‫‪ -‬العدد ‪ - 25‬خريف ‪1430‬هـ ‪2009 -‬م‬

‫صدر حديث ًا عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫دراسات‬
‫بديعة الطاهري‪،‬‬
‫صابر حباشة‬
‫قصص‬
‫عبدالله السفر‪ ،‬حسن بطران‬
‫كرمية االبراهيمي‬
‫شعر‬
‫محمود درويش‪،‬‬
‫متيم البرغوثي‪،‬‬
‫سليمان العتيق‪،‬‬
‫شقراء املدخلي‬
‫مواجهات مع‬
‫امبرتو أكو‪ ،‬الياس فركوح‬
‫محمد معتصم‬

‫ملف العدد‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫القدس عاصمة الثقافة العربية‬

‫‪25‬‬

‫من إصدارات اجلوبة‬

‫شموط‪ :‬لوحة إرادة احلياة أقوى‬
‫الفنان الكبير إسماعيل ّ‬
‫استمرت احلياة الفلسطينية بشتى نواحيها ‪ ،‬وأشكالها ‪ ،‬على الرغم من جبروت االحتالل وعوامل‬
‫القهر والقمع ‪ .‬وصارت تقام مواسم األفراح واألتراح ضمن احلدود املمكنة ‪ ،‬وظلت رموز فلسطني‬
‫شامخة في عنان السماء ‪ ،‬واألطفال كالسنابل يتكاثرون ويتكاثرون‪.‬‬

‫الفنان الكبير إسماعيل شموط‪ :‬لوحة الربيع الذي كان‪.‬‬
‫لم تكن احلياة هادئة في فلسطني إب��ان فترة االنتداب البريطاني؛ فقد قامت ث��ورات وانتفاضات‬
‫شعبية فلسطينية متتابعة ضد املؤامرة‪ .‬إال أن فلسطني انطبعت في ذاكرة الفنان إسماعيل شموط‬
‫وعطاء‪ ،‬وفرح ًا‪.‬‬
‫ كما يقول ‪ -‬ربيع ًا مزهر ًا ومزدان ًا بكل األلوان‪ ،‬وخير ًا وافراً‪،‬‬‫ً‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪1‬‬

‫العدد ‪25‬‬
‫خريف ‪1430‬هـ ‪2009 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬
‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫املشرف العام‬
‫إبراهيم احلميد‬
‫املراسالت‬
‫توجه باسم املشرف العام‬
‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6245992 :‬‬
‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬
‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬
‫‪aljoubah@gmail.com‬‬
‫‪www.aljoubah.com‬‬

‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬
‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬
‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬
‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬
‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬
‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬
‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬
‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬
‫اجلوبة من األسماء التي كانت تطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬
‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬
‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬
‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬
‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬
‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الـمحتويــــات‬

‫‪6.......................‬‬
‫القدس عاصمة الثقافة العربية‬

‫‪54.....................‬‬
‫عبدالله السفر‬

‫‪84.....................‬‬
‫امبرتو أكو‬

‫‪89.....................‬‬
‫إلياس فركوح‬
‫الغالف‪:‬‬
‫قبة مسجد الصخرة من الداخل‪.‬‬

‫االفتتاحية‪4.............................................................‬‬
‫ملف العدد‪ :‬القدس عاصمة الثقافة العربية ‪6................ 2009‬‬
‫دراسات‪ :‬صورة المرأة في روايتي «عندما يبكي الرجال» لوفاء مليح‬
‫و«لحظات الغير» لفاتحة مرشيد ‪ -‬د‪ .‬بديعة الطاهري‪36..........‬‬
‫من إشكاليات دراس��ة الرواية العربية نظريا التصنيف والمدارس‪:‬‬
‫قراءة أولية ‪ -‬صابر الحباشة‪45.....................................‬‬
‫قصص قصيرة‪ :‬نصوص ‪ -‬عبدالله السفر ‪54.......................‬‬
‫قصصص قصيرة جدا ‪ -‬حسن بطران‪55.............................‬‬
‫انطفاء في ذاكرة األشياء ‪ -‬كريمة اإلبراهيمي ‪56......................‬‬
‫قصص قصيرة جدا ‪ -‬محمد صوانه‪59...............................‬‬
‫ال شيء ‪ -‬فاطمة المزروعي‪60........................................‬‬
‫شعر‪ :‬عابرون في كالم عابر ‪ -‬محمود درويش‪62....................‬‬
‫في القدس ‪ -‬تميم البرغوثي ‪63.......................................‬‬
‫القدس مرمى العصى ‪ -‬إدوارد عويس ‪65.............................‬‬
‫انتظار ‪ -‬سليمان عبدالعزيز العتيق ‪66................................‬‬
‫صرخة القصيدة الثائرة ‪ -‬شقراء المدخلي‪68........................‬‬
‫أشجا ُر هذا الحزنِ ما ْء ‪ -‬فيصل أكرم‪69..............................‬‬
‫َرمَا ُد السِّ نِين ‪ -‬صالح الدين الغزال ‪70................................‬‬
‫الصيف ‪ -‬عبدالله علي األقزم ‪71....................‬‬
‫ِ‬
‫وتـسـألـ ُني ليالي‬
‫نقد‪« :‬أرض اليمبوس» للروائي إلياس فركوح‪ ..‬التاريخ الشخصي‬
‫والذاكرة الجمعية ‪ -‬هيا صالح ‪72...................................‬‬
‫ق��راءة سيميائية في قصة «أعمق من الوسن» للسعودي حسن علي‬
‫البطران ‪ -‬د‪ .‬جميل حمداوي ‪76....................................‬‬
‫تجليات شعرية المنفى عند الشاعر الكوني محمود النجار ‪ -‬نجاة‬
‫الزباير ‪81............................................................‬‬
‫مواجهات‪ :‬حوار مع الروائي والناقد االيطالي امبرتو اكو ‪ -‬حاورته‪:‬‬
‫دومينيك سيمونيه ‪ -‬ترجمة‪ :‬أحمد عثمان‪84.......................‬‬
‫حوار مع إلياس فركوح ‪ -‬حاوره‪ :‬محمد محمود البشتاوي‪89.........‬‬
‫الكاتب والناقد المغربي محمد معتصم ‪ -‬حـاورته‪ :‬نوّارة لحـرش‪98....‬‬
‫نوافذ‪ :‬إشكالية مفهوم الثقافة ‪ -‬جالل بوشعيب فرحي ‪105.........‬‬
‫العامية وتأثيرها على الفصحى ‪ -‬د‪ .‬أحمد السوداني‪107............‬‬
‫إخفاقات العولمة ‪ -‬مجدي ممدوح‪112................................‬‬
‫الخطراوي في آثار الكاتبين ‪ -‬محمود الرمحي‪117...................‬‬
‫قراءات‪120...........................................................:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪3‬‬

‫القدس‬

‫عاصمة الثقافة العربية‬

‫وعاصمة الدولة الفلسطينية‬
‫> إبراهيم احلميد‬
‫كان ال بد من استعادة مدينة القدس الشريف عاصمة الثقافة العربية‪ ،‬لشحذ‬
‫الوجدان العربي الذي ال يخمد جمره المتوقد في حب القدس والتعلق بها‪.‬‬
‫تستعيد مجلة الجوبة في عددها هذا‪ ،‬مدينة القدس‪ ،‬أولى القبلتين‪ ،‬ومسرى‬
‫النبي العربي محمد [‪ ،‬عاصمة الثقافة العربية؛ ألن القدس تبقى في وجدان‬
‫وعقل كل عربي ومسلم‪ ،‬ومثوى أفئدة الماليين من العرب والمسلمين؛ فكل‬
‫مسلَّمات الخطاب الديني‪ ،‬ممثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة‪،‬‬
‫تحث على التعلق بها‪ ،‬واالتكاء عليها‪ ،‬وأنها إرث عربي إسالمي‪ ،‬ال ينبغي التفريط‬
‫ب��ه؛ ول��ذا‪ ،‬تبقى القدس ‪ -‬مهما كانت المسببات التي أدت إل��ى احتاللها من‬
‫قوة غاشمة‪ ،‬ظالمة ‪ -‬مدينة عربية‪ ،‬وعاصمة الثقافة العربية‪ ،‬وقبل ذلك‪ ‬كله‪..‬‬
‫عاصمة‪  ‬الدولة الفلسطينية بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫‪ ‬لقد أثبتت الوقائع‪ ،‬على مر األي��ام‪ ،‬أن السالم مع العدو اإلسرائيلي‪ ،‬هو‬
‫مجرد وهم؛ توهمه البعض‪ ،‬وصدقه آخرون؛ نتيجة الدعاية اإلعالمية الهائلة‬
‫التي جعلت من القاتل ضحية‪ ،‬ومن أبشع وجه لالحتالل عرفه العالم‪  ،‬وجهاً‬
‫للديمقراطية‪ ..‬ونموذجا الحترام حقوق اإلنسان!‪  ‬وإال‪ ..‬ما معنى هذا االنتشار‬
‫السرطاني للمستوطنات في أرض فلسطين كلها‪ ،‬والتفريغ الصامت للشعب‬
‫الفلسطيني من‪  ‬مدينة القدس‪.‬‬
‫لقد س��رق اليهود الغاصبون كل ش��يء استطاعوا ال��وص��ول إليه في أرض‬
‫فلسطين‪ ،‬فمنذ أن بسطوا سيطرتهم على ال�ت��راب الفلسطيني‪ ،‬ب��اش��روا في‬
‫احتالل المقدسات‪ ،‬بدْءاً من حائط البراق‪ ،‬أو وقف أبي مدين نسبة إلى حي‬
‫المغاربة المجاور‪ -‬والذي نقل اليهود صلواتهم إليه تدريجيا كما يذكر عدد من‬
‫الباحثين ‪ -‬ومحاوالتهم فرض أمر واقع عليه خالل فترة االنتداب اإلنجليزي‬
‫لفلسطين‪ ،‬ومواقف الحاج أمين الحسيني ‪ -‬ال��ذي ك��ان حارسا أمينا –التي‬
‫حالت دون ذل��ك منذ ع��ام ‪1918‬م‪ ،‬حتى فرضهم لألمر ال��واق��ع على الجدار‬
‫الغربي للمسجد األقصى‪ ،‬بعد إعالن دولتهم عام ‪1948‬م‪  ،‬وصوال إلى الحرم‬
‫اإلبراهيمي في الخليل‪ ،‬وهم بذلك كله يسابقون الزمن من أجل تثبيت واقعهم‬

‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫اف�����������ت�����������ت�����������اح�����������ي�����������ة‬

‫على أرض فلسطين؛ ألن الصمت الدولي والعربي‪ ،‬هيأ لهم الظروف المواتية‬
‫لتهويد كل ما يمكن تهويده‪ ،‬ب��دءاً من حائط المسجد األقصى‪ ،‬وانتهاء بأزقة‬
‫وبيوت القدس العتيقة وضواحيها‪ ،‬وها هم يواصلون سرقاتهم؛ فبعد أن تمكنوا‬
‫من سرقة األرض‪ ،‬والمقدسات‪  ،‬يحاولون سرقة ال�ت��راث الفلسطيني‪ ،‬حتى‬
‫الذاكرة المقدسية يعملون على سرقتها‪ ..‬وإال‪ ،‬ما معنى أن ينسب‪ ‬شيمون بيريز‬
‫ الزعيم الصهيوني الحائز على جائزة نوبل للسالم عام ‪1993‬م‪ ،‬وقاتل أكثر من‬‫ألف فلسطيني في غزة عام ‪2007‬م‪ ،‬ونتيجة سطوة اإلعالم الصهيوني ‪ -‬لنفسه‬
‫طفول ًة مفترض ًة في مدينة القدس‪ ،‬وهو البولندي المولود في وارسو‪ ،‬والمهاجر‬
‫اليهودي إلى فلسطين عام ‪1934‬م‪ ، ‬وعمره آنذاك أربعة عشر عاماً؛ حين يتحدث‬
‫عن تلك الطفولة لمجلة ديرشبيجل األلمانية في عددها الثالث لعام ‪2009‬م‪.‬‬
‫والمفارقة المضحكة أو المبكية في آن‪ ،‬أن الحوار مع المحتل شيمون بيريز يأتي‬
‫بمناسبة احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية! فبعد أن سرق شيمون بيريز‬
‫األرض‪ ،‬ها هو يسرق الذاكرة الفلسطينية‪ ،‬حينما يتحدث عن ذكريات الطفولة‬
‫الزائفة في القدس‪ .‬ربما جاز له أن يتحدث عن تلك الطفولة في وارس��و‪ ،‬أو‬
‫محترف ‪ -‬في عصابات الهاغانا اإلجرامية‪ ،‬ولكنه القتل‪..‬‬
‫ٍ‬
‫عن ذكرياته ‪ -‬كقاتل‬
‫يتبعه الكذب‪ ،‬حينما ينفي القاتل ضحيته الفلسطيني‪ ،‬ويغيبه تماما عن المشهد‬
‫المقدسي‪ .‬وال يمكن فصل سرقة شيمون بيريز تلك‪ ‬عن النهب المنظم لألرض‬
‫والتراث الفلسطيني‪ ،‬وكل ما يمكن أن يصل إليه االحتالل‪.‬‬
‫ليست القدس مجرد عاصمة عربية‪ ،‬إنها الرمز الثقافي والحضاري‪ ،‬الذي‬
‫نفاخر به العالم‪ ،‬وإننا لنستعيد مع كل عملية احتالل لبيت جديد في القدس‬
‫من قِ بَلِ قوى الظالم اليهودية‪ ،‬القي َم العربية اإلسالمية‪ ،‬التي قابل بها المسلمون‬
‫الفاتحون سكا َن فلسطين‪ ،‬من خ�لال العهدة العمرية‪ ،‬ومن بعد ذل��ك بقرون‪،‬‬
‫التسامح ال��ذي أب��داه صالح الدين األيوبي مع الصليبيين الذين أب��ادوا سكان‬
‫القدس عندما احتلوها‪ .‬وهذا ما يؤكد أن مصير اليهود سيكون بإذنه تعالى‪،‬‬
‫كمصير الصليبيين الذين أخرجوا‪ ‬منها في النهاية‪ ،‬ألنهم يفتقدون القي َم التي‬
‫ترسخ بقاءهم‪ ،‬وهي المفارقة التي لن يستطيعوا سبرها‪.‬‬
‫لكل ه��ذا‪ ..‬وفي استعادة القدس عاصمة الثقافة العربية‪ ،‬نجد أن‪ ‬القدس‬
‫مهما ح��اول اليهود إطالة أم��د التفاوض‪  ،‬أو إلغاء الوجود الفلسطيني فيها‪،‬‬
‫سيبقون الطرف الخاسر في النهاية‪ ،‬ألن القدس لن تكون إال عاصم ًة عربية‬
‫للدولة الفلسطينية‪ ،‬ووجه ًة لكل مسلمي األرض ومحبي السالم والخير في العالم‬
‫كله‪ .‬‬
‫فاصلة‬
‫يقول إدوارد سعيد مستذكرا‪ ‬طفولته في مدينة القدس‪« :‬على كل واحد منا‬
‫أن يروي قصته»‪.‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪5‬‬

‫القدس‪..‬‬

‫عاصمة الثقافة العربية ‪2009‬‬
‫تقديم‬
‫أ ُعلن في نهاية عام ‪2008‬م أن القدس ستكون عاصمة الثقافة العربية للعام ‪2009‬م‪،‬‬
‫نواح؛ سياسية‪ ،‬واجتماعية‪،‬‬
‫وهو ما أعاد األضواء على المدينة المحتلة مرة أخرى‪ ،‬من عدة ٍ‬
‫وفكرية‪ ،‬وثقافية‪ ،‬ومعمارية‪ ،‬وإنسانية‪ .‬ومن هنا‪ ،‬تم اختيار القدس لتكون المحور العام‬
‫لهذا العدد‪ ..‬كمحاولة لتناول المدينة من جوانب متعددة‪ ،‬انطالقاً من أهمية فكرة بقاء‬
‫القدس حاضرة في الوجدان العربي‪ ،‬وليحظ القارئ العربي باإلطالع على جوانب أخرى‬
‫للمدينة‪ ،‬لم يتم تسليط الضوء عليها حتى في اإلعالم العربي‪.‬‬
‫شكلت القدس منذ القدم مركزاً حضاريا ودينياً مهماً‪ ،‬فمنذ نشأتها األولى على يد‬
‫الكنعانيين القدماء‪ ،‬ارتبطت بمكانة دينية من حيث المكانة والتسمية‪ ،‬فسموها «أور‬
‫سالم» أي مدينة السالم‪ ،‬نسبة إل��ى إل��ه السالم لديهم‪ ،‬بعد ذل��ك ارتبطت بالديانات‬
‫السماوية‪ ،‬فسميت في التوراة «أورشليم» وتلفظ بالعبرية «يروشااليم»‪ .‬أما في المسيحية‬
‫فارتبطت بكونها مكان قيامة السيد المسيح‪ ،‬ولذلك تم بناء كنيسة فيها باسم كنيسة‬
‫القيامة؛ وفيها أيضاً قبر السيدة مريم العذراء عليها السالم‪ ،‬ما جعلها–أيضا ‪ -‬مِ حَ جاً‬
‫للمسيحيين‪ ،‬وأسموها «مملكة السماء»‪ ،‬وهو االسم الذي ظهر بشكل واضح في الحمالت‬
‫الصليبية على العالم اإلسالمي‪ .‬أما مكانتها الدينية لدى المسلمين فبدأت منذ إسراء‬
‫سيدنا محمد [ من مكة المكرمة إليها‪ ،‬وعروجه منها إلى السماء‪.‬‬
‫ه��ذه األهمية الدينية للمدينة ل��دى معتنقي الديانات الثالث‪ ،‬جعلتها مكان نزاع‪،‬‬

‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫فقد ت��م اح�ت�لال المدينة م��ن قبل الصليبيين‪،‬‬
‫حتى أع��اد المسلمون تحريرها على يد القائد‬
‫صالح الدين ثم أعيد احتالل المدينة المقدسة‬
‫على يد البريطانيين‪ ،‬بعد سقوط دولة الخالفة‬
‫اإلس�لام�ي��ة ف��ي ال �ح��رب العالمية األول���ى‪ ،‬تاله‬
‫كذلك احتالل الجزء الغربي منها عام ‪1948‬م‪،‬‬
‫على يد العصابات الصهيونية‪ ،‬فيما تم احتالل‬
‫الجزء الشرقي منها عام ‪1967‬م‪.‬‬
‫وع�ل��ى م��دى ال�ع�ص��ور ال�م��اض�ي��ة‪ ،‬استطاعت‬
‫المدينة أن تشكل هويتها ال�خ��اص��ة ب�ه��ا‪ ،‬فقد‬
‫ك��ان لمكانتها الدينية دور ف��ي جعلها مِ حجاً‬
‫للمتدينين من كل األدي��ان السماوية الثالثة في‬
‫العالم‪ ،‬والذين استقر جزء منهم فيها؛ فحملت‬
‫بعض مناطقها أسماءهم مثل‪ :‬الحارة المسيحية‪،‬‬
‫وال �ح��ارة ال�ي�ه��ودي��ة‪ ،‬وال �ح��ارة األرم �ن �ي��ة‪ ،‬وحارة‬
‫المسلمين‪ ،‬وه��ذه ال �ح��ارات األرب��ع بشكل عام‪،‬‬
‫تمثل ال�ب�ل��دة القديمة داخ��ل ال �س��ور بأسواقها‬
‫وأماكنها المقدسة‪ ،‬مثل حائط ال �ب��راق‪ ،‬أو ما‬
‫يسميه اليهود حائط المبكى‪ ،‬وكنيسة القيامة‪،‬‬
‫والمسجد األقصى الذي يشمل المسجد القبلي‬

‫الذي يطلق عليه المسجد األقصى حالياً‪ ،‬وقبة‬
‫الصخرة‪ ،‬والمسجد المرواني‪ ،‬وما داخل مساحة‬
‫ال�م�س�ج��د م��ن ق �ب��اب وم� ��آذن وم�ص�ل�ي��ات وآبار‬
‫وغيرها‪ .‬في حين اكتسبت بعض حاراتها أسماء‬
‫جنسيات ساكنيها‪ ،‬مثل حارة المغاربة‪ ،‬نسبة إلى‬
‫المغاربة الذين هاجروا إليها على دفعات متتالية‪،‬‬
‫بقصد ال�ح��ج وال �ت �ج��ارة وط�ل��ب ال�ع�ل��م‪ ،‬واستقر‬
‫بعضهم فيها‪ ،‬في حين أن هذه الحارة تم إزالتها‬
‫من قبل اإلسرائيليين بشكل كامل عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫بحجة توسعة حائط المبكى كما يزعمون‪ ،‬والذي‬
‫هو في األصل حائط البراق لدى المسلمين‪.‬‬
‫ه ��ذا ال �ت �ع��دد وال �ت �ن��اغ��م ف��ي ال �م��دي �ن��ة صبغ‬
‫المدينة أيضاً بهوية عمرانية خاصة بها‪ ،‬سميت‬
‫في الهندسة المعمارية الطراز المقدسي‪ ،‬وهي‬
‫في األصل خليط من مجموعة هندسات معمارية‬
‫قائمة في المدينة‪ ،‬نقل بعضها الحجاج الذين‬
‫سكنوها‪ ،‬وبعضها األخر ترسخ عبر بناء أماكن‬
‫العبادة فيها‪.‬‬
‫وقد حظيت القدس باهتمام المؤرخين والكتاب‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪7‬‬

‫والمثقفين ال �ع��رب والعالميين‪ ،‬وخ��اص��ة فيما‬
‫يتعلق بالطوائف الدينية التي تسكنها‪ ،‬وهندستها‬
‫المعمارية‪ ،‬ومكانتها الدينية‪ ،‬وغيرها‪..‬في حين‬
‫بقيت جوانب أخرى غير متعلقة بالجوانب الدينية‬
‫فيها غير مؤرخة‪ .‬فعلى الرغم من أن القدس تعد‬
‫ثالث عاصمة عربية تظهر فيها الصحافة بعد‬
‫القاهرة وبيروت‪ ،‬إال أن هذا الجانب من المدينة‬
‫بقي طي النسيان‪ ،‬ويمكن أن نعزو أسبابه أيضاً‬
‫مسجد عمر بن الخطاب‬
‫ضمن أسباب تعطيل حركة الحداثة في المدينة سليمان»‪ ،‬الذي كان يقود حينها المعهد العالي‬
‫التي تسبب فيها االح �ت�لال اإلسرائيلي عامي للدراسات الشرق أوسطية (ويشغل اآلن أستاذ‬
‫‪ 1948‬و‪1967‬م‪.‬‬
‫كرسي ال��دراس��ات ال�ش��رق أوسطية ف��ي جامعة‬
‫وم��ا ت��زال المدينة المقدسة حتى اللحظة كمبردج ذاتها)‪ .‬وذكر سليمان أنّ «آل الخالدي»‬
‫تعاني من معركة تهجير للعرب منها‪ ،‬ما يجعلها معروفون في القدس بأنّهم «بيت ِعلم»‪ ،‬كما أشار‬
‫منطقة ص��راع ساخنة بين سكانها األصليين إلى عراقة المكتبة الخالدية التي تعود إلى القرن‬
‫والمستوطنين الجدد‪ .‬ولقد اعتبر بعض القائمين التاسع عشر‪ ،‬وهي مكتبة عائلية عريقة أسست‬
‫على مشروع «القدس عاصمة الثقافة العربية عام ‪1899‬م‪ .‬والواقع أنّ أبناء الخالدي‪ ،‬ينتشرون‬
‫للعام ‪2009‬م» أن هذا اإلعالن عنها جاء بهدف اآلن بالفعل في كبرى الجامعات العالمية‪ ،‬مثل‬
‫إعادة تسليط الضوء على المدينة ثقافيا وفكرياً‪ ،‬هارفارد‪ ،‬وكولومبيا‪ ،‬وكمبردج‪ ،‬وأكسفورد‪ ،‬وكثير‬
‫وإلبقائها حية في الوجدان العربي واإلسالمي من دراساتهم تتعلق بالقدس‪ ،‬معتمدين فيها على‬
‫وثائق ومحفوظات المكتبة الخالدية‪.‬‬
‫والعالمي وأيضاً‪.‬‬
‫وعُلماء آل الخالدي ليسوا سوى جزءاً بارزاً‬
‫القدس ‪2009‬‬
‫من حالة تسلطت األض��واء عليها في السنوات‬
‫حداثة عربية مجهضة وفشل في بناء األخ��ي��رة‪ ،‬بفضل ن�ش��ر دراس� ��ات وس �ي��ر ذاتية‪،‬‬
‫حداثة يهودية‬
‫ساعدت على توثيق أوض��اع القدس في سنوات‬
‫(‪)1‬‬
‫> د‪.‬أحمد جميل عزم‬
‫م��ا قبل ق�ي��ام ال�ك�ي��ان الصهيوني ع��ام ‪1948‬م‪.‬‬
‫وفي توضيح حالة نهوض كانت المدينة تعيشها‬
‫قبل سنوات‪ ،‬استقبلت‬
‫اق �ت �ص��ادي��ا‪ ،‬وث �ق��اف �ي��ا‪ ،‬وت�ع�ل�ي�م�ي��ا‪ ،‬واجتماعيا‪،‬‬
‫ج� � ��ام � � �ع� � ��ة أدن� � � �ب � � ��رة‬
‫وسياسيا‪ .‬وبموازاة هذه الدراسات تتكشف يوميا‬
‫األسكتلندية الشهيرة‬
‫معالم التراجع الذي تعيشه المدينة حاليا‪ ،‬ليس‬
‫ط ��ري ��ف ال� �خ ��ال ��دي ‪-‬‬
‫على صعيد الوسط العربي في الجزء الشرقي‬
‫األس � �ت� ��اذ ف ��ي جامعة‬
‫م��ن المدينة ال��ذي احتل ع��ام ‪1967‬م وحسب‪،‬‬
‫ك ��ام� �ب ��ردج ‪ -‬لتقديم‬
‫ب��ل وعلى صعيد ال��وس��ط ال�ي�ه��ودي ذات ��ه‪ ،‬سواء‬
‫محاضرة‪ ،‬قدمه آنذاك‬
‫بالمواجهة الطاحنة الداخلية التي يعيشها هذا‬
‫اب � ��ن ال � �ق� ��دس «ياسر‬
‫الوسط‪ ،‬أو بالفشل في تنمية المدينة‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫حداثة مجهضة‬
‫في كتابه ال�ص��ادر حديثا باللغة اإلنجليزية‬
‫بعنوان «مقدسيّون‪ ..‬ذاك��رة ح� ّي��ة»‪ ،‬ي��روي حازم‬
‫نسيبة‪ -‬الوزير األردني السابق‪ -‬جزءاً مهماً من‬
‫مشاهد الحياة ف��ي ال�ق��دس منذ العشرينيات؛‬
‫فيشير إل ��ى ال� �م ��دارس ال �ع��رب �ي��ة‪ ،‬والعثمانية‪،‬‬
‫واإلنجليزية‪ ،‬والفرنسية‪ ،‬واألمريكية‪ ،‬واإليطالية‪،‬‬
‫واأللمانية‪ ،‬والروسية‪ ،‬واليونانية في المدينة‪،‬‬
‫وإل��ى األن��دي��ة الشبابية‪ ،‬ومالعب التنس‪ ،‬وكرة‬
‫السلة‪ ،‬وب��رك السباحة وغيرها‪ .‬ويتحدث عن‬
‫الجامعات والمدارس التي التحق بها هو وأشقاؤه‪:‬‬
‫ك��ال�ج��ام�ع��ة األم��ري �ك �ي��ة ف��ي ب��ي��روت‪ ،‬وجامعات‬
‫برينستون‪ ،‬وكمبردج وغيرها؛ كما يتحدث عن‬
‫الصحف الناشئة في المدينة حينها‪ .‬ولعل حديث‬
‫نسيبة عن مالعب الرياضة‪ ،‬فرصة للتذكير‪ ،‬بأنّه‬
‫في كأس العالم لكرة القدم لعام ‪1934‬م‪ ،‬شارك‬
‫منتخبان عربيّان فقط في تصفيات البطولة‪،‬‬
‫هما منتخبا مصر وفلسطين‪ ،‬وقد فاز المنتخب‬
‫المصري في مباراتي التصفية (‪ )1/7‬و(‪،)1/4‬‬
‫وما يهمنا هنا أن مباراة اإلياب جرت في القدس‬
‫يوم ‪ 6‬نيسان‪ /‬إبريل من ذلك العام‪.‬‬
‫في ذات المدة التي نشرت فيها سيرة نسيبة‪،‬‬
‫كانت سيرة أخرى لسيرين الحسيني‪ ،‬تترجم من‬
‫الفرنسية واإلنجليزية إلى العربية‪ ،‬لتروي أيضاً‬
‫ج ��زءاً آخ��ر م��ن قصة ال �ح��داث��ة المجهضة في‬
‫المدينة‪ ،‬فعائلة الحسيني إحدى عائالت القدس‬
‫الكبرى‪ ،‬ما يسمح أن نقرأ في هذه السيرة عن‬
‫حياة رئيس بلدية القدس في العشرينيات‪ ،‬وعن‬
‫خال سيرين‪ -‬موسى العلمي‪ -‬المحامي الشهير‬
‫الذي لعب أدوارا مهمة في التاريخ الفلسطيني‪،‬‬
‫والحائز على شهادة جامعية من «كامبردج» منذ‬
‫أوائل القرن العشرين‪.‬‬

‫القدس ‪ -‬البلدة القديمة ‪1890 -‬م‬

‫تعطي انطباعاً ع��ن ال�ح��راك الثقافي الفكري‬
‫ه ��ي «م���ذك���رات خ�ل�ي��ل ال �س �ك��اك �ي �ن��ي»‪ ،‬الكاتب‬
‫وال�م�ف�ك��ر ال�م�ق��دس��ي‪ ،‬ال ��ذي ك��ان ص��اح��ب فكر‬
‫إنساني منفتح على الشعوب واألديان‪ ،‬سافر إلى‬
‫بريطانيا وال��والي��ات المتحدة في مطلع القرن‬
‫ال�ع�ش��ري��ن‪ ،‬ولكنه ق��رر ال �ع��ودة ل�ل��وط��ن‪ ،‬ليصبح‬
‫أحد أهم العاملين في حقل التربية والتعليم في‬
‫الوطن العربي؛ وليعمل في صحيفة «األصمعي»‬
‫المقدسية‪ ،‬ول�ي��ؤس��س ع��ام ‪1909‬م «المدرسة‬
‫الدستورية»‪ ،‬في إش��ارة لتبني الدولة العثمانية‬
‫لدستور جديد حينها‪ ،‬وأسس في حياته صحفا‬
‫عدة‪ .‬ويعود للسكاكيني الفضل في وضع مناهج‬
‫دراسية للتعليم في أكثر من دولة عربية‪ ،‬وظلت‬
‫مناهجه متبعة لسنوات طويلة‪.‬‬

‫وت �ك �ش��ف ال �ض �ج��ة ال��ت��ي أق��ام �ت �ه��ا الحركة‬
‫الصهيونية‪ -‬عندما نشر الباحث والمفكر العالمي‬
‫المقدسي الراحل‪ ،‬إداورد سعيد‪ ،‬مذكراته عام‬
‫‪1999‬م‪ ،‬والتي تظهر حياة مدنية م��زده��رة في‬
‫ال �ق��دس‪ ،‬ك��ان سعيد وعائلته يعيشونها‪ -‬مدى‬
‫االستياء م��ن الكشف ع��ن ح��داث��ة المدينة قبل‬
‫االح� �ت�ل�ال‪ .‬وح�ي�ن�ه��ا ن �ش��رت س�ل�س�ل��ة مقاالت‪،‬‬
‫إحدى السير الذاتية القديمة نسب ّياً‪ ،‬والتي أشهرها ما نشر في مجلة «كومنتري» تدّ عي أنّ‬
‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪9‬‬

‫سعيد لم يكن يعيش في القدس قبل عام ‪1948‬م‪،‬‬
‫بل كان في «القاهرة»‪ ،‬وكان يزور القدس وحسب‪.‬‬
‫وق��د رد ع��دة باحثين ومؤرخين ع��رب على تلك‬
‫االدّعاءات‪ ،‬وأن من كتبوها تعمدوا إخفاء حقائق‬
‫عرفوها أثناء تحقيقاتهم‪ ،‬ومن ضمنها إخفاؤهم‬
‫تفاصيل مقابالت شخصية م��ع زم�ل�اء دراسة‬
‫لسعيد في مدارس القدس‪.‬‬

‫أوضاع اليهود في القدس القديمة بالغة البؤس‪،‬‬
‫حيث الفقر واالك�ت�ظ��اظ الهائل ف��ي المساكن‪.‬‬
‫وك ��ان كثير م��ن ه ��ؤالء ل��دي��ه م��وق��ف ض��د مبدأ‬
‫العمل‪ ،‬إذ يعتقدون أن وجودهم في القدس هو‬
‫مهمة مقدسة يبرر اعتمادهم في حياتهم على‬
‫مساعدات يهود العالم‪ .‬وحاول الثري اإلنجليزي‬
‫م��وس��ى م��ون�ت�ي�ف�ي��وري ح�ف��زه��م ل�لاع�ت�م��اد على‬
‫أنفسهم‪ ،‬فأنشأ في النصف الثاني من القرن‬
‫التاسع ع�ش��ر‪ ،‬مشاريع ح��ول ال�ق��دس القديمة‬
‫مثل مطحنة‪ ،‬وورش عمل‪ ،‬ومستوطنات زراعية‪.‬‬
‫وق��د فشل ذل��ك ك�ل��ه‪ ،‬ألن�ه��م فضلوا االستمرار‬
‫في االعتماد على الهبات‪ ،‬ولم تنجح محاوالت‬
‫مونتيفيوري إال الح�ق��ا‪ .‬وك��ان اليهود اليمنيون‬
‫السبّاقين لقبول ف�ك��رة ال �خ��روج وال�ب�ن��اء خارج‬
‫أسوار القدس‪ ،‬إذ حاولوا االستمرار في القيام‬
‫بحرف عملوا بها سابقا‪ ،‬مثل صياغة الذهب‪،‬‬
‫بينما ك��ان ال�ي�ه��ود ال�غ��رب�ي��ون ي ��رون أن قداسة‬
‫المدينة هي فقط داخل األسوار‪ ،‬مبررين بذلك‬
‫رفضهم تغيير مكان سكنهم‪ ،‬أو االشتغال بمهنة‬
‫ال لهم‪ .‬ولم يتغيّر الموقف كثيرا حتى‬
‫تحقق دخ ً‬
‫ستوضحه سطور الحقة‪.‬‬
‫ّ‬
‫اآلن‪ ،‬كما‬

‫وعلى صعيد الدراسات حول حداثة المدينة‪،‬‬
‫فإنّ من الكتب التي يشار لها كتاب حرره سليم‬
‫تماري‪ ،‬بعنوان‪« :‬القدس ‪1948‬م‪ ،‬األحياء العربية‬
‫ومصيرها في حرب ‪1948‬م»‪ ،‬وقد صدر بالعربية‬
‫عام ‪2002‬م‪ ،‬وقد أوض��ح كيف أنّ ما تجمّع من‬
‫سير ذاتية وشهادات يكشف «بشكل غير معهود لنا‬
‫في الوقت الحاضر؛ مدينة يطغى عليها الحراك‬
‫االجتماعي والتعددية اإلثنية‪ ،‬وتباينات طائفية‬
‫تعيش نهاية عصر ما قبل الحداثة‪ .‬عصبيات‬
‫محلية تتجاوز حدودها الضيقة لمصلحة اعتماد‬
‫متبادل وتضامن ح�ض��اري»‪ .‬ه��ذه المهمة التي‬
‫أخذها كتاب «تماري» على عاتقه‪ ،‬وتساعد على‬
‫فهم حداثة القدس سيتبعها كتاب سيصدر قريباً‬
‫باللغة اإلنجليزية‪ ،‬ع��ن دار نشر إنترلنك‪ ،‬من‬
‫على الصعيد العربي‪ ،‬وباالنتقال إلى المرحلة‬
‫تحرير «لينة الجيوسي» بعنوان‪« :‬إعاقة القدس‪:‬‬
‫الحداثة‪ ،‬والتحول االستعماري منذ عام ‪1917‬م الراهنة‪ ،‬فإنّه عندما احتّلت القدس عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫وحتى اآلن»‪ ،‬ويعنى تحديدا بأوجه الحداثة في كانت نسبة العرب في المدينة بشقيها الغربي ‪-‬‬
‫الذي توسّ ع كثيرا قبل الحرب‪ ،‬والذي هُجِّ ر سكانه‬
‫الوسط العربي‪.‬‬
‫العرب بالكامل في حرب ‪1948‬م ‪ -‬والشرقي‪ ،‬هي‬
‫ال���م���ش���روع ال��ص��ه��ي��ون��ي ورف�����ض يهودي ‪ ،%25.8‬أي نحو ‪ 197‬ألف نسمة مقابل ‪%74.2‬‬
‫للحداثة‬
‫يهود (‪ 686‬ألف)‪ .‬وقد وضع الجانب اإلسرائيلي‬
‫وال�ش��ق الثاني م��ن فهم مسألة واق��ع مدينة هدفاً ‪ -‬آنذاك ‪ -‬جعل نسبة اليهود ‪.%90 -80‬‬
‫القدس وتاريخها الحديث‪ ،‬يكشف أزمة حقيقية وفي سبيل تحقيق هذه النسبة تم التضييق على‬
‫داخ��ل المجتمع ال�ي�ه��ودي ف��ي «إس��رائ �ي��ل»‪ ،‬في الفلسطينيين ومنعهم من بناء البيوت الجديدة‬
‫معاداة الحداثة‪ ،‬وهو عداء قديم مرتبط ببدايات أو توسعة وإص�ل�اح ال�ق��دي��م منها‪ ،‬مقابل بناء‬
‫ال �م �ش��روع ال�ص�ه�ي��ون��ي وال �ه �ج��رة ال�ي�ه��ودي��ة إلى سريع للبيوت لليهود‪ ،‬ومثل تحديد حرية حركة‬
‫فلسطين ف��ي ال�ق��رن التاسع عشر‪ .‬فقد كانت الفلسطينيين وإعاقة فرصهم للدراسة والعمل‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫نجحت السياسات اإلسرائيلية ف��ي إعاقة‬
‫نمو المجتمع العربي في ال�ق��دس‪ ،‬ووضعه في‬
‫أزمات خانقة في مجاالت السكن والعمل‪ ،‬وفصل‬
‫المقدسيين عن محيطهم العربي‪ ،‬خاصة بعد‬
‫بناء الجدار العازل‪ ،‬الذي أدى إلى تراجع كبير‬
‫في الحركة التجارية واالقتصادية‪ ،‬بسبب عدم‬
‫تمكن أهالي المدن والقرى المحيطة بالقدس‬
‫من دخولها للصالة أو العمل أو التسوق‪ ،‬وكل‬
‫هذا نتجت عنه مشكالت اجتماعية مثل التفكك‬
‫األسري‪ ،‬والمخدرات والسرقات وغيرها‪ ،‬ورغم‬
‫كل ذلك‪ ،‬لم تنجح إسرائيل في تقليص الوجود‬
‫العربي في المدينة‪ ،‬بل على العكس تعزز هذا‬
‫الوجود‪ ،‬من نحو ‪ %26‬عام ‪ 1967‬إلى نحو ‪%36‬‬
‫في ع��ام ‪2009‬م‪ .‬وه��ذه النسبة تعكس صموداً‬
‫فلسطينياً برفض مغادرة المدينة‪ ،‬رغم مأساوية‬
‫أوضاعهم المعيشية‪ ،‬ولكن إلى جانب هذا‪ ،‬هناك‬
‫هجرة يهودية معاكسة نشطة من القدس‪ ،‬وقد‬
‫فاق عدد اليهود الذين تركوا المدينة عدد من‬
‫ق��دم��وا إليها‪ .‬وم��ا بين عامي ‪ 1990‬و‪2005‬م‪،‬‬
‫غادر القدس (‪ )240‬ألف شخص‪ ،‬ويبلغ «العجز»‬

‫ويجري الحديث اآلن في إسرائيل عن نُذُر‬
‫«انتفاضة» تقوم بها تلك ال�ط��وائ��ف‪ .‬ووصفت‬
‫«الجارديان» الموقف والصدامات التي حصلت‬
‫هذا العام ‪2009‬م‪ ،‬بين تلك الجماعات وقوات‬
‫ال�ش��رط��ة اإلس��رائ�ي�ل�ي��ة ب��ال�ق��ول إ ّن ��ه‪« :‬وألسابيع‬
‫ضربت القدس الغربية بواسطة معارك شوارع‬
‫ُ‬
‫شرسة‪ ،‬واشتبك محتجّ ون من المتدينين اليهود‬
‫المتطرفين م��ع ال �ش��رط��ة‪ .‬م��ا أوج ��د ع ��ددا ال‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫خارج المدينة‪ ،‬وسحب هوياتهم المقدسية ألسباب‬
‫مختلفة‪ .‬ويلخص ت�ي��دي ك��ول�ي��ك‪ ،‬رئ�ي��س بلدية‬
‫القدس السابق لسنوات طويلة‪ ،‬سياسته بشأن‬
‫المدينة بقوله في مقابلة صحافية عام ‪1990‬م‪:‬‬
‫«لقد قمت بصنع إنجاز ما للقدس اليهودية خالل‬
‫الخمسة والعشرين عاماً الماضية‪ .‬أما القدس‬
‫الشرقية‪ ،‬فال شيء! ممرات وأرصفة؟ ال شيء‪.‬‬
‫مؤسسات ثقافية لم أبن حتى واحدة! في الواقع‬
‫صحيح أننا أنشأنا نظام مجاري وحسَّ نا شبكات‬
‫المياه‪ .‬ولكن هل تعرف لماذا؟ هل تعتقد أن ذلك‬
‫ك��ان ألجلهم وألج��ل مصلحتهم؟ ال‪ ،‬إن��س هذا‪.‬‬
‫لقد كانت هناك ح��االت كوليرا‪ ،‬وخ��اف اليهود‬
‫من العدوى‪ ،‬لذا أنشأنا نظام المجاري والمياه‬
‫لمواجهة الكوليرا»‪.‬‬

‫بين من قدم للمدينة وخرج منها في هذه الفترة‬
‫(‪ )93700‬شخص غالبيتهم العظمى يهود‪ ،‬لم‬
‫يعودوا يطيقون نمط حياة الطوائف اليهودية التي‬
‫تعرف بـ «األورثوذكسية» أو «األصولية اليهودية»‪،‬‬
‫ال‬
‫ومحاوالتهم ف��رض نمط حياتهم قسراً‪ ،‬فض ً‬
‫عن ضعف فرص العمل في المدينة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪11‬‬

‫يحصى م��ن اإلص��اب��ات‪ ،‬وع �ش��رات االعتقاالت فكرة الحداثة بالمطلق‪ ،‬ويصرون على مكاسب‬
‫وتخريب‪ .»..‬وتوضح الصحيفة أنّ الصدامات خ��اص��ة ل �ه��م م �ق��اب��ل ط��اع��ة ال �ق��ان��ون والنظام‬
‫ب��دأت بسبب فتح حديقة ع��ام��ة أ ّي ��ام السبت‪ .‬اإلسرائيليين‪.‬‬
‫وبحسب الصحيفة ف��إنّ «القطاع األرثوذكسي‬
‫المغاربة ورحالتهم للقدس‬
‫المتطرف (الحريدي)‪ ،‬يشكل نحو نصف سكان‬
‫(‪)2‬‬
‫> د‪ .‬مهند مبيضني‬
‫القدس اليهود‪ .‬والصدامات تأتي على خلفيّة‬
‫ارتبط تاريخ المغاربة‬
‫النمو السريع‪ ،‬للسكان الحريديين منخفضي‬
‫بالقدس والخليل منذ‬
‫الدخل‪ ،‬وسيطرتهم على المدينة تدريجيّا‪.‬‬
‫وق��ت طويل‪ ،‬وشدتهم‬
‫وق�ب��ل س �ن��وات‪ ،‬وت�ح��دي��دا ع��ام ‪2003‬م‪ ،‬قال‬
‫أواص � ��ر ال��رح �ل��ة إلى‬
‫مراسل «األسشويتدبرس» في الموضوع ذاته‪ :‬القدس والخليل بقدر‬
‫“إذا م��ا اس�ت�م��رت االت �ج��اه��ات الديموجرافية ما شدتهم إلى الحجاز‬
‫الحالية‪ ،‬فإنّ نصف سكان القدس خالل عقدين ال �ش��ري��ف‪ ،‬وك���ان ج ّل‬
‫سيكونون عرباً‪ .‬وسيكون النصف اليهودي من ح� �ج ��اج� �ه ��م ي� �م���رون‬
‫المسنين وغالباً من المتدينين‪ .‬أما العلمانيون بالقدس والخليل عند‬
‫والمتدينون الوطنيون‪ ،‬فسيعيشون أقليات في مقفلهم من الحج‪ ،‬لينعموا برؤية مسرى الرسول‬
‫أح�ي��اء معزولة جنوب المدينة‪ .‬وسيبدي عدد الكريم [‪.‬‬
‫قليل من اإلسرائيليين استعداداً للتضحية لتأكيد‬
‫ودأب المغاربة على الرحلة للشرق بوصفه‬
‫تماسك القدس بوجه الضغط العربي»‪.‬‬
‫جزءاً من ثقافة وحالة «سسيوثقافية» فأشهر ما‬
‫وت�ق��دم الصحافة اإلسرائيلية ص��ورة بالغة ُع��رف من الرحالة العرب كان منهم‪ ،‬وقد أفلح‬
‫القتامة ع��ن ال��وض��ع ف��ي ال �ق��دس‪ ،‬فمث ً‬
‫ال تنشر المغاربة في إنتاج أدب رحالت عن الديار التي‬
‫تقارير صحفية فيها ع �ب��ارات‪ ،‬مثل‪« :‬القمامة كانوا يزورونها‪ ،‬فمثلت رحالتهم وثيقة معاصرة‬
‫واألوساخ تمأل شوارعنا»‪ ،‬أو «ينتشر الفقر عبر عن وصف حال البلدان التي كانوا يفدون إليها‪،‬‬
‫األح�ي��اء مثل الطاعون‪ ،‬ويستمر نزيف العقول وعدوا الرحلة ألجل طلب العمل تطبيقا لقاعدة‬
‫إلى تل أبيب والضواحي»‪( .‬جيروزالم بوست ‪ 22‬من قواعد المعرفة في اإلسالم‪.‬‬
‫يونيو ‪2005‬م)‪.‬‬
‫والمحصلة النهائية ألوضاع القدس‪ ،‬أنّه إذا‬
‫ّ‬
‫كان الطرف اإلسرائيلي استطاع التضييق على‬
‫الفلسطينيين‪ ،‬وم �ح��ارب��ة ال��وج��ود ال�ع��رب��ي في‬
‫المدينة‪ ،‬فإنّه لم يوجد سوى مدينة ذات واقع‬
‫مشوه‪ ،‬أبعد ما يكون عن تصور أصحاب المشروع‬
‫الصهيوني األوائل؛ فالمدينة نقطة صراع يهودي‬
‫داخلي‪ ،‬وتعاني الكثير من المشكالت االقتصادية‬
‫واالجتماعية‪ ،‬وغالبية سكانها اليهود يرفضون‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الطيار العثماني أنور بيك عند هبوطه بالقدس ‪1915‬م‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أجيال من الرحالة‬
‫ب ��رع ف��ي ال��رح �ل��ة م��ن ال �م �غ��ارب��ة م��ا ال يعد‬
‫وال يحصى م��ن ال�ح�ج��اج والمثقفين واألدب���اء‬
‫والمؤرخين‪ ،‬منهم أحمد بن محمد بن عبدربه‬
‫(ت‪328 :‬ه�ـ‪940/‬م)‪ ،‬وأبو عبيدالله البكري (ت‪:‬‬
‫‪447‬ه � � �ـ‪1094/‬م)‪ ،‬ومحمد ب��ن جبير القرطبي‬
‫البلنسي (ت‪614 :‬ه�� �ـ‪1217/‬م)‪ ،‬وق��د وق��ف ابن‬
‫جبير عند وصف المسجد األقصى‪ ،‬وقال عنه‪:‬‬
‫«وطول مسجد بيت المقدس أربعمائة وخمسون‬
‫ذراع��ا وس��واري��ه أربعمائة وأرب��ع عشرة سارية‪،‬‬
‫وقناديله خمسمائة‪ ،‬وأبوابه خمسون بابا‪.»..‬‬
‫أم ��ا ال��رح��ال��ة اإلم� ��ام ع�ب��دال�ل��ه ب��ن العربي‪،‬‬
‫ال � ��ذي رح� ��ل إل� ��ى ال� �ق ��دس ف ��ي ع �ه��د الدولة‬
‫المرابطية‪ ،‬وصحبه ولده القاضي أبو بكر سنة‬
‫‪485‬ه��ـ‪1092/‬م‪ ،‬في سفارة للخليفة المستظهر‬
‫العباسي من قبل السلطان يوسف بن تاشفين‪،‬‬
‫ك �م��ا ي� ��روي ال �ع�لام��ة اب ��ن خ �ل��دون ف��ي تاريخه‬
‫الشهير (المجلد ال�س��ادس ص‪ ،38‬دار الكتاب‬
‫اللبناني)‪ ،‬فقد وصل القدس‪..‬وكان فيها اإلمام‬
‫أبو بكر الطرطوشي الفهري‪ ،‬الذي يُعد من كبار‬
‫علماء المالكية باألندلس‪ ،‬وصاحب كتاب سراج‬
‫الملوك‪ ..‬قائال‪« :‬تذاكرت بالمسجد األقصى مع‬
‫شيخنا أبي بكر الفهري الطرطوشي في حديث‬
‫أبي ثعلبة‪..‬إن من ورائكم أياما للعامل فيها أجر‬
‫خمسين م�ن�ك��م»‪ .‬وع��ن بيت ال�م�ق��دس ق��ال ابن‬
‫العربي «شاهدت المائدة بطور زيتا مرارا‪ ،‬وأكلت‬
‫عليها ليال ون �ه��ارا‪ ،‬وذك ��رت الله سبحانه فيها‬
‫سرا وجهرا‪ ،‬وكانت صخرة صلداء‪..‬ال تؤثر فيها‬
‫المعاول‪ ،‬وكان الناس يقولون‪ :‬مسخت صخرة‪..‬‬
‫وال��ذي عندي أنها صخرة في األص��ل‪ ،‬وقطعت‬
‫من األرض محال للمائدة النازلة من السماء‪،‬‬
‫وكل ما حولها من السماء‪ ،‬وكل ما حولها حجارة‬
‫مثلها‪.»..‬‬

‫المغاربة بالقدس ‪1884‬م‬

‫مجموعة من المغاربة بالقدس‬

‫صخرة بيت المقدس‬
‫ويظهر أن صخرة بيت المقدس كانت محل‬
‫اهتمام المؤرخين والرحالة العرب والمسلمين‪،‬‬
‫والمغاربة ج��زء منهم‪ ،‬لذلك استقر ج��زء كبير‬
‫م��ن ال��رح��ال��ة وال �ح �ج��اج ال �م �غ��ارب��ة ق ��رب هذه‬
‫الصخرة‪ .‬وق��د نشأ بالقرب منها ح��ارة قديمة‬
‫سميت باسمهم «ح��ارة المغاربة»‪ ،‬وكذلك سمي‬
‫الباب الذي يطل من هذه الحارة على الصخرة‬
‫باسم باب المغاربة‪ .‬وألهمية هذه الصخرة فقد‬
‫ال في كتابه «تاريخ بيت‬
‫أفرد لها ابن الجوزي مث ً‬
‫ال�م�ق��دس»‪ ،‬فصال ب�ع�ن��وان‪« :‬ف��ي ذك��ر الصخرة‬
‫وأنها من الجنة»‪ ،‬ومما جاء فيه‪« :‬عن رافع أن‬
‫عمر المزني ] ق��ال‪ :‬سمعت رس��ول الله [‬
‫يقول‪( :‬الصخرة من الجنة)‪ .‬وعن علي بن أبي‬
‫طالب ] ق��ال‪ :‬سمعت رس��ول الله [ يقول‪:‬‬
‫(سيد البقاع بيت المقدس)‪.‬‬
‫وفي حديث عن ابن عباس ]‪ ،‬قال‪ :‬صخرة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪13‬‬

‫ب�ي��ت ال�م�ق��دس م��ن ص �خ��ور ال�ج�ن��ة‪ .‬وع��ن كعب بيت المقدس أرب�ع��ة أن�ه��ار م��ن الجنة‪ :‬سيحان‬
‫أن الكعبة ب��ازاً عنه البيت المعمور في السماء وجيحان والنيل والفرات»‪.‬‬
‫السابعة ال��ذي تحجه المالئكة‪ ،‬ل��و وقعت منه‬
‫ويمضي ال��رح��ال��ة ال�م�غ��ارب��ة شغوفين ببيت‬
‫أحجار وقعت على الكعبة‪ ،‬وأن الجنة من السماء المقدس‪ ،‬فهذا رحالة من عهد الدولة الموحديه‬
‫السابعة ب��ازاً بيت المقدس‪ ،‬لو وقع منها حجر اسمه الشريف اإلدريسي (ت‪560 :‬هـ‪1164/‬م)‬
‫لوقع على الصخرة‪ .‬وعن دهب قال‪ :‬يقول الله في رحلته «نزهة المشتاق في اختراق اآلفاق»‬
‫تعالى ف��ي ال�ح��دي��ث ال�ق��دس��ي‪« :‬ال�ص�خ��رة بيت ي��ق��ارن ال �م �س �ج��د األق��ص��ى ب�م�س�ج��د قرطبة‪.‬‬
‫المقدس فيك جنتي وناري وفيك جزائي وعقابي وتحدث في رحلته عن الكنيسة الكبيرة الشهيرة‬
‫فطوبى لمن زارك»‪.‬‬
‫بكنيسة القيامة ويسميها المسلمون «قمامة»‬
‫وع��ن ع �ب��ادة ب��ن ال�ص��ام��ت ق ��ال‪ :‬ق��ال رسول‬
‫ال �ل��ه [‪( :‬ص �خ��رة ب�ي��ت ال�م�ق��دس ع�ل��ى نخلة‪،‬‬
‫والنخلة على نهر من أنهار الجنة‪ ،‬وتحت النخلة‬
‫آسية ام��رأة فرعون ومريم بنت عمران ينظمان‬
‫سموطا‪/‬سماطا ألهل الجنة إلى يوم القيامة»‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ] عن النبي [ قال‪( :‬األنهار‬
‫كلها والرياح من تحت صخرة بيت المقدس)‪.‬‬

‫وتختلف الروايات حول الصخرة‪ ،‬إذ ينقل ابن‬
‫الجوزي عن أبي بن كعب أنه ق��ال‪« :‬ما من ماء‬
‫عذب إال يخرج من تحت صخرة بيت المقدس‪.‬‬
‫وعن نوفل البكالي قال‪ :‬يخرج من تحت صخرة‬

‫وه��ي الكنيسة المحجوج إليها م��ن جميع بالد‬
‫ال ��روم م��ن جهة ال�ش�م��ال ي�ن��زل منه إل��ى أسفل‬
‫الكنيسة على ثالثين درجة‪ ،‬ويسمى هذا الباب‬
‫ب��اب «شنت م��ري��ة»‪ ..‬وإذا خرجت من الكنيسة‬
‫العظمى وقصدت شرقا ألفيت البيت المقدس‪..‬‬
‫فكان معظما في ملك المسلمين‪ ،‬وهو المسجد‬
‫المسمى بالمسجد األق�ص��ى ال�ي��وم‪ ،‬وليس في‬
‫األرض م�س�ج��د ع�ل��ى ق���دره إال ال �ج��ام��ع الذي‬
‫بقرطبة من دي��ار األندلس‪ ،‬وفي وسط الجامع‬
‫قبة عظيمة تعرف بقبة الصخرة‪ ،‬وه��ذه القبة‬
‫مرصعة بالفص المذهب واألعمال الحسنة من‬
‫بناء خلفاء المسلمين‪.».‬‬
‫واإلدري�س��ي يفصل في وصفه للقدس ولقبة‬
‫الصخرة «ول �ه��ذه القبة أرب�ع��ة أب���واب‪ ..‬وتخرج‬
‫م��ن ه��ذا المسجد شرقا فتصل ب��اب الرحمة؛‬
‫وبالقرب من هذا الباب باب آخر مفتوح يعرف‬
‫بباب األسباط‪ ،‬وإذا خرجت من باب األسباط‬
‫تجد كنيسة كبيرة حسنة جدا على اسم السيدة‬
‫مريم»‪.‬‬

‫نساء من القدس ‪1882‬م‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫واعتمادًا على هذه المعطيات الطبوغرافية‬
‫والثقافية واالجتماعية‪ ،‬ق��دم لنا أدب الرحلة‬
‫اإلسالمي من جهة مغاربية‪ ..‬صورة مفصلة عن‬
‫حال القدس في أزمنة متتالية‪ ،‬وقد أسهم في‬
‫تكاثر هذا النوع من األدب أن الدعوة إلى زيارة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ال � ُق �دْس وال�ت�ب�رّك بمقدساتها‪ ،‬كانت ج��زءاً من‬
‫طريق اإليمان المغربي التي كانت تنتهي بالحاج‬
‫المغربي إلى مكة والمدينة المنورة‪.‬‬

‫الرحالة السفير الوزير ابن عثمان المكناسي‬
‫م��ن ب�ي��ن ال��رح�ل�ات ال�م�غ��ارب�ي��ة ال�م�ه�م��ة في‬
‫التاريخ الثقافي لمدينة القدس رحلة ابن عثمان‬
‫ال�م�ك�ن��اس��ي (ت‪1214 :‬ه�� � � �ـ‪1800/‬م) المسماة‬
‫«إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام‬
‫وزي��ارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر‬
‫الحبيب»‪ .‬وقد نشرها وحققها المحقق العالم‬
‫المغربي ع�ب��دال��وه��اب ال �ت��ازي‪ ،‬ون�ش��ره��ا للمرة‬
‫األول���ى ع��ام ‪1997‬م ع��ن المنظمة اإلسالمية‬
‫للتربية والعلوم والثقافة‪ ،‬وعاد في عام ‪2005‬م‬
‫ونشرها في طبعة مزيدة ومنقحة وقد سرد علينا‬
‫ال�ت��ازي في مقدمة ه��ذا العمل أسماء عشرات‬
‫ممن عرجوا على زيارة البيت المقدس والخليل؛‬
‫ومنهم ‪ -‬إلى جانب من أشرنا إليهم أعاله ‪ -‬أبو‬
‫عبدالله محمد المكناسي‪ ،‬والعبدري الحيحي‪،‬‬
‫وابن بطوطة‪ ،‬وابن خلدون‪ ،‬وابن األزرق الغرناكي‬
‫المالقي‪ ،‬وأب��و العباس المقري ص��اح��ب «نفح‬
‫الطيب»‪ ،‬وأبو سالم العياشي‪.‬‬

‫زيارة االمبراطور األلماني غيليوم للقدس ‪1898‬م‬

‫ال��ذي حمله على زي��ارة إسبانيا‪ ،‬وو ّث��ق سفاراته‬
‫في كتابه الموسوم‪« :‬البدر السافر في افتكاك‬
‫األسارى من يد العد ّو الكافر»‪.‬‬

‫أ ّم� ��ا رح �ل �ت��ه ال �ث��ال �ث��ة ف �ك��ان��ت أوائ�� ��ل العام‬
‫‪1200‬ه�� � �ـ‪1785/‬م‪ ،‬وات �ج��ه ب��داي��ة إل��ى األستانة‬
‫مكلّفًا بمهمة إبالغ السلطان عبدالحميد خان‪،‬‬
‫بأنّ إسماعيل أفندي‪ ،‬المبعوث التركي للسلطان‬
‫محمد بن عبدالله الثالث غير مرغوب فيه‪ ،‬ذلك‬
‫ألنّ هذا السفير قدم إلى المغرب في أمر يتعلق‬
‫ب��األت��راك التابعين للجزائر‪ ،‬وت �ص �رّف تص ّرفًا‬
‫غير مقبول‪ ،‬فأصدر السلطان أمرًا بطرده‪ .‬وقد‬
‫أتاحت له هذه السفارة أداء مناسك الحج‪ ،‬ودوّن‬
‫رحلته في كتابه‪« :‬إحراز المعلّى والرقيب في حج‬
‫بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والتبرك‬
‫عُرف عن ابن عثمان محمد بن عبدالوهاب بقبر الحيب»‪.‬‬
‫ال�م�ك�ن��اس��ي (ت ‪1214‬ه� � � � � �ـ‪1800/‬م)‪ ،‬أن ��ه ولد‬
‫معطيات الرحلة‬
‫ب�م�ك�ن��اس��ة ال��زي��ت��ون م ��ن ال��م��غ��رب‪ ،‬وك� ��ان عام‬
‫وي ��رى ال �ت��ازي ‪ -‬محقق ال��رح�ل��ة ‪ -‬أن هذه‬
‫‪1193‬هـ‪1779/‬سفيرًا لسلطان المغرب محمد‬
‫ابن عبدالله (الثالث) لدى ملك إسبانيا كارلوس الرحلة فيها عدة ميزات على غيرها من رحالت‬
‫الثالث‪ ،‬مكلّفًا بالسعي لإلفراج عن ع��دد كبير المغاربة؛ فأوال‪ ،‬بها سفير معروف بتجربته في‬
‫م��ن األت���راك التابعين ل��والي��ة ال�ج��زائ��ر وتونس ال �س �ف��ارات وال��رح�لات وت �ح��ري ال��دق��ة؛ وثانياً‪،‬‬
‫وطرابلس وسائر بالد المشرق‪َ ،‬فو ُِفّق في مسعاه‪ ،‬تصادف تاريخا مهماً وهو العام ‪1202‬هـ‪1788/‬م‪،‬‬
‫وضمّ‪ ،‬سفارته تلك في كتابه‪« :‬اإلكسير في فكاك وال ��ذي يعد ب��داي��ة ال �ص��راع وال�ت�ن��اف��س الغربي‬
‫الحديث على رع��اي��ة ش��ؤون األق�ل�ي��ات؛ وثالثاً‪،‬‬
‫األسير»‪.‬‬
‫حوت الرحلة معلومات أشبه بتقارير عن سلوك‬
‫وج��اءت سفارته الثانية إل��ى مالطة ونابولي‬
‫بعض الموظفين في الغدارة العثمانية‪ ،‬كما أن‬
‫أواخ ��ر ال�ع��ام ‪1195‬ه� �ـ ‪1781/‬م للغرض نفسه‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪15‬‬

‫بشكل دقيق‪« ،‬وللمدينة السور الحصين‪ ،‬مبني‬
‫من الحجارة في غاية اإلتقان‪ ،‬واألبواب الحصينة‬
‫الغلق‪ ،‬فعدد األب��واب ستة‪ »..‬ويذكر بتاريخ كل‬
‫باب‪ ،‬ويعدد أوقافه‪ ،‬ويقدم وصفا دقيقا عقالنيا‬
‫للمسجد األق �ص��ى وق�ب��ة ال�ص�خ��رة‪ ،‬المشرفة‪،‬‬
‫ويالحظ عليه أنه لم يكن يصدق كل ما يسمع‬
‫فيقول‪« :‬ثم صعدنا المدارج التي انحدرنا منها‪،‬‬
‫الرحلة المكناسية تقدم لنا معلومات دقيقة عن ف��أرون��ا طرفا م��ن الصخرة ممتدا شيئا منه‪..‬‬
‫عدد السكان والحياة الدينية في القدس‪ ،‬إبان يقولون إن��ه لسان الصخرة وال أص��ل ل��ه‪ ،‬وإنما‬
‫القرنين الثامن عشر والتاسع عشر‪.‬‬
‫ذلك من موضوعات المزورين»‪.‬‬
‫محطة ابن عثمان األول��ى قبل القدس كانت‬
‫ويعنى ابن عثمان ‪ -‬كغيره من الرحالة المغاربة‬
‫مدينة عكا‪ ،‬وعنها ي��روي كيف دخ��ل حمامها‪،‬‬
‫ باآلثار المقدسة والروحانيات؛ فيصف لنا جوالته‬‫ويصف لنا أجواء الحمام (ص‪ ،)55‬و«لما خرجت‬
‫وزياراته للقبور واألضرحة والمقامات‪ ،‬ومن بين ما‬
‫من الحمام وقعدت في إحدى مصاطبه أتي إليّ‬
‫زار‪ ،‬يقول‪« :‬مررنا على قبر راحيل أم يوسف عليه‬
‫بالقهوة» ويبدو أنه أعجب بقيّم الحمام وخادمه‬
‫السالم على يمين الطريق بينها وبين القدس نحو‬
‫لما عرض عليه القهوة فانشد قائال‪:‬‬
‫ساعة‪ ،‬ثم على قرية بيت لحم‪ ،‬وفيها المكان الذي‬
‫لم أنس عكة إذ جعلتها مأرب ـ ــي‬
‫يوم دخلت إلى حمامها المعجب ازداد فيه نبي الله وكلمته عيسى ابن مريم‪ ..‬ثم‬
‫تمادينا في المسير‪ ..‬فواجهتنا تربة يونس بن متى‬
‫إذ قال ظبيبه‪ :‬أسقيك قهوتنا؟‬
‫فقلت‪ :‬كال إني لس ـ ــت بالشارب صاحب الحوت‪ ..‬وفي مقابلة ضريح أم األنبياء‬
‫س��ارة زوج��ة إبراهيم ضريح سيدنا إبراهيم عن‬
‫ف����ق����ال‪ :‬أو ِم�����ن ش�������راب ح�ل�ا؟‬
‫قلت‪ :‬إن كان وال بدّ من لماك شـ ــارب يمين الداخل وزوجته أمامه‪ ..‬الخ‪.‬‬
‫وعندما دخل القدس أشار إلى أوقاف المغاربة‬
‫ف�ي�ه��ا‪ ،‬وق���ال‪ :‬ع�ي��ن عليها وك�ي�لا ول�ه��ا أوقاف»‬
‫ويالحظ التازي أن من بين مصادر ابن عثمان‬
‫ع��ن ارض ال�ق��دس ك�ت��اب ال��زي��ارات ألب��ي حسن‬
‫الهروي‪ ،‬كما ال يشير إلى إنشاءات العثمانيين‬
‫العمرانية في القدس‪ ،‬ويكتب عن تاريخ القدس‬
‫والخليل بإسهاب كبير‪.‬‬
‫والجانب االجتماعي كان حاضرا في الرحلة‪،‬‬
‫فالمكناسي يبدو معجبا بأهل القدس وأخالقهم‪،‬‬
‫وأريحيتهم‪ ،‬ومؤانستهم للغريب‪ ،‬وحبهم للعلم‪،‬‬
‫وعنايتهم بالضيف‪ ،‬كما يصف عمران المدينة‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ويبدو أن الحديث عن القدس وعن المسجد‬
‫األقصى يتخذ عند الرحالة المغاربة بعدا دينيا‬
‫واض �ح��ا‪ ،‬ل�ه��ذا يجد المطالع لنص ال��رح�ل��ة أن‬
‫المواضع المقدسة تحظى بأهمية دينية‪ ،‬خاصة‬
‫كما يرى الباحث د الحسن الغشتول‪ ..‬إذ يقول‪:‬‬
‫«وتلك مزية نراها في رحلة ابن عثمان المكناسي‬
‫إلى القدس التي اختلفت عن رحلته إلى القسط‬
‫كما‪ ..‬فمن المحقق أن ابن عثمان قد اعتمد في‬
‫روايته للقدس وصفا خاصا «يعكس البعد الروحيَّ‬
‫لهذه المدينة‪ ،‬كما يعكس لنا ميول المؤلف الروحية‬
‫وتقواه ومعرفته الواسعة بالعلوم الدينية»‪.‬‬

‫أص��ل مسمى ال�م��دي�ن��ة ج��اء م��ن أق ��دم اسم‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫للقدس‪ ،‬والذي وضعه سكانها العرب الكنعانيون‬
‫األوائ��ل‪ ،‬منسوبة إلى سالم أو شالم شاليم‪ ،‬إله‬
‫السالم عند الكنعانيين‪ ،‬أو اسم مؤسسها‪ ،‬فكلمة‬
‫«أور» كلمة س��وم��ري��ة معناها م��دي�ن��ة‪ ،‬وذكرها‬
‫األك ��ادي ��ون ب��اس��م «أوروس ��ال ��م» ‪،Uru salim‬‬
‫ولقد ن��زل األك��ادي��ون م��ن الجزيرة العربية إلى‬
‫ال�ع��راق ف��ي نهاية األل��ف الرابعة قبل الميالد‪.‬‬
‫وف���ي ن �ق��ش م �ص��ري ق��دي��م ي��رج��ع إل���ى القرن‬
‫القدس ‪ -‬المصلى المرواني ‪1898‬م‬
‫جماليات وخصائص العمارة المقدسية ال�ت��اس��ع عشر قبل ال�م�ي�لاد‪ ،‬ورد اس��م القدس‬
‫هكذا «‪ ،»Aushamem‬وف��ي ال�ت��وراة وردت كلمة‬
‫منشأ طابعها ورسوخ طرازها‬
‫> خالد ربيع السيد(‪ )3‬أورشليم‪ ،‬وتلفظ بالعبرية «يروشااليم»‪ .‬وذكرها‬
‫اليونان والالتين باسم «‪ .»Hierosolyma‬وذكرها‬
‫مدينة القدس مدينة‬
‫الغرب في العصر الحديث باسم «‪.»Jerusalem‬‬
‫غ � �ن � �ي� ��ة ب� �ع� �م ��ران� �ه ��ا‬
‫وك��ل ه��ذه التحريفات ج��اءت م��ن االس��م األول‬
‫المتميز‪ ،‬ال سيما تلك‬
‫الكنعاني ال�ع��رب��ي «أورس ��ال ��م» (ب �ي��ت المقدس‬
‫ال� �م� �ب ��ان ��ي ال � �ت� ��ي تم‬
‫والمسجد األقصى ‪ -‬دراس��ة تاريخية موثقة ‪-‬‬
‫إشادتها ف��ي العصور‬
‫محمد محمد حسن شـُرّاب)؛ أما اسمها العربي‬
‫اإلسالمية‪ .‬ومنها ذلك‬
‫ال��روم��ان��ي – البيزنطي فهو (إي�ل�ي��ا)‪ ،‬ث��م أطلق‬
‫العمران ال��ذي يشكل‬
‫عليها اسم بيت المقدس والقدس‪ .‬وترجع أهمية‬
‫ال��ب��ي��ئ��ة العمرانية‬
‫القدس ومكانتها اإلسالمية‪ ،‬بعد حادثة اإلسراء‬
‫ال� �م� �ح� �ي� �ط ��ة بالحرم‬
‫والمعراج‪ ،‬وما ورد فيها من آيات القرآن الكريم‬
‫المقدسي‪ ،‬والذي يعد القاعدة التاريخية للعمارة‬
‫واألحاديث النبوية الشريفة‪ ،‬واتخـاذ القدس أولى‬
‫اإلسالمية في بيت المقدس‪.‬‬
‫القبلتين‪ ،‬بداية اهتمام المسلمين بهذه البقعة‬
‫وصلة العرب بالقدس لم تبدأ باإلسالم ‪ -‬كما التاريخية من بيت المقدس‪ .‬فُتحت المدينة من‬
‫يُظن ‪ ،-‬وإنما هي مدينة عربية المنشأ‪ ،‬فقد قبل المسلمين العرب عام ‪638‬م‪ ،‬وكانت لزيارة‬
‫سكنها اليبوسيون منذ أق��دم العصور‪ ،‬وهم من‬
‫قبيلة يبوس المنحدرة من الكنعانيين‪ ،‬والكنعانيون‬
‫فرع من الساميين النازحين من الجزيرة العربية‪.‬‬
‫وق��د بنيت المدينة نحو سنة ‪3000‬ق‪.‬م‪ .‬وهذا‬
‫التأريخ يعد بداية تسجيل التاريخ‪ ،‬إذ أن اختراع‬
‫الكتابة قد ب��دأ في ح��دود ع��ام ‪ 3500‬ق‪.‬م‪ ،‬ما‬
‫ي��دل على ق��دم القدس التاريخي وعمق أصلها‬
‫العربي‪.‬‬
‫حائط البراق‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪17‬‬

‫الخليفة عمر بن الخطاب ] أهمية خاصة‪،‬‬
‫إذ تسلم المدينة م��ن بطريركها األرثوذكسي‬
‫صفر وينس الدمشقي‪ ،‬بعد أن أبرم معه اتفاق‬
‫(العهدة العمرية) الذي ينص على ضمانات دينية‬
‫واجتماعية لسكان المدينة‪.‬‬

‫مخططها مسجد ال��رس��ول األول ف��ي المدينة‬
‫المنورة والمؤلف من حرم وصحن‪ .‬ولم يبق من‬
‫المسجد األقصى الذي أقامه األمويون إال بعض‬
‫العناصر‪ ،‬كما أن المؤرخين لم يقدموا وصفًا‬
‫شافيًا لعمارة هذا المسجد األول‪.‬‬

‫وت�ش�ك��ل ع �م��ارة ال�م�س�ج��د األق��ص��ى‪ ،‬القلب‬
‫ال�ع�م��ران��ي لمدينة ال �ق��دس ال�ق��دي�م��ة المحاط‬
‫بسورها وأب��واب�ه��ا الحصينة‪ ،‬بما فيها مساحة‬
‫الحرم الشريف التي تضم الجامع القبلي‪ ،‬والذي‬
‫سمي فيما بعد بالمسجد األقصى‪ ،‬نسبة لبعده‬
‫وقصيه ع��ن ال�ح��رم المكي ال�ش��ري��ف‪ ..‬وم��ا قبة‬
‫الصخرة‪ ،‬والمصلى المرواني‪ ،‬وحائط البراق‪،‬‬
‫ال�ت��ي تبينها المخططات ال�م�ع�م��اري��ة والصور‬
‫الفوتوغرافية إال شواهد على قداسة هذه البقعة‬
‫التي لها عدة مداخل‪ .‬فللحرم القدسي مداخل‬
‫رمزية مؤلفة من أقواس وأعمدة أطلق عليها اسم‬
‫الميازين‪ ،‬إضافة إلى الكثير من المنشآت التي‬
‫تعود إلى عهود إسالمية مختلفة‪ .،‬كما تدل اآلثار‬
‫المعمارية ضمن األس��وار في القدس القديمة‪،‬‬
‫على طرز المعمار في العهود المختلفة‪ ،‬وتمثل‬
‫م ��ا ي�ه�م�ن��ا ه ��و م �ع��رف��ة ال �س �ب��ب ال� ��ذي دعا‬
‫جميع ال�ع�ه��ود ال�ت��ي تعاقبت على ال �ق��دس بعد‬
‫المعماريين‪ ،‬رج��اء ب��ن حياة الكندي وي��زي��د بن‬
‫اإلسالم‪.‬‬
‫سالم‪ ،‬إلى اختيار هذا الشكل الثماني لبناء آبدة‬
‫غير أن المساجد التي أش��رف على بنائها‬
‫تكريمية تحتضن الصخرة المقدسة كبناء تعبدي‪،‬‬
‫الوليد بن عبدالملك‪ ،‬وه��ي األق�ص��ى‪ ،‬واألموي‬
‫ومسجداً أو قبل ًة لصالة المسلمين‪.‬‬
‫في دمشق‪ ،‬ومسجد حلب‪ ،‬ومسجد الرسول [‬
‫لقد وصلت قبة الصخرة إلى أقصى حدود‬
‫في المدينة‪ ،‬كانت متشابهة البناء‪ ،‬وكان مصدر‬
‫الكمال المعماري‪ ،‬كما يشهد بذلك ماكس فان‬
‫برشيم ال��ذي درس القبة دراس��ة متعمقة‪ ،‬وكما‬
‫تشهد اب�ن�ت��ه م��ارغ��ري��ت ع�ل��ى روع ��ة الزخارف‬
‫الفسيفسائية ف��ي ه ��ذه ال �ق �ب��ة‪ ،‬ال �ت��ي أضحت‬
‫ف��ي أهميتها تمثل رم� �زًا إس�لام� ًي��ا بعد الكعبة‬
‫المشرفة‪ ،‬لتبدو في احتوائها على معان قدسية‬
‫رسّ خت أسس الفكر المعماري اإلسالمي‪ ،‬وكانت‬
‫المسجد األقصى‬
‫ال يقتدى به في العمارة الالحقة‪.‬‬
‫أص ً‬
‫ال أمام قبة الصخرة‬
‫وال بد من الوقوف طوي ً‬
‫للتأمل في جمالياتها‪ ،‬ه��ذه اآلي��ة الرائعة التي‬
‫قال عنها المؤرخ بوركهارت‪« :‬إن إشادة بناء بهذا‬
‫ال‬
‫المستوى من الكمال واإلتقان الفني‪ ،‬يعتبر عم ً‬
‫خارقًا في دولة اإلسالم التي لم يكن قد مضى‬
‫على ظهورها ق��رن واح��د»‪ .‬ولقد توسعت كتب‬
‫تاريخ العمارة اإلسالمية في وصف تفاصيل هذه‬
‫القبة‪ ،‬وأه��م ما يثير االهتمام في بنائها‪ ،‬ذلك‬
‫المخطط الثُمانيّ ال��ذي قامت عليه‪ ،‬والسؤال‬
‫ال��ذي ما ب��رح منطرحا ه��و‪ :‬ما مصدر استلهام‬
‫هذا المخطط الثماني؟ ولماذا قام بشكل متفرد‬
‫على مخطط ثماني مخالفًا لشروط المسجد‬
‫التي وضعها ال��رس��ول [ عند بنائه المسجد‬
‫األول في المدينة المنورة؟‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫مدارس القدس التعليمية وأثرها في‬
‫الطراز املقدسي‬
‫إن أكثر المباني اإلسالمية في القدس وضوحاً‬
‫هي ال�م��دارس التعليمية‪ .‬ويذكر المؤرخون أن‬
‫عدد المدارس والزوايا في القدس خالل القرن‬
‫الحادي عشر الهجري بلغ (‪ )630‬مدرسة‪ ،‬ومن‬
‫أقدمها المدرسة المنصورية التي أنشأها الملك‬
‫المنصور قالوون‪ ،‬ويتضمن بناؤها أربعة أواوين‬
‫لتدريس الفقه حسب المذهب الحنفي والشافعي‬
‫والحنبلي والمالكي‪ ،‬وكان اإلي��وان القبلي حرما‬
‫للصالة‪ ،‬ومدرسة لتدريس المذهب الشافعي‪.‬‬
‫وبشكل عام‪ ،‬تمتاز عمارة المدارس في القدس‬
‫بالفناء ذي ال �ب��رك المائية ال�ت��ي ت�ش��رف عليه‬
‫األواوي��ن والغرف‪ ،‬أما الواجهة التي يُدخل منها‬
‫إلى المدرسة‪ ،‬فهي من ميزات العمارة المملوكية‪،‬‬
‫رغم أن المدارس المملوكية في القدس ال ترقى‬
‫إلى مستوى المدارس في القاهرة التي اتسمت‬
‫باالتساع والفخامة‪ ،‬كمدرسة السلطان حسن‪،‬‬
‫فإنها مع ذلك تتمتع باألناقة والبساطة والوحدة‪.‬‬
‫ومن أهم المدارس المملوكية الباقية حتى اليوم‬
‫في مدينة القدس‪ :‬المدرسة السالمية ‪1300‬م‪،‬‬
‫وه��ي مؤلفة م��ن طابقين وص�ح��ن وإي ��وان كبير‬
‫وم��دخ��ل رائ��ع؛ ث��م المدرسة الجاؤولية ‪1320‬م‬
‫التي استخدمت دارًا لنيابة السلطنة‪ ،‬ثم أصبحت‬
‫دارًا للحكم العثماني‪ ،‬وأضيف إليها طابق ثالث؛‬
‫والمدرسة التنكزية ‪1329‬م‪ ،‬وك��ان فيها خانقاه‬
‫ودار لأليتام ودار للحديث؛ والمدرسة األمينية‬
‫‪1330‬م‪ ،‬وت �ت��داخ��ل م��ع ال �م��درس��ة الفارسية‪،‬‬
‫وال�م��درس��ة الملكية التي شيدت سنة ‪1340‬م؛‬
‫والمدرسة الفارسية‪ ..‬وتقع فوق الحرم الشريف‬
‫الشمالي‪ .‬تليها المدرسة األرغ��ون�ي��ة المشيدة‬
‫ع��ام ‪1356‬م‪ ،‬وفيها ضريح الحسين ب��ن علي؛‬
‫وأيضاً المدرسة القشتمرية ‪1358‬م مؤلفة من‬

‫مالبس مقدسية ‪1870‬م‬

‫طبقة واح ��دة‪ ،‬وفيها مسجد ذو محراب رائع؛‬
‫وهناك المدرسة المحدثية ‪1360‬م؛ والمدرسة‬
‫المنجيكة ‪1360‬م‪ ،‬ولها قاعة ضخمة تشرف على‬
‫الحرم القدسي؛ والمدرسة الطشتمرية ‪1384‬م‪..‬‬
‫وتتألف من مدرسة وتربة وكتّاب وسبيل‪.‬‬
‫إن معظم ال�م�س��اج��د وال��م��آذن ف��ي القدس‬
‫ت �ع��ود إل��ى ال�ع�ص��ر ال�م�م�ل��وك��ي‪ ،‬وم�ن�ه��ا المئذنة‬
‫الفخرية ‪677‬ه�ـ‪1278 /‬م‪ ،‬وهي مربعة‪ ،‬وفوقها‬
‫شرفة تحمل بيت ال�م��ؤذن‪ ،‬وفوقه رقبة مثمنة‪،‬‬
‫ثم قبة صغيرة‪ ،‬ومئذنة ب��اب الغوانمة ‪730‬هـ‪/‬‬
‫‪1329‬م‪ ،‬ومئذنة باب األسباط ‪769‬هـ‪1367 /‬م‪،‬‬
‫ومن المساجد مسجد القلعة ‪710‬ه�ـ‪1310 /‬م‪،‬‬
‫وال�م�س�ج��د ال�ق�ي�م��ري ‪674‬ه � �ـ‪1276 /‬م وجامع‬
‫ال�خ��ان�ق��اه ال�ص�لاح�ي��ة‪ ،‬وت �ع��ود مئذنته إل��ى عام‬
‫‪798‬هـ‪1395 /‬م‪ .‬ومن المساجد العثمانية مسجد‬
‫النبي داود الذي أنشأه سليمان القانوني‪ ،‬وهو‬
‫مجمع معماري‪ ،‬ولقد حوّله اإلسرائيليون إلى‬
‫كنيس‪ ،‬وأزيلت الكتابات القرآنية منه‪ ،‬واستبدلت‬
‫بكتابات عبرية‪ ،‬وجامع المولولة ‪995‬هـ‪1587 /‬م‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪19‬‬

‫والمسجد القيمري‪ .‬وبتحليل مساقط ومقاطع‬
‫ه��ذه ال �م��آذن يتبين م��دى ارت�ب��اط�ه��ا باألصول‬
‫المعمارية اإلسالمية‪.‬‬

‫رسوخ مدرسة القدس المعمارية‬
‫وقد شكلت تلك المدارس في بنائها طرازاً‬
‫معمارياً‪ ،‬ومدرسة معمارية خاصة عند األجيال‬
‫المتعاقبة‪ ،‬بما تحويه من أفكار ذات أصالة فنية‬
‫عمرانية واضحة في مجال التشكيل الفراغي‬
‫الداخلي والكتلي والخارجي‪ ،‬ال سيما توشيحها‬
‫بالمنمقات والمنمنمات التجميلية البديعة‪،‬‬
‫وترصيعها بالمؤثرات الزخرفية المختلفة بألوان‬
‫ق��وي��ة‪ ،‬وج� ��رأة ن� ��ادرة ت�ن��م ع��ن رق ��ي ف��ي الذوق‬
‫والتشكيل‪ ،‬لتضفي على المكان روع��ة بصرية‬
‫ساحرة‪.‬‬
‫ه��ذه ال �م��درس��ة الفنية ل�ل�ط��راز المقدسي‪،‬‬
‫أك ��دت ع�ل��ى ال�خ�ص��ائ��ص الجمالية المعمارية‬
‫واللغة الفنية البليغة‪ ،‬ومنها الخاصية المكانية‪،‬‬
‫وأثر البيئة الروحية والنفسية عند المعماريين‬

‫والفنانين‪ ،‬ال��ذي��ن نقلوا منها‪ ،‬وح��اف�ظ��وا على‬
‫أسرارها الجمالية الفاتنة؛ فكانت انطالق ًة ذات‬
‫مفردات معمارية لها من األصالة والتميز الشيء‬
‫الكثير‪ .‬مما أثرى المكان‪ ،‬وجعله يشهد نشاطاً‬
‫عمرانياً وفنياً ملموساً إب��ان الفترة العباسية‪،‬‬
‫واأليوبية‪ ،‬والمملوكية‪ ،‬والعثمانية‪ ،‬لكل مدخل‬
‫طابعه ال�خ��اص بما ينسجم وال�ب�ن��اء والمحيط‬
‫العمراني‪ ،‬متأثراً بالصبغة المعمارية للمكان‬
‫حتى وقتنا الحاضر‪.‬‬
‫ويبرز عنصر الدائرة في عمائر بيت المقدس‬
‫عموماً‪ ،‬وفي الطراز المملوكي خاصة‪ ،‬إذ تشكل‬
‫ال في العناصر والتكوينات‬
‫الدائرة كياناً مستق ً‬
‫المعمارية‪ :‬في القباب وواجهات األبنية وفتحاتها‬
‫ك��األب��واب والشبابيك وال�ش��رف��ات‪ ،‬أو الوحدات‬
‫الزخرفية المجسمة والمسطحة‪ ،‬وأثر ذلك على‬
‫عامة سكان القدس في بنائهم لبيوتهم‪ ،‬وتشكلت‬
‫م��درس��ة م�ع�م��اري��ة ع�ن��د األج��ي��ال الفلسطينية‬
‫المتعاقبة‪ ،‬بما يحويه من أفكار ذات أصالة فنية‬
‫عمرانية واضحة في مجال التشكيل الفراغي‬
‫الداخلي والكتلي والخارجي‪ ،‬واستعمال المؤثرات‬
‫الزخرفية المختلفة بألوان قوية‪ ،‬وجرأة نادرة‪ ،‬لم‬
‫تألفها بقية المدن الفلسطينية‪ ،‬والتي تنم عن‬
‫رقي في الذوق والتشكيل‪ ،‬وتضفي على المكان‬
‫روعة بصرية ذات تأثيرات حسية ونفسية قوية‪.‬‬

‫الخصائص الجمالية والعملية‬

‫قبة الصخرة ‪1882 -‬م‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ح��اف �ظ��ت ال �ع �م��ارة ال�م �ق��دس �ي��ة ع �ل��ى البعد‬
‫ال وف�ك��راً ومضموناً‪،‬‬
‫اإلنساني في مبانيها شك ً‬
‫كما أنها وفرت لإلنسان اإلحساس الفعلي باألمن‬
‫والسكينة وال�س�لام‪ ،‬والفصل بين حياة الشارع‬
‫وص�خ�ب��ه ف��ي ال��خ��ارج ال�م�ح�ي��ط‪ ،‬وب �ي��ن الحياة‬
‫العائلية في الداخل‪ ،‬وتوفير الخصوصية والتمتع‬
‫بالفراغ الداخلي‪ ،‬واستعملت الفنون للتهيئة لبيئة‬
‫يتفاعل فيها اإلنسان حسياً ونفسياً‪ ،‬ولم يغفل‬

‫المعماري الفلسطيني عنصر الزخرفة في عمارة‬
‫البيوت والخانات والمدارس؛ فهي أساسية في‬
‫التشكيل‪ ،‬بحيث يتم فيها التركيز على الوحدة‬
‫والترابط معاً (وح��دة البناء وترابط المرافق)‪.‬‬
‫وقد اختلفت فنون الزخرفة وتنوعت‪ ،‬فكان منها‬
‫ال��زخ��ارف الهندسية والنباتية والرقش العربي‬
‫وفنون الكتابة بالخط العربي وأساليبه المتنوعة‪،‬‬
‫وذلك في تموضعات مسطحة أو مجسمة بثالثة‬
‫أبعاد على شكل عناصر معمارية متكاملة إلبراز‬
‫جماليات البناء كالمقرنصات؛ التي تعد قمة‬
‫الحركة في تجسيد فنون الزخرفة المعمارية‬
‫المقدسية‪.‬‬
‫يحيل ذلك إلى أن الحضارة العربية كانت قبل‬
‫اإلسالم متشابهة موحدة‪ :‬ظهر ذلك واضحاً‪ ،‬في‬
‫الحضارات التي لم تكن ثمة عالقات مستمرة‬
‫وثابتة بينها‪ ،‬ومع ذلك فإن أصالتها كانت واحدة‪،‬‬
‫ولكن بظاهرها‪ ..‬كانت قد استمدت من الطرز‬
‫الكالسيكية ال�ت��ي ك��ان ل�ه��ا ت��أث�ي��ر س��اح��ر على‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫قبة الصخرة المشرفة‬

‫الحضارات التي عاصرتها‪ ،‬كالطرز األشورية‬
‫والفرعونية واإلغريقية والرومانية‪ ،‬ويظهر ذلك‬
‫ف��ي مدينة البتراء أوال‪ ،‬ث��م ف��ي مدينة القدس‬
‫ثانياً‪.‬‬
‫لقد تعاقب على القدس أق��وام وحضارات‪،‬‬
‫وتناقل فيها حكام وص�ن��اع‪ ،‬وك��ل من أتاها بدأ‬
‫بمسجدها تشييداً وترميماً‪ ،‬أو تجديداً وتحويالً‪،‬‬
‫حتى غ��دت ال�ق��دس زه��رة ال�م��دائ��ن‪ ،‬وأصبحت‬
‫ق�ب��ة ال�ص�خ��رة ج��وه��رة ال�ك�ن��وز الفنية العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬وبقيت هي المعلّم األول الرئيس‬
‫لكل الفنانين والمهندسين‪ .‬وال ت��زال إلى يومنا‬
‫هذا‪.‬‬
‫ولما كانت قبة الصخرة تعتمد على األشكال‬
‫الدائرية والكروية؛ لذا‪ ،‬نجد أن عنصر الدائرة‬
‫بقي فيها عنصراً حيوياً مستمراً في األشكال‬
‫ال �ظ��اه��رة‪ ،‬أو ف��ي البنية الفنية التحتية ذات‬
‫الشبكات ال��دائ��ري��ة‪ .‬وتعتمد ال�ب��وائ��ك المقامة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪21‬‬

‫الخط الكوفي‬

‫عسكرية وم �س �وّرة ومكتظة‪ .‬وم��ع أن الخطوط‬
‫األفقية والعناصر الرأسية واألشكال المستطيلة‬
‫هي المسيطرة على الواجهات المملوكية‪ ،‬إال‬
‫أن الدائرة واألق��واس الدائرية (نصف دائ��رة أو‬
‫ثالثة أرباع الدائرة) هي التي تعطي للواجهة خفة‬
‫ورشاقة‪ .‬أما الفتحات‪ ،‬فهي متعددة األشكال؛‬
‫فمنها الكبيرة والصغيرة والدائرية والمربعة‪،‬‬
‫وذات ال��ق��وس ال ��واح ��د أو ث�لاث �ي��ة األق� ��واس‪/‬‬
‫القمريات ومنها (شند قمريات) «روحين بجسد‬
‫واحد»‪ ،‬وهي ثنائية ذات دائرة فوقهما‪ ،‬أو شباك‬
‫ق�ن��دل��ون (دس��ت ق�م��ري��ات) وه��و ث�لاث��ة شبابيك‬
‫بثالث فتحات دائرية فوقهما على شكل مثلث‪.‬‬

‫تأثيرات الفن األيوبي والمملوكي‬

‫الخط الثلث‬

‫ع�ل��ى ص�ح��ن ال�ق�ب��ة‪ ،‬اع �ت �م��اداً ك�ل�ي�اً ع�ل��ى تكرار‬
‫عنصر الدائرة‪ ،‬وتعتمد القبة على عنصر الدائرة‬
‫األحادي (المركزية)‪ .‬أما البوائك‪ ..‬فتعتمد على‬
‫الدوائر التي تقع مراكزها على خط مستقيم‪.‬‬

‫تأثرت القدس بأسلوب الزخارف السلجوقية‪،‬‬
‫وخاصة الزخارف المحفورة على التحف الخشبية‬
‫المصنوعة في الشام‪ ،‬ويظهر أنها تأثرت بأعمال‬
‫الجص ال��ذي اشتهرت بها مدينة س��ام��راء‪ ،‬إذ‬
‫أن طراز مدينة سامراء انتشر في جميع أنحاء‬
‫العالم اإلسالمي‪ .‬يقول زكي محمد حسن (زكي‬
‫محمد حسن‪1948 ،‬م)‪« :‬عرفنا أن كثيراً من‬
‫صناع التحف المعدنية هاجر من الموصل إلى‬
‫مصر والشام في القرن السابع الهجري (القرن‬
‫الثالث عشر ميالدي)‪ .‬وقد اشتغل هؤالء الفنانون‬
‫لألمراء األيوبيين في دمشق وحلب والقاهرة‪،‬‬
‫وتأثر بهم المعماريون في القدس‪ .‬ومن الطبيعي‬
‫أنهم نقلوا األساليب الفنية التي ألفوها في بالد‬
‫الجزيرة»‪ .‬كما أن صناعة الجص قد ازدهرت في‬
‫هذا العصر»‪.‬‬

‫لقد اهتم المماليك بمدينة القدس (كإحدى‬
‫ال �م��دن ال��دي�ن�ي��ة ال��ث�ل�اث)‪ ،‬فأصبحت المدينة‬
‫وحدة حيوية تنمو وتتطور‪ ،‬مع مراعاة الظروف‬
‫السياسية‪ ،‬وال�ع�س�ك��ري��ة‪ ،‬والتقاليد والعادات‬
‫الدينية‪ ،‬واألس��س المعمارية والبيئية‪ ،‬ومراعاة‬
‫اإلرث التكنولوجي من أسلوب العمل والتنفيذ‪،‬‬
‫واختيار المواد وط��رق معالجتها‪ ،‬والرجوع إلى‬
‫الماضي واختيار المناسب منه‪ .‬فكانت المدينة‬
‫ومن المميزات الفنية كذلك للعصر األيوبي‪،‬‬
‫إنسانية التكوين‪ ،‬عسكرية التركيب‪ ،‬إسالمية ظهور «خ��ط الثلث» المنفذ في أغلب األحيان‬
‫الطابع‪.‬‬
‫على مهاد زخ��رف��ي‪ ،‬إل��ى جانب الخط الكوفي‬
‫بينما انصب اهتمام السكان في الواجهات المزهّ ر‪ ،‬كما ندرت رسوم الكائنات الحية التي‬
‫التي تقع على الشوارع‪ ،‬ألن أغلب مدنهم كانت ك��ان��ت ه��ي وال �خ��ط ال�ك��وف��ي ش��ائ�ع��ة ف��ي العهد‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وعلى مدى أربعة قرون من الحكم العثماني‪،‬‬
‫فقدت ب�لاد الشام استقاللها‪ ،‬وأصبح العصر‬
‫التركي عصر رك��ود فني‪ ،‬كما ك��ان عصر ركود‬
‫س �ي��اس��ي‪ ،‬ف��رح��ل ع��ن ال��ب�ل�اد ك�ث�ي��ر م��ن مهرة‬
‫ال �ص �ن��اع‪ ،‬واق �ت �ص��ر ن �ش��اط م��ن ب �ق��ي ف�ي�ه��ا من‬
‫ال �ف �ن �ي �ي��ن ع �ل��ى خ �ص��وص �ي��ات ال �ف��ن المنزلي‪،‬‬
‫وم�م��ارس��ة وتقنية األع �م��ال ال�ح��رف�ي��ة‪ ،‬والقيام‬
‫بأعمال صيانة الكنوز األث��ري��ة اإلس�لام�ي��ة في‬
‫القدس الشريف‪ ،‬والحفاظ على هذه الصروح‬
‫الحضارية في مجال العمارة اإلسالمية المتمثلة‬
‫في المساجد والمآذن‪ ،‬والمدارس‪ ،‬ودور القرآن‪،‬‬
‫ودور الحديث‪ ،‬والخوانق‪ ،‬والترب‪ ،‬والرباطات‪،‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الفاطمي‪ ،‬ليبدع الفنانون ب��ال��زخ��ارف النباتية وال �ط��رق‪ ،‬واألس � ��واق‪ ،‬واألس � ��وار‪ ،‬والمصاطب‪،‬‬
‫والهندسية‪ ،‬وال سيما على التحف الخشبية‪ .‬إن وال �س �ب��ل‪ ،‬وال �ح �م��ام��ات‪ ،‬وغ �ي��ر ذل��ك م��ن معالم‬
‫صناعة الجص في سامراء اعتمدت على أسلوب العمارة اإلسالمية في القدس الشريف‪.‬‬
‫الرقش العربي الدائري‪ ،‬وأن خط الثلث يعتمد‬
‫وت�ج��در اإلش ��ارة إل��ى أن المباني المملوكية‬
‫في شبكته التحتية على الدائرة‪ ،‬وهذه مالحظات تشكل ‪ %50‬من مجموع مباني القدس األثرية‪،‬‬
‫يجدر بنا أن نقف عندها متأملين‪ ،‬كي نستطيع وأن ‪ %18‬ه��ي م��ن ال�ع�ص��ر األي ��وب ��ي‪ ،‬و‪ %6‬من‬
‫أن نحلل مميزات الطراز الفني األيوبي‪ ،‬وتأثره‬
‫العصر األموي‪ ،‬و‪ %24‬هي من العصر العثماني‪،‬‬
‫بالبيئة اإلدراكية لشمالي الجزيرة العربية والشام‬
‫وم��ا تبقى منها ‪ %2‬مجهول الهوية‪ ،‬ويعزى إلى‬
‫وفلسطين‪.‬‬
‫القرنين ‪ 18‬و‪( 19‬كما ذكرها المهندس يوسف‬
‫إن ان�ت�ص��ار المماليك على ال�ت�ت��ار ف��ي عين النتشة في الندوة العالمية للفنون اإلسالمية التي‬
‫ج��ال��وت سنة ‪1260‬م‪ ،‬أنقذ بيت المقدس ‪-‬بل عقدت في استنبول ع��ام ‪1983‬م)‪ .‬ونرجع إلى‬
‫الشام كلها‪ -‬من خطر داهم بعيد المدى‪ .‬وهكذا الدكتور عفيف بهنسي في كتاب العمارة العربية‬
‫ع��ادت وح��دة مصر وال�ش��ام م��رة أخ��رى في ظل ال��ذي ذك��ر فيه «أن المنشات المسيحية التي‬
‫حكومة مركزية قوية‪ ،‬ما أشاع قدراً من االستقرار أ ُنشأت بعد اإلس�لام‪ ،‬وحتى في زمن االحتالل‬
‫ألول مرة منذ أمد طويل في بالد الشام بوجه الصليبي‪ ،‬لم تنقل طرزها من خارج البالد‪ ،‬ذلك‬
‫ع ��ام‪ ،‬وب �ي��ت ال�م�ق��دس ب��وج��ه خ ��اص‪ .‬ل��م يدخر ألن السكان العرب هم الذين أنشأوا الكنائس‬
‫سالطين المماليك وس�ع�اً ف��ي العناية بالحرم والقالع الصليبية‪ ،‬وكان أسلوب هذه المباني ال‬
‫القدسي الشريف وقبة الصخرة المباركة‪ ،‬سواء ينتسب ألي أسلوب إفرنجي معروف في ألمانيا‬
‫باإلضافة أو اإلص�ل�اح أو الترميم‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن أو إنكلترا أو فرنسا إال بما قدر»‪.‬‬
‫عنايتهم الكبيرة بإقامة المنشآت الدينية والعلمية‬
‫خالصة القول‬
‫والخيرية واالجتماعية في مدينة القدس‪.‬‬

‫م��ن خ�لال ال �ط��روح��ات السابقة يظهر لنا‬
‫أن ط��راز ال�ع�م��ارة المقدسية يمتاز بالوحدة‬
‫واالستمرارية‪ ،‬وهو فن تأثر بعدة قوى‪ ،‬أهمها‬
‫ال �م��ؤث��رات ال�م�ح�ي�ط��ة ال �م �ج��اورة م��ن أعمال‬
‫أيوبية‪ ،‬ومملوكية‪ ،‬ال سيما في منطقة الحرم‬
‫المقدسي‪ ،‬كما أن استمرارية الفن اإلسالمي‬
‫ووح��دت��ه‪ ،‬ك��ان لها أث��ر في الطابع المقدسي‪،‬‬
‫اعتماداً على ما قبله‪ ،‬وتطويراً ل��ه‪ ،‬فأنتجت‬
‫هذه العمارة‪ ،‬فظهرت فيه الصخرة المشرفة‬
‫والبوائك‪ ،‬التي تظهر الحفاظ على خصائص‬
‫الفن األموي الموجود في القصور المنتشرة في‬
‫فلسطين واألردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪23‬‬

‫المد التبشيري التي اجتاحت لبنان في منتصف‬
‫القرن الثامن عشر‪ ،‬فكانت انطالقتها مع جريدة‬
‫«حديقة األخبار» عام ‪1858‬م‪ ،‬وهي السنة التي‬
‫أصدرت فيها‪.‬‬

‫والدة الصحافة العربية‬

‫تاريخ الصحافة بالقدس‪:‬‬
‫التاريخ الذي لم يؤرخ‬

‫> مهند صالحات‬

‫(‪)4‬‬

‫ظهرت الصحافة في‬
‫مدينة القدس مبكراً‪،‬‬
‫م �ق��ارن��ة م��ع جاراتها‬
‫من حواضر المشرق‬
‫ال� �ع ��رب ��ي؛ ف��ق��د بدأ‬
‫ظ �ه��وره��ا ع��رب �ي �اً في‬
‫ال� �ق���اه���رة ف� ��ي عهد‬
‫ال��وال��ي محمد علي‪،‬‬
‫لكن المؤرخين يذكرون‬
‫أن أول صحافة حقيقية ظهرت في مصر جاءت‬
‫متزامنة مع المطبعة التي أدخلها نابليون بونابرت‬
‫إل��ى م�ص��ر‪ ،‬وم��ن ث��م فقد ظ�ه��رت أول صحافة‬
‫حقيقية في العالم العربي مع بداية االحتالل‬
‫الفرنسي‪ ،‬كنتيجة من نتائج حملة نابليون؛ فكان‬
‫مولد الصحافة العربية وليد اتصال الغربيين‬
‫ببالد المشرق العربي‪.‬‬

‫ول��دت الصحافة العربية في مصر‪ ،‬عندما‬
‫أصدر «محمد علي»‪ ،‬والي مصر أمره سنة ‪1827‬م‬
‫بإصدار «جرنال الخديوي»‪ ،‬كنشرة خاصة ليطلع‬
‫على شؤون البالد وماليتها‪ .‬ولكنه لمس حاجة‬
‫الشعب ل�لإط�لاع على أع�م��ال الحكومة‪ ،‬فأمر‬
‫بتوسيع نطاق «ج��رن��ال الخديوي» ليتحول إلى‬
‫«الوقائع المصرية»‪ ،‬اعتباراً من عام ‪1828‬م‪ ،‬ثم‬
‫ظهرت «الجريدة العسكرية» عام ‪1833‬م‪ .‬وبهذا‬
‫ولدت الصحافة العربية األولى في كنف السلطة‬
‫السياسية الحاكمة‪ ،‬وخضعت لتوجيهاتها‪ ،‬إلى أن‬
‫ظهرت الصحافة الشعبية في عهد سعيد باشا‬
‫(‪1863 -1854‬م)‪ ،‬الذي سعى عبرها إلى التقرب‬
‫أكثر من المصريين‪ ،‬فقام بترخيص الصحافة‬
‫الحرة التي عاود نفسه فرض الرقابة عليها‪.‬‬

‫نشأة الصحافة الفلسطينية‬

‫أم��ا ف��ي منطقة ال�س��اح��ل الفلسطيني‪ ،‬كما‬
‫كان يسمى حينها قبل مشروع التقسيم المسمى‬
‫«سايكس بيكو» الذي رسم حدود الدول العربية‬
‫وق��سّ �م�ه��ا‪ ،‬ف�ق��د ك��ان أول ظ�ه��ور للصحافة في‬
‫مدينة يافا‪ ،‬وسرعان ما انتقل لمدينة القدس‪،‬‬
‫التي كانت تشكل مركزاً للثقل السياسي‪ ،‬الذي‬
‫كانت تستمده من كونها مركزاً دينياً مهماً لدى‬
‫المسيحيين والمسلمين‪ .‬فوجود كنيسة القيامة‬
‫والمسجد األقصى فيها ‪-‬وتحديداً المسجد ‪-‬‬
‫تال ذلك ظهورها في بيروت التي اتسمت فيها‬
‫بالطابع الديني المسيحي في بداية ظهورها‪ ،‬جعل المدينة من الحواضر المهمة التي اعتنت‬
‫حج للمتدينين‪ .‬فظهرت‬
‫ك��ون السبب الرئيس لظهورها ه�ن��اك موجات بها الدولة العثمانية كمِ ٍ‬
‫فيها أولى الصحف العثمانية الناطقة بالتركية‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م��ن ه �ن��ا‪ ،‬ع��رف��ت فلسطين ال�ص�ح��اف��ة عام‬
‫‪1876‬م‪ ،‬حين صدرت صحيفة القدس الشريف‬
‫باللغتين العربية والتركية وهي صحيفة رسمية‪،‬‬
‫كما صدرت صحيفة الغزال باللغة العربية‪ ،‬وهي‬
‫أي�ض�اً صحيفة رسمية ك��ان يحررها األستاذ‪/‬‬
‫على ال��ري�م��اوي‪ ،‬وه��و نفسه ال��ذي تولى تحرير‬
‫«القدس الشريف» باللغة العربية‪ ،‬بينما يحررها‬
‫باللغة التركية عبدالسالم كمال‪ .‬وكانت تنشر‬
‫أخباراً رسمية فحسب‪ .‬واحتجبت الجريدة بعد‬
‫االنقالب على السلطان عبدالحميد عام ‪1908‬م‪.‬‬
‫ث��م أع��ادت متصرفية ال�ق��دس إص��داره��ا بشكل‬
‫متقطع في كانون األول ‪1913‬م‪.‬‬
‫وف��ي شعبان ‪/1326‬أي� �ل ��ول ‪1908‬م‪ ،‬أصدر‬
‫جورجي حبيب حنانيا جريدة «ال�ق��دس»‪ ،‬وكان‬
‫يطبعها في سويقة علون‪ .‬وممن كتبوا فيها‪ :‬علي‬
‫الريماوي‪ ،‬وخليل السكاكيني‪ .‬وكانت تصدر مرتين‬
‫في األسبوع‪ ،‬وتضم أربع صفحات‪ .‬وتوقفت عن‬
‫الصدور في آذار ‪1915‬م‪ .‬كما أص��در جورجي‬
‫جريدتين خطيتين‪ ،‬هما «األح �ل�ام»‪ ،‬و«الديك‬
‫الصياح» في الجريدة‪.‬‬

‫وق���د م���رت ال �ص �ح��اف��ة ف ��ي ف�ل�س�ط�ي��ن عبر‬
‫مسيرتها بمراحل مختلفة‪ ،‬شأنها في ذلك شأن‬
‫الصحافة في العالم‪ ،‬وفي الوطن العربي بوجه‬
‫خ��اص‪ ،‬ولكل مرحلة من تلك المراحل سماتها‬
‫وخصائصها‪ ،‬تتأثر ب��واق��ع ال�ح�ي��اة السياسية‪،‬‬
‫واالجتماعية‪ ،‬واالقتصادية‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫والعربية‪ ،‬حيث تعد «جريدة القدس الشريف»‬
‫أول جريدة صدرت في فلسطين‪.‬‬

‫(‪)5‬‬

‫بشكل واسع‪ ،‬كما حدث بعد االنتداب البريطاني‬
‫على فلسطين‪ ،‬الذي رافقه «وعد بلفور» بوطن‬
‫قومي لليهود فيها‪ ،‬وتفجير الصراع بين العرب‬
‫واليهود‪ ،‬ما هدد مستقبلهم ومستقبل بالدهم‪،‬‬
‫فأصبح ميل الناس إلى قراءة الصحف ومتابعة‬
‫األخبار واسعاً‪.‬‬

‫وبالنسبة للصحافة المقدسية‪ ..‬فقد شهدت‬
‫العصر التركي‪ ،‬ومرحلة االن�ت��داب البريطاني‪،‬‬
‫ومرحلة النكبة ع��ام ‪1948‬م‪ ،‬ومرحلة الشتات‬
‫ال�ف�ل�س�ط�ي�ن��ي ال� ��ذي ن �ج��م ع��ن ال �ن �ك �ب��ة‪ ،‬وحالة‬
‫التشكيل الوطني‪ ،‬والحركة الفدائية‪ ،‬واالنتماءات‬
‫الحزبية القومية والدينية واألممية‪ ،‬وكذلك قيام‬
‫منظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات وما‬
‫بعدها‪ ،‬وصوالً إلى اتفاقية أوسلو وظهور السلطة‬
‫الفلسطينية‪ .‬وخ�ل�ال ه��ذا التسلسل الزمني‬
‫للحركة الفلسطينية ب ��رزت الصحافة كعامل‬

‫وبحسب رأي عدد من الباحثين العرب‪ ،‬فإن‬
‫صحيفة النفير العثماني التي أنشأها إبراهيم ذكا‬
‫في اإلسكندرية‪ ،‬من أقدم الصحف الفلسطينية‬
‫العربية‪ ،‬ألنها كانت أول جريدة عربية فلسطينية‬
‫يصدرها فلسطيني باسمه‪ ،‬ثم انتقلت بعد ذلك‬
‫إل��ى ال �ق��دس ع��ام ‪1908‬م‪ ،‬وأط �ل��ق عليها اسم‬
‫النفير(‪.)6‬‬
‫وك��ان��ت الصحافة الفلسطينية ف��ي القدس‬
‫في ذل��ك الوقت صغيرة الحجم‪ ،‬قليلة المادة‪،‬‬
‫تتناسب مع اهتمام الناس وميولهم‪ ،‬والذين ال‬
‫يرغبون في متابعة األحداث والقراءة الصحفية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪25‬‬

‫«االعتدال»‪.‬‬
‫وب� �ع ��د س� �ق ��وط ال � �ق� ��دس‪ ،‬ش �ج��ع االحتالل‬
‫البريطاني إصدار العشرات من الصحف بمختلف‬
‫االتجاهات‪ ،‬بهدف ترسيخ واقع االحتالل‪ ،‬وإزالة‬
‫مفاهيم الحكم العثماني من أذهان الناس‪ .‬لكن‬
‫ال�س�ل�ط��ات ال�ح��اك�م��ة ك��ان��ت ت �س��ارع إل��ى إغالق‬
‫الصحف التي حرضت ضدها وهاجمت تجزئة‬
‫ال�ش��رق ال�ع��رب��ي‪ ،‬وخ��اص��ة ف��ي ب��داي��ة االحتالل‪.‬‬
‫لكن السلطات تركت فسحة لالنتقادات؛ فعلى‬
‫سبيل المثال سنت الحكومة قوانين هائلة‪ ،‬حتى‬
‫تجاوز عدد صفحات القوانين في الفترة ‪1925‬‬
‫– ‪1935‬م‪ ،‬أل��ف وخمسمائة صفحة‪ ،‬فتهكمت‬
‫مهم م��ن ع��وام��ل التوعية والتعبئة والتحريض‬
‫ال�ص�ح��اف��ة ال�ع��رب�ي��ة ع�ل��ى ذل ��ك‪ ،‬وأط �ل �ق��ت على‬
‫والدفاع عن األرض والوطن‪ ،‬ومواجهة الدعايات‬
‫الحكومة لقب مصنع القوانين‪ .‬وكانت غالبية‬
‫المغرضة‪ ،‬وكان لكل مرحلة صحافتها ورجالها‬
‫الصحف تضم أربع صفحات‪ ،‬وتصدر مرتين في‬
‫وأنماطها وظروفها‪.‬‬
‫األسبوع في بداية االحتالل‪.‬‬
‫في كانون األول ‪1908‬م ظهرت عدة صحف‬
‫وقد أص��در المحامي محمد حسن البديري‬
‫في آن واحد‪ ،‬فقد أصدر بندلي إلياس مشحور‬
‫في أيلول ‪1919‬م‪ ،‬أول جريدة بعد االحتالل‪ ،‬وهي‬
‫جريدة «اإلن �ص��اف»‪ ،‬وكانت أسبوعية سياسية‬
‫جريدة «سورية الجنوبية»‪ ،‬ووصفها بأنها «عربية‬
‫علمية أدب�ي��ة إخ�ب��اري��ة فكاهية‪ ،‬وتوقفت قبيل‬
‫سياسية ح��رة»‪ .‬وكانت تنادي بشعارات قومية‪،‬‬
‫ال�ح��رب العالمية األول ��ى‪ .‬وأص ��در أطناسيوس‬
‫وكتب فيها رأف��ت ال��دج��ان��ي‪ ،‬وصليبا الجوزي‪،‬‬
‫ثيوفيلو ب��ان��دازي ج��ري��دت��ي «ب�ش�ي��ر فلسطين»‬
‫وعمر الصالح البرغوثي‪ ،‬وعارف العارف‪ .‬لكنها‬
‫و«البلبل»‪ ،‬إضافة إلى جريدتين خطيتين وهما‬
‫أغلقت في تموز ‪1920‬م‪.‬‬
‫«منبه األموات» و«الطائر»‪ .‬وأصدر علي الريماوي‬
‫وفي أيلول ‪1919‬م اصدر بولس شحادة جريدة‬
‫جريدة «النجاح» وكانت أسبوعية سياسية أدبية‬
‫«مرآة الشرق» وكانت أسبوعية «سياسية حرة»‪.‬‬
‫علمية زراعية‪ ،‬بالعربية والتركية(‪.)7‬‬
‫وكتب فيها حمدي الحسيني‪ ،‬وأحمد الشقيري‪،‬‬
‫وف��ي شباط ‪1912‬م‪ ،‬أص��در سعيد ج��ار الله‬
‫وعمر الصالح البرغوثي‪ ،‬وتوقفت عام ‪1929‬م‪.‬‬
‫ج��ري��دة «ال �م �ن��ادي»‪ ،‬وك��ان��ت أسبوعية عمرانية‬
‫وفي كانون الثاني ‪1919‬م‪ ،‬أصدر بندلي إلياس‬
‫تنادي ب��اإلص�لاح‪ ،‬وك��ان محررها محمد موسى‬
‫المغربي‪ ،‬ورغم أن صاحبها كان مديراً للسجون‪ ،‬مشحور جريدة «بيت المقدس» وكانت «سياسية‬
‫فقد كانت جريدته مناوئة للسلطة‪ ،‬مما تسبب أدب��ي��ة»‪ ،‬ت�ح��ت إدارة ح�س��ن ص��دق��ي الدجاني‪،‬‬
‫في إغالقها في تموز ع��ام ‪1913‬م‪ .‬وف��ي العام وتحرير أنطون لورنس‪ .‬وظهر آخر أعدادها في‬
‫نفسه أصدر جميل الخالدي جريدة «الدستور»‪ .‬نيسان ‪1924‬م‪.‬‬
‫وف��ي نيسان ‪1920‬م‪ ،‬أص��در حسن صدقي‬
‫وفي آذار ‪1914‬م اصدر بكري السمهوري جريدة‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الدجاني جريدة «القدس الشريف» ولم يربطها هاني أبو مصلح حتى توقفت في العام التالي‪.‬‬
‫بسابقتها العثمانية س��وى االس ��م‪ ،‬إذ وصفها‬
‫وفي كانون الثاني ‪1921‬م‪ ،‬أصدرت بطريركية‬
‫صاحبها ب��أن�ه��ا «س�ي��اس�ي��ة ح���رة»‪ ،‬وط�ب�ع��ت في الالتين جريدة «رقيب صهيون»‪ ،‬وكانت دينية‬
‫مطبعة جريدة م��رآة الشرق‪ .‬وق��د أض��اف إليها وس�ي��اس�ي��ة م�ن��اه�ض��ة للصهيونية والماسونية‬
‫ملحقا إنجليزيا باسم «ذي جيروزاليم غازيت»‪.‬‬
‫وال�ش�ي��وع�ي��ة‪ .‬وق ��د ت �ص��دت ل �م �ش��روع الجامعة‬
‫لكنها توقفت في تموز من العام نفسه‪.‬‬
‫ال �ع �ب��ري��ة‪ .‬وف ��ي أي ��ار ‪1925‬م‪ ،‬ص ��درت جريدة‬
‫وفي أيار ‪1920‬م‪ ،‬أصدر نسيم ملول في يافا «اتحاد العمال» لسان حال العمال في فلسطين‪،‬‬
‫جريدة يهودية باللغة العربية أطلق عليها «جريدة وكانت مؤيدة للهجرة اليهودية‪ ،‬واستمرت حتى‬
‫ال�س�لام»‪ ،‬ثم نقلها إل��ى القدس في عمارة تقع عام ‪1928‬م‪.‬‬
‫خلف محطة ب��اص��ات اي�ج��د ال�ق��دي�م��ة‪ .‬وصدر‬
‫وف ��ي ك��ان��ون األول ‪1927‬م‪ ،‬أص���در محمد‬
‫عددها األخير في كانون الثاني ‪1931‬م‪.‬‬
‫منيف الحسيني جريدة «الجامعة العربية» لسان‬
‫وفي أيار ‪1920‬م‪ ،‬أيضاً صدرت جريدة يهودية حال المجلس اإلسالمي األعلى‪ .‬وكانت يومية‬
‫أخرى باللغة العربية‪ ،‬وهي «بريد اليوم»‪ ،‬وكانت سياسية علمية اج�ت�م��اع�ي��ة‪ .‬وت��ول��ى تحريرها‬
‫«سياسية أدب�ي��ة اجتماعية زراع �ي��ة»‪ ،‬وحررها‬
‫إميل الغوري ومحمد طاهر الفتياني‪ .‬وفي عام‬
‫إبراهيم المحب‪ ،‬وه��و س��وري استقر بالقدس‪.‬‬
‫‪1928‬م‪ ،‬أص��در ال�ح��زب الشيوعي الفلسطيني‬
‫لكن العرب قاطعوها‪ ،‬فأصبحت توزع بالمجان‬
‫جريدة «إلى األمام»‪ ،‬وأصدر ميشال سليم نجار‬
‫حتى توقفت عن الصدور(‪.)8‬‬
‫جريدة «المعاد»‪.‬‬
‫وبعد فشلها‪ ،‬أص��در اللبناني إبراهيم سليم‬
‫وفي نيسان ‪1930‬م‪ ،‬أصدر عادل جبر جريدة‬
‫النجار في حزيران ‪1921‬م جريدة يومية مشابهة‬
‫«ال �ح �ي��اة»‪ ،‬وك��ان��ت أول صحيفة ع��رب�ي��ة يومية‬
‫في القدس تدعى «لسان العرب»‪ .‬وشاركه في‬
‫تصدر في الصباح‪ ،‬حيث كانت الصحف توزع‬
‫تحريرها ع��ادل جبر وإبراهيم المحب‪ ،‬وتولى‬
‫بعد الظهر‪ .‬وك��ان��ت سياسية أدب�ي��ة اجتماعية‬
‫إدارتها فخري النشاشيبي‪ .‬وقاطعها العرب أيضاً‬
‫لكونها كانت مناصرة للقضايا الصهيونية‪ ،‬حتى‬
‫أغلقت في كانون الثاني ‪1923‬م‪ ،‬وعاد النجار إلى‬
‫لبنان‪.‬‬
‫وفي أيلول ‪1920‬م‪ ،‬أصدر صالح عبداللطيف‬
‫الحسيني «ج��ري��دة األق �ص��ى»‪ ،‬وك��ان��ت «وطنية‬
‫سياسية أدبية»‪ .‬لكنها لم تعمر سوى بضعة أشهر‬
‫إذ كانت تصدر على نفقة صاحبها شخصيا‪.‬‬
‫وفي تشرين األول ‪1921‬م‪ ،‬أصدر محمد كامل‬
‫البديري ويوسف ياسين جريدة «الصباح»‪ ،‬وكانت‬
‫لسان حال المؤتمر العربي الفلسطيني والوفد‬
‫الفلسطيني‪ .‬وق��د ح��رره��ا الصحافي الدرزي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪27‬‬

‫اقتصادية‪ .‬لكنها توقفت بعد عام ونصف‪ .‬وفي‬
‫تموز ‪1932‬م‪ ،‬أصدر سليمان التاجي الفاروقي‬
‫ج��ري��دة «ال �ج��ام �ع��ة اإلس�لام �ي��ة» وك��ان��ت يومية‬
‫سياسية‪ .‬وق��د أغلقت في تموز ‪1934‬م بحجة‬
‫التحريض ضد السلطات البريطانية‪.‬‬
‫أم��ا المجالت‪ ..‬فلم يصدر منها س��وى عدد‬
‫ضئيل بعد االن �ق�لاب العثماني‪ .‬وك��ان��ت مجلة‬
‫«الباكورة الصهيونية» أول مجلة مقدسية‪ ،‬حيث‬
‫أصدرتها مدرسة صهيون اإلنجليزية التبشيرية‬
‫ع ��ام ‪1909‬م‪ ،‬واس �ت �م��رت ف��ي ع �ه��د االنتداب‬
‫تحت اسم مجلة «باكورة جبل صهيون» أو مجلة‬
‫«م��درس��ة صهيون»‪ ،‬وك��ان��ت تصدر ث�لاث مرات‬
‫ف��ي ال�س�ن��ة‪ ،‬وطبعت ف��ي مطبعة م��رآة الشرق‪،‬‬
‫ومطبعة بيت المقدس‪ ،‬وصدر عددها األخير في‬
‫شباط ‪1947‬م‪ .‬كما أصدر موسى المغربي مجلة‬
‫«المنهل» في آب ‪1913‬م‪.‬‬

‫والشهرية‪ ،‬وقبيل انتهاء االنتداب في عام ‪1948‬م‪،‬‬
‫كانت جريدة «فلسطين» أقدم الصحف اليومية‬
‫العربية األربعة التي كانت ما زال��ت تصدر في‬
‫فلسطين‪ .‬وكانت قد أسست جريدة «فلسطين»‬
‫عام ‪1932‬م وكان يقبل على قراءتها العرب من‬
‫مسلمين ومسيحيين‪.‬‬

‫م��م��ي��زات ال��ص��ح��اف��ة ال��م��ق��دس��ي��ة إب���ان‬
‫الفترة العثمانية والبريطانية‬
‫م��ا ي�م�ي��ز ال �ص �ح��اف��ة ف��ي ال��ق��دس ف��ي ذلك‬
‫الوقت‪ ،‬أنها كانت صحافة سياسية ذكية‪ ،‬خاص ًة‬
‫الصحافة الخاصة منها‪ ،‬فقد كانت أولى الصحف‬
‫الصادرة ساخرة ناقدة‪ ،‬فقد لجأ الصحافيون إلى‬
‫الصحافة الساخرة التي نفتقد إليها اليوم‪ ،‬كنوع‬
‫من التحايل على الرقابة العثمانية‪ ،‬والبريطانية‪،‬‬
‫على ال�ص�ح��اف��ة‪ ،‬على ال��رغ��م م��ن أن�ه��ا ل��م تكن‬
‫صحافة بالمعنى الناضج تحديداً خالل الفترة‬
‫العثمانية‪ ،‬فقد كانت معظم صفحاتها مقاالت‬
‫أكثر منها خبرية‪ ،‬في حين اقتصرت الصحافة‬
‫الخبرية على الصحف الحكومية التي أصدرتها‬
‫الحكومة العثمانية‪ ،‬وال �ت��ي اتصفت بالجمود‬
‫والرسمية وال�ت��روي��ج ألع�م��ال السلطة القائمة‪،‬‬
‫والتمجيد بالسلطان‪ ،‬ونقل منجزات الدولة في‬
‫تركيا‪.‬‬

‫أما في عهد االحتالل البريطاني‪ ،‬فقد صدر‬
‫عدد كبير من المجالت‪ .‬وكان أولها مجلة «دار‬
‫المعلمين» التي صدرت في تشرين األول ‪1920‬م‪،‬‬
‫وأصبح اسمها مجلة «الكلية العربية»‪ .‬ثم صدرت‬
‫مجلة «روضة المعارف» في كانون الثاني ‪1922‬م‪،‬‬
‫تحت إدارة فايز يونس الحسيني‪ ،‬وف��ي كانون‬
‫ال�ث��ان��ي ‪1935‬م‪ ،‬أص���درت ش��رك��ة المطبوعات‬
‫المحدودة مجلة «االقتصاديات العربية»‪ .‬وتولى‬
‫م��ن ج��ان��ب أخ��ر‪ ،‬ميز الصحافة المقدسية‬
‫رئاسة تحريرها فؤاد سابا وعادل جبر‪ ،‬وكانت الوعي والنضوج السياسي‪ ،‬فقد بدأت الصحافة‬
‫تبحث في الشؤون التجارية والزراعية والصناعية تعي الخطر الصهيوني على فلسطين مبكراً‪،‬‬
‫في األقطار العربية‪.‬‬
‫وك �ث �ي��راً م��ا ح ��ذرت م�ن��ه بشكل واض ��ح وعلني‪،‬‬
‫وكانت الصحافة إب��ان االن�ت��داب البريطاني وتصدت لقضية المهاجرين الجدد لفلسطينيي‬
‫لفلسطين فريدة في نوعها‪ ،‬إذ لم تتوافر ألي ح�ت��ى ق�ب��ل ان�ه�ي��ار ال��دول��ة ال�ع�ث�م��ان�ي��ة‪ .‬والعودة‬
‫منطقة أخرى مماثلة‪ ،‬ال يزيد عدد سكانها عن ألرشيف تلك الصحف األول��ى يدحض النظرية‬
‫مليوني شخص‪ ،‬ثالثون بالمائة منهم أميون‪ ،‬إذ التي تقول إن العرب قد تنبهوا للخطر الصهيوني‬
‫بلغت ثماني عشرة صحيفة صباحية‪ ،‬وثالث المحدق في فلسطين‪ ،‬في نهاية الثالثينيات من‬
‫صحف مسائية‪ ،‬وكثرة من الصحف األسبوعية القرن الماضي‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وكذلك أسهم االحتالل اإلسرائيلي لفلسطين‬
‫في إبعاد المؤرخين العرب عن االطالع على الوثائق‬
‫المتعلقة بتاريخ الصحافة المقدسية ونشأتها؛ فقد‬
‫قامت العصابات الصهيونية التي احتلت فلسطين‬
‫منذ ب��داي��ات سيطرتها على المدن الكبرى‪ ،‬بعد‬
‫ج�لاء البريطانيين عنها بالسطو على األرشيف‬
‫الفلسطيني أينما وج��دوه‪ ،‬إذ أن ج��زءاً كبيراً جداً‬
‫من األرشيف الفلسطيني‪ ،‬وخاصة أرشيف المحاكم‬
‫الشرعية‪ ،‬والمخطوطات‪ ،‬والصحف‪ ،‬وغيرها قد‬
‫تم مصادرته‪ ،‬وظهر ج��زء منه الحقاً حين بدأت‬
‫الجامعات اإلسرائيلية بفتح أبواب مكتباتها وأقسام‬
‫األرشيف لديها أمام الباحثين‪ ،‬في حين ظ ّل جزء‬
‫أخر منه طي النسيان‪ ،‬مجهول المصير‪.‬‬
‫وحتى ذلك الجزء الذي كشفت عنه المكتبات‬
‫اإلسرائيلية‪ ،‬غير متاح إال لمن يستطيع الدخول‬
‫لفلسطين المحتلة‪ ،‬التي أصبحت مباحة لكل‬
‫البشر حول العالم إال العرب‪ ،‬منذ احتاللها عام‬
‫‪1948‬م وحتى اليوم‪.‬‬

‫ظل االحتالل‬
‫الصحافة المقدسية في ّ‬
‫اإلسرائيلي‬
‫أم��ا ف��ي ظ � ّل االح �ت�لال اإلس��رائ�ي�ل��ي للضفة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫كما أن المشكلة األساسية في تاريخ الصحافة‬
‫ال لم ي��ؤرخ‪ ،‬فأثناء بحث طويل‬
‫بالقدس أن��ه فع ً‬
‫عما كتب عن الصحافة المقدسية ونشأتها‪ ،‬لم‬
‫أص��ل ألكثر من خمسة كتب‪ ،‬ثالثة منها كتبها‬
‫يهودي‪ .‬فقد ظ ّل هذا الجانب المهم من تاريخ‬
‫المدينة المُشرق طي النسيان‪ ،‬وبعيداً عن تناول‬
‫المؤرخين العرب والفلسطينيين‪ ،‬باستثناء القليل‬
‫ممن تناولوه بشكل جزئي ف��ي بعض كتبهم أو‬
‫مذكراتهم‪ ،‬مثل‪ :‬أكرم زعيتر‪ ،‬وخليل السكاكيني‬
‫الذي كان أحد رواد الصحافة المقدسية‪ ،‬وعارف‬
‫العارف الذي كان أيضاً أحد رواده��ا ومؤرخيها‬
‫والمشتغلين فيها‪ ،‬وآخرون‪.‬‬

‫الغربية وقطاع غزة منذ عام العام ‪1967‬م وحتى‬
‫قيام السلطة الفلسطينية عام ‪1994‬م‪ ،‬فقد كانت‬
‫هناك صحافة فلسطينية محتلة أيضاً(‪ .)9‬وفي‬
‫ب��داي��ة س�ن��وات االح �ت�لال‪ ،‬ل��م يكن م�ت��واف��راً في‬
‫أك �ش��اك الصحف س��وى ج��ري��دة «ال �ي��وم»‪ .‬وهي‬
‫صحيفة الحكومة اإلسرائيلية الرسمية الناطقة‬
‫بالعربية‪ .‬غير أن هذه الصحيفة الصهيونية لم‬
‫تلق أي إقبال يذكر من سكان المناطق المحتلة‪،‬‬
‫فاستبدلت بصحيفة «األن �ب��اء» التي كانت تعد‬
‫الصحيفة الناطقة باسم رئيس الوزراء اإلسرائيلي‪،‬‬
‫ال يعكس السياسة الرسمية اإلسرائيلية بدقة‬
‫ودلي ً‬
‫أكثر من غيرها من الصحف العربية‪ ،‬من يومية‬
‫وأسبوعية ومجالت‪ ،‬بدأت تظهر تباعاً في ظل‬
‫االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬والتي كان أولها صحيفة‬
‫«القدس» اليومية التي كانت أول صحيفة عربية‬
‫يومية تصدر بعد االحتالل‪ .‬وما أن انتهت حرب‬
‫يونيو ‪1967‬م‪ ،‬حتى تقدم محمود أبو الزلف‪ ،‬أحد‬
‫أصحاب الصحيفة الثالثة‪ ،‬بطلب إلى السلطات‬
‫اإلسرائيلية للسماح له باستئناف نشرها‪ .‬وعلى‬
‫الرغم من معارضة بعض الجهات اإلسرائيلية‬
‫للفكرة‪ ،‬فقد حبذها كل من موشي دي��ان وزير‬
‫الدفاع وقتئذ‪ ،‬وتيدي كوليك رئيس بلدية القدس‪،‬‬
‫وتم إصدار التصريح في كانون األول «ديسمبر»‬
‫‪1968‬م‪ ،‬وأص �ب��ح أب��و ال��زل��ف م�ح��رر الصحيفة‬
‫العربية الوحيدة المتوافرة أمام الرازحين تحت‬
‫نير االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬ومالكها‪.‬‬
‫أم��ا الصحف األخ��رى فكانت‪ :‬البشير‪ :‬وهي‬
‫صحيفة أسبوعية مستقلة ص��درت بعد نشوب‬
‫الحرب األهلية في األردن في أيلول «سبتمبر»‬
‫‪1970‬م‪ .‬واجتذبت هذه الصحيفة الكتّاب الشباب؛‬
‫والفجر‪ :‬وه��ي صحيفة أسبوعية مستقلة‪ ،‬كان‬
‫يملكها يوسف نصر‪ ،‬وقد ص��درت عام ‪1971‬م‪.‬‬
‫واستقطبت جمهوراً من القراء بسبب الحمالت‬
‫التي كانت تشنها على الحكومة من خالل مطالبها‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪29‬‬

‫الداعية إلى إنشاء كيان فلسطيني‪ .‬وبلغ توزيع أنه صلب فيها‪ ،‬أما اليهود‪ ،‬فيرون أن لها ارتباط‬
‫«الفجر» نحو تسعة آالف نسخة أسبوعياً‪ ،‬قبل بداوود وسليمان عليهما السالم‪ ،‬علماً أن األنبياء‬
‫أن تتحول إلى صحيفة يومية سنة ‪1974‬م‪ ،‬وهي كلهم مسلمون فهم يشهدون أن ال إله إال الله وأن‬
‫السنة التي اختفى فيها محررها يوسف نصر في محمداً رسول الله‪.‬‬
‫ظروف غامضة‪ ..‬ولم يعثر له حتى اليوم على أثر‪.‬‬
‫وال�م��واق��ع المقدسة فيها تتضمن المسجد‬
‫وصدر قرار يوقفها عام ‪1984‬م‪.‬‬
‫األقصى وهو الذي ورد ذكره في القرآن الكريم‬
‫وال��ش��ع��ب‪ :‬صحيفة يومية نشرها وامتلكها‬
‫ف��ي ق��ول��ه تعالي {س�ب�ح��ان ال��ذي أس��رى بعبده‬
‫محمود يعيش‪ ،‬وهو متقدم في السن‪ ،‬اتخذ من‬
‫ال من المسجد الحرام إلى المسجد األقصى‬
‫لي ً‬
‫الصحافة تجارة وق��د أنشئت «الشعب في عام‬
‫الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع‬
‫‪1972‬م‪ ،‬كشركة تجارية ترمي أصال إلى إثراء‬
‫البصير} (اإلسراء‪ ،)1 :‬ويشكل المسجد األقصى‬
‫صاحبها‪ ،‬ولكنها من أجل كسب القراء ومنافسة‬
‫صحيفة «ال��ق��دس «ج�ن�ح��ت إل ��ى ال �م �غ��االة في مع قبة الصخرة ما يعرف بالحرم القدسي‪.‬‬
‫أم��ا كنيسة القيامة ال�ت��ي تقع على الجبل‪،‬‬
‫مواقفها الوطنية لزيادة توزيعها‪ .‬لكن توزيعها‬
‫ال��ذي يصل إل��ى ستة آالف نسخة يومياً‪ ،‬ونحو فيزعم النصارى أن عيسى عليه السالم صلب‬
‫عشرة آالف نسخة أي��ام الجمعة‪ ،‬ظل مقصورا على الجبل ودفن فيه‪.‬‬
‫على من هم المتوسط من المثقفين‪ .‬وأوقفتها‬
‫أم��ا حائط ال �ب��راق‪ ،‬فيعد ج��زءاً م��ن الجدار‬
‫سلطة االحتالل اإلسرائيلي عام ‪1984‬م‪.‬‬
‫الغربي للحرم الشريف‪ ،‬وهو أثر إسالمي يدّ عي‬

‫مدينة القدس‪ :‬ومخاطر تهويدها‬

‫(‪)10‬‬

‫> د‪ .‬أنور ماجد عشقي‬

‫(‪)11‬‬

‫اليهود أنه المبكى‪ ،‬وقد صدر بحقه قرار دولي من‬
‫عصبة األمم المنحلَّة عام ‪1930‬م‪ ،‬نتيجة لقرار‬
‫لجنة دولية عينتها الحكومة البريطانية المنتدبة‬

‫ال� � �ق � ��دس م� ��دي � �ن� ��ة‬
‫مقدسة لدى معتنقي‬
‫وليس لليهود حق فيه‪ ،‬وال يحق لهم تغيير معالمه‪،‬‬
‫األدي � � � � ��ان ال� �ث�ل�اث���ة؛‬
‫وبهذا يكون تواجد اليهود في هذا المكان مخالفاً‬
‫المسلمين والنصارى‬
‫وال��ي��ه��ود‪ ,‬ف �ه��ي عند‬
‫ال�م�س�ل�م�ي��ن المدينة‬
‫التي عرج برسول الله‬
‫[ منها إلى السماء؛‬
‫فهي تضم المسجد األق �ص��ى أول ��ى القبلتين‪،‬‬
‫وثالث الحرمين الشريفين بعد مكة والمدينة‪.‬‬
‫على فلسطين‪ ,‬يقضي أن هذا المكان إسالمي‪..‬‬

‫أم��ا النصارى‪ ،‬فقدسيتها عندهم من خالل‬
‫ارتباطها بسيدنا عيسى عليه السالم‪ ،‬واالعتقاد‬

‫‪30‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫جانب من الحفريات في الحرم القدسي‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫للشرعية الدولية؛ فهو ال يمثل جزءا من الهيكل‬
‫اليهودي الذي هدمه الرومان عام (‪ )70‬للميالد‪،‬‬
‫ول��م يثبت ل��ه وج��ود ف��ي ال��وق��ت ال�ح��اض��ر‪ ،‬رغم‬
‫المحاوالت التي جرت للعثور عليه‪.‬‬
‫والقدس قدسان؛ قدس شرقية وتمثل الجزء‬
‫الشرقي من المدينة األصلية ومساحتها ضعف‬
‫مساحة القدس الغربية‪ ،‬لكنها أقل عدداً من حيث‬
‫السكان‪ ،‬وتضم المدينة القديمة التي يحيط بها‬
‫سور يبلغ طوله أربعة كيلوا مترات‪ ،‬وبارتفاع يصل‬
‫إلى اثني عشر متراً‪ ،‬بُني معظمها خالل القرن‬
‫ال �س��ادس عشر ال �م �ي�لادي‪ ،‬واحتلتها إسرائيل‬
‫ع��ام ‪1967‬م‪ ،‬بعد أن ك��ان��ت ج ��زءاً م��ن الضفة‬
‫الغربية لنهر االردن‪ ،‬وبداخل السور أربعة أحياء‬
‫مهمة هي‪ :‬الحي اإلسالمي‪ ،‬والحي النصراني‪،‬‬
‫والحي اليهودي‪ ،‬والحي األرمني‪ ،‬وفيها تعايش‬
‫المسلمون والنصارى واليهود عبر القرون‪ ،‬حتى‬
‫جاءت الصهيونية العالمية لتفرقهم‪.‬‬

‫جانب آخر من الحفريات في الحرم القدسي‬

‫العبرية‪ ،‬في مخالفة صريحة للشرعية الدولية‪،‬‬
‫بتضامن إسرائيلي مع الماسونية العالمية‪ ،‬لهدم‬
‫المسجد األقصى‪ ،‬وبناء الهيكل المزعوم‪ ،‬وإخراج‬

‫أهلها المسلمين منها‪ ،‬ومصادرة أمالكهم‪ ،‬وتوطين‬
‫اليهود فيها‪.‬‬

‫خطة التهويد‬
‫وتكمن ف��ي ه��دم المسجد األق�ص��ى وإقامة‬

‫هيكل سليمان‪ ,‬اعتقادا منهم أنهم إن لم يفعلوا‬

‫أم��ا ال�ق��دس الغربية فهي ال�ج��زء ال��ذي قدم ذلك فسوف تنزل عليهم اللعنات‪.‬‬
‫معظم سكانه بعد ق��رار األم��م المتحدة الظالم‬
‫بتقسيم فلسطين‪ ،‬وتوافد اليهود إليها من أنحاء وتقوم الخطة على السياسة اآلتية‬
‫العالم إلق��ام��ة دول��ة صهيونية‪ ،‬م��ع أن م��ن بين‬
‫‪ - 1‬محاولة ضم القدس‬
‫سكانه اليهود فئات متدينة ال تعترف حتى اليوم‬
‫ف��ي ع��ام ‪2005‬م‪ ،‬وبمناسبة ال��ذك��رى الثامنة‬
‫بقيام دول��ة إسرائيل‪ ,‬فهم يؤمنون أن المسيح‬
‫وح ��ده ال ��ذي س��وف ينشئ ه��ذه ال��دول��ة‪ .‬وهذه والثالثين الحتالل القدس الشرقية عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫المدينة بها المباني الحديثة والجامعة العبرية‪ ,‬أعلن ش ��ارون ‪ -‬متحدياً المجتمع ال��دول��ي ‪ -‬أن‬
‫وبها بعض المواقع المقدسة أهمها جبل صهيون‪ ،‬القدس مِ لك إلسرائيل‪ ،‬وإنها لنا وإلى األبد‪ ،‬ولن‬
‫اعتقاداً منهم أنه يضم قبر داوود عليه السالم‪ ،‬تكون بعد اليوم ملكاً لألجانب‪ ..‬وهو ما سبق أن‬
‫وبها قاعة العشاء األخير الذي يعتقد أن عيسى أعلنه أثناء إقامة المؤتمر السنوي لمنظمة إيباك‬
‫خالل زيارته لواشنطن في شهر مايو عام ‪2005‬م‪.‬‬
‫عليه السالم تناول فيها آخر عشاء له‪.‬‬

‫تهويد القدس‬
‫وه��و ال�ع�م��ل ع�ل��ى ض��م ال �ق��دس إل��ى الدولة‬

‫‪ -2‬إخالء القدس من الفلسطينيين‬
‫ط��ال��ب ش �ي �م��ون ب �ي��ري��ز‪ -‬ال��رئ �ي��س الحالي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪31‬‬

‫اإلس ��رائ� �ي� �ل ��ي‪ -‬ب� �ض ��رورة ال �ت �ه �ج �ي��ر الجماعي ممتلكات في القدس‪.‬‬
‫للفلسطينيين من مدينة القدس المحتلة‪ ،‬والذين‬
‫‪ -4‬الدعم األمريكي‬
‫يتجاوز عددهم رب��ع مليون نسمة‪ ،‬بغرض بقاء‬
‫وي�ت�م�ث��ل ف��ي م �ش��روع ق ��رار مجلس الشيوخ‬
‫القدس عاصمة إلسرائيل‪ ,‬ألنه ‪ -‬وكما يقول ‪ :-‬من‬
‫الخطأ أن تبقى القدس عاصمة للشعب اليهودي األم��ري �ك��ي‪ ,‬ال ��ذي ي�ش�ت��رط االع� �ت ��راف بمدينة‬
‫القدس عاصمة موحدة غير مقسمة إلسرائيل‪,‬‬
‫وفي الوقت نفسه تضم هؤالء الفلسطينيين‪.‬‬
‫مقابل االعتراف بالدولة الفلسطينية مستقبالً‪,‬‬
‫‪ -3‬خطة تنمية القدس وتغيير معالمها‬
‫وال �م �ح��اوالت ال�م�ت�ك��ررة ألن �ص��ار إس��رائ �ي��ل في‬
‫لقد صدر بيان من مجلس الوزراء اإلسرائيلي‪ ,‬الكونجرس‪ ،‬لنقل سفارة واشنطن إلى القدس‪,‬‬
‫متضمناً خطة أطلق عليها خطة تنمية القدس‪ ،‬لتكريسها عاصمة للدولة العبرية‪.‬‬
‫وتستهدف تعزيز سيطرة إسرائيل على المدينة‪،‬‬
‫ما يجعل منها مدينة جذابة للمستثمرين‪ ،‬تحتل ‪ -5‬فرض األمر الواقع‬
‫المكانة الالئقة بها ك��أول م��دن إسرائيل‪ ،‬وقد‬
‫تصطدم إسرائيل بقرار مجلس األمن (‪,)242‬‬
‫رصد لها (‪ )280‬مليون شيكل ‪ -‬وهو ما يعادل القاضي ب��أن ت�ك��ون ال�ق��دس الشرقية والضفة‬
‫(‪ )64‬مليون دوالر ‪ -‬وه��ذه الخطة ت�ق��وم على الغربية وق �ط��اع غ��زة ضمن األراض���ي العربية‬
‫األتي‪:‬‬
‫المحتلة عام ‪1967‬م‪ ،‬وهذا ما يقتضي انسحاب‬
‫ ‪ -‬بناء المساكن‪ ,‬وتوفير الوظائف التي تشجع إسرائيل إلى حدودها آنذاك‪ ,‬وهو ما شملته رؤية‬
‫بوش‪ ,‬وخريطة الطريق والمبادرة العربية‪ ,‬لكن‬
‫األزواج على االنتقال لإلقامة فيها‪.‬‬
‫ تنفيذ مخطط استيطاني جديد‪ ,‬يتضمن هدم إسرائيل تحاول فرض أمر واقع على األراضي‪.‬‬‫(‪ )68‬مسكناً فلسطينياً‪ ,‬وتشريد (‪ )200‬عائلة‬
‫لهذا‪ ،‬فإن عمليات توسيع المستوطنات في‬
‫من سكانها بحي البستان في بلدة سلوان‪.‬‬
‫الضفة وال �ق��دس‪ ,‬وض��م األراض ��ي ب��ال�ق��وة‪ ,‬يعد‬

‫توسيع المستوطنات‬
‫ت �ه��وي��د ال��ق��دس م��ن خ�ل�ال ق �ي��ام ال � ��وزارات‬
‫ب �ت �خ �ص �ي��ص ج � ��زء م� ��ن م �ي��زان �ي �ت �ه��ا لتشجيع‬
‫اإلس��رائ �ي �ل �ي �ي��ن ع �ل��ى ال ��زح ��ف إل �ي �ه��ا‪ ،‬للسكن‬
‫واالستثمار‪ ،‬لمواجهة تناقص التعداد اليهودي‬
‫فيها‪ ,‬وخشية ان�ت�ق��ال الفلسطينيين إليها من‬
‫المناطق التي يحتلها الجدار الفاصل‪ ,‬وفرض‬
‫القيود الصارمة على هذا االنتقال‪.‬‬

‫مخالفاً لكل االتفاقات والمعاهدات والقرارات‬

‫الدولية التي تحظر االستيطان‪ ،‬كما تعد مخالفة‬
‫التفاقية الهاي ‪1907‬م التي تحظر مادتها (‪)49‬‬

‫على سلطة االحتالل مصادرة األمالك الخاصة‬
‫للمواطنين‪ ،‬أما المادة (‪ )69‬فتلزم سلطة االحتالل‬
‫احترام األمالك الخاصة للمواطنين‪.‬‬

‫‪ -6‬االلتفاف على قرارات مجلس األمن‬
‫ومنها ق��رارا مجلس األم��ن (‪ )446‬و(‪،)471‬‬

‫تنشيط المنظمات اليهودية المتطرفة‪ ,‬لجذب اللذان يقضيان بتفكيك المستوطنات‪ ,‬وهو ما‬
‫أم ��وال ال�ي�ه��ود األمريكيين م��ن األث��ري��اء لشراء أشار إليه تقرير لجنة ميتشل الذي دعا حكومة‬

‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪-7‬عدم احترام المسؤولية كدولة احتالل‬
‫إن الشرعية ال��دول�ي��ة تحتم على إسرائيل‬
‫كدولة احتالل ض��رورة المحافظة على وضعية‬
‫وه��وي��ة ال �ق��دس ال �ش��ري��ف‪ ,‬خ��اص��ة م��ن منطقة‬
‫ال �ح��رم ال �ق��دس��ي‪ ,‬وت��وف�ي��ر ال�ح�م��اي��ة ل��ه م��ن كل‬
‫عمليات التهويد‪ ،‬وخصوصاً التصرفات الحمقاء‬
‫للمتطرفين‪ ،‬ومحاوالتهم المستمرة القتحامه‪.‬‬
‫‪-8‬فصل القدس عن الضفة الغربية‬

‫إن ال �غ��رض األس��اس��ي م��ن ه��ذا ال�ع�م��ل‪ ,‬هو‬
‫إي �ج��اد ال�ت��واص��ل م��ع المستوطنات المحيطة‪،‬‬
‫وع ��زل ال�م��دي�ن��ة وت�ف��ري�غ�ه��ا م��ن الفلسطينيين‪،‬‬
‫ومنعهم م��ن ال��وص��ول إل��ى المسجد األقصى‪،‬‬
‫ليتسنى لهم هدمه بعد ذلك‪ ،‬وقد صاحب هذا‬
‫العمل تحرشات وانتهاكات من جماعات يهودية‬
‫متطرفة قامت بدعوات القتحام المسجد‪ ،‬وكان‬
‫آخر ها في السادس من يونيه في ذكرى احتالل‬
‫المدينة‪ ،‬ويعد هدم المنازل في المناطق المحتلة‬
‫من جرائم الحرب في نظر القانون الدولي‪ ،‬وقد‬
‫أيد ذلك ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية‬
‫الذي نشر في ‪2005/5/24‬م‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫إسرائيل إلى تجميد جميع النشاطات االستيطانية‬
‫بما في ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات القائمة‪,‬‬
‫وتأكيد اللجنة أن شكل التعاون األمني المطلوب‬
‫ال مع استمرار النشاط‬
‫ال يمكن أن يستمر طوي ً‬
‫االستيطاني‪.‬‬

‫على الرغم من أنها بنيت بصورة قانونية‪ ،‬وتعد‬
‫هذه العملية هي األكبر من نوعها منذ االحتالل‬
‫في إطار المخطط الذي بدأ عام ‪1977‬م‪ ،‬وأن‬
‫هذه المنازل ستتحول إلى حدائق عامة‪ ,‬إضافة‬
‫إلى إقامة مدينة داود عليها‪ ,‬ويدَّ عون أنه كان‬
‫يستحم فيها قبل ثالثة آالف عام‪.‬‬

‫ت�ح��اول إسرائيل جهدها فصل ال�ق��دس عن‬
‫باقي األراض��ي الفلسطينية بعدة وسائل بداية‬
‫لتهويدها‪ ،‬وم��ن أه��م ه��ذه ال�م�م��ارس��ات‪ ،‬إقامة‬
‫ال �ج��دار ال �ع��ازل ال ��ذي ي �ق��ام ت�ح��ت ن�ظ��ر وسمع‬
‫حكومة بوش التي قامت بتخدير العرب بإقامة‬
‫إن ب �ع��ض األع� �م ��ال ال �ت��ي ت �ق��وم ب �ه��ا قوات‬
‫دولة فلسطينية قابلة للحياة‪.‬‬
‫االحتالل اإلسرائيلي ضد الفلسطينيين تعد من‬
‫لقد بدأت فكرة التهويد في أعقاب احتالل نظر المجتمع ال��دول��ي من جرائم الحرب ضد‬
‫الضفة الغربية وم��دي�ن��ة ال �ق��دس‪ ,‬وخ�ل�ال هذه اإلنسانية‪ ،‬وعندما ذكرت الجرائم التي ارتكبتها‬
‫ال�ف�ت��رة ب��دأ التخطيط لعملية ال�ت�ه��وي��د‪ ،‬حيث إسرائيل‪ ,‬أدرج ضمنها قيام قوات االحتالل بهدم‬
‫جرى البحث عن آثار للهيكل‪ ,‬واالدعاء بأن فيها مئات المنازل‪.‬‬

‫مقدسات يهودية‪ ,‬ومحاولة إقناع المجتمع الدولي‬
‫بذلك‪ ,‬كما مرت هذه المرحلة بمحاولة إلحراق‬
‫المسجد األقصى في ‪ 21‬أغسطس ‪1969‬م‪.‬‬
‫أما التنفيذ‪ ،‬فقد بدأت اجراءاته مع بداية شهر‬
‫يونيو من ع��ام ‪2005‬م‪ ،‬عندما قامت الحكومة‬
‫اإلسرائيلية بهدم (‪ )88‬منزالً من حي البستان‬
‫بمدينة سلوان‪ ،‬التي تعد حياً من أحياء القدس‪،‬‬

‫لقد جاء في تقرير مركز المعلومات الفلسطيني‬
‫يومها إفادة‪ ,‬أن عدد المنازل التي تضررت كلياً‬
‫وج��زئ �ي �اً ف��ي ال �ف �ت��رة م��ن ‪2000/9/29‬م حتى‬
‫‪2005/2/28‬م بسبب اإلجراءات التعسفية التي‬
‫يقوم بها جيش االحتالل من أفعال بلغ (‪)69843‬‬
‫منزالً‪ ،‬منها (‪ )7438‬منزالً ُدمِّرت بالكامل‪.‬‬
‫أم��ا م��رك��ز المعلومات لحقوق اإلن �س��ان في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪33‬‬

‫إسرائيل‪ ،‬فقد أعلن أن��ه ق��ام بتسليم الحكومة وتأكيد كل القرارات السابقة‪ ،‬وأخطرها قانون‬
‫اإلس��رائ�ي�ل�ي��ة ف��ي ش�ه��ر م ��ارس ‪2005‬م مذكرة ‪ 24‬أكتوبر ‪1995‬م الذي أعاد تكرار المغالطات‬
‫اح �ت �ج��اج‪ ،‬ت�ش�ي��ر إل ��ى أن ع ��دد الفلسطينيين التي تقضي بأن القدس عاصمة الشعب اليهودي‬
‫المتضررين من جدار الفصل العنصري المعدل ألكثر من ثالثة آالف ع��ام‪ ،‬وإنها كانت مركزية‬
‫ال ��ذي أق��رت��ه الحكومة الصهيونية‪ ،‬يصل إلى لليهود‪ ،‬وقد ذكرت في التوراة (‪ )766‬مرة‪ ،‬وإنها‬
‫نحو نصف مليون إن �س��ان‪ ،‬يسكنون ف��ي (‪ )85‬لم تذكر في القرآن أب��داً‪ ،‬وإن القدس هي مقر‬
‫بلدة وقرية‪ ،‬وبلغت األراضي المصادرة بموجب الحكومة اإلسرائيلية بما فيها البرلمان الرئيسي‪،‬‬
‫الجدار العازل (‪ )536‬ألف دونم‪ ،‬وهي تعادل ‪ %6‬والمحكمة العليا‪.‬‬
‫من مجموع أراضي الضفة الغربية‪.‬‬

‫دور الكونجرس األمريكي‬

‫الخالصة والتوصيات‬

‫وب��ه��ذه ال�م�ن��اس�ب��ة أس �ج��ل ل �ل �ت��اري��خ‪ ،‬أن كل‬

‫حاولت الحكومة اإلسرائيلية إسباغ الشرعية المحاوالت التي جرت في الكونجرس أو غيره‬
‫اإلسرائيلية الزائفة على المدينة المقدسة‪ ،‬كي لتهويد ال �ق��دس‪ ،‬خ�لال س�ف��ارة ص��اح��ب السمو‬
‫تصبح عاصمة لدولة الكيان الصهيوني‪ ،‬فعمدت الملكي األم �ي��ر ب�ن��در ب��ن س�ل�ط��ان‪ ،‬ق��د أحبطت‬
‫إل��ى إج��راء التفاهم بين الكنيست اإلسرائيلي بسبب يقظته وإدراك���ه للعبة التي تقوم عليها‬
‫وال�ك��ون�ج��رس األم��ري �ك��ي كهيئتين تشريعيتين‪،‬‬
‫السياسة األمريكية‪.‬‬
‫في محاولة إلص��دار المزيد من القوانين؛ فقد‬
‫إن األجيال القادمة سوف لن تغفر لنا التهاون‬
‫أصدر الكنيست اإلسرائيلي قراراً بضم القدس‬
‫في قضية القدس‪ ،‬والملك فيصل بن عبدا لعزيز‬
‫في األيام األولى لالحتالل الذي حدث في يونيو‬
‫‪1967‬م‪ ،‬وتبع ذل��ك استصدار ق��رارات وقوانين رحمه الله‪ ،‬ك��ان ي��درك خطورة ضياع القدس‪،‬‬
‫عديدة من الكنيست من أهمها القانون األساسي فكان تركيزه األساسي على إعادتها وتحريرها‪،‬‬
‫وك��م تمنى أن يصلي بها وه��ي ح��رة‪ ،‬وال بد من‬
‫الصادر عام ‪1980‬م‪ ،‬وغيره من القوانين‪.‬‬
‫إتمام رسالته وتحقيق أمانيه‪.‬‬
‫في عام ‪1990‬م‪ ،‬أخذ الكونجرس األمريكي‬
‫إننا نعيش في هذه األي��ام فرصة منحنا الله‬
‫في تبني قرار مجلس الشيوخ رقم (‪ )106‬الذي‬
‫أع�ل��ن أن ال�ك��ون�ج��رس ي��ؤم��ن ب�ش��دة أن القدس إي��اه��ا‪ ،‬وه��ي وج��ود حكومة ق��وي��ة ف��ي الواليات‬
‫ينبغي أن تبقى مقسمة‪ ،‬وأن تحترم بها حقوق كل المتحدة األمريكية ت�ح��اول جهدها ف��ي إقرار‬
‫ال�س�لام ف��ي ال�ش��رق األوس ��ط‪ ،‬وعلينا أن ننتهز‬
‫الجماعات العرقية والدينية‪.‬‬
‫ه��ذه الفرصة‪ ،‬ونعلن أن ال س�لام دون القدس‬
‫بعدها أصدر الكونجرس قرارات أخرى كان‬
‫أخ�ط��ره��ا م��ا ي�ع��رف ب�ق��ان��ون الكونجرس بشأن والمقدسات اإلسالمية‪.‬‬
‫إن مناصبة العداء للواليات المتحدة األمريكية‬
‫ال �ق��دس ال��ص��ادر ف��ي ‪ 24‬أك �ت��وب��ر ‪1995‬م‪ ،‬ثم‬
‫تبعه م�ش��روع ال�ق��رار ال��ذي تقدم ب��ه السيناتور يمنح الفرصة إلسرائيل لتتمكن من تهويد القدس‪،‬‬
‫(ب��راون �ب��اك) ف��ي ‪ 19‬إب��ري��ل ‪2005‬م الستكمال ومن ثم طعن السالم في جانبه األعزل‪ ،‬فخير من‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫على كسبها لمصالحنا‪.‬‬

‫إن المملكة العربية السعودية ‪ -‬وهي الدولة‬

‫إن على األم��ة العربية واإلسالمية أن يكون التي نذرت نفسها لحماية المسلمين ومقدساتهم‬
‫لها دور داخل الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬ومن ‪ -‬عليها مع أصدقائها من العرب والمسلمين‪,‬‬

‫أهم هذه األدوار تشكيل عدد من مراكز الضغط ع��بء التخطيط ال�ط��وي��ل األم ��د ل�ل��وص��ول إلى‬
‫على صناع القرار؛ فأعداؤنا حققوا انتصاراتهم‬
‫أه��داف �ن��ا‪ ،‬وت�ح�ق�ي��ق أم��ان�ي�ن��ا ع��رب �اً ومسلمين؛‬
‫علينا من داخل الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬ولن‬
‫فالتاريخ لن يرحم‪ ،‬والله عز وجل سوف يسألنا‬
‫نستطيع إحباط مخططاتهم وهزيمتهم إال من‬
‫عن ما قدمنا‪ ،‬وعن ما فرطنا‪.‬‬
‫داخل الواليات المتحدة‪.‬‬
‫إننا في حاجة إل��ى إنشاء مراكز للدراسات‬

‫واألبحاث اإلستراتيجية لمتابعة ما يجري على‬
‫الساحة الدولية من مخططات‪ ،‬وما ينصب من‬

‫حبائل‪ ،‬عندها لن تنفع ناطحات السحاب‪ ،‬وال‬
‫الجامعات‪ ،‬وال المؤسسات التجارية‪ ،‬وال حتى‬

‫األس�ل�ح��ة وال �ط��ائ��رات‪ ،‬لقد دخ��ل ال�ع��ال��م حرباً‬

‫فكرية قوامها المعرفة والتخطيط‪.‬‬

‫إن على مجلس الشورى السعودي والمجالس‬

‫النيابية ال�ع��رب�ي��ة أن ت �ب��ادر إل��ى الدبلوماسية‬

‫البرلمانية وإجراء تبادل الزيارات مع الكونجرس‬

‫األمريكي لشرح القضية الفلسطينية وحقوق‬
‫ال� �ع ��رب وال �م �س �ل �م �ي��ن ف ��ي ال� �ق ��دس واألراض � ��ي‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫أن نفكر في تدمير الواليات المتحدة أن نعمل الفلسطينية‪ ،‬ودحض الشبهات اإلسرائيلية‪.‬‬

‫المراجع‬

‫ •مجمع الفوائد م��ن جامع األص��ول ومجمع الزوائد‬
‫اإلمام محمد بن سليمان‪.‬‬
‫ •الموسوعة العربية العالمية الطبعة الثانية‪.‬‬
‫ •العرب واليهود في التاريخ د‪ .‬أحمد سوسة‪.‬‬
‫ •تهويد القدس بين الكنيست والكونجرس د‪ .‬محمد‬
‫يوسف الفرعي (األهرام)‪.‬‬
‫ •خرافة حائط المبكى عند اليهود د‪ .‬محمد سليم العوا‬
‫(المركز الفلسطيني لإلعالم)‪.‬‬
‫ •القدس الشريف وخطة التهويد محمد باشا (األهرام)‪.‬‬
‫ •ج��رائ��م ال �ح��رب ومخططات التهويد ع��ون��ي صادق‬
‫(صحيفة الخليج اإلماراتية)‪.‬‬
‫ •ال�ق��دس بين ف��رض األم��ة ال��واق��ع والتهويد السفير‬
‫محمد بسيوني (األهرام)‪.‬‬

‫(‪ )1‬كاتب من األردن‪.‬‬
‫(‪ )2‬كاتب من األردن‪.‬‬
‫(‪ )3‬كاتب من السعودية‪.‬‬
‫(‪ )4‬كاتب من األردن‪.‬‬
‫(‪ )5‬تاريخ الصحافة المقدسية ‪ -‬البيادر السياسي ‪ -‬بشير بركات ‪ -‬األرشيف‪ :‬العدد ‪.883‬‬
‫(‪ )6‬مقتطفات من الصحف الفلسطينية‪ ،‬وليد خليف وسهير دياب‪ ،‬الناصرة‪1995 ،‬م‪.‬‬
‫(‪ )7‬يعقوب الهوشع‪ :‬تاريخ الصحافة العربية في فلسطين في العهد العثماني‪.‬‬
‫(‪ )8‬يعقوب الهوشع‪ :‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )9‬يسري راغب شراب‪.12 :19 ،2008-11-05‬‬
‫(‪ )10‬محاضرة ألقاها الدكتور‪ :‬أنور ماجد عشقي بنادي الجوف األدبي يوم االثنين ‪ 20‬شعبان ‪1430‬ه�ـ الموافق ‪11‬‬
‫أغسطس ‪2009‬م‪.‬‬
‫(‪ )11‬رئيس مركز الشرق األوسط للدراسات االستراتيجية والقانونية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪35‬‬

‫صورة املرأة‬

‫في روايتي «عندما يبكي الرجال» لوفاء مليح‬
‫و«حلظات ال غير» لفاحتة مرشيد‬

‫> د‪ .‬بديعة الطاهري*‬
‫قبل الحديث عن صورة المرأة في روايتي فاتحة مرشيد ووفاء مليح‪ ،‬ال بد من تقديم‬
‫بعض التوضيحات الضرورية‪:‬‬
‫ أولها‪ ،‬إن االهتمام بما تكتبه المرأة‪ ،‬عموما‪ ،‬والمرأة المغربية‪ ،‬خاصة‪ ،‬يجب أن‬‫يتم في أفق إضافاته الفنية والداللية إلى حقل اإلبداع الروائي‪ ،‬شأنه في ذلك شأن ما‬
‫يكتبه المبدعون الرجال؛ ألنها اإلشكالية الحقيقية التي يجب أن نتنبه إليها في إطار ما‬
‫ي َِسم النقد من محاباة وتقديس‪ ،‬وما نلحظه من تراكم إبداعي ورقي ورقمي‪ ،‬يتم أحيانا‬
‫خارج «الرقابة األدبية»‪.‬‬
‫فالطرح النقدي الصحيح‪ ،‬ال ينظر إلى‬
‫العمل األدبي بوصفه إنتاجا تكتبه المرأة‬
‫أو ال��رج��ل‪ ،‬وإل��ى العملية النقدية كفضاء‬
‫لبصمات تعين على تصنيف الكتابة‪ .‬بل‬
‫يتعامل مع العمل األدب��ي في أف��ق البحث‬
‫عما يحقق أدبيته‪ ،‬ويرقى به عما يصيره‬
‫كتابة ع��ادي��ة ت �ع��ادل ال�ش�ه��ادة ال��ذات�ي��ة أو‬
‫المقال الصحفي أو السياسي‪.‬‬
‫ ث��ان��ي��ه��ا‪ ،‬إن ال �ح��دي��ث ع��ن الكتابة‬‫الروائية لدى المرأة‪ ،‬هو حديث عن موقع‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الرواية المغربية في الخريطة الثقافية؛‬
‫فنحن نؤمن ب��أن ال��روائ�ي��ات المغربيات‪،‬‬
‫رغم قلتهن‪ ،‬ال يكتبن بعيدا عن المجتمع‬
‫وتحوالته؛ إذ ال تُراهن الكتابة لديهن على‬
‫الكتابة الذاتية المرتبطة بعوالم نسائية‬
‫معزولة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬عندما تكتب المرأة عن‬
‫عوالمها‪ ،‬فإنها تتخذ تلك العوالم نقطة‬
‫انطالق‪ ،‬تطل من خاللها على العالم من‬
‫ح��ول�ه��ا‪ .‬وم��ا ال ��ذات س��وى قنطرة للعبور‬
‫نحو العوالم(‪ )1‬الخارجية الكتشافها وتعرية‬
‫تناقضاتها‪ .‬فالروائيات المغربيات يكتبن‬

‫وه� ��نَّ ‪ ،‬ف��ي ذل���ك‪ ،‬ال يلغين االه �ت �م��ام بالشكل‬
‫الروائي‪ .‬فأعمالهن ليست شهادات عن مواضيع‬
‫سياسية أو اجتماعية؛ بل هي تشخيص سردي‪،‬‬
‫وبناء لعوالم خيالية ترتقي باليومي والمتداول‬
‫إلى لحظة إبداعية تتجلى في قدرتهن على بناء‬
‫عوالم ممكنة «تقوم بتهذيب النسخ المتحققة‪،‬‬
‫وتحويلها إلى نموذج يستوطن الوجدان‪ ،‬ويتخلص‬
‫من سمات الخاص والمفرد»(‪.)2‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫غ�ي��ر ع��ادي�ت�ي��ن ‪ -‬وإن تفاوتت‬
‫م ��ن م ��وق ��ع ال �م �ن �خ��رط��ات في‬
‫ثقافتهما وعلمهما ‪ -‬تمتلكان‬
‫السيرورة االجتماعية‪ ،‬الواعيات‬
‫وعيا بواقعهما وتحوالته‪ .‬وهو‬
‫بتحوالتها‪ ،‬ال م��ن خ�لال كهف‬
‫وع ��ي ي�ج�ع��ل ال �ك �ت��اب��ة لديهما‬
‫ذاتي منغلق‪ .‬فقد ولج معظمهن‬
‫تنأى عن اجترار‪ ،‬أو باألحرى‪،‬‬
‫الكتابة الروائية‪ ،‬وهن محمالت‬
‫فتح واجهة الصراع مع الرجل‪،‬‬
‫بثقافة ووعي سياسي كبيرين‪،‬‬
‫وال�ت��أس��ف على دون�ي��ة المرأة‪.‬‬
‫يؤهالنهن لتقديم تصورهن عن‬
‫إن�ه�م��ا ت �ن��أي��ان‪ ،‬ب��ذل��ك‪ ،‬ع��ن كل‬
‫ال �ع��ال��م م��ن ح��ول �ه��ن‪ .‬وه ��ذا ما‬
‫فاتحة مرشيد‬
‫خطاب نسوي يجعل من الكتابة‬
‫نلمسه ف��ي إب��داع��ات ليلى أبو‬
‫زيد‪ ،‬وخديجة مروازي‪ ،‬وزهور كرام‪ ،‬ووفاء مليح‪ ،‬فرصة لصراع جنسي؛ فالحديث عن المرأة وعن‬
‫ال ��ذات‪ ،‬ال ي��أت��ي إال م��ن خ�لال ال��وع��ي باآلخر‪،‬‬
‫وفاتحة مرشيد‪ ،‬وإسمهان الزعيم وغيرهن‪.‬‬
‫ومما يستحسن لديهن‪ ،‬محاولة ارتياد عوالم وبالعالم الخارجي‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فالمرأة في النصين‬
‫ج��دي��دة تميز كتابتهن‪ ،‬منها تجربة االعتقال ليست ذاتاً معزولة‪ ،‬إنها تشكل عالقة ضمن شبكة‬
‫ال�س�ي��اس��ي‪ ،‬وال �ت �ح��والت ال�س�ي��اس�ي��ة بالمغرب‪ ،‬من عالقات يحاول النصان تفكيكها ومحاولة‬
‫وواق��ع المثقف المغربي‪ ،‬والمنظومة الفكرية‪ ،‬فهمها وتمثلها‪ .‬والحديث عنها هو حديث عن‬
‫واإلحباطات السياسية‪ ،‬وغيرها من الموضوعات الفرد داخ��ل المجتمع وما يحمله كل واح��د من‬
‫التي تعد طابوهات‪ :‬كاالغتصاب والعجز الجنسي‪ .‬خصوصية تستدعي التفكير والتأمل‪.‬‬
‫وبناء على ما سبق‪ ،‬يلزم‪ ،‬حين الحديث عن‬
‫خصوصية اإلب ��داع‪ ،‬ربطه بالموضوع المقارب‬
‫أوال‪ ،‬وبالثقافة التي تشكل روافد الكتابة ثانيا‪،‬‬
‫وكذا بالمؤهالت والقدرات التي يملكها الكاتب‪،‬‬
‫والتي تخول له التقاط المظاهر‪ ،‬والتعبير عنها‬
‫بكل مهارة‪ .‬فالعديد من الكتاب الرجال سبروا‬
‫أغوار المرأة وعوالمها باحترافية عالية‪.‬‬

‫ وث��ال��ث ه ��ذه ال�ت��وض�ي�ح��ات يتعلق بسبب‬‫اختيارنا للنصين‪ .‬وهو اختيار يرجع إلى الحوار‬
‫الذي لمسناه بينهما‪ .‬حوار مشروع يفرضه‪ ،‬كما‬
‫ي��رى ب��اخ�ت�ي��ن(‪ )3‬وغ�ي��ره م��ن ال�ن�ق��اد‪ ،‬ك��ون العمل‬
‫األدبي عالقة ضمن شبكة من العالقات قد تكون‬
‫داخل أو خارج نصية‪.‬‬

‫وتندرج‪ ،‬في هذا اإلط��ار‪ ،‬الروايتان‪ ،‬موضوع‬
‫اشتغالنا‪ ،‬حيث نجد وعيا لدى الكاتبتين وإصرارا‬
‫نصيهما ينفلتان من شرنقة التصنيف‬
‫على جعل َّ‬
‫الروائي الفاصل بين ما تكتبه المرأة وما يكتبه‬
‫الرجل‪ .‬يتحقق ذلك‪ ،‬على األقل‪ ،‬من خالل توزع‬
‫الحكايتين ف��ي النصين بين صوتين سرديين‪:‬‬
‫ويمثل حوار النصين عبر التقاطع واالمتداد‬
‫ص��وت ال�م��رأة وص��وت ال��رج��ل‪ ،‬واختيار بطلتين على مستويين‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪37‬‬

‫ م�س�ت��وى ال�ت�ي�م��ات ال �م �ق��ارب��ة‪ ،‬م �ث��ل‪ :‬الموت وال��زوج��ة‪ ،‬والحبيبة‪ .‬وال ت�ك��ون ال �م��رأة كذلك‪،‬‬‫االن��ت��ح��ار‪ ،‬وال��ح��ب وج��دل �ي��ة م ��وت الرغبة إال بحضور ال��رج��ل أي�ض��ا ك��زوج وأب وحبيب‪.‬‬
‫واستعادتها‪.‬‬
‫وبناء على العالقة بينهما‪ ،‬تتشكل صورة المرأة‬
‫ مستوى البناء‪ ،‬إذ نالحظ احتفا ًء بالحكاية متراوحة بين تصورين‪:‬‬‫التي تجد لها تقاسيم ف��ي بعض الروايات ‪ -‬ت�ص��ور تقليدي يعيد إن �ت��اج ال�ب�ن��اء الثقافي‬
‫الكالسيكيةـ ح�ي��ث ت�ت��م ال�ن�ه��اي��ة دوم ��ا عبر‬
‫السائد‪.‬‬
‫الموت والجنون‪ ،‬كإعالن عن عدم التصالح ‪ -‬تصور حديث‪ ،‬يحاول تبيان الخلل الذي يسود‬
‫مع العالم‪ ،‬ال��ذي تغزوه قيم مزيفة؛ غير أن‬
‫األول‪ ،‬ويعيد النظر فيه‪.‬‬
‫حدس الروائيتين الواعيتين بحتمية اإلضافة‪،‬‬
‫يجعل النصين ال يقفان عند هذا المستوى ‪ -1-1‬صورة األم‬
‫القاضي بالقطيعة بين البطل وال�ع��ال��م؛ بل‬
‫يتحقق التصور األول من خالل صورة نمطية‬
‫يجعلهما ي ��رت ��ادان رح ��اب ن�ه��اي��ة مفتوحة‪ ،‬لألم يغذيها التصور الديني واالجتماعي‪ ،‬الذي‬
‫ترى في استرجاع الرغبة في الحياة وسيلة يحرك «آلة القيم واألخالق التي تجعل من «األم»‬
‫ل�م��واج�ه��ة ال�ع��ال��م ال�م�ن�ح��ط‪ .‬ذل��ك م��ا يمكن كائنا يتحرك داخ��ل خطاب الحشمة والنفعية‬
‫استنتاجه‪ ،‬على األقل‪ ،‬من خالل عنوان رواية والوظيفيةّ»(‪ .)5‬وهي ص��ورة‪ ،‬من المحتمل‪ ،‬أنها‬
‫فاتحة مرشيد «لحظات ال غير»‪ ،‬أو من خالل تأخذ هالتها من وضع المرأة كزوجة في مجتمعنا‬
‫ما تتلفظ به بطلة وفاء مليح في نهاية الرواية‪ :‬ال�ع��رب��ي‪ ،‬إذ تجعل منها سلطة ال��رج��ل إنسانة‬
‫«سأفتح ذراعي للحياة وأنطلق»(‪.)4‬‬
‫ضعيفة تستدعي العطف‪ ،‬والحنان‪ ،‬بل والتقديس‬
‫ال ��وق ��وف ع �ن��د ال �ت �ق��اط��ع ب�ي�ن�ه�م��ا إجحاف أحياناً؛ انتقاما من غطرسة ذكورية‪ .‬يتبنى الرجل‬
‫لحقيهما؛ ألنه يجعل منهما نسخة واحدة بتكرار هذه النظرة في النصين‪ ،‬فهو ال يصوغ خطابه عن‬
‫وامتداد عقيمين‪ .‬فكما يقوم الحوار على التقاطع‪ ،‬األم إال داخل منظومتنا الثقافية‪ ،‬ولكنه خطاب‬
‫يتأسس على اختالف‪ ،‬نلمسه من خ�لال تباين ال يتحقق إال ومعه خطاب مضاد عن األب؛ إذ‬
‫وجهات نظر المبدعتين إلى العالم من حولهما‪ .‬كلما رسم الرجل صورة إيجابية ألمه رسم لألب‬
‫هذا ما يمكن أن نبينه من خالل سبر تفاصيل ص��ورة مناقضة؛ ف��األم في النصين رمز للحنان‬
‫وال�ح��ب وال�ص�ب��ر‪ .‬لقد كانت «ك��ل ش��يء جميل‪.‬‬
‫صورة المرأة لديهما‪.‬‬
‫كانت الشمس التي ت��داع��ب وجهي ك��ل صباح‪،‬‬
‫‪ -1‬صورة المرأة‬
‫كانت سيدة التضحيات»(‪ .)6‬وغيابها عن البيت‪،‬‬
‫وع�ل��ى ال��رغ��م م��ن أن النصين ي��رك��زان على ولو لفترة قصيرة‪ ،‬يجعل بطل وفاء مليح يحس‬
‫صوت سردي نسائي واحد هو الطالبة الجامعية باليتم والعري‪ ،‬يقول عنها البطل‪:‬‬
‫في «عندما يبكي الرجال»‪ ،‬والطبيبة النفسانية‬
‫«ام��رأة مكافحة ذات أنفة وكبرياء»(‪« )7‬سعت‬
‫في «لحظات ال غير»‪ .‬فإن نساء أخريات يقتحمن جاهدة لتوفر لنا األمان والدفء»‪ .‬ويضيف‪« :‬مر‬
‫عالم السرد بأدوار مختلفة منها األم‪ ،‬والصديقة‪ ،‬اليومان كأنهما أعوام‪ ،‬ثقلهما جثم على صدري‪،‬‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫لكن خطاب الرجل يحمل‪،‬‬
‫رغ��م ذل��ك‪ ،‬عتابا رقيقا لألم؛‬
‫إذ يبين دوره ��ا ف��ي التهميش‬
‫والخضوع لألب‪ ،‬وسعيها إلى تشييد سلطته كلما‬
‫افتقدها أو تخلى عنها‪ ،‬وسعيها إلى ترسيخها‬
‫كلما كان هناك ما يهددها‪ ،‬ألنها تعيش داخلها‬
‫توازنها وصحوها النفسي‪.‬‬
‫يقول السارد‪« :‬تحب والدي حتى في حاالته‬
‫األك �ث��ر ت��ذم��را‪ ،‬تختلق ل��ه األع�� ��ذار‪ ،‬ت��دع��و له‬
‫بالهداية‪ ،‬وتغضب إذا انتقده أحد»(‪.)9‬‬

‫‪ -2-1‬صورة المحبوبة‬
‫م� ��ن ال� � ��ذي ي� �ت� �ح ��دث عن‬
‫الحب؟ سؤال طرحه الكثيرون‬
‫ول��ه مشروعيته ف��ي «زم ��ن ال‬
‫يتواصل معك إال انطالقا من‬
‫نسق رمزي لالحتراس والحذر‬
‫والكراهية؟»(‪.)10‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫ازداد يتمي وعريي؛ بت كطفل‬
‫رضيع يحتاج إلى لبن أمه»(‪.)8‬‬
‫وفي المقابل‪ ،‬يصور األب رديفا‬
‫ألح��اس �ي��س ال �ض �ي��اع والحزن‬
‫الدفين‪ ،‬وفقدان األمان وعدم‬
‫المسؤولية‪ ،‬كما يعبر عن ذلك‬
‫بطل «عندما يبكي الرجال»‪،‬‬
‫وه���و غ �ي��ر م �س �ئ��ول وعنيف‪.‬‬
‫ب��ال�ن�س�ب��ة ل�ب�ط��ل «ل �ح �ظ��ات ال‬
‫غير»‪.‬‬

‫لسان شخصية الرجل‪ ،‬لتعطي‬
‫لموقفها موقعه الصحيح‪.‬‬

‫ولكن ال��وع��ي النسائي في‬
‫الرواية العربية يرى أن فلسفة‬
‫الحياة ال تنبثق إال من خالل‬
‫ال�ح��بّ والعشق‪ .‬ول��ذل��ك نجد ف��ي النصين معا‬
‫احتفاء بالحب عبر صورة المحبوبة فيهما‪ .‬وهي‬
‫ص��ورة تأتينا من منظورين يتسربان عبر وعي‬
‫ال �م��رأة ال �س��اردة ه�م��ا‪ :‬منظور ال��رج��ل ومنظور‬
‫ال �م��رأة‪ .‬فقد عودتنا بعض النصوص الروائية‬
‫التي كتبها ال��رج��ال على التقاط ص��ورة المرأة‬
‫المحبوبة من خالل جسدها‪ .‬وهي عادة صورة‪،‬‬
‫تركز على مواطن الجمال‪.‬‬

‫ورغم أن حضورها خافِ ت لدى البطلتين‪ ،‬فإن‬
‫والمحبوبة في رواية وفاء مليح‪ ،‬طالبة جامعية‪،‬‬
‫الصورة التقليدية نفسها تمأل خطابيهما‪ .‬بمعنى‬
‫ال يقدم النص مالمحها‪ ،‬رغم أن الصوت السردي‬
‫أنها تظل محافظة وأسيرة التقاليد‪ .‬وبيد أنها‬
‫رجل‪ .‬فتخرق بذلك القاعدة‪ ،‬لتقدم المرأة من‬
‫ص��ورة تخضع النتقاد غير مباشر‪ ،‬يتجلى لنا‬
‫خالل كفاءاتها‪ ،‬يقول السارد‪:‬‬
‫من خالل تحدي البطلتين ألميهما المتراوح بين‬
‫«ان�ج��ذب��ت إليها منذ ك��ان��ت ت��رم��ي بأسئلتها‬
‫المواجهة والقطيعة‪ ..‬إنهما تسعيان بذلك إلى‬
‫التحرر من صورة تقليدية‪ ،‬والبحث عن أخرى‪ ،‬النارية‪ .‬أجيب على بعضها وأعجز على اإلجابة‬
‫ع��ن بعضها اآلخ ��ر‪ ..‬ال أسمع منها غير سؤال‬
‫وهو ما يتم من خالل اإلصرار على موقفيهما‪.‬‬
‫واحد تنطق به في آخر المحاضرة‪ .‬دائما يكون‬
‫إننا إزاء عالمين‪ :‬عالم ترضاه المرأة‪ /‬األم‪،‬‬
‫سؤاال أعجز عن اإلجابة عليه(‪!)12‬‬
‫وتحافظ عليه باعتبارها وعيا ماضيا‪ .‬وعالم‬
‫وعندما يحكي السارد عن إحساسه وعالقته‬
‫ترفضه ال�م��رأة ال �س��اردة‪ ،‬إم��ا مباشرة‪ ،‬أو على‬
‫بمحبوبته‪ ،‬فإن اللغة النثرية تتوارى‪ .‬تسمو اللغة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪39‬‬

‫لتنقل لنا لحظات شعرية‪ ،‬ترسم تضاريس العشق عشقا للوطن‪ ،‬وعندما أعشق الوطن‪ ،‬ألتحم»(‪.)15‬‬
‫الذي يجمع األستاذ بطالبته‪ .‬يقول‪:‬‬
‫ويحيلنا ه��ذا النمط م��ن الحب على نموذج‬
‫في ال�ت��راث الشعري العربي‪ ،‬يتمثل في الحب‬
‫ال �ع��ذري‪ .‬وال يهمنا التشابه والتقاطع بينهما‪،‬‬
‫بقدر ما تهمنا البنية الفكرية التي ولدت األول‬
‫في الشعر‪ ،‬وولدت الثاني في رواية وفاء مليح‪.‬‬

‫«‪ ..‬في صمتها تقول شعرا يأسرني؛ غائبة‪..‬‬
‫وفي غيابها ترتل صلوات العشق؛ حزينة‪ ..‬وفي‬
‫حزنها تثير الشهوة والرغبة في االمتالك‪ ،‬تجللها‬
‫كآبة تزيدني هياما بها؛ في وجودها يبدو الحزن‬
‫جميالً؛ في تفاصيل وجهها اكتشف شاعرية تفتح‬
‫إن الحب العذري‪ ،‬حب ال يقوم على التواصل‬
‫أبوابها للرغبة»(‪.)13‬‬
‫الجسدي‪ .‬ويستحيل فيه أي تنزيل م��ادي‪ .‬وهو‬
‫بل نجد السارد يقدمها من خالل صفات ال ح��ب مستعص على التحقق‪ ،‬قائم على العجز‬
‫تنتمي إل��ى قاموس العشق الحديث‪ .‬فيتحدث وال �ح��رم��ان ال�ل��ذي��ن يعيشهما ال�ش��اع��ر خاصة‪.‬‬
‫عن حمرة وجنتيها التي تعلن خجلها وتضاعف والعجز هو الفضاء الذي تتقاطع فيه رواية وفاء‬
‫وقارها الذي حدثنا عنه‪.‬‬
‫مليح والحب العذري‪ .‬وهو تقاطع تفسره البنية‬
‫إن لغة ال �س��ارد تبقى أس�ي��رة خ�ط��اب الحب االجتماعية والسياسة التي أنتجت الحب العذري‬
‫ال� �ع ��ذري وال ت �ت �ج��اوزه‪ .‬وح �ت��ى ع �ن��دم��ا يحاول قديما وحب البطلين في رواية وفاء مليح‪.‬‬

‫اختراقه‪ ،‬فإنه يتوسل باللغة الموحية‪ ،‬التي ترمز‬
‫وتلمح‪ ،‬وال تعلن دالالتها التي كان يمكن لخطاب‬
‫آخر أن يمألها صورا جنسية؛ فيتحدث عن «ثنايا‬
‫جسدها الخفية»‪ ،‬وعن غياهب مدن الظل‪ ،‬وعن‬
‫نفسه التي ستتهاوى فوق حدائقها»(‪.)14‬‬

‫وإذا كانت العين هي التي تحكي جسد المرأة‬
‫ف��ي بعض النصوص ال��روائ �ي��ة‪ ،‬وت��راك��م الصور‬
‫ال�ح�س�ي��ة‪ ،‬ف��إن اإلح �س��اس ل��دى ال �س��ارد يمدنا‬
‫بمعلومات ع��ن ال �ح��ب ف��ي ف �ض��اء يتناظر فيه‬
‫العشق والشعر‪ ،‬حيث يغدوان سيان؛ ويبدو تمثل‬
‫المحبوبة غير خاضع للنظرة الجنسية المعتادة‪.‬‬

‫وي��رج��ع ه��ذا ال�ح��رم��ان واالم �ت �ن��اع ع��ن اللذة‬
‫ف��ي الشعر ال �ع��ذري إل��ى ال�ح��رم��ان االقتصادي‬
‫والسياسي‪ .‬فتراكم الغنى والسلطة بيد طبقة‬
‫حضرية جديدة بمجيء ال��دول��ة األم��وي��ة مابين‬
‫‪ 750 - 600‬م‪ .‬أدى إل��ى تهميش المجموعات‬
‫البدوية‪ ،‬وبصفة خاصة بني عذرة‪ ،‬الذين كانوا‬
‫ينتمون إلى منطقة جغرافية أسهمت هي األخرى‬
‫في تهميشهم ألنها منطقة تعيش (‪ )4000‬ساعة‬
‫في السنة تحت الشمس‪ .‬كما أنها منطقة جبلية‬
‫ال تتيح التنقل بسهولة(‪.)16‬‬

‫إن العجز الجنسي الذي أصاب السارد‪ ،‬هو‬
‫وه��ي النظرة التي تتكرر ل��دى ال �س��اردة؛ إذ ما يفسر هذا الحب في الرواية‪ .‬عجز لم تدركه‬
‫نحس بها عاشقة‪ ،‬وول �ه��ة‪ ،‬وص��ادق��ة‪ ،‬تنقل لنا البطلة إال بعد أن انتحر محبوبها تاركا أوراقه‬
‫ال�ح��ب إح�س��اس��ا وش �ع��ورا م�ت�ق��دي��ن‪ ،‬ف��ي ل�غ��ة ال ومذكراته التي تحكي عجزه‪.‬‬
‫تختلف عن لغة البطل العاشق‪ ،‬تقول‪:‬‬
‫ول �ك��ن ال �ع �ج��ز ال�ج�ن�س��ي ل �ي��س س ��وى نتيجة‬
‫«‪ ..‬أشعر حين أحبك أنني أزرع شيئا في رحم إلح �ب��اط��ات أخ���رى‪ ،‬وان�ت�ك��اس��ات جعلت البطل‬
‫األرض‪ .‬أشعر أنني أغير تاريخي‪ ..‬زمني‪ .‬أزداد يصل إلى حالته تلك‪ .‬منها صدمته في الواقع‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫السياسي واالجتماعي‪ .‬وهذا ما يشل رغبته في‬
‫الحب‪ ،‬يقول‪« :‬جرحي ليس عجزي على الفراش‪.‬‬
‫جرحي أعمق وأوج��ع‪ .‬جرحي فشل معلق على‬
‫جدران االنتكاسات»(‪ .)17‬ويضيف‪« :‬بين جسدي‬
‫والوطن ميثاق كتب من حبر نفس واحدة‪ .‬ليس‬
‫فالبطلة في النص شخصية واعية بواقعها‬
‫ج �س��دي إال وط �ن��ا شكلت خريطته م��ن نضال ومشاكله؛ شخصية تحتج وتثور على الواقع‪ ،‬وهي‬
‫فتحت بابه على مصراعيه ألطارد الريح‪ .‬كيف تهدم بذلك الخطاب الرومانسي ال��ذي حاولت‬
‫أرتاح وأنا أطارد ريحا هوجاء عاصفة؟»‪.‬‬
‫تأسيسه عبر صفحات النص‪ ،‬لتضع بينها وبين‬
‫أم ��ا ال �ب �ط �ل��ة‪ ،‬ف��رغ��م أن �ه��ا ت �ب��دو مستسلمة بطالت الروايات الرومانسية العربية التي شكلت‬
‫لقدرها مع هذا الحبيب العاجز‪ ،‬فإنها تسرب ال �ب��داي��ة م�س��اف��ة ع��ازل��ة‪ ،‬ألن ت�ل��ك ال�ب�ط�لات ال‬
‫عبر خطابها الذاتي‪ ،‬ما يفسر عجزها‪ ،‬ويجعلها يخترن مصيرهن‪ ،‬فهن يحضرن كموضوع‪ ،‬بينما‬
‫ال تستطيع أن تقتحم صمت محبوبها‪ ،‬فتبوح هي هنا ذات‪ :‬ترغب‪ ،‬وترفض‪ ،‬وتحب وتشتهي‪،‬‬
‫بجراح الروح والجسد‪ ،‬إذ نعرف أنها عاطلة ال وتعلن ما يعتمل في دواخلها‪ ،‬ولكن دون أن تتجاوز‬
‫عمل لها وهي الحاصلة على اإلجازة‪ .‬وهو عجز عتبات الكتابة؛ وهنا تختلف عنها بطلة «لحظات‬
‫له امتداد في جسم الوطن الذي يحتضن آالف ال غير»‪.‬‬
‫المعطلين بشواهد أعلى منها‪ ،‬بل يمتهن كرامتهم‬
‫فهي رومانسية عاشقة‪ .‬يصل بها عشقها إلى‬
‫في مهن عابرة ال تناسب مؤهالتهم‪ ،‬بينما أموال ح��دود التضحية بعملها واالستقالة منه‪ ،‬وتمر‬
‫الدولة تُقتسم ‪ -‬كما تقول البطلة ‪ -‬في ردهات رومانسيتها أوالً عبر البوح واالعتراف بمكنونات‬
‫البرلمان‪.‬‬
‫ال��ذات وعواطفها الجياشة بلغة شعرية جميلة‪.‬‬

‫فروض الطاعة للتقاليد المريضة التي تكبلني‬
‫وت�ح��رم�ن��ي م��ن ح�ق��ي ف��ي م �م��ارس��ة ح �ي��اة كائن‬
‫إن�س��ان��ي‪ ،‬مستقل‪ ،‬س��أت�ج��اوزه��ا وأف �ت��ح ذراعي‬
‫للحياة»(‪.)20‬‬

‫وال يجد الحبيب سبيال لتعويض عجزه سوى تقول‪:‬‬
‫الكتابة «بوصفها بديال لفعل الجسد‪ ،‬فحينما‬
‫«يا أيها القادم من حيث ما انتظرت‪ ..‬شكرا‬
‫يخفق الجسد ف��ي التعبير ع��ن نفسه بالحب على نزيف الحنان العابر للجراح‪ ..‬شكرا على‬
‫(‪)18‬‬
‫تصبح الكتابة هي االختيار لممارسة الحياة» ‪ .‬وج��ودك عاكسا لعري ال��روح فالعري ال يكتمل‬

‫أما الحياة التي تمارسها الساردة فهي تفعيل بهاؤه بدون مرآة»(‪.)21‬‬
‫الذاكرة‪ .‬فالسارد ال يتكلم مباشرة‪ ،‬وال نسمعه‬
‫وكما تكون ذاتاً‪ ،‬هي أيضا موضوع رومانسي‬
‫إال عبر ه��ذه ال �م��ذك��رات ال�ت��ي ن�ق��رأه��ا‪ .‬وبهذا ي �ك �ت��ب ق��ص��ي��دة ت��ت��دف��ق إح� �س ��اس ��ا وش� �ع ��ورا‬
‫نعيش أحاسيس المرأة خارج عين المذكر‪ ،‬ألن جميال بالحب‪ .‬يقول عاشقها الشاعر‪« :‬أيتها‬
‫العجز الذي تعيشه البطلة ال يمنعها من تفجير المدهشة‪ ..‬أفتقد البحر في ضحكتك‪ ،‬والسماء‬
‫أحاسيسها واالعتراف بمكنوناتها‪ ،‬ناقلة لنا واقع في صمتك»(‪ )22‬ويضيف‪:‬‬
‫الجسد األنثوي وما فيه من حب ورغبة‪ ..‬تقول‪:‬‬
‫«إهانة أن أقول لك صباحا جميال؛ فاألصل‬
‫«أنا إنسان حر قبل أن أكون امرأة‪ .‬لن أقدم في األشياء أن يكون الصباح بك جميال»(‪.)23‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪41‬‬

‫وإذا كان الصمت هو ما يلف عالقة بطلة وفاء اعتبارها وسيلة الكتشاف ال��ذات وانكساراتها‪.‬‬
‫مليح بمحبوبها‪ ،‬فإن بطلة فاتحة مرشيد تخلق فهي تنفي الطابع المادي عن عالقتها بالشاعر‪:‬‬
‫لنفسها مساحات االتصال والحوار‪ ،‬وتتيح للعشق ‪ -‬سردا‪ :‬عبر التهميش السردي للحدث‪ ،‬وتغييب‬
‫أن يتجاوز اإلحساس والرغبة الداخلية‪ ،‬ليتمكن‬
‫الحديث عن مفاتن الجسد‪.‬‬
‫«الجسد والحب من استرجاع جوانبهما المادية‬
‫ وفعال بتعقيبها على س��ؤال لجنة التأديب‪،‬‬‫الطبيعية والفعلية الحية»(‪ ،)24‬فهي تناقض «الرؤية‬
‫بأن عالقتها كانت عالقة حب‪ ،‬وحصرها في‬
‫الرومانسية ال�ت��ي تتعالى على ال��واق��ع المادي‬
‫الجنس ظلم لها‪ .‬تقول‪:‬‬
‫ال�م�ل�م��وس للجسد األن��ث��وي بالخصوص»(‪.)25‬‬
‫«أقول إنها ليست مجرد عالقة جنس‪ ،‬ألنها‬
‫وتعيد االعتبار للجسد والذات دون السقوط في‬
‫عالقة حب‪.‬‬
‫التصوير البورنوغرافي للحظة‪.‬‬
‫ل ��ن ن �ت �ح��دث ع ��ن ال� �ح�ل�ال وال�� �ح� ��رام‪ ،‬ولن ‪ -‬لكنك ال تنكرين وجود الجنس بها‪.‬‬

‫نحاكم اللحظة الجنسية بخارج النص الخاضع ‪ -‬ال أنكر‪ ،‬لكنه ليس إال تتويجا لعالقة‪ .‬فحصر‬
‫ل�م��واض�ع��ات المجتمع وال��دي��ن‪ .‬إن م��ا يهم في‬
‫عالقتنا في الجنس ظلم لها ولنا»(‪.)26‬‬
‫ال��رواي��ة ه��و لحظتها اإلب��داع �ي��ة‪ ،‬وم��ا ت��ري��د أن‬
‫إن الجنس في الرواية لحظة إبداعية تتجاوز‬
‫تقوله من وراء هذا الحدث أو ذلك‪ ،‬وعدم النظر العالقة الغريزية التي قد تكون عابرة أو حميمية‪.‬‬
‫إل��ى الشخصيات بوصفها شخصيات واقعية‪ .‬إنه وسيلة تفضح الساردة عبرها‪ ،‬وتدين واقعا‬
‫المرأة‪ .‬وتتيح من خالله للجسد أن يخرج‬
‫فالرواية قد تكون صادمة على مستوى الظاهر‪ ،‬يشيء ٍ‬
‫ألن ال�ع�لاق��ة الجنسية تتحقق خ ��ارج إطارها من صمته ليبوح باأللم والجراح‪ ،‬ويتحرر بعيدا‬
‫الشرعي‪ ،‬وداخ��ل إط��ار قد يزيد من سقوطها‪ ،‬ع��ن اإلب��اح�ي��ة واالب �ت��ذال‪ ،‬ألن ت�ح��رره ه��و تحرر‬
‫وهو الخيانة الزوجية‪ ،‬غير أن ما يهمنا نحن هو لجسد أكبر تثخنه الجراح‪ ،‬جسد المجتمع حيث‬
‫ما تريد الرواية قوله عبر هذه اللحظة الرمزية؛ الزيف والنفاق والخيانة‪.‬‬
‫وهو الحديث عن الحب كعاطفة‬
‫ت�ح��اف��ظ ال��م��رأة ف��ي هذا‬
‫إنسانية نبيلة‪ ..‬يحيى بها الفرد‬
‫ال�ن��ص على ت��وازن �ه��ا‪ ،‬وتثور؛‬
‫ويستمر‪ ،‬وفي غيابها يكبو‪.‬‬
‫ول�ك��ن ب�ع�ي��دا ع��ن أي اندفاع‬
‫ف��ال��رواي��ة إذ تنتصر للحب‬
‫أو حمى ذات�ي��ة‪ .‬ثورتها وعي‬
‫ورغ �ب��ات ال�ج�س��د ال �م��ادي��ة‪ ،‬ال‬
‫يطفح بفضح عالم يقيم نفسه‬
‫تدعو إلى االنحالل‪ ،‬وال تحرض‬
‫عليها رقيبا‪ ،‬يدينها وال يدان‬
‫على الحرية الجنسية‪ ،‬كما قد‬
‫رغ��م انتهاكاته الالإنسانية‪.‬‬
‫يعتقد البعض‪ .‬فالساردة نفسها‬
‫تقول‪:‬‬
‫ال تصف اللحظة الحميمية إال‬
‫«ك� �ي ��ف ال ت �ح��اك �م��ون من‬
‫عبر لغة إيحائية مكثفة‪ .‬وال‬
‫ت�ج��ردوا م��ن إنسانيتهم‪ ،‬ومن‬
‫تهتم ب��ال�ع�لاق��ة إال ف��ي حدود‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الحب في الرواية وسيلة إلخ��راج الجسد من‬
‫عزلته‪ ،‬ووسيلة إلعادة الحياة له ولآلخر‪ .‬فالساردة‬
‫في إطار عالقتها الزوجية السابقة‪ ،‬لم تكن سوى‬
‫ش��يء م��ن أش �ي��اء زوج �ه��ا‪ ،‬وك ��ان ال�ج�ن��س بينهما‬
‫طقسا آليا يبخس العالقة الزوجية ويفرغها من‬
‫كل حميمية‪.‬‬
‫وتشيؤ ال�م��رأة ال يأتي فقط عبر فضح هذه‬
‫اللحظة‪ ،‬وإن �م��ا م��ن خ�لال ال�ع�لاق��ة ال�ت��ي تربط‬
‫الرجل عامة بالمرأة‪ .‬وهي عالقة يسودها الخلل‬
‫وع��دم التوازن‪ ،‬ال��ذي ي��ؤدي ليس فقط إلى فشل‬
‫العالقة الزوجية بينهما‪ ،‬بل إلى تدهورهما معا‬
‫كأفراد‪.‬‬

‫خاتمة‬

‫وت�م�ت�ل��ك م��ن ال��وع��ي م��ا يجعلها ت �ع��ري الواقع‬
‫وت �ن��اق �ض��ات��ه‪ ،‬وت�ع�ل��ن رغ �ب��ة ت�ح��دي��ه وم��واج�ه�ت��ه‪.‬‬
‫وتملك من ال�ج��رأة ما يجعلها تحكي مشاعرها‬
‫وأحاسيسها خ��ارج م��ا يمليه اآلخ��ر وم��ا يريده‪.‬‬
‫نسمعها مباشرة تبوح برغباتها الذاتية‪ ،‬وتعلن‬
‫حاجتها اإلنسانية في أن تحب وأن تمارس عشقها‬
‫كإنسانة بعيدا عن االبتذال والسقوط‪ .‬كما تثير‬
‫قضايا جديدة على اإلبداع الروائي‪ .‬إنها تتحدث‬
‫عن العجز الجنسي لدى الرجل (بطلة وفاء مليح)‪،‬‬
‫وعن فحولته الفاشلة التي تكون وراء تعثره وتعدد‬
‫مغامراته‪ .‬فوحيد بطل «لحظات ال غير» يذهب‬
‫إلى الغرب واثقا من رجولته‪.‬نستعيد معه صورة‬
‫بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» الذي يرحل إلى‬
‫الغرب غازيا‪ .‬فكالهما يرحل بكبت جنسي‪ ،‬يحاول‬
‫أن يشبعه؛ كالهما يُعد نفسه فارسا مغوارا‪.‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫يتاجرون بأرواح الناس‪ ،‬ومن يتعاملون مع المرضى ال�غ��رب��ة‪/‬واالن�ت�م��اء‪ ،‬ال��رغ�ب��ة‪ /‬وال�ع�ن��ف‪ ،‬الداخل‪/‬‬
‫كآالت ال روح وال إحساس لها‪ ،‬آالت تصلح للربح والخارج‪.‬‬
‫فقط»(‪.)27‬‬
‫والمرأة رغم جراحها وهزائمها ال تستسلم‪.‬‬

‫ق��راءت�ن��ا للروايتين جعلتنا نتبين محاولتهما‬
‫بناء صورة مغايرة للمرأة‪ ،‬خارج ما تصوره عادة‬
‫ينتصر بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» في‬
‫الذاكرة الرجولية‪ ،‬وما يريده المجتمع‪.‬‬
‫غزواته؛ فيجتاح أجساد العذارى والمتزوجات إلى‬
‫قد تبدو المرأة مهزومة ومجروحة‪ ،‬لكن جرحها أن يكبو مع زوجته‪ ،‬لكن وحيدا يعرف كبوته منذ أول‬
‫ليس حالة معزولة؛ ألن الجسد الذي تتحدث عنه تجربة له‪ ،‬حيث يكتشف أن المرأة الفرنسية التي‬
‫ليس جسدها وحدها‪ .‬فلجسدها امتدادات في أحب مثلية‪ .‬وال يستسيغ عقله الشرقي الهزيمة‪،‬‬
‫فيعوضها بمغامرات نسائية ال تنتهي‪ ،‬إلى أن يلتقي‬
‫األسرة والمدينة والوطن‪.‬‬
‫وبهذا فما يهم‪ ،‬ليس ج��راح الجسد األنثوي بالطبيبة النفسانية التي تستطيع أن تخرجه من‬
‫لوحده‪ ،‬كما قد يتوهم البعض‪ ،‬ولكن جراح الوطن وهمه‪ ،‬وتعيد إليه توازنه الذي فقده نتيجة أشياء‬
‫تس ُم جسد المرأة بوشوم تجعلها أخرى تعريها البطلة‪ ،‬منها العنف األسري وسلطة‬
‫وانتكاساته التي ِ‬
‫األب‪ ،‬وما تحدثه من خلل في األسرة‪.‬‬
‫تتشوه‪.‬‬
‫وه �ك��ذا‪ ،‬اس�ت�ط��اع ال�ن�ص��ان تقديم ص��ورة عن‬
‫ما يهم هو ما يقوله الجسد‪ ،‬وما يعلن عنه من‬
‫المرأة وال��رج��ل‪ ،‬ألن رهانهما هو تشريح الواقع‬
‫قضايا تبدو أحيانا متنافرة ومتناقضة‪.‬‬
‫السياسي واالجتماعي والنفسي للمرأة والرجل‪،‬‬
‫إن��ه يقول ال�ح��ب‪ /‬واألل ��م‪ ،‬ال �م��وت‪ /‬والحياة‪،‬‬
‫ورصد صراعهما ضد تنزلهما وانحطاطهما‪ .‬وإن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪43‬‬

‫اختلفا (النصان) في وجهة نظرهما في بعض جراحية تسترجع مفاتنه التي فقدها‪ ،‬وتطلق العنان‬
‫القضايا كما أسلفنا‪.‬‬

‫للحب ثانية‪ ،‬بعيدا عن أي رقابة أو قيد كيفما‬

‫فبطلة وفاء مليح تربط العجز الجنسي بالعجز كان نوعه‪ .‬لهذا وجدنا النص يركز على التربية‬
‫السياسي واالج�ت�م��اع��ي وال�ث�ق��اف��ي‪ ،‬ملمحة إلى والعوامل النفسية كعوامل وأسباب النتكاسة الروح‬
‫أن تحرر الجسد ال يمكن أن يتحقق إال بتحرير والجسد‪ ،‬خالفا لبطلة وفاء مليح التي تركز على‬
‫المجتمع‪ ،‬بينما ترى بطلة «لحظات ال غير» أن التناقضات االجتماعية‪ .‬وبهذا نكون إزاء نصين‬
‫تحرر الجسد ه��و المعبر إل��ى تحرر المجتمع‪.‬‬

‫يعيدان االهتمام بالحكاية المستوحاة من واقعنا‬

‫لذا تعيد الحياة إلى جسدها أوال‪ ،‬بإجراء عملية العربي‪ :‬واقع المرأة والرجل‪.‬‬
‫* ‬

‫(‪ )1‬‬

‫أستاذة جامعية وباحثة من المغرب‪.‬‬

‫‪Dorrit Cohen. La transparence interieure. Modes de représentationde la vie psychique dans le roman.Paris.‬‬

‫‪.Seuil. 1981 p 83‬‬

‫(‪ )2‬سعيد بنكراد‪ .‬الجسد بين السرد ومقتضيات المشهد الجنسي‪ ،‬قراءة في رواية “ الضوء الهارب “ لمحمد برادة‬
‫عالمات‪ ،‬عدد ‪ ،6‬سنة ‪.1996‬‬
‫(‪ )3‬باختين‪.‬‬
‫(‪ )4‬الرواية‪.‬‬
‫(‪ )5‬سعيد بن كراد‪ :‬مصدر سابق‪.‬‬
‫(‪ )6‬الرواية‪ ،‬ص‪.12 .‬‬
‫(‪ )7‬نفسه‪ ،‬ص‪.130 .‬‬
‫(‪ )8‬نفسه‪ ،‬ص‪.134 .‬‬
‫(‪“ )9‬لحظات ال غير”‪ ،‬ص‪.12 .‬‬
‫(‪ )10‬محمد نور الدين أفاية‪ :‬الهوية واالختالف في المرأة‪ ،‬والكتابة‪ ،‬والهامش أفريقيا الشرق‪ ،‬ص‪.58 .‬‬
‫(‪ )11‬سعيد بنكراد‪ :‬مرجع سابق‪.‬‬
‫(‪“ )12‬عندما يبكي الرجال”‪ :‬ص‪.41 .‬‬
‫(‪ )13‬نفسه‪ ،‬ص‪.43 .‬‬
‫(‪ )14‬المرجع نفسه ص‪.56-55 .‬‬
‫(‪ )15‬نفسه‪ ،‬ص‪.60 .‬‬
‫(‪.Faiéma Marnissi: L’Amour dans les pays musulmans, P. 46-47 )16‬‬
‫(‪« )17‬عندما يبكي الرجال»‪ ،‬ص‪.172 .‬‬
‫(‪ )18‬عبدالله إبراهيم‪ :‬أحالم مستغانمي وثنائية الكتابة والجسد‪ ،‬جريدة الشرق األوسط‪ ،‬الخميس ‪ 29‬شوال ‪1423‬‬
‫العدد ‪ ،12613‬السنة ‪.38‬‬
‫(‪« )19‬عندما يبكي الرجال»‪ ،‬ص‪.67.‬‬
‫(‪ )20‬المرجع نفسه‪ ،‬ص‪.78 .‬‬
‫(‪« )21‬لحظات ال غير»‪ ،‬ص‪121.‬‬
‫(‪ )22‬المرجع نفسه‪،‬ص ‪31 :‬‬
‫(‪ )23‬نفسه ص ‪132 :‬‬
‫(‪ )24‬حسن المودن‪ « :‬الكتابة والجسد قراءة في قصص وفاء مليح «‪.‬‬
‫(‪ )25‬نفسه‬
‫(‪« )26‬لحظات ال غير»‪ ،‬ص‪.141.‬‬
‫(‪ )27‬نفسه‪.145 ،‬‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫من إشكاليات دراسة الرواية العربية نظريا‬
‫التصنيف واملدارس‪ :‬قراءة أولية‬
‫> صابر احلباشة*‬
‫درجنا في السياق العربيّ على استعارة النماذج الجاهزة‬
‫فكريا وأي��دي��ول��وج�ي��ا وث�ق��اف�ي��ا‪ ،‬حتى انطبع االس�ت�ه�لاك في‬
‫الثقافة؛ ولع ّل هذا الوضع يؤشّ ر على خطورة في الصميم‪،‬‬
‫جعلت المتدخلين في الشأن الثقافي ينقسمون إلى مجموعة‬
‫ترفض ما يأتينا من الغرب بجميع أشكاله‪ ،‬وتصف ذلك بالغزو‬
‫الثقافي وال �ف �ك��ري؛ ف��ي حين تقف مجموعة أخ��رى موقف‬
‫المُعجَ ب المستل ّذ بما تأتينا به الحضارة الغربية من منتجات‬
‫ثقافية راقية على طبق من فضة‪.‬‬
‫ولعلنا ال نجاوز الصواب إذا ادَّعينا أنّ‬
‫إشكالية التحريم والتحليل الفقهيين للفنّ‬
‫المعاصر – على قِ دَمها وكثرة الفتاوى‬
‫في أمرها – لم تُحسم بعد بشكل نهائيّ ‪،‬‬
‫وهذا ما أدّى إلى انقسام الناس في الشأن‬
‫الثقافي‪ ،‬عموما؛ بل لعلّه سوّغ ضربا من‬
‫الثنائية بين ما نقوم به سرّا عندما نخلو‬
‫إلى أنفسنا‪ ،‬وما نعلنه على رؤوس المأل‬
‫م��ن م��واق��ف(‪ ..)1‬وطبعا ه��ذه االزدواجية‬
‫تفرض علينا مراجعة جذرية لمسلّمات‬
‫الرفض والقبول‪ ،‬للخروج بموقف عقالنيّ‬

‫متوازن‪.‬‬
‫وإذا ما تجاوزنا هذا الوضع العا ّم الذي‬

‫يس ُم الواقع العربيّ ‪ ،‬وحاولنا أن ننظر في‬

‫الشأن ال��روائ��ي تحديدا‪ ،‬وجدنا قلّة من‬

‫الدراسات التي اعتنت بتصنيف الرواية‬
‫العربية تصنيفا علميّا‪ ،‬ال يخلو من وجاهة‬

‫وتمحيص‪.‬‬

‫غير أنّ ال�ب��اح��ث يمكنه أن يستأنس‬

‫ببعض ال��دراس��ات الغربية ال�ت��ي نظرت‬

‫عميقا في م��دارس الرواية واستخلصت‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪45‬‬

‫أه� � ّم سماتها وم��ذاه�ب�ه��ا‪ .‬وم��ن ذل��ك أنّ جون قد تخفي لحظات وهن وانكفاء ال يرقى شك‬
‫ف��ي وج��وده��ا ع��رب�ي��ا‪ .‬م��ن ذل��ك م��ا ي��رد أحيانا‬
‫كابرياس(‪ )2‬قسّ م أصناف الرواية(‪ )3‬إلى ستّة‪:‬‬
‫من إث��ارة ضجة إعالمية واسعة بسبب مقاطع‬
‫‪1 .1‬رواية المغامرات العجيبة‬
‫من رواي��ة‪ ..‬أو اقتطاع أج��زاء من نص إبداعيّ‬
‫‪2 .2‬الرواية التعليمية‬
‫يتهم به صاحبه في دينه‪ ،‬ما يذكرنا بمحاكمة‬
‫‪3 .3‬الرواية التاريخية‬
‫الروائيين على مدى مطابقتهم للواقع التاريخي‪،‬‬
‫أو تشويههم له(‪.)6‬‬
‫‪4 .4‬الرواية‪-‬المسلسل‬
‫‪5 .5‬الرواية البوليسية‬
‫‪6 .6‬الرواية الوثيقة‬
‫وال يقف الباحث في مجال الرواية العربية‬

‫حائرا أمام إمكانية إدراج عناوين كثيرة لروايات‬
‫عربية ضمن ه��ذا الصنف أو ذاك‪ .‬ولئن كان‬

‫ال �ب��اح��ث ال �ف��رن �س��ي ق��د ت�ت�ب��ع ال �خ��ط الزمني‬

‫التاريخي في وضع هذه األصناف‪ ،‬فإنّ ظهور ما‬
‫يقابلها في السياق العربيّ ال يخرج عموما عن‬

‫ولكن إذا عدنا إلى إشكالية التصنيف‪ ،‬فإنّ‬
‫األخذ بما وضعه الباحث الفرنسيّ ‪ ،‬ونقله حرفيا‬
‫إلى السياق العربي‪ ،‬أمر ال ترتضيه السليقة‪ ،‬وال‬
‫خاص يبقى‬
‫ّ‬
‫تقبله الفطرة‪ ،‬ولكن ابتداع تصنيف‬
‫أمرا يحتاج إلى جرأة وتقحّ م‪ ،‬أو قل إنّ المسألة‬
‫تصبح نوعا من المغامرة‪ ،‬إذ أن افتقارنا إلى‬
‫دراس��ات تمهّد الطريق أم��ام تصنيفية شاملة‬
‫أله� ّم تيارات الرواية العربية‪ ،‬بشكل أق��رب ما‬
‫يكون إلى العلمية والموضوعية‪.‬‬

‫هذا التطور التاريخي‪ ،‬ولكن ما يبدو أنّه مختلف‬
‫ولع ّل بعض الدراسات التي اهتمت بإنشائية‬
‫(‪)4‬‬
‫ه��و ن�س��ق ال�ظ�ه��ور وس��رع �ت��ه‪ .‬فمثلما أدرك‬
‫(‪)7‬‬
‫الرواية ‪ ،‬تساعد على الشروع في هذا العمل‪،‬‬
‫ال�ع��رب ال�ح��داث��ة االق�ت�ص��ادي��ة والعسكرية عن‬
‫ولكنها ال تكفي في حدّ ذاتها للقيام بهذا األمر‪،‬‬
‫طريق نقلها عن الغرب‪ ،‬في فترة أق ّل زمنيا من‬
‫فهي تنير السبيل‪ ،‬وتترك للناقد المستقبليّ أن‬
‫فترة اختمارها ومخاضها وبروزها في منشئها‬
‫يتشجّ م أمر مباشرة التصنيف‪.‬‬
‫الغربيّ ‪ ،‬فإنّ تتابع األصناف الروائية المذكورة‬
‫وم���ن ص �ع��وب��ات ه ��ذا األم� ��ر أي �ض��ا تجاور‬
‫لم يحتج في السياق العربي إلى قرون عديدة‪،‬‬
‫مثلما هو الحال في تاريخ اآلداب الغربية‪ ،‬بل المدارس وتزامنها‪ ،‬على نحو يؤشّ ر على تفاوت‬
‫هو ق��رن وبعض ق��رن حتى أمكن لنا االعتداد التحديث ال��روائ��ي ف��ي المتن ال��روائ��ي العربي‬
‫بمدوّنة روائية عربية ركبت قاطرة الحداثة(‪ )5‬س ��واء ك��ان ذل��ك ج�غ��راف� ّي��ا أو ت��اري�خ� ّي��ا‪ .‬ولعلّه‬
‫ع��ن اس�ت�ح�ق��اق‪ ،‬وك ��ان ت�ت��وي��ج نجيب محفوظ بوسعنا أن نخلص إلى بعض االستنتاجات التي‬
‫بجائزة نوبل لآلداب سنة ‪1988‬م – في الواقع تتعلق بالسرد الروائي العربي‪:‬‬
‫– تتويجا للرواية العربية؛ إذ أصبحت على قدر‬

‫م��ن النضج‪ ،‬تشهد ب��ه المواصفات اإلبداعية‬
‫العالميّة‪ .‬على أنّ مسألة اختصار الفترة الزمنية‬

‫التي مرّت بها عملية تحديث الرواية العربية‪،‬‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫أوال‪ :‬األدب (والسرد جزء منه) لم يكتب‪ ،‬في‬
‫األغلب األع��م‪ ،‬بنية فنية خالصة‪ ،‬وال للمتعة‬
‫ال�م�لازم��ة ل��ه‪ ،‬ول�ك��ن بوصفه غ��رض��ا أو كتابة‬
‫غرضية أهميتها في منطوق جدواها وتبشيريتها‪،‬‬

‫ثانيا‪ :‬ال يمكن أن تتحقق الحداثة من خالل رغبة التملص‪ ،‬إذ يمكن القول إنها بهذا المعنى‬
‫نص مفرد‪ ،‬وال من خ�لال استيهامات منفردة تزهد في الحكائيّ ‪ ،‬إذا اشتمل ذلك الحكائيّ‬
‫كيفما بلغت انزياحاتها واختراقاتها‪ ،‬بل هي إلى على عرض مشهديّ لتجربة معيشة‪ ،‬أو يمكن‬
‫جانب ذلك وأبعد حالة مدينية وحضارية وثقافية أن تعاش‪ ..‬المغامرة‪ ،‬العجيب‪ ،‬الغريب‪ ،‬كلّها‬
‫واجتماعية‪ ،‬ووض��ع إنساني شامل؛ وهو وضع مفقودة في الرواية المعاصرة‪ ..‬بل هي تزهد‬
‫يفتقر إليه األدب العربي الحديث والمعاصر‪ ،‬في اللذة الجمالية وتعدل عن االستجابة لرغبة‬
‫التملص‪ ،‬فهي ترفض ضمنيا التسلية‪.‬‬
‫مهما جرؤت فيه التعابير والخطابات(‪.)8‬‬

‫الروايـة الجديـدة‪ :‬إضاءات نقديـة‬
‫ال تشكّل «ال��رواي��ة ال �ج��دي��دة» ح��رك��ة أدبية‬
‫متجانسة تتغيّا هدفا محدّ دا بطريقة مضبوطة‪.‬‬
‫لذلك اختلف توجّ ه ناتالي س��ارّوت عن ميشال‬
‫بوتور مثلما اختلف عن كلود سيمون ومارغريت‬
‫دورا وأالن روب غرييه‪ ،‬فكل واح��د من هؤالء‬
‫اتبع مسلكا خاصا به‪..‬‬
‫ول �ع � ّل أه� � ّم م��ا يسم ال��روائ��يّ ال �ث��وريّ ليس‬
‫سوى طموحه وقدرته التخييلية واقتداره على‬
‫التأليف‪ ،‬وهي الحدود التي يفرضها على أثره؛‬
‫أي المرفوضات والمقبوالت من األفكار والرؤى‬
‫والمواقف التي يُقابل بها الواقع المحيط به‪.‬‬
‫وقد كان المبدع‪ ،‬قديما‪ ،‬إالهَ شخصياته ينظّ م‬
‫حياتها على هواه ويحرمها من الحرية ويسلّط‬
‫نفوذه المطلق على فكرها وعلى أعمالها‪ ،‬حتى‬
‫لكأنه مازوشيّ ‪ .‬أما اآلن؛ أي في نطاق التصوّر‬
‫العام المشترك تقريبا بين روائيي تيار «الرواية‬
‫ال �ج��دي��دة»‪ ،‬فقد أص�ب��ح ال��واح��د منهم ال يعلم‬
‫شيئا‪ ،‬وي��رت��اب من كل ش��يء‪ ،‬فلم تعد الرواية‬
‫رسما للعالم‪ ،‬بل تمرينا للتصفية والتنقية من‬
‫التفاصيل والزوائد‪ ،‬وهي ترفض أن تكون أثرا‬
‫فنيا خالصا‪ ،‬مُهمِ لة جمال الشكل الباطني؛ إذ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫وليس في جماليتها‪ ،‬وال في استيفاء شروط ما ال تهت ّم بالجمال الشكليّ ‪ ،‬وال تسترضي الذوق‪،‬‬
‫يجعل منها خلقا بديع التكوين‪.‬‬
‫ب��ل ت�ع��دل ع��ن ذل��ك ال�ث��اب��ت ال��روائ��ي‪ ،‬أال وهو‬

‫باختصار لقد دخ��ل ال��روائ��ي فيما تسميه‬

‫ناتالي ساروت «عصر الريبة»‪ ،‬مستشهدة بأمثال‬
‫جويس وبروست وكافكا‪ .‬ما يؤكّد أنّ الرواية‬

‫ينبغي أن تتوقف عن أن تكون وصفا لكائنات‪،‬‬
‫لتتحول س ��ؤاال ع��ن ال �ك��ون‪ .‬وم��ن ه �ن��ا‪ ،‬يتأتى‬
‫االزدراء الذي يظهره الروائي «للشخصية» التي‬

‫توقفت هكذا‪ ..‬عن أن تكون المركز الحيّ الذي‬

‫تنتظم األحداث حوله‪ ،‬ونزع الروائي عنها شيئا‬

‫فشيئا كلَّ ما يجعل منها إنسانا؛ فهي تميل إلى‬
‫ال صوته‪ .‬فـ»الروائي»‬
‫أن تكون شبحا ال نسمع إ ّ‬
‫الخفيّ عند أالن روب غرييه‪ ،‬و«أنتم» الضمير‬

‫الوسيط بين ضميري المتكلم والغائب‪ ،‬يتوجه به‬
‫ميشال بوتور إلى بطل رواية «التعديل» والصور‬

‫الغنائية الخاطفة لكلود سيمون‪ ..‬هكذا يتخذ‬
‫ال��روائ��ي مسافات تجاه بطل ال يعدّ ل��ه وجود‬

‫شهواني(‪.)9‬‬

‫ويختلف س���اروت وغ��ري �ي��ه‪ُ ،‬م �نَ��ظِّ �رَا حركة‬

‫«الرواية الجديدة» جذريّا حول موضوع الرواية‪.‬‬

‫فإذا كانت ناتالي ساروت ترى أن موضوع الرواية‬
‫يبقى دائما الحقيقة النفسية‪ ،‬ولكنها تعد أن‬

‫بلوغ أعماقها يت ّم بإهمال التحليل وااللتصاق‬
‫بالسلوك ال��ذي نتناوله عبر أش��د المحادثات‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪47‬‬

‫تفاهة؛ فالوسيلة المستعملة إذاً ه��ي الحوار‬

‫وهو مجهود يذكرنا بأحد توجهات «الرواية‬

‫الملتقط للحركات التي تسميها س��اروت «ما الجديدة»‪ ،‬غير أنه مُعبَّر عنه هنا (أي في رواية‬

‫تحت المحادثة»‪.‬‬

‫«التعديل») في شكل نحويّ شديد السذاجة؛‬

‫إذا كان ذلك موقف ساروت‪ ،‬فإنّ أالن روب ألننا عندما نقرأ رواية‪ ،‬فمهما كانت مشاركتنا‬
‫غرييه ي��رى أنّ الهدف المطلوب بلوغه‪ ،‬ليس لوجهة نظر الشخصية شديدة الكثافة‪ ،‬فإننا‬
‫الوجود النفسي بل العالم‪ ،‬فليس على الرواية نظ ّل نراها على شاشتنا الباطنية‪ ،‬مثل شخص‬
‫أن تسعى إلى عمق خاطئ‪ ،‬بل ينبغي أن تصبح ينفصل عنا ويعرض علينا مشهدا‪.‬‬

‫«بصرية وصفية» ومن ث ّم كانت األهمية الرئيسة‬

‫المعطاة للشيء(‪.)10‬‬

‫فورشة ك ّل من بوتور وروب غرييه تنزع إلى‬

‫إجراء رقيا‪ ،‬فهذا الوعي الذي نُستدعَ ى إلى أن‬

‫فالرواية في هذا التيار ال تقع على الطريق نجعله وعينا‪ ،‬يكرر دون هوادة صورا وأغراضا‬
‫المؤدّي من الواقع‪ ،‬إلى انعكاسه‪ ،‬بل على الطريق تأخذ أحيانا قيمة أسطورية‪ .‬فواقعية بوتور في‬

‫الرابط بين إبداع وقراءة؛ فلم يعد هناك بالنسبة رواية «التعديل» هي واقعية أسطورية‪ ،‬إذ يجد‬
‫إلى القارئ قدر يضطلع به في الخيال‪ ،‬بل فتنة الوعي فيها نماذج أصلية‪ .‬وحتى روب غرييه‪..‬‬
‫قص على طريقته حكاية أوديب في روايته‬
‫تصيب‪ .‬وال تتأسس الفتنة الروائية في «الرواية فقد ّ‬
‫ال�ج��دي��دة» على إمكانية مُشاكلة ال��واق��ع‪ ..‬أي «المماحي»‪ .‬وعلى كل حال فإننا نجد في كثير‬
‫مطابقته‪ ،‬ولكن تتأسس على التكرار واالقتراح‪ ،‬من آثار «الرواية الجديدة» نقال لبنى أسطورية‬
‫وال ترجع القيم الملحة إلى وصف نفسيّ ‪ ،‬ولكن في واقعية كثيرة التفاصيل‪.‬‬
‫إلى ورشة االفتتان؛ إذ يقترح الروائيّ أن يفرض‬

‫يسجل ُكتّاب «الرواية الجديدة» عن طواعية‬

‫على القارئ محتوىً ذهنيا‪ ،‬وال يكون ذلك أحيانا سرّا في صلب كتبهم؛ ففي رواية «تصريف الزمن»‬
‫عبر الشخصية المسخّ رة‪.‬‬
‫بفك مزخرفة زجاجية‪،‬‬
‫ّ‬
‫ل�ب��وت��ور‪ ،‬يتعلق األم��ر‬

‫ويحترم ميشال بوتور أطر الزمان والمكان في وتفكيك رواية بوليسية‪ ،‬والوصول بذلك إلى س ّر‬
‫روايته «التعديل»؛ إذ نعيش تمشيا بطيئا لحاالت المدينة‪ .‬و ُعقَد روب غرييه البوليسية تعرض‬
‫وعي‪ .‬فـ«التعديل» هي مناجاة رجل عدل طوال ألغازها‪ ..‬وقد عرّف ميشال بوتور الرواية يوما‬
‫رحلته من باريس إل��ى روم��ا‪ ،‬شيئا فشيئا عن بأنها «خيال ماكر» مُلفّق لتشويش ذهن القارئ‪،‬‬
‫تنفيذ مشروعه الذي عزم عليه‪ ،‬أي التخلّي عن وكثيرا ما تنعدم إحداثيات الزمان والمكان في‬
‫زوجته وأطفاله‪ ،‬والعيش في روما مع عشيقته‪« .‬الرواية الجديدة»‪ ،‬والرواية تظل ملغزة فقط‪،‬‬
‫فكان استعمال ضمير «أنتم» كإيقاع الملحّ لتلك ألنّها ترفض إعطاء مداخلها ومخارجها للقارئ‪،‬‬

‫الجمل الطويلة الملتفّة‪ ،‬ك��ان مجهودا لدعوة كي يعيد بناءها‪ .‬ويهت ّم الروائي بعرض حركات‬
‫القارئ إلى التطابق – إذا صحت العبارة– مع وأشياء وأق��وال على قارئه‪ -‬وخاصة محتويات‬
‫محتوى وعي خيالي‪ ،‬أو باألحرى لفرض محتوى ذهنية‪ -‬حيث المشهد واقعي أو حلمي أو متخيَّل‬
‫وعي وقتي خيالي على القارئ أثناء القراءة‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫أو مشوّه من قبل الذهن‪ .‬ولكن متى نكون في‬

‫سطحية تتعلّق بصفاء الجنس األدبي أو بقيمته‪،‬‬
‫قص حكاية ما‪ ..‬أن‬
‫بل تنبثق عن عدم إمكانية ّ‬
‫نفكّر م��ن ق��ري��ب ف��ي م��ا يفترضه فعل القص‬

‫الوحيد‪ .‬بأي حق نكتب ولنقول ماذا؟ فالوجود‬
‫َط‬
‫يطغى على كل ما يمكن لنا قوله‪ .‬لم ننتهِ ق ُّ‬

‫وقد عرّف ميشال بوتور الرواية سنة ‪1956‬م من الواقع‪ ..‬وفي البداية‪ ،‬بم نبدأ إذا أردنا أن‬
‫بأنّها استقصاء‪ ،‬قاصدا في البدء أن يقول إنه نحكيَ ؟ (‪.)11‬‬
‫القص‪.‬‬
‫ّ‬
‫على الروائي أن يتعهّد تجديد أشكال‬
‫مثل هذه األسئلة تحيلنا على مراجع «الرواية‬
‫وتُمثِّل آثار بوتور مثال البحث‪ /‬االستقصاء الذي ال �ج��دي��دة» ف��روائ�ي��و ه��ذا ال�ت�ي��ار ت��أث��روا كثيرا‬
‫يتورّط في اتجاهات مختلفة على التوالي‪ .‬ونعرّف بالفيمنولوجيا والوجودية والبنيوية(‪.)12‬‬
‫«الرواية الجديدة» عن طيب خاطر‪ ،‬بأن نقدمها‬
‫وع �ل��ى ال �ع �م��وم‪ ،‬ف�خ�ص��وب��ة ورش ��ة «الرواية‬
‫بوصفها سلسلة من المغامرات الجمالية‪ ،‬بما‬
‫الجديدة» لم تعد تحتاج إلى فضل بيان‪ .‬ويمكن‬
‫تفترضه من مجازفات؛ إذ قد يحدث أن تؤدي‬
‫أن تظهر اآلث ��ار المنتجة ص��ارم � ًة ومتشدّ دةً‪،‬‬
‫بعض المغامرات إلى طرق مسدودة‪ .‬فالروائي‬
‫مخصصة ل �ق��ارئ ه��و ذات ��ه من‬
‫ّ‬
‫وم��ن ث��م ف�ه��ي‬
‫يتعلق بكشف ارت�ق��اء نحو الحكاية‪ ،‬وبانعدام‬
‫صنف ج��دي��د‪ .‬ويكفي االه�ت�م��ام ال ��ذي أثارته‬
‫إمكانية االلتحاق بها حكايةً‪ .‬ولم يعد الروائيّ‬
‫واضعا يده على الحقيقة‪ ،‬ومؤتمَنا على سرّ‪ .‬فال ف��ي فرنسا وخ��ارج �ه��ا‪ ،‬واألب �ح��اث والتعليقات‬
‫يقص حكاية‪ ،‬بل يقدم فقط بعض المقتطفات‪ ،‬التي استلهمتها‪ ،‬و«االنتعاش» اللغويّ والنظريّ‬
‫ّ‬
‫النصية التي جعلتها‬
‫ّ‬
‫وعلى القارئ أن يحاول إعادة تشكيلها‪ .‬فالرواية الذي أجرته‪ ،‬و«الشواغل»‬
‫الحديثة مثل لعبة البازل‪ ،‬إذ يحدث أحيانا أن «ال ��رواي ��ة ال �ج��دي��دة» ق��اب�ل��ة ل �ل �ق��راءة‪ ،‬وخاصة‬
‫وضحتها‪ ،‬يكفي كل‬
‫نفشل في إعادة تنظيمها‪ ،‬والرواية بأكملها تقع القطائع األيديولوجية التي ّ‬
‫في عدم إمكانية أدائها‪ ،‬فالروائي يبذل جهودا ذلك لبيان أنّ هذه اآلثار طَ بَعت بطريقة حاسمة‬
‫ليقول ما يعرفه‪ ..‬ولكن في غموض؛ فتصبح األدب الفرنسي في منتصف هذا القرن(‪.)13‬‬
‫ال��رواي� ُة رواي � َة ال��رواي��ةِ التي لن تُكتب‪ ،‬ألنّها ال‬
‫ف�ه��ل اس �ت �ف��اد ال��روائ��ي��ون ال �ع��رب م��ن هذا‬
‫يمكن أن تكون‪ .‬وقد عدَّ جان بول سارتر رواية «اإلرث» النظريّ واإلبداعي في تعديل آثارهم‪..‬‬
‫ناتالي ساروت «صورة مجهول» (‪1956‬م) رواية وتوجيهها نحو هذا المسلك المتفرّد؟‬
‫م �ض��ادّة‪ ،‬وق��ال‪« :‬يتعلّق األم��ر بنكران الروايةِ‬
‫ذاتَها‪ ،‬وبتقويضها تحت أعيننا‪ ..‬في الوقت ذاته مدخـل إلى األدب العجـائب ّـي‬
‫ان �ت �ش��ر م�ص�ط�ل��ح «األدب ال �ع �ج��ائ �ب��ي» في‬
‫الذي يلوح لنا فيه أننا نشيّدها‪ ،‬وبكتابة رواية‬
‫الرواية التي ال تتم»‪ .‬والواقع أن حجز الوجود ال �س �ن��وات األخ��ي��رة م��رادف��ا ل�ل�ف��ظ األعجميّ‬
‫‪ ،littérature fantastique‬وقد تصدّ ى لبيان أوجه‬
‫يمنع كتابة الرواية‪.‬‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫الواقع‪ ،‬ومتى نكون في الذكرى أو الحُ لم؟ وحتى‬
‫المحتويات الذهنية كالحوارات الباطنية‪ ،‬ليست‬
‫منقولة دائ �م��ا ع��ن شخصية تعيشها بطريقة‬
‫صريحة‪ .‬أح��ده��م يتكلم‪ :‬م � ْن ه��و؟ يعسر على‬
‫األقل في بداية الرواية تعيين من أ ُسندت إليه‬
‫هذه المناجاة‪.‬‬

‫ف��ال��رواي��ة ال �ج��دي��دة ق�لّ�م��ا تنبثق ع��ن أزمة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪49‬‬

‫انطباقه على أن�م��اط م��ن ال�س��رد العربي عدد‬
‫من الباحثين يعسر أن نحصيهم عدّ ا‪ ،‬والجامع‬
‫بين جُ لهم رغبة جامحة في استثمار مقولة هذا‬
‫الجنس األدب ��يّ ؛ وه��ي غربية المنشأ‪ ،‬ال شك‬
‫في ذل��ك‪ ،‬لتأصيل استتباعاتها اإلجرائية في‬
‫النصوص والمتون العربية‪ ،‬سواء منها القديمة‬
‫أو الحديثة؛ وفي ذلك جهد ال يُنكر‪ ،‬ونيّة في‬
‫توسيع دائرة المقاربات النقدية العربية‪ ،‬بفتحها‬
‫على نوافذ ك��ان الغرب قد انصرف إليها منذ‬
‫مدة‪ .‬ونكتفي في هذا الحيز المختصر‪ ،‬باإللماع‬
‫إلى أمّهات القضايا النظرية ‪ -‬كما عرفها الغرب‪،‬‬
‫وبالتحديد فرنسا ‪ -‬لع ّل في ذل��ك مزيدا من‬
‫تدقيق هذه األصول النقدية التي تعد ضرورية‬
‫لمالمسة موضوع العجائبيّ ‪ .‬ونكتفي في هذا‬
‫اإلطار بعرض سريع لبعض آراء تودروف وكايوا‬
‫في المسألة‪.‬‬

‫مقاربة تودوروف للعجائبي‬
‫يشترط ت��ودوروف‬
‫شروط في حدّ العجائبي‪.‬‬

‫‪Todorov‬‬

‫ال��م��ج��ازي(‪( )15‬االس��ت��ع��اريّ )‪ ،‬أو التأويل‬
‫«اإلن�ش��ائ��ي»(‪ ،)16‬وه��ذه ال�ض��رورات الثالث‬
‫ليست ذات قيمة متساوية‪ ،‬فاألولى والثالثة‬
‫تمثالن حقّا الجنس األدب��ي‪ ،‬أ ّم��ا الثانية‬
‫فيمكن أ ّال تكون مشبعة‪ ،‬وعلى كلٍّ ‪ ،‬فغالبية‬
‫األمثلة تستجيب للشروط الثالثة(‪.)17‬‬
‫وقبل أن يورد تودوروف هذه الشروط الثالثة‪،‬‬

‫بيّن عددا من المفاهيم والمتصوّرات السائدة‬
‫في دراسة األدب العجائبيّ ‪ ،‬مستعرضا بعضها؛‬
‫من ذلك قول الفيلسوف والمتصوّف فالديمير‬

‫صوليفيوف(‪« :)18‬ف��ي األدب العجائبي الحقّ ‪،‬‬

‫نحتفظ دائما بإمكانية خارجية وشكلية‪ ،‬لتفسير‬
‫بسيط للظواهر‪ ،‬لكن في الوقت نفسه يكون هذا‬

‫خاصأ تماما باحتمال داخليّ » (أورده‬
‫ّ‬
‫التفسير‬

‫توماشفسكي(‪ ،)19‬ص‪.)288‬‬

‫ويعلّق تودوروف قائال‪« :‬توجد ظاهرة غريبة‬

‫يمكن تفسيرها بطريقتيْن‪ ،‬بواسطة ضروب من‬

‫أن تتوافر ثالثة العِ لل الطبيعية أو الخارقة‪ ،‬وإمكانية التردّد‬
‫بينهما تُنشئ المفعول العجائبي»(‪.)20‬‬
‫كما يشير تودوروف بعد ذلك إلى أنّ التعريفات‬

‫النص القارئَ على اعتبار عالم‬
‫ُّ‬
‫أو ال ‪ :‬أن يجبر‬
‫الشخصيات عالم أشخاص أحياء‪ ،‬ويجبره ال �ح��دي �ث��ة (ال� �ت ��ي ظ��ه��رت ف ��ي الخمسينيات‬
‫ك��ذل��ك على ال �ت��ردد بين تفسير طبيعي‪ ،‬والستينيات) لمفهوم «العجائبيّ » في فرنسا‪،‬‬
‫وإن اختلفت عن تعريفه هو له‪ ،‬فهي ال تتناقض‬
‫وتفسير خارق لها‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن يكون ذلك التردد محسوسا من قبل م �ع��ه‪ .‬وي�ع��جّ ��ل ب��إي��راد أم�ث�ل��ة ع�ل��ى ذل ��ك‪ ،‬فهذا‬
‫إح��دى الشخصيات‪ ،‬وف��ي ال��وق��ت نفسه‪ ،‬كاستاكس(‪ )21‬يكتب في الخرافة العجائبية في‬
‫«يختص العجائبي بإقحام مفاجئ‬
‫ّ‬
‫يبقى التردد ماثال‪ ،‬ويصبح غرضا(‪( )14‬أو فرنسا‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫موضوعا) من أغ��راض األث��ر‪ .‬وف��ي حالة للعجب في إطار الحياة الحقيقية» (ص‪.)8‬‬
‫القراءة الساذجة يتماهى القارئ الحقيقي‬
‫أ ّم��ا لويس ف��اك��س(‪ )22‬فيقول في كتابه الفنّ‬
‫مع الشخصية‪.‬‬
‫واألدب العجائبيان‪« :‬يريد السرد العجائبي أن‬
‫ثالثا ‪ :‬م��ن المه ّم أن يتبنى ال �ق��ارئ موقفا ما ي�ق��دّ م ل�ن��ا‪ ،‬وه��و يسكن العالم الحقيقي حيث‬
‫إزاء ال �ن� ّ‬
‫�ص‪ :‬ك��أن ي��رف��ض س ��واء التأويل ن��وج��د‪ ،‬أن��اس��ا مثلنا؛ موضوعيين ف �ج��أة‪ ،‬في‬

‫‪50‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ِّ‬
‫الصرف‪.‬‬
‫الصرْف ← الغريب ← العجيب ِّ‬

‫إل��ى العالم الواقعيّ دون أن يضربه أو يفسد‬

‫مقاربة كايوا للعجائبي‬

‫كما يرى كايوا‪ ،‬يعرض فضيحة‪ ،‬تمزقا‪ ،‬قطيعة‬

‫أ ّم��ا روج��ي ك ��اي ��وا(‪ ،)23‬فيقول ف��ي كتابه في ظواهر تخرق الطبيعيّ مع نفي تدخل (اآللهة)‬
‫صلب العجائبيّ ‪« :‬ك ّل العجائبيّ هو قطع النظام أو الشفعاء ال��ذي��ن ه��م مح ّل اعتقاد وعبادة‪،‬‬
‫ُ‬
‫المعروف‪ ،‬قطع المرفوض في صميم القانون» يمكن اعتباره أدب��ا عجائبيا‪ .‬إذ ال يمكن أن‬
‫تعدّ األساطير وقصص نشوء الكون(‪ )27‬والكتب‬
‫(ص‪.)161‬‬
‫المقدّ سة وحيوات الصالحين وبركاتهم‪ ،‬أدبا‬
‫ويرى ت��ودوروف أنّ هذه التعريفات الثالثة‬
‫عجائبيا‪ ،‬رغم أنّ الخارق للطبيعيّ فيها عنصر‬
‫متشابهة‪ ،‬حتى أنّ عباراتها تكاد تعوّض بعضها‬
‫متضمن ومقوّم من مقوّماتها‪ .‬إذ إن العجائبي‬
‫بعضا‪ ،‬وع�ي��ب ه��ذه التعريفات أن�ه��ا ال تقدّ م‬
‫ُقص‬
‫ميدان وسيط يستثني الخرافات التي ت ّ‬
‫– مثلما هو الحال في تعريفات صوليفيوف‬
‫على ألسنة الحيوان والحكايات ال َمثَلية‪ ،‬حيث‬
‫وجيمس وغيرهما – (إضافة إلى أنّها تقتضي‬
‫تُشخَّ ص الفضائل والرذائل مثال‪ ،‬أو الكائنات‬
‫وج��ود أح��داث من صنفين‪ :‬صنف من العالم‬
‫من كل نوع‪ ،‬مثلما أنّه يستثنى كذلك ك ّل خبر ذي‬
‫الطبيعي وصنف من العالم الخارق) – ال تقدّ م‬
‫سمة بالغية اصطالحية أو تعليمية يستجيب‬
‫إمكاني َة توفير تفسيرين للحدث الخارق‪ ،‬وتبعا‬
‫لمقصد بديهيّ عند مؤلّفه‪.‬‬
‫لذلك يختار الواحد منا تفسيرا منهما‪.‬‬
‫ويستخلص كايوا مما سبق أنّ ميدان األدب‬
‫ويعترف ت��ودوروف أنّ تعريفه الخاص إنما‬
‫العجائبي بقي له أن يمتد‪ ،‬في ظل االستثناءات‬
‫هو مشتقّ من تعريفات صولوفيوف وجيمس‬
‫ال � ��واردة أع�ل�اه ع�ل��ى جنسين تقليديين هما‬
‫وغيرهما‪ ،‬وه��ي تعريفات ثريّة‪ ،‬لما فيها من‬
‫أس��اط �ي��ر ال �ج��ن وق �ص��ص األش� �ب ��اح‪ ،‬وإليهما‬
‫تركيز على السمة االختالفية للعجائبيّ (بوصفه‬
‫يضاف نوع ثالث محدث يسمى عادة «الخيال‬
‫قاسما مشتركا بين الغريب(‪ )24‬والعجيب(‪.))25‬‬
‫علمي»‪.‬‬
‫ويستخلص تودوروف من ذلك قاعدة عامة‪,‬‬
‫وي�ش��رع ك��اي��وا أث��ر ه��ذا التحديد الخارجي‬
‫تتمثل في أنّ الجنس األدب��يّ يُح ُّد بالنظر إلى‬
‫لميدان األدب العجائبي في تعريف أصالة هذه‬
‫األج �ن��اس ال �م �ج��اورة ل� ��ه(‪ .)26‬وق��د ق ��دّ م رسما‬
‫األنواع الثالثة وربما جينيالوجيتها‪ ،‬وهي أنواع‬
‫ت��وض�ي�ح�ي��ا ج �ع��ل ف�ي��ه ال�ع�ج��ائ�ب��ي ع �ل��ى تخوم‬
‫توجد مع بعضها بعضا وتتجافى في آن واحد‪.‬‬
‫ميدانين متجاورين‪.‬‬
‫فقصص ال �ج��نّ م�ث�لا‪ ،‬ك��ون عجيب يضاف‬
‫الغريب العجائبي ← العجائبي ← العجيب‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫حضرة ما يتعذّ ر تفسيره»(ص‪.)5‬‬

‫نص مكتوب يقدّ م كائنات أو‬
‫يمكن اعتبار كل ّ‬

‫انسجامه‪ .‬وف��ي المقابل ف��إن العجائبيّ دائما‬

‫ي ��رى روج� ��ي ك��اي��وا م �ح��رر ف �ص��ل «األدب مستغربة تكاد تكون غير محتملة ف��ي العالم‬
‫العجائبي» بدائرة المعارف الكونية الفرنسية الواقعي‪ .‬وبعبارة أخ��رى‪ ..‬فعالم قصص الجنّ‬
‫‪ ،Encyclopaedia Universalis‬أنّه بصفة تقريبية‪ ،‬حيث تكون ذوات ق��درات بعيدة ع��ن أن تكون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪51‬‬

‫متطابقة‪ ،‬فبعض تلك الكائنات شديدة القوة‪،‬‬
‫واألخرى شبه عزالء‪ ،‬ولكنها تلتقي جميعا دون‬
‫ال‬
‫مفاجأة تقريبا؛ وبالتأكيد‪ ،‬دون هلع‪ ،‬الله ّم إ ّ‬
‫ذاك الهلع الطبيعي الذي ينتاب الضعيف أمام‬
‫ال�ج� ّب��ار‪ .‬وي�ع��رض ك��اي��وا ف��ي ه��ذا المقام مثال‬
‫الرجل الشجاع‪ ،‬يصارع غوال يقذف ألسنة من‬
‫اللهب‪ ،‬أو بعض العمالقة عملق ًة فظيعة‪ ،‬وينتصر‬
‫عليها‪ ،‬بل هو قادر على أن يجعلها تهلك‪..‬‬
‫مثل هذا المدخل المبتسر إلى الشقّ النظري‬
‫«ال يسع ال��دارس جهله»‪ ،‬إذا ما استعرنا عبارة‬
‫الفقهاء؛ أي إنّه من باب الضروريّ الذي يحتاج‬
‫إليه بوصفه لبنة أولى‪ ،‬على من يروم التعمّق أن‬
‫يعود على المظانّ واألمّهات في هذه المسألة‪..‬‬
‫* ‬

‫(‪ )1‬‬
‫(‪ )2‬‬

‫(‪ )3‬‬

‫(‪) 4‬‬
‫(‪ )5‬‬

‫(‪ )6‬‬

‫‪52‬‬

‫ولع ّل السؤال المطروح هنا يكمن في مدى‬
‫وعي الخطاب النقدي العربي الحديث‪ ،‬بارتكاز‬
‫ال ��رواي ��ة وال��س��رد ال�ق��روس�ط� ّي�يْ��ن ع�ل��ى مدخل‬
‫العجائبيّ ‪ ،‬وهل مارس هذا النقد عمله بنجاح‪,‬‬
‫عبر شبكة تحليل دقيقة تصنف ضروب العجيب‬
‫وتحلل مدلوالتها‪ ،‬أم إنّ التحليل ظ� ّل مكتفيا‬
‫بعبارة ال�خ�ي��ال? أو لع ّل الموقف التقليدي –‬
‫الذي أورده ابن النديم في الفهرست وأبو حيان‬
‫التوحيدي في اإلم�ت��اع والمؤانسة من احتقار‬
‫للقصص الخيالية‪ ،‬ووصفها بالغثاثة‪ ،‬وما إلى‬
‫ذل��ك م��ن ع �ب��ارات االس�ت�ه�ج��ان – ب �ق��يَ كامنا‬
‫في خلفيات الخطاب النقديّ ال��ذي يعدّ وريثا‬
‫وممثال للثقافة العالِمة التي تتجاهل وتهوّن من‬
‫الثقافة الشعبية(‪.)28‬‬

‫كاتب وناقد وباحث من تونس مقيم في البحرين‪.‬‬
‫من ذلك أنّ بعض الناس يقرؤون روايات‪ ،‬يزعجهم أن تقع بين أيدي أبنائهم‪ ،‬أو بين أيدي من يظنون أنه غير مؤهّ ل‬
‫لقراءتها! ‪.Jean Cabriès: Roman : Essai de typologie, in Encyclopaedia Universalis‬‬
‫يقول الدكتور مصطفى الكيالني‪« :‬من الصعب حدّ جنس الرواية األدبي قطعيّا‪ ،‬بل األقرب إلى الظنّ أنّه سر ُد حادثٌ‬
‫يستجيب لهذا العصر ويُعبّر عن وعي المكان واألشياء بخطّ ة مغايرة للسرد القصصيّ وأنواع السرد األخرى في‬
‫الراهن والسالف»‪.‬‬
‫الرواية هي سرد المكان والكيان‪ ،‬ورس� ٌم طوبوغرافي مُتخيّل لوعي اللحظة الكاتبة‪ ،‬والفضاء بوقائعه وأشيائه‬
‫وتفاصيله‪ ،‬وكتاب ٌة للتاريخ الفرديّ والجمعيّ بواسطة الخيال السردي‪ ،‬تلك هي مالمح النواة شبه الساكنة التّي بها‬
‫يُح ّ ُد جنس الرّواية األدبيّ ‪ ،‬حسب التقريب‪ ،‬إ ّال أنّ العناصر األخرى الحافّة بالنواة‪ ،‬متغيّرة متحوّلة باستمرار‪ ،‬نتيجة‬
‫التناصيّ وتعالقُها الحميم مع أجناس أدبيّة وفنون أخرى‪ ،‬وانفتاحها الدّائم على الوقائع الحادثة‪».‬‬
‫ّ‬
‫اتّساع مدى الرواية‬
‫من حوار أنجزه معه كمال الرياحي بعنوان‪« :‬حول الرواية والنقد الروائي»‪ ،‬مجلة جسور‪ ،‬العدد‪،7‬السنة‪،1‬أيلول ‪-‬‬
‫سبتمبر‪2005‬م‪.‬‬
‫أدرك هنا بمعنى الوعي والفهم ال بمعنى البلوغ والوصول!‬
‫لكن ال يخفى ما يوجد عندنا من خصوصيات أخالقية تجعل الروايات اإلباحية غير منتشرة‪ ،‬وإن كانت بعض‬
‫الكتابات «التحررية» ت��ورد مشاهد العالقات الحميمة على صفحات رواياتها‪ ،‬وه��ذا يدخل في ما سماه بعض‬
‫الباحثين بتوسع مساحة الجرأة‪ ،‬وال سيما على أيدي أقالم نسوية!‬
‫مسألة العالقة بين الواقع والتاريخ بالرواية مبحث شديد التعقيد‪ ،‬وقد كثرت فيه المقاربات التي تنظر إلى األمر‬
‫بمقدار كبير من االختالف في وجهات النظر‪ .‬فنظرية االنعكاس بمختلف تقليباتها ترى أن النص وثيقة على أمور في‬
‫النص قطعة فنية تبني واقعا موازيا للواقع‬
‫ّ‬
‫الواقع (نفسية واجتماعية واقتصادية‪)..‬؛ أمّا النظريات اإلنشائية‪ ،‬فتعدّ‬
‫النص الروائي‬
‫ّ‬
‫المعايش‪ ،‬أو هي تعيد بناءه بشكل تخييليّ صرف؛ فالرواية تشكيل لغويّ خياليّ أوّال وأساسا‪ ،‬وليس‬
‫بأيّ حال من األحوال وثيقة تاريخية‪ ،‬إ ّال بالقدر المحدود الذي ال يجعل من اإلنصاف تحميل المبدع وزر ما تفعله‬
‫أو تقوله شخصياته الورقية المبتدعة!‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫ ويصل األمر ببعضهم إلى الحديث عن اختالف بين الزمن اإلبداعي والزمن التاريخي‪ .‬يقول مصطفى الكيالني‪« :‬ال‬
‫أعتقد أنّ اإلبداع األدبيّ ‪ ،‬والرواية تحديدًا‪ ،‬خاضع لتأثيرات الوقائع التاريخية المباشرة‪ ،‬ولكنّ الهزائم واالنتكاسات‬
‫والحروب‪ ،‬تتحوّل من مجال الصدمة إلى قيعان الذات المبدعة؛ ألنّ الزمن اإلبداعي « يختلف في الماهيّة واالشتغال‬
‫عن « الزمن التاريخي»‪« .‬حوار حول الرواية والنقد الروائي»‪( ،‬مرجع مذكور)‪ .‬نذكر على سبيل المثال أطروحة‬
‫الدكتور فوزي الزمرلي حول «إنشائية الرواية العربية»‪ ،‬وإن كان بحثه مرتكزا على تحليل نماذج بعينها (بعض روايات‬
‫الطيب صالح والبشير خريف و‪ ،)..‬فإنّه ال يخلو من إشارات تصلح النطباق على مجمل اتجاهات الرواية العربية‪.‬‬
‫أمّا بحث أحمد المديني المشار إليه في الهامش الموالي فيهت ّم بالرواية في المغرب األقصى‪ ،‬في حين اهت ّم الباحث‬
‫التونسي الدكتور بوشوشة بن جمعة باتجاهات الرواية في المغرب العربيّ ‪.‬‬
‫(‪ )8‬أورده عبدالفتاح الحجمري نقال عن أحمد المديني‪ ،‬متحدثا عن السرد في المغرب‪ ،‬وهو ما ينطبق ‪ -‬فيما نظنّ ‪-‬‬
‫على السرد العربيّ ‪ ،‬عموما‪ .‬انظر عبدالفتاح الحجمري «نقد السرد األدبي‪ :‬مفاهيم وقضايا»‪.‬‬
‫(‪.Pierre De Boisdefre: «Les écrivains français d'aujourd'hui»- col. Que sais-je, PUF, Paris, 1973,p-p49-51 )9‬‬
‫(‪René Lalou : : «Le romon français depuis 1900» –col. Que sais-je, P.U.F. Paris, 1963- chap: VIII, le roman )10‬‬
‫‪.d'aujourd'hui, par Georges Versini, pp122-123‬‬

‫(‪.Michel Raimond: «Le roman depuis la révolution» –col. V. Armond Colin, Paris, 1967 – p.p 222-226 - ) 11‬‬
‫(‪.Marcel Girard: «Guide illustré de la littérature française moderne» –ed. Seghers, 1968, p. 305 - ) 12‬‬

‫(‪Raymond Jean: art. «Romon: Le nouveau romon» –in. Encyclopaedia Universalis, Paris, 1990. Corpus, - )13‬‬
‫‪.vol. 20.p.143‬‬

‫(‪ ) 14‬بكلمة «غ��رض» أترجم اللفظة األجنبيّة ‪ ،thème‬وقد أعرضت عن المقابل ال��ذي درج عدد من الباحثين على‬
‫استعماله وهو كلمة «تيمة» العربية‪ ،‬ذلك أن المعنى القديم لها‪ :‬التيمة أي «الشاة تعلف وتحلب في البيت» أو‬
‫«الشاة تذبح في المجاعة» مازال يحملني على عدم استساغة النقل المجازيّ الذي عمد إليه المحدثون مدفوعين‬
‫إلى مطابقة المعنى الغربي الحديث للفظ العربي القديم‪ ،‬والتضحية بالمعنى القديم واعتباره ميتا‪ ،‬لمجرد التقابل‬
‫الصوتي الشديد بين الكلمتين العربية واألجنبية‪.‬‬
‫(‪« )15‬المجازي» يقابل ‪ ،allégorique‬وقد ترجمها جبرا إبراهيم جبرا بـ»ليجورة» وجمعها على ليجورات‪ ،‬وسار على‬
‫هديه يوئيل يوسف عزيز مترجم كتاب «المعنى األدبي» لويليام راي‪.‬‬
‫(‪« )16‬اإلنشائي» يقابل ‪ ،poétique‬نالحظ أنّ ما هو بين قوسين هو اقتراح ترجمة آخر ممكن‪.‬‬
‫(‪T.Todorov: «Introduction à la littérature fantastique», coll. Points, ed. seuil, 1970, p.p 37-38 ) 17‬‬
‫(‪ )18‬صوليفيوف‪Soloviov :‬‬
‫(‪ )19‬توماشفسكي‪Tomachevski :‬‬
‫(‪.Op. cit. p30 ) 20‬‬
‫(‪ )21‬كاستاكس‪Castex :‬‬
‫(‪ )22‬لويس فاكس‪Louis Vax :‬‬
‫(‪ )23‬روجي كايوا‪Roger Caillois :‬‬
‫(‪« )24‬الغريب» يقابل ‪l’étrange‬‬
‫(‪« )25‬العجيب» يقابل ‪le merveilleux‬‬
‫(‪.T.Todorov: «Introduction à la littérature fantastique», coll. Points, ed, seuil, 1970, p.31 26 ) 26‬‬
‫(‪ )27‬قصص نشوء الكون‪cosmogonies :‬‬
‫(‪ )28‬ولع ّل «النقد الثقافيّ » منهج يدحض هذه المسلمات التقليدية ويحفر ضدّ مجراها‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪53‬‬

‫نصوص‪..‬‬
‫> عبدالله السفر*‬
‫تذوب فيها األبواب‬
‫تمرين مبكِّ ر‬
‫تخصهم‪ .‬وال �ك��راس��ي وتفنى‬
‫ّ‬
‫أمسية قصصية‬
‫ٍ‬
‫صحبَ أطفاله إلى‬
‫س���ر َد عليهم ال�ض�ي��ف م��ا ت �ي��سّ � َر م��ن قصصه فيها األوراق‪.‬‬
‫�وار مفتوح أع�ق� َب�ه��ا‪ ،‬طالبَ‬
‫وأح�لام��ه‪ ،‬وف��ي ح � ٍ‬
‫وحده الفراغ‬
‫َ‬
‫ج �م �ه��ورَه م��ن ال�ح��اض��ري��ن أن يكتبوا لمديري‬
‫أخ � ��ذتْ الراي ُة‬
‫م��دارس �ه��م ع��ن تغيير ال�م�ن��اه��ج ال �ت��ي ال تلبي‬
‫ب � � � � �ص � � � � � َرهُ وه� � ��ي‬
‫طموحهم وآمالهم‪.‬‬
‫تخفق ف��ي الهواء؛‬
‫َ‬
‫صباح اليوم التالي‬
‫عرض عليه أحد أطفاله خطابا ت�م��وج��اتٌ سخيّة وان �ث �ن��اءاتٌ تكشف ع��ن الرقة‬
‫مجازات لشموخها‬
‫ٍ‬
‫مكتوبا إلى مدير مدرسته‪ ،‬استمه َل وقتاً لقراءته ثم والمتانة‪ .‬ح��او َل أن يستنبتَ‬
‫طواه في جيبه‪ .‬كان يريد أن يطويه إلى األبد‪.‬‬
‫وللواءٍ يجمع؛ منعتْه نظرةٌ ترتطم بالفراغ وحدَه‪.‬‬
‫عندما أوصله إلى المدرسة‪ ،‬أخر َج الخطاب‬
‫تتجدد‬
‫ّ‬
‫المجزرة‬
‫ودف � َع بها إليه؛ يريده أن يختبر مبكّراً شراس َة‬
‫ّف القصف وأ ُعلِن انتهاء المعركة بآثارها‬
‫توق َ‬
‫الخيبة‪ ،‬ومعاندة الحلم‪.‬‬
‫الوبيلة‪.‬‬

‫إغماضة بعيدة‬

‫ت��ن��ادَى ال �م �ت �ف � ّرج��ون ل�ح�ف� ٍ�ل خ�ط��اب��ي ينصر‬
‫ٍ‬
‫خالف بين ساقيه‪ ،‬وأخذ يدقّ األرض‬
‫َ‬
‫برتابة القضية‪.‬‬
‫بغلظة من يجلس بجواره‪ .‬أطل َق زفر ًة طويل ًة‬
‫ٍ‬
‫نبّهتْ‬
‫تبارتْ الحناجر في دفعِ حممها وه ّز المنبر‪.‬‬
‫وآهة‪ ،‬وتململت يداه وهما تقصفان ورق الجريدة‪.‬‬
‫�اص � َرن��ا في‬
‫�ف ال��ذي خلناه ان�ت�ه��ى؛ ح� َ‬
‫ال�ق�ص� ُ‬
‫َر ّك َز عينيه على الباب الذي ال ينفتح‪ .‬ته ّد َل فاتحاً‬
‫فمه‪ .‬إلى الجدار أسن َد رأس��ه‪ ،‬وتمنّى إغماض ًة القاعة‪.‬‬
‫* ‬

‫‪54‬‬

‫قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> حسن بطران*‬

‫عقد قرآن‬
‫كشف عن وجهه قبل عقد القرآن‪ ..‬تفاجأت‬

‫هي‪ ،‬وتفاجأ األب‪!..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصصص قصيرة جدا‬
‫لسان اخلريف‬
‫سالت لعابه‪ ..‬كومة من اللحم تُقاوم فسادها‪،‬‬
‫يَحكي أن ظالم الليلِ كهفها‪..‬‬

‫رفضت هي‪..‬‬
‫وتمسك األب به أكثر من السابق‪.‬‬

‫نعيق الغربان تُصحر آذانها‪ ..‬مياه الخريف‬

‫تطفئه‪ ،‬ورماد عفنه توقف سيالن لعابه‪..‬‬

‫أصالة‪..‬‬

‫جلوء‬
‫تلوّن شعره منها بالبياض‪..‬‬

‫بعد طول سفر نزال معاً الحديقة‪ ..‬قطف الورد‬

‫زارت���ه األم� ��راض المستديمة‪ ،‬وط�ل�ب��ت منه وقطعت هي الشوك‪ ،‬وحينما غاب نجم الشمس‪،‬‬
‫وأض��اء سراج القمر السماء‪ ،‬وه��دأت األصوات‬
‫اللجوء واإلقامة في أرضه‪..‬‬
‫إال من الموسيقى‪ ،‬أهداها الورد‪ ،‬وتوارت خلف‬
‫ليس لديه القدرة لرفض طلبها‪..‬‬
‫نفسها وأهدت له الشوك‪..‬‬
‫تستقر في أرضه‪..‬‬
‫كلما انتهت مدة اللجوء‪ ،‬طلبت تجديده‪..‬‬
‫ويتجدد‪.‬‬
‫يتمنى أن ت�غ��زو أرض��ه ق��وات اح �ت�لال حتى‬

‫يتطهر منها‪!.‬‬

‫عبث‬

‫اجتمعوا لمناقشة ما يتعلق بشئون إدارتهم‪..‬‬
‫سكت الجميع‪ ..‬وصمت المدير‪ .‬ارتجفت يداه‬

‫وأجل االجتماع‪ ،‬فلما جاء الموعد الجديد جلب‬

‫إلى قربه مدفأة‪..‬‬

‫ما زالت يداه ترتجفان‪!.‬‬

‫تتمايل أمامه كأنثى عشرينية‪ ..‬ينظر إليها‪،‬‬

‫اتهم المدفأة بأنها ماركة مقلدة‪ ..‬رن الهاتف‬

‫يقضم التفاحة ويُطرد من الجنة‪..‬‬

‫وأناب عنه مساعده‪..‬‬

‫تغمز له‪..‬‬
‫* ‬

‫نار جوفاء‬

‫وتنفس الصعداء‬

‫قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪55‬‬

‫انطفاء في ذاكرة األشياء‪..‬‬
‫> كرمية اإلبراهيمي‬
‫ال أذكر زمن الموت األول معك‪ ..‬كما ال أذكر بداية انتحاراتي المتكررة في صدرك‪،‬؟‬
‫وأنا أهرع إليك مذعورة من دمع الشوارع ودمارها‪..‬‬
‫كنت تردد لي‪ :‬سيقتلك حزن هذه المدن‪ ..‬تعالي معي ألحميك من هذا الدمار‪ .‬وكنت‬
‫أترك في صدرك كل دماري وخيبتي‪ ،‬وأبدأ الركض من جديد‪..‬‬

‫منذ فقدت فرحي الكبير‪ ،‬وأنا أركض‬

‫دون هدف‪ ،‬فقط ألنسى ما حدث‪..‬‬

‫ألنسى جسده المحترق ب��ذاك الشارع‬

‫الحزين‪ ،‬يوم كنت في انتظاره على شاطئ‬

‫أحالمنا التي احترقت بعد رحيله‪..‬‬

‫قلت له‪ :‬ال تضيعنا‪ ..‬وصرخت بأعلى‬
‫صوتي‪ :‬قف أيها الزمن ما أجملك‪..‬‬
‫هل ب��دأ جنوني بك يومها وأن��ا أستمع‬
‫إل�ي��ك ف��ي تلك القاعة المليئة باألضواء‬
‫وال��وج��وه والشعر؟ أم ب��دأ جنوني بك يوم‬

‫كم أحببتك يا‪-‬عامر‪..-‬‬

‫أه��دي �ت �ن��ي دي ��وان ��ك ال �م �ل��ون‪ ،‬وأن� ��ت تقرأ‬

‫وكم كان الزمن جميال‪..‬‬

‫تفاصيل عمري في لمسة يدي حين أبقيتها‬

‫هل تذكر يوم أعلنت لي حبك والبحر في يدك؟‬

‫يضمنا‪..‬؟‬

‫يومها كان وحده الذي يعرف سرنا‪..‬‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫في ذلك اليوم انحزت إليك أكثر مما‬
‫أردتُ ‪..‬‬

‫لم يقتلنا إال رجاله‪ ..‬ودفعني إليك غيم مدن ال‬

‫تمطر سماؤها إال الوجع واألحالم المهشمة‪..‬‬

‫وأن ��ت خ��ذل�ت�ن��ي ي ��وم وع��دت �ن��ي ب ��أن تزرعني‬

‫ف��ي غيمة ش��وق ج� ��ارف‪ ،‬وتسكنني خيمة من‬

‫ليال أكثر ياسمين‪..‬‬
‫هربتُ من الموت وقد داهمني في ٍ‬

‫غيما‪ ..‬وبردا‪ ..‬سلبني دفء الحكايا ولذة الحلم‪،‬‬

‫اآلن ال شيء يوقف هذا الهشيم في داخلي‪..‬‬

‫فاستسلمت ل��ه بعد أن أفقدني أحبتي ووجوه ال ش��يء ينسيني أح�لام��ي ال �ت��ي أح��رق�ت�ه��ا في‬
‫ذاكرتي القزحية‪..‬‬
‫راحتيك‪ ..‬وأنت تقسم بعيني وبالقمر‪ ..‬وبالدمع‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫ألغيت كل تصوراتي عن سلطة الرجل في وطن لم رحلت؟‬

‫تعلقتْ أش�ي��ائ��ي ب ��ك‪ ..‬رأي�ت�ه��ا تتوسلني في الكاذب إذ انهمر‪ ..‬أنك ما أحببت سواي‪ ..‬وأنك‬
‫صمت أن أدس ما تبقى من عمري في قبضتك‪ ،‬لي‪ ..‬وصدقتك بحرارة جمر قبضته بيدي‪..‬‬
‫لئال تذروه الريح الشرسة في دروب أكثر ملحا‬
‫ودما‪..‬‬

‫كاذبة كنتُ وأنا ألهث في صحراء قلبك‪ ،‬أحاول‬

‫أن أصمد على الرمل المتحرك أللتصق بك‪..‬‬

‫وتدفأتُ بحضورك‪ ،‬فشعت في دمي أضواء دائما كنت وحدي‪..‬‬
‫وأح �ل�ام وزه� ��ور بنفسج ل��م تسعها ذاكرتي‪ ..‬وأنت ما كنت لي أبدا‪..‬‬

‫تدثرت بكلماتك والحب األبيض‪ ،‬وأن��ا اق��رأ في‬

‫عينيك سيمفونية عشق‪ ،‬امتدت كلبالب تسلقت‬

‫أحشائي‪ :‬إنه لي‪ ..‬وجه عمري وعبق اآلتي‪..‬‬

‫دائما كان شيء ما يفرقنا‪ ..‬كانت مجرد قصة‬

‫اختلفنا في وضع نهايتها‪ ..‬قصة شكلها كل واحد‬

‫منا حسب أهميتها بالنسبة إليه‪ ..‬كانت قصتي‬

‫يومها لم أتنبأ بخرابي وانطفائي في التحديق األجمل‪ ،‬وكانت عبث لحظة لديك‪ ..‬أحييتك في‬
‫ومواسم الدفء ترحل‪ ..‬لم أتنبأ باالرتجاف في عمري‪ ،‬ودفنتني في الورق‪..‬‬
‫شوارع الموت واالنتحار في فراغ األشياء‪..‬‬

‫وه ��ا أن ��ا أب �ك��ي ف��ي ال� �ف ��راغ‪ ،‬وك ��ل م��ا حولي‬

‫أن��ا هنا أرس��م وج��وه��ا‪ ..‬أل��ون قلوبا‪ ،‬وأضم هش وقابل لإلنكسار‪ ..‬الموتى وحدهم يمألون‬

‫قلبك في راحتي‪..‬‬

‫ي�ك�ب��ر ال��ي��وم ف��ي ف ��زع ��ي‪ ..‬ت �ت �ع��دد األشباح‬

‫ذاكرتي‪ ..‬وأنت تسافر في جسدي المتعب‪..‬‬

‫ها أنا أغلق باب غرفتي وأبكي تشردي في‬

‫واألص��وات والبكاء في قلبي‪ ..‬وال شيء يؤهلني نبضات قلبك المحجوز مسبقا لغيري‪ ..‬أبكي‬
‫وأن��ا قد غادرتني كل األش�ي��اء‪ ..‬أبكي وأع��ي أن‬
‫ألحيا‪..‬‬
‫الغدر فيك كان كما ال��دفء الذي أهديتني إياه‬
‫يفاجئني العمر بتعبه وشظايا وجهي المهشم‪..‬‬
‫ألحيا‪ ،‬ويؤلمني أنني ما زلت أحيا‪..‬‬
‫وكل أزمنتي القابلة للتلف‪..‬‬

‫أحدق في مرآة الوجع وأبكي بحرقة قاتلة‪ ..‬اآلن انتهيت‪..‬‬

‫كنت وحدك تدرك سر حزني‪ ،‬وكنت تدفئني حين‬

‫أكون باردة وضائعة مني أنا‪..‬‬

‫كاذبة كل النظريات‪ ،‬وكاذبون أولئك الرجال‬

‫الذين وضعوا لنا فلسفتهم في الحياة وكانوا أول‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪57‬‬

‫الغادرين‪..‬‬

‫كاذبة كل األحالم‪ ..‬والورود‪..‬‬
‫وها أنا أخفي انطفاءاتي في جحيم صدرك‪،‬‬
‫وأخفي سر اشتعاالتي‪ ،‬وكل الدمار الذي خلفته‬
‫لي‪..‬‬
‫هل قررت فعال أن أخترق جدرانك؟ هل قررت‬
‫فعال أن أوقف انتحاراتي في يديك‪ ،‬وأتمتع بلذة‬
‫الجمر في يدي؟‬
‫أن��ا ل��م أق ��رر ألن��ي ل��م أخ�ت��ر قصتي معك‪..‬‬
‫ل��م أخ�ت��ر م��وت��ي ف��ي ع�م��رك ال ��ذي أح��رق�تَ��ه في‬
‫ص��دره��ا‪ ..‬فكنت فقط نسخة مزيفة م��ن حلم‬
‫غادرني ذات ليل حزين‪ ،‬وترك الشوارع مطفأة‬
‫من ضوء عينيه‪ ،‬وتركني باردة أفتش عن نسخة‬
‫منه‪..‬‬

‫أترى‪..‬؟‬
‫اآلن هدأ كل شيء‪ ..‬انحبس الدمع‪ ،‬وانطفأت‬
‫ألوانك في عيني‪ ..‬ص��رتُ أشبه بالريح‪ ،‬وهذا‬
‫يفرحني ألنك لن تمتلكني‪ ،‬لن أتمدد في راحتيك‬
‫وأت��ل��وى ش��وق��ا‪ ..‬لتضمني وت�س�ك��ب ف��ي عيني‬
‫حرائقك إليها‪..‬‬
‫أع��د إل��ي عمري‪ ..‬أعدني إل��ى عمري‪ ..‬ولن‬
‫أطلب أن تظل ل��ي‪ ..‬دائما كنتُ أالحقك وكأني‬
‫أالحق الريح‪ ..‬أحدق في الوجوه الباهتة وتتعبني‬
‫ه ��ذه ال �ظ�لال ال�م�ب�ه�م��ة‪ ..‬يتعبني م ��وت الذين‬
‫أحبهم‪..‬‬
‫تجرفني مدني‪-‬التي كانت جميلة‪-‬إلى دمار‬
‫شوارعها ودمنا المسكوب غدرا‪ ..‬إلى طرقاتها‬
‫المسدودة ذع��را‪ ..‬أتسلق أزمنتها الحزينة وأنا‬
‫* ‬

‫‪58‬‬

‫أديبة وكاتبة من الجزائر‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫أكثر استعدادا للموت بعد أن خسرتك وانطفأت‬
‫في ذاكرتي كما لحظة الحب األول��ى التي تكون‬
‫أصدق ما في الحكاية‪..‬‬
‫لكن المدينة تطوي أحالمها الباردة وتتركني‬
‫ضائعة‪ ،‬أنحل إلى ذرات يصعب جمعها وال تدرك‬
‫حاجتي إليك‪ ،‬دون أن أبرر لها تلك الحاجة وذاك‬
‫ال�ش��وق ال��ذي يهزني كموج ه��ادر‪ ،‬كلما تذكرت‬
‫كلماتك الزرقاء «سأكون لك‪ ..‬تذكري أنك أجمل‬
‫مدينة شدني عبقها فاستسلمت له‪ ..‬أنت أجمل‬
‫ما يمكن أن يحدث لي»‪.‬‬
‫أق ��ف ع�ل��ى ع�ت�ب��ة االن �ت �ه��اء م�ط�ح��ون��ة القلب‬
‫ومجروحة إلى آخر حدود األلم‪ ..‬امرأة بال حب‬
‫وب�لا وط ��ن‪ ..‬لكنك وال��وط��ن وأح�لام��ي الكثيرة‬

‫تحتلون ذاكرتي‪ ،‬وتحاصرونني‪ ،‬لكنني أغوص في‬
‫حلم أفتش عن شخص واح��د فقط يذيبني في‬
‫ص��دره‪ ،‬ويؤكد لي أنني أحيا‪ ..‬وأن��ه ال يريدني‬
‫أن أنطفئ‪..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصص قصيرة جدا‬
‫> محمد صوانه*‬

‫أي حنان‪..‬؟‬

‫عنوان‬

‫خوف‬
‫ٌ‬
‫يهز أوصالها‬
‫عندما عصفتْ الريحُ‪،‬‬
‫تشتعل في داخلها‬
‫وتسرَّبَ البر ُد من نافذتي‪..‬‬
‫تسأله بحدة‪ :‬هل هناك وردة أخرى؟‬
‫كانت تحيكُ ثوبَ الحنانِ‬
‫لتدثرني‪..‬‬
‫يقسم‪..‬‬
‫تعيد السؤال كل يوم‪ ..‬ويقسم كل يوم‬
‫ضعف!‬
‫تبعثرتْ الحروف من بين شفتيه‪ ..‬فانحنى وفي اليوم األخير‪ ..‬تغلق الباب‪ ،‬وتصرخ‪:‬‬
‫ لن تبيت اليوم هنا‪ ،‬اذهب إليها!‬‫يجم َع شتاتها‪..‬‬
‫لكنه ال يعرف عنواناً آخر‪!!..‬‬
‫كانت تلفظ أنفاسها‪ ..‬وهي تصرخ‪،‬‬
‫تشتم ضعفه‪!..‬‬

‫لطمة‬

‫عندما لطمته على حين غفلة‪..‬‬
‫جمع قبضته ليرد الصاع صاعين‪..‬‬
‫لكنه ابتلع الصعقة وهو يتمتم‪..‬‬
‫سر قوتها في ضعفها‪!..‬‬

‫تضحية‬

‫التصق بها حدَّ التوحّ د‪..‬‬
‫ظلوا يحيكون المكائد‪،‬‬
‫فضحّ ى بنفسه؛‬
‫لتحيا‪!!..‬‬
‫* ‬

‫عزاء‬

‫تجمعوا حول قلم الرصاص‪..‬‬
‫يقرّبون منه الرحى‪،‬‬
‫وهم يتبسمون؛‬
‫فأقامت له المبراة بيت العزاء!‬

‫السطر الوحيد‬

‫كتب سطراً واحداً ثم تنحّ ى‪..‬‬
‫وعندما عاد يكمل ما بدأ‪..‬‬
‫لوى القلم عنقه‪..‬‬
‫وولّى!‬

‫قاص وإعالمي من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪59‬‬

‫ال شيء‬
‫> فاطمة املزروعي*‬
‫ال أذكر زمن الموت األول معك‪ ..‬كما ال أذكر بداية انتحاراتي المتكررة في صدرك‪،‬؟‬
‫وأنا أهرع إليك مذعورة من دمع الشوارع ودمارها‪..‬‬
‫كنت تردد لي‪ :‬سيقتلك حزن هذه المدن‪ ..‬تعالي معي ألحميك من هذا الدمار‪ .‬وكنت‬
‫أترك في صدرك كل دماري وخيبتي‪ ،‬وأبدأ الركض من جديد‪..‬‬

‫‪ -‬بدا جسدها في التكوين رويدا وريدا‪،‬‬

‫ي�س�ت�م��ع إل ��ى ص� ��داه ب �م��زي��ج م��ن الضيق‬

‫الظهيرة نفذت بنعومة خ�لال األعضاء‪،‬‬

‫اقترب منها‪ ،‬تطلع إلى عينيها الواهنتين‪،‬‬

‫حتى اكتملت مالمحه النحيلة أمامه‪ ،‬نظر والحزن‪ ،‬شعر بثقل ساقيه‪ ،‬وهما تقودانه‬
‫إليها من خلف الغاللة التي ترتديها‪ ،‬شمس إل��ى داخ��ل غرفتهما‪ ،‬ب��دا جسدها متعبا‪،‬‬
‫اجتازت بدقة مواضع حميمة في جسدها‪ ،‬شعر بغصة في حلقه‪ ،‬ووهن في أطرافه‪،‬‬
‫لطالما عشق ه��ذا ال�ج�س��د‪ ،‬وك��ان��ت يده كانت مشاعره توحي بالبكاء‪ ..‬وكانت هي‬
‫تتلمس تلك المواضع أحيانا بدعابة أو تبكي ‪ ،‬ال ال ‪ ..‬لم تكن تبكي‪ ،‬كانت تحاول‬
‫ضحكة أو لحظة عشق‪..‬‬
‫إخفاء ذلك المرض‪ ،‬والتشبث بأي شيء‪،‬‬
‫« هل من أحد هنا»؟‬
‫‪-‬ارتفع صوته األجش‪ ،‬ونظراته تحملق‬

‫ف��ي ال�ش�ق��ة ال� �ب ��اردة‪ ،‬ت ��ردد ص��وت��ه‪ ،‬فعاد‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الح له وجهها المتعب وقسماته ‪..‬‬

‫تأملها من رأسها إلى أخمص قدميها‪،‬‬

‫سعل بقوة‪ ،‬سعلته المعتادة‪ ،‬شعر بيديها‬

‫المست ي��داه أناملها‪ ،‬خدها‪ ،‬وضع الوسادة‬
‫تحت رأسها‪..‬‬
‫«أنا بخير‪ ،‬ال تقلق»‬

‫ك��ان��ت ت��ردده��ا دوم��ا ف��ي آل �ي��ة‪ ،‬ت��ذك��ر حينما‬
‫أخبرته عن مرض أمها‪ ،‬لقد بكت كثيرا على تلك‬
‫األم رغم الطفولة القاسية التي عاشتها على يد‬
‫إخوتها وأمها‪..‬‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫تحوطان كتفيه‪ ،‬ما أجمل الحلم بها؟ الح له الكثير‬
‫من الوجوه المتعبة التي رآها منذ طفولته‪ ،‬وجوه‬
‫اقترب من السرير‪ ،‬جلس على حافته‪ ،‬تأمل‬
‫مظلمة‪ ،‬فيها الكثير من الظلم والوهن والقهر‪،‬‬
‫وك ��ان ي��رى ف��ي ك��ل وج��ه م�لام�ح�ه��ا‪ ،‬ومرضها‪ ،‬وجهها‪ ،‬أخ��ذ بيديها ‪..‬ق��رب�ه��ا م��ن وج�ه��ه‪ ،‬بدت‬
‫دافئة‪ ،‬حنونة‪ ..‬احتضنها‪ ،‬في لحظة مر خيالها‬
‫وطفولتها‪ ،‬واأللم‪..‬‬
‫ع�ل�ي��ه‪ ،‬رآه ��ا ت��رت��دي ال �ب �ي��اض‪ ،‬ك��م ع�ش��ق اللون‬
‫ك��ان يضربها حتى يتخلص م��ن أل�م��ه‪ ،‬وكان‬
‫األبيض على جسدها النحيل؟‬
‫يتألم أللمها‪ ،‬كان األلم في جسدها كبيرا‪ ،‬وكانت‬
‫ك��ان��ت ت�ع�ل��م ع�ش�ق��ه ل �ه��ذا ال��ل��ون‪ ،‬وإلحاحه‬
‫تخفيه بقناع ثلجي بارد‪ ،‬اقترب منها أكثر حتى‬
‫الم �س��ت أن��ام �ل��ه ج �س��ده��ا‪ ،‬ب��ل عظمها الرخو‪ ،‬المستمر حتى ترتديه بصورة مستمرة‪ ،‬أربكته‬
‫الخياالت‪ ،‬وهو يراها تتحرك في أرجاء الشقة‪،‬‬
‫فأزاحته قليال‪..‬‬
‫صامته‪ ،‬تؤدي عملها في صمت وخشوع‪ ،‬اقترب‬
‫«ما بك ؟»‬
‫أكثر منها‪ ،‬تمنى لو يلتصق بها‪ ،‬مرت عليه أمور‬
‫أجابت بال مباالة‪..‬‬
‫كثيرة‪ ،‬صوت قطة الجيران‪ ،‬وهي تسقط تحت‬
‫«الشيء»‬
‫عجلة ال �س �ي��ارة‪ ،‬ب��رك��ة ال��دم��اء‪ ،‬واألم��ع��اء التي‬
‫ألطفالهم في المستقبل‪..‬‬

‫تفجرت ونافورة الدماء التي سالت على الطرق‪،‬‬
‫وقف يتأملها بمزيد من الصمت والخوف‪ ،‬شعر‬
‫بغثيان‪ ،‬تقلبات معدته تضايقه‪ ،‬منظر الشقة في‬
‫هذا اليوم يبدو غريبا‪ ،‬طيفها يمر أمامه‪ ،‬وصورة‬
‫أمعاء القطة تحتل مخيلته بجانبها‪ ،‬خ��رج من‬
‫غرفة إلى أخرى ‪ ،‬كان يالحقها وي��داه تحاوالن‬
‫اإلم �س��اك ب�ط��رف ثوبها األب �ي��ض‪ ،‬ص��وت دقات‬
‫قلبها‪ ،‬شهيقها المستمر‪ ،‬العرق البارد المتصبب‬
‫على وجهها‪..‬‬

‫خلعت ث��وب�ه��ا ب�ص�ع��وب��ة‪ ،‬ح ��اول مساعدتها‪،‬‬
‫أزاحته في رقة‪ ،‬شعر بضيقه ‪ ،‬لكنه عاد ينظر إلى‬
‫ال��وج��وه ك�ل�ه��ا ت �ط��وف ب ��ه‪ ،‬ووج �ه �ه��ا يالحقه‬
‫جسدها العاري‪ ،‬تأمل التصاقة جلدها بهيكلها‬
‫باستمرار‪..‬‬
‫العظمي‪ ،‬تمدد جوارها‪ ،‬استغرب صمتها‪ ..‬تمنى‬
‫بكى في أل��م‪ ،‬ثم ع��اد يطلق ضحكة مجنونة‬
‫لو تصرخ حتى يحضنها ويبكي معها‪..‬‬
‫وعيناه تتأمالن خيالها المنكسر وهو يغادره في‬
‫الشقة ‪ -‬ف��ي ه��ذه اللحظات ‪ -‬ت�ب��دو عليه‬
‫صمت ‪..‬‬
‫كبيرة للغاية‪ ،‬رغم تعليقاتها المستمرة‪ ،‬وشكواها‬
‫بينما كان السرير خاليا‪ ،‬والجدران خالية‪..‬‬
‫في العديد من المرات بصغرها‪ ،‬وأنها لن تكفي‬
‫* ‬

‫قاصة من اإلمارات‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪61‬‬

‫عابرون في كالم عابر‬
‫> محمود درويش*‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫احملوا أسماءكم وانصرفوا‬
‫واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ‪،‬و انصرفوا‬
‫وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة‬
‫و خذوا ما شئتم من صور‪،‬كي تعرفوا‬
‫أنكم لن تعرفوا‬
‫كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫منكم السيف ‪ -‬ومنا دمنا‬
‫منكم الفوالذ والنار‪ -‬ومنا لحمنا‬
‫منكم دبابة أخرى‪ -‬ومنا حجر‬
‫منكم قنبلة الغاز ‪ -‬ومنا المطر‬
‫وعلينا ما عليكم من سماء وهواء‬
‫فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا‬
‫وادخلوا حفل عشاء راقص‪..‬و انصرفوا‬
‫وعلينا ‪،‬نحن‪ ،‬أن نحرس ورد الشهداء‬
‫و علينا ‪،‬نحن‪ ،‬أن نحيا كما نحن نشاء‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫كالغبار المر مروا أينما شئتم ولكن‬
‫ال تمروا بيننا كالحشرات الطائرة‬
‫فلنا في أرضنا ما نعمل‬
‫و لنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا‬
‫و لنا ما ليس يرضيكم هنا‬
‫حجر‪ ..‬أو خجل‬
‫فخذوا الماضي‪،‬إذا شئتم إلى سوق التحف‬
‫و أعيدوا الهيكل العظمي للهدهد‪ ،‬إن شئتم‬
‫على صحن خزف‬
‫* ‬

‫‪62‬‬

‫شاعر من فلسطين‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫لنا ما ليس يرضيكم ‪،‬لنا المستقبل ولنا في‬
‫أرضنا ما نعمل‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة ‪ ،‬وانصرفوا‬
‫وأع���ي���دوا ع��ق��رب ال���وق���ت إل���ى ش��رع��ي��ة العجل‬
‫المقدس‬
‫أو إلى توقيت موسيقى مسدس‬
‫فلنا ما ليس يرضيكم هنا ‪ ،‬فانصرفوا‬
‫ولنا ما ليس فيكم ‪ :‬وطن ينزف وشعبا ينزف‬
‫وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‬
‫آن أن تنصرفوا‬
‫وتقيموا أينما شئتم ولكن ال تقيموا بيننا‬
‫آن أن تنصرفوا‬
‫ولتموتوا أينما شئتم ولكن ال تموتوا بيننا‬
‫فلنا في أرضنا ما نعمل‬
‫ولنا الماضي هنا‬
‫ولنا صوت الحياة األول‬
‫ولنا الحاضر‪ ،‬والحاضر ‪ ،‬والمستقبل‬
‫ولنا الدنيا هنا‪ ..‬و اآلخرة‬
‫فاخرجوا من أرضنا‬
‫من برنا ‪ ..‬من بحرنا‬
‫من قمحنا ‪ ..‬من ملحنا ‪ ..‬من جرحنا‬
‫من كل شيء‪ ،‬واخرجوا‬
‫من مفردات الذاكرة‬
‫أيها المارون بين الكلمات العابرة‪!..‬‬

‫> متيم البرغوثي*‬
‫مَ ����� َر ْرن�����ا عَ ���ل���ى دارِ ال��ح��ب��ي��ب ف���� َر ّ َدن����ا‬
‫ْ���ت ل��ن��ف��س��ي ُرب���م���ا ِه�����يَ نِ عْ مَ ةٌ‬
‫فَ���قُ ���ل ُ‬
‫����ل م��ا ال تستطيعُ احتِ مالَهُ‬
‫تَ����رَى كُ ّ َ‬
‫��س ح��ي��نَ َت��لْ��قَ��ى حَ بِ يبَها‬
‫���ل ن��ف ٍ‬
‫وم���ا ك ُّ‬
‫���راق لِ قاؤُ ه‬
‫ف���إن س ـ ـ ـ ـ َرّها ق��ب��لَ ال ِ���ف ِ‬
‫��دس ال��ع��ت��ي��ق�� َة مَ ���� ّ َر ًة‬
‫ْ��ص��رِ ال��ق َ‬
‫م��ت��ى تُ��ب ِ‬

‫���ن ال����دارِ ق��ان��ونُ األع����ادي وسورُها‬
‫عَ ِ‬
‫��دس حينَ تَزُ ورُها‬
‫فماذا تَ��رَى في ال��ق ِ‬
‫إذا ما َب���دَتْ من جَ ��انِ ِ��ب ال���� ّ َدر ِْب دورُها‬
‫ـاب يُ ِضيرُ ها‬
‫الغيـ ـ ـ ـ ـ ِ‬
‫تُسَ ـ ـ ـ ُّـر وال كُ ُّ���ل ِ‬
‫��ون عليها س ـ ـ ـ ـ ـ ــرُ ورُها‬
‫فليس ب��م��أم ٍ‬
‫َ‬
‫فسوف تراها ال َعيْنُ حَ ي ُْث ت ُِديرُ ه ـ ــا‬
‫َ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫في القدس‪..‬‬

‫القدس‪ ،‬بائعُ خضرةٍ من جورجيا برمٌ بزوجته وهي الغزالةُ في المدى‪ ،‬حَ َك َم الزمانُ بِ َبيْنِ ها‬
‫ِ‬
‫في‬
‫ْك بِ َعيْنِ ها‬
‫ض إ ْثرَهَ ا مُ ذْ َو َدّعَ ت َ‬
‫ما زِ لتَ َترْكُ ُ‬
‫البيت‬
‫ْ‬
‫يفكرُ في قضاءِ إجازةٍ أو في طالءِ‬
‫َفسك ساعةً إني أراكَ وَهَ ن ْْت‬
‫في القدس‪ ،‬ت��وراةٌ وكهلٌ ج��ا َء من َمنْهاتِ نَ العُ ليا رفق ًا بِ ن َ‬
‫القدس إال أَن ْْت‬
‫ِ‬
‫القدس من في‬
‫ِ‬
‫في‬
‫ُون في أحكامها‬
‫ُي َف ّ َقهُ فتي َة البُول ِ‬
‫دهران‬
‫ِ‬
‫التاريخ مَهْ الً‪ ،‬فالمدينةُ دهرُ ها‬
‫ِ‬
‫األحباش يُغْ لِ قُ شَ ارِ ع ًا في يا كاتبَ‬
‫ِ‬
‫شرطي من‬
‫ٌ‬
‫القدس‬
‫ِ‬
‫في‬
‫مطمئن ال يغيرُ خطوَه وكأ َنّه يمشي‬
‫ٌ‬
‫دهر أجنبي‬
‫السوق‪..‬‬
‫ِ‬
‫خاللَ النو ْم‬
‫يبلغ العشرينَ ‪،‬‬
‫مستوطن لم ِ‬
‫ٍ‬
‫اش على‬
‫رش ٌ‬
‫َّ‬
‫صوت ِحذار‬
‫ٍ‬
‫كامن متلثمٌ يمشي بال‬
‫ٌ‬
‫وهناك ده��رٌ ‪،‬‬
‫حائط المبكَى‬
‫َ‬
‫قُ َبّعة تُحَ ِيّي‬
‫القو ْم‬
‫القدس إطالق ًا‬
‫َ‬
‫اإلفرنج ُشقْ رٌ ال َي َر ْو َن‬
‫ِ‬
‫وسياحٌ من‬
‫َت��راهُ ��م ي��أخ��ذو َن لبعضهم ُص��� َورَا ًمَ�� َع امْ ���� َرأَةٍ تبيعُ والقدس تعرف نفسها‪..‬‬
‫ْك الجميعُ‬
‫إسأل هناك الخلق يدْ ُلل َ‬
‫الساحات ُطولَ اليَو ْم‬
‫ِ‬
‫الف ْجلَ في‬
‫ِ‬
‫فكل شيء في المدينة‬
‫ُّ‬
‫القدس د ّ ََب الجندُ مُ ْنتَعِ لِ ينَ فوقَ الغَيمْ‬
‫ِ‬
‫في‬
‫لسان‪ ،‬حين تَسأَلُهُ ‪ ،‬يُبينْ‬
‫ذو ٍ‬
‫القدس َص َلّينا على األ َْس َفل ْْت‬
‫ِ‬
‫في‬
‫في القدس يزدادُ الهاللُ تقوس ًا مثلَ الجنينْ‬
‫القدس إال أن ْْت!‬
‫ِ‬
‫القدس مَن في‬
‫ِ‬
‫في‬
‫القباب‬
‫ِ‬
‫حَ دْ ب ًا على أشباهه فوقَ‬
‫َو َت َل ّ َفتَ التاريخُ لي مُ َتب ِ َّسم ًا‬
‫��وف تخطئهم‪ !،‬وتبصرُ تَطَ ّ َورَتْ ما َب ْينَهم عَ ْب َر السنينَ ِعالقةُ األ َِب بالبَنينْ‬
‫أَظَ َننْتَ حق ًا أ ّ َن عينَك س َ‬
‫اإلنجيل‬
‫ِ‬
‫اقتباسات من‬
‫ٌ‬
‫في القدس أبنيةٌ حجارتُها‬
‫غيرَهم‬
‫���ص أن���تَ ح��اش��ي��ةٌ عليهِ والقرآنْ‬
‫َ���ك‪ ،‬مَ��تْ��نُ ن ٍ ّ‬
‫ه��ا هُ ���م أم���ام َ‬
‫الجمال مُ ث ّ ََمنُ األضالعِ أزرقُ ‪،‬‬
‫ِ‬
‫تعريف‬
‫ُ‬
‫في القدس‬
‫امش‬
‫وَهَ ٌ‬
‫أَحَ سبتَ أ ّ َن زيار ًة سَ تُ زيحُ عن وجهِ المدينةِ ‪ ،‬يا ُبن ّ ََي‪َ ،‬ف ْوقَهُ ‪ ،‬يا دا َم ِع ُزّكَ ‪ ،‬قُ َبّةٌ ذَهَ بِ َيّةٌ ‪،‬‬
‫تبدو برأيي‪ ،‬مثل م��رآة محدبة ترى وجه السماء‬
‫السميك‬
‫َ‬
‫حجابَ واقِ عِ ها‬
‫مُ ل ّ ََخ َص ًا فيها‬
‫واك‬
‫لكي ترى فيها هَ ْ‬
‫ُتد ِ َّللُها َوتُدْ نِ يها‬
‫سواك‬
‫ْ‬
‫كل فتى‬
‫القدس ًّ‬
‫ِ‬
‫في‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪63‬‬

‫الح َصارِ لمست َِح ِ ّقيها‬
‫ْياس المعُ ونَةِ في ِ‬
‫ُتو َِزّعُ ها َكأَك ِ‬
‫بعد ُخ ْطبَةِ ُجمْ عَةٍ َم ّ َدتْ بِ أَي ِْديها‬
‫إذا ما ُأ ّ َمةٌ من ِ‬
‫الناس تحمينا‬
‫ِ‬
‫وفي القدس السماءُ َت َف ّ َرق َْت في‬
‫ونحميها‬
‫ونحملُها على أكتافِ نا حَ مْ ًال إذا جَ ارَت على أقمارِ ها‬
‫األزمانْ‬
‫الداكنات‬
‫ُ‬
‫الرّخامِ‬
‫في القدس أعمد ُة ُ‬
‫الرّخامِ دخانْ‬
‫كأ ّ َن تعريقَ ُ‬
‫ونوافذٌ تعلو المساج َد والكنائس‪،‬‬
‫باأللوان‪،‬‬
‫ِ‬
‫النقش‬
‫ُ‬
‫كيف‬
‫باح تُرِ يهِ َ‬
‫الص ِ‬
‫بيد ُّ‬
‫أَمْ سَ ك َْت ِ‬
‫وَهْ َو يقول‪“ :‬ال بل هكذا”‪،‬‬
‫َفتَقُ ولُ ‪“ :‬ال بل هكذا”‪،‬‬
‫الخالف تقاسما‬
‫ُ‬
‫حتى إذا طال‬
‫َات لَكِ نْ‬
‫فالصبحُ ُح ٌ ّر خار َج ال َع َتب ِ‬
‫إن أرا َد دخولَها‬
‫نوافذ ال َرّحمنْ‬
‫ِ‬
‫بحكْ ِم‬
‫ْضى ُ‬
‫َف َعلَيهِ أن َير َ‬
‫لمملوك أتى مما ورا َء النهرِ ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫في القدس مدرسةٌ‬
‫أهل‬
‫بسوق نِ خَ اسَ ةٍ في أصفها َن لتاجرٍ من ِ‬
‫ِ‬
‫باعو ُه‬
‫بغدادٍ‬
‫��اف أم��ي��رُ ه��ا م��ن ُز ْرقَ������ةٍ ف��ي عَ يْنِ هِ‬
‫أت���ى ح��ل��ب�� ًا ف��خ َ‬
‫الي ُْسرَى‪،‬‬
‫فأعطا ُه لقافلةٍ أتت مصر ًا‬
‫المغول وصاحبَ‬
‫ِ‬
‫�لاّبَ‬
‫بضع سنينَ غَ َ‬
‫ِ‬
‫فأصبحَ بع َد‬
‫السلطانْ‬
‫دكان‬
‫ص باب ًال والهن َد في ِ‬
‫في القدس رائحةٌ ُتل ِ َّخ ُ‬
‫الزيت‬
‫ْ‬
‫بخان‬
‫ِ‬
‫عطارٍ‬
‫َيت‬
‫أصغ ْ‬
‫واللهِ رائحةٌ لها لغةٌ سَ تَفْ هَمُ ها إذا ْ‬
‫المسي ِّل للدموعِ‬
‫ِ‬
‫وتقولُ لي إذ يطلقو َن قنابل الغاز‬
‫عَ ل ّ ََي‪“ :‬ال تحفل بهم”‬
‫بعد ان��ح��س��ارِ ال��غ��ازِ ‪ ،‬وَهْ ���يَ ت��ق��ولُ لي‪:‬‬
‫وت��ف��وحُ م��ن ِ‬
‫“أرأيت!”‬
‫ْ‬
‫ليس‬
‫��ض‪ ،‬وال��ع��ج��ائ ُ��ب َ‬
‫ف��ي ال��ق��دس ي��رت��احُ ال��ت��ن��اق ُ‬
‫ينكرُ ها العِ بادُ ‪،‬‬
‫اش ُيق ِ َّلبُو َن ق َِديمها وَجَ ِديدَها‪،‬‬
‫القمَ ِ‬
‫كأنها قِ طَ عُ ِ‬
‫والمعجزات هناكَ ُتلْمَ ُس بال َي َديْنْ‬
‫ُ‬
‫* شاعر من فلسطين‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫في القدس لو صافحتَ شيخ ًا أو المستَ بنايةً‬
‫َص قصيدَةٍ‬
‫يك ن ّ َ‬
‫َلوَجَ دْ تَ منقوش ًا على َك ّ َف َ‬
‫يا بْنَ الكرامِ أو ا ْث َن َتيْنْ‬
‫َبات‪ ،‬ري��حُ ب���راءةٍ في‬
‫تتابع ال ّ َنك ِ‬
‫ِ‬
‫في ال��ق��دس‪ ،‬رغ�� َم‬
‫الجوّ‪ ،‬ريحُ ُطفُ ولَةٍ ‪،‬‬
‫ِ‬
‫الريح َبيْنَ‬
‫ِ‬
‫َفتَرى الحما َم ي َِطيرُ يُعلِ نُ َد ْولَ���ةً في‬
‫اص َتيْنْ‬
‫ر ََص َ‬
‫تاريخ‬
‫ِ‬
‫كأنهن سطو ُر‬
‫َّ‬
‫في القدس تنتظمُ القبورُ‪،‬‬
‫والكتاب ترابُها‬
‫ُ‬
‫المدينةِ‬
‫مرّوا من هُ نا‬
‫الكل ُ‬
‫فالقدس تقبلُ من أتاها كافر ًا أو مؤمنا‬
‫ُ‬
‫األرض‬
‫ِ‬
‫أهل‬
‫لغات ِ‬
‫بكل ِ‬
‫أُمرر بها واقرأ شواهدَها ِ ّ‬
‫الب‬
‫والصقْ ُ‬
‫ِّ‬
‫فيها ال��زن��جُ واإلف���رن���جُ وال ِ��ق��فْ ��جَ ��اقُ‬
‫والب ُْشنَاقُ‬
‫����راك‪ ،‬أه��لُ الله وال��ه�لاك‪ ،‬والفقراءُ‬
‫والتتا ُر واألت ُ‬
‫والنساك‪،‬‬
‫ُ‬
‫والمالك‪ ،‬والفجا ُر‬
‫كل من وطئَ ال َثّرى‬
‫فيها ُّ‬
‫َص المدينةِ‬
‫الكتاب فأصبحوا ن ّ َ‬
‫ِ‬
‫الهوامش في‬
‫َ‬
‫كانوا‬
‫قبلنا‬
‫التاريخ ماذا جَ ّ َد فاستثنيتنا‬
‫ِ‬
‫يا كاتب‬
‫يا شيخُ فلتُ عِ ِد الكتاب َة والقراء َة مر ًة أخرى‪ ،‬أراك‬
‫لَحَ ن ْْت‬
‫تنظرُ ‪ ،‬سائقُ السيارةِ الصفراءِ ‪،‬‬
‫ض‪ ،‬ث ّ َم ُ‬
‫العين تُغْ ِم ُ‬
‫مالَ بنا شَ ما ًال نائي ًا عن بابها‬
‫والقدس صارت خلفنا‬
‫اليمين‪،‬‬
‫ِ‬
‫والعينُ تبصرُ ها بمرآةِ‬
‫قبل الغيابْ‬
‫الشمس‪ِ ،‬منْ ِ‬
‫ِ‬
‫َت َغ ّ َيرَتْ ألوانُها في‬
‫كيف تَسَ ّ َلل َْت للو َْجهِ‬
‫إذ فاجَ أَتْني بسمةٌ لم أدْرِ َ‬
‫قالت لي وقد أَمْ َعن ُْت ما أَمْ عن ْْت‬
‫يا أيها الباكي ورا َء السورِ ‪ ،‬أحمقُ أَن ْْت؟‬
‫أ َُجنِ ن ْْت؟‬
‫متن الكتابْ‬
‫المنسي من ِ‬
‫ُّ‬
‫ُك أيها‬
‫تبك عين َ‬
‫ال ِ‬
‫ُك أيها ال َعرَبِ ُّي واعلمْ أ َنّهُ‬
‫تبك عين َ‬
‫ال ِ‬
‫القدس لكنْ‬
‫ِ‬
‫القدس من في‬
‫ِ‬
‫في‬
‫القدس إال أَنْت‬
‫ِ‬
‫ال أَرَى في‬

‫> إدوارد عويس*‬

‫����ب‬
‫������ت ق����وم����ي وال ن�������ا ٌر وال حَ ����طَ ُ‬
‫ن������ا َدي ُ‬

‫���ام���رُ وال����نّ����يِ ����رَانُ ‪  ‬ي���ا عَ �����ر َُب‬
‫أَيْ������نَ ال���ـ���مَ ���جَ ِ‬

‫���ص���فَّ ���دَةٌ‬
‫َات إِ نْ ‪  ‬ن������ادَتْ مُ َ‬
‫أَيْ������نَ ‪  ‬ال������مُ ������رُ وء ُ‬

‫في األ َْس��رِ مُ عْ ت َِصماً‪  ‬هَ اجَ ْت لها القُ ُض ُب‬

‫��ل�ام����هَ����ا قَ���مَ ���رٌ‬
‫ِه�����يَ ال��ـ��مَ ��ل��ي��حَ ��ةُ ف���ي‪  ‬أ َْح ِ‬

‫��ض�� َن��ى َو َي ْنت َِس ُب‬
‫��ض��نِ ��ه��ا ال��مُ ْ‬
‫يَ����أْوِ ي إل��ى ِح ْ‬

‫ِه�����يَ الـجريحَ ةُ ‪  ‬ف���ي أَش����واقِ ����ه����ا بَطلٌ‬

‫يشهُ ‪  ‬الل َِج ُب‪ ‬‬
‫يُ ����فَ����رِّجُ ال���ك���رْبَ عَ ��ن��ه��ا جَ ُ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫ال ُ‬
‫صا‬
‫مى َ‬
‫م ْر َ‬
‫س َ‬
‫الع َ‬
‫ق ْد ُ‬

‫*‪*  *  ‬‬
‫َت��ه��ف��و ل��لُ��ق��ي��ا ال�����ذُّ رى وال���دَّ م���عُ مُ نسَ كِ ُب‬
‫���دس في‪  ‬حَ ��ب ِ��س��ه��ا المشؤُ ومِ ‪  ‬نازفَةٌ‬
‫ال���قُ ُ‬
‫مَ ��رْمَ ��ى العَصا حَ ب ُْسها وال��حَ ْ��ش��دُ مُ لتَئِ مٌ‬

‫���ب‬
‫���ب يَ����عْ ����رُ بَ وال���ـ��� َّت���اري���خُ ‪  ‬مُ ��� ْر َت ِ���ق ُ‬
‫ف���ي قَ���ل ِ‬

‫�����اس إل����ى‪  ‬عَ �����د ٍَن‬
‫����س‪  ‬م���ن ف ٍ‬
‫كُ �����لُّ ال����عَ����رائِ ِ‬

‫ح����رٌ ‪  ‬تَ��ل�اطَ ����مُ ف���ي‪  ‬أ َْح����ش����ائِ ����هِ ‪  ‬ال���ـ���نُّ ���و َُب‬

‫عتب‬
‫����وت الغَواني‪  ‬وال���هَ���وى ٌ‬
‫قَ����دْ بُ����حَّ َص ُ‬

‫العتب‬
‫ُ‬
‫����ل ال��ه��وى إِ نْ ُخ���يِّ���بَ‬
‫���س أَه ِ‬
‫ي��ا تُ���عْ َ‬

‫وسـعَةٌ‬
‫ـات مُ َّ‬
‫ـليج مَ تاهَ ـ ـ ـ ـ ٌ‬
‫وف���ي الخَ ـ ـ ِ‬

‫���ض���جُّ ِم���ن‪  ‬هَ ��ولِ ��ه��ا ال��ـ��دُّ نْ��ي��ا وت َْضطَ رِ ُب‬
‫َت ِ‬

‫َوأَرزُ‪  ‬لبنـ ـ ـ ـ ـ ــانَ‪  ‬ف��ي أَب��ـ��ه��ى مَ فاتِ ـنهِ‬

‫�������اب وال���حَ ���ر َُب‬
‫���ف واإلِ ره ُ‬
‫َ���س ُ‬
‫أَزرَى بِ ����هِ ال���ع ْ‬

‫ف��ي كـ ــلِّ ‪  ‬قُ ��ط��رٍ م���نَ ‪  ‬األق���ط���ارِ كارِ ثـ ــةٌ‬

‫وَكُ ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��لُّ قُ ��ـ��ط��رٍ ل���هُ ‪  ‬في‪  ‬هَ ـمِّ هِ ‪  ‬سَ ب َُب‬

‫*‪*  *  ‬‬
‫واألرض‪  ‬تُن َته ـ ـ ـ ـ ـ ُـب‬
‫ُ‬
‫والشـرُّ ‪  ‬مُ ��ن��ـ��ع َِ��ق��دٌ‬
‫َّ‬
‫متقعٌ‬
‫���ت قَ���وم���ي ووج�����هُ ال��ح��س ِ��ن مُ ِ‬
‫ن���ادي ُ‬
‫تسـ ـ ـ ـ ـ ـ ُـب‬
‫كـآبـاتي‪  ‬وأ َْح ِ‬

‫����ت م����نْ وج ٍ���ع‬
‫����ت قَ���وم���ي وك�����مْ ن����ادي ُ‬
‫ن����ادي ُ‬

‫وك�����مْ ‪  ‬أَعُ ����ـ����دُّ‬

‫س����ب����عٌ وس�����تُّ �����ون أَو‪  ‬س����ب����عُ ����ونَ ال عَ �����ددٌ‬

‫يُ ْح ِصي‪  ‬ال����هَ����وانَ‪  ‬وال ِع���ل���مٌ ‪  ‬وال‪  ‬أَد َُب‬

‫������س ال������عُ ������ر ِْب أَش����ل����اءٌ ‪  ‬مُ بعـثرةٌ‬
‫عَ ������رائِ ُ‬

‫����وب لمنْ ‪َ  ‬ي��ب��ـ��غ��ي َويَغت َِص ُب‬
‫ف��ي كُ ����لِّ َص ٍ‬

‫جب‬
‫إِ نْ عَ رْبدَ‪  ‬البَغيُ ‪  ‬ف��ي ال��دُّ ن��ي��ا ف�لا عَ ٌ‬

‫َجب‬
‫���ات ال���هَ���وى ف��ي��ن��ا ه���� َو الع ُ‬
‫ل��ك��نْ ُس���ب ُ‬

‫*‪*  *  ‬‬
‫َّصب‬
‫ف��ي ال���نَّ���ارِ تُ��ك��وى وق��ل��ب��ي د ْأبُ������هُ ‪  ‬الن ُ‬
‫ي���ا أَيُّ ���ـ���ه���ا ال���ح���ش���دُ إِ نِّ������ي مُ ����ره����قُ ويَ����دي‬

‫* ‬

‫����خ‪  ‬ذاك���������رةٌ‬
‫إِ ِّن������ـ������ي أَق������������ولُ ‪  ‬ول����ل����ـ���� َّت����اري ِ‬

‫َسب‪ ‬‬
‫ُصغي‪  ‬إِ ل���ـ���يَّ وق��ول��ي ال���يَ���و َم مُ حت ُ‬
‫ت ِ‬

‫���ات م����ا أَروتْ ل���ن���ا ظَ م ًأ‬
‫���خ���ط���اب ِ‬
‫ك�����لُّ ال ِ‬

‫ذهب‬
‫���ط وال ُ‬
‫وال شَ ��ف��ى ِم���ن َض��ن��ـ ً��ى َن���ف ٌ‬

‫����ب‪  ‬ب���هِ‬
‫إِ َّن�����ـ�����ا ُن����ـ����ري����دُ ‪  ‬دواءً ‪  ‬يُ ����س����تَ����طَ ُّ‬

‫���ب‬
‫َ���ض ُ‬
‫قِ ����وامُ ����هُ ال���ـ���عَ���زم وال���ـ���نِّ���ي���رانُ ‪  ‬وال���غ َ‬

‫شاعر من فلسطين‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪65‬‬

‫انتظار‬

‫> سليمان عبدالعزيز العتيق*‬

‫‪ 1‬من ‪3‬‬

‫قامت على درب القوافل خيمتي‬
‫ونصبتها حيث تمر الريحْ‬
‫وحيث يمر جمع العابرينْ‬
‫والقادمينْ‬
‫والنازحين إلى متاهات الدروبْ‬
‫ناظري وأتكي‬
‫َّ‬
‫وحيث أرمي‬
‫الحبيب‬
‫ْ‬
‫في ظل تذكار‬
‫متلفعا بصبابتي‬
‫عند سديم الغيب ملتبس الخطوبْ‬
‫عناك‬
‫ْ‬
‫يا الهث األنفاس تركض في‬
‫هواك‬
‫ْ‬
‫هل أوقفتك مليحة شربت كؤوسا ًفي‬
‫وتجملت بالوجد ترفلُ‬
‫بالحرير وبالطيوب‬
‫الرطيب‬
‫ْ‬
‫هل أوقفتك حمامة حطت على الغصن‬
‫هل أوقفتك غزالة رتعت هناك‬
‫يا الهث األنفاس هل‬
‫في قعر كأسك قطرة تسقي الشروبْ‬
‫أنا ظامئ والماء يجري بين أوردتي صبوب‬
‫وحشاشتي في كل بارقة تذوبْ‬
‫أنا ناطرٌ متفائل ٌ‬
‫بالصبح أو عند الغروب‬

‫انتظار ‪ 2‬من ‪3‬‬

‫ال ينطفي ظمئي بفيض سحابة ٍ‬
‫تسح وال تؤوبْ‬
‫تجتاز أوديتي ُّ‬
‫أنا واقف في حومة األشواقْ‬
‫ينثرني الطريق‬
‫ويلمني من وهج أشواقي حريقْ‬
‫أصغي لوقع الريحْ‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫الشمس‬
‫ْ‬
‫ووقع‬
‫واألزمان يجدلها الغروبْ‬
‫بردائه القاني‬
‫ويجدلها الشروق‬
‫قلب إن كظت بمهجتك الكروبْ‬
‫يا ُ‬
‫ما بين آهات المخافة واشتهاءات القلوب‬
‫إفرد جناحك ياخفوقْ‬
‫واصعد فضاء الله في كبد السماء‬
‫وارحل بوجدك يا مشوق‬
‫بين المخافة والرجاءْ‬
‫هال سألت الوردة العذراء عن أسرارها‬
‫في المنبت النائي وكلُ صبح تستفيقْ‬
‫بيضاء أو صفراء أو حمراء تبعث بالرحيق‬
‫هال سألت الطير يشدو ضحوة ً‬
‫في قفرة ما اجتازها‬
‫غريب‬
‫ْ‬
‫إال غريب من‬
‫هال سألت النخل واأل شجار واألحجار‬
‫وسألت موج البحر والريح الهبوب‬

‫انتظار ‪ 3‬من ‪3‬‬

‫وسألت أودية تدفق ماؤها‬
‫في كل ناحية دفوق‬
‫هلاّ سألت الشمس تشرقُ‬
‫في الوهاد وفي القفا ْر‬
‫والبدر يلقي وشاحه‬
‫في النائيات من الديا ْر‬
‫وسألت معنى العشب ينبت في السهوب الخالياتْ‬
‫وتسفه هوج الرياح كما الغبار‬
‫وسألت ثم سألت كل الكائنات‬
‫عن سر هذا اإلنتظار‬
‫وسألتها عما تخبئه الغيوبْ‬
‫* ‬

‫شاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪67‬‬

‫صرخة القصيدة الثائرة‬
‫> شقراء املدخلي*‬
‫عز َم على نبذ الشعر‪..‬‬
‫على التبتل في محاريب الصمت‪..‬‬
‫فكانت هذه صرخة القصيدة الثائرة‪..‬‬

‫* ‬

‫‪68‬‬

‫أَمُ �����ك�����ف�����ر ًا ع�����ن ب������ذل ن���س���ج���ك أبيضا‬

‫و مدافع ًا وصــل الغواني والقضـ ـ ــا‬

‫أت�����ت�����وب ع�����ن س����ف����ك ال�����ق�����واف�����ي ق���رب���ة‬

‫َض ـ ــا‬
‫لجـالل هن ــد والجفون المُ ر َ‬

‫ت���ت���ب���ـ���ـ���ـ���ـ���دل األدن���������ى ب���خ���ي���ر ويلتـ ـ ــا‬

‫قايض شمس الزبرجد بالغضى؟‬
‫ٌ‬
‫أَمُ‬

‫أع����ل����ن����ت ك�����ف�����رك ب����ال����ع����ي����ون وسهمها‬

‫وبنيت سـ ـ ـ ــدك خشيةً أن تمرضا‬

‫م���ت���ق���وق���ع��� ًا وس������ط ال����ص����وام����ع رهبــة‬

‫تتلو تعاويذ ًا وتشـ ــدو معرض ـ ـ ـ ـ ــا‬

‫م�����ا ج���ئ���ت رش���������د ًا ي�����ا ص����دي����ق فخلني‬

‫أهديك نصحي لوعتي ما يرتضى‬

‫ال����ش����ع����ر ق���ل���ـ���ـ���ـ���ب ف�����ي ض�����ل�����وع خ����ري����دة‬

‫فاطلب سبيلك للقصيد مغمض ـ ــا‬

‫ال��ش��ـ��ـ��ـ��ـ��ع��ر ش��ه��ق��ة زه������رة مغسولـ ـ ـ ــة‬

‫ب��ن��دى ال��ع��ن��اق وتمتم ــات تقتضى‬

‫ال���ش���ع���ر رع��ش��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ة دي��م��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ة مسكوبة‬

‫ف���وق ال��خ��م��ائ��ل وش��وش��ات م��ن رضا‬

‫ال��ش��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ع��ر رف������ة ه���دب���ه���ا أطيابهـ ــا‬

‫إش��ع��اع ثغر بالوصـ ـ ــال تمضمضا‬

‫ال���ش���ع���ر دف������ق أن�����ث�����وي سـ ـ ـ ـ ـ ــاحـر‬

‫نفحات وج��د أقسمت أن تنهضـ ـ ــا‬

‫ك����ي����ف ال����س����ب����ي����ل ل����ن����زع����ه����ا وف������ؤادك������م‬

‫بفم القوافي ب��رق رع��د أومض ـ ـ ـ ــا؟‬

‫أمُ �����ف�����ارق�����نْ ل���ي���ل ال���م���ل���ي���ح���ة اق����ص����رنْ‬

‫فالعشق دينك والشهادة ما ارتضى‬

‫ال����ح����ب أس����م����ى م����ا اق����ت����رف����ت فأعلننْ‬

‫عشق الحياة وج���اوزنْ شهب الفضا‬

‫إب���ل���ي���س أدن�������ى م����ن ب���ن���ي���ه مفرقـ ـ ـ ــا‬

‫قطع ال��م��ودة وال��س��ع��ادة أجهضـ ـ ــا‬

‫أض����������رُ ٌب‬
‫ي�����ا ص�������اح ه��������وِّن ف�����ال�����ع�����ذارى ْ‬

‫منها الشفاء وأخ��ري��ات كالقض ـ ـ ـ ــا‬

‫ف���اخ���ت���ر م����ه����اة ك���ال���ج���ن���وب أبي ـ ـ ـ ــةً‬

‫تذكي الليالي بالقصيد مقرض ـ ـ ــا‬

‫ت����م����ت����اح م����ن����ك ع�����واط�����ف����� ًا وف�������رائ�������د ًا‬

‫تهديك عمر ًا بالجمال مُ فوضـ ـ ـ ــا‬

‫شاعر ة من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> فيصل أكرم*‬

‫لجدول‬
‫ٍ‬
‫سفح تمهّ د ُه الرياحُ‬
‫ٌ‬

‫واستحالَ قالد ًة لم تعتنقْ عنق ًا سوى الفقدانْ‬

‫قد ال يطولُ غيابهُ ‪..‬‬

‫فلتنتظ ْر في داخلي يا أيها اإلنسانْ‬

‫الشموس لعابرٍ‬
‫ُ‬
‫ليلٌ تسرّبهُ‬

‫األرض‬
‫ِ‬
‫يجتث ظلِّيَ من بقاع‬
‫َّ‬
‫قد آن للحرمان أن‬

‫رضت عليه ثيابهُ ‪..‬‬
‫ْ‬
‫فُ‬
‫��ف ال��ت��ي ك��ان��ت س��تُ ��ق��ر ُأ م��ن شمال‬
‫ون���م���اذجُ ال��ك ِّ‬
‫الصفحةِ الـ‪ُ ..‬سكِ ب َْت‬
‫لذاكرةٍ ستُ هدى‬
‫طريق‬
‫ٍ‬
‫تاهت مشاويرُ المهاجر للمعالم في‬
‫ْ‬
‫كلما‬
‫يستحيلُ إلى طريقْ ‪..‬‬
‫هو ذا الصديقْ ‪..‬‬

‫واألنحاءِ واألشياءِ‬
‫مفردات الغابةِ الشوكاءِ والوردِ‬
‫ِ‬
‫يسردُ للشواطئ‬
‫الناعمات‬
‫ِ‬
‫والعصيِّ‬
‫المثل ِّج ِ‬
‫منتهى‬
‫ً‬
‫كما القوارير العصية‬
‫حتى على الكس ْر‬
‫كسرٌ هو اإليقاع!‬

‫ها أنتَ وحدكَ ‪ ،‬في الطريق إلى الصديقْ‬

‫جتث منّي‪،‬‬
‫ضلوعك في ضلوعي‪ ،‬أيها المُ ُّ‬
‫َ‬
‫فاكسر‬

‫بعض بعضي‪ ،‬يا صديقي‪ ،‬وابتعدْ‬
‫َ‬
‫وهبتك‬
‫َ‬
‫هبني‬

‫واحتملْ‬

‫كيما يطولُ بيَ الطريقْ‬

‫من ف��وق طاقتك ال��ت��ي‪ ..‬كم ذا تجاوزنا بها كلَّ‬

‫بعض شأني‪،‬‬
‫دعني وشأنك ُ‬

‫احتمال‪ ،‬واحتفلْ‬
‫ٍ‬

‫سوف ألعقها جراحاً‪ ..‬كنتَ تعرفها معي‬

‫ُك‪ ،‬فافتعل ما شئتَ‬
‫ُك‪ ،‬واختبار َ‬
‫هو ذا اختيار َ‬

‫التعارف بيننا‪..‬‬
‫ُ‬
‫ينتفض‬
‫ُ‬
‫ولسوف‬
‫لم تختلف أعمارُنا‪ ،‬إ ّال بقدر البوح والكتمانْ‬
‫لكنّ أشواط ًا قطعناها مع ًا‬
‫عض ْت على شفتيْ كلينا أن‪( :‬توقَّ ْف)‪،‬‬
‫ّ‬
‫إنما‪ ..‬لم يستطع منّا أحدْ‬
‫(هي ذي بالدٌ في الشوارعِ ‪،‬‬
‫ال شوارعُ في بلدْ )‪..‬‬

‫يستحق الكبرياءْ‬
‫ُّ‬
‫أعظم قد‬
‫ٍ‬
‫من أجل انكسارٍ‬
‫يستحق بأنْ نجرّبه معاً‪،‬‬
‫ُّ‬
‫أو‬
‫نحض على البقاءِ ‪ ،‬وال نفرّط في البكاءْ !‬
‫ّ‬
‫حتى‬
‫الحزن ماءْ‬
‫ِ‬
‫أشجا ُر هذا‬
‫والماءُ مرآةٌ لنا‪..‬‬
‫ألماءُ سو ٌر حولنا‪..‬‬

‫��ض تخطى ب��يَ كلَّ‬
‫فلتمض ي��ا بعضي إل��ى ب��ع ٍ‬
‫ِ‬

‫والماءُ جسرٌ ‪ ،‬إنما‪ ..‬كم ذا سيفصلُ بيننا؛‬

‫مرتكن قصيٍّ‬
‫ٍ‬

‫كم ذا سيبقى الماءُ ماءْ ‪..‬؟!‬

‫* كاتب‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫أشجار ُ هذا احلز ِ‬
‫ن ما ْء‬

‫وشاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪69‬‬

‫السنِني‬
‫ماد ُ‬
‫رَ َ‬
‫ِّ‬

‫> صالح الدين الغزال*‬

‫��������ت كُ ��������لُّ أ َْح���ل��ا َِم������ي‬
‫َض��������اعَ ْ‬
‫�������ت ِش������عْ ������رِ ي و َ‬
‫أ ََض�������عْ ُ‬
‫َآالم�������������ي‬
‫وَمَ �������������ا تَ������بَ������قَّ ������ى ِس��������ـ��������وَى ُح�������زْنِ �������ـ�������ي و ِ‬
‫����ى‬
‫َّ����������ذي قَ�������دْ كَ��������انَ قَ�����بْ�����لُ لَ����ظَ ً‬
‫أَرَى رَمَ ������������ادِ ي ال ِ‬
‫َّ������ام������ي‬
‫أ َْض������حَ ������ى جَ �����لِ �����ي�����د ًا يُ ����حَ ����ـ����اكِ ����ي َض������يْ������ َم أَي ِ‬
‫َ�����ت بِ ������دُ مُ ������ـ������وعِ ال�����خَ �����ـ�����و ِْف قَ����افِ ����يَ����تِ ����ي‬
‫قَ��������دْ بُ�����لِّ�����ل ْ‬
‫���������ام���������ي‬
‫َوأ َْح��������رُ فِ ��������ـ��������ي أَ َّرقَ������تْ������ َه������ـ������ا قَ����� ْب�����ـ�����لُ أَوْهَ ِ‬
‫َ�����اق َولَ�������مْ‬
‫�����س�����ب ِ‬
‫������دي كَ���� َب����ـ����ا قَ�����بْ�����لَ ال ِّ‬
‫جَ ������������وَادُ سَ ������عْ ِ‬
‫�����ام�����ي‬
‫������ف������ـ������ ْر غَ ��������ـ��������دَا َة كَ����� َب�����ـ�����ا إِ َّال بِ �����أ َْس����� َق�����ـ ِ‬
‫أ َْظ ِ‬
‫����ت‬
‫ْ����ش وَانْ����تَ����كَ����سَ ْ‬
‫وف ال����عَ����ي ِ‬
‫�����ت عَ �����لَّ�����يَّ ُظ�����������رُ ُ‬
‫قَ�����سَ ْ‬
‫َام�������ي‬
‫�����ف أَقْ �������د ِ‬
‫َ�����س ُ‬
‫�����دي وَهَ ����������زَّ ال�����ع ْ‬
‫�����ج�����ـ ِ‬
‫َ�������������ات مَ ْ‬
‫ُ‬
‫رَاي‬
‫�����ج�����يَ�����ةً‬
‫َّ����������ذي قَ�������دْ كَ���������انَ أ ُْح ِ‬
‫َص�����������ا َر ِح����� ْب�����ـ�����رِ ي ال ِ‬
‫و َ‬
‫�������ق�������يَ ال������دَّ ِام������ي‬
‫َ������اج������ـ������ي أُفْ ِ‬
‫ُألْ������عُ ������و َب������ـ������ةً فِ �������ي َدي ِ‬
‫����د فَ���� َل����مْ‬
‫َ����ص����ي ِ‬
‫����ش����عْ ����ـ����رِ أَعْ ��������������دَا َء ال����ق ِ‬
‫ْ������ت بِ ����ال ِّ‬
‫رَمَ ������ي ُ‬
‫�����س�����هْ �����مُ لِ ����ل����رَّ ِام����ي‬
‫تُ�����فْ �����لِ �����حْ ُح�������رُ وفِ �������ي وَعَ �������ـ�������ا َد ال َّ‬
‫�����س����� َه�����ـ�����ا َد لِ �����مَ �����نْ‬
‫يَ�������ا قَ�����اتِ ����� َل�����ـ�����يَّ أَ َت������������ـ������������دْ رُونَ ال ُّ‬
‫��������ام��������ي‬
‫لِ ������مَ ������قْ ������ َل������ـ������ةٍ َك������ـ������ادَهَ ������ـ������ا هَ �������ـ�������مٌّ إلِ رْغَ ��������ـ ِ‬
‫يَ�����ظَ �����ـ�����لُّ ِش�������عْ �������رِ ي وَإِ نْ عَ ����������اثَ ال���������زَّ مَ ���������انُ بِ �����هِ‬
‫ْض مَ �������مْ �������ـ�������دُ ود ًا ألَعْ ��������������وَامِ‬
‫ألر ِ‬
‫����ل����ا عَ ������ َل������ى ا َ‬
‫ِظ ً‬
‫* ‬

‫‪70‬‬

‫شاعر من ليبيا‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> عبدالله علي األقزم*‬

‫الصيف‬
‫ِ‬
‫وتـسـألـُني ليالي‬
‫يا أستاذ هل تهوى؟‬
‫فقلت لها‪ :‬اسألي قلبي‬
‫ُ‬
‫وعيشي في معادنـِـهِ‬
‫وذوبـي في تـالوتـِهِ‬
‫وسـيـري في مـبـادئِ ـهِ‬
‫وكـونـي وجهَهُ الحَ ـسـنـا‬
‫فؤادي بين أضالعي‬
‫هو األشجا ُر واألوراقُ‬
‫والـثـمـرُ الـذي أعـطى‬
‫لـكلِّ حـمـامـةٍ وطـنـا‬
‫على أحلى الـصـَّدى وطني‬
‫سـأجـعـلُ كـلَّ أيـَّامـي‬
‫إلـى أيـ َِّامـهِ ُسـفـنـا‬
‫ـواهـرهِ‬
‫سـأصـنـعُ ِمـنْ ج ِ‬
‫بأيـدي الـمُ ـخـلـصـيـنَ ِغـنـى‬
‫سأدفعُ عن جوارحـِـهِ‬
‫وعنْ شطآن بسمتِ هِ‬
‫المحـنـا‬
‫وعن أصدائِ ـهِ ِ‬
‫ومَ نْ يهوا ُه لم يُ بص ْر‬
‫بمرآة الهوى الوَهَ نـا‬
‫أعطت مآذنـُهُ‬
‫ْ‬
‫فكمْ‬
‫وكمْ صل َّْت شواطئـهُ‬
‫وكم ح َّـج ْـت آللـئـُهُ‬
‫محراب رايـتِ ـهِ‬
‫ِ‬
‫وفي‬
‫أماتَ جمالُـهُ ال ِـفـتـنـا‬
‫* ‬

‫وكلُّ العاشقينَ لهُ‬
‫سينهض عشقُ همْ مُ دُ نـا‬
‫ُ‬
‫العشاق ِ‬
‫أتسألُني عن َّ‬
‫ما فعلوا؟‬
‫فكلُّ العاشقينَ هـنـا‬
‫معناك قد أمسوا‬
‫َ‬
‫على‬
‫قنادي ًال‬
‫وقد أضحوا‬
‫لك األروا َح وال َب َدنـا‬
‫َ‬
‫ضلوعهمْ صارتْ‬
‫ِ‬
‫وكلُّ‬
‫والصلوات‬
‫ِ‬
‫لك األزها َر‬
‫َ‬
‫والسكـنـا‬
‫واألحضانَ َّ‬
‫وكلُّهمُ إذا سطعوا‬
‫ـات‬
‫هُ ـتـاف ٍ‬
‫فهمْ لو تعلمونَ‬
‫أنـا‬
‫هواك يا وطني‬
‫َ‬
‫وحجمُ‬
‫ُحصى‬
‫هيَ األرقامُ لنْ ت َ‬
‫ذلك الـزمـنـا‬
‫سـتـُعـجزُ َ‬
‫ساخن جد ًا‬
‫ٌ‬
‫ـك‬
‫ألن َ‬
‫الحب تـسـألـُنـي‬
‫ِّ‬
‫بهذا‬
‫ـصـي ِـف عـن روحي‬
‫لـيـالـي ال َّ‬
‫أتـعـرفـُهـا؟‬
‫عـرف ُـت الـرو َح حـيـنَ‬
‫ـك يـا وطـنـي‬
‫رأتـْ َ‬
‫لـكلِّ فـضـيـلةٍ وطـنـا‬

‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫ِ‬
‫الصيف‬
‫وتـسـألـُني ليالي‬

‫شاعر من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪71‬‬

‫«أرض اليمبوس» للروائي إلياس فركوح‪..‬‬
‫التاريخ الشخصي والذاكرة اجلمعية‬

‫> هيا صالح*‬
‫بإصدار «أرض اليمبوس»‪ ،‬يمكن القول إن الروائي األردني إلياس فركوح يكمل ثالثيته‬
‫الروائية التي بدأها بـ«قامات الزبد» (‪1987‬م)‪ ،‬التي تتناول الفترة الفاصلة بين نكسة عام‬
‫‪1967‬م وسقوط مخيم تل الزعتر‪ ،‬ثم «أعمدة الغبار» (‪1996‬م) التي تبدأ من سقوط تل‬
‫الزعتر حتى خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت في العام ‪1982‬م‪.‬‬
‫أم��ا ف��ي «أرض ال�ي�م�ب��وس»‪ ،‬فتتداخل‬

‫ب�ص��دد تفسيرها ال�س�ي��اس��ي)‪ ،‬ل�ك��ن هذه‬

‫األزمنة واألمكنة‪ ،‬وتتماثل وصوالً إلى حرب الوحدة أو نتائجها االجتماعية تمثلت في‬
‫الخليج الثانية (‪1991‬م)‪ ،‬تلك الحرب التي‪:‬‬

‫انصهار الضفتين معاً‪ ،‬مشكّلتين مجتمعاً‬

‫«توقفت‪ .‬ومثل قيامتها الخاطفة‪ ،‬كانت واحداً بقوى سياسية موحدة‪ ،‬ذات صفات‬
‫نهايتها» (ص ‪.)25‬‬
‫ويمكن ع ّد هذه الثالثية‪ ،‬ثالثية الجيل‬
‫الذي ينتمي له فركوح بامتياز‪ ،‬وهو الجيل‬

‫م�ش�ت��رك��ة‪ ،‬إل��ى أن ح �لّ��ت ه��زي�م��ة ‪1967‬م‬
‫وف �ص �ل��ت ال �ض �ف �ت��ان‪ ،‬وب� ��ات الفلسطيني‬
‫فلسطينياً واألردن ��ي أردن�ي�اً على مستوى‬

‫الذي وصفه في أحد حواراته بأنه‪« :‬الجيل الجغرافيا‪ ،‬لكن على مستوى االجتماع‬
‫األردن��ي الفلسطيني الذي عاش جغرافيا ظل الفلسطيني في األردن هو الفلسطيني‬
‫واح��دة‪ ،‬ونما وعيه على جغرافيا واحدة األردني أو األردني الفلسطيني يتفاعل مع‬
‫(تشكلت المملكة األردن�ي��ة الهاشمية من قضايا البيئة الكلية ويفعل فيها‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫الضفتين ال�غ��رب�ي��ة وال�ش��رق�ي��ة ف��ي أوائل‬

‫وم� ��ن ه��ن��ا‪ ،‬وف� ��ي «أرض اليمبوس»‬

‫الخمسينيات نتيجة ات�ف��اق�ي��ة م��ا‪ ،‬لسنا‬

‫(المؤسسة العربية ل�ل��دراس��ات والنشر‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ه�� ��ذا ال��خ��ل��ي��ط االجتماعي‬

‫في قبو ال��ذات‪« ،‬كي ال نقضي‬

‫الثريّ ‪ ،‬التاريخَ‪ ،‬وهو – والقو ُل‬

‫ونموت تحت وط��أة ما نختزن‬

‫له ‪« -‬تاريخي الشخصي الذي‬

‫في تجاويف الذاكرة‪ :‬في غور‬

‫أدّعي أنه غير محصور في ذات‬

‫ال��ص��در‪ :‬ف��ي ش �غ��اف القلب»‬

‫م��ف��ردة‪ ،‬وإن �م��ا ه��ي ذات جيل‬

‫(ص ‪ ..)88‬ه��ي ح �ي��وات في‬

‫بكامله‪ ،‬انفعل وفعل وتفاعل‪.‬‬

‫«م��دن أع��رض��ت ع��ن أحالمنا‪،‬‬

‫بعضنا انكسر‪ ،‬وبعضنا اآلخر‬

‫فرسمناها على غرارنا لتتداعى‬

‫ل��م ينكسر‪ ،‬بعضنا تخلى عن‬

‫حين نتداعى» (ص ‪.)88‬‬

‫م�ب��ادئ��ه‪ ،‬وبعضنا ظ��ل مبدئياً‪،‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫‪2007‬م)‪ ،‬يسجل ف��رك��وح‪ ،‬ابن‬

‫إنها محاولة الستعادة ما توارى‬

‫وتنسجم ع�ن��اص��ر الرواية‬

‫لكنني أزع��م أننا إن كنا خسرنا‬

‫في بنيتها الكلية مع سياق السرد الذي يركن إلى‬

‫كسبنا تجربة فريدة»‪.‬‬

‫الراوي بها‪ ،‬وإذ ذاك يصبح الزمن فكراً‪ ،‬والعالَ ُم‬

‫لترابط‬
‫ٍ‬
‫األرض‪ ،‬وإن كنا خسرنا ش�ع��ارات كثيرة كانت منطقة التذكّر‪ ،‬وفيها ال تخضع األحداث‬
‫مرفوعة في تلك المرحلة‪ ،‬فقد كسبنا أنفسنا‪ .‬منطقي أو عقلي‪ ،‬وإنما تتدفق وفقاً إلحساس‬
‫إذاً‪ ،‬ومنذ العنوان‪ ،‬ثمة مواجهة للمكان الذي ام �ت��داداً لهذا الفكر‪ ،‬وه��و ما تبدأ به الرواية‪،‬‬
‫يتأرجح بي َن بين دائماً‪ ،‬هو اليمبوس؛ المنطقة فمشهد اللوحة المعلقة على الحائط ير ّد الراوي‬
‫ال��وس �ط��ى م��ا ب �ي��ن ال �ج �ن��ة وال �ج �ح �ي��م‪ ،‬وهنالك إلى داخله‪/‬مرآته الجوانية في محاولة للفهم‪« :‬أن‬
‫شخصيات تماثله في هذه السمة‪ ،‬وكذا األحداث تفهم يعني أن تدرك الحياة‪ ،‬أو تحاول» (ص ‪،)26‬‬
‫والزمان والمكان‪ ،‬وحتى التجربة الذاتية المركبة لكن هذا الفهم العقلي بالنسبة للراوي ال يكفي‪،‬‬
‫لفركوح الذي عاش زمناً في القدس‪ ،‬كما عاش فهنالك م��ا ه��و أكثر م��ن اإلدراك ال��واع��ي؛ ثمة‬
‫في عمّان‪ ،‬وتفاعل مع قضايا المجتمعَين‪ ،‬فجاءت المشاعر واألحاسيس المختلطة التي تكتمل بها‬
‫روايته وكأنما هي شهادة على تجربته الحياتية النظرة للعالَم‪« :‬عليك أن تُفجع بتبدد أحالمك‬
‫الخاصة في تعالقها وتفاعلها مع حياة اآلخرين وانكسار آمالك‪ ،‬فتكون أن��ت» (ص ‪ .)26‬وبعد‪،‬‬
‫في محيطه وتجاربهم‪.‬‬

‫يعترف ال���راوي‪(« :‬ال ش��يء يكتمل)‪ ،‬ق��ال أبي؛‬

‫هذه التجربة التي تنهل من مخزن الذاكرة‪ ،‬ففهمت أن ال شيء يستحق االنتظار‪ .‬وفهمتُ ‪،‬‬
‫ذاكرة ال��راوي‪ ،‬والتي تشبه بيت العنكبوت حيث كذلك‪ ،‬أن االنتظار مضيعة لوقت سيُصاب بتخمة‬

‫ال ��دوران الالنهائي لحياة تُختزن في الذاكرة‪ ،‬إن تركته يتلهى بإنضاج التجربة‪ .‬الكتابة ستتكفل‬
‫لتسقط على ال ��ورق كما دوائ ��ر ال �م��اء‪ ،‬إذا ما بهذا» (ص ‪.)64‬‬
‫أ ُسقط فيه حج ٌر ر ّج هدوءه وخلع عنه سكينته‪.‬‬

‫إن عدم االكتمال هو الصورة الحقيقية للعالَم‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪73‬‬

‫الترابي ال��واق��ف بين العالَمين‪ :‬العالَم الفوقي به في الحكي‪ .‬لذا نراه يستعين بآخَ ره ليكمل ما‬
‫ال��ذي يمثل الخير‪ ،‬والعالَم السفلي ال��ذي يمثل تناقص من أجزاء الصورة‪ ،‬مؤكداً أن ما يرويه قد‬
‫ال�ش��ر‪ ،‬ول��ذل��ك ف��إن ال�ث��واب والعقاب ال يكونان ال يكون حدثَ فعالً‪ ،‬وإنما هو رغبَ في حدوثه‬
‫بسبب عمل الكائن‪/‬اإلنسان‪ ،‬وإنما يكونان بسبب فاختلقه‪« :‬علينا أن نتذكّر كي ال نقضي تحت‬
‫انسياقه وراء كائنات هذا العالَم أو ذاك‪.‬‬

‫وطأة كل ما جرى‪ .‬ال! دعنا ال نذهب بعيداً في‬

‫ويبدو هذا العالَم الذي أوجدته المخيلة األدبية خداع أنفسنا‪ .‬فلنقلها‪ :‬كي ال نقضي تحت وطأة‬
‫حياد ّياً من حيث أنه عاجز ال يملك مقدرة العالَمين كل ما لم يجرِ وتمنينا أن يكون» (ص ‪.)232‬‬

‫اآلخرين‪ ،‬ولكنه في غير هذه الناحية ال يعرف‬

‫ولذا‪ ،‬تتعدد المستويات السردية في الرواية‪،‬‬

‫الحياد‪ ،‬ألنه عالَم منحاز في حقيقته‪ ،‬إما إلى فهنالك الراوي بضمير الغائب‪ ،‬وال��راوي بضمير‬

‫األعلى أو إلى األسفل‪ .‬إن الكائن هنا ال يموت إال األنا‪ ،‬والراوي بضمير المخاطَ ب‪ ،‬وجميعها تبدو‬
‫لراو واحد يجاهد في البوح ولَ ِّم ما تناثر من‬
‫إذا سقط في هوة النسيان‪ ،‬لذا فإن الراوي يكتب مرايا ٍ‬
‫ليبدد النسيان‪ ،‬راصداً التغيرات واالنتقاالت التي أشالءٍ ألحداث اختزنت في الذاكرة‪ .‬فاألحداث في‬
‫يعيشها اإلنسان‪« :‬كان ال بد أن أكتب الحكايات الرواية ليست من تأليف شخص واحد‪ ،‬وإنما من‬
‫وضع أشخاص متعددين‪ ،‬يتنازعون الروي مفككين‬
‫ْ‬
‫قبل أن تموت هي أيضاً‪ ،‬فالحكايات كأصحابها‪،‬‬
‫تُدفن مع جثامينهم وتُنسى‪ ،‬كرفاتهم‪ ،‬حين ال مركز السرد ال��ذي يتشظى في أكثر من نقطة‪،‬‬

‫يعود سوى الصبار ينبت فوق قبورهم» (ص ‪ ،)30‬وفقاً للرغبات المتقلبة للرواة‪ /‬مرايا الكاتب‪ ،‬إذ‬
‫لكن الراوي‪ /‬الكاتب يعترف‪ ،‬وهو يقاوم النسيان كلٌّ منهم يشكك بصدق اآلخر وصدقيته‪.‬‬
‫بالكتابة‪« :‬أ ُصاب بالملل‪ ،‬ويربكني أن ال طائل من‬

‫وم �ث��ال ذل���ك‪ ،‬ي �ق��ول ال � ��راوي بضمير األنا‪،‬‬

‫وراء عالَم لُوثت جيناته بسخام الحروب»‪ ..‬إنه بعد حديثه عن المرأة األول��ى في حياته‪« :‬عَ ل َيّ‬
‫عالم ال يستحق التخليد‪.‬‬
‫أن أستعيد األم��ر برمّته‪ ،‬أكثر م��ن م��رة‪ ،‬ك��ي ال‬
‫يتأسس ال��روي ف��ي «أرض اليمبوس»‪ ،‬وفق أفقده‪ .‬تفاصيل األشياء تهرب مني‪ .‬تفلت من‬
‫استراتيجية س��ردي��ة دي�ن��ام�ي��ة م �ض��ادة لصورة ذاك��رت��ي‪ ،‬فأتركها لغيري‪ ،‬ظاناً أنهم يتوافرون‬
‫ال��راوي التقليدي بوصفه المرجع الوحيد الذي على ما ينقصني‪ :‬يمألون الفراغات في حكايتي‬
‫يمكن الوثوق بروايته‪ ،‬فعلى عكس ذلك‪ ،‬يصبح الشخصية بدالً مني‪ .‬هم ينوبون عني‪ ،‬باألحرى‪.‬‬
‫ال��راوي في هذا العمل أول ضحايا استراتيجية كأني أ ُحلّهم محلّي ف��ي أداء م��ا يشبه امتحان‬

‫اللعبة ال�س��ردي��ة ال�ت��ي تخلخل موقعه وتشكك (امأل الفراغ في الجمل التالية)‪ .‬كأني أجعلهم‬
‫في صوته وصدقه‪ ،‬ذلك أنه يتعرض لصيرورة أن��ا‪ ،‬مثلما أجعل (م��اس��ة) جمي َع ال�ن�س��اء» (ص‬
‫تناسخات وتحريفات تجعله يفقد موقعه المركزي ‪.)74‬‬
‫في تراتبية السرد‪ ،‬بحيث ال يمثل مصدراً موثوقاً‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫يتدخل ال��راوي بضمير المخاطَ ب‪ ،‬مناقشاً‬

‫(وجهه اآلخر)‪ ،‬وير ّد عليه‪« :‬هذا صحيح تماماً‪ ،‬فشل في رفع أثقال الحديد‪ ،‬يقود ال��راوي إلى‬
‫وهنا مربط الفرس ‪ -‬كما يقال ‪ -‬أو مربطك‪ .‬أحداث بحثه عن «حاملي الكالشنكوف»‪ ،‬الذين‬

‫ال عمّا لم تجده في يمارسون عملهم بالخفاء‪ ،‬وهو بذلك يبحث عما‬
‫تجعل امرأة ال وجود لها بدي ً‬

‫ما عرفته من نساء‪ .‬أسميتها ماسة‪ :‬أي الجوهرة يخلصه من الهزيمة‪.‬‬
‫المبرّأة من أية شائبة‪ .‬تتحايل على وعيك بتغييبه‬

‫خضر ي��دخ��ل ال�ج�ي��ش‪ ،‬أم��ا ال���راوي فيدخل‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫ال ومشككاً بمقوالت ال��راوي بضمير األنا بحثه عما يخلّصه من العار الذي لحق به بعدما‬
‫ومحل ً‬

‫ع �م��داً؛ إذ أك�ث��رت م��ؤخ��راً م��ن التأكيد على أن «ال� �ح ��زب ال �م��ال��ك ل ��ذراع ��ه ف��ي ح��رك��ة الكفاح‬
‫الكتابة ال تنتج إال عن وعي حادّ‪ .‬وهذا صحيح ال �م �س �لّ��ح»‪ ،‬ل�ي�ص�ب��ح «رف� �ي� �ق� �اً»‪ ،‬وي �ح �ص��ل على‬

‫ودقيق أيضاً‪ .‬غير أن��ك وب��إرادت��ك إنما تنفصم البندقية التي حلم بحملها‪ ،‬ويكشف له قرينه‬
‫إلى اثنين يتشاكالن بالضرورة‪ .‬لكنهما يتماهيان (ال ��راوي بضمير المخاطَ ب) أن��ه إنما أراد أن‬
‫كذلك ليصطدما بعضهما ببعض» (ص ‪.)74‬‬

‫ال رديفاً للبطل خضر‪،‬‬
‫يكون ‪ -‬والكال ُم له ‪« :-‬بط ً‬

‫إن الرواية تقترب من الواقع وتتفحصه وتحلله الذي دلَّكَ على خريطة فلسطين في شخصيته‬
‫بلد‬
‫وتتعامل مع عناصره بلغة تستثير العميق والباطني وتفاصيل حكاياته‪ ،‬ف��زر َع الحل َم فيك ع��ن ٍ‬

‫فيه‪ ،‬حيث اللغة هي وسيلة الكاتب للتعبير عما في تحوّلت إلى أسطورة» (ص ‪.)129‬‬
‫ذاكرته من صور مختزنة للواقع‪ .‬وربما أن واقعية‬

‫إنها رواي��ة مسبوكة بلغة ذات طاقة شعرية‬

‫الرواية جعلت من المستساغ السرد بالعامية أو مفتوحة ع�ل��ى ال� ��دالالت‪ ،‬إذ إن ال�س�ح��ر الذي‬
‫المحكية‪ ،‬خصوصاً في المقطع ال��ذي يتحدث تمارسه اللغة في الرواية بشتى تجلياتها‪ ،‬هو س ّر‬

‫فيه «خ�ض��ر ال �ش��اوي��ش»‪ ،‬اب��ن ي��اف��ا ال��ذي يقطن إبداع فركوح الذي كلّما قبض على الكلمة أضر َم‬
‫في مخيم الوحدات‪ ،‬عن «بطوالته» التي يقتات فيها نار الجمال الغامض والسرّي‪.‬‬
‫على ذكرياتها ليتمكن من تقبُّل واقعه المهزوم‪،‬‬

‫هي محاولة لالكتشاف‪ ..‬للتذكّر‪ ..‬حتى ال‬

‫فهو «يحكي ليعيش أياماً مضت يراها أجمل من يضيع الحلم‪ ،‬وننسى القدس «مدينة الله أقرب‬
‫حاضره‪ ،‬كأنه‪ ،‬عند الحكي عن ع ٍّز قديم وتفر ٍّد إلينا من حبل وريدنا‪ ،‬وريدنا المحقون بالمخدّ ر‬

‫آفل يتخلص من بؤس واقعه ويميز شخصه الضائع الذاهب بنا إلى منامات قد تطول وقد ال تطول‪،‬‬
‫في جموع نُسيت وبال مالمح» (ص ‪.)129‬‬
‫وحتى ال نرهق الروح بمزيد من األسئلة‪ ،‬فلنحاول‬
‫تتداخل حكايات خضر مع مَشاهد يستعيدها أن نعيد كل ما تذكّرناه إلى ما كان‪ :‬قبل أن نحذف‬

‫الراوي بضمير األنا من ذاكرته‪ ،‬فحديث خضر منه وأن نضيف إليه‪ .‬فلنحاول‪ .‬أعرف استحالة‬
‫عن المرة األولى التي جرّب فيها رف َع الحديد‪ ،‬ذل��ك‪ .‬أع��رف‪ ،‬ولكن عليك أن ت�ح��اول‪ .‬سيكون‬
‫تستثير في الراوي ذكريات النكسة‪ .‬وخضر في االكتشاف هناك» (ص ‪.)232‬‬
‫* ‬

‫كاتبة من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪75‬‬

‫قراءة سيميائية‬

‫في قصة «أعمق من الوسن»‬
‫للسعودي حسن البطران‬

‫> د‪ .‬جميل حمداوي*‬

‫توطئـ ـ ــة‬
‫يعد حسن علي البطران من أهم كتّاب المملكة العربية السعودية الذين أسهموا‬
‫في تأسيس القصة القصيرة جدا وتجنيسها فنيا‪ ،‬بل يعد أيضا من الكتّاب القالئل‬
‫الذين جربوا التقنيات السردية الحداثية في قصصهم القصيرة جدا‪ .‬وقد أصدر مؤخرا‬
‫مجموعته األولى في هذا الجنس األدبي الجديد‪ ،‬وكانت تحت عنوان‪« :‬نزف من تحت‬
‫الرمال»(‪ .)1‬وقد خصصنا لهذا المبدع الشاب كتابا مركزا في نقد قصصه القصيرة جدا‬
‫ودراستها دراسة ميكروسردية‪ ،‬وعنوان الكتاب هو‪« :‬خصائص القصة القصيرة جدا عند‬
‫الكاتب السعودي حسن علي البطران»(‪ ،)2‬ويعد هذا المؤلف في رأينا أول كتاب يتناول‬

‫القصة القصيرة ج��دا بالسعودية درسا ‪ -1‬النص المنطلق‬
‫وتحليال وتقويما‪.‬‬

‫هذا‪ ،‬وسنحاول في هذه الدراسة مقاربة‬
‫قصة قصيرة جدا لحسن علي البطران‪،‬‬
‫تحمل ع�ن��وان��ا اس�م�ي��ا م��رك�ب��ا ه��و «أعمق‬
‫من ال��وس��ن»‪ ،‬يتكون من اإلس�ن��اد االسمي‬
‫ال �م �ح��ذوف وال �م��رك��ب ال �ح��رف��ي‪ ،‬للتأكيد‬
‫والتقرير واإلثبات حجاجا واستنتاجا‪.‬‬
‫ومنهجيا‪ ،‬فقد اخترنا التمثل بمبادئ‬
‫المقاربة السيميائية الشكالنية‪ ،‬اعتمادا‬
‫على خطوتين إجرائيتين‪ ،‬هما‪ :‬التفكيك‬
‫التشريحي والتركيب البنيوي‪ ،‬مع االستفادة‬
‫من نتائج التحليل النفسي الفرويدي‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ي �ق��ول ح�س��ن ع�ل��ي ال �ب �ط��ران ف��ي نصه‬

‫اإلب ��داع ��ي ال �ج��دي��د «أع �م��ق م��ن الوسن»‬
‫ال �م �ن �ش��ور ف ��ي ال �م��وق��ع ال��رق �م��ي «مجلة‬

‫ال� �ف ��وان� �ي ��س»(‪ ،)3‬وه ��و م��ن ج �ن��س القصة‬

‫القصيرة جدا‪:‬‬

‫«يفرش ذيله كطائر طاووس‪..‬‬
‫يقترب منه وتتالطم السحب وتهطل‬
‫األم � �ط� ��ار‪ ..‬ي �ت�لاع��ب ب �ث��دي �ي �ه��ا‪ ..‬يسجل‬
‫ثالثة أهداف في مرمى البرازيل ويُقذف‬
‫بالحجارة‪ .‬تغلق أمامه أبواب المدينة ويمنع‬
‫من الدخول‪..‬‬

‫‪ -2‬مرحلة التفكيك‪:‬‬
‫تستند ال�ق�ص��ة إل ��ى م�ج�م��وع��ة م��ن األفعال‬
‫المضارعة المتعاقبة والمتراكبة بناء وحذفا‬
‫وإض� �م ��ارا‪ ،‬وه ��ي‪ :‬ي �ف��رش‪ ،‬وي �ق �ت��رب‪ ،‬وتتالطم‪،‬‬
‫وت�ه�ط��ل‪ ،‬وي�ت�لاع��ب‪ ،‬وي�س�ج��ل‪ ،‬وي �ق��ذف‪ ،‬وتغلق‪،‬‬
‫ويمنع‪ ،‬ويصحو‪ ..‬وت��دل هذه األفعال على زمن‬
‫الحاضر‪ ،‬وه��و زم��ن الفعل واإلن �ج��از والتحرك‬
‫الدرامي‪ .‬وتحمل هذه األفعال دالالت سطحية‬
‫وع �م �ي �ق��ة ت �ق��رب �ن��ا م ��ن ال �ل �ق �ط��ات السينمائية‬
‫الديناميكية الدالة على المواقف الحركية ذات‬
‫المنحى الصراعي والكوريغرافي‪ .‬كما أن الجمل‬
‫ذات طابع فعلي‪ ،‬وهي جمل بسيطة ذات محمول‬
‫فعلي واح ��د؛ ألن ال �غ��رض منها ه��و االختصار‬
‫والتكثيف واالختزال‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬وتتجمع القصة في مجموعة من األفعال‬
‫النووية الدالة والمعبرة عن الصراع المشهدي‬
‫الذي يتكون من اللحظات الدرامية التالية‪:‬‬
‫ لحظة االف�ت��راش التي تحيلنا على النوم أو‬‫التظاهر بالنوم أو االستلقاء على األرض أو‬
‫التمدد فوقها‪.‬‬
‫ لحظة االس�ت�ع��داد ل�لاق�ت��راب كما ي��دل على‬‫ذلك فعل يقترب‪.‬‬
‫ لحظة الصراع والتشبيك الدرامي كما تدل‬‫على ذلك أفعال أخرى مثل‪ :‬تتالطم‪ ،‬وتهطل‪،‬‬
‫ويتالعب‪ ،‬ويسجل‪ ،‬ويقذف‪ ،‬ويمنع‪ ،‬ويغلق‪.‬‬
‫ لحظة الصحو واالستفاقة من االنتشاء كما‬‫يدل على ذلك فعل يصحو‪.‬‬
‫وه��ذه اللحظات ال��درام�ي��ة ق��د تكون واقعية‬
‫مباشرة‪ ،‬وق��د تكون لحظات الشعورية مجازية‬
‫ورم��زي��ة ت�ق��ع ف��ي ال�ل�اوع��ي وال �ع �ق��ل ال �ب��اط��ن‪..‬‬
‫كما أشارت إلى ذلك العبارة‪« :‬يصحو من نومه‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫يصحو من نومه وثيابه مبللة»‪.‬‬

‫وثيابه مبللة» التي تتكون من أفعال ثالثة‪ :‬النوم‬
‫وال�ص�ح��و وال �ت �ب��ول ف��ي ال �ث �ي��اب‪ .‬وه ��ذه األفعال‬
‫ت�ت��رك��ب أي �ض��ا م��ن م �ت��وال �ي��ات س��ردي��ة متعاقبة‬
‫منطقيا وكرونولوجيا سببا واستنتاجا‪ :‬متتالية‬
‫النوم‪ ،‬ومتتالية الصحو‪ ،‬ومتتالية التبول‪ ،‬وهي‬
‫لقطات سينمائية ومشهدية تعبر عن صيرورة‬
‫طفولية حالمة ومعقدة ومكبوتة‪.‬‬
‫وعلى أي حال‪ ،‬فالقصة تتألف من تسع جمل‬
‫مركزة في بنياتها التركيبية دالليا ومقصديا‪،‬‬
‫فالجملة األولى تحمل تشبيها حسيا بالغيا يوحي‬
‫بجمال الموصوف وب��راءت��ه الطاهرة الصافية‪،‬‬
‫ووسامته الرائعة «كطائر طاووس»‪ ،‬بينما يوحي‬
‫المشبه بكونه كائنا حيوانيا «يفرش ذيله»‪ ،‬وقد‬
‫يكون كائنا بشريا منكرا على مستوى الغياب‪..‬‬
‫يفترش لباسه وم��ا يجر وراءه ك��ال��ذي��ل‪ ..‬كحال‬
‫العروس التي تلبس مالءتها البيضاء أثناء حفل‬
‫العرس‪ ،‬فتجرها كما تجر الذيل‪ ،‬وهذا التأويل‬
‫ممكن على مستوى التخييل المجازي‪ .‬ويحمل‬
‫فعل «ي�ف��رش» في طياته دالالت النوم والدفء‬
‫وحرارة المكان‪ ،‬بله عن معاني التمدد واالستلقاء‬
‫ف��ي أوض� ��اع م�ت�ع��ددة ت��ؤش��ر ع�ل��ى وج ��ود فضاء‬
‫حميمي لالنكماش واإليواء‪ .‬ويمكن تلخيص جملة‬
‫هذه اللقطة المشهدية في البؤرة الداللية التالية‪:‬‬
‫«الجمال يفترش األرض في وضعية استلقاء»‪.‬‬
‫وت��رد الجملة الثانية «يقترب» بكل مكوناتها‬
‫النحوية التامة‪ ،‬فتحمل فاعال منكرا ومفعوال به‬
‫غير محدد‪ ،‬ومن المعلوم أن التنكير من مكونات‬
‫القصة القصيرة جدا‪ .‬وهكذا‪ ،‬يحيل القرب في‬
‫هذه القصة على الصداقة‪ ،‬والمودة‪ ،‬والمحبة‪،‬‬
‫والميل اإليجابي‪ ،‬والتواصل الحميمي‪ ،‬والتعايش‬
‫الحقيقي‪ ،‬واالستعداد لاللتحام والترابط الجدلي‬
‫واالشتباك النفسي‪ .‬ويعني هذا أن ثمة ألفة بين‬
‫المتقاربين‪ ..‬سواء أكان ذلك على مستوى الواقع‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪77‬‬

‫أم على مستوى الالشعور والتخييل الباطني‪.‬‬
‫أن الثديين في الثقافة العربية اإلسالمية رمز‬
‫أم��ا جملة» «تتالطم السحب» فعلى الرغم للعطاء والكرم والجود والخصوبة‪ ،‬ورمز كذلك‬
‫من حموالتها الطبيعية والفلكية المباشرة‪ ،‬فهي لألمومة والحنان والعطف البشري‪.‬‬
‫ويتحول هذا االشتباك الشبقي الجنسي إلى‬
‫تؤشر سيميائيا على حالة التجمع واالستعداد‬
‫والتداخل والتضام الطبيعي والتراكب التالصقي‪ .‬لعب واقعي حقيقي توهيما وتخييال حينما يقول‬
‫وتحمل السحب في معانيها دالالت الخصوبة الكاتب ف��ي قصته منتقال إل��ى سياق قصصي‬
‫والتوالد والحياة‪ ،‬إما تتالطم فتحيل على الصراع ودالل��ي آخ��ر‪« :‬يسجل ثالثة أه��داف في مرمى‬
‫الجدلي والطبيعي‪ ،‬وتحيلنا أيضا على عمليتي البرازيل ويُ�ق��ذف بالحجارة»‪ ،‬فيوحي تسجيل‬
‫المد والجزر‪ ..‬فتذكرنا بأمواج البحر وتالطمها‪ .‬األهداف في المرمى باالنتصار والزهو وتحقيق‬
‫وه �ن��ا‪ ،‬نستحضر م�ك��ون ال �م��اء وال�خ�ص��وب��ة في ال��م��راد م��ن االش �ت �ب��اك وال �ت �ف��اع��ل البيولوجي‬
‫هذه العملية االقترابية التي يتم فيها االشتباك والنفسي‪ ،‬وال�م��رم��ى هنا كذلك فضاء داخلي‬
‫الطبيعي م��ن أج��ل تحقيق ال�ت�ن��اس��ل والتوالد مقعر عليه يقع االنتصار والظفر والفوز‪ ،‬وتدل‬
‫اإلي��روس��ي اإليجابي‪ ،‬كما في الخطاب الديني اإلصابات الثالث على انتصار كمي كبير على‬
‫(القرآن)‪ ،‬والفلسفي (أنبادوقليس)‪ ،‬والشاعري اآلخر المنهزم‪ .‬ونالحظ هنا تقابال في الصور‬
‫(غاستون باشالر)‪ .‬وتزكي جملة «تهطل األمطار» وت �م��اث�لا ب�ي��ن ل��وح��ة ال��واق��ع ال �ش �ع��وري ولوحة‬
‫دالالت ه��ذه القصة المركبة المتشعبة دالليا‪ ،‬ال�لاش�ع��ور الخيالي‪ .‬وه��ذا التناظر يجعل من‬
‫فجملة» تهطل األم �ط��ار «م��ؤش��ر حقيقي على قصة حسن بطران مشهدا سينمائيا مركبا في‬
‫الخصوبة وال �ت��وال��د وان�س�ي��اب ال �م��اء ال ��ذي قد لقطاته المتشعبة المتداخلة التي يتداخل فيها‬
‫يشبه المني بصفة خاصة‪ ،‬وبهما تتحقق الحياة الواقع الموضوعي والواقع الالشعوري‪ .‬ويمكن‬
‫الشبقية واإلنسانية الطبيعية والفطرية‪ ،‬سواء أن يوحي اللعب ال�ك��روي بحلم ال��ذات بالتفوق‬
‫في المواقف األخالقية الملتزمة أو المواقف والشهرة وتمجيد الذات خاصة أن القاذف قد‬
‫الرومانسية ال��وردي��ة غير الشرعية التي توحي تفوق على الفريق البرازيلي الذي من الصعب أن‬
‫ينتصر عليه فريق من الفرق الكروية المعروفة‬
‫بالعشق والغرام والحب اإلنساني أو الجسدي‪.‬‬
‫وإذا ان�ت�ق�ل�ن��ا إل���ى ال �ج �م��ل األخ � ��رى داخل في العالم إال بشق األن�ف��س‪ .‬لكن ه��ذا التفوق‬
‫القصة القصيرة جدا التي نحن بصدد دراستها يتجاوز الداللة المباشرة إلى الداللة اإليروسية‬
‫ومقاربتها شكالنيا‪ ،‬فنبدأ مثال بالجملة التالية‪ :‬المجازية‪ .‬وتحمل عبارة «وي�ق��ذف بالحجارة»‬
‫«يتالعب بثدييها»‪ ،‬فهذه الجملة تذكرنا باللعب دالل� ��ة ع �ل��ى االن �ت �ق��ام وال� �ث ��أر‪ ،‬ك �م��ا ت�ح�م��ل في‬
‫الطفولي؛ ألن الطفل يمر بمراحل منذ صغره السياق اإليروسي للقصة دالالت الحد والتعزير‬
‫ل��دى المحلل النفسي سيغموند ف��روي��د‪ .‬وهنا‪ ،‬والمحاسبة والمنع‪ ،‬وال سيما إذا كان الفعل الذي‬
‫نجد أنفسنا أمام مرحلة االمتصاص التي تنصب قام به المكلف فعال غير شرعي‪..‬‬

‫وينتج عن فعل «االنتصار على القوي وهزمه‬
‫فعليا على مص الثديين باعتبار ذلك الفعل لعبا‬
‫سيكولوجيا يحمل في طياته دالالت الحرمان أش��د هزيمة» مجموعة من العقوبات التأديبية‬
‫وفقدان عاطفة ال��دفء والحنان األمومي‪ .‬كما الزجرية كقذفه بالحجارة رجما وحدا ومنعا مع‬

‫‪78‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وع �ل �ي��ه‪ ،‬ف �ه��ذه ال�ق�ص��ة ت �ت��واف��ر ع�ل��ى النفس‬
‫القصصي السردي ال��ذي يتشكل من البداية‪..‬‬
‫والعقدة والصراع والحل والنهاية‪ ،‬كما أن هذه‬
‫القصة تتكون أي�ض��ا م��ن المتواليات السردية‬
‫التالية‪ :‬النوم‪ -‬االقتراب ‪ -‬التهيج ‪ -‬االشتباك ‪-‬‬
‫القذف‪ -‬االنتصار‪ -‬العقاب‪ -‬التغريب‪ -‬اليقظة‪.‬‬
‫ويعني ه��ذا أن شخصية القصة كانت تحلم‬
‫ع �ل��ى م �س �ت��وى ال�ل�اش��ع��ور ب ��أح ��داث متداخلة‬
‫ومتشابكة متشعبة يتداخل فيها الواقع والخيال‪،‬‬
‫والشعور والالشعور‪ ،‬والوعي والالوعي‪ ،‬والظاهر‬
‫والباطن‪ ،‬والذات والموضوع‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فالشخصية‬
‫تسترجع األحداث اإليروسية والعالقات الوردية‬
‫غير المشروعة واقعيا‪ ،‬من خالل الفعل الحلمي‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬يتقابل في النص القصصي الواقع والحلم‪،‬‬
‫والحقيقة والخيال على مستوى إنجاز الفعل‪.‬‬
‫والدليل على تخيل المشاهد وعدم واقعيتها هو‬
‫استيقاظ الحالم من نومه مبلل الثياب‪ ،‬وهذا إن‬
‫دل على شيء فإنما يدل على الحرمان الواقعي‬
‫والكبت االجتماعي بسبب وج��ود األن��ا األعلى‬
‫وهيمنة سلطة المجتمع‪.‬‬

‫‪ -3‬مرحلة التركيب‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫تغريبه خارج المدينة‪ ..‬كما تدل على ذلك العبارة‬
‫المركبة التالية‪« :‬تغلق أمامه أبواب المدينة ويمنع‬
‫من الدخول‪ .»..‬وينطلق الكاتب في قصته تناصيا‬
‫من فقه ال�ن��وازل وال�ح��دود للتعبير عن وضعية‬
‫الحالم المتخيل الذي كان يمتلك الشعوريا قدرة‬
‫فائقة على الحب واالستمناء وتحقيق البطولة‬
‫اللعبية‪ .‬بيد أن هذه القدرات لم تكن فعال حقيقية‬
‫على مستوى الواقع‪ ،‬بل كانت بمثابة حلم منامي‬
‫وتخييلي كما في هذه العبارة‪« :‬يصحو من نومه‬
‫وثيابه مبللة‪ ».‬ويعني هذا أن جميع التصرفات التي‬
‫قام بها الشخص هي بمثابة تعويض سيكولوجي‬
‫لإلحساس بالنقص والحرمان‪ ،‬وتعبير نفسي عن‬
‫التسامي واالستعالء‪.‬‬

‫وينقل لنا النص القصصي حالة من الخوف‬
‫يعيشها الكاتب على مستوى الالشعور الخيالي‪،‬‬
‫تعبر عن رغباته المكبوتة‪ ،‬وميله الشبقي نحو‬
‫األن �ث��ى‪ ،‬وم��ا البطولة ف��ي القصة س��وى مفتاح‬
‫تخييلي للظفر ب��اآلخ��ر وال �ف��وز عليه انتصارا‬
‫وإفراغا للمكبوتات المضمرة والصريحة‪.‬‬
‫وهكذا نصل إلى أن قصة حسن علي البطران‬
‫قصة مركبة سينمائيا‪ ،‬قائمة على تناظر الصورة‬
‫الومضة وتماثلها مشهديا‪ ،‬كما تتأرجح اللقطة‬
‫القصصية بين ال��واق��ع والخيال‪ ،‬واالنتقال من‬
‫لحظة النوم إلى لحظة الصحو‪ ،‬أي من لحظة‬
‫الموت إلى لحظة الحياة‪ ،‬ومن لحظة السكون‬
‫إلى لحظة الحركة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فالقصة من حيث‬
‫التركيب متشعبة البناء ومعقدة التوليف‪ ،‬تتكون‬
‫من لقطتين مغايرتين‪ :‬لقطة التغزل بالطبيعة‬
‫ولقطة االنتصار في اللعب‪ ،‬بيد أن اللقطتين معا‬
‫كل واحدة تكمل األخرى دالليا وسيميائيا‪.‬‬
‫وي �ت �ض��ح ل �ن��ا م ��ن ن�س�ي��ج ال �ن��ص أن الجمل‬
‫ال�ق�ص�ص�ي��ة ت�ت�ع��اق��ب ب�س��رع��ة ت�ت��اب�ع��ا وتراكبا‪،‬‬
‫للتأشير على سرعة اإلنجاز والصراع‪ ،‬وإن كان‬
‫هذا التعاقب على مستوى الظاهر مشتتا بفعل‬
‫االن��زي��اح والتخريب ال��دالل��ي‪ ،‬وتمزيق اللوحات‬
‫دالليا ومرجعيا‪ ،‬على الرغم من وج��ود الوحدة‬
‫الموضوعية والعضوية على المستوى النفسي‬
‫والشعوري والبنيوي‪.‬‬
‫وتتحول الشخصيات القصصية إلى عوامل‬
‫ط�ب�ي�ع�ي��ة وك��ائ �ن��ات ب �ش��ري��ة م�غ�ي�ب��ة غ �ي��ر قابلة‬
‫لإلنجاز الواقعي‪ ،‬لذالك‪ ،‬تلتجئ حلميا وخياليا‬
‫إل��ى التعويض والتسامي إلثبات ال��ذات واقعيا‬
‫وموضوعيا‪ .‬كما أن الشخصيات غير خاضعة‬
‫للتسمية‪ ،‬ب��ل بقيت حبيسة التنكير والتكنية‬
‫والمجاز‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪79‬‬

‫وي �ظ �ه��ر ل �ن��ا م �ح��ور ال��ت��واص��ل ال �ع��ام �ل��ي أن والمنام مادامت فيها مراوحة بين لحظة السكر‬
‫الذات العاشقة تريد أن تحقق رغبتها الشبقية ولحظة الصحو أو االن�ت�ق��ال غيبيا م��ن لحظة‬
‫والسيكولوجية ع��ن ط��ري��ق الظفر على اآلخر الالوعي إلى لحظة الوعي‪.‬‬
‫إلرضاء غرائزها الشبقية وأهوائها الالشعورية‬
‫خاتم ــة‬
‫الدفينة ومشاعرها الظاهرة‪ ،‬لكنها تواجه قوى‬
‫قصة «أع�م��ق م��ن ال��وس��ن» م��ن أروع قصص‬
‫المنع وال��زج��ر التي تتمثل في سلطة المجتمع‬
‫حسن علي البطران‪ ،‬بسبب غموضها وتجريدها‬
‫وسلطة األنا األعلى‪.‬‬
‫وطابعها التركيبي المتشعب والمتداخل‪ .‬ويمكن‬
‫أم� ��ا ف� �ض ��اءات ال �ت �خ �ي �ي��ل‪ ،‬ف �ن �ج��د الفراش‬
‫القول أيضا إنها قصة سينمائية مركبة‪ ،‬ولقطة‬
‫ال��ذي يحيلنا على ال�غ��رف��ة واالن �ت �ش��اء الشبقي‬
‫مشهدية وامضة‪ ،‬وصورة معبرة دراميا‪ ،‬طافحة‬
‫واإليروسي‪ ،‬وفضاء الطبيعة ال��دال على التهيج‬
‫بأحداث حركية تحيل على مجموعة من العوالم‬
‫والتوالد والخصوبة‪ ،‬والمرمى ال��ذي ي��دل على‬
‫الطبيعية والشبقية واللعبية‪ ،‬التي تحيل على‬
‫مكان الهدف وتحقق النشوة ولذة الفرح والظفر‪،‬‬
‫اضطراب نفسي عميق ومترسب لدى الشخصية‬
‫وال�ب��رازي��ل التي تحيل على البلد المستضيف‬
‫ال�م�ح��وري��ة ال�ت��ي تعاني م��ن ال�ح��رم��ان والنقص‬
‫وفضاء التخييل الحلمي‪ ،‬والمدينة التي تحمل‬
‫والكبت وف�ق��دان الحنان األم��وم��ي‪ ،‬ناهيك عن‬
‫في القصة دالالت التغريب والنفي والزجر‪.‬‬
‫غياب الشعور اإلنساني السوي‪.‬‬
‫ونالحظ فنيا قلة الوصف تكثيفا واقتضابا‬
‫إذا‪ ،‬فالكاتب يستذكر في هذا النص المركب‬
‫واختزاال‪ ،‬مع التركيز على القصصية واألحداث‬
‫الشقي طفولته الواعية والالواعية‪ ،‬من خالل‬
‫اإلس�ن��ادي��ة الرئيسة‪ ،‬وإه �م��ال األف �ع��ال الثانوية‬
‫اإلتيان بأفعال الشعورية طبيعية وشبقية ولعبية‬
‫واألج� ��واء التكميلية‪ ،‬ك�م��ا ي �ق��رب ه��ذا الحجم‬
‫ال�ق�ص�ي��ر ال �ن��ص ال� ��ذي ب �ي��ن أي��دي �ن��ا م��ن جنس تعبر عن رغباته المكبوتة‪ ،‬ومشاعره المقموعة‬
‫القصة القصيرة جدا؛ تكثيفا وإضمارا واقتضابا على مستوى الذات والموضوع‪.‬‬
‫وومضة‪.‬‬
‫المصادر والمراجع‪:‬‬
‫ع�ل�اوة ع�ل��ى ذل ��ك‪ ،‬تتميز ال�ق�ص��ة بأبعادها‬
‫الكاتب السعودي حسن علي البطران‪ ،‬دار السمطي‬
‫المجازية وال��رم��زي��ة والتجريدية القائمة على‬
‫للطبع والنشر والتوزيع واإلع�ل�ام‪ ،‬القاهرة‪ ،‬مصر‪،‬‬
‫الغموض الفني‪ ،‬واالن��زي��اح‪ ،‬واإليحاء‪ ،‬والتكنية‪،‬‬
‫الطبعة األولى سنة ‪2009‬م‪.‬‬
‫والمشابهة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬تنتقل القصة من الواقعية‬
‫الحسية إلى التجريد الرمزي‪ ،‬وترتحل من عالم ‪ -2‬حسن علي البطران‪ :‬نزف من تحت الرمال‪ ،‬إصدارات‬
‫ن���ادي ال�ق�ص�ي��م األدب � ��ي‪ ،‬ب��ري��ده‪ ،‬ال�م�م�ل�ك��ة العربية‬
‫السكر واالن�ت�ش��اء إل��ى عالم اليقظة والصحو‪.‬‬
‫السعودية‪ ،‬الطبعة األولى سنة ‪2009‬م‪.‬‬
‫ويمكن أن تكون هذه القصة على مستوى التأويل‬
‫واالف� �ت ��راض ال �ق��رائ��ي م �ج��رد ت�ج��رب��ة عرفانية ‪ -3‬حسن علي البطران‪« :‬أعمق من الوسن»‪ ،‬قصة قصيرة‬
‫جدا‪ ،‬مجلة الفوانيس الرقمية‪2009/05/02 ،‬م‪.‬‬
‫صوفية وج��دان�ي��ة‪ ،‬تعاش على مستوى الخيال‬
‫‪ -1‬جميل حمداوي‪ :‬خصائص القصة القصيرة جدا عند‬

‫* ناقد من المغرب‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫جتليات شعرية املنفى عند‬

‫الشاعر الكوني محمود‬

‫النجار*‬

‫إليه في يوم الشعراء العرب ‪ 25‬أكتوبر ‪2009‬‬
‫> جناة الزباير*‬
‫أرض جُتاورُ كوكبا ً أعلى‬
‫للكلمات وهي بعيد ٌة ٌ‬
‫وللكلمات وهي قريب ٌة منفى‬
‫ِ‬
‫وجدت اآلخرين‬
‫َّشت عن نفسي‬
‫ُ‬
‫كلما فت ُ‬
‫َّشت عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريب ِة‬
‫وكلَّما فت ُ‬
‫محمود درويش‬

‫شيء من نبض البداية‬

‫يعد الشاعر الكبير محمود النجار من األصوات العربية التي‬
‫أسست منحاها المتفرد؛ فهو نورس الشعر العربي‪ ،‬يسافر فوق‬
‫بساط الماء‪ ،‬يزرع أحداق الكون وردا جوريا‪ ،‬تكتبه الحروف همسا‬
‫بمداد ن��رى من خالله مرابض الشعر الكبرى تُن َِّصبُ خيامها‪،‬‬
‫في لغة تشد إزارها‪ ،‬لتمشي قصيدته رشيقة فوق راحة المعاني‬
‫الباسقة‪ .‬حيث تصغي كل الكائنات لهذا النبض الوجودي الذي‬
‫تعزفه حروفه‪ ،‬رافعا شراع االختالف‪ ،‬لتبحر سفينته اإلبداعية في عباب الحداثة‪.‬‬
‫األرض‪ ،‬حيث يعانق م��ن خاللها الوطن‪.‬‬
‫العزف على أوتار التمزق واألنين‬
‫لكنه اكتشف أن ذل��ك مجرد وه��م استوى‬
‫إن أي ق� ��ارىء ل�ش�ع��ره ي�ق��ف مشدوها‬
‫في دياجي حكمته‪ ،‬يمأل أنينه هذا الفضاء‬
‫أمام نظامه الداخلي‪ ،‬فأي نافذة مفتوحة‬
‫الجريح؛ ال��ذي تتحول ذرات��ه إل��ى خناجر‬
‫على العالم تلك التي من خاللها يوشوشنا‬
‫تخاتل ضلوعه الراعشة‪ ..‬فما أصعب أن‬
‫أمانيه؟‬
‫يحيا اإلنسان بال وطن!!‬
‫يُ� َم��شِّ ��طُ محمود ال�ن�ج��ار شَ � ْع � َر األنغام‬
‫يقول في قصيدة‪ :‬وطن‪!..‬‬
‫المنسابة من وهج الكتابة‪ ،‬فِ نْجَ ا ُن حكيه قد كان حلم العمر‬
‫موغل في ت��واري��خ العروبة‪ ،‬تتحول أسئلة أن أحيا على أرض‬
‫ح �ل �م��ه ال �م �س �ك��ون��ة ب��ال �ن �ح �ي��ب‪ ،‬وانكسار يقال لها وطن‬
‫األم��اس��ي إل��ى ق��وس م��وغ��ل ف��ي تضاريس قالوا‪ :‬بالد الله واسعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪81‬‬

‫وفيها للغريب الدار متسع‬
‫ويمكن أن تكون له سكن‪..‬‬
‫قالت ضلوعي الراعشات‬
‫من المهانة والوهن‪:‬‬
‫وهم‪ ،‬فلم أشعر بدفء‬
‫منذ غادرت الوطن‪!..‬‬
‫ت�ف�ي��ض أص��اب��ع ه ��ذا ال �ن��ص رَهَ � � ًق ��ا تهدهده‬
‫تشظيات نفسية‪ ،‬تعج بفوضى روح ت�ح��اول أن‬
‫تجمع أشالءها‪ ،‬وغربة وجدان هي خريطة نبض‬
‫كل عربي لم يعرف طعم االستقرار!!‬
‫هل هي يد تتفيأ ظل الخسارات وتركب متن‬
‫متاهات تدمن اليتم؟‬

‫الكوني الْ ُمنَق َِّب بماء المجهول‪.‬‬
‫ف �ل��م ك��ل ه ��ذه ال��ص�ل�اة ف ��وق س �ج��اد الغربة‬
‫وال��وح��دة القاتلة؟ حيث ال ي��رت��دي غير معطف‬
‫األسى والخوف من اآلتي‪ ،‬وقد ذكرني قوله هذا‬
‫بشعر أحمد عبدالمعطي حجازي إذ يقول‪:‬‬
‫يدحرجني امتداد طريق مقفر شاحب‪،‬‬
‫آلخر مقفر شاحب‪،‬‬
‫ويخنقني وفي عيني‪ ..‬سؤال طاف يستجدي‬
‫خيال صديق‪ ،‬تراب صديق‬
‫ويصرخ‪ ..‬إنّني وحدي‬
‫ويا مصباح! مثلك ساهر وحدي‬
‫فهل هي لعنة تصيب كل الشعراء؟‬

‫أم هي صرخة الفلسطيني في كل األرض‪..‬‬
‫أم هو مجرد حزن عميق على وطن يرسف في‬
‫حيث تتناثر ذرات��ه بين زفير النصوص؟ يحتمي‬
‫عبودية لن تحرق صكوكها إال بإعالن الحرية؟‬
‫فيها من غيب محشو بالرصاص والدماء؟‬
‫تتحول مالمح الشاعر إلى جدائل ضوء تنبت‬
‫أم ت��راه��ا بوصلة ح��دس ك��ل شاعر عربي ال‬
‫ف��وق ج��دار ال��وط��ن‪ ،‬فلماذا انتدبت ذات��ه مكانا‬
‫يجد ترياقا للدغة العدو على أراضيه‪ ،‬سوى أن‬
‫يتفيأ بموسيقى نفسه‪ ،‬محاوال أن يقطع خيوط قصيا‪ ،‬تهز إليها بجذع ال��دم��ع فيعلو الطوفان‬
‫طرقاته‪..‬؟ حيث يقرأ هذا الجسد شفاه العمر‬
‫العنكبوت التي تهيمن على ظله؟‬
‫الذي ال يحصد غير السديم‪ .‬وال يتنفس غير عقم‬
‫يفرش الشاعر محمود النجار دمه أمام غربة‬
‫األماني التي تتوسد التراب‪ .‬فلم يبق غير الدمع‬
‫عميقة تفيض بها اهتزازات حروفه‪ ،‬يحمل فوق‬
‫يخضب خَ دَّ السماء‪.‬‬
‫كتفيه صخرة األلم السيزيفية‪ .‬يقول في قصيدته‬
‫يقول في قصيدته ليس بعد‪!..‬‬
‫وحدي‪:‬‬
‫كفكف دموعك وادخرها‬
‫وحدي أواري كل عورات الذين أحبهم‬
‫ليس بعد‬
‫وحدي ألملم جرحي‬
‫لم يئن بعد لك البكاء‬
‫إن مت وحدي‬
‫ولم يحن ميعاد غد‬
‫من يواري عورتي‪..‬؟!‬
‫فغدا يروق لك البكاء‬
‫من ذا يكفنني‪..‬؟!‬
‫وال تجد‬
‫ويحفر قبري‪..‬؟!‬
‫إن قمة الدرامية في شعر الشاعر ألغام تحاول دمعا لغد‪!..‬‬

‫اقتحام المحجوب‪ ،‬تشرب الوحدة من هواجسه‪،‬‬
‫وتتمدد يَا ًء في كف الصمت‪ ،‬فهو متأكد من وحدته‬
‫القاتلة‪ ..‬وهي تلف أشرطتها الخانقة حول حياته‪،‬‬
‫ويحاول من خالل هذا اإلحساس استقراء العماء‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ي��أخ��ذ الشاعر صفة اآلم��ر ف��ي ه��ذا النص‪،‬‬
‫“كفكف”‪ ،‬فمن منحه هذه‬
‫ْ‬
‫إذ يبدأ بفعل األم��ر‬
‫السلطة؟ ولمن يوجه الخطاب؟! أهو شَ رَكٌ ذكي‬
‫منه ليبعدنا ع��ن أن��ا المتكلم‪ /‬ال��ذات الشاعرة‬

‫هكذا تتفجر المشاهد في هذا النص الذي‬
‫ي�ت��زر بمئزر م��ن دخ ��ان‪ ،‬ويستعصم ب�ك��وخ يمأله‬
‫ال�ع��واء‪ ،‬حيث المخالب ب��رق‪ ،‬والفخاخ إيقاعات‬
‫تشرب نبيذ تفاصيله‪.‬‬

‫وهي حظر السفر على العديد من الناس‪ .‬وقد‬
‫جسدها الشاعر في صورة سينمائية تركز على‬
‫لقطة مركزة على شابين يرغبان في السفر‪ ،‬لكن‬
‫قوة االحتالل منعتهما‪ .‬رغم أنها سمحت بمرور‬
‫أشياء ال تستحق الذكر‪.‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫ومعاناتها الفردية‪ ،‬وال�خ��روج من أفقها الضيق إال أنا وسمية‪..‬‬
‫لمعانقة أرخبيالت إنسانية‪ ،‬إذ يتحول من خالل‬
‫فعلى قارعة ال�ح��دود الوهمية التي يعيشها‬
‫كلماته إلى حكيم يتوسد غيهب األشياء‪ ،‬ويصبح اإلنسان المقهور في األراضي المغتصبة‪ ،‬ينقلنا‬
‫بصيرا بما يحتويه جيب الريح من دمع مغموس الشاعر في ص��ورة واضحة ترسم بفرشاة األلم‬
‫في ذاكرة غد ضبابي‪.‬‬
‫مهزلة يعيشها اإلنسان العربي في البالد المحتلة؛‬

‫إن��ه ت �ش��اؤم ي�ت�ه��ادى ب�ي��ن ال�م�ع��ان��ي المكثفة‪،‬‬
‫هي قصة عشق مفتوحة على قراءات متعددة‪..‬‬
‫والمرسومة بصورة واضحة وأسلوب رشيق‪ ..‬فمن‬
‫خالل الحالة الوجدانية التي سيطرت على الزمن وأمل في مستقبل أفضل َوأَ َدتْ ُه أيدي الظالميين‪.‬‬
‫النفسي لشعره‪ ،‬تتوهج رؤيا الشاعر الذي يتنبأ‬
‫وإني أخاله يقول مع الشاعر محمود درويش‪:‬‬
‫بكارثة قادمة ال ينفع معها العويل والبكاء‪.‬‬
‫كل قلوب الناس‪ ..‬جنسيتي‬
‫هل هي ملحمة إنسانية مرتبطة باألرض ككيان‬
‫فلتسقطوا عني جواز السفر!‬
‫واض ��ح‪ ،‬لالنعتاق م��ن س�لاس��ل الظلم والموت؟‬
‫يترصد الشاعر ف��ي أتونها إع��ادة بناء الزمان شيء من عشب النهاية‬
‫والمكان من خالل الوعي العميق باللغة‪ ،‬والتعامل‬
‫إن غ��رب��ة ال ��روح ف��ي ك��ل تجلياتها تهطل من‬
‫مع األشياء بحدس يوغل في أسرار اإلنسان‪.‬‬
‫جبين ق�ص��ائ��ده ح�ب��ات عشق ل�ل��وط��ن‪ ،‬إذ ينتقل‬
‫فما الذي تخفيه كلماته الشفيفة؟!‬

‫الشاعر محمود النجار م��ن منفى كبير داخلي‬
‫مفعم بالخوف وال�ت��وت��ر وال�ع��زل��ة غير المرئية‪،‬‬
‫نحو منفى خارجي يمثله الوطن الكسير‪ .‬فحسه‬
‫القومي وال�ع��رب��ي ه��و ال��ذي خلق ح��ال��ة الشجن‬
‫العميق ف��ي ش�ع��ره‪ ،‬ومنحه ه��ذه ال�ق��درة الهائلة‬
‫في رصد ذبذباته النفسية‪ ،‬ورغم أن كل األرض‬
‫العربية أرض��ه‪ ،‬إال أن الحنين يرميه بين شباك‬
‫عميقة تقرأ كف وج��وده‪ ،‬وحده يتلمس طريقها‪،‬‬
‫ويعبر مسافاتها في ومضة جمالية أخاذة ترسمها‬
‫عنه القصيدة‪.‬‬

‫إن محمود النجار شاعر كوني منفي داخل‬
‫الكلمات‪ ،‬يقرأ بروية الجرح العربي النازف الذي‬
‫يقض مضجعه‪ .‬ويضعنا ف��وق مسرح األحداث‪،‬‬
‫حيث تتساقط أعضاؤه في تبئير س��ردي مفعم‬
‫بالقلق والخيبة‪ ،‬يقول في قصيدته‪ :‬حدود‬
‫ومسافر‪..‬‬
‫والدرب أعمى‬
‫والحدود محنطة‬
‫في كل شبر حاجز‬
‫ودمى غبية‬
‫ويبقى الشاعر الكبير محمود النجار اسما‬
‫ويمر منها كل محتمل‬
‫عربيا ينير سماء القصيدة العربية المعاصرة‪.‬‬
‫من األشياء دون تأخر‬
‫يغني للجمال والحرية وكل قيم الوجود البهية‪.‬‬
‫* ‬

‫كاتبة من المغرب‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪83‬‬

‫حوار مع الروائي والناقد اإليطالي امبرتو اكو‬
‫اجلهل باللغات ينتج التعصب‬
‫حاورته‪ :‬دومينيك سيمونيه‬
‫> ترجمة‪ :‬أحمد عثمان*‬
‫يتكلم بصوت قوي وواضح‪ ،‬كأنه يُ َكلِّم من أعلى‬
‫المنبر‪ ،‬محركا يديه على الطريقة اإليطالية المهذبة‪.‬‬
‫دوم���ا‪ ،‬ف��ي م��رق��ب ال�م��رج��ع العلمي أو االستعارة‬
‫المناسبة‪ .‬دخل امبرتو اكو إلى عالم الكلمات‪ ،‬كأنه‬
‫يخطو إل��ى صومعة‪ ،‬بتفان وت��وج��س‪ .‬م��ن الممكن‬
‫أن نقول إن��ه بحاثة‪ .‬منذ أكثر من عشرين عاما‪،‬‬
‫يبذر إسهاماته عن السيميوطيقا‪ ،‬دارسي الشفرات‬
‫والعالمات‪ ،‬أخباره ورواي��ات��ه الذائعة الصيت لدى‬
‫الجمهور العريض‪ .‬بالنسبة له‪ ،‬كل شئ فائض‪.‬‬
‫امبرتو اكو‪ ..‬باحث‪ ،‬وروائي‪ ،‬وسيميائي‪،‬‬
‫ولغوي‪ .‬ولد عام ‪ 1932‬في بيمونت‪.‬‬

‫من رواياته‪« :‬بندول فوكو»‪« ،‬جزيرة اليوم‬
‫السابق»‪« ،‬بودولينو»‪.‬‬

‫ل��م يكف ع��ن إط �ف��اء إش��ارت��ه الحمراء‪،‬‬
‫ف��ارض��ا ن�ف�س��ه ك�س�ي��د ال�س�ي�م�ي��وط�ي�ق��ا بال‬
‫منازع‪ ،‬والنجاح العالمي لرواياته‪ ،‬مثل‪« :‬اسم‬
‫الوردة» (أكثر من عشرة ماليين نسخة) لم‬
‫يبعده عنها‪.‬‬

‫من نصوصه النقدية‪« :‬النص المفتوح»‪،‬‬
‫«السيميوطيقا وف�ل�س�ف��ة ال �ل �غ��ة»‪« ،‬حدود‬
‫التأويل»‪.‬‬

‫بالنسبة له‪ ،‬هناك سؤال جوهري‪« :‬هل‬
‫يوجد العالم أم ال؟»‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫< «ف���ي م���ا م��ض��ى ك��ن��ت م���ت���رددا‪ ،‬اآلن‬
‫ل��س��ت م��ت��أك��دا»‪ ،‬ك��ت��ب��ت ف��ي كتابك‬
‫األخ���ي���ر‪ ،‬آخ����ذا ج��م��ل��ة ج��م��ي��ل��ة من‬
‫م��ؤل��ف ي��ن��ت��م��ي إل���ى ال���ق���رن الثامن‬

‫> ‬

‫< ‬
‫> ‬

‫< ‬
‫> ‬

‫< ‬
‫> ‬

‫< ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ع��ش��ر‪ .‬م��ن��ذ س���ن���وات‪ ،‬تسبر أغ����وار عالم‬
‫ال��ش��ف��رات وال��ع�لام��ات‪ ،‬متعمقا ف��ي علم > ح�ي�ن�م��ا ك �ن��ت ط �ف�لا ك �ت �ب��ت‪ ،‬غ �ي��ر أن �ه��ا كتابة‬
‫الجمال‪ ،‬واللغة‪ ،‬والمعرفة‪ ،‬واإلتصال‪ ،‬وما‬
‫ت��اف�ه��ة‪ ..‬ف��ي س��نِّ ال�ع��اش��رة‪ ،‬ح��ررت نصا من‬
‫إلى ذلك‪ ..‬ولم تعرف بعد موضوعك؟‬
‫أربعين صفحة‪ ،‬عن االنتقال‪ .‬بطلي أسميته‬
‫«روزنامة»‪ ،‬أسس حضارة على جزيرة تخيلية‪،‬‬
‫وح�ي�ن�م��ا ك �ن��ت ش��اب��ا‪ ،‬ص ��رح أح ��د أساتذتي‬
‫ووص��ف كيف أب��دع لغة وتقاليد وع��ادات على‬
‫بالجامعة‪« :‬نولد بفكرة واحدة في رؤوسنا‪ ،‬وال‬
‫ه��ذه الجزيرة‪ ..‬في النهاية‪ ،‬أعترف‪« :‬كذبت‬
‫نفعل شيئا سوى تنميتها على مدى وجودنا»‪،‬‬
‫عليكم‪ ،‬لست مؤسسا‪ ..‬الكل باطل»‪.‬‬
‫قلت في نفسي‪« :‬أال يوجد تغيير ممكن في‬
‫ال �ح �ي��اة؟ ي��ا ل�ل��رج�ع�ي��ة!»‪ .‬ف��ي الخمسين من < ل���ع���ب���ة اح�����ت�����م�����االت‪ ..‬ه������ذه ال���ط���ف���ول���ة‪،‬‬
‫ع�م��ري‪ ،‬فهمت أن ألس�ت��اذي الحق ف��ي قوله‪:‬‬
‫عشقها تحت ال��ف��اش��ي��ة‪ ،‬ف��ي عصر طمح‬
‫خالل حياتي‪ ،‬لم أفعل شيئا ‪ -‬في الحقيقة ‪-‬‬
‫موسوليني‪ ،‬خ�لال��ه‪ ،‬أن يعود إل��ى جذور‬
‫سوى متابعة فكرة‪ .‬والمشكلة الوحيدة أنني ال‬
‫الثقافة اإليطالية‪.‬‬
‫أعرفها!‬
‫> هذا حقيقي‪ .‬بيد أن موسوليني‪ ،‬فيتوريو‪ ،‬كان‬
‫واآلن‪ ،‬هل عرفتها؟‬
‫مجنونا بالسينما األميركية‪ .‬الكتب واألفالم‬
‫األميركية‪ ،‬جون واين وجيري كوبر تصلنا‪ .‬ال‬
‫على األرج ��ح‪ ،‬أن��ا على وش��ك تطويقها‪ .‬بقوة‬
‫ننسى أن الهجرة اإليطالية كانت قوية كبيرة‪،‬‬
‫اهتمامي بالسيميوطيقا‪ .‬أنا منشغل بإمكانية‬
‫وإن إيطاليين ‪ -‬أميركيين يأتون من الواليات‬
‫ع��دم وج ��ود ال �ع��ال��م‪ ،‬وب��أن��ه ل�ي��س س��وى منتج‬
‫المتحدة اآلميركية‪ .‬وفي عام ‪1942‬م‪ ،‬أسدل‬
‫لغوي‪ .‬حينئذ‪ ،‬يتمثل سؤالي الجوهري‪« :‬هل‬
‫الستار على الواردات األميركية‪ .‬اختفى ميكي‬
‫يوجد العالم أم ال؟»‪.‬‬
‫والفاليوم وأصبحت أميركا تابوها‪.‬‬
‫وهل وجدت إجابة؟‬
‫< حزب الفاشيين كل شي حتى اللغة‪..‬‬
‫مثلما قال جون سيرل‪ ،‬الواقعي الحقيقي ال‬
‫يثبت وجود األشياء وأننا نعرفها‪ ،‬وإنما يرتاب > ه ��ذا أم ��ر م�ث�ي��ر ل�ل�س�خ��ري��ة‪ .‬م�ع�ت�ق��دي��ن أنهم‬
‫يستطيعون تجنب االس �ت �خ��دام��ات الغريبة‪،‬‬
‫في وج��وده��ا‪ ،‬وإن استطاع معرفتها‪ ،‬وإن لم‬
‫ألغوا مثال ضمير الغائب‪ ،‬من دون أن يعرفوا‬
‫نستطع رؤي�ت�ه��ا إال ع�ب��ر اح �ت �م��االت‪ ،‬ناقصة‬
‫أن الفرنسيين واإلن�ج�ل�ي��ز يطبقون السلوك‬
‫دوما‪.‬‬
‫نفسه‪ .‬ال يجب أن يقال «ب��ار» (‪ )BAR‬وإنما‬
‫إذا‪ ،‬أنت واقعي‪..‬‬
‫«ميسيتا» (‪ )MESCITA‬وال «كوكتيل» وإنما‬
‫أم��ام البلهاء الذين يحيطونني‪ ،‬أشعر بكوني‬
‫«ك��ودا دي جالو» (‪ ،)CODA DI GALLO‬وال‬
‫مذنبا في تخيلهم‪ .‬أفضل أن أعتقد بوجودهم‪،‬‬
‫«س��ائ��ق» (‪ )CHAUFFEUR‬وإن�م��ا «أوتيستا»‬
‫خارج مسئوليتي‪.‬‬
‫(‪ .)AUTISTA‬الكلمة األخيرة صعبة‪ ،‬ومع ذلك‬
‫أنت بحاثة‪ .‬وموجود‪ ،‬على األقل نستطيع‬
‫كانت الرابحة الوحيدة‪ .‬تمتلك اللغة حججا‪،‬‬
‫والحجة ال نعرفها‪.‬‬
‫االرتياب من وج��ودك‪ .‬كيف تأتَّ ْت لديك‬
‫هذه األهمية تجاه اللغة؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪85‬‬

‫< أن�����ت‪ ،‬ك��ط��ال��ب ش�����اب‪ ،‬اه��ت��م��م��ت باللغة‪،‬‬
‫وج�����ذب�����ت ال���ف���ت���ي���ل‪ :‬ال����ف����ن والفلسفة‬
‫والسيميوطيقا‪ ..‬واآلن العلوم اإلدراكية‬
‫ف��ي ك��ت��اب ت��ق��ن��ي ن��وع��ا م��ا (ك��ان��ت وخلد‬
‫الماء)‪..‬‬
‫> في بعض اللحظات‪ ،‬على مدار العصر‪ ،‬ترفض‬
‫الفلسفة أن تتكلم عن العقلي‪ ،‬بذريعة أننا ال‬
‫نستطيع رؤي�ت��ه‪ .‬ال�ي��وم‪ ،‬مع العلوم اإلدراكية‪،‬‬
‫أصبحت أسئلة المعرفة – التي تود معرفة‪،‬‬
‫إدراك‪ ،‬تعلم – أساسية‪ .‬سمح تطور العلم بلمس‬
‫ما هو محتجب‪ .‬وهذا أجبر السيميوطيقا على‬
‫التساؤل‪ :‬كيف نبني إدراك األشياء بوساطة‬
‫اللغة؟‬

‫ألنهم ال يستعملون رطانة ألمانية علمية‪ ،‬وظلوا‬
‫منغلقين على الفينومينولوجيا‪ ،‬على هيدجر‪،‬‬
‫غير المفهوم بالنسبة لهم‪ .‬غير أنهم تخلوا عن‬
‫الفرنسيين المتألمنين‪ ،‬الذين تأثروا بأدبهم‪،‬‬
‫ثم بفلسفتهم‪ .‬من الصعب ترجمة الك��ان إلى‬
‫الفرنسية‪ ،‬ومن ثم إلى اإلنجليزية‪ .‬أنها نفس‬
‫ال�ح��ال��ة ف��ي إي�ط��ال�ي��ا‪ :‬يكفي وج ��ود مصطلح‬
‫ألماني يتم النظر إليه مليا وبجدية‪ .‬ابنتي‪،‬‬
‫م��زدوج��ة اللغة‪ ،‬طلبت ذات مساء‪ ،‬من أمها‪:‬‬
‫«م��ام��ا‪ ،‬اح��ك ل��ي ح�ك��اي��ة ‪.»GESCHICHTE‬‬
‫بالنسبة لها‪ ،‬الحكاية هي حكاية ذات الرداء‬
‫األح�م��ر‪ .‬وبالنسبة لنا‪ ،‬أنها حكاية من اثني‬
‫عشر جزءاً‪.‬‬

‫< في الواليات المتحدة‪ ،‬نجد أنهم تمردوا < االختالفات الثقافية‪ ،‬نهائيا‪ ،‬أق��وى من‬
‫اختالفات اللغة؟‬
‫ع��ل��ى ال��ه��رم��س��ي��ة(‪ )1‬ال��م��ت��ح��ذل��ق��ة‪ .‬نرى‬
‫فيها تأثير المثقفين الفرنسيين‪ ،‬حيث > تقترح كل لغة نموذج عالم مختلف‪ .‬ل��ذا فإن‬
‫تخفي اللغة األكاديمية الغامضة فكرا‬
‫البحث عن توطيد لغة عالمية يُعد غير ممكن‪.‬‬
‫مضطربا‪.‬‬
‫ب��األح��رى‪ ،‬يجب ال �م��رور م��ن لغة إل��ى أخرى‪.‬‬
‫أنا مع تعددية اللغات‪ .‬تنوع اللغات ث��راء‪ .‬أنه‬
‫حدث ال جدال فيه‪ ،‬مرتبط بالطبيعة البشرية‪.‬‬
‫نستطيع المرور بهذا الثراء‪ ،‬خالل عصور‪ ،‬إذ‬
‫أن هناك‪ ،‬دائما‪ ،‬لغة تسيطر على لغات أخرى‪:‬‬
‫اليونانية‪ ،‬والالتينية‪ ،‬والفرنسية‪ ،‬واإلنجليزية‪..‬‬
‫في جيل م��ا‪ ،‬أعتقد أننا س��وف نتحصل على‬
‫طبقة مزدوجة اللغة مسيطرة‪.‬‬

‫> لم يكن هذا هو الحال دائما‪ .‬اللغة الفلسفية‬
‫ل�ب��اس�ك��ال ودي��ك��ارت سهلة وم �ع��اص��رة‪ .‬حتى‬
‫برجسون‪ ،‬ال��ذي استعمل مصطلحات صعبة‪،‬‬
‫تكلم بال نزعة تقنية‪ .‬في النصف الثاني من‬
‫القرن العشرين‪ ،‬تغيرت األشياء‪ .‬لماذا تتبدى‬
‫ف��رن�س�ي��ة الك���ان ص�ع�ب��ة؟ ألن ت��رك�ي��ب جملته‬
‫ألمانية وليست فرنسية! في الحقيقة‪ ،‬جرى‬
‫غزو ألماني حقيقي للفلسفة الفرنسية‪.‬‬
‫< تعلم لغة أخرى‪ ،‬أهو مدرسة تسامح؟‬
‫< أهناك قطيعة بين العالمين‪.‬‬

‫> هذا خلق س ّدًا ضخما بين الفلسفات الجزيرية‬
‫وال�ق��اري��ة‪ .‬تحدث اآلنجلو – ساكسون ولوك‬
‫وبركلي كما يتحدث الجميع‪ ،‬وفتجشتاين‪ ،‬لما‬
‫بدأ يفكر باإلنجليزية‪ ،‬استعمل لغة بسيطة‪ .‬هي‬
‫ذي الحجة التي ثمنها األميركيون لجرامشي‪،‬‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> دائما‪ ،‬يُنتج الجهل باللغات التعصب‪ .‬معرفة‬
‫اللغات ال تضمن التسامح‪ .‬في البلقان يتفاهم‬
‫الصرب والكروات‪ ،‬ومع ذلك‪ ..‬ذات مرة‪َ ،‬م ْن‬
‫ن��اض �ل��وا ض��د المستعمر درس� ��وا ع �ن��ده‪ .‬من‬
‫الممكن إب ��ادة شعب بمعرفة لغته وثقافته‪.‬‬
‫ح�ي�ن��ذاك‪ ،‬تصبح المعرفة عنصر غضب أو‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫رف ��ض‪ ،‬وب��ال�ط��ري�ق��ة نفسها يتشاجر زوجان‬
‫كأنهما يتحابان‪.‬‬
‫< تفرض اإلنجليزية نفسها كلغة عالمية؛‬
‫كيف ترى هذه الفرضية؟‬
‫> ي�ن��اض��ل ال�ف��رن�س�ي��ون ض��د اإلن �ج �ل �ي��زي��ة‪ ،‬لكن‬
‫خوفهم األكبر‪ ،‬ألمانيا‪ .‬منذ انهيار سور برلين‪،‬‬
‫أصبحت أوروب��ا الشرقية كِ ل َي ألمانيا متعدد‬
‫اللغات‪ ،‬وال توجد فرصة اال أن تفرض ألمانيا‬
‫نفسها على أوروبا! في هذا العالم‪ ،‬لم يفرض‬
‫أحد اللغة الناقلة(‪ )2‬المسيطرة‪ .‬كان الرومان‬
‫س��ادة العالم‪ ،‬لكن العلماء يتحدثون اليونانية‬
‫فيما بينهم‪ .‬لتصبح الالتينية اللغة األوروبية‬
‫إال مع اضمحالل اإلمبراطورية الرومانية‪ .‬في‬
‫عصر مونتاني‪ ،‬كان اإليطالي ناقل الثقافة‪ .‬ثم‬
‫أصبحت الفرنسية‪ ،‬خالل ثالثة ق��رون‪ ،‬اللغة‬
‫الدبلوماسية‪ .‬واإلنجليزية اليوم؟ ألن الواليات‬
‫المتحدة ربحت الحرب‪ ،‬وألن الواليات المتحدة‬
‫تدعم الرطانة اإلنجليزية‪ :‬من السهل أن نتكلم‬
‫اإلنجليزية سيئا عن الفرنسية أو األلمانية‪.‬‬
‫< وهذا لم يمنع الفرنسيين من أن يتحدثوا‬
‫عن استعمار لغتهم من قبل اإلنجليزية‪.‬‬

‫«هامبورجر «؟ أليس ألنهم ال يخافون االستعمار‬
‫ال�ي��اب��ان��ي؟ ال أع ��رف‪ .‬م�ث�لا‪ ،‬لست متفقا مع‬
‫الفرنسيين حينما يقولون «لوجيسيال» بدال‬
‫من «سوفت وير» ألن المعارضة «سوفت هارد»‬
‫أصبحت عالمية‪ ،‬ونتفاهم جيداً عندما نستخدم‬
‫هذه األلفاظ‪ ،‬لكن‪ ،‬يوما ما‪ ،‬سمعت االذاعة‬
‫الفرنسية تقول‪« :‬عمل» (‪ ،)JOB‬في حين أن‬
‫هناك ثالث كلمات تعني الكلمة السابقة ذاتها‪:‬‬
‫‪ BOULOT، TRAVAIL، EMPLOI‬اذاً هناك‬
‫استعارات مفيدة‪ ،‬مثل «سوفت وي��ر»‪ ،‬وهناك‬
‫استعارات غبية‪ ،‬مثل «‪ ،»JOB‬ومن الضروري‬
‫مقاومتها‪.‬‬

‫> ت�ح��دث��ت ع��ن م�ح��اول��ة موسوليني ف��ي تغيير‬
‫الرطانة من دون أي نجاح‪ .‬اللغة قوى بيولوجية‪،‬‬
‫ال نستطيع تغييرها بقرار سياسي‪ ،‬ومع ذلك‬
‫نستطيع اس�ت�م��ال��ة وظ�ي�ف�ت�ه��ا‪ ،‬وت �ل��ك وظيفة < هل من الممكن أن نكون علماء في عصر‬
‫اإلنترنت‪ ،‬حيث المعلومات الغزيرة؟‬
‫الكتّاب ووسائط اإلعالم‪ .‬هناك وظيفة جيدة‬
‫تتأسس في المرونة التي تجعلنا نوافق على > ال نملك م�ع�ل��وم��ات‪ ،‬ب��ل نمتلك ال�ق�ل�ي��ل! في‬
‫«الفناك» ‪ ،FNAC‬نتحصل نوعا ما على قليل‬
‫لفظة غريبة إذا كانت ضرورية‪ .‬كل لغة غنية‬
‫من المعلومات عن ما نتحصل عليه من مكتبة‬
‫بألفاظ غريبة أصبحت مع الوقت «متجنسة»‪.‬‬
‫صغيرة حول السوربون‪ .‬نتحصل على القليل‬
‫يقول الفرنسيون‪« :‬برافو» و«سوشي» و«آلجرو‬
‫من المعلومات منذ عددت التلفزة القنوات‪..‬‬
‫مانو تروبو»‪ ،‬ويقول اإلنجليز‪« :‬بيتزا «و«فيز –‬
‫حينما أطلب بيبليوغرافيا من «الويب» أتلقى‬
‫أ – فيز»‪ .‬لما ارتضوا لفظة «سوشي «وليس‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪87‬‬

‫(‪ )10000‬عنوانا مثال‪ ،‬وبذا ال أربح معلومات‪.‬‬
‫مع االنترنت‪ ،‬هناك نقص مأساوي للمعلومات!‬
‫نجازف بأن نكون عصاميين!‬
‫< أهو أمر مؤسف؟‬
‫> العصاميون ه��م م��ن يبتلعون كمية هائلة من‬
‫المعلومات‪ ،‬من دون اختيارهم‪ .‬الذاكرة آلية‬
‫تسمح لنا ليس فقط بالحفظ وانما بالتنقية‬
‫أي�ض��ا‪ .‬وإال أصبحنا مثل شخصية «فونيس‬
‫ال ميموريوزو» لدى بورخيس التي تذكر كافة‬
‫أوراق األشجار التي رأها خالل ثالثين عاما‪،‬‬
‫وجنت في آخر األمر‪ .‬في العام الماضي‪ ،‬كنت‬
‫في اسطنبول‪ ،‬أمضيت وقتي في سيارات أجرة‪،‬‬
‫لكنني ال أتذكر سوى سائق إحداها‪ :‬من حاول‬
‫سرقة مليون ليرة تركية مني! مسحت ذاكرتي‬
‫وإال أصبحت مآلى بسيارات األجرة التركية!‬
‫< رغ��م ك��ل ه��ذا‪ ،‬تكرر أن الكتابة انتصرت‬
‫وأننا أصبحنا في حضارة الكتابة‪.‬‬

‫ال يوجد مراقب من قرائي‪ .‬الناشرون ومديرو‬
‫التلفزة والنقاد األدبيون لم يفهموا حدوث ثورة‬
‫في العقول‪.‬‬
‫< حينما تتكلم عن اللغات‪ ،‬عن المكتوب‪،‬‬
‫لست موجودا في المكان الذي ننتظرك‬

‫ > نعم! أجبر ال�ح��اس��وب ماكلوهان على اعادة‬
‫كتابة «ج��االك�س��ي ج��وت�ن�ب��رج»‪ .‬نحيا ب�لا ريب‬
‫اف��ت��ق��ار األدب‪ .‬أن���ت م��ت��ح��ي��ر وب���األح���رى‬
‫مرحلة ع��ودة المكتوب‪ .‬على شاشاتنا‪ ،‬نقرأ‬
‫نصوصا طبعناها‪ .‬حينما أسمع كتّابا يقولون‬
‫متشائم‪..‬‬
‫إن الكتاب على وشك االختفاء‪ ،‬ال أستطيع أن‬
‫> أن��ا م�ت�ش��ائ��م‪ .‬ت �ع��رف أن ك�ث�ي��را م��ن مسئولي‬
‫أحتمل أي عقيدة شريرة‪ .‬دائما‪ ،‬نبني صورة‬
‫أوشفيتز كانوا من قراء جوته ويسمعون برامز‪.‬‬
‫المستقبل بناء على أبله القرية‪ .‬اليوم‪ ،‬النموذج‬
‫ال أعتقد أن انتشار المعلومات والثقافة يسهم‬
‫يتمثل في مستعمل الحاسوب الذي يعمل عليه‬
‫بالضرورة في تقدم الخير‪ .‬اليوم‪ ،‬يتحدث الناس‬
‫حتى الخامسة صباحا وال ينام أب��دا‪ .‬لكنها‬
‫ليست حالة الجميع!‬
‫بلغتهم القومية‪ ،‬بدقة‪ ،‬ويقرأون أيضا الصحف‬
‫فيه‪ ،‬في مكان العالمة الذي يقلقني من‬

‫< ال تكتب ألجل أبله القرية‪ .‬ومن ثم لمن؟‬

‫والكتب‪ ..‬هذا ال يعني أن اإلنسانية تتقدم وأنه‬

‫> في ميالن – بولوني‪ ،‬الخط الذي أخذه دوما‪،‬‬

‫ال توجد توافه ونمطيات وحماقات‪.‬‬

‫* كاتب ومترجم من مصر‪.‬‬
‫(‪ )1‬لفظة مرادفة لكلمة الكيمياء السحرية؛ العتقاد اليونان أن هرمس هو مبدع هذا العلم (المترجم)‪.‬‬
‫(‪ )2‬لفظة تستخدم في اإلتصاالت بين شعوب ذات لغات أم مختلفة (المترجم)‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫حوار مع إلياس فركوح‬
‫> حاوره‪ :‬محمد محمود البشتاوي*‬

‫أخزن في أعماقي أصداءَ اآلخرين‪،‬‬
‫ُ‬
‫وجوه ًا وأسماءً وأصوات ًا ومواقف‬
‫ووجهات نظر؟‬
‫مجموعة زياد عبدالكريم الســالم‬
‫ـملك نـكهةً للمكان وخصوصيّ ة في‬
‫ت ُ‬
‫الشـخصيات الفتتين‪.‬‬

‫إلياس فركوح وسعود قبيالت رئيس رابطة الكتاب األردنيين‬

‫القصة القصيرة ليســت جسـر عبور نحو الرواية‪ .‬ليـست شـأن ًا سـهالً‬
‫بالمقارنة مـع الرواية‪.‬‬
‫أخوض فيه كاتب ًا نابذ ًا لمألوف المفردات في‬
‫ُ‬
‫كائن محـسـوس حين‬
‫ٌ‬
‫اللغةُ‬
‫سـياقات ُجمَ لها وتركيباتها‪.‬‬
‫يَكســر إلياس فركوح‪ ،‬القاص والروائي‬

‫وال ��رواي ��ة‪ ،‬وال �ن��ص ال �م �ف �ت��وح‪ ،‬والشهادة‪،‬‬

‫األردن��ي‪ ،‬حاجز المتوقع‪ ،‬ليذهب بنا نح َو والنشر‪ ،‬المتوازن في معالجته للواقع بين‬
‫ع��وال��م ت�ج��رب�ت��هِ ال�غ�ن�ي��ة بتفاصيل تتصل العام والخاص‪ ،‬والحائز على جائزة البوكر‬

‫بواقعهِ الفائض باألمكنة واألح��داث‪ ،‬بدءاً العربية عن روايته «أرض اليمبوس»‪ ،‬يرى‬
‫م��ن ال� �ح ��روف األول�� ��ى‪ ،‬وط��ق��وس والدت� ��هِ أن ال��رواي��ة ال�ع��رب�ي��ة ل��م تشكل إل��ى اآلن‬
‫ٍ‬
‫مبدعا‪ ..‬دش َن سماء السرد العربية‬
‫خاصة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة‪،‬‬
‫ّ‬
‫بروايات «هُوي ًة‬
‫ٍ‬
‫وقصص‪ ،‬تميزت‬
‫ٍ‬
‫بمضمون إبداعيٍّ يُطلق وم�ن��اخ��ات�ه��ا االج �ت �م��اع � ّي��ة»‪ ،‬وي �ت �س��اءل في‬

‫في هذا السائد الدهش َة ومتع َة القراءةِ‪.‬‬

‫معرض إجابته «ه��ل م��ن ال�ل�ازم أن يكون‬

‫ف��رك��وح ال �م��وزع بين القصة القصيرة‪ ،‬للرواية العربيّة هُوي ًة مخصوص ًة في زمن‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪89‬‬

‫التالقح وال�ت��داخ��ل المعرفيين‬
‫والثقافيين‪ ،‬وم��ا ينتج عنهما‬
‫من مشترَكات تدخل في الِبنى‬
‫المكوّنة لألشكال األدبيّة؟!»‪.‬‬
‫< ماذا عن الحروف األولى‪-‬‬
‫أول�����ى ال��ك��ل��م��ات‪ -‬وكيف‬
‫�����ك‬
‫ك���ان���ت ط���ق���وس والدت َ‬
‫مبدعاً؟‬
‫> أذك� � � ُر أنَّ ح��روف��ي األول ��ى‬
‫ك��ان��ت م�ج��رد خربشات بال‬
‫غ��اي��ة ت �س �ع��ى وراء معنىً‬
‫م��ا‪ .‬م�ج��رد اس�ت�ج��اب��ة لقلق‬
‫ال �م��راه �ق��ة‪ .‬ت�ل��ك المرحلة‬
‫التي تجتاح أعمارنا جميعاً‪،‬‬
‫وتتمثّل بعاصفة من األسئلة‬
‫الكبرى‪ ،‬نتوهم أنَّ بمقدورنا‬
‫اإلجابة عنها! أسئلة من نوع‪:‬‬
‫لماذا نحن‪ ،‬وإلى أين‪ ،‬وماذا‬
‫ب�ع��د؟ إل��خ‪ .‬ول��م أك��ن ألنجو‬
‫م��ن ه��ذا‪ ،‬فأنا إب � ٌن طبيعي‬
‫وشَ رعي لتلك المرحلة‪ ،‬مثلما أنا إب ٌن شَ رعي‬

‫وطبيعي للبيئة االجتماعيّة وظروفها الحياتيّة‬
‫آنذاك‪ ،‬ومن ثم كانت أسئلتي تهبطُ ‪ ،‬مع مرور‬
‫الوقت‪ ،‬من عليائها الفلسفي الوجودي األكبر‬
‫من قدراتي‪ ،‬لتكون أق��رب إلى أسئلة الواقع‬
‫الذي اتخذ لنفسه ملمحاً سياسياً أساسياً‪ .‬‬

‫ ‬

‫‪90‬‬

‫لم تكن أسئلة العيش‪ ،‬بمعنى صعوبتها بسبب‬
‫ال�ف�ق��ر أو اض�ط�ه��اد البيئة م��ن ح��ول��ي‪ ،‬هي‬
‫أسئلتي – خالفاً للعديد من ُكتّاب جيلي‪ -‬إذ‬
‫كانت عائلتي ميسورة ال�ح��ال بالقياس إلى‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫معايير تلك ال�ف�ت��رة‪ .‬رب�م��ا كنّا‬
‫نقع في الوسط داخل ما يُسمّى‬
‫(ال �ط �ب �ق��ة) ال��وس �ط��ى‪ ،‬م��ا و ّف َر‬
‫ل��ي ولبقية أخ��وت��ي تعليماً في‬
‫الخاصة‪ ..‬وهذا ش ّك َل‬
‫ّ‬
‫المدارس‬
‫امتيازاً‪ ،‬وخيارات أوسع في ما‬
‫بعد‪.‬‬
‫أما عن المكان‪ ،‬مكان الطفولة‪،‬‬
‫ف�لا ت�خ��رج ذاك��رت��ي بغير صوّر‬
‫األح�ي��اء التجاريّة الشعبيّة في‬
‫وس��ط ع� ّم��ان حيث ُك� ّن��ا نسكن‪،‬‬

‫أس��وة بغالبيّة ال �ن��اس ف��ي ذلك‬
‫ال��زم��ن؛ فلقد اختلطت المِ هَن‬
‫ب �ح��وان �ي��ت ال��ت��ج��ارة بالمراكز‬
‫الحكوميّة ب��األس��واق الشعبيّة‬
‫بكافة مستويات أهلها بالمساكن‬
‫العائليّة‪ .‬لم تكن المدينة خاضعة‬
‫للتنظيم الحديث ال��ذي نعيشه‬
‫اآلن‪ ،‬وال� ��ذي ي�خ�ص��ص مجاالً‬
‫للسكن وآخ��ر للخدمات بحيث‬
‫باتَ من الصعب الخلط بينهما؛‬
‫ف �ه��ذا ح��يٌ سَ � َك �ن��ي‪ ،‬وت �ل��ك منطقة تجاريّة‪،‬‬
‫والحرَف‬
‫ِ‬
‫وهذه خاصة بالصناعات الصغيرة‬
‫بعيداً عن التماس السلبي بالمناطق واألحياء‬
‫األخرى‪.‬‬
‫يبقى أن أقول إن محاولتي الجادة التي تمتعت‬
‫بقدر ما من النضج تمثلت بكتابة قصة قصيرة‬
‫ٍ‬
‫عن شخصيّة مأزومة بسبب نكسة حزيران‬
‫‪1967‬م في السنة نفسها‪ ،‬ويمكن الرجوع إلى‬
‫تلك الفترة في غير حوار تضمنه كتاب «لعبة‬
‫السرد الخادعة‪ :‬ح��وارات مع إلياس فركوح»‬

‫< م����اذا ت��ق��ول ف���ي صناعة‬
‫العناوين التي تتقن؟ فما‬
‫أن تنحت عنوان ًا جديد ًا‬
‫ف��ي ف��ض��اء اإلب����داع حتّ ى‬
‫ت��ص��ع��ق ال���ذه���ن ب��م��ا هو‬
‫مدهش ومغاير عمّ ا هو‬
‫سائد؟‬
‫الخاصة‪،‬‬
‫ّ‬
‫> لكّل عنوان حالته‬
‫وع��اد ًة ما يجيء مولوداً من‬
‫ص �ل��ب ال�م�ت��ن ال ��روائ ��ي‪ ،‬أو‬
‫ُ‬
‫ال للمناخ العام المشتمل‬
‫حام ً‬
‫لنصوص مجموعة قصصيّة‪.‬‬
‫في الغالب تتسمّى مجموعة‬
‫ق�ص�ص� ّي��ة ب��اس��م إحداها‪،‬‬
‫وأحياناً أجتر ُح عنواناً آخر‬
‫لعدم عثوري على ما يلفت‬
‫في أسماء القصص في الداخل؛ كما فعلتُ‬

‫ ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ال��ذي ح��رره وكتب مقدمته‬
‫ال ��ذك� � ّي ��ة ال� �ص ��دي ��ق جعفر‬
‫العقيلي‪ ،‬وكذلك في كتابي‬
‫«أشه ُد عليِّ ‪ ،‬أشه ُد علينا»‪.‬‬

‫على الكاتب أن يأخذ باالعتبار‪،‬‬
‫وفي المقام األول‪ ،‬ذكاء القارئ‪،‬‬
‫إض��اف � ًة إل��ى تحليه ب � َغ �رَاب� ٍ�ة ما‬
‫ت�ب�ع��ث ع�ل��ى ال �ت �س��اؤل وتفضي‬
‫إل��ى أكثر م��ن استنتاج‪ .‬يش ّك ُل‬
‫ال �ع �ن��وان‪ ،‬ف��ي ذات ��ه‪ ،‬وبحسبي‪،‬‬
‫ال بمعنىً ما‪ .‬ولهذا؛‬
‫ن ََّصاً مكتم ً‬
‫فإنه يتطلبُ خ�ب��ر ًة وحساس ّي ًة‬
‫وت��وازن �اً واح �ت��راس �اً؛ إذ هنالك‬
‫عدد من المستويات في الوعي‬
‫األدب��ي وال��درج��ات في الذائقة‬
‫الفنيّة بعدد ال ُقرّاء المفتَرَضين‪،‬‬
‫يجب أخذهم بالحسبان‪.‬‬
‫ أما عن المغايرة؛ فأرجو أن‬
‫يكون ذلك صحيحاً‪ .‬فأنا لستُ‬
‫س��واي حتماً‪ .‬وعنوان كتاباتي‪،‬‬
‫م�ث�ل�م��ا ه ��ي ك �ت��اب��ات��ي نفسها‪،‬‬
‫تنسج ُم مع هُويتي التي أعتقد‬
‫أنها مغايرة لغيري من ال ُكتّاب‪.‬‬
‫< ه�����ل ت����ح����ول����ت ال�����رواي�����ة‬
‫إل���ى دي����وان ال��ع��رب؟ وه���ل ه��ن��ال��ك هوية‬
‫أن هذا الفن غربي‬
‫للرواية العربيّ ة‪ ،‬علم ًا َّ‬
‫المنشأ؟‬

‫في مجموعة «المالئكة في العراء»‪ ،‬و«حقول‬
‫الظالل»‪ ،‬و«شتاءات تحت السقف»‪ ،‬و«ميراث‬
‫ِ‬
‫األخير»‪.‬‬
‫موضع إلى أنَّ الرواية باتت‪-‬‬
‫ٍ‬
‫ > أشرتُ في غير‬
‫ل��دى ف �ئ��ات واس �ع��ة م��ن ال� � ُق� �رّاء والمثقفين‬
‫ي�ش� ّك��ل ال �ع �ن��وان‪ ،‬ف��ي ن �ظ��ري وك �م��ا اصطلح‬
‫وال � ُك � ّت��اب ودارس ��ي علم االج�ت�م��اع‪ -‬وبمعنىً‬
‫ال�نُ� ّق��اد‪ ،‬ال َعتَبَة األُول��ى التي تُفضي بالقارئ‬
‫معيّن‪ُ ،‬م ّدوَّنة حديثة لمجريات الحياة العربيّة‪،‬‬
‫النص‪ .‬ال يكفي أن يتحلّى بالمعنى‬
‫ّ‬
‫إلى داخل‬
‫تسجِّ ل األحداث من زوايا جديدة ليست هي‬
‫الشمولي‪ ،‬مثلما ال يجوز االكتفاء بجماليته‬
‫الموافقة الكُليّة‪ ،‬وليست المعترضة ُكُل ّياً‪،‬‬
‫وتضمنه لشحنة من اإليحاءات لحاالت ليست‬
‫وليست هي الحاذفة للبشاعات والتشوهات‪،‬‬
‫متوافرة في الداخل‪ .‬العنوان خطير! ينبغي‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪91‬‬

‫أو ت�ل��ك ال�م�ض�ف� ّي��ة عليها‬
‫أف� � � �ض � � ��االً وج � �م� ��ال � �ي� ��ات‬
‫م��زع��وم��ة‪ .‬ال��رواي��ة‪ ،‬وألنها‬
‫(ب��ان��ورام��ا ذات � ّي��ة) تتشكَّل‬
‫وف �ق �اً ل��رؤي��ا ذات كاتبها‪/‬‬
‫ك��ات �ب �ت �ه��ا؛ ف��إن �ه��ا التدوين‬
‫األدب� ��ي ال�م�ت�ح�لّ��ي بفنيات‬
‫ال �ك �ت��اب��ة ذات التجنيس‬
‫لعالقة التفاعل ‪ -‬الكاملة‬
‫أو الناقصة المضروبة –‬
‫لتاريخ‬
‫ٍ‬
‫عربي بعينه‬
‫ٍ‬
‫إلنسان‬
‫ٍ‬
‫ومجتمع معيشان ك��ان ال بُ ��دَّ م��ن تسجيله‬
‫وتوثيقه‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫ ‬

‫الشع ُر تاريخنا العربي‪ ،‬في ج��زء كبير‬
‫ك��ان ِ‬
‫م �ن��ه‪ ،‬أو ت��اري��خ ح�ي��ات�ن��ا ال �ع��رب � ّي��ة‪ ،‬موزوناً‬
‫ُم �ق � ّف��ى‪ ،‬ول�ك��ن بحسب أن �س��اق وموضوعات‬
‫ذاك العصر‪ :‬راثياً‪ ،‬ومادحاً‪ ،‬وهاجياً‪ ،‬وباكياً‬
‫على األط�لال‪ .‬وبحسب منظور ذاك العصر‬
‫أيضاً (هي عصور على أي حال)‪ ،‬كان تاريخاً ‬
‫يتصف بالمبالغة غالباً‪ ،‬وبالتزوير والتحريف‬
‫ُ‬
‫أيضاً‪ .‬حتّى الحُ بّ ؛ كان حُ ّباً مبالِغاً في ِعفته‬
‫الحسّ ي‬
‫المزعومة‪ ،‬طامساً لحقيقة االشتهاء ِ‬
‫وطاقته الدافعة للشاعر ألن يُلقي على المأل‬
‫ظ��اه� َر الحالة باحتشام‪ ،‬ولنفسه الباطنيّة‬
‫يهمس باالحتراق الالسع!‬

‫ ‬

‫لذلك؛ أقول إنَّ الرواية هي التدوين (وأشدد‬
‫على أنها ت��دوي��ن‪ ،‬بمعنى أنها كتابة وليست‬
‫شيئاً آخ��ر‪ ،‬صوتاً كالشعر مثالً) يصي ُر من ‬
‫خاللها إيصال وجهة نظر صاحبها‪ ،‬أو مجموع‬
‫أسئلته‪ ،‬آلخ � َر مجهول لكنه ُم� ْف�تَ�رَض‪ ،‬ليس‬
‫مرئ ّياً ومباشراً بحيث تَحو ُل األُلف ُة المفقودة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫دون الصراحة في التصريح‪ .‬كما‬
‫أن�ه��ا كتابة تتطلبُ ف��ي الجانب‬
‫الثاني منها‪ ،‬أي ال�ق��راءة‪ ،‬درج ًة‬
‫من التخصص والتعمُّق والذائقة‬
‫وخبر ًة في النوع الكتابي من دونها‬
‫جميعاً تبطل فاعليّة العمليتين‪:‬‬
‫اإلرسال واالستقبال!‬
‫ م ��ن خ�ل�ال ال���رواي���ة ‪ -‬كما‬
‫الحال مع صنوف اآلداب المكتوبة‬
‫األخ � ��رى ‪ -‬ت �ت �ح��اور الكائنات‬
‫البشريّة‪ /‬االجتماعيّة تحاوراً عن بُعْد! لكنه‬
‫التحاور الحميم‪ ،‬والصادق‪ ،‬وغير المسدود‬
‫بأي حواجز يخلقها واقع ووقائع ما هو خارج‬
‫َص‪ .‬فعلى أرض الكتابة نمتلكُ قدراً كبيراً‬
‫الن ّ‬
‫من حُ ريّة التعبير عن أسرار أسرارنا‪ ،‬وعليها‬
‫أيضاً نمتلك ذاك القدر من حُ ريّة المشاركة‬
‫أرض‬
‫نحو ليس له مثيل على ٍ‬
‫والتأويل على ٍ‬
‫أخرى على اإلطالق!‬
‫إذا صادقتُ على المأثور القائل إنَّ الشاعر‬
‫العربي القديم كان ينطق بلسان الجماعة؛ إذ‬
‫هو ناطقها اإلعالمي‪ ،‬أو ضميرها الجمعي!‬
‫فإنَّ الروائي العربي ال ينطق بغير لسانه هو‪.‬‬
‫لم يعُد الفنان‪ /‬الكاتب بمعناه الحقيقي في‬
‫زماننا يتماهى مع الجماعة وينوب عنها في‬
‫قول ما تريد‪ .‬باتت مكانة الفرد‪ ،‬داخل الفرد‪،‬‬
‫هي محل التقدير واالحترام واألخذ باالعتبار‪،‬‬
‫وليس العكس‪.‬‬
‫خاصة للرواية‬
‫بتواضع‪ :‬لم أجد حتّى اآلن هُوي ًة ّ‬
‫العربيّة؛ اللهم سوى لغتها العربيّة‪ ،‬ومناخاتها‬
‫االجتماعيّة‪ .‬أما أن نذهب أبعد ونزعم بوجود‬

‫لتدقيق أكبر‪ ،‬إذ ليس هنالك «ماركة» واحدة‬

‫لسياق التجربة الحياتيّة والخبرات المتحصلّة‬

‫ال (وه��ذا بحاجة‬
‫رواي��ة أميركا الالتينيّة مث ً‬

‫الشخصيّة‪ ،‬ككاتب وقارئ ‪ -‬ال يكون إ ّال وفقاً‬

‫تجمع الروايات الطالعة من هناك؛ اللهم سوى‬

‫له نتيج ًة لذلك‪ .‬أما إرسال القَول على عواهنه‬

‫مرجعيتها ال �ق��ار ّي��ة)؛ فإننا ن�ك��ون نقفز عن‬

‫كأنما هو قاعدة ذهبيّة؛ ففي ذل��ك مجافاة‬

‫الحقائق‪ .‬ثم؛ هل من الالزم أن يكون للرواية‬

‫ال داخل التاريخ األدبي‬
‫للوقائع الموجودة فع ً‬

‫العربيّة ُه��وي� ًة مخصوص ًة في زم��ن التالقح‬

‫والسيَر الذاتيّة للكتّاب‪ ،‬إضاف ًة إلى االكتفاء‬
‫ِ‬

‫وال�ت��داخ��ل المعرفيين والثقافيين وم��ا ينتج‬

‫الفقير بالشائع من دون تمحيص أو تدقيق‪،‬‬

‫عنهما من مشترَكات تدخل في الِبنى المكوّنة‬

‫وال��ذي يقارب اإلشاعة في خاصيّة الجَ هْل؛‬

‫لألشكال األدبيّة؟!‬

‫ألن �ن��ا‪ ،‬وب�ب�س��اط��ة‪ ،‬م ��اذا سيكون ج��واب�ن��ا عن‬
‫السؤال معكوساً‪ :‬هل الرواية تمرين للدخول‬

‫تمرين‬
‫ٌ‬
‫< يُ ��ق��ال إن ال��ق��ص��ة ال��ق��ص��ي��رة ه��ي‬

‫إل��ى القصة القصيرة؟ وأن��ا هنا أش�ي��ر إلى‬

‫كتابي للدخول إلى عالم الرواية‪ .‬إلياس‬

‫أعالم في الرواية كتبوا القص َة فيما بعد‪.‬‬
‫ٍ‬

‫��اص وال��روائ��ي‪ ،‬كيف ينظر إل��ى هذه‬
‫ال��ق ّ‬
‫المقولة؟‬
‫> قد يكون األم��ر على ه��ذا النحو ل��دى بعض‬
‫ُك� ّت��اب القصة القصيرة ال��ذي��ن انتقلوا منها‬
‫إل��ى كتابة ال��رواي��ة‪ .‬غير أنَّ ه��ذا ال ينطبق‪،‬‬

‫�اب آخ��ري��ن زاوج���وا في‬
‫ب��ال �ض��رورة‪ ،‬على ُك � ّت� ٍ‬

‫نتاجاتهم وجمعوا بين القصة والرواية‪ ،‬ويمكن‬
‫بسهولة ض��رب األمثلة على ذل��ك‪ :‬م��اذا عن‬

‫أرنست همنغواي‪ ،‬ونجيب محفوظ‪ ،‬وإيتالو‬
‫كالفينو‪ ،‬وي��وس��ف إدري ��س‪ ،‬وغ��ون�ت��ر غراس‪،‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫هُوية مفارقة‪ ،‬تقف بلونها المختلف إلى جوار‬

‫جنسين كِ تابيين سرديين ‪ -‬وبحسب تجربتي‬

‫ ‬

‫باختصار‪ ،‬القصة القصيرة ليست جسر عبور‬
‫ال بالمقارنة مع‬
‫نحو الرواية‪ .‬ليست شأناً سه ً‬

‫الرواية ليجوز وصفها «تسخيناً واستعداداً»‬
‫لدخول المعترك األصعب! لكّل جنس كِ تابي‬
‫ص �ع��وب �ت��ه وح �س��اس �ي �ت��ه وم���آزق���ه‪ ،‬م�ث�ل�م��ا له‬

‫جمالياته وسالسته ومخرجاته الخاصة‪ .‬كما‬

‫كاتب حاالته التي تُملي عليه الكتاب َة‬
‫أنَّ لكّل ٍ‬

‫حالة جنسها‬
‫ٍ‬
‫جنس معيّن‪ ،‬مثلما أنَّ لكّل‬
‫ٍ‬
‫في‬

‫الذي تتطلبه دون ِسواه‪.‬‬

‫وغابرييل غارسيا ماركيز‪ ،‬ومحمد خضيِّر‪ < ،‬ماذا تعني لك جائزة البوكر العربيّ ة بعد‬

‫وجنكيز إيتماتوف‪ ،‬وهرمان هيسه‪ ،‬وتوماس‬
‫مان‪ ،‬وترومان كابوت وأنيتا ديساي‪ ،‬إلخ؟ ماذا‬

‫ع��ن ع��دد م��ن ه��ؤالء وآخ��ري��ن كتبوا الرواي ًة‬

‫أوالً (كنجيب محفوظ‪ ،‬وغونتر غراس‪ ،‬مثالً)‬

‫ ‬

‫كنت ضمن القائمة القصيرة عن رواية‬
‫أن َ‬

‫«أرض ال��ي��م��ب��وس» ف��ي دورت���ه���ا األول����ى؟‬
‫وم����اذا يعني ل��ك اخ��ت��ي��ار رواي����ة «قامات‬
‫الزبد» ضمن أفضل ‪ 100‬رواية عربية؟‬

‫وانتقلوا بعدها إلى القصة ليعودوا للرواية‪ > ،‬ش��أن��ي ف��ي ذل��ك ش��أن جميع ال � ُك� ّت��اب الذين‬
‫وهكذا؟‬
‫تصيبهم ال � َف �رْحَ � ُة ع�ن��د ح ��دوث أم��ر كهذا‪.‬‬
‫ما أريد الوصول إليه‪ ،‬هو أنَّ لجوء الكاتب إلى‬

‫الفرحة واالندهاش في الوقت نفسه‪ .‬يفرحون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪93‬‬

‫عندما تنال أعمالهم التقدير‬
‫والتنويه النقدي اإليجابي‪،‬‬
‫إض� ��اف�� � ًة إل � ��ى اإلح� �س ��اس‬
‫ب� ��ال� ��رض� ��ا‪ ،‬ك � ��ون جهدهم‬
‫الموصول على امتداد عقود‬
‫لم يكن ِغنا ًء فردياً ومتوحداً‬
‫ب��ي��ن ج � � ��دران ع� ��ازل� ��ة في‬
‫ُغ �ر ٍَف معزولة! ويندهشون‬
‫ك��ون المألوف والسائد في‬
‫مجتمعاتنا العربيّة يتمثّل‬
‫ف��ي النظر إليهم بوصفهم‬
‫�وار غريبة‪ ،‬ولعلّهم من‬
‫ُغ��رب��اء وأص�ح��اب أط� ٍ‬
‫الزوائد غير المرئيّة المركونة والمنسيّة في‬
‫الهامش وخارج المتن المجتمعي!‬
‫ ‬

‫ربما يكون تشبيهي لل ُكتّاب باألطفال تشبيهاً ‬
‫م�غ��ال�ي�اً أو م �ت �ط��رف �اً‪ .‬لكنني أرى أن �ه��م من‬
‫ال�ك��ائ�ن��ات غير المتطلبة‪ ،‬م��ن الشخصيات‬
‫بأفراح ومَسرّات صغيرة ذات صلة‬
‫ٍ‬
‫المكتفيّة‬
‫بعالم الكتاب والكتابة وال�ث�ق��اف��ة‪ ،‬وال يعدو‬
‫طموحهم مرتبة االع�ت��راف بعملهم على أنه‬
‫قصة نجاح وإضافة نوعيّة جديرة بالتقدير –‬
‫بصرف النظر عن ماهيّة هذا‬
‫التقدير ‪ .-‬كما يجدر التنويه‬
‫إلى أنَّ تقديراً واحتقا ًء بهذا‬
‫المستوى‪ ،‬يعنيان ل��ي‪ ،‬على‬
‫الصعيد الشخصي‪ ،‬تحفيزاً‬
‫لمواصلة ما بدأته قبل نحو‬
‫ثالثين سنة‪ ،‬وتحدياً متجدداً‬
‫ل�ل�ارت� �ق ��اء ب�ع�م�ل��ي القادم‪،‬‬
‫بحسب ما أطمح وأصبو‪.‬‬

‫��ت التخلص‬
‫< ه���ل اس��ت��ط��ع َ‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫من ثقل الذاكرة بعد كتابة‬
‫«أرض ال��ي��م��ب��وس»؟ وكيف‬
‫استطعت أن تدمج‪ ،‬أو توفق‪،‬‬
‫َ‬
‫ب���ي���ن ال����خ����اص وال�����ع�����ام في‬
‫السرد؟‬
‫> استطعت التخلّص من بعض‬
‫أث��ق��ال ال ��ذاك ��رة – م��ع األخذ‬
‫باالعتبار أنَّ اإلنسان‪ ،‬وبعد أكثر‬
‫من خمسة عقود عاشها‪ ،‬وعاي َن‬
‫خ�لال�ه��ا ه��ذا ال �ك��م الكبير من‬
‫الشخصيات واألح��داث الكبيرة‬

‫والصغيرة‪ ،‬إضاف ًة إلى التغيّرات التي أصابت‬
‫تقييمه لمجريات ح�ي��ات��ه‪ ،‬إن�م��ا ي�ح�ت��ا ُج إلى‬
‫مجموعة روايات!‬
‫أما عن مسألة دمجي أو توفيقي بين الخاص‬
‫وال �ع��ام؛ فربما يكمن السبب ف��ي أنَّ حياتي‬
‫الشخصيّة – الداخليّة والظاهر منها للخارج ‪-‬‬
‫ضمن خطوطها العريضة ومحطاتها الرئيسة‪،‬‬
‫كانت إم��ا استجابة للوقائع العامة الكبرى‪،‬‬
‫ال معها ومحاوالً‬
‫أتحركُ على إيقاعها متفاع ً‬
‫ال �ت��دخ��ل (ب�ح�ج��م شخصي ال�ص�غ�ي��ر طبعاً)‬
‫ليكون لي دوري المأمول فيها‪.‬‬
‫أو هي مجموعة األسئلة التي‬
‫طَ رَحَ تْها تلك األح��داث العامة‬
‫على الجميع‪ ،‬وال �ت��ي ب�ق��در ما‬
‫تبدأ بالحيوات الكُليّة للمجتمع‬
‫فإنها‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬تنتهي‬
‫في عقل اإلنسان الفرد‪ ،‬لتقلب‬
‫ْض ًة‬
‫ل��ه يقينياته وتجعلها ُعر َ‬
‫ل �ع �ص��ف ال� �م� �س���اءالت‪ .‬نحن‪،‬‬
‫ك��أف��راد‪ ،‬لسنا س��وى التفاصيل‬

‫< من مضامين رواياتك يتضح لنا أن الرواية‬
‫ب��إم��ك��ان��ه��ا أن ت��ع��ال��ج وت���وّ ج���ه األح����داث‬
‫السياسية‪ ،‬من خالل الشخصيات وإعادة‬
‫بناء األحداث‪ .‬فما رأيك؟‬
‫> ب��اخ �ت �ص��ار‪ :‬ال���رواي���ة ت �ع �ي��د ب �ن��اء األح� ��داث‬
‫ال �س �ي��اس � ّي��ة ع �ب��ر ع �ي��ش ال �ش �خ �ص �ي��ات لها‪،‬‬
‫الواقعيّة والمتخيلة‪ ،‬ووف�ق�اً لتجربة كاتبها‪،‬‬
‫لكنها ال تستطيع أن ت�ق��وم بتوجيهها على‬
‫اإلطالق‪ ،‬أو حَ رْف مسارها!‬
‫< ث����مّ ����ة ج���م���ال���ي���ات على‬
‫ص��ع��ي��د ال���س���رد وال���ح���وار‬
‫تتعلق باللغة الفصحى‬
‫واللهجة العاميّ ة؛ فكيف‬
‫ت����ن����ظ����ر إل��������ى ال���ت���م���اي���ز‬
‫بينهما؟‬
‫> ل�غ��ة ال �س��رد ه��ي الفصحى‬
‫ب ��ام� �ت� �ي ��از‪ ،‬وب �ل��ا أي شك‬
‫أو ت� ��ردد‪ .‬ت�ل��ك واح� ��دة من‬
‫ال �ب��دي �ه �ي��ات ال��ت��ي جُ بِلتُ‬

‫عليها‪ ،‬وم��ا ك��ان��ت أعمالي‬
‫القصصيّة وال��روائ � ّي��ة إ ّال اش �ت �غ��االً وحَ فْراً‬
‫م�ت��واض�ع�ي��ن ف��ي ال�ل�غ��ة ال �ع��رب � ّي��ة الفصحى؛‬
‫ألكتشف اإلمكانات الكبيرة التي تختزنها هذه‬
‫اللغة وإضمارها لحيويّة التجدد‪ ،‬والتحوّل‪،‬‬
‫النص‬
‫ّ‬
‫والتطوّر‪ ،‬مع مالحظة أنَّه كلّما تحرك‬
‫داخ��ل ف�ض��اءات اللغة‪ ،‬واق�ع�اً‪ ،‬وبحسب رؤيا‬
‫للنص نفسه أن‬
‫ِّ‬
‫صاحبه‪ ،‬على جمالياتها؛ كان‬
‫يكتسبَ ‪ ،‬من ثم‪ ،‬تلك الجماليات‪ .‬وأن تسعى‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫البانية لمجموع المشهد البانورامي‪ .‬ألسنا‬
‫كذلك؟‬

‫كقاص وروائي‪ ،‬ال يعني أنكَ تشتغل عالِماً‬
‫ٍّ‬
‫للّغة‪،‬‬
‫أو فقيهاً لغو ّياً‪ ،‬أو باحثاً في اللسانيات مثالً!‬
‫أبداً‪ .‬بالنسبة لي‪ ،‬اللغ ُة كائ ٌن محسوس حين‬
‫�وض فيه كاتباً ن��اب��ذاً لمألوف المفردات‬
‫أخ� ُ‬
‫في سياقات جُ مَلها وتركيباتها وتنضيداتها‬
‫السائدة إنما أجعل ُه (اللغة) يخل ُع لبوساته‬
‫الباهتة من كثرة االستعمال‪ ،‬ليرتدي أ ُخرى‪،‬‬

‫ه��و يمتلكها ف��ي مستوياته العميقة‪ ،‬وكانت‬
‫بحاجة لمن يخرجها للتهويّة! اللغةُ‪ ،‬كما هي‬
‫إحساس وإدراك وتناغم‬
‫ٍ‬
‫تجربتي معها‪ ،‬حال ُة‬
‫أعيشها وتتلبسني فأنساق إليها‪ .‬أما مسألة‬
‫ال�ق��واع��د؛ فتأتي ف��ي م��ا بعد‪ ،‬وال أخ�ج� ُل أو‬
‫أترد ُد في عَ رْض ما أكتبه‪ ،‬حين‬
‫االن �ت �ه��اء م �ن��ه‪ ،‬ع�ل��ى َم ��ن يفقه‬
‫تلك ال�ق��واع��د ليقوم بتصويب‬
‫م��ا ارتكبتُه م��ن أخ �ط��اء‪ ..‬وهي‬
‫قليلة على أي حال‪ ،‬وتتعلق بما‬
‫يمس بنائي الخاص لها‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫ أما مسألة اللهجة العاميّة؛‬
‫فإنَّ السرد والحوار‪ ،‬في القصة‬
‫والرواية‪ ،‬يمتلكان رحاب َة وجودها‬
‫متضافر ًة ومشتبك ًة وملتحم ًة‬
‫مع الفصحى‪ ،‬تماماً مثلما هي‬
‫ع�لاق��ة ال�ج�ل��د ب��ال�ل�ح��م‪ ،‬ش��ري�ط��ة االقتصار‬
‫النص ويثريه‪ ،‬بما ال تحوزه‬
‫َّ‬
‫ف‬
‫على ما يُسْ عِ ُ‬
‫الفصحى‪ .‬أو الركون إلى مفردةٍ معيّنة عاميّة‬
‫لها نكهتها ال�خ��اص��ة ومدلولها االجتماعي‬
‫المعيش‪ ،‬المعاصر‪ ،‬تأتي بمحمولها المفهوم‬
‫لدى القارئ عارض ًة الواق َع كما هو‪ ،‬وبـ (لغته‬
‫ال �ع��ام � ّي��ة)‪ ،‬أي بمنطوقه ال �س��ائ��ر والخارق‬
‫جيل‬
‫للطبقات االجتماعيّة (إذ ه��و منطوق ٍ‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪95‬‬

‫يعيش بيننا وسيكون‬
‫ُ‬
‫جديد‬
‫نح ُن في المستقبل) والذي‬
‫ج��اء نتيجة ت �ح �وّالت كثيرة‬
‫اع�ت��رت ال�م�ف��ردة الفصحى‬
‫فغيّرت من معناها المقروء‬
‫ف��ي الكتب‪ ،‬وأحَ �لَّ��ت محلها‬
‫معنىً م�ت��داوالً على الشفاه‬
‫في تفاصيل الحياة اليوميّة‪.‬‬
‫العاميّة‪ ،‬بحسب مالحظتي‪،‬‬
‫ورب �م��ا ألن �ه��ا ب�لا رق �ب��اء أو‬
‫سَ � � َدنَ� ��ة وحُ �� � � �رّاس‪ ،‬ح ��ازت‬
‫وت �ح��وز م�س��اح��ات م��ن ال �ح��ر ّي��ة تتقلّب فيها‬
‫وتُنجبُ عليها مجموعة تعبيرات مدهشة في‬
‫دِ ّق��ة إصابتها لل ُِّب من المعنى‪ ،‬أو الدِ قّة في‬
‫نحو يكاد يكون‬
‫جَ مْع الصورة بمعناها على ٍ‬
‫ممسوكاً وماسكاً في آن! وهذا‪ ،‬في حد ذاته‪،‬‬
‫وج ٌه من وجوه جمالياتها‪.‬‬

‫اإلن �س��ا ُن ليس سطحاً واحداً‪،‬‬
‫وليس كائناً مسطحاً‪ ،‬وليس هو‬
‫ُعد واحد» – بحسب‬
‫«اإلنسان بب ٍ‬
‫تعبير هربرت ماركوز‪ .‬وألنَّ األمر‬
‫هكذا؛ فإني أزع � ُم وج��ودي في‬
‫جميع تلك المجاالت الكتابيّة‪/‬‬
‫األدبيّة‪ /‬الثقافيّة‪ .‬لكنه‪ ،‬وينبغي‬
‫عليَّ التنبُّه والتنبيه‪ ،‬وجو ٌد ناقص‬
‫وسيبقى ناقصاً حتّى النهاية‪.‬‬
‫ثمّة الالزمة المتكررة في رواية‬
‫«أرض اليمبوس»‪ ،‬والتي باتت‬
‫كمفهوم أرى وجوباً أخالق ّياً‬
‫ٍ‬
‫بمثابة األيقونة‬
‫وفكر ّياً وصفها ِحكم ًة تستوقف الكثيرين مِ نّا‪،‬‬
‫أالْ وهي‪« :‬ال شيء يكتمل»‪ .‬أنا أحاول أن أكتمل‬
‫عبر توزعي على جميع األنشطة المذكورة‪ ،‬مع‬
‫يقيني بأني أسعى وراء سراب! لكنه ال َق َدرُ‪..‬‬
‫بمعنى من المعاني‪.‬‬

‫< ب َ‬
‫��دأت مع القصة القصيرة‪ ،‬ثم الرواية‪ ،‬‬
‫مت رواية «سير– ذاتيّ ة»؛ فأين‬
‫قد َ‬
‫وأخير ًا ّ‬
‫يجد ف��رك��وح نفسه وس��ط ه��ذا التعدد‬
‫ال���ذي يمتد إل���ى ال��ص��ح��اف��ة والترجمة‬
‫والشهادة والنشر؟‬

‫أكتبُ القصة والرواية ألطرح أسئلتي‪ ،‬وأمتحن‬

‫> إنَّ جُ ملة تلك ال �ض��روب م��ن الكتابة ليست‬
‫س��وى محاوالتي من أج��ل استكمال صورتي‬
‫الكائنة في داخلي‪ ،‬والتي أنظ ُر إليها بوصفها‬
‫إمكانات متفاوتة في نسبة وكثافة منسوبها‪،‬‬
‫تحثّني على أن أحققها‪ ،‬ألتحق َق أنا على هذا‬
‫النحو ت ��ارةً‪ ،‬أو على غيره ت��ار ًة أخ��رى‪ .‬إني‬
‫من المؤمنين أنَّ اإلنسان يمتلكُ في أعماقه‪،‬‬
‫وبعد عقود من التجربة الحياتيّة والثقافيّة‪،‬‬
‫عدة مستويات أو طبقات‪ ،‬هي خُ الصته‪ .‬أي‪:‬‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫رؤيتي‪ ،‬وأتعايش مع شخوص الحياة عبر تعالقنا‬
‫جميعاً وانضفارنا بحبال الخيال الذي يُشهدُنا‬
‫على أحوالنا من مسافة‪ .‬وأقو ُم بالترجمة ألنَّ‬
‫هناك نصوصاً قرأتها فأعجبتني‪ ،‬ولكّل واحد‬
‫منها خصوصيته‪ ،‬الجماليّة أو المعرفيّة‪،‬‬
‫فأحببتُ نقلها آلخرين مجهولين مفتَرَضين‬
‫يشاركونني محبّة ال��جَ �م��ال وت ��وق التعرُّف‪.‬‬
‫وك�ت�ب��تُ مجموعة ش �ه��ادات ألف�ض��ي برؤيتي‬
‫ِلمْا أكتب وأشه ُد عليَّ من ال��داخ��ل‪ ،‬وكذلك‬
‫ألقول رأيي المتواضع بما أقرأ لغيري وماذا‬
‫رأيتُ في ذلك كلّه‪ .‬وأعم ُل بالنشر ألني‪ ،‬ومنذ‬
‫ال على مستوى‬
‫البداية‪ ،‬عرفتُ أني لستُ مؤه ً‬

‫وضعيّة الموظف‪.‬‬

‫أخ��ز ُن في أعماقي أص��دا َء اآلخرين‪ ،‬وجوهاً‬

‫هذا أنا‪ .‬في جميع هذه البؤر‪ .‬وأدركُ أني ما‬

‫وأسما ًء وأصواتاً ومواقف ووجهات نظر؟‬

‫اكتمال ما‪..‬من غير < ث��مّ ��ة ت���ج���ارب س���رديّ ���ة س���ع���وديّ ���ة يُ شار‬
‫ٍ‬
‫زلتُ الناقص الباحث عن‬
‫أطماع أو أوهام‪ ،‬كبيرة أو صغيرة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫< ه��ل ي��ت��م��اه��ى ال��ك��ات��ب م��ع ن��ف��س��ه لينتجَ‬
‫النص بتقمص غيره؟‬
‫ّ‬
‫نصاً‪ ،‬أم ينتج هذا‬
‫ّ‬

‫إليها ف��ي كتابة القصة ال��ق��ص��ي��رة‪ ،‬فما‬

‫رأي�����ك ب��ت��ج��رب��ة ك���ل م���ن زي�����اد السالم‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫ ‬

‫النجاح ال�ت�ج��اري أو االق�ت�ص��ادي‪ ،‬وال أطيق‬

‫وأتماهى مع غيري في الوقت نفسه‪ .‬أولستُ‬

‫وعبدالرحمن الدرعان؟‬

‫أين يكمن فركوح؛ أفي تماهي ال��ذات أم > لستُ مطلعاً‪ ،‬لألسف الحقيقي‪ ،‬على تجربة‬

‫تقمص اآلخر‪ ،‬ولماذا؟‬

‫> المعادلة بطرفيها ه��ي ج��وه��ر الكتابة كما‬
‫أفهمها‪ ،‬وكما أمارسها‪ ،‬وكما أق��وم بقراءتها‬
‫لدى غيري من ال ُكتّاب‪ .‬فإ ْن آ َمنّا أنَّ مَن هُم‬
‫خارجنا ليسوا سوى مرايانا‪ ،‬نعاين أنفسنا في‬
‫عيونهم لنعي أجزا ًء مِ نّا محجوبة عن إبصارنا‬
‫المباشر‪.‬‬

‫ع�ب��دال��رح�م��ن ال ��درع ��ان‪ .‬غ�ي��ر أنَّ مجموعة‬
‫زي ��اد ع�ب��دال�ك��ري��م ال �س��ال��م‪« ،‬وج���وه تمحوها‬
‫العزلة»‪ ،‬تملكُ نكه ًة للمكان وخصوصيّة في‬
‫الشخصيات الفتتين‪ .‬كما يراعي جانب اللغة‬
‫ويشتغل على ذلك انطالقاً من رؤيا هي ِشعريّة‬
‫في المقام األوّل‪ .‬أنا بحاجة لقراءة المزيد من‬
‫قصصه ليتوفر لي حق الكالم بما هو أكثر‪.‬‬

‫وإذا أدركنا أننا نمثّل لآلخرين تلك المرايا < ب��ع��د ه���ذه ال��س��ن��ي��ن م���ن ال��ع��م��ل ال����دؤوب‬
‫واإلنتاج المستمر‪ ،‬ما هو جديد فركوح؟‬
‫معكوسةً‪ ،‬مثلما أننا جميعاً (الذوات وآخَ رها)‬

‫ ‬

‫لسنا ف��ي حقيقة ان�ف�ص��ال رغ��م ح��االت من‬

‫* ‬

‫أنجزت؟‬
‫َ‬
‫راض عمّ ا‬
‫أنت ٍ‬
‫وهل َ‬

‫العزلة واالغ �ت��راب نعيشها‬

‫أناوش بدايات رواية جديدة‪.‬‬
‫ُ‬
‫> ‬

‫ب��درج��ات متفاوتة؛ عندها‬

‫أستفزها لتنهض وتتحرش بي‪،‬‬

‫يصير لي أن أق��ول أني في‬

‫فنشتبكُ في ِع��راك المناكفات‬

‫ال �ل �ح �ظ��ة ال �ت��ي أح� �ف� � ُر فيَّ‬

‫وال��م��م��اح��ك��ات‪ ،‬ف��أك��ت��ب‪ .‬أما‬

‫ألج � َد بعض حقائقي عني‪،‬‬

‫ال��رض��ا؛ ف�ح��ال� ٌة نسبيّة ليست‬

‫إنما أعاين غيري أيضاً ألنه‪،‬‬

‫ثابتة وليست دائمة‪ .‬في كثير من‬

‫وأن� ��ا‪ ،‬ل�س�ن��ا س ��وى الواحد‬

‫األحيان أج ُد أنني لم أنجز ُربْع‬

‫االجتماعي بوجوهٍ متعددة‪،‬‬

‫أعرف‬
‫ُ‬
‫ما أريد‪ .‬وفي لحظات ال‬

‫وب��ذل��ك‪ ،‬أتماهى مع نفسي‬

‫تحديداً ماذا أريد!‬

‫كاتب من األردن‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪97‬‬

‫الكاتب والناقد المغربي محمد معتصم‬
‫(هناك التباس في الرواية النسائية العربية‬
‫في توظيف مفهومي «الجسد» و«الجنس»)‬
‫(الكاتبات أكثر وعيا برسم شخصية المرأة اإلنسان ال المرأة الجارية)‬
‫(التقليدية ليست في المادة التي ندرسها بل في الرؤية التي ننطلق منها)‬
‫نوارة حلـرش ‪ -‬اجلزائر*‬
‫> حـاورته‪ّ :‬‬
‫كاتب وناقد أدبي مغربي معروف في الساحة األدبية‬
‫العربية‪ ،‬بدراساته ومقاالته وكتبه النقدية؛ عضو اتحاد‬
‫كتاب المغرب وعضو مؤسس لجمعية «دار الندوة» بالدار‬
‫البيضاء‪ ،‬عضو اتحاد كتاب االنترنت العرب؛ رئيس لجنة‬
‫االنترنت والعالقات الرقمية والدولية باالتحاد ذاته‪.‬‬
‫صدرت له عدة كتب منها‪« :‬الشخصية والقول والحكي»‬
‫بالدار البيضاء عام ‪1995‬م‪ ،‬و«المرأة والسرد» عن دار‬
‫الثقافة بالدار البيضاء عام ‪2004‬م‪ ،‬و«الصيغ والمقومات‬
‫في الخطاب الروائي العربي» عن مكتبة المدارس بالدار‬
‫البيضاء عام ‪2004‬م‪ ،‬و«الرؤية الفجائعية‪ :‬الرواية العربية في نهاية القرن»عن دار أزمنة‬
‫باألردن عام ‪2004‬م‪ ،‬وقد نال عنه جائزة المغرب للكتاب دورة ‪2005‬م صنف الدراسات‬
‫األدبية والفنية‪ ،‬و«الذاكرة القصوى» عن دار الثقافة بالدار البيضاء عام ‪2006‬م وهي‬
‫دراسات في الرواية المغربية المعاصرة‪ .‬كما له بعض اإلصدارات الجماعية منها «القصة‬
‫المغربية‪ ،‬التجنيس والمرجعية والفرادة» عام‪2000‬م عن جمعية الشعلة للتربية والثقافة‬
‫بالدار البيضاء‪ .‬و«محمد زفزاف الكاتب الكبير» عن منشورات رابطة أدباء المغرب عام‬
‫‪2003‬م‪ .‬وغيرها‪ .‬أيضا له أكثر من خمسة كتب إلكترونية‪ ،‬وترجمات لشعر وليام بليك‬
‫ولوركا‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> قدر الكاتب أن يبدأ شاعرا‪ ،‬ليس استسهاال‬
‫لخوض تجربة الشعر‪ ،‬ولكن للمكانة السامية‬
‫وال�م��ؤث��رة للشعر العربي ف��ي النفوس‪ .‬وقد‬
‫جربت وأحببت ‪ -‬وما أزال ‪ -‬الشعر العربي‪،‬‬
‫أو رب�م��ا أحببت اللغة العربية ف��ي التعبير‬
‫الشعري‪ ،‬ألنه «الشعر»‪ ،‬يسمو بها إلى درجة‬
‫رفيعة م��ن الشفافية وال�خ�ف��ة‪ .‬وحتى اآلن‪،‬‬
‫رغ��م أنني لم أكتب الشعر منذ فترة ليست‬
‫بالقصيرة‪ ،‬لغياب محفزاته الحميمة في ظل‬
‫الشروط المعيشية واالجتماعية والسياسية‬
‫المحلية والعربية وال��دول�ي��ة‪ .‬ما أزال مياال‬
‫إل� ��ى ال �ش �ع��ر ف ��ي س� �م ��وه وش �ف��اف �ي �ت��ه عبر‬
‫القراءة وال��دراس��ة‪ .‬وهما نافذتان تسمحان‬
‫لي بالتعرف على الخطوات الجديدة التي‬
‫ي��رس�م�ه��ا ل��ه ال �ش �ع��راء ال �ج��دد ف��ي المغرب‬
‫وغيره‪ ،‬في العربية وغيرها‪.‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫< م��ن ال��ش��ع��ر ج��ئ��ت إل���ى ال��ن��ق��د‪ ،‬وب���دل أن‬
‫يقال الشاعر معتصم يقال أكثر الناقد‬
‫م��ع��ت��ص��م؛ أال ي��ح��ن ال���ن���اق���د ف��ي��ك إلى‬
‫ال��ش��اع��ر ال���ذي ك��ن��ت��ه‪ ،‬أم م��ا زل��ت��ه حتى‬
‫اآلن؟‬

‫جراء الهزائم السياسية والعسكرية العربية‪.‬‬
‫ث��م انتبهت إل��ى أنني أكتب الشعر لصياغة‬
‫أفكار تخصني وتناقش الظواهر ال المشاعر‪،‬‬
‫وقادني هذا االكتشاف األول��ي إلى أنني في‬
‫حاجة إلى مجال آخر للسجال‪ ،‬أوسع وأنسب‬
‫ليس موطنه الشعر (التعبير الشعري‪ ،‬واللغة‬
‫الشعرية)‪ .‬وتبين لي منذ فترة الدراسة أنني‬
‫لست من حفظة المتون‪ ،‬وأصحاب الذاكرة‬
‫القوية التي تخزن كل صغيرة وكبيرة‪ ،‬وكل‬
‫مفيدة أو غير م�ف�ي��دة‪ ،‬وأن ج�ه��از التفكير‬
‫الذي أملكه جهاز تحليل وتدقيق‪ .‬وهذا يفسر‬
‫اشتغالي بالدراسة العلمية‪ ،‬والدراسة النقدية‬
‫والفكرية‪ ،‬وميلي إلى التعبير الجميل‪ ،‬القائم‬
‫على االنزياح وتأويل المعطيات والظواهر‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬هناك بواعث ذاتية وتكوينية‪ ،‬وأخرى‬
‫خارجية أسهمت ف��ي ترجيح كفة الدراسة‬
‫النقدية عندي على كفة اإلبداع‪ ،‬رغم أنني ما‬
‫أزال أكتب بين الحين واآلخر بعض النصوص‬
‫الشعرية‪ ،‬كما أنني كتبت رواية بعنوان «سيرة‬
‫سفر» في بداية التسعينيات‪ ..‬ولم تنشر ال‬
‫مجموعة وال متفرقة‪ ،‬ورقيا أو إلكترونيا‪.‬‬

‫< نصوصك الشعرية كانت ترفض أحيانا < وع��دم نشرها يعود –طبعا هذه المرة‪-‬‬
‫إليك‪ ..‬لماذا تتردد في نشرها؟ ما المانع‬
‫في حين يرحب بمقاالتك النقدية‪ ،‬هل‬
‫في ذلك؟‬
‫هذا كان دافعك وحافزك األكبر للنقد‬
‫على حساب الشعر؟‬
‫> إنها رواية كتبت في فترة خاصة من حياتي‪،‬‬
‫> بالفعل كانت ترفض النصوص الشعرية التي‬
‫كنت أكتبها‪ ،‬عندما أبعث بها إلى النشر‪ ،‬وال‬
‫أعلم السبب وراء ذلك‪ ،‬ألنني كنت في الوقت‬
‫ذات ��ه أق ��رأ ن�ص��وص��ا ضعيفة ف��ي المجالت‬
‫والصحف التي راسلتها‪ ،‬مغربية وعربية‪ .‬ومع‬
‫ذلك الحظت من تلقاء نفسي أنني ال أكتب‬
‫الشعر إال في حالتين‪ :‬حالة الفشل وخيبة‬
‫األمل في الحبّ ‪ ،‬وحالة السقوط في اليأس‬

‫وكانت تمثل تصوري في كتابة ال��رواي��ة‪ ،‬ثم‬
‫إنها تحمل بعض الحقائق الواقعية‪ ،‬والسبب‬
‫الرئيس وراء بقائها في الرف‪ ،‬أنها مخطوطة‬
‫باليد‪ ،‬وقت كتابتها لم أكن أتوفر على حاسوب‪،‬‬
‫ول��م تكن الحواسيب ق��د انتشرت بالصورة‬
‫الحالية (كتبتها سنة ‪1994‬م)‪ ،‬وق��د جاءت‬
‫بعدها مشاريع أخرى أبعدتني عنها‪ .‬المسألة‬
‫مسألة وقت ال غير‪ .‬وعندما أرقنها‪..‬أفضل‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪99‬‬

‫أن أق��وم بعملية الرقن اإللكتروني بنفسي‪،‬‬
‫ألن��ه يمنحني ف��رص��ة ال�م��راج�ع��ة والتعديل‬
‫والحذف‪..‬‬
‫> ‬
‫< تقول‪« :‬السؤال لحظة وع��ي؛ بمعنى أن‬
‫الذي ال يطرح األسئلة المعرفية غائب‬
‫ع��ن ال���وع���ي»‪ ،‬ب��رأي��ك ه��ل ال��ن��ق��د يطرح‬
‫أسئلة أكثر أم ينتج أجوبة؟‬

‫في النقد? وما هي برأيك أهم التجارب‬
‫العربية النقدية الحديثة؟‬
‫التجارب الحديثة في النقد العربي مالت بعد‬
‫الفترة البنيوية والتفكيكية‪ ،‬نحو الدراسات‬
‫السيميائية والتداولية والتأويل‪ .‬معنى هذا‬
‫أن الحركة النقدية اليوم في العالم العربي‬
‫اكتفت بدراسة األشكال الخارجية للنصوص‬
‫األدبية‪ ،‬وبدأت تولي اهتماما كبيرا بدراسة‬
‫المعنى‪ ،‬وص�ي��غ تشكله‪ ،‬وأب �ع��اده الممكنة‪،‬‬
‫أي أن الدراسة النقدية العربية مالت اليوم‬
‫نحو تأويل النص األدبي‪ ،‬بعدما كانت سابقا‬
‫ق��د رك ��زت ع�ل��ى المنهج ال�ع�ل�م��ي‪ .‬وه��ي في‬
‫ذلك تنفتح على اآلف��اق األوس��ع‪ .‬أي البحث‬
‫عن توسيع دائ��رة السؤال النقدي بعيدا عن‬
‫اإلجابة الدقيقة‪.‬‬

‫ > «السؤال‪/‬الوعي» ال يرتبط في هذا التعبير‬
‫بالدراسة النقدية وحسب‪ ،‬بل ب��اإلب��داع في‬
‫ش�ت��ى ص���وره‪ :‬ال�ش�ع��ر‪ ،‬وال ��رواي ��ة‪ ،‬والقصة‪،‬‬
‫والمسرح‪ ،‬والفنون التشكيلية والتصويرية‪،‬‬
‫النحت‪..‬ألن لحظة الكتابة تنبثق عن لحظة‬
‫وع��ي بالمنجز؛ فالشاعر ال ينظم أو يكتب‬
‫قصيدة أو نصا شعريا ألنه رغب في ذلك‪ ،‬أو‬
‫طلب منه ذلك‪ .‬الشاعر الحقيقي يتفاعل مع‬
‫ذاته‪ ،‬ومع المحيط الخارجي ووقائعه‪ ،‬ويكون وال�ق��ارئ الفطن سينتبه لعناوين الدراسات‬
‫دقيق المالحظة‪ ،‬وتكون لكتابته غاية ووظيفة‬
‫النقدية ال �ص��ادرة حديثا‪ ،‬وم�ح��اور البحوث‬
‫جمالية وإن �س��ان �ي��ة‪ ،‬وه� ��دف؛ ألن��ه ال يكتب‬
‫األك��ادي �م �ي��ة وس�ي�ج��ده��ا تنطلق وت �ع��ود إلى‬
‫لنفسه في عزلتها وانفصالها‪ ،‬وألنه ال يكتب‬
‫ال�ح�ق��ول ال�ت��ال�ي��ة‪ :‬ال �ت��أوي��ل‪ ،‬الهيرمنوطيقا‪،‬‬
‫من فراغ وبال هدف‪ .‬هذا هو الوعي بالكتابة‪،‬‬
‫القراءة‪..‬‬
‫وال يكون وعيا حقيقيا إال في حال مساءلة < برأيك هل هناك مواكبة فعلية وجدية‬
‫ذاته ومحيطه‪ ،‬ناهيك عن مساءلة اللغة التي‬
‫للنتاج األدبي‪ ،‬أم هي في أغلبها قراءات‬
‫يكتب بها‪ ،‬والقضايا التي يطرحها‪..‬‬
‫سطحية تقديمية ال أكثر؟‬
‫ إذا كان اإلبداع يتساءل‪ ،‬وهو ما يوصف في > هنا ينبغي الحديث عن أن��واع النقد األدبي‪،‬‬
‫بعض األح �ي��ان «ب��ال��ده �ش��ة»‪ ،‬ف��إن الدراسة‬
‫وه��ي كثيرة‪ ،‬وبعجالة فـ«المتابعة» مرتبطة‬
‫ال�ن�ق��دي��ة ت �ق��وم بالوظيفتين ف��ي آن واحد‪:‬‬
‫بالنقد الصحافي ال��ذي ال يقوم بالدراسة‬
‫ال����س����ؤال وم���ح���اول���ة ال����ج����واب ع ��ن طريق‬
‫والتحليل‪ ،‬ب��ل يقف دوره ف��ي تقديم الكتب‬
‫المالحظة والمقارنة‪ ،‬وعن طريق المقاربة‬
‫الصادرة حديثا‪ ،‬كنوع من الدعاية الثقافية‬
‫العلمية‪ ،‬واالرتكاز على القوة اإلقتراحية‪ ،‬أي‬
‫والمتابعة واإلعالن األدبي‪ .‬ثم هناك الدراسة‬
‫البحث عن ممكنات اإلجابة‪ ،‬وبتعبير آخر‪..‬‬
‫التحليلية التي تقف عند حدود العمل وأبعاده‪،‬‬
‫البحث عن أجوبة ممكنة‪.‬‬
‫باستعمال مفهوم خاص وهو «المقاربة» التي‬
‫< م��اذا عن الحداثة النقدية أو الحداثة‬

‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫تستند ف��ي تحليلها ونتائجها على الحقول‬

‫ ‬

‫ومع ذل��ك‪ ،‬فمن المستحيل أن يالحق النقد‬
‫األدبي كل ما تنشره دور النشر‪ ،‬أو ما ينشره‬
‫الكتاب على نفقاتهم ال�خ��اص��ة‪ ،‬ألن النقد ‬
‫األدبي لم يتمأسس بعد‪ ،‬وال يمكننا الحديث‬
‫عن مؤسسة نقدية‪ ،‬أو أكاديمية للنقد تتابع‬
‫وتدرس وتحلل وتوجه‪ ،‬وتقترح آفاقا جديدة‬
‫لإلبداع وفق التحوالت في الوعي‪..‬إن النقد‬
‫األدبي مجهود فردي‪ ،‬والمجهود الفردي يظل‬
‫دائما محدودا‪.‬‬
‫< كتابك «المرأة والسرد» هل جاء لينصف‬
‫ال���م���رأة ال��ك��ات��ب��ة ال��م��ب��دع��ة أم����ام الشك‬
‫الشبه دائم فيما تكتبه هذه المرأة؟‬
‫ ‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫العلمية واإلنسانية المجاورة‪ ،‬كعلم االجتماع ‬
‫وعلم النفس‪ ،‬والبنى الثقافية‪ ،‬والفكرية‪..‬‬
‫ونجد كذلك البحث األكاديمي الذي يخضع‬
‫عمال أو أكثر للتجريب واالختبار المنهجي‬
‫أو المفاهيمي‪ .‬وهذه األنواع كلها موجودة في‬
‫الساحة الثقافية‪.‬‬

‫وأهم ما قدمته لي تلك الدراسات التطبيقية‪،‬‬
‫االتصال المباشر بالنصوص السردية التي‬
‫كتبتها المرأة أوال‪ ،‬وثانيا تبين لي أن للمرأة‬
‫خصائص مميزة في أسلوب كتابتها‪ ،‬واألهم‬
‫أن كتابة المرأة تنقسم إلى قسمين كبيرين‪،‬‬
‫ومختلفين م��ن حيث ال��رؤي��ة وال�ق�ص��د‪ ،‬وإن‬
‫اتفقت من حيث اختيار صيغة التعبير؛ أي‬
‫اختيار الكتابة السردية القصصية والروائية‪.‬‬
‫القسم األول سميته الكتابة النسوية‪ ،‬وهو‬
‫القسم ال��ذي يضم الكتابات السردية التي‬
‫ال ت�ت��وخ��ى ال�ت�ع�ب�ي��ر ال�ج�م��ال��ي ف�ح�س��ب‪ ،‬بل‬
‫تقوم أساسا على فكرة الدفاع عن المرأة‪،‬‬
‫وتتخذ ه��ذه الفكرة محورا أساسا للكتابة؛‬
‫ومن مميزاته اتهام المجتمع عامة‪ ،‬وتشويه‬
‫صورة الرجل خاصة‪ ،‬كما يتمثل فكرة التحرر‬
‫ال�ج�س��دي (ال�ج�ن�س��ي)‪ ،‬واس�ت�ع�م��ال أساليب‬
‫تعبيرية تحرض على ما سبق‪.‬‬
‫وال�ق�س��م ال�ث��ان��ي ه��و ال ��ذي رك ��زت عليه في‬
‫الكتاب‪ ،‬ألنه يخدم الهدف من تأليف «المرأة‬
‫والسرد»‪ ،‬وألنه العتبة التي قادتني إلى كتابة‬
‫«ب�ن��اء الحكاية والشخصية‪ .»..‬فهدفي من‬
‫الكتاب لم يكن قائما على نزعة الدفاع عن‬
‫ال �م��رأة‪ ،‬أي أن��ه ل��م تكن وراءه إيديولوجية‬
‫نسوية ما‪ ،‬ألنني كنت أط��رح أسئلة إضافية‬
‫إل��ى تلك التي طرحها نقاد ون��اق��دات قبلي‪،‬‬
‫ح��ول طبيعة كتابة ال�م��رأة‪ .‬وأع��ده شخصيا‬
‫خطوة مهمة في محاولة فهمي لطبيعة كتابة‬
‫ال�م��رأة‪ ،‬وضرورتها‪ ،‬وإضافاتها‪ ،‬وطبيعتها‪،‬‬
‫وأقسامها‪.‬‬

‫ > كتاب «المرأة والسرد» جاء من أجل النص‬
‫السردي النسائي‪ ،‬النص كخطاب‪ ،‬ومحاولة‬
‫ف�ه��م أب �ع��اد اإلش��ك��ال ال �ق��ائ��م ف��ي الدراسة‬
‫النقدية‪ ،‬ومفاده‪ :‬هل هناك كتابة نسائية؟ ما‬
‫هي خصائصها المميزة؟ ما اإلضافة التي‬
‫تقدمها للنص السردي إلى جانب ما يكتبه‬
‫ال��رج��ل؟ وق��د اخ�ت��رت االشتغال على النص‬
‫ال�س��ردي القصصي وال��روائ��ي‪ ،‬واخ�ت��رت أن‬
‫يكون الكتاب دراسات تطبيقية؛ ألنني لم أكن‬
‫أملك وقتها أجوبة دقيقة وواضحة حول أسئلة‬
‫اإلشكال النقدي «الكتابة النسائية»‪ .‬ولهذا‬
‫السبب أص��ف دائ�م��ا ه��ذا الكتاب بالخطوة < الجنس ف��ي ال��رواي��ات النسائية‪..‬كيف‬
‫األول��ى‪ ،‬وقد تلته الخطوة الثانية متمثلة في‬
‫وجدته؟ هل هو كنوع من التوابل للمتن‬
‫كتاب «بناء الحكاية والشخصية في الرواية‬
‫السردي‪ ،‬أم كان حضوره ضروريا للنص‬
‫النسائية العربية»‪.‬‬
‫ول��ي��س إقحاما لمجرد اإلث���ارة وسرعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪101‬‬

‫االنتشار؟‬

‫والسياسية المحلية والعربية وحتى الدولية‪،‬‬
‫مثل آثار العولمة‪ ،‬وأحداث ‪11‬سبتمبر‪ ..‬وعبّر‬
‫العديد منهن بوضوح عن المشاكل التي تعاني‬
‫منها المرأة العربية مقابل نظيرتها الغربية‪،‬‬
‫وقد حقق بعضهن انتشارا لم يصله الكثير من‬
‫الكتاب الرجال‪ ،‬وتم طبع أعمالهن مرات‪..‬‬
‫حتى ليظن القارئ العربي أن القراءة بخير‪،‬‬
‫وترويج الكتب ال يعاني من مشاكل جذرية‪..‬‬
‫وكل الكاتبات الالئي كتبت عنهن في كتابي‬
‫«المرأة والسرد» و«بناء الحكاية الشخصية‬
‫في الروائية النسائية العربية»‪ ،‬وم��ن أكتب‬
‫عنهن حاليا في كتاب «النص السردي النسائي‬
‫المغاربي»‪ ،‬يمكن وصفهن كاتبات لهن قدرات‬
‫على التعبير جماليا‪ ،‬ولهن حس نقدي يسائل‬
‫إبداعيا الواقع والذات واآلخر‪..‬وطبعا هناك‬
‫كاتبات ما يزلن في طور اكتشاف أصواتهن‬
‫وموضوعاتهن‪ ،‬ولغتهن المميزة‪.‬‬

‫ > لقد تم استعمال الجنس في السرد النسائي‬
‫العربي بمستويات من الوعي الفني والجمالي‬
‫واإليديولوجي‪ ،‬واستعمل في كثير من األحيان‬
‫بفجاجة‪ .‬لكن كاتبات كثيرات مثل حنان الشيخ‬
‫ف��ي «م�س��ك ال �غ��زال» أو ف��ي «إن �ه��ا ل �ن��دن‪..»..‬‬
‫وظَّ فْن الجنس للتعبير عن حالة نفسية ووضعية‬
‫اجتماعية مقهورة عاشتها النساء‪ .‬ول��م يكن‬
‫الحديث ع��ن الجنس أو ع��ن تحرير الجسد‪،‬‬
‫س��وى تعبير عن ن��وع من ال�ث��ورة عن الوضعية‬
‫المزرية للمرأة (ال�ح��ري��م)‪ .‬وك��ان التعبير من‬
‫خالل الجنس قويا وصادما في رواية الكاتبة‬
‫المغربية مليكة مستظرف‪ ،‬لكنها استطاعت‬
‫ال�ك�ش��ف ع��ن ال �ع�لاق��ات ال�ص�ع�ب��ة والخطيرة‬
‫في المجتمع‪ .‬وب��ذات الجرأة تحدثت فضيلة‬
‫الفاروق في «اكتشاف الشهوة» وفي رواية «تاء‬
‫الخجل»‪ ،‬وأيضا الكاتبة التونسية أمال مختار‬
‫في «الكرسي الهزاز»‪ .‬لكن ينبغي اإلشارة إلى < ف���ي ال����رواي����ات ال��ح��دي��ث��ة‪ ،‬ه���ل تغيرت‬
‫أن هناك التباسا في الرواية النسائية العربية‬
‫صورة المرأة النمطية الذليلة المقهورة‬
‫ف��ي توظيف مفهومي «ال�ج�س��د» و«الجنس»‪،‬‬
‫المستكينة ألمرها وظروفها وذكورها؟‬
‫وليس هنا مقام التوسع في ذلك‪.‬‬
‫أم ه��ن��اك ت��ط��ور ف��ي حضورها الروائي‪،‬‬
‫ط��ال��م��ا ه���ي م��ت��ط��ورة اآلن ف���ي واقعها‬
‫< م�����اذا ت���ق���ول ع���ن ال���ك���ت���اب���ات ال��س��ردي��ة‬
‫المعيشي وإن كان بتفاوت ودرجات؟‬
‫للكاتبات العربيات؟ وبرأيك من أقدرهن‬
‫جماليا وإبداعيا في المغرب العربي؟‬

‫> ال أستطيع أن أق��دم أسماء بعينها‪ ،‬تقديرا‬
‫واحتراما لكل الكاتبات العربيات‪ ،‬ولمجهودهن‬
‫في إثراء المكتبة العربية‪ ،‬وفي توسيع دائرة‬
‫الوعي بكينونتنا في العصر الحالي‪ ،‬وأيضا‬
‫س��اب�ق��ا‪ ،‬ل�ك��ن يمكن ال �ق��ول إن ه�ن��اك عددا‬
‫كبيرا من الكاتبات العربيات (يكتبن في اللغة‬
‫العربية وبها)‪ ،‬ومن مختلف األقطار‪ ،‬قد أثبتن‬
‫ق��درة هائلة على تشخيص ع�ي��وب الواقع‪،‬‬
‫وتطرقن ألكثر القضايا االجتماعية والفكرية‬
‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫> ف��ي ك �ت��اب��ي ال �م �ن �ش��ور إل �ك �ت��رون �ي��ا «الرواية‬
‫والقضايا الكبرى في رواي��ات سحر خليفة»‬
‫ال�ك��ات�ب��ة الفلسطينية‪ ..‬وق�ف��ت ط��وي�لا عند‬
‫ع�ب��ارة «م�ن�ش��ان ال�ل��ه» ال�لازم��ة ال�ت��ي تختزل‬
‫ضعف ال�م��رأة‪ ،‬في روايتها «ب��اب الساحة»‪،‬‬
‫وقد كانت عبارة محورية في الرواية‪ ،‬ووردت‬
‫بصيغ أخرى في «الصبار» و«عباد الشمس»‪..‬‬
‫كانت سحر خليفة تواجه الخوف والضعف‬
‫ال� �م ��وروث ع�ن��د ال �م��رأة الفلسطينية‪ ،‬ومن‬
‫خاللها العربية ف��ي ك��ل م�ك��ان‪ ،‬وق��د رسمت‬

‫< البنية النقدية العربية اآلن‪ ..‬برأيك‬
‫ه��ل ت��م��ي��ل ل��ل��ح��داث��ة أك��ث��ر‪ ،‬أم م��ا ت��زال‬
‫ت��ع��ت��م��د ع��ل��ى ال��ت��ق��ل��ي��دي��ة والمنهجية‬
‫والمصطلحية؟‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫الشخصية الروائية بدقة وتتبعتها‪ ،‬بالطريقة‬
‫ذاتها التي نجدها في «مذكرات ام��رأة غير‬
‫واق �ع �ي��ة»؛ ب ��دأت ال �م��رأة م�ظ�ل��وم��ة‪ ،‬خائفة‪،‬‬
‫مهضومة الحقوق‪ ،‬لتصل إلى تحقيق الذات‪،‬‬
‫واإلسهام في الحركة االحتجاجية الشعبية‪،‬‬
‫التي ال تميز بين ام��رأة ورج��ل‪ .‬وهكذا‪ ،‬منذ‬
‫تلك ال��رواي��ة‪ ،‬وت�ل��ك ال��روائ �ي��ة ل��م أع��د أجد‬
‫صورة المرأة الخنوع‪ ،‬المظلومة‪ ،‬الخائفة‪ ،‬بل‬
‫أصبحت الكاتبات أكثر وعيا برسم شخصية‬
‫ال�م��رأة اإلن�س��ان ال ال�م��رأة الجارية‪ .‬وه��و ما‬
‫يناسب التطور الحاصل على مستوى الواقع‬
‫المعيشي‪ ،‬وإن ك��ان ب��درج��ات متفاوتة كما‬
‫تفضلت‪.‬‬
‫ِ‬

‫> هناك ظاهرة غريبة في الرواية المغربية‪ ،‬فهي‬
‫لم تحقق من حيث الكم الحجم الذي يمكن‬
‫أن تدخل به كتاب غينيز‪ ،‬وال أن تنافس به‬
‫الكم المتوافر في الكثير من األقطار العربية‪،‬‬
‫لكنها متقدمة على مستوى النوعية‪ ،‬والجدة‪.‬‬
‫هناك في المغرب أسماء ال يمكن تجاوزها‬
‫ف��ي دراس���ة ال��رواي��ة ال�م�غ��رب�ي��ة‪ ،‬أو العربية‬
‫لمعرفة حدة التحول النوعي والجمالي‪ .‬فال‬
‫يمكن في تصوري دراس��ة ال��رواي��ة المغربية‬
‫والعربية دون الحديث عن عبدالكريم غالب‪،‬‬
‫ومبارك ربيع‪ ،‬وأحمد المديني‪ ،‬ومحمد برادة‪،‬‬
‫والميلودي شغموم‪ ،‬وبنسالم حميش‪ ،‬ومحمد‬
‫شكري‪ ،‬ومحمد زف��زاف‪ ،‬ومحمد عز الدين‬
‫التازي‪ ،‬وخناثة بنونة‪ ،‬وزهور كرام‪ ،‬وخديجة‬
‫م� � ��روازي‪ ،‬وال ��زه ��رة ال �م �ن �ص��وري‪ ،‬وفاتحة‬
‫مرشيد‪ ،‬واسمهان الزعيم‪ ،‬والحبيب الدايم‬
‫رب��ي‪ ،‬ووحيد ن��ور الدين‪ ،‬وأحمد الكبيري‪..‬‬
‫والحبل على الجرار‪ ،‬وكل دراسة تهمل هؤالء‬
‫الكتاب تعد ناقصة‪ ،‬وكذلك كل الدراسات‬
‫التي تهمل كتابا ج��ددا من المغرب العربي‬
‫هي دراسات غير كاملة‪.‬‬

‫ > جزء من الجواب عن هذا السؤال ورد فيما‬
‫سبق‪ .‬لكن أعتقد أن «الحداثة» ليست اختيارا‪،‬‬
‫إنها ضرورة يفرضها التحول الذي طرأ على‬
‫حياة الناس وغيَّر مصائر األمم‪ .‬وكل متمسك‬
‫بالتقليدية‪ ،‬وي��دع��و إل��ى ال �ع��ودة إل��ى الوراء < أي��ض��ا ك��ي��ف ت��ق��رأ ال���ت���ج���ارب الشعرية‬
‫المغربية‪ ،‬كيف تجدها؟‬
‫يكون ضد التيار‪ ،‬ويصارع التغيير‪ ،‬والتاريخ‪،‬‬
‫والزمن‪ .‬فكل شيء يتحول حتى التقليد‪ .‬وال > أت� ��اح ل��ي «ال �م �ه��رج��ان ال��وط �ن��ي ‪ 23‬للشعر‬
‫المغربي الحديث» بمدينة شفشاون المغربية‪،‬‬
‫مكان للثبات إال في القبور الدارسة‪.‬‬
‫مؤخراً‪ ،‬الفرصة للعودة إلى دراسة الدواوين‬
‫ وفي األدب هل تُعد دراس��ة الشعر الجاهلي‬
‫الشعرية المغربية الحديثة ال�ص��دور‪ ،‬وهي‬
‫مثال تقليدا؟ شخصيا‪ ،‬ال أعتقد ذل��ك‪ ،‬ألن‬
‫كثيرة‪ ،‬عندما دع��ان��ي للمشاركة ف��ي إحدى‬
‫التقليدية ليست في المادة التي ندرسها‪ ..‬بل‬
‫ندواته‪ .‬والمالحظة العاجلة والعامة أوردها‬
‫في الرؤية التي ننطلق منها‪ ،‬وفي النتائج التي‬
‫ك��ال �ت��ال��ي‪ :‬ل �ق��د وج� ��دت ع �ن��د ش��ع��راء أثثوا‬
‫نفرضها على النص‪.‬‬
‫فضاء السبعينيات بقصائدهم الحماسية‬
‫< ك��ن��اق��د‪ ،‬ك��ي��ف ت��ق��رأ وك��ي��ف ت���رى أف���ق أو‬
‫والنضالية ق��د ت�ح��ول��وا وب��درج��ة عالية من‬
‫سقف الرواية المغربية اآلن؟‬
‫الدقة والشاعرية إلى شعراء محدثين بكل‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪103‬‬

‫وعند كل إصدار تحدث ضجة بشكل أو‬
‫بآخر؟‬

‫معنى الكلمة‪ ،‬مثل‪ :‬عبدالله زريقة في ديوانه‬
‫الجديد «إبرة الوجود»‪ ،‬وكذلك ديوان «فراشة‬
‫من هيدروجين» لمبارك وساط‪ ،‬و«صباح ال‬
‫> الرواية النسائية في المملكة العربية السعودية‬
‫يعني أحدا» لمحمد حجي محمد‪ ،‬و«مباهج‬
‫مثيرة بالنسبة للناقد األدبي‪ ،‬ألنها تشكل اآلن‬
‫ممكنة» ألحمد بنميمون‪ ،‬ودي��وان «القربان‬
‫ظاهرة‪ .‬وه��ذا ال يعني أن ال��رواي��ة النسائية‬
‫والملكة» لنور الدين الزويتني‪ ،‬وديوان «حامل‬
‫ف��ي السعودية ل��م تكن م��وج��ودة‪ ،‬ب��ل األقالم‬
‫المرآة» لصالح بوسريف‪ ،‬وديوان «قليال أكثر»‬
‫النسائية الجديدة هي مبعث اإلثارة من حيث‬
‫للشاعر محمد بنطلحة‪ ،‬وديوان «على انفراد»‬
‫السيولة والسهولة ف��ي الكتابة‪ ،‬واستثمار‬
‫لحسن نجمي‪ ..‬وآخرين‪ .‬إن كل شاعر يعد‬
‫التقنيات (مفاهيم وصيغ) اإللكترونية التي‬
‫ق��ارة لوحده‪ ،‬يجتهد‪ ،‬ويكتب‪ ،‬وفي الدراسة‬
‫وفرتها الحواسيب والشبكة ال��دول�ي��ة‪ ،‬مثل‬
‫ال�ت��ي قدمتها تبين ل��ي أن ك��ل ش��اع��ر يمتح‬
‫البريد السريع‪ ،‬وغ��رف ال��دردش��ة‪ ،‬والبريد‬
‫شعره من عالم خاص به‪ ،‬أي أن المرجعية‬
‫اإلل�ك�ت��رون��ي‪ ،‬وم��ا ص��اح��ب ذل��ك م��ن بساطة‬
‫الشعرية لكل واحد منهم تختلف‪ .‬وهنا أقول‬
‫المحتوى‪ ،‬وتهجين اللغة العربية الفصحى‪،‬‬
‫ما دام الشاعر المغربي مواظبا على القراءة‪،‬‬
‫كما أن ال��رواي��ة النسائية السعودية تعزف‬
‫وعلى التفاعل مع ذاته والمحيط‪ ،‬فإن النص‬
‫ح��ال �ي��ا ع �ل��ى م��وض��وع��ة ال �ج �س��د المتحرر‪،‬‬
‫الشعري المغربي سيظل مميزا‪ ،‬رغم مجانبة‬
‫الجسد الذي عانى من الكبت والحجز‪ ،‬وهو‬
‫اإلعالم والدعاية له‪.‬‬
‫عبر المتخيل يفجر كل الطاقات المحتبسة‬
‫< ماذا تعرف عن الرواية في الجزائر؟‬
‫فيه‪ .‬لكن هذه الموجة الجديدة ال ينبغي أن‬
‫> أعرف القليل جدا عن الشعر بالجزائر‪ ،‬لكنني‬
‫تخفي عنا حقيقة الرواية في المملكة العربية‬
‫أع��رف الكثير عن ال��رواي��ة الجزائرية‪ ،‬وقد‬
‫السعودية التي تكتبها رجاء عالم‪ ،‬وهي رواية‬
‫كانت رواية «سيدة المقام» لواسيني األعرج‬
‫ذات أصالة ومتانة وقوة ورصانة لغوية‪..‬وأيضا‬
‫حجر ال��زاوي��ة لكتابي «ال��رؤي��ة الفجائعية‪:‬‬
‫زينب أحمد حفني التي تطرح بجرأة قضايا‬
‫الرواية العربية في القرن العشرين»‪ .‬وقراءتي‬
‫المرأة في المملكة وفي العالم العربي‪ .‬إذاً‪،‬‬
‫لرواياته تسمح لي بالحديث عن المراحل‬
‫الرواية النسائية في السعودية تشكل ظاهرة‪،‬‬
‫الثالث التي مرت منها‪ .‬كما يمكنني الحديث‬
‫والظواهر تجلب اهتمام النقاد‪ ،‬وألن الصوت‬
‫بإيجاب وإع �ج��اب ع��ن تجربة بشير مفتي‪،‬‬
‫ال�ن�س��ائ��ي ال��ق��ادم م��ن ال �س �ع��ودي��ة ل��ه هالته‬
‫وعن أح�لام مستغانمي‪ ،‬وفضيلة الفاروق‪..‬‬
‫المنبعثة م��ن متخيلنا ع��ن المملكة العربية‬
‫وس�ي��رد ذك��ر ع��دد م��ن ال��روائ�ي��ات ف��ي كتابي‬
‫السعودية كنظام سياسي واجتماعي خاص‪.‬‬
‫القادم «النص السردي النسائي المغاربي»‪،‬‬
‫وأن��ا مدين هنا للصديق بشير مفتي الذي < كلمة تود قولها في الختام؟‬
‫أمدني بعدد من الروايات الجزائرية‪.‬‬
‫أتحت لي فرصة الحوار مرة‬
‫ِ‬
‫أشكرك ألن� ِ�ك‬
‫ِ‬
‫> ‬
‫< وماذا تقول عن الرواية السعودية التي‬
‫أصبحت مثار أحاديث الكتاب والنقاد‪،‬‬
‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫أخ ��رى وال �ح��دي��ث بتلقائية‪ ،‬وح �ي��اة مباركة‬
‫للجميع‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫إشكالية مفهوم الثقافة‬
‫> جالل بوشعيب فرحي*‬
‫يجمع كثير من الكتّاب والمفكرين على وجود إشكالية حقيقية في تعريف مفهوم الثقافة‬
‫بشكل قطعي شامل؛ فإذا أخذنا تعريفها المتداول في العديد من الكتب‪ ،‬نجدها ال تخرج عن‬
‫نطاق كونها أسلوبا أو طريقة للحياة‪ ،‬يعيشها مجموعة من الناس؛ تشمل التقاليد‪ ،‬واألعراف‬
‫والتاريخ‪ ،‬والقيم‪ ،‬والمثل‪ ،‬واالتجاهات‪ ،‬والعقائد‪ ،‬وغيرها‪ ..‬أو نجدها أسلوب تفكير يرتكز على‬
‫الماضي‪ ..‬وينظر إلى المستقبل برؤى مختلفة‪ .‬أما في اللغة‪ ،‬فتعرف على أنها الحذق والتمكن‪،‬‬
‫َّف الرمح أي ق َّومَه وعدَّ لَه وسوّاه‪ ،‬أما اصطالحاً‪..‬فهي مجرد استعارة يوصف‬
‫وهي مشتقة من ثق َ‬
‫بها الشخص الذي يحمل صفات المهذب المتعلم المتمكن من العلوم والفنون واآلداب‪.‬‬
‫ت �ن��اول��ت م�ف�ه��وم ال�ث�ق��اف��ة ب �ف��روع��ه توسعت‬
‫ف��ي ال �ش��رح‪ ،‬وت�ن��وع��ت بتنوع ف��روع الثقافة‬
‫المختلفة‪ ،‬ولذلك يجدالباحث ‪-‬عن مفهوم‬
‫واض� ��ح وش ��ام ��ل ‪ -‬ن�ف�س��ه أم� ��ام ك� � ٍّم هائل‬
‫م��ن المفاهيم ال�ت��ي ال يمكن حصرها في‬
‫تعريف واحد قطعي؛ ليبقى مفهوم الثقافة‬
‫مفتوحا‪ ،‬شأنه شأن الكثير من المصطلحات‬
‫والمفاهيم التي اختلف في تعريفها؛ أذكر من‬
‫ذلك مفهوم اإلرهاب ومفهوم العنف وغيرها‬
‫من المفاهيم‪.‬‬

‫ويمكن القول إن الثقافة إدراك ومعرفة‬
‫للفرد الذي هو جزء من المجتمع للمعرفة‬
‫وال�ع�ل��وم على اخ �ت�لاف أن��واع�ه��ا وأشكالها‬
‫وتجلياتها في شتى مجاالت الحياة؛ فالفرد‬
‫هو ذلك العنصر النشيط بمطالعته ومعرفته‬
‫وخبرته في الحياة‪ .‬من هذه الناحية يمكننا‬
‫وصف األميّ الذي ال يجيد القراءة والكتابة‬
‫بأنه مثقف؛ ألن خبرته وما تعلمه في الحياة‬
‫يسجل على أن��ه ثقافة‪ .‬وكلما زادت خبرة‬
‫اإلن�س��ان في الحياة زادت ثقافته‪ ،‬بصرف‬
‫النظر عن تعلمه ال�ق��راءة والكتابة‪ .‬ألن كل‬
‫ف�ل��و ن�ظ��رن��ا إل��ى مصطلح ال�ث�ق��اف��ة وفق‬
‫إن�س��ان‪ ..‬وبمجرد خروجه إل��ى الحياة يبدأ المفهوم ال�غ��رب��ي‪ ،‬ن�ج��ده يشير إل��ى ثقافة‬
‫ف��ي التعلم‪ .‬وم��ن ث��م ف��إن الثقافة تبدأ في المجتمعات اإلنسانية‪ ،‬ويرمز إل��ى طريقة‬
‫التراكم لدى اإلنسان منذ والدته‪ .‬ولكن هذا حياة تميز مجموعة من الناس‪ ..‬تنتقل من‬
‫المعنى يبقى ضيقا؛ فالثقافة مفهوم واسع‪ ،‬جيل إل��ى جيل؛ بمعنى أن الناس يتوارثون‬
‫ال يمكن حصره ف��ي ه��ذا النطاق الضيق‪ ،‬مجموعة م��ن األم ��ور المرتبطة بحياتهم‪،‬‬
‫ولذلك نجد أن الكثير من التعريفات التي س��وا ًء كانت متأصلة فيهم أو مكتسبة من‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪105‬‬

‫الواقع المستجد‪ ،‬ولو أمعنا النظر في بعض التراث متعلم مثقفا‪ ،‬وليس كل مثقف متعلما» صحيحة‪،‬‬
‫األوروب��ي أو اآلسيوي أو اإلفريقي الشعبي‪ ،‬نجده إلى حد ما‪،‬‬
‫ال يتغير كثيراً‪ ،‬رغم تغير األجيال وسطوة الغزو‬
‫وإذا أردن��ا أن نعطي مثاالً للتفرع في الثقافة‪،‬‬
‫الفكري عليه‪ ،‬وينطبق هذا على الفنون الشعبية ي �م �ك��ن ت�ش�ب�ي��ه األم� ��ر ب��رم��ز (م���ا ال ن �ه��اي��ة) في‬
‫والتقاليد المتأصلة في المجتمع‪ ،‬بل حتى بعض الرياضيات‪ ،‬ألن أي فرع من فروع الثقافة يمكن أن‬
‫االعتقادات والعقائد‪ ،‬وه��و ما يحصل أيضاً في يتفرع منه فرع آخر وهكذا‪ ..‬والن الثقافة الفرعية‬
‫مجتمعاتنا العربية‪ ،‬بل يحدث في كل دول��ة على تتفرع إلى ثقافات فرعية أصغر منها‪ ،‬حتى نصل‬
‫حدة؛ ولو أردنا أن نضرب مثاالً يوضح ذلك‪..‬نأخذ إل��ى ثقافة ال �ف��رد‪ ،‬وال�ت��ي ه��ي أي�ض�اً تتفرع منها‬
‫المملكة العربية السعودية التي تتميز بعادات وتقاليد ف��روع أخ��رى ترتبط بالمتأصل والمستجد وتتأثر‬
‫لم تتغير كثيراً في بعض المدن‪ ،‬رغ��م التحوالت به‪ ..‬وطالما أن الحياة مستمرة‪ ،‬فال يمكن للثقافة‬
‫الثقافية واالج�ت�م��اع�ي��ة ال�ت��ي يعرفها المجتمع‪ ،‬أن تتوقف عن التفرع والتغير والتحول والتجدد‪..‬‬
‫ورغم دخول التكنولوجيا الحديثة والتوسع الهائل فاإلنسان العربي اليوم يختلف عن اإلنسان العربي‬
‫ل�لإع�لام‪ ..‬إال أن السمات واإليقاعات واألنماط الذي عاش في القرن األول الهجري‪ ..‬وسيختلف‬
‫ما تزال نفسها ما عدا بعض التغيرات الطفيفة‪ ..‬عن ال��ذي س��وف يكون عليه اإلنسان العربي بعد‬
‫واألمر ينطبق على باقي الدول‪ ..‬وأقصد بالسمات عشرة ق��رون في ثقافته وتعلمه‪ ..‬وينطبق األمر‬
‫واألنماط تلك المتعلقة باإلنسان‪ ،‬كصفات الكرم نفسه على ثقافة المجتمع‪..‬‬
‫عند العرب‪ ..‬والخشونة عند األلمان‪ ،‬والدقة عند‬
‫ول��ذل��ك‪ ،‬يمكن ت��وج�ي��ه ال �ل��وم لبعض واضعي‬
‫بعض المجتمعات‪ ،‬وغيرها من الصفات التي يتميز‬
‫العناوين التي يدخل مصطلح الثقافة في تركيبها‪،‬‬
‫بها المجتمع وتبقى على مر العصور‪ ..‬من هنا‪،‬‬
‫فعندما نقول الرياض عاصمة الثقافة العربية‪..‬‬
‫نخلص إلى نتيجة مفادها أن هذه السمات تبقى‬
‫ه��ل ه ��ذا ال �ع �ن��وان ص �ح �ي��ح؟ وم ��ا م �ع �ن��اه إن كان‬
‫في إطار ثقافة المجتمع رغم التحوالت والتغيرات‬
‫صحيحاً؟ ه��ل ال��ري��اض عاصمة الثقافة العربية‬
‫التي يتعرض لها‪..‬‬
‫ح�ق�اً‪ ..‬وأي ثقافة يقصدون؟ أيقصدون الثقافة‬

‫وألن المجتمع ع �ب��ارة ع��ن ف ��رد‪ ،‬ث��م أس ��رة أو‬
‫مجموعة‪ ،‬ثم كيان أو مجتمع له سمات مشتركة‬
‫تميزه‪ ،‬فإنه يمكن تقسيم مفهوم الثقافة على هذا‬
‫األس���اس؛ فنقول ثقافة ال �ف��رد‪ ،‬وث�ق��اف��ة األسرة‪،‬‬
‫وثقافة المجموعة‪ ،‬ثم ثقافة المجتمع‪ ..‬كما أنه ال‬
‫يصح القول إن فالنا مثقف‪ ،‬أو المجتمع الفالني‬
‫مثقف واألصح أن نقول إن فالنا مثقف ثقافة جيدة‬
‫أو متوسطة أو ضعيفة‪ ،‬والمجتمع الفالني مثقف‬
‫ثقافة جيدة أو ضعيفة وه�ك��ذا؛ ألن الكل مثقف‬
‫بالمفهوم الشامل للثقافة‪ ..‬سواء المتعلم أو غير‬
‫المتعلم‪ ،‬وبهذا المعنى يمكن ع ّد المقولة‪« :‬ليس كل‬
‫* ‬

‫كاتب من المغرب‪.‬‬

‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫بمفهومها الشامل؟ أم يقصدون الثقافة المرتبطة‬
‫بالتعليم وال �ق��راءة والكتب والمكتبات؟ مثل هذه‬
‫العناوين كثيرة حتى في كتابات بعض المفكرين‬
‫والمثقفين – مع التحفظ على المصطلح ‪ -‬ولذلك‪,‬‬
‫نحن بحاجة إل��ى إيجاد مصطلح آخ��ر يحل محل‬
‫مصطلح الثقافة يكون معناه صحيحاً‪ ..‬وقد قرأت‬
‫في بعض المقاالت من يتحدث عن ثقافة الثقافة‪..‬‬
‫وهو مصطلح أكثر تعقيداً وأعسر فهماً‪ ..‬ولذلك‬
‫فنحن نعاني من مشكلة تعريفات ومفاهيم للعديد‬
‫من المصطلحات بشكل ع��ام‪ ..‬وغموض والتباس‬
‫لمفهوم الثقافة بشكل خاص‪..‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫العامية وتأثيرها على الفصحى‬
‫> د‪ .‬أحمد السوداني*‬
‫هذه إطاللة سريعة على واقع اللغة العربية اليوم‪ ،‬وال أدعي أنها كل ما يجب أن يقال‬
‫في هذا أو هذا المضمار‪ ،‬بل للغة العربية محاورها‪ ،‬ومحاور مشكالتها‪ ،‬أكثر من أن‬
‫تكتب أو تقال عبر وريقات قليلة مثل هذه‪.‬‬
‫وسأتحدث عن جانب واحد من جوانب هذه المشكالت التي تحل بلغتنا اليوم‪ ،‬أال وهي‬
‫مشكلة العامية والفصحى‪ ،‬فاللغة الفصحى دعا إليها أفصح البشر محمد بن عبدالله‬
‫صلوات الله وسالمه عليه قبل أربعة عشر قرناً من الزمان‪ ،‬ونجده يفتخر بذلك فيقول‬
‫[‪« :‬أنا أفصح العرب بيد أني من قريش»‪ ،‬وال غرو في ذلك‪ ،‬فقد ُربّي تربية خاصة‪،‬‬
‫وبعناية إلهية فما ينطق عن الهوى إن هو إال وحي يوحى‪.‬‬
‫ولقد مهد الحق تبارك وتعالى إلى نزول‬
‫كالمه من اللوح المحفوظ إلى أمة محمد‬
‫[ فانتخب قريشا بوصفها تقطن مكة‬
‫التي تعد مركزا للكرة األرض�ي��ة‪ ،‬وراعية‬
‫بيت ال�ل��ه ال �ح��رام ال�ت��ي ب��دوره��ا انتخبت‬
‫لنفسها أفصح اللغات عن طريق الحجيج‪،‬‬
‫ف��أخ��ذت الجيد وت��رك��ت غيره م��ن الكالم‬
‫ال�ع��رب��ي‪ ،‬وأض �ي��ف إل��ى ذل��ك أن هيأ الله‬
‫تبارك وتعالى لها رحلتي الشتاء والصيف‪،‬‬
‫فجعل تُجّ ارَها يأتون بكل ما هو ثمين من‬
‫قبائل العرب ولغاتهم‪ ،‬ويتركون كل ما هو‬
‫ضعيف أو شاذ من تلك اللغات؛ وبهذا تكون‬
‫قريش قد تهيأ لها أسباب القوة والنجاح‬

‫الختيار اللغة الفصحى‪ ..‬وترك غيرها من‬
‫ال�ل�غ��ات‪ ،‬م��ا جعل المصطفى [ يفتخر‬
‫بذلك وي�ق��ول‪« :‬بيد أن��ي م��ن قريش «فهو‬
‫أسلوب استثنائي يدرجه البالغيون ضمن‬
‫تأكيد المدح بما يشبه الذم‪ ،‬وبأسلوبه هذا‬
‫يكون قد أقر أن أفصح اللغات العربية في‬
‫عصرها الذهبي إنما كانت في قريش‪ ،‬وال‬
‫أريد أن أطيل كثيرا‪ ،‬بل أريد أن أنبه إلى أن‬
‫اللغة العربية اليوم‪ ..‬إنما تواجه مشكالت‬
‫ع��دة‪ ،‬وم��ن أهمها وأخطرها ه��ي مشكلة‬
‫العامية والفصحى‪.‬‬
‫ف ��إذا م��ا نظرنا إل�ي��ه [ وه��و يفتخر‬
‫بالفصاحة‪ ،‬ونظرنا إلى غيره ممن يَ ْدعُون‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪107‬‬

‫إلى العامية‪ ،‬نجد الفارق الكبير؛ فاللغة العربية‬
‫اليوم إنما واجهت بسبب دع��وة ه��ؤالء إضعافا‬
‫كبيرا في ذاتها‪ ،‬وتبدو من أكثر اللغات حيرة بين‬
‫الوالء لماضيها وماضي أصحابها‪ ،‬وبين االلتزام‬
‫بمتطلبات الحضارة الحديثة‪.‬‬
‫واللغات تتطور وتنحط وتتقدم وتتأخر بحسب‬
‫درجة الناطقين بها من الرقي الحضاري والتقدم‬
‫االج�ت�م��اع��ي‪ ،‬فهي م ��رآة مجلوة لتسجل درجة‬
‫الوعي الحضاري لدى متحدثيها‪ ،‬وأداة تعبيرية‬
‫حية تبلغ ذروتها حين يعمد الناطقون بها إلى‬
‫التماس الجمال الفني في تعبيرهم بها‪ ،‬وفي‬
‫التأنق في انتقاء ألفاظها عبر نظامها الصوتي‬
‫والتركيبي‪ ،‬ما يجعل تعابيرهم لوحات فنية من‬
‫النسوج الكالمية تروق سامعيها وتبهر قارئيها‪.‬‬
‫وإذا ما نظرنا إلى اللغات المختلفة وجدناها‬
‫تعكس العالم بطرق متباينة‪ ،‬ويكتسب المرء منا‬
‫لغته األم منذ نعومة أظفاره‪ ،‬ومن ثم يدرس العالم‬
‫منذ طفولته المبكرة من خالل منظار اللغة األم‬
‫نفسه‪.‬‬

‫اللغة العربية اليوم‬
‫أم ��ا ال�ل�غ��ة ال�ع��رب�ي��ة ال��ي��وم‪ ،‬فيصفها بعض‬
‫الباحثين بأنها ليست على ما ي��رام‪ ،‬س��واء في‬
‫التعليم المدرسي‪ ،‬أو على المستوى المجتمعي‪،‬‬
‫وتشخص هذه الظاهرة بأنها تحلل لغوي‪ ،‬ومن ثم‬
‫يستتبعها تحلل قومي إذا ما استفحل األمر في‬
‫سياق ثقافة العولمة‪ ..‬وما يسود من ولع بتعليم‬
‫اللغات األجنبية‪ ،‬كلغة للتدريس ف��ي مدارسنا‬
‫وج��ام�ع��ات�ن��ا‪ ،‬وت�ش�م��ل ه ��ذه ال �ح��ال��ة ق �ص��ور دور‬
‫المدرسة في مناهجها وط��رق تدريسها‪ ،‬وعدم‬
‫إت�ق��ان األج�ي��ال الناشئة م��ن الشباب لمقومات‬
‫ألسنتهم وأقالمهم‪ ،‬بل يتعدى ذل��ك إل��ى معظم‬
‫الكبار ممن ال يحسنون استعمال لغتهم‪ ،‬وهذا‬
‫يضع التحلل ال�ل�غ��وي ف��ي س�ي��اق م��ا ي�ج��ري في‬
‫المجتمع من متغيرات العولمة‪.‬‬
‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وقد استتبع تعليم اللغات األجنبية والتحلل من‬
‫اللغة العربية مزاحمة هذه اللغات للغة العربية‬
‫ف��ي التعامل م��ع ال �خ��ارج وف��ي ال��داخ��ل لصالح‬
‫الخارج وخدمته‪ ،‬وبهذا أخذت تلك اللغات تحتل‬
‫منزلة متميزة لدخول سوق العمل في قطاعاته‬
‫األجنبية‪ ،‬وم��ن ثم انتشرت م��دارس اللغات في‬
‫القطر ال�ع��رب��ي ف��ي التعليم‪ ،‬ع��ام��ة؛ كما بدأت‬
‫الجامعات الخاصة تشق طريقها بمقررات تدرس‬
‫باللغات األجنبية‪ ،‬ومع تعليم هذه المقررات في‬
‫جامعاتنا بكلياتها‪ :‬الطب والهندسة والصيدلة‬
‫والتجارة والحقوق وغيرها‪ ،‬ومع مغريات السوق‬
‫في العمل لمن يحصلوا على ه��ذه المؤهالت‪،‬‬
‫ممن لديهم هذه اللغات المتباينة‪ ،‬من خريجي‬
‫الجامعات األمريكية والفرنسية والبريطانية‬
‫واأللمانية‪ ،‬اتسعت الهوة وتنامى العرض‪ ،‬وبررت‬
‫هذه الموجات الصارخة مع ما تصنعه‪ ،‬من أن‬
‫اللغة العربية ال توفر لطالبها القدرة على متابعة‬
‫الحركة العلمية في العالم المتقدم؛ وما ذلك إال‬
‫من أجل ترسيخ التعليم باللغات األجنبية كضرورة‬
‫مجتمعية‪.‬‬
‫وم��ع العولمة وشبكات االت �ص��االت الدولية‬
‫(االنترنت)‪ ،‬أصبح استعمال المفردات األجنبية‬
‫في الحديث وفي المصطلحات – رغم تعريبها‬
‫في البحوث والدراسات والمحاضرات – رمزا‬
‫من رموز االقتدار والمعرفة والتحضر والمكانة!‬
‫وم��ع لوثة التغريب الطاغية‪ ..‬آث��ر ق��وم منا‬
‫استخدام اللغات األجنبية وألفاظها‪ ،‬ما يشير‬
‫لعدم احترام لغتنا‪ ،‬ومن هذا ما نسمعه من بعض‬
‫المتخصصين في اللغة العربية مما يقحمونه‪-‬‬
‫دون مبرر‪ -‬من كلمات أجنبية‪ ،‬حين يتحدثون عن‬
‫آدابها أو طرق تدريسها‪.‬‬
‫إض��اف��ة إل��ى أن ن �ف��اذ ال�س�ل��ع األج�ن�ب�ي��ة إلى‬
‫األس� ��واق‪ ،‬يصاحبه ن�ف��اذ ف��ي القيم األجنبية‪،‬‬
‫وزعزعة قيمة لغتنا‪ ،‬بمخاطبة اإلذاعة والتلفزيون‬

‫أنها كل المحاور ولكن شيئا منها ‪-‬وهي‪:‬‬
‫المحور العملي‬
‫المحور العلمي‬
‫المحور التربوي‬
‫المحور اإلعالمي‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫والمسرح للجماهير باللهجات العامية في معظم ال �ت��داول والتعاقد اليومي‪ ،‬ف��ي حين أن هناك‬
‫بلدانا أخرى ما تزال تعتمد اللغة األجنبية جزئيا‬
‫برامجها‪.‬‬
‫إل��ى ج��ان��ب ذل��ك كله ت�ف��رض األم �ي��ة وحركة أو ك�ل�ي��ا‪ ،‬وه ��ذا ال �ك�لام ينطبق ع�ل��ى مستويات‬
‫الهجرة من الريف إلى المدينة ثقافتها الفرعية‪ ،‬التعامل الحكومي والرسمي‪.‬‬
‫أم��ا ال�ش��رك��ات وال�م��ؤس�س��ات الخاصة فلوال‬
‫ولغتها ال�م�ح�ك�ي��ة‪ ،‬وأل �ف��اظ �ه��ا‪ ،‬ومصطلحاتها‪،‬‬
‫حاجتها إلى التعامل مع الحكومات التي تعد اللغة‬
‫وفجاجتها أحيانا‪.‬‬
‫وتتضح جوانب المشكلة اللغوية عند استعراض العربية لغة التعامل الرسمي لما أحجمت عن‬
‫واقع اللغة العربية من أربعة محاور – ال أدعي استخدام اللغة األجنبية في معامالتها‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬المحور العلمي‪ :‬والمقصود به هو‬
‫لغة العلم‬

‫إذا نظرنا إلى اللغة العربية لوجدنا من أبرز‬
‫طموحاتها‪ -‬في هذا العصر وما قبله من العصور‬
‫الغابرة ‪ -‬أن تكون لغة الحضارة والعلم مثلما‬
‫المحور األول‪ :‬واق��ع اللغة العربية من كانت خالل العصور الزاهية‪.‬‬
‫ففي ه��ذا ال�ع�ص��ر‪ ..‬نجد اللغة العربية قد‬
‫الوجه العملي‬
‫فعلى ال��رغ��م م��ن أن ال�ل�غ��ة ال�ع��رب�ي��ة قطعت بدأت تجربتها الحديثة من الصفر تقريبا‪ ،‬فهناك‬
‫منذ مطلع ال�ق��رن العشرين وحتى اآلن شوطا تفاوت غريب في المدى الذي بلغته التجربة في‬
‫مهما في التطور‪ ،‬باتجاه أن تكون اللغة العملية كل قطر من األقطار العربية‪ ،‬ومن أمثلة ذلك‪:‬‬
‫للحياة اليومية‪ ،‬إال أنه من الصعب القول إن اللغة‬
‫العربية الفصحى تعد لغة الحياة اليومية العملية؛‬
‫أي لغة التعامل اليومي االقتصادي‪ ،‬والسياسي‪،‬‬
‫والتعاقدي‪.‬‬

‫وهنا‪ ،‬تكمن ازدواجية عجيبة من نوعها‪ ،‬إذ‬
‫تعاني لغة العمل االقتصادي والصناعي والتبادل‬
‫اليومي‪ ،‬بوجه عام‪ ،‬من قلق شديد في استخدام‬
‫المفردات والمصطلحات‪ ،‬وكذلك في التركيب‪،‬‬
‫على الرغم من أنها أح��وج ما تكون إل��ى الدقة‬
‫والضبط‪ ،‬وفي األغلب تكون هذه اللغة ترجمة‬
‫ل �ل �غ��ات األج �ن �ب �ي��ة ال �ح �ي��ة‪ ،‬وم�ح�ت�ف�ظ��ة بطوابع‬
‫الترجمة؛ على أن ه��ذه ال�ق��اع��دة ليست عامة‬
‫ويتفاوت القلق في لغة التداول العملي من بلد‬
‫عربي إلى آخر‪ ،‬وفقا لتجربة التعريب فيه‪.‬‬

‫سوريا مثال استطاعت أن تحقق نسبة تقارب‬
‫مائة في المائة في مجال استخدام العربية للعلم‪،‬‬
‫حتى أصبحت جميع العلوم بال استثناء تدرس في‬
‫جامعات القطر العربي السوري ومعاهده باللغة‬
‫العربية‪.‬‬
‫وفي المقابل هناك أقطار أخرى في المشرق‬
‫ال �ع��رب��ي م �ث��ل ال� �س���ودان ت� ��درس م �ع �ظ��م العلم‬
‫باللغة اإلنجليزية‪ ،‬وأقطار ت��درس نصف العلم‬
‫باإلنجليزية والنصف اآلخر بالعربية‪ ،‬وال ندعي‬
‫بذلك الحصر بل هو على سبيل التمثيل‪.‬‬

‫وي�ن�ت��ج ع��ن ه ��ذا ال��وض��ع ازدواج� �ي ��ة مرهقة‬
‫ل�ل�ط��ال��ب وال�م�ع�ل��م وال �ب��اح��ث‪ ،‬ول �ع��ل أخ �ط��ر ما‬
‫يتمخض عنه هو عدم نمو المناخ العلمي العربي‬
‫المشترك‪ ،‬الذي يمكّن الطاقات العربية من أن‬
‫فهناك بلدان عربية أصابت نجاحا في لغة تتفاعل وتتعاضد‪ ،‬لتقدم إسهاما عربيا معقوال‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪109‬‬

‫في دنيا العلم الحديث‪.‬‬
‫ووجود ازدواجية بين ممارسة التعليم العلمي‬
‫باللغة العربية‪ ،‬وأحيانا الكتابة العلمية الميسرة‪،‬‬
‫وبين التفكير العلمي والبحث العلمي التي تتم‬
‫غالبا باللغة األجنبية؛ ذل��ك أن معظم العلماء‬
‫العرب يتلقون تعليمهم العالي في بلدان أجنبية‪،‬‬
‫ما يؤدي إلى استخدامهم المفردات األجنبية في‬
‫لغة الحوار اليومي العادي‪.‬‬

‫التي أدت بدورها إلى انهيار في اللغة العربية‪،‬‬
‫وأض��رب لذلك مثاال ألجهزة الرؤيا واالستماع؛‬
‫ف�ل�ق��د ت��ط��ورت وس��ائ��ل اإلع �ل��ام الجماهيرية‬
‫تطوراً كبيراً‪ ،‬واستخدمت الفضاء الكوني عبر‬
‫األقمار الصناعية‪ ،‬لتكوّن أبرز محطات التقدم‬
‫التكنولوجي‪ ،‬ولتجعل من اإلع�لام ثورة مستمرة‬
‫يقوم بها على ذاته‪.‬‬

‫وف �ي �م��ا ت��وف��ر ل �ن��ا ال �م �ح �ط��ات – المرئية‪-‬‬
‫التلفزيونية الفضائية الفرصة لمواكبة المشهد‬
‫المحور الثالث‪ :‬الوجه التربوي‪:‬‬
‫اإلع�لام��ي العالمي كل ي��وم‪ ،‬تحملنا في الوقت‬
‫إن أي لغة في العالم ممكنة التعلم واإلتقان‪ ،‬عينه إلى اجترار هزالة مشهد هذه المحطات‬
‫حين توجد الطريقة التربوية الناجحة لتعلمها التلفزيونية‪ ،‬وكأنها تحرص على أال تتطور‪ ..‬بل‬
‫واكتسابها‪ .‬وإذا ما نظرنا إلى واقع اللغة العربية أن تتناسل متشابهة كحبات الرمال‪.‬‬
‫اليوم‪ ،‬لوجدناها غير مخدومة تربويا‪ ،‬وطرائق‬
‫وما يزيد في حزننا هو التناقض الفاضح ما‬
‫تعلمها غير دقيقة‪ ،‬وه��ي في ه��ذا المجال من‬
‫بين ادعائنا‪ ،‬أننا رواد النهضة الصحافية بخاصة‬
‫أتعس لغات العالم وأقلها حظا‪ ،‬وال نحتاج إلى‬
‫واإلعالمية عموما‪ ،‬وهشاشة إنتاجنا اإلعالمي‬
‫إحصاءات لنستنتج أن سوية تعليم اللغة العربية‬
‫البصري السمعي في الوقت نفسه‪.‬‬
‫في انحدار مستمر؛ إذ الجامعات ودور المعلمين‬
‫لنضع جانباً العموميات‪ ..‬ونبتعد عن األحكام‪..‬‬
‫في جميع األقطار العربية تفرز سنويا أعدادا‬
‫ضخمة ممن يفترض أنهم مختصون بتعليم اللغة ولندخل في بعض حقائق المشهد التلفزيوني في‬
‫العربية‪ ،‬ومع ذلك تزداد نسبة األمية اللغوية عند تفاصيل أشكاله‪:‬‬
‫هؤالء سنة بعد أخرى‪ ،‬ويمكن ألساتذة الجامعات ‪ -1‬أول م�ظ��اه��ر التخلف ف��ي ب��رام��ج أجهزتنا‬
‫أن يحدثونا عن األخطاء – على سبيل التمثيل ‪-‬‬
‫ال�م��رئ�ي��ة تتجلى ب��ال�ب��رم�ج��ة‪ ،‬ف �ب��رام��ج هذه‬
‫في أوراق االختبارات‪.‬‬
‫المحطات‪ ،‬في مجملها ملخصا ومضمونا‪،‬‬
‫وتصنيفا‪ ،‬وتقويما‪ ..‬ال ترقى إل��ى التعامل‬
‫ولوال المصححون اللغويون في دور اإلذاعة‬
‫باللغة العربية‪ ،‬وه��ي التي تبث ط��وال اليوم‬
‫والتليفزيون والصحافة‪ ،‬لرأينا وسمعنا وقرأنا من‬
‫والليل‪ ،‬وتعطي أبناءنا وأطفالنا من النشء ما‬
‫اللغة العربية ما يصعب أن ننسبه إليها‪.‬‬
‫تعطيهم ومن يجرؤ‪ ،‬عندنا‪ ،‬أن يُ َقوِّم ً‪.‬‬
‫والقصور ليس ناجما فقط عن ع��دم تطور‬
‫أساليب ناجحة لتعليم العربية‪ ،‬بل هو مرتبط ‪ -2‬أم��ا المسلسالت فهي مشكلة قائمة بحد‬
‫ذات �ه��ا‪ ،‬إذ ت �ط��رح م�س��أل��ة اإلن �ت��اج المحلي‪،‬‬
‫بتدني النتاج التربوي في المدارس والجامعات‬
‫واستهالك اإلنتاج األجنبي بانعكاساته ثقافياً‬
‫العربية؛ كما أن ج��زءا منه يعود إلى كون اللغة‬
‫وفنياً ووطنياً وأخالقياً‪ ،‬فإنتاج المسلسالت‬
‫العربية غير مخدومة لغويا‪.‬‬
‫المحلية هو اإلنتاج األكثر فقراً‪ ..‬ألنه ضائع‬
‫المحور الرابع‪ :‬الوجه اإلعالمي‬
‫بين الفصحى والعامية‪ ،‬بين المستوى الجيد‬
‫وهنا‪ ،‬أتحدث عن نموذج من نماذج العامية‬
‫واإلسفاف‪ ،‬وبرغم كل االنتقادات‪ ..‬لم تتوقف‬
‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫‪ -3‬أما األفالم‪ ،‬فمجد أميركا أعطي لها‪ ،‬وأهرام‬
‫م�ص��ر دع��ام��ة اس�ت�م��راري�ت�ه��ا‪ ،‬وال �ه��زل آيتها‪،‬‬
‫فلربما أن األفالم أميركية ومصرية كانت هي‬
‫المرشحة ألن تصبح متنفسنا الوحيد‪ ..‬لوال‬
‫أن أصحاب الشركات التلفزيونية ال ينفكون‬
‫يتنافسون على من هو األول في ش��راء أكثر‬
‫وغياب البرامج الثقافية يصطحبه بالضرورة‪،‬‬
‫األفالم قدماً‪ ،‬وطبعاً أكثرها رخصاً‪ ،‬وأصبحنا‬
‫وبالمنطق نفسه‪ ،‬غياب البرامج التربوية وبرامج‬
‫نحن ف��ي وضعنا ال�ح��ال��ي‪ -‬بلغتنا الضعيفة‬
‫التثقيف‪.‬‬
‫بسبب عاميتها ‪-‬ال ن �ت��ذوق إال م��ا ه��و مثل‬
‫أفالم الليمبي التي أدت إلى اضمحالل اللغة فَ حتّ امَ ؟ حتام؟ حتام؟!‬
‫والمفاهيم‪ ،‬وخير دليل على ذلك أنك إذا تتبعت‬
‫وفي سبيل تطوير اللغة العربية يجب االهتمام‬
‫إيراد تلك األفالم لوجدته أعلى اإليرادات‪.‬‬
‫بسياسات لغوية ال تكون حبيسة األدراج كما هو‬
‫‪ -4‬ب���رام���ج ال �ت �س �ل �ي��ة وال� �ت ��رف� �ي ��ه ه���ي المادة الحال اآلن‪ ،‬واالهتمام بمجامع لغوية حقيقية‬
‫التلفزيونية األكثر رواجاً اليوم؛ لكن للترفيه‬
‫ال نجعلها ضامرة السلطات محدودة الموارد‪،‬‬
‫التلفزيوني ش��روط��ه وق��واع��ده ومستوياته‬
‫وااله�ت�م��ام بالتعليم حتى تعكس استراتيجيته‬
‫وأخالقياته؛ فكيف يرضى اإلب��داع العربي‬
‫وم �ن �ه �ج��ه وس� �ل ��وك م��درس �ي��ه وأداة ط�ل�ب�ت��ه ما‬
‫ال�ف��ري��د أن ي�س��رق ويحكي سرقته بلهجات‬
‫للغة العربية األم م��ن أهمية ف��ي أم��ور التربية‬
‫عربية برنامجاً أجنبياً بصورة طبق األصل؟‬
‫والتعليم‪.‬‬
‫ومن أن��واع تلك البرامج الترفيهية ما يمكن‬
‫وفي نهاية المطاف‪ ،‬آمل أن تحدث انفراجة‬
‫تسميته «الصالونات التلفزيونية» التي تحتل‬
‫الشاشات طيلة الوقت؛ ال رادع‪ ،‬وال معايير‪ ،‬فكرية كبرى‪ ،‬وتعود مفاهيم الشباب ‪ -‬الذين‬
‫وال قواعد‪ ،‬بل ك�لام بكالم‪ ،‬ألي ك��ان‪ ،‬وبأي ارت�م��وا في أحضان اللغات غير العربية وعدم‬
‫م��وض��وع‪ ،‬م��ع م��راع��اة‪ ،‬م��ا أم�ك��ن‪ ،‬الخدمات الفهم الصحيح ‪ -‬للعديد من المفاهيم العربية‬
‫التنفيعية وطبعاً الدعائية‪.‬‬
‫ونرجع مرة أخرى إلى لغتنا العربية الفصحى‪،‬‬
‫ ‬

‫* ‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫موجة تلك المسلسالت‪ ،‬بل ازدادت انتشارا‪.‬‬
‫ومعظم تلك المسلسالت أك��ل الدهر عليها‬
‫وشرب‪ ،‬ومع ذلك يبثونها‪ ،‬وسيظلون يبثونها‬
‫رغماً عن أن��وف الجميع‪ ،‬بلغاتها الضعيفة‬
‫التي ال ترقى إلى المستوى المطلوب‪.‬‬

‫‪ -5‬يبقى أن نستحضر غ�ي��اب بعض البرامج‪،‬‬
‫ك �غ �ي��اب ال� �ب ��رام ��ج ال �ث �ق��اف �ي��ة‪ .‬فالمثقفون‬
‫وقضاياهم الثقافية‪ ،‬ليس لهم مكان على‬
‫ش��اش��ة‪ ،‬سميت بالشاشة الصغيرة‪ .‬وليس‬
‫للمثقفين أن يستهجنوا غرابة هذا الوضع‪،‬‬
‫إنه الوضع القائم والسائد والطاغي؛ فالثقافة‬
‫وإن كانت هي التي تبني في نهاية المطاف‪،‬‬
‫شعوباً تشبَع وتشبِع‪ ،‬أدبا وفناً وعلماً وحضارة‪،‬‬
‫إال أنها في هذا المنظور ال تستجلب الدوالر‬
‫وما يستتبه‪..‬‬

‫وليس من جمعية مدنية لحماية المستهلك نتعامل بها يوميا ورسميا وتربويا‪ ،‬إذ هي لغة‬
‫تتدخل وتنهي ه��ذه القرصنة ال�ت��ي تسمى الدين الحنيف بها ننشره ونحافظ عليه‪ ،‬والله‬
‫باسم الليبرالية االقتصادية‪.‬‬
‫المستعان وهو ولي التوفيق ونعم النصير‪.‬‬
‫المدرس بجامعة األزهر الشريف‪ ،‬واألستاذ المساعد بكلية العلوم‪ ،‬جامعة الجوف‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪111‬‬

‫إخفاقات العومله‬
‫> مجدي ممدوح*‬
‫العولمة ليست فكراً مجرداً‪ ،‬بل أنّها تتمظهر عبر تمظهرات عديدة على المستوى‬
‫االجتماعي والثقافي واالقتصادي‪ .‬ولم تبدأ العولمة كنظرية متماسكة ليتم إسقاطها‬
‫على الواقع بعد ذلك‪ ،‬كما حصل بالنسبة للنظرية الماركسية مثالً‪ ،‬بل أن العولمة هي‬
‫إفراز لمتغيرات عديدة‪ ،‬أهمها بالطبع التقدم المذهل الذي حصل في تقنية االتصاالت‬
‫ونظم المعلومات أوالً‪ ،‬والنجاح الساحق الذي حققته الليبرالية كنظام اقتصادي سياسي‬
‫وانهيار األنظمة الشمولية ثانياً‪ .‬هذان العامالن كان لهما األثر األكبر في بلورة رؤية‬
‫جديدة للعالم ما تزال في طور التشكيل والتجريب‪ .‬ومن الخطأ االعتقاد أن منظري‬
‫العولمة يمتلكون رؤيا واضحة تستند إلى تحليل معمق للواقع‪.‬‬
‫وال��ذي يدعونا إل��ى تبني ه��ذا الرأي‪ ،‬الفكر العولمي يتجاهل كل هذه األنماط‪،‬‬
‫ه��و أن العولمة منيت بإخفاقات عديدة‬

‫ب��دع��وى أن الفكر ال�غ��رب��ي ون�م��ط الحياة‬

‫ع�ل��ى ك��اف��ة ال �م �س �ت��وي��ات‪ ،‬ألن �ه��ا م��ا تزال الغربي‪ ،‬هو الوحيد الذي يناسب اإلنسان‬
‫أسيرة ثنائية (األنا – اآلخر)؛ فالعولمة لم‬

‫في كل مكان‪ ،‬وأن تمسك الشعوب بهويتها‬

‫تخرج كثيراً عن اآلليات التي يلجأ إليها‬

‫القومية‪ ،‬ونمط حياتها المحلي‪ ،‬هو عائق‬

‫األن��ا المهيمن لفرض رؤاه ونظمه ونمط‬

‫أمام هذه الشعوب للحاق بركب الحضارة‪،‬‬

‫حياته على اآلخر المهزوم‪ ،‬بدليل أن الفكر مع أن مفهوم العولمة يستتبع االنتقال الحر‬
‫العولمي يتبنى وينظر لصالح فكر المنتصر‪.‬‬

‫ألن�م��اط الحياة وتالقحها بين الشعوب‪،‬‬

‫وم��ع أن هناك أن�م��اط حياة ع��دي��دة بعدد‬

‫ل �ك��ي ت��ف��رز‪ ،‬وم ��ن ث ��م‪ ،‬ن �م��ط ح �ي��اة غنياً‬

‫شعوب العالم التي تعد ب ��اآلالف‪ ،‬إ ّال أن‬

‫وتعددياً يلبي حاجات اإلنسان‪ ،‬ويجب أن‬

‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الثقافات‪ ،‬بحيث يتم التأثير والتأثر وفق معايير‬

‫النظرية الماركسية أيضاً فشلت في التنبؤ‪،‬‬

‫تنافسية متحررة من الرغبة في الهيمنة وفرض مع أن هذه النظرية من أشد النظريات تماسكاً‪،‬‬
‫الرؤى على اآلخر‪ ..‬هكذا نفهم العولمة‪ ،‬ولكن ما‬
‫واس�ت�ن��دت إل��ى تحليل معمق ل�ل��واق��ع‪ ..‬ولمسار‬
‫يحصل شيء آخر‪ ،‬هو محاولة فرض نمط حياة‬
‫التاريخ؛ ونحن‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ال ننكر النجاح الباهر‬
‫مهيمن على كافة الشعوب‪ ،‬وكأنه النمط الوحيد‬
‫الذي حققته في فهم وتفسير حركة التاريخ‪ ،‬إال‬
‫ال���ذي ي�ص�ل��ح ل�ل�ح�ي��اة‪ ،‬وف ��ي ه ��ذا م��ن الشطط‬
‫أ ّن��ه ال ب ّد من االعتراف أن الكثير من تنبؤاتها‬
‫المعرفي والمنهجي الشيء الكثير‪.‬‬
‫لم يكن صائباً‪ ،‬خاصة‪ ،‬فيما يخص انبثاق الثورة‬
‫ال ب� � ّد م��ن ال �ت �ن��وي��ه أن ال �ع��ول �م��ة ه��ي رؤية العمالية ف��ي م��راك��ز الرأسمالية ال�ك�ب��رى‪ ،‬بعد‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫تكون هناك حركة متبادلة في كل االتجاهات بين ذاتها كما في السابق‪.‬‬

‫مستقبلية ل�ل�ع��ال��م‪ ،‬أو ت �ش��وف للمستقبل من تفاقم الصراع بين العمل ورأس المال‪ ،‬ولكن ما‬
‫خ�لال معطيات الحاضر؛ أي أن عنصر التنبؤ حصل أنها انطلقت من مجتمع إقطاعي كروسيا‪،‬‬

‫يعد عنصرا أساسيا في التنظير للعولمة‪ ،‬وكما وم��ن مجتمع زراع ��ي كالصين‪ ،‬ع�ل�اوة على أن‬
‫أسلفنا فإن تقدم االتصاالت وانتصار الليبرالية‬
‫النبوءة الماركسية بتفاقم ال�ص��راع بين العمل‬
‫هما المغذيان الرئيسان للفكر العولمي‪ ،‬إن العالم‬
‫ورأس المال أصيبت بالفشل‪ ،‬بعد أن أقدمت‬
‫المعاصر شديد التعقيد‪ ،‬ومن الصعوبة بل من‬
‫الرأسمالية ‪ -‬وفي خطوط استباقية في الدفاع‬
‫االستحالة التنبؤ بأي وضع مستقبلي؛ نظراً ألن‬
‫عن وجودها واستمرارها ‪ -‬بإعطاء العمال الكثير‬
‫المتغيرات التي تحكم ه��ذه ال��رؤي��ة المستقبلة‬
‫م��ن ال�ح�ق��وق‪ ،‬م�ث��ل‪ :‬األج ��ور المجزية‪ ،‬وتحديد‬
‫كثيرة ومتعددة ومتداخلة‪ ،‬ما يجعل التنبؤ عملية‬
‫س��اع��ات ال�ع�م��ل‪ ،‬وم��رت �ب��ات ال�ت�ق��اع��د والتأمين‬
‫محفوفة بالمخاطر‪ ،‬وربما تكون أقرب للسذاجة‪.‬‬
‫الصحي‪ ،‬ساحبة بذلك البساط من تحت القوى‬
‫حتى عندما كان العالم أقل تعقيداً‪ ..‬كانت عملية‬
‫الصاعدة المناهضة للرأسمالية‪.‬‬
‫التنبؤ والتشوف غير موفقة‪ ،‬ابتدا ًء باالختراعات‪،‬‬
‫مجمل القول أن الحقيقة الوحيدة في عمليات‬
‫فلقد تنبأ مخترع التلفزيون بأنّه سيكون الوسيلة‬

‫التثقيفية األول��ى في العالم بعد انتشاره‪ ،‬ولكن التنبؤ‪ ،‬هي أ ّن��ه ليس هناك تنبؤ صحيح‪ ،‬نظراً‬
‫نعلم أنّه أصبح اآلن الوسيلة الترفيهية األولى‪ ،‬لعدم انتظام مسيرة التاريخ‪ ،‬ولكثرة المتغيرات‬
‫وتنبأ مخترع آلة التسجيل أن هذه اآلل��ة سوف التي تتحكم بمسيرته‪ ،‬وبكون المنظرين للعولمة‬
‫تقضي على كل طرق وأساليب التعليم‪ ،‬لتصبح يقفزون على ه��ذه الحقائق في شطط معرفي‬
‫هي الوسيلة األول��ى في تعليم األج�ي��ال‪ ،‬حسناً ومنهجي‪ ،‬ويتكلمون بوثوقية شديدة عن حتميات‬
‫نحن نعلم أن هذا لم يكن صحيحاً إ ّال على نطاق ورؤى ال ي��رق��ى لها ال �ش��ك‪ ،‬ف��ي أن المعطيات‬

‫ضيق‪ ،‬والحقيقة أن الدارسين أصبحوا اآلن أكثر الحالية للواقع التاريخي‪ ،‬تُ� َع �وِّد العالم بشكل‬
‫تواضعاً‪ ،‬ولم يعودوا يتحدثون بالوثوقية والقطعية محتوم نحو ظاهرة العولمة وكأنها أمر واقع ال‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪113‬‬

‫مفر منه‪.‬‬

‫وت��م اع �ت �م��اد ه��ذه ال�م�ق��اي�ي��س م��ن ق�ب��ل منظمة‬

‫ونحن هنا‪ ،‬سنسوق اإلخفاقات التي منيت بها الصحة العالمية‪ ،‬وه��ي مستندة باألساس على‬
‫العولمة على صعيد نمط الحياة فقط‪ ،‬مع أن نمط الحياة ال�غ��رب��ي‪ ،‬ول�ق��د ت��م تبنيها دون أي‬

‫هناك إخفاقات كثيرة على صعيد الثقافة والهوية دراس��ة معمقة للفروق بين الشعوب على صعيد‬
‫التغذية وأسلوب الحياة‪ ،‬على سبيل المثال فإنَّ‬
‫والوطنية والقوميات‪.‬‬
‫إن م �ح��اول��ة ف� ��رض ن �م��ط ال �ح �ي��اة الغربي‬
‫المهيمن قد مُنيَ بالفشل‪ ،‬ألنه انطلق أساسا من‬
‫منطلقات طوباوية‪ .‬فلقد حاول الفكر العولمي‬
‫ال التأكيد على عولمة الجسد‪ ،‬فعلى صعيد‬
‫مث ً‬
‫الجمال األنثوي‪ ..‬فإن نموذج المرأة الكاليفورنيه‬
‫ذات الخصر النحيل والنهود الصغيرة البارزة‬
‫والسيقان الرفيعة واألق ��دام الصغيرة‪ ،‬ق��د تم‬

‫رقم مئتين هو الحد الفاصل بين ما هو صحي‬
‫وم��رض��ي ف��ي م��ا يخص نسبة الكولسترول في‬
‫الدم‪ ،‬ولكن عادات الشعوب في التغذية لم تدخل‬
‫بالحسبان؛ ففي دولة مثل األردن يميل شعبها إلى‬
‫استهالك األغذية التي تحتوي على نسبة عالية‬
‫من ال��ده��ون‪ ..‬مثل الكنافة والبقالوة والمنسف‬
‫وغيرها من األكالت الشعبية‪ ،‬فإن هذه المعايير‬
‫ال تصلح أبداً‪ ،‬ويميل األطباء اآلن في األردن إلى‬

‫فرضه وكأنه النموذج الوحيد للجمال في العالم‪ ،‬اعتبار الرقم مئتين ليس مالئماً‪ ،‬وهو ال يدل على‬
‫وقد تم إبعاد كافة النماذج من معايير الجمال‪ ،‬أي ظاهرة مرضية حيث أن ارتفاع نسبة الدهون‬
‫فالمرأة التي ال تتمتع بهذه المواصفات هي امرأة ليس سببه تراكم الدهون بسبب قصور في عملية‬
‫خارج معايير الجمال‪ ،‬وقد تكرس هذا عندما تم الحرق أو نشاط زائد في انتاج الكولسترول من‬
‫تثبيت هذا النموذج على هيئة دمية‪..‬هي دمية الكبد‪ ،‬على أنه ببساطة بسبب االستهالك العالي‬
‫«باربي»‪ ،‬والتي تخضع للمواصفات الكاليفورنية‪ .‬للدهون‪ ،‬وهو ال يؤشر إلى حالة مرضية أو قصور‬

‫ِحسُّ نا ‪ -‬نحن العالم ‪ -‬أن هذا لم يعد مقدساً في فسيولوجي‪ ،‬ومن المؤكد أن األرقام العالمية التي‬
‫دنيا الجمال واألزياء؛ فاإليطاليون فرضوا نموذج تتبناها الـ (‪ )W.H.O‬ال تشكل نموذجا مالئماً لنا‪.‬‬
‫ال �م��رأة الممتلئة ف��ي ع��ال��م األزي���اء ومسابقات‬
‫الجمال‪ ،‬وأصبح هناك مسابقات للجمال تشترك‬
‫فيها النساء البدينات‪ .‬لم يعد جسد باربي حلم‬
‫نساء العالم اليوم‪.‬‬

‫ولقد ت��م تبني المعايير وال�م��واص�ف��ات التي‬
‫أعدتها ونشرتها الجمعية األمريكية ألطباء القلب‪،‬‬
‫لتعميمها على دول العالم لتشخيص األمراض‬
‫القلبية‪ ،‬ومع أن نمط الحياة في بالدنا مختلف‬

‫وم��ا دم�ن��ا نتكلم ع��ن ال�ج�س��د‪ ،‬فإننا سنورد تماماً من حيث النشاط وممارسة الرياضة‪ ،‬إال‬
‫المقاييس التي اعتمدتها مث ً‬
‫ال الجهات الصحية أن األطباء يصرون على تطبيق هذه المعايير على‬
‫العالمية‪ ..‬بما يخص ما هو طبيعي وغير طبيعي األشخاص الذين يخضعون للفحص‪ ،‬وربما أن‬

‫في الفحوصات الطبية‪ ،‬مثل نسبة الكوليسترول بعض المرضى يتم تشخيصهم على أنهم مرضى‬
‫في الدم‪ ،‬واليوريا والدهون المشبعة والهرمونات‪ ،‬قلب‪ ..‬يتم إعطاؤهم الكثير من األدوية التي هم‬
‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫الجانبية التي تفرزها هذه األدوية‪ ،‬مع أن األمر هذا األم��ر‪ ،‬وأصبحت التصاميم تحتوي الكثير‬
‫ربما ال يعدو أن يكون نمط حياتهم الكسول‪ ..‬من البصمات التي تخص الثقافة والتاريخ الذي‬
‫وعاداتهم المعيشية هي السبب في إعطاء فكرة يخص كل الشعوب حتى تعبر بأمانة عن هوية‬
‫مغلوطة ع��ن وض�ع�ه��م ال�ص�ح��ي‪ ،‬والحقيقة أن الشعوب‪ ،‬كما أن الكثير من مشاريع التنمية التي‬
‫القائمة تطول‪ ..‬وربما ال تنتهي‪.‬‬

‫أقيمت في الكثير من دول العالم منيت بالفشل‪،‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫في غنى عنها‪ ،‬وه��ي بالتأكيد تعرضهم لآلثار المخططون للتنمية في البلدان المختلفة إلى‬

‫ون �ح��ن ن��ذك��ر بالطبع ال�ض�ج��ة ال �ت��ي رافقت مع أنها تمتلك كل مقومات النجاح من الناحية‬
‫االفتتاح األول لمطعم الماكدونالدز في عمان‪ ،‬العلمية والتكنولوجية‪ ،‬إال أن الخلل فيها يكمن‬
‫ووص��ل األم��ر إلى انسداد الشوارع المؤدية إلى في عدم مراعاتها للخصائص القومية المحلية‬

‫المطعم بسبب األزمة المرورية‪ ،‬عالوة على أن التي تتمتع بها المنطقة التي أقيم فيها المشروع‪.‬‬
‫المبيعات في اليوم األول وصلت إل��ى خمسين وكانت النتيجة أن الكثير من المصانع قد تم‬
‫ألف دينار؛ اآلن لم يعد هذا صحيحاً‪ ،‬حيث أن إيقافها وتفكيكها وبيعها‪ ،‬وتكبدت خسائر فادحة‬
‫المطاعم التي تقدم الوجبات األردنية التقليدية أضرت باالقتصاديات الوطنية للدول‪.‬‬

‫ال على‬
‫هي التي تشهد إق �ب��االً‪ ،‬وه��ذا نعده دلي ً‬

‫لقد أوردنا كل األمثلة السابقة من أجل تجاوز‬

‫عدم نجاح أي محاولة لفرض أي عادات غذائية األخطاء التي وق��ع فيها الفكر العولمي‪ ،‬ونحن‬
‫على شعوب العالم‪ ،‬وال نبالغ إذا قلنا أن مطاعم ال ندعو بالطبع إل��ى محاربة الفكر العولمي‪،‬‬
‫الوجبات السريعة هي أحد تمظهرات العولمة بل ندعو إلى وضع الفكر العولمي على الطريق‬
‫المهمة‪ ،‬وه��ي تشهد ان �ح �س��اراً ف��ي ك��اف��ة دول الصحيح‪ ،‬وندعوه إلى أن يتجاوز الثنائية الضيقة‬
‫العالم‪ ..‬بعد أن حققت نجاحاً في البداية‪.‬‬

‫ال�ت��ي م��ا ي ��زال أس �ي��را ل �ه��ا‪..‬وه��ي ثنائية (األنا‬

‫وم��ن اإلف � ��رازات ال�ت��ي أف��رزت �ه��ا ال�ع��ول�م��ة أن ‪ -‬األخ��ر)‪ ،‬لينفتح على رؤي��ة جديدة تتخذ من‬
‫الشركات العلمية المتعددة الجنسيات‪ ،‬قد نفذت العولمة وسيلة للتواصل والتالقح بين الثقافات‬

‫مشاريع عمرانية في الكثير من دول العالم‪ ،‬مثل المختلفة للشعوب‪ ،‬بعيدا عن محاولة تبني نموذج‬
‫المطارات والمجمعات السكنية والفنادق‪ ،‬وكانت وحيد‪ ،‬وفرضه على العالم أجمع‪ ،‬وضمن هذه‬
‫النتيجة أن ه��ذه المشاريع كانت نسخاً مكررة الرؤية التي ندعو لها‪ ،‬تصبح العولمة ظاهرة بنّاءه‬
‫في دول العالم المختلفة‪ ،‬دون مراعاة للثقافة وخلاّ قة تغني الحضارة العالمية‪.‬‬

‫وال �ت��راث المحليين‪ ،‬حتى أن��ه ب��ات من الصعب‬

‫ع�ل��ى ال�ع��ال��م أن يتعلم م��ن دروس التاريخ‪،‬‬

‫التفريق بين مطار في البحرين أو نيويورك أو فإن المحاوالت العولمية السابقة‪ ،‬أو ما عرف‬
‫طوكيو‪ ،‬ما يهدد بفقدان التنوع والغنى التراثي باإلمبراطوريات‪ ..‬منيت جميعها بالفشل؛ مثل‪:‬‬
‫وال��وط �ن��ي ع �ل��ى ص�ع�ي��د ال��ع��م��ران‪ ،‬ول �ق��د تنبه إمبراطورية اإلسكندر المقدوني‪ ،‬واإلمبراطورية‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪115‬‬

‫ال ��روم ��ان� �ي ��ة وال �ع �ث �م��ان �ي��ة‪ ،‬وس� �ب ��ب ف �ش��ل تلك واألحزاب اليمينية تحقق نجاحات متزايدة على‬
‫اإلمبراطوريات يعود إلى كونها تتجاوز وتقفز على ح�س��اب األح ��زاب األخ ��رى‪ ،‬وال��ذي��ن توهموا أن‬
‫معطيات الواقع التاريخي‪ ،‬والذي يوضح بجالء الوحدة االقتصادية األوروبية سوف تؤدي‪ ،‬ومن‬
‫أن وجود الشعوب هو ضرورة تاريخية من أجل ثم‪ ،‬إلى التخفيف من حدة الصراع بين الثقافات‪،‬‬
‫السريان الطبيعي للتاريخ‪ .‬وأن الروح اإلنسانية باتوا اآلن أقل وثوقاً‪ ،‬ويعتقد بعض الدارسين أن‬
‫إذا لم تتحقق على هيئة شعب ذي هوية قومية الوحدة األوروبية لن تستمر أكثر من عقد ونصف‬
‫محددة‪ ،‬فإنها تبقى تراوح في يوتوبيا المطلقات‪ ،‬العقد‪ ،‬في ظل تنامي التيارات اليمينية‪ ..‬والنزوع‬

‫ورب�م��ا يكون هيجل ق��د أوض��ح ذل��ك بجالء في القومي المتعاظم ل�ل��دول‪ ،‬إن ثقافات الشعوب‬

‫معرض تنظيره في فلسفة التاريخ‪ ،‬واعتبر أن وه��وي��ات �ه��ا ال �ق��وم �ي��ة خ��ط أح �م��ر ي �ت��وج��ب على‬
‫وجود الشعوب هو ضرورة تاريخية‪ ،‬تتحقق من المنظرين للعولمة أن ال يتجاوزوها أبداً‪ ،‬وعلى‬
‫خاللها الروح المطلقة الكلية‪.‬‬
‫المنظرين في الدراسات المستقبلية أن يأخذوها‬
‫إن ال�ف�ك��ر ال�ع��ول�م��ي بشكله ال �ح��ال��ي يسير دائماً بعين االعتبار في أي دراسة‪.‬‬
‫بالبشرية إلى القدر المحتوم‪ ،‬وهو المزيد من‬

‫ورب�م��ا يكون الفخ ال��ذي يقع فيه الدارسون‬

‫االص �ط��راع وال �ن��زاع وتنامي ال�ت�ي��ارات اليمينية دائ�م�اً‪ ،‬هو محاولة إسقاط الفكر على الواقع‪،‬‬
‫والفاشية‪ ،‬كرد فعل طبيعي ضد إلغاء الهويات ما يقود إلى تشييد الطوبائيات دائماً‪ ،‬والحقيقة‬
‫ال�ث�ق��اف�ي��ة؛ ألن ��ه (ال �ف �ك��ر ال �ع��ول �م��ي) ان�ط�ل��ق من أن إس�ق��اط الفكر على ال��واق��ع شكل الظاهرة‬
‫منطلقات ط��وب��اوي��ة‪ ،‬وان�خ��دع بالنجاح الساحق األبرز عبر تاريخ الفكر الطويل‪ ،‬مع أن الواقع له‬
‫الذي حققته األنظمة الليبرالية وانهيار األنظمة قوانينه الخاصة‪ ،‬ويسير وفق نسق ربما ال يتفق‬
‫كثير من األحيان مع الفكر وقوانينه المجردة؛‬
‫األخرى‪ ،‬وتوهم أن الليبرالية هي النموذج الوحيد في ٍ‬

‫ال��ذي يصلح لكل شعوب العالم‪ ،‬وانخدع الفكر وإذا أردنا فهم الواقع والنسق الذي يسير وفقه‪،‬‬
‫العولمي ك��ذل��ك بالتقدم المذهل ال��ذي تحقق فعلينا أن نستمد هذه القوانين من الواقع نفسه‪،‬‬

‫في عالم االتصاالت‪ ،‬وتوهم أن هذه الفتوحات وليس من الصواب أن نستنتج هذه القوانين من‬
‫العلمية سوف ت��ؤدي‪ ،‬ومن ثم‪ ،‬إلى التقارب بين الفكر المجرّد‪ ،‬ومن ثم المبادرة إلى إسقاطها‬
‫ال�ش�ع��وب‪ ،‬وإل �غ��اء ال�ه��وي��ات الثقافية المحلية‪ ،‬على الواقع‪ ،‬وكأنها الحقيقة المطلقة‪ .‬كان هذا‬
‫وان��زوائ �ه��ا لصالح الثقافة الغربية المهيمنة‪ .‬المطب هو الذي وقعت فيه الفلسفات المثالية‬

‫حسناً إن ه��ذا النزوع الطوباري يتعرض يومياً والطوبائيات التي ظهرت عبر التاريخ‪ ،‬ونحن‬
‫إلى الهزائم المتكررة‪.‬‬
‫نعتقد أن الفكر العولمي بشكله الحالي هو أحد‬
‫فالتيارات القومية في أوروبا آخذة بالتنامي‪ ،‬الطوبائيات التي ستنتهي ويطويها النسيان‪.‬‬
‫* ‬

‫كاتب من األردن‪،‬‬

‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫اخلطراوي في آثار الكاتبني‬

‫(‪)1‬‬

‫(محمد الدبيسي)‬

‫> محمود الرمحي*‬
‫لم يشأ الدبيسي أن يكون ناقدا أو شارحا‪ ..‬وال معلقا أو قارئا‬
‫لكتابات الدكتور محمد العيد الخطراوي‪ ..‬لكنه نجح حقيقة في‬
‫سبك هذا الكتاب الذي لم يأتنا من فراغ‪ ..‬ولم يصل إلينا بسهولة‬
‫كما يُتصور‪ ..‬إنه إنجاز ضخم يدل على عبقرية وعملقة مُتبنِّيه‪،‬‬
‫وبُعد نظره فيمن يحتاجون إلى بعد نظر في كتاباتهم‪.‬‬
‫ك �ت��اب ش �م��ل ث�لاث��ة ف �ص��ول تضمنتها‬
‫(‪ )501‬ص�ف�ح��ة‪ ،‬ج ��اءت أش �ب��ه بشهادات‬
‫ت ��دل ع�ل��ى ع�ظ��م ال�ت�ج��رب��ة ال �ت��ي خاضها‬
‫ال��دك�ت��ور ا ل �خ �ط��راوي‪ ..‬اثنتان وخمسون‬
‫شهادة تحكي قمة األعمال الثقافية التي‬
‫ق��دم�ه��ا ال �خ �ط��راوي متنقال ب�ي��ن الشعر‬
‫والرواية والمقال‪ ..‬أعمال بهرت المتلقين‬
‫م��ن أدب��اء ومثقفين‪ ،‬فكتبوا م��ا كتبوا من‬
‫إش��ادة وإط���راء‪ ..‬ورب�م��ا ال�ق��ادم أكثر‪..‬إذا‬
‫تم َّعنَت األجيال الالحقة معاني وعمق ما‬
‫يصل إليها من كتابات هذا الرجل‪ ،‬الذي‬
‫ما يزال فاعال ومؤثرا ومنتجا‪..‬خارج إطار‬

‫ال �م��أل��وف التقليدي ال ��ذي ينتظم جهود‬
‫مثقفين آخرين‪ ..‬إلى حضور مؤسس قادر‬
‫على التماس مع التحوالت الثقافية‪ ..‬في‬
‫(عصر) هو عصر التحوالت بامتياز‪ ،‬وال‬
‫شك أن مكان الشاعر (المدينة المنورة) كان‬
‫المؤثر القوي والبارز في تجربته الثقافية‬
‫والفاعل الذي استثمر (الخطراوي) قيمه‬
‫ال �ح �ض��اري��ة‪ ،‬وت� ��راءى بشكل م�ت�م��اي��ز في‬
‫إنتاجه ومؤلفاته(‪.)2‬‬
‫شخصية ب��دأت مسيرتها العلمية من‬
‫رح ��اب م��دي�ن��ة المصطفى عليه الصالة‬
‫والسالم‪ ،‬والتي كانت به بمثابة األم‪ ..‬وال‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪117‬‬

‫غرو في ذلك‪ ..‬فقد كانت والدته‬
‫في طيبة الطيبة عام ‪1354‬هـ‪.‬‬
‫وال �ت��ي أس �ه��م ال �خ �ط��راوي في‬
‫الكشف عن عناصر ومقومات‬
‫ال�ش�خ�ص�ي��ة ال �ح �ض��اري��ة لهذه‬
‫ال�م��دي�ن��ة؛ ع�ب��ر ت��راث�ه��ا األدبي‬
‫وال�ت��اري�خ��ي والعلمي الزاخر‪،‬‬
‫واستظهار وجهها المشرق في‬
‫حركة التاريخ‪ .‬وهو إسهام لم‬
‫تنله المدينة كما أو نوعا من‬
‫مجايلي الخطراوي‪ ,‬كما نالته‬
‫منه‪ ..‬وه��و ما يحسب له على‬
‫والمتتبع لقراءاته المكثفة وخدمته في الميدان‬
‫صعيد الممارسة العلمية الواعية والمسئولية التعليمي واشتراكه الواعي في النشاطات األدبية‬
‫القيمية‪..‬‬
‫وال�ث�ق��اف�ي��ة ي ��درك ك��ل اإلدراك م��دى اهتمامه‬
‫إن ما قدمه الدبيسي من آثار للقارىء الكريم‪ ،‬وعنايته ال��زائ��دة ب��االرت�ق��اء بمستوى الفعاليات‬
‫م��ا ه��و إال ن �ت��اج ووع ��ي ب��األه�م�ي��ة ال �ت��ي شكلت الثقافية‪ .‬وف��ي مجال النقد‪ ،‬له رأي��ه الصريح‪،‬‬
‫التجربة الثقافية لهذا الرجل‪ ،‬واألدوار التي قام ونظرته الثاقبة المعبرة التي ال تتجاوز الحقيقة‪،‬‬
‫بها خدمة لألدب والثقافة‪ ..‬وكان الدبيسي محقا وال ت �ت��ردد ف��ي المكاشفة الصريحة الواعية‪،‬‬
‫في ذل��ك؛ ألن من يقرأ ه��ذه الشهادات ويتمعن طموحا إلى اإلبداع والتعبير األمثل‪ .‬كما ندرك‬
‫فيها‪ ،‬يجد أن الخطراوي أشبه ببستان تنوعت م��دى مصداقيته وجديته وحماسته في تناوله‬
‫فيه ألوان الثقافة والمعرفة‪ ..‬يتجول فيه المرء التعبيري نثرا وش�ع��را‪ ،‬وذل��ك عبر إسهامه في‬
‫فيحتار فيما يقطف من ثماره‪ ،‬بل ويتمنى قطف تنمية الوعي الثقافي واألدبي‪ ،‬بعد بذل قصارى‬
‫كل ما فيه لوال خشية الضياع‪ ..‬إنه محيط من جهده في تطوير أدواته التعبيرية‪ ،‬وتنمية مخزونه‬
‫المعرفة يخشى الفرد الغوص فيه‪ ،‬وعليه أن يعوم الفكري والثقافي(‪.)3‬‬
‫في شواطئه قبل أن يبحر في أعماقه وصوال إلى‬
‫إنه الخطراوي‪ ..‬المعلم‪ ،‬والمبدع‪ ،‬والناقد كما‬
‫مبتغاه‪ ..‬وأنى له ذلك‪.‬‬
‫وصفه أ‪ .‬د‪ .‬عاصم حمدان‪ ،‬والعالم والشاعر‬
‫وال� �ش� �م ��ول� �ي ��ة ف � ��ي مناحي‬
‫االه �ت �م��ام ال�ع�ل�م��ي والثقافي‬
‫لديهم‪ ،‬واإلق��دام على الكتابة‬
‫وال�ت��أل�ي��ف ف��ي تلك المناحي‬
‫وال� �م ��وض ��وع ��ات‪ .‬وم� ��ع ذلك‬
‫ف��االع�ت�ب��ار الشمولي (العام)‬
‫يختلف ل ��دى (الخطراوي)‪،‬‬
‫على اعتبار طبيعة تأسيسه‬
‫العلمي األك��ادي �م��ي لحصوله‬
‫ع �ل��ى ش� �ه ��ادات ج��ام�ع�ي��ة في‬
‫الشر يعة والتاريخ واألدب‪.‬‬

‫إن المتأمل للمجال النوعي ال��ذي عني به‬
‫(الخطراوي) عبر مؤلفاته العديدة‪ ،‬يلحظ مدى‬
‫المرجعية المعرفية التي تأسس عليها وانطلق‬
‫منها‪..‬مشكال حضوره في الساحات الثقافية‪..‬‬
‫وه��و م��ا يشير إل��ى سمة تميز بها روادن� ��ا في‬
‫بنائهم الثقافي األصيل من حيث التنوع والتعدد‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫وال �م �ح �ق��ق‪ ،‬ك�م��ا ق ��ال ف�ي��ه أ‪ .‬د‪ .‬عبدالرحمن‬
‫األن �ص��اري‪ ،‬والجامعة المعرفية على ح��د قول‬
‫د‪ .‬محمد بن صنيتان‪ ،‬هو ال��ذي أمضى خمسا‬
‫وأربعين عاما في رح��اب التأليف العلمي الذي‬
‫وجد فيه قيم ذات��ه‪ ..‬وقيم الثقافة التي أخلص‬
‫بها‪ ،‬بما يمكن أن ينم عنه المؤشر العددي لما‬

‫إن �ه��ا ش� �ه ��ادات ت �ح��رر ف�ي�ه��ا األق �ل��ام رأيها‬
‫فيه‪ ..‬وتقدم الذوات والعقول تصورها‪ ،‬وننسب‬
‫تقديرها لقيمة إنتاجه منذ أن أس��س حضوره‬
‫في مشهدنا الثقافي والتعليمي عام ‪1961‬م في‬
‫كتابه (الرائد في علم الفرائض) في فرع التشريع‬
‫اإلسالمي الذي حاز فيه على شهادة جامعية‪..‬‬
‫إلى آخر حرف خطه بيمينه وهو في العام الرابع‬
‫والسبعين من عمره‪..‬‬

‫وقد حصل د‪ .‬الخطراوي على عدة جوائز‪:‬‬
‫منها جائزة أمين مدني في تاريخ الجزيرة العربية‬
‫عام ‪1415‬هـ‪ ،‬وجائزة األمير سلمان بن عبدالعزيز‬
‫آل سعود التقديرية ل�ل��رواد في تاريخ الجزيرة‬
‫العربية عام ‪1428‬ه�ـ‪ ،‬كما حصل على مجموعة‬
‫من ال��دروع التقديرية منها درع إثنينية األستاذ‬
‫عبدالمقصود خوجة‪ ،‬ودرع تكريم الشعراء من‬
‫وزارة الثقافة واإلعالم بمناسبة معرض الرياض‬
‫الدولي للكتاب عام ‪1428‬هـ‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫كتبه م��ن م��ؤل�ف��ات بلغت تسعة وأرب�ع�ي��ن كتابا‪،‬‬
‫وبمعدل كتاب واح��د لكل سنة من سني تأليفه‬
‫في مجال الشريعة والتحقيق والتاريخ والشعر‬
‫لا ع��ن نشاطه العلمي‬
‫وال �س��رد وال�م�ق��ال��ة‪ .‬ف�ض� ً‬
‫وال �ث �ق��اف��ي واإلداري ال �م �ن��وع ال� �م ��وزع م��ا بين‬
‫التدريب في التعليم العام‪ ،‬والتأسيس للحركة‬
‫الثقافية في المدينة المنورة‪ ،‬والتعليم الجامعي‬
‫واإلش��راف على الرسائل الجامعية‪ ،‬والمشاركة‬
‫في الفعاليات األدبية والثقافية داخ��ل المملكة‬
‫وخارجها‪ ..‬ومواقع ومسئوليات أخرى عمل بها‬
‫وتصدى لها‪ ..‬وأنجز من خاللها ما لم يرصد‬
‫حتى تاريخه‪ .‬فهو لم يتوقف لحظة واح��دة من‬
‫سني عمره عن العلم والتعلم والبحث واإلبداع‬
‫والتحقيق والنشر‪.‬‬

‫وال �ب��اح �ث��ون وال �م �ح �ق �ق��ون ج �ئ��ت ف��ي مصافهم‬
‫حضورا‪ ..‬يدلل على ذلك ما قدمته في الدراسات‬
‫األدبية والنقدية والتحقيقات التاريخية والتشريع‬
‫اإلس�لام��ي وال�م�ق��االت المتنوعة والمسرحيات‬
‫الهادفة‪ ..‬إضافة إلى الدراسات الثقافية العامة‪.‬‬

‫لقد حرص الدبيسي في هذا الكتاب ‪ -‬قدر‬
‫اإلمكان ‪ -‬على توخي الموضوعية في تصنيف‬
‫الكتابات ال ��واردة ف��ي ه��ذا الكتاب‪ ،‬م��ؤك��دا في‬
‫ال��وق��ت نفسه على وج��ود تباين كبير ف��ي قيمة‬
‫ومستوى تلك الكتابات من كاتب آلخ��ر‪ .‬ومنبها‬
‫إلى أن جمعها إلى بعضها يحقق رضى المكتوب‬
‫عنه‪ ،‬وحرصه على الوفاء للكاتبين‪ ..‬مؤكدا في‬
‫الوقت ذاته أنه لم يتدخل – ال من قريب وال من‬
‫بعيد – في سياق أو مضمون أي من تلك الكتابات‬
‫الواردة‪ ،‬باستثناء التعديالت اإلمالئية والطباعية‬
‫التي تتطلبها تقاليد اإلخراج والطباعة‪.‬‬

‫فلله درك يا الخطراوي‪ ..‬إذا ذك��ر الشعراء‬
‫كنت م��ن أق��دره��م ش�ع��را‪ ..‬وق��د ص��دق عبدالله‬
‫ال �ح �م �ي��د ح �ي��ن ق � ��ال‪« :‬إن ل �ل �ش �ع��ر ف ��ي همك‬
‫ووجدانك حضور أثير»‪ ..‬وتشهد بذلك «أمجاد‬
‫إنها موسوعة ال كتاب‪ ..‬تعد بحق ثروة حقيقية‪،‬‬
‫ال��ري��اض» وغ ��ذاء ال �ج��رح» و«ه�م�س��ات ف��ي أذن‬
‫الليل» و«ح��روف من دفتر األش��واق» و«مرافيء تضاف إلى ثروات المكتبة العربية عامة‪ ،‬والمكتبة‬
‫األم��ل» و«أسئلة الرحيل»‪ ..‬وإذا ذكر الدارسون السعودية على وجه الخصوص‪..‬‬
‫ *‬
‫(‪) 1‬‬
‫(‪ )2‬‬
‫(‪ )3‬‬

‫شاعر أردني مقيم بالجوف‪.‬‬
‫من منشورات النادي األدبي بالجوف ‪ -‬الطبعة األولى ‪1430‬هـ‪.‬‬
‫محمد الدبيسي ‪ -‬الخطراوي في آثار الباحثين‪.‬‬
‫عبدالله الحميد ‪ -‬الخطراوي في آثار الباحثين‪ -‬ص ‪.429‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪119‬‬

‫الكتاب ‪« :‬املوسيقى والغناء في الصحراء‬
‫املؤلف ‪ :‬د‪ .‬محمد سعيد القشاط‬
‫الناشر ‪ :‬أونيا اجلديدة لإلبداع‬

‫> سليمان األفنس الشرارى*‬
‫يعد كتاب الموسيقى والغناء في الصحراء للدكتور‪ /‬محمد سعيد القشاط واحداً‬
‫من الكتب النادرة فى قيمتها الفنية واإلبداعية‪ ،‬كما يعد مرجعاً لدراسة الموسيقى‬
‫والغناء الشعبي‪ ،‬في المنطقة الواقعة ما بين المحيط األطلسي والبحر األحمر‪ ،‬ومن‬
‫صحراء دول الشمال اإلفريقي (المغرب‪ ،‬والجزائر‪ ،‬وتونس‪ ،‬وليبيا إلى القرب من خط‬
‫االستواء)‪.‬‬
‫يقع الكتاب ف��ى (‪ )110‬صفحات من‬

‫لمن أراد التعرف على الموسيقى والغناء‬

‫القطع المتوسط‪ ،‬ورغ��م صغر حجمه‪ ..‬الشعبي ل��دى س�ك��ان ص �ح��راء موريتانيا‪،‬‬
‫إال أنه يعد مرجعاً رائداً لمعرفة موسيقى ومالي‪ ،‬والنيجر‪ ،‬والساقية الحمراء‪ ،‬وفولتا‬

‫وش �ع��ر وغ �ن��اء ت�ل��ك المنطقة‪ ،‬وق��د تفرد العليا‪ ،‬وبوركينا فاسو‪ ،‬وأفريقيا الوسطى‪،‬‬

‫الدكتور القشاط في الموضوع على ندرته‪،‬‬

‫ونيجيريا‪ ،‬وال�ج��اب��ون‪ ،‬وت�ش��اد‪ ،‬والسودان‪،‬‬

‫الموضوع الذي يتناوله من جهة‪ ،‬ومن جزالة‬

‫ك �م��ا ي��رص��د ال �م��ؤل��ف دور الحركات‬

‫فاكتسب الكتاب قيمته الفنية والعلمية من وأريتيريا‪ ،‬والحبشة وغيرها‪.‬‬

‫األسلوب من جهة أخرى‪ ،‬فكأنك أمام هذا اإلص�ل�اح��ي��ة وال � �ح� ��روب وأث��ره��م��ا على‬
‫العالم المدهش‪ ،‬تندمج معه وتتمايل مع الموسيقى وال �غ �ن��اء‪ ،‬كحركة المرابطين‬
‫إيقاعاته الصحراوية الشجية‪.‬‬

‫في القرن الخامس الهجري‪ ،‬التي وجدت‬

‫إذاً‪ ..‬هي موسيقى جديدة على األذن‬

‫في بلدان المغرب العربي وبالد األندلس؛‬

‫عزف مغايرة‪ ،‬حتى آالتها تبدو مختلفة‪..‬‬

‫وحركة الحاج‪ /‬عثمان دان فودي في مدينة‬

‫العربية‪ ،‬لها مقاماتها الخاصة وطرائق‬

‫وحركة الحاج‪ /‬عمر تال في غربي أفريقيا؛‬

‫ومع هذا؛ فالمثير أنها مقامات عربية لدول (سيكوتو)‪ .‬كما يعرض لنا بعض أسماء‬
‫ن��درت ال��دراس��ات أن تتناولها‪ ،‬فغدا هذا‬

‫المصلحين اآلخ��ري��ن في المنطقة أمثال‬

‫الكتاب ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬مرجعاً مبسطاً ورائداً الشيخ‪ /‬سيدي المختار الكبير في تينبكتو‪،‬‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫والكتاب ‪ -‬فيما أحسب ‪ -‬دراس��ة ميدانية‬
‫للمؤلف تمتد على مدى ربع قرن تقريباً ‪ -‬كما‬
‫يذكر ‪ -‬لمعايشته ألهل تلك المناطق البعيدة في‬
‫ب�لاد الملح والذهب (موريتانيا)‪ ،‬وف��ى صحراء‬
‫أزواد‪ ،‬وص�ح��راء التيزى تينزوفت فى النيجر‪،‬‬
‫وغيرها‪.‬‬

‫هذا وال تتوافر هذه الرحالت لباحث‪ ،‬إذ أنها‬
‫رحلة الستكشاف عوالم جديدة وأنماطاً معيشية‬
‫مكانية وجغرافية‪ ،‬لم تكن معروفة لدى الجميع‪:‬‬
‫كما يكشف لنا ال�م��ؤل��ف نمط ال�ح�ي��اة السائد‬
‫هناك‪ ،‬وطرائق حياة القبائل في تلك الصحراء‬
‫الشاسعة‪ ،‬وال�ت��ي ت�ق��در مساحتها بنحو تسعة‬
‫ماليين كيلو متر مربعا‪.‬‬

‫والكتاب ‪ -‬كما أرى ‪ -‬يجمع بين التاريخ‪ ،‬وعلم‬
‫الموسيقى‪ ،‬واألنثروبولوجيا‪ ،‬وعلم األنساب ألهل‬
‫تلك الشعوب والقبائل التي تسكن الصحراء‪ ،‬كما‬
‫يتعرض للهجة والشعر اللهجي والشعر الفصيح‬
‫معا‪.‬‬

‫والمدهش‪ ،‬حقاً‪ ،‬فى الدراسة ‪ -‬على غرائبية‬
‫اللهجة أحيانا ‪ -‬أن المؤلف يرصد لنا دور القبائل‬
‫العربية في نشر اإلسالم والثقافة والفنون بين‬
‫تلك الشعوب المتباعدة جغرافياً‪ ،‬والمتشابهة‬
‫في الظروف الجغرافية والثقافية‪ ،‬بل واللغوية‬
‫أيضاً‪.‬‬
‫ولعل الدور الرائد الذي اطّ لعت به قبائل عرب‬
‫المعقل ف��ي الشمال األفريقي حتى الصحراء‬
‫الكبرى باتجاه موريتانيا ‪ -‬يكشف لنا الدور‬
‫التنويري ال��ذي قدمته للرقي بثقافة الصحراء‬
‫هناك‪ ،‬عالوة على وجود القبائل النازحة إليها‬
‫ق�ب��ل ال�ف�ت��ح اإلس�لام��ي م�ث��ل ق�ب��ائ��ل‪ :‬صنهاجة‪،‬‬
‫ولمنونة‪ ،‬ومسوفة‪ ،‬وغيرها‪.‬‬
‫وب�ظ�ه��ور اإلس�ل�ام وان�ت�ش��ار اللغة العربية‪..‬‬
‫ب� ��دأت ب �ع��ض ال �ل �ه �ج��ات ف��ي االض �م �ح�لال مثل‬
‫لهجة‪( :‬المهرة‪ :‬جنوب اليمن)‪ ،‬والتي تتمثل في‬
‫األمازيغية‪ ..‬لهجة قبيلة التوارق وغيرها‪.‬‬
‫وبوصول اإلبل والخيول العربية إلى المنطقة‪،‬‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫وناصر الدينفي جنوب موريتانيا‪ ،‬والجيالني في‬
‫بالد النيجر وغيرها‪.‬‬

‫وصلت الكتب العربية‪ ،‬ووصل العلماء والمثقفون‬
‫إلى تلك المناطق‪ ،‬فجلبوا معهم عادات وتقاليد‬
‫الجزيرة العربية‪( :‬م��ن زواج وط�لاق ورقصات‬
‫شعبية وغناء وموسيقى وألعاب أطفال وغيرها)‪،‬‬
‫حتى وس��وم اإلب��ل‪ ..‬تعلمها سكان المناطق في‬
‫موريتانيا ومالي وشمالي النيجر وتشاد والسودان‪،‬‬
‫واكتسبت المنطقة بذلك الطابع العربي‪.‬‬

‫وقد تضمن الكتاب مقدمة وخمسة فصول‪،‬‬
‫أ ُلحقت بعدة وثائق وصور عن اآلالت الموسيقية‪،‬‬
‫واألفراح‪ ،‬والزخارف‪ ،‬وأدوات الزينة‪ ،‬واألسلحة‬
‫المستخدمة‪ ،‬وغير ذلك‪ ..‬وبتلك الوثائق والصور‪،‬‬
‫وال� �ش ��روح المستفيضة المبسطة والموجزة‬
‫والمكثفة في آن واحد‪ ،‬يقدم لنا المؤلف بانوراما‬
‫ع��ام��ة ع��ن ثقافة أه��ل ال�ص�ح��راء بصفة عامة‪،‬‬
‫وعن ثقافتهم الفنية (الموسيقى والغناء) بصفة‬
‫خاصة‪ ،‬وكم أعجبني تسلسل الفصول‪ ،‬وانسيابية‬
‫األسلوب ما دفعني لقراءة الكتاب دفعة واحدة‪،‬‬
‫شعرت بعدها أنني انتقلت من عالم البدو الذي‬
‫أعيشه إل��ى عالم آخ��ر مدهش وج��دي��د؛ وكأنه‬
‫الحنين إل��ى ال�ص�ح��راء‪ ،‬فكانت ال�ص�ح��راء هي‬
‫االم�ت��داد الطبيعي ألعبر منه إل��ى عالم ثقافي‬
‫م �غ��اي��ر ي �ض��ج ب��ال �غ �ن��اء وال �م��وس �ي �ق��ى والرقص‪،‬‬
‫وق��رع الطبول في الحروب واألع��راس والموالد‬
‫والمناسبات االجتماعية‪.‬‬
‫ولعل الغناء والموسيقى عند ع��رب (قبيلة‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪121‬‬

‫المعقل‪ /‬بني حسان)‪ ،‬وقبائل عرب التوارق قد‬
‫ح��ازا على قصب السبق فى ه��ذه ال��دراس��ة في‬
‫منطقة الحوض‪ ،‬شرقي موريتانيا الحالي‪ ،‬إال‬
‫أن المؤلف أطلعنا على كيفية امتزاج موسيقى‬
‫الزنوج والعرب واألفارقة هناك‪ ..‬لتتناغم كل تلك‬
‫الفنون والمذاهب الفنية الموسيقيه معاً‪ ،‬وتنتج‬
‫لنا موسيقى صحراوية عربية جديدة غاية فى‬
‫الروعة‪ ،‬لتميز العزف العربي للموسيقى والغناء‬
‫العربي اإلفريقي هناك‪.‬‬

‫ويحلّل ويعلّق موضحاً لنا كأحد العارفين بدقائق‬
‫اللهجات المحلية‪ ،‬ليغدو كتابه الصغير موسوعة‬
‫موسيقية فنية غاية فى السموق واإلمتاع‪ ،‬ألنه‬
‫يؤرخ لموسيقى عربية مغايرة ‪ -‬بعيدة عن أذواقنا‬
‫ إال أنها موسيقى عربية‪ ،‬وهو بذلك يضيف إلى‬‫تاريخ الموسيقى العربية رافداً جديداً قد غاب‬
‫عنا كثير اً اكتشافه ومعرفته والتمتع ب��ه‪ ،‬وتلك‬
‫لعمري قيمة أخرى تضاف ألهمية الكتاب‪..‬‬

‫تضمن الفصل األول أنواع اآلالت الموسيقية‬
‫لقد حدد فى مقدمته المكان الجغرافي الذي واستخداماتها هناك‪ ..‬وقد اختصرها في أربع‬
‫تناولته ال��دراس��ة‪ ،‬كما قصر م��وض��وع دراسته عشرة آلة تمثل التخت اإلفريقي – إن جاز لنا‬
‫على الناحية الفنية الموسيقية الغنائية؛ لكنه هذا االصطالح ‪ -‬ومنها‪:‬‬
‫باغتنا بالحديث عن المكان والسكان‪ ،‬والعادات ‪ -1‬الطبل‪ :‬وه��و آل��ة جلدية تستخدم ألغراض‬
‫والتقاليد‪ ،‬وح�ي��اة الصحراويين ف��ي الصحراء‬
‫عديدة أهمها الحروب‪ .‬وعند صنع الطبول‬
‫ال �م �م �ت��دة م��ن ال�م�ح�ي��ط األط �ل �س��ي إل ��ى البحر‬
‫ت �ق��ام ال��والئ��م واالح �ت �ف��ال �ي��ات‪ ،‬وب��ذب��ح شيخ‬
‫األح �م��ر‪ ،‬وت�ل��ك – لعمري ‪ -‬رح�ل��ة بحث شاقة‬
‫القبيلة الذبائح‪ .‬وق��د اعتنى رج��ال القبيلة‬
‫تتطلب مجلدات كثيرة‪ ،‬ومراكز بحثية تبحث كل‬
‫وال �ش �ع��راء ب��أه�م�ي��ة ال �ط �ب��ول وقيمتها عبر‬
‫تلك الجوانب‪ ،‬وهو عمل أحسبه غير مسبوق فى‬
‫العصور المختلفة‪.‬‬
‫المنهج واألس�ل��وب‪ ،‬من جهة‪ ،‬واختيار المنطقة‬
‫‪ -2‬الشنه‪ :‬وتعني الجلد اليابس في لهجة عرب‬
‫وت�خ�ص�ي�ص�ه��ا‪ ،‬م��ن ج�ه��ة أخ� ��رى‪ .‬إال أن قيمة‬
‫الصحراء‪ .‬وهي طبل صغير يضربه الشباب‬
‫العمل الفنية والميدانية تتجلى في المقابالت‬
‫في ليالي الربيع والصيف المقمرة‪ ،‬وهو أشبه‬
‫التي أج��راه��ا الباحث مع المطربين والفنانين‬
‫بطبل المسحراتي في ليالي رمضان‪.‬‬
‫والموسيقيين هناك؛ فليس من سمع كمن رأى‪،‬‬
‫ولعل دراس��ات الباحث السابقة عن الصحارى ‪ -3‬آل��ة داغ�م��ة‪ :‬وه��و طبل يصنع من ك��وز طويل‬
‫مجوف مفتوح القعر بحيث يربط عليه جلد‬
‫والبوادي العربية واألفريقية أكسبته خبرة ودراية‬
‫شاة‪ ،‬وهو طبل خاص تستخدمه الفتيات فقط‬
‫بطبيعة الصحراء‪ ،‬فغدا كمايسترو كبير درس‬
‫أثناء غنائهن ومرحهن‪ ،‬ويسمى فى شمالي‬
‫الموسيقى ف��ي أك��ادي�م�ي��ة متخصصة‪ ،‬ساعده‬
‫أفريقيا (دربوكة) وسماها المقريزي (دريج)‪،‬‬
‫ف��ي ذل��ك ح��دس��ه‪ ،‬وأذن ��ه المرهفة‪ ،‬و ُد ْرب �ت��ه في‬
‫ويسميها الشاميون والمصريون (دربكة)‪ ،‬أما‬
‫الصحراء‪ ..‬ما أكسبه مهارة التذوق الموسيقي‪،‬‬
‫عرب الطوارق فيسمونها (تندي)‪.‬‬
‫ومعرفة مواطن االختالف واالتفاق بينها وبين‬
‫الموسيقى التي اعتادها عبر رحالته المتعددة ‪ -4‬أردين‪ :‬وهو طبل يصنع من قدح من العود أو‬
‫إلى مثل تلك الصحارى والبلدان؛ فنراه يشرح‪،‬‬
‫الكوز (ثمار الخشخاش) أو (القرع)‪ ،‬وقد تغير‬
‫‪ 122‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫اسم هذه اآللة إلى (آلة الدين)‪ ،‬عندما حطم‬
‫المرابطون اآلالت الموسيقية ومنعوا الغناء‪ -13 ،‬ال��دب��دب��ة‪ :‬وه��و طبل أس�ط��وان��ي كالبرميل‪،‬‬
‫ألنه مصدر اللهو حسب فتوى شيخهم (ابن‬
‫ويسمى في بعض المناطق (دنقة)‪ ،‬ويستخدم‬
‫ياسين)‪ ،‬فكانوا يتغنون بها في مدح الرسول‬
‫كإيقاع للغيطة أو (المقرونة)‪.‬‬
‫[‪ ،‬هرباً من بطش أمير المرابطين‪.‬‬
‫‪ -14‬القمبارا‪ :‬وهى آلة وترية مستطيلة الشكل‪،‬‬
‫‪ -5‬أم��زاد‪ :‬وهو اسم أطلقه عليه عرب التوارق‪،‬‬
‫تتمثل في صندوق خشبي مغطى بالجلد‪،‬‬
‫وهو الربابة عند غيرهم‪ ،‬وهذه اآللة معروفة‬
‫ي �ط��رق ع�ل�ي�ه��ا ب�ع�ص��ا م �ع �ك��وف��ة‪ ،‬وه ��ى آلة‬
‫عند جميع ال �ع��رب‪ ..‬وكما تذكر األسطورة‬
‫افريقية توجد فى بالد (الهوسا) والواحات‪،‬‬
‫الصحراوية‪ ،‬فإن االستماع إليها محرم‪ ،‬ألنها‬
‫ال في أفراحهم وأيام‬
‫يستخدمها الزنوج لي ً‬
‫تحاكي صوت داود النبي عليه السالم‪ ..‬وهو‬
‫الكسوف والخسوف‪.‬‬
‫يتلو الكتاب المقدس ألهل الجنة‪.‬‬
‫أم��ا الفصل ال�ث��ان��ي فقد تضمن المقامات‬
‫‪ -6‬النيفارة‪ :‬وه��ى آل��ة ال�ن��اي المعروفة ف��ي كل الموسيقية في الصحراء‪ ،‬فيقول إن الموسيقى‬
‫البالد العربية‪.‬‬
‫والغناء أصيبا بنكسة كبيرة أيام دولة المرابطين‪،‬‬
‫‪ -7‬ال� �زّوزاي ��ة‪ :‬وه��ى آل��ة نفخ يستخدمها رعاة ولكن بعد وصول قبائل بني حسان (عرب المعقل)‬
‫الضأن‪ ،‬فتتجمع الشياه عند سماعها‪ ،‬لكأنها ف��ي ال�ق��رن التاسع ال�ه�ج��ري‪ ،‬أُط�ل��ق للموسيقى‬
‫تطرب لها‪ .‬وهذا األمر ليس جديداً أو غريباً‪ ،‬عنانها‪ ..‬وتفنن المبدعون ف��ي الشعر والغناء‬
‫فبعض ال�ث�ع��اب�ي��ن م��ول�ع��ة ب �ص��وت المزمار‪ ،‬والعزف‪ ،‬كما قامت مجموعة من اإلم��ارات في‬
‫وال�خ�ي��ول مولعة بالطبول وال �ع��زف‪ ،‬واإلبل المنطقة‪ ..‬أشهرها إم��ارة أم�ب��ارك ف��ي شرقي‬
‫في بعض البوادي العربية ومنها بادية سيناء موريتانيا‪ .‬وف��ي عهد تلك اإلم ��ارة‪ ،‬نهض الفن‬
‫والجزيرة العربية تولع بصوت الحداء (غناء والغناء والشعر‪ ،‬ونهضت الموسيقى العربية‪،‬‬
‫شعري)‪.‬‬
‫ونظراً المتزاج العنصر العربي باإلفريقي‪ ..‬نتجت‬
‫‪ -8‬ال��زق �ع��ارى‪ :‬وه��و طبل يشبه ال �ق��وس‪ ،‬يخرج موسيقى عربية إفريقية أسست لموسيقى عرب‬
‫أص��وات �اً إيقاعية‪ ،‬يستخدمها (الحراطين) الصحراء إلى اليوم‪ .‬وهناك طريقتان للعزف‪:‬‬
‫الغابات والصحارى‪.‬‬

‫وهم العبيد المعتوقون‪.‬‬
‫‪ -1‬الطريقة البيضاء‪ :‬وي �ن��درج تحتها العزف‬
‫العربي في المقامات العربية‪.‬‬
‫‪ -9‬ال� � ��دف‪ :‬وه� ��و م� �ع ��روف ف ��ي ب �ل�اد العرب‪،‬‬
‫تستخدمه النسوة في األفراح‪ ،‬كما يستخدمه ‪ -2‬الطريقة ال�ك�ح�لاء‪ :‬وي �ن��درج تحتها العزف‬
‫رجال الطرق الصوفية في أذكارهم‪.‬‬
‫المتأثر بالموسيقى اإلفريقية‪.‬‬
‫‪ -11‬آلة القنبرة‪ :‬وهى آلة ذات وتر واحد يعزفها‬
‫وق ��د ي �خ �ت �ص��رون ذل ��ك ف �ي �ق��ول��ون (البياظ‪،‬‬
‫الزنوج والعبيد‪ ،‬ولها إيقاعاتها المتميزة‪.‬‬
‫الكحال)‪ ،‬ومن المقامات التي يعرض لها المؤلف‬
‫‪ -12‬الغيطة‪ :‬وهى آلة نفخ تستخدم فى كل مدن بالتفصيل‪:‬‬
‫الشمال اإلفريقي‪ ،‬كما تنتشر فى منطقة ‪ -1‬مقام كار (السداسي‪ ،‬الخماسي)‪ ،‬ويختص‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪123‬‬

‫بالمدائح النبوية من الشعر الشعبي‪.‬‬
‫‪ -2‬مقام فاقو‪ :‬ويختص بأشعار الحماسة والحرب‪,‬‬
‫وينقسم إلى‪ :‬مقام فاقو «السداسي»‪ ،‬ومقام‬
‫بياظ فاقو «الخماسي»‪.‬‬
‫‪ -3‬مقام الكحال‪ :‬وهو متكامل السلم السباعي‬
‫(تام النغمات)‪.‬‬
‫‪ -4‬مقام لبياظ (لين لبياظ)‪.‬‬
‫‪ -5‬مقام بنيت أو البقي (أبياظ لبنيت)‪.‬‬

‫الصحراء)‪ ،‬وطبقاتهم العرقية المتعارف عليها‬
‫وال �ت��ي يتعاملون – بشكل ع ��ادى ج ��داً – على‬
‫أساسها؛ فنراه يتحدث عن وصول عرب المعقل‬
‫إلىالمنطقة‪ ،‬وسيادة بني حسان على أغلب هذه‬
‫ال �ص �ح��راء‪ ،‬وه ��ؤالء ي�ن�ح��درون م��ن نسل اإلمام‬
‫جعفر بن أب��ي طالب (جعفر الطيار)‪ ،‬موضحا‬
‫طبقات ه��ذه القبائل ووظائف الفنانين في كل‬
‫قبيلة وعاداتهم‪ ..‬كأن يمنع زواج رجل من طبقة‬
‫ال إال بشاعرة‪ ،‬أو زواج الصناع أو‬
‫الشعراء مث ً‬
‫الحدادين إال من أمثالهم‪ ،‬وقد قسم المؤلف هذه‬
‫الطبقات إلى ثمانية أقسام‪:‬‬

‫ولكل مقام موسيقي من هذه المقامات أشعار‬
‫مخصوصة يُتغنى بها‪ ،‬ومما يتغنى به في مقام‬
‫فاقو (في الحماسة) قول شاعرهم‪:‬‬
‫‪ -1‬العرب‪ :‬ويمتلكون سلطة حمل السالح والدفاع‬
‫في الجبن عا ٌر وفي اإلقدام مكرمةٌ‬
‫عن القبيلة‪ ،‬ولهم السيادة في القبيلة‪.‬‬
‫والمرء في الجبن ال ينج من القدر‬
‫‪ -2‬اللحمة‪ :‬وهى القبائل المغلوبة في الحروب‪،‬‬
‫وفي الفصل الثالث‪ ،‬يعرض (أصول الموسيقى‬
‫وهي ال تقاتل‪ ..‬وتمتهن مهنة الرعي وتدبر‬
‫في الصحراء)‪ ،‬فتراه يعود بنا إلى أصولها العربية‬
‫أم ��ور ح �ي��وان��ات ال �ع��رب وك��ل قبيلة تحتمي‬
‫التي ج��اءت مع الهجرات المختلفة للقبائل من‬
‫بقبيلة من العرب‪.‬‬
‫شبه الجزيرة العربية‪ ،‬عن طريق باب المندب في‬
‫شرقي أفريقيا‪ ،‬وعن طريق مصر والسودان‪ ،‬بعد ‪ -3‬الزوايا‪ :‬أو المرابطون‪ ..‬وهي أيضا القبائل‬
‫المهزومة‪ ..‬وهي ال تحمل السالح وال تقاتل‪،‬‬
‫الفتوحات اإلسالمية وأثناءها‪ .‬كما يستعرض‬
‫وأصبحت تمتهن العلم وتحفيظ القرآن الكريم‬
‫المؤلف ما عرضه في الفصلين السابقين عن‬
‫وإقامة المحاضر‪.‬‬
‫الطبول وأن��واع�ه��ا‪ ..‬للمقارنة بين ه��ذه الطبول‬
‫وال �م �ق��ام��ات‪ ..‬وال �ط �ب��ول وال �م �ق��ام��ات العربية‪ -4 ،‬الشعراء‪ ،‬المطربون (إيقاون)‪ :‬وهم ال يحملون‬
‫ليدلل على عروبة الموسيقى اإلفريقية‪ ،‬وتأثرها‬
‫السالح وال يقاتلون‪ .‬ومهمتهم م��دح زعماء‬
‫باختالط السكان األفارقة بالعرب‪ ،‬ومدى تأثير‬
‫القبائل وتحريضهم على الكرم والقتال‪ ،‬وهم‬
‫اإلس�لام في نشر الثقافة والفنون؛ كما يوضح‬
‫مستشارو رئيس القبيلة في المهمات‪ ،‬كما‬
‫ت��أث��ر الكثير م��ن أب �ن��اء ه��ذه المناطق للحديث‬
‫يرسل بالشاعر (ي�ق��وم ب��دور الخاطبة) في‬
‫باللهجة الحسانية أو لهجة قبائل صنهاجة أو‬
‫ليالي الخطوبة‪ ،‬حيث ال تحجب عنه نساء‬
‫القبائل األخ ��رى؛ مشيرا إل��ى تأثر الموسيقى‬
‫القبيلة‪ ،‬فينظر إليهن ويتغنى بجمالهن‪ ،‬ولكنه‬
‫العربية هناك بموسيقى الزنوج األفارقة القديمة‬
‫ال يتزوج إال شاعرة من طبقة (المغنين)؛ لذا‬
‫المتوارثة عن اآلباء واألجداد‪.‬‬
‫ه��و يشاهد الفتيات دون أي شعور داخلي‬
‫ويتحدث في الفصل الرابع عن (الفنانين في‬
‫آخر‪..‬ألنه محروم من الزواج منهن‪ ،‬وتساعده‬
‫‪ 124‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫في ذلك زوجته أو ابنته اللتان تتلقيان الهدايا بمدح المصطفى [‪..‬‬
‫والمنح والعطايا‪.‬‬
‫ويجيء الفصل الخامس واألخير ليعرض لنا‬
‫‪ -5‬الحدادون‪ :‬وهم الصناع (المعلمون)‪ ،‬يصنعون الحفالت الغنائية ف��ي ال�ص�ح��راء‪ ،‬فتشعر أنك‬
‫السيوف‪ ،‬وال�س�لاح‪ ،‬ورواح��ل اإلب��ل‪ ،‬وسروج تعيش ح��ال��ة ال مثيل لها م��ن ال �ط��رب والعزف‬
‫ال�خ�ي��ل‪ ،‬وال �ن �ع��ال‪ ،‬ون�ق��ش ال��ذه��ب والفضة‪ ،‬والغناء‪ ،‬فالكل يغني‪ ..‬المرأة والرجل والطفل‬
‫وال ��وس ��ائ ��د‪ ،‬وال� �خ� �ي ��ام‪ ،‬واآلالت الخشبية والفتاة والشاب‪ ،‬ولكل منهم أشكاله في الطرب‬
‫والجلدية وغيرها‪ ،‬وتقوم زوجاتهم بتزيين وال�م�ن��اس�ب��ات‪ ،‬ف�ع��زف ط�ب��ول (األم� ��زاد) والناي‬
‫العرائس باألصباغ والحناء والكحل‪ ،‬وهؤالء والشبابة واللغيطة وغيرها لدى عرب التوارق‪،‬‬
‫ال يتزوجون إال من طبقتهم‪.‬‬
‫ولكل مناسبة غ�ن��اؤه��ا‪ ..‬فهناك غناء لألفراح‬
‫‪ -6‬الحراطين‪ :‬وهم العبيد العتقاء الذين تحرروا‪ ،‬وآخ��ر للسمر الليلي‪ ،‬وث��ال��ث لسباقات الهجن‬
‫وم��ا زال��وا مرتبطين ب��أس�ي��اده��م‪ ..‬ويقومون وتسمية ال �م��ول��ود ال �ج��دي��د‪ ،‬وآخ ��ر للمناسبات‬
‫االجتماعية كليلة االحتفال بعاشوراء‪ ،‬والمولد‬
‫بالرعي وحرث األرض وتدبير أمور البيت‪.‬‬
‫‪ -7‬ال�ع�ب�ي��د‪ :‬وه ��م أس ��رى ال� �ح ��روب‪ ،‬وق ��د خلت النبوي وغيرهما‪.‬‬
‫الصحراء منهم هذه األيام‪.‬‬

‫وي �خ �ت��م ال �م��ؤل��ف ك �ت��اب��ه ب �خ��ات �م��ة يستحث‬

‫‪ -8‬األش��راف‪ :‬وه��ؤالء أصحاب المنزلة الرفيعة م��ن خ�لال�ه��ا الباحثين ل��دراس��ة ه��ذا المجتمع‬
‫ب�ي��ن س �ك��ان ال �ص �ح��راء ال �ك �ب��رى‪ ،‬ينحدرون ال �ص �ح��راوي اإلف��ري�ق��ي ال�ع��رب��ي‪ ،‬منبهاً للخطر‬
‫م��ن س�لال��ة ال��رس��ول [‪ ،‬م��ن ابنته فاطمة األوروبي الذي بدأ يتغلغل في تلك الديار‪ ،‬ليغير‬
‫ال��زه��راء وزوج�ه��ا علي بن طالب رض��ي الله في أنسابها وأعراقها باثاً فيها سمومه‪ ،‬زارعا‬
‫عنهما‪ .‬ونجد أسرا منهم موزعة بين القبائل الفتنة بغرض تقويض أرك��ان��ه وبنيانه وطمس‬
‫كقبيلة (الشريفن) في عرب التوارق‪ ،‬وقبيلة هويته وعروبته‪،‬‬
‫(افوغاس) في عرب توارق (كيدال) شمالي‬
‫وي �ع �ت��رف ال �م��ؤل��ف أن ه ��ذا ال �ب �ح��ث مفتاح‬
‫مالي‪ ..‬فهم ينحدرون من ساللة الحسن بن لدراسة الموسيقى العربية في الصحراء العربية‬
‫علي رضي الله عنهما‪،‬‬
‫اإلفريقية‪ ،‬داعيا المتخصصين إلثراء هذا البحث‬

‫وم��ن جدهم إدري��س بن إدري��س ال��ذي أسس الموسيقي الرائع ليتالحم مع التراث الموسيقي‬
‫دول��ة األدارس���ة ف��ي المغرب ف��ي ال�ق��رن الثاني العربي‪.‬‬
‫الهجري‪ ،‬وكثيرا ما يتزعم األشراف االنتفاضات‬
‫ويمثل هذا أنموذجاً فريداً لدراسة الموسيقى‪،‬‬
‫ضد الظلم أو المستعمرين في العصر الحديث‪ .‬ب��االت�س��اق م��ع علم األنثروبولوجيا والجغرافيا‬
‫وفي هذا الفصل‪ ،‬يصف السهرة الصحراوية‪ ،‬البشرية ل�لإط�لاع على حياة سكان الصحراء‬
‫والغناء ال��ذي يبدأ بذكر ال إله إال الله‪ ،‬وينتهي المترامية األطراف وفنونهم وثقافتهم‪.‬‬
‫* ‬

‫كاتب من طبرجل ‪ -‬الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪125‬‬

‫الكتاب ‪« :‬أسفار العزلة» عمل إبداعي جديد‬
‫املؤلف ‪ :‬الشاعرة العراقية منال الشيخ‬
‫الناشر ‪ :‬دار مالمح للنشر ‪ -‬القاهرة‬

‫> عبدالسالم دخان*‬
‫صدر عن دار مالمح للنشر بالقاهرة عمل إبداعي جديد للشاعرة العراقية المقيمة‬
‫بالنرويج منال الشيخ‪ ،‬التي صدر لها سابقا عن اتحاد أدب��اء العراق مجموعة سردية‬
‫بعنوان‪‹ :‬انحراف التوابيت›‪ ،‬وانطولوجيا للشعر العراقي الحديث بعنوان‪‹ :‬أمراء الرؤى›‬
‫التي صدرت في الجزائر ‪2007‬م‪ ،‬ويتسم هذا العمل األدبي الذي يقع في (‪ )123‬صفحة‬
‫من القطع المتوسط‪ ،‬بغالف من إنجاز ريهام ناجي‪ .‬وفهرسة ستة عشر سفرا‪ ،‬تتوسطها‬
‫أسفار تتساوق مع المتن اإلب��داع��ي ل‪« :‬أس�ف��ار العزلة»‪ ،‬مثل‪ :‬مقاليد سفر مجهول‪،‬‬
‫وتعريفات سفر عاق‪ ،‬سفرُ‪ ،‬وسفران خارج الكرب‪ ،‬وسفر حزين‪.‬‬
‫ول� �ع ��ل ت �س �م �ي��ة م� �ن ��ال ال �ش �ي��خ لعملها الصوفي والسياسي‪ .‬وق��د ذيلت الشاعرة‬
‫اإلبداعي ب‪ :‬نصوص نابعة من رغبتها في عملها بهوامش وإح��االت لنصوصها التي‬
‫الخروج من إشكال التجنيس لعمل يتداخل كتبت بين الشام والعراق (‪2007- 2005‬م)‪.‬‬
‫فيه الشعري والنثري إل��ى حد بعيد‪ ،‬لكنه‬
‫«في كل وقفة تجد غرابا قاريّ األجنحة‬
‫حافل بعوالم يهيمن عليها األل��م والمعاناة‬
‫منهكا يقف‪ ،‬يفكر كيف يواري جثة أخ لي‬
‫وال �ح �ص��ار‪ ،‬انعكاسا لما عانته الشاعرة‬
‫ولدته أمي ليكون ظهر القبيلة بعد انتهاء‬
‫وأسرتها في موطنها األصلي ب‪ :‬نينوى‪.‬‬
‫مدة صالحية وجودي‪.‬‬
‫وق ��د ش�ك�ل��ت ل�ك�ت��اب�ه��ا خ�لاص�ه��ا الجمالي‬
‫«أكاد أعرفه‬
‫م��ن بربرية ه��ذا االح �ت�لال‪ ،‬ل��ذل��ك‪ ،‬فرحلة‬
‫‪...‬‬
‫األسفار هي إبحار إبداعي عبر لغة رفيعة‪،‬‬
‫هو‬
‫وج �م��ال �ي��ات ت�ص��وي��ري��ة ف��ات�ن��ة ق��ائ�م��ة على‬
‫الصوفي الذي يحب الحبال‬
‫الوضوح‪ ،‬من أجل مد جسور التواصل مع‬
‫وتعليق عمره‬
‫المتلقي العربي على نحو تفاعلي‪.‬وتزاوج‬
‫على عكاز سؤال‬
‫منال الشيخ في «أسفار العزلة» بين الكتابة‬
‫هو الفيلسوف الذي يملك عينا ثالثة‬
‫الشعرية الشذرية والمتوسطة وبين المحكي‬
‫ال يراها إال المالئكة»‪.‬‬
‫الشعري المستند لمعجم خصب‪ ،‬يزاوج بين‬
‫* ‬

‫كاتب من المغرب‪.‬‬

‫‪ 126‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫الكتاب ‪ :‬بناء الشخصية الرمزية في الرواية األردنية‬
‫(‪2003 -1967‬م)‬
‫املؤلف ‪ :‬رامي أبو شهاب‬
‫الناشر ‪ :‬أمانة عمان ‪2008‬‬

‫عن منشورات الدائرة الثقافية ألمانة عمان‪ ،‬صدر للكاتب والباحث رامي أبو شهاب‬
‫كتاب جديد بعنوان‪« :‬بناء الشخصية الرمزية في الرواية األردنية‪2003 – 1967( :‬م)‬
‫وفيه يبحث ال��دارس مفهوم الشخصية الروائية وانزياحاتها عن البنية التقليدية التي‬
‫اتسمت بها لدى الرواية الواقعية‪ .‬وتهدف هذه الدراسة إلى رصد التحوالت التي أصابت‬
‫الشخصية الروائية من تهميش وإقصاء وتجريد‪ ..‬إلى حد إسقاط االسم منها‪ ،‬والصفات‬
‫والبيانات التي تعمل على توضيحها في النسيج الروائي إلى حد اختزالها إلى مجرد اسم‬
‫أو رقم‪ ,‬أو تعميتها نتيجة عدة عوامل اجتماعية وتاريخية وسياسية وثقافية وغيرها‪ ،‬وقد‬
‫جاءت الدراسة في ثالثة فصول وتمهيد‪ ،‬عالج فيها الدارس مفهوم الشخصية الروائية‬
‫لدى العديد من االتجاهات التي ميزت الرواية األردنية والسيما الرواية الجديدة‪.‬‬

‫في الفصل األول يبحث الدارس أشكال ال�ن�ص��ي وال�م�ك��ان��ي والمتخيل والمعمى‪،‬‬
‫الشخصية ال��روائ�ي��ة التي ميزت الرواية عوضا عن أثر بنية الشخصية على اللغة‪.‬‬
‫األردنية‪ ،‬وتحديدا الرواية الجديدة‪ ،‬حيث‬
‫وق��د أق��ام ال ��دارس دراس �ت��ه على عدد‬
‫توصل الباحث إلى تحديد نماذج جديدة من الروايات لكتاب أردنيين‪ ،‬منهم‪ :‬مؤنس‬
‫من الشخصية الروائية منها‪ :‬الشخصية‬
‫الرزاز وتيسير سبول‪ ،‬وإبراهيم نصر الله‪،‬‬
‫األس��ط��وري��ة‪ ،‬وال �ع �ج��ائ �ب �ي��ة‪ ،‬والشخصية‬
‫وغسان زقطان‪ ،‬وأحمد الزعبي‪ ،‬وسميحة‬
‫ال �ب �ي �ض��اء‪ ،‬وال�ش�خ�ص�ي��ة ال �م �ض��ادة‪ .‬وفي‬
‫خ ��ري ��س‪ ،‬وأح� �م ��د ال �س �ن��اج �ل��ة‪ ،‬ورمضان‬
‫الفصل ال�ث��ان��ي يبحث ال���دارس سيمائية‬
‫رواش�� ��دة‪ ،‬وج �م��ال أب ��و ح��م��دان‪ ،‬وهاشم‬
‫االسم‪ ،‬إضافة إلى بنية الشخصية الرمزية‬
‫غرايبة‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫عبر االتكاء على تنظيرات فالديمير بورب‪،‬‬
‫رام��ي أب��و شهاب شاعر وناقد أردني‪،‬‬
‫وغريماس وفيليب ه��ام��ون‪ ،‬حيث تُدرس‬
‫الشخصية عبر الوظائف واألدوار وصيغ صدرت له مجموعة شعرية بعنوان «عدت يا‬
‫ال�ت�ق��دي��م‪ ،‬م��ن خ�ل�ال ال�م�ن�ظ��وري��ن الكمي سادتي بعد موت قصير» عن دار فضاءات‬
‫والنوعي للبيانات ال�س��ردي��ة‪ ،‬التي ميزت للنشر والتوزيع‪ ،‬إضافة إلى عدد كبير من‬
‫الشخصية الروائية‪ .‬وفي الفصل الثالث‪ ،‬الدراسات والبحوث والقصائد والمقاالت‬
‫ي ��درس ال�ك��ات��ب أث��ر الشخصية الروائية المنشورة في عدد من المجالت والدوريات‬
‫على العناصر السردية‪..‬كالزمن والفضاء والصحف العربية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ ‪127‬‬

‫الكتاب ‪ :‬حكايات شهرزاد الكورية‬
‫املؤلف ‪ :‬إيناس العباسي‬
‫الناشر ‪ :‬الدار العربية للعلوم ‪ -‬بيروت‬

‫عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت‪ ،‬صدر مؤخرا كتاب جديد للشاعرة‬
‫والكاتبة التونسية إيناس العباسي‪ ،‬بعنوان‪« :‬حكايات شهرزاد الكورية»‪ ،‬وهو كتاب‬
‫نقلت فيه صورا وقصصا عن الحياة والثقافة والناس في كوريا‪ ..‬مسافرة في‬
‫التاريخ والمكان والعادات والتقاليد‪ ،‬من خالل تجربة ستة أشهر التي قضتها في‬
‫سيول‪ ،‬وزارت فيها مدنا أخرى في كوريا الجنوبية‪..‬‬
‫يقع الكتاب في ‪ 136‬صفحة من الحجم المتوسط‪ ،‬ويتكون من فصول عديدة‬
‫ومتنوعة المواضيع‪ ..‬الفصول حملت عناوينا مثل‪ :‬أسطورة خلق كوريا‪ ،‬حمى‬
‫الرحيل‪ ،‬الوصول ودائرية التاريخ‪ ،‬مدينة اسمها سيول‪ ،‬كنائس وموتيالت‪ ،‬بوابات‬
‫وأسواق‪ ،‬شهرزاد تسافر مع ابن بطوطة‪ ،‬اللغة جزيرة للعزلة‪ ،‬الهان شريان سيول‪،‬‬
‫أشياء ال بد من ذكرها‪ ،‬ثقافة السوجو‪ ،‬جايجو جزيرة األحالم الكورية‪ ،‬كوانكجو‬
‫مدينة دمها أسود‪ ،‬العادات والتقاليد‪ ..‬الخ‪..‬‬
‫كما تضمن الكتاب جملة من الصور المتماشية مع المواضيع وثالثة حوارات‬
‫مطولة‪ :‬مع أشهر روائ��ي ك��وري جنوبي «هوانك سوك يونغ» ال��ذي تم ترشيحه‬
‫عدة مرات لجائزة نوبل‪ ,‬وحواراً مع إحدى «الهولماني» إحدى السيدات الالتي‬
‫تعرضن لوحشية االستعمار الياباني في بدايات القرن الماضي‪ ،‬إضافة إلى‬
‫حوار مع «كيم يونغ إيل» أحد الهاربين من كوريا الشمالية إلى كوريا الجنوبية في‬
‫التسعينيات‪..‬‬

‫‪ 128‬اجلوبة ‪ -‬ربيع ‪1430‬هـ‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful