‪١‬تنافق ا‪٠‬تائن‪ٔ ،‬تظهره الديٍت الرائع‪ ،‬ومل ‪٬‬تدوا سواه‪ ،‬ظنوه سيدنا عيسى‪ ،‬واألمر بقتلو كاف‬

‫مشدداً صارماً من ا‪ٟ‬تاكم‪ ،‬لذا اعتقلوه‪ ،‬فقاوـ فأذلوه‪ ،‬وبصقوا عليو وعذبوه‪ .‬فأخذوه‬
‫يريدوف أف يقتلوه ويصلبوه‪ ،‬فتمنَّع ٘تنعاً شديداً‪َّ ،‬‬
‫وبُت ‪٢‬تم أنو ليس بعيسى‪ ،‬ونفى ذلك نفياً‬

‫قوياً‪ ،‬فما ‪ٝ‬تعوا لو قوالً‪ ،‬بل قتلوه وصلبوه وىم يظنوف أنو عيسى‪ ،‬وىكذا فقد لقي ذلك‬
‫ِ‬
‫ين}‬
‫ا‪٠‬تائن مصرعو‪ ،‬وناؿ جزاءه قاؿ تعاىل‪َ { :‬وَم َك ُرواْ َوَم َك َر اللّوُ َواللّوُ َخ ْيػ ُر ال َْماك ِر َ‬

‫(‪ );:‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫ٍب إِف ىؤالء ا‪١‬تتآمرين بعد أف فعلوا ما فعلوا خامرىم الشك فقالوا وىم يتساءلوف فيما‬
‫بينهم‪ ،‬إف كنَّا قد قتلنا عيسى فأين صاحبنا‪ ،‬وإف كنا قد قتلنا صاحبنا‪ ،‬فأين عيسى‪ ،‬وقد‬
‫أشار تعاىل إىل ذلك بقولو الكرًن‪{ :‬وقَػولِ ِهم إِنَّا قَػتػلْنا الْم ِس ِ‬
‫وؿ‬
‫يسى ابْ َن َم ْريَ َم َر ُس َ‬
‫ََ َ َ‬
‫َ ْ ْ‬
‫يح ع َ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين ا ْختَػلَ ُفواْ فِي ِو لَِفي َش ٍّ‬
‫ك ّْم ْنوُ َما‬
‫اللّو َوَما قَػتَػلُوهُ َوَما َ‬
‫صلَبُوهُ َولَكن ُشبّْوَ لَ ُه ْم َوإ َّف الذ َ‬
‫ِ ِ‬
‫اع الظَّ ّْن َوَما قَػتَػلُوهُ يَِقينًا‪،‬بَل َّرفَػ َعوُ اللّوُ إِلَْي ِو َوَكا َف اللّوُ َع ِز ًيزا‬
‫لَ ُهم بِ ِو م ْن عل ٍْم إِالَّ اتّْػبَ َ‬
‫ِ‬
‫يما} (=;‪ 7‬ػ>;‪ )7‬سورة النساء‪.‬‬
‫َحك ً‬
‫***‬

‫انذنٍم انثاًَ‪:‬‬
‫ِ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬لَم ي ُك ِن الَّ ِذين َك َفروا ِمن أ َْى ِل ال ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫ين َحتَّى‬
‫َ ُ ْ‬
‫ْ َ‬
‫ين ُمن َف ّْك َ‬
‫اب َوال ُْم ْش ِرك َ‬
‫تَأْتِيَػ ُه ُم الْبَػيّْػنَةُ} (‪ )7‬سورة البينة‪.‬‬
‫رسوؿ من اهلل فقاؿ تعالى‪َ { :‬ر ُس ٌ‬
‫فما ىي البينة؟‪ :‬لقد بيَّن تعالى ىذه البيّنة‪ ،‬أنَّها ٌ‬
‫وؿ‬
‫ِ‬
‫َّرًة} (‪ )8‬سورة البينة‪ :‬والصحف ا‪١‬تطهرة‪ ،‬ما أرسلو اهلل تعاىل من‬
‫ّْم َن اللَّو يَػْتػلُو ُ‬
‫ص ُح ًفا ُّمطَه َ‬
‫األوامر اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬والتشريع ا‪ٟ‬تكيم‪ ،‬الداؿ على طريق السعادة وا‪٠‬تَت‪ ،‬وىي ْتسب اآلية التالية‬
‫سور القرآف الكرًن‪ ،‬الذي حوى كافة الكتب السماوية الثبلثة السابقة‬
‫ا‪١‬توضحة ‪٢‬تا‪ ،‬إ‪٪‬تا تعٍت َ‬

‫والصحف األربع ا‪١‬تق ّدسة‪.‬‬
‫ِ‬
‫ب قَػيّْ َمةٌ} (‪ )9‬سورة البينة‪ ،‬أي أف ىذه الصحف ا‪١‬تطهرة‪ ،‬اليت‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬ف َيها ُكتُ ٌ‬
‫يتلوىا رسوؿ من اهلل‪َّ ،‬إ‪٪‬تا تضمنت بُت طياهتا ُكتباً ذات قيمة عالية‪ .‬وما ىذه الكتب‬
‫القيٍّمة إالَّ الكتب اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬اليت أنز‪٢‬تا اهلل تعاىل‪ ،‬على من سبق سيدنا ‪٤‬تمداً ‪ ‬من ا‪١‬ترسلُت‪،‬‬
‫سور القرآف الكرًن‪ ،‬الذي حوى الكتب اإل ۤ‪٢‬تية السابقة‪.‬‬
‫وما ىذه الصحف ا‪١‬تطهرة‪ ،‬إالَّ َ‬
‫ولذلك فالقرآف الكرًن‪ْ ،‬تسب ما ورد ُب ىذه اآليات‪ ،‬ىو الكتاب الذي سيتلوه سيدنا‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اب إَِّال ِمن‬
‫ين أُوتُوا الْكتَ َ‬
‫عيسى بن مرًن ‪ ‬يوـ عودتو‪ ،‬على ا‪٠‬تلق كافة‪َ { :‬وَما تَػ َف َّر َؽ الذ َ‬
‫بَػ ْع ِد َما َجاءتْػ ُه ُم الْبَػيّْػنَةُ} (‪ ):‬سورة البينة‪:‬أي أف الذين أوتوا الكتاب وىم بنو إسرائيل‪ ،‬مل‬
‫يتفرقوا إىل يهود ونصارى‪ ،‬إال من بعد ما جاءىم سيدنا عيسى ‪. ‬‬
‫إذف‪ :‬ىذه اآلية دليل واضح‪ ،‬على أف البينة ىو سيدنا عيسى ‪ ،‬إذ ُب بعثة سيدنا‬

‫‪٤‬تمد ‪ ‬كاف اليهود منذ حوايل ‪<66/‬سنة‪ /‬متفرقُت إىل يهود ونصارى من قبل‪ ،‬ومل تكن‬
‫بعثتو الشريفة سبب شقاقهم واختبلفهم‪ ،‬وعلى ىذا أصبحت كلمة‪{:‬الْبَػيّْػنَةُ} تعٍت ببل‬
‫تفرؽ أىل الكتاب إىل نصارى أرادوا‬
‫شك‪ ،‬سيدنا عيسى ‪ ،‬الذي بعهده وظهوره األوؿ‪َّ ،‬‬
‫ِ‬
‫آمنَّا بِالل ِّو َوا ْش َه ْد بِأَنَّا ُم ْس ِل ُمو َف}‬
‫نصر سيدنا عيسى وقالوا‪ ...{ :‬نَ ْح ُن أ َ‬
‫ار اللّو َ‬
‫َنص ُ‬

‫(‪ );8‬سورة آؿ عمراف‪ :‬أي حُت طلب سيدنا عيسى قتاؿ كفرة اليهود وطلب أنصاره‪،‬‬

‫فكانوا فقط ا‪ٟ‬تواريُت‪ ،‬الذين فيما بعد تغلبوا على اليهود‪ ،‬وأصبحوا ظاىرين بالعا َمل‪ ،‬إذ‬
‫آمنت معهم دولة روما الكربى‪{ :‬يا أَيُّػها الَّ ِذين آَمنوا ُكونوا أَنصار اللَّ ِو َكما قَ َ ِ‬
‫يسى‬
‫َ َُ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫اؿ ع َ‬
‫ِ‬
‫ار اللَّ ِو فَآ ََمنَت‬
‫َنصا ِري إِلَى اللَّ ِو قَ َ‬
‫ْح َوا ِريُّو َف نَ ْح ُن أ َ‬
‫ين َم ْن أ َ‬
‫اؿ ال َ‬
‫ابْ ُن َم ْريَ َم لل َ‬
‫َنص ُ‬
‫ْح َوا ِريّْ َ‬
‫َّ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين آ ََمنُوا‪ :}...‬وىم ا‪ٟ‬تواريوف‪ ،‬وتبعتهم‬
‫يل َوَك َف َرت طائ َفةٌ فَأَيَّ ْدنَا الذ َ‬
‫طائ َفةٌ ّْمن بَني إ ْس َرائ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (‪)7:‬‬
‫الدولة الرومانية مع أ‪٦‬تها الثماين عشرة أمة‪َ {:‬علَى َع ُد ّْوى ْم فَأ ْ‬
‫َصبَ ُحوا ظَاى ِر َ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اب‪ :}...‬اليهود‪ .‬إىل يهود ونصارى‪:‬‬
‫ين أُوتُوا الْكتَ َ‬
‫سورة الصف‪ .‬إذف‪َ { :‬وَما تَػ َف َّر َؽ الذ َ‬
‫{‪ ...‬إَِّال ِمن بَػ ْع ِد َما َجاءتْػ ُه ُم الْبَػيّْػنَةُ}(‪ ):‬سورة البينة‪:‬أي الرسوؿ الكرًن عيسى ‪ ‬البينة‪.‬‬
‫وىو بينة ٔتعجزاتو وكلماتو باإل‪٧‬تيل‪ ،‬ووالدتو دوف أب‪ ،‬ونطقو وكبلمو با‪١‬تهد‪ ،‬والذي‬
‫بعودتو ُب آخر الزماف‪ ،‬سينفك الفريقاف اليهود والنصارى عن كفرىم‪ ،‬كما بينت اآلية من‬
‫ِ‬
‫السورة الكرٯتة‪{ :‬لَم ي ُك ِن الَّ ِذين َك َفروا ِمن أ َْى ِل ال ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫ين َحتَّى‬
‫َ ُ ْ‬
‫ْ َ‬
‫ين ُمن َف ّْك َ‬
‫اب َوال ُْم ْش ِرك َ‬
‫تَأْتِيَػ ُه ُم الْبَػيّْػنَةُ} (‪ )7‬سورة البينة‪ :‬وإذا كاف ا‪١‬تقصود بكلمة البينة‪ ،‬ىي سيدنا ‪٤‬تمد ‪،‬‬
‫وا‪١‬تشركُت ىم أىل مكة أو عبدة األصناـ‪ ،‬كما يدعي ا‪١‬تفسروف‪ٟ ،‬تصل االنفكاؾ حينها‬
‫ألىل الكتاب اليهود عن الكفر!‪ .‬وىذا ما مل ٭تصل‪ ،‬بل طردىم رسوؿ اهلل ‪ ‬من ا‪١‬تدينة‬
‫ا‪١‬تنورة بسبب بقائهم على كفرىم‪ .‬إف السورة الكرٯتة تبُت ٔتا ال يدع ‪٣‬تاالً لتفسَت أعوج ال‬
‫ترابط فيو‪ ،‬أف البينة‪ ،‬ىي سيدنا عيسى ‪ ‬حتماً‪ ،‬وذلك لتفرؽ اليهود إىل فريقُت بعد بعثتو‬

‫األوىل‪ ،‬فانقسموا إىل يهود ونصارى‪ ،‬وىذا ما أكدتو اآلية الثانية بكلمة‪َ { :‬وَما تَػ َف َّر َؽ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اب‪}...‬أي اليهود تفرقوا إىل فرقتُت‪ ...{ :‬إَِّال ِمن بَػ ْع ِد َما َجاءتْػ ُه ُم‬
‫ين أُوتُوا الْكتَ َ‬
‫الذ َ‬
‫الْبَػيّْػنَةُ}‪ .‬وىو سيدنا عيسى ‪ ،‬إذف بداية اآلية الذين أوتوا الكتاب ىم اليهود‪ ،‬وا‪١‬تشركُت‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫َّ‬
‫الص َبل َة‬
‫يموا َّ‬
‫ّْين ُحنَػ َفاء َويُق ُ‬
‫ين لَوُ الد َ‬
‫ىم النصارى‪َ {:‬وَما أُم ُروا إ َّال ليَػ ْعبُ ُدوا الل َو ُم ْخلص َ‬
‫الزَكاةَ وذَلِ َ ِ‬
‫ين الْ َقيّْ َم ِة} (‪ )5‬سورة البينة‪.‬إذاً‪ ،‬إف الذين كفروا من أىل الكتاب‪،‬‬
‫َويػُ ْؤتُوا َّ َ‬
‫كد ُ‬
‫أي من اليهود وا‪١‬تشركُت من النصارى لن ينفكوا عما ىم فيو من كفرىم وإشراكهم‪( ،‬كما لن‬

‫ينفكوا عن اختبلفهم من تكذيب اليهود للمسيح ‪ ،‬واختبلؼ النصارى ُب طبيعتو) حىت‬
‫تأتيهم ىذه البينة‪ ،‬وىذه البينة وصفها تعاىل‪ ،‬بأهنا رسوؿ من اهلل يتلو صحفاً مطهرة‪.‬‬

‫إذ أف ا‪١‬تسيح ‪ ،‬ىو الذي يفض ا‪٠‬تبلؼ الذي نشأ بُت اليهود والنصارى‪ ،‬عندما‬
‫يأٌب إليهم‪ ،‬ألف كل رسوؿ مكلف ْتل خبلفات أمتو‪ ،‬لذلك فإف سيدنا ‪٤‬تمداً ‪ ‬مل‬
‫٭تاوؿ أف ٭تل ا‪٠‬تبلؼ بُت اليهود والنصارى‪ ،‬إال باليت ىي أحسن‪ ،‬فمثبلً حينما كاف‬
‫٭تارب قوماً كافرين‪ ،‬كعبدة األصناـ با‪ٞ‬تزيرة العربية‪ ،‬وعبدة النَتاف بعدىا‪ ،‬كاف يشرط‬
‫عليهم شرطُت‪ :‬اإلسبلـ أو ا‪ٟ‬ترب حىت يسلموا‪ .‬ؤتا أنو مل تُقبل جزية من عبدة األصناـ‬

‫با‪ٞ‬تزيرة‪ ،‬وال من عبدة النَتاف‪ ،‬لذا ال ‪٧‬تد معابد لؤلصناـ با‪ٞ‬تزيرة العربية‪ ،‬وال معابد للنَتاف‬
‫بإيراف‪ ،‬ولو قُبلت ا‪ٞ‬تزية منهم لبقيت معابدىم‪ ،‬كما بقيت معابد النصارى واليهود وقبلت‬
‫منهم ا‪ٞ‬تزية حىت يظهر سيدنا عيسى ‪ ،‬فيحل خبلفهم ويسلموا‪ ،‬وىكذا بالنسبة لليهود‬

‫والنصارى‪ ،‬فكانت ‪٢‬تم شروط ثبلثة ىي‪:‬اإلسبلـ‪ .‬الجزية‪ .‬الحرب‪.‬‬

‫فإف أسلموا فتلك الغاية‪ ،‬وإف أبوا‪ ،‬فدفع ا‪ٞ‬تزية‪ ،‬وإال ا‪ٟ‬ترب حىت يسلموا‪ ،‬أو يدفعوا‬

‫ا‪ٞ‬تزية‪ ،‬اليت ىي ْتقيقتها رمز لعلهم يسلموف‪ ،‬فإذا أسلموا‪ ،‬ارتفعت عنهم وأعيد ‪٢‬تم‬
‫عزىم‪ ،‬وأصبح ‪٢‬تم ما للمسلمُت‪.‬‬
‫وىذا دليل واضح على أف الذي ٭تل ا‪٠‬تبلؼ الناشب بُت اليهود والنصارى ىو‬
‫رسو‪٢‬تم سيدنا عيسى ‪.‬‬
‫إف تسمية ا‪١‬تشركُت ال تقتصر على كفار مكة‪ ،‬أو غَتىم من عبدة األصناـ‪ ،‬وإ‪٪‬تا‬
‫تشمل أيضاً الذين اعتقدوا بأف ا‪١‬تسيح ىو ابن اهلل أو ثالث ثبلثة‪ ،‬ألف معتقدات ىؤالء‬
‫وىؤالء متضاىئة(‪.)1‬‬

‫قاؿ تعاىل‪{ :‬لََق ْد َك َفر الَّ ِذين قَالُواْ إِ َّف اللّوَ ىو الْم ِسيح ابن مريم وقَ َ ِ‬
‫يح يَا‬
‫اؿ ال َْمس ُ‬
‫ُ َ َ ُ ْ ُ َ َْ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ْجنَّةَ‬
‫يل ا ْعبُ ُدواْ الل َّو َربّْي َوَربَّ ُك ْم إِنَّوُ َمن يُ ْش ِر ْؾ بِاللّو فَػ َق ْد َح َّرَـ اللّوُ َعلَيو ال َ‬
‫بَني إ ْس َرائ َ‬
‫َّ ِ‬
‫وَمأْواهُ النَّار وَما لِلظَّالِ ِمين ِم ْن أ َ َّ‬
‫ث ثَبلَثٍَة َوَما ِم ْن‬
‫ين قَالُواْ إِ َّف اللّوَ ثَالِ ُ‬
‫َُ‬
‫َ َ‬
‫َنصا ٍر‪ ،‬ل َق ْد َك َف َر الذ َ‬
‫َ‬

‫(‪ )7‬تقوؿ ضاىاه شاكلو وضهيئك شبيهك‪.‬‬
‫(‪ )8‬سورة ا‪١‬تائدة‪ :‬اآلية(‪ =8‬ػ‪.)=9‬‬

‫إِلَ ٍو إِالَّ إِلَوٌ و ِ‬
‫س َّن الَّ ِذين َك َفرواْ ِم ْنػهم َع َذ ِ‬
‫يم}‬
‫اح ٌد َوإِف لَّ ْم يَنتَػ ُهواْ َع َّما يَػ ُقولُو َف لَيَ َم َّ‬
‫ٌ‬
‫اب أَل ٌ‬
‫َ ُ ُْ‬
‫َ‬

‫(‪ =8‬ػ‪ )=9‬سورة ا‪١‬تائدة‪.‬‬

‫ِ‬
‫وقاؿ جل جبللو‪{ :‬وقَالَ ِ‬
‫يح ابْ ُن الل ِّو‬
‫ود عُ َزيْػ ٌر ابْ ُن الل ِّو َوقَالَ ْ‬
‫ت الْيَػ ُه ُ‬
‫ت الن َ‬
‫َّص َارى ال َْمس ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ك قَػولُهم بِأَفْػو ِاى ِهم ي َ ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ من قَػ ْب ُل قَاتَػلَ ُه ُم اللّوُ أَنَّى يػُ ْؤفَ ُكو َف}‬
‫ذَل َ ْ ُ‬
‫َ ُْ‬
‫ضاى ُؤو َف قَػ ْو َؿ الذ َ‬
‫(‪ )96‬سورة التوبة‪ .‬ومن الناحية التارٮتية نقوؿ‪ :‬لقد أنكر اليهود على السيد ا‪١‬تسيح‬
‫رسالتو‪ ،‬وادعوا بأنو ليس ىو ا‪١‬تسيح ا‪١‬تنتظر الذي سيكوف ملكاً علينا وقالوا‪ ،‬وبذلك لعنهم‬
‫اهلل‪ ،‬بأنو ا‪١‬تسيح الكذاب‪ٍ ،‬ب شنوا عليو حرباً دعائية ال ىوادة فيها‪ ،‬واهتموه بالتدجيل‪ٍ ،‬ب‬
‫أساؤوا بالدسوس واإلفك‪ ،‬والتقوؿ عن أمو‪ ،‬اليت ىي أطهر نساء العا‪١‬تُت‪ ،‬وتلك ىي‬
‫عادهتم‪ ،‬فكلما جاءىم رسوؿ ٔتا ال هتوى أنفسهم كذبوه‪.‬‬
‫ونتيجة لتلك ا‪١‬تقاومة وذلك الدس‪ ،‬استطاعوا أف يصرفوا الناس عنو‪ ،‬وما انصرؼ عنو‬
‫إال القوـ اَّرموف‪ .‬ومل ت ؤمن معو إال فئة قليلة‪ ،‬استطاعت بإٯتاهنا الرفيع أف تنشر الديانة‬
‫النصرانية بُت رعايا اإلمرباطورية‪ ،‬السيما ُب روما نفسها‪ ،‬بالرغم من أهنم كانوا ُب ظل‬
‫االحتبلؿ الروماين‪.‬‬
‫إال أف تلك الديانة شوىت فيما بعد‪ ،‬ؤترور بضع مئات من السنُت حصل ضعف‬
‫بسبب عدـ التفكَت واإلٯت اف‪ ،‬وذلك ٔتا دخل عليها من ا‪١‬تعتقدات الوثنية اليونانية بسبب‬
‫عدـ تفكَتىم‪ ،‬وسَتىم بالتقليد األعمى‪.‬‬

‫أما نوع ا‪٠‬تبلؼ الذي شب بينهم فهو ما جاء ُب اآلية الكرٯتة‪َ { :‬وَما أ ُِم ُروا إَِّال‬
‫ِ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ّْين‪ );( }...‬سورة البينة‪.‬‬
‫ين لَوُ الد َ‬
‫ليَػ ْعبُ ُدوا الل َو ُم ْخلص َ‬
‫ِ‬
‫يسى ابْ َن‬
‫وىذا االختبلؼ ىو الذي بينو سبحانو ُب سورة ا‪١‬تائدة‪َ { :‬وإِ ْذ قَ َ‬
‫اؿ اللّوُ يَا ع َ‬
‫َّاس اتَّ ِخ ُذونِي وأ ُّْمي إِلَه ْي ِن ِمن ُد ِ‬
‫لت لِلن ِ‬
‫ك َما يَ ُكو ُف لِي‬
‫وف الل ِّو قَ َ‬
‫اؿ ُس ْب َحانَ َ‬
‫َنت قُ َ‬
‫َم ْريَ َم أَأ َ‬
‫َ َ َ‬
‫نت قُػلْتُوُ فَػ َق ْد َعلِ ْمتَوُ تَػ ْعلَ ُم َما فِي نَػ ْف ِسي َوالَ أَ ْعلَ ُم َما‬
‫أَ ْف أَقُ َ‬
‫س لِي بِ َح ٍّق إِف ُك ُ‬
‫وؿ َما لَْي َ‬
‫ْت لَهم إِالَّ ما أَمرتَنِي بِ ِو أ ِ‬
‫َنت َعبلَّ ُـ الْغُيُ ِ‬
‫َف ا ْعبُ ُدواْ الل َّو َربّْي‬
‫ك إِنَّ َ‬
‫فِي نَػ ْف ِس َ‬
‫كأ َ‬
‫وب‪َ ،‬ما قُػل ُ ُ ْ َ َ ْ‬
‫َوَربَّ ُك ْم ‪ 77<( }...‬ػ=‪ )77‬سورة ا‪١‬تائدة‪.‬‬

‫ِ ِ ِ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ّْين‪.}...‬‬
‫ين لَوُ الد َ‬
‫وىذا ىو معٌت قولو تعاىل‪َ { :‬وَما أُم ُروا إ َّال ليَػ ْعبُ ُدوا اللوَ ُم ْخلص َ‬
‫َنت َّ ِ‬
‫يب َعلَْي ِه ْم‬
‫نت أ َ‬
‫ت فِي ِه ْم فَػلَ َّما تَػ َوفَّػ ْيتَنِي ُك َ‬
‫نت َعلَْي ِه ْم َش ِهي ًدا َّما ُد ْم ُ‬
‫{‪َ ...‬وُك ُ‬
‫الرق َ‬
‫َنت َعلَى ُك ّْل َش ْي ٍء َش ِهي ٌد} (=‪ )77‬سورة ا‪١‬تائدة‪.‬‬
‫َوأ َ‬
‫ولعلك تقوؿ‪ِ :‬ملَ توَب اهلل سيدنا عيسى ‪ ،‬ذلك التوُب الذي بيَّناه‪ ،‬ووعده بأف يعيده‬
‫ُب آخر الزماف‪ ،‬وما وقع ىذا ألحد من ا‪١‬ترسلُت؟‪.‬‬
‫حق اإلقباؿ‪،‬‬
‫حق اإلٯتاف‪ ،‬وأقبل على اهلل تعاىل‪َّ ،‬‬
‫فأقوؿ‪ :‬إذا آمن اإلنساف ٓتالقو‪َّ ،‬‬
‫امتؤلت نفسو بالكماؿ‪ ،‬وأصبحت هتوى فعل ا‪٠‬تَت واإلحساف‪ .‬ؤتا َّ‬
‫أف اهلل تعاىل ال يعطي‬
‫امرءاً يوـ القيامة منزلة من ا‪١‬تنازؿ‪ ،‬إالَّ بناءً على ما قدَّـ من أعماؿ طيبة‪ ،‬وحيث َّ‬
‫أف سيدنا‬
‫عيسى ‪١ ‬تا جاء بالبينات عارضتو بنو إسرائيل كما رأينا من قبل‪ ،‬تلك ا‪١‬تعارضة‬
‫الشديدة‪ ،‬وما استطاع أف ٭تقٍّق رغائبو ونيَّتو العالية‪ُ ،‬ب تعريف الناس ٓتالقهم‪ ،‬وداللتهم‬
‫عليو تعاىل ‪ ،‬إلخراجهم من الظلمات إىل النور‪ ،‬فما اىتدى على يديو إال القليل وىذه‬
‫عز وجل أف يُعيده ُب آخر الزماف‪ ،‬وأف يرفعو بعملو العايل‪ ،‬وأف‬
‫وظيفتو‪ ،‬ولذلك وعده اهلل َّ‬
‫‪٬‬تعل ا‪١‬تؤمنُت الذين سيتَّبعونو‪ ،‬فوؽ الذين كفروا إىل يوـ القيامة‪ ،‬تطييباً لنفسو‪ ،‬وإظهاراً‬
‫لعملو‪ ،‬و‪١‬تا خفي من عايل نيَّتو‪ ،‬وذلك ما أشارت إليو اآلية الكرٯتة اليت قدَّمناىا من قبل‬
‫ُب قولو تعاىل‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫يك َوَرافِعُ َ ِ‬
‫{إِ ْذ قَ َ‬
‫ين َك َف ُرواْ‬
‫يسى إِنّْي ُمتَػ َوفّْ َ‬
‫ك إلَ َّي َو ُمطَ ّْه ُر َؾ م َن الذ َ‬
‫اؿ اللّوُ يَا ع َ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫َح ُك ُم‬
‫ين اتَّػبَػعُ َ‬
‫ين َك َف ُرواْ إِلَى يَػ ْوـ الْقيَ َامة ثُ َّم إِلَ َّي َم ْر ِجعُ ُك ْم فَأ ْ‬
‫وؾ فَػ ْو َؽ الذ َ‬
‫َو َجاعلُ الذ َ‬
‫ِ‬
‫يما ُكنتُ ْم فِ ِيو تَ ْختَلِ ُفو َف} (;;) سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫بَػيْػنَ ُك ْم ف َ‬
‫***‬

‫انذنٍم انثانث‪:‬‬
‫وجاىة السيد المسيح ‪‬‬
‫ت الْمآلئِ َكةُ يا مريم إِ َّف اللّو يػب ّْشر ِؾ بِ َك ِلم ٍة ّْم ْنو اسمو الْم ِس ِ‬
‫ِ‬
‫يسى ابْ ُن‬
‫َ ُ ْ ُُ َ ُ‬
‫{إِ ْذ قَالَ َ‬
‫يح ع َ‬
‫َ َُ ُ‬
‫َ َ َْ ُ‬
‫ِ‬
‫اآلخرةِ َوِم َن ال ُْم َق َّربِ َ ّْ‬
‫َم ْريَ َم َو ِج ًيها فِي ُّ‬
‫َّاس فِي ال َْم ْه ِد َوَك ْهبلً َوِم َن‬
‫ين‪َ ،‬ويُ َكل ُم الن َ‬
‫الدنْػيَا َو َ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ين} (;‪ :‬ػ<‪ ) :‬سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫الصالح َ‬
‫‪ .‬فاآلية تبُت أف السيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬سيكوف وجيهاً ُب الدنيا وُب اآلخػػرة‪ ،‬فػإذا كػػانت‬

‫وجػاىػة اآلخرة ال ريب فيها فوجاىة الدنيا مل ٖتصل لو بعد‪ ،‬ففي فًتة قدومو األوىل‪ ،‬مل‬
‫يكن الذين معو يتجاوزوف األحد عشر‪ ،‬لذا فتلك الوجاىة ىي اليت ستكوف لو عند عودتو‬

‫ثانية‪ ،‬فيؤمن بو كل من بقي حيّاً تقريباً‪ ،‬فيصبح ا‪١‬تلك العا‪١‬تي للناس قاطبة (يأتي على‬
‫سحابة من المجد) ويغدو للعا‪١‬تُت إماماً إذ يؤـ إليو الرجاؿ‪ ،‬وإىل أمو عليها السبلـ النساء‬

‫‪ٚ‬تيعهن‪.‬‬

‫كبلـ الكهل ليس بمعجزة إالَّ‪ :‬واآلية الثانية وْتديث القرآف عن معجزاتو ‪ ‬بقضية‬

‫تكليمو با‪١‬تهد فكبلمو يعترب ْتق معجزة‪ ،‬أمػػا أف‬
‫يػكلم الناس كهبلً فليس ٔتعجزة‪،‬إالَّ إذا غاب حيناً من الدىر يتجاوز أضعافاً مضاعفة من‬
‫عمر اإلنساف الوسطي‪ ،‬ؤتا ٕتاوز ألفي سنة ٍب يعود ليكلٍّم الناس بنفس العمر كهبلً‪٣:‬تيؤه بعد‬
‫عشرين قرناً تقريباً معجزة عظمى‪ ،‬وىو بنفس السن الذي توفاه اهلل بو‪.‬‬
‫أما وقد تكلمنا عن ‪٣‬تيئو‪ ،‬فعلينا حىت يكمل البحث‪ ،‬أف نشرح الغاية اليت يأٌب من أجلها‪.‬‬
‫إف القرآف جاء بأعلى مستوى وأكملو من التشريع والتنظيم والربىاف‪ ،‬وُب ا‪ٟ‬تدود اليت ارتضاىا‬
‫رب العا‪١‬تُت للبشرية‪ ،‬وىذه ا‪ٟ‬تدود تبقى ُب اَّاؿ الذي ال ينصرؼ بو اإلنساف كلياً إىل الدنيا‪،‬‬
‫و٘تتص كل طاقاتو الفكرية والنفسية وا‪ٞ‬تسمية‪.‬‬
‫فأرضية اَّتمع الديٍت‪ ،‬وا‪١‬تناخ الذي ‪٬‬تب أف يعيش فيو اإلنساف ويتبلءـ مع معتقداتو‪ ،‬ىو‬
‫‪٣‬تتمع ال يتجاوز مستواه ا‪ٟ‬تضاري مستوى التعقيد وامتصاص طاقات اإلنساف لدنياه فقط‪ ،‬ألف‬

‫التجاوز عن ىذا ا‪١‬تستوى يولد الشقاء واألمل والظلم والتفرقة‪٘ ،‬تاماً كما نلحظو ُب ىذا العصر‪،‬‬
‫وكل زيادة على ىذا ا‪١‬تستوى‪ ،‬يعترب فساداً وإفساداً‪،‬واطمئناناً إىل الدنيا‪ ،‬وانصرافاً عن الغاية اليت‬
‫جاء من أجلها اإلنساف‪.‬‬

‫لذلك فالسيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬عند ‪٣‬تيئو‪ ،‬لن ٭تمل معو إ‪٧‬تيبلً يستوعب حضارة ىذا القرف‪،‬‬

‫يصحح القرآف الكرًن‪ ،‬ألنو كتاب ال يدخل عليو الباطل‪ ،‬بل يأٌب ليمحو الصدأ‬
‫ولن ٍّ‬
‫الذي حجب الناس عن القرآف الكرًن من تلك التفاسَت الضحلة‪ ،‬ومن كثرة التفاسَت‬
‫ا‪١‬تضللة‪ ،‬ا‪١‬تنقولة عن دسوس إسرائيلية وغَتىا وا‪١‬تخالفة للقرآف كبلـ اهلل‪٥ ،‬تالفات صر٭تة‪،‬‬
‫واليت فرقت الناس إىل أحزاب وشيع‪ ،‬كل حزب ٔتا لديهم فرحوف‪ ،‬ىذه الدعوة نفسها‬

‫عندما أراد ‪ ‬من قبل أف ‪٬‬تلو الصدأ الذي تراكم على التوراة‪ ،‬نتيجة التفاسَت الباطلة‬
‫يلق ىذا الرسوؿ‬
‫والتحريف ا‪١‬تقصود من علماء بٍت إسرائيل‪ ،‬ولكن عند ‪٣‬تيئو الثاين مهما َ‬
‫وفريسيهم‪ ،‬أو من الذين‬
‫الكرًن من التحدي‪ ،‬من قبل بعض مقلٍّدة علماء األدياف الثبلثة ٍّ‬
‫يتبعوهنم بغَت علم‪ ،‬فاهلل سينصره حتماً‪ ،‬ىو والذين آمنوا معو‪ ،‬وسيجعل عداءىم لو حسرًة‬
‫ُب قلوُّم إىل يوـ يلقونو‪ ،‬وعندئذ سيحكم تعاىل بينهم‪ ،‬وىو خَت ا‪ٟ‬تاكمُت‪.‬‬

‫اَتهاء جىالث انباطم‬
‫إف الدين بدأ غريباً‪ ،‬فقػد بػػدأ رسولنا ‪٤‬تمد ‪ ‬بدعوتو ٍ‬
‫لقوـ قد مزقت ا‪٠‬تبلفات‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ودويبلت تستخدمها‬
‫متفرقة‪،‬‬
‫وحدهتم‪ ،‬وأبعدت القبلية تضامنهم‪ ،‬وكانوا عبارًة عن قبائل‬
‫دوؿ أجنبية كربى‪ ،‬وبُت أظهرىم أمة تعالت عليهم ٔتا ‪٢‬تم " أبناؤىا " من ٍ‬
‫ماض ‪٣‬تيد‪،‬‬
‫ويستفتحوف عليهم ٔتا يعتقدوف َّ‬
‫ا‪٠‬تلق أ‪ٝ‬تاىم وأعبلىم "‬
‫بأف رسوالً ا‪ٝ‬تو أ‪ٛ‬تد " أي أ‪ٛ‬تد ْ‬

‫قد قارب زمانو‪ ،‬ؤتجيئو سينتصروف على العرب‪ ،‬ويأخذوف ديارىم وأمبلكهم‪ ،‬ويصبحوف‬
‫أسيادىم‪ .‬ىذا الوضع قبل أربعة عشر قرناً‪ " ،‬يشبو ضمناً وضعنا ا‪ٟ‬تايل "‪ .‬فاألمة العربية‬
‫مزقتها ا‪٠‬تبلفات إىل شي ٍع ودويبلت متناحرة‪ٍّ ،‬‬
‫تسَت قسماً‬
‫خاصة‪ ،‬واإلسبلمية عامة‪ ،‬قد ّ‬
‫منها دوؿ استعمارية كربى‪ ،‬وبُت أظْ ُه ِرىا أمةٌ يتعالوف علينا اآلف ْتاضرىم‪ ،‬وىم اآلف كما‬
‫كانوا باألمس‪ ،‬ينتظروف ظهور سيدنا ‪٤‬تمد ‪ ‬فهم اآلف ينتظروف قدوـ السيد ا‪١‬تسيح ُب‬

‫أرض ا‪١‬تيعاد‪ ،‬فلسطُت اليت ٕتمعوا اآلف ُّا‪ ،‬كما ٕتمعوا بعهد الرسوؿ ‪ ‬با‪١‬تدينة ا‪١‬تنورة‬
‫وخيرب‪ ،‬ليكوف ا‪١‬تلك العا‪١‬تي‪ .‬فالدين أصبح غريباً إذ ما من ٍ‬
‫أحد تقريباً يأمل أف تقوـ‬

‫وىل منذ زمن بعيد‪ ،‬وإىل غَت‬
‫للدين بعد اليوـ قائمة‪ ،‬ألف عصر األدياف باعتقادىم قد ّ‬
‫رجعة ‪.‬‬
‫أال إف الزماف قد دار دورتو‪ ،‬وعاد الوضع كما بدأ‪ُ .‬ب ىذا الزماف الذي كفرت الناس‬
‫فيو باهلل وكتبو ورسلو واليوـ اآلخر‪ ،‬سيظهر الدين غريباً كما بدأ قبل أربعة عشر قرناً ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ورهُ َولَ ْو َك ِرَه الْ َكافُِرو َف} (‪ )98‬سورة التوبة‪.‬‬
‫{‪َ ...‬ويَأْ َىب اللّوُ إالَّ أَف يُت َّم نُ َ‬

‫فطوىب للمؤمنُت الغرباء بقدوـ الرسوؿ‪ ،‬السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬فقد آف أواف ظهوره حقاً‬
‫وصدقاً‪ ،‬وذلك معلوـ وظاىر ‪١‬تن كاف لو قلب‪ ،‬أو ألقى السمع وىو شهيد‪.‬‬
‫عندىا ‪{ :‬وإِف ّْمن أ َْى ِل ال ِ‬
‫ْكتَ ِ‬
‫اب إِالَّ لَيُػ ْؤِمنَ َّن بِ ِو قَػْب َل َم ْوتِِو ‪ )7;?( }...‬سورة النساء‪:‬‬
‫َ ْ‬
‫وىذه اآلية الكرٯتة‪ ،‬دليل واضح على عودتو‪ ،‬وإٯتاف أىل الكتاب بو قبل موتو ‪.‬‬
‫***‬

‫طىبى نًىنىد هزا انضياٌ‬
‫إف السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬ال يكاد يذكر بالقرآف الكرًن إال ومع ذكره دليل على عودتو‬
‫ثانية‪ ،‬وإف كانت األدلة اليت سقناىا سابقاً‪ ،‬كافية لكل ذي لب‪ ،‬إالَّ أننا أحببنا أف‬
‫نستكمل البحث‪ ،‬وذلك أل‪٫‬تيتو الكبَتة اليت أوالىا لو القرآف الكرًن‪.‬‬

‫* إف ا‪ٝ‬تو (‪٢ )‬تو من أكرب األدلة على عودتو‪ ،‬وذلك ألف لكل مسمى من ا‪ٝ‬تو‬

‫نصيب‪ ،‬أما األنبياء الكراـ‪ ،‬فلهم النصيب الكامل من أ‪ٝ‬تائهم اليت ‪ٝ‬تاىم اهلل تعاىل ُّا‪.‬‬
‫فمثبلً ‪ٝ‬تّى اهلل تعاىل سيدنا ‪٤‬تمداً ‪ُّ ‬ذا االسم الكرًن ٔتا حوى من الكماالت ‪ٚ‬تيعها‪ ،‬ؤتا‬

‫انطوت عليو ىذه النفس الكرٯتة العالية من احملامد كلها‪ ،‬فكاف ا‪ٝ‬تو (‪٤‬تمداً)‪.‬‬
‫أما السيد ا‪١‬تسيح ‪ ، ‬فقد أطلق اهلل تعاىل عليو ا‪ٝ‬تُت كرٯتُت (ا‪١‬تسيح ػ عيسى) وكلمة‬
‫ومسح الشيء أي ‪ :‬أزالو‪ ،‬ؤتا أف وظيفة كل رسوؿ ىي إخراج الناس‬
‫ا‪١‬تسيح‪ :‬من ا‪١‬تسح‪،‬‬
‫َ‬
‫من الظلمات إىل النور‪ ،‬وبالتايل إزالة ومسح حب الدنيا من قلوُّم‪ ،‬وربطها باهلل تعاىل‬
‫ٔتعيتو‪.‬‬
‫ؤتا أنو ٔتجيئو أوؿ مرة‪ ،‬مل ٯتسح الكفر من األرض‪ ،‬فإنو ببعثتو الثانية حتماً سيمسح‬
‫الكفر من الكوف‪ ،‬وكلمة عيسى مشتقة من (عسى) وكلمة عسى تعٍت احتماؿ حصوؿ‬
‫الشيء أو عدـ حصولو مثاؿ‪ :‬عسى أف يأٌب زيد‪ ،‬فاحتماؿ أف يأٌب‪ ،‬أو ال يأٌب‪ ،‬أما كلمة‬
‫(عيسى) فمعناىا حتماً سيأٌب‪ ،‬وليس ىناؾ احتماؿ‪ ،‬إذ يكوف معٌت ا‪ٝ‬تو الشريف‬

‫بالتماـ(عيسى ا‪١‬تسيح) أي حتماً سيأٌب وٯتسح الكفر من الكوف‪ ،‬وتكوف لو الوجاىة ُب‬
‫الدنيا‪ ،‬بإٯتاف أىل األرض بو وىؤالء ا‪١‬تؤمنُت التابعُت لو‪ ،‬سيكونوف فوؽ الذين كفروا إىل‬
‫يوـ القيامة‪ ،‬كما ُب اآلية الكرٯتة‪:‬‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ إِلَى يَػ ْوِـ ال ِْقيَ َام ِة ثُ َّم إِلَ َّي َم ْرِج ُع ُك ْم‬
‫ين اتَّػبَػعُ َ‬
‫وؾ فَػ ْو َؽ الذ َ‬
‫{‪َ ...‬و َجاع ُل الذ َ‬
‫ِِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْم‬
‫فَأ ْ‬
‫يما ُكنتُ ْم فيو تَ ْختَل ُفو َف} (;;) سورة آؿ عمراف ‪ .‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬وإِنَّوُ لَعل ٌ‬
‫َح ُك ُم بَػْيػنَ ُك ْم ف َ‬
‫صرا ٌ ِ‬
‫لس َ ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫يم} (‪ )<7‬سورة الزخرؼ‪.‬‬
‫لّْ َّ‬
‫ط ُّم ْستَق ٌ‬
‫اعة فَ َبل تَ ْمتَػ ُر َّف ب َها َواتَّبعُوف َى َذا َ‬

‫علم للرب‪ ،‬أي برؤية ا‪١‬تنارة نعلم بوجود الرب‪ ،‬إف كنا تائهُت بالبحار‪،‬‬
‫نقوؿ‪ ،‬ا‪١‬تنارة ٌ‬
‫علم للساعة‪ :‬أي ظهوره دليل على قياـ الساعة‪ ،‬فبمجيئو سينبئنا ْتدوث‬
‫فا‪١‬تسيح ‪ٌ ،‬‬

‫زلزلة عظيمة‪ ،‬تشمل األرض كلها‪ ،‬حيث تكوف ا‪ٟ‬ترب قد وضعت أوزارىا‪ .‬فهذه الزلزلة‬

‫اليت سيُعلمنا ُّا السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬ستبتلع ما بقي من آثار ا‪ٟ‬ترب ا‪١‬تدمرة‪ ،‬ومن‬
‫اإلشعاعات الذرية والنووية‪.‬‬
‫* جاء ذكر السيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬بسورة مرًن‪ ،‬على إثر ذكر سيدنا ٭تِت ‪ ،‬وذلك الًتتيب ُب‬
‫مسرى اآليات الكرٯتة‪ ،‬لو مدلوالت ذات معٌت‪ .‬حيث ورد ُب كتب اليهود احملرفة‪:‬‬
‫( أف سيدنا يحيى ‪ ‬قد قُتل‪ ،‬وقطع رأسو)‪ ،‬وذكر عن النصارى‪( :‬أف سيدنا عيسى‬

‫‪ ،‬قد قتل على الصليب)‪ ،‬فجاءت اآليات القرآنية داحضة تلك األقواؿ‪ ،‬وناسفة تلك‬
‫ا‪١‬تزاعم الباطلة‪ :‬ففيما ٮتص سيدنا ٭تِت ‪ ‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬و َس َبل ٌـ َعلَْي ِو يَػ ْو َـ ُولِ َد َويَػ ْو َـ‬
‫ث َحيِّا}(;‪ )7‬سورة مرًن‪.‬‬
‫وت َويَػ ْو َـ يػُ ْبػ َع ُ‬
‫يَ ُم ُ‬
‫وُب ا‪ٟ‬تديث الشريف‪ (:‬السبلـ أماف اهلل في األرض )(‪ ،)1‬فالسبلـ أي األماف على‬
‫سيدنا ٭تِت يوـ ٯتوت‪ ،‬فمعٌت ذلك أنو مل ‪٬‬ترؤ أحد على التعرض لو‪ ،‬وقد عاش بعد أبيو‪،‬‬

‫سيدنا زكريا ‪ ،‬وقاـ مقامو باإلرشاد وا‪٢‬تداية ‪ .‬واهلل تعاىل َّبُت لنا باآلية أعبله بأنو مات‬

‫موتاً عادياً ومل يقل بأنو قتل أو ذبح‪ ،‬وما عدا ذلك‪ ،‬فهو دس خبيث ال أصل لو‪ٍ .‬ب ذكر‬
‫اهلل عز وجل السيد ا‪١‬تسيح ‪ ،‬ولكن بصيغة أخرى‪ ،‬فحُت ّبُت اهلل تعاىل أف سيدنا ٭تِت‬

‫عاش بسبلـ ومات بسبلـ‪ ،‬ويبعث بسبلـ‪ ،‬مدافعاً عنو وعن سَتتو الشريفة‪ .‬جعل تعاىل‬
‫الس َبل ُـ َعلَ َّي‬
‫صيغة ا‪٠‬تطاب عند ذكر سيدنا عيسى ‪ ‬تكوف من فمو الشريف بآية‪َ { :‬و َّ‬
‫يَػ ْو َـ ُولِ ُّ‬
‫ث َحيِّا} (‪ )99‬سورة مرًن‪ .‬وما ذلك إال ألنو سيعود‬
‫وت َويَػ ْو َـ أُبْػ َع ُ‬
‫دت َويَػ ْو َـ أ َُم ُ‬
‫ثانية‪ ،‬ويقو‪٢‬تا بنفسو‪ ،‬فبل يستطيع الكافروف أف يلمسوه بلمسة أذى‪ ،‬فهو رسوؿ اهلل ‪،‬‬
‫وأنو مل ٯتت بعد بل ىو وأمو عليهما السبلـ ٔتغارة كأىل الكهف‪ ،‬أما سيدنا ٭تِت ‪،‬‬

‫(‪ )7‬أخرجو الًتمذي عن أيب بكر الصديق‪.‬‬

‫فإنو مات ولن يعود‪ ،‬فلذلك دافع عنو تعاىل بكلمة وسبلـ عليو‪ .‬كما أف السورة ٖتمل‬

‫مدلوالت بذكر ىذين الرسولُت الكرٯتُت‪ ،‬ومقارنة لطيفة بسَتهتما‪ ،‬فبسَتة سيدنا ٭تِت ‪‬‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬وبَػ ِّرا بَِوالِ َديْ ِو َولَ ْم يَ ُكن‪ُ .}...‬ب يوـ من األياـ‪َ ...{ :‬جبَّ ًارا‪:}...‬على ا‪٠‬تلق‪:‬‬
‫{‪َ ...‬ع ِ‬
‫صيِّا}(‪ )7:‬سورة مرًن‪:‬عملو كلو ضمن أمر اهلل تعاىل‪ .‬أما بذكر سيدنا عيسى‬
‫فجاءت اآلية‪َ { :‬وبَػ ِّرا بَِوالِ َدتِي َولَ ْم يَ ْج َعلْنِي َجبَّ ًارا‪ )98( }...‬سورة مرًن‪ .‬على ا‪٠‬تلق‪:‬‬
‫{‪َ ...‬ش ِقيِّا}‪:‬أي ‪٤‬تروماً من ا‪٠‬تَتات واألعماؿ‪ ،‬فسيدنا عيسى ‪ ‬سيأٌب‪ ،‬وسيكوف على‬

‫يديو خَتٌ كثَت‪ ،‬وأعماؿ عظيمة‪.‬‬
‫* لقد جاء ذكر سيدنا ا‪١‬تسيح وأمو الصديقة عليهما السبلـ بسورٌب"ا‪١‬تؤمنوف واألنبياء"‪،‬‬
‫وعلى أثر ذكر‪٫‬تا‪ ،‬ترد ىاتُت اآليتُت الكرٯتتُت‪{:‬وجعلْنَا ابن مريم وأ َُّمو آيةً وآويػنَاىما إِلَى ربػوةٍ‬
‫َ َ َ ْ َ َ َْ َ َ ُ َ َ َ ْ ُ َ‬
‫َْ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ذَ ِ‬
‫صالِ ًحا إِنّْي بِ َما تَػ ْع َملُو َف‬
‫ات قَػ َرا ٍر َوَم ِعي ٍن‪،‬يَا أَيػُّ َها ُّ‬
‫الر ُس ُل ُكلُوا م َن الطَّيّْبَات َوا ْع َملُوا َ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫اح َد ًة وأَنَا ربُّ ُكم فَاتَّػ ُق ِ‬
‫وف} (‪;6‬ػ‪ );8‬سورة ا‪١‬تؤمنوف‪.‬‬
‫يم‪َ ،‬وإِ َّف َىذه أ َُّمتُ ُك ْم أ َُّم ًة َو َ َ ْ‬
‫َعل ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اىا َوابْػنَػ َها آيَ ًة‬
‫صنَ ْ‬
‫ت فَػ ْر َج َها فَػنَػ َف ْخنَا ف َيها من ُّروحنَا َو َج َعلْنَ َ‬
‫واآلية الثانية‪َ { :‬والَّتِي أ ْ‬
‫َح َ‬
‫لّْلْعالَ ِمين‪،‬إِ َّف ى ِذهِ أ َُّمت ُكم أ َُّمةً و ِ‬
‫اح َد ًة وأَنَا ربُّ ُكم فَا ْعب ُد ِ‬
‫وف} (‪ ?7‬ػ‪ )?8‬سورة األنبياء‪.‬‬
‫َ َ َ‬
‫َ َ ْ ُ‬
‫ُ ْ َ‬
‫أي أف البشرية كلها ستصبح أمة واحدة‪ ،‬حُت ظهور‪٫‬تا عليهما السبلـ‪ ،‬وسيؤـ ‪٢‬تما‬
‫كافة ا‪١‬تؤمنُت‪ ،‬حيث يؤـ الرجاؿ ‪ٚ‬تيعاً بالعا َمل إلمامهم سيدنا عيسى ‪ ،‬والنساء تؤـ‬
‫بسيدتنا مرًن عليها السبلـ والكل ٔتعيتو ‪.‬‬

‫ومن ا‪١‬تبلحظ ُب اآل يتُت اآلنفتُت الذكر أف سيدتنا مرًن عليها السبلـ ذكرىا تعاىل كآية‬
‫ّْ ِ‬
‫ين}‬
‫ومعجزة للعا‪١‬تُت‪َ { :‬و َج َعلْنَا ابْ َن َم ْريَ َم َوأ َُّموُ آيَةً‪ .}...‬و{‪َ ...‬و َج َعلْنَ َ‬
‫اىا َوابْػنَػ َها آيَةً لل َْعالَم َ‬
‫(‪ )?7‬سورة األنبياء‪ .‬فمىت تكوف سيدتنا مرًن آية أي معجزة؟‪ .‬وىي ولدت ألبوين‬
‫وعاشت كما يعيش عموـ الناس ومل تأت ٔتعجزات‪.‬‬
‫إذف‪ :‬ال تكوف ا‪١‬تعجزة معجزة عليها السبلـ إال حُت قدومها الثاين مع ابنها العظيم‬
‫‪.‬‬

‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫َّ‬
‫يح ابْ ُن َم ْريَ َم‬
‫ين قَآلُواْ إِ َّف الل َّو ُى َو ال َْمس ُ‬
‫* قاؿ تعاىل ُب سورة ا‪١‬تائدة‪{ :‬ل َق ْد َك َف َر الذ َ‬
‫قُل فَمن يم ِل ُ ِ‬
‫ِ‬
‫يح ابْ َن َم ْريَ َم َوأ َُّموُ َوَمن فِي‬
‫اد أَف يػُ ْهلِ َ‬
‫ك م َن الل ِّو َش ْيئًا إِ ْف أ ََر َ‬
‫ْ َ َْ‬
‫ك ال َْمس َ‬
‫األ َْر ِ‬
‫ض َج ِم ًيعا ‪ )7=( }...‬سورة ا‪١‬تائدة‪ .‬وىذا دليل قاطع بأنو ‪ ‬مل ٯتت ىو وأمو‪ ،‬فلو‬
‫كانا ميتُت لكاف ا‪٠‬تطاب بغَت ىذه الصيغة‪ ،‬إذ أف كلمة يهلك جاءت بصيغة ا‪١‬تضارع‪،‬‬
‫فلو كاف ميتاً‪ٞ ،‬تاءت بصيغة ا‪١‬تاضي أي‪ :‬أىلك‪ .‬وىذا واضح وضوح الشمس ُب رابعة‬
‫النهار‪.‬‬
‫* رسوؿ اهلل سيد الكوف سيدنا ‪٤‬تمد العظيم ‪ ‬خاطبو تعاىل بآية صر٭تة قائبلً جل وعبل‪:‬‬
‫ت َوإِنَّػ ُهم َّميّْتُو َف} (‪ )96‬سورة الزمر‪ .‬أما سيدنا ا‪١‬تسيح ‪ ،‬فبل توجد آية‬
‫ك َميّْ ٌ‬
‫{إِنَّ َ‬

‫ُب القرآف الكرًن تقوؿ أنو مات‪ ،‬فلو كاف ميتاً ‪ ،‬لذكر تعاىل ذلك بوضوح‪ ،‬كما ذكر تعاىل‬

‫على سيدنا ‪٤‬تمد ‪ ،‬بل لكرره ُب أكثر من موضع‪ ،‬بسبب أف ىناؾ أقواماً يدعوف أف‬
‫السيد ا‪١‬تسيح إلۤو‪ ،‬ولكن اآليات جاءت مبينة أنو نائم وأنو موجود ىو وأمو‪ ،‬وأهنما ُب ربوة‬

‫ذات قرار ومعُت‪ ،‬وآيات أخرى داحضة للمزاعم بأنو إلۤو‪ .‬فمن ذلك قولو تعاىل‪{ :‬مَّ ا‬
‫وؿ قَ ْد َخلَ ْ ِ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫الرسل وأُمُّوُ ِ‬
‫يح ابْ ُن َم ْريَ َم إِالَّ َر ُس ٌ‬
‫صدّْي َقةٌ َكانَا يَأْ ُكبلَ ِف‬
‫ال َْمس ُ‬
‫ت من قَػبْلو ُّ ُ ُ َ‬
‫اـ ‪ )=;( }...‬سورة ا‪١‬تائدة‪.‬‬
‫الطَّ َع َ‬
‫الذي يأكل الطعاـ فقَت وضعيف فهذا يكوف إ ۤ‪٢‬تاً!‪ .‬ىل يكوف اإللۤو فقَتاً وضعيفاً‪ ،‬كيف‬
‫ف نػُبػيّْن لَهم اآلي ِ‬
‫ات‪:}...‬أال تكفي ىذه ا‪ٟ‬تجة عليهم {‪...‬‬
‫يُطعم غَته؟!‪ ...{ .‬انظُْر َكْي َ َ ُ ُ ُ َ‬
‫ثُ َّم انظُْر أَنَّى يػُ ْؤفَ ُكو َف}(;=) سورة ا‪١‬تائدة‪ .‬كيف يتحولوف‪ ،‬الذي ال يأكل ليوـ واحد‪،‬‬
‫تذىب قوتو‪ ،‬فكيف يُعُت ا‪٠‬تلق؟!‪.‬‬
‫كرد على من يعبد‬
‫ىذا ولو كاف السيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬ميتاً‪ ،‬ألضافها تعاىل إىل تلك اآلية ٍّ‬
‫السيد ا‪١‬تسيح‪ ،‬لكنو تعاىل مل يقل ذلك‪ ،‬بل َّبُت سبحانو (بشرية السيد ا‪١‬تسيح وأمو عليهما‬

‫السبلـ) من خبلؿ افتقار‪٫‬تا للطعاـ والشراب‪ ،‬ومل يتعرض لذكر ا‪١‬توت ىنا‪.‬‬
‫* * *‬

‫صب َّ‬
‫‪٤‬تط خبلؼ‬
‫و‪١‬تا كاف ىبوط سيدنا آدـ ‪ ‬من ا‪ٞ‬تنة السامية إىل دار العمل والنَ َ‬

‫عند أىل الكتب السماوية‪ ،‬حيث أهنم خطؤوا آبينا آدـ ‪ ‬ورموه با‪١‬تعصية وا‪ٞ‬تحود‪ ،‬كما‬
‫عزا إخواننا النصارى ‪٣‬تيء سيدنا عيسى ‪ ‬ليكفٍّر عنهم سيئاهتم ويفتدي بدمو ا‪٠‬تطيئة‬
‫األوىل آلدـ ‪( ‬وحاشاه)‪ ،‬لذا كاف لزاماً تبياف ا‪ٟ‬تقيقة ُب قضية ىبوط سيدنا آدـ ‪‬‬
‫وأسباُّا‪:‬‬
‫***‬

‫انفصم انخايظ‬
‫في ىذا الفصل‪:‬‬
‫‪ ‬المعلم األوؿ سيدنا آدـ ‪ ‬أبو البشرية ومعلمها‪.‬‬
‫‪ ‬حقيقة الشفاعة‪.‬‬
‫يغره؟!‪.‬‬
‫‪ ‬كيف نسي سيدنا آدـ ‪ ‬وصية اهلل تعالى واستطاع الشيطاف أف ّ‬
‫‪ ‬غاية قصة سيدنا آدـ ‪.‬‬
‫‪ ‬ىل كاف خروج سيدنا آدـ ‪ ‬إلى ىذه الدنيا ومجيء بني اإلنساف من بعده إليها‬
‫أحسن‪ ،‬أـ أف بقاءه في الجنَّة وخلق بني اإلنساف في الجنَّة‪ ،‬رأساً دوف خروجهم إلى الدنيا‬
‫أحسن؟‪ .‬وأي الحالين يعود على اإلنساف بالسعادة والخير‪ ،‬أكثر من اآلخر؟‪.‬‬
‫***‬

‫انـًعــهى األول‬
‫سيدنا آدـ عليو الصبلة والسبلـ أبو البشرية ومعلّْمها‬
‫ك لِلْمبلَئِ َك ِة إِنّْي ج ِ‬
‫اع ٌل فِي األ َْر ِ‬
‫ض َخلِي َف ًة ‪ )34( }...‬سورة البقرة‬
‫{ َوإِ ْذ قَ َ‬
‫َ‬
‫اؿ َربُّ َ َ‬
‫وقد ذكر لنا تعاىل ُب القرآف طائفة من قصص األنبياء تتجلى فيها طهارة تلك النفوس‬
‫ا‪١‬تؤمنة اليت عصمت بإقبا‪٢‬تا الدائم على رُّا من كل معصية‪،‬أدركها من أدركها من أىل التقوى‬
‫‪ٝ‬تو ىؤالء الرجاؿ‪ ،‬وما قاموا بو من‬
‫واإلٯتاف‪ ،‬ورأوا ما تشَت إليو تلك القصص الكرٯتة من ّ‬
‫جليل األعماؿ‪ ،‬وما امتازوا بو من كرًن األخبلؽ وعايل الصفات‪ .‬وا‪ٟ‬تقيقة أنو ال يقدٍّر أىل‬
‫اإلٯتاف إالَّ أىل اإلٯتاف‪ ،‬وال يعرؼ الفضل إالَّ ذووه‪ ،‬وال يدرؾ عظمة ما ُب القرآف من عرب‬
‫متحل ْتلية الكماؿ‪.‬‬
‫وأمثاؿ‪ ،‬إال كل قريب من اهلل ّ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬لََق ْد َكا َف فِي قَص ِ‬
‫ص ِه ْم ِع ْبػرةٌ ّْأل ُْولِي األَلْبَ ِ‬
‫اب ‪ )777( }...‬سورة‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يوسف‪.‬‬
‫ض ِربػُ َها لِلن ِ‬
‫َّاس َوَما يَػ ْع ِقلُ َها إَِّال ال َْعالِ ُمو َف} (‪ ):9‬سورة العنكبوت‪.‬‬
‫ْك ْاأل َْمثَ ُ‬
‫اؿ نَ ْ‬
‫{ َوتِل َ‬
‫وإليك اآلف ما بيَّنو اهلل تعاىل عن سيدنا آدـ ‪ُ ،‬ب قولو تعاىل‪:‬‬
‫ك لِلْمبلَئِ َك ِة إِنّْي ج ِ‬
‫اع ٌل فِي األ َْر ِ‬
‫ض َخ ِلي َف ًة قَالُواْ أَتَ ْج َع ُل فِ َيها َمن يُػ ْف ِس ُد‬
‫{ َوإِ ْذ قَ َ‬
‫َ‬
‫اؿ َربُّ َ َ‬
‫ِ ِ‬
‫اؿ إِنّْي أَ ْعلَ ُم َما الَ تَػ ْعلَ ُمو َف}‬
‫ك قَ َ‬
‫ّْس لَ َ‬
‫فِ َيها َويَ ْس ِف ُ‬
‫ك الد َ‬
‫سبّْ ُح ب َح ْمد َؾ َونػُ َقد ُ‬
‫ّْماء َونَ ْح ُن نُ َ‬
‫(‪ )96‬سورة البقرة‪.‬‬

‫والمبلئكة‪ٚ :‬تع َملَك‪ ،‬وىم نوع من ا‪١‬تخلوقات‪١ ،‬تا عرض اهلل تعاىل على األنفس ُب‬
‫َّ‬
‫عامل األزؿ أف ٯتنحها حرية االختيار أحجموا‪ ،‬كما أحجم غَتىم عن الدخوؿ ُب ذلك‬
‫ا‪١‬تيداف الذي دخلو اإلنساف‪ ،‬ورضوا أف ال يكوف ‪٢‬تم إطبلؽ وحرية ُب االختيار‪ .‬لقد ملَّك‬
‫ىؤالء اختيارىم هلل‪ ،‬ولذلك ُ‪ٝ‬توا مبلئكة‪ .‬ؤتا أهنم ليس ‪٢‬تم أجساـ كما لئلنساف‪ ،‬لذلك‬
‫‪٣‬تردوف عن ىذه الشهوات ا‪١‬تادية اليت ٯتيل اإلنساف إليها‪ ،‬وليس ‪٢‬تم تلك ا‪ٟ‬تاجات‬
‫ىم َّ‬

‫ا‪ٞ‬تسمية‪ ،‬فبل يأكلوف وال يشربوف‪ ،‬وال يتزوجوف وال يتوالدوف‪ ،‬وال ٯتيلوف لشيء من ىذه‬
‫األشياء‪.‬‬
‫و‪١‬تا قاؿ ربك للمبلئكة‪ ...{:‬إِنّْي ج ِ‬
‫اع ٌل فِي األ َْر ِ‬
‫ض َخ ِلي َفةً‪:}...‬طمعوا أف ينالوا ذلك‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ا‪١‬تقاـ‪،‬ألف ا‪٠‬تليفة معناه ذلك ا‪١‬تخلوؽ العايل الذي يكوف أىبلً للنيابة عن اهلل تعاىل ُب‬
‫تبليغ عباده أوامره‪ ،‬وتعريفهم بو تعاىل والدخوؿ ُّم عليو‪ ،‬فبما اكتسبو ‪ ‬من خالقو من‬
‫و‪ٝ‬تو ُب ا‪٠‬تُلُق‪ ،‬وغَت ذلك من صفات‬
‫رأفة ور‪ٛ‬تة‪ ،‬وعلم وحكمة‪ ،‬وعدؿ وحب للحق‪ٍّ ،‬‬
‫الكماؿ‪ ،‬صار أىبلً ألف يقوـ بذلك ا‪١‬تقاـ‪ ،‬فيكوف خليفة اهلل ُب أرضو‪ ،‬ويُقيم العدؿ‬
‫و٭تكم بُت الناس با‪ٟ‬تق‪ ،‬وينشر ا‪٠‬تَت والصبلح ُب األرض‪.‬‬

‫ود‬
‫وقد أشارت اآلية الكرٯتة إىل ذلك‪ُ ،‬ب قولو تعاىل ‪٥‬تاطباً سيدنا داوود ‪{ :‬يَا َد ُاو ُ‬
‫اح ُكم بَػ ْي َن الن ِ‬
‫اؾ َخ ِلي َفةً فِي ْاأل َْر ِ‬
‫ص‪.‬‬
‫إِنَّا َج َعلْنَ َ‬
‫ْح ّْق ‪ )8<( }...‬سورة ۤ‬
‫ض فَ ْ‬
‫َّاس بِال َ‬
‫وا‪٠‬تليفة كما َّ‬
‫يتوىل منصب ا‪ٟ‬تكم‪ ،‬يتوىل منصب الداللة واإلرشاد‪ ،‬قاؿ تعاىل ُب سورة‬
‫ِ‬
‫األنعاـ‪{ :‬أُولَئِ َ َّ ِ‬
‫ْح ْك َم َوالنُّبُػ َّوةَ ‪ )>?( }...‬سورة األنعاـ‪ ،‬إذ‬
‫ين آتَػ ْيػنَ ُ‬
‫اى ُم الْكتَ َ‬
‫اب َوال ُ‬
‫ْ‬
‫ك الذ َ‬
‫ٔتا اكتسبو من دالالت ربو وأ‪ٝ‬تائو ا‪ٟ‬تسٌت‪ ،‬ؤتا انطبع ُب قلبو من حب ‪٠‬تالقو وشغف بو‪،‬‬
‫ويعرفهم‬
‫أضحى خليقاً بأف يكوف وسيطاً بُت ا‪٠‬ت ْلق وبُت اهلل‪ ،‬يبلٍّغهم أوامره تعاىل ٍّ‬
‫بكماالتو وأ‪ٝ‬تائو ا‪ٟ‬تسٌت‪ ،‬ويرشدىم إىل طريق معرفتو‪ ،‬فإذا ما ارتبطت نفوسهم بو وأقبلت‬
‫ٔتعيَّتو‪ ،‬دخل بتلك األنفس على اهلل تعاىل‪ ،‬وكاف ‪٢‬تا سراجاً منَتاً ترى بو طرفاً من تلك‬
‫األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬وتشاىد الكماؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬فتحبّو وتعشقو‪ ،‬وىنالك تقتبس بو من اهلل نوراً‪،‬‬

‫شراً‪.‬‬
‫ترى بو ا‪٠‬تَت خَتاً والشر ّ‬
‫فا‪٠‬تليفة وا‪ٟ‬تالة ىذه ىو من ا‪٠‬تْلق‪ٔ ،‬تنزلة األب العطوؼ على بنيو‪ ،‬أو األخ الراشد من‬
‫إخوتو وذويو‪ ،‬أشفقهم وأعطفهم عليهم‪ ،‬وأرأفهم وأر‪ٛ‬تهم ُّم‪ ،‬وأنفعهم ‪٢‬تم‪ ،‬وىو ُّذا أحب‬
‫ا‪٠‬تْلق إىل اهلل‪ ،‬وأحظاىم عنده‪ ،‬وأرفعهم شأناً إليو‪ ،‬وأقرُّم زلفى لديو‪.‬‬
‫ذلك ىو مقاـ ا‪٠‬تبلفة الذي َّأىل اهلل تعاىل لو اإلنساف‪ ،‬وطمعت بو ا‪١‬تبلئكة الكراـ‪.‬‬

‫وكاف خ ْلق ا‪ٞ‬تن قد سبق خ ْلق اإلنساف‪ ،‬وإىل ذلك تشَت اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪:‬‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ْص ٍ‬
‫ْج َّ‬
‫آف َخلَ ْقنَاهُ ِمن قَػ ْب ُل ِمن نَّا ِر‬
‫صل َ‬
‫نسا َف من َ‬
‫اؿ ّْم ْن َح َمٍإ َّم ْسنُوف‪َ ،‬وال َ‬
‫{ َولََق ْد َخلَ ْقنَا ا ِإل َ‬
‫السم ِ‬
‫وـ} (<‪ 8‬ػ=‪ )8‬سورة ا‪ٟ‬تجر ‪ .‬وحيث أف إبليس وذريتو أفسدوا ُب األرض بإعراضهم‬
‫َّ ُ‬
‫عن اهلل‪ ،‬لذلك خاطب ا‪١‬تبلئكة رَُّّم بنفوسهم قائلُت‪ ...{ :‬أَتَ ْج َع ُل فِ َيها َمن يػُ ْف ِس ُد فِ َيها‬
‫ّْماء ‪:}...‬أي أيصدر من ىذا ا‪١‬تخلوؽ ما صدر من ا‪ٞ‬تن‪ ،‬ويفعل ما فعلو إبليس‬
‫َويَ ْس ِف ُ‬
‫ك الد َ‬
‫سبّْ ُح بِ َح ْم ِد َؾ‪:}...‬أي ‪٧‬تعل نفوس عبادؾ تسبح ُب‬
‫وذريتو من قبل؟‪َ ...{.‬ونَ ْح ُن نُ َ‬
‫فضلك ٔتا نلقيو فيها من التعريف بإحسانك‪ ،‬وما ُٖتمد عليو من عظيم عنايتك‪ .‬فا‪١‬تلَك‬
‫َ‬
‫يُلقي اإل‪٢‬تاـ بنفسك‪:‬يا عبد اهلل ارجع إىل اهلل‪ٍّ ،‬‬
‫فكر اْتث عن سعادتك‪ ،‬يا نفس ا‪ٝ‬تعي كبلـ‬
‫ك‪:}..‬أي‪ :‬وُّذا ‪٧‬تعل نفوسهم‬
‫ّْس لَ َ‬
‫اهلل‪ ،‬انظري ُب الكوف استديل على اهلل‪َ ..{ .‬ونػُ َقد ُ‬
‫ونطهر قلوُّم لتكوف‬
‫نطهر نفوسهم لك‪ ،‬نسبٍّحهم ٔتا ُٖتمد عليو‪ٍّ ،‬‬
‫طاىرة بإقبا‪٢‬تا عليك‪ ،‬أي‪ٍّ :‬‬
‫صا‪ٟ‬تة لئلقباؿ عليك‪.‬‬
‫فإف جعلتنا خلفاء ظهر منا ا‪٠‬تَت لعبادؾ‪ ،‬وكنا وسطاء ُب إيصاؿ نفوسهم إليك‬
‫والدخوؿ ُّا عليك‪ .‬وىنالك خاطبهم رُّم ٔتا أشارت إليو اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪:‬‬
‫اؿ إِنّْي أَ ْعلَ ُم َما الَ تَػ ْعلَ ُمو َف}(‪ )96‬سورة البقرة‪.‬‬
‫{‪ ...‬قَ َ‬

‫أي‪ :‬إين أعلم من قابلية ىذا اإلنساف وأىليتو ما ال تعلموف‪ .‬آدـ أعلى منكم‪ ،‬وأرقى‬
‫منكم‪ ،‬وكذلك ا‪١‬تؤمن الكامل‪ ،‬أرقى من ا‪١‬تبلئكة الكراـ‪ .‬فاإلنساف لديو أىلية ألف يكوف‬
‫أعلى من كل شيء‪ ،‬لكن الكافر أحط من كل شيء‪ ،‬ىذا وا‪ٟ‬تيواف جاء و َّأدى الوظيفة‪،‬‬

‫فهو ُ‪٬‬تازى ُب الدنيا على شذوذه عنها‪ ،‬وغداً ال نار لو‪ ،‬جزاؤه ىنا فقط‪ ،‬لكن الكافر غداً‬
‫للنار‪ :‬فالكلب خَت من كثَت من ا‪٠‬ت ْلق ‪٦‬تَّن كفروا‪.‬‬
‫وخلق اهلل تعاىل سيدنا آدـ ‪ ‬وأخرجو إىل ىذا الوجود‪ ،‬وقد عظَّم ‪ ‬فضل خالقو‬
‫عليو‪ ،‬وقدَّر إحسانو إليو‪ ،‬وُّذا التقدير والتعظيم َّإتهت نفسو إىل اهلل تعاىل مقبلة عليو‪.‬‬

‫وجهتها انطبعت فيها آثار ما‬
‫ؤتا أف النفس البشرية مثلها كمثل ا‪١‬ترآة الصافية‪ ،‬حيثما َّ‬
‫َّإتهت إليو‪ ،‬لذلك انطبعت ُب نفس سيدنا آدـ ‪ ‬انطباعات من األ‪ٝ‬تاء اإلۤ‪٢‬تية‪ ،‬وُّذا صار‬

‫َس َماء ُكلَّ َها‬
‫لو علم ُّا كلها‪ ،‬وإىل ذلك أشارت اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪َ { :‬و َعلَّ َم َ‬
‫آد َـ األ ْ‬

‫‪ )97( }...‬سورة البقرة‪:‬الرحيم‪ ،‬العليم‪ ،‬القدير‪ ،‬الحليم‪ ..‬أ‪ٝ‬تاء اهلل ا‪ٟ‬تسٌت‪ :‬تلك ىي‬
‫األ‪ٝ‬تاء اليت علَّمها اهلل تعاىل سيدنا آدـ ‪ ‬إ‪٪‬تا ىي أ‪ٝ‬تاء ا‪ٟ‬تضرة اإلۤ‪٢‬تية اليت ٕتعل ‪٦‬تَّن سيكوف‬
‫خليفة اهلل ُب األرض‪ ،‬حقيقاً بذلك ا‪١‬تقاـ جديراً ُّذا ا‪١‬تنصب‪َّ ،‬‬
‫فإف من صار لو علم باسم اهلل‬

‫تعاىل الر‪ٛ‬تن‪ٔ ،‬تا انطبع ُب نفسو من الر‪ٛ‬تة اإلۤ‪٢‬تية‪ ،‬يضحي جديراً بأف يكوف خليفة اهلل ُب‬
‫خْلقو‪ ،‬قاؿ تعاىل مشَتاً إىل ىذه الناحية ‪٥‬تاطباً رسولو سيدنا ‪٤‬تمداً ‪{ :‬فَبِ َما َر ْح َم ٍة ّْم َن الل ِّو‬
‫ظ الْ َقل ِ‬
‫استَػغْ ِف ْر لَ ُه ْم‬
‫نت فَظِّا غَِلي َ‬
‫ك فَا ْع ُ‬
‫ْب الَن َفضُّواْ ِم ْن َح ْولِ َ‬
‫نت لَ ُه ْم َولَ ْو ُك َ‬
‫لِ َ‬
‫ف َع ْنػ ُه ْم َو ْ‬
‫ِ‬
‫ين} (?;‪)7‬‬
‫ت فَػتَػ َوَّك ْل َعلَى الل ِّو إِ َّف الل َّو يُ ِح ُّ‬
‫َو َشا ِوْرُى ْم فِي األ َْم ِر فَِإذَا َع َزْم َ‬
‫ب ال ُْمتَػ َوّْكل َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫سورة آؿ عمراف‪{ .‬لََق ْد َجاء ُك ْم َر ُس ٌ‬
‫يص َعلَْي ُكم‬
‫ُّم َح ِر ٌ‬
‫وؿ ّْم ْن أَن ُفس ُك ْم َع ِز ٌيز َعلَْيو َما َعنت ْ‬
‫بِالْم ْؤِمنِين رُؤ ٌ ِ‬
‫يم } (>‪ ) 78‬سورة التوبة‪.‬‬
‫وؼ َّرح ٌ‬
‫ُ ََ‬
‫فبما انطبع ُب نفس رسوؿ اهلل ‪ ‬من الر‪ٛ‬تة اليت اكتسبها بإقبالو على خالقو‪ ،‬صار ليّناً‬
‫مع ا‪٠‬ت ْلق‪ ،‬لطيفاً ُب معاملتهم‪ ،‬حريصاً على ىدايتهم وداللتهم‪ ،‬رؤوفاً رحيماً ُّم‪ ،‬وذلك‬
‫ما يتطلَّبو مقاـ ا‪٠‬تبلفة من صفات ٖتقَّقت ُب نفس سيدنا ‪٤‬تمد ‪ ،‬وُب نفس سيدنا آدـ‬
‫كل على حسب إقبالو على خالقو‬
‫‪ ‬من قبل‪ ،‬ال بل ُب نفس كل رسوؿ ونيب ومرشد‪ٌّ ،‬‬
‫وقربو منو‪ ،‬ومن مل ٭تصل لو اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬ومل تنطبع ُب نفسو تلك األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬فلم‬
‫يكتسب من خالقو الر‪ٛ‬تة والرأفة‪ ،‬والعدؿ وا‪ٟ‬تلم وا‪ٟ‬تكمة‪ ،‬وغَت ذلك من الصفات‬
‫الكاملة‪ ،‬فليس أىبلً ألف يقوـ ُب ذلك ا‪١‬تقاـ‪ .‬وقد أشار تعاىل إىل ٖتقق ىذه الصفة ُب‬
‫نفوس أصحاب رسولو الكراـ ُب قولو تعاىل‪:‬‬
‫وؿ اللَّ ِو والَّ ِذين معوُ أ ِ‬
‫َش َّداء َعلَى الْ ُك َّفا ِر ُر َح َماء بَػ ْيػنَػ ُه ْم ‪)8?( }...‬‬
‫{ ُّم َح َّم ٌد َّر ُس ُ‬
‫َ َ ََ‬
‫سورة الفتح‪.‬‬
‫ونعود إىل الكبلـ عن سيدنا آدـ ‪ ‬فنقوؿ‪:‬‬

‫لقد صار لسيدنا آدـ ‪ ‬علم بأ‪ٝ‬تاء اهلل تعاىل الرحمن والعادؿ والرؤوؼ والحليم‬
‫والغفور‪ ..‬إىل غَت ذلك من األ‪ٝ‬تاء اإلۤ‪٢‬تية‪ٔ ،‬تا انطبع ُب نفسو الصافية منها‪ ،‬فكاف رحيماً‬
‫وكاف عادالً وكاف حليماً وكاف وكاف‪ ..‬وبذلك استحق ألف يكوف أىبلً لذلك ا‪١‬تقاـ‪.‬‬
‫أما ما يذىب إليو أناس من أف اهلل تعاىل علَّم سيدنا آدـ ‪ ‬القصعة والقصيعة‪ ،‬وأ‪ٝ‬تاء‬
‫ا‪ٟ‬تيوانات والنباتات‪ ،‬وغَت ذلك من ا‪١‬توجودات‪ ،‬فذلك بعيد كل البعد عن ذلك ا‪١‬تعٌت‬
‫العايل الذي تشَت إليو اآلية الكرٯتة‪ ،‬كما َّ‬
‫أف مسرى اآليات ينفي ذلك نفياً قطعياً‪ ،‬فإف‬
‫ا‪١‬تقاـ الذي يقوـ فيو سيكوف خليفة اهلل ُب أرضو وىادياً ومرشداً لعباده‪،‬ال يتطلَّب منو أف‬
‫يعلٍّمو اهلل اسم القصعة والقصيعة‪ ،‬إ‪٪‬تا يتطلَّب منو أف يكوف مصطبغاً قلبو بالرأفة والر‪ٛ‬تة‪،‬‬
‫وغَت ذلك من الصفات الكاملة‪.‬‬

‫ٍب إف اهلل تعاىل أمر سيدنا آدـ ‪ ‬أف يعرض على ا‪١‬تبلئكة األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية اليت‬

‫اصطبغت نفسو بصبغتها‪ ،‬وانطبعت بانطباعات منها‪.‬‬

‫وعرض سيدنا آدـ ‪ ‬على ا‪١‬تبلئكة تلك األ‪ٝ‬تاء‪ ،‬وذلك ما أشارت إليو اآلية الكرٯتة‬
‫ض ُه ْم َعلَى ال َْمبلَئِ َك ِة ‪ :}...‬فسأ‪٢‬تم سيدنا آدـ ‪ ‬عن معاين‬
‫ُب قولو تعاىل‪ ...{ :‬ثُ َّم َع َر َ‬
‫أ‪ٝ‬تاء اهلل ا‪ٟ‬تسٌت‪ :‬القدير‪ ،‬الحليم‪ ،‬العليم‪ ،‬الرحيم‪..‬‬

‫وقد طلب تعاىل من ا‪١‬تبلئكة أف ينبئوه ٔتا تدؿ عليو تلك األ‪ٝ‬تاء‪:‬‬
‫اؿ أَنبِئُونِي بِأَسماء ى ُؤالء إِف ُكنتُم ِ ِ‬
‫ين} (‪ )97‬سورة البقرة‪:‬أي‪ :‬أخربوين‬
‫{‪ ...‬فَػ َق َ‬
‫َْ َ‬
‫ْ َ‬
‫صادق َ‬
‫ٔتدلوالت ومعاين األ‪ٝ‬تاء اليت عرضها عليكم آدـ‪ ،‬فما ا‪١‬تعٌت ا‪١‬تنطوي مثبلً ٖتت اسم‬
‫المهيمن والجبَّار والقهَّار‪ ..‬إىل غَت ذلك من األ‪ٝ‬تاء‪ ،‬ا‪ٝ‬تاً بعد اسم‪ ...{:‬إِف ُكنتُ ْم‬
‫ِِ‬
‫ك‪)98( }...‬‬
‫ين}‪ُ :‬ب أنكم أىل للخبلفة‪ .‬فما كاف منهم إالَّ أف‪{ :‬قَالُواْ ُسْب َحانَ َ‬
‫َ‬
‫صادق َ‬

‫سورة البقرة‪ :‬ما أعظم كمالك وما أعظمك!‪.‬‬
‫ِ‬
‫ْم لَنَا إِالَّ َما َعلَّ ْمتَػنَا‪:}...‬أي‪ :‬ال علم لنا أكثر ‪٦‬تَّا علَّمتنا‪ ،‬فقد أجبنا‬
‫{‪ ...‬الَ عل َ‬
‫كأ َ ِ‬
‫يم‪ :}...‬بنا‬
‫ْتسب ما علمناه بإقبالنا عليك‪ ،‬وْتسب صدقنا معك‪ ...{:‬إِنَّ َ‬
‫َنت ال َْعل ُ‬
‫وبدرجة علمنا بأ‪ٝ‬تائك‪ ...{:‬ال ِ‬
‫يم}‪ :‬عملك كلو ضمن حكمة‪ .‬فأنت ا‪ٟ‬تكيم بفعلك‬
‫َ‬
‫ْحك ُ‬

‫واختيارؾ‪ .‬فما قلنا ما قلناه اعًتاضاً‪ ،‬إ‪٪‬تا طمعاً ُب ذلك ا‪١‬تقاـ‪ ،‬طمعاً بغية التقرب إليك‪،‬‬
‫وأنت أدرى وأعلم ٔتن ىو ُّذا ا‪١‬تقاـ أجدر َوأَلْيَق‪.‬‬
‫عرؼ ا‪١‬تبلئكة بتلك األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية اليت عرضها‬
‫ىنالك أمر اهلل تعاىل سيدنا آدـ ‪ ‬أف يُ ٍّ‬
‫َس َمآئِ ِه ْم‪:}...‬تكلَّ ْم عن أ‪ٝ‬تائي ا‪ٟ‬تسٌت اليت شرحوىا‬
‫عليهم‪{ :‬قَ َ‬
‫اؿ يَا َ‬
‫آد ُـ أَنبِْئػ ُهم بِأ ْ‬
‫عرفهم باأل‪ٝ‬تاء اليت عرضتها عليهم‪ ...{:‬فَػلَ َّما أَنبَأ َُى ْم‬
‫وتكلَّموا عنها‪ :‬أي‪ٍّ :‬‬
‫مفصبلً مبيٍّناً ِع ْل َمو‬
‫عرفهم آدـ ‪ ‬باأل‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية ا‪١‬تعروضة عليهم ٍّ‬
‫َس َمآئِ ِه ْم‪َّ }...‬‬
‫‪:‬فلما َّ‬
‫بِأ ْ‬
‫فبُت ما ينطوي فيها من‬
‫بتلك األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬وتفوقو على ا‪١‬تبلئكة ُب ذلك العلم والبياف‪َّ ،‬‬

‫كماالت اهلل تعاىل ْتسب إقبالو العظيم على ربٍّو‪ ،‬كبلماً سبق بو ا‪١‬تبلئكة أ‪ٚ‬تعُت‪ ،‬فظهر‬
‫اؿ‬
‫تفوقو عليهم‪ ،‬ىنالك خاطبهم رُّم ٔتا أشارت إليو اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪ ...{:‬قَ َ‬
‫ّ‬
‫السماو ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ات َواأل َْر ِ‬
‫ض‪ :}...‬آدـ أعلى منكم‪َ ..{:‬وأَ ْعلَ ُم َما‬
‫ب َّ َ َ‬
‫أَلَ ْم أَقُل ل ُك ْم إنّْي أَ ْعلَ ُم غَْي َ‬

‫تُػ ْب ُدو َف‪ :}...‬اآلف من اإلقرار با‪ٟ‬تق آلدـ‪َ ...{ :‬وَما ُكنتُ ْم تَ ْكتُ ُمو َف} (‪ )99‬سورة البقرة‪:‬‬
‫من طلبكم ا‪٠‬تبلفة ألنفسكم‪.‬‬
‫والغيب‪ :‬كل ما غاب علمو عن ا‪١‬تخلوؽ‪ .‬فكل ما وقع وما سيقع‪ ،‬وكل ما أوجده اهلل‬
‫تعاىل وما سيوجده ُب السموات واألرض‪٦ ،‬تا ال علم للمخلوؽ بو وال إطبلع لو عليو‪ ،‬إ‪٪‬تا‬
‫ىو غيب‪ .‬واهلل تعاىل يعلم غيب السموات واألرض ألنو تعاىل ىو ا‪٠‬تالق ا‪١‬توجد‪ ،‬وكل ما‬
‫فيهما قائم بو تعاىل مستمد ا‪ٟ‬تياة منو‪ ،‬متوقٍّف بقاؤه ووجوده وحدوثو على دواـ إمداد اهلل‬
‫وٕتلٍّيو‪.‬‬
‫وىو تعاىل عليم بكل نفس ؤتا انطوت عليو‪ ،‬فقد علم تعاىل ما انطوت عليو نفوس‬
‫ا‪١‬تبلئكة من العلم‪ ،‬والوظيفة اليت تتناسب مع علمهم‪ ،‬كما علم تعاىل أىلية ىذا اإلنساف‬
‫العظيم ‪ ‬وقابلياتو‪.‬‬
‫أما ا‪١‬تخلوؽ فبل علم لو إالَّ ٔتا يُطلعو اهلل تعاىل عليو‪ ،‬فقد يغيب عنو مثبلً ما ُب نفسو وقد‬

‫ٗتفى عليو درجة علمو ومعرفتو‪ ،‬كما وقع للمبلئكة ‪١‬تا طلبوا ا‪٠‬تبلفة‪ ،‬إذ ظنوا أف لديهم األىلية‬
‫َّ‬
‫لذلك ا‪١‬تقاـ‪ ،‬وغاب عنهم ما عليو سيدنا آدـ ‪ ‬من سبق وتفوؽ ُب ذلك ا‪١‬تضمار‪ ،‬وىنالك‬

‫ويتبُت لنا من‬
‫وبُت ‪٢‬تم درجة علمهم‪ ،‬وأوقفهم على جلية األمر‪َّ .‬‬
‫أراىم اهلل تعاىل ا‪ٟ‬تقيقة‪َّ ،‬‬
‫كلمة {‪َ ...‬وَما ُكنتُ ْم تَ ْكتُ ُمو َف}‪:‬الواردة ُب قولو تعاىل‪َ ...{ :‬وأَ ْعلَ ُم َما تُػْب ُدو َف َوَما ُكنتُ ْم‬
‫تَ ْكتُ ُمو َف} (‪ )99‬سورة البقرة‪:‬أف قوؿ ا‪١‬تبلئكة عندما قالوا‪ ...{ :‬قَالُواْ أَتَ ْج َع ُل ِف َيها َمن يُػ ْف ِس ُد‬
‫ك الدّْماء ونَحن نُ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ك ‪ )96( }...‬سورة البقرة‪ :‬إ‪٪‬تا كاف‬
‫ّْس لَ َ‬
‫سبّْ ُح ب َح ْمد َؾ َونػُ َقد ُ‬
‫ف َيها َويَ ْسف ُ َ َ ْ ُ َ‬
‫سرىم وكتموه ُب أنفسهم‪ ،‬فاطَّلع اهلل تعاىل عليو وخاطبهم بو‬
‫قوالً نفسياً‪ .‬فقد قالوا ذلك ُب ٍّ‬
‫وأراىم من علم سيدنا آدـ ‪ ‬ما أراىم‪ ،‬حىت جعل نفوسهم تقر ْتكمتو تعاىل وٗتضع‬

‫الختياره وعلمو‪ ،‬مستسلمة لو مذعنة إليو‪.‬‬

‫تبُت لنا علمو تعاىل ٔتا أبداه ا‪١‬تبلئكة اآلف‬
‫وكما أف كلمة {‪َ ..‬وأَ ْعلَ ُم َما تُػ ْب ُدو َف‪ٍّ :}...‬‬

‫من اإلقرار با‪ٟ‬تق آلدـ ‪ ،‬وأظهروه من التسليم هلل واإلقرار ْتكمتو ُب اختياره‪ ،‬فكذلك‬
‫وتبُت لنا علمو تعاىل ٔتا‬
‫كلمة {‪َ ...‬وَما ُكنتُ ْم تَ ْكتُ ُمو َف}‪:‬من طلبكم ا‪٠‬تبلفة ألنفسكم‪ٍّ ،‬‬
‫كتموه وأسروه ُب أنفسهم‪.‬‬
‫ليبُت لنا‪ ،‬أف علمو بالسر الذي ٮتفيو ا‪١‬تخلوؽ ُب نفسو‬
‫وقد ذكر لنا تعاىل ىاتُت الكلمتُت ٍّ‬
‫ال ٮتتلف عند اهلل تعاىل عن ا‪ٞ‬تهر الذي يبديو بلسانو‪ ،‬فا‪ٞ‬تهر والسر عند اهلل تعاىل سيَّاف‪.‬‬
‫الس َّر َوأَ ْخ َفى} (=) سورة طۤػو‪.‬‬
‫قاؿ تعاىل‪َ { :‬وإِف تَ ْج َه ْر بِالَْق ْوِؿ فَِإنَّوُ يَػ ْعلَ ُم ّْ‬
‫{وأ ِ‬
‫َس ُّروا قَػولَ ُكم أَ ِو اجهروا بِوِ إِنَّوُ عَلِيم بِ َذ ِ‬
‫الص ُدو ِر‪،‬أ ََال يػَ ْعلَ ُم َم ْن َخلَ َق‬
‫ات ُّ‬
‫ٌ‬
‫ْ ْ‬
‫َ‬
‫َُْ‬
‫و ُىو اللَّ ِط ُ ِ‬
‫ير} (‪ 79‬ػ‪ )7:‬سورة ا‪١‬تلك‪ .‬واآلف وبعد أف بيَّنا ا‪١‬تراد من كلمة {‪..‬‬
‫َ َ‬
‫يف الْ َخب ُ‬
‫َس َماء ‪ )97( }...‬سورة البقرة الواردة ُب اآليات السابقة َّ‬
‫البد لنا من اإلجابة على‬
‫األ ْ‬
‫آد ُـ أَنبِْئػ ُهم‬
‫نلخصو ٔتا يلي‪:‬فإذا َّأولنا قولو تعاىل‪{ :‬قَ َ‬
‫سؤاؿ نستطيع أف ٍّ‬
‫اؿ يَا َ‬
‫َس َمآئِ ِه ْم‪ )99( }...‬سورة البقرة‪:‬أي‪ :‬أنبئهم بأ‪ٝ‬تائي اليت عرضتها عليهم‪ ،‬مع أف‬
‫بِأ ْ‬
‫َس َمآئِ ِه ْم‪ }..‬ومل ترد بأ‪ٝ‬تائي فنقوؿ‪ :‬رأينا أف‬
‫الكلمة قد وردت ُب اآلية الكرٯتة‪ ...{:‬بِأ ْ‬
‫ا‪٢‬تدؼ الذي ترمي إليو القصة‪ ،‬والغاية اليت وردت من أجلها‪ ،‬إ‪٪‬تا ىي بياف ‪ٝ‬تو سيدنا آدـ‬
‫وتفوقو على ا‪١‬تبلئكة الكراـ ُب العلم بأ‪ٝ‬تاء اهلل‪ ،‬ذلك التفوؽ الذي جعلو خليقاً ٔتقاـ‬
‫‪ّ ‬‬
‫َس َماء‬
‫ا‪٠‬تبلفة‪ .‬وقد كنا بيَّنا أف ذلك ا‪٢‬تدؼ يقتضي بأف يكوف ا‪١‬تراد من كلمة {‪ ..‬األ ْ‬

‫‪ :}...‬الواردة ُب ىذه القصة إ‪٪‬تا ىو األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬وإف مسرى القصة ينفي ما سوى‬
‫َس َماء ‪:}...‬نفياً قطعياً‪ ،‬و‪٢‬تذا فتكرار كلمة {‪..‬‬
‫ذلك من ا‪١‬تعاين اليت تتناو‪٢‬تا كلمة‪ ..{ :‬األ ْ‬

‫َس َماء ‪ُ :}...‬ب ىذه القصة إ‪٪‬تا يعٍت األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية دوف سواىا‪ ،‬إذ ىي موضوع‬
‫األ ْ‬
‫ا‪٠‬تطاب و‪٤‬تور القصة‪.‬‬
‫َس َمآئِ ِه ْم‪:}..‬ال تعٍت وا‪ٟ‬تالة ىذه أ‪ٝ‬تاء ا‪١‬تبلئكة‪ ،‬إ‪٪‬تا تعٍت األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية‬
‫وكلمة {‪ ...‬بِأ ْ‬
‫ا‪١‬تعروضة عليهم‪ ،‬ألف معرفة سيدنا آدـ ‪ ‬بأ‪ٝ‬تاء ا‪١‬تبلئكة ال يزيده عند اهلل رفعة‪ ،‬وال ‪٬‬تعلو‬
‫أ‪ٝ‬تى من ا‪١‬تبلئكة منزلة‪.‬‬
‫***‬
‫َس َمآئِ ِه ْم ‪ )99( }...‬سورة‬
‫ولعلَّك تقوؿ‪١:‬تاذا ال ٍّ‬
‫نؤوؿ كلمة {‪ ...‬فَػلَ َّما أَنبَأ َُى ْم بِأ ْ‬
‫البقرة‪:‬أي‪ٔ :‬تا عرفوه ىم من أ‪ٝ‬تاء رُّم فنقوؿ‪:‬لو َّأولنا معٌت اآلية ُّذا التأويل‪١ ،‬تا كاف‬

‫متفوقاً على ا‪١‬تبلئكة ‪ٚ‬تيعاً‪ ،‬ألنو إ‪٪‬تا أنبأىم بشيء‬
‫لسيدنا آدـ ‪ ‬تلك ا‪١‬تكانة اليت ‪ٝ‬تا ُّا ٍّ‬

‫عرفوه من قبل وأدركوه‪ ،‬وُّذا ال يكوف خليقاً بأف يستحق ا‪٠‬تبلفة ويكوف أ‪ٝ‬تى منهم‬
‫مقاماً‪ ،‬ألنو مل يزد على شرح ا‪١‬تبلئكة لؤل‪ٝ‬تاء ا‪١‬تعروضة عليهم شيئاً‪ ،‬وما ىو بذلك البياف‬
‫إالَّ كواحد منهم‪ ،‬ولكنو إ‪٪‬تا أنبأىم بتلك األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية ا‪١‬تعروضة عليهم‪ ،‬مبيٍّناً فيها بياناً‬
‫تفوؽ بو عليهم ‪ٚ‬تيعاً‪.‬‬
‫عالياً َّ‬
‫َس َمآئِ ِه ْم‪:}..‬حسبما وردت ُب‬
‫بقي علينا أف ٍّ‬
‫نبُت الفرؽ ُب ا‪١‬تعٌت بُت كلمة {‪ ...‬بِأ ْ‬
‫اآليات الكرٯتة‪ ،‬وبُت كلمة "بأسمائي" اليت جعلناىا موضوعاً لسؤالنا الذي ‪٨‬تن بصدده‬
‫فنقوؿ‪:‬لو أف ا‪٠‬تطاب ُب اآلية الكرٯتة قد جاء "أنبئهم بأسمائي" بدالً من {‪ ..‬أ َُنبَأ َُى ْم‬
‫َس َمآئِ ِه ْم‪:}...‬الختلف ا‪١‬تعٌت اختبلفاً كلٍّياً‪ ،‬ألف كلمة "أنبئهم بأسمائي" معناىا أنبئهم‬
‫بِأ ْ‬
‫بكل اسم من أ‪ٝ‬تائي على وجو اإلحاطة‪.‬‬

‫ؤتا أنو ليس باستطاعة ‪٥‬تلوؽ أف ٭تيط باسم الر‪ٛ‬تن‪ ،‬فيعلم مبلغ ر‪ٛ‬تة اهلل تعاىل فيُنبٍّئ‬
‫ا‪٠‬تْلق ُّا‪ ،‬وال يستطيع أف ٭تيط أحد باسم العليم‪ ،‬فيعلم علم اهلل تعاىل وينبئ ا‪٠‬تْلق بو‪،‬‬

‫وكذا سائر األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬ولذلك مل ترد اآلية "أنبئهم بأسمائي" إ‪٪‬تا وردت {‪ ..‬أ َُنبَأ َُى ْم‬
‫َس َمآئِ ِه ْم‪:}...‬أي‪ :‬بأ‪ٝ‬تائهم اليت عرضتها عليهم واليت شرحوىا ىم مبيٍّناً مبلغ علمك‬
‫بِأ ْ‬
‫منها‪ ،‬وما ينطوي فيها من الكماؿ ْتسب إقبالك العظيم‪.‬‬
‫وا‪ٟ‬تقيقة أنو ال يعلم أ‪ٝ‬تاء اهلل إالَّ اهلل تعاىل‪ ،‬وال ٭تيط أحد ُّا علماً‪ ،‬إذ ال َّ‬
‫حد ‪٢‬تا وال‬
‫انتهاء‪ ،‬وكل ما ُب األمر أف األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية إ‪٪‬تا يشاىد اإلنساف منها بقدر قربو من اهلل‬
‫حد ما‪،‬‬
‫ويتوسع ُب تعريف غَته بر‪ٛ‬تة اهلل ورأفتو وعلمو وسائر أ‪ٝ‬تائو‪ ،‬وذلك إىل ٍّ‬
‫تعاىل‪َّ ،‬‬
‫واهلل واسع عليم‪.‬‬
‫فكلَّما وصلت إىل درجة من العلم بأ‪ٝ‬تاء اهلل‪ ،‬فهي أوسع وأوسع‪ ،‬وكلما بلغت مرتبة‬
‫ُب ذلك ا‪١‬تضمار‪ ،‬فربّك سبحانو أعلى وأرفع‪ ،‬وفوؽ كل ذي عل ٍم عليم‪.‬‬
‫سبقاً فاقهم فيو‬
‫سبق سيدنا آدـ ‪ُ ‬ب العلم بأ‪ٝ‬تاء اهلل ْ‬
‫أما وقد ظهر للمبلئكة الكراـ ْ‬

‫‪ٚ‬تيعاً‪ ،‬ىنالك أمرىم اهلل تعاىل أف يُقبلوا عليو‪ ،‬بصحبة آدـ ‪ ،‬فيتَّخذوه سراجاً منَتاً‬
‫لنفوسهم‪ ،‬وإماماً ‪٢‬تم ُب إقبا‪٢‬تم عليو تعاىل‪ ،‬لذلك أمر اهلل تعاىل ا‪١‬تبلئكة بالسجود لسيدنا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫آلد َـ‪ )9:( }...‬سورة البقرة‪:‬اطلبوا منو‬
‫اس ُج ُدواْ َ‬
‫آدـ ‪ ،‬قاؿ تعاىل{ َوإِ ْذ قُػلْنَا لل َْمبلَئِ َكة ْ‬
‫أجل‬
‫علي‪ ،‬فتشاىدوا مشاىدات أعلى و َّ‬
‫"بواسطتو" العلم وا‪١‬تعرفة‪ ،‬اربطوا نفوسكم معو لتدخلوا َّ‬
‫ِ ِِ‬
‫يس‪ٞ :}...‬تهلو‪ ،‬إذ مل يكن يعرؼ‬
‫من مشاىداتكم‪ ...{:‬فَ َس َج ُدواْ ‪ :}...‬كلهم‪ ..{:‬إالَّ إبْل َ‬
‫شيئاً عن اهلل‪.‬‬

‫أبلس عليو األمر فما عرؼ عن اهلل إالَّ أنو خالق‪ ...{:‬أ ََىب ‪:}...‬عن السجود‪ ،‬قاؿ أنا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين}(‪ :)1‬ما‬
‫أكرب من آدـ وأعظم منو‪َ ...{:‬و ْ‬
‫استَ ْكَبػ َر‪:}...‬عن آدـ‪َ ...{:‬وَكا َف م َن الْ َكاف ِر َ‬
‫فكر بآيات اهلل‪ ،‬لو َّ‬
‫َّ‬
‫فكر وعظَّم‪٠ ،‬تضع آلدـ وناؿ من الكماالت والسعادة ما ناؿ‪.‬‬

‫ولعلَّك تقوؿ‪ :‬ما ىو ىذا السجود الذي أمر اهلل تعاىل بو مبلئكتو؟‪ .‬وىل يكوف‬

‫السجود ألحد غَت اهلل تعاىل فنقوؿ‪:‬‬
‫(‪ )7‬سورة البقرة‪ :‬اآلية(‪.)9:‬‬
‫(‪ )8‬سورة ا‪ٟ‬تج‪ :‬اآلية(>‪.)7‬‬

‫السجود‪ :‬ىو الطلب ا‪١‬تقروف با‪٠‬تضوع النفسي والتقدير‪ .‬فالسجود هلل تعاىل ىو طلب‬
‫ا‪١‬تعونة منو واإلمداد‪ ،‬وقد أشار تعاىل إىل ىذا ا‪١‬تعٌت ُب مواضع عديدة من القرآف الكرًن‪ ،‬كما‬
‫ِ‬
‫السماو ِ‬
‫بقولو‪{ :‬أَلَ ْم تَػ َر أ َّ‬
‫ات َوَمن ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض َو َّ‬
‫س َوالْ َق َم ُر‬
‫َف اللَّ َو يَ ْس ُج ُد لَوُ َمن في َّ َ َ‬
‫الش ْم ُ‬
‫والنُّجوـ وال ِ‬
‫اب َوَكثِ ٌير ّْم َن الن ِ‬
‫اؿ َو َّ‬
‫الش َج ُر َو َّ‬
‫َّاس َوَكثِ ٌير َح َّق َعلَْي ِو‬
‫ْجبَ ُ‬
‫الد َو ُّ‬
‫َ ُ ُ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫السماو ِ‬
‫ات َواأل َْر ِ‬
‫ض طَ ْوعًا‬
‫ال َْع َذ ُ‬
‫اب‪ )7>(}...‬سورة ا‪ٟ‬تػج‪َ { .‬وللّو يَ ْس ُ‬
‫ج ُد َمن ف ي َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫اآلص ِ‬
‫اؿ*} (;‪ )7‬سورة الرعد‪.‬‬
‫َوَك ْر ًى ا َوظبللُ ُهم بِالْغُ ُد ّْو َو َ‬
‫الشجر يسج َد ِ‬
‫اف} (<) سورة الر‪ٛ‬تن‪ :‬فما سجود الشمس والقمر والنجوـ‬
‫{ َوالن ْ‬
‫َّج ُم َو َّ َ ُ َ ْ ُ‬
‫وا‪ٞ‬تباؿ والشجر والدواب‪ ،‬وما سجود من ُب السموات ومن ُب األرض هلل إال خضوعهم‬
‫لو تعاىل مفتقرين إليو‪ ،‬طالبُت منو دواـ اإلمداد با‪ٟ‬تياة‪ ،‬إذ لو أف ىذا اإلمداد اإل ۤ‪٢‬تي انقطع‬
‫يبق ‪٢‬تم وجود وال أثر‪ ،‬فكل ما ُب الكوف ساجد هلل‬
‫عنهم طرفة عُت لزالوا وانعدموا ومل َ‬
‫مستدًن االستمداد منو واإلقباؿ بنفسو عليو‪.‬‬
‫وىنالك سجود آخر وىو السجود ‪١‬تن تُعظٍّم شأهنم وعلمهم لتستزيد منو‪ ،‬وُّذا‬

‫التعظيم وطلب ا‪١‬تزيد منو‪ ،‬ترتبط نفسك بنفسهم‪ ،‬فإف كانوا مؤمنُت باهلل‪ ،‬دخلت من‬

‫باُّم عليو ‪ ‬وحصل لك الشهود لكماؿ اهلل وتلك ىي الشفاعة‪:‬‬
‫حقيقة الشفاعة‪ :‬إف النفس البشرية بفطرهتا ‪٣‬تبولة على تقدير الكماؿ لكن ىذا‬
‫التقدير والتعظيم يتطلَّب من النفس عيناً تستطيع أف ترى ُّا وتشاىد‪ ،‬إذ بعُت الرأس نرى‬
‫األشياء الظاىرة بواسطة األنوار ا‪١‬تادية كنور الشمس والقمر والكهرباء ووسائط اإلنارة‪.‬‬

‫أما عُت القلب‪ ،‬قلب النفس‪ ،‬فإ‪٪‬تا ترى بنور اهلل ونور رسولو ‪ ،‬نور دائمي أبدي‬
‫متعاظم‪ ،‬ما ىذه األنوار ا‪١‬تادية ٕتاىو إال أنواراً بسيطة ضئيلة تكاد ٕتاىو ال تكوف شيئاً‬
‫وعظُم سلطانو وباىر ألالء‬
‫مذكوراً‪ ،‬وىي أثر بسيط من أنوار ا‪٠‬تالق العظيم جلَّت عظمتو َ‬
‫ا‪١‬تدسم بالغبطة اإل ۤ‪٢‬تية والشفاء النفسي العذب الطيٍّب ا‪١‬تذاؽ‪ .‬فإذا أقبلت‬
‫سناء نوره َّ‬
‫النفس على اهلل بالصبلة واصطبغت بالكماؿ وٖتلَّت بو‪ ،‬فقد أضحت ‪٢‬تا ىذه اإلمكانية‬
‫وتفتَّحت فيها تلك العُت اليت ُ٘ت ٍّكنها من رؤية الكماؿ ومشاىدتو‪ ،‬وينظر ىذا ا‪١‬تؤمن فيمن‬

‫حولو وتقع عينو على أىل الكماؿ ويرى ما ىم فيو من مسايرة لو ُب ىذا الطريق السامي‬
‫سبقاً كاف أكثر لو تقديراً وتعظيماً وأكثر‬
‫فيحبهم‪ ،‬وكلَّما رأى أحداً أكثر منو ُب الكماؿ ْ‬

‫لو حبّاً وعشقاً‪ ،‬وحيث إف رسوؿ اهلل ‪ ‬ىو أسبق ا‪١‬تؤمنُت كافة ُب ىذا ا‪١‬تضمار‪ ،‬وحيث‬

‫إنو ‪ ‬سيّد الكاملُت قاطبةً وأعبلىم مقاماً وأقرُّم إىل اهلل زلفى‪ ،‬لذا ٕتد ىذا ا‪١‬تؤمن ٔتا‬
‫ويعزره ويوقٍّره‪ ،‬فليس‬
‫اصطبغ بو ؤتا اكتسبو من الكماؿ من ربٍّو ٭تب رسوؿ اهلل ‪ ‬ويقدٍّره ٍّ‬

‫أجل شأناً من رسوؿ اهلل ‪ ،‬فإذا ‪ٝ‬تع بذكره‬
‫من ‪٥‬تلوؽ لديو أرفع منزلة وال أ‪ٝ‬تى مقاماً وال ّ‬

‫ت كوميض الربؽ نفسو ‪٨‬تو رسوؿ اهلل ‪ ،‬فإذا ىي‬
‫وسَر ْ‬
‫ىاجت كوامن احملبّة ُب قلبو َ‬
‫مصاحبة لو ومرافقة لنفسو الشريفة‪ ،‬وأحواؿ احملبٍُّت أعظم من أف تُشبَّو بشيء أو ُ٘تثَّل بو‪.‬‬

‫حب رسوؿ اهلل ‪ ،‬وما تزاؿ صلتو بو ‪ ‬وصبلتو عليو ُب‬
‫وما يزاؿ ىذا ا‪١‬تؤمن َّ‬
‫يتدرج ُب ٍّ‬

‫ازدياد وارتقاء‪ ،‬وما يزاؿ ُمتقدٍّماً ُب طريق التقدير والتعظيم واإلجبلؿ‪ ،‬حىت يصل ‪ٟ‬تاؿ‬
‫تشتبك بو النفساف برابطة التقدير واحملبّة واإلجبلؿ لرسوؿ اهلل ‪ ‬وتلك ىي عُت الشفاعة‪،‬‬
‫ونفس رسوؿ اهلل ‪ ‬ىي دوماً مستغرقة ُب حضرة اهلل عندىا يكوف ىذا ا‪١‬تستشفع أىبلً ألف‬

‫يدخل ٔتعية رسوؿ اهلل ‪ ‬على اهلل‪ ،‬وىنالك وُب مثل ىذه اللحظة يرى بنور رسوؿ اهلل ‪،‬‬
‫وإف شئت فقل ٔتن أرسلو اهلل تعاىل سراجاً منَتاً ور‪ٛ‬ت ًة للعا‪١‬تُت‪ ،‬نور اهلل الذي بو يرى طرفاً‬

‫وٮتر ُب حضرة اهلل تعاىل ساجداً ويفٌت ُب رؤية األ‪ٝ‬تاء‬
‫من أ‪ٝ‬تاء اهلل فيهيم ٔتا رأى حبّاً ّ‬
‫اإل ۤ‪٢‬تية فناءً كلٍّياً‪ ،‬إنو يرى اسم الر‪ٛ‬تن وقد غمر بر‪ٛ‬تتو اليت ال هناية ‪٢‬تا الكائنات ‪ٚ‬تيعها‪،‬‬
‫ويرى اسم الرؤوؼ وقد أحاطت رأفتو با‪١‬تخلوقات كلّها‪ ،‬ويرى من أ‪ٝ‬تائو تعاىل ا‪ٟ‬تكيم‬
‫والعليم والعلي الكبَت‪ ،‬وغَت ذلك من األ‪ٝ‬تاء ما ٕتعلو يستغرؽ ُّا استغراقاً‪ ،‬ويستسلم ‪٢‬تذا‬

‫الرب الرؤوؼ الرحيم استسبلماً كلٍّياً‪ ،‬وتكوف صلتو برسوؿ اهلل ‪ ‬وصبلتو عليو قد أوصلتو‬
‫إىل ىذا الفضل اإل ۤ‪٢‬تي العظيم والشهود العايل والغبطة األبدية‪.‬‬
‫فلعمري تلك ىي الشفاعة ا‪ٟ‬ت ّقة‪ ،‬إهنا شفاعة حب وصحبة نفسية لتلك النفس العالية‬
‫الكرٯتة مأخوذة من الشفع‪ :‬وىو أف يقارف شيء شيئاً ويزاوجو مبلزماً إياه‪ ،‬وإىل ىذه‬

‫الصلة النفسية برسوؿ اهلل ‪ ‬وإىل ىذه الشفاعة ا‪ٟ‬تقَّة وىذا االرتباط أشارت اآلية الكرٯتة‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫{إِ َّف اللَّ َو َوَم َبلئِ َكتَوُ يُ َ ُّ‬
‫يما}‬
‫آمنُوا َ‬
‫ين َ‬
‫صلُّوا َعلَْيو َو َسلّْ ُموا تَ ْسل ً‬
‫صلو َف َعلَى النَّب ّْي يَا أَيػُّ َها الذ َ‬
‫(<;) سورة األحزاب‪ .‬صلوا عليو أي‪ِ :‬صلوا أنفسكم بنفسو الشريفة ‪ ،‬ليعرج بكم‬
‫للحضرة اإل ۤ‪٢‬تية ذلك ألف الصبلة صلة بُت العبد وربو وال تتم إالَّ بالوسيط ‪ ،‬واآلية { َوإِ َذا‬
‫الصبلَ َة ‪ )768( }...‬سورة النساء‪ .‬الصبلة ال كما يصلٍّي الناس‬
‫ت لَ ُه ُم َّ‬
‫نت فِي ِه ْم فَأَقَ ْم َ‬
‫ُك َ‬
‫صبلة حركات فقط‪ ،‬الصبلة الصحيحة اليت يكوف فيها رسوؿ اهلل ُب نفسك‪ ،‬تدخل ٔتعيتو‬
‫على اهلل‪ .‬ىذه ىي الصبلة ْتقيقتها‪ .‬ومل يقل تعاىل‪" :‬إذا كنت معهم"‪ ..‬إذاً الصبلة‬
‫الصحيحة تتم بالشفاعة برسوؿ اهلل ‪ ‬فبمعيتو ٖتصل الصلة باهلل‪ .‬الصبلة ‪٬‬تب أف يكوف‬

‫لَتدؾ إليو‬
‫رسوؿ اهلل ‪ ‬بنفسك‪ ،‬إذ يتم الدخوؿ على اهلل بصحبتو وشفاعتو ‪ ‬الذي أرسلو ّ‬

‫تعاىل‪ ،‬يعلٍّمك ‪ ‬الصبلة ُّذه الشفاعة بينك وبينو فيقوؿ لك بعد‪ (:‬بسم اهلل الر‪ٛ‬تن الرحيم‬
‫ِ‬
‫ين}(‪ )8‬سورة الفاٖتة‪ :‬ىذه ىي الصبلة‬
‫ْح ْم ُد لل ِّو‪:}...‬يا أخي‪َ ...{:‬ر ّْ‬
‫) ‪{ :‬ال َ‬
‫ب ال َْعالَم َ‬
‫عندما ُٯتلي عليك أوامر اهلل فًتكع طائعاً خاضعاً هلل العظيم وتسجد طالباً ا‪١‬تعونة من اهلل‬
‫على طاعة اهلل‪ .‬وأنو لوال تلك الصلة والصحبة النفسية برسوؿ اهلل ‪ ،‬ولوال الصبلة عليو ‪١‬تا‬
‫كاف ‪٢‬تذا ا‪١‬تؤمن ىذا السمو والعروج و‪١‬تا حصلت لو ىذه الرؤية والشهود و‪١‬تا سلَّم هلل‬
‫تسليماً‪.‬‬
‫وي رجع ا‪١‬تؤمن من تلك الرحلة النفسية بالصبلة وقد أضاء ُب نفسو قبس من نور اهلل‬
‫أوقده ُب قلبو حبّو ‪٠‬تالقو‪ ،‬بسبب ما رآه من كماؿ اهلل تعاىل‪ ،‬وما شاىده من عطفو‬
‫وحنانو ورأفتو ور‪ٛ‬تتو بسائر عباده‪ ،‬وا‪ٟ‬تق أف احملبة ال تكوف إال بعد الشهود والرؤية‪ ،‬ولكن‬
‫أتدري ماذا يفيد ا‪١‬تؤمن من ىذا النور اإل ۤ‪٢‬تي الذي سطع ُب قلبو؟‪.‬‬
‫إنو يرى ُّذا النور ا‪ٟ‬تقائق ا‪١‬تستكنة من وراء الصور فإذا ىو ال يغًت ٔتظاىر األشياء وال‬
‫ٗتدعو صور الرجاؿ‪ ،‬لقد تفتَّحت منو عُت البصَتة وأضحى ينظر بنور اهلل‪ ،‬فإذا ىو فاروؽ‬
‫يفرؽ بُت ا‪٠‬تَت والشر‪ ،‬وٯتيٍّز ا‪ٟ‬تق من الباطل‪ ،‬يرى ا‪٠‬تَت خَتاً فيحبّو ويهواه وٯتيل إليو‪،‬‬
‫ٍّ‬

‫يتبوأىا كل‬
‫شراً فيعافو ويأنف منو ويزىد فيو‪ ،‬وتلك ىي ا‪١‬تنزلة السامية اليت ‪٬‬تب أف َّ‬
‫والشر ّ‬
‫إنساف وتلك ىي التقوى بالشفاعة اليت حث اهلل تعاىل ا‪١‬تؤمنُت وحضَّهم عليها‪.‬‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬يا أَيػُّها الَّ ِذين آمنوا اتَّػ ُقوا اللَّو و ِ‬
‫آمنُوا بَِر ُسولِ ِو يػُ ْؤتِ ُك ْم كِ ْفلَ ْي ِن ِمن‬
‫َ َُ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫شو َف بِ ِو ويػغْ ِفر لَ ُكم واللَّو غَ ُف ِ‬
‫ِِ‬
‫َّ‬
‫يم} (>‪ )8‬سورة‬
‫ورا تَ ْم ُ‬
‫ََ ْ ْ َ ُ ٌ‬
‫ور َّرح ٌ‬
‫َّر ْح َمتو َويَ ْج َعل ل ُك ْم نُ ً‬
‫ا‪ٟ‬تديد‪.‬‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫آمنُواْ إَف تَػتَّػ ُقواْ اللّوَ يَ ْج َعل لَّ ُك ْم فُػ ْرقَاناً َويُ َك ّْف ْر َعن ُك ْم َسيّْئَاتِ ُك ْم َويَػغْ ِف ْر‬
‫ين َ‬
‫{يا أَيػُّ َها الذ َ‬
‫ض ِل ال َْع ِظ ِيم} ( ?‪ ) 8‬سورة األنفاؿ ‪ .‬وىكذا فالتقوى إ‪٪‬تا ىي استنارة‬
‫لَ ُك ْم َواللّوُ ذُو الْ َف ْ‬
‫بنور اهلل وأثر من آثار استشفاعك برسوؿ اهلل ودخولك ٔتعيتو ‪ُ ‬ب حضرة اهلل تعاىل‪ ،‬لقد‬
‫أضحت نفسك مستنَتة بنور اهلل وكاف ىذا النور اإل ۤ‪٢‬تي وقاية لك من السقوط ُب مهاوي‬
‫الضبلؿ والوقوع ُب ا‪١‬تهالك والشرور‪ ،‬ومن مل ‪٬‬تعل اهلل لو نوراً فما لو من نور‪.‬‬

‫فالشفاعة‪ :‬ىي حاؿ من األحواؿ النفسية‪ .‬فالرسوؿ ‪ ‬الذي أقبل على ربٍّو أعظم‬
‫ٕتل من اهلل‪ ،‬وأشد نور وإمداد‪ ،‬إذا‬
‫وأ‪ٝ‬تى إقباؿ‪ ،‬ىذا الرسوؿ الذي يتوارد عليو أعظم ٍّ‬
‫توجو بنفسو ألصحابو الذين أقبلوا عليو وصدَّقوا برسالتو ؤتا جاءىم بو عن اهلل‪ ،‬فهنالك‬
‫َّ‬
‫يسري ذلك النور اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬بواسطة الرسوؿ ‪ ‬إىل أصحابو وا‪١‬تؤمنُت بو‪ ،‬ويكوف الرسوؿ‬
‫العظيم ُّذا ا‪ٟ‬تاؿ وسيطاً بُت اهلل وخلقو‪ ،‬ووسيلة ٗتفٍّف من شدة ذلك التجلي‪ ،‬فتتمكن‬

‫األنفس من تقبلو وٖتملو‪ .‬وىذه ىي ( حقيقة الشفاعة )‪.‬‬
‫ِ‬
‫قاؿ تعاىل{أُولَئِ َ َّ ِ‬
‫ب َويَػ ْر ُجو َف‬
‫ين يَ ْدعُو َف يَػ ْبتَػغُو َف إِلَى َربّْ ِه ُم ال َْوسيلَةَ أَيػُّ ُه ْم أَقػ َْر ُ‬
‫ك ال ذ َ‬
‫َر ْح َمتَوُ َويَ َخافُو َف َع َذابَوُ ‪ );=( }...‬سورة اإلسراء‪.‬‬
‫وليست الشفاعة للعصاة وال ألىل الكبائر‪ .‬ولو أف اهلل تعاىل ٕتلَّى مباشرة على قلوب‬
‫ٖتمل ذلك‬
‫تقو على ّ‬
‫الناس‪ ،‬ومن دوف وساطة الرسوؿ ‪ ،‬لتص ّدعت نفوسهم‪ ،‬فلم َ‬
‫التجلي اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬و ِ‬
‫صعِق صحب سيدنا‬
‫لصعقوا وا‪٧‬تذبت عقو‪٢‬تم من ذلك النور‪.‬كما ُ‬
‫ُ‬

‫موسى ‪ ‬الذين مل يقدٍّروه با‪١‬تيقات‪ .‬وربك حكيم‪ ،‬ولذلك انتخب الرسل عليهم الصبلة‬
‫والسبلـ الذين كانوا أشد الناس حبّاً لو‪ ،‬وأكثرىم ٖتمبلً لنوره‪ ،‬وسطاء بينو وبُت عباده‪.‬‬

‫ومن ر‪ٛ‬تة اهلل وحنانو على خلقو أف أمر الرسوؿ ‪ ‬بأف يتَّجو بنفسو الشريفة إىل الذين‬
‫آمنوا فيكوف سبباً ُب سرياف ذلك النور اإل ۤ‪٢‬تي إىل قلوُّم‪ ،‬ووسيطاً بينهم وبُت رُّّم‪،‬‬

‫وىنالك وُّذا النور ٖتصل ‪٢‬تم التزكية وا‪١‬تغفرة وينالوف الشفاء النفسي‪ ،‬قاؿ تعاىل‪...{ :‬‬
‫ك س َكن لَّهم واللّو س ِم ِ‬
‫يم} (‪ )769‬سورة التوبة‪ .‬فما‬
‫صبلَتَ َ َ ٌ ُ ْ َ ُ َ ٌ‬
‫ص ّْل َعلَْي ِه ْم إِ َّف َ‬
‫َو َ‬
‫يع َعل ٌ‬
‫سجود أخوة سيدنا يوسف ‪ ‬وأمو وأبيو لو‪ ،‬إالَّ تعظيمهم علمو وتقديره من بعد أف رأوا من‬
‫سبقو إيَّاىم ُب العلم واإلٯتاف‪ ،‬وُّذا التعظيم والتقدير ارتبطت أنفسهم بو‪ ،‬مقبلة معو على اهلل‪،‬‬
‫وإىل ذلك أشارت اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪َ { :‬و َرفَ َع أَبَػ َويْوِ عَلَى الْعَ ْر ِ‬
‫ش َو َخ ُّرواْ لَوُ‬
‫ِ‬
‫اي ِمن قَػبْلُ قَ ْد َج َعلَ َها َربّْي َح ِّقا ‪)766( }...‬‬
‫ُس َّج ًدا َوقَ َ‬
‫اؿ يَا أَبَت َى َذا تَأْ ِويلُ ُر ْؤيَ َ‬
‫سورة يوسف‪.‬‬
‫ويؤيد ىذا ا‪١‬تعٌت أيضاً ما ورد عن سجود السحرة لسيدنا موسى ‪ٔ ،‬تا أشارت إليو‬
‫ف َما‬
‫صَ‬
‫اؾ فَِإذَا ِى َي تَػ ْل َق ُ‬
‫وسى أَ ْف أَل ِْق َع َ‬
‫اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪َ { :‬وأ َْو َح ْيػنَا إِلَى ُم َ‬
‫ك وان َقلَبواْ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين‪َ ،‬وأُل ِْق َي‬
‫ْح ُّق َوبَطَ َل َما َكانُواْ يَػ ْع َملُو َف‪،‬فَػغُلبُواْ ُىنَال َ َ ُ َ‬
‫يَأْف ُكو َف‪،‬فَػ َوقَ َع ال َ‬
‫صاغ ِر َ‬
‫ِِ‬
‫ين} (=‪ 77‬ػ‪ )786‬سورة األعراؼ‪.‬‬
‫َّ‬
‫الس َح َرةُ َساجد َ‬

‫فهؤالء السحرة ‪١‬تا رأوا من سيدنا موسى ‪ ‬ما أبطل سحرىم‪ ،‬على الرغم من كثرة‬
‫عددىم و َّقوة كيدىم‪ ،‬عظَّموا علم سيدنا موسى ‪ ‬وقدَّروه‪ ،‬وأقبلت نفوسهم عليو خاضعة‬

‫لعلمو‪ ،‬وىنالك وُّذا اإلقباؿ النفسي عليو‪ ،‬تبدَّت ‪٢‬تم من وراء تلك النفس الصافية‬
‫ِ‬
‫ين‪،‬‬
‫آمنَّا بِ ِر ّْ‬
‫الطاىرة ا‪ٟ‬تقائق بادية ظاىرة‪ ،‬فما أف أُلقوا ساجدين حىت‪{ :‬قَالُواْ َ‬
‫ب ال َْعالَم َ‬
‫ارو َف} (‪ 787‬ػ‪ )788‬سورة األعراؼ‪ .‬و‪١‬تا ىدَّدىم فرعوف بالتعذيب‬
‫َر ّْ‬
‫ب ُمو َسى َو َى ُ‬
‫والتنكيل والتصليب‪ ،‬خاطبوه ٔتا شهدت نفوسهم من ا‪ٟ‬تق غَت عابئُت‪{ :‬قَالُوا لَن نُّػ ْؤثَِر َؾ‬
‫ِ ِِ‬
‫َعلَى ما جاءنَا ِمن الْبػيّْػنَ ِ‬
‫َنت قَ ٍ‬
‫ات َوالَّ ِذي فَطََرنَا فَاق ِ‬
‫ْحيَا َة‬
‫ْض َما أ َ‬
‫اض إِنَّ َما تَػ ْقضي َىذه ال َ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫ُّ‬
‫الس ْح ِر َواللَّوُ َخ ْيػ ٌر‬
‫آمنَّا بَِربّْػنَا لِيَػغْ ِف َر لَنَا َخطَايَانَا َوَما أَ ْك َرْىتَػنَا َعلَْي ِو ِم َن ّْ‬
‫الدنْػيَا‪،‬إِنَّا َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وت فِ َيها َوَال يَ ْحيى‪َ ،‬وَم ْن يَأْتِِو ُم ْؤِمنًا‬
‫َّم َال يَ ُم ُ‬
‫َوأَبْػ َقى‪،‬إنَّوُ َمن يَأْت َربَّوُ ُم ْج ِرًما فَإ َّف لَوُ َج َهن َ‬

‫الصالِح ِ‬
‫ِ‬
‫ك لَ ُه ُم َّ‬
‫َّات َع ْد ٍف تَ ْج ِري ِمن تَ ْحتِ َها‬
‫ات الْعُلَى‪َ ،‬جن ُ‬
‫الد َر َج ُ‬
‫ات فَأ ُْولَئِ َ‬
‫قَ ْد َعم َل َّ َ‬
‫ِِ‬
‫ك َج َزاء َمن تَػ َزَّكى} (‪ =8‬ػ<=) سورة طۤػو‪.‬‬
‫ين ِف َيها َوذَلِ َ‬
‫ْاألَنْػ َه ُ‬
‫ار َخالد َ‬

‫فيا ترى من أين جاء السحرة ُّذا البياف الذي بيَّنوه‪ ،‬وقد جيء ُّم من ا‪١‬تدائن‬

‫‪٤‬تضرين‪ ،‬وما ‪ٝ‬تعوا من سيدنا موسى ‪ ‬بياناً وال داللة؟‪.‬‬
‫ا‪١‬تختلفة َ‬

‫إنو التعظيم والتقدير لعلمو ‪ ‬جعل نفوسهم ترتبط بنفسو مقبلة على اهلل‪ ،‬وىناؾ‬

‫شاىدوا ما شاىدوا من حقائق‪ ،‬فقالوا ما قالوا من كلمات اليقُت واإلٯتاف‪ ،‬شأهنم ُب ذلك‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫الص ْر َح فَػلَ َّما‬
‫يل لَ َها ا ْد ُخ ِلي َّ‬
‫شأف ملكة سبأ ‪١‬تا عظمت ُم ْلك سيدنا سليماف ‪ ،‬إذ‪{ :‬ق َ‬
‫ح ُّم َم َّرٌد ّْمن قَػ َوا ِر َير ‪ .}...‬وىنالك‬
‫ت َعن َساقَػ ْيػ َها قَ َ‬
‫ش َف ْ‬
‫َرأَتْوُ َح ِسبَْتوُ لُ َّجةً َوَك َ‬
‫ص ْر ٌ‬
‫اؿ إِنَّوُ َ‬
‫استصغرت ملكها‪ ،‬ووقفت موقف ا‪١‬تقدٍّر من ملك سيدنا سليماف ‪ ‬وما ىو عليو من‬
‫شأف عظيم‪ ،‬وما أف نظرت فيو ىذه النظرة‪ ،‬حىت دخلت نفسها على اهلل من باب تلك‬
‫عما ُب نفسها‪ ،‬إذ‪:‬‬
‫النفس الزكية الطاىرة فكاف لساهنا مًت‪ٚ‬تاً َّ‬
‫ب إِنّْي ظَلَم ُ ِ‬
‫ِ‬
‫ين}(‪)::‬‬
‫ت َم َع ُسلَْي َما َف لِلَّ ِو َر ّْ‬
‫ت َر ّْ‬
‫{‪ ...‬قَالَ ْ‬
‫َسلَ ْم ُ‬
‫ت نَػ ْفسي َوأ ْ‬
‫ْ‬
‫ب ال َْعالَم َ‬
‫سورة النمل‪.‬‬

‫متفوقة‬
‫إف ىذه النقطة ا‪٢‬تامة اليت ‪٨‬تن بصددىا وأعٍت ُّا تقدير النفس وإعجاُّا بنفس ٍّ‬
‫عليها ُب ناحية من النواحي‪٢ ،‬تا أثرىا ُب سلوؾ اإلنساف وعليها يتوقَّف سَته وإتاىو ُب‬
‫ىذه ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬ألف النفس ا‪١‬تقدٍّرة ا‪١‬تعجبة إ‪٪‬تا ترتبط دوماً برباط وثيق‪ ،‬وتصاحب صحبة معنوية‬
‫تلك النفس اليت َّ‬
‫قدرهتا وأُعجبت ُّا‪ ،‬وذلك ىو قانوف من قوانُت النفس وسنَّة من سننها‬
‫اليت ر‪ٝ‬تها ‪٢‬تا خالقها وموجدىا‪ ،‬ولن ٕتد لسنَّة اهلل تبديبلً ولن ٕتد لسنَّة اهلل ٖتويبلً‪.‬‬
‫على أف ىذا التقدير واإلعجاب باآلخرين ٮتتلف من شخص إىل شخص ومن نفس‬
‫إىل نفس‪ .‬فكل امرئ إ‪٪‬تا يقدٍّر غَته على حسب ما ٘تيل إليو نفسو وما يهوى‪ .‬فبعض‬
‫وخلُ ِق ِو‪ ،‬أو أي شيء من‬
‫األنفس تقدٍّر غَتىا لعلمو ومعرفتو‪ ،‬أو ملكو وسلطانو‪ ،‬أو كمالو ُ‬
‫األشياء األخرى‪ .‬فلكل امرئ ميوؿ ونواح يهتم ُّا دوف غَتىا‪ ،‬ولذلك تراه ال يقدٍّر إالَّ‬
‫وتفوؽ عليو ُب تلك النواحي‪.‬‬
‫من سبقو ُب تلك ا‪١‬تيوؿ َّ‬

‫فهؤالء إخوة سيدنا يوسف ‪ ‬وكذلك أمو وأبوه إ‪٪‬تا قدَّروا فيو ‪ ‬كمالو‪ ،‬ألف نفوسهم‬
‫كانت هتوى الفضيلة والكماؿ أكثر من كل شيء ُب ىذه ا‪ٟ‬تياة‪.‬‬

‫وأما سحرة فرعوف الذين كانوا علماء بالسحر‪ ،‬فقد قدَّروا علم سيدنا موسى ‪١ ‬تا رأوا منو ما‬
‫أبطل سحرىم ‪ٚ‬تيعاً‪ ،‬فما أف ألقى عصاه ولقفت ما يأفكوف حىت أُلقوا ساجدين‪.‬‬
‫وما سجدت بلقيس ملكة سبأ مقدٍّرة سيدنا سليماف ‪ ‬إالَّ لكوهنا ذات ملك عظيم‪،‬‬
‫فما أف رأت ملكو وتفوقو عليها ُب ىذه الناحية‪ ،‬حىت عظَّمتو َّ‬
‫وقدرتو وارتبطت نفسها بو‬
‫خاضعة هلل تعاىل‪.‬‬
‫أما آثار ىذا التقدير والسجود النفسي‪ ،‬فهي كما رأينا انعكاس ما ُب ىذه األنفس‬

‫السابقة‪ ،‬وانطباعو ُب األنفس ا‪١‬تقدٍّرة‪ .‬فلقد انعكس ما ُب نفس سيدنا يوسف ‪ ‬من السبق‬
‫ُب العلم باهلل و‪٤‬تبتو‪ُ ،‬ب نفوس أبيو وأمو وإخوتو‪ ،‬فكاف ‪٢‬تم إماماً ُب ىذا ا‪١‬تضمار‪.‬‬

‫وانعكس ُب نفوس السحرة ما ُب نفس سيدنا موسى ‪ ‬من إٯتاف ومعرفة‪ ،‬فقالوا ما قالوا‬

‫‪٦‬تا كنَّا أشرنا إليو وبيَّناه‪ ،‬وكذلك األمر بالنسبة ‪١‬تلكة سبأ مع سيدنا سليماف ‪.‬‬

‫وىكذا إذا أنت قدَّرت أي شخص من األشخاص‪ ،‬فبل بد لك من أف تدخل مدخلو‬
‫وترد مورده‪ ،‬وتنعكس أحوالو ُب نفسك‪ .‬فإف كاف من أىل الفسق واإل‪ٟ‬تاد تبدَّى ما فيو ظاىراً‬
‫ُب نفسك بيٍّناً‪ ،‬وإف كاف من أىل الكماؿ واإلٯتاف صرت تشعر ُّذا الكماؿ ودخلت ٔتعيتو‬
‫ُب مداخل اإلٯتاف‪ ،‬و‪٢‬تذا كاف ‪ ‬يقوؿ داعياً‪:‬‬
‫(اللهم ال تجعل لفاجر عندي يداً فيحبو قلبي)(‪.)1‬‬

‫لقد كاف ‪ ‬يدعو ُّذا الدعاء ألنو عرؼ قوانُت النفس وسننها‪ ،‬فكاف ٮتشى من‬
‫وصوؿ ىذا ا‪٠‬تَت إليو على يد بعيد عن اهلل‪ ،‬خوفاً من أف ٯتيل قلبو إليو فتنعكس أحوالو ُب‬

‫نفسو‪ .‬فانظر إىل رسوؿ اهلل ‪ ‬وىو سيد ا‪٠‬ت ْلق‪ ،‬ٮتشى ىذه ا‪٠‬تشية‪ ،‬ويدعو ُّذا الدعاء‪.‬‬

‫لقد كاف ‪ ‬إ‪٪‬تا ٮتشى ذلك حرصاً على صفاء نفسو‪ ،‬أما ‪٨‬تن فما حالنا إذا ملنا بنفوسنا‬
‫(‪ )7‬أخرجو ابن مردويو‪.‬‬

‫مستعظمُت أىل الكفر والفسق واإل‪ٟ‬تاد؟‪ .‬وماذا يكوف عليو حالنا إذا ملنا بقلوبنا إىل‬
‫رسوؿ اهلل ‪َّ ‬‬
‫فقدرناه وعظمناه؟‪.‬‬
‫و‪٦‬تَّا يؤيد لنا ىذا ا‪١‬تعٌت أيضاً ما ورد عنو ‪ ‬حيث يقوؿ‪:‬‬
‫الرجل على دي ِن خليلو‪ ،‬فلْينظر أحدكم َم ْن يخالل)(‪.)1‬‬
‫( ُ‬

‫على أف تقدير رسوؿ اهلل ‪ ‬وتقدير ا‪١‬ترشدين من أىل الكماؿ‪ ،‬ال ٯتكن وال يكوف لك إالَّ‬
‫إذا كنت من أىل الكماؿ‪ ،‬إذ أنو ال يعرؼ الفضل إال ذووه‪ ،‬فإذا أردت أف ٖتصل لك صحبة‬
‫رسوؿ اهلل ‪ ‬النفسية‪ ،‬وأف تكوف برفقتو ا‪١‬تعنوية‪ ،‬فعليك أف ٍّ‬
‫تفكر ُب ىذا الكوف‪ ،‬حىت تصل‬
‫إىل اإلٯتاف ببل إلۤو إال اهلل حق اإلٯتاف‪ .‬فإذا أنت آمنت ُّا حجزتك عن معاصي اهلل‬
‫واستقمت على أمر اهلل‪ ،‬وىناؾ تتولَّد الثقة بنفسك من رضاء اهلل عنك‪ ،‬فتُقبل بنفسك عليو‬
‫تعاىل‪ ،‬وُّذا اإلقباؿ تشتق نفسك الكماؿ من اهلل بالصبلة‪ ،‬فتقدٍّر وتعظٍّم من فاقك ُب‬

‫الكماؿ وتدخل ٔتعيتو على سيد الكاملُت ‪ ،‬وبتقديرؾ لرسوؿ اهلل وارتباطك بو ‪ ‬تدخل‬
‫س ال ُْمط َْمئِنَّةُ‪ْ ،‬ارِج ِعي إِلَى‬
‫نفسك ٔتعيتو على اهلل‪ ،‬وترتقي ُب منازؿ ‪٤‬تبة اهلل‪{ .‬يَا أَيَّػتُػ َها النَّػ ْف ُ‬
‫اضيةً َّمر ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ضيَّةً‪،‬فَا ْد ُخلِي ِفي ِعبَ ِادي‪َ ،‬وا ْد ُخِلي َجنَّتِي} (=‪8‬ػ‪ )96‬سورة الفجر‬
‫َربّْك َر َ ْ‬
‫وىكذا فما سجد ا‪١‬تبلئكة الكراـ ‪١‬تا أمرىم اهلل تعاىل بالسجود لسيدنا آدـ ‪ ‬إالَّ ‪١‬تا‬
‫َّ‬
‫متفوقاً‪ ،‬سجدوا لو ‪ٚ‬تيعاً‪.‬‬
‫فيهم من كماؿ‪ .‬فلما رأوا من علمو وكمالو ما سبقهم بو ٍّ‬
‫أما إبليس فما عرؼ شيئاً من الكماؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬ومل ٭تصل على شيء من العلم بأ‪ٝ‬تاء‬
‫اهلل تعاىل‪ .‬إبليس الذي مل يُقبل على اهلل ُب يوـ من األياـ‪ ،‬ومل تصطبغ نفسو بشيء من‬
‫صبغة الكماؿ‪ ،‬ىذا ا‪ٞ‬تاىل األ‪ٛ‬تق الذي ما قدَّر خالقو ‪١‬تا أمره اهلل تعاىل بالسجود لسيدنا‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (‪ )9:‬سورة البقرة‪.‬‬
‫آدـ ‪ ...{ :‬أَبَى َو ْ‬
‫استَ ْكبَػ َر َوَكا َف م َن الْ َكاف ِر َ‬
‫وقد أشار القرآف الكرًن ُب مواضع أخرى‪ ،‬إىل إباء إبليس واستكباره كما ُب قولو تعاىل‪:‬‬

‫(‪ )7‬أخرجو أبو داود والًتمذي‪.‬‬
‫(‪ )8‬سورة الفجر‪ :‬اآلية(=‪ 8‬ػ‪.)96‬‬

‫ِِ‬
‫ت‬
‫يس قَ َ‬
‫َس ُج ُد لِ َم ْن َخلَ ْق َ‬
‫اؿ أَأ ْ‬
‫فَ َس َج ُدواْ إَالَّ إبْل َ‬
‫َِّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يس‬
‫ْم َبلئِ َكة ْ‬
‫لل َ‬
‫اس ُج ُدوا آل َد َـ فَ َ‬
‫س َج ُدوا إال إبْل َ‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫آلد َـ‬
‫اس ُج ُدواْ َ‬
‫{ َوإِ ْذ قُػلْنَا لل َْمآلئِ َكة ْ‬
‫ِطينًا} (‪ )<7‬سورة اإلسراء‪َ { .‬وإِ ْذ قُػلْنَا‬
‫ِ ِ‬
‫س َق َع ْن أ َْم ِر َربّْ ِو ‪ );6( }...‬سورة الكهف‪.‬‬
‫َكا َف م َن الْج ّْن فَػ َف َ‬

‫وأنت ترى من خبلؿ ىذه اآليات الكرٯتة أف إباء إبليس واستكباره عن السجود‪ ،‬إ‪٪‬تا‬

‫ىو شيء ناشئ من كفره ٓتالقو‪ ،‬ولذلك عمي عن ا‪ٟ‬تق وأبلس عليو األمر‪ ،‬وخفي عنو ما‬

‫عليو سيدنا آدـ ‪ ‬من الكماؿ‪.‬‬

‫كما ترى أف إبليس مل يكن رئيس ا‪١‬تبلئكة‪ ،‬كما يزعم فريق من الناس‪ ،‬بل كاف من‬
‫ا‪ٞ‬تن‪ ،‬ومل يكن لو عرؼ بعظمة خالقو‪ ،‬ولذلك فسق عن أمر ربو‪.‬‬
‫وخلو النفس من الكماؿ‪٬ ،‬تعل نظر النفس ٔتعزؿ عن رؤية ا‪ٟ‬تقائق‪ ،‬قاصراً‬
‫ٍب إف الكفر ّ‬
‫على رؤية الصور متعلٍّقاً باألوىاـ‪ ،‬فقد احتج إبليس بأف النار خَت من الطُت‪ ،‬ومل يد ِر أف العلم‬
‫باهلل ىو الذي يرفع شأف صاحبو‪ ،‬و‪٬‬تعلو يسمو على ا‪١‬تخلوقات‪ .‬وقد أشار تعاىل إىل‬
‫احتجاب الكافرين عن رؤية ا‪ٟ‬تقائق ومعرفة رسل اهلل‪ٔ ،‬تا بيَّنتو اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪:‬‬
‫ك و ُىم الَ يػ ْب ِ‬
‫ص ُرو َف} (>?‪ )7‬سورة األعراؼ‪.‬‬
‫{‪َ ...‬وتَػ َر ُ‬
‫اى ْم يَنظُُرو َف إِلَْي َ َ ْ ُ‬
‫َنت‬
‫ومن ذلك أيضاً ما خاطبت بو أىل مدين رسو‪٢‬تا سيدنا شعيباً ‪{ :‬قَالُوا إِنَّ َما أ َ‬
‫ِ‬
‫شر ّْمثْػلُنَا وإِف نَّظُن َ ِ‬
‫ِِ‬
‫ين} (;>‪ 7‬ػ<>‪)7‬‬
‫ين‪َ ،‬وَما أ َ‬
‫َنت إَِّال بَ َ ٌ‬
‫َ‬
‫ُّك لَم َن الْ َكاذب َ‬
‫م َن ال ُْم َس َّح ِر َ‬
‫سورة الشعراء‪.‬‬

‫وكذلك قوـ عاد و‪ٙ‬تود‪ ،‬وذلك ىو أيضاً قوؿ كل كافر ال يؤمن باهلل‪ ،‬وحاؿ كل بعيد‬
‫يتبُت لنا َّ‬
‫أف معرفة رسل اهلل عليهم الصبلة والسبلـ وتقديرىم‪ ،‬وكذلك‬
‫عن اهلل‪ .‬ومن ىنا َّ‬
‫الصادقُت من أىل اإلرشاد‪ ،‬ال تكوف إالَّ بعد الوصوؿ إىل اإلٯتاف باهلل‪ ،‬ذلك اإلٯتاف‬
‫ا‪١‬تقروف بالعقل‪ .‬فإذا عظَّم اإلنساف اهلل تعاىل‪ ،‬ورأى منو الفضل واإلحساف‪ ،‬فهنالك يقبل‬
‫عليو ويشتق منو الكماؿ‪ ،‬وعندئذ يعظٍّم أىل الكماؿ‪ ،‬فهو سبحانو وتعاىل األوؿ واآلخر‪،‬‬
‫ومن يؤمن باهلل يهد قلبو‪ ،‬ومن يؤمن باهلل فقد رشد وىدي إىل صراط مستقيم‪.‬‬

‫ٍب إف اهلل تعاىل أمر سيدنا آدـ ‪ ‬أف يسكن وزوجو ا‪ٞ‬تنَّة‪ ،‬وإىل ذلك أشارت اآلية‬
‫الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪:‬‬

‫ث ِش ْئتُ َما َوالَ تَػ ْق َربَا‬
‫ْجنَّ َة َوُكبلَ ِم ْنػ َها َرغَداً َح ْي ُ‬
‫َنت َوَزْو ُج َ‬
‫اس ُك ْن أ َ‬
‫{ َوقُػلْنَا يَا َ‬
‫آد ُـ ْ‬
‫ك ال َ‬
‫ِ َّ ِ ِ‬
‫َى ِذهِ َّ‬
‫ين} (;‪ )9‬سورة البقرة‪:‬كانت نفس سيدنا آدـ وزوجو‬
‫الش َج َرَة فَػتَ ُكونَا م َن الْظالم َ‬

‫عليهما السبلـ البسةً جسديهما الشريفُت‪ ،‬فكاف نعيمهما من الدنيا ذوقيّاً‪ ،‬وما كاف‬
‫الثمر ليدخل جوفيهما‪ ،‬الدخوؿ للجوؼ ٭تتاج ‪٢‬تضم وعمل‪.‬‬
‫وليس ا‪١‬تراد من ا‪ٞ‬تنَّة ما يتبادر لبعض األذىاف من َّ‬
‫أف سيدنا آدـ ‪ ‬كاف ُب بادئ‬
‫األمر ُب مكاف مرتفع ُب السموات‪ٍ ،‬ب أىبطو اهلل تعاىل إىل األرض اليت ‪٨‬تن عليها‪.‬‬
‫فإف مسرى اآليات ينفي ذلك‪ ،‬وليس ىذا الظن ٔتطابق للحقيقة ُب شيء‪ ،‬فاهلل تعاىل‬
‫ذكر لنا ُب أوؿ ىذه القصة أنو أخرب ا‪١‬تبلئكة بأنو جاعل ُب األرض خليفة‪ ،‬وقاؿ تعاىل‪:‬‬
‫{‪ ...‬إِنّْي َخالِ ٌق ب َ ِ ِ‬
‫ص ۤۤ‪ .‬والطُت ُب األرض ال ُب‬
‫ش ًرا من طي ٍن} (‪ )=7‬سورة ۤ‬
‫َ‬
‫السموات‪ .‬كما أف اآليات اليت ذكرىا اهلل تعاىل ُب القرآف الكرًن مبيٍّناً فيها أصل اإلنساف وبدء‬
‫وتبُت أف اإلنساف أوؿ ما ُوِج َد على األرض اليت ‪٨‬تن عليها اآلف‪،‬‬
‫خلقو تنفي ذلك أيضاً‪ٍّ ،‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫آد َـ َخلَ َقوُ ِمن تػُر ٍ‬
‫اؿ لَوُ ُكن‬
‫اب ثِ َّم قَ َ‬
‫يسى عن َد الل ِّو َك َمثَ ِل َ‬
‫َ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬إ َّف َمثَ َل ع َ‬
‫فَػيَ ُكو ُف} (?;) سورة آؿ عمراف‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫{ َواللَّوُ أَنبَتَ ُكم ّْم َن ْاأل َْر ِ‬
‫اجا} (=‪ 7‬ػ>‪)7‬‬
‫ض نَػبَاتًا‪،‬ثُ َّم يُعي ُد ُك ْم ف َيها َويُ ْخ ِر ُج ُك ْم إِ ْخ َر ً‬
‫سورة نوح‪.‬‬
‫شأَ ُكم ّْم َن األ َْر ِ‬
‫استَػ ْع َم َرُك ْم فِ َيها ‪ )<7( }...‬سورة ىود‪.‬‬
‫{‪ُ ...‬ى َو أَن َ‬
‫ض َو ْ‬
‫{ ِم ْنػ َها َخلَ ْقنَا ُك ْم َوفِ َيها نُِعي ُد ُك ْم َوِم ْنػ َها نُ ْخ ِر ُج ُك ْم تَ َارًة أُ ْخ َرى} (;;) سورة طۤػو‪.‬‬
‫فاهلل تعاىل خلق سيدنا آدـ وزوجو من األرض وأسكنهما فيها وكاف ‪٢‬تما ُب األرض‬
‫جنَّة‪ .‬وا‪ٞ‬تنَّة ىي ذلك النعيم النفسي ا‪١‬تستور الذي ‪٬‬تده اإلنساف ُب قرارة نفسو‪ ،‬وال يطَّلع‬
‫عليو أحد من الناس‪.‬‬

‫فكاف لسيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو إقباؿ على اهلل ووجهة إليو‪ ،‬وشهود لذلك الكماؿ اإل ۤ‪٢‬تي‬
‫الذي ال يعادلو نعيم وال سرور‪ ،‬وذلك ما نستطيع أف نفهمو من كلمة "جنَّة"‪ ،‬ألف النفس‬

‫البشرية ا‪١‬تؤمنة ال ٕتد ‪٢‬تا سروراً وال نعيماً وال تطمئن بشيء كسرورىا ونعيمها واطمئناهنا‬
‫بالنظر إىل ‪ٚ‬تاؿ خالقها‪ ،‬وشهود كمالو األسٌت "األعلى"‪.‬‬

‫وقد استغرؽ سيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو ُب ذلك النعيم النفسي وسكن فيو‪ ،‬وىو يومئذ ُب‬

‫حاؿ ‪٥‬تالف للحاؿ ا‪١‬تادي الذي ‪٨‬تن اآلف نعيش فيو‪.‬‬
‫وإذا كاف لئلنساف نفس وروح وجسد‪ ،‬وكانت نفس اإلنساف اآلف ُب عامل الدنيا ‪٤‬تاطة‬
‫ّتسمها ‪٤‬تبوسة فيو‪ ،‬فهي تُبصر عن طريق العينُت‪ ،‬وتسمع عن طريق األذنُت‪ ،‬وتذوؽ‬

‫بواسطة اللساف‪ .‬وإذا كاف حالنا ا‪ٞ‬تسمي اآلف غالب على ا‪ٟ‬تاؿ النفسي فبل يعيش ىذا‬
‫اإلنساف ما مل ينل ا‪ٞ‬تسم حظو‪ ،‬من مطعم ومشرب وملبس‪ ،‬إذ ال بد من أف يبذؿ ا‪ٞ‬تسم‬
‫‪٣‬تهوداً للحصوؿ على ما ٭تتاجو‪ٍ ،‬ب ىو إىل جانب ذلك ْتاجة إىل الراحة والنوـ‪.‬‬

‫فقد كاف سيدنا آدـ ‪ ‬وكذلك زوجو ‪١‬تا خلقو اهلل تعاىل وأوجده‪ُ ،‬ب حاؿ ‪٥‬تالف ‪١‬تا‬

‫‪٨‬تن عليو اآلف‪ ،‬ألف نفسو كانت ‪٤‬تيطة ّتسدىا‪ ،‬كما ٭تيط ‪٢‬تب الشمعة بالفتيل من كل‬
‫جانب‪ ،‬وال حاجة لو وا‪ٟ‬تالة ىذه ألذف تسمع أو عُت تُبصر أو لساف يذوؽ بو‪ ،‬بل‬
‫كانت نفسو كلها لساناً و‪ٝ‬تعاً وبصراً‪ ،‬وما كاف جسده يومئذ ْتاجة إىل شيء من‬
‫األشياء‪ ،‬فبل جوع وال ظمأ‪ ،‬وال حر وال برد‪ ،‬وال تعب وال نصب‪ .‬فالنفس البسة جسدىا‬
‫‪٤‬تيطة بو وحا‪٢‬تا غالب عليو‪ ..‬إقباؿ دائم على اهلل مستمر ال ينقطع‪ ،‬ولعمري ذلك حاؿ‬

‫أىل ا‪ٞ‬تنة ُب ا‪ٞ‬تنَّة غداً‪ ،‬قاؿ تعاىل مشَتاً إىل ذلك ا‪ٟ‬تاؿ الذي كاف عليو سيدنا آدـ ‪ُ ‬ب‬
‫بدء ا‪ٟ‬تياة‪:‬‬
‫ِ‬
‫ْجن َِّة فَػتَ ْش َقى‪ ،‬إِ َّف‬
‫ك َولَِزْو ِج َ‬
‫آد ُـ إِ َّف َى َذا َع ُد ّّو لَّ َ‬
‫{فَػ ُقلْنَا يَا َ‬
‫ك فَ َبل يُ ْخ ِر َجنَّ ُك َما م َن ال َ‬
‫ض َحى} (=‪ 77‬ػ?‪ )77‬سورة‬
‫ك َال تَظ َْمأُ فِ َيها َوَال تَ ْ‬
‫وع فِ َيها َوَال تَػ ْع َرى‪َ ،‬وأَنَّ َ‬
‫لَ َ‬
‫ك أ ََّال تَ ُج َ‬
‫طۤػو‪.‬‬

‫أما ذلك األكل الذي يأكلو وىو ُب ىذا ا‪ٟ‬تاؿ النفسي وإف شئت فقل وىو ُب ا‪ٞ‬تنَّة‪،‬‬
‫فقد كاف أكبلً ذوقياً‪ ،‬وىو أيضاً أكل اإلنساف ُب الدار اآلخرة ُب ا‪ٞ‬تنَّة‪ .‬فالنفس احمليطة‬

‫فتتذوقها ذوقاً مستمراً متواصبلً‪ ،‬كما ٘تتد‬
‫با‪ٞ‬تسد ٘تتد أشعتها يومئذ إىل الفواكو واأل‪ٙ‬تار َّ‬
‫أشعة الشمس إىل أعماؽ ا‪١‬تياه فتخالطها وتسري ُّا‪ ،‬دوف أف يدنو جرـ الشمس منها‪.‬‬
‫وىذا الذوؽ ا‪١‬تتواصل وىذا األكل قد يدوـ أشهراً وحيناً طويبلً وال يشعر معو اإلنساف‬
‫بثقل أو شبع‪ ،‬وكلما زادت النفس من خالقها قرباً‪ ،‬زادت ذوقاً ٔتا تأكلو من أشياء‬
‫وتضاعفت لذهتا‪ ،‬إذ على حسب صحة النفس وسرورىا‪ ،‬يكوف ذوقها و٘تتعها‪.‬‬

‫ذلك ىو حاؿ أىل ا‪ٞ‬تنَّة وىو حاؿ سيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو ‪١‬تا أسكنهما اهلل تعاىل‬
‫َّ‬
‫األرض‪ .‬لقد كانا ُب جنَّة النعيم بشهود ا‪ٞ‬تماؿ اإل ۤ‪٢‬تي العظيم‪ ،‬وإىل جانب ذلك كانت‬
‫تتذوؽ تذوقاً مستمراً شامبلً‪ ،‬فبل ٕتد ثقبلً وال ضيقاً‪.‬‬
‫نفسا‪٫‬تا تأكل من األرض رغداً‪ ،‬أي َّ‬
‫ولقد هنى اهلل تعاىل سيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو عن أف يقربا الشجرة‪ ،‬أي‪ :‬أف ال يضعا مادة‬
‫الثمر ُب فيهما‪ ،‬ألف دخوؿ ا‪١‬تادة إىل الفم ومن بعد ذلك إىل ا‪ٞ‬توؼ‪ ،‬٭تتاج إىل مضغ‬

‫يتحوؿ اإلنساف من حاؿ إىل حاؿ‪ ،‬فيصبح ا‪ٟ‬تكم للجسم‪ ،‬وتنقلب‬
‫وىضم‪ ،‬ومن ٍب َّ‬
‫النفس إىل الداخل‪ ،‬فتصبح ‪٤‬تاطة بعد أف كانت ‪٤‬تيطة‪ ،‬ويتطلَّب ذلك من اإلنساف جهداً‬
‫وعمبلً وسعياً وراء تأمُت حاجات ا‪ٞ‬تسم‪ ،‬وضروراتو ا‪١‬تادية‪ ،‬وذلك ما عنتو اآلية الكرٯتة ُب‬
‫قولو تعاىل‪:‬‬
‫ِ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫{‪َ ...‬والَ تَػ ْق َربَا َى ِذهِ َّ‬
‫ين} (;‪ )9‬سورة البقرة‪:‬لنفسكما‬
‫الش َج َرةَ فَػتَ ُكونَا م َن الْظالم َ‬

‫فتتعباف بالعمل‪ .‬أي‪ :‬ال تدنيا ‪ٙ‬ترىا من فيكما وجسديكما‪ ،‬بل َّ‬
‫تذوقا وُكبل منها أكبلً‬
‫عرضتما‪٫‬تا‬
‫ذوقياً‪ .‬أما إذا وضعتما الثمر ُب فيكما فتكونا من الظا‪١‬تُت لنفسيكما‪ ،‬إذ َّ‬
‫للتعب والنصب‪ ،‬والسعي وراء تأمُت حاجات ا‪ٞ‬تسم‪ .‬نعم‪ ،‬كانت نفسا سيدنا آدـ وزوجو‬
‫عليهما السبلـ‪ ،‬البسةً جسديهما الشريفُت‪ ،‬فكاف نعيمهما من الدنيا ذوقيّاً‪ ،‬وما كاف‬
‫الثمر ليدخل جوفيهما‪ ،‬إذ الدخوؿ للجوؼ يتطلَّب ا‪٢‬تضم والتعب‪.‬‬

‫وقد َّ‬
‫حذر‪٫‬تا اهلل تعاىل من الشيطاف وعداوتو‪ ،‬وذلك ما أشارت إليو اآلية الكرٯتة اليت‬
‫أوردناىا آنفاً وىي قولو تعاىل‪:‬‬
‫ِ‬
‫ْجن َِّة فَػتَ ْش َقى}‬
‫ك َولَِزْو ِج َ‬
‫آد ُـ إِ َّف َى َذا َع ُد ّّو لَّ َ‬
‫{فَػ ُقلْنَا يَا َ‬
‫ك فَ َبل يُ ْخ ِر َجنَّ ُك َما م َن ال َ‬
‫(=‪ )77‬سورة طۤػو‪ .‬وسكن سيدنا آدـ ‪ ‬كما بيَّنا من قبل‪ ،‬وسكنت زوجو ذلك النعيم‪،‬‬
‫نعيم اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬والتمتع بشهود ذلك ا‪ٞ‬تماؿ اإل ۤ‪٢‬تي العظيم‪ ،‬ال يبغياف عنو حوالً‪.‬‬
‫وىل يعدؿ النظر إىل وجو اهلل نعيم؟‪ .‬أـ ىل يرضى عنو ا‪١‬تؤمن ببديل؟‪ .‬وىنا ومن ىذه‬
‫ليحوؿ ذلك النيب الكرًن عن‬
‫النقطة أراد الشيطاف أف يتَّخذ لنفسو مدخبلً يدخل منو‪ٍّ ،‬‬
‫س إِلَْي ِو َّ‬
‫آد ُـ َى ْل‬
‫الش ْيطَا ُف قَ َ‬
‫اؿ يَا َ‬
‫خالقو‪ ،‬ويزلّو عن ذلك ا‪ٟ‬تاؿ الذي ىو فيو‪{ :‬فَػ َو ْس َو َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْد ومل ٍ‬
‫ْك َّال يَػ ْبػلَى} (‪ )786‬سورة طۤػو‪.‬‬
‫َدلُّ َ‬
‫أُ‬
‫ك َعلَى َش َج َرة الْ ُخل َ ُ‬
‫أي‪ :‬ىل أدلك على الشجرة اليت إف أكلت منها‪ ،‬كانت سبباً ُب خلودؾ ُب ىذا النعيم وملكت‬

‫ىذا ا‪ٟ‬تاؿ؟‪ .‬فلم تنقطع نفسك عن ذلك اإلقباؿ على اهلل والوجهة الدائمة إليو‪.‬‬
‫فأقسم الشيطاف باهلل العظيم لسيدنا آدـ وزوجو‪ ،‬أنو ‪٢‬تما ‪١‬تن الناصحُت‪ ،‬وال يقدٍّر العظيم إال‬

‫العظيم‪ ،‬لذا غلب على سيدنا آدـ ‪ ‬حبّو هلل‪ ،‬فأنساه ذلك ا‪ٟ‬تب وصية اهلل‪ ،‬قاؿ تعاىل‪:‬‬
‫آد َـ ِمن َقػْب ُل َفػنَ ِس َي َولَ ْم نَ ِج ْد لَوُ َع ْزًما} (;‪ )77‬سورة طۤػو‪ .‬أي نسي وصيتنا‬
‫{ َولََق ْد َع ِه ْدنَا إِلَى َ‬
‫نسياناً‪ ،‬ومل ‪٧‬تد لو عزماً وتصميماً على ‪٥‬تالفتنا‪ ،‬أي على ا‪١‬تعصية‪.‬‬
‫وكذلك ا‪ٟ‬تاؿ بالنسبة لزوجو‪ ،‬فأكبل من الشجرة‪ ،‬أي‪ :‬طعما ‪ٙ‬ترىا ووضعاه ُب فيهما حبّاً باهلل‪،‬‬
‫وبذلك انقلبت نفسا‪٫‬تا من حاؿ إىل حاؿ‪.‬‬
‫لقد ‪ٟ‬تقت النفس ا‪١‬تادة الداخلة‪ ،‬وأصبحت ‪٤‬تاطة با‪ٞ‬تسم‪ ،‬بعد أف كانت ‪٤‬تيطة بو‪ ،‬فإذا ‪٫‬تا ُب‬
‫ىذا ا‪ٟ‬تاؿ الذي ‪٨‬تن فيو اآلف‪ ،‬يؤ‪١‬تهما ا‪ٞ‬توع ويشتد عليهما الظمأ‪َ ...{ .‬فػلَ َّما ذَاقَا َّ‬
‫ت‬
‫الش َجَرةَ بَ َد ْ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اد ُاى َما َربػُّ ُه َما أَلَ ْم أَْنػ َه ُك َما َعن تِْل ُك َما‬
‫ْجن َِّة َونَ َ‬
‫لَ ُه َما َس ْوَءاتُػ ُه َما َوطَفَقا يَ ْخصَفاف َعلَْي ِه َما من َوَرؽ ال َ‬
‫الش َجَرةِ َوأَقُل لَّ ُك َما إِ َّف َّ‬
‫َّ‬
‫سنَا َوإِف لَّ ْم تَػ ْغِف ْر لَنَا َوتَػ ْر َح ْمنَا‬
‫الشْيطَآ َف لَ ُك َما َع ُدّّو ُّمبِ ٌ‬
‫ين‪ ،‬قَاالَ َربػَّنَا ظَلَ ْمنَا أَن ُف َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (‪88‬ػ‪ )89‬سورة األعراؼ‪.‬‬
‫لَنَ ُكونَ َّن م َن الْ َخاس ِر َ‬

‫وقد أشارت اآلية الكرٯتة التابعة لآليات اليت ‪٨‬تن بصددىا ُب سورة البقرة إىل ىذا ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي‪،‬‬
‫الذي أصبح فيو سيدنا آدـ وزوجو‪ ،‬ذلك ألف الشيطاف ببعده عن اهلل‪ ،‬صار حسوداً منحطاً‪ ،‬دفعو‬
‫فحو‪٢‬تما‪{ :‬فَأ ََزلَُّه َما َّ‬
‫الشْيطَا ُف َعْنػ َها فَأَ ْخَر َج ُه َما ِم َّما َكانَا فِ ِيو ‪ )9<( }...‬سورة البقرة‪.‬‬
‫ا‪ٟ‬تسد َّ‬
‫قاؿ يا آدـ‪ :‬ربّك ما هناؾ عن الشجرة‪ ،‬فإف أكلت خلدت ُب النعيم‪ ،‬وحيث أنو مل‬
‫يكن لسيدنا آدـ ‪ ‬فكر‪ ،‬نسي أمر اهلل وأكل‪ ،‬فدخلت نفسو للداخل‪ ،‬و َّ‬
‫انسد عليو‬
‫اإلقباؿ على اهلل‪.‬‬

‫وا‪١‬تراد بكلمة {فَأ ََزلَُّه َما َّ‬
‫الشْيطَا ُف َعْنػ َها‪:}...‬أي جعلهما ينزالف وينتقبلف من تلك ا‪ٟ‬تالة‬
‫النفسية الذوقية‪ ،‬إىل ا‪ٟ‬تالة ا‪ٞ‬تسمية‪ ،‬وبذلك أخرجهما ‪٦‬تا كانا فيو من أكل ذوقي ونعيم معنوي‪،‬‬
‫فأصبحت ‪٢‬تما حاجات جسمية‪ ،‬ومطالب مادية ما كانا يهتماف ُّا من قبل‪.‬‬
‫ض َع ُد ّّو َولَ ُك ْم فِي األ َْر ِ‬
‫ض ُك ْم لِبَػ ْع ٍ‬
‫ض ُم ْستَػ َق ّّر َوَمتَاعٌ إِلَى‬
‫{‪َ ...‬وقُػلْنَا ْاىبِطُواْ بَػ ْع ُ‬
‫ِحي ٍن} (<‪ )9‬سورة البقرة ‪ .‬وأما كلمة {‪َ ...‬وقُػلْنَا ْاىبِطُواْ‪ :}...‬من ا‪ٟ‬تاؿ النفسي‪ ،‬أي‪:‬‬
‫انزلوا إىل ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا حياة السعي وراء الرزؽ‪ ،‬والعمل لتأمُت ما تقتضيو ىذه ا‪ٟ‬تياة‬
‫من حاجات ومطالب‪ ،‬ذلك ىو ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تديد الذي صار إليو سيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو‪،‬‬

‫وصار إليو بنوه من بعده‪ ،‬وىو كما نعلم ‪٥‬تتلف كل االختبلؼ عن ا‪ٟ‬تاؿ األوؿ الذي كانا‬
‫فيو‪.‬‬
‫ض ُك ْم لِبَػ ْع ٍ‬
‫ض َع ُد ّّو‪ :}...‬الكافر يُعادي ا‪١‬تؤمن‪ ،‬فتفيد أف ا‪ٟ‬تكمة‬
‫أما كلمة {‪ ...‬بَػ ْع ُ‬
‫من ىذه القصة كلها إ‪٪‬تا ىي إظهار عداوة إبليس وذريتو ا‪١‬تعرضُت عن اهلل ‪٢‬تذا النوع‬
‫البشري‪ .‬فالذين يتبعوف كبلـ اهلل من بٍت اإلنساف سَتوف من بعد ما فعلو إبليس وما قاـ‬
‫يحولو عن اهلل‪ ،‬فبل يغًتوف بو وال يستطيع‬
‫بو من تغرير سيدنا آدـ ‪ ‬وحلف لو كذباً باهلل لِ ٍّ‬

‫أف يفتنهم‪ .‬والكافروف من أوالد إبليس‪ ،‬وىم بعض ا‪ٞ‬تن سيكونوف معو ضداً وأعداء لبٍت‬

‫آدـ‪ ،‬لَتدوىم عن ا‪ٟ‬تق‪ ،‬وليلبسوا عليهم دينهم‪.‬‬
‫ض ُك ْم لِبَػ ْع ٍ‬
‫ض َع ُد ّّو‪:}...‬بعضكم تعٍت الشيطاف عدواً لئلنساف‪،‬‬
‫وىكذا فكلمة {‪ ...‬بَػ ْع ُ‬
‫تعرفنا أف اهلل تعاىل إ‪٪‬تا جعل خروج النوع البشري ‪٢‬تذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا ُّذا القالب‬
‫وتريد أف ٍّ‬

‫وىذه الصورة‪ ،‬ليضع بُت يدي ىذا اإلنساف ا‪١‬تهيَّأ للكماؿ مثبلً وعمبلً ػ عداوة الشيطاف‬
‫يبُت لنا ر‪ٛ‬تة اهلل‬
‫وكيده ػ فيكوف ىذا اإلنساف على علم بو‪َ ،‬ح ِذراً من إغرائو‪ ،‬وذلك كلو ‪٦‬تا ٍّ‬

‫تعاىل ورأفتو‪ ،‬واهلل رؤوؼ رحيم‪.‬‬
‫وتفيد كلمة {‪َ ..‬ولَ ُك ْم فِي األ َْر ِ‬
‫ع إِلَى ِحي ٍن}‪ :‬مدة حياتك‪َّ ،‬‬
‫إف ‪٢‬تذا‬
‫ض ُم ْستَػ َق ّّر َوَمتَا ٌ‬
‫اإلنساف على وجو األرض عمراً ‪٤‬تدوداً وأجبلً معيَّناً‪ ،‬فإذا انقضى العمر ووافاه األجل‪ ،‬فبل‬
‫بد لو من فراؽ ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا‪ٓ ،‬تبلؼ حاؿ اإلنساف ُب اآلخرة فبل حد لو وال انقضاء‬
‫‪ٟ‬تياتو‪ ،‬والسبب ُب ذلك أف اإلنساف ُب الدنيا تتوقَّف حياتو على سبلمة ا‪ٞ‬تسم وبقائو‬
‫قادراً على العمل‪ ،‬فإذا تعطَّلت أجهزتو الرئيسية وتوقف عن العمل‪ ،‬خرجت النفس الحقة‬
‫ظل ‪٢‬تا ارتباط بو وإشراؼ عليو‪.‬‬
‫بالروح‪ ،‬وفارقت معها ىذا ا‪ٞ‬تسد‪ ،‬وإف َّ‬
‫فعالية وال‬
‫أما ُب الدار اآلخرة‪ ،‬فا‪ٟ‬تكم للنفس‪ ،‬فهي احمليطة با‪ٞ‬تسد‪ ،‬وليس لو يومئذ َّ‬
‫عمل‪ ،‬وليس يصيبو ىرـ وال ضعف وال وىن‪ ،‬وإف ىو إال ُم ْرت َكز ترتكز عليو النفس‪ ،‬وىي‬
‫يومئذ صاحبة ا‪ٟ‬تياة‪ .‬ؤتا أهنا جوىر نوراين‪ ،‬ال يطرأ عليها ما يطرأ على ا‪١‬تادة ا‪١‬تًتكب منها‬
‫ا‪ٞ‬تسد‪ ،‬من ضعف وا‪٨‬تبلؿ‪ ،‬لذلك فا‪ٟ‬تياة ُب الدار اآلخرة حياة أبدية‪ ،‬ليس ‪٢‬تا حد وال‬
‫انتهاء‪.‬‬
‫وتفيد أيضاً كلمة {‪َ ..‬ولَ ُك ْم فِي األ َْر ِ‬
‫ع إِلَى ِحي ٍن}‪:‬أف وجود النوع‬
‫ض ُم ْستَػ َق ّّر َوَمتَا ٌ‬
‫البشري على وجو األرض لو أجل ‪٤‬تدود‪ ،‬فإذا ما انتهى ىذا األجل‪ ،‬انتهت معو ىذه‬
‫ا‪ٟ‬تياة‪ٍ ،‬ب ي ْق ُدـ الناس إىل اآلخرة‪ ،‬فَتى كل امرئ نتائج أعمالو وسعيو‪.‬‬
‫ولعلَّك تقوؿ‪ :‬كيف نسي سيدنا آدـ صلى اهلل عليو وسلم وصية اهلل تعالى‬

‫يغره؟‪.‬‬
‫واستطاع الشيطاف أف ّ‬
‫وىل يستطيع الشيطاف أف يدخل على األنبياء؟‪ .‬وىل يعصوف اهلل تعاىل؟‪ .‬وكيف‬
‫نستطيع أف نوفٍّق بُت ما وقع من سيدنا آدـ ‪ ‬مع ما قرره القرآف الكرًن من عصمة‬
‫األنبياء‪ ،‬وعدـ إمكاف وقوعهم ُب ‪٥‬تالفة من ا‪١‬تخالفات؟‪.‬‬

‫أقوؿ‪ :‬ىذه نقاط ىامة ىي مزلَّة ٍ‬
‫قدـ بالنسبة للكثَت من الناس‪ ،‬فإذا مل يفهمها‬
‫و‪ٝ‬توىم النفسي وعصمتهم من الوقوع ُب‬
‫اإلنساف حق الفهم‪ ،‬ومل َير كماؿ رسل اهلل َّ‬

‫تزؿ بو القدـ‪ ،‬فيهوي ُب جحيم البعد عن اهلل‪ ،‬وليس ٮتلصو من‬
‫ا‪١‬تخالفات‪ ،‬فبل بد أف ّ‬
‫ىذا البعد أحد‪ ،‬ما دامت نفسو ‪٤‬تجوبة عن رؤية ذلك الكماؿ الذي اصطبغت بو أنفس‬
‫رسل اهلل صلوات اهلل عليهم أ‪ٚ‬تعُت‪.‬‬
‫فالنفس البشرية كما نعلم‪ ،‬مفطورة على حب الكماؿ‪ ،‬وىي ال تستطيع أف تقدٍّر‬
‫أحداً وبالتايل ال ٯتكن ‪٢‬تا أف ترتبط برباط احملبة بأحد‪ ،‬ما دامت ترى فيو نقصاً وا‪٨‬ترافاً أو‬
‫ميبلً عن ا‪ٟ‬تق‪.‬‬
‫ذلك ىو قانوف من قوانُت النفس اليت ال تتبدؿ‪ .‬وإذا كاف الدخوؿ ُب مداخل التقوى‬
‫واإلٯتاف النفسي يتوقَّف على ‪٤‬تبّة رسل اهلل صلوات اهلل عليهم وصحبتهم ا‪١‬تعنوية‪،‬‬
‫والدخوؿ ُّذه الصحبة وا‪١‬تعيَّة على اهلل‪ ،‬فكيف ٯتكن للنفس اليت ترى ُب رسل اهلل نقيصة‬
‫من النقائص‪ ،‬أف ٖتبّهم وترافقهم؟‪ .‬أـ كيف تستطيع أف تدخل ٔتعيتهم على اهلل؟‪ .‬ال‬
‫شك أهنا تظل بعيدة عن اهلل ‪٤‬تجوبة عنو‪٤ ،‬ترومة من ذلك كل ا‪ٟ‬ترماف‪.‬‬
‫لذلك وتبياناً لهذه النقاط الهامة التي أوردناىا نقوؿ‪:‬‬

‫ال بد لنا حىت نفهم النقطة األوىل وىي نسياف سيدنا آدـ ‪ ‬وصية اهلل‪ ،‬من أف نرجع‬

‫إىل ذلك ا‪ٟ‬تاؿ األوؿ الذي كاف عليو سيدنا آدـ ُب جنَّة اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬قبل انتقالو إىل‬
‫ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا أي‪ :‬قبل ىبوطو من ا‪ٟ‬تاؿ النفسي إىل ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي الذي ‪٨‬تن عليو‬
‫‪٣‬ترد‬
‫فنقوؿ‪:‬لئلنساف ُب ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا فكر وعقل‪ ،‬وليس ُب ا‪ٞ‬تنة إالَّ عقل فقط‪ ،‬وىو َّ‬

‫عن الفكر‪.‬‬
‫فالفكر وىو تلك ا‪ٞ‬توىرة اليت زيَّن اهلل تعاىل ُّا اإلنساف ُب ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا‪ ،‬وجعلها‬
‫ُب الدماغ‪ ،‬ىو اآلف بالنسبة لئلنساف جهاز ا‪١‬تعرفة‪ ،‬والوصوؿ إىل ا‪ٟ‬تقائق‪.‬‬

‫فالعُت تُبصر‪ ،‬واألذف تسمع‪ ،‬واللساف يذوؽ‪ٍ ،‬ب تنتقل ىذه ا‪١‬تشاعر إىل النفس‪ ،‬فإذا‬
‫كانت النفس صادقة ُب طلب ا‪ٟ‬تقيقة‪ ،‬وأرسلت بإشعاعات ىذه ا‪١‬تشاعر للدماغ‪ ،‬ىنالك‬
‫يقوـ الفكر بعمليات ا‪١‬تقارنة وا‪١‬تقايسة والتحليل والًتكيب‪ٍ ،‬ب تصل النفس إىل مطلوُّا‪.‬‬
‫فمن النظاـ‪ ،‬يهتدي إىل ا‪ٟ‬تكم بوجود ا‪١‬تنظٍّم‪ ،‬ومن األثر‪ ،‬٭تكم بوجود ا‪١‬تؤثٍّر‪ ،‬ومن الًتبية‪،‬‬
‫ا‪١‬تريب‪ ،‬وىنالك تعقل النفس ىذه ا‪ٟ‬تقائق اليت حكم ُّا الفكر‪ ،‬فتشاىدىا‬
‫يصل إىل معرفة ٍّ‬
‫بذاهتا‪ ،‬وتوقن ُّا‪ ،‬وتنتقش فيها ال تربحها‪ ،‬فتعقلها‪ ،‬تعقل حقيقة الوجود اإلۤ‪٢‬تي‪ ،‬ومنها لشهود‬
‫أ‪ٝ‬تاء اهلل تعاىل ا‪ٟ‬تسٌت‪ ،‬وتلك غاية أقصى ا‪١‬تٌت لوجود اإلنساف‪.‬‬
‫وىكذا‪ ،‬فالتفكَت ىو ما يقوـ بو الدماغ من عمليات ا‪١‬تقايسة وا‪١‬تقارنة والتحليل‬
‫والًتكيب‪ ،‬توصبلً إىل إدراؾ ا‪ٟ‬تقائق‪ ،‬وا‪ٟ‬تكم بوجودىا‪.‬‬
‫أما العقل ‪ :‬فهو شهود النفس ىذه ا‪ٟ‬تقائق ومعاينتها إياىا‪ .‬وكل تفكَت صادؽ ال بد‬

‫أف يصل بصاحبو إىل العقل‪.‬‬
‫وتظل ىذه ا‪ٟ‬تقائق ‪٤‬تفوظة ُب النفس ‪٥‬تزونة فيها‪ ،‬فإذا ما احتاج اإلنساف إىل أمر من‬
‫األمور السابقة‪ ،‬يعكس الفكر أشعتو على ما عقلتو النفس‪ ،‬فتضيء لو تلك ا‪ٟ‬تقائق‬
‫ا‪١‬تخزونة ُب النفس‪ ،‬فيعرفها اإلنساف ويذكرىا‪.‬‬
‫فعالية‬
‫نبُت فيها مدى َّ‬
‫وعلى ذكر الفكر والعقل‪ ،‬ال بد لنا من أف نذكر كلمة وجيزة ٍّ‬

‫ىذا الفكر وقدرتو على إدراؾ ا‪ٟ‬تقائق فنقوؿ‪:‬‬
‫ال بد من اىتماـ النفس باألمر حىت تصل إىل عقلو‪ .‬فاألمور اليت ال هتتم ُّا النفس‬
‫اىتماماً كلٍّياً‪ ،‬وال تطلب معرفتها بصدؽ وإ‪ٟ‬تاح‪ ،‬ال يكوف عمل الفكر فيها إالَّ سطحياً‪،‬‬
‫ولذلك ال يستطيع أف يصل فيها إىل إدراؾ حقيقة‪ ،‬وال أف يصدر حكماً‪ ،‬وبذلك تبقى‬

‫النفس بعيدة عن عقلها أو شهودىا‪.‬‬
‫ا‪١‬تريب‪ٍ ،‬ب الوصوؿ إىل اإلٯتاف ببل‬
‫ولذلك وتوصيبلً للنفس إىل العقل ُب معرفة ا‪٠‬تالق و ٍّ‬
‫إلۤو إال اهلل‪ ،‬ومعرفة َّ‬
‫أف السَت كلو بيد اهلل‪ ،‬ال بد من تعريف النفس بأف ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا‬
‫اليت اطمأنت إليها وفرحت ُّا‪ ،‬إ‪٪‬تا ىي سريعة الزواؿ وشيكة االنقضاء‪ ،‬وأنو مهما ‪ٚ‬تع‬

‫اإلنساف منها‪ ،‬ومهما عاش فيها‪ ،‬فبل بد لو من ا‪١‬توت وال بد من الفراؽ‪ ،‬وىذه حقيقة‬
‫واقعية ال ب ّد من وقوعها حتماً‪.‬‬
‫وعرفها ٔتن‬
‫فإذا ما ضرب ا‪١‬ترء لنفسو أمثلة ‪١‬تن عاش قبلو من آبائو وأجداده وذويو‪َّ ،‬‬
‫كرر ‪٢‬تا ىذا‬
‫سكن ُب مساكنهم ومن سبقوه‪ٍ ،‬ب َّ‬
‫بصرىا با‪١‬توت ورىبتو‪ ،‬والقرب ووحشتو‪ ،‬و َّ‬
‫الدرس وأعاده عليها‪ ،‬فهنالك ٗتاؼ وترىب‪ ،‬وتقلع عن االسًتساؿ ُب ‪٤‬تبَّة الدنيا‬

‫ا‪١‬تريب الذي يُعٌت ُّا‪ ،‬وتتَّحد جهود النفس مع‬
‫واالنصراؼ إليها‪ ،‬وتطلب وٕتد ُب معرفة ٍّ‬
‫جاداً ُب البحث‪ ،‬وما يزاؿ يُقارف ويُقايس و٭تلٍّل ويرٍّكب ويسأؿ ذاتو‬
‫الفكر‪ ،‬فيعمل منطلقاً ّ‬
‫و‪٬‬تيب‪ ،‬حىت ينتهي بو اإلقرار وا‪ٟ‬تكم‪ ،‬بوجود ا‪٠‬تالق العظيم‪ ،‬الذي خلق كل شيء‪،‬‬
‫بذاتو ُ‬
‫يريب ا‪١‬تخلوقات وٯتدىا‬
‫ا‪١‬تريب ا‪١‬تمد‪ٍّ ،‬‬
‫فيتوصل إىل اإلٯتاف بأنو تعاىل ىو ٍّ‬
‫ويستمر بو البحث‪َّ ،‬‬
‫ٔتا يلزمها‪ ،‬ال يغفل عنها طرفة عُت‪ ،‬يعقل ىذا بنفسو عقبلً شهوديّاً ال ريب فيو‪.‬‬
‫ا‪١‬تسَت‪ ،‬الذي‬
‫ا‪١‬تريب إىل معرفة اإللۤو ٍّ‬
‫وأخَتاً يصل ىذا الفكر الصادؽ منتقبلً من معرفة ٍّ‬
‫يؤوؿ إليو أمر الكوف كلو‪ ،‬فيحكم بأف سَت الكوف كلو بيد اهلل‪ ،‬وأف ال إلۤو إال اهلل‪ٍ .‬ب‬

‫تعقل النفس ىذه ا‪ٟ‬تقائق‪ ،‬فتغدو مؤمنة ح ّقاً‪ ،‬واإلٯتاف إ‪٪‬تا ىو ‪ٙ‬ترة من ‪ٙ‬ترات العقل‪،‬‬
‫ونتيجة من نتائجو‪ ،‬وال إٯتاف ‪١‬تن ال عقل لو‪ ،‬وال دين ‪١‬تن ال عقل لو‪.‬‬
‫وىكذا فللعقل مكانو األوؿ ُب الوصوؿ إىل اإلٯتاف‪ ،‬والعقل متوقٍّف حصولو على‬
‫التفكَت‪ ،‬والتفكَت ال يتم وال تدور دواليبو‪ ،‬إالَّ بالصدؽ ُب طلب ا‪١‬تعرفة‪ ،‬والصدؽ متوقٍّف‬
‫حصولو على ا‪٠‬توؼ من ا‪١‬توت ونتائجو‪.‬‬

‫مر بنا من قبل‪ ،‬يتَّكئ ُب ا‪١‬تسجد بُت سنَّة الصبح والفرض‬
‫ولذلك كاف ‪ ‬كما َّ‬
‫مضطجعاً على جنبو األٯتن ووجهو إىل القبلة‪ ،‬مقلٍّداً حاؿ اإلنساف ُب القرب‪ٍّ ،‬‬
‫مفكراً ومعلٍّماً‬
‫ىذا اإلنساف طريق الصدؽ‪ ،‬والوصوؿ إىل اإلٯتاف‪ .‬وكاف ‪ ‬يقوؿ‪( :‬أكثروا ذكر ىاذـ‬

‫اللذات)(‪.)7‬‬

‫(‪ )7‬أخرجو الًتمذي ُب كتاب الزىد باب ما جاء ُب ذكر ا‪١‬توت رقم ‪./896=/‬‬

‫ِ‬
‫ٍّ‬
‫فإنك‬
‫شئت َ‬
‫شئت َ‬
‫َحبِب من َ‬
‫ش ما َ‬
‫ويذكر اإلنساف بقولو الشريف‪( :‬ع ْ‬
‫فإنك ميت‪ ،‬وأ ْ‬
‫مجزي بو)(‪.)1‬‬
‫فإنك‬
‫شئت َ‬
‫ُم َفارقوُ‪ ،‬وا ْعمل ما َ‬
‫ٌ‬
‫فلعل ىذا اإلنساف يهتدي ويسلك طريق اإلٯتاف‪ ،‬وكفى با‪١‬توت واعظاً ٍّ‬
‫ومذكراً‪.‬‬
‫َّ‬
‫ىذه كلمة ذكرناىا ومن الضروري اإل‪ٟ‬تاح عليها‪١ ،‬تن أراد أف َّ‬
‫يذ َّكر وأراد أف يصل إىل‬
‫اإلٯتاف‪ ،‬وبالتايل إىل فهم القرآف خطاب ربٍّو العظيم‪.‬‬

‫ونعود إىل أصل البحث الذي كنَّا بدأنا بو ُب كبلمنا عن سيدنا آدـ ‪ ‬وأكلو من‬

‫الشجرة ونسيانو وصية اهلل تعاىل فنقوؿ‪:‬‬
‫لقد وضَّحنا ُب ْتثنا السابق‪ ،‬أف لئلنساف ُب ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا فكراً وعقبلً‪ ،‬وأنو ُب‬
‫‪٣‬ترد عن التفكَت‪.‬‬
‫ا‪ٞ‬تنة ليس لئلنساف إالَّ عقل فقط‪ ،‬وىو َّ‬
‫والسبب ُب ذلك أف الفكر إ‪٪‬تا يتوقف عملو على وجود الدماغ وجرياف الدـ فيو‪ ،‬وإف‬
‫شئت فقل‪:‬أف الفكر يُعُت النفس ويساعدىا على الوصوؿ إىل ا‪ٟ‬تقائق وعقل ىذه‬
‫ا‪ٟ‬تقائق‪ ،‬ما دامت ُب ىذه الدنيا ‪٤‬تبوسة ُب ا‪ٞ‬تسم‪ ،‬وما داـ ا‪ٞ‬تسم صاحب السيطرة‬
‫وا‪ٟ‬تكم‪.‬‬
‫أما إذا خرجت النفس من ا‪ٞ‬تسد ولبستو وأصبحت ‪٤‬تيطة بو وأضحت صاحبة‬
‫ا‪ٟ‬تكم‪ ،‬فهنالك تتوقف ‪ٚ‬تيع األجهزة ا‪ٞ‬تسدية عن العمل‪ ،‬وبالتايل يتوقف الفكر‪ ،‬ألف‬
‫ىذه األجهزة وىذا الفكر‪ ،‬أضحت ال عمل ‪٢‬تا‪ ،‬وتعقل النفس وا‪ٟ‬تالة ىذه ا‪ٟ‬تقائق بذاهتا‪،‬‬
‫دوف حاجة إىل حاسة أو فكر‪.‬‬
‫وإذا كاف اإلنساف َّ‬
‫يتذكر ُب ىذه الدنيا ما وقع لو من ا‪ٟ‬توادث‪ ،‬وما قاـ بو من‬
‫األعماؿ بواسطة الفكر‪ ،‬الذي يُرسل بأشعتو إىل النفس‪ ،‬فتضيء لو ىذه ا‪ٟ‬تقائق ويذكرىا‪،‬‬
‫ففي الدار اآلخرة حُت يتوقف الفكر عن العمل‪ ،‬ال يعود ىذا اإلنساف َّ‬
‫يتذكر تذكراً فكرياً‪،‬‬
‫بل يعقل عقبلً‪ .‬فإذا عُرضت على اإلنساف أعمالو اليت قاـ ُّا ُب الدنيا‪ ،‬عقلتها النفس‬

‫عقبلً‪ ،‬أي‪ :‬أهنا تعقل ما ىو مطبوع فيها‪.‬‬
‫(‪ )7‬رواه الطرباين‪.‬‬

‫ذلك ىو حاؿ اإلنساف ُب ا‪ٞ‬تنَّة‪ ،‬وحاؿ سيدنا آدـ ‪ ‬من قبل‪ .‬فقد كانت نفسو‬
‫‪٤‬تيطة ّتسده‪ ،‬تعقل ما تراه عقبلً‪ ،‬فلما جاء الشيطاف وقاؿ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْد ومل ٍ‬
‫ْك َّال يَػ ْبػلَى} (‪ )786‬سورة طۤػو ‪.‬‬
‫َدلُّ َ‬
‫آد ُـ َى ْل أ ُ‬
‫{‪ ...‬يَا َ‬
‫ك َعلَى َش َج َرة الْ ُخل َ ُ‬

‫أي‪ :‬ىل أدلك على الشجرة اليت إف أكلت منها خلدت نفسك ُب ذلك ا‪ٟ‬تاؿ العايل من‬
‫اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬وملكت ذلك ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تميل ا‪ٞ‬تليل‪ُ ،‬م ْلكاً أبدياً ال يبلى‪ .‬و‪١‬تا أقسم لو‬
‫َّ‬
‫باهلل أنو ‪١‬تن الناصحُت‪ ،‬غاب عنو ‪ ‬أف اهلل هناه عن األكل من الشجرة‪ ،‬وغاب عنو أنو‬
‫تعاىل َّ‬
‫حذره من الشيطاف‪.‬‬

‫لقد نسي سيدنا آدـ ‪ ‬ذلك كلو‪ ،‬وىذا أمر طبيعي‪ ،‬ألنو مل يكن لو يومئذ فكر َّ‬
‫يتذكر‬
‫آد َـ ِمن قَػْب ُل فَػنَ ِس َي َولَ ْم نَ ِج ْد لَوُ َع ْزًما} (;‪ )77‬سورة‬
‫بو‪ ،‬قاؿ تعاىل‪َ { :‬ولََق ْد َع ِه ْدنَا إِلَى َ‬
‫طۤػو‪ :‬أي مل ‪٬‬تد لو عزماً على ا‪١‬تعصية‪.‬‬

‫وىكذا فالنسياف الذي وقع لسيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو‪ ،‬أمر يقتضيو الوضع النفسي الذي‬
‫كانا فيو‪ ،‬وىو ليس وا‪ٟ‬تالة ىذه ٔتعصية‪ ،‬وكل امرئ إذا ىو لبس ذلك ا‪ٟ‬تاؿ النفسي الذي‬
‫كاف عليو سيدنا آدـ ‪ ‬قبل انتقالو للحاؿ ا‪ٞ‬تسمي الذي ‪٨‬تن فيو‪ ،‬لفعل ما فعلو سيدنا‬

‫آدـ ‪ ،‬فهو حاؿ يقتضيو الوضع‪ ،‬وال ٯتكن أف يعد ‪٥‬تالفة ألمر اهلل‪ ،‬وال خرقاً لوصيتو‪.‬‬
‫وما أجرى اهلل تعاىل ذلك على سيدنا آدـ‪ ،‬وما جعل اهلل سيدنا آدـ وزوجو ‪٤‬تورين ‪٢‬تذه‬
‫ليتعرؼ أوالد‪٫‬تا من بعد‪٫‬تا إذا ىم أصبحوا ُب ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي‪ ،‬بعداوة‬
‫القصة‪ ،‬إالَّ َّ‬
‫الشيطاف ومكائده‪ ،‬وليعطيهم درساً عملياً ويضع بُت أيديهم مثاالً واقعياً ُب ىذا ا‪١‬توضوع‪،‬‬
‫ٍّ‬
‫فيحذر األبناء من الشيطاف وعداوتو‪ .‬وقد أشارت اآلية الكرٯتة إىل ىذه الناحية ُب قولو‬
‫تعاىل‪:‬‬
‫آد َـ الَ يَػ ْفتِنَػنَّ ُك ُم َّ‬
‫ْجن َِّة ‪ )8=( }...‬سورة‬
‫{يَا بَنِي َ‬
‫ج أَبَػ َويْ ُكم ّْم َن ال َ‬
‫الش ْيطَا ُف َك َما أَ ْخ َر َ‬
‫األعراؼ‬
‫ولعلَّك تقوؿ‪ :‬إذا كاف األمر كما بيَّناه‪ ،‬فما تأويل اآلية الكرٯتة الواردة ُب وصف ىذه‬

‫آد ُـ َربَّوُ فَػغَ َوى} (‪ )787‬سورة طۤػو‪.‬‬
‫صى َ‬
‫الواقعة ُب قولو تعاىل‪َ ...{ :‬و َع َ‬

‫فنقوؿ‪ :‬بعد أف عرضنا ما عرضناه من أف ا‪ٟ‬تاؿ النفسي الذي كاف عليو سيدنا آدـ ‪‬‬
‫من قبل ُب خصائصو اليت ال تنطبق على ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي الذي ‪٨‬تن عليو اآلف‪ ،‬وإف‬
‫النسياف من لوازـ ذلك ا‪ٟ‬تاؿ النفسي‪ ،‬لعدـ وجود الفكر‪ .‬لذلك ال ٯتكن بوجو من الوجوه‬
‫أف يُعترب أكل سيدنا آدـ ‪ ‬من الشجرة معصية با‪١‬تفهوـ الذي نفهمو ‪٨‬تن اآلف ُب حالنا‬
‫الدنيوي‪ ،‬والذي يتبادر ألذىاف الذين مل يعرفوا قدر رسوؿ اهلل ‪ .‬وال بد لنا لفهم ىذه‬

‫نتفهم ما قبلها وما بعدىا من اآليات الكرٯتة الواردة ُب مسرى ىذه القصة‬
‫اآلية‪ ،‬من أف َّ‬
‫آد َـ ِمن قَػ ْب ُل فَػنَ ِس َي َولَ ْم نَ ِج ْد لَوُ َع ْزًما‪َ ،‬وإِ ْذ قُػلْنَا‬
‫وىي قولو تعاىل‪َ { :‬ولََق ْد َع ِه ْدنَا إِلَى َ‬
‫َِّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ك‬
‫آد ُـ إِ َّف َى َذا َع ُد ّّو لَّ َ‬
‫يس أَبَى‪،‬فَػ ُقلْنَا يَا َ‬
‫لل َْم َبلئِ َكة ْ‬
‫اس ُج ُدوا آل َد َـ فَ َس َج ُدوا إال إبْل َ‬
‫ِ‬
‫ك َال‬
‫وع فِ َيها َوَال تَػ ْع َرى‪َ ،‬وأَنَّ َ‬
‫ْجن َِّة فَػتَ ْش َقى‪،‬إِ َّف لَ َ‬
‫َولَِزْو ِج َ‬
‫ك أ ََّال تَ ُج َ‬
‫ك فَ َبل يُ ْخ ِر َجنَّ ُك َما م َن ال َ‬
‫ك َعلَى َشجرةِ الْ ُخل ِ‬
‫س إِلَْي ِو َّ‬
‫ْد‬
‫الش ْيطَا ُف قَ َ‬
‫تَظ َْمأُ فِ َيها َوَال تَ ْ‬
‫َدلُّ َ‬
‫آد ُـ َى ْل أ ُ‬
‫اؿ يَا َ‬
‫ض َحى‪،‬فَػ َو ْس َو َ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫ص َف ِ‬
‫ت لَ ُهما سوآتُػ ُهما وطَِف َقا ي ْخ ِ‬
‫ٍ‬
‫اف َعلَْي ِه َما ِمن َوَر ِؽ‬
‫َ‬
‫َوُملْك َّال يَػ ْبػلَى‪،‬فَأَ َك َبل م ْنػ َها فَػبَ َد ْ َ َ ْ َ َ‬
‫ال ِ‬
‫اب َعلَْي ِو َو َى َدى} (;‪ 77‬ػ‪ )788‬سورة‬
‫صى َ‬
‫آد ُـ َربَّوُ فَػغَ َوى‪،‬ثُ َّم ْ‬
‫اجتَبَاهُ َربُّوُ فَػتَ َ‬
‫ْجنَّة َو َع َ‬
‫َ‬
‫طۤػو‪.‬‬
‫فهذه اآليات الكرٯتة تُ ٍّبُت لنا أف سيدنا آدـ ‪ ‬إ‪٪‬تا نسي وصية اهلل تعاىل‪ ،‬ومل يكن لو‬

‫عزـ على ا‪١‬تخالفة‪ ،‬وإنو ‪ ‬إ‪٪‬تا أكل من الشجرة طَ َم َع ا‪٠‬تُلُود ُب ا‪ٞ‬تنَّة‪ ،‬وىي كما ذكرنا من‬
‫قبل‪ ،‬جنَّة اإلقباؿ على اهلل والتنعم بشهود ‪ٚ‬تالو‪ ،‬وأما الدافع الذي دفعو إىل األكل من‬
‫الشجرة فهو حبّو هلل‪ ،‬وطمعو البقاء ُب نعيم اإلقباؿ على اهلل‪.‬‬

‫آد ُـ َربَّوُ فَػغَ َوى} فيتبدَّى معناىا ظاىراً جلياً إذا ‪٨‬تن قرناىا إىل‬
‫صى َ‬
‫أما كلمة {‪َ ...‬و َع َ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ْجن َِّة ‪}...‬‬
‫كلمة‪{ :‬فَأَ َك َبل ِمْنػ َها فَػبَ َد ْ‬
‫ت لَ ُه َما َس ْوآتُػ ُه َما َوطَف َقا يَ ْخص َفاف َعلَْي ِه َما من َوَرؽ ال َ‬

‫(‪ )787‬سورة طۤػو‪ .‬فما أف أكل سيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو من الشجرة حىت ظهر ‪٢‬تما حا‪٢‬تما‬
‫ا‪ٞ‬تسمي‪ ،‬وىنالك وبظهور ىذا ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي‪َّ ،‬‬
‫تذكر سيدنا آدـ ‪ ‬وصية اهلل‪ ،‬وكاف ىذا‬
‫التذكر بسبب أف ىذا ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي‪ ،‬يبلزمو وجود الفكر الذي ٭تصل بو التذكر‪ .‬وقد‬
‫عرؼ ‪ ‬أف ىذا ا‪ٟ‬تاؿ الذي صار إليو‪ ،‬إ‪٪‬تا ىو بسبب ‪٥‬تالفتو الوصية‪ ،‬ونسيانو األمر‪.‬‬

***

‫غاٌت لصت عٍذَا آدو ‪‬‬
‫* تعليم محبة اهلل‪.‬‬
‫* وعدـ االستماع إلى الشيطاف‪.‬‬
‫آد ُـ َربَّوُ‪ )787( }...‬سورة طۤػو‪ .‬تقوؿ‪:‬‬
‫صى َ‬
‫كلمة {‪َ ...‬و َع َ‬

‫وأدرؾ سيدنا آدـ ‪ ‬من نفسو إثر ظهور ذلك ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي لو‪ ،‬أنو نسي وفعل‬

‫آد ُـ َربَّوُ‪ :}...‬ليست من اهلل‬
‫صى َ‬
‫خبلؼ ما أوصاه اهلل تعاىل بو‪ .‬وىكذا‪ ،‬فكلمة {‪َ ..‬و َع َ‬

‫تعاىل إثباتاً لعصياف آدـ ‪ ،‬وتقريراً للمعصية‪ ،‬إ‪٪‬تا ىي حكاية حاؿ سيدنا آدـ وبياف‬
‫مشاعره وإحساساتو النفسية با‪١‬تخالفة‪ ،‬اليت أوقعو فيها نسياف األمر اإل ۤ‪٢‬تي‪.‬‬
‫أما كلمة {‪ ...‬فَػغَوى}‪:‬فمأخوذة من‪ :‬الغي‪ ،‬وىو االنقبلب والتحوؿ من ٍ‬
‫حاؿ عاؿ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫فيو السعادة وا‪٠‬تَت‪،‬إىل حاؿ أدىن‪ ،‬فيو ا‪١‬تتاعب والشقاء‪.‬‬
‫الص َبل َة واتَّػبػعوا َّ ِ‬
‫ؼ‬
‫س ْو َ‬
‫ف ِمن بَػ ْع ِد ِى ْم َخل ٌ‬
‫قاؿ تعاىل‪{ :‬فَ َخلَ َ‬
‫ْف أ َ‬
‫َضاعُوا َّ َ َ ُ‬
‫الش َه َوات فَ َ‬

‫يَػ ْل َق ْو َف غَيِّا} (?;) سورة مرًن‪ :‬أي سيلقوف بتضييعهم الصبلة واتٍّباع الشهوات‪ ،‬ا‪٨‬تطاطاً‬
‫من تلك ا‪١‬تكانة اليت كانت آلبائهم من قبل‪ ،‬وسيجدوف متاعب وشقاوة‪.‬‬
‫وكاف ‪ ‬كثَتاً ما يستهل خطبو بقولو الكرًن‪( :‬من يطع اهلل ورسولو فقد رشد‪ ،‬ومن‬
‫يعص اهلل ورسولو فقد غوى حتى يفيء إلى أمر اهلل)(‪.)7‬‬
‫وبناءً على ىذا نقوؿ‪١ :‬تا رأى سيدنا آدـ ‪ ‬ذلك ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي الذي صار إليو‪،‬‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫وتذكر أنو خالف وصية ربّو‪ ،‬خجلت نفسو من ىذه ا‪١‬تخالفة‪ ،‬وُّذا ا‪٠‬تجل الذي سيطر‬
‫على نفسو احتجبت نفسو عن ذلك ا‪ٟ‬تاؿ من اإلقباؿ على اهلل‪.‬‬

‫آد ُـ َربَّوُ فَػغَ َوى} (‪ )787‬سورة طۤػو أي‪:‬‬
‫صى َ‬
‫ويكوف ما نفهمو من كلمة {‪َ ...‬و َع َ‬
‫ورأى آدـ ‪ ‬من نفسو أنو خالف وصية ربٍّو‪ ،‬وبذلك احتجبت نفسو عن اإلقباؿ على اهلل‬

‫وٖتوؿ عن ذلك ا‪ٟ‬تاؿ العايل الذي كاف فيو‪ .‬وىنالك وُب ىذه اللحظة‪ ،‬ناداه ربو‬
‫خجبلً‪َّ ،‬‬
‫(‪ )7‬عن ابن عباس‪.‬‬

‫مبيٍّناً لو أف ىذا األكل الذي أكلو من ىذه الشجرة‪ ،‬إ‪٪‬تا صدر منو بناءً على نيَّة عالية‪ ،‬نيّة‬
‫ا‪٠‬تلود ُب اإلقباؿ ودواـ البقاء مع اهلل‪ .‬وىذه النيّة العالية‪ ،‬وىذا ا‪١‬تقصد السامي‪ ،‬ال يُعد‬

‫معصية‪ ،‬وال يُوجب استحياء وخجبلً‪ ،‬ال سيما إذا اقًتف مع ذلك ا‪ٟ‬تاؿ األوؿ النفسي‬
‫عرؼ بو سيدنا آدـ ‪ ‬أف‬
‫الذي من لوازمو النسياف‪ .‬وأراد تعاىل بذلك التعريف الذي َّ‬
‫يُرجعو إليو‪ ،‬ويرفع عنو ذلك ا‪٠‬تجل الذي استوىل عليو‪ ،‬وذلك ما نفهمو من كلمة {ثُ َّم‬
‫اجتَبَاهُ َربُّوُ ‪ )788( }...‬سورة طۤػو أي‪ :‬جعلو يرجع إليو و‪ٚ‬تع قلبو عليو تعاىل‪.‬‬
‫ْ‬
‫عربت عنو اآلية الكرٯتة الواردة ُب سورة البقرة ُب قولو تعاىل‪{ :‬فَػتَػلَ َّقى‬
‫وذلك أيضاً ما َّ‬
‫آدـ ِمن َّربِّْو َك ِلم ٍ‬
‫‪ٝ‬تو نيّتو‪ ،‬وعلو‬
‫ات ‪ )9=( }...‬سورة البقرة‪:‬أي‪ :‬كلمات مبيٍّنات لو َّ‬
‫َُ‬
‫َ‬
‫مقصده وغايتو‪٤ ،‬تواً للخجل من نفسو‪ ،‬وبذلك عرؼ أف اهلل تعاىل مل يؤاخذه على‬
‫نسيانو‪ ،‬ومل يعاملو بظاىر عملو‪ ،‬بل نظر إىل حقيقتو ونيّتو‪ ،‬وإ‪٪‬تا األعماؿ بالنيَّات‪ .‬نعم‬
‫لقد تذلَّل سيدنا آدـ ‪ ،‬فألقى اهلل تعاىل ُب نفسو‪ ،‬أف يا آدـ نيَّتك عالية وشريفة‪ ،‬فنحن‬

‫ال نؤاخذؾ أبداً على ما وقع‪ .‬كذلك كل من يقع عن غَت قصد‪ ،‬لو سهولة رجعة؛ أما‬
‫ا‪١‬تتعمد وا‪١‬تصر؛ فبل رجعة لو‪ .‬وىنالك أدرؾ أنو ما عصى ربَّو‪ ،‬وما عزـ على ‪٥‬تالفتو‪ ،‬وأف‬
‫ٍّ‬
‫اهلل عليم ينظر إىل النيات‪ ،‬وُّذا رجعت الطمأنينة والثقة إىل نفسو من أف اهلل تعاىل ر ٍ‬
‫اض‬
‫عنو‪ ،‬فعاد إىل اإلقباؿ على اهلل والوجهة إليو‪ ،‬فتاب عليو ربّو‪ ،‬أي‪ :‬فكشف لو ذلك‬
‫ورده إىل ذلك ا‪ٟ‬تاؿ األوؿ‪ ،‬من رؤية ا‪ٞ‬تماؿ والكماؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬وذلك ما أشارت‬
‫ا‪ٟ‬تجاب‪َّ ،‬‬
‫اب َعلَْي ِو‪:}...‬تلك ىي عناية اهلل تعاىل ٖتوط‬
‫إليو اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪...{ :‬فَػتَ َ‬
‫سيدنا آدـ ‪ ‬وترعاه‪َّ ،‬‬
‫تبد ت لك ظاىرة ُب ىذه القصة‪ ،‬وتلك ىي معاملتو تعاىل مع‬
‫لَتد نفوسهم الشاردة إليو‪ ،‬ليتمتعوا ٔتا أعدَّه ‪٢‬تم من‬
‫سائر عباده‪ ،‬يُعاملهم ٔتا يُعاملهم بو َّ‬
‫َّواب َّ ِ‬
‫يم}‪ :‬أي‪ :‬يعامل ىذا‬
‫نعيم مقيم‪ ،‬وذلك ما نفهمو من كلمة‪ ...{:‬إِنَّوُ ُى َو التػ َّ ُ‬
‫الرح ُ‬

‫وىذا لَتجعوا‪.‬‬
‫فانظر إىل حناف اهلل تعاىل ور‪ٛ‬تتو‪ ،‬وانظر إىل عظيم فضلو على عباده‪ ،‬لقد َّقرر على‬
‫ذريتو من صلبو‪ ،‬إذ كاف ْتاؿ‬
‫سيدنا آدـ ‪ ‬قبل أف ُٮترجو إىل ىذه الدنيا‪ ،‬وقبل أف ُٮترج ٍّ‬

‫نفسي‪ ،‬فجعل خروجو من ذلك ا‪ٟ‬تاؿ النفسي‪ ،‬إىل ىذا ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي‪ ،‬بأسلوب أظهر بو‬
‫شرؼ ىذا الرسوؿ‪ ،‬وعظيم حبّو ‪٠‬تالقو‪ ،‬وضرب تعاىل بقصة ىذا اإلنساف األوؿ‪ِ ،‬عرباً‬
‫وأمثاالً باقية لبنيو‪ ،‬فأقامو ُب مقاـ ا‪١‬تعلٍّم األوؿ ألوالده‪ ،‬وأجرى ما أجراه لو‪ ،‬ليعلٍّم الناس‬
‫قوانُت النفس اليت ينبٍت عليها اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬وليشهدوا الطريق الذي تعود منها النفس إىل‬
‫متأخرة‪ ،‬أمكنها الرجوع والعودة‪ ،‬إذا‬
‫حصَتة القدس‪ ،‬فإذا ما خجلت نفوسهم وتراجعت ٍّ‬

‫يعرفنا كما كنا قد ذكرنا‬
‫ىي فعلت ما ‪٬‬تدٍّد ‪٢‬تا الثقة وٯتحو منها ا‪٠‬تجل‪ ،‬كما أراد تعاىل أف ٍّ‬
‫يتعرض‬
‫من قبل بعداوة الشيطاف‪ ،‬فنحذر من مكره وكيده‪ .‬أفبعد ىذا كلو‪ ،‬يستطيع أف َّ‬
‫متعرض‪ ،‬فيُنقص من مكانة ىذا الرسوؿ الكرًن‪ ،‬أو ينسب هلل ما ينسب‪ ،‬من قسوة على‬
‫ٍّ‬
‫رد عباده إىل ا‪ٟ‬تق‪...{ :‬وىم يج ِ‬
‫ادلُو َف فِي الل ِّو َو ُى َو َش ِدي ُد‬
‫اإلنساف؟‪ .‬إنو تعاىل ٭تاوؿ َّ‬
‫َُ ْ َُ‬
‫ال ِْم َح ِ‬
‫اؿ} (‪ )79‬سورة الرعد‪.‬‬
‫ىذا بعض ما فهمناه من ىذه القصة‪ ،‬وكم حوت ىي وأمثا‪٢‬تا من ِعرب وأمثاؿ‪.‬‬
‫ض ِربػُ َها لِلن ِ‬
‫َّاس َوَما يَػ ْع ِقلُ َها إَِّال ال َْعالِ ُمو َف} (‪ ):9‬سورة العنكبوت‪.‬‬
‫ْك ْاأل َْمثَ ُ‬
‫اؿ نَ ْ‬
‫{ َوتِل َ‬

‫مفصلُت أف سيدنا آدـ ‪ ‬ما‬
‫أما وقد أجبنا على األسئلة اليت أوردناىا من قبل‪ ،‬مبينُت ٍّ‬
‫عصى ربَّو‪ ،‬وأف حالو النفسي األوؿ من لوازمو النسياف‪ ،‬وىذا ما يدلنا على َّ‬
‫أف ما أقدـ عليو‬
‫سيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو إ‪٪‬تا كاف بنيَّة عالية ألف الشيطاف أقسم ‪٢‬تما بأف يكونا ملكُت أو يكونا‬

‫من ا‪٠‬تالدين إف ‪٫‬تا أكبل من ىذه الشجرة‪ ،‬ؤتا أف ىذا النيب ‪ ‬ال يعرؼ الكذب فصدَّؽ‬
‫قوؿ الشيطاف‪ ،‬ونسي وصية اهلل لو‪ ...{ :‬ربػَّنا الَ تُػ َؤ ِ‬
‫اخ ْذنَا إِف نَّ ِسينَا أ َْو أَ ْخطَأْنَا ‪)8><( }...‬‬
‫ََ‬
‫(‪)1‬‬
‫(رفِ َع عن أمتي الخطأ والنسياف وما استكرىوا عليو) ‪.‬‬
‫سورة البقرة‪ .‬قاؿ ‪ُ :‬‬
‫اىيم و َ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (‪)33‬‬
‫وحا َو َ‬
‫اصطََفى َ‬
‫{إِ َّف اللّوَ ْ‬
‫آد َـ َونُ ً‬
‫آؿ إِبْػ َر َ َ‬
‫آؿ ع ْم َرا َف َعلَى ال َْعالَم َ‬
‫ُسر اصطفاىم تعاىل على العا‪١‬تُت ُلَتشدوا ا‪٠‬تْلق إىل اهلل‪ .‬كيف‬
‫سورة آؿ عمراف‪:‬ىذه األ َ‬
‫ض َها ِم ْن بَػ ْع ٍ‬
‫ض ‪ :}...‬كلهم‬
‫ىذا االصطفاء!‪َّ .‬بُت تعاىل ُب سورة آؿ عمراف‪...{:‬ذُ ّْريَّ ًة بَػ ْع ُ‬
‫ُب األصل واحد‪ :‬كلهم أوالد آدـ‪ ،‬لكن {‪ ...‬واللّو س ِم ِ‬
‫يم} (‪ )9:‬سورة آؿ عمراف‪:‬‬
‫َ ُ َ ٌ‬
‫يع َعل ٌ‬
‫(‪ )7‬ا‪ٞ‬تامع الصغَت‪( /::></ :‬طب)‪ .‬عن ثوباف‪.‬‬

‫ما اصطفاىم جزافاً‪ ،‬بل إنو سميع‪ :‬لقو‪٢‬تم‪ ،‬عليم‪ْ :‬تا‪٢‬تم ونيَّتهم‪ .‬كبلمهم عاؿ وحا‪٢‬تم ٍ‬
‫عاؿ‬
‫لذلك اصطفاىم‪" :‬إف كاف كبلمك عالياً ونيَّتك عالية أعطاؾ"‪ .‬فكل من تكلَّم ْتق األنبياء‬
‫معناه أنو ينفي كلمة{‪ ...‬واللّو س ِم ِ‬
‫يم}‪ :‬فكأف اهلل تعاىل ال علم لو بآدـ ‪ ‬حىت‬
‫َ ُ َ ٌ‬
‫يع َعل ٌ‬
‫اصطفاه؛ وىذا غَت صحيح‪.‬‬
‫لعلو نفوسهم وكما‪٢‬تم‪ ،‬ا‪١‬ترشد ‪٬‬تب أف يكوف كامبلً‪ .‬فمن يتكلَّم ْتق‬
‫اهلل تعاىل اصطفاىم ٍّ‬
‫األنبياء معناه أنو ال إٯتاف عنده‪ ،‬ولو حصل عنده إٯتاف بأف اهلل ‪ٝ‬تيع عليم ‪١‬تا تكلَّم سوءاً ْتق رسل‬
‫وعلو نيَّتهم‪.‬‬
‫اهلل‪ ،‬ألف اهلل ‪ٝ‬تيع بكل ‪٥‬تلوؽ عليم ْتالو‪ :‬اصطفاىم لطهارهتم ٍّ‬
‫ىذا وإف عدنا إىل حديث رسوؿ اهلل ‪ُّ ‬ذا ا‪٠‬تصوص وىو الذي ال ينطق عن ا‪٢‬توى‬
‫لسمعنا قولو السامي‪ ،‬إذ يقوؿ‪( :‬أنا سيّْ ُد َولَ ِد آدـ يوـ القيامة‪ ،‬وال فخر‪ ،‬وبيدي لواء‬
‫الحمد وال فخر‪ ،‬وما من نبي يومئذ ػ آدـ فمن سواه ػ إالَّ تحت لوائي‪ ،‬وأنا َّأو ُؿ شافع‪،‬‬
‫وال فخر)‪.‬‬

‫العلو والسمو وا‪١‬تكانة العليَّة فوؽ‬
‫ولفهمنا بأف آدـ ‪ ‬ىو الثاين ُب الًتتيب من حيث ّ‬

‫‪ٚ‬تيع األنبياء وا‪١‬ترسلُت ودوف سيد ا‪٠‬تْلق سيدنا ‪٤‬تمد ‪ ،‬والنبيوف با‪١‬تنزلة دونو فهو كمن دونو‬

‫من السادة األنبياء الربرة معصوـ عن ا‪٠‬تطأ ُب الصغائر والكبائر وعن ا‪١‬تخالفة والعصياف‬
‫لقولو تعاىل عن النبيُت ‪ٚ‬تعاً‪ ...{ :‬بل ِعبا ٌد ُّم ْكرمو َف‪َ،‬ال يسبِ ُقونَو بِالْ َقوِؿ وىم بِأَم ِرهِ‬
‫َ ْ ُ ْ َُ ْ‬
‫َْ َ‬
‫َُ‬
‫يَػ ْع َملُو َف} (<‪ 8‬ػ=‪ )8‬سورة األنبياء‪.‬‬
‫وىو الرسوؿ النيب األوؿ با‪٠‬تلق وقد خاطبو تعاىل بقولو الكرًن عن ا‪١‬تبلئكة‪ ...{ :‬أَنبِْئػ ُهم‬
‫َس َمآئِِه ْم ‪ )99( }...‬سورة البقرة‪ ،‬فهو نيب وىو رسوؿ اهلل إىل ا‪ٞ‬تن ا‪١‬تكلَّفُت وإىل ا‪١‬تبلئكة‬
‫بِأ ْ‬
‫ذريتو الكرٯتة‪ .‬وأف الغرض من ىذه القصة إف ىو إالَّ ٖتذير‬
‫الكراـ أ‪ٚ‬تعُت‪ ،‬واإلنس بدءاً من ٍّ‬
‫اإلنساف من مكر الشيطاف‪ ،‬وما ذلك من اهلل تعاىل إال ‪٤‬تض الرأفة والر‪ٛ‬تة وا‪ٟ‬تناف‪.‬‬
‫نتفهم نقطتُت وردتا من معرض تلك األسئلة السابقة‪ ،‬فإف ‪٨‬تن فهمنا‪٫‬تا‬
‫بقي علينا أف َّ‬
‫ضل عن فهمها كثَت من الناس‪.‬‬
‫حق الفهم فقد تبدَّدت من أذىاننا ‪ٚ‬تيع ا‪١‬تشكبلت اليت َّ‬
‫أما النقطة األوىل فهي‪:‬‬

‫ما معٌت اآلية الكرٯتة اليت وردت ُب ىذه القصة وىي قولو تعاىل ُب سورة األعراؼ‪:‬‬
‫{بِغُُروٍر ‪ )88( }...‬سورة األعراؼ؟‪.‬وىل استطاع الشيطاف أف يغر سيدنا آدـ ‪ ‬وزوجو؟‪.‬‬
‫معٌت دقيقاً يتناسب مع مقاـ ىذا الرسوؿ الكرًن وما ىو عليو من كماؿ؟‪.‬‬
‫أـ إف لآلية ً‬
‫دىل‪ .‬تقوؿ‪َّ :‬‬
‫وجواباً على ىذا السؤاؿ نقوؿ‪:‬إف كلمة {فَ َدالَّ ُى َما} مأخوذة من َّ‬
‫دىل‬

‫فبلف الغصن‪ ،‬أي‪ :‬أدناه منو‪ .‬وىكذا فالشيطاف ‪١‬تا حلف لسيدنا آدـ ‪ ‬بأف أ ْكلَو من‬
‫الشجرة ‪٬‬تعلو دائم البقاء مع اهلل‪ ،‬ومالكاً ذلك ا‪ٟ‬تاؿ‪ ،‬جعلو يدنو من الشجرة ويأكل‬
‫وزوجو منها‪ .‬أما كلمة {بِغُ ُروٍر} فليس ينصرؼ معناىا إىل سيدنا آدـ ‪ ‬إ‪٪‬تا ينصرؼ‬

‫للشيطاف ذاتو‪.‬‬

‫فالغرور إ‪٪‬تا كاف ُٮتالط نفس الشيطاف‪ ،‬ومل ٮتالط نفس سيدنا آدـ ‪ .‬وبشيء من‬

‫التفصيل نقوؿ‪:‬‬

‫يتوىم وجود شيء‪ ،‬وىو‬
‫الغرور‪ :‬ىو حاؿ نفسي يسيطر على نفس اإلنساف‪ ،‬فيجعلو َّ‬

‫با‪ٟ‬تقيقة غَت موجود‪ .‬فقد يغًت اإلنساف ليبلً بضوء القمر‪ ،‬فيتوىم إذا استيقظ ورآه بازغاً‬
‫أف الصبح قريب‪ ،‬وا‪ٟ‬تقيقة أنو ما يزاؿ ُب أواسط الليل‪ .‬وقد يغًت اإلنساف بنفسو‪ ،‬فيتوىم‬
‫أنو قوي وأنو عامل‪ ،‬وا‪ٟ‬تقيقة أنو ال علم لئلنساف‪ ،‬إالَّ ٔتا يعلٍّمو اهلل تعاىل إيَّاه‪ ،‬وال قوة إال‬
‫باهلل‪.‬‬
‫وىكذا‪ ،‬فالشيطاف إ‪٪‬تا كاف مغروراً بنفسو‪ ،‬فكاف ٭تسب أنو ُّذا القسم الذي أقسمو‬

‫باهلل ُمدَّعياً فيو أف األكل من الشجرة‪ ،‬يُدًن لسيدنا آدـ ‪ ‬البقاء مع اهلل‪ ،‬يستطيع أف‬
‫يوقع سيدنا آدـ ‪ُ ‬ب ‪٥‬تالفة ربّو‪ ،‬فَتميو با‪٠‬تجل ويبعده عن اهلل‪ ،‬ولكن األمور جاءت‬

‫وتوىم‪ .‬فقد كانت نيَّة سيدنا آدـ ‪ ‬العالية أساساً متيناً ارتكز عليو‬
‫على عكس ما أراد َّ‬
‫ُب العودة والرجوع إىل اهلل‪ ،‬وخرج إبليس من ىذه احملاولة مذموماً مدحوراً‪.‬‬

‫يغر سيدنا آدـ ‪ ‬ويبعده عن اهلل‪ ،‬وأف معٌت‬
‫وُّذا يتب َُّت لنا أف الشيطاف ما استطاع أف َّ‬
‫توىم شيئاً‪ ،‬فجاءت األمور‬
‫كلمة {بِغُ ُروٍر} إ‪٪‬تا تصف حاؿ الشيطاف من حيث أنو َّ‬
‫توىم‪ ،‬وباء بالفشل وا‪٠‬تذالف‪.‬‬
‫ٓتبلؼ ما َّ‬

‫***‬
‫يتوصل إىل إلقاء وساوسو إىل سيدنا‬
‫أما النقطة الثانية‪ :‬كيف استطاع الشيطاف أف َّ‬

‫آدـ‪ ،‬وسيدنا آدـ ‪ ‬مقبل على اهلل ال ينقطع عنو؟‪ .‬وىل ٯتكن أف تعترب ىذه الواقعة دليبلً‬
‫على إمكاف دخوؿ الشيطاف على األنبياء؟‪.‬‬
‫وجواباً على ىذا السؤاؿ‪ ،‬وإيضاحاً ‪٢‬تذه النقطة نقوؿ‪:‬‬
‫تبدو لنا ىذه ا‪١‬تشكلة جلية واضحة‪ ،‬إذا ‪٨‬تن رجعنا إىل حاؿ اإلنساف األوؿ ‪١‬تا كانت‬
‫نفسو ‪٤‬تيطة ّتسده‪ٍ ،‬ب قارنَّا ذلك ا‪ٟ‬تاؿ األوؿ النفسي‪ُّ ،‬ذا ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي الذي ‪٨‬تن‬
‫عليو اآلف‪.‬‬
‫فسيدنا آدـ ‪١ ‬تا كاف ُب جنَّة اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬وكانت نفسو البسة جسده و‪٤‬تيطة‬
‫َّ‬
‫بو‪ ،‬ما كاف بُت نفسو ونفس الشيطاف من حجاب ٭تجبها عنو‪ ،‬بل كانت تبدو ظاىرة‬

‫مكشوفة‪ .‬ؤتا أف سيدنا آدـ ‪ُ ‬مقبل على اهلل دائم النظر إليو‪ ،‬لذلك ما استطاع‬
‫الشيطاف أف يفعل أكثر من أف يُلقي إليو بوساوسو إلقاء‪ ،‬و٭تدٍّثو ٔتا حدَّثو بو عن بعد‪،‬‬
‫ودوف أف يدنو منو‪ .‬فقد أكوف اآلف سائراً ُب طريق وأ‪ٝ‬تع عن بعد كلمة يهمس ُّا‬
‫إنساف‪ ،‬أو يقصدين ُّا ويريد أف ‪٬‬تعلها ُب أذين‪ ،‬ويرغب أف تقع ُب نفسي‪ ،‬وال يعترب‬
‫‪٣‬ترد‬
‫علي‪ ،‬وال يعد حديثو و‪٫‬تسو تسلطاً من نفسو على نفسي‪ ،‬إ‪٪‬تا ىو َّ‬
‫ذلك دخوالً منو َّ‬
‫قوؿ صدرت موجاتو من نفس‪ ،‬فأصابت ىذه ا‪١‬توجات صفحة النفس الثانية‪ ،‬وبُت النفس‬
‫األوىل والثانية مسافة ظاىرة‪.‬‬
‫وىكذا فقد تُرسل اآلف احملطات اإلذاعية مثبلً "البلسلكية" ٔتوجاهتا من منطقة ُب‬
‫أقصى الشرؽ‪ ،‬فتعكس ىذه ا‪١‬توجات األجهزة األخرى البلقطة اليت تقع ُب ا‪١‬تغرب‬
‫األقصى‪ ،‬وبُت احملطتُت بعد ا‪١‬تشرقُت‪.‬‬
‫ويبُت لنا أف الشيطاف‬
‫إف ىذا ا‪١‬تثاؿ ٍّ‬
‫يوضح لنا ىذه النقطة اليت ‪٨‬تن بصددىا وضوحاً تاماً‪ٍّ ،‬‬

‫ما دنا من سيدنا آدـ ‪ ،‬وال دخل عليو‪ ،‬وىو ال يستطيع أف يدنو منو‪ ،‬ألنو ‪ ‬دائم الوجهة‬

‫إىل اهلل‪ ،‬بل كل ما ُب األمر أنو وسوس إليو وسوسة عن بعد‪ .‬وقد وردت اآلية صر٭تة ُّذا‬
‫س إِلَْي ِو َّ‬
‫الش ْيطَا ُف ‪ )786( }...‬سورة طۤػو‪.‬‬
‫ا‪١‬تعٌت‪ ،‬إذ قالت‪{ :‬فَػ َو ْس َو َ‬
‫ومل تقل وسوس ُب صدره أو ُب نفسو‪ ،‬كما ُب قولو تعاىل‪:‬‬
‫{الَّ ِذي يػوس ِو ِ‬
‫ص ُدوِر الن ِ‬
‫َّاس}(;) سورة الناس‪ .‬أي ا‪١‬تنقطعُت عن اهلل تعاىل‪.‬‬
‫س في ُ‬
‫َُ ْ ُ‬
‫ومن الواضح أف حرؼ "إلى" يدؿ على االنفصاؿ‪ ،‬وأف حرؼ "في" يدؿ على الظرفية‬
‫واالشتماؿ‪ .‬وىكذا‪ ،‬فبل تُعد ىذه الوسوسة ا‪١‬تلقاة عن بعد‪ ،‬دخوالً من الشيطاف على‬
‫سيدنا آدـ ‪ ‬أو دنواً منو‪ ،‬وال ٯتكن أف تُعترب ىذه القصة‪ ،‬دليبلً على إمكاف دخوؿ‬

‫نبُت عدـ إمكاف دنو الشيطاف من األنبياء ُب ىذا‬
‫الشيطاف على األنبياء‪ .‬بقي علينا أف ٍّ‬
‫ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي‪ ،‬مثلهم كمثل سائر البشر‪ ،‬من حيث كوف أجسامهم ‪٤‬تيطة بأنفسهم‪،‬‬
‫وكوف ا‪ٟ‬تكم للجسم‪ ،‬فهم يولدوف كما يولد سائر البشر‪ ،‬ويطرأ على أجسامهم ُب ا‪ٟ‬تياة‬

‫الدنيا ما يطرأ على أجساـ غَتىم‪ ،‬من صحة ومرض‪ ،‬وشباب وشيخوخة‪ ،‬وضعف وىرـ‬
‫وموت‪.‬‬
‫ت من رأفة اهلل‬
‫أما أنفسهم صلوات اهلل عليهم‪ ،‬فهي دائمة اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬فبما َعَرفَ ْ‬
‫ور‪ٛ‬تتو ٓت ْلقو‪ ،‬ؤتا شهدتو من كمالو تعاىل‪ ،‬و‪ٚ‬تالو البلمتناىي‪ ،‬أضحت عاكفة ُب ذلك‬
‫ا‪ٞ‬تناب العايل‪ ،‬وىي وا‪ٟ‬تالة ىذه‪ ،‬مغمورة بذلك التجلٍّي اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬مشمولة بذلك النور ال‬
‫ينقطع عنها طرفة عُت‪.‬‬
‫ؤتا أف النفس ُب ىذا ا‪ٟ‬تاؿ ا‪ٞ‬تسمي ‪٤‬تاطة با‪ٞ‬تسم‪ ،‬وال ٯتكن أف تصلها وساوس‬

‫الشيطاف من بعيد‪ ،‬بل ال بد لو من النفوذ إليها عن طريق ا‪ٞ‬تسم واخًتاؽ الصدر‪ ،‬وحيث‬
‫أف أجساـ األنبياء مغمورة دوماً بذلك النور اإل ۤ‪٢‬تي ا‪١‬تتوارد على نفوسهم‪ ،‬بصدقهم القوي‬
‫جداً مع اهلل‪ ،‬وحبٍّهم العظيم لو تعاىل‪ ،‬لذلك ال يستطيع الشيطاف أف يدنو منهم‪ ،‬وأف‬
‫ٮتًتؽ ذلك النور اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬وىم صلوات اهلل عليهم ُّذا التجلٍّي‪ُ ،‬ب حصن حصُت من‬
‫الشيطاف وحرز منيع‪.‬‬

‫وىكذا ‪٩‬تلص من حديثنا ىذا وقد بيَّنا أف الشيطاف ال سبيل لو وال مدخل على‬
‫األنبياء قطْعاً‪ ،‬كما أنو ال سبيل لو على كل مؤمن‪ ،‬ما دامت نفسو مقبلة على اهلل متجهة‬

‫إليو‪ ،‬أو مرتبطة بأنبيائو الكراـ الربرة‪ .‬وقد أرشد تعاىل اإلنساف بصورة عامة إىل ىذه‬
‫الوسيلة اليت يتخلَّص ُّا من الشيطاف فقاؿ تعاىل‪:‬‬
‫اف نَػ ْزغٌ فَاستَ ِع ْذ بِالل ِّو إِنَّوُ س ِميع َعِل ِ َّ ِ‬
‫الشْيطَ ِ‬
‫َّك ِم َن َّ‬
‫ين اتَّػ َقواْ إِ َذا‬
‫{ َوإِ َّما يَ َنزغَن َ‬
‫ْ‬
‫َ ٌ ٌ‬
‫يم‪ ،‬إ َّف الذ َ‬
‫الشْيطَ ِ‬
‫اف تَ َذَّكرواْ فَِإ َذا ُىم ُّمْب ِ‬
‫ف ّْم َن َّ‬
‫ص ُرو َف} (‪ )867‬سورة األعراؼ‪.‬‬
‫س ُه ْم طَائِ ٌ‬
‫َم َّ‬
‫ُ‬
‫َّ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين‬
‫ين َ‬
‫آمنُواْ َو َعلَى َربِّْه ْم يَػَتػ َوَّكلُو َف‪ ،‬إنَّ َما ُس ْلطَانُوُ َعلَى الذ َ‬
‫س لَوُ ُس ْلطَا ٌف َعلَى الذ َ‬
‫{إنَّوُ لَْي َ‬
‫َّ َّ ِ‬
‫ين ُىم بِِو ُم ْش ِرُكو َف} (??ػ‪ )766‬سورة النحل‬
‫يَػَتػ َول ْونَوُ َوالذ َ‬
‫***‬
‫واآلف‪ ،‬وبعد أف أجبنا على أسئلة دقيقة كنّا أوردناىا‪ ،‬ال بد لنا من معا‪ٞ‬تة نقطة‬
‫جديدة تتلخص ُّذا السؤاؿ التايل‪:‬‬
‫ىل كاف خروج سيدنا آدـ صلى اهلل عليو وسلم إلى ىذه الدنيا ومجيء بني اإلنساف‬
‫من بعده إليها أحسن‪ ،‬أـ أف بقاءه في الجنَّة وخلق بني اإلنساف في الجنَّة‪ ،‬رأساً دوف‬
‫خروجهم إلى الدنيا أحسن؟‪ .‬وأي الحالين يعود على اإلنساف بالسعادة والخير‪ ،‬أكثر من‬

‫اآلخر؟‪.‬‬

‫وجواباً على ىذا السؤاؿ نقوؿ‪:‬‬
‫تتوضَّح لنا ىذه النقطة إذا ‪٨‬تن رجعنا إىل ا‪ٟ‬تديث عن ا‪ٞ‬تنَّة وحقيقتها‪ ،‬وأف منازؿ الناس ُب‬

‫ا‪ٞ‬تنَّة إ‪٪‬تا تكوف على حسب أعما‪٢‬تم‪ .‬وزيادة ُب التفصيل نضرب ا‪١‬تثاؿ اآلٌب فنقوؿ‪:‬‬
‫ىب أف رجبلً سافر ُب قطار‪ ،‬وكانت الطريق اليت تطل عليها نافذة القطار من أ‪ٚ‬تل‬
‫ْ‬
‫ما خلق اهلل تعاىل ُب مناظرىا ومشاىدىا وعجائبها وغرائبها‪ ..‬حدائق وأشجار‪ ،‬وأهنار‬
‫وْتار‪ ،‬ومناظر فتَّانة‪ ،‬ومدف ‪ٚ‬تيلة ‪٥‬تتلفة مل َير الراؤوف نظَتىا‪ ،‬ومل ٮتطر ‪٢‬تم مثا‪٢‬تا على‬
‫باؿ‪ .‬فما داـ ىذا القطار مستمراً ُب سَته ال يتوقف عن ا‪١‬تسَت‪ٕ ،‬تد ىذا اإلنساف الراكب‬

‫مشرئباً بعنقو إىل تلك ا‪١‬تشاىد‪ ،‬ال يبغي عنها حوالً لتجددىا وتباينها‪ ،‬وتراه ال ينقطع عن‬
‫النظر‪٥ ،‬تافة أف يفوتو شيء منها‪ .‬أما إذا وقف ىذا القطار‪ ،‬وطاؿ بو الوقوؼ‪ٕ ،‬تد ىذا‬
‫الراكب ينصرؼ عن النافذة متحوالً‪ ،‬ولو كاف ا‪١‬تشهد الذي وقف أمامو من أ‪ٚ‬تل ا‪١‬تناظر‬
‫وأمتعها‪ .‬والسبب ُب ذلك ىو أ ّف النفس ْتسب ما فطرىا اهلل تعاىل عليها وما جعلو فيها‬
‫من الوسعة البلمتناىية‪ ،‬تضيق إذا ىي ُحبست عند حاؿ واحدة‪ .‬وحب االستطبلع على‬
‫تسرب ا‪١‬تلل‬
‫كل جديد‪ ،‬من األمور اليت فُ ِطَر عليها اإلنساف‪ ،‬فإف توقَّف على حاؿ واحد‪َّ ،‬‬
‫إليو‪ ،‬وأصبح ا‪ٞ‬تميل الذي ال يتبدَّؿ‪٦ُ ،‬تبلًّ بل ‪٦‬تقوتاً‪ ،‬حىت وا‪١‬تطرب اللذيذ بتكراره دوف‬
‫جديد‪ ،‬يغدو مرفوضاً ومدعاة للملل‪.‬‬
‫ىذا وبناء على ما قدَّمناه نقوؿ‪:‬‬

‫ٔتا أ ّف ارتقاء اإلنساف وتنقلو ُب جنَّة اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬يتوقف على حسب ما كنّا بيَّناه‬
‫من قبل‪ ،‬على ما يقدٍّمو اإلنساف ُب ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا من صاّب األعماؿ‪ ،‬ولذلك‪ ،‬فلو أف‬
‫يتقرب بو إىل‬
‫اإلنساف ُخلِ َق ُب ا‪ٞ‬تنَّة رأساً‪ ،‬ومل ٮترج إىل ىذه الدنيا‪١ ،‬تا كاف لو عمل َّ‬
‫خالقو زلفى‪ ،‬و‪١‬تا أمكن االرتقاء من حاؿ إىل حاؿ أعلى‪ ،‬ومن جن ٍَّة إىل جنَّة أوسع وأرقى‪،‬‬
‫لظل ُب ا‪ٞ‬تنَّة مبلزماً ‪١‬تنزلة واحدة ال يتعداىا‪.‬‬
‫بل َّ‬
‫وىكذا‪ ،‬فاهلل تعاىل إ‪٪‬تا خلق النفس البشرية‪ ،‬وأعطاىا أعظم وأغٌت عطاء‪ ،‬فقد جعل‬
‫فيها من القابلية للتدرج ُب مشاىدة الكماؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬والتوسع ُب ىذه ا‪١‬تشاىدة ما ال يقف‬
‫ُّا عند حد أو انتهاء‪ ،‬وذلك ُب قولو ‪ُ ‬ب حديث قدسي‪( :‬ما وسعني أرضي وال سمائي‬
‫ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن)‪.‬‬

‫وأخرجها تعاىل إىل ىذه الدنيا‪ ،‬وفتح ‪٢‬تا ‪٣‬تاؿ العمل‪ ،‬لتكوف أىبلً لذلك الشهود‬
‫البلمتناىي وذلك االرتقاء‪ ،‬وجعل الشهوة دافعة للعمل‪ ،‬ما‪٨‬ت ًة إيَّاه قيمتو‪ ،‬إذ لو مل تكن‬
‫لئلنساف شهوة إىل ا‪١‬تاؿ مثبلً‪١ ،‬تا كاف للصدقة عنده وزف وال قيمة‪ ،‬وكذلك غض النظر‬
‫عن النساء اللواٌب ال ٭تل النظر إليهن‪ ،‬وبذلك كلو َّأىل اهلل تعاىل ىذا اإلنساف ألعظم ما‬
‫ٯتكن أف ينالو ‪٥‬تلوؽ من الفضل اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬والنعيم ا‪١‬تقيم‪.‬‬

‫أفليس إخراج اإلنساف وا‪ٟ‬تالة ىذه إىل ا‪ٟ‬تياة الدنيا فضبلً من اهلل ونعمة‪ ،‬خَت من‬
‫إبقائو ُب ا‪ٞ‬تنَّة؟‪ .‬أي‪ :‬من جن ٍَّة واحدة عالية قطوفها دانية‪ ،‬إىل جن ٍ‬
‫ٔتسرات عالية‬
‫َّات عُبل َّ‬

‫‪١‬تتذوؽ‪،‬‬
‫وعلواً‪ ،‬تروؽ للرائي ا ٍّ‬
‫‪ٝ‬تواً ّ‬
‫متزايدة متسامية‪ ،‬تنكب عليها النفس لتنوعها وتفاضلها ّ‬
‫و٘تلؤه حبّاً باإللۤو الرحيم العظيم الذي دوماً يُغدؽ عليو سعادة أ‪ٝ‬تى من السعادة اليت‬
‫قبلها‪ ،‬فبل ملل وال كلل‪ ،‬بل سرور مغمور ْتبور‪ ،‬مع زيادة ُب العلو والقرب من الرحيم‬
‫ا‪١‬تنَّاف‪ ،‬أي‪ :‬من جنَّة إىل جناف‪ ،‬وىذا ا‪١‬تؤمن متّكئاً ُب معارجو‪ ،‬على أعماؿ ‪٦‬تزوجة بالنوايا‬
‫اإلنسانية!‪ .‬قاؿ تعاىل مشَتاً إىل أف إخراج اإلنساف إىل ىذه الدنيا‪ ،‬خَت من ذلك ا‪ٟ‬تاؿ‬
‫آد َـ قَ ْد‬
‫الذي كاف فيو سيدنا آدـ ‪ ‬سابقاً‪ٔ ،‬تا بيَّنتو اآلية الكرٯتة ُب قولو تعاىل‪{ :‬يَا بَنِي َ‬
‫أَنزلْنا علَي ُكم لِباسا يػوا ِري سوءاتِ ُكم وِري ً ِ‬
‫ِ‬
‫ك ِمن آي ِ‬
‫ات‬
‫ى َذلِ َ‬
‫ك َخ ْيػ ٌر َذل َ ْ َ‬
‫َْ َ ْ َ‬
‫اس التَّػ ْق َو َ‬
‫َ َ َ ْ ْ َ ً َُ‬
‫شا َولبَ ُ‬
‫الل ِّو لَ َعلَّ ُه ْم يَ َّذ َّك ُرو َف} سورة األعراؼ(<‪)8‬‬
‫خَت من ا‪ٟ‬تاؿ األوؿ الذي كاف فيو‪ .‬كذا إخراج‬
‫ولباس التقوى الذي ازداف بو آدـ ‪ٌ ،‬‬
‫الطفل من بيتو السعيد إىل ا‪١‬تدرسة‪ ،‬وما فيها من قيود وتشديدات‪ ،‬خَت لو من البقاء ُب‬
‫ا‪ٟ‬ترية‪ ،‬ألف رقيَّو يتم من تدريسو‪ ،‬فالدنيا مدرسة ويليها الرقي ُب‬
‫بيتو‪ ،‬بيت االنطبلؽ و ّ‬

‫رقي لو‪ ،‬كذا كاف سيدنا‬
‫الدنيا واآلخرة‪ ،‬وما مل ٮترج للمدرسة‪ ،‬يبقى مقعداً عن السمو ال َّ‬

‫متنوعة متسامية‪،‬‬
‫آدـ ‪ُ ‬ب جنَّة واحدة‪ ،‬لكنو بعد ا‪ٟ‬تياة الدنيا‪ ،‬غدا ُب جنَّات متعالية ٍّ‬
‫‪٨‬تو األفضل واألكمل‪ ،‬بدٯتومة مرغوبة ‪٤‬تبوبة أي‪ :‬بدؿ ا‪ٞ‬تنَّة جنَّات‪.‬‬

‫انفصم انغادط‬
‫في ىذا الفصل‪:‬‬
‫‪ ‬طريق اإليماف‪.‬‬
‫محمد أمين شيخو َّ‬
‫قدس اهلل سره‪.‬‬
‫‪ ‬مقتطفات من علوـ العبلَّمة اإلنساني ّ‬
‫***‬

‫طــشٌك اإلًٌــاٌ‬
‫إف ىذا الكوف ٔتا فيو من مشس وقمر وكواكب وأجراـ‪ٔ ،‬تا فيو من أمطار وثلوج‬
‫وسحب ورياح‪ٔ ،‬تا فيو من أرض و‪ٝ‬تاء وحيواف ونبات‪ ،‬حىت الكرة األرضية ُب جرياهنا‬
‫ودوراهنا‪ ،‬والفصوؿ األربعة ُب تبد‪٢‬تا وتعاقبها‪ ،‬والليل والنهار ُب اختبلفهما وتبلحقهما‪،‬‬
‫وإف شئت فقل‪:‬‬
‫ىذا العامل ا‪٠‬تضم الزاخر با‪١‬تخلوقات وّتميع ما فيو من كائنات‪ ،‬حىت جسمك وما‬
‫تألَّف منو من أجهزة وأعضاء‪ ،‬وما ‪٬‬تري فيو من مبادالت وٖتليل وتركيب وقياـ غدده ٔتا‬
‫يتطلَّبو من إفرازات‪ ،‬وهتيئة ما يلزمو من مواد ‪٥‬تتلفات‪ ،‬ذلك كلو ‪٦‬تَّا تعلمو وما ال تعلمو إ‪٪‬تا‬
‫‪٬‬تري ضمن قانوف ثابت ووفق نظاـ‪.‬‬
‫وإذا كاف ا‪٠‬تالق العظيم قد جعل ‪٢‬تذا الكوف ّتميع ما فيو من ‪٥‬تلوقات قانوناً ونظاماً‬
‫سخر ىذا الكوف وذلَّلَوُ ‪٢‬تذا اإلنساف‪،‬‬
‫يسَت عليو وال يتعدَّاه‪ ،‬وإذا كاف ا‪٠‬تالق العظيم قد َّ‬
‫تصور ويُعقل أف ال يكوف ‪٢‬تذا اإلنساف وىو أكرـ ا‪١‬تخلوقات وأفضلها قانوف‬
‫فهل يُ َّ‬
‫ونظاـ؟‪ .‬ىل نظَّم ا‪٠‬تالق العظيم الكوف كلو وترؾ اإلنساف يسَت ُب ىذه ا‪ٟ‬تياة على غَت‬
‫ىدى ونظاـ؟‪ .‬ىل نظَّم ا‪٠‬تالق العظيم الكوف كلَّو وأ‪٫‬تل ىذا اإلنساف‪ ،‬وتركو يتخبَّط ُب‬
‫الظلمات فبل يعرؼ خَته من شره وال يدري كيف يسَت ُب ‪٣‬تاىل ىذه ا‪ٟ‬تياة؟‪ .‬الفكر‬
‫مقراً بوجود ىذا النظاـ ا‪١‬ترسوـ‬
‫ا‪١‬تستقيم وا‪١‬تنطق الصحيح والوعي السليم‪ ،‬كل ىذا ٭تكم ّ‬

‫‪٢‬تذا اإلنساف‪ ،‬فأين يا تُرى ذلك القانوف والنظاـ؟‪.‬‬
‫عامة عن اهلل‪ ،‬تعاؿ نستمع إىل َّأوؿ كلمة‬
‫َ‬
‫تعاؿ معي ننظر فيما جاء بو الرسل الكراـ َّ‬
‫ك الَّ ِذي‬
‫اس ِم َربّْ َ‬
‫أوحى ُّا اهلل تعاىل إىل الرسوؿ ‪ ‬ليُبلٍّغها للناس إذ قاؿ تعاىل‪{ :‬اقػ َْرأْ بِ ْ‬
‫ك ْاألَ ْك َرُـ‪،‬الَّ ِذي َعلَّ َم بِالْ َقلَ ِم‪َ ،‬علَّ َم ِْ‬
‫َخلَ َق‪َ ،‬خلَ َق ِْ‬
‫نسا َف َما لَ ْم‬
‫نسا َف ِم ْن َعلَ ٍق‪،‬اقػ َْرأْ َوَربُّ َ‬
‫اإل َ‬
‫اإل َ‬
‫يَػ ْعلَ ْم} (‪ 7‬ػ;) سورة العلق‪.‬‬
‫تعاؿ لِنُدقٍّق ُب ىذه الكلمة اليت بلَّغها الرسوؿ ‪٤‬تمد ‪ ‬للعرب كافَّة و‪ٞ‬تميع العا‪١‬تُت‪،‬‬
‫تعاؿ ننظر ُب تلك الداللة اليت َّ‬
‫دؿ الرسوؿ عليها أصحابو الكراـ‪ ،‬تعاؿ ننظر إىل ما كاف‬

‫يتلوه عليهم ُب مكة وُب األياـ األوىل من بعثتو ‪ ‬من قرآف ُم َّنزؿ من عند اهلل‪ ،‬تعاؿ ننظر‬

‫ا‪١‬تتمسك ٔتا وجد عليو آباءه األولُت دوف وعي أو تفكَت‪،‬‬
‫نظرات الظامئ إىل ا‪ٟ‬تقيقة ال‬
‫ٍّ‬
‫تعاؿ ‪٩‬ترج من ىذه ا‪ٞ‬تهاالت اليت رَّكبتها فئات من ذوي األىواء والضبلالت‪ ،‬تعاؿ نرجع‬
‫إىل ا‪ٟ‬تق وا‪ٟ‬تق أحق أف يػُتَّبع‪ ،‬ولنقتد بالرسل الكراـ ولنتبع النهج القوًن الذي ساروا عليو‬

‫كافَّة ٕتد النظاـ ا‪١‬تنشود والقانوف ا‪١‬ترسوـ ُب القرآف‪ ،‬والذي طبَّقو رسوؿ اهلل ‪ ‬بذاتو ودعا‬
‫إىل تطبيقو صحابتو الكراـ‪ ،‬فكاف ‪٢‬تم ما كاف من شأف حىت مؤل ذكرىم ا‪٠‬تافقُت‪ ،‬وفازوا ٔتا‬
‫فازوا بو من السعادة وا‪٠‬تَتات‪.‬‬

‫تتعرؼ إىل أصلك وتنظر ُب بدايتك أيها اإلنساف‪،‬‬
‫أقوؿ‪ :‬ذلك القانوف والنظاـ ىو أف َّ‬

‫فمن عرؼ نفسو عرؼ ربَّو‪ ،‬ومن عرؼ ربو ىداه طريق السعادة وحفظو من الشقاوة‬
‫والضبلؿ‪ ،‬ومن ي ِ‬
‫هد اهلل فهو ا‪١‬تهتدي‪ ،‬ومن يُضلل فلن ٕتد ‪٢‬تم أولياء من دونو‪ٍّ .‬‬
‫فكر أيها‬

‫اإلنساف ُب أصلك‪ ،‬وتفكَتؾ ُب أصلك وبػدايتك َّأوؿ مواد ىذا القانوف والنظاـ الذي‬
‫لك اهلل‪ٍّ ،‬‬
‫فكر وكيف ال تُف ّكر وقد تفضَّل عليك ربك بتلػك ا‪ٞ‬توىرة الثمينة اليت‬
‫َّ‬
‫شرعو َ‬
‫فكر وكيف ال تُ ٍّ‬
‫تساعدؾ على التفكَت وتصل بك إىل معرفة خالػقك ومربيّك‪ٍّ ،‬‬
‫فكر وقد‬
‫جعل لك ُب ىذا الكوف من اآليات العظيمة والنظاـ البديع مراتع واسعة و‪٣‬تاالت كربى‬
‫فكر وكيف ال تُ ٍّ‬
‫يرتع و‪٬‬توؿ فيها التفكَت‪ٍّ ،‬‬
‫فكر والكوف أمامك كتاب مفتوح تستطيع أف‬
‫تقرأ فيو ولو مل يعلٍّمك ُمعلٍّم‪ ،‬ولو مل َّ‬
‫يتوؿ أمرؾ أحد‪ ،‬فاهلل تعاىل لك إف صدقت خَت‬

‫فكر ُب أصلك يوـ كنت نطفة ُب ظهر أبيك‪ٍّ ،‬‬
‫ُمعلٍّم ودليل‪ٍّ ،‬‬
‫فكر ُب ىذه النطفة كيف‬
‫ومم ترَّكبت‪ٍّ ،‬‬
‫فكر ُب ىذه النطفة أين وضعت واستقرت؟‪.‬‬
‫َّ‬
‫تكونت َّ‬
‫فكر ُب نفسك وقد أصبحت ُب ظلمات الرحم وُب ذلك ا‪١‬تستودع األمُت‪ٍّ ،‬‬
‫ٍّ‬
‫فكر ُب‬
‫تلك األطوار اليت مررت ُّا فمن نطفة إىل علقة ومن علقة إىل مضغة ومن مضغة إىل‬
‫وخلِ َق منها ٕتويف الدماغ‬
‫عظاـ‪ ،‬عظاـ مرَّكبات بنظاـ واتساؽ‪ُ ،‬رٍّكبت عليها العضبلت ُ‬

‫وللعُت واألذف والفم منو مكاف‪ ،‬وللقلب والرئتُت قفصهما ولؤلحشاء منها حوامل ومراكز‬
‫للعروؽ واألوتار‪.‬‬

‫ٍّ‬
‫ُفصل لك ُب ىذا كل التفصيل‪ ،‬بل أدع لك اَّاؿ لتُشاىد وترى‬
‫فكر وال أريد أف أ ٍّ‬
‫ٖتولت إىل إنساف سوي و‪٥‬تلوؽ كرًن‪ٍّ ،‬‬
‫كيف َّ‬
‫فكر وقدٍّر عظمة تلك‬
‫أف النطفة األمشاج َّ‬
‫وسوت لك ىذه األعضاء وجعلت الدماغ والقلب واألجهزة‬
‫وصورتك َّ‬
‫اليد اليت أوجدتك َّ‬
‫الرئيسية‪ ،‬وما تتألف منو من أ َْعظُ ٍم وأجزاء ُب مكاف أمُت وحرٍز حريز‪ ،‬فكر ُب تلك اليد‬
‫اليت كانت تسوؽ لك الغذاء وأنت ُب طريقك إىل الدنيا وحيداً فريداً ال حوؿ لك وال‬

‫قوة‪ ،‬وما ٘تلك لنفسك رزقاً وما ٯتلك لك أحد رزقاً‪ ،‬لكن تلك اليد اليت سهرت على‬
‫خ ْلقك ىي اليت كانت ترزقك‪ ،‬فتسوؽ لك الغذاء و َّ‬
‫٘تد كل عضو من أعضائك ٔتا يلزمو‬
‫من مواد‪.‬‬
‫ٍّ‬
‫فكر ُب تلك اليد اليت استطاعت خبلؿ بضعة أشهر نقلك من نطفة إىل إنساف‪ ،‬فما‬
‫تأخر خلقها وما ىي ٔتسبوقة عن إ‪٧‬تاز ا‪٠‬تلق وتركيب اإلنساف ُب مدَّتو ا‪١‬تعيَّنة‪ ،‬فما أف‬
‫َّ‬
‫ك وأنت ُب بطن أمك رأساً على عقب‪،‬‬
‫أزؼ موعد الوالدة وا‪٠‬تروج إىل الدنيا حىت قَػلَبَْت َ‬
‫ويسرت لك السبيل إىل الوالدة‪ ،‬قاؿ تعاىل‪:‬‬
‫فجعلت رأسك إىل أسفل وأرجلك إىل أعلى َّ‬
‫ِ‬
‫َي َشي ٍء َخلَ َقوُ‪ِ ،‬من نُّطْ َف ٍة َخلَ َقوُ فَػ َق َّدرهُ‪ ،‬ثُ َّم َّ ِ‬
‫{قُتِل ِْ‬
‫يل‬
‫َ‬
‫اإل َ‬
‫السب َ‬
‫َ‬
‫نسا ُف َما أَ ْك َف َرهُ‪ ،‬م ْن أ ّْ ْ‬
‫ش َرهُ} (=‪ 7‬ػ‪ )88‬سورة عبس‪.‬‬
‫يَ َّ‬
‫س َرهُ‪ ،‬ثُ َّم أ ََماتَوُ فَأَقْػبَػ َرهُ‪ ،‬ثُ َّم إِ َذا َشاء أَن َ‬
‫ٍّ‬
‫فكر وقد نزلت إىل ىذا العامل ا‪ٞ‬تديد ُب أرض جديدة‪ ،‬فأحاطك بعطف أُمك ولطفها‬
‫وبث ُب قلبها ‪٤‬تبَّتك وأودعو حناهنا وىيأ لك طعامك ُب ثدييها فإذا ىو سائغ شرابو‪،‬‬
‫َّ‬
‫كل ما ٭تتاجو جسمك من مواد و‪ٚ‬تيع ما يتطلَّبو‪ٍّ .‬‬
‫لذيذ طعمو‪ٍّ ،‬‬
‫فكر ُب تلك‬
‫مغذ حا ٍو َّ‬
‫الوجبات من الغذاء اليت كانت ُهتيٍّئها لك تلك اليد الرحيمة بك‪ ،‬فتزيد لك ُب معايَتىا‬
‫الغذائية ‪ٟ‬تظة بعد ‪ٟ‬تظة ووجبة بعد وجبة زياد ًة متناسبة مع ُ‪٪‬ت ّوؾ وتقدمك ُب السن‪ ،‬حىت‬

‫إذا ما احتاج جسمك مزيداً من التغذية وأصبحت معدتك قادرة على ىضم األطعمة‪،‬‬
‫أنبت لك األسناف اللبنية سنّاً بعد سن حسبما يقتضيو النماء وتتطلبو ا‪ٟ‬تاجة‪.‬‬
‫لسن سب ٍع خلت من سٍت ا‪ٟ‬تياة‪ ،‬ومن أجل جسم سيُهيَّأ ألف يضطلع بأمور ىامة‬
‫و ٍّ‬
‫وأعماؿ عظيمة وفكْر يدبٍّر أموراً جليلة بدَّؿ لك تلك األسناف اللبنية بأسناف دائمة‬

‫تستطيع أف هتيئ ‪٢‬تذا ا‪ٞ‬تسم ما يتطلَّبو من غذاء‪ٍّ ،‬‬
‫فكر ُب تلك اليد اليت تُربٍّيك اآلف‬
‫بخر مياىها‪ ،‬و٘تر الرياح فتسوؽ السحب‬
‫فًتسل بأشعة الشمس ا‪ٟ‬تارة على البحار تُ ٍّ‬

‫وتُثَتىا من مكامنها ٍب حييت األرض من بعد موهتا وارتوت من بعد عطشها كشفت‬
‫الغيوـ وأعادت إىل ال سماء صفاءىا وللشمس إشراقها فإذا الزرع ُب ‪٪‬تاء وإذا األرض ٕتود‬
‫شاء‬
‫با‪٠‬تَتات‪ ،‬قاؿ تعاىل‪{ :‬أَفَػ َرأَيْػتُم َّما تَ ْح ُرثُو َف‪ ،‬أَأَنتُ ْم تَػ ْزَرعُونَوُ أ َْـ نَ ْح ُن َّ‬
‫الزا ِرعُو َف‪ ،‬لَ ْو نَ َ‬
‫لَ َج َعلْنَاهُ ُحطَ ًاما فَظَلَلْتُ ْم تَػ َف َّك ُهو َف‪ ،‬إِنَّا لَ ُم ْغ َرُمو َف‪،‬إِنَّا لَ ُمغْ َرُمو َف‪ ،‬بَ ْل نَ ْح ُن‬
‫ِ‬
‫َنزلْتُ ُموهُ ِم َن ال ُْم ْز ِف أ َْـ نَ ْح ُن ال ُْمن ِزلُو َف‪ ،‬لَ ْو‬
‫ومو َف‪،‬أَفَػ َرأَيْػتُ ُم ال َْماء الَّذي تَ ْش َربُو َف‪،‬أَأَنتُ ْم أ َ‬
‫َم ْح ُر ُ‬
‫اجا فَػلَ ْوَال تَ ْش ُك ُرو َف} (‪ <9‬ػ‪ )=6‬سورة الواقعة‪.‬‬
‫نَ َ‬
‫ُج ً‬
‫شاء َج َعلْنَاهُ أ َ‬
‫ٍّ‬
‫فكر ُب األغذية وأنواعها‪ ،‬واألزىار وأشكا‪٢‬تا وروائحها‪ ،‬والفواكو وألواهنا وطعومها‪،‬‬
‫فكر ُب الفصوؿ األربعة وتقلبها‪ٍّ ،‬‬
‫ٍّ‬
‫فكر ُب النوـ وقد جعلو اهلل تعاىل لك سباتاً وُب النهار‬
‫معاشاً‪ٍّ ،‬‬
‫فكر ُب ا‪٢‬تواء يقدٍّـ لك ما ُب التنفس واالستنشاؽ وما يساعد على االحًتاؽ‪،‬‬
‫فكر ُب الشمس وىي ٘تدؾ با‪ٟ‬ترارة والضياء‪ٍّ ،‬‬
‫ٍّ‬
‫فكر ُب البحار‪ُ ،‬ب األهنار‪ُ ،‬ب السهوؿ‬
‫وا‪ٞ‬تباؿ‪ُ ،‬ب ا‪ٟ‬تيواف والنبات‪ُ ،‬ب ا‪١‬تبلبس والثياب ُب الصوؼ والقطن والكتَّاف‪ٍّ ،‬‬
‫فكر ُب‬
‫تؤمن لك ‪ٚ‬تيع ما ٖتتاج‪ ،‬وتسهر على تربيتك فإذا ىي تغدؽ عليك من‬
‫ىذه اليد اليت ٍّ‬
‫خَتاهتا وتغمرؾ بفضلها وتواصل عليك إمدادىا ُب كل ‪ٟ‬تظة وآف دوف أدىن انقطاع‪.‬‬
‫ٍّ‬
‫فكر على ىذا النمط وُّذه الًتبية فبمثل ىذا التفكَت بدأ سيدنا إبراىيم أوىل خطواتو‬
‫سائراً ُب طريق اإلٯتاف‪ ،‬ؤتثل ىذا التفكَت بدأ سائر الرسل الكراـ من لدف سيدنا آدـ ‪‬‬

‫فكر فإف أنت َّ‬
‫حىت سيدنا ‪٤‬تمد ‪ٍّ ،‬‬
‫فكرت اىتديت وعرفت َّ‬
‫أف لك مربٍّياً عظيماً ساىراً‬
‫عليك ال يغفل عنك طرفة عُت‪ ،‬أمدَّؾ جنيناً ٍب مولوداً وطفبلً صغَتاً‪ٍ ،‬ب رجبلً وإنساناً‬
‫استقر ُب‬
‫كامبلً ما يزاؿ إمداده عليك دائماً‪ ،‬وخَته إليك جارياً متواصبلً‪ ،‬حىت إذا ما َّ‬
‫نفسك وعقلتو فتحققت فيو‪ ،‬فهنالك سينفتح أمامك أفق جديد و‪٪‬تط آخر من التفكَت‪.‬‬
‫سًتى أف جسمك سوؼ ال يبقى قوياً جلِداً وأنك سوؼ ال تعيش ُب ا‪ٟ‬تياة ‪٥‬تلداً‪،‬‬
‫ودع ا‪ٟ‬تياة ومات‪ ،‬وىذا جارؾ قد فارؽ زوجو وبنيو وقضى ‪٨‬تبو‪ ،‬ومل يتمتَّع‬
‫فهذا قريبك قد َّ‬

‫با‪ٟ‬تياة الدنيا سوى أعواـ معدودات‪ ،‬وذاؾ صديقك مل يفرح ٔتتجره وال ببيتو الذي شاده‬

‫وبناه‪ ،‬بل قطع ىاذـ(‪ )1‬اللذات كل أمل لو ُب ا‪ٟ‬تياة ووافاه األجل ومل يُنظره ‪ٟ‬تظات‪ .‬وذا‬

‫مات مريضاً وذا عليبلً وىذا فجأة دوف أدىن استعداد‪ ،‬وتنظر إىل ىذا وذاؾ‪ ،‬حىت أنك‬
‫القواد العظماء واألغنياء والفقراء‪ ،‬حىت الرسل الكراـ‬
‫لتمر بذىنك على ا‪١‬تلوؾ واألمراء و َّ‬
‫فما ٕتد ا‪١‬توت أبقى أحداً‪ ،‬وىنالك تعلم َّ‬
‫أف ا‪١‬توت مصَتؾ احملتوـ رغم كل احملاوالت‪ ،‬كما‬

‫ىو مصَت من كاف قبلك فبل ‪٧‬تاة منو وال خبلص‪ ،‬وىنا تنقطع آمالك من ىذه ا‪ٟ‬تياة‬
‫الدنيا‪ ،‬وتعلم أهنا دار الرحلة والفناء‪.‬‬
‫ويبعث التفكَت ُب ا‪١‬توت ا‪٠‬تشية ُب نفسك والرىبة ويولٍّد الصدؽ ُب معرفة ا‪١‬تريب‪ ،‬وهتب‬

‫تبحث صادقاً عنو وتتساءؿ من ىو ىذا ا‪١‬تريب الذي خلقٍت من نطفة‪ ،‬ومل أكن من قبل‬
‫شيئاً مذكوراً‪ٍ ،‬ب جعلٍت طفبلً فرجبلً كبَتاً؟‪ .‬وتنظر ُب الكوف من جديد نظرة أخرى أوسع‬
‫يسَت الشمس والقمر‪ ،‬ويدير الكوف كلو‬
‫ا‪١‬تسَت الذي ٍّ‬
‫من سابقتها‪ ،‬فتجد أف ىذا ا‪١‬تريب ىو ٍّ‬
‫ٔتا فيو من أجل تربيتك وتأمُت ما يلزمك‪ ،‬فبل يد ألحد معو وال تصرؼ لغَته‪ ،‬وىو اهلل‬
‫وحده ال إلۤو إال ىو‪ .‬وىنا تنتقل من اإلٯتاف با‪١‬تريب إىل خطوة جديدة أخرى‪ ،‬وىي اإلٯتاف‬
‫ا‪١‬تسَت‪ ،‬فًتى األجراـ السماوية جارية ُب مساْتها وأفبلكها‪ ،‬وتشهد‬
‫بأف ىذا ا‪١‬تريب ىو اإللۤو ٍّ‬
‫الشمس تُرسل بأشعتها وحرارهتا‪ ،‬والغيوـ وقد ىبَّت ثائرة من مكامنها‪ ،‬والرياح وىي ٕتري‬

‫عاصفة ُب إتاىاهتا‪ ،‬والبحار الزاخرة متدافعة مياىها متبلطمة بأمواجها‪ ،‬واألهنار منطلقة من‬
‫منابعها سائرة إىل مصبَّاهتا منحدرة شبلالهتا‪ ،‬حىت الكرة األرضية الساْتة ُب فضائها ا‪ٞ‬تارية ُب‬
‫فلكها الدائرة حوؿ نفسها ٔتا فيها من ا‪١‬تخلوقات اليت على ظهرىا‪ ،‬ترى ذلك كلو سائراً بأمره‬
‫تعاىل وقدرتو‪.‬‬
‫وتتعمق ُب النظر وتزداد تعمقاً فًتى أنو ال ٮتطو ‪٥‬تلوؽ خطوة وال يرفع يداً وال يتحرؾ‬
‫َّ‬
‫حركة‪ ،‬إال من بعد إذنو تعاىل وإرادتو‪ ،‬وتنتقل ُب التفكَت مرتقياً متسامياً حىت تصل إىل‬
‫الذرات يعمل كلو ُب‬
‫درجة تشهد معها‪ ،‬أف الكوف كلو وحدة متّصلة األجزاء مًتابطة َّ‬
‫(‪ )7‬ىاذـ‪ :‬بالذاؿ‪ٔ ،‬تعٌت قاطعها‪ ،‬ألنو إذا جاء ال يبقي من لذائذ الدنيا شيئاً‪.‬‬

‫اتساؽ وانسجاـ‪ ،‬وتلك اإلرادة اإل ۤ‪٢‬تية ىي ا‪١‬تشرفة والقائمة عليو‪ ،‬وذلك ا‪١‬تريب ىو اإللۤو‬
‫مسَت غَته وال إلۤو سواه‪.‬‬
‫ا‪١‬تسَت ‪٢‬تذا الكوف كلو‪ ،‬فبل ٍّ‬
‫ٍّ‬

‫إنَّك تعلم أف ربك ىو اهلل وىنالك تشهد أف ال إلۤو إال اهلل‪ ،‬بلسانك من بعد أف شهدهتا‬
‫نفسك ُب الكوف كلو‪ ،‬ومن بعد مشاىدهتا ُب صميمك‪ ،‬تقو‪٢‬تا بلسانك وقد عقلتها عقبلً‬
‫ال عن ‪ٝ‬تاع وتقليد‪ ،‬وتؤمن ُّا كما آمن السلف الصاّب والصحابة الكراـ‪ ،‬ال إٯتاناً كإٯتاف‬

‫العجائز مبنياً على ُخرافات وأوىاـ‪ ،‬وإذا أنت وا‪ٟ‬تالة ىذه قد آمنت بتلك الكلمة صدقاً‪،‬‬
‫وقلت ال إلۤو إال اهلل حقاً وذلك بعض ما نفهمو من قولو تعاىل‪{ :‬فَا ْعلَ ْم أَنَّوُ َال إِلَوَ إَِّال اللَّوُ‬
‫‪ )7?( }...‬سورة ‪٤‬تمد‪.‬‬

‫وقولو ‪(:‬من قاؿ ال إلو إالَّ اهلل مخلصاً دخل الجنة‪ ،‬قيل‪ :‬وما إخبلصها؟‪ .‬قاؿ‪:‬‬
‫أف تَ ْحجزهُ عن محا ِرِـ اهلل)(‪.)2‬‬
‫َُ‬
‫وكيف ال ٖتجزه عن ‪٤‬تارـ اهلل وقد أضحى ُب حاؿ يرى اهلل تعاىل معو مشاىداً رقيباً‬
‫أىن َّإتو؟‪.‬‬
‫كيفما سار و َّ‬
‫واآلف وبعد أف بلَّغتك ىذه ا‪١‬ترحلة‪ ،‬مرحلة اإلٯتاف ببل إلۤو إال اهلل من بعد أف وصلت‬
‫بك ٔترحلة اإلٯتاف با‪١‬تريب‪ ،‬سأسرع ُب ا‪١‬تسَت وقد أضحيت ‪٦‬تَّن يستطيع السَت معي بسرعة‬
‫ُبُت لك آثار اإلٯتاف بكلمة (ال إلو إال اهلل)‪ ،‬وأف أنقلك إىل ‪٤‬تبة‬
‫دوف إبطاء‪ ،‬أريد أف أ ٍّ‬
‫رسوؿ اهلل ‪ ‬فأقوؿ‪ :‬إذا أنت وصلت إىل اإلٯتاف ببل إلۤو إال اهلل‪ ،‬وأصبحت ‪٦‬تن يرى أف‬
‫سَت الكوف كلو بيد اهلل‪ ،‬وانغمرت نفسك ُّذه ا‪١‬تشاىدة فصرت ترى أنو ال رياح هتب‪،‬‬
‫وتتجمع‪ ،‬وال أمطار هتطل‪ ،‬وال برؽ يلمع ويومض وال رعد يدوي‪ ،‬وال ْتر‬
‫وال غيوـ تتلبَّد‬
‫َّ‬

‫ٯتوج بعضو ُب بعض فيعلو ويهبط‪ ،‬وال هنر يتدافع ماؤه ُب تدفق متواصل‪ ،‬وال بركاف يثور‬
‫ىزاً فيلقي الذعر ُب‬
‫ُب غضب‪ ،‬وال سيل ‪٬‬تري ُب عنفواف وشدة‪ ،‬وال زلزاؿ يهز األرض ّ‬
‫قلوب غافلة الىية‪ ،‬وال أرض تدور ُب سبيل توليد ليل وهنار وفصوؿ أربعة‪ ،‬وال ‪٧‬توـ ٕتري‬
‫(‪ )8‬رواه الطرباين ُب األوسط الكبَت‪.‬‬

‫المعة ُب أفبلؾ ُمنظَّمة‪ ،‬وإف شئت فقل‪:‬‬
‫صرفو يد‬
‫إذا أنت أصبحت ‪٦‬تَّن يُشاىد أف الكوف ّتميع ما فيو من ‪٥‬تلوقات‪ ،‬وحدة تُ ٍّ‬

‫عزيز حكيم وإرادة عليم خبَت‪ ،‬حىت أف يدؾ ال تتحرؾ ْتركة وعينك ال تطرؼ بنظرة‪،‬‬
‫وأذنك ال تستمع إىل صوت أو جلبة‪ ،‬وقلبك ال ٮتفق نابضاً بُت انقباض وانبساط‪ ،‬وأف‬
‫معدتك ال تفرز عصاراهتا على ما فيها من أطعمة‪ ،‬وكبدؾ ال يقوـ بتخزين مواد وإفراز‬
‫مواد وفق معايَت منظَّمة‪ ،‬ورئتك ال تتَّسع وتنقبض ُب شهيق وزفَت‪ ،‬ودمك ال ‪٬‬تري ُب‬

‫غدو ورواح‪ ،‬والكريات البيض ال تقف‬
‫شرايُت وأوردة‪ ،‬والكريات ا‪ٟ‬تمر ال تنقل ما تنقل ُب ٍّ‬
‫مع ا‪ٞ‬تراثيم ُب صراع وعراؾ‪ ،‬وا‪ٞ‬تراثيم ال ُهتاجم ا‪ٞ‬تسم ُب عنفواف وش ّدة‪ ،‬أقوؿ‪:‬‬
‫إذا أنت وصلت إىل ىذا عن طريق العقل وا‪١‬تشاىدة النفسية‪ ،‬ال عن طريق السماع من‬
‫ذوي االختصاص والنَّقل عن اَّلَّدات والكتب‪ ،‬وصرت ترى أف األمر كلو بيد اهلل‪ ،‬وأف‬
‫وعامتهم‪ ،‬قريبهم وبعيدىم‪ ،‬قويّهم وضعيفهم‪ ،‬ال بل ا‪٠‬تبلئق كلَّها‬
‫الناس ‪ٚ‬تيعهم َّ‬
‫خاصتهم َّ‬

‫ال يستطيع أحد منها أف ‪٬‬تلب لك خَتاً أو يدفع عنك شراً أو َّ‬
‫ٯتد لك يده بسوء أو أذى‪،‬‬

‫يغَت من شأنك تغيَتاً‪ ،‬إال من بعد إذف اهلل‪ :‬تدخل ُب حصن االستقامة وال تستطيع أف‬
‫أو ٍّ‬
‫ٗترج عن حدود اهلل‪ ،‬ؤتا أف النفس ال تستطيع أف تظل ىادئة ببل عمل‪ ،‬ؤتا أهنا ىجرت‬
‫ا‪١‬تنكر وىاجرت إىل اهلل لذلك تراىا تنطلق جاىدة ُب فعل ا‪١‬تعروؼ واإلحساف‪ ،‬وتشتغل ُب‬
‫مساعدة كل ذي حاجة تقرباً بفعلها إىل اهلل‪.‬‬

‫ىنا وُب ىذه ا‪١‬ترحلة مرحلة االستقامة على أمر اهلل‪ ،‬والتقرب بفعل ا‪١‬تعروؼ زلفى إىل‬
‫اهلل‪ ،‬تتولَّد ُب النفس الثقة بإحساهنا والثقة برضاء اهلل عنها‪ ،‬وىنالك ؤتثل ىذه الثقة تقبل‬
‫النفس على خالقها وتستقيم إليو وجهتها وتنعقد صلتها وتصلح صبلهتا‪ ،‬فًتى أهنا ُب‬

‫حاؿ القرب ال البعد‪ ،‬والوداد والصفاء ال البعد وا‪ٞ‬تفاء‪ ،‬وا‪ٟ‬تياة الطيبة والروح والر٭تاف‪،‬‬
‫ٍ‬
‫وعندئذ وُّذه الصلة والوجهة وبتلك الصلوات الطيبات ٖتصل النفس على ‪ٙ‬ترتُت ما‬
‫كانت لتجنيهما لوال صلتها ٓتالقها‪ ،‬وما كانت لتظفر ُّما لوال إقبا‪٢‬تا على اهلل‪.‬‬
‫أما الثمرة األوىل‪ :‬فهي أهنا بوجهتها إىل خالقها تتساقط منها الذنوب‪ ،‬وأعٍت بالذنوب‬

‫ما َعػلِ َق بالنفس من شهوات دنيئة وما َّ‬
‫٘تكن فيها من أدراف‪ .‬فبهذه الصلة باهلل‪ ،‬تنحت‬
‫ىذه الشهوات الدنيئة ُمتساقطة‪ ،‬وتنغسل النفس من أدراهنا‪ ،‬فتخرج من صبلهتا وقد‬
‫اكتسبت طهارة ونقاوة‪ ،‬وخلصت من شهو ٍ‬
‫ات كانت تُنغٍّصها وأدراف كانت تُ ّلوثها‪ ،‬فبل‬
‫ٓتل وال جنب وال حرص على الدنيا وال شح‪ ،‬وال فظاظة وال غبلظة‪ ،‬وال قساوة قلب وال‬
‫حب إيذاء‪ ،‬وال ذؿ وال خنوع‪ ،‬وال ميل إىل بغي وال عدواف‪ ،‬وال مطمع ٔتا ُب الدنيا من‬
‫وٖتط من شأنو بُت الناس‬
‫جاه وسلطاف‪ ،‬حىت وال أي صفة رديئة تُنقص من قيمة اإلنساف ُ‬
‫وعند اهلل‪.‬‬

‫ذلك كلو ٘تحوه الصلة باهلل واإلقباؿ عليو تعاىل‪ ،‬وُب حديث شريف ورد عنو ‪ ‬مبيٍّناً‬
‫فيو أثر الصبلة ُب نفس اإلنساف إذ يقوؿ ‪:‬‬
‫(أرأيتم لو َّ‬
‫كل يوـ خمس مرات ما تقولوف؟‪.‬‬
‫أف نهراً بباب أحدكم يغتسل فيو ُّ‬

‫ذلك يبقي من درنو شيئاً؟‪ .‬قالوا‪ :‬ال يبقي من درنو شيئاً‪ ،‬قاؿ‪ :‬فذلك مثل الصلوات‬
‫(‪)1‬‬

‫الخمس يمحو اهلل بها الخطايا) ‪.‬‬
‫تلك ىي أوىل ‪ٙ‬ترات اإلقباؿ على اهلل تعاىل ونتائج الصبلة الصحيحة‪.‬‬
‫أما الثمرة الثانية‪ :‬فإليكها وكم أنت ُمغتبط إف نلتها‪ ،‬إنك وُب حالة صلة نفسك‬
‫ٓتالقك لتشعر با‪ٟ‬تياة تسري ُب أعماقها كما يشعر ا‪١‬ترء بدؼء الشمس ا‪١‬تنعش ُب أياـ‬
‫الربد الشديد القارس‪ ،‬وتشعر با‪ٟ‬تياة تسري ُب نفسك كما يشعر ا‪١‬ترء بنسيم ا‪٢‬تواء الرطب‬
‫العليل إذا جلس ٖتت شجرة يتفيَّأ ظبل‪٢‬تا ُب أياـ الصيف الشديدة القيظ‪ ،‬وتشعر با‪ٟ‬تياة‬
‫تسري ُب نفسك كما يشعر الظامئ ا‪٢‬تيماف ّترعة ا‪١‬تاء البارد يسري ريها ُب عروقو فيطفئ‬
‫ظمأه ويُنعش جسمو وروحو‪ ،‬وتشعر وتشعر وليس من شعور لدى ا‪١‬تؤمن بأ‪ٚ‬تل من ذلك‬
‫الشعور الذي ‪٬‬تده ُب ساعات إقبالو على خالقو ومربٍّيو‪ ،‬وفيما أنت منغمس ُّذا ا‪ٟ‬تاؿ‬
‫من الشعور السامي الرفيع‪ ،‬تنطبع على صفحات نفسك ٍ‬
‫معاف عالية من الكماؿ وتلك‬

‫(‪ )7‬أخرجو البخاري ومسلم‪.‬‬

‫ىي الثمرة الثانية اليت ٕتنيها النفس من تلك الصبلة الصحيحة وذلك اإلقباؿ على اهلل‪.‬‬
‫ومن آثار ىذا الكماؿ الذي اصطبغت بو النفس ُب ساعات اإلقباؿ على اهلل‪ ،‬ومن‬
‫مظاىره ُب نفس ىذا ا‪١‬تؤمن السائر ُب ذلك ا‪١‬تضمار‪ :‬الر‪ٛ‬تة وا‪ٟ‬تناف‪ ،‬والكرـ وا‪ٞ‬تود‬
‫السخاء وا‪١‬تروءة ومد ي ِد ا‪١‬تعونة للمحتاج‪ِ ،‬‬
‫وص ْد ُؽ ا‪ٟ‬تديث والصراحة ُب األقواؿ‪ ،‬واللطف‬
‫و َّ‬
‫َ َ‬
‫والرقة ودماثة األخبلؽ وا‪ٟ‬تلم واألناة وا‪ٟ‬تياء‪ ،‬والشجاعة والوقوؼ ُب وجو الباطل وقفة‬
‫ٍّد ما شئت من صفات الكماؿ‬
‫وعزة النفس واإلباء‪ ،‬وىكذا عػد ْ‬
‫األبطاؿ‪ ،‬والعدؿ واإلنصاؼ ّ‬
‫ومظاىره ٕتد النفس قد نالت ُب حاؿ إقبا‪٢‬تا على اهلل تعاىل شطراً منو واصطبغت بو‪ ،‬قاؿ‬
‫تعاىل‪:‬‬
‫ِ‬
‫َحسن ِمن الل ِّو ِ‬
‫ِ‬
‫ص ْبػغَ ًة َونَ ْح ُن لَوُ َعابِدو َف} (>‪ )79‬سورة البقرة‪.‬‬
‫{ص ْبػغَ َة اللّو َوَم ْن أ ْ َ ُ َ‬
‫واآلف وقد بلغت النفس ىذه ا‪١‬ترحلة وأضحت ُب تلك ا‪١‬تنزلة‪ ،‬وأصبحت ذات كماؿ‬
‫عاؿ‪ٕ ،‬تدىا ُٖتب كل ذي كماؿ وخلق ٍ‬
‫وخ ٍلق ٍ‬
‫عاؿ‪ ،‬إهنا ٖتب كل ذي كماؿ بسبب ما‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫فيها من كماؿ‪ ،‬إذ ال يُقدٍّر الفضل إال أىل الفضل وال يعرؼ الكماؿ إال أىل الكماؿ‪،‬‬
‫فإذا رأت أىل الكرـ وا‪ٞ‬تود قدَّرت سبقهم إياىا ُب الكرـ وا‪ٞ‬تود‪ ،‬وإف شاىدت أىل الر‪ٛ‬تة‬
‫وا‪ٟ‬تناف قدَّرت تفوقهم عليها ُب الر‪ٛ‬تة وا‪ٟ‬تناف‪ ،‬وكذلك األمر بالنسبة لسائر الصفات‬
‫متفوؽ عليها وسبقو إياىا‪ ،‬فإف وجدت مؤمناً كامبلً أحبَّْتو‪،‬‬
‫واألخبلؽ‪ ،‬فهي تُقدٍّر كل ٍّ‬

‫وإف اجتمعت ٔترشد صادؽ عشقتو وصاحبتو‪ ،‬ؤتا أف رسوؿ اهلل ‪ ‬ىو سيٍّد أىل‬
‫الكماؿ‪ ،‬وأسبق العا‪١‬تُت قاطبةً ُب ىذا ا‪١‬تضمار‪ ،‬وحيث إنو ‪ ‬بقربو العايل من خالقو‬

‫اكتسب من تلك ا‪ٟ‬تضرة اإل ۤ‪٢‬تية أوفر حظ من الكماؿ‪ ،‬حىت إنو مل يدانو ُب ذلك ا‪١‬تقاـ‬
‫ملك وال إنساف‪ ،‬لذلك ٕتد ىذا ا‪١‬تؤمن يُقدٍّر رسوؿ اهلل ‪ ‬تقديراً عظيماً ٯتؤل قلبو‬
‫وجوارحو‪ ،‬فبل يرى ‪٥‬تلوقاً أعظم ُب نظره وال ‪٬‬تد إنساناً أ‪ٝ‬تى مكانة من رسوؿ اهلل ‪ ،‬فإذا‬
‫ت إليو نفسو‬
‫ما ‪ٝ‬تع بذكره َّ‬
‫حن إليو قلبو‪ ،‬وإذا ما ذكر ا‪ٝ‬تو وذُكرت مشائلو وأعمالو َسَر ْ‬
‫قاطعة شاسع ا‪١‬تسافات متخطٍّية وبأقل من ‪١‬تح البصر القروف واألجياؿ‪ ،‬فإذا ىي ُب‬
‫صحبة مع تلك النفس العالية‪ ،‬وإذا ىي متمسكة بتلك العروة الوثقى استمساكاً ال‬

‫انقطاع لو وال انفصاـ‪.‬‬
‫ىنا وُّذا السرياف النفسي وبذلك االرتباط ا‪١‬تعنوي والصحبة لتلك النفس‪ ،‬وأعٍت ُّا‬
‫نفس رسوؿ اهلل ‪ ‬الزكية الطاىرة‪ ،‬تعرج نفسك إف كنت ‪٦‬تَّن وصل إىل ىذا ا‪١‬تقاـ بلطف‬

‫ومن دوف شعور مصاحبةً نفس رسوؿ اهلل ‪ ‬ا‪١‬تقبلة دوماً على اهلل‪ ،‬فإذا النفساف معاً ُب‬
‫حضرة اهلل‪ ،‬وىنا يُضيء لك ما ‪ٝ‬تَّاه اهلل تعاىل بالسراج ا‪١‬تنَت وىو نور رسوؿ اهلل ‪ ‬عن‬
‫طرؼ من كماالت اهلل تعاىل فتُشاىد ما تُشاىد ما أنت أىل ‪١‬تشاىدتو من ر‪ٛ‬تة إ‪٢‬تۤية وحناف‬
‫ُ‬
‫وعطف ولطف ورأفة وإحساف وعدؿ وقدرة وعلم وحكمة‪ ،‬وواسع فضل وتربية وإمداد برزؽ‬
‫لكل ذي روح وحياة‪ ،‬وتسيَت شامل إىل غَت ذلك من األ‪ٝ‬تاء اإل ۤ‪٢‬تية اليت ما رأى طرفاً منها‬
‫ٍ‬
‫وشغف ُّا ُحبّاً‪.‬‬
‫راء إال وىاـ ُّا عشقاً ُ‬
‫وىنا ؤتثل ىذا العشق لذلك الكماؿ اإل ۤ‪٢‬تي وا‪ٟ‬تب ا‪١‬تنبعث عن رؤية تلك األ‪ٝ‬تاء‬
‫ا‪ٟ‬تسٌت ٖتصل النفس على صلة عالية ٓتالقها‪ ،‬صلة ولَّدىا ا‪ٟ‬تب ا‪١‬تنبعث عن رؤية األ‪ٝ‬تاء‬
‫اإل ۤ‪٢‬تية والكماؿ‪ ،‬وىنالك وُّذه الصلة تكتسب النفس نوراً من اهلل تعاىل ترى بو ا‪٠‬تَت خَتاً‬
‫حث‬
‫فتحبّو و٘تيل إليو‪ ،‬والشر شراً فتأنف منو وتزىد فيو‪ ،‬ولعمري تلك ىي التقوى اليت َّ‬
‫اهلل تعاىل عليها وندب إليها عباده ا‪١‬تؤمنُت إذ قاؿ تعاىل‪:‬‬
‫{يا أَيػُّها الَّ ِذين آمنُواْ اتَّػ ُقواْ اللّوَ وُكونُواْ مع َّ ِ ِ‬
‫ين} (?‪ )77‬سورة التوبة‪.‬‬
‫َ َ‬
‫ََ‬
‫َ َ‬
‫الصادق َ‬
‫َ‬
‫{يا أَيػُّها الَّ ِذين آمنوا اتَّػ ُقوا اللَّو و ِ‬
‫آمنُوا بَِر ُسولِ ِو يػُ ْؤتِ ُك ْم كِ ْفلَْي ِن ِمن َّر ْح َمتِ ِو َويَ ْج َعل‬
‫َ َُ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫شو َف بِ ِو ويػغْ ِفر لَ ُكم واللَّو غَ ُف ِ‬
‫َّ‬
‫يم} (>‪ )8‬سورة ا‪ٟ‬تديد‪.‬‬
‫ورا تَ ْم ُ‬
‫ََ ْ ْ َ ُ ٌ‬
‫ور َّرح ٌ‬
‫ل ُك ْم نُ ً‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫آمنُواْ إَف تَػتَّػ ُقواْ اللّوَ يَ ْج َعل لَّ ُك ْم فُػ ْرقَاناً َويُ َك ّْف ْر َعن ُك ْم َسيّْئَاتِ ُك ْم َويَػ ْغ ِف ْر‬
‫ين َ‬
‫{يا أَيػُّ َها الذ َ‬
‫ض ِل ال َْع ِظ ِيم} (?‪ )8‬سورة األنفاؿ‪.‬‬
‫لَ ُك ْم َواللّوُ ذُو الْ َف ْ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ص ِل ْح لَ ُك ْم أَ ْع َمالَ ُك ْم َويَػغْ ِف ْر‬
‫آمنُوا اتَّػ ُقوا اللَّوَ َوقُولُوا قَػ ْوًال َسدي ًدا‪ ،‬يُ ْ‬
‫ين َ‬
‫{يَا أَيُّػ َها الذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يما} (‪ =6‬ػ‪ )=7‬سورة األحزاب‪.‬‬
‫لَ ُك ْم ذُنُوبَ ُك ْم َوَمن يُط ْع اللَّوَ َوَر ُسولَوُ فَػ َق ْد فَ َاز فَػ ْوًزا َعظ ً‬

‫نعم تلك ىي التقوى على حقيقتها‪ ،‬إهنا اتٍّقاء الشرور بنور اهلل تعاىل‪ ،‬إهنا اتٍّقاء‬
‫ا‪١‬تهالك ورؤية ما ُب الدنيا من مفاسد بذلك النور اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬الذي ما كنت تستطيع أف تصل‬

‫إليو لوال ارتباط نفسك بنفس رسوؿ اهلل ‪.‬‬
‫وىكذا فاإلٯتاف برسوؿ اهلل نتيجة من نتائج اإلٯتاف باهلل‪ ،‬وحب رسوؿ اهلل ‪ ‬مقًتف‬
‫دوماً باإلٯتاف الصحيح مًتافق مع الصلة ا‪ٟ‬تقيقية باهلل‪ ،‬وُب ا‪ٟ‬تديث الشريف الذي ورد‬

‫عنو ‪ ‬إذ يقوؿ‪ ( :‬أالَ الَ إيماف لمن ال محبة لو‪ ،‬أالَ ال إيماف لمن ال محبة لو‪ ،‬أالَ الَ‬
‫إيماف لمن ال محبة لو )‪.‬‬
‫وؿ ِ‬
‫رس ِ‬
‫فَ َّ‬
‫اهلل ليس لَوُ‬
‫ضل ُ‬
‫إف فَ َ‬

‫َح ّّد فيُع ِرب َع ْنوُ نَاط ٌق بَِف ِم‬
‫***‬

‫يمتطفاث يٍ عهىو انعالَّيت اإلَغاًَ يذ ًَّذ أيٍٍ شٍخى لذَّط هللا عشِ‬
‫ىكذا ىو دأْب ىذا العبلَّمة اإلنساين ا‪ٞ‬تليل قدَّس اهلل سره ُب كل ما أٖتفنا بو من‬
‫علوـ غزيرة‪ ،‬تدير العقوؿ‪ ،‬وٖتٍت ا‪ٞ‬تباه‪ ،‬إجبلالً واستعظاماً ‪١‬تعاين القرآف الكرًن‪ ،‬فقد‬
‫مؤلت علومو القرآنية أطباؽ السموات ٔتا أفاض اهلل تعاىل عليو‪ ،‬فهو الذي َّبرأ األنبياء‬

‫الكراـ ُب كتابو (عصمة األنبياء) من كل ما يتناَب مع عصمتهم وكما‪٢‬تم وطهارة‬
‫نفوسهم‪ ،‬وشرح أعما‪٢‬تم العالية اليت استحقوا ُّا رسالة رُّم‪ ،‬فأصبحوا ىادين مهديُت‪،‬‬

‫ورد كل قوؿ أو رواية تتناَب مع عصمة سيدنا ‪٤‬تمد ‪ ‬بكتابُت أفرد‪٫‬تا عن ا‪ٟ‬تبيب‬
‫َّ‬

‫محمد صلى اهلل عليو وسلم تظهر في القرف العشرين) وكتاب‬
‫ا‪١‬تصطفى (حقيقة سيدنا ّ‬

‫(زيارة الرسوؿ صلى اهلل عليو وسلم وأثر محبتو في رقي النفس المؤمنة)‪.‬‬

‫جل وعبل‪ ،‬فشرح‬
‫* لقد ّبُت ا‪ٟ‬تكمة من آيات القرآف الكرًن‪ ،‬ومن كل أمر أمرنا بو َّ‬
‫أحرؼ أوائل السور اليت عجز عن إدراكها كافة علماء ا‪١‬تسلمُت‪ ،‬وبيانو ا‪١‬تعجز لفاٖتة أـ‬
‫وسر قراءهتا ُب الصبلة اليت وقف أمامها كافة العلماء واألولياء حيارى‪ .‬وذلك ُب‬
‫الكتاب‪ّ ،‬‬

‫كتاب (أسرار السبع المثاني) وكتاب(تأويل األمين للقرآف العظيم)‪.‬‬

‫وسر‬
‫* كما أنو استنبط أوقات الصلوات ا‪٠‬تمس من القرآف الكرًن‪ّ ،‬‬
‫وبُت ا‪ٟ‬تكمة منها ّ‬
‫التوجو إىل الكعبة‪ ،‬كما استنبط نسبة الزكاة (;‪ )%8.‬من اآليات القرآنية‪ ،‬وشرح معٌت التقوى‬
‫وبُت سبب نزوؿ القرآف ُب تلك الليلة‬
‫وكيفية ا‪ٟ‬تصوؿ عليها برمضاف‪ ،‬وشرح معاين ليلة القدر‪ّ ،‬‬
‫وبُت أسرار مناسك ا‪ٟ‬تج وا‪ٟ‬تكمة من كل عمل يقوـ بو ا‪ٟ‬تاج‪َّ ،‬‬
‫ودؿ على طريق‬
‫ا‪١‬تباركة‪َّ ،‬‬
‫اإلٯتاف ا‪ٟ‬تقيقي‪ ،‬وأف اإلٯتاف باهلل ىو شهود‪ ،‬وليس قوؿ أو اعًتاؼ فقط‪ ،‬مبيّناً معٌت كلمة‬

‫(أشهد أف ال إلۤو إال اهلل وأشهد أف ‪٤‬تمداً رسوؿ اهلل) وكل ذلك ُب كتابو‪( :‬المدارس العليا‬

‫للتقوى‪ ،‬درر األحكاـ في شرح أركاف اإلسبلـ)‪.‬‬

‫حَتت أفهاـ العلماء وفبلسفة اليوناف والروماف‬
‫* وقد ّبُت معضلة القضاء والقدر اليت َّ‬
‫وا‪ٞ‬تربية وا‪١‬تعتزلة‪ ،‬وعلماء وفبلسفة اإلسبلـ واليهود وا‪١‬تسيحيُت‪ .‬وفهمو العايل لقولو‬
‫شاء ‪ )78?( }...‬سورة آؿ عمراف‪...{ .‬‬
‫ب َمن يَ َ‬
‫تعاىل{‪ ...‬يَػغْ ِف ُر لِ َمن يَ َ‬
‫شاء َويػُ َع ّْذ ُ‬

‫يِ‬
‫شاء ‪ )?9( }...‬سورة النحل‪ .‬وأف ا‪١‬تشيئة للعبد السالك‬
‫شاء َويَػ ْه ِدي َمن يَ َ‬
‫ض ُّل َمن يَ َ‬
‫ُ‬
‫وبُت حرية‬
‫بصدؽ والطالب للهداية وٕتنب سبل الغواية‪ ،‬ابتغاء وجو ا‪ٟ‬تقيقة وا‪ٟ‬تق والدين‪َّ ،‬‬
‫االختيار لكل امر ٍئ ُب ىذه الدنيا‪.‬‬
‫فصل معٌت األياـ الستة ا‪١‬تذكورة بالقرآف الكرًن{إِ َّف َربَّ ُك ُم اللّوُ الَّ ِذي َخلَ َق‬
‫* ّ‬
‫ات واألَر ِ ِ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫استَػ َوى َعلَى ال َْع ْر ِ‬
‫ش ‪ );:( }...‬سورة األعراؼ‪.‬‬
‫ض في ستَّة أَيَّ ٍاـ ثُ َّم ْ‬
‫الس َم َاو َ ْ َ‬
‫واليت تاه ُّا علماء اليهود وعلماء النصارى وعلماء ا‪١‬تسلمُت‪ ،‬وشرح معٌت الليايل العشر‪،‬‬
‫ومعٌت السموات السبع‪ُ ،‬ب كتابو (الكشف العلمي الجبَّار‪ ،‬الحقيقة الرىيبة للسموات‬
‫السبع واألياـ الستة)‪.‬‬

‫وبُت با‪١‬تنطق السليم ا‪١‬تدح العظيم الذي استحقو رسوؿ اهلل ‪ ‬بسورة عبس‪ ،‬حُت‬
‫* ّ‬
‫عبس النيب الكرًن‪ ،‬صاحب ا‪٠‬تلق العظيم‪١ ،‬تا جاءه عبد اهلل ابن أـ مكتوـ‪ُ ،‬ب حُت أف‬

‫ا‪١‬تفسرين كلهم خطّؤوا رسوؿ اهلل ‪ٔ ‬تطلع ىذه السورة الكرٯتة‪ ،‬ونفى عن رسوؿ اهلل ‪‬‬

‫احملمدية الطاىرة‬
‫كل ما ألصق من دسوس باألدلة القرآنية‪ ،‬فكشف الغطاء عن ا‪ٟ‬تقيقة ّ‬
‫ا‪١‬تقدَّسة ا‪١‬تعصومة‪.‬‬
‫ساءلُو َف} (‪ )7‬سورة النبأ‪ ،‬شرحاً وتفصيبلً‬
‫* ّ‬
‫عم كلها‪ ،‬وكلمة‪َ {:‬ع َّم يَػتَ َ‬
‫وبُت معاين جزء ّ‬
‫عم)‪.‬‬
‫معجزاً بكتابو (تأويل جزء ّ‬
‫وحل‬
‫* كما ّبُت ا‪ٟ‬تقيقة والر‪ٛ‬تة ا‪١‬تنطوية بقضية تعدد الزوجات‪ُ ،‬ب أوائل سورة النساء‪َّ ،‬‬
‫استعصاء ىذه القضية ا‪١‬تعضلة‪ ،‬ونسف كل قوؿ ‪٬‬تعل من اإلسبلـ ديناً شهوانياً بالسماح‬
‫للرجل بالزواج من أربع نساء‪ ،‬دوف الرجوع إىل اآلية الكرٯتة و٘تامها‪ ،‬والبحث فيها ضمن‬
‫سياقها‪ ،‬إذ ال ‪٬‬توز للمسلم الزواج إال بامرأة واحدة‪ ،‬أما الثانية والثالثة والرابعة فلها شروط‬
‫مذكورة ببداية اآلية الكرٯتة واليت أ‪٫‬تلت ومل يعمل ُّا‪ ،‬وىي أف تكوف ا‪١‬ترأة أرملة وعندىا‬
‫أيتاـ‪ ،‬فالغاية من التعدد غاية سامية إنسانية ألجل األرامل وتربية األيتاـ‪ ،‬وبناء ‪٣‬تتمع‬
‫صحيح‪ ،‬ال شهوانية نفسية‪ ،‬كما يفسرىا الكثَتوف‪ ،‬ويعملوف على تطبيقها دوف ربط اآلية‬

‫جروا السمعة السيئة لئلسبلـ وا‪١‬تسلمُت‪ ،‬وأصبح الدين (تعدد الزوجات)‬
‫ببدايتها‪ ،‬وبذلك ّ‬
‫ٔتنظارىم ديناً شهوانياً ال إنسانياً‪.‬‬
‫كذلك َّبُت قوانُت الطبلؽ استنباطاً من القرآف الكرًن‪ ،‬وكيفية تطبيق ىذه الشروط‬
‫لم‬
‫واألحكاـ‪ُ ،‬ب حاؿ النشوز ّ‬
‫ودب ا‪٠‬تبلؼ بُت الرجل وا‪١‬ترأة‪ ،‬كل ذلك بكتابو( َ‬

‫ولم أكثر من زوجة يا إسبلـ)؟!‪.‬‬
‫ولم الطبلؽ َ‬
‫الحجاب َ‬

‫* كما ّبُت غاية ا‪ٟ‬تق من إ‪٬‬تاد ا‪٠‬تلق‪ ،‬وسبب خلق اإلنساف و‪٣‬تيئو إىل ىذه الدنيا‪،‬‬
‫فشرح عامل األزؿ وا‪٠‬ت ْلق األوؿ و‪ٛ‬تل األمانة‪ ،‬وتصدي اإلنساف ‪٢‬تا‪ ،‬وشرح السؤاؿ ا‪١‬تعجز‬
‫‪١‬تاذا يولد األنبياء أنبياء؟!‪ .‬وعلى أي أساس حكم فيهم تعاىل بذلك‪ ،‬فقرر من قبل‬

‫والدهتم أهنم أنبياء ورسل كراـ!‪.‬‬
‫وبُت سبب الفقر واألمراض والببلءات‪،‬‬
‫كما شرح العدؿ اإل ۤ‪٢‬تي‪ ،‬وبيَّنو با‪١‬تنطق الرفيع‪َّ ،‬‬
‫وبُت عناصر اإلنساف بشرح‬
‫وكل ما يصيب اإلنساف ُب ىذه ا‪ٟ‬تياة الدنيا من خَت أو شر‪َّ ،‬‬
‫الفت‪ ،‬فتكلم عن الفرؽ بُت النفس والروح‪ ،‬والفرؽ بُت العقل والفكر‪ ،‬وٖتدث عن ماىية‬
‫كل منهم‪ ،‬وذلك حُت أسلم على يديو العامل اإلنكليزي الشهَت السَت جوف بينت‪ ،‬حُت‬
‫قصده ليطرح عليو أسئلتو اليت مل ‪٬‬تد ‪٢‬تا طيلة حياتو جواباً عنده وال عند غَته من العلماء‬
‫فتم اللقاء بينهما ٔتدينة دمشق وطرح السَت جوف بينت أسئلتو الكربى وعن كل ما‬
‫قاطبة‪َّ ،‬‬

‫‪٬‬توؿ ُب فكره عن اإلسبلـ وقوانينو‪ ،‬وعن الصياـ وا‪ٟ‬تج والزكاة‪ ،‬وا‪ٟ‬تكمة من كل واحدة‬
‫منها إىل أف سألو العبلَّمة قائبلً لو (ىل توصلتم أيها السَت أف تدركوا عن كأس ا‪١‬تاء الذي‬
‫تشربونو من أين مصدره؟‪ .‬فأجاب السَت بينت بأف مياه األمطار ىي ا‪١‬تصدر األساسي‬
‫وبُت با‪ٟ‬تجة الدامغة‬
‫لشربنا‪َّ ،‬‬
‫فرد عليو العبلَّمة‪ :‬إف مياه األمطار للمزروعات وا‪ٟ‬تيوانات‪ّ ،‬‬
‫واستنباطاً من القرآف الكرًن‪ ،‬مصادر مياه الينابيع ُب العامل كلو‪ ،‬وجرياف األهنار الكبَتة‬
‫والصغَتة على وجو ا‪١‬تعمورة بأنو ليس من مياه األمطار قطعاً‪ ،‬وذلك ما مل يعلمو أحد من‬
‫علماء الغرب والشرؽ‪ ،‬ح ّقاً إهنا معجزة علمية جبَّارة‪ ،‬إذ أف ‪٢‬تذه الينابيع مصادر أكرب‬
‫وبُت بأكثر من ثبلثُت دليل علمي وباستناد إىل اآليات الكرٯتة‪،‬‬
‫وأغزر من مياه األمطار‪ّ ،‬‬

‫أف القطبُت الشمايل وا‪ٞ‬تنويب ‪٫‬تا مصدر ا‪١‬تياه ُب كل الينابيع‪ ،‬و‪١‬تا ‪ٝ‬تع السَت بينت منو‬
‫ىذا البحث وناقشو فيو‪ ،‬أعلن على الفور إسبلمو وقاؿ‪( :‬عجباً يل طيلة حياٌب مل ٮتطر‬

‫ىذا السؤاؿ على بايل)‪ .‬و‪١‬تا عاد إىل ببلده قاؿ كلمتو ا‪١‬تشهورة أماـ حشد من العلماء‬
‫وا‪١‬تثقفُت‪(( ،‬إف كل ما توصلنا إليو من علوـ ال يعدؿ ْتر ذلك العامل الكبَت ُب الشرؽ))‪.‬‬
‫* بُت ا‪ٟ‬تكمة أيضاً من ا‪٠‬تتاف للذكور‪ ،‬وسبب خلقو تعاىل ىذه (ا‪ٟ‬تشفة) للذكر وىو‬
‫ُب بطن أمو‪ٍ ،‬ب ا‪ٟ‬تكمة من إزالتها بعد الوالدة‪ .‬وىذا االكتشاؼ مل يسبقو إليو أطباء‬

‫العصر وال أطباء العصور السابقة كلها‪ .‬وكل ذلك ُب كتابو (مصادر مياه الينابيع في‬
‫العالم وبحث كشوفات سر الختاف)‪.‬‬
‫* وإنقاذه لؤلنعاـ‪ ،‬بأف ّبُت فائدة ذكر اسم اهلل تعاىل على األنعاـ أثناء ذْتها بكلمة‬
‫(اهلل أكرب)‪ ،‬وأف ىذه األنعاـ حُت الذبح و‪ٝ‬تاعها ‪٢‬تذه الكلمة العظيمة يفور دمها كلو‪،‬‬
‫وينتفض جسمها‪ ،‬فتطرح كل الدـ خارج ا‪ٞ‬تسم‪ ،‬وال يبقى منو شيء داخل ‪ٟ‬تمها‪،‬‬
‫فيعطينا اهلل تعاىل ‪ٟ‬تماً نقياً طاىراً‪ ،‬خالياً من كل جرثوـ‪ ،‬وعلى العكس‪ ،‬كل ذبيحة ال‬

‫يذكر اسم اهلل عليها‪ ،‬تبقى ا‪ٞ‬تراثيم فيها‪ ،‬ويصبح آكلها معرضاً لؤلمراض‪ ،‬وأف إ‪٫‬تاؿ ذكر‬
‫اسم اهلل على األنعاـ‪ ،‬سيعرض األنعاـ لئلصابة بأمراض خطَتة وفتاكة‪،‬كل ذلك استنبطو‬
‫من اآليات القرآنية‪.‬‬
‫و‪١‬تا خضع كبلمو للبحث الطيب قاـ فريق طيب ‪٥‬تربي من أساتذة الطب ا‪١‬تخربي ُب‬
‫الشرؽ األوسط بإجراء التحاليل ألنعاـ ذْتت وذكر اسم اهلل عليها‪ ،‬وأنعاـ ذْتت ومل‬
‫يذكر اسم اهلل عليها‪ ،‬فكانت النتائج مثلما قاؿ العبلّمة (مستعمرات الفَتوسات وا‪ٞ‬تراثيم‬
‫ا‪١‬تكرب عليها)‪.‬‬
‫تبقى ُب جسد الذبيحة غَت َّ‬

‫ُذيع ىذا ا‪٠‬ترب العلمي من قبل وكاالت األنباء والفضائيات والصحف واَّبلت‬
‫وقد أ َ‬
‫واإلذاعات‪ٖ ،‬تذيراً من عدـ ذكر اسم اهلل على األنعاـ‪ ،‬ولؤلسف بقي الكثَت مل يذكر اسم‬
‫اهلل عليها‪ ،‬فابتلي العامل بأمراض جنوف البقر‪ ،‬وأنفلونزا الطيور‪ ،‬وطاعوف الغنم‪ ،‬وىو ما كاف‬

‫قد َّ‬
‫اس َم الل ِّو َعلَْيػ َها‬
‫حذر منو العبلّمة استنباطاً من قولو تعاىل‪َ ...{ :‬وأَنْػ َع ٌ‬
‫اـ الَّ يَ ْذ ُك ُرو َف ْ‬
‫افْتِ َراء َعلَْي ِو َسيَ ْج ِزي ِهم بِ َما َكانُواْ يَػ ْفتَػ ُرو َف} (>‪ )79‬سورة األنعاـ‪.‬‬
‫وكل ذلك بكتابو‪(:‬اهلل أكبر رفقاً بالحيواف)‪.‬‬

‫* أحيا السنة النبوية الطاىرة‪ ،‬من بعد أف أغلقت عليها كتب القدامى‪ ،‬فجبل األمراض‬

‫ا‪١‬تعضلة بإحيائو لسنة ا‪ٟ‬تجامة‪ ،‬فبُت شروطها الصحيحة والسليمة‪ ،‬بأهنا ٕترى على منطقة‬
‫الكاىل حصراً بالظهر‪ ،‬وأهنا ٕترى صباحاً‪ ،‬وعلى الريق‪ ،‬وُب فصل الربيع‪ ،‬وحينما يكوف‬
‫القمر بالتنازؿ‪ ،‬أي بعد السابع عشر من الشهر القمري‪ ،‬لعبلقة تأثَته الفعلي على‬
‫األرض‪ ،‬فقاـ فريق طيب كبَت مؤلف من حوايل ‪ /9;6/‬ثبل‪ٙ‬تائة و‪ٜ‬تسُت أستاذاً وطبيباً ُب‬
‫الشرؽ األوسط‪ ،‬قاموا بدراستها ضمن الشروط اليت بيّنها العبلَّمة ‪١‬تدة ثبلث سنُت‬

‫متتاليات‪ ،‬فجاءت النتائج صاعقة بعامل الطب‪ ،‬وظل االىتماـ يزداد ُّا سنة بعد سنة‪،‬‬
‫عمت ا‪١‬تعمورة‪ ،‬من شدة فوائدىا‪ ،‬ولقد اهنالت تقارير الشكر واالمتناف ‪١‬تعيد ىذا‬
‫حىت َّ‬
‫الفن العبلجي الناجع من ‪ٚ‬تيع أقطار األرض‪ُ ،‬ب حُت طبقها ا‪١‬تسلموف وغَت ا‪١‬تسلمُت‬

‫ٖتقيقاً من فوائدىا‪ ،‬ولقد تبُت ذلك من خبلؿ كتابو (الدواء العجيب الذي شفى من‬

‫طبي نبوي في‬
‫مرض القلب القاتل والسرطاف والشلل والشقيقة "الحجامة ٌ‬
‫علم ٌ‬
‫منظوره الجديد" )‪.‬‬

‫كما بثتها معظم الفضائيات ووكاالت األنباء‪ ،‬وتكلمت عنها الصحف واَّبلت‪،‬‬
‫وعُقدت حو‪٢‬تا ا‪١‬تؤ٘ترات والندوات‪ ،‬وتبنتها مراكز طبية وصحيّة ُب العامل التماساً لفوائدىا‬
‫الكثَتة‪ ،‬حيث أهنا حوت الطب بكاملو بضربة مشرط‪.‬‬

‫* كذلك كشف السحرة وا‪١‬تشعوذين والدجالُت‪ ،‬الذين يتعاونوف مع الشياطُت‪ ،‬لضرب‬
‫وأذى الناس بالسحر‪ ،‬وشرح كل األالعيب والتخيبلت اليت ‪٬‬تريها السحرة مع الناس‪ ،‬وىم‬
‫ال يعلموف عن حقيقة السحر شيئاً‪ ،‬وأنو تعاوف وثيق بُت الساحر والشياطُت (القرائن)‬
‫كإخبار با‪١‬تغيبات الو‪٫‬تية على عمومها‪ ،‬وىذا األمر قد تفشى ُب معظم الناس ُب ىذه‬
‫ا‪١‬تعمورة‪ ،‬حىت تكاد ال ٕتد بيتاً خاؿ من أالعيب وحيل ومكر السحرة‪ ،‬أو من الضيق‬

‫وا‪٢‬تموـ نتيجة تصديقهم لداعي الشيطاف‪ ،‬وخاصة أولئك السحرة الذين ٮترجوف للناس‬
‫على الفضائيات‪ ،‬و٭تدثوهنم بأمورىم وعللهم وأمراضهم‪ ،‬فيصدقهم ا‪١‬تشاىد أو ا‪١‬تتصل من‬
‫دوف علم لو أف الساحر يتفق مع قرينو‪ ،‬ويأخذ منو أخباره‪.‬‬
‫كما َّبُت ا‪ٟ‬تلوؿ وطريق ا‪٠‬تبلص والشفاء من ىذا الداء دوف الرجوع إىل أحد من الناس‪،‬‬
‫وخاصة الذين يدَّعوف أهنم يعا‪ٞ‬توف بالرقية أو آيات القرآف الكرًن‪ ،‬وىم ال يعلموف‪ ،‬وكل ذلك‬
‫ُب كتابو (كشف خفايا علوـ السحرة)‪.‬‬
‫وبُت حالتو‬
‫* شرح حالة اإلنساف عند ا‪١‬توت ُب كلتا ا‪ٟ‬تالتُت إف كاف صا‪ٟ‬تاً أو كافراً‪ّ ،‬‬
‫بعد ا‪١‬توت وىو بالربزخ‪.‬‬
‫* كما شرح آيات ا‪ٟ‬تساب يوـ القيامة‪ ،‬وأف أعماؿ اإلنساف بدنياه مطبوعة على‬
‫صفحات نفسو‪ ،‬يراىا يوـ القيامة ماثلة أمامو‪.‬‬
‫* ّبُت حقيقة ا‪ٞ‬تنّة بأهنا النظر إىل وجو ربو الكرًن ذي ا‪ٞ‬تبلؿ وا‪ٞ‬تماؿ واإلكراـ‪ ،‬وأف‬
‫كل ما ينالو من نعيم وإكراـ ولذائذ‪ ،‬ىو دوف تلك ا‪ٞ‬تنّة العالية‪ ،‬وذلك بأدلّة منطقية من‬

‫القرآف الكرًن‪.‬‬
‫كما َّبُت أف النار يوـ القيامة ىي ٔتثابة مشفى يعاِب ُّا أرباب العلل واألمراض النفسية ٔتا‬
‫‪ٛ‬تلوه معهم من دنياىم‪ ،‬من أعماؿ منحطة حطَّت من قدرىم أماـ اهلل تعاىل‪ ،‬فجعلهم‬

‫خزيهم وعارىم يطلبوف النار (العبلج) ليسًت٭توا ‪٦‬تا ىم فيو من آالـ تفتك ُّم فتكاً‪ ،‬قاؿ‬
‫رسوؿ اهلل‪( :‬إف العار ليلزـ المرء يوـ القيامة حتى يقوؿ‪ :‬يا رب إلرسالك بي إلى النار‬
‫علي مما ألقى وإنَّو ليعلم ما فيها من شدة العذاب)(‪.)1‬‬
‫أيسر َّ‬
‫كل ذلك ُب كتابو (تأويل القرآف العظيم) وكتاب (تأويل األمين)‪.‬‬

‫* كما بُت حقيقة الشفاعة واليت تاه فيها معظم العلماء‪ ،‬فظنوىا شفاعة وساطة وظلم‪،‬‬

‫ِج الرسوؿ الكرًن ‪ُّ ‬ا من يشاء من النار‪ ،‬وُب ذلك ما فيو من إغراء بارتكاب‬
‫ُٮتْر ُ‬
‫فبُت من خبلؿ آيات القرآف الكرًن‪ ،‬أف الشفاعة‬
‫السيئات‪ ،‬على أمل الشفاعة يوـ القيامة‪َّ ،‬‬
‫(‪ )1‬ا‪ٞ‬تامع الصغَت ‪( /86=:/‬ؾ) عن جابر (ح)‬

‫للمؤمن ُب ا لدنيا‪ ،‬وتستمر معو إىل اآلخرة‪ ،‬وأف الشفاعة اقًتاف نفس بنفس‪ ،‬كما أف‬
‫الشفع‪:‬وىو أف يقارف شيء شيئاً ويزاوجو مبلزماً إياه‪ ،‬أي رابطة النفوس ا‪١‬تؤمنة‬
‫واستشفاعها بالرسوؿ ‪،‬كي يعرج ُّا إىل ا‪ٟ‬تضرة اإل ۤ‪٢‬تية‪ ،‬كما ارتبطت نفوس الصحابة‬
‫الكراـ واستشفعت بنفسو الزكية الطاىرة ‪ ،‬فدخل ُّم على اهلل تعاىل‪ ،‬وىم معو دنيا‬
‫وبرزخ وآخرة‪ ،‬ومن مل يستشفع برسوؿ اهلل ‪ُ ‬ب الدنيا‪ ،‬فبل شفاعة لو ُب اآلخرة‪ ،‬وإف ىي‬

‫لَتخصوا لبعضهم ارتكاب احملرمات‪ ،‬وأف القرآف الكرًن كلو‬
‫إال أماين ٯتنوف أنفسهم ُّا‪ٍّ ،‬‬
‫ينبٍّو اإلنساف من مغبّة أعمالو‪ ،‬وأنو سيحاسب على كل ذرة من أعمالو‪ ،‬إما خَتاً فللجنّة‪،‬‬

‫أو شراً بعبلج ُب النار‪ .‬وأف رسوؿ اهلل ‪ ‬ليس بيده شيء سوى النصح والتذكَت‪ ،‬وال ٯتلك‬
‫ض ِّرا َوالَ نَػ ْف ًعا‪):?( }...‬‬
‫‪١‬تخلوؽ شيئاً بل وال ٯتلك لنفسو الشريفة شيئاً{قُل الَّ أ َْملِ ُ‬
‫ك لَِنػ ْف ِسي َ‬

‫سورة يونس‪.‬‬

‫س لَّْنػ ْف ٍ‬
‫س َشْيئًا َو ْاأل َْم ُر يَػ ْوَمئِ ٍذ لِلَّ ِو} (?‪ )7‬سورة اإلنفطار‪.‬‬
‫{يَػ ْوَـ َال تَ ْملِ ُ‬
‫ك نَػ ْف ٌ‬
‫{أَفَ َم ْن َح َّق َعلَْي ِو َكلِ َمةُ ال َْع َذ ِ‬
‫َنت تُ ِنق ُذ َمن ِفي النَّا ِر} (?‪ )7‬سورة الزمر‪.‬‬
‫اب أَفَأ َ‬
‫ىذا البحث ا‪٢‬تاـ بيَّنو مفصبلً ُب معظم كتبو‪ ،‬وباألخص كتاب (حقيقة الشفاعة)‬
‫حوار ىادئ بُت الدكتور مصطفى ‪٤‬تمود‪ .‬و الدكتور يوسف القرضاوي‪.‬‬
‫* كما أنو ّبُت حقيقة خروج أبينا آدـ من ا‪ٞ‬تنة‪ ،‬وسبب أكلو من الشجرة‪ ،‬وا‪ٟ‬تالة اليت‬

‫كاف فيها أبونا آدـ وأمنا حواء عليهما السبلـ‪ ،‬قبل األكل من الشجرة‪ ،‬وأنو ْتبو العظيم‬
‫لربو‪ ،‬نسي الوصية‪ ،‬وأكل من تلك الشجرة‪ ،‬وكل ذلك كاف بًتتيب من اهلل تعاىل ٓتروج‬

‫أبينا آدـ ‪ ‬من ا‪ٞ‬تنة‪ ،‬وليعطيو بدالً منها ىو وذريتو جنات‪ ،‬ولَتيو تعاىل ىو وذريتو عداوة‬
‫الشيطاف‪ ،‬ليعلم اإلنساف أف لو عدواً با‪١‬ترصاد‪ ،‬فيحتاط منو‪ ،‬ويأخذ حذره فيسَت على‬
‫ىدى من ربو الذي اىتدى بو األنبياء الكراـ‪ .‬فيحفظ من الوقوع با‪١‬تعاصي‪ ،‬ومن تسلط‬

‫الشيطاف عليو‪.‬‬
‫* كما أنو أوؿ من ّبُت حقيقة اإلٯتاف وطريقو ا‪١‬تستقيم الذي نص عليو القرآف وسار‬
‫على هنجو كافة األنبياء والرسل الكراـ‪.‬‬

‫* كما بُت سبب ورود قصة بٍت إسرائيل بكثرة ُب القرآف الكرًن‪ ،‬و‪٣‬تادلتهم لرسو‪٢‬تم‬

‫الكرًن سيدنا موسى ‪ ،‬وأف كل امرئ إذا مل يسلك السبيل اليت سنَّها اهلل تعاىل ‪٢‬تذا‬

‫اإلنساف‪ ،‬فليس يفيده أف يرى ا‪١‬تعجزات وخوارؽ العادات‪ ،‬وليس ‪٬‬تعلو ُب عداد ا‪١‬تؤمنُت‬
‫أف تأتيو ٔتا تأتيو من آيات‪ ،‬وحجج دامغات‪ ،‬إ‪٪‬تا الصدؽ ُب طلب ا‪ٟ‬تقيقة وإعماؿ الفكر‬
‫ُب البحث عنها‪ ،‬ىو الذي يهدي النفس ويُوردىا موارد ا‪١‬تعرفة ا‪ٟ‬تقيقية‪ ،‬كل ذلك ُب كتابو‬

‫(تأويل األمين)‪.‬‬

‫* كما َّبُت كل عبلمات الساعة‪ ،‬ودالئل عودة السيد ا‪١‬تسيح ‪ ‬من القرآف الكرًن‪،‬‬
‫ُّذا الكتاب الذي بُت أيدينا‪.‬‬
‫غػيػض مػػن فيػض‪:‬كل ىذا غيض من فيض ‪٦‬تا بيَّنو ىذا العبلَّمة اإلنساين الكبَت‪،‬‬

‫فالبحوث و‪٣‬تاالت التفكَت بداللتو‪،‬ال تكفيها سطور ‪١‬تطالعتها‪ ،‬وإ‪٪‬تا ىي لفتة لبعض ما‬
‫قدمو وأبداه للبشرية‪ ،‬من علوـ القرآف الكرًن‪ ،‬وقد ٖتدث عنو كثَت من العلماء‬
‫األفاضل‪،‬وامتدحوا علمو واستنباطو العميق‪ ،‬وفهمو الكبَت للقرآف الكرًن‪ ،‬ووجدوا بدعوتو‬
‫ا‪١‬تطهرة‬
‫وداللتو الصدؽ واإلخبلص‪ ،‬وأهنا ٕتمع الكل ٖتت لواء القرآف الكرًن والسنَّة َّ‬

‫لرسوؿ اهلل الكرًن ‪ ،‬فتزاؿ ُّذه الدعوة والداللة االختبلفات ا‪١‬تذىبية ا‪١‬تقيتة‪ ،‬احملطمة لدين‬
‫سيدنا ‪٤‬تمد ‪ ‬واليت أصبحت (ىذه ا‪١‬تذىبيات) اتٍّباعاً لآلباء بدالً من االتباع للقرآف‬
‫الكرًن‪ ،‬فتحولت األمة الواحدة إىل أمم‪ ،‬وعن الطريق ا‪ٟ‬تق‪ ،‬إىل فرؽ وشيع وطوائف‪ ،‬كل‬
‫حزب ٔتا لديهم فرحوف‪،‬مكر ُّم الداسوف‪ٔ ،‬تا أشبعوا كتبهم من األخطاء وا‪١‬تخالفات‬
‫والتفسَتات ا‪١‬تخالفة أل‪ٝ‬تاء اهلل ا‪ٟ‬تسٌت‪ ،‬ولكماؿ األنبياء الكراـ‪ ،‬فتاه ا‪١‬تسلم‪ ،‬وغرؽ‬
‫باختبلؼ ا‪١‬تذاىب والفرؽ‪ ،‬وعزؼ عن الدين‪ ،‬وماؿ إىل الدنيا بسببهم‪ .‬وقد قاؿ (الدكتور‬
‫مصطفى محمود) إف القرآف الكرًن كاف مهجوراً قبل علوـ ىذا العامل الكبَت‪ ،‬فعلمو‬
‫إشراقي وبيانو منطقي‪ ،‬وأنا مل أقرأ ْتياٌب كلها كلمة واحدة مثل كلماتو عند غَته‪ .‬وقد أفرد‬
‫كتاباً خاصاً عنو أ‪ٝ‬تاه‪(:‬نظرات في صحائف فضيلة العبلَّمة الكبير محمد أمين شيخو َّ‬
‫قدس‬
‫اهلل سره)‪.‬‬

‫سػامر أحمد الهندي‬
‫المدير العاـ لدار نور البشير‬

‫صذس نفضٍهت انعالَّيت اإلَغاًَ انكبٍش يذ ًَّذ أيٍٍ شٍخى (لذط عشِ)‬
‫عم‪.‬‬
‫‪ .7‬تأويل جزء َّ‬
‫‪ .8‬زيارة الرسوؿ ‪ ‬وأثر ‪٤‬تبتو ُب رقي النفس ا‪١‬تؤمنة‪.‬‬
‫‪.9‬‬
‫‪.:‬‬
‫;‪.‬‬
‫<‪.‬‬

‫عصمة األنبياء‪.‬‬
‫درر األحكاـ ُب شرح أركاف اإلسبلـ( ا‪١‬تدارس العليا للتقوى)‪.‬‬
‫مصادر مياه الينابيع ُب العامل وْتث كشوفات سر ا‪٠‬تتاف( باللغة العربية)‪.‬‬
‫تأويل القرآف العظيم( أنوار التنزيل وحقائق التأويل) ػ اَّلَّد األوؿ‪.‬‬
‫تأويل القرآف العظيم( أنوار التنزيل وحقائق التأويل) ػ اَّلَّد الثاين‪.‬‬
‫عم( آالء الر‪ٛ‬تن ُب تأويل القرآف) ػ اَّلَّد األوؿ‪.‬‬
‫موسوعة َّ‬

‫=‪.‬‬
‫>‪.‬‬
‫?‪ .‬من سَت األبطاؿ لؤلوالد واألطفاؿ(الغبلـ الشجاع وا‪ٞ‬تنيَّة) رقم(‪.)7‬‬

‫‪ .76‬من سَت األبطاؿ لؤلوالد واألطفاؿ(الكلب الذي أصبح حصاناً) رقم(‪.)8‬‬
‫ورده العملي على خالو)‬
‫‪ .77‬من سَت األبطاؿ لؤلوالد واألطفاؿ(الغبلـ الشجاع ٍّ‬
‫رقم(‪.)9‬‬
‫‪ .78‬من سَت األبطاؿ لؤلوالد واألطفاؿ(حلبة الصراع) رقم(‪.):‬‬
‫‪.79‬‬
‫‪.7:‬‬
‫;‪.7‬‬

‫من سَت األبطاؿ لؤلوالد واألطفاؿ (تأديب بائع ا‪٠‬تضار) رقم(;)‪.‬‬
‫من سَت األبطاؿ لؤلوالد واألطفاؿ (سلمت يداؾ يا شبل ا‪ٟ‬تي) رقم(<)‪.‬‬
‫من سَت األبطاؿ لؤلوالد واألطفاؿ(مغامرة الفارس الصغَت) رقم(=)‪.‬‬
‫تأويل األمُت للقرآف العظيم( اَّلَّد األوؿ)‪.‬‬

‫<‪.7‬‬
‫=‪ .7‬الًت‪ٚ‬تة اإلنكليزية لكتاب مصادر مياه الينابيع ُب العامل وْتث كشوفات سر ا‪٠‬تتاف‪.‬‬
‫‪٤‬تمد أمُت شيخو)‬
‫>‪ .7‬صفحات من اَّد ا‪٠‬تالد( سَتة حياة العبلَّمة العريب الكبَت َّ‬
‫اَّلَّد األوؿ‪.‬‬
‫?‪ .7‬حقيقة الشفاعة‪ :‬حوار بُت (د‪ .‬مصطفى ‪٤‬تمود) و(د‪ .‬يوسف القرضاوي)‪.‬‬
‫‪٤‬تمد ‪ ‬تظهر ُب القرف العشرين‪.‬‬
‫‪ .86‬حقيقة سيدنا َّ‬

‫‪٤‬تمد ‪ ‬تظهر ُب القرف العشرين‪.‬‬
‫‪ .87‬الًت‪ٚ‬تة الفارسية لكتاب حقيقة سيدنا َّ‬

‫‪.88‬‬
‫‪.89‬‬
‫‪.8:‬‬
‫;‪.8‬‬
‫<‪.8‬‬
‫=‪.8‬‬

‫اهلل أكرب (رفقاً با‪ٟ‬تيواف)‪ :‬دراسة علمية طبية حوؿ فائدة ذكر اسم اهلل على الذبيحة‪.‬‬
‫ِملَ ا‪ٟ‬تجاب‪ ،‬وِملَ الطبلؽ‪ ،‬وِملَ أكثر من زوجة‪ ..‬يا إسبلـ؟!‪.‬‬
‫حرر اإلنساف من العبودية‪ ،‬واإلسبلـ ِملَ َملْ ُ٭تٍّرره؟!‪.‬‬
‫الغرب َّ‬
‫الكشف العلمي ا‪ٞ‬تبَّار( ا‪ٟ‬تقيقة الرىيبة للسموات السبع واألياـ الستة)‪.‬‬
‫صواعق معجزات ّأـ الكتاب ُب القرف ا‪ٟ‬تادي والعشرين‪.‬‬
‫اإليػمػاف( أوؿ ا‪١‬تػدارس العليا للتقوى)‪.‬‬

‫>‪ .8‬الصبلة( ثاين ا‪١‬تدارس العليا للتقوى)‪.‬‬
‫?‪ .8‬الزكاة( ثالث ا‪١‬تدارس العليا للتقوى)‪.‬‬
‫‪ .96‬الصيػاـ( رابع ا‪١‬تدارس العػليا للتقوى)‪.‬‬
‫‪.97‬‬
‫‪.98‬‬
‫‪.99‬‬
‫‪.9:‬‬

‫ا‪ٟ‬تج( خامس ا‪١‬تدارس العليا للتقوى)‪.‬‬
‫‪٤‬تمد أمُت شيخو‪.‬‬
‫حوار ىادئ عن فضيلة العبلَّمة العريب الكبَت َّ‬
‫عم(>) ػ تأويػل سػورة ا‪١‬تاعػػوف‪.‬‬
‫مػوسوعػة َّ‬
‫عم(?) ػ تأويػل سػػورة قري ػػش‪.‬‬
‫مػوسوعػة َّ‬

‫عم(‪ )76‬ػ تأويل سػػورة الفيػػل‪.‬‬
‫;‪ .9‬مػوسوعػة َّ‬
‫<‪ .9‬مػوسػوعػة ع َّػم(‪ )77‬ػ تػأويػل سػ ػػورة ا‪٢‬تػمػػزة‪.‬‬
‫=‪ .9‬الدواء العجيب الذي شفى من مرض القلب القاتل والشلل والناعور والشقيقة والعقم‬
‫والسرطاف‪.‬‬
‫‪٤‬تمد أمُت شيخو يرد على معارضيو‪.‬‬
‫>‪ .9‬العبلَّمة العريب الكبَت َّ‬
‫?‪ .9‬البحوث اَّيدة‪.‬‬
‫احملمدية( ا‪ٞ‬تزء األوؿ)‪.‬‬
‫‪ .:6‬الفتوحات َّ‬

‫‪ .:7‬تأويل القرآف العظيم( أنوار التنزيل وحقائق التأويل) ػ اَّلَّد الثالث‪.‬‬
‫‪ .:8‬كشف خفايا علوـ السحرة‪.‬‬

‫‪ .:9‬الًت‪ٚ‬تة الفارسية لكتاب اهلل أكرب( رفقاً با‪ٟ‬تيواف)‪.‬‬

‫‪ .::‬حقيقة تيمورلنك العظيم تظهر ُب القرف الواحد والعشرين (ا‪ٞ‬تزء األوؿ)‪.‬‬
‫;‪ .:‬السيد ا‪١‬تسيح رسوؿ السبلـ يلوح باألفق‪.‬‬
‫* * *‬

‫لشٌبا ً عٍصذس‬
‫<‪ .:‬أسرار السبع ا‪١‬تثاين‪.‬‬
‫=‪ .:‬حقيقة تيمورلنك العظيم تظهر ُب القرف الواحد والعشرين (ا‪ٞ‬تزء الثاين)‪.‬‬
‫>‪ .:‬تأويل القرآف العظيم( أنوار التنزيل وحقائق التأويل) ػ اَّلَّد الرابع‪.‬‬
‫?‪ .:‬وداعاً لطبيب ا‪١‬تقوقس‪.‬‬
‫‪.;6‬‬
‫‪.;7‬‬
‫‪.;8‬‬
‫‪.;9‬‬

‫عم(‪ )78‬ػ تػأويل سػورة العصػر‪.‬‬
‫موسوعة َّ‬
‫عم(‪ )79‬ػ تأويل سورة التكاثػر‪.‬‬
‫موسوعة َّ‬
‫عم(‪ )7:‬ػ تأويل سورة القارعػة‪.‬‬
‫موسوعة َّ‬
‫عم(;‪ )7‬ػ تأويل سورة العاديات‪.‬‬
‫موسوعة َّ‬

‫عم(<‪ )7‬ػ تأويػل سورة الزلػزلػة‪.‬‬
‫‪ .;:‬موسوعة َّ‬
‫;;‪ .‬موسػوعة ع َّػم(=‪ )7‬ػ تػأويػل سػػورة البيٍّنػة‪.‬‬

‫* * *‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful