‫تقديم المنهج اللغوي في الكتاب بقلم الدكتور جعفر دك الباب‬

‫المقدمة‬
‫الباب الول‪ :‬الذكر‬
‫تمهيد في المصطلحات‬
‫‪ - 1‬الكتاب والقرآن‬
‫‪ - 2‬الذكر‬
‫‪ - 3‬الفرقان‬
‫الفصل الول‪ :‬القرآن والسبع المثاني‬
‫‪ - 1‬كلمات ا‬
‫‪ - 2‬محتويات القرآن‬
‫‪ - 3‬القرآن هو اليات البينات‬
‫‪ - 4‬القرآن هو الكتاب المبارك‬
‫‪ - 5‬أسباب النزول هي للحكام وتفصيل الكتاب‬
‫‪ - 6‬مصطلح الحديث للقرآن فقط‬
‫‪ - 7‬القصص من القرآن وهي الكتاب المبين‬
‫‪ - 8‬السبع المثاني‬
‫الفصل الثاني‪ :‬النبوة والرسالة‬
‫‪ - 1‬القرآن )النبوة( هو الموضوعي وأم الكتاب )الرسالة( هو الذاتي‬
‫‪ - 2‬أم الكتاب هي رسالة محمد )ص( وقد جاء القرآن تصديقا لها‬
‫‪ - 3‬تفصيل الكتاب‬
‫‪ - 4‬أم الكتاب هي كتاب اللوهية والقرآن والسبع المثاني كتاب الربوبية‬
‫‪ - 5‬العرب اهتموا بفهم الرسالة فقط‬
‫‪ - 6‬القدر في القرآن والقضاء في أم الكتاب‬
‫‪ - 7‬الكتاب عند موسى وعيسى‬
‫‪ - 8‬النبي محمد )ص( كان أميا وكان يقرأ ويكتب‬
‫الفصل الثالث‪ :‬النزال والتنزيل‬
‫‪ - 1‬الفرق بين النزال والتنزيل‬
‫‪ - 2‬النزال والتنزيل للقرآن‬
‫‪ - 3‬النزال والتنزيل لم الكتاب وتفصيل الكتاب‬
‫‪ - 4‬النزال والتنزيل للملئكة‬
‫‪ - 5‬النزال والتنزيل للمن والسلوى‬
‫‪ - 6‬النزال والتنزيل لمائدة من السماء‬
‫الفصل الرابع‪ :‬إعجاز القرآن وتأويله‬
‫‪ - 1‬التحذير من كتابة الكتاب والتحدي في القرآن‬
‫‪ - 2‬السحر والمعجزات‬
‫‪ - 3‬القرآن الكريم معجزة محمد ‪-‬صلى ا عليه وسلم‪ -‬الخالدة‬
‫‪ - 4‬قواعد التأويل‬
‫‪ - 5‬نموذج من التأويل ‪ -‬تأويل سورة القدر‬
‫‪ - 6‬استنتاجات في العجاز القرآني‬
‫الفصل الخامس‪ :‬شجرة الذكر‬
‫أمثلة على آيات الذكر‬
‫الباب الثاني‪ :‬جدل الكون والنسان‬
‫تمهيد‬

‫الفصل الول‪ :‬قوانين جدل الكون‬
‫أول \‪ :‬الثنائية التلزمية )جدل هلك الشيء (‬
‫ثانيا‪ :‬الجدل الخارجي )جدل تلؤم الزوجين (‬
‫ثالثا‪ :‬أقوال في الصور والحساب والجنة والنار‬
‫الفصل الثاني‪ :‬جدل النسان والمعرفة النسانية‬
‫تمهيد في جدل النسان )الرحمن والشيطان (‬
‫الفرع الول‪ :‬عناصر المعرفة النسانية‬
‫الفرع الثاني‪ :‬نشأة النسان واللغة‬
‫الفصل الثالث‪ :‬نظرية المعرفة القرآنية‬
‫تمهيد‬
‫الفرع الول‪ :‬جدل الضداد في معرفة آيات ا )العقل الرحماني والعقل الشيطاني (‬
‫الفرع الثاني‪ :‬أنواع المعرفة ونسبيتها‬
‫الفرع الثالث‪ :‬الوحي وعلم ا وقضاؤه‬
‫الفصل الرابع‪ :‬العمار والرزاق والعمال‬
‫الفرع الول‪ :‬العمار‬
‫الفرع الثاني‪ :‬الرزاق‬
‫الفرع الثالث‪ :‬العمال‬
‫الباب الثالث‪ :‬أم الكتاب والسنة والفقه‬
‫الفصل الول‪ :‬أم الكتاب )الرسالة(‬
‫تمهيد‬
‫الفرع الول‪ :‬الحدود في التشريع والعبادات‬
‫الفرع الثاني‪ :‬الفرقان أو الوصايا العشر )الخلق (‬
‫الفرع الثالث‪ :‬المعروف والمنكر والتعليمات التي جاءت بقوله )يا أيها النبي (‬
‫الفصل الثاني‪ :‬السنة‬
‫تمهيد‬
‫الفرع الول‪ :‬سنة الرسالة وسنة النبوة‬
‫الفرع الثاني‪ :‬السنة النبوية في العمل الثوري وبناء الدولة‬
‫الفرع الثالث‪ :‬جمع الحديث وتدوينه وفهمه‬
‫الفصل الثالث‪ :‬الفقه السلمي‬
‫الفرع الول‪ :‬أزمة الفقه السلمي‬
‫الفرع الثاني‪ :‬فلسفة القضاء السلمي والعقوبات‬
‫الفرع الثالث‪ :‬نموذج للفقه الجديد في دراسة موضوع المرأة في السلم‬
‫الباب الرابع‪ :‬في القرآن‬
‫الفصل الول‪ :‬الشهوات النسانية‬
‫تمهيد‬
‫الفرع الول‪ :‬الشهوات النسانية المذكورة في القرآن‬
‫الفرع الثاني‪ :‬أسس النظام القتصادي في السلم‬
‫الفرع الثالث‪ :‬أسس المفاهيم الجمالية في الشهوات النسانية‬
‫الفصل الثاني‪ :‬القصص في القرآن‬
‫تمهيد‬
‫الفرع الول‪ :‬نوح عليه السلم‬
‫الفرع الثاني‪ :‬هود عليه السلم‬
‫الفرع الثالث‪ :‬النبياء والرسل‬
‫الخاتمة‬
‫أول \‪ :‬تعريف السلم‬
‫ثانيا‪ :‬فصل الدين عن الدولة‬
‫ثالثا‪ :‬إسلمية الدول العربية بالمنظور المعاصر‬
‫رابعا‪ :‬أزمة العقل عند العرب‬
‫خامسا‪ :‬العروبة والسلم‬

‫تقديم‬
‫المنهج اللغوي في الكتاب‬
‫بقلم‪ :‬الدكتور جعفر دك الباب‬
‫يسعدني أن أقدم للقارئ الكريم كتاب الصديق الدكتور المهندس محمد شحرور وعنوانه "الكتاب والقرآن"‪ .‬لن أركز في تقديمي على‬
‫الموضوعات الهامة التي بحثها المؤلف في الكتاب‪ ،‬لنه سيعرضها بنفسه في المقدمة‪ .‬ولن أطنب في ذكر الجوانب اليجابية‪ ،‬في بنية الكتاب‪،‬‬
‫التي مكنت المؤلف من الخذ تدريجيا‪ ،O‬بيد القارئ للسير معه خطوة خطوة‪ ،‬من أجل الوصول إلى المور الجديدة‪ ،‬التي ينطبق عليها بحق وصف‬
‫"قراءة معاصرة"‪ .‬ولن أعمد إلى الشادة بحرص المؤلف الشديد على الدقة المتناهية في صياغة أفكاره‪ ،‬الشكل الذي يمكن من إيصالها إلى‬
‫القارئ كما أراد هو‪ ،‬ل كما قد يحاول كثيرون‪ ،‬لمآرب شتى‪ ،‬تسليط الضوء على جوانب منها فقط‪ ،‬والتعتيم على جوانب أخرى‪ ،‬وذلك بغية‬
‫استغللها في خدمة مقاصد يسعون إلى تحقيقها‪.‬‬
‫ولكني أنوه بأن الصديق الدكتور المهندس محمد شحرور مؤمن إيمانا‪ O‬راسخا‪ O‬بأن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة لمحمد صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫لنه خاتم النبياء والرسل‪ .‬لذا فإن المؤلف يتمسك بيقين ل يتزعزع بمسلمة أن "القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان إلى يوم الدين"‪ ،‬ويرى أن‬
‫الدليل على كون القرآن معجزا‪ ،O‬لنه من عند ال‪ ،‬هو دليل علمي يجب أن تتضافر جهود أكابر العلماء‪ ،‬في شتى فروع المعرفة النسانية‪ ،‬من أجل‬
‫تقديمه‪.‬‬
‫لقد توصل الدكتور شحرور في قراءته المعاصرة إلى نتائج جديدة مغايرة لما هو سائد الن في التراث العربي السلمي‪ .‬ولبيان كيف توصل‬
‫الباحث إلى هذه النتائج‪ ،‬ل بد في البدء من عرض المنهج اللغوي الذي تبناه المؤلف‪ ،‬ثم الشارة إلى أهم النتائج التي توصل إليها بفضل ذلك‬
‫المنهج‪.‬‬

‫المنهج اللغوي الذي تبناه المؤلف‬
‫تبنى الدكتور شحرور المنهج التاريخي العلمي في الدراسة اللغوية‪ ،‬الذي طرحته لدى دراستي الخصائص البنوية للعربية‪،‬‬
‫في ضوء الدراسات اللسانية الحديثة‪ .‬لقد استنبطت أسس ذلك المنهج من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية‪ .‬فما هي‬
‫الملمح العامة لهذا التجاه؟‬

‫الملمح العامة لتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية‬
‫بلور ابن جني في "الخصائص" والمام الجرجاني في "دلئل العجاز" اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية في‬
‫نظريتين متتامتين‪.‬‬

‫بعض جوانب نظرية ابن جني التي بلورها في "الخصائص"‬
‫أ ‪ -‬انطلق ابن جني من منطلق وصف البنية اللغوية‪ ،‬لن بحثه في "الخصائص" كحان يدور بشكل رئيسي في نطاق بنية‬
‫الكلمة المفردة‪ .‬فعمد إلى دراسة الصوات التي تتألف الكلمات منها‪ ،‬وسعى إلى اكتشاف القوانين التي تنظم العلقة بين‬
‫الصوات في الكلمة‪ .‬فبحث في الشتقاق وأنواعه‪ ،‬ودرس التقليبات الممكنة للكلمة الواحدة‪ .‬وبي\ن أن المر المشترك الذي‬
‫يجمع التقليبات هو وحدة المعنى‪ .‬وأفضى ذلك به إلى القول بوجود علقة مناسبة طبيعية بين الصوت والمدلول‪ .‬ويعني هذا‬
‫أن ابن جني لجأ إلى الوصف التطوري لبنية الكلمة الذي يأخذ بالعتبار عامل الزمن‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اهتم ابن جني باكتشاف القوانين العامة للنظام اللغوي‪ .‬لذا يتبين –لدى البحث في نشأة اللغات‪ -‬نظرية التوقيف أو‬
‫الصطلح‪ ،‬بل جوزهما على حد سواء لن ذلك ل يغير من حقيقة القوانين اللغوية‪ .‬ولكن ابن جني أكد بشكل حازم على‬
‫أمرين‪:‬‬
‫‪ - 1‬لم تنشأ اللغة في وقت واحد‪ ،‬بل نشأت في أوقات متلحقة‪.‬‬
‫‪ - 2‬كانت اللغة باستمرار تحافظ على اتساق نظامها‪.‬‬
‫جـ‪ -‬بحث ابن جني في القوانين الصوتية العامة التي ترجع إلى الخصائص الفيزيولوجية للنسان )وعبر عنها بحسن‬
‫المتكلم(‪ .‬كما وازن بين لغة العرب ولغة العجم‪.‬‬

‫بعض جوانب نظرية المام الجرجاني التي بلورها في "دلئل العجاز"‬

‫أ ‪ -‬انطلق عبد القاهر الجرجاني من منطلق وصف البنية اللغوية وبيان وظيفتها البلغية لنه بحث في نظم الكلم‪ .‬فعمد إلى‬
‫بيان ارتباط خصائص بنية الكلمة البلغية لنه بحث في نظم الكل‪ .‬فعمد إلى بيان ارتباط خصائص بنية الكلمة المفردة‬
‫بالوظيفة البلغية التي تؤديها في الكلم‪ ،‬انطلقا‪ s‬من الوظيفة الساسية للغة كوسيلة لتصال الناس بعضهم ببعض‪ .‬وكان‬
‫يرى ان اللغة نظام لربط الكلمات‪ .‬ولدى السعي لكتشاف هذا النظام‪ ،‬لم يكن الجرجاني بحاجة إلى وصفه وصف‪s‬ا تطوريا‪ ،s‬بل‬
‫عمد إلى وصفه وصفا‪ s‬تزامنيا‪ .‬وأدى ذلك إلى القول باعتباطية الشارة اللغوية‪.‬‬
‫ب ‪ -‬انصب اهتمام الجرجاني على اكتشاف القوانين العامة للنظام اللغوي وأكد ارتباط اللغة بالتفكير‪ .‬ولدى البحث في نشأة‬
‫اللغات‪ ،‬بين دور التفكير في نشأة اللغة‪ .‬وجو\ز الجرجاني‪-‬كما فعل ابن جني‪ -‬القول بأن اللغة تواضع أو إلهام‪ .‬ولكنه أكد أن‬
‫مهمة الكلمات المفردة لم تقتصر منذ بداية وضعها على )التسمية( فقط‪ ،‬بل كانت مهمتها مرتبطة أيضا‪ s‬بـ"البلغ"‪.‬‬
‫جـ‪ -‬بحث الجرجاني في القوانين اللسانية العامة‪ .‬وقرر ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬ل يمكن أن تكون الكلمة المفردة أدل على معناها الذي وضعت له من كلمة أخرى‪ ،‬سواء أكان ذلك في لغة واحدة أم في‬
‫لغات مختلفة‪.‬‬
‫‪ - 2‬الخبر معنى بين شيئين‪ ،‬وليس في الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل‪.‬‬
‫إنني أرى أن نظريتي ابن جني والجرجاني متتامتان‪ ،‬بل يصح القول أنهما تؤلفان جانبين لنظرية لسانية واحدة تعبر‪-‬برأيي‪-‬‬
‫عن اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية‪ .‬ويظهر التتام بين النظريتين جليا‪ s‬في المرين التاليين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ضرورة البط بين الدراسة التزامنية لنظام اللغوي )التي تقدمها نظرية الجرجاني( والدراسة التطورية له )التي تقدمها‬
‫نظرية ابن جني(‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ضرورة الربط بين القول بأن اللغة لم تنشأ دفعة واحدة )الذي اعتمدته نظرية ابن جني( والقول بارتباط نشأة اللغة‬
‫بالتفكير )الذي اعتمدته نظرية الجرجاني( ويعني ذلك أن اللغة قد نشأت وتطور نظامها واكتمل‪ ،‬بشكل مواز لنشأة التفكير‬
‫النساني وتطور نظامه واكتماله‪.‬‬
‫وأرى أن الملمح العامة لتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية يمكن تحديدها في المبادئ التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬النطلق من أن اللغة نظام‪.‬‬
‫‪ - 2‬اللغة ظاهرة اجتماعية‪ ،‬وترتبط البنية اللغوية بوظيفة التصال التي تؤديها اللغة‪.‬‬
‫‪ - 3‬تلزم اللغة والتفكير‪.‬‬
‫وبما أن النظام اللغوي في حركة مستمرة‪ ،‬لذا يجب أن يستخدم في دراسته منهج تاريخي علمي‪ .‬ويقوم المنهج التاريخي‬
‫العلمي‪-‬الذي استنبطناه من التتام بين نظريتي ابن جني وعبد القاهر الجرجاني‪-‬على المبادئ التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬التلزم بين النطق والتفكير ووظيفة البلغ منذ بداية نشأة الكلم النسان‪ .‬وإدراك العلقة الذهنية بين الصوت وما يشير‬
‫إليه كان البداية الولى في تكون التفكير النساني‪ .‬وقد نطق النسان الصوات بشكل واع{ ليستخدمها وسيلة لنقل أغراضه‬
‫للخرين‪.‬‬
‫‪ - 2‬لم ينشأ التفكير النساني مكتمل‪ s‬طفرة واحدة‪ ،‬وانطلق خط السير العام لتطوره من إدراك المشخص المحسوس واكتمل‬
‫بالنتقال إلى المجرد‪ .‬كما أن النظام اللغوي لم ينشأ مكتمل‪ s‬طفرة واحدة‪ ،‬بل نشأ واكتمل تدريجيا‪ s‬بشكل مواز لنشأة التفكير‬
‫النساني واكتماله‪ .‬ويتجلى اكتمال النظام اللغوي في اكتمال أصوات اللغة وتعبير مفرداتها عن المجردات واكتمال نظامها‬
‫القواعدي "الصرفي والنحوي" أي صيغ تغير "تصرف" كلماتها المفردة وأنماط علقاتها التركيبية‪ .‬أما مرحلة ما قبل‬
‫اكتمال النظام اللغوي فتتجلى في عدم اكتمال أصوات اللغة‪ ،‬وفي تعبير مفرداتها عن المحسوسات فقط‪ ،‬وفي عدم اكتمال‬
‫صيغ تصرف الكلمات المفردة فيها‪ ،‬وأنماط علقاتها التركيبية‪.‬‬
‫‪ - 3‬إنكار الترادف الذي قد يظنه بعضهم سببا‪ s‬لتميز لغة ما بثراء مفرداتها وسعة التعبير فيها‪ .‬والنظر إلى ما يعد الترادف‬
‫في لغة ما على أنه يعكس مرحلة تاريخية قديمة كانت فيها ألفاظ تلك اللغة تعبر عن التفكير القائم على إدراك المشخص ولم‬
‫تكن فيها التسميات الحسية قد استكملت بعد تركيزها في تجريدات‪.‬‬
‫‪ - 4‬يؤلف النظام اللغوي كل‪ s‬واحدا‪ ،s‬توجد المستويات المتدرجة للبنية اللغوية فيه‪ ،‬في علقة تأثير متبادل فيما بينها‪ .‬ويحتل‬
‫مستوى البنية الصوتية مرتبة المستوى الساسي والموجه بالنسبة لبقية المستويات‪ ،‬لذا تنعكس خصائصه في المستويات‬
‫اللغوية العلى‪ .‬ول يمكن تفسير خصائص المستوى الصوتي بحقائق من المستويات العلى‪ ،‬في حين أن العكس ممكن‪.‬‬
‫‪ - 5‬يجب علينا‪-‬لدى دراسة النظام اللغوي‪ -‬أن نهتم بما هو عام ومطرد‪ ،‬دون أن نهمل الستثناءات‪ ،‬لنها تعتبر شواهد على‬
‫مراحل سابقة أو بدايات لتطور جديد‪ .‬وبذا نتمكن من دراسة النظام اللغوي في وضعه الراهن )المتزامن( وفي تطوره في آن‬
‫واحد‪ .‬وخير دليل علمي‪ ،‬وأفضل الشواهد التاريخية‪ ،‬هو المادة اللغوية نفسها للغة حقيقية معروفة‪ .‬وعليه فمن أجل دراسة‬
‫تاريخ اللغات‪ ،‬يجب الستناد إلى مادة لغوية تثبت الشواهد التاريخية أنها كانت موجودة فعل‪ s‬وليست مفترضة الوجود فقط‪.‬‬
‫وبالستناد إلى المنهج التاريخي العلمي في الدراسات اللغوية نفهم الوظائف العامة للغات النسانية وخصائصها البنوية‪،‬‬
‫فنقرر ما يلي‪:‬‬
‫كانت اللغة النسانية منذ نشأتها الولى أصوات‪s‬ا نطقها النسان بشكل واع لستخدامها وسيلة لبلغ الخرين أغراضه وفهم‬
‫أغراضهم‪ ،‬في عيشة المشترك معهم من ناحية‪ ،‬ولستخدامها من ناحية أخرى وسيلة يصوغ بواسطتها أفكاره‪ ،‬ويعبر عن‬
‫مشاعره‪ .‬والصفات العامة للغات النسانية تحددها المور المشتركة بين الناس جميعا‪ s‬والمتمثلة فيما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬البنية التشريحية الواحدة لجهاز النطق النساني‪.‬‬

‫‪ - 2‬الطرائق العامة الواحدة للتفكير النساني‪.‬‬
‫‪ -3‬النزوع النساني الواعي للحياة الجتماعية‪.‬‬
‫وتتلخص هذه المور المشتركة في العبارة القديمة التي عرفت النسان بأنه كائن ناطق مفكر اجتماعي‪.‬‬
‫وبما أن اللسانيات العامة تبحث في القوانين المشتركة بين جميع اللغات النسانية فإنها تدرس الصوات اللغوية وتبين كيف‬
‫تستخدم تلك الصوات أوعية للمعاني )أي للفكار النسانية( ووسيلة للبلغ )أي للتصال( في المجتمع النساني‪.‬‬
‫وعلى الرغم من وجود صفات عامة‪ ،‬تشترك فيها جميع اللغات النسانية‪ ،‬فإنه توجد صفات أخرى غير مشتركة‪ ،‬تتجلى في‬
‫وجود بعض خصائص بنوية تتمتع بها لغة أو مجموعة من اللغات‪ .‬ويرجع ذلك برأينا إلى بداية العلقة بين البنية اللغوية‬
‫والتفكير النساني‪.‬‬
‫إننا نرى أنه كان هناك تلزم بين اللغة والتفكير ووظيفة البلغ منذ بداية نشأة الكلم النساني‪ ،‬إضافة إلى أن اللغة‬
‫النسانية كانت في نشأتها الولى منطوقة‪ .‬وعليه فإن الصيغة الولى كانت لفظة تعبر عن فكرة وتؤدي غرضا‪ s‬إبلغيا‪.s‬‬
‫ومن استعراض التاريخ الحضاري للنسانية يظهر أن التفكير النساني لم ينشأ مكتمل‪ s‬طفرة واحدة‪ ،‬وأن خط السير العام‬
‫لتطور التفكير النساني انطلق من إدراك المشخص المحدد "بحاستي السمع والبصر"‪ .‬واكتمل بالنتقال إلى المجرد العام‪،‬‬
‫كما يظهر أن البنية اللغوية لم تنشأ مكتملة دفعة واحدة‪ .‬وقد تطورت البنية اللغوية واكتملت تدريجيا‪ s‬بشكل مواز لتطور‬
‫التفكير النساني واكتماله‪ .‬ونرى أن اختلف طرائق تطور البنى اللغوية واكتمالها قد أدى إلى اختلفات بنوية بين اللغات‪،‬‬
‫وترتب عنه تمتع لغة أو مجموعة من اللغات بخصائص بنوية متميزة‪.‬‬
‫وبما أن الدكتور شحرور تبنى المنهج التاريخي العلمي‪ ،‬فقد ركز على التلزم بين اللغة والتفكير ووظيفة التصال منذ بداية‬
‫نشأة الكلم النساني‪ ،‬وانطلق من أن اللغة النسانية كانت منطوقة في نشأتها الولى‪ ،‬وأنكر ظاهرة الترادف في العربية‪ .‬لذا‬
‫اختار الباحث )معجم مقاييس اللغة( لبن فارس واعتمده مرجعا‪ s‬هاما‪ s‬يستند إليه في تحديد فروق معاني اللفاظ التي بحث‬
‫فيها‪ ،‬لن ابن فارس تلميذ ثعلب وقد أخذ برأي أستاذه حول التباين بين اسم الذات واسم الصفة‪ ،‬وعبارة ثعلب مشهورة "ما‬
‫يظن في الدراسة اللغوية من المترادفات هو من المتباينات"‪.‬‬

‫أهم النتائج التي توصل المؤلف إليها بفضل المنهج التاريخي العلمي في الدراسة اللغوية‬
‫يعتبر الباب الول "الذكر" الرضية النظرية الجديدة التي استند الباحث فيها إلى إنكار ظاهرة الترادف في العربية‪ ،‬متابعا‬
‫في ذلك عددا‪ s‬من كبار علماء العربية‪" ،‬ومنهم ثعلب وابن فارس وأبو علي الفارسي"‪ .‬لذا رفض الباحث المقولة السائدة التي‬
‫ترى أن لفظتي "الكتاب" و"القرآن" مترادفتان‪ ،‬وأكد تباينهما وعدم ترادفهما‪.‬‬
‫قال المؤلف هذا انطلق‪s‬ا من فهمه أسرار اللسان العربي‪ ،‬حيث أن القرآن عربي وأنزل بلسان عربي مبين‪ .‬لقد وصل الباحث‬
‫إلى ذلك انطلقا‪ s‬من فهم جديد قدمه لمعنى "ترتيل القرآن"‪.‬‬
‫إن المعنى السائد للترتيل هو التأنق في تلوته)‪ (1‬وأشار الزمخشري في "أساس البلغة" في مادة "ر ت ل" أن من المجاز‪:‬‬
‫)ورتل القرآن ترتيل( إذا ترسل في تلوته وأحسن تأليف حروفه‪ ،‬وهو يسترسل في كلمه ويترتل‪ .‬ولكن الباحث استند إلى‬
‫الصل اللغوية في المادة "ر ت ل" رتل الشيء‪ :‬نسقه ونظمه‪ .‬وقال ل يمكن أن يكون المقصود في عبارة )ورتل القرآن‬
‫ترتيل( الوارد في سورة المزمل )يا أيها المزمل * قم الليل إل قليل * نصفه أو انقص منه قليل * أو زد عليه ورتل القرآن‬
‫ترتيل * إنا سنلقي عليك قول‪ s‬ثقيل( )اليات ‪ (5-1‬تأنق في تلوته‪ ،‬لن ما جاء في الية التالية )إنا سنلقي عليك قول‪ s‬ثقيل(‬
‫ل يرتبط من قريب أو بعيد بالتأنق في التلوة‪ ،‬حيث أن "وصف القول بالثقيل" ل يقصد به الثقل في التلفظ والنطق‪ ،‬بل‬
‫وعورة فهم معنى ما يشتمل عليه القرآن من علم‪ .‬وإذا كان ذلك كذلك اتضح أن معنى )ورتل القرآن ترتيل( هو رتب أو نظم‬
‫الموضوعات الواحدة الواردة في آيات مختلفة من القرآن‪ ،‬في نسق واحد كي يسهل فهمها‪.‬‬
‫وانطلقا‪ s‬من هذا الفهم الجديد لترتيل القرآن‪ ،‬قام الباحث بجمع "ترتيل" جميع اليات التي وردت فيها لفظة "القرآن" وجميع‬
‫اليات التي وردت فيها لفظة "الكتاب"‪ ،‬واستنطقها‪ ،‬فظهر حينئذ بجلء الفرق بينهما‪.‬‬
‫قد يصاب القارئ بصدمة عند وصوله إلى النتيجة المعروضة في باب "الذكر" والتي تقول بعدم ترادف القرآن والكتاب‪،‬‬
‫ووجود فرق بينهما‪ ،‬لن هذه النتيجة تهدم التصور السائد في فهم السلم القائم على ترادف القرآن والكتاب‪.‬‬
‫وبعد قبول النتيجة قد يصاب القارئ بحيرة‪ ،‬لن قبول هذه النتيجة يستوجب بالضرورة تقديم تصور جديد في فهم السلم‬
‫قائم على تباين القرآن والكتاب‪.‬‬
‫وقد أدرك الدكتور شحرور ذلك‪ ،‬فلم يترك القارئ في حيرته بعد الصدمة‪ ،‬بل قدم له التصور الجديد الذي يقترحه في فهم‬
‫السلم‪ ،‬بالستناد إلى نتائج استخدام المنهج التاريخي العلمي في دراسة آيات الذكر الذي تعهد ال بحفظه )إنا نحن نزلنا‬
‫الذكر وإنا له لحافظون( )الحجر ‪ .(9‬ومعروف أن الذكر هو الصيغة الصوتية المنطوقة لما يشتمل عليه المصحف بين‬
‫دفتيه‪.‬‬
‫في الباب الثاني "جدل الكون والنسان" عمد الباحث إلى جمع "ترتيل" اليات التي اشتملت على موضوعات خلق الكون‪،‬‬
‫وخلق النسان‪ ،‬ونشأة اللسن‪ ،‬واستنطقها‪ .‬فأكدت هذه اليات أن القرآن يشتمل على قانون الجدل العام )كل شيء هالك إل‬
‫وجهه( )القصص ‪ (88‬من ناحية‪ ،‬ويشتمل من ناحية أخرى‪ ،‬على قانون الجدل الخاص بالنسان‪ ،‬الذي أبانه ال عن الحيوان‬
‫بنفخة الروح‪ ،‬التي مكنته م الرتقاء عن عالم الحيوان بالعقل‪ ،‬ليصبح خليفة ال في الرض بواسطة العلم‪.‬‬

‫كما أكدت تلك اليات ارتباط اللغة والتفكير ووظيفة البلغ منذ بداية نشأة الكلم النساني‪ ،‬وأن اللغة النسانية الولى كانت‬
‫منطوقة في نشأتها الولى‪ ،‬وأن مصدر المعرفة النسانية هو العالم الخارجي المادي الذي يتعرف النسان عليه بواسطة القلم‬
‫أي بمنهج تقليم "تمييز" سماته المختلفة‪.‬‬
‫وفي الباب الثالث "أم الكتاب والسنة والفقه" وصل المؤلف في الفصل الول "أم الكتاب الرسالة" إلى فهم جديد للحدود‬
‫الواردة في آيات الذكر الحكيم‪ ،‬وقدم رؤية جديدة للصراط المستقيم ولمعروف والمنكر‪ .‬وفي الفصل الثاني "السنة" طرح‬
‫المؤلف فهما‪ s‬جديدا‪ s‬للسنة النبوية‪ .‬وفي الفصل الثالث "الفقه السلمي" دعا الباحث إلى فقه جديد‪ ،‬ينطلق من مبدأ التلزم بين‬
‫الستقامة والحنيفية‪ ،‬وقد\م المؤلف هنا نموذجا‪ s‬للفقه الجديد في دراسة موضوع المرأة في السلم‪.‬‬
‫وفي الباب الرابع "الشهوات النسانية والقصص في القرآن" قدم المؤلف في الفصل الثاني نموذجا‪ s‬للترتيل والتأويل في‬
‫القصص القرآني‪.‬‬
‫وفي ختام هذا التقديم للمنهج اللغوي‪ ،‬في كتاب الدكتور المهندس محمد شحرور‪ ،‬الموسوم "الكتاب والقرآن" أرجو أن أكون‬
‫قد وفقت في تعريف قارئ الكتاب بأسس المنهج اللغوي الذي تبناه المؤلف‪ ،‬وآمل أن أكون قد نجحت في بيان أهم النتائج‬
‫التي توصل المؤلف إليها‪ ،‬بفضل ذلك المنهج اللغوي وأسهمت بالتالي في تهيئة القارئ لفهم المور الجديدة التي طرحها‬
‫الدكتور محمد شحرور في دراسته المعاصرة للكتاب والقرآن‪.‬‬
‫دمشق في ‪ 15‬رجب ‪ 1410‬هـ‪ 10 ،‬شباط ‪1990‬م‬
‫الدكتور جعفر دك الباب‬

‫)‪(1‬كما ورد في "المعجم الوسيط" الذي وضعه مجمع اللغة العربية في القاهرة ‪ -‬إصدار المكتبة العلمية – طهران‬

‫المقدمة‬
‫لو رسم انسان ما صورة‪ O‬لوجه انسان‪ ،‬ورسم له عينا‪ O‬واحدة فقط‪ ،‬فإن أول امرئ ينظر إلى هذه الصورة سيلحظ بسرعة‪ ،‬الخطأ في الرسم‪ ،‬ولن‬
‫يتريث قبل أن يقول‪ :‬تنقصها عين‪ .‬ولكنه لو رسم لوجه من مرآة )أي رسم الوجه معكوسا‪ (O‬وقدمها إلى الناس فإنه قد يراها مليين الناس لمدة‬
‫طويلة من السنين دون أن يلحظوا أنها معكوسة‪ .‬ومثل هذا حصل لهل الرض عبر مئات السنين عندما كانوا يعتقدون أن الشمس تدور حول‬
‫الرض‪ ،‬ولكنهم كانوا عاجزين عن تفسير بعض الظواهر انطلقا‪ O‬من مسلمتهم هذه‪ ،‬حتى جاء شخص واحد‪ ،‬بشر منهم ومثلهم‪ ،‬وقال‪ :‬إن العكس‬
‫هو الصحيح وأن الرض هي التي تدور حول الشمس‪.‬‬
‫من هذه الحقيقة التاريخية التي حصلت فعل‪ O‬تبي‪w‬ن لي بعد ربع قرن من البحث الدؤوب والتفكر الطويل والتأمل الواعي أننا نحن المسلمين‬
‫مأسورون لمسلمات قد يكون بعضها معكوسا‪ O‬تماما‪ ،O‬وسأمثل لها في الصفحات القريبة التية‪.‬‬
‫بيد أني أستميح القارئ الكريم عذرا‪ O‬لني سأطلب إليه التريث في الحكم علي‪ y‬قبل أن يمضي معي في رحلة هذا الكتاب‪ ،‬وأل يتسرع‪-‬بحكم بعض‬
‫مسلماته الموروثة‪ ،‬التي سأثبت له بالبرهان أنها معكوسة‪-‬إلى نبذ كتابي قبل الصبر على صحبته‪ ،‬لنه سيجد فيه احتراما‪ O‬شديدا‪ O‬وإكبارا‪ O‬عظيما‬
‫لفكرة وعقله وإن فقد في كتابنا هذا الحترام والكبار نفسيهما لعواطفه‪ .‬ومن ها هنا نستعين بال تعالى ونقول‪:‬‬
‫لقد دخل العقد الثاني من القرن الخامس عشر الهجري والعقد الخير من القرن العشرين الميلدي‪ ،‬والدبيات السلمية منذ مطلع القرن العشرين‬
‫تطرح السلم عقيدة وسلوكا‪ O‬دون أن تدخل في العمق الفلسفي للعقيدة السلمية‪ .‬ولقد انطلقت من أطروحات‪ ،‬عدتها من مسلمات العقيدة‬
‫السلمية وهي ل تدري أن هذه المسلمات بحاجة إلى إعادة نظر‪ ،‬فدارت هذه الدبيات نفي حلقة مفرغة‪ ،‬ولم تصل إلى حل المعضلت الساسية‬
‫للفكر السلمي )التقليدي(‪ ،‬مثل أطروحة القضاء والقدر والحرية‪ ،‬ومشكلة المعرفة‪ ،‬ونظرية الدولة‪ ،‬والمجتمع والقتصاد والديمقراطية‪ ،‬وتفسير‬
‫التاريخ‪ ،‬بحيث ينتج عن ذلك فكر إسلمي معاصر يحمل كل مقومات المعاصرة شكل‪ O‬ومضمونا‪ O‬دون الخروج عن المقومات الساسية للعقيدة‬
‫السلمية في أبسط أشكالها وهي اليمان بال وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر‪.‬‬
‫إن الفكر العربي المعاصر ومن ضمنه الفكر السلمي يعاني من المشاكل الساسية التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬عدم التقيد بمنهج البحث العلمي الموضوعي في كثير من الحيان‪ ،‬وعدم تطبيق الكتاب المسلمين لهذا المنهج على النص القدسي الديني‬
‫المتمثل بآيات الكتاب الموحى إلى محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬حيث إن أول شرط من شروط البحث العلمي الموضوعي هو دراسة النص بل‬
‫عواطف جياشة‪ ،‬من شأنها أن توقع الدارس في الوهم‪ ،‬وخصوصا‪ O‬إذا كان موضوع الدراسة نصا‪ O‬دينيا‪ O‬أو نحو ذلك‪.‬‬
‫‪ - 2‬إصدار حكم مسبق على مشكلة ما قبل البحث في هذه المشكلة‪ ،‬وخير مثال على ذلك "المرأة في السلم" إذ نرى الباحث السلمي مقتنعا‬
‫مسبقا‪ O‬وقبل البحث أن وضع المرأة في السلم وضع سليم وأن السلم أنصفها‪ ،‬فيكتب كتابا‪ O‬في ذلك ويقول إنه بحث علمي‪ .‬وكل ما فعله أنه أوجد‬
‫التبريرات لوجهة نظره المسبقة‪ ،‬ونرى الباحث المعادي للسلم مقتنعا‪ O‬مسبقا‪ O‬أن السلم ظلم المرأة‪ ،‬ويقدم بحثا‪ O‬عن ذلك ويقول إنه بحث علمي‪.‬‬
‫وكلهما وقع في الخطأ نفسه‪ ،‬إذ إن أي مشكلة تتطلب بحثا‪ O‬علميا‪ O‬موضوعيا‪ ،O‬تعني أن الباحث نفسه غير متأكد من النتائج‪ ،‬أو ل يعرف النتائج‬

‫أصل‪ O‬وبالتالي أجرى بحثا‪ O‬علميا‪ O‬ليتأكد أو ليعرف النتائج‪ ،‬وهذا ما قمنا به فعل‪ O‬في الكتاب‪ ،‬ومن ضمنه بحث السلم والمرأة‪ ،‬فعندما بدأنا بهذا‬
‫البحث قلنا إننا ل نعرف شيئا‪ O‬إطلقا‪ O‬عن موقف السلم من المرأة‪ .‬فجمعنا آيات الكتاب المتعلقة بالمرأة‪ ،‬ودرسناها لنعرف ما هو وضع المرأة في‬
‫السلم‪ ،‬وخلصنا إلى نتائج لم نجدها في كتب التفسير‪ ،‬ول في كتب الفقه‪ ،‬وتبين لنا أن المرأة لها وضعان‪ :‬وضع في الكتاب‪ ،‬أي في النص‬
‫المقدس‪ ،‬ووضع في الفقه السلمي الذي يحمل صفة التطور التاريخي )النسبية الزمانية والمكانية(‪.‬‬
‫‪ - 3‬عدم الستفادة من الفلسفات النسانية‪ ،‬وعدم التفاعل الصيل المبدع معها‪ ،‬حيث ل يمكن أن نضع كل ما أنتجه الفكر النساني‪ ،‬منذ اليونان‬
‫إلى يومنا هذا‪ ،‬في هامش الخطأ أو الباطل‪ ،‬فإذا قلنا‪ :‬إن كل ما طرحه الفكر النساني شيء والسلم شيء آخر‪ ،‬أي كل ما خطر في بالك فالسلم‬
‫غير ذلك‪ ،‬ينتج لدينا سؤال ل يمكن الجابة عليه وهو )ما هو السلم(؟ فضمن هذا المنطق لم يتم تعريف السلم إلى اليوم‪ .‬أما إذا قلنا‪ :‬إن ما‬
‫طرحه الفكر النساني فيه غث وفيه ثمين‪ ،‬وفيه حق وفيه باطل‪ ،‬وفيه خطأ وفيه صواب‪ ،‬فهذا يعني أننا نحن المسلمين قادرون على أن نتفاعل‬
‫إيجابيا‪ O‬مع الفكر النساني كله‪ ،‬دون خوف‪ ،‬أو وجل‪ ،‬ولكن حتى يتم هذا التفاعل اليجابي يجب علينا نحن العرب والمسلمين أن نمتلك ميزانا‪ O‬مرنا‪،O‬‬
‫نستطيع أن نتفاعل به مع الخرين‪ ،‬دون خوف‪ ،‬وهذا الميزان غير موجود عندنا في الوقت الحاضر‪ ،‬وهذا يقودنا إلى النقطة الرابعة‪.‬‬
‫‪ - 4‬عدم وجود نظرية إسلمية في المعرفة النسانية‪ ،‬مصاغة صياغة حديثة معاصرة‪ ،‬ومستنبطة حصرا‪ ،O‬من القرآن الكريم‪ ،‬لتعطينا ما يسمى‬
‫)إسلمية المعرفة( بحيث تعطي هذه النظرية منهجا‪ O‬في التفكير العلمي لكل مسلم‪ ،‬وتمنحه ثقة بالنفس وجرأة على التعامل والتفاعل مع أي نتاج‬
‫فكري أنتجه النسان‪ ،‬بغض النظر عن عقيدته‪ .‬إن غياب هذه النظرية‪ ،‬المصاغة صياغة معاصرة‪ ،‬أدى بالمسلمين إلى التفكك الفكري‪ ،‬والتعصب‬
‫المذهبي‪ ،‬واللجوء إلى مواقف فكرية أو سياسية تراثية‪ ،‬مضى عليها مئات السنين‪ ،‬تقوم على كيل التهامات بالكفر واللحاد والزندقة والهرطقة‬
‫والمعتزلية والجبرية والقدرية لهؤلء وهؤلء‪ ،‬كل هذا بهدف الخروج من مأزق فكري‪ ،‬يقع فيه المسلم في مواجهة الفكر المعاصر‪ ،‬علما‪ O‬بأنه‬
‫ليس كل فكر أنتجه النسان هو عدو للسلم بالضرورة‪.‬‬
‫ولكن غياب المنهج المعرفية‪ ،‬الذي يمكن أن يواجه كل غث‪ ،‬ويحتوي على كل ثمين‪ ،‬هو الذي يؤدي بالضرورة إلى مواقف التشنج والسذاجة‬
‫وضيق الفق‪ .‬لذا فإننا في كتابنا هذا أفردنا بحثا‪ O‬خاصا‪ O‬لمشكلة المعرفة النسانية "جدل النسان"‪ ،‬لن مشكلة الفلسفة الكبرى هي تحديد العلقة‬
‫بين الوجود في العيان‪ ،‬وصور الموجودات في الذهان‪ .‬ولدى الخوض في هذه المشكلة وجب علينا بالضرورة أن نقف على الرضية العلمية‬
‫للقرن العشرين‪ ،‬لذا فإنه ليس من العبث تسمية الفلسفة بأم العلوم قاطبة‪.‬‬
‫‪ - 5‬إن المسلمين في العصر الحاضر يعيشون أزمة فقهية حادة‪ ،‬وثمة صيحات صادقة تقول‪ :‬إننا بحاجة إلى فقه جديد معاصر‪ ،‬وبحاجة إلى فهم‬
‫معاصر للسنة النبوية‪ ،‬وقد تم تشخيص هذه المشكلة‪ ،‬ولكن دون وضع حل لها‪ .‬فإذا أردنا أ‪ ،‬نخترق الفقه السلمي الموروث "الفقهاء الخمسة"‬
‫وجب علينا إعطاء البديل‪ ،‬وهذا ما فعلناه في هذا الكتاب حيث طرحنا منهجا‪ O‬جديدا‪ O‬في الفقه السلمي‪ ،‬وطبقناه على أحكام المرأة فنتجت لدينا‬
‫أحكام لم تكن عند الفقهاء كلهم‪.‬‬
‫ولكننا لم نستطع القيام بهذا العمل إل بعد صياغة نظرية أصيلة في المعرفة النسانية "جدل النسان"‪ ،‬منطلقة من القرآن الكريم‪ ،‬إذ إن المنطلق‬
‫الفلسفي ينتج عنه بالضرورة الحل الفقهي‪.‬‬
‫هنا قد يسأل سائل‪ :‬ماذا نفعل بكتب التراث من فقه وتفاسير‪ ،‬التي يطبع منها كل عام آلف النسخ‪ ،‬وتدرس على أنها السلم؟ الجواب على هذا‬
‫السؤال الصعب جدا‪ O‬هو أنني لم أستطع أن أقدم هذا الكتاب‪ ،‬وأصل إلى النتائج المطروحة للقارئ‪ ،‬إل بعد أن تم حل هذه المعضلة مع التأكيد على‬
‫أنني عربي مؤمن مسلم‪.‬‬

‫التراث والمعاصرة والصالة‬
‫علينا أن نميز بين المصطلحات الثلثة الواردة أعله‪ ،‬بوضع تعريف لكل منها‪:‬‬
‫التراث‪ :‬هو النتاج المادي والفكري الذي تركه السلف للخلف‪ ،‬والذي يؤدي دورا‪ s‬أساسي‪s‬ا في تكوين شخصية الخلف‪ ،‬في عقله‬
‫الباطن )نمط التفكير( وسلوكه الظاهر‪ .‬هكذا يفهم التراث على أنه من صنع النسان ونتاج النشاط النساني الواعي‪ ،‬في‬
‫مراحل تاريخية متعاقبة‪.‬‬
‫المعاصرة‪ :‬هي تفاعل النسان المعاصر مع النتاج المادي والفكري‪ ،‬الذي هو أيضا‪ s‬من نتاج النسان‪ ،‬فبهذا المعنى يكون‬
‫التراث والمعاصرة مفهومين متداخلين‪ ،‬تفصل بينهما لحظة الن المتحركة باستمرار‪ ،‬وعليه إذا صدر مقال في صحيفة‪ ،‬منذ‬
‫عشر سنوات‪ ،‬فإنه قد يدخل في مفهوم التراث‪ .‬وليس للناس خيار في النتماء إلى تراثهم‪ ،‬ولكن لهم الخيار في انتقاء‬
‫معاصرتهم من التراث ومن منجزات عصرهم‪ ،‬لن الحدث النساني الواعي يدخل في عالم الممكنات قبل وقوعه )بحيث‬
‫يمكن حدوثه أو عدم حدوثه(‪ ،‬وبعد وقوعه يصبح حقيقة ل رجعة فيها‪ .‬فنحن العرب المسلمين ل خيار لنا في تراثنا‪ ،‬أي إننا‬
‫ل نستطيع أن نضع تراثا‪ s‬غير التراث الذي حصل فعل‪ ،s‬وورثناه‪ ،‬ولكننا نستطيع أن نختار بأنفسنا منه ما يلزم حاضرنا‬
‫ومستقبلنا‪ ،‬ونحن أيضا‪ s‬بهذا الختيار نصنع تراثا‪ s‬لجيالنا المقبلة‪.‬‬
‫إن القرآن الكريم قد نهانا عن أن نقف من التراث موقف النصياع العمى والتقديس )ما سمعنا بهذا في آبائنا الولين(‬
‫)المؤمنون ‪) (24‬بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة{ وإنا على آثارهم مهتدون( )الزخرف ‪ (22‬هذا الموقف يدعو إلى أن‬
‫نحترم تراثنا ل أن نقدسه‪ .‬إن الذين صنعوا التراث العربي السلمي هم من الناس ونحن من الناس أيضا‪ ،s‬ومعروف قول‬
‫أبي حنيفة النعمان "هم رجال ونحن رجال"‪ ،‬وقد آن لنا أن نصنع تراثا‪ s‬لجيالنا القادمة بملء إرادتنا وبدون حرج‪ ،‬وهذه هي‬
‫عين المعاصرة‪.‬‬
‫الصالة‪ :‬للصالة عنصران متتامان‪ ،‬يفهم كل واحد منهما حسب الموضوع المطروح تحت عنوان الصالة‪ .‬فإذا قلنا‪ :‬إن‬
‫اللسان العربي لسان أصيل‪ ،‬فهذا يعني أنه لسان له جذور غارقة في القدم‪ ،‬وهذا هو العنصر الول‪ ،‬وأنه ما زال حيا‪ s‬مثمرا‬
‫إلى يومنا هذا‪ ،‬وهذا هو العنصر الثاني‪ .‬وهذا المعنى أخذناه من قوله تعالى )ألم تر كيف ضرب ال مثل‪ s‬كلمة طيبة كشجرة‬
‫طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها( )إبراهيم ‪ ،(25-24‬فجذر الشجرة وأغصانها هما‬
‫العنصران المتتامان‪ :‬الجذور تضرب في الرض والغصان تعطي الثمار‪.‬‬
‫وفي هذا المجال نقول‪ :‬لقد قام العالم مندليف ببحث أصيل في الكيمياء‪ ،‬حيث وضع جدول العناصر في الطبيعة‪ ،‬وقولنا‬
‫)بحث أصيل( هنا بمعنى أنه بحث فيه إبداع وابتكار لم يسبقه إليه أحد‪ .‬ولكن هذا البحث لم يأت من فراغ‪ ،‬بل اعتمد على‬

‫تراكمات سابقة في المعرفة الكيميائية )الجذور(‪.‬‬
‫فإذا أردنا أن نكون أصيلين في المعرفة فعلينا أن نستفيد من كل تراكمات المعرفة التي أنتجها النسان‪ ،‬ومن ضمنها التراث‬
‫في كل العلوم‪) ،‬الجذور( وهي العنصر الول للصالة بحيث نحقق قفزة نوعية )الثمار( وهي العنصر الثاني للصالة‪ .‬وهذا‬
‫ما نسميه بالحضارة الحية‪ ،‬فالحضارة الحية كالشجرة الحية‪ ،‬لها جذور وتعطي ثمارا‪ s‬ينتفع بها الناس‪ ،‬وليس في موسم واحد‬
‫فقط بل في مواسم متتابعة‪.‬‬
‫إذا نظرنا إلى الحضارة العربية السلمية في الوقت الحاضر‪ ،‬نرى فيها عنصر الجذور متوفرا‪ ،s‬ولكن ل يوجد ثمار لنها‬
‫جفت ونضبت‪ .‬فنحن الن مستهلكون للسلع والفكار‪ ،‬حتى إن أفكار التراث استلكت ونضبت‪ ،‬ووصلنا في طرحنا لفكار‬
‫التراث إلى حد السذاجة في بعض الحيان‪ .‬وفي هذا المقام يجب علينا أن نميز بين مصطلحين يقع اللتباس بينهما وهما‬
‫الصالة والسلفية‪ ،‬فالصالة لها مفهوم إيجابي حي‪ ،‬أما السلفية فهي عكس ذلك تماما‪ ،s‬السلفية‪ ،‬فالصالة لها مفهوم إيجابي‬
‫حي‪ ،‬أما السلفية فهي عكس ذلك تماما‪ ،s‬السلفية كما نفهمها هي دعوة إلى اتباع خطي السلف بغض النظر عن مفهوم الزمان‬
‫والمكان‪ ،‬أي أن هناك فترة تاريخية مزدهرة مرت على العرب استطاعوا فيها حل مشاكلهم الجتماعية والقتصادية‬
‫والسياسية‪ ،‬واستطاعوا أن يبنوا دولة قوية منيعة‪ ،‬استطاعت تحقيق العدالة بمفهومها النسبي التاريخي‪ ،‬وبالتالي فإن هؤلء‬
‫السلف هم النموذج‪ ،‬ويجب علينا أن نتبع خطاهم ونقلدهم ول نخرج عن نمطهم‪ .‬فالسلفي هو إنسان مقلد‪ ،‬إضافة‪ s‬إلى أنه قد‬
‫أهمل الزمان والمكان واغتال التاريخ وأسقط العقل‪.‬‬
‫ويعيش السلفي في القرن العشرين مقلدا‪ s‬القرن السابع‪ ،‬والتقليد مستحيل لن ظروف القرن السابع تختلف عن ظروف القرن‬
‫العشرين‪ ،‬فمهما حاولنا الرجوع إلى القرن السابع ل يمكننا أن نفهمه كما فهمه أهله الذين عاشوه فعل‪ ،s‬لننا نرجع إليه من‬
‫خلل نص تاريخي فقط‪ .‬ولهذا السبب وقع السلفي في فراغ فكري وصل إلى حد السذاجة‪ ،‬فقد ترك القرن العشرين عمدا‬
‫ليعجز في الوقت نفسه عن أن يعيش القرن السابع كما عاشه أهله‪ ،‬فوقع في شرك الغراب الذي أراد أن يقلد صوت البلبل فلم‬
‫يستطع‪ ،‬ثم أراد أن يرجع غرابا‪ s‬فنسي‪ ،‬فبقي في حالة عدم التعيين‪ ،‬فل هو غراب ول هو بلبل‪.‬‬
‫وهذا هو حال السلفيين‪ ،‬إن السلفية هروب مقنع من مواجهة تحديات القرن العشرين‪ ،‬وهزيمة نكراء أمام هذه التحديات‪،‬‬
‫وهي البحث عن الذات في فراغ وليس في أرض الواقع‪ .‬هذا فيما يتعلق بالسلفية السلمية‪ ،‬ولكن هناك نوعا‪ s‬آخر من‬
‫السلفية نراه عند تيارات أخرى تطرح حلول‪ s‬نظرية تعمل في فراغ وفق نموذج متحجر طرح في القرن التاسع عشر وبداية‬
‫القرن العشرين‪ ،‬واعتبرته مقدس‪s‬ا فل خروج منه‪ ،‬إنها تيارات سلفية أخرى ل تعيش زمانها ول تتفاعل معه‪ ،‬وقد أثبتت‬
‫الحداث فشل هذا النموذج‪ ،‬وبالتالي لم يكتب لها النجاح ولم تستطع تقديم حلول لمشاكل مجتمعها المعاصرة والملحة‪.‬‬
‫من هذا المنطلق نصل إلى نقطة مهمة في البحث وهي‪ :‬هل الكتاب الذي أوحي إلى محمد صلى ال عليه وسلم والذي يحتوي‬
‫على رسالته ونبوته هو من التراث أم ل يدخل في التراث؟‬
‫للجابة على هذا السؤال ل بد أن نفترض أحد الفرضين التاليين وهما‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن ما يسمى بالكتاب والموجود بين دفتي المصحف هو من تأليف محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن ما يسمى بالكتاب والموجود بين دفتي المصحف موحى من ال سبحانه وتعالى بالنص والمحتوى‪ ،‬وأن الفصول فيه‬
‫تسمى سورا‪ ،s‬وأن السور مؤلفة من مقاطع كل واحد منها يسمى آية‪.‬‬
‫فإذا أخذنا الحتمال الول‪ ،‬فهذا يعني أن الكتاب هو من التراث لن محمد‪s‬ا صلى ال عليه وسلم هو من الناس‪ ،‬والناس هم‬
‫الذين يصنعون التراث‪ ،‬ففي هذه الحالة يمكن أن يصنف محمد صلى ال عليه وسلم مع العظماء العباقرة ل مع النبياء‬
‫والرسل‪ ،‬وهذا ما فعله بالضبط أحد الكتاب المريكيين )مايكل هارت( إذ صنف محمدا‪ s‬صلى ال عليه وسلم أول عظيم في‬
‫التاريخ‪ ،‬وانطلت هذه الخدعة على كثير من المسلمين أنفسهم‪ .‬فإذا كان الكتاب هو من تأليف محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫فيجب أن يحتوي على الخاصة التالية‪:‬‬
‫إن أي إنسان عظيم هو من نتاج عصره ل يخرج عن ذلك أبدا‪ ،s‬فإذا كان الكتاب من صنع محمد صلى ال عليه وسلم فهو‬
‫بالتالي غير صالح لكل زمان ومكان‪ ،‬وإنما هو وليد الظروف الموضوعية‪ ،‬حقق قفزة نوعية‪ ،‬فصلح للقرن السابع في شبه‬
‫جزيرة العرب‪ ،‬ولعدة قرون تلته‪ ،‬ولكنه غير صالح للقرن العشرين لن النسان مهما بلغ من العبقرية فإنه يحمل طابع‬
‫النسبية الزماني والمكاني‪ .‬وهذا ما يقوله أعداء السلم عن الكتاب‪ ،‬وقد ساعدهم على هذا القول لسان حال المسلمين‬
‫السلفيين أنفسهم‪ ،‬إذ حجروا السلم وفق نمط واحد في قولهم إن السلم هو وفق نمط القرن الول الهجري "صدر‬
‫السلم" وهم يقولون في الوقت نفسه إن السلم صلح لكل زمان ومكان‪ ،‬ومن ها هنا وقعوا في معضلة غير قابلة للحل‪.‬‬
‫وإن كان هذا الكتاب موحى من ال سبحانه وتعالى إلى محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو في الوقت نفسه خاتم الكتب‪ ،‬وإن‬
‫محمدا‪ s‬صلى ال عليه وسلم فيجب أن يحتوي هذا الكتاب على الخواص التالية‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إن ال سبحانه وتعالى مطلق وكامل المعرفة ول يتصف بطابع النسبية وبالتالي فإن كتابه يحمل الطابع المطلق في‬
‫المحتوى‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بما أن ال سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أن يعلم نفسه أو يهدي نفسه وإنما جاء هذا الكتاب هداية للناس وآخر الكتب‬
‫فوجب أيضا‪ s‬أن يحمل طابع النسبية في الفهم النساني له‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بما أن نمط التفكير النساني ل يمكن أن يتم بدون لغة‪ ،‬فيجب أن يصاغ الكتاب بلغة إنسانية أول‪ ،s‬وثانيا‪ s‬أن تكون هذه‬
‫الصياغة لها طابع خاص وهو أنها تحتوي المطلق اللهي في المحتوى والنسبية النسانية في فهم هذا المحتوى‪ ،‬وهذا ما‬
‫نعبر عنه بثبات الصيغة اللغوية "النص" وحركة المحتوى‪ ،‬ففي هذه الحالة يمكن أن نقول‪ :‬إن ذا من ال سبحانه وتعالى لن‬

‫النسان عاجز عن تحقيق هذه الشروط‪.‬‬
‫فإذا كان هذا الكتاب يحتوي على هذه الخاصية‪ ،‬فعند ذلك تعطى آياته طابع القدسية أو النص المقدس الذي ل يمس ول‬
‫يحرف‪ ،‬وإنما يجري تأويله على مر العصور والدهور‪ ،‬وفي هذه الحالة فقط ل يعتبر الكتاب تراثا‪ ،s‬وإنما التراث هو الفهم‬
‫النسبي للناس له في عصر من العصور‪ ،‬حتى ولو جاء هذا الفهم من عهد صدر السلم‪ .‬أي أن ما حدث في القرن السابع‬
‫في شبه جزيرة العرب هو تفاعل الناس في ذاك الزمان والمكان مع الكتاب‪ ،‬وهذا التفاعل هو الحتمال الول للسلم‬
‫)الثمرة الولى(‪ ،‬وليس الوحيد وليس الخير‪ ،‬وقد كان هذا التفاعل إنسانيا‪ s‬في محتواه )إسلميا‪ (s‬قوميا‪ s‬في مظهره‪.‬‬
‫وفي هذه الحالة يدخل هذا التفاعل ضمن التراث ما عدا العبادات والخلق والحدود "الصراط المستقيم" حيث إنها ليست‬
‫تفاعل‪ s‬مع العصر‪ ،‬وقد عبر عن الخلق والحدود بمظاهر العصر‪ .‬أما اللباس والطعام والشراب وأساليب الحكم ونمط‬
‫الحياة فهي تفاعل مع الشروط الموضوعية‪ ،‬وقد قام النبي صلى ال عليه وسلم بهذا التفاعل الول‪ ،‬وكان لنا السوة الحسنة‪.‬‬
‫لقد أجرينا مسحا‪ s‬شامل‪ s‬للكتاب الموحى‪ ،‬فتبين لنا أنه يحوي على الخاصية المذكورة أعله‪ ،‬والتي ل يستطيع إنسان أن يقوم‬
‫بها‪ ،‬ووجدنا هذه الخاصية في اليات المتشابهات‪ ،‬وبالتالي وجدنا أن هناك ثلثة أنواع من اليات في الكتاب‪ .‬ولم نستطع أن‬
‫نقوم بهذا التصنيف إل بعد أن تم تحديد الفرق بين النبوة والرسالة‪ .‬فالنبوة هي مجموعة من المعلومات أوحيت إلى النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم وبها سمي نبيا‪ ،s‬أي أن كل الخبار والمعلومات التي جاءت إلى النبي بالضافة إلى المعلومات فأصبح‬
‫بها رسول‪ ،s‬فالنبوة علوم والرسالة أحكام‪ .‬أي نظرية الوجود الكوني والنساني وتفسير التاريخ هي من النبوة‪ ،‬وهي من‬
‫اليات المتشابهات‪ ،‬أما التشريع مع إرث وعبادات‪ ،‬ومعها الفرقان العام "الخلق" والمعاملت والحوال الشخصية‬
‫والمحرمات فهي الرسالة أي اليات المحكمات‪ .‬وهناك نوع ثالث من اليات وهو اليات الشارحة لمحتوى الكتاب‪ ،‬فهي ل‬
‫محكمة ول متشابهة‪ ،‬ولكنها من النبوة حيث تحتوي على معلومات‪ ،‬لذا فإن الكتاب من حيث اليات ينقسم إلى ثلثة أقسام‪:‬‬
‫‪ - 1‬اليات المحكمات وهي التي تمثل رسالة النبي صلى ال عليه وسلم وقد أطلق الكتاب عليها مصطلح "أم الكتاب"‪ ،‬وهي‬
‫قابلة للجتهاد حسب الظروف الجتماعية والقتصادية ما عدا العبادات والخلق والحدود‪.‬‬
‫‪ - 2‬اليات المتشابهات وقد أطلق عليها الكتاب مصطلح "القرآن والسبع المثاني" وهي القابلة للتأويل وتخضع للمعرفة‬
‫النسبية وهي آيات العقيدة‪.‬‬
‫‪ - 3‬آيات ل محكمات ول متشابهات وقد أطلق عليها الكتاب مصطلح "تفصيل الكتاب"‪.‬‬
‫ونحن نرى أن التحد\ي للناس جميعا‪ s‬بالعجاز إنما وقع في اليات المتشابهات "القرآن والسبع المثاني"‪ ،‬وفي اليات غير‬
‫المحكمات وغير المتشابهات "تفصيل الكتاب" حيث أن هذين البندين يشكلن نبوة محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لقد تبين لنا أن هناك فرقا‪ s‬جوهريا‪ s‬بين الكتاب والقرآن والفرقان والذكر‪ .‬فالقرآن والسبع المثاني هما اليات المتشابهات‬
‫ويخضعان للتأويل على مر العصور والدهور‪ ،‬لن التشابه هو ثبات النص وحركة المحتوى‪ .‬وقد تم إنزال القرآن بشكل‬
‫متشابه عن قصد‪ ،‬وقد كان النبي صلى ال عليه وسلم ممتنعا‪ s‬عن التأويل عن قصد‪ ،‬أي أن القرآن يؤول ول يفسر‪ ،‬وأن كل‬
‫تفاسير القرآن تراث يحمل طابع الفهم المرحلي النسبي‪.‬‬
‫فإذا سأل سائل‪ :‬هل آية الرث من القرآن؟ فالجواب‪ :‬ل‪ ،‬هي ليست من القرآن "النبوة" ولكنها من أم الكتاب "الرسالة" وهي‬
‫من أهم أجزاء الرسالة وهو الحدود‪ .‬فهل هذا يعني أنها ليست من عند ال؟! لقد جاء الجواب عن المحكم "أم الكتاب" وعن‬
‫المتشابه "القرآن والسبع المثاني" وعن اللمحكم واللمتشابه "تفصيل الكتاب" بقوله‪) :‬كل من عند ربنا( )آل عمران ‪ (7‬فما‬
‫الفرق بينها إذا‪ ،s‬ما دام كل من عند ال؟‬
‫الفرق هو أن القرآن فرق بين الحق والباطل‪ ،‬أي أعطى قوانين الوجود‪ ،‬لذا قال عنه )هدى للناس( )البقرة ‪ .(185‬وأم الكتاب‬
‫عبارة ع تشريع‪ ،‬والتشريع يمكن تحويره‪ ،‬لذا قال عن الكتاب )هدى للمتقين( )البقرة ‪ .(2‬فحتى نصدق أن أم الكتاب من عند‬
‫ال جاء القرآن مصدقا‪ s‬لها‪ ،‬لذا عندما وضع محتويات الكتاب قال )وما كان هذا القرآن أن ي–فترى من دون ال ولكن تصديق‬
‫الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب العالمين( )يونس ‪ (37‬أي أن محتويات الكتاب هي القرآن والسبع المثاني‬
‫وتفصيل الكتاب‪ ،‬والذي بين يديه "أم الكتاب"‪ .‬فهذه الية ل محكمة ول متشابهة لنها شرحت محتوى الكتاب لذا فهي ضمن‬
‫آيات تفصيل الكتاب‪.‬‬
‫لقد أجرينا مسحا‪ s‬شامل‪ s‬للكتاب‪ ،‬وحددنا فيه مفهوم المصطلحات الساسية وهي‪ :‬الكتاب وأم الكتاب والقرآن والسبع المثاني‬
‫والذكر والفرقان وتفصيل الكتاب والحديث وأحسن الحديث والعرش والكرسي واللوهية والربوبية والنبوة والرسالة‪ ،‬وهذه‬
‫المصطلحات شرحت في الباب الول من هذا الكتاب‪.‬‬
‫أما آيات أم الكتاب فقد قال عنها )يمحوا ال ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب( )الرعد ‪ .(39‬إنها آيات التشريع والعبادات‬
‫والخلق والمحرمات‪ ،‬وتحمل طابع الخصوص في جزء منها‪ ،‬وطابع العموم في جزء آخر‪ ،‬وقد طبقها النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم حسب الظروف الموضوعية لشبه جزيرة العرب‪ ،‬حيث أن التشريع قابل للتطور‪ ،‬وقابل لللغاء والستبدال‪،‬‬
‫)يمحوا ال ما يشاء ويثبت ( لذا فإن أم الكتاب هي مناط الجتهاد والفقه وأول من اجتهد فيها هو النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫وقد ألغى عمر بن الخطاب تطبيق الية )واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ل خمسة وللرسول ‪ ..‬الية( )النفال ‪.(41‬‬
‫يبقى السؤال الهام وهو موقفنا من النبي صلى ال عليه وسلم أو من السنة‪.‬‬
‫هنا يجب علينا وضع النقاط على الحروف بالنسبة للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهناك موقفان أساسيان متمايزان منه؛ الموقف‬
‫الول نبيا‪ s‬مع ما نكن له من عظيم الحب والحترام والتقدير‪ .‬والموقف الثاني منه مشر\عا‪.s‬‬
‫أما الموقف الول فإني ل أتصور إنسانا‪ s‬مسلما‪ s‬وعربيا‪ s‬يمكن أن يقف موقف‪s‬ا سلبيا‪ s‬من النبي صلى ال عليه وسلم لن مثل هذا‬

‫الموقف خيانة للدين من قبل المسلم وخيانة للقومية من قبل العربي‪ .‬ول أتصور إنسانا‪ s‬عربيا‪ s‬بغض النظر عن دينه يقف‬
‫موقفا‪ s‬سلبيا‪ s‬من النبي صلى ال عليه وسلم يقول عن نفسه‪ :‬إنه وطني أو عربي‪.‬‬
‫أما موقفنا من النبي صلى ال عليه وسلم مشرعا‪ s‬فهو موقف دقيق جدا‪ .s‬إذ كيف يمكن أن نقول‪ :‬إن ما فعله النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم هو الحتمال الول لتطبيق السلم في القرن السابع‪ ،‬وفي شبه جزيرة العرب‪ ،‬وبالوقت نفسه نقرأ الية )لقد كان‬
‫لكم في رسول ال أسوة حسنة( )الحزاب ‪.(21‬‬
‫لقد بحثنا في السنة فوجدنا أن تعريف السنة بأنها "كل قو {ل أو فعل{ أو إقرار{ أو نهي{ قام به النبي صلى ال عليه وسلم" إنما‬
‫جاء من قبل الفقهاء وليس من قبل النبي نفسه‪ ،‬حيث كان النبي صلى ال عليه وسلم يصر على تدوين الكتاب وكان في‬
‫الوقت نفسه يأمر الناس بعدم تدوين أقواله الشخصية‪ ،‬فمن هذا خلصنا إلى مفهوم معاصر للسنة النبوية‪ ،‬حيث كان دور النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم هو تحويل المطلق إلى نسبي والحركة ضمن حدود ال‪ ،‬في القرن السابع‪ ،‬في شبه جزيرة العرب‪ ،‬وقد‬
‫نجح في هذا نجاح‪s‬ا باهرا‪ ،s‬وفي هذا المفهوم يكون أول عظيم في التاريخ‪ ،‬وهذه هي سنته على مر العصور والتي وجب‬
‫علينا التقيد بها‪ ،‬وهي تحويل المطلق إلى نسبي‪ ،‬أي أن باب الجتهاد في الحكام ل يقفل‪ ،‬وباب التأويل في القرآن ل يقفل‪،‬‬
‫وكل اجتهاد من قبل الناس في الحكام "الحركة ضمن الحدود والوقوف عليها أحيانا‪ "s‬أو تأويل في القرآن يدخل في التراث‬
‫على مر الزمن‪ ،‬لذا فقد خصصنا فصل‪ s‬خاصا‪ s‬في الكتاب للسنة‪ ،‬وأوجدنا تعريفا‪ s‬معاصرا‪ s‬أصيل‪ s‬لها‪.‬‬
‫بعد أن أجرينا مسحا‪ s‬للمصطلحات الساسية لكتابنا في الباب الول كانت النتيجة المباشرة لهذا المسح هي إعجاز القرآن‪.‬‬
‫لذا فإن هذا الكتاب التي شرحت معانيها المستعملة في الكتاب "المصحف" يحتوي على البواب التالية‪:‬‬

‫الباب الثاني تحت عنوان "جدل الكون والنسان"‬
‫يحتوي هذا الباب على المواضيع الرئيسة للنبوة "القرآن" وهي الوجود الكوني ومشكلة المعرفة النسانية‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفصل الول وقد حوى قوانين الوجود الكوني‪ ،‬وهي قوانين الجدل المادي‪ ،‬حيث تبين أن قوانين الجدل المادي وتغير‬
‫الصيرورة "التطور" هي العمود الفقري لقوانين الوجود في القرآن "النبوة"‪ ،‬وقد تم بحث المتناقضات والزواج والضداد‬
‫في الوجود‪ ،‬فخلصنا إلى قانون تسبيح الشياء ل‪ .‬وقد تم في هذا الفصل شرح مفهوم البعث والساعة ونفخة الصور واليوم‬
‫الخر والجنة والنار‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفصل الثاني يبحث في مشكلة المعرفة النسانية وهي من المشاكل القرآنية "النبوة"‪ ،‬وقد شرحت تحت عنوان جدل‬
‫النسان‪ ،‬وقد تم شرح مفهوم البشر والنسان والحق والباطل والغيب والشهادة والقلم والعلق‪ ،‬ومفهوم الفؤاد والقلب والفكر‬
‫والعقل والمشخص والمجرد‪.‬‬
‫وقد تبين في بحثنا أن الروح ليست سر الحياة‪ ،‬وإنما هي سر النسنة‪ ،‬أي هي التي حولت البشر إلى إنسان‪.‬‬

‫الباب الثالث تحت عنوان "أم الكتاب والسنة والفقه"‬
‫وقد حوى ثلثة فصول‪ :‬هي أم الكتاب )الرسالة(‪ ،‬السنة‪ ،‬الفقه السلمي‪.‬‬
‫يشتمل الفصل الول على )تمهيد في أم الكتاب( تم فيه شرح الصراط المستقيم‪ ،‬وبحث الستقامة والحنيفية‪ ،‬وعلى ثلثة‬
‫فروع‪:‬‬
‫الفرع الول‪ :‬خصص لنظرية بالحدود‪ ،‬حيث أن عالمية الرسالة للنبي صلى ال عليه وسلم وصلحيتها ورحمتها ومرونتها‬
‫تكمن في نظرية الحدود‪ ،‬حيث أعطى ال للرسل قبل محمد صلى ال عليه وسلم تشريعات عينية حدية‪ ،‬وختم الرسالت كلها‬
‫بتشريع حدودي ل حدي‪ ،‬لذا كان محمد صلى ال عليه وسلم بداية النسان الحديث والمعاصر‪ ،‬وقد بينا في هذا الفصل أن‬
‫العبادات تدخل ضمن الحدود ولكنها شخصية وفيها التقوى الفردية‪.‬‬
‫الفرع الثاني‪ :‬الفرقان العام "الوصايا العشر" والفرقان الخاص وقد تم فيه تحديد مفهوم الخلق والعادات والتقاليد‪ ،‬حيث‬
‫بينا أن الخلق عالمية‪ ،‬والعادات محلية‪ .‬وقد بينا أن هناك فرقانين‪ :‬الفرقان العام وهو الذي جاء إلى موسى وعيسى ومحمد‬
‫عليهم السلم وهو ملزم لكل الناس‪ ،‬وفيه التقوى الجتماعية‪ ،‬وهو القاسم المشترك لكل الديان‪ ،‬وهناك فرقان خاص جاء‬
‫إلى محمد مصلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو غي ملزم لكل الناس وإنما جاء للناس الراغبين بأن يصبحوا أئمة المتقين‪.‬‬
‫الفرع الثالث‪ :‬تم فيه بحث المعروف والمنكر وبحث التعليمات الخاصة والمرحلية التي جاءت للنبي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وبحثنا في خاصية اليات التي تبدأ بقوله تعالى )يا أيها النبي( علما‪ s‬بأن الطاعة جاءت للرسالة ل للنبوة )وأطيعوا ال‬
‫والرسول( )آل عمران ‪ (132‬وليس في الكتاب آية واحدة فيها )وأطيعوا النبي(‪.‬‬
‫في الفصل الثاني )السنة(‪ :‬تم بحث مفهوم السنة التقليدي‪ .‬وباستخدام المنهج الجديد المقترح في فهم القرآن والكتاب ونظرية‬
‫الحدود‪ ،‬تم تحديد مفهوم أصيل ومعاصر للسنة النبوية وتم شرح قوله تعالى )لقد كان لكم في رسول ال أسوة حسنة(‬
‫)الحزاب ‪.(21‬‬
‫الفصل الثالث‪ :‬اشتمل على ثلثة فروع‪ .‬هي‪:‬‬
‫الفرع الول‪ :‬أزمة الفقه السلمي؛ لقد تم على ضوء الفهم الجديد للرسالة والسنة تحديد أزمة الفقه السلمي المستعصية‪،‬‬
‫وتم وضع أسس جديدة للفقه السلمي تجعل منه فقها‪ s‬متطورا‪ s‬مرنا‪ ،s‬منسجما‪ s‬مع فطرة الناس‪ ،‬وصالحا‪ s‬لكل زمان ومكان‪،‬‬

‫ونظرية الحدود هي التي هدتنا إلى هذا الطرح الجديد لسس الفقه السلمي‪.‬‬
‫والفرع الثاني‪ :‬فلسفة القضاء السلمي والعقوبات‪.‬‬
‫والفرع الثالث‪ :‬السلم والمرأة‪ .‬تم في هذا الفرع تطبيق السس الجديدة للفقه السلمي المقترح‪ ،‬والمبني على نظرية‬
‫الحدود‪ ،‬وعلى المفهوم المعاصر للسنة‪ ،‬فنتجت لدينا أحكام جديدة عن المرأة لم تكن في كتب الفقه السابقة‪.‬‬

‫الباب الرابع‪ :‬وقد جاء تحت عنوان "في القرآن"‬
‫تم انتقاء موضوعين يعتبران من مواضيع القرآن‪ ،‬وهما الشهوات النسانية والقصص القرآني‪ .‬ويحتوي هذا الباب على‬
‫فصلين‪:‬‬
‫الفصل الول‪) :‬الشهوات النسانية(‪ .‬وقد تم في هذا الفصل تحديد الشهوات النسانية وتمييزها عن الغرائز البشرية وقد تم‬
‫استنتاج أسس النظام القتصادي السلمي العالمي والصالح لكل زمان ومكان‪ ،‬كما تم استنتاج نظرية الجمال في السلم‪،‬‬
‫وتطور مفاهيم الجمال عند النسان حتى وقتنا الحاضر‪ ،‬وحددنا موقف السلم من سائر الفنون‪.‬‬
‫الفصل الثاني‪" :‬نموذج للترتيل في القصص القرآني"‪ .‬لقد تم في هذا الفصل ترتيل اليات المتعلقة بنوح وهود وتم استنتاج‬
‫المراحل التاريخية للنبوات والرسالت‪ ،‬كما تم وضع شجرة النبياء والرسل فتبين أنه ورد في الكتاب "‪ "24‬نبيا‪ s‬منهم "‬
‫‪ "13‬رسول‪ s‬فقط‪.‬‬
‫وفي الخاتمة تم شرح السلم‪ ،‬وتعريف الدين السلمي تعريفا‪ s‬عام‪s‬ا شامل‪ s‬إنسانيا‪.s‬‬

‫ما هو المنهج المتبع في هذا الكتاب‬
‫من حق القارئ أن يسأل ما هو المنهج المتبع في هذا الكتاب‪ ،‬وكيف تم التوصل إلى هذه النتائج التي ل توجد في كتب‬
‫السلف؟‬
‫إن النهج المتبع هو ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬العلقة بين الوعي والوجود المادي هي المسألة الساسية في الفلسفة‪ ،‬وقد انطلقنا في تحديد تلك العلقة م أن مصدر‬
‫المعرفة النسانية هو العالم المادي خارج الذات النسانية‪ ،‬ويعني ذلك أن المعرفة الحقيقية "غير الوهمية" ليست مجرد‬
‫صور ذهنية‪ ،‬بل تقابلها أشياء في الواقع‪ ،‬لن وجود الشياء خارج الوعي هو عين حقيقتها‪ ،‬لذا فإننا نرفض قول الفلسفة‬
‫المثاليين‪ :‬إن المعرفة النسانية ما هي إل استعادة أفكار موجودة مسبقا‪ .s‬وقد أكد القرآن الكريم هذا المنطلق بقوله‪) :‬وال‬
‫أخرجكم من بطون أمهاتكم ل تعلمون شيئا‪ s‬وجعل لكم السمع والبصار والفئدة لعلكم تشكرون( )النحل ‪.(78‬‬
‫‪ - 2‬انطلق‪s‬ا من هذه الية التي تقول‪ :‬إن المعرفة تأتي من خارج الذات النسانية فإننا ندعو إلى فلسفة إسلمية معاصرة‪،‬‬
‫تعتمد المعرفة العقلية التي تنطلق من المحسوسات عن طريق الحواس وعلى رأسها )السمع والبصر(‪ ،‬لتبلغ المعرفة‬
‫النظرية المجردة‪ ،‬في ضوء المنجزات العلمية التي بلغتها النسانية في بداية القرن الخامس عشر الهجري‪ ،‬وندعو إلى‬
‫رفض العتراف بالمعرفة الشراقية اللهامية الخاصة بأهل العرفان وحدهم أو من يسمون "بأهل الكشف" أو "أهل ال"‪.‬‬
‫‪ - 3‬الكون مادي والعقل النساني قادر على إدراكه ومعرفته‪ ،‬ول توجد حدود يتوقف العقل عندها‪ .‬وتتصف المعرفة‬
‫النسانية بالتواصل‪ ،‬وترتبط بدرجة التطور التي بلغتها العلوم في عصر من العصور‪ .‬وكل ما في الكون مادي‪ .‬وما ندعوه‬
‫الن )فراغا‪ s‬كونيا‪ (s‬هو فراغ مادي‪ ،‬أي أن الفراغ شكل من أشكال المادة‪ .‬ول يعترف العلم بوجود عالم غير مادي يعجز‬
‫العقل عن إدراكه‪.‬‬
‫‪ - 4‬بدأت المعرفة النسانية بالتفكير المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر‪ ،‬وارتفعت ببلوغها التفكير المجرد العام‪ .‬لذا‬
‫كان عالم الشهادة يعني في البداية العالم المادي الذي تعرف عليه النسان بحواسه‪ ،‬ثم توسع ليشمل ما أدركه بعقله ل‬
‫بحواسه‪ ،‬وعليه فإن عالم الشهادة وعالم الغيب ماديان‪ .‬وتاريخ تقدم المعارف النسانية والعلوم هو توسع مستمر لما يدخل‬
‫في عالم الشهادة‪ ،‬وتقلص مستمر لما يدخل في عالم الغيب‪ ،‬وبهذا المعنى يظهر أن "علم الغيب" هو عالم مادي ولكه غاب‬
‫عن إدراكنا الن لن درجة تطو العلوم لم تبلغ مرحلة تمكن من معرفته‪.‬‬
‫‪ - 5‬ل يوجد تناقض بين ما جاء في القرآن الكريم وبين الفلسفة التي هي أم العلوم‪ ،‬وتنحصر بفئة الراسخين في العلم مهمة‬
‫تأويل القرآن طبق‪s‬ا لما أدى إليه البرهان العلمي‪ ،‬وذلك وفق قانون التأويل في اللسان العربي الذي شرحناه بشكل مستفيض‬
‫في الباب الول من هذا الكتاب‪ ،‬وفي ضوء أحدث المنجزات العلمية‪.‬‬
‫‪ - 6‬إننا نتبنى النظرية العلمية القائلة‪ :‬إن ظهور الكون المادي كان نتيجة انفجار هائل‪ ،‬أدى إلى تغير طبيعة المادة‪ .‬ونرى أن‬
‫انفجارا‪ s‬هائل‪ s‬آخر‪ ،‬مماثل‪ s‬للنفجار الول في حجمه‪ ،‬سيؤدي حتما‪ s‬إلى هلك هذا الكون وتغيير طبيعة بالمادة فيه ليحل محله‬
‫كون )عالم( مادي آخر‪ .‬ويعني ذلك أن الكون لم ينشأ من عدم )مع التأكيد أنه ل قديم إل ال(‪ ،‬بل من مادة ذات طبيعة‬
‫أخرى‪ .‬وأن هذا الكون سيزول ليحل محله كون آخر من مادة ذات طبيعة مغايرة‪ ،‬وهذا ما ندعوه "بالحياة الخرة"‪.‬‬
‫وانطلقا‪" s‬مما سلف" قمنا بقراءة جديدة للذكر الذي تعهد ال بحفظه )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( )الحجر ‪(9‬‬
‫)وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون( )النحل ‪ (44‬معتمدين على السس التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬مسح عام لخصائص اللسان العربي معتمدين على المنهج اللغوي لبي علي الفارسي والمتمثل المامين ابن جني وعبد‬

‫القاهر الجرجاني‪ ،‬ومستندين إلى الشعر الجاهلي‪.‬‬
‫‪ - 2‬الطلع على آخر ما توصلت إليه علوم اللسانيات الحديثة من نتائج وعلى رأسها أن كل اللسن النسانية ل تحوي‬
‫خاصية الترادف‪ ،‬بل العكس هو الصحيح‪ ،‬وهو أن الكلمة الواحدة ضمن التطور التاريخي إما أن تهلك أو تحمل معنى جديدا‬
‫بالضافة إلى المعنى الول وقد وجدنا هذه الخاصية واضحة كل الوضوح في اللسان العربي‪.‬‬
‫لقد استعرضنا معاجم اللغة فوجدنا أن أنسبها هو معجم مقاييس اللغة لبن فارس "تلميذ ثعلب" الذي ينفي وجود الترادف في‬
‫اللغة‪ ،‬فقد تم العتماد عليه بشكل أساسي دون إغفال بقية المعاجم‪.‬‬
‫‪ - 3‬إذا كان السلم صالحا‪ s‬لكل زمان ومكان‪ ،‬فيجب النطلق بمن فرضية أن الكتاب تنزل علينا‪ ،‬وأنه جاء لجيلنا في‬
‫النصف الثاني من القرن العشرين‪ ،‬وكأن النبي صلى ال عليه وسلم توفي حديثا‪ s‬وبلغنا هذا الكتاب‪ .‬لذا فإن القارئ يلحظ‬
‫بشكل واضح أننا في فهمنا للكتاب نقف على أرضية القرن العشرين دون إغفال التطور التاريخي لتفاعل الجيال المتعاقبة‬
‫مع الكتاب "التفاسير والمذاهب الفقهة"‪ ،‬حيث كانت نظرتنا لهذه الدبيات على أنها تفاعل تاريخي مع الكتاب‪ ،‬ولذا فإنها‬
‫تدخل ضمن التراث العربي السلمي‪ .‬فالفقه السلمي الموروث يعكس المشاكل الجتماعية والقتصادية والسياسية في‬
‫مرحلة تاريخية معينة‪ ،‬والتفاسير تعكس الرضية المعرفية للمرحلة التاريخية التي كتب فيها التفسير‪ ،‬واعتبرنا أنها ل تحمل‬
‫طابع القدسية‪.‬‬
‫وإذا كان هناك تناقض في كتب التفسير فإننا لم نحاول تأويل أقوال المفسر لكي نخرج المفسر بأنه على صواب دائما‪ ،s‬وهذا‬
‫ما نفهمه من مصطلح القدسية‪ ،‬حيث أن القدسية هي لنص الكتاب فقط‪.‬‬
‫‪ - 4‬إن ال سبحانه وتعالى ليس بحاجة أن يهدي نفسه أو يعلم نفسه ولذا فقد أرسل للناس هدى وليس لنفسه‪ ،‬لذا كل ما جاء‬
‫في الكتاب قابل للفهم بالضرورة‪ ،‬ويفهم على نحو يقتضيه العقل‪ ،‬وقد جاء بصيغة قابلة للفهم النساني هذه الصيغة هي‬
‫باللسان العربي المبين‪ .‬وبما أنه ل يوجد انفصام بين اللغة والفكر النساني‪ ،‬فإننا نرفض القول بأنه توجد آيات في الكتاب‬
‫غير قابلة للفهم‪ ،‬ونرى أن هذا الفهم تاريخي نسبي مرحلي‪.‬‬
‫‪ - 5‬إن ال سبحانه وتعالى رفع من مكانه العقل النساني في معرض خطابه له‪ ،‬لذا فإننا ننطلق مما يلي‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ل يوجد تناقض بين الوحي والعقل‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ل يوجد تناقض بين الوحي والحقيقة "صدق الخبر ومعقولية التشريع"‪.‬‬
‫‪ - 6‬بما أن ال سبحانه وتعالى رفع من مكانة العقل النساني فالجدر بنا أن نرفع من هذه المنكانة ونحترمها‪ ،‬وعليه فإننا‬
‫حاولنا جاهدين في كتابنا احترام عقل القارئ أكثر من احترامنا لعواطفه كما ذكرنا في أول هذه المقدمة‪.‬‬

‫الهدف من هذا الكتاب ولمن هو موجه‬
‫‪ - 1‬يجب أن يفهم هذا الكتاب على أنه قراءة‪ œ‬معاصرة للذكر‪ ،‬وليس تفسير‪s‬ا أو كتابا‪ s‬في الفقه‪ .‬ويجب أن يفهم على أن الهدف‬
‫منه ليس البرهان على وجود ال أو عدم وجوده‪ ،‬حيث نترك هذا الستنتاج لعقل القارئ نفسه‪ ،‬ونعتبر أن قضية اليمان بال‬
‫أو اللحاد هي مسلمة يختارها كل إنسان بنفسه نتيجة معاناة فكرية أو قناعة وراثية معتمدين على قوله تعالى )وقل الحق من‬
‫ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ‪ ..‬الية( )الكهف ‪.(29‬‬
‫‪ - 2‬من خلل القراءة الجديدة للذكر تبين لنا أن الفكر السلمي يحمل الطابع العالمي النساني‪ ،‬ومن هنا كان هذا الكتاب‬
‫موجها‪ s‬إلى كل إنسان عربي أو غير عربي‪ ،‬مؤمن أو ملحد‪ ،‬وإلى كافة التجاهات العقائدية حيث نعتقد بأن كل إنسان سيجد‬
‫شيئا‪ s‬ما في هذا الكتاب يدخل ضمن قناعاته الخاصة‪ ،‬وقد يجد فيه شيئا‪ s‬ما كان يبحث عنه‪.‬‬
‫‪ - 3‬يلحظ القارئ أننا قد تجاوزنا في كتابنا هذا ك أنواع التعصب المذهبي والطائفي‪ ،‬وكان رائدنا هو البحث عن الحقيقة‬
‫بشكل موضوعي‪ ،‬وقد حاولنا جاهدين تجنب التأثر بالدبيات التي كتبت عن السلم سلبا‪ s‬أو إيجابا‪.‬‬

‫المراحل التي مر بها تأليف هذا الكتاب‬
‫إن الخلق السلمية تلزم النسان بأن يتحلى بالمانة العلمية‪ ،‬لذا فإني أرى لزاما‪ s‬علي تعريف القارئ بالمراحل التي مر‬
‫بها تأليف هذا الكتاب حتى ظهر إلى حيز الوجود‪.‬‬
‫لقد مر هذا الكتاب بثلث مراحل أساسية‪:‬‬
‫المرحلة الولى‪ :‬من عام ‪1980-1970‬‬
‫بدأت هذه المرحلة عندما كنت في الجامعة القومية اليرلندية في دبلن موفدا‪ s‬من قبل جامعة دمشق لتحضير شهادة الماجستير‬
‫والدكتوراه في الهندسة المدنية‪ ،‬وكانت مرحلة مراجعات‪ ،‬ووضع أسس أولية لمنهج فهم الذكر‪ ،‬وفهم الرسالة والنبوة‬
‫والمصطلحات الساسية للذكر‪ .‬وكانت مرحلة غير مثمرة‪ ،‬حيث تم فيها بحث منطلقات غير مترابطة وعاجزة عن فهم‬
‫الذكر‪ .‬وقد كان السبب الساسي في ذلك هو التأثر بالمدارس التقليدية الموروثة والموجودة في الدبيات السلمية القديمة‬
‫والمعاصرة‪ ،‬والتأثر بالمنطلقات الموروثة اجتماعيا‪ s‬والتي اعتبرتها من المسلمات‪ .‬وقد تبين لي بعد عشر سنوات أن هناك‬
‫شيئا‪ s‬ما في المسلمات التي نعتبرها من أساسيات السلمية ليست كذلك‪ ،‬حيث أننا لم نستطع تقديم نظرة إسلمية أصيلة إلى‬
‫القرن العشرين ومشاكله‪ ،‬انطلقا‪ s‬من هذه المسلمات إل عن طريق المكابرة واللف والدوران والوقوع في الوهم‪ ،‬وقد تبين‬

‫لي بعد هذه السنوات من البحث أنني أسير في وهم وفي طريق مسدود وذلك للسبب التالي‪:‬‬
‫إنني نظرت إلى السلم كعقيدة من خلل مدرسة موروثة معتزلية أو أشعرية‪ ،‬وإلى الفقه من خلل مدرسة مذهبية موروثة‬
‫"الفقهاء الخمسة"‪ .‬وانتهيت إلى هذه النقطة الخطيرة والقاتلة للباحث العلمي الجاد‪ ،‬وهي أنه ل يمكن لنسان أن يقفز قفزة‬
‫أساسية نوعية في المعرفة والبحث إل إذا اخترق المدارس الموروثة وخرج عنها‪ ،‬وحرر نفسه من إطارات هذه المدارس‪،‬‬
‫حيث أن المدرسية هي نقطة قاتلة في البحث العلمي‪ .‬وأعيد إلى الذهن ها هنا ما ذكرته في أول هذه المقدمة من مثال الرسام‬
‫الذي رسم الوجه المعكوس من المرآة وقصة الشمس التي تدور حول الرض وأمثل ها هنا لبعض المسلمات السلمية‬
‫الموروثة المشكلة والتي بحثها كثير من المفكرين دون الوصول إلى نتيجة منها؛ ثبات العمال والعمار والرزاق‪ ،‬سيأتي‬
‫الكلم عليها مفصل‪ s‬في حينه‪ ،‬وإنما يلزم القول هنا‪ :‬إن الذي حال بين المفكرين عبر مئات السنين وبين حل إشكالية هذه‬
‫المسائل أنهم كانوا ينطلقون من مسلمات معكوسة‪.‬‬
‫المرحلة الثانية‪1986-1980 :‬‬
‫في عام ‪ 1980‬التقيت بزميلي وصديقي الدكتور جعفر دك الباب‪ .‬حيث كنا زملء في التحاد السوفياتي في الفترة الواقعة‬
‫بين ‪ 1958‬و ‪ 1964‬وكان يدرس اللسانيات‪ ،‬وكنت أدرس الهندسة المدنية‪ .‬وبعد التخرج افترقنا‪ ،‬وكانت لقاءاتنا عابرة‪ ،‬وفي‬
‫المناسبات‪ .‬ولكنه في عام ‪ 1980‬لحظ من خلل أحاديثه معي أنني مهتم بأمور اللغة والفلسفة وفهم القرآن‪ ،‬فأطلعني على‬
‫منطلق أطروحته للدكتوراه في اللسانيات التي قدمها في جامعة موسكو عام ‪ 1973‬وكان موضوعها حول نظرية عبد القاهر‬
‫الجرجاني اللغوية وموقعها في اللسانيات العامة‪ ،‬وقد قال لي إنه منذ ذلك الوقت وهو يبحث في أصالة اللسان العربي‪ ،‬وأن‬
‫اللسان العربي أصل قائم بذاته ول ينتمي إلى أسرة اللغات السامية‪.‬‬
‫وقد تعرفت عن طريق الدكتور جعفر على آراء الفراء وآراء أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني‪ ،‬وآراء عبد القاهر‬
‫الجرجاني‪ .‬فعند ذلك الوقت أدركت أن اللفاظ خدم المعاني‪ ،‬وأن اللسان العربي لسان ل يوجد فيه ترادف‪ ،‬وأن المترادفات‬
‫ليست أكثر من خدعة‪ ،‬وأن البنية النحوية يرتبط بها خير بلغي بالضرورة‪ ،‬وأن النحو والبلغة علمان متتامان ل ينفصلن‬
‫عن بعضهما‪ ،‬وأن الفصل بينهما كالفصل بين علم التشريح وعلم الفيزيولوجيا "الوظائف" في الطب‪ ،‬وأدركت من جراء‬
‫ذلك أن هناك أزمة حقيقية في تدريس مادة اللغة العربية في المدارس والجامعات‪.‬‬
‫وانطلقا‪ s‬من هذا المنطلق اللغوي‪ ،‬بدأت بمراجعة آيات الذكر بشكل جدي‪ ،‬وانتهيت إلى المصطلحات الساسية "الكتاب‪،‬‬
‫القرآن‪ ،‬الفرقان‪ ،‬الذكر‪ ،‬أم الكتاب‪ ،‬اللوح المحفوظ‪ ،‬المام المبين‪ ،‬الحديث‪ ،‬أحسن الحديث"‪ .‬وأخذت معنى "رتل" في‬
‫اللسان العربي‪ ،‬فتبين لي أنه التنسيق والصف على نسق‪ ،‬فأخذت اليات التي فيها لفظة القرآن‪ ،‬واليات التي فيها لفظة‬
‫الكتاب‪ ،‬ورتلتها )صففتها على نسق( واستنطقتها‪ ،‬فتبين لي الفرق بينهما‪ .‬وقد توصلت إلى هذه النتيجة الهامة في أيار‬
‫‪ .1982‬وبعد ذلك اهتديت إلى الفرق بين النزال والتنزيل والجعل‪.‬‬
‫ومن عام ‪ 1984‬بدأت أكتب رؤوس أقلم‪ ،‬وأفكارا‪ s‬رئيسية استنتجتها من آيات المصحف‪ ،‬وكنت أجتمع مع الدكتور جعفر‬
‫كل بعام في دمشق في شهري الصيف ونناقش معا‪ s‬الفكار والراء الجديدة التي اكتشفتها‪ .‬وقد استمرت هذه الفترة حتى عام‬
‫‪ .1986‬وكانت حصيلتها أفكارا منفصلة متبلورة ولكنها بحاجة إلى صياغة وربط‪.‬‬
‫المرحلة الثالثة‪1990-1986 :‬‬
‫بدأت هذه المرحلة بالصياغة الجدية لهذا الكتاب وربط المواضيع بعضها ببعض‪ .‬فمن صيف ‪ 1986‬وحتى نهاية عام ‪1987‬‬
‫تمت الصياغة الولى للباب الول من هذا الكتاب والتي كانت أهم مشكلة فيه‪ ،‬وبعد ذلك تمت صياغة قوانين الجدل العام‬
‫وجدل النسان "نظرية المعرفة"‪ .‬وقد قمت بصياغة الجدل العام صياغة أولية حتى صيف ‪ ،1988‬وبعد ذلك صغنا معا‪ s‬أنا‬
‫والدكتور جعفر قوانين الجدل العام الواردة في بداية الفصل الول من الباب الثاني من هذا الكتاب‪ ،‬وذلك لدقة المتناهية‬
‫المطلوبة في صياغتها‪ .‬وقد طلبت من الدكتور جعفر دك الباب أن يقدم للقارئ المنهج اللغوي في كتابي هذا‪ ،‬ورجوته أن‬
‫يكتب كتابا‪ s‬مختصر‪s‬ا يعرف فيه بأسرار اللسان العربي لنشره مع كتابي في مجلد واحد‪.‬‬
‫ول يسعني في آخر هذه المقدمة إل أن أقدم جزيل الشكر والعتراف بالجميل للدكتور جعفر دك الباب الذي أعتبره بحق‬
‫أستاذي في اللغة العربية الذي علمني أسرار اللسان العربي وحاورني في كل ما يتصل بموضوعات اللغة العربية واستجاب‬
‫مشكورا‪ s‬لطلبي بتأليف كتاب "أسرار اللسان العربي" وقدم المنهج اللغوي لكتابي‪.‬‬
‫دمشق في كانون ثاني ‪1990‬‬
‫الدكتور المهندس محمد شحرور‬

‫الباب الول‪ :‬الذكر‬
‫تمهيد في المصطلحات‬
‫قال تعالى )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( )الحجر ‪.(9‬‬
‫تصادفنا في المصحف إلى جانب لفظة "الذكر" اللفاظ التالية‪" :‬الكتاب" و"القرآن" و"الفرقان"‪.‬‬
‫فهل هذه اللفاظ كلها تشير إلى معنى واحد لنها مترادفات؟ أم أنها تشير إلى معان مختلفة؟‬
‫وإذا كانت تلك اللفاظ تشير إلى معان متغايرة‪ ،‬فما معنى كل لفظة؟‬
‫نبدأ أو ‪O‬ل بتحديد مصطلحي "الكتاب" و"القرآن" ونحدد ثانيا‪ O‬مصطلح "الذكر ثم نبحث ثالثا‪ O‬في مصطلح "الفرقان"‪.‬‬

‫أول‪ :O‬الكتاب والقرآن‬
‫الكتاب من "كتب"‪ ،‬والكتاب في اللسان العربي تعني جمع أشياء بعضها مع بعض لخراج معنى مفيد‪ ،‬أو لخراج موضوع ذي معنى متكامل‪،‬‬
‫وعكس كتب من الناحية الصوتية "بتك" ويمكن قلبها بحيث تصبح "بكت" وجاء فعل "بتك" في قوله تعالى )فليبتكن آذان النعام( )النساء‬
‫‪ .(119‬فالكتاب في المعنى عكس البتك أو البكت‪.‬‬
‫ونقول مكتب هندسي أي هو مكان تتجمع فيه عناصر إخراج مشروع هندسي من مهندس ورسام وخطاط وآلة سحب‪ ،‬وهي العناصر اللزمة‬
‫لخراج مخططات هندسية‪ .‬ونقول كتيبة في الجيش‪ ،‬كأن نقول كتيبة دبابات أو الخيل بعضها إلى بعض في نسق معين‪ .‬وعندما نجمع أحاديث‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم حسب المواضيع‪ ،‬كأن نجمع ما قاله النبي صلى ال عليه وسلم حول الصلة‪ ،‬نسميه كتابا‪ O‬حيث نقول كتاب الصلة‪،‬‬
‫وإذا جمعنا ما قاله النبي صلى ال عليه وسلم حول الصوم نقول كتاب الصوم‪.‬‬
‫عندما نسمي فلنا‪ O‬كاتبا‪ O‬نقصد المواضيع وتأليف الجمل ووضع بعضها مع بعض‪ ،‬وربط أحداث بعضها إلى بعض‪ .‬وعندما نقول ذلك ل نقصد الخط‬
‫بتاتا‪ ،O‬وإنما نقصد صياغة الجمل وربطها لخراج موضوع ما‪ .‬فإذا أخذنا أربع كلمات وهي "جاء" و"الرجل" و"إلى" و"البيت" وضممناها‬
‫لنخرج منها معنى مفيدا‪ ،O‬تصبح الجملة "جاء الرجل إلى البيت" حيث تأخذ معنى مفيدا‪ O‬يمكن الوقوف عليه‪ .‬وعندما نقول أصدر رئيس الوزراء‬
‫كتابا‪ O‬نقصد به المعنى "الموضوع" ل الخط حيث يجب علينا متابعة القول والخبار بموضوع الكتاب‪ ،‬وإل يصبح المعنى ناقصا‪ ،O‬كأن نقول‪ :‬أصدر‬
‫رئيس الوزراء كتابا‪ O‬بشأن كذا وكذا‪.‬‬
‫وإذا قلنا كلمة كتاب ولم نعطها إضافة لتوضيح الموضوع يصبح المعنى ناقصا‪ ،O‬وعلينا أن نقول كتاب الفيزياء للصف العاشر مثل‪ .O‬أي هذا الكتاب‬
‫يجمع مواضيع فيزيائية بعضها إلى بعض وهي صالحة لطلب الصف العاشر‪ .‬وهكذا فعندما نقول الصلة كتاب فهذا يعني أن الصلة هي من‬
‫المواضيع التعبدية التي وجب على المسلم القيام بها )إن الصلة كانت على المؤمنين كتابا‪ O‬موقوتا‪) (O‬النساء ‪ .(103‬وبما أنه أوحي إلى محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم عدة مواضيع مختلفة‪ ،‬كل موضوع منها كتاب‪ ،‬قال‪) :‬رسول من ال يتلو صحفا‪ O‬مطهرة * فيها كتب قيمة( )البينة ‪ (3-2‬فمن هذه‬
‫الكتب القيمة "كتاب الخلق‪ ،‬كتاب الساعة‪ ،‬كتاب الصلة‪ ،‬كتاب الصوم‪ ،‬كتاب الحج‪ ،‬كتاب المعاملت … الخ" كل هذه المواضيع هي كتب‪.‬‬
‫وعندما نقول كتاب البصر فهذا يعني أننا ندرس العناصر التي إذا ضم بعضها إلى بعض وفق تتال” معين ينتج عن ذلك عملية البصار‪ ،‬وهذه‬
‫العناصر هي الهداب والجفن والعين والعصب البصري ومركز البصار في الدماغ‪ .‬وإذا أردنا أن ندرس كتاب العين فهذا يعني أننا ندرس البؤبؤ‬
‫والشبكية وكل عناصر العين‪ .‬وعندما ندرس كتاب الهضم فهذا يعني أننا ندرس الفم والسنان‪ ،‬البلعوم‪ ،‬المري‪ ،‬المعدة‪ ،‬المعاء الدقيقة‪ ،‬المعاء‬
‫الغليظة‪ ،‬القولون‪ ،‬هذه العناصر التي تدخل في عملية هضم الطعام‪ .‬وعندما جمع الزمخشري قاموسه "أساس البلغة" جمع الصول التي تبدأ‬
‫بحرف اللف وسماها "كتاب اللف" وجمع الصول التي تبدأ بحرف الباء وسماها "كتاب الباء" ‪ ..‬وهكذا دواليك‪.‬‬
‫فأعمال النسان كلها كتب‪ :‬ككتاب المشي‪ ،‬وكتاب النوم‪ ،‬وكتاب الزواج‪ ،‬وعباداته كتب‪ :‬ككتاب الصلة والحج والزكاة والصوم‪ ،‬وظواهر الطبيعة‬
‫كلها كتب ككتاب خلق الكون وكتاب خلق النسان‪ ،‬وكتاب الموت وكتاب الحياة‪ ،‬وكتاب النصر‪ ،‬وكتاب الهزيمة‪ ،‬وكتاب الزراعة‪ ،‬وكتاب النعام …‬
‫هذه الكتب ل تعد ول تحصى‪.‬‬
‫فكتاب الموت هو مجموعة العناصر التي إذا اجتمعت أدت إلى الموت ل محالة‪ ،‬وكتاب النصر بهو مجموعة العناصر التي إذا اجتمعت حصل‬
‫النصر‪ ،‬وكتاب خلق الكون هو مجموعة العناصر التي تركب منها خلق الكون‪ .‬فل يوجد شيء في أعمال النسان وفي ظواهر الطبيعة إل من خلل‬
‫الكتب‪ ،‬ولذا قال‪) :‬وكل شيء أحصيناه كتابا( )النبأ ‪ .(29‬والنسانية في نشاطها العلمي تبحث عن هذه الكتب‪ .‬فعلى النسانية أن تدرس أي كتاب‬
‫لكي تتصرف من خلل عناصر هذا الكتاب‪.‬‬
‫فإذا أردنا أن تطول العمار فعلينا أن ندرس كتاب الموت وكتاب الحياة‪ ،‬وهذا ما يفعله علم الطب حين يدرس الظواهر التي تؤدي إلى الموت‬
‫"كتاب الموت" والظواهر التي تؤدي إلى نشاط العضاء في النسان "كتاب الحياة"‪ .‬وعندما نقول كتابا‪ O‬ونقف يبقى المعنى ناقصا‪ O‬حتى نقول‬
‫كتاب ماذا؟ وعندما قال تعالى‪) :‬كتاب أحكمت آياته( )هود ‪ (1‬فهذا ل يعني كل آيات المصحف وإنما يعني "مجموعة اليات المحكمات" وعندما‬
‫قال )كتابا‪ O‬متشابها‪) (O‬الزمر ‪ (23‬فإنه ل يعني كل المصحف وإنما يعني "مجموعة آيات متشابهات"‪ ،‬وعندما قال‪) :‬وما كان لنفس أن تموت إل‬
‫بإذن ال كتابا‪ O‬مؤجل( )آل عمران ‪ (145‬فإنه عنى كتاب الموت‪ ،‬أي مجموعة العناصر التي تؤدي إلى الموت في حال توفرها واجتماعها‬
‫"الشروط الموضوعية للموت"‪.‬‬
‫وعليه‪ ،‬فمن الخطأ الفاحش أن نظن عندما ترد كلمة كتاب في المصحف أنها تعني ك المصحف‪ .‬لن اليات الموجودة بين دفتي المصحف من أول‬
‫سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس تحتوي على عدة كتب "مواضيع"‪ ،‬وكل كتاب من هذه الكتب يحتوي على عدة كتب‪ :‬فمثل‪ O‬كتاب العبادات‬
‫يحتوي على كتاب الصلة وكتاب الصوم وكتاب الزكاة وكتاب الحج‪ .‬وكتاب الصلة يحتوي على كتاب الوضوء وكتاب الركوع وكتاب السجود‪.‬‬
‫أما عندما تأتي كلمة كتاب معرفة بـ أل التعريف "الكتاب" فأصبح معرفا‪ O‬عندا قال )ذلك الكتاب( في ثاني آية في سورة البقرة بعد )الم( )ذلك‬
‫الكتاب ل ريب فيه( قالها معرفة ولم يقل‪ :‬كتاب ل ريب فيه‪ ،‬لنه لو قالها لوجب تعريف هذا الكتاب‪ .‬فمجموعة المواضيع التي أوحيت إلى محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم هي مجموعة الكتب التي سميت "الكتاب"‪ ،‬ويؤيد ذلك أن سورة الفاتحة تسمى فاتحة الكتاب‪.‬‬
‫هذا الكتاب هو مجموعة المواضيع التي أوحيت إلى محمد صلى ال عليه وسلم من ال في النص والمحتوى‪ ،‬والتي تؤلف في مجموعها كل آيات‬
‫المصحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس‪ .‬هذا الكتاب يحتوي على مواضيع رئيسية هي‪:‬‬
‫‪) - 1‬الذين يؤمنون بالغيب( )البقرة ‪) (3‬كتاب الغيب(‪.‬‬

‫‪) - 2‬ويقيمون الصلة ومما رزقناهم ينفقون( )البقرة ‪) (3‬كتاب العبادات والسلوك( )سلوك(‪.‬‬
‫أي أن هناك نوعين من الكتب‪ :‬النوع الول هو الذي يتعلق بسلوك النسان‪ ،‬ككتاب الصلة الذي يتألف من الوضوء والقيام والركوع والسجود‪،‬‬
‫وهذه الكتب غير مفروضة على النسان حتما‪ ،O‬بل له القدرة على اختيار اللتزام بها أو عدم التقيد بها‪ .‬ويعني ذلك أن النسان هو الذي يقضي‬
‫"يختار" موقفه منها‪ .‬وأطلق على هذا النوع في المصحف مصطلح "القضاء" والنوع الثاني قوانين الكون وحياة النسان ككتاب الموت وكتاب‬
‫خلق الكون والتطور والساعة والبعث‪ ،‬وهذه الكتب مفروضة على النسان حتما‪ ،O‬وليست له القدرة على عدم الخضوع لها‪ .‬وأطلق على هذا النوع‬
‫في المصحف مصطلح "القدر"‪ .‬ويتوجب على النسان أن يكتشف هذه القوانين ويتعلمها ليستفيد من معرفته لها‪.‬‬
‫وبما أن محمدا‪ O‬صلى ال عليه وسلم هو رسول ال‪ ،‬وهو نبي‪ ،‬فهذا الكتاب يحتوي على رسالته ونبوته‪ .‬فالرسالة هي مجموعة التعليمات التي‬
‫يجب على النسان التقيد بها "عبادات‪ ،‬معاملت‪ ،‬أخلق" "الحلل والحرام" وهي مناط التكليف‪.‬‬
‫والنبوة من "نبأ" هي مجموعة المواضيع التي تحتوي على المعلومات الكونية والتاريخية "الحق والباطل"‪.‬‬
‫وعليه فالكتاب يحوي كتابين رئيسيين ‪:‬‬
‫ الكتاب الول‪ :‬كتاب النبوة‪ :‬ويشتمل على بيان حقيقة الوجود الموضوعي‪ ،‬ويفرق بين الحق والباطل أي الحقيقة والوهم‪.‬‬‫ الكتاب الثاني‪ :‬كتاب الرسالة‪ :‬ويشتمل على قواعد السلوك النساني الواعي‪ ،‬ويفرق بين الحلل والحرام‪.‬‬‫وقد أوضح في سورة آل عمران أن الكتاب ينقسم إلى موضوعين رئيسيين "كتابين" )هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم‬
‫الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إل ال والراسخون في العلم‬
‫يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إل أولو اللباب( )آل عمران ‪.(7‬‬
‫‪ - 1‬الكتاب المحكم أي مجموعة اليات المحكمات‪ ،‬وقد أعطاها تعريفا‪ O‬خاصا‪ O‬بها هو أم الكتاب‪) .‬منه آيات محكمات هن أم الكتاب( وبما أن الكتاب‬
‫هو مصطلح فقد عرف بمجموعة اليات المحكمات‪ ،‬حيث أن هذا المصطلح جديد على العرب‪ ،‬فالعرب تعرف أم الرأس‪" :‬ضربه على أم رأسه"‬
‫ولكنها ل تعرف أم الكتاب‪ ،‬لذا فقد عرفه لهم‪ ،‬ولمصطلح "أم الكتاب" معنى واحد أينما ورد في الكتاب‪ ،‬أي ل يمكن أن يكون لهذا المصطلح معنى‬
‫حقيقي وآخر مجازي‪ ،‬بل معناه الوحيد هو ما عرف به‪ ،‬وهو مجموعة اليات المحكمات‪ .‬واليات المحكمات هن مجموعة الحكام التي جاءت إلى‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والتي تحتوي على قواعد السلوك النساني "الحلل والحرام" أي العبادات والمعاملت والخلق والتي تشكل‬
‫رسالته‪.‬‬
‫‪ - 2‬وإذا فرزنا مجموعة اليات المحكمات على حدة‪ ،‬فما تبقى من آيات الكتاب بعد ذلك هو كتابان أيضا‪ ،O‬وهما‪ :‬الكتاب المتشابه‪ ،‬وكتاب آخر ل‬
‫محكم ول متشابه‪ .‬وهذا الكتاب الخر يستنتج من قوله تعالى )وأخر متشابهات( حيث لم يقل "والخر متشابهات" فهذا يعني أن اليات غير‬
‫المحكمات فيها متشابهات وفيها آيات من نوع ثالث ل محكم ول متشابه”‪ ،‬وقد أعطى لهذه اليات مصطلحا‪ O‬خاصا‪ O‬بها في سورة يونس‪ ،‬وهو‬
‫"تفصيل الكتاب" وذلك في قوله‪) :‬وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ال ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب‬
‫العالمين( )يونس ‪ .(37‬فهذه الية تدلنا على وجود ثلثة مواضيع هي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬القرآن‪.‬‬
‫‪ - 2‬الذي بين يديه‪.‬‬
‫‪ - 3‬تفصيل الكتاب‪.‬‬
‫وقد أكد أن تفصيل الكتاب موحى أيضا‪ O‬من ال سبحانه وتعالى في قوله‪) :‬وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب العالمين(‪.‬‬
‫فالكتاب بالمتشابه هو كل آيات الكتاب ما عدا آيات الحكام "الرسالة" وما عدا آيات تفصيل الكتاب‪ .‬وهذا الكتاب المتشابه هو مجموعة الحقائق‬
‫التي أعطاها ال إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والتي كانت في معظمها غيبيات أي غائبة عن الوعي النساني عند نزول الكتاب والتي تشكل‬
‫نبوة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والتي فرقت بين "الحق والباطل"‪.‬‬
‫فإذا أخذنا الكتاب المتشابه "أي آيات المصحف ما عدا الحكام وتفصيل الكتاب" نرى أنها تتألف من كتابين رئيسيين وردا في قوله تعالى )ولقد‬
‫آتيناك سبعا‪ O‬من المثاني والقرآن العظيم( )الحجر ‪:(87‬‬
‫ الكتاب الول‪ :‬سبعا‪ O‬من المثاني‪.‬‬‫ الكتاب الثاني‪ :‬القرآن العظيم‪.‬‬‫وميزة هذه اليات أنها إخبارية ول يوجد فيها أوامر ونواه”‪ ،‬ولكن كلها آيات خبرية "أنباء"‪ .‬فمثل‪ O‬بعد سرد جزء من قصة نوح في سورة هود‬
‫قال تعالى )تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ول قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين( )هود ‪ (49‬لحظ قوله "أنباء"‬
‫وقوله "غيب"‪ .‬ولحظ حين سرد قصة آدم قوله تعالى )قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون( )ص ‪ (68-67‬وقوله )ولتعلمن نبأه بعد حين(‬
‫)ص ‪.(88‬‬
‫أما مصطلح "الذي بين يديه" فيقصد به الرسالة وسنشرح ذلك فيما يلي‪:‬‬
‫بينا أن اليات المتشابهات هن آيات المصحف ما عدا آيات أم الكتاب "الرسالة" وآيات تفصيل الكتاب‪ .‬ويعني ذلك أنه تبقى مجموعة اليات‬
‫المتشابهات‪ ،‬فما اسم هذه اليات؟‬
‫‪ - 1‬لنرجع إلى قوله تعالى في أول سورة الحجر )الر تلك آيات الكتاب وقرآن” مبين( )الحجر ‪.(1‬‬
‫‪ - 2‬ولنرجع إلى قوله تعالى في أول سورة الرعد )المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس ل يؤمنون( )الرعد ‪.(1‬‬
‫‪ - 3‬ولنرجع إلى قوله تعالى في أول سورة البقرة )ذلك الكتاب ل ريب فيه هدى‪ O‬للمتقين( )البقرة ‪.(2‬‬
‫‪ - 4‬ولنرجع إلى قوله تعالى في سورة البقرة ‪) 158‬شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى‪ O‬للناس وبينات من الهدى والفرقان(‪.‬‬
‫هنا نلحظ كيف عطف القرآن على الكتاب‪ ،‬وفي اللسان العربي ل تعطف إل المتغايرات‪ ،‬أو الخاص على العام‪ .‬فهنا لدينا احتمالن‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن القرآن شيء والكتاب شيء آخر‪ ،‬وعطفهما للتغاير كأن نقول جاء أحمد وسعيد‪ .‬حيث أن سعيدا‪ O‬شخص وأحمد شخص آخر‪ .‬وعطفهما‬
‫للتغاير‪ .‬فإذا كان القرآن شيئا‪ O‬والكتاب شيئا‪ O‬آخر فتجانسهما أنهما من عند ال‪ .‬ولكن لماذا عطف القرآن على الكتاب في أول سورة الحجر؟ السبب‬
‫في ذلك هو الية ‪ 87‬في هذه السور حيث ذكر فيها السبع المثاني في قوله )ولقد آتيناك سبعا‪ O‬من المثاني والقرآن العظيم( فها هنا واضح تماما‪ O‬أن‬
‫القرآن شيء والسبع من المثاني شيء آخر‪ ،‬وهي ليست من القرآن ولكنها من الكتاب‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون القرآن جزءا‪ O‬من الكتاب‪ ،‬وعطفهما من باب عطف الخاص على العام‪ .‬وفي هذه الحالة يكفي عطف الخاص على العام للتأكيد وللفت‬
‫انتباه السامع إلى أهمية الخاص‪.‬‬
‫فأي الحتمالين هو المقصود؟!‬
‫ نلحظ أنه عندما ذكر الكتاب قال‪) :‬هدى للمتقين( لن في الكتاب أحكام العبادات والمعاملت والخلق‪ ،‬أي فيه التقوى بالضافة إلى القرآن‪.‬‬‫وعندما ذكر القرآن قال‪) :‬هدى للناس( ولفظة الناس تشمل المتقين وغير المتقين‪ ،‬فالمتقون من الناس ولكن ليس كل الناس من المتقين‪.‬‬
‫وهذا وحده يوجب أن نميز بين الكتاب والقرآن‪.‬‬
‫‪ -‬ونلحظ أنه في سورة الرعد عطف الحق على الكتاب‪ ،‬فهذا يعني أن الحق شيء والكتاب شيء آخر‪ .‬أو أن الحق هو جزء من الكتاب وليس كل‬

‫الكتاب‪.‬‬
‫ والجواب القاطع على هذا السؤال أعطي في سورة فاطر )والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا‪ O‬لما بين يديه إن ال بعباده لخبير‬‫بصير( )فاطر ‪ .(31‬هنا أعطى الجواب القاطع بأن الحق هو جزء من الكتاب وليس كل الكتاب‪ ،‬وأن الحق جاء معرفا‪ O‬أي أن الحقيقة الموضوعية‬
‫بأكملها غير منقوصة "الحقيقة المطلقة" موجودة في الكتاب ولكن ليست كل الكتاب‪ ،‬حيث أنه في الكتاب توجد اليات المحكمات "آيات الرسالة"‬
‫وهي ليست حقا‪ .O‬واليات المتشابهات "آيات النبوة" وآيات تفصيل الكتاب‪.‬‬
‫ثم أعطى للحق وظيفة ثانية‪ ،‬وهي تصديق الذي بين يديه‪ .‬فلماذا جاء القرآن كله متشابها‪O‬؟ وما معنى تصديق الذي بين يديه؟؟‬
‫هذا السؤال هو من أخطر السئلة التي ل يمكن بدون فهمها فهم نبوة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول يمكن فهم العجاز مطلقا‪ ،O‬ول يمكن فهم‬
‫كثير من الحاديث النبوية إن صحت‪.‬‬
‫إن ال مطلق ومعلوماته مطلقة‪ ،‬وعند ال توجد الحقيقة الموضوعية بشكل مطلق‪ ،‬وال سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أن يعلم نفسه أو يهدي‬
‫نفسه‪ .‬وبما أن الناس في فهمهم للحقيقة يحملون طابع النسبية‪ ،‬أي أنهم ل يفهمون إل حسب الرضية المعرفية "مستوى المعرفة" الموجودة‬
‫عندهم‪ ،‬فقد أخذ ال تعالى ذلك بالحسبان لدى إعطاء الناس ما يشاء من علمه‪.‬‬
‫لنضرب الن مثال‪ O‬على ذلك‪ :‬إذا رغب إنسان من كبار علماء اللكترونيات وعمره خمسون عاما‪ O‬في أن يعطي المعلومات المتوفرة عنده لبنه‬
‫الذي يبلغ من العمر ثلثة أعوام‪ ،‬فهناك أمامه طريقتان ل ثالثة لهما للقيام بذلك‪:‬‬
‫الطريقة الولى‪:‬‬
‫أن يعطيه المعلومات بالتدريج حسب السن وحسب الخبرة المكتسبة‪ ،‬فيعطيه جزءا‪ O‬بحيث يستطيع استيعابه‪ ،‬ثم يعطيه جزءا‪ O‬آخر ‪ ..‬وهكذا دواليك‬
‫حتى يعطيه المعلومات كاملة‪ ،‬ولكن هذه الطريقة تتطلب اتصال‪ O‬مباشرا‪ O‬دائما‪ O‬بين الب وابنه‪ ،‬أي أن الجسر الذي ينقل المعلومات بين الب وابنه‬
‫هو التصال المباشر والدائم بحيث تزيد المعلومات مع نمو الطفل‪.‬‬
‫الطريقة الثانية‪:‬‬
‫أن يعطي الب العالم مجموعة كاملة من المعلومات الموجودة عنده لبنه وهو في عمر ثلث سنوات دفعة واحدة‪ ،‬وبدون أن يكون هناك أي‬
‫اتصال بعد ذلك‪ .‬وهذا يتطلب بالضرورة أن يصوغ المعلومات بطريقة يفهمهما ابن ثلث سنوات حسب أرضيته المعرفية‪ .‬ثم عندما يكبر وتزيد‪-‬‬
‫معلوماته يقرأ هذه الصياغة مرة أخرى فيراها مطابقة لمعلوماته النامية‪ . .‬وهكذا دواليك‪ ،‬أي مع نمو المعرفة عند هذا النسان يقرأ النص الثابت‬
‫فيرى أنه مطابق لمعلوماته‪ .‬ولكن هذه الطريقة تتطلب صياغة خاصة يجب أن يتوفر فيها شرطان‪ :‬الول ثبات النص والثاني حركة المحتوى وهذا‬
‫ما يسمى بالتشابه وهو عين التشابه‪ .‬ول المثل العلى‪.‬‬
‫فلنر الن بأي طريقة اتصل بال بالناس لعطائهم المعلومات‪ :‬اتصل بالطريقتين‪ :‬بالتصال الدائم بالناس وبالتصال دفعة واحدة‪.‬‬
‫أما التصال الدائم فقد حصل عبر النبوات قبل محمد صلى ال عليه وسلم كالتوراة والنجيل‪ .‬فبعد نزول التوراة كانت هناك رجعة من ال إلى‬
‫الناس في النجيل‪ .‬وبعد نزول النجيل كان هناك رجعة من ال إلى الناس في القرآن‪ .‬ولكن بعد نزول الكتاب لم تكن هناك رجعة من ال إلى الناس‬
‫حيث أنه ل نبي ول رسول بعد محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬وهكذا نرى أن هناك طريقتين قد استعملتا في نقل المعلومات‪ .‬ففي الطريقة الولى أي‬
‫في التوراة والنجيل تم نقل المعلومات فيهما بشكل يفهمه الناس حسب أرضيتهم المعرفية‪ .‬أي أنهما كانا يحملن طابع المرحلية بالشرح‪ ،‬ولذا‬
‫فعندما نقرأ التوراة الن ونقارنها مع معلوماتنا الحالية نراها تنسجم مع أرضيتنا المعرفية‪ ،‬أي أنها كانت تحمل طابع المرحلية‪ ،‬وأنها نزلت‬
‫بصيغة كانت مطابقة لمعارف الناس وقت نزول التوراة‪ .‬ولم ينتبه المفسرون المسلمون إلى هذه الناحية الخطيرة‪ ،‬فاعتمدوا قليل‪ O‬أو كثيرا‪ O‬على‬
‫التوراة في تفسير القرآن وهنا كانت الطامة الكبرى! وفي عصر النهضة في أوروبا قال العلماء‪ :‬إن العلم قضى على التفسير التوراتي لخلق الكون‬
‫والنسان وعمر الكون والنسان‪ ،‬وحسنا‪ O‬فعلوا‪ .‬ولهذا وصف التوراة والنجيل بأنهما هدى للناس‪ ،‬ولكن من قبل القرآن )وأنزل التوراة والنجيل‬
‫* من قبل هدى‪ O‬للناس( )آل عمران ‪.(4-3‬‬
‫وينطبق الحال كذلك على النجيل‪ .‬إذ أن التوراة ل يحملن صفة التشابه في الصيغة‪ .‬وهكذا نرى التوراة والنجيل اليوم كتابين يدرسان فقط في‬
‫الكنائس للعبادة دون أن يكون لهما علقة بالحياة‪ .‬وهذا ما أراد "مشايخنا" أن يفعلوه بالقرآن وذلك بتحويله إلى كتاب في اللهوت‪.‬‬
‫أما الطريقة الثانية‪ ،‬وهي طريقة التصال دفعة واحدة ل رجعة بعدها فهي الطريقة السلمية وهذه ل يمكن أن تكن إل بثبات النص وحركة‬
‫المحتوى وهو التشابه الذي يحتاج إلى التأويل باستمرار‪ ،‬ولهذا فالقرآن ل بد من أن يكون قابل‪ O‬للتأويل‪ ،‬وتأويله يجب أن يكون متحركا‪ O‬وفق‬
‫الرضية العلمية لمة” ما في عصر ما‪ ،‬على الرغم من ثبات صيغته‪.‬‬
‫وفي هذا يكمن إعجاز القرآن للناس جميعا‪ O‬دون استثناء‪ .‬إن إعجاز القرآن ليس فقط بجماله البلغي كما يقول بعضهم‪ ،‬وليس معجزا‪ O‬للعرب‬
‫وحدهم‪ ،‬وإنما للناس جميعا‪ .‬وذلك لن الناس كل‪ O‬بلسانه "النكليزي بالنكليزية والصيني بالصينية والعربي بالعربية و ‪ "..‬عاجزون أن يعطوا‬
‫نصا‪ O‬متشابها‪ ،O‬كل في لسانه الخاص بحيث يبقى النص ثابتا‪ ،O‬ويطابق المحتوى الرضيات المعرفية المتغيرة والمتطورة للناس مع تطور الزمن إلى‬
‫أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫إن مثل هذا ل يمكن أن يفعله إل من يعلم الحقيقة المطلقة وهذا ل يتوفر للناس لن معرفتهم وعلمهم نسبيان‪ .‬لذا ل يمكن تأويل القرآن كامل‪ O‬من‬
‫قبل واحد فقط إل ال‪ .‬أما الراسخون في العلم فيؤولونه حسب أرضيتهم المعرفية في كل زمان‪ ،‬وكل واحد منهم حسب اختصاصه الضيق‪.‬‬
‫من هنا نفهم الحقيقة بالكبيرة وهي أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يؤول القرآن‪ ،‬وأن القرآن كان أمانة‪ O‬تلقاها وأداها للناس دون تأويل‪ ،‬وإنما‬
‫أعطاهم مفاتيح عامة للفهم‪.‬‬
‫أما مقولة‪" :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم كان قادرا‪ O‬على أن يؤول القرآن" فنقول‪:‬‬
‫‪ - 1‬إما أن يكون تأويله صحيحا‪ O‬بالنسبة لمعاصريه فقط‪ ،‬أي التأويل الول فيكون بذلك قد تسبب في تجميد التأويل‪ ،‬وتجميد حركة العلم والمعرفة‪،‬‬
‫وإلزام الناس بكلمه‪ ،‬ثم تتقدم المعرفة النسانية مع الزمن وتظهر العلوم فتبدأ تأويلته قاصرة‪ ،‬ويكون بذلك قد قصم ظهر السلم بنفسه‪.‬‬
‫‪ - 2‬وإما أن يكون تأويله صحيحا‪ O‬بالنسبة لجميع العصور أن النبي كان يستطيع أن يؤول كل آيات القرآن التأويل الصحيح في جميع الزمان‬
‫فيكون بهذا قد تسبب بما يلي‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ل يوجد أحد من العرب الذين عاصروه قادر على فهم التأويل‪.‬‬
‫ب ‪ -‬لو أن النبي صلى ال عليه وسلم كان قادرا‪ O‬على التأويل الكامل لكل القرآن لكان ذلك يعني أن النبي صلى ال عليه وسلم كامل المعرفة‪،‬‬
‫ومعرفته بالحقيقة معرفة مطلقة فيصبح شريكا‪ O‬ل في علمه المطلق‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يفقد القرآن إعجازه‪.‬‬
‫وفي ضوء هذا يجب أن نفهم ما يلي‪:‬‬
‫قالت العرب في حجة الوداع للنبي صلى ال عليه وسلم‪" :‬نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت" "أخرجه مسلم في صحيحه‪ ،‬انظر جامع الصول‬
‫ج ‪ 3‬ص ‪ "465‬فأما الرسالة فقد بلغها ووضع منهجا‪ O‬لها في السنة‪ ،‬والرسالة كما بينا أعله هي أم الكتاب‪ ،‬وأما المانة فقد أداها كما أوحيت إليه‬
‫وهي النبوة التي تشتمل على القرآن والسبع المثاني وتفصيل الكتاب‪ .‬وبذا نفهم لماذا قال النبي صلى ال عليه وسلم الحديثين التاليين إن صحا‪:‬‬
‫)أل إني أوتيت هذا الكتاب ومثله معه( )انظر جامع الصول في أحاديث الرسول ج ‪ 1‬ص ‪ (281‬و)أوتيت القرآن ومثله معه(‪ ،‬لقد ظن الكثيرون أن‬

‫هذين الحديثين بمعنى واحد‪ ،‬ولهذا في نظرنا تفسير آخر‪ :‬فعندما قال عن الكتاب‪ :‬ومثله معه قد عنى السنة وعندما قال‪ :‬القرآن ومثله معه فإنه‬
‫عنى شيئا‪ O‬آخر متجانسا‪ O‬مع القرآن أي مثله وهو مجموعة من الحقائق العلمية تساوي القرآن في قيمتها العلمية لذا جاء القرآن معطوفا‪ O‬عليها‬
‫وهي "سبع من المثاني" حيث عطف القرآن العظيم عليها في قوله )ولقد آتيناك سبعا‪ O‬من المثاني والقرآن العظيم( )الحجر ‪.(87‬‬

‫ثانيا‪ :O‬الذكر‬
‫ما هو الذكر؟‬
‫لنرجع إلى قوله تعالى‪:‬‬
‫)إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( )الحجر ‪.(9‬‬
‫)وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون( )الحجر ‪.(6‬‬
‫)ص والقرآن ذي الذكر( )ص ‪.(1‬‬
‫فإذا أخذنا لفظة الذكر في اليتين ‪ 9-6‬في سورة الحجر لوجدنا أنها جاءت معرفة بـ "ال التعريف" وإذا نظرنا إلى لفظة الذكر في الية رقم ‪ 1‬في‬
‫سورة ص لوجدناها أيضا‪ O‬معرفة بال التعريف‪ .‬وإذا نظرنا أيضا‪ O‬إلى الربط بين القرآن والذكر في سورة ص لوجدناهما مربوطين بأداة "ذي"‬
‫وهذه الداة تستعمل للدللة على صفة الشيء‪ ،‬ل على الشيء نفسه كقوله تعالى )وفرعون ذي الوتاد( )الفجر ‪ (10‬وقوله )ويسألونك عن ذي‬
‫القرنين( )الكهف ‪ (83‬ففرعون شيء والوتاد شيء آخر‪ ،‬والية تعني أن فرعون صاحب الوتاد‪ ،‬وكقوله )أن كان ذا مال وبنين( )القلم ‪ (14‬أي‬
‫صاحب مال‪ .‬فالقرآن هنا هو الموصوف والذكر هو الصفة )والقرآن ذي الذكر( أي القرآن صاحب الذكر‪ .‬فما هي هذه الصفة الخاصة بالقرآن‬
‫والتي تسمى "الذكر"؟‬
‫إن القرآن مجموعة القوانين الموضوعية الناظمة للوجود ولظواهر الطبيعة والحداث النسانية‪ ،‬وأساسه غير لغوي ثم جعل لغويا‪ O‬لقوله )إنا‬
‫جعلناه قرآنا‪ O‬عربيا( )الزخرف ‪ .(3‬وانتقال القرآن إلى صيغة لغوية إنسانية بلسان عربي تم بصيغة منطوقة لذا فهو يتلى بصيغة صوتية منطوقة‬
‫مسموعة أو غي مسموعة أو غير مسموعة‪ .‬وهذه هي الصيغة التي أشهر بها القرآن وبها يذكر بين الناس كما جاء في قوله تعالى )ورفعنا لك‬
‫ذكرك( )النشراح ‪ (4‬وقوله )اذكرني عند ربك( )يوسف ‪.(42‬‬
‫فالذكر هو تحول القرآن إلى صيغة لغوية إنسانية منطوقة بلسان عربي‪ ،‬وهذه هي الصيغة التي يذكر بها القرآن‪ .‬وبما أن هذه الصيغة عربية فقد‬
‫قال للعرب‪) :‬لقد أنزلنا إليكم كتابا‪ O‬فيه ذكركم أفل تعقلون( )النبياء ‪ (10‬أي صيغته اللغوية الصوتية في اللسان العربي المبين لذا قال‪) :‬فيه‬
‫ذكركم( وهنا جاء أكبر عز للعروبة والقومية العربية‪ .‬أما بقية الكتاب فقد تلزم النزال والتنزيل فيها بدون "جعل" وكان النزال عربيا‪ O‬مباشرا‪.O‬‬
‫وبما أن ال سبحانه وتعالى منزه عن الجنس فهو ليس عربيا‪ O‬ول تركيا‪ O‬ول ‪ ..‬ولكن قد جاء النص من ال سبحانه وتعالى أن النزال عربي‪.‬‬
‫فهذه الصيغة للكتاب التي بين أيدينا وهي صيغة عربية هي صيغة محدثة بلسان إنساني وغير قديمة وذلك ليذكر بها القرآن من الناس لذا قال‪) :‬ما‬
‫يأتيهم من ذكر من ربهم محدث” إل استمعوه وهم يلعبون( )النبياء ‪ (2‬لحظ هنا دقة التعبير في الكتاب عندما قال عن الذكر إنه محدث ولم يقل‬
‫القرآن‪ ،‬ول ننسى أن الذكر ليس القرآن نفسه‪ ،‬بل هو أحد صفات القرآن )ص والقرآن ذي الذكر( )ص ‪ .(1‬وهذا الفهم يحل المعضلة الكبرى التي‬
‫نشأت بين المعتزلة وخصومهم حول خلق القرآن‪ .‬فإذا عرفنا الن أن الذكر ليس القرآن نفسه‪ ،‬وإنما هو أحد خواصه وهو صيغته اللسانية حصرا‬
‫يزول اللتباس‪ .‬لذا فقد وضع الكتاب شرطا‪ O‬لفهم آياته بقوله‪) :‬وما أرسلنا قبلك إل رجال‪ O‬نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم ل تعلمون(‬
‫)النبياء ‪ (7‬هنا يجب أن نفهم أن أهل الذكر هم أهل اللسان العربي‪.‬‬
‫هذه الصيغة المحدثة هي التي أخذت الصيغة التعبدية‪ ،‬فعندما يتلو النسان الكتاب "بصيغته اللسانية الصوتية"‪ ،‬بغض النظر عن فهم المضمون‪،‬‬
‫تكون تلوته عبادة تساوي الناس فيها جميعا عربا‪ O‬أو غير عرب‪ .‬فإذا وقف في الصلة مسلمان "عربي وغير عربي" وكلهما تل الذكر بغض‬
‫النظر عن فهم المضمون فصلتهما مقبولة‪ ،‬لذا قال )وأقم الصلة لذكري( )طه ‪ (14‬وعندما قال الفقهاء‪ :‬إن الصلة ل تجوز إل باللسان العربي‬
‫فهذا صحيح لن المطلوب في الصلة التلوة الصوتية الكتاب ل فهم الكتاب‪ .‬لذا قيل عن القرآن‪ :‬إنه المتعبد بتلوته‪ ،‬فالقرآن يتلى )وأن أتلوا‬
‫القرآن( )النمل ‪.(92‬‬
‫ومنه يظهر أن التحويل للقرآن "الجعل" إلى صيغة صوتية لغوية عربية قد أخذ الطابع التعبدي‪ ،‬لذا قال عنه )ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من‬
‫مدكر( )القمر ‪.(17‬‬
‫إذ‪O‬ا فصيغة القرآن اللغوية هي الصيغة التعبدية‪ .‬وكذلك عن صيغة أم الكتاب )إن الذين يتلون كتاب ال وأقاموا الصلة ‪ ..‬الية( )فاطر ‪ (29‬فيصبح‬
‫الذكر بذلك هو الصيغة اللغوية الصوتية للكتاب كله وهي الصيغة التعبدية ويغدو من الصحيح أن نقول عندما تتلى آيات الكتاب "تتلى آيات الذكر‬
‫الحكيم"‪ .‬وبما أن النبي صلى ال عليه وسلم عربي والذكر هو الصيغة اللغوية للكتاب كله فقد قال‪) :‬وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم(‬
‫)النحل ‪ (44‬في هذه الية يوجد إنزال للذكر وتنزيل له‪.‬‬
‫والنزال هو بيان التنزيل وهذا البيان "النزال هو الصيغة اللغوية بلسان عربي مبين"‪ .‬وعليه فإن انزال الذكر هو إنزال الكتاب كله "الحكم‬
‫والقرآن" بصيغة لغوية عربية )وكذلك أنزلناه حكما‪ O‬عربيا‪) (O‬يوسف ‪ (2‬مجتمعين من آيات تفصيل الكتاب والتي هي بالضرورة عربية لنها تشرح‬
‫مفردات الكتاب من قرآن وأم الكتاب وتشرح النزال والتنزيل‪" .‬انظر فصل النزال والتنزيل"‪.‬‬
‫وفي سورة يس الية ‪ 69‬قال‪) :‬وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إل ذكر وقرآن مبين( هنا نلحظ كيف عطف القرآن على لفظ "ذكر" أي‬
‫ذكر = عبادة‪ ،‬قرآن = علم "استقراء ومقارنة"‪ .‬وقد استعمل التنزيل للذكر في قوله )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( )الحجر ‪ (9‬وذلك‬
‫لتبيان أن الذكر جاء وحيا‪ O‬ماديا‪ O‬من خارج إدراك محمد صلى ال عليه وسلم أي أنه صيغ خارج وعي محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأن التنزيل‬
‫عملية مادية حصلت خارج إدراك محمد صلى ال عليه وسلم ودخلت إدراكه بالنزال‪.‬‬
‫وعلينا أن ننوه أن فعل "ذكر" له معان أخرى منها التذكر ضد النسيان كقوله تعالى )وما أنسانيه إل الشيطان أن أذكره( )الكهف ‪ (63‬ومنه جاءت‬
‫الذاكرة والمذاكرة‪.‬‬

‫ثالثا‪ :O‬الفرقان‬

‫قال تعالى‪:‬‬
‫)وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون( )البقرة ‪.(53‬‬
‫)شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى‪ O‬للناس وبينات” من الهدى والفرقان ‪ ..‬الية( )البقرة ‪.(185‬‬
‫)وأنزل التوراة والنجيل * من قبل هدى‪ O‬للناس وأنزل الفرقان( )آل عمران ‪.(4-3‬‬
‫)ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا‪ O‬للمتقين( )النبياء ‪.(48‬‬
‫)تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا‪) (O‬الفرقان ‪.(1‬‬
‫)وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان( )النفال ‪.(41‬‬
‫جاء لفظ الفرقان في ستة مواضع في الكتاب‪ ،‬وفي هذه المواضع الستة جاء معرفا‪ O‬بأل التعريف‪ ،‬إضافة إلى مرة وحيدة جاء فيها منونا‪ ،O‬وذلك في‬
‫الية ‪ 29‬من سورة النفال‪ ،‬فأول ما جاء لفظ "الفرقان" لموسى عليه السلم وجاء معه الكتاب‪ ،‬أي أن الفرقان جاء إلى موسى على حدة وجاء‬
‫الكتاب على حده‪ ،‬ففرقا عن بعضهما‪.‬‬
‫وهذا الفرقان قال عنه في سورة آل عمران‪ :‬إن الفرقان والتوراة والنجيل أنزلت قبل أن يأتي الكتاب إلى النبي صلى ال عليه وسلم ثم إن الفرقان‬
‫الذي أنزل على موسى هو نفسه الذي أنزل على النبي صلى ال عليه وسلم في رمضان )شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى‪ O‬للناس وبينات‬
‫من الهدى والفرقان( )البقرة ‪ (185‬وبما أن الفرقان جاء معطوفا‪ O‬على القرآن يستنتج أن الفرقان غير القرآن‪ ،‬وهو جزء من أم الكتاب "الرسالة"‬
‫وأنزل ونزل في رمضان‪ .‬وهذا الجزء أول ما أنزل إلى موسى عليه السلم‪ .‬فما هو الفرقان الذي جاء إلى موسى على حدة مفروقا‪ O‬عن الكتاب؟‬
‫لو تأملنا اليات )‪ (153-152-151‬من سورة النعام وهي‪:‬‬
‫)قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم‬
‫‪ - 1‬أل تشركوا به شيئا‪.O‬‬
‫‪ - 2‬وبالوالدين إحسانا‪.O‬‬
‫‪ - 3‬ول تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم‪.‬‬
‫‪ - 4‬ول تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن‪.‬‬
‫‪ - 5‬ول تقتلوا النفس التي حرم ال إل بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون( )النعام ‪.(151‬‬
‫‪ - 6‬ول تقربوا مال اليتيم إل بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده‪.‬‬
‫‪ - 7‬وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ل نكلف نفسا‪ O‬إل وسعها‪.‬‬
‫‪ - 8‬وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى‪.‬‬
‫‪ - 9‬ويعهد ال أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون( )النعام ‪.(152‬‬
‫‪ - 10‬وأن هذا صراطي مستقيما‪ O‬فاتبعوه ول تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون( )النعام ‪.153‬‬
‫أقول‪ :‬لو تأملنا هذه اليات لم يكن من الصعوبة أن نستنتج أن نستنتج أنها هي الوصايا العشر‪ .‬ولنلحظ الية التي تلت هذه اليات الثلث وهي‬
‫الية ‪ 154‬النعام‪:‬‬
‫)ثم آتينا موسى الكتاب تماما‪ O‬على الذي أحسن وتفصيل‪ O‬لكل شيء وهدى‪ O‬ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون(‪ .‬هنا نلحظ بشكل جلي كيف أن هذه‬
‫الوصايا جاءت لموسى مفصولة عن الكتاب‪ ،‬وأن الكتاب بالنسبة لموسى وعيسى هو التشريع فقط‪ ،‬وليس التوراة والنجيل‪ ،‬وذلك واضح تماما‬
‫في قوله تعالى عن عيسى‪) :‬ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والنجيل( )آل عمران ‪.(48‬‬
‫لنقارن هذه الوصايا العشر والتي أتى بعدها )ثم آتينا موسى الكتاب( )النعام ‪ (154‬وقوله تعالى‪) :‬وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان( )البقرة ‪(53‬‬
‫بقوله )من قبل هدى‪ O‬للناس وأنزل الفرقان( )آل عمران ‪ .(4‬أي أنها أنزلت قبل محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وبقوله‪) :‬تبارك الذي نزل الفرقان على‬
‫عبده ‪ ..‬الية( )الفرقان ‪-(1‬أي أنها أنزلت على محمد صلى ال عليه وسلم أيضا‪ .. O‬نستنتج أن الفرقان هو الوصايا العشر التي جاءت إلى موسى‬
‫وثبتت إلى عيسى عليهما السلم ثم جاءت إلى محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬وهي رأس الديان السماوية الثلثة وسنامها‪ ،‬لنها القاسم المشترك‬
‫بين الديان الثلثة‪ .‬وفيها التقوى الجتماعية وهي ما يسمى بالخلق‪ ،‬وليست العبادات‪ ،‬وهي تحمل الطابع النساني العام‪.‬‬
‫ولقد أنزلت هذه اليات على النبي صلى ال عليه وسلم في رمضان‪ ،‬وبما أنها من أم الكتاب فإنها أنزلت ونزلت معا‪ ،O‬ولذا قال )تبارك الذي نزل‬
‫الفرقان على عبده( )الفرقان ‪ .(1‬ونحن نعلم أن معركة بدر حصلت في رمضان‪ ،‬وأن آيات الفرقان في سورة النعام ليست مكية‪ ،O‬فهنا أخبرنا أن‬
‫الفرقان أنزل على رسول ال صلى ال عليه وسلم في معركة بدر "في رمضان" لذا سمي بيوم الفرقان بقوله )وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان‬
‫يوم التقى الجمعان( )النفال ‪.(41‬‬
‫لقد ورد في سورة فاتحة الكتاب الية )اهدنا الصراط المستقيم( )الفاتحة ‪ (4‬وحدد هذا الصراط في قوله‪) :‬صراط الذين أنعمت عليهم( فمن هؤلء‬
‫الذين أنعم عليهم وجاءهم الصراط المستقيم لول مرة؟‬
‫إن الناس الذين أنعم ال عليهم بالصراط المستقيم لول مرة هم بنو إسرائيل الذين عاصروا موسى‪ .‬وقد فضلهم ال على العالمين به وذلك في‬
‫قوله‪) :‬يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين( )البقرة ‪ (47‬هنا يذكر بني إسرائيل بنعمته التي أنعم عليهم‬
‫بها والتي فضلهم على العالمين بها‪ ،‬وهذه النعمة وهذا التفضيل هما الصراط المستقيم الذي أنزل لول مرة في تاريخ الرسالت إلى موسى عليه‬
‫السلم وذلك في قوله‪) :‬ولقد مننا على موسى وهارون * ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم * ونصرناهم فكانوا هم الغالبين * وآتيناهما‬
‫الكتاب المستبين * وهديناهما الصراط المستقيم *( )الصافات ‪ .(118-114‬وقد سميت الوصايا الصراط المستقيم لنها ل تتغير أبدا‪ ،O‬حيث أن‬
‫الخلق مبادئ إنسانية عامة وهي من ثوابت الدين السلمي ول تحمل طابع التغير مع الزمن والتطور والمرونة "الحنيفية" مثلها في ذلك مثل‬
‫العبادات‪.‬‬
‫وفي الدين السلمي الوصايا والحدود والعبادات هي الصراط المستقيم أي التقوى الجتماعية في الوصايا‪ ،‬والتقوى الفردية في العبادات‪.‬‬
‫لنلحظ التسلسل التالي‪:‬‬
‫)وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون( )البقرة ‪ .(53‬بعد الوصايا العشر في سورة النعام قال‪) :‬ثم آتينا موسى الكتاب( وأن الوصية‬
‫العاشرة هي اتباع الصراط المستقيم )وأن هذا صراطي مستقيما‪ O‬فاتبعوه … الية( )النعام ‪.(152‬‬
‫ صراط الذين أنعمت عليهم ‪ <---‬يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم‬‫ ولقد مننا على موسى وهارون ‪ <---‬وآتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما الصراط المستقيم‪.‬‬‫)ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان( )النبياء ‪.(48‬‬
‫وهكذا نرى أن الوصايا العشر هي الفرقان وهي الصراط المستقيم‪ .‬وكل من اتبع هذا الصراط إلى يوم الدين هو من الذي أنعم ال عليهم وهو من‬
‫المهتدين‪ .‬وكل من تركه فقد ضل‪ ،‬وكل من عاداه فقد باء بغضب من ال كائنا‪ O‬من كان‪ ،‬لذا أتبعها بقوله )غير المغضوب عليهم ول الضالين(‪ .‬وقد‬
‫سمى الوصايا الحكمة بالنسبة لعيسى عليه السلم حيث قال )ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والنجيل( )آل عمران ‪ .(48‬فالكتاب هو الرسالة‪،‬‬
‫والحكمة هي الوصايا‪ ،‬والتوراة هو نبوة موسى‪ ،‬والنجيل هو نبوة عيسى‪ ،‬ومجموعهم هو الكتاب المقدس‪ .‬وللدللة على أن الوصايا هي الحكمة‬

‫ذكر تسعا‪ O‬من هذه الوصايا في سورة السراء من الية ‪ 23‬إلى الية ‪ 39‬والتي تقول )ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة … الية(‪.‬‬
‫فالوصايا العشر بالنسبة لعيسى وللنبي محمد صلى ال عليه وسلم هي جزء من الحكمة حيث ذكر وصايا غيرها في سورة السراء‪ ،‬كقوله‪) :‬ول‬
‫تمش في الرض مرحا( )السراء ‪ (37‬ودمجها تحت عنوان الحكمة وكذلك في سورة لقمان بقوله )ولقد آتينا لقمان الحكمة … الية( )لقمان‬
‫‪ (12‬وبما أن لقمان ليس نبيا‪ O‬ول رسول‪ O‬فقد ذك أن الحكمة "الخلق" يمكن أن تأتي لي شخص في كل زمان ومكان وذلك في قوله‪) :‬ومن يؤت‬
‫الحكمة فقد أوتي خيرا‪ O‬كثيرا( )البقرة ‪ (269‬أما بالنسبة لموسى فقد جاءته الوصايا العشر "الفرقان" وسميت باسمها ولم يقل عن موسى إنه‬
‫أوتي الحكمة التي تعتبر الوصايا العشر الجزء الساسي منها وهي من الصراط المستقيم الذي يجب على كل إنسان ومجتمع إنساني أن يتبعها‪.‬‬
‫وبما أن الوصية الولى في الفرقان هي التوحيد وقد بعث ال الرسل والنبياء من أجل التوحيد فعندما ذكر النبياء والرسل في سورة النعام قال‪:‬‬
‫)أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة … الية( )النعام ‪ (89‬قال‪) :‬أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ‪ ..‬الية( )النعام ‪ (89‬وقوله‬
‫)ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط” مستقيم( )النعام ‪ (87‬وهنا ذكر عبارة "صراط مستقيم" غير معرفة” لن‬
‫الصراط لم يأتي بكامله إليهم جميعا‪ O‬بل أتى جزء منه إليهم كلهم وهو التوحيد على القل أي )ألن تشركوا به شيئا‪) (O‬النعام ‪ (151‬وإلى شعيب‬
‫جاء التوحيد "الوصية الولى" والوفاء بالكيل والميزان "الوصية السابعة"‪.‬‬
‫وللفرقان نوعان‪ ،‬الول‪ :‬الفرقان العام وهو الذي جاء إلى موسى وعيسى ومحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬والثاني‪ :‬الفرقان الخاص الذي جاء إلى‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم وحده‪ ،‬وهو الذي ذكر في سورة الفرقان "انظر فصل الفرقان"‪.‬‬

‫الفصل الول‬
‫القرآن والسبع المثاني‬
‫‪ - 1‬كلمات ال‬
‫ترتبط الكلمة في الصل بالجانب الصوتي للسان‪ ،‬كقول المتنبي‪:‬‬
‫أنا الذي نظر العمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم‬
‫والكلم في اللغة اسم جنس يقع على القليل والكثير‪ ،‬وقد عرفه بعضهم "بأنه المنتظم من الحروف المسموعة المميزة" )الزمخشري الكشاف ج‬
‫‪ ،1‬ص ‪.(5‬‬
‫وعندما نقيم حفل‪ O‬خطابيا‪ O‬نقول‪ :‬إن الكلمة لفلن‪ ،‬فهذا يعني أنه حاضر ليلقيها بنفسه‪ .‬أما إذا كان غائبا‪ O‬فنقول يلقيها بالنيابة عنه فلن‪ .‬وكل‬
‫اللسن النسانية أصوات تتألف منها الكلمات والجمل‪ .‬فإذا تكلم الصيني فإننا نحن العرب نسمع أصواتا‪ O‬ولكن ل نفهم ما هو مدلول تلك الصوات‬
‫"المعنى"‪ .‬وعندما يأخذ الكلم مدلول‪ O‬في الذهن يصبح قول‪.O‬‬
‫الكلم يخرج من الفم وفيه تكمن الفصاحة‪ .‬لذا قال موسى عن أخيه هارون )هو أفصح مني لسانا( )القصص ‪ .(34‬وعندما أرسل ال موسى إلى‬
‫فرعون نصحه بقوله‪) :‬فقول له قول‪ O‬لينا‪) (O‬طه ‪ .(44‬فالقول هو الكلم الذي له دللت في الذهن‪ ،‬لذا نقول "البلغة في القول" و"الفصاحة في‬
‫اللسان"‪ .‬أما البلغة فنراها في قوله تعالى )وعظهم وقل لهم في أنفسهم قول‪ O‬بليغا‪) (O‬النساء ‪ (63‬وهنا نفهم قول النبي صلى ال عليه وسلم إن‬
‫صح )أعطيت جوامع الكلم‪ ،‬واختصر لي الكلم اختصارا( حديث عن عمر "رض" ذكره أبو يعلي في مسنده وقوله )أعطيت فواتح الكلم‪،‬‬
‫وجوامعه وخواتمه( ذكره أبو يلعي في مسنده عن أبي موسى‪ .‬أي الصوات النسانية المجموعة في فواتح السور ول تعني البلغة ل من قريب‬
‫ول من بعيد‪ .‬ونرى الكلم والقول في آية واحدة في قوله تعالى‪) :‬كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إل كذبا( )الكهف ‪ (5‬أي هذه الكلمة‬
‫التي تخرج من الفواه لها مدلول الكفر عندما نفهمهما في الذهن لذا قال‪) :‬إن يقولون( ولم يقل‪ :‬إن يتكلمون‪.‬‬
‫هنا يجب أن نفهم أن اللسن النسانية ذات شقين‪ :‬الشق الول هو الصوات التي لها وجود مادي "موضوعي"‪ .‬والشق الثاني هو دللت هذه‬
‫الصوات في الذهن‪ .‬وهذه خاصية تميز بها النسان‪ ،‬وهي أن اللسن النسانية تتألف من دال ومدلول‪.‬‬
‫وبما أن اللسن تؤدي وظيفتين هما أن تستخدم أداة للتصال وأداة للتفكير‪ .‬ففي أداة التصال يظهر بشكل جلي ارتباط الدال بالمدلول‪ .‬وفي أداة‬
‫التفكير يظهر المدلول ولكن التدقيق يبين أن التفكير النساني ل يتم إل ضمن إطار لساني غير ملفوظ‪ .‬هذا كله متعلق بالنسان‪ .‬فهل ينطبق ذلك‬
‫على كلمات ال؟‬
‫لو كان النص القرآني المتلو أو المكتوب الموجود بين أيدينا هو عين كلم ال فهذا يعني أن ال له جنس وجنسه عربي‪ ،‬وأن كلم ال ككلم‬
‫النسان يقوم على علقة دال ومدلول‪ .‬ولكن بما أن ال أحادي في الكيف )قل هو ال أحد( )الخلص ‪ ،(1‬وواحد في الكم )قل إنما هو إله واحد(‬
‫)النعام ‪ (19‬وأن ال ليس عربيا‪ O‬ول انكليزيا‪ ،O‬لزم أن يكون كلمه هو المدلولت نفسها‪ ،‬فكلمة الشمس عند ال تعالى هي عين الشمس‪ ،‬وكلمة‬
‫القمر هي عين القمر‪ ،‬وكلمة النف هي عين النف‪ ،‬أي أن الوجود المادي "الموضوعي" ونواميسه العامة هي عين كلمات ال‪ .‬وكلمات ال هي‬
‫عين الوجود ونواميسه العامة‪.‬‬
‫ولهذا نقول‪ :‬إن ال هو الحق وإن كلماته حق )قوله الحق( )النعام ‪) (73‬ويحق ال الحق بكلماته( )يونس ‪) (82‬ذلك بأن ال هو الحق وأن ما‬
‫يدعون من دونه هو الباطل( )الحج ‪ (62‬فالوجود الموضوعي خارج الوعي هو الوجود اللهي )ذلك بأن ال هو الحق( )الحج ‪ (62‬والوجود‬
‫الكوني الذي هو كلمات ال وهو حق أيضا‪) O‬ما خلقنا السموات والرض وما بينهما إل بالحق( )الحقاف ‪ .(3‬فال حق والوجود كلماته وهو حق‬
‫أيضا‪ ،O‬لذا قال‪) :‬إنما أمره إذا أراد شيئا‪ O‬أن يقول له كن فيكون( )يس ‪) (82‬إذا قضى أمرا‪ O‬فإنما يقول له كن فيكون( )آل عمران ‪ -47‬مريم ‪.(35‬‬
‫ونحن نعلم أن سمة "المتكلم" ليست من أسماء ال الحسنى‪ ،‬وإنما كلماته اشتقت من اسمه الحق‪ .‬ومن أجل تعليم النسان صاغ ال الحقيقة‬
‫المطلقة وهي الوجود ونواميسه العامة وأسماءه الحسنى صياغة‪ O‬لسانية إنسانية‪ .‬وبما أن فهم النسان للحقيقة هو فهم نسبي دائما‪ O‬له علقة‬
‫بتطور المعارف والرضية المعرفية للنسان فقد لزم أن تصاغ الحقيقة بلغة إنسانية مطواعة لهذا الفهم النسبي عن طريق التشابه في الصيغة‬
‫الثابتة‪ .‬واللسان العربي في بنيته ومفرداته يحمل هذه الخاصية "التشابه" بوضوح‪ ،‬هذا أحد وجوه أصالة هذا اللسان‪ ،‬ولهذا كان اللسان العربي‬
‫هو الوعاء الذي حمل مطلق الحقيقة ونسبية الفهم النساني‪.‬‬

‫ففي الصياغة القرآنية العربية تظهر قمة الجدل الداخلي بين الحقيقة المطلقة للوجود والفهم النسبي النساني لهذا الوجود في مرحلة ما‪ ،‬وفي هذا‬
‫المعنى تكمن قمة إعجاز القرآن للناس جميعا‪ ،O‬على اختلف عصورهم واختلف مداركهم تبعا‪ O‬لختلف أرضياتهم المعرفية‪.‬‬
‫وبما أن القرآن حوى الحقيقة الموضوعية لذا أطلق عليه تسمية "الحق"‪) .‬وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات” قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا‬
‫سحر مبين( )الحقاف ‪.(7‬‬

‫‪ - 2‬محتويات القرآن‬
‫قلنا إن الكتاب المتشابه هو السبع المثاني والقرآن العظيم‪ .‬فالتشابه في السبع المثاني جاء في قوله تعالى )ال نزل أحسن الحديث كتابا‪ O‬متشابها‬
‫مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ال ذلك هدى ال يهدي به من يشاء ومن يضلل ال فما له من هاد(‬
‫)الزمر ‪.(23‬‬
‫نلحظ هنا كيف جاءت كلمة "كتاب" منكرة ولذلك فهي ل تعني كل محتويات المصحف‪ ،‬وإنما وصف هذا الكتاب بصفتين هما التشابه والمثاني‪.‬‬
‫ويعني ذلك أن مجموعة السبع المثاني هي كتاب متشابه ومثان” معا‪.O‬‬
‫أما بالنسبة للقرآن فيجب أن نميز بين القرآن معرفا‪ O‬كقوله )شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن( )البقرة ‪ (185‬وقوله )ولقد آتيناك سبعا‪ O‬من‬
‫المثاني والقرآن العظيم( )الحجر ‪ (87‬وقوله )بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ( )البروج ‪ (22-21‬وقوله )يس * والقرآن الحكيم( )يس ‪(2-1‬‬
‫ولم يقل يس * وقرآن حكيم‪.‬‬
‫فعندما يأتي القرآن معرفا‪ O‬فإنه يأخذ المعنى نفسه‪ ،‬أما إذا جاء منكرا‪ O‬فيمكن أن يعني جزءا‪ O‬منه‪ .‬فالقرآن الحكيم هو القرآن العظيم نفسه وهو الذي‬
‫أنزل في رمضان‪ .‬وليست عبارة )قرآن مجيد( هي بالضرورة )القرآن العظيم(‪ .‬ولكنها من جنسه وتعني جزءا‪ O‬منه‪ ،‬ل كله‪ .‬وقد جاء الدليل على أن‬
‫القرآن كله متشابه وأنه هو الحق في سورة يونس في قوله )وما يتبع أكثرهم إل ظنا‪ O‬إن الظن ل يغني من الحق شيئا‪ O‬إن ال عليم بما يفعلون(‬
‫)يونس ‪) (36‬وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ال ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب العالمين( )يونس ‪(37‬‬
‫)أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة” مثله وادعوا من استطعتم من دون ال إن كنتم صادقين( )يونس ‪) (38‬بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما‬
‫يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين( )يونس ‪.(39‬‬
‫وها هنا نلحظ أن سياق اليات يتكلم عن القرآن وأنه احتوى على معلومات لم يحيطوا بها وأنه لم يأت تأويله بعد‪ .‬ونلحظ أيضا‪ O‬ما جاء في الية‬
‫‪ 7‬آل عمران أن التأويل هو للمتشابه فقط‪.‬‬
‫أما إذا نظرنا إلى محتويات القرآن فنرى أنه يتألف من موضوعين رئيسيين وهما‪:‬‬
‫‪ - 1‬الجزء الثابت‪) :‬قرآن مجيد * في لوح محفوظ( )البروج ‪ (22-21‬وهذا الجزء هو القوانين العامة الناظمة للوجود كله ابتداء من خلق الكون‬
‫)النفجار الكوني الول‪ ،‬وفيه قوانين التطور "الموت حق" وتغير الصيرورة "التسبيح" حتى الساعة ونفخة الصور والبعث والجنة والنار‪ .‬وهذا‬
‫الجزء ل يتغير من أجل أحد وهو ليس مناط الدعاء النساني‪ ،‬وإن دعا كل أهل الرض والنبياء لتغييره فل يتغير‪ ،‬وهذا الجزء العام هو الذي‬
‫تنطبق عليه عبارة )ل مبدل لكلماته( )الكهف ‪.(27‬‬
‫فكلمات ال هي عين الموجودات أي الشياء )قوله الحق( )النعام ‪ .(73‬وفي اللوح المحفوظ يوجد القانون العام الصارم لهذا الوجود‪ ،‬ول تبديل‬
‫لهذا القانون من أجل أحد‪ .‬أما التشابه في هذا الجزء فهو منسوب إلى الفلسفة وهي أم العلوم‪ ،‬أي معرفة النسان بالقوانين العامة الناظمة‬
‫للوجود‪.‬‬
‫‪ - 2‬الجزء المتغير من القرآن‪ :‬وهذا الجزء عبر عنه بأنه مأخوذ من أمام مبين في قوله )إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل‬
‫شيء أحصيناه في إمام مبين( )يس ‪.(12‬‬
‫فالمام المبين يحتوي على شقين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أحداث وقوانين الطبيعة الجزئية‪ :‬مثل تصريف الرياح واختلف اللوان وهبة الذكور والناث والزلزل والطوفان وهي قابلة للتصريف‪ ،‬وغير‬
‫مكتوبة سلفا‪ O‬على أي إنسان وغير قديمة‪ .‬فمثل‪ O‬القانون العام في اللوح المحفوظ يقول‪ :‬إن "الموت حق" ‪ ،‬ولكن الحداث الجزئية في الطبيعة‬
‫يمكن أن تسمح بوجود ظواهر تطيل العمار وظواهر تقصرها‪ .‬فالتصريف هو بطول العمر وقصره‪ ،‬وليس بإلغاء الموت‪ .‬فأحداث الطبيعة الجزئية‬
‫أطلق عليها مصطلح آيات ال )ومن آياته خلق السموات والرض واختلف ألسنتكم وألوانكم( )الروم ‪) (22‬تلك آيات ال( )الجاثية ‪ .(6‬فآيات ال‬
‫تختص بظواهر الطبيعة وقد جاءت في الكتاب في مصطلح "كتاب مبين" في قوله )وعنده مفاتيح الغيب ل يعلمها إل هو ويعلم ما في البر والبحر‬
‫وما تسقط من ورقة” إل يعلمها ول حبة” في ظلمات الرض ول رطب” ول يابس إل في كتاب مبين( )النعام ‪ (59‬وهذه الحداث ليست مبرمجة سلفا‬
‫وليست قديمة‪.‬‬
‫وعندما عطف عبارة )كتاب مبين( على القرآن في أول سورة النمل عطف خاصا‪ O‬على عام‪ .‬لنرجع إلى الية ‪ 75‬التي تقول‪) :‬وما من غائبة” في‬
‫السماء والرض إل في كتاب مبين(‪ .‬فعندما يورد لفظ "كتاب مبين" في القرآن يتكلم فيه عن جزئيات ظواهر الطبيعة‪ ،‬كالحرية الكيميائية )ول‬
‫رطب ول يابس( والموقع )ول حبة” في ظلمات الرض( والحركة الميكانيكية )وما تسقط من ورقة إل يعملها(‪.‬‬
‫هذا الجزء الذي سماه بعبارة "كتاب مبين" فيه التصريف والتغيير وهو مناط التدخل اللهي وفقا‪ O‬للنواميس الكونية التي ارتضاها وقررها‪ ،‬فتارة‬
‫يعمل لصالح زيد وأخرى لصالح عمرو‪ ،‬وهو مناط الدعاء‪ .‬فنحن ندعو ال أن يرسل لنا مطرا‪ ،O‬لن المطر يأتي من تصريف الرياح أو أن يهب لنا‬
‫ذكورا‪ O‬وإناثا‪ .‬لن كل هذه الشياء ليس لها علقة باللوح المحفوظ وإنما هي أحداث جزئية في أحداث جزئية في ظواهر الطبيعة وإل فل معنى‬
‫لقوله عليه السلم‪ :‬الدعاء مخ العبادة وقوله أيضا‪ :O‬ل يرد القضاء إل الدعاء‪ .‬وهي أيضا‪ O‬مناط العلوم كلها الطب والفلك والفيزياء والكيمياء ‪..‬‬
‫الخ‪ .‬ما عدا الفلسفة والتاريخ‪ .‬ويقوم التشابه في آيات الكتاب المبين "آيات ال" على نسبة تقدم المعارف النسانية بأحداث الطبيعة وظواهرها‬
‫وهو الذي ينطبق عليه )إذا قضى أمرا‪ O‬فإنما يقول له كن فيكون( )آل عمران ‪ – 47‬مريم ‪.(35‬‬
‫ب ‪ -‬أفعال النسان الواعية‪ :‬وهو ما نسميه القصص‪ .‬لقد أكد في الكتاب أن القصص من القرآن في قوله‪) :‬نحن نقص عليك أحسن القصص بما‬
‫أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين( )يوسف ‪ .(3‬فقد أشار إلى أن تتبع أفعال النسان المسجلة عليه بعد وقوعها يتم في )إمام‬
‫مبين( ليميزه عن )لوح محفوظ( )إنا نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين( )يس ‪ (12‬وقد أورد منه أحداثا‬
‫متكاملة لتتبع تطور التاريخ النساني‪ ،‬وتطور المعارف في النبوات والتشريع في الرسالت‪ ،‬أي كيف تفاعل النسان مع القانون العام للوجود‬
‫والقوانين الجزئية من جهة‪ ،‬وكيف تفاعل مع الرسالت من جهة” أخرى‪ .‬وبما أنه أعطى هذا الخط في القصص فقد سماه "أحسن القصص"‪.‬‬
‫أما القصص جزء من القرآن فقد ورد في قوله‪) :‬وإن كنت من قبله لمن الغافلين( )يوسف ‪ (3‬فلو كان النبي صلى ال عليه وسلم يجهل القصص‬
‫والقرآن معا‪ ،O‬وكان القصص ليس جزءا‪ O‬من القرآن لجاءت الصيغة بصورة المثنى أي‪ :‬وان كنت من قبلهما‪ ،‬وهذه الصيغة "من قبله" تصح في‬
‫حالة أن القرآن شيء والقصص شيء آخر في حالة واحدة وهي أن النبي صلى ال عليه وسلم كان يجهل القرآن ول يجهل القصص‪ ،‬ولكن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم كان يجهل القصص أيضا‪ O‬لقوله في سورة هود بعد قصة نوح‪) :‬تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ول‬

‫قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين( )هود ‪ .(49‬من هنا نستنتج النتيجة الوحيدة وهي أن القصص جزء من القرآن‪ .‬وهناك دليل آخر في‬
‫قوله تعالى في أول سورة النمل‪) :‬طس تلك آيات القرآن وكتاب” مبين( فإذا تصفحنا سورة النمل وجدنا أن فيها قصصا‪.O‬‬
‫أما العنوان العام الذي أعطاه الكتاب للقصص وهو عبارة "الكتاب المبين" فقد جاء في ثلث سور فيها قصص وهي سورة يوسف )الر تلك آيات‬
‫الكتاب بالمبين(‪ ،‬وسورة الشعراء )طسم * تلك آيات الكتاب المبين(‪ ،‬وسورة القصص )طسم * تلك آيات الكتاب المبين(‪.‬‬
‫ولنشرح الن لماذا سمى القصص الكتاب المبين وسمى ظواهر الطبيعة كتابا‪ O‬مبينا‪.O‬‬
‫السبب الول‪ :‬أن كليهما أوحي من المام المبين وليس من اللوح المحفوظ‪ .‬وثانيهما أن القصص أعطت مواضيع متكاملة منتقاة لتتبع تطور‬
‫التاريخ النساني‪ ،‬لذا سميت "أحسن القصص"‪ ،‬وعرفت بالكتاب المبين‪ .‬أما أحداث الطبيعة وظواهرها فقد أورد فيها آيات متفرقة لذا سماها‬
‫"كتابا‪ O‬مبينا‪."O‬‬
‫ونشير إلى أن التشابه في القصص منسوب إلى تطور المعارف النسانية حول تطور التاريخ النساني‪ ،‬فكلما زادت هذه المعارف تمكنا من تأويل‬
‫آيات القصص‪.‬‬
‫ومن هنا نستنتج أن القرآن العظيم وهو كتاب متشابه يتألف من مصدرين رئيسيين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القانون العام )قرآن مجيد * في لوح محفوظ( وهو كلمات ال القديمة ل تبديل لها وسمي مجيدا‪ O‬لن السيطرة الكاملة له ول يمكن الخروج عنه‬
‫وهو مطلق‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القانون الخاص الجزئي في أحداث الطبيعة الجزئية وظواهرها وأفعال النسان بعد وقوعها‪ ،‬وسماه إماما‪ O‬مبينا‪ ،O‬وهو مناط التصرف والدعاء‬
‫والمعرفة‪ ،‬ولكنه ل يلغي القانون العام بل يعمل ضمنه وهو كلم ال المحدث وينطبق عليه قوله )إذا قضى أمرا‪ O‬فإنما يقول له كن فيكون( وفيه‬
‫إرادة ال الظرفية‪ .‬حيث أن هذين الجزأين يحملن طابع الوجود الموضوعي‪ .‬وسمي قرآنا‪ O‬لنه قرن القانون العام للوجود مع القانون الخاص ومع‬
‫خط تطور سير التاريخ النساني‪.‬‬
‫وهكذا نفهم أن القرآن هو الجانب الموضوعي في الكتاب "الحق" )وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إل رجل يريد أن يصدكم عما كان‬
‫يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إل إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إل سحر مبين( )سبأ ‪ .(43‬وفي قوله‪) :‬وإذا تتلى عليهم آياتنا‬
‫بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين( )الحقاف ‪.(7‬‬
‫هنا نرى أن العجاز جاء في القرآن فقط‪ ،‬وليس في أم الكتاب إذ أن أم الكتاب ذاتية‪ ،‬وهكذا ل يمكن أن نرى في أي آية من آيات الحكام مصطلح‬
‫)قال ال(‪ ،‬هذا مستحيل ‪ ..‬إنما نرى أن آيات الحكام جاءت ضمن الصيغ التالية‪:‬‬
‫ صيغة أمر‪) :‬إن ال يأمر بالعدل والحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي( )النحل ‪.(90‬‬‫ صيغة نهى‪) :‬ول تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيل‪) (O‬التحريم ‪.(2‬‬‫)كتب عليكم الصيام( )البقرة ‪.(183‬‬
‫)والمحصنات من النساء إل ما ملكت أيمانكم كتاب ال عليكم( )النساء ‪.(24‬‬
‫ صيغة وصايا‪) :‬يوصيكم ال في أولدكم للذكر مثل حظ النثيين( )النساء ‪.(11‬‬‫أي أنه ل يمكن أن نرى آية واحدة من آيات الرسالة "الحكام" فيها عبارة )قال ال(‪ ،‬لنه لو جاءت بهذه الصيغة )قال ال صلوا( أو )قال ال‬
‫صوموا(‪ ،‬مع الخذ بالحسبان أن قول ال هو الحق )قوله الحق( )النعام ‪-(73‬فهذا يعني أن الصلة والصوم حقيقة موضوعية موجودة خارج‬
‫الوعي‪ .‬ولصبحت الصلة والصوم ناموسا‪ O‬ل يمكن مخالفته‪ .‬ولرأينا أن الناس جميعا‪ O‬دون استثناء صاموا وصلوا من دون أن يكون لهم أي خيار‬
‫في ذلك‪ ،‬ولصبحت الصلة والصوم كعملية هضم الطعام ونبض القلب يلتزم بأدائهما الناس آليا‪.‬‬
‫من هنا وللدقة وجب علينا أن ل نطلق عبارة )قال ال( على الحكام ولكن نقول‪ :‬أمرنا ال بالصلة ونقول‪ :‬أمرنا ال بالصوم‪ ،‬ونقول‪ :‬أمرنا ال‬
‫تعالى بصلة الجمعة في الية‪) :‬يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلة من يوم الجمعة ‪) (..‬الجمعة ‪ .(9‬ول نقول‪ :‬قال ال )يا أيها الذين آمنوا إذا‬
‫نودي للصلة …( فإذا قلنا‪ :‬قال ال صلوا‪ ،‬وكان هناك أناس ل يصلون‪ ،‬فهذا يعني أن قوله غير نافذ وهذا يناقض قانون )قوله الحق( هذا إذا‬
‫أردنا أن نتقيد بالمصطلح القرآني البحت‪ .‬أما قولنا عن كل آية وردت في الكتاب‪) :‬قال تعالى( فهذا مصطلح مجازي بحت يقصد به الصياغة‬
‫اللغوية للكتاب كله الذي أنزل من عند ال وهو من صياغة رب العالمين‪.‬‬
‫من هنا يجب أن نفهم أن كلمات ال نافذة ل مجال لتبديلها ول خيار لنا في تنفيذها أو عدم تنفيذها لن كلماته عن الوجود ونواميسه العامة‬
‫وأحداثه الجزئية حين وقوعها‪ .‬لذا قال عن القرآن‪) :‬واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ل مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا‪) (O‬الكهف ‪ (27‬هنا‬
‫قال عن كلمات ال‪ :‬إنها غير قابلة للتبديل وإن النسان ل يستطيع أن يحيد عنها )ولن تجد من دونه ملتحدا(‪ ،‬فلو كانت الية )يوصيكم ال في‬
‫أولدكم للذكر مثل حظ النثيين( )النساء ‪ (11‬هي من كلمات ال‪ ،‬ورأينا أناسا‪ O‬ل يلتزمون بها ويبدلونها‪ ،‬لكان ذلك يعني كذب ما جاء في الية )ل‬
‫مبدل لكلماته(‪.‬‬
‫وهكذا نفهم قوله تعالى‪) :‬قل لو كان البحر مدادا‪ O‬لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا( )الكهف ‪ .(109‬بما أن‬
‫كلمات ال هي عين الموجودات ونواميسها العامة والخاصة حين وقوعها‪ ،‬ونعلم الن مدى كبر هذا الكون حسب معلوماتنا‪ ،‬فلو أراد ال سبحانه‬
‫وتعالى أن يصف لنا الموجودات من خلل كلم النسان‪ ،‬للزم أن يكون البحر مدادا‪ O‬لهذه الكلمات ول يكفي‪.‬‬
‫أما قوله تعالى )وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا‪ O‬وادخلوا الباب سجدا‪ O‬وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين(‬
‫)البقرة ‪) (58‬فبدل الذين ظلموا قول‪ O‬غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا‪ O‬من السماء بما كانوا يفسقون( )البقرة ‪.(59‬‬
‫هنا الية ‪ 58‬في سورة البقرة تبدأ بقوله )وإذ قلنا( والقائل هو ال‪ ،‬فقوله نافذ ولكنه ينطبق فقط على الفقرات )ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث‬
‫شئتم رغدا( )وادخلوا الباب سجدا‪ (O‬أي أنهم دخلوا القرية وأكلوا ودخلوا الباب سجدا‪ .O‬ولكن جملة )قولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد‬
‫المحسنين( هي جملة أمر )ضد النهي( وليست قول‪ ،O‬ولكي يبين أن هذه جملة أمر قابلة للعصيان والطاعة وليست كلمة فقد أتبعها بالية )فبدل‬
‫الذين ظلموا قول‪ O‬غير الذي قيل لهم(‪ .‬وليست كلمة نافذة‪ O‬ل محالة‪.‬‬
‫ولو كانت جملة )قولوا حطة نغفر لكم خطاياكم( كلمة‪ O‬من كلمات ال وليست أمرا‪ O‬لتناقضت مع قوله تعالى )ل مبدل لكلماته( إذ كيف يقول )ل مبدل‬
‫لكلماته( ويقول أيضا‪) O‬فبدل الذين ظلموا قول‪ O‬غير الذي قيل لهم( لذا فقد أفرد آية خاصة هي الية ‪ 59‬من سورة البقرة لكي يؤكد عدم التناقض‪.‬‬
‫وقد أكد هذه الناحية أيضا‪ O‬في اليتين ‪ 162-161‬في سورة العراف )وإذا قيل له اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا‬
‫الباب سجدا‪ O‬نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين( )العراف ‪.(161‬‬
‫)فبدل الذين ظلموا منهم قول‪ O‬غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا‪ O‬من السماء بما كانوا يظلمون( )العراف ‪.(162‬‬
‫أما لماذا تكرر الموضوع نفسه مرتين في البقرة والعراف فهو بحاجة إلى بحث خاص‪.‬‬
‫أما قوله تعالى‪) :‬وقال ال ل تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون( )النحل ‪.(51‬‬
‫لنقارن هذه الية مع الية )ذلك بأن ال هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل( )الحج ‪ (26‬أي أن وحدانية ال هي حقيقة موضوعية خارج‬
‫الوعي النساني وأن التعددية غي ممكنة موضوعيا‪ O‬حيث أن أي تعددية هي باطل ووهم‪ .‬فالصنام هي حجارة خارج الوعي النساني وليست آلهة‪.‬‬
‫لذا بدأت الية بقوله‪) :‬قال ال(‪.‬‬

‫لنناقش الن الصيغة التالية‪:‬‬
‫)قل هو ال أحد( )الخلص ‪ (1‬هذه الصيغة هي صيغة أمر‪ ،‬فلو حذفنا منها فعل )قل( لصبحت الصيغة )هو ال أحد( وهي صيغة خبر‪ .‬وصيغة‬
‫)قل هو ال أحد( ليست قرآنية‪ ،‬ولو حذفنا قل لصبحت الصيغة قرآنية لنها خبر عن أكبر حقيقة موضوعية في الوجود وهي وحدانية ال‪ .‬لذا فإن‬
‫وضع صيغة قل أو عدم وضعها له أهمية كبيرة في الكتاب حيث أنه ي•عد أحد المؤشرات لتحديد نوع الية‪.‬‬
‫إن آيات القرآن والسبع المثاني كلها من اليات المتشابهات وهي تمثل النبوة مع آيات تفصيل الكتاب‪ .‬فما هي مواضيع القرآن؟‬
‫لقد قلنا‪ :‬إن القرآن جاء من )قرن( وهو من جمع الجزء الثابت من قوانين الكون الموجود في )اللوح المحفوظ( مع الجزء المتغير الموجود في‬
‫)المام المبين(‪ .‬لذا فإن القرآن يحتوي على موضوعين هما‪:‬‬
‫‪ - 1‬الجزء الثابت وفيه القانون العام للوجود المادي الثنائي والذي يتمثل في جدل هلك شكل الشيء باستمرار وجدل تلؤم الزوجين‪ .‬ويعتبر‬
‫التطور وتغير الصيرورة العمود الفقري لهذا الجزء‪ ،‬ويتمثل بالنفجار الكوني الول وقوانين التطور حتى الساعة ونفخة الصور الولى والثانية‬
‫والبعث والحساب والجنة أي خط الوجود المادي كله مع خط تطوره الحتمي‪ .‬هذا الجزء الذي له السيطرة التامة والمجد والذي قال عنه )بل هو‬
‫قرآن مجيد * في لوح محفوظ( )البروج ‪ .(22-21‬هذا الجزء ليس مناط الدعاء من قبل النسان ول يمكن أن يتغير من أجل أحد وهو الذي يطلق‬
‫عليه‪) :‬كلم ال القديم( والذي هو جوهر الوجود المادي وعينه والذي قال عنه‪) :‬ل مبدل لكلماته( وهذا الجزء هو مناط الفلسفة وهي أم العلوم‪.‬‬
‫‪ - 2‬الجزء المتغير وهو الذي أوحي من إمام مبين )إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين( )يس ‪.(12‬‬
‫ويشتمل على‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجزء المتعلق بأحداث الطبيعة وظواهرها ويسمى آيات ال وقال عنه‪) :‬كتاب مبين(‪ .‬وهذا الجزء هو مناط المعرفة النسانية بالطبيعة وهو‬
‫مناط التصريف من ال والنسان وهو مناط الدعاء لنه غير ثابت ولكنه ل يخرج عن القانون العام وهو الجزء الذي قال عنه‪) :‬سبحانه إذا قضى‬
‫أمرا‪ O‬فإنما يقول له كن فيكون( )مريم ‪) (35‬إنما أمره إذا أراد شيئا‪ O‬أن يقول له كن فيكون( )يس ‪) (82‬مريم ‪) (35‬إنما أمره إذا أراد شيئا‪ O‬أن يقول‬
‫له كن فيكون( )يس ‪ (82‬مثل هبة الذكور والناث وتصريف الرياح والمطر والصحة والمرض والرزق وهو كلم ال المحدث )إرادة ال الظرفية(‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أحداث التاريخ النساني بعد وقوعها وهو الجزء الذي سمي )أحسن القصص( "الكتاب المبين" وفيه خط تطور التاريخ النساني بالنبوات‬
‫والرسالت‪ .‬فالتاريخ النساني الواعي هو معرفة وتشريع‪ ،‬وما نتج عن ذلك من نتاج مادي وعلقات حضارية إنسانية‪ .‬وبما أن النسان يحتاج‬
‫إلى تراكم معرفي حتى تحصل قفزة تشريعية‪ ،‬فإننا نرى أن عدد النبياء يزيد ع عدد الرسل‪ ،‬فكل رسول هو بالضرورة نبي‪ ،‬ولكن ليس كل نبي هو‬
‫بالضرورة رسول‪ .‬وأضرب المثال التالي لكي نفهم هذه النقطة‪:‬‬
‫عندما دخلت أول سيارة إلى دمشق لم يواكب دخولها إصدار قانون للسير‪ ،‬أي أن قانون السير في دمشق لم يصدر مع دخول أول سيارة إلى‬
‫دمشق‪ ،‬ولكن صدر القانون بعد أن تراكم عدد السيارات ومست الحاجة إلى تشريع جديد منظم للسير‪ .‬فيجب أن نفهم النبوات والرسالت على هذا‬
‫الوجه‪ ،‬فالنبوات قفزات معرفية‪ ،‬وعندما تتراكم هذه المعارف تحصل الحاجة إلى قفزات في التشريع "الرسالت"‪ ،‬ولهذا نرى أن عدد النبياء هو‬
‫بالضرورة أكثر من عدد الرسل‪.‬‬

‫‪ - 3‬القرآن هو اليات البينات وهو تصديق الذي بين يديه )تصديق الرسالة(‬
‫ما هي البينة؟‬
‫البينة هي دليل مادي قابل للبصار والمشاهدة‪ ،‬فإذا اتهمنا إنسانا‪ O‬بالسرقة فعلينا أن نقيم الحجة عليه بالبينة أي بالدليل المادي‪ .‬فما هي حجة ال‬
‫على الناس؟‬
‫حجة ال أنه بلغ الناس رسالة "الحكام" ودعم هذه الرسالة بالبينات التي هي دلئل مادية‪.‬‬
‫بالنسبة لموسى أعطاه ال التوراة نبوة‪ O‬له‪ ،‬وأعطى عيسى النجيل كذلك‪ .‬ودعم التوراة بينات من خارجه‪ ،‬ودعم النجيل بينات من خارجه‪ .‬وأما‬
‫موسى فأعطاه ال تسع آيات بينات )ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لظنك يا موسى‬
‫مسحورا( )السراء ‪) (101‬قال لقد علمت ما أنزل هؤلء إل رب السموات والرض بصائر وإني لظنك يا فرعون مثبورا‪) (O‬السراء ‪.(102‬‬
‫لم يقل ال عن التوراة إنها آيات بينات إل لنها جاءت بصياغة تتناسب مع الرضية المعرفية لذلك الوقت أي تتناسب مع مراحل الوعي النساني‬
‫منذ ثلثة آلف سنة‪ .‬كما أن ال أعطى موسى بالضافة إلى التوراة الكتاب والفرقان )وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون( )البقرة‬
‫‪ .(53‬فالتوراة والفرقان والكتاب بحاجة إلى بينات‪ ،‬وهذه البينات مادية‪ ،‬سماها أول‪ O‬آيات وثانيا‪ O‬بينات‪ ،‬وعددها تسع وكانت دليل موسى لتصديقه‬
‫بأنه مرسل من ال‪ .‬فهذه اليات هي‪ :‬العصا واليد البيضاء والجراد والقمل والطوفان والضفادع والدم وشق البحر والرجز‪ .‬هذه اليات كانت‬
‫بينات مادية شوهدت بالعين وبالحواس ولهذا قال عنها بصائر‪.‬‬
‫أما عيسى بن مريم فقد أعطاه ال بينات خارج النجيل‪ ،‬لذا قال )وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس( )البقرة ‪ .(87‬فبينات عيسى‬
‫بن مريم كانت مادية أيضا‪ O‬وكانت قابلة للبصار وهي )إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا‪ O‬بإذن ال وأبرئ الكمة‬
‫والبرص وأحيي الموتى بإذن ال وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لية لكم إن كنتم مؤمنين( )آل عغمران ‪.(49‬‬
‫لقد سمى ال سبحانه وتعالى آيات القرآن فقط باليات البينات دون أي شك وذلك بقوله‪) :‬وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ل يرجون لقاءنا‬
‫ائت‪ ž‬بقرآن” غي هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع• إل ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم( )يونس‬
‫)‪.(15‬‬
‫ونحن نعلم أن مجموعة هذه اليات البينات هي الحقيقة )الحق( )وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات” قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين(‬
‫)الحقاف ‪.(7‬‬
‫نستنتج أن القرآن هو مجموع اليات البينات )يونس ‪ (15‬وأن اليات البينات هي الحق )الحقاف ‪ (7‬ونلحظ كيف عطف الحق على الكتاب حيث‬
‫قال تعالى )المر تلك آيات الكتاب والذي أوحي إليك من ربك الحق … الية( )الرعد ‪ .(1‬وكيف أن الحق ليس كل الكتاب في سورة فاطر )والذي‬
‫أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا‪ O‬لما بين يديه إن ال بعباده لخبير بصير( )فاطر ‪.(31‬‬
‫وعندما جاءت اليات البينات للرسل قبل محمد صلى ال عليه وسلم قال عنها أعداؤها‪ :‬إنها سحر في قوله )إني لظنك يا موسى مسحورا‪(O‬‬
‫)السراء ‪ (101‬ونرى أيضا‪ O‬أن اليات البينات التي هي القرآن قال عنها الذين كفروا‪ :‬إنها سحر أيضا‪ O‬في قوله )وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات” قال‬
‫الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين( )الحقاف ‪.(7‬‬
‫ونتساءل هنا‪ :‬لماذا يقولون عن اليات البينات إنها سحر؟‬
‫يجيب بعضهم أنها سحرتهم بجمالها وأنها سحر لنها جميلة ل تقلد لقد فهموا العجاز جمال‪!… O‬‬
‫وليس لهذا علقة بالجمال ل من قريب ول من بعيد‪.‬‬
‫لقد قالوا عن آيات موسى إنها سحر لنهم شاهدوها مشاهدة فؤادية )بالحواس( ولكن لم يفهموا كيف حصلت‪ ،‬فعندما شق موسى البحر بعصاه‪،‬‬

‫شاهد هذه العملية الناس الذين معه دون أن يستوعبوا ما هي القوانين التي تمت حتى شق البحر‪ .‬فالسحر هو مشاهدة الظاهرة بالحواس دون فهم‬
‫القوانين التي تحكم هذه الظاهرة‪ .‬فإذا أحضرت ماء فيه بعض المواد الكيميائية ووضعت فيه ورقة بيضاء فتلونت وصارت حمراء‪ ،‬فإن الذي‬
‫يجهل علوم الكيمياء يقول عن هذا إنه سحر‪ .‬وهذا فعل‪ O‬ما قاله العرب عندما سمعوا القرآن‪ .‬أي أنهم سمعوا كلما‪ O‬عربيا‪ O‬دون فهم المحتويات‬
‫والقوانين المبطنة في هذا الكلم‪ .‬لذا قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف” منها ظهر وبطن( )الجامع الصغير‬
‫‪ 1‬ص ‪.(107‬‬
‫أما الحكام )أم الكتاب( فلها ظاهر وليس لها أي باطن وهي قابلة للفهم‪ ،‬أي أن العرب لم يقولوا أبدا‪ O‬عن آية الرث وآية الصلة وآية الوضوء‬
‫وآية الصوم وآية المحرمات من النساء إنها سحر علما‪ O‬بأنها ذات صياغة فنية رائعة‪ .‬هذه اليات وكل آيات أم الكتاب ليس فيها أي سحر ول يوجد‬
‫فيها بطن وظهر‪ .‬ولكن اليات التي قالوا عنها إنها سحر هي كاليات )إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا‬
‫العشار عطلت( )التكوير ‪ (4-3-2-1‬أو )مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ ل يبغيان( )الرحمن ‪ (20-19‬أي عن آيات القرآن‪.‬‬
‫لقد علمنا أن موسى قد أوتي تسع آيات بينات‪ .‬فما عدد اليات البينات التي أعطيت لمحمد صلى ال عليه وسلم؟ لقد أعطي محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم آيات بينات” كثيرة‪ ،O‬لن كل آيات القرآن آيات بينات‪ .‬وهنا تم دمج اليات البينات مع النبوة‪ ،‬أي أن نبوة محمد صلى ال عليه وسلم هي‬
‫القرآن‪ ،‬واليات البينات هي القرآن أيضا‪ ،O‬في حين أن هذا لم يحصل مع النبياء من قبله فنبوة موسى هي التوراة‪ .‬واليات البينات التي جاءت‬
‫إلى موسى هي تسع آيات خارج التوراة‪ .‬وكذلك عيسى بن مريم جاءته اليات البينات مفصولة‪ O‬عن النجيل الذي هو نبوة عيسى‪ .‬وهكذا يتبين لنا‬
‫الفرق الكبير بين نبوة محمد صلى ال عليه وسلم وبين نبوة موسى وعيسى‪ ،‬ويتبين لنا عظمة النبوة عند محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولعظم هذه النبوة جاء المقام الرفيع للنبي محمد صلى ال عليه وسلم بقوله تعالى‪) :‬إن ال وملئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا‬
‫عليه وسلموا تسليما( )الحزاب ‪ .(56‬هنا قال )يصلون على النبي( ولم يقل )يصلون على الرسول( وذلك للعلو العظيم لمقام نبوته‪ .‬ونرى بهذا‬
‫الصدد أن العرب منذ أن بعث محمد صلى ال عليه وسلم إلى يومنا هذا قد اهتموا برسالته وهجروا نبوته‪ .‬ولكن اهتم بنبوة محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم كل معاهد البحاث العلمية والجامعات في العالم‪ ،‬لن نبوته هي قوانين الحقيقة الموضوعية المادية والتاريخية )بالضافة إلى وحدانية ال(‬
‫وهذا ما تهتم به المعاهد والجامعات وما بحث فيه كل فلسفة العالم قاطبة ابتداء من أرسطو وأفلطون‪ ،‬مرورا‪ O‬بكانت وانجلز وهيجيل وديكارت‪.‬‬
‫سميت )اليات البينات( بينات” لنها موجودة أو حصلت خارج الوعي النساني لذا فهي قابلة للبصار أو لن عقل‪ .‬فعندما عرض موسى اليات‬
‫البينات التسع على فرعون قال عنها‪ :‬بصائر‪ .‬فهل اليات القرآنية هي بصائر كآيات موسى التسع؟ أي قابلة للبصار؟ أي أن تأويل الية النهائي‬
‫هو إبصارها‪ .‬والبصار هو التأويل الحقيقي النهائي بعينه أي تحويل الية من علم إخباري إلى علم نظري يدعمه العلم الحسي فيما بعد أو تحويل‬
‫الية مباشرة إلى علم حسي‪ .‬هذه هي الناحية التي أغفلها المسلمون عند وضعهم لقواعد التأويل‪ .‬فتأويل الية هو مطابقتها مع الحقيقة‬
‫الموضوعية )إبصارها( أي مطابقتها مع العقل واستنتاج قانون مجرد قابل للبصار فيما بعد‪ .‬لقد أدى إغفال هذه الناحية إلى دخول الفلسفة‬
‫الصوفية في تأويل القرآن‪ ،‬فحولت العقيدة السلمية إلى التفكير الخرافي الوهمي‪.‬‬
‫وما زلنا نعيش هذه المأساة إلى يومنا هذا‪ ،‬حيث ورثنا مسلمات عقائدية تظن أنها قرآنية وهي ل تمت إلى القرآن بصلة وليست أكثر من مجرد‬
‫أوهام‪ .‬لذا علينا إعادة النظر بالمسلمات التي نظن أنها إسلمية وهي ليست كذلك‪ .‬هذه المسلمات التي توجهنا ضمن عقلنا الباطن والتي صيغت‬
‫عليها عقلياتنا الظاهرة‪ .‬ول يمكن أن تحل هذه المشكلة إل إذا أعدنا النظر في الطر العقائدية التي ورثناها‪ .‬ويجب أن تتم إعادة النظر هذه قبل‬
‫إعادة النظر في الطر الفقهية التشريعية‪ ،‬لن حل المشكلة العقائدية يؤدي بشكل آلي إلى حل الزمة الفقهية‪ .‬أي علينا إعادة النظر في أمور مهمة‬
‫مثل مقولت ثبات العمار‪ ،‬ثبات الرزاق‪ ،‬هل العمال مكتوبة أو غير مكتوبة؟ الحرية النسانية )القضاء والقدر(‪ ،‬نظرية المعرفة النسانية‪،‬‬
‫والمعرفة اللهية‪ .‬إذ ل أمل لنا في الخروج من أزمة تخلفنا دون حل هذا الشكال‪.‬‬
‫لقد قلنا‪ :‬إن اليات البينات التي جاءت لموسى هي بصائر‪ .‬فهل آيات القرآن التي هي آيات بينات هي بصائر أيضا‪O‬؟‬
‫نعم هذا ما قاله تعالى بالضبط )قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ( )النعام ‪) (104‬وإذا لم تأتهم‬
‫بآية قالوا لول اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى‪ O‬ورحمة لقوم” يؤمنون( )العراف ‪ (203‬ونرى أنه بعد أن‬
‫أنهى هذه الية في سورة العراف أتبعها بقوله )وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون( )العراف ‪ (204‬لحظ هنا قوله‪) :‬إذا‬
‫قرئ( ولم يقل )إذا تلى( أي ذكر القراءة ولم يذكر التلوة وشتان في المعنى بين القراءة والتلوة‪.‬‬
‫وكذلك ورد هذا البرهان في الية رقم ‪ 1‬في سورة النور وهي )سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون( فقوله هنا‪:‬‬
‫)وأنزلنا فيها آيات بينات”( تعني أن سورة النور ليست كلها آيات” بينات” وإنما جزء منها آيات بينات‪ ،‬أما باقي اليات فهي آيات من نوع آخر من‬
‫اليات المحكمات أو تفصيل الكتاب‪.‬‬
‫لنتصفح الن سورة النور‪ ،‬نرى فيها أحكاما‪ O‬وبيانا‪ O‬لحكام حتى نصل إلى الية رقم ‪ 35‬التي تبدأ بقوله تعالى‪) :‬ال نور السموات والرض …‬
‫الية( فنرى أن هذا الية يختلف موضوعها عن اليات السابقة وتستمر اليات حتى رقم ‪ 45‬التي تقول‪) :‬وال خلق كل دابة” من ماء فمنهم من‬
‫يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق ال ما يشاء إن ال على كل شيء قدير(‪ .‬ثم نرى أن اليات التي‬
‫تلي هذه الية إلى آخر سورة النور هي مواعظ وأحكام ما عدا الية الخيرة‪.‬‬
‫لذا يجب علينا أن ننتبه دائما‪ O‬إلى اليات في بدايات السور لنه قد يكمن فيها إشارة إلى محتويات السور ومواضيعها كقوله تعالى‪) :‬تلك آيات‬
‫الكتاب المبين( )الشعراء ‪ (2‬فإذا سألت علماءنا‪ :‬ما هو الكتاب المبين؟ يقولون لك مباشرة هو القرآن‪ ،‬إذا‪ O‬فلماذا عطف )كتاب مبين( على القرآن‬
‫في أول سورة النمل )طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين( )النمل ‪(1‬؟ إن النتباه إلى هذه اليات يعتبر من المفاتيح الساسية في فهم محتويات‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫وهكذا توصلنا إلى أن القرآن هو اليات البينات‪ ،‬وهو في الوقت نفسه نبوة محمد صلى ال عليه وسلم لنه كله )أنباء عن حقائق( وهو بصائر‪،‬‬
‫وهو الحق‪ ،‬وهو الذي قالوا عنه‪ :‬إنه سحر مبين‪ ،‬وهو الذي يشكل جزءا‪ O‬كبيرا‪ O‬من آيات الكتاب‪ ،‬وكل آياته من المتشابهات‪ ،‬مضافا‪ O‬إليه السبع‬
‫المثاني التي تحمل مطلق الحقيقة في صياغتها ونسبية الفهم من الناس‪) ،‬أي المطلق في المحتوى والنسبية في الفهم(‪ .‬وهذه النسبية إما فلسفية‬
‫أو علمية أو تاريخية أو مجردة‪.‬‬
‫بقي أن نفهم أنه سبحانه وتعالى قال عن القرآن‪) :‬تصديق الذي بين يديه( )يونس ‪-37‬يوسف ‪ .(111‬وذكر مصطلح‪) :‬تفصيل الكتاب( )يونس‬
‫‪ .(37‬فما هو الذي بين يديه وما هو التفصيل؟‬
‫لنرجع الن إلى اليات التي ورد فيها تصديق الذي بين يديه‪:‬‬
‫)والذي أوحينا إليك من الكتاب ه الحق مصدقا‪ O‬لما بين يديه إن ال بعباده لخبير بصير( )فاطر ‪) .(31‬وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ال‬
‫ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب العالمين( )يونس ‪.(37‬‬
‫في هذه الية من سورة يونس يقول عن القرآن إنه تصديق الذي بين يديه ثم يقول في الية رقم ‪) 39‬بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم‬
‫تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين( لحظ قوله‪) :‬ولما يأتهم تأويله( علما‪ O‬أن الحديث في اليتين السابقتين عن‬
‫القرآن‪ ،‬حيث أن القرآن كله متشابه وكله قابل للتأويل‪ ،‬ل للتفسير‪) .‬لقد كان في قصصهم عبرة لولي اللباب ما كان حديثا‪ O‬يفترى ولكن تصديق‬
‫الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى‪ O‬ورحمة‪ O‬لقوم يؤمنون( )يوسف ‪.(111‬‬

‫لحظ قوله‪) :‬وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ال( )يونس ‪) (37‬وما كان حديثا‪ O‬يفترى( )يوسف ‪ (111‬وقوله‪) :‬وقال الذين كفروا لن نؤمن‬
‫بهذا القرآن ول بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض” القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا‬
‫لول أنتم لكنا مؤمنين( )سبأ ‪ (31‬ولحظ قوله‪) :‬ولكن تصديق الذي بين يديه( )يونس ‪) (37‬ولكن تصديق الذي بين يديه( )يوسف ‪ (111‬ولحظ‬
‫قوله‪) :‬وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب العالمين( )يونس ‪.(37‬‬
‫لقد قلنا‪ :‬إن نبوة موسى هي التوراة‪ ،‬ورسالته الكتاب والفرقان )وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون( )البقرة ‪ .(53‬ونبوة عيسى‬
‫النجيل‪ ،‬ورسالته الكتاب والحكمة‪ ،‬وهي تعديل لكتاب موسى‪.‬‬
‫وكانت نبوة موسى ورسالته ونبوة عيسى ورسالته بحاجة إلى تصديق‪ ،‬وجاء التصديق خارجا‪ O‬عن النبوة وعن الرسالة وذلك بما سماه اليات‬
‫البينات‪ .‬وبالنسبة لمحمد صلى ال عليه وسلم كانت نبوته القرآن والسبع المثاني وتفصيل الكتاب‪ ،‬ورسالته أم الكتاب "الحكام"‪ .‬فلو كان المر‬
‫على غرار موسى وعيسى لتته اليات البينات من خارج النبوة والرسالة وهذا ما طلبه العرب من محمد صلى ال عليه وسلم تماما‪) :‬ولقد‬
‫صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل” فأبى أكثر الناس إل كفورا( )السراء ‪) .(89‬وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الرض ينبوعا‪(O‬‬
‫)السراء ‪) (90‬أو تكون لك جنة¡ من نخيل وعنب فتفجر النهار خللها تفجيرا‪) (91) (O‬أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا‪ O‬أو تأتي بال‬
‫واللئكة قبيل( )‪) (92‬أو يكون لك بيت من زخرف” أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزيل علينا كتابا‪ O‬نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إل‬
‫بشرا‪ O‬رسول( )‪ .(93‬لحظ في هذه اليات أن الحديث عن القرآن‪ ،‬وأن القرآن لم يفهمه العرب على أنه آيات بينات بل طلبوا اليات البينات المادية‬
‫المباشرة من خارج القرآن‪ .‬أو عوضا‪ O‬عن القرآن‪.‬‬
‫إن مصطلح "الذي بين يديه" في اللسان العربي تعني دائما‪ O‬الحاضر ول تعني الماضي‪ .‬فالقرآن هو اليات البينات‪ ،‬وهو تصديق الذي بين يديه‪.‬‬
‫والهاء في "بين يديه" إما أن تعود على القرآن أو تعود على ال سبحانه وتعالى‪ .‬فما الذي كان بين يدي ال أو بين يدي القرآن حين نزوله‬
‫وبحجة إلى بينة؟ الشيء الوحيد الذي كان يوجد حين نزول القرآن هو الحكام "الرسالة"‪ .‬فالقرآن جاء مصدقا‪ O‬لم الكتاب وهي التي سماها ال‬
‫"كتاب ال"‪ .‬لن الحكام ليست بينات في ذاتها وهي قابلة للتقليد‪ ،‬وإنما بحاجة إلى بينات من خارجها‪ .‬والبينات موضوعية مبصرة‪.‬‬
‫إني لعجب تمام العجب كيف ظن الفقهاء والمفسرون أن الذي بين يديه هما التوراة والنجيل فبذلك قصموا ظهر نبوة محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫حين أكدوا أنها ما جاءت إل لتخبر الناس أن التوراة والنجيل الموجودين في بداية القرن السابع الميلدي حين نزول القرآن هما صحيحان ل أكثر‬
‫من ذلك ول أقل من ذلك! وإذا كان هذا هو الهدف من نبوة محمد صلى ال عليه وسلم فقط‪ ،‬فأعتقد أن أشد اليهود والنصارى تزمتا‪ O‬وتعصبا‬
‫سيؤيدون لك لن بكل من التوراة والنجيل الحاليين هما نفس التوراة والنجيل في القرن السابع‪ .‬والجدر بنا حينئذ نحن المسلمين أن نعتنق‬
‫اليهودية أو النصرانية!! لن الهدف من نبوة محمد صلى ال عليه وسلم هو تصديق العهد القديم والعهد الجديد المعروفين في القرن السابع؟‬
‫إن "بين يديه" تعني الحاضر ول تعني الماضي‪ ،‬وقد قالها صراحة في سورة آل عمران )نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا‪ O‬لما بين يديه وأنزل‬
‫التوراة والنجيل * من قبل هدى‪ O‬للناس وأنزل الفرقان ‪ ..‬الية( )آل عمران ‪ .(4-3‬فكيف يمكن أن يكون التوراة والنجيل هما اللذان بين يديه‪ ،‬مع‬
‫أنه قال عنهما‪) :‬من قبل(؟ وكيف يكون )من قبل( و)بين يديه( دالين لمدلول” واحد؟ إذا كان المر كذلك‪ ،‬فليس لهاتين اليتين معنى! وحاشى ل‪.‬‬
‫إن حجة المفسرين على أن "بين يديه" تعني التوراة والنجيل هي الفهم الخاطئ لليات التالية عن عيسى بن مريم )ومصدقا‪ O‬لما بين يدي من‬
‫التوراة ولحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية” من ربكم فاتقوا ال وأطيعون( )آل عمران ‪.(50‬‬
‫ويتضح الخطأ في الفهم بما يلي‪ :‬إن نبوة عيسى عليه السلم في النجيل هي استمرارية لنبوة موسى في التوراة‪ ،‬وليست ناسخة‪ O‬لها كما أن‬
‫شريعة عيسى هي نفس شريعة موسى مع بعض التعديلت )ول حل لكم بعض الذي حرم عليكم( وقد فهمهما أهل الكتاب هكذا‪ .‬ولهذا فإننا نرى‬
‫اليوم أن الكتاب المقدس عند النصارى يحتوي على أربعة مواضيع وهي )ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والنجيل( )آل عمران ‪) ،(48‬شريعة‬
‫موسى معدلة ‪ +‬الوصايا ‪ +‬التوراة ‪ +‬النجيل( لذا فإن هذه المواضيع الربعة مع بعض تسمى )الكتاب المقدس(‪.‬‬
‫ولو كان القرآن مصدقا‪ O‬لما قبله بهذا المفهوم للزم بالضرورة أن يحتوي الكتاب عند المسلمين ما يلي‪:‬‬
‫كتاب موسى )الشريعة( ‪ +‬التوراة ‪ +‬النجيل ‪ +‬القرآن ‪ +‬شريعة محمد )أم الكتاب( ‪ +‬الوصايا )الفرقان(‪ .‬وليس المر كذلك‪ ،‬بل جاء الكتاب إلى‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم ناسخا‪ O‬لما قبله ل مصدقا‪ O‬بالمفهوم السابق‪ ،‬أي أن كل ما جاء قبل محمد صلى ال عليه وسلم من نبوات داخل¡ في قوله‬
‫تعالى‪) :‬من قبل هدى‪ O‬للناس( ل الن‪ ،‬وكل ما جاء في الرسالت هو حالت خاصة من أم الكتاب‪.‬‬
‫ولنوضح الن الصورة بشكلها النائي فنقول‪:‬‬
‫أراد ال سبحانه وتعالى أن يبلغ رسالته للناس )الحكام( ليبين لهم فيها الفرق بين الحرام والحلل‪ ،‬ويبين لهم فيها العبادات والخلق وقواعد‬
‫السلوك النساني‪ .‬هذه الحكام بمجموعها تسمى "كتاب ال"‪ ،‬وهي بحاجة إلى توقيع ممن أرسلها أي أن تكون مصدقة منه "التوقيع والختم"‬
‫ليعلم الناس أنها من عنده‪ .‬فوقع سبحانه وتعالى على هذه الرسالة بتوقيعه وكان توقيعه "القرآن والسبع المثاني" حيث جعل حقيقة الوجود‬
‫تصديقا‪ O‬لقواعد السلوك‪ .‬فالرسالة هي كتاب ال "الحكام"‪ ،‬والنبوة "القرآن" وفيه كلم ال "قوله الحق" الذي هو القوانين المطلقة للوجود‪.‬‬
‫فصدق القرآن كتابه الذي هو قواعد السلوك النساني‪ .‬ول المثل العلى‪.‬‬
‫يشتمل كتاب ال "الرسالة" على‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحدود‪.‬‬
‫‪ - 2‬العبادات‪.‬‬
‫‪ - 3‬الخلق )الفرقان(‪.‬‬
‫‪ - 4‬تعليمات عامة وخاصة‪.‬‬
‫وجاءت المصادقة على صحة الرسالة بواسطة "النبوة" التي تتألف من‪:‬‬
‫‪ - 1‬القرآن العظيم‪.‬‬
‫‪ - 2‬وسبع من المثاني‪.‬‬
‫فرسالة بمحمد صلى ال عليه وسلم فرقت بين الحلل والحرام في السلوك النساني‪ .‬ونبوته فرقت بين الحق والباطل "الحقيقة والوهم" في‬
‫الوجود الموضوعي‪ .‬وشتان بين الثنين! إن الخطيئة القاتلة التي يرتكبها المسلمون اليوم أنهم ل يفرقون بين قواعد السلوك وحقيقة الوجود‪ ،‬أي‬
‫ما بين الذاتي والموضوعي‪ .‬فالرسالة فيها الذاتي‪ ،‬والقرآن فيه الموضوعي‪ .‬أي أننا يجب أن نفرق بشكل واضح ل لبس فيه بين القانون‬
‫الموضوعي والقيمة الخلقية‪ ،‬فل نضع القيمة الخلقية بديل القانون الموضوعي‪ .‬إن كل الخلق الفاضلة في الدنيا ل تستطيع أن تصمد مقابل‬
‫الحقيقة الموضوعية‪ ،‬وإن الحقيقة المادية ل تواجه بالتقوى والخلق‪ .‬وما خيبات المل المتتالية التي نصاب بها‪ ،‬وما التشويش الفكري وضيق‬
‫الفق إل نتيجة مباشرة لفة عدم التفريق بين القانون الموضوعي والقيمة الخلقية‪.‬‬

‫‪ - 4‬القرآن هو الكتاب المبارك‬

‫البركة في اللسان العربي تعني التكاثر والتوالد‪ ،‬وتعني الثبات كأن نقول مبرك الناقة وبركة الماء "الماء الراكد"‪ .‬ووصف الكتاب بأنه "مبارك"‬
‫يعني "ثابت النص"‪ .‬مطلقة تفهم فهما‪ O‬نسبيا‪ ،O‬لذا فإن حركة المحتوى فيه دائمة "التبديل والتغيير"‪ ،‬فالعلماء يستنبطون من القرآن نظريات‬
‫علمية على مر الزمن‪ ،‬والصحابة فهموه حسب أرضيتهم العلمية‪ ،‬وبما أن معلومات النسان صاعدة إلى العلى بشكل دائم فإنه على مر السنين‬
‫سترى الجيال معلومات” جديدة‪ O‬في القرآن لم تكن الجيال السابقة تعرفها‪ .‬وهكذا فحسب نمو المعرفة النسانية تتولد المعلومات الجديدة‬
‫والنظريات الجديدة‪ ،‬والنص القرآني يستوعبها كلها‪ ،‬ولهذا سمى القرآن كتابا‪ O‬مباركا‪.‬‬
‫أما الحكام فتحمل صفة الثبات في النص والمحتوى والحركة ضمن حدودها لن آية الوضوء فهمها الصحابة كما نفهمها نحن على حد سواء‪.‬‬
‫ومنذ أن نزلت آية الوضوء إلى أن تقوم الساعة فإن الوضوء هو الوضوء ول يمكن أن يتغير فهم هذه الية‪ ،‬وكذلك آيات الرث فقد فهمها‬
‫الصحابة وطبقوها وقوفا‪ O‬عليها كما نطبقها نحن الن علما‪ O‬بأنها آيات حدودية ويمكن التحرك ضمنها دون تجاوزها‪ .‬وهكذا الحال بالنسبة للجيال‬
‫التي بعدنا‪ .‬لذا قال عن القرآن )وهذا كتاب أنزلناه مبارك¡ فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون( )النعام ‪.(155‬‬
‫التقوى اتباع الحلل وترك الحرام‪ ،‬فهي في أم الكتاب لنها سلوك إنساني وليست معرفة الوجود‪ ،‬وبما أن القرآن فر‪w‬ق بين الحق والباطل‬
‫والرسالة فر‪w‬قت بين الحلل والحرام‪ ،‬فإن القرآن ليس له علقة بالتقوى‪ .‬لذا قال كلمة )واتقوا( بعد كلمة )فاتبعوه(‪.‬‬
‫هنا أريد أن أؤكد على نقطة في غاية الهمية وهي أن القرآن كتاب الوجود المادي والتاريخي‪ ،‬لذا فإنه ل يحتوي على الخلق ول التقوى ول‬
‫اللياقة ول اللباقة‪ ،‬ول تنطبق عليه عبارة "هكذا أجمع الفقهاء" و"هكذا قال الجمهور"‪ .‬إننا في القرآن والسبع المثاني غير مقيدين بأي شيء‬
‫قاله السلف‪ ،‬إننا مقيدون فقط بقواعد البحث العلمي والتفكير الموضوعي وبالرضية العلمية في عصرنا‪ ،‬لن القرآن حقيقة موضوعية خارج‬
‫الوعي فهمناها أو لم نفهمها‪ ،‬قبلنا بها أو لم نقبل‪ .‬والشيطان حين محاولة فهم القرآن يدخل فينا من خلل الخلق واللياقة واللباقة‪.‬‬
‫فالقرآن حقيقة موضوعية مادية وتاريخية ل تخضع لجماع الكثرية حتى ولو كانوا كلهم تقاة‪ ،O‬ويخضع لقواعد البحث العلمي حتى ولو كان‬
‫الناس كلهم غير تقاة‪ .‬وعلينا أن نكسر هذا الحاجز الوهمي المبني على عبارة "هذا ما قاله الجمهور" أو "هذا ما أجمع عليه الجمهور‪-‬جمهور‬
‫الفقهاء"‪ .‬لذا قال عن الكتاب )هدى‪ O‬للمتقين( )البقرة ‪ (2‬وعن القرآن )هدى‪ O‬للناس( )البقرة ‪.(185‬‬

‫‪ - 5‬أسباب النزول هي للحكام ولتفصيل الكتاب‪ ،‬وليس للقرآن أسباب نزول‬
‫بما أن القرآن علم بالحقيقة الموضوعية "الموجودة خارج الوعي النساني" وفيه قوانين الوجود وقوانين التاريخ‪ ،‬نستنتج بالضرورة أن له‬
‫وجودا‪ O‬مسبقا‪ O‬عن التنزيل‪ .‬لذا قال تعالى عن القرآن‪) :‬قرآن مجيد * في لوح” محفوظ( )البروج ‪ (22-21‬وهو القوانين العامة الناظمة للوجود منذ‬
‫النفجار الكوني الول وحتى البعث والجنة والنار والحساب‪ ،‬وأنه في إمام” مبين” وذلك بالنسبة لحداث الطبيعة الجزئية "ظواهر الطبيعة"‬
‫المتغيرة وأحداث التاريخ بعد وقوعها‪ .‬ولم يقل ذلك أبدا‪ O‬عن أم الكتاب ول عن الذكر ول عن الفرقان‪ .‬وهذا يجرنا إلى الموضوع التالي‪ :‬ما هو‬
‫"اللوح المحفوظ" و"الكتاب المكنون" و"المام المبين"؟‬
‫ اللوح المحفوظ‪ :‬هو لوحة التحكم في الكون الذي نشأ فعل‪ ،O‬وقد برمج القرآن المجيد في داخلها‪ .‬ويمثل اللوح المحفوظ‪) :‬‬‫‪.(INFORMATION IN ACTION‬‬
‫ الكتاب المكنون‪ :‬هو البرنامج الذي بموجبه تعمل قوانين الكون العامة كمعلومات )‪.(INFORMATION‬‬‫ المام المبين‪ :‬فيه قوانين الطبيعة الجزئية )ظواهر الطبيعة المتغيرة( آيات ال‪ .‬وفيه أرشفة الحداث التاريخية بعد وقوعها‪) :‬إنا نحن نحيي‬‫الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين( )يس ‪ .(12‬من هذا المام المبين جاءت قصص القرآن‪ ،‬لذا سماها "الكتاب‬
‫المبين" ففي أول سورة يوسف الية )‪ (1‬جاءت )الر تلك آيات الكتاب المبين( وفي أول سورة القصص الية )‪) (2-1‬طسم * تلك آيات الكتاب‬
‫المبين( وفي أول سورة الشعراء الية )‪) (2-1‬طسم * تلك آيات الكتاب المبين( فإذا أخذنا محتويات هذه السور الثلث نراها كلها قصص أحداث‬
‫تاريخية‪.‬‬
‫أما إذا أخذنا سورة النمل فنراها تبدأ )طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين( فإذا نظرنا إلى محتويات السورة نرى أن فيها آيات كونية وقصصا‪ O‬معا‬
‫وجاء فيها ذكر "كتاب مبين" الية رقم ‪) 75‬وما عن غائبة” في السماء والرض إل في كتاب مبين(‪ .‬لذا نجد هنا عطف "كتاب مبين" على‬
‫"القرآن" من قبيل عطف الخاص على العام‪.‬‬
‫ولهذا فإن القرآن ليس له أسباب نزول وقد قال عنه إنه أنزل دفعة واحدة عربيا‪ O‬وفي رمضان )شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى‪ O‬للناس ‪...‬‬
‫الية( )البقرة ‪) ،(185‬إنا أنزلناه في ليلة القدر( )القدر ‪.(1‬‬

‫‪ - 6‬مصطلح )الحديث( للقرآن فقط‬
‫عرفنا أن القرآن هو النبوة وأنه "الحقيقة"‪ .‬ولكن لماذا قال تعالى عنه‪ :‬إنه "الحديث"؟‪) :‬ما كان حديثا‪ O‬ي•فترى ولكن تصديق الذي بين يديه(‬
‫)يوسف ‪) (111‬فذرني ومن يكذب بهذا الحديث( )القلم ‪) (44‬أفبهذا الحديث أنتم مدهنون( )الواقعة ‪) (81‬فما لهؤلء القوم ل يكادون يفقهون‬
‫حديثا( )النساء ‪) (78‬فبأي حديث بعده يؤمنون( )المرسلت ‪) (50‬هل أتاك حديث موسى( )النازعات ‪) (15‬هل أتاك حديث الجنود( )البروج ‪.(17‬‬
‫الحديث مشتق من فعل "حدث"‪ .‬والحدث هو واقعة ذات شقين‪ :‬إما واقعة إنسانية )هل أتاك حديث موسى( أو واقعة كونية‪) :‬أولم ينظروا في‬
‫ملكوت السموات والرض وما خلق ال من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون( )العراف ‪ ،(185‬أي حدث‬
‫إنساني أو حدث كوني‪ .‬والقرآن قرن الحداث الكونية الكلية والجزئية مع الحداث النسانية "القصص القرآني‪ ،‬أحسن القصص" لذا سمي حديثا‬
‫وسمي قرآنا‪.‬‬
‫سمي حديثا‪ O‬لن فيه أحداث الكون والنسان "التاريخ" والقوانين الناظمة للمادة والقوانين الناظمة للتاريخ النساني وربطهما بعضهما ببعض في‬
‫قوله‪) :‬نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن … الية( )يوسف ‪.(3‬‬
‫وسمي قرآنا‪ O‬لن القرآن جاء من "قرأ" وعلى قول بعضهم من "قرن" وكلهما يعني الجمع والمقارنة‪ ،‬كأن تقول قرأت الماء في البئر أي‬
‫جمعته‪ ،‬أو قوله تعالى‪) :‬والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلثة¯ قروء( )البقرة ‪ (228‬فالقرء هو جمع فترة الطهر مع فترة الحيض‪ .‬والساس في‬
‫اللسان العربي هو فعل "قرن"‪ ،‬فعند ابن فارس نرى أن فعل "قرأ" اشتق من فعل "قرن"‪ ،‬ومن هنا جاء معنى القراءة عند العرب وهو العملية‬
‫التعليمية‪ ،‬لنها ل تكون إل بالمقارنة أي مقارنة الشياء بعضها ببعض‪ ،،‬لذلك ل تقول العرب قراءة إل على العلم كقولهم "قرأت العلم على‬
‫فلن"‪ ،‬هنا يجب أن نميز بين القراءة والتلوة‪ ،‬فالمذيع في التلفاز يتلو الخبار ول يقرؤها‪ ،‬والستاذ في الجامعة يقرأ المحاضرة ول يتلوها‪.‬‬
‫فالتلوة هي إعادة لفظ نص بحرفيته‪ ،‬دون شرح ول تعليق وبشكل متتال ومنه جاءت التلوة‪ ،‬فإذا أراد المذيع في الذاعة أن يقرأ الخبار عوضا‬
‫عن تلوتها فهذا يعني أن يشرح الخبر ويعلق عليه ويقارنه بأخبار وأحداث أخرى وذلك بهدف تفهيم السامع‪ .‬وإذا أراد الستاذ في الجامعة أن‬
‫يتلو المحاضرة عوضا‪ O‬عن قراءتها فهذا يعني أن يفتح الكتاب ويتلو النص بالتتالي كما جاء في الكتاب دون أي تعليق وأي شرح وأي مقارنة‪.‬‬

‫فالتلوة يقابلها باللغة النكليزية )‪ (Citation‬والقراءة يقابلها )‪.(Reading‬‬
‫هنا يجب أن نفهم قوله تعالى )وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون( )العراف ‪ (204‬أي عندما يأتي شخص ويشرح القرآن‬
‫فأنصتوا له‪ ،‬هذه الية من القراءة وليست التلوة‪ .‬وكذلك نفهم قوله تعالى‪) :‬فإذا قرأت القرآن فاستعذ بال من الشيطان الرجيم( )النحل ‪ (98‬أي‬
‫إذا أراد النسان أن يفهم القرآن فعليه الستعاذة بال من الشيطان‪ ،‬لن الشيطان يدخل في النسان حين يريد فهم آيات القرآن "تأويلها"‪.‬‬
‫أما التلوة فهي لفظ اليات بالتتالي وتختلف عن القراءة فنقول عن القرآن إنه المتعبد بتلوته‪ ،‬فالكتاب كله يتلى )إن الذين يتلون كتاب ال‬
‫وأقاموا الصلة ‪ ..‬الية( )فاطر ‪) (29‬إنما أمرت أن أعبد رب‪ y‬هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلو‬
‫القرآن( )النمل ‪.(92-91‬هنا نلحظ كيف ذكر التلوة لكتاب ال وللقرآن وعن الكتاب كله قال )الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلوته( )البقرة‬
‫‪.(121‬‬

‫‪ - 7‬القصص من القرآن وهي الكتاب المبين‬
‫قلنا‪ :‬إن القرآن هو الحديث وأنه جاء من قرن قوانين أحداث الطبيعة مع أحداث التاريخ بعد وقوعها حيث أنها أخذت صفة الحتمية بعد وقوعها ل‬
‫قبله‪ .‬أي قرن بين القوانين الناظمة لحداث الطبيعة والقوانين الناظمة لحداث التاريخ‪.‬‬
‫لنرجع الن لول قصة يوسف‪:‬‬
‫)الر تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من‬
‫قبله‪ ž‬لمن الغافلين( )يوسف ‪ .(3-1‬في أول السورة اسم إشارة” ليات السور حيث قال‪) :‬تلك آيات الكتاب المبين( ثم ذكر القرآن بعد الكتاب المبين‪.‬‬
‫وربط القصص بوحي القرآن )بما أوحينا إليك هذا القرآن(‪" .‬بما" هنا جاءت بمعنى "بالذي" وليؤكد أن القصص من القرآن قال‪) :‬وإن كنت من‬
‫قبله لمن الغافلين( فالهاء هنا تعود على القرآن‪ .‬فالنبي صلى ال عليه وسلم قبل الوحي كان غافل‪ O‬عن قوانين الوجود وعن قوانين التاريخ‬
‫وأحداثه معا‪.‬‬
‫ثم نرى في آخر قصة يوسف قوله تعالى‪) :‬لقد كان في قصصهم عبرة لولي اللباب ما كان حديثا‪ O‬يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه( )يوسف‬
‫‪.(111‬‬
‫فالحديث هو القرآن لنه قرن أحداث الكون مع أحداث التاريخ‪ .‬وسورة يوسف كلها قصص‪ ،‬والقرآن هو التصديق )وما كان هذا القرآن أن يفترى‬
‫من دون ال ولكن تصديق الذي بين يديه( )يونس ‪ .(37‬لنأخذ الن اليات التالية‪:‬‬
‫ أول سورة يوسف )الر تلك آيات الكتاب المبين(‪.‬‬‫ أول سورة الشعراء )طسم * تلك آيات الكتاب المبين(‪.‬‬‫ أول سورة القصص )طسم * تلك آيات الكتاب المبين(‪.‬‬‫ أول سورة النمل )طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين(‪.‬‬‫ففي سورة يوسف والشعراء والقصص نرى أن محتويات السور كلها قصص لذا قال )تلك آيات الكتاب المبين(‪ .‬أما في سورة النمل ففيها قصص‬
‫وكونيات معا‪ O‬أي فيها من مواضيع القرآن كاملة قصص وكتاب مبين لذا عطف كتابا‪ O‬مبينا‪ O‬على القرآن‪ ،‬أي الخاص على العام‪.‬‬

‫‪ - 8‬السبع المثاني‬
‫بقي علينا أن نوضح ما هي السبع المثاني‪) :‬ولقد آتيناك سبعا‪ O‬من المثاني والقرآن العظيم( )الحجر ‪.(87‬‬
‫‪ - 1‬لقد عطف القرآن على السبع المثاني فهذا يعني أن القرآن شيء والسبع المثاني شيء آخر‪ ،‬وأن السبع المثاني ليست جزءا‪ O‬من القرآن وقد‬
‫وضعها ال سبحانه وتعالى قبل القرآن حيث ميزها عليه بالفضلية من ناحية المعلومات‪.‬‬
‫‪ - 2‬ل يمكن أن يكون القرآن جزءا‪ O‬من السبع المثاني‪ ،‬لن السبع المثاني سبع آيات‪ ،‬والقرآن أكثر من ذلك‪.‬‬
‫‪ - 3‬وجب أن يكون هناك تجانس ما بينهما حتى يتم عطف أحدهما على الخر‪ ،‬فإذا تم عطف القرآن على أم الكتاب‪ ،‬فوجه التجانس بينهما أنهما‬
‫موحيان من ال … وهكذا نرى عندما عطف )ثيبات” وأبكارا‪) (O‬التحريم ‪ (5‬أن الثيب غير البكر ولكن كلهما من النساء‪.‬‬
‫ونقول الن‪ :‬بما أن القرآن العظيم هو نبوة محمد صلى ال عليه وسلم والنبوة علوم‪ ،‬فهذا يعني أن السبع المثاني هي من النبوة وفيها علوم‪ .‬و‬
‫هكذا نفهم قول النبي صلى ال عليه وسلم إن صح "أل إني أوتيت القرآن ومثله معه" هذا جزء من حديث أخرجه أبو داود انظر مختصر تفسير‬
‫ابن كثير ج ‪ 1‬ص ‪ "12‬ما هو إل تعليق على هذه الية‪ .‬فإذا كانت السبع المثاني هي مثل القرآن فهذا يعني أن المعلومات الواردة فيها ل تقل كم‪w‬ا‬
‫ونوعا‪ O‬عن المعلومات الواردة في القرآن‪ ،‬ولكن جاءت بطريقة تعبيرية مختلفة عن طريقة القرآن‪.‬‬
‫‪ - 4‬لقد ميز السبع المثاني عن القرآن بأن أطلق عليها مصطلح )أحسن الحديث( وذلك في قوله‪) :‬ال نزل أحسن الحديث كتابا‪ O‬متشابها‪ O‬مثاني‬
‫تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ال ذلك هدى ال يهدي به من يشاء ومن يضلل ال فما له من هاد( )الزمر‬
‫‪ .(23‬فقد أطلق على القرآن مصطلح الحديث‪ ،‬وأطلق على السبع المثاني مصطلح أحسن الحديث‪ ،‬حيث أنه تم تمييزها‪ ،‬وهذا التمييز بأن القرآن‬
‫آيات متشابهات فقط‪ ،‬وأحسن الحديث يحمل بالضافة إلى التشابه صفة المثاني )كتابا‪ O‬متشابها‪ O‬مثاني(‪ ،‬أما القرآن فكتاب متشابه فقط‪ .‬فما هي‬
‫المثاني؟‬
‫جاء في مقاييس اللغة ما يلي‪" :‬الثاء والنون والياء أصل واحد‪ ،‬وهو تكرير الشيء مرتين‪ ،‬أو جعله شيئين متواليين أو متباينين"‪ .‬وجاء فيه‪:‬‬
‫"المثناة•"‪ :‬طرف الزمام في الخشاش"‪ .‬وإنما يثنى الشيء من أطرافه فالمثاني هي الطراف ‪ ..‬ومن هنا كان لكل سورة مثناة أي طرف فالمثاني‬
‫إذ‪O‬ا أطراف السور وهي إذا‪ O‬فواتحها‪.‬‬
‫يبدو لنا أنه من خلل الولى أن نسمي الفاتحة بالسبع المثاني‪ ،‬لن الفاتحة هي سبع آيات في فاتحة واحدة هي فاتحة الكتاب‪ .‬ولكن السبع المثاني‬
‫هي سبع آيات‪ ،‬كل منها فاتحة‪ .‬أي هي سبع آيات وهي في الوقت نفسه سبع فواتح‪ .‬فيبقى احتمال واحد‪ .‬بما أن الكتاب واحد‪ ،‬وبما أنه مؤلف من‬
‫‪ 114‬سورة‪ ،‬فيلزم أن تكون السبع المثاني هي سبع فواتح للسور‪ ،‬كل منها آية منفصلة في ذاتها‪ .‬فإذا نظرنا إلى فواتح السور نرى فيها السبع‬
‫المثاني وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬الم‪ - 2 ،‬المص‪ - 3 ،‬كهيعص‪ - 4 ،‬يس‪ - 5 ،‬طه‪ - 6 ،‬طسم‪ - 7 ،‬حم‪.‬‬
‫فإذا سأل سائل‪ :‬ما هي إذا‪ :O‬الر‪ ،‬المر‪ ،‬طس‪ ،‬ن‪ ،‬ق‪ ،‬ص؟‬
‫أقول‪ :‬هذه حروف كل منها جزء من آية‪ ،‬وليس آية منفصلة تامة في ذاتها‪ .‬فالية الولى في سورة نون هي )ن والقلم وما يسطرون(‪ .‬أما الية‬
‫الولى في سورة البقرة فهي )الم(‪ ،‬وأما )عسق( فهي ليست فاتحة لسورة‪ ،‬لنها الية الثانية في سورة الشورى‪ ،‬والية الولى هي )حم( فإذا‬
‫نظرنا إلى عدد الحروف "الصوات" الموجودة في اليات السبع المذكورة أعله نراها تتألف من "‪ "11‬أحد عش حرفا‪" O‬صوتا‪ "O‬هي‪:‬‬

‫‪ - 1‬اللف‪ - 2 ،‬اللم‪ - 3 ،‬الميم‪ - 4 ،‬الصاد‪ - 5 ،‬الكاف‪ - 6 ،‬الهاء‪ - 7 ،‬الياء‪ - 8 ،‬العين‪ - 9 ،‬السين‪ - 10 ،‬الطاء‪ - 11 ،‬الحاء‪.‬‬
‫وإذا أخذنا بقية الحروف "الصوات" الموجودة في الر‪ ،‬المر‪ ،‬طس‪ ،‬عسق‪ ،‬ن‪ ،‬ق‪ ،‬ص‪ ،‬والتي ل تشكل آيات منفصلة في ذاتها كبداية وفيها آية‬
‫واحدة ليست كبداية هي عسق‪ ،‬فنرى أن فيها ثلثة حروف "أصوات" غير موجودة في آيات السبعة الفواتح وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬القاف‪ - 2 ،‬الراء‪ - 3 ،‬النون‪.‬‬
‫فمن هذه الصول تتألف كلمة "القرآن" لن كلمة القرآن مشتقة من "قرأ" ومعنى "ق ر أ" الجمع كما في المقاييس‪ ،‬وكذا معنى "ق ر ن"‪،‬‬
‫وعليه فالقراءة والقرن جمع وفيها استقراء ومقارنة‪ .‬وإذا أضفنا الحروف "الصوات" الثلثة الضافية إلى السبعة الفواتح التي تشتمل على أحد‬
‫عشر حرفا‪ ،O‬يصبح المجموع أربعة عشر حرفا‪" O‬صوتا‪ "O‬مختلفا‪ O‬أي "‪ "2 × 7‬وهذه هي أيضا‪ O‬سبع مثان‪.‬‬
‫فما هي إذن "جوامع الكلم" التي قال عنها النبي صلى ال عليه وسلم في قوله‪ ،‬إن صح "أعطيت جوامع الكلم" و"اختصر لي الكلم اختصارا‪O‬؟‬
‫لقد طغى على الذهان أن هذين التعبيرين يراد بهما البلغة النبوية‪ ،‬ونقول‪:‬‬
‫إن الكلم في اللسان العربي يعني الصوات‪ ،‬وإن كل كلم الناس قاطبة هو أصوات‪ ،‬وإن نشأة اللسن هي نشأة صوتية‪ .‬وإن السبع المثاني ما هي‬
‫إل حروف أي أصوات هي جوامع الكلم وهي "اختصار الكلم"‪ .‬إذ لو عنت "جوامع الكلم" البلغة النبوية كما يقول بعضهم‪ ،‬فإنا نستنتج‬
‫بالضرورة أن القرآن من تأليف محمد صلى ال عليه وسلم لنه إلى الن لم يقلده أحد‪ ،‬فيصبح القرآن هو بلغة محمد صلى ال عليه وسلم وعلينا‬
‫أن نعلم أن النبي صلى ال عليه وسلم كان على بلغته بشرا‪ ،O‬وبلغته فيهم بلغة متميزة مع أنها مألوفة‪ ،‬وحين ند‪w‬عي أنه يفوق ببلغته البشر‪،‬‬
‫نفسخ الطريق لمتهم” يظن أن القرآن من صنعه‪) ،‬قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي( )الكف ‪.(110‬‬
‫إن الذي أوقعنا في هذا الشكال هو أننا لم نفرق بين الكلم والقول‪ .‬فالبلغة في القول ل في الكلم‪ .‬فالكلم أصوات يصدرها النسان‪ ،‬والقول معنى‬
‫هذه الصوات في الذهن‪.‬‬
‫فأول ما نستنتجه من حروف "أصوات" السبع المثاني ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬أنها أعطت مقاطع صوتية يتألف منها أصل الكلم النساني وليس اللغة العربية فقط‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن عدد الصوات الحد عشر في اليات السبع الفواتح تشكل الحد الدنى لي كلم إنساني‪ ،‬أي أنه ل يمكن أن توجد لغة إنسانية يقال عنها‬
‫لغة‪ ،‬إل إذا كانت أصواتها الصلية من أحد عشر صوتا‪ O‬على القل‪ .‬ويؤيد هذا ما توصل إليه المحدثون من علماء اللغويات واللسانيات من أن‬
‫العدد )‪ (11‬يشكل الحد الدنى لية لغة إنسانية معروفة في العالم ويمثلون لها بلغة البروتوكاس ‪ Protokas‬وهي لغة أهل سيشل‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن الصوات تحمل الصيغة الكونية‪ ،‬فلو كانت هناك مخلوقات عاقلة في الكون فطريقة التواصل معها هي طريقة صوتية بالضرورة‪.‬‬
‫‪ - 4‬لقد أكد الكتاب أنه توجد مخلوقات حية "فيها العاقل وغير العاقل" في هذا الكون‪ ،‬وليس في الرض فقط‪ ،‬وأن العاقل منها سيجتمع بعضه مع‬
‫بعض في المستقبل‪ ،‬وذلك في قوله تعالى )ومن آياته خلق السموات والرض وما ثبت فيهما من دابة” وهو على جمعهم إذا يشاء قدير( )الشورى‬
‫‪.(29‬‬
‫فقد وضع الدابة في السموات والرض وهي م دب‪ ،w‬يدب‪ w‬على الرض وهو أي كائن حي بما في ذلك النسان أو أي كائن عاقل‪ ،‬ووضع قانون‬
‫التطور أنه أصل الخلق في الوجود كله في قوله )وما بث فيهما من دابة( ووضع الجتماع للعاقل فقط من الدواب في قوله‪) :‬على جمعهم( "الميم‬
‫جمع للعاقل فقط"‪ ،‬وهذا الجتماع ممكن في المستقبل )إذا يشاء(‪.‬‬
‫ويحق لي الن أن أخمن دون أن أقطع‪ ،‬أنه إذا ما تيسر لنا لقاء بعقلء في كوكب آخر غير الرض ثم أردنا أن نتفاهم معهم أو نبث إليهم فعلينا أن‬
‫نستعمل هذه الصوات الحد عشر لنني أعتقد أنها القاسم المشترك للصوات التي يمكن أن تصدر عن العقلء‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫النبوة والرسالة‬
‫‪ - 1‬القرآن )النبوة( هو الموضوعي )‪ (Objective‬وأم الكتاب )الرسالة( هي الذاتي )‪(Subjective‬‬
‫لقد قلنا‪ :‬إن القرآن فر‪w‬ق بين الحق والباطل "الحقيقة الموضوعية والوهم"‪ ،‬وأم الكتاب فرقت بين الحلل والحرام "السلوك النساني"‪:‬‬
‫إن الوجود الموضوعي وقوانينه موجودة خارج الوعي النساني‪ ،‬فالشمس موجودة عرفنا ذلك أم لم نعرف‪ ،‬قبلنا ذلك أم لم نقبل‪ .‬ومن هنا نقول‪:‬‬
‫إن وجود الشمس" حق" ونقول إن الموت حق ول نقول إن الموت حلل‪ ،‬لن ظاهرة الموت موجودة عرفنا أن هناك موتا‪ O‬أم لم نعرف‪ ،‬قبلنا‬
‫بالموت أم لم نقبل‪ .‬وكذلك قانون الجاذبية والساعة والبعث‪ ،‬فإذا عرف الناس أن هناك بعثا‪ O‬بعد الموت فإنهم سيبعثون‪ ،‬وهم سيبعثون أيضا‪ O‬إذا لم‬
‫يعرفوا وهم سيبعثون إذا قبلوا بالبعث وإذا لم يقبلوا‪ ،‬لن البعث حقيقة موضوعية توجد خارج الوعي النساني‪ .‬ولهذا نقول‪ :‬إن البعث "حق" ول‬
‫نقول" إن البعث "حلل"‪.‬‬
‫والقرآن حقيقة موضوعية مطلقة في وجودها خارج الوعي النساني‪ .‬وفهم هذه الحقيقة ل يخضع إل لقواعد البحث العلمي الموضوعي‪ ،‬وعلى‬
‫رأسها الفلسفة وكل العلوم الموضوعية من كوسمولوجيا وفيزياء وكيمياء وأصل النواع وأصل الكون والبيولوجيا وسائر العلوم الطبيعية‪ .‬أما‬
‫"الشريعة والخلق والعبادات والقانون والسياسة والتربية" فليس لها علقة بالقرآن ل من قريب ول من بعيد‪ ،‬لذا يجب أن نفهم قول النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪" :‬القرآن حجة لك أو عليك" "صحيح مسلم ج ‪ 1‬ص ‪ "203‬لن من آمن بالبعث‪-‬والبعث من مواضيع القرآن‪-‬يرى التأويل النهائي‬
‫ليات البعث حين يبعث لنه يبصرها حقيقة مادية موضوعية‪ .‬وعندما يبعث الناس يكون القرآن حجة لمن آمن بالبعث وحجة على من لم يؤمن‬
‫بالبعث لن كل آيات الساعة والبعث واليوم الخر والجنة والنار هي من القرآن‪ ،‬وتأويلها النهائي هو إبصارها‪.‬‬
‫ )ولو ترى إذا وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون( )النعام ‪.(30‬‬‫ )ونزعنا ما في صدورهم م غل تجري من تحتهم النهار وقالوا الحمد ل الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لول أن هدانا ال لقد جاءت رسل ربنا‬‫بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون( )العراف ‪.(43‬‬
‫وبما أن القرآن هو نبوة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو اليات البينات‪ ،‬وهو الحق الموجود خارج الوعي النساني‪ ،‬فقد قال عنه النبي صلى ال‬

‫عليه وسلم‪" :‬العلماء ورثة النبياء" "أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داوود وأحمد" و"إن معاشر النبياء لم يورثوا دينارا‪ O‬ول‬
‫درهما‪ O‬وإنما ورثوا العلم" "انظر كشف الخفاء ج ‪ 2‬ص ‪ "83‬و"من قال بالقرآن بغير علم” فليتبوأ مقعده في النار" "الجامع الصغير للسيوطي ج‬
‫‪ 2‬ص ‪."167‬‬
‫إن ورثة النبياء ليسوا علماء الشريعة والفقه وحدهم إن هذا غير صحيح‪ .‬إن الفلسفة وعلماء الطبيعة وفلسفة التاريخ وأصل النواع والكونيات‬
‫واللكترونيات هم ورثة النبياء‪ .‬لذا قال‪) :‬وما يعلم تأويله إل ال والراسخون في العلم( )آل عمران ‪ (7‬وقال‪) :‬بل هو آيات بينات في صدور الذين‬
‫أوتوا العلم( )العنكبوت ‪ (49‬وقال سبحانه وتعالى‪) :‬ألم تر أن ال أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا‪ O‬ألوانها ومن الجبال جدد بيض‬
‫وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود( )فاطر ‪) (27‬ومن الناس والدواب والنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى ال من عباده العلماء إن ال‬
‫عزيز غفور( )فاطر ‪.(28‬‬
‫نحن نعلم في اللسان العربي أن كلمة "كذلك" أداة وصل بين خبرين‪ .‬فالخبر الول هو الية ‪ 27‬وأول الية ‪ 28‬والخبر الثاني هو )إنما يخشى ال‬
‫من عباده العلماء( فجاءت الداة "كذلك" لتربط بين الخبرين‪ .‬ونلحظ في الخبر الول علوم النواء والجيولوجيا وعلوم الجناس والنواع الحية‪،‬‬
‫ثم علق عليها )إنما يخشى ال من عباده العلماء( كذلك قوله تعالى‪) :‬أولم يكن لهم آية‪ O‬أن يعلمه علماء بني إسرائيل( )الشعراء ‪" .(197‬علماء‬
‫بني اسرائيل" هنا ليسوا الحاخامية والحبار فقط‪ ،‬ويجب أن نعلم أن النبوة مربوطة بالعلوم الموضوعية والتاريخية‪ .‬والرسالة مربوطة بالعلوم‬
‫الجتماعية والشرعية‪.‬‬
‫أما الرسالة فهي ذاتية‪ .‬فما معنى الذاتي )‪(Subjective‬؟‬
‫لنأخذ مثل‪ O‬إحدى وصايا رب العالمين‪) :‬و وصينا النسان بوالديه( )العنكبوت ‪ ،8‬لقمان ‪ ،14‬الحقاف ‪ .(15‬فإذا أخذنا بر الوالدين ل نرى أن له‬
‫وجودا‪ O‬خارج الوعي النساني‪ .‬فإذا علم النسان بوصية ال ببر الوالدين يمكن أن يبرهما أو ل يبرهما‪ ،‬وإذا لم يرد النسان أن يبر والديه فيمكن‬
‫أن ل يبرهما‪ .‬وكذلك الصلة‪ ،‬فإذا شاء النسان صلى وإن لم يشأ لم يصل‪ .w‬أي أن كل أحكام أم الكتاب مرتبطة بالنسان‪ .‬فلو افترضنا أنه قامت‬
‫حرب ذرية وفني الجنس البشري فإن هذا ل يؤثر على الشمس والمريخ ‪ ..‬ول يؤثر على نواميس الكون والوجود لن النفجار الذري هو من‬
‫نواميس الوجود المادي‪.‬‬
‫ولكن في الوقت نفسه إذا فني النسان ولم يبق هناك جنس إنساني فتذهب معه الصلة والصوم والحج والزكاة وبر الوالدين واجتناب شر الخمر‬
‫والميسر وتحريم الربا والعدل والظلم وكل القيم النسانية المنفردة والجتماعية‪ .‬هنا نفهم ما معنى الذاتي‪.‬‬
‫ولهذا لم يطلق لفظة الحق على أم الكتاب لنها قواعد سلوك إنساني وليست قوانين وجود موضوعي‪ ،‬بل أطلق عليها مصطلح الرسالة‪ ،‬وبها‬
‫أصبح محمد صلى ال عليه وسلم رسول‪ O‬وبلغها للناس واجتهد في تطبيق أحكامها في زمانه‪ ،‬وهي ليست كلمات ال ول من نواميس الوجود‪ ،‬لن‬
‫كلمات ال حق "قوله الحق"‪.‬‬
‫ول نرى في أحكام أم الكتاب مصطلح "قال ال" وهي قابلة للخذ بها أو تركها‪ ،‬لذا فهي مناط التكليف وفيها القضاء "أي الختيار" النساني‪ .‬أي‬
‫أن النسان يقضي فيها بنعم أول‪ ،O‬وله ملء الخيار فيها )ل إكراه في الدين( )البقرة ‪ .(256‬أما القرآن فليس مناط التكليف ول يوجد فيه أي أحكام‬
‫وأوامر تكليفية فهو حق حتمي ساحق ماحق‪ ،‬لذا فهو مناط القدر في قانونه العام‪ ،‬ومناط المعرفة النسانية في القوانين الجزئية‪ ،‬ومناط المعرفة‬
‫النسانية بالتاريخ‪.‬‬
‫وموقف النسان من القرآن اليمان به أو عدمه‪ ،‬ولذا قال )وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤيمن ومن شاء فليكفر ‪ ..‬الية( )الكهف ‪ .(29‬أما أن‬
‫يغير في قوانينه أو يهرب منها فل سبيل له إلى ذلك‪) :‬واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ل مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا‪) (O‬الكهف ‪(27‬‬
‫وللنسان حرية التصرف في القوانين الجزئية للطبيعة دون الخروج ع القانون العام‪ ،‬وهي مناط المعرفة النسانية والتصرف النساني‪ .‬ونرى أن‬
‫التقدم العلمي الهائل أعطى النسان حرية التصرف واستعمال هذه القوانين للدمار أو للرفاهية‪.‬‬
‫ولو قيل‪ :‬إذا كانت أم الكتاب ليست حقا‪ O‬وليست كلمات ال‪ ،‬فالسؤال الذي يطرح نفسه هو التالي‪ :‬هل أم الكتاب باطل "أي وهم"؟! نجيب فنقول‪:‬‬
‫إن الحق "القرآن" هو الموضوعي جاء لتصديق أم الكتاب "الذاتي"‪ .‬حيث أن أم الكتاب ليس لها وجود قائم في ذاته ومنفصل عن النسان‪ .‬فما‬
‫هو المصطلح الذي أطلق عليها في الكتاب؟‬
‫إن الظن بأن الروح هي سر الحياة هو الذي أبعد الناس عن المفهوم الحقيقي للروح والذي جاء في آيات الكتاب‪ ،‬فإذا كانت الروح هي سر الحياة‬
‫فهذا يعني أن البقر والفاعي والسمك وكل الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات لها روح! وهذا غير صحيح لن ال سبحانه وتعالى نفخ‬
‫الروح في آدم ولم يقل‪ :‬إنه نفخ الروح في بقية المخلوقات‪.‬‬
‫إن أزمة سوء فهم معنى الروح هي التي أوقعت المسلمين في شرك عدم البحث عن أصل الحياة وأصل النسان والنواع على الرض‪ ،‬ظنا‪ O‬منهم‬
‫أن الروح سر الحياة‪ ،‬وهي من اختصاص رب العالمين‪ .‬لذا لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن أصل الحياة‪ ،‬وذلك ناتج عن خطأ في فهم الية‪:‬‬
‫)ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إل قليل( )السراء ‪ .(85‬علما‪ O‬بأن آيات خلق البش عندي هو العالم الكبير‬
‫تشارلز داروين‪ .‬فهل يبحث عن الحقيقة في أصل النسان‪ .‬والقرآن أورد حقيقة أصل النسان‪ ،‬فيجب أن يتطابقا إن كان داروين على حق‪ .‬وأعتقد‬
‫أن نظريته في أصل البشر في هيكلها العام صحيحة لنها تنطبق على تأويل آيات الخلق‪.‬‬
‫والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو ما معنى قوله تعالى‪) :‬قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إل قليل(؟؟‬
‫ولقد ظن الكثير أن الجابة هي الروح أمر ل يخصهم ول علقة لهم به لن معلوماتهم قليلة‪ ،‬فاستنتج السلف أنه ل بحث في شأن الروح وأنها سر‬
‫الحياة‪ .‬هكذا كانت الرضية المعرفية السائدة‪ ،‬وقد كان موقفهم هذا مقنعا‪ O‬لهم ولمعاصريهم‪ .‬أم المر بالنسبة لنا فهو غير ذلك‪.‬‬
‫لننته الن من أن الروح ليست سر الحياة وأن الموت والحياة هما من قوانين الوجود المادي الموضوعي خارج الوعي النساني وكلهما من‬
‫قوانين الخلق‪) :‬الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عمل‪ .. O‬الية( )الملك ‪.(2‬‬
‫)سبح اسم ربك العلى * الذي خلق فسوى( )العلى ‪) ،(2-1‬كل شيء هالك إل وجهه له الحكم وإليه ترجعون( )القصص ‪ .(88‬لنأخذ الن آيات‬
‫الموت والوفاة التي وردت في الكتاب‪:‬‬
‫ )وما كان لنفس” أن تموت إل بإذن ال كتابا‪ O‬مؤجل‪ .. O‬الية( )آل عمران ‪.(145‬‬‫ )ال يتوفى النفس حين موتها … الية( )الزمر ‪.(42‬‬‫ )يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية‪ O‬مرضية‪) (O‬الفجر ‪.(28-27‬‬‫ )ولو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت والملئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم( )النعام ‪.(93‬‬‫فلنأخذ الن قول النبي صلى ال عليه وسلم‪" :‬والذي نفس محمد” بيده‪ ."ž‬ولنأخذ قول مصعب بن عمير عندما هددته والدته بأن تقتل نفسها إذا لم‬
‫يرجع عن دين محمد فقال‪" :‬وال لو أن لك مئة نفس” فخرجت نفسا‪ O‬نفسا‪."O‬‬
‫إن مقولة المترادفات في اللسان العربي جعلتنا نخلط بين النفس و الروح فالنفس تقابل بالنجليزية )‪ (SOUL‬والروح تقابل )‪ .(SPIRIT‬ومن‬
‫الخطأ القول‪ :‬الفاتحة إلى روح النبي‪ ،‬وروح المتوفى‪ .‬والصحيح‪ :‬الفاتحة إلى نفس النبي صلى ال عليه وسلم ونفس المتوفى ‪.‬‬
‫إن ال سبحانه وتعالى لم يذكر الروح في مجال الحياة والموت بتاتا‪ ،O‬ولكن التشابه في آيات خلق آدم‪ ،‬والرضية المعرفية للسلف جعلتهم يقولون‪:‬‬
‫إن الروح هي سر الحياة‪ ،‬وكان هذا ينسجم مع أرضيتهم المعرفية‪ ،‬وفي هذا يكمن إعجاز القرآن الكبر وهو الجدل بين النسبي والمطلق "أو‬

‫الجدل بين المحتوى والمتحرك والنص الثابت"‪ .‬فالنفس هي التي تحيا وتموت ول علقة للروح في ذلك‪ .‬ول يمكن شرح مقولة الروح إل بعد‬
‫شرح نظرية المعرفة النسانية في القرآن‪ ،‬وسنفصل القول فيها في فصل جدل النسان‪.‬‬
‫ولكن لعطاء فكرة للقارئ عن الروح التي حولت البشر إلى إنسان‪ ،‬أي التي نقلت النسان نقلة نوعية من المملكة الحيوانية إلى كائن عاقل واع‪،‬‬
‫نقول‪ :‬لعطاء هذه الفكرة ل بد‪ w‬من الشارة إلى أننا نرى أن نفخة الروح هي الحلقة المفقودة عند العلماء الذين بحثوا في نشأة النسان‪ .‬كما نرى‬
‫أن آدم هو أبو الحسن النساني ل الجنس البشري‪ ،‬بمعنى أنه يبدأ التاريخ النساني الواعي بآدم‪ .‬أما قبل آدم فكان ثمة¯ صنف¡ من المملكة‬
‫الحيوانية يدعى البشر‪ .‬ثم اصطفى ال آدم وزوجه من ذلك الصنف )إن ال اصطفى آدم …( )آل عمران ‪ .(33‬فآدم إذا‪ O‬ل يدخل في النبوات ول في‬
‫الرسالت‪ .‬ثم إن هناك معنى خاصا‪ O‬للفظة آدم‪ ،‬فهي تحمل صفة التشابه )وسنفصل القول في ذلك لدى البحث في نشأة الكلم النساني(‪ .‬لقد نفخ‬
‫ال الروح في البشر فتحول إلى إنسان وتطور وتقدم‪ ،‬ولم ينفخ الروح في القرود فبقيت كما هي‪.‬‬
‫أي لدينا الن المعادلة‪ :‬بشر ‪ +‬روح = إنسان‪.‬‬
‫إن كلية الطب تسمى كلية الطب البشري لنها تدرس النسان من حيث كونه بشرا‪ ،O‬شعر وجلد وعيون وجهاز هضمي وعصبي وقلب ودورة دم‪،‬‬
‫أي تدرسه كائنا‪ O‬حيا‪ O‬فقط‪ ،‬وفي هذا يتشابه النسان وبقية المخلوقات كالقرود والبقر والبل‪ ،‬فكلها كائنات حية ولها جلد وجهاز هضمي وعصبي‬
‫… الخ‪ ،‬ول تعيش دون رطوبة وأوكسجين‪ ،‬وكذلك النسان البشر‪.‬‬
‫وهناك علوم تسمى العلوم النسانية وهي القانون والشريعة والسياسة والخلق والفنون والداب والفلسفة والتاريخ‪ ،‬ثم هناك العلوم الطبيعية‬
‫وهي الفيزياء والكيمياء ‪ ..‬وهكذا دواليك‪.‬‬
‫إن العلوم النسانية هي العلوم التي تنتفي بغياب النسان‪ .‬فبدون النسان توجد الطبيعة والمجرات والشمس والبحار والتفاعلت الكيميائية‪،‬‬
‫وبدونه ل يوجد أصل‪ O‬فقه ول قانون ول فنون ول علوم بالطبيعة‪.‬‬
‫الروح إذا‪ O‬هي التي حو‪w‬لت البشر إلى إنسان ولنا هنا أن نتساءل‪ :‬ما الذي يمي‪w‬ز النسان من الحيوان ؟؟ يتميز النسان من الحيوان بأمرين فقط‬
‫وهما‪ :‬النتاج المباشر للروح‪ :‬المعرفة والتشريع )المر والنهي(‪.‬‬
‫فالحرية كانت نتيجة مباشرة للمعرفة‪ ،‬والتشريع جاء رديفا‪ O‬للمعرفة‪ .‬وبنفخة الروح أصبح النسان خليفة ل في الرض‪ .‬ومن جراء نفخة الروح‬
‫هذه أصبح للنسان تاريخ واع”‪ ،‬وأصبح يلبس لباسا‪ O‬ويسكن بيوتا‪ ،O‬وصار عنده حرام وحلل ومسموح وممنوع‪ ،‬وبنفخة الروح طي‪w‬ر الطائرات‬
‫وأطلق الصواريخ وصنع السيارات والغواصات وأشاد المصانع‪ ،‬كما أقام دول‪ ،O‬ووضع تشريعات وقوانين وأنشأ مؤسسات علمية واجتماعية‪ .‬كل‬
‫هذا حصل من هذه النفخة التي قال عنها‪) :‬ونفخت فيه من روحي( )الحجر ‪ ،29‬ص ‪ .(72‬فنفخة الروح هي النقلة النوعية التي أدت إلى انتقال‬
‫البشر إلى إنسان‪.‬‬
‫لنستعرض الن آيات "الروح من أمر ربي"‪:‬‬
‫ )ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إل قليل( )السراء ‪.(85‬‬‫ )وكذلك أوحينا إليك روحا‪ O‬من أرمنا ما كنت تدري ما الكتاب ول اليمان ‪ ..‬الية( )الشورى ‪.(52‬‬‫ )يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلق( )غافر ‪.(15‬‬‫ )ينزل الملئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ‪ ..‬الية( )النحل ‪.(2‬‬‫ )تنزل الملئكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر( )القدر ‪.(4‬‬‫فعندما سئل النبي صلى ال عليه وسلم عن الروح جاءت الجابة التالية‪ :‬هي من أوامر رب العالمين‪ ،‬فقد أمرنا رب العالمين بالصلة والصوم‬
‫والحج والزكاة وبر الوالدين والصدق وترك شهادة الزور وأوصانا بالرث وبعدم قتل النفس إلى نهاية أحكام أم الكتاب‪ .‬هذه الحكام ل توجد قائمة‬
‫في ذاتها وإنما مرتبطة بشكل مباشر بالنسان‪ .‬فإذا ذهب النسان ذهبت معه‪ ،‬والحكام مرتبطة بالنسان العاقل‪ ،‬وقد قال السادة الفقهاء" إن العقل‬
‫مناط التكليف" و"إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب"‪ .‬فال أعطانا الروح من ذاته وليس من المادة الكونية المكونة للنسان‪ .‬ولذلك سمى الحكام‬
‫روحا‪ O‬لنها ليست حقيقة مجسمة وإنما هي سلوك واع‪.‬‬
‫لنضرب الن مثال‪ O‬على ذلك‪ :‬نقول‪ :‬إن تعيين زيد بن عمرو رئيسا‪ O‬لجامعة دمشق هو من أمر السيد رئيس الجمهورية‪ ،‬أي ل بد ليصبح زيد بن‬
‫عمرو رئيسا‪ O‬لجامعة دمشق من مرسوم تعيين يصدره السيد رئيس الجمهورية‪ .‬فإذا صدر المرسوم فهل يرى بالعين أو يلمس باليد؟ أي هل هو‬
‫من المجسمات؟ قد يقول قائل‪ :‬نعم هو من المجسمات لن المرسوم يطبع على ورق ويوزع على دوائر الدولة ويرى بالعين‪ .‬إن الذي يرى بالعين‬
‫ويلمس باليد هو الورق والحبر‪ ،‬ولو كان الورق والحبر هو عين المرسوم‪ ،‬لمكن إصدار المراسيم إلى النسان والبهائم معا‪ .‬ولكن مرسوم‬
‫التعيين هو المعنى المتضمن في الكتابة والذي يفهمه النسان فقط على أنه مرسوم بتعيين زيد رئيسا‪ O‬للجامعة‪.‬‬
‫هذا من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى عندما يطلع إنسان ما على نص المرسوم فإنه يعرف أن فلنا‪ O‬أصبح رئيسا‪ O‬لجامعة دمشق‪ ،‬وهذا يعني أن‬
‫معلوماته زادت معلومة‪ ،‬أي أنه كان ل يعرف أن فلنا‪ O‬أصبح رئيسا‪ O‬لجامعة دمشق‪ ،‬فأصبح يعرف‪ ،‬فهل هذه الزيادة في المعرفة هي زيادة‬
‫مجسمة؟‬
‫إن الروح هنا لها جانبان "المر ‪ +‬المعرفة"‪ .‬وكلهما ل يعد من المشخصات والمجسمات‪ .‬وبما أن الوامر والنواهي يجب أن يستوعبها‬
‫النسان‪ ،‬فيجب عليه أن يمتلك أرضية معرفية معينة حتى يستطيع أن يستوعب المر‪ .‬ول يمكن أن تتم المعرفة النسانية دون قالب لغوي‪ .‬فعندما‬
‫عبر ال سبحانه وتعالى عن نفخة الروح في آدم قال‪) :‬وعلم آدم السماء كلها ‪ ..‬الية( )البقرة ‪ (31‬إن في هذه الية مفتاح فهم الروح‪ ،‬وتأويلها‬
‫مهم جدا‪ O‬في تحول البشر إلى إنسان‪.‬‬
‫عندما ورد السؤال عن الروح جاء الجواب‪:‬‬
‫ )قل الروح من أمر ربي( )السراء ‪" .(85‬أوامر"‬‫ )وما أوتيتم من العلم إل قليل( )السراء ‪" (85‬معلومات"‪.‬‬‫لحظ الربط بين الوامر والمعلومات "الحقائق العلمية"‪.‬‬
‫وكذلك جاءت بقية اليات بالمعنى نفسه‪) :‬يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده( )غافر ‪) (15‬ينزل الملئكة بالروح من أمره على من‬
‫يشاء من عباده( )النحل ‪ .(2‬ونلحظ أن هذه الية هي رقم ‪ 2‬في سورة النحل‪ .‬فإذا نظرنا إلى الية رقم ‪ 1‬نرى أنها تقول‪) :‬أتى أمر ال فل‬
‫تستعجلوه( وسمى جبريل روحا‪ O‬لنه كان يقوم بمهمتين هما )نقل الوامر والنواحي "أم الكتاب" ونقل الحقائق العلمية "القرآن"(‪ ،‬علما‪ O‬أن الية‬
‫‪ 86‬في سورة السراء شرحت تماما‪ O‬معنى الية ‪ 85‬فقد أتبع قوله )ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إل قليل(‬
‫)السراء ‪ (85‬أتبعها بقوله‪) :‬ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم ل تجد لك به علينا وكيل( )السراء ‪.(86‬‬
‫إن الية ‪ 86‬شرحت بشكل ل لبس فيه أن الروح المذكورة في الية ‪ 85‬هي مجموع ما أوحي إلى محمد صلى ال عليه وسلم وهل أوحي إليه غير‬
‫التشريع والعلم؟! لقد فهمنا سؤال اليهود للنبي صلى ال عليه وسلم فهما‪ O‬خاطئا‪ ،O‬فظننا أنهم يسألونه عن سر الحياة‪ ،‬علما‪ O‬بأنهم كانوا يسألونه‬
‫عن الناموس الذي جاء إلى موسى وعيسى‪ ،‬حيث أن مفهوم الروح عندهم ل يعني سر الحياة‪ .‬ولهذا اكتفى السائل بهذا الجواب‪.‬‬
‫هنا يكمن مفتاح القضية في فهم خلق النسان ويتجلى ذلك في أن الروح ليست سر الحياة العضوية‪ .‬وهكذا نرى أنه عندما سئل عن الروح أجاب‬
‫إجابة شافية وافية‪ ،‬ولم يقل للناس إن الروح سر ل تعرفونه فاسكتوا ول تسألوا‪" ،‬هكذا فهمها مفسرونا"‪ ،‬وعلينا تجاوزهم‪ ،‬لنه دون هذا‬

‫التجاوز يستحيل تأويل آيات خلق النسان‪ ،‬وأي تأويل ليات خلق النسان ينطلق من أن الروح هي سر الحياة هو تأويل خاطئ ل يمكن أن يتطابق‬
‫مع الحقيقة الموضوعية )‪ (objective reality‬وأصول البحث العلمي الموضوعي‪ .‬ومن جراء هذا الفهم الخاطئ ابتعد العرب المسلمون مئات‬
‫السنين عن البحث العلمي في خلق النسان وأصل النواع وتركوه لغيرهم‪.‬‬
‫ويجب أخيرا‪ O‬أن نعلم أن الروح هي القاسم المشترك بين ال والنسان وأنها سر التقدم النساني والرقي وأن النسان فقط له روح‪ ،‬فعندما نفخ ال‬
‫الروح في آدم وهي من ذاته أسجد ال له الملئكة لنه من هذه النفخة أعطاه الخلفة "حرية التصرف"‪.‬‬
‫فال يقضي والنسان يقضي‪ ،‬وال يعلم والنسان متعلم‪.‬‬

‫‪ - 2‬أم الكتاب هي رسالة محمد صلى ال عليه وسلم وهي كتاب ال‪ ،‬وقد جاء القرآن تصديق ‪O‬ا لها‬
‫تحتوي رسالة محمد صلى ال عليه وسلم على عدة فروع وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬الحدود بما فيها العبادات‪.‬‬
‫‪ - 2‬الفرقان العام والخاص )الوصايا(‪.‬‬
‫‪ - 3‬أحكام مرحلية‪.‬‬
‫‪ - 4‬أحكام ظرفية‪.‬‬
‫‪ - 5‬تعليمات عامة ل تدخل في الحكام الشرعية جاءت تحت بند "يا أيها النبي" كلباس المرأة في سورة الحزاب‪.‬‬
‫‪ - 6‬تعليمات خاصة بالنبي صلى ال عليه وسلم "زوجات النبي"‪.‬‬
‫‪ - 7‬ممنوعات كالخمر والميسر والنصاب والزلم‪ ،‬وهي تخضع للجتهاد ما عدا الحدود والعبادات وأول من اجتهد بها النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم وطبقها حسب الظروف الموضوعية في شبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلدي‪.‬‬
‫ل أريد هنا أن أخوض في تفصيلت أم الكتاب لننا أفردنا لها فصل‪ O‬خاصا‪ O‬بها في الباب الثالث ولكن أقول أن هذه هي الرسالة وبها أصبح محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم رسول‪ .‬ولها الطاعة المنفصلة أو المتصلة لذا قال )قل أطيعوا ال والرسول ‪ ..‬الية( )آل عمران ‪" .(32‬طاعة متصلة" وقال‬
‫)وأطيعوا ال وأطيعوا الرسول ‪ ..‬الية( )المائدة ‪" .(92‬طاعة منفصلة"‪ ،‬ولم يقل أبدا‪ O‬وأطيعوا النبي‪ ،‬لن الرسالة أحكام والنبوة علوم‪.‬‬
‫هذه هي الرسالة التي طبقها محمد صلى ال عليه وسلم بسنته لذا قال صلى ال عليه وسلم إن صح "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن‬
‫اعتصمتم به" من خطبة الرسول صلى ال عليه وسلم في حجة الوداع )انظر جامع الصول جـ ‪ 3‬ص ‪ .(465‬وقال "أوتيت الكتاب ومثله معه"‪.‬‬
‫لقد كان تطبيق محمد صلى ال عليه وسلم لم الكتاب في شبه جزيرة العرب في القرن السابع هو الحتمال الول لتطبيق الرسالة وفقا‪ O‬للشروط‬
‫الموضوعية زمانا‪ O‬ومكانا‪ O‬وسنفصل الحديث عن ذلك عند الكلم على السنة في بحث أم الكتاب‪.‬‬
‫ولكن أريد أن أبين نقطة وهي أن اليات من أم الكتاب والتي تبدأ بقوله تعالى‪) :‬يا أيها النبي( ليست أحكاما‪ O‬شرعية‪ ،‬بل هي تعليمات أو حالت‬
‫خاصة للنبي صلى ال عليه وسلم أو هي تعليمات عامة وليست تشريعات أي أنها "ول المثل العلى" تعليمات إجرائية وليست مراسيم تشريعية‪.‬‬
‫لقد جاءت لفظة اليات البينات للقرآن‪ .‬وقد شرحنا مفهوم البينات بأنها بينة في ذاتها‪ .‬أما اليات المبينات فهي مبينة لغيرها وهي من أم الكتاب‪.‬‬
‫وجاءت اليات المبينات في أمور تتعلق بأحكام ظرفية في أم الكتاب مثل الزنا‪ .‬وقد وردت لفظ "مبينة" مفردا‪ O‬مع الفاحشة فقط في قوله )إل أن‬
‫يأتين بفاحشة” مبينة( )النساء ‪ .19‬و)يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة” مبينة”( )الحزاب ‪ .(30‬وقوله )ول يخرجن إل أن يأتين بفاحشة” مبينة”(‬
‫)الطلق ‪ .(1‬هنا نلحظ أن الفاحشة بحاجة إلى ظروف وملبسات تبينها‪.‬‬
‫وبما أن الزنا مرتبط بأمور ظرفية‪ ،‬فقد بين هذه المور الظرفية والشروط اللزمة لقامة الحد في سورة النور في اليات )‪ (9-4‬إذ بين رمي‬
‫المحصنات والشهادة والملعنة ثم أتبع ذلك بقوله في الية ‪) :34‬ولقد أنزلنا إليكم آيات” مبينا”(‪ .‬وعندما ذكر الفاحشة المبينة في الية رقم ‪ 1‬في‬
‫سورة الطلق ذكر بعدها آيات تتعلق بالعدة والعلقات السرية ‪ .7 ،6 ،4 ،2‬وهذه اليات تتعلق بالرسالة ولذا ذكر في آخر سورة الطلق )رسول‬
‫يتلو عليكم آيات ال مبينات ‪ ..‬الية( )لطلق ‪.(11‬‬

‫‪ - 3‬تفصيل الكتاب‬
‫ )وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ال ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب العالمين( )يونس ‪.(37‬‬‫ )ما كان حديثا‪ O‬يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى‪ O‬ورحم ‪O‬ة لقوم” يؤمنون( )يوسف ‪.(111‬‬‫ )الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم” خبير( )هود ‪.(1‬‬‫ )أفغير ال أبتغي حكما‪ O‬وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصل‪ O‬والذين آتيناهم الكتاب يعلون أنه منزل من ربك بالحق فل تكونن من الممترين(‬‫)النعام ‪.(114‬‬
‫هذه اليات تتحدث عن التفصيل‪ ،‬ولكن يجب أن نميز بين نوعين من التفصيل‪.‬‬
‫اشتق التفصيل من الفعل "فصل" وهو أصل صحيح يدل على تمييز الشيء من الشيء وإبانته عنه "ابن فارس م ‪ 4‬ص ‪ ."505‬وعلى هذا‬
‫المعنى فالتفصيل يحمل وجهين‪:‬‬
‫‪ - 1‬الوجه الول‪ :‬التفصيل بمعنى الشرح‪ :‬وقد سبق لي أن ذكرت اليات التي تتحدث عن الكتاب بأن فيه محكما‪ O‬ومتشابها‪ O‬والتي تذكر أن القرآن‬
‫جعل عربيا‪ O‬وأنزل عربيا‪ ،O‬وأن أم الكتاب عربية وأن القرآن ل يمسه إل المطهرون‪ ،‬هذه اليات تشرح محتويات الكتاب‪ ،‬لذا فهي ل محكمة ول‬
‫متشابهة أي ليست أحكاما‪ O‬وليست قرآنا‪ O‬فهذه اليات تسمى تفصيل الكتاب في قوله‪) :‬وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب العالمين(‪ .‬وقد جاء‬
‫التفصيل بمعنى الشرح في قوله تعالى في آخر سورة يوسف )وتفصيل كل شيء(‪.‬‬
‫‪ - 2‬الوجه الثاني‪ :‬الفصل المادي للشياء زمانيا‪ O‬أو مكانيا‪ O‬أي أن تأتي أحداث متتالية مفصولة زمنيا‪ O‬بعضها عن بعض كأن نقول‪ :‬الفصل الدراسي‬
‫الول والفصل الدراسي الثاني‪ ،‬فهذا يعني أن هناك فاصل‪ O‬زمنيا‪ O‬فصل بينهما وأنهما جاءا بالتتالي وبمعنى الفصل الزمني كأحداث متتالية جاءت‬
‫الية )فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات” مفصلت” فاستكبروا وكانوا قوما‪ O‬مجرمين( )العراف ‪ (133‬فهنا ذكر خمس‬
‫آيات من اليات البينات التسع التي جاءت إلى موسى ولكن ذكر هنا أن هذه اليات الخمس كانت آيات مفصلت أي مفصو ‪O‬ل بعضها عن بعض‪.‬‬
‫إذ جاء الطوفان أو ‪O‬ل ثم تله الجراد وهكذا حتى الدم‪ ،‬وهناك أيضا‪ O‬الفصل المكاني أي فصل آيات الكتاب بعضها عن بعض ووضعها في أماكن‬
‫مختلفة في الكتاب )السور(‪ .‬وعلى هذا الساس نفهم قوله تعالى‪) :‬وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصل‪) (O‬النعام ‪ (114‬أي أن الكتاب مفصل إلى‬
‫‪ 114‬سورة‪ ،‬كأن نقول ول المثل العلى‪ :‬إن كتابا‪ O‬ما مؤلف من فصلين أو ثلثة فصول‪ .‬هذا ليبين أن فصل اليات بعضها عن بعض توقيفي وأن‬
‫عدد اليات وترتيبها في كل سورة توقيفي من ال‪.‬‬
‫أما قوله تعالى )الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم” خبير( )هود ‪ (1‬فهذه الية تتحدث عن الفصل المكاني للكتاب المحكم والذي يمثل‬

‫مجموع اليات المحكمات "أم الكتاب" لذا وضع الكتاب في صيغة النكرة في قوله "كتاب" ثم عرفه بإضافة )أحكمت آياته( وهو هنا الكتاب‬
‫المحكم وليس المصحف‪ .‬هذا الكتاب المحكم نرى أن الحكام فيه متوزعة في كل المصحف‪ ،‬فنرى أحكاما‪ O‬في سورة البقرة ثم نرى أحكاما‪ O‬أخرى‬
‫في سورة النساء والمائدة ‪ ..‬الخ وهذا ما ل نراه في الكتب النسانية‪ ،‬فعندما نقرأ أحكام الدستور لدولة ما‪ ،‬نرى أن هذه الحكام تحمل صفة التتالي‬
‫فنرى المادة الولى تتلوها المادة الثانية وهكذا‪.‬‬
‫ولكن في الكتاب نرى حكما‪ O‬ما يتلوه آية كونية ثم قصص ثم حكم آخر وهكذا‪ .‬هذا الفصل في اليات المحكمات لبعضها عن بعض إنما هو من ال‪،‬‬
‫يدلك على ذلك أنه أتبعها بقوله‪) :‬ثم فصلت من لدن حكيم خبير(‪.‬‬
‫فإذا سأل سائل‪ :‬ماذا وضع بين آيات الكتاب المحكم؟ لقد جاءت الجابة على هذا السؤال في سورة فصلت في قوله‪) :‬كتاب فصلت آياته قرآنا‪ O‬عربيا‬
‫لقوم” يعلمون( )فصلت ‪.(3‬‬
‫لنرى الن الربط‪:‬‬
‫)الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير( )كتاب فصلت آياته قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لقوم” يعلمون(‪ .‬فصيغة "قرآنا‪ O‬عربيا‪ "O‬هي حال لفعل فصلت‬
‫وليست وصفا‪ O‬لكلمة "كتاب"‪ ،‬أي أن آيات الكتاب المحكم ف•صل بعضها عن بعض ووضع بينها القرآن وفاعل الفصل هو ال سبحانه وتعالى‬
‫لقوله‪) :‬من لدن حكيم” خبير(‪.‬‬
‫إن التيه الكبر في كتب التفاسير هو أن أصحابها لم يربطوا بين الية ‪ 7‬من آل عمران وهي‪) :‬هو الذي أنزل في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه‬
‫منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إل ال والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إل أولو اللباب( نوع‬
‫الية‪" :‬تفصيل الكتاب‪ ،‬ل محكم ول متشابه"‪.‬‬
‫والية ‪ /1/‬من سورة هود وهي‪) :‬الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير( )نوع الية‪ :‬تفصيل الكتاب و"الر" من أصوات السبع‬
‫المثاني(‪.‬‬
‫والية ‪ /3/‬من سورة فصلت وهي‪) :‬كتاب فصلت آياته قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لقوم” يعلمون( )نوع الية‪ :‬تفصيل الكتاب(‪.‬‬
‫والية ‪ /23/‬من سورة الزمر وهي‪) :‬ال نزل أحسن الحديث كتابا‪ O‬متشابها‪ O‬مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ‪ ..‬الية( )نوع الية‪:‬‬
‫تفصيل الكتاب(‪.‬‬
‫إن الخطأ هو الظن بأن الكتاب المقصود بهذه اليات المذكورة أعله هو نفسه‪ ،‬أي أن الكتاب الموجود ما بين دفتي المصحف هو المقصود بهذه‬
‫اليات كلها‪ .‬وبدون هذا التفريق ل يمكن وضع منهج علمي لفهم الكتاب من أحكام وقرآن وتفصيل الكتاب‪.‬‬
‫الن يمكن أن نسأل السؤال التالي‪ :‬ما هي الغايات التي فصل الكتاب من أجلها على هذا الشكل أي لماذا تداخل التشابه وتفصيل الكتاب بين‬
‫المحكم‪ ،‬ثم تفصيل الكتاب إلى هذا العدد والمواقع من السور واليات؟‬
‫إن الهدف الول الذي نراه هو أن اليات المحكمات قابلة للتزوير وليس فيها أي إعجاز‪ ،‬وقد حصل فعل‪ O‬هذا عند اليهود‪ ،‬إذ نرى عندهم أحكاما‬
‫جاء بها أحبار اليهود‪ .‬أي أن اجتهادات أحبار اليهود أضيفت إلى الحكام التي جاءت إلى موسى إضافة وفي هذا قال‪) :‬فويل للذين يكتبون الكتاب‬
‫بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ال ‪ ..‬الية( )البقرة ‪ (79‬وقد قلت‪ :‬إن الكتاب بالنسبة لليهود والنصارى هو الحكام فقط‪ .‬أما الشكل الذي وضع به‬
‫القرآن بين الحكام فإن أي اجتهاد في الحكام ل يمكن وضعه داخل هذه الحكام‪ ،‬لن عدد اليات وترتيبها في السورة الواحدة المؤلفة من محكم‬
‫ومتشابه ول محكم ول متشابه مضبوط¡ تماما‪ O‬وموقع كل آية مضبوط¡ تماما‪ ،O‬وهذا ما أكده ال سبحانه وتعالى في سورة المائدة )وأنزلنا إليك‬
‫الكتاب بالحق مصدقا‪ O‬لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا‪ O‬عليه ‪ ..‬الية( )المائدة ‪.(48‬‬
‫فالكتاب بالحق هو القرآن وهو النبوة مع تفصيل الكتاب‪ .‬هذا القرآن هو تصديق لما بين يديه من الكتاب‪ ،‬وأم الكتاب هي من الكتاب حيث تشكل‬
‫مع القرآن الكتاب‪ .‬أي أن الوظيفة الثانية للقرآن بعد تصديق أم الكتاب "الذي بين يديه" هي الهيمنة على أم الكتاب‪ .‬والهيمنة في اللسان العربي‬
‫تعني الحفظ والرقابة فنقول‪ :‬هيمن الطير على فراخه عندما يفرد جناحيه فوقهم ليحفظهم‪ .‬ومنه جاء اسم ال "المهيمن" وهو الحافظ والرقيب‪.‬‬
‫والناحية الخيرة التي نراها في تفصيل الكتاب هذا التداخل في المواضيع في السورة الواحدة فنرى أن قصة موسى في أكثر من موضع وكذلك‬
‫آيات خلق النسان وخلق الكون حيث نراها متداخلة مع غيرها ومتناثرة ضمن نسق ل ندري إلى الن اللية الرياضية لهذا النسق‪ ،‬ولكن الذي‬
‫نقوله هو ما يلي‪:‬‬
‫إذا نظرنا إلى جسم النسان وهو أكمل المخلوقات المعروفة رأينا أن أعضاء جسم النسان متداخل بعضها ببعض‪ ،‬فهناك الجهزة والعضاء‬
‫المختلفة لهذه الجهزة‪ ،‬ثم نرى أيضا‪ O‬أن الجهزة المختلفة متداخل بعضها ببعض‪ ،‬فل نرى الجلد وحده والعظام وحدها والعضلت وحدها وكذلك‬
‫العصاب والوردة والشرايين‪ ،‬كل هذا متداخل بعضه ببعض‪ ،‬فل نرى في النسان أو ‪O‬ل طبقة كاملة من العظام تليها طبقة كاملة من الوعية‬
‫الدموية تليها طبقة كاملة من العضلت‪ ..‬وهكذا دواليك‪.‬‬
‫ثم نجد هذه الظاهرة في الطبيعة‪ ،‬فالحوال الجوية هي الحرارة والرطوبة والرياح ولكن هذه العناصر متداخل بعضها ببعض مكانا‪ O‬وزمانا‪ O‬غير‬
‫مفصولة‪ .‬وأن الذي صنع النسان والطبيعة هو الذي صاغ النزال وأمر بالتنزيل وفصل الكتاب‪ ،‬فنرى هذا التشابه العجيب حيث أن الناموس‬
‫واحد‪ .‬ثم إن النسان منذ ألف عام شاهد الدم وقال عنه إنه سائل أحمر والن نرى الدم فيه كريات حمر وبيض وصفائح ‪ ..‬الخ‪ ،‬وهكذا عندما نظر‬
‫القدمون إلى القرآن شاهدوه كما شاهد القدمون الدم‪ ،‬والن نحن نشاهده كما نشاهد الن الدم أكثر وضوحا‪ O‬مع معرفة الوظائف لكل مركب‪.‬‬
‫والقرآن في صياغته‪ ،‬والكتاب في توزيع آياته وتفصيله معقد كتعقيد تركيب جسم النسان‪ ،‬وما زلنا إلى اليوم نكتشف الجديد وأمامنا الكثير الكثير‬
‫لنبحث عنه ونعلمه‪.‬‬
‫إن النتيجة الساسية التي نستنتجها من تفصيل الكتاب أن هناك سورا‪ O‬في الكتاب كلها قرآن‪ ،‬وسورا‪ O‬في الكتاب فيها قرآن وأم الكتاب معا‪ ،O‬وسورا‬
‫فيها أم الكتاب فقط‪ ،‬فإذا كان هناك سورة كلها من أم الكتاب أي أن كل آياتها محكمات فتصبح السورة محكمة‪ ،‬وفعل‪ O‬هناك سورة واحدة فقط في‬
‫الكتاب محكمة ليس فيها قرآن‪ ،‬وقد نبهنا ال لهذا في سورة محمد في قوله‪) :‬ويقول الذين آمنوا لول نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر‬
‫فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض¡ ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم( )محمد ‪.(20‬‬
‫في هذه السورة قال‪ :‬سورة محكمة‪ ،‬قال عنها محكمة للتعريف أي ليميزها عن بقية السور‪ ،‬ولو كانت كل السور في الكتاب محكمة لما قال سورة‬
‫محكمة‪ ،‬ثم لحظ كيف جاء النزال والتنزيل للفظة "سورة"‪ .‬فعندما ذكر التنزيل لم يعط أي معلومات في قوله )لول نزلت سورة( وعندما ذكر‬
‫النزال للسورة أتبعها بمعلومات للدراك في قوله‪) :‬فإذا أنزلت سورة محكمة ‪ ..‬الية(‪ .‬فإذا تصفحنا الكتاب نرى أن هذه السورة المحكمة هي‬
‫سورة التوبة التي تبدأ بالية )براءة¡ من ال ورسوله( ثم نرى أن هذه هي السورة الوحيدة في الكتاب التي ل تبدأ بـ"بسم ال الرحمن الرحيم"‬
‫والسبب في ذلك هو عد وجود أي آية من آيات القرآن فيها وبالتالي ل يمكن أن يكون اسم الرحمن في البسملة لقوله )الرحمن * علم القرآن(‬
‫)الرحمن ‪ (2-1‬لذا حذفت البسملة كلها لن القرآن كله رحماني حيث أن آية )علم القرآن( ل تعني أنه علمه للخرين بمعنى العملية التعليمية‪،‬‬
‫ولكنها تعني أنه وضع اسمه الرحمن علم ‪O‬ة للقرآن لكي يميز‪.‬‬
‫وقد كان الصحابة رضوان ال عليهم واعين لهذه الحالة تماما‪ O‬حيث وضعوها سورة لوحدها ولم يعتبروها تتمة لسورة النفال‪ .‬فإذا أردنا أن نقارن‬
‫بين سورتين في الكتاب إحداهما محكمة تماما‪ O‬والخرى متشابهة تماما‪" O‬قرآن فقط" فما علينا إل أن ننظر إلى سورة التوبة "كلهم محكم"‬
‫وسورة الصافات "كلها متشابه" فإن ما نراه بشكل واضح هو اختلف المواضيع واختلف الصياغة‪ ،‬فسورة الصافات هي من أعقد السور في‬

‫الكتاب‪ .‬ولو سألني سائل‪ :‬هل عدد آيات المتشابه "القرآن" أكثر أم عدد آيات الحكم "أم الكتاب"؟ لقلت‪ :‬إن عدد آيات لمتشابه أكثر بكثير من عدد‬
‫آيات المحكم "أم الكتاب" لن هناك أكثر من سورة واحدة في الكتاب كلها قرآن‪.‬‬
‫وبما أن أم الكتاب أنزلت عربية )وكذلك أنزلناه حكما‪ O‬عربيا‪) (O‬الرعد ‪ (37‬وجزء من أم الكتاب له علقة بالحداث التي حصلت في أثناء بعثة محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم "أسباب النزول"‪ .‬أما القرآن فليس له علقة بالحداث التي حصلت في أثناء بعثته صلى ال عليه وسلم وأنزل أيضا‪ O‬عربيا‬
‫)إنا أنزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم تعقلون( )يوسف ‪ .(2‬فلو جعل القرآن فقط عجميا‪ O‬لصبح في الكتاب لغتان‪ :‬القرآن أعجمي وأم الكتاب وتفصيل‬
‫الكتاب باللسان العربي‪ .‬أي يصبح الكتاب بلغتين عربية وأعجمية وآيات متداخلة بلسانين‪ ،‬الحكام وتفصيل الكتاب عربية حيث أن في الحكام‬
‫وتفصيل الكتاب تلزم النزال والتنزيل ول يوجد فيهما جعل والقرآن أعجمي فوجب فصل بعضهما عن بعض‪ .‬وفي هذا المجال بالضبط في سورة‬
‫فصلت‪) :‬ولو جعلناه قرآنا‪ O‬أعجميا‪ O‬لقالوا لول فصلت آياته أأعجمي وعربي ‪ ..‬الية( )فصلت ‪.(44‬‬
‫لحظ هنا "فصلت آياته" أي فصل بعضها عن بعض‪ ،‬والهاء في "آياته" تعود على مجمل التنزيل كله حيث ذكره في مجال "الذكر" في اليات‬
‫‪ 41‬و ‪ 42‬في قوله‪) :‬إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز )* ( ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه تنزيل من حكيم حميد(‪.‬‬
‫وهل يمكن أن يجعل القرآن أعجميا؟ الجواب‪ :‬نعم‪ ،‬لسببين‪ :‬الول‪ :‬هو أن القرآن له وجود مسبق قبل أن يكون عربيا‪ O‬وإنما جعل عربيا‪ O‬دفعة‬
‫واحدة في النزال‪ .‬وثانيا‪ O‬أن مهمة النبي صلى ال عليه وسلم كانت نقل القرآن إلى الناس دون تأويل‪ ،‬وفي هذا كان عجب العرب بأن ينزل القرآن‬
‫على محمد صلى ال عليه وسلم في شبه جزيرة العرب‪ ،‬والعرب قوم متخلفون عن غيرهم فكانت تجاورهم فارس والروم‪.‬‬
‫وكان الروم والفرس متقدمين من الناحية العلمية والحضارية على العرب‪) :‬وقالوا لول نزل هذا القرآن على رجل” من القريتين عظيم( )الزخرف‬
‫‪ .(31‬لحظ أن هذه الية جاءت حول القرآن فقط‪ ،‬وليس حول أم الكتاب‪ .‬والقرآن ل علقة له بأسباب النزول‪ ،‬والقريتان هنا هما الروم والفرس‪.‬‬
‫و"القرية" هنا من المجتمع المستقر من فعل "¡رو" ومنها جاء الستقرار لن الروم والفرس كانوا مؤهلين أكثر من العرب لستقبال القرآن لهذا‬
‫أتبعها بقوله‪) :‬أهم يقسمون رحمة ربك( )الزخرف ‪ .(32‬ولهذا فإنه كان كثيرا‪ O‬ما يسبق إلى ظني أن المقصود بالقريتين إنما هو الفرس والروم‪ ،‬ل‬
‫مكة والطائف‪.‬‬
‫وفعل‪ ،O‬من الناحية الموضوعية‪ ،‬لو كان القرآن أعجميا‪ O‬وبقية الكتاب عربيا‪ O‬لرأينا في السورة الواحدة اليات المتداخلة آية عربية وأخرى أعجمية‪.‬‬
‫ولبرز التساؤل التالي‪ :‬لماذا لم تفصل اليات بعضها عن بعض العربية على حدة والعجمية على حدة )ولقالوا لول فصلت آياته أأعجمي وعربي(‪.‬‬
‫وإنه لمن الوهم الكبير الظن بأن قوله‪) :‬أأعجمي وعربي( هو أن القرآن أعجمي والنبي صلى ال عليه وسلم عربي حيث أنها ل تستقيم من‬
‫الناحية اللغوية‪ ،‬أي كيف يتم عطف القرآن على النبي‪ ،‬ولكن المعنى يستقيم تماما‪ O‬عندما تعود جملة "أأعجمي وعربي" على الكتاب نفسه أي‬
‫جزء منه أعجمي وجزء آخر عربي‪.‬‬
‫قد يسأل سائل‪ :‬لماذا لم يقل‪ :‬إن الكتاب كله "أي الذكر الموجود بين دفتي المصحف" أنزل عربيا‪ O‬دون هذه التفاصيل؟ أقول إن هناك سببين لهذه‬
‫التفاصيل‪:‬‬
‫‪ - 1‬القرآن تلزم فيه الجعل والنزال "جعل عربيا‪ O‬وأنزل عربيا‪ "O‬أي له وجود مسبق في لوح محفوظ وإمام مبين‪ ،‬أما أم الكتاب وتفصيل الكتاب‬
‫فليس لهما وجود مسبق بل تلزم النزال والتنزيل فيهما ول يوجد فيهما جعل‪.‬‬
‫‪ - 2‬هناك آيات في الكتاب غير عربية وهي آيات السبع المثاني حيث أنها ليست بلسان عربي وإنما هي أصوات إنسانية أي أن ‪/‬الم * يس ‪ /‬ليست‬
‫عربية ول تركية ول إنكليزية … الخ‪ .‬بل هي ألفاظ مركبة من أصوات تتألف منها اللغات النسانية قاطبة‪ .‬فمثل‪ O‬لفظة "يس" تتألف من صوتي‬
‫الياء والسين وهما موجودان في كل ألسن أهل الرض دون استثناء‪ ،‬وكذلك لفظة "الر" المؤلفة من أصوات الهمزة واللم والراء هي أصوات‬
‫موجودة في كل لغات أهل الرض فهذه اللفاظ ليست عربية ول غير عربية‪ ،‬لن اللفظة في لسان ما تتألف من أصوات "دال" ترتبط بمعنى وهو‬
‫المدلول "المعنى في الذهن"‪ .‬ولو كانت لفظة "الم" أو لفظة "يس" عربية لما مضى أربعة عشر قرنا‪ O‬على نزولها وما زلنا ل نفهمها‪.‬‬
‫ونكتفي بالقول‪ :‬ال أعلم بمرادها‪ .‬وهناك مئات اللف بل المليين أتقنوا اللسان العربي على مدار أربعة عشر قرنا‪ .O‬ولو كانت "الم" لفظة عربية‬
‫لدرك النسان العربي معناها في الذهن مباشرة لنها كلمة تدخل ضمن مفردات لسانه‪ ،‬ولكن ل يوجد في اللسان العربي كلمة تلفظ "ألف لم ميم"‬
‫بل يوجد كلمة تلفظ "ألم" كقوله‪) .‬ألم نشرح لك صدرك( )النشراح ‪ .(1‬ولكن "ألم" في آية )ألم نشرح لك صدرك( هي مختلفة تماما‪ O‬عن آية‬
‫"ألف لم ميم"‪ .‬وهكذا يظهر جليا‪ O‬لماذا لم يقل‪ :‬إن الكتاب كله أنزل عربيا‪.O‬‬
‫ورد في الية ‪ 7‬من سورة آل عمران قوله )هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات … الية( )آل عمران‬
‫‪ (7‬هذه الية صنفت اليات في الكتاب إلى أكثر من نوعين‪ .‬فلو قلنا‪ :‬إن الكتاب فيه نوعان من اليات محكم ومتشابه فقط لوضع اليات‬
‫المتشابهات معرفة أي في صيغة "والخر متشابهات" في هذه الحالة يفهم أن كل اليات غير المحكمات هي متشابهات ولكن كونه وضع التشابه‬
‫في حالة غير معرفة يفهم أن غير المحكم فيه متشابه ولكن ليس كله متشابها‪ O‬فنستنتج بالضرورة أن هناك آيات في الكتاب ل محكمات ول‬
‫متشابهات‪ ،‬هذه اليات هي تفصيل الكتاب حيث ورد في الكتاب آيات كثيرة تشرح محتويات الكتاب وأعتقد أن هذه المعضلة وقع فيها الكثير ممن‬
‫عملوا في علوم الكتاب‪.‬‬
‫و أوضح مثال على ذلك الية رقم ‪ 7‬في سورة آل عمران والتي تقول‪ :‬إن الكتاب فيه محكم وفيه متشابه في اليات غير المحكمة‪ .‬هذه الية نفسها‬
‫كيف تصنف‪ :‬هل هي متشابهة؟ والجواب‪ :‬ل هي غير متشابهة لنها هي التي أخبرتنا عن وجود المحكم والمتشابه‪ .‬والستنتاج المنطقي أنها آية‬
‫من الكتاب تشرح محتوياته‪ ،‬هذا النوع من اليات تم تصنيفها في الية رقم ‪ 37‬من سورة يونس في قوله‪) :‬وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب‬
‫العالمين( أي أن اليات التي تشرح محتويات الكتاب وتصنيفاته هي تفصيل الكتاب وعددها في الكتاب ليس بالعدد القليل‪.‬‬
‫مثال آخر‪ :‬الية ‪ 37‬من سورة يونس التي تقول إن هناك قرآنا‪ O‬وهناك تصديق الذي بين يديه وهناك تفصيل الكتاب هي نفسها ل محكمة ول‬
‫متشابهة وتنتمي إلى زمرة اليات التي تدخل تحت عنوان تفصيل الكتاب وكذلك الية )ولقد آتيناك سبعا‪ O‬من المثاني والقرآن العظيم( )الحجر ‪(87‬‬
‫ليست أحكاما‪ O‬وليست قرآنا‪ O‬وليست من السبع المثاني لنها تتكلم عن عطف القرآن على السبع المثاني وليست قصصا‪ O‬فهي شارحة للمتشابه في‬
‫الكتاب وهو القرآن والسبع المثاني فتدخل تحت بند تفصيل الكتاب‪ .‬وقد أكد أن تفصيل الكتاب موحى من ال أيضا‪ O‬وليس من النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم في قوله )وتفصيل الكتاب ل ريب فيه من رب العالمين( يونس ‪ .(37‬هنا جاء تفصيل الكتاب بمعنى شرح محتويات الكتاب ل شرح أحكام‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫أما المعنى الثاني لتفصيل الكتاب فهو فصل آيات الكتاب بعضها عن بعض فصل‪ O‬ماديا‪ .O‬أي أن ترتيب اليات في كل سورة وعدد هذه اليات هو أمر‬
‫توقيفي من ال سبحانه وتعالى‪ ،‬فنرى أن سورة البقرة فيها ‪ 286‬آية وآل عمران فيها ‪ 200‬آية وتسلسل اليات في كل سورة لم يأتي حسب‬
‫نزولها بالضرورة بل تم ترتيبها وحيا‪ O‬وقد جاء هذا المعنى المادي في الفصل ل في الشرح في قوله تعالى‪) :‬الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من‬
‫لدن حكيم خبير(‪) .‬هود ‪ ،(1‬وسيأتي شرح هذه الية في حينه‪.‬‬
‫يبقى لدينا سؤال هام هو‪ :‬هل آيات تفصيل الكتاب مثل الية رقم ‪ 7‬في آل عمران والية رقم ‪ 37‬في سورة يونس أهي من النبوة أم من الرسالة‬
‫إنها قطعا‪ O‬ليست من الرسالة لن ليس فيها أحكام ول أوامر ول نواه ول مواعظ أو وصايا‪ ،‬ويبقى أحد الحتمالين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنها من النبوة لن مواضيعها كلها إخبارية تعليمية‪ ،‬لذا فإنها تدخل تحت بند النبوة حيث أنها آيات تعليمية شارحة لمحتويات الكتاب ولكنها‬
‫غير متشابهة‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬أنها ليست من النبوة ول من الرسالة وأنا أستبعد هذا الحتمال حيث أن الكتاب الذي أوحي إلى محمد صلى ال عليه وسلم حوى النبوة‬
‫والرسالة معا‪ .‬فمحمد صلى ال عليه وسلم نبي ورسول وله مقامان فقط‪ :‬مقام النبوة ومقام الرسالة فل يوجد أي مقام آخر إضافي نعطيه للنبي‬
‫لكي يغطي تفصيل الكتاب‪ ،‬وبالتالي فآيات تفصيل الكتاب تدخل في النبوة ولكنها ليست متشابهة وليس لها علقة بلوح محفوظ أو إمام مبين بل‬
‫أوحيت مباشرة من ال تعالى‪.‬‬

‫‪ - 4‬أم الكتاب "الرسالة" كتاب اللوهية والقرآن والسبع المثاني "النبوة" كتاب الربوبية‬
‫ تعريف اللوهية والربوبية‪:‬‬‫لقد جاء في الكتاب أن ال سبحانه وتعالى هو إله الناس وهو رب العالمين بقوله‪) :‬الحمد ل رب العالمين( )الفاتحة ‪ .(1‬وقوله )فاعلم أنه ل إله‬
‫إل ال( )محمد ‪ .(19‬وقوله )فإلهكم إله واحد( )الحج ‪ (33‬وقوله )رب المشرقين ورب المغربين( )الرحمن ‪ .(17‬فما معنى مصطلح الرب‬
‫ومصطلح الله؟‬
‫ الرب‪:‬‬‫جاءت الرب في اللسان العربي من الملك والسيادة‪ .‬فنقول إن الب هو رب السرة والسيد‪ ،‬فعلقة الب بالسرة هي علقة سيادة وملكية وسيطرة‬
‫كقوله تعالى‪) :‬يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا‪) (O‬يوسف ‪ (41‬وقوله )اذكرني عند ربك( )يوسف ‪ ،(42‬فإذا كان لزيد ثلثة أولد‪:‬‬
‫الول يطيعه‪ ،‬والثاني ل يطيعه ول يعصيه‪ ،‬والثالث ل يعترف به أصل‪ ،O‬فهل مواقف الولد الثلثة تغير من حقيقة أن زيدا‪ O‬هو أبوهم؟‬
‫فالربوبية هي حقيقة موضوعية خارج الوعي النساني وهي علقة ال بمخلوقاته كلها وهي علقة سيطرة وملكية وسيادة وهي علقات صارمة‬
‫ل تبديل فيها‪ .‬فعندما ندرس قوانين الفيزياء والكيمياء والجاذبية فإننا ندرس قوانين الربوبية حيث أنها قوانين صارمة تعمل خارج الوعي‬
‫النساني‪ ،‬فال هو رب الناس "مؤمنهم وكافرهم" ورب الشجر والسموات والرض شاؤوا أم أبوا‪ ،‬عرفوا أم لم يعرفوا‪.‬‬
‫لذا فعندما ادعى فرعون الربوبية قال )أنا ربكم العلى( )النازعات ‪ (24‬وهذا الدعاء كان إدعاء ملكية وسيادة بقوله‪) :‬ونادى فرعون في قومه‬
‫قال يا قوم أليس ليس ملك مصر وهذه النهار تجري من تحتي أفل تبصرون( )الزخرف ‪ (51‬أي أن فرعون في ادعائه الربوبية‪ ،‬حسب أن مصر‬
‫بأراضيها وأنهارها وسمائها ومزروعاتها وحيواناتها وسكانها هي ملكه الشخصي يتصرف بها كيف يشاء ومتى يشاء دون أن يعارضه أحد‪.‬‬
‫وعندما قال ال سبحانه وتعالى للملئكة )إني جاعل في الرض خليفة( )البقرة ‪ (30‬فمن هو خليفة ال في الرض غير النسان؟ فخلفة النسان‬
‫ل في الرض هي أن أعطاه سلطة من سلطاته‪ ،‬وسلطان ال على المخلوقات ه من مقام الربوبية‪ ،‬فأعطى ال للنسان من هذا المقام فأصبح‬
‫النسان يملك الرض والسماء ويتصرف بها وتعلم قوانين الربوبية في ال‪ž‬شياء لكي يصبح هو ربا‪ O‬لها‪.‬‬
‫فعندما عرف الجاذبية وقوانين الدفع صعد إلى القمر ثم مع الزمن سيتصرف في القمر في هذا المجال قال تعالى‪) :‬ألم تر أن ال سخر لكم ما في‬
‫الرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الرض إل بإذنه إن ال بالناس لرؤوف رحيم( )الحج ‪ (65‬وقوله تعالى )ألم‬
‫تروا أن ال سخر لكم ما في السموات وما في الرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة‪ O‬وباطنة‪ O‬ومن الناس من يجادل في ال بغير علم” ول هدى‪ O‬ول‬
‫كتاب” منير( )لقمان ‪ (20‬وقوله )وسخر لكم ما في السموات وما في الرض جميعا‪ O‬منه إن في ذلك ليات لقوم” يتفكرون( )الجاثية ‪.(13‬‬
‫فالنسان "مؤمنا‪ O‬أو كافرا‪ "O‬خليفة ال في الرض في مقام الربوبية أصبح مالكا‪ O‬لها مسيطرا‪ O‬عليها متصرفا‪ O‬بها ثم سيتصرف في السموات‪ .‬فماذا‬
‫أعطى ال للنسان بالضبط لكي يصبح خليفة له؟ "أنظر مقالتي حول نفخة الروح من هذا الكتاب"‪.‬‬
‫أما اللوهية فهي كما يلي‪:‬‬
‫بما أن ال أعطى النسان خلفته في الرض فأعطاه من البربوية‪ ،‬وطلب منه مقابل ذلك طاعة لوامره ونواهه‪ .‬هذه الطاعة جاءت في اللوهية‬
‫أي أن يعترف النسان أن ال إلهه‪ ،‬وهذا العتراف يعبر عنه بطاعة أوامر ال‪.‬‬
‫فالربوية هي علقة صارمة بين ال وكل مخلوقاته وأعطيت للناس سواسية‪ ،‬أما اللوهية فهي اعتراف من العاقل فقط بال وبتوحيده وبأوامره‬
‫)أمر أل تعبدوا إل إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ل يعلمون( )يوسف ‪ .(40‬لحظ هنا أن الخطاب موجه إلى العاقل فقط‪ .‬ولكي يؤكد وحدانية‬
‫الربوبية وأن الربوبية سيطرة وملكية وقهر قال‪) :‬يا صاحبي السجن ءاأرباب متفرقون خير أم ال الواحد القهار( )يوسف ‪ (39‬هنا نلحظ كيف‬
‫ذكر الوحدانية والقهر مع الربوبية‪.‬‬
‫فالربوبية علقة سيادة وملكية وهي علقة موضوعية صارمة ل خيار فيها‪ .‬واللوهية هي علقة طاعة اختيارية من العاقل فقط‪.‬‬
‫ونشير إلى أمر هام جدا‪ O‬وهو أن الربوبية تسبق اللوهية‪ ،‬فقبل وجود العاقل ل يوجد ألوهية‪ ،‬وإنما وجدت مع العاقل لذا ل نرى في الكتاب صيغة‬
‫"إل العالمين" أو "إله السموات والرض" بل نرى صيغة "رب العالمين" "رب السموات والرض"‪.‬‬
‫وكان هنا ادعاء فرعون الثاني‪ ،‬وهو إدعاء اللوهية الذي سبقه ادعاء الربوبية بقوله )وقال فرعون يا أيها المل ما علمت لكم من إله غيري ‪..‬‬
‫الية( )القصص ‪ (38‬هنا الخطاب للعاقل فقط في قوله )يا أيها المل(‪ .‬أما قوله )ما علمت لكم من إله غيري( كان طلبا‪ O‬للطاعة الكاملة من العاقل‪،‬‬
‫ولو سألته‪ :‬لماذا الطاعة الكاملة؟ لجاب من مقام الربوبية )ما أريكم إل ما أرى وما أهديكم إل سبيل الرشاد( )غافر ‪ (29‬أي بما أنني أنا ربكم‬
‫فانكم سترون ما أرى‪ ،‬لني أعرف مصالحكم أكثر ما تعرفونها أنتم أنفسكم‪.‬‬
‫وعندما أعدم فرعون السحرة أعدمهم من مقام الربوبية لنه مالكهم ولنهم عصوه في مقام اللوهية )ءآمنتم له قبل أن آذن لكم( )طه ‪ (71‬عصوه‬
‫هم في الطاعة فأعدمهم بالملكية‪ .‬لذا قال تعالى عن فرعون )فأخذه ال نكال الخرة والولى( )النازعات ‪ .(25‬فالولى هنا هي ادعاء الربوبية‬
‫والخرة هي ادعاء اللوهية وهنا ذكر الخر قبل الولى وهي اللوهية لنها جاءت بعد قوله‪) .‬أنا ربكم العلى(‪.‬‬
‫فإذا أخذنا الن الكتاب نرى أن كل أوامر ال ونواهيه جاءت في أم الكتاب "الرسالة" فطلب منا أن نقول‪" :‬ل إله إل ال محمد رسول ال" ونرى‬
‫كل القوانين الموضوعية الصارمة جاءت في القرآن "النبوة" ففيها كلها قوانين الربوبية‪ ،‬ولو قال‪" :‬ل رب إل ال‪ ،‬بل طلب منهم أن يقولوا "ل‬
‫إله إل ال" لن ال ربهم شاؤوا أم أبوا ‪w‬إ أنهم ل يستطيعون أن يتحدوه في ربوبيته لهم‪ .‬فال رب الناس "كافرهم ومؤمنهم" حيث قال )كل نمد‬
‫هؤلء وهؤلء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا( )السراء ‪) (20‬كل نمد هؤلء وهؤلء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا‪(O‬‬
‫)السراء ‪ (20‬وال من مقام الربوبية يرزق المؤمن والكافر ويعطي المطر والغيث والشمس وكل قوانين الطبيعة للمؤمن والكافر على حد سواء‪.‬‬
‫فإذا سأل سائل لماذا؟ فالجواب لنه ربهم‪.‬‬
‫لحظ قوله تعالى‪) :‬وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا‪ O‬آمنا‪ O‬وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بال واليوم الخر قال ومن كحفر فأمتعه قليل‪ O‬ثم‬
‫أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير( )البقرة ‪ (126‬فعندما دعا إبراهيم ال أن يرزق أهل البيت الحرام فقط من آمن منهم بال واليوم الخر‪ ،‬أما‬
‫غير المؤمن قل يدخل في دعاء إبراهيم كان رد ال عليه )قال ومن كفر فأمتعه قليل‪ (O‬قليل‪ O‬هنا تعني في هذه الحياة الدنيا لقول‪)-‬فما متاع الحياة‬
‫الدنيا في الخرة إل قليل( )التوبة ‪ (38‬وقوله )قل متاع الدنيا قليل والخرة خير لمن اتقى ‪ ..‬الية( )النساء ‪.(77‬‬
‫ثم نرى أيضا‪ O‬أن ال لم يطلب من أحد العتراف بربوبيته‪ ،‬وكل الرسالت جاءت من أجل اللوهية‪ ،‬ل من أجل الربوبية‪ .‬جاءت من أجل أن يعترف‬

‫العاقل بأن ال هو الهه‪ .‬فبدأ بقوله )شهد ال أنه ل إله إل هو الملئكة وأولو العلم( )آل عمران ‪ (18‬لحظ الشهادة من ال والملئكة وأولو العلم‪.‬‬
‫فإذا تصفحنا كل آيات الكتاب فلن نرى أن هناك آية تقول‪ :‬إن غير العاقل شهد ل باللوهية‪ ،‬وخطاب اللوهية يعود للعاقل‪ .‬ففي خطاب الرسل‬
‫لقوامهم كانت اللوهية هي العمود الفقري للخطاب‪:‬‬
‫ )قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق( )البقرة ‪.(133‬‬‫ )وإلهكم إله واحد( )البقرة ‪ .(163‬لحظ أن الخطاب للعاقل‪.‬‬‫ )لقد كفر الذين قالوا إن ال ثالث ثلث ”ة وما من إله إل إله واحد( )المائدة ‪.(73‬‬‫ )قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون( )النعام ‪.(19‬‬‫ )ذلكم ال ربكم ل إله إل هو خالق كل شيء فاعبدوه( )النعام ‪.(102‬‬‫هنا لحظ "ربكم ــ خالق كل شيء‪.‬‬
‫ل إله إل هو ـــ فاعبدوه‪.‬‬
‫فخالق كل شيء تعود على ربكم‪ .‬واعبدوه تعود على ل إله إل هو‪.‬‬
‫ )آمنت أنه ل إله إل الذي آمنت به بنو إسرائيل( )يونس ‪.(90‬‬‫ )قال يا قوم ابعدوا ال ما لكم من إله غيره إن أنتم إل مفترون( )هود ‪.(50‬‬‫ )إنني أنا ال ل إله إل أنا فاعبدني وأقم الصلة لذكري( )طه ‪.(14‬‬‫لحظ كيف أتبع العبادة باللوهية‪.‬‬
‫ )وقال ال ل تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد( )النحل ‪.(51‬‬‫ )ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم( )النبياء ‪.(29‬‬‫ )فأرسلنا فيهم رسول‪ O‬منهم أن ابعدوا ال ما لكم من إله غيره( )المؤمنون ‪.(32‬‬‫ )أإله¡ مع ال بل قوم يعدلون( )النمل ‪.(60‬‬‫ )أإله مع ال بل أكثرهم ل يعلمون( )النمل ‪.(61‬‬‫ )ول تدع ع ال إلها آخر ل إله إل هو( )القصص ‪.(88‬‬‫نلحظ أنه عندما يذكر مقام الوهية يذكره من باب قبول العاقل له‪ ،‬ومن باب أن يتخذ العاقل ال إلهه‪.‬‬
‫ )ول تجعل مع ال إلها‪ O‬آخر فتلقى في جهنم ملوما‪ O‬مدحورا‪) (O‬السراء ‪.(39‬‬‫ )ربنا رب السموات والرض لن ندعو من دونه إلها‪) (O‬الكهف ‪.(14‬‬‫لحظ كيف ذكر الربوبية للسموات والرض والولهية لدعاء العاقل فقط‪.‬‬
‫ )والذين ل يدعون مع ال إلها‪ O‬آخر( )الفرقان ‪.(68‬‬‫ )قال لئن اتخذت إلها‪ O‬غيري لجعلنك من المسجونين( )الشعراء ‪.(29‬‬‫ )فل تدع مع ال إلها‪ O‬آخر فتكون من المعذبين( )الشعراء ‪.(213‬‬‫ )قالوا يا موسى اجعل لنا إلها‪ O‬كما لهم آلهة( )العراف ‪.(138‬‬‫فإذا تصفحنا كل آيات الكتاب ل نرى صيغة "ول تدع مع ال ربا‪ O‬آخر"‪ .‬ول نجد صيغة "أل تعبدوا إل الرب"‪.‬‬
‫وعندما دعا هود قومه قال )إني توكلت على ال ربي وربكم ما من دابة” إل هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط” مستقيم()هود ‪.(56‬‬
‫لقد قال )ال ربي وربكم( فعلم الخلف؟ كان الخلف على اللوهية بقوله‪) :‬وإلى عاد” أخاهم هودا‪ O‬قال يا قوم اعبدوا ال مالكم من إله غيره إن أنتم‬
‫إل مفترون( )هود ‪ .(50‬قال )ما لكم من إله غيره(‪ .‬ولم يقل ما لكم من رب غيره لن المر مفروغ منه بأن ال هو رب هود ورب قوم هود‪ .‬ويجب‬
‫علينا أن نفهم أن ال سبحانه وتعالى هو رب محمد هود ورب قوم هود‪ .‬ويجب علينا أن نفهم أن ال سبحانه وتعالى هو رب محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم ورب أبي لهب‪ ،‬وأن ال سبحانه وتعالى إله محمد صلى ال عليه وسلم ولكنه ليس بإله أبي لهب‪ .‬إن أبا لهب لم يؤلهه ولم يعترف‬
‫بألوهيته واتخذ آلهة غيره‪.‬‬
‫وبما أن مجال أوامر ال سبحانه وتعالى جاءت في أم الكتاب "الرسالة" فمن هنا نستنتج أن أم الكتاب هي كتاب اللوهية‪ ،‬وبما أن قوانين الكون‬
‫الصارمة وظواهره جاءت في القرآن اعترف بها الناس أم لم يعترفوا بالقرآن هو كتاب الربوبية‪.‬‬
‫وبما أن أم الكتاب هي كتاب اللوهية وهو كتاب ال قال في سورة فاطر )إن الذين يتلون كتاب ال وأقاموا الصلة وأنفقوا مما رزقناهم سرا‬
‫وعلنية‪ O‬يرجون تجارة لن تبور( )فاطر ‪.(29‬‬
‫أما عن كتاب الربوبية فقال‪) :‬واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ل مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا‪) (O‬الكهف ‪.(27‬‬
‫إن ملحظة الفرق الكبير بين نهاية الية الولى ونهاية الية الثانية‪ ،‬فـ)يرجون تجارة‪ O‬لن تبور( فيها رجاء‪ ،‬و)لن تجد من دونه ملتحدا‪ (O‬فيها‬
‫حتمية‪.‬‬
‫وعندما ذكر موسى اليات البينات التسع قال‪) :‬وما أنزل هؤلء إل رب السموات والرض بصائر( )السراء ‪ .(102‬وهنا نلحظ أيضا‪ O‬أن اليات‬
‫البينات فيها الربوبية‪.‬‬
‫فهنا جاءت تلوة كتاب ال الرسالة "أم الكتاب" وتلوة كتاب الربوبية النبوة "القرآن" "كتاب ربك"‪) .‬هذا بصائر من ربكم( )العراف ‪(203‬‬
‫والكتابان جمعا‪ O‬في المصحف مع آيات تفصيل الكتاب‪ ،‬وبما أن الحياة والموت والرزق والجر من مقام الربوبية فقد قال‪) :‬وما أسألكم عليه من‬
‫أجر إن أجري إل على رب العالمين( )الشعراء ‪) (180-164-145-127-109‬ال ل إله إل هو رب العش العظيم( )النمل ‪" (26‬رب المر‬
‫والنهي"‪.‬‬
‫ )إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها( )النمل ‪.(91‬‬‫لحظ ب هذه البلدة‪.‬‬
‫ )رب السموات والرض وما بينهما الرحمن( )النبأ ‪.(37‬‬‫ )فليعبدوا رب هذا البيت( )قريش ‪.(3‬‬‫ )وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري( )طه ‪.(90‬‬‫وعندا جعل ال النسان خليفة في الرض جعله من مقام الربوبية لقوله )وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الرض خليفة‪) (O‬البقرة ‪.(30‬‬
‫أما قوله عن النصارى بأنهم )اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا‪ O‬من دون ال( )التوبة ‪ (31‬فهو أن أحبار النصارى ورهبانهم مارسوا أمرين هما‬
‫من اختصاص الربوبية ول يوجد فيهما أية طاعة وتشريع‪:‬‬
‫ المر الول‪ :‬أنهم في مرحلة من المراحل التاريخية صاروا يوزعون الجنة على الناس بصكوك وهذا من اختصاص الربوبية‪.‬‬‫ المر الثاني‪ :‬وهو قام إلى اليوم في ظاهرة العتراف‪ ،‬فإذا اعترف المذنب فإن الراهب يحلله من الذنب وهذا من اختصاص الربوبية‪.‬‬‫لذا فإننا نرى في الكتاب أن دعاء النسان إلى ال دائما‪ O‬يأخذ مقام المملوك إلى المالك فيبدأ بربي‪ ،‬والمناداة دائما‪ O‬من مقام الربوبية "ربي‪،‬‬

‫ربنا" )رب اغفر لي ولوالدي( )نوح ‪)(28‬ربنا آتنا في الدنيا حسنة( )البقرة ‪) (201‬يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين( )المائدة ‪) .(83‬قال‬
‫ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين( )العراف ‪)(23‬عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم( )التحريم ‪ .(8‬فتكفير السيئة‬
‫والتحليل من الذنب هي من اختصاص الربوبية‪ ،‬هنا نفهم لماذا قال )أربابا‪ O‬من دون ال( ولم يقل آلهة من دون ال‪.‬‬
‫وبما أن مقام الربوبية له وضع خاص ل يستطيع أي انسان أن يفعله فقد قال‪) :‬ول يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين أربابا‪) (O‬آل عمران ‪ (80‬أي‬
‫أن الملئكة والنبيين ل يغفرون لحد ول يوزعون على أحد الجنة أو النار‪.‬‬
‫إن توضيح الفرق بين مفهوم اللوهية والربوبية ينعكس بشكل مباشر على بنية الدولة‪ .‬فالربوبية سلطة وتملك‪ ،‬واللوهية طاعة من خلل‬
‫القانون والحكام‪ .‬والدولة ينعكس فيها هذان المصطلحان‪ ،‬فالدولة فيها السلطة والتملك وامتلك مقادير المور وفيها الطاعة والولء عن طريق‬
‫القانون والحكام وقد انعكس هذا المفهوم على بنية الدولة من خلل التطور التاريخي للدول‪ ،‬وما القصص القرآني إل تفاعل النسان مع قوانين‬
‫الربوبية في المعرفة "النبوات" ومع أحكام اللوهية في الرسالت وهكذا يكتسب القصص هذه الهمية‪.‬‬

‫‪ - 5‬العرب اهتموا بفهم أم الكتاب "الرسالة"‬
‫لقد اهتم العرب بفهم الرسالة اهتماما‪ O‬شديدا‪ O‬وأعطوها كل وقتهم وجهدهم وجاهدوا في نشرها بين المم ولكنهم لم يهتموا بفهم القرآن‪ .‬لن القرآن‬
‫بحاجة إلى تفرغ ووضع حضاري معين وبحث علمي‪ ،‬لذا قال تعالى عن القرآن )وقرآنا‪ O‬فرقناه لتقرأه على الناس على مكث”( )السراء ‪ (106‬قال‪:‬‬
‫)على الناس( ولم يقل على الذين اتقوا‪.‬‬
‫فكلما زادت معاهد البحث العلمي وزاد عدد المتفرغين لهذا البحث وزاد عدد الختصاصات زاد فهم الناس للقرآن‪ .‬هذه الشروط لم تكن متوفرة في‬
‫عهد النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذه الظاهرة وردت في سورة الفرقان بقوله )وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا‪(O‬‬
‫)الفرقان ‪ .(30‬فقوم الرسول هم العرب‪ ،‬كل العرب‪ ،‬لحظ قوله )إن قومي( إذ لم يقل‪" :‬إن الذين كفروا من قومي"‪ ،‬ولو عنى المسلمين لقال‬
‫"أمتي" لن العرب قومه والمسلمين أمته‪ .‬هذه الية تنطبق على العرب بما فيهم الصحابة والخلفاء الراشدين من أبي بكر الصديق إلى علي بن‬
‫أبي طالب‪ .‬فإذا سألني سائل‪ :‬ما دليلك على هذا؟؟ أقول ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬بعد وفاة النبي صلى ال عليه وسلم حارب أبو بكر الصديق المرتدين من أجل الزكاة وهي من أم الكتاب "الرسالة" واستشهد في حرب الردة‬
‫كثير ن الصحابة‪ ،‬ومع ذلك كان أبو بكر الصديق واثقا‪ O‬من قراره‪ .‬وقد أجاب في الوقت نفسه عندما سئل عن تفسير حرف من القرآن فقال‪" :‬أي‬
‫سماء تظلني وأي أرض” ت•ق‪ž‬لني! وأين أذهب! وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب ال بغير ما أراد ال تبارك وتعالى" )انظر تفسير الطبري ج‬
‫‪ 1‬ص ‪.(78‬‬
‫تأمل قوله‪ ،‬ترى هل كان يقصد الزكاة أو الصلة أو الرث؟‪ .‬وقرأ عمر بن الخطاب "رض" على المنبر قوله تعالى )وفاكهة وأبا‪ (O‬فقال‪" :‬ما‬
‫الب؟" ثم قال‪ :‬إن هذا الكتاب فاعملوا عليه‪ ،‬وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه" )فتح القدير للشوكاني ج ‪ 5‬ص ‪ (376‬لحظ أن تعليق عمر بن‬
‫الخطاب كان على آية من القرآن وليس من الحكام‪.‬‬
‫‪ - 2‬لقد قال الذين كفروا من العرب عن القرآن فقط إنه سحر مبين )وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين(‬
‫)الحقاف ‪ .(7‬لماذا؟ وكيف فهم العرب مؤمنهم وكافرهم قوله تعالى‪) :‬مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ ل يبغيان( )الرحمن ‪(20-19‬؟ أقول لم‬
‫يستوعبوها‪ ،‬فالكافر قال إنها سحر‪ ،‬والمؤمن آمن بها تسليما‪.‬‬
‫‪ - 3‬كان إيمان المؤمنين من العرب كالتالي )ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق( )يونس ‪ (53‬وهكذا آمن العرب تسليما‪ O‬بأنه حق كما جاء‬
‫في هذه الية‪.‬‬
‫‪ - 4‬روى عن سعيد بن المسيب )أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال‪" :‬إنا ل نقول في القرآن شيئا‪ ("O‬رواه مالك في الموطأ‪ .‬ت•رى هل‬
‫كان سعيد بن المسيب يقصد آيات الرث أو المحارم أو آية الوضوء أو آية المداينة والتي كلها من المحكمات القابلة للفهم من كل الناس‪ ،‬لقد كان‬
‫دقيقا‪ O‬عندما قال‪" :‬إننا ل نقول في القرآن شيئا‪."O‬‬
‫هذا الموقف من العرب أيام النبي صلى ال عليه وسلم كان موقفا‪ O‬علميا‪ O‬من الناحية التاريخية‪ ،‬لن القرآن كان معظمه‪-‬إن لم يكن كله‪ -‬غيبا‬
‫بالنسبة لهم ولم يؤول أية آية‪ O‬في زمانهم ولم تكن أرضيتهم العلمية تسمح لهم بالتأويل لذا قال عن الكافرين‪) :‬بل كذبوا بما يحيطوا بعلمه ولما‬
‫يأتهم تأويله ‪ ..‬الية( )يونس ‪ .(39‬هذا الموقف التاريخي العلمي مقدره ال لهم تقديرا‪ O‬كبيرا‪ O‬بأن سلموا بالقرآن تسليما‪ O‬وآمنوا به على أنه الحق‪،‬‬
‫علما‪ O‬بأنه كان غيبا‪ O‬بالنسبة لهم‪.‬‬
‫هذا التقدير جاء في سورة الواقعة )والسابقون السابقون * ألئك المقربون * في جنات النعيم * ثلة من الولين * وقليل من الخرين( )الواقعة‬
‫‪ (14-13-12-11-10‬أي عند نزول القرآن آمن به من آمن تسليما‪ ،O‬وهؤلء هم السابقون‪ ،‬وأعطاهم ال مكانة عالية بقوله‪) :‬أولئك المقربون(‪.‬‬
‫أما قوله )ثلة من الولين * وقليل من الخرين(‪ .‬فهذا يعكس التطور العلمي والتاريخي لفهم القرآن‪ .‬فالذين آمنوا بالقرآن تسليما‪ O‬عند نزوله كانوا‬
‫يشكلون الكثرية الساحقة إن لم يكونوا كلهم لذا قال )ثلة من الولين(‪ .‬ولكن بعد مرور الزمن وتقدم العلم فإن الناس الذين سيؤمنون تسليما‪ O‬على‬
‫طريقة الولين سيكون عددهم أقل لننا نعرف الن معنى قوله تعالى )مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ ل يبغيان( والناس يؤمنون بها الن‬
‫كافر ومؤمن تصديقا‪ O‬ل تسليما‪.‬‬

‫‪ - 6‬القدر في القرآن والقضاء في أم الكتاب‬
‫بما أن آيات القرآن هي آيات قوانين الوجود وظواهر الطبيعة وأحداث التاريخ التي حصلت فعل‪" O‬أي بعد حدوثها ل قبله" والتي تظهر التطور‬
‫التاريخي الحتمي في اتجاه التقدم من خللها لن الحدث التاريخي النساني هو قضاء قبل وقوعه‪ ،‬وقدر بعد وقوعه‪ ،‬وهذا الحدث النساني قبل‬
‫وقوعه يدخل في عالم الممكنات وبعد وقوعه ينتقل إلى عالم الحتميات‪ ،‬لذا جاء القصص من القرآن‪ .‬فقوانين الكون هي قوانين حتمية صارمة‬
‫وأحداث النسان بعد وقوعها تأخذ صفة الحتمية‪ ،‬والقدر هو الوجود الحتمي للشياء والحداث خارج الوعي النساني‪ ،‬والقضاء هو حركة‬
‫إنسانية واعية بين النفي والثبات ضمن هذا الوجود‪.‬‬
‫فإذ تصفحنا كل آيات أم الكتاب نراها مواعظ وأحكاما‪ O‬ووصايا ونصائح وتعليمات جاءت حصرا‪ O‬للسلوك النساني‪ .‬فالنسان له الخيار في أن يقوم‬
‫بها أو ل يقوم‪ ،‬وهي مناط القضاء النساني وتدخل ضمن الحرية النسانية‪ .‬وبما أن أوامر أم الكتاب فيها حركة بين نفي وإثبات‪ ،‬أي نعم ول‪ ،‬فال‬
‫سبحانه وتعالى في أوامره لم يأمرنا إل بالخير ونهانا عن الشر‪ ،‬ولكن لنا ملء الخيار في أحدهما ول يمكن أن نمارس الحكام الواردة في أم‬
‫الكتاب إل إذا دخلت وعينا وعلمنا بها‪ ،‬فوجب أن تكون صياغتها سهلة الفهم لنه على كل الناس ممارستها خاصتهم وعامتهم‪ ،‬ومن هنا كانت ل‬
‫تحتوي على خاصية التشابه‪ ،‬فل يمكن للناس أن يصوموا إذا لم يعلموا بالصوم أول‪ ،O‬وإذا علموا بالصوم فيمكن أن يقبلوا أول‪ O‬يقبلوه‪ .‬أي أن أم‬
‫الكتاب حتى تنفذ لها شرطان‪ :‬العلم بها وقبولها‪ ،‬لذا فهي تعاليم إلهية تدخل ضمن القضاء النساني وليست قوانين رحمانية موضوعية‪.‬‬

‫أما القرآن ففيه قوانين الوجود الموضوعي وقد قال عنه‪ :‬إنه الحق "فالموت حق" ول تتأثر ظاهرة الموت بعلم النسان لها أو قبوله بها المران‬
‫سيان‪ ،‬والشمس حق فل تتأثر بعلم النسان بها أو قبوله لها‪ .‬ولهذا نقول‪ :‬إن آيات القرآن فيها القدر‪ ،‬فالقدر وجود موضوعي والقضاء سلوك‬
‫إنساني واع‪.‬‬
‫من هذا المنطلق نفهم اليتين التاليتين من سورة النساء‪:‬‬
‫‪) - 1‬أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولون هذه من عند ال وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل‬
‫كل من عند ال فمال هؤلء ل يكادون يفقهون حديثا( )النساء ‪.(78‬‬
‫‪) - 2‬وما أصابك من حسن ”ة فمن ال وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسول‪ O‬وكفى بال شهيدا‪) (O‬النساء ‪.(79‬‬
‫تبدأ الية ‪ 78‬من سورة النساء بقوله‪) :‬أينما تكونوا يدرككم الموت( والموت حق ول علقة له بالحلل والحرام وتنتهي بقوله‪) :‬فمال هؤلء القوم‬
‫ل يكادون يفقهون حديثا( وكما قلت إن القرآن هو الحديث‪) .‬أفبهذا الحديث أنتم مدهنون( )الواقعة ‪ ،(81‬فهذه الية تتحدث عن الوجود ل عن‬
‫السلوك‪ ،‬فجبريل وإبليس والحياة والموت كلهما وجود من ال لذا قال )قل كل من عند ال( هذه الية تتكلم عن المقدرات وجودا‪.O‬‬
‫أما الية رقم ‪ 79‬فإنها تتحدث عن الختيار النساني فال أوجد جبريل وإبليس وكلهما حق ول يوجد أحقية بالوجود لحدهما دون الخر‪ ،‬ولكنا‬
‫أمرنا باتباع جبريل دون اتباع إبليس )ما أصابك من حسنة” فمن ال وما أصابك من سيئ ”ة فمن نفسك( وبما أن أم الكتاب هي الوامر والنواهي من‬
‫رب العالمين للسلوك النساني حصرا‪ O‬وهي تشكل رسالة محمد صلى ال عليه وسلم فقد أتبعها بقوله )وأرسلناك للناس رسول‪ (O‬فالية الولى هي‬
‫آية قدر "وجود" تتحدث عن القرآن والثانية هي آية قضاء "سلوك" تتحدث عن أم الكتاب "الرسالة"‪.‬‬
‫ ماذا يحدث لو اعتبرنا آية من آيات أم الكتاب قرآنا‪ O‬أو العكس )أي آ[ة من آيات القرآن أو تفصيل الكتاب أحكاما‪:(O‬‬‫لنأخذ الن آية من آيات أم الكتاب وهي من آيات السلوك "قضاء" ونعتبرها قرآنا‪" O‬حق‪-‬وجود" فماذا تكون النتيجة؟ لنأخذ الية التالية‪:‬‬
‫)وقضى ربك أل تعبدوا إل إياه وبالوالدين إحسانا‪ O‬إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلهما فل تقل لهما أف‪ w‬ول تنهرهما وقل لهما قول‪ O‬كريما‪(O‬‬
‫)السراء ‪.(23‬‬
‫هذه الية هي من آيات أم الكتاب "الرسالة" وفيها أمر ونهي للنسان العاقل "موعظة"‪ ،‬فعبادة ال وحده هي أمر للعاقل وقد عطف عليها بر‬
‫الوالدين‪ .‬فإذا كانت هذه الية هي من القرآن فهي حقيقة موضوعية خارج الوعي ونافذة حكما‪ O‬بغض النظر عن قبولنا لها أو عدم قبولنا فهي‬
‫كالموت تماما‪ .‬وبذلك يصبح معنى الية كالتالي‪:‬‬
‫إن عبادة ال موضوعيا‪ O‬نافذة بغض النظر عن وعي النسان لها أو عدم وعيه أو كيف يمارسها‪ ،‬فالذي يعبد القمر فقد عبد ال‪ ،‬والذي يعبد‬
‫الشمس فقد عبد ال ‪ ..‬وهكذا دواليك‪ .‬لنه من المستحيل أن يعبد غير ال )ل مبدل لكلماته( وينتج عن ذلك إسقاط العقوبات والرادة النسانية‬
‫وإسقاط الحرية وتساوي الجنة والنار ونصل إلى مفهوم وحدة وصحة العبادات على اختلف مشاربها توحيدية أو وثنية وتصبح عبادة ال كعبادة‬
‫الصنام ل فرق بينهما‪ ،‬وعبادة ال كعبادة فرعون‪.‬‬
‫لقد أخطأ ابن عربي حين علق على الية )وقضى ربك أل تعبدوا إل إياه( هذه الخطيئة القاتلة إذ اعتبر أن هذه الية قرآن نافذ¡ "كلم ال" ووصل‬
‫إلى مفهوم وحدة العبادات وأسقط الرادة النسانية "إسقاط التدبير" وحول السلم إلى مهزأة حيث كان تعليقه على هذه الية "فما عبد غير ال‬
‫في كل معبود" ]الفصوص "فص كلمة سبوحية في كلمة نوحية"[ حيث قضى على السلم عقيدة وأحكاما‪ O‬قضاء مبرما‪ .O‬وما إسقاط التدبير‬
‫والتواكل والفكر الخرافي الموجود عند العرب والمسلمين حاليا‪ O‬إل من النتائج المباشرة لهذا الخلط‪.‬‬
‫لنلحظ كيف عطف بر الوالدين على عبادة ال حيث قال )وبالوالدين إحسانا‪ (O‬فإذا حكمنا أن هذه الية قرآن فهذا يعني أن الذي يضرب والديه أو‬
‫يجوعهما أو يشتمهما‪ ،‬والذي يطيعهما وتلطف معهما في الكلم ويبرهما‪ ،‬هما سواء وكل عمليهما من بر الوالدين لن النسان مهما فعل مع‬
‫والديه فهو قد بر بهما لنه موضوعيا‪ O‬ل يستطيع إل أن يكون برا‪ O‬بهما‪.‬‬
‫والن إذا أخذنا آية من آيات تفصيل الكتاب واعتبرناها من آيات أم الكتاب مثل قوله تعالى‪ ) :‬إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * ل يمسه إل‬
‫المطهرون( )الواقعة ‪ (79-78-77‬إذا اعتبرنا آية )ل يمسه إل المطهرون( من الحكام فهذا يعني أنها تعني النسان العاقل ول تعني غيره‪ ،‬وفيها‬
‫مجال الختيار‪ ،‬فإذا فهمناها هكذا فتعني الحائض والنفساء والجنب‪ ،‬فتصبح حكما‪ O‬شرعيا‪ O‬وهذا هراء‪.‬‬
‫وهذا الهراء حاصل فعل‪ O‬عند كثير من الناس لنه في هذه الحالة تم تحويل "ل" النافية في )ل يمسه إل المطهرون( إلى "ل" الناهية‪ .‬وتم تحويل‬
‫)قرآن كريم( إلى المصحف المنسوخ بحبر على ورق أو على جلد غزال أو على شريط كاسيت‪ .‬وهكذا نلحظ ما يترتب على عدم التفريق والخلط‬
‫بين كلم ال وبين كتاب ال "أوامر ال"‪ .‬ففي حالة فهم آية قرآن أو تفصيل الكتاب على أنها أحكام يصبح السلوك السلمي وأحكامه غير‬
‫مفهومة إطلقا‪ ،O‬ول يوجد أي ترابط في السلوك السلمي وفي حال فهم آية من أم الكتاب على أنها قرآن تصبح العقيدة السلمية نوعا‪ O‬من‬
‫السخرية والمتناقضات التي لها أول وليس لها آخر وهاتان الحالتان حاصلتان فعل‪ O‬في حياتنا‪.‬‬
‫ولنأخذ مثال‪ O‬آخر اليتين التاليتين‪:‬‬
‫ )إن ال يأمر بالعدل والحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون( )النحل ‪ (90‬هذه آية من آيات أم‬‫الكتاب فيها موعظة للنسان‪.‬‬
‫ )وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا‪) (O‬السراء ‪" (16‬قرآن"‪.‬‬‫الية ‪ 90‬من سورة النحل هي من أم الكتاب لذا قال في آخرها )يعظكم لعلكم تذكرون(‪.‬‬
‫الية ‪ 16‬من سورة السراء هي من القرآن لذا قال في آخرها‪) :‬فحق عليها القول( "قوله الحق"‪ :‬أي فيها قانون موضوعي وليس موعظة أو‬
‫وصية‪.‬‬
‫لقد حار المفسرون في الربط بين اليتين‪ ،‬ولكن ل ربط بينهما لن المواضيع مختلفة تماما‪ ،O‬ففي آية النحل أعطى أمر‪O‬ا ونهيا‪ O‬للنسان "موعظة"‬
‫"قانون أخلقي" فيمكن للنسان أن يأخذ بها أو ل يأخذ ول تحتاج إلى تأويل‪.‬‬
‫أما الية الثانية فهي قانون موضوعي يعمل خارج الوعي ل علقة له بقبول النسان أو عدم قبوله وتحتاج إلى تأويل حيث أن الخطأ الفاحش هو‬
‫الظن أن آية السراء موعظة أي أن ال يأمر وينهى فيها وهذا عين الخطأ‪.‬‬

‫‪ - 7‬الكتاب عند موسى وعيسى‬
‫لقد سم‪y‬ى الكتاب "المصحف" مجموعة الحكام التي جاءت إلى موسى وعيسى بالكتاب ال وذلك في قوله )ولما جاءهم رسول من عند ال‬
‫مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ال وراء ظهورهم كأنهم ل يعلمون( )البقرة ‪.(101‬‬
‫وعن عيسى قال )قال إني عبد ال آتاني الكتاب وجعلني نبيا‪) (O‬مريم ‪ .(30‬فالكتاب فيه الرسالة وأضاف إليه النبوة‪ .‬وقوله أيضا‪ O‬عن موسى‪) :‬وإذ‬
‫آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون( )البقرة ‪ (53‬هنا أيضا‪ O‬الكتاب عبارة عن التشريع وأضيف إليه الفرقان‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ال ليشتروا به ثمنا‪ O‬قليل‪ O‬فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون(‬

‫)البقرة ‪ (79‬لحظ أنه قال الكتاب وهو يريد التشريع فقط الذي جاء في الرسالة‪ ،‬ولهذا حذر من تقليده لن التشريع يقلد ول يخضع للتحدي‬
‫والعجاز‪ .‬وقوله عن المسيح )ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والنجيل( )آل عمران ‪ .(48‬لحظ كيف أضاف التوراة والنجيل إلى الكتاب‬
‫والحكمة‪ .‬إن مجمل هذه البنود الربعة تشكل الكتاب المقدس عند النصارى‪ .‬فالكتاب هو التشريع والحكمة هي الوصايا والتوراة نبوة والنجيل‬
‫نبوة عيسى‪.‬‬
‫أي أن مصطلح الكتاب ذو معنيين‪:‬‬
‫ المعنى الول للكتاب‪ :‬بالنسبة لموسى وعيسى هو مجموعة التشريعات التي جاءت لهما‪ .‬والرسالة والكتاب عند اليهود والنصارى تختلف عن‬‫التوراة والنجيل‪) :‬ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والنجيل(‪) .‬ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل( )البقرة ‪ (87‬لحظ كيف ربط‬
‫الكتاب والرسالة عند موسى‪.‬‬
‫ المعنى الثاني للكتاب‪ :‬وقد جاء لمحمد صلى ال عليه وسلم وهو مجموعة اليات الموحاة إلى النبي صلى ال عليه وسلم والتي تحتو على‬‫رسالته ونبوته معا‪ O‬حيث سمى التشريع عند النبي صلى ال عليه وسلم "بأم الكتاب" أي أن الكتاب والفرقان عند موسى والكتاب والحكمة عند‬
‫عيسى‪ ،‬يقابلهما أم الكتاب عند المسلمين‪ .‬ويمكن أن نفهم أن النبي صلى ال عليه وسلم استعمل مفهوم الكتاب في حديثه بمعنى التشريع فقط في‬
‫قوله "أوتيت الكتاب ومثله معه" حيث فصل هنا بين الكتاب والقرآن حيث قال في حديث آخر "أوتيت القرآن ومثله معه"‪.‬‬
‫وطبقا‪ O‬لما أخبرنا ال فإن الكتاب جاء إلى ثلثة رسل هم موسى وعيسى ومحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬فلماذا جاء الكتاب لهؤلء الرسل الثلثة مع‬
‫أن هناك رسل‪ O‬غيرهم مثل شعيب وصالح وهود ونوح ول نقول عنهم إنهم جاءهم الكتاب؟‬
‫فكما عرفنا أن الكتاب هو مجموعة المواضيع التي جاءت إلى النبي صلى ال عليه وسلم من ال وحيا‪ ،O‬وتحوي الرسالة والنبوة معا‪ .O‬وإذا نظرنا‬
‫إلى الرسالة وجدناها مجموعة كاملة من التشريعات والتعليمات "كود تشريعي وأخلقي" وإذا نظرنا إلى النبوة وجدنا فيها مجموعة كاملة من‬
‫العلم والمعلومات‪ ،‬على هذا نفهم معنى الكتاب الذي جاء إلى محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فقد جاء إلى موسى مجموعة كاملة من التشريعات "الرسالة" وقد سميت الكتاب‪ .‬كما جاءه مجموعة كاملة من المعلومات في النبوة وسميت‬
‫"التوراة" وجاء هذا أيضا‪ O‬إلى عيسى الرسالة في الكتاب والنبوة في النجيل وجاءت تشريعات كاملة إلى محمد صلى ال عليه وسلم وسميت "أم‬
‫الكتاب" وبما أن القرآن هو نبوة محمد فقط‪ ،‬والنجيل نبوة عيسى فقط والتوراة نبوة موسى‪ ،‬ففي الكل التجانس في النبوة لذا عطف بعضها على‬
‫بعض في قوله )وعدا‪ O‬عليه حقا‪ O‬في التوراة والنجيل والقرآن( )التوبة ‪ .(111‬لحظ كيف ذكر لفظة "حقا‪ "O‬قبل ذكر كتب النبوة الثلثة‪.‬‬
‫فإذا نظرنا إلى رسل مثل نوح رأينا أنه ل يوجد عندهم كتاب "كود كامل تشريعي وأخلقي" مع مجموعة كاملة من المعلومات فرسالة نوح كانت‬
‫التوحيد والستغفار فقط ونبوته صناعة الفلك والتبشير بالبنيان وكانت رسالة إسماعيل الصلة والزكاة لهله فقط‪) .‬وكان يأمر أهله بالصلة‬
‫والزكاة وكان عند ربه مرضيا( )مريم ‪ .(55‬ورسالة شعيب كانت )فأوفوا الكحيل والميزان ول ت بخسوا الناس أشياءهم( )العراف ‪) (85‬ول‬
‫تفسدوا في الرض بعد إصلحها( )العراف ‪.(85-56‬‬
‫)ول تعثوا في الرض مفسدين(‪) .‬البقرة ‪ .(60‬قد يظن البعض أن قوله تعالى‪) :‬ول تفسدوا في الرض بعد إصلحها(‪ .‬وقوله )ول تعثوا في‬
‫الرض مفسدين( تعليمات أخلقية وهذا غير صحيح‪ .‬فالفساد عكسه الصلح ونقول‪ :‬فسد الطعام فهذا يعني أن الطعام غير صالح للكل‪ ،‬ونقول‬
‫فسدت السيارة فهي بحاجة إلى إصلح‪ ،‬فالفساد في الشياء والوظائف والفسوق في السلوك النساني وهو حصرا‪ O‬يعني الخروج عن تعليمات رب‬
‫العالمين كقوله عن إبليس )ففسق عن أمر ربه( )الكهف ‪ (50‬وعندما كانت امرأة زكريا عاقرا‪ O‬قال )وأصلحنا له زوجه( )النبياء ‪ (90‬فهل كانت‬
‫زوجه فاجرة فأصبحت تقية؟! أم كانت عاقرا‪ O‬فأصبحت ولودا‪O‬؟ وعندما نقول فسد جهاز الشرطة فهذا يعني أنه غير قادر على القيام بوظيفته التي‬
‫أنشئ من أجلها‪ .‬كما نقول فسدت المعدة فهي غير قادرة على الهضم‪ .‬ففي نبوة شعيب جاءتنا معلومات وتعليمات في غاية الهمية وما زلنا إلى‬
‫يومنا هذا نعاني من عدم فهمها وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬بعد إصلح الرض من إقامة جسور وطرق وشوارع ومزارع وأبنية وحدائق علينا أن ل نفسدها‪ .‬لذا قال‪) :‬إنما جزاء الذين يحاربون ال‬
‫ورسوله ويسعون في الرض فسادا‪ O‬أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف ‪ ..‬الية( )المائدة ‪.(33‬‬
‫‪) - 2‬ول تعثوا في الرض مفسدين( )البقرة ‪ (60‬فالعثو هو القامة في مكان ما وإفساده من جراء هذه القامة ومنه جاءت كلمة العث أو العت‬
‫وهي الحشرة التي تعيش في الملبس الصوفية وتفسدها من جراء عيشها داخلها‪.‬‬
‫إن القصص القرآني هو تطور تاريخي في أكثر من ظاهرة علمية من حيث تاريخ المعارف النسانية عن طريق النبوات وتاريخ التشريع النساني‬
‫عن طريق الرسالت‪ ،‬وقد ظل هذا التطور ساريا‪ O‬حتى جاء الرسل الثلثة "أهل الكتاب" فجاءتهم مجموعة كاملة "كود كامل" من المعلومات‬
‫والتشريعات وكان آخرها هو كتاب السلم لنه نسخ جزءا‪ O‬من التشريعات وثبت جزءا‪ O‬آخر فكل ما جاء في التشريعات في قصص القرآن فهو‬
‫ملزم وجزء من ديننا لنه يدخل مضمن حدود التشريع السلمي‪.‬‬
‫مثل تحريم اللواط صراحة في رسالة لوط وهو محرم علينا أيضا‪ O‬عدا ما جاء صراحة أنه غير ملزم كقوله‪) :‬وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي‬
‫ظفر ‪ (..‬إلى قوله )ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون( )النعام ‪.(146‬‬
‫أما النبوات فهي تطور في المعلومات إذ بدأت النبوات من قوله )ويصنع الفلك( )هود ‪ .(38‬وقوله )ويمددكم بأموال” وبنين( )نوح ‪ (12‬فتطورت‬
‫هذه النبوات حتى محمد صلى ال عليه وسلم حيث جاءته "الحقيقة المطلقة ذات الفهم النساني النسبي" في القرآن‪.‬‬
‫فإذا طرحنا البعد التاريخي من أذهاننا من حيث المعرفة والتشريع النساني فإن قصص القرآن غير قابل للفهم‪ .‬وفي هذا البعد التاريخي يكمن‬
‫التشابه في القصص أي نسبية الفهم‪.‬‬
‫فبالنسبة لموسى وعيسى فصلت التشريعات عن النبوات‪ ،‬ل كما حدث مع النبي محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فنبوة موسى هي التوراة وشريعته‬
‫الكتاب والفرقان وكذلك نبوة عيسى النجيل وشريعته هي الكتاب نفس شريعة موسى مع بعض التعديلت )ولحل لكم بعض الذي ح•رم عليكم( )آل‬
‫عمران ‪ .(49‬لذا قال عن عيسى فقط‪ ،‬أما عند محمد صلى ال عليه وسلم فهو النبوة والرسالة معا‪ O‬حيث أن رسالة محمد هي أم الكتاب عوضا‪ O‬عن‬
‫الكتاب عند موسى وعيسى‪ ،‬ونبوة محمد صلى ال عليه وسلم هي القرآن والسبع المثاني وتفصيل الكتاب وقد جاء جميع ذلك في الكتاب‪ .‬فمفهوم‬
‫الكتاب عند المسلمين يختلف عن مفهوم الكتاب عند موسى وعيسى فالكتاب عند المسلمين هو مجمل التنزيل وعند موسى وعيسى هو الحكام‬
‫فقط "الشريعة"‪.‬‬

‫‪ - 8‬النبي محمد صلى ال عليه وسلم كان أميا‪ O‬وكان يقرأ ويكتب‬
‫نريد في هذا البحث أن نضع النقاط على الحروف حول معنى لفظة "المي"‪ .‬لقد وردت هذه اللفظة في الكتاب في ستة مواقع وهي‪:‬‬
‫ )فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي ل ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلغ‬‫وال بصير بالبعاد( )آل عمران ‪.(20‬‬
‫‪) -‬ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم ن إن تأمنه بدينار” ل يؤده إليك إل ما دمت عليه قائما‪ O‬ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في‬

‫الميين سبيل ويقولون على ال الكذب وهم يعلمون( )آل عمران ‪.(75‬‬
‫ )قل يا أيها الناس إني رسول ال إليكم جميعا‪ O‬الذي له ملك السموات والرض ل إله إل هو يحيي ويميت فآمنوا بال ورسوله النبي المي الذي‬‫يؤمن بال وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون( )العراف ‪.(158‬‬
‫ )الذين يتبعون الرسول النبي المي الذي يجدونه مكتوبا‪ O‬عندهم في التوراة والنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات‬‫ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ‪ ..‬الية( )العراف ‪.(157‬‬
‫ )هو الذي بعث في الميين رسول‪ O‬منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين( )الجمعة ‪.(2‬‬‫ )ومنهم أميون ل يعلمون الكتاب إل أماني وإن هم إل بظنون( )البقرة ‪.(78‬‬‫أول‪ :O‬لنعرف ما معنى كلمة المي التي وردت في اليات السابقة‪ .‬لقد أطلق اليهود والنصارى على الناس الذين ل يدينون بدينهم أي ليسوا يهودا‬
‫ول نصارى لفظ المي )وجاءت من كلمة غوييم العبرية "المم"(‪ .‬وهو ما نعبر عنه اليوم بالدهماء أو الغوغاء أو العامة‪ ،‬لن هؤلء الناي كانوا‬
‫جاهلين ول يعلمون ما هي الحكام في كتاب اليهود والنصارى‪ ،‬والنبوات التي جاءت لهم‪ .‬ومن هنا جاء لفظ المي التي تعني‪:‬‬
‫‪ - 1‬غير اليهودي والنصراني‪.‬‬
‫‪ - 2‬الجاهل بكتب اليهود والنصارى‪.‬‬
‫وبما أن التوراة والنجيل هما نبوتا موسى وعيسى لذا جاء التبشير بنبوة محمد في التوراة والنجيل وليس في الكتاب لقوله )الذي يجدونه مكتوبا‬
‫عندهم في التوراة والنجيل( )العراف ‪ .(157‬وهذا واضح في الية رقم ‪ 20‬من آل عمران )وقل للذين أوتوا الكتاب والميين( فالذين أوتوا‬
‫الكتاب هم اليهود والنصارى والباقي من الناس هم الميون‪.‬‬
‫وهذا المعنى واضح أيضا‪ O‬في الية رقم ‪ 75‬من آل عمران عندما ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى فمنهم أي اليهود )من إن تأمنه بدينار ل يؤده‬
‫إليك( ومنهم أي النصارى )من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك(‪ .‬فلماذا ل يؤدي اليهود المانات لغيرهم؟ لنهم يعتبرون "الغوييم" المم خدما‪ O‬لهم‬
‫وأنهم الدهماء‪ ،‬وهؤلء الميون ل تنطبق عليهم وصايا الرب حيث قال )ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الميين سبيل(‪.‬‬
‫وفي سورة العراف الية ‪) .157‬الذين يتبعون الرسل النبي المي(‪ .‬أمي لنه ليس منهم لنه قال‪) :‬الذي يجدونه مكتوبا‪ O‬عندهم في التوراة‬
‫والنجيل(‪.‬‬
‫وكذلك جاءت في الية ‪ 158‬حيث أتبعها بأن محمد صلى ال عليه وسلم هو رسول ال إلى الناس جميعا‪ O‬اليهود والنصارى والميين علما‪ O‬بأنه لم‬
‫يكن أصل‪ O‬يهوديا‪ O‬ول نصرانيا‪ O‬بل من الفئة الثالثة وهي الميون‪.‬‬
‫وبمعنى الجهل في الكتاب قال‪) :‬ومنهم أميون ل يعلمون الكتاب إل أماني( )البقرة ‪ (78‬أي الذين ل يعلمون الكتاب ومحتوياته هم أميون بالكتاب‬
‫ولذا أتبعها )وإن هم إل يظنون( )البقرة ‪.(78‬‬
‫فإذا قلنا‪ :‬إن فلنا‪ O‬أمي دون التعريف ‪ ..‬أمي بماذا؟ وأراد أن يمحوا أميته فيدخل مدرسة محو المية تحت اسم محمد بن سعيد ويخرج تحت اسم‬
‫هارون‪ .‬أما إذا قلنا فلن أمي وعرفناه بماذا‪ ،‬فهذا صحيح ونكون قد استعملنا المعنى الوارد في الية )ومنهم أميون ل يعلمون الكتاب إل أماني(‪.‬‬
‫فكاتب هذا الكتاب هو أمي بعلم البحار مع أنه دكتور مهندس في الهندسة المدنية‪ .‬أي هو ل يعلم في علم البحار إل اللمم وعندما يتكلم عن علم‬
‫البحار فمعلوماته ظنية غير يقينية‪) :‬وإن هم إل يظنون(‪.‬‬
‫ومن ها هنا نرى أن النبي صلى ال عليه وسلم كان أميا‪ O‬بمعنى أنه غير يهودي وغير نصراني‪ ،‬وكان أميا‪ O‬أيضا‪ O‬بكتب اليهود والنصارى وكانت‬
‫معلوماته عن كتبهم هي بقدر ما أوحي إليه بعد بعثته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أما إسقاط هذا المعنى على أن النبي صلى ال عليه وسلم كان أميا‪ O‬أي ل يقرأ ول يكتب فهذا خطأ‪ ،‬فكما قلت‪ :‬إن الكتابة هي تجميع الشياء بعضها‬
‫إلى بعض لخراج معنى مفيد "موضوع" فهل كان النبي صلى ال عليه وسلم عاجزا‪ O‬عن تأليف جملة مفيدة أو كتابة كتاب "تأليف"؟ إن‪ w‬الكتاب‬
‫الذي أرسله النبي صلى ال عليه وسلم إلى كسرى هو كتاب النبي صلى ال عليه وسلم لنه هو الذي أمله وصاغه‪ .‬والقراءة تعني العملية‬
‫التعليمية "تتبع المعلومات" ثم القدرة على استقراء نتائج منها ومقارنتها بعضها ببعض‪ .‬فالستقراء والمقارنة جاءا من القراءة‪ ،‬فهل كان النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ل يقرأ؟‬
‫قد يقول البعض‪-‬وهذه هي الحجة التي يوردها كثير من الناس‪-‬إنه عندما جاء الوحي إلى محمد صلى ال عليه وسلم قال له‪ :‬اقرأ‪ ،‬فأجاب النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬ما أنا بقارئ‪ ،‬واستنتجوا أنه ل يقرأ‪ .‬وأقول إنه إذا أمر سعيد زيدا‪ O‬أن يذهب‪ ،‬فقال زيد "ما أنا بذاهب" فهل هذا يعني‬
‫بالضرورة أن زيدا‪ O‬مشلول أو بل أقدام‪ .‬هل هذا يعني أن زيدا‪ O‬ل يستطيع الذهاب أو أنه ل يريد الذهاب‪ .‬ثم هل يعني أن جبريل قدم للنبي صلى ال‬
‫عليه وسلم مادة مخطوطة لكي يقرأها خطا‪ .‬فهنا خلطنا بين إرادة النبي صلى ال عليه وسلم للقراءة وبين عدم استطاعته‪ ،‬وظننا أن جبريل قدم له‬
‫مادة مخطوطة على قرطاس ليقرأها‪ ،‬لنه عندما قال له في المرة الثالثة‪ :‬اقرأ فأجاب النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬ما أنا بقارئ‪ .‬فقال جبريل‪) :‬اقرأ‬
‫باسم ربك الذي خلق( )العلق ‪ .(1‬فسكت النبي صلى ال عليه وسلم بعد هذه اليات ولم يقل ما أنا بقارئ‪.‬‬
‫قد يقول البعض‪ :‬ألم يكن النبي صلى ال عليه وسلم أميا‪ O‬بمفهومنا الخاطئ للقراءة والكتابة؟ أقول‪ :‬نعم لقد كان النبي صلى ال عليه وسلم من‬
‫أول حياته إلى وفاته أميا‪ O‬بالخط أي كان ل يخط ول يقرأ المخطوط وجاء هذا المعنى في قوله تعالى )وما كنت تتلوا من قبله من كتاب” ول تخطه‬
‫بيمينك إذا‪ O‬لرتاب المبطلون( )العنكبوت ‪) .(48‬بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إل الظالمون( )العنكبوت ‪.(49‬‬
‫لقد وضحت أمية النبي صلى ال عليه وسلم في شيئين‪ :‬أولهما أن النبي صلى ال عليه وسلم لم يتكلم في حياته قبل البعثة عن أي موضوع من‬
‫مواضيع القرآن‪ ،‬ولو فعل ذلك لقال له العرب‪ :‬لقد كنت تتحدث إلينا عن هذه المواضيع قبل أن تكون نبيا‪ .O‬أي أن النبي صلى ال عليه وسلم كان‬
‫أميا‪ O‬في مواضيع القرآن تماما‪O‬؛ وقوله )من كتاب( منكرة‪ ،‬وتعني القرآن لنه أتبعها بقوله )بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم( أما‬
‫مواضيع أم الكتاب فلم يكن النبي صلى ال عليه وسلم أميا‪ O‬بها كلها فمثل‪ :‬الصدق والمانة والوفاء بالكيل والميزان من مواضيع أم الكتاب‪ ،‬أو لم‬
‫يكن النبي صلى ال عليه وسلم صادقا‪ O‬وأمينا‪ O‬ويوفي الكيل والميزان قبل البعثة؟ والناحية الثانية التي تقولها الية أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫كان أميا‪ O‬بالخط‪ ،‬وأميته بالخط استمرت إلى أن توفى صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫إن السر الكبر في أمية النبي صلى ال عليه وسلم من ناحية الخط وقراءة المخطوط هي أن أساس الكلم النساني هو الصوات وليس الخطوط‪،‬‬
‫أي أن اللغة بالنسبة للنبي صلى ال عليه وسلم كانت لسانا‪ O‬وأذنا‪" O‬كلم وسمع"‪ .‬لن أي قوم إذا غيروا أبجديتهم فل يتأثرون أبدا‪ O‬في كلمهم بين‬
‫بعضهم وفهمهم للغتهم بل يتأثرون بقراءة المخطوط‪ .‬علما‪ O‬بأن الكتاب جاء إلى النبي وحيا‪ ، O‬أي جاءه بصيغة صوتية غير مخطوطة وسماه‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫فإذا سألني سائل‪ :‬ما معنى قوله تعالى )وكتبنا له في اللواح( )العراف ‪(145‬؟ اللواح هنا قرطاسية أي ما يخط عليه‪ .‬فأقول‪ :‬لو قال "وخططنا‬
‫له فالسؤال هنا‪ :‬ماذا كتب؟ ويأتي الجواب مباشرة )من كل شيء موعظة‪ O‬وتفصيل‪ O‬لكل شيء(‪) .‬العراف ‪ (145‬فهنا بعد فعل كتبنا ذكر الموضوع‬
‫مباشرة‪.‬‬
‫وإذا سأل سائل‪ :‬ما معنى فعل كتب في آية المداينة في سورة البقرة وهي آية حدودية‪) .‬يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين” إلى أجل مسمى فاكتبوه‬
‫وليكتب بينكم كاتب بالعدل ‪ ..‬الية( )البقرة ‪ (282‬هنا "فاكتبوه" بمعنى تسجيل العقود حسب الموضوع كأن نقول فريق أول وفريق ثان‬
‫وموضوع العقد هل هو مال أو بيت أو تنفيذ أعمال ‪ ..‬مع ذكر الجل ‪ ..‬الخ حيث أن بنود العقد تشمل كل صغيرة وكبيرة لذا قال‪" .‬فاكتبوه" وهنا‬

‫ليس بالضرورة أن يكون الكتاب بالعدل خطيا‪ O‬أو العقد خطيا‪ O‬فيمكن أن يكون العقد شفهيا‪ O‬أي أن هذه الية تشمل العقود الخطية أو التفاقات‬
‫الشفهية‪ .‬لذا قال عن الشهادة )فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الخرى( )البقرة ‪(282‬‬
‫فكيف نفهم هذا الشرط في حالة توثيق العقد في كاتب العدل كما نفعل الن لنه في حالة العقد الخطي بوجود الكاتب بالعدل ل داعي أصل‪ O‬أن تضل‬
‫إحداهما لتذكرها الخرى لن محتويات العقد الخطية الموثقة في كاتب العدل ل تحتاج بعد مدة من الزمن إلى أي مراجعة‪ ،‬وهذا الشرط صحيح‬
‫للكتابة الشفهية للعقد "شروط العقد" لن أساس التعامل بين الناس والدول هو التفاقات الشفهية أول‪ O‬ثم تنسخ أو ل تنسخ "توثق أول‪ O‬توثق"‪.‬‬
‫ومن ناحية أخرى عندما يتم عقد نكاح بين رجل وامرأة فكتابة عقد النكاح هو اكتمال شروط العقد "الكتاب" باليجاب والقبول والشهود وتحديد‬
‫الصداق … الخ‪ .‬فإذا تمت هذه الشروط قلنا لقد تم كتاب فلن على فلنة‪ .‬هذه الشروط ل تعني الخط مطلقا‪ .O‬فبعد ذلك يتم تسجيل عقد النكاح‪ .‬ولكن‬
‫إذا سجل هذا العقد أم لم يسجل فشروطه صحيحة ويبقى صحيحا‪ ،O‬وإذا لم يكن المر كذلك وفهمنا الكتابة على أنها التسجيل‪ ،‬فإذا سجل العقد خطيا‬
‫ففي هذه الحالة يصبح جماع الرجل والمرأة نكاحا‪ O‬شرعيا‪ .‬وإذا لم يسجل خطيا‪ O‬فيصبح زنا؟؟!! وأعتقد بأن كل زيجات النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫لم تكن خطية ومع ذلك فهي شرعية والكتاب فيها أي شروط عقد النكاح مستوفاة‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫النزال والتنزيل‬
‫‪ - 1‬الفرق بين النزال والتنزيل‬
‫إن شرح الفرق بين النزال والتنزيل يعتبر أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الكتاب بشقيه‪ :‬النبوة والرسالة كما له علقة كبيرة بمبادئ التأويل‪ .‬فبدون‬
‫فهم الفرق بين النزال والتنزيل ل يمكن فهم قوله تعالى‪) :‬وأنزلنا الحديد( )الحديد ‪ (25‬وقوله‪) :‬يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا‪ O‬يواري سوءاتكم‬
‫وريشا( )العراف ‪ .(26‬إذ قال إنه تم إنزال الحديد وقال إنه تم انزال اللباس على بني آدم‪.‬‬
‫وقال أيضا‪) :O‬إنا أنزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪) (O‬يوسف ‪ (2‬وقال‪) :‬إنا أنزلناه في ليلة القدر( )القدر ‪ (1‬فكيف نفهم إنزال الحديد وإنزال القرآن؟ أما عن‬
‫التنزيل فقال‪) :‬إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيل‪) (O‬النسان ‪ .(23‬وقال‪) :‬تنزيل الكتاب من ال العزيز الحكيم( )الجاثية ‪ (2‬وقال‪) :‬تنزيل من‬
‫الرحمن الرحيم( )فصلت ‪ (2‬وقال‪) :‬تنزيل من رب العالمين( )الواقعة ‪.(80‬‬
‫إن النبي صلى ال عليه وسلم شرح النزال بقوله‪" :‬أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة"‬
‫رواه ابن عباس‪ ،‬البرهان في علوم القرآن للزركشي ج ‪ 1‬ص ‪ ."288‬وبما أن هذا الحديث من الحاديث التي تتعلق بالغيب فل ينبغي أن يفهم‬
‫فهما‪ O‬سطحيا‪ O‬ساذجا‪ ،O‬بل ل بد من فهمه فهما‪ O‬عقلنيا‪ O‬منطقيا‪ O‬يتناسب مع العقل وينطبق على الواقع‪ .‬فإذا فهمناه فهما‪ O‬سطحيا‪ O‬نقول‪ .‬إذا كان إنزال‬
‫القرآن هو النزول إلى السماء الدنيا فماذا عن الحديد واللباس أي ما هو إنزال الحديد وإنزال اللباس؟ وكيف يفهم إنزال القرآن وإنزال الحديد‬
‫بشكل ل يناقض أحدهما الخر‪.‬‬
‫أما التنزيل فكيف نوفق بين قوله )تنزيل من رب العالمين( )الواقعة ‪ (80‬و)إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيل‪) (O‬النسان ‪ (23‬وبين قوله )ونزلنا‬
‫عليكم المن والسلوى( )طه ‪(80‬؟ وكيف نفهم )وأنزلنا عليكم المن والسلوى ‪) (..‬البقرة ‪(57‬؟ أي كيف نفهم النزال والتنزيل في المن والسلوى‬
‫وفي القرآن‪.‬‬
‫فعن القرآن قال‪" :‬نزلنا وأنزلنا" وعن المن والسلوى قال أيضا‪" :O‬نز‪y‬لنا‪ ،‬وأنزلنا" وعن الماء قال‪) :‬وأنزلنا من السماء ماء طهورا( )الفرقان‬
‫‪ (48‬وقال‪) :‬ونزلنا من السماء ماء‪ O‬مباركا‪) (O‬ق ‪ (9‬وعن الذكر قال )وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ن•ز‪Í‬ل¯ إليهم ‪) (..‬النحل ‪ .(44‬فما هو النزال‬
‫والتنزيل للقرآن؟ والنزال والتنزيل للمن والسلوى؟ والنزال والتنزيل للماء؟ والنزال والتنزيل للملئكة والذكر حيث قال عن الملئكة )ولو أننا‬
‫نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم الموتى ‪ ..‬الية( )النعام ‪) (111‬وقالوا لول أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا‪ O‬لقضي المر ثم ل ينظرون( )النعام ‪.(8‬‬
‫كيف نفهم النزال والتنزيل في هذه الحالت بشكل ينسجم بعضها مع بعض وينسجم مع قوانين الحقيقة‪ .‬أي يجب أن يكون بينهما رباط منطقي مع‬
‫مطابقة موضوعية‪.‬‬
‫إن الهمزة‪ :‬في اللسان العربي تعطي معنى التعدي‪ .‬مثال على ذلك‪ :‬بلغ وأبلغ‪ .‬فلدينا مصطلحان هما البلغ والبلغ‪ .‬ولنأخذ اليات التالية‪:‬‬
‫ )ما على الرسول إل البلغ( )المائدة ‪) (99‬بلغ(‪.‬‬‫ )يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك( )المائدة ‪) (67‬بلغ(‪.‬‬‫ )فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالت ربي ونصحت لكم( )العراف ‪) (93‬إبلغ(‪.‬‬‫فعملية البلغ هي عملية نقل من شخص إلى آخر دون التأكد من أن الشخص المنقول إليه البلغ وصله الخبر‪ .‬فعندما نقول إن هناك بلغا‪ O‬من‬
‫وزارة المالية إلى المواطنين في الذاعة حول دفع الضرائب‪ .‬فهذا البلغ ينتقل إلى الناس ولكن ل يوجد أي تأكد من أن كل المواطنين المعنيين‬
‫بهذا البلغ قد وصلهم‪ ،‬فعندما يصل محتوى البلغ إلى إدراك ووعي كل مواطن مقصود بهذا البلغ يصبح إبلغا‪.‬‬
‫لذا فعندما أمر ال سبحانه وتعالى الرسول صلى ال عليه وسلم )بلغ ما أنزل إليك من ربك( ولو قال أبلغ ما أنزل إليك من ربك‪ ،‬لوجب على النبي‬
‫أن يتأكد من أن كل إنسان معني بهذا البلغ قد أدرك ووعى محتويات البلغ‪ ،‬وبما أنه رسول ال إلى الناس جميعا‪ O‬فيجب عليه في حالة البلغ أن‬
‫يطوف الدنيا ويتأكد من أن كل شخص وصله البلغ‪ .‬ولن هذا متعذ‪w‬ر كل التعذر فقد قال في حجة الوداع‪" :‬أل هل بلغت" ولم يقل أل هل أبلغت‪.‬‬
‫"اللهم فاشهد"‪.‬‬
‫بما أن هودا‪ O‬وصالحا‪ O‬وشعيبا‪ O‬أرسلوا إلى أقوامهم فقط أي إلى عدد قليل من الناس وهم قوم عاد وقوم ثمود وقوم مدين فكانت عمليتهم هي عملية‬
‫إبلغ ل بلغ‪ ،‬وقد تم إهلك القوم‪ ،‬وإل فكيف يهلك أناس لم يدركوا ما هو المطلوب منهم ولم يعلموا بأي رسالة‪ .‬في حالة قوم صالح قال لهم‬
‫)فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي( )العراف ‪ .(79‬وفي حالة قوم شعيب قال‪) :‬فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالت ربي‬
‫ونصحت لكم( )العراف ‪ .(93‬وبالنسبة لقوم هود )فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم( )هود ‪.(57‬‬
‫وقوله )ليعلم أن قد أبلغوا رسالت ربهم( )الجن ‪ .(28‬ولم يكن مطلوبا‪ O‬من النبي صلى ال عليه وسلم أكثر من البلغ حيث أتم الية )بلغ ما أنزل‬

‫إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وال يعصمك من الناس( )المائدة ‪ (67‬وقوله هذا بلغ للناس( وقوله )فإن تولوا فإنما عليك البلغ‬
‫المبين( )التغابن ‪ (12‬وقوله )فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا‪ O‬إن عليك إل البلغ( )الشورى ‪ .(48‬فالبلغ هو مجرد عملية نشر الخبر أو‬
‫المر‪ .‬والبلغ هو عملية التأكد من أن النسان المقصود تبليغه قد وصله البلغ وأصبح ضمن مدركاته‪.‬‬
‫ول يثبت لمعترض” أن يعترض علينا بقوله‪ :‬إن ال سبحانه وتعالى قد قال على لسان هود‪) :‬قال إنما العلم عند ال وأبلغكم ما أرسلت به( )الحقاف‬
‫‪ (23‬وهذا تبليغ وليس إبلغا‪ O‬لن ماضي أبلغكم‪ :‬بلغتكم ل أبلغتكم" فنجيب قائلين‪ :‬لقد كان هذا في بداية الدعوة ل في نهايتها‪.‬‬
‫والن لنأخذ التنزيل والنزال‪:‬‬
‫فالتنزيل‪ :‬هو عملية نقل موضوعي خارج الوعي النساني‪.‬‬
‫والنزال‪ :‬هو عملية نقل المادة المنقولة خارج الوعي النساني‪ ،‬من غير المدرك إلى المدرك‪ ،‬أي دخلت مجال المعرفة النسانية‪.‬‬
‫هذا في حالة وجود إنزال وتنزيل لشيء واحد مثل القرآن والماء والملئكة والمن والسلوى‪ .‬أما في حالة وجود إنزال دون تنزيل كما في حالة‬
‫الحديد واللباس‪ ،‬فإن النزال هو عملية الدراك فقط "أي المعرفة فقط"‪.‬‬
‫لنأخذ الن أمثلة عادية على النزال والتنزيل‪ ،‬وأود أن أنوه بأن المكتشفات العلمية والتكنولوجية في النصف الثاني من القرن العشرين هي التي‬
‫سمحت لنا بفهم النزال والتنزيل والجعل بهذه الدقة‪.‬‬
‫ المثال الول‪:‬‬‫مباراة حية في كرم القدم بين البرازيل والرجنتين تجري في المكسيك‪ .‬فاللعبون الساسيون المؤلفون من أناس أحياء من لحم وعظم ودم‬
‫يلعبون في المكسيك‪ .‬وهناك في دمشق شخص يريد أن يشهد هذه المباراة حية‪ .‬فحتى يشهد هذا الشخص في دمشق المباراة الحية في المكسيك‬
‫وتدخل ضمن إدراكه يجب القيام بعمليات على الشكل التالي‪:‬‬
‫‪ - 1‬الوجود المادي للمباراة فعل‪ O‬قبل التكلم عن أي نقل أو إدراك‪.‬‬
‫‪ - 2‬التقاط المباراة صوتا‪ O‬وصورة أو صوتا‪ O‬فقط أو صورة فقط‪.‬‬
‫‪ - 3‬بث المباراة عن طريق المواج بواسطة القمار الصناعية إلى كل أنحاء الرض بما فيها دمشق‪.‬‬
‫‪ - 4‬وجود جهاز تلفزيون أو راديو لقط‪ ،‬يأخذ هذه المواج ويحولها مرة ثانية إلى صوت وصورة أو إلى صوت فقط‪ .‬فعند ذلك يدرك المشاهد في‬
‫دمشق ما حدث في مباراة المكسيك‪.‬‬
‫ثم هناك حالة ثانية للنقل إذا لم يكن هناك بث‪ ،‬وذلك بأن تسجل المباراة على شريط فيديو صوتا‪ O‬وصورة أو على شريط كاسيت صوتا‪ O‬فقط‪ ،‬وينقلها‬
‫شخص إلى دمشق‪ .‬في هذه الحالة يجب أن يكون في دمشق جهاز فيديو وتلفزيون أو جهاز تسجيل لكي يعيد المباراة حتى تصل إلى إدراك‬
‫المشاهد في دمشق‪.‬‬
‫الن لنناقش في هذا المثال أين النزال وأين التنزيل‪:‬‬
‫ عملية المباراة الصلية عن طريق المواج من المكسيك إلى دمشق هي التنزيل‪ ،‬لن هذه العملية تمت خارج وعي المشاهد في دمشق‪ ،‬والنقل‬‫حصل ماديا‪ O‬خارج وعي المشاهد بواسطة المواج‪ .‬أما عملية دخول المواج إلى جهاز التلفزيون ليحولها إلى صوت وصورة أي إلى حالة قابلة‬
‫للدراك من قبل المشاهد فهذا هو النزال‪.‬‬
‫ المثال الثاني‪:‬‬‫عملية نقل واقع جبل قاسيون إلى إنسان يعيش في القاهرة عن طريق مخططات‪:‬‬
‫ العملية الولى‪ :‬عملية رفع قاسيون إلى مخطط طبوغرافي‪.‬‬‫ العملية الثانية‪ :‬عملية نقل هذا المخطط إلى القاهرة ليشاهد إنسان ما‪.‬‬‫ففي العملية الولى تم النقل المادي إلى المخطط بطريقة قابلة لدراك النسان في القاهرة‪ .‬هذا المخطط مؤلف من إحداثيات ومقياس ‪ 100/1‬مثل‬
‫ومن خطوط تسوية "كونتور" لتبيان التضاريس التلل والوديان‪ .‬فعملية نقل الجبل من الواقع إلى مخطط قابل للدراك هو النزال‪ ،‬وعملية النقل‬
‫المادي للمخططات من دمشق إلى القاهرة هي التنزيل‪.‬‬
‫إذ‪O‬ا فهناك حالتان‪:‬‬
‫ الحالة الولى‪ :‬أن يتم التنزيل قبل النزال كما في المباراة‪.‬‬‫ الحالة الثانية‪ :‬أن يتم النزال قبل التنزيل كما في المخطط‪.‬‬‫ولكن في هاتين الحالتين يجب أن يكون هناك وجود مسبق للشيء قبل عملية النزال والتنزيل‪ .‬فوجود اللعبين والمباراة في المكسيك فعل‪ O‬قد‬
‫سبق عملية التنزيل والنزال ووجود الجبل فعل‪ O‬قد سبق عملية النزال والتنزيل‪.‬‬
‫ولنناقش الن حالة النزال والتنزيل في القرآن فقط وليس في أم الكتاب أو تفصيل الكتاب‪ ،‬لن أم الكتاب وتفصيل الكتاب لهما وضع خاص‪:‬‬
‫حتى يكون هناك حالة إنزال منفصلة عن التنزيل في القرآن‪ ،‬يجب أن يكون للقرآن وجود قبل النزال والتنزيل‪ ،‬ومن هذا يفهم بأن أسباب النزول‬
‫ليس لها أي معنى في القرآن‪ ،‬لن تنزيل القرآن على النبي صلى ال عليه وسلم هو حتمي‪ ،‬سئل عنه أو لم يسأل‪ ،‬لذا قال عن الشياء التي تخص‬
‫مواضيع القرآن مثل الغيبيات )ل تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم( )المائدة ‪ (101‬ولم يقل أبدا‪ O‬عن‬
‫الشياء التي تخص الحكام أو تفصيل الكتاب ل تسألوا عنها‪:‬‬
‫هنا يطرح السؤال الثاني نفسه بالضرورة‪:‬‬
‫إذا كان القرآن موجودا‪ O‬فعل‪ O‬قبل النزال والتنزيل‪ ،‬فما هو هذا الوجود وبأي صورة كان موجودا‪O‬؟ فإذا كان القرآن موجودا‪ O‬بالصيغة اللسانية‬
‫العربية التي نراه عليها الن والتي نستوعبه من خللها وهو كلم ال وآيات ال والقصص لكان الستنتاج المباشر لذلك بأن ال عربي‪ .‬وبما أن‬
‫كلم ال هو عين الموجودات ونواميسها العامة التي تحكم الوجود خزنت بشكل ما في لوح محفوظ وفي كتاب مكنون‪ .‬ففي كتاب مكنون يوجد‬
‫البرنامج العام للكون‪ ،‬وفي لوح محفوظ يوجد هذا البرنامج وهو يعمل‪ .‬وفي إمام مبين توجد قوانين الطبيعة الجزئية التي يتم التصريف من خللها‬
‫وأحداث التاريخ بعد وقوعها‪.‬‬
‫فالقرآن في لوح محفوظ وفي إمام مبين هو من علم ال‪ ،‬وعلم ال هو أعلى أنواع علوم التجريد‪ ،‬وأعلى أنواع علوم التجريد هو الرياضيات لذا‬
‫قال )وأحصى كل شيء عددا‪) (O‬الجن ‪ (28‬أي أن علم ال بالموجودات هو علم كمي بحت‪ .‬فالحصاء هو التعقل‪ ،‬والعدد هو حال الحصاء‪ .‬هذا‬
‫القرآن موجود في لوح محفوظ وإمام مبين بصيغة غير قابلة للدراك النساني وغير قابلة للتأويل‪ ،‬وبصيغة مطلقة‪.‬‬
‫فعندما أراد ال أن يعطي القرآن للناس فالمرحلة الولى كانت تحويله إلى صيغة قابلة للدراك النساني النسبي‪ ،‬أي جرت عملية تغيير في‬
‫الصيرورة‪ .‬وهذا التغيير في الصيرورة عبر عنه في اللسان العربي في فعل "جعل"‪ .‬إذ قال‪) :‬إنا جعلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم تعقلون( )الزخرف ‪(3‬‬

‫أي كان له وجود مسبق قبل أن يكون عربيا‪ O‬فجعله عربيا‪" O‬أي في صيرورته" وهذا معنى الجعل‪.‬‬
‫ولكنه أيضا‪ O‬قال )إنا أنزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم تعقلون( )يوسف ‪ (2‬والنزال هو نقل غير المدرك إلى المدرك‪ .‬أي كان القرآن غير مدرك "غير‬
‫مشهر" فأصبح مدركا‪ ،O‬وهذا ما جاء في النزال‪ .‬أي أن‪:‬‬
‫ الجعل‪ :‬هو التغيير في الصيرورة‪.‬‬‫ النزال‪ :‬هو النقل من صيغة غير مدركة إلى صيغة مدركة "الشهار"‪.‬‬‫والن لماذا وضع الجعل والنزال على أنه عربي؟ أقول إن الجعل هو تغيير في الصيرورة فيمكن أن تغير صيرورة القرآن من شكل غير قابل‬
‫للدراك إلى شكل آخر غير قابل للدراك‪ ،‬لذا قال )إنا جعلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ (O‬والنزال هو نقل من غير المدرك إلى المدرك لذا قال )إنا أنزلناه قرآنا‬
‫عربيا(‪.‬‬
‫ففي القرآن تلزم الجعل والنزال أي جعل وأنزل عربيا‪ .O‬أي أن القرآن الموجود بين أيدينا ليس عين القرآن الموجود في لوح محفوظ وإمام مبين‪،‬‬
‫وليست صيغته نفس الصيغة الموجودة فيهما‪ .‬وإنما هو صورة قابلة للدراك النساني "النزال" تم التغيير في صيرورتها "الجعل" حتى‬
‫أصبحت مدركة‪ ،‬ثم وصلت إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ماديا‪ O‬عن طريق الوحي "التنزيل" والنبي صلى ال عليه وسلم نقلها آليا‪ O‬إلى الناس‪.‬‬
‫وقد تم جعل القرآن وإنزاله عربيا‪ O‬على دفعة واحدة‪ .‬وهذا ما حصل في ليلة القدر حين قال تعالى )إنا أنزلناه في ليلة القدر( )القدر ‪ (1‬وهكذا نفهم‬
‫حديث النبي صلى ال عليه وسلم أنه في ليلة القدر نزل القرآن إلى السماء الدنيا‪ .‬أي أصبح قابل‪ O‬لن يدرك من قبل الناس التي تعيش الحياة الدنيا‬
‫وأشهر‪ .‬وبما أنه في ليلة القدر تم إشهار القرآن‪ ،‬فقد قال‪) :‬ليلة القدر خير من ألف شهر( )القدر ‪.(3‬‬
‫لك أن تذهب بكلمة شهر إلى أنها من الشهرة والشهار القانوني الملزم للبيع والشراء‪ .‬ول يلزمك أن تفهم "اللف" على أنها عدد‪ ،‬بل جاءت من‬
‫فعل "ألف" وهو ضم الشياء بعضها إلى بعض بشكل منسجم‪ ،‬ومنه جاءت اللفة والتأليف‪ .‬أي أن إ‪ž‬شهار القرآن خير من كل الشهارات الخرى‬
‫مؤلفة كلها بعضها مع بعض‪ .‬وقال أيضا‪) :O‬إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين( )الدخان ‪ (3‬وقال‪) :‬شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى‬
‫للناس ‪ ..‬الية( )البقرة ‪ .(185‬لحظ في اليات الثلث أن فيها فعل أنزل‪ ،‬والنزال تم دفعة واحدة وكان عربيا‪) O‬إنا أنزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم‬
‫تعقلون( )يوسف ‪.(2‬‬
‫ التنزيل‪ :‬هو نقلة مادية حصلت خارج الوعي النساني كالنقل بالمواج‪ ،‬ولكن حصلت عن طريق جبريل إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬وهو‬‫الذي تم على مدى ثلثة وعشرين عاما‪ .‬ففي القرآن تلزم الجعل والنزال وحصل دفعة واحدة‪ ،‬وافترق التنزيل حيث جاء في ثلثة وعشرين عاما‪.O‬‬
‫لذا بعد الجعل والنزال قال‪) :‬في صحف كرة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة( )عبس ‪.(16-13‬‬
‫وبما أن القرآن له وجود مسبق وجاهز قبل التنزيل وحصول التنزيل منجما‪ O‬يبرز السؤال التالي‪ :‬لماذا لم يتم التنزيل "النقلة الموضوعية بعد‬
‫الجعل والنزال" دفعة واجدة؟ وكان الجواب على هذا‪) :‬وقال الذين كفروا لول نزل عليه القرآن جملة‪ O‬واحدة‪ O‬كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيل‪(O‬‬
‫)الفرقان ‪ (32‬ولفهم لماذا تم تنزيل القرآن على دفعات اقرأ الفصل حول الفؤاد حول الفؤاد وحول أنواع الوحي‪.‬‬
‫قد يقول الفقهاء إن للتنزيل في القرآن أسبابا‪ ،O‬وأقول إن القرآن ليس له علقة بأسباب النزول لنه كان سيأتي س•ئل عنه أو لم يسأل‪ ،‬حيث أن‬
‫معظم السئلة كانت في أم الكتاب أو تفصيل الكتاب‪ .‬ومجال حديثنا هو القرآن‪ .‬أما بالنسبة للقصص فقد تم سؤال النبي صلى ال عليه وسلم عن‬
‫أهل الكهف وذي القرنين‪ ،‬ولكن السؤال هنا ليس له معنى لن قصة أهل الكهف وذي القرنين كانت ستأتيه على كل حال سئل أو لم يسأل لن بقية‬
‫القصص جاءت كلها دون سؤال‪.‬‬
‫والن لنطرح السؤال التالي‪ :‬ماذا يصبح معنى الية لو قال" إنا نزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ "O‬عوضا‪ O‬عن )إنا أنزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪(O‬؟ أقول‪ :‬لو قال تعالى هذا‬
‫لصبح اللسان العربي ذا وجود موضوعي خارج الوعي النساني‪ ،‬أي لو ذهب العرب جميعهم لبقي اللسان العربي ماديا‪ O‬دون عرب‪ ،‬ولصبح‬
‫وجود اللسان العربي منفصل‪ O‬عن النسان‪ ،‬ولصبح جبريل عربيا‪ .‬ولوجدنا في الطبيعة أن هناك في البث الذاعي والتلفزيوني يوجد أمواج قومية‬
‫مثل أمواج تركية وأخرى عربية وثالثة إنكليزية … وهكذا دواليك‪ ،‬ولوجدنا وجود تيار كهربائي عربي وآخر انكليزي‪.‬‬
‫وهناك سؤال يطرح نفسه وهو‪ :‬هل كان ممكنا‪ O‬أن يأتي القرآن والكتاب بطريقة أخرى غير الطريقة الصوتية "الذكر؟ أقول‪ :‬نعم‪ ،‬كان ممكنا‪ O‬أن‬
‫يأتي منسوخا‪ .‬فكما قلت إن الكتاب هو الموضوع‪ ،‬وهذا الموضوع ممكن أن ينقله النسان شفاهة "صوتا‪ "O‬أو نسخا‪ "O‬خطيا‪ ."O‬فعندما نريد أن‬
‫ننسخ كتابا‪ O‬شفهيا‪ O‬نحتاج إلى أشياء نخط عليها مثل الحجار وجلد الغزال وورق البردى‪ ،‬ثم الورق العادي ثم شريط التسجيل ثم شريط الفيديو‪،‬‬
‫هذه الشياء التي يتم تسجيل الكتب عليها ثم نسخها على عدة نسخ لها مصطلح في اللسان العربي وهو "القرطاس" فكما قال المتنبي‪:‬‬
‫الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم‬
‫إلى النبي صلى ال عليه وسلم بطريقة منطوقة ل مخطوطة قال تعالى )ولو نزلنا عليك كتابا‪ O‬في قرطاس” فلمسوه بأديهم لقال الذين كفروا إن هذا‬
‫إل سحر مبين( )النعام ‪ .(7‬فكل الكتاب جاء منطوقا‪ O‬ل منسوخا‪ ،O‬ولو جاء منسوخا‪ O‬لوجب أن ينسخ على القرطاس فعند ذلك يمكن لمسه باليد‪،‬‬
‫فالكتاب المنطوق ل يلمس باليد‪ ،‬والكتاب المنسوخ "في قرطاس" يلمس باليد‪ .‬لذا قال )فلمسوه بأيديهم( ولحظ قوله )نزلنا( ولم يقل "أنزلنا"‪.‬‬
‫السؤال الن‪ :‬هل جاء إلى أحد غير النبي صلى ال عليه وسلم من النبياء شيء منسوخ "في قرطاس"؟ الجواب‪ :‬نعم‪ ،‬لقد جاءت الوصايا العشر‬
‫إلى موسى منسوخة على ألواح‪ ،‬أي جاءت في قرطاس وذلك في قوله تعالى )ولما سكت عن موسى الغضب أخذ اللواح وفي نسختها هدى‬
‫ورحمة للذين هم لربهم يرهبون( )العراف ‪ (154‬لحظ قوله "اللواح" بمعنى القرطاس وكيف أتبعها بقوله‪" :‬وفي نسختها"‪.‬‬

‫‪ - 2‬النزال والتنزيل للقرآن‬
‫قلنا إن إنزال القرآن حصل دفعة واحدة "أي صيغ عربيا‪ O‬دفعة واحدة" والذي جاء إلينا هو هذه الصيغة اللسانية بطريقة صوتية "الذكر"‪ ،‬ل‬
‫بطريقة خطية‪.‬‬
‫فنضرب المثال التالي للشرح‪ :‬إن رئيس الوليات المتحدة هو إنسان واحد‪ ،‬وهو الساس ولكن معظم أهل الرض يعرفونه ولكن ليس عن طريق‬
‫المشاهدة المباشرة‪ ،‬ولكن عن طريق التصوير‪ ،‬وهناك عدة احتمالت للتصوير "واقفا‪ ،O‬جالسا‪ ،O‬ضاحكا‪ "… O‬وهناك عدة احتمالت لخراج‬
‫الصورة "أبيض وأسود‪ ،‬ملون" تمثال نحت من خشب أو من معدن أو صورة على ورق نحاس أو ورق صحف‪ .‬ومن كل احتمال من هذه‬
‫الحتمالت يمكن سحب مليين النسخ‪ .‬وهي تصل إلى يد أي إنسان‪ ،‬فأي إنسان يمسك صورته يعلم أن هذا هو الرئيس المريكي‪.‬‬
‫ولكن هل يعني أنه مس الصل نفسه؟! فعندما جاءنا القرآن صوتيا‪ O‬وتله علينا النبي صلى ال عليه وسلم صوتيا‪ O‬أيضا‪ ،O‬فنحن وضعناه على‬
‫قرطاس‪ ،‬والقرطاس هو كل ما يخط عليه أو يسجل عليه‪ ،‬ابتداء من ألواح الطين‪ ،‬وورق النخل‪ ،‬وورق البردي وجلد الغزال‪ ،‬ثم ورق وحبر ثم‬
‫شريط كاسيت ثم شريط فيديو‪ ،‬فعندما نمس الن نسخة من المصاحف فإننا ل نمس القرآن‪ ،‬وإنما نمس صورة عن القرآن منسوخة بواسطة‬
‫الحبر على ورق فالذي يمس ماديا‪ O‬هو الحب والورق‪ ،‬ثم نرى آية )ل يمسه إل المطهرون( هي آية خبر ل آية أمر ونهي‪ ،‬حيث "ل" هنا‪ ،‬نافية‬
‫وليست ناهية‪ ،‬فإذا قلنا "ل يأكل أحمد إل خبزا‪ "O‬وشاهدناه يأكل لحما‪ O‬فيصبح الخبر كاذبا‪ .O‬فإذا كان المطهرون في الية )ل يمسه إل المطهرون(‬
‫)الواقعة ‪ (79‬تعني أيا‪ O‬من الناس تقيا‪ ،O‬أم فاجرا‪.O‬‬

‫والهاء في "ل يمسه" تعود على نسخ المصاحف التي بين أيدينا‪ .‬لو كان هذا هو المعنى وحصل غير ذلك‪ ،‬لصبح الخبر كاذبا‪ .O‬ونرى الن آلفا‬
‫من الناس وهم من جنب وحائض ونفساء يمسون المصاحف‪ .‬فإذا كان المعني بالية هو المصاحف‪ ،‬والمعني بـ"المطهرون" هم غير الحائض‬
‫والنفساء والجنب يصبح الخبر كاذبا‪.‬‬
‫أما المعنى الصادق فهو ما يلي‪:‬‬
‫إذا كان هناك صورة للرئيس المريكي وطبعت منها مليين النسخ في الصحف فإن هناك مليين الناس يمسون صورته منهم من يحبه‪ ،‬ومنهم من‬
‫يكرهه‪ .‬ولكن هل من يحبه أو من يكرهه يمكنه أن يصل إلى الرئيس الصل الذي يعيش في البيت البيض؟ إن الذي يصل إلى الرئيس الصل هم‬
‫أهله ومستشاروه وموظفو البيت البيض ومع ذلك فهناك عدة مليارات من الناس تعرفه بالصورة‪.‬‬
‫الن لنأخذ اليتين قبل هذه الية‪ ،‬والية التي بعدها‪:‬‬
‫)إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * ل يمسه إل المطهرون * تنزيل من رب العالمين( )الواقعة ‪ (80-79-78-77‬قال عن القرآن إنه )في كتاب‬
‫مكنون(‪ ،‬والمكنون هو المخبأ‪ ،‬ثم بعد ذلك قال )تنزيل من رب العالمين( فالية هنا تعني القرآن الصل الموجود في الكتاب المكنون والذي أخذت‬
‫صورة عنه مترجمة إلى العربية "الجعل والنزال"‪ ،‬ثم جاءت هذه الصورة إلينا عن طريق جبريل "التنزيل" منطوقة ل مخطوطة‪ .‬فهاهنا يكون‬
‫"المطهرون" هم الملئكة المعنيين الموكل إليهم حفظ القرآن‪ .‬فل يصل إلى القرآن الصل في الكتاب المكنون أحد من البشر‪ ،‬ل تقي ول شقي ول‬
‫متطهر ول جنب‪.‬‬
‫إن الخطأ هو اللتباس بين المطهرين والمتطهرين حيث قال عن الصلة )وإن كنتم جنبا‪ O‬فاطهروا( )المائدة ‪) (6‬فاعتزلوا النساء في المحيض ول‬
‫تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ال إن ال يحب التوابين ويجب المتطهرين( )البقرة ‪ .(222‬إن الذي ل يجوز على‬
‫الجنب والحائض والنفساء هو الصلة حصرا‪ .‬أما مس المصحف وتلوته خارج الصلة‪ ،‬فالمران سيان إن ال جنبا‪ O‬أو متطهرا‪ ،O‬وإن كانت المرأة‬
‫في فترة الحيض أو خارجها‪ ،‬وإن كان متوضئا‪ O‬أو غير متوضئ‪ ،‬علما‪ O‬بأن محتويات المصحف هي القرآن والسبع المثاني وأم الكتاب وتفصيل‬
‫الكتاب‪.‬‬

‫‪ - 3‬النزال والتنزيل لم الكتاب وتفصيل الكتاب‬
‫> لقد قلنا‪ :‬إن النزال والجعل حصل دفعة واحدة في القرآن‪ ،‬وافترق التنزيل حيث جاء على ثلث وعشرين سنة‪ ،‬والمخزن في لوح محفوظ وإمام‬
‫مبين هو القرآن فقط والذي له وجود مسبق قبل النزال والتنزيل لذا أضاف فعل "جعل" للقرآن‪.‬‬
‫أما أم الكتاب التي تحوي على الحدود ومنها العبادات والمواعظ والوصايا والتعليمات وتفصيل الكتاب فليس لها علقة بلوح محفوظ أو إمام مبين‬
‫أي ليست من القرآن وإنما من الكتاب‪ .‬فلو كان صوم رمضان مخزنا‪ O‬في لوح محفوظ لصبح من كلم ال‪ .‬ولو كان مخزنا‪ O‬في إمام مبين لصبح‬
‫من ظواهر الطبيعة‪ ،‬وكلم ال نافذ وظواهر الطبيعة حقيقة موضوعية صارمة )قوله الحق(‪ ،‬ولصام الناس في رمضان‪ ،‬شاؤوا أم أبوا‪ ،،‬وكذلك‬
‫بقية مواضيع أم الكتاب‪.‬‬
‫هذا الموضوع يعتبر من أهم النقاط خطورة وتعقيدا‪ O‬في العقيدة السلمية إن لم يكن أهمها على الطلع‪ .‬إذ أن سوء فهم هذا الموضوع‪ ،‬وعلى‬
‫رأسه عدم التفريق بين الرسالة والنبوة وبين الكتاب والقرآن جعل من المسلمين أناسا‪ O‬متحجرين ضيقي الفق‪ ،‬وضاع العقل نهائيا‪ O‬وضاع مفهوم‬
‫القضاء والقدر والحرية النسانية ومفهوم الثواب والعقاب "المسؤولية"‪ .‬وأعتقد أن ما كتب عن الحرية والمسؤولية النسانية والقضاء والقدر‬
‫ونظرية الدولة والمجتمع في الدبيات السلمية مسقطا‪ O‬هذا الفرق‪ ،‬لم يكن أكثر من عبث ولف ودوران‪.‬‬
‫فلو كانت الية )عبس وتولى * أن جاءه العمى( )عبس ‪ (2-1‬هي من القرآن وهم يقولون إن القرآن قديم وهو كلم اله‪ ،‬فهي بالتالي حقيقة‬
‫صارمة مخزنة قبل حدوث الحدث‪ ،‬ولكانت حقيقة خارج الوعي أي ليس لها علقة بإدراك النبي أو عدم إدراكه‪ ،‬ففي هذه الحالة لم يكن للنبي‬
‫صلى ال عليه وسلم أي خيار في أن يعبس أو ل يعبس‪ .‬وليس لعبد ال بن أم مكتوم وهو العمى المعني أي خيار في أن يأتي أو ل يأتي‪.‬‬
‫وفي هذه الحال شئنا أم أبينا‪ ،‬وبعبارة مبسطة تصبح رسالة محمد صلى ال عليه وسلم أشبه بممثل وتمثيلية أخرجت ووضع لها سيناريو مسبق‬
‫وقدمت للناس على أنها هداية لهم‪ ،‬ولصبحت الحياة النسانية عبارة عن كوميديا إلهية‪ ،‬أي أن الناس مجموعة من الصور المتحركة مبرمجة‬
‫منذ الزل في أفعالها وأقوالها‪ ،‬ولصبحت هذه الحياة لهوا‪ O‬إلهيا‪ ،O‬ولصبح مفهوم خلفة النسان ل في الرض ليس أكثر من خدعة‪ .‬علما‪ O‬أن ال‬
‫أخبرنا بغير ذلك‪ ،‬فال سبحانه وتعالى ل يلهو معنا‪ ،‬ونحن بالنسبة ل لسنا صورا‪ O‬متحركة مبرمجة مسبقا‪ O‬في اختياراتها وأقوالها لذا قال )لو أردنا‬
‫أن نتخذ لهوا‪ O‬لتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين( )النبياء ‪" (17‬لحظ كيف قدم جواب الشرط على الشرط لهمية الجواب"‪.‬‬
‫إن المسلمين أصبحوا في هذه الحالة من الوهن ليس لنهم تركوا الصلة والصوم والحج والزكاة أو لنهم شربوا الخمر‪ .‬وإنما بسبب الخلط في‬
‫مسألة الحرية والقضاء والقدر والجبر والختيار والتقرير المسبق لعمر النسان ورزقه وعمله‪ .‬وما هو الموجود مسبقا‪ O‬قبل أن يدخل في‬
‫المدركات وما هو غير الموجود‪ .‬إن غموض هذه النقاط بالذات هي التي تسببت لكثير من العرب والمسلمين في أن يبحثوا عن هوية أخرى غير‬
‫الهوية العربية السلمية‪ ،‬ورفض السلم جملة وتفصيل‪ O‬علما‪ O‬بأن السلف قد بحثوا هذه المور ووضعوها ضمن أطر قد تكون مقبولة منذ مئات‬
‫السنين حسب تأويلتهم ولكن هذه الطر غير مقبولة الن طبقا‪ O‬لتحديات ومعطيات العصر وهذا هو السبب الساسي في دخول فلسفات غير‬
‫إسلمية إلى عقر دار المسلمين‪.‬‬
‫إن ال سبحانه وتعالى يخبرنا عن أم الكتاب ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن أم الكتاب هي مجموعة اليات المحكمات والتي تتألف من آيات الحدود بما فيها العبادات والخلق والمواعظ والتعليمات المختلفة والتي‬
‫في مجموعها تمثل الرسالة وهي آيات ل تحمل في طياتها التشابه‪ .‬والتشابه فقط في القرآن والسبع المثاني‪ .‬أي أنها ل تحمل صيغة المطلق بتاتا‪،O‬‬
‫وغير قابلة للتأويل لنها آيات ل تبصر وليس لها وجود قائم في ذاته أي وجود مشخص وهي آيات للسلوك النسان ل للوجود الموضوعي وهي‬
‫مناط القضاء النساني‪ ،‬ففيها الرفض وفيها اليجاب‪ .‬أي أنها فرقت بين الحلل والحرام في السلوك النساني الواعي ولم تفرق بين الحق والباطل‬
‫"الحقيقة والوهم" في الوجود الموضوعي المطلق خارج الوعي النساني‪.‬‬
‫لذا فإنه من الخطأ الفاحش اعتبار أم الكتاب هي فاتحة الكتاب كما يعتقد البعض‪ ،‬لن هذا يناقض بنية الكتاب‪ .‬فإذا كانت الفاتحة هي أم الكتاب فهذا‬
‫يعني بالضرورة أن كل السور من أول سورة البقرة إلى آخر سورة الناس من المتشابهات وتفصيل الكتاب‪.‬‬
‫ففاتحة الكتاب ل يوجد فيها أحكام‪ ،‬فعند ذلك تصبح أحكام الصوم والصلة والحج والزكاة وبر الوالدين والرث وكل ما جاء في أم الكتاب من‬
‫المتشابه القابل للتأويل‪ ،‬علما‪ O‬بأنه ل يمكن تأويله‪ ،‬ولوقعنا في تناقض مرعب وهو كيف نأمر الطفال وهم في سن العاشرة بالصلة‪ ،‬وأي إنسان‬
‫يفهم آية الرث وآية الوضوء‪ ،‬وأي إنسان يفهم أحكام الصوم ومع ذلك قال )وما يعلم تأويله إل ال والراسخون في العلم( )آل عمران ‪ (7‬فتصبح‬
‫أم الكتاب عبارة عن أمور خاضعة للبحث العلمي الموضوعي‪ .‬فعلينا أن ننشئ معهد أبحاث الصدق‪ ،‬ومعهد أبحاث بر الوالدين‪ ،‬ومعهد أبحاث‬
‫الوضوء‪ ،‬ومعهد أبحاث الرث‪ ،‬ومعهد أبحاث الصلة ‪ ..‬علما‪ O‬بأن هذه المور تخضع للجتهاد "الفقه"‪.‬‬
‫‪ - 2‬بما أن محتويات أم الكتاب ليس لها علقة بلوح محفوظ أو إمام مبين وليست مطلقة )لكل جعلنا منكم شرعة‪ O‬ومنهاجا‪ O‬ولو شاء ال لجعلكم أمة‬

‫واحدة ‪ ..‬الية( )المائدة ‪ (48‬فإنها تخضع للتبديل والجتهاد "والختلف بين أمة وأخرى زمن وآخر" وتخضع لسباب النزول‪ ،‬وقد أوحيت‬
‫مباشرة من ال سبحانه وتعالى‪ ،‬أي أن الية )عبس وتولى * أن جاءه العمى( جاءت إلى النبي صلى ال عليه وسلم تصحيحا‪ O‬من ال عز وجل‬
‫أي أنه لو لم يعبس النبي صلى ال عليه وسلم بعبد ال بن أم مكتوب لما نزلت هذه الية مطلقا‪ O‬ولما سمعنا بها‪.‬‬
‫وهذا ما نفهمه من الحكام المختلفة التي جاءت للرسل‪ .‬فال سبحانه وتعالى أرسل تشريعات مختلفة لرسل وأقوام لم يقصها على النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم لن هذه التشريعات كانت مرحلية وألغيت‪ .‬وهذا ما نراه أيضا‪ O‬بالنسبة لموسى وعيسى‪ ،‬فال سبحانه وتعالى عندما حرم على اليهود‬
‫الحوايا وما اختلط بعظم قال‪) :‬ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون( )النعام ‪ (146‬أي أنهم لو لم يبغوا لما حرم عليهم‪ ،‬ثم جاء عيسى رسو ‪O‬ل إلى‬
‫بني إسرائيل ‪ ..‬لماذا؟! )ولحل لكم بعض الذي حرم عليكم( )آل عمران ‪.(50‬‬
‫فمقام الرسالة كان في المسموح والممنوع وهذا هو السر الكبر في وجود الناسخ والمنسوخ في أم الكتاب ووجود التطور في التشريع‪ .‬ولذلك‬
‫نحذر من الظن أنه يوجد ناسخ ومنسوخ في القرآن أو في تفصيل الكتاب‪ .‬ففي رسالة محمد صلى ال عليه وسلم جاءت تعليمات وألغيت فيما بعد‪،‬‬
‫أي في نفس الرسالة حصل تغيير‪ .‬فجاء هذا التغيير فيما يتعلق بالسلوك النساني‪ .‬فمثل‪ O‬قال‪) :‬وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ال‬
‫… الية( )البقرة ‪ .(284‬ثم نسختها الية )ل يكلف ال نفسا‪ O‬إل وسعها( )البقرة ‪ .(286‬لذا قال تعالى‪) :‬يمحوا ال ما يشاء ويثبت وعنده أم‬
‫الكتاب( )الرعد ‪.(39‬‬
‫هنا نلحظ هذين المرين الهامين‪ ،‬أولهما أ‪ ،‬أم الكتاب فيها يمحوا أو يثبت‪ ،‬أي فيها تغيير‪ .‬والمر الثاني أنه ليس لها علقة بالقرآن لذا قال‪:‬‬
‫)وعنده أم الكتاب( أي أنها من عند ال مباشرة‪ .‬وعلينا أنت نعلم أن هذه اليات قابلة للتزوير وقابلة للتقليد ول يوجد فيها أي إعجاز‪ ،‬بل صيغت‬
‫قمة الصياغة الدبية العربية‪ ،‬لذا فهي بحاجة إلى حفظ ورقابة وتصديق وكانت هذه إحدى مهمات القرآن‪ .‬فالقرآن هو تصديق أم الكتاب )تصديق‬
‫الذي بين يديه( وهو حافظ ورقيب على أم الكتاب من التزوير والضافات والنقصان لذا جاءت آيات أم الكتاب موزعة بين آيات القرآن‪.‬‬
‫إنه من الخطأ أن نقول إن ال يخلق آيات أم الكتاب وينزلها لن خلق ال حق‪ ،‬وآيات أم الكتاب ليس لها علقة بالحق وإنما هي "سلوك" لذا‬
‫فكلمة "خلق" وكلمة "جعل" وكلمة "سوى" ل تنطبق عليها‪ .‬ففي أم الكتاب كان يحصل النزال والتنزيل دفعة واحدة‪ .‬أي أن أم الكتاب ليس ل‬
‫علقة بليلة القدر ولم تخزن عربية قبل التنزيل‪ .‬أي أن النزال والتنزيل كانا آنيين ومتلزمين‪.‬‬
‫ثم لننتبه إلى كيفية فرض الصلة حسب الروايات إن صحت‪ .‬فال فرض الصلة على النبي صلى ال عليه وسلم في المعراج فقال خمسون صلة‬
‫ثم نزل إلى خمسة‪ ،‬إن صح هذا‪ .‬فلو كانت الصلة من القرآن لتغير القرآن‪ ،‬وال ل يغير القرآن من أجل أحد ول ينسخ شيئا‪ O‬من القرآن من أجل‬
‫أحد‪ ،‬ل من أجل محمد ول عيسى ول موسى‪ .‬فمثل‪ O‬قوانين الموت هي من القرآن "الموت حق" فلو طلب محمد صلى ال عليه وسلم من ال أن ل‬
‫يموت ويخلد في هذه الدنيا لما استجاب ال سبحانه وتعالى له‪ ،‬ولكن يمكن أن يطلب طول العمر "الجزء المتغير" ويمكن أن يطلب المغفرة من‬
‫الذنب‪ ،‬ويمكن أن يطلب الشفاعة‪ ،‬ويمكن أن يطلب الجنة‪ .‬لذا فعندما طلب النبي تخفيض الصلة "إن صح هذا الحديث" فهذه أمور من أم الكتاب‬
‫قابلة للمحو والثبات‪.‬‬
‫فإذا كان ال سبحانه وتعالى قد سهل على عباده وغير في أحكامه مع تطور التاريخ وتغير الشروط الموضوعية والرضية المعرفية‪ ،‬وغير في‬
‫أحكامه مع بني إسرائيل لنهم "بغوا" ولو لم يبغوا لما جزاهم )ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون( )النعام ‪ .(146‬ثم غير هذا الحكم مع عيسى‬
‫)ولحل لكم بعض الذي حرم عليكم( )آل عمران ‪ .(50‬فلنفهم معنى قوله تعالى‪) :‬يمحوا ال ما يشاء ويثبت عليكم( )آل عمران ‪ .(50‬فنفهم معنى‬
‫قوله تعالى‪) :‬يمحوا ال ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب( )الرعد ‪ .(39‬وهنا يكمن السر الكبر في تسجيل اليات المنسوخة من أم الكتاب في‬
‫المصحف وذلك لننتبه إلى هذه الحقيقة‪.‬‬
‫والن لننتقل إلى آيات النزال والتنزيل في أم الكتاب‪:‬‬
‫ النزال‪) :‬وكذلك أنزلناه حكما‪ O‬عربيا‪) (O‬الرعد ‪.(37‬‬‫ التنزيل‪) :‬تنزيل الكتاب من ال العزيز الحكيم( )الزمر ‪ (1‬هنا ذكر التنزيل للكتاب حيث أن أم الكتاب هي جزء منه‪ ،‬وقد تلزم النزال والتنزيل في‬‫أم الكتاب وتفصيل الكتاب‪.‬‬
‫لنخلص الن الجعل والتنزيل والنزال‪:‬‬
‫‪ - 1‬الجعل‪) :‬إنا جعلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم تعقلون( )الزخرف ‪ (3‬وهو للقرآن فقط‪.‬‬
‫‪ - 2‬النزال‪:‬‬
‫أ ‪ -‬للقرآن‪) :‬إنا أنزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم تعقلون( )يوسف ‪.(2‬‬
‫ب ‪ -‬لم الكتاب‪) :‬وكذلك أنزلناه حكما‪ O‬عربيا‪) (O‬الرعد ‪.(37‬‬
‫ج‪ -‬للكتاب كله‪) :‬الحمد ل الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا‪) (O‬الكهف ‪ .(1‬هنا ذكر النزال للكتاب كله لكي يشمل القرآن وأم الكتاب‬
‫وتفصيل الكتاب والسبع المثاني‪.‬‬
‫‪ - 3‬التنزيل‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القرآن‪) :‬إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيل‪) (O‬النسان ‪.(23‬‬
‫ب ‪ -‬أم الكتاب وتفصيل الكتاب والسبع المثاني معا‪ O‬جاؤوا في تنزيل الكتاب )تنزيل الكتاب من ال العزيز الحكيم( )الزمر ‪) (1‬تنزيل الكتاب من ال‬
‫العزيز العليم( )غافر ‪) (2‬تنزيل الكتاب من ال العزيز الحكيم( )الجاثية ‪ ،2‬الحقاف ‪.(2‬‬
‫أما بالنسبة للسبع المثاني فقد ذكر النزال في الكتاب )الحمد ل الذي أنزل على عبده الكتاب( )الكهف ‪ .(1‬وذكر التنزيل على حدة في قوله )ال‬
‫نزل أحسن الحديث كتابا‪ O‬متشابها‪ O‬مثاني ‪ ..‬الية( )الزمر ‪ (23‬ففي القرآن تلزم النزال والجعل وافترق التنزيل حيث حصل على مدى ثلث‬
‫وعشرين سنة‪.‬‬
‫وفي أم الكتاب وتفصيل الكتاب والسبع المثاني تلزم النزال والتنزيل دون جعل‪ .‬أي أن أم الكتاب أنزلت ونزلت على مدى ثلث وعشرين سنة‪.‬‬
‫فتنزيل الكتاب كله كان على مدى ثلث وعشرين سنة‪ ،‬لذا لم يخصص آية خاصة لتنزيل أم الكتاب‪ ،‬بل قال‪) :‬تنزيل الكتاب من ال العزيز الحكيم(‬
‫)الزمر ‪ (1‬لن خصوصية فصل النزال عن التنزيل جاءت للقرآن وحده دون بقية مواضيع الكتاب ولذا خصها وذكها صراحة لنها من‬
‫خصوصياته‪.‬‬
‫إن ترتيب الكتاب بهذا الشكل وتداخل القرآن مع أم الكتاب واستعمال المصطلحات هو من قوارب العالمين مباشرة وليس له أي علقة بتخزين‬
‫موضوعي مسبق‪ ،‬أي ليس له علقة بلوح محفوظ أو إمام مبين‪.‬‬
‫أما السبع المثاني فقد حصل التنزيل فيها في قوله‪) :‬ال نزل أحسن الحديث كتابا‪ O‬متشابها‪ O‬مثاني … الية( )الزمر ‪ ،(23‬أما النزال فقد جاء‬
‫مقاطع ‪ 9‬صوتية وأعدادا‪ O‬مجردة‪ ،‬والعداد المجردة هي علم رب العالمين المباشر )وأحصى كل شيء عددا‪) (O‬لجن ‪ (28‬لذا فيها مفاتيح الثوابت‬
‫الرياضية كأعداد مجردة وفيها مفاتيح نشأة الكلم النساني كأصوات‪ ،‬وليس لها علقة بلغة معينة عربية أو غير عربية وقد سماها )أحسن‬

‫الحديث( وهي أكثر اليات تشابها‪ O‬في الكتاب لذا قال عنها )كتابا‪ O‬متشابها‪ O‬مثاني( ول يوجد فيها أي جعل ول يفهمها إل كبار علماء اللغات‬
‫والرياضيات على مر‪ w‬العصور‪ ،‬وإلى اليوم لم يتم تأويلها‪ ،‬وتلزم فيها النزال والتنزيل‪.‬‬
‫وإني لعجب تمام العجب كيف كانت أم الكتاب عند المفسرين في سورة آل عمران هي مجموعة اليات المحكمات فأصبحت في سورة الرعد‬
‫"اللوح المحفوظ" علما‪ O‬بأن أم الكتاب هو مصطلح‪ ،‬والمصطلح ل يخضع لظاهرة التشابه لنه من عادة المصطلح أن يعرف‪ .‬وقد عرفه ال‬
‫سبحانه وتعالى في سورة آل عمران )من •ه آيات محكمات هن أم الكتاب( )آل عمران ‪.(7‬‬
‫وإني لعجب كيف كان الكتاب عند المفسرين هو المحكم والمتشابه في سورة آل عمران )هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم‬
‫الكتاب وأخر متشابهات … الية( )آل عمران ‪ .(7‬ثم أصبح هذا الكتاب الذي جاء معرفا‪ O‬في سورة فاطر "الكتاب" )والذي أوحينا إليك من الكتاب‬
‫هو الحق ‪ ..‬الية( )فاطر ‪.(31‬‬
‫فأصبح هذا الكتاب في سورة فاطر هو اللوح المحفوظ‪ .‬وأكرر أنه جاء معرفا‪ O‬في الحالتين‪ .‬ولو جاء منكرا‪ O‬في الحالتين لقلنا إن هذا كتاب‪ ،‬وهذا‬
‫كتاب آخر‪ .‬أولو جاء معرفا‪ O‬في حالة ومنكرا‪ O‬في أخرى لقلنا‪ :‬هذا غير هذا‪ .‬علما‪ O‬بأنه أيضا‪ O‬حين قال الكتاب معرفا‪ O‬في آل عمران ثم قال )كتاب‬
‫أحكمت آياته( في سورة هود‪ ،‬وظن المفسرون أن الكتاب المعرف في آل عمران هو نفسه الكتاب المنكر في سورة هود‪ .‬مع أن معنى الكتاب في‬
‫آل عمران )هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات( هو المحكم ‪ +‬المتشابه ‪ +‬الل محكم واللمتشابه‪ ،‬أي‬
‫الرسالة والنبوة‪ ،‬أم الكتاب والقرآن والسبع المثاني وتفصيل الكتاب‪ ،‬أما )كتاب أحكمت آياته( في سورة هود فهو الرسالة فقط أي الكتاب المحكم‬
‫فقط‪.‬‬
‫حيث جاء الكتاب منكرا‪ O‬فعرف بإضافة )أحكمت آياته( فأصبح في هذه الحالة الكتاب المحكم‪ .‬وإن الية التي تبين بشكل قاطع أن النزال والتنزيل‬
‫تلزما في اليات المحكمات هي "الية ‪ 20‬في سورة محمد" )ويقول الذين آمنوا لول نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة ‪ ..‬الية( وكما نعلم‬
‫أن النزال حصل دفعة واحدة للقرآن كله‪ ،‬فإذا كان القرآن هو كل محتويات المصحف فكيف يقول أنزلت سورة‪ ،‬ولكي يبين أن المعنى بهذه الية‬
‫هو المحكم قال سورة محكمة‪ ،‬أي أنها سورة لست من القرآن وذكر النزال والتنزيل معا‪.‬‬

‫أم الكتاب وتفصيل الكتاب جاءا من العرش )أي من عند ال(‬
‫لنأخذ أول‪ s‬معنى العرش‪ :‬فالعرش في اللسان العربي جاء من "عرش" ولها أصلن صحيحان‪:‬‬
‫ الول‪ :‬عرش الرجل هو قوام– أمره‪.‬‬‫ الثاني‪ :‬العرش هو ما يجلس عليه من يأمر‬‫وينهى‪" .‬لحظ أن المعنى الثاني مرتبط بالول"‪.‬‬
‫فالساس في العرش هو المر‪ :‬فنقول إن الملك حسين‪ s‬تولى عرش الردن‪ ،‬فهذا يعني أنه أصبح المر الناهي في الردن‪.‬‬
‫وهنا ل يقصد العرش الذي يجلس عليه‪ .‬فإذا صنعنا عرشا‪ s‬وكرسيا‪ s‬مثل العرش والكرسي الذي يجلس عليه الملك حسين في‬
‫أحد بيوت دمشق فهذا ل يعني أن الذي يجلس على هذا العرش والكرسي أصبح آمر‪s‬ا ناهيا‪ s‬في الردن‪.‬‬
‫فبالمعنى الول جاءت لفظة العرش للمر والنهي في اليات‪:‬‬
‫ )وهو الذي خلق السموات والرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ‪ ..‬الية( )هود ‪.(7‬‬‫ )إن ربكم ال الذي خلق السموات والرض في ستة أيا {م ثم استوى على العرش ‪ ..‬الية( )العراف ‪.(54‬‬‫ )ويحمل عرش ربك فوقهم يوميئذ ثمانية( )الحاقة ‪.(17‬‬‫ )الرحمن على العرش استوى( )طه ‪.(5‬‬‫ )قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا‪ s‬لبتغوا إلى ذي العرش سبيل‪) (s‬السراء ‪.(42‬‬‫وفي كل مكان ورد ذكر العرش جاء بمعنى الم والنهي أني بالمعنى الول ما عدا اليات التالية في سورة يوسف وسورة‬
‫النمل جاءت بمعنى المكان الذي يجلس عليه من يأمر وينهى وهي‪) :‬ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا‪) (s‬يوسف‬
‫‪ ،(100‬هنا استعمل العرش لن يوسف كان آمر‪s‬ا ناهيا‪ s‬في مصر‪ .‬وقوله‪) :‬نكروا لها عرشها( )النمل ‪ (41‬وقوله )أيكم يأتيني‬
‫بعرشها( )النمل ‪ (38‬وقوله )فلما جاءت قيل أهكذا عرشك( )النمل ‪ (42‬وقوله )وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم(‬
‫)النمل ‪ .(23‬هنا ذكر عرش ملكة سبأ لنها كانت تأمر وتنهي‪.‬‬
‫ففي النفجار الكوني الول وقبل تشكل العناصر المادية المختلفة كان الكون كله مؤلفا‪ s‬من عنصر واحد هو الهيدروجين‬
‫)مولد الماء( )ماء ‪ (Hydro‬و)توليد ‪ (gen‬ففي هذه المرحلة لم يكن ثمة مجرات ول كواكب ول نجوم ول حياة سوى‬
‫الهيدروجين )مولد الماء(‪ .‬وفي هذه المرحلة كان أمر ال على مولد الماء‪ ،‬فقال )وكان عرشه على الماء( )هود ‪ .(7‬وهذا هو‬
‫العرش الول‪.‬‬
‫وفي الية الثانية‪:‬‬
‫بعد ان تكونت المجرات والسموات والرض والنجوم والكواكب أصبح عرش ال "أمره" عليها فقال‪) :‬ثم استوى على‬
‫العرش( )العراف ‪ (54‬وهذا هو العرش الثاني حيث أنهى الية بقوله )ي–غشى الليل النهار يطلبه حثيثا‪ s‬والشمس والقمر‬
‫والنجوم مسخرات بأمره أل له الخلق والمر تبارك ال رب العالمين( )العراف ‪ .(54‬لحظ كيف ذكر النجوم ووجود‬
‫العناصر غير الهيدروجين‪.‬‬
‫وفي الية الثالثة‪:‬‬
‫بعد أن تقوم الساعة ويتكون كون جديد بقوانين جديدة‪ ،‬وما الساعة إل بداية تغير بصيرورة مادة هذا الكون لكي يتكون منها‬
‫كون جديد فيه نبعث ونحاسب‪ ،‬فأمر ال "عرشه" على هذا الكون الجديد قال عنه‪) :‬ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ{ ثمانية(‬
‫)الحاقة ‪ (17‬وهذا هو العرش الثالث‪ .‬لحظ قوله "يومئذ"‪.‬‬
‫وفي الية الرابعة‪:‬‬

‫)الرحمن على العرش استوى( العرش هنا اسم جنس لمر ال من قبل ومن بعد‪ ،‬لنه لم يعطه أية صفة إضافية كقوله‪:‬‬
‫)وكان عرشه– على الماء( و)ثم استوى على العرش( و)ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية(‪ .‬ول بد من الشارة إلى أنه‬
‫ليس للعرش هنا مفهوم مكاني‪.‬‬
‫وفي الية الخامسة‪:‬‬
‫إذا كان هناك عدة آلهة فلهم من يرأسهم وله المر والنهي عليهم لذا قال‪) :‬وإذا‪ s‬لبتغوا إلى ذ العرش سبيل‪) (s‬السراء ‪(42‬‬
‫أي إلى ذي المر والنهي‪ ،‬ليكونوا آمرين ناهين مهيمنين مسيطرين‪.‬‬
‫أما مفهوم الستواء فل يعني الجلو{‪ ،‬فأحد معاني "استوى" اللغوية هو الستقرار والسيطرة والستحكام كقوله تعالى"‪:‬‬
‫)والذي خلق الزواج كلها وجعل لكم من الفلك والنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم‬
‫عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين( )الزخرف ‪.(13-12‬‬
‫فعندما يركب النسان دابة‪ s‬غير مروضة{ فإنه يستطيع الركوب عليها ولكنه ل يستحكمها بحيث يستقر عليها وتخضع له تماما‬
‫يوجهها كيف يشاء‪ ،‬فتأمل مفهوم الستواء حين ل يقصد به الجلوس وإنما الستحكام والسيطرة الكاملة لذا وضع أداة "إذا"‬
‫قبل " استويتم" لن الفترة الزمنية بين محاولة النسان تذليل النعام ونجاحه في تذليلها "الستواء" كانت فترة غير قصيرة‪.‬‬
‫أما الكرسي فهو يأتي فوق العرش من ناحية المرتبة والولويات‪ ،‬ل من الناحية المكانية‪ ،‬لن الذي يأمر وينهي عليه أن يعلم‬
‫على ماذا يأمر وينهي‪ ،‬فالمر والنهي ل يتم بدون المعرفة الكاملة على ما يأمر وينهي‪ ،‬وهذا هو الكرسي‪ .‬والكرسي جاءت‬
‫في اللسان العربي من "كرس" فنقول‪ :‬كرست وقتي لهذا العمل‪ ،‬أي أعطيته كل وقتي ومعلوماتي‪ ،‬وقالت العرب‪ :‬العلماء‬
‫كراريس‪ ،‬ومنها جاءت الكراسة والكرسي‪ ،‬والكراسة هي ما يدون عليها معلومات ما‪ .‬لذا قال‪) :‬وسع كرسيه السموات‬
‫والرض( )البقرة ‪ (255‬لحظ التشابه الكبير‪ ،‬فالكرسي هنا من الكراسة‪ ،‬ل الكرسي الذي عليه النسان فهنا نفهم )وسع‬
‫كرسيه( أي وسع علمه كل الموجودات وذلك لكي يأمر وينهي‪ ،‬وقد قال قبل هذه الفقرة )يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ول‬
‫يحيطون بشيء من علمه إل بما شاء( )البقرة ‪.(255‬‬

‫‪ - 4‬النزال والتنزيل للملئكة‬
‫قلنا إن النزال هو ما يدخل في المدركات‪ ،‬وإن التنزيل هو نقل موضوعي خارج الدراك‪ .‬فإذا قال ال سبحانه وتعالى‬
‫"أنزل ملئكته" فهذا يعني أن الملئكة يمكن مشاهدتها من قبل الناس وتصبح من المدركات‪ .‬وإذا قال ال سبحانه وتعالى‬
‫"نزل ملئكته" فهذا يعني أن الملئكة تأتي موضوعيا‪ s‬ولكن الناس ل تشاهدها ول تدركها‪.‬‬
‫ففي المعنى الول "النزال" جاءت عن قوم نوح‪ .‬إذ أن نوح‪s‬ا كان أول نبي ورسول من البشر أوحي إليه‪ ،‬وكان ال يرسل‬
‫إلى الناس قبل نوح ملئكة لتنذرهم‪ ،‬لن البشرية قبل نوح كانت قريبة من المملكة الحيوانية ول تفهم إل المشخص المجسم‬
‫"الدراك الفؤادي" )وإن من أمة إل خل فيها نذير( )فاطر ‪ .(24‬وعندما جاء نوح وكان الناس قد اعتادوا أن يرسل ال‬
‫ملئكته ول يرسل بشرا‪ ،s‬قال له قومه‪) :‬ولو شاء ال لنزل ملئكة‪ s‬ما سمعنا بهذا في آبائنا الولين( )المؤمنون ‪ ،(24‬أي أن‬
‫قوم نوح لم يصدقوا أن ال عز وجل يرسل بشرا‪ s‬في قوله )وما نراك إل بشرا‪ s‬مثلنا ‪ ..‬الية( )هود ‪ (27‬لذا قال لهم‪) :‬ول‬
‫أقول إني ملك ‪ ..‬الية( )هود ‪ .(31‬إنهم كذبوا نوح‪s‬ا وكذبوا الرسل من الملئكة التي أتت قبله لذا قال )كذبت قوم نوح‬
‫المرسلين( )الشعراء ‪ (105‬لحظ كيف جاءت "المرسلين" بالجمع مع أن نوحا‪ s‬شخص واحد‪.‬‬
‫وفي هذا المقام قال )كذبت عاد المرسلين( )الشعراء ‪ .(123‬وقال )كذبت ثمود المرسلين( )الشعراء ‪ .(141‬هذه الظاهرة‬
‫بقيت في أذهان الناس حتى بعثة محمد صلى ال عليه وسلم لقوله‪) :‬فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن‬
‫يقولوا لول أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير وال على كل شيء وكيل( )هود ‪ .(12‬وجاء انزال الملئكة أيضا‪.s‬‬
‫)وقالوا لول أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا‪ s‬لقضي المر ثم ل ينظرون( )النعام ‪ (8‬فهنا )أنزل عليه ملك( أي أنهم أرادوا أن‬
‫بروا الملئكة مع محمد‪ ،‬وتدخل الملئكة ضمن إدراكهم‪.‬‬
‫أما التنزيل للملئكة فيعني نقلة مادية موضوعية خارج الوعي النساني كنقل الصوت والصورة عن طريق المواج‪ ،‬وكذلك‬
‫لظاهرة ترى بالعين أو تسمع بالذن ولكنها ل تدخل ضمن المدركات "المعقولت النسانية كشق موسى للبحر واليات‬
‫البينات الثماني الخر" وفي هذا المعنى قال‪) :‬إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية‪ s‬فظلت أعناقهم لها خاضعين( )الشعراء ‪.(4‬‬
‫وهكذا جاء التنزيل للملئكة كنقلة المواج وهو أن تنزل الملئكة تنزيل‪ s‬ماديا‪ s‬ولكن دون أن يراها أحد )تنزل الملئكة‬
‫والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر( )القدر ‪ (4‬أو أن ت–رى وتسمع ولكن دون أن تدرك أو تعقل كقوله‪) :‬ولو أننا نزلنا إليهم‬
‫الملئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبل‪ s‬ما كانوا ليؤمنوا به إل أن يشاء ال ولكن أكثرهم يجهلون( )النعام‬
‫‪ (111‬وكقوله تعالى‪) :‬قل لو كان في الرض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا‪ s‬رسول‪) (s‬السراء ‪.(95‬‬

‫‪ - 5‬النزال والتنزيل للمن والسلوى‬
‫ولقد جاء النزال والتنزيل في المن والسلوى‪:‬‬
‫فالنزال‪:‬‬
‫)وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(‬

‫)البقرة ‪.(57‬‬
‫)وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا نعليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(‬
‫)العراف ‪.(160‬‬
‫والتنزيل جاء في قوله تعالى‪:‬‬
‫)يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور اليمن ونزلنا عليكم المن والسلوى( )طه ‪) (80‬كلوا من‬
‫طيبات ما رزقناكم ول تطغوا فيه ‪ ..‬الية( )طه ‪.(81‬‬
‫فعندما قال‪) :‬أنزلنا عليكم المن والسلوى( دخل في مدركاتهم أن هذه للطعام لذا أتبعها دون أن يقطع الية )كلوا من طيبات ما‬
‫رزقناكم(‪.‬‬
‫وعندما قال )نزلنا عليكم المن والسلوى( حصلت نقلة خارج الوعي بأن جاءهم المن والسلوى دون أن يعلموا ما هي ولي‬
‫سبب لذا قطع قوله )كلوا من طيبات ما رزقنكم( ووضعه "تنزيل" ثم أدرك بنو إسرائيل ما هو المن والسلوى وأنه للكل‬
‫ولمساعدتهم "إنزال"‪.‬‬
‫النزال والتنزيل للماء‬
‫عندما يقول "أنزل" للماء فإنه يعطي ظاهرة قابلة للدراك وهي من المدركات فقوله‪) :‬ألم تر أن ال أنزل من السماء ماء‬
‫فسلكه ينابيع في الرض( )الزمر ‪ .(21‬يعني أن ظاهرة جريان المياه في الرض "المياه الجوفية" هي ظاهر قابلة للدراك‬
‫النساني‪ ،‬فادرسوها يا أولي اللباب‪ ،‬هذا ما نسميه اليوم "الهيدرولوجيا"‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها( )الرعد ‪ .(17‬يخبرنا عن ظاهرة لكي ندركها‪ ،‬أي نقلة من غير المدرك‬
‫إلى المدرك فإنه يقول لنا‪ :‬إن المياه التي تنزل من السماء هي نفس المياه التي تسيل في الودية والتي تتخزن‪ ،‬والمساواة‬
‫بينهما كمية‪.‬‬
‫وعندما يقول )وينزل الغيث( )لقمان ‪ (34‬فإنه يخبرنا عن نقلة موضوعية خارج الوعي النساني‪ ،‬أي أن هذه الظاهرة‬
‫تحصل موضوعي‪s‬ا خارج إدراكنا‪ .‬أي أن قرار تنزيل الغيث وإرسال الرحمة للناس يحصل موضوعيا‪ s‬خارج الوعي‬
‫النساني وكذلك قوله‪) :‬ونزلنا من السماء ماء مباركا‪ s‬فأنبتنا به جنات{ وحب الحصيد( )ق ‪ .(9‬أي أن عملية إخراج الحياة‬
‫النباتية من الماء حصلت موضوعيا‪ s‬قبل أن تدرك من قبل النسان‪.‬‬
‫هذا على قراءة نافع وعاصرهم وابن عامر‪) :‬وينزل الغيث( )الشورى ‪ (28‬وقد قرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي‬
‫)وينزل الغيث( )في الموضعين( وعلى هذه القراءة فيكون النزال مدركا‪ .s‬وعلى القراءتين فالغيث ينزل موضوعيا‪ s‬خارج‬
‫الدراج وهو من المدركات‪.‬‬
‫الظواهر التي حصل فيها النزال دون التنزيل‪:‬‬
‫لقد جاء النزال دون التنزيل في قوله تعالى )وأنزلنا الحديد( وفي قوله‪) :‬يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا‪ s‬يواري سوءاتكم‬
‫وريشا‪ .. s‬الية( )العراف ‪.(26‬‬
‫وبما أن النزال مرتبط بالوعي النساني‪ ،‬فإذا كانت هناك ظاهرة في الطبيعة موجودة موضوعيا‪ s‬ولكن ل يدركها النسان‬
‫وحصل إنزال لها فهذا يعني أنها أصبحت من المدركات‪ .‬وهنا يكمن التعريف الساسي لنظرية المعرفة النسانية في القرآن‬
‫حيث أنها تتلخص في النزال‪ .‬أي بالنسبة للنسان يسبق الوجود الدراك‪ ،‬والنزال هو عملية إدراك الموجودات‪.‬‬
‫فالحديد موجود في الطبيعة ولكنه موجود بشكل فلزات وغير موجود بشكل حر‪ ،‬واستخراجه من المور الصعبة بخلف‬
‫الذهب والفضة‪ ،‬وأعتقد أنه إلى اليوم هناك سؤال حير علماء تاريخ العلوم وهو‪ :‬كيف اكتشف النسان الحديد بهذا الوقت‬
‫المبكر؟ لن الحديد من المعادن التي عرفها النسان قديما‪ .،s‬وكانت معرفة النسان للحديد نقلة نوعية كبيرة في حياة‬
‫النسانية‪ ،‬فقد يسأل سائل‪ :‬ما دخل ال في حياة الناس؟ أقول‪ :‬لقد أعطى ال قفزات معرفية للناس في النبوات وأعطاهم‬
‫قفزات تشريعية في الرسالت‪ .‬فعندما قال )وأنزلنا الحديد( )الحديد ‪ .(25‬فهذا يعني أن ال عن طريق النبوات عرف الناس‬
‫بالحديد ومنافعه واستخراجه‪.‬‬
‫ولم يكتشف استخراج الحديد بالصدفة لذا أتبع الخواص الموجودة في الحديد في نفس الية بقوله )فيه بأس شديد ومنافع‬
‫للناس( )الحديد ‪ (25‬وهذا هو سر معرفة النسان للحديد في مرحلة مبكرة‪ ،‬وإني ل أدري لول قوله تعالى )وأنزلنا الحديد(‬
‫هل كنا نركب السيارات ونشيد البنية العالية والمصانع في الوقت الحاضر‪ .‬لحظوا هنا كيف تدخل ال سبحانه وتعالى‬
‫وأعطى قفزة معرفية للناس‪ .‬ولحظوا أيضا‪ s‬أنه لم يقل وأنزلنا النحاس أو أنزلنا الذهب أو أنزلنا النار لن النسان اكتشف‬
‫النحاس والذهب والنار دون نبوات‪ .‬ولو قال ونزلنا الحديد فهذا يعني أن الحديد كان خارج الرض ونقله ال إلى الرض‪،‬‬
‫أي أن الحديد اتتقل موضوعيا‪ s‬إلى الرض من مكان ما كقوله )وينزل الغيث(‪.‬‬
‫أما قوله )قد أنزلنا عليكم لباسا‪ s‬يواري سوءاتكم وريشا‪) (s‬العراف ‪ (26‬فهذا يعني أن النسان عندما كان في المملكة‬
‫الحيوانية بشرا‪ s‬كان عاريا‪ s‬ل يعرف اللباس‪ ،‬ثم عرف بعد ذلك الغطاء "السرابيل" غير مخيط ودون مخيط‪ .‬فمن علم النسان‬
‫ربط قطعة جلد بقطعة أخرى عن طريق المخيط؟ الجواب‪ :‬إن ال أعطى قفزة للناس بأن علمهم هذه الظاهرة عن طريق‬
‫النبوات‪.‬‬
‫أما الريش فجاءت من قبل "ريش" وهي كثرة المال "النقد" ويقابلها باللغة النكليزية )‪ .(Rich‬فهنا نقول‪ :‬من علم النسان‬

‫ظاهرة التجريد القتصادي في تبادل السلع؟ لقد قام القتصاد على تبادل السلع على مبدأ المقايضة أول‪ ،s‬فلكي تنتقل هذه‬
‫العملية من المشخص إلى المجرد وجب أن يكون هناك وحدة قياس للسلعة وهذا ما يسمى بالنقد‪ .‬وهي عملية تجريد بحتة‬
‫لتبادل السلع‪ .‬فهنا نقول مرة أخرى إن ال سبحانه وتعالى علمهم إياها عن طريق النبوات وأعطى الناس دفعة إلى المام‪.‬‬
‫ حالة طلب فيها العرب النزال دون التنزيل‪ ،‬وحالة طلبوا فيها التنزيل دون النزال‪:‬‬‫لقد طلب العرب النزال دون التنزيل من النبي صلى ال عليه وسلم بقوله تعالى في سورة هود الية ‪) .12‬لول أنزل عليه‬
‫كنز( فالعرب لم يطلبوا من محمد صلى ال عليه وسلم أن ينزل كنز كما ينزل المطر من السماء‪ ،‬ولكن طلبوا أن يوحي ال‬
‫إلى النبي صلى ال عليه وسلم عن مكان كنز مخبأ في الرض ول يعرف أحد مكانه فيدلهم عليه‪.‬‬
‫أما الحالة التي طلبوا فيها التنزيل دون النزال‪ ،‬ففي سورة السراء الية ‪) 93‬أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في‬
‫السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا‪ s‬نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إل بشر رسول( هنا طلب العرب من النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم أن يرقى إلى السماء ويأتيهم بكتاب بشكل مادي يرونه بأعينهم‪ ،‬أي أنهم طلبوا أن يأتي الكتاب من‬
‫السماء منسوخا‪ s‬على قرطاس ويلمس باليد ماديا‪ s‬كقوله )ولما نزلنا عليك كتابا‪ s‬في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا‬
‫إن هذا إل سحر مبين( )النعام ‪.(7‬‬

‫‪ - 6‬النزال والتنزيل لمائدة من السماء‬
‫لنرى اليات التالية في سورة المائدة‪:‬‬
‫ )إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة‪ s‬من السماء قال اتقوا ال إن كنتم مؤمنين(‬‫)المائدة ‪.(112‬‬
‫ )قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا‪ s‬لولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير‬‫الرازقين( )المائدة ‪.(114‬‬
‫ )قال ال إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا‪ s‬ل أعذبه أحدا‪ s‬من العالمين( )المائدة ‪.(115‬‬‫و لنلحظ ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬لقد طلب الحواريون من عيسى بن مريم تنزيل مائدة{ من السماء‪ ،‬أي طلبوا مائدة مادية ليأكلوا منها ماديا‪ s‬تنزل عليهم‬
‫موضوعيا‪ s‬كسقوط التفاحة من الشجرة إلى الرض أو كسقوط الغيث‪ ،‬وكان هذا طلب‪s‬ا كبيرا‪ ،s‬لذا قال‪) :‬اتقوا ال إن كنتم‬
‫مؤمنين( وكان هذا الطلب هو "تنزيل‪."s‬‬
‫‪ - 2‬كان طلب الحواريين لوجود شك عندهم من أقوال المسيح إذ قالوا )ونعلم أن قد صدقتنا(‪.‬‬
‫‪ - 3‬لقد طلب المسيح من ال سبحانه وتعالى إنزال‪ s‬بشأن المائدة‪ ،‬أي طلب الوحي بشأن المائدة لن المسيح كان ل يشك‬
‫مطلقا‪ s‬بصدق ال معه‪ ،‬وهو شخصيا‪ s‬ليس بحاجة إلى أي بينة مادية من ال‪.‬‬
‫‪ - 4‬لقد استجاب ال لطلب الحواريين فقال‪) :‬إني منزلها عليكم( "تنزيل" فجاءتهم مائدة مادية من السماء دون أي وحي‬
‫بشأنها لذا قال لهم‪) :‬فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا‪ s‬ل أعذبه أحدا‪ s‬من العالمين(‪ ،‬هذا على قراءة نافع وابن عامر‬
‫وعاصم )إني منزلها(‪ .‬وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي )إني منزلها( "إنزال" فيكون المعنى على هذه القراءة‬
‫أن ال سبحانه وتعالى استجاب لطلب عيسى عليه السلم فكان النزال بأن أوحى إليه وحيا‪ s‬بأمرها‪ .‬غير أن تواتر الخبار‬
‫يفيد أنها تنزلت بصورة مادية "العشاء الرباني"‪ .‬وهذا ما يرجح قراءة نافع وابن عامر وعاصم‪.‬‬
‫ويحسن بي هنا أن أختم هذا الفصل بالوقوف على شرح قوله تعالى‪) :‬لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا‪ s‬متصدعا‬
‫من خشية ال وتلك المثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون( )الحشر ‪.(21‬‬
‫بما أن محتويات القرآن كلها علوم الحقيقة الموضوعية المادية والتاريخية‪ ،‬فلو أنزل هذا القرآن على جبل "أي دخل في‬
‫مدركات الجبل" لصبح الجبل عالما‪ ،s‬وبالتالي خاشعا‪ s‬متصدعا‪ s‬من خشية ال‪ ،‬والخشية هي الخوف عن إدراك‪ .‬حيث قال‬
‫)كذلك إنما يخشى ال من عباده العلماء( )فاطر ‪ (28‬ولو قال لو نزلنا هذا القرآن على جبل فهذا يعني أنه وضع القرآن ماديا‬
‫على الجبل "كتابا‪ s‬منسوخا‪ s‬في قرطاس" وينطبق على الجبل قوله تعالى‪) :‬مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل‬
‫الحمار يحمل أسفارا( )الجمعة ‪ ،(5‬فعندما يحمل الحمار أسفارا‪" s‬كتبا‪ s‬في قرطاس" فيها معلومات ل يفهمهما يبقى حمارا‪،s‬‬
‫أما إذا فهمها ودخلت ضمن مدركاته فلن يبقى حمارا‪ .‬وكذلك الجبل إذا جاءه القرآن واستوعبه أصبح عالم‪s‬ا "النزال" وإذا‬
‫جاءه ماديا‪ s‬ولم يستوعبه يبقى جبل‪ s‬كما هو "تنزيل فقط" ولذا قال‪) :‬لو أنزلنا هذا القرآن على جبل( )الحشر ‪.(21‬‬
‫بعد هذا التفصيل نتوقع أن يرد السؤال التالي‪ :‬هل فهم السلف النزال والتنزيل بهذا الفهم؟ وإن لم يكونوا فهموه كذلك فهل‬
‫ذك ضائرهم؟‬
‫وأجيب‪ :‬لو فهموه هكذا لكان المر عجبا‪ s‬ولكانت النتائج أعجب‪ ،‬لقد غاب عنهم هذا الفهم لن أرضيتهم العلمية لم تكن تعينهم‬
‫عليه إل أننا ل ننكر أن بعضهم حام حوله دون أن يقع عليه‪ ،‬فقد حكى سيبويه أن أبا عمر{ كان يفرق بين أنزلت ونزلت‪ ،‬ولم‬
‫يذكر الفرق "لسان العرب زل" وعلى كل حا {ل فالقرآن صالح لكل زمان ومكان ويفهمه كل قوم وفق‪s‬ا لرضيتهم المعرفية‬

‫وإنما أعاننا على هذا الفهم معارف النصف الثاني من القرن العشرين‪ ،‬وأما هم فل ضير عليهم بشرط أن نكون مقتنعين فعل‬
‫وقول‪ s‬بأنه معجز‪.‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫إعجاز القرآن وتأويله‬
‫‪ - 1‬التحذير من كتابه الكتاب بأيديهم ونسبته إلى ال‪ ،‬والتحدي بأن يأتوا بمثل هذا القرآن‬
‫إن بداية القول في إعجاز القرآن تأتي من موازنة اليتين التاليتين وهما‪:‬‬
‫ )فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ال ليشتروا به ثمنا‪ O‬قليل‪ O‬فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل¡ لهم مما يكسبون( )البقرة‬‫‪.(79‬‬
‫ )قل لئن اجتمعت النس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ل يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا‪) (O‬السراء ‪.(88‬‬‫ففي الية الولى يحذر ال الناس أن يكتبوا الكتاب بأيديهم ويقولوا هذا من عند ال‪ .‬وفي الية الثانية يتحدى النس والجن على أن يأتوا بمثل هذا‬
‫القرآن‪.‬‬
‫الن لنناقش المور التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬إذا كان المقصود بالكتابة الخط‪ ،‬والخط يكون باليد )يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ال(‪ ،‬فهذا يعني أن المقصود في هذه الية‬
‫هم كتبة الوحي فقد خطوا الكتاب وقالوا هذا من عند ال وبالتالي فالويل كل الويل لكتبة الوحي‪.‬‬
‫‪ - 2‬أما إذا كان المقصود بالكتابة إضافة أحكام فقط إلى الكتاب‪.‬‬
‫وحصل مثل هذا المر فعل‪ O‬عند اليهود حيث أضافوا اجتهادات أحبارهم إلى الكتاب‪ ،‬وقد شرحنا أن الكتاب عند موسى وعيسى هو التشيع فقط‬
‫"الرسالة" وهذا أمر ممكن الوقوع فيه وغير مستحيل لذا تم التحذير منه فعل‪.O‬‬
‫‪ - 3‬إذا كان الكتاب هو المصحف كما يعتقد الناس فكيف يحذرهم مرة ويتحداهم مرة أخرى؟ "هذا تناقض كبير جدا‪ ،"O‬ولكن إذا كان التحذير لشيء‬
‫والتحدي لشيء آخر توضع المور في نصابها‪ ،‬حيث أن التحذير للتشريع "الرسالة" والتحدي للقرآن "النبوة"‪ .‬فال سبحانه وتعالى يحذر الناس‬
‫من أمر ل يعجزون عنه‪ ،‬ويتحداهم بأمر يعجزون عنه‪ .‬هكذا فقط يجب أن نفهم التحذير من أمر غير معجز والتحدي لمر معجز‪.‬‬
‫لنبحث الن في التحذير والتحدي‪ ،‬كحل على حده‪:‬‬
‫أ‪ -‬التحذير‪ :‬لقد جاء التحذير من كتابة الكتاب ونسبة الكتاب إلى ال‪ .‬فحتى توضع المور في نصابها نفهم هذا التحذير كالتالي‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن الحكام من الكتاب ولست من القرآن وهي الكتاب بالسنة لموسى وعيسى ول يوجد فيها أي إعجاز‪ ،‬فل يجوز للنسان أن يسن تشريعا‬
‫مثل قانون السير أو قانون الجامعات أو قانون الجمارك ثم ينسب هذا التشريع إلى ال وهذا ما يؤكد أنه ل يوجد حق لحد في أن يصدر أحكاما‬
‫ويعطيها صفة اللوهية وإنما هي فقط اجتهاد متطور حسب الظروف الموضوعية التاريخية له الصفة الحنيفية غير الثابتة هدفه اليسر ل العسر‪.‬‬
‫وقد جاء هذا التحذير حيث أن اليهود مارسوا هذا النوع من التزوير في الحكام "الكتاب" لذا قال )فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم(‪.‬‬
‫‪ - 2‬ل يجوز أن تدمج اجتهادات النبي صلى ال عليه وسلم واجتهادات الفقهاء في الكتاب وجعلها جزءا‪ O‬منه‪.‬‬
‫‪ - 3‬ل يجوز تغيير ترتيب آيات الكتاب من حيث الترتيب والعدد التي وردت فيه فمثل‪ O‬جاءت الوصايا في سورة النعام تحت رقم ‪،153-152-151‬‬
‫فل يجوز وضعها في سورة أخرى أو في مكان آخر في نفس السورة‪.‬‬
‫‪ - 4‬ل يجوز وضع تأويل اليات بالنسبة للقرآن والفقه في الحكام بديل‪ O‬للنص باللزام حيث أن التأويل دائما‪ O‬يحمل مفهوم النسبية في المعرفة‬
‫والفقه يحمل مفهوم الضرورة المرحلية الحنيفية‪.‬‬
‫لنسأل الن‪ :‬هل هناك تحذيرات أخرى حذر رب العالمين الناس من القيام بها وهي ضمن إمكانياتهم؟ الجواب‪ :‬نعم هناك تحذيران خطيران جدا‬
‫وهما‪:‬‬
‫ التحذير الول‪ :‬عندما يؤول القرآن وهو اليات المتشابهات فيمكن أن يستنتج من هذا التأويل نظريات فلسفية وحقائق علمية موضوعية تفيد‬‫الناس جميعهم "كل الناس" وليس المؤمنين فقط‪ .‬هذه الستنتاجات يتحقق منها فوائد علمية وعملية للناس وهذا التأويل يحصل من بعد نزول‬
‫القرآن ل حين نزوله أي أن هذا التأويل سيحصل بعد النبي ل في عهده‪ .‬فقد حذرنا ال تحذيرا‪ O‬شديدا‪ O‬من كتمان هذه الحقائق والنظريات وما ينتج‬
‫عنها من فوائد علمية وعملية وقد ورد هذا التحذير في قوله تعالى‪) :‬إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في‬
‫الكتاب أولئك يلعنهم ال ويلعنهم اللعنون( )البقرة ‪ (159‬لحظ قوله "البينات" ويقصد بها اليات البينات لذا قال "في الكتاب" حيث أنه في‬
‫الكتاب يوجد آيات أخرى غير اليات البينات وهي آيات الرسالة‪ .‬هذه الظاهرة حصلت في تاريخنا عند المتصوفة في مراتب المعرفة في قولهم‬
‫القطب الفلني والعالم الرباني قدس ال سره‪.‬‬
‫فالسؤال الذي يطرح نفسه هو‪ :‬أية أسرار هذه؟ فهناك احتمالن‪ :‬الول أن يكون عندهم فعل‪ O‬أسرار وكتموها فبذلك يكون قد دخلوا تحت بند يلعنهم‬
‫ال ويلعنهم اللعنون‪ .‬والحتمال الثاني وهو الرجح أنه ل يوجد أي أسرار لديهم وهذه السرار ليست أكثر من وهم وخرافة‪ .‬وبهذه الحالة الوهم‬
‫والخرافة ل يحملن أي قدسية‪ .‬ثم إن هؤلء العلماء الربانيين ماذا قدموا للناس وبأي شيء أفادوا الناس؟ الجواب‪ :‬ل شيء سوى الوهم‪.‬‬
‫أما العلماء الربانيون الحقيقيون فقد قدموا للناس البنج والمحرك البخاري والعمليات الجراحية والدوية ووسائل التصال والمراكب البحرية‬
‫والحاسبات اللكترونية وكل ما تنعم به النسانية من نعم من نتاج هؤلء العلماء الربانين‪ ،‬ولكن هؤلء العلماء نشروا معارفهم للناس واستفاد كل‬
‫الناس منها عمليا‪ O‬وعلميا‪ O‬ولم يكتموها عن أحد لذلك ل ينطبق عليهم قوله تعالى )يلعنهم ال ويلعنهم اللعنون(‪ .‬وهؤلء العلماء الربانيون‬
‫الحقيقون هم من الخاصة ولكن لم يقولوا‪ :‬إن هذه المعلومات هي للخاصة فقط‪ ،‬بل أسسوا الجامعات ونشروها بين الناس‪ ،‬وهي متوفرة لمن‬
‫أرادها‪ ،‬ويكفي أن يكون عند العامة رغبة في التعلم ليتعلموها لنها منشورة في الكتب والصحف والجامعات‪ ،‬والحصول عليها يحتاج إلى أن يفتح‬
‫النسان عينيه وعقله ل أن يغمضهما ويقول "ال‪ ،‬ال‪ ،‬ال" لتشرق عليه النوار الربانية‪.‬‬
‫ التحذير الثاني‪ :‬جاء في قوله تعالى )إن الذين يكتمون ما أنزل ال من الكتاب ويشترون به ثمنا‪ O‬قليل‪ O‬أولئك ما يأكلون في بطونهم إل النار ول‬‫يكلمهم ال يوم القيام ول يزكيهم ولهم عذاب أليم( )البقرة ‪ .(174‬فإذا كان التحذير الول جاء حول كتمان اليات البينات من الذين يفهمونها لقوله‬
‫"ما أنزلنا" والنزال هو من المدركات فإن التحذير الثاني هو لبقية اليات التي هي آيات الحكام والمواعظ والوصايا‪ ،‬أي أن الذين يستنبطون من‬
‫هذه اليات أحكاما‪ O‬يجب عليهم أن يظهروها للناس ول يكتموها‪ .‬هذه الية تبين للمسلمين وجوب وجود منابر فقهية حرة عندهم وعدم التقيد بفقه‬
‫مذهب من المذاهب بعينه‪ .‬والفقه هو ظاهرة متطورة مستمرة‪ ،‬وأول من بدأ بالفقه وبالجتهاد هو النبي صلى ال عليه وسلم وفقهه واجتهاده هو‬

‫ما نسميه بالسنة النبوية‪.‬‬
‫حيث أن التقيد بمذهب من المذاهب الفقهية ما هو إل استبدال المذهب بالنص الصلي حيث أصبح المذهب الفقهي فيما بعد هو الساس الذي‬
‫اختفى النص وراءه‪ .‬وأصبح الفقه في شرح المذهب ل في شرح النص‪ .‬هذا من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى جاءت الية لتحذير الفقهاء من فتاوي‬
‫التبرير‪ ،‬حيث أنهم يفتون لتبرير سلوك ما لشخص ما‪ ،‬بحيث أنهم يظهرون أن هذا السلوك هو عين السلم مع أن السلم خلف ذلك‪ ،‬وهم‬
‫يعلمون ذلك وما أكثرهم في تاريخنا حيث أن هذا التبرير يكون لشخص يتصف بالغنى أو السلطة أو كليهما‪ ،‬إن المهضوم حقه هو الضعيف‬
‫والفقير فهل هذا من باب الصدفة أو أن النص التشريعي أو القانون هو مع القوي والغني؟؟‬
‫ب‪ -‬التحدي‪):‬العجاز(‪:‬‬
‫بعد أن أنهينا التحذير نأتي إلى التحدي‪ .‬ففي الكتاب أكثر من آية تتحدث عن بالتحدي وهذه اليات هي‪:‬‬
‫ )قل لئن اجتمعت النس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ل يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا‪) (O‬السراء ‪.(88‬‬‫ )أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة” مثله وادعوا من استطعتم من دون ال إن كنتم صادقين( )يونس ‪.(38‬‬‫ )أم يقولون افتران قل فأتوا بعشر سور” مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون ال إن كنتم صادقين()هود ‪.(13‬‬‫‪) -‬وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة” من مثله‪ ž‬وادعوا شهداءكم من دون ال إن كنتم صادقين( )البقرة ‪.(23‬‬

‫‪ - 2‬السحر والمعجزات‬
‫بما أن النسان ظهر في هذا الكون بعد وجود الكون والشمس والقمر والكواكب والنجوم وقوانين الطبيعة التي تدخل كلها في عالم المحسوس‬
‫"عالم الحقيقة" فالحق في القرآن يقسم إلى قسمين‪ :‬القسم الول وهو ال )ذلك بأن ال هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل( )لقمان ‪.(30‬‬
‫والقسم الثاني هو "الموجودات‪ ،‬العالم المادي الموضوعي" وهو عين كلم ال )ما خلقنا السموات والرض وما بينهما إل بالحق( )الحقاف ‪.(3‬‬
‫فال والعالم الموضوعي كلهما حق وموجود خارج الوعي النساني‪ ،‬ووجودهما سابق لوجود النسان‪ ،‬والمعرفة النسانية هي معرفة ال من‬
‫خلل كلماته "‪:‬الموجودات"‪.‬‬
‫إن معرفة هذا الوجود الحقيقي ل ومعرفة الموجودات التي تؤدي إلى معرفة وجود ال خارج الوعي النساني هي التي أخذت طابع التطور‪ .‬فكلما‬
‫تقدمت المعارف النسانية زادت معرفة الناس بالموجودات‪ ،‬وبالتالي زادت معرفتهم بال‪ .‬والقفزات المعرفية التي جاءت من ال للنسان في‬
‫النبوات إنما جاءت لهذا الغرض‪ ،‬وهذا قدر من ال قدرة على النسان سلفا‪ ،O‬وهو الخروج والبتعاد عن المملكة الحيوانية‪ ،‬فالنسان عندما وجد‬
‫على الرض كان بهيميا‪ O‬ثم تأنسن‪ ،‬وفي بداية النسنة كان بدائيا‪ ،O‬فنطر إلى عالم المحسوس الشمس والقمر والنهار والبرق والرعد وبقية‬
‫ظواهر الطبيعة التي لها علقة مباشرة معه ولكنه كان عاجزا‪ O‬عن أن يعقل هذه الظواهر‪ ،‬بحيث تدخل في عالم المعقول "أي معقولته"‪ ،‬ولم‬
‫يستطع أن يضع لها تفسيرا‪ O‬معقول‪ ،O‬وأثناء هذه المحاولة اختلط عليه المر ووقع بالرجس الوثني واتخذها آلهة وبهذا بدأت عبادة مظاهر الطبيعة‪.‬‬
‫وهذا ما عبر عنه في قصة نوح حيث كان قوم نوح يعبدون ظواهر الطبيعة )ألم تروا كيف خلق ال سبع سموات طباقا‪ * O‬وجعل القمر فيهن نورا‬
‫وجعل الشمس سراجا( )نوح ‪ (16-15‬انظر الفصل الثالث من الباب الرابع من هذا الكتاب‪ .‬وهذا هو السبب الساسي في ظهور السطورة‬
‫والخرافة عند كل الشعوب قاطبة وهو المحاولة الخاطئة لتطابق المحسوس مع المعقول أو عقلنة المحسوس‪ .‬ومع تقدم الزمن وتطور المعارف‪،‬‬
‫أدرك النسان أن هناك صفات مختلفة في الطبيعة‪ ،‬مثل الحرارة والبرودة والمطر والفيضان والجفاف‪ ،‬وصفات مختلفة عند النسان مثم الخير‬
‫والشر والبخل والكرم‪ ،‬أي أنه عندما ازداد تمييز النسان للشياء بصفاتها المختلفة لم يستطع أن يدرك أن الصانع واحد‪ ،‬ولم يدرك وحدة‬
‫الناموس الكوني‪ ،‬فأراد أن يعقلها وذلك بأن ردها إلى آلهة مختلفة الصفات "السمات"‪.‬‬
‫فهناك إله المطر وإله الجفاف وإله المحاصيل وإله الخير لنفع وإل الشر للضرر والسوء‪ ،‬وهذه المرحلة كانت واضحة في قوم هود بقوله تعالى‬
‫)أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم( )العراف ‪ .(71‬والسماء من السمات وقوله‪) :‬إن نقول إل اعتراك بعض آلهتنا بسوء( )هو ‪(54‬‬
‫فقولهم بعض آلهتنا بسوء تعني بالضرورة أن هناك إلها‪ O‬للخير وآخر للشر أي ظهر التميز "السماء" )فسبب ظهور الخرافة هو عدم القدرة‬
‫على مطابقة المحسوس بالمعقول( وعلى هذا الخطأ لم يؤاخذ ال عباده‪ ،‬بل أرسل إليهم رسل‪ O‬منذرين لهم لتصحيح هذا الخطأ وذلك بقوله‪) :‬وما‬
‫أهلكنا من قرية إل لها منذرون( )الشعراء ‪ (208‬وقوله )وما كنا معذبين حتى نبعث رسول‪) (O‬السراء ‪ .(15‬وكانت هذه النذارات تأتي حسب‬
‫مدركات ومستويات الدراك لهل هذه القرى‪.‬‬
‫متى يقول إنسان ما عن شيء إنه سحر؟ لنضرب المثال التالي‪:‬‬
‫إذا أخذ شخص ما صندوقا‪ O‬خشبيا‪ O‬ووضع بداخله رجل‪ O‬ما بحيث يساوي طول الرجل طول الصندوق ثم نشر الصندوق نصفين ورأينا أن الرجل‬
‫داخل الصندوق لم يمسه أي أذى فنقول عن هذا النسان إنه ساحر‪ .‬قلنا عنه إنه ساحر لننا لم نستطع أن ندرك "نعقل" كيف نجا الرجل داخل‬
‫الصندوق‪ .‬ولكن العملية بالنسبة للرجل الذي قام بعملية النشر أو بالنسبة للرجل الذي كان بداخل الصندوق ل تعتبر سحرا‪ O‬لنهما يعرفان كيف‬
‫تمت عملية نشر الصندوق دون إلحاق الذى بالرجل الذي كان بداخل الصندوق‪.‬‬
‫فكل شيء يمكن أن يراه النسان في عالم المحسوسات ول يدخل ضمن مستوى معقولته يصفه بأنه سحر‪ .‬ومن هنا قال العرب عن القرآن إنه‬
‫سحر لنهم سمعوه ماديا‪ O‬ولم يستطيعوا أن يعقلوه حسب معارف وقتهم فقالوا هذا سحر )وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات” قال الذين كفروا للحق لما‬
‫جاءهم هذا سحر مبين( )الحقاف ‪.(7‬‬
‫وفي هذا قال فرعون وقومه عن موسى عندما جاءهم بتسع آيات بينات‪ ،‬وهي العصا واليد وضرب البحر‪ ،‬كل هذه البينات شاهدها الناس حسيا‪،O‬‬
‫أي شاهدوا العصا واليد وشق البحر والجراد والقمل والضفادع والطوفان والدم والرجز‪ ،‬شاهدوها ضمن عالم المحسوس ولم يدركوا كيف حدثت‬
‫هذه اليات‪ ،‬ولم تدخل ضمن معقولتهم‪ ،‬لذا قالوا عن موسى إنه ساحر‪ ،‬ولكن سحرة فرعون أنفسهم يدركون معنى السحر في ذلك الوقت‪ ،‬ولما‬
‫رأوا سحر موسى أدركوا أن هذا أعلى من معقولتهم هم عن السحر فآمنوا وكان إيمانهم واقعيا‪ O‬تماما‪ O‬بقولهم )آمنا برب هارون وموسى( )طه‬
‫‪.(70‬‬
‫وهكذا يمكن لنا أن نعر‪w‬ف المعجزات للنبياء بما يلي‪ :‬المعجزة عند كل النبياء قبل محمد صلى ال عليه وسلم هي تقدم في عالم المحسوس‬
‫"ظاهرة طبيعية" عن عالم المعقول السائد وقت المعجزة "كشق البحر" ولكنها ليست بحال من الحوال خروجا‪ O‬عن قوانين الطبيعة أو خرقا‪ O‬لها‬
‫لقوله تعالى‪) :‬وما كان لرسول” أن يأتي بآية” إل بإذن ال( )الرعد ‪ (38‬ودائما‪ O‬يدخل الذن ضمن قوانين الطبيعة الصارمة‪.‬‬
‫أي هي عبارة عن قفزة زمنية إلى المام في تطويع قوانين الطبيعة‪ .‬ولرب سائل يسأل‪ :‬أل يعد إحياء المسيح للموتى خرقا‪ O‬لقانون الطبيعة؟ أقول ‪:‬‬
‫ليس بخرق‪ ،‬لنه يوم القيامة سيبعث الناس جميعا‪ O‬وهم في عداد الموات‪ ،‬فما عملية إحياء المسيح للميت إل قفزة زمنية ترينا إمكانية إحياء‬
‫الموتى ماديا‪ O‬وهو الذي سيحصل يوم البعث‪ .‬وكذلك نار إبراهيم عليه السلم فهذا يعني أن النار تحوي صفتين متضادتين في وحدة وهما الحرارة‬
‫والبرودة‪ ،‬فالصفة الولى لنا والصفة الثانية جاءت لبراهيم‪.‬‬

‫‪ - 3‬القرآن الكريم معجزة محمد صلى ال عليه وسلم الخالدة‬
‫لقد جاءت كل معجزات النبياء قبل محمد صلى ال عليه وسلم مادية بحيث أن عالم المحسوس "الظاهرة الطبيعية للمعجزة" سبق عالم المعقول‬
‫إما بفترة زمنية قصيرة‪ ،‬أو فترة زمنية طويلة المد‪ .‬وذلك لن النسان في مراحل تطوره كان عالم المحسوس المباشر عند أهم من عالم‬
‫المعقولت أن أن المحسوسات سبقت المجردات المعقولت‪.‬‬
‫وهذا هو التطور الطبيعي التاريخي للمعرفة النسانية لن المعرفة النسانية تبدأ بالدراك الفؤادي المشخص بحاستي السمع والبصر‪ ،‬ثم تنتقل إلى‬
‫المجردات‪ .‬أما بالنسبة للنبي صلى ال عليه وسلم فقد كانت معجزة نبوته هي القرآن نفسه أي أن القرآن هو التصديق‪ ،‬وهو النبوة معا‪ ،O‬ولم تأته‬
‫النبوة واليات البينات منفصل‪ O‬بعضها عن بعض كما كانت بالنسبة لكل النبياء النبوة واليات البينات منفصل‪ O‬بعضها عن بعض‪.‬‬
‫لقد شكل القرآن من الكتاب معظمه‪ ،‬وبما أن محمد صلى ال عليه وسلم خاتم النبياء فيجب أن تبقى معجزته خالدة‪ ،‬وكلما تقدمت النسانية في‬
‫المعارف والعلوم يظهر إعجاز القرآن بشكل أوضح‪ ،‬فكانت معجزته معاكسة تماما‪ O‬لمعجزات بقية النبياء‪ ،‬وذلك لن‪:‬‬
‫‪ - 1‬نبوة محمد صلى ال عليه وسلم التي هي القرآن والسبع المثاني سبق فيها الطرح المعقول عن المدرك من المحسوس بصياغة متشابهة‪.‬‬
‫فكلما تقدم الزمن تدخل طروحات القرآن ضمن المحسوسات المدركة‪ ،‬وهذا ما يسمى بالتأويل المباشر "أي مطابقة المدرك من المحسوس مع‬
‫النص"‪) :‬سنريهم آياتنا في الفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد( )فصلت ‪) (53‬لكل نبأ مستقر‬
‫وسوف تعلمون( )النعام ‪) (67‬بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ‪ ..‬الية( )يونس ‪ (39‬وهذا هو السبب الثاني في أنه سمي قرآنا‬
‫من الستقراء حيث أن السبب الول هو المقارنة وهو قرن أحداث الطبيعة بأحداث التاريخ‪.‬‬
‫لقد قال تعالى )وجعلنا من الماء كل شيء” حي( )النبياء ‪ (30‬وعرفنا الن أن في الكون كله ل يمكن أن يوجد مظهر من مظهر ن مظاهر الحياة‬
‫دون وجود الماء "الرطوبة" وقال‪) :‬كل في فلك يسبحون( )النبياء ‪ (33‬والفلك في اللسان العربي هو الستدارة كقولنا "فلك ثديا الفتاة" أي‬
‫استدارا‪ ،‬فكل شيء في هذا الكون من أصغر الجزيئات إلى أكبرها يتحرك ضمن أفلك أي حركة غير مستقيمة "منحنية"‪ .‬هذا ما عرفناه الن‬
‫ووصفه القرآن قبل أربعة عشر قرنا‪ O‬في عالم المعقولت‪ ،‬والن أصبح في عالم المحسوسات والمعقولت معا‪.‬‬
‫ثم إنه قال‪) :‬ومن كل شيء” خلقنا زوجين لعلكم تذكرون( )الذاريات ‪ (49‬وقال )سبحان الذي خلق الزواج كلها مما تنب الرض ومن أنفسهم ومما‬
‫ل يعلمون( )يس ‪ (36‬لقد قال منذ أربعة عش قرنا‪ O‬ووضع في عالم المعقولت أن هذا الكون قائم كله على الزواج "قانون الزوجية" في كل شيء‬
‫مطلقا‪ ،O‬في الذي معرفه والذي ل نعرفه‪ ،‬وقد حذرنا من أن ننسى هذه الحقيقة )لعلكم تذكرون( ثم إنه وضع لنا في عالم المعقولت قوانين جدل‬
‫المتناقضات والزواج وال¯داد‪ .‬ولهذا سميت آيات النبوة قرآنا‪ O‬من الستقراء‪ ،‬فمن القرآن نستقرئ النظريات العلمية المادية والتاريخية بالضافة‬
‫إلى أنه قرن الحقيقة الموضوعية المادية مع الحقيقة التاريخية‪ .‬والن أريد أن أوجه سؤال‪ :O‬هل هذا الكلم هو من أساطير الولين أو من أساطير‬
‫الخرين ؟؟!‬
‫قد يقول قائل‪ :‬إن السادة المفسرين وعلماء المسلمين لم يشرحوه هكذا وأقول‪ :‬هنا يظهر الوجه الثاني من إعجاز القرآن هو‪:‬‬
‫‪ - 2‬لقد حوى القرآن الحقيقة المطلقة للوجود بحيث نفهم فهما‪ O‬نسبيا‪ O‬حسب الرضية المعرفية للعصر الذي يحاول فهم القرآن فيه‪ .‬فهو قد حوى‬
‫الحقيقة المطلقة والفهم النسبي لهذه الحقيقة بآن واحد‪ ،‬وهذا ل يمكن لنسان أيا‪ O‬كان أن يفعله‪ .‬فالمطلق عبر عنه ماديا‪ O‬في الصيغة اللغوية‬
‫المحدثة "الذكر"‪ ،‬فإذا أردنا أن نعرف الرضية المعرفية للعصر الذي عاش فيه ابن كثير فما علينا إل أن نقرأ تفسيره وإذا أردنا أن نعرف‬
‫الرضية المعرفية لعصر الصحابة فما علينا إل أن نتتبع تفسيراتهم وعلى رأسهم ابن عباس‪ .‬فتفسير ابن كثير وغيره يحمل المعرفة النسبية لفهم‬
‫القرآن ل المعرفة المطلقة‪ ،‬وهذا هو سر العجاز الكبر في القرآن وهو "التشابه"‪.‬‬
‫‪ - 3‬أما الوجه الثالث من أوجه العجاز فهو أننا نعلم الن أن هناك نوعين من الصياغة اللغوية هما الصياغة العلمية الموضوعية كصياغة‬
‫إسحاق نيوتن وآلبرت انشتاين وابن الهيثم لنظرياتهم‪ ،‬وهناك الصياغة الدبية الخطابية والشعرية الغنية بالصور الفنية كصياغة شكسبير‬
‫وبوشكين والمتنبي‪ .‬والسؤال الذي يطرح نفسه الن هو‪ :‬هل يمكن صياغة نظريات نيوتن وانشتاين وابن سينا وابن الهيثم صياغة كصياغة‬
‫المتنبي وبوشكين وشكسبير دون أن تؤثر هذه الصياغة على الدقة العلمية ودون أن تكون على حسابها؟ إلى يومنا هذا لم نر هذا النوع من‬
‫الصياغة وهذا هو الوجه الثالث من العجاز‪.‬‬
‫إن كل ما كتب عن إعجاز القرآن عند السلف إنما يتعلق بالجزء الدبي من الوجه الثالث للعجاز أقول إنه لو كحان العجاز فقط أدبيا‪ ،O‬وافترضنا‬
‫أنه ل يمكن تقليد صياغة القرآن من الناحية الدبية الفنية فهذا يعني أن العجاز واقع على العرب فقط دون غيرهم لن الصياغة القرآنية جاءت‬
‫بلسان العرب‪ .‬والقرآن نفسه يقول‪ :‬إنه لو كان المقصود بالعجاز الصياغة فقط دون المضمون لمكن للناس صياغة بعض القطع الدبية التي‬
‫تشبه القرآن من الناحية الصنعية فقط وهذا ما جاء في قوله‪) :‬أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور” مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون‬
‫ال إن كنتم صادقين( )هود ‪ (13‬في هذه الية جاء النوع الول من التحدي وهو أن يكون الموضوع غير قرآني والصياغة قرآنية‪.‬‬
‫وهذا ما سماه بالفتراء‪ ،‬ففي هذه الحالة طلب عشر سور ووضع العجاز فيها فيمكن أن نستنتج بالضرورة أن المفتري يمكنه أن يأتي بأقل من‬
‫عشر سور‪ .‬فهل هذا العجاز واقع على العرب وحدهم أو عليهم وعلى غيرهم؟ الجواب‪ :‬على العرب وعلى غيرهم من القوام لن المطلوب هو‬
‫الفتراء من الناس‪ ،‬كل‪ Ð‬في لغته‪ ،‬العربي بالعربية والفارسي بالفارسية والنكليزي بالنكليزية وهكذا دواليك‪ .‬فالمطلوب بالضبط هو أن يؤخذ‬
‫موضوع غير قرآني مفترى‪ .‬مثال على ذلك قصة حب بين رجل وامرأة أو قانون علمي موضوعي كقانون الجاذبية‪ ،‬وتصاغ هذه القصة أو‬
‫القانون بشكل قرآني أي أنها يجب أن تحتوي على الشروط التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن تحوي على القوانين المطلقة للحب بشكل يفهمها كل قارئ حسب وعيه ومداركه عن الحب أي أن تحتوي على علقة جدلية بين المطلق‬
‫والنسبي‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن تكون فيها المعقولت عن الحب تسبق المحسوسات "أي الخبار عن الحب سبق معلومات الناس عنه"‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن تصاغ صياغة فنية رفيعة‪.‬‬
‫هذه الشروط الثلثة وبشكل خاص الشرطتان الول والثاني هي التي تسمح بالتأويل‪ .‬هذه الخاصة نراها جزئيا‪ O‬عند عمالقة الدب في العالم وليس‬
‫العلم من أمثال دوستويوفسكي وشكسبير والتنبي حيث أنه على مر اليام تعاد قراءة هؤلء الدباء في ضوء معطيات العصر‪ .‬وقد يقول قائل‪:‬‬
‫إنه أمكن لهؤلء تقليد القرآن بشكل افتراء‪ .‬أقول‪ :‬هذا غير صحيح للسباب التالية‪:‬‬
‫لقد طلب في حالة الفتراء عشر سور‪ ،‬فإذا فرضنا أن السورة مؤلفة من ثلث آيات فقط حيث أن أصغر سورة في القرآن مؤلفة من ثلث آيات‬
‫فقط‪ ،‬وحيث أن الية قد تحوي وحدة المعنى‪ ،‬فهذا يعني أن المطلوب هو ثلثون موضوعا‪ O‬مفترى‪ ،‬وأن تصاغ صياغة قرآنية على شكل آيات‬
‫تحتوي الشروط المذكورة أعله‪ .‬فمثل‪ O‬أحد المواضيع يمكن أ‪ ،‬يكون في تاريخ مدينة دمشق‪ ،‬يصاغ بشكل طلق لمدينة دمشق‪ ،‬بحيث إذا قرأه‬
‫بإنسان يراه مطابقا‪ O‬لمستوى معلوماته التاريخية عن دمشق‪ ،‬وإذا قرأه إنسان بعد خمسين عاما‪ O‬يراه مطابقا‪ O‬لمستوى معلوماته الجديد عن مدينة‬
‫دمشق‪ ،‬وإذا قرأه إنسان بعد مئة عام يراه طابقا‪ O‬وهكذا "هذا مثال عن القصص والتشابه فيه" هذا ينتج عنه بالضرورة المعقول قبل المحسوس‬
‫وهو الذي نسميه بالغيبيات‪.‬‬
‫هذا النوع الول من العجاز الذي طلب فيه عشر سور مفتريات تحتوي على نص على شكل آيات‪ .‬فإذا سألني سائل ما هي مقومات الية‬

‫القرآنية؟ أقول‪ :‬هي ما يلي‪:‬‬
‫ تعريف الية‪ :‬قبل أن نبدأ بمقومات الية لنضع تعريفا‪ O‬لها‪:‬‬‫الية كما جاءت في الكتاب لها معنيان منفصلن‪:‬‬
‫ المعنى الول‪ :‬الية هي النص اللغوي الموجود بين مواقع النجوم "الفواصل" فنقول‪ :‬إن سورة البقرة فيها ‪ 286‬آية‪ .‬وهذه اليات تتلى كقوله‬‫تعالى )وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات”( )يونس ‪ (15‬وقوله‪) :‬وأن أتلوا القرآن( )النمل ‪ (92‬وقوله‪) :‬إن الذين يتلون كتاب ال( )فاطر ‪ (29‬وقوله‪:‬‬
‫)تلك آيات الكتاب المبين( )يوسف ‪.(1‬‬
‫لقد سميت العبارات بين مواقع النجوم آيات في الكتاب كله ولم تسم جمل‪ ،O‬لن الجملة في العربية هي مجموعة كلمات تعطي معنى مفيدا‪ O‬يمكن‬
‫الوقوف عليه‪ .‬أما الية فتحددها مواقع النجوم أي الفواصل بين اليات في الكتاب كله‪ ،‬ويجب النتباه إليها عند التأويل في القرآن أو الجتهاد في‬
‫أم الكتاب‪.‬‬
‫ المعنى الثاني‪ :‬الية بمعنى الظاهرة المادية في الطبيعة حيث أن ظواهر الطبيعة تسمى آيات ال وفي هذا المعنى جاءت في قوله تعالى )ولقد‬‫آتينا موسى تسع آيات” بينات( )السراء ‪ (101‬وقوله تعالى‪) :‬هذه ناقة ال لكم آية‪) (O‬العراف ‪ (73‬وقوله‪) :‬وكأين من آية” في السموات والرض(‬
‫)يوسف ‪ (105‬وقوله‪) :‬وجعلناها وابنها آية للعالمين( )النبياء ‪ (91‬وقوله‪) :‬ومن آياته أن خلقكم من تراب”( )الروم ‪.(20‬‬
‫ المعنى الثالث‪ :‬الثنان معا‪ :O‬اليات التي تتلى والظواهر المادية وذلك في قوله‪) :‬تلك آيات ال نتولها عليك بالحق( )الجاثية ‪ (6‬حيث كانت قبلها‬‫اليات عن الليل والنهار وتصريف الرياح وخلق النسان‪ .‬لذا فإن مقومات الية القرآنية المراد تقليدها "الفتراء" هي‪:‬‬
‫‪ - 1‬ثبات الصيغة اللغوية‪.‬‬
‫‪ - 2‬حركة المحتوى بشكل يتناسب مع معقولت القارئ العالم وهذا ما يسمى بالتشابه‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن يكون الموضوع غير تشريعي‪ .‬حيث أن القرآن ل يحتوي على مواضيع تشريعية‪.‬‬
‫هذا فيما يتعلق بالسور العشر المفتريات‪ .‬أما فيما يتعلق بالسورة الواحدة فجاء التحدي على شكلين‪ :‬الشكل الول في قوله‪) :‬أم يقولون افتراه قل‬
‫فأتوا بسورة” مثله وادعوا من استطعتم من دون ال إن كنتم صادقين( )يونس ‪ .(38‬المطلوب في هذا التحدي هو سورة واحدة فيها كل الشروط‬
‫المذكورة أعله وبآية لغة كانت‪ ،‬بحيث يكون الموضوع قرآنيا‪ O‬والصياغة قرآنية وموضوع القرآن هو القوانين المطلقة للطبيعة والتاريخ‪،‬‬
‫فالمطلوب بهذا التحدي صياغة قوانين جدل الطبيعة وجدل التاريخ صياغة جدلية بحيث تفهم هذه الصياغة حسب الرضية المعرفية للعصر الذي‬
‫تقرأ فيه‪.‬‬
‫والشكل الثاني والذي جاء على شكل سورة واحدة هو في قوله تعالى‪) :‬وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة” من مثله وادعوا‬
‫شهداءكم من دون ال إن كنتم صادقين( )البقرة ‪ (23‬هذا النوع من التحدي يختلف عن النوع الول حيث قال )بسورة” مثله(‪ .‬أما هنا فقال‪:‬‬
‫)بسورة” من مثله(‪ .‬هنا يبين حقيقة التنزيل بقوله‪) :‬وإن كنتم في ريب” مما نزلنا على عبدنا(‪ .‬وقد شرحت سابقا‪ O‬معنى التنزيل بأنه نقلة خارج‬
‫الوعي‪ ،‬والتنزيل بالنسبة للقرآن جاء بعد النزال أي أن الصيغة القرآنية صيغت عربية خارج وعي محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذا هو النزال‬
‫ثم جاء القرآن من خارج وعي محمد صلى ال عليه وسلم مصاغا‪ O‬جاهزا‪ O‬إلى وعيه عن طريق الوحي على مدى ثلث وعشرين سنة‪ ،‬وهذا هو‬
‫التنزيل‪.‬‬
‫فهنا جاءت الية للذي يشك في التنزيل‪ ،‬وبما أن التنزيل جاء للكتاب ومن ضمنه القرآن وهو أكثر من سورة لذا قال‪) :‬سورة” من مثله( ‪ ..‬فالذي‬
‫يعتقد أن القرآن كان من محمد صلى ال عليه وسلم محتوى وصياغة فما عليه إل أن يحاول أن يأتي من مثل هذا الذي يشك بأنه وحي مع التقيد‬
‫بالشروط المذكورة سابقا‪ .‬لن كل شيء من صنع النسان يمكن أن يتجاوز‪ .‬وهنا لم يطلب التجاوز وإنما طلب المماثلة التي هي أقل من التجاوز‪.‬‬
‫أما التحدي الكبر فهو اجتماع النس والجن قاطبة لغاية واحدة وهي التيان بمثل هذا القرآن‪ .‬أي لو جند النس والجن علماءهم وأدباءهم ومعاهد‬
‫أبحاثهم لهذه الغاية فقط فإنهم مع ذلك ل يستطيعون تحقيقها‪ .‬إنه من الخطأ القول كما قال بعضهم‪ :‬إنه تحدى العرب بالقرآن‪ ،‬فعندما عجزوا‬
‫تحداهم بعشر سور‪ ،‬وعندما عجزوا تحداهم بسورة‪ ،‬والخطأ في ذلك أن كل آية من آيات التحدي تمثل نوعا‪ O‬من التحدي مختلفا‪ O‬عن الخر‪.‬‬
‫والتحدي في كل أنواعه لم يكن للعرب وحدهم وإنما كان للناس جميعا‪ O‬كل في لسانه‪ ،‬وليس من الضروري على غير العربي أن يتعلم العربية لكي‬
‫يشمله العجاز‪.‬‬

‫‪ - 4‬قواعد التأويل‬
‫)فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إل ال والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من‬
‫عند ربنا وما يذكر إل أولو اللباب( آخر الية ‪ 7‬من سورة آل عمران‪.‬‬
‫إن أم الكتاب هي الكتاب المحكم وهي رسالة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإن القرآن والسبع المثاني هما المتشابه وهما نبوة محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم مع تفصيل الكتاب‪ .‬وبما أن النبوة فيها قوانين الحق والباطل التي تنطبق على كل إنسان‪ ،‬شاء أم أبى‪ ،‬وجاءت بصيغة متشابهة "تغير‬
‫المحتوى وثبات النص ونسبية الفهم"‪.‬‬
‫لذا قال‪) :‬فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه( حيث أن القرآن )هدى للناس( والكتاب )هدى للمتقين(‪ .‬فمثل‪ O‬إذا قلنا لكبر ملحد في‬
‫العالم‪ :‬إن هذا الكون مبني على جدل داخلي يقوم على صراع تناقضي في اتجاه واحد بين عنصرين مكونين لكل شيء مادي )مخلق وغير مخلق(‬
‫)صنوان وغير صنوان(‪ ،‬وعلى جدل خارجي هو جدل تلؤم الزوجين )ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون( )الذاريات ‪ .(49‬فسيكون جوابه‬
‫باليجاب مباشرة‪ ،‬فإذا قلنا‪ :‬هذا القانون العام الكوني هو من القرآن‪ ،‬فسيقول‪ :‬ل مانع‪ ،‬وإذا قلنا‪ :‬جاء هذا القانون من ال تصديقا‪ O‬لحكام أم‬
‫الكتاب من صوم وصلة وعبادات وأحكام ‪ ..‬الخ والتي جاءت من ال أيضا‪.O‬‬
‫فعندئذ” سيقول‪ :‬كل‪ ،‬أنا أقبل بهذا القانون‪ ،‬ولكن ل أقبل بالصوم‪ .‬وهنا بيت القصيد في قوله‪) .‬فأما الذين في قلوبهم زيغ¡ فيتبعون ما تشابه منه(‬
‫فأحد معاني الزيغ في اللسان العربي هو النقصان‪ ،‬فإذا أعطينا زيدا‪ O‬مئة تفاحة وزاغ في العد فهذا يعني أنه عدها أقل من مائة‪ ،‬وإذا عدها أكثر من‬
‫مائة فإنه طغى في العد‪ ،‬وقد وضع ال سبحانه وتعالى الزيغ والطغيان من المتضادات بقوله‪) :‬ما زاغ البصر وما طغى( )النجم ‪.(17‬‬
‫فبذلك يصبح المعنى‪ :‬إن الذين يقبلون القرآن ويتبعونه لنه قوانين موضوعية‪ ،‬ول يقبلون اتباع أم الكتاب هم ذوو عقول ناقصة لنهم رفضوا أم‬
‫الكتاب‪ .‬لماذا؟ لن الذي يؤول القرآن ويستنتج منه النظريات والقوانين العلمية والتاريخية ويطبقها لنها أساس التقدم العلمي والتكنولوجي يفتن‬
‫الناس‪ ،‬وكلنا يعلم مدى فتنة الناس بالصعود إلى القمر وبالكمبيوتر والتلفاز ‪w‬إ أ الذين تمكنوا من الصعود إلى القمر واختراع الكمبيوتر وصناعته‬
‫تمكنوا من فتنة الناس وهذا ما حصل فعل‪.‬‬
‫أما قوله )وما يعلم تأويله إل ال والراسخون في العلم(‪ .‬فهو‪ :‬بما أن القرآن حقيقة مطلقة فتأويله الكامل ل يكون إل من قبل واحد فقط‪ ،‬وهذا‬
‫الواحد هو ال المطلق‪ .‬ولهذا قلت‪ :‬إن النبي صلى ال عليه وسلم ل يعلم التأويل الكامل للقرآن بكل تفاصيله لنه يصبح شريكا‪ O‬ل في مطلق‬
‫المعرفة‪ .‬أما معرفة التأويل المتدرج المرحلي فهو من قبل الراسخين في العلم كلهم مجتمعين ل فرادى‪ .‬وهنا يجب أن نفهم أن الراسخين في العلم‬

‫هم مجموعة كبار الفلسفة وعلماء الطبيعة وأصل النسان وأصل الكون وعلماء الفضاء وكبار علماء التاريخ مجتمعين‪.‬‬
‫ولم نشترط لهذا الجتماع حضور الفقهاء‪ ،‬لنهم ليسوا معنيين‪-‬في رأينا‪ -‬بهذه الية‪ ،‬لنهم أهل أم الكتاب‪ .‬والراسخون في العلم مجتمعين يؤولون‬
‫حسب أرضيتهم المعرفية ويستنتجون النظريات الفلسفية والعلمية‪ ،‬ويتقدم التأويل والعلم في كل عصر حتى قيام الساعة‪ ،‬فعند ذلك يتم تأويل كل‬
‫اليات التي تتعلق بهذا الكون وهذه الحياة" حيث تصبح هذه اليات بصائر"‪ .‬لذا فالراسخون في العلم مجتمعين ل فرادى‪ ،‬وكل حسب اختصاصه‬
‫يؤولون القرآن بالشكل التالي‪:‬‬
‫ الحالة الولى‪ :‬تحويل بعض اليات إلى بصائر حية "أي مطابقة مباشرة مع الحقيقة الموضوعية" وهذا أقوى أنواع التأويل‪ ،‬أي التأويل‬‫الحسي‪.‬‬
‫ الحالة الثانية‪ :‬استنتاج واستقراء لنظريات فلسفية وعلمية بالتأويل وذلك حسب أرضيتهم المعرفية المتوفرة‪.‬‬‫من هذا المنطلق نفهم الحالة الولى التي جاءت في قوله تعالى )لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون( )النعام ‪ ،(67‬والحالة الثانية )سنريهم آياتنا في‬
‫الفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق( )فصلت ‪ .(53‬فكل نبأ جاء في القرآن "ومن هنا جاءت كلمة النبوة" له زمن سيستقر فيه‪ ،‬أي‬
‫يصبح تأويله نهائيا‪" O‬مبصرا‪ ."O‬أما قوله "”سنريهم" فالرؤيا من اختصاص الفؤاد‪ ،‬وهو الدراك المشخص بالحواس‪.‬‬
‫إن هؤلء الراسخين في العلم هم بالضرورة من المؤمنين لنهم يقولون‪) :‬آمنا به كل من عند ربنا( )أم الكتاب والقرآن وتفصيل الكتاب(‪.‬‬
‫فمن هم الراسخون في العلم؟ لقد وضع الكتاب تعريفا‪ O‬لهم بقوله‪) :‬بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم( )العنكبوت ‪ .(49‬هنا نلحظ‬
‫التشابه الكبير بقوله )في صدور الذين أوتوا العلم( فالصدر هنا ليس جوف الصدر ول جوف الرأس "الجمجمة"‪ ،‬وإنما هو كما يقول الشاعر‪:‬‬
‫ونحن أناس ل توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر‬
‫فالصدر هنا تعني ما نقوله الن "الصدارة" كأن نقول إن إسحاق نيوتن يحتل مركز الصدارة بني علماء الرياضيات‪ ،‬وإن أينشتاين يحتل مركز‬
‫الصدارة بين علماء الفيزياء‪ .‬فالراسخون في العلم هم من الناس الذين يحتلون مكان الصدارة بين العلماء والفلسفة‪ ،‬وهؤلء من أمثال‬
‫"البيروني‪ ،‬الحسن بن الهيثم‪ ،‬بابن رشد‪ ،‬إسحاق نيوتن‪ ،‬أينشتاين‪ ،‬تشارلز داروين‪ ،‬كانت‪ ،‬هيجل"‪.‬‬
‫وهذا أيضا‪ O‬نفهم قوله تعالى في سورة الناس‪) :‬قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في‬
‫صدور الناس * من الجنة والناس( بأن الستعاذة بال سبحانه وتعالى من الوسواس الخناس الذي يوسوس في الناس الذين يحتلون مكان‬
‫الصدارة في مجتمعهم أو في العالم بأسره‪.‬‬
‫إن النتيجة المباشرة لما قلنا‪ ،‬هي أن كل التفاسير الموجودة بين أيدينا ليست أكثر من تفاسير تاريخية مرحلية للقرآن‪ ،‬أي لها قيمة تاريخية لنها‬
‫نتاج أشخاص عاشوا منذ قرون‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬إن آيات القرآن والسبع المثاني متشابهات‪ ،‬وإن خاصية التشابه هي الفهم النسبي للحقيقة المطلقة والتي عبر عنها بصيغة ثابتة "النص‬
‫الثابت"‪ .‬فما هي الشروط التي يجب اتباعها لكي يتم التأويل الن أو في المستقبل؟‬
‫فالتأويل مشتق من "أول" وهذا الفعل من أفعال الضداد في اللسان العربي فنقول أول المر وهو عكس آخره‪ ،‬هذا المعنى الول وفي هذا المعنى‬
‫جاء قوله تعالى )هو الول والخر( )الحديد ‪ .(2‬أما المعنى المضاد أي بمعنى آخر المر فنقول‪ :‬إن السرقة تؤول بصاحبها إلى السجن‪ .‬هنا جاءت‬
‫بمعنى تنتهي به‪ .‬فالتأويل هو ما تنتهي إليه الية" أي ما تؤول إليه" من قانون عقلي نظري أو حقيقة موضوعية مباشرة‪.‬‬
‫فلدينا اليات التي جاءت بصيغة نظرية‪ ،‬وعندما نؤولها نستنتج منها قانونا‪ O‬ينطبق مع العقل والحقيقة أي علينا أن نفهم القاعدتين التاليتين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن الوحي ل يناقض الفعل )‪. (Revelation does not contradict with reason‬‬
‫ب ‪ -‬أن الوحي ل يناقض الحقيقة )‪.(Revelation does not contradict reality‬‬
‫ومن هنا ننطلق‪ ،‬إن كل ما أوحي إلى محمد صلى ال عليه وسلم هو من عالم الحقيقة ومن عالم المعقولت حيث ل يوجد شيء في الوجود المادي‬
‫غير قابل لن يعقل ولكن هناك عجزا‪ O‬وقصورا‪ O‬للعقل‪ ،‬وبالتالي ل يوجد آ[ة من آيات الكتاب غير قابلة أن تعقل الن أو في المستقبل‪ .‬فبدل‪ O‬من أن‬
‫نكيل التهامات للقرآن بأنه غير قابل أن يعقل من الناس‪ ،‬علينا أن نتهم أنفسنا بالقصور عن فهم آياته‪.‬‬
‫وفي معنى التأويل جاءت اليات التالية‪:‬‬
‫ )وما يعلم تأويله إل ال والراسخون في العلم( )آل عمران ‪ (7‬أي الراسخون في العلم يعلمون ما هي النظريات والحقائق العلمية التي يمكن‬‫استنتاجها من الية القرآنية‪ ،‬كل حسب اختصاصه وحسب الرضية المعرفية لعصره‪ .‬وحيث يمكن استنتاج نظريات علمية جديدة تعتبر قفزات‬
‫هائلة في المعرفة النسانية مثل نظرية النشوء والرتقاء لداروين لنها تعد نموذجا‪ O‬حيا‪ O‬ممتازا‪ O‬للتأويل‪.‬‬
‫ )بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله( )يونس ‪ (39‬هنا لحظ كيف أنهم استعجلوا بتكذيب القرآن ولم يؤول بعد‪.‬‬‫ )وقال يا أبت‪ ž‬هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا‪) (O‬يوسف ‪.(100‬‬‫هذه الية من سورة يوسف أعطتنا معنيين هامين جدا‪ :O‬المعنى الول هو معنى التأويل والمعنى الثاني معنى الحق‪.‬‬
‫ففي المعنى الول‪ :‬لقد رأى يوسف في المنام ما رآه‪ ،‬ثم تتالت الحداث حتى وصله أهله إلى مصر وهو وزير‪ ،‬عندها تحول المنام من مجرد رؤيا‬
‫في وعي يوسف إلى حقيقة موضوعية مادية خارج وعيه‪ .‬هذا التحول هو التأويل‪ .‬وفي المعنى الثاني )جعلها ربي حقا‪ (O‬أي غير صيرورتها من‬
‫مجرد رؤيا إلى حقيقة ملموسة خارج وعي يوسف‪ ،‬لذا استعمل كلمة "حقا‪."O‬‬
‫فيصبح معنى الية‪ :‬قال يا أبت هذا ما انتهت إليه "آلت" رؤياي التي كانت مجرد أفكار في وعيي إلى حقيقة ملموسة خارج وعيي‪ .‬وهذا أيضا‪ O‬ما‬
‫قاله يوسف لصاحبيه في السجن )قال ل يأتيكما طعام ترزقانه إل نبأتكما بتأويله( )يوسف ‪ (37‬التأويل هنا‪ :‬ما يأتيهم من رؤيا فيها طعام إل‬
‫أخبرهم بما تنتهي به "تؤول" إلى حقيقة موضوعية‪.‬‬
‫وبما أن القرآن بتأويله الكامل الكلي ل يكون إل يوم القيامة لن كل آياته تصبح مبصربة‪ ،‬بما فيها آيات الساعة والصور والبعث والحساب‬
‫والثواب والعقاب‪ .‬فقد قال‪) :‬يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه• من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ‪ ..‬الية( )العراف ‪.(53‬‬
‫وفي قصة موسى مع العبد الصالح في سورة الكهف نبأه العبد الصالح عما تؤول "ما تنتهي" إليه الحداث التي قام بها‪ ،‬ولم يستطع موسى‬
‫الصبر عليها لذا قال له‪) :‬سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا‪) (O‬الكهف ‪ (78‬وبعد النتهاء من التأويل قال له‪) :‬ذلك تأويل ما لم تستطع عليه‬
‫صبرا( )الكهف ‪.(82‬‬
‫وفي قوله في سورة السراء‪) :‬وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خيرا‪ O‬وأحسن تأويل‪) (O‬السراء ‪ (35‬فهنا جاء التأويل بمعنى‬
‫النهاية تماما‪ .‬أي أن إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس سؤولن "سينتهيان" بكم إلى الحسن‪.‬‬

‫ضوابط التأويل أو قواعده‬
‫ القاعدة الولى‪:‬‬‫‪ -‬التقيد باللسان العربي على السس التالية‪:‬‬

‫أ‪ -‬إن اللسان العربي ل يحتوي خاصية الترادف‪ ،‬بل بالعكس اللفظة الواحدة يمكن أن يكون لها أكثر من معنى مثل فعل‬
‫"أمر"‪.‬‬
‫ب‪ -‬إن اللفاظ هي خدم المعاني‪ ،‬وأن المعاني هي المالكة سياستها "الجرجاني"‪.‬‬
‫ج‪ -‬إن الساس عند العرب هي المعاني‪ ،‬فإذا حصلوها تساهلوا في العبارة عنا "ابن جني"‪.‬‬
‫د‪ -‬ل يفهم أي نص لغوي إل على نحو يقتضيه العقل والمطابقة الموضوعية أو العقل فقط "الستقراء" فيما يتعلق بالمور‬
‫التي ما تزال في الغيبيات‪.‬‬
‫هـ‪ -‬الخذ بعين العتبار أصالة اللسان العربي من حيث أفعال الضداد في المعاني مثل فعل "عبد" و"خفي"‪ .‬وأفعال‬
‫الضداد في المعاني والصوات مثل "علق‪-‬قلع" "كتب‪-‬بتك" "ضاف‪-‬فاض" أي ضرورة معرفة فقه اللغة‪.‬‬
‫ القاعدة الثانية‪:‬‬‫فهم الفرق بين النزال والتنزيل حيث أن هذا الفرق يعتبر من أسس نظرية المعرفة النسانية‪ ،‬أي العلقة بين الوجود‬
‫الموضوعي "التنزيل" والوعي النساني لهذا الوجود "النزال"‪.‬‬
‫ القاعدة الثالثة‪:‬‬‫ الترتيل‪) :‬ورتل القرآن ترتيل‪) (s‬المزمل ‪:(4‬‬‫بما أن مواضيع القرآن متفرقة في السور‪ .‬فمثل‪ s‬موضوع آدم موجود في سورة البقرة والعراف وطه وسور أخرى‪ .‬وكذلك‬
‫قصة نوح موجودة في سورة نوح وهود والعراف والمؤمنون‪ .‬وكذلك قصة موسى موجودة في كثير من السور فكيف نفهم‬
‫هذا الموضوع إذا لم يتم ترتيله؟‬
‫والترتيل هنا هو أخذ اليات المتعلقة بالموضوع الواحد وترتيلها بعضها وراء بعض‪ .‬والرتل في اللسان العربي هو الصف‬
‫على نسق معين‪ .‬ول يقصد بالترتيل التلوة ول التنغيم‪ ،‬كما ذكرنا‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى نزل القرآن على النبي صلى ال عليه وسلم على أرتال بقوله )وقال الذين كفروا لول نزل عليه القرآن‬
‫جملة‪ s‬واحدة‪ s‬كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيل( )الفرقان ‪ (32‬أي جاء القرآن إلى النبي صلى ال عليه وسلم على أرتال‬
‫ولم يأته دفعة واحدة‪ .‬ونحن الن نستعملها فنقول رتل‪ s‬أحاديا‪ s‬أو ثنائيا‪ .s‬ونقول رتل دبابات "انظر مثال‪ s‬عن الترتيل في ترتيل‬
‫قصتي نوح وهود"‪.‬‬
‫وهناك موضوع واحد جاء مرتل‪ s‬في القرآن هو قصة يوسف التي جاءت كلها دفعة واحدة في سورة واحدة‪.‬‬
‫إن قاعدة التنزيل هي من قواعد البحث العلمي الحديث ومن دونها ل يمكن لي بحث علمي أن يعطي أي نتائج إيجابية‪ .‬فإذا‬
‫أخذنا دراسة حول موضوع معين يتعلق بالمياه الجوفية مثل‪ ،s‬فأول شيء نفعله هو جمع المقالت المختلفة التي نشرت في‬
‫هذا الموضوع‪ ،‬حيث أنه في هذا الجمع يتم إخراج موضوع يحتوي على المعلومات الواردة في كل المقالت المختلفة‪،‬‬
‫وكذلك في مواضيع القرآن يجب علينا إجراء عملية الترتيل‪ .‬فموضوع خلق الكون أو خلق النسان لم يأت في مكان واحد‬
‫دفعة واحدة كقصة يوسف‪ .‬فوجب علينا ترتيلها أول‪.s‬‬
‫إن قاعدة الترتيل لم تتبع إطلق‪s‬ا في التفاسير التاريخية المتوفرة بين أيدينا‪ .‬وأهم نتيجة نستنتجها من قاعدة الترتيل هي ترجمة‬
‫الكتاب إلى لغات غير عربية حيث أن الترجمة الحرفية لليات بالتتالي الموجودة في الكتاب يعتبر ضرب‪s‬ا من ضروب‬
‫مضيعة الوقت حيث تشوه المعنى‪ .‬ولكن يمكن ترجمة الكتاب مرتل‪ s‬حسب المواضيع الواردة فيه مع شرح هذه المواضيع‬
‫من قبل أخصائيين وكل موضوع على حدة‪ .‬فمثل‪ s‬يمكن أن نترجم نظرية خلق الكون في القرآن أي نورد آيات الخلق كلها‬
‫مرتلة ثم نشرح نظرية الخلق‪ .‬هذه العملية تتطلب جهدا‪ s‬كبيرا‪ s‬جدا‪ s‬من قبل معاهد أبحاث وفريق كبير من العلماء‪.‬‬
‫إن وظيفة الترتيل تنحصر في فهم القرآن فقط‪ ،‬أما في فهم أم الكتاب فل حاجة للترتيل‪ ،‬وإنما تلزم المقارنة فقط مثل مقارنة‬
‫محارم الزينة مع محارم الزواج‪ .‬فآية المداينة واحدة وآية الوضوء واحدة وكذلك الصوم جاء متتاليا‪ ،s‬وآية الرث وآية‬
‫المحارم‪ ،‬وآية اجتناب الخمر والميسر وكذلك الوصايا الواردة في سورة النعام‪.‬‬
‫ القاعدة الرابعة‪:‬‬‫عدم الوقوع في التعضية لقوله تعالى‪ ) :‬ك«م«ا أ«نز«ل‪-‬ن«ا ع«ل«ى الم–ق‪-‬ت«س¬م¬ين« * ال®ذ¬ين« ج«ع«ل–وا ال‪– -‬قر‪-‬آن« ع¬ض¬ين« ( )الحجر ‪،(91-90‬‬
‫فالتعضية جاءت من "عضن" وقد شرحها النبي صلى ال عليه وسلم بقوله "ل تعضية لوارث" "الزمخشري فعل عضن"‪.‬‬
‫والتعضية هي قسمة ما ل ينقسم‪ .‬فإذا ورث ذكران من أبيهما سيفا‪ s‬وحصانا‪ s‬وسيارة فالتعضية هي قطع السيف إلى قطعتين‬
‫وكذلك الحصان والسيارة‪ ،‬وفي هذه الحالة يفقد السيف والحصان والسيارة أية قيمة لها‪.‬‬
‫والتعضية في القرآن تعني أن الية القرآنية قد تحمل فكرة متكاملة وحدها أو فقرة من موضوع كامل‪ .‬وبعد الترتيل مثل‬
‫آيات آدم وخلق الكون‪ ،‬ونظرية المعرفة النسانية فإن جمع كل مواضيعها مع بعضها يخرج الموضوع الكلي كامل‪.‬‬
‫مثال‪) :‬الذي جعل لكم من الشجر الخضر نارا‪ s‬فإذا أنتم منه توقدون( )يس ‪.(80‬‬
‫ القاعدة الخامسة‪:‬‬‫فهم أسرار مواقع النجوم‪ :‬لقوله تعالى‪) :‬فل أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كيم( )الواقعة ‪-75‬‬
‫‪ (77-76‬إن القرآن قوانين لحداث موضوعية‪ .‬والموضوع الواحد جاء في عدة آيات "أي قسم إلى عدة آيات" فمثل‬
‫)والفجر * وليا {ل عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذي حجر( )الفجر ‪ .(5-4-3-2-1‬لنأخذ‬
‫اليات الربع الولى‪ :‬كان من الممكن أن تصاغ كما يلي أي آيتين عوض‪s‬ا عن الربع‪ :‬والفجر وليال عشر* والشفع والوتر‬
‫والليل إذا يسر(‬

‫فإذا أخذنا قاعدة عدم التعضية وهي أن الية قد تحمل فكرة متكاملة فكانت الفكرة في آية )والفجر( ثم )وليال عشر( فتصبح‬
‫"والفجر وليال عشر" لذا قال بعد ذلك )هل في ذلك قسم لذي حجر( أي أن ذا التقسيم لليات مهم جدا‪ s‬لكل ذي حجر‪.‬‬
‫إن النتباه لمواقع النجوم في الكتاب كله‪ ،‬وهي الفواصل بين اليات‪ ،‬ل مواقع النجوم في السماء‪ ،‬هي من مفاتيح تأويل‬
‫القرآن وفهم آيات الكتاب كله‪ ،‬حيث أن مواقع النجوم جاءت بين آيات الكتاب كله وبالتالي فكل آية من آيات الكتاب تحمل‬
‫فكرة متكاملة‪ .‬فإذا نظرنا إلى آيات الكتاب والفواصل بينها رأينا أمورا‪ s‬عجيبة‪ ،‬ويزول العجب إذا فهمنا مبدأ الفكرة‬
‫المتكاملة‪.‬‬
‫مقال‪) :‬قال إني أشهد ال وأشهدوا أني بريء مما تشركون( )هود ‪) (54‬من دونه فكيدوني جميعا‪ s‬ثم ل تنظرون( )هود ‪.(55‬‬
‫لحظ الفاصلة جاءت بعد قوله تعالى "مما تشركون" وأتت الية بعدها بقوله "من دونه" أي لحظ موقع الفصل "التنجيم"‬
‫بين الية ‪ 54‬والية ‪" 55‬هود"‪.‬‬
‫وفي حالة المن والسلوى قال عند التنزيل في سورة طه‪) :‬يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور‬
‫اليمن ونزلنا عليكم المن والسلوى( )طه ‪) (80‬كلوا من طيبات ما رزقناكم … الية( )طه ‪.(81‬‬
‫أما عند النزال في نفس موضوع المن والسلوى كما جاء في سورتي العراف والبقرة‪) :‬وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا‬
‫من طيبات ما رزقناكم( )العراف ‪ .(160‬لحظ هنا عندما قال‪) :‬ونزلنا عليكم المن والسلوى( كيف انتهت الية "تنجيم"‬
‫وجاءت الية )كلوا من طيبات ما رزقناكم(‪) .‬وأنزلنا عليهم المن والسلوى( جاءت )كلوا من طيبات ما رزقناكم( غير منجمة‬
‫متصلة دون انقطاع‪.‬‬
‫مثال آخر قوله تعالى في سورة المؤمنون‪:‬‬
‫)وأنزلنا من السماء ما ‪s‬ء بقدر فأسكناه في الرض وإنا على ذهاب به لقادرون( )المؤمنون ‪) .(18‬فأنشانا لكم به جنات{ من‬
‫نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون( )المؤمون ‪) .(19‬وشجرة‪ s‬تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ‬
‫للكلين( )المؤمنون ‪.(20‬‬
‫ الية ‪ :18‬أصل الماء الموجود في الرض هو من السماء "أي من خارج الرض" نزل على الرض واستقر فيها‬‫)فأسكناه في الرض(‪ ،‬وكان يمكن "أن يحصل كما حصل في كواكب أخرى أن يوجد فيها الماء" ثم يذهب إلى الجومرة‬
‫أخرى لذا قال‪) :‬وإنا على ذهاب{ به لقادرون(‪.‬‬
‫ الية ‪ :19‬إن الماء أساس الحياة على الرض وفي كل مكان وأينما وجدت الحياة فهذا يعني وجود الماء "الرطوبة" فأنشأ‬‫بهذا الماء جنات من نخيل وأعناب وما ذكره في هذه الية هو ما يصلح للطعام الدمي لذا قال )ومنها تأكلون(‪.‬‬
‫ الية ‪ :20‬معطوفة على الية ‪ 19‬ولكنها مفصولة عنها "منجمة" ذكر في هذه الية شجرة واحدة فقط‪ ،‬وما هي هذه‬‫الشجرة ل ندري‪ ،‬ولكننا نقول إنها مهمة جدا‪ s‬لنها في آية وحدها‪ ،‬ومن المرجح أيض‪s‬ا أنها ل تصلح للطعام الدمي لذا قال‪:‬‬
‫)وصبغ للكلين( ‪ ..‬ولو كانت هذه الشجرة كما يقول بعضهم هي الزيتون لوضعها في الية ‪ 19‬الزيتون طعام للدمي‪.‬‬
‫هنا نرى أهمية مواقع النجوم وعدم التعضية‪ ،‬لذا قال عن تقسيم القرآن إلى آيات مفصو {ل بعضها عن بعض‪-‬وهذا هو عين‬
‫التنجيم‪)-‬فل أقسم بواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم( )الواقعة ‪ .(76-75‬لحظ مواقع النجوم في هاتين اليتين‪،‬‬
‫ففعل "أقسم" في الية الولى بمعنى القسم "اليمين"‪ .‬وفي الية الثانية لفظ "‪œ‬سم" بمعنى التقسيم‪ .‬لذا تم الفصل بين اليتين‪.‬‬
‫مثال آخر‪ :‬قوله تعالى‪) :‬اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق النسان من علق * اقرأ وربك الكرم * الذي علم بالقلم * علم‬
‫النسان ما لم يعلم( )العلق ‪ (5-1‬هنا نلحظ أهمية مواقع النجوم لفهم اليات‪ .‬كان من الممكن أن يقول‪ :‬اقرأ باسم ربك الذي‬
‫خلق النسان من علق * وأيضا‪ :s‬الذي علم النسان بالقلم‪ .‬لنأخذ اليتين لنرى الفرق في المعنى فيما إذا كانتا آيتين أو أية‬
‫واحدة‪ .‬ففي قوله )الذي علم بالقلم * علم النسان ما لم يعلم( يكون القلم هو وسيلة التعليم لكل شيء ‪ ..‬الملئكة والنسان‬
‫والحيوان والجاد‪ .‬أي كل شيء أراد ال أن يعلمه‪ ،‬فوسيلة للتعليم هي القلم‪ .‬هذا معنى الية )الذي علم بالقلم(‪ .‬هنا التعليم‬
‫مطلق لي شيء‪.‬‬
‫ثم تأتي الية التي بعدها )علم النسان ما لم يعلم(‪ .‬فإذا سألنا‪ :‬بماذا علم ال النسان؟ فنقول‪ :‬بالقلم‪ ،‬أي عندما قال‪) :‬علم آدم‬
‫السماء كلها( )البقرة ‪ (31‬نقول كيف علم ال آدم السماء كلها؟ فالجواب بكل تأكيد‪ :‬بالقلم‪.‬‬
‫لو جاءت اليتان بدون تنجيم أي بالشكل‪ :‬الذي علم النسان بالقلم أو‪ :‬علم النسان ما لم يعلم بالقلم‪ .‬لصبح المعنى أن القلم‬
‫هو وسيلة التعليم للنسان فقط وأن بقية المخلوقات تتعلم بوسيلة أخرى غير القلم وهذا غير صحيح‪ .‬لن ال يقول إن القلم هو‬
‫وسيلة التعليم المطلقة‪ .‬فما هو القلم؟؟! هذا ما سنبحثه في فصل "جدل النسان"‪.‬‬
‫س واحدة{ ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من النعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون‬
‫مثال آخر‪ :‬قوله تعالى‪) :‬خلقكم من نف {‬
‫ت ثلث{ ذلكم ال ربكم له الملك ل إله إل هو فأنى تصرفون( )الزمر ‪ .(6‬هذه الية تحمل‬
‫أمهاتكم خلقا‪ s‬من بعد خلق{ في ظلما {‬
‫فكرة متكاملة‪ .‬فالفكرة هي تاريخ خلق البشر ومراحل تطوره حتى أصبح الشكل الذي نراه عليه الن‪ .‬وهذا الموضوع ل‬
‫يمكن فهمه وإخراج نظرية نشوء النسان على الرض إل من خلل الترتيل أول‪ .‬ثم فهم كل آية على حدة لنها تحوي‬
‫"حلقة كاملة في نظرية الخلق"‪.‬‬
‫فلنأخذ هذه الية على سبيل المثال لنفهم منها حلقة من حلقات وجود البشر على الرض‪ .‬تبدأ الية )خلقكم من نفس واحدة{(‪:‬‬
‫أي أن أساس الخلق أحادي دون قانون الزوجية‪ ،‬فعندما وجدت الحياة على الرض وجدت خلية واحدة تكاثرت عن طريق‬
‫النقسام الذاتي ل عن طريق التلقح الزوجي‪ .‬وبعد ذلك تطورت وحيدة الخلية هذه لتصبح كثيرة الخليا مع اختلفها بالنوع‬
‫لذا قال‪) :‬إنا خلقنا النسان من نطفة أمشاج( )النسان ‪ .(2‬وقد مرت الحياة حتى نضج فيها البشر بثلث مراحل من الخلق‬

‫"التصميم"‪ :‬المرحلة الولى‪ :‬المرحلة البحرية‪ .‬المرحلة الثانية‪ :‬المرحلة البحرية البرية‪.‬‬
‫المرحلة الثالثة‪ :‬المرحلة البرية‪ .‬ففي ثلث مراحل يوجد ظلمة‪ :‬الظلمة البحرية‪ ،‬الظلمة البحرية البرية‪ ،‬الظلمة البرية‬
‫"الرحم"‪ .‬فحتى وصل النسان إلى الشكل الذي نراه عليه الن مرت الحياة العضوية على الرض بهذه المراحل الثلث‪،‬‬
‫فكان النسان وليد المرحلة البرية‪ .‬وفي هذه المرحلة كان التكاثر زوجيا‪ .s‬أي عن طريق اللقاح بين الذكر والنثى‪ .‬أي كان‬
‫الفصل موجودا‪ s‬بين الذكورة والنوثة لذا قال‪) :‬ثم جعل منها زوجها( والجعل هو التغير في الصيرورة‪ ،‬و"ثم" هي للتعاقب‬
‫مع التراخي‪ .‬لذا فإننا نرى أن الجنين في بطن أمه يمر في هذه المراحل الثلث‪.‬‬
‫وبما أن الفواصل الفعلية بين هذه المراحل عبر مليين من السنين قال‪) :‬خلقنا من بعد خلق( أي تصميما‪ s‬من بعد تصميم‪ ،‬ولم‬
‫يقل خلقا‪ s‬بعد خلق‪ .‬والن يظهر السؤال التالي‪ :‬متى ظهر البشر حيث ظهر على اسم التطور في المرحلة البرية؟ فيأتي‬
‫الجواب مباشرة )وأنزل لكم من النعام ثمانية أزواج( لحظ قوله "وأنزل" ولم يقل "نزل" أي أن البشر ظهر نوعا‪ s‬مميزا‬
‫بين النواع مع ظهور البل والبقر والغنم والماعز‪ ،‬فتزامن ظهور البشر مع ظهور النعام‪ .‬فإذا أردنا أن نبحث عن بداية‬
‫ظهور البشر نوع‪s‬ا مميزا‪ s‬على سلم التطور والنشوء‪ ،‬فعلينا أن نبحث في مرحلة ظهور النعام على نفس السلم‪ ،‬حيث كانت‬
‫غذاء له حتى وهو في مرحلته الحيوانية‪.‬‬
‫ق في ظلمات{ ثلث{(‪ .‬أن الظلمات الثلث هي غشاء الخلص وغشاء الرحم وغشاء‬
‫إنه من الوهم أن نظن )خلقا‪ s‬من بعد خل {‬
‫البطن‪ ،‬لن الجنين عندما يكون في بطن أمه تغلفه ثلثة أغشية وظلمة واحدة‪ .‬وليس ثلثة أغشية وثلث ظلمات‪ ،‬لن وجود‬
‫غشاء واحد يؤدي إلى الظلمة‪ ،‬فإذا وجد خارج هذا الغشاء عدد ل متناه من الغشية فتبقى الظلمة واحدة‪ ،‬فإذا وجد إنسان ما‬
‫في غرفة محكمة الغلق مظلمة تماما‪ s‬وكانت هذه الغرفة موجودة داخل غرفة أكبر منها أو غير موجودة‪ ،‬فالظلمة واحدة‪،‬‬
‫فالظلمة ل تعد بعدد الغشية‪ .‬ثم تنتهي الية بقوله‪) :‬ذلكم ال ربكم له الملك( هنا جاءت النهاية لتقول لنا‪ :‬إن هذه الية من‬
‫آيات الربوبية بقوله‪) :‬ذلكم ال ربكم له الملك( وهي لثبات اللوهية للعاقل بقوله‪) :‬ل إله إل هو فأنى تصرفون(‪.‬‬
‫لقد أوردت هذه المثلة فقط لشرح المنهج الذي يجب أن يتبع في تأويل القرآن وهو الترتيل والنزال والتنزيل‪ ،‬والتعضية‪،‬‬
‫ومواقع النجوم‪ .‬أما الية فإنها قد تحوي فكرة متكاملة في الكتاب كله لن كل الكتاب آيات‪.‬‬
‫ القاعدة السادسة‪:‬‬‫ قاعدة تقاطع المعلومات )‪ (Cross Examination‬تقتضي هذه القاعدة انتفاء أي تناقض بين آيات الكتاب كله في‬‫التعليمات وفي التشريعات‪ .‬فمن هذه القاعدة تم فهم النزال والتنزيل حيث تم مقارن ومقاطعة المعلومات الواردة في آيات‬
‫النزال والتنزيل‪ ،‬وتم فهم معناهما بحيث انطبق على اليات كلها‪ ،‬وتم فهم الفرق بينهما‪ .‬وكذلك إذا أردنا أن نفهم الية ‪31‬‬
‫من سورة النور وهي آية الزينة‪ ،‬فعلينا أن نقاطع المعلومات الواردة فيها مع المعلومات الواردة في آيات المحارم في سورة‬
‫النساء‪ ،‬وعند ذلك نفهم معنى الزينة بشكل ينطبق مع العقل والواقع‪ ،‬وبشكل ل يناقض بعض اليات بعضها الخر‪.‬‬
‫بعد أن شرحنا قواعد التأويل‪ ،‬نتساءل كيف يمكن أن نطبقها بشكل عملي ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين‬
‫الميلدي وفي بداية القرن الخامس عشر الهجري؟‬
‫نطبق هذه القواعد طبقا‪ s‬للمنهج التالي‪:‬‬
‫‪ - 1‬علينا أن نعتبر أن النبي صلى ال عليه وسلم توفي حديثا‪ ،s‬وجاءنا الكتاب بالترتيب الذي هو عليه الن‪ ،‬حيث أن ترتيب‬
‫اليات في الكتاب توقيفي‪ .‬وأن القرآن جاء لنا ولمن بعدنا‪ .‬هذا إن كنا نعتقد حقيقة ل تشدقا‪ s‬ونفاقا‪ s‬أن القرآن صالح لكل زمان‬
‫ومكان‪ ،‬وأن القرآن حوى الحقيقة المطلقة والفهم النسبي بآن واحد‪ ،‬ونعتقد أن الرسالة صالحة لكل زمان ومكان لسبب آخر‬
‫غير التشابه‪.‬‬
‫‪ - 2‬نستنتج نظرية في المعرفة النسانية مباشرة وتصاغ‪ .‬وصياغة هذه النظرية يعتبر من أهم المور إلحاح‪s‬ا بالنسبة للعرب‬
‫والمسلمين‪ .‬وصياغة هذه النظرية هي من اختصاص الفلسفة‪.‬‬
‫‪ - 3‬فهم اليات القرآنية المراد تأويلها من قبل العلماء‪ ،‬وكل حسب اختصاصه بحيث تصبح ضمن المعقولت أول‪ ،s‬حيث أن‬
‫القرآن كله قابل لن يدخل ضمن المعقولت )إنا جعلناه قرآنا عربيا‪ s‬لعلكم تعقلون( )الزخرف ‪.(3‬‬
‫‪ - 4‬مطابقة ما توصل إليه العلم الموضوعي من انجازات علمية‪ ،‬وكل حسب اختصاصه‪ ،‬وهذا ما نسميه المدرك من عالم‬
‫المحسوسات مع الفهم العقلني لليات المراد تأويلها‪ ،‬أي مطابقة المحسوس بالمعقول مطابقة كاملة مثل كروية الرض‬
‫ودورانها وحركة الموجودات وقوانين الجدل‪ .‬وفي حال المطابقة الجزئية‪ ،‬مثل آيات خلق البشر‪ ،‬فقد تم تأويلها في هيكلها‬
‫العام من قبل العالم الكبير تشارلز داروين‪ .‬لكن هذه النظرية غير كاملة لشتمالها على حلقة مفقودة‪ .‬ففي هذه الحالة يتم‬
‫التأويل بتصحيح النظرية إن كان فيها أخطاء وإتمامها إن كان فيها نواقص‪.‬‬
‫‪ - 5‬بالنسبة لليات ذات المواضيع التي لم تدخل حيز العلم الحسي نهائيا‪ ،s‬يمكن تأويلها بوضع نظرية تبقى في عالم المعقول‬
‫مرحليا‪ ،s‬بحيث تنتقل مع الزمن إلى عالم المحسوس‪ .‬مثال على ذلك قوله تعالى‪) :‬ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء‬
‫لجعله ساكنا‪ s‬ثم جعلنا الشمس عليه دليل( )الفرقان ‪) .(45‬ثم قبضناه إلينا قبضا‪ s‬يسيرا‪) (s‬الفرقان ‪.(46‬‬
‫إذا أردنا أن نعقل هذه اليات نستنتج منها النظرية التالية‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن الظل له وجود قائم في ذاته ول علقة للنور بإيجاده‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن نور الشمس هو الذي دلنا على الظل‪ ،‬أي أن النور ل يتسبب في إيجاد الظل وإنما يدل عليه دللة لن الظل له وجود‬
‫دون نور‪.‬‬
‫إنني أعتقد‪-‬وأنا لست من علماء الفيزياء‪ -‬أن علوم الفيزياء حتى يومنا هذا تعتقد أن الظل هو المعلول وأن النور علته‪ ،‬في‬

‫حين يقول القرآن إن للظل وجودا‪ s‬ذاتيا‪ s‬منفصل عن النور‪ ،‬ثم جاء النور بعد ذلك ليدلنا عليه فقط‪ .‬هذه نظرية في الفيزياء‪،‬‬
‫ول أدري هل علوم الفيزياء الحديثة تقر هذا أو ل تقره؟! فإن كانت ل تقه فيمكن أن يأتي يوم تنقلب فيه بعض الموازين في‬
‫علم الفيزياء أو كلها‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫‪ - 6‬تؤول آيات الساعة والصور والبعث واليوم الخر والجنة والنار بحيث تدخل ضمن عالم المعقولت ويتم تأويلها ضمن‬
‫نظرية كونية شاملة بحيث تدخل كلها ضمن المعقولت‪ ،‬فبداية الكون يمكن أن تدخل ضمن المعقولت والمحسوسات معا‪،s‬‬
‫أما نهايته فتدخل ضمن نظرية شاملة مع بدايته ضمن المعقولت بحيث تدخل حين قيام هذه الحداث ضمن المحسوسات‪.‬‬
‫فالتأويل الحسي للساعة هو حدوثها فعل‪ .s‬ولكن يمكن أن تؤول تأويل‪ s‬عقليا‪ s‬قبل حدوثها‪ .‬وعندما تدخل هذه المصطلحات‬
‫ضمن المحسوسات تتحقق الية‪) :‬يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل بنا بالحق( )العراف ‪.(53‬‬
‫‪ - 7‬علينا أن ل ننسى أن التأويلت التي نؤولها في عهدنا قابلة للتطور أو النقض على مر السنين لن تأويلت عصرنا تقوم‬
‫على أساس نسبية معرفتنا للحقيقة‪ .‬وهذا هو أهم بند علينا أن ل ننساه وعلينا أن نؤكد عليه للجيال القادمة لكي ل تتحجر ول‬
‫تتزمت‪ ،‬ولكي تكون روح المنهج العلمي في البحث عن الحقيقة هي المهيمنة على أجيالنا المقبلة‪.‬‬
‫‪ - 8‬علينا أن نسحب القرآن‪ -‬قبل أن يفوت الوان‪ -‬من أيدي السادة الوعاظ المعروفين بالعلماء الفاضل‪ ،‬أو رجال الدين‬
‫حيث يجب أن يكون موقف هؤلء "العلماء الفاضل" من القرآن هو كموقف العامة تماما‪ :s‬التسليم‪ ،‬لن معلوماتهم بالنسبة‬
‫للقرآن ل تزيد عن معلومات العامة بتاتا‪ .‬وإن كان لهؤلء الناس دور فدورهم وعظي بحت‪.‬‬

‫‪ - 5‬نموذج من التأويل‪-‬تأويل سورة القدر‬
‫في ضوء ما تقدم سنطرح تأويل‪ s‬لسورة القدر‪:‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫)إن أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملئكة والروح فيها بإذن ربهم‬
‫من كل أمر * سلم هي حتى مطلع الفجر(‪.‬‬
‫لقد قلنا‪ :‬إن النزال هو دخول الشيء في عالم المدركات‪ ،‬وهذا إما أن يكون له وجود مسبق غير مدرك فتغير في صيرورته‬
‫فأصبح مدركا‪ ،s‬وفي هذه الحالة ينطبق عليه فعل النزال والجعل معا‪ ،s‬وهذا ما حصل للقرآن دفعة واحدة في ليلة القدر‪ .‬حيث‬
‫غير في صيرورته بشكل أصبح قابل‪ s‬للدراك‪ ،‬وفي هذا نقول‪ :‬إن النزال والجعل تلزما في القرآن حيث أن القرآن مخزن‬
‫في لوح محفوظ وإمام مبين‪ .‬وهذه الصيغة القابلة للدراك النساني هي الصيغة اللسانية العربية حيث أنها في لفظها‬
‫الصوتي هي الذكر وفي محتواها المعرفي هي القرآن ولذا قال عن الذكر إنه "محدث"‪.‬‬
‫الن لماذا أطلق على النزال والجعل قوله )في ليلة القدر( ويفهم منها أنها تحمل طابعا‪ s‬زمنيا‪ s‬معينا‪s‬؟ لنأخذ أول‪ s‬مفهوم‬
‫"القدر" حيث جاءت في اللسان العربي من "قدر" وهي تدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته‪ ،‬يقال "قدره كذا" أي نهايته‬
‫"ابن فارس م ‪ 5‬ص ‪ ."62‬وبما أن محمدا‪ s‬صلى ال عليه وسلم هو خاتم النبياء‪ ،‬والقرآن هو خاتم النبوات‪ ،‬وفي عهد النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم وصل اللسان العربي إلى مرحلة اللسان العربي المبين فوصل إنزال القرآن إلى مبلغه وغايته‪.‬‬
‫ثم لنأخذ الن مفهوم "ليلة" فهل هي الليل؟ فإذا كانت ليلة القدر تعني الليل‪ ،‬فالسؤال في أي ليل هو؟ هل هو ليل مكة أم ليل‬
‫لوس أنجلوس وكلهما على الكرة الرضية؟ حيث يوجد في الكرة الرضية بشكل مستمر ليل ونهار معا‪ s‬وعلى هذا ل‬
‫يستقيم المعنى‪ .‬إما إذا فهمنا الليل على أنه الظلم كقوله تعالى‪) :‬الحمد ل الذي خلق السموات والرض وجعل الظلمات‬
‫والنور( )النعام ‪ (1‬وقوله‪) :‬والفجر * وليال{ عشر( فهذا يعني أن اللوح المحفوظ والمام المبين ل يخضعان لمفهوم الليل‬
‫والنهار ولكن بما أن الظلم في الوجود سبق النور حيث أنه بعد النفجار الكوني الول مرت المادة بعدة مراحل للتطور‬
‫حتى أصبحت شفافة للضوء وظهر النور‪.‬‬
‫هذا النزال حصل في وقت يقابله عندنا في الرض شهر رمضان ولكن رمضان من أية سنة؟ ل ندري‪ .‬لذا عندما شرحها‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم في قوله ان صح "العشر الخير من رمضان" حددها ضمن برهة زمنية ولم يحددها في ليلة‬
‫بعينها‪ ،‬وهذا كلم دقيق من الناحية العلمية ينطبق على كل الكرة الرضية‪ .‬فليلة القدر هي مصطلح يعني صدور أمر رب‬
‫العالمين بإشهار القرآن بلسان عربي مبين‪ ،‬أي تم إنزال القرآن وجعله عربيا‪ ،s‬ففي هذا انتقل إلى صيغة قابلة للدراك‬
‫النساني‪ ،‬أي أنه لم يعد سرا‪ s‬بل تم اشهاره‪.‬‬
‫لذا قال‪) :‬ليلة القدر خير من ألف شهر( وهنا الشهر ل تعني الشهر الزمني كأن نقول ألف شهر ‪ 83‬سنة وثلث‪ ،‬أما إذا‬
‫فهمناها على أنها من الشهرة والشهار فيتطابق المعنى مع مفهوم النزال والجعل وهنا كلمة ألف‪ :‬إما أن تعني أن اشهار‬
‫القرآن خير من ألف إشهار آخر حيث قال في سورة الدخان إنه في ليلة القدر تصدر أوامر كثيرة وليس فقط أمر إشهار‬
‫القرآن وذلك في قوله )إنا أنزلناه في ليلة{ مباركة{ إنا كنا منذرين( )الدخان ‪.(3‬‬
‫)فيها يفرق كل أمر{ حكيم( )الدخان ‪) .(4‬أمرا‪ s‬من عندنا إنا كنا مرسلين( )الدخان ‪ (5‬هنا نلحظ تسلسل اليات الثلث‪:‬‬
‫النزال للقرآن وهو النبوة وقد أكد بشكل قاطع أنه في ليلة القدر صدر أمر رب العالمين بالشهار بقوله )أمر‪s‬ا من عندنا(‬
‫وبما أن الرسالة بحاجة لنبوة‪ ،‬فقد صدر أمر النبوة من أجل الرسالة‪ .‬وقد أكد أنه في ليلة القدر تصدر أوامر أخرى كثيرة‬
‫بقوله‪) :‬فيها يفرق كل أمر{ حكيم( وهكذا تفهم "ألف شهر" أي أمر إشهار القرآن خير من ألف أمر آخر صدر في ليلة القدر‬

‫أو نفهم ألف شهر؛ "ألف" تعني تأليف الشياء بعضها مع بعض كأن نقول الليف واللفة والتأليف‪ .‬فنفهم "ألف شهر" على‬
‫أنه إذا جمعت كل الوامر الخرى الصادرة من رب العالمين و"تألفت" بعضها مع بعض فإن أمر إشهار القرآن خير منها‬
‫جميعا‪ ،s‬وأنا أميل إلى هذا المعنى‪.‬‬
‫وبما أنه صدرت وتصدر أوامر أخرى القرآن خير منها جميعا‪ ،s‬وأنا أميل إلى هذا المعنى‪ .‬وبما أنه صدرت وتصدر أوامر‬
‫أخرى في ليلة القدر قال‪) :‬تنزل الملئكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر( قارن هذا القول مع قوله )فيها يفرق كل أمر‬
‫حكيم(‪ .‬أما فيما يتعلق بالوامر الخرى فاستعمل مصطلح التنزيل ل النزال‪ .‬فالنزال جاء للقرآن وقد حصل مرة واحدة‪.‬‬
‫أما التنزيل فلم ينته حتى يومنا‪ ،‬وبما أن التنزيل نقلة موضوعية خارج المدركات النسانية‪ ،‬فالوامر الحكيمة التي تصدر‬
‫تنفذ دون أن يعلم الناس بها ودون أن تشهر‪ ،‬أي ل يحصل فيها إنزال كأن يبلغ ال سبحانه وتعالى زيدا‪ s‬من الناس أنه صدر‬
‫بحقه أمر كذا وكذا‪.‬‬
‫فوضع ال سبحانه وتعالى ليلة القدر "إشهار القرآن" بمثابة موسم لصدار بالوامر كالعفو‪ .‬الخ‪ .‬لذا يتوجه الناس بالعبادة‬
‫والتضرع إلى ال في هذه الليلة‪ .‬وهذه الحالة موجودة عند الناس الن‪ ،‬ول المثل العلى‪ ،‬كأن نقول يصدر الرئيس مراسيم‬
‫بالعفو عن المجرمين بمناسبة يوم الدستور أو العيد الوطني للدولة‪ .‬ولكن هذه الوامر تصدر عن رب العالمين كما قلنا بدون‬
‫إشهار "إنزال" بل تنزيل فقط لذا قال‪) :‬تنزل الملئكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر{(‪.‬‬
‫أما القول القائل‪ :‬إنه في ليلة القدر تحصل ظواهر غير طبيعية فيما يتعلق بشروق الشمس أو الشجار أو مشاهدة ظواهر‬
‫غريبة فهذا وهم كالخرافة الشائعة التي تقول إن فلنا‪ s‬شاهد ليلة القدر‪ ،‬أي علينا أن نعلم أ‪ ،‬كل الوامر الصادرة في ليلة القدر‬
‫بحق أي إنسان هي أوامر غير قابلة للشهار ول يتبلغها أحد‪ .‬ولكن كل ما نعلمه أن ليلة القدر هي موسم من رب العالمين‪.‬‬
‫والن نطرح السؤال التالي‪ :‬هل ليلة القدر حصلت مرة واحدة وهي عندما أشهر القرآن وجعل عربيا‪ ،s‬أم أن هذا الموسم‬
‫مستمر يتجدد كل سنة في شهر رمضان؟ هذا ما أخبرنا به ال سبحانه وتعالى بقوله‪) :‬سلم هي حتى مطلع الفجر(‪ .‬أي أن‬
‫هذا الموسم موسم إشهار القرآن سلمه ال لنا وهو سالم يتجدد كل عام ما دام هذا الكون قائما‪ s‬وسينتهي هذا الموسم بالنفخة‬
‫الولى في الصور وقيام الساعة حيث يحصل النفجار الكوني الثاني ليتشكل على أنقاضه كون جديد فيه البعث والحساب‬
‫والجنة والنار ولذا قال‪) :‬حتى مطلع الفجر(‪ .‬أما فهم )حتى مطلع الفجر(‪ .‬على أنه فجر الشمس "الصبح" فهو فهم ساذج‪،‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬

‫‪ - 6‬استنتاجات في العجاز القرآني‬
‫ما هي الستنتاجات التي يمكن أن نستنتجها من مبحث العجاز؟‬
‫إن الستنتاج الساسي الذي يمكن أن نستنتجه من مبحث إعجاز القرآن هو الجواب على السؤال التالي‪ :‬هل القرآن الكريم‬
‫يدخل ضمن التراث العربي السلمي أم ل يدخل؟ للجواب على هذا السؤال يترتب علينا تعريف التراث‪.‬‬
‫التراث‪ :‬لقد تم تعريف التراث في مقدمة الكتاب على أنه النتاج المادي والفكري الذي ورثته مجموعة من الناس عن سلفها‬
‫بحيث أن هذا النتاج لعب دورا‪ s‬أساسيا‪ s‬في تكوين شخصية هذه المجموعة وهويتها أي في تكوين عقلها الباطن وسلوكها‬
‫الظاهر‪ .‬وهذا الفهم للتراث يعني أن الجزء الساسي من السلف الذي كون هذا النتاج هو في عداد الموات‪.‬‬
‫من هذا المنطلق ننظر إلى القرآن‪ ،‬فالذي أنزل القرآن هو ال‪ ،‬وال سبحانه وتعالى مطلق حي باق والناس نسبيون ميتون‪.‬‬
‫لذا فالقرآن ليس تراثا‪ s‬وقد صيغ القرآن بصيغة متشابهة لهذا السبب بحيث حوى الحقيقة المطلقة من ال والفهم النسبي لهذه‬
‫الحقيقة من قبل الناس بآن واحد‪.‬‬
‫وبما أن القرآن ليس تراثا‪ s‬وجب علينا أن نفهم أن صياغته متشابهة وأنه جاء من حي إلى أحياء‪ .‬فال حي والعرب في القرن‬
‫السابع الميلدي أحياء فتفاعلوا معه حسب أرضيتهم المعرفية‪ ،‬ونحن الن في القرن الخامس عشر الهجري أحياء وال حي‪.‬‬
‫فما علينا إل أن نتفاعل معه طبقا‪ s‬لرضيتنا لمعرفية‪ ،‬ففي هذه الحالة فقط ل يكون القرآن تراثا‪ s‬لننا نفهمه على أساس أنه‬
‫تنزل علينا‪.‬‬
‫فإذا كان القرآن ليس تراثا‪ s‬فما هو التراث العربي السلمي؟ الجواب‪ :‬التراث العربي السلمي هو تفاعل الناس مع القرآن‬
‫ابتداء من النبي صلى ال عليه وسلم والصحابة وصدر السلم مرورا‪ s‬بكل أنواع التفاسير على مر القرون‪ .‬هذا النتاج‬
‫الفكري والحضاري الهائل الناتج من هذا التفاعل هو التراث العربي السلمي‪ .‬فإذا تفاعلنا نحن في القرن الخامس عشر‬
‫الهجري مع القرآن فما أن يأتي القرن السادس عشر الهجري حتى يصبح تفاعلنا تراثا‪ s‬بالنسبة للناس بعدنا‪.‬‬
‫هكذا فقط يمكن التعامل مع القرآن إذا أردنا أن ننظر إليه على أنه كتاب حي صادر عن حي إلى أحياء أي من شاهد إلى‬
‫شاهد وليس من غائب إلى شاهد‪ .‬وخاصية التشابه تسمح لنا بذلك‪.‬‬
‫فماذا قدم السادة العلماء للناس؟ لقد تصدر العلماء المجالس والذاعة والتلفزيون على أنهم علماء المسلمين وجلهم ناقل وليس‬
‫بمجتهد أي أنهم قدموا لنا ماذا فهم السلف من القرآن على أنه تفسير للقرآن‪ .‬والواقع أنهم بذلك لم يقدموا ما يؤكد أن القرآن‬
‫صالح لكل زمان ومكان بل قدموا تفاعل هؤلء الناس مع القرآن وبالتالي قدموا الرضية المعرفية التاريخية لهؤلء الناس‬
‫إلينا ونحن في القرن العشرين‪ ،‬أي قدموا لنا تراثا–‪ s‬إسلميا‪ s‬ميتا‪ .‬وكل الشواهد التي نراها في القرن العشرين هي أن السلم‬
‫دين خارج الحياة جاء للناس جميعا‪ s‬وهو عبء عليهم‪ .‬والمشكلة أنهم نقلوه عن أموات وأهملوا أن صاحبه حي باق‪ .‬وبعض‬
‫رجال الدين شاؤوا أم أبوا‪ ،‬بموت النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والصحابة حولوا القرآن تراثا‪ s‬ولم يعلموا أن كل ما فعله النبي‬

‫صلى ال عليه وسلم والصحابة هو الحتمال الول لتفاعل القرآن مع العرب في القرن السابع الميلدي )الثمرة الولى(‪.‬‬
‫وبذلك أصبح السلم دين نقل ومات العقل والنظرة النقدية إلى النصوص‪ ،‬وعند مشايخنا فهم القرآن هو عن ‪ ..‬عن‪ ،‬وقال‬
‫مجاهد وعكرمة وابن عباس وابن كثير والزمخشري‪ ،‬علما‪ s‬بأن أقوال هؤلء ليس لها قيمة علمية كبيرة بالنسبة لنا ولكن لها‬
‫قيمة تراثية أكاديمية بحتة‪ .‬والقيمة الحقيقية هي للنص القرآني الحي المتشابه‪ .‬وهكذا يمكن لنا أن نقدم التبرير العلمي‬
‫لصرار النبي صلى ال عليه وسلم على تدوين الوحي وبنفس الوقت إصراره على عدم تدوين أقواله الشخصية لن ال هو‬
‫الحي المطلق ومحمد صلى ال عليه وسلم نبي ولكنه إنسان‪ .‬هكذا فقط‪ ،‬يمكن أن نقول بكل جرأة علمية‪ :‬إن السلم صالح‬
‫لكل زمان ومكان‪.‬‬

‫الفصل الخامس‬
‫شجرة الذكر‬
‫الن بعد أن عرفنا الكتاب والقرآن والسبع المثاني والذكر والفرقان والصراط المستقيم لنعط التعاريف الكاملة لكل منها‪:‬‬
‫‪ - 1‬الكتاب‪ :‬هو مجموعة المواضيع التي جاءت إلى محمد صلى ال عليه وسلم وحيا‪ ،O‬وهو مجموع اليات الموجودة بين دفتي المصحف من أول‬
‫سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس وفيه النبوة والرسالة وهو الرسالة فقط بالنسبة لموسى وعيسى‪.‬‬
‫الكتاب = الرسالة ‪ +‬النبوة‪.‬‬
‫‪ - 2‬أم الكتاب‪ :‬هي مجموعة اليات التي تشكل رسالة محمد صلى ال عليه وسلم وفيها العبادات والحدود والتعليمات والفرقان "الصراط‬
‫المستقيم والحكمة" وهي الكتاب المحكم )منه آيات محكمات هن أم الكتاب( وهي التي أوحيت من ال مباشرة وليس لها وجود مسبق قبل النزال‬
‫والتنزيل ول يوجد فيها جعل‪.‬‬
‫‪ - 3‬النبوة‪ :‬وفيها القرآن والسبع المثاني وتفصيل الكتاب‪ :‬والنبوة تقسم حسب اليات التالية‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اليات المتشابهات‪ :‬وهي القرآن والسبع المثاني‪.‬‬
‫ب ‪ -‬آيات ل محكمات ول متشابهات‪ :‬تفصيل الكتاب‪.‬‬
‫أ‪ -‬اليات المتشابهات‪:‬‬
‫‪ - 1‬القرآن "الحديث"‪ :‬وهي مجموعة القوانين المخزنة في اللوح المحفوظ والمام المبين وهي القوانين العامة الناظمة للوجود المتحكمة فيه‬
‫من بداية الخلق إلى نهاية الثواب والعقاب في الجنة والنار "اللوح المحفوظ" والقوانين الجزئية لتصرف ظواهر الطبيعة وأحداث النسان بعد‬
‫وقوعها "إمام مبين" وهي التي لها وجود مسبق قبل إنزالها وتنزيلها وهي التي جعلت عربية‪ ،‬والتشابه فيها حركة المحتوى مع ثبات النص‪،‬‬
‫ويفهم فهما‪ O‬نسبيا‪ O‬حسب الرضية المعرفية للعصر‪.‬‬
‫‪ - 2‬السبع المثاني "أحسن الحديث"‪ :‬وهي سبع آيات فواتح للسور "متشابه مثان" مثل "ألم" وأربعة عشر حرفا‪" O‬صوتا‪ "O‬وهي متشابهة‬
‫وتفهم فهما‪ O‬نسبيا‪ O‬حسب تطور المعارف للعصر وهي أحسن الحديث‪.‬‬
‫ب‪ -‬آيات ل محكمات ول متشابهات‪ :‬وهي اليات التي تشرح محتويات الكتاب من قرآن وأم الكتاب والفرقان‪:‬‬
‫ومنه‪:‬‬
‫ الكتاب = آيات محكمات ‪ +‬آيات متشابهات ‪ +‬آيات ل محكمات ول متشابهات‪.‬‬‫= أم الكتاب ‪ +‬القرآن ‪ +‬السبع المثاني ‪ +‬تفصيل الكتاب‪.‬‬
‫= أم الكتاب ‪" +‬الحديث ‪ +‬أحسن الحديث" ‪ +‬تفصيل الكتاب‪.‬‬
‫ الذكر‪ :‬هو الصيغة اللغوية النسانية للكتاب كله والذي جاء بلسان عربي مبين وهو الصيغة التعبدية بغض النظر عن فهم المضمون وهو الذي‬‫تكفل ال بحفظه وهو محدث كله‪.‬‬
‫ الفرقان‪ :‬وهو الوصايا العشر التي جاءت إلى موسى وعيسى ومحمد وهي اليات )‪ (153-152-151‬من سورة النعام وهو جزء من أم الكتاب‬‫وهو الخلق المشتركة بين الديانات السماوية وجاء إلى موسى منسوخا‪ O‬على اللواح مفروقا‪ O‬عن الكتاب‪:‬‬
‫لنأخذ الن اليات الخمس الولى من سورة الزخرف‪:‬‬
‫ الية الولى‪) :‬حم( من السبع المثاني‪.‬‬‫ الية الثانية‪) :‬والكتاب المبين( القصص‪.‬‬‫ الية الثالثة‪) :‬إنا جعلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم تعقلون( القرآن‪.‬‬‫ونشير هنا بين معترضتين إلى أن هذه الهاء في "جعلناه" ليست عائدة على الكتاب المبين في الية السابقة بل هي عين القرآن العربي‪) :‬إنا‬
‫أنزلناه في ليلة القدر(‪ .‬لحظ أنها جاءت بعد الفاصل‪.‬‬
‫ الية الرابعة‪) :‬وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم( القرآن في أم الكتاب عند ال علي حكيم‪.‬‬‫ الية الخامسة‪) :‬أفنضرب عنكم الذكر صفحا‪ O‬إن كنتم قوما‪ O‬مسرفين( الذكر هو الصيغة اللغوية العربية التعبدية للكتاب‪.‬‬‫لحظ هذه اليات الخمس كيف شملت مركبات الكتاب‪.‬‬
‫لنأخذ الن الية الرابعة التي تقول‪) :‬وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم( حيث وصف القرآن بأنه علي حكيم‪ :‬وأن "‪:‬علي حكيم" جاءت في مكان‬
‫واحد آخر في الكتاب كله وذلك في قوله تعالى‪) :‬وما كان لبشر أن يكلمه ال إل وحيا‪ O‬أو من وراء حجاب” أو يرسل رسول‪ O‬فيوحي بإذنه ما يشاء‬
‫إنه علي حكيم( )الشورى ‪.(51‬‬
‫يتحدث هنا عن كيفية الوحي لكلم ال بقوله )يكلمه ال( ول تشمل هذه الية الرسالة لقوله‪) :‬قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي‬
‫وبكلمي( )العراف ‪ .(144‬وهنا "علي حكيم" تعود على الموحى به وهو القرآن‪ .‬وإذا سأل سائل‪ :‬وكيف تم وحي الرسالة وبقية أجزاء الكتاب؟‬
‫هل بنفس الطريقة أو بطريقة أخرى؟ فتجيبه الية التي تليها )وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ول اليمان ولكن جعلناه‬
‫نورا‪ O‬نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط” مستقيم( )الشورى ‪ (52‬أي بنفس الطريقة للوحي التي ذكرت في الية ‪ 50‬أوحى إلى‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم الرسالة والنبوة‪ ،‬الرسالة في "روح من أمرنا"‪ .‬و"الكتاب" الرسالة والنبوة معا‪.O‬‬

‫أمثلة على آيات الذكر‪.‬‬
‫أ‪ -‬آيات أم الكتاب "الرسالة"‪:‬‬
‫آية المداينة "البقرة ‪ "282‬آيات المحارم "النساء ‪ 23-22‬آية منع تعدد الزوجات "النساء ‪ "3‬آية الزينة "النور ‪ "31‬آيات الرث "النساء ‪-11‬‬
‫‪."176-12‬‬
‫ب‪ -‬آيات القرآن‪:‬‬
‫آية البرهان على البعث بقانون التطور "الحج ‪ "5‬آية قانون جدل هلك شكل الشيء باستمرار في الطبيعة "النعام ‪ "95‬شرح التطور "النعام‬
‫‪ ."99‬آية الزواج "الذاريات ‪ "49‬آية بداية الخلق "الفجر ‪ "4-1‬آيات الصور‪ ،‬الساعة‪ ،‬البعث‪ ،‬وصف الجنة والنار والحساب‪ ،‬أسماء ال‬
‫الحسنى "آيات جدل الطبيعة" "آيات ال" والتي تبدأ بقوله "ومن آياته" "سورة يوسف" وكل القصص القرآني‪.‬‬
‫ج‪ -‬آيات السبع المثاني‪:‬‬
‫الم ‪ .‬المص‪ .‬الر‪ .‬المر‪.‬‬
‫د‪ -‬آيات تفصل الكتاب‪:‬‬
‫"الزخرف ‪" "5-2‬آل عمران ‪" "7‬يوسف ‪" "3-2‬يونس ‪" "37‬الرعد ‪" "39-37‬السراء ‪."85‬‬

‫الباب الثاني‪ :‬جدل الكون والنسان‬
‫تمهيد‬
‫أصل الجدل في اللسان العربي من "جدل" وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه‪ ،‬وامتداد الخصومة ومراجعة الكلم "ابن‬
‫فارس"‪-‬مقاييس اللغة‪ -‬والسترسال من "رسل" وتعي النبعاث والمتداد‪ ،‬جاء القوم أرسال‪ O‬أي يتبع بعضهم بعضا‪.O‬‬
‫ويقوم الجدل على الثنائية‪ .‬والثنائية على أنواع‪:‬‬
‫‪ - 1‬ثنائية تلزمية في الشيء المادي الواحد‪ .‬تؤدي إلى جدل داخلي يقوم على صراع تناقضي في اتجاه واحد بين عنصرين مكونين لكل شيء‬
‫مادي‪ .‬وهذا هو جدل هلك شكل الشيء باستمرار‪.‬‬
‫‪ - 2‬ثنائية تقابلية بين شيئين ماديين يتواجدان معا‪ O‬في علقة ما‪ .‬تؤدي إلى جدل خارجي بينهما يقوم على صراع غير تناقضي في اتجاهين أي‬
‫على تأثير وتأثر متبادل بين هذين الشيئين يفضي إلى تلؤمهما‪ .‬وهذا هو جدل تلؤم الزوجين‪.‬‬
‫‪ - 3‬ثنائية تعاقبية بين ظاهرتين ل تلتقيان أبدا‪ ،O‬إذ ينفي وجود الواحد وجود الخرى بالضرورة‪ .‬تؤدي إلى جدل الضداد في ظواهر الطبيعة غير‬
‫الحية بنتيجة الحركة الميكانيكية للجمادات "مثال ذلك تعاقب الليل والنهار"‪ .‬كما تؤدي إلى جدل الضداد في عالم الحياء بنتيجة الحركة العضوية‬
‫للكائنات الحية "ومثال ذلك تعاقب بسط اليد وقبضها وتعاقب الشهيق والزفير في التنفس"‪ .‬ويقوم جدل الضداد على صراع تناقضي على‬
‫التعاقب‪ .‬وهذا هو جدل تعاقب الضدين‪.‬‬
‫‪ - 4‬ثنائية تلزمية بين نقيضين غير ماديين يتواجدان معا‪ O‬في الدماغ النساني الذي يقوم على صراع بينهما في اتجاهين‪ .‬وقد ينتهي جدل‬
‫النقيضين في الدماغ بإصدار حكم في كل صراع على حدة يؤيد أحدهما ويلغي الخر‪ .‬ويكون الحكم صادقا‪ O‬أي حقيقيا‪ O‬إذا كان مطابقا‪ O‬للواقع المادي‬
‫الموضوعي خارج الذات النسانية‪ ،‬ويكون الحكم كاذبا‪ O‬أي وهميا‪ O‬إذا كان غير مطابق للواقع الموضوعي‪ .‬ويتجلى بهذا جدل الفكر النساني‪.‬‬
‫وقد ل ينتهي جدل النقيضين في الدماغ عن طريق إصدار حكم‪ ،‬فيتم حينئذ تغليب عاطفي "غير عقلي" لحدها على الخر "ويظهر ذلك مثل‪ O‬في‬
‫التغلب العاطفي للحب على الكراهية أو بالعكس"‪ .‬ويتجلى بهذا جدل النفس النسانية‪.‬‬
‫وسنبدأ بالحديث عن الجدل المادي الداخلي "جدل هلك شكل الشيء باستمرار"‪ ،‬ثم عن الجدل المادي الخارجي "جدل تلؤم الزوجين"‪ .‬وننتقل‬
‫بعد ذلك إلى عرض رأينا في الصور والحساب والجنة والنار‪ .‬وفي الختام نتطرق إلى جدل النقيضين في الدماغ النساني الذي ينطلق يتجلى في‬
‫صيغتين‪ :‬جدل الفكر النساني وجدل النفس النسانية‪.‬‬

‫الفصل الول‬
‫قوانين جدل الكون‬
‫أول‪ :O‬الثنائية التلزمية "الجدل الداخلي في الشيء الواحد" "جدل هلك الشيء"‬
‫إن صراع العنصرين المتناقضين داخليا‪ ،O‬الموجودين في كل شيء يؤدي إلى تغير شكل كل شيء باستمرار‪ ،‬ويتجلى في هلك شكل ذلك الشيء‬
‫وظهور شكل آخر‪ .‬وفي هذا الصراع يكمن السر في التطور والتغير المستمرين في هذا الكون ما دام قائما‪ .O‬هذا هو ما يسمى بالحركة الجدلية‬
‫الداخلية التي أطلق عليها في بعض الترجمات مصطلح النفي ونفي النفي‪ .‬وقد أطلق عليها القرآن مصطلح التسبيح‪) :‬وإن من شيء إل يسبح‬
‫بحمده ولكن ل تفقهون تسبيحهم( )السراء ‪.(44‬‬
‫وقوله‪) :‬سبح ل ما في السموات وما في الرض( )الحشر ‪ -1‬الصف ‪ (1‬وقوله‪) :‬يسبح ل ما في السموات وما في الرض(‪) .‬الجمعة ‪-1‬التغابن‬

‫‪.(1‬‬
‫والتسبيح جاءت من "سبح" وهو الحركة المستمرة "كالعوم في الماء" كقوله عن حركة كل شيء‪) :‬كل في فلك يسبحون( )النبياء ‪ .(33‬هذا‬
‫الصراع يؤدي إلى التغير في الشياء‪ ،‬وينتج عنه مقولة أن "الموت حق" وال حي باق‪ .‬وهكذا نفهم معنى الية‪) :‬ول تدع مع ال إلها‪ O‬آخر ل إله‬
‫إل هو كل شيء هالك إل وجهه له الحكم وإليه ترجعون( )القصص ‪ (88‬وسيبقى هذا القانون سائدا‪ O‬حتى يهلك هذا الكون المادي "عند النفخة‬
‫الولى في الصور = الساعة" لينشأ على أنقاضه كون آخر جديد مؤلف من مادة ذات خصائص جديدة "عند النفخة الثانية في الصور التي تؤدي‬
‫إلى البعث"‪ .‬وفي ضوء ذلك تتضح مقولة "البعث حق"‪.‬‬
‫وقولنا )سبحان ال( في صلتنا هو إقرار العاقل بهذا القانون‪ ،‬حيث ورد التسبيح في القرآن في حالتين‪ :‬حالة تسبيح الوجود‪ ،‬وحالة تسبيح‬
‫العاقل" أي حالة القرار العاقل بقانون التطور" وقد وردت الحالتان في القصص عن يونس )وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك‬
‫المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلول أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون( )الصافات‬
‫‪ (144-139‬هنا وضح بأن قانون تسبيح الوجود عام ينطبق على يونس والحوت كانطباقه على بقية الشياء‪ .‬ولو لم ينطبق عليه هذا القانون‬
‫لنتفت ظاهرة الموت بالنسبة له وبقي إلى يوم يبعثون‪ .‬وفي تسبيح العاقل عن يونس قال‪) :‬وذا النون إذ ذهب مغاضبا‪ O‬فظن أن لن نقدر عليه‬
‫فنادى في الظلمات أن ل إله إل أنت سبحانك إني كنت من الظالمين( )النبياء ‪.(87‬‬
‫وفي كل آيات الكتاب وردت "سبحانك" بهذا المفهوم أي عندما يقارن ال مع غيره من الشياء كقوله‪) :‬قالوا اتخذ ال ولدا‪ O‬سبحانه( )يونس ‪(68‬‬
‫)ويجعلون ل البنات سبحانه( )النحل ‪) .(57‬سبحانه وتعالى عما يصفون(‪) .‬النعام ‪) .(100‬ما كان ل أن يتخذ من ولد” سبحانه( )مريم ‪(35‬‬
‫)سبحانه وتعالى عما يقولون علوا‪ O‬كبيرا‪) (O‬السراء ‪) .(43‬لو أراد ال أن يتخذ ولدا‪ O‬لصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو ال الواحد القهار(‬
‫)الزمر ‪.(4‬‬
‫أما القول بأن "سبحان ال" هو تنزيه ال من النقائص والعيوب فهو قول قد مضى زمانه‪ ،‬إ‪ w‬أن النقائص والعيوب تحمل معنى معرفيا ‪O‬ومعنى‬
‫اجتماعيا‪ O‬إنسانيا‪ O‬فهي تحمل مفهوم النسبية حيث تتغير هذه المفاهيم من مكان لخر ومن زمن لخر‪ .‬إن التسبيح الحقيقي لل‪ž‬شياء كلها في‬
‫وجودها منذ خلق ال هذا الكون المادي وهو منزه عن هذه الحركة في ذاته لنه واحد "أحد صمد" "ليس كمثله شيء" حيث أن هذه الحركة‬
‫تؤدي إلى هلك الشياء "الموت"‪.‬‬
‫لقد عبر القرآن بشكل مباشر عن قانون صراع المتناقضات الداخلي في قوله‪) :‬إن ال فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت‬
‫من الحي ذلكم ال فأنى تؤفكون( )النعام ‪.(95‬‬
‫وفعل "فلق" في اللسان العربي أصل صحيح يدل على فردة وبينونة في الشيء‪ ،‬وعلى تعظيم شيء‪ ،‬والفلق هو الخلق كله كأنه شيء فلق عنه‬
‫شيء آخر حتى أبرز وأظهر‪ .‬وفي الية جاءت "فالق" بمعنى شيء أبرز وأظهر منه شيء آخر‪.‬‬
‫"ومعنى الفلق قريب من معنى الخلق لنهما يشتركان في حرفين ويتميزان بحرف واحد"‪ .‬و"الحب" جاءت في اللسان العربي من "حبب" وله‬
‫ثلثة أصول صحيحة أدها للزوم والثبات‪ ،‬والثاني الحبة في الشيء ذي الحب‪ ،‬والثالث وسف‪ .‬وهنا المعنى هو الثاني كحبة الشعير والقمح‪ .‬أما‬
‫فعل "خرج" فلها في اللسان العربي أصلن‪ :‬الول النفاذ عن الشيء والثاني اختلف لونين‪ ،‬الخراج كأن ينفذ شيء عن شيء آخر وهنا استعمل‬
‫الشيء والشيء الخر وهما الحي والميت‪.‬‬
‫إن هذه العملية تتكرر كل يوم آلف المرات‪ .‬فإذا أخذنا حبة القمح ووضعناها في التربة المناسبة لها فإنها تجتاز تحول‪ O‬فتنتش وتكف الحبة في‬
‫ذاتها عن الوجود فينتفي وجودها أي تهلك‪ ،‬وتظهر في مكانها النبتة التي نشأت عنها‪ ،‬ثم تستمر العملية الحياتية من نمو ونضوج كي تنتج من‬
‫جديد حبوب القمح‪ .‬وبمجرد نضوج الحبوب الجديدة تموت النبتة أي تهلك بدورها ‪ ..‬وهكذا نحصل من جديد على حبة القمح الصلية ولكن نحل‬
‫عليها أضعافا‪ O‬مضاعفة‪ .‬فإذا سأل سائل‪ :‬إننا نأخذ حب القمح ونصنع منه خبزا‪ O‬وبذلك ل يعمل قانون صراع المتناقضات الداخلي ‪ ..‬أقول‪ :‬هذا‬
‫صحيح‪ ،‬إننا نناقش هذا القانون من دون تدخل النسان‪.‬‬
‫وقد استثنت الية الكريمة قضاء النسان أي تدخله حين وضع إخراج الحي من الميت في صيغة فعل مضارع )يخرج الحي من الميت( ووضع‬
‫إخراج الميت من الحي في صيغة اسم فاعل حيث قال‪) :‬ومخرج الميت من الحي( وهنا استثنى قضاء النسان حيث أن إخراج الحي من الميت هو‬
‫قانون موضوعي "من ال"‪ ،‬أما اخراج الميت من الحي فال أخرج الميت إخراجا‪ ،O‬وهنا أعطى مجال‪ O‬لتدخل النسان‪ ،‬فالنسان يتدخل بأن يهلك‬
‫حبة القمح بالطحن أو ل يهلكها‪ ،‬ولول أن ال أخرج الموت إخراجا‪ O‬لما كان هناك قضاء "تدخل" إنساني في القتل‪ .‬ولو أنه قال "ويخرج الميت‬
‫من الحي" وقتل إنسان إنسانا‪ O‬آخر لقلنا‪ :‬إن ال قتله ولسقطت نظرية العقوبات كاملة‪ .‬فنقول ال يحيي ويميت‪ ،‬ول نقول يحيي ويقتل‪.‬‬
‫والنسان يقضي "يتدخل" بالقتل أو ل يقضي‪ ،‬ولول الموت لما كان هناك قتل‪ .‬ولم يذكر الكتاب القتل من قبل ال تعالى إل مرة واحدة حين مد يد‬
‫المساعدة المادية المباشرة إلى النبي صلى ال عليه وسلم في غزوة بدر فيقوله )فلم تقتلوهم ولكن ال قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن ال رمى‬
‫… الية( )النفال ‪ .(17‬أما في البعث فقال )يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الرض بعد موتها وكذلك تخرجون( )الروم‬
‫‪ .(19‬وذلك لتبيان أن قضاء النسان "أي تدخله" سقط نهائيا‪ O‬في البعث واليوم الخر‪ .‬أما استعماله‪) :‬يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من‬
‫الحي(‪ .‬في سورة يونس وآل عمران فهو خاص بجدل الضداد في الظواهر وهي ظواهر متكافئة‪ ،‬أي ل تعمل باتجاه واحد‪ .‬وسنفصل القول في‬
‫ذلك فيما بعد‪.‬‬
‫أما قانون صراع المتناقضات الداخلي فيعمل في اتجاه واجد وهو من قوانين القدر "أي القوانين الموضوعية" لذا ختم الية بقوله )ذلكم ال فأنى‬
‫يؤفكون(‪ .‬والفك هو الرتداد أي أنه ل يستطيع أي إنسان رد هذا القانون‪ ،‬إن النسان يتدخل في إسراع أو إبطاء عمل هذا القانون ولكنه ل يلغيه‪،‬‬
‫فالطب والعناية الصحية يطيلن العمار ول يلغيان الموت‪ ،‬والقتل يقصر العمار لذا قال عن النبي صلى ال عليه وسلم )وما محمد إل رسول قد‬
‫خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ‪..‬الية( )آل عمران ‪ .(144‬فالموت حق ولكن العمار تطول وتقصر وسنتوسع في‬
‫شرح ذلك أدناه‪.‬‬
‫لقد عبر القرآن عن قانون صراع المتناقضات الداخلي في الشيء نفسه بصيغة‪) :‬مخلق وغير مخلق( و)صنوان وغير صنوان( و)متشابه وغير‬
‫متشابه( و)معروشات وغير معروشات( في اليات التالية‪:‬‬
‫ )يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في‬‫الرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفل‪ O‬ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيل يعلم من بعد علم” شيئا‬
‫وترى الرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج( )الحج ‪.(5‬‬
‫جاءت هذه الية لتثبت للناس البعث وتنزع الشكوك بشأن بلوغه الحتمي فبدأت بقوله‪) :‬يا أيها الناس إن كنتم في ريب” من البعث( فإذا قال قائل‪:‬‬
‫"أنا في ريب من البعث" فما علينا إل أن نورد له بقية الية‪.‬‬
‫ولكن ما علقة بقية الية بالبعث؟ إذا نظرنا إليها وجدنا أنها تحتوي على قانون أساسي هو قانون التطور "تغير شكل المادة باستمرار" باتجاه‬
‫واحد‪ ،‬أي بدأ خلق النسان من تراب ثم نطفة "خلية" وبعد اللقاح تجتمع الخلية المنوية مع البويضة "علق شيء بشيء آخر" فتنتج العلقة وبعد‬
‫ذلك يبدأ النمو والتكاثر الخلوي وتشكل العضاء المختلفة وتشعبها في المضغة‪ ،‬وأصل المماضغة في اللسان العربي هو من‪" :‬ماضغت فلنا‬
‫مماضغة‪ :‬جاددته القتال والخصومة" "الزمخشري‪-‬أساس البلغة" أي بعد العلقة تبدأ المماضغة وهي تجدد مستمر للقتال "الصراع"‬

‫والخصومة بين العنصرين المكونين للمضغة نفسها وهما العنصر الم•خل‪y‬ق والعنصر غير الم•خل‪y‬ق‪ .‬وهنا وصف الم•خل‪y‬قة وغير الم•خل‪y‬قة يعودعلى‬
‫المضغة نفسها أي لو كان مضغة مخلقة ومضغة ثانية غير مخلقة لقال "مضغة مخلقة وأخرى غير مخلقة" كقوله‪) :‬منه آيات محكمات هن أم‬
‫الكتاب وآخر متشابهات( )آل عمران ‪ (7‬ولكن المخلق وغير المخلق يدخل ضمن تركيب المضغة نفسها وهذا يؤدي إلى صراع المتناقضات‬
‫الداخلي في الشيء نفسه‪ ،‬أي أن هذا الصراع يؤدي إلى نمو المضغة وتطورها وتحولها إلى جنين كامل‪.‬‬
‫وهذا القانون هو القانون الساسي للحركة الجدلية للحياة العضوية للنسان والكائنات الحية‪ .‬ففي النمو الخلوي صراع بين المخلق وغير المخلق‪،‬‬
‫والمخلق تعني المصمم‪ ،‬حيث أن الخلق يعني التقدير ل اليجاد كقولنا‪ :‬خلق الخياط القميص من القماش أي قدره قبل القطع قدره قبل القطع‬
‫والتفصيل‪ ،‬وعندما تخلق بيتا‪ O‬تضع له مخططا‪ O‬تميز فيه الممرات من غرف النوم ومن المطبخ‪ ،‬أي أن الصراع هو بين المصمم المتميز وغير‬
‫المتميز أي من غرف النوم ومن المطبخ‪ ،‬أي أن الصراع هو بين المصمم المتميز وغير المتميز أي بين التكاثر المقدر "المنتظم" وغير المقدر‬
‫"الفوضوي"‪ .‬فكلما كانت الخليا التي يتألف منها التصميم متميزة ضمن نظام مقدر فهي مخلقة‪ ،‬وهذا ما يسمى )‪،(Cell Differentiated‬‬
‫وكلما بعدت عن التميز كانت غير مخلقة )‪.(Cell Undifferentiated‬‬
‫وهنا يكمن سر النمو العضوي للكائنات الحية في الصراع بين المخلق وغير المخلق في الخلية الواحدة‪ .‬فعندما ينتصر المخلق تكون الحياة‬
‫العضوية والنمو سليمين‪ .‬وكلما بعدنا عن المخلق بعد النمو عن أن يكون سليما‪ .O‬أي أن الحركة الجدلية بين العنصرين المتناقضين داخليا‪ O‬في‬
‫الشيء نفسه هي التي أدت إلى التطور الذي تجلى في تغير الشكل باستمرار "هلك شكل وظهور شكل آخر في الجمادات وفي الكائنات الحية"‪،‬‬
‫ومن هنا نفهم أن الكائنات الحية قد ظهر بعضها من بعض‪ ،‬وخضعت لقانون التطور والرتقاء‪.‬‬
‫وعليه نفهم أن البعث هو الطفرة النهائية والرتقاء النهائي لهذا الكون‪ ،‬حيث يتوقف حينئذ في الكون الخر عمل قانون صراع المتناقضات في‬
‫الشيء نفسه‪ ،‬وينتفي بالتالي الهلك المستمر بشكل المادة‪ ،‬لذا ل موت ول ولدة في الكون الخر بل الخلود‪.‬‬
‫وإن من الخطأ الفادح أن نظن أن ال خلق الفاعي وحدها ونفخ فيها الروح‪ ،‬وخلق القطط وحدها ونفخ فيها الروح‪ ،‬وخلق السماك وحدها ونفخ‬
‫فيها الروح‪ .‬ونؤكد هنا أننا نفهم الروح على أنها ليست سر الحياة‪ ،‬وإنما هي سر النسنة التي نقصد بها تحول البشر "الذي هو من الفصيلة‬
‫الحيوانية" إلى إنسان‪" ،‬وسنفصل القول في ذلك في الفصل الثاني من هذا الباب"‪ .‬لذا فالحياة العضوية والكائنات الحية في وجودها خضعت‬
‫لقانون النشوء والرتقاء الذي هو قانون التطور‪ ،‬نتيجة الصراع الداخلي للمتناقضات في الشيء نفسه فبدأت الحياة من نطفة واحدة "خلية"‬
‫وتطورت بعملية جدلية أدت باستمرار إلى تغير الشكل حتى ظهر البشر غير العاقل‪ ،‬ثم النسان العاقل‪.‬‬
‫وهذا ما وضحه في قوله تعالى‪) :‬وما بث فيهما من دابة‪) .(O‬الشورى ‪ .(29‬وقوله‪) :‬وفي خلقكم وما يبث من داب ”ة آيات لقوم” يوقنون( )الجاثية ‪.(4‬‬
‫"وبث" في اللسان العربي تعني تفريق الشيء وإظهاره‪ ،‬كقولنا‪ :‬بثت الدولة العيون أي فرقتها‪ ،‬وقولنا البث الذاعي والتلفزيوني‪ ،‬أي أن أساس‬
‫الحياة العضوية النباتية والحيوانية واحد‪ ،‬وتم النتشار والتغير في النواع عن طريق البث الذي جاء نتيجة لقانون التطور والرتقاء‪.‬‬
‫وقد جاء فعل "بث" في صيغة الماضي والحاضر للدللة على استمرارية هذا القانون وعدم توقفه في هذا الكون‪ ،‬ول يتوقف هذا القانون عن‬
‫العمل إل بانفجار الكون أي هلكه‪ .‬وقد أشار القرآن إلى ذلك بعبارة" النفخة الولى في الصور" ليحل محله كون آخر "النفخة الولى في‬
‫الصور" ليحل محله كون آخر "النفخة الثانية في الصور" يتغير فيه جوهر المادة حيث يتوقف فيها قانون صراع المتناقضات الداخلي ليحل محله‬
‫قانون جديد للمادة يتجلى فيه أن المادة تتألف من عنصرين مترابطين أحدهما بالخر في علقة حركية غير متناقضة‪ ،‬ل ولدة ول موت ول‬
‫تطور‪ ،‬بل حركة مستمرة من نمط آخر‪.‬‬
‫وهكذا يظهر جليا‪ O‬أن البعث وقانون التطور مرتبطان ارتباطا‪ O‬ل انفصام له‪ ،‬لذا فإن فهم القوانين الناظمة للمادة وتطورها في هذا الكون بسبب‬
‫تناقضاتها الداخلية منذ بداية نشأته هو الدليل العقلي "العلمي" القاطع على حتمية البعث‪ .‬هكذا يمكن برأينا تأويل هذه الية الكريمة حيث بدأت‬
‫)يا أيها الناس إن كنتم في ريب” من البعث( ومن أجل تقديم الدليل العلمي كان الجواب إيراد قانون التطور بسبب الهلك المستمر لشكل المادة‪.‬‬
‫ )وفي الرض قطع تجاوزات وجنات¡ من أعناب” وزرع ونخيل صنوان¡ غير صنوان يسقى بماء واحد” ونفضل بعضها على بعض” في الكل إن في‬‫ذلك ليات” لقوم” يعقلون( )الرعد ‪.(4‬‬
‫في هذه الية يبين إحدى مراحل التطور "البث"‪ ،‬واستعمل أيضا‪ O‬صيغة المتناقضات الداخلية في الزرع "النخيل" حيث قال‪) :‬صنوان وغير‬
‫صنوان( ولم يقل‪" :‬صنوان وآخر غير صنوان" أي أن وصف صنوان وغير صنوان يعود على ذات الشيء الواحد‪.‬‬
‫و صنوان في اللسان العربي جاءت من "صنو" هي تدل على تقارب شيئين قرابة أو مسافة وعليه نفهم أن النخيل حيث ذكره صراحة هو أساس‬
‫لطفرة نتجت عنه كقوله عن المضغة )مخلقة وغير مخلقة( أي هي أساس التكاثر الخلوي المخلق وغير المخلق‪ .‬فهناك صراع عنصرين‬
‫متناقضين داخليا‪ O‬في النخيل في أن تبقى متقاربة "صنوان" أو أن تتحرك باتجاه التطور كي تتحول إي غير متقاربة "غير داخليا‪.O‬‬
‫ )وهو الذي أنشأ جنات” معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا‪ O‬أكله والزيتون والرمان متشابها‪ O‬وغير متشابه” كلوا من ثمره‪ O‬إذا أثمر‬‫وأتوا حقه يوم حصاده ول تسرفوا إنه ل يحب المسرفين( )النعام ‪.(141‬‬
‫جاءت هذه الية لتبين أن الحركة الجدلية التي يكمن فيها سر التطور هي القانون النظم لختلف النواع في النباتات‪ ،‬ويؤدي ذلك إل الختلف في‬
‫المأكل‪ ،‬لذا قال‪) :‬والنخل والزرع مختلفا‪ O‬أكله( وحين ذكر الزيتون والرمان بصيغة متناقضة بقوله‪) :‬متشابها‪ O‬وغير متشابه”( بين أن الزيتون‬
‫والرمان تولدا نتيجة لطفرة نباتية‪ ،‬أي أنه كان هناك نبات حصل فيه صراع عنصرين متناقضين داخليا‪ O‬أدى إلى طفرة نتج عنها الزيتون والرمان‪،‬‬
‫وكل واحد منهما )متشابه وغير متشابه(‪.‬‬
‫أما قوله تعالى )جنات” معروشات” وغير معروشات‪ (O‬فهنا ذكر إحدى مراحل التطور النباتي بشكل عام‪ .‬بدأت الحياة النباتية بالنباتات الزاحفة‬
‫"معروشات"‪ ،‬وتطورت إلى نباتات قائمة "غير معروشات"‪ ،‬فكان تطور النبات من نباتات زاحفة إلى نباتات غير زاحفة "قائمة بذاتها" نتيجة‬
‫لصراع عنصرين متناقضين داخليا‪ O‬حيث أن صيغة "هو وغير هو" هي صيغة التناقض‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن المتناقضات الداخلية المذكورة في اليات السابقة هي السر الكان وراء التطور في الكائنات الحية النباتية "والحيوانية" منذ بداية‬
‫الحياة على الرض‪ .‬وهكذا أيضا‪ O‬نفهم قوله تعالى‪) :‬ما لكم ل ترجون ال وقارا‪ * O‬وقد خلقكم أطوارا‪) (*O‬نوح ‪.(14-13‬‬
‫والن يمكن أن نلخص القانون الول للمادة وحركتها في هذا الكون كما يلي‪:‬‬
‫إن قانون المتناقضات الداخلي "الثنائية في الشيء الواحد" يقوم على علقة تجاذب وتنابذ "تناقض بين عنصرين مكونين لي شيء مادي‬
‫موجودين معا‪ O‬في ذات الشيء" يؤديان إلى حركة ضمن الشيء نفسه ينجم عنها تغير شكل الشيء باستمرار‪.‬‬
‫وهذا القانون يعمل في داخل جميع الشياء المادية بل استثناء‪ .‬ويعبر التجاذب والتنابذ عن تناقض مستمر يؤدي إلى حركة ضمن الشيء ينجم‬
‫عنها تغير مستمر لشكل الشيء "أي هلك شكل وولدة شكل جديد ‪ ..‬وهكذا دواليك‪ .‬والصياغة المثلى لهذا القانون وردت في القرآن الكريم‪) :‬كل‬
‫شيء هالك إل وجهه( )القصص ‪.(88‬‬

‫ثانيا‪ :O‬الجدل الخارجي بين شيئين "جدل تلؤم الزوجين"‬
‫"التكيف"‬
‫ورد مصطلح "الزوج" في آيات عديدة منها )وأنه خلق الزوجين الذكر والنثى( )النجم ‪ .(45‬فالزوج هو زوج المرأة‪ ،‬والمرأة زوج بعلها‪،‬‬
‫والزوج في اللسان العربي أصل يدل على مقارنة شيء لشيء آخر وارتباطه بعلقة ما ‪ ..‬فالمرأة هي زوج عندما تكون على عصمة رجل "أي في‬
‫علقة مع رجل"‪ ،‬وكانت قبل الزواج عزبة‪ ،‬وإذا مات عنها زوجها فهي أرملة‪ ،‬وإذا طلقت فهي مطلقة‪ ،‬ول يقال عنها زوج إل إذا كان معها رجل‬
‫"زوج آخر"‪" .‬هذا بالمفهوم الجتماعي"‪ .‬وعندا هاجر النبي صلى ال عليه وسلم مع أبي بكر قال تعالى‪) :‬ثاني اثنين إذ هما في الغار( )التوبة‬
‫‪ (40‬هنا قال "اثنين" ولم يقل زوجين‪ ،‬لنهما من الذكور‪.‬‬
‫وعندما قال في سورة النعام‪) :‬ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءالذكرين حرم أم النثيين أما اشتملت عليه أرحام النثيين‬
‫نبوئني بعلم” إن كنتم صادقين( )النعام ‪) .(143‬ومن البل اثنين ومن البقر اثنين قل ءالذكرين حرم أم النثيين أما اشتملت عليه أرحام النثيين ‪..‬‬
‫الية( النعام ‪ .144‬هنا عندما قال "ثمانية أزواج"‪ ،‬والزوج في اللسان العربي لفظة ليس لها مؤنث‪ ،‬فالذكر زوج النثى‪ ،‬والنثى زوج الذكر‪ .‬أما‬
‫عملية القرآن الشرعي بين الذكر والنثى فقد أطلق عليها الكتاب مصطلح "النكاح" فنقول عقد نكاح ول نقول عقد زواج‪ ،‬فالساس في معنى‬
‫الزوجي الطبيعي هو أن الذكر زوج النثى في الوجود ل في العقود‪ ،‬وأي أنثى هي زوج لي ذكر بالخلق‪ .‬وفي هذا قال‪) :‬ل ملك السموات‬
‫والرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا‪ O‬ويهب لمن يشاء الذكور( )الشورى ‪) (49‬أو يزوجهم ذكرانا‪ O‬وإناثا‪ O‬ويجعل من يشاء عقيما‪ O‬إنه عليم‬
‫قدير( )الشورى ‪.(50‬‬
‫اشتملت اليتان على أربع حالت يهب ال فيها أولدا‪ O‬أو ل يهب وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬حالة الناث فقط‪.‬‬
‫‪ - 2‬حالة الذكور فقط‪.‬‬
‫‪ - 3‬حالة الذكور والناث‪.‬‬
‫‪ - 4‬حالة العقم‪.‬‬
‫والحالة التي تعنينا هنا هي الحالة الثالثة‪ .‬فقد استعمل هنا مصطلح "الزوج" بصيغة "يزوجهم" للدللة على اشتراك الجنسين معا‪ O‬في الهبة‬
‫"الذكر" و"النثى"‪ ،‬وهما في هذه الحالة أخ وأخت ولكنهما في الطبيعة من حيث الذكورة والنوثة زوجان‪.‬‬
‫ثم جاء المعنى الثاني للزوج بالمفهوم الجتماعي أي حتى تصبح النثى زوج الذكر اجتماعيا‪ O‬وجب أن يكون هناك عقد نكاح‪ ،‬لذا ظهر مفهوم‬
‫الحلل والحرام في نكاح المحرمات الواردة في اليات "‪ "23-22‬في صورة النساء‪ ،‬وفي الزنا حيث أن المفاهيم هذه اجتماعية إنسانية "أخلق"‬
‫وليست مفاهيم طبيعية وجودية‪.‬‬
‫ويتضح من ذلك لماذا لم يسأل أحد من العرب النبي صلى ال عليه وسلم عن وضع المرأة في الجنة وذلك حين سمعوا اليات التالية‪) :‬كذلك‬
‫وزوجناهم بحور” عين( )الدخان ‪) .(54‬متكئين على سرر مصفوفة” وزوجناهم بحور عين( )الطور ‪) .(20‬ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها‬
‫خالدون( البقرة ‪) .(25‬وأزواج مطهرة ورضوان من ال وال بصير بالعباد( )آل عمران ‪) .(15‬لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظل‪ O‬ظليل‪(O‬‬
‫)النساء ‪) .(57‬هم وأزواجهم في ظلل” على الرائك متكئون( )يس ‪.(56‬‬
‫)ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون( )الزخرف ‪.(70‬‬
‫هذه اليات الواردة والتي ذكر فيها الجنة والزواج كلها قرآن‪ .‬وتتحدث اليات عن الجنة للذكور والناث حيث استعملت ميم الجماعة‪ ،‬وهي في‬
‫اللسان العربي تستعمل للشمول "صيغة جمع" وكذلك عندما يكون المراد أن تشمل اللفظة الذكور والناث معا‪ O‬تأتي صيغة عامة كقوله‪) :‬اهبطوا‬
‫منها جميعا(‪ .‬وقوله )قد أفلح المؤمنون(‪ .‬وقوله‪) :‬يا أيها الذين آمنوا(‪ .‬هنا الهبوط للذكور والناث والمؤمنون للذكور والناث والذين آمنوا‬
‫للذكور والناث‪.‬‬
‫وعندما يريد أن يفرق بين الذكور والناث تأتي دائما‪ O‬صيغة خطاب صريحة )إن المؤمنين والمؤمنات(‪ ،‬فعندما قال‪) :‬كذلك وزوجناهم بحور” عين(‪.‬‬
‫أي أن أهل الجنة من الذكور والناث معا‪ O‬لهم أزواج من حور عين أي أن الحور العين هم من الذكور والناث‪ ،‬فالذكر له من الحور العين أنثى‪،‬‬
‫والنثى لها من الحور العين ذكر‪ .‬وقوله‪) :‬ادخلوا الجنة(‪ ،‬هي أيضا‪ O‬للذكور والناث معا‪ ،O‬و)أزواجكم( للذكور والناث‪ .‬ومن هنا يتبين أن حال‬
‫المرأة في الجنة كحال الرجل تماما‪ ،O‬وعندما يذكر الجنة يستعمل دائما‪ O‬لفظة "أزواج" ول يستعمل نساء أو امرأة أو لفظة رجل أو رجال‪.‬‬
‫إن التفريق بين الزوج على أنه الذكر فقط أو النثى فقط يحدده سياق كل آية‪ ،‬فمثل‪ O‬عندما يذكر ويذكر معه الزوج فهنا تعني النثى كقوله‪) :‬يا أيها‬
‫النبي قل لزواجك(‪ .‬وقوله‪) :‬يا أيها النبي إنا أحلننا لك أزواجك( )الحزاب ‪ .(50‬وقوله‪) :‬يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ال لك تبتغي مرضاة‬
‫أزواجك( )التحريم ‪ .(1‬هنا المخاطب هو النبي صلى ال عليه وسلم فتأتي الزواج إناثا‪.O‬‬
‫وفي قوله‪) :‬ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد( )النساء ‪ .(12‬يقصد بالزواج الناث لقوله‪) :‬إن لم يكن لهن ولد( )النساء ‪.(12‬‬
‫فاستعمل نون النسوة في "لهن" ولو كان يقصد الذكور والناث لقال "إن لم يكن لهم ولد"‪ .‬وكذلك قوله )إن من أزواجكم وأولدكم عدوا‪ O‬لكم‬
‫فاحذروهم( )التغابن ‪ .(14‬هنا أزواجكم يقصد بها الذكور والناث‪.‬‬
‫ولكي يبين أن قانون الزوجية "وهو اقتران شيء بشيء آخر وبالتالي ارتباطه معه بعلقة ما" معمم على الوجود المادي كله قال‪) :‬ومن كل‬
‫شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون( )الذاريات ‪ (49‬وقال‪) :‬سبحان الذي خلق الزواج كلها مما تنبت الرض ومن أنفسهم ومما ل يعلمون( )يس‬
‫‪ .(36‬وهنا استعمل لفظة سبحان لتنزيه ال أن ينطبق عليه قانون الزوجية‪.‬‬
‫فقانون الزوجية هو القانون الثاني الساسي الذي تخضع له جميع الشياء في الكون المادي‪ .‬وقد عبر القرآن الكريم عن العلقة الثنائية بين‬
‫شيئين متميزين بعضهما عن بعض ومتقابلين في أمرنا بمصطلح "الزواج"‪ .‬وهذه العلقة تشمل كل الموجودات في الكون فهي علقة خارجية‬
‫بالنسبة للشيء "الزوج" وللشيء المقابل له "الزوج الخر"‪.‬‬
‫ويؤكد هذا القانون أن الشياء في الكون المادي ل يمكن ل يمكن أن تكون منعزلة بعضها عن بعض‪ ،‬لذا فهي بالضرورة تكون علقة تقابلية مع‬
‫الشياء الخرى في مستويات ل حصر لها‪ .‬وليست الزوجية علقة بين عنصرين ضمن الشيء نفسه‪ ،‬بل هي علقة خارجية بين شيئين متقابلين‬
‫"زوجين" معلومين أو ل يزالن مجهولين‪ .‬ويمكن أن نصفها بأنها علقة تأثير وتأثر متبادل بين شيئين "علقة جدلية بينهما"‪ .‬لذا فإنه ل يصح‬
‫أن نقول بوجود علقة خارجية جدلية بين شيئين إل بعد أن تحدد العلقة التقابلية "الزوجية" بينهما والمستوى التقابلي لهذه العلقة‪.‬‬
‫وتكون العلقة التقابلية الزوجية على مستويات مختلفة بحيث يكون الشيء في علقة جدلية تقابلية مع شيء آخر في مستوى ما‪ ،‬ويكون الشيء‬
‫نفسه في علقة تقابلية جدلية أخرى مع شيء ثالث في مستوى آخر ‪ ..‬وهكذا دواليك‪.‬‬
‫وتجدر الشارة هنا إلى أن الزوجين يوجدان معا‪ O‬في علقة ثنائية تقابلية وبذا يتميزان عن الضدين‪ .‬فالضدان ل يوجدان "ل يلتقيان" معا‪ O‬بل تقوم‬
‫بينهما علقة تعاقبية‪ ،‬ول يكون ذلك في الشياء المادية بل في الظواهر فقط‪.‬‬
‫وهكذا يظهر جليا‪ O‬أن العلقة التقابلية بين زوجين هي علقة خارجية بين شيئين تقوم على التأثير والتأثر المتبادل بينهما‪ .‬وينبني على هذا القانون‬
‫قانون التكيف في الطبيعة‪.‬‬

‫وبذا نكون قد أزلنا اللبس العالق في الذهان بنتيجة الترجمات الفاسدة التي توهم بأن التناقض يمكن أن يكون بين الزوجين "الشيئين المتقابلين"‬
‫أو بأن الزوجين هما ضدان‪.‬‬
‫ونلخص القانون الثاني قانون الزواج أو قانون الثنائية التقابلية في الشياء بما يلي‪:‬‬
‫يقوم على علقة تأثير وتأثر متبادل "بين شيئين متميزين بعضها عن بعض "زوجين" تؤدي إلى التكيف والتلؤم المستمرين هذين الشيئين‪.‬‬
‫والقانون الثاني يعمل في جميع الشياء من خلل علقة خارجية ثنائية تقابلية غير تناقضية بين شيئين متميزين بعضهما عن بعض عن طريق‬
‫التأثير والتأثر المتبادل بينهما‪ .‬وتكون هذه العلقة في مستويات عديدة‪ .‬والصياغة المثلى لهذا القانون وردت في القرآن الكريم‪) .‬ومن كل شيء‬
‫خلقنا زوجين لعلكم تذكرون( )الذاريات ‪.(49‬‬

‫ثالثا‪ :O‬أقوال في الصور والحساب والجنة والنار‬
‫إننا نتبنى النظرية العلمية القائلة بأن ظهور الكون المادي كان نتيجة انفجار هائل أدى إلى تغير طبيعة المادة‪ .‬ونرى أن انفجارا‪ O‬هائل‪ O‬آخر مماثل‬
‫للنفجار الول في حجمه سيؤدي حتما‪ O‬إلى تغير طبيعة المادة وهلك هذا الكون المادي ليحل محله كون "عالم" مادي آخر‪ .‬ويعني ذلك أن هذا‬
‫الكون لم ينشأ "يخلق" من عدم بل من مادة ذات طبيعة أخرى‪ .‬كما أن هذا الكون سيزول ليحل محله كون آخر من مادة ذات طبيعة مغايرة‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الصور‬
‫قلنا أن قانون صراع المتناقضات الداخلي في الشيء نفسه‪ ،‬يؤدي إلى تغير الصيرورة بشكل مستمر وهلك شيء وظهور شيء آخر‪ .‬وهذا‬
‫القانون حتمي ل رد له‪ ،‬ويسير باتجاه واحد فهو لذلك قدر الموجودات كلها الذي يعبر عنه بالتسبيح‪ .‬فالخلق الول بدأ بانفجار كوني هائل حيث‬
‫قال‪) :‬والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر(‪) .‬الفجر ‪ (3-2-1‬حيث أن الفجر هو النفجار الكوني الول‪) ،‬وليال عشر( معناه أن المادة مرت‬
‫بشعر مراحل للتطور حتى أصبحت شفافة للضوء‪ ،‬لذا أتبعها قوله‪) :‬والشفع والوتر( حيث أن أول عنصر تكون في هذا الوجود وهو الهيدروجين‬
‫وفيه الشفع في النواة والوتر في المدار‪ ،‬وقد أكد هذا في قوله‪) :‬وهو الذي خلق السموات والرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم‬
‫يعدلون( )النعام ‪.(1‬‬
‫ويجب أن نميز في خلق الوجود ثلثة أفعال مختلفة‪:‬‬
‫ )خلق السموات والرض( )النعام ‪.(1‬‬‫ )بديع السموات والرض( )البقرة ‪.(117‬‬‫ )فاطر السموات والرض( )فاطر ‪.(1‬‬‫ )قل ال خالق كل شيء وهو الواحد القهار( )الرعد ‪.(16‬‬‫فالخلق هو التصميم ولكن يمكن أن يكون التصميم لشيء له سابقة‪ ،‬أي يمكن لمهندس أن يصمم بيتا‪ O‬قد سبقه إليه أحد وله سابقة‪ .‬ولكي يبين أن‬
‫خلق السموات والرض ليس له سابق‪ ،‬وأنه لول مرة قال‪) :‬بديع السموات والرض( ولكي يبين سبحانه وتعالى أن تصميم السموات والرض‬
‫وابداعهما غير قديمين وأنهما كانتا معا‪ O‬ثم انفصلتا عن بعضهما قال‪) :‬فاطر السموات والرض( وقد أكد أن هذا الفصل حصل بانفجار‪.‬‬
‫لقد سبق أن ذكرنا أن العرش هو المر‪ ،‬ويعني ذلك أن أمر ال كان على أول عنصر تكون في هذا الوجود وهو الهيدروجين "مولد الماء" لذا‬
‫قال‪) :‬وهو الذي خلق السموات والرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء( )هود ‪ (7‬أي كان على العنصر المكون للوجود وهو الهيدروجين‪.‬‬
‫هذا الوجود منذ النفجار الكوني بدأ ينطبق عليه قانون التسبيح "صراع المتناقضات الداخلي في الشيء نفسه" أي أن الذي ل يسبح من الشياء‬
‫ل وجود له‪ .‬وصارت الشياء تتغير من كينونة إلى صيرورة "كان فصار"‪ ،‬وستبقى كذلك إلى أن يحدث تغير مفاجئ في صيرورة المادة الكونية‪.‬‬
‫وهكذا نفهم الية )كما بدأن أول خلق” نعيده( )النبياء ‪.(104‬‬
‫فبداية تكون هذا الكون كان بطفرة "النفجار الول" حيث تعتبر التغير الول في الصيرورة المادية "أي من مادة ذات طبيعة غير معروفة"‪ ،‬هذه‬
‫التغيرات سارية المفعول حتى تحدث طفرة مفاجئة "تغير مفاجئ في الصيرورة الكونية"‪ ،‬طفرة ثانية‪ .‬وقد أورد القرآن القانون الول للجدل‬
‫المادي للبرهان على البعث‪.‬‬
‫لقد عبر القرآن عن الطفرة المفاجئة بعبارة )ونفخ في الصور( )الزمر ‪ .(68‬و"نفخ" في اللسان العربي أصل صحيح يدل على انتفاخ وعلو‪،‬‬
‫ويقال انتفخ النهار أي عل‪ ،‬ومنه "نفخ في النار" وذلك لكي يسرع في إشعالها وتعلو‪ .‬ولفظ "الصور" جاءت من "صير" وهو أصل صحيح‬
‫وتعني المآل والمرجع ومن ذلك صار يصير صيرا وصيرورة‪ ،‬ويقال أنا على صير من أمر أي إشراف على قضائه‪ ،‬وذلك الذي يصار إليه‪.‬‬
‫فالنفخ في الصور تعني التسارع في تغير الصيرورة "المآل" وهذا ما يسمى بالطفرة‪ .‬ويوجد نوعان من التسارع في تغير الصيرورة‪ ،‬عبر عنهما‬
‫بالنفخة الولى للصور والنفخة الثانية‪ .‬والنفخة الولى لها مصطلح خاص هو الساعة‪ .‬وسميت الساعة لن هلك هذا الكون قائم فيها وهي حتمية‬
‫تقتضيها بنية هذا الكون المادي الثنائي‪ .‬وقد جاءت الساعة من "سوع" وهو استمرار الشيء "‪ "1‬ومضيه "‪ 1" ،"1‬و ‪ "2‬هما العنصران‬
‫المتناقضات داخليا‪ O‬في الوجود المادي للكون أي أن يستمر على ما هو عليه أو ينتهي‪ ،‬وإنتهاؤه يكون عن النفخة الولى في الصور"‪.‬‬
‫فقولنا جاءنا بعد سوع” من الليل وسواع” أي بعد هدء منه‪ ،‬وذلك أنه شيء يمضي ويستمر‪ .‬فالساعة تدل على مضي واستمرار معا‪ ،O‬فالمستمر هو‬
‫الوجود المادي‪ ،‬والمضي هو انتهاء عمل قوانين المادة السائدة في هذا الكون ليحل محلها عمل قوانين جديدة في كون مادي آخر‪ .‬وبمعنى الهدوء‬
‫والمضي جاء قوله تعالى )ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة”( )الروم ‪ (55‬ومنه نستنتج أن عذاب القبر بالمفهوم السائد ل‬
‫وجود له‪ .‬ففي المعنى الول للساعة يقول )يوم تقوم الساعة(‪ .‬وهو النفجار‪ ،‬المضي بعد الهدوء‪ .‬والمعنى الثاني الهدوء والستمرار لفترة زمنية‬
‫في قوله )يقسم المجرمون لما لبثوا غير ساعة”(‪.‬‬
‫وهكذا نفهم اليات‪:‬‬
‫ )ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الرض إل من شاء ال ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون( )الزمر ‪.(68‬‬‫ )يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم( )الحج ‪.(1‬‬‫ )إن الساعة لتية ل ريب فيها ولكن أكثر الناس ل يؤمنون( )غافر ‪.(59‬‬‫ )أل إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلل بعيد( )الشورى ‪.(18‬‬‫ )ويوم تقوم الساعة يومئذ” يخسر المبطلون( )الجاثية ‪.(27‬‬‫ )يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ل يجليها لوقتها إل هو ثقلت في السموات والرض ل يأتيكم إل بغتة‪ O‬يسألونك كأنك‬‫حفي عنها قل إنما علمها عند ال ولكن أكثر الناس ل يعلمون( )العراف ‪.(187‬‬
‫ففي آية العراف ‪ 187‬جاءت الساعة بمعنى المضي يقول‪) :‬أيان مرساها( وجاءت بمعنى أن الساعة موجودة في طبيعة المادة الكونية‬
‫"العنصران المتناقضان والمتصارعان هما المضي والستمرار"‪) .‬ثقلت في السموات والرض(‪ .‬ولبيان أنها تسارع مفاجئ في تغير الصيرورة‬

‫جاء قوله )ل تأتيكم إل بغتة‪ (O‬ولبيان أن توقيتها ل يعلمه إل ال جاء قوله )قل إنما علمها عند ال( )الحزاب ‪ (63‬وقوله )إن ال عنده علم‬
‫الساعة( )لقمان ‪ (34‬وقوله‪) :‬ل يجليها لوقتها إل هو(‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬إليه يرد علم الساعة(‪) .‬فصلت ‪ (47‬وقوله‪) :‬إن الساعة آتية أكاد أخفيها(‪) .‬طه ‪ (15‬هنا أخفيها جاءت بمعنى أظهرها لن فعل "خفي"‬
‫في اللسان العربي هو من أفعال ال¯ضداد‪.‬‬
‫ويجب أن نلحظ أمرا‪ O‬هاما‪ O‬جدا‪ ،O‬وهو أن قيام الساعة ل يعني انتهاء حياة الشمس بشكل طبيعي أن انطفاءها حيث أن انطفاءها عبارة عن ظاهرة‬
‫فلكية طبيعية "ول تحصل بغتة"‪ .‬فإذا كان الحال كذلك فهذا يعني أن الحياة ستنتهي على الرض قبل انطفاء الشمس بمدة طويلة‪ ،‬ولكن وصف‬
‫القرآن للساعة يدل على أنه ستكون هناك حياة على الرض كقوله )ل تأتيكم إل بغتة‪.(O‬‬
‫وقوله‪) :‬يوم ترونها تذهل كل مرضع ”ة عما أرضعت( )الحج ‪ (2‬والنسان عند قيام الساعة يكون قد وصل إلى وضع من التطور والتقدم العلمي‬
‫بحيث يظن نفسه أنه أصبح ربا متصرفا‪ O‬في ظواهر الوجود وذلك في قوله تعالى )إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات‬
‫الرض مما يأكل الناس والنعام حتى إذا أخذت الرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليل‪ O‬أو نهارا‪ O‬فجعلناها حصيدا‬
‫كأن لم تغن بالمس كذلك نفصل اليات لقوم” يتفكرون( )يونس ‪.(24‬‬
‫هنا نلحظ مرة أخرى كيف ربط قانون التطور وتغير الصيرورة بقيام الساعة وأن علمة الساعة المباشرة هي وصول النسان إلى درجة م‬
‫التطور يظن نفسه أنه أصبح ربا‪ .‬وقد وصف القرآن الساعة وخراب الكون الحالي في أماكن كثيرة كقوله )إذا زلزلت الرض زلزالها * وأخرجت‬
‫الرض أثقالها وقال النسان مالها * يومئذ” تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها( )الزلزلة ‪ (5-1‬وقوله‪) :‬يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة(‬
‫)النازعات ‪ (7-6‬وقوله )فإذا النجوم طمست * وإذا السماء فرجت * وإذا الجبال نسفت * وإذا الرسل أقتت * لي يوم أجلت * ليوم الفصل(‬
‫)المرسلت ‪ .(13-8‬والفصل هو فصل قانون صراع المتناقضات عن الوجود المادي‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البعث والحساب‬
‫ظهر النسان على الرض بعد مليارات السنين من النفجار الكوني الول وحصلت تغييرات كثيرة في الصيرورة حتى ظهر البشر ثم النسان‪،‬‬
‫وسيستمر هذا الكون متغير الصيرورة حتى يهلك الشكل الحالي للكون‪ ،‬هذا الهلك هو بداية لتشكيل كون مادي آخر بقوانين جديدة للمادة‪،‬‬
‫فتحصل تغييرات جديدة في الصيرورة حتى يستقر ويصبح كونا‪ O‬جديدا‪ O‬بمادة خالية من صراع المتناقضات الداخلية في الشيء الواحد‪ .‬لذا ل يوجد‬
‫في الكون الجديد ل ولدة ول موت‪ ،‬وتختفي ظاهرة التطور وتظهر حركة للمادة من نوع آخر وعلقات أخرى‪ ،‬ويبقى عمل القانون الثاني للجدل‬
‫التأثير والتأثر المتبادل بين الشياء "الزواج"‪.‬‬
‫ففي الجنة يوجد أزواج وفي النار يوجد أزواج‪ .‬أما الجنة والنار فليسا زوجين حيث ل يوجد علقات متبادلة بينهما بل يوجد أزواج في كل منهما‪،‬‬
‫أي أن هناك قانون تأثير وتأثر متبادل من نوع جديد مع اختفاء قانون صراع المتناقضات‪ ،‬لذا ففي الجنة والنار حركة من نمط آخر ولكن ل يوجد‬
‫تسبيح وجود‪.‬‬
‫لقد عبر القرآن عن الطفرتين بآية واحدة بقوله )ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الرض إل من شاء ال ثم نفخ فيه أخرى فإذا‬
‫هم قيام ينظرون( )الزمر ‪ (68‬لحظ في النفخة الولى وقوله‪) :‬فصعق من في السموات ومن في الرض( و"من" للعاقل لذا أتبعها بقوله )إل من‬
‫شاء ال( ومن العاقل المستثنى من هذه الصعقة هو ابليس لقوله تعالى )قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم‬
‫الوقت المعلوم( )الحجر ‪ .(38-37-36‬وعبر عن النفخة الثانية )ثم نفخ فيه أخرى(‪.‬‬
‫لحظ كيف وضع بين الولى والثانية الداة "ثم" حيث فيها التعاقب مع التراخي‪.‬‬
‫الن لنأخذ اليات التالية ونرى عن أية طفرة "تغيير في الصيرورة" تتكلم‪:‬‬
‫ )قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور( )النعام ‪ (73‬هنا الصيرورة الولى والثانية جاءت الصور اسم جنس‪.‬‬‫ )ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا‪) (O‬الكهف ‪ (99‬الصيرورة الثانية‪.‬‬‫ )فإذا نفخ في الصور فل أنساب بينهم يومئذ” ول يتساءلون( )المؤمنون ‪ (101‬الصيرورة الثانية‪.‬‬‫ )ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد( )ق ‪ (20‬الصيرورة الثانية‪.‬‬‫ )فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة( )الحاقة ‪ (13‬الصيرورة الولى لنه أتبعها بقوله )وحملت الرض والجبال فدكتا دكة‪ O‬واحدة‪) (O‬الحاقة ‪.(14‬‬‫ )فيومئذ” وقعت الواقعة( )الحاقة ‪) .(154‬وانشقت السماء فهي يومئذ واهية( )الحاقة ‪.(16‬‬‫ )يوم ينفخ في الصو فتأتون أفواجا‪) (O‬النبأ ‪ (18‬النفخة الثانية حيث أتبعها بقوله )فتأتون أفواجا‪ (O‬إذ وضع وصفا‪ O‬جديدا‪ O‬للسماء )وفتحت السماء‬‫فكانت أبوابا( )النبأ ‪ .(19‬ووصف الوضع السابق للجبال )وسيرت الجبال فكانت سرابا‪) (O‬النبأ ‪.(20‬‬
‫لقد وصف ال البعث بالخروج من الموت إلى الحياة بقوله )والذي نزل من السماء ماء بقدر” فأنشرنا به بلدة‪ O‬ميتا‪ O‬كذلك تخرجون( )الزخرف ‪.(11‬‬
‫وقوله‪) :‬يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الرض بعد موتها وكذلك تخرجون( )الروم ‪) .(19‬رزقا‪ O‬للعباد وأحيينا به بلدة‪ O‬ميتا‬
‫كذلك الخروج( )ق ‪ .(11‬هنا في الية ‪ 19‬في سورة الروم وضع الخراج متكافئا‪ O‬بين الحي والميت حيث قال )يخرج الحي من الميت ويخرج‬
‫الميت من الحي(‪ .‬لنه يصف يوم الخروج حيث ل قضاء للنسان في ذلك اليوم لذا قال )له الملك يوم ينفخ في الصور( للدللة على انتهاء تدخل‬
‫النسان وقضائه‪ .‬أي أن البعث هو خروج الناس من الموت إلى الحياة بكينونة مادية جديدة ل تغير في صيرورتها‪.‬‬
‫قد يسأل سائل‪ :‬وهل بعد أن يفنى النسان ويصبح ترابا‪ O‬سيعاد تكوينه؟ الجواب‪ :‬نعم‪ .‬هنا يجب أن نميز بين نوعين من النفس‪ :‬النفس التي تموت‬
‫وهي النفس البشرية وهي التي تتحول إلى تراب والتي قال عنها )وما كان لنفس” أن تموت إل بإذن ال كتابا‪ O‬مؤجل‪) (O‬آل عمران ‪ (145‬والنفس‬
‫التي تتوفى والتي قال عنها )ال يتوفى النفس حين موتها والتي لم تمت في منامها( )الزمر ‪.(42‬‬
‫فالنفس التي تموت والتي نقول عنها "الجسد" عبارة عن تحول مادي عضوي بحت‪ ،‬فعند الموت يبدأ التحلل للمواد العضوية المكونة لهذه‬
‫النفس‪ ،‬حيث أن هذه النفس مجموعة من المواد المركبة بعضها إلى بعض ضمن نسب محددة والتركيب المادي للنفس ل يعتبر عين الذرات‬
‫المركبة لها‪ ،‬ولكن هو مجموعة من النسب المادية مربوط بعضها ببعض‪ .‬وهذا واضح بأننا نطرح الفضلت الغازية والسائلة والصلبة ونحرق في‬
‫الجسم ما نحرق ثم نعوض بالتغذية المواد المفقودة بحيث نأخذ ونعطي دائما‪ .‬فالمهم هو التركيب النسبي للمواد وليس عين المواد‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجنة والنار لم توجدا بعد واستقرار النقيضين فيهما‬
‫الجنة والنار ستظهران على أنقاض هذا الكون‪:‬‬
‫هناك قول شائع جدا‪ ،O‬وبنفس الوقت خاطئ جدا‪ O‬بأن الجنة والنار‪ ،‬أي جنة المتقين ونار الكافرين موجودتان الن وأنهما تنتظران يوم البعث‪ .‬وهذا‬
‫غير صحيح طبقا‪ O‬للنص القرآني حيث أن الجنة والنار ستشكلن على أنقاض هذا الكون بعد النفخة الولى‪ .‬وحتى يحين وقت النفخة الثانية الذي‬
‫سيحصل فيها البعث‪ ،‬تكون الجنة والنار جاهزتين‪.‬‬
‫ولكن يجب علينا أن نعلم أن الوجود في الكون الجديد هو وجودي مادي سيتشكل على أنقاض هذا الوجود بقوانين جديدة للمادة يختفي فيها‬
‫القانون الول‪ ،‬صراع المتناقضات الداخلي في الشيء الواحد "التسبيح"‪ ،‬وينتهي التطور لذا سمى الخرة دار القرار )يا قوم إنما هذه الحياة‬

‫الدنيا متاع¡ وإن الخرة هي دار القرار( )غافر ‪ (39‬وذلك بانتهاء قانون "كل شيء هالك" ليحل محله قانون "كل شيء خالد" الذي عبر عنه‬
‫بمصطلح الخلود‪ .‬ويبقى قانون الزواج‪ ،‬التأثير والتأثر المتبادل بين الشياء‪ ،‬ولكنه يكون من نمط آخر‪ .‬ففي الجنة أزواج )هم وأزواجهم( وفي‬
‫النار أزواج )واخر من شكله أزواج( )ص ‪ .(58‬وفي الجنة طعام وجماع وأنهار ‪ ..‬وهكذا دواليك ولكنها ذات كيفية أخرى‪.‬‬
‫أول‪ :O‬لنبحث كيف ذكر القرآن أن الجنة والنار لم تظهرا بعد‪.‬‬
‫قبل أن ندخل في هذا البحث علينا أن نعرف الجنة والنار وكيف جاء ذكهما في القرآن بشكل متشابه‪.‬‬
‫فلفظة الجنة في اللسان العربي من "جنن" وهذا الفعل يعني التغطية والستر كقوله )فلما جن عليه الليل( )النعام ‪ (76‬أي غطى الظلم الرض‬
‫ومنها جاءت كلمة المجنون وهو النسان الذي صار على عقله غطاء‪ ،‬ومنها جاء معنى الجن أي مخلوقات مغطاة عن أبصارنا ل نراها‪ .‬وجاءت‬
‫هذه اللفظة في القرآن للدللة على الجنة في الدنيا أو في الخرة حسب سياق الية‪ .‬فالجنة هي أرض مغطاة بأشجار وأغصان وما شابه ذلك ولها‬
‫معنى إيجابي دائما‪ .‬فالبستان المشجر المزروع يقال له جنة‪ ،‬وقد وردت بهذا المعنى في قوله )واضر له مثل‪ O‬رجلين جعلنا لحدهما جنتين من‬
‫أعناب( )الكهف ‪ .(32‬وقوله )وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خميط( )سبأ ‪ (16‬وقوله )أو تكون لك جنة من نخيل وعنب( )السراء ‪(91‬‬
‫وقوله )أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها( )الفرقان ‪ (8‬وقوله )ودخل جنته وهو ظالم لنفسه( )الكهف ‪.(35‬‬
‫وقوله )فأنشأنا لكم به جنات” من نخيل وأعناب(‪) .‬المؤمنون ‪ (19‬وقوله )فأخرجناهم من جنات” وعيون”( )الشعراء ‪ (57‬وقوله )وهو الذي أنشأ‬
‫جنات” معروشات” وغير معروشات( )النعام ‪ .(141‬هنا نلحظ كيف أطل لفظ الجنة على حالت دنيوية طبيعية وهكذا يجب أن نفهم جنة آدم حيث‬
‫أنها تختلف عن جنة المتقين‪ .‬إن وصف جنة المتقين في القرآن والتي لم تتكون بعد يختلف عن وصف جنة آدم التي ذكرها في قوله‪) :‬إن لك أل‬
‫تجوع فيها ول تعرى( )طه ‪) .(118‬وأنك ل تظمأ فيها ول تضحى( )طه ‪ .(119‬لقد أخبرنا القرآن بأن البشر ظهر على الرض وأنه كان يعيش في‬
‫منطقة غابات وفي المناطق الحارة حيث أن اليتين ‪ 118‬و ‪ 119‬في سورة طه ل تصفان أكثر من غابة "وسنفصل القول في هذا حين الحديث عن‬
‫آدم ونشأة الكلم النساني"‪.‬‬
‫أما جنة المتقين فيصفها وصفا‪ O‬آخر تماما‪ O‬حيث فيها الخلود بقوله "خالدين فيها" وتختفي ظاهرة الموت حيث تظهر هذه الجنة في كون آخر هي‬
‫والنار‪ ،‬حيث ل جدل بينهما ول توجد بينهما علقات متبادلة لقوله )ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم‬
‫ال قالوا إن ال حرمهما على الكافرين( )العراف ‪.(50‬‬
‫ولفظة "النار" جاءت في القرآن للدللة على النار في الدنيا أو في الخرة حسب سياق الية‪ ،‬وأحيانا‪ O‬تأتي معرفة كاسم جنس‪ ،‬وهي دنيوية كقوله‬
‫)ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية” أو متاع( )الرعد ‪ .(17‬جاءت النار هنا معرفة وهي تعني نار الفران العالية المستعملة لصهر المعادن‪،‬‬
‫وأحيانا‪ O‬تأتي نكرة مقصودة‪) :‬قلنا يا نار كوني بردا‪ O‬وسلما‪ O‬على إبراهيم( )النبياء ‪ (69‬هنا نار إبراهيم‪ .‬وأحيانا‪ O‬تأتي غير معرفة كقوله )مما‬
‫خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا( )نوح ‪ (25‬هنا )فأدخلوا نارا‪ (O‬تعني نارا‪ O‬في الدنيا وليس في الخرة‪ .‬أما نار الخرة ففيها الخلود للكافرين‪.‬‬
‫لنورد الن الدلة على أن الجنة والنار لم توجدا بعد‪ ،‬وإنما ستوجدان على أنقاض هذا الكون بين الطفرة الولى "تغير الصيرورة عند النفخة‬
‫الولى للصور" وبين الطفرة الثانية "النفخة الثانية للصور"‪.‬‬
‫ )يوم تبدل الرض غير الرض والسموات وبرزوا ل الواحد القهار( )ابراهيم ‪.(48‬‬‫ )ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الرض إل من شاء ال ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون(‪) .‬الزمر ‪.(68‬‬‫ )وأشرقت الرض بنور بها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم ل يظلمون( )الزمر ‪.(69‬‬‫ )ويوم نسير الجبال وترى الرض بارزة‪ O‬وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا‪) (O‬الكهف ‪.(47‬‬‫ )وتركنا بعضهم يومئذ” يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا‪) (O‬الكهف ‪.(99‬‬‫ )وعرضنا جهنم يومئذ” للكافرين عرضا‪) (O‬الكهف ‪.(100‬‬‫ )وسارعوا إلى مغفرة” من ربكم وجنة” عرضها السموات والرض أعدت للمتقين( )آل عمران ‪.(133‬‬‫ )سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة” عرضها كعرض السماء والرض أعدت للذين آمنوا بال ورسله ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء وال ذو‬‫الفضل العظيم( )الحديد ‪.(21‬‬
‫ )وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والرض إل ما شاء ربك عطاء‪ O‬غير مجذوذ”( )هود ‪.(108‬‬‫ )فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق( )هود ‪.(106‬‬‫ )خالدين فيها ما دامت السموات والرض إل ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد( )هود ‪.(107‬‬‫ )وقالوا الحمد ل الذي صدقنا وعده وأورثنا الرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العالمين( )الزمر ‪.(74‬‬‫لقد دلت اليات الواردة أعله على أنه سيحصل تبديل في السموات والرض أي سيكون هناك سموات وأرض جديدة بقوانين مادية جديدة بقوله‬
‫)يوم تبدل الرض غير الرض والسموات( )ابراهيم ‪ (48‬وقوله )وعرضنا جهنم يومئذ” للكافرين عرضا‪) (O‬الكهف ‪ .(100‬وهنا يجب أن نفهم قوله‬
‫)عرضها السموات والرض( )آل عمران ‪ .(133‬فلفظة )عرضها( جاءت من )عرض( ومنها جاء العرض والمعرض والعراض فنقول هنا‬
‫عرض عسكري‪ ،‬فعرض الشيء هو إظهاره بشكل جلي‪ ،‬وهكذا نفهم )جنة” عرضها السموات والرض( )آل عمران ‪.(133‬‬
‫أي أن السموات والرض الجديدة هي المكان الذي ستعرض فيه الجنة أو هي عين عرض الجنة‪ ،‬وكذلك النار بقوله )وعرضنا جهنم( )الكهف‬
‫‪ .(100‬وهنا يجب أن ل نفهم بأن )عرضها السموات والرض( )آل عمران ‪ .(133‬على أساس أن العرض هو البعد الصغر والطول هو البعد‬
‫الكبر‪ ،‬فتصبح الية ل معنى لها وغير مترابطة حيث أن أبعاد الوجود ليست الطول والعرض فل نقول طول الكون وعرض الكون‪.‬‬
‫أما قوله )سابقوا إلى مغفرة” من ربكم وجنة” عرضها كعرض السماء والرض( )الحديد ‪ .(21‬هنا استعمل كاف التشبيه‪ ،‬والسماء بشكل مفرد‬
‫للدللة على الجنس ل العدد أي أننا حين ننظر فنرى السماء والرض كجنس فهنا يشرح طريقة العرض )جنس العرض( أي أن العرض هو عرض‬
‫مادي كعرض السماء والرض الحاليين وكذلك قوله )يقولون أإنا لمردودون في الحافرة( )النازعات ‪ (10‬والحافرة هي عود على بدء وقوله‬
‫)فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة(‬
‫)النازعات ‪ (154-13‬الساهرة هي مصطلح في اللسان العربي يطلق على كل أرض )ابن فارس(‪.‬‬
‫أما الية ‪ 108‬في سورة هود فقد ذكر أهل الجنة والخلود فيها آية واحدة للدللة على أن الدخول إلى الجنة والخلود فيها مرتبطان بعضهما ببعض‬
‫فل إقامة مؤقتة في الجنة‪ ،‬أما فيما يتعلق بالنار فقد فصل أصحاب النار عن الخلود فيها )لحظ أهمية مواقع النجوم( وذلك لكي يبين أن الدخول‬
‫إلى النار شيء والخلود فيها شيء آخر‪ ،‬فليس كل من يدخل النار سيخلد فيها لذا فصل أصحاب النار عن الخلود فيها‪ ،‬كل في آية على حدة‪،‬‬
‫أصحاب النار في الية ‪ 106‬والخلود فيها في الية ‪ ،107‬وهذا يبين لنا فهم أهمية مواقع النجوم بين اليات‪.‬‬
‫هنا يكمن الدليل القرآني على أنه ليس كل من يدخل النار سيخلد فيها‪ .‬وفي نهاية آية الجنة قال )عطاء‪ O‬غير مجذوب( للدللة على وضوح وثبات‬
‫الثواب‪ ،‬وأما بالنسبة للنار قال )إن ربك فعال لما يريد( للدللة على احتمال المغفرة أو ثبات العذاب‪.‬‬
‫‪ -2‬استقرار النقيضين في الجنة والنار‪:‬‬
‫لقد وصف ال سبحانه وتعالى الدنيا بأنها )متاع الغرور( )آل عمران ‪ -185‬الحديد ‪ (20‬أي أن متاع الدنيا متاع زائل لنه هالك أي متغير في‬
‫الصيرورة باستمرار ينتقل من شكل لخر والغرور من )غرر( وتعني في اللسان العربي عدم النضج )النقصان( كأن نقول دورة أغرار‪ ،‬وفلن ما‬

‫زال غرا‪ ،‬أي ناقص الخبرة ومنها جاء الغرور‪.‬‬
‫أما الجنة )فأكلها دائم( ومتاعها باق )وفاكهة” كثيرة” * ل مقطوعة” ول ممنوعة”( )الواقعة ‪.(33-32‬‬

‫اليوم‬
‫الخر‬

‫المجتمع الدنيوي‬
‫‪ - 1‬وجود ظاهرة العمل والراحة‪.‬‬
‫‪ - 1‬اختفاء ظاهرة العمل )قطوفها دانية( )الحاقة ‪) (23‬وذللت قطوفها تذليل‪) (s‬النسان ‪) (14‬وفاكهة كثيرة * ل‬
‫مقطوعة ول ممنوعة( )الواقعة ‪) (33-32‬متكئين عليها متقابلين( )الواقعة ‪) (16‬ل يمسهم فيها نصب وما هم منها‬
‫بمخرجين( )الحجر ‪) (48‬ل يمسنا فيها نصب ول يمسنا فيها لغوب( )فاطر ‪.(35‬‬
‫‪ - 2‬وجود ظاهرة الصحة والمرض‪.‬‬
‫‪ - 2‬اختفاء ظاهرة المرض )وإن الدار الخرة لهي الحيوان( )العنكبوت ‪ (64‬والحيوان هنا ضم )موتان(‪ ،‬وهي من‬
‫الحيوية‪.‬‬
‫‪ - 3‬وجود ظاهرة الخير والشر في العمل النساني‪.‬‬
‫‪ - 3‬اختفاء ظاهرة الشر )ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا‪ s‬على سرر متقابلين( )الحجر ‪.(47‬‬
‫‪ - 4‬وجود ظاهرة الحرب والسلم‪.‬‬
‫‪ - 4‬الجنة دار السلم والنار دار الخصام )إن ذلك لحق تخاصم أهل النار( )ص ‪.(64‬‬

‫قد يقول البعض أن مواصفات الجنة يمكن تحقيقها في الحياة الدنيا‪ .‬أقول هذا مستحيل للسبب التالي‪:‬‬
‫إن قوانين المادة الحالية في كوننا )التي تخضع لقانون صراع المتناقضات الداخلي الذي يؤدي إلى تغير في الصيرورة باستمرار( ل تسمح أبدا‬
‫بقيام مجتمع كهذا لن أي مجتمع دنيوي له تناقضاته الخاصة به والتي تؤدي إلى تطوره أي هلكه وعدم ثبات الصيغة فيه بقوله تعالى )وإن من‬
‫قرية إل نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا‪ O‬شديدا‪ O‬كان ذلك في الكتاب مسطورا( )السراء ‪.(58‬‬
‫ولن ذلك المجتمع يحتاج إلى قاعدة مادية تقوم على قوانين مادية تختلف عن قوانين المادة الحالية في كوننا‪ .‬فظاهرة العمل والراحة والصحة‬
‫والمرض والخير والشر ل يمكن أن تختفي ضمن القوانين الحالية في كوننا‪ ،‬ففي القوانين الحالية تعطي شجرة التفاح موسما‪ O‬واحدا‪ O‬في السنة أو‬
‫اثنين أو ثلثة‪ ،‬أما تفاح الجنة فإنه كلما قطفته فإنه يخلف مباشرة‪ .‬فشجرة تفاح واحدة من تفاح الجنة تكفي أهل الرض جميعا‪.O‬‬
‫ول يمكن أن يحصل هذا إل بتغير قوانين المادة‪ ،‬هذا التغيير في القوانين المادية يوضحه قوله تعالى )لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد( )ق ‪.(35‬‬
‫هذا من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى فإن محتوى التفاح في الجنة يتغير عن محتواه في الدنيا‪ ،‬وأهل الدنيا يرون التفاح ويعلمون أن هذا تفاح ولكن‬
‫عند المذاق يختلف عن تفاح الدنيا لذا قال سبحانه وتعالى )كلما رزقوا منها من ثمرة” رزقا‪ O‬قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأوتوا به متشابها‪(O‬‬
‫)البقرة ‪ (25‬والتشابه كما قلت ثبات الشكل وتغير المحتوى‪ ،‬أي كلما أكل واحد من أهل الجنة تفاحة يرى طعمها مختلفا‪ O‬عن أي تفاحة أخرى ‪..‬‬
‫وهكذا دواليك أي أن هناك تفاحا‪ O‬واحدا‪ O‬ومليارات الحتمالت م الطعم والنكهة للتفاح‪.‬‬
‫كما نستنتج أنه في الكون الجديد والقوانين الجديدة للمادة بعد النفخة الثانية في الصور ل يوجد تسبيح للشياء حيث ل ولدة ول موت ول تغير‬
‫في الصيرورة‪ .‬واليات الوحيدة في التسبيح في اليوم الخر هي عن الملئكة فقط في قوله تعالى )وترى الملئكة حافين من حول العرش يسبحون‬
‫بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد ل رب العالمين( )الزمر ‪ (75‬أن نهاية العرض والحساب ودخول الناس إلى الجنة والنار وثبات‬
‫الشياء ختم بقوله )الحمد ل رب العالمين( وبدئ الكتاب بقوله ‪:‬‬
‫)الحمد ل رب العالمين( )الفاتحة ‪ -1‬يونس ‪ -10‬الصافات ‪ -182‬الزمر ‪ (75‬وبدئ الخلق بقوله )الحمد ل الذي خلق السموات والرض( )النعام‬
‫‪ (1‬وهكذا نرى أن هناك حمدا‪ O‬في الدنيا وحمدا‪ O‬في الخرة لقوله تعالى‪) :‬له الحمد في الولى والخرة( )القصص ‪ .(70‬وورد تسبيح العاقل في‬
‫الجنة في قوله )دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلم وأخر دعواهم أن الحمد ل رب العالمين( )يونس ‪ (10‬فالتسبيح في اليوم الخر‬
‫للناس فقط ل للشياء )أي تسبيح شكر ل تسبيح وجود( وهكذا فإن طبيعة المادة وتركيبها في الكون الجديد تسمح برؤية ال سبحانه وتعالى حيث‬
‫تسبيح العاقل في اليوم الخر تنزيه عاقل ل‬

‫الفصل الثاني‬
‫جدل النسان والمعرفة النسانية‬
‫تمهيد في جدل النسان )الرحمن والشيطان(‬

‫لقد ميز القرآن الكريم جدل‪ O‬خاصا‪ O‬بالنسان في قوله‪) :‬ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل” وكان النسان أكثر شيء جدل‪) (O‬الكهف ‪.(54‬‬
‫فإذا كان هناك جدل للشياء المادية فإن هذا الجدل ينطبق على النسان لكونه كائنا‪ O‬حيا‪ O‬ماديا‪ O‬أي بشرا‪ ،O‬لذا قال )وكان النسان أكثر شيء جدل‪.(O‬‬
‫أي أن هناك جدل‪ O‬خاصا‪ O‬بالنسان ل يوجد لغيره من الشياء وهذا الجدل هو جدل الفكر حيث أن النسان يتميز عن بقية الشياء بأنه كائن عاقل‬
‫مفكر لذا فإن جدل النسان والمعرفة النسانية في القرآن يقوم على المبدأ التالي‪:‬‬
‫إن الحق والباطل "الحقيقة والوهم" في الفكر النساني ملتبسان في علقة جدلية ل تتوقف بحيث يفرز الحق عن الباطل لفترة معينة ثم يعود هذا‬
‫اللتباس من جديد أشكال جديدة‪ ،‬فيحتاج إلى فك جديد وهكذا دواليك إلى أن يرث ال الرض ومن عليها‪.‬‬
‫لقد مثل ال التباس الحق والباطل بالماء الذي يشوبه التلوث فهو بحاجة إلى فرز وتنقية ليعود صافيا‪ ،O‬وبالحديد الذي يوجد في الطبيعة على شكل‬
‫فلزات فتقوم الفران العالية الحرارة بفرز الحديد عن الخبث‪.‬‬
‫)أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا‪ O‬رابيا‪ O‬ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية” أو متاع” زبد¡ مثله كذلك يضرب ال‬
‫الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الرض كذلك يضرب ال المثال( )الرعد ‪" (17‬نوع الية‪ :‬قرآن"‪.‬‬
‫نلحظ كيف جعل القرآن أساس المعرفة النسانية هو الفصل الدائم بين الحق والباطل المرتبطين ببعضهما بعلقة تناقضات جدلية‪ .‬ومهمة المعرفة‬
‫هي تفريق الحقيقي عن الوهمي لذا قال لبني إسرائيل )ول تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون( )البقرة ‪ (42‬أي بعد تفريق الحق‬
‫عن الباطل يجب أن ل نلبسهما معا‪ O‬مرة أخرى لذا علق في نهاية الية بقوله‪) :‬وأنتم تعلمون(‪.‬‬
‫لقد فصل النبي صلى ال عليه وسلم بين الحق والباطل عند العرب في القرن السابع ومن جراء فك اللتباس هذا حصلت الحرب الهلية "حيث أن‬
‫الباطل ينسف والخطأ يصحح" وتأسست الدولة العربية السلمية بانطلقتها الجبارة‪ ،‬حيث فرز النبي صلى ال عليه وسلم أوهام الجاهلية‬
‫والوثنية عن الحقيقة الموضوعية في الفكر العربي المعرفي ثم السياسي في القرن السابع‪ ،‬ثم عاد اللتباس مرة أخرى بأشكال جديدة‪ ،‬وما علينا‬
‫نحن العرب والمسلمين إل أن نفك هذا اللتباس من جديد في القرن العشرين حيث نفهم من قول النبي صلى ال عليه وسلم )إن الحلل بين وإن‬
‫الحرام بين( انظر صحيح مسلم م ‪ 3‬ص ‪ 1219‬ولم يقل أبدا‪ O‬إن "الحق بين والباطل بين" فالزنا يفهمه عمر كما نفهمه نحن‪ ،‬أما الوهام التي‬
‫كانت عند عمر في الجاهلية والنتقال إلى الحقيقة يختلف تماما‪ O‬عن الوهام التي نعيشها نحن والحقيقة التي نريد أن ننتقل إليها‪.‬‬
‫ولو كان الحق بينا‪ O‬والباطل بينا‪ O‬دون التباس بعلقة جدلية لكفى للنسانية جمعاء نبي واحد لتبيان الحق والباطل مرة واحدة وإلى أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫وهنا تكمن مهمة الفلسفة وبناتها العلوم جميعا‪ O‬بفك الرتباط الدائم حيث أن مهمة الفلسفة والعوم ل تنتهي إلى أن يرث ال الرض ومن عليها‪.‬‬
‫هنا تظهر أهمية نظرية المعرفة النسانية بالفك المستمر لللتباس وقد أعطى القرآن أسس نظرية المعرفة النسانية أي أسس فك اللتباس بين‬
‫الحق والباطل حيث أن أسس نظرية المعرفة النسانية هي من القرآن )النبوة( وليست من أم الكتاب "الرسالة" "العلماء ورثة النبياء"‪.‬‬
‫وبالستناد إلى نظرية المعرفة في القرآن نجيب على السئلة التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬ما هي نظرية المعرفة النسانية؟‬
‫هي فك اللتباس بين الحقيقة الموضوعية والوهم "الحق الباطل" وذلك بإدراك العالم الموضوعي الرحماني "الحقيقة" على ما هو عليه حيث أن‬
‫وجود الشياء خارج الوعي هو عين حقيقتها‪ ،‬فالمعرفة النسانية تبدأ بالمشخص الجزئي وتنتهي بالمجرد العقلي والذي يسمى بالقوننة "الكلي"‬
‫وهي التي مكنت النسان من تسخير الشياء لمصلحته فهي عملية انتقال مستمر من عالم الغيب إلى عالم الشهادة‪.‬‬
‫‪ - 2‬ما المقصود بموضوعية المعرفة النسانية؟‬
‫هو أن الصور الموجودة في الذهان يجب أن تكون مطابقة للشياء الموجودة في العيان "خارج الوعي" حيث أنه ليس من الضروري أن تكون‬
‫الصور الموجودة في الذهان مطابقة للشياء الموجودة في العيان وهنا يكمن اللتباس الساسي بين الحق والباطل أي بين التصديق والتصور‪.‬‬
‫أي يجب أن تكون التصورات والتصديقات متطابقة فإذا كان لدينا تصور ما عن الحياة ونظرنا إلى الحياة فوجدناها غير ذلك فما علينا إل أن نعدل‬
‫هذه التصورات لكي نجعلها مطابقة للتصديقات‪ .‬وإن مصداقية هذه المطابقة هي في مقدار طواعية هذه الموجودات لرادة النسان وبتعبير آخر‬
‫هي في مقدار استجابة هذه الموجودات لتكون مسخرة له‪.‬‬
‫‪ - 3‬هل العالم الموضوعي خارج الوعي حقيقي أم وهمي؟‬
‫لقد وقفت نظرية المعرفة النعكاسية المادية "التي تقول إن المعرفة النسانية تنطلق ن الواقع المادي القائم على صراع المتناقضات الداخلي"‬
‫عاجزة عن بيان عنصري التناقض في الدماغ النساني وكيف تمت إزالة هذا التناقض‪ .‬لذا طرحت نظرية المعرفة النعكاسية المقولة التالية‪ :‬إن‬
‫الدماغ النساني تطور معقد جدا‪ O‬للمادة‪ ،‬ولم تستطع تفسير كيف بلغ النسان مرحلة التجريد ومرحلة التخيل والبتكار‪ .‬أما نظرية المعرفة القرآنية‬
‫التي تلتقي من حيث المنطلق فقط مع النظرية النعكاسية المادية‪ ،‬فإنها تقدم التفسير العلمي القادر على الجابة عن تلك السئلة عن طريق طرح‬
‫مقولة نفخة الروح من ال تعالى "من خارج الكون المادي الثنائي" التي حملت صفة من صفات ال وهي الحادية التي تتميز بعدم التناقض‪.‬‬
‫إن هذا الفهم المادي لنظرية المعرفة القرآنية يرد على أوهام ذوي الفهم المثالي للقرآن الذين يرفضون نظرية التطور والرتقاء ويسخرون من‬
‫نظرية داروين بزعم أنها غير علمية‪ ،‬وحجتهم في ذلك قائمة على التساؤل التالي‪ :‬لماذا تطور النسان من القرد‪ ،‬وبقي القرد قردا‪O‬؟! وجوابنا هو‬
‫أن ال تعالى نفخ الروح في البشر "وهو فصيلة من المملكة الحيوانية" فأدى ذلك إلى أنسنته وارتقائه عن عالم المملكة الحيوانية‪ .‬ولو أنه نفخ‬
‫الروح في فصائل أخرى لرتقت أيضا‪ .‬إن نفخة الروح هي الحلقة المفقودة في نظرية داروين حول النسنة‪.‬‬
‫وقبل أن ندخل في بحث جدل النسان يجب علينا أن نميز بين مصطلحين قرآنيين هامين جدا‪ O‬وهما‪ :‬مصطلح الرحمن‪ ،‬ومصطلح الشيطان وهما‬
‫النقيضان اللذان يعملن في الدماغ النساني "التصديق والتكذيب‪ ،‬الحقيقة والوهم"‪.‬‬
‫الرحمن‪:‬‬
‫جاءت لفظة الرحمن في اللسان العربي من "رحم" وهو أصل يدل على الرقة والعطف والرأفة‪ .‬والرحم علقة القرابة‪.‬‬
‫وأضاف القرآن الكريم لها معنى آخر‪ ،‬فالرحم وظيفته التوليد ومن هنا جاء اسم الرحمن على وزن فعلن‪ ،‬لن النون في الرحمن ليست من أصل‬
‫الكلمة‪ .‬ووزن فعلن يفهم في اللسان العربي على أنه وزن ثنائية المتناقضين والزوجين والضدين‪ .‬وقد كان هذا المعنى جديدا‪ O‬على العرب وذلك‬
‫في قوله تعالى‪) :‬وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا‪) (O‬الفرقان ‪.(60‬‬
‫لنأخذ المثلة التالية على وزن فعلن‪:‬‬
‫كسيان ـــ عريان‬
‫جوعان ـــ شبعان‬
‫فرقان ـــ جمعان )وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان(‪) .‬النفال ‪.(41‬‬
‫تعبان ـــ ريحان )فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم( )الواقعة ‪.(88-87‬‬

‫أنثان ـــ ذكران )أتأتون الذكران من العالمين( )الشعراء ‪.(165‬‬
‫موتان ـــ حيوان )وإن الدار الخرة لهي الحيوان( )العنكبوت ‪.(64‬‬
‫ظمآن ـــ رويان‬
‫فاسم ال الرحمن يمثل قوانين الربوبية "السيطرة والستحكام والتوليد وبالتالي التطور في هذا الكون المادي الثنائي" وهي تعمل بشكل‬
‫موضوعي‪ ،‬وعيناها أم لم نعها‪ ،‬أي بإخبار منه عنها أو دون ذلك‪ ،‬وهذا واضح في قوله )الذي خلق السموات والرض وما بينهما في ستة أيام” ثم‬
‫استوى على العرش الرحمن فاسئل به خبيرا( )الفرقان ‪.(59‬‬
‫)رب السموات والرض وما بينهما الرحمن ل يملكون منه خطابا‪) (O‬النبأ ‪) .(37‬الرحمن على العرش استوى( )طه ‪ .(5‬أي أن كل القوانين المادية‬
‫الموضوعية القائمة على الثنائيات في هذا الكون والذي يليه‪ ،‬هي قوانين رحمانية مادية‪ ،‬فال يقضي في هذا الكون من خلل القوانين المادية‬
‫الموضوعية‪ ،‬والتي سنطلق عليها من الن فصاعدا‪" O‬القوانين الرحمانية" وبما أن القرآن يشرح قوانين هذا الكون واكلون الذي يليه فهو‬
‫رحماني لذا قال‪) :‬الرحمن * علم القرآن( )الرحمن ‪.(2-1‬‬
‫والقوانين الرحمانية "قوانين الجدل" الخلق ووحدة وصراع المتناقضات في الشيء الواحد وجدل الزواج في الشياء عبارة عن قوانين مخزنة‬
‫في اللوح المحفوظ الذي يشتمل على القوانين العامة الناظمة لهذا الكون‪ ،‬وجدل الضداد في ظواهر الطبيعة عبارة عن قوانين جزئية متغيرة‬
‫)ثابت ومتحول( مخزنة في المام المبين الذي يحتوي على قوانين التصرف في ظواهر الطبيعة وكذلك السلوك النساني بعد حدوثه مخزن في‬
‫المام المبين‪ .‬ولكي يبين أن اسم ال هو الساس قال )ال الذي خلق السموات والرض وما بينهما في ستة‪ ž‬أيام” ثم استوى على العرش ما لكم من‬
‫دونه من ولي ول شفيع أفل تتذكرون( )السجدة ‪ (4‬فنقول "ال الرحمن" ول نقول "الرحمن ال" لذا فعندما ترد لفظة "الرحمن" في القرآن‬
‫فإنها ترد في هذا المفهوم ول ترد في مفهوم الرحمة أبدا‪.‬‬
‫وبما أن الرحمن هو المولد قال )وقالوا اتخذ الرحمن ولدا‪ O‬سبحانه بل عباد مكرمون( )النبياء ‪ (26‬وقوله‪) :‬وقالوا اتخذ الرحمن ولدا‪) (O‬مريم‬
‫‪ .(88‬وكذلك عن الذكر قال إنه من الرحمن )وما يأتيهم من ذكر” من الرحمن محدث” إل كانوا عنه معرضين( )الشعراء ‪ (5‬وقد قلنا إن الذكر هو‬
‫الصيغة الصوتية المادية للكتاب‪ ،‬وهو الصيغة التعبدية المحدثة‪ ،‬بغض النظر عن فهم المحتوى لذا أعطاها الصيغة الصوتية المادية‪.‬‬
‫ففي العالم الرحماني ل يوجد "ل معقولت" وإنما هناك عجز العقل النساني عن الدراك في عصر من العصور "مثال على ذلك الجن‬
‫والملئكة"‪.‬‬
‫ومن خلل القوانين الرحمانية والتي تعتبر قوانين الجدل "قانون التطور وتغير الصيرورة وقانون الزوجية "التكيف" من أساسياتها ولد هذا‬
‫الكون وتشيأ أي أصبح أشياء متميزة بعضها عن بعض‪ ،‬وفي هذا الكون ل يوجد شيء اسمه فراغ بدون مادة أي أن ما نقول عنه الن الفراغ‬
‫الكوني هو فراغ مادي رحماني لذا قال )خلق السموات والرض وما بينهما( )السجدة ‪ (4‬أي أن الفراغ هو شكل من أشكال المادة‪.‬‬
‫هذا الوجود المادي الثنائي أطلق عليه مصطلح كلمات ال "في جوهره" وآيات ال في ظواهره‪ ،‬لذا فإن مفهوم كلم ال في القرآن يعني الوجود‬
‫المادي ول يعني أبدا‪ O‬الفكر "ل مبدل لكلماته"‪) .‬وتمت كلمة ربك صدقا‪ O‬وعدل‪ O‬ل مبدل لكلماته( )النعام ‪ .(115‬وإذا أخذنا اليات التي تقول "ومن‬
‫آياته ‪" "..‬تلك آيات ال ‪" "..‬آيات بينات ‪" "..‬آية بينة ‪ "..‬رأينا أنها تتكلم عن الظواهر الطبيعية في هذا الوجود كقوله‪:‬‬
‫ )وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية‪ O‬للناس( )البقرة ‪.(259‬‬‫ )أني قد جئتكم بآية من ربكم(‪) .‬آل عمران ‪.(49‬‬‫ )وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا ال وأطيعون( )آل عمران ‪.(50‬‬‫ )تكون لنا عيدا‪ O‬لولنا وآخرنا وآية منك( )المائدة ‪.(114‬‬‫ )وإن يروا كل آية ل يؤمنوا بها( )النعام ‪.(25‬‬‫ )أن تبتغي نفقا‪ O‬في الرض أو سلما‪ O‬في السماء فتأتيهم بآية”( )النعام ‪.(35‬‬‫ )وقالوا لول نزل عليه آية من ربه قل إن ال قادر على أن ينزل آية‪ O‬ولكن أكثرهم ل يعلمون(‪) .‬النعام ‪.(37‬‬‫ )وإذا جاءتهم آية¡ قالوا لن نؤمن ‪) .(..‬النعام ‪.(124‬‬‫ )هذه ناقة• ال لكم آية‪) (O‬العراف ‪.(73‬‬‫ )ويا قوم هذه ناقة ال لكم آية‪ O‬فذروها تأكل في أرض ال( ‪).‬هود ‪.(64‬‬‫ )فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين(‪) .‬النبياء ‪.(91‬‬‫ )إن في ذلك لية‪ O‬وما كان أكثرهم مؤمنين( )الشعراء ‪.(8‬‬‫ )وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل( )السراء ‪.(12‬‬‫ )تلك آيات ال نتلوها عليك بالحق( )البقرة ‪.(252‬‬‫ )قد بينا لكم اليات إن كنتم تعقلون( )آل عمران ‪.(118‬‬‫ )تلك آيات ال نتلوها عليك بالحق( )آل عمران ‪.(108‬‬‫ )ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات( )السراء ‪.(101‬‬‫ )ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها( )الكهف ‪.(57‬‬‫ )إن في السموات والرض ليات” للمؤمنين( )الجاثية ‪.(3‬‬‫ )وفي خلقكم وما يبث من داب ”ة آيات لقوم يوقنون(‪) .‬الجاثية ‪.(4‬‬‫ )واختلف الليل والنهار وما أنزل ال من السماء من رزق” فأحيا به الرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات¡ لقوم يعقلون( )الجاثية ‪) .(5‬تلك‬‫آيات ال( )الجاثية ‪.(6‬‬
‫هنا نلحظ في اليات ‪ 6-5-4‬من سورة الجاثية كيف ذكر اليات في الظواهر الكونية ثم أعقبها في الية رقم ‪ 6‬بقوله‪) :‬تلك آيات ال(‪.‬‬
‫وإذا أخذنا اليات في سورة السراء من الية ‪ 23‬والتي تبدأ )وقضى ربك أل تعبدوا إل إياه وبالوالدين إحسانا(‪ .‬وتنتهي بالية رقم ‪ 38‬بقوله‪:‬‬
‫)كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها‪ .(O‬أعقب هذه اليات بقوله‪) :‬ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة( )السراء ‪ .(39‬وهي كلها من أم الكتاب وقد‬
‫أطلق عليها مصطلح الحكمة‪ ،‬لنها ل تحتوي أحكاما‪ O‬شرعية أو تعبدية وهي "أخلق" من الوصايا وهي ليست كلمات ال وليست آيات ال‪ .‬ولكي‬
‫يبين ذلك قال في سورة الحزاب لزوجات الرسول صلى ال عليه وسلم‪) :‬واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ال والحكمة إن ال كان لطيفا‬
‫خبيرا( )الحزاب ‪.(34‬‬
‫ول نرى في الكتاب آية من آيات العبادات والحكام ذكر فيها أنها من آيات ال‪ ،‬فلم يقل عن الصلة أو الصوم أو الحج تلك آيات ال أو كلماته‪.‬‬
‫نستنتج الن أن الرأي الذي يقول إن كلم ال هو أزلي غير مقبول فالوجود هو عين كلم ال وهو مخلوق وغير قديم‪ ،‬ولو كان كلمه أزليا‪ O‬لصبح‬
‫الكون وال واحدا‪ ،O‬ولصبح المسيح ابن ال لنه كلم منه‪ ،‬وقد شرحت في الباب الول أن القرآن هو كلم ال وآيات ال والقصص وأن أم الكتاب‬
‫هي كتاب ال فانظره‪.‬‬
‫لنناقش الن هل القرآن مخلوق أم أزلي؟ لقد سبق أن طرح الفكر المعتزلي هذا السؤال‪ ،‬والموقف من هذا الطرح بأنه مخلوق أم أزلي له‬

‫انعكاسات أيديولوجية خطيرة على بنية الدولة والمجتمع والحرية النسانية‪.‬‬
‫أول‪ :O‬لقد قال المعتزلة بخلق القرآن‪ ،‬وأعتقد بأنهم يقصدون القرآن بمفهومه الذي طرحته في كتابي هذا وكانوا ل يقصدون الكتاب كله أي أنهم‬
‫يقصدون المتشابه ول يقصدون محكم التنزيل حيث أن القرآن ج•عل عربيا‪ O‬وأنزل عربيا‪ ،O‬أما أم الكتاب فقد أنزلت عربية فقط دون جعل‪.‬‬
‫ثانيا‪ :O‬إن كان القصد بالزلية هو النص القرآني الذي بين أيدينا والذي يتلى تلوة وهو جزء من الذكر كقوله )والشمس وضحاها * والقمر إذا‬
‫تلها* ‪ (..‬فهو نص عربي فهذا يعني أن ال عربي ولغته هي العربية وهذا مرفوض وواضح أنه غير صحيح لقوله‪) :‬إنا جعلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ O‬لعلكم‬
‫تعقلون( والجعل هو تغير في صيرورة أي أنه كان غير عربي في صيغة ما‪ ،‬ثم أصبح عربيا‪ O‬وقوله‪) :‬إنا أنزلناه قرآنا‪ O‬عربيا‪ (O‬والنزال هو للدراك‬
‫النساني وقد تلزم النزال والجعل في القرآن‪.‬‬
‫ثالثا‪ :O‬إذا كان المقصود بالزلية هو عين الشمس والقمر والتي هي فعل‪ O‬من كلمات ال فأيضا‪ O‬الشمس والقمر ليستا أزليتين‪.‬‬
‫رابعا‪ :O‬إذا كان المقصود بكلم ال الزلي هو الكلم النفسي "أي أفكار ال" فهذا خطأ لنه يعني أن ل سبحانه وتعالى كلما‪ O‬نفسيا‪ O‬ونقيس ال على‬
‫النسان‪ ،‬علما‪ O‬بأنه بالنسبة ل سبحانه وتعالى القول والوجود متطابقان تماما‪ O‬ومتلزمان )قوله الحق(‪) .‬إنما أمره إذا أراد شيئا‪ O‬أن يقول له كن‬
‫فيكون( أي أن التصور والتصديق متلزمان متطابقان عند ال‪ ،‬وهذا هو عين كمال المعرفة‪.‬‬
‫فعند ال ل يوجد شيء اسمه طموح أي أن نقول بأن ال سبحانه وتعالى "يطمح إلى أن يفعل كذا وكذا" والتشابه بين ال والنسان هو في أن ال‬
‫عليم والنسان متعلم‪ ،‬وال حر والنسان متحرر‪ ،‬ولقد سمى ال الوجود كلماته‪ ،‬وهذه التسمية دقيقة جدا‪ O‬حيث أننا إذا أخذنا الكلم النساني‬
‫"الصوات‪-‬الكلم" رأيناه صادرا‪ O‬عنه وليس جزءا‪ O‬منه‪.‬‬
‫خامسا‪ :O‬بانتصار الفقهاء على المعتزلة تم قصم الفكر السلمي العقلني وأعتقد أنه في هذه النقطة ضاع الفرق بين الكتاب والقرآن وضاع العقل‬
‫معه وأصبح النقل أساس السلم ل العقل‪ ،‬وكانت بداية التدهور الذي وصلنا إليه حتى يومنا هذا حيث أن أزلية الكتاب والذي يحوي )عبس وتولى‬
‫* أن جاءه العمى ‪ (..‬ولدت المفهوم الجبري المسبق عند العرب والمسلمين وكانت هذه الجبرية المسبقة في الفكر السلمي هي النتيجة‬
‫اليديولوجية الولى لنتصار الفقهاء على المعتزلة‪ .‬هذا ل يعني أن المعتزلة لم يرتكبوا أخطاء في طروحاتهم حيث كانت معظم أفكارهم نتيجة‬
‫للرضية المعرفية لعصرهم‪.‬‬
‫أما الفقهاء فل نقول إنهم أخطأوا‪ ،‬ولكن نقول إنهم قضوا على دور الفكر السلمي الحر العقلني‪ .‬وهذه المأساة ل نزال نعيشها حتى يومنا هذا‬
‫حيث منذ ذلك الوقت أصبحت الجبرية هي العقيدة الرسمية لعامة المسلمين‪.‬‬
‫سادسا‪ :O‬هذا الوجود المادي الثنائي "الرحماني" مرتبط مع ال الحادي بقانون صارم هو الحركة "التسبيح"‪ ،‬وقد شرحت التسبيح في القانون‬
‫الول للجدل المادي‪ ،‬فل نرى في الكتاب صيغة "سبح للرحمن" أبدا‪.O‬‬
‫سابعا‪ :O‬في هذا الوجود المادي "الرحماني" ظهرت أسماء ال الحسنى على شكل معان مميزة بعضها عن بعض وعلى شكل ثنائي لذا قال أول‬
‫)ول السماء الحسنى فادعوه بها( )العراف ‪ (180‬وبما أن أسماء ال الحسنى ل تفهم إل من خلل الوجود المادي الرحماني قال )قل ادعوا ال‬
‫أو ادعوا الرحمن أيا‪ O‬ما تدعوا فله السماء الحسنى( )السراء ‪.(110‬‬
‫ثامنا‪ :O‬من خلل القوانين الرحمانية "والرادة اللهية" ولدت الحياة على الرض ضمن قوانين الجدل المادي "البث" وتطورت وظهر البشر‬
‫ككائن عضوي حي‪ .‬لذا قال )الرحمن * علم القرآن * خلق النسان( )الرحمن ‪ .(3-2-1‬أي أن خلق النسان تم من خلل القوانين الرحمانية وقوله‬
‫)خلق النسان(‪ .‬لبيان مجمل هذه الحقيقة الرحمانية‪ ،‬أما عندما أعطى المراحل التفصيلية لنشوء النسان وارتقائه فقد قال‪" :‬البشر"‪.‬‬
‫تاسعا‪ :O‬عندما نضج البشر كائنا‪ O‬رحمانيا‪ O‬وأراد ال سبحانه وتعالى أن يجعله خليفة له في الرض ليخلفه في قوانين الربوبية أول‪ ،O‬أي في القدرة‬
‫على التصرف في هذا الوجود المادي‪ ،‬واللوهية ثانيا‪ O‬أي في القدرة على التشريع أعطاه من صفاته الذاتية الحادية الخالية من التناقض وهي‬
‫الروح )ونفخت فيه من روحي(‪ .‬لذا فإن النسان فقط مدين ل سبحانه وتعالى في أنسنته وابتعاده عن المملكة الحيوانية ومن هنا جاءت لفظة‬
‫الدين وهي من دان يدين ومنه جاء الدين والدينة والمدنية‪.‬‬
‫<‪ <br‬الشيطان‪:‬‬
‫إن لفظة الشيطان في الكتاب هي من المصطلحات المتشابهة‪ ،‬فلهذه الكلمة معنيان متباينان تماما‪ ،O‬ويؤخذ أحد هذين المعنيين حسب السياق العام‬
‫للية التي ورد فيها مصطلح الشيطان‪ .‬فعندما تأتي لفظة الشيطان من فعل "شطن" تكون النون من أصل الفعل فهو على وزن "فيعال"‪.‬‬
‫وفعل شطن يعني البعد فنقول بئر شطون أي بعيدة القعر‪ ،‬والشطن هو الحبل لنه بعيد ما بين الطرفين ومنه أيضا‪ O‬معنى الغرابة‪ .‬وفي هذا المعنى‬
‫مصطلح الشيطان هو مصطلح مادي موضوعي له وجود خارج الوعي النساني‪ ،‬ولكي نفرقه عن المعنى الخر للشيطان سنطلق عليه مصطلح‬
‫"الشيطان الفيعالي" وقد جاء بهذا المعنى في اليات التالية‪:‬‬
‫)وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شيطانهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون( )البقرة ‪.(14‬الشياطين هنا قد تعني أشخاصا‬
‫"زعماء" غير ظاهرين للعيان‪:‬‬
‫ )طلعها كأنه رؤوس الشياطين( )الصافات ‪ .(65‬الشياطين هنا تعني شيئا‪ O‬غريبا‪ O‬بعيدا‪ O‬عما ألفه الناس‪.‬‬‫ )ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عمل‪ O‬دون ذلك وكنا لهم حافظين( )النبياء ‪.(82‬‬‫ )والشياطين كل بناء وغواص”( )ص ‪.(37‬‬‫ )وحفظا‪ O‬من كل شيطان مارد”( )الصافات ‪.(7‬‬‫ )وإن يدعون إل شيطانا‪ O‬مريدا‪) (O‬النساء ‪.(117‬‬‫ )واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا( )البقرة ‪.(102‬‬‫ )كالذي استهوته الشياطين في الرض حيران( )النعام ‪.(71‬‬‫ )إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين( )السراء ‪.(27‬‬‫ )ومن الناس من يجادل في ال بغير علم” ويتبع كل شيطان مريد(‪) .‬الحج ‪.(3‬‬‫ )فو ربك لنحشرنهم والشياطين( )مريم ‪.(68‬‬‫ )وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين(‪) .‬المؤمنون ‪.(97‬‬‫ )وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون( )الشعراء ‪.(211 ،210‬‬‫ )هل أنبئكم على من تنزل الشياطين( )الشعراء ‪" .(221‬لحظ كيف استعمل التنزيل للدللة على حركة خارج الوعي النساني"‪.‬‬‫ )ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما‪ O‬للشياطين( )الملك ‪.(5‬‬‫ )الذين يأكلون الربا ل يقومون إل كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس( )البقرة ‪.(275‬‬‫أما المعنى الثاني للشيطان فهو من "شاط‪-‬شيط" هنا النون ليست من أصل الفعل لذا الشيطان في هذه الحالة هو على وزن "فعلن" وشاط تعني‬
‫ذهاب الشيء وبطلنه كقولنا أشاط السلطان دم فلن أي أبطله‪ ،‬وجاء الشيطان بهذا المعنى للدللة على الباطل "الوهم" في الفكر النساني‪،‬‬
‫وسنطلق عليه مصطلح "الشيطان الفعلني"‪.‬‬
‫أي أن الشيطان الفعلني هو أحد أطراف العملية الجدلية في الفكر النساني الذي يحاول معرفة الحقيقة الموضوعية الرحمانية‪ ،‬لذا وهو الطرف‬

‫النقيض للرحم الذي هو الطرف الحقيقي وهما العنصران المتناقضان في الفكر النساني‪ .‬وهكذا نلحظ الخلف الكبير جدا‪ O‬بين هذين المعنيين‬
‫للمصطلح الواحد "وهذا هو أحد أشكال التشابه"‪.‬‬
‫لقد ورد الشيطان الفعلني في اليات التالية‪:‬‬
‫ )يا أبت ل تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا( )مريم ‪.(44‬‬‫ )فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك ل يبلى( )طه ‪.(120‬‬‫ )وما أرسلنا من قبلك من رسول” ول نبي إل إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ ال ما يلقي الشيطان ثم يحكم ال آياته وال عليم حكيم(‬‫)الحج ‪.(52‬‬
‫ )وكان الشيطان للنسان خذول‪) (O‬الفرقان ‪.(29‬‬‫ )وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل( )النمل ‪.(24‬‬‫ )ومن يتخذ الشيطان وليا‪ O‬من دون ال فقد خسر خسرانا‪ O‬مبينا‪) (O‬النساء ‪.(119‬‬‫ )وإما ينسينك الشيطان فل تقعد بعد الذكرى ع القوم الظالمين( )النعام ‪.(68‬‬‫ )فإذا قرأت القرآن فاستعذ بال من الشيطان الرجيم( )النحل ‪.(98‬‬‫ )وكان الشيطان لربه كفورا‪) (O‬السراء ‪.(27‬‬‫ )إن الشيطان كان للنسان عدوا‪ O‬مبينا‪) (O‬السراء ‪.(53‬‬‫ )وما يعدهم الشيطان إل غرورا‪) (O‬السراء ‪.(64‬‬‫ )يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا‪) (O‬مريم ‪.(45‬‬‫ )إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا‪) (O‬فاطر ‪.(6‬‬‫ )وما هو بقول شيطان رجيم( )التكوير ‪.(25‬‬‫ )ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا‪ O‬فهو له قرين( )الزخرف ‪.(36‬‬‫ )فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه( )البقرة ‪.(36‬‬‫ )يا بني آدم ل يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة( )العراف ‪.(27‬‬‫لذا فعلينا أن نفرق وندقق تماما‪ O‬الشيطان الفيعالي من الشيطان الفعلني في كل آية ورد فيها ذكر مصطلح الشيطان‪ .‬وعلى الباحثين المسلمين‬
‫تدقيق آيات الشيطان مرة أخرى للتفريق بين الشيطانين وبحث ماذا يمثل الشيطان الفيعالي في الحقيقة الموضوعية‪.‬‬
‫وبما أن الشيطان الفعلني هو أحد أطراف العملية الجدلية في الفكر النساني‪ ،‬فالطرف الخر في العملية الجدلية هو الرحمن المادي لذا قال‪) :‬يا‬
‫أبت ل تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا( )مريم ‪ (44‬فالشيطان الفعلني يمثل الوهم والجانب الوهمي في الفكر النساني‪ ،‬والرحمن‬
‫يمثل الجانب المادي الموضوعي في الفكر النساني‪.‬‬
‫وبما أن الشيطان الفعلني هو اسم جنس ولكل إنسان شيطانه الخاص فل يأتي في الكتاب إل على صيغة المفرد وليس الجمع‪ .‬وبما أن الشيطان‬
‫الفيعالي هو وجود مادي خارج الوعي النساني فيمكن أن يأتي في صيغة المفرد أو في صيغة الجمع كقوله‪) :‬وإذا خلوا إلى شياطينهم ‪ (..‬وعندما‬
‫يأتي الشيطان في صيغة الجمع "شياطين" ينصرف معناها إلى الشيطان الفيعالي‪.‬‬
‫لذا فبالنسبة لما ورد في الكتاب من المر بأن نستعيذ بال من الشيطان عند قراءة القرآن )فإذا قرأت القرآن فاستعذ بال من الشيطان الرجيم(‬
‫)النحل ‪ .(98‬نرى أن المعنى المقصود هنا "الشيطان الفعلني" لن مهمة الشيطان الفعلني تحويل قراءة "فهم" القرآن من قراءة مادية‬
‫"رحمانية" إلى قراءة مثالية "شيطانية"‪.‬‬
‫بعد هذا التمهيد الذي قدمناه لموضوع جدل النسان ننتقل الن إلى شرح عناصر المعرفة النسانية‪:‬‬

‫الفرع الول‪ :‬عناصر المعرفة النسانية‬
‫‪ - 1‬الحق والباطل‬
‫‪ - 2‬الغيب والشهادة‬
‫‪ - 3‬السمع والبصر والفؤاد‬
‫‪ - 4‬القلب‬
‫‪ - 5‬العقل والفكر‬
‫‪ - 6‬البشر والنسان‬
‫‪ -1‬الحق والباطل‪:‬‬
‫الحق‪ :‬لقد عرفنا الحق في الباب الول )الذكر( بأنه الوجود الموضوعي المادي خارج الوعي النساني‪ .‬وقد عبر القرآن عن هذا المعنى بقوله‪:‬‬
‫)وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا‪ … O‬الية( )يوسف ‪ .(100‬لقد عبر القرآن عن الحق بمصطلحين الول هو "ال" حيث‬
‫عبر عن ال بأنه وجود موضوعي خارج الفكر النساني وليس من نتاج الفكر النساني بقوله‪:‬‬
‫ )ذلك بأن ال هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن ال هو العلي الكبير( )الحج ‪.(62‬‬‫ )ذلك بأن ال هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير( )الحج ‪.(6‬‬‫لقد عبر القرآن عن الوجود اللهي بأنه وجود موضوعي حقيقي خارج الوعي النساني ولكن هذا الوجود ليس مثل وجود الشياء‪) .‬ليس كمثله‬
‫شيء( )الشورى ‪ (11‬حيث إن الشياء ينطبق عليها القانون الول والثاني للجدل فتتغير وتتطور طبقا‪ O‬للقانون الول ولها علقات تأثير وتأثر‬
‫متبادل طبقا‪ O‬للقانون الثاني‪ ،‬وقد سبحت الشياء ل تعالى تسبيح وجود "نزهته" عن أن يكون مثلها فيفسد ويهلك‪ .‬وبما أن قانون الثنائية ينطبق‬
‫على الشياء كلها‪ ،‬فقد عبر القرآن عن الوجود اللهي بالصفات التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬ل ينطبق عليه قانون ‪ 2 ،1‬للجدل )ليس كمثله شيء( )الشورى ‪.(11‬‬
‫‪ -2‬بأنه أحادي غير ثنائي في كيفه‪) .‬قل هو ال أحد( )الخلص ‪.(1‬‬
‫‪ -3‬بأنه واحد في كمه‪) .‬أنما إلهكم إله واحد( )الكهف ‪.(110‬‬
‫‪ -4‬عدم التناقض حيث أن الوجود الموضوعي الحادي ل يحتوي على التناقضات في ذاته وبالتالي غير قابل للفساد والتغير "الهلك"‪) .‬كل شيء‬
‫هالك إل وجهه( )القصص ‪.(88‬‬
‫‪ - 5‬ل تنطبق عليه معادلة الزمان حيث أن الزمان والمكان بمفهومه الحالي هو من صفات المادة الثنائية المتغيرة )هو الول والخر والظاهر‬

‫والباطن( )الحديد ‪.(3‬‬
‫حيث وضع واو العطف بين الول والخر‪ ،‬وبين الظاهر والباطن وإذا استعرضنا الكتاب فل نرى أسماء ال الحسنى معطوفة على بعضها إل في‬
‫هذه الية وذلك للدللة على عدم انطباق معادلة الزمان على ال‪ .‬لذا فإن اللحاد من وجهة نظر القرآن هو من نتاج الفكر النساني وهو موقف‬
‫مثالي بحت‪.‬‬
‫أما المصطلح الثاني للحق‪ :‬فهو كلمات ال والتي هي عين الموجودات المخلوقة )قوله الحق( )النعام ‪) .(73‬ويحق ال الحق بكلماته ولو كره‬
‫المجرمون(‪) .‬يس ‪ .(82‬ولكي يعبر عن أن الوجود المادي الكوني خارج الوعي النساني "الشياء" عبارة عن حقيقة وليست تصورات قال‪:‬‬
‫)وما خلقنا السموات والرض وما بينهما إل بالحق وإن الساعة لتية فاصفح الصفح الجميل( )الحجر ‪) .(85‬خلق السموات والرض بالحق تعالى‬
‫عما يشركون( )النحل ‪.(3‬‬
‫هنا بين بشكل واضح أن السموات والرض وما بينهما مخلوقات موضوعية لها وجود خارج الوعي وليست تصورا‪ ،O‬لذا استعمل الحق مع حرف‬
‫الجر "الباء" "بالحق" "أي أنها مخلوقة بكلماته"‪.‬‬
‫لذا فنحن المسلمين نعتقد بوجود حقيقي ل وبوجود لكلماته التي هي عين الموجودات وكلهما خارج الوعي النساني‪.‬‬
‫أما عندما استعمل كلمة الحق في أم الكتاب كقوله‪) :‬ول تقتلوا النفس التي حرم ال إل بالحق( )النعام ‪ .(151‬أو قوله )الذين أخرجوا من ديارهم‬
‫بغير حق( )الحج ‪ (40‬هنا استعمل كلمة الحق لرتباطها بمفهومين أساسيين بالحقيقة‪ ،‬وقد عبر عن هذين المفهومين في سورة النعام‪) .‬وتمت‬
‫كلمة ربك صدقا‪ O‬وعدل‪ O‬ل مبدل لكلماته( )النعام ‪.(115‬‬
‫فالصدق والعدالة ل تكونان إل من خلل الموجودات الحقيقية فل صدق وهميا‪ O‬ول عدالة وهمية‪ ،‬فالعدالة ل تتحقق إل إذا جاءت منسجمة ل‬
‫متعارضة مع قوانين الوجود‪ ،‬والصدق ل يكون في أوهام بل في موجودات "كلمات"‪ .‬لذا قال بعد فتح مكة )وقل جاء الحق وزهق الباطل إن‬
‫الباطل كان زهوقا( )السراء ‪ .(81‬ولم يقل قل جاء الصواب وذهب الخطأ‪.‬‬
‫ الباطل‪ :‬لقد استعمل القرآن مصطلح الباطل للدللة على الوهم والتصور الوهمي فعبادة العرب للصنام قبل السلم ل تعتبر موقفا‪ O‬خاطئا‪ O‬بل‬‫موقفا‪ O‬باطل‪" O‬مثاليا‪ "O‬أي أنهم تصورا بأن الصنام تضر وتنفع موضوعيا‪ ،O‬ولكنها موضوعيا‪ O‬ليست أكثر من أحجار‪ ،‬وهذا شأن كل موقف فيه‬
‫شرك فهو موقف باطل "مثالي"‪ .‬ولكي يؤكد بطرح بمعاكس بأن السموات والرض حقيقة ل وهم قال‪) :‬وما خلقنا السماء والرض وما بينهما‬
‫باطل( )ص ‪) .(27‬ويمح ال الباطل ويحق الحق بكلماته ‪ ..‬الية( )الشورى ‪) .(24‬الذين يذكرون ال قياما‪ O‬وقعودا‪ O‬وعلى جنوبهم ويتفكرون في‬
‫خلق السموات والرض ربنا ما خلقت هذا باطل‪ O‬سبحانك فقنا عذاب النار( )آل عمران ‪.(191‬‬
‫وعندما استعمل الباطل بمفهوم الحلل والحرام في السلوك النساني استعمله بنفس المفهوم في قوله‪) :‬إن كثيرا‪ O‬من الحبار والرهبان ليأكلوا‬
‫أموال الناس بالباطل(‪) .‬التوبة ‪) .(34‬وأكلهم أموال الناس بالباطل( )النساء ‪ (16‬هنا استعمل الباطل لن الحبار والرهبان يزرعون في أذهان‬
‫الناس تصورات وهمية كأنهم وسطاء في المغفرة من ال ووسطاء في التقرب من ال ويأخذون أموال الناس انطلقا‪ O‬من هذه التصورات لذا قال‬
‫"بالباطل"‪.‬‬
‫لذا نستنتج مما ذكر أن الوجود الموضوعي المادي خارج الوعي هو وجود حقيقي ل وهمي "تصوري" وهذا الوجود سبق في وجوده وجود‬
‫النسان كائنا‪ O‬حيا‪ O‬عاقل‪ O‬لذا نقول إن التصديق سابق التصور أي أن الموجودات سبقت في وجودها وجود النسان وأن المعرفة النسانية هي‬
‫معرفة هذا الوجود على ما هو عليه‪ .‬فهنا تقسم المعرفة النسانية إلى قسمين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬معرفة الموجودات "الوجود المادي الثنائي" الشياء‪.‬‬
‫ب ‪ -‬معرفة ال من خلل كلماته وآياته‪ .‬فكلما زادت معرف النسان بالموجودات "كلمات ال وآياته‪-‬العالم الرحماني" زادت معرفته بال ن خلل‬
‫أسمائه الحسنى "السمات"‪.‬‬
‫‪ -2‬الغيب والشهادة‪:‬‬
‫الغيب في اللسان العربي من "غيب" وهي أصل صحيح يدل على تستر الشيء عن العيون ثم يقاس عليه‪.‬‬
‫والشهادة في اللسان العربي من "شهد" وهو أصل يدل على حضور وعلم‪ ،‬والمشهد محضر الناس‪.‬‬
‫إن مفهوم الغيب والشهادة كما ورد في الكتاب هو مفهوم مادي بحت فالغيب ل يعني في الكتاب كما يقال في المصطلح الفلسفي ما وراء الطبيعة‪،‬‬
‫ففي معنى حصول حدث ما أثناء غياب الشخص المعني قال تعالى حول امرأة العزيز )ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب( )يوسف ‪ .(52‬وجاءت في‬
‫المعنى المباشر لغياب شيء محدد ما في قوله‪) .‬وتفقد الطير فقال مالي ل أرى الهدهد أم كان من الغائبين( )النمل ‪ .(20‬وعندما أنهى جزءا‪ O‬من‬
‫قصة نوح في سورة هود قال تعالى )تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ول قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين(‪) .‬هود‬
‫‪.(49‬‬
‫لقد كانت أحداث قصة نوح بالنسبة لقومه من الشهادة وليست من الغيب‪ ،‬وعندما أخبر ال بها النبي صلى ال عليه وسلم قال عنها إنها من أنباء‬
‫الغيب لنها كانت غيبا‪ O‬بالنسبة لمحمد صلى ال عليه وسلم ولقومه‪ ،‬وقوله أيضا‪ O‬من مريم واصطفائها‪) .‬ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت‬
‫لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون( )آل عمران ‪ .(44‬ولكي يبين أن حدث مريم لم يكن شهادة للنبي صلى ال‬
‫عليه وسلم فيقول )وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم(‪.‬‬
‫وعندما أخبر ال تعالى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بعض أحداث نوح ومريم على أنها غيب دخلت في معلومات النبي صلى ال عليه وسلم وفي‬
‫معلوماتنا نحن وأصبحت من المدركات ولو أنها غابت عنا ولكي يبين أن القصص كله غيب بالنسبة للنبي‪ ،‬وشهادة ل مع أنه أحداث مادية‬
‫وإنسانية قال )فلنقصن عليهم بعلم” وما كنا غائبين( )العراف ‪ (7‬ولكي يؤكد أن الغيب هو أشياء وأحداث مادية قال‪) :‬وما من غائبة” في السماء‬
‫والرض إل في كتاب مبين( )النمل ‪ (75‬و)إن ال عالم غيب السموات والرض إنه عليم بذات الصدور(‪) .‬فاطر ‪ (38‬و‪) :‬قل ل أملك لنفسي نفعا‬
‫ول ضرا‪ O‬إل ما شاء ال ولو كنت أعلم الغيب لستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إل نذير وبشير لقوم” يؤمنون( )العراف ‪.(188‬‬
‫إن الدول تحاول تطبيق هذه الية "أي الية ‪ 188‬من سورة العراف" بكل إمكانياتها‪ ،‬فإذا سألنا الدول عن سبب القمار الصناعية والتصوير‬
‫الفضائي وإرسال الجواسيس وصرف مليارات الدولرات على هذه المشاريع لجاءنا الجواب بشقين اثنين‪:‬‬
‫ الول‪ :‬هو معرفة ما تبيته الدول بعضها لبعض واستكشاف الكوارث الطبيعية وذلكم من باب درء الذى هو شق الية )وما مسني السوء(‪.‬‬‫فعندما يعرف النسان ما يبيته له الخرون فإنه يتخذ الحتياطات اللزمة لدرء الذى‪.‬‬
‫ الثاني‪ :‬هو استكشاف خيرات الرض واستثمارها وعقد الصفقات التجارية التي تؤدي إلى ربح وهذا ما يسمى بدراسة الجدوى القتصادية وهذا‬‫هو شق الية )لستكثرت من الخير(‪ .‬فالغيب أشياء وأحداث مادية موجودة‪ ،‬أو حصلت ولكنها غابت عن بعض الناس أو عن كل الناس ولكنها‬
‫ليست في ما وراء الطبيعة وقابلة للدراك‪ .‬فهناك في القرآن آيات الجنة والنار والبعث والحساب والساعة وكلها من الغيبيات ولكنها في عالم‬
‫المادة وقابلة للدراك‪ .‬لذا قال عن بداية الكتاب )ذلك الكتاب ل ريب فيه هدى‪ O‬للمتقين( )البقرة ‪.(2‬‬
‫)الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلة ومما رزقناهم ينفقون( )البقرة ‪ (3‬وبما أن ال كامل المعرفة فل يوجد بالنسبة له أشياء موجودة أو‬
‫أحداث حصلت ل يعرفها لذا قال عن نفسه عالم الغيب والشهادة في قوله )عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال(‪) .‬الرعد ‪ .(9‬وقال‪) :‬عالم الغيب‬

‫والشهادة هو الرحمن الرحيم( )الحشر ‪ .(22‬وقال‪) :‬عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم( )التغابن ‪.(18‬‬
‫ولكي يؤكد أن عالم الغيب هو من عالم الرحمانيات المادي قال‪) :‬من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب(‪) .‬ق ‪ .(33‬وقال‪) :‬إنما تنذر من اتبع‬
‫الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة” وأجر كريم(‪) .‬يس ‪ (11‬وقال عن الجنة والنار إنها مادية )جنات عدن” التي وعد الرحم عباده بالغيب(‬
‫)مريم ‪ .(61‬وقال‪) :‬أطلع الغيب أم أتخذ عند الرحمن عهدا‪) (O‬مريم ‪.(78‬‬
‫والن يمكن لنا أن نعرف الغيب كالتالي‪:‬‬
‫ الغيب‪ :‬هو وجود لشياء مادية أو أحداث طبيعية أو إنسانية غابت عن المعرفة النسانية الحضورية أو العقلية غيابا‪ O‬جزئيا‪ O‬أو كليا‪ ،O‬أي أن الغيب‬‫إما أن يكون جزئيا‪ O‬أو كليا‪.‬‬
‫فالغيب الجزئي‪ :‬هو أشياء أو أحداث مادية أو إنسانية "كالقصص" شهدها "وعرفها" أناس وغابت عن غيرهم شهودا‪ O‬ومعرفة‪ ،‬وهناك الن‬
‫أشياء كثيرة في العالم يعرفها البعض وغابت عن البعض الخر وهذا النوع من الغيب متحول غير ثابت‪ ،‬وهو غير أبدي‪ ،‬لن ما عرفه البعض‬
‫اليوم وهو غيب للخرين قد يعرفه الخرون غدا‪.‬‬
‫الغيب الكلي‪ :‬هو أشياء أو أحداث مادية ل يعرفها أحد إل ال‪ ،‬وهذا الغيب هو غيب نسبي لن ما تجهله النسانية اليوم قد تعرفه غدا‪ .O‬هنا وضعت‬
‫النسانية ككل لنه إذا عرف شخص واحد شيئا‪ O‬ما أو حدثا‪ O‬ما فهذا الشيء وهذا الحدث ل يدخل في الغيب الكلي‪.‬‬
‫فالغيب الكلي والجزئي متحرك دائما‪ O‬باتجاه المعرفة وبالتالي باتجاه التقلص‪ ،‬وقد غدا‪ O‬هذا المر واضحا‪ O‬بعد التقدم الذي حصل في ميدان‬
‫المعلومات والتقدم الهائل في انتقال المعلومات من مكان إلى مكان آخر‪.‬‬
‫أما ما اختص به ال سبحانه وتعالى فهو "مفاتيح الغيب" وهي مجموعة م القوانين إذا عرفها النسان أصبح مؤهل‪ O‬لن يكون كامل المعرفة‬
‫والتي ل يطلع عليها إل من ارتضى من "رسول" حيث قال )عالم الغيب فل يظهر على غيبه‪ ž‬أحدا‪) (O‬الجن ‪ .(26‬ثم أتبعها بقوله‪) :‬إل من ارتضى‬
‫من سول” فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا( )الجن ‪.(27‬‬
‫أما الشهادة فمن المعنى اللغوي الذي هو الحضور والعلم يتبين أنها إما المعرفة الحسية المباشرة "الحضورية" التية عن طريق الحواس‬
‫مباشرة‪ ،‬أو عن طريق السمع فقط‪ ،‬والتي تسمى "المعرفة الخبرية" وإما المعرفة التية عن طريق الستنتاج العقلي والتي هي المعرفة النظرية‪.‬‬
‫لذا قال عن اليوم الخر )ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود( )هود ‪ .(103‬وهنا )يوم مشهود( تعني الحضور المباشر للناس في هذا‬
‫اليوم‪ ،‬ل المعرفة النظرية فقط‪.‬‬
‫‪ -3‬السمع والبصر والفؤاد‪:‬‬
‫لقد جاءت اللفاظ الثلثة "السمع والبصر والفؤاد" مجتمعة في عدة أماكن في الكتاب كقوله تعالى‪:‬‬
‫ )ول تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤول‪) (O‬السراء ‪.(36‬‬‫ )وال أخرجكم من بطون أمهاتكم ل تعلمون شيئا‪ O‬وجعل لكم السمع والبصار والفئدة لعلكم تشكرون( )النحل ‪.(78‬‬‫ )قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والبصار والفئدة قليل‪ O‬ما تشكرون( )الملك ‪.(23‬‬‫ )ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والبصار والفئدة قليل‪ O‬ما تشكرون( )السجدة ‪.(9‬‬‫نلحظ في هذه الية كيف ربط بين السمع والبصر والفؤاد فالسمع هو وظيفة لعضو هو الذن‪ ،‬والبصر وظيفة لعضو هو العين‪ ،‬وفي اللسان‬
‫العربي ل تعطف إل الصفات بعضها على بعضها أو الموصوفات بعضها على بعض‪ .‬ففي عطف الموصوفات قال‪) :‬ألم نجعل له عينين * ولسانا‬
‫وشفتين * وهديناه النجدين( )البلد ‪.(10 ،9 ،8‬‬
‫هنا نلحظ في اليات الثلث من سورة البلد كيف ذك العضاء فبدأ بالعينين ثم تل ذلك اللسان والشفتين ولم يقل بصرا‪ O‬ولسانا‪ O‬أو بصرا‪ O‬وشفتين‪،‬‬
‫وهنا تأتي النتيجة المباشرة بأن النجدين هما أعضاء وهنا بمعنى الثديين‪ .‬يدلك على هذا وضع النجوم بين اليات الثلث إذ لم يضعها في آية‬
‫واحدة لتبيان اختلف الوظائف لهذه العضاء‪.‬‬
‫وبما أن السمع والبصر هما وظائف لعضاء‪ ،‬وبما أنه عطف الفؤاد عليهما نستنتج أن الفؤاد وظيفة لعضو وليس عضوا‪ ،O‬فالفؤاد هو الدراك‬
‫الناتج عن طريق الحواس مباشرة وعلى رأس هذه الحواس السمع والبصر لن التفكير النساني بدأ بهما أي الدراك المشخص بحاستي السمع‬
‫والبصر‪ .‬وهو المقدمات المادية للفكر النساني‪ .‬لذا قال عندما رمت أم موسى ولدها في اليم بيديها ورأت ذلك بأم عينيها )وأصبح فؤاد أم موسى‬
‫فارغا( )القصص ‪ .(10‬أي أن المقدمات الحسية عند أم موسى جعلتها في وضع حيواني انعكاسي غير قادرة على التفكير فعندما يتعدى إنسان‬
‫على قطط صغار فإن تصرف الم يأتي مباشرة وتبدي استياءها مباشرة وتبدأ بالدفاع عن أطفالها لذا أتبعها بقوله‪) :‬إن كادت لتبدي به(‪.‬‬
‫وكذلك قوله عن تنزيل القرآن مرتل‪) .O‬وقال الذين كفروا لول ن•ز‪Í‬ل¯ عليه القرآن جمل ‪O‬ة واحدة‪ O‬كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيل‪) .(O‬الفرقان ‪.(32‬‬
‫هنا ذكر الفؤاد في مجال التنزيل هو تبليغ القرآن للنبي صلى ال عليه وسلم بشكل مباشر عن طريق الوحي حيث أن القرآن لم يأت للنبي صلى ال‬
‫عليه وسلم عن طريق السمع والبصر لكي يتثبت النسان ما سمع وما أبصر‪ ،‬ولو جاءه دفعة واحدة لوقع فيه الشك بين الوهم والحقيقة‪ .‬علما‪ O‬بأن‬
‫بداية الوحي كانت بداية فؤادية بحتة حيث جاءه جبريل صوتا‪ O‬وصورة‪ O‬وعله )اقرأ باسم ربك الذي خلق( )العلق ‪ (1‬ولو بدأ الوحي بداية مجردة‬
‫لما صدق النبي صلى ال عليه وسلم ذلك‪ .‬وهذه ناحية مهمة جدا‪ O‬لنا نحن المسلمين بأن بداية الوحي كانت بداية فؤادية لها علقة مباشرة بالسمع‬
‫والبصر حيث جاءه جبريل مشخصا‪.‬‬
‫وكذلك نفهم شروط الشهادة التي يجب أن يؤديها النسان‪ .‬فحتى ل تكون الشهادة شهادة زور يجب أن تكون شهادة فؤادية أي معلومات معتمدة‬
‫على السمع والبصر مباشرة‪ .‬أما إذا كانت غير ذلك كالرأي الستنتاجي أو الستقرائي فتسمى خبرة وليست شهادة‪ .‬ومن الية رقم "‪ "78‬من‬
‫سورة النحل نستنتج أن النسان يولد خاليا‪ O‬من كل المعلومات‪ ،‬أي أن المعلومات المخزنة عنده تساوي الصفر‪ ،‬والحواس وعلى رأسها "السمع‬
‫والبصر" هي مصدر بداية المعلومات‪ ،‬فالفؤاد "الدراك المشخص" يعتبر المقدمات المادية للفكر النساني المجرد‪ .‬أي أن الفؤاد يعتبر المرحلة‬
‫الولى من مراحل التفكير النساني‪-‬وهو القاسم المشترك بين أهل الرض جميعا‪ O‬عالمهم وجاهلهم‪-‬ذكيهم وغبيهم‪" .‬انظر فرع نشأة الفكرة‬
‫وارتباطه باللغة"‪ .‬وهكذا نفهم لماذا يعتبر التلفزيون أهم وسيلة للعلم ظهرت في العالم ‪ ..‬لنه مصدر معلومات فؤادي يعتمد على السمع‬
‫والبصر "صوت وصورة" ولنه جذب معظم أهل الرض ودخل في حياتهم‪.‬‬
‫وهنا نفهم قوله تعالى‪) :‬ول يحيطون بشيء من علمه إل بما شاء ‪ ..‬الية(‪) .‬البقرة ‪ .(255‬هنا ربط المشيئة بحرف الجر "الباء" بقوله "بما‬
‫شاء" وهذا يعني أن المعلومات التي يحيط بها النسان تأتي بالوساطة التي أرادها ال وهي السمع والبصر والفؤاد‪ .‬وأيضا‪ O‬ربط الفؤاد بالسمع‬
‫والبصر لكي يميز بداية التفكير النساني عن البهائم‪ ،‬فالبهائم لها سمع وبصر وفؤاد انعكاسي ولكنها دون فؤاد إنساني‪ .‬وقد أعطى الكتاب معنى‬
‫قياسيا‪ O‬للفؤاد حيث هو في اللسان العربي من "فأد" وهو أصل صحيح يدل على حم‪w‬ى وشدة حرارة ومن ذلك فأدت اللحم أي شويته‪ .‬وقد سمي‬
‫بذلك الفؤاد لنه مقدمات أو هو المرحلة الولية من مراحل الفكر النساني‪ ،‬وقد أعطى القرآن هذا المعنى على أنه معنى حمول على المعنى الول‬
‫حيث أن الفؤاد هو بمثابة الصاعق "المحرض" أو مرحلة القلع للفكر النساني‪.‬‬

‫‪ -4‬القلب‪:‬‬
‫لقد جاء القلب في اللسان العربي من "قلب" والقاف واللم والباء أصلن صحيحان‪ :‬أحدهما يدل على خالص شيء وشريفه‪ ،‬والخر على رد‬
‫شيء من جهة إلى جهة‪ ،‬والول القلب قلب النسان وغيره سمي قلبا‪ O‬لنه أخلص شيء فيه وأرفعه‪ ،‬وخالص كل شيء وأشرفه قلبه‪.‬‬
‫لنر الن كيف استعمل الكتاب هذا المصطلح‪ .‬فما هو أخلص شيء وأشرفه في النسان؟ ويا ترى أي عضو من أعضاء النسان أطلق عليه الكتاب‬
‫مصطلح القلب؟‬
‫لقد أطرق الكتاب مصطلح القلب على عضو يعتبر من أنبل العضاء في جسم النسان‪ ،‬هذا العضو هو المخ وهو أنبل العضاء لدى النسان لذا‬
‫سمي بالقلب وقلب المخ هو القشرة الخارجية حيث هي أنبل جزء فيه "مركز الفكر والرادة" وفي هذه الحالة يزول التعجب حيث أن الكتاب ذكر‬
‫من أعضاء النسان اليدين والرجل والجلود والحناجر والذن والعين واللسان والشفة والمعاء والقلب فكيف لم يذكر المخ وهو أنبل العضاء‬
‫قاطبة؟‬
‫وإذا استعرضنا آيات الكتاب رأينا أنه ذكر المخ صراحة على أنه القلب وذلك في قوله‪) :‬أفلم يسيروا في الرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو‬
‫آذان يسمعون بها فإنها ل تعمى البصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور( )الحج ‪) .(46‬ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا‪ O‬من الجن والنس لهم قلوب ل‬
‫يفقهون بها ولهم أعين ل يبصرون بها ولهم آذان ل يسمعون بها أولئك كالنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون( )العراف ‪ (179‬والنسان يتميز‬
‫عن النعام بالقشرة الخارجية للمخ‪.‬‬
‫نلحظ في اليتين "‪ "46‬من سورة الحج و"‪ "19‬من سورة العراف أن القلب ليس العضلة التي تضخ الدم حيث وضع الصفات والموصفات‬
‫التالية‪:‬‬
‫‪" -1‬آذان يسمعون بها" الذن عضو والسمع وظيفة الذن‪.‬‬
‫‪" -2‬أعين ل يبصرون بها" العين عضو والبصر وظيفة العين‪.‬‬
‫‪" -3‬آذان ل يسمعون بها" الذن عضو والسمع وظيفة الذن‪.‬‬
‫‪" -4‬قلوب يعقلون بها" القلب عضو والعقل وظيفة القلب "وهنا هو المخ النساني"‬
‫‪" -5‬قلوب ل يفقهون بها" القلب عضو والفقه وظيفة القلب‬
‫قد يسأل سائل لماذا لم يذك المخ صراحة؟ فالجواب أنه في سورة العراف ذكر الجن والنس وذكر القلب على أنه عضو التفقه‪ ،‬والقلب هو أنبل‬
‫وأشرف عضو في المخلوق وهو المخ عند النسان وليس من الضروري أنه المخ عند الجن لن الجن مخلوقات عاقلة من نوع آخر فكان القلب‬
‫الذي هو أنبل عضو بغض النظر عن اسمه الفيزيولوجي تحديدا‪ O‬هو قاسم مشترك بين النس والجن‪.‬‬
‫وقد ذكر الزمخشري في "الكشاف م ‪ 3‬ص ‪" "167‬أن القلوب مراكز العقول"‪.‬‬
‫لقد ذكر الكتاب للقلوب فعلن الول يعقلون بها والثاني يفقهون بها وهما فعلن متغايران‪ .‬فالفقه جاء من "فقه" ويدل على إدراك الشيء والعلم‬
‫به وكل علم بشيء فهو فقه ثم اختص بذلك علم الشريعة‪ ،‬فقيل لكل عالم بالحلل والحرام فقيه‪ ،‬وأفقهتك الشيء إذا بينته لك‪ .‬فيهمنا هنا المعنى‬
‫الساسي وهو العلم بالشيء بكامل تفاصيله حيث سمي فيما بعد العلم بالحلل والحرام "الفقه"‪ ،‬علما‪ O‬بأنه يحتوي على تفاصيل دقيقة ظرفية‬
‫وعينية‪ .‬أما قوله‪) :‬فإنها ل تعمى البصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور(‪) .‬الحج ‪ .(46‬فهنا الصدور ل تعني صدر النسان الذي يحتوي‬
‫على العضلة القلبية وقد شرحت في الباب الول مفهوم الصد كقوله )الذي يوسوس في صدور الناس( )الناس ‪.(5‬‬
‫وتعني الناس الذين يشغلون مواقع الصدارة في المجتمع‪ ،‬وقوله )بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم( )العنكبوت ‪ (49‬هنا أيضا‪ O‬الناس‬
‫الذين يشغلون مراكز الصدارة بين العلماء أي الراسخون في العلم‪ ،‬فالصد هنا أبرز شيء في النسان وهو الرأس الذي يحتل مركز الصدارة بين‬
‫أجزاء النسان‪.‬‬
‫والصدر في اللسان العربي له أصلن صحيحان "أحدهما يدل على خلف الورد" والخر صدر النسان وغيره‪ ،‬والصدار ثوب يغطي الرأس‬
‫والصدر‪ .‬ففي معنى الرأس قوله تعالى‪) :‬القلوب التي في الصدور(‪ .‬وفي معنى الصدر جاء في قوله تعالى‪) :‬ألم نشرح لك صدرك( )النشراح ‪.(1‬‬
‫وهنا ل تعني المعنى الفيزيولوجي المباشر لشق الصدر "عملية جراحية" ولكن لها معنى محمول وهو التشجيع والراحة في القدام على عمل ما‬
‫كقوله )رب اشرح لي صدري( )طه ‪.(25‬‬
‫أما في معنى الصدر عكس الورود فقد جاءت في قوله تعالى )يومئذ” يصدر الناس أشتاتا‪ O‬ليروا أعمالهم( )الزلزلة( وفي قوله تعالى‪) :‬قالتا ل نسقي‬
‫حتى يصدر الرعاء( )القصص ‪.(23‬‬
‫الن إذا رتلنا آيات الكتاب التي تحوي على القلب فإننا نراها ل تخرج عن هذا المعنى‪:‬‬
‫‪) - 1‬ولو كنت فظا‪ O‬غليظ القلب لنفضوا من حولك( )آل عمران ‪ .(159‬هنا ذك ناحيتين مهمتين في النسان‪ :‬الناحية الولى الفظاظة في الطبع‬
‫وهي سلوكية‪ ،‬وغلظة القلب وهي التي نقول عنها الن "بلدة الذهن أو الغباء" ‪ .STUPID‬فالنبي صلى ال عليه وسلم كان فطنا‪ O‬حيث أن‬
‫الفطنة من صفات النبوة‪.‬‬
‫‪) - 2‬إل من أتى ال بقلب سليم( )الشعراء ‪) .(89‬وإن من شيعته لبراهيم * إذ جاء ربه بقلب” سليم( )الصافات ‪ .(84 ،83‬هنا القلب السليم تعني‬
‫سلمة التفكير ونضجه‪ ،‬وقد ذكر هذا عن إبراهيم في مكان آخر في قوله )ولقد آتينا إبراهيم رشده• من قبل وكنا به عالمين( )النبياء ‪.(51‬‬
‫وقد عبر أيضا‪ O‬عن القلب السليم في قصة تكسير إبراهيم للصنام بقوله‪) :‬فاسألوهم إن كانوا ينطقون( )النبياء ‪ .(63‬وقوله‪) :‬قال هل يسمعونكم‬
‫إذ تدعون( )الشعراء ‪) .(72‬أو ينفعونكم أو يضرون( )الشعراء ‪ .(73‬وكذلك إخباره عن سلمة تفكير إبراهيم‪) .‬وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف‬
‫تحيي الموتى قال أولم بتؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي( )البقرة ‪ (260‬هنا أعطانا رأس المنهج العلمي السليم الذي بدونه ل يمكن أن يتقدم العلم‬
‫وهو منهج الشك للوصول إلى اليقين‪ .‬ومنهج التجربة العلمية "الختبار" لمطابقة الحقيقة الموضوعية مع المقدمات والنتائج النظرية‪.‬‬
‫فالعلماء الن يضعون النظيات العلمية‪ ،‬ويعلمون أنها مترابطة منطقيا‪ ،O‬ومع ذلك فإنهم يخضعونها للتجربة العملية لمطابقة النظري مع الواقع‬
‫العلمي وهذا هو أكبر اختبار لية نظرية‪ ،‬وهذا ما فعله إبراهيم تماما‪ ،O‬إذ أراد أن يخضع نظرية البعث وإحياء الموتى للتجربة العملية مع أنه واثق‬
‫منها لذا قال )بلى ولكن ليطمئن قلبي( فكان إبراهيم بهذا إماما‪ O‬للناس في قوله‪) :‬وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات” فأتمنهن قال إني جاعلك للناس‬
‫إماما‪ O‬قال ومن ذريتي قال ل ينال عهدي الظالمين( )البقرة ‪.(124‬‬
‫هنا نلحظ قوله‪) :‬إني جاعلك للناس إماما‪ .(O‬ولم يقل "إني جاعلك للمتقين إماما‪ "O‬فإبراهيم هو إمام الناس المؤمن منهم والكافر ول يمكن أن‬
‫يكون إمامهم إل بالمنهج العلمي السليم لذا قال‪) :‬إذ جاء ربه بقلب” سليم( )الصافات ‪ .(84‬وهنا يجب أن ل نفهم المامية بالتقوى لن المتقين هم‬
‫من الناس ولكن ليس كل الناس من المتقين‪ .‬وقد أكد ذلك بقوله‪) :‬وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات”( وقد قلنا إن الكلمات هي عين الموجودات‬
‫وقوانينها وليست صلة أو صوما‪ O‬أو أخلقا‪ O‬فاضلة‪.‬‬
‫‪) - 3‬قل من كان عدوا‪ O‬لجبريل فإنه نزله على قلبك( )البقرة ‪) .(97‬نزل به الروح المين * على قلبك لتكون ن المنذرين( )الشعراء ‪(194-193‬‬
‫لقد كان الكتاب يوحى إلى النبي صلى ال عليه وسلم وحيا‪ O‬مجردا‪ O‬بوساطة جبريل وكان يغيب عن الوعي ويصحو‪ ،‬فإذا باليات الموحاة منقوشة‬
‫"مسجلة" في دماغه لذا قال‪) :‬نزله على قلبك( )البقرة ‪ .(97‬وقال‪) :‬على قلبك لتكون من المنذرين(‪.‬‬

‫‪) - 4‬أم يقولون افترى على ال كذبا‪ O‬فإن يشأ ال يختم على قلبك( )الشورى ‪ .(24‬والفتراء هو نشاط فكري بحت ويجري في المخ‪ ،‬لذا علق على‬
‫الفتراء بقوله‪) :‬إن يشأ ال يختم على قلبك(‪ .‬ففي هذه الحالة يصبح المخ عاجزا‪ O‬عن التفكير‪ ،‬وكذلك في قوله‪) :‬فطبع على قلوبهم فهم ل‬
‫يفقهون( )المنافقون ‪.(3‬‬
‫‪) - 5‬ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد ال على ما في قلبه وهو ألد الخصام( )البقرة ‪ .(204‬القول هو من نشاط الفكر وقد قلنا‪:‬‬
‫إن الكلم حين يتحول إلى معنى في الذهن يصبح قول‪ ،O‬وهذه الية تصف المنافقين‪) :‬يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم( )الفتح ‪ .(11‬فالنسان‬
‫عندما يقول شيئا‪ O‬ويضمر شيئا‪ O‬آخر فإنه يضمره في دماغه ل في العضلة التي تضخ الدم‪.‬‬
‫ثم إنه لو كان يقصد بالقلب العضلة التي تضخ الدم فإن الحيوانات العليا كالقردة لها عضلة قلبية كعضلتنا تماما‪ O‬ولكن دماغها ليس كدماغنا أي‬
‫أنها ل تملك نشاطا‪ O‬فكريا‪ .‬وكل شيء قاله القلب في الكتاب يتعلق بالنشاط الفكري الذي يميز النسان عن بقية الحيوانات‪.‬‬
‫‪) - 6‬أفل يتدبرون القرآن أم على قلوب” أقفالها( )محمد ‪ .(24‬إن التدبر صفة إنسانية والقرآن بحاجة إلى تدبر لذا أتبع تدبر القرآن بقوله‪) :‬أم على‬
‫قلوب” أقفالها(‪ .‬هذا الصلح الذي نقول عنه الن مخ مغلق أو مقفل )‪.(Closed Mind‬‬
‫‪) - 7‬تحسبهم جميعا‪ O‬وقلوبهم شتى( )الحشر ‪ .(14‬ففي قوله‪) :‬وقلوبهم شتى(‪ .‬يذكر الخلفات الفكرية بين اليهود‪.‬‬
‫‪) - 8‬فلما زاغوا أزاغ ال قلوبهم( )الصف ‪) .(5‬ربنا ل تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة‪ O‬إنك أنت الوهاب( )آل عمران ‪.(8‬‬
‫فالزيغ تعني النقص وهو عكس الطغيان "الزيادة" كقوله‪) :‬ما زاغ البصر وما طغى(‪) .‬النجم ‪ (17‬وهو النحراف لذا قال‪) :‬فلما زاغوا أزاغ ال‬
‫قلوبهم(‪ .‬أي أصبح تفكيرهم منحرفا‪.O‬‬
‫‪) - 9‬ثم قست قلوبكم(‪ .‬عن بني اسرائيل تعني أنهم تحجروا في تفكيرهم من بعد موسى‪ ،‬ول تعني "قست قلوبكم" أي حصل معهم تصلب في‬
‫الشرايين‪.‬‬
‫‪) - 10‬ل يؤاخذكم ال باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم وال غفور حليم(‪) .‬البقرة ‪.(225‬‬
‫هنا يذكر ال أن المؤاخذة عن اليمان والعمال التي يقوم بها النسان عمدا‪ O‬وعن وعي لما يعمل‪ ،‬ولذا قال‪) :‬ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم(‪.‬‬
‫وهذا المعنى جاء أيضا‪ O‬في قوله تعالى‪) :‬ادعوهم لبائهم هو أقسط عند ال فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح‬
‫فيما أخطأتم به ولك ما تعمدت قلوبكم وكان ال غفورا‪ O‬رحيما( )الحزاب ‪.(5‬‬
‫هنا أيضا‪ O‬وضح العمال المقصودة عن وعي وإدراك حيث عبر عنها بقوله‪) :‬ما تعمدت قلوبكم( وقد عبر عن الحالة غير المقصود بقوله‪) :‬فيما‬
‫أخطأتم(‪ .‬والخطأ والعمد ما هما إل نشاطان فكريان‪.‬‬
‫‪) - 11‬يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة ال عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا‪ O‬وجنودا‪ O‬لم تروها وكحان ال بما تعملون بصيرا( )الحزاب‬
‫‪) .(9‬إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت البصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بال الظنونا(‪) .‬الحزاب ‪.(10‬‬
‫عندما ينتاب النسان الخوف ويظن أن الذي اعتمد عليه قد سحب تأييده‪ ،‬وفي هذه الحالة "المعتمد عليه هو ال" لذا قال‪) :‬وتظنون بال‬
‫الظنونا(‪ .‬في هذه الحالة )بلغت القلوب الحناجر(‪ .‬تعني ما يلي‪ :‬الحنجرة هي جهاز الصوت "الكلم" والقلب هو جهاز الفكر والعقل‪ .‬أي يبدأ‬
‫النسان بالتعبير صراحة وجهرا‪ O‬عن شكوكه واستيائه‪.‬‬
‫لذا عندما قال‪) :‬وبلغت القلوب الحناجر(‪ .‬أتبعها بقوله‪) :‬وتظنون بال الظنونا(‪.‬‬
‫كذلك نفهم أيضا‪ O‬قوله تعالى‪) :‬وأنذرهم يوم الزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ول شفيع يطاع( )غافر ‪.(18‬‬
‫حيث أنه في يوم الحساب )يوم الزفة(‪ .‬كل شيء موجود في القلب "في المخ" يصبح على اللسان‪) .‬إذ القلوب لدى الحناجر(‪ .‬ول يوجد أي شيء‬
‫يمكن أن يخفيه النسان مع أنه ل يرغب بإبدائه لذا قال‪) :‬كاظمين( والكاظمون لها أصل واحد وهو "المساك والجمع لشيء"‪.‬‬
‫وهذا المصطلح ما زال شائعا‪ O‬حتى يومنا هذا إذ نقول أن زيدا‪ O‬من الناس ل يخفي شيئا‪ ،O‬ما في قلبه على لسانه‪.‬‬
‫‪) - 12‬إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ال وابن السبيل فريضة‪ O‬من ال وال‬
‫عليم حكيم( )التوبة ‪.(60‬‬
‫يحدد هنا مصارف الصدقات‪ ،‬ويذكر أن نوعا‪ O‬من المستفيدين منها هم مجموعة من الناس سماهم "والمؤلفة قلوبهم"‪ ،‬هؤلء الناس الذين لهم‬
‫جاه معين أو من الذين يتصفون بالحكمة ورجاحة العقل والدين يؤدون دورا‪ O‬في إقناع الناس الخرين بتأييدهم لفكرة أو قضية ما وعدم الوقوف‬
‫ضدها‪.‬‬
‫‪) - 13‬وأصبح فؤاد أم موسى فارغا‪ O‬إن كادت لتبدي به لول أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين( )القصص ‪.(10‬‬
‫لقد قلنا في بحث الفؤاد‪ .‬إن الفؤاد هو الدراك المشخص المرتبط بالحواس مباشرة وعلى رأسها السمع والبصر وهو القاسم المشترك بين أهل‬
‫الرض جميعا‪ O‬الذين يملكون حواسا‪ ،O‬لذا عندما ألقت أم موسى ولدها في اليم على مرأى ومسمع منها فرغ إدراكها الفؤادي أي كادت تخضع لرد‬
‫الفعل النعكاسي البهيمي أي تسلك سلوكا‪ O‬بهيميا‪ O‬كما تسلك البهائم عند فقدان أولدها وذلك بأن تصوت وتصرخ وتجلب النتباه إليها لذا أتبعها‬
‫بقوله‪) :‬إن كادت لتبدي به(‪ .‬ولكن لكي يثبتها ويجعل عقلها يسيطر عليها وتسلك سلوك انسان رابط الجأش صابر قال‪) :‬لول أن ربطنا على قلبها(‬
‫ومركز الدارة في القلب‪.‬‬
‫‪) - 14‬ذلك ومن يعظم شعائر ال فإنها من تقوى القلوب( )الحج ‪ .(32‬هذه الية تتكلم عن شعائر الحج‪ ،‬وشعائر الحج طقوس تعبدية لذا ذكر فيها‬
‫التقوى التقوى جاءت من فعل "وقى" وهي تدل على دفع شيء عن شيء بغيره‪ ،‬والوقاية‪ :‬ما يقي الشيء‪ ،‬واتق ال "توقه"‪ ،‬أي اجعل بينك‬
‫وبينه كالوقاية‪ .‬ومنه جاء الطب الوقائي وهو إجراءات يقوم بها النسان ليدفع عن نفسه المرض وكذلك تعظيم شعائر ال هو من إجراءات‬
‫الوقاية الواعية العاقلة التي يقوم بها النسان لذا قال‪) :‬من تقوى القلوب(‪.‬‬
‫هنا أيضا‪ O‬نذكر قوله تعالى‪:‬‬
‫)الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر ال أل بذكر ال تطمئن القلوب( )الرعد ‪.(28‬‬
‫فحتى يطمئن تفكير النسان بذكر ال يجب عليه أول‪ O‬أن يكون مؤمنا‪ O‬لذا بدأ الية بقوله‪) :‬الذين آمنوا(‪ .‬والطمئنان بذكر ال هو التباع الواعي‬
‫لوامر ال الواردة في الكتاب وعلى رأسها الوصايا‪ ،‬هذا التباع الواعي هو الذي يولد الطمئنان‪ ،‬لذا أتبعها‪) .‬وتطمئن قلوبهم بذكر ال(‪ .‬وعندما‬
‫ذكر الوصايا الخمس الولى من الفرقان قال‪) :‬ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون( )النعام ‪ .(151‬والمصطلح الحديث لطمئنان القلب ما يسمى "براحة‬
‫البال ‪.(peace of mind‬‬
‫‪) - 15‬وسنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بال ما لم ينزل به سلطانا‪ O‬ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين( )آل عمران ‪.(151‬‬
‫)إذ يوحي ربك إلى الملئكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق العناق واضربوا منهم كل بنان(‪.‬‬
‫)النفال ‪.(12‬‬
‫إن الرعب في اللسان العربي له ثلثة أصول "الخوف‪ ،‬والملء‪ ،‬والقطع"‪ .‬فهنا المعنى الول وهو "الخوف" والثالث وهو "القطع" كقولنا‬
‫للشيء المقطع‪ :‬مرعب‪ ،‬فهنا الرعب هو الخوف واختلف الرأي وهذه من صفات القلوب‪.‬‬
‫‪) - 16‬ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الولين( )الحجر ‪.(10‬‬
‫)وما يأتيهم من رسول” إل كانوا به يستهزئون( )الحجر ‪.(11‬‬

‫)كذلك نسلكه في قلوب المجرمين( )الحجر ‪.(12‬‬
‫)ل يؤمنون به وقد خلت سنة الولين( )الحجر ‪.(13‬‬
‫)ولو نزلناه على بعض العجمين( )الشعراء ‪.(198‬‬
‫)فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين( )الشعراء ‪.(199‬‬
‫)كذلك سلكناه في قلوب المجرمين( )الشعراء ‪.(200‬‬
‫)ل يؤمنون به حتى يروا العذاب الليم( )الشعراء ‪.(201‬‬
‫يذكر القرآن هنا أن المجرمين يصرون على أنه مجموعة الساطير القديمة لذا تكلم عن شيع الولين علما‪ O‬بأن طريقة النبوات والمعجزات للولين‬
‫قد خلت‪ ،‬وأن هذه المعجزات جديدة هي للخرين وليست للولين‪.‬‬
‫‪) - 17‬ما جعل ال لرجل من قلبين في جوفه‪) (ž‬الحزاب ‪.(4‬‬
‫هنا يتكلم عن جوف الرأس "الجمجمة" الذي يحتوي على دماغ واحد مهما كانت التشوهات الخلقية لنه لو كان هناك دماغان لجسد واحد لصبح‬
‫هذا المخلوق اثنين وليس بواحد‪ .‬لن الذي يحدد شخصية النسان دماغه وليس العضلة القلبية أو بقية العضاء‪.‬‬
‫نخلص إذا‪ O‬إلى أن اليات الواردة في الكتاب والمذكور فيها "القلب" تعني أشرف وأنبل عضو في النسان وهو الدماغ وهو عضو التعقل كما أن‬
‫العين هي عضو البصر والذن عضو السمع‪ ،‬وهذا ما نراه في الطب الحديث إذ أن القلب الذي يضخ الدم يمكن أن ينتقل من إنسان إلى آخر دون‬
‫أن يؤثر على شخصية الخر‪ .‬ولكن إذا انتقل دماغ زيد إلى جوف رأس عمرو "جوف الجمجمة" فإن عمرا‪ O‬سيصبح زيدا‪ .O‬ولكي نميز القلب الذي‬
‫يعقل عن القلب الذي يضخ الدم يجب علينا أن نقول‪" :‬القلب" عن الذي يعقل و"العضلة القلبية" عن الذي يضخ الدم‪ .‬ونحن نعلم الن أن العضلة‬
‫القلبية والدماغ هما العضاء النبيلة في النسان‪ ،‬والدماغ أنبلها حيث أن الموت يتحدد بتوقف الدماغ عن العمل ل بتوقف القلب‪.‬‬
‫‪ -5‬العقل والفكر‪:‬‬
‫العقل في اللسان العربي جاء من "عقل" وهو أصل واحد مطرد منقاس يدل عظمه على حبسة” في الشيء أو ما يقارب الحبسة‪ .‬من ذلك العقل‬
‫وهو الحابس عن ذميم القول والفعل‪ .‬قال الخليل‪ :‬العقل‪ :‬نقيض الجهل يقال‪ :‬عقل‪ ،‬يعقل عقل‪ ،O‬ومن الباب‪ :‬المعقل وهو الحصن‪ .‬ويقال‪ :‬عقلت‬
‫البعير‪ ،‬أعقله عقل‪ O‬إذا شددت يده بعقاله‪ ،‬وهو الرباط‪ ،‬وعقيلة كل شيء أكرمه‪.‬‬
‫والفكر في اللسان العربي جاء من "فكر" وهي تردد القلب في الشيء‪ .‬وجذرها "فك" وتعني التفتح والنفراج‪ ،‬من ذلك فكاك الرهن وهو فتحه‬
‫من النغلق وجاءت الراء للتكرار والترداد في عملية التفتح وفك الشياء بعضها عن بعض‪ ،‬ومنه جاء معنى الفكر وهو فك الشياء بعضها عن‬
‫بعض وتقليبها‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن الفكر والعقل صفتان متتامتان فالفكر يفكك الشياء بعضها عن بعض ويقلبها والعقل يشد "يربط" الشياء بعضها إلى بعض فالفكر‬
‫يفاضل ويحلل الشياء بعضها عن بعض والعقل يكامل ويركب عناصر الشياء بعضها إلى بعض ليصدر حكما‪ O‬يتعلق بالوجود المادي الموضوعي‬
‫أو حكما‪ O‬يتعلق بالسلوك الجتماعي والخلقي‪.‬‬
‫ الفؤاد والفكر والعقل من سمات النسان وهي لنفخة الروح‪ .‬هذه الصفات الثلث ارتبطت بنشأة اللغة‪.‬‬‫‪ -6‬البشر والنسان‪:‬‬
‫لقد ورد مصطلح البشر في الكتاب ليعبر عن الوجود الفيزيولوجي لكائن حي له صفة الحياة كبقية المخلوقات الحية وقد شرحت في القانون الول‬
‫للجدل كيف نمت الحياة وتطورت عن طريق البث الذي يحتوي على الطفرات الحياتية التي أدت إلى ظهور البشر وقد متميز البشر في الظهور‬
‫ككائن حي مستقل في الفترة التي ظهرت فيها النعام )خلقكم من نفس” واحدة” ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من النعام ثمانية أزواج يخلقكم في‬
‫بطون أمهاتكم خلقا‪ O‬من بعد خلق” في ظلمات ثلث” ذلكم ال ربكم له الملك ل إله إل هو فأنى تصرفون(‪.‬‬
‫)الزمر ‪ .(6‬ففي هذه الية نلحظ أن وجود النسان البشري قد تزامن مع ظهور النعام وقد شرحت في بحث مفردات الذكر معنى النزال والتنزيل‪.‬‬
‫وكيف أن النسان في رحم الم يمر بكل مراحل التطور التي مر بها وهي الظلمات الثلث وهي المرحلة الحيوانية البحرية والمرحلة الحيوانية‬
‫البحرية البرية والمرحلة الحيوانية البرية‪ .‬وعندا شرح الكتاب إحدى رماحل خلق النسان بالمعنى العام وذلك بالمقارنة مع الجان قال‪) :‬ولقد‬
‫خلقنا النسان من صلصال” من حمأ مسنون( )الحجر ‪.(26‬‬
‫وعندما أعطى التفصيل أتبعها بقوله‪) :‬وإذ قال ربك للملئكة إني خالق بشرا‪ O‬من صلصال” من حمأ مسنون( )الحجر ‪) .(28‬فإذا سويته ونفخت فيه‬
‫من روحي فقعوا له ساجدين( )الحجر ‪ .(29‬وبعد نفخة الروح أمر ال إبليس بالسجود فأجاب‪) :‬قال لم أكن لسجد لبشر خلقته من صلصال من‬
‫حمأ مسنون( )الحجر ‪ .(33‬وفي سورة "ص" قال‪) :‬إذ قال ربك للملئكة إني خالق بشرا‪ O‬من طين( )ص ‪) .(71‬فإذا سويته ونفخت فيه من روحي‬
‫فقعوا له ساجدين( )ص ‪ .(72‬وقد قلنا‪ :‬إن الخلق هو التقدير قبل التنفيذ‪ .‬لذا فعندما قال للملئكة‪) :‬إني خالق بشرا‪ (O‬فهذا يعني أن البشر لم يظهر‬
‫بعد• لذا اتبعها بقوله‪) :‬فإذا سويته(‪.‬‬
‫ثم اتبعها بقوله )ونفخت فيه من روحي( وبين الخلق والتسوية توجد الداة "إذا" وهي ظرف لما يستقبل من الزمن‪ .‬لذا قال )هو الذي خلقكم من‬
‫طين ثم قضى أجل‪ O‬وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون( )النعام ‪ .(2‬ثم استعمل أداتين معا‪ O‬وهما "ثم وإذا" في قوله‪) :‬ومن آياته أن خلقكم من‬
‫تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون( )الروم ‪ (20‬وقد استعمل هاتين الداتين معا‪ O‬بسبب الفارق الزمني الطويل بين التراب "المواد غير العضوية"‬
‫وبين البشر هذه المرحلة التي أخذت مئات المليين من السنين‪ .‬وقد بين أن النتشار في الرض حصل في مرحلة البشر قبل نفخة الروح وأن‬
‫البشر كان منتشرا‪ O‬قبل مرحلة النسنة‪ .‬وأن البشر هو الشكل المادي الحيوي الفيزيولوجي الظاهري للنسان حيث أن النسان هو كائن بشري‬
‫مستأنس غير مستوحش "اجتماعي"‪.‬‬
‫وقد أجمل خلق النسان في بداية التنزيل في قوله‪) :‬خلق النسان من علق(‪) .‬العلق ‪ .(2‬والعلق جاء من "علق" وفي اللسان العربي علق به و‬
‫علقه‪ :‬نشب به‪ ،‬كقول جرير يصف شجاعا‪:O‬‬
‫إذا علقت مخالبه• بقرن” أصاب القلب أو هتك الحجايا‬
‫"الزمخشري أساس البلغة ص ‪"211‬‬
‫وفي ابن فارس العين واللم والقاف أصل كبير صحيح يرجع إلى معنى واحد وهو أن يناط الشيء بالشيء ثم يتسع الكلم فيه وأحد معاني العلق‬
‫"الدم الجامد"‪.‬‬
‫لقد فهم المفسرون العلق على أنه الدم الجامد وهو تأويل ل يتطابق تمام التطابق مع الحقيقة وذلك لجهلهم بوجود الخلية المنوية والبويضة‬
‫واللقاح الخلوي‪.‬‬
‫فالعلق هو أن يعلق شيء بشيء آخر ومفردها "علقة" لذا قال‪) :‬من نطفة” ثم من علقة”( فوضع العلقة بعد النطفة وهي مفرد وتعني دخول‬
‫الحيوان المنوي إلى البويضة "تعلق شيء بشيء آخر" وهذا ما نسميه اللقاح وهو ما نقول عنه الن في المصطلح الحديث "علقة" فالعلق‬
‫جمع علقة "أي علقات" وقوله‪) :‬خلق النسان من علق”(‪ .‬أي أن النسان مخلوق من مجموعة من العلقات هذه العلقات التي نقول عنها في‬

‫المصطلح الحديث علقات فيزيائية وكيميائية معدنية وعضوية وبيولوجية الخ‪ .‬ثم لنلحظ أن قوله )خلق النسان من علق(‪ .‬قد جاءت في بداية‬
‫الوحي للتنويه بأن الوجود المادي هو مجموعة كبيرة من العلقات المتداخلة بعضها ببعض‪ ،‬ومن هذه العلقات ل من خارجها تم خلق النسان‪.‬‬
‫وذلك للدللة على أن الوجود المادي خارج الوعي النساني هو مجموعة من العلقات‪.‬‬
‫ اليات التي ذكر فيها البشر تعني الوجود الفيزيولوجي المادي للنسان وذلك للدللة على جنسه كبشر وليس ملكا‪ O‬أو من جنس آخر‪:‬‬‫‪) - 1‬قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر( )آل عمران ‪.(47‬‬
‫)قالت أنى يكون لي غلم ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا‪) (O‬مريم ‪.(20‬‬
‫)فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا‪ O‬سويا‪) (O‬مريم ‪.(17‬‬
‫إن هذه اليات تبين أن مريم قد رأت روح ال في صورة بشر” بحت ل في صور ملك” أو جن ولذلك قال‪" :‬سويا"‪.‬‬
‫‪) - 2‬ما كان لبشر أن يكلمه ال إل وحيا‪ O‬أو ن وراء حجاب أو يرسل رسول‪ O‬فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم( )الشورى ‪.(51‬‬
‫هنا يؤكد طريقة الوحي للجنس البشري لنه لو كان جنسا‪ O‬آخر لكان من الممكن أن تكون طريقة الوحي غير الذي ذكر فمثل‪ O‬في الوحي للنحل‪،‬‬
‫والنحل ليس بشرا‪ O‬كقوله‪) :‬وأوحى ربك إلى النحل( )النحل ‪ (68‬فهذا يعني أن طريقة وحي ال للنحل غير طريقة وحي ال للبشر‪ .‬ولكي يؤكد أن‬
‫المسيح بشر والبشر إذا أوحي إليه من ال ل يقول للناس كونوا عبادا‪ O‬لي‪ .‬فإذا حصل أن قال أحد من البشر للناس كونوا عبادا‪ O‬لي فهذا يعني أنه‬
‫دجال ولم يوح إليه شيء‪.‬‬
‫‪) - 3‬ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر( )النحل ‪.(103‬‬
‫)إن هذا إل قول البشر( )المدثر ‪.(25‬‬
‫هنا أكد أن الذي يكلم النبي صلى ال عليه وسلم ليس من البشر أي ليس من جنس النبي صلى ال عليه وسلم وإنما يعلمه ال عن طريق الوحي‬
‫وهو ليس من البشر‪ .‬وقول الوليد بن المغيرة إن الذي يوحى إلى محمد هو من قول البشر أي من قول مخلوق من جنسنا‪.‬‬
‫‪) - 4‬ما هذا إل بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه( )المؤمنون ‪ .(33‬هنا أكد أن الطعام من صفات البشر وأن الرسل الذين أرسلهم ال كانوا من‬
‫البشر يأكلون كما تأكل بقية الناس‪.‬‬
‫‪) - 5‬بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب• من يشاء( )المائدة ‪) .(18‬وما قدروا ال حق قدره إذ قالوا ما أنزل ال على بشر” من شيء(‬
‫)النعام ‪) .(91‬قالوا إن أنتم إل بشر مثلنا تريدون أن تصدونا( )إبراهيم ‪) .(10‬قالت لهم رسلهم إن نحن إل بشر مثلكم( )ابراهيم ‪) .(11‬قل إنما أنا‬
‫بشر مثلكم يوحى إلي(‪) .‬الكهف ‪) .(110‬ما هذا إل بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء ال لنزل ملئك ‪O‬ة ما سمعنا بهذا في آبائنا الولين(‪.‬‬
‫)المؤمنون ‪.(24‬‬
‫ )ما أنت إل بشر مثلنا فأت بآية” إن كنت من الصادقين( )الشعراء ‪.(186‬‬‫ )فقال المل الذين كفروا من قومه‪ ž‬ما نراك إل بشرا‪ O‬مثلنا( )هود ‪.(27‬‬‫ )وقلن حاش ل ما هذا بشرا‪ O‬إن هذا إل ملك كريم( )يوسف ‪.(31‬‬‫ )وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إل أن قالوا أبعث ال بشرا‪ O‬رسول‪) (O‬السراء ‪.(94‬‬‫ )ولئن أطعتم بشرا‪ O‬مثلكم إنكم إذا‪ O‬لخاسرون( )المؤمنون ‪.(34‬‬‫ )فقالوا أبشرا‪ O‬منا واحدا‪ O‬نتبعه إنا إذ‪O‬ا لفي ضلل وسعر”( )القمر ‪.(24‬‬‫ )فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون( )المؤمنون ‪ .(47‬هنا نلحظ في تلك اليات السابقة ذكر البشر في مجال الجنس الفيزيولوجي‬‫المادي أي أنه كبقية الناس لهم أيد” ومعده ووجه وباقي العضاء ويأكلون كبقية الناس ولكن يتميزون عنهم فقد بالوحي لذا قال )بشر مثلنا(‪:‬‬
‫)لبشرين مثلنا(‪ .‬وقد قارن البشر كجنس بأنه ليس ملئكة بقوله في مجال المقارنة مع البشر‪) .‬ولو شاء ال لنزل ملئكة‪) .(O‬المؤمنون ‪(24‬‬
‫والملئكة ليسوا من جنس البش وذلك أن الناس تعودوا بأن ينزل ال ملئكة رسل‪ O‬قبل أن يبعث ال رسل‪ O‬منهم بصفة بشرية ولذا كان هذا‬
‫الستغراب الكبير‪.‬‬
‫‪) - 6‬سأصليه سقر * وما أدراك ما سقر * ل تبقي ول تذر * لواحة¡ للبشر * عليها تسعة عشر( )المدثر ‪.(30 ،26‬‬
‫هنا بين أن العذاب جسدي فيزيولوجي بحت قال عن سقر بأنها )لواحة للبشر( ولكي يبين أن إيراد ذكر سقر في الكتاب هو لهذا الجنس الذي هو‬
‫البشر‪.‬‬
‫‪ - 7‬اليات التي جاء فيها النسان "الناس" تعني الكائن العاقل‪:‬‬
‫لقد ورد النسان والناس في عدة آيات بمعنى الكائن العاقل ولكن يجب أن نميز بين أصل إنسان وهو من "أنسن" وتعني في اللسان العربي ظهور‬
‫الشيء وكل شيء خالف طريقة التوحش ومنه النس أي أنس النسان بالشيء إذا لم يستوحش منه ويقال إنسان وإنسانان وأناسي‪.‬‬
‫فالنسان هو البشر المستأنس غير المتوحش‪ ،‬أي له علقة اجتماعية وصلة مع غيره‪ ،‬أما الناس فقد جاءت من "نوس" وهو في اللسان العربي‬
‫أصل يدل على اضطراب وتذبذب فعندما اجتمع النسان مع أخيه النسان تولد عن هذا الجتماع اضطراب وتذبذب في الحياة الجتماعية‬
‫والقتصادية والسياسية‪ ،‬أي لم تسر الحياة بشكل رتيب كما عند بقية المخلوقات كالنحل وأصبحوا ينوسون أي ينتقلون من مكان إلى آخر بشكل‬
‫واع‪ .‬وكلما ازداد النسان في تقدمه النساني كلما زاد النوسان‪.‬‬
‫فإذا تصفحنا آيات الكتاب التي تحتوي على لفظة النسان والناس نراها تدور حول المواضيع التالية‪:‬‬
‫‪) - 1‬ومن الناس من يقول ‪) (..‬البقرة ‪) ،(8‬وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ‪ ..‬الية(‪) .‬البقرة ‪) ،(13‬يا أيها الناس أعبدوا ربكم ‪ ..‬الية(‪.‬‬
‫)البقرة ‪) ،(21‬وقولون للناس ‪) (..‬البقرة ‪) ،(83‬أتأمرون الناس ‪) .(..‬البقرة ‪) ،(44‬ولتجدنهم أحرص الناس ‪) (..‬البقرة ‪) ،(96‬وسيقول السفهاء‬
‫من الناس ‪) (..‬البقرة ‪) ،(142‬بما ينفع الناس ‪) (..‬البقرة ‪) ،(164‬ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ‪) (..‬الروم ‪) ،(41‬شهر‬
‫رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى‪ O‬للناس ‪) (..‬البقرة ‪) ،(185‬يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ‪) (..‬النساء ‪) ،(174‬فل تخشوا الناس ‪(..‬‬
‫)المائدة ‪) ،(44‬وإن كثيرا‪ O‬من الناس لفاسقون ‪) (..‬المائدة ‪) ،(49‬يوسوس في صدور الناس ‪) (..‬الناس ‪) ،(5‬ولكن أكثر الناس ل يعلمون ‪) (..‬سبأ‬
‫‪) ،(28‬لتأكلوا فريقا‪ O‬من أموال الناس ‪) (..‬البقرة ‪) ،(188‬ذلك يوم مجموع له الناس ‪) (..‬هود ‪) ،(103‬وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين(‬
‫)يوسف ‪.(103‬‬
‫نلحظ أن هذه الصيغة كلها صيغ للعاقل ودائما‪ O‬يوجه الخطاب في الكتاب في قوله )يا أيها الناس(‪ .‬ولم يقل أبدا‪ O‬يا أيها البشر‪.‬‬
‫‪) - 2‬إن النسان لظلوم كفار(‪) .‬ابراهيم ‪) ،(34‬ويدع النسان بالشر دعاءه بالخير( )السراء ‪) ،(11‬إن النسان لكفور مبين( )الزخرف ‪) ،(15‬إن‬
‫النسان خلق هلوعا(‪) .‬المعارج ‪) ،(19‬يقول النسان يومئذ” أين المفر( )القيامة ‪) ،(10‬ووصينا النسان بوالديه إحسانا‪) (O‬الحقاف ‪(15‬هذه‬
‫الصفات كلها للمخلوق العاقل‪.‬‬
‫‪ - 3‬عندما ذكر خلق النسان أعطاه في جملة كقوله )خلق النسان من علق(‪ .‬وعندما أعطى التفاصيل وطريقة الخلق ذكر البشر كقوله )إني خالق‬
‫بشرا(‪.‬‬
‫نلحظ الفرق الواضح بين البشر والنسان فالبشر هو الوجود الفيزيولوجي المادي للنسان ككائن حي ضمن مجموعة مخلوقات حية‪ .‬إن القردة‬
‫كائنات حية والنعام كائنات حية لذا عندما ندرس جسم النسان في الجامعة ككائن حي فقط نقول" كلية الطب البشري" ول نقول كلية الطب‬

‫النساني‪ .‬فالبشر هو تباشير النسان أوله حيث تباشير كل شيء أوائله‪ .‬وعندما نقول العلوم النسانية فإننا نقصد علوم اللغات والتاريخ والفلسفة‬
‫والحقوق والشريعة والسياسة والقتصاد وعلم النفس والفنون بأنواعها‪ .‬أي العلوم التي تتعلق بالنسان ككائن حي عاقل له سلوك واع‪.‬‬

‫الفرع الثاني‪ :‬نشأة النسان واللغة‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫عندما بلغ البشر مرحلة متقدمة من التطور العضوي والنضج‪ ،‬أصبح مؤهل‪ O‬لنفخة الروح وهذا التأهيل كان في ظاهرتين رئيسيتين هما‪:‬‬
‫‪ - 1‬انتصاب النسان على قدميه وتحرير اليدين وذلك في قوله تعالى‪) :‬يا أيها النسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسويك فعدلك * في أي‬
‫صورة ما شاء ركبك( )النفطار ‪ .(8 ،7 ،6‬فهنا نرى لفظة عدلك جاءت بعد التسوية‪ ،‬وعدل في اللسان العربي لها أصلن صحيحان لكنهما‬
‫متقابلن كالمتضادين أحدهما يدل على الستواء والخر على العوجاج‪ .‬ونرى هنا معنى عدلك هو معنى فيزيائي وليس اجتماعيا‪ O‬لنه جاء في آية‬
‫واحدة مع الخلق والتسوية‪ ،‬والخلق والتسوية هنا لهما معان مادية وليست اجتماعية بمعنى العدل ضد الظلم‪.‬‬
‫ونرى هنا أن المعنى الول هو الصحيح وهو الستواء على قدمين‪ ،‬لن النسان الن مستو على قدميه ومتحرر اليدين‪ .‬هذه الظاهرة في الستواء‬
‫على القدمين أعطت للنسان بعدا‪ O‬إضافيا‪ O‬وهو تحرير اليدين من أجل ظاهرة العمل الواعي‪ ،‬فإذا نظرنا إلى اليدين في النسان رأيناهما من أروع‬
‫آلت العمل‪ ،‬تمتلكان قدرة هائلة على المناورة في الحركات‪.‬‬
‫‪ - 2‬نضوج جهاز صوتي خاص به‪ ،‬وهذا الجهاز قادر على إصدار نغمات مختلفة بعكس بقية المخلوقات التي تصدر نغمة صوتية واحدة‪ .‬هذا‬
‫الجهاز الصوتي عبر عنه في سورة الرحمن‪) :‬الرحمن * علم القرآن * خلق النسان * علمه البيان( فقوله‪) :‬علمه البيان( عن الرحمن فهذا يعني‬
‫أنه تعلم اللغة بواسطة قوانين مادية موضوعية وليس وحيا‪ O‬أو إلهاما‪ .‬وأول هذه القوانين هو وجود الجهاز الصوتي‪ ،‬لحظ أنه قال "الرحمن"‬
‫ولم يقل "ال"‪.‬‬
‫أول‪ :O‬آدم وبداية نشأة الكلم النساني‪:‬‬
‫ل يمكن للكلم أن يسمى كلما‪ O‬إنسانيا‪ O‬إل إذا كان مقطعا‪ O‬إلى مقاطع صوتية متميزة بعضها عن بعض يصدرها النسان بشكل واع”‪.‬‬
‫عندما أصبح البشر جاهزا‪ O‬من الناحية الفيزيولوجية لعملية نفخة الروح "النسنة"‪ ،‬وذلك بانتصابه على قدميه وتحرير اليدين وبوجود جهاز‬
‫صوتي قادر على إصدار النغمات المختلفة‪ .‬وللدللة على أنه أصبح جاهزا‪ O‬قال‪) :‬وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الرض خليفة‪ O‬قالوا أتجعل‬
‫فيها من ي•فسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ل تعلمون(‬
‫‪) .‬البقرة ‪. (30‬‬
‫نلحظ في هذه الية قوله‪) :‬إني جاعل(‪ .‬والجعل هو عملية التغير في الصيرورة كقوله لبراهيم )إني جاعلك للناس إماما‪ .(O‬إذ لم يكن إبراهيم إماما‬
‫للناس فأصبح إماما‪ .‬واستعمال اسم الفاعل في قوله‪) :‬إني جاعل( فيه دللة على استمرار العملية كقوله‪) :‬إني خالق بشرا‪ O‬من طين( )ص ‪(71‬‬
‫ففي مراحل الخلق المختلفة استعمل )إني خالق(‬
‫فعندما قال )إني جاعل( للدللة على وجود البشر الذي تمت تسويته وأصبح جاهزا‪ O‬لتغير في الصيرورة ليصبح خليفة ال في الرض أي لم يكن‬
‫خليفة فأصبح ولكنه موجود ماديا‪ .‬لذا سأله الملئكة‪) . :‬أتجعل فيها من ي•فسد فيها ويسفك الدماء( لنقارن هذا القول مع قوله‪) :‬إني خالق بشرا‬
‫من طين(‪.‬‬
‫فعندما قال‪) :‬خالق بشرا‪ .(O‬لم يذكر احتجاج الملئكة لنه لم يستو بعد ولم يكن النسان موجودا‪ O‬في شكله الجاهز لنفخة الروح لذا أتبعها بقوله‬
‫)فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين( )ص ‪ .(72‬ومع ذلك لم تقل الملئكة‪) :‬أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء(‪ .‬ولكن‬
‫عندما قال‪) :‬إني جاعل في الرض خليفة‪ (O‬كان البشر ما يزال في المملكة الحيوانية قبل النسنة‪ ،‬ولكنه قائم على رجليه وله جهاز صوتي قادر‬
‫على التنغيم المختلف وكان تصرفه كالبهائم أي يأكل اللحوم )ويسفك الدماء( للدللة على التخريب غير الواعي في الغابات كما تفعل بعض فصائل‬
‫القردة من قطع أغصان الشجار‪ ،‬وهنا يجب أن ل نفهم )يفسد فيها( على أنه سلوك ل أخلقي أي مخالفة تعليمات ال سبحانه وتعالى فهذا يسمى‬
‫فسوق ل فساد‪.‬‬
‫فعندما يصبح الطعام غير صالح للكل نقول‪ :‬فسد الطعام ول نقول فسق الطعام‪ .‬فالفساد هو التخريب كقوله تعالى‪) :‬إنما جزاء الذين يحاربون ال‬
‫ورسوله ويسعون في الرض فسادا‪ O‬أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف” أو ينفوا من الرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في‬
‫الخرة عذاب عظيم( )المائدة ‪.(33‬‬
‫هنا )يسعون في الرض فسادا‪) (O‬تعني قطع الشجر وتخريب الطرق والجسور وهدم البيوت والمنشآت‪.‬‬
‫وكقوله‪) :‬ول تفسدوا في الرض بعد إصلحها( )العراف ‪ (85‬وقوله‪) :‬ول تعثوا في الرض مفسدين(‪) .‬البقرة ‪) (60‬هود ‪) (85‬الشعراء ‪(183‬‬
‫هنا أيضا‪ O‬اكد بأن ال منع تخريب الرض بعد إصلحها وفي قوله‪) :‬ول تعثوا في الرض مفسدين(‪ .‬منع أن نفسد الرض من جراء إقامتنا فيها في‬
‫)ول تعثوا(‪ .‬وكقوله‪) :‬ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لنذيقهم بعض الذي عملوا( )الروم ‪ .(41‬هذه الية تعطينا نبأ مسبقا‪ O‬عن‬
‫ظاهرة التلوث حيث ذكر الفساد في الرض وذكر السبب وهو الناس وهم الناس وليس الكافرين فقط‪ .‬فهنا أعطاها أيضا‪ O‬مفهوما‪ O‬ماديا‪ O‬ل مفهوما‬
‫أخلقيا‪.‬‬
‫وهنا نلحظ الخطأ في القول بأن )ي•فسد فيها ويسفك الدماء( تعني أنه كان هناك مخلوقات عاقلة قبل آدم فسدت وسفكت الدماء فأهلكها ال سبحانه‬
‫وتعالى‪ ،‬أو علمت الملئكة أن هذا المخلوق سيفسد في الرض ويسفك الدماء‪ ،‬فالقولن فيهما نظر‪ ،‬والصحيح عندنا أن الملئكة قالت ما شهدت‬
‫فعل‪ O‬عند قوله‪) :‬إني جاعل في الرض خليفة‪ .(O‬ومن هنا فعلينا أن نعيد النظر في القول الذي يقول إن ال خلق آدم ووضعه في الجنة ثم خلق بعده‬
‫حواء ثم طردا من الجنة هما وابليس ونزل إلى الرض‪ ،‬وذلك للسباب التالية‪:‬‬
‫إن وصف الجنة التي وصفها لدم ل يشبه وصف جنة المتقين‪ ،‬حيث بينا في بحث الساعة والصور واليوم الخر بأن الجنة والنار لم توجدا بعد‬
‫وإنما ستقومان على أنقاض هذا الكون بقوانين مادية جديدة‪ ،‬وأن من صفات جنة المتقين الخلود واختفاء ظاهرة الموت‪ .‬فكيف يمكن إغراء‬
‫إنسان بشيء ل يعرفه وغير موجود؟ وقد تم إغراء آدم بقوله‪) :‬هل أدلك على شجرة الخلد وملك” ل يبلى( )طه ‪ .(120‬وقوله‪) :‬مانهاكما ربكما عن‬
‫هذه الشجرة إل أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين( )العراف ‪.(20‬‬
‫فلول أن آدم يعرف الموت وأن الشياء تبلى لما تغرر بذلك القول وهذه الية تنوه أيضا‪ O‬بأن غريزة البقاء هي أقوى غريزة لدى المخلوقات كلها‪.‬‬
‫ثم تأتي بعدها شهوة التملك وبقاء الممتلكات بقوله )وملك” ل يبلى(‪.‬‬

‫ثم إن وصف جنة آدم بعيدا‪ O‬جدا‪ O‬عن وصف جنة الخلد وذلك في قوله‪) :‬إن لك أل تجوع فيها ول تعرى( )طه ‪) .(118‬وأنك ل تظمأ فيها ول‬
‫تضحى( )طه ‪.(119‬‬
‫هنا نلحظ أنه يصف جنة أرضية تشبه الغابة التي فيها ثمار طبيعية بحيث يأكل بدون أن يعمل‪ .‬و"تعرى" هنا من العراء أي الخروج من الغابة‬
‫إلى الصحراء كقوله‪) :‬فنبذناه بالعراء وهو سقيم( )الصافات ‪ (145‬فإذا خرج إلى العراء فإنه يحتاج إلى ظاهرة العمل ليكسب عيشه لذا قال )فل‬
‫يخرجنكما من الجنة فتشقى( )طه ‪.(117‬‬
‫وكذلك يوجد في الغابات التي عاش فيها النسان المياه )ل تظمأ فيها(‪ ،‬وفيها أيضا‪ O‬الظل )ول تضحي(‬
‫حيث "تضحى" جاءت من فعل "ضحى" وهو في اللسان العربي أصل صحيح يدل على بروز الشيء ويقال ضحى الرجل يضحي‪ ،‬إذا تعرض‬
‫للشمس‪ ،‬ويقال أضح يا زيد أي أبرز للشمس‪ ،‬ومنه سميت الضحية لنها تذبح عند إشراق الشمس‪ ،‬وضاحية كل بلد ناحيتها البارزة‪.‬‬
‫إن هذا الوصف بعيدا‪ O‬جدا‪ O‬عن وصف جنة الخلد الذي جاء في القرآن ومن أول مواصفاتها اختفاء ظاهر الموت‪.‬‬
‫من هنا نستنتج‪:‬‬
‫أ‪ -‬أن البشر وجد على الرض نتيجة تطور استمر مليين السنين "البث" حيث أن المخلوقات الحية بث بعضها من بعض طبقا‪ O‬للقانون الول‬
‫للجدل‪ ،‬وتكيفت مع الطبيعة وبعضها مع بعض طبقا‪ O‬للقانون الثاني للجدل‪.‬‬
‫وقد وجد البشر وانتشر في مناطق حارة مغطاة بالغابات حيث يوجد في هذه الغابات مخلوقات حية أخرى كان يفترسها البشر )يسفك الدماء( وكان‬
‫يسلك سلوك الحيوانات الخرى أي كان كائنا‪ O‬غير عاقل” إذ لم تظهر فيه ظاهرة العمل الواعي وهو بشر‪.‬‬
‫ب‪ -‬يجب علينا أن نفهم قوله‪) :‬اهبطوا منها(‪ .‬على أنه انتقال من مرحلة” إلى مرحلة أخرى‪ ،‬وليس المعنى "انزلوا منها" ونحن نقول‪ :‬إن ال أنزل‬
‫ونزل القرآن ول نقول أهبط وهبط القرآن وقد استعمل الكتاب فعل في مجال النتقال المكاني أو الكيفي؛ في مجال النتقال المكاني أي من مكان إلى‬
‫آخر على الرض في قوله )قيل يا نوح اهبط بسلم” منا وبركات” عليك وعلى أمم” ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم( )هود ‪.(48‬‬
‫ترى أبين كان نوح عندما قال له )اهبط( هل كان في السماء؟ وفي قوله )وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام” واحد” فادع لنا ربك يخرج لنا مما‬
‫تنبت الرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا‪ O‬فإن لكم ما سألتم ‪ ..‬الية(‬
‫)البقرة ‪.(61‬‬
‫لحظ أن الكلم هنا عن بني إسرائيل الذين كانوا في سيناء وليس في السماء فاهبطوا هنا جاءت في المعنيين المكاني والكيفي‪ ،‬فالمكاني النتقال‬
‫من سيناء إلى مصر والكيفي أنهم كانوا يأكلون المن والسلوى "طعام واحد" فأرادوا النتقال إلى كيفية أخرى من الطعمة‪.‬‬
‫فهنا يجب أن نفهم )اهبطوا منها( انتقال كيفي أو مكاني أو الثنين معا‪ ،O‬وكل ذلك حصل على الرض‪ ،‬وجنة الخلد ليس لها أية علقة بذلك لنها‬
‫أصل‪ O‬لم توجد بعد‪.‬‬
‫ج‪ -‬مفهوم آدم‪ :‬لقد جاء آدم "من "آدم" وهذا الفعل في اللسان العربي له أصل واحد وهو الموافقة والملءمة‪ ،‬ومنها جاءت الدمة وهي باطن‬
‫الجلد لن الدمة أحسن ملءمة للحم من البشرة ولذلك سمي آدم عليه السلم لنحه أخذ من أدمة الرض‪.‬‬
‫هنا جاء في لفظة آدم المصطلحان معا‪ O‬فالبشر مؤلف عضويا‪ O‬م عناصر موجودة في الرض وبعد انتصابه ووجود الجهاز الصوتي المناسب أصبح‬
‫موافقا‪ O‬وملئما‪ O‬لعملية النسنة‪ ،‬أي أن آدم هو المخلوق المتكيف الملئم للنسنة ومن الخطأ الفاحش أن نقول أن آدم اسم أعجمي بل هو مصطلح‬
‫عربي صرف وإذا مدحنا إنسانا‪ O‬وقلنا إنه آدمي فهذا يعني أنه دمث متكيف مع الظروف التي يعشها‪.‬‬
‫وهنا أيضا‪ O‬يجب أن نفهم أن آدم ليس شخصا‪ O‬واحدا‪ O‬وإنما هو جنس نقول عنه الجنس الدمي‪.‬‬
‫لذا فعندما قال )يا بني آدم(‪ .‬فإنه يخاطب الجنس الدمي وقوله‪) :‬واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق(‪ .‬فإن ه يذكر أحدى مراحل تطور الجنس الدمي‬
‫وذلك بعد خروجه من المملكة الحيوانية وهذه الحلقة هي تعليمه دفن الموتى‪ .‬ول تعني كما يقول البعض قابيل وهابيل‪.‬‬
‫د‪ -‬شرح قوله تعالى "الذي علم بالقلم"‪" :‬قلم" في اللسان العربي أصل صحيح يدل على تسوية شيء عند بريه وإصلحه‪ ،‬من ذلك قلمت الظفر‬
‫ومن هذا الباب سمي القلم قلما‪.‬‬
‫لقد جاء قوله تعالى )الذي علم بالقلم(‪ .‬في بداية الوحي‪ ،‬وقد شرحنا قوله‪) :‬خلق النسان من علق( وعندما قال‪) :‬الذي علم بالقلم(‪ .‬أتبعها بقوله‪:‬‬
‫)علم النسان ما لم يعلم(‪ .‬ونلحظ أيضا‪ O‬أنهما آيتان منفصلتان بينهما "نجمة"‪ ،‬وكان من الممكن أن يقول "الذي علم النسان بالقلم"‪.‬‬
‫ولقد جاء فصل اليتين للدللة على أن التعليم بالقلم مطلق للنسان ولغيره‪ ،‬ومن جملة المخلوقات التي تم تعليمها بالقلم النسان‪ .‬لقد قال‬
‫المفسرون عن قوله تعالى‪) :‬الذي علم بالقلم(‪ .‬هي كناية عن تعليم الكتابة لن آلة الكتابة هي القلم‪ .‬فإذا سلمنا جدل‪ O‬بأن هذا الكلم صحيح‪ ،‬فماذا‬
‫نقول عن قوله تعالى )وعلم آدم السماء كلها(‪ .‬وقد قال بشكل مطلق أن التعليم ل يكون إل بالقلم "كما زعموا" فهل كان عند آدم كتابة‬
‫وقرطاسية؟‬
‫إننا نعلم أن الكتابة "البجدية" ظهرت في عهد غير بعيد نسبيا‪.O‬‬
‫فإذا كان المر كذلك فما هو القلم الذي علم ال به كل المخلوقات بدون استثناء ومن ضمنها النسان؟‬
‫إذا نظرنا للصل اللغوي وهو التسوية والصلح والتهذيب‪ .‬فعندما نقص أغصان الشجر فإننا نقلمها‪ ،‬وعند نقص ونهذب طرف العود الصغير‬
‫فنسميها قلما‪ .‬فالقلم هو قص الشياء بعضها عن بعض وتهذيبها‪ ،‬وهذا ما نقول عنه اليوم التمييز "التعريف"‪ .‬فحتى يومنا هذا في سوريا عندما‬
‫نقوم بجرد مستودع أو استلم مواد نضع في قائمة الجرد أو الستلم مثل‪:‬‬
‫‪ -1‬طاولة عدد ‪.6‬‬
‫‪ -2‬كرسي عدد ‪.6‬‬
‫‪ -3‬خزانة عدد ‪.3‬‬
‫‪ -4‬مكتبة عدد ‪.1‬‬
‫وعندما نغلق الصفحة نقول "فقط أربعة أقلم ل غير" أي أربعة بنود متميزة بعضها عن بعض‪ ،‬وهذه البنود هي طاولة‪ ،‬كرسي‪ ،‬خزانة‪ ،‬مكتبة‪.‬‬
‫وفي مكتب تسجيل السيارات هناك القلم أي فيه اضبارة كل سيارة‪ ،‬نوعها‪ ،‬سنة النتاج‪ ،‬اللون‪ ،‬الرقم‪ ،‬المالك‪ ،‬كحل هذه المعلومات هي لتمييز كل‬
‫سيارة على حدة‪ .‬وكذلك هناك في القوات المسلحة "قلم اللواء" أي فيه الوراق الصادرة والواردة تميز وتوزع حسب العائدية‪.‬‬
‫فالتقليم هو تمييز الشياء بعضها عن بعض وهذه العملية هي العمود الفقري للمعرفة النسانية‪ ،‬وبدونها ل تتم أية معرفة‪.‬‬
‫فإذا كان المر كذلك فلماذا وضعها بشكل مطلق )الذي علم بالقلم(‪ .‬ثم علق النسان بها بقوله )علم النسان ما لم يعلم( أقول لن التقليم ليس من‬
‫صفات بالنسان فقط حتى المعرفة الغريزية تقليم‪ .‬فنرى أن القطة تميز أولدها‪ ،‬والبقرة تميز وليدها‪ ،‬فإذا جاء غير وليدها ليرضع منها فإنها‬
‫تصده‪ ،‬أي أن البقرة لها جهاز ما أو مؤشر ما يتناسب مع بنيتها تستطيع أن تميز به وليدها من غيره‪ ،‬وكذلك النحلة تميز خليتها عن باقي‬
‫الخليا‪ ،‬والخيل تميز اللحم من الحشائش فل تأكل اللحم‪.‬‬
‫والملئكة أيضا‪ O‬ل تعلم من العلم إل المعلومات التي تدخل بجهاز التقليم الخاص بخها‪ ،‬فهناك ملئكة تسبح فقط لن قلمها قائم على التسبيح فقط‬
‫لنها ل تميز شيئا‪ O‬آخر‪ .‬لذا فما دخل في قلمنا فهو ضمن معلوماتنا "الشهادة" وما لم يدخل في قلمنا فهو خارج معلوماتنا "الغيب"‪.‬‬
‫وقد خلق ال للتقليم أنواعا‪ O‬كثيرة وإمكانيات مختلفة حسب الظروف التي يعيشها كل كائن حي‪ .‬فالسماك لها قلم الوطواط له قلم ‪ ..‬وهكذا دواليك‪.‬‬

‫فإذا أخذنا الحواس مثل‪ ،O‬نرى أن العين تقلم اللوان والبعاد والشكال التي تدخل ضمن إمكانياتها البصرية‪ ،‬والذن تقلم الصوات التي تدخل في‬
‫إمكانياتها السمعية‪ ،‬واللسان يقلم المذاق حسب إمكانياته‪ ،‬والشم يقلم الروائح‪ ،‬والجلد يقلم الحرارة والملمس‪ .‬ولول هذا التقليم الذي هو صفة‬
‫الحواس لما كان هناك علم حيث أن الحواس تقلم وهي نفسها مقلمة إلى خمسة حواس‪.‬‬
‫ثم عندما تنتقل صورة الشياء عن طريق الحواس يعمل الفكر أيضا‪ O‬على التقليم حيث يحلل "يقلم" ظاهرة ما إلى عناصرها الساسية ثم بعد ذلك‬
‫يركب "يعقل" ويصدر حكما‪.O‬‬
‫فإذا أخذنا تقدم المعارف النسانية رأينا أن التقليم هو أساسها‪ .‬فعندما اكتشفت الكهرباء في القرن الماضي كانت عبارة عن علم بسيط واحد ثم‬
‫تطورت بالتقليم فأصبح هناك محطات توليد طاقة‪ ،‬خطوط نقل طاقة‪ ،‬محركات كهربائية‪ ،‬دارات إلكترونية‪ ،‬حتى أصبحت كلية قائمة بذاتها تتألف‬
‫من عدة مواد منفصلة "مقلمة"‪ .‬وكذلك الطب كان هناك جسم النسان وطب عام ثم قلمناه بالتطور فأصبح هناك طب عظام وطب عيون وطب‬
‫أنف وأذن وحنجرة وطب نفساني وطب عصبي‪ ،‬وجراحة‪ ،‬وجهاز هضم‪ ،‬وهكذا دواليك‪.‬‬
‫ثم لنأخذ القلم في معناه المجازي كأداة كتابة للبجدية فل يمكن أن نقول إننا نخط رسالة بحبر أبيض على ورق أبيض‪ ،‬فالعين بذلك ل تميز شيئا‪،O‬‬
‫ولكننا نكتب مثل‪ O‬بلون أزرق على ورق أبيض‪ ،‬هذا هو التمييز الول‪ .‬ثم هناك التميز الثاني للبجدية‪ ،‬فنرمز لصوت النون بالرمز "ن" ولصوت‬
‫اللم بالرمز "ل"‪ .‬بما أن النون واللم صوتان مميزان بعضهما عن بعض رمزنا لهما برمزين مختلفين لتبيان التمييز‪.‬‬
‫وإذا أخذنا مثل‪ O‬المراض فنرى أن مرض السرطان موجود موضوعيا‪ O‬فنستطيع أن نقلم "نميز" الخلية السرطانية غير المخلقة عن الخلية العادية‬
‫"المخلقة" ولكننا لم نستطع أن نقلم إلى اليوم السباب الحقيقية للسرطنة‪ ،‬لذا فإن مرض السرطان مقلم كظاهرة مرضية وغير مقلم كأسباب‬
‫حقيقية لهذه الظاهرة‪ ،‬علما‪ O‬بأنه قد تم تقليم بعض السباب المساعدة على السرطنة وهذا يسمى باللغة النجليزية )‪.(Identification‬‬
‫ومبدأ الهوية الشخصية يقوم على التقليم بالسم والكنية واسم الب والم والصورة وتاريخ ومكان الميلد والعلمات المميزة وذلك لتقليم صاحب‬
‫الهوية عن غيره‪.‬‬
‫فإذا رجعنا الن إلى تعري الكلم النساني قلنا إنه يتألف من أصوات مقطعة متميزة‪ ،‬أي أن الكلم النساني يقوم على تقليم الصوات‪.‬‬
‫وإذا أخذنا الن قوله تعالى‪) :‬خلق النسان من علق(‪ .‬وقوله‪) :‬الذي علم بالقلم(‪ .‬لوجدنا أن بداية الوحي لمحمد صلى ال عليه وسلم هي بداية‬
‫المعرفة حيث بدأ بفعل المر "اقرأ" والقراءة هي العملية التعليمية فجاءه بعدها العمودان الفقريان للمعرفة‪ ،‬الول أن الوجود خارج الوعي‬
‫النساني مؤلف من علقات متداخلة بعضها مع بعض ومنها خلق النسان والثاني أن وعي هذه العلقات من قبل النسان ل يمكن أن يتم إل‬
‫بالتقليم أي تمييز هذه العلقات بعضها عن بعض‪ ،‬والحواس هي الدوات المادية للتقليم المشخص المباشر‪.‬‬
‫نستنتج من هذا التعريف للعلقات المتداخلة ولتقليمها أساس البحث العلمي والنشاط القتصادي والنتاجي قائم على العلقات وتقليم هذه العلقات‪.‬‬
‫فإذا أخذنا اليات الواردة في الكتاب والتي ذكر فيها القلم رأيناها كالتالي‪) :‬ولو أن ما في الرض من شجرة” والبحر يمده من بعده‪ ž‬سبعة أبحر” ما‬
‫نفدت كلمات ال إن ال عزيز حكيم(‪) .‬لقمان ‪.(27‬‬
‫هنا جاء القلم بالمعنى الثاني وهوة آلة‬
‫الكتابة "الخط" وقد شرحت مفهوم التقليم في الكتابة"‪.‬‬
‫ )وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم( )آل عمران ‪.(44‬‬‫هنا جاءت أقلمهم أيضا‪ O‬للتمييز‪ ،‬فعندما تضرب قرعة بين عدة أشخاص فكل شخص يأخذ علمة مميزة عن الخر‪ ،‬وقد كانت في الجاهلية تسمى‬
‫"الق‪ž‬داح" أي كل شخص له قدح خاص ليميزه عن غيره‪.‬‬
‫ )ن والقلم وما يسطرون( )القلم ‪ .(1‬هذه الية لها بحث خاص بها سيأتي‪ .‬فمن مفهوم القلم نستنتج الرئيسي وهو‪:‬‬‫إن المعرفة النسانية صاعدة ومحورها القلم‬
‫هـ‪ -‬السم‪ :‬لقد جاء السم من أحد فعلين في اللسان العربي‪:‬‬
‫‪ - 1‬من فعل "سوم" وهذا الفعل أصل واحد يدل على أثر ومعلم‪ ،‬ووسمت الشيء وسما‪ :O‬أثرت فيه بسمة‪ ،‬والوسمي أول المطر لنه يسم الرض‬
‫بالنبات‪ .‬وسمي موسم الحج موسما‪ O‬لنه معلم يجتمع إليه الناس‪ .‬وقوله تعالى )إن في ذلك ليات للمتوسمين( )الحجر ‪ .(75‬أي الناظرين في‬
‫السمات الدالة‪.‬‬
‫‪ - 2‬من فعل "سمو"‪ :‬السين والميم والواو أصل يدل على العلو‪ .‬يقال سموت إذا علوت‪ ،‬وسما بعده عل‪ ،‬وسما لي شخص‪ :‬ارتفع حتى استثبته‪،‬‬
‫وسماوة كل شيء شخصه‪ ،‬والجمع سماء وسماؤ‪ .‬والعرب تسمي السحاب سماء‪ ،‬والمطر سماء‪ .‬والسماء‪ :‬الشخص‪ .‬السماء سقف البيت‪ .‬وكل‬
‫عال” مطل” سماء‪ .‬حتى يقال لظهر الفرس سماء‪.‬‬
‫ويقال إن أصل "اسم" سمو وهو من العلو لنه تنويه ودللة على المعنى‪.‬‬
‫لنناقش الن‪ :‬هل السم مشتق من "سوم" أم من "سمو"‪ .‬فإذا كان السم من "سمو" فهو العلو والرتفاع‪ .‬أي أن السم يعلو صاحبه ولو كان‬
‫هذا الكلم صحيحا‪ O‬لعرفنا اسم كل شيء دون أن يخبرنا عنه أحد لنه يعلوه‪ .‬أما إذا كان السم من "سوم" فهو سمة لصاحبه‪ ،‬أي شيء يميزه عن‬
‫غيره‪ .‬ونحن نسمي الشياء لنميزها عن بعضها أي لنعطيها سمات مميزة‪ .‬ولكل شيء سمة خاصة به‪ ،‬فنقول "تفاح جميل" فالتفاح اسم لثمرة‬
‫أطلقنا عليها هذا السم لنميزها عن بقية الثمار‪ ،‬وجميل أيضا‪ O‬اسم وهو سمة "صفة" مميزة للموصوف وهو التفاح‪.‬‬
‫وقد قال "الفراء" واضع أسس المدرسة الكوفية إن اصل السم من وسم وليس من سمو‪ .‬حتى ان ابن فارس وضعها بصيغة غير مؤكدة في‬
‫"سمو" حيث ذكره بصيغة ممرضة "يقال بأن أصل اسم من سمو"‪.‬‬
‫فإذا أخذنا بالرأي القائل إن أصل السم من "وسم" فيتضح لنا معان” واقعية ليات في الكتاب ذكر فيها لفظة "السم"‪.‬‬
‫لنأخذ اليات التي فيها لفظ "اسم"‪:‬‬
‫‪) - 1‬بسم ال الرحمن الرحيم(‪ :‬هنا ذكرك الصفة المميزة "ل"‪ ،‬وال هو لفظ الجللة ول نقول اسم‪ .‬وإن من سماته أنه الرحمن الرحيم وكذلك‬
‫قوله‪) :‬ول السماء الحسنى فادعوه بها( )العراف ‪ .(180‬فالسمات المميزة ل هي السماء الحسنى وقد جاء ذكرها في الكتاب‪.‬‬
‫‪ ) - 2‬إن هي إل أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم( )النجم ‪ .(23‬هنا يذكر في هذه الية أنه في زمن هود كان تعدد اللهة مع التخصص فهناك إله‬
‫الحرب وإله الغضب وإله الخصوبة وإله الحب وهكذا دواليك‪ .‬لذا قال‪) :‬إن هي إل أسماء(‪ .‬لذ لذا أجاب قومه‪) :‬إن نقول إل اعتراك بعض آلهتنا‬
‫بسوء( )هود ‪ .(54‬هنا ذكر "بعض" كجزء من كل أي أن آلهة السوء اعترت هودا‪ O‬وذلك لوجود آلهة أخرى لها سمات أخرى‪.‬‬
‫‪) - 3‬إذ قالت الملئكة يا مريم إن ال يبشرك بكلم ”ة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم( )آل عمران ‪ .(45‬إن المسيح هو سمة عيسى بن مريم وقد‬
‫ذك هذه السمة بقوله‪) :‬وجيها‪ O‬في الدنيا والخرة ومن المقربين( )آل عمران ‪ .(45‬ول نرى في الكتاب أبدا‪ O‬صيغة "اسمه" مع عيسى بن مريم إل‬
‫وقرنها بالمسيح "اسمه المسيح"‪ .‬لن المسيح هي سمة خاصة لعيسى بن مريم وقد ذكر هذه السمة في اليات )‪ (49 ،48 ،46‬في سورة آل‬
‫عمران‪ .‬أي أن لفظة "المسيح" وردت بدون "اسمه" ولكن ل يوجد "اسمه" بدون المسيح"‪.‬‬
‫‪) - 4‬يا زكريا إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا‪) (O‬مريم ‪ .(7‬هنا أعطى ال اسما‪ O‬لبن زكريا‪ ،‬وسمة هذا السم أنه أكثر اسم‬

‫حي من أسماء أهل الرض لذا سماه "يحيى" وهو أول تسمية فهو في العربي يحيى‪ ،‬حنا‪ ،‬يوحنا‪ ،‬وفي الروسية ايفان‪ ،‬وفي النجليزية‬
‫والفرنسية جون‪ ،‬وفي اليطالية جيوفاني‪ ،‬وفي السبانية خوان‪ ،‬وفي اللمانية ايوهان‪.‬‬
‫‪) - 5‬ومبشرا‪ O‬برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد( )الصف ‪ .(6‬إن أحمد هو السمة المميزة لمحمد بن عبد ال وهذه الصفة هي على وزن أفعل‬
‫وهي للتفضيل‪ .‬فبدأ ال الكتاب بالحمد )الحمد ل رب العالمين( )الفاتحة ‪ .(1‬وبدأ خلق الوجود بالحمد‪) :‬الحمد ل الذي خلق السموات والرض(‬
‫)النعام ‪ .(1‬وبدأ النزال بالحمد‪) :‬الحمد له الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا‪) .(O‬الكهف ‪.(1‬‬
‫وأنهى الحساب بالحمد )وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد ل رب العالمين( )الزمر ‪ (75‬وأنهى دخول الجنة بالحمد )وآخر دعواهم أن الحمد ل رب‬
‫العالمين( )يونس ‪ (10‬وقال )له الحمد في الولى والخرة(‪) .‬القصص ‪.(70‬‬
‫لذا فقد أعطى ال لمحمد صلى ال عليه وسلم سمة الحمد المميزة بالتفضيل له على كل الرسل والنبياء‪ ،‬فسماه أحمد‪ .‬وقد فهم العرب الوائل هذه‬
‫الصفة على أنها خاصة بمحمد صلى ال عليه وسلم لذا فقد امتنعوا عن تسمية أبنائهم باسم أحمد‪ .‬فل نرى في صدر السلم أو في العهد الموي‬
‫من سمى ابنه "أحمد" وإن أول اسم صادفناه تاريخيا‪ O‬باسم أحمد هو المام أحمد بن حنبل في العهد العباسي‪ .‬علما‪ O‬بأن كثيرا‪ O‬من الصحابة سموا‬
‫أبناءهم باسم محمد‪ .‬أي أنهم فهموا أن اسم أحمد خاص بمحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬كما أن اسم المسيح خاص بعيسى بن مريم‪.‬‬
‫ثانيا‪ :O‬نشأة اللغة وارتباطها بالفكر "نفخة الروح"‬
‫لقد تطور النسان من البشر وتميز من "بقية البهائم" بالربط الذهني بين الشيء وصورته وذلك من خلل صيغة لغوية‪ .‬حيث إن الحيوانات تربط‬
‫بين الشيء وصورة الشيء بربط انعكاسي )‪ (reflection‬فالكلب عندما يشم رائحة اللحم يسيل لعابه بربط انعكاسي بحت أي أن هناك الشيء‬
‫"اللحم" وصورة الشيء "في مخ الكلب عن طري حاستي البصر والشم" حيث أدى النعكاسي بينهما إلى سيلن اللعاب‪.‬‬
‫هذا الشيء موجود عند النسان في سلوكه الغريزي "البهيمي البحت"‪ .‬أي أن الكلب له سمع وبصر وذوق والنسان كبشر له سمع وبصر‬
‫وذوق‪ .‬فماذا يزيد النسان عن ذلك حتى نقول إنه بداية النسنة‪.‬‬
‫فحتى نعرف بداية النسنة ونفخة الروح وظهور الفكر فما علينا إل أن نبحث في نشأة الكلم النساني‪ ،‬والسبب الجوهري أن الربط النعكاسي‬
‫عند الحيوانات يتم بدون قالب لغوي "أي بدون أسماء"‪ .‬ونحن نعلم بشكل قاطع أن الفكر النساني مهما كان بدائيا‪ O‬ل يتم بدون قالب‬
‫لغوي‪"-‬صوتي" لنه يوجد تلزم ل ينفصم بين الفكر واللغة منذ بداية النسنة‪ .‬ونرى الن أن أهل الرض جميعا‪ O‬تفكر بقالب لغوي‪ .‬أي أن اللغة‬
‫لها وظيفتان الولى هي حامل الفكر والوظيفة الثانية هي التواصل بين متكلم ومخاطب في صيغة خبر أو أمر ونهي أو تعجب واستفهام‪ .‬فإذا نظرنا‬
‫إلى الكلم النساني بين متكلم ومخاطب رأينا أن صيغة الخبر هي أكثر ترددا‪ O‬تليها صيغة المر والنهي تليها صيغة التعجب والستفهام‪ .‬فلكي نميز‬
‫النسان عن الحيوان "البشر" نضع الصيغتين التاليتين‪:‬‬

‫فبدأ النسان بمرحلة الدراك القائم على المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر‪ .‬وقلنا إن الفؤاد هو بمثابة المحمي أو الصاعق لمرحلة الفكر‬
‫والذي ليه وهو "القلب"‪ .‬لذا عندما قال )وأصبح فؤاد أم موسى فارغا‪ O‬إن كادت لتبدي به(‪ .‬أي عندما فرغ فؤاد أم موسى "بل فؤاد" كاد أن‬
‫يصبح سلوكها بهيميا‪ O‬انعكاسيا‪ O‬غير مسيطر عليه لذا قال‪) :‬إن كادت لتبدي به(‪ .‬ولكن ذكر مرحلة الفكر المجرد "القلب" وهو المرحلة الكثر‬
‫تقدما‪ O‬والكثر وعيا‪ O‬حيث سيطرت على سلوكها بقوله‪) :‬لول أن ربطنا على قلبها( )القصص ‪.(10‬‬
‫فمهمة الفؤاد هي الدراك بالمشخص الذي تنقله الحواس والربط بين الشياء وأسمائها‪ ،‬أي هل يفيد هذا السم هذا الشيء حصرا‪ O‬ول يفيد؟ وهذه‬
‫هي عملية التقليم والتي بدأت بالربط بين الصوات اللغوية "السماء" ومدلولتها العينية "المشخصة" وهذا الربط ذهني ل انعكاسي‪ .‬وبعد ذلك‬
‫تصبح السماء جاهزة للعلقات المجردة في الفكر والعقل‪.‬‬
‫إن الفؤاد النساني الذي يربط بين الشيء المشخص واسمه هو بداية نفخة الروح حيث قلنا إن ال سبحانه وتعالى وجود أحادي من صفاته عدم‬
‫التناقض فبدأ باعطاء هذه الصفة الخاصة إلى البشر بالفؤاد‪ .‬وابتداء من هذه الخاصية بدأ النقيضان بالعمل في الدماغ النساني وهما "الرحمن‬
‫والشيطان" التصديق والتكذيب "الحقيقة والوهم" وهنا نرى الصيغة الولية للفكر النساني‪ .‬هذه هي الحلقة المفقودة التي بحث عنها العلماء‬
‫والتي ربطت بين البشر والنسان وهي السر في بداية النسنة أي السر في جدل النقيضين غير الماديين الحقيقة والوهم "الرحمن والشيطان"‬
‫والتي تم ربطهما بقانون عدم التناقض وهنا يكمن سر بداية نفخة الروح لذا قال عن آدم )فوسوس إليه الشيطان(‪.‬‬
‫وهنا يكمن السر لماذا تقدم البشر وتطور إلى انسان وأصبح كائنا‪ O‬عاقل‪" O‬عالما‪ O‬ومشرعا‪ ،O‬ولم تتطور بقية الحيوانات العليا من فصيلة القردة علما‬
‫بأنها وجدت بنفس الشروط الطبيعية ولها نفس النشأة البيولوجية؟ فالبش خضع لنفخة الروح فأصبح إنسانا‪ O‬والقردة لم تخضع لنفخة الروح‬
‫فبقيت على ما هي عليه قردة‪ ،‬وعلى هذا يجب أن نزيل الوهام العالقة في أذهاننا بأن الروح هي سر الحياة وإنما هي سر النسنة فالنسان له‬
‫روح وبقية الحيوانات لها روح‪.‬‬
‫وبما أن الكتاب يحتوي معلومات وتشريعات سمي روحا‪) .O‬وكذلك أوحينا إليك روحا‪ O‬من أمرنا وما كنت تدري ما الكتاب ول اليمان ‪ ..‬الية(‬
‫)الشورى ‪.(52‬‬
‫ونحن نرى إلى يومنا هذا أن محلة الدراك الفؤادي هي المرحلة التي يبدأ بها تعليم الطفال‪ ،‬وذلك بالربط القائم على حاستي السمع والبصر بين‬
‫الشيء المشخص واسمه وهي المرحلة التي يبدأ بها أي علم جديد‪ ،‬أي عندما يكتشف النسان شيئا‪ O‬جديدا‪ O‬فأول شيء يفعله هو أن يضع له اسما‬
‫أو تعريفا‪ .‬قد يقول البعض إن عدم التناقض والذي هو أساس الفكر النساني نتج عن ظاهرة العمل فهذا غير صحيح للسباب التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬لم يذكر أصحاب النظرية المادية النعكاسية ما هما النقيضان اللذان يعملن في الدماغ النساني‪ ،‬وإذا كان هناك نظرية انعكاسية فكيف ظهر‬
‫التصديق والتكذيب والحقيقة والهم في الدماغ النساني‪.‬‬
‫النظرية القرآنية تقول إن النقيضين غير الماديين اللذين يعملن في الدماغ "الرحمن والشيطان"‪" ،‬الحقيقة والوهم" مربوطان بقانون عدم‬
‫التناقض‪ .‬وعندما يفك هذا الربط فإن النسان يتحول إلى شخصيتين متناقضتين تماما‪ .O‬فدائما‪ O‬هناك موقف رحماني "صادق حقيقي" في أمر ما‬
‫وموقف آخر شيطاني "كاذب وهمي" في المر نفسه‪.‬‬
‫‪ - 2‬حتى يعمل النسان بشكل واع "العمل الواعي" يجب أن يكون عنده صيغة أولية بين المخاطب والمتكلم أي أن وعي الشخص الثالث فقط ل‬
‫يكفي لكي يعمل النسان بشكل واع بل يجب أن يكون هناك بالضافة إلى وعي الشخص الثالث وعي الشخص الثاني "المخاطب" ووعي الشخص‬
‫الول "المتكلم"‪.‬‬
‫‪ - 3‬إن عدم التناقض ليس من صفات المادة الثنائية القائمة على المتناقضات بل هي صفة لوجود موضوعي آخر غير الوجود المادي المعروف‬
‫من قبلنا وهو الوجود المشيأ "الشياء"‪ .‬وذلك الوجود الخر هو وجود أحادي منزه عن صراع المتناقضات الداخلية في ذاته )ليس كمثله شيء(‪.‬‬
‫وهو ال سبحانه وتعالى لذا قال‪) :‬ونفخت فيه من روحي(‪.‬‬

‫الرحمن والشيطان في الفكر‪:‬‬
‫عند الربط الذهني بين الشيء واسمه من قبل الفؤاد‪ ،‬يبرز شيء هام وهو الصراع بين نقيضين هما الرحمن والشيطان‪ ،‬فالرحمن هو اسم ال‬
‫الذي يمثل قوانين الربوبية لهذا الكون المادي‪ ،‬وهو الذي يعطي الصور الحقيقية للشياء‪ .‬فالسؤال الذي يطرح نفسه الن‪ :‬كيف ظهر مفهوم‬
‫الوهم عند النسان ومفهوم الخطأ؟ فالفؤاد الرحماني هو الذي يثبت الصورة الحقيقية للشياء مع مسمياتها والفؤاد الشيطاني "الفعلني" هو‬
‫الذي يعطي صورة وهمية للمسميات‪ .‬ولول هذه العلقة الجدلية بين المتناقضات في الفكر النساني لما كان هناك شيء اسمه وهم ومثالية ولما‬
‫كان هناك تخيل‪.‬‬
‫وهذا هو جدل الفكر النساني كظاهرة‪ ،‬حيث إن الطبيعة تقوم على القانون الول للجدل وهو صراع المتناقضات في الشيء‪ ،‬والقانون الثاني‬
‫التأثير والتأثر المتبادل بين شيئين مختلفين في مستويات مختلفة‪ .‬أما جدل ظواهر الطبيعة فيقوم على الضداد كالليل والنهار في اليوم والشهيق‬
‫والزفير في التنفس "والتي تكون اليوم والتنفس"‪ .‬وكذلك الدراك النساني قام على صراع المتناقضات الحقيقية والوهم والمربوط بقانون عدم‬
‫التناقض‪ .‬هذه العلقة الجدلية بين المتناقضات جاءت في مصطلح الرحمن والشيطان الفعلني )يا أبت‪ ž‬ل تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن‬
‫عصيا( )مريم(‪.‬‬
‫وقد قلت إن الشيطان الفعلني هو أحد أطراف العملية الجدلية في الفكر النساني وهو الطرف الوهمي المثالي‪ .‬أما الرحمن فهو الطرف المادي‬
‫الحقيقي‪.‬‬
‫والسؤال الذي يطرح نفسه الن "هل الوهم من نتاج المادة التي لها وجود حقيقي"؟‬
‫ل يوجد خارج الفكر النساني شيء اسمه أوهام‪ ،‬فالوهام فقط في الفكر النساني وهكذا نفهم قوله تعالى‪) :‬فإذا قرأت القرآن فاستعذ بال من‬
‫الشيطان الرجيم( )النحل ‪ .(98‬وهنا "قرأت" تعني التعلم والفهم‪ ،‬ول تعني التلوة‪ ،‬فالشيطان يحول فهم آيات القرآن من فهم مادي رحماني إلى‬
‫فهم وهمي مثالي شيطاني وفي هذا المجال نجح الشيطان نجاحا‪ O‬باهرا‪ O‬مع المسلمين وغيرهم‪ ،‬ونفهم أنه ل يوجد إنسان في العالم إل وله شيطانه‬
‫الخاص لن أي موقف مثالي أو خطأ مهما كان نوعه فهو موقف شيطاني‪.‬‬
‫هنا يجب أن نضيف إلى المخطط مفهوم الرحمن والشيطان اللذين يمثلن جدل النقيضين بين الحقيقة والوهم في الفكر النساني‪.‬‬

‫ثالثا‪ :O‬كيف عبر القرآن عن مراحل نشأة الكلم النساني ونفخة الروح‪:‬‬
‫قلنا إنه ل يمكن أن يكون هناك تفكير إنساني بدون نمط لغوي لذا فقد ارتبطت نشأة الفكر بنشأة الكلم النساني ارتباطا‪ O‬ل انفصام فيه وقد عبر‬
‫القرآن عن مراحل نشأة الفكر ونفخة الروح بنشأة الكلم النساني كالتالي‪:‬‬
‫المرحلة الولى‪ :‬مرحلة تقليد أصوات الحيوانات والطبيعة وهي التي عبر عنها بقوله‪) :‬وعلم آدم السماء كلها ثم عرضهم على الملئكة فقال‬
‫أنبؤوني بأسماء هؤلء إن كنتم صادقين( )البقرة ‪.(31‬‬
‫هنا نرى قوله "علم" والتعليم هو التمييز "التقليم" وهنا يجب أن ل نفهم أن التعليم وحي "إلهام" لن الوحي يحتاج إلى لغة مجردة‪ ،‬ويجب أن‬
‫ل نفهم أن ال جلس مع آدم وعلمه كما نعلم الطفال‪ ،‬بل يجب أن نفهمها فهما‪ O‬ماديا‪ O‬رحمانيا‪ ،O‬أي أنه أصبح يميز بواسطة الحواس "السمع‬
‫والبصر" ويقلد بواسطة الصوت "السمع"‪ .‬أما قوله "آدم" فقد جاء هنا اسم جنس للدللة على أن البشر أصبح متكيفا‪ O‬متلئما‪ O‬بوجود جهاز‬
‫صوتي وبانتصابه على قدميه ومتلئما‪ O‬لعملية النسنة‪.‬‬
‫أما قوله "السماء" فهي من فعل وسم وهي السمات المميزة للشياء المشخصة والسمات الساسية المميزة للشياء المشخصة هي الصوت‬
‫والصورة وقد بدأ بملحظة الذي يصدر صوتا‪ O‬ويتحرك "معا‪" "O‬الحيوانات" قبل ملحظة الذي يصدر صوتا‪ O‬بدون ملحظة الحركة "الشجرة" لذا‬
‫قال )كلها( أي السمات الصوتية المميزة لكل الشياء المشخصة الموجودة حوله‪ .‬أما قوله )ثم عرضهم(‪ .‬فللدللة على أن السمات هي للمشخصات‬
‫حصرا‪ O‬لن عرضهم تعود على المسميات ل على السماء وهل يعرض إل المشخص‪ .‬وهنا يجب أن نصحح أمرين اثنين‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن "السماء" هي السمات وليس كما يقول البعض بأنه علمه أسماء الشياء كلها بمعنى اللغات‪.‬‬
‫ولو عنى هذا لقال "علم آدم اللسن كلها" حيث إنه عند استمال اللسن في شكلها البسيط "استعمال التجريد من أبسط صورة" بدأ الوحي‬
‫للنسان من نوح وعندها قال‪) :‬وما أرسلنا من رسول” إل بلسان قومه( )ابراهيم ‪.(4‬‬
‫‪ - 2‬يجب علينا أن نفهم قوله‪) :‬ثم عرضهم على الملئكة(‪ .‬بأن آدم "الجنس" كان في الرض‪ ،‬ولم يعلم ماذا قالت الملئكة‪ ،‬ول علقة لدم بهذا‬
‫الحديث وفي هذا المجال قال‪) :‬قل هو نبأ عظيم( )ص ‪) .(67‬أنتم عنه معرضون( )ص ‪) (68‬ما كان لي من علم” بالمل إذ يختصمون(‪) .‬ص ‪.(69‬‬
‫وقد قلنا إن العلم ل يكون إل بالقلم للنسان وغير النسان لذا فإن ما علمه آدم لم يدخل في علم الملئكة لن الملئكة لها قلمها الخاص "تمييزاتها‬
‫الخاصة" لذا أجابت الملئكة بقوله‪) :‬قالوا سبحانك ل علم لنا إل ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم(‪) .‬البقرة ‪. (32‬‬
‫هذه المرحلة هي مرحلة التقليد أو المحاكاة "أي مرحلة آدم الول وفيها ظهر وعي الشخص الثالث هذه المرحلة هي مرحلة ما قبل الكلم‬
‫النساني وهي التمهيد الضروري التي تليها وهي مرحلة بداية الكلم النساني القائم على التقطيع بفعل المر "أي مرحلة آدم الثاني"‪.‬‬
‫المرحلة الثانية "مرحلة آدم الثاني"‪:‬‬
‫مرحلة فعل المر وقد جاءت في قوله‪) :‬قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والرض وأعلم ما‬
‫تبدون وما كنتم تكتمون( )البقرة ‪. (33‬‬
‫فقوله‪) :‬يا آدم أنبئهم(‪ .‬والنبأ جاء من النبأة وهي الصوت ومنه سمى النبأ لنه ينتقل من شخص لخر كما أن الصوت ينتقل من مكان إلى آخر‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬بأسمائهم(‪ .‬أي أن واسطة النبأ هو التمييز الصوتي لذا استعمل حرف الجر "الباء" والباء فيها الواسطة أي أن النبأ "الصوت" هو‬
‫واسطة الدللة على السم فربط بين الصوت والسم‪ ،‬وبالتالي الشيء والسمة الصوتية للشيء‪.‬‬
‫وهذه المرحلة ظهر فيها التقطيع الصوتي بواسطة فعل المر فمثل‪" O‬لفظة الطلب" للشخص الثاني بواسطة التقطيع الرادي‪.‬‬
‫تكرار خرخر ـــ فعل المر خرخر‪.‬‬
‫تكرار زق زق ـــ فعل الم زق زق‬
‫في هاتين المرحلتين نرى مرحلة الدراك الفؤادي وهي مرحلة الشيء المشخص وصورة الشيء عن طريق حاستي السمع والبصر واسم الشيء‪.‬‬
‫نلحظ في هذه المرحلة أن ال تعالى قال‪) :‬وإذا قلنا للملئكة اسجدوا لدم فسجدوا إل إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين( )البقرة ‪.(34‬‬
‫لنقارن تسلسل اليات "‪ .(34 ،33 ،32 ،31 ،30‬في سورة البقرة مع تسلسل مراحل الخلق في قوله تعالى‪) :‬إذ قال ربك للملئكة إني خالق بشرا‬
‫من طين( )ص ‪) .(71‬فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين(‪) .‬ص ‪) .(72‬فسجد الملئكة كلهم أجمعون( )ص ‪) .(73‬إل إبليس‬
‫استكبر وكان من الكافرين(‪) .‬ص ‪.(74‬‬

‫نلحظ في الية ‪ 30‬في سورة البقرة قوله‪) :‬إني جاعل في الرض خليفة‪ (O‬للدللة على استكمال التسوية وفي الية ‪ 34‬في سورة البقرة طلب‬
‫السجود ومنه يتبين أن اليات )‪ (33 ،32 ،31‬كانت للتعبير عن بداية نفخة الروح "بداية النسنة"‪.‬‬
‫وفي هذه المرحلة بدأ البش يصبح إنسانا‪ O‬بظهور الشيطان الفعلني ولكنه كان غير قادر على ظاهرة العمل الواعي‪ ،‬لذا قال له‪) :‬اسكن أنت‬
‫وزوجك الجنة( وقد شرحت في مكان آخر جنة آدم وهي عبارة عن غابات استوائية فيها أشجار مثمرة "متوفر فيها الطعام والماء والظل"‪ ،‬كانت‬
‫هذه الفترة لتعميم فعل المر والتقطيع الصوتي على الصوات المخزونة لديه من المرحلة الولى‪ .‬لذا قال )ول تقربا(‪) .‬صيغة الطلب(‪ .‬وكان هذا‬
‫الطلب أول ظاهرة من ظواهر التشيع البدائي‪ .‬هنا يجب أن نفهم الشجرة على أنها ذات معنى رمزي فقط حيث جاءت صيغة التشريع البدائي في‬
‫صيغة تتعلق بمظاهر الطبيعة الشائعة والبارزة لدى النسان‪.‬‬
‫وقد مثل الشيطان الفعلني الجانب الجدلي في العملية الفكرية حيث دخل الوهم إلى النسان بأن هذه الشجرة فيها الخلود "الباطل" حيث كان لدى‬
‫النسان غريزة البقاء فلعب الشيطان بهذه الغريزة حتى أدخل الوهم إلى الفكر النساني‪ .‬في هذه الحالة التي أخذت فترة من الزمن أصبح النسان‬
‫جاهزا‪ O‬للعمل الواعي فانتقل نقلة نوعية بقوله‪) :‬فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض” عدو ولكم في الرض‬
‫مستقر ومتاع إلى حين( )البقرة ‪.(36‬‬
‫هذه النقلة هي نقلة )فل يخرجنكما من الجنة فتشقى( )طه ‪ (117‬حيث مثلت هذه النقلة بقوله )اهبطوا بعضكم لبعض عدو(‪ .‬حيث كانت الحياة‬
‫الجتماعية والتشريعية لم تبدأ بعد وبقوله )فتشقى(‪ .‬بدأت ظاهرة العمل والتواصل بين اثنين مع البقاء على استعمال الصوات المقطعة المكتسبة‬
‫من تقليد أصوات الحيوان وظواهر الطبيعة‪ ،‬لذا اعتبرها القرآن فترة انتقالية مؤقتة بقوله )ولكم في الرض مستقر ومتاع إلى حين(‪.‬‬
‫مرحلة آدم الثالث‪:‬‬
‫هذه المرحلة تعتبر القفزة الهائلة في نفخة كقفزة قانون ربط النقيضين بعدم التناقض‪ ،‬وهي قفزة التجريد حين إن الدراك الفؤاد يقوم بربط‬
‫السماء بالشياء كل” على حدة ربطا‪ O‬قائما‪ O‬على الحواس وعلى رأسها حاستي السمع والبصر‪ .‬انتقل النسان بعدها إلى مرحلة أخرى من مراحل‬
‫تطور اللغة وبالتالي الفكر وهي مرحلة التجريد أي النتقال من العلقة الطبيعية بين الصوت والمدلول القائمة على الحواس "السمع والبصر" إلى‬
‫علقة اصطلحية قائمة على السم والشيء فقط هذا ما يسمى بالتجريد‪ .‬وبما أن الطبيعة المعروفة كلها قائمة على المشخصات فكان النسان‬
‫بحاجة إلى قفزة نوعية للنتقال من المشخص إلى المجرد‪.‬‬
‫وبما أننا ننطلق من النظرة الرحمانية )المادية( في المعرفة النسانية أي أن المعلومات تأتي من الخارج القائم على قوله )وال أخرجكم من بطون‬
‫أمهاتكم ل تعلمون شيئا‪ O‬وجعل لكم السمع والبصار والفئدة لعلكم تشكرون( )النحل ‪.(78‬‬
‫فالسؤال الذي يطرح نفسه كيف بدأ التجريد عند النسان لول مرة علما‪ O‬أن الطبيعة خالية من التجريد أي أنه لم يأت تقليدا‪ O‬لظاهرة ما في الطبيعة؟‬
‫هنا جاءت مرحلة آدم الثالث لتغطي هذه القفزة‪ .‬في قوله تعالى‪) :‬فتلقى آدم من ربه كلمات” فتات عليه‪ ž‬إنه هو التواب الرحيم(‪) .‬البقرة ‪ .(37‬لقد‬
‫جاءت قفزة التجريد من ال مباشرة أي أنه سمع أصواتا‪ O‬مجردة لها معنى التوبة‪ ،‬والتوبة من المفاهيم المجردة وليست من المشخصات أي أنه‬
‫سمع فعل أمر من صوتين أو ثلثة أصوات مقطعة كقوله تب فتات عليه‪ .‬وهنا بدأ التجريد‪ .‬وقد أعطى الكتاب مثال‪ O‬رائعا‪ O‬على التجريد والعلقة‬
‫الصطلحية بين الصوت والمدلول في الية )وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا‪ O‬وادخلوا الباب سجدا‪ O‬وقولوا حطة نغفر لكم‬
‫خطاياكم وسنزيد المحسنين( )البقرة ‪ .(58‬هنا لحظ العلقة الصطلحية بين لفظة "حطة" وبين نغفر لكم خطاياكم أي‪:‬‬
‫ح‪ž‬ط‪y‬ة¡ "علقة اصطلحية بصيغة الطلب" ‪ <---‬تعني المغفرة‪.‬‬
‫قارن بهذه العلقة الصطلحية بقوله تعالى‪:‬‬
‫)فتقلى آدم من ربه كلمات فتاب عليه( والكلمات كما قلنا من الناحية اللسانية تعني مجموعة الصوات المقطعة أي تلقى مجموعة من الصوات‬
‫المقطعة بصيغة الطلب تعني التوبة بعلقة اصطلحية غي طبيعية‪ .‬وعليه فإنه ليس بالغريب أبدا‪ O‬أن نرى أن أول كلمة بدأ بها الوحي للنبي صلى‬
‫ال عليه وسلم هي صيغة الطلب بفعل المر "اقرأ"‪ .‬بعد هذه القفزة الربانية الهائلة أي قفزة التجريد بدأ القانون الثاني للجدل يعمل مع القانون‬
‫الول‪.‬‬
‫فالقانون الول للجدل يعمل على ربط النقيضين بعدم التناقض‪ .‬أما القانون الثاني فبدأ منذ التجريد يعمل بربط الشياء بعضها مع بعض عن طريق‬
‫أسمائها المجردة كقولنا "القط جميل"‪ .‬وهذا هو بط أسماء الشياء والمفاهيم بعضها ببعض "تأثير وتأثر متبادل قانون الزوجية" برباط يسمى‬
‫الرباط المنطقي "المسند والمسند إليه" أي ببداية الفكر المجرد بدأت العلقات بالمنطقية بين أسماء الشياء والمفاهيم وباكتمال التجريد الذي بدأ‬
‫بقوله‪) :‬فتلقى آدم من ربه كلمات”(‪.‬‬
‫والذي أخذ وقتا‪ O‬طويل‪ O‬اكتمل الرباط المنطقي للغة بظاهرتي الصرف والنحو‪ ،‬فظاهرة الصرف تعني إعطاء أسماء جديدة للشياء أي عندما يكتشف‬
‫النسان جديدا‪ O‬غير معروف سابقا‪ O‬فإن أول شيء يفعله دون شك هو أن يضع له اسما‪" O‬مصطلح" وفي الوقت الحاضر تستعمل قواعد الصرف‬
‫"الشتقاق" في اللسان الواحد أو يستعار من لسان آخر‪ .‬وفي ظاهرة النحو تظهر بشكل جلي العلقة المنطقية بين البنية اللفظية النحوية وبين‬
‫مدلولتها‪.‬‬
‫وكذلك ظهر القانون الثالث وهو قانون الضداد في الظواهر "صفات الشياء والمفاهيم"‪ .‬وقد ظهر مفهوم العقل وهو الربط المجرد بين المقدمات‬
‫والنتائج بقانون عدم التناقض الذي ربط بين الرحمن والشيطان‪ ،‬وبه يستنتج النسان المجهول من معلوم وهو القانون الساسي للتفكير المنطقي‬
‫المجرد عند النسان فإذا كانت النتائج وهمية فهي شيطانية‪ ،‬وإذا كانت حقيقية فهي رحمانية وفي كلتا الحالتين يعمل قانون عدم التناقض‪.‬‬
‫والن ما علينا إل أن نؤكد الحقائق التالية في أذهاننا‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن القانون المنطقي موجود عن كل الناس العاقلين على حد سواء‪ ،‬لنهم يمتلكون لسانا‪ ،O‬ولكن مستويات استعمال هذا القانون تختلف من‬
‫إنسان لخر‪ ،‬وهذا القانون يعمل على حد سواء‪ ..‬سواء كانت المقدمات حقيقية "رحمانية" أم وهمية "شيطانية" لنه ل يمكن أن نقول‪ :‬إن‬
‫العلماء عاقلين والدجالين مجانين حيث كلهما عاقل‪ .‬ولكن العالم يستعمل المقدمات الرحمانية‪ ،‬والدجال يستعمل المقدمات الشيطانية وكلهما‬
‫يستعمل قانون عدم التناقض‪.‬‬
‫‪ - 2‬إن القانون المنطقي الذي هو ربط مجرد بين أسماء الشياء بعضها ببعض لستنتاج المجهول من معلوم إلى مبدأ عدم التناقض‪ .‬هذا القانون‬
‫هو الذي نسميه المنطق الصوري‪.‬‬
‫‪ - 3‬إن قانون الربط بين النقيضين بقانون عدم التناقض والربط المنطقي بين المقدمات والنتائج القائم على عدم التناقض هو القانون الذي ل‬
‫يخضع للتطور أبدا‪ O‬وهنا تكمن نفخة الروح‪ .‬حيث أن التطور جاء منهما وهذا القانون لم يتولد من علقة إنتاجية أو من طبقة أو من علقة‬
‫اقتصادية‪ ،‬بل به تميز النسان كجنس وقفز من المملكة الحيوانية وهو الحلقة المفقودة عند داروين‪.‬‬
‫وهنا ل بد من التنويه لزالة اللتباس‪ ،‬بطرح اسمين للمنطق‪ :‬الول المنطق الصوري‪ .‬والثاني‪ :‬المنطق الجدلي‪ .‬وهذا خطأ فادح حيث ل يوجد‬
‫منطق جدلي‪ ،‬بل يوجد قوانين الجدل‪ .‬أما المنطق فهو قانون التفكير النساني المجرد والقائم على عدم التناقض‪.‬‬
‫الن يمكن أن نضع المخطط الثاني للمرحلة الثانية "مرحلة التفكير المجرد الذي ينتهي بالتعقل"‪:‬‬

‫مرحلة الهبوط الثاني‪:‬‬
‫بعد أن تلقى آدم الثالث القفزة الساسية وهي بداية التجريد حصل الهبوط الثاني وهو النتقال إلى مرحلة اكتمال التجريد واكتمال العلقة المنطقية‪.‬‬
‫في هذه المرحلة بدأ النسان باكتساب المعارف وبداية العلقات الجتماعية والقتصادية والتشريعية في أشكالها البدائية‪ .‬لذا قال )قلنا اهبطوا منها‬
‫جميعا(‪ .‬وأتبعها بقوله‪) :‬فإما يأتينكم مني هدى‪ O‬فمن تبع هداي فل خوف عليهم ول هم يحزنون( )البقرة ‪. (38‬‬
‫لحظ الفرق بين التعقيب على الهبوط الول بقوله‪) :‬ولكم في الرض مستقر ومتاع إلى حين( )البقرة ‪ .(36‬وبين التعقيب على الهبوط الثاني )فإما‬
‫يأتينكم مني هدى(‪ .‬وقد جاءت هذه الصيغة للمستقبل‪ ،‬وقد أرسل ال رسل‪ O‬للهدى بواسطة الوحي‪ .‬وهل يمكن أن يكون هناك وحي من ال لنسان‬
‫دون أن يملك النسان لغة مجردة "لسان" لكي يوحي له بها‪.‬‬
‫الصطفاء‪:‬‬
‫)إن ال اصطفى آدم ونوحا‪ O‬وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين( )آل عمران ‪.(33‬‬
‫لقد حصل الصطفاء في مرحلة آدم الثالث‪ :‬أي أن الذي تلقى التجريد والعلقة الصطلحية شخص واحد وعن طريق السمع وقد علمها هذا‬
‫الشخص للخرين‪.‬‬
‫لذا جاءت صيغة الهبوط "النتقال" في الجمع في قوله‪) :‬اهبطوا منها جميعا‪ .(O‬أي هو ومن كان معه وعلمهم هو تعليما‪ .O‬وهذا يؤكد قوله تعالى‪:‬‬
‫)قال اهبطا منها جميعا‪ O‬بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى‪ O‬فمن اتبع هداي فل يضل ول يشقى( )طه ‪.(123‬‬
‫هنا لحظ التعليق على قوله "جميعا‪ "O‬بعد "اهبطا منها" حصل القول لمثنى والتنفيذ للجمع لنه لو حصل الهبوط لثنين فقط فإن كلمة جميعا‪ O‬ل‬
‫معنى لها لنه لو كان الخطاب موجها‪ O‬إلى جزء من كل لقال "أجمعون" كقوله‪) :‬فسجد الملئكة كلهم أجمعون( )الحجر ‪ (30‬أي أن السجود ليس‬
‫من كل الملئكة وإنما حصل من الذين وجه إليهم القول‪ :‬ولو قال‪" :‬فسجد الملئكة جميعا‪ "O‬لعنى بذلك جنس الملئكة كلهم‪ ،‬وكقولك "فجاء الناس‬
‫كلهم أجمعون" أي جاء الناس الذين وجهت إليهم الدعوة فقط‪ .‬ولو قلت "فجاء الناس كلهم جميعا‪ "O‬لكان معنى ذلك مجيء الناس بدون استثناء‪.‬‬
‫وهنا قوله جميعا‪ O‬هي للكل‪ ،‬لذا أتبعها بقوله‪) :‬فإما يأتينكم مني هدى‪.(O‬‬
‫وهذا ما نراه حتى يومنا هذا عند كل أهل الرض أن العلقة الصطلحية بين الصوت والمدلول "السم والمسمى" ل تأتي إل تعليما‪ O‬أي أن‬
‫الشخص الذي يعرف العلقة الصطلحية يعلمها للشخص الذي ل يعرفها‪ .‬وهذا ما يحصل عند تعليم الطفال الكلم من قبل الوالدين والمجتمع‪،‬‬
‫فالطفل يمكن أن يقلد صوت الهرة والكلب دون أن يعلمه أحد‪ ،‬ولكن ل يمكن له أن يعلم لوحده كلمة الهرة أو الكلب‪.‬‬
‫ولو ولد إنسان وعاش لوحده في غابة فإنه يستطيع أن يمر بمراحل آدم الول والثاني ولكنه ل يبلغ مرحلة التجريد أي بإعطاء علقة اصطلحية‬
‫بين الصوت والمدلول كما حصل عند آدم الثالث إل إذا علمه إياها أحد‪ .‬وهنا يكمن الصطفاء لدم الثالث‪ .‬والذي هو أبو النسان وأبو الجود‬
‫التاريخي وليس أبا البشر‪ .‬وعندما نقول عن أنفسنا إننا نحن بنو آدم فهذا ل يعني أننا نحن أبناءه بشكل فيزيولوجي مباشر ولكنه يعني أول‪ :O‬أننا‬
‫نحن من الجنس الدمي المتكيف المتلئم‪ .‬وثانيا‪ O‬أن آدم المصطفى والدنا‪ ،‬فنحن أبناؤه من حيث النسنة‪ ،‬حيث نقول في اللسان العربي إن فلنا‬
‫ابن المدينة أي ولد في المدينة وأخذ طباعها‪ .‬ونقول إن فلنا ابن أبيه ونعني بذلك أن أباه علمه وأخذ طباعه فكان نسخة عنه أما نوح وآل ابراهيم‬
‫وآل عمران فهم من أبناء آدم بالمصطفى من صلبه أي من أبنائه لقوله‪) :‬ذرية‪ O‬بعضها من بعض(‪.‬‬
‫لذا فإن النسان الذي تعلم التجريد ومشى فيه استمر إلى يومنا هذا والذي لم يجرد وبقي على العلقة الطبيعية فقد انقرض‪ ،‬وهذا ما يسمى‬
‫بالنسان الحديث فهو النسان الذي اكتمل عنده حد أدنى من العلقات المجردة أي أصبح له لغة ولو في أدنى مستوى تجريدي‪.‬‬
‫إبليس‪:‬‬
‫لقد شرحنا سابقا‪ O‬مفهوم الشيطان وقلنا إن هناك نوعين من الشيطان‪ :‬الشيطان الفعلني من "شاط‪ ،‬شيط" وهو أحد أطراف العملية في جدل‬
‫الضداد في الفكر النساني‪ ،‬والشيطان الفيعالي من "‪ž‬شطن" وهو وجود مادي خارج الوعي‪.‬‬
‫أما إبليس فقد جاء من "بلس" وتعني في اللسان العربي اليأس والقنوط كقوله‪) :‬فإذا هم مبلسون( )النعام ‪.(44‬‬
‫وهنا يجب أن نميز بين الملئكة وإبليس‪ ،‬فإبليس كان من الجن وهي مخلوقات عاقلة مكلفة وجدت قبل النسان عندما كانت الرض ما زالت‬
‫ملتهبة وقبل أن تبرد لذا قال‪) :‬وخلق الجان من مارج” من نار( )الرحمن ‪ .(15‬وقال‪) :‬والجان خلقناه من قبل من نار السموم( )الحجر ‪.(27‬‬
‫والجان لها بنية مادية تختلف عن البنية المادية للنسان بحيث تأخذ هذه البنية أشكال‪ O‬مختلفة‪ ،‬ويمكن أن تكون هذه البنية موجية لذا قال‪) :‬وأنا‬
‫لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا‪ O‬شديدا‪ O‬وشهبا( )الجن ‪) .(8‬وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الن يجد له شهابا‪ O‬رصدا‪) (O‬الجن ‪. (9‬‬
‫هذا الكلم ل ينطبق إل على مخلوقات يمكن أن تأخذ بنية موجية‪ .‬ومنه نفهم أن إبليس ليس له علقة بالملئكة ل من قريب ول من بعيد وإنما‬
‫وجد على الرض كآدم ولكنه قبله‪.‬‬
‫ثم قال ال للملئكة أن يسجدوا لدم‪ ،‬ونحن علم أن )قوله الحق( فإذا تفحصنا اليات حول هذا الموضوع رأيناها كما يلي‪:‬‬
‫)ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملئكة اسجدوا لدم فسجدوا إل إبليس لم يكن من الساجدين( )العراف ‪ .(11‬هنا لحظ كيف وضع إبليس في‬
‫محل خبر بقوله‪) :‬لم يكن من الساجدين(‪ .‬ثم ليبين بشكل قاطع أن ال قال للملئكة قول‪ O‬وأمر إبليس أمرا‪ O‬اتبعها بآية منفصلة بقوله‪) :‬قال ما منعك‬
‫أل تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار” وخلقته من طين( )العراف ‪ .(12‬ثم لحظ ان ابليس ليس له علقة بالملئكة ولم يخرج من‬
‫الرض كآدم لذا قال له كقوله لدم‪) :‬قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين( )العراف ‪.(13‬‬
‫ولكي يؤكد أن إبليس عصى المر ولم يخالف القول قال‪) :‬وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لدم فسجدوا إل إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه‬
‫أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس الظالمين بدل( )الكهف ‪.(50‬‬
‫أما قوله‪) :‬وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لدم فسجدوا إل إبليس أبى( )طه ‪) .(116‬فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فل يخرجنكما من الجنة‬
‫فشقى( )طه ‪ .(117‬هنا تعبير )إن هذا( اسم إشارة للدللة على أن أحد الشياطين الفيعالية هو إبليس لنه وجود مادي خارج الوعي فهنا يجب أن‬
‫نميز بين مهمة الشيطان الفعلني التي هي تحويل الحقيقة إلى وهم وهو الذي قال عنه‪) :‬فوسوس إليه الشيطان(‪ .‬ومهمة إبليس "الشيطان‬
‫الفيعالي" التي هي مخالفة المر لذا قال عنه‪) :‬إنه يراكم هو وقبيله من حيث ل ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين ل يؤمنون()العراف ‪(27‬‬
‫‪.‬‬
‫لحظ كيف جاءت "الشياطين" بصيغة الجمع‪ .‬وبما أن أوامر ال ونواهيه بدأت من عهد آدم بأبسط المور )ل تقربا(‪ .‬وأن أهم أوامر رب العالمين‬
‫بدأت بموسى وانتهت بمحمد صلى ال عليه وسلم وهي الصراط المستقيم "الوصايا والحدود جزئيا‪ O‬أو كليا‪ O‬لم تكن قد جاءت بعد قال‪) :‬قال أنظرني‬
‫إلى يوم يبعثون(‪) .‬العراف ‪) .(14‬قال إنك من المنظرين(‪) .‬العراف ‪) .(15‬قال فبما أغويتني لقعدن لهم صراطك المستقيم( )العراف ‪) .(16‬ثم‬
‫لتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ول تجد أكثرهم شاكرين( )العراف ‪.(17‬‬
‫هنا نلحظ قوله‪) :‬لفعدن لهم صراطك المستقيم( )والصراط المستقيم بدأت بالتوحيد )ل تشركوا به شيئا‪ .(O‬وانتهى بالوصايا العشر والحدود لذا‬
‫قال‪) :‬أنظرني إلى يوم يبعثون( ولكي يبين أن الشيطان الفيعالي "هو وجود خارج الوعي النساني" قال‪) :‬لتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم‬
‫وعن أيمانهم وعن شمائلهم( )العراف ‪.(17‬‬

‫لذا فان مهمة الشيطان الفعلني هي مهمة تحويل الحقيقة إلى وهم في الفكر وزرع الفكر بالوهام "المثالية" فهي مهمة معرفية بحتة ليس لها‬
‫علقة بالحلل والحرام‪ ،‬أما مهمة "ابليس" الشيطان الفيعالي فهي خارج الوعي النساني وهي خلق ظروف موضوعية لحض الناس على‬
‫مخالفة الصراط المستقيم الذي له علقة بالحلل والحرام فقط "الخلق والحدود"‪.‬‬
‫أما قوله )فدلهما بمغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سواتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما‬
‫الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين( )العراف ‪.(22‬‬
‫هنا تصف الية التصرف الطفولي البدائي للنسان عندما يشعر أنه اقترف ذنبا‪ O‬إذ نرى الطفال الن عندما يقترفون ذنبا‪ O‬فإنه بإدراكهم الطفولي‬
‫يحاولون الختباء والختفاء عن العين أي )بدت لهما سواتهما(‪ .‬ل تعني ظهرت العضاء التناسلية ولكن بدا لهما أن هذا العمل سيء ومنها‬
‫جاءت السيئة والسيئات وهنا بين مرحلة بدائية من مراحل وجود الضمير الذي يؤنب النسان والتصرف البدائي الطفولي لردة الفعل للضمير‬
‫النساني الذي بدأ بالتشكل‪.‬‬
‫علما‪ O‬بأن جنس آدم عند نفخه الروح كان عاريا‪ O‬ل يعرف الملبس وكان يعيش في منطقة ذات مناخ حار حيث قال‪) :‬ل تظما فيها ول تضحى( )طه‬
‫‪.(119‬‬
‫رابعا‪ :O‬مرحلة النسان القديم من آدم إلى نوح‬
‫لقد بدأ القصص بعد آدم بنوح مباشرة‪ ،‬ولم يغط الفترة الطويلة بين آدم ونوح حيث أن البش التي تعلمت التجريد من آدم المصطفى في كل منطقة‬
‫وجد فيها البشر استمرت عملية النسنة‪ .‬حيث قلنا إن البشر انتشرت قبل النسنة وأن آدم كان في أكثر من منطقة أي أن آدم المصطفى كان أكثر‬
‫من واحد في أكثر من منطقة‪ .‬وإن البشر التي لم تتعلم التجريد منه انقرضت وهذا ما يسمى بالنسان القديم الذي انقرض لنه لم تتم عنده عملية‬
‫النسنة بالتجريد‪.‬‬
‫أي أن النسان القديم هو النسان الذي بقيت عنده العلقة الطبيعية بين الصوت والمدلول دون القفزة إلى العلقة الصطلحي‪ .‬لقد بدأ القصص‬
‫القرآني بنوح لنه يعتقد بأن نوحا‪ O‬يمثل بداية التاريخ النساني الحديث في منطقة الشرق الوسط على القل‪ ،‬ومرحلة نوح تمثل اكتمال لغة مجردة‬
‫بأبسط أشكالها حتى حصل الوحي للجنس البشري من ال‪ ،‬لنه ل يمكن أن يكون هناك وحي بدون لغة تقوم على علقات مجردة‪ ،‬هذا الوحي بدأ‬
‫بنوح بأبسط صورة مجردة وانتهى بمحمد صلى ال عليه وسلم فأصبح القرآن قمة التجريد اللغوي عندما وصل اللسان العربي إلى طور "اللسان‬
‫العربي المبين" واعتبرت لغة القرآن قمة العلقات المنطقية المجردة‪ .‬ولكن ماذا يخبرنا القرآن عن الفترة الواقعة بين آدم ونوح‪.‬‬
‫لقد اعتمد التعليم بعد آدم على المشخص‪ ،‬وذلك بأن أرسل ال من الملئكة رسل‪ O‬ترى بالعين المجردة وتسمع بالذن‪ ،‬لذا عندما بعث نوحا‪ O‬وكان‬
‫هنا لغة مجردة في شكلها الولى قال له قومه‪) :‬فقال المل الذين كفروا من قومه ما هذا إل بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء ال لنزل‬
‫ملئكة‪ O‬ما سمعنا بهذا في آبائنا الولي( )المؤمنون ‪.(24‬‬
‫إذا حللنا هذه الية نرى ما يلي‪:‬‬
‫أ‪ -‬الستغراب بأن بشرا‪ O‬جاءه وحي من ال ليدعي بذلك الزعامة على قومه علما‪ O‬بأن قومه تعودوا على أن التصال من ال بالبشر كان عن طريق‬
‫الملئكة لذا قالوا‪) :‬ولو شاء ال لنزل ملئكة(‪ .‬هنا لحظ )لنزل ملئكة(‪ .‬أي وضع صيغة النزال أي أن الملئكة التي بعثها لتتصل بالناس‬
‫مشخصة وترى بالحواس "قابلة للدراك" أما عندما ينزل الملئكة ول ترى بالحواس يستعمل صيغة "نزل" كقوله )تنزل الملئكة والروح فيها‬
‫بإذن ربهم من كل أمر( )القدر ‪.(4‬‬
‫ولكي يؤكد أن هذه أول مرة يأتي بها الوحي إلى جنس البشر عندهم قالوا‪) :‬ما سمعنا بهذا في آبائنا الولين(‪.‬‬
‫ب‪ -‬لقد أكد لهم نوح من طرفه ما يلي‪) :‬ول أقول لكم عندي خزائن ال ول أعلم الغيب ول أقول لكم إني ملك ول أقول للذين تزدري أعينكم لن‬
‫يؤتيهم ال خيرا‪ O‬ال أعلم بما في أنفسهم إني إذا‪ O‬لمن الظالمين( )هود ‪. (31‬‬
‫ج‪ -‬لقد أكد أن اللغة التي يتكلم بها نوح وقومه هي لغة مجردة مقطعة إلى مقاطع صوتية متميزة وذلك ليبين أن النسان أصبح جاهزا‪ O‬لوحي وذلك‬
‫في قوله‪) .‬حم(‪) .‬الشورى ‪) .(1‬عسق(‪) .‬الشورى ‪) .(2‬كذلك يوحي إليك وإلى الذي من قبلك ال العزيز الحكيم( )الشورى ‪.(3‬‬
‫هنا نلحظ أن "حم" عبارة عن مقطعين صوتيين متميزين وأن "عسق" عبارة عن ثلثة مقاطع صوتية مقطعة متميزة‪ .‬ثم اتبع هاتين اليتين‬
‫بقوله "كذلك" وكذلك في اللسان العربي تستعمل في خبر غير ابتدائي للتعليق على خبر ابتدائي والخبر البتدائي هو )حم –عسق( حيث شرحها‬
‫بقوله‪) :‬كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك ال العزيز الحكيم(‪ .‬هنا وضع المفعول به قبل الفاعل لهمية الخبر‪ ،‬والخبر هو أنه عندما وجد‬
‫القطعان الصوتيان المتميزان والثلثة مقاطع الصوتية المتميزة بدأ الوحي وعلى هذا الغرار كان الوحي للنبي صلى ال عليه وسلم وللذين من‬
‫قبله لذا أضاف إليها الية )وكذلك أوحينا إليك قرآنا‪ O‬عربيا‪) (O‬الشورى ‪.(7‬‬
‫ولكي يبين أن نوحا‪ O‬هو أول من أوحي إليه من البشر قاطبة‪ ،‬وأن به بدأ تاريخ النسان الحديث في الشرق الوسط على القل قال‪) :‬إنا أوحينا إليك‬
‫كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ‪ ..‬الية( )النساء ‪.(163‬‬
‫والن ما هي الشياء التي جاءت للنسان في الفترة بين آدم المصطفى ونوح؟ أي في فترة النتقال من العلقة الطبيعية بين الصوت والمدلول إلى‬
‫العلقة الصطلحية؟‬
‫ممارسة النسان لدفن الموتى عن طريق التعليم المشخص المباشر "التقليد" حيث أكد الكتاب بأن النسان تعلم دفن الموتى تعليما‪" O‬فؤاديا‪"O‬‬
‫مرتبطا‪ O‬بحاستي السمع والبصر )فبعث ال غرابا‪ O‬يبحث في الرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب‬
‫فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين( )المائدة ‪.(31‬‬
‫لقد ذكر هذه الحاثة ليؤكد أن النسان كان ل يعلم دفن الموتى‪ ،‬وقبل ذلك كان يترك الموتى في العراء كالبهائم‪ ،‬وهذا يؤكد مرة أخرى قوله تعالى‪:‬‬
‫)وعلم آدم السماء كلها(‪ .‬بأن السماء ل تعني اللسن واللغات‪ ،‬لن النسان ل يمكن أن يكون عنده دللت دون أن يكون لها مدلولت في ذهنه‪.‬‬
‫فكيف يمكن أن يتعلم آدم فعل "دفن" مثل‪ O‬باللسان العربي وهذا الفعل ليس له مدلول في ذهنه‪ .‬لذا فتفسير )السماء(‪ .‬على أنها أسماء الشياء‬
‫كلها ول ندري بأية لغة؟ هل هي بالعربية أو النجليزية؟ وأنها جاءته إلهاما‪ ،O‬هذا التفسير هو تفسير خاطئ‪.‬‬
‫ولقد أكد أن هذه الحادثة حصلت بعد آدم بقوله‪) :‬واتل عليهم نبأ ابن آدم بالحق( )المائدة ‪ .(26‬هنا يجب أن نفهم أن ابني آدم ل تعن أولد آدم‬
‫المباشرين من صلبه‪ ،‬ولكن نفهمهما كقولنا نحن أبناء آدم بأي نحن أبناؤه بالنسنة وليس بالبشرية‪ .‬كقولنا عن الذي تخرج من جامعة دمشق‬
‫"ابن جامعة دمشق"‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن النسان تعلم في هذه الفترة تعليما‪ O‬مشخصا‪ O‬فقط وذلك عن طريقين‪ :‬أولهما عن طريق الملئكة فكانت مشخصة يراها النسان‬
‫ويسمعها وقد سماها النذر‪ ،‬لذا قال‪) :‬وإن من أمة” إل خل فيها نذير( )فاطر ‪ .(24‬لقد أرسل ال هذه النذر إلى كل التجمعات التي بدأت بالنسنة في‬
‫كل أنحاء الرض‪ ،‬هذه الملئكة أعطتهم فكرة أولية عن ال والتوحيد بأبسط صورة البدائية وعن التقرب والعبادة ل بأبسط الصور البدائية‬
‫المشخصة‪ ،‬وهي تقديم القرابين ل‪ .‬لذا ل نرى تجمعا‪ O‬إنسانيا‪ O‬مهما كان بدائيا‪ O‬إل ولديه فكرة ما عن ال‪ ،‬ولديه مفهوم ما للتضحية والتقرب من‬
‫ال أو ‪O‬ل والتي تشوهت فيما بعد وأصبحت التقرب من اللهة‪.‬‬
‫هذا المفهوم في أبسط صورة بقي عندنا نحن المسلمين في الذبح في عيد الضحى المبارك وفي هذا قال‪) :‬واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا‬

‫قربانا‪ O‬فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الخر قال لقتلنك قال إنما يتقبل ال من المتقين( )المائدة ‪.(27‬‬
‫هنا نلحظ أن مفهوم التقوى لم يكن مجردا‪ O‬بل كان تقبل ال للقربان تقبل‪ O‬ماديا‪ O‬محسوسا‪ .O‬ونلحظ أيضا‪ O‬نمو مفهوم الضمير النساني بالتقوى‬
‫وظهور المفهوم الجتماعي لرفض قتل النفس بقوله‪) :‬لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لقتلك إني أخاف ال رب العالمين(‬
‫)المائدة ‪.(28‬‬
‫علما‪ O‬قتل النفس لم يحرمه ال سبحانه وتعالى إل في رسالة موسى لذا قال‪) :‬من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا‪ O‬بغير نفس” أو‬
‫فساد” في الرض فكأنما قتل الناس جميعا( )المائدة ‪ .(32‬أي أن الناس قبل موسى كانت تتصرف حسب أعرافها في عقوبة قتل النفس أو في‬
‫العقوبة التي تستحق قتل النفس‪.‬‬
‫وهكذا نفهم فقط قوله تعالى‪) :‬كذبت قوم نوح المرسلين( )الشعراء ‪ (105‬فنوح إنسان واحد وهو رسول فلما قال‪) :‬المرسلين( بالجمع؟ هنا نفهم‬
‫بأنه قبل نوح كان المرسلون من الملئكة فكذبوهم وكذبوا نوحا‪ O‬معهم فقال‪) .‬المرسلين(‪.‬‬
‫بهاتين الطريقتين‪ :‬التعليم المشخص المباشر "التقليد" أو إرسال ملئكة مشخصة تعلم ما يلي بالضافة إلى دفن الموتى والقرابين‪:‬‬
‫عن طريق الملئكة المشخصة‪ :‬تعلم اللباس بأبسط صوره بقوله بعد ذكر آدم الثالث والنتقال إلى مرحلة النسنة مباشرة‪) :‬يا بني آدم قد أنزلنا‬
‫عليكم لباسا‪ O‬يواري سواتكم وريشا‪ O‬ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات ال لعلهم يذكرون( )العراف ‪ .(26‬هنا نلحظ كيف ذكر عن اللباس‬
‫النزال ولم يذكر التنزيل أي أن النسان أدرك اللباس عن طريق شيء ما قلده‪ .‬ولو ذكر التنزيل للباس لعنى بذلك أنه أرسل ملبس مخيطة من‬
‫عنده‪ ،‬أي جاءت الملبس بعينها من عند ال وليس فكرة الملبس‪ .‬أي أن بدايات النسان الحديث كان النسان يلبس شيئا‪ O‬ما‪ ،‬وهذا الشيء شرحه‬
‫في سورة النحل "انظر فصل المفاهيم الجمالية في الباب الرابع"‪.‬‬
‫وعن طريق التعليم المباشر التقليد اكتشف النسان النار واستعملها‪ .‬لقد ذكر الكتاب أن النسان عاش في مناطق لها غطاء نباتي "غابات" ونحن‬
‫نعلم إلى يومنا هذا أن الغابات يمكن أن تشب فيها الحرائق الطبيعية بدون تدخل النسان‪ ،‬وقد تدوم هذه الحرائق مدة طويلة وتلتهم النار مساحات‬
‫كبيرة كبيرة‪ ،‬وهذه الحرائق‪ ،‬إذا رآها النسان فهي ملفتة للنظر‪ ،‬لنها تصدر حرارة وتضيء في الليل وتنتقل وتتوسع من شجرة إلى أخرى‬
‫وتسبب خوفا‪ O‬وذعرا‪ O‬له وللحيوانات التي تعيش معه‪ .‬فمن تكرار ملحظة النسان لهذه الحرائق‪ ،‬وكيف أنها تنتقل من فرع شجرة إلى فرع آخر‪،‬‬
‫وكيف تسبب الخوف للحيوانات كلها وتصدر حرارة وتضيء في الليل‪ .‬فعند ذلك أوقد النار منها لنفسه لذا قال تعالى‪) :‬الذي جعل لكم من الشج‬
‫الخضر نارا‪ O‬فإذا أنتم منه توقدون( )يس ‪.(80‬‬
‫هنا ذكر بأن النار التي جعلت من الشجر الخضر "الغابات" هي التي أوقد منها النسان بعد أن رآها مرات عديدة لذا قال )فإذا( ولو أوقد النسان‬
‫النار من أول مرة رآها لقال "فإذا أنتم منه توقدون"‪.‬‬
‫هنا يعطينا القرآن حقيقة تاريخية كبرى وهي أن النسان أوقد النار ممن حرائق الغابات‪ ،‬وعندما أشعل النسان النار بواسطة الحتكاك كان يعرف‬
‫النار وفوائدها ومضارها وكان بحاجة إليها ومن الحتكاك اكتشف كيف يشعلها بنفسه‪.‬‬
‫هذه النواحي التي أعطاها القرآن تعتبر قفزات نوعية هائلة في تقدم النسان نحو النسنة وابتعاده عن المملكة الحيوانية‪.‬‬
‫ففي ظاهرة دفن الموتى ظهر مفهوم اجتماعي وذلك بالقيام بعمل ما يتعلق بغيره وله فيه وللخرين مصلحة‪.‬‬
‫وفي ظاهرة القرابين ظهر مفهوم التضحية واليثار‪ ،‬وهو مفهوم التقوى بأبسط صوره والذي جاء فيما بعد بمفهوم العبادات واليثار‪.‬‬
‫وفي ظاهرة المتناع عن قتل النفس تعبير مباشر عن بداية ظهور الضمير الجتماعي وظهور الخلق التي كانت الوصايا العشر "الفرقان"‬
‫قمتها‪.‬‬
‫وفي ظاهرة اشعال النار قفز النسان قفزة معرفية كبرى حيث أن إشعالها أول‪ O‬من حرائق الغابات ثم من الحتكام مكنته من الدفاع عن النفس‬
‫والرؤيا في الليل وظهور ظاهرة أكل اللحم مشويا‪ .‬ونرى أن الفترة الزمنية الكبرى ابتداء من إشعال النسان النار بالحتكاك "توليد الحرارة من‬
‫قوة ميكانيكية" إلى توليد القوة الميكانيكية من الحرارة بالمحرك البخاري أخذت اللف من السنين‪.‬‬
‫النسان الحديث‪:‬‬
‫لقد قلنا إن النسان الحديث الذي بدأ بنوح كان يملك لغة مجردة في أبسط بصورها حيث سمحت هذه اللغة بظاهرة الوحي علما‪ O‬بأنه كان هناك‬
‫مرحلة انتقالية اشترك فيها الوحي المجرد مع الملئكة المشخصين‪ .‬فعن مرحلة نوح قال‪) :‬كذبت قوم نوح المرسلين( )الشعراء ‪ (105‬وعن‬
‫مرحلة عاد” قال‪) :‬كذبت عاد المرسلين( )الشعراء ‪ (123‬ولكن هناك ناحية هامة في مرحلة عاد إذ إنه جاءت الملئكة "النذر"قبل هود ومع هود‬
‫لذا قال‪) :‬واذكر أخا عاد” إذ أنذر قومه بالحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه أل تعبدوا إل ال إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم(‬
‫)الحقاف ‪.(21‬‬
‫هنا لحظ قوله‪) :‬وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه( )الحقاف ‪ .(21‬لذا كانت هداية هود على أيدي النذر التي عاصرته‪) :‬ومن بين يديه(‪.‬‬
‫حيث لم يأت قومه بالبينات المادية التي طالبوه بها‪) :‬قالوا يا هود ما جئتنا ببينة” وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين( )هود‬
‫‪ .(53‬هنا نلحظ طلب الناس للبينة حيث يعلمنا ال أن ل نتبع كلم أي شخص بمجرد أنه قال كذا وكذا بدون بينات وقد كانت بينة النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم هي القرآن "النبوة" الذي هو تصديق بالذي بين يديه "الرسالة"‪.‬‬
‫وكذلك قال في ثمود )كذبت ثمود المرسلين( )الشعراء ‪ .(141‬وكذلك قال في لوط‪) :‬كذبت قوم لوط المرسلين( )الشعراء ‪ .(160‬وقوله‪) :‬ولما‬
‫جاءت رسلنا لوطا‪ O‬سيء بهم وضاق بهم ذرعا‪ O‬وقال هذا يوم عصيب( )هود ‪ .(77‬ولبراهيم أيضا‪ O‬جاءت الملئكة المشخصة بالضافة إلى الوحي‬
‫في قوله‪) :‬ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلما‪ O‬قال سلم فما لبث أن جاء بعجل حينئذ”(‪) .‬هود ‪ .(69‬وقد انقطعت الملئكة عند موسى‬
‫حيث بعث ال معه أخاه هارون‪ ،‬وعند عيسى‪ ،‬وعند محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولكن بينات موسى وعيسى كانت خارج النبوة والرسالة وكانت مادية مشخصة‪ .‬أما بينة محمد صلى ال عليه وسلم فكانت نبوته )القرآن( وفيها‬
‫قمة العلقات المجردة أي أن المعقولت سبقت المحسوسات وعند هذا نضجت النسانية مهيأة لتتم مسيرة التطور والنسنة لوحدها إلى قيام‬
‫الساعة‪.‬‬
‫إن القصص في الكتاب يعطينا تطور التشريعات في الرسالت والمعلومات في النبوات بالنسبة للنسان الحديث ابتداء من نوح إلى محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ .‬وهنا يكمن سر القصص‪ .‬وهكذا يجب أن يدرس القصص في الكتاب‪ .‬أما من يقول إن القصص جاء لتسلية النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫فهذا نوع من العبث‪ .‬وإن من يقول عن قوله تعالى‪) :‬كذبت قوم نوح المرسلين( بأن تكذيب نوح هو بمثابة تكذيب للرسل التي جاءت من بعده فهذا‬
‫عبث أيضا‪ O‬لن النسان يمكن أن يكذب من معه ومن قبله ولكنه ل يكذب من هو بعده‪ .‬فتكذيب قوم نوح له ولمن قبله ل يعني تكذيب محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم إذ ليس لهم آية علقة بمحمد صلى ال عليه وسلم وإل فإنهم شركاء ل في معرفة سياق التاريخ الذي هو غيب بالنسبة لهم‪ .‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫نظرية المعرفة القرآنية‬
‫تمهيد‬
‫قلنا إن العلقات المجردة التي جاء التعبير عنها باللغة المجردة والرباط المنطقي القائم على عدما لتناقض بالربط بين نقيضين هما الرحمن‬
‫والشيطان هي نفخة الروح وهي التي حولت البشر إلى إنسان ومازالت نفخة الروح تقوم بهذا العمل الجبار التي أنجزته النسانية بفرعين‬
‫رئيسيين وهما‪:‬‬
‫‪ - 1‬خط التشريع والعبادات والخلق وهو العلقات الجتماعية والقانونية بين الناس والتعبدية بين الناس وال وهي التي نقول عنها العلقات‬
‫المتحضرة "خط الرسالت"‪.‬‬
‫‪ - 2‬خط تقدم المعرفة النسانية بالموجودات وظواهر الطبيعة والتي سمحت للنسان بتسخير الطبيعة لمصلحته والسيطرة عليها "خط النبوات"‬
‫"العلماء ورثة النبياء"‪.‬‬
‫إننا سنطلق اصطلحا على الخط الول العقل التصالي "الجتماعي والخلقي والتعبدي"‪ ،‬وعلى الخط الثاني العقل العلمي‪.‬‬
‫وبما أن الكتاب كله يحتوي على النبوة "العقل العلمي" والرسالة "العقل التصالي" معا فقد سماه روحا )وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما‬
‫كنت تدري ما الكتاب ول اليمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم(‪) .‬الشورى ‪ .(52‬وسمي جبريل‬
‫روحا لنه كان ينقل الوامر "الرسالت" والمعلومات "النبوات"‪.‬‬
‫وهنا يكمن جدل لنسان في العقل العلمي "المعرفي" وفي العقل التصالي "الجتماعي"‪.‬‬
‫وأعطى تعريف الروح بشكل قاطع في أنها أوامر رب العالمين في الرسالت والمعلومات الموحاة في النبوات بقوله‪) :‬ويسئلونك عن الروح قل‬
‫الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إل قليل(‪) .‬السراء ‪ .(85‬ولكي يبين أن الروح في هذه الية هي مجمل الوحي أي الوامر والنواهي‬
‫والمعلومات إلى النبي صلى ال عليه وسلم أتبعها بقوله‪:‬‬
‫)ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم ل تجد لك به علينا وكيل(‪) .‬السراء ‪. (86‬‬
‫قلنا إن جدل النسان يتجلى في ظاهرة الفكر غير الموجودة في بقية الشياء التي نعرفها لذا قال‪:‬‬
‫)ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان النسان أكثر شيء جدل(‪) .‬الكهف ‪. (54‬‬
‫تبين هذه الية أن قوانين الجدل هي من القرآن وأن المثال المضروبة في الكتاب هي من القرآن‪ .‬وفي قوله‪) :‬أكثر شيء جدل( استعمل كلمة‬
‫"أكثر" للدللة على الزيادة الكمية في الجدل‪ .‬أي أن الجدل الموجود في الشياء موجود في النسان ولكن هناك جدل في النسان غير موجود في‬
‫الشياء‪ ،‬هو جدل الفكر‪ .‬ولو كان جدل النسان هو نفس جدل الشياء ولكنه أوضح في النسان‪ .‬لقال‪" :‬وكان النسان أكبر شيء جدل"‪.‬‬
‫لقد شرحنا في قوانين الجدل القانون الول للجدل في الشيء الواحد‪ .‬والقانون الثاني العلقة المتبادلة بين الشياء المتميزة بعضها عن بعض‬
‫"الزواج"‪ .‬وهذه العلقة موجودة في مستويات التأثير المتبادل وهي علقة في غاية التعقيد حيث ن العلقة الزوجية بين شيئين مختلفين توجد‬
‫في مستوى تأثير وليست في وحدة‪ .‬هذان القانونان يعملن في الشياء ومن ضمنها النسان كبشر وهما العمود الفقري لقوانين القدر‪.‬‬
‫الضداد‪:‬‬
‫إن مفهوم الضداد يختلف كثيرا عن مفهوم المتناقضات والزواج‪ .‬ففي الشياء ل يوجد أضداد بل أزواج ومتناقضات‪ ،‬ولكن الضداد موجودة في‬
‫ظواهر الشياء التي تدرس من قبل النسان‪ .‬فالقانون الول للجدل في الشيء الواحد وعيناه من خلل الموت والحياة‪ .‬وكذلك الرض والشمس‬
‫هما من الشياء‪ .‬ولكننا ل نقول عن الليل والنهار أنهما من الشياء ولكنهما ظاهرة طبيعية تولدت عن دوران الرض حول نفسها‪ ،‬وكذلك الصيف‬
‫والشتاء هما ظاهرتان تولدتا عن دوران الرض حول الشمس‪.‬‬
‫هذه الضداد والتي هي من ظواهر الشياء هي الطريقة التي يستوعب بها النسان الشياء ولها وحدة تسمى وحدة الضداد حيث أن الضداد يلغي‬
‫بعضها بعضا ول تجتمع ولكنها تتعاقب وتتناوب‪ ،‬ويوجد في تناوبها مرحلة انتقالية‪.‬‬
‫فمثل بين الليل والنهار يوجد الفجر‪ ،‬وبين النهار والليل يوجد الغسق‪ .‬فالشياء في الطبيعة ل يلغي بعضها بعضا ولكن اللغاء "النفي والثبات"‬
‫يكمن في ظواهر هذه الشياء‪ .‬حيث نفهم هذا النفي والثبات من خلل الحركة الميكانيكية والحرارية والعضوية‪..‬الخ‪ .‬وهذا ما تدرسه العلوم‪.‬‬
‫وبما ن الفكر النساني ظاهرة وليس شيئا‪ .‬واللغة هي حال هذا الفكر ول تنفصل عنه‪ ،‬فقد تم التعبير عن الفكر النساني في ظاهرة الضداد وقد‬
‫ظهرت هذه الضداد في اللغة كحامل للفكر ل ينفصم عنه‪ .‬أي أننا يمكن أن نورد ما يلي‪:‬‬
‫‪ - 1‬القانون الول للجل‪" :‬قانون صراع المتناقضات في الشيء الواحد" وقد أدى هذا القانون لتطور اللغات كمفردات جديدة وقوانين للصرف‪.‬‬
‫‪ - 2‬القانون الثاني للجدل "قانون التأثير والتأثر المتبادل بين الشيئين" وقد أدى هذا القانون إلى العلقات المنطقية بين الكلمات في تأليف الجمل‬
‫وإخراج المعاني المختلفة قد عبر عنه في قوانين النحو‪.‬‬
‫‪ - 3‬بما أن التعبير عن ظواهر الطبيعة جاء في الضداد فجاءت الضداد في التعابير اللغوية وفي المعاني الكلمات أي التعبير عن الفكر‪ ،‬فقد جاءت‬
‫المتناقضات في الفكر النساني المعرفي في مصطلحي الرحمن والشيطان "الحقيقة والوهم" وجاءت الضداد في التعابير اللغوية "قيا‪ ،‬قعود"‬
‫"شهيق‪ ،‬زفير" "حب‪ ،‬كراهية"‪" ،‬فجور‪ ،‬تقوى"‪" ،‬كفر‪ ،‬إيمان" "سالب‪ ،‬موجب" "كبير‪ ،‬صغير" "قليل‪ ،‬كثير" "يمين‪ ،‬يسار"‪.‬‬
‫أي وجب علينا تمييز النقيضين في الرحمن والشيطان أي الحقيقة والوهم الملتبسين معا والمربوطين بقانون عدم التناقض وبين التعبير اللغوي‬
‫على ظاهرة ما وذلك في الضداد أي أن الرحمن هو الجانب الحقيقي والشيطان الجانب الوهمي في الضد الواحد علما بأن الحركة بين الضداد هي‬
‫حركة تناقضية‪ .‬وظاهرة الضداد في بنية اللسان العربي واضحة بشكل جلي في الظاهرتين التاليتين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬يوجد أفعال في اللسان العربي ذات تراكيب صوتية بحيث إذا انعكس التركيب الصوتي انعكس المعنى‪ ،‬أي أعطت المعنى المضاد تماما‪:‬‬
‫ كتب "تعني تجميع الشياء بعضها إلى بعض" ومنها جاء الكتاب والمكتب والكتابة‪.‬‬‫ ب ت ك "تعني تفريق الشيء إلى قطع أو تفريق الشياء بعضها عن بعض‪ ،‬كقوله تعالى )فليبتكن آذان النعام(‪) .‬النساء ‪. (119‬‬‫‪ -‬در "تعني العطاء كقوله تعالى )كوكب دري(‪) .‬النور ‪ .(35‬أي أنه شفاف يمرر الضوء‪.‬‬

‫ رد "عني رد الشيء"‪.‬‬‫ فاض "عكسها في الصوت والمعنى" ضاف‪.‬‬‫ نهر سمي النهرنهرا لنه ينهر المياه ويمررها‪ .‬عكسها في الصوت والمعنى رهن وتعني الحجز ومنه جاءت الرهينة‪.‬‬‫ شرف تعني العلو ومنه جاءت الشرف والشرفة‪ ،‬عكسها في الصوت والمعنى فرش‪.‬‬‫ حبس تعني الحجر عكسها في الصوت والمعنى سبح وتعني الحركة المستمرة‪.‬‬‫ جب وتعنيا لتجميع ومنه جاء معنى الجب وهو المكان الذي يجمع المياه وعكسها في الصوت والمعنى بج فنقول بجت الرض الماء أي طرحته‪.‬‬‫ رخص تدل على الرخاوة‪ ،‬عكسها في المعنى والصوت صخر‪.‬‬‫ س رح تدل على الطلق وعكسها في المعنى والصوت ح رس‪.‬‬‫ ح زم تدل على شدة في المر وعكسها في المعنى والصوت م زح‪.‬‬‫ علق منها تعليق شيء بشيء آخر عكسها في الصوت والمعنى قلع‪.‬‬‫ قشع عكسها في الصوت والمعنى عشق‪.‬‬‫ب ‪ -‬يوجد في اللسان العربي أفعال كل فعل يحمل المعنيين‪ :‬المعنى والمعنى المضاد تماما في نفس الفعل‪ .‬فأحيانا يأتي الفعل بالمعنى الول وأحيانا‬
‫يأتي بالمعنى المضاد تماما وأحيانا يأتي بالمعنيين معا‪ ،‬ومن هذه الفعال‪:‬‬
‫ ظن‪ :‬لها معنيان متضادان‪ :‬المعنى الول الشك كقوله تعالى‪) :‬وما يتبع أكثرهم إل ظنا إن الظن ل يغني من الحق شيئا(‪) .‬يونس ‪) .(36‬إن بعض‬‫الظن إثم(‪) .‬الحجرات ‪. (12‬‬
‫وجاءت في المعنى المضاد وهو اليقين في قوله تعالى‪) :‬الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه راجعون(‪) .‬البقرة ‪ .(46‬وقوله‪) :‬قال الذين‬
‫يظنون أنهم ملقوا ال كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ال(‪) .‬البقرة ‪ .(249‬وقوله‪) :‬فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه‬
‫* إني ظننت أني ملق حسابية * فهو في عيشة راضية(‪) .‬الحاقة ‪ .(21 ،20 ،19‬وقوله )ورأى المجرمون النار فظنوا أنعهم مواقعوها(‪) .‬الكهف‬
‫‪ .(53‬وقوله )ووجوه يومئذ باسرة* تظن أن يفعل بها فاقرة(‪) .‬القيامة ‪ (25-24‬وقوله‪) :‬فقال له فرعون إني لظنك يا موسى مسحورا(‪) .‬السراء‬
‫‪. (101‬‬
‫ عبد‪ :‬فعل له معنيان متضادان‪ :‬الول الذل والخنوع‪ .‬والثاني النفة والكبر‪ .‬ففي المعنى الول جاءت في قوله تعالى )إياك نعبد وإياك نستعين(‪.‬‬‫)الفاتحة(‪ .‬ومنها جاءت العباد والعبيد‪ .‬وكقوله تعالى )التائبون العبادون الحامدون السائحون(‪) .‬التوبة ‪ .(112‬وقوله‪) :‬ل أعبد ماتعبدون(‪.‬‬
‫)الكافرون ‪ .(3‬وقوله‪) :‬إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين(‪) .‬غافر ‪ .(60‬وقوله‪) :‬وإليه يرجع المر كله فاعبده وتوكل‬
‫عليه(‪) .‬هود ‪ .(123‬وقوله تعالى‪) :‬قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين(‪) .‬النبياء ‪. (53‬‬
‫وجاءت بمعنى التكبر والنفة والستعلء في قوله تعالى‪) :‬قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين(‪) .‬الزخرف ‪.(81‬‬
‫وهذا يعني أن ال أخبر النبي صلى ال عليه وسلم بأن الرحمن لم يلد ولم يولد فإذا تبين أن له ولد فإن النبي صلى ال عليه وسلم هو أول إنسان‬
‫يكفر به ويستنكف عنه‪.‬‬
‫وجاءت تحتمل المعنيين معا في قوله‪) :‬وما خلقت الجن والنس إل ليعبدون(‪) .‬الذاريات ‪ .(56‬هذه الية خبرية‪ .‬فال خلق الجن والنس أحرارا‬
‫ولهم حرية الختيار‪ ،‬فمنهم من يعبد بمفهوم التذلل والطاعة‪ ،‬ومنهم من يعبد بالمفهوم المضاد‪ ،‬أي يكفر ويتكبر‪ .‬وهذه الية تعطينا الغاية من‬
‫خلق النسان وهي الحرية وتنسجم مع قوله تعالى‪) :‬وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‪..‬الية(‪) .‬الكهف ‪. (29‬‬
‫خفى‪ :‬لها معنيان متضادان‪ :‬الول الستر والثاني الظهور‪ .‬ففي المعنى الول جاءت في قوله تعالى‪) :‬ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن(‪) .‬إبراهيم‬‫‪ (38‬وقوله تعالى‪) :‬يومئذ تعرضون ل تخفى منكم خافية(‪) .‬الحاقة ‪ (18‬وقوله‪) :‬وتخفي في نفسك ما ال مبديه(‪) .‬الحزاب ‪. (37‬‬
‫وفي المعنى الثاني أي الظهور والعلن جاءت في قوله تعالى‪) :‬إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى(‪) .‬طه ‪ .(15‬هنا "أخفيها"‬
‫بمعنى ظهرها‪ .‬وقوله تعالى‪) :‬وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى(‪) .‬طه ‪ (7‬هنا "وأخفى" تعني العلن أي يعلم السر والعن‪.‬‬
‫تل‪ :‬لها معنيان متضادان هما‪ :‬الرتفاع والنخفاض‪ .‬ففي معنى الرتفاع جاءت كلمة التل وهوالمكان المرتفع‪ .‬وفيمعنى النخفاض جاءت في‬‫قوله تعالى‪) :‬فلما أسلما وتله للجبين(‪) .‬الصافات ‪ (103‬أي أخفضه على جبينه إلى الرض ليذبحه‪.‬‬
‫مولى‪ :‬لها معنى السيد والعبد‪ .‬فنقول ال مولنا "أي سيدنا" ونقول فلن مولى فلن "أي خادمة"‪ .‬وجاءت في المعنى الول في قوله تعالى‪:‬‬‫)وإني خفت الموالي من ورائي(‪) .‬مريم ‪. (5‬‬
‫عدل‪ :‬لها معنيان متضادان‪ :‬العدل "المساواة" والظلم‪ .‬ففي معنى العدل جاءت في قوله تعالى‪) :‬وأمرت لعدل بينكم(‪) .‬الشورى ‪ .(15‬وقوله‪:‬‬‫)فإن خفتم أل تعدلوا فواحدة…الية(‪) .‬النساء ‪ .(3‬وقوله تعالى‪) :‬وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى(‪) .‬النعام ‪ .(152‬وفي المعنى الثاني في قوله‬
‫تعالى‪) :‬أإله مع ال بل هم قوم يعدلون(‪) .‬النمل ‪. (60‬‬
‫قسط‪ :‬لها معنيان متضادان‪ :‬الول البر والحسان‪ .‬والثاني‪ :‬الجور والطغيان‪ .‬فالمعنى الول جاء في قوله تعالى‪) :‬إن ال يحب المقسطين(‪.‬‬‫)المائدة ‪ .(42‬وقوله تعالى‪) :‬وإن خفتم أل تقسطوا في اليتامى…( )النساء ‪ .(3‬والمعنى الثاني جاء في قوله تعالى‪) :‬وأما القاسطون فكانوا لجهنم‬
‫حطبا(‪) .‬الجن ‪. (15‬‬
‫رغد‪ :‬وتعني شظف العيش ورخاءه ففي المعنى الول جاءت في قوله تعالى‪) :‬وكل منها رغدا حيث شئتما()البقرة ‪ .(35‬وفي المعنى الثاني‬‫)وضرب ال مثل قرية كانت آمن مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ال فأذاقها ال لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون(‪.‬‬
‫)النحل ‪ .(112‬ومن أراد الستفاضة في هذا الموضوع فليراجع كتاب الستاذ محمد عنبر )جدلية الحرف العربي( وفيزياء الفكر والمادة‪.‬‬
‫كيف استعمل الكتاب فعل "جدل" في المواقف الفكرية النسانية‪:‬‬
‫بما أن جدل النسان قائم على جدل الضداد في مظهره وجدل المتناقضات في جوهره "محتواه" وذلك في تفكيره العقائدي وفي سلوكه فقد‬
‫استعمل الكتاب فعل "جدل" عند النسان في حالة الضداد وليس الزواج علما بأن العلقة بين الضداد هي علقة تناقضية‪.‬‬
‫‪) - 1‬ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا(‪) .‬الكهف ‪. (56‬‬
‫)وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب(‪) .‬غافر ‪. (5‬‬
‫هنا نلحظ كيف استعمل الجدل بين الباطل والحق‪ ،‬وهما من الضداد في وحدة هي الفكر النساني‪ ،‬وقد قلنا إن أحد معاني الجدل هو الكلم‬
‫ومراجعة الكلم "موقف وموقف مضاد"‪ ،‬ونلحظ هذا المعنى"موقف وموقف مضاد"‪ .‬بشكل كامل في قوله تعالى‪:‬‬
‫)قد سمع ال قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ال وال يسمع تحاوركما إن ال سميع بصير(‪) .‬المجادلة ‪ .(1‬لقد كانت المرأة التي تشتكي‬
‫اللنبي حول المظاهرة في موقف مضاد فيما يتعلق بزوجها ولكنها هي ليست في موقف مضاد مع النبي‪ .‬فحول الموقف بالنسبة لزوجها قال‪:‬‬
‫)تجادلك في زوجها(‪.‬‬
‫وحول علقتها مع النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬وال يسمع تحاوركما(‪ .‬هنا نلحظ كيف استعمل فعلي الحوار والجدل في آيةواحدة‪ .‬وعندما‬
‫يوجه النسان كلما إلى آخر‪ ،‬أمرا أو نهيا أو خبرا بدون أن يعرف موقف الخر‪ ،‬في هذه الحالة يسمى "خطابا" كقوله تعالى لنوح‪) :‬ول‬

‫تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون(‪) .‬هود ‪ (37‬ومن هنا جاء مفهوم المهرجان الخطابي حيث يعرض النسان في خطابه وجهة نظر‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك يجادله قسم من الناس‪ ،‬وقسم آخر يحاوره‪.‬‬
‫‪) - 2‬إن الذين يجادلون في آيات ال بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إل كبر ما هم ببالغيه(‪) .‬غافر ‪. (56‬‬
‫ )ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص(‪) .‬الشورى ‪. (35‬‬‫ )حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إل أساطير الولين(‪) .‬النعام ‪. (25‬‬‫ )ما يجادل في آيات ال إل الذين كفروا( )غافر ‪. (4‬‬‫هنا نلحظ أن الجدل غير الحوار فقد قال "يجادلون" ولم يقل"يحاورون" أي يمكن أن يكون هناك حواريين اثنين من المؤمنين حول معنى آية‪.‬‬
‫ولكن الذي يتخذ موقفا ضد آيات ال فهذا موقف جدلي لذا قال عن الذي يجادلون في آيات ال )مالهم من محيص(‪ .‬وقال عنهم ‪) :‬الذين كفروا(‪.‬‬
‫وقال عنهم‪) :‬إن في صدورهم إل كبر ما هم ببالغيه(‪) .‬غافر ‪. (56‬‬
‫‪) - 3‬قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا(‪) .‬هود ‪. (32‬‬
‫)أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم(‪) .‬العراف ‪. (71‬‬‫هنا كان موقف جدلي بين نوح وقومه وبين هود وقومه وكان الجدل قائما بينهم على الوحدة والتعددية لذا قال لهم هود‪) :‬أتجادلونني في أسماء(‪.‬‬
‫وكان هذا الموقف الجدلي بين الوحدانية والتعددية بين النبي صلى ال عليه وسلم وقومه في قوله‪) :‬وإن جادلوك فقل ال أعلم بما تعملون(‪.‬‬
‫)الحج ‪. (68‬‬
‫‪-4‬ولكي يبين أن الجدل من الضداد يمكن أن يكون في النسان الواحد وأن الضداد تتناوب وتتعاقب قال عن إبراهيم‪) :‬فلما ذهب عن إبراهيم‬
‫الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب(‪) .‬هود ‪. (75-74‬‬
‫لقد اتخذ إبراهيم موقفا مضادا حين جادل رب العالمين في قوم لوط فال يريد أن يهلكهم وكان موقف إبراهيم هو التريث لذا قال )يجادلنا في قوم‬
‫لوط(‪ .‬ورد ال عليه‪) :‬يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد داء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود(‪) .‬هود ‪. (76‬‬
‫ولكي يبين وحدة الضداد في إبراهيم أوردها في آية منفصلة في قوله‪) :‬إن إبراهيم لحليم أواه منيب(‪) .‬هود ‪ .(75‬فالحلم هو من الناة‪ ،‬والتأوه‬
‫من العجلة فهما متضادان ووحدتهما هو منيب من النابة‪ .‬فالنابة أما بحلم أو بتأوه‪ .‬ولكي يبين أن الضداد تتناوب وتتعاقب قال في سورة التوبة‪:‬‬
‫)وما كان استغفار إبراهيم لبيه إل عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو ل تبرأ منه إن إبراهيم لواه حليم(‪) .‬التوبة ‪ .(114‬لحظ التناوب‬
‫في قوله تعالى‪:‬‬
‫إن إبراهيم لواه حليم ‪ -‬إن إبراهيم لحليم أواه‪.‬‬
‫والنابة هي وحدة "أواه حليم" كالتنفس الذي هو وحدة الشهيق والزفير‪.‬‬
‫هنا نلحظ الجدل في الضداد في المواقف النسانية‪ ،‬ففي موقف إبراهيم مع أبيه كان أواها حليما أي كان يستعجل الستغفار لبيه لذا غلب الواه‬
‫على الحليم‪ ،‬وفي موقفه من قوم لوط كان موقف إبراهيم هو تأجيل العذاب لذا غلب الحليم على الواه‪ .‬وهكذا ل نستغرب لماذا سمي إبراهيم خليل‬
‫الرحمن‪ ،‬والرحمن ففيه توليد الثنائيات‪.‬‬
‫جدل الضداد في العلقات الجتماعية والسياسية والفكرية بين الناس‪:‬‬
‫لقد قسم القرآن جدل الضداد الذي يعتبر ظاهرة للتعبير عن المتناقضات الداخلية في العلقات الجتماعية والقتصادية والسياسية والفكرية بين‬
‫الناس إلى نوعين من الجدل‪:‬‬
‫ النوع الول‪:‬‬‫جدل متصالح غير متخاصم أي هناك مواقف جدلية بين مجموعتين من الناس ولكن هذه المواقف ليست مواقف تصادمية وبدون عنف وقد أطلق‬
‫عليها القرآن "الجدل بالتي هي أحسن" وذلك في قوله‪) :‬ول تجادلوا أهل الكتاب إل بالتي هي أحسن إل الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل‬
‫إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون(‪) .‬العنكبوت ‪ .(46‬فقوله‪) :‬إل بالتي هي أحسن(‪ .‬يعني بالضرورة أن هناك جدل مضادا‬
‫وهنا نلحظ كيف بين الكتاب العلقة بين المسلمين وأهل الكتاب فالعلقة العقائدية هي علقة جدل متصالح )بالتي هي أحسن( أي هناك مواقف‬
‫جدلية ولكنها غير تصادمية‪ ،‬ولكن فيما يتعلق بالعدل والظلم يمكن أن يكون هناك جدل تصادمي مع أهل الكتاب ومع غيرهم من المسلمين أيضا لذا‬
‫قال‪) :‬إل الذين ظلموا(‪.‬‬
‫هنا بين لنا الكتاب الموقف السلمي الواضح من غير المسلمين من أهل الكتاب وهذا الموقف "هو موقف جدلي غير تصادمي" بالنسبة للمور‬
‫العقائدية وموقف جدلي تصادمي في المور الجتماعية القتصادية والسياسية في حالة الظلم‪ ،‬وحالة الظلم هذه تنطبق أيضا على العلقة بين‬
‫المسلمين أنفسهم لذا قال‪) :‬ل يحب ال الجهر بالسوء من القول إل من ظلم(‪) .‬النساء ‪. (148‬‬
‫ النوع الثاني‪:‬‬‫الجدل التصادمي "الجدل المتخاصم" هذا النوع من الجدل بين المتناقضات في الجوهر والضداد في المظهر فيا لعلقات الجتماعية والسياسية‬
‫هو جدل مبرر في الحالت التالية‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حالة الظلم لقوله‪) :‬إل الذين ظلموا(‪.‬‬
‫ب ‪ -‬في حالة القتال العقائدي والسياسي لفئات تعادي المسلمين عنوه وصراحة كالعلقة بين النبي صلى ال عليه وسلم والمسلمين وبين مشركي‬
‫العرب حيث كانت علقة جدل تصادمي وقد بين هذا في قوله‪) :‬ولما ضرب ابن مريم مثل إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما‬
‫ضربوه لك إل جدل بل هم قوم خصمون(‪) .‬الزخرف ‪ .(58-57‬هنا نلحظ العلقة الجدلية المتخاصمة بين النبي صلى ال عليه وسلم وبين قومه‪.‬‬
‫وكانت هذه العلقة واضحة في المعارك التي خاضها النبي صلى ال عليه وسلم مع مشركي العرب‪.‬‬
‫وقد أكد الكتاب أن العلقة مع غير المسلمين من غير أهل الكتاب هي علقة جدل غير تصادمي )بالتي هي أحسن(‪ .‬وذلك عندما يكون موقف‬
‫هؤلء من المسلمين موقف جدل غير تصادمي وقد أكد هذا في قوله‪) :‬ل ينهاكم ال عن الذين لم يقاتلوكم فيا لدين ولم يخرجوكم من دياركم أن‬
‫تبروهم وتقسطوا إليهم إن ال يحب المقسطين(‪) .‬الممتحنة ‪. (8‬‬
‫هنا نلحظ كيف وضع الية بصيغة عامة بحيث لم يقل"من أهل الكتاب" بل وضعها صيغة عامة لكل الناس‪ .‬أي على المسلم أن يكون في علقة‬
‫جدلية غير تصادمية مع كل الناس الذين يتخذون مواقف مضادة ما عدا هؤلء الذين يتخذون مواقف جدلية تصادمية من المسلمين ويحاولون‬
‫احتلل أراضيهم وديارهم‪ .‬ومع الظالمين من المسلمين ومن غيرهم‪.‬‬
‫ شرح قوله تعالى )ن والقلم وما يسطرون(‪:‬‬‫بما أن أساس لمعرفة النسانية هو التمييز "القلم" حيث أنه في الدراك الفؤادي‪ ،‬العين تقلم الولن والبعاد والشكال ضمن مجال إمكانياتها‪،‬‬
‫والذن تقلم الصوات ضمن مجال إمكانياتها السمعية وكذلك بقية الحواس ثم بعد ذلك يأتي الفكر المجرد وتقلم العلقات المجردة بعضها عن بعض‬
‫بواسطة اللغة المجردة أول ثم بواسطة اللغة المجردة والعداد والرموز ثانيا وهذه اللغة المجردة والرموز تقوم على علقات منطقية‪ .‬ولكن عندما‬
‫بدأ النسان بالكلم كان ل يميز الذكر عن النثى في المتكلم والمخاطب ول يميز العدد أيضا فقد ظهر هذا التمييز في فترات لحقة‪.‬‬

‫فالكتاب يخبرنا أن غحدى وسائل التمييز التي لعبت دورا في الكلم النساني المجرد هو صوت النون وذلك في قوله تعالى )ن والقلم وما‬
‫يسطرون(‪) .‬القلم ‪. (1‬‬
‫فنرى في اللسان العربي أن الصيغة العامة التي تشمل العاقل وغير العاقل هي صيغة "ما" كقوله‪) :‬ول يسجد ما في السموات وما في الرض(‪.‬‬
‫)النحل ‪. (49‬‬
‫ثم استعملت النون لتمييز العاقل فقط بلفظة "من" كقوله‪) :‬ول يسجد من في السموات والرض طوعا وكرها(‪) .‬الرعد ‪. (15‬‬
‫"ما" "صيغة عامة" سبقت في الستعمال التاريخي‪.‬‬
‫"من" "صيغة خاصة" للعاقل جاءت بعد "ما" وقد استعمل فيها صوت النون‪.‬‬
‫وكذلك لعبت النون دورا في التمييز بين الذكر والنثى وذلك في "نون النسوة"‪ .‬حيث "أنتم" صيغة عامة للذكور والناث سبقت "أنتن" "صيغة‬
‫للناث فقط" أي أن ميم الجماعة سبقت نون النسوة في الستعمال التاريخي‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن صوت النون في السياق التاريخي كان له دور كبير في التمييز "التقليم" لذا أتبع هذا الصوت في الية بقوله‪) :‬والقلم(‪ .‬وبزيادة‬
‫التقليم زاد التصنيف للشياء وهذا ما يسمى بالتسطير لذا أتبعها بقوله )وما يسطرون(‪.‬‬
‫وقد جاءت يسطرون من فعل "سطر" وهو في اللسان العربي له أصل مطرد يدل على اصطفاف الشيء كالكتاب والشجر وكل شيء اصطف‪ .‬وهذا‬
‫ما يسمى باللغة النيكليزية )‪ (Classification‬وهو ما نسميه بالعربية التصنيف‪ .‬أي أن القلم هو تمييز الشياء بعضها عن بعض وهو ما يسمى‬
‫)‪ (identification‬ثم يعقبه تصنيف الشياء حسب مواضيعها وهذا ما يسمى بالتسطير‪ .‬وفي هذا قال )وكل صغير وكبير مستطر(‪) .‬القمر ‪.(52‬‬
‫أي أن كل المور والشياء صغيرها وكبيرها تدخل ضمن التصنيف )‪.(Classified‬‬
‫ومن فعل سطر جاءت السطورة وهي تصنيف الشياء الباطلة بعضها إلى بعض لخراج قصة ولهذا سميت أسطورة‪.‬‬
‫فصوت النون زاد في تقليم الشياء بعضها عن بعض وزيادة التقليم أدت إلى التصنيف‪ .‬لذا قال‪) :‬ن والقلم وما يسطرون(‪.‬‬
‫قد يقول لبعض إن صوت النون زاد في التقليم والتصنيف في اللسان العربي فما حال بقية اللسن؟‬
‫إن الشيء المؤكد في صوت النون هو أنه موجود في كل ألسن أهل الرض قاطبة وبدون استثناء‪.‬‬
‫وبالضافة إلى صوت النون يوجد الصوات التالية في كل ألسن أهل الرض قاطبة‪:‬‬
‫اللف أ‬
‫اللم ل ألر‬
‫الراء ر‬
‫الياء ي‬
‫السين س‬
‫ولقد ميز الصحابة الذين خطوا المصحف بين يس‪) .‬يس(‪ .‬التي هي مقطعين صوتيين "ي س" والتي تلفظ بالدمج )‪ (YES‬وبين ياسين الكلمة‬
‫التي وردت في سورة الصافات في قوله‪) :‬سلم على آل ياسين(‪) .‬الصافات ‪ .(130‬أي أن "يس" و"ألر" و"ن" هي مقاطع صوتية موجودة في‬
‫ألسن أهل الرض قاطبة‪.‬‬

‫الفرع الول‪ :‬جدل الضداد في معرفة آيات ال )العقل الرحماني والعقل الشيطاني(‬
‫أول‪ :O‬أسس العقل الرحماني‪:‬‬
‫لقد عبر القرآن عن جدل الضداد في ظواهر الطبيعة في مصطلح آيات ال وذلك في قوله‪:‬‬
‫ )ومن آياته خلق السموات والرض واختلف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك ليات للعالمين(‪) .‬الروم ‪. (22‬‬‫ )إن في السموات والرض ليات للمؤمنين(‪) .‬الجاثية ‪. (3‬‬‫ )وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون(‪) .‬الجاثية ‪. (4‬‬‫ )واختلف الليل والنهار وما أنزل ال من السماء من رزق فأحيا به الرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون(‪) .‬الجاثية ‪. (5‬‬‫ )تلك آيات ال نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد ال وآياته يؤمنون(‪) .‬الجاثية ‪. (6‬‬‫لقد أعطى الكتاب في سورة الجاثية ثلثة مستويات مختلفة لظواهر الطبيعة سماها في الية رقم ‪ 6‬بآيات ال‪ .‬هذه المستويات هي‪:‬‬
‫‪ - 1‬المستوى العام‪ :‬هو ظواهر الطبيعة فيا لوجود المادي كله في قوله‪) :‬إن في السموات والرض(‪ .‬هنا نلحظ قوله )في السموات والرض(‪.‬‬
‫ولم يقل "إن السموات والرض"‪ .‬حيث أن تصديق الظواهر العامة في السموات والرض هو من أركان اليمان لذا قال‪) :‬ليات للمؤمنين(‪.‬‬
‫‪ - 2‬المستوى الخاص الول‪ :‬هو ظواهر الحياة العضوية في قوله‪) :‬وفي خلقكم وما يبث من دابة(‪ .‬وقد جعلها في مستوى يقيني حيث أن الخلق‬
‫والبث والحياة والموت هي من قوانين الجدل "التسبيح" اليقينية التي يعتبر البعث نتيجتها لذا قال‪) :‬لقوم يوقنون(‪.‬‬
‫‪ - 3‬المستوى الخاص الثاني‪ :‬ظواهر الطبيعة غير العضوية كالليل والنهار والمطار والرياح وقد جعلها في مستوى عقلي أي أنه يربط فيها‬
‫المقدمات والنتائج ويمكن تقليدها على مستوى صغير لذا قال )لقوم يعقلون(‪.‬‬
‫والن‪ :‬ما هي المركبات المعرفية لظواهر الطبيعة؟ لقد أعطىا لكتاب المركبات المعرفية لظواهر الطبيعة في اليات التالية والتي سماها "كتاب‬
‫مبين"‪.‬‬
‫ )وعنده مفاتح الغيب ل يعلمها إل هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إل يعلمها ول حبة في ظلمات اأرض ول رطب ول يابس إل‬‫في كتاب مبين(‪) .‬النعام ‪. (59‬‬
‫ )وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ول تعملون من عمل إل كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في‬‫الرض ول في السماء ول اصغر من ذلك ول أكبر إل في كتاب مبين(‪) .‬يونس ‪. (61‬‬
‫ )وما من دابة في الرض إلعلى ال رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين(‪) .‬هود ‪. (6‬‬‫ )ومامن غائبة في السماء والرض إل في كتاب مبين(‪) .‬النمل ‪. (75‬‬‫ )وقال الذين كفروا ل تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكن عالم الغيب ل يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ول في الرض ول اصغر من ذلك ول‬‫أكبر إل في كتاب مبين(‪) .‬سبأ ‪. (3‬‬
‫هنا نلحظ أن اليات التي ورد فيها مصطلح "كتاب مبين" تحتوي على ظواهر معرفية وهذه الظواهر يمكن أنه تجمل بالبنود التالية‪:‬‬
‫ )ويعلم ما في البر والبحر(‪ :‬تركيب الشياء )‪.(Ingredients‬‬‫‪) -‬وما تسقط من ورقة إل يعلمها(‪ :‬الحركة الميكانيكية للشياء "النتقال من مكان إلى آخر"‪.(Movement) .‬‬

‫ )ول حبة في ظلمات الرض(‪:‬‬‫ )وما من غائبة في السماء والرض(‪ :‬مواقع الشياء )‪.(Position‬‬‫ )ول رطب ول يابس(‪ .‬الحركة الحرارية والعضوية للشياء )‪.(Transformation of motion‬‬‫ )وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الرض ول في السماء ول أصغر من ذلك ول أكبر(‪ :‬الكتلة والوزن وقد بين وحدة الكتلة والوزن في‬‫الذرة وذكر أن هناك أصغر من ذلك وأكبر من ذلك‪.‬‬
‫ )ويعلم مستقرها ومستودعها(‪ :‬حركة الحياة العضوية للكائنات الحية بما فيها البشر‪.‬‬‫ )ول تعملون من عمل إل كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه(‪ :‬أعمال النسان الواعية "السلوك الواعي" مهما استرسل فيها وذلك في قوله )إذ‬‫تفيضون فيه(‪.‬‬
‫هنا يجب أن نذكر الملحظة الهامة وهي أنه في اليات السابقة يتكلم عن أشياء وظواهر موجودة فعل في العالم المادي‪.‬‬
‫فطبقا ليات الكتاب إذا أردنا معرفة ظواهر الطبيعة فما علينا إل أن نحدد العناصر التالية لهذه الظواهر‪:‬‬
‫‪ - 1‬مواقع الشياء )‪ :(Position‬ففي الموقع يظهر مفهوم النسبة والضداد‪ ،‬فإذا أردنا أن نحدد موقع جسم ما فما علينا إل أن ننسبه إلى جسم‬
‫آخر ثم نحدد موقعه بالنسبة لهذا الجسم‪ ،‬فيظهر مفهوم الفوق والتحت واليمني واليسار والشمال والجنوب‪.‬‬
‫‪ - 2‬البعد )‪ :(Dimension‬ففيا لبعد ل يظهر مفهوم النسبية وإنما يظهر مفهوم المقارنة‪ ،‬فعندما نحدد بعد جسم "أبعاده الثلثة" نحتاج إلى‬
‫مقياس للمقارنة حيث أن أبعاد الجسام موجودة في ذات الجسام غير منسوبة إلى غيرها‪ ،‬وإنما لها مقياس للمقارنة وفيها الصغير والكبير‪.‬‬
‫‪ - 3‬حركة الجسم )‪ :(Motion‬في الحركة تظهر النواع المختلفة للحركة وفيها مفهوما لنسبية والوقت والضداد‪ .‬فهناك الحركة الميكانيكية‬
‫والحرارية والعضوية وانتقال شكل من أشكال الحركة إلى شكل آخر‪ ،‬فمن الحركة الميكانيكية نحصل على حرارة‪ ،‬ومن الحرارة نحصل على حركة‬
‫ميكانيكية‪.‬‬
‫‪ - 4‬كتلة الجسم‪ :‬نعبر عنها بالكتلة ثم بالوزن وقد اعتبر الكتاب أن الذرة هي وحدة الوزن "الثقل" وهي وحدة مركبة الجسام المختلفة‪.‬‬
‫‪ - 5‬تركيب الجسم‪ :‬وهو معرفة العناصر المركبة لهذا الجسم‪.‬‬
‫‪ - 6‬الكم في الوحدة أو الكتلة أو البعد أو الحركات بأنواعها‪.‬‬
‫هذه هي مركبات العلوم الطبيعية كلها‪ ،‬ولكن علينا أن نعلم أن هناك مفهومين متناقضين في هذه العناصر الخمسة الولى وهما حركة الجسم‬
‫وموقع الجسم‪ ،‬فل يمكن للنسان أن يدرس بنفس الوقت حركة جسم وموقعه‪ .‬فإذا أردنا أن ندرس موقع جسم في لحظة ما‪ ،‬فهذا يعني أنه ل‬
‫يتحرك‪ .‬وإذا أردنا أن ندرس حركته فهذا يعني أن موقعه متغير‪ .‬فلزالة هذا التناقض تم تقسيم العلوم إلى فرعين رئيسيين هما‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حركة الجسم دون النظر إلى موقعه‪ ،‬وهذا ما عبر عنه في الطلب بمفهوم الفيزيولوجيا وما عبر عنه في التاريخ بمسار التاريخ‪ .‬وما عبر عنه‬
‫في اللغة بمسار تطور اللغة‪ .‬وعندما ندرس مسار صاروخ من الرض إلى القمر فإننا نعتبر الصاروخ نقطة مادية‪.‬‬
‫ب ‪ -‬موقع الجسم وأبعاده ومركباته دون النظر إلى حركته‪ :‬وهذاما عبر عنه في الطب بالتشريح‪ ،‬فالتشريح يأخذ مقطعا من جسم النسان إما في‬
‫الجنين أو لطفل أو المسن ويدرسه في اللحظة التي تم أخذ المقطع فيهاوما عبر عنه فيا لتاريخ بالفترات التاريخية‪ .‬فالمؤرخ إما أن يدرس حركة‬
‫مسار التاريخ أو يدرس تاريخ العالم في القرن الثالث قبل الميلد‪ .‬ففي هذه الحالة يذكر الشعوب والسماء والمعارك والوضع النتاجي‬
‫والقتصادي بكل تفاصيله الممكنة‪.‬‬
‫إن موقع الجسم وأبعاده يسمى بالمواصفات الهندسية للجسم )‪ (Geometrical Properties‬وهي من أهم المواصفات التي يدرسها النسان‬
‫في العلوم‪ .‬فمثل في الهندسة ظهر عزم العطالة من بعد الجسم وموقعه‪ .‬فالجسم له ثلثة أبعاد ‪ M3‬وله موقع واحد بالنسبة إلى شيء آخر‬
‫منسوب إليه‪ .‬وهذا الموقع الواحد له بعد ‪ .M1‬ففي هذه الحالة يصبح عزم العطالة ‪.M4‬‬
‫طريقة التعبير عن المعارف‪:‬‬
‫قلنا إن أساس المعرفة هو التقليم ثم التسطير "التمييز والتصنيف" وقد تم التعبير عن المعرفة بالشكال التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬التعبير التشكيلي‪ :‬وهو أن يرسم النسان شكل ما شاهده مشاهدة مشخصة وقد رسم النسان فعل في الكهوف القديمة بعض الحيوانات التي‬
‫كانت لها صلة مباشرة معه "تعبير فؤادي" ثم تطور هذا التعبير إلى أبجدية بتطور اللغة المنطوقة ووسائل النتاج وتطور إلى فنون النحت‬
‫والرسم والتصوير‪ .‬أي أن بداية التعبير التشكيلي كانت بداية فؤادية لها علقة مباشرة بالسمع والبصر ثم تطورت إلى تعبير مجرد عن قيم "انظر‬
‫فصل المفاهيم في الباب الرابع"‪ .‬وما زالت هذه التعابير تستعمل حتى يومنا هذا بالرسم في علوم الهندسة والطبيعة والطب‪.‬‬
‫‪ - 2‬التعبير اللغوي‪ :‬وهو أعم وأساس التعابير عن المعرفة النسانية وقد بدأ بداية فؤادية مشخصة بالسمع والبصر ثم انتقل إلى التجريد وقد‬
‫شرحت هذا في مقالتي حول نشأة اللغة وارتباطها بالفكر‪.‬‬
‫‪ - 3‬التعبير "الكمي" العددي والرمزي‪ :‬وهو التعبير الكثر تجريدا من التعبير اللغوي لذا ظهر في مرحلة متأخرة "حيث ظهر في الرياضيات"‪.‬‬
‫وظهرت فيه العلقات المجردة بأرقى تعابيرها‪.‬‬
‫فمثل عندما نريد أن نعبر عن دائرة‪ ،‬فأما أن نرسمها تشكيليا أو نقول هذه دائرة لغويا أو نكتب معادلة دائرة بالشكل التالي‪:‬‬
‫‪R² = X² + Y²‬‬
‫ التعبير العددي "الكمي"‪:‬‬‫لنبدأ الن بتعريف العدد والرقم‪ .‬إن الرقم والعدد مصطلحان يعبران عن الكم‪ .‬فالرقم يعبر عن كم معرف والعدد عن كم غير معرف‪ ،‬أي أن الرقم‬
‫عبارة عن عدد معرف‪ .‬فإذا قلنا مثل لنسان‪ :‬عد الطلب الموجودين في القاعة وقال إن عددهم "‪ "45‬طالبا‪.‬‬
‫ففي هذه الحالة يكون قد أجابا لطلب‪ ،‬وإذا قلنا له رقم الطلب الموجودين في القاعة فقال إن زيدا رقمه واحد وعمرا رقمه اثنان… وهكذا دواليك‪،‬‬
‫فالعدد هو واحد‪ ،‬اثنان‪ ،‬ثلثة‪ ،‬أربعة‪ ،‬والرقم هو الول‪ ،‬الثاني‪ ،‬الثالث‪ ،‬الرابع‪ .‬فالفرق بينهما هو كالفرق بين المعرفة والنكرة‪ .‬فالعدد منكر والرقم‬
‫معرف‪ .‬لذا فعندما نمارس علوم الكم فإننا نتعامل مع العداد ل مع الرقام فنقول‪ :‬الضرب العددي‪ ،‬ل الضرب الرقمي‪ .‬فإذا أردنا أن نبحث في‬
‫كيفية ظهور العداد والرقام عند النسان فما علينا إل تتبع نفس خطوات نشأة اللسان‪ ،‬فبداية نشأة اللسان كانت بداية فؤادية أي أن بداية العد‬
‫كانت بداية فؤادية متصلة بحاستي السمع والبصر‪ .‬فالطفل الن ل يجرد العداد بل نضع له تفاحة ونقول هذه تفاحة‪ .‬ثم نضع تفاحتين ونقول‬
‫هاتان تفاحتان‪.‬‬
‫والنسان القديم عندما بدأ بالعد لم يجرد العد من مدلولته‪ .‬فمهمة الفؤاد في العدد هي "هل يفيد العدد الدال على الشيء المدلول المشخص أم ل‬
‫يفيد" أي المطابقة بين الكم ومدلولته المشخصة وبالتالي الكم والكيف معا‪.‬‬
‫وهكذا نرى في الحضارات القديمة أن أسماء الشياء وأعدادها مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا بالمعادلة التالية‪:‬‬
‫‪" 1‬تفاحة" ‪" 2 +‬تفاحة" = ‪" 3‬تفاحة"‪.‬‬
‫ثم جاءت المرحلة التالية وهي مرحلة التجريد وهو فصل العدد الدال عن الشيء المدلول أي فصل الكم عن الكيف وهو ما يسمى بالتجريد العددي‪،‬‬

‫وقد تعلم النسان التجريد في العداد من اللغة المجردة‪ ،‬فهو لم يستطع تجريد العداد إل بعد أن جرد اللغات وأصبح عنده علقة اصطلحية بين‬
‫الصوت والمدلول‪ .‬لذا ظهر التجريد العددي عند النسان متأخرا عن التجريد اللغوي أي أصبح عنده جمع مجرد وهو‪:‬‬
‫‪.3=1+2‬‬
‫أي أعداد مجردة عن مدلولتها‪ .‬وهكذا ظهر علم الحساب عند النسان القائم على استعمال العلقات المنطقية القائمة على عدم التناقض بين‬
‫المقدمات والنتائج‪ .‬أي أن علقات التأثير والتأثر المتبادل بين الشياء أصبحت علقات تأثير وتأثر متبادل بين العداد طال قانونا لثاني للجدل"‬
‫فأصبح‪:‬‬
‫‪3=1+2‬‬
‫‪2=3-2‬‬
‫‪3=1+1+1‬‬
‫‪1=1+1-1‬‬
‫أما كيفية التطور في التعبير عن العداد فهو بحث خاص مشابه لتطور التعبير عن الصوات اللغوية "البجدية"‪:‬‬
‫ القدر والمقدار‪:‬‬‫لقد بدأ العد بتعبير كمي عن كيفيات متماثلة أو مختلفة‪ ،‬ثم انتقل إلى تعبير كمي مجرد عن الكيف‪ .‬لذا وجب علينا تمييز مصطلحين وردا في الكتاب‬
‫وهما القدر والمقدار فكلهما له أصل واحد وهو فعل "قدر"‪ .‬وهذا الفعل في اللسان العربي أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته‪.‬‬
‫فالقدر مبلغ كل شيء والقدر قضاء ال تعالى الشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها وكذلك القدر ومنه جاءت قدرة ال تعالى وهي استطاعته‬
‫على نفاذ أي شيء يريده في كمه وكيفه‪) :‬وهو على كل شيء قدير(‪ .‬وقوله‪) :‬في مقعد صدق عند مليك مقتدر(‪) .‬القمر ‪ .(55‬فالقدر كما ورد في‬
‫آيات الكتاب هو وجود الشياء بكمها وكيفها معا "كنهها" خارجا لوعي النساني حيث أن الكم والكيف ل ينفصلن عن بعضهما في الوجود‬
‫الموضوعي وفي كنه الشياء وغايتها وهو التحول "تغير الصيرورة" والتطور‪.‬‬
‫لذا قلنا إن القرآن فيه قوانين القدر وهو الحق‪ .‬وهكذا نفهم قوله تعالى‪) :‬إنا كل شيء خلقناه بقدر(‪) .‬القمر ‪ .(49‬وقوله‪) :‬وخلق كل شيء فقدره‬
‫تقديرا(‪) .‬الفرقان ‪ .(2‬وقوله‪) :‬نحن قدرنا بينكم الموت(‪) .‬الواقعة ‪ .(60‬وقوله‪) :‬وقدر فيها أقواتها(‪) .‬فصلت ‪ .(10‬وقوله‪) :‬من نطفة خلقه‬
‫فقدره(‪ .‬عبس ‪ .(19‬وبماأن القدر فيه الكم والكيف معا وفيهما تكمن وظيفة الشياء قال‪) :‬سبح اسم ربك العلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر‬
‫فهدى(‪) .‬العلى ‪2 ،1‬ن ‪ .(3‬هنا ل حظ كيف ربط )قدر فهدى(‪ .‬أي أن وجودا كميا وكيفيا معا يؤدي إلى هداية الشيء للقيام بوظيفته‪ .‬لذا‬
‫وضع)والذي قدر فهدى(‪ .‬في صيغة مطلقة وليس لها أي علقة بالسلوك النساني الواعي‪.‬‬
‫أما المقدار فقد عبر عنه الكتاب على أساس أنه كم مجرد عن الكيف وهو صيغة معرفية مجردة لنه ل يمكن أن يجرد الكم عن الكيف إل في‬
‫الصيغ المعرفية المجودة‪ ،‬ففي الواقع الموضوعي يوجد‪:‬‬
‫تفاحة ‪ +‬تفاحة = تفاحتان "قدر" كم وكيف معا‪.‬‬
‫أما في الواقع المعرفي المجرد فنقول‪:‬‬
‫‪" 2 = 1 + 1‬مقدار" "كم مجرد فقط"‪.‬‬
‫ولقد جاء المقدار في اليات التالية‪:‬‬
‫أ‪ -‬ال يعلم ===< معرفة‪.‬‬
‫ب‪ -‬ما تحمل كل أنثى ===< كيف‪ ،‬وهو الحمل‪.‬‬
‫ج‪ -‬وما تغيض الرحام وما تزداد ===< كم مرتبط بالكيف‪ ،‬تغيض وتزداد "زيادة ونقصان في "الكم" أرحام "كيف"‪.‬‬
‫د‪ -‬وكل شيء عنده بمقدار ===< كم مجرد حيث عمم الكم على معرفة الشياء‪.‬‬
‫‪) - 2‬يدبر المر من السماء إلى الرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون(‪) .‬السجدة ‪. (5‬‬
‫)تعرج الملئكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة(‪) .‬المعارج ‪. (4‬‬
‫هنا نلحظ كيف أتبع مصطلح المقدار بتعبير عددي "كمي" مباشر‪ .‬وهكذا نجد أن نفخة الروح بدأت بقوله‪) :‬وعلم آدم السماء كلها(‪ .‬والتجريد‬
‫اللغوي‪ .‬ثم تطورت إلى التجريد الكمي الذي تم التعبير عنه بالعداد والرموز الرياضية‪ .‬وهكذا نجد أن اللغة والرياضيات هما وجهان لعلم واحد‬
‫وهو "قانون عدم التناقض والعلقات المنطقية" أي أن مادة علم المنطق هي اللغة والرياضيات‪ .‬فإذا كانت اللغة قائمة على التجريد‪ ،‬فالرياضيات‬
‫هي مرحلة متقدمة وهي تجريد التجريد‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن نعرف علم ال في الشياء فهو علم رياضي بحت‪ ،‬أي في علم ال ل يوجد أصفر فاتح وأصفر غامق‪ ،‬وتفاحة كبيرة وتفاحة صغيرة‪،‬‬
‫ولكنها في علمه كلها علقات رياضية عددية بحتة وهي مفاتيح الغيب لن العلقات الرياضية تتصف بالدقة والتنبؤ وعندما يريد ال أن يخبرنا‬
‫عن شيء من علمه فهناك طريقتان‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إخبار رياضي مباشر غير لغوي‪ .‬وقد جاء هذا الخبار في السبع المثاني‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تحويل هذا الخبار إلى لغة إنسانية‪ .‬وهذا ما حصل في ليلة القدر عند إنزال القرآن‪ ،‬أي تحويله إلى صيغة لسانية قابلة للفهم من قبل النسان‬
‫وهذا هو الجعل )إنا جعلناه قرآنا عربيا(‪.‬‬
‫ولكي نفهم كيف تحصل المعرفة بالمقدرات "القدر" من خلل العداد "المقدار" ما علينا إل أن نشرح المفهوم التالي‪:‬‬
‫ العد والحصاء‪:‬‬‫العدد في اللسان العربي جاء من فعل "عد" وهو أصل صحيح يدل على مقدار ما يعد‪ .‬ويقال ما أكثر عديد بني فلن وعددهم ومنه جاءت العدة‪ :‬ما‬
‫أعد لمر يحدث والستعداد له‪ ،‬وجمع العدد أعداد‪ ،‬وعداد الملدوغ أن يجد الوجع ساعة بعد ساعة‪،‬وعداد السليم أن يعد له سبعة أيام‪ ،‬فإذا مضت‬
‫رجوا له البرء‪ ،‬ومن الباب العدان لنه محدود بزمان‪ .‬وأن عداد القوس أن تنبض بها ساعة بعد ساعة‪.‬‬
‫والحصاء في اللسان العربي جاء من فعل "حصو" وهو المنع والعد مع الطاقة وشيء من أجزاء الرض ويشتق منه الحصاة "العقل"كقول‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل‬
‫لنر الن كيف جاء العدد والحصاء في الكتاب وبأي معنى تم استخدامهما‪:‬‬
‫‪) -‬فل تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا(‪) .‬مريم ‪. (84‬‬

‫ )لقد أحصاهم وعدهم عدا(‪) .‬مريم ‪. (94‬‬‫ )قالوا لبثنا يوما أوب عض يوم فسئل العادين(‪) .‬المؤمنون ‪. (113‬‬‫ )قال كم لبثتم في الرض عدد سنين(‪) .‬المؤمنون ‪. (113‬‬‫ )قال كم لبتم في الرض عدد سنين(‪) .‬المؤمنون ‪. (112‬‬‫ )هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب(‪) .‬يونس ‪. (5‬‬‫ )فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا(‪) .‬الكهف ‪. (11‬‬‫ )فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا(‪) .‬الجن ‪. (24‬‬‫ )وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا(‪) .‬الجن ‪. (28‬‬‫ )وإن تعدوا نعمت ال لتحصوهاه إن النسان لظلوم كفار(‪) .‬إبراهيم ‪. (34‬‬‫ )وإن يوما عند ربك كألف سنة مماتعدون(‪) .‬الحج ‪. (47‬‬‫ )أحصاه ال ونسوه(‪) .‬المجادلة ‪. (6‬‬‫ )ل يغادر صغيرة ول كبيرة إل أحصاها(‪) .‬الكهف ‪. (49‬‬‫ )وكل شيء أحصيناه في إمام مبين(‪) .‬يس ‪. (12‬‬‫ )وكل شيء أحصيناه كتابا(‪) .‬النبأ ‪. (29‬‬‫ )فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة(‪) .‬الطلق ‪. (1‬‬‫ ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا(‪) .‬الكهف ‪. (12‬‬‫إن اليات الواردة أعله تدل على أن العد والحصاء فعلن متغايران مع وجود علقة ما بينهما‪ .‬فلو كان العد هو الحصاء لصبحت الية‪) :‬لقد‬
‫أحصاهم وعدهم عدا(‪ .‬ل معنى لها أي تصبح "ولقد أحصاهم وأحصاهم" أو "لقد عدهم وعدهم" وكذلك الية ‪ 28‬من سورة الجن تبين أن هناك‬
‫فرقا وعلقة بين الحصاء والعدد وذلك في قوله‪) :‬وأحصى كل شيء عددا(‪ .‬فكونه قال "عددا" وهي هنا حال لفعل أحصى فهذا يعني أن هناك‬
‫إحصاء من نوع آخر غير عددي‪ .‬فالحصاء هو أن نعقل الشياء‪ .‬فحن نرى نخلة فنعقلها عن طريق الحواس ولكننا نراها كقطعة واحدة متكاملة‬
‫علما بأنها تتألف من آلف الجزيئات أي نراها كما متصل ووحدة متكاملة "نحصيها" بحيث إذا ضمت هذه الجزيئات المتألفة منها النخلة "كم‬
‫منفصل" بعضها إلى بعض أصبحت نخلة "وحدة متكاملة"‪.‬‬
‫لذا فإننا نميز عدة أنواع من الحصاء وهو أن نعقل الشيء ككل وذلك ما بأن نعرض صورة له ونرسمه وهذا ما نفعله الن عندما نريد أن نعقل‬
‫خلية فنضعها تحت المجهر ونرسمها "إحصاء كيفي" وإما أن نعقل الشيء عن طريق الوصف اللغوي كأن نصف شخصا وصفا عن طريق‬
‫التعبيرات اللغوية بحيث أن المستمع يأخذ صورة كاملة عنا لشخص الموصوف "إحصاء لغوي" أما النوع الثالث من الحصاء فهو الحصاء‬
‫العددي‪ ،‬أي الحصاء عن طريق الكم أي أننا نأخذ صورة كاملة عن الكم المتصل "الحصاء" بواسطة الكم المنفصل "العدد"‪ .‬لذا قال عن إحصاء‬
‫ال للشياء بأنه إحصاء عددي ل إحصاء لغوي أي أن علما ل للشياء كما قلت علم رياضي تجريدي بحت‪.‬‬
‫فإذا قلنا لشخص ما‪ :‬كم عدد الطلب في القاعة فيقول مباشرة إن عددهم مثل عشرة طلب وإذا قلنا له أحص الطلب الموجودين في القاعة فيجب‬
‫عليه أن يعطينا صورة كاملة عن كل الطلب الموجودين في القاع بحيث يمكننا أن نأخذ صورة كاملة "متصلة" عنهم من خلل إحصائه لهم دون‬
‫أن نراهم‪ .‬وعندما نسأل عن عدد سكان سوريا في عام ‪ 1988‬فالجواب يأتي في عدد واحد وعندما نسأل عن النشرة الحصائية للجمهورية‬
‫العربية السورية عن عام ‪ 1988‬فالجواب يأتي في مجلد كبير يقدم لنا صورة متكاملة "كما متصل" عن الجمهورية العربية السورية ولكن‬
‫التعبيرات في هذا المجلد عبارة عن معلومات عددية منفصلة بعضها عن بعض بحيث أن مجموع هذه المعلومات يعطينا صورة متكاملة عن‬
‫سوريا‪ ،‬وكلما زادت المعلومات العددية المنفصلة زادت الصورة وضوحا‪.‬‬
‫لذا قال‪) :‬وإن تعدوا نعمت ال ل تحصوها( أي أننا يمكن أن نعدد نعما ل علينا بشكل منفصل ونقول‪ :‬النعمة الولى البصر‪ ،‬والثانية السمع‪ ،‬وهكذا‬
‫دواليك‪ .‬ولكننا مهما عددنا هذه النعم واستغرقنا في عدها منفصلة ل يمكن لنا أن نعقل "نحصي" نعمة ال علينا ككل متكامل متصل‪.‬‬
‫ونفهم قوله‪) :‬قال كم لبثتم في الرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين(‪.‬‬
‫فالسنة وحدة زمنية منفصلة إذ نقول‪ :‬سنة‪..‬سنتان‪ .‬ولكن السنة الواحدة تحوي على وحدات زمنية أصغر منها وهي الشهور واليام…الخ‪ .‬فإذا‬
‫قلنا سنة سنتان فيكون النفصال في العد بين العدد والذي يليه هو سنة‪ .‬لذا كان السؤال )عدد سنين( فجاء الجواب )فسئل العادين(‪.‬‬
‫وبما أن الحصاء هو كم متصل متكامل فعندما نسجل على إنسان عمله صوتا وصورة ثم نعرضه له‪ ،‬فهذا إحصاء لن المشاهد يأخذ صورة‬
‫متكاملة عن عمل النسان‪ ،‬فالحصاء يمكن أن يكون لشيء واحد متكامل تنطبق عليه مقولة أصغر وأكبر‪ ،‬ول تنطبق عليه مقولة أكثر وأقل‪.‬‬
‫وهكذا نفهم قوله تعالى‪) :‬ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب ل يغادر صغيرة ول كبيرة إل أحصاها‬
‫ووجدوا ما عملوا حاضرا ول يظلم ربك أحدا(‪) .‬الكهف ‪. (49‬‬
‫هذه الي تبين لنا بشكل واضح المور التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن أعمال النسان غير مكتوبة وغير مسجلة سلفا‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن ال يأخذ صورة وصوتا عن أعمال النسان حين قيامه بها وقد أكد هذا في قوله تعالى‪) :‬هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما‬
‫كنتم تعملون( )الجاثية ‪. (29‬‬
‫‪ - 3‬ولكي يؤكد أن الصورة والصوت المنسوخة عنه والمكتوبة "المجمعة والمصنفة" ستعرض عليه يوم القيامة ويراها "يعقلها" بنفسه فقد‬
‫قال‪) :‬ووجدوا ما عملوا حاضرا(‪.‬‬
‫‪ - 4‬ولكي يؤكد معنى الحصاء بأنه كم متصل استعمله في حالة المفرد واستعمل مصطلح الصغير والكبير معه نال‪) :‬ل يغادر صغيرة ول كبيرة إل‬
‫أحصاها(‪.‬‬
‫أما العدد فإننا نستعمل معه الكثرة والقلة‪ .‬فعندما يرد مصطلح )ولكن أكثر الناس ل يعلمون(‪) .‬العراف ‪ .(187‬فإنه يقصد أكثر من شخص واحد‬
‫وعندما نقول "ولكن أكبر الناس ل يعلمون" فإننا نقصد شخصا واحدا ككل‪.‬‬
‫لذا قال عن معركة حني )ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم(‪) .‬التوبة ‪ .(25‬وقوله واضح أنه عن الكثرة والقلة‪ ،‬وأن الكثرة أكثر من واحد فقال )ل‬
‫تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا(‪) .‬الفرقان ‪. (14‬‬
‫وعندما نقول إن العدد سبعة أصغر من ثمانية فإننا نقارن بين العدد سبعة ككل وبين العدد ثمانية ككل ونستنتج أن الثمانية أكبر من السبعة‪ .‬أي‬
‫أننا نقارن بين ما يحوي الرقم سبعة ككل مع كل أعداده ومركباته الجزئية‪ ،‬وبين الرقم ثمانية ككل مع كل أعداده ومركباته الجزئية‪.‬‬
‫والن بعد أن عرفنا أن الحصاء هو "التعقل" نقول بأن له عدة أنواع‪ ،‬فعندما يكون نوع الحصاء عدديا يصبح كما متصل‪ .‬والعدد كم منفصل‪.‬‬
‫فالكم المتصل والكم المنفصل يخضعان للمساواة والترجيح‪ .‬فعن الكم المتصل نقول‪:‬‬
‫‪Y=X‬‬
‫أو‬

‫‪Y><X‬‬
‫وعن الكم المنفصل نقول‪:‬‬
‫‪1 + 3 =4‬‬
‫‪4<5‬‬
‫‪6>5‬‬
‫والن كيف نحول الكم المنفصل إلى كم متصل؟‬
‫لكي نعرف كيف يتم التحويل نورد المثال التالي‪:‬‬

‫ونرى أن أحسن تعبير عن الكم المنفصل هو ‪ X‬وأحسن تعبير عن الكم المتصل هو ‪ .dX‬أي عندما تنتهي ‪ X‬إلى الصفر تحصل على ‪ .dX‬وهذا‬
‫هو الفرق بين الكمبيوتر والمعادلت الرياضية "التفاضلية" فالكمبيوتر يعمل على ‪ Y X‬أي يعمل على الكم المنفصل‪ .‬لذا فإنه يعبر عن نتائجه من‬
‫خلل نقاط منفصلة )‪ (dots‬وكلما قربت النقاط المنفصلة من بعضها زادت دقته‪ .‬أما المعادلت الرياضية فتعمل على ‪ dY, dX‬النهايات‬
‫والمشتقات وتعبر عن الكم المتصل‪ .‬أي تابع ومتحول من خلل التعبير )‪ Y = f(X‬وبما أن المعادلت التفاضلية تعبر عن كم متصل فإن أحد أسس‬
‫صحتها هو الستمرارية‪ .‬وبما أن الستمرارية غير متوفرة في عالم الذرة فإن الرياضيات الكلسيكية تصبح غير صالحة لهذا العالم‪ .‬ولذلك لجأنا‬
‫إلى مفهوم جديد هو ميكانيك الكم ‪ .Quantum Mechanics‬وبما أن الرياضيات هي تعبير مجرد رمزي لها رباط منطقي قائم على عدم‬
‫التناقض فهي تحمل خاصية اللغة التي هي تعبير مجرد أي تحمل خاصية الضداد في التعبير‪ .‬فهناك الموجب والسالب‪ .‬وإنه من الخطأ الفاحش أن‬
‫نقول إن ‪ 3-‬و ‪ 3+‬هما أزواج‪ .‬بل هما أضداد لنه يعدم أحدهما الخر‪ + X - X = 0 ، + 3 - 3 = 0 .‬وهناك أيضا‪ O‬الحلول الحقيقية والحلول‬
‫الوهمية‪ ،‬وهما من المتناقضات لنهما ملتبسان بعضهما مع بعض في نفس المعادلة فعند الحل ننسف الحل الوهمي ونأخذ الحل الحقيقي‪ .‬وبما أن‬
‫الكم المنفصل والكم المتصل يعبر عنهما من خلل الضداد فهناك لمرحلة النتقالية بينهما كالفجر بين الليل والنهار وهذه المرحلة النتقالية هي‬
‫الصفر‪ .‬أي أننا يجب أن ل نفهم الصفر على أنه عدد بل هو كيف‪ ،‬يعبر عن انتقال العداد "الكم المنفصل والتوابع "الكم المتصل""‪ .‬من ضد إلى‬
‫الضد الخر‪ .‬فالصفر في العداد هو مرحلة انتقال من كيف إلى كيف آخر‪ .‬والصفر في المعادلت يعبر عن التجانس‪ .‬وفي المشتقات يعبر عن‬
‫النهايات‪.‬‬
‫وكذلك يجب أن نفهم اللنهاية على أنها حالة تمثل حالة انتقالية من كيف إلى كيف آخر‪.‬‬
‫والن يمكن لنا أن نطرح السؤال التالي‪:‬‬
‫هل هناك أعداد لها صفات المتصل والمنفصل معا؟؟‬
‫فإذا كان هناك أعداد تحمل هذها لصفة المميزة جدا عن غيرها‪ ،‬وجب أن يكون لهذه العداد صفات أساسية لها علقة في الطبيعة حيث أن الطبيعة‬
‫يتمثل فيها المنفصل والمتصل معا‪.‬‬
‫هذه العداد أطلق عليها اسم العداد المتعالية أو العداد السامية )‪ .(Transidental Number‬وسنطلق عليها نحن مصطلح العداد‬
‫الرحمانية لنها حوت الثنائية‪ .‬هذه العداد يجب أن تحمل الصفات التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬ل يمكن أن تكون عددا صحيحا كالعدد ‪.2‬‬
‫‪ - 2‬ل يمكن استنتاجها من تقسيم عددين صحيحين كتقسيم ‪.2.5=2÷5‬‬
‫‪ - 3‬ليس لها نهاية كسرية كالعدد ‪.4.5667‬‬
‫‪ - 4‬ليس لها نهاية كسرية تحمل صفة الترداد‪ .‬كالعدد ‪ 1.33333‬أو كالعدد ‪.1.181818‬‬
‫وبالتالي يمكن استنتاج هذه العداد من سلسلة غير متناهية‪ .‬فإذا نظرنا إلى العداد التي تحمل هذه الصفات رأينا أن فيها عددين أساسيين هما )‬
‫‪ (e‬أساس اللوغاريتم الطبيعي‪ ،‬والعدد الذي يمثله الرمز )‪ (Pi‬اللتيني أساس التوابع الجيبية‪ .‬هذان العددان يستنتجان من سلسلة غير متناهية‬
‫وليس لها نهاية مترددة‪ .‬فضمنا كل منهما يحمل كل العداد المنفصلة وهما في ذاتهما يمثلن كما متصل‪ .‬فإذ نظرنا إلى هذين العددين رأينا أن‬
‫العدد ‪ e‬يرصد التوابع السية‪ .‬والعدد الذي يمثله الرمز )‪ (Pi‬اللتيني يرصد التوابع الجيبية‪ .‬فالتوابع السية تمثل التزايد والتناقص في الطبيعة‪.‬‬
‫والتوابع الجيبية تمثل الترداد في الطبيعة والتابعان السي والجيبي هما تابعان أوليان في الرياضيات أي أن حل لمعادلة هو أن تصل إلى تابع أسي‬
‫أو تابع جيبي أو تابع أسي جيبي‪.‬‬
‫وكذلك نجد أن الجذر التربيعي لـ ‪ 2‬هو عدد رحماني‪ .‬والذي يستنتج من علقة فيثاغورث للمثلث القائم الزاوية والمتساوي الساقين حيث كل ضلع‬
‫قائم يساوي الواحد والوتر يساوي الجذر التربيعي لـ ‪ 2‬أما في مفهوم الجذر التربيعي الموجب فتظهر وحدة الضداد فنقول إن جذر ‪ 4‬هو ‪ 2+‬و‪-‬‬
‫‪ .2‬أما إذا أخذنا حالة السالب مثل –‪ 4‬فنقول إن –‪ .4×1-= 4‬فجذر ‪ 4‬هو ‪2 +‬و‪ .2-‬ويبقى لدينا جذر الـ ‪ 1-‬الذي يظهر لنا أن هناك حالة وهمية‬
‫وحالة حقيقية‪ .‬فظهرت الضداد في السالب والموجب وظهر النقيضان الملتبسان معا في الحقيقي والوهمي‪.‬‬
‫وبما أن اللغة هي تجريد والرياضيات هي تجريد وترميز معا فكلهما قائم على قانون عدم التناقض وقانون التأثر والتأثير المتبادل "العلقات‬
‫المنطقية" ففيهما التعريف والتنكير‪ .‬فـ "ال" تعتبر أداة تعريف في اللغة يقابلها الحداثيات في الرياضيات‪ .‬والضافة في اللغة للتعريف‪،‬‬
‫والضافة في الرياضيات ‪ x1, x2, x3‬أيضا للتعريف‪.‬‬
‫التغيرات الكمية والكيفية‪:‬‬
‫قلنا إن الكم والكيف مرتبطان في الطبيعة ارتباطا ل ينفصل والمعرفة النسانية تميز بعضهامن بعض بعملية التقليم فالمعرفة النسانية إما أن تهتم‬
‫بالكيف أو بالكم وهذا يتبع مستوى المعرفة النسانية فالذنتميز النغمات المختلفة في الصوات أول وهي كيف والعين تميز اللوان وهي كيف‬
‫والجلد يميز درجات الحرارة والنعومة والخشونة وهي كيف‪ .‬فبداية التمييز كيفية فؤادية تحولت عن طريق التجريد إلى تعبير كمي علما بأن الكم‬
‫والكيف مرتبطان معا في الطبيعة من قوله تعالى‪) :‬سبح اسم ربك العلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى(‪) .‬العلى ‪ (3-1‬أي أن وظيفة‬
‫كل شيء تتبع المقادير الموجودة فيهوأن أي تغير كمي في الشياء يتبعه تغير كيفي وظيفي‪.‬‬
‫ولول هذا القانون لصبحت كل علوم الرياضيات علوما ليس لها أي معنى ول تعكس أي واقع موضوعي‪ .‬أي أن التعبير المعرفي اقائم على‬
‫الضداد لقانوني الجدل الساسيين في الشياء الول والثاني هما التغيرات لكمية التي يلزمها تغيرات كيفية‪ ،‬ولول هذا التغير الكمي والكيفي لما‬
‫أمكننا فهم قوانين الجدل في الطبيعة وفي النسان‪ .‬فقانون التغير الكمي الذي يلزمه تغير كيفي هو قانون تابع لقوانين الجدل ‪ 2 ،1‬وغير منفصل‬
‫عنهما وهو القانون الذي مكنا لنسان من فهم قوانين الجدل الساسية فعندما نقول‪ :‬حين تبلغ درجة حرارة النسان ‪ 43‬فهذا يؤدي إلى الموت‬
‫فالحرارة كم والموت هو انتقال من كيف إلى كيف آخر‪ .‬وارتفاع الحرارة في الماء يؤدي إلى التبخر فارتفاع الحرارة تعبير كمي والنتقال من حالة‬
‫سائلة إلى حلة بخارية حالة كيفية وقابلة للنعكاس وتكاثف بخار الماء يؤدي إلى انخفاض الحرارة وهذا التكاثف له تعبير كمي‪ ،‬وانخفاضا لحرارة‬

‫له تعبير كمي‪ .‬وكلهما يمثل كيفا متميزا عن الخر ولكنهما متعلقان ببعضهما وهذا ما شرحته في قوله تعالى‪:‬‬
‫)خلق النسان من علق(‪) .‬العلق ‪ .(2‬أي أن الوجود الموضوعي عبارة عن علقات متداخلة بعضها ببعض فما علينا إل أن نميزها ونفصلها عن‬
‫بعض "التقليم" وهذا الفصل هو فصل معرفي بحت يجري من قبلنا‪ ،‬أما فصل كيفيات مختلفة بعضها عن بعض أو فصل بين كم وكيف و فصل بين‬
‫كميات مختلفة بعضها عن بعض والتي تعبر عن كيفيات مختلفة فهذا أرقى أنواع التقليم الذي هو التقليم الكمي من كيفيات مختلفة‪ .‬وهو الذي قلنا‬
‫عنه بأنه أرقى أنواع العلوم فهو "الحصاء العددي"‪) .‬وأحصى كل شيء عددا(‪) .‬الجن ‪. (28‬‬
‫وعليه يمكن أن نقول إن قانون الكم والكيف هو الذي سمح للنسان بمعرفة الطبيعة عن طريق التقليم وإنه سمح للنسان بفهم الطبيعة وقوانين‬
‫الجدل وهو الذي سمح للنسان بالسيطرة على قوانين الطبيعة لمصلحته‪ .‬فال مسيطر على الطبيعة ومعرفته لها معرفة رياضية ونحن أيضا نمتلك‬
‫معرفة رياضية وكلما زادت معرفتنا الرياضية بالطبيعة زدنا سيطرة عليها حيث أن المعرفة الرياضية تتصف بصفتين أساسيتين هما الدقة والتنبؤ‪.‬‬
‫ثانيا‪ :O‬العقل الشيطاني‪:‬‬
‫قلنا ن العقل المدرك للموجودات عبارة عن علقة جدلية بين نقيضين هما‪ :‬الرحمن وهو الجانب المادي الموضوعي "الحقيقي" والشيطان‬
‫الفعلني وهو "الوهم والخرافة"‪ .‬وقد شرحنا في القوال السابقة أسس العقل الرحماني المادي في الدراك الفؤادي والفكر والعقل‪ .‬فما هي أسس‬
‫العقل الشيطاني الوهمي الذي يولد الخرافة والوهم والمنيات الكاذبة لدى الناس؟‬
‫لقد قلنا إن المادة حقيقة موضوعية وإن الدماغ النساني مؤلف من مادة‪ .‬فكيف يمكن للمادة التي هي حقيقة موضوعية أن تولد وهما؟ لقد أعطى‬
‫القرآن جوابا لهذا السؤال ممثل بالشيطان الفعلني الذي هو أحد أطراف العملية الجدلية القائمة في الفكر النساني "الوسواس" "المنيات‬
‫الكاذبة"‪ .‬والطرف الخر هو العقل الرحماني المادي حيث قال‪) :‬يا أبت ل تعبد الشيطان إن الشيطن كان للرحمن عصيا(‪) .‬مريم ‪ (44‬فمن مهمات‬
‫الشيطان تحويل قراءة القرآن من قراءة مادية رحمانية إلى قراءة مثالية شيطانية‪ .‬وقد نجح في هذه المهمة نجاحا باهرا‪ ،‬لننا لم نمتثل قوله‪:‬‬
‫)فإذا قرأت القرآن فاستعذ بال من الشيطن الرجيم(‪) .‬النحل ‪ (98‬ولحظ أنه قال )فاستعذ بال(‪ .‬ولم يقل )فاستعذ بالرحمن( ‪.‬‬
‫فلنعدد البواب الرئيسية التي يعمل من خللها الشيطان الفعلني‪:‬‬
‫الباب الول‪" :‬تله فهو إذن سببه" وهو الربط بين حدثين متتاليين ل علقة موضوعية بينهما إل التتالي‪ .‬مثال ذلك كسوف الشمس وموت‬
‫إبراهيم ابن النبي صلى ال عليه وسلم حيث تل كسوف الشمس حدث موت إبراهيم‪ .‬وقد وقع كثير من الصحابة في هذا الوهم وهو قولهم "كسفت‬
‫الشمس لموت إبراهيم" ولكن النبي صلى ال عليه وسلم لم يقع في هذا الوهم حيث صحح لهم بقوله‪ :‬إن الشمس آية من آيات ربي ل تكسف‬
‫لموت أحد ول لحية أحد‪ .‬يمكن أن نضرب على هذا الباب آلف المثلة حيث أن هذا هو سبب ظهور معظم الخرافات عند أهل الرض جميعا‬
‫وظهور السطورة‪ .‬وأريد أن أورد مثال آخر بسيطا يقع فيه معظم العرب المسلمين وهو أن زيدا شتم عمرا‪ ،‬وبعد فترة وجيزة أصابت زيدا حمى‬
‫فيقولون إن الحمى أصابته لنه شتم عمرا‪ .‬وقس على ذلك آلف المثلة‪.‬‬
‫هنا يجب أن نميز بين الربط الوهمي الناتج عن التتالي وبين الحسد‪ .‬فالحسد هو صفة تحمل صاحبها على القيام بعمل مؤذ لقوله تعالى‪) :‬ومن شر‬
‫حاسد إذا حسد( )الفلق ‪ .(5‬وإن الشر عمل واع مقصود لقوله تعالى )ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره( )الزلزلة ‪ .(8‬أما العين فلها تأثير واحد علمي‬
‫وهو‪ :‬إذا نظر مجموعة من الشخاص وركزوا نظرهم إلى شخص معين وهو يمشي‪ ،‬فربما يؤدي إلى انزلقه ووقوعه على الرض لقوله تعالى‪:‬‬
‫)وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون(‪) .‬القلم ‪. (51‬‬
‫الباب الثاني‪ :‬الخلط بين قدرة ال ومشيئته‪ .‬هذا الباب دخل منه الشيطان وأوقع كثيرا من الناس في الوهم وخاصة العرب المسلمين‪ .‬والخلط بين‬
‫قدرة ال ومشيئته هو الباب الذي دخل من خلله مشعوذون ودجالون ممن يدعون التصوف أو العلم إلى عقول المسلمين السذج وزادوهم جهل‬
‫وسذاجة‪ ،‬وهذا الباب ل يولد إل التخدير والماني الخادعة‪ .‬فكيف حصل هذا الخلط؟‪.‬‬
‫لنضرب المثال التالي لنوضح اللتباس بين القدرة والمشيئة‪ .‬لو قلنا إن زيدا يستطيع أن يحمل ‪10‬كغ فهذا ل يعني أنه كلما صادف ‪10‬كغ حملها‬
‫بالضرورة‪ .‬فحمله ‪10‬كغ يتوقف أول على استطاعته‪ ،‬وثانيا على مشيئته‪ ،‬يريد أو ل يريد‪.‬‬
‫وكذلك عندما يعلن الرئيس المريكي أن باستطاعة بلده إسقاط أية طائرة تطير فوق مجالها الجوي فهذا ل يعني أن أية طائرة تطير فوق المجال‬
‫الجوي للوليات المتحدة سيتم إسقاطها بالضرورة‪ .‬حيث نرى أن إعلن المشيئة يتبع إعلن القدرة‪ .‬فيقول أن الوليات المتحدة ستسقط أية طائرة‬
‫تطير فوق مجالها الجوي بدون إذن مسبق‪ .‬ولكن إعلن المشيئة دون أن يسبقه إعلن القدرة يصبح هراء‪ .‬وإل فكيف يمكن لنسان أن يعلن عن‬
‫إرادة ما إذا كان غير قادر على تنفيذ هذه الرادة؟!‬
‫لقد فصل الكتاب بين آيات القدرة ل تعالى وآيات المشيئة‪ .‬ففي آيات القدرة قال‪:‬‬
‫ )يخلق ال ما يشاء إن ال على كل شيء قدير(‪) .‬النور ‪. (45‬‬‫ )تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير(‪) .‬الملك ‪. (1‬‬‫ )إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير(‪) .‬الروم ‪. (50‬‬‫ )يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير(‪) .‬الحديد ‪. (2‬‬‫ )ال ملك السموات والرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير(‪) .‬المائدة ‪. (120‬‬‫هذا فيما يتعلق بالموجودات وظواهرها‪ .‬أما فيما يتعلق بالوامر ونفاذها بالنسبة لتاريخ النسان فقال‪:‬‬
‫ )ويستبدل قوما غيركم ول تضروه شيئا وال على كل شيء قدير(‪) .‬التوبة ‪) .(39‬وإن يمسسك ال بضر فل كاشف له إل هو وإن يمسسك بخير‬‫فهو على كل شيء قدير(‪) .‬النعام ‪. (17‬‬
‫ )ولو شاء ال لذهب بسمعهم وأبصرهم إن ال على كل شيء قدير(‪) .‬البقرة ‪. (20‬‬‫ )فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وال على كل شيء قدير(‪) .‬البقرة ‪. (284‬‬‫من اليات الواردة أعله نلحظ إطلق القدرة في ظواهر الطبيعة مع النسان‪ .‬ولكن إطلق القدرة ليعني الخروج على ظواهر الطبيعة وقوانينها‬
‫حيث نعلمأن ظواهر الطبيعة وقوانينها هي كلمات ال وهي سننه في خلقه حيث قال‪) :‬واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ل مبدل لكلماته ولن تجد‬
‫من دونه ملتحدا(‪) .‬الكهف ‪ .(27‬وقال‪) :‬فلن تجد لسنت ال تبديل ولن تجد لسنت ال تحويل(‪) .‬فاطر ‪. (43‬‬
‫وبالنسبة للنسان فإن ال قادر على أن يفعل ما يشاء من حيث إطلق القدرة‪ ،‬ولكن قرنت في الكتاب القدرة بالمشيئة وذلك في قوله‪) :‬وما يضل‬
‫به إل الفسقين(‪) .‬البقرة ‪) .(26‬وال ل يهدي القوم الظلمين(‪) .‬البقرة ‪) .(258‬وال ل يهدي القوما لكفرين(‪) .‬البقرة ‪) .(264‬كيف يهدي ال قوما‬
‫كفروا بعد إيمنهم(‪) .‬آل عمران ‪) .(86‬إن تحرص على هداهم فإن ال ل يهدي من يضل(‪) .‬النحل ‪) .(37‬إن ال ل يهدي من هو كذب كفار(‪.‬‬
‫)الزمر ‪) .(3‬إن ال ل يهدي من هو مسرف كذاب(‪) .‬غافر ‪).(28‬ال يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب(‪) .‬الشورى ‪. (13‬‬
‫ونلحظ هنا أمرين بالنسبة للوجود وظواهره الذي هو كلمات ال‪ .‬فمشيئة ال هي أنه ل مبدل لكلماته ول تبديل ول تحويل لسنته‪ ،‬وبالنسبة‬
‫للنسان فمشيئة ال هي أنه ل يهدي الفاسقين والكاذبين والمنافقين‪ .‬علما بأنه قادر على هدايتهم من حيث القدرة‪.‬‬
‫إن السؤال عن قدرة ال غير وارد بالنسبة للنسان المسلم ول الكافر‪ .‬فإذا قلنا هل يستطيع ال‪ ،‬يخلق الشمس علما بأن الشمس موجودة؟ وهل‬
‫يستطيع ال أن يخلق إنسانا‪ ،‬والنسان موجود؟ فإذا قلنا هل يستطيع ال أن يجعل الشمس مكعبا بدل من كرة فنقول‪ :‬نعم يستطيع‪ .‬فإذا قلنا ولكنها‬

‫كرة وليست مكعبا‪ ،‬فهل هذا عجز؟؟ الجواب‪ :‬هي كرة وليست مكعبا لنه أرادها أن تكون كذلك‪ .‬كأن نقول إنه طارت طائرة فوق الوليات المتحدة‬
‫ولم يتم إسقاطها فإننا نفهم أن الوليات المتحدة لمترد ذلك ول نفهم أنها غير قادرة على ذلك‪.‬‬
‫فإذا كان زيد ذكرا فإن ال قادر على أن يجعله أنثى‪ .‬لكن بقاء زيد ذكرا مع أن ال قادر على أن يجعله أنثى ل يعني العجز بل يعني أن ال أراده أن‬
‫يكون ذكرا من خلل قوانينه‪.‬‬
‫علينا أن نعلم أن إرادة ال في الشياء ل تتم إل من خلل كلماته‪) :‬إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون(‪) .‬يس ‪ (82‬وإرادة ال في‬
‫الحداث ل تتم إل من خلله كلماته‪) .‬وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون( )البقرة ‪ .(117‬ونحن نعلم أن قوله هو الوجود )قوله الحق(‪.‬‬
‫والوجود كلماته )يحق ال الحق بكلماته(‪ .‬وعلينا أن نعلم أن ل خوارق ول تبديل لكلمات ال ول لسنن الوجود‪ .‬وإن ما نسميه خوارق في الطبيعة‬
‫هو خروج عن المألوف وعن المعرفة النسبية للنسان ل خروجا عن سنن الطبيعة نفسها "انظر فصل إعجاز القرآن"‪.‬‬
‫وكل ما يقال من أن الكرامات هي الخروج عن ظواهر الطبيعة فهي وهم‪ .‬ولكن الكرامات هي غير ذلك تماما‪ .‬فال يكرم إنسانا بأن يهبه ذكورا‬
‫وإناثا أو يهبه الحكمة‪) :‬ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا(‪) .‬البقرة ‪ .(269‬أو يهبه رزقا حلل‪) :‬وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء‬
‫قدير(‪) .‬النعام ‪ (17‬أو يكرمه فيشرح صدره للسلم‪.‬‬
‫هذا اللتباس بين القدرة والمشيئة كان مدخل الشيطان عند المسلمين السذج‪ ،‬فيأتيهم دجال ويقول لهم‪ :‬إن زيدا صنع كذا وكذا‪ .‬فيسألون كيف‬
‫حصل هذا؟ فيخرسهم بقوله‪) :‬إن ال على كل شيء قدير(‪.‬‬
‫لقد أمرنا الكتاب بأن ل نسأل عن قدرة ال‪ ،‬وحثنا على أن نسأل عن مشيئته ونبحث فيها أي الكيفية‪) :‬قل سيروا في الرض فانظروا كيف بدأ‬
‫الخلق(‪) .‬العنكبوت ‪. (20‬‬
‫فواجبنا كمسلمين أن نسأل ونبحث‪ ،‬ل عن قدرة ال في خلق الشمس‪ ،‬ولكن نبحث ونسأل كيف خلق ال سبحانه وتعالى الشمس‪ .‬أو كيف تمت‬
‫مشيئة ال في خلق الشمس‪ .‬هكذا نصل إلى جواب ونصبح علماء حقيقيين ل دجالين‪ .‬ول نسأل هل ال قادر على أن يخلق ذكرا وأنثى؟ ولكن‬
‫نسأل كيف تمت مشيئة ال في وجود الذكر والنثى؟ ففي هذا ندخل في علم المورثات ونرى أن هناك حيوانات منوية فيها ‪ XY‬للذكر وحيوانات‬
‫منوية فيها ‪ XX‬للناث‪.‬‬
‫إن الستعمال الشيطاني الوهمي لبديهية )إن ال على كل شيء قدير(‪ .‬حرفنا عن منهاج البحث العلمي في الكيفيات والكميات ووقعنا عاجزين أمام‬
‫العالم‪ .‬وقد سببت لنا هذه الطروحة وهما كبيرا بأن رضنا كثيرا من النظريات العلمية مثل نظرية النشوء والرتقاء والتطور‪ .‬والتي برهنا في‬
‫كتابنا هذا بأنها العمود الفقري لطروحات القرآن في الخلق والوجود والساعة والبعث واليوم الخر‪.‬‬
‫لقد قال بعض المفسرين القدامى –ونحن نعلم أن في تفسيراتهم كثيرا من السرائيليات‪ -‬في المور المتعلقة بخلق النسان والكون‪ .‬لقد قالوا عن‬
‫آدم بأن ال خلقه على النحو التالي‪:‬‬
‫جمع ال ترابا من أديم الرض وخلطه بالماء فأصبح طينا‪ ،‬ثم تركه ليجف فأصبح صلصال‪ .‬ومنهم من أضاف بأن كل مرحلة من امراحل استمرت‬
‫أربعين عاما "كذا"‪ .‬ثم نفخ فيه الروح فأصبح كائنا حيا "كذا" ثم نام واستيقظ فإذا حواء بجانبه لتؤنس وحشته‪ ،‬وخلقتمن ضلعه‪ ،‬ثم سكنا الجنة‬
‫ثم طردهم ال من الجنة إلى الرض‪ .‬فإذا سألتهم‪ :‬أيعقل هذا؟ فيكون الجواب المباشر "أليس ال على كل شيء قدير"‪.‬‬
‫ونطرح على من يقول ذلك السؤال التاي‪ :‬إن كان ماتقولونه صحيحا فهذا يعني أن ال أنشأ معمل للسيراميك "الفخار"‪ .‬أين؟ ل ندري؟؟ وصنع‬
‫تماثيل من الطين على شكل إنسان وسمك وحيتان وبقر وغنم وإبل وذباب‪ ،‬وكل أنواع الحشرات والطيور والسماك والزواحف‪ .‬كل على حدة‪ .‬ثم‬
‫نفخ فيها الروح فأصبحت أحياء‪ .‬ولكن القرآن يقول إن نفخة الروح حصلت للبشر فقط‪ .‬علما بأن النسان وبقية المخلوقات المذكورة كلها كائنات‬
‫حية‪ .‬ومن هذه الطروحة الوهمية للروح على أنها سرا لحياة العضوية‪ ،‬انجحب المسلمون عن علوم الجيولوجيا والمستحاثات وأصل النواع‬
‫والتشريح‪.‬‬
‫ويمكن أن يأخذ ذلك الطرح الشكل التالي‪ :‬إذا كان خلق النسان قد تم كما ذكر في تلك الروايات "ل كما ذكر في القرآن" فهذا يعني أن ال فعل هو‬
‫الذي خلق النسان‪ .‬وإذا جاء طرح آخر يقول إن الخلق لم يحصل كما تقولون‪ ،‬فهذا يعني أن ال ل علقة له بخلق النسان وبالتالي فإن هذا‬
‫الطرح هو طرح إلحادي كافر‪ .‬هذا الستنتاج الشيطاني علينا أن نبتعد عنه وذلك بتوضيح ما يلي‪:‬‬
‫إن الذين أولوا آيات خلق النسان وهي كلها آيات متشابهات "قرآن"‪ ،‬هم أناس كانوا يقفون على أرضية علمية ضعيفة‪ .‬وكان المستوى المعرفي‬
‫لعصرهم ل يسمح لهم بالتوصل لستنتاجات حقيقية‪ ،‬والرضية العلمية ومناهج ووسائل ابحث العلمي لعصرهم ضعيفة‪ ،‬فأولوا تأويلت تتناسب‬
‫مع أرضيتهم ومناهجهم‪ .‬ونحن نعلم قوله تعالى‪:‬‬
‫)لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون(‪) .‬النعام ‪) (67‬ولتعلمن نبأه بعد حين(‪) .‬ص ‪ .(88‬لذا نستنتج أنهم كانوا عاجزين عن التأويل العلمي المقنع لنا‬
‫وذلك لعجز الرضية العلمية ومنهج البحث العلمي لديهم ووسائله‪.‬‬
‫ونحن حين نتكلم عن خلق النسان ل نتكلم عنا لقدرة‪ ،‬بل نتكلم عن المشيئة‪ ،‬أي كيف تمت مشيئة ال في خ